######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.LiqaHinak.Hindawi72615749 #META# Tags: novels #META# ID: 72615749 #META# Title: لقاء هناك #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # | لقاء هناك # | لقاء هناك # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # تأنق الشيخ سلطان عبد الصبور وبالغ في تألقه متخذا الجبة ~~الخضراء الزيتونية اللون على القفطان ذي الأرضية الفستقية والخطوط ~~الضاربة إلى الخضرة، وأحكم لف العمامة، وطالع نفسه في المرآة مرات ~~عديدة، وحاول في كل مرة أن يستوحي من هذه الخضرة التي يكسو بها نفسه ~~بعض إشراق يجوب نفسه الضيقة الملول، ولكنه لم يفلح في محاولاته ~~جميعا. كان الشيخ يعد نفسه للذهاب إلى مكتبه بالوعظ والإرشاد ~~بالأزهر الشريف، وهو مكتب ألفه منذ ترك وظيفته في التفتيش على خطباء ~~المساجد في المنوفية، وقد مر على هذه النقلة سنوات وسنوات؛ فقد انتقل ~~من هناك وابنه عباس في المهد، وها هو ذا عباس اليوم يتقدم لينال ~~شهادة التوجيهية. سنوات وسنوات، وهو كل يوم ذاهب وعائد إلى المكتب، ~~ومنه يشرف مع المشرفين على الوعظ والإرشاد في الدولة المصرية، فما ~~أفلح وعظ ولا نجح إرشاد، والناس تسمع بآذان متعجلة تريد أن تسارع ~~لتفرغ ما قد سمعته في حان، أو فيما هو شر من الحان، وإبليس اللعين ~~يلاحق قسم الوعظ في العميق العميق من نفوس الناس، وخطباء القسم لا ~~تمتد ألسنتهم لغير آذان إن سمعت لا تعي، وإن وعت فما هي إلا تسلية ~~الصلاة حتى يقطعون ما بينهم ms01 وبين الله، ويرجعون إلى إبليس الذي يصاحب ~~نفوسهم ولا يزال بها يغريها بكل ما يملكه من وسائل للإغراء، وإنها في ~~يده كثيرة. # وأين وجه الشيخ عكاشة أفصح خطباء الوعظ والإرشاد من فتاة غيداء؟ بل ~~أين أناقة الشيخ سلطان، وهي أناقة بالغة من فستان مهما يكن رخيصا؟ ... ~~إنها حرب لا تكافؤ فيها ولا عدل. وماذا يمكن أن يصنعوا جميعهم إزاء ~~نظرة حالمة، أو ابتسامة مستدعية، أو - والعياذ بالله - كلمة رقيقة؟ ~~ألا إنها قسمة ضيزى، وإن نصيبهم لأبخس الأنصبة. وحسبه من الزمان أنه ~~ذاهب كل يوم إلى مكتب الوعظ عائد منه. وحسبه أيضا أنه يؤدي ~~الصلوات الخمس مع كل سنة، بل إنه لا يترك المأثور من شفع ووتر. ~~وإنه ليطيل الركوع والسجود إطالة قد تضيق بها زوجته زكية في كثير من ~~الأحايين، ولكنه لا يبالي ضيقها فهو يعلم أن إطالة السجود والركوع ~~واجب في الصلاة لا سبيل إلى التغاضي عنه. وحسبه أنه يصلي الفجر في ~~موقته؛ فلم يكن النوم عنده خيرا من الصلاة في يوم من الأيام. وإنه ~~لحريص كل الحرص على أن يصلي ابنه عباس الصلوات جميعا، وكذلك تفعل ~~ابنته وهيبة، لكن أين هذا جميعه مما هو مفروض عليه من وعظ ~~وإرشاد؟ # كان الشيخ قد أكمل ارتداء ملابسه ولم يبق إلا الحذاء، فجلس إلى ~~الكنبة البلدية ذات الوسائد التي تعترض مقعدها وتذود ظهر الجالس إليها ~~عن الحائط، وكانت المنضدة بجانب الكنبة لا تبتعد عنها أبدا، وكانت ~~لبيسة الحذاء على المنضدة لا تبرح مكانها إلا إلى حذاء الشيخ ثم تعود. ~~وهكذا مد الشيخ سلطان يده إلى اللبيسة دون أن يكلف نفسه عناء ~~النظر إلى موضعها، وقد أصابت يده مرادها في غير تردد، ولبس الشيخ ~~الحذاء وعادت اللبيسة، وصاح الشيخ كعادته: يا زكية! # وأصاب النداء الأذن التي أرسل إليها وصاحت زكية من البهو: هل ~~انتهيت من اللبس يا شيخ سلطان؟ # ويصيح الشيخ مرة أخرى: هل أعددت الإفطار؟ ~~- دقيقة واحدة. # وتنحنح الشيخ وصمت هنيهة، ثم صاح: ألبس عباس؟ # ولم يجبه أحد في هذه المرة ms02 ، فعاد إلى الصمت، ولكنه ما لبث أن ضاق به ~~كما ضاق بنفسه داخل الحجرة لا يفعل شيئا، فقام مرة أخرى إلى الصوان ~~وفتح ضلفته ذات المرآة وأخرج من الرف الأعلى زجاجة صغيرة الحجم يغشى ~~الزيت ظاهرها ذات غطاء زجاجي دقيق، لا يقف عمله على تغطية الزجاجة، ~~وإنما هو أيضا مرود يجعل من يتزود بعطرها حكيما غير جائر، فلا ~~يصيب من العطر إلا قدرا قليلا ينم ولا يفضح. وتعطر الشيخ، ثم ~~أعاد المرود إلى الزجاجة، والزجاجة إلى الصوان، ثم أقفل الضلفة وعاد ~~ينظر إلى المرآة ... ويل للعطر! ... إنه لم يزد من أناقة الشيخ ~~شيئا! # وقبل أن يمد الشيخ يده إلى شاربه الكث ليحاول أن يلم شعثه أو ~~يهذب ثائره، تراءت له من تحت الجبة قطعة من القفطان تكوم تحتها ~~الصدار، فراح يسوي ما تجمع ويعدل ما التوى، حتى عاد إلى ملبسه ~~ما كان عليه من نظام قبل لبس الحذاء، ثم عاد هو ينظر إلى المرآة ... ما ~~زال كما هو ... عينان واسعتان فيهما سطوة وفيهما قدرة على الخضوع، ووجه ~~متردد بين الاستدارة والاستطالة يغشيه الشعر في غزارة وكرم؛ ~~فاللحية كثة يكلفه حلقها كل يوم موسى جديدا ووقتا طويلا، ~~والحاجبان كثيفان كقطعتين من ليلة في محاق، وإن كان الشعر الأبيض قد ~~بدأ يرود طريقه فيهما فيبدو كالنجوم التي تسعى إلى السماء الداكنة ~~خائفة تبحث عن الأنيس أو الرفيق، والشارب كث ضخم والشيخ دائما ~~حائر فيه؛ فهو حينا يجور عليه بالمقص، حتى ليصبح غير جدير بوقار ~~الشيخ ومكانته، وهو حينا يعفيه من التهذيب فترة طويلة فيبدو كالطفل ~~المدلل دائم العربدة بادي الفوضى. وللشيخ بعد ذلك بقية من شعر في ~~رأسه، ولكني أحسب أننا لن نرى هذه البقية أبدا؛ فالشيخ لا يترك ~~العمامة إلا إذا لبس القلنسوة، فما هي إلا ومضة حتى تغطي واحدة ~~منها رأس الشيخ، وما تكفي ومضة لندرك مقدار ما بقي له من شعره، إلا ~~أن سالفيه غنيان بالشعر يكسبان العمامة والقلنسوة كلتيهما رواء، ~~كما يكسبه هو طوله واتساع عارضيه مهابة وجلالا ms03 . # هذا هو الشيخ سلطان في مظهره العام، إلا أن في الشيخ خاصية يختلف ~~بها عن سائر الناس اختلافا ما هو بالبعيد وما هو بالضئيل الذي تعبره ~~العين ولا تلتقطه؛ كانت عينا الشيخ حمراوين دائما، سواء أكان الشيخ ~~مريضا أم صحيحا، مصيبا من النوم حاجته أم قلق النوم غير هادئ. ~~العينان حمراوان على أية حال، ولعل هذا الاحمرار هو الذي يضفي عليهما ~~هذا البريق من السطوة، وهذا الاستعداد من الخضوع كأنهما عينا مخمور. ~~ولن تجد محبا للسطوة مثل مخمور، أو مسارعا إلى الخضوع مثل مخمور ~~أيضا، إلا أن الشيخ لم يكن مخمورا، بل أقسم غير حانث أنه لم يذق ~~الخمر أبدا إلا ليلة واحدة تاب بعدها، وقد عذبه ضميره أي عذاب. ~~إنها ليلة سحيقة الغور في أعماق تاريخ الشيخ، وما كان أحراني أن أكتبها ~~على الشيخ فلا أفضحه وقد ألقى عليها الزمان أثوابا وأثوابا من ~~الأيام. # ولكن ماذا أفعل وقد زل القلم كما يزل اللسان؟ وأصبحت الآن ولا بد ~~لي أن أذكرها. وعلى أية حال فإنها حكاية صغيرة مرت بالجميع في هذه ~~السن الباكرة التي كان عليها الشيخ. # عفا الله عنه الشيخ عبد التواب فلولاه ما سقط الشيخ سلطان، وقد كانا ~~يومذاك مجاورين بالأزهر الشريف، وكانا قد تعودا أن يخرجا معا بعد ~~الدرس فيرودا الشوارع في تؤدة ووقار، فهما ينقلان الخطوات بطيئة ~~متعاظمة وكأنما أثقلهما العلم أن يطلقا لأقدامهما الحرية، وينفلتا ~~إلى انطلاقة الشباب وبحبوحة الدماء الفائرة في عروقهما، وقد ضاقت ~~بالوقار وبالجبة وبالعمامة جميعا. وكانت النزهة عندهما غاية النزهة أن ~~يتنقلا بين مسجد الحسين والسيدة زينب والإمام الشافعي، أما الذهاب ~~إلى الهرم فهو مغامرة يدبران لها التدابير، ويعدان العتاد، ~~ويحكمان الخطط. # وكان الحديث بينهما تعليقا على الدروس والهوامش وآراء الأساتذة ~~واختلاف العلماء. وكان غاية ما يذهبان إليه في أحاديثهما من جرأة أن ~~يذكرا اختلاف مشايخ الأزهر وكره بعضهم لبعض - وكان المشايخ يهيئون ~~لهم من هذا الحديث مادة لا تنفد - فقد كان جميعهم مختلفا مع جميعهم، ~~وكان جميعهم لا يكتم غيظه ms04 وكرهه لجميعهم. # قد كان هذا، ولكن في ذلك اليوم المشهود من تاريخ الشيخ سلطان بدأ ~~الشيخ عبد التواب حديثه بعد الدرس بداية لم تكن في أولها غريبة على ~~الشيخ سلطان، إلا أنها أدت في آخر اليوم إلى قطعة من تاريخ الشيخ ~~سلطان يجدها أحيانا قطعة جميلة فيها جرأة وفيها شباب وفيها حلاوة، ~~ويجدها أحيانا أخرى قطعة شوهاء فيها معصية وفيها كفر وفيها ~~مروق. # قال الشيخ عبد التواب: نصلي اليوم في جامع عمرو بن العاص. ~~- لا بأس، ولكن لماذا اخترت عمرو بن العاص وقد كنا به منذ أيام ~~قلائل؟ ~~- عرفت عنه معلومات ما كانت لتخطر لي على بال. ~~- وماذا عرفت؟ ~~- ألا تحب أن تنتظر فتجمع إلى متعة المغامرة متعة المفاجأة؟ # وداعبت صدر الشيخ سلطان عوامل اختلفت بين الخوف والرغبة والإقدام ~~والإحجام: وهل هناك مغامرة؟ ~~- سوف ترى. # وانتقل الشيخ عبد التواب إلى حديث آخر؛ فقد كان يخشى أن يتضح من ~~نيته أكثر مما ظهر، وكان يخشى أن يثنيه الشيخ سلطان عما عزم عليه ~~أمره. وبلغ الشيخان المسجد وأقاما الصلاة، حتى إذا أتماها قال الشيخ ~~سلطان: ألا نقوم فنصلي المغرب في الحسين، ثم نذهب إلى البيت ~~لنذاكر؟ ~~- ألا نصلي السنة؟ ~~- نصليها. # وصليا السنة، ثم أراد الشيخ سلطان أن ينصرف، فظل الشيخ عبد التواب ~~يغريه بصلوات أخرى، حتى إذا انتهى ما يعرفه من أنواع الصلاة صارح ~~الشيخ سلطان برغبته في أن يصليا المغرب حيث هما. وفهم الشيخ سلطان ~~أن المغامرة تكمن لهما بعد المغرب، فتظاهر بالغفلة ومكث. وحلت صلاة ~~المغرب وصلياها أيضا، وتظاهر الشيخ سلطان بالغفلة مرة أخرى، ومكث ~~حيث هو ليرى المفاجأة التي أعدها له الشيخ عبد التواب. ولم يطل به ~~الانتظار؛ إذ ما لبثت سيدة ملفوفة في ملاءة أن وقفت بباب المسجد وأخذت ~~تجيل عينيها في أنحائه، حتى إذا اطمأنت إلى قلة من به خلعت حذاءها ~~ودخلت. وما إن اقتربت من عمودين في وسط المسجد حتى خلعت ملاءتها، ~~وحينئذ لكز الشيخ عبد التواب الشيخ سلطان ليرى إن لم يكن قد رأى، ~~ولم ms05 يكن الشيخ سلطان في حاجة إلى هذه اللكزة؛ فقد كانت عينا الشيخ على ~~الفتاة منذ لاحت بباب الجامع. ولم تعبأ المرأة بنظرات الشيخين، بل ~~راحت تحشر جسمها بين العمودين وهي تتمتم بكلمات لم يسمع منها الشيخان ~~شيئا. وبدت الدهشة في عيني الشيخ سلطان، وارتسمت على فم الشيخ عبد ~~التواب ابتسامة العالم ببواطن الأمور، ولم يمهله الشيخ سلطان: ماذا ~~تفعل؟ ~~- تحمل. # وقفز الشيخ سلطان قفزة كادت توقعه على قدميه وهو يقول: ~~ماذا؟! ~~- إنهن يجئن هنا معتقدات أن المرور بين هذين العمودين يجعلهن ~~يحملن. # ومص الشيخ سلطان شفتيه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! ... ~~ألمثل هذا جئت بي؟! ~~- ماذا؟! ألا يعجبك؟ ... أنقوم؟ # وتخاذل صوت الشيخ سلطان وقال في استخذاء: أما كان الأولى بك أن ~~تخبرني؟ ~~- إننا ما زلنا على البر، أتحب أن نقوم؟ ~~- ماذا؟! على البر! ... أتنوي أن ننزل إلى البحر؟ ~~- ويحك! لن نمضي من هنا إلا والبحر في يدنا. ~~- يا شيخ حرام عليك! ~~- إن كان الحال لا يعجبك نمشي. ~~- أتعرف كيف تجيء بالبحر؟ ~~- لقد وصف لي الشيخ عبد الباسط امرأة معينة، وقال إنها صديقة طلبة ~~الأزهر، وإنها ترضى بالقليل. ~~- وما القليل؟ # وهكذا نمت التجربة للشيخ سلطان، فقد جاءت المرأة وكانت كما وصفها ~~الشيخ عبد الباسط، وكانت ليلة. # ثم كان صباح غادر الشيخ سلطان القاهرة والأزهر الشريف وأخذ سمته إلى ~~قريته ميت جحيش، وما هي إلا أيام قلائل حتى كان قد عاد إلى الأزهر وقد ~~عقد عقده على خطيبته وابنة خالته زكية التي كانت تنتظره أن يتم ~~علومه بالأزهر، ولكنه بعد مغامرته لم يطق أن ينتظر الشهادة. وكان أبوه ~~ميسور الحال يستطيع أن يعينه على الحياة بلا عون من الوظيفة. وتم ~~زواجه. شرب الشيخ سلطان الخمر في هذه الليلة الخالدة؛ فقد علمه الشيخ ~~عبد التواب أن الأنس لا يتم إلا بالكأس، ولكنه لم يعد إليها بعد ~~ذلك أبدا، كما لم يعد إلى أمثال هذه المغامرة، وإن كان الشيخ عبد ~~التواب قد أعجبه هذا الحال وواصل جهاده فيه. # تلك هي المغامرة ms06 الوحيدة في حياة الشيخ سلطان؛ فاحمرار عينيه إذن لا ~~صلة له بالخمر، كما أنه ليس مرضا فما يحس فيهما بألم، إنما هو ~~احمرار ركب فيهما بدلا من البياض. # كان الشيخ سلطان أمام المرآة ما يزال يجري على شاربه محاولات يائسة، ~~حين طرقت الباب ابنته وهيبة، فتنحنح الشيخ وقال في تؤدة: ادخل. # وبدت وهيبة على الباب فتاة في مطالع الشباب الأولى، يحرمها البيت أن ~~تبدي من شبابها شيئا؛ فمنديل يكسو رأسها، وجلباب يوضع عليها لا أثر ~~فيه للحلية أو الزينة. ولكن الطبيعة التي تحارب الشيخ سلطان في كل ~~الناس تحاربه في ابنته أيضا؛ فعلى خديها حمرة الشباب، وفي عينيها ~~إشراقة تطالع الشيخ في تحد يضيق به أشد الضيق، فلو يملك لقال لفتاته ~~احجبي نور الشباب أن يسطع من محياك، ولو يملك لألقى على وجهها ~~غلالة أو حجابا كثيفا، ولكن لا سبيل له أن يفعل. كل ما استطاعه ~~الشيخ هو أن يأمر بها ألا تذهب إلى المدرسة، فمكثت مع أمها تدبر ~~شئون البيت أو تتعلم تدبيرها. # وقالت وهيبة: الفطار جاهز يا آبا. ~~- ألبس عباس؟ ~~- لا أدري؛ فقد رأيته منذ الصباح مشغولا براديو يحاول ~~إصلاحه. ~~- عظيم! ... نفتحها ورشة إذن لراديوهات أصحاب سي عباس. ~~- سأناديه حالا. # وخرج الشيخ إلى البهو وقد أعدت به المائدة، وصاح: يا عباس! # وجاءه الرد قبل أن يتم النداء: نعم يا أبي. # ومع الإجابة خرج عباس من غرفته مرتديا ملابسه وقد بدا عليه العجل في ~~ارتدائها، وسأل الشيخ ابنه في حزم: أصليت؟! # وقال الابن وقد بدا وكأنه أعد الإجابة: نعم. ~~- فهيا كل لتذهب إلى المدرسة. # وجلس عباس إلى أبيه في أدب صامتا، ومد يده إلى رغيف واقتطع منه ~~لقمة وهم بإلقائها إلى فمه، ولكن أباه يعاجله: ابدأ باسم الله ... ~~بسم الله الرحمن الرحيم. # وقال عباس في استخذاء: بسم الله الرحمن الرحيم. # ثم راح يأكل وقد بدا عليه حرج من نظرة أبيه التي ظلت عالقة به، ~~وما إن أحس أن أباه انصرف عنه بالطعام حتى عاد إلى سجيته وراح يأكل ~~في ms07 بعض هدوء. # وما إن أتم الاثنان إفطارهما حتى قام الشيخ وغسل يديه وتبعه ابنه، ~~ثم نزل عباس يتبع أباه حتى بلغ باب البيت الخارجي، فالتفت الشيخ سلطان ~~إلى ابنه وقال: مع السلامة، واحذر الطريق. # وافترق الشيخ عن ابنه، وما إن نظر عباس إلى ظهر أبيه وهو يولي عنه ~~حتى عاد إلى كامل طبيعته الشابة المتوثبة ... ومضى إلى طريقه. # وما إن بلغ نهاية شارع الملك الناصر حتى التفت وراءه فوجد أباه في ~~النهاية الأخرى من الشارع يكاد يصل إلى شارع خيرت، فعبر هو شارع نوبار ~~ووقف على الطوار، وألقى نظرة أخرى إلى ظهر أبيه المتباعد وهدأ طائره، ~~ومضى يسعى في شارع نوبار تاركا المدرسة إلى شارع المبتديان، وأمام ~~منزل هناك وقف وظل رانيا. # | الفصل الثاني # ذلك منزل مرقص أفندي عبد الملك الموظف بحسابات وزارة المالية، وهو ~~صديق أثير للشيخ سلطان، كثيرا ما قضيا الليالي بقهوة السيدة يلعبان ~~النرد ويجيلان بينهما الأحاديث. جمع بينهما المسكن المتقارب والأصدقاء ~~المشتركون. وكان أطفال المنزلين يلعبون في مكان واحد، فكانت إيفون ~~بنت مرقص أفندي تلعب مع عباس ابن الشيخ سلطان، وكان ملعبهما في شارع ~~الملك الناصر حيث السيارات قليلة المرور. # جمعهما ذلك الملعب سنوات طوالا من العمر، وشب بينهما ذلك الهوى ~~الطفل الذي يخفق مع خفق الطفولة الندي البريء. وأمسكت إيفون مرقص ~~بفانوس رمضان ومشت به مع عباس وصحبه يصيحون إياحا الخالدة، وأمسك هو ~~سعف النخل في أحد السعف، ولعبت إيفون الكرة، وقفر عباس الحبل، وعرفا ~~الحب يومذاك. عرفاه حبا عفيفا جائحا، فإن غاب صعدت إلى منزله ~~تستدعيه، وإن غابت صعد إلى منزلها يستدعيها، لا يجدان من ذلك حرجا، ~~ولا من كلا البيتين أي عجب. # وتمر الأيام قاسية كشأنها حين تمر، فإذا بإيفون شابة وإذا بعباس ~~فتى، وإذا البيت يحبس إيفون عن الملعب وعن عباس جميعا، وإذا بعباس إن ~~طاف حول بيتها رمقته عيون غير راضية يحس فيها الاستنكار، وينصرف ~~خجلا يتلفت وراءه في حسرة وألم. # ولكن هذا لم يمنعه أن يجد لنفسه مرقبا أمام بيتها ms08 يستطيع منه أن ~~يراها وهي تسعى إلى المدرسة في العربة، ولم يمنعها أيضا أن تراه في ~~مرقبه هذا. وحينئذ كانت تعلم أن الشوق قد بلغ أقصاه، فتحتال على ~~أمها أن تسمح لها بزيارة وهيبة، وهكذا كانا يلتقيان، ولكن أي لقاء؟ ~~... # كان مرقص أفندي قد اتفق مع الأسطى جبر أن يأتي لابنته كل صباح ليذهب ~~بها إلى المدرسة ويعود بها منها مقابل مائة قرش في كل شهر. وكان الأسطى ~~جبر صادقا في مواعيده، وقد كان صدق مواعيده هذا هو الجحيم الذي يصلاه ~~عباس. # فما استطاع يوما أن يختلس كلمة من إيفون، وما استطاع يوما أن ~~يقترب منها، وكيف له بهذا والأسطى جبر بمشهد؟ وأما البيت فأهول من ~~الأسطى جبر وأشد نكاية. # إن أمه لن تسمح مطلقا بجلوسه مع إيفون، بل إن أخته وهيبة أيضا لن ~~تسمح. بحسبه أن يدخل إلى الحجرة مصطنعا أنه لا يدري أن أحدا غير أخته ~~بها، أن يصطنع سؤالا عند وهيبة، وما هي إلا ريثما تلتقي العيون بومضة ~~من نجوى، أو تلتقي الأيدي بلمسة من شوق عارم، حتى تفترق الأعين وتنفصم ~~الأيدي ... ثم تمر الأيام ثقالا بطيئات حتى يذهب مرة أخرى إلى مرقبه، ~~أو تأتي هي بلا دعوة من وقفته الصامتة على الطوار الآخر من ~~منزلها. # ولم يكن يستطيع أن يذهب في كل يوم؛ فسكان المنازل المجاورة يعرفونه ~~ويعرفونها، وهم يعرفون ألا عمل له بهذا الشارع، فإذا تعودوا رؤيته ~~فلن تلبث الألسنة أن تتحرك، وما يلبث أبوه أن يمده وينهال عليه بعصاه ~~التي لم يعفه منها أنه أصبح على أبواب الجامعة. # ولكن رجلا بعينه العجوز استطاع أن يراه وأن يتعود رؤيته أكثر من ~~مرة في كل أسبوع. إنه رجل تعود أن يرى ويحسن الرؤية، وتعود أن ~~يلاحظ ويحسن الملاحظة. وعلمته الأيام أن هذه الوقفة لا بد تخفي من ~~ورائها شيئا. ولم يطل به التفكير فيما تخفيه؛ فما كان أيسر أن ينظر ~~وراءه بعد أن يسعى بتلميذته إلى المدرسة، حتى يرى الواقف قد تحرك ~~وعيناه ملتصقتان بظهر العربة ms09 لا تريمان عنها. # تحرى الأسطى جبر أن يأتي مبكرا عن موعد نزول إيفون، وكرر ذلك ~~أياما متتالية حتى كان اليوم. ولم يضع الأسطى جبر وقتا؛ فقد أوقف ~~العربة أمام منزل مرقص أفندي وقصد مسرعا إلى عباس في وقفته. وذهل ~~عباس وأوشك أن يولي الفرار، ولكن رجليه لم تسعفاه، وما أسرع ما ~~جابهه الأسطى جبر: ماذا تفعل هنا يا أفندي؟! ~~- و... و... وأنت ما لك؟! ~~- عجيبة! ... أنا ما لي؟! أأخبر أباها ليودي بك في داهية؟! ~~- أنا ... أنا ماذا فعلت؟! # وابتسم الأسطى جبر وقال في حنان: أتعرفك هي؟ # ودهش عباس من هذه اللهجة الناعمة، وسارع يقول وكأنما خشي عليها ~~عاديا يمس سمعتها: لا ... لا ... أبدا. # وقال الأسطى جبر في ابتسامة: خسارة. ~~- ما الخسارة؟ ~~- لو كانت تعرفك لتغير الوضع. ~~- كيف؟! ~~- لو كانت تعرفك ... يعني لو كانت ... لو ... ~~- هيه ... ماذا يحصل لو كانت تعرفني؟ ~~- كنت جعلتك تركب معها. ~~- ماذا؟! ... ماذا تقول؟! ~~- ولكنها لا تعرفك. # وصمت عباس مستخزيا أن يبين عن كذبه، ولكن الأسطى جبر العجوز ذو ~~دربة ومراس: يا بني قل الصراحة لعمك جبر. # واستجمع عباس شجاعته وقال: الصراحة يا عم جبر ... الصراحة. ~~- فهي تعرفك إذن، كم تدفع لتركب معها كل يوم؟ # وعاد الموقف إلى حرجه، بل لعله عاد إلى موقف أشد حرجا وضنكا. ماذا ~~يدفع؟ وكيف يدفع؟ إن كل ما يملكه قرش واحد لا يملك في اليوم غيره. وقال ~~عباس: أدفع ... أدفع ... ماذا أدفع؟ ~~- فلوس، فلوس طبعا، أتريد أن تركب مجانا؟! ~~- ولكن يا عم جبر أنا تلميذ. ~~- وأنا عربجي. ~~- ولكن من أين أجيء لك بالفلوس؟ ~~- هذا يا حبيبي ليس عملي، يكفي أنني سأجعلك تركب معها، أما من أين ~~تجيء بالفلوس فهذا عملك أنت. ~~- كم تريد؟ ~~- خمسة قروش. ~~- في المرة! ~~- طبعا، أم تظن في الشهر؟ ~~- أمري لله يا عم جبر. ~~- موافق؟ ~~- لا أستطيع. من أين آتي بخمسة قروش؟ يكفيني النظر. ~~- كم تستطيع أن تدفع؟ ~~- أبي يعطيني قرش صاغ في اليوم. ~~- قرش صاغ واحد؟! ~~- واحد. ~~- النظر كثير عليك. أتأخذ قرش صاغ واحدا وتريد أن تحب ms10 ~~وتنظر؟! ~~- وماذا أعمل؟ ~~- اسمع! الطيبات لله، ادفع لي قرشين في المرة. ~~- ليكن. ~~- اذهب إلى العربة واركب، واحذر أن يراك أحد. # وحين همت إيفون بالركوب ارتدت في جزع، فما استطاعت الابتسامة ~~الخبيثة المرسومة على وجه عم جبر أن تمهد عندها عن المفاجأة التي ~~تخفيها لها العربة. وهمس عباس: اركبي، لا تخافي. # وعادت إيفون لترى عباس، ثم ألقت نظرة إلى عم جبر، ثم نظرت إلى أعلى ~~لترى إن كان أحد من أهل بيتها بالشباك، ثم ركبت واجفة وهمست: كيف ~~فعلت هذا؟! # وتحركت العربة، وقال عباس: اتفقت مع عم جبر. وبعد يا ~~إيفون؟ ~~- وبعد فيم؟ ~~- كيف أستطيع أن أراك؟ ~~- كيف أدري؟ لقد استطعت أن تركب العربة، يبدو أنك أنت الذي تستطيع ~~أن تجد الحل دائما. ~~- أهذا لقاء؟! إنها دقائق أختلسها اختلاسا؛ فأنا لا بد لي أن أذهب ~~إلى المدرسة، كما أنني لا أستطيع أن أذهب معك إلى مدرستك أو قريبا ~~منها؛ فقد تراني زميلاتك. كيف نلتقي؟ أنت لا تعرفين كم أشتاق ~~إليك! ~~- اكتب لي. ~~- وماذا تنفع الكتابة؟ ~~- وماذا نصنع. ~~- اسمعي، إنني أستطيع أن أخرج بعد صلاة العشاء؛ فإن أبي لا يخرج من ~~حجرته بعد صلاة العشاء. أتستطيعين أن تخرجي أنت أيضا؟ ~~- أخرج؟! أخرج إلى أين؟ # وقال عباس مفكرا: إلى أين؟ إلى أين؟ ~~- أتريدني أن أخرج من البيت؟ # وحينئذ وقف عم جبر بالعربة وهو يقول: تفضل يا أستاذ، سندخل إلى شارع ~~المدرسة. # وقال عباس: فكري وسألقاك بعد غد. # وقال الأسطى جبر: وأحضر معك ثلاثة قروش؛ فأنت اليوم لم تدفع إلا ~~قرشا واحدا. # وأطرقت إيفون وهي تقول: لا أدري ماذا نفعل. # وقال عباس فجأة: أليس لديك صورة؟ أريد منك صورة. # وقال الأسطى جبر: ميعاد المدرسة يا أفندي! # وقالت إيفون: ليس معي الآن صورة. أحضرها لك في المرة ~~القادمة. # ويقول عباس هامسا: فأعطيني الآن أي شيء منك، أريد تذكارا. # وعاد الأسطى جبر يقول في ضيق: ميعاد المدرسة يا إخواننا! # وأخرجت إيفون من جيبها منديلا وأعطته مسرعة إلى عباس، فاختطفه في ~~لهفة وقبله ووضعه في جيبه الداخلي ms11 ، ثم نظر إليها: فكري في طريقة، أي ~~طريقة. لا يهمك أن أتعب أو أخاطر بحياتي؛ فإني أريد أن ~~ألقاك. # وصاح الأسطى جبر: المدرسة يا أفندي! # ونزل عباس من العربة وهو يقول: بعد باكر ... # وهمست إيفون والعربة تتحرك بها: مع السلامة. # وسمع عباس الهمسة، وظل واقفا يرقب العربة حتى أخفاها عنه الشارع ~~الذي حادت به، ثم أخذ سمته إلى المدرسة يعدو إليها في نشوة عارمة لا ~~ينسى أن يضع يده على الجيب الذي يحوي المنديل ويحتضنه إلى صدره كأنه ~~بعض من صدره. # | الفصل الثالث # كانت وهيبة لا تدري ماذا تفعل بحياتها وبأيامها الطويلة إن لم يكن ~~الله قد من عليها بزيارات إيفون القليلة وبزيارات ابنة خالتها ~~الكثيرة؛ فما كان لها من الصديقات غير هاتين. وكان هناك الراديو ~~أيضا، ولكنه كان ممنوعا عنها منذ يحل أبوها بالبيت؛ فما كان يرضى ~~أن يسمع منه غير القرآن، وإن تسامح فالأحاديث، أما أن يسمع الغناء ~~والتمثيليات وشتى أنواع الإذاعات الأخرى فذلك هو المستحيل؛ ولذلك ~~كانت وهيبة ترجو صديقتيها دائما ألا تكون زيارتهما في وجود أبيها ~~بالبيت؛ حتى يتاح لها أن تلتذ بالمتعتين معا؛ من الراديو والزيارة. ~~ولو أن زيارة ليلى لوهيبة لم تكن زيارة خالصة المتعة؛ فقد كانت ليلى ~~دائمة اللوم لوهيبة أنها لا ترعى شئون أخيها عباس، وأنها وأمها تبذلان ~~كل جهدهما لإرضاء الشيخ سلطان، بينما لا ينظران في أهم شئون عباس، فزر ~~ملابسه المقطوع هو من يخيطه، وطعامه بارد لا تهتم واحدة منهما ~~بتجهيزه، وملابسه همل لا تهتم واحدة منهما بإحصائها وتنظيفها. وكانت ~~وهيبة تجيبها أنها بحسبها ما تقوم به من شئون أبيها وشئون المنزل، ~~ولكن ليلى كانت ترى من عباس الألم المرير مما يعامل به في ~~البيت. # وطالما شكا لليلى على مسمع من أخته أن أباه وحده هو من يحظى بالخدمة ~~والعناية، ويا طالما قال لها إنه يعرف أن أباها لا شك هو صاحب الحياة ~~في البيت، وأن أي عناية تبذل لإرضائه هي بذل في المكان الجدير به، ~~ولكن عباس يطمع أن ms12 يجد عند أخته شيئا ولو هينا من بعض رعاية. وكانت ~~ليلى تلوم وهيبة، ولكن لم تكن وهيبة لتنيل ليلى أذنا مصغية؛ فقد كانت ~~ترى أباها في البيت هو البيت، وكل ما تحويه جدران البيت إنما وجد وصنع ~~لا لشيء إلا ليخدم أباها ويهيئ له الراحة والدعة. وكانت ترى أن كل ~~شيء يضمه هذا البيت إنما هو قطعة من آلة لا يبعث الروح فيها أو يمدها ~~بالحياة إلا أوامر أبيها، فإن قال يمينا فيمين، أو قال شمالا فشمال. ~~هي في البيت لا في المدرسة؛ لأن أباها يريدها في البيت لا في المدرسة، ~~وهي تقوم بالأعباء المنزلية؛ لأن أباها يريد أن تقوم بالأعمال ~~المنزلية، وهي تصلي لأن أباها يريدها أن تصلي، وتصوم لأن أباها ~~يقتلها إن أفطرت. ولقد تخفي عن أبيها إفطارها في الأيام التي أمر الله ~~بها أن تفطر فيها، والتي لا يجوز لها فيها صيام. وكان يخيل إليها أن ~~أباها لو شاء فقال لها صومي في هذه الأيام لصامت، ولأحست أن صيامها ~~هذه الأيام شأنه شأن صيامها لأيام الشهر الأخرى، لا فارق بين ~~الصيامين، فكلاهما لأبيها. # فيم إذن تلح عليها ليلى أن ترعى شأن أخيها؟! ألا تدري ليلى ما هم ~~في هذا البيت؟ ولكن وهيبة مع ذلك كانت تحب أن تزورها ليلى، وتحب هذه ~~الجلسة التي تجمع ثلاثتهم، بل وتحب أيضا مجيء لطفي عجلا دائما يطلب ~~إلى أخته أن تقوم، ثم يهددها ألا يأتي معها إذا هي لم تقم. وكانت ~~وهيبة تضحك من هذا النقاش الذي لا بد أن يدور بين ابني خالتها كلما ~~زاراها وتسعد به. # وقد كانت خالة وهيبة الست حميدة زوجة لمدرس إلزامي تزوجها في ~~القرية ميت جحيش، ثم شاءت له ظروف سعيدة صاحبها سعي منه حثيث أن ينقل ~~إلى الديوان العام بالوزارة، فقدم مع زوجته إلى القاهرة واصطحب معه ~~عادات الريف لم يتركها، إلا أن القاهرة ما لبثت أن طغت عليه بعض الشيء؛ ~~فلم يخرج ابنته ليلى من المدرسة كما فعل عديله الشيخ سلطان. وهكذا ~~بقيت ms13 ليلى تلميذة تواصل تعليمها في المرحلة الثانوية، وتجد في هذه ~~الصفة مثارا لزهوها، فهي مقبلة على التعليم إقبال محب راغب، يقف ~~أبوها رضوان أفندي من ورائها فرحا بها فخورا، يجد من إقبالها على ~~التعليم وسيلة يلهب بها ابنه الوحيد لطفي أن يقبل هو أيضا على ~~المذاكرة إقبال أخته، إلا أن لطفي لم تكن تغريه هذه الحيلة؛ فقد كان ~~يجد في كرة أصدقائه بحارة البابلي إغراء أشد، ولكنه مع ذلك كان يسير ~~في دراسته في غير تعثر، وإن كان في غير نشاط؛ فما كان من المتأخرين ~~وما كان من المتقدمين، وكان على كل حال من المنقولين في آخر العام. ~~وما كان له في النجاح حيلة؛ فقد تعود أبوه أن ينقطع لمذاكرته قبيل ~~الامتحان فلا يخرج من البيت، بل يظل ملازما إياه، فيضطر لطفي مع ~~هذه المراقبة الشديدة أن ينجح وأمره إلى الله. # كانت ليلى تصحب أخاها لطفي كلما شاءت أن تذهب إلى ابنة خالتها وهيبة، ~~وكان لطفي يضيق بهذه الصحبة أشد الضيق، ولكن رضوان أفندي كان يأبى أن ~~تخرج ابنته بعد الظهر دون أخيها، وإن كانت لم تتجاوز الرابعة عشرة ولم ~~يتجاوز أخوها الثالثة عشرة. # أما الست حميدة فقد كانت ترى في مواصلة ليلى لدراستها عبثا لا ~~طائل تحته ولا داعي له؛ فهي لا تراها خارجة في الصباح إلى مدرستها إلا ~~مصت شفتيها وقالت: عشنا وشفنا بنات آخر زمن. # لا تخطئ مرة وتنساها أو تخطئ مرة وتغيرها. وكانت حجتها أن ابنة ~~أختها مكثت منذ أعوام في البيت لا تخطو عتبته؛ فتعلمت كيف تخدم البيت ~~وتقوم بأعبائه، في حين لا تستطيع ليلى أن تقيم وعاء على النار. وكان ~~يلذ لرضوان أفندي أن يسمع هذا الحديث فيضحك من جهل زوجته، ويطمئن إلى ~~ذكائه هو وسعة أفقه. أما ليلى فكانت تضيق بحديث أمها حينا، أو ~~تقبلها وتدغدغها حينا آخر، ولكن الخوف كان يداخلها دائما أن ~~تستطيع أمها في يوم من الأيام أن تؤثر على أبيها فيصرفها عن الدراسة ~~كما صرف عمها الشيخ سلطان وهيبة ms14 عن المدرسة. ولا تجد لخوفها مكانا ~~تفرغه فيه إلا المذاكرة الدائمة التي تبقي عليها زهو أبيها بها، ~~وتمسكه بكمال تعليمها. # كانت ليلى فتاة طلقة المحيا، صحبت من أصلها الريفي براءة السمات ~~وإشراقة النفس وبساطة التعبير؛ فشعرها ضفيرتان كبيرتان من الذهب، ~~وعيناها صفاء ومحبة للحياة وإقبال عليها، إقبال هادئ مطمئن واثق. ~~والألوان فيهما نقية؛ فالسواد قاتم في الحدق محوط بدائرة من صافي ~~العسل، والبياض بياض صريح، والحديث يفيض منهما أنهما لا تخفيان من ~~ورائهما إلا نقاء، أو تحجبان من دونهما إلا براءة وطهرا. # وكانت ليلى ناصعة البشرة بيضاء، لا يكاد يشوب لونها حمرة أو سمرة. ~~وقد بدأت منذ قليل تنظر إلى المرآة وتضيق بهذا اللون الواحد الذي يأبى ~~أن يتلون بحمرة عند خديها، أو بسمرة عند عينيها. وقد بدأت منذ ~~قليل أيضا تمسك بخديها في غيظ فتترك أصابعها حيث أمسكت بعض حمرة ~~ما يلبث لونها الأبيض أن يمتصها. ولم تكن ليلى بالنحيلة ولا هي ~~بالسمينة، كما لم تكن بالطويلة ولا هي القصيرة، إنما هي في قوامها من ~~هؤلاء اللواتي لا تستطيع أن ترى فيهن شيئا يدعو إلى العجب أو الإعجاب. ~~أما أطرافها فقد كانت أكبر مما ينبغي لسنها؛ فيداها وقدماها أقرب ~~إلى الضخامة منهما إلى الدقة التي كانت ترجوها هي، وإن كانت أصابع ~~يديها تنتهي بأطراف دقيقة فتستطيع بذلك أن تخدع عين الرائي فيظن بها ~~ما لا تتمتع به من أناقة. # هكذا كانت ليلى. لم أترك من وصفها شيئا إلا ذلك الفستان الأحمر الذي ~~كانت تكثر من لبسه، والذي كان يدرك لطفي كلما رآها ترتديه أنها قد ~~انتوت أن تخرج، وأنه مرغم على أن يقطع لعبه ويصحبها إلى زيارتها ~~البغيضة. ولم يكن مخطئا في إدراكه هذا؛ فها هي ذي تفتح الشباك وقد ظهر ~~النصف الأعلى من الفستان اللعين. وما إن يرى لطفي الشباك يفتح ويطل ~~منه الفستان حتى يولي ظهره للبيت، وللكرة أيضا التي كانت قادمة في ~~هذه اللحظة إلى أقدامه - وقد ظل ينتظرها منذ بدء اللعب - وتصيح: لطفي، ~~يا لطفي ms15 . # ويسمع لطفي ولكنه يجري محاولا أن يسبق الكرة ليحقق أمنيته في ~~الرمي بها إلى الهدف، ولكن الكرة تأبى أن تحقق ما يصبو إليه، ~~ويعاجلها ظهير الفريق الآخر فيبعدها عن أقدام لطفي وعن آماله جميعا، ~~فلا يملك آخر الأمر إلا أن يجيب هذا النداء المتلاحق الذي لم ينقطع ~~طوال هذه المناورة: نعم يا ستي. الله يقطع لطفي وأيام لطفي. نعم. تفضلي ~~انزلي، تفضلي، فما دمت لبست فستان الحصبة فهي الزيارة. # وتنزل ليلى، ويسير لطفي إلى جانبها وقد استبدلت قدمه الكرة بقطعة ~~كبيرة من الحصى راح يركلها بقدمه، منصرفا إليها، مفكرا فيما كان ~~خليقا أن يفعله في الملعب لو لم ترغمه أخته على أن يصحبها في هذه ~~الزيارة. ويلتفت إليها فجأة ويسألها: أنا والله لا أعرف ما الذي ~~يعجبك في هذه الزيارات؟ ~~- إنه أنا والله لا أعرف ما الذي يعجبك في الكرة؟ ~~- يا سلام! ألا تعرفين؟ ولكن لا عليك فأنت معذورة؛ لو كنت تلعبين ~~الكرة لعرفت لذتها. ~~- ألعب! ولماذا لا ألعب؟ ~~- نعم هذا ما ينقصك، ألا تكفي المدرسة التي تذهبين إليها وأنت بهذا ~~الطول؟ ~~- رجعنا إلى الغيرة. ~~- غيرة! من؟ أنا أغار منك؟! ~~- طبعا. اجتهد يا أخي وأنت تصبح مثلي. ~~- والله إن أبي جنى عليك وجعلك تفهمين أنك شيء مهم. ~~- أنا شيء مهم طبعا. أنا الأولى. ~~- يا بنتي الغرور ركبك وأصبح الكلام معك يحتاج إلى الصبر. ~~- بل قل إنك تجد كلامي صحيحا ولا تعرف كيف تجيب. ~~- لا بل أعرف، قولي لي، ماذا ستفعلين بالشهادة، إذا لا قدر الله ~~ونلت الشهادة؟ ~~- قل لي أنت ماذا ستفعل بها؟ ~~- سأتوظف. ~~- وأنا أيضا، سأتوظف. ~~- يا عيني يا عيني، كملت. يا بنتي اعقلي. ~~- هذا هو العقل، ثم أنت ما شأنك؟ أطال الله عمر أبي، ما دام راضيا ~~فآراؤكم جميعا لا قيمة لها. ~~- الله أكبر! آراؤكم هذه تقصدين بها أمك طبعا؟! ~~- من جاء بسيرة أمي الآن؟ ~~- أنت. ~~- أنا؟ ~~- والله لأقول لها إنك لا تهتمين برأيها. ~~- عيب عليك يا لطفي لا تدخل نينا في الموضوع. ~~- ما دامت آراؤنا كلها لا ms16 قيمة لها. ~~- وهل قلت نينا؟ ~~- ومن كلنا؟! قال يا جحا عد غنمك، قال واحدة قائمة والأخرى نائمة. ~~فمن كلنا إن لم يكن أنا ونينا؟ ~~- اسمع سأعطيك قرشا ولا تقل شيئا لنينا. ~~- والله المسألة فيها نظر. ~~- لأجل خاطري يا لطفي. ~~- أنا لم أعد بشيء. ~~- اعقل يا لطفي. ~~- وحين أعود إليك تنزلين مباشرة؟ ~~- آه يا لئيم، وما الضرر في أن أجلس بعض الوقت مع وهيبة، وأنت تعرف ~~أنها لا تخرج من البيت ولا تزور أحدا ولا يزورها أحد إلا أنا ~~وإيفون؟ ~~- هذه هي شروطي. اقعد قليلا، انتظر خمس دقائق أخرى. كلمة من هذه ~~أبلغ نينا مباشرة. ~~- أمرك يا فرعون، وأنت أيضا لا تسرع بالعودة. # وانصرف لطفي وصعدت ليلى إلى وهيبة. كان عباس يسعد بجلسته إلى ليلى ~~وكانت تسعد هي أيضا بها، وكان الحديث بينهما ينساب رخيا يحدثان ~~وهيبة عن المدرسة وعن المدرسات وعن خلافاتهم مع الطلبة والطالبات، ~~ووهيبة تسمع في لهفة ووجيب؛ فقد كانت تتوق أن تواصل تعليمها وإن كانت ~~تعتبر هذه الرغبة جرما لا يجوز لأبيها أن يتعرف عليها؛ فهي تخفيها ~~في نفسها لا تراها إلا نفسها. # وقد وجدت ليلى عباس جالسا إلى أخته، واستقبلها حين قدمت في فرح: ~~أهلا. أين أنت؟ لم نرك من زمان. ~~- مشغولة في المذاكرة. # وقالت وهيبة: تحتجين دائما بالمذاكرة، وأنا وحدي ولا تسألين ~~عني. # وقالت ليلى: لو عرفت العذاب الذي ألقاه من لطفي كلما فكرت في المجيء ~~لعذرتني. # وقال عباس في سذاجة: يا ستي لا يهمك لطفي، إذا أردت المجيء أرسلي ~~لي سيدة وأنا أجيء إليك وأحضر معك. # وصعدت حمرة إلى وجه ليلى وأرتج عليها؛ فهي تعلم أن أباها لن يسمح أن ~~تخرج مع عباس، وهي في نفس الوقت لا تستطيع أن تخبر عباس بهذا. فتلعثمت ~~واختلطت في فمها بعض حروف لا تكمل لفظا أو تؤدي معنى، وفهم عباس ~~حيرتها، وأدرك ما انزلق إليه لسانه. وسارعت وهيبة: لو قلت للطفي إننا ~~سنعلب الكرة لجاء يجري. # واستطاع عباس بعد جهد أن يجد لسانه فقال: ماذا أخذتم في ms17 ~~الإنجليزي؟ # قالت ليلى: أشياء كثيرة، إلا أننا ما زلنا لا نستطيع فهم المدرسة ~~تماما. ~~- العجيبة أننا نتعلم الإنجليزي بسرعة، والمدرسون الإنجليز لا ~~يتعلمون العربي أبدا. لو رأيت المستر جودمان وهو يحاول الكلام مع ~~الفراش لما استطعت أن تمنعي نفسك من الضحك. ~~- أما المس بنيت فلا تحاول حتى الكلام. # وتقول وهيبة وهي تحاول أن تجذب طرفا من الحديث: ماذا تفعل المس مع ~~الخادمة في البيت؟ # ويقول عباس: لا بد أنها تكلمها بالإنجليزي. # وتضحك وهيبة وليلى، وتقول ليلى: تصور لو تكلمت المس بنيت مع سيدة ~~أم متولي. # وعادت وهيبة تحاول أن تجذب طرفا من الحديث: من أكثر مدرس تحبه ~~يا عباس؟ # ويقول عباس بلا ريث وتفكير: مدرس الرياضة. # وفزعت ليلى قائلة: أعوذ بالله! الرياضة؟ # ويقول عباس: نعم. ما لها الرياضة؟ # وتقول ليلى: أتعرف يا عباس أنني لولا الرياضة لأصبحت الأولى على ~~القطر. # ويقول عباس عابثا: وهذا سبب جديد يجعلني أحب الرياضة. # وتقول ليلى بين الضحك والتعب: أنا لا أتصور كلمة الرياضة تأتي ~~مرادفة للحب بحال من الأحوال. # ويقول عباس في استعلاء خفي: عقلك خيالي حالم. لو كنت تجيدين ~~التفكير لأحببت الرياضة. ثم إن الرياضة التي نتعلمها أهم بكثير من ~~الرياضة التي تتعلمينها. # وتقول ليلى في سرعة وكأنها تدافع عن كرامتها: الرياضة التي ~~نتعلمها غاية في الصعوبة. # ويعود عباس إلى استعلائه وقد مازجه بعض سخرية: أتسمين هذه رياضة؟! ~~هذه لعب عيال. # وتقول ليلى غاضبة: على كل حال أنا لا أنوي أن أتعلم لعب الرجال ~~الذي تتعلمه؛ فأنا سأدخل القسم الأدبي. # وقال عباس في نفس اللهجة المستعلية: طبعا فأنت ما زلت خيالية، ~~ولكنك حين تكبرين ستفضلين الرياضة. وعلى كل حال أين أنت من ~~الاختيار؟ ما زالت أمامك فترة طويلة. # وأجابت ليلى متحدية: ولكني الأولى يا شاطر، هل استطعت أن تكون الأول ~~في عمرك؟ # ووجدت وهيبة نفسها مقصاه عن الحديث مرة أخرى، كما وجدت أخاها قد ~~بالغ في إغاظة ليلى، فقطعت عليهما التصارع قائلة: وأنت يا ليلى أي ~~المدرسات أحب إليك؟ # ونظرت ليلى إلى وهيبة ms18 التي كانت قد نسيتها في غمرة هذا الهجوم الذي ~~شنه عليها عباس، وهمت أن تجيب ولكن عباس سبقها: طبعا ليست ~~مدرسة الرياضة. # وقالت ليلى: لا. أعوذ بالله. أحب مدرسة الديانة. # وقال عباس بسرعة وبلا وعي: أعوذ بالله! # ووجمت ليلى، ودقت وهيبة صدرها في ذعر: أعوذ بالله من الديانة يا ~~عباس! هل جننت؟! # وتلجلج عباس قليلا، ثم قال في لعثمة: حصتها ثقيلة ... # وظلت ليلى على وجومها، وقالت وهيبة في استنكار: الديانة؟! # وقال عباس وعقدة من تردد ما تزال آخذة بلسانه: نعم الديانة، ~~وماذا؟ كفرت! لو كنت رأيت الشيخ مدبولي الذي كان يعلمنا الديانة ~~في السنة الأولى الابتدائية لعرفت أنني معذور. # ولاحت في عيني ليلى بوادر استفسار، ولكنها ظلت على وجومها، وقالت ~~وهيبة في استنكار لم يفارقها: الشيخ مدبولي؟ # ونظر عباس إلى ليلى التي لم تقل كلمة منذ بدأت هذا الحديث عن ~~الديانة، ووجد علامات الجزع تمازج علامات الاستنكار على وجهها، كما ~~وجد طلائع السؤال في عينيها أبت أن تفرج عنها شفتيها، مستأبية أن ~~تحادث هذا الذي سمع كلمة الديانة ثم استعاذ بالله منها. ووجه عباس ~~حديثه إليها: كان الشيخ مدبولي يمسك بأربع مساطر من حديد. أتعرفين ~~المسطرة الحديد؟ # ولم تجب ليلى، وأومأت وهيبة أن نعم. وواصل عباس حديثه: فمن لم يحفظ ~~الآية منا راح يضربه بحد المساطر على عظام ظاهر اليد. أرأيت جبروتا ~~كهذا؟ # واستراحت ليلى قليلا حين وجدت كرهه للحصة لا للديانة. ولم تستطع ~~وهيبة أن تقبل في نفسها هذا التفريق فقالت: ولكن لا يصح لك أن تقول ~~أعوذ بالله، وهي تقول إنها تحب مدرسة الديانة. # وواصل عباس حديثه: كان الشيخ مدبولي هذا أقسى أستاذ شفته في حياتي؛ ~~قلب من حجر، ويد من حديد. وكنت - وما زلت - أعجب أين الديانة في قلب ~~هذا الرجل؟ وهل الديانة هي هذه القسوة وهذا الجبروت؟ # وحين نقلت من المدرسة الابتدائية كان أكثر فرحتي أنني سأترك الشيخ ~~مدبولي، ولكن حين دخلت الفصل في مدرسة الخديوي إسماعيل في الحصة ~~الأولى من اليوم الأول للسنة الأولى، وجدت ms19 الشيخ مدبولي هو مدرس ~~العربي والديانة معا. كان قد رقي واستقرت الترقية على رأسي ~~أنا. # وقالت ليلى وهي تغالب الضحك: وهل ما زال الشيخ مدبولي في ~~المدرسة؟ # وقال عباس: لا. # وقالت ليلى ضاحكة: خسارة! وأين هو؟ # وقال عباس: أترين ذهابه خسارة؟ ربنا يبلوك بمثله إن شاء ~~الله. # وقالت وهيبة وقد غاظها أن أخاها يتجاهلها ويوجه حديثه إلى ليلى ~~وحدها: ألأنه يضربك من أجل الحفظ تكرهه هذا الكره؟ إذن فأنت تكره أبي، ~~إنه ما زال يضربك حتى الآن. # وقال عباس في سخط وتبرم: أنا؟! أنا أبي يضربني؟ # وقالت وهيبة بعد أن أخرجت تهويمة طويلة: أظن علقة الشهر الفائت ما ~~زالت آثارها على جسمك. الخيزرانة يا عم وهات. # وقال عباس متلعثما: أنا ... أنا. # وسارعت وهيبة: نعم أنت. ألم تكن أنت الذي لم تصل الفجر حاضرا، ~~وعلم أبوك وسحب الخيزرانة و... # وقاطعتها ليلى وقد خفق قلبها بالعطف الشديد على عباس: وأين ذهب الشيخ ~~مدبولي يا عباس؟ # وقال عباس دون أن يلتفت إلى ليلى: طيب يا وهيبة، يا كذابة. # كان عباس يحس الطعنة غائرة في صميم كرامته، ولكن ليلى خففت ألمه ~~وهي تسأله في براءة وكأنها لم تسمع قصة ضربه: يا أخي قل، أين ذهب ~~الشيخ مدبولي؟ # والتفت عباس إلى ليلى وكأنما يعود إليها من أعماق سحيقة: من؟ آه ~~الشيخ مدبولي؟ # وقالت ليلى: نعم الشيخ مدبولي، أين ذهب؟ ~~- رفت، لا أرجعه الله. ~~- رفت؟ ~~- نعم. ~~- لماذا؟ # وتماوجت في عين عباس أضواء من بريق اللذة؛ فإنه يحب أن يخبرها ~~لماذا رفت، ويخشى في الوقت ذاته أن يخبرها؛ يخشى ألا تقبل منه هذا ~~الحديث، ويخشى هذه الوهيبة التي تقعد له كالعقلة في الزور، ولكنه لم ~~شتات شجاعته آخر الأمر وقال: يبدو أنه لم يكن قاسيا قسوة كافية مع ~~تلميذ معين بالذات. # وقالت وهيبة: ماذا؟ # وقالت ليلى: لا أفهم شيئا. # وقال عباس: أتريدين أن تعرفي؟ ~~- نعم. ~~- على ألا تغضبي؟ # وسكتت ليلى، وقالت وهيبة: قل يا عباس، قل والنبي. # وسكت عباس قليلا وهو يرقب هذه الحمرة التي تزحف على ms20 وجه ليلى الأبيض ~~الناصع البياض، وحين أومأت له أن يقول قال: أنا لا شأن لي. # وقالت وهيبة: قل يا عباس، شوقتنا يا أخي! # وقال عباس في سرعة وكأنما يخشى أن تخذله شجاعته فلا يكمل جملته: لقد ~~ضبط الشيخ وهو يقبل أحد التلاميذ. # واختلط الخجل بالوجوه المتوارية عن ضحك غرير خبيث جاهل لا يخلو من ~~علم، واستقبل جو الغرفة كلمات من الفتاتين تحاول أن تكون جادة ~~فيخذلها صوت من الهزل يكسر عنها حدة الجد. وتبتلع الألفاظ والابتسامة ~~والخجل جميعا قهقهة عالية من عباس لهذه الحيرة التي أوقع فيها أخته ~~وابنة خالته. # وقبل أن ينتهي الضحك يدخل لطفي عجلا كشأنه حين يزور. واستقبلته ~~وهيبة: أهلا. أين أنت يا أخي؟ اقعد. # وطالعه من وهيبة هذا الترحيب، وطالعه منها أيضا وجه وضيء وابتسامة ~~حلوة وجمال لم يلحظه قبل اليوم، ولكنه مع ذلك أصر أن يظهر تعجله ~~وضيقه بمرافقته لأخته، فأطلق جملته التي كان أعدها منذ سمع الضحك ~~العالي الذي سمعه على السلم أول ما سمع: عظيم يا ستي ليلى! ما دمت ~~تضحكين فلن نقوم من هنا في ليلتنا. # واستمر عباس في ضحكه، وسكتت ليلى والخجل ما يزال يغشى ~~وجهها. # وقالت وهيبة: يا أخي اقعد، ألا نراك إلا لتنصرف؟ اقعد. لنا زمان ~~لم نرك. # ووجد لطفي نفسه جالسا! لماذا؟! إنه لا يدري، إلا أنه أحس شيئا ~~جديدا في صوت وهيبة يدعوه إلى الجلوس، وقد استجاب لهذا الجديد ~~وقعد. # وطال الكلام، وراح لطفي يستعرض مهاراته جميعا، ولكن ما أضأل الفرصة ~~التي يتركها له عباس من الحديث؛ فهو يجتاح المجلس كله بنكاته. وإن ليلى ~~لمستجيبة لهذا الحديث لا تبغي عنه حولا، ووهيبة جالسة إلى ليلى وعباس ~~فاغرة فاها، فرحة بهذه العوالم الحبيبة التي حرمها منها أبوها، ولطفي ~~تائه في هذه المشاعر المتماوجة بين إقبال ليلى على حديث عباس، وإقبال ~~عباس على الحديث إلى ليلى، وإقبال وهيبة على المتحدث والمستمعة ~~جميعا. تائه هو حائر ضائع في هذا الزحام من الأفكار والخلجات، لا يجد ~~لنفسه مكانا في المزدحم الثلاثي ms21 الصغير، فما له إذن لا يهيب بأخته أن ~~تقوم وهو من وضع لها الشروط، ويملك في يده السلاح القوي المتمكن الذي ~~يستطيع به أن يقيمها قبل أن يكمل عباس لفظته التالية. # ما له لا يقوم؟ لقد أصبح لا يدري، أو هو يخيل له أنه يدري، وهو في ~~نفسه عاجب من هذا الذي يدريه ولا يدريه. أي جديدة تراوحه من هذا المجلس ~~الذي تعود أن يضيق به، والذي كان يخلق به أن يضيق منه الآن أكثر من ~~أي وقت مضى؟! ولكن ها هو ذا جالس يلتذ حيرته، لا يأبه بهذا الخذلان ~~الذي يلاقيه كلما وجد لنفسه ثغرة لحديث لا تلبث أن تقفل في وجهه إذا ~~تحدث؛ فقد قطع جملته قبل أن تتم، أو تنزل جملته إذا اكتملت في مجال ~~لا يرحب بها. وهو مع هذا مقيم، حائرا أو غير حائر، داريا أسباب ~~إقامته أو غير داريها، فهو مقيم، مقيم، حتى يأتي الشيخ سلطان فيشتت ~~الشمل الجميع، وإن كان قد حيا ليلى ولطفي في ترحاب وإيناس. # | الفصل الرابع # عاد مرقص أفندي من الوزارة، وقد كانت نفس مرقص أفندي تعود إلى ~~طبيعتها في اللحظة التي يصل فيها إلى باب شقته، وليس قبل ذلك. كأنما هو ~~ونفسه الطبيعية المرحة الطيبة الصاخبة في بعض الأحيان، كأنما هو ونفسه ~~هذه على موعد من المكان، يلتقيان عند باب شقته في عودته من الديوان، ~~ويفترقان عند باب شقته في خروجه إلى الديوان. بل لقد كان يفارق نفسه ~~أيضا إذا ما خرج إلى القهوة بعد الظهر، فهو وإن كان يلتقي ثمة بأصدقاء ~~قدامى، إلا أنه لا يحس نفسه على سجيتها الكاملة إلا في بيته مع زوجته ~~وابنته إيفون. فإذا جاء زائر مهما يكن قريبا - حتى وإن كان أخوه شفيق ~~الذي يحبه ويقدره - عاد مرقص أفندي إلى اصطناع ما لا يصطنعه في ~~بيته من حذر في الحديث، فلا يتكلم إلا إذا فكر فيما هو قائل، بل ~~هو حتى إذا ضحك لم تنطلق ضحكته كرد فعل طبيعي لما استدعى الضحك. ~~لا ms22 ، إنه يفكر هنيهة، هنيهة لا تكاد تلحظ، ثم هو يضحك. وهو إن فعل ~~يترسل في ضحكته، ويخرج كل ما يكتمه في أغوار نفسه من قلق، وكأنما ~~يخشى ألا يجد شيئا يضحكه بعد ذلك، وكأنما وجد فيما سمعه فرصة لا ~~سبيل إلى مثلها؛ فهو ينتهزها في إقبال مطمئن، وقلما يطمئن مرقص ~~أفندي. # كان يحس كلما خرج من بيته أنه في سبيله إلى مجهول من الحياة غامض، ~~ليس فيه حنان أو شفقة. كان إحساسه بهذا المجهول مرهفا، وكانت نظرته ~~إلى الأيام القادمة نظرة حافلة بالمخاوف والشك، فهو يصانع هذا ~~المستقبل ويترضاه ما وسعه الجهد. وهو طيب النفس بطبيعته؛ فهو مع ~~زملائه في المكتب لا يرد لهم رجاء، وهو مع رؤسائه مطيع كيس، وهو مع ~~مرءوسيه مهذب يصدر الأمر بالرجاء، ويوجه اللوم بالهمس، ويستمع ~~إلى شكواهم في أبوة، ويعين ضعيفهم على الأيام؛ ولكنه إلى هذا جميعا ~~لا يسمح بتقصير يعرضه هو إلى غضب من رؤسائه، فإذا آنس من أحد ~~مرءوسيه إهمالا متعمدا، أو تقصيرا لم يجد فيه اللوم الهادئ؛ ~~انقلب الرجل الطيب إلى صراخ هائج عنيف، قد يصل في كثير من الأحيان ~~إلى طلب خصم من مرتب الموظف المقصر. بل وصل في يوم من الأيام إلى ~~رفت أحد مرءوسيه وقد أضاع أوراقا على جانب من الأهمية. # وقد كانت مكانة مرقص أفندي في الديوان خليقة أن تشيع الهدوء في ~~نفسه، وتنفي عنه هذا القلق الذي يعانيه، ولكن كيف؟ قد صحبه هذا القلق ~~منذ لا يذكر متى، فكيف يتركه؟ إنه لا يحاول ذلك؛ فقد كان يدري أنه لن ~~يبلغ من محاولاته إلا الفشل ومزيدا من القلق. # لقد تعود هذا القلق، وتعود أن يتركه بجانب الباب الخارجي من ~~منزله، فلا تراح نفسه إلا حين يدخل البيت ويثق أنه دخل، ثم يغلق ~~الباب من خلفه ويثق أنه أغلقه. فإن خرج من باب البيت عاوده القلق. ~~تعود أن يجده في نفسه كما تعود أن يجد طربوشه بجانب الباب من ~~الداخل، هناك على المنضدة التي يضع عليها الطربوش بعد ms23 أن يترك القلق ~~ويدخل، ويغلق من دون الحياة المخيفة خارج البيت بابه. # لم يكن مرقص أفندي سعيدا في يومه هذا، وما لبثت زوجته الست مريم أن ~~تبينت على وجهه هذه الوجمة من العبوس التي تعرف حين تراها أنه يحمل ~~في نفسه ألما. وقد تعودت مريم أن تتركه هو ليفضي إليها بدخيلة ~~نفسه، وتعودت أيضا أن تبحث له عن موضوع من الحديث بعيد كل البعد ~~عما يضطرب فيه من حياة، لعلها تصرفه بحديثها عما يلح عليه من ~~ألم وأحزان. # وما أسرع ما تجد مريم الحديث! وما أبرع ما تلبس حديثها بالجد الصارم ~~حتى ليحسب من يراها أنها لا تريد فيما تقول إلا أن تبسط ما يعرض لها ~~من مشكلة تضيق بها! ~~- تعال يا سي مرقص شف بنتك. # وتمص شفتيها، ثم تكمل الحديث: بنات آخر زمن. لا يعجبها ذوقي. لقد ~~رفضت أن تفصل ما اشتريت لها من قماش. # ويقول مرقص أفندي في طيبة: يا ستي دعيها تختار ثيابها كما تريد، ما ~~شأنك بها؟ هل أنت التي ستلبسين أم هي؟ # وتوغل مريم في الحديث: والعذراء لقد أفسدتها وجعلتها تمشي على ~~هواها، فكل ما تطلبه منك أمر لا تتأخر عنه. # ولم يكن مرقص أفندي في حال تسمح له بمواصلة الحديث، ولكنه أيضا لم ~~يرد أن يصرف زوجته صرفا عنيفا فصمت، وأدركت مريم خلجات زوجها ~~فسكتت. وطوفت بالردهة التي يجلسان بها لحظات من صمت، كانت مريم تعلم ~~أنها لا بد أن تنتهي سريعا بزفرة عنيفة من مرقص. وكانت تعلم أنها ~~عائدة بعد ذلك إلى بعض صمت، ثم ما تلبث أن تعلم هذا الذي يضيق به صدر ~~زوجها. وتم الأمر كما توقعته، وتنهد مرقص أفندي، ثم تكلم: طارت ~~الدرجة. إلام هذا الظلم؟! يا رب، يا رب رحمتك. # وقالت مريم: يا مرقص يا حبيبي صحتك أهم من كل شيء. أنت تعرف يا مرقص ~~أننا ليس لنا في الدنيا إلا أنت. ارع صحتك لأجل بنتك يا مرقص، ولأجلي ~~أنا. ألا نساوي عندك درجة؟ ~~- يا مريم الظلم صعب. الظلم ms24 صعب يا مريم. ~~- أليس من الظلم أن تسيء إلى صحتك وتضحي بنفسك وبنا من أجل درجة ~~تأخرت؟ مصير الدرجة أن تأتي يا مرقص، ولكن صحتك أنت لا سبيل إلى ~~تعويضها. ~~- ما ذنبي؟! ماذا فعلت؟! ليس في مصر كلها موظف يؤدي واجبه كما ~~أؤديه. أنا في مكتبي قبل أن يأتي الفراش. وينصرف الفراش وأظل أنا ~~بالمكتب. كل هذا لا يعجب عبد السميع بك، ويفضل الغير دائما. طلبت ~~نقلي فقال لا يمكن الاستغناء عنك. طبعا، ويظلم من إذا نقلت أنا؟ لا ~~يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل. ~~- وبعد لك يا مرقص؟ أهي آخر درجة في الحكومة؟ صدقني حلمت لك حلما ~~وسيتحقق وستنال الدرجة. رأيت كأنك في كنيسة كلها بالذهب، وحولك ~~الناس يهنئونك وأنت تضحك، وأنا واقفة إلى جانبك والدنيا لا تسعني ~~من الفرحة. وحياة إيفون، ألا ابتسمت يا مرقص. ابتسم يا أخي. هكذا، ~~هكذا يا أخي. فداك ألف درجة. دخلتك علينا في البيت، وجلستك معنا أحسن ~~من كل درجات الدنيا. قم، قم يا أخي غير ملابسك وتعال نأكل، لقد ~~أعددت لك ملوخية بالأرانب، ستأكل أصابعك معها. قم، قم. # وقام مرقص وشعاع خائف متردد من الراحة يتسلل إلى نفسه، ولكن ~~الراحة ما لبثت أن اطمأن بها المقام في نفسه، وعادت إليه هدأة البيت ~~وضحكة زوجته وانتظاره لابنته بالطمأنينة التي تعودها كلما أقفل من ~~خلفه الباب، تاركا هذه الحياة التي تظلمه إلى الحياة التي ~~ترعاه. # وأقبلت إيفون بعد حين ولم تدخل إلى حجرتها التي يقع بابها على ~~السلم، بل دخلت من باب الردهة إلى حيث تعلم أن أباها جالس، وألقت ~~بحقيبتها على المنضدة، وأقبلت على أبيها فقبلته، ثم راحت تبسط له ~~شكواها من أمها التي تريد أن تلبسها أثوابا ذات ذوق قديم، والتي ~~تفرض عليها أيضا ذوقها في التفصيل. وإيفون حين تضيق بشيء من أمها تلمع ~~عيناها في أسى، ويشترك وجهها الأسمر الدقيق القسمات في التعبير عن هذا ~~الذي يهذر به لسانها في فيض الألفاظ الغاضبة - الرقيقة - فلا تنبو منها ~~لفظة لا تريد أن ms25 تقولها، أو تخرج بحديثها عما ينبغي لبنية أن ~~تتحدث به عن أمها. وقد كانت تدري أي مكانة رفيعة تحتلها أمها عند ~~أبيها. وكان أبوها يستمع وابتسامته تترقرق على فمه؛ فقد كان جوابه ~~معدا قبل أن تبدأ إيفون شكواها، فهو يستمتع بتدفقها في الشكوى، ~~وبهذا الحديث الجاد الطويل الذي لم تكن تحتاج إليه لتقنعه؛ فقد كان ~~طلبها وحده كافيا لإقناعه، وقد كانت ابتسامة منها كافية ليجيب لها ~~كل ما تصبو إليه. وما لبثت إيفون أن تبينت الابتسامة على وجه ~~أبيها، وما لبثت أن أدركت فيها بلوغها إلى ما تشتهي فسكتت. ونظرت إلى ~~أبيها لحظة، ثم أغرقت في الضحك، ومالت على وجه أبيها تقبله في حب ~~وإعزاز. # وقال أبوها وهو يبتسم: بدأت تهتمين بلون القماش ونوع التفصيل. خير ~~يا إيفون خير. ~~- وهل هذا عيب يا بابا؟ ألا يجب أن أهتم بما ألبس؟ ~~- اهتمي، اهتمي يا بنتي، أرجو ألا يتعدى اهتمامك الملابس. ~~- ألا تحب أن تراني جميلة يا أبي؟ ~~- أتبذلين كل هذا الجهد لأراك أنا جميلة؟ إن كان هذا جميعه من أجلي ~~أنا؛ فأنا أراك جميلة على أي حال. # وأدركت إيفون ما يرمي إليه أبوها، لكنها اصطنعت أنها لم تفهم، وقالت ~~وهي تضع ذراعها على كتفي أبيها: أنت كل شيء لي يا أبي. # واحتضنته في عنف حتى لقد أحس أبوها من قوة ذراعيها ما لم يحس قبل ~~اليوم. بل كاد يحس أنها تحتضن في جسمه شخصا آخر غيره، لكنه ما أسرع ~~ما نفض هذه الخاطرة عن ذهنه وطوق ابنته بذارع حانية. # | الفصل الخامس # بكرت إيفون إلى المرآة وراحت تتطلع إلى وجهها؛ فهي اليوم على موعد ~~مع عباس أن يلتقيا بالعربة، شأنهما كلما جمع عباس أجر الركوب! وراحت ~~إيفون تمشط شعرها في تأمل غائب؛ فهي تجري المشط في اتجاهات ~~مختلفة غير منتظمة. وكلما أفاقت طالعتها المرآة بشعر لا يرضيها؛ فهي ~~تعود إلى التمشيط واعية أول الأمر، ثم ما هي إلا لحظة أو لحظات حتى ~~تعود مرة أخرى غائبة غير واعية. # كانت إيفون سمراء سمرة ms26 خفيفة. وكان شعرها أسود داكنا منسابا في ~~سيولة وانسكاب. وكانت عيناها أجمل ما في وجهها؛ عينان كبيرتان يتعلق ~~بهما سؤال عن مجهول من الأمر، فما كانت إيفون تدري ماذا تريد أن تعرف، ~~وإنما يحس الناظر إلى عينيها أنها تسأل عن شيء لا تدريه ولا يدريه ~~أحد. سؤال حائر يبحث عن شيء دون أن يعرف كنه هذا الشيء الذي يبحث عنه. ~~وكانت إيفون دقيقة الجسم، رقيقة الأطراف، سريعة الحركات والأفكار معا، ~~رشيقة في حركاتها، حائرة في فكرتها. # وقد أحبت عباس وإن حبها له ليطغى في كل يوم؛ فهو أول من أسمعها هذه ~~اللفظة الساحرة «أحبك»، ولم تفكر يوما فيما سيؤدي إليه هذا ~~الحب، كل ما تدريه أنها تحبه وأنه يحبها، ولا شأن لها بأعقاب هذا ~~الحب أو نتائجه، إنما هي تهفو إلى هذا اللقاء المختلس في العربة، وإلى ~~هذه الكلمات الهامسة التي تحاول أن تتخفى عن أذن عم جبر المتسمعة. ~~وهي تفرح بهذا اللقاء وتضيق بانتهائه. وهي تفكر كيف يمكنها أن تطيل ~~منه؟ لقد طالما سألها عباس وألح في السؤال كيف يستطيع أن يلقاها بغير ~~حذر من جبر، وبغير خوف من شارع المدرسة الذي يتحتم عليه أن يتركها ~~قبل أن تبلغ بهما العربة أوله؟ وطالما فكرت فكانت تعود من أفكارها ~~بالفشل؛ فكرت أن يلتقيا في الحدائق، ولكن كيف تخرج؟ وفكرت أن ~~يلتقيا فوق سطح المنزل، ولكن سطح المنزل مكان عام تقصد إليه ساكنات ~~العمارة جميعا، ولا تنتهي الخادمات عن الذهاب إليه. وفكرت وفكرت ~~ولكن لم يعد عليها التفكير بمكان واحد موفق يخفيها عن العيون. ~~ولقد كانت تفكر أيضا وهي تمشط شعرها ولكن هيهات، وفجأة فتح ~~باب حجرتها المؤدي إلى الشقة، وطالعتها أمها صائحة: ألم تلبسي بعد؟! ~~والمسيح الحي إنك لن تفلحي عمرك، ماذا بك؟! # وكانت إيفون قد انتفضت في وقفتها فقد عادت بها أمها والباب الذي فتح ~~فجأة إلى ما كانت غائبة عنه من موعد المدرسة، بل من موعد عباس نفسه. ~~وأفاقت إيفون وهي تقول: حالا ... حالا يا ماما. # وقالت أمها ms27 وهي تخرج وتغلق الباب من خلفها: أسرعي. # وسارعت إيفون إلى ملابسها فارتدتها، واختطفت حقيبتها، ومدت يدها ~~إلى أكرة الباب المؤدي إلى السلم تفتحه، وقبل أن ترفع يدها عن ~~الأكرة أومضت في ذهنها فكرة: لماذا لا يأتي عباس إلى حجرتي هذه؟! لا! ~~لا يصح! لماذا لا؟ لقد جعلوا لي هذه الحجرة بعد أن كانت حجرة الاستقبال ~~لأتلقى فيها درس اللغة العربية من الشيخ عبد الوهاب؛ فقد كان أبي لا ~~يريد الشيخ أن يخترق البيت إلى حجرتي القديمة. كان أبي لا يريد أمي ~~أن تتحرج كلما جاء الشيخ، وتقوم من مكانها لتخلي له الطريق، فاقترح ~~أن تكون حجرتي هي حجرة الجلوس هذه الواقعة على السلم. فما البأس أن ~~أستقبل فيها عباس في الليل بعد أن ينام أبي وتنام أمي؟ ما البأس؟! في ~~حجرة نومي؟ وهل هناك سبيل آخر؟ وما دمت ألقاه فما الفارق بين حجرة ~~نومي والعربة أو أي مكان آخر؟ ماذا يقول عباس؟! وماذا تراه يقول؟ أليس ~~هو من يلح علي في أن أهيئ مكانا ألقاه فيه؟ ماذا تراه يقول؟ لا ~~بد أنه ... # وكانت إيفون قد استقرت في العربة، وكان عباس بداخلها، وما أسرع ما ~~قال: صباح الخير. لكم اشتقت لك. ~~- صحيح؟! ~~- ألم تشتاقي لي؟ ~~- جايز. ~~- إذن فأنت لم تشتاقي لي. ~~- من قال لك؟ ~~- أنت. ~~- أنا؟! ~~- ما معنى جايز؟ ~~- وماذا تريدني أن أقول؟ ~~- مثلما أقول أنا. لكم اشتقت لك يا عباس. إنك لم تقولي هذا ~~أبدا. ~~- وهل لا بد أن أقول حتى تعرف؟ ~~- وكيف أعرف إن لم تقولي؟ ~~- وهل أدري؟ ~~- فكيف أدري أنا؟ ~~- أنا أعرف أنك مشتاق لي دون أن تقول. ~~- فأنت أذكى مني. ~~- لا ... ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ولكني أراك بقلبي. ~~- فكيف أراك أنا؟ ~~- بعينيك. ~~- الله يعلم كم أحبك، والله يعلم كيف أراك. إني أراك بعيني ~~وبقلبي وبكل جارحة مني. ~~- فلماذا تريدني أن أقول؟ ألم يخبرك قلبي؟ ~~- أريد لأذني أن تستمتع بما يستمتع به قلبي وعيني. قولي، قولي ولو ~~مرة واحدة، اشتقت لك، أو قولي أحبك، أو قولي أي شيء تطرب ms28 له أذني ~~مثلما يطرب قلبي عند لقائك. ~~- كأنك سمعت. # ووقفت العربة وارتفع صوت عم جبر: اتفضل يا سي عباس أفندي. # وهمس عباس: ألم تجدي مكانا؟ # واصطنعت إيفون الجهل بالسؤال: مكان؟! ~~- نعم لنلتقي. ~~- ها نحن نلتقي. ~~- إيفون! أرجوك. # وضاق الأسطى جبر بالهمس الذي لا يسمع منه شيئا فصاح: سي ~~عباس! # فهمست إيفون: تستطيع أن تأتي إلينا في الساعة العاشرة؟ # وفاجأت الجملة عباس فصمت برهة، ثم قال: إليكم! في بيتكم؟! ~~- حجرة الجلوس القديمة أصبحت حجرتي الآن، ستجد بابها غير ~~مغلق. ~~- إيفون! # وصاح جبر وقد ازداد ضيقه بهذا الحديث الذي لا يسمع منه شيئا: سي ~~عباس! # ولم يلتفت عباس إلى جبر بل همس: هل أنت جادة يا إيفون؟ # وأومأت إيفون وقد شملت الحمرة وجهها أن نعم. # وهمس عباس مرة أخرى: أراك في العاشرة، العاشرة تماما. # ونزل من العربة وهو يقول: مع السلامة. # وساط الأسطى جبر خيله فاندفعت إلى الطريق، وظل عباس يرنو حائرا ~~فرحا إلى العربة حتى أخفاها شارع المدرسة. # همس وهو يدخل: هل ناموا؟ # وهمست دون أن تدري لماذا تهمس: نعم. ~~- فلماذا تهمسين؟ # وضحكت وهي تقول: لا أدري، لقيتك تهمس فهمست مثلك. ~~- أين ينامون؟ ~~- في الناحية الأخرى من البيت. أنت تعرف حجرة أبي، ألا ~~تذكرها؟ ~~- أنا لم أنس شيئا هنا أبدا. إذن فهم لن يسمعونا أبدا. ~~- أبدا. ~~- هل أنت خائفة؟ ~~- أخائف أنت؟ ~~- أنا ... أبدا ... أبدا. ~~- بل أنت خائف. ~~- ألا يستيقظ أحدهما في المساء؟ ~~- إذا ما دخلا حجرة النوم فإن أحدا منهما لا يتركها إلا في ~~الصباح. ~~- إذن فلا داعي للخوف. ~~- ولكنك خائف مع هذا. ~~- أبدا. ~~- ها نحن التقينا على انفراد. ~~- نعم ... نعم. ~~- هل كان عم الشيخ سلطان صاحيا حين نزلت؟ ~~- هه، نعم. ~~- ألم تخف أن يراك؟ ~~- وماذا لو رآني؟! ~~- يضربك. ~~- يضربني؟! يضربني أنا؟! لم يبق لي إلا بعض شهور وأصبح في الجامعة ~~ويضربني! ~~- ألم يضربك منذ قريب لأنك لم تصل الفجر حاضرا؟ # وارتسمت الدهشة على وجه عباس، وصمت، وأحس بالخزي يسري في دمائه ~~جميعا، وانعقد لسانه، لم يدر ماذا يقول. وما لبث ms29 إحساس بالغيظ أن ملأ ~~نفسه من أخته وهيبة، ثم ما لبث إحساس بالغيظ أن ملأ نفسه من الصلاة ~~جميعا، وأقسم في نفسه ألا يصلي إلا إذا أجبره أبوه على الصلاة، ~~ثم عاد إلى خزيه مرة أخرى ووجد نفسه واقفا إزاء إيفون في أول لقاء ~~لهما بنجوة من العيون والآذان، ثم هو صامت ولكنه مع ذلك لم يجد شيئا ~~يقوله. وأدركت إيفون ما يدور فيه من خزي فقالت في بساطة: ماذا؟ هل ~~زعلت لأني قلت إن أباك ضربك؟ # وأطرق عباس وهو يقول: لا أبدا. ~~- وماذا يهمك؟ أنا أعرف أنه يضربك كلما قصرت في الصلاة، ومع ذلك ~~فأنا ... # ورفع لها وجها مليئا بالأمل أن يسمع منها ما لم تقله، وقال في ~~لهفة: هيه. ~~- هيه ماذا؟ ~~- فأنت ماذا؟ ~~- ماذا تريد أن تسمع؟ ~~- ألا تعرفين؟ ~~- لا. ~~- قوليها، قوليها وحياة النبي. # وضحكت إيفون ضحكة خبيثة فيستدرك: وحياة ... وحياة ... وحياتي ~~أنا. ~~- ماذا تريدني أن أقول؟ ~~- أحبك. ~~- وهل تريد دليلا؟ ~~- أريد أن أسمعها. ~~- أيهما أحسن عندك، أن أدعوك إلى حجرتي هنا، أم أن أقول لك؟ ~~- هيه، قولي. # وهمست إيفون: أحبك. # واغرورقت عينا عباس بالدموع طفرت فجأة، ووجد نفسه وقد انتابه صمت ~~فرحان؛ فقلبه وجيب وعيناه ضياء ووجهه فرحة. أراد أن يقول شيئا فلم يجد ~~ما يقول، ثم التذ هذا الصمت الذي ما زال صدى الكلمة يرن فيه، ~~وكأنما أراد لهذا الصمت المندى بما سمع ألا يقطعه شيء، وتمنى أن ~~يظل فيه لا يخرج منه، وأن يظل هذا الصدى يملأ حوله، كل ما حوله، ويملأ ~~من نفسه كل نفسه، لا يشوبه شيء من حديث يطمس ما أشاعته فيه «أحبك» من ~~نغم كان نشيدته منذ سنوات وسنوات. # وأحست إيفون بالفرحة الكبيرة التي يحياها عباس، ووجدت نفسها تفرح ~~معه فإذا فرحتها ابتسامة عريضة على فمها وهمسة مجنحة: استرحت؟ # ولم يستطع عباس أن يجيب، وإنما كل ما استطاع هو أن يخطف يدها ويهوى ~~عليها ليقبلها في جنون فرحان، وانحنت عليه إيفون تربت كتفه، فرفع ~~عينيه إليها فوجد نفسه يلقفها بين أحضانه ms30 والتقت الشفاه في قبلة ~~طويلة. # وحين أفاقت إيفون من حميا القبلة أخجلها أن تقبله مثلما ~~قبلها، فقالت في حزم: انزل! # وأطرق عباس بين إحساس هين من الدهشة، وإحساس عميق بالخجل. وعادت ~~إيفون تقول: انزل! # وقال عباس متلعثما: ومتى أجيء؟ ~~- لا أدري، إنما يجب أن تنزل الآن. ~~- أجيء غدا؟ ~~- لا أدري ... أرجوك ... أرجوك ... انزل. ~~- أمرك. # وتوجه عباس إلى باب الحجرة، وقبل أن يخرج هم أن يقول شيئا، ~~ولكنه عاد إلى طريقه من الباب وخرج. # وما إن أغلق عباس الباب من خلفه حتى ارتمت إيفون على سريرها وراحت ~~تحدق إلى سقف الحجرة مفكرة في ذهول خجل حيران. # | الفصل السادس # كان ليوم الجمعة مراسم جامدة في بيت الشيخ سلطان لم تتغير منذ وعى ~~عباس أمره، ويخيل إليه أنها لن تتغير أبد الدهر؛ فإن الشيخ يستيقظ ~~في الفجر ويصلي الفجر جماعة يؤم أهل بيته جميعا، ثم يتناولون ~~فطورهم، ويخرج الشيخ سلطان إلى بيت رضوان أفندي فيصحبه إلى قهوة ~~السيدة، فيظلان يلعبان النرد، ويشترك معهما مرقص أفندي. وكان مرقص ~~أفندي إذا لعب يحس رائيه أنه ينظر إلى متعبد راكع في معبده ~~المقدس، لا شيء يتحرك فيه إلا يداه تلقيان الزهر، وعيناه تتابعان ~~أصابع غريمه. بينما كان رضوان أفندي والشيخ سلطان يزيطان كلما أصابا ~~أملا في النجاح. وما أسرع ما تجري على لسانيهما «العب سيجه»، «ما لك ~~أنت وهذه المسائل المهمة يا عم مرقص؟»! وفي أغلب المرات يتغلب مرقص ~~أفندي على هذا الزائط، ولم يكن مرقص أفندي حينئذ يهيج هياجهما ولا هو ~~يسخر، وإنما يكتفي بنظرة لا بد أنه كان يعرف مدى ما تحمله من إيلام. ~~وكان المغلوب منهما يحس وقع النظرة المخترقة الهازئة فيتمتم: «زهر ~~أعمى ابن كلب.» ولا يكتفي مرقص أفندي بالإخجال الذي ألقى إليه صاحبه، ~~وإنما هو يمد إصبعه السبابة ويحركها يمنة ويسرة يريد من المغلوب ~~أن يقوم ليحل الآخر محله. # وكانت هذه الحركة الصامتة أشد إيلاما من النظرة. وكان الشيخ سلطان ~~ورضوان أفندي كلاهما يتقبل هذا الذي يحصل لهما في مقابل الزياط ms31 الذي ~~يهذران به طوال اللعب. وقد كانت المباراة بين ثلاثتهم يومية لا تنقطع، ~~وقد يكون لهم متفرجون احترفوا التفرج كما احترف الثلاثة اللعب. وقد ~~كان المغلوب يدفع الطلبات، وكان الشيخ سلطان يناقش نفسه في هذا الدفع: ~~أليس هذا قمارا؟! وتجيبه نفسه الغاضبة لأنه دفع: إنه قمار. ولكن ما ~~يلبث أن يتذكر الحديث الذي كان يقبل به أن يدفع له: إنما الأعمال ~~بالنيات. وهو حين لعب لم يقصد القمار. كما أنهم الثلاثة أصدقاء، وأي ~~واحد منهم يجوز أن يدفع عن الآخر بلا لعب، وإنما اللعب تسلية. # وتقتنع نفس الشيخ سلطان أنه ليس قمارا؛ فيهدأ ضميره الديني، وإن كان ~~ضميره المادي الذي يحاسبه على صرف النقود فيما لا يفيد يظل ثائرا ~~غير هادئ. # هكذا كان الحال مع الشيخ سلطان، أما الشأن مع عباس فهو مرتبط بأبيه ~~غاية الارتباط؛ فقد كان أبوه ينتظره في القهوة حتى موعد خطبة الجمعة. ~~وكان عباس يذهب مصطحبا صديقه الأثير شعبان نوار، وابن خالته لطفي الذي ~~أخذ يصلي منذ أراد من الصلاة أن تشعره أنه كبير مثل الكبار، يضع ~~المنديل على رأسه المبلل، وينتظم في الصف، له فيه مكان مثل مكان ~~الرجل الكبير، ثم هو بعد ذلك يؤدي من الحركات ما يؤدون. وكان ~~الثلاثة يقصدون إلى القهوة فيكون مجيئهم إيذانا للشيخ سلطان ورضوان ~~أفندي أن يؤجلا العشرة مع مرقص أفندي إلى وقت آخر. # وقد كانت وظيفة الشيخ سلطان في الوعظ والإرشاد، وقدمه في هذه ~~الوظيفة، تجعل الأئمة في المساجد يتنحون عن منابرهم ليلقي هو ~~الخطبة. وقد كان فرحا غاية الفرح بما يتاح له من هذا التنحي، لم ~~يقلل من هذا الفرح تكرار السنوات بعد السنوات، ولم تنل الفرحة ما ~~تنال العادة وقدمها من كل فرحة فرحان. ولم ينس الشيخ سلطان في مرة من ~~المرات أن يسأل ابنه وهو يلبس الحذاء خارجا من الجامع: هيه يا عباس، ~~ما رأيك؟ # وكان عباس في أول الجمع التي سمع فيها أباه يتدفق بالمديح له، وكان ~~مؤمنا بما يقول فرحا به، ثم أصبح ms32 يتدفق بالمديح منافقا في بعضه ~~صادقا في بعض منه آخر، ثم صار يتدفق به نفاقا جميعا، ثم ضاق ~~بالتدفق فصار يقصر مديحه على كلمتين أو ثلاث أصبحت واحدة، ثم صار ~~يدغمها فلا يسمعها أبوه وإنما يستنتجها. ولم تخف على الأب هذه ~~التطورات التي مر بها مديح ابنه لخطبته، لكنه مع ذلك لم يعف ابنه ~~من السؤال، أو يعف أذنه من تلمس هذه الكلمة المبهمة التي تنفرج ~~عنها شفتا ابنه دون أسنانه. # أما رضوان أفندي فقد كان في كل جمعة يمدح عديله بنفس الهمة التي ~~سمعه بها عباس أول ما سمعه، لم يفتر يوما، ولم ينقص كيل مديحة شيئا، ~~هو هو منذ وعى عباس الصلاة. وقد كان عباس يعجب، كيف؟ والخطبة واحدة من ~~عشر أو واحدة من عشرين لم يزد عليها شيئا منذ سمعها في الجمعات ~~الأولى حتى هذه الجمعة التي يشرف على بواكيرها. # استيقظ عباس في الفجر مرغما على ذلك إرغاما، ووجد نفسه يذهب ~~ليتوضأ، وأحس كأنه آلة، ثم وجد نفسه واقفا في الصف خلف أبيه. ~~وبدأت مراسم الصلاة، ومرة أخرى أحس أنه يتحرك حركات آلية. قرأ ~~القرآن فوجده في فمه ولم يحس به في قلبه. وكان يطرق بعينيه إلى ~~الأرض، ولكنه لم يكن يحس الخشوع. وانتهت الصلاة، وعاد إلى حجرته، ~~وراح يصلح الراديو الذي أحضره إليه صديقه شعبان. كان يفك المسامير ~~ويربطها ممسكا في يده بالمفك، وأحس أن الصلة بينه وبين المسامير ~~وبين قطع الراديو التي يصلحها قوية؛ فهو فرح أنه يلف المفك في يده ~~فيربط المسمار، ويمسك السلكين ويلف أحدهما بالآخر فيرتبطان، وأنه ~~يفتح زرا فيوقد مصباحا. أحس وهو يقوم بهذه العمليات جميعا أنه ~~فرحان يستطيع أن يسيطر على هذه الآلة التي يصلحها، وأن يفعل بها ما ~~يشاء. وأحس في الوقت ذاته أنه في بعض الأحيان يكون مثل هذه الآلة ~~التي بين يديه، غير أنه أحس أيضا أن اليد التي تتولى الفك فيه ~~والتركيب، لا تصلحه، وإن كانت تظن أنها تصلحه. داخله شعور أن هذه ~~اليد تزيد نفسه ms33 تخريبا وهدما وتدميرا. # وحاول أن ينفض عن نفسه هذا الشعور ولكنه لم يستطع. وجاء نداء أبيه من ~~البهو فوجد نفسه يقول في سرعة: حاضر. # ثم وجد نفسه يقوم إلى أبيه. وكانت مائدة الفطار معدة فجلس إليها. ~~وانتهى الطعام فقال أبوه وهو يفتح الباب الخارجي: لا تتأخر. ~~- حاضر. # ونزل أبوه وعاد هو إلى حجرته، ووضع ملابسه ومكث ينتظر صديقه شعبان، ~~وما لبث الصديق أن جاء، ونزلا معا وراحا يضربان في الطرقات الضيقة حتى ~~بلغا حارة البابلي، وهناك رأى الصديقان أطفالا يقفون أمام قراجوز وقد ~~فغرت أفواههم لا ينطقون إلا بالضحك، وشخوص القراجوز منهمكة في ~~تمثيلها. ووقف عباس وشعبان، وحاول شعبان أن يسخر من هذا الذي يسر ~~الأطفال، ولكن عباس لم يستجب لسخرية صديقه، بل ظل واجما. لقد أحس ~~أنه مثل هذه الدمى التي تتحرك، ووجد نفسه دون أن يفكر يحرك ~~يديه في حركات كثيرة متباينة، يريد الوثوق أن الخيوط التي تحرك ~~الدمى لا تمسك خيوط مثلها بأذرعه ويديه، ولكن حركاته لم تستطع أن ~~تقنعه أنه حر. # وحاول أن ينفي عن ذهنه هذه الخواطر فخذله تفكيره، والتفت إلى شعبان ~~فجأة وقال له: سلام عليكم. # والتفت عنه وسار، وقال شعبان في دهشة: ماذا؟ # ولم يجب عباس، وعاد شعبان يقول في صوت مرتفع: أين ستصلي ~~الجمعة؟ # وقال وهو سائر دون أن يقف: لن أصلي. # وعلا صوت شعبان: وماذا أقول لأبيك؟ # ووقف عباس فجأة، ثم تابع مسيره دون أن يتكلم، وراح شعبان ينادي في ~~إلحاح فلم يلتفت إليه، حتى إذا يئس صديقه من عودته أخذ يضرب كفا ~~بكف وهو يقول: لا بد أنه جن. # سار عباس دون أن يختار طريقا، وراح يسرع الخطو أحيانا، ثم يعود ~~فيتمهل محاولا دائما أن يؤكد لنفسه أنه يستطيع أن يسير بالسرعة ~~التي يريدها لنفسه، وأنه ليس دمية، لن يصلي الجمعة، وأنه حر، حر، ~~حر! # ولم يخل طريق اختاره من جامع والناس تدخله أفواجا، فكان يعرج عن ~~الطريق إلى آخر، حتى يعترضه جامع آخر، لم يستطع أن يهرب من الجوامع ms34 ~~أبدا. وأخيرا علا صوت الأذان «الله أكبر». وأحس لها صدى عميقا في ~~نفسه؛ ما هذا الوجيب الذي يستقبل به الأذان؟ لماذا؟ ألأنه يحس أن هذا ~~الأذان قد شق السنين، يسلمه جيل إلى جيل، لم يهن ولم يضعف على مدى ~~الآلاف من الأيام، وما زال نديا جديدا فيه حلاوة الشباب وجلال ~~المشيب؟ ما هذا الرنين الذي يحسه وهو يسمع «الله أكبر»؟ ألأنه أكبر ~~فعلا؟ وإن لم يكن فمن أكبر؟ ومرة أخرى راح يسرع الخطو محاولا أن ~~يبتعد عن الأذان، ولكن صوت الأذان ظل يلاحقه ويلاحقه، يزداد كلما ~~ابتعد عن المئذنة. # وبلغ شارع الترام فعلا صوت الترام في أذنه حتى طغى على النداء الذي ~~يلاحقه، وحين خيل إليه أنه تخلص من صوت الأذان وقف أمام الترام ~~وراح يتطلع إليه في إعجاب. # عاد الشيخ إلى البيت ثائرا ثورة جامحة، ولقيته زوجته زكية، وراحت ~~تحاول تهدئته ولكن كيف له أن يهدأ؟! حتى عباس، أما يكفيه هؤلاء الناس ~~جميعا يخرجون عن الدين ولا يحتفون بأوامره ونواهيه حتى يفجعه ابنه، ~~فلذة كبده؟! ابنه الوحيد لا يصلي الجمعة! ويا ليته كان مريضا إذن ~~لهان الخطب! ولكن ابنه غير مريض، بل ها هو ذا حتى لم يعد إلى البيت. ~~أيكون قد أصابه حادث؟ لا؛ فلو كان لقصد إليه شعبان في القهوة وعرف ~~النبأ في حينه. هو المروق والعصيان لا شيء آخر. إذن فالويل له ثم ~~الويل! أيظن أن ذهابه إلى الجامعة معفيه من العقاب؟ إن حق الله فوق كل ~~شيء. وهل الجامعة تبعده عن يد الأبوة؟ ليعلمن أي جرم ارتكب، وليذوقن ~~ويلا وثبورا. # ولم يطل انتظار الشيخ وإن خيل إليه أنه طال، وعاد عباس، ولقيه ~~أبوه وقد اختلط احمرار وجهه باحمرار عينيه، وذهب به إلى حجرته، ~~وأغلقها بالمفتاح وعاجله: أين كنت؟! ~~- لم ... لم أكن. ~~- لماذا لم تأت إلى الجامع؟ # وصمت عباس وقال أبوه محنقا: انطق. ~~- كنت ... كنت ... ~~- انطق ... أين كنت؟ ~~- كنت أسير في الطرقات. ~~- ماذا؟! ~~- أردت أن أسير في الطرقات. ~~- أردت ماذا؟! ~~- أليس هذا من حقي؟ ~~- وحق الله ms35 يا كافر يا ملعون! ~~- لا بد أن أكون مقتنعا بالصلاة حتى أصلي. ~~- مقتنعا؟! ~~- نعم، أليست الحرية هي أهم شيء في الوجود؟! ~~- فأنت غير مقتنع بالصلاة؟ ~~- لا. ~~- أنا أقنعك. # وقام الشيخ سلطان إلى عصاه وانهال على فتاه في عنف مغيظ، ولكنه رأى ~~عجبا. كان الفتى إذا ما تعرض للعصا راح يذود عن نفسه بذراعيه، ~~ويتوسل إلى الكراسي والأثاث أن يحميه، ولكن عباس في هذه المرة ظل ~~واقفا مكانه لم يتحرك، وترك العصا تنزل على كل مكان فيه وكأنما هي ~~تضرب شيئا لا أثر فيه من الحياة. وانتبه الشيخ إلى جمود ولده، فجمدت ~~العصا في يده، وراح يحملق في عباس حائرا بين الدهشة والغيظ. وقال عباس ~~في جموده لا يزال: أتريد شيئا آخر يا أبي؟ # وقال الشيخ سلطان في ثورة مشوبة بالدهش: اخرج، اخرج ولا ترني وجهك. ~~اخرج يا كافر. اخرج، اخرج. # وظل يكرر الكلمة لم يسكت عنها حتى بعد أن غادر عباس الحجرة، ~~وأغلق الباب من خلفه. # | الفصل السابع # نعم ولكني تحررت من كل شيء، من ذلك الخوف الذي لا يزال يلازمني ~~حتى وأنا أقبل إيفون. كنت أحس استسلامها بين ذراعي ولا أجرؤ على ~~شيء فأنا خائف، الخوف ينبعث من داخلي لا أدري مأتاه ولا دوافعه، ~~تحررت اليوم، نعم تحررت. # وخرج عباس من البيت وقد أحس أنه خفيف يكاد يشعر أنه على غير صلة ~~بالأرض، ويكاد يظن أنه تخلص من الجسد؛ فروحه أثيرية مهومة بلا حدود، ~~فما هي من ذلك الجسد المادي في شيء. حر، حر، لا يحس بألم العصا، بل يحس ~~فقط أنه حر. # استطاع أن يقول ما يريد، ولا يشك في أنه يستطيع أن يفعل ما يريد، ~~ما يريد هو لا ما يريد له أبوه. سيذهب حيث يحلو له أن يذهب، ولا صلاة ~~في الفجر، ولا صلاة في يوم الجمعة، ولا صلاة على الإطلاق. # وإنه ليعجب كيف تأخر إلى اليوم ليعلن إلى أبيه عن حقيقة مشاعره؟ ~~كيف استطاع أن يخادع نفسه ويخادع أباه طوال هذه الفترة؟ سنة ونصف ~~سنة ms36 ، منذ أول يوم دخل إلى كلية الهندسة، منذ ذلك الحين أصبح واثقا أنه ~~لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بغير الإنسان، الإنسان وحده هو الحقيقة ~~الثابتة في الوجود، إليه وإليه وحده يرجع الحق في تقرير مصير نفسه، لا ~~شأن له بأي قوة أخرى غير قوته هو وإرادته هو. وهو وحده يحمل تبعة ~~أعماله من واقع الحياة نفسها بغير هذا الخرف الذي يسوقه رجال الدين عن ~~الجنة والنار والآخرة والأولى والثواب والعقاب. # عجيب أمر هؤلاء الناس؟! العالم يتحدث عن الذرة وبلوغ القمر، وهم لا ~~يزالون يفكرون في هذه الحركات التي تشبه حركات القرود، وفي إبليس ~~والملائكة؟ الإنسان وصل إلى السماء واخترق بعلمه الحجب وسابق النجوم ~~في مسالكها، وشعب مصر المخدور ما يزال يدخل إلى الجوامع ويسمع من أفواه ~~المشايخ أنباء السماء والجنة والنار! الإنسان يسيطر على السموات، ~~وهؤلاء لا يزالون يظنون أن الجنة والنار مخبأتان في مكان لا يعرفه إلا ~~علام الغيوب! ولا يكتفي أصحاب العمائم بهذا، بل ويريدوننا نحن رجال ~~العلم أن نصدق ما يهرفون به. # ولا يكتفي أبي بأنه يريد، بل يضربني. أعمال عبيد، تعودوا العبودية ~~منذ لا يذكرون متى، واتخذوا طريقهم في حياتهم تدفعهم المخاوف والسياط؛ ~~فرجل الدين يصلي لأنه يخشى نار جهنم، لا لأنه يؤمن بالله، وأبي ~~يضربني لأنه يخاف على نفسه أولا من هذه النار، ثم يخافها علي. لم ~~يؤمنوا بأنفسهم ولا بحقهم في الحرية، وإنما آمنوا فقط بالرعب تلقوه ~~جيلا عن جيل؛ فالرعب هو حياتهم، والقلق والخوف والرهبة من الدنيا ~~والآخرة هي مسابح تفكيرهم، منها تكونت دوافعهم، ومن وحيها تبلورت ~~آمالهم. عبيد يعجبون غاية الإعجاب بقواعد الدين وأوامره ونواهيه، كأنهم ~~الأطفال يريدون السور تحددت معالمه لا يخرجون عنها. أي إنسان لا ~~يعرف أين الخير وأين الشر؟ أنا أعرف وكل إنسان يستطيع أن يعرف الخير ~~والشر من طريق الحياة الذي يخطه هو، في غير حاجة إلى هدى من السماء. ~~يجب ألا تكون السماء بالنسبة إلينا نحن البشر من جيل الطاقة الذرية، ~~يجب ألا تكون السماء إلا معملا ms37 لتجاربنا، وميدانا يتسابق فيه ~~أبناء البشرية أيهم يبلغ من أسرارها ما لم يبلغه الآخر. السماء ليست ~~إلا معملا للتجارب شأنها شأن المعمل الكيماوي سواء بسواء، وهي أيضا ~~حلبة شأنها شأن ملعب الكرة سواء بسواء، إلا أن الأفكار تحل محل الكرة ~~في لعبة السماء هذه. السماء والأرض ملك يميني أنا الانسان، ألعب فأبلغ ~~أقصى قمم السماء، أو ألعب فأبلغ أعمق أعماق الأرض، لا أعرف شيئا في ~~العالم أقوى مني، مني أنا الإنسان. أخيرا استطعت أن أجد نفسي ~~وأعرف طريقي، لا خائفا ولا قلقا. أخيرا استطعت أن أنفض عني ذلك ~~الرعب الذي كان يملأ نفسي وحياتي، وأحس به يمسك يدي وقدمي، بل أحس ~~به يمسك عواطفي ومشاعري تخشى أن تنطلق، بل تخشى حتى أن تهجس بوجودها ~~في نفسي. # كان عباس يسير مستغرقا في أفكاره هذه، ينقله طريق إلى طريق دون أن ~~يختار؛ فقد كان ضجيج أفكاره في نفسه عاليا، وكان إحساسه بأنه حر يملأ ~~عليه نفسه جميعا. وحين انتبه وجد نفسه في طريق مغلق لا يؤدي إلى ~~شيء إلا إلى مسجد صغير تشرئب منه إلى السماء مئذنة جميلة. # ووقف عباس مذهولا؛ فما كان يدري أن قدميه ستقودانه إلى طريق مغلق، ~~ولو أن شعورا لم يدر مأتاه داخله أن الطريق ليس مغلقا، فأنعم النظر ~~وأنعم، ثم لم يجد أمامه بعد ذلك إلا أن يعود مطرقا يلتمس طريقا آخر، ~~ولكن إلى أين؟ كانت الساعة قد شارفت الثانية، وقد تعود أن يأكل في ~~هذا الموعد، وهكذا وجد نفسه جائعا، وتذكر أن أباه قال له: «لا ترني ~~وجهك»، وأنه أزمع فعلا ألا يريه وجهه لبضعة أيام على الأقل. وهكذا ~~انتهى إلى أنه لا سبيل له أن يذهب إلى البيت؛ فهو إذن لا سبيل له إلى ~~الطعام؛ فالنقود معه لا تكفي أكل قطة. ومع تعذر وجود الطعام ازداد ~~شعور عباس بالجوع، وفجأة وجد نفسه يفكر أن الحرية التي حصل عليها ~~ليست كاملة، وضاق بهذا الجوع، هذا الشعور السخيف الذي ثلم شعوره ~~بالحرية، والذي سخر - بعض السخرية - من ms38 فرحته بها، والذي ملأه سخطا ~~وتبرما؛ فإن الشعور بالجوع كان دائما يسلمه إلى حالة من الضيق ~~والغضب. # وخطر في ذهنه ألا سبيل له إلا أن يذهب إلى بيت خالته ويتناول غداءه ~~معهم، ولا شك أن ليلى ستسر برؤيته. ليلى؟! ما له ذكر ليلى ولم يذكر ~~خالته؟! # | الفصل الثامن # كانت إيفون تجلس إلى ابنة عمها منى، وقد كانتا لا تحسان بالوقت إذا ~~انفردت بهما الجلسة. كانت إيفون تعرف كل خافية لمنى، كما كانت منى تعرف ~~كل خافية لإيفون. وكانت منى تعلم بين ما تعلم هذه العلاقة التي درجت ~~بين عباس وبين إيفون، والتي بدأت باللقاء وانتهت إلى القبل، ثم تجمدت ~~مظاهرها لم تتطور، وإن كان دبيبها في قلب المحبين يزداد ضجيجا، ~~ونيرانها في عروقهما تزداد اشتعالا. وكانت منى لا تني تقول لإيفون ~~كلما تحدثا عن هذا الحب: وما النتيجة؟ # وتجيب إيفون: وأي نتيجة تريدين؟ ~~- النتيجة الطبيعية لكل حب هو الزواج. ~~- وما المانع؟ ~~- كأنك لا تعرفين. ~~- تقصدين اختلاف الدين؟ ~~- وهل هذا قليل؟ أنت تعرفين شدة عمي مرقص وعمتي مريم في هذه ~~الناحية. ~~- الدين محبة، والمسيح سلام. ~~- أجل، ولكن هناك تقاليد دينية لا يمكن الاعتداء عليها. ~~- المسيح يقول: «أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا ~~لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم.» فكيف لا يريد مني أن أحب من يحبني ~~وأبارك من يباركني وأحسن إلى من يحسن إلي. ~~- أتحاولين أن تقنعيني أنا أم تحاولين أن تقنعي نفسك؟ ~~- أنا لا أحاول إقناعك أو إقناع نفسي، إنما أقول لك ما يدور في ~~نفسي. ~~- هل أنت واثقة من حبه كل الثقة؟ ~~- وثوقي من أنني أراك الآن. ~~- وأين وقفت العلاقة بينكما؟ ~~- على ما تعرفين. ~~- لم تزد؟ ~~- لم تزد! ~~- حذار يا إيفون. ~~- إنه أشد مني حذرا. ~~- أبوك يقتلك! ~~- لا تخافي. ~~- أنا خائفة يا إيفون من عواقب هذه الصلة. ~~- أنا مطمئنة إليها. ~~- أرجو أن أطمئن مثلك. ~~- وأنت ماذا فعلت مع ميشيل؟ ~~- وماذا يمكن أن أعمل؟ ~~- سيأخذ الليسانس هذا العام، أليس كذلك؟ ~~- نعم، ولكنه سيتقدم إلى أبي قبل ذلك. ~~- وماذا يدعو إلى العجلة ms39 ؟ ~~- سمع أن هناك كلاما حول شخص آخر. # وضحكت إيفون في خبث. ~~- سمع؟! طبعا لا بد أنه سمع من منوم مغناطيسي. # وفهمت منى الإشارة فابتسمت وقالت: ألم أقل لك إن المهندس الذي يعمل ~~بالتليفونات، والذي يسكن البيت المقابل حاول أن يتعرف بأبي؟ # وازدادت ابتسامة إيفون وهي تقول: منى، أتحسبينني ميشيل حتى تحاولي ~~أن تضحكي علي أنا الأخرى؟ أي مهندس وأي تليفونات؟ # وقالت منى بين الابتسامة والخجل: صحيح وحياتك. ~~- دعي حياتي يا خبيثة، لفقت للشاب حكاية لتعجلي ~~بالخطبة. # واستسلمت منى: وماذا أفعل؟ إنه يريد أن ينتظر حتى ينال الليسانس، ~~ومن يدري لعله بعد الليسانس يقول انتظري حتى أنتهي من التمرين، وتمر ~~السنون. لا بد أن نتصرف قليلا يا إيفون. ~~- وهل أفادك التصرف؟ ~~- طلب مقابلة أبي. ~~- وماذا قال عمي شفيق؟ ~~- سيقابله يوم الإثنين القادم. ~~- نفعت الشغلة. ~~- طبعا، وهل نلعب؟! ~~- مبروك يا منى. ~~- العقبى لك. ~~- يا ليت! ~~- ولو أني لا أدري كيف سيتم هذا. ~~- سيتم كما يتم كل زواج. ~~- الظاهر أن الحب أنساك أخلاق أبيك وشدة تدين أمك. ~~- كل ما أعرفه أني أحبه وأريده، وأنه يحبني ويريدني. # والزوج والزوجة هما أهم عنصرين في الزواج، بل هما العنصران الوحيدان ~~فيه، وكل ما عدا هذا قشور. ~~- التقاليد والدين وأبوك وأمك. ~~- المهم أنا وهو، وفقط. ~~- كم أنا خائفة! ~~- ولكني أنا غير خائفة، اطمئني. ~~- أرجو أن أطمئن. # كانت الساعة قد جاوزت العاشرة وعباس ما زال يرود الشوارع بلا عمل، ~~إلا أنه لا يريد أن يعود إلى أبيه. ولم يكن على موعد أن يذهب إلى ~~إيفون في يومه هذا، ولكنه لسبب لا يدريه وجد نفسه مشوقا إليها، كما ~~وجد في نفسه الجرأة أن يتجه إلى بيتها ويصعد إلى حجرتها دون أن يخشى ~~مغبة هذا الذهاب المفاجئ، وما قد يكمن في حجرتها التي لم تتوقعه من ~~مفاجآت. قدر هذه الأخطار جميعا، ولكنه استهان بها وانطلق في تصميم ~~إلى حجرة إيفون. # وطرق الباب، وكانت إيفون قد ارتدت ملابس النوم، وما كانت هذه ~~الملابس شفافة، ولا هي مما تزيد المرأة جمالا. كانت ms40 جلبابا من ~~القماش العادي. وأدركت إيفون أنه هو الطارق، وفكرت أن تغير ~~ملابسها، ولكنها خشيت وقفته الطويلة أمام الباب، فلم يطل ترددها. ~~وفتحت لعباس الذي وقف صامتا جامدا إلى الحجرة. وقالت إيفون: خير يا ~~عباس، هل هناك شيء؟ ~~- لا أبدا، ألأنني جئت على غير موعد؟ لقد أردت أن أراك، هذا كل ما ~~هناك. ~~- وأنا أريد أن أراك دائما. # وفي هذه الليلة تطورت العلاقة بين إيفون وعباس بعد أن تخلص عباس ~~من الخوف الذي كان يداخله. وباتت إيفون في ليلتها تلك وقد ودعت ~~عهدا من العذرية والبراءة، لتستقبل عهدا جديدا لا تدري ما مصيرها ~~فيه. # ذهب عباس إلى البيت، وحين شارفه رأى حجرة أبيه مضيئة، بل رأى الشقة ~~جميعها مضيئة، فسارع الخطو، حتى إذا بلغ الباب الخارجي وجد وهيبة ~~واقفة وحدها تكلم لطفي، وثار لهذه الوقفة، وغضب أن يرى لطفي وحيدا ~~مع أخته، فقال له في حدة: ماذا تفعل هنا يا لطفي الآن؟! وأنت ماذا ~~تفعلين؟ # وكانت لهجة صارمة حتى لقد أحس الاثنان أنهما يرتكبان ذنبا هما ~~براء منه. واستطاعت وهيبة في ثقة أن تخبره أن أباها وأمها والجميع ~~قلقون لغيابه طول النهار، وأن لطفي كان يبحث عنه وقد جاء ينبئها أنه ~~لم يجده. # واستأذن لطفي دون أن يقول شيئا إلا تحية واهية ألقاها عفوا، ثم ~~استدار وانصرف. # وقال عباس لأخته: اذهبي فقولي لأبي إني جئت. ~~- وأنت لماذا لا تدخل إليه؟ ~~- إنه لا يريد أن يراني. أنا ذاهب إلى حجرتي. # وصعد الأخوان، واتجه عباس إلى حجرته، وذهبت وهيبة إلى أبيها وأمها ~~فأخبرتهما بمجيء عباس، فإذا الشيخ سلطان يقول في غضب مرتاح هادئ: لا ~~وعى يجيء. جاءته داهية. # وانتفضت زكية تقول في خوف: لا حول إلا بالله يا شيخ سلطان! لماذا يا ~~رجل؟! إنه ابنك! ~~- ابني ... ابني ... أنا براء منه ليوم القيامة. # وتقول الأم المسكينة في إذعان: لا حول ولا قوة إلا بالله! لا حول ولا ~~قوة إلا بالله. # | الفصل التاسع # كانت ليلى جالسة في حجرتها تقرأ، وتحاول أن تقرأ في إمعان ms41 ولكن بلا ~~جدوى؛ فقد كان علمها بهذه القطيعة التي يعانيها ابن خالتها عباس من ~~أبيه تأخذ عليها تفكيرها، وهي تعلم عن عمها الشيخ سلطان المبالغة في ~~الغضب، وتخشى أن يشغل الغضب عباس عن المذاكرة والإخلاص في هذه ~~المذاكرة؛ لأن كلية الهندسة تريد من الطالب كل وقته، وهي في الوقت ~~نفسه حائرة لا تدري ماذا تفعل لتهيئ لعباس ما هو أشد الحاجة إليه ~~ليفرغ لعلومه. أتذهب إليه ترجوه أن ينصرف إلى المذاكرة ولا يهتم بأي ~~شيء سواها؟ كيف تلقاه على انفراد؟ أترسل له لطفي؟ قد يظن أنها رسالة ~~لا يليق به أن يحملها؛ فإن معاني الرجولة في ذهنه ما زالت مبهمة غير ~~واضحة. أترسل أمها؟ ما أيسر ما تقول أمها: «وأنت ما شأنك؟» فإن أمها ~~تعتقد عن ثقة لا سبيل إلى الشك فيها أن كل صلة بين رجل وامرأة لا تقوم ~~إلا على الزواج أو الرغبة في الزواج، ولن تقبل أمها مطلقا التفسير ~~الذي تقول به ليلى وهو أن عباس كأخيها، وأن أمره يهمها لهذه الصفة ~~وحدها. لا، لا تستطيع الست حميدة أن تعي هذا أو تفهمه. كيف إذن البلوغ ~~إلى عباس؟ إنه لا يقيم بالبيت إلا ريثما يتناول غداءه منفردا في ~~مواعيد غير منتظمة، متحريا ألا يلتقي بأبيه. كيف السبيل إليه إذن؟ ~~لا بد أن تحاول. وتركت الكتاب من يدها وقامت إلى باب حجرتها ونادت: ~~لطفي، لطفي. # وجاءها صوت لطفي من حيث يحاول أن يذاكر هو أيضا: نعم يا ليلى، ~~ماذا تريدين؟ ~~- تعال. # وحين جاء إلى حجرتها قالت له: أريد أن أذهب إلى بيت خالتي. # وطفرت ابتسامة إلى وجه لطفي، ثم أعقبتها وجمة، ثم وجد نفسه يقول في ~~غير تشبث ولا غضب: لا، لا أريد أن أذهب إلى هناك. # ودهشت ليلى هنيهة، ثم قالت: عجيبة! منذ متى؟ لقد كنت أنت من ~~تتمحك في أن تذهب إلى هناك، ماذا جد علينا؟ ~~- كان عباس فظا معي في آخر مرة رأيته فيها. ~~- عباس، ألا تعلم ما هو فيه الآن؟ ~~- الذي أعرفه أنني لا ms42 أحب أن يكون أحد فظا معي. ~~- يا أخي هو لا يقصد، وأنت تعرف الأزمة التي يعانيها الآن. هيا هيا، ~~لا تكن عنيدا. ~~- طيب، انتظريني حتى أغير ملابسي. ~~- وما لهذه الملابس؟ إنها عظيمة. ~~- لا، سألبس الحلة الجديدة، انتظريني. # وتخايلت ابتسامة على شفتي ليلى وقالت: إذن أسرع. # ولم يكن محتاجا لهذه التوصية فقد كان يريد أن يسرع فعلا، ولكنه ~~أيضا كان يريد أن يتأنق. وبين الرغبتين المتناقضتين كثر دهان ~~الشعر حتى أصبح رأسه كالحذاء اللامع، ولم يستطع أن يختار رباط الرقبة ~~الذي يتفق مع الحلة الجديدة؛ فقد ظل يجرب الأربطة الأربعة التي ~~يملكها، واختار أسوأها من العجلة، ولكنه على كل حال استطاع أن يلبس ~~أخيرا وأن يخرج إلى ليلى. ولن يخطئ من يراه أن يدرك أنه بذل أقصى ~~جهده ليبدو أنيقا، ولكن جهده خذله فلم يستطع أن ينال ما يصبو إليه. ~~وترقرقت ابتسامة ذكية على شفتي ليلى أحنقت لطفي فقال: ما لك؟ # وخشيت أن تثيره فقالت في جد: لا شيء. هيا. # ونزلا، كل منهما يدرك ما يريد، ولكنه يحس كثيرا من سدوف الضباب ~~تقف بين خلجات نفسه وبين شعوره الواعي. كلاهما في حيرة ذاهلة، وكلاهما ~~لا يبذل كثير جهد ليزيل حيرته أو يجلو الإبهام عن عميق مشاعره. # كان عباس قد سئم من كثرة بعده عن البيت، كما أحس أنه قد آن له ~~العود إلى المذاكرة. وكان عباس أيضا يحس شعورا غريبا نحو إيفون؛ ~~إنه منذ تحرر من خوفه أحس كأنه أيضا يريد أن يتحرر من حبه. لم ~~يعد شغفه بالذهاب إليها ملحا كما كان قبل هذه الليلة التي ذهب إليها ~~على غير موعد. # ما الحب؟! نوع آخر من العبودية، ولكنني مع هذا أحب أن أذهب إليها، ~~بل وأحب أن أطيل من الجلوس معها. أحب ذلك ولكن لا كما كنت قبيل هذه ~~الليلة. ويل لهذا الجسم إنه يستعبدنا كما تستعبدنا التقاليد وأوامر ~~الآباء وآراء المجتمع وطقوس الدين. ما الفارق بين هذه العبودية التي ~~أدين بها للجسم، وبين هذه الألوان من العبودية التي تحررت ms43 منها؟ هل ~~أستطيع أن أتحرر من عبوديته؟ ما هذا التخريف؟ أتريد ألا تأكل؟ كيف ~~أستطيع أن أقاوم الجوع؟ وكيف أستطيع أن أقاوم نزوعي إلى إيفون؟ وما ~~لي لا أقول حبي لإيفون؟ إنه حب، وإن يكن الشوق الصديان قد بل، إلا أن ~~حبها ما زال. نعم، ما زال في قلبي، وقد أصبحت وإياها اليوم أشد ~~ارتباطا. وكيف لا؟ ألست أنا، أنا وحدي من شاركها فيما صارت إليه؟ لقد ~~فعلت وعلي أن أتحمل مسئولية ما فعلت - وأنا بغير تفكير - في هذا ~~الواجب الذي لا بد أن أحمله وحدي. أنا أحبها، نعم أحبها. # واستطاع عباس أخيرا أن يفرغ إلى مذاكرته على هذه الثقة التي أودعها ~~نفسه من أنه يحب إيفون. واستمر عباس في مذاكرته مقدرا أن أباه لن ~~يلبث أن ينزل إلى القهوة دون أن يحس بوجوده في البيت، ولكن خاطرا آخر ~~شغله عن المذاكرة: إنه في حاجة إلى البيت ليذاكر، وفي حاجة إلى أبيه ~~ليعيش، فكيف إذن يريد أن يتحرر من أبيه؟ وما لبث أن صرف هذه ~~الخاطرة. لقد أحضره أبوه إلى الدنيا فعليه أن يتحمل المسئولية، وليس ~~على عباس أن يقدم إليه ضميره في مقابل رعايته له. إنه يحترمه ولكنه ~~لا يبيعه ضميره في مقابل إيوائه، وإن رأيه أكرم عنده من أن يذله، ~~وحريته أحب إليه من الدنيا كلها، وقد نالها ولن يتركها تفلت من يده ~~مرة أخرى. وعاد إلى المذاكرة. # وأقبلت ليلى، وسمع عباس صوتها من حجرتها، فقام إلى البهو يلقاها، ~~وعاجلته ليلى: أنت هنا؟ الحمد لله، أريد أن أراك. ~~- وأنا أيضا أريد أن أراك. ~~- وقالت وهيبة: تعالوا نجلس في حجرتي. ~~- وقال عباس: ولماذا لا تجلسون في حجرتي أنا؟ # وظل لطفي رانيا إلى وهيبة غير واع لهذا الحوار، حتى دخلوا إلى ~~حجرة عباس، فدخل لطفي معهم تابعا وهيبة. واستقر بهم المجلس، ولم ~~يكد حتى قالت ليلى: ماذا جرى يا عباس؟ لم نرك منذ جئت إلينا ~~وأخبرتنا أنك على خلاف مع عم الشيخ سلطان. # وسكت عباس وقالت وهيبة: قولي له يا ms44 ليلى، أيصح أن يغضب أباه ويرفض ~~أن يعتذر إليه؟ # وقالت ليلى: وهيبة، هل خالتي هنا؟ # فقالت وهيبة في دهشة: أهذا جواب سؤالي؟! # وأعادت ليلى سؤالها: هل هي هنا؟ # وقالت وهيبة: لا، لقد ذهبت لزيارة أم إيفون. # وقالت ليلى في إصرار: إذن فأنا أريد أن أجلس وحدي مع عباس. # ودقت وهيبة صدرها قائلة: ماذا؟! # وقالت ليلى: هناك أشياء كثيرة أريد أن أحدثه فيها، ولن يقولها ~~أمامكما. # وقال لطفي وكأنما صحا فجأة: هل جننت؟! # فقالت ليلى: لا تكن أنت مجنونا، اتركا الباب مفتوحا واجلسا في ~~البهو حتى إذا جاء أحد فادخلا. لا بد أن أكلم عباس في هذا الخلاف ~~بينه وبين أبيه. # وأثناء حديث ليلى خطر للطفي أن بقاء أخته وحدها مع عباس يفيد - ~~ضمنا - أنه سيبقى وحده مع وهيبة، وأدرك أن لا حرج عليه أن يفعل؛ فهو ~~يعلم أن الحديث بينهما دائر حول الخلاف الناشب في البيت، أما حديثه ~~هو لوهيبة فاعتماده على الله وحده أن يهديه فيه سواء السبيل. وقال ~~لطفي: تعالي يا وهيبة نجلس في البهو. # وقامت وهيبة وتركتهما، وبادرت ليلى عباس: أولا، هل لما كنت تشكوه ~~من إهمال أختك وأمك لك دخل في هذا الخلاف؟ ~~- لا، هذا شيء تعودت عليه. أصبحت أعلم أن أبي وحده هو رب البيت، ~~وأن إليه وحده يتجه التقديس وتقدم الخدمات، أما أنا فشيء ضمن هذه ~~الأشياء التي يقتنيها الناس، ولكن هذا وضع تعودته منذ نحن صغار، أما ~~زلت تذكرين هذا الحديث؟ ~~- إذن قل ما خلافك مع أبيك؟ ~~- قلت له لا أريد أن أصلي لأني غير مقتنع بالصلاة. # ونظرت إليه ليلى عاجبة، ثم ما لبثت أن قالت: ماذا فعل؟ ~~- ضربني. # ووجد نفسه يقولها دون أن يحس الغضاضة التي كان يحسها حين كانت ليلى ~~أو إيفون تعلم أن أباه ضربه. # وقالت ليلى: وبعد؟ ~~- لا بعد. هو لا يريد أن يرى وجهي، وأمي ووهيبة تلحان علي أن ~~أذهب فأعتذر إليه، ومعنى اعتذاري أن أصلي وأنا لن أصلي. ~~- فبماذا تؤمن؟ ~~- بالإنسان، الإنسان الذي خلق الذرة وصنع الصواريخ ms45 . ~~- ولكن أليس بين هؤلاء العلماء الذين صنعوا الذرة والصواريخ من ~~يؤمن بالله. ~~- لا يمكن. أيمكن لهذه العقول الجبارة أن تؤمن بالمعجزات؛ من شفاء ~~العمى، والعصا التي أصبحت ثعبانا، والميت الذي أصبح حيا، وغيرها، ~~أتعقلين أنت هذا؟! ~~- وكيف لا أعقله؟ ~~- أنت تصدقين هذه الأوهام. ~~- أنا أصدق كل المعجزات التي جاءت في القرآن لا أستثنى منها ~~شيئا. ~~- لا يمكن. كنت أعتقد أنك أعقل من عرفت. ~~- ولهذا أومن بهذه المعجزات. ~~- أنا لا أصدق ما تقولين. أنت ما زلت أسيرة في قيود التقاليد ~~والأوهام! ~~- بل إني أعي ما أقول، وأقوله وأنا أحس بحرية كاملة في ~~تفكيري. ~~- كيف؟ ~~- ألم تفكر لحظة في نفسك؟ إنك معجزة أعظم من كل هذه المعجزات. ~~أنت أيها الإنسان المفكر الذي لا يؤمن بغير الإنسان. إن نفسك هي ~~المعجزة الكبرى، ولم تستطع الوصول إلى أصلها. ما سر الروح فيك؟ عرف ~~العلماء الجسم كيف يحيا، وعرفوا كهوف النفس وأغوارها، وأطلقوا الصواريخ ~~وملئوا الدنيا علوما، ولكنهم لم يعرفوا سر الروح. سل هؤلاء العلماء ~~الذين تؤمن بهم أن يخلقوا جناح ذبابة، ضعف الطالب والمطلوب. ~~- ماذا تقولين؟! نحن أبناء الطبيعة. ~~- ها أنت عاجز أيها الانسان المفكر، وعجزت أن تعرف سر نفسك فنسبت ~~نفسك إلى الطبيعة إباء منك أن تنسب نفسك إلى خلق الله. ما الفارق إذن؟ ~~ألا إنكم تحاولون أن تخلقوا شيئا تضعونه موضع هذا السر الأعظم الذي ~~استغلق عليكم وسيظل مستغلقا. ~~- لو أن العلماء شاءوا لعرفوا سر الروح. ~~- لو أنهم شاءوا؟! ما لهم لم يشاءوا؟ وهل هناك أهم عند هؤلاء العلماء ~~من أنفسهم؟ ألا يريدون أن يعيشوا فلا يموتون؟ ألا يريدون أن يعرفوا ~~ما هم؟ ما هذه الحياة التي تدب فيهم على رغم أنوفهم، وتستلب منهم على ~~رغم أنوفهم؟ أيريدون أن يتحكموا في الذرة والصاروخ، ولا يريدون أن ~~يتعرفوا أنفسهم وهي أنفسهم، وحياتهم وهي حياتهم؟! ~~- ما قلت إلا الحديث المعاد. أي نفع لهذه الصلاة وهذا الإيمان بما لم ~~نر في عصر سيطرت فيه الآلة، الآلة التي صنعها الانسان. ~~- أي نفع للصلاة؟! إنها الملجأ، إنها ms46 الملاذ. إن إحساسا أن هناك ~~قوة عليا تحمينا وتشرف علينا يملؤنا إيمانا بها وطمأنينة. ولن يحتاج ~~الإنسان إلى شيء في الحياة قدر حاجته إلى الهدوء والطمأنينة. ~~- ضعف. لو آمنت بنفسك وبقوتك أنت الإنسان؛ لما احتجت إلى هذا ~~الذي تقولين. ~~- إن شعورنا بالسماء هو الذي يمدنا بالقوة في الأرض. ~~- أنا لا أعرف السماء، وأحس نفسي قويا ماردا أفعل ما ~~أريد. ~~- ألا تفكر في الموت؟ ~~- فناء. ~~- ألا تجد أن تصوره حياة ثانية أجمل وأمتع. ~~- كلام فارغ! أي حياة ثانية؟! وماذا أريد منها؟ ألا تكفيني حياتي ~~هذه؟ لقد خلقت الذرة والصواريخ في هذه الحياة بلا حاجة إلى الحياة ~~الثانية. نحن في عصر يأبى هذه الخزعبلات. ~~- لكم أخشى عليك يوما تحتاج فيه إلى هذه الخزعبلات! ~~- لا تخشي، لن يأتي هذا اليوم. ~~- إذن لا فائدة. ~~- لا فائدة في ماذا؟ ~~- كنت أطمع أن أجعلك تعتذر إلى الشيخ سلطان. ~~- لا تخافي. أنا محتاج لوقتي في المذاكرة، وهو لا يراني والأمور ~~تسير. ~~- هل أنت واثق أنها تسير؟ ~~- لا بد أن تسير. # وقالت ليلى وهي تنادي: لطفي. # ورد لطفي من البهو: نعم. ~~- هيا بنا. # وقال لطفي في غير سرور: هيا. # | الفصل العاشر # لم يكن حديث لطفي إلى وهيبة قد انتهى؛ فقد أضاع لطفي وقتا طويلا ~~ليستطيع أن يبدأ حديثا، أي حديث؛ فقد كان قلبه واجفا يريد أن يقول ~~شيئا ولا يستطيع أن يقوله، فهو يبحث عما كان يريد أن يقوله فيجده ~~قد راغ منه في طوايا نفس كثيرة التلافيف اضطرم هادئها فهي موج لا قرار ~~له من الاضطراب والإقدام والخوف والحب والخجل. # وحين استطاع لطفي أن يجد شيئا يتحدث عنه، ما لبث أن تبين أنه ~~يلقي بحديث لا قيمة له، وأنه لو ظل على هذا الحديث الذي أخذ فيه ما ~~بلغ إلى شيء مما يريد. كان يتحدث عن المدرسة وعن تقدمه في ~~الدروس، ولكن سرعان ما سكت. ثم عاد يبحث مرة أخرى عن طريق يؤدي به ~~إلى ما تهفو إليه نفسه، ولكن وهيبة لم تسكت: قل لي بهذه المناسبة ms47 ~~يا لطفي، ماذا جرى لك؟ ~~- ماذا؟ ~~- تخبرني خالتي أنك أصبحت من الأوائل، وأنك أصبحت تذاكر ليل ~~نهار. ~~- وما العجب في هذا؟ ~~- والكرة؟ ~~- ما شأنها؟ ~~- هل تركت اللعب؟ ~~- أصبحت أتفرج عليها. ~~- ولماذا هذا التغير؟ ~~- أريد أن أنجح، أريد أن آخذ الشهادة. ~~- أنت لا تعرف يا لطفي كم أنا سعيدة بما سمعت منك! ~~- أنت لا تعرفين السبب الذي يجعلني أحاول جهدي أن آخذ ~~الليسانس. ~~- وهل هناك سبب أقوى من الليسانس نفسه؟ ~~- نعم، هناك سبب مهم جدا. ~~- ما هو؟ ~~- ألا تعرفينه؟ # وابتسمت وهيبة وتجاهلت وأغضت عن خفر غير متجاهل، واستأنف لطفي: ~~أهم شيء أسعى إليه ليس هو الشهادة. ~~- إنك لا تزال في الثانوي. ~~- أعلم، ولكني سأجتاح السنين، سآكلها أكلا، في غمضة عين سأصبح في ~~الجامعة، وفي صحوة عين أكون قد خرجت من الجامعة. ~~- إن شاء الله. ~~- كل شيء بأمره، وسأذاكر، وأذاكر، ولا أفعل شيئا إلا أن أذاكر، ~~ولكنني فقط، أريد أن تعرفي لماذا أذاكر. ~~- لطفي؟ ~~- وهيبة أنا لا أستطيع أن أقول أكثر مما قلت. وهيبة هل ~~فهمتني؟ ~~- لا أعرف. ~~- بل يجب أن تعرفي، ويجب أن أعرف أنك قد عرفت. ~~- لطفي أنت تعرف أنني ... أنني ... ~~- أنك؟ ~~- لطفي أرجوك. ~~- أرجوك أنت. ~~- أنت تعرف أنني ... ~~- أنك ماذا؟ ~~- لطفي لا أستطيع أن أتكلم ... ~~- هل عرفت لماذا أذاكر؟ ~~- يا لطفي يا لطفي ... أنت تعرف حياتنا ... لا أستطيع أن أتكلم ~~... ~~- أنا لا يهمني إلا أنت. ~~- وأنا لا أملك في نفسي شيئا ... ~~- تقصدين عم الشيخ سلطان؟ ~~- نعم. ~~- المهم أن أعرف رأيك أنت، أنت أولا، ولا عليك بعد ذلك. # صمتت وهيبة وعادت إلى الإغضاء، فقال لطفي: ألا تقولين ~~شيئا؟ ~~- أنت تعرف ... أنت تعرف. ~~- أنا لا أعرف شيئا، هذه أول مرة أكلمك فيها عما في نفسي. ~~قولي. ~~- ماذا أقول؟ ~~- وهيبة. ~~- لطفي. ~~- وهيبة ... هل لي عندك مثل ما لك عندي؟ ~~- نعم. # قالتها وهي خائفة، ثم قامت عنه في سرعة خجلانة لا تريد أن تراه ~~بعدها، ولكنه قال قبل أن تغادر البهو: وهيبة، تعالي. # وجدت نفسها تعود إلى مجلسها مطرقة، وقال لطفي: المسألة تحتاج ms48 منك ~~إلى شيء آخر. # وقالت وهيبة وهي مطرقة ما تزال: ماذا؟ ماذا يا لطفي؟ ألا يكفي ~~هذا؟ ~~- لا، لا يكفي أبدا، بل إن عليك واجبات مهمة جدا. # ورفعت وهيبة إليه رأسها في دهشة وسألته: واجبات؟! ~~- نعم، فأنت الأن كبيرة ... وقد ... وقد ... ~~- ماذا؟ # وحينئذ جاء النداء من ليلى فلم يستطع إلا أن يهمس: سأكلمك ثانية ~~فيما يجب عليك. ~~- هيا ندخل لهما. # وقبل أن يدخلا كانت ليلى قد خرجت وصحبت أخاها إلى الخارج. # | الفصل الحادي عشر # أحست إيفون أنها غريبة في بيت أبيها. كان حنانه وعطف أمها المشوب ~~بالشدة، كما هما لم يتغير منهما شيء، ولكنها مع ذلك كانت تحس أنها ~~غريبة. كان هذا الشعور يطالعها من داخلها هي، ليس لشيء مما يعاملها ~~به أبوها أو أمها أي صلة به، إنها غريبة؛ أفكارها لا تنسجم وحياتها ~~اليومية، آمالها بعيدة غاية البعد عن الآمال التي يرسمها لها أبوها أو ~~تحلم بها أمها. غريبة هي في بيتها لا تدري لماذا؟ أهو هذا الذي حدث ~~بينها وبين عباس؟ ولكنه السر الذي لم يعرفه أحد. # ولكني أنا أعرفه، أعرفه، وما الجديد فيه؟ ألم يكن العهد بيننا على ~~الزواج، وقد تم الزواج؟ أهو قد تم؟ لا، لا، لم يتم؛ فأين زوجي إذن إن ~~كان الزواج قد تم؟ أين عباس؟ هناك في بيته. # كانت تحس أن هذا السر الذي تخفيه هو الذي يجعلها غريبة. شتى من ~~المشاعر، وألوان من المخاوف، ونيران من الحسرة تراوحها نسمات من ~~الطمأنينة. تذكر مستقبلها إذا خذلها عباس فتراه أسود داكنا تطل منه ~~المخاوف ويملؤه الرعب، ثم تذكر وجه عباس الصافي الأمين فتنفي عن قلبها ~~الخوف ولا تذكر غير السعادة. أيقبل أبوها وأمها؟ وما لها هي؟ إنها ~~ستتزوجه قبلا هذا أم لم يقبلاه. # فما مصيرها إذا هو لم يرد الزواج بها؟ وتنهدم الآمال وتطل عليها ~~المخاوف مرة أخرى، فلا تجد وسيلة إلا أن تذكر وجه عباس الصافي ~~الأمين؛ فتعود إليها الطمأنينة وانية كأنها طيف حذر يتلفت قبل أن ~~يقدم، يستوثق دون خطاه. # وقد ترى ms49 أمها ما يلم بابنتها من قلق، ويداخلها ما يداخل أما ~~تحب ابنتها فتسألها: ما لك؟ # وتنظر إليها إيفون مليا، ثم تقول: ما لي؟ ~~- ألا تعرفين؟ تفكرين وتطيلين التفكير، وتسكتين فتمر بك الساعات ~~لا تنطقين. ~~- يا سلام يا ماما! إنما يتهيأ لك. لا شيء بي. # وتسكت الأم، وقد تطمئن نفسها أن إيفون أصبحت في السن التي يجوز لها ~~فيه أن تفكر وتسكت، ويصيب هذا النوع من التفكير مكانا في قلب الأم ~~يحب أن يطمئن فتطمئن. # كان اليوم جمعة، وكانت إيفون جالسة إلى أمها في البهو تنتظر قدوم ~~مرقص أفندي، وكانتا تعلمان أنه قادم مع الأذان بصلاة الجمعة؛ فقد كان ~~أصدقاء القهوة يتركونه في هذا الموعد. وجاء مرقص أفندي وحياهما، ورأت ~~مريم في وجه زوجها هذا الأسى الذي تعرفه فيه إذا صادف خارج البيت ما لا ~~يرضيه. وعلى عادتها أخذت في حديث، وعلى عادتها صمتت. وتنهد مرقص ~~أفندي وساد الصمت قليلا، ثم قال مرقص: مسكين أبو الأولاد. ~~- خير يا مرقص؟ ~~- الشيخ سلطان، الرجل الطيب على خلاف مع ابنه عباس. ~~- خلاف؟! أي خلاف يمكن أن ينشأ بين أب وابنه؟ فليضربه فينتهي ~~الخلاف. ~~- لم يفد هذا العلاج في هذه المرة. ~~- كيف؟ أنا أعرف الشيخ سلطان رجل شديد في بيته، وكلهم ~~يرهبونه. ~~- المسألة ليست مسألة إرهاب، عباس - طبعا - لم يقل لأبيه كلمة ~~جافية، ولكن يبدو أن الخلاف أعمق من هذا. ~~- وما الخلاف؟ ~~- أنا ذاهب إليه بعد الظهر في القهوة وسأرى. # كانت إيفون صامتة لم تتكلم؛ فهي قد علمت من عباس أن هناك خلافا، ~~ولكنه لم يبن لها عن أسبابه. وقد كانت تنتظر أن تعرف من عباس في ~~زيارته القادمة ما لم تعرفه، ولكنها مع ذلك أبت أن تسكت فهي تقول ~~لأبيها: لماذا لا تحاول أن تصلح ما بينهما؟ # وقالت مريم: ونحن ما شأننا يا إيفون؟ لنكن في حالنا. # قال مرقص أفندي: كيف تقولين هذا يا مريم؟ الشيخ سلطان صديق العمر. ~~طبعا سأفعل كل ما أستطيع أن أفعله. # وقالت إيفون في فرح: ربنا يبقيك يا بابا ms50 . ~~- يا بنتي ربنا يحفظك ويبعد عنا السوء. يا إيفون يا بنتي، إن أعظم ~~مصيبة يلاقيها الإنسان في حياته هي المصيبة التي تناله في ~~أولاده. # وغامت عينا إيفون بالدمع وأوشكت أن تجهش لولا أنها قامت مسرعة إلى ~~حجرتها، وتعلقت عين أبيها بها حتى اختفت عن ناظريه، ثم استرد هو ~~الآخر دموعا أطلت فغاضت بين حب لابنته وإشفاق عليها مما أثاره في ~~نفسها بحديثه. # وحين ألقت إيفون نفسها إلى السرير وأصبحت وحيدة لا أحد حولها، أطلقت ~~الإجهاشة المكبوتة وهي تتساءل: ماذا هو فاعل حين يعلم؟ ماذا هو فاعل ~~حين يعلم؟ # وحين أتم الشيخ سلطان حديثه إلى مرقص أفندي قال: استكبرت يا مرقص ~~أفندي أن أشكو همي لرضوان، وهو عديلي وزوج خالته. لم أرد أن يعلم ~~أحد أن ابني يعصي أمري، ولكن المصيبة أكبر من أخفيها في نفسي. لم أجد ~~بين أصدقائي من أروي له إلا أنت؟ ماذا أقول يا مرقص؟ ماذا أقول لهم؟ ~~أأقول إن ابني ... ابني أنا مفتش الوعظ والإرشاد ملحد؟ كيف سينظر إلي ~~زملائي؟ كيف أريهم وجهي؟ أيبلغ بي الفشل في عملي إلى درجة أنني لا ~~أستطيع أن أجعل ... ابني ... ابني الوحيد مؤمنا؟! يجب أن أستقيل، وإذا ~~استقلت ماذا نأكل وكيف نعيش؟ بل كيف يعيش حضرة الملحد الذي يضمه ~~بيتي؟ لا رأيتها أبدا يا مرقص أفندي، لا رأيتها أبدا. # وصمت مرقص أفندي قليلا ورفع رأسه من إطراقه، ثم قال: هون عليك يا ~~شيخ سلطان. ~~- أمثل هذا الخطب يهون؟ ~~- قل لي، ألا تحس أنك قد أديت واجبك نحوه؟ ~~- وما فائدة أنني أديت واجبي إذا كان لم يثمر؟ ~~- المفروض يا شيخ سلطان أننا نؤدي واجبنا نحو أولادنا، وحين ~~يبلغون من السن ما بلغه عباس يصبحون هم مسئولون عن أنفسهم أمام الله ~~والناس، هل قصرت في شيء؟ ~~- وهل أدري؟ ~~- كل إنسان يؤدي واجبه بالطريقة التي يعتقد أنها صحيحة، فهل أنت ~~مقتنع أنك أديت واجبك بالطريقة التي يرضاها ضميرك؟ ~~- كان ضميري مستريحا، أما الآن، فلا أدري. ~~- لا أحد يدري إلا أنت، وإذا كنت مقتنعا ms51 أنك أديت واجبك ~~فالنتائج ليست بيدك أنت. ~~- إنه يرفض أن يصلي يا مرقص. ~~- عدم الصلاة لا يدل على الإلحاد يا شيخ سلطان، كثير منا لا يذهبون ~~إلى الكنيسة ولكنهم مؤمنون. ~~- قال لي إنه غير مقتنع. ~~- اسمع يا شيخ سلطان، أنا أعتقد أن أي ضغط في هذه الناحية سيؤدي ~~إلى عكس النتيجة التي تريدها، اترك صلته بربه له هو يصنع فيها ما ~~يشاء، وأكمل أنت واجبك. ~~- أيظل في بيتي يأكل من شقائي ونظل متخاصمين؟ ~~- أبدا يا شيخ سلطان، سأناديه أنا وأجعله يقبل يدك ويعتذر ~~إليك. ~~- والصلاة؟ ~~- دع هذه لله يحاسبه عليها يا شيخ سلطان. ~~- افعل ما تراه يا مرقص فأنا واثق من حسن تصرفك، وليست هذه أول ~~مرة ألجأ إليك فيها لتحل مشكلاتي، وإن كانت هذه هي أعظم مصيبة ~~واجهتها. ~~- كل شيء يهون يا شيخ سلطان، كل شيء يهون. # | الفصل الثاني عشر # كانت إيفون تنتظر عباس مشوقة إليه تحمل في نفسها كلاما كثيرا ~~تريد أن تقوله له، ولم يطل بها الانتظار فقد جاء عباس في موعده ~~المحدد، وما إن أغلق الباب من خلفه حتى احتواها في أحضانه وراح ~~يقبلها في نهم، ولكن إيفون قطعت عليه قبلاته قائلة: عباس، انتظر، ~~أريد أن أكلمك. # وتوقف عباس ونظر إليها، ثم جلس إلى السرير وجلست هي على المقعد ~~وقالت: أليس هناك شيء تريد أن تقوله لي؟ # ودهش عباس من السؤال وقال: مثل ماذا؟ ~~- لا أدري، فإننا كنا نتكلم ... نتكلم كثيرا ... ولكننا منذ ... منذ ... ~~منذ جئتني على غير موعد ... أتذكر تلك الليلة؟ # وأومأ عباس برأسه أن نعم، فاستأنفت إيفون الحديث: منذ تلك الليلة لم ~~تتكلم، أصبحت كأنك تجيء لغرض واحد تناله، ثم تنصرف. # وصمت عباس واستأنفت إيفون: اختلفت مع أبيك فلم تقل لي حتى عن سبب ~~خلافك. # وقال عباس دون أن يبين في حديثه ما يعتمل بنفسه من ضيق: وماذا أقول؟ ~~وعلى كل حال هذه المسألة قديمة وقد استطاع أبوك أن ينهيها على ~~خير. ~~- نعم، استطاع أن يجعلك ترى أباك فقط، ولكنه يعرف كما تعرف أنت ms52 أن ~~أباك ما زال غاضبا عليك. ~~- على كل حال هذه مسألة انتهت من زمان. ~~- كنت أرجو أن أكون أنا موضع سرك وأعرف كل ما يدور في ~~نفسك. ~~- لم أكن أدري أنك تريدين أن تعرفي. ~~- ماذا تظن بي؟ ماذا أنا عندك؟ ~~- وما يهمك من هذا؟ # وحملقت فيه إيفون ذاهلة حائرة غاضبة خائفة: ألا تدري ماذا ~~يهمني؟ # وأطرق عباس لحظة، ثم قال: لم أقصد ما يغضبك، وإنما نجتمع لوقت محدود ~~وأعتقد أن الفرصة لا تسنح لمثل هذا الحديث. ~~- عباس، أتحبني؟! ~~- أتشكين في هذا؟ ~~- نعم. ~~- فأنت مجنونة. ~~- أرجو أن أكون واهمة في هذا الشك. ~~- أنت واهمة طبعا. ~~- أتنوي أن تتزوجني؟ ~~- ألم نتكلم في هذا من قبل؟ ~~- أجب على سؤالي يا عباس. ~~- أنت تعرفين جوابي، طبعا سنتزوج. ~~- عباس! لا أحس روحك في ألفاظك! ~~- ألا تصدقينني؟ ~~- أرجو أن أصدقك. ~~- أليست أمامنا سنوات طوال للبحث في هذا الأمر؟ ~~- سنوات! هل نسيت؟ لم يعد أمامك إلا سنة واحدة وتتخرج. ~~- وهل السنة شيء قليل؟ ~~- ليست السنة شيئا قليلا؟ ولكنني أخاف بعد السنة ... أخاف ... ~~- ما الذي بث هذا الخوف في نفسك؟ ~~- ما صرت إليه. ~~- فقط؟! ~~- ومنى ... ~~- ابنة عمك. ~~- نعم. ~~- ولماذا تخيفك؟ ~~- إنها معذورة، تعرف أنني أحبك وترى العقبات التي تقف بيننا، وتخشى ~~إذا تخليت عني ... # واغرورقت عينا إيفون بالدموع، فقال عباس: كنت أنتظر منها أن ~~تشجعك لا أن تخيفك. ~~- كيف؟! إنها واقعية، ترى الحقائق المجردة. ~~- هل عرفت الحب؟ ~~- إنها تحب زوجها. ~~- وهل ما زالت تحبه؟ # وامتقع وجه إيفون وقالت وقد جف ريقها من الخوف: وهل المفروض ألا ~~تحبه بعد الزواج؟! ~~- لا، لم أقصد، ولكن أعتقد أن الحب يقل بعد الزواج. ~~- لماذا ... لماذا؟ ~~- أعتقد أن النار تبرد بعض الشيء. ~~- إذن، فقد بردت نارك! ~~- وهل تزوجنا؟ ~~- عباس ... حديثك يخفيني. ~~- ماذا يخيفك؟ ماذا بك؟ ~~- يخيل لي أنك نلت مني كل ما تريد. ~~- إيفون كفي عن هذا الحديث. ~~- لأنه الحق. ~~- إيفون أرجوك. ~~- أهو الحق؟ ~~- تريدين أن تثيري شجارا، حسبنا، فأنا منصرف. ~~- منصرف؟! بهذه السهولة؟! ~~- ماذا أصنع معك؟ ~~- أنت المسئول وحدك عما صرت إليه ms53 ، ولا بد أن تتحمل ~~المسئولية؟ ~~- يا إيفون الوقت لم يحن ... # وقبل أن يكمل عباس الجملة فتح باب الحجرة فجأة وبدا مرقص أفندي في ~~جلبابه. وشمل الحجرة صمت مليء بالضجيج، بالثورة، بالخجل، بالرعب، ~~بالأسى. لحظة مرت تجسم فيها الشقاء والعار والامتهان، صمت مرقص ~~وظل ناظرا، وطال الصمت وطال حتى خيل للآخرين المطرقين في الأرض ~~أن الصمت لن ينتهي. أحس عباس لأول مرة في حياته أن عقله لم يعد يفكر ~~... كل ما كان يفكر فيه لحظة ذاك أنه لم يعد يفكر. وأحست إيفون أنها لا ~~تريد شيئا في لحظتها تلك إلا أن تسمع صوت أبيها، تريد أن تسمعه يقول ~~أي شيء، ولا تدري لماذا أحست أنه لو تحدث ستستطيع أن تقول شيئا ~~يرضيه. ثم أحست - ولا تدري لماذا - أنها لو ألقت بنفسها بين ذراعيه ~~ستستطيع أن تنال منه قبلة. كأنما كانت تحس أن حضن أبيها لن يخذلها، ~~ولكن هذا الصمت المليء بالضوضاء لا يريد أن ينقطع، وأبوها لا يريد أن ~~يتكلم، لا يريد أن يقول شيئا، أي شيء. # وأخيرا انقطع الصمت ولكن لم يكن الأب هو من قطعة وإنما عباس: يا عم ~~مرقص أفندي. # وكان مرقص أفندي قد تمالك نفسه فقاطع عباس في حزم: اخرس! # وقال عباس: المسألة ... # وقال مرقص: اخرس قلت لك! ... وامش ... انزل. # وقالت إيفون: يا بابا. # قال مرقص: لا تنطقي هذا الاسم مرة أخرى. # وقالت إيفون: إنه سيتزوجني. # وقال مرقص أفندي: انزل يا عباس! ولا ترني وجهك أبدا! # وقالت إيفون في تشبث: إنه يريد أن يتزوجني ... قل له ذلك ... قل له ~~يا عباس. # ومشى عباس إلى باب السلم وفتحه وانزلق منه إلى الخارج صامتا لا ~~يلوي على الحريق الذي أشعله في بيت كان آمنا. # | الفصل الثالث عشر # حتى البيت يأبى على مرقص الطمأنينة والهدوء، بل إن البيت أصبح شر ما ~~يواجهه في الحياة. لقد استطاع الشر الذي يتوقاه خارج باب البيت أن ~~يتسلل إلى داخل أبوابه ويصرع أمله الوحيد الذي يحيا به وله. كيف ~~استطاع هذا الشر أن ينفذ ms54 إلى بيته وهو حريص أشد الحرص أن يغلق الأبواب ~~ويحكم الرتاج؟ وكيف استطاع أن يختار من البيت أعز من في البيت؟ أهكذا ~~يخترق السهم قلبه مصوبا من خلال وحيدته التي ما أحاطت به الهموم ~~وذكرها إلا هدأ ثائره وقر مضطربه؟ فقد أصبحت هي اليوم ثائره، وهي هي ~~من أصبحت مضطربه، بل ومقتله! كيف يقوى على هذا المصيبة؟ # كان جالسا بالبهو على الأريكة حين طلعت إليه مريم من حجرتها ورأته ~~ورأت باب ابنتها مفتوحا. وسألت مرقص فرفع عينا شاخت فكأنما سعى بها ~~العمر عشرات من السنين، ثم أطرق مرة أخرى. لا ليس هذا مرقص! ودخلت إلى ~~ابنتها فوجدتها متكومة كقطعة مهملة من الملابس فوق السرير وقد ~~اعتمدت رأسها على ركبتيها، وسألتها، فرفعت إليها عينين تحجرت ~~فيهما الدموع، فصرخت: انطقي! # وقال مرقص من البهو في صوت متهدج حاسم: لا يعلو صوتك. # وقالت في إصرار: ماذا بكما؟ # ثم ذهبت إلى زوجها وجلست إلى جانبه مبهورة الأنفاس والهة: ماذا يا ~~مرقص؟! ماذا حل بنا؟! # ودون أن يرفع إليها بصره تمتم بكلمتين كانتا كافيتين غاية الكفاية. ~~وهمت أن تقوم إلى ابنتها فأمسك زوجها بذراعها في قوة عنيفة: لن يعرف ~~أحد ما حصل، حذار أن يعلو صوتك. # وتخلصت مريم من يده وقامت إلى إيفون: ماذا بينكما؟ # وصمتت إيفون، فقالت الأم في بهرها الآخذ يكاد الخوف يعقد لسانها: هل ~~أنت عذراء؟ # وحينئذ اندفعت إيفون في نشيج مجنون وأرادت أن تلقي بنفسها إلى حضن ~~أمها، ولكن أمها - وقد فهمت - ألقت بها إلى مكانها لتصبح مرة أخرى ~~قطعة من الملابس المهملة ملقاة في السرير. # لم ينم ثلاثتهم ولم يتحدث أحد. وطلع الصبح فما أحسوا بمطلعه، ~~وألقيت الجريدة وجاء اللبن ولكن أحدا لم يستقبل الجريدة أو اللبن. ~~وجاء موعد الديوان فما خف له مرقص أفندي ولا حتى أحس به، وظلوا ~~ثلاثتهم في أماكنهم الضجيج في رأس كل منهم يقطع ما بينه وبين ~~الآخرين. وكانت مريم أسبقهم إلى الإفاقة، قالت لمرقص: ماذا تنوي أن ~~تفعل؟ # وقال مرقص: ناديها. # وحين جاءت إيفون ms55 وجلست إزاء أبيها قال: ماذا تريدين أن ~~تفعلي؟ ~~- سيتزوجني. # ودقت مريم صدرها في غيظ وقالت: ماذا؟ # وقال مرقص في هدوء عاصف: أتدرين ما تقولين؟ ~~- نعم. ~~- واختلاف الدين. ~~- ديننا دين المحبة. ~~- هذا زواج لا تقره الكنيسة؛ فهو زنا؛ كفر. ~~- المسيح يقول: «إني أريد رحمة لا ذبيحة.» ~~- لو تزوجته فقد خرجت من ديننا، دين المسيح. # وقالت أمها: اقتلها قبل أن تتزوجه. # وقال مرقص أفندي في حزم: لا يراك بعد اليوم ولا ترينه. # وحاولت إيفون أن تقول: ولكن يا أبي ... ~~- لا مناقشة! قومي، اذهبي إلى حجرتك، ولا تريني وجهك. # ثم التفت إلى مريم وقال لها: اجمعي ملابسنا، سنترك هذا البيت، سنترك ~~هذا الحي جميعه. # | الفصل الرابع عشر # خرج عباس إلى الطريق مطرقا خزيان، ينتابه شعور لم يعهده قبل. كان ~~يتمنى أن يكون أبوه راضيا عنه في لحظته ليستطيع فقط أن يجلس إليه ~~دون أن يكلمه. كان يريد قلبا حانيا يلجأ إليه، أي قلب. كان مناه ~~جميعا أن يرى إنسانا ويحادثه، أي حديث. لأول مرة يجابه الحياة ~~وحده. كان يردد في نفسه أنه لا بد أن يكفر عن خطئه ولا بد أن ~~يتحمل المسئولية، مسئولية تحرره، تحرره؟ ~~«ما لحريتي ولهذا الذي أنا فيه؟» إنها هي الذي أنا فيه؛ لقد فعلت ما ~~فعلت يوم تحررت من سلطان أبي وأعلنت تحرري من الدين؟ ما لي ولهذا؟ ~~لقد صنعت بحريتي ما أردت أن أصنع، وأنا كفيل أن أصلح ما فعلت ~~وأتحمل مسئوليتي. سأتزوجها، أتزوجها. نعم، أتزوجها. إن أباها ~~اليوم ثائر ولكنه بعد أيام سيهدأ، وسأذهب أنا إلى أبي أطلب إليه الزواج ~~منها. أتراه يقبل؟ فإذا رفض؟ أعمل وأتزوج. والكلية؟ ولماذا لا أعمل ~~وأذاكر في وقت معا؟ نعم، أعمل وأذاكر وأتزوج في وقت واحد. هل ~~أنا أول من فعل ذلك؟ ولن أكون آخرهم. ولكنها كلية الهندسة، وقد أوشكت ~~على النهاية. وماذا يهم؟ في سبيل، في سبيل ماذا؟ هل أحب إيفون؟ لا ~~أدري. نعم أحبها، حبا يكفي للحياة القادمة كلها، حبا لا يزول ~~باللحظة النشوى، حبا لا يختلف بعد ms56 اللقاء عنه قبل اللقاء، حبا يجمع ~~القلب والجسد في بوتقة واحدة فهما مزيج مؤتلف مشع قاهر عاصف بكل ~~العراقيل. أحبها هذا الحب؟ لا بد أن أتحمل مسئولية ما صنعت، أريد ~~أن أحادث إنسانا. فإذا رفض أبي؟ فإذا رفض أبوها؟ أكون قد أديت ~~واجبي. أأكون قد أديت واجبي؟ لماذا أفكر في أبيها وأبي ولا ~~أفكر فيها هي؟ هي التي نفيتها عن عالم الطهر، وهي التي وثقت ~~في؟ ولكنها هي من أسلمتني نفسها، هي شريكتي. ألم أعدها بالزواج؟ كان ~~عليها أن تحذر، إنه مستقبلها. لقد ذكرت وقوفي أمام بيتها واحتيالي ~~لأركب العربة وفرحتي باللقاء، وسنة ونصف سنة من اللقاء العفيف فاطمأنت. ~~ما كان لها أن تطمئن. أريد أن أحادث أحدا. هل أنا سعيد بحريتي الآن؟ ~~هل أنا حر؟ لا، ألا تستعبدني هذه الأفكار؟ ألا تفرض علي نفسها ~~فرضا؟ أأستطيع أن أتحرر من أفكاري؟ أأستطيع أن أفكر في أي شيء ~~آخر؟ فيم أريد أن أفكر؟ في ليلي. وكيف أفكر في ليلي وأنا في ~~هذا الموقف الضنك؟ لعلي أفكر فيها لأنها الوحيدة بين كل الناس التي ~~تهتم بأمري، ألا تهتم إيفون؟ أما كان في وثوقها بي وإلقاء شرفها ~~ومستقبلها بين يدي أكبر دليل على اهتمامها بي؟ أجل ولكن، ماذا؟ لم يكن ~~لها أن تفعل. لماذا؟! لماذا؟! لأننا ... لأننا لم نكن زوجين؛ إذن فأنت ~~عبد ما تزال، عبد ترسف في أشد الأغلال عنفا، وأقسى القيود جمودا. ما ~~الزواج أيها الحر؟ إنه مباركة الدين للعلاقة التي قامت بينك وبين ~~إيفون، لا أقل ولا أكثر. لا، لا، بل انتظر، إنه إعلان العلاقة، إنه ~~إشهارها على ملأ الناس. الناس؟! عبد، عبد، ألم أقل لك إنك عبد سجين ~~الدين والتقاليد معا لا تستطيع منها فكاكا. أين هي الحرية التي نلت؟ ~~أين هي الحرية التي زعمت أنك ملكتها لا تبيعها بالحياة؟! عبد، عبد، ~~وسادتك الدين والناس والتقاليد. أنت غير راض إذن عن العلاقة بينك ~~وبين إيفون لأنكما لم تتزوجا، فلو كنتما تزوجتما؟ إذن فلا جناح ~~عليها ولا ملامة. ومن قال ms57 إنني غير راض عنها؟ ها أنا أريد أن ~~أتزوجها. أتحمل لها في نفسك احترام المحب لحبيبته أو الزوج لزوجته؟ ~~وإن لم فلماذا؟ لأنكما لم تتزوجا. أجل أحبها، وسأتزوجها. أريد ~~أن ألقى إنسانا. أليس لي أصدقاء؟ نعم لقد كنت أمارس حريتي حين ~~التقيت بها، ولكن أكانت هي أيضا تفكر هذا التفكير؟ لا أخشى إذا ~~تزوجتها أن تخدعني مع غيري كما خدعت أباها وأمها معي. كيف أطمئن إلى ~~بيتي ومن فيه قد تزوجتني قبل الزواج؟ نعم قد وثقت بي، وأحبتني. كيف ~~تطمئن أنها لن تثق في رجل آخر وتحبه؟ يا لها من أفكار! كيف أطمئن إلى ~~أي زوجة أخرى؟ فيم تختلف إيفون عن أي فتاه أخرى؟ إنها سلمت نفسها لي ~~بغير زواج؛ أي بغير ورقة من المأذون الذي يمثل شرع الله، ويمثل ~~المجتمع والتقاليد وكل ما أحاول التحرر منه. أحاول؟! بل إنه ~~يمثل كل ما تحررت منه فعلا. أنا لا أومن بغير الإنسان، الإنسان ~~وحده، وهو القوة العظمى في الحياة. وإيفون إنسان فعل ما يريد أن يفعل، ~~وإني أحبها لأنها فعلت ما تريد أن تفعل. هل أحبها؟ لا بد لي من ~~صديق أكلمه في غير هذا الحديث. شعبان، شعبان، أين شعبان الآن؟ ما لي ~~ولشعبان الخيالي الحالم؟ وهل أريد الآن إلا خياليا حالما؟ لا بد ~~أنه في البار، نعم، يسكر ويصلي مسرورا في الصباح بالصلاة وفي ~~المساء بالخمر، يقول إن الخمر تشعشع الروح. ما لي وللخمر؟ إني أريد ~~شعبان. هو في ذلك البار الضيق الصغير بشارع عماد الدين، هناك أجده ~~خلف الحاجز الذي يستخفي وراءه الشاربون عن عيون الناس. مم يستخفون؟ ~~إن الدين جعل الشعور بالإثم يلازم النفوس لا يتركها. كم هم مجانين ~~هؤلاء الناس! لماذا لا يشربون ما داموا يريدون أن يشربوا؟ أفسد الدين ~~حياتهم. أسعيد أنا بغير الدين؟ نعم سعيد. عدنا إلى إيفون، ماذا يهم ما ~~دمت سأصلح خطئي؟ وما شأن الدين بهذا؟ إن حريتي ملكي وأنا وحدي من ~~أتحمل مسئوليتها وسأتحملها. على أية حال سأتزوج من إيفون. # وكان قد ms58 ركب السيارة الكهربائية التي تؤدي به إلى صديقه، ونظر إلى ~~الساعة. # قيد آخر، هذا الزمن قيد لا يمكن الفكاك منه شأنه شأن الطعام وإيفون، ~~عدنا إلى إيفون، لن أفكر فيها، لن أفكر مطلقا حتى أصل إلى ~~شعبان. السيارة حافلة بالناس. ما هذا الزحام؟ ولكن ما لي غير ضيق ~~بالناس أو بزحامهم اليوم؟ أليسوا هؤلاء هم المجتمع والتقاليد؟ ما لي لا ~~أضيق بهم الآن؟ بل ها أنا ذا أبحث بينهم عن صديق. أما لي بين هؤلاء ~~جميعا صديق؟ مساكين الناس! التعب باد عليهم، كل فرد منهم قطعة من ~~الإجهاد تسعى حياتها في رهق، تدفعهم الحياة فيندفعون، وتلهب ظهورهم ~~بالسياط فيجهدون؛ منهم من لا حياة له إلا إذا عمل، ومنهم من لا حياة ~~لأولاده إلا إذا اجتهد. أيلقون من حياتهم كفء ما يدفعون لها من جهد؟ ~~أو يلقون من أولادهم عدل ما يبذلون في سبيلهم من شقاء؟ بل مساكين. ها ~~هو ذا مرقص أفندي لم ير شقاء أشد من شقائه بابنته الليلة. أنا من ~~صنعت هذا الشقاء. ذئاب هؤلاء الناس. ما ذنب الناس؟ إني أنا وحدي ~~الذئب. قلنا سأصلح خطئي، سأتزوجها. هذا الرجل الواقف مكدود ضيق ~~متبرم، مسكين ترى أي مصيبة يعانيها؟ أأترك له مكاني؟ لن يصدق، ~~سيحسبني أسخر منه. لماذا يتقبل الناس الخير في حذر؟ لأن الشر من ~~طباعهم. مسكين مرقص أفندي. يبدو أن الشر طبعي أنا وحدي. ما لهذه ~~السيارة بطيئة؟ ألا يأتي شارع عماد الدين أبدا؟ أريد صديقا. أتراني ~~ألجأ إلى المجتمع؟ ما لي وللمجتمع؟ فما لي أبحث عن صديقي؟ أف من طول ~~الطريق! ما أطول الطريق! ألا يأتي شارع؟ ها هو ذا أخيرا. # ولم ينتظر أن تقف السيارة، بل قفز منها إلى الطريق، وكبا وكاد يقع، ~~ولكن اثنين من المارة أمسكا به وأوقفاه، وسأله أحدهما في إشفاق: هل ~~حدث شيء؟ # وقال بلا وعي: لا شكرا، بسيطة. # وقال الرجل: طيب مع السلامة، وعلى مهلك. # وقال وهو يمضي: شكرا. # واندفع في طريقه إلى البار الذي يجلس فيه صديقه، وحين دلف ms59 عباس من ~~الساتر المقام أمام باب البار أشرق وجهه بالسرور؛ فقد رأى شعبان جالسا ~~هناك بين رفقة يؤلف هو بينهم على مزاجه، جماعة ليس فيها اثنان ~~يمثلان رأيا واحدا ولا فكرة واحدة؛ لا انسجام بينهم في الرأي، ~~ولا صلة لأحدهم بالآخر في العمل، لكل منهم عمل يختلف كل الاختلاف عن ~~الآخر. شيئان يؤلفان بينهم هما شعبان والخمر، وما كان شعبان ليستطيع ~~أن يجمع هذا الشتيت من الناس إن لم يجعل لهم الخمر إغراء؛ فهو يقدم ~~لهم كأسا هدية ويترك كئوسهم الأخرى تتولاها جيوبهم، ويشترط إزاء ~~ذلك أن يشرب ليلتين في الأسبوع على حسابهم مجتمعين. وكان يخسر في سبيل ~~ذلك جنيهين أو ثلاثة في الشهر، ولكنه كان يجعل من جلستهم عوضا له ~~عن كل الملاهي الأخرى؛ فقد كانت أسباب الخلاف بينهم لا تنتهي، ومن هذا ~~الاختلاف كانت متعته ضحكا عاليا يرطب به صراع النقاش وصراع ~~الدنيا معا. ولكن خلافهم على اتساعه حين وصل إلى الخمر أصبح اتفاقا؛ ~~فهم يشربونها في تلذذ، ولو أتاحت مواردهم لهم مزيدا ما تركوها ليلهم ~~أو نهارهم. ولكم كانوا يقومون والأسف يملأ نفسوهم أنهم لم يصلوا إلى ~~مرتبة السكر الكامل؛ فيلعنون الفقر الذي يقف بهم دون أمانيهم. كانوا ~~ثلاثة نفر رابعهم شعبان؛ فأما شعبان فقد فرغ من كلية الحقوق منذ ~~قريب، فهو الآن محام وإن كان تحت التمرين. وأما الأصدقاء فهم محمد ~~حسن موظف بوزارة الشئون الاجتماعية، ولكن الصفة التي يريدها أن تغلب ~~عليه أنه شاعر. وإلهام الزيني ويعمل مديرا لنادي الأخوة. وسليم فوزي ~~ويعمل كاتبا لدى سمسار في بورصة الأوراق المالية، ويقول إنه سمسار. ~~يجلس بينهم شعبان يغري كلا منهم بالآخر، فإذا أبوا ليلة أن ~~يختلفوا تركهم وقام إلى بيته آسفا. وكان عباس يعرف بهذه الخلافات التي ~~يثيرها شعبان بين أصدقاء الليل. وكان يعجب كيف يتاح لشعبان الذي لا ~~يراه أحد في الصباح إلا مطرقا خجلا يتمتم الألفاظ ولا ينطقها، ~~ويهينم بالحديث لا يقوله، كيف يتاح له أن يصبح عند الليل هذا ~~العربيد المشاكس الضاحك الصاخب ms60 ؟ بل كيف يشرب الخمر وهو لا يترك فرضا ~~من الصلاة إلا أداه؟ # سأله يوما: أتصلي وتشرب الخمر؟ # فقال باسما في سخرية: كل بثوابه. ~~- ما ثواب الخمر؟ # فيقول شعبان: الحرية، أحس كأن لا صلة لي بخجلي هذا الذي تراه، ولا ~~صلة لي بالمكتب ولا بالقضايا، إنما هي نشوة تستخفني وضحك سادر ~~متحرر. # ويلح عباس: ألا تجد فيما يسمح به الدين ما تنشده من ~~الحرية؟ # فيحمر وجه شعبان ويقول: والله ما شربت الكأس الأولى إلا قلت: ~~اللهم إنه منكر لا يرضيك. ولكني يا عباس أريد أن أضحك ولا أجد في ~~هذه الدنيا ما يضحك. أنا أشترى الضحك بالمعصية. وإني أحاسب نفسي عليها ~~حسابا عسيرا. لعلي إذا تزوجت ووجدت زوجتي وأطفالي من حولي، لعلي ~~أسعد بهم ولا أحتاج إلى الضحك. # وكان عباس يقول: إنك ضعيف، تستعين بالخمر لتنال حريتك وهي في يدك، ما ~~الذي يربطك بالمجتمع والتقاليد؟ ما الذي يربطك بهذا الأسف الذي تحسه ~~حين تشرب الخمر وأنت تسعد بشربها؟ انطلق، حطم الأغلال، مزق القيود، ~~وانطلق. اشرب لأنك تريد أن تشرب، واسعد لأنك حر ولا تؤذي أحدا ~~بحريتك. # وينظر إليه شعبان مليا، ثم يقول: الكلام سهل. ~~- والعمل أسهل لو أنك حازم. # ويقول شعبان في وعي: سأجرب فيك الحرية، إذا نفعت ألحق بك. # كثيرا ما كان مثل هذا النقاش يدور بين الاثنين إذا اجتمعا في الصباح ~~وشعبان مفيق، أما في الليل فقلما كان يأتي عباس إليه، فإذا جاء فإنه ~~لا يناقشه هذا النقاش الطويل، وإنما يكتفي بسؤال عابر أو لمحة من ~~رأيه خاطفة، ثم ينصرف إلى الخلاف الذي يكون مستعرا بين الأطراف ~~الثلاثة. # حين أهل عباس على الجلسة في ليلته تلك خالجت نفسه ومضة من هدوء ~~ما لبثت أن زالت: أأكون قد جئت اليوم لأنني مخذول بحريتي فشلت أن ~~أواجه بها الحياة؟ ثم سرعان ما نفى عن ذهنه هذه الخاطرة. قلنا ~~سأتزوجها، أي فشل إذن وأي خذلان؟ وأقبل على الجلسة، ورحب به ~~الأصدقاء الخصوم في إقبال سكارى. وندت عنه ابتسامة ذهلوا عنها فما ~~أبصروها ms61 . وقال شعبان في مرح: المباراة الليلة في أروع حالاتها، لا بد ~~أن تشرب كأسا. # ودهش عباس قائلا: أشرب؟! أنت تعرف أنني لا أشرب. ~~- نعم أعرف ولكن ما البأس أن تجرب؟ ~~- ولماذا أجرب؟ ~~- لتنال حريتك ... آه نسيت ... أنت عندك حريتك. ألا تريد حرية أخرى ~~جديدة؟ ... لا بأس بكثرة الحريات فيما أعلم. ~~- أنت سكران. ~~- لا ... أنا منسجم ... من الشجار لا من الخمر ... الشجار حياة ... وأنا أحب ~~الحياة ... أتشرب كأسا؟ # وصمت عباس هنيهة، ثم قال: أشرب. # وضحك شعبان: يبدو أن حريتك تريد أن تتركك. # وذعر عباس كأنما مسته جمرة،ث أحس كأن شعبان قد لمس بجملته ~~الهازلة مكمن الصراع في نفسه، وكمن يخاف الحق قال في غضب: هل ~~جننت؟ # وضحك شعبان هازلا وقال: لا تخف ... الله ... آه أنت لا تريدني أن أدعو ~~لك فأنت لا تؤمن بالدعاء ... إذن فقل لي كيف أرجو لك الخير؟ ... أسأل من ~~إذا شئت أن أتمنى لك دوام الحرية؟ # وقال عباس: هل انتهى الخلاف بين إخواننا وأصبحت لا تجد غيري؟ # وقال شعبان: لا ... لا ... أبدا ... يالمبو ... هات كأسا ... اشرب واسمع ولن ~~أكلمك ... أنت حر ... # ودون وعي قال عباس: طبعا حر. # والتفت شعبان إلى إلهام الزيني وقال: هيه يا إلهام ... ألا تريد أن ~~تدعو محمد حسن ليلقي شعره في النادي؟ ~~- شعره! ... أي شعر هذا؟ ... ما رأيت له عمري قصيدة في مجلة أو حتى ~~قصيدة مطبوعة ولو في نشرة. # ويقول محمد حسن في غضب: وأنت ما شانك بالمجلات التي نشرت فيها؟ ... ~~ما الذي يوصلك أنت لقراء المجلات الأدبية الراقية؟ # ويدخل سليم فوزي في الموضوع ويتحدث في تؤدة وثقة بالنفس: أتعرف يا ~~محمد ما هي مشكلتك؟ ... إنها اسمك ... محمد حسن. كم مليونا لهم هذا الاسم؟ ~~... اسم عادي جدا لا يجذب الأنظار. # ويقول شعبان ضاحكا: فعلا ... لماذا لا تستعير اسم إلهام؟ ... إن اسمه ~~أقرب إلى الشاعرية. # ويقول محمد: لم يبق إلا السمسار ليتحدث في الشعر أيضا. # ويقول سليم في وقاره لا يزال: يا أخي أنا أتحدث عن اسمك لا عن ~~شعرك. # ويدور النقاش ويدور ms62 عباس يتبع الكأس بأخرى وبثالثة. وينصرف عن ~~الحديث الصاخب، وقد صعدت حميا الخمر إلى رأسه. يتحدثون، يتحدثون ~~ويقضون أيامهم ولياليهم يتحدثون، لا يبحثون في الحرية ولا في المجتمع ~~ولا في التقاليد ولا في إيفون, سأتزوجها، سأتزوجها، فما لي لا أفعل ~~مثلهم؟ أأرضى أن أكون مثلهم؟ ما هذه الخمر؟ ما لي وكأنما يقف بيني وبين ~~تفكيري ستار لا أدري كنهه، مزيج من الشفافية والعتمة وألوان من الهروب ~~لا أريدها، وأريدها. لقد استطاعوا بحديثهم أن يصرفوني عما أنا فيه، ~~ولكن ها أنا ذا أعود إلى نفسي وحيدا وأنا بينهم. أهي الخمر، أم أنا ~~الذي ضربت دون الناس ودوني حجابا صفيقا؟ لا، ليست الخمر هي ما أريد، ~~لقد كنت أريد صديقا فحين وجدته عزلتني عنه الخمر وأفكاري. حلقة ~~مفرغة، دوامة لا أدري لها بداية من نهاية. # ودون أن يكلم أحدا من الجالسين قام صامتا وأخذ سمته إلى بيته، ~~ضاربا في المساء المظلم لا يحفل بالمصابيح على جوانب الطريق. # | الفصل الخامس عشر # كان الشيخ سلطان جالسا إلى رضوان أفندي في المقهى، وكان صندوق النرد ~~بينهما مقفلا لا يحس واحد منهما الرغبة في فتحه، وقد خيم عليهما ~~صمت لم يتنبها إليه حتى قال رضوان أفندي في محاولة تبسط: ألا ~~تلعب عشرة؟! # ونظر إليه الشيخ سلطان وظل رانيا إلى وجهه لحظات، ثم قال في غير ~~إقبال: نلعب. # ثم صمت لحظات أخرى وقال: يا أخي أنا مشغول على مرقص أفندي. # وقال رضوان أفندي: وأنا مثلك، لماذا لا نقوم إلى بيته لنعرف سبب ~~غيابه؟ ~~- لقد ذهبت إلى بيته أمس. ~~- هيه، ماذا؟ ~~- لقد ترك البيت. ~~- ماذا؟! ~~- وجدته قد ترك البيت، وقال لي الجيران إنه ذهب إلى مصر ~~الجديدة. # وقال رضوان أفندي في دهشة: مصر الجديدة! لماذا؟! إن بيته هنا أحسن ~~بيوت المنطقة وهو قريب من عمله، وقضى فيه سنوات طويلة. ~~- قرابة عشرين سنة. ~~- فلماذا؟! ~~- والأغرب من هذا أنه ترك البيت لصاحب الملك ولم يطلب مقابل إخلائه ~~شيئا، وحين حاول المالك أن يساومه قال له لا أريد شيئا، وترك ~~البيت. ms63 ~~- ألا تعرف عنوانه الجديد؟ ~~- حاولت اليوم أن أترك المكتب لمدة نصف ساعة لأذهب إليه في الوزارة ~~ولكني لم أستطع، كنت مشغولا طول اليوم. # ونظر رضوان إليه مليا، ثم قال: الواقع أنني لم أرد أن أشغلك، لقد ~~ذهبت أنا إلى مكتبه في الوزارة. # وقال الشيخ سلطان في لهفة: هيه، وماذا قال لك؟ ~~- لم أجده، وجدته في إجازة تنتهي غدا. ~~- إجازة، ونقل من الحي، لعله طلب الإجازة ليتفرغ للنقل. ~~- انظر. ~~- ماذا؟ ~~- أليس هذا مرقص أفندي؟ ~~- أين؟ ~~- هذا القادم من هناك. ~~- ماذا؟ ... نعم ... لا ... نعم ... ما هذا؟ ... كأنه خارج من قبر ... ماذا ~~به؟ # وقام الرجلان يخفان لاستقبال صديقهما، وأخفى كلاهما المشاعر التي ~~تتماوج في نفسيهما من خوف بثه إليهما منظر مرقص أفندي المتهدم ~~كالصريع، وما إن اطمأنت بهم الجلسة حتى قال الشيخ سلطان: أين ~~أنت؟ # وقال رضوان أفندي: لماذا أخذت إجازة؟ # وقال مرقص: كنت متعبا بعض الشيء. # وقال الشيخ سلطان: لا، سلامتك. # وقال رضوان: ماذا بك؟ # وقال مرقص بعد أن أخرج تنهيدة عميقة: تعب يا رضوان، تعب، الدنيا كلها ~~تعب. # وقال الشيخ سلطان: يا أخي قل لنا ماذا بك. # وقال: لا عليك يا شيخ سلطان، لا عليك. # وصمت، وكأنما أراد أن يصمتا ولكن رضوان أصر: ما المرض؟ # وصمت مرقص لم يتكلم، وقال الشيخ سلطان: ماذا يا مرقص أفندي؟ لماذا ~~لا تتكلم؟ # وسكت مرقص لحظة، ثم قال: سأقول لك يا شيخ سلطان، سأقول لك. # وقبل أن يتم جملته جاء صديقان ممن تعودا أن يشهدا مبارياتهم وجلسا. ~~وقال أحدهما: ألم تبدءوا بعد؟ # ولكن السائل رأى الوجوم ماثلا على وجوه اللاعبين فسكت، وما لبث مرقص ~~أفندي أن قال للشيخ سلطان: أتسمح بكلمة يا شيخ سلطان؟ # وقام الشيخ سلطان مع صديقه وانفرادا. وقص مرقص مصيبته، وظل الشيخ ~~سلطان ذاهلا بضع دقائق لا يقول شيئا إلا: لا حول ولا قوة إلا بالله! ~~لا حول ولا قوة إلا بالله! # وظل مرقص أفندي مطرقا يكبح دمعه وألمه وخزيه. وقال الشيخ سلطان: ~~ألا تأتي المصيبة إلا مني؟ مني أنا؟ حكمتك يا ms64 رب. # وقال مرقص أفندي: هذه حكمة الشيطان يا شيخ سلطان. # وقال الشيخ سلطان: اسمع يا مرقص أفندي، عباس سيتزوج إيفون، ~~سيتزوجها ورجله فوق رقبته، سيتزوجها شاء هذا أو أبى، أقسم بالله ~~العلي العظيم ثلاثا! # وقاطعه مرقص: انتظر يا شيخ سلطان، انتظر، كيف يتزوجها؟ ~~- يصلح خطأه. ~~- لو تزوجها لأصبحت المصيبة أعظم. ~~- ماذا؟ ~~- أنسيت؟ نحن مسيحيون يا شيخ سلطان. لو تزوجها لأصبحت البنت على ~~غير الملة، وكفاني وكفاها مذلة واحدة! ~~- وكيف نصلح هذا الخطأ يا مرقص أفندي؟ سأفعل كل ما تأمر به. ~~- كان الولد قد وعدها بالزواج، وسيكون هذا الزواج هو الفضيحة التي لا ~~أحتملها. إن كل ما أرجوه منك أن تبعده عنها، ونحن يتولانا ~~الله. ~~- ماذا ستفعل يا مرقص أفندي؟ ~~- أمها وعدتني أن تدبر الأمر، إنما المهم أن يبعد عباس عن البنت. ~~كفانا ما حصل. ~~- أكل ما تريده أن يبعد عباس عن البنت؟ ألا أستطيع أن أصنع شيئا ~~آخر؟ ~~- هذا كل ما أريده منك. ~~- يا مرقص هذا طلب بسيط، أنا لن أشعر حين أنفذ لك هذا الطلب أنني ~~كفرت عن الجريمة التي ارتكبها الولد. ~~- أرجوك يا شيخ سلطان، كل ما أرجوه أن يبعد عنا ويتركنا في حالنا. ~~أنت على كل حال لن تستطيع التكفير عن هذه الجريمة. ~~- اعتبر أن طلبك قد تم. ~~- ليس لي غير إيفون يا شيخ سلطان، لا أريد أن أفقدها. # وأطرق الشيخ سلطان متأثرا وهو يقول: ربنا يعطيك القوة يا مرقص ~~أفندي. # وقام مرقص دون أن يزيد شيئا وأخذ سمته إلى الترام، ومكث الشيخ سلطان ~~مكانه قليلا، ثم قام قائلا: أنا ذاهب إلى البيت يا رضوان أفندي، هل ~~ستبقى أم ستجيء معي؟ # وقام رضوان أفندي قائلا: أنا قادم معك. # وفي الطريق سأل رضوان: ماذا قال لك مرقص أفندي؟ ~~- لا شيء يا رضوان. # وسكت قليلا، ثم قال: لن نرى مرقص بعد اليوم. # وقال رضوان دهشا: ماذا؟! # وقال الشيخ سلطان: لن نراه بعد اليوم، مسكنه في مصر الجديدة سيبعده ~~عنا ولن يستطيع المجيء إلينا. # وقال رضوان في دهشة لا تفارقه: ms65 هل أغضبناه في شيء؟ # وأطرق الشيخ سلطان ولم يجب، ولم يجد رضوان بدا من السكوت هو ~~أيضا، وواصلا طريقهما صامتين. # ما كاد الشيخ سلطان يبلغ البيت حتى سأل وهيبة وهي تفتح له الباب: ~~الولد عباس هنا؟ # وقالت وهيبة في دهشة: نعم يا أبي. ~~- أين هو؟ ~~- في حجرته. # فاتجه إلى حجرة ابنه وهو يقول: لا تجعلي أحدا يأتي إلينا. # وحين دخل حجرة عباس أقفل الباب من خلفه، ثم استقر على كرسي. وقام ~~عباس واقفا، وظل الشيخ سلطان ينظر إليه بعينيه الحمراوين، وطال ~~صمته وعباس يكاد يدرك ما ينوي أبوه أن يحدثه عنه، وأخيرا قال الشيخ ~~سلطان: ماذا فعلت بمرقص أفندي صديق العمر؟ # وقال عباس بلا ريث تفكير: سأتزوجها. # وارتكز الشيخ سلطان بيديه على ركبتيه وتشبث بهما في غيظ وقال: ~~اسمع! والله العظيم، والله العظيم، والله العظيم ثلاثة، وأنت تدرك ~~قيمة هذه اليمين عندي، لو فكرت يوما أن تذهب إلى بيتهم، أو فكرت ~~أن تتزوجها كما تقول لتظهر لنفسك أنك حر لأبرأ منك لا ترى مني ~~مليما واحدا، وسأبيع كل ما أملك بيعا صوريا لأختك. لن تنال ~~مليما واحدا بعد موتي، ولا أراك في حياتي ولا أعرفك، بل وأقاطع كل ~~من يحاول أن يتصل بك. # وأحس عباس بشعور عجب له، أحس بالراحة، أحس كأن نوعا من القلق ~~الذي يلازمه يزول عنه، هدوء ساد قلبه لم يستطع أن يتبين سببه، وصمت ~~عباس وأطرق واستأنف أبوه: لو كنت أعلم أن قتلك يمحو العار الذي ~~ألحقته بهذه الأسرة المفجوعة لقتلتك وأنا مرتاح الضمير هادئ النفس. وقد ~~كنت أعلم يوم هزأت بدينك أنك ستنحط إلى أسفل درك، ولكن لم أن ~~أتصور أنك تبلغ من حقارة الشأن إلى الدرك الذي يسمح لك أن تغول ~~أسرة كانت صديقتنا طول العمر، وتهتك حرمتها، ولكنك سافل، سافل ووضيع، ~~وإني أطعمك في هذا البيت ولا أريد أن أراك فاجتهد ألا تريني وجهك. ~~سأكون سعيدا يوم تنتهي من كليتك لا لأنك تعلمت ولكن لأني أنا سأكون ~~قد أديت واجبي، ولو أني أكون ms66 قد أديته لكلب لا يستحق. وعلى كل ~~حال سأبحث عن أحسن طريقة تحميني من رؤيتك. خيبة الله عليك، وأخزاك في ~~الدنيا كما أخزيتني، وأنزلك إلى جهنم في الآخرة وبئس القرار. # وقام الشيخ سلطان هادئ الحركة ثائر النفس، وخرج وأغلق الباب من خلفه ~~وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل! حسبي الله ونعم الوكيل! # | الفصل السادس عشر # انتقلت إيفون إلى مدرسة بمصر الجديدة وعلمت بما كان من أبيها، ~~واستغلقت من دونها الطرق، وفكرت أن تهجر البيت ولكن إلى أين؟ كيف ~~تعيش؟ إنها تستطيع أن تعمل وعلى هذا الرأي استقرت إيفون، وأخذت ~~تدبر الحيل لتصل إلى صديقة لها تعرف أن أباها ذو شأن في ~~الشركات. # وفي يوم ادعت المرض واستطاعت أن تجعل المدرسة تعطيها إذنا ~~بالخروج فخرجت. وذهبت إلى صديقتها في مدرستها القديمة، وقدمت إليها ~~رجاءها وأعطتها عنوانها على المدرسة. وما هي إلا أيام حتى جاء البريد ~~بالخطاب وتم تعيينها. # وفي الليل استطاعت إيفون أن تتسلل من البيت، جميع ما تملكه خمسة ~~جنيهات وحقيبة مليئة بالملابس ونزلت إلى الطريق. إلى أين؟ واجهت الطريق ~~وهي جاهلة به لا تدري فيه المتجه ولا السبيل. مشت. أهذه هي المسيحية؟ ~~أهذا هو الدين الذي يقول: «فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك ~~تذكرت أن لأخيك شيئا عليك، فاترك قربانك قدام المذبح واذهب ~~أولا اصطلح مع أخيك»؟ أليس عباس وقوم عباس إخواني، فما هذا العداء ~~بيني وبينهم؟ أليس الدين محبة؟ أليس الله محبة؟ فما هذا العداء؟ ولماذا ~~تحرمنا الكنيسة من التآخي؟ هل جاء المسيح ولقي هذا العذاب والأهوال ~~وانتهى به الأمر إلى الصليب لنظل نحن أعداء البشر من غير ديننا؟ ما ~~الدين بغير حب وأخوة وسلام؟ أين السلام؟ أين الحب؟ لماذا يحرمونني منه ~~ولماذا يحرمونه مني؟ ماذا جنيت أو جنى؟ لقد ولدت مسيحية وولد ~~مسلما فأي ذنب اقترفت؟ وأي ذنب اقترف؟ ليس هذا هو الدين الذين أحببت. ~~براء أنا منه. لا أدخل كنيسة ألقت بي إلى الضياع. لا، هذا الدين هو ~~الرحمة التي نرجوها. براء أنا منه. ولكن أين ms67 أذهب؟ غدا موعدي مع العمل ~~ولكن ... كيف أعيش؟ أين يستقر بي المكان؟ أين أذهب؟ # ركبت إيفون المترو وظلت به حتى انتهى به المسير إلى قلب القاهرة ~~فنزلت، وعادت إلى الضياع مرة أخرى. إلى أين؟ ونظرت حولها فوجدت أمام ~~المحطة التي انتهى إليها المترو كنيسة، فنظرت إليها مليا وقالت دون ~~أن تتكلم: أدخلك لأن بك مقاعد أستريح عليها حتى يطلع الصباح، ولكن ~~غير مؤمنة بك أدخلك. # ودخلت الكنيسة وانتظرت بها الصباح حتى جاء. # وتوجهت إيفون إلى مقر الشركة، وكان جمالها بين يديها لا يحتاج ~~إلى وساطة، فسرعان ما تسلمت عملها بعد أن حاول كل رئيس ضمها إلى ~~قسمه، فما انتهى بين الرؤساء جذبها إلا حين رآها مدير الشركة فأصبحت في ~~مكتبه. ووجدت زميلات لها بالعمل استطاعت أن تعرف منهن بنسيونا تقيم ~~فيه فأقامت. # ومرت بعض الأيام حتى وجدت في غياب المدير فرصة أن تترك العمل قبل ~~موعده المحدد، وأخذت سمتها إلى كلية الهندسة. # وعلى مبعدة قريبة من الباب وقفت ترقب الخارجين والداخلين، وطالت بها ~~الوقفة وطالت فلم تمل، وأخيرا بدا عباس خارجا من الكلية، وكان بين ~~رفقة فلم تحفل وإنما اقتربت ونادت: عباس! # وسمع عباس النداء وعرف الصوت، ولكنه لم يملك نفسه أن يقول في دهشة: ~~من؟ # والتفت الرفاق إلى مصدر الصوت ونظروا إلى عباس، وقال عباس في سرعة: ~~عن إذنكم. # ولم ينتظر إجابة منهم، بل قصد في خطوات متسارعة إلى إيفون: ماذا يا ~~إيفون؟ ما الذي جاء بك؟ # وقالت في حزم: أريدك. ~~- تعالي! # ومشيا. كانت أول مرة يسيران معا في طريق، وكان عباس يتلفت حواليه ~~كأنما يخشى أن يراه أحد. وكان قسم أبيه المغلظ ما يزال يطن في أذنيه ~~فتموج له نفسه في رعب، وأحست إيفون خوفه وتلفته فصمتت قليلا، ثم ~~قالت: ماذا يخيفك يا عباس؟ # فأفاق من خوفه ليقول في لعثمة: أنا ... أنا ... لا أبدا ... أنا غير ~~خائف. # وقالت: أين نستطيع أن نتكلم؟ ~~- كما تشائين. ~~- أريد أن أحادثك حديثا طويلا. # فقال بعد تردد: في جنينة الأورمان. # ووجدا مكانا خاليا ms68 في الحديقة وجلسا. وقالت: ماذا تنوي أن ~~تفعل؟ ~~- فيم؟ ~~- ألا تعرف فيم؟ في مستقبلنا. ~~- ألم تعرفي ماذا فعل أبوك؟ ~~- نعم أعرف. ~~- ماذا بيدي أن أفعل؟ ~~- ماذا بيدك أن تفعل؟! أهذا كل ما تستطيع أن تقدمه لي؟! ماذا ~~بيدك أن تفعل؟! ~~- لقد حرم علي أبي أن أراك بناء على طلب أبيك. ~~- ألم تكن تتوقع هذه المعارضة؟ ~~- كنت أتوقع ألا يجد أبي مناصا من قبول الزواج. ~~- أفكرت في أبيك وحدك ولم تفكر في أبي أنا؟! ~~- لم أكن أتوقع أن يعارض هذه المعارضة القاسية. ~~- ألم تتوقع أن تعتمد أنت على نفسك؟ ألم يدخل في حسبانك أن تحتمل ~~أنت مسئولية ما؟ ~~- ماذا أستطيع أن أفعل؟ ~~- عباس، حين جئت إليك لم أكن أعتقد أنني سأناديك باسم الواجب أو ~~المسئولية، وإنما كنت أعتقد أن الحب بيننا هو الذي سيصنع كل ~~شيء. # وصمت عباس قليلا، ثم قال: وماذا جرى؟ # فقالت في حسم: إنك لم تعد تحبني. ~~- من قال هذا؟ ~~- رأيته على وجهك صريحا واضحا. ~~- أنا! ... على وجهي؟ ~~- رأيت الدهشة في عينك حين رأيتني، وكنت أرجو، بل كنت أعتقد أنني ~~سأجد الحب. ورأيت تلفتك في الطريق وكنت أعتقد أنني سأجد اللهفة على ~~مكان تجلسني فيه. ورأيت نفسي أنا من أسألك أن تجد مكانا ولم تكن أنت ~~من فكرت. # وكان عباس مطرقا فحين سكتت قال في استخزاء: كنت أفكر ماذا نستطيع ~~أن نصنع. ~~- كانت ثقتي أننا سنترك للحب أن يصنع كل شيء، لقد فقدتك يا عباس يوم ~~أعطيتك نفسي. ~~- لا ... لا أبدا يا إيفون ... كل ما في الأمر أنني لا أدري ماذا يمكن ~~أن نصنع. # وقالت إيفون في ثقة وجمود وتحد: لقد صنعت أنا. # وفي دهشة منتفضة قال عباس: ماذا صنعت؟ ~~- تركت بيت أبي وتسلمت وظيفة، وجئت اليوم أدعوك أن نتزوج ~~ونعيش معا ونحقق الآمال التي كنا نبنيها للمستقبل. ~~- ماذا؟! # ونظرت إليه إيفون مليا دون أن تقول شيئا، ومضى عباس يقول بعد ~~تفكير قليل: والكلية؟ وأبي؟ ~~- إن مرتبي يكفي ونستطيع أن نعيش. ~~- أترك أبي؟ ~~- لقد تركت أنا أبي . ~~- ولكن ms69 ... ولكن ... # وظلت إيفون ناظرة إليه تنتظر حجته القادمة، ولكنها أدركت في ~~لحظتها تلك أنها فقدت عباس إلى الأبد. ولم يطل عباس السكوت بل قال: ~~ولكن هل أعيش على نفقتك؟ ~~- أنا إيفون، أنسيت من أنا؟ أنا أنت. ~~- ولكنك على كل حال امرأة. أنا لا أقبل أن أعيش من إنفاق ~~امرأة. # وفي وجوم جامد قالت إيفون: عجيبة! # وكأنما أحس عباس أن حجته قوية فهو يوغل في الاعتماد عليها. ~~- وما العجيبة في هذا؟! العجيبة أن أقبل ... ~~- إذن فهي التقاليد، وأحكام المجتمع، وكل ما كنت تدعي أنك تكفر ~~به. ~~- بل إني ... بل إني ... بل إني أنا مقتنع أنه لا يجوز لامرأة أن تنفق ~~على رجل. ~~- أليس اقتناعك هذا من قوانين المجتمع التي كنت تقول إنك غير مؤمن ~~بها. ~~- بل ... بل من وحي اقتناعي أنا ... هذا مبدأ أنا أحترمه ولا أقبل غيره ... ~~أأعيش من إنفاقك؟ أهذه أخلاق؟! ~~- إذن فالأخلاق أن تعتدي علي وتحطم حياتي كلها وتجعل مني ~~شقاء لأبي وعارا لأسرتي ولا تقبل أن تعيش من كدي الشريف النقي؟! ~~أين الأخلاق فيما تقول؟! أين الشرف الذي تحاول أن تدعيه؟ ~~- هذه مسألة مبدأ. ~~- كن ما تريد أن تكون، ولكن لا تحتمي من عجزك وراء الشرف والتقاليد ~~والأخلاق. ~~- إيفون! # واندفعت إيفون في غير توقف: أن تحطم حياتي وتقتلني بين أهلي ~~وبين الناس أهون عندك من أن تعيش من كسبي الشريف. أهذا هو الشرف عندك؟! ~~أنا لن أقول لك اعتبر ما أدفعه لك أثناء تعليمك سلفة تردها حين ~~تستطيع؛ لأني أعرف أنك لا تؤمن حقا بما تقول، وإنما أنت تجعل من ~~حديثك الزائف ستارا تحتمي خلفه وهيهات! لن أقول لك شيئا فأنا أعرف أن ~~شيئا لن يفيد، وداعا ولن أراك. # وقامت إيفون وأولته ظهرها وهمت بالمسير، وقال عباس في اضطراب: ~~إيفون. # وتوقفت لحظة، ثم لم تسمع شيئا فمشت عنه في خطوات حازمة وقلب مليء ~~بالقلق والخوف والغضب. # ورنا إليها عباس وهي تمضي وظلت عيناه عالقتين بها حتى غابت عن ~~عينيه، فأطرق معتمدا رأسه على كفه المرتعشة، وتساقطت الدموع ms70 من ~~عينيه، ووجد نفسه يقول بلا وعي: سافل ... سافل ... سافل ... # | الفصل السابع عشر # تخرج عباس في كلية الهندسة؛ فقد استطاع أن يفرغ لمذاكرته من هذه ~~الأحداث حتى نجح. ولم يكن لقاؤه لأبيه يسمح له أن يخبره بنجاحه؛ فقد ~~كان أبوه لا يراه إلا إذا شاءت الصدفة أن يراه. وعرفت أمه بالنجاح ~~فأقبلت على أبيه فرحانة أن تزيل بهذا النبأ الهام في تاريخ الأسرة ~~ما يحمله الأب على ابنه من غضب وسخط، ولكن لم يفلح حصول عباس على ~~شهادة الهندسة أن يمحو بعضا من غضب أبيه، وإنما كل ما قاله في غير ~~اهتمام: غريبة. # وصمتت الأم قليلا فقال الشيخ سلطان: اسمعي يا زكية، أنا لا أريد ~~هذا الولد في البيت، ولم يبق له في عنقي إلا أن يتزوج فاسأليه؛ فإني ~~أريده أن يخرج من البيت بسبب مقبول أمام الناس، كما أني أريد أن ~~أتخلص من مسئوليته تماما. # وقالت زكية في طيبة ساذجة: ألا تريد ابنك في البيت؟ # ونظر إليها الشيخ سلطان وأوشك أن يثور، ولكنه رأى السذاجة على وجهها، ~~فقال في غضب مكبوت: ابني الكافر الملحد الزنديق خراب البيوت الزاني. ~~ابني هذا ليس ابني، إنه لم يصبح عندي إلا مسئولية أريد أن ألقيها ~~عن عاتقي، أفهمت! # وأطرقت زكية في استسلام وقالت: أمرك. # وقامت عنه كسيفة. ورآها عباس تعود إليه بوجهها الشفاف الذي لم ~~يستطع يوما أن يخفي شيئا يعتمل في نفسها، وعرف ما تحمل أمه من فرحة ~~صريعة وبهجة وأدها أبوه قبل أن تتنفس، فقام تاركا البيت يبحث عن ~~مكان آخر يستطيع فيه أن يقول نجحت، ويجد انعكاس كلمته فرحة على وجه، ~~وابتسامة طليقة غير موءودة. # واستقبله بيت خالته في حنان. كانت ليلى هناك وكان لطفي وكانت الخالة ~~وكان رضوان أفندي، كانوا جميعا وكانوا فرحين؛ فقد نجحت ليلى كما نجح ~~لطفي، وحين رأوا عباس والفرحة الحائرة على وجهه قالت ليلى: نجحت؟ ~~أخذت الدبلوم أليس كذلك؟ # وامتلأت نفس عباس غبطة أن أدركت ليلى ما بنفسه وقال: نعم. ~~- وأطلقت خالته زغرودة كبيرة ، ثم ms71 قالت: ألف مبروك يا بني، ألف ~~مبروك. # وقال عباس: الله يبارك فيك يا خالتي. # وضحكت ليلى وهمست في تساؤل: قلت الله؟! # لم يكن المجال متسعا ليناقش؛ فقد عاجله رضوان أفندي بالتهنئة ~~وتقدم إليه لطفي يقبله. وقال عباس وهو بين أحضان لطفي: وأنت ~~نجحت يا لطفي طبعا، إنك لا تتنازل عن مرتبة الامتياز. # وقالت ليلى: وأنا نجحت بجيد فقط، أصبح لطفي أحسن مني. زمن! # وقال لطفي: لو أحسنت المذاكرة لما كنت في حاجة إلى الحسد. # وقالت الأم في جد: ماذا جرى لك يا ليلى؟! ستحسدينه. سأرقيك يا لطفي ~~يا بني، ما يحسد المال إلا أصحابه. # وضحكت ليلى قائلة: لا تخافي يا نينا سأحضر له أنا خرزة ~~زرقاء. # ودار الحديث وأحس عباس أنه مطمئن غير قلق، وأنه في المكان الذي ~~يجب أن يكون فيه. ولم يكن هذا الشعور جديدا عليه؛ فقد تعوده في هذه ~~الجلسة، بل تعوده! نعم لقد تعوده كلما نظر في عيني ليلى. إنه يرى ~~الاطمئنان ينثال من عينيها فيعصف بالقلق الذي لا يزايل قلبه. ويرى في ~~وجهها الأبيض الناصع نورا يرود نفسه المظلمة فيمحق الظلام في نفسه، ~~وبراح إلى لون من الهدوء والأمن هما غاية ما يصبو إليه فلا ~~يجده. # ماذا تحاول الفلسفات جميعا أن تصنع؟ بل ماذا تحاول الأديان كلها؟ ~~أي غرض للأنظمة السماوية وغير السماوية إلا أن تشيع الأمن في نفوس ~~الناس وتجعلهم يقبلون على الحياة إقبالة مطمئن؟ كفرت بالدين وآمنت ~~بنفسي لأن الدين كان يتمثل في نفسي قلقا وخوفا من أبي. وكفرت ~~بنفسي وأصبحت أومن بالعلم لأن نفسي خذلتني ولم تستطع أن تقف إلى ~~جانبي حين احتجت لها أن تقف إلى جانبي. # يوم تركتني إيفون في مقعدي بالحديقة أحسست أنني الإنسان الضعيف، لا ~~أستطيع أن أفعل ما يجب علي أن أفعل، وإنما تسيرني الأهواء، ويرسم ~~لي المجتمع طريقي لا أستطيع عنه حولا. واليوم بماذا أومن؟ بالآلة، ~~إنها الشيء الذي يسير في طريقه المرسوم، لا تؤثر عليها عوامل الحب ~~والكرة، أو الخوف والجرأة، أو الرغبة والعزوف ، إنما ms72 هي تسير طريقها ~~فتجتاح العالم وتسيطر على مسالك الحياة فيه. ولكني مع ذلك أخاف هذا ~~الإيمان الجديد. أنا لا أجد الأمن إلا في وجه ليلى. إنها مطمئنة ~~دائما. أراها فأطمئن. هادئة دائما. أراها فأهدأ. ما الذي ألقى في ~~نفسها هذا الهدوء وهذا الاطمئنان؟ أهو فلسفتها البسيطة من إيمانها ~~بالسماء، ومن أن المعجزات مقبولة ما دام الإنسان لم يستطع أن يصل إلى ~~سر نفسه؟ لعل الأمر كذلك، فما لي لا أفعل مثلها؟ ولكن كيف؟ كيف أومن ~~بما لم أر، وما أراه جبارا شاهقا؟ الإنسان يصك جبين القمر ويسير ~~آلته حول الأرض، وأنا أسير وراء هؤلاء القوم الطيبين الذين لا يرون ~~شيئا إلا قالوا في خدر وسذاجة: «سبحان الله! علم الإنسان ما لم ~~يعلم.» ولكني أطمئن حين أرى ليلى، فلألتمس من وجهها الهدوء، وليكن ~~لها رأيها وليكن لي رأيي، وأي ضير في ذلك؟ # وصحا عباس من تفكيره على صوت ليلى تقول: هيه، أين أنت؟ فيم تفكر؟ ~~طبعا ليس في خالق السموات والأرض. # وقال عباس: كم الساعة الآن؟ # وقالت ليلى: أنت ستتغدى عندنا اليوم. ~~- ولكن ... ولكنهم في البيت لا يعرفون. ~~- لا عليك، سأرسل لهم سيدة تخبرهم. # واستراح إلى هذا ومكث. # وحين طالت جلسته بعد الغداء أحس أنه لا بد أن ينزل، وكان الوقت بعد ~~الظهيرة، وكان يريد أن يرى شعبان، فقصد إليه في بيته فوجده يلبس، فجلس ~~معه في الحجرة حتى يتم لبسه، ولكنه وجده يحاول التأنق محاولة ~~واضحة لا سبيل إلى التغاضي عنها. ~~- إلى أين؟ أراك مهتما بملبسك. ~~- أقول لك ولا تضحك؟ ~~- قل. ~~- لا، ستعرف في الوقت المناسب. ~~- إذن فأنت بسبيلك إلى الزواج. ~~- أعتقد أنك لم تكن محتاجا إلى ذكاء كثير لتعرف؛ فقد كانت إجابتي ~~موحية بهذه الفكرة. ~~- مبروك يا شعبان. والبار، والرفاق؟ ~~- لي شهر الآن لم أشرب نقطة خمر، ولم أطأ البار بقدمي. ~~- كل هذا التغير في الفترة التي تركتك فيها. ~~- كنت محتاجا إليك في هذه الفترة يا عباس لأقول لك ما لم أقله ~~لأحد، ولكني كنت أخشى أن أعطلك عن ms73 المذاكرة. ~~- قل، قل يا شعبان. ~~- أصبحت لا أحتاج إلى الضحك، نفسي كلها مشرقة بغير حاجة إلى صنع ~~الضحك. أصبحت أصلي يا عباس فأحس بخشوع كبير أمام الله. عرفت ~~الحب فأحببت الله. كنت أعبده إيمانا به، فأصبحت أعبده لأني أحبه، ~~ولأنه هيأ لي كل هذه السعادة. نفسي تضحك، تضحك دائما فالقهقهة التي ~~كنت أدبرها. أصبحت إذا قارنتها بالضحك في نفسي ضجة لا لزوم ~~لها. ~~- ما أسعدك! ~~- ألم تحب؟ أحب يا عباس. إذا أحببت استطعت أن تفهم المعجزات التي ~~تراها في الدين، واستطعت أن تستسيغها، بل إنك سترى أن كل من لا يؤمن ~~بها مجنون لا يفهم. ألم تحب يا عباس؟ ألم تحب أبدا؟! # وأطرق عباس وطافت بذهنه ليلى، ثم تذكر إيفون، ثم هز رأسه وهو يقول: ~~لا أدري، لا أدري يا شعبان. ~~- لا تدري؟! هذا غير معقول! أنت فقط لا تريد أن تدري، ولكن هيهات لك ~~أن تخادع نفسك في الحب! إنه طاغ قاهر يفرض نفسه عليك، شئت هذا أم ~~أبيت. ~~- يفرض نفسه علي؟! ~~- إلى الجحيم حريتك، إلى الجحيم. كم ستسعد لو أنك صارحت نفسك ~~بحبك! وكم ستسعد وأنت ترى حريتك مهزومة أمام حبك، تتخلص من ~~سيطرتها عليك؛ لتترك المحب وحده يسيطر عليك. ~~- حريتي مهزومة؟! ~~- الحرية حرية القلب. إذا أحببت ستحس أنك تستطيع أن تقول كل ما ~~تريد أن تقول، وأن تفعل كل ما تريد أن تفعل. اترك قلبك يحب. لا ~~تقف أمامه بحريتك هذه البغيضة، ولا تحاول أن ترده عما ~~يريد. ~~- كلام شعراء. ~~- لقد عاش أجدادك وأجدادي آلاف السنين على كلام الشعراء هذا. لولا ~~كلام الشعراء لانقرضت البشرية. ~~- البشرية حقيقة ثابتة، وكلامك خيال وأوهام. ~~- يا أخي صل على النبي! أيستطيع أحد أن يعرف أين الوهم وأين ~~الحقيقة في هذا العالم؟ من الأوهام والأحلام تولد الحقائق، وعن الحقائق ~~تنثال الأحلام والأوهام. ما الطائرة؟ لقد كانت حلما. وما الصعود إلى ~~القمر؟ حلم امتزج بالحقائق. دع عنك هذا التفريق. ~~- كلام محب. ~~- أليس جميلا؟ ~~- لست أدري. ~~- أطلق لحبك العنان. لا تمسك به. اقبله وأحب ms74 حبك وسترى. ~~- هل حان موعدك؟ ~~- هيا بنا. # ونزلا وذهب شعبان إلى موعده، وراح عباس يضرب في الطريق على غير ~~هدى. # كان الوقت متأخرا حين عاد إلى البيت، فوجد أمه جالسة في حجرته ~~وقد عبقت الحجرة بالبخور، والأم ممسكة بسبحة تسبح عليها في هدوء ~~خاشع: أتتركنا يوم نجاحك ولا تجعلني أراك طول اليوم؟ ~~- كنت عند خالتي. ~~- قل لي يا عباس، ألا تفكر في الزواج؟ ~~- يبدو أنني لا أقابل أحدا اليوم إلا وكلمني في الزواج. ~~- يا ابني أجبني. ~~- افرضي أنني فكرت، كيف أستطيع أن أدفع المهر وأنفق؟ ~~- لا شأن لك. ~~- أبي لن يقبل. ~~- قلت لا شأن لك. ~~- إذن. # وصمت، لماذا لا يتزوج؟ إنه يعرف من يريد، ويستطيع أن يترك البيت ~~فيريح أباه ويستريح هو أيضا. وقالت أمه: لماذا لا تجيب يا ~~عباس؟ ~~- نعم يا أم، أتزوج. ~~- أتترك لي أن أخطب أم؟ ... # وقال عباس فجأة ودون مداورة: اخطبي لي ليلى. # ونظرت الأم إلى ابنها في فرحة غير مصدقة، ثم قالت والفرح يكاد يعقد ~~لسانها وقلبها شديد الخفق عالي الوجيب: هل أنت جاد يا عباس؟ # وقبل أن تسمع جوابه اندفعت في الليل البهيم زغرودة مجلجلة، أطلقت ~~فيها زكية فرحها الذي ظل يملأ قلبها طوال اليوم، محاذرا أن يعبر ~~عن نفسه في غير الابتسامة المتوارية عن عين الشيخ سلطان. # | الفصل الثامن عشر # ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. # ظلت هذه الكلمة تلح على ذهن إيفون أياما كثيرة، تحاول أن ~~تنساها فتعجز. # إنها كلمة المسيح، وقد كفرت بالأديان جميعها فما لهذه الكلمة تأبى ~~أن تفارق نفسي؟ ما لي وللأديان؟ وما لي وما يقول المسيح؟ ولكن هذه ~~ليست وعظا دينيا ولا هي تشريع، إنما هي حق. # حق أحسته بعد فترة من عملها بوظيفتها الجديدة. إنها تأكل وتحيا ~~وتعمل، ولكن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. كانت تريد قلبا. كانت ~~تريد أباها وأمها. كانت تريد أقاربها ولكن، كيف السبيل إليهم؟ # ما أعظم الفراغ في هذه الحياة إذا ما أصبح الإنسان في حياته فردا ~~بلا قلوب حوله تجعل كيانه ينسجم في ms75 نسيج البشرية، فيصبح قطعة من ~~قماشها لا يتسم بسمة الوحدة الكريهة! # وطال الصراع في نفس إيفون أياما وشهورا، ثم عزمت أمرها وراحت تزور ~~أقاربها. يا لها من نفسها ومما صنعت! وجوه تلتوي عن ازدراء، واستقبال ~~إن رق فهو العطف البغيض، وإن ظهر على طبيعته فهو تحية تعلن إلى ~~إيفون ألا تعود. ولم تكن تعود. أبواب مقفلة في وجهها، وإن فتحت ~~مصاريعها. وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. بيت واحد استقبلها لم يضق ~~بها هو بيت منى، فيه لقيت ما كانت تشتهي أن تجد. وفرحت إيفون بهذا ~~القلب الجديد القديم، وإن شابت فرحتها غصة جاهدت أن تغضي العين ~~عنها. لم يكن ميشيل زوج منى يلقاها بهذا الترحاب، كان يمشي ويترك ~~البيت، أو يمشي ويترك الغرفة، ولكن ما لها وما له؟ إنها تريد مني ولا ~~تريد ميشيل. # وكانت منى تنقل إليها أنباء أبويها، وكانت تستمع إلى هذه الأنباء في ~~حسرة أليمة. أبوها لا يخرج من البيت منذ يعود من الديوان، وأمها لا ~~تقابل أحدا ولا تحتفي بزائر. وقل الزائرون فلم يعد من يذهب إلى ~~البيت إلا شفيق. ويحاول شفيق أن يسلي أخاه فيشتري نردا ليلاعبه ~~فلا تفيد التسلية، ويحاول أن يحادثه فلا يجد لحديثه مجيبا. وتمضي ~~الأيام بأبيها وأمها كئيبة الخطى ثقيلة، يحسان الخزي والألم والعار، ~~ولا يجدان لدفعها سبيلا. # وكانت منى إذا أحست ما أنزلته أخبارها بإيفون من ألم حادت بموضوع ~~الحديث إلى غيره، واستدرت هي أحاديث إيفون. # فرغت إيفون من عملها بالشركة في يومها ذاك، وذهبت إلى البنسيون الذي ~~تقيم فيه، وتناولت غداءها، ثم بدلت ملابسها ونزلت قاصدة بيت ~~منى. # واستقبلتها منى في إشراقة مبتدرة ما لبث غيم من ألم أن غشاها، كأنه ~~الغصة تحسها عند رفيقك ولا تراها. وتجاهلت إيفون هذه الإلمامة ~~العارضة التي شابت استقبال منى، وجلستا. وقالت إيفون: هل ذهبت إلى ~~هناك؟ # وقالت منى في اقتضاب: أبدا. ~~- ألم تسمعي شيئا جديدا من عمي شفيق؟ ~~- أبدا. ما أخبارك أنت؟ ~~- أنا مبسوطة، جميع من في المكتب يحبني وعملي يسليني دائما، ms76 ~~وأتعلم الآن الآلة الكاتبة، وأعتقد أنهم سيعطونني علاوة، والرئيس ~~يقول إنه سيرقيني و... # وقبل أن تكمل وجدت نفسها تبكي بكاء حاولت جاهدة ألا تصل به إلى ~~النشيج، ولكن هو البركان لا يوقفه شيء. وحزرت منى ما يبكي ابنة عمها ~~فراحت تربت كتفها في حدب وألم، ثم قامت عنها وأحضرت لها كوب ماء ~~وكولونيا. واستطاعت إيفون أن تسكت أخيرا وقالت: آسفة يا منى. ~~- لا عليك يا إيفون أنا فاهمة. # وأقامت إيفون بعد ذلك، وراحت تلقي الحديث محاولة أن تبدو أمام منى ~~أنها تمالكت نفسها، ومنى ترنو إليها في إشفاق. وضاقت إيفون بإشفاق منى، ~~وودت لو تستطيع أن تقول لها: أنا بخير. أنا سعيدة. أنا في غير حاجة ~~إلى شفقة من أحد، حتى ولا منك، أنت التي لا أستطيع أن أدخل بيتا غير ~~بيتها. # ولكنها لم تستطع أن تقول شيئا. كيف تقول؟! ولم تجد ما تفعله إلا ~~أن تقوم فقامت وهمت بالانصراف، وفتحت الباب الخارجي وهي تتباطأ. ~~هناك سؤال لم تسأله منى، سؤال كانت تسأله لها في كل مرة تزورها فيها، ~~لم تسأله لها هذه المرة: متى تجيئين؟ لعلها نسيت، تباطأت مرة أخرى، ~~ولكن السؤال لم يدر بذهن منى. لا بد أنها ناسية. ماذا أفعل حتى ~~أذكرها؟! تحدثت عن فراغها وعن السعادة التي تلقاها بزيارتها لها، ~~ولكن الحديث الدائر البعد لم يفد شيئا، ولما أخفقت الإشارة عمدت ~~إلى التصريح: منى هل أنت في البيت بعد غد؟ # وصمتت منى قليلا، وسارعت إيفون: لا عليك، آتي في اليوم الذي ~~يليه. # وصمتت منى مرة أخرى، وقالت إيفون في تشبث: لا عليك ... آتي ... # وقبل أن تكمل قالت منى في ألم متخاذل خجلان: والله يا إيفون لا ~~أدري ماذا أقول لك؟ # وبهتت إيفون، ثم قالت: إذن فهم يمنعونني عنك أنت أيضا. # أطرقت منى وقالت إيفون: من طلب منك هذا؟ # وظلت منى مطرقة لا تجيب، وقالت إيفون: أهو أبي؟ # وقالت منى في استخذاء: ميشيل. # وأحست إيفون كأن الطعنة تخف عنها هونا فقالت: حسنا، ~~وداعا. # ونزلت السلم وخرجت إلى ms77 الطريق، ومشت لا تعي شيئا ولا تدري أين ~~تولي وجهها. وطال بها السير وطال، هي تمشي من طريق إلى طريق، تقودها ~~قدماها لا عيناها. دموعها تنثال في سكون فلا تستطيع أن تخفف مما ~~بها شيئا. كانت الشمس قد أخذت في المغيب، ولكن النور كان لا يزال يغمر ~~الكون. وأحست إيفون لذعة من برد فأمسكت ذراعيها بيديها، فبدت ~~كأنها تحتضن نفسها. ونظرت حواليها وكأنها تلتمس ملجأ. ودارت بعينها ~~في المكان فوجدت بيوتا أبوابها جميعا مقفلة، ثم رأت كنيسة بابها ~~مفتوح على مصراعيه، وفي حزم مشت إلى الكنيسة فدخلتها. وطالعها تمثال ~~المسيح في صدرها، وركعت أمامه في إجلال، وراحت تحادثه كأنما تكلم ~~شخصا تراه ويراها: أيها المسيح الحي، يخيل إلي أنهم صلبوك لتظل ~~إلى الأزل مفتوح الذراعين مرحبا بالتائبين. يا أيها الروح القدس ~~إنني تائبة، إنني أعود إليك وأعلم أنك قد قبلت عودتي. # وظلت إيفون راكعة في مكانها. وأطالت الركوع حتى أحست أنها أصبحت ~~تستطيع أن تصنع ما كانت تخاف أن تصنعه منذ زمن طويل. # قامت إيفون وخرجت من الكنيسة، وعلى ضوء المصابيح الباهرة أخذت ~~طريقها إلى بيت أبيها. # | الفصل التاسع عشر # أرادت زكية أن تقيم لابنها فرحا، ولكن الشيخ سلطان أبى عليها ذلك. ~~أما حميدة فقد استطاعت أن تقنع رضوان أفندي بإقامة الفرح فأقامه. ~~وكانت ليلة. واستطاع لطفي أن يخلو إلى وهيبة، والناس في شغل عنهم ~~بالعروسين، وقال لطفي: مبروك يا وهيبة! # وقالت وهيبة في خجل: مبروك أنت أيضا. # وقال: العقبى لنا. # وأطرقت وهيبة وقد ملأت الحمرة وجهها، وقال لطفي: أشكرك يا ~~وهيبة. ~~- علام؟! ~~- عرفت بالخطيب الذي جاء لكم. # وضحكت وهيبة وسكتت، وقال لطفي: ماذا فعلت لتجعليه ينصرف؟ ~~- قمت بواجباتي. ألم تقل لي إن عليك واجبات؟ ~~- نعم، كيف نفذتها؟ # وضحكت ثانية وقالت: بسيطة. ~~- كيف؟ ~~- لبست منديلا على رأسي، واخترت ثوبا أعرف أنه يجعلني أبدو غاية ~~في الغباء. ~~- ولكن الشيخ سلطان كيف قبل أن يراك العريس؟ ~~- كنت متأكدة أنه سيقبل؛ عملا بالحديث الشريف. ~~- «أن يراها مقبلة مدبرة، فإنه أحرى أن يؤدم بينهما.» ms78 ~~- هو هذا. ~~- وطبعا حين رآك في المنديل والفستان. ~~- لا تقل فستان، ثوب، ثوب، لم ألبسه إلا في البلد. # وقهقه لطفي وقال: لم يعد العريس طبعا. وماذا فعل الشيخ ~~سلطان؟ ~~- فهم أني لا أريد العريس وسكت. ~~- عظيم، ولكن ... # وأطرقت وهيبة، وقال لطفي: أخشى أن يجيء غيره. # وظلت وهيبة ساكنة، وإذا لطفي يقول فجأة: اسمعي! ما رأيك؟ أكلم ~~أبي يكلم الشيخ سلطان الآن. # وقالت وهيبة في فرح خجلان: الآن؟ ~~- نعم، وهل نجد مناسبة مثل هذه؟ ~~- أتستطيع أن تكلم أباك؟ ~~- البركة في أمي. ~~- الآن! ~~- نعم الآن، وهل هناك أحسن من الآن؟ # | الفصل العشرون # كانت حياة عباس في بيته حياة سعيدة، استطاع فيها أن يجد نفسه، ~~استطاع أن يجد كل شيء يعد لراحته ولراحته وحده. وكان سعيدا في عمله ~~أيضا؛ فقد عين في وظيفة هندسية. # ومرت بعباس شهور هانئة، ولكن خالته أبت عليه هذه الهناءة؛ فهي تهمس ~~في جلسة جمعتهما وحدهما: عباس، ألم تذهب بليلى إلى الدكتور؟ # وجزع عباس قائلا: الدكتور! لماذا كفى الله الشر؟ ~~- يا بني لقد مرت شهور ولم تحمل. # وتنفس عباس من أعماقه: يا خالتي، ظننت الأمر هاما. # ودقت الست حميدة صدرها وقالت: هاما! وهل هناك أهم من هذا يا ~~ابني؟ ~~- يا خالتي ما زالت أمامنا الأيام طويلة. ~~- لا، لا يا عباس، إن الزوجة إن لم تحمل في الشهور الأولى فلا بد أن ~~هناك عيبا. ~~- يا خالتي لا تفكري في هذا الأمر. # ونظرت إليه مليا، ثم قالت: عباس، هل العيب منك؟ # وضحك عباس وقال: يا خالتي نحن لم نبحث الموضوع بالمرة، وأنا أعتقد ~~أننا يجب أن ننتظر قليلا، ما العجلة؟ ~~- اسمع يا عباس هذا الكلام لا يعجبني، لم أر في حياتي رجلا لا ~~يريد الأطفال إلا أنت. ~~- يا خالتي أنبحث عن المسئولية ونحن ما زلنا في أول العمر؟ لا نريد ~~أطفالا يا خالتي. ~~- يا بني قل كلاما غير هذا، لا حرمكم الله منهم. ~~- يا خالتي حالتنا المالية لا تتحمل. ~~- الذي يأتي بهم يتولى رزقهم. ~~- يا خالتي يجب أن يفكر الناس قبل ms79 أن يعتمدوا على الذي يأتي ~~بهم. # وعادت خالته إلى الهمس مرة أخرى برغم أن الحجرة كانت خالية ~~بهما. ~~- يا بني إذا كان العيب منك فلا تخجل، كل شيء له علاج. # وضحك عباس: يا خالتي أبدا. ~~- يا بني أنا مثل أمك، ومعي والحمد لله فلوس تكفي ما تريد وزيادة. ~~لا تفكر في الفلوس. # وظل عباس يضحك، ثم قال حسما للنزاع: يا خالتي أنت تريدين أن أذهب ~~بليلى إلى الدكتور، سأذهب. ~~- متى؟ ~~- غدا. ~~- ولم لا يكون اليوم؟ ~~- اليوم. # وكانت ليلى فعلا تحتاج إلى علاج، وعلاج طويل، وقد استطاعت أمها أن ~~ترغمها على تنفيذ أوامر الطبيب في دقة متناهية. فكانت تأتي إلى بيتها ~~منذ الصباح لا تغادره إلا عند المساء حين تطمئن أن كل ما يريده ~~الطبيب قد تم. # وإزاء هذا الإصرار لم يجد الطفل بدا من أن يبدأ في التكوين، ~~فبدأ. # | الفصل الحادي والعشرون # كانت ليلى في الشهر الأخير من حملها، وكانت مستلقية على كرسي يحنو ~~عليها وقد أرخت رأسها إلى ظهره، وجلس عباس أمامها ينظر إلى عينيها ~~فينساب الهدوء إلى نفسه أنيسا مطمئنا. وفاجأته زوجته: ماذا سنسميه ~~يا عباس؟ # وابتسم عباس وقال في دعة: هل وصلتك الأنباء أنه ولد؟ # وفي استرخائها الحالم قالت: قل يا رب. ~~- أتظنين أنها تفيد؟ أعتقد أن هذه المسالة تتم دون الالتفات إلى ~~الدعوات. ~~- وماذا يضيرك أن تقول يا رب؟! ~~- لا أحب أن أقول شيئا لا يفيد. ~~- ألا تحس بالراحة أن تجد من تلجأ إليه؟ عجيبة! ~~- أنا لا أعرف إلا نفسي ألجأ إليها. ~~- ولكني أظن أن عم الشيخ سلطان هو الذي أنفق عليك حتى تخرجت، وأنفق ~~عليك حتى تزوجت. ~~- هذا واجبه. ~~- وهل يؤدي كل إنسان واجبه؟ # وأحس عباس أن السؤال يخفي وراءه شيئا، وإن كان واثقا أنها تجهل ~~موضوع إيفون جهلا تاما، ولكنه قال بلا وعي: ماذا تقصدين؟ ~~- حكمة عامة، لا أقصد شيئا معينا. ~~- آه. # وصمتت ليلى قليلا، ثم قالت: قل لي يا عباس، ألا تحس أن غضب أبيك ~~ومقاطعته لنا تجعلك تحتاج إلى شيء؟ ألا تحس ms80 الآن أكثر من أي وقت مضى ~~أنك في حاجة إلى قوة عليا؟ ~~- أحس أنني في حاجة إلى نفسي. ~~- كم أنت مغرور. ~~- أنا أبصر، ولا أصدق إلا ما أبصر. # وسكتت ليلى وسكت، ثم قالت فجأة: ماذا نسميه؟ # وابتسم عباس وقال لها: وإن كانت بنية؟ ~~- لا، أريد ولدا يا رب، والنبي يا رب، ولد. ~~- وحين تكون بنية جميلة مثلك هادئة حلوة تشيع الأمن والطمأنينة ~~في كل الحياة التي تحيط بها. # وفجأة كست وجه ليلى مسحة من الجد، وزال عنها كل الخمول الذي كانت ~~تحسه: كيف تنوي أن تنشئ هذا الطفل؟ ~~- على حريته، سأترك له مطلق الحرية. ~~- أي حرية؟! أموت ولا يكون هذا، لا، إلا هذا يا عباس، إلا ~~هذا. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- لا بد أن يعرف أسس دينه وقواعده، هذا واجبنا يا عباس. ~~- حتى أنت التي درست الفلسفة في الكلية ترين أن هذا مهم؟ ~~- لقد عرفت مما درست ومن عقيدتي أن الإنسان بغير دين ضائع، وبغير ~~عقيدة يؤمن بها إيمانا ثابتا سيكون تائها في هذا الوجود. وعرفت أن ~~القلق والضياع وتيه الأفكار التي لا تعتمد على المشاعر الروحية هي شر ~~ما يلاقيه الإنسان في الوجود. ~~- أنا لا أحس بذلك. ~~- بل أنت، أنت بالذات أكبر مثل أمامي لهذا الذي أقوله. أرجوك يا ~~عباس، اترك لي تربية ابني. ~~- أتحسين أني ضائع؟ ~~- أتظن أنني لم أحس بفترة القلق الطويلة التي عانيتها؟ ~~- أنا الآن مطمئن. ~~- مطمئن لأني أشعرك بالاطمئنان، مطمئن لأني هادئة بجانبك واثقة. إذا ~~فقدتني ... # وقفز عباس من كرسيه صارخا: لا! لا تقولي هذا. ~~- لماذا لا أقول؟ إنني بعد أسابيع قليلة سأكون بين يدي الله، إذا ~~اختارني إلى جواره؟ # وصرخ عباس مرة أخرى: أرجوك! أرجوك! أستحلفك بكل عزيز لديك، بالله، ~~لا تقولي هذا. ~~- يجب أن تتوقعه ويجب أن نتفق على الطريقة التي سيربى بها ~~ابننا. إن شر ما نلقيه إليه هو الضياع وعدم الثقة والقلق. إياك، إياك ~~يا عباس، إذا لم أعش. أنا ... # وقال عباس: أرجوك! # واستأنفت ليلى حديثها كأنها لم تسمعه: إذا لم أعش فبحياتي ms81 عندك، ~~بحياتي عليك، بكل ما تؤمن به ولو أني أصبحت لا أعرف بماذا تؤمن. ~~أستحلفك بأي شيء ذي قيمة عندك أن تجعل الولد يتلقى تعاليمه الدينية ~~في إخلاص وفي إيمان عميق. ~~- ما ترين، ما ترين فقط، لا تقولي هذا الذي تقولينه. ~~- لماذا يا عباس؟ من يدري ما يخفيه لي المستقبل؟ ~~- أنت لا تعرفين ما أنت عندي. ~~- أعرف. ~~- فإذا ... إذا فقدتك. ~~- نلتقي في السماء. ~~- أي سماء؟ ~~- السماء، الحياة الثانية، اللقاء الذي لا انفصال له. ~~- كيف أومن به؟ كيف أضمن هذا اللقاء؟ ~~- يجب أن تؤمن بالله لتؤمن بهذا اللقاء. ~~- أرجو أن أومن. ~~- حاول. # وهز عباس رأسه وقد وضع يده على عينيه: لا، لا، لا أريد أن ~~أفكر في هذا! لا أريد أن أفقدك! لا، أنا لن أفقدك! لن أفقدك أبدا، ~~أبدا، أبدا. # وارتمى على كرسيه باكيا، واحتضنته ليلى وضمته إلى قلبها في حب ~~وإعزاز كأنما تحتضن طفلا، وراحت تربت ظهره قائلة في تأثر وإيمان: ~~لا تخف، لا تخف يا عباس. لن تفقدني، لن تفقدني أبدا. # ملأ الخوف قلب عباس منذ ذلك اليوم، أصبح يترك عمله ويسارع إلى البيت ~~فيظل مقيما بجانب ليلى لا يتركها، وأحست ليلى الهلع الذي يحيا فيه ~~فحاذرت أن تحادثه مرة أخرى عن موتها، وكانت هي نفسها تعجب كيف لا ~~تخشى على نفسها الموت مثلما يخشاه عليها عباس، ولم تكن تحاول أن ~~تحلل السبب في اطمئنانها وذعره، وإنما كانت تكتفي بالتعجب لهذا ~~التناقض في الشعور. أما عباس فقد كان لا يستطيع أن يتصور الحياة ~~بدونها، وكأنما جعله حديثه يفكر في يوم يفقدها فيه فهو في بحرين من ~~الخوف والقلق، يصب غضبه حينا على أمها التي سعت إلى هذا الحمل، ~~وحينا على هذا الجنين الذي يسعى طريقه إلى الحياة، وحينا يصب كل غضبه ~~على نفسه أن اشترك في هذه الجريمة التي توشك أن تقع. أصبح ميلاد ابنه ~~يتمثل في نظره كارثة وشيكة الوقوع لا يستطيع أن يذكرها إلا ويذكر ~~هذا الحديث الذي ملأه رعبا. # ولم يستطع أن يفرغ لعمله كما ms82 تعود أن يفرغ له، وبدأ رئيسه في ~~العمل يلاحظ عليه هذا التخلف فهو يناديه ويستقبله في جمود: وبعدين ~~يا أستاذ عباس؟ ~~- فيم؟ ~~- ألا تدري؟ إن عليك واجبات لا بد أن تؤديها. # وقال في نفسه: «قيد آخر، وعبودية أخرى.» وصمت وقال الرئيس: أهي ~~فوضى؟! تخرج كما تشاء وتدخل كما تشاء! ألا تدري أنها وظيفة أنت مقيد ~~بها وملزم بقوانينها حتى تستحق ما تناله من مرتب آخر الشهر؟ # وقال في نفسه: «مرتب آخر الشهر. عبودية أخرى. يبدو أن هذه الحياة لا ~~تتم إلا بالعبودية.» # وصمت وقال الرئيس: لماذا لا تجيب؟ # وأطرق عباس وهو يقول: ظروف عائلية. # وبدا على رئيسه شيء من العطف وقال له: اقعد. # وأحس عباس وهو يجلس مزيجا من العواطف المتضاربة. كان عطف الناس ~~وتجاوبهم مع مشاعره يجعلانه يحس أن هذا المجتمع لا بأس به. ومن هذا ~~الإحساس كان يداخله خوف على إيمانه بكره المجتمع، فهو حيران بين ~~شكرانه لهذه العواطف، وبين إحساسه بأن آراءه ليست جميعها سديدة. # وقال الرئيس: ما هي ظروفك؟ # وأطرق عباس قليلا، فقال الرجل: أنا هنا لست رئيسا فحسب، بل إني ~~أعتبر نفسي والدا لك أيضا. وقلبان في الأزمة أقدر على مواجهتها من ~~قلب واحد. لعل ما تضيق به أستطيع أنا حله. الناس بالناس يا ~~بني. # وأحس في رحمة الرجل ما يدعوه إلى الحديث فهو يقول في صوت واهن ~~متعثر: زوجتي حامل في شهرها الأخير. # وقال الرئيس في بساطة وإشراق: شيء عظيم! هذا أمر يدعو للفرح. # ولكنه بعد أن صمت هنيهة قال: أتكون محتاجا لأجر الولادة؟ # وقال عباس: لا ... لا ... أبدا ... إنما أخشى ... أخشى ... # فقال الرجل في طيبة: قل ماذا تخشى يا ابني. ~~- أخشى أن يصيبها شيء في الولادة. ~~- وأي شيطان أوحى إليك بهذه الفكرة؟ ألا تعرف أن تسعين في المائة من ~~الأمهات يلدن بلا أي صعوبة؟ ~~- ولكن هناك عشرة في المائة ... # ولم يستطيع أن يكمل الجلة فقال الرجل: ولماذا تحسب أن زوجتك بين ~~العشرة في المائة وليست من التسعين في المائة؟ أظن التسعين في المائة ms83 ~~أكثر. # وسكت عباس قليلا وقال: إني خائف. ~~- أنت الذي تخلق الخوف في نفسك. مم خوفك؟ ~~- لا أدري. ~~- قل يا رب. # وسكت عباس قليلا وظل مطرقا. لقد كان يتمنى في لحظته تلك أن ~~يستطيع إرسال هذه المناجاة إلى السماء، ولكنه يحس أن السماء مغلقة ~~دونه. وعاد الرئيس يقول: قل يا رب، وقبيل موعد الولادة خذ إجازة ~~لتستطيع أن تبقى إلى جوار زوجتك. # وقال عباس: أشكرك. ~~- لا، هذا واجبي، واجبي كوالد يا عباس، مع السلامة يا ابني. # | الفصل الثاني والعشرون # لم يكن نائما حين قالت له ليلى: أظن الوقت قد حان. # فقفز عن السرير وراح يهرول ليوقظ خالته التي ألح عليها أن تلازم ~~ابنتها قبيل الولادة بأيام، ثم عاد يهرول إلى الغرفة ويسألها: هيه، ~~هل حصل شيء؟ # وتضحك ليلى قائلة: ماذا يمكن أن يحصل في اللحظة غبتها عني؟ ~~- حسبت ... خشيت ... # وراح يضع على نفسه ملابسه في ارتباك وليلى تنظر إليه في ابتسامة ~~هادئة لا تفارقها، وفجأة قالت: مم تخاف؟ ~~- ألا تعرفين؟ ~~- إنني أنا مطمئنة، وكان عليك أيضا أن تطمئن. ~~- من أين يأتي الاطمئنان؟ من أين يأتي؟ لو كنت أستطيع أن أطمئن ~~مثلك، لو كنت أستطيع. ~~- أنا مطمئنة لأنني سأكون بين يدي الله، وإني لراضية بالمصير الذي ~~يريده لي من موت أو ... # ويقاطعها عباس: أرجوك! قومي، قومي، أرجوك، ألم تقولي إن الوقت قد ~~حان؟ ~~- نعم، حان لنذهب إلى المستشفى، أما الولادة فلا أظنها تتم قبل ~~ساعات. ~~- إذن قومي. ~~- دعني أولا أتم حديثي. أنا مطمئنة لأنني سأكون بين يدي الله، ~~وأنت يجب أن تطمئن لأنني سأكون بين يدي الإنسان العظيم الرائع الذي ~~بلغ الفضاء ومزق السماء. ماذا؟! أيعجز هذا الإنسان المارد الجبار ~~أن يستقبل طفلا ... مجرد طفل الحياة فيه معدة جاهزة، لا تحتاج إلى أي ~~مجهود؟ كل ما على الإنسان العبقري أن يستقبل طفلي هذا بعلمه. ألا ~~يستطيع الإنسان الذي بلغ الفضاء أن يخرج طفلا من ظلمات الرحم إلى نور ~~الدنيا التي اكتشف خوافيها؟ ~~- أهذا وقته؟ ~~- لو كنت مؤمنا بالإنسان والآلة، وبالتقدم الذي شق ms84 السماء إلى ~~الفضاء لما خفت الآن. لماذا أنت خائف؟ # وجلس عباس منهوك القوى: أتسخرين مني؟! يبدو أن لا حاجة بك إلى ~~المستشفى الآن؟ ~~- أنت لا تجيب. # وكيف أستطيع أن أفكر الآن؟ ~~- أسمعت ما كنت أقوله؟ ~~- نعم. ~~- فاذكره دائما، واذكره وأنا بين يدي الله في رأيي، وبين يدي ~~الآلات والإنسان والعلم الحديث في رأيك أنت. # ودخلت أمها الحجرة، وحين رأتها جالسة في هدوئها وابتسامتها ~~المطمئنة قالت وهي تضحك: ماذا؟ هل أجل بسلامته موعد الوصول؟ # وأحست ليلى الألم يعاودها، فمدت يدها إلى أمها التي سارعت إليها ~~وأمسكت بها وهي تقول: لا، لقد حان موعده. # وقفز عباس خائفا: ماذا؟! أتلد هنا؟! بلا أطباء ولا مستشفى ولا ~~... # وقالت الأم الخبيرة: لا، لا، من قال هذا؟ ما زال أمامنا الوقت ~~متسعا. ~~- ولكنها تتألم. ~~- وهل تظن أنكم جئتم إلى الدنيا إلا بآلامنا هذه؟ ~~- هل أرسلت إلى أمي؟ ~~- نعم. # ثم التفت إلى ليلى في اضطراب: هل أنت متعبة يا ليلى؟ # وكان الألم قد زايل ليلى فافترت شفتاها عن ابتسامة واهنة وقالت: ~~لا، هيا بنا. # وقاموا ولكن عباس يسأل: هل أحضرت سيدة سيارة؟ # وقالت خالته: لقد طلبت منها أن تأتي بها قبل أن تذهب إلى ~~بيتكم. # وفي السيارة قالت ليلى: عباس لن أراك إلا بعد الولادة، فإذا ~~... # وأمسك عباس يدها في تشبث وقال: أرجوك! أتوسل إليك! # وواصلت ليلى حديثها: الولد، أريده مسلما، وليس لي رجاء في الدنيا ~~إلا أن يكون ابني مؤمنا، مؤمنا بقلبه وعقله وشعوره، رجاء أحاسبك عليه ~~عندما نلتقي عند الله في السماء. # ودقت أمها صدرها وهي تقول: ما هذا الكلام الذي تقولينه؟! # وقال عباس: وهل أسمع غير هذا الكلام؟ # وقالت الست حميدة: هل جننت؟ # وواصلت ليلى حديثها دون أن تلتفت إلى كلام أمها أو زوجها: إذا كنت ~~لا تستطيع هذا فأعطه أمي. # وقال عباس في تخاذل: أرجوك، أنت التي ستربينه، وسيكون كما تريدينه ~~أن يكون، ولكن لا تذكري هذا الآن. أرجوك لا تذكريه! ~~- لا أريد منك غير هذا يا عباس. # وأطرق عباس صامتا، وقالت الأم ms85 بعد أن مصت شفتيها: له في ذلك ~~حكم. # وتوقفت السيارة فجأة، ونظر عباس يرى ما أوقف ركبهم، فوجد الشرطي ~~يعترض سبيلهم، وأوشك أن يقول للسائق امض، ولكنه كان يعلم أنه لن ~~يطيع؛ فيد الشرطي أقدس من أي أوامر. وأوشك أن ينزل إلى الشرطي يرجوه ~~أن يسمح لهم بالمرور؛ فقد خيل إليه أن امرأته ستلد في السيارة، ~~ولكنه تذكر أن الشرطي لن يأبه برجائه؛ فالقانون أهم من زوجته والوليد ~~المنتظر. وحين وجد أن لا سبيل له إلا أن يسكت، تضاءل أمام نفسه عاجزا ~~يرنو إلى زوجته وقد عادها الألم. وأمسك يد ليلى في تشبث ملهوف ~~يردد النظر بين الشرطي ووجه زوجته الذي غضنه الألم المرير. وأخيرا ~~سمح الشرطي لهم أن يسيروا. # وبلغت السيارة المستشفى، وأدخلت ليلى إلى غرفة الولادة، وصحبتها ~~أمها، وظل عباس وحده. أحاطت به الوحدة، وحدة كاملة، فراغ، فراغ كبير ~~من حوله. أحس كأنه هباءة في الهواء يبحث عن شيء يتعلق به، ولكن يده ~~لا تمسك بغير الفضاء. يقوم إلى باب الحجرة يحاول أن يدخل ولكن أمر ~~الطبيب الصارم يقذف به مرة أخرى إلى الوحدة والفراغ والفضاء. # وجاءت أمه ومعها وهيبة ولطفي، وحاول أن يجد فيهم الشيء الذي يتعلق ~~به. وتركته أمه ووهيبة ودخلتا إلى ليلى، وظل هو مع لطفي. وأحس أنه ~~ما يزال يمسك بالفضاء، وخيم عليهما الصمت، وطال. وخرجت وهيبة فزعة ~~من الحجرة، ولقفها عباس: ماذا؟! ... ماذا يا وهيبة؟ ~~- لا أدري. إنها متعبة ... متعبة ... الطبيب يريد طبيبا آخر. لطفي ... ~~نريد ... نريد ... # واندفع عباس إلى الحجرة، وحاول الطبيب أن يمنعه ولكنه لم يعبأ ~~بأوامره، ووقف إلى جانب ليلى شاحبة بلا لون ولا نأمة إلا صفرة ~~وابتسامة تسللت إلى شفتيها حين رأته وهمست: لا تخف، لا تخف يا عباس، ~~كفاك خوفا. ~~- أريد أن تعيشي، أريد أن تظلي بجانبي؟ ~~- سأكون بجانبك دائما، هنا أو هناك سأكون بجانبك. # وصرخ عباس: لا! لا! # وقال له الطبيب في حزم: حياتها في خطر، أي هزة قد تودي بها، ~~أرجوك. # وأمسك بذراعه يقوده إلى خارج ms86 الغرفة فاستسلم له، ولكن قبل أن يصل إلى ~~الباب وقف مرة أخرى في إصرار: أراها ضعيفة، ولكن الأمل كبير، أليس ~~كذلك يا دكتور؟ ~~- أملنا في وجه الله، لا تضع هذا الأمل، أرجوك. # ونظر إلى الطبيب نظرة داهشة، ثم استسلم له وخرج، ولكنه ظل ملاصقا ~~لباب الغرفة يتحسسه في خوف والدموع تملأ عينيه، وفجأة وجد نفسه ~~يقول بلا وعي: يا رب. # وأحس أنه وجد ما يريد أن يتعلق به: يا رب. يا رب. # وظل يقولها، ولا يقول شيئا غيرها. يا رب. يارب. وربتت كتفه يد ~~فاستدار ليجد أباه يسأله: خير يا عباس؟ # وارتمى عباس بين أحضان أبيه باكيا يقول: ادع لها الله يا أبي، إنها ~~بين يدي الله. # واحتوى الشيخ ابنه في حنان، وفجأة ارتفع صراخ الطفل الوليد، فاندفع ~~عباس إلى الحجرة وسأل الطبيب الذي كان ممسكا بالطفل: وهي؟ هي؟ # وقال الطبيب: ربنا معها. # وركع عباس إلى جانب سرير زوجته وسمعها تهمس: أريده مؤمنا يا ~~عباس. # وقال عباس في ثقة وهدوء: سيكون. # وأشرق وجه ليلى وهي تسمع هذه النغمة الجديدة من الوثوق في صوت زوجها، ~~وأحست أنها بلغت أقصى آمالها، وقالت في راحة: الحمد لله. # وظل عباس بجانب زوجته ممسكا بيدها صامتا، وراح الطبيب يبذل كل ما ~~يستطيع لإنقاذها. # ولكن الله قد هيأ لها مكانا في جواره. # وعند الفجر كانت ليلى قد صعدت إلى السماء، ورنا عباس إلى وجهها، وقال ~~صامتا في حب والدموع تنهمر على وجهه: إذن فهو كما قلت يا ليلى، ~~لقاء هناك، في السماء. ms87