######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.NahrLaYahtariq.Hindawi96304242 #META# Tags: novels #META# ID: 96304242 #META# Title: النهر لا يحترق #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # | النهر لا يحترق # | النهر لا يحترق # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # الحر شديد، شديد، وفوكيون لمبرو يحمل حقيبته الثقيلة ثقل الزمن، وبيده اليسرى يحمل البقجة ~~المنتفخة بالأقمشة، والمثقلة بها أيضا، عجيبة أن تكون الأقمشة الحريرية والأخرى الشفيفة ~~بكل هذا الثقل، إن شأنها شأن الزمن ما هو إلا ثانية وثانية، ثم دقيقة ودقيقة، ثم ساعة ~~وساعة، ثم أيام ثقيلة الخطى، ثم سنون ترزح على كتف الإنسان فإذا القامة المديدة تحنيها ~~الأعوام التي لم تكن إلا أياما، كانت ساعات وكانت دقائق وكانت ثواني. # ومن تراكم الثواني شاب شعر فوكيون لمبرو، ومن تراكم الحرائر والشفائف في الحقيبة والبقجة ~~يئن فوكيون لمبرو، وكأن الشمس لا يكفيها ما هو فيه من معاناة، فإذا هي تصليه تلك النار ~~الضارية، تخترق قبعته وتعتصره اعتصارا. # ويمشي لمبرو، والحر شديد، شديد. # ويمر ببيت الست عدلات، ويله من الست عدلات، إنه لا يشتهي مطلقا أن يذهب إليها؛ فهي كثيرة ~~التقليب في الأقمشة، غزيرة الكلام بطيئة الحركة، شحيحة المال، قليلة الشراء، نادرة ~~الدفع. # يعبر البيت ويستمر سائرا في ذلك الشارع الجميل، الذي يرافق النهير العظيم، الذي ~~سماه أهله وذووه بحر مويس، فلم يكفهم في شأنه أن يرفعوه من نهير إلى نهر، بل أفاضوا عليه ~~بما عرف عنهم من كرم، وأطلقوها عليه بحرا فأصبح بحرا، وكان يقوم بين البحر والشارع سور من ~~الأعواد الحديدية العريضة بعض الشيء والمدببة الهامة، وهكذا استطاع أهل الزقازيق أن يحموا ~~مويس من أن يكون موئلا لمن يفكر أن يلقي به ما ms01 يشوه جماله، واستطاعوا أيضا أن يردوا ~~الأطفال عن خوضه والتعرض لمائه العميق. # وفي هذه الأيام التي كان فوكيون يماشي فيها النهر في ذلك السعير، لم يكن على الجانب الآخر ~~من النهر إلا قليل من المباني، على قلة عددها جليلة الشأن عظيمة الخطر، فمن هذه المباني ~~المدرسة الابتدائية، وكان كثير من التلاميذ يعبرون إليها في مراكب صغيرة، لقاء مليم أو ~~مليمين يتقضاهما صاحب المركب، فقد كانت الكباري لا تزيد على اثنين، أحدهما على رأس النهر ~~حين يتجه شرقا إلى القاهرة عن طريق أبي حماد، والكوبري الآخر في الجهة المتجهة غربا إلى ~~منيا القمح فبنها، وكان منزل الباشا المدير في هذا الجانب أيضا. # أما الجانب الذي يسير فيه فوكيون، فهو زقازيق تلك الأيام بكل ما فيها من معالم، وحيث ~~يدور النهر تمتد بجانبه تأبى أن تبتعد عنه، وكان فوكيون يسكن في شارع البوستة، وهو أهم شارع ~~بالزقازيق، وحين تزوج - أتينا فروسو وشدد السين حتى تصل إلى النطق الصحيح - أقاما بنفس ~~البيت، فقد عرفها فيه وهي تقيم مع أخيها متراكي، صاحب محل البقالة الشهير بالزقازيق. # دام زواج فوكيون لأتينا فروسو اثنتي عشرة سنة، ولم ينجبا أطفالا، والعجيب أن كليهما لم ~~يحزن لهذا، فقد كانا يعرفان كيف يعملان حين يعملان، وكيف يستمتعان بالإجازة حين ~~يرغبان. # كانت أتينا تذهب مع فوكيون كل شهر إلى محل الحاج محمدين الطوخي في الحمزاوي، وتنتقي منه ~~الأقشمة لسيدات الزقازيق، وكانت تعرف الغالبية العظمى منهن من قبل أن تتزوج فوكيون، فقد ~~كانت هي التي تقوم بتفصيل ملابسهن، وقد كانت على ذكاء حاد فعرفت أذواقهن، وهكذا استطاعت أن ~~تكون ذات فائدة عظمى لزوجها، وبعد أن كانت الأقمشة التي يشتريها يتخلف منها جزء غير يسير ~~فترات طويلة عنده، مما يضطره آخر الأمر أن يبيعها بغير مكسب أو بخسارة، أصبحت الأقمشة التي ~~تنتقيها فروسو تنفد في أسابيع قليلة، إلى درجة أنه كان أحيانا ينزل مع فروسو مرتين أو ~~ثلاثا إلى القاهرة ليتزود ببضاعة جديدة. # وكان الزوجان يصران على أن ينالا شهرا إجازة في ms02 كل عام، وكانا يختارانه شهر يوليو، ففي ~~هذا الشهر تكون السيدات في الصيف هن أيضا قد انتهين من إعداد ملابس الصيف، ويكون الشتاء ~~بعيدا، فأغلبهن يبدأ بشراء الأصواف قبل أغسطس إن لم يكن سبتمبر. # سنوات طيبة عاشها الزوجان معا، العمل عند كليهما يحميهما من الفراغ والشجار، والإجازة ~~السنوية تجدد نشاطهما، والخروج إلى الفسحة كل أسبوع يدخل على حياتهما اليومية الرتيبة ~~تجديدا، وكانا يذهبان في كل يوم أحد إلى كنيسة الأروام، ثم يتناولان الشطائر عند الغداء في ~~حديقة وابور النور، الذي يقع في آخر الزقازيق بعد منشأة أباظة، ثم يذهبان إلى سينما ~~أبولون في حفلة الساعة السادسة، ولا يمنعهما شيء عن هذا البرنامج إلا المرض ونادرا ما كانا ~~يعرفانه، والعجيب أو ربما لم يصبح عليهما عجيبا أنهما كانا يستمتعان غاية المتعة بالموسيقى ~~العربية والمارشات العسكرية، التي كانا يسمعانها من فرق الجيش في كشك وابور النور، فقد كانت ~~موسيقى الجيش تعزف أيام الخميس والجمعة والأحد من بعد الظهر. # وكانت كثير من السيدات يمزحن مع فروسو وهي تخيط لهن ملابسهن، ويقلن لها إنك مصرية يا ~~فروسو أكثر من المصريات، فلماذا لا تتكلمين مثلنا وتتركين لهجتك الجريجية هذه. # وتضحك فروسو وتقول: دا سغل يا خبيبتي، أقصد أقول دا شغل يا حبيبتي. # وتضحك السيدات وتقول هي: إذا أنا إكلمتوا أربي الستات يقول دي خياطة بلدي، ويتركنني ويذهبن إلى خياطة جريجي ~~غيري. # كانت فروسو تعلم أن السيدات يحببن أن يلوين ألسنتهن باسم أجنبي، إذا أردن أن يذكرن اسم ~~الخياطة التي تفصل لهن فساتين. # وكانت فروسو إذا ذهبت إلى أحد البيوت لتخيط لسيداته أصبح ذهابها موسما، وتجمعت عند هذه ~~السيدة الصديقات الأخريات اللاتي تفصل لهن فروسو، ولا بأس أن يداعب الرجال فروسو أيضا ~~على مشهد من الزوجات، فقد كانت مداعبات تثير الضحك ولا تثير الغيرة. قال لها لطفي سعيد ~~بمنطق المال: لمن تجمعين يا فروسو كل هذا المال أنت وفوكيون؟ # وتضحك فروسو ولا يمسها طائف من الحزن أنها لم تنجب وتقول: من عارف يا لطفي بك. لصاحب ms03 النصيب. ~~- ألم تفكري أنت وفوكيون من هذا الذي يمكن أن يكون صاحب النصيب؟ ~~- أو، أنا وفوكيون نفكر في كل حاجة سوا سوا. ~~- فيمن تفكران إذن ليكون صاحب النصيب؟ ~~- على كل حال لطفي بك، مش إنت. # ويضحك الجميع ويقول لطفي: دا مؤكد فروسو، دا مؤكد. # وتقول هي جادة: لطفي بك تفتكر أنا وفوكيون نقدر نشتغل كدا على طول، يجيء يوم نتعب. نحب نستريح، يكون ~~الفلوس موجودة، سفت لطفي بك. أنا وفوكيون أصحاب النصيب مش حد تاني. # ونقلت أتينا هذا الحديث بأكمله إلى فوكيون لمبرو وهما يتناولان العشاء ويسمران، وضحك ~~فوكيون وقال لها باللغة اليونانية الخالصة: أحسنت الإجابة يا أتينا. # أتينا هو اسمها الحقيقي أما فروسو فاسم أبيها، ومع ذلك لا يناديها أحد بأتينا إلا زوجها ~~وأخوها متراكي، فهو أيضا اسمه متراكي فروسو، ولكن أحدا لا يعرف عنه إلا متراكي، ولا يرى ~~أحد داعيا مطلقا أن يبحث عن بقية اسمه، ومن عرفه صدفة لا يرى داعيا أن يناديه به. ~~••• # وحين ماتت أتينا فروسو دون أي توقع، أصبحت الحياة عند فوكيون لمبرو صحراء جرداء لا ~~تستحق أن تعاش، كان قد أعد مع أتينا كل خطوة سيخطوانها في المستقبل، ولكنها أخلفت موعدها ~~في لحظة عابرة، وهما جالسان في البيت يلعبان الورق. # لم تقل إنها ذاهبة ولم تقل إنها متعبة، كل ما قالته بعد أن وضعت الورق على المنضدة: ~~فوكيون. وقبل أن يجيب كانت هي قد أجابت داعي السماء. # لا معنى للحياة، ولكن الحياة لا تعترف برأي الأفراد ولا حتى برأي الجماعات أو الشعوب، ~~إنها تمضي كما تعودت أن تمضي، ثانية تدفع ثانية ودقيقة تسوق دقيقة، وساعة تستحث ساعة ويوم ~~يستبطئ يوما، وأعوام تنتهب العمر انتهابا. # ماذا أنا صانع إذا لم أعمل، إذا كنت أعددت المستقبل لي ولأتينا، وتخلفت هي فالمستقبل لن ~~يتخلف، بل هو قادم رغبت أنا في قدومه أو لم أرغب، وسيجدني أنتظره ما دمت على قيد الحياة، ~~والمصيبة الكبرى أنني لا بد أن أظل على قيد الحياة، والمصيبة الأعظم أنني لا أعلم ms04 متى ~~سأغادر هذه الحياة، وقد أصبح العمل هو كل ما أملك في الحياة بعد أن كانت معه أتينا، أخشى ~~إذا أنا توقفت عن العمل أن يهملني الموت ولا يذكرني، فهو زبون بلا موعد ولا منطق ولا عقل، ~~يخطف أتينا وهي في قمة صحتها لا تشكو مرضا، وينسى غيرها من الذين أنهكهم المرض سنوات ~~طوالا، قد يرسل إلي المرض، فالمرض من أتباع الموت ومن خدمه وحاشيته، ثم ينسى أنه أرسل لي ~~المرض ويتركه عندي السنوات الكثيرة، وأصبح بلا مال أنفقه على الضيف الذي أرسله إلي الموت ~~وعلى نفسي أيضا. # لا بد إذن أن أعمل، فلئن جاءني الموت أو خادمه المرض وعندي مال، خير ألف مرة من أن ~~يأتيني أحدهما، وخاصة الخادم، وأنا قليل المال، فالمرض ضيف لا حياء له ويرغم مضيفه على ~~كثير من الإنفاق، ولا يقف به الطمع عند حد، فهو رذل وقح عربيد، لا يخجل ولا يبالي أن يطلب ~~آلاف الجنيهات، وهو واثق أنك ستدفعها ولا تناقش. # أعمل إذن، ولكن الحر شديد، وموت أتينا أصاب مشاعري بإحباط كثيف، واللذة التي كنت ~~أستشعرها وأنا أعتصر الحياة معها انعدمت تماما، ولم يصبح للحياة رحيق ولا للمال ذلك الطعم ~~الساطع، الذي كان يملأ النفس رضى وهناءة وطمأنينة وثقة. # والحر شديد وأنا لا أريد أن أذهب إلى الست عدلات، ولكن لا بد مع ذلك من الذهاب، فإن عليها ~~لي مبلغا من المال ونحن الآن في موعد حصاد القمح، وربما استطاعت أن ترد لي شيئا من ~~ديونها، ثم أنا لا أستطيع أن أمضي خطوة بعد هذا، أمري إلى الله. # وفتحت نعمات خادمة الست عدلات الباب، وقالت في ألفة: يوه هو أنت يا خواجة لمبرو؟ # وقال لمبرو بعد أن دخل وقعد على كرسيه المعهود: هو أنا يا نعمات. كنت تنتظرين أحدا آخر؟ ~~- أبدا يا خواجة، فقط كيف تقدر على المشي في هذا الحر الشديد. ~~- أكل العيش يا نعمات! ~~- بل أكل الجاتوه يا خواجة. ماذا ستعمل بكل هذه الفلوس يا خواجة، قل لي يا خواجة لمبرو ms05 ~~أتكتم السر؟ ~~- كل أعمالنا أسرار. ~~- سلفني مائة جنيه أتزوج بها، وأرد لك كل شهر حاجة. ~~- وأنا كيف سأراك إذا تزوجت يا نعمات. ~~- بلدنا قريبة. ~~- وتريدينني أن أروح لبلدك كل شهر من أجل القسط؟ ~~- معروف تعمله في، ألا تعمل معروفا لله أبدا؟ ~~- الله يعلم ولكن الذي تطلبينه مستحيل. ~~- أنا أحضر لك الفلوس حتى بيتك. ~~- قولي يا نعمات، من خطيبك؟ أنت ما زلت صغيرة على الزواج. ~~- أبو الروس. ~~- من؟ ~~- سويلم أبو الروس. ~~- ماذا يعمل؟ ~~- يعمل في مقهى في البلد. ~~- كم عمره؟ ~~- قريب مني. ~~- أكبر؟ ~~- يا ترى كل هذا التحقيق له فائدة؟ ~~- أين الست عدلات؟ ~~- جائية. ~~- أهي ليست هنا؟ ~~- عند الست تفيدة. ~~- فوق؟ ~~- نعم. ~~- فهي لن تأتي إذن. ~~- لماذا يا خواجة لا قدر الله؟ ~~- الاثنتان لا تتوقفان عن الحديث إلا بالبوليس. # وتضحك نعمات وتقول له: الله يجازيك يا خواجة لمبرو. ماذا قلت؟ ~~- فيم؟ ~~- خواجة. أنسيت؟ ~~- قلت لي عمره كم؟ ~~- أنت مالك. ~~- أعرف. ~~- ما دخل هذا فيما أطلبه؟ ~~- فقط قولي، أهو أكبر منك؟ ~~- يا سلام يا خواجة. ~~- كم عمرك؟ ~~- ثماني عشرة سنة. ~~- يعني عنده عشرون تقريبا. ~~- لن أقول لك. ~~- فهو أصغر منك إذن. ~~- يا خبر أسود. هل هذا معقول؟ ~~- ليس مهما. ~~- وما رأيك؟ # وقبل أن يجيب تدخل الست عدلات، وتفاجأ بالخواجة لمبرو. ~~- يخيبك يا لمبرو. في هذا الحر؟ ~~- وأنت ست عدلات تخرجين في هذا الحر، أنا أخرج من أجل العمل، لكن أنت تخرجين من أجل ~~التسلية. ~~- الفلوس على قلبك ستقتلك، وتخرج في هذا الحر؟ ~~- والله ست عدلات لم أعد أحب أن أبقى في البيت أبدا، البيت كله أسود في وشي. ~~- الله يرحمك يا أتينا، والله من يوم ما راحت وأنا لم ألبس شيئا أرتاح له. ~~- مرسي ست عدلات. ~~- هل معك حاجة جديدة؟ ~~- طبعا. لكن أنت أليس عندك حاجة قديمة؟ ~~- يخيبك يا لمبرو. كم حسابي؟ ~~- خمسة وعشرون جنيها. ~~- وكم تريد منها؟ ~~- خمسة وعشرين جنيها. ~~- أليس عندك دم؟ ~~- أنت سألت كم تريد وقلت لك ما أريد وأنت حرة. ~~- طيب أرني ما عندك. يا نعمات، بنت يا ms06 نعمات. # وتأتي نعمات مبتسمة ومعها حقيبة يد سيدتها. # وتضحك نعمات ويضحك لمبرو: كيف عرفت يا بنت أني أريد حقيبة يدي؟ # وقالت نعمات وهي تضحك: وهل يأتي إلا من أجل حقيبة يدك؟ # ويقول لمبرو: ملعونة أنت يا نعمات. لما أخلص مع الست لي معك كلام أمام الست عدلات. ~~- صحيح يا خواجة. ~~- ليس كما فهمت، ولكنك ستفرحين جدا. ~~- الله يخليك يا خواجة. ~~- مش مهم يا نعمات مش مهم. لا أريد أن يخليني مش مهم. ~~- برضه الله يخليك ويعطيك الصحة. ~~- آه، دا مهم، الصحة مهم، مرسي نعمات مرسي. # وتعطي الست نعمات للخواجة لمبرو عشرة جنيهات، ويدور جدل طويل يقصد لمبرو أن يطيله حتى ~~تنكسر حدة الحر، ويستمتع بفنجان القهوة الذي أحضرته نعمات مع الماء البارد. # وتبدأ الست عدلات في رؤية الأقمشة الجديدة، وتنقلب الحقيبة رأسا على عقب، وتتناثر ~~محتويات البقجة، ويخرج عثمان بك من نومة القيلولة، ويجد بهو بيته مليئا بالأقمشة ولا يعجب، فهو ~~أمر تعوده ويمزح مع لمبرو: أنا يا لمبرو لا أشوفك إلا ومصارينك كلها ملقاة على الكراسي والسجاجيد. ~~- أمر الله يا عثمان بك. أمر الله. ~~- لا تترك منها الكثير، فأنا الذي أدفع ثمنها كما تعرف. ~~- أعرف وأنا الذي أنتظر الثمن حتى تطلع روحي يا عثمان بك. # ويضحك عثمان بك ويخرج ويستمر العرض. # وتغرب الشمس، وتنتقي عدلات هانم قطعة واحدة من كل الأقمشة التي كانت ملقاة بعرض البهو ~~وطوله، تعطيه جنيهين من ثمنها، وتدخل نعمات تعاون لمبرو في إعادة الحقيبة والبقجة إلى ما ~~كانتا عليه عند قدومه، ويسأل لمبرو في إصرار: كم عمر عريسك؟ # وتدهش نعمات من هذا الإصرار. ~~- ماذا جرى يا خواجة أتريده في الجيش، ألم تقل أنت عمره؟ ~~- فقط قولي. ~~- عشرون سنة كما قلت أنت. ~~- اتفقنا. ~~- أتعطيني المائة جنيه؟ ~~- أكثر بكثير. # وتسأل عدلات هانم وتنقل لها نعمات الحوار الذي دار بينها وبين لمبرو، وتقول ~~عدلات: ألم يقل سيدك إنه سيعطيك المائة جنيه في القطن؟ # وتضحك نعمات في حياء، وتقول: وماذا أعمل يا ستي؟ ~~- يا لهوك! تعملين في ماذا؟ ~~- الولد ms07 سويلم يريد أن يتزوج في مولد سيد أبو مسلم، وتضحك عدلات وتقول: آه مستحيل. طيب ولا يهمك يا بنت، جهازك على نفقتي في أي وقت. ~~- ربنا يطول عمرك يا ستي ويخليك. # ويتدخل لمبرو: يعني أنا خارج الموضوع إذن؟ # وتضحك نعمات وهي تقول: البركة في ستي يا خواجة. أما أنت فإننا نريدك في الخير. # ويقول لمبرو: ولكن أنا الذي أريدك الآن يا نعمات. ~~- كيف؟ ~~- أنت قلت إن سويلم يعمل في مقهى؟ ~~- نعم. ~~- وهل هذا عمل؟ ~~- لا يعرف كيف يفلح الأرض. ~~- أحسن. ~~- كيف؟ يا ليته كان فلاحا. ~~- ما رأيك يا نعمات وأنت ست عدلات، أن يأتي سويلم ويساعدني في العمل. # وصاحتا معا: ماذا؟ # وساد الصمت مليئا بالضجيج. # وما له والله فكرة يعمل مع لمبرو، وفي هذه الحالة لا تتركني البنت نعمات، ولا أحتاج للبحث ~~عن غيرها، وأين أجد مثلها؟ أنا التي ربيتها وأصبحت تعرف كل طلباتي، وكم كنت سأتعب حتى أجعل ~~خادمة غيرها مريحة لي مثلما هي مريحة. # وساد صمت آخر. ~~- والله فكرة. # إذن فقد قضي علي أن أبقى هنا، وما له، اللقمة طيبة والهدمة نظيفة، والذي نعرفه خير مما ~~لا نعرفه، وهل كان سويلم سيستتني لا بد أنني كنت سأخدم في البلد، إن لم يكن عند العمدة، ~~فعند أحد الأعيان وربنا يعلم أين، ولكن! ~~- ولكن يا خواجة ... ~~- انطقي يا نعمات، ولكن ماذا؟ ~~- سيدخل سويلم معك إلى الستات. # وضحكت الست عدلات وضحك الخواجة، وهو يقول: هذا شغلنا يا نعمات وأكل عيشنا. أتخافين عليه من الستات وكلهن كبيرات وزوجات ~~أعيان؟ ~~- أتخافين عليه من الستات يا مضروبة؟ ~~- يا لهوي يا ستي أليس رجلا، لا بد أن عينه ستروح هنا، أو هنا. # | الفصل الثاني # أأعمل مع الخواجة لمبو؟ هل اسمه لمبو؟ أظن لا. لا تفرق، وأين أجد المتعة التي أجدها هنا ~~وأنا أبيع الكازوزة لركاب القطارات؟ أين في العالم فرجة مثل هذه الفرجة؟ أنا قاعد مستريح ~~والعالم يمر علي كله في القطارات وفي الزبائن. # أنا واحد من معالم هذا المكان، الزبائن لا يعرفون المعلم فرج ms08 قدر ما يعرفونني، بل ركاب ~~القطار المنتظمون لا ينادون المعلم فرج في غدوهم ورواحهم، وإنما ينادونني. # أين سأجد حرية مثل حريتي هذه التي أنعم بها، أصنع ما يحلو لي والكل يحبني وأنا أحب ~~الجميع، موظفو المحطة لا يحلو لهم طلب لا أقدمه إليهم، وأعيان البلدة جميعا يسعون إلى ~~مقهانا هذا ينفحونني نفحات طيبة، ومرزوق والحمد لله، ما الذي يجعلني أترك هذا جميعه ~~للخواجة لا أدري اسمه هذا، لمبو. لا لمبرو؟ ما شأني أنا به؟ وماذا سأصنع معه؟ # ولكن المسألة ليست بسيطة، البنت نعمات قالت كلاما معقولا، الزواج محتاج إلى مصاريف ~~وأنا - والحمد لله - ما يجيء يذهب ولا يبقى شيء لأقيم به بيتا ولا حتى عشة، ولنفرض أن ~~نعمات عملت في أحد بيوت البلد، ألا تحتاج هي الأخرى إلى ملبس ومصاريف. # وفي الزقازيق ستقيم هي عند عثمان بك وأنا سأقيم عند الخواجة، وقد قال إنه سيترك لي غرفة ~~أستقبل فيها عروسي في الإجازة، وقال أيضا إنه سيرسلني أسبوعا في لوكاندة رأس البر كهدية ~~زواج منه، والله حلوة هذه، والبنت نعمات تقول لي في ابتسامتها الحلوة، التي تحاول أن تخلطها ~~بتكشيرة: أكنت حفظت القرآن والكتابة والحساب لتظل طول عمرك صبي مقهى؟ # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~. من يدري ربما يكون عملي مع الخواجة ~~لمبرو هو المصير الذي اختاره الله لي. # أنا بعد في كامل صحتي، وها أنا ذا مقبل على زواج أغلب الأمر أن يعقبه أولاد، وإذا كان ما ~~أكسبه اليوم وما ستكسبه نعمات كافيا لكلينا، فكيف سنواجه الأولاد؟ # لقد تيتمت وأنا طفل لم أتم حفظ القرآن، واضطرتني الحياة أن أعمل حين كان أترابي يلعبون، ~~وربما يكون الله سبحانه وتعالى عوضني عن اليتم بحب الناس لي، وأن كثيرا من الناس يقولون لي ~~إن في وجهك القبول يا سويلم، ألا يجوز أن يكون هذا القبول هو نصيبي الذي قسمه لي الله في ~~الدنيا، أنا لا أغضبه، البنت حميدة حاولت معي وقلت في نفسي إني ms09 أخاف الله ولم أذهب إلى ~~موعدها، وحين أخطأت مع البنت تفيدة زوجة حسنين خفير العمدة، ظللت نادما أياما طويلة، وخاصة ~~بعد أن رأيت معها عويس قاهي العمدة، إنها بنت سائبة وزوجها هو الآخر حمار، يتزوج بنتا أصغر ~~من ابنته، ويريدها أن تظل شريفة خوفا من شريطه الأحمر. # وها أنا ذا أتزوج وأنا صغير، حتى لا تستطيع فتاة أن تميلني، ونعمات جميلة، قمر ودمها زي ~~الشربات، أليس من حقها علي أن تجدني رجلا كاملا تحتمي في ظله، وتركن إليه فتجد عنده ~~الأمن والطمأنينة، # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~، وكيف تسكن إلي إذا أنا بقيت خادم مقهى. # لا، لن أستطيع. # أضحي بكل هذا الذي أنعم به؟ # وما الحياة إذا لم نسع في أركانها، ونبحث عن أنفسنا في أنحائها؟ # وإن عملي مع لمبرو سيجعلني أتعرف على بيوت الأعيان الكبار في المديرية لا في القرية، وإذا ~~كان في وجهي القبول فمن يدري، ربما وجدت بوجهي هذا عملا خيرا من عمل لمبرو، أو ربما أتقنت ~~العمل مع لمبرو، وعاد علي هذا الإتقان بنفع كبير. # على أي حال العمل مع لمبرو اليوم أحسن لا شك من العمل بالمقهى، وإذا لم أضح بمتعتي فلست ~~خليقا أن أكون رجلا ذا زوجة وبيت ومسئولية. # | الفصل الثالث # لا يعرف الحاج محمدين الطوخي عن عائلته إلا أنهم طوال حياتهم في القاهرة ويعملون في بيع ~~القماش، وكل التغيير الذي يذكره عن أجداد الأجداد أنهم كانوا يعملون في الحرائر فقط، حتى ~~تولى المحل جده أبو أبيه الحاج المدبولي الطوخي، الذي ارتأى أن يتوسع في التجارة، وأصبح ~~يعمل في الحرائر والأصواف وجميع الأنواع الأخرى من مخرمات إلى شفائف، ويذكر الحاج محمدين أن ~~التجار الآخرين غضبوا من جده؛ لأنه اعتدى على ما تخصصوا فيه من تجارة، ولكن الحاج مدبولي ~~دعاهم جميعا إلى العشاء واسترضاهم وصفت النفوس، ويذكر الحاج محمدين بفخر أن جده قال لهم ~~على العشاء: وماذا كنتم تصنعون إذا جاء شخص غريب عليكم لا تعرفونه ms10 ولا يعرفكم، وفتح محلا أو ~~محلات؟ # ونظر بعضهم إلى بعض، وقال الشيخ إسماعيل الحريري لصديقه أبو العلا الصواف: ماذا جرى لنا يا أبو العلا هل أصابنا الكبر؟ لماذا لم نفكر في هذه المسألة من قبل أن ~~يفحمنا بها أخونا المدبولي؟ # وحكايات الحاج محمدين كلها لا تخرج عن السوق وأحواله، رابطا دائما بين تجارته والسياسة ~~والاحتلال. # ولم ينجب الحاج محمدين إلا ولدا وبنتا، أما البنت عائشة فقد تزوجها يوسف العقاد ابن ~~صديقه زينهم العقاد، وتعيش مستورة وقد أنجبت بنتين وولدا. # أما ابنه فؤاد فهو حزين من أجله غاية الحزن، فقد تزوج من كريمة بنت الشيخ إسماعيل ~~الحريري، وحملت منه ولكنها ماتت في الولادة ومات معها ابنها، ومنذ ذلك الحين وفؤاد مضرب عن ~~الزواج، يقول كلما فاتحه في الأمر: يا أبويا جربت حظي وعرفته. # ويدمى قلب أبيه: يا ابني ليس لي غيرك. ~~- البركة في أبناء عائشة أختي. ~~- أبناء البنت لأبيهم وأبناء الابن لجدهم. ~~- ربنا يقدم ما فيه الخير يا أبويا. # ويدرك الحاج محمدين أن ابنه يريد أن ينهي الحديث. # ويرى في محيا ولده ما يتكتمه الابن وتبيحه ملامحه، لقد أحب كريمة وكبر الرجال فيه يمنعه ~~أن يعلن حبه. # حين عرف سويلم الحاج محمدين، كان الحاج قليل العمل يكتفي بأن يجلس في الدكان، تاركا ~~البيع والشراء جميعه لفؤاد. # فقد أصبح لمبرو يرسل سويلم وحده ليشتري الأقمشة من الحاج محمدين، وكان في أول الأمر يوصيه أن ~~يترك اختيار الألوان للحاج محمدين أو لفؤاد، ومع التجربة ترك لسويلم التصرف جميعا، فقد ~~أصبح يحسن الاختيار كما أصبح على دراية تامة بأذواق السيدات اللواتي يشترين. # صار سويلم قريبا إلى نفس الحاج محمدين وولده فؤاد، فهما يأنسان إليه ويقبلان على حديثه، ~~يجدان النقاء بغير زيف، والرضى بغير شكوى، وقبول الحياة بغير شروط، فقد تعود كلاهما ألا ~~يجدا عند الناس إلا التذاكي مع الغباء، والسخط بغير جهد، والشروط يضعها كل ابن آدم في عقده ~~مع الحياة، وكأن الحياة أمه التي لم تنجب سواه. # في يوم ذهب سويلم إلى محلات ms11 الحاج محمدين فلم يجد فؤاد، فاشترى الكمية التي يريدها وجلس ~~إلى الحاج. ~~- ابا الحاج. ~~- خير يا سويلم؟ ~~- أريد أن أقبل يدك. ~~- أستغفر الله لماذا يا ابني؟ ~~- ربنا استجاب لدعواتك لي. ~~- خيرا؟ ~~- نعمات حامل. ~~- صحيح؟ ~~- والختمة الشريفة. ~~- ألف مبروك يا ولد. # ثم نادى: يا سليمان هات ثلاثة أمتار حرير ياباني فستقي، وقيد ثمنها على حسابي ولفها وأعطها ~~لسويلم. # وأشرقت الفرحة في عيني سويلم، فرح بحب الحاج أكثر من فرحه بالقماش وصاح: والله عندي نداؤك السريع على سليمان يساوي مال الدنيا كلها، إيدك أبوسها، أبي مات وأنا ~~عندي سبع سنوات ولحقت به أمي بعد سنتين، وقد يجد الإنسان المال عند الناس، ولكن الحنان ~~الذي أجده عندك يجعلني أنسى يتمي. ~~- أترضى بي أبا يا سويلم؟ ~~- وأين أنا من هذا؟ ~~- يا ابني أنت طيب ولك قبول، وريحك خفيفة وربنا سيوفقك؛ لأنك تجمع إلى كل هذا الذكاء ~~والمهارة. ~~- يا ابا الحاج الناس قد يخرجون المال، ولكنهم يكنزون الحنان لأولادهم. ~~- وأنت منذ اليوم أخ لفؤاد. ~~- فأنا أعظم الناس حظا؛ لأن ربنا عوضني عن أبي بأبوين. ~~- الخواجة فوكيون رجل طيب يا سويلم. ~~- يا سلام يا ابا الحاج، والله لو كان خلفني ما كان يعاملني هذه المعاملة الطيبة، بعد كم ~~شهر أصبحت أنا الذي أبيع وأشتري وأعمل كافة الأشياء، وبعد الشهر الأول لم يعد يحاسبني ~~قط. ~~- الأمانة عمرها طويل يا سويلم يا ابني. ~~- إن يكن أبواي قد ماتا وأنا طفل، إلا أني يا ابا الحاج تعلمت وحفظت القرآن، وربنا أكرمني ~~كل الإكرام حين عرفت الخواجة الذي عرفني بك. ~~- أرضاك الله يا ابني. ~~- ألا قل لي يا ابا الحاج. ~~- نعم؟ ~~- هو حبيبنا فؤاد عمره كم الآن؟ ~~- آه، لا تذكرني يا سويلم. ~~- قارب الأربعين؟ ~~- يفوتها السنة دي. ~~- ولا زال ... ~~- ويرفض حتى أن أكمل معه الحديث فيه. ~~- واذا جعلته يتزوج؟ ~~- كيف؟ ~~- هذا شغلي. ~~- والله يا سويلم أعطيك مائة جنيه. ~~- حد الله، لماذا تشتمني يا حاج؟ أتسحب مني أعز ما أملك في لحظة إعطائه؟ ألم تقل إنني أخو ~~فؤاد؟ ~~- صدقت. ~~- فأنا الذي ms12 سأزوجه. ~~- من؟ ~~- اسمع يا ابا الحاج، الزبائن اللواتي يجئن إلى هنا بنات يحاولن أن يوقعنه ويتزوجنه، ~~وبهذا يجعلنه ينصرف عنهن فهو تاجر لسابع جد، ولا يمكن أن يضحك عليه أحد، وأما سيدات من بنات ~~الأثرياء يجئن في السيارات الفخمة ومعهن السائق والزفة، وغالبا يكن مخطوبات أو غالبا تكون ~~قلوبهن مع أصحاب النصيب. ~~- والله يا ابني كلامك كبير. أستمع إليه وكأنني أنا الشاب وأنت الشيخ، إنما يبدو أن ~~عملنا في التجارة يجعلنا لا نفكر إلا فيها، قل يا سويلم. ~~- العمدة في بلدنا الفؤادية. ~~- اسمها الفؤادية؟ ~~- كان اسمها شقلبان وسعينا حتى أسميناها الفؤادية. ~~- عجيبة. ~~- كأننا أسميناها الفؤادية ليتزوج فؤاد ابنك ابنة عمدتها. ~~-كم عمرها؟ ~~- ستندهش. ~~- كم؟ ~~- خمسة وعشرون سنة. ~~- وما الذي جعلها تنتظر؟ ~~- أكملت تعليمها في الجامعة. ~~- الجامعة وهي ابنة العمدة؟ ~~- عقلها يزن بلدا بأكمله. ~~- ولماذا لم تتزوج زميلا لها؟ ~~- القسمة، زملاؤها كن يخفن منها. ~~- أهي ...؟ ~~- إن لم تكن قمرا في تمامه أكون غير جدير أن تقول لي ابني، لقد صمم أبوها أن يلازمها في ~~ذهابها إلى الكلية والعودة منها، الرجل الذي رباها عم حسنين أبو سعفان، وأقامت والدتها في ~~مصر طوال دراستها في الجامعة. ~~- أليس عند العمدة غيرها؟ ~~- اسم الله عليك، وأرادها أن تتعلم كما لو كانت ولدا. ~~- وهل تقبل؟ ~~- فؤاد متعلم. ~~- ولكن لم يتخرج في الجامعة. ~~- بل تخرج في أحسن جامعة، جامعة محلات الحاج محمدين الطوخي وولده. # ويضحك الحاج محمدين: وكيف سيراها؟ ~~- دع هذا لي. ~~- هل أنت جاد؟ ~~- سأخبرك بالموعد في التليفون حتى تحرص على وجود فؤاد بالمحل. ~~- أنا لن أخبره بشيء. ~~- إياك يا ابا الحاج أن تخبره، سنجعل الموضوع وكأن ابنة العمدة قادمة لشراء لوازمها لا أكثر ~~ولا أقل. # ونادى الحاج محمدين مرة أخرى: يا سليمان. # وصاح سويلم في غضب صادق: إياك يا ابا الحاج، إنما أسعى سعي أخ لأخيه، فلا تفسد علي سعادتي وانشراحي. ~~- ربنا يا بني يكتب لك في كل خطوة سلامة وتوفيق، أدخلت الأمل إلى نفسي بعد أن تملكني ~~اليأس. ~~••• # قال سويلم: يا خواجة أنا عندي ms13 فكرة. ~~- قل. ~~- الآن المحلات تملأ الزقازيق، والستات إن كن تعودن الشراء منك، فهن لن يلبثن أن يذهبن ~~إلى هذه المحلات، فهن طبعا يردن أن يخرجن، وأن يكون مجال الاختيار عندهن أوسع. ~~- أنا فاهم هذا. ~~- إذن لماذا لا تذهب إلى القرى، نستأجر سيارة ونذهب مرتين أو ثلاثا في الأسبوع إلى ~~البلاد؟ ~~- فكرة عظيمة يا سويلم، ولكن كيف سنحصل مستحقاتنا ونمر على بيوت البندر؟ ~~- وبيوت البندر أين ستذهب، إنها موجودة ولك علي أمر عليها بعد الظهر في الأيام التي نذهب ~~فيها إلى البلاد. ~~- اسمع سويلم، أنا يا بني كبرت، أنا أشتغل حتى لا أكون عاطلا، أنت تذهب إلى البلاد ~~ومعك البضاعة والمكسب بالنصف. ~~- لماذا النصف هل اشتكيت لك؟ أنت لا تؤخر عني طلبا وأنا راض هكذا. ~~- المكسب بالنصف يا سويلم، أنا عندي فلوس كثيرة ولكن أخشى أن أمرض مرضا أكثر من فلوسي، ~~ولا أريد أن أحتاج لأحد، والناحية الثانية لا تنفع فيها الفلوس، أنا أريدك، أريدك أنت ~~ونعمات في البيت؛ لأنني رأيت فيكما الوفاء والأمانة، وأنا أعلم أنني إذا مرضت لن تتركاني ~~للمرض. ~~- يا رجل أعوذ بالله، من الذي أتى بسيرة المرض الآن يا خواجة؟ ~~- الوحيد لا يخاف شيئا إلا المرض سويلم. ~~- وهل أنت وحيد يا خواجة فوكيون؟ ~~- من يوم مجيئك لم أصبح وحيدا. اسمع سويلم أنت من بكرة خذ البضاعة إلى البلاد، طبعا ~~أول بلد سيكون الفؤادية. ~~••• ~~- صباح الخير يا حضرة العمدة. ~~- أهلا يا سويلم وبسيارة سويلم. أتكون قتلت الخواجة وسرقت فلوسه؟ ~~- لا قدر الله يا حضرة العمدة، الخواجة لمبرو رجل طيب مثل سعادتك يا حضرة العمدة. ~~- وما هذه الأشياء التي تحملها؟ ~~- بضاعة جئت أعرضها على الست الحاجة والأستاذة وهيبة. ~~- ادخل، الحاجة أمك ووهيبة أختك. # كان سويلم قد انتقى أقل الأقمشة شأنا، وتوقع ألا يعجب الحاجة أو وهيبة شيء مما ~~سيعرضه. # الحاجة سيدة وقور لم تتعد الخامسة والخمسين من عمرها، معتدلة القوام تميل إلى النحافة، في ~~وجهها إشراق ترسل به إليه نفس لم تعرف الحقد يوما ولا الكراهية، يحبها أهل القرية ms14 حب أم ~~وأخت، لم تتأخر عن خير تستطيع أن تقدمه. # أما وهيبة فهي فتاة طويلة القامة صبيحة الوجه، بيضاء البشرة، ذات شعر مسترسل ينسكب ~~انسكاب الحرير على كتفيها، وعلى شفتيها ابتسامة تمسكها أن تبقى على رغم أنفها، فكأنما تجد ~~الابتسامة نفسها في غير مكانها، فهي تريد أن تهرب وتولي الأدبار، كأنها لا تعرف لوجودها على ~~هذا الثغر معنى ولا سببا، وفي عينيها الواسعتين الوديعتين قلق يريد أن يعلن الدنيا بوجوده، ~~فترده وهيبة في كبرياء الشريفات وفي ثقة المثقفات، وفي وجهها انسياب حلو فلا هو بالمستطيل ~~ولا هو بالمستدير، لها إطلالة تأمر من يراها أن يشعر بالإكبار والاحترام. ~~- أهلا، أهلا يا سويلم. ~~- أطال الله عمرك يا ست الحاجة. ~~- إن شاء الله تكون مبسوطا. ~~- بركة دعائك يا ست الحاجة. # وأفرجت وهيبة ثغرها عن ابتسامة مرحبة مضيئة: لك وحشة يا ولد يا سويلم، والله أحسسنا بفراغ كبير من يوم أن تركت البلد، وكيف حال ~~نعمات؟ ~~- تسلم على ست الحاجة وعليك، وكانت تريد أن تأتي معي لولا أنها ... ~~- ماذا؟ قل؟ ~~- لا تكسفيني يا ست وهيبة. ~~- لعنة الله عليك، وفيم العجلة يا ولد؟ ~~- قلنا نربيهم ونحن شباب. # وقالت الحاجة: على بركة الله، مبروك يا ابني ألف مبروك. # ثم نادت: يا نوادر. # وجاءت نوادر وقالت الحاجة: مائة بيضة وبرطمان عسل أبيض وضعي متردين قشدة في صفيحة، وضعي كل هذا في قفة صغيرة ~~وأعطيها لسويلم وهو مروح. # وقالت نوادر: إذن نعمات حامل. مبروك يا سويلم يا خويا، هل كان العيل واقفا على الباب؟ النهاية ~~تقوم بالسلامة إن شاء الله. ~~- ربنا يبقيك يا ستي الحاجة، أفضالك سابقة والله لا أنسى عطفك علي وبرك بي، منذ تركني أبي ~~وأمي كنت أحس في حضرتك بالأمن الذي لا أشعر به في أي مكان آخر. # وبدأ سويلم يعرض البضاعة، وصح ما توقعه إلا أن الحاجة قالت: والله القطعة هذه لا بأس بها آخذها. # وقال سويلم: طول عمرك طيبة وقلبك من ذهب، القطعة هذه لا تنفعك، لا تنفع الست وهيبة ولا تنفع نوادر ms15 ~~حتى، إنما أنت أردت أن أنصرف من عندك مجبور الخاطر. # وضحك الجميع وقال سويلم: هذا القماش لا ينفعكم، وأنا جئت به عندكم لأراكم، إنما القماش الصحيح موجود. ~~- أين؟ # وقطبت الحاجة وجهها: أتخون صاحب عيشك يا سويلم؟ ليس هذا ما أعرفه فيك. ~~- الله يعلم المقاصد يا ستي الحاجة، تأكدي أنني أنا كما أنا لم أتغير، فهذا القماش هو ما ~~تبقى من اختيار السيدات، ونحن نعرف زبائنه، ولكنني أفكر في الست وهيبة وقعدتها في البلد، لا ~~تجد شيئا تفعله. ~~- لا تترك الكتاب من يدها. ~~- ونعم، ولكن النفس تحب التغيير، قلت أعملها حجة وأستأذن حضرة العمدة، ونذهب إلى محلات ~~مصر وتشترين حضرتك لوازمك والأستاذة وهيبة لوازمها، وزيارة وتجارة. # وأشرق وجه الأم وابنتها. ~~- والله يا ولد فكرة، والحاج مسعود لن يرفض. # ويدخل الحاج مسعود: ما هذا الذي لن أرفضه؟ # وحين علم قال: وما له! # وقال سويلم: أحضر سيارة وآتي يوم الاثنين الساعة السابعة صباحا، نكون في مصر التاسعة. ~~- وهو كذلك. ~~••• # حين تقدم فؤاد لخطبة وهيبة أدرك الحاج مسعود أبو عطوان ما صنعه سويلم، ورحب العمدة بالحاج ~~محمدين وبفؤاد ترحيبا طبيعيا عن سليقة مواتية، وقال: والله يا حاج من جهتي أنا لا مانع عندي، فأنت تاجر معروف، والرجل حين يكون له مثل اسمك ~~في التجارة لا بد أن يكون شريفا يعرف أصول الناس وأصول المعاملة. ~~- أكرمك الله يا حضرة العمدة. ~~- ولكنك تعلم أن وهيبة تحمل الليسانس. # وقاطعه الحاج محمدين: والله يا حضرة العمدة أنا الذي جعلته يقعد بجانبي في المحل، بعد أن حصل على ~~البكالوريا، فنحن عائلة تجار من جدود والعلم عندنا هو التجارة. # قال العمدة: ونعم الكلام يا حاج، ولكنني أسأت التعبير وليس هذا ما أقصد إليه، فإنه لا عيب في ابننا ~~فؤاد، والتعليم وسيلة للثقافة. # وقاطعه الحاج محمدين: هذا كلام الكبار والله. # وواصل العمدة حديثه: والتجارة تجعل صاحبها أعظم في عمله من الذي حصل على الدكتوراه، وإنما ما قصدت إليه ~~أنني لا بد أن أسأل وهيبة وأجعلها توافق عن اقتناع. # وقال الحاج محمدين ms16 : ونعم الكلام. ~~- نحن يا حاج لا نستطيع أن نحمل مسئولية أولادنا وهم كبار، يكفينا مسئوليتهم وهم صغار، ~~ولقد أرادت أن تتعلم وأردت لها ذلك في نفس الوقت، وأنا ليس عندي غيرها، وقلت العلم يجعل من ~~عقلها عقل رجل، والآن وقد تعلمت أصبح من حقها على الأقل أن تختار شريك حياتها. ~~- لقد أوصى النبي بذلك في وقت لم يكن الفتيات فيه عرفن الجامعة ولا حتى المدرسة. متى ~~نرجع يا حضرة العمدة؟ ~~- أسبوع واحد؟ ~~- وهو كذلك. ~~••• # قالت وهيبة: أكون ليسانس في الآداب وزوجي رجل البيت بلا شهادة جامعية؟ # وقالت الحاجة: يا بنتي هذا زواج وليس جامعة. ~~- يا نينا البيت يجب أن يكون جامعة للأولاد. ~~- البركة فيك أنت، علمي أولادك علوم المدرسة وأبوهم يعلمهم علوم الدنيا. # وقال الحاج مسعود: يا بنتي لقد تقدم لك الكثيرون من أهل البلد حاملي الشهادات، وللأسف وجدتهم جميعا ~~طامعين في القرشين، أو يريدون أن يتزوجوا بنت العمدة، والمال زائل والعمودية زائلة، لقد كنت ~~مصرا أن يتزوجك من يريدك أنت، وأنت وافقتني ورفضت كل الذين تقدموا، في هذه المرة ~~العريس عاقل وفي غنى عن مالنا، وعرف الدنيا، وجاء يخطب وهيبة، لا يهمه مالها ولا عمودية ~~أبيها، والأمر من قبل ومن بعد لك، قومي يا حاجة واتركيها تفكر. ~~••• # وفيم أفكر، أخطأني الحب، زميلي عزام أحببته وأحبني، لم يزد الكلام بيننا عن جمل تعد على ~~أصابع اليدين، وتركني بعد أن ضاقت به السبل، والحمد لله أنه تركني، لقد تزوج بعد ذلك من ابنة ~~عمه، فهو شاب لا شخصية له، أمره أبوه أن يتزوج فتزوج، ورجل بلا شخصية كالكلام بلا معنى، ~~والأيام تجري، وإن كنت أخفي القلق عن الناس، فهو يمور في نفسي ويثور، يفترسها وينهشها، يقض ~~مضجعي، يحيل ساعات أيامي رعبا وهلعا، أي مصير يمكن أن ألقى إليه إذا لم أتزوج، ولا أخ ولا ~~معين على الحياة بعد أبي أطال الله عمره، هذا زواج منطقي لا عاطفة فيه، والعاطفة لا تغتصب ~~ولا يستطيع أن يخلقها إلا بارئ النفوس، وأين أنتظر العاطفة ms17 وأين مني الطرف الآخر فيها وأنا ~~حبيسة البيت، فقد رفض أبي أن أعمل بالليسانس وهو محق، فقد سبق عصره حين جعلني أتعلم، وهو ~~الفلاح القح تحكمه القرية بكل أوضاعها، وقد ارتضى على نفسه تشنيع أعدائه، وأي عمدة بلا ~~أعداء، ومن المستحيل عليه بعد ذلك أن يجعلني أعمل أيضا، وكيف كان يمكن أن أعمل؟ ألم يكف ~~أنه شتت بيته أربع سنوات من أجلي، وسمح لأمي أن تلازمني في القاهرة، وهل يمكن أن يشتت بيته ~~عمره كله، أنا لا أستطيع أن ألومه، وليس من المعقول أن أضع ما أصابته مني ظروف المجتمع على ~~كتف أبي، إن تعليمي كان في ذاته شذوذا عن طبيعة الأمور في حياة مصر، فهل يقبل المنطق أن ~~ألوم أبي اليوم لأنه حقق رغبتي في التعليم؟ أعرف أنها كانت رغبته أيضا لأنه يريد أن يشعر ~~أن ابنته لا تختلف عن الرجال في شيء، أويحسب هذا له أم عليه؟ # ترى هل استطعت أن أخفي قلقي عن أمي، هيهات، إن قلقها هي أشد، وأبي أيضا يريد أن يطمئن إلى ~~وجود رجل إلى جانبي، وفؤاد يكبرني بعدة سنوات، ولكن أليس هذا هو الرجل الذي يطمئن إليه ~~والدا البنت الوحيدة، إنهما يريدان رجلا عرف الحياة وعركها، ليكون زوجا وسندا، ولا ~~يهمهما كثيرا أن تتمتع ابنتهما بضع سنوات بزواج شاب يجرب الحياة، ولا يدري من أمرها شيئا، ~~فهو يقدم عليها إقدام الجهلاء الذين يخيل إليهم أنهم أعلم الناس بكل شيء، أما أنا فقد ~~كنت أتمنى شابا نتعرف معا على الحياة، ونخطئ فيها ونصيب، فأغلب الأمر أن فؤاد على الرغم ~~من عدم حصوله على الشهادة العالية، سيكون بالنسبة لي أقرب إلى المعلم، فأحسب أنني قرأت ما ~~يكفي لأن يجعلني أعرف أنني في علم الحياة لن أدري الألف من الباء. # أيهما خير لي، أن أدلف إلى الحياة معصوبة العينين لا أحمل إلا علم الكتب، أم أن أسعى ~~إليها ويميني معتمدة على رجل تمرس بها وعرفها وعرفته، أيهما خير؟ # وهل يدري أحد أين الخير؟ إننا نتحسب ونقارن ms18 ونزن الأمور بقدر ما تسمح لنا عقولنا، ثم ~~يقع الغيب كما قدر له الله أن يقع. ~~••• # وتم الزواج. # | الفصل الرابع # مرت سنوات وعرفت الشيخوخة طريقها إلى لمبرو، وأصبح سويلم يقوم بكل العمل، واكتفى لمبرو ~~بتسلم النقود والجلوس في محل مارك أخي زوجته المرحومة أتينا، ثم بدأ يتخلف عن الجلوس يوما ~~أو يومين في الأسبوع ثم ثلاثة، فرحا بمداعبة مجدي بن سويلم، وحين ذهب مجدي إلى المدرسة كان ~~لمبرو حزينا في وحدته على رغم وجود نعمات بالبيت، فقد تركت العمل ببيت عدلات هانم قبيل ~~ولادتها، وما لها أن تعمل خادمة وقد أصبح العيش ميسورا لها غاية اليسر. # لقد جعل لمبرو منها ومن زوجها أسرته، وكان فرحه بمجدي أعظم من فرحة أبيه وأمه، فقد حقق ~~صراخ الطفل في بيته أملا لم يتصور في يوم من الأيام أنه سيتحقق. كان مجدي بالنسبة لأبويه ~~فرحة الشمس تهم بالشروق، وكان بالنسبة إلى فوكيون لمبرو أمل الشمس تهم بالغروب، فهي تودع ~~الحياة ولا تنتظر منها شيئا. # كان مجدي لأبويه أمرا طبيعي الحدوث، وكان لفوكيون أمرا مستحيل الوقوع، وإن لم يكن ولده. ~~نعم وإن، وقد أسماه هو مجدي لا فهما منه للاسم، ولكن ليكون نطقه سهلا على لسانه ~~الأعجمي. # تحمل لمبرو ذهاب مجدي إلى المدرسة في ضيق شديد، ثم ما لبث المرض أن داهمه، وأصبح من ~~العسير عليه أن يترك الفراش، ولكنه هانئ البال مطمئن، فسويلم يقوم بالعمل، ونعمات مقيمة بالبيت، لم ~~يفكر واحد منهما أن يتركه وحيدا مع مرضه. # وفي يوم عاد سويلم إلى البيت مبكرا بعض الشيء، فلم يجد الخواجة في حجرته. ~~- نعمات أين الخواجة؟ ~~- أليس في حجرته؟ ~~- ما هذا الغباء، أكنت سألت؟ ~~- لا أدري. أنا في المطبخ من الصبح. ~~- هل تناول إفطاره؟ ~~- نعم وتناول الدواء، وكانت صحته طيبة، وترك السرير ليجلس على الكرسي، وتركته أنا وذهبت ~~لشراء الغداء وعدت إلى المطبخ مباشرة، وقلت في نفسي إذا أراد شيئا سيناديني. # ولم يطل النقاش فما لبث لمبرو أن جاء وسأله سويلم: أين كنت؟ ~~- كنت في البنك ms19 أسحب قرشين. ~~- ولماذا لم ترسلني مثل كل مرة؟ ~~- اشتقت أن أرى أصدقائي هناك، ووجدت نفسي أريد أن أخرج. ~~- أرجوك يا خواجة، إذا أردت أن تخرج مرة أخرى أخبر نعمات. ~~- طيب، ولو أنني لا أظن أنني سأخبرها. ~~••• # مر على هذا النقاش شهر وبضعة أيام، ثم نادى الخواجة سويلم قبل أن ينزل في ~~الصباح: أين ستذهب اليوم؟ ~~- اليوم لن أمر على بلاد، سأمر على زبائن الزقازيق. ~~- ليس مهما. ~~- لماذا؟ ~~- أنا أريدك. ~~- فيم؟ ~~- اجلس. خذ. ~~- ما هذا؟ هذا شيك أبيض، لماذا لم تكتبه؟ ~~- في هذه المرة أنت ستكتبه. ~~- لماذا؟ أكتبه؟ أنا في حياتي كلها لم أكتب شيكا. ~~- اليوم ستكتب. ~~- أنحبس. ~~- لن تنحبس. ~~- أنا يا خواجة لولاك ما ذهبت إلى البنك في حياتي أبدا. ~~- ستذهب بعد هذا كثيرا. ~~- لا أفهم. ~~- اسمع. أنا ذهبت إلى البنك آخر مرة لأضع أموالي كلها باسمك يا سويلم. ~~- ماذا؟ ~~- ولا كلمة. ~~- ربنا يا خواجة يبقيك، أنت لا تجعلنا نحتاج لشيء. ~~- ولما أموت؟! ~~- علمتني السوق ويكفيك هذا. ~~- ومن يأخذ فلوسي؟ # وألجم السؤال سويلم وراح يتهته. ~~- أنت تأخذ هذه الفلوس، هذا حقك، أنا ليس لي أحد في الدنيا، خمسة وعشرون ألفا وأربعمائة ~~جنيه. ~~- يا خبر أسود. أبيض! وماذا أصنع بهذا جميعه؟ ~~- هذا شأنك، وإن كان لي رأي فأنا أرى أن تذهب إلى مصر. وربنا إن شاء الله سيفتح عليك، ~~أنت معك فلوس وتعرف السوق. ~~- ربنا يطيل عمرك. والله أكذب عليك إن قلت إنني لست سعيدا، ولكن هذا كله لا يعوضني عنك ~~يا خواجة، يا أبويا لمبرو. ~~••• # وبعد أيام لم تكتمل شهرا مات لمبرو. # | الفصل الخامس # كان طبيعيا أن تزداد الصلة توثقا بين سويلم والحاج محمدين وفؤاد وأسرته الجديدة، وهكذا ~~لم يكن غريبا أن يفرح سويلم فرحا صادقا، حين أنجبت وهيبة ولدها الأول فكري بعد تسعة أشهر ~~من زواجها، وحين حمل الهدية إلى بيت الحاج محمدين حيث يقيم فؤاد ووهيبة لم ينس أن ~~يقول: بينه وبين مجدي عام واحد، وإن شاء الله الحب الذي بيننا يستمر في ولدينا. # وحين مات الخواجة لمبرو ms20 بعد ذلك بسنوات لم يكن سويلم قد أطلع الحاج محمدين بما صنعه معه ~~الخواجة لمبرو. # صفى سويلم أعماله بالزقازيق وأقفل شقة الزقازيق، مستبقيا لها لتكون سكنا له إن جاء إلى ~~الزقازيق، وقد نقل العقد إلى اسمه دون أن يجد أي عراقيل من الخواجة مارك صاحب العمارة، ~~واستنتج من ذلك أن الخواجة لمبرو لم يخف عن مارك ما فعله. # وفي القاهرة نزل مع زوجته وابنه في فندق، وتركوا الحقائب واتجهوا من فورهم إلى بيت الحاج ~~محمدين، وحين استقرت بهما الجلسة قص سويلم على الحاج وفؤاد ووهيبة ما صنعه الخواجة، وكان ~~الحاج في شيخوخته ومن العسير على أحد أن يجعله ينبهر لشيء أو يندهش، ولكنه لم يستطع مع ~~حديث سويلم إلا أن يسفر عن ذهول ساطع: ألف مبروك يا سويلم، ولماذا أخفيت علي هذا؟ أنت تعلم كم يفرح له هذا البيت؟ ~~- يا آبا الحاج الأمور تلاحقت كأنما حلم متصل، أنا لم أكن أدري شيئا على الإطلاق، ولم أكن ~~أتصور، إلى أن فاجأني المرحوم بهذا الخبر قبل وفاته بأيام لم تكتمل شهرا، ومرضه جعلني ~~ألازمه ملازمة تامة، وربما احتاج العمل أن أحضر إلى القاهرة، ولكنني امتنعت خشية أن يظن ~~الرجل أنني لم أعد أعنى به بعد أن تنازل لي عن أمواله، وربما خشيت أيضا أن يظن أنني تركته ~~لأحضر إليك خصيصى وأخبرك بما كان، فيشعر كأنني كنت أنتظر ما صنعه أو أتوقعه، والحقيقة يا ~~حاج أنني منذ قال المرحوم ما قال وأنا في ذهول، أنا رجل فقير يا ابا الحاج وهذه المبالغ ~~نسمع عنها ولا نتصور أن نتعامل معها أبدا. # وقال الحاج: أنت رجل طيب يا سويلم، وقد بقيت وفيا للرجل، وقدر هو معروفك وأمانتك. # وقال فؤاد: والله إنك تستاهل أكثر من هذا. # وقالت وهيبة: الوفاء والأمانة في هذا الزمن يستحقان ما نلته يا سويلم. # قال سويلم: الرجل قال لأقاربه حتى لا يسألني أحد، وكتب ورقة قال فيها إنه لا يملك شيئا على ~~الإطلاق يحميني بها من الضرائب ومن الجميع. # وقال فؤاد: وماذا ms21 تنوي أن تفعل؟ ~~- وهل فكرت؟ وهل أدري؟ ها أنا ذا جئت لكم وأنا ليس لي أهل إلا أنتم. # ونظر فؤاد مليا إلى سويلم ودار بعينيه في الجالسين، كان الطفلان يلعبان في حجرة أخرى ~~فقال فؤاد فجأة: وهيبة ألا تأخذين قريبك وزوجته إلى حجرة مكتبك، وتأمرين لهما بفنجان قهوة آخر. واجعليه ~~سكر زيادة مثل الشربات. # وضحكوا وفهمت وهيبة الإشارة التي لم تخف عن سويلم ونعمات، وقام ثلاثتهم وانفرد فؤاد بأبيه ~~ولم يطل انفراده به ثم نادى: وهيبة، تعالوا. # وحين جلسوا قال فؤاد: أبوك الحاج سيأخذ منك خمسة آلاف جنيه. # وابتسم سويلم: والمبلغ كله والله العظيم وأنا الكسبان وهذا هو الشيك. # وضحك الحاج محمدين في سعادة وانشراح، وقال له: اكتب الشيك. # وفعلا كتب سويلم الشيك وسلمه للحاج، وأمسك الحاج به وراح يهزه: هكذا دون أن تسأل لماذا أو فيم أو تطلب إيصالا؟ ~~- أتريد أن أكتب شيكا ببقية ما أعطاه لي الخواجة، وبدون إيصال أيضا وحياة مجدي. # وضحك الجميع وقال فؤاد: أطال الله لك عمره، ما لك كسلت بعده ولم تأت بأخ؟ ~~- أخ. أفهم من هذا أن الست وهيبة حامل. ~~- العقبى لنعمات. ~~- ألف مبروك. ~~- ألف مبروك، سويلم لا يريد أن آتي لمجدي بأخ أو أخت. # وقال الحاج: ربما غير رأيه الآن بعد أن صار من الأغنياء. # وقال سويلم: لا والله يا حاج، الأمر وما فيه أنني أريد أن أكرس حياتي كلها لمجدي، وبالعكس بعد ما ~~جاءتني هذه الثروة أصبحت أتصور أنها حقه هو، ولا يجوز أن يشاركه فيها أحد. ~~- ربنا يبارك فيه، اسمع إذن الكلام المفيد، بجانب محلاتنا أنا وأخوك فؤاد لنا مخزن بابه مقفل، ~~لم يعد له لزوم عندنا الآن، بعد أن اشترينا مخزنا كبيرا واسعا في السيدة زينب. ~~- شيء لله يا رئيسة الديوان. ~~- ربنا يجعلنا من بركاتها، هذا المخزن وصل ثمنه أمس إلى ستة آلاف جنيه، أنا بعته لك بخمسة ~~آلاف، وأنت وفؤاد تتحدثان بعد هذا على مهلكما في كيفية فتح محل لك بجانب محلاتنا، وبذلك ~~تكون محلاتنا قد زادت بابا ms22 ، فمحلك محل جديد لنا، وعلى بركة الله اكتبي العقد يا ست ~~وهيبة. # | الفصل السادس # بدأ سويلم تجارته الثابتة واحتفل به الحاج محمدين وابنه فؤاد، وبذلك أعلنا للحي أجمع أن ~~التاجر الجديد ليس منافسا وإنما هو واحد من الأسرة. # ولكن الأيام تأبى أن تمضي في مجرى واحد لها، ولكل حياة غاية، وكانت حياة الحاج محمدين قد ~~بلغت غايتها، واختاره الله إلى جواره قرير العين بابنه وبحفيديه فكري وإلهام وبعائشة ابنته ~~وأبنائها وبناتها الذين أصبحوا أربعة نفر. # قريرا بذلك الفتى الذي عرفه فلاحا قادما كعود أخضر من بلده بالشرقية، حتى صار أحد ~~تجار المنطقة موفور المال عزيز النفس كريما على نفسه وعلى الناس. # ذهب الرجل في موعده إلى لقاء الحي القيوم، وترك الدنيا وقد حققت له من المال ما نظر إليه. ~~••• # البيت منذ اللحظة الأولى لم يعجب وهيبة، ولكنها لم تشأ أن تدخل بيتا فتشتت شمله وتفرق ~~جمعه، وسويلم أقام بعد أيام من قدومه في شقة صغيرة اعتبرها مسكنا مؤقتا، فلم يكن غريبا ~~أن تدعو وهيبة سويلم وزوجته إلى الغداء حين الطفلان في المدرسة، وبعد الغداء يتضح ما تبيته ~~وهيبة. ~~- صلوا على النبي جميعا. ~~- وعليه ألف صلاة وألف سلام. ~~- هذا الغداء غداء عمل. # وقف فؤاد في حركة سريعة ذكية: الله أكبر، ستغير بيتك يا سويلم. # وصفقت له وهبية: ما هذا الذكاء؟ # وضحكوا جميعا وقال سويلم: هل سأغير بيتي وحدي؟ # وقال فؤاد في استسلام: أنا كنت أعرف مصيري وليس في الأمر مفاجأة لي، أما أن تدعوك أنت ونعمات، فهي إذن قد بيتت ~~أمرا لي ولك ووقعتنا ... # ويقاطعه سويلم: بيضاء إن شاء الله، قولي. # وقالت وهيبة: أنتما تاجران، أليس كذلك؟ # ويقول فؤاد: المقدمة مخيفة يا ولد يا سويلم. # وتقول نعمات: يا أخي انتظر حتى نرى ماذا تريد الشابة أن تقول. # وتقول وهيبة: قولي له والنبي، بدلا من أن ننتقل إلى شقة بالإيجار أنا وجدت عمارة بأكملها في ~~المعادي. # ويرين الجد على الحاضرين ويأخذ الرجلان في التفكير، وبعد صمت ليس طويلا يقول ~~سويلم: لمن العمارة ms23 هذه؟ # وتقول وهيبة: نشتريها معا. # ويقول سويلم: أما أننا أخوة فهذا لا شك فيه، لكن المشاركة في الملك ليست مشاركة بيننا نحن، وإنما ~~مشاركة بين أبنائنا، مثلا أنا شايف أصدقاء فكري غير أصدقاء مجدي، ونحن حين نشتري ملكا ~~إنما نشتريه لهم. # ويقوم فؤاد ويقبل سويلم: أنت رجل بعيد النظر وصادق الأخوة، وربنا أعطاك الذكاء من عنده. # وتصمت وهيبة لحظات ثم تقول: وأنا أيضا يا ستي، فؤاد لا يقل عنه ذكاء وكنت عارفة أنه سيقول هذا، وإنما خشيت أن أقول ~~إن العمارة لك وحدك فيظن أننا نبعده عن صفقة تجارية رابحة، وعلى كل حال أنا دبرت الأمر، أو ~~أعتقد أن ربنا دبرها من عنده أحسن تدبير، عمارة كبيرة بها شقتان متجاورتان سنفتح إحداهما ~~على الأخرى، ويكون هذا سكننا نحن يا أبا فكري وأبا أخته إلهام، وفي الشارع الذي خلفها ~~مباشرة عمارة صغيرة محندقة لأبي مجدي. # ويصيح فؤاد: بكم؟ # وتقول وهيبة: أنت ستبيع البيت وتعطي عائشة نصيبها، وأنت يا سويلم تستطيع شراء العمارة المحندقة بكل ~~سهولة إن شاء الله. # ويقول سويلم: ما رأيك يا نعمات؟ # وتقول نعمات في إيمان: توكل على الله. # وتصيح وهيبة: يحيا التوكل على الله، وقد عزمت على بركة الله أن أتولى تعليم مجدي مع فكري طول فترة ~~الدراسة حتى الثانوية، هذا بالنسبة لمن يختار منهما القسم الأدبي، ما دمنا قد أصبحنا ~~جيرانا في البيوت فمن حق مجدي هذا. # ويصيح فؤاد: أنت اشتريت وبدأت تعطي دروسا. # وتقول وهيبة: نعم. # ويقول فؤاد في تحد مازح: طيب روحي ادفعي الثمن إذن. # وتصيح وهيبة: وهل كنت أنتظر أوامرك؟ لقد دفعت العربون وحياة والدك. # ويذهل فؤاد: من أين؟ ~~- من مهري الذي دفعته لأبي، ربنا يطيل لي عمره أعطاه لي جميعا، ولم أنفق منه شيئا ~~ودفعته عربونا. # ويضحك الجميع ويقول فؤاد: تجعلينني مدينا رغم أنفي. # وتقول وهيبة: خيرك سابق يا أبا فكري لا ترد الدين إذا شئت، وما البأس أن يكون لي طوبة في عمارتك دفعت ~~ثمنها ولا يهمك. # ويعم نوع من روح الأسرة ms24 الأمين على الجالسين، ويسارع فؤاد: اسألها يا ولد يا سويلم ربما تكون قد دفعت لك العربون أنت الآخر. # وتقول وهيبة: يا ليت والله لو كان عندي ما تأخرت. # ويقول سويلم: وأين هاتان العمارتان في المعادي؟ ~~- أليست سيارتك هنا يا فؤاد؟ هيا بنا نتمم كل شيء. معك دفتر شيكاتك يا سويلم؟ ~~- توكلنا على الله. # | الفصل السابع # يمر اليوم بطيئا وتجري السنوات سراعا، تمضي الدراسة بفكري ومجدي متزاملين سنوات قليلة، ~~ثم ما يلبث فكري أن يتخلف، ثم يتخلف حتى يصبح التخلف ديدنه وطبيعته، ومنذ تخلف أول مرة توقف ~~مجدي أن يذهب إلى عمته وهيبة كما كان يناديها، ولكنها هي أصرت أن تستمر في المذاكرة ~~له. ~~- واحد خائب لا داعي أن يخيب اثنان. # وربما استطاعت أخته إلهام أن تخفف بنجاحها المطرد وطء خيبة فكري. # وكانت وهيبة تقول: الخيبة هذه لا قاعدة لها ولا أصول، أنا ربيت فكري ومجدي وإلهام، وربما كنت أكثر ~~اهتماما بفكري فهو ولدي الأول، والإنسان إنسان وليس ملاكا، ومع ذلك فاز هو بالخيبة ~~والآخران ناجحان والحمد لله. # وعلماء التربية يقولون البيت وثقافة الآباء والاهتمام والبيئة ووجع الدماغ. كلام كله ~~فارغ وإلا فليفسر لي أعظم عالم في التربية سبب خيبة فكري ونجاح أخته وقريبه الذي يعيش ~~معهما نفس الظروف، وحياتك يا أختي الخيبة موهبة من عند الله، أنا عندي ليسانس آداب وكان ~~المفروض أن أصبح مدرسة. كل كلام علماء التربية لا يساوي قرشا. # ولم يكن كل هذا وغيره كثير ليؤثر في حرص فكري على التخلف في الدراسة مع الذكاء العقلي ~~المفرط، فقد كانت المذاكرة بالنسبة إليه كارثة من الكوارث الكبرى، وفي غير ذلك هو فتى مولع ~~بكل ما يولع به أبناء سنه من رياضة وألعاب وبنات وفسحة، قريب إلى قلوب أصحابه يحبون صحبته ~~ويسعون إليها. # ومن بين هؤلاء تعرف على حمدي الفنجري وعلى هشام دردير. أما الأول فأبوه كان نجارا وله ~~محل صغير للموبيليا والتنجيد، وأما الآخر فأبوه مدير عام بالسكة الحديد، وكون هذا الثالوث ~~وحدة لا تنفصم، ولم يقطع فكري ms25 صلته بمجدي كل القطع، إلا أن انصراف مجدي إلى المذاكرة في ~~أوقاتها جعل الصلة بينهما هينة، فمجدي صديق الثالوث كلما أراد أن يروح عن نفسه أو يذهب إلى ~~السينما أو إلى النادي. # وحين وقعت أحداث 67 كان أثر الأحداث على مجدي مروعا، أما الثلاثة الآخرون فإن الأمر لم ~~يهز لهم أي كيان، وإنما اضطر ثلاثتهم أن يتظاهروا بالحزن مع الحزن العام الذي زلزل ~~الجميع. # وفي انتصار 73 كانت الدنيا كلها إشراقا في عيني مجدي، بينما الدنيا كلها لم يتغير منها ~~شيء عند الثالوث الآخر. # إنهم جميعا أبناء جيل واحد، ولكن هيهات أن تتوحد المشاعر في أبناء أي جيل، حتى وإن توحدت ~~بينهم الظروف البيئية، إنما تتشابه هذه المشاعر إذا كان الوعي الثقافي متقاربا في أفراد ~~الجيل، فالذي شعر به مجدي شعر به أصدقاؤه في كلية الهندسة، لا يكاد يشذ عنهم إلا قلة ~~نادرة تقاذفتها آراء متطرفة أو أفكار لا استواء لها، ولكنهم يظلون مع ذلك قلة نادرة لا تكاد ~~تذكر. # أما فكري وصاحباه ومن كان مثلهم فهم في عالم خاص بهم، بعيد كل البعد عن دنيا الوطن، وعن ~~فرح زملائهم في المدرسة. # يبدو أن الأجيال ليست سنوات ينتسب إليها أبناء الفترة الواحدة، ولكنها قدر من التثقيف ~~إذا تقارب فيه الأفراد كونوا وحدة الجيل. ~~••• # كانت إلهام في السنة الثانية من كلية الآداب، وكان من الطبيعي أن تسبق أخاها الأكبر، فهي ~~لم تتخلف مطلقا في دراستها، وقد أخذت الفتاة عن أمها شعرها الناعم المنساب، وأضافت إليه ~~عينين واسعتين سوداوين وقواما دقيقا، فهي رقيقة القسمات وادعة الملامح، عيناها تطلع هانئ، ~~مطمئنة إلى المستقبل، لا يعرف القلق إلى نفسها سبيلا إلا ذلك القلق الجميل، الذي يصاحب ~~تلك السن التي تنهد من المراهقة إلى الشباب. # كانت إلهام تشعر أن أمرا ما تدبره أمها مع نعمات أم مجدي، ولم يكن هذا بالذي يخفى ~~عليها، ولكنها كانت تتظاهر أنها لا تفهم شيئا، وهي تتغابى في ذكاء نافذ عن الإشارة من ~~أمها أو التلميحة من خالتها نعمات. ~~••• # حين ms26 سكن سويلم عمارته الجديدة كان من بين شققها شقة مفروشة، كان صاحب العمارة يؤجرها ~~لخبير ألماني، وحين انتهى عقدها اتفق سويلم مع زوجته على أن يمدا العقد لخمس سنوات أخرى، ~~ثم يجعلا هذه الشقة سكنا لابنهما بعد تخرجه وزواجه. # وكان بالعمارة أسرة توطدت صلتها بنعمات وسويلم، كان الوالد موظفا كبيرا في البنك ~~الأهلي، وكان له ابنة توفيت عنها والدتها منذ خمس سنوات، وتزوج هو بعدها بزوجته الحالية، ~~أما البنت فاسمها سميحة، وكانت في سن إلهام وكانت زميلتها في الكلية، أما زوجة أبيها فهي ~~الست فوزية وكانت طيبة النفس، تعامل ابنة زوجها أحسن معاملة، وقد أنجبت لزوجها الأستاذ فريد ~~عبد القادر ابنه علي، وألحقه بابنته الطفلة هناء. # تعرفت الأسرتان وتزاورت السيدات، ونقل سويلم حسابه إلى فرع البنك الأهلي بالجيزة، حيث ~~يعمل فريد عبد القادر. ~~••• # كيف ينشأ الحب ولماذا؟ إنه مشاعر لا منطق لها ولا عقل ولا مقدمات، كانت سميحة صبيحة ~~الوجه ولكن الأمر الذي لا يختلف في شأنه اثنان، أن إلهام كانت أجمل منها بكل مقاييس الجمال، ~~هذه المقاييس التي تواضع الناس أن يجعلوا منها قواعد يعطون على أسسها جوائز الجميلات، ولو ~~أن إنسانا رأى الفتاتين دون أن يكون في نفسه هوى إلى واحدة منهما لحكم من فوره أن إلهام ~~أجمل، كانت سميحة مستديرة الوجه في براءة وطيبة، في عينيها حزن يكسبهما الحنان الإنساني ~~الشريف، وكانت رشيقة القوام تميل إلى الطول بعض الشيء. # حين رآها مجدي أول مرة رآها في العمارة أحس نحوها بإعجاب، وقد كانا طفلين معا فلم يكن ~~غريبا أن يضم ملعبهما أطفال العمارة جميعا، وفي سن الطفولة الناعمة هذه يبدأ نوع من الحب ~~الذي لا مثيل لطهره على الأرض، كنسمة من نسائم الجنة، أو كنبضة من نبضات الإيمان، أو ~~كتسبيحة متبتل في محرابه أو كهيام متصوف في نجواه، الابتسامة عند الطفل المحب دنيا، والهمسة ~~حياة، والحدب خطرة من روح الله، فإذا خلا الطفل بحبيبته فهذا جميعا وأكثر، ويشب الحب مع ~~الطفل لحظة بلحظة وهمسة بهمسة، فإذا بلغ الشباب ms27 اندلع الهوى براكين وهزيم رعد ورياح عواصف، ~~لولا الحياء والدين والخلق لاجتاح لا يبقي، ولاندفع لا يتوقف، ولأعلن عن نفسه للعالم ~~أجمع. # نشأ هذا الحب بين مجدي وسميحة، قالاه وهما طفلان في كرة يختارها هي لها حين كانا يتراميان ~~بالكرة، وقالاه ابتسامة لقفتها ابتسامة في خفية عن عيون الصبية، وقالاه سؤالا عن امتحان ~~لقية سؤال عن امتحان في همسة خبيئة عن الآذان، وقالاه وهما شباب أحبك استقبلتها أحبك، ~~واندلعت ألسنة الهوى وتعالت أمواجه، والفتاة على أبواب الجامعة، والفتى في السنوات الأولى ~~منها، وفي كل عام يمر يزداد الهوى اشتعالا، فالأمل كلما اقترب من التحقيق ازدادت ملامحه ~~قوة وتبينت معارفه، حتى كأنه تم وتوضحت معالمه، فهو بعد ليس أملا وإنما فعل حدث، إن لم يكن ~~فعلا ماضيا فهو فعل حال يتشكل واقعا. # تخرج مجدي في كلية الهندسة، وأقام أبوه ليلة فرح كبرى، ودعا كل أصدقائه من التجار ومن ~~سكان العمارة ومن الجيران. # وشاء الله الرحيم بعباده أن يحصل فكري في نفس العام على الثانوية العامة، فكان فرح فؤاد ~~به أكثر من فرح سويلم بتخرج ابنه، فقد كان فؤاد واثقا أن الثانوية العامة هي نهاية المطاف ~~بالنسبة لفكري، وكان يكاد يقطع أن ابنه لن ينالها عمره كله، وقد هدأت نفسه إلى هذا واطمأنت ~~إليه لا يداعبها أمل مهما يكن ضعيفا، أن يخيب فكري ظنه ويحصل على الثانوية العامة، وقد كان ~~يريده أن يكون تاجرا مثله، لكن التجارة لم تعد مثل هذه الأيام الناعمة التي بدأ فيها هو ~~ممارسته للتجارة، إن التجارة أصبحت مسبعة وحوش ضارية، وصارت أيامها فتاكة تلتهم الغافل ~~التهاما، حتى لا تبقي فيه من باقية، أو ترفعه إلى سماوات لم يحلم تجار الأزمان الماضية ~~مجتمعين أن يصلوا إلى جزء ضئيل منها، وأين العشرات والمئات التي كانت تلقيها الأفواه من ~~التجار في حرص شديد، وبعد أخذ ورد وتفكير وتدبير من كلمة مليون وعشرة ملايين ومائة مليون، ~~يلقيها تجار ما بعد أكتوبر وكأنهم يلقون تحية سلام فاترة لا تعني شيئا. # إذا لم ms28 يكن فكري على قدر مهما يكن ضئيلا من العلم النظري، فكيف يمكن أن يكون له مكان أي ~~مكان في ميدان الوحوش هذا. # إن فؤاد بدأ حياته في السوق صغيرا وعرف الخوافي البعيدة من أسراره، فحين استشرى السوق ~~ودخلته النسور الضارية، كان هو قد أصبح حاد الأظافر مثلهم، يجرح إن جرحوا ويهادن إن ~~هادنوا. # وقد أدرك في ذكاء واع أنه لو ترك تجارته التي تعلمها منذ شبابه الباكر أصبح أعمى وسط ~~مبصرين لئام، فأصر أن يبقى في تجارته لا يتركها إلى أي نوع آخر من التجارة. # ولكنه يعلم علم يقين أنه إن كان قد ازداد مع الأيام خبرة في التجارة ومراسا بالسوق، إلا ~~أن هذه الأيام نفسها قد جعلته شيخا لا تهب له من الصحة ما كنت تهب ولا من النشاط ما تعود ~~أن يجده، وقد كان يريد من ابنه أن يعينه على سنه وصحته، وإذا ابنه يزيد سنه ثقلا وصحته ~~وهنا، وإذا الرعدة لا تتولاه إلا حين يذكر ولده، وقد حاول بالعنف فأخفق وباللين فازداد ~~إخفاقا، فقال لنفسه اعمل وما عند الله يكون، وعمل، وإذا بالسوق ينقلب من هذا الميدان ~~الذي مرن عليه وعرف دروبه ومنحنياته، وكل مرفق من مرافقه أو ثنية من طرقاته، إلى ميدان ~~آخر قاتل سفاك لا يبقي ولا يذر، وإذا الأثمان تشتعل فهي حريق ما تسامع الناس بمثله، ولا ~~تصور أحد أنه سيسمع بمثله أبدا، وكما تصبح السوق فاجرة متوحشة يصبح الغني فاجرا ~~متوحشا. # ولا يتخلف فؤاد وما تخلف سويلم عن هذا الغنى، ولكن كليهما أدرك في ذكاء أنهما إذا تخطيا ~~عتبة ميدان الأقمشة الذي يعرفانه أصبح كلاهما عدما، والربح كما يكون بالملايين تصبح ~~الخسارة بالملايين أيضا. # قال فؤاد لابنه فكري: مرحبا بك في دكان أبيك وأجدادك. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أقصد أننا عائلة ربنا خلقنا للتجارة وليس لنا مهنة غيرها. ~~- ولكن الجيل اختلف يا بابا. # وتدخلت وهيبة: يمكن أن يختلف الجيل ولا نختلف نحن، واضح أن ليس لك أي ميل للتعليم يا فكري. ~~- يا نينا أنا حصلت ms29 على الثانوية العامة وفي الجامعة الأمر يختلف. ~~- المسألة ليست مسألة ثانوية عامة وجامعة يا فكري، المسألة أهم من هذا بكثير أنت لا تحب ~~القراءة. ~~- كل زملائي لا يحبون القراءة. ~~- إذن فلمن يكتب الكتاب يا ابني؟ # وقال فؤاد: يا ابني نحن عائلة تجار. ~~- أتكون أمي من حملة الليسانس و... # قاطعته وهيبة: المسألة استعداد يا فكري. ~~- نجرب يا نينا. ~~- نجرب. # وأسرع فؤاد متدخلا: نجرب ماذا يا وهيبة؟ ~~- انتظر يا فؤاد، ماذا تريد أن تجرب يا فكري؟ ~~- أدخل الجامعة. ~~- أي كلية تريد؟ # وانقطع الحديث ولم يجد فكري شيئا يقوله إلا: ليكن معهدا مثلا. # وقالت وهيبة: أي معهد تقصد؟ ~~- أي معهد؟ ~~- إذن فأنت لا تهوى دراسة معينة. أنت تريد مجرد شهادة؟ ~~- حتى أكون مثل زملائي. ~~- أيمكن أن يكون هذا هدفا في ذاته. # ووجد فؤاد الفرصة سانحة: فكري يا ابني أتريد حقا أن تكمل الدراسة وتذاكر؟ # ووجم فكري لحظات ثم قال في لعثمة: كنت أقول أجرب. ~~- كنت تلف علينا يا بني حتى تقول لنا بكرة إننا نحن اللذان منعناك من الجامعة أو التعليم ~~العالي؟ ~~- لا والله أبدا يا بابا. ~~- لا. إذن فاسمع: أنا مستعد أن أوافق على دخولك الجامعة، بل أنا أرحب بذلك كل الترحيب، ~~وأكثر من هذا إذا كان مجموعك لا يدخلك جامعة القاهرة فالعالم كله مفتوح أمامك، اختر أي كلية ~~في العالم تريد أن تدرس فيها، وأنا مستعد أن أقدم كل ما تريد من أموال. ~~- في الخارج؟ # وقالت وهيبة في استنكار: في الخارج يا فؤاد؟ # وقال فؤاد: في الخارج، فقط بشرط واحد. # وقال فكري: أي شرط؟ ~~- كل المصاريف التي ستنفقها ستخصم من التركة، ما ذنب إلهام أن تكلفها أنت الألوف؟ # وصمت فكري قليلا واستمر فؤاد: اسمع. أنت لا شك يتهيأ لك أنني أكسب الملايين مثل تجار اليوم لأنك تعيش عيشة مستريحة ~~وتسمع الأرقام الخيالية عن مكاسب التجار، ولكن الأمر بالنسبة لي مختلف كل الاختلاف، أنا ~~أتاجر بشرف، ولم أدخل في عملية واحدة خارج عمليات القماش التي أعرفها، فأنا أكسب والحمد ~~لله، ولكن المكسب ms30 الطبيعي، وأنت منذ الآن تستطيع أن تطلع على حساباتي. ~~- حضرتك غلطان. ~~- أترى هذا؟ ~~- كل التجار اليوم يعملون في كل ميادين التجارة. ~~- مجانين والمستقبل أمامهم مظلم وبكرة أفكرك. ~~- الحقيقة يا أبي أنك شريف أكثر من اللازم. ~~- الحقيقة أنه ليس هناك شريف أكثر من اللازم وشريف أقل من اللازم، هناك شريف وغير ~~شريف. ~~- تعرف رفعت الفنجري أبو حمدي؟ ~~- نعم أعرف ماذا ستقول، بل إن مصر كلها تعرفه، إعلاناته تملأ التليفزيون، وأصبح له أربعة ~~محلات موبيليا، أنا لا أستطيع أن أحكم على طريقة تجارته، ولكن يجب أن نعترف أنه لم يترك ~~مهنته الأصلية. ~~- نعم هذا صحيح. ~~- وبالمناسبة أين حمدي الآن؟ ~~- يعمل مع أبيه. # وتسأل وهيبة: هل نال شهادة؟ # ويقول فؤاد دون أن ينتظر إجابة ابنه: لم يأخذ الإعدادية. # ويقول فكري: وهل أنت راض عن ذلك؟ ~~- إذا كان ناجحا في معاونة أبيه فلماذا لا أرضى. # قالت وهيبة: قل لنا أنت. ~~- ماذا أقول؟ ~~- الحقيقة. ~~- الحقيقة أنه لا يعمل شيئا. # قالت وهيبة: اسمع يا فكري، العلم لا يفيد في مجرد حمل اللقب، ولكنه يفيد في كل نواحي الحياة، ~~والذي يعرضه عليك أبوك اليوم يقطع قلبي ويجعلني حزينة كل الحزن، ولكن أنا تناقشت طويلا ~~مع أبيك وحجته قوية وأنا حجتي ضعيفة، أنت لا تريد أن تتعلم من الكتاب وهو المصدر الحقيقي ~~للثقافة، فلم يبق إلا أن تتعلم من العمل، وأنا وأبوك نعلم أنك لا تريد أن تكمل الدراسة، وأنك ~~تناقشنا لمجرد المناقشة، وأنت الآن في سن تسمح لك باختيار مستقبلك، فإذا كنت تنوي أن تعمل ~~مع أبيك بحيث تتيح له الفرصة أن يعلمك التجارة والتجارة الشريفة، فأنا عن أبيك أقول: أهلا ~~وسهلا. # وقاطعها فؤاد قائلا: ألف أهلا وسهلا. # وأكملت وهيبة: وإن كنت لا تريد أن تصبح تاجرا مع أبيك فقل لنا ماذا تريد، وربنا يساعدنا أن نحقق لك ما ~~تريد. # وصمت فكري صمتا تاما، أنا فعلا لا أعرف ماذا أريد، أعود للمذاكرة مصيبة، إذا عملت مع ~~أبي سيحاسبني على الذهاب إلى المحل وعدم الذهاب، أنا ماذا أريد؟ ms31 ماذا أريد ؟ ~~- الحقيقة يا نينا أنا أعرف ما أريد. # وسارع فؤاد قائلا: الحمد لله قل لنا ماذا تريد. ~~- أنا أريد أن أتعلم التجارة. ~~- ألم نقل هذا أول الأمر؟ # قالت وهيبة: انتظر يا فؤاد، إنه لم يكمل. # وأكمل فكري: أنا فعلا لم أكمل، لا أريد أن أجلس في محل، أنا أريد أن أنزل السوق أشتغل في عمليات ~~تجارية حرة، ولك أن تحاسبني كل عام. # وصاح فؤاد ملهوفا: الله أكبر، تنزل السوق هكذا وأنت لا تعرف فيه شيئا؟ ~~- ابن تجار وعندي الموهبة وعندي المخ. ~~- وماذا أيضا؟ ~~- ألا يكفي هذا؟ ~~- والتجربة؟! ~~- تأتي في السوق. ~~- أتعرف كم يمكن أن تكلفك، أقصد أن تكلفني هذه الكلمة، ربما كلفتني ثروتي كلها وفوقها ~~مثلها عشر مرات. ~~- ألا تريدني أن أتعلم؟ ~~- عندي في المحل، في الجامعة التي تخرج فيها أجداد أجدادك حتى تخرجت فيها أنا. ~~- ولكن الدنيا تتطور. # وتقول وهيبة: إذن فأنت تريد ... # ويقاطعها فؤاد: أنا أعرف ماذا يريد يا وهيبة وأنت تعرفينه. # وتقول وهيبة: نعم أعرفه، ولكنني أريده هو أن يقول. # ويقول فكري: أنا لن أقول شيئا. # ويقول فؤاد: ولا مليم واحد. # ويفزع فكري: ماذا؟ ~~- أنت تريد مبلغا من المال، الله أعلم أين ستنفقه، ثم تقول تاجرت وخسرت. أليس ~~كذلك؟ ~~- وما له؟ ~~- إنه مالي. إنه جهدي وجهد أجدادي. حين أموت أنا أنت حر في نصيبك، أما وأنا على قيد ~~الحياة لا يمكن، ما رأيك؟ ~~- سأعمل معك يا أبي ولكن ستعرف أنني لست كما تظن. ~~- أهلا بك، ومكافأة لك على عملك معي خذ هذه المفاتيح لسيارة جديدة اشتريتها لك ليعرف ~~أصدقاؤك أن أباك فرح بعملك معه. ~~- أطال الله عمرك يا أبي، ربنا يجعلك راضيا عني دائما. # | الفصل الثامن # سميحة مخطوبة لابن عمها وجدي عبد الراضي منذ هما طفلان، وقد تخرج وجدي في عامه هذا في ~~كلية التجارة، وأعد أبوه له شقة للزواج بعد أن باع عشرة أفدنة من العشرين فدانا التي ~~يملكها، وتقدم الأخ رسميا إلى أخيه يطلب يد ابنته لابنه، وقبل الأب الخطوبة وهلل بها ~~ونادى: سميحة. ms32 # وكانت سميحة قد أحست من مجيء عمها المفاجئ ما سيتأدى إليه الحديث، وقد كانت صلتها بابن ~~عمها واهية، فهو يسكن في الإسكندرية مع أبيه الذي يعمل هناك في وزارة الكهرباء، وكانوا ~~هم يصطافون في رأس البر، فلم تكن ترى ابن عمها إلا في مناسبات قليلة وزوجة أبيها لم تكن ~~تذكره لها مطلقا، فهي لا تنسى أن عمها وزوجته جليلة لم يكونا راضيين عن زواج أبيها منها، ~~وكيف لهما أن يرضيا وقد كانا سيرثان نصف ثروة فريد، إذا هو لم يتزوج ولم ينجب ولدا. # فوجدي هذا كان بعيدا عن تفكير سميحة كل البعد، وهي تعلم أن أمه مزحت مع أمها وهما أطفال ~~وخطبتها له، ولكن الطريقة التي روى أبوها بها هذه القصة كانت لا تنبئ عن أي جد. # ولكنها مع ذلك حين علمت أن وجدي تخرج، لم تستطع أن تمنع وساوس خوف أن تداخلها، واليوم ~~وعمها في حجرة الاستقبال مع أبيها، وأبوها يناديها يتحقق خوفها. # وينادي الأب مرة أخرى: يا سميحة. ولكن ليس له مجيب. # ويقول فريد: قومي يا فوزية ناديها. # ويقول العم عبد الراضي: قومي يا ست فوزية الله يرضى عليك. # وتقوم وتدخل وقبل أن تقفل الباب تقول سميحة: لا. ~~- أي لا؟ ~~- لن أذهب. ~~- وهل عرفت فيم؟ ~~- عرفت كل شيء، المسألة لا تحتاج إلى ذكاء. ~~- وماذا نقول لعمك؟ ~~- هذا شأن أبي، لا شأني. ~~- اسمعي يا سميحة أنت تعرفين أنني لا أحب عمك عبد الراضي، وهذا يا بنتي شيء طبيعي فهو لم ~~يرحب بي في الأسرة، ولكن حتى أكون عادلة هو معذور، كان طامعا ولم يصبح الطمع اليوم سفالة، ~~الدنيا أصبحت مطالبها كثيرة، وطبيعي أن يفكر كل إنسان في مصلحة نفسه. ~~- ومن أين كان يعلم أنه سيرث أبي؟ ولماذا لم يفكر أن أبي قد يعيش بعده؟ إنه أكبر من ~~أبي. ~~- مع الطمع لا منطق يا سميحة. ~~- ولكن يا تنت أنا لا أعرف وجدي، أنا لم أره في حياتي إلا مرات قليلة تعد على ~~الأصابع. ~~- ولكنه مع ذلك ابن عمك، وماذا نستطيع ms33 أن نقول الآن؟ ~~- لا أعرف وإنما أنا أرفض. ~~- لقد أحضر الشبكة معه. ~~- إذن فهو يعتبر الأمر منتهيا. ~~- عم يخطب ابنة أخيه لابنه المتخرج في كلية التجارة، ماذا يمكن أن يكون المانع؟ ~~- وهل ابنة الأخ هذه ليست إنسانة؟ ~~- سميحة، اسمعي أنا بالنسبة إليك ... ~~- والله يا تنت أنا أعتبرك مثل ماما وأكثر؛ لأن الأم تحب ابنتها بالغريزة، ولو كانت أمي ~~موجودة كان لا يمكن تقدم لي أكثر مما تقدمين أنت. # إذن فاسمعي يا بنتي أنا الآن في مركز حرج، إذا خرجت وقلت إنك رافضة أو تريدين أن تفكري، ~~أو أي كلمة من الكلمات التي تقال في مجال الرفض هذه، سيظن عبد الراضي أنني أنا التي أغريتك ~~بهذا. ~~- وهل تقبلين أنت يا تنت أن أضيع حياتي من أجل حرج مؤقت؟ ~~- لك حق يا بنتي، فعلا هذا ليس عدلا، الآن لا بد أن يحمل كل إنسان مسئوليته. # وفتحت الباب ونادت: يا فريد. ~~- نعم؟ ~~- تعال أريدك في كلمة. # وهمست سميحة: ربنا يطيل عمرك يا تنت، قلت أريدك ولم تقولي سميحة. # ويدخل فريد: ماذا؟ ~~- أنا لن أتزوج وجدي. ~~- ماذا؟ هل جننت؟! ~~- هل أصبح مجنونة حين أرفض شخصا لا أريده؟ ~~- ولماذا لم تقولي هذا من قبل؟! ~~- وهل سألتني؟ ~~- ألم أقل لك إن أمه خطبتك من المرحومة. ~~- أتعتقد بهذا أنك قلت لي؟ ~~- وحين كنا نلتقي ألم تسمعي الإشارات التي كانت أمه تقولها؟ ~~- هل تعني هذه الإشارات أنك سألتني ووافقت؟ إنها إشارات تتناثر كلما اجتمع شاب وشابة. ~~- والآن ماذا أعمل؟ وجدي هنا وأبوه وأمه ومعهم الشبكة ويريدون أن يتفقوا على تحديد يوم ~~الخطبة. ~~- أترضى لي يا بابا زواجا بهذه الطريقة؟ ~~- يا بنتي نحن لم نرفض. ~~- ولكنني لم أسأل حتى أقبل أو أرفض. ~~- وماذا أعمل الآن؟ # وقالت فوزية: أنت طبعا لن تجبر البنت على زواج لا تريده. ~~- أنا مرغم. ~~- ماذا تعني؟ # قالت سميحة: اسمع يا بابا نحن في جيل لم تعد الفتاة فيه تتزوج رغم أنفها، وأنا معي الثانوية العامة. # وأدرك الأب كل شيء، وأدرك أيضا أن صوتها بدأ يعلو ms34 فقال: طيب ، طيب، اسكتي. # وقالت فوزية: أتتصور أنك ستزوج فتاة جامعية رغم أنفها؟ # وقال فريد وقد أدرك الموقف تماما: لا يمكن. # ثم نظر إلى ابنته نظرة عميقة وقال: وحتى لو أردت لا أستطيع. # وقالت سميحة وقد ارتجفت كل مشاعر البنوة فيها: بابا، أنا ليس لي غيرك، وعندي الموت خير من لحظة غضب منك علي، ولكن الموت أيضا أهون ~~من زواج لا أريده، إنها حياة بأكملها كيف سأعيشها مع شخص لا، لا، لا، لا أوافق على ~~الزواج منه؟ # وقالت فوزية: اسمع يا فريد، اخرج أنت الآن وأنا سأمنع عنك الحرج وستكون سعيدا إن شاء الله، فقط اعلم ~~أن سميحة لن تتزوج وجدي. ~~- لن تتزوج إلا إذا ... ~~- لن أقبله مطلقا إذا لم يبق من الرجال إلا هو. ~~- إذن لن تتزوج وجدي. # وقالت سميحة: اتفقنا، اخرج أنت الآن. ~~- ماذا أقول لهم؟ ~~- قل لهم سميحة آتية حالا. # وتصيح سميحة: تنت. # وتقول فوزية في حسم: اسكتي أنت، اخرج يا فريد. # ويخرج فريد وتقول فوزية: أنت تعرفين الآن أنك لن تتزوجي وجدي. ~~- كيف أعرف؟ ~~- إن الأمر في يدك وحدك وقد أوضحت هذا لأبيك، ولم يعد شيئا خافيا الآن، أنت وحدك تملكين ~~مصير نفسك. # وتبتسم سميحة وتنعم النظر في عيني زوجة أبيها: أنت في غاية الذكاء. ~~- وأنا معجبة بك، حقك وتمسكت به ولكن يبقى شيء هام. ~~- بابا. ~~- ما رأيك؟ ~~- موقفه صعب. ~~- أترضين له هذا أمام أخيه وابن أخيه وزوجة أخيه؟ ~~- لا، أنا مضطرة. ~~- إلى ماذا؟ ~~- إلى الرفض. ~~- هذا أمر اتفقنا عليه. ~~- إذن. ~~- ألم تفهمي؟ ~~- أتظاهر بالقبول. ~~- والشبكة ليست كتب كتاب. ~~- موافقة. ~~- البسي. # | الفصل التاسع # قالت له في اليوم التالي وهما سائران على شاطئ النيل في المعادي: لقد خطبت أمس. # ووقف، ثم جلس على الحجارة ثم التقط شهيقا مروعا، ونظر إليها: ماذا؟ ماذا قلت؟ # وانفجرت ضاحكة. أمزاح في مثل هذا؟ ~~- أنا والله لا أمزح. # وروت له كل شيء وأدرك أنه لا بد أن يتحرك من فوره وإن كانت سميحة تقول له في هدوء: إن الذي حدث أمس كان ms35 من المنتظر حدوثه، وربما كان وقوعه خيرا لنا وأنت لا تدري. ~~- ربما، ولكن كيف؟ ~~- لقد أدرك أبي اليوم أن مصيري بيدي وحدي، وأنه لا يستطيع أن يرغمني على زواج لا أريده. ~~- هذا حق والآن جاء دوري. ~~- لا تتعجل. ~~- أترضين لي أن تقفي أنت هذا الموقف الحر وأسوف أنا؟ ~~- اسمع يا مجدي أنا لست جاهلة، وأنا حين أحببتك عرفتك على حقيقتك، وأنا لست ساذجة لأحبك ~~أولا ثم أضعك بعد ذلك في موضع الاختبار. ~~- هل تتصورين السعادة التي أشعر بها وأنا أسمع هذا الحديث؟ ~~- نعم أتصورها لأني أحس بهذه السعادة وأنا أقول ما أقول. ~~- كنت أحسب أنك أحببتني لأننا نشأنا معا، ونشأ الحب بيننا وليدا ثم كبر، العاطفة وحدها ~~هي التي تحكمه. ~~- مثل هذا الحب يكون حبا مخيفا لا يعرف واحد منا عواقبه، أنا كنت أراقبك في كل مراحل ~~حياتك منذ بدأت أعي وتذكرت وأنا عاقلة ما كنت تصنعه ونحن أطفال و... و... وأحببتك، وأعلم أنك ~~صنعت معي نفس هذا الصنيع. ~~- أنا أحببتك؟ ~~- ودرستني كما درستك، لست أنسى ونحن أطفال يوم قذف سيد المدبولي الكرة بقدمه فكسرت زجاج ~~بيت جميل بك، فتقدمت أنت إلى البواب وقلت له إنك أنت الذي كسرت الزجاج وإنك ستدفع ثمنه؛ ~~لأنك تعلم أن والد سيد المدبولي سيضربه وأنه لا يطيق أن يدفع ثمن الزجاج. ~~- ياه أما زلت تتذكرين هذه الحكاية البسيطة؟ ~~- ربما كانت بسيطة لو صنعتها الآن، أما ونحن أطفال فهي ليست بسيطة. ~~- وأنا لا أنسى حين نزلت من قطار المعادي ولم تكوني تعرفين أنني فيه، ولا كنت أدري أنا ~~أنك معي في القطار، وتقدم منك فكري يريد أن يحمل كتبك ويسير معك حتى البيت، فإذا أنت ترفضين ~~وتتركينه يمضي. ~~- أكنت وراءنا؟ ~~- تخفيت عنكما ورحت أرقبه وهو يمضي، ورأيتك أنت تتمشين على الرصيف فترة، ثم تأخذين وجهتك ~~إلى البيت، أدركت أنك قلت له إنك لن تذهبي إلى البيت حتى لا تخجليه، وفي نفس الوقت رفضت أن ~~تسيري معه وحدكما. ~~- وأشياء كثيرة رأيتك فيها إنسانا ورجلا، لم تحاول ms36 أن تحقق ذاتك بشعارات وإنما حققت ~~ذاتك بالدراسة، ولك آراؤك الوطنية ولك إيمانك الديني، لم تحاول أن تتطرف أو تتظاهر بالعلم ~~أو بالبطولة وتتكلم، فأعلم أنك تقرأ كثيرا دون أن تدل على الناس أو على أصدقائك بأنك تقرأ. ~~- وأنت ألا تفعلين هذا؟ ~~- وأعرف أنك تعرف. ~~- ويصدق علينا قول الشاعر: # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها ~~- وشعر أيضا؟ ~~- بيت واحد من نفسي. ~~- نعود إلى البيت. ~~- أمرك. ~~••• # مر يومان على هذا الحديث، وكان مساء جلس سويلم فيه ونعمات يشاهدان التليفزيون ومعهما مجدي ~~صامتا، وفجأة قال لأبيه: ما رأيك يا أبي في وظيفة معروضة علي بالسكة الحديد؟ # وفوجئ سويلم بالخبر وقالت نعمات: ألف مبروك، ألف مبروك يا باشمهندس. أزغرد، ابني أصبح مهندسا في السكة الحديد. # وأتاحت الجملة لسويلم أن يفكر قليلا ثم قال: متى عرضت عليك؟ ~~- اليوم طبعا، وهل يمكن أن أخفي عنك شيئا هاما كهذا؟ ~~- وأنت ما رأيك؟ ~~- أريد أن أعرف رأيك أولا. ~~- ألم تقل إنك تريد أن تفتح ورشة؟ ~~- الآن؟ لا يمكن، أنا سأعمل بعد الظهر في ورشة الأسطى داود الميكانيكي بالمعادي. ~~- أنت يا باشمهندس تعمل بورشة مع أسطى؟ ~~- الذي تعلمناه في الكتب شيء والحياة شيء آخر، أيرضيك أن أتعلم الهندسة في سيارات خلق ~~الله. # ولم يملك سويلم نفسه وقام إلى ابنه وهو يقول له: قم، قم، قف على حيلك. # وظنت نعمات أن زوجها غاضب فصاحت: انتظر يا سويلم بالهداوة، بالراحة يا سويلم. # وأعاد سويلم الجملة: قم قلت لك. # ووقف مجدي ذاهلا وإذا سويلم يقول له: ادخل في حضن أبيك، أنا اليوم عرفت أنني خلفت رجلا لا طفلا. # وزغردت نعمات دون أن تدري لماذا واستطرد سويلم: كنت أخاف أن تظن أنك ما دمت حصلت على شهادة الهندسة ستحتقر الأسطوات، وتقول في نفسك إنك ~~مهندس، وإنهم لا يعرفون ما تعرف، أنا الآن مطمئن إذا مت هذه اللحظة. # وتقاطعه نعمات: يا أخويا بعد الشر إن شاء الله العدو. أهذا وقته. # ويضحك ثلاثتهم ويعودون إلى مجلسهم، ثم يقول مجدي: ما ms37 دام الأمر كذلك فأنا أريد أن أتزوج. # وتسارع نعمات وتضع يدها فوق شفتها العليا متهيئة لزغرودة أخرى، فيقفز مجدي في هذه المرة ~~ويضع يده على فم أمه: في عرضك يا ماما الذي لم يسمع الأولى قد يسمع الثانية. # ويقول سويلم: وما له؟ خلي الدنيا كلها تسمع. # ويجلس مجدي في هدوء وهو يعلم أنه سيقول كلاما لن يرضي أبويه كل الرضا. ~~- فقط اسمعا الحديث لآخره. ~~- وما له يا نعمات انتظري بعض الشيء بزغرودتك، يبدو أن في الأمور أمورا. # قال مجدي في هدوء: ما رأيك؟ ~~- وهل قلت شيئا؟ ~~- قلت إني أريد أن أتزوج. ~~- الشقة موجودة والمهر موجود والعروسة ... # وهنا قاطعه مجدي: ليست موجودة. # وصاح الأبوان كلاهما معا: ماذا؟! # واسترسل مجدي: أنتما لا أنا خطبتما إلهام، وأنا لا أريد أن أتزوج إلهام. # وصاح الأبوان مرة أخرى: ماذا؟ # وقال مجدي في هدوء: هل قلت لك يا بابا أو قلت لك يا ماما إني أريد إلهام، أو إنني معجب بها؟ ~~- حسبنا أنك ... # ويقاطع مجدي أباه: إنك حسبت يا بابا ليس هذا ذنبي. ~~- يا بني هذه عشرة عمر، وأبوها أكثر من أخ وجدها له فضل علي وعليك، لولاه الله وحده يعلم ~~إلى أي مصير كنت أسير. # وتقول نعمات: أين أودي بوشي منك يا وهيبة؟ # ويلحق بها سويلم: ووهيبة هذه ابنة عمدتنا وأنا الذي زوجتها. # ويقول مجدي: وهل ترى أنك ما دمت زوجت الأم لا بد أن تزوج ابنتها أيضا؟ ~~- لا أقصد. # وتقول نعمات: ولماذا لم تقل هذا من زمان يا ابني؟ ~~- وهل سألني أحد منكما؟ # وينظر سويلم إلى نعمات وتنظر هي إليه ويقول سويلم: ألم تسأليه؟ # فتقول في ذهول يحتويها: وأنت ألم تسأله؟ ~~- كنت أظن الأمر منتهيا. # وتقول نعمات: أنا كنت أظن الأمر منتهيا. # ويقول مجدي: أيصلح الظن في هذا؟ # ويقول الأب في جد وعيناه متفتحان والدهشة لا تفارق وجهه: أظن لا. ~~- فأنا لا ذنب لي إذن. # وتقول نعمات: ماذا أقول لوهيبة؟ # ويقول سويلم: وأنا ماذا أقول لفؤاد؟ # ويقول مجدي: ألست تحبين عمتي وهيبة يا ماما؟ ms38 ~~- روحي من جوه. # وينظر مجدي إلى أبيه: وأنت يا بابا ألا تحب عمي فؤاد؟ ~~- أنت تعرف. ~~- أيرضيكما أن تزوجا ابنتهما لرجل لا يريد الزواج منها؟ أتعتبران أن هذا حبا أم كرها ~~لعمتي وهيبة ولعمي فؤاد؟ ماذا كنتما تصنعان لو أردتما الانتقام منهما أكثر من ذلك؟ افرضا ~~أنني وافقت من أجلكما ومن أجل الصداقة التي تربط بينكم، أيرضيكما هذا لإلهام نفسها؟ لو كان ~~لكما بنت أترضيان لها هذا؟ # وساد صمت مطبق ثم قال سويلم: في هذا الزمان الأب لا يستطيع أن يزوج ابنته فكيف يمكن أن يتدخل في زواج ابنه؟ نحن نربي ~~ونكبر ثم لا رأي لنا بعد ذلك، نحن لا لزوم لنا، نحن نصنع فلوسا فقط، نحن عقليات أكل عليها ~~الدهر وغسل يديه، ما دام الولد أخذ الشهادة فما حاجته إلينا، نقدم له المال بضع سنوات أخرى ~~ثم يستغني عنا وعن مالنا جميعا، وإلى الجحيم آراؤنا وإلى ستين جحيم صلاتنا بالناس وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل، قومي يا نعمات نروح حجرتنا. # وتقوم نعمات وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، عين وأصابتنا والأمر لله من قبل ومن بعد، حسبي الله ونعم ~~الوكيل. # | الفصل العاشر # كان فرح هشام دردير وحمدي الفنجري بسيارة فكري أعظم من فرحته هو، ولم يدر سبب ذلك فحمدي ~~عنده سيارة هو أيضا. ~~- الليلة لا بد أن نحتفل بك. ~~- الليلة سنسهر للصبح. # وصاح فكري: لا، كونا عاقلين، السيارة جديدة لو سهرت بها من أول ليلة يسحبها هو في صباح هذه ~~الليلة، الأمور لا بد أن تكون بالعقل. # وقال هشام: هو ما قلت، تذهب معنا إذن إلى صديق لنا ونعرفك به. ~~- صديق جديد؟ ~~- عرفناه وأنت مشغول بالمذاكرة. ~~- من هو؟ ~~- ستعرفه، اصبر. لو تعرف ما فعلناه لأدركت أن أبواب السماء فتحت لك. ~~- خيرا؟ ~~- هيا بنا. # لم يكن بعيدا عن حياة الليل فقد طالما تعرف ببنات الهوى، ولكن ذلك في بيوت يعرفها ~~أصدقاؤه، النفقة فيها يطيقها ما يناله من أبيه، وكان بذلك يظن أنه عرف من الحياة كل الحياة، ~~وأن أحدا لا يستطيع ms39 أن يدري من شئون الدنيا أكثر مما يدري هو. # وكان بظنه هذا قانعا كل القناعة، وحين كان يسمع عن الكباريهات والأموال التي تنفق فيها ~~كان تقديره أن هذه الحياة ما هي إلا ما عرف ولكن بصورة علنية، فالذين هناك لا ينفقون ~~مما يجود به عليهم آباؤهم. # وظل على ظنه هذا حتى ذهب مع صديقيه هشام دردير وحمدي الفنجري إلى ذلك الرجل الذي قالا ~~عنه إنه صديقهما، وهناك رأى فكري عجبا. # البيت في شارع الشيخ فواز بالمهندسين والعمارة شاهقة لم يستطع أن يعرف عدد أدوارها إلا ~~حين قرأ رقم 12 في المصعد، والصديق الذي ذهبا إليه يسكن هذا الرقم، فهو في أعلى العمارة ~~فيها شقتان متصلتان، تطلان على ما كان سطحا ثم أصبح جنة من جنان الأرض، فالأنوار فيه ~~باهرة والأركان نوافير والجدران حلي وتهاويل، كلها أشكال تنير وتثير في وقت معا. # وحتى يبلغ السطح أو الذي كان سطحا كان قد اخترق بعض غرف أحس وهو يخطو إليها من الباب ~~الخارجي، ثم وهو يخطو فيها أنه في فتحة الباب قد انتقل من إنسان يحيا في القاهرة المعزية ~~إلى ممثل في أروع ما أنتجته السينما الأمريكية من تجميل للبيوت. # لقد تولاه البهر والذهول منذ اللحظة الأولى، وما فكري بفقير وإنما هو ابن تاجر موفور، ~~ويسكن أيضا شقتين متصلتين، ويحيا حياة لا تعرف إلا الرغبة المجابة في المأكل والمشرب ~~والملبس، ولكن أين هذا جميعا مما هو رائيه الآن، دنيا غير التي عرف وحياة غير التي يحيا، ~~واستقبله بالباب خادم واضح أن صاحب البيت رسمه ليكون جزءا من هذا الإبهار، ووضح له أن ~~الخادم يعرف صاحبيه فهو يقول في ألفة: تفضلا البك في الروف. # ويخطو فكري معهما ذاهلا واعيا شاردا منتبها، لا يفكر في شيء إلا سؤال ظل يتردد في ~~ذهنه ويدق مشاعره: ما هذا؟ أين أنا؟ أين أنا؟ وكان ذهوله قد بلغ منتهاه، حين خطا ~~خطوته الأولى إلى السطح وأدرك صاحباه ما ألم به، فهما أيضا مرا بما يمر به اليوم حين ~~صحبهما ms40 إلى هذا الحلم المحقق زهران قدري زبون رفعت الفنجري والد حمدي إلى صديقه صاحب هذا ~~البيت. # لقف كل من الصديقين ذراعا لفكري وقاداه ذاهلا واعيا، وأوقفاه وجاء إلى أذنيه صوت كان ~~عنه تائها وخيل إليه أنه صوت حمدي: أهلا علوان بك، هذا صديقنا فكري بن فؤاد محمدين صاحب المحلات المشهورة ~~بالحمزاوي. # ورأى فكري نفسه واقفا أمام شخص قصير القامة أصلع الشعر، أو هكذا خيل لفكري على الأقل، ~~وصاح حمدي: ما لك التهيت هذه اللهوة الكبرى، أفق وسلم على علوان بك سلطان، لا مؤاخذة يا علوان بك ~~أنت طبعا تعرف حالة الواحد منا حين يأتي إلى هنا لأول مرة. # وقال علوان: مرحبا، مرحبا فكري باشا، كلمني عنك حمدي وهشام كثيرا. ~~- مرحبا سعادة البك. ~~- اسمع أنا أعرف أنك لن تستريح حتى ترى البيت كله، خذه يا حمدي وفرجه على البيت. # ورأى وازداد ذهولا كل غرفة مصنوعة خصيصى لتجعل الداخل إليها يكاد يغيب عن ~~الوعي. # وحين عاد إلى مجلس علوان كان الإعجاب الحائر واضحا عليه، وأراد علوان أن يجتذبه من ~~دواره: مبروك الثانوية العامة. # وانتبه فكري إلى الواقع ودار في الجالسين. ثلاثة رجال وامرأتان رائعتا الجمال ثم سارع ~~يقول: الله يبارك فيك يا سعادة البك. # وقال حمدي: والأهم من ذلك يا علوان بك أن فكري أصبح الآن مساعدا لأبيه في المحل، وقرر أن ينزل إلى ~~الحياة العامة. ~~- هكذا! هذا هو الكلام. أليست الشهادة وسيلة للغنى، فما دام عندنا الغنى والحمد لله فما ~~لزوم هذه الشهادة؟ # وقال هشام: ونحن اليوم نحتفل بركوب أول سيارة يملكها فكري، وصاح علوان في تظاهر بالفرح: أهكذا؟! ألف مبروك! وما ماركتها؟ # وصمت فكري وقال هشام: اشتراها صغيرة حتى يربيها على يديه. # وضحك جميع الجالسين وقالت إحدى الفتيات: تتربى في عزك إن شاء الله. # وقال علوان في جد: لا، ستتربى في عزي أنا إن شاء الله، أنا أحب الشباب الجريء الذي لا يبحث عن المظاهر ~~والشهادات، فكري ابني منذ اليوم. # ودهش فكري أن يصبح ابنا هكذا في لحظة من زمن، ms41 ولم يملك إلا أن يقول: ألف شكر. # ويقول علوان: اسمع يا فكري أنا لي زملاء وصلوا إلى وزراء، وأعلم أنهم لولا الخجل لجاءوا إلي ليستلفوا ~~مني، أنا أخذت الابتدائية وبدأت العمل الحر، لو كنت أخذت الدكتوراه كان مرتبي الآن أقل من ~~نصف مرتب متولي الخادم الذي قدم بكم إلى هنا، هذا واحد من خمسة يعملون عندي، هو أقلهم ~~مرتبا لأنه آخر واحد عينته عندي. # ستصبح مثلي يا فكري وسترى. # وازدادت حيرة فكري، كيف؟ كيف؟ وقال علوان: أنت الليلة ضيفي إلى الصبح. # وارتج على فكري وقال هشام: يا أخي كلم والدتك وقل لها إنك ستسهر معنا الليلة. # وقال فكري: أرني التليفون يا حمدي. # وضحك الجميع وصاحت الفتاة الثانية: يا بني هنا تليفون على كل كرسي، الكرسي الذي تجلس عليه الآن بجانبه تليفون. # وقال جالس آخر: هنا خمس نمر بخمسة عشر خطا. # قال علوان: يا جماعة على مهلكم، الرجل أول مرة يأتي إلى هنا، والذي لا يعرفك يجهلك، ثم هو لم ~~يغلط، إنه يريد أن يكلم والدته أتريدونه أن يكلمها أمامكم، قم يا حمدي خذ صاحبك إلى حجرة ~~المكتب. # وفي الطريق إلى المكتب قال فكري: يا بني أنا كنت أسهر وأقول لها إنني أذاكر، الآن ماذا أقول لها؟ # وصاح فيه حمدي: يا رجل أفق إلى نفسك، أنت اليوم أصبحت حرا، تسهر كما تريد وتعود حين تريد، ألا تعرف ~~الآن قدر نفسك؟ # وضحك فكري وهو يقول: معقول، معقول، فقط ليس من أول ليلة هكذا. ~~- بل يجب أن يعرفوا حدودهم من أول ليلة. ~~- من هؤلاء؟ ~~- أبوك وأمك. ~~- أترى هذا؟ سنرى. # وطلب فكري التليفون وقال: ماما أصحابي يريدون أن يحتفلوا بالسيارة الجديدة وسنسهر الليلة معا، لا لن نتأخر ~~كثيرا، نعم ناموا أنتم، معي المفتاح نعم، لا لم أنسه مع السلامة. # وبدأت الليلة. # أما الويسكي فيعرفه فكري وما هو بجديد عليه، وأما المخدر فقد جربه ولكنه لم يستجب له، ~~وأما الفتيات اللواتي يشربن ويسمرن فهو أيضا يعرفهن، كانت الفتاتان قد أصبحتا ثلاثا فقد ~~قدمت إلى البيت ms42 فتاة في عشرينيات عمرها، فتن بها فكري منذ لحظة قدومها، وقد أعجب فيها بمظهر ~~بريء، كانت نبتا أخضر جديدا على مثل هذه الحياة، بيضاء الوجه سوداء العينين متوسطة القامة ~~في طولها تميل إلى النحافة، كثيرة المرح ولكنه مرح ساذج لم يتمرس بعد، وأحست ألفت بإعجاب ~~فكري فراحت تلقي شعرها عليه وهي ترقص، وتكثر من الوقوف أمامه، ويصخب الجميع مدركين اللقاء ~~المتبادل الذي تم على مشهد منهم، وصاحت سعدية أقدمهم في العلم: ألكونتاك جديد عند الاثنين، هزي وسطك يا ألفت، سيارته جديدة بشوكها. # ولم يلحظ فكري علوان وهو يغمز لحمدي الذي تبعه إلى حجرة المكتب. ~~- هذا الولد سينفعنا. ~~- ألم أقل لك؟ ~~- وسيارته الجديدة هذه مهمة جدا. ~~- أعلم. ~~- لا تظن أنني أختاركم وأنا لا أعرف ماذا أفعل، أمثالكم بعيدون عن كل شبهة. ~~- أنا سأتركه بعض الوقت ولا تذكر أنت أو هشام له شيئا، أنا لي طريقتي الخاصة. ~~- لا يمكن أن نعمل شيئا قبل أن تقول. ~~- أنا أريده الليلة في الكباريه. ~~- يذهب. ~~- وأريد ألفت تذهب معه إلى شقة جاردن سيتي. ~~- قل لها. ~~- لا شأن لك بها ولكن هيئه أنت لهذا وخذ، اجعله يعطيها هذه المائة جنيه وأنا لي معها شأن، ~~قل له إن الفلوس منك أنت. ~~- أمرك. # وعادا إلى مكانيهما وبعد دقائق قال علوان: والآن إلى العمل. # وصاح فكري: عمل! أي عمل؟ ~~- أتظن أن ألفت وسعدية وسميرة يكسبن عيشهن من انبساط سعادتك. ~~- إذن! ~~- هن ذاهبات إلى الكباريه ونحن سنذهب معهن، الساعة الآن فاتت العاشرة، هيا بنا. # وشهد فكري الكباريه ورأى رأي العين كيف تصبح الجنيهات من فئة المائة والعشرين والعشرة ~~عقودا في نحور الراقصات، ورأى آلاف الجنيهات تلقى على الموائد وكأنها قروش. # وكان من المقرر أن ترقص ألفت أول الراقصات، وحين بدأت الرقص لم يلتف حول نحرها سوى عقدين: ~~أحدهما من ذوي العشرة والآخر من ذوي العشرين، جديدة. # ومال حمدي على أذن فكري: البنت تموت فيك. ~~- حلوة كالقمر. ~~- ما رأيك نخرج معها الآن؟ ~~- هل أنت جاد؟ ~~- اتفقت معها فعلا. ~~- ولكن أنا ... أنا ... ~~- خذ ms43 هذه مائة جنيه أعطها لها. ~~- يا نهارك أسود. ~~- ماذا جرى لك؟ ~~- من أين؟ ~~- الأعمال الحرة تجعل المائة جنيه هذه عشرة قروش. ~~- ومن أين أردها لك؟ ~~- قسطها لا شأن لك. ~~- وأين سنذهب؟ ~~- أيضا لا شأن لك هي تعرف. ~~- وإن طلبت أكثر، أنا ليس معي إلا عشرة جنيهات. ~~- خذ عشرين لتكون مطمئنا. ~~- أقوم؟ ~~- اركب سيارتك وقف بها أمام الباب وستجدها بعد خمس دقائق بجانبك. ~~••• # شقة جميلة نظيفة، كل شيء معد لتمضية سهرة وللإقامة أيضا، عرف فكري أنها من شقق علوان، ~~وفهم أن حمدي هو الذي صنع له هذا المعروف. ~~••• ~~- خذي. ~~- ما هذا؟ ~~- ألا تعرفين؟ ~~- أعرف طبعا. ~~- إذا لماذا تسألين؟ ~~- لأني لن آخذ منك شيئا. ~~- ماذا؟ ~~- أليس من حقنا أن نعجب ببعض الناس ونحبهم؟ ~~- من حقك طبعا. ولكن يبدو أنك تحتقرين المبلغ الذي أقدمه لك بعد أن أخذت العقدين من ~~المعجبين في الصالة. # وانفجرت ألفت تضحك في قهقهة عالية بعيدة عن التظاهر، ثم ما لبثت أن أوقفت ضحكتها وقالت ~~فجأة: أهذه أول مرة تذهب إلى كباريه؟ ~~- لاحظي أنني قبل اليوم كنت تلميذا. ~~- آه، معقول. اسمع أولا أنا لا أعرف المبلغ الذي تعرضه علي حتى أحتقره أو أحترمه، ~~وثانيا كيف تصورت أن هذه العقود كلها لنا. ~~- ماذا؟! ~~- إننا لو أخذنا منها عشرها تكون نعمة، إنها تقسم على جميع العاملين في الصالة، وحين ~~تكون الراقصة جديدة مثلي يكون نصيبها عدما أو قريبا من العدم. ~~- إذن لماذا ترفضين؟ ~~- أحببتك. ~~- ثانية. ~~- وأنت أيضا أحببتني. ~~- الحقيقة أنا ... أنا معجب بك جدا. ~~- وستحبني. ~~- يتهيأ لي. لن أسألك ماذا رماك إلى هذا العمل. ~~- يا حبيبي هذا السؤال كان يصلح أيام زمان، الآن لا أحد يسأل هذا السؤال، اللواتي لا يقمن ~~بهذا العمل علانية يقمن به سرا في بيوتهن؛ ولهذا لم يصبح اسمه المقدر أو النصيب كما كان ~~يسمى في أفلام الماضي، وإنما أصبح عملا محترما مثل كل الأعمال، ودخله أصبح أعظم من أي ~~دخل، ويوم أريد الزواج ألف يتمنون تراب رجلي، منهم تسعمائة وتسعون يستفيدون من خبرتي ~~ويجمعون المال من ms44 ورائي، والعشرة الباقون ليجعلوا مني أم عيالهم. # وفوجئ فكري بالإجابة، وصمت طويلا ثم قال: ألفت. ~~- نعم. ~~- أنا أحببتك. ~~- إذن أدخل هذه الفلوس في جيبك. ~~- ولكني أحب أن أقدم لك شيئا. ~~- قدم لي هدايا عندما تريد. ~~- قد تكلف أكثر. ~~- هدية بعشر جنيهات منك تساوي عندي الكثير، إننا من سن واحدة ندخل الحياة من باب واحد، ~~ويبدو أن الصلة بيننا ستطول. ~~- ومن يدري ربما تدوم. ~~- يا رب. ~~- كل شيء بأمره. # | الفصل الحادي عشر # قالت إلهام لأبويها فجأة: ألم تلاحظ يا بابا وأنت يا نينا أننا مقصرون جدا مع عمي سويلم ومجدي. # ونظرا إليها ثم تبادلا النظرات، وفهمت إلهام تماما ما تحويه نظراتهما، وربما أحست أن ~~كلا منهما يقول في نفسه ما كل هذه الجرأة من الفتاة، ولكنها أكملت حديثها متظاهرة أنها لم ~~تفهم شيئا على الإطلاق: أليس عمي سويلم هذا ابن بلدك يا ماما وهو الذي زوجك من بابا؟ وأنت يا بابا أليس أقرب ~~إليك من أخ؟ كيف ينجح مجدي في بكالوريوس الهندسة ولا تدعوان العائلة إلى عشاء على ~~الأقل؟ # وتبادل الأبوان النظرات مرة أخرى، واضطر فؤاد أن يقول: والله يا بنتي لك حق، ولكن ... # وقالت وهيبة: ولكن ماذا يا فؤاد؟ كان يجب أن نفعل هذا فعلا. # وقالت إلهام: بل إنني حتى أراكما تأخرتما، إن المناسبة الآن ستكون مناسبتين. # وصاح الأبوان في دهشة حاولا ألا تبين: ماذا؟! ~~- طبعا. ~~- وكيف؟ ~~- ألم يعين مهندسا في السكة الحديد، أليست هذه مناسبة أيضا؟ # واسترد الأبوان هدوءهما وقالت وهيبة: والله لك حق. ~~- وماذا تنتظرين؟ ~~- ما رأيك يا فؤاد؟ ~~- ادعيهم على العشاء. ~~- متى؟ ~~- متى شئت. ~~- اليوم الإثنين، أيوافقك الخميس؟ ~~- يوافقني طبعا. # وقامت وهيبة إلى التليفون وأرادت أن تتكلم فقال فؤاد: انتظري يا وهيبة. ~~- ماذا؟ ~~- أنا سأقابل سويلم اليوم وسأسأله إن كان يوم الخمييس يوافقه وبعد ذلك كلمي أنت نعمات. # وقالت إلهام: يا سلام، وفيم كل هذا وكأنك تدعو شخصا لأول مرة، إنهم في كثير من الأيام يأتون بلا ~~عزومة، على كل حال أنا قلت رأيي وأنتما حران. # وقامت ms45 إلى حجرتها، وقال فؤاد: ما هذا الذي تقوله ابنتك؟ ~~- ربما يا أخي زهقت وتريد أن تعرف رأسها من رجليها. ~~- أيعني هذا أن نقول لهم تعالوا اخطبوا بنتنا. ~~- والله أنا الأخرى زهقت. ~~- ومن أجل هذا جريت إلى التليفون؟ ~~- إذا كان البنت تكلمت ألا نتحرك نحن؟ ~~- فكري قليلا في الأمر. ~~- والله لو كانوا أغرابا علينا لكان كلامك هذا معقولا، ولكن سويلم ونعمات أخوات. ~~- مهما يكن الأمر، إذا كان هما لم يتكلما. ~~- والله لك حق، ما الذي جعلهما لا يتكلمان. ~~- كل بيت له أسراره. ~~- إلا بيت سويلم، فليس فيه أسرار علينا أبدا. ~~- لكل بيت أسراره. ~~- على كل حال نحن وعدنا إلهام أن نتكلم وندعوهما. ~~- ألا نفكر قليلا؟ ~~- اسمع. ~~- ماذا؟ ~~- ما رأيك لو جعلناها مكالمة عادية؟ ~~- ما معنى عادية أنا أكلم سويلم يوميا وأنت تكلمين نعمات يوميا، ما عادية هذه؟ ~~- أقصد دعوة عادية. ~~- كيف؟ ~~- سترى. # قامت إلى التليفون ولكن فؤاد يقول لها: يا شيخة انتظري، انتظري حتى نتفاهم. ~~- نتفاهم في ماذا، أي عجيبة أن تدعو سويلم ونعمات ومجدي على العشاء، انتظر سترى. # وطلبت الرقم. ~~- ألو، نعمات، كيف أنت؟ اسمعي، فؤاد وأنا قلنا مرة واحدة كدا في نفس واحد لكم زمان لم ~~تتعشوا معنا، هل عندكم حاجة يوم الخميس، نتعشى معنا؟ وقولي لمجدي إذا لم يكن مرتبطا يأتي ~~يتعشى معنا أم ترى نفسه كبرت بعد أن أصبح مهندسا؟ مجدي ابني أكثر منك، أنا أمه وأستاذته، ~~سويلم بجانبك، اسأليه، عال، نحن في انتظاركم. # وأقفلت التليفون وهي تقول لفؤاد: هيه ما رأيك؟ ~~- لا بأس، والسلام. ~~••• # قال سويلم: ماذا سنقول لهم؟ ~~- وهل أعلم. ~~- الجماعة يستعجلون الخطبة. ~~- لهم حق، الولد أخذ الشهادة وعين أيضا ماذا ننتظر؟ ~~- وماذا قالت لك عن مجدي؟ ~~- بعيد عنك كلام جعلني في نصف هدومي، ابني وأنا أمه وأستاذته وكلام يجعل اللقمة تقف في ~~الزور. ~~- نعتذر. ~~- أمرك. ~~- وافرضي اعتذرنا هذه المرة ماذا سنفعل المرة القادمة؟ ~~- والله لا أعلم. ~~- اسمعي نحن نذهب ونقول لمجدي يأتي معنا، وكأن الأمور طبيعية وبعد ذلك أكلم مجدي مرة ~~أخرى وربنا يعمل ms46 ما فيه الخير . ~~- أمرك. ~~••• # كانت إلهام تعلم أن سويلم وزوجته ينامان في القيلولة ومجدي لا ينام، طلبت في القيلولة من ~~حجرتها متحرية ألا يسمعها أبواها. ~~- مجدي؟ ~~- نعم، من؟ إلهام، أهلا إلهام. ~~- اسمع يا مجدي أنتم مدعوون عندنا يوم الخميس. ~~- نعم أعرف. ~~- أريدك أن تأتي. ~~- هل هناك شيء؟ ~~- أنا أريدك أنت بالذات أن تأتي، أرجوك من أجل خاطري لا تعتذر. ~~- أنا كنت آتيا على كل حال. ~~- أعرف وإنما أردت أن أتأكد، أرجوك لا تعتذر لأي سبب. ~~- يا سلام يا إلهام أنت تعرفين مكانتك عندي ولا أستطيع أن أتأخر عنك مطلقا. ~~- أعرف هذا، شكرا يا مجدي هذا ما كنت أنتظر فعلا. ~~••• # جلس الجميع في انتظار العشاء وكانت تعده لهم الحاجة رشيدة، التي لا يغيب عنها خبر في بيوت ~~المنطقة كلها، فمطبخها منتدى الخدم الذين يجاورون العمارة جميعا، وفي هذا المطبخ عرفت ~~قصة سميحة كاملة بكل تفاصيلها، والحاجة رشيدة هي التي ربت إلهام منذ هي رضيع فهي لا تخفي ~~عنها شيئا. # كانت الأسرتان إذا اجتمعتا لا يجد الكلام فرصة يهدأ فيها، فالأخبار تتوالى بينهم ~~والتعليقات لا تكف عن كل شخص وعن كل موضوع. # أما في هذه المرة فالكلام يتعثر قبل أن يخرج والصمت يجد لنفسه مكانا متسعا، وبعد كل فترة ~~قصيرة يصيح سويلم وكأنه صاحب بيت: يا أمه رشيدة متنا من الجوع يا أمه رشيدة. # وفؤاد يتصايح معه في مزاح لا يجرؤ أن يكون طبيعيا، وتختلس إلهام وهي مدركة للموقف كل ~~الإدراك نظرة إلى مجدي فتجده متحرجا غاية في الحرج، فعلى وجهه وجمة تتشح لتكون تظاهرا ~~بالسرور، وعلى فمه ابتسامة يحاول أن يثبتها على شفتيه فتنفلت منه، تريد أن تغوص في أعماقه ~~مرة أخرى، ونعمات في سذاجتها الطيبة حائرة لا تعرف كيف تتصنع أي شيء، ومن ينعم النظر إليها ~~يجدها مستسلمة في خضوع لما يجري حولها لا تملك حولا ولا قوة، أما وهيبة فداخلة خارجة من ~~حجرة الاستقبال، توهم الجميع بأنها تساعد رشيدة في إعداد العشاء، وهي في الواقع لا تصنع ~~شيئا إلا ms47 المشي بلا غاية ، تحاول أن تجعله يبدو كأنه اهتمام بمن عندها من أعزاء فتفشل ~~محاولتها فشلا ذريعا. # ويأتي العشاء أخيرا ويتناولونه ازدرادا بلا حديث إلا تعليقات متناثرة، تؤكد الجو الحرج ~~الذي يخيم على الجلسة كلها وعلى من فيها جميعا. # ويعودون إلى الصالون وفي اهتمام شديد تقول إلهام: قهوة عمي سويلم يا داده رشيدة وشاي مجدي وقهوة بابا. # ويقول فؤاد في محاولة تظرف: حسبتك نسيت بابا. # وتقول إلهام في تلحين مازح: أنا أنسى الكل، أنسى الكل علشانك. # ويضحكون. # وتصيح إلهام: أخيرا. # وتقول وهيبة: أخيرا ماذا؟ # وتقول إلهام: أخيرا ضحكتم. # فتعيد هذه الملاحظة الوجمة إلى وجوههم جميعا. وجمة ذاهلة فقد تبين كل منهم أن تصنعه كان ~~مكشوفا. # وتقول إلهام: أنا منتظرة هذه الضحكة من الصبح لأتكلم. # ويقول فؤاد: تتكلمين؟ ~~- وأنتم جميعا ولا مؤاخذة تصمتون، أولا يا عمي سويلم أنا التي عملت هذه العزومة لأن ~~المسألة بينكم أصبحت مضحكة محزنة بشكل لا يمكن السكوت عليه. # وتصيح وهيبة: بنت! # وتقول إلهام: أرجوك يا ماما هذا الوضع لا بد أن ينتهي الآن وفورا، ولن أتكلم كثيرا حتى لا أعذبكم ~~أكثر من عذابكم، أي عفريت وسواس خناس جعلك أنت يا عمي سويلم وأنت يا خالتي نعمات وأنت يا بابا ~~وأنت يا ماما تظنون أن مجدي يريد أن يتزوجني أو أنني أريد أن أتزوج مجدي. # وتصيح وهيبة: إلهام! # وتمضي إلهام في حديثها كأنما لم تسمع شيئا: هل خلفتم أخشابا أم آدميين؟ أليس من حقنا ونحن من بني الإنسان الذي حمله ربه أمانة ~~الاختيار أن يختار مجدي عروسه وأختار أنا زوجي؟ من قال لكم إن اتفاقكم الهامس يسري علينا ~~ويجعل مجدي يختارني ويجعلني أنا أختار مجدي؟ مسكين يا مجدي ومسكينة يا أنا، ظللنا عمرنا كله ~~نتحمل إشاراتكم الخفية، والابتسامة ترتسم على وجوهكم إذا سألت مجدي عن امتحانه أو قدمت له ~~برتقالة على طعام، أو طلبت له فنجان شاي، وكنت أنا وهو نلاحظ هذا وتلتقي منا العيون رغم ~~أنفينا، ونصمت في ألم ونتحمل في صبر، وهو يعلم وأنا أعلم ms48 سخافة هذا الذي تصنعونه، ~~والحرج عنده أشد ألف مرة، مسكين! فهو رجل ولولا أنه يعرف مشاعري لكان لا يدري ماذا يفعل، فهو ~~رجل عظيم وإنسان حساس وكل المزايا فيه، ولكنني أنا لم أختره وهو لم يخترني، ربما كان ~~يختارني أو أختاره لو لم يشعر كل منا أنه مفروض على صاحبه، أنتم باتفاقكم السري وإشارتكم ~~التي كنتم تظنونها في غاية الذكاء، وهي لم تكن كذلك، أنتم الذين باعدتم بيننا، ثم كيف ~~يخطب هو أو أقبل أنا أن نتزوج ونحن نحس عمرنا كله أننا إخوة، بيته بيتنا أطلب فيه ما أشاء ~~من أكل وشرب وهو أيضا يشعر أن بيتنا بيته، ليست الأخوة صلة رحم فقط، وإنما كثيرا ما تكون ~~أقوى بطبيعة الصلة بين الناس بعضهم وبعض، مثل الأخوة التي بينكم أنتم الأربعة، كيف تتصورون ~~أن يتعلم مجدي في الجامعة وأتعلم أنا في الجامعة ثم تتحكمون أنتم فينا؟ النهاية أنا ومجدي ~~متفقان اتفاقا له الآن سنوات بعيدة، لا أذكر منذ متى ودون أن نتكلم، أننا لن نتزوج، فإذا ~~كان عندكم وسيلة لتزويجنا غصبا عنا فالأمر لكم. # وساد الصمت ولم ينبس أحد بكلمة، وقالت نعمات في رعونة وفي محاولة إنقاذ: مجدي قل شيئا. # وفي رجولة وثبات قال مجدي: لقد قالت إلهام كل شيء، وإن كان هناك ما أقوله فهو فعل لا قول. # وقام مجدي وأمسك بيد إلهام، وصافحها قائلا: أنت أشجع مني، وأنا أعرف أخلاقك العظيمة كل المعرفة، وإنما لم أكن أتصور أنك رائعة إلى ~~هذه الدرجة، أنا أحييك. # وقال سويلم: ولكن يا بني ... # وقال فؤاد وقد أحس أن الصلة بينه وبين سويلم عادت إلى طبيعتها: ولا كلمة يا سويلم، العيال علمونا درسا كان يجب علينا نحن أن نعلمه لهم، ولكن يا أخي ~~لا بد أن نعترف أن العلم شيء عظيم والثقافة قيمة كبرى، وأنا وأنت لم نتخرج في الجامعة، فأن ~~يعلمنا أولادنا أكرم لنا ألف مرة أن يعلمنا الأغراب. # ويضحك الجميع ويقول مجدي لأمه: الآن يا نينا تستطيعين أن تزغردي. ~~- تدهش نعمات. ~~- أزغرد! ms49 أزغرد على أي خيبة؟ # ويقول مجدي: زغردي أنكم أخوات كما كنتم دائما وأن أصغر عضو في الأسرتين حلت المشكلة بكل عقل وبكل ~~شرف، وحياتي عندك يا ماما زغردي. # وتزغرد نعمات ثم تقول: الأمر لله. # وتعود الأسرتان إلى مألوف عاداتهما من الضحك والتعليقات، ويحس الجميع أن السحابة أمطرت ~~ماءها ولم تصب أحدا بالبلل. # | الفصل الثاني عشر # قال علوان سلطان: حمدي ما أخبار فكري وألفت؟ ~~- يلتقيان كل ليلة. ~~- أتظنني لا أعرف هذا أما أنك عبيط، إنما يلتقيان في شقتي يا أستاذ. ~~- لا مؤاخذة، إذن فأنت تسأل عن ... عن ... ~~- عن مدى تعلقه بها. ~~- أظنه متعلقا بها كل التعلق. ~~- أنا أريده يجن بها. ~~- لقد قارب على هذا. ~~- إذن اسمع. ~~- تحت أمرك. ~~••• # قال حمدي لفكري: ألم يأت الأوان أن تقدم هدية لألفت؟ ~~- نعم، لكن من أين؟ أنت تعرف البئر وغطاه. ~~- البئر الذي تتكلم عنه لا ينفعنا. ~~- لقد ذكرتني، من أين لك كل هذه الأموال؟ بالأمس ألبست سعدية عقدا بألف جنيه، وأنا أعلم ~~أيضا أن أباك يعطيك مائتي جنيه كمرتب. ~~- مرتب أبي هذا يصلح لليلة واحدة ناشفة. ~~- فمن أين؟ ~~- أنا أشتغل. ~~- فيم؟ ~~- لا شأن لك. ~~- لا شأن لي أنا يا حمدي. ~~- ألم يقل لك هشام شيئا؟ ~~- لا. ~~- إنه يساعدني. ~~- منذ متى؟ ~~- من زمان حتى وهو في المدرسة. ~~- أيساعدك في الفراغ عند أبيك يا ابن المنجد. ~~- قبل أن تقل أدبك اسأل. ~~- أنت لا تريد أن تجيب. ~~- الليلة نلتقي عند علوان بك. ~~- وهو كذلك. ~~- قل لي، هل كلمك أبوك أو كلمتك أمك عن السهر؟ ~~••• # قالت وهيبة: أمعقول هذا يا فؤاد الولد سهران كل ليلة لوش الصبح؟ # ويضحك فؤاد: أي ولد؟ ~~- عجيبة. ~~- حسبتك تقصدين فكري. ~~- يا رجل أتستعبط، طبعا أقصد فكري، وهل عندنا ولد غيره. ~~- إذن فأنت العبيطة. ~~- أنا؟ ~~- فكري لم يصبح ولدا، فكري زملاؤه تخرجوا في الجامعة وهو الآن يعمل تاجرا، وفكري ليس ~~متزوجا ولا هو مرتبط بمذاكرة، فإن لم يسهر فماذا يصنع؟ هذا هو الطبيعي. ~~- الطبيعي! هذا هو الطبيعي، لقد ظللت بعد زواجك الأول إلى سن الأربعين ms50 أعزب في بيت أبيك، ~~أكنت تسهر كل ليلة؟ ~~- لو لم تكوني خريجة جامعة لما دهشت لما تقولين، الزمن غير الزمن، أنا ظللت إلى أن مات ~~أبي لا أجرؤ على التدخين أمامه، وكنت رجلا وتجاوزت الأربعين وعندي المحروس فكري، الآن ~~الآباء يصبون الويسكي لأولادهم. ~~- ولكنني أخاف عليه. ~~- أتخافين على رجل مكتمل. ~~- أتصدق أنني لا أستغرق في النوم إلا إذا جاء هو؟ ~~- أصدق لأنني مثلك ولكن ماذا نفعل؟ ~~- نقول له. ~~- وإذا تبجح في الكلام وقال أنا رجل وأنا حر؟ ~~- ألا يأخذ مصروفه منك؟ ~~- طظ، إنه يستطيع من بكرة أن يعمل مع حمدي الفنجري ولا يحتاج إلي ولا إلى مصروفي، اسمعي ~~يا وهبية، التجارة علمتني أن العملية التي لا أقدر عليها، أتظاهر بأنني لا أعرف عنها ~~شيئا. ~~- تقصد؟ ~~- أقصد أن نتظاهر أننا نظن أنه يأتي إلى البيت بعد نومنا مباشرة. ~~- أيصلح هذا؟ ~~- أولا يصلح، وهل نملك شيئا آخر؟ # وتطرق وهيبة في أسى وهي تقول: لا، فعلا لا نملك شيئا آخر. ~~••• # قال علوان: أهلا فكري باشا. ~~- إذا قلت لي أنت يا باشا فماذا أقول لك؟ يا سمو الأمير! # ويضحك علوان ملء فمه ويقول: أنا أريدك باشا فعلا. ~~- أنا طوع أمرك. ~~- أنت تذهب كل ليلة إلى الكباريه. ~~- نعم. ~~- لا تعجبني جلستك هناك. ~~- لماذا يا سعادة البك هل عملت شيئا؟ ~~- الذي لا يعجبني أنك لا تعمل شيئا. ~~- مثل ماذا؟ ~~- عقد ورق لهذه الراقصة، هدية لهذه المغنية، تحية لهذا، كأس ويسكي لآخر. ~~- ولكن يا سعادة ... ولكن ... ~~- أعلم، اسمع، أنت وحمدي ستذهبان غدا في عملية من أجلي ستتم، وتعال قابلني ~~بعدها. ~~- أمرك. ~~- واسمع. ~~- نعم. ~~- خذ هذا أبقه معك. ~~- ما هذا يا سعادة ... ~~- مفتاح الشقة التي تذهب إليها كل ليلة دون رحمة أو شفقة، لدرجة أن الشقة كادت تقدم لي ~~استقالة، فهي ليست متعودة على العمل يوميا، أبق المفتاح معك، فقط اسمع. ~~- نعم. ~~- يكون معك دائما لأنك لا تأمن أن أطلبه منك على غير انتظار. ~~- أمرك يا سعادة البك وألف شكر، أطال الله عمرك. ~~- مع السلامة. ~~••• # في السيارة قال ms51 فكري: علوان بك بحاله يحتاج إلى سيارتي المسكينة هذه. ~~- كل الحاجة. ~~- أنا أعتقد أن عنده بدلا من السيارة عشر سيارات. ~~- وعشرين إذا أراد. ~~- إذن فما حاجته إلى ... ~~- سيارة لا يعرفها أحد. ~~- ماذا؟ ~~- ألم تسمع؟ ~~- سمعت ولكن ما زلت مندهشا. ~~- سيارتك باسم شخص ابن تاجر كبير واسمه لا يمكن أن يتطرق إليه شك. ~~- شك فيم؟ إلى أين سنذهب؟ ~~- ألم تفهم؟ ~~- الآن أكاد أفهم. ~~- إذن. ~~- مصيبة! ~~- وأي مصيبة في هذا؟ ~~- جناية، أشغال شاقة مؤبدة! ~~- كلام فارغ. ~~- استعملتها كثيرا وعلوان بك يريدها أن تختفي بعض الوقت. ~~- ألا تخاف يا حمدي؟ ~~- إذا خفت أحرم من هذه الحياة التي أعيشها، والتي لم يصل إليها أبي أو أبوك إلا بعد أن ~~شاخ كل منهما وأصبح لا يعرف كيف يعيش. ~~- ولكن أبي وأباك يعيشان في أمان. ~~- الدنيا مغامرة والفلوس إذا لم تأت إليك وأنت في عز الشباب فلا داعي لها. # وسكت فكري لحظات ثم قال: عندك حق. ~~- أتدري كم آخذ في العملية الواحدة؟ ~~- كم؟ ~~- خمسة آلاف جنيه. ~~- يا نهار أسود. ~~- وأنا؟ ~~- ستأخذ مثلي وربما تأخذ أكثر في أول عملية. ~~- لم أمسك مثل هذا المبلغ في حياتي. ~~- ستمسكه وترميه أيضا. ~~- قل لي أين هشام؟ ~~- لا أدري، له أيام لم يكلمني، وكلما سألت عنه قال أبوه إنه مسافر. ~~- عجيبة، أنا أيضا لم أره منذ بضعة أيام. # | الفصل الثالث عشر # حين عين مجدي بالسكة الحديد كان طبيعيا، وقد عرفوا أنه يسكن المعادي، أن يعمل مهندسا ~~بخط حلوان، وكان طبيعيا أن يلتقي بالأستاذ درديري إسماعيل المسئول الإداري عن قطع الغيار ~~التي لا يستطيع مهندس أن يعمل بدونها، وكان طبيعيا أيضا أن يتحدثا معا عن الأصدقاء ~~المشتركين لكليهما، وعرف الأستاذ درديري أن مجدي يعرف ابنه وأنهما كانا في مدرسة واحدة، ~~وأحس مجدي الفيجعة التي يشعر بها الأستاذ درديري أن ابنه يتعثر في المدارس، وأنه حين نال ~~الثانوية العامة نالها بلا مجموع، وأنه إما أن يعيد السنة أو يبحث عن معهد، ويقول ~~درديري: بعيد عنك يا باشمهندس التأم مع اثنين صائعين لا يتركهما ms52 ولا يتركانه. # ويقول مجدي: تقصد فكري فؤاد وحمدي الفنجري. ~~- قطعا. ~~- ولكن هذين لهما أبوان يستطيعان أن يجعلاهما يعملان بالأعمال الحرة. ~~- ولهذا جاءني منذ كم يوم يقول لي إنه سيعمل مع الولد الفنجري، فانفجرت فيه يا باشمهندس ~~وأقسمت بالطلاق إنني إن سمعت اسم واحد منهما في البيت، سأطرده وأجعله يضيع في الشوارع. # وقال مجدي: ألم تتعجل بعض الشيء يا عم درديري؟ ~~- مطلقا. ~~- ألا تخشى أن يعمل مع الفنجري ويترك البيت فعلا؟ ~~- يا نهار أسود ... فعلا ... الولد لم يطلب حتى مصروفا منذ أكثر من شهر ... فعلا. ~~- خففت الوطأة عليه بعض الشيء. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله، إذن من أين يأتي بالفلوس؟ ~~- ألا تعرف، أغلب الأمر أنه يعمل مع صديقه، وأي بأس في ذلك؟ المسألة لا تستاهل كل هذا ~~الغضب. ~~- يعمل مع صديقه؟ وهل صديقه يعمل ... إنه ضائع يأخذ مرتبا من أبيه بلا عمل، هذا لأنه أبوه ~~... أتراه سيعطي ابني هو أيضا بلا عمل؟ ~~- ولماذا بلا عمل يا عم درديري ... قد يكون حمدي رجا أباه من أجل صديقه، واشترط الأب أن ~~يعمل هشام. ~~- على الله ... على الله ... على كل حال بلاء أخف من بلاء. # | الفصل الرابع عشر # أقيم فرح رائع للمهندس مجدي أبو الروس نجل الوجيه الأمثل سويلم أبو الروس على ذات الصون ~~والعفاف الآنسة سميحة فريد كريمة السيد الأستاذ فريد عبد القادر، وازدحم المكان بالمدعوين ~~يستقبلهم فريد وسويلم وفؤاد وزوجاتهم، فوهيبة ما زالت تعتبر أن الفرح فرح ابنها، وتمت الزفة ~~ودقت الطبول والمزامير وقدم الفنانون ما لديهم، ولكن في هذا الزحام رجل يجلس لا يحس من ~~حوله شيئا، الدنيا حوله دوار والفرح ضجيج والحياة يأس والغد سواد، وهو يريد أن يقول ما جاء ~~من أجله ويمضي، ولكن هيهات وكيف له أن يصل إلى ما يريد. # زحام هو الفرح، والعريس والعروس دمى تحركهما أيد يعرفانها ولا يعرفانها، وكل من في الفرح ~~يجد له شأنا يلهيه. # يتصل الحديث إن هدأت الموسيقى وينقطع إذا هدرت، إلا ملحوظة عابرة أو نكتة رفضت أن تنتظر ~~الهدوء، ms53 ولكن الرجل لا يكلم أحدا ممن حوله ولا حتى زوجته، فهي لا تدري أنه جاء لمهمة، ~~وإنما تظن أنه لبى دعوة زميله في العمل وأبى أن يتخلف، وكلما ازداد الفرح إمعانا في ~~السعادة ازداد الرجل إمعانا في الشقاء، والأستاذ درديري إسماعيل لم يأت من أجل الفرح ولا ~~من أجل أن يهنئ زميله مجدي، ولا ليرفه عن زوجته التي لا تكاد تخرج، لشيء آخر بعيد كل البعد ~~عن هذا جميعا، جاء دردير وكان شأنه عجبا، كيف تصورت أنني سأستطيع أكلمه اليوم أهذا معقول، ~~أيمكن أن أكلمه في أمر كهذا في فرح هو فيه العريس، أليس الأجدى أن أقوم الآن، يا ليلة ~~سوداء أقوم إلى أين، وإذا قمت أين أجده بعد هذا، لا يعقل أن أكلمه الليلة وهو عريس، ~~فالمستحيل المؤكد أنني لن أكلمه غدا، وأين يمكن أن أكلمه غدا ثم هو بعد ذلك في شهر العسل، ~~عسل أسود، والرجل ما ذنبه، أكان لا بد أن يتزوج الليلة، الليلة بالذات، الليلة التي عرفت ~~فيها الحقيقة السوداء، كله أسود والدنيا كلها سواد، في أفراحها سواد وفي صباحها سواد وفي ~~مستقبلها سواد، أهذا جزائي، كل هذه السنوات من الطهارة وعفة اليد والسمعة الكريمة. # نحن جيل لا مثيل له في سوء المصير، استقبلنا شبابنا في الظلام حين فرضت الحرب منع ~~الإضاءة، وحين انتهت الحرب العالمية دخلنا نحن حرب 48، وحين انتهت جاءت الثورة فتعلقت بها ~~آمالنا، فإذا هي تخذلنا في الحرية أعز آمالنا، ثم أفقرت الأغنياء ولم تغن الفقراء، وهاجمت ~~السرقة وعدم الأمانة وكان رجالها من أكبر رجال العصابات في السرقة وعدم الأمانة، وقلبت ~~القيم عند أبنائنا وأصبحت عفة اليد والسمعة الكريمة التي أتغنى بها خرافة عند ابني، ما دمت ~~لا أستطيع التغني بالشرف بالأموال الطائلة، وجيلنا نحن أغلبه عرف الشرف قيمة يلتزم به؛ لأنه ~~جزء من كيانه وخلقه لا يتصنعه أو يرغم نفسه عليه، بل هو جيل في أغلبه يتصور أن الشرف هو ~~الأصل والجريمة استثناء في خلق المجتمع لا أصل فيه، ويضحك أبناؤنا من ms54 أفكارنا، ونتقزز نحن ~~من أفكارهم فلا هم قادرون على قبولنا ولا نحن قادرون على فهمهم، وكنت تعلقت بأمل أن يتثقف ~~ابني ويعرف أن الشرف غاية في ذاته، وليس من الحتم أن يكون وسيلة، وأن الشريف يستطيع أن يكون ~~شريفا دون أن ينتظر على شرفه جزاء أو شكرا؛ لأنه نال الجزاء براحة الضمير وهدوء النفس ~~وأمن المشاعر، ولكن ابني رفض الثقافة أيضا، وكان أملي الوحيد أن تنقذه من السمات الغالبة ~~على جيله، وكان هذا الذي جئت من أجله إلى هنا، وكان مجيئي نوعا من السذاجة فقد ظننت في ~~سذاجة أن الإنسان يمكن أن يكلم عريسا في يوم فرحه، إنها على كل حال تجربة لم أحاولها من ~~قبل، ففي كل الأفراح التي حضرتها أخيرا كنت أدخل مع الداخلين وأخرج مع الخارجين، ولا يدور ~~بذهني أن أكلم العريس، فمنذ قرابة عشر سنوات لم أحضر فرحا العريس فيه هو الصديق الداعي، ~~إنما يكون الداعي دائما أبوه، فكيف كنت أتصور أنني سأفشل هذا الفشل، وما العمل الآن؟ لا ~~شيء إلا الصبر، وهل أستطيع؟ وهل نملك شيئا آخر؟ فما بقائي الآن؟ أما الفرح فلا يصلح لي ~~وأما الضجيج فكارثة بالنسبة لي، وأما العريس فلن أستطيع محادثته وحسبي الله ونعم ~~الوكيل. ~~- قومي يا روحية. ~~- إلى أين يا درديري؟ ~~- إلى بيتنا. ~~- ونترك الفرح؟ ~~- وهل سنرقص فيه؟ لقد دعينا فأجبنا وجاملنا زميلنا. ~~- ففيم كان لبسي وتجميلي؟ ~~- اغسلي وشك يروح كل شيء لحاله، قومي بنا. ~~••• # كانت ألفت ضمن الراقصات في الفرح، واستطاع فكري أن يخلو إليها لحظات. ~~- متى سترقصين؟ ~~- الآن. ~~- ثم؟ ~~- سأذهب إلى الكباريه. ~~- الليلة أبي وأمي سيسهران هنا حتى الصباح أنتظرك في الشقة؟ ~~- الليلة لا يمكن. ~~- لماذا؟ ~~- عندي موعد آخر. ~~- ماذا؟ ~~- ماذا؟ ~~- ماذا تقولين؟ ~~- لا شك سمعت. ~~- ألا تخجلين؟ ~~- مم؟ ~~- ألا تقدرين هذا الذي تقولين؟ ~~- أولا لا ترفع صوتك، وكلمة أخرى سأتركك أو سأفضحك. # وهمس في غضب مجنون: أمعقول هذا؟ ~~- ألم تعرف صنعتي من أول يوم؟ ~~- راقصة. ~~- وحين ذهبت معك إلى الشقة كنت راقصة؟ اسمع، الكلام هنا مستحيل. ~~- لا ms55 يمكن أن تذهبي إلى موعد الليلة. ~~- أكنت تعتقد أنك الوحيد طوال هذه المدة؟ أما عجيبة، غدا، غدا ألقاك في الشقة. مع ~~السلامة. # وتركته ومضت، بنت الكلب كيف تجرؤ، منذ يومين فقط أحضرت لها هدية بخمسمائة جنيه، وتقول ~~إنها تحبني، أي نوع من الحب هذا، بنت الكلب، لا أراها بعد ذلك أبدا، النسوان أمثالها على ~~قفا من يشيل، بنت الكلب ولكني أريدها هي، أحبها، وهي تعلم، وكيف سأراها غدا؟! لن أذهب ~~إليها، وماذا يهمها هي، إن ذهبت أو لم أذهب، ما بقائي في الفرح الآن، إنه عندي أصبح مأتم ~~حبي. عامل لي أديبا يا حبيبي، حبك لم يمت ولكنك لم تعرف الغيرة قبل اليوم والله لا يمكن، ~~لا يمكن أن أسمح لها أن تلعب بي مطلقا، كيف أستطيع أن أتحكم فيها، أقتلها، هائل، وما له ألم ~~تصبح مجرما محترفا، نترقى ونصبح قتلة أيضا، هائل، سترى. سترى بنت الكلب. ~~••• # هذا الفرح وهذه السعادة على وجه العروسين أنا التي صنعتها، أنا وحدي التي جعلت هذا الفرح ~~قائما معلنا، لا يتخفى ولا يحزن فيه أهله ولا أهلي، لم يكن مجدي بالنسبة لي حبيبا. كان ~~يمكن أن يكون عريسا ولم أرفضه في أول الأمر ولم أقبله؛ لأنني مع أهلي أخذت الأمر قضية ~~مسلما بها، ولكن ما لبثت أن أفقت على الحقيقة، لقد كنت أرى تقربه لسميحة وتقربها له، ~~وانتظرت لأن الكلام في الزواج كان في غير موعده على كل حال، وحين نال مجدي الشهادة أدركت ~~أنني لا بد أن أعلن رأيي، فقد كنت أصبحت موقنة أنه يحب سميحة وأنها تحبه، ولم أشعر أنا ~~نحوه إلا بمثل حبي لفكري أخي لا أكثر، ولا أظن أن الحب يمكن أن يكون كذلك، إن ما صنعته لم ~~يسمع أحد بمثله، وما أظن أنني سأكون سعيدة في يوم فرحي سعادتي اليوم بنظرات العروسين لي ~~كلما التقت منا النظرات، أرى في ضيائها الوضيء الشكر والحب والعرفان والإعجاب، أي شيء أجمل ~~من كل هذا. # | الفصل الخامس عشر # قبل أن تجلس سألها: هل ms56 ذهبت إلى موعد الأمس؟ # وجلست في هدوء وأشعلت سيجارة وقالت: اسمع أنا لم أذهب إلى موعد الأمس؛ لأنني أحبك ولم أرض أن أكسر كلامك. ~~- هل متأكدة أنك لم تذهبي؟ ~~- أنت غبي. ~~- هل جننت؟ ~~- لو كنت أكذب عليك ما قلت لك بالأمس إنني ذاهبة إلى موعد، هناك آلاف الأعذار. أستطيع أن ~~أختلقها. ~~- لك حق، ربنا يطيل لي عمرك. ~~- لا، انتظر، الأمر لم ينته بعد. ~~- كيف؟ ~~- أتظن أنني لن أذهب إلى مواعيد أبدا. ~~- إذن تنوين أن تذهبي؟ ~~- لا شك في هذا. ~~- أهذا معقول؟ ~~- هذا أكل عيش. ~~- ألا يكفيك الكباريه؟ ~~- فكر في الكلام الذي تقوله، أي شيء يمنعني الآن أن أقفل في وجهي بابا من رزق ~~مفتوحا على مصراعيه، ما الذي يمنعني؟ ~~- الحب. ~~- الماذا؟ ~~- الحب طبعا. ~~- وما شأن الحب بهذا، الحب في القلب، وأنا أحبك الآن ولكن لا أدري غدا ما مصير هذا ~~الحب. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أعني أنك ما دمت لست بزوجي فأنا عرضة لأن أحب غيرك طبعا، حبي لك الآن هواية، ولكن أنا ~~امرأة، الحب عندي حرفة ولا أدري ربما أجد هوايتي مع شخص آخر. ~~- إذن فأنت تريدين الزواج؟ # إذن أنا الذي أريد؟ ~~- نعم أنت. ~~- أنا؟ ~~- طبعا أنت. ~~- هل يمكن هذا؟ ~~- هذا شأنك، يمكن أو لا يمكن هذا شأنك أنت، فأنا لم أطلب منك شيئا. ~~- وهذا الذي تقولينه؟ ~~- الحقيقة. ~~- حقيقة سوداء. ~~- سوداء أو بيضاء. ~~- ما هي هذه الحقيقة؟ ~~- الحقيقة أنني لا أمانع أن تستمر علاقتنا على ما هي عليه. ~~- وتمتنعين عن لقاء غيري؟ ~~- أقول لك على ما هي عليه، وأنا ألتقي مع غيرك لأن هذه هي طبيعة حياتي، إذا أردت أن تغير ~~حياتي فلا بد أن يكون هناك سبب معقول. ~~- أتزوجك؟ كيف؟ ماذا أقول لأبي ولأمي؟ ~~- هذا ليس شأني. ~~- اسمعي اتركي لي فرصة لأقول لهما. ~~- أنا تحت أمرك لكن إلى أن تقول لهما تظل العلاقة على ما هي عليه. ~~- لا يمكن، مستحيل. ~~- اسمع يا فكري كن عاقلا وفكر كما يفكر الرجال، إذا أردت الصلة بيننا أن تستمر كما هي نلتقي ~~كلما سنحت ms57 فرصة، وبعد ذلك أنا حرة وأنت حر أنا تحت أمرك. تريدني أن أكون لك فقط لا بد أن ~~يكون هناك سبب أبرر به لنفسي انقطاعي عن مورد ضخم من مواردي. ~~- ألا أقول لأبي وأمي؟ ~~- ماذا ستقول لهما؟ ~~- أننا سنتزوج. ~~- وماذا سيقولان، حين تقول لهما سأتزوج راقصة أعاشرها معاشرة الأزواج دون زواج، ماذا ~~تنتظر أن يقولا؟ ألف مبروك ربك يهنيك بها ونريد منكما الأحفاد. # وصمت فكري فترة ثم قال: طبعا لا يمكن. ~~- إذن؟ ~~- إذن. ~~- إذا كنت أنت مقتنعا بالزواج نتزوج ثم نجعلهما أمام الأمر الواقع. ~~- وهو كذلك، قومي بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- نتزوج. ~~- وأين سنعيش. ~~- أليس عندك شقة؟ ~~- افرض، أترضى أن تعيش في شقة كنت ألتقى فيها بغيرك. ~~- مؤقتا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- اسمعي، أنا عندي فكرة. ~~- ما هي؟ ~~- قومي بنا. ~~••• ~~- سعادة البك. ~~- نعم يا فكري باشا؟ ~~- أنا عرفت ألفت في بيتك فمن حقك علي إذا أردت الزواج منها أن أخطبها منك. ~~- صحيح ألف مبروك، ألف مبروك يا فكري، هل أنت موافقة يا ألفت؟ طبعا موافقة وإلا لما ~~كنت أتيت معه، الليلة تتزوجان هنا، وأقيم لكما الفرح وتعتذرين الليلة عن الكباريه، أنا ~~الذي سأعد الفرح بنفسي، والشقة تحت أمرك. ~~- أطال الله عمرك. ~~- حتى تعد لنفسك شقة، أنت الآن تكسب ألوفا. # وتقول ألفت: وأنا سأؤجر شقتي مفروشة. ~~- لا يخشى عليك يا بت. كيف استطعت أن توقعي الولد في هذه الفترة البسيطة، لا تقولي شيئا، ~~هو الملعون الحب، عرفته. # ويقول فكري: إنك يا بك تصنعه على يدك، وهل في العالم من يعرفه مثلك؟ ~~••• # تم الزواج وحين رجع فكري إلى البيت كان صوت المؤذن يصيح بالناس «الصلاة خير من النوم»، ~~ولحقت به أمه بعد أن خلع الجاكتة. ~~- سهران للفجر يا فكري؟ # وفي سرعة وذكاء وجد نفسه يقول: أنا أبدا، إنني ألبس لألحق بصلاة الفجر. # وفغرت وهيبة فاها: ماذا؟ منذ متى؟ ~~- منذ الآن يا ماما، كنت بالأمس في حضرة وتبين لي أن صلاة الفجر تنشط الإنسان، وتجعله ~~مبروكا في كل ما يقوم به من عمل أثناء يومه. # وصمتت ms58 قليلا ثم قالت : وهل قالوا لك في الحضرة إن صلاة الفجر جائزة بغير وضوء. # وضحك فكري ضحكة مغتصبة، وأسعفه ذكاؤه: أهذا كلام يا ماما، سأتوضأ في الجامع حتى لا تفوتني صلاة الجماعة. # وأدركت وهيبة كذبه ولكن حلا لها أن ينزل بنفسه ما أراد لها من عدم النوم فقالت: يا بني ألف مبروك، سأوقظك كل يوم لتصلي إن شاء الله. # وصرخ فكري: لا، في عرضك، أنا سأضبط المنبه في الأيام التي لا أكون منهكا فيها، إن الله غفور ~~رحيم. ~~- هذه هي الصفة الوحيدة التي تعرفها، على كل حال لا بأس ما دمت تعرف صفة من صفات الله، مع ~~السلامة يا بني. ~~- مع السلامة يا ماما. # | الفصل السادس عشر # مر على فرح مجدي عشرة أيام ثم لم يستطع دردير انتظارا وطلب سويلم بمحل تجارته: صباح الخير يا أفندم أنا دردير إسماعيل. ~~- أهلا وسهلا سعادة البك، أنا أعرف سعادتك من مجدي. أهلا وسهلا. ~~- مجدي أخذ إجازة خمسة عشر يوما. ~~- نعم يا أفندي. ~~- أينوي أن يقضيها كلها بالإسكندرية؟ ~~- والله هو ينوي ذلك إنما إن كنت تريد نطلبه. ~~- لا أبدا شكرا، أنا فقط أردت أن أطمئن عليه، طبعا هو بيكلم سعادتك. ~~- كل يومين أو ثلاثة. عريس كما تعلم سعادتك والعقبى لأبنائك. ~~- ربنا يهنيه ويسعده ويبارك لي فيه. ~~- ألف شكر يا سعادة البك. # المكالمة لا تحتمل أكثر من هذا ولكنه لم يخرج منها بشيء، اضطر أن يبحث عن شيء فوجد نفسه ~~يقول: المسألة إن فيه ورقة هامة كنت أريد أن يوقع عليها. ~~- وما له تحت أمرك، أرسلها إلي وأنا أرسلها مع أحد عمال المحل. # لا حول ولا قوة إلا بالله ماذا أقول له الآن؟ النهاية الأمر لله. # قال درديري: أبدا أبدا، حضرتك فقط قل لي اسم الفندق وأنا أرسل ساعيا من عندنا. ~~- هو في فندق فلسطين بالمنتزه. ~~- ألف شكر يا سيدي ألف شكر، السلام عليكم. ~~••• # كان مجدي يستعد للقيلولة حين دق جرس التليفون في حجرته، وأخبره الفندق أن الأستاذ درديري ~~إسماعيل يريد أن يكلمه، وحين أوصله ms59 به: أهلا درديري بك مرحبا. ~~- لا عليك يا مجدي يا ابني أنا أقلقت راحتك، ألف مبروك مرة أخرى. # ودهش مجدي، أيطلبه من القاهرة ليقول له ألف مبروك وهو قد حضر الفرح؟! أدرك أن الأمر أكبر ~~من هذا بكثير. ~~- يا أفندم أطال الله عمرك. ~~- أنا أريدك يا مجدي. ~~- أجيء إلى القاهرة. ~~- أنا يا ابني هنا عندك في الفندق وأريد أن أكلمك وحدنا. ~~- لحظات وأكون معك. ~~••• ~~- أكذب لو قلت لك إنني جئت إلى الفرح لأهنئك. ~~- خير يا درديري بك؟ ~~- بل ليس خيرا مطلقا. ~~- ماذا؟ ماذا حدث؟ ~~- يوم فرحك كنت أبحث لنفسي عن رباط عنق يليق بالفرح، لم أجد عندي قلت في نفسي طبعا هشام ~~عنده كل أربطتي، ذهبت إلى دولابه وفتحته بمفتاح معي فانفتح، وأخذت رباط العنق وهممت أن أقفل ~~الدولاب، ولكنني وجدت قمصانه مرتبة ترتيبا غير منسجم، فوضعت يدي عليها بصورة عفوية فسمعت ~~صوتا لا يتأتى من قماش، المهم، وجدت في دولاب هشام سبعمائة جنيه يا مجدي يا ابني، ربنا ~~يعلم ما ألم بي، لم أستطع أن أقول شيئا لأمه، ولم أستطع أن آخذ المبلغ وأسأله لأنه سيكذب ~~علي، وجئت لك الفرح خصيصى لأسألك عما تعرفه عن نشاط فكري وزفت الآخر، لم أستطع أن أنال ~~لحظة معك. ~~- أنا آسف يا عم درديري. ~~- وأنت ما ذنبك، رجعت إلى البيت ولم يغمض لي جفن حتى الصباح، وتركت العمل وتبعت الولد دون ~~أن يشعر، المهم عرفت أنه وفكري وحمدي متصلون بشخص غاية في الثراء، لي ابن عم في الشرطة، ~~تظاهرت أنني أزوره لغير غرض، فعرفت أن الشخص الذي يعرفونه واسمه علوان سلطان من أكبر ~~تجار المخدرات، وأنه يستغل الشباب الذي لا يدل مظهره على أية شبهة، وعلمت أيضا أنه يعمل ~~تاجرا في الرقيق الأبيض. ~~- يا خبر أسود! ~~- من جهتي أنا رجعت إلى البيت ووجدت الفلوس في مكانها، انتظرت الولد حتى جاء ~~وضربته. ~~- ضربته؟ ~~- بالحذاء. ~~- وهو ماذا فعل؟ ~~- هددته أنني سأبلغ عنه وعن علوان، ورأى في عيني الجد وفعلا كنت أنوي أن أفعل ذلك، أنا ms60 ~~عشت عمري كله أضيق على نفسي وعلى زوجتي وعلى ابنتي والولد لأكون شريفا، إذا كان هذا الولد ~~سيلوث اسمي ليذهب في ستين داهية، شرفي ومستقبل أخته وسلام بيتي أهم منه، أمرته أن يذهب إلى ~~البلد ويعيش مع عمته حتى أرسل له. ~~- وأطاع؟ ~~- لو لم يكن يخشى أن أبلغ عنه ما أطاع، الفلوس في متناول يده وعلوان عنده. أطاع غصبا عن ~~عينيه وسافر. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله، أتظنني أجهل هذا، أتظن أنني جئت إليك من مصر خاصة لمجرد أن ~~أحكي لك. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- الولدان الآخران. ~~- ما شأنهما؟ ~~- فؤاد أبو فكري طبعا لا يعرف شيئا وكذلك الولد الآخر، وأنا لا أعرفهما، وأخشى أن يضبطا ~~ويذكرا اسم هشام. ~~- الله! لقد نبهتني. ~~- ألم تكن تنبهت؟ إذا أنا ذهبت إلى فؤاد وأخبرته ما الذي يجعله يصدقني، وحتى لو صدقني ~~كيف أجابه الرجل على غير معرفة وأفجعه هذه الفجيعة؟ ~~- لا عليك، ربنا معك، اترك الأمر لي. ~~••• # قال لزوجته: لا بد أن نسافر إلى مصر. ~~- خير يا مجدي؟ ~~- ستعرفين حين أجد الوقت مناسبا، ولكن من حقك أن تعرفي أنها مسألة لا تمسني شخصيا، ولا ~~تمس أي شخص يهمك، وكل ما أرجوه منك أن تثقي في. ~~- أأعطيك حياتي كلها ولا أثق فيك، أنا تحت أمرك. # دهش سويلم وهو يرى ابنه وزوجته داخلين إلى البيت، وحاول أن يخفي دهشته ولكن نعمات لم ~~تستطع: حسبت أنك ستمد الإجازة خمسة عشر يوما، خيرا يا بني، خيرا يا سميحة. # وضحكت سميحة وقالت: ابنك رجل مهم كل الأهمية، رئيسه طلب منه أن يقطع الإجازة. # وقال سويلم وهو يحاول أن يجد سببا لهذه العودة المفاجئة: فعلا لقد كلمني في المحل. # وقالت سميحة: ألم أقل لك يا ماما؟ # ولم يستطع مجدي أن يقول لأبيه شيئا، وإنما صعد إلى شقته وقضى الليلة. وفي الصباح ذهب ~~إلى أبيه في المحل، وروى له كل ما عرفه من درديري، ولم يتكلم سويلم وإنما أخذ ابنه فورا ~~إلى محل فؤاد وانتحى ms61 به ناحية. ~~••• # وجد فؤاد في دولاب ابنه ألفا وخمسمائة جنيه، ولم يعد فكري في الظهيرة وظل ساهرا خارج ~~البيت حتى الثانية صباحا، وحين عاد فوجئ بأبيه وأمه جالسين في غرفة المعيشة ينتظرانه ~~وتوجس. ~~- خير يا بابا؟ خير يا ماما؟ # وأخرج فؤاد النقود وألقى بها على المنضدة أمامه. ~~- ما هذا يا فكري؟ # وارتمى فكري على أقرب كرسي وصمت قليلا، ثم استجمع شجاعته، لقد كان ينوي أن يخبرهما ~~بزواجه والآن جاء الوقت: أعيب أن أتاجر؟ ~~- في المخدرات! ~~- في أي شيء. # وصاحت وهيبة: في أي شيء يا فكري، حتى في البشر؟! ~~- الفلوس فلوس مهما يكن الطريق الذي جاءت منه. ~~- إذن تعمل قوادا. ~~- لا أحتاج إلى هذا. ~~- الذي يتاجر في السموم يتاجر في البشر، مثل علوان سلطان سيدك. ~~- أنا ليس لي سيد. ~~- إذن السهر حتى الصباح في التجارة والكباريهات. ~~- أنا متزوج. # وصعق الأبوان وتمالكت وهيبة نفسها، وقالت: ماذا؟ ~~- أنا متزوج. ~~- عاهرة طبعا وإلا كنا خطبناها لك، عاهرة! ~~- إن الله غفور رحيم وقد تابت. # ساد صمت طويل ثم قال فؤاد: تخرج الآن من هذا الباب، ولا تعد إليه إلا في واحدة من اثنين، إما أن تكون طلقت زوجتك ~~وتركت تجارتك إلى الأبد، وإما أن أكون أنا ميتا. # وفي حسم قالت وهيبة: وأكون أنا أيضا مت، لست أما لقواد. # وقال فؤاد: أسمعت؟ # وأطرق وهو يقول: نعم. ~~- ففيم انتظارك، اخرج، وإذا مت قبل أن تعود إلى الطريق الذي سرنا جميعا فيه، والذي ~~يسير فيه خلق الله الأشراف، فستجد أنني لم أترك لك مليما واحدا من مالي. # وأكملت وهيبة: ولا مالي أنا أيضا. # وصاح فؤاد في لهجة حاسمة قاطعة: امش لا تدخل هذا البيت ولا تجلس فيه لحظة واحدة! # وقام فكري وخرج. ~~••• # بعد أيام ثلاثة كان سويلم ومجدي يجلسان إلى فؤاد ووهيبة في بيتهما. # وقال فؤاد: أنا كتبت نصيب فكري باسمك يا مجدي. # ووقف مجدي صائحا: ماذا؟ # وقال فؤاد في هدوء: اقعد واسمع، إذا حدث لي شيء وظل فكري على ما هو عليه يظل المال باسمك، ولا تعطه ms62 منه ~~مليما واحدا ، وإذا عرفت وتأكدت أنه رجع عن المصيبة التي هو فيها، لك أن تعطيه المال ~~والريع، والغالب أنه لن يرجع، والغالب أيضا أنه سيقبض عليه، في هذه الحالة إذا كان عنده ~~أولاد من العاهرة التي تزوجها، تنفق على الأولاد من المال، وتحاول أن تشترط على هذه العاهرة ~~أنك لن تعطيهم شيئا إلا إذا دخلوا مدرسة داخلية وابتعدوا عنها، فما دمت قد فشلت في ابني، ~~فلعلي أوفق في الجيل الذي يجيء بعده، بعد عشر سنوات من وفاتي، إذا ظل الحال على ما هو ~~عليه، تعيد المال جميعه بيعا وشراء إلى إلهام فهي أحق به. # وقال سويلم: أنت تحمل مجدي فوق ما يطيق. ~~- ماذا تقول يا سويلم، إذا لم يقف مجدي ابنك معي في مصيبتي هذه فمن يقف؟ أنا ليس لي إلا ~~أنت! # وقال سويلم: بشرط واحد. ~~- أعرفه. ~~- ما هو؟ ~~- لقد أعددت ورقة ضد سأحتفظ بها إلى أن أموت، فإن شعرت بقرب الأجل سأقطعها، وإذا لم أستطع ~~ستقوم وهيبة بهذا. # والتفت سويلم إلى وهيبة: أنت موافقة على هذا يا ست وهيبة؟ # وابتسم فؤاد وابتسمت وهيبة في مرارة: أنا التي دبرت هذا التدبير. # وقال سويلم في دهشة: أمعقول هذا؟ ~~- والدليل على ذلك أنني سجلت نصيبي من ميراث أبي في الشهر العقاري اليوم لمجدي، والذي ~~سيفعله مجدي مع فؤاد سيعمله معي، وجهزت ورقة أيضا. # وأطرق سويلم ومجدي، وقال سويلم: إذن فلا حديث لنا. # وقالت وهيبة: في كل جيل الشرفاء وغير الشرفاء، الأمر لله من قبل ومن بعد. # وقال مجدي: ألا تظنين يا عمتي أنكما تعجلتما بعض الشيء؟ # وأطرقت وهيبة: أنا أم يا مجدي ولكني أيضا مثقفة، العضو الفاسد إذا لم يبتر يقتل، ونحن أسرة لها بنت ~~واستطعنا والحمد لله أن نحيطها بسمعة كلها شرف ونقاء، قررنا أنا وفؤاد هذا الذي قررناه ~~لنحافظ على سمعتنا. # وقال سويلم: ولكنه مع ذلك يظل ابنكما. # وقال فؤاد: لم ننس هذا، وإنما نصنع ما نصنع حتى إذا قبض عليه، أو عرف الناس أمره، عرفوا أيضا أننا ~~بترناه ms63 من أسرتنا، ونستطيع أن نقول ما قاله سبحانه وتعالى لنوح # إنه عمل غير ~~صالح ~~، فحتى الأنبياء يمتحنهم الله في أبنائهم. # وحسبي الله ونعم الوكيل. ms64