######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.NuqushMinDhahabWaNuhas.Hindawi86251649 #META# Tags: novels #META# ID: 86251649 #META# Title: نقوش من ذهب ونحاس #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # | نقوش من ذهب ونحاس # | نقوش من ذهب ونحاس # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # هي قصة ذات عروق بعيدة في أغوار الزمن، لست بطلا من أبطالها ~~ولكنني أحب أن أحكيها. كيف أحكيها وأنا لست واحدا من أبطالها؟ هل ~~يهمك كثيرا أن أكون من أبطالها ما دمت سأرويها لك؟ لن أقول لك إنها من ~~واقع الحياة فلا أحب أن أكون سخيفا إلى هذا الحد، ولكنني في الواقع ~~لست أدري إن كنت أنت تحب الرواية من واقع الحياة أم من واقع الخيال. ~~يقول الروائيون: إن أهم شيء في العمل الفني أن يكون مقنعا، ولا يهم ~~من بعد المصدر الذي يصدر عنه، ولكن الحياة حين تؤلف لا تحاول أن ~~تقنع، إنها تؤلف وتنفذ مؤلفها على الحياة، وعلى صلات الناس بعضهم ~~ببعض، وعلى بدايات حياتهم وعلى نهايتها، ولا يعنيها في شيء أن تكون ~~مقنعة أو غير مقنعة. والناس؟ الناس جميعا في كل مكان شهود في كل ~~قصة وأبطال في كل قصة، وقد تلهيهم الأحداث عن محاولة الفهم، وقد ~~يفكرون، والذين يفكرون هم الأغبياء؛ لأنهم لن يبلغوا من تفكيرهم إلى ما ~~تصبو إليه نفوسهم من طمأنينة، بل هم ms001 سيزدادون حيرة وقلقا، بل قد ~~يزدادون سخطا وتبرما، ولا تعنى الحياة في كثير أو قليل بحيرتهم أو ~~قلقهم، أو سخطهم أو تبرمهم. # تجرب فيهم وما يعلمون # كتجربة الطب في الأرنب # ولكن هل تجرب فيهم الحياة حقيقة كتجربة الطب؟ إن الطب حين يجرب ~~يحاول أن يصل إلى نتيجة معينة من تجربته، فإلى أي نتيجة تحاول أن ~~تصل الحياة؟ يبدو أنني سأصبح غبيا كهؤلاء الذين يفكرون! عادة ساذجة ~~عادة التفكير هذه، وكلما ازداد التفكير عمقا يكون صاحبه أكثر ~~سذاجة. # فالأذكياء وحدهم هم الذين يعرفون ألا أمل أن يصلوا بتفكيرهم إلى ~~نتيجة مؤكدة واضحة المعالم، ولكن هناك أنواع من التفكير لا بأس بها؛ ~~منها ذلك التفكير الجاد الخطير الذي ~~كان يستغرق راشد بك برهان، وهو جالس بمكتبه الضخم في سرايه الواقعة ~~بشارع خيرت. كان راشد بك يريد أن يسافر إلى أوروبا، وهو يبحث عن مواعيد ~~السفن المسافرة، وهو حريص على أن يسافر على أول باخرة؛ فقد تشوق إلى ~~باريس وإلى أصدقائه هناك. ولست في حاجة إلى ذكاء لتعلم أن هؤلاء ~~الأصدقاء إنما هن صديقات، ولكن الحشمة تحتم أن نكتبها أصدقاء، إنهن ~~كثيرات هؤلاء الأصدقاء. كان اليوم هو السبت، وقد وجد راشد بك سفينة في ~~طريقه إلى مرسيليا في يوم السبت الذي يليه، وكان لا بد له أن يبلغ ~~السيدة والدته عن هذا السفر؛ حتى تشرف على تجهيز ملابسه، وترى ما الذي ~~يحتاج إليه قبل أن يسافر، وكان لا بد له أيضا أن يستقل القطار إلى ~~التفتيش ليلقي نظرة نهائية على حسابات الزراعة، ويأخذ ما حصله حمزة ~~أفندي البلاشوني من إيراد الأرض. وقام راشد بك إلى والدته، وراح يصعد ~~السلم إلى الطابق الأعلى في هدوء وفي تفكير عميق. كان السلم يفضي إلى ~~بهو عريض شامخ الأعمدة عميق الفخامة، تقوم فيه الأرائك الضخمة عليها ~~القطيفة المزركشة القادمة من جنوا، وكانت والدته قد أنشأت لنفسها في ~~هذا الطابق غرفة للجلوس تستقبل فيها صديقاتها، وكانت أمه جلفدان هانم ~~أفندي تحب أن تجلس في هذه الغرفة، حتى وإن ms002 لم يكن لديها صديقات ~~تستقبلهن. وهكذا لم يكن راشد بك محتاجا أن يتخلى عما يفكر فيه ~~ليتجه إلى الغرفة، إنما هو يقصد إليها دون ومضة من تفكير، إنه يعلم ~~أنه سيفتح الباب وسيراها في كرسيها الكبير المجاور للمرآة التي تواجه ~~الباب، يعلم ذلك ولم يفكر فيه. لقد كان مشغولا بما يحتاج من نقود في ~~باريس، وبما سيجده عند حمزة أفندي البلاشوني. ويفتح الباب، أمه بجانب ~~المرآة، والمرآة ما زالت تواجه الباب. ولكن، ما هذا الجمال الذي يقف ~~بجانب صورتي في المرآة؟ من هذه؟ كيف لم أرها قبل اليوم؟ وكيف كان يمكن ~~أن أراها؟ طبعا سترفع اليشمك إلى وجهها، لقد بقيت العينان، تكفيني ~~العينان، جمال الدنيا كلها في هاتين العينين! لم يحس راشد بك ~~بالأعين الأخرى التي تعلقت به، ولا أحس بعيني أمه التي أدهشها وقوفه ~~بعد تأكده من وجود حريم معها، لم يحس شيئا من هذا، وإنما ظل ~~رانيا إلى العينين اللتين تطلان من فوق اليشمك، وطالت به الوقفة ~~حتى اضطرت الأم آخر الأمر أن تقول: فيه حاجة راشد بك؟ # وانتبه راشد بك فجأة، لينحني قائلا وهو يقفل الباب: عفوا هانم ~~أفندي. # ويعود إلى مكتبه ويجد جدول البواخر ينتظره، فيطويه في هدوء ويضعه في ~~الدرج الأسفل من مكتبه، ويمد رجليه على المكتب، ويزيح طربوشه إلى ~~الوراء ويستغرق مفكرا في لا شيء. ~~••• # حين يسمع أقدام السيدات تعبر فناء السراي، يقف إلى الشباك وينظر ~~إليهن وهن يركبن العربة التي تجرها أربعة خيول مطهمة، ولم يلتفت إلى ~~العربة ولا إلى الخيول وإنما تثبت نظره على التي تسير خلفهن ~~جميعا، فلم يشك لحظة أنها أصغرهن، وأنه لا بد لها أن تكون خلفهن ~~جميعا، إن قوامها أكثر جمالا من عينيها. أكان لا بد أن يكون لهذه ~~السراي سلم للحريم وآخر للرجال؟ أكنت أريد أن أراها عن قرب؟ وماذا ~~ينفع القرب؟ إن جمالها لا يحتاج إلى كثير من إنعام النظر، إنها جميلة، ~~أو هي فاتنة لا شك في ذلك، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ أخطبها؟ هكذا ms003 مرة ~~واحدة؟ وماذا يمكن أن أفعل غير هذا؟ ~~- هانم أفندي. ~~- إنها ابنة عثمان باشا فكري. ~~- لا يفوتك شيء. ~~- وقفتك أمام الباب كانت طويلة. ~~- عيناها. ~~- نعم جميلة. ~~- أنت موافقة؟ ~~- لا مانع. # سكت راشد بك ولم يسأل أمه عن شيء. وعم يسأل؟ ابنة عثمان باشا ~~فكري، الأمر إذن لا يحتاج إلى سؤال. أما ثروته فمعروفة، كانت ألفي ~~فدان بقي منها بضعة فدادين بعد البذخ الذي كان يعيش فيه، وراشد بك لا ~~يحتاج إلى مال؛ فثروته لا يحصيها العد، وإن كان هو يجيد إحصاءها ويعرف ~~كل خافية منها، وعثمان باشا رجل ذو مكانة مرموقة في الحياة المصرية، ~~ولا شك أنه تولى ابنته بالتربية المعهودة، فهي تجيد التركية ~~والفرنسية وعزف البيانو واختيار الملابس واستقبال الناس وتنسيق الأثاث ~~وإعطاء الأوامر للخدم، ولا داعي إذن للسؤال، ولكن أمه. ~~- لم تسأل عن خديجة؟! ~~- اسمها خديجة؟ ~~- يقولون إنها متحررة في آرائها. ~~- كم عمرها؟ ~~- بينك وبينها خمس عشرة سنة تقريبا. ~~- أنا لست كبيرا. ~~- ولست صغيرا. ~~- ست وثلاثون سنة اكتمال الرجولة. ~~- وعشرون سنة بداية الأنوثة. ~~- ولكنها ابنة عثمان باشا فكري. ~~- الأنوثة لا شأن لها بعثمان باشا فكري. ~~- ما رأيك؟ ~~- لن نجد خيرا منها. ~~- فلماذا المناقشة إذن؟ ~~- أريدك أن تعرف. ~~- إذن؟! ~~- أخطبها لك. # | الفصل الثاني # المفروض أن أروي لك في هذا الفصل موقف خديجة من هذه الخطبة، ويمكن أن ~~أروي لك هذا الموقف بطرق عدة. فمثلا أستطيع أن أقول إن خديجة كانت تحب ~~ابن خالتها عزت بهادر الذي نشأ معها منذ الطفولة الأولى، وكان يقاربها ~~في السن. وما دمنا نتكلم عن هذه الطبقة من الناس؛ فالمفروض أن أقول ~~لك: إنه يهوى ركوب الخيل ويجيده، وإنه طلق اللسان - بالفرنسية طبعا - ~~وإن لغته العربية لا تكاد تستقيم، وإنه ممشوق القوام تافه العقلية لا ~~يفكر إلا في أتفه الأمور وأسخفها، وأكون بذلك سائرا وراء كل من كتب عن ~~هذه الطبقة. # أو كان من الممكن أن أقول لك مثلا إن عثمان باشا فكري دخل إلى ~~ابنته، فقال لها: أبشري يا خديجة، عندي لك أعظم خبر ms004 . ~~- صحيح يا بابا؟ # وطبعا حين تقرأ «بابا» لا بد لك أن تشدد الباءين، فهكذا تنطقها ~~ممثلات السينما في أفلامنا العربية. نرجع الآن إلى الحوار الذي كان ~~المفروض أن أقدمه إليك، يقول الأب وقد تهلل وجهه بالفرح: جاءك عريس ~~لا مثيل له في مصر. # وهنا كنت سأحتار كيف أكمل المشهد، هل ستطرق خديجة في حياء؟ أم تراها ~~كانت ستقول: من؟ # وعلى الحالين، كان عثمان باشا يقول: راشد بك برهان. # وكنت سأحتار أيضا كيف تتصرف خديجة بعد هذا، هل كانت ستسأل أباها عن ~~العريس وأحواله جميعا من شكل وعمر؟ وطبعا لا داعي للسؤال عن الشهادة ~~أو الثقافة، فقد كانت هذه الأشياء في ذلك الحين بعيدة عن مجال السؤال ~~عند السيدات، وتوشك أن تكون كذلك عند الرجال أيضا. # أم تراها كانت ستطرق حياء وخجلا، وتقول الجملة التي لم يستطع كاتب ~~حوار أن يغير منها شيئا على طول السنين: اللي تشوفه يا بابا؟ # ولعلي كنت سأخرج من هذه الحيرة بوسيلة أكثر يسرا وأقرب إلى منطق ~~الأمور، فأجعل خبر الخطبة ينتقل إلى الابنة عن طريق أمها، وأنتهز هذه ~~الفرصة لأقدم إليك كل ما لم تعرفه بعد عن شاكر بك برهان على لسان ~~الأم. # ولكن ما العجلة في تعرفك على شاكر برهان؟ ولماذا لا نتكلم عن خديجة ~~قليلا؟ فأنت لم تعرف عنها إلا أن عينيها جميلتان، ولكنك أنت لم تعرف ~~مثلا أن قوامها فارع رشيق لا تطغى عليه نحافة، ولا يفرط عليه سمن، ~~وهي ذات شعر ناعم إذا أطلقت عنانه هدر على كتفيها في عربدة طاغية، ~~وجبينها عريض فيه ذكاء، وعيناها اللتان عرفت أنهما جميلتان فيهما ~~جرأة، وفيهما تطلع إلى المستقبل في وثوق الذكر وفي فتور الأنثى، ~~وأنفها دقيق مائل قليلا إلى الخد الأيمن، هذا الميل الذي يراه بعضهم ~~جمالا، ويراه بعض آخر عيبا في جمالها الفاتن. وإن كنت من الذين يحبون ~~أن يوصفوا بالمثقفين، فلعلك تحب أن تعرف شيئا عن ثقافتها. قرأت كورني ~~وراسين وفولتير وهيجو وفلوبير وروسو، حتى اعترافات روسو قرأتها، وقرأت ~~شكسبير مترجما ms005 ، وقرأت ديكنز وهاري وتولستوي وديستويفسكي. أظنك عرفت ~~الآن أنها كانت تحب القراءة وكانت تعبد الشعر، فقد كانت تحفظ روايات ~~كورني وراسين جميعا، وتحفظ كثيرا من شعر هيجو، ولم تكن تميل كثيرا ~~إلى مضحكات موليير. كانت القراءة عندها هي الوسيلة التي تفتح لها ~~النافذة على عالم لم يكن من الممكن أن تخالطه أو تندمج فيه؛ فقد كان ~~الحريم جزءا منفصلا عن المجتمع في ذلك الحين يحركنه من داخل ~~البيوت، ولكنهن لا يشاركن في حركاته. # وكانت خديجة شأن كل فتاة تعرف أنها ستتزوج في يوم الأيام، وكانت ~~تعتقد أنها ستتزوج رجلا مثقفا تستطيع أن تشترك معه في أحاديث طويلة ~~عن الشعر والأدب، وكانت الخشية تخالجها أن يكون هذا المثقف ذا ثقافة ~~عربية وإنجليزية، وليس ذا ثقافة عربية وفرنسية، فالمثقفون في ذلك العهد ~~كانوا جميعا يجمعون إلى العربية ثقافة أجنبية أخرى، ولم يكن الغنى في ~~ذاته أمرا ذا بال عند خديجة؛ فالغنى عند الأغنياء شيء مفروض يعتقدون ~~هم أنه طبيعي، يصاحب التكوين البيولوجي لأجسامهم، فالمال عندهم شيء من ~~المقرر وجوده، كما يوجد لهم عينان وأنف وشفتان. ولكن الثقافة هي التي ~~كانت نادرة الوجود، فإذا وجدت فهي عميقة راسية الأصول بعيدة الأغوار. ~~وقد كانت خديجة لا تتصور أن يكون خطيبها غير مثقف، ولم يكن تفكيرها ~~هذا مجافيا للصواب؛ فإن والدها الذي أتاح لها هذا التثقيف لا يقبل أن ~~ينالها شخص لا يقف مع ما بلغته من دراسة على درجة واحدة، فإن تفاوتت ~~الدرجة فليكن هو في العليا لا في السفلى. وهي في سذاجتها الثقافية ~~نسيت أن للمال عند الأغنياء نداء ولغة يفهمونها جميعا دون اتفاق ~~بينهم، فمن الطبيعي ألا يتزوج الغني إلا ذات ثراء، ومن الطبيعي أن ~~يسارع الثري بقبول الغني خطيبا لابنته. # وهذا الاتفاق غير المكتوب بين الأغنياء يتضمن أن كل شيء غير الثراء ~~يمكن اغتفاره أو تجاهله. # وهكذا لم يكن عجيبا أن يقبل عثمان باشا فكري خطبة راشد بك دون ريث ~~من تفكير، وخصوصا أنه أصبح غنيا سابقا، ولكنه ما زال يحمل ms006 اللقب ~~«غني». # ومن الطبيعي أيضا أن تقبل خديجة الزواج، فهي تعلم أنها نهاية ~~محتومة لحياة البنت في بيت أبيها، أو بداية محتومة لخلية جديدة من ~~الحياة. # والاسم الذي تقدم لخطبتها اسم شهير في عالم الثراء وليس شهيرا في ~~عالم الثقافة، فقد كان المجتمع في ذلك الحين لا يلقي ستارا من ~~التجاهل على أي مهتم بالثقافة، فلو كان على جانب منها مهما يكن ~~ضئيلا لذاع صيته، بل إن الحياة كانت تتيح لمن يهوى شراء الكتب أن ~~يصبح شهيرا في عالم التثقيف، حتى وإن لم يقرأ هذه الكتب. وقد كان أغلب ~~هذا النوع من الهواة يكتفي من الهواية بالشراء دون القراءة، فالقراءة ~~لها ناس وشراء الكتب له ناس آخرون، والذين يقرءون لا يهمهم مطلقا ~~طريقة الطبع التي يهتم بها الشراءون، كل ما يعني أهل القراءة أن ~~تكون الحروف واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض، وقد يكون هذا الوضوح ~~في ذاته سببا في رخص الكتاب لا في غلو سعره. # ولا تنتظر مني أن أفيدك كثيرا في الشروط التي لا بد منها ليكون ~~الكتاب تحفة أثرية ذات شأن، فأنا من ذلك النوع الساذج الذي يحب أن ~~يقرأ ولا يهمه أن يقتني. # على أية حال، لم يكن راشد من القراءين أو الشرائين المدمنين، ~~وإن كان ملما بكثير من الكتب، وكان غنيا مدمنا للغنى، وإن كانت ~~خديجة في آمال اليقظة وأحلام النوم ترجو أن يكون زوجها مثقفا يحب ~~كورني وراسين أو المتنبي وشوقي على الأقل، إلا أن هذه الآمال وتلك ~~الأحلام لم تكن شروطا أساسية في اختيار رجلها، فقد كانت ثقافتها تتيح ~~لها قدرا من الذكاء تعرف به أنها هي لا تملك من حرية الاختيار القدر ~~الكافي الذي يسمح لها أن تضع الشروط، ولو توفرت هذه الحرية؛ فما كانت ~~لتجعلها تضع هذه الشروط. فهذه الآمال والأحلام لم تكن إلا خواطر تهفو ~~إلى النفس أو تهفو إليها النفس، ولكن خديجة تعلم كل العلم أنها أمل ~~لا يزيد، أو حلم مصيره المؤكد التيقظ على الحقيقة. # وهكذا أعفتني ms007 خديجة من الحيرة التي خشيت أن تتولاني أمامك في بداية ~~الفصل، ولم توجه إلى أبيها إلا سؤالا واحدا: هل أنت راض ~~عنه؟ ~~- وأين أستطيع أن أجد مثله؟ ~~- أمرك إذن. # لم تسأل كم عمره، فالمجتمع لم يكن قد أتاح بعد للفتاة أن تسأل عن عمر ~~زوج المستقبل، وإذا كانت امتنعت أو منعتها التقاليد أن تسأل هذا السؤال ~~الطبيعي المعقول، وهي أيضا لم تكن تحب ابن خالتها عزت، فالطرق إذن ~~جميعها مغلقة دون أي أسئلة أخرى، بل لعلها لم تكن تحتقر أحدا في ~~حياتها قدر احتقارها لهذا العزت، فهو فراغ تجسم في هيكل إنساني يعنى ~~كل العناية بشاربه وشعر رأسه، ولكنه لا يبذل أقل عناية برأسه هذا من ~~داخله، فإن رأيته رأيت تمثالا، وإن حادثته وجدت التمثال خيرا ~~منه. # فأنا إذن لا أستطيع أن أقيم عقبة من أي نوع تمنع زواج خديجة من ~~راشد، وتم الزواج. # | الفصل الثالث # لو كان المتزوج أحدا آخر غير راشد، لكان من الطبيعي أن يكون شهر ~~العسل في مصر، ولكن راشد يحب أن يذهب إلى أوروبا، ويحب أن يبهر زوجته ~~بالحياة الباذخة التي يعيشها، والفتاة على ثقافتها في بواكير العمر ~~ومطالع الحياة، فهي برعم يريده راشد أن يتفتح على يديه، وهو صاحب ~~الخبرة الواسعة عن الورود التي لا تعرف الذبول، ولا يدركها ما يدرك ~~الورود من شحوب. # يريدها امرأة كاملة المعالم يدعو إلى بيتها كبار الناس، فيبهرهم من ~~بيته غنى وافر يصاحبه الذوق الرفيع، وهو يعلم منها أنها في بيت أبيها ~~كانت تهتم بالكتاب، ولكنه أيضا كان يقدر أن التي تهتم بالكتاب ~~تستطيع أن تهتم بكل شيء، وهو يريدها في حجرة نومه امرأة ناضجة خبيرة ~~عالمة بما يرضيه، ويطمئن غرور الرجل فيه ونزوته في وقت معا. # وهو يريدها إذا ذهبت لمجتمع من النساء أوقعت في نفوسهن الحسرة ~~والغيرة أو الإعجاب والإكبار، ويريد منها أن تكون أنموذجا ~~للأناقة. # طراز عجيب راشد، فهو قد نال من التعليم المنتظم قدرا ربما اعتبره ~~البعض ضئيلا، وخرج بعد ذلك إلى الحياة، فإذا ms008 هو يصاحب الحياة صحبة ~~عميقة لصيقة، ويوغل فيها إيغالا رفيقا في بعض الأحيان، وفيه عنف ~~شديد في بعض آخر من الأحيان، عرف الناس في كل متجه من متجهات ~~الحياة، ودرس من القانون ما يعنيه من القانون، فإذا هو يفوق عتاة ~~المحامين ومشاهيرهم، وضارب في بورصة الأوراق المالية والقطن فانسكب ~~عليه المال يزيده غنى، وأصبح راشد شخصية مرموقة في المجتمع المصري ~~تضطر الأنظار أن تلتفت إليه، فلم يكن التعليم المنتظم هو المصدر الوحيد ~~للثقافة في ذلك الحين، بل إن المحامين كانوا يعملون بغير شهادة من ~~الحقوق في ذلك الزمان. وقد اختار راشد من الثقافة ما يرى أنه يحتاج ~~إليه؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن يتقن الفرنسية، لا ليقرأ بها كورني ~~وراسين، وإنما ليقرأ بها العقود وليضارب بها في البورصة، وليجتذب بها ~~الأصدقاء من الفرنسيين، وتعلم الإنجليزية وأتقنها، ولكن شكسبير وملتن ~~وهاردي وديكنز كانوا لا يعنون عنده شيئا إلا أسماء يرددها على مسمع ~~الإنجليز الذين يتعرف عليهم. # قد كان نوع الثقافة التي يتمتع بها راشد من فصيلة أخرى بعيدة كل ~~البعد عن تلك الثقافة التي أتقنتها خديجة، حتى لنستطيع القول في ثقة ~~إنه من الطبيعي أن كلا منهما كان يعتبر الآخر غير مثقف. # وراشد يعتبر الحياة عملا ومتعة، وهو يمازج بينهما في مقدرة بارعة، ~~فلم يكن عجيبا أن يصحب زوجته إلى باريس. كان راشد يريد أن يستغني ~~بزوجته عن كل نساء العالمين؛ ولهذا كان يريد فيها كل نساء ~~العالمين. # لم تكن خديجة تتصور أن ترى هذا الذي رأته في فرنسا، وكان أبعد شيء ~~عن ذهنها أن ترى هذا الذي رأته مع زوجها بالذات؛ فالأيام القليلة التي ~~قضتها معه في بيته في مصر طالعتها منه مهابة لم تر في حياتها رجلا ~~يتمتع بها، فحديثه أمر وإن تسربل بالرجاء، ورأيه نهائي وإن تزيا ~~بالتواضع، نوع من المهابة لا يعرفه إلا صاحب الموهبة الكبيرة التي تجعل ~~صاحبها كبيرا. # وفي الباخرة إلى باريس: تعرفين أنني عشت سنوات بلا زواج؟ ~~- نعم. ~~- كان طبيعيا أن أعرف نساء أخريات ms009 . ~~- ما دام قبل الزواج، فهذا شأنك. ~~- طبعا أنا لا أستأذن منك عن شيء صنعته في الماضي. ~~- فلماذا تخبرني؟ ~~- لا أريد أن أخفي عنك أولئك اللواتي عرفتهن في فرنسا. ~~- أتريدهن أن يكن صديقات لك وأنت متزوج؟ ~~- اسمعي يا خديجة، أنا في صداقاتي الفرنسية لم أكن أعرف إلا فتيات ~~الملاهي. ~~- إذن؟ ~~- أنا أريد منهن أن يكن تسليتك في فرنسا. ~~- إذن؟ ~~- سنذهب إلى الأماكن التي يرقصن فيها، وسيقبلن علي وقد ~~يقبلنني. ~~- يقبلنك؟! ~~- وماذا يهمك؟ ~~- لا أريد. ~~- كنت أستطيع أن أخفي عنك هذا، وأذهب بك إلى أماكن أخرى، وأزورهن دون ~~علمك؟ ~~- لا بأس، فلنذهب إليهن. ~~- سيصبحن أداة تسلية لك. ~~- أنت عندي الآن كل نساء العالم، وستجدين أنت عندي كل نساء العالم، ~~وأنا لا أحب أن أعد بأشياء سأنفذها، فإني أحب أن يكون التنفيذ هو ~~الوعد، وتحقيقه في وقت معا. # وكان عند الوعد والتنفيذ. # ورأت فرنسا، رأت منها باريس وغير باريس. # كانت في خيالها مسرح أحداث الروايات، ومعاني حب، وحدائق هوى، ونسمات ~~قصص لبلزاك ودوديه وفلوبير وغيرهم، وكانت في أنحاء خيالها رؤى مجنحة ~~لا يحيط بها تعريف واضح، كانت تبدو في خفي الوعي منها أحلاما يشملها ~~ضباب فهي بلا وضوح، وتكسوها أستار شفيفة فهي في نفسها عميقة ولكن بلا ~~معالم، موجودة ولكن بلا تثبت، سماوية أحيانا لعوبا أحيانا أخرى، أو ~~أرضية مسرفة في عمق الواقع لما صنعه بها زولا وفلوبير وستندال والآباء ~~الأوائل للواقعية الوليدة. # ثم رأتها وغاص بها زوجها في عميق حناياها، فازداد في عينيها جمالها ~~ولم ترفض نفسها فيها، فهي واقعية إن أسرفت في الفجور، فهي تعنى في ~~الوقت نفسه بتجميل هذا الفجور حتى يصبح نوعا من المتع البشرية التي ~~تلتئم مع طبيعة الحياة في باريس، لا ترفضها باريس ولا من يزور باريس، ~~حتى إذا خرجت عن باريسها هذه أصبحت تهتكا تعافه النفس وترفضه وتحتقر ~~كل من يلم به. # رأت الغواني اللاتي كن صويحبات زوجها، وقبلن زوجها أمامها، فلم ~~تحس لذعة غيرة في قبلهن. # لم تحس أن اللواتي يقبلنه نسوة عرفهن، وإنما أحست ms010 أن ماضيه هو ~~الذي يقبله. وكانت قد بدأت تحب زوجها، فهي تحب أن يرضى عنه ماضيه ~~كما يرضى عنه حاضره، وكما ترجو أن يرضى عنه مستقبله. # والغريب أن فتاة منهن طلبت أن تجلس معها في جلسة خاصة، كانت قد ~~أحست من لقاء هذه الفتاة بزوجها أنها أقربهن إليه. # وقالت لها الفتاة عجبا: أنت زوجته؟ ~~- نعم. ~~- حقا؟ ~~- وأي عجيب في ذلك؟ ~~- أردت أن أتأكد. ~~- أنا زوجته. ~~- أتعرفين كيف يظل زوجك؟ ~~- أعرف كيف أخلص له. ~~- هل أنت سخيفة إلى هذا الحد؟ ~~- هل الإخلاص سخف؟ ~~- الإخلاص مفروض لا يحتاج الرجل أن يكافئ زوجته عليه. ~~- ماذا؟ ~~- طبعا أنت مندهشة أن تسمعي هذا الكلام مني. ~~- لا، أبدا. ~~- بل أنت مندهشة. ~~- لنفرض. ~~- اسمعي، لقد كنت فتاة زوجك فترة من الفترات. ~~- ربما أدركت ذلك من لقائك به. ~~- إن ما نصنعه في الكباريه ليس هو الحب، إننا حين نحب لا نهب هذا ~~الحب إلا لواحد، وكان زوجك يغيب عني فترات قد تصل إلى سنة، ومع ذلك لم ~~أكن أهب حبي لأحد طوال فترة غيابه. ~~- ولكن؟! ~~- إن ما نهبه للزبائن إنما هي أجسامنا فقط، افهمي ما أقول، أنا أتكلم ~~عن الحب. ~~- متى كان هذا؟ ~~- لم تتغلب علي واحدة من زميلاتي، أنت فقط التي تغلبت ~~علي. ~~- أتكرهينني؟ ~~- لم يكن من الممكن أن يتزوجني، فهو شرقي وأنا أعرف ظروفه. ~~- أشكرك. ~~- أتعرفين كيف تحافظين عليه؟ ~~- ربما. ~~- إن لم تكن لك بضاعة إلا الإخلاص، فأغلب الأمر أنني سأستقبله قبل ~~أن تمر على زواجكما بضعة أشهر. ~~- الواقع أن هذه هي البضاعة الوحيدة التي أعرفها. ~~- إذن فسأعلمك. # وعلمتها. # لقد رأت باريس، وتعلمت في أهم جامعات الحياة على أعظم أساتذة الحب ~~والمتعة ومعرفة الرجال. # ولم يكن ما رأته من باريس وحدها هو حصيلة علمها، إنما ما رأته من ~~زوجها كان أعظم، هذا الرجل المهيب الذي سمعت عنه في فترة الخطبة أن ~~رجال المال العتاة لا يخشون أحدا في البورصة قدر خشيتهم منه، هذا ~~الرجل الذي استطاع بهيبته الذكية الخارقة الذكاء أن يجعل حمزة ~~البلاشوني، وكيل أعماله ms011 في الدائرة الزراعية، رجلا في غاية الأمانة، ~~كان هذا الوكيل كما سمعت عنه يقول إن الإنسان حين يسرق أي صاحب مال ~~يعرف أنه قد يفصل من عمله، فإن كان صاحب المال قاسيا غاية في القسوة ~~فقد يذهب به إلى السجن، أما مع راشد بك فلا يعرف أي مصير ينتظره، فهو ~~خليق أن يصنع به كل ما لا يتوقعه أحد. # راشد هذا ينكشف في ملاهي باريس عن هذا الشخص الذي يستطيع في مقدرة ~~فائقة أن يجعل كل لحظة معه متعة، حتى يصبح الجالسون والجالسات جميعهم ~~وجميعهن مغمورين في فترة من الحياة مليئة بالحياة، تلفهم سعادة غامرة ~~تزلزل أعماق أعماقهم، فيزداد غوصهم في لحظاتهم، لا يريد أحد منهم أن ~~يفكر فيما كان يصنع بأمسه أو فيما قد يصنعه به غده، وراشد هو روح هذه ~~الغمرة الطاغية من الإمتاع وهو الينبوع أو هو إن شئت الشلال الهادر ~~بالإسعاد، وهو في الوقت نفسه يستطيع أن يجعل كل فرد من الموجودين ~~يعتقد أنه هو لا راشد سبب هذه السعادة وهذا الإمتاع. كيف استطاع هذا ~~الرجل المهيب أن يكون خبير متعة لا يدانيه في خبرته المتخصصات من ~~فتيات الملاهي في باريس أو أصحابهن؟ # وتومض في ذهن خديجة فكرة تعمل فيها النظر، وتوشك أن تؤمن بها: إن ~~معرفة الإنسان كيف يكون سعيدا، وكيف يعتصر لحظات السعادة اعتصارا لا ~~يبقي من رحيقها على قطرة، موهبة لا تتأتى إلا لعبقري يعرف كيف يعيش، ~~ويعرف من مسالك الحياة في جدها ولهوها ما لا يعرفه أبناء الحياة ~~مجتمعين. # والذي لا تعرفه خديجة أن راشدا ترك في مصر مشكلة يضيق بها أشد ~~الضيق تهدر قدرا من ماله، ولكنه مع ذلك أقنع نفسه بأنها مسألة هينة ~~ميسورة، وأنها لا تستحق حتى أن يؤخر سفره من أجلها. # لقد اغتاله صديق له في عشرة آلاف جنيه. # والذي لا تعرفه أيضا أن سبب اغتيال صديقه لهذا المبلغ هو زواجه ~~منها، ومعرفته لسيدة من سيدات مصر لها أهمية كبرى في المجتمع المصري، ~~والذي لا تعرفه أيضا أنه ms012 فجع في صديقه وفي ثقته به فجيعة إن لم تزد ~~على فجيعة المال، فهي تستوي معها. # ولكن أهذا الحديث يناسب لحظات المتعة التي يعتصرها راشد، ويسقيها ~~صرفا غير مشوبة لزوجته الحبيبة خديجة؟ سننسى كل هذا الذي يضيق به ~~راشد، ونتيح له ما أتاحه لنفسه من شهور صاخبات بالهناءة في ربوع فرنسا ~~جميعا. # وعرفت خديجة عن زوجها شيئا لم تكن تتوقع أنه يتخلق به، فهو لا ~~يلعب القمار مطلقا، قد يشرب مع الشاربين، ولكنه لا يقرب مائدة ~~القمار. ~~- ولكنك تضارب في البورصة. ~~- البورصة خبرة وبعد نظر مالي، ولا يصاب فيها الإنسان إلا إذا حدثت ~~أشياء لم تكن في الحسبان، ولكن القمار تسليم أموالي كاملة ليد غير ~~أمينة ولا مخلصة ولا صديق لها، وهي أيدي الحظ. أنا لا أقبل هذا لكرامتي ~~ولا لثقافتي ولا لعقلي. ~~- فهل المقامرون جميعهم أغبياء؟ ~~- بل إن كثيرا منهم أذكياء. ~~- فما لهم يقامرون؟ ~~- لقد أخطئوا الطريق إلى المتعة، فتلمسوها على مائدة القمار، أما ~~أنا ... ~~- لا تكمل، لقد رأيت، نعم إن أحدا لا يعرف طرق المتعة كما تعرفها ~~أنت. ~~- ولكن هناك شيئا لم أقله. ~~- وهو؟ ~~- وهو أنني مع كل هذه المتع ظللت مخلصا لك، لا أهب نفسي إلا ~~لك. ~~- وهذا حق أيضا. # | الفصل الرابع # لماذا يتوقف العقل عند بعض الناس، ويتصرفون تصرفات حمقاء، مع أنهم ~~من ذوي العقل الراجح الذي استطاع أن يمكن لهم وينزلهم منزلة محترمة ~~عند الناس؟ # لو أن أحدا سأل زكريا باشا حسام الدين على سبيل الاستشارة: ما رأيك ~~في زيجة الزوج فيها فات الخمسين منذ ست سنوات، وهو يحث الخطى نحو ~~الستين، والزوجة فيها تمشي الهوينى إلى العشرين من عمرها لم تكملها؟ ~~لكان جوابه متسما بالعقل والرزانة وبعد النظر؛ فالمسألة لا يختلف ~~فيها عقلان على شيء؛ أن الرجاحة أو على الأقل لا ينعمان بالغباء ~~الشديد. # ولكن العجيب أن زكريا باشا حسام الدين هو نفسه تزوج الآنسة سهير ~~ممدوح كريمة ممدوح عزت باشا. أما زكريا باشا فهو مستشار في محكمة ~~الاستئناف عرف بعلمه الواسع بالقانون، بل ms013 وعرف أيضا بحبه للأدب، ~~وكثيرا ما كانت أحكامه قطعا أدبية يتغنى بها المحامون خاصة الذين ~~صدر الحكم في صالحهم، وهو موسع عليه في الرزق، واسع الأفق، عميق ~~النظرة؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن يصبح وزيرا. وقد سر بهذا؛ لأنه كان ~~يفكر منذ زمن أن يترك القضاء الجالس إلى القضاء الواقف. ولعله في ذلك ~~تأثر بالقصة التي تروى عن أحد مشاهير المحامين في فرنسا، وكان ابنه ~~يعمل في القضاء، وكانت سمعة ابنه أيضا عظيمة، فقد عرف عنه أنه من ~~أحسن القضاة. وفي يوم سأل أحد الصحفيين المحامي: لماذا تعمل أنت في ~~القضاء الواقف، بينما يعمل ابنك في القضاء الجالس؟ # فأجاب المحامي الذكي: لو استطاع ابني الوقوف ما جلس. # وأغلب الأمر أن الأب كان يريد ابنه أن يعمل معه في المكتب الكبير، ~~ليظل محتفظا بمكانة المكتب بعد وفاته، والراجح أن الابن كان يفضل ~~العمل في القضاء بطبيعة مواهبه أيا ما كان الأمر، فالمؤكد أن زكريا ~~باشا تأثر بهذه القصة، وأراد أن يقف عن كرسي القضاء ليصبح محاميا ~~واثقا من عمله القانوني، ومن لغته في وقت معا. # وهكذا جاء تعيينه في الوزارة خير طريق يخرج منه إلى مقاعد المحامين. ~~كان زكريا باشا قد تزوج في أول حياته نعيمة هانم شهاب بنت مجدي باشا، ~~وقد أنجب منها ابنهما عدلي. # ولكن زكريا باشا كان يحب النساء، وكان بارعا في الحصول عليهن، ~~والطريق تجمع أصحاب القصد الواحد، فلم يكن عجيبا أن يجمع طريق النساء ~~بين الباشا زكريا والبك راشد، فكانت صداقة قوامها الأول، وقد يكون ~~الأهم، النساء. # ولكن «راشد» صاحب مصالح كبيرة، والباشا زكريا حين ترك الوزارة إلى ~~المحاماة أصبح يتمتع بنفوذ كبير، وأصبحت الأبواب التي لا تفتح لغيره ~~من المحامين تفتح له. ولراشد عين يقظى كعين الصقر تدري أين يكمن ~~الخير لها، فقضايا راشد تنتقل إذن من تلقاء نفسها إلى مكتب الباشا، ~~وتزداد الصداقة توثقا. # لعلك الآن تعجب إن ذكرت كل شيء عن الباشا أو أكاد، ولم أذكر شيئا ~~عن زوجه الأولى نعيمة هانم شهاب ms014 ، ولا عن زوجه الثانية الآنسة سهير ~~حمدي. # وما كان لي أن أذكر شيئا عن واحدة منهن دون تفصيل لا يقبل الإجمال؛ ~~فنعيمة هانم شهاب هي الابنة الوحيدة للغني الشهير مجدي باشا شهاب، وهي ~~سيدة علمها الغنى أن تأمر فتطاع، وليس زكريا باشا بأقل منها غنى ~~أو أدنى حسبا، وإنما تعلقه بالنساء وعلمه بأنه لا شك سيخونها جعله ~~يسمح لها بأن تأمر فتجاب، وأن تبدو وكأنها هي رجل البيت. وكان ذكاء ~~زكريا ومعرفته أنه آخر الأمر يستطيع دائما أن يفعل ما يريد داخل ~~البيت أو خارجه يجعله يتيح لها هذا المظهر المتأمر الصلب تفرح به هي، ~~ولا يخسر هو شيئا. # ولكن شيئا واحدا فات زكريا باشا، وما هذا بعجيب؛ فالأذكياء أيضا ~~تفوتهم أشياء. # لقد استولت نعيمة هانم على ابنهما عدلي منذ ولادته، فهي وحدها صاحبة ~~الشأن في تربيته وهي التي تدخله المدرسة، بل إنها هي التي اختارت له ~~الكلية التي يدخل إليها، والعجيب أن هذه الكلية لم تكن الحقوق التي ~~تخرج فيها أبوه، والتي تخرجت فيها الغالبية العظمى من وجوه البلاد ~~ووزرائها وحكامها. لقد اختارت له كلية الهندسة وقد نشأ عدلي فكرة من ~~أمه وخطرة منها وإشارة من يدها، فهو لا يعرف أن يختار ولا يريد أن ~~يعرف، فالذي لم يعرف الحرية يوما لا يفكر فيها، بل لعله إذا منحها ~~تمثلت له شيئا بغيضا لا يطيقه ولا يحتاج إليه. فالاختيار في ~~الحياة شيء صعب ومهمة شاقة لا يتعرض لها إلا من لا يتمتع بأم كأم ~~المهندس عدلي التي تختار عنه كل شيء يتعلق به، وكل طريق ينبغي له ~~أن يسير فيه. # وحين تخرج عدلي في كلية الهندسة اختارت له نعيمة هانم زوجته ~~وتزوجها، وكان عدلي على غناه دميم الخلقة، وأصبح بفضل السيدة والدته ~~كريه الخلق ضعيفا تافها. وحين تزوج وانسلخ كيانه عن كيان أمه في ~~السكن وخلا به وبزوجته بيت تجلى على حقيقته البشعة أمام زوجته؛ ~~أنه لا يجيد في الحياة إلا أصناف الطعام، فما كان له في بيت أبيه بعد ms015 ~~أمه إلا الطاهي يلازمه فتعلم عنه أصول الطهي حتى أجادها، وأحس ~~بالرضاء عن نفسه واطمأن أنه صاحب موهبة، وسبحان رب العرش في علياء ~~سمائه؛ يهب لكل عبد من عباده مهما يكن تافها شيئا تطمئن إليه ~~نفسه أنه يملك ما لا يملكه الآخرون. # وربما كانت هذه الموهبة بالنسبة لزوجته في الأيام الأولى من زواجهما ~~مثار ضحك ومزاح، ولكن ويل للزوجة وللزوج معا إذا تبينا أن الضحك ~~والمزاح إنما هما جد كل الجد، وأن عبقرية المهندس ليست في شيء ~~إلا في طهو أصناف الطعام. # ضاقت الزوجة راوية بزوجها أشد الضيق، ولما كان لا بد للضيق أن ~~يتمثل في عمل؛ فما هو إلا شهر أو بعض شهر حتى كان عدلي مطية وزوجه ~~راكبتها، ويبدو الأمر من النظرة السطحية أن مثله في ذلك مثل أبيه، ~~ولكن وهلة من إنعام النظر سرعان ما تعود بها العين الخبيرة أن هدوء ~~أبيه عن ذكاء وعن محاولة لإعفاء ما يصنعه خارج البيت. أما هدوء الابن ~~فعن غباء؛ ولأنه لا يعرف إلا أن يكون هادئا. وحلت الزوجة محل الأم ~~ولم يقم بينهما أي خلاف، فراوية ذكية تعرف كيف تبدو أمام حماتها ~~دائما طيعة ذلولا، لا تخالف لها أمرا أو ترد لها كلمة، فملكت ~~بذكائها الأم والابن جميعا. # وهكذا وقع زكريا باشا في خطأ لم ينجه منه ذكاؤه المتوقد، وبدلا ~~من أن يكون ابنه جديرا بأن يحمل اسمه أصبح هزوة لكل هازئ، وأغلب ~~الأمر أن زكريا باشا أراد لابنه أن يلهي زوجته عنه، فيستطيع هو أن ~~ينصرف إلى نسائه ما شاء له الانصراف؛ فإن زوجته تعرف عنه ميله للنساء، ~~بل لقد حدث بينهما حادث تدافعت أصداؤه في مصر جميعا، يوم أن دعت ~~زوجته سيدات كثيرات في ليلة شاع فيها الأنس والسرور، بمناسبة عودتها ~~من الأراضي الحجازية، بعد أن حجت بيت الله وزارت قبر نبيه. # وكان الباشا يوم ذاك في البيت، ولكنه كان في حجرته بعيدا عن مجتمع ~~النسوة. # لم تكن نعيمة هانم تعرف أن صديقتها صالحة هي رفيقة الباشا في ms016 هذه ~~الأيام، فلم يكن عجيبا أن تدعوها. وكم كانت المفاجأة صعبة حين تفقدت ~~صالحة في أثناء الحفل، فلم تجدها فإذا خادمتها مبروكة تشير لها ~~بإصبعها إلى أعلى، وتصعد نعيمة هانم إلى حجرة الباشا، فتجدها خالية ~~فتكمل صعودها إلى السطح، لتجد صالحة في أحضان زوجها، وإذا بها تصرخ ~~صراخا يتعالى على صوت المغنية في الطابق الأدنى، وإذا بها تخلع ~~حذاءها، وتنهال به على معالي الباشا، وكان يومذاك وزيرا جديدا. وتصبح ~~القصة حديث مصر جميعا، وتطلق صالحة من زوجها، وتنقطع صلة الباشا ~~بها. # ولكن الباشا لا يستطيع العيش من غير أخرى، ويتعرف في هذه الأيام ~~على المستشار ممدوح بك عزت، وهو رجل اقترب من المعاش، وذهب إلى معالي ~~الوزير يرجوه أن يسعى له أن ينال رتبة الباشوية، وهو في طريقه إلى ~~مقاهي المعاش. # وممدوح بك عزت رجل تزوج وهو كبير السن من سيدة مات عنها زوجها، هي ~~السيدة نبوية الباجوري، وقد أنجبت لزوجها فتاة كان عمرها يوم ذهب ~~والدها إلى وزير العدل يدور حول العشرين. # في غمرة التقرب الذي يسعى به ممدوح بك إلى معالي الوزير دعاه إلى ~~الغداء في منزله، وهناك رأى الباشا لأول مرة بيت ممدوح بك، ورأى أيضا ~~ابنة ممدوح بك. أما البيت فكسير متواضع يدل على أن سعادة المستشار ~~شريف وفقير، وأما البنت فتدل على أن سعادة المستشار أحسن اختيار ~~زوجته، وأن الله جعل الابنة تشبه الأجمل في والديها. # راقت سهير في عين الباشا، ولكن هذه فتاة في حضن أبيها، فلا سبيل ~~إليها أو على الأقل الطريق الذي تعود أن يسلكه لا يصلح معها، مع هذه ~~الفتاة ليس هناك إلا طريق واحدة. ~~- سعادة الباشا، ابنتك سهير غاية في الجمال. ~~- لا تنس يا معالي الباشا أن صدور الرتبة منك يوشك أن يكون براءة ~~للباشوية، فأنت الوزير المختص باقتراح الرتب للمستشارين. ~~- سعادة الباشا أنا أعرف اختصاصاتي كل المعرفة. ~~- إذن؟ ~~- أظن جلالة الملك لا يرضى أن يكون أبو زوجتي «بك». ~~- ماذا؟ ماذا قلت معاليك؟ ~~- أنا يا أخي أخطب ابنتك لنفسي. ~~- هذا ms017 شرف يا معالي الباشا. ~~- ولي شرط. ~~- أنا تحت أمر معاليك. ~~- أن يظل الزواج سرا حتى أجد الفرصة مناسبة لإعلانه. # وتم الزواج، ونال ممدوح باشا رتبة الباشوية. # لم يكن عجيبا أن يقبل ممدوح بك أو باشا خطبة ابنته، فقد كانت ~~المناصب والرتب ذات شأن أسطوري في ذلك الزمان، ولكن العجيب أن شخصا ~~في ذكاء زكريا باشا يخطب فتاة تصغر ابنه بعشر سنوات. من المؤكد أنه ما ~~كان ينصح أي إنسان ينتصحه أن يفعل ما فعل، ولكن الإنسان دائما يظن ~~أنه شيء آخر غير الناس، وأن ما لا يجدر بغيره يجدر به؛ فزكريا مثلا ~~كان يظن أن شبابه دائم، وأن الجاذبية التي يتمتع بها تستطيع أن تعوض ~~سهير عن فتوة العشرين، وأن اللقب والمكانة أهم بكثير من تقارب ~~السن. # ولم يكن الأب يسأل ابنته في شأن زواجها؛ ولهذا لم تحاول سهير أن ~~تمتنع، فما دام أبوها قد اختار لها هذا فلا ترد إرادته، ولكنها في ~~شبابها المتفتح كانت تعرف الطريق الذي فرشه لها أبوها برتبة ~~الباشوية التي نالها. # وظل الزواج سرا. # شخص واحد كان الباشا يصحبه إلى بيت زوجته الجديدة، هو راشد بك ~~برهان، فقد عرف فيه الباشا قدرته الفائقة على سكب حياة كاملة في لحظات ~~متعة. وقد كانت السرية التي تحيط بالزواج تجعل الصلة بينه وبين زوجته ~~يحيط بها جو المغامرات الذي كان يحيط بصلاته مع رفيقاته السابقات. ~~وقد كان الزواج يحصن العلاقة إذا هي افتضحت من أن تلوك الألسنة ~~اسمه كما لاكتها في حادثة الحذاء، وفي أحداث أخرى مشابهة. # أعجب راشد بزوجة الباشا وأعجبت به، رأت فيه الشخص الذي تستطيع معه ~~أن تمارس شبابها وتحس بجمالها الآسر مقدرا عند خبير نساء. وهو وإن ~~كان يكبرها في السن، إلا أن الفارق أقل من ذلك الفارق الذي يفصلها ~~عن زوجها. # أحست سهير في عيني راشد الإعجاب، وكانت تعلم أنه لن يقدم على ~~مغازلتها على مرأى من زوجها، فالزوج لماح الذكاء، وراشد يعرف مقدار ~~لماحيته وذكائه. إذن فلتقدم هي. # حين انتهت السهرة، وحان ms018 الموعد لراشد أن يترك الزوجين، قام واستأذن ~~وصافح الباشا وصافح سهير، وإذا بشيء أدرك أنه ورقة تتكور في يده، ~~فيطبق عليها يده. # ويقرأ راشد على ضوء سيارته الداخلي: ~~«تعال غدا في الساعة السابعة، الباشا لن يأتي ~~غدا.» # ويضع الورقة في جيبه ولا يتولاه عجب كثير، فقد كان يعلم أنه إذا لم ~~يقم هو بدور العشيق لهذه الزوجة الشابة فسيقوم غيره، ولا بأس أن ~~يخون صديقه الذي ائتمنه على حريمه، فهو خير ألف مرة من غيره، فقد يكون ~~هذا الغير محبا للظهور، وقد يكون شابا فيه رعونة الشباب وزهوه، ~~فيفتضح من أمر الباشا ما ينبغي أن يكون سرا. # فهو إذن يقوم بدور العشيق لزوجة صديقه؛ حماية لعرض هذا الصديق أن ~~تنتاشه ألسنة حداد، وفي ميدان السياسة يباح كل شيء. # ذهب إلى بيته في هذه الليلة، فاستقبله بدوي خادمه الجديد بعد أن ~~أحال خادمه السابق على المعاش. فقد كان عم محمدين، كما كان يسميه، قد ~~بلغ من الكبر عتيا، فطلب إليه أن يظل في البيت يشرف على المأكل ~~والمشرب ويترأس الخدم، دون أن يقوم بأي عمل، وطلب إليه أيضا أن ~~يستقدم خادما له جديدا يقوم على خاصة شأنه، ويتولى شأن ملابسه. ~~فكان بدوي. # خلع راشد حلته وألبسه بدوي الجلباب، واستلقى راشد على سريره. لقد ~~بدأت مغامرة جديدة. لم يكن إلى ذلك الحين قد رأى خديجة، بل إنه لم ~~يرها إلا بعد ذلك بحوالي عامين استمرت فيهما علاقته بسهير، وطبعا ~~لم يعرف الباشا شيئا، فكان كثيرا ما يقضي مع الزوجة وزوجها ~~السهرات. ~~••• # اغتالت البورصة فهمي عبد الحميد، صديق راشد اللصيق وجاره في الأرض ~~الزراعية، وشح المال في يده، وأوشك أن يبيع عزبته المجاورة لأرض راشد ~~الواسعة، فاستدعاه راشد: كم تحتاج؟ ~~- لماذا لا تشتري أنت العزبة؟ ~~- هذا كلام فارغ. ~~- المبلغ كبير. ~~- ولكن البورصة لا تستمر على حال واحدة. ~~- وهي أيضا بلا قلب. ~~- إذا كانت خانتك اليوم وأعطت غيرك، فليس بعيدا أن تخون غيرك في غد ~~وتعطيك. ~~- إذا أعطتني أشتري أرضا أخرى، أو أسترد منك ms019 الأرض. ~~- أنا لن أشتري. ~~- ابحث عن مشتر. ~~- وأنت لن تبيع. ~~- غير معقول أن تسلفني مبلغا كبيرا كهذا. ~~- إذا لم أحتمل أضمنك في البنك. ~~- أريد عشرة آلاف جنيه. ~~- عندي. ~~- أبيع العزبة أحسن. ~~- العزبة تساوي أكثر من هذا، خذ. # وأعطاه شيكا بالمبلغ، وكتب فهمي كمبيالة مستحقة الدفع عند الطلب، ~~وضعها راشد في حافظة نقوده. ~~••• # في سهرة عند الباشا أو عند سهير أيهما شئت، قال راشد: معالي ~~الباشا، عندي خبر لا بد أن أقوله. ~~- وهل تحتاج إلى مقدمات؟ ~~- ولعل سهير هانم يهمها أن تعرفه أيضا. ~~- خيرا؟ ~~- ربما أصبح من العسير علي أن أكثر من زيارة معاليك بعد ~~ذلك. ~~- إذن فالخبر هام حقيقة. ~~- أنا أيضا سأتزوج. # واربد وجه سهير هنيهة، ولكن سرعان ما استجمعت قوة الأنثى. ~~- ألف مبروك. # وقال الباشا: نعرفها؟ ~~- يا معالي الباشا لو كنت تعرفها ما تزوجتها أنا أبدا. # وقهقه الباشا بصوت مرتفع. # وتبسمت سهير، وقال راشد مستطردا: نعرف أباها، وإلى هنا والمسألة ~~سليمة والحمد لله. ~~- من؟ ~~- ابنة عثمان باشا فكري. ~~- لقد اخترت. ~~- حقا يا باشا؟ ~~- سمعت عنها كل خير. ~~- الحمد لله، معاليك متأكد أنه سمع فقط؟ ~~- نعم، نعم، لا تخف. وماذا تريدنا أن نقدم لك هدية لهذا ~~الزواج؟ ~~- معاليك خير من يختار. ~~- إنني أعد لك مفاجأة منذ بضعة أشهر، أظن أنها تصلح هدية ~~لزواجك. ~~- هل لي أن أسأل؟ ~~- الآن أستطيع أن أقول لك. ~~- عظيم. ~~- أنت تعرف صلتي برئيس الوزراء. ~~- نعم، ولو أنك رفضت أن تشترك في الوزارة. ~~- الوزارة بالنسبة لي خسارة كبيرة، فهي تجعلني أترك الشركات التي ~~أعمل بها. ~~- ربما كنت على حق. ~~- اعتذرت عن عدم قبول الوزارة، ولكن تستطيع أن تعتبرني مشتركا ~~فيها، فرئيس الوزراء يستشيرني دائما، وقد طلبت أجرا لاستشارتي ~~هذه. ~~- طبعا استشارة زكريا باشا لا بد أن تكون مكافأتها كبيرة. ~~- لقد طلبت لك الباشوية. ~~- حقا؟ ~~- وأظن أن اسمك سيظهر في إنعامات العيد. # لم يبق إلا أشهر قلائل، تصبح راشد باشا برهان. ~~- اسمح لي أن أقبلك يا معالي الباشا. ~~••• # حين ذهب إلى بيته راح خادمه الجديد إدريس يخلع عنه ms020 ملابسه، فقد غضب ~~عم محمدين على بدوي، واتهمه بأن يده طويلة وحرامي، فطرده وجاء بإدريس ~~بدلا منه، ولم يكن راشد بك يرد لعم محمدين أمرا يأمره في البيت، فقد ~~كبر على يديه وهو يعتبر مربيا له. # لاحظ إدريس أن راشد بك سعيد حالم، وإن كان لم ينطق بحرف واحد، ~~وبينما هو يخلع عنه بنطلونه إذا بعم محمدين: سعادة البك. # وقال راشد في نفسه بعد بضعة أشهر: ستقول سعادة الباشا، يا عم ~~محمدين. ~~- نعم يا عم محمدين. ~~- فهمي بك تحت. ~~- الآن؟ ~~- لما رأى دهشتي، قال إنه يريدك في شيء مهم. ~~- اللهم اجعله خيرا. ألبسني يا بدوي، آسف أقصد يا إدريس. # وحين لبس قال لمحمدين: هات دفتر الشيكات من درج الدولاب يا عم ~~محمدين. ونزل راشد إلى حجرة مكتبه. ~~- خيرا يا فهمي؟ ~~- أين الكمبيالة؟ ~~- يا رجل، أمن أجل هذا تأتي في هذه الساعة؟! ~~- إن الحديث الذي أريدك فيه لا تصلح له إلا هذه الساعة. ~~- هل رد الدين يحتاج إلى هذه الساعة؟ ~~- إني سأرده نعم، ولكن ليس بالطريقة العادية. ~~- ماذا؟ ~~- معي ورقة تحتاج إليها. ~~- وهل تريد أن تبيعها لي؟ ~~- نحن نعمل في البورصة، وأنت قلت: إن البورصة لا قلب لها. ~~- ولكن نحن لنا قلوب. ~~- نحن أبناء البورصة. ~~- بل نحن أبناء الإنسان. ~~- المهم، ألا تريد أن ترى الورقة؟ ~~- لا بأس. # وأخرج فهمي الورقة وفتحها لحظة، ثم أقفلها وأعادها حيث كانت. # ودارت الدنيا براشد، واستمر فهمي: إنك على وشك الزواج، وفضيحة كهذه ~~تقضي على زواجك. ~~- هل هذا معقول؟ ~~- وقد عرفت أنا بتحرياتي أن الباشا تزوج سهير ممدوح، وطبعا الورقة ~~منها. ~~- أيمكن هذا؟! ~~- تصور لو وقعت الورقة في يد ابنه عدلي، لقد جن حين أخبرته أن ~~أباه تزوج، وحاول أن يخبر أمه، ولكنها في مرض الموت ولا تعي ~~شيئا. ~~- أهذا فهمي الذي يكلمني؟ ~~- تصور أن عدلي ينوي رفع دعوى سفه على أبيه؟! فكر في أثر هذه ~~الورقة في القضية. ~~- فهمي، المبلغ لا يهمني، وسأعطيك الكمبيالة، ولكن كيف تصنع أنت ~~هذا؟ ~~- ألم أقل لك إن البورصة لا ms021 قلب لها؟ ~~- ولكن أنا أيضا ابن البورصة وأنا ... أنا ... ~~- أعرف ما تريد أن تذكره من شهامتك، ولكن الناس معادن، أنت شهم وأنا ~~نذل، أظن أن هذا يوفر عليك كثيرا من الكلام. ~~- هات الورقة. ~~- هات الكمبيالة. ~~- لك حق، فأنت تظن الناس جميعا مثلك، نتبادلها في وقت واحد. # وتمت المبادلة. ~~- هل اطمأننت الآن؟ ~~- كنت أستطيع أن أطلب ضعفي هذا المبلغ، وكنت ستدفع. ~~- الآن اعلم أنك أنت الذي ستدفع، وستدفع أضعاف ما أخذت. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- سترى. # | الفصل الخامس # وهكذا سافر راشد إلى أوروبا مع عروسه وفي ذهنه كثير يشغله، فقد ترك ~~زوجة زكريا باشا نعيمة هانم بين موت وحياة، وابنه عدلي كاد يجن من ~~خبر زواج أبيه، وهو لا يجد من أمه أذنا أو فهما ليبثها هذا الخبر، ~~فتقضي على هذا الزواج قضاء مبرما، وهو وإن كان قد تجاوز الثلاثين إلا ~~أنه غبي قاصر العقل هزيل التصرف، وليس ببعيد أن يرفع دعوى السفه ~~على أبيه، فجهله يحول بينه وبين معرفة هزل هذه القضية وعدم ~~جديتها. وكل ما يعرف عن أبيه أنه زوج أمه الذي يطيعها في كل ~~شيء، ولو كان على شيء مهما يكن هينا من الذكاء، لعرف أن أباه لا ~~يطيع أمه إلا في تافه الأمور، فلو قد فكرت أن تتعرض لآرائه الفقهية أو ~~السياسية، لكان له معها شأن آخر. # وليس راشد بالذي يفكر هذا التفكير جميعه في شأن زكريا لمجرد ~~الاهتمام بأمره، وإنما خشي أن يشغله شأن ابنه هذا عن السعي إلى ~~الباشاوية التي وعده بها. # وهو يخشى أيضا أن تؤلبه سهير عليه، فقد قطع علاقته بها تماما منذ ~~ذلك اليوم الذي أعلنها فيه أنه سيتزوج، وللسيدات إلى هذه الأمور ~~مداخل لا يلج منها سوى ذكائهن. # ولكنه مع كل ذلك كان يفضل السفر فهو لا يحب أن يظهر أحدا على ~~اهتمامه برتبة الباشوية، ثم لا تأتي، وهو يفضل أن يعرفها الناس من ~~المرسوم لا منه، وأن له أصدقاء خلصا، وهو يخشى - وإن كان يعرف نفسه ~~- أن تفلت منه كلمة تنبئ عما ms022 يدور بنفسه من آمال. # وقد حرص راشد ألا يخبر زوجته بما ينتظر، فالرتبة عند السيدات لها ~~مكانة خاصة، وهو يخشى ألا تأتي فتهتز مكانته في نفسها. # لم يستطع شيء من هذا جميعه أن يحول بينه وبين أن يعيش الساعة في ~~فرنسا ساعات مكثفة من البهجة، يشيعها من نفسه إلى قلب زوجته، وإلى ~~قلب كل من يشاركهما في لياليهما أو في بياض نهارهما. # فهو من أولئك القلة التي تعرف لكل لحظة حقها، فلا يعدو التفكير ~~على المتعة، ولا تعدو المتعة على العمل. # وهو أيضا كان يعلم أن ليس في القاهرة شيء يستطيع أن يفعله، ~~فالانتظار وحده ليس عملا. # أما عن فهمي؛ فإنه لم يبت ليلته التي زاره فيها ليعرض سفالته إلا ~~وقد أعد له عدته، وعرف تفاصيل ما سيفعله بشأنه، ولم يكن الموعد ~~الذي حدده قد جاء بعد. # حين عاد راشد إلى القاهرة في أوائل سبتمبر، كان الباشا قد أعلن ~~زواجه من سهير بعد أن ماتت نعيمة، وأصبح الباشا يخرج مع زوجته في كل ~~مكان. # وكان عدلي قد رفع دعوى السفه على أبيه، فجعل من نفسه أضحوكة بين ~~الناس. فإن كان لا بد من دعوى ترفع، كان الأجدر أن يرفعها الأب ~~العالم الذكي على ابنه الغبي الجاهل. # وكان زكريا باشا كبيرا كشأنه، فاكتفى بإرسال أصغر محام في مكتبه، ~~وهو يعلم أن مهمة المحامي غاية في السهولة واليسر. ولم يكن عجيبا ~~ألا يفكر زكريا باشا في حرمان ابنه من الميراث، وما كان أيسر من هذا ~~بالنسبة إليه، ولكن لعله بروح القاضي العادل، والفقيه القانوني قد أدرك ~~أنه هو الذي أهمل شأن ابنه وجعل منه هذا السخيف الذي أصبحه بما هيأت له ~~أمه من مجالس فارغة مع نسوة جاهلات، وما هيأه له طاهي المنزل من ~~ثقافة مطبخية. # ولم يشأ زكريا أن يعاقب ابنه على خطأ ارتكبه هو نحوه، ويعتبر نفسه ~~مسئولا عنه. # وبقدر ما كانت أحاديث القاهرة تسخر من سخافة عدلي، بقدر ما كانت تكبر ~~موقف أبيه وتعاليه عن الصغار، وعن أن يجعل ms023 نفسه في كفة ميزان مع ابنه ~~السخيف. # كان العيد قد اقترب وذهب راشد إلى القرية ومعه زوجته، وراح يوزع على ~~الفلاحين الملابس والنقود مضاعفة هذا العام، مدعيا أنها من أجل زوجته، ~~فانطلقت الألسنة تدعو لها وله بكل هناء، وإن كان هو في خبيء نفسه يدبر ~~لأمر ويعد له بهذه المنح عدته. # ظهرت أسماء الذين أنعم عليهم برتبة الباشاوية، وانفجر الخبر في ~~البلدة حيث أحب راشد أن يكون، ففي الريف تصبح الأفراح والأحزان أكثر ~~جلاء ووضوحا من المدينة. # في الريف ينطلق الفرح فيصبح في كل بيت، توشك تراه في الشمس وفي القمر ~~وفي الزرع، وعلى وجوه الأنعام، مع زغاريد النساء ورقص الرجال وقرع ~~الطبول وهتاف المزمار. # وأعاد راشد المنح مرة أخرى بمناسبة الباشوية، وركب سيارته مع زوجته ~~ليقيد اسمه في دفتر التشريفات، ثم ليذهب بعد ذلك فورا إلى زكريا ~~باشا ليشعره أنه يعرف الفضل لأهله، وأخبره زكريا باشا بالأسماء التي ~~ينبغي أن يمر بها ليقدم الشكر؛ مثل رئيس الوزراء ورئيس الديوان وكبير ~~الياوران وغيرهم. # لم يمكث الباشا راشد في القاهرة أكثر من يومين، ثم أخبر خديجة أن ~~لديه عملا في القرية وقد يضطر أن يغيب بها يومين، ولم تكن الزوجات إلى ~~ذلك الحين يناقشن رغبات أزواجهن، وخديجة لها من ثقافتها ما يجعلها تعرف ~~تماما متى يجمل بها أن تسأل ومتى ينبغي لها ألا تتدخل؛ فهي تدرك أن ~~أعمال زوجها ليست مجال أسئلة لها أو تدخل. # وهكذا أخذ حضرة صاحب السعادة راشد برهان باشا طريقه إلى ~~قريته. # | الفصل السادس # في زيارته الأولى سأل: متى نجمع القطن؟ ~~- بعد بضعة أيام. ~~- والعزب التي تجاورنا؟ ~~- بعدنا. ~~- كلها؟ ~~- كلها؛ نحن أول من زرعنا القطن في الجهة. ~~- عظيم. سأحضر معكم الجمع هذا العام. ~~- نزداد شرفا يا سعادة الباشا. # في زيارته الثانية ركب راشد حصانه وراح يمر بأرضه مع حمزة البلاشوني ~~وكيل زراعته. وبدا وكأن «راشد» أخطأ الطريق فمر على حدود الأراضي ~~المجاورة، وسأل حمزة: كم فدان قطن هذه؟ ~~- ثلاثمائة فدان. # ولم يعقب. # وحين عاد إلى البيت قال ms024 لحمزة: أريد متولي الفراش. ~~- سعادتك تقصد متولي صاحب الفراشة؟ ~~- نعم. ~~- سعادتك تنوي أن تقيم لنا ليلة بمناسبة الباشوية؟ ~~- ستكون ليلة وأنت بطلها. ~~- يا ليت يا سعادة الباشا لو كنت أعرف كيف أغني لغنيت للصبح. ~~- ستغني يا حمزة. ستغني للصبح ولكن بأصوات أخرى. ~~- سعادتك تتوقع أن أفهم؟ ~~- مؤقتا المطلوب ألا تفهم. # وسأل متولي صاحب الفراشة: كم كلوب عندك؟ ~~- أمرك يا سعادة الباشا. ~~- أريد ثلاثين. ~~- أمرك، سعادة الباشا. ~~- خذ، اشتر ما ينقصك وحين تنتهي الليلة خذها لك. ~~- ربنا يطيل عمر سعادة الباشا. ~~- متى تكون مستعدا؟ ~~- عندما تأمر. ~~- الليلة. ~~- أمرك. # وقال لحمزة: أريد كل نظار العزب. ~~- أمر سعادة الباشا. ~~- بعد ساعة. ~~- أمرك. ~~- ومعهم الخولية. ~~- أمرك سعادة الباشا. # قال لهم راشد: أريد أطفالا وشبابا ونساء في سن جمع القطن. # وقال حمزة: كم تريد؟ ~~- لو كنت أريد عددا ضئيلا ما جمعت كل هؤلاء الرجال، أريد كل من ~~تستطيعون أن تجمعوه. وأريد عربات نقل وجمالا وحميرا أيضا بقدر ما ~~تستطيعون. # ونظر الرجال بعضهم لبعض وقال أحدهم: القطن عندنا لا يستحق الجمع ~~الآن. ~~- لا عليك يا حاج جودة ستعرف كل شيء في حينه. أنا أعرف أن أحدا لم ~~يفتح في الجمع حتى الآن. كم نفرا تستطيع أن تجيئني به؟ ~~- أمرك، أستطيع أن أحضر أكثر من مائتين؛ فالجميع الآن لا يصنعون ~~شيئا. ~~- وهذا بالضبط ما قصدت إليه. ~~- وهو كذلك. # وراح كل ناظر وكل خولي يدل بعدد الأنفار التي يستطيع جمعهم، واكتمل ~~العدد ألفا ومائتين، أدرك الباشا أنهم لن يتجاوزوا الألف وهذا ما ~~أراد. ~~- متى تستطيعون أن تحضروهم؟ ~~- إن أردت الآن. ~~- أنا فعلا أريدهم الآن. إن انتظرنا إلى الغد فشل كل الترتيب الذي ~~أصنعه. ~~- أمرك. ~~- متى تحضرون؟ # نظر الحاج جودة حوله لحظة ثم قال: صفار شمس يا سعادة الباشا. # وأمنت الأصوات على الموعد. # قبل أن تغرب الشمس كانت الأرض الفضاء الواقعة أمام سراي راشد باشا ~~برهان تغص بالناس، منهم من جاء تلبية للطلب، ومنهم من جاء ليعرف السر ~~وراء هذه الدعوة الغريبة للناس والأنعام جميعا. وفي نفس الوقت كان ms025 ~~الباشا مجتمعا مع حمزة ونظار العزب في حجرة مقفلة لم يسمح لغيرهم ~~بدخولها. وسأل الباشا حمزة: هل خفر العزب معكم؟ ~~- طبعا. ~~- هل معهم أسلحتهم؟ ~~- طبعا. ~~- كم بندقية عندنا؟ ~~- كان عندنا عشر بنادق اثنتان منهما الآن في الإصلاح. عندنا الآن ~~ثمان. ~~- لا بأس، ما سأقوله الآن سينفذ دون أن يعرف أحد في الخارج شيئا إلا ~~وأنتم في المكان الذي أحدده. ~~- أمرك. ~~- ستأخذون الأنفار جميعا إلى أرض فهمي عبد الحميد. # ونظر الرجال بعضهم إلى بعض، وأكمل الباشا: في ساعة زمن سينزل ~~الجميعة الغيط، مع كل جماعة كلوب وحول الأرض الخفراء مع بنادقهم؛ ~~يهددون فقط لا أريد عنفا، وقد تكتمت الخبر وأعتقد أن أحدا لن يأتي ~~إليكم، وفهمي عبد الحميد غير موجود، وحين يأتي ستكونون قد جمعتم ~~القطن. # الأكياس يا حمزة التي أتينا بها لقطننا أنا اشتريتها لهذه ~~العملية. ~~- أمرك يا سعادة الباشا. ~~- تخرجون وتأخذون الأنفار دون أن تقولوا إلى أين حتى يجدوا أنفسهم ~~أمام القطن يا حمزة، هذا أجر مضاعف للأنفار وكافئ كل من يبدي ~~همة. # الناس في القرى لا يسمحون لفرصة كهذه أن تمر دون أن يعرفوا أعماق ~~أعماق الأسرار التي تقف وراءها، إنهم واثقون أن هذا المشهد الذي يرون ~~سيصبح تاريخا يتحاكون به ويجعلون منه على الأيام بصمة كعام الفيل الذي ~~خلده التاريخ. فكل حدث ضخم في القرية عام فيل، ونراهم يقولون ... في ~~سليقة مواتية، وكان هذا قبل حكاية الباشا وفهمي عبد الحميد بأسبوع أو ~~بعدها بشهر، وهكذا ستصبح علامة زمنية يرويها أب إلى ابنه وابن إلى ~~حفيده. # فهيهات هيهات أن يتركوا الجموع تذهب ولا يقصوا أثرها ويتبعوها إلى ~~حيث تذهب، وإن كانت جهنم هي المقصد والمتجه. # وهكذا تجمع مئات آخرون حول الجميعة الذين أنافوا على الألف، وساروا ~~يتبعهم كل من رآهم، حتى إذا بلغوا أرض فهمي وقف حمزة وألقى أوامره في ~~حسم وفي اختصار، وتفرقت الأضواء، وأحاط الخفراء بالأرض، وتسلم كل نفر ~~خطا وبدأ جمع القطن. ووقف المتفرجون لحظات وقد عقدت الدهشة ألسنتهم ~~ولكنهم ما لبثوا أن تبينوا مقدار ms026 الجرأة والابتكار في هذا الذي يحدث، ~~وهم مطمئنون أن سندهم الباشا؛ فما لهم لا يشاركون فيما أخذ فيه ~~الجميعة، وتصبح روايتهم ذلك مؤيدة بأنهم جمعوا مع من جمع؟ وتمكنوا أن ~~يجمعوا ثلاثمائة فدان، بدءوا فيها بعد أذان المغرب وانتهوا منها وصلاة ~~العشاء ما زالت حاضرة. # حتى السرقة في القرى توقت بأوقات الصلاة. وهكذا نستطيع أن نقول ~~إنه حين وجبت صلاة الفجر كان قطن فهمي عبد الحميد في مخازن راشد باشا ~~برهان مستقرا، وكأنه فيها منذ أيام طويلة. ~~••• # أصبحت هذه القصة أحدوثة المديرية كلها يتناقلونها بشيء أثير من ~~الدهشة. فراشد حسن السمعة لم يمد يده في حياته إلى ما ليس له، وفهمي ~~عبد الحميد ليس فوق مستوى الشبهات، وهكذا سرعان ما ابتدعت الإشاعات قصة ~~عن السبب وصدقها الناس. # فالناس لا يحكمون على أحد من حادثة واحدة، وإنما هم ينظرون في ماضيه ~~جميعا، ويقارنون ويقدمون الحيثيات، ثم يصدرون الحكم. # لقد أكل فهمي عبد الحميد على راشد مبلغا من المال، وأبى أن يرده ~~إليه؛ فلم يجد راشد أمامه سبيلا إلا هذا، فهو لا يحب أن يستلب أحد ~~أمواله، ما دام هو لا يحب أن يستلب أموال أحد. # وهكذا أصبح فهمي عبد الحميد المجني عليه ظالما لا مظلوما، ولا ~~إشفاق عليه؛ فهو الذي صنع اسمه هذا وسيرته تلك بين الناس، فليس عجيبا ~~أن يكون هذا هو حكم الناس عليه. وأن من يقدم على ما أقدم عليه نحو شخص ~~أكرمه وأقال عثرته وحفظ عليه ماله وأرضه، ليس غريبا عليه أن يكون اسمه ~~بين الناس غير كريم. فهذا الاسم يتكون عند الناس من أشياء صغيرة غاية ~~في الصغر، يأتيها ذو النفس اللئيمة عن غير قصد ويستقبلها الناس في كثير ~~من الأحيان، وبنوع من النفور قد لا يعرفون سببه، وليس غريبا أن تسمع ~~من الناس عن فلان منهم أنهم لا يرتاحون إليه، وربما عجزوا عن إبداء ~~الأسباب إن سألتهم أسبابا، فهمي عبد الحميد هو هذا الفلان من الناس ~~عند الناس. # عرف أهل المديرية مما تواتر عن هذه ms027 الحادثة أن «راشد» في القرية، ~~فتوافدوا إليه من كل البلاد يهنئونه بالباشوية ويسخرون من فهمي عبد ~~الحميد، وربما حاول أصدقاؤه المقربون أن يعرفوا منه ما دعاه إلى ما ~~فعل، ولكنه كان يقول في حسم: هو يعرف وهذا يكفي. # وقصد إلى بيت راشد باشا مدير المديرية والمأمور والحكمدار، وقال ~~الباشا المدير: جاءتنا شكوى من فهمي عبد الحميد. # وقال راشد في نوع من التجاهل: خيرا. ~~- لا تحاول معنا تجاهلا؛ فقد حققنا الشكوى. ~~- مم يشكو؟ ~~- المهم أن كل رجاله رفضوا أن يشهدوا ضد أي أحد من رجالك. فأشجع من ~~فيهم الذي قال: ناس لا نعرفهم. وأغلبهم قال: ليسوا من الناحية ولا من ~~الجهة. ~~- ما زلت لا أعرف عم تتحدث يا سعادة الباشا! ~~- والله وأنا الآخر لا أعرف عم أتحدث! اطلب لنا القهوة يا سعادة ~~الباشا. ~~- إنها عادة تأتي دون أن أطلبها يا سعادة الباشا، شرفت، شرفت يا ~~سعادة الحكمدار، وأنت يا سعادة البك المأمور. ~~- انتهزنا الفرصة لنهنئ سعادتك بالباشوية. ~~- أكرمك الله يا سعادة الحكمدار، إن شاء الله نهنئك بها ~~قريبا. # والتفت إلى الباشا المدير: سعادة الباشا يحب النارجيلة. ~~- وقد أحضرتها معي في السيارة. أتأمر بإحضارها؟ ~~- لا يا سعادة الباشا، في هذه المرة ستشرب في نارجيلة أخرى، ومعها ~~دخان استقدمته لسعادتك خصيصا من تركيا. # وصفق راشد باشا، وأصدر أوامره، وما لبثت أن جاءت شيشة ذات مبسم من ~~المرجان، وقد أحكم عليها دخان واضح الفخامة، وما هي إلا أن جذب منها ~~الباشا المدير جذبة؛ فإذا هو يقول: سعادة الباشا، ليس في مصر رجل مثلك ~~يعرف كيف يحيي الناس في أناقة وترفع. # ويضحك الجميع. # لقد كانت ملاحظة المدير غاية في الصدق. فمن يستطيع أن يقول إن مديرا ~~عظيما يرشى بنرجيلة؟ إنما هي هدية من ناحية الثمن لا تساوي شيئا ثم ~~هو يقدمها إليه على الملأ، والرشاوى لا تقدم على الملأ. إنما هي هدية ~~تحمل في طواياها أن مقدمها يهتم بمن سيقدمها إليه، ويبحث عما يسره من ~~الهدايا ويقدمها إليه. # ذكي سعادة الباشا الجديد، ذكي لا شك ms028 في ذلك. # | الفصل السابع # شهيرة سيدة عجيبة. إنها ابنة عم خديجة، وأبوها وجدي باشا عزت، وقد ~~تظن أني أخلط الأنساب فجعلت أخا عثمان باشا فكري اسمه وجدي باشا عزت! ~~ولو أنك سألت واحدا من أبناء هذا الجيل لعلمت أن المدارس في ذلك العهد ~~العهيد من الزمن كانت تسمي تلاميذها بأسماء تركية غير تلك التي ~~يردون بها إلى المدرسة، ولم تكن هناك شهادات ميلاد في ذلك ~~الحين. # فوجدي باشا عزت هو أخو عثمان باشا فكري كما شاءت المدرسة أن تسميه. ~~وإن كان عثمان باشا فكري قد نال الباشوية عن طريق غنى سابق تبدد فأصبح ~~أقرب إلى الفقر؛ فإن وجدي باشا عزت نال الباشوية عن طريق السياسة، فقد ~~كان عضوا بالتجمعات البرلمانية التي كانت تسمى المجلس التشريعي أو ~~مجلس شورى القوانين، ولم تمهله الحياة أن يرى مجلسي البرلمان اللذين ~~نبتا عن دستور عام 1923م، وكانا يسميان مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ولكن ~~وجدي باشا ترك مع ذلك سيرة طيبة، وترك أيضا بقية من مال تجعل ابنته ~~شهيرة تنسلك بشيء من الصعوبة والعسر مع طبقة الأغنياء، إلا أنها كانت ~~تعيش عيشة سمحة، لا عنت فيها ولا إرهاق. # وكانت شهيرة تستطيع أن تستغني باسم أبيها وبما تركه من مال عن تعلقها ~~بأصحاب الألقاب وأصحاب الشهرة؛ فهي مثلا لم تزر خديجة إلا زيارات ~~نادرة، تستر بها واجبات القرابة. فلم يكن راشد ذا شهرة في المحيط الذي ~~تحيا فيه شهيرة، وابنة عمها لا تمثل عندها إلا أنها ابنة باشا، وباشا ~~غير ذي شهرة، بل وغير ذي مال أيضا. # وهكذا لم تجد شهيرة داعيا أن تزورها، حتى إذا نال راشد الباشاوية ~~أصبحت شهيرة لا تترك بيت خديجة، بل وأصبحت لا تخفي عنها سرا من ~~أسرارها. # كانت شهيرة تجد متعة في نطق كلمة باشا، وتحس لها مذاقا في فمها ~~وموسيقى في أذنها، وتكاد تشم لها رائحة فواحة العبير في خياشيم أنفها. ~~ونفس هذا الشعور من النشوة كان يلفها إذا ذكرت اسما من أسماء المشاهير ~~في أي متجه تحققت له ms029 الشهرة فيه. وإني لأعجب لها ولا شك أنك ستعجب ~~معي أن النساء الشهيرات في عالم الليل وفي غير ما يشرف المرأة أن تشتهر ~~به كن يثرن في نفسها نوعا من التوفز، حتى إذا تعرفت بواحدة منهن ~~اتخذت منها صديقة مقربة توشك لا تفلت يوما لا تزورها فيه أو تتصل ~~بها. # رحبت خديجة بصداقة ابنة عمها الجديدة. والحقيقة أن شهيرة أنيسة ~~الجلسة، طيبة الحديث، يمر معها الوقت لا تكاد جليستها تحس به. وقد ~~سعدت شهيرة أن توثق صلتها بجلفدان هانم والدة راشد باشا، وقد كان ~~الجميع يناديها هانم أفندي، كما سمعت ابنها يناديها في أول هذا الحديث ~~الذي أسوقه إليك. # فكلمة هانم أفندي ذات رنين عند شهيرة، بل إنها تجد في نطقها أنها ~~تختلف عن الأخريات اللواتي لا يعرفن سيدة يقلن لها هانم أفندي. ولا ~~يهمها أن سبب هذه التسمية آت من أن السيدة جلفدان كانت ابنة لإحدى ~~حريم السلطان عبد الحميد وزوجها لواحد من أتباعه، وقد خطبها زوجها ~~والد راشد من تركيا، وشفع له غناه، فنسي أصهاره أو أرادوا أن ينسوا ~~أنه ليس إلا فلاحا لا يرقى إلى سمواتهم. # ليس شيء من هذا يقع موقع الأهمية عند شهيرة، المهم أن تقول هانم ~~أفندي، والمهم أن هانم أفندي أحبتها، وتجمع الجلسة ثلاثتهن. ~~- ألا ترين طريقة لقريبتك هذه؛ شهيرة هانم؟ ~~- ما لها، هانم أفندي؟ ~~- لا تريد أن تأتي لنا بمولود. # وكانت خديجة تحب حماتها حبا طاغيا، فهي قد تركت لها شئون المنزل ~~تصنع فيه ما تشاء، وقد قدرت لها خديجة هذا، فجعلت إشارتها أمرا؛ فهي ~~تنفذ لها أوامرها قبل أن تنفذها لزوجها؛ ولهذا لم تكن أحاديث حماتها عن ~~الإنجاب تثير في نفسها شيئا مما يغضب له النساء عادة إذا طالعتهن ~~الحموات بمثله. وعلى كل حال فقد كان لها مع حماتها في يومها ذاك شأن ~~آخر. ~~- وهل بيدي هانم أفندي؟ ~~- كل شيء بأمر الله هانم أفندي. ~~- ولكن يا ابنتي يا شهيرة إنها لا تريد أن تسمع كلاما في هذا الشأن. ~~علينا أن نحاول. ms030 ~~- نعم في هذا أنت محقة هانم أفندي، ماذا جرى لك يا خديجة؟ لا بد ~~أن نحاول، أعرف داية. ~~- اسكتي يا شهيرة. ~~- ألا تريدين حتى أن تسمعي؟ ~~- هانم أفندي، إني حامل، وأنا أخبرك الآن قبل أن أخبر الباشا. ~~وسقط الصمت على الحديث المتحمس، وارتسمت ابتسامة على فم خديجة، واندلعت ~~دهشة وفرحة في عيني جلفدان، وانعقد لسان شهيرة. لحظات بدت بطيئة، ~~ولكنها لحظات، ثم انتفضت هانم أفندي إلى دولاب نقودها، وقبضت منه قبضة ~~وصاحت: يا بنات، يا فهيمة يا وهيبة يا سنية يا حبيبة. # وتقاطرت الخادمات إلى السيدة الكبيرة. ~~- خذن، خذي أنت وأنت وأنت، زغردن زغردن جميعا، افتحن الشبابيك، ~~افتحن الشبابيك أنا آمر بهذا، افتحن الشبابيك وزغردن ولا تتوقف منكن ~~الزغاريد حتى يأتي الباشا ويسمعها منكن. # وأخذ الضحك السعيد بمجامع خديجة، وأحست شهيرة لأول مرة أنها لا تجد ~~شيئا تقوله أو تفعله. # وخرجت جلفدان هانم من الحجرة، وراحت تصدر الأوامر أن يبلوا ~~الشربات، وطلبت محمدين وأمرته أن يفرق عيشا ولحما عند مقام السيدة ~~زينب وسيدنا الحسين. # وقالت شهيرة لخديجة في اهتمام: جاءني عريس. ~~- من؟ ~~- سامي حسنين. ~~- ابن خالتك؟ متى جاء من أوروبا؟ ~~- منذ شهر. ~~- أخذ الشهادة؟ ~~- في الهندسة. ~~- وأنت ما رأيك؟ ~~- تريدين الحق؟ ~~- أريد الحق. ~~- هو بلا شخصية. ~~- بالنسبة لك ليس هذا عيبا. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت لا تحبين أن يكون هناك رأي بجانب رأيك. ~~- وهو أيضا فقير. ~~- وهذا أيضا أحسن لك. ~~- أعوذ بالله منك. ~~- أنت غنية، وغناك وفقره سيجعل كلمتك دائما هي النافذة. ~~- دمه ثقيل. ~~- يخف. ~~- يعني؟ ~~- توكلي على الله. # وارتفعت الزغاريد فعرفتا أنها تستقبل الباشا بالبشرى. # | الفصل الثامن # انصبت أخبار القطن على فهمي عبد الحميد ترادفها الدهشة والعجب، ~~ولعل بعض الندم ألم به. وسأله الناس، فتظاهر بأنه مظلوم وإن لم ~~يبد سببا. خشي أن يختلق سببا فيحل به عقاب آخر وخشي أن يقول ~~الصدق فيحتقره الناس، لقد أدرك أن راشد قد اصطنع ما ليس من خلقه ليرد ~~عليه تصرفه. لقد انتهب هو أموال راشد آمنا، إلا أن راشد لن يتخذ نفس ms031 ~~الطريق ليسترد أمواله. # لم يستطع فهمي عبد الحميد أن يذهب إلى راشد بعد الحادث بفترة قصيرة، ~~وإنما آثر أن يترك الأيام تنسي الناس ما حدث، وآثر أن يشعر راشد أنه ~~انتقم فلا يجاريه في الحديث. حتى إذا مر من الوقت ما أراد فهمي أن يمر ~~ذهب إلى راشد في بيته في مصر؛ فقد حرص ألا يرى رجال راشد ورجاله ذله ~~وانكساره، خاصة بعد أن عرف ما كان من زيارة المدير ورجال الإدارة لبيت ~~راشد بالبلدة. # وفي القاهرة: لم أتوقع هذا! ~~- لأني عشت عمري كله أكرمك وأكرم جوارك. ~~- فلماذا لم تكرم خطئي؟ ~~- أنا لا أستطيع أن أكرم سفالتك؛ لا إكرام عندي للسفالة. ~~- كلنا في الهوى سوا يا سعادة الباشا. ~~- كذبت. ~~- حين تستحل صلة غير شريفة بصديق قريب لك تسمي هذا خلقا؟ ~~- أنا غير مستعد أن أدافع عن نفسي أمامك. ~~- ولقد حميتك أن تدافع عن نفسك أمام زكريا باشا. ~~- لو كنت أعطيتني الورقة دون استغلالها لجاز لك أن تقول هذا. ~~- وما البأس أن أستغلها وأنا في فقري هذا؟ ~~- لقد وقفت إلى جانبك في فقرك، وأنا لم أطالبك. ~~- فرصة لاحت لي. ~~- فرصة قذرة. ~~- ألا يجوز لي وأنا ابن البورصة أن أستغل ضربة حظ؟ ~~- لقد صنعت أنت هذه الضربة واشتريتها من خادم لي. ~~- كيف عرفت؟ ~~- الأمر لا يحتاج إلى ذكاء، ولو كنت ذكيا حقا لقدرت ذكاء ~~الآخرين. ~~- لكل منا أن يبحث عن مصالحه أينما وجدت. ~~- ولكن يجب علينا أن نكون على شيء من الخلق. ~~- يا سعادة الباشا، إننا نلعب على مائدة واحدة. ~~- ربما أكون قد أخطأت ولكنني أعرف أنني كنت مخطئا وقد تبت. إنني ~~منذ تزوجت لم أخن زوجتي. ~~- ولا خنت صديقا لك. ~~- رددت خيانة أحدهم ولم أخنه. ~~- يا سعادة الباشا لقد خنتك في مالك وخنت أنت صديقك في عرضه؛ فلا ~~أعتقد أنك الشخص المناسب للحديث عن الشرف. ~~- أنت خنتني في مالي وفي إكرامي لك. ~~- لم تذهب بعيدا عما ذهبت إليه. ~~- أما أنا فقد تبت. ~~- الله وحده يعلم ما في القلوب. ~~- ولكننا نحن البشر ms032 نعرف الظاهر من الأعمال. ~~- ظاهر الأعمال أنك استوليت على قطني بغير حق. ~~- أليس لي حق عندك؟ ~~- أمام القانون لا حق لك. ~~- لو كان القانون يعطيني حقي ما لجأت إلى تحطيمه. ~~- وترى هذا عملا شريفا؟ ~~- ألم تقترح أنت ألا نتكلم عن الشرف؟ ~~- هذا حقك. وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- أما أنا فقد فعلت. ~~- يخيل إلي أن عملك لم ينته. ~~- لن أسمح لك بزراعة أرضك حتى أسترد مالي الذي عندك. ~~- أكتب لك كمبيالة جديدة. ~~- معنى الكمبيالة أنني أقبل تسليفك وأنا لا أقبل. في هذه المرة لا بد ~~أن أسترد أموالي نقودا مثل الذي أعطيتها لك. ~~- ولكن .. ولكن هذا مستحيل. ~~- لماذا؟ لقد غطيت خسارتك بالمبلغ الذي أعطيته لك، ثم كسبت من أسهم ~~الشركة الخديوية مبلغ عشرين ألف جنيه، وكسبت من صفقة اتحاد البنوك ~~ثلاثين ألف جنيه. لو لم أكن أعرف أنك تستطيع رد أموالي لبحثت عن طريقة ~~أخرى لاستردادها. ~~- تعرف عني كل شيء. ~~- لقد قلت الآن إننا نلعب على مائدة واحدة. ~~- نخصم ثمن القطن وأعطيك الباقي لك. ~~- أي قطن؟ ~~- راشد بك! ~~- باشا إذا سمحت! ~~- راشد باشا، أتنوي ...؟ ~~- لقد نويت. ~~- وهل هذا معقول؟ ~~- وهل ما فعلته معقول؟ ~~- إن لي أولادا، هذا حرام عليك! # وهل لا بد أن يكون لي أولاد حتى أنال حقي؟ وعلى كل حال يا سيدي ~~اطمئن، فإن ابني في الطريق. # فمن أجل خاطره إذن يا سعادة الباشا ارحمني! أعرف أنك قادر، ولكنني ~~أعرف أيضا أنك تعفو إذا قدرت. ~~- بشرط واحد. ~~- لقد أحضرت معي المبلغ. ~~- اسمع يا فهمي، سأقبل المبلغ الذي أحضرته على أن ننسى كل شيء حدث ~~بيننا في هذه الفترة. ~~- هذا شرط أبحث أنا عن تحقيقه إذا رفضت أنت. ~~- وهو كذلك، هات المبلغ. ~~- شكرا يا سعادة الباشا، ألف شكر. # | الفصل التاسع # جاء المولود الأول لراشد باشا، وقد حلا له أن يسميه اسما عربيا ~~عريقا؛ فسماه أسامة. وحاولت هانم أفندي أن تعترض لتخلد اسم أبيها ~~نيازي، ولكنها وجدت من ابنها إصرارا. وقد صاحب مجيء أسامة فرح كبير ~~في الأسرة، استبشرت خديجة، واستبشرت ms033 به هانم أفندي، ولم يجد راشد باشا ~~بأسا أن يستبشر به أيضا، فقد تحدد يوم زواج شهيرة من ابن خالتها سامي ~~حسنين. وكان اليوم محددا بعد ميلاد أسامة بعشرة أيام، وقد تصادف أن تم ~~تحديد الموعد والميلاد في يوم واحد. # وفي المساء، وبعد أن استطاعت خديجة أن تسمر مع المهنئين وهي في سرير ~~ولادتها، قالت شهيرة: والله لا أتزوج حتى تستطيعي أنت حضور ~~فرحي. ~~- هل جننت يا شهيرة؟ ~~- أكون مجنونة لو فعلت غير هذا. # وهكذا تجدد تحديد الموعد على يد الطبيب الذي أشرف على ميلاد أسامة، ~~فالأطباء في ذلك الحين كانوا يشرفون على الولادة ولا يقومون بها؛ فإنه ~~لا ينبغي للسيدات أن يلدن بمشهد من رجل حتى ولو كان طبيبا. فكان ~~الطبيب يحضر الولادة جالسا مع الرجال، وكانت الداية التي يرشحها ~~الطبيب هي التي تقوم بعملية الولادة نفسها، فإذا حدث خلل يستدعي تدخل ~~الطبيب فإنه حينئذ يتولى بنفسه العمل مباشرة. فقد كان ذلك الجيل لا ~~يؤمن أن الوقاية خير من العلاج، ما دامت هذه الوقاية ستحطم عرفا ~~عريقا كانكشاف الحريم على غير الزوج. وقد كان راشد جديرا أن يحطم هذا ~~العرف لولا أن الطبيب طمأنه أن الولادة ستكون طبيعية، وأنه لا يوجد ما ~~تخشى عواقبه. لم يكن راشد من هؤلاء الذين يحبون أن يحطموا التقاليد ~~لمجرد تحطيمها، وإنما كان يحطمها إذا تعارضت مع منطق الأمور ~~ومعقوليتها، وإن قضاءه شهر العسل في أوروبا والطريقة التي أظهر بها ~~زوجته على باريس، لتدل على أنه لا ينتمي لهذا الجيل الذي يسلكه فيه ~~زمانه ومولده وأسرته. # ولعل من العجيب أن راشد كان بهذا التحضر العقلي في خاصة شأنه، وأن ~~يحافظ في نفس الوقت على العرف والتقاليد محافظة صماء، إذا لم تكن ~~تتعارض مع رغباته وأهوائه ومزاجه الخاص. # فصلاته النسائية في مصر قبل الزواج مستورة، لا يعرف عنها أحد شيئا، ~~ولولا خطأ نسيان لما أتيح لفهمي ما أتيح له من الحصول على هذه ~~الورقة. # أما صلاته النسائية في باريس فقد كانت صاخبة عربيدة، يستره في ms034 ~~علانيتها أن أحدا لا يعرفه هناك. # كان راشد شخصين متناقضين، وهما مع ذلك متوائمان في نفسه، متفاهمان ~~لا يعارض واحد منهما الآخر، ولا يعترض أحدهما على ما يأتيه الثاني، ~~كتوءمين اختلفت أخلاق كل منهما عن الآخر، وتألفهما في الوقت نفسه ~~الحب العميق والإعجاب. كان كل من الراشدين في نفس راشد يعجب براشد ~~الآخر، ويحبه، ويشيد في همسه به، ولولا خشية أن يقال نرجسي يحب نفسه ~~لأعلن عن حب الراشدين أحدهما للآخر المكتوم في نفسه، التي تبدو أمام ~~الناس راشدا واحدا. بل لقد كان هذا الحب المكتوم هو في ذاته صانع ~~الشخصين وسر حياتهما معا. # كان راشد العربيد يعجب براشد الجامد الصلب المحافظ على التقاليد ~~المعتني بملبسه عناية تقليدية، فلا ينسى أن يمسك العصا، وأن تكون ~~الياقة منشاة، انقلب طرفاها إلى أعلى وتوسطها رباط عنق أنيق يتوسطه ~~هو الآخر دبوس ماسي عريق. # ويعجب راشد العربيد براشد في المحافل العامة، رافضا اختلاط الرجال ~~بالنساء، ورافضا عمل المرأة، إلا أن تكون خادما بالمنازل، ورافضا كل ~~ما تريد الحضارة أن تدخل به إلى العصر. # ويعجب راشد العربيد براشد مقيم الصلاة في مواقيتها وذاهبا إلى ~~المسجد من يوم الجمعة، حتى إذا كان في القرية سبقته السجادة ليصلي ~~عليها. وإذا عرف في القرية أن شابا من شبابها يغازل امرأة أو يحاول ~~أن يعتدي عليها، استقدمه وانهال عليه ضربا؛ حفاظا على الشرف، وردعا ~~لكل من يحاول أن يحطم تقاليد الدين وعرف الآباء والأجداد. # ويعجب راشد العربيد براشد فاتح بيته في القاهرة والريف كل ليالي ~~رمضان، ومشاهير المشايخ يتبادلون قراءة القرآن، ويؤم البيتين الناس ~~يباركون هذا العرف العظيم، الذي يصر راشد أن يحافظ عليه. # أما راشد هذا التقليدي فهو يعجب براشد العربيد في كل ما يأتيه راشد ~~العربيد، سواء كان ما أتاه تاريخا لا يعود أو واقعا يعيش فيه. وسواء ~~كان ذلك في باريس مفضوحا هناك محبا لإعلان العربدة حيث لا يعرف أحد ~~من ذلك العربيد، أم في القاهرة يأتي من يأتيه من النساء في محافظة على ~~التقاليد ms035 وفي عربدة صامتة وقور لا تتفاضح ولا تعالن، وإنما تستمتع في ~~داخلها فتحتوي المتعة جميعا غير ذائعة ولا بادية. ولكل من الصخب ~~والصمت والعربدة والوقار متعته في نفس راشد. # ولكن راشد حين جاء أسامة أحس أن راشدا ثالثا وفد على الراشدين، ~~وأحس أن هذا الثالث لن يجعل الأمور تجري فيما تعودت أن تجري ~~فيه. # كان «راشد» براشديه يحس أنه حر، وأن لديه من المال ما يكفيه لإرضاء ~~نفسه، فيرضي بها الراشدين جميعا. # كان المال عنده وسيلة يحقق بها ما تصبو إليه نفسه، سواء كان هذا الذي ~~تصبو إليه مرحا ومتعة، أم كان تعاظما ووقارا، فملبسه دائما أفخم ~~ملبس، وأثاث منزله أعظم أثاث، وسيارته أحدث طراز. # والمال متعة لا مثيل لها ما دام عند صاحبه وسيلة لغاية. # والمال نقمة لا تماثلها نقمة إن أصبح هو في ذاته غاية لا وسيلة، ~~وهدفا لا طريقا، وأملا لا سبيلا لأمل. # أي شيطان ركبه فجعله يظن أنه ينبغي له أن يترك لابنه مالا أكثر مما ~~يملك. # لقد أحس فجأة أنه لا بد له أن يضاعف الثروة التي ورثها؛ حتى يرضي ~~ابنه هذا الذي ما زال في سنوات الرضاع. # أصحيح أحس بهذا، أم تراه هيأ لنفسه أن يحس هذا الإحساس؟ هل يقلب ~~الأبناء آباءهم رأسا على عقب؟ # أيمكن لهذا الطفل الذي يلوح طيفا قادما على المستقبل لم تكتمل ~~معالم وجهه أو جسمه، مشروع الإنسان هذا، يستطيع أن يقلب شخصا في جبروت ~~راشد، وفي اكتمال عناصره من شخص يريد المال ليستمتع به إلى شخص يريد ~~المال للمال؟! أنا لا أصدق. أغلب الظن أنها رغبة خفية في نفسه تبحث ~~لها عن باب يبدو مشروعا، لتنقلب حقيقة، ولتجعل من صاحبها الذي عاش ~~سيدا للمال عبدا من عبيد المال. فالذي يريد المال ليعيش به يظل سيدا ~~لماله ولزمنه، فإذا أصبح المال في ذاته هو الغاية لذاته لا لما يحققه ~~لصاحبه من عيش رغيد؛ ينقلب المال حينئذ سيدا شرها قاسيا جبارا ~~متسلطا بلا رحمة؟ ومن أين الرحمة وهو جماد بلا عاطفة؟ ms036 ومن أين وهو هو ~~أكبر أعدائه العاطفة، وباسمه هذا المادي تسمت كل المذاهب البعيدة عن ~~روحانية البشر وعن إنسانية الإنسان؟ إنه يمثل الجانب الصلب الحاقد ~~البشع في البشرية جميعا. # أكان راشد في دخيلة نفسه يريد الغنى للغنى، وليمتع نفسه بمتعه ~~الظاهرة والخافية، حتى إذا جاء أسامة بدا ما كان يخفيه؟ # من يستطيع أن يقول؟ علماء النفس هؤلاء أبعد الناس عن معرفة النفس، ~~وشر ما يخادع النفس نفس وصاحبها؛ تلهو به، وتعميه عن حقائقه، وتجليه عن ~~مواقفه من الحياة، ويظن بذاته غير حقيقة ذاته، ويمضي إلى مسالك من ~~الحياة لا تطيقها نفسه ولم تهيئه لها. فهو، ما عاش، متخبط وإن ظن بنفسه ~~العلم والثبات، فإن صادفه شيء من النجاح ظن أنه عرف الطريق، وهيهات ~~هيهات أن يعرف. فإن كان ذلك الفيلسوف قد طلب إلى الإنسان أن يعرف ~~نفسه في كلمتين «اعرف نفسك» كأنهما بديهية من البديهيات، فقد كان يدري ~~أو لعله لم يكن يدري أنه بهاتين الكلمتين قد طلب إلى الإنسان أصعب ما ~~تطلبه الحياة من الإنسان. # مسكين أسامة؛ اتخذه أبوه سببا، وما كان سببا، وجعل من مجيئه مستدار ~~حياة، وما يدري أسامة ولو درى لجثا على ركبتيه لأبيه يرجوه أن يظل كما ~~عاش حياته سيد المال لا عبد المال. # إذا أصبح المال هو الهدف انعدم الهدف، فالأرقام لا تعرف نهاية، وما ~~دمت لا تعرف لهدفك نهاية فأنت ومن لا هدف له سواء، وويل لإنسان انعدم ~~من حياته الهدف. بل لعل الذي يحياها مصادفة يترك لأيامها أعنة قياده ~~ومتجه أحلامه ومسار آماله؛ أعظم سعادة من إنسان جعل جمع المال هو ~~الهدف وهو الحياة. فإن هذا الإنسان المسكين جهل أو أراد أن يجهل أن ~~الهدف قد انعدم في حياته وأنه كان قد وضعه أمامه. فالمال المال والسعار ~~السعار، والحياة إذن جحيم لا ينتهي إلى نعيم، ونيران لا برد لها ولا ~~سلام، والإنسان يومئذ يجهل الرقم الذي يريد أن يقف عنده، فإن قدره ~~وبلغه أغراه المال بما بعده، وتنهار حياة الإنسان تحت نعال ms037 المال ، ~~ويصبح السيد عبدا وباختياره. # | الفصل العاشر # خسر عدلي القضية ضد أبيه، وربما كان يعلم أنه سيخسرها على أية حال، ~~فإن كان عقله قد حال دون هذه المعرفة فالذي لا شك فيه أن راوية زوجته ~~كانت تعرف ذلك، وإنما حلا لها أن يصبح اسم الباشا وابنه على كل لسان. ~~فالحياة مع عدلي راكدة، وراوية ليست خائنة بطبيعة تكوينها؛ فهي لم تخن ~~زوجها ولا تنوي أن تخونه، وهي لهذا ضيقة بحياتها معه ضيق ملالة، وهو ~~نوع من الضيق يجعلها تبحث دائما عن تسلية، قد تكون هذه التسلية كبيرة ~~كقضية الباشا أو صغيرة كانضمامها إلى مجموعتين من السيدات، إحداهن ~~للحديث وهذه تضم خديجة وشهيرة، ومجموعة أخرى للعب الكونكان لعبا لا ~~تلقي فيه بكثير من الأموال؛ فهي ليست مغامرة بطبيعتها، وهي تعلم مقدار ~~الغنى الذي انسكب على زوجها بعد وفاة أمه، خاصة وأن أباه في ترفعه ~~أبى أن يأخذ نصيبه من تركة زوجته، وترك ذلك النصيب لابنه الذي رفع عليه ~~دعوى السفه؛ فزاد هذا من إكبار الناس لزكريا ومن احتقارهم لعدلي. على ~~أية حال لم يكن هذا الغنى سببا يجعل راوية تنفق المال فيما لا يفيد؛ ~~فهي تقدر أن ابنتها التي جاءت بها والتي لا تنوي أن تجيء بغيرها لن ~~تغفر لها تبديد أموال أبيها. وقد كانت ابنتها هالة هي كل شيء في ~~حياتها. # فما دامت حياتها قد خلت من الزوج فلا أقل من أن تعمرها لابنه. # وهكذا استطاعت رواية أن تتواءم مع حياتها وتقبلها، وتخلق فيها المتعة ~~التي حرمتها بزواجها من هذا الأبله. # وقد كان عدلي خليقا أن ينعم بحياته هو أيضا، فهو يستطيع دائما أن ~~يجد أصناف الطعام التي يطهوها، ويستطيع دائما أن يجد مجالس النساء ~~ويشاركهن الحديث. كان يستطيع هذا جميعه ولكن قضية أبيه حطمت كل المتع ~~التي كان يستطيع أن يخلقها لنفسه. لقد وهم أن القضية ستحطم سمعة أبيه، ~~فإذا هي لا تمس أباه في شيء، وإنما تحطم حياته هو تماما. # لقد وجد نفسه بين أصدقائه مجال سخرية لاذعة، ms038 كانوا يخفونها عنه ~~فأصبحوا يبدونها، بل لقد وجد السيدات من صديقات أمه يشحن عنه بحديثهن. ~~حتى لقد أحس فجأة أنه لا يجد في حياته شيئا أو إنسانا، زوجه لا ~~تحدثه إلا بصيغة الأمر، وهو بأوامرها هذه مطمئن أن شئون البيت لا تحتاج ~~منه إلى رعاية. # ولكن هو؛ هو عدلي ماذا يصنع بحياته؟ إن أموال أمه كلها عمارات؛ فهي ~~لا تحتاج إلى إدارة، وإنما هي الدائرة يذهب منها موظفان كل شهر يجمعان ~~الإيجارات ثم لا شيء بعد ذلك، وهو يذهب إلى دائرة أمه كل يوم ولكن بلا ~~عمل. # تاه عدلي في الحياة، وتاهت به الحياة. لا يرافقه في التيه الممتلئ ~~بالحسرة إلا صديقه عزت بهادر. لعلك لا تذكره، فقد مر ذكره عليك ~~مرورا لا بريق فيه ولا إمعان. # وماذا بي أن أمعن عنده النظر، والحياة نفسها خلقته في عجلة، فلم تجعل ~~له عمقا يقف عند محب للتعمق؟ # إنه ابن خالة خديجة، وكان طبيعيا أن تقوم بينه وبين عدلي هذه ~~الصداقة التي تجمع السخفاء والضائعين في مواكب التفاهات، يزيدهم الغنى ~~تفاهة ولا يستر عليهم حقيقة أمرهم. ومن عجب أن تصحب فضيحة عدلي مع أبيه ~~فضيحة لعزت في الدوائر التي تحيط بهما. # كان عزت على صلة بسيدة طلقت حديثا من زوجها، وأعجبها جمال عزت، ~~وربما أعجبها أيضا فراغه. فالسيدات في أحيان كثيرة يستطعن أن يعجبن ~~بما لا يعجب به آخرون. ولم يكن عزت في صلته بهذه السيدة يطلب منها ~~وفاء أو ولاء، فلقد عرف أنها اتصلت بعد أن عرفته بباشا عجوز أرغمته ~~ظروف خارجة عن إرادته أن يعمل في الحياة السياسية؛ فإذا هو يتصدر ~~منصبا خطيرا وليس له في نيل منصبه سابقة فضل، ولا عرف عنه الذكاء، لا ~~قدر الله، وإنما هو منصب يتمنى كل حزب أن يكون شاغله من أعضائه. وحتى ~~لا يزيد هذا المنصب الخلافات بين الأحزاب استقر الرأي أن يشغله شخص لا ~~ينتمي إلى أي حزب، ولا يعرف عنه أنه يميل إلى حزب بعينه. وبين شخصيات ~~مصر جميعا لم يكن ms039 هناك إلا عبد المحسن باشا وفيق؛ فشغل المنصب. # وتعرف في إحدى الحفلات بنجاة طلبة، وفي خبرة أدركت نجاة أنه ~~طلبتها؛ فعزت وإن يكن غنيا إلا أن غناه ليس بالقدر الذي يتيح لها أن ~~تنال ما تشاء، أما عبد المحسن باشا فغناه لا نهاية له. # كان الباشا في السبعين من عمره، وحين خرج من هذا الحفل كان موعد ~~لقائه بنجاة قد تحدد. # والتقيا. # كانت نجاة حاملا منذ لقائها الأول بالباشا، وكانت قد أخبرت عزت أن ~~يحدد موعدا مع طبيب يعرفانه ليخلصهما من الجنين في شهره الأول، ولكن ~~بعد أن تعرفت بالباشا اتجه رأيها إلى تفكير آخر. ~~- أنت لا تعرف منذ متى وأنا أحبك. ~~- هل كنت تعرفينني؟ ~~- ومن في مصر لا يعرف عبد المحسن باشا وفيق؟ ~~- لم أكن أتصور أن سيدة في جمالك تحب رجلا في ... ~~- لا تكمل! إن أجمل سيدات مصر يتمنين منك نظرة. ~~- أنت تبالغين؛ إنني رجل عجوز. ~~- عجوز؟ أنت عجوز؟ فليسألني من لا يعرف وأنا أدله على الخبر ~~اليقين. ~~- فأنت ترين أنني ... ~~- شاب في العشرين؛ صحة تأكل الحديد، ولكن هناك شرط. ~~- اؤمري. ~~- تحتفظ بهذه الصحبة لي أنا وحدي. ~~- أنت تعرفين أن زوجتي ماتت. ~~- وأنا من أين أعرف، ربما لك زوجات أخريات تخفيهن. ~~- زوجات بالجمع؟ ~~- صحتك هذه لا يكفيها عشر نساء. ~~- طمأنك الله. ~~- احلف. ~~- أحلف. ~~- أنا لا أصدقك. ~~- لا تصدقين يمين الباشا؟ ~~- أنت معي لست الباشا، إنك هنا الولد الشقي الذي لا أضمن كلمة من ~~كلامه. ~~- وماذا تريدين حتى تضمني؟ ~~- هناك حكاية لم أتأكد منها، إذا تأكدت سأخبرك ما الذي أريده. ~~••• ~~- اليوم لا بد لنا من حديث. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- لا بد أن نتزوج. ~~- ماذا؟ ~~- لا شك أنك سمعت. ~~- لماذا؟ ~~- أولا هذا هو الوضع الطبيعي. فأنا سيدة مطلقة، وأنت مهما تكن ~~فأنت غريب، ومقابلتي لك ستثير الأقاويل. ~~- ولكن مركزي .. ماذا سيقول الناس إذا أنا تزوجت؟ ~~- أتخاف أن يقال تزوج بسنة الله ورسوله ولا تخاف أن يقال اتصل ~~بسيدة عن غير طريق مشروع؟ ~~- ولكن .. ولكن. ~~- ولكن ماذا؟ أنا لست من أسرة ms040 بسيطة . ~~- هذا مؤكد، فأنا أعرف المرحوم والدك، وليس هذا هو الاعتراض مطلقا، ~~إنما أخشى أن يضحكوا من رجل في السبعين. ~~- سنك هذا شأني أنا وحدي، وأنا وحدي التي أعلم حقيقة سنك حين تخلو ~~بنا الحجرة. ~~- يا حبيبتي. ~~- ومع كل هذا فأنا لم أقل لك الخبر المهم. ~~- وهناك أيضا خبر مهم. ~~- إني حامل! ~~- ماذا؟ ~~- الذي حصل. # لقد عشت مع زوجتي أكثر من خمس وأربعين سنة ولم أنجب منها ~~فأرا. ~~- ولكنك في شهور قلائل ستنجب مني طفلا، وإني واثقة أنه سيولد ~~بهذه الشوارب التي تحلي وجهك، والتي يرسمها رسامو الكاريكاتير بدلا ~~منك. ويقهقه الباشا من فرح أو من سعادة أو من النكتة؛ فقد اختلط عليه ~~الأمر ولم يعد يدري. # ويعود إلى الجد لحظة. ~~- ولكن اسمعي .. اسمعي. ~~- قل. ~~- ألا يحسن أن يكون الزواج عرفيا؟ ~~- ولماذا؟ ~~- أنت تعرفين أن ثروتي كبيرة والطامعون فيها كثيرون، وإذا عرفوا أنني ~~تزوجت سيرفعون دعوى سفه علي، إذا كان الولد الأهبل عدلي رفعها على ~~أبيه وهو أبوه، وإذا كانت دعوى السفه رفعت على زكريا باشا عبقري ~~السياسة والقانون؛ ألا ترفع علي؟ أما الزواج العرفي المستور فأنت ~~تنالين به حقوق ابنك. ~~- بعد الشر. ~~- اسمعي الكلام، ومع ذلك لا يشعر به أحد. ~~- أنا موافقة. # وتم الزواج بشهادة عبود عبد القادر السفرجي، وسمهان عبد المولى ~~السائق. # واستطاع الحمل بعد ذلك أن يظهر للعيان في غير خجل، وقد أصبح هذا ~~الحمل مزحة صويحبات نجاة تشاركهن السخرية منه، كما أصبح حديث الدوائر ~~التي لا عمل لها إلا الحديث. # وعدلي وعزت يضحكان مع الضاحكين. # وقبل أن يفرح الباشا بقدوم ابنه انتقل إلى العالم الآخر، وانفجرت ~~قضايا الميراث. # والعجيب أن الطفل جاء نسخة طبق الأصل من عزت، فقد أبت السماء أن ~~تشارك الخاطئين في جريمة اختلاط الأنساب. والأعجب أن عزت أصبح هو الذي ~~يدور مع نجاة عند المحامين ليتمكن من إثبات بنوة ابنه إلى رجل آخر، ~~ولكن شهادة الميلاد على كل حال قد كتبت اسم الطفل وجدي عبد المحسن ~~وفيق. وذهبت الشهادة في طريقها القضائي، واستمرت ms041 علاقة عزت بوضعها هذا ~~العجيب واستمرت معها القضايا توشك لا يبين لها نهاية، فالثروة ضخمة، ~~وأبواب الطعن والتلاعب بالقانون هيهات أن تعرف حدا تقف عنده. # وهكذا أصبح عزت مثل عدلي سخرية الساخرين، فما بعجيب أن توثق بينهما ~~الصداقة، وكلاهما غني وكلاهما فارغ بلا عمل. # في هذا الفراغ وفي هذا الشعور من كل منهما أنهما يعيشان الحياة، ~~ولا يعيشانها، بدأ ذهابهما إلى السباق يكون منتظما، وبدأ أيضا ~~جلوسهما إلى مائدة القمار يكون يوميا. # ويحدث ما لا يتوقعه أحد؛ تحاول راوية أن تمنع زوجها من اللعب، فإذا ~~هي ولأول مرة تواجه من عدلي عصيانا. # كيف استطاع أن يعصي؟ لم يكن القمار قد تمكن منه إلى درجة الإدمان، ~~ولكنه أحس فجأة أنه يجب أن يعصي. ويحدث شيء آخر لا يتوقعه أحد؛ لقد ~~بدأ عدلي يتوارى بقبحه في جمال عزت، ويبحث عن النساء ويحاول أن يتعرف ~~بهن، فإن رفضته واحدة لا تطيق قبحه قبلته أخرى يغريها ماله. # ليس لعزت زوج ولا ولد رسمي؛ فهو حر يفعل بماله ما يريد، أما عدلي ~~فله ابنته وله زوجته، إن ذهب عنه هذا المال فأي مصير يمكن أن ينتظرهما ~~أو ينتظرانه؟ # أصبحت راوية تنظر إلى الحياة في هلع، وأصبحت فجأة تتمنى أن تعود إلى ~~حياة الملالة، ولكن ما زال هناك أمل يمكن أن تلجأ إليه. وما لها لا ~~تحاول؟ # | الفصل الحادي عشر # أصبحت سهير ممدوح حرم الباشا رسميا، وتصدرت بيت زوجها، وأحست ~~بمكانها هذا الجديد وخشيت العيون الرواصد حواليهما، سواء كان ذلك في ~~المنزل أو في خارجه، فأمرها اليوم وهي الزوجة الرسمية التي تصحب الباشا ~~في كل مجتمع غير أمرها في بداية الزواج يوم كانت تتستر عن العلن. لقد ~~كان شعورها يومذاك يغريها بهذه الصلة التي أتاحتها لراشد، فقد كانت ~~تحس أنها عشيقة وليست زوجة، أما اليوم فالوضع مختلف كل الاختلاف، وما ~~دامت هذه الصلة بينهما وبين راشد قد مرت لم تلكها الألسنة فالحمد الله، ~~وأصبح لا بد لها أن ترعى مكانتها الجديدة ومستقبلها. # ولهذا لم تجد بأسا ms042 أن تلبي دعوة راشد لزوجها إلى العشاء، ولم تجد ~~بأسا أن توطد صداقتها بخديجة. وبطبيعة الحال وجدت شهيرة في اسم زكريا ~~باشا ذلك الطنين الذي تهواه، فسعت إلى صلتها هذه بسهير تزيدها ثبوتا ~~ورسوخا، وقد وجدت سهير فيها خير صديق؛ فهي تماما التي تصلح لصداقتها، ~~فإن تكن الثقافة والقراءة والاطلاع قد أفسدت عقل خديجة وجعلتها في ~~جلوسها إلى السيدات تبدو غريبة، وإن بذلت غاية الجهد أن تبدو موائمة مع ~~الجلسة؛ فإن شهيرة سيدة كما يجب أن تكون السيدات التي تحبهن سهير؛ ~~حكايات الآخرين والتعليقات الخبيثة أحيانا والفاجرة أحيانا أخرى ~~والذكية الطريفة غالبا. # كان أقصى أمل تسعى إليه سهير أن تأتي لزوجها الشيخ بمولود، وقد سألت ~~الأطباء فوجدت أن ما تحلم به أمر يمكن الحدوث. # وهكذا ازدادت صلتها بشهيرة توطدا، فهي رفيقتها إلى كل المظان التي ~~يمكن أن تحقق أملها، وحذار أن توحي إليك هذه الجملة بتفكير غير شريف؛ ~~فهي فعلا تريد مولودا لزكريا على أن يكون زكريا أبوه، فهذه المظان هي ~~الأطباء غالبا، وفي أحيان قليلة تكون هذه المظان بيوت الله؛ تتلمس ~~البركة عند المشايخ الأطهار وآل البيت. وفي مرة واحدة صحبتها شهيرة ~~إلى أحد السحرة ولم تكررها؛ فقد خشيتا أن يغضب الباشا إذا علم. # وكان حمق شهيرة سببا رائعا لتكون زيارتها للأطباء طبيعية، وكانت ~~صداقتها لسهير تجعل رفقتها بهذه الطبيعة نفسها. # وقد دلت بعض دلائل لا تكفي للتأكد أن أمل سهير وشيك ~~التحقيق. ~~••• # كانت راوية تريد أن تقصد إلى سهير مباشرة ولكنها لا تعرفها، وقد ~~خشيت من لقاء خشن ستكون سهير معذورة فيه بعد الذي فعله عدلي مع ~~أبيه. # ولم تفكر راوية كثيرا وإنما قصدت إلى خديجة؛ فهي تعرف حسن مدخلها ~~للأمور وذكاءها وحكمتها عند التقدير. ~~- مطلب غريب سأطلبه منك. ~~- على كل حال أنا لست غريبة، وتستطيعين أن تطلبي مني ما تشائين بلا ~~استثناء. ~~- حتى ولو كان مطلبا شاذا؟ ~~- إن لم تقصدي صديقتك المخلصة بالمطلب الشاذ فمن تقصدين؟ ~~- أريد أن أصلح ما بين عدلي وزكريا باشا. ~~- أرى مطلبك حكيما ms043 وعاقلا ، بل ورائعا أيضا. ~~- أنت تعرفين أن عدلي انغمس في القمار، وقد فشلت معه كل وسائلي، ~~ويخيل إلي أن شعوره بغضب أبيه عليه هو الذي يجعله يندفع هذا ~~الاندفاع. ~~- اسمعي، إن تفكيرك كله صائب، ولكن لي رأيا. ~~- قولي. ~~- أنا سأسافر غدا إلى الحجاز مع الباشا لنحج، ولن يتاح لي أن ~~أقابل زكريا باشا إلا بعد عودتي، ولكن لي رأيا. ~~- وما هو؟ ~~- ما سبب خلاف عدلي مع الباشا؟ ~~- زواج الباشا. ~~- سأترك الحقائب وأنزل معك الآن إلى سهير أعرفك بها، وسترين أنها ~~تستحق كل خير. ~~- أتظنين ذلك؟ ~~- هلمي بنا. ~~••• # كانت سهير جالسة مع شهيرة، وأصبحت كل دقيقة تمر على سهير دون أن يحدث ~~جديد فيها يدنيها من أملها، وكانت السيدتان تتوقعان أي زيارة إلا أن ~~تكون راوية. # ولكن سهير سيدة تعرف كيف تستقبل من يأتي إلى بيتها، حتى وإن لم يكن ~~متوقعا، بل حتى وإن لم يكن كريما معها. # قالت راوية: أظن يا سهير هانم لم تكوني تتوقعين هذه الزيارة ~~مني. ~~- على العكس، كنت أتوقعها من زمن بعيد. # وقالت شهيرة: طالما قلت لك إن سهير مندهشة أنك لم تأتي إليها. ~~- كنت خائفة يا سهير هانم. ~~- أظن هانم هذه ليست في محلها. ~~- أنت مكان حماتي. ~~- ولكني أقاربك في السن، ونحن أقارب، وقد فرحت بهذه الزيارة فرحا ~~لا تستطيعين أن تتصوري مقداره؛ فقد كان بعد ابن الباشا وبعدك عنه ~~ينغصني دائما، وليس له في الدنيا إلا أنت وزوجك. ~~- البركة في حضرتك. ~~- أنا لا أستطيع أن أعوضه عن ابنه وزوجة ابنه التي هي في مكان ~~ابنته، وحفيدته التي لم يرها حتى الآن. # وقال خديجة في ذكاء لبق: يا أختي لقد أحضرتني بلا مناسبة. لا لزوم ~~لي في هذه الجلسة أبدا. ~~- لم أكن أعرف أن سهير هانم ... # وقالت سهير مقاطعة: هيه؟! ~~- سهير لطيفة إلى هذا الحد. # وقالت خديجة: وعرفت أروح أنا لأكمل حاجات السفر. # وقالت شهيرة: حج مبروك يا ستي، والله لولا الذي أحمله لذهبت ~~معك. # وقالت خديجة: فلماذا لا تأتين أنت يا سهير، وها أنت ms044 لا تحملين ~~شيئا؟ # وقالت شهيرة في تخابث مقصود: وكيف عرفت؟ # وقالت خديجة في فرحة مندهشة: ما هذا؟ أصحيح هذا الكلام؟ # وأطرقت سهير، وقالت شهيرة: ولماذا يا ستي، ألسنا مثل ~~الأخريات؟ # وتحمست خديجة: ردي يا سهير، صحيح هذا؟ # وقالت سهير في جمجمة: والله أخشى أن أقول نعم وأنا لم أتأكد ~~بعد. ~~- يا أختي قولي نعم ولا يهمك. ألف مبروك. # وقالت راوية في فرح صادق، فهي تتمنى أن تنجب سهير؛ فوجود طفل لها ~~سيجعلها تزداد حبا لابنتهما هالة: ربنا يجعل دخلتي عليك مبروكة إن ~~شاء الله، ولو كانت غيرك، وأنت أول مرة ترينني فيها، لظننت أنني ~~فرحانة من وراء قلبي، وأنني كنت أتمنى أن يفوز زوجي بثروة أبيه، ولكن ~~المال والحمد لله كثير ولا ينقصنا، وليس لنا إلا هالة، ولا ننوي أن ~~نجيء بغيرها، وكم أتمنى أن يأتي لها منك عم قريب من سنها، فيصبح لها ~~كأخ من دمها ولحمها تستطيع أن تعتمد عليه! وفرحي بهذا الخبر فرح واحدة ~~أحبتك من أول زيارة، وفي نفس الوقت تريد أخا لابنتها، فصدقيني أنا ~~فرحانة. ~~- يعلم الله يا راوية لقد صدقتك، وأنا لم يكن يهمني أن يكون المولود ~~ولدا أم بنتا، ولكن بعد الذي قلته أصبحت أتمنى أن يكون ~~ولدا. ~~- سأدعو لك عند شباك النبي إن شاء الله يا سهير، وسيكرمك الله بإذن ~~الله. # أفوتكم بعافية. # هل أرسل لك السيارة يا راوية؟ # وردت سهير: سيارتنا ستوصلها، لا تحملي هما. ~~••• # حين قصت سهير على زكريا باشا ما حدث: ألم تعرفي إن كانت جاءت بعلم ~~عدلي أم بغير علمه؟ ~~- هي لم تقل، ولكن الذي أتصوره أنها لم تقل له. ~~- أنا أمامي حل واحد. ~~- ما هو؟ ~~- أنا أستطيع أن أعين عدلي في وظيفة خارج القطر. ~~- خارج القطر؟! ~~- نعم، مثل فرنسا أو سويسرا؛ فهو مهندس، وعليه أن يمارس هذا الذي ~~تعلمه في المدارس، ليحس أنه يصنع شيئا في الحياة. ~~- ولكن يا زكريا إن له ابنة، فكيف يكون الأمر؟ ~~- هذا ما أريد الكلام فيه. ~~- ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أربي أنا ms045 البنت . ~~- وما له! ~~- أنا أعرف أنك تتمنين طفلا، وحفيدتي عندك ستكون مثل ابنتك. ~~- أنا أريد أن أربي حفيدتك لأنها حفيدتك، لا لأني أريد ~~طفلا. ~~- وما البأس أن تجمع هالة بين صفتين؛ حفيدتي وابنتك في وقت ~~واحد؟ ~~- أنا عندي طفلي ولست ... ~~- ماذا؟ ماذا قلت؟ ~~- كنت أريد أن أتأكد قبل أن أقول لك، ولكن ليس من المعقول أن تعرف ~~صاحباتي وأنت ... ~~- هل أنت جادة؟ ~~- وهل يمكن أن أهزر في مثل هذا؟! ~~- وهل أنت متأكدة؟ ~~- أكاد. # وجم زكريا باشا وجلس مفكرا. ~~- ماذا يا زكريا؟ أكثير علي طفل منك؟ ~~- يا سهير فكري في الحكاية. ما هذا الكلام الذي تقولين؟ ~~- والله أنا زعلت. ~~- يا بنتي لقد ظلمتك حين تزوجتك، وبهذا الطفل يكون ظلمي لك قد ~~تضاعف. ~~- وهل شكوت لك؟ ~~- سهير، أنا لا أحتاج أن أسمع منك شكوى حتى أعرف الحقيقة. ~~- الحقيقة أنك تخاف أن يغضب عدلي إن جئت له بأخ، فأنت مهما يفعل بك ~~تحبه. ~~- اسمعي يا سهير، عدلي أنا ظلمته لأني شغلت بنفسي وبالسياسة، ولم ~~أعن أقل عناية بتربيته؛ ولهذا أنا أشفق عليه. أما الطفل الجديد فأنا ~~أحبه أكثر من عدلي، لأني لن أرى منه ما رأيته من عدلي، حتى لو أصبح في ~~خلق عدلي فإن الحياة لن تتيح أن أرى منه شرا. أما تفكيري الذي رأيته ~~ووجومي فهو أنني أهملت ابني الأول بزحمة الحياة، وها أنا ذا سأهمل ابني ~~الثاني بفعل الموت. ~~- زكريا، ماذا تقول؟ ~~- لقد جاوزت الخامسة والسبعين يا سهير، فكيف يمكن أن تتيح لي الحياة ~~تربية ابن ما زال جنينا في عالم الغيب؟ ~~- أهذا ما يحزنك؟ ~~- ومع ذلك فأنا لست حزينا؛ ففرحك بطفلك يجعلني فرحا به أنا أيضا. ~~كل ما في الأمر أنني أفكر، أعجب على رجل في مثل سني أن يفكر؟ ~~- اتركها على الله يا زكريا. ~~- إن الله سبحانه لديه الكثير الذي يشغله، هل كان لا بد لرجل مسن ~~أن يشغله هو أيضا بطفل يأتي به وهو في آخر العمر؟ ~~- لا تحاول أن تفكر لله أيضا يا زكريا. ~~- أستغفر الله ms046 العظيم . ~~- أستغفر الله العظيم. # | الفصل الثاني عشر # لم يكن ذهاب راشد إلى الحج خطرة عابرة، ولكن الحقيقة أنه مع كل ~~العربدة التي صخبت بها حياته مؤمن عميق الإيمان، وهو منذ تزوج استطاع ~~أن يجعل من خديجة أنسه الصاخب حين يشاء، وزوجته حين يقتضي الأمر، فهو ~~تائب. # وحين أتى إليه أسامة أراد أن يقفل من كتابه صفحات يخشى في فترات ملل ~~أن يغرى بفتحها ويعود إليها. # فصحب خديجة واتجه إلى بيت الله، واستلم أركان الكعبة، وتغشاه ذلك ~~الرهب الأمين الذي يعرفه من يعرفون الله، وانسربت من عينيه الدمعات، ~~والتفت إلى خديجة تظلها صفحة البيت الحرام، فرأى في وجهها الخشوع حيا ~~فواحا بأريج من العطر، حسب للحظات أنه يراوحها من سموات صاحب البيت، ~~واستغفر الله وأطرق. وظلت هي رانية العينين إلى الكعبة يوشك من يراها ~~أن يظن أنها تستشف من وراء الأشياء وجه عزيز كريم. # طافا وأديا مناسك الحج، وانتقلا إلى بيت النبي، وما إن وقف في ~~رحابه راشد حتى ذهل عن الدنيا وتولته خفقة أرعشته؛ فإذا هو بكاء وبكاء، ~~يكاد جسمه يستحيل إلى عبرات، وارتمى على أعتاب النبي كأنه صديق قديم ~~يلقي بنفسه إلى أحضانه، وراح يصيح: هذا مكان الخطائين يا رسول الله ~~فاشفع، اشفع فربما أخطأنا لتشفع. # وأحست خديجة أن بينها وبين النبي سببا؛ فهي سمية حبه الأول، وحضن ~~رسالته الدفيء، وهي منذ عرفت الحياة تركع في إيمان وتسجد في صدق مع ~~نفسها ومع الله. إن القبر الذي أمامها يضم من الدنيا أحب الدنيا إليها، ~~ويضم من الآخرة وسيلتها إلى أجمل ما تعد به الآخرة من لقاء وجه ~~الله. # نسي راشد أن بجانبه زوجته، بل نسي أنه زوج، ونسي أن له ابنا ينبغي ~~أن يدعو الله له في هذه السدة الزكية. # ونسيت خديجة أنها في صحبة زوجها، بل ذهلت عما يحيط بها، ونسيت وهي ~~الأم ابنها. # حتى إذا هدأ بعض الروع من الزوج والزوجة أشار المطوف في هدوء صوته، ~~وكأنه أمر عادي ليس له ما له من جلال وسمو. # هنا ms047 كان ينزل الوحي على رسول الله. # وانتفض راشد وكأنما مسه المس. هنا، هنا التقت السماء بالأرض، أكرم ~~سماء بأكرم من في الأرض في آخر لقاء عرفه الكون. هنا انقلبت موازين ~~العالم من الجبروت إلى المساواة، ومن العزة بالإثم إلى عبادة رحمن ~~السموات والأرض، ومن الفجور إلى العفة، ومن الوهم إلى الحقيقة، ومن عبث ~~الحياة والموت إلى مجد الدنيا والآخرة، ومن الحضيض إلى القمم الشامخات. ~~ارتمى بجانب مكان الوحي وراح ينظر إليه في خشوع وحب، ثم استجمع وقام ~~فصلى صلاة لله، وحين ختم الصلاة أفاق إلى خديجة تنهي صلاتها هي ~~أيضا. # لقد زار راشد العالم أجمع، ولكن شيئا لم يزلزل كيانه جميعا كما ~~زلزل في رحاب الله وفي حضرة النبي الأعظم، ليس متصوفا وإنما هو ~~مؤمن، فما هذا الذي لقف نفسه جميعا وهزها، فانتفضت كشجرة في بواكير ~~حياتها تناوحتها ريح عاتية تقتلع شم الأشجار وعواليها، ولكن العجيب ~~أنه أحس شجرته ازدادت ثبوتا في سموات الإيمان وفي أحضان ~~الخلود. # أحس أنه يريد أن يذوب تخشعا وحمدا لله أنه مؤمن، فبهذا الإيمان ~~تفجرت في نفسه هذه الإشعاعات النورانية فعانق نوعا علويا من ~~السعادة، لم يعرفه في أية لحظة من لحظات حياته، عربيدة كانت هذه ~~اللحظات، أم لحظات مؤمنة قانتات. # مساكين أولئك الذين لا إله لهم ولا دين ترسو على شواطئه الآمنة ~~الجازعات من أيامهم، والهالع من مضطرب حياتهم، يقطعون حياتهم هباءة ~~هائمة، تقطعت أواصرها بأصولها، وانعدمت طرقها إلى المستقبل، لا تدري من ~~أين ولا تدري إلى أين، باختيارها ألقت بنفسها إلى الضياع، فشمل الضياع ~~ماضي حياتها ومستقبلها وما بعد المستقبل. # ودع راشد وخديجة الأراضي المقدسة، واستقبلتهما على الباخرة جماعة ~~من الأصدقاء. # وحين استقر بهما المقام في بيتهما بالقاهرة أقاما حفلا كبيرا، دعوا ~~إليه من تعودا أن يدعوهم، ولكن الرهط المدعو فوجئ بشيئين، لو لم يكن ~~الداعي هو راشد لكانت المفاجأة أعظم وطأة وأشد غرابة؛ لقد أقام راشد ~~بمناسبة حجه وحج وزوجته إلى بيت الله الحرام حفلا غنائيا أحيته أم ~~كلثوم، والأعجب من ذلك ms048 أن الخدم داروا في الحفل بكئوس الويسكي ~~والكونياك وكل ما تعود راشد أن يقدمه في ولائمه، الشيء الجديد الوحيد ~~الذي خجل أن يعمله في يومه هذا أن يشارك أصدقاءه في شرب الخمر. # | الفصل الثالث عشر # انقلب زكريا باشا إلى إنسان آخر بعد أن وهب الله له يحيى، وجاءت ~~حفيدته هالة لتعيش معه بعد أن سافر أبواها إلى سويسرا، ليعمل عدلي ~~مهندسا في شركة عالمية للكهرباء. # لم يصبح زكريا باشا ذلك الرجل الوقور الذي لا ينطق كلمة إلا بعد أن ~~تمر بمئات المرشحات في عقله الكبير وثقافته الواسعة، التي جمعت ثقافة ~~السياسة والقانون والأدب والمجتمع جميعا في بوتقة واحدة، هي رأس ذلك ~~الرجل. # أصبح الآن لا يغادر بيته فرحا بعبط الطفل الوليد، وسذاجة الطفلة ~~التي تتحطم على شفتيها الكلمات. # والأعجب من ذلك أنه حين يجلس في مجتمعه لا يفوته أن يذكر شيئا من ~~ضحكات ابنه أو بكائه، وشيئا آخر من انقلاب الكلمات إلى ألغاز على لسان ~~حفيدته. # أصبح الرجل الذي لم يهتم بابنه في بواكير الشباب، فجعله يخرج إلى ~~الحياة مثقفا ثقافة امرأة جاهلة أو ثقافة أمه على أكثر تقدير؛ يحاول ~~اليوم أن يثقف ابنة هذا الابن أعظم ثقافة، بل إنه في تعجله للأيام وفي ~~خشيته أن تعاجله بالنهاية قبل أن ينفذ لابنه وحفيدته ما يهفو إليه، راح ~~يحاول محاولات تدعو إلى السخرية أن يثقف يحيى نفسه وهو على كتف أمه أو ~~كتف مربيته. # ويوم تصبح سن هالة صالحة لأن تذهب إلى المدرسة، يذهب هو شخصيا معها ~~إلى مدرسة السكركير، وتشعر الراهبات بأهمية الطفلة عند جدها، ويقصد هو ~~أن يؤكد هذا الشعور، فيذهب بعد ذلك كل أسبوع ليكون على متابعة تامة ~~لتقدم حفيدته في الدراسة. # وتدرك سهير أن في إرضائها لهالة إرضاء للباشا فتحرص على أن تدللها ~~دائما. ولم تكن سهير غبية، فلا يفوتها أن تجعل الطفلة تخاف جدها حتى ~~لا تكون حياتها كلها تدليلا، ويحمل الباشا مسئولية التأديب بقلب ~~خافق، ولكنه يدرك أنه لا بد من ذلك لتكون هالة كما ms049 ينبغي لها أن ~~تكون. # ويوم يصبح يحيى صالحا للذهاب إلى المدرسة يقضي الباشا ليلة بيضاء، ~~فلا يزوره النوم حتى بواكير الصباح. # لقد عاش حتى دخل يحيى إلى المدرسة، فما الذي يخبئه الغد لهذا الطفل؟ ~~وأي مصير يلقى إليه إذا هو ذهب إلى لقاء ربه قبل أن يشب الطفل ويصبح ~~جديرا بمواجهة الحياة مواجهة جديرة بالحياة وبإنسان الحياة؟ لقد كان ~~شبح عدلي يخيف زكريا باشا، فهو يخشى أن يصبح الأخ مثل أخيه، بل أشد ما ~~يخشاه أن يصبح عدلي مسئولا عن يحيى ويحيى يعد قضيبا لينا يسهل ~~تشكيله، وويل ليحيى إذا شكله أخوه على شكله هو. # إن سهير طيبة سمحة النفس، وقد ينفع هذا في أن يجعل يحيى نقي الضمير ~~قريبا إلى نفوس الناس، ولكن هذا بالتأكيد لا ينفع يحيى في أن يكون ~~مثقفا؛ فليست سهير على شيء من الثقافة. ليتها كانت مثل خديجة! إن ~~راشد لا شك مطمئن على ابنه، فقد جاء به وهو في سن باكرة، ثم هو لا ~~يخشى عليه الغد إذا اختار هذا الغد أن يسلك راشد طريقه إلى الله. طالما ~~نادينا بأهمية تعليم المرأة وظنوا بنا الظنون، وحسبوا أننا بما ندعو ~~إليه نحاول أن نتقرب إلى الغرب في عماية ودون نظر إلى ديننا وتراثنا، ~~وأنا لا أعرف في الدين شيئا يمنع تعليم المرأة، بل إن ديننا أول دين ~~جعل لها كيانا وذمة مالية مستقلة عن ذمة الزوج. # أهذا وقته؟ من ليحيى في غده؟ # لقد جاوزت العمر، وأنا أعلم أني اليوم أقف على مشارف الجانب الآخر من ~~الحياة. # أرأيت؟ لا يستطيع العقل أن يحل كل المشاكل، لا بد من هذه الغرفة ~~المضيئة من الإيمان لنحيا بها، فلولاها لجزعت أيامي كلها، وقضيت ما بقي ~~لي من الحياة مجنونا ملهوفا على مستقبل ابني هالعا من الغد، وحينذاك ~~أبدد أيامي الباقية في الخوف، ويسلمني الخوف إلى سوء الرأي. ليس لي إلا ~~أن أكل الأمر إلى الله، والموت والحياة بيده، وبهذا الموت أو الحياة ~~يتحدد مصير ابني يحيى وحفيدتي هالة. إذن، ms050 فهل نحن مخيرون أم ~~مسيرون؟ نحن لا نتحكم في مولد أو موت، وإذن؟! # ما بين هذين نحن فيه مخيرون، ومصير يحيى ألا يرتبط ارتباطا وثيقا ~~بموتي وحياتي؟ أهو بعد هذا مسير أم مخير؟ # لقد اخترت أنا أن أجيء به وأنا في هذه السن، وهذا في ذاته اختيار، ثم ~~حين يشب عن الطوق هو مخير فيما يفعل، أهو مخير أم تحكمه تربيته، وكيف ~~سار نهجه في الحياة، وكيف رباه من رباه، ولكن الذي رباه أيا كان ~~سواء كنت أنا أم كانت أمه أم كان أخاه قد اختاروا له الطريق، فالاختيار ~~إذن يحكم حياته، سواء كان ذلك اختياره هو أم اختيار من أشرف على نشأته. ~~لا يعقل أن السماء وهي العدل المطلق تجبر الإنسان ثم تحاسبه، لا ~~محاسبة إلا مع الاختيار، وبهذا يختلف جبار السماوات والأرض، وهو العدل ~~في قمم العدل الشامخة، وبين الجبارين في الأرض الذين ينزلون حكمهم على ~~من لا يملكون الاختيار. # أجبر واختيار ومدرسة يحيى غدا، وأنا لا أدري ما مصيره وما ~~مستقبله؟ # إنني تاركها إلى الله، وهل بيدي إلا أن أتركها لله؟ # ومن يدري لعل يحيى ... أعوذ بالله! ليس لي غير الله. أنا لم أقصر. ~~ولكنني قصرت؛ أتزوج في هذه السن وآتي به أيضا ثم أزعم أنني لم ~~أقصر! # لقد أخطأت. وابني - لهفي عليه - هو الذي سيتحمل الخطأ لا أنا. # أخطأت مع عدلي حين أهملت شأنه. # وأخطأت مع يحيى حين جئت به. وحسبي الله! # ولكن أكنت أملك ألا أجيء به؟ # طبعا. # وأمه؟ # ما شأنها؟ # ما ذنبها؟ إنها شابة وتريد أن تصبح أما. # فليكن إذن أبو ابنها غير هذا الكهل الذي هو أنا. # الخطأ يبدأ يوم تزوجتها. # إذن. # لا سبيل لي إذن. لقد أخطأت وعلي وحدي - يا ليت علي وحدي - يقع ~~العبء، وإنما ولدي هو الذي سيحمل العبء، ولا ذنب له فيه. ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله! # | الفصل الرابع عشر # نظرت شهيرة إلى ابنتها طويلا. لم تكن تدري لهذه النظرة سببا، وإنما ~~هي ألقت عينها على بهيرة ثم ms051 ثبتتها ، يحسب من يراها أنها نظرة بلهاء ~~خالية من أي معنى، إلا أن نظرها اتجه إلى هذا المتجه ثم شرد ذهنها ~~وهي في هذه اللحظة، ولكن لو انزاحت عن الإنسان فيها ما يتغلف به ~~الإنسان من أسرار لرأينا في جوانحها هلعا على ابنتها، أو إذا شئت ~~الدقة في التعبير - وما لك لا تشاء، ما دمت قد التزمت أنا أن أقص ~~عليك، وأن أكون دقيقا حين أخاطبك - كان هلع شهيرة على نفسها لا على ~~ابنتها. لقد قبلت زواجها من سامي وحسبت أن الزوج بلا شخصية هو أصلح زوج ~~لها، ثم ما لبثت أن تبينت أن الزوج بلا شخصية لا يصلح للحياة ~~مطلقا؛ فهو ما يلبث مع الأيام أن يصبح شيئا بلا طعم ولا لون ولا ~~رائحة، قد يكون مريحا لزوجته، ولكنها تلك الراحة التي تسعد بها المرأة ~~من خادم في البيت، وتشقى بها غاية الشقاء من زوج يفترض المجتمع أن يكون ~~هو السيد. # وسامي مسكين، لا يستطيع أن يكون سيدا أبدا، فالسيد لا بد أن يكون ~~مهيأ بخلقه الشخصي، أو بما له، أو بهما جميعا. # يمكن أن يكون السيد سيدا أو رجلا ذا وجود، إذا كانت الطبيعة قد ~~وهبت له هذا السر العجيب الذي يجعل الإنسان معتزا بأنه إنسان، وبأن ~~الله كرمه على العالمين؛ فلا ينبغي له أن يذل الإنسان الذي كرمه ~~الله فيه. # يمكن أن يكون رجلا ذا وجود إذا استطاع أن يروض أقدامه أن تسير على ~~هذه الشعرة الواهية، التي تفصل بين الإنسان الذي يحافظ على كرامته، ~~وبين الإنسان التافه الذي يحاول أن يحجب تفاهته بغروره. # وتلك موهبة ينميها البيت والمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وليس من ~~الحتم أن يكون المرء غنيا لتنمو هذه الموهبة، وإنما من الحتم أن يكون ~~هذا الإنسان نابتا بين أناس يعرفون كيف يكرمون أنفسهم، وكيف يكونون ~~كراما على الناس؛ يستغنون عن الغنى بالعفة، وعن الغرور بلين الجانب ~~وحسن المعاشرة. # وقد يستطيع المال أن يحجب عيوب الشخصية المتلاشية، ولكن قليلا ما ~~يحجبها، ثم ما يلبث ms052 الأقربون أن يدركوا الحقيقة، ويسقط حجاب المال، ~~وتبقى الشخصية الزائلة. # وكان سامي يجمع بين الشخصية الضائعة وبين قلة المال، وابتكر لنفسه ~~أيضا عدم العفة؛ فهو يريد أن يلبس أحسن ملبس ويأكل أحسن مأكل، ولا يجد ~~حرجا من نفسه ولا من كرامته أن يلقي بهذا الثقل أيضا على زوجته، غير ~~مكتف أنها تقوم بشأن البيت وحدها. # وقد يكون عيب سامي هذا شيئا لا يصيب إلا خاصته الأقربين ومن ~~يلاصقونه في الحياة، ومن أقرب إليه من زوجته؟ ومن ألصق به منها؟! ولكن ~~ألا يكفي أن يصاب منه هؤلاء؟ وما الناس جميعا إذا كان هؤلاء لا ~~يكنون له الاحتقار؟ # حين تسقط قيمة الزوج عند زوجته يصبح كل شيء لها مباحا. ربما تكون ~~شريفة الجوهر، وربما تكون هي نفسها أبية تنأى بشرفها عن الألسنة ~~اللاهية التي تتميز بالمجتمع؛ لتجعل السر فيه جهرا، والخفي علنا، ~~والخبيء شهيرا، والمستور مفضوحا. # ولكن زوجا كزوج شهيرة كفيل بأن يجعلها تنتقم منه، حتى ولو كان عرضها ~~هو أداة الانتقام، وقد تنازعها الرغبة عن العفة، وقد تتغلب العفة آخر ~~الأمر، أو قد تنتظر المرأة انتظارا غير لهيف وغير مكترث ولكن انتظار ~~ترقب، وقد تعرض لها سانحة الخيانة وقد تتردد وقد تقبل أيضا. # كانت شهيرة وهي تنظر إلى ابنتها في هذه الفترة التي تتردد فيها، ~~والتي توشك فيها أن تقبل. # وكان الذي يعرض الفرصة صديقا لزوجها، جمعت بينهما صداقة طبيعية؛ فهو ~~رئيس زوجها في العمل، ويتمتع سامي برضاء شكري بك الكيلاني؛ فهو يحسن أن ~~يكون مطيعا. # ومرض سامي بضعة أيام فزاره شكري، ورأى شهيرة فتوثقت الصداقة بين ~~شكري بك الكيلاني و... وسامي. # وكان طبيعيا أن تؤدي هذه الصداقة أن يطلب شكري بك شهيرة هانم كل ~~يوم، ويتحرى أن يكون هذا الطلب وسامي في مكان العمل. # وتنظر شهيرة إلى ابنتها بهيرة. # أي غد ينتظرك؟! # أب موجود بلا وجود. # وأم لا تمنع غير زوجها أن يتصل بها، ولا ترى بأسا أن توغل العلاقة ~~إلى أبعد من ذلك. # بهيرة، أي مصير ينتظرك؟! # | الفصل الخامس ms053 عشر # نزل راشد باشا من سيارته والتفت إلى السائق عبده خليل في هدوء: سيأتي ~~أحدهم لتسلم السيارة، سلمها له. ~~- أمرك سعادة الباشا. # ودخل راشد باشا إلى حجرة مكتبه، وجلس إلى المكتب البالغ الأناقة الذي ~~ينتمي إلى عهد لويس السادس عشر، والذي يقال إن بعض وزراء هذا العهد ~~كانوا يجلسون إليه. ولكن راشد لم ينظر إلى المكتب الأنيق، وإنما كل ما ~~فعله أن خلع الطربوش وجلس على كرسي المكتب، ورفع رجليه ليستقر بهما ~~على مكتب لويس السادس عشر. ونظر إلى سقف الحجرة، ورحلت عيناه في تهاويل ~~السقف التي تصور ملائك السماء يدفون بأجنحتهم حول ملاك كبير تباعد ~~جناحاه المذهبان، وارتسمت على شفتيه ابتسامة وادعة مطمئنة، لا ~~يستطيع أن يفزعها أو يشغلها عن اطمئنانها مفزع أو شاغل. إنها ابتسامة ~~ترنو إلى السماء وتطمئن إليها، وما دامت بالسماء قد تعلقت فلا شيء ~~يعنيها بعد ذلك، لا شيء. وحين توغل العين في الابتسامة وفي عيني الملاك ~~تجد صفاء، وتجد مرحبا لكل بني الإنسان، يؤكدها هذان الجناحان اللذان ~~يفرشان السماء، كأنهما ذراعان تتهيآن لاحتضان عزيز عائد. # كان راشد باشا ينظر إلى هذا جميعه، ولكن عينيه كانتا لا تتبينان من ~~التهاويل شيئا. # يراها ولا يراها، تتماوج الصورة في عينيه فتبين وتختفي، وتلوح حتى ~~تبدو وكأنها مجسمة واضحة، وتتلاشى حتى ليعلوها الضباب أو كأنما تمحوها ~~أفواج من الظن وأستار من الأوهام. يفكر راشد باشا ولكنه لا يفكر، ~~ويندهش ولكن لا يبدو التعجب على وجهه، تتزاحم صور وجوه مع صور السقف ~~فلا يتضح رسم، ولا تتبلور صورة، ولا يتحدد وجه. # ربما توسط أمواج الطيوف أسامة في وجهه البريء، وفي كلامه الجديد ~~الطازج الذي يقع من أذن أبيه وأمه موقع النغم السماوي المنسجم. يذكر ما ~~تعلم في المدرسة، ويباهي به وكأنما تعلمه وحده ولا يعرفه أحد من الناس ~~غيره. ولا تغيب صورة أسامة وإنما يزحف عليها وجه خديجة، ويتقلب على مدى ~~السنوات التي تزوجها فيها، غير حريص في تقلبه على الترتيب الزمني، ولا ~~على ترتيب ظهور هذه التجاعيد القليلة ms054 التي بدأت ترتسم في نبل على ~~صفحات وجهها. قد تبدو أمامه وهي في المرآة أول يوم رآها، ثم قد تقفز ~~السنوات إلى يوم بشرته الزغاريد بمجيء أسامة، أو قد تبدو وهي تتكلم ~~معه في خاصة أمورهما، أو وهي تتكلم في المجتمعات العامة؛ فتحيط بها ~~هالات من الإعجاب، أو قد تحيط بها أيضا هالات من الحسد. وقد تبدو أمه ~~وقد يذكر مرضها وتشبثها بالفراش. وقد يثب وجه حمزة البلاشوني، ثم فهمي ~~عبد الحميد يكبر وجهه ويكبر حتى لا يتيح لأحد، ولا حتى لأسامة أن يبقى ~~معه في إطار الصورة، بل العجيب أنه يزيح أسامة أول ما يزيح، والأعجب ~~أنه ما يلبث أن يضمه ويحتويه وكأنه يهدهد أحلامه. ويغمض الباشا ~~عينيه، ولكن صورة فهمي متشبثة بالظلام تشبثها بالنور، ويهز الباشا ~~رأسه فتمحى الصورة مرغمة. # ويعود نظر الباشا فلا يرى إلا تهاويل السقف، وتعود الصور إلى الوضوح، ~~ثم ترين عليها أستار من الوهم أو أستار من الضباب. # وكأنما يثوب شاكر إلى مكانه فتعلو وجهه فترة من الأسى، وقد تفكر ~~دمعتان أن تستميحا عينيه الشامختين، ثم ما تلبث الدمعتان أن ترتدا ~~هالعتين، يزجرهما كبرياء العينين أن تظهرا إلا في العميق العميق في ~~نفس الرجل الأشم، رافضا أن يبدو منه للعيان ألم، حتى وإن كان خاليا ~~إلى نفسه؛ فهذا المكتب بما يضم من أثاث، وما تحويه جدرانه وسقفه من ~~نقوش أشياء خارجة عن نفسه؛ لا يجوز لها أن تعرف ما بداخله أو تطلع ~~عليه. # لم يكن يخبي أن هذا الذي يطالعه اليوم أمر يقع لكل من يعمل في ~~ميدانه، ولكن الذي كان يدهش له أنه كان يتقي هذا اليوم بكل ذكائه وكل ~~خبرته. وفي سرحة تفكير استعاد بها الأحداث الأخيرة أدرك أنه تخلى عن ~~ذكائه وعن خبرته جميعا يوم أراد أن يجتاح أسواق البورصة ليكون لابنه ~~أعظم قدر من الثراء، وفي انشغاله بالنظر إلى الهدف عمي عن الطريق وغفل ~~عن مزالقه. # لقد أصبح «ميداس» ملك الذهب الأسطوري الذي أحب الذهب حتى انقلب إلى ~~ذهب، وإذا ms055 انقلب العقل وتجاربه إلى جماد - حتى وإن كان ذهبا - كف عن ~~العمل الأصيل الذي خلق من أجله، وانهار الإنسان؛ لأن الإنسان تركيب ~~يختلف تماما عن تركيب الذهب، هكذا الأسطورة. أما في الحياة فإن العقل ~~يتوقف، والتجارب تنزوي ذليلة وينهار الإنسان، ولكن شيئا من العقل أو ~~التجارب أو الإنسان لا يصبح ذهبا. # لقد استعبده المال ففقد الاختيار، وإذا فقد العقل الاختيار فقد معه ~~سبب وجوده في الحياة، والعجيب أن الإنسان صاحب هذا العقل لا يدرك هذا؛ ~~لأنه لا يستطيع أن يدركه إلا بالعقل الذي توقف عن العمل، أو من هنا أجد ~~نفسي مخطئا أنني بدأت هذه الجملة بالتعجب، بينما العجيب حقا ألا ~~يحدث هذا. لقد فقد حضرة صاحب السعادة راشد باشا برهان كل ما يملك، وما ~~دمنا نريد الدقة في التعبير، فقد أصبح كل ما يملكه سعادة راشد باشا ~~برهان مرهونا رهنا حيازيا لدائنين مختلفين، من بينهم فهمي عبد ~~الحميد. وجود هذا الدائن بين الدائنين يجعل راشد على ثقة مؤكدة أن ~~الدائنين لن يتجاوزوا يوم البيع بيوم واحد. # لو أمعن راشد التفكير لكان الحل الطبيعي، الذي يؤدي إليه المنطق ~~الأخرس الجامد الذي لا يعرف السماء، أن ينتحر سعادة الباشا، فهذا هو ~~أسهل الطرق التي يستطيع أن يسير فيها، فهو لا يطيق أن يرى زوجته تلبس ~~أخلاق الثياب، أو يرى ابنه يتكفف الناس، ويسألهم ما يرد به ~~الجوع. # ولكن فكرة الانتحار هذه هي الفكرة الوحيدة التي لا تجرؤ أن تقترب من ~~ذهن الرجل الصامد راشد برهان، لقد عاش غنيا، وسوف يثبت لنفسه وللناس ~~أنه يستطيع أن يعيش فقيرا، ويظل على الحالين كريما على نفسه، ومن ~~كان كريما على نفسه فهو كريم على الناس وإن رغمت من بعض الناس ~~أنوف. # في لحظته تلك لم يعرف إلا أنه سيستطيع أن يعيش، ولكنه في لحظته تلك ~~لم يعرف كيف سيعيش، كان يدري كل الدراية أنه مؤمن بالله، وأنه لن يذهب ~~إلى رحابه إلا في طريق يرضاه الله لمن يؤمنون به. # والعجيب أنه في لحظته القاتمة ms056 القاسية العاصفة، بل التي سكنت فيها ~~العاصفة عن خرابه الكامل، في هذه اللحظة كان يغبط نفسه؛ لقد وجد فيها ~~شيئا أكرم من الغنى وأغلى من المال، لقد وجد الطمأنينة إلى السماء ~~والإيمان بالله. ماذا يفعل غير المؤمنين لو تعرضوا لما يتعرض له؟ كان ~~شامخا أن استطاعت نفسه أن تقر، وهي تحس أن في ثنايا نسيجها تنداح هذه ~~النفحة الزكية الأمينة الحانية التي لا يستطيع أن يبقيها في نفوس ~~العباد إلا اليد التي أبرأت هذه النفوس، وحنت عليه حنوا يتقاصر عنده ~~حنو الأمهات على الفطيم. # تلك اليد الرءوم التي تشفع الكارثة باللطف، والجزع بالأمن، والفاجعة ~~بالإيمان. # أسلم نفسه لها، واتضحت له الحجرة كما عهدها خالية من الطيوف، بريئة ~~من الأخيلة، وانكشفت له تهاويل السقف عن فنها الرفيع الذي طالما بهره ~~إذا ما سمت إليه عيناه. أهذه الرسوم محجوز عليها هي أيضا؟ إنها فن ~~رفيع لا يقدر بمال، ولكن الدائنين لا يرون فيه إلا سقفا لا يكمل ~~البيت بدونه، والبيت محجوز عليه؛ لا حياة للفن في صراع المال. # دخل إدريس إلى حجرة المكتب: فهمي بك عبد الحميد. # ولم ينزل الباشا قدميه عن المكتب، ولم يجزع، وإن كانت بعض الدهشة ~~قد تولته. ~~- ما له؟ ~~- في الخارج يريد مقابلة سعادتك. # وصمت الباشا. ليس من المعقول أن يأتي ليتشفى والجرح جديد. إذن ~~... ~~- دعه يدخل. # وأنزل الباشا قدميه، واستعد للقاء الرجل، فمهما يكن البيت محجوزا ~~عليه إلا أنه حتى الآن بيته. # دخل فهمي عبد الحميد، وأسى صادق مرتسم على وجهه. ~~- سعادة الباشا. ~~- أهلا فهمي، اقعد، اقعد أولا. ~~- سعادة الباشا، أنا لا أعرف ماذا أقول لك. # وعجب راشد أن رأى بواكير دموع تطفر إلى عيني الرجل، وكأنها تودع ~~دموعا أخرى سبقتها. وأصبح الموقف أكبر من الإنسان، وأوشكت دموع راشد ~~العصية أن تطفر، إلا أنه زجرها. فقد تكون دموع فهمي وفاء لصداقة ~~قديمة، أو اعتذارا عن موقف سابق، أو أخوة صمدت في وجه الأحداث. أما ~~دموع راشد فلن تكون إلا ذلة واستكانة وضعفا، ولن يفهم فهمي أنها إنما ms057 ~~انهمرت إكبارا للإنسان حين يعلو على الإنسان. ~~- لقد أصبح هذا البيت من نصيبي مقابل دين في الأوراق مقداره عشرون ~~ألف جنيه، هذه أوراق الرهن اقرأها سعادتك. ~~- وتريد البيت الآن؟ ~~- أريدك أن تقرأ الأوراق يا سعادة الباشا. # ونظر راشد في الأوراق نظرة سريعة كانت كافية لمن هو في مثل خبرته، ~~وقال وهو يرد الأوراق إلى فهمي: نعم فعلا. ~~- هل ينقصها شيء؟ ~~- لا أظن. ~~- أعد النظر إليها يا سعادة الباشا واقرأها على مهل، ربما كان ~~ينقصها شيء. ~~- أعتقد أنها كاملة يا فهمي، لا ينقصها شيء. ~~- سعادتك متأكد؟ ~~- طبعا متأكد، وأنا على استعداد أن أسلمك. ~~- سعادة الباشا، أرجوك تأكد من الأوراق. ~~- يا أخي إذا كنت تريد أن تتسلم البيت الآن فأنا على استعداد. ~~- سعادتك تقصد أن تخرج من بيتك الآن، ومعك أسامة والسيدة والدتك ~~المريضة والسيدة حرمك؟ ~~- هذا ما تقوله الأوراق، وما يقوله حقك؛ الرهن حيازي لمجموعة ~~الدائنين. # وقد قسمتم الرهن على أنفسكم فيما بينكم، وأصبح البيت من نصيبك ~~بموافقة جميع الدائنين. هذا لا شك فيه. ~~- وهذه هي أوراق الدين والحيازة يا راشد باشا. # وفي حركة ثابتة واثقة مزق فهمي الأوراق، ثم أعاد تمزيقها. ~~- فهمي، ماذا فعلت؟ أنت بهذا تضيع حقك في الدين. ~~- وما عشرون ألفا عندك؟ ادفعها حين تشاء أو لا تدفعها إذا شئت، إنما ~~أنا لا أخرج راشد باشا وأسرته ووالدته من البيت الذي عاشوا فيه عمرهم ~~كله. ~~- فهمي، أهذا معقول؟ ~~- هذا هو المعقول، فلنختلف، أحاربك وتحاربني، ولكن راشد أدهم لا يخرج ~~من بيته أبدا. ~~- فهمي، هل هناك كلام يوفيك حقك؟ ~~- حاولت أن تكون السيارة ضمن ديني فلم أستطع. ~~- لا يهم، لا يهم شيء. أنت كما أنت الآن أمامي أعز من كل المال ~~الذي فقدت. ~~- أنا لن أبقى لأسمع هذا الكلام. السلام عليكم. ~~- والقهوة؟ ~~- ستصبح شربات حين أرى الوقت مناسبا. ~~••• # إن للسماء طرقا عجيبة، قد أتصور أن يفعل أي دائن ما فعل فهمي عبد ~~الحميد إلا فهمي عبد الحميد، لو أن الإنسان عرف السبل التي تستعملها ~~السماء لأصبح إلها، ولكن السماء ms058 تحب أن تذكره دائما أنه إنسان لا ~~يزيد، وهناك من فوق سبع سموات رحمة ترسل حنانها وشعاعها بالطريق الذي ~~تراه مناسبا أو طبيعيا، لا الطريق الذي يتصوره مجرد الإنسان. وهيهات ~~لمجرد الإنسان أن يفهم. # كيف يمكن لفهمي عبد الحميد أن يكون ذلك الملاك، وهو هو نفسه الذي ~~ارتكب من الأعمال ما يعف الشيطان عن ارتكابه؟ # كيف يستطيع الملاك والشيطان أن يعيشا معا في كيان واحد، والذي يسمو ~~إلى ما تصنعه الملائكة هو نفسه الذي يتردى إلى ما لا تهوي إليه ~~الشياطين؟ ألهمها فجورها وتقواها. # فالذي يصنع الخير هو خير من الملائكة، لأنه يصنع الخير باختياره لا ~~بالطبيعة المواتية التي لا تعرف الملائكة غيرها، والذي يتردى إلى ~~فجورها يهوي إلى حضيض أسفل من حضيض الشياطين، لأنه هو نفسه كان يستطيع ~~أن يختار الطريق الآخر الذي لا يستطيع أن يختاره الشيطان. وألهمها ~~فجورها وتقواها. قد يغلب الفجور مرة وقد تغلب التقوى مرة، ويصبح ~~الإنسان تركيبا عجيبا لا هو شر كله ولا هو خير كله، وإنما يتمازجان ~~فيه في غير تنافر، ويصبح كل من العنصرين مادة في كيان الإنسان؛ ليظل ~~إلى الأبد ذلك اللغز الذي حارت فيه مراحل البشرية على مر ~~التاريخ. ~~••• # قالت خديجة: أبيع مجوهراتي. ~~- هي في البنك باسمي وأغلب الظن أنها حجز عليها هي أيضا. ~~- أكلم أبي. ~~- إياك! ~~- إنه أبي. ~~- اسمعي، هذه المشكلة ملكي أنا، وأنا الذي صنعتها، وأنا الذي يجب أن ~~أتولاها وحدي. ~~- لتكن أنت من صنعتها، ولكن أنت رب بيتي، مسئوليتي عنك قدر مسئوليتك ~~عني. ~~- لو كان لك مال مستقل لكان الذي تقولينه طبيعيا. ~~- ولكن أبي مسئول عني. ~~- سقطت عنه هذه المسئولية منذ تزوجتك. ~~- العلاقات الإنسانية ليست عقودا تسجل في المحكمة، يغضب أبي أشد ~~الغضب إذا لم أقل له. ~~- غضبه سيكون أكبر إذا قلت له. ~~- منك؟ ~~- من نفسه. ~~- من نفسه؟ ~~- إنه لا يستطيع أن يصنع شيئا؛ دخل أبيك يكاد لا يكفيه. ~~- ما هذا الذي تقول؟ ~~- حقيقة أنا أعرفها قبل أن أتزوجك، وتأخرت أنت في معرفتها. ~~- ولكن لا بد أنه ms059 سيعرف كل شيء عن حكايتنا. ~~- أنت طيبة يا خديجة. هل تظنين أن أحدا في مصر سيجهل ما حصل ~~لي؟ ~~- فهو الذي سيكلمني. ~~- ربما. ~~- إذن فسيغضب لأنني لم أكلمه. ~~- أعلم ذلك. ~~- ماذا أقول له؟ ~~- قولي إنك عرضت علي مساعدته، فرفضت ذلك رفضا قاطعا. ~~- ولكنه سيكلمك. ~~- لا تخافي، فإن كنت فقدت مالي فإني لم أفقد لباقتي. ~~••• # وقالت أمه وهي في فراش مرضها: راشد لا تخف. ~~- أنا غير خائف. ~~- مصاريف بيتك علي. ~~- وأنت ما ذنبك؟ ~~- كنت أستطيع أن أعطيك أرضي فتبيعها، ولكني أخاف أن تأكلها ديونك، ~~سأبقي أرضي لأصرف منها على البيت. ~~- هانم أفندي، لا أدري ماذا أقول لك. ~~- لا تقل شيئا، لن أعيش طويلا والأفدنة القليلة التي ورثتها عن ~~أبيك ستئول إليك، ولكني أريد أن أعيش كما تعودت أن أعيش؛ لا أسأل ~~أحدا شيئا. ~~- سيكون لك هذا على كل حال. ~~- إنك طول حياتك تنفق علي وعلى ملبسي، وكنت أنفق أنا إيرادي على ~~من يستحقون الصدقة. وعندي بعد ذلك بقية، وإيراد الأرض سيكفي مصاريف ~~البيت؛ فلا تحمل هما من هذه الناحية ودبر أنت حالك في غير ~~هذا. ~~••• # وقال عثمان باشا فكري: لقد أكرمت خديجة منذ تزوجتها، وأصبح بينكما ~~الآن أسامة، وهو حفيدي، وأنا مسئول عنه وعن ابنتي وسمى، وتصرفاتك ~~الكريمة مع ابنتي تتيح لي أن أكون مسئولا عنك أنت أيضا، فدعني أقدم ~~مساعدتي. ~~- أنا دائما أعتبرك أخي الأكبر إن لم أعتبرك والدي، وأنت في مكانة ~~عندي، ولكني أحب أن أقوم بنفسي بهذا العبء. ~~- أساعدك في أيامه الأولى. ~~- وأصبح أمام زوجتي شخصا ضعيفا لا يستطيع أن يواجه الأحداث؟ ~~- لقد عشت عمرك غنيا. ~~- فدعني أجرب أن أكون فقيرا. ~~- أمرك. ~~••• # وقال أسامة: بابا، ماذا حصل؟ ~~- ماذا حصل؟ ~~- في البيت حاجة غريبة. ~~- مثل ماذا؟ ~~- لا أعرف! ~~- هل نقص شيء؟ ~~- السيارة. ~~- وأنت ما لك بالسيارة؟ ~~- أنا فقط لا أراها. ~~- أصبحت قديمة. ~~- اشتريت سيارة جديدة؟ ~~- ليس الآن. هل هذا هو كل التغيير؟ ~~- طبعا لا. ~~- وماذا أيضا؟ ~~- لا أعرف، ستي ليست كما تعودت أن أراها. ~~- مريضة. ~~- إنها مريضة من زمان، ms060 ولكنها ليست هي! ~~- وماذا أيضا؟ ~~- وكفاية. ~~- وماما؟ ~~- لا، ماما لم تتغير. ~~- وأنا؟ ~~- أنت؟! أنت؟! لا أعرف. ~~- والخدم؟ ~~- لا أعرف .. يمكن .. ربما .. نعم. افتكرت، كانوا دائما يهزرون معي. ~~الآن دائما التكشيرة على وشهم. ~~- كل هذا رأيته؟ ~~- لا أعرف. تعرف يا بابا ساعات أحس بأشياء ولا أعرف كيف ~~أقولها. ~~- مثل ماذا؟ ~~- لو كنت أعرف كنت قلت. لا أعرف. فيه شيء، ولكن ما هو؟ لا ~~أعرف. ~~- ستعرف يا أسامة، سيأتي يوم وتعرف. ~~••• # بدأ حياته الجديدة بداية لم تر مثلها القاهرة، ولا أحسب أنها ~~ستراها. كانت هناك عمليات تجارية صغيرة، تعود أن يتركها ولا يعنى ~~بها ليهتم بعمليات أكبر؛ عاد إلى هذه العمليات، ولكنه كان يريد أن ~~ينتقل بسرعة. وكان قد انتوى أمام نفسه ألا يستغني عن أحد من الخدم ~~أبدا، فقد استقروا في البيت منذ سنوات طوال وأصبح من غير الممكن أن ~~يستغني عن أحد منهم، كان هناك شعور يجمعهم أنهم أسرة واحدة، لعل ~~أحدا منهم لم يفصح للآخر بهذا الشعور، ولكنه راسخ في نفوسهم ربما إلى ~~درجة عميقة وثابتة ومؤكدة؛ حتى ليصبح من العبث أن تكون موضوع ~~حديث. # وهكذا بقي عبده خليل سائق السيارة دون أن تكون هناك سيارة، وسرعان ما ~~نبتت الفكرة في ذهن راشد باشا. # والذين كانوا يعيشون في القاهرة هذه الأيام أصبحوا يرون منظرا ~~عجيبا. # سعادة الباشا يركب موتوسيكل له مقعد جانبي؛ الذي يطلقون عليه ~~سيدكار، يقود الموتوسيكل سائق غاية في أناقة المظهر، يلبس البذلة التي ~~كانوا يطلقون عليها بذلة طلب، وهي تمتاز بسترة مقفلة عند الرقبة زرقاء ~~داكنة الزرقة على حوافيها قطان أحمر، والبنطلون منتفخ من أعلى، تلقفه ~~بعد ذلك رقبة طويلة لحذاء جلدي فاخر. هكذا كان ملبس عبده وهو يقود ~~السيارة الباكار؛ نفس ملبس عبده خليل وهو يقود الموتوسيكل السيدكار ~~الذي يركب سعادة الباشا في مقعده. حتى إذا أراد الباشا أن ينزل في ~~مكان ما لبعض شأنه سارع عبده خليل يفتح باب السيدكار في عظمة ووقار، ~~ونزل الباشا في سمته المهيب الذي تعود أن ينزل به من ms061 السيارة ~~الباكار. # والباشا وهو يصنع هذا لا يفكر لحظة أنه يفعل شيئا يدعو إلى الدهشة، ~~وفيم الدهشة أن الباشا يعتبر السيارة وسيلة لا غاية؟ والموتوسيكل ~~وسيلة تؤدي الغرض نفسه، وراشد باشا برهان الذي كان يركب السيارة ~~الباكار هو نفسه راشد باشا برهان الذي يركب الموتوسيكل ~~السيدكار. # | الفصل السادس عشر # دق جرس التليفون بمنزل زكريا باشا: أنا عبد القادر إبراهيم وكيل ~~وزارة الخارجية يا معالي الباشا. ~~- أهلا عبد القادر بك، أهلا وسهلا. ~~- متى أستطيع أن أرى معاليك؟ ~~- وقتما تشاء. ~~- في أسرع وقت إذا أذنت سعادتك. ~~- الآن إذا شئت. # عشر دقائق أكون عند معاليك. # السن والثقافة والتجارب جعلت زكريا باشا يبدو هادئا وهو ينتظر وكيل ~~الوزارة، ولكنه كان واثقا أن شيئا يتصل بابنه عدلي في طريقه إليه. ~~وقد تعود منذ سنوات ألا يصل شيء سعيد بابنه عدلي، أبت عليه تجاربه أن ~~يفكر فيما يمكن أن يكون هذا الشيء. # وجاء وكيل الوزارة. # عدلي يسهر كل يوم إلى الفجر، يلعب القمار في جنيف ولا يكفيه أي مال، ~~بل إن صحته وهو الشاب لم تعد تستطيع أن تتحمل ما يصنعه بها. # مرتبه وإيراده الذي يذهب إليه هناك يقذف به جميعا على مائدة القمار، ~~بل إنه حتى لا يتناول من الطعام ما يقيم أوده؛ فهو يفضل أن يلعب ~~القمار عن أن يتناول الطعام الذي يحتاج إليه جسمه، فهو لا يذهب إلى ~~الفندق إلا بعد الظهر لينام ساعتين ثم يستأنف، وكل هذا ما كان يحتاج ~~إلى وكيل الوزارة ليأتي به إلى زكريا باشا. # لقد نضب المال من يد عدلي؛ فإذا هو يطلب من الفندق الذي ينزل به أن ~~يصرف له شيكا يقدر بالنقود المصرية بحوالي خمسمائة جنيه، وقد قصد أن ~~يطلب صرف الشيك في يوم سبت حتى تكون البنوك مقفلة في يوم الأحد، ظانا ~~أنه يستطيع أن يكسب فيودع المبلغ في البنك قبل أن يقدمه الفندق. # لم يكسب. # وطرده الفندق وطالب السفير المصري بالشيك وحساب الفندق. # دفع السفير، ولم يشأ أن يخبر الوزير لأنه يعرف أنه صديق ms062 الباشا ، ~~وأخبر وكيل الوزارة. # طبعا دفع الباشا كل ما أخبره به وكيل الوزارة، وما إن ودعه إلى ~~الباب حتى عاد إلى التليفون ملهوفا: راوية. ~~- أفندم سعادة الباشا. ~~- تعالي حالا! # وحين جاءت: كم ترسل لك دائرة عدلي كل شهر؟ # وتسمرت عينا راوية على الباشا وتقلصت خلجات وجهها، وحاولت أن ~~تتماسك بكل ما يطيق البشر أن يتماسكوا، ولكن هيهات لدموع مثلها أن ~~تغيض، لقد طفرت إلى سكب وراء سكب. ~~- لا عليك يا ابنتي. لا عليك، خذي. ~~- لا آخذ شيئا يا عمي. لا يمكن. ~~- ستأخذين. ~~- ألا يكفي أنك تربي هالة، وأنك رفضت أن تأخذ نصيبك من تركة نينا ~~نعيمة هانم؟ ~~- هذه أشياء ليس من شأنها أن تسقط واجب زوجك في الإنفاق ~~عليك. ~~- هذا خطؤه، وليس من المفروض أن تتحمل أخطاءه. ~~- ومن يتحمل أخطاء الأبناء إلا آباؤهم؟ ~~- ألا يكفي ما تحملته أنت من عدلي؟ ~~- أنا لم أتحمل شيئا. ~~- بعد كل هذا؟ ~~- هذه كلها أخطائي أنا. ما دمت لم أحسن تربيته فعلي أن أتحمل كل ~~ما يفعل. ~~- من قال هذا؟ يا عمي الناس طبائع، وعدلي طبعه هكذا ولا ذنب لك ~~أنت. ~~- يا بنتي أنا لم أقم بواجبي نحو عدلي، وأنا الآن أحاول أن أستدرك ~~الخطأ الذي وقعت فيه. خذي. ~~- لا يمكن. ~~- أنت تعرفين إلى أي حد يحترمني أبوك؟ ~~- أعرف. ~~- لا تضطريني أن أدعوه، وأعطيه ما يجب أن تأخذيه أنت. # وقبلت راوية المال، وانصرفت. # ولكن قصة عدلي لم تتم فصولا. ~~••• # ما هو إلا شهر وبعض شهر حتى جاءت الأنباء أن عدلي سقط مريضا بعد هذا ~~الجهد الذي أنهك به جسمه، واضطر الباشا أن يصحب راوية إلى ~~سويسرا. # وهناك وفي حجرة من فندق فقير التقى الباشا مع ابنه عدلي لأول مرة، ~~بعد ما صنعه عدلي تجاه أبيه. # وهناك لم يجد الباشا من ابنه إلا بقية حطام لم يترك القمار منه ~~شيئا. # كان موقف الابن ذليلا حتى لم يحاول أن يعتذر، وكان موقف الأب أليما ~~حتى لم يذكر من هذا الشيء الذي أمامه إلا أنه ابنه وأنه مريض. ms063 # سرعان ما عرف الأب وعرفت راوية أن مرض الصدر هو ما يعانيه ~~عدلي. # في مصحة في ليزين على جبل بالقرب من لوزان استقر عدلي، ودفع الباشا ~~نفقات العلاج، وأعطى لراوية ما يكفي لفترة أخرى، وسافر إلى القاهرة ~~بالباخرة. # وفي القاهرة استقبلته من راوية برقية: «لقد مات عدلي.» ~~••• # منذ ذلك اليوم أصبح زكريا إنسانا آخر؛ كان يخشى أن يبدي حبه ليحيى ~~ابنه، ويخشى أن يظهر ضعفه لهالة حفيدته، فاعتزل عنهما الحياة بعد أن ~~أصر أن يقيم معه ومع زوجته زوجة ابنه راوية. # ومنذ ذلك اليوم أصبح زكريا باشا يمثل لابنه وحفيدته شيئا مقدسا لا ~~سبيل إلى الحديث معه، وإنما تصل إليهما الأوامر منه والنقود، وكأنه ~~طيف غير إنساني لا صلة له بالبشرية. # وكان يحيى في تلك السن التي يتشكل فيها الإنسان ليصبح رجل ~~الغد. # وأما هالة فلاهية يصغر عندها كل شيء، ليصبح مجرد حدوتة أو أداة ~~تسلية. # لم يكن زكريا يتوقع أن تطول به الحياة حتى يفقد عدلي، وأصبح يخاف على ~~ابنه وابنته أن يتعلقا به ثم يخذلهما ويتركهما؛ فينهار صرح في نفسيهما ~~كبير، كان يريد حياته أن تكون على هامش حياتهما، ولو أنه أراد أن يجتمع ~~بهما لأعجزته نفسه؛ فقد كان موت عدلي بالنسبة إليه في سنه هذه نكبة لم ~~يحتملها. # كان يدري أنه لم يحسن تربيته، وكان يدري أنه لا يصلح لشيء، وكان ~~يدري أنه طعنه أو حاول أن يطعنه بهذه القضية التي رفعها، ولكنه أيضا ~~كان يدري أنه ظل لفترة طويلة من حياته ابنه الوحيد، وأن أهميته قد ~~زادت حين أتى بهالة وحين أتى هو بيحيى، وكان يجعل في حياة عدلي من بعده ~~أداة أمن تصحبه في رحلته إلى الحياة الأخرى، ولكنه مات. # وفي لحظة ينهار هذا الأمن ولا يبقى من عدلي إلا أنه مات، يكفي هذا! ~~وسنة الحياة أن يدفن الابن أباه، وويل للآباء، أو قل إن شئت، ويل ~~للحياة كلها إذا اختلفت هذه السنة، فدفن الأب ابنه! # ينسى زكريا كل شيء إلا أن ابنه مات، فتصبح ms064 مسالك الحياة أمام عينه ~~مهوشة شائهة لا معنى لها. # لا يختلف عنده طريق عن طريق، بل إنه حتى لم يعد يريد أن يختار ولا أن ~~يدلي برأي. # هو لا يشارك في السياسة، وهو لا يذهب إلى مكتب المحاماة، وهو لا يجد ~~في مجلس الأصدقاء أنسا أو ترفيها، لم يبق من الأصدقاء إلا من ~~يصغرونه، أما أتراب حياته ورفاق طريقه فقد ماتوا واحدا بعد الآخر، ~~وأقفرت من حوله الحياة التي كانوا يصنعونها معا. # حتى السياسة التي كان من أعلامها اختلفت دروبها، وتغير رجالها فأصبح ~~لا يفهم عنهم ولا يفهمون عنه، وحتى إذا فهموا فإنه لا يريد أن يدلي ~~برأي. # وكيف يدري زكريا باشا أنه إذا أبدى آراءه في تربية ولده وحفيدته يكون ~~قد قال الرأي الصواب؟ ومن يعرف الخطأ في عصر هؤلاء؟ وكيف يستطيع أن ~~يشارك في تربية الأحفاد - فيحيى وإن يكن ابنه خليق أن يكون حفيده - وهو ~~لم يوفق في تربية ابنه حتى يفكر في تربية حفيده. # في حجرته زكريا باشا إن غادرها فساعة أو بعض الساعة يحس بها أنه حي ~~لم يمت، ثم إلى غرفته يعود. # ومن هذه العزلة اتخذت سهير وراوية أداة إرهاب للطفلين، وعند يحيى ~~أصبح سمت الرجل كما ينبغي أن يكون؛ هو هذا الباشا المنعزل، هكذا أصبح ~~الأمر عند يحيى. أصبح يعتقد أن الرجل لا يكون رجلا إلا إذا لم ير ~~أحدا ولم يره أحد، وأصبح يظن أن الرجل العظيم - ومن أعظم من جده؟ - ~~يجب أن يكون صموتا لا يتكلم، فإذا تكلم فكلامه أمر، وإشارته لا يصحبها ~~إلا الطاعة من الآخرين، هكذا صورت أمه أباه، وهكذا أكد أبوه هذه الصورة ~~بوجه ارتمى عليه الحزن واحتضنته تجاعيد السنين؛ فأصبح بمزاج الألم ~~والأيام تكشيرة لا انبساط لها. # ربما استطاعت راوية أن تنجو بهالة من هذه الصورة، وهالة على كل حال ~~بطبيعة جنسها لا تصبو أن تكون رجلا، ورجلا مرهوبا. ولكن رواية خشيت ~~على ابنتها أن يجعلها موت أبيها جانحة إلى الحزن في حياتها؛ فراحت تتيح ~~لابنتها كل فرصة ms065 للبهجة ، ولم تكن تستعمل اسم الجد إلا حين ترى أن هالة ~~تبالغ في طلب البهجة، وكان ذكر اسمه مصحوبا بالرغبة التي تريدها الأم، ~~وتلصقها به وهو فيها مظلوم؛ كافيا أن يرد هالة إلى ما تبتغيه الأم ~~من الاعتدال. ~~••• # كان يحيى في السادسة عشرة حين مات أبوه زكريا باشا. # وفجأة وجد يحيى نفسه قد انتصب رجلا على رغم أنفه؛ فالخدم لا يذكرونه ~~إلا بلفظ البك، هكذا مفردة دون اسم يحيى يسبقها، أو صفة الصغير تلحق ~~بها. # أصبح هو البك، ليس «بك» وإنما البك كاملة خالصة له. فقد أرادت سهير ~~أن تجعل منه رجل الأسرة الجديد، ولم يكن بد من أن تحيطه بكل هالات ~~التوقير إذا كانت سنه وثقافته لا تستطيعان أن تحيطاه بشيء. # وحين مر بعض الوقت قالت راوية: ألا ترين من الأنسب أن أرجع إلى ~~بيتي؟ ~~- لماذا؟ ~~- أنت تعرفين أن بيتي مغلق، ومن الطبيعي أن أعيش فيه مع ~~ابنتي. ~~- وما الطبيعي في ذلك؟ ~~- كانت هالة مع جدها، أما الآن ... ~~- شأنك عجيب يا راوية، هي الآن مع عمها في القرابة ومع أخيها في ~~السن، فأي عجيب في ذلك؟ ~~- ربما يحب يحيى أن يعيش وحده. ~~- اسمعي. أنا وأنت لم نختلف طوال هذه السنوات، وأصبحنا كأخوات، وهذا ~~البيت بيتي وبيت يحيى معا، وقد تعودت الحياة معك كما أعتقد أنك ~~تعودت الحياة معي، وليس من الطبيعي أن تعيشي وحدك مع هالة وبيت عمها ~~موجود. وإذا كان الباشا قد مات فإننا نستطيع أن نجعل من يحيى رجل البيت ~~ونعيش معا. ودعينا لا نعود لهذا الحديث. ~~- على شرط ... ~~- قبلته! ~~- أتعرفينه؟ ~~- كنت لا تشاركين في نفقات البيت، والآن تريدين أن تشاركي؟ ~~- فهل تقبلين؟ ~~- نعم أقبل. ~~••• # من حسن حظ هالة ومن حسن حظ يحيى، أو من سوء حظه لا أدري، أن هالة ~~جاء لها خطيب. # أما أن هذا من حسن حظها فلا شك في ذلك؛ فإن هالة لم تستطع أن تتصور ~~يحيى هو البك، فقد عاش عمره رفيق الملعب، وكانت تسخر سخرية شديدة من ~~جو التوقير الذي تشيعه ms066 حوله أمه، وتشتد السخرية بها إذا رأت أمها تشجع ~~هذا التوقير، ولم تكن تحتفظ بسخريتها لنفسها دائما، كانت تفجرها كلمات ~~لا تتحرز أمام من تنفجر، وكثيرا ما كان ذلك يحدث أمام الخدم؛ فترتسم ~~على أفواههم بسمات تنال - لا شك - من الهيبة الصارمة التي ينبغي أن ~~تفرش تحت أقدام الأمير الصغير؛ البك. # وكان يحيى يجن من سخرية هالة، وكانت أمها تحاول - عبثا - أن ~~تردعها. # ولكن هالة مسكينة؛ فما تستطيع أن تتصور يحيى كما تريد السيدتان أن ~~ترسماه، دون أن تضحك ضحكا ساخرا يتشكل في كثير من الأحيان كلمات ~~لاذعة. # وهكذا لم يكن عجيبا أن يرحب الجميع بذلك العريس الذي تقدم للزواج من ~~هالة. # ولم يكن عجيبا أيضا أن تكون التحريات التي أجروها عنه مبتسرة، تتسم ~~بالتعجل أكثر مما تتسم بالجدية والتعمق. # كل ما عرفوه عنه أنه خريج التجارة العليا، وأن أباه تاجر من أواسط ~~التجار، لا هو بالغني الفاحش الغنى ولا بالفقير المدقع. # العريس اسمه جابر عبد البديع الشحات، في السابعة والعشرين من عمره، ~~ويعمل مع أبيه في التجارة. # له أخ أصغر منه بسنة واحدة، وقد تخرج في كلية الحقوق واسمه حامد، ~~وحامد يعمل بالأعمال الحرة في غير تجارة أبيه بجانب عمله بالمحاماة. ~~والحقيقة في أمر حامد أن مكتبه ستار لأعماله التجارية، فاسم المحامي ~~ومكتبه يخلقان حوله جوا يستطيع عمله التجاري أن ينتفع بهما. وهو ~~فعلا يعمل بالمحاماة ولكنه يختار قضاياه. ولجابر وحامد بعد ذلك أختان ~~تكبرانهما ومتزوجتان ولهما أبناء، أما الكبرى فاسمها حميدة، وأما ~~الصغرى فاسمها رشيدة. # وحين جمع الفرح الأسرة في منزل زكريا باشا أحست راوية أنها ~~تعجلت، ولكن هالة لم تفكر في عقد مقارنة بين أسرتها الجديدة وأسرتها ~~التي عاشت فيها، وإنما هي سعيدة أن تتزوج في هذه السن الباكرة، ويعجب ~~بها شاب أنيق مثل جابر. ولم تكن تجربتها تسمح لها بأن تقدر معنى هذه ~~السلسلة الذهبية الضخمة السميكة المتوحشة التي يعلقها أبوه عبد البديع ~~الشحات على صدره، ولا معنى الفستان الأحمر الذي يسمون أحمره بالأحمر ~~الإنجليزي الذي ms067 ترتديه حميدة، ولا معنى الفستان الفستقي اللامع الذي ~~ترتديه رشيدة. # أما راوية وسهير فقد فهمتا تماما أي أسرة ناسبتها ابنتهما المسكينة ~~هالة، ونظرت كل منهما إلى الأخرى نظرة تقول «لماذا؟» لو أن هالة ~~فقيرة وبحثت عن بعض غنى لكان ذلك مفهوما؛ لو أن السن تقدمت بها فشارفت ~~الثلاثين لكان هناك بعض العذر، لو أنها أحبت جابر وأحبها لأصبح الأمر ~~لا يحتاج إلى تبرير. # ولكن هكذا وبدون أي أسباب! لماذا؟ # وفي لحظة واحدة اتجهت العيون منهما إلى البك؛ إلى يحيى. ودمعت عينا ~~راوية ولم تخف الدمعات، فالأمهات اللواتي يفقدن أزواجهن مباح لهن ~~دائما أن يبكين في أفراح أبنائهن أو بناتهن، ولكن سهير فهمت معنى ~~الدموع من راوية، ووثقت من فهمها وأطرقت خجلا. لقد جعلها حرصها على أن ~~تجعل ابنها «بيكا» لا تكتنفه السخرية تنصح بتعجيل هذا الزواج دون ريث ~~من تأمل أو بحث أو تفكير. # كان في الفرح كل أصدقاء راوية وسهير، فلم يكن عجيبا أن تكون شهيرة ~~سيدة مرموقة في الفرح تذهب وتجيء، وتدعو إلى الطعام، وتمر بجانب الخدم ~~وهم يقدمون الحلوى والشربات. بل لقد تولت هي نفسها تقديم علب الحلوى ~~إلى المدعوين مع راوية وسهير. # وفي الفرح تعرف شباب بشباب. # تعرف حامد بيحيى وبشهيرة وبهيرة، وتعرفوا به ضمن من عرفوهم في ليلتهم ~~تلك. # كان يحيى في فترة هذا الفرح قد اتخذ قرارا خطيرا، وزاده هذا القرار ~~شعورا بالأهمية إن كان هذا الشعور عنه يحتاج إلى مزيد. # كان يحيى يتعثر في التعليم حتى بلغ الثالثة الثانوية وهو في التاسعة ~~عشر من عمره، وكان ما زال المدى أمامه بعيدا؛ فقد كان لا بد له أن ~~ينال الثقافة ثم التوجيهية، وأدرك أن هذا أمر بعيد المنال إن لم يكن ~~مستحيلا. # وهنا يقف علماء النفس حائرين، فهناك من يقول إن جو الأهمية الذي تفجر ~~حول يحيى كان خليقا أن يجعله يذاكر ويصبر نفسه على الجهد؛ لأنه لا ~~يليق بالرجل المهم أن يسقط أمام الخدم والأتباع الذي لا يقولون عنه إلا ~~البك. # وهناك فريق ms068 من هؤلاء العلماء يقول إن هذا الشعور بالأهمية مع عدم ~~الإدراك لقيمة الثقافة يجعله يظن أن التعليم شيء ثانوي لا يستحق هذا ~~العناء، وأن البك لا يجوز له أن يصنع ما يصنعه عامة التلاميذ، ويذاكر ~~كما يذاكرون، وينجح كما ينجحون. # وهكذا تجد أن علماء النفس هؤلاء كثيرا ما يزيدون الأمور تعقيدا، ~~وكثيرا ما تنغلق أمامهم المسالك، فلا أحد منهم يعلم إن كان على خطأ أم ~~كان على صواب. # ولكن يحيى لم يفكر على كل حال أن يسأل علماء النفس، ولا أن يستخير ~~كتبهم، وهو أيضا - وهو البك - لم يكن محتاجا أن يستشير أحدا؛ فحزم ~~أمره وقرر رأيه وأصدر قراره: لا تعليم! # وقرار البك لا مرد له. وأدركت أمه أنها لن تستطيع أن تجادله؛ فهي ~~تعلم أن البك الذي صنعته وجعلت من حولها يصنعونه معها، لم يعد صالحا ~~للنقاش. # وهكذا أصبح البك بك رسميا وإن لم يصدر بشأن رتبته براءة من القصر ~~الملكي، وهو أيضا في غير حاجة إلى براءة القصر الملكي؛ لأن الوهم ~~الذي يحيط به ضخم ضخامة الحقيقة نفسها، فالبراءة بالبكوية لن تزيد ~~حقيقة تكوينه ثبوتا لديه أو لدى المجتمع الذي يحيط به. # وهكذا تثور حول يحيى بك مشكلة أعيت الأجيال؛ هل الحقيقة هي ما يعتقده ~~الإنسان أم أنها معنى مجرد ليس يعنى بمن يعرفه أو من يعارضه؟ وإن كانت ~~معنى مجردا فما قيمته إذا لم يجمع عليه الناس؟ ولكن هل كل حقيقة ~~يجمع عليها الناس؟ ودعنا نسأل أيضا: هل كل ما يجمع عليه الناس حقيقة؟ ~~وما لنا لا نسأل أيضا: وهل أجمع الناس على شيء؟ # فإذا قلنا إن هناك غالبية كاثرة تجمع على أمر معين، وإن هناك أقلية ~~لا توافق الإجماع؛ فإنه لا بد لنا أن نسأل مرة أخرى: هل من الحتم أن ~~تكون أغلبية الناس معتنقة الحقيقة، وأن الأقلية لا قيمة لها؟ ومن يحكم ~~في هذه القضية؟ إن هناك رأيا معروفا أن الحقيقة واحدة لا تتعدد. ولكن ~~هل عرف أحد هذه الحقيقة الواحدة؟ وما دام أحد لم ms069 يعرفها فأين نجدها؟ ~~المؤكد أنها متعددة، وأنها واحدة، ولكن أحدا لا يستطيع أن يعرف أين ~~الحقيقة الخالصة في هذا العدد الكبير من الحقائق؟ ليس غريبا إذن أن ~~تكون الحقيقة ضائعة بين البشر الذي ركب من عقل وشهوة، ومن فكر ~~وعاطفة، ومن حكمة وهوى، فبين التيارين المتعارضين تنزوي الحقيقة، ~~ويعتقد كل إنسان أن الحقيقة التي استقر عليها رأيه هي الحقيقة؛ فلا بأس ~~إذن أن يعتقد يحيى أنه بك فعلا رغم افتقار رتبته إلى براءة ~~رسمية. # وعرف حامد أن البك في هذا البيت معناها يحيى، وعرف شهيرة وأعجب كل ~~الإعجاب بابنتها بهيرة. # وكان بين المدعوين أيضا وجدي، فإن أردت أن أذكرك به فلا بد أن ~~أنسبه إلى أمه لأنها الجانب المجمع عليه من أبويه أنه ابن نجاة. وهو ~~عند كل من يعرف نجاة ابن عزت بهادر وعند القضاء الذي أصدر الحكم في ~~قضيته ابن عبد المحسن باشا وفيق. # وكان وجدي في نضارة الشباب وفي فتوته، يتمتع بجمال أخاذ سامق، ~~ويتمتع أيضا بذكاء خارق، يعرف هو بخلقه الخاص، وظروفه التي أحاطت ~~بولادته ونشأته، والقضايا التي وجدها تتلقفه مع مهد الطفولة، كيف ~~يستعمل هذا الذكاء وأين يستعمله. وهو في إعماله لذكائه هذا يستعمل كل ~~ما لديه من أصل ممزق بين الحقيقة التي يكاد يلمسها بالشبه بينه وبين ~~الذي يناديه بعمه عزت، وبين الوهم الذي أكسبه القضاء حجية الشيء ~~المحكوم فيه، كما يجعل ذكاءه يستخدم هذا الجمال الذي لا تستطيع عين أن ~~تعبره دون أن تقف عنده وتطيل الوقوف. # وكانت خديجة وراشد باشا وأسامة بين المدعوين. # راشد باشا قد عادت إليه ثروته، ولكنه حولها إلى عمارات باسم أسامة ~~مباشرة، وقطع ما بينه وبين الريف تماما؛ فباع عزبته التي استخلصها من ~~أيدي الديانة وابتاع بثمنها عمارات، فقد أدرك أن وحيده الذي ربي ~~بالقاهرة لن يستطيع أن يستنبت من الأرض ريعها، كما أدرك أن ابن خديجة ~~التي عاشت عمرها بالقاهرة لن يكون فلاحا يفهم كيف يعامل الأرض. وقد ~~حقق أسامة ظن أبيه؛ فإذا هو طالب يحب العلم، ms070 وإذا هو شاب يحب القراءة، ~~وهكذا لم يكن غريبا أن يجد نفسه بين شباب الفرح يقف على جزيرة مستقلة ~~به، وإن كان ذكاؤه قد مكنه أن يشارك الشباب من أمثاله أرضهم ~~ودنياهم. # جمع الفرح قوما كثيرين وتعارف منهم من لم يكن من قبل متعارفا، ~~والتقى الأصدقاء يصلون حديثا كان بينهم ثم انقطع أو يبدءون حديثا هو ~~آخر الأمر إلى انقطاع. # | الفصل السابع عشر # اتصلت نجاة بشهيرة في التليفون، وتحدد بينهما موعد. ~~- نحن بيننا صداقة عمر. ~~- ما لزوم هذا الكلام يا نجاة؟ أنت تعرفين مكانتك عندي. ~~- أريد هذه الصداقة أن تصبح قرابة. ~~- هي الآن أكثر من قرابة. ~~- من غير لف أو دوران، أريد بهيرة لوجدي. ~~- والله يا حبيبتي أنا تحت أمرك ولكن بنات هذه الأيام لهن رأيهن ~~الخاص، وأكذب لو قلت لك إن لي رأيا أو إن لأبيها رأيا. ~~- أنا عارفة، وعارفة أيضا أن جمال وجدي لا يماثله جمال، وأنت عارفة ~~غناه. ~~••• # وقالت شهيرة لزوجها سامي حسنين: الولد غني وحلو ولكنه دائما مع ~~النسوان، وسمعت أنه يلعب القمار، وحكاية المحكمة هذه ستظل ~~تلاحقه. # ولم يكن سامي في حاجة أن يقول لها الأمر أمرك؛ فقد كان يدرك أنها ~~تكلمه لتفكر بصوت مرتفع وليس لأنها تريد رأيه، فهو عندها بلا ~~رأي. # لم تشأ شهيرة أن تخبر ابنتها عن هذه الخطبة؛ فهي لا تحتاج إلى رأيها ~~هي أيضا، وإن كانت قد أنبأت بهيرة أن الرأي رأي ابنتها، فما كان هذا ~~منها إلا لتعطي لنفسها فرصة لتفكر. # وقالت بهيرة لأمها: لماذا لم تقولي لي شيئا حتى الآن؟ ~~- وماذا تريدين أن أقول؟ ~~- ألم يخطبني أحد؟ ~~- إذن فقد عرفت. ~~- طبعا. ~~- من قال لك؟ ~~- أنا موافقة على هذا الزواج. ~~- لن أخبرهم بالموافقة حتى تفكري. ~~- لقد فكرت. ~~- وماذا علينا أن ننتظر؟ ~~- ولماذا ننتظر؟ ~~- يتهيأ لي أن هناك خيرا منه. ~~- الذي أريده أنا هو أحسن زوج لي. ~~- لا يغرك الجمال. ~~- لا شيء يغريني. كل ما في الأمر أنني أريده وهذا يكفي. ~~- ومع ذلك سأنتظر. ~~- شأنك. ~~••• # وطلب عبد البديع الشحات موعدا ms071 مع سامي حسنين. ~~- توكلنا على الله. ~~- على الله التوكل. ~~- مد يدك. ~~- تحت أمرك. ~~- نقرأ الفاتحة. ~~- على ماذا؟ ~~- فاتحة بهيرة بنتك على ابني حامد. ~~- آه، هكذا؟ ~~- وماذا في هذا؟ لقد ناسبنا زكريا باشا حسام الدين. ~~- ومن غير نسب زكريا باشا أنتم ناس أفاضل يا عبد البديع بك. ~~- كتر خيرك، فما التردد إذن؟ ~~- أليس لهذه البنت أم؟ وهي أليس لها رأي؟ ~~- ومنذ متى يكون للحريم رأي يا سامي بك؟ ~~- نعم؟ # كانت الكلمة بعيدة كل البعد عن حياة سامي، فأطرق قليلا ثم قال: لا ~~بد من رأي الست والبنت يا عبد البديع بك. الدين يقول هذا. ~~- أمرك. ولك أن تسأل عن حامد؛ محام قد الدنيا، وأيضا تاجر واع ~~يكسب من الهوا. ~~- ربنا يهيأ الخير إن شاء الله. # وذهبت شهيرة إلى خديجة وحكت لها عن العريسين اللذين جاءا في وقت ~~واحد تقريبا لبهيرة، واستطاعت أن تصوغ الحكاية وكأنها ~~تستشعرها. # وفهمت خديجة الإشارة. # قالت للبك: يحيى، أليس من الطبيعي أن تتزوج؟ ~~- حين أجد البنت المناسبة. ~~- عندي. ~~- من؟ ~~- مال وجمال وأصل. ~~- أعرفها؟ ~~- كل المعرفة. ~~- فمن هي؟ ~~- خمن. ~~- بهيرة. ~~- عجيبة. كيف عرفتها؟ ~~- أنا لست غبيا. ~~- لا. الحكاية وراءها سر؛ هل تحبها؟ ~~- اخطبيها لي. ~~••• # ودون أن تستشير شهيرة ابنتها أو زوجها أعلنت الموافقة، وأدركت بهيرة ~~أنه لا سبيل لها أن تعارض. وإن كان وجدي قد استطاع أن يبهرها بجماله ~~ويكلمها بضع مرات في التليفون فالأمر لم يصل إلى الحب الذي يجعلها تقف ~~من أمها، التي يتبعها أبوها، موقفا فيه تعنت. وكان إعلان القبول ليحيى ~~يحمل في ذاته إعلان الرفض لوجدي وحامد معا. وتم الزواج. # | الفصل الثامن عشر # حين أعلن قانون الإصلاح الزراعي كان راشد باشا قد لقي ربه، فلم يتح ~~له أن يشهد نتيجة تصرفه الذي استبدل الأرض فيه بالعقارات، ولكن أسامة ~~قرأ الفاتحة على روح أبيه شاكرا له ما صنع؛ فقد استطاع أن ينجو به من ~~الاستيلاء على أمواله. # أما يحيى فقد كان يملك أرضا كثيرة، وكان قد أنجب ولديه باسل وشهاب، ~~وكان من الطبيعي أن يبحث ms072 عن محام ليقوم له بعمل الإقرارات. ولكن قبل ~~أن يبحث كان حامد عبد البديع بين يديه. ~~- سعادة البك النسب له حقوق. ~~- طبعا. ~~- بمجرد نشر القانون جئت لأقوم عنك بعمل اللازم. ~~- ألف شكر. فكرت أن أتصل بك ولكن مسألة الأتعاب جعلتني ... ~~- مسألة ماذا؟ ~~- وهذا ما كانت أخشاه. ~~- لا تقل هذا الكلام يا سعادة البك. عيب، لا يصح. ~~- إذا لم تأخذ أتعابك فاسمح لي، لن أستطيع أن أوكلك. ~~- وهل بيننا أتعاب؟ إنما بيننا نسب. ~~- هذا لا يمنع هذا. ~~- وماذا يقول أخي، وماذا تقول بنت أخي سعادتك هالة؟ ~~- لن يعرف أحد منهم شيئا. ~~- على كل حال هذه مسألة نتكلم فيها فيما بعد. ~~- وهو كذلك. ~~- كم فدانا عند سعادتك؟ ~~- ما يقرب من ستمائة وستين. ~~- كل هذا! ~~- نعم، فقد اشترى أبي أرضا كثيرة. ~~- وكم عمارة؟ ~~- هل القانون ذكر شيئا عن العمارات؟ ~~- لم يعد شيء مؤكدا. ~~- عندي ست عمارات. ~~- العمارات تكتبها سيادتك باسم باسل وشهاب. ~~- وأظن أكتب لكل منهما خمسين فدانا. ~~- طبعا، ولكن الأرض الزائدة لها عندي ترتيب آخر. ~~- ماذا؟ ~~- ليس من المعقول أن تسلمهم ثلاثمائة وستين فدانا. ~~- وماذا يمكن أن أفعل؟ ~~- القانون أتاح لنا شهرا للبيع. ~~- نعم. ~~- أنا - إذا سمحت - سأذهب إلى العزبة وأبيع بقدر الإمكان. ~~- لا بأس. ~~- غدا تكتب لي توكيلا. ~~- وهو كذلك. ~~- والباقي بعد البيع سأتصرف في شأنه. ~~- ماذا؟! ~~- سأتصرف في شأنه. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنك لن تسلم فدانا واحدا للحكومة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- يحيى بك، هل سعادتك محام؟ ~~- لا. ~~- إذن اتركنا نشوف شغلنا. ~~••• # كان وجدي جالسا في بيته وحوله جماعته، عجيبة؛ كيف عرفهم ومتى عرفهم. ~~هذه هي عبقرية وجدي وعبقرية ناهد. # وكانت ناهد فكري تزين الجلسة ومعها الراقصة الذائعة الصيت سوسن، وما ~~أظنني بحاجة إلى أن أذكر اسم والد سوسن؛ فشهرتها قامت باسمها وحده دون ~~اسم السيد والدها، وعلى كل حال فاسم أبيها إذا قالته لن يكون الاسم ~~الحقيقي؛ فليس من المعقول أن تقول إن اسم أبيها هو عبد الدايم، وما ~~دامت قد غيرت اسمها الأصلي الذي كان شلبية؛ فقد كان لا بد ms073 لها أن تبحث ~~لعبد الدايم عن اسم آخر يضرب إلى التركية أو إلى الأرستقراطية، وعلى ~~كل حال هي في غير حاجة إلى هذا البحث. والذين يلتفون حولها لا يعنون ~~في قليل أو كثير باسم أبيها، فما دامت هي بهذا الجمال وهذه الرشاقة، ~~وما دامت تستطيع دائما أن تضحك هذه الضحكة ذات الصليل؛ فهي في غير ~~حاجة إلى أب على الإطلاق. # في بيت وجدي الكئوس تدور حتى لقد أصاب الكئوس نفسها دوار من الخمر ~~أو التنقل. لا يهم. # وتلف أيضا على المدعوين غابة ينفذ من خلالها الدخان المخدور، ~~والغابة لا تكف عن الدوران. # يعدها لهم فتى توسط حلقتهم، إن أنعمت فيه النظر، وأنت محتاج إلى ~~إنعام النظر؛ فالدخان ضباب كثيف، والرؤية ليست ميسورة وما هم في حاجة ~~إلى رؤية ميسورة، ولكن أنت لا بد لك أن تنعم النظر، فإذا فعلت وجدت ~~الفتى الجالس الذي يعد المخدر هو جابر عبد البديع! أتذكره؟ ما إخالك ~~إلا تذكره؛ إنه زوج هالة وهو هو نفسه أخو حامد. ~~••• # باع حامد من أرض يحيى تسعين فدانا وكان القانون يبيح للأسرة ~~ثلاثمائة فدان، فكان لا بد أن يستولي الإصلاح الزراعي على مائتين ~~وسبعين فدانا. ~~- إذن نسلم الأرض. ~~- يحيى بك، أهذا كلام؟ ~~- وهل هناك كلام آخر؟ ~~- هذا شغلي أنا. ~~- وهل هناك شغل أيضا فيما يفرضه القانون؟ ~~- القانون صديقي، وأنا أعرف كيف أتصرف معه. ~~- حتى القانون أصبح صديقك. ~~- مؤكد. ~~- كيف؟ ~~- من الذي يطبق القانون؟ ~~- القضاة. ~~- هذا في القضايا العادية، أما في الإصلاح الزراعي فهناك جهات كثيرة ~~قبل أن نسمع كلمة القضاء هذه. ~~- آه فهمت. ~~- ومن يفهم إذا لم يفهم يحيى بك؟ ~~- إذن نتفق على الأتعاب. ~~- أنت مصر على تسميتها أتعابا. ~~- سمها أنت كيف تشاء. # أحب أن أسميها هدايا. ~~- لتكن إذن هدايا. ~~- كم أهديتني عن الأرض التي بعتها عنك؟ ~~- ثلاثون جنيها عن الفدان. ~~- ستكون الهدية في هذه الفدادين. # وقبل أن يكمل جملته دخلت بهيرة: أتعملان؟ ~~- نعم. ~~- إذن أترككم. ~~- وهل هناك عمل يخفى عليك، تفضلي يا بهيرة هانم. ~~- وهو كذلك. # وقال يحيى: ms074 لم تقل هدية الفدادين الباقية. ~~- أقولها لك غدا في التليفون. ~~- كنت على وشك قولها. ~~- لم أكن أنوي أن أقول الرقم. ~~- فماذا كنت تنوي أن تقول؟ ~~- كنت سأقول إننا سنجعلها هدية واحدة لكل الأرض مرة واحدة. ~~- لا بأس. ~~- ولن آخذ شيئا إلا بعد أن تطمئن إلى قبول التصرف من الجهات ~~المختصة. ~~- موافق. ~~••• # حين دق جرس التليفون ردت بهيرة: بهيرة هانم؟ ~~- أنا. ~~- أنا حامد عبد البديع. ~~- مرحبا يا أستاذ. ~~- أنا سعيد الحظ جدا. ~~- كذا! ~~- وهل في هذا شك؟ ~~- شك كبير. ~~- لماذا لا قدر الله؟ ~~- بالأمس أنهيت الحديث بمجرد دخولي. ~~- وهل تهمك هذه الأعمال؟ ~~- أليست أعمال زوجي؟ يا أستاذ حامد زوجي لا يخفي عني شيئا ~~أبدا. ~~- وهل معقول أن شخصا له زوجة مثلك يخفي عنها شيئا؟ ~~- أهذا رأيك؟ ~~- هذا جزء من رأيي يا أفندم. ~~- الجزء الأول؟ ~~- لا، هذا الجزء العشرون والأخير. ~~- وماذا عن الجزء الأول؟ ~~- الجزء الأول خاص بالجمال والأنوثة. ~~- كفى كفى! ~~- حضرتك التي سألت يا أفندم. ~~- من معك؟ ~~- وهل معقول أن يكون أحد معي وأنا أتكلم عن هذه الأجزاء؟ ~~- متى سنراك؟ ~~- أمرك. ~~- الليلة. ~~- تحت أمرك. ~~- يحيى بك موجود؟ ~~- أيهمك وجوده؟ ~~- المهم وجود حضرتك. ~~- الساعة السادسة اليوم. # | الفصل التاسع عشر # ناهد فكري سيدة عجيبة في المجتمع المصري؛ إنها ليست من طبقة ~~الأمراء، وأبوها ليس وزيرا ولا هو رئيس وزارة، إنما هو رجل عاش عمره ~~يؤدي عمله كموظف في وزارة المالية. # وكان طريقه في الحياة يفرض عليه أن يعرف ذوي الشأن في السياسة ~~والمجتمع، ولكنه هو نفسه لم يكن يحب أن يخوض المجتمع أو يدعي ~~السياسة. هو رجل موظف، وهو موظف أمين شريف لم يسمع أحد عنه شيئا يشوب ~~سمعته بسوء، وزوجته هي ابنة عمه وجدان هانم قرني، وقد كانت سيدة من ~~خيرة السيدات، ليس لها في الحياة إلا زوجها وبيتها وابنتها ناهد وابنها ~~سعيد، وكانت السيدة لا تترك سجادة الصلاة إلا لتقوم بشئون بيتها، وكان ~~من الطبيعي أن يرسل ابنه وابنته إلى المدرسة، فقد كان من هذا الجيل ~~الذي اعتبر التعليم ضرورة لا ms075 غنى عنها للفتى أو الفتاة على ~~السواء. # وأتم سعيد الدراسة، واشترى له أبوه سيارة؛ فإن موارده لم تكن قائمة ~~على مرتب الوظيفة، وإنما كانت الوظيفة لمجرد أن يكون موظفا، فقد كان ~~يجل نفسه أن يكون بلا عمل مهما يكن غناه؛ هذا الغنى الفاحش الذي ~~تركه له والده. # لقد كان فكري الزيني يملك ثماني عمارات إلى جانب تسع قطع أرض فضاء، ~~جميعها صالح للبناء، وكانت كل قطعة منها لا تقل عن العشرين فدانا ويصل ~~بعضها إلى خمسين فدانا. ولكن فكري لا يتصور أن تكون وظيفته في الحياة ~~مالكا فقط. # فقد كان يرفض أن يرود المجتمعات، ويرفض كما ذكرت لك أن يعمل ~~بالسياسة، فإذا خلت حياة الغني من مجتمع أو سياسة أصبحت فراغا لا ~~يطيقه أحد. # لم يكن عجيبا إذن أن يشتري فكري لابنه سعيد سيارة، ولم يكن غريبا ~~أيضا أن يختار سعيد أفخم سيارة في ذلك الحين، وقد كانت «باكار» وكان ~~لها غطاء يرفعه عن نفسه أو يسدله كيفما يعن له. # ولكن فكري لم يقدر أن ابنه حين اشترى السيارة كان قد أعد لنفسه ~~الوسيلة التي يموت بها. # هكذا شاء القدر ونزلت الفاجعة عليه وعلى زوجته قاصمة توشك أن تخلع ~~جذورهما من الحياة، ولولا أن تعلقا بالإيمان، ولولا هذا اللطف الخفي ~~الذي تبطن به السماء الفواجع؛ لكان الجنون أقل ما ينتظر الرجل الطيب ~~وزوجته المتوكلة على الله. # وهكذا انفردت ناهد بوالديها، فكانت تصنع كل ما لا تستطيع فتاة في ~~سنها وفي مجتمعها أن تفعله. # الملابس غاية في الفخامة، السيارة دائما من آخر طراز، الزينة يقوم ~~بها أعظم المتخصصين، وأدوات الزينة تأتي من أعظم الأنواع، وإذا لم ~~تسعفها بها القاهرة - وقد كانت من أعظم الأسواق العالمية - أسعفتها بها ~~باريس أو لندن أو أي بلد في العالم. # وامتدت صداقات ناهد مع كل رواد المجتمع الذين كانوا حينذاك من بنات ~~وأبناء الأمراء، فإن تواضعوا فمن أبناء وبنات رؤساء الوزارات أو ~~الوزراء أو وكلاء الوزراء، وقد كان لهم في هذه الأيام دوي وطنين، ~~ويمكن أن ms076 يكون رواد هذه المجتمعات من مجرد الأغنياء، ولكن حتم عليهم ~~حينئذ أن يكون آباؤهم وأمهاتهم هم أنفسهم من رواد الصالونات؛ يدعون ~~إلى بيوتهم كما يدعوهم الناس، وإلا فلا مكان لهم أو لأولادهم في هذه ~~الأبهاء. # ولم يكن فكري ولا كانت الست وجدان ليفكرا أن يردوا هذه الصالونات، ~~ومن المؤكد أن أحدا منهما لم يكن يفكر أن يدعو إلى مثل هذه ~~الحفلات. # ولكن العجيب - وهذا ما جعلني أبدأ هذا الفصل - أن السيدة ناهد سيدة ~~عجيبة في المجتمع. # كيف يسمح أبوان لا شأن لهما بصالونات المجتمع ومباذله لابنتهما أن ~~ترود هذه المجتمعات، ولا يمنعانها. # وكيف استطاعت هذه الفتاة بمفردها، ودون عون من دعوات توجهها مثل ~~الدعوات التي تتلقاها، أن تفرض نفسها على المجتمع بهذه القوة وهذا ~~الجبروت؟ # لا يستطيع المجتمع أن يدعو جميع أعضائه في كل دعوة، وإنما هناك ~~دائما نوع من الاختيار، والذي دعي هذه المرة عند فلان يستطيع فلان ~~آخر ألا يدعوه في المرة اللاحقة. # إن أي بيت من البيوت، التي تصطنع هذه الدعوات لا تستطيع أن تحتمل ~~أكثر من عدد معين، يمثل على أحسن تقدير عشر هذا المجتمع، أو واحدا ~~على عشرين منه. # ولكن مهما تكن الدعوات قليلة، ومهما يكن البيت صغيرا فلا بد أن ~~تتصدر الليلة ناهد فكري. # أي سحر فيها؟ # إنها جميلة، لا شك في ذلك، ولها هذا العطر السحري الذي يجتذب العيون ~~والقلوب؛ فهو عطر ممزوج بجسمها، تكون معها وهي بعد جنين، لا تشتريه ~~ولا يستطيع أحد أن يشتريه، فيه هذه الخاصية التي لم يستطع أحد أن يكشف ~~سرها، وإنما هي تأسر في غير عقل، وتستولي على المشاعر في غير منطق، وكل ~~ما عليها من عطور وملابس، وما صنعه البشر بشعرها من تلافيف أو بوجهها ~~من زينة؛ لا قيمة له مع هذا العطر الذي منحته لها الطبيعة، والذي لا ~~يعرف أحد مأتاه، والذي نحمد الله أن أحدا لا يعرف مأتاه، وإلا أصبح ~~الرجال، جميع الرجال، عبيدا أو مجانين، وأصبحوا جميعا - ولا شك في ~~هذا - عصاة. # ولكن ms077 أهذا العطر هو الذي يجعلها تتصدر الحفلات جميعا؟ كيف؟ إذا ~~قبلنا ذلك في الحفلات التي يقيمها الرجال، فكيف بنا أن نقبله في ~~الحفلات التي تقيمها النساء؟ إنها هناك مهما يكن جنس الداعي؛ رجلا كان ~~أو كانت امرأة، عجوزين كانا أو كانا من الفتيان. # وهذا السحر فيها تمتاز به اثنتان أو ثلاث فتيات أخريات، وهن أيضا ~~يستقبلن الدعوات، وحين يجتمعن ينشق الحفل عن مباراة في الجمال ~~والأنوثة، لا يهم أحدا من الكاسب فيها ومن الخسران، فالمؤكد أن ~~المدعوين جميعا هم الكاسبون. # ولكن أولئك الفتيات كثيرا ما تؤجل دعوتهن، وكثيرا ما تخلو منهن ~~الحفلات إلا ناهد. إنها دائما هناك، هذا هو العجب. # والمجلات تتابع هذا المجتمع في إصرار، وما زالت تتابعه. لم تستطع ~~ثورة حطمت كل المعايير والمقاييس والقيم القديمة أن تحطم أهون ما في ~~هذا المجتمع من متابعة المجلات لأخبار الصالونات. # وقد هشمت الثورة من كان يؤم هذه الصالونات، ولكنها في نفس الوقت ~~أخرجت للصالونات قوما آخرين. # وإن كان المجتمع المهشم قد أدرك معنى الصالون، ومعنى الأبيوسون ~~والشينوا، ومعنى الرفق في الغزل، والكلمة تهمس ولا تقذف، واحتساء الخمر ~~بحذر حتى لا يفلت الزمام، إلا قلة هزيلة منهم كانوا مرضى. وإن كان ~~المجتمع الذي هشمته الثورة يعرف معنى الموسيقى الحالمة أو الصاخبة، ~~ويعرف كيف يمسك بأدوات الطعام الفضية أو الكريستوفل أو المستجلبة من ~~شيفيلد وميبل أندوب ويجيلها على الأطباق السفرة أو الليموج، فلا تسمع ~~لها إلا همسا كهمس المحبين. # فإن المجتمع الجديد يعرف كيف يشتري أغلى الأشياء، ويقذف بها في ~~صالوناته، لا يفكر في مواءمة بعضها لبعض، فهذان كرسيان حديثان في ~~غاية الغلاء موضوعان إلى جانب أريكة أبيسون، وهذه منضدة من النوع ~~الحديث المرتفع الثمن إلى جانب كرسي مرسوم على نمط لويس السادس عشر، ~~والخمر في المجتمع الجديد أنهار، والشاربون يعبون عبا ويعلون ~~وينهلون ولا يحتسون؛ فهم يريدون أن يسكروا لا أن يشربوا، والمجتمع ~~الجديد يخصص حجرات للمخدر ذي الدخان أو المخدر الذي يبتلع، فالسكر ~~عندهم هو الغاية، وهم يملكون إليه الوسيلة. ms078 # والأطباق غالية الثمن، والأدوات ما زالت فضية، ولكن إذا مد الطعام ~~نشبت أمامك معركة بين أدوات الطعام والأطباق. # وعلى الحالين المجلات عندنا تهتم بهذا المجتمع، كانت تهتم بالمجتمع ~~الراحل، وهي اليوم تهتم بالمجتمع الذي أخذ مكانه. # وفي أي مجتمع تسطع ناهد فكري لتكون نجمة كل المجلات، فإذا هي في بعض ~~عام أعظم شهرة من كواكب السينما جميعا. # وحين أقبل الإصلاح الزراعي كان أبوها قد انتقل إلى العالم الآخر، بعد ~~أن جعل ناهد مالكة لكل ما يملك، وحين أصبح المجتمع الجديد هو المجتمع ~~المعتمد المعترف به راح مجتمع ناهد القديم يلملم أذياله ويتخفى في ~~التياع، ويبتعد عن أضواء آلات التصوير بل عن أضواء الشمس إذا ~~استطاع. # والعجيب أن ناهد استطاعت في مقدرة فائقة أن تغرب من المجتمع القديم ~~لتشرق في المجتمع الجديد، وإن كانت في المجتمع القديم شمسا من ثلاث ~~شموس أو شمسين فهي في هذا المجتمع شمسه الرفيعة المتألقة التي تنفرد ~~بسمائه. # تلك هي قصة ناهد مع المجتمعين، ماذا عن ناهد في بيت أبيها، ذلك ~~الرجل الجاد وأمها تلك السيدة الودود التي لا تعرف إلا البيت ~~والصلاة؟ # كان أمر الوالدين عجبا، حاولا بكل ما يملكان من جهد أن يقفا بين ~~ابنتهما وبين الطريق الذي اختارته، ولكنها كانت كالفرس الجموح، وحين ~~طالت المناقشات بينها وبين أبويها وأوشكت أن تضيق بها وجدت وسيلتها من ~~قريب. # كان وجدي موجودا في كل دعوة تلبيها ناهد، وكان جماله الواضح يجعله ~~دائما ملتقى اهتمام، وكان وجدي قد أعد نفسه لهذا المجتمع، فعرف كيف ~~يكون سهلا في حديثه، يسير به على سطح الأمور ولا يغوص في أعماقها، إن ~~دخل في نقاش استطاع أن يقنع كل من يحادثه أنه صاحب الحق الأصيل، وهكذا ~~كان يترك الآراء تشتجر وتتشابك وهو يقف منها موقف المؤيد لكل رأي، فقد ~~أدرك من المجتمعات التي هيأتها أمه أن من لا رأي له هو أقرب الموجودين ~~إلى قلوب الحاضرين. # ولكل إنسان في الحياة هدف ومتجه، وما كان وجدي ليفكر مطلقا أن يكون ~~صاحب مكانة ms079 في الحياة العامة، وإنما كان هذا المجتمع بالذات هو غايته ~~وهدفه، حتى شهادة الحقوق التي حصل عليها كان يعتبرها وسيلته إلى هذه ~~المجتمعات وليست وسيلته - لا قدر الله - إلى قضاء؛ واقفا كان هذا ~~القضاء أو كان جالسا. # وحين شب وجدي عن الطوق وعرف قصة ميلاده تقبلها في هلع أول الأمر، ~~ثم أمعن النظر فيها فإذا هو يخرج بها إلى رأي استقر عليه وارتاح له، ~~لقد أعجب بأمه غاية الإعجاب؛ فليس عليها من بأس في رأيه أن تصل بينها ~~وبين أبيه عزت وهو من هو جمالا، لقد رآه وقد زحفت الغضون إلى وجهه ~~ولكنها لم تستطع أن تعدو على جماله، وحين مات عزت فكر أن يسير في ~~جنازته ولكنه خشي أن يتغامز عليه المشيعون، فاكتفى بدموع تحدرت من ~~عينه في طي الكتمان، ولم يكن يدري يومذاك لماذا يبكي؛ فأبوه عزت له ~~أبوة أساءت إليه أمام الناس ثم هو لم يشعر منه بحنان، وجمود الأبوة ~~يجعل الأبناء يكرهون آباءهم أكثر من كراهيتهم لأعدائهم، فالمفروض أن ~~العدو لا يرحم، والمفروض أن الأب رحمان وعطوف وحنون كله إشفاق، وقلب ~~يخفق بابنه، وروح ترفرف حيث يتحرك أبناؤه. # فإذا لم يرحم فقد خرق نواميس البشر، وإذا قسا بغير عدالة فقد قلب ~~مواقع الأفلاك، أما إذا جحد ابنه فكان عنده هملا لا وجود له فهو قد ~~مزق أستار البشرية وانحط عن درك الحيوان. # ولكنه بكاه. # كان وجدي إذن يرى أن لا بأس على أمه أن تقيم بينها وبين أبيه عزت ~~صلة، فشأن السيدة المطلقة أن تبحث عن سند لها في الحياة، وإذا لم ~~يتوفر السند الشرعي فإن وجدي يرى أن لا بأس عليها أن تبحث عن سند غير ~~شرعي، فإذا كان جميلا فالعذر إذن ممهد لها. # ويرى وجدي أن أمه كانت ذكية حين ألحقت نسبه إلى عبد المحسن باشا؛ فهي ~~تختار لابنها. ومن حقها أن تختار له الأب الأحسن. ومن أحسن من عبد ~~المحسن باشا؟ وجعلت الطفل شرعيا. # وليقل الناس بعد ذلك ما يقولون. لقد فاز بناء ms080 على حكم القضاء بأب ~~باشا وبثروة جديرة بالبشاوات. وهكذا استطاع وجدي في قدرة لا تتأتى إلا ~~لنوع خاص من البشر أن يعجب بأمه لأنها ذكية ويعجب بأبيه الذي صنعته ~~له المحكمة لأنه باشا وبأبيه الذي فرضته عليه الحقيقة والطبيعة وأحاديث ~~الناس؛ لأنه جميل ولأنه قادر على أن يجعل النساء يحببنه، فوجدي في نظر ~~نفسه يجمع المجد من ثلاثة أطراف، إن كان أهل المجد، والشاعر الذي تحدث ~~عن أطراف مجده يجمعون المجد من طرفين اثنين على أكثر تقدير، والغالبية ~~العظمى إن كان لهم مجد يتفاخرون به فهو لا يزيد عن طرف واحد. # وخاض وجدي المجتمع بهذه الثقة الهائلة بنفسه وبميلاده، وكثيرا ما ~~كان يغبط نفسه؛ لأن الكثيرين ممن يخوضون هذا المجتمع يحتاجون إلى جهد ~~جهيد من ثقافة خاصة، ودربة في التعامل وممارسة لهذه الحياة، واختلاط ~~بالأسرات، وزمن طويل حتى يتحقق لهم آخر الأمر شهرة بين أبناء هذه ~~المحافل. أما هو فقد وجد شهرته سبقته إلى محافل هذا المجتمع جميعها، ~~ولم يكن يضيق حين تعرفه بعض السيدات بأخرى قائلة: «وجدي ابن نجاة.» ~~مقنعا نفسه أن الأم صديقة السيدات، ومن الطبيعي أن ينسب إليها عندهن، ~~ولا يريد وجدي، أو هو لا يهمه، أن يتشكك في السيدة التي تقدمه على ~~هذه الصورة أنها إنما تتخلص من حيرة بين الحقيقة القضائية والحقيقة ~~التي تعرفها هي ويعرفها الجميع، ويؤكدها هذا الشبه بين الابن وبين أبيه ~~الحقيقي. # قالت له ناهد: أظن أنني كبرت، وأنت أيضا، على هذا اللف ~~والدوران. ~~- أي لف ودوران؟ ~~- وكبرنا أيضا على الاستعباط. ~~- والنتيجة؟ ~~- قل أنت ماذا تريد. ~~- ما دمنا قد وضعنا شروطا للعبة، فيجب علينا أن نلتزم بها ~~جميعا. ~~- حسنا، لن ألف معك. أهي محاولات منك لاجتذابي إليك، أم أنت جاد ~~في هذا الغزل، وهذه النظرات التي أصبح الجميع يتندر بها؟ ~~- هذا يتوقف على معنى الجدية. ~~- لا يختلف اثنان في معناها. ~~- ولكن نحن قد نختلف. ~~- أمختلفان نحن عن الناس؟ ~~- المؤكد أنني لم أسمع أن مثل هذا الحديث دار بين اثنين ~~قبلنا. ~~- لأنك دائما ms081 تدير أحاديث أخرى. ~~- وأسمع أحاديث أخرى أيضا. ~~- استطعت في فرح هالة فقط أن تقيم علاقة بينك وبين بهيرة. ~~- أما زلت تذكرين؟ ~~- أنا لست مثل بهيرة؟ ~~- هذا مؤكد. ~~- أنا أعرف أنك طلبت أن تتزوج بهيرة. ~~- أمي التي طلبت. ~~- لم يكن حبا إذن؟ ~~- بداية استلطاف. ~~- والذي تفعله معي الآن؟ ~~- ماذا تريدينه أن يكون؟ ~~- أنا لا أمانع في الزواج. ~~- وأنا أرحب به. ~~- على شرط. ~~- كل الشروط مقبولة. ~~- أن يعيش كل منا بالطريقة التي تروق له. ~~- أمعقول أن تقولي هذا؟ ~~- هذا ما سأفعله. ~~- في استطاعتك أن تفعليه دون أن تذكريه. ~~- لا أحب الخداع. ~~- ربما كنت أحبه. ~~- لعلك احتجت إليه. ~~- كل الناس تحتاج إلى بعض الخداع. ~~- ولكن بعض الناس تحتاج إلى الخداع الدائم. ~~- لقد قبلت الشرط. # ولم يتردد فكري بك في قبول خاطب ابنته، رغم أنه يعرف كل شيء عن تاريخ ~~حياته، بل إن وجدان هانم رحبت بوجدي؛ فقد كان الأب والأم كلاهما يخافان ~~كل الخوف ألا تتزوج ابنتهما بعد أن أصبحت حديث المجلات وأبواب ~~المجتمع، وكان فكري بك في أخريات أيامه، وكان يخشى كل الخشية أن يترك ~~ابنته بلا زوج، فيزداد سفورها على الحياة. وهكذا تم الزواج في سرعة، ~~واستقلت ناهد ببيتها، ولم تعد رقابة أمها أو أبيها تلاحقها. # وسرعان ما استقرت الحياة بينها وبين وجدي، بل سرعان ما تفاهما، ~~لم يكن طريقاهما متباعدين، كان الهدف واحدا، ولكن كلا منهما كان ~~يسلك الطريق لحسابه الخاص. # لم تمض شهور على الزواج، حتى كان فكري الزيني قد لقي ربه، ولم ~~تمض شهور أخرى، حتى صدر قانون الإصلاح الزراعي. وشمر وجدي عن ساعد ~~الجد وشمرت معه ناهد، فإذا بيتها ملتقى الأرباب الجدد أو أنصاف ~~الأرباب من الأتباع. واستعملت ناهد كل وسائلها من سحر الأنوثة، وعطر ~~السماء، وتخاضع اللفظ، واختيار الإشارة، ورسم الابتسامة، وافتعال ~~الغضب، واصطناع الحفلات، وصناعة الإبهار. # واستعمل وجدي كل ما حبته به الطبيعة من اصطناع الغباء، وقبول كل ~~الأوضاع، وتوطيد الصداقات، مهما يكن ثمن الصداقة من عرض أو سمعة، ~~فما يعنيه العرض، ولا قيمة عنده ms082 للسمعة ، فهو من هو عرضا وسمعة ~~بحكم الميلاد. # لقد كانت ثروة أبيه من الأرض الزراعية، وقد استطاع بمواهبه هذه أن ~~يبقي عليها كاملة، لم يتسلم منها الإصلاح الزراعي شيئا، وقد أعانه ~~على تلفيق الأمور حامد عبد البديع. # ومن هذه الأبواب التي تفتحت لحامد على يد وجدي وأخيه جابر، الذي ~~كان على صلة قديمة ببعض الأرباب الجدد، استطاع حامد أن ينقذ أرض ~~يحيى، ويتقاضى ثمنا لذلك عشرين فدانا من أرض يحيى، يصحبها أيضا عرض ~~يحيى. # | الفصل العشرون # لم يكن أسامة يتصور، حين حصل على شهادة الحقوق، أن يتجه إلى ما ~~اتجه إليه، فقد بدأ حياته بأن تمرن في مكتب المحامي الكبير صديق ~~والده مهران باشا عبد الفتاح، وقد استطاع أن يعرف في هذا المكتب الكبير ~~كيف يكون المحامي كبيرا؛ فأسامة يجيد الفرنسية، وهكذا كان يستطيع ~~دائما في كل القضايا أن يرجع إلى أعظم المصادر، وقد علمه مهران باشا ~~كيف يتناول القضايا ويتعامل معها، ويغوص في أدق ما تخفيه ~~أوراقها. # وما هي إلا شهور حتى تبين مهران باشا أن أسامة يملك موهبة ~~المحاماة، وأدرك أن أسامة يستطيع أن يكون امتداد الأجيال العباقرة من ~~المحامين؛ أمثال عبد العزيز فهمي، ومرقص حنا، والهلباوي، ووهيب دوس، ~~وعلوبة، ومرعي، إلى آخر هذه الأسماء التي وطدت دعائم المهنة الخطيرة، ~~وأرست أركانها في مصر والشرق العربي. # وقد أدرك أسامة أن عمله باللغة الفرنسية سيمكنه أن يكون محاميا ~~عملاقا في القضايا المدنية، فهي التي تحتاج إلى البحث والرجوع إلى ~~المصادر الأصلية للقانون. # وراح أسامة يخطو خطواته الأولى، ولكن قليلا ما خطا؛ فقد سرعان ما ~~انقلبت موازين المجتمع كلها، ولم يصبح للقانون المدني مكان، فالقانون ~~المدني يقوم أساسا على أن للمال حرمة، والدولة هي التي تحمي هذا ~~المال أن يستلب بطريق غير مشروع. # فحين تستلب الدولة نفسها هذه الأموال، وتصدر القوانين بالحراسة ~~والمصادرة لاستلابها، تسقط حرمة المال، ويصبح اختطافه والاستيلاء عليه ~~بغير حق هو الأصل، وتصبح حرمته واحترام حق الإنسان فيه استثناء لا ~~يقاس عليه ولا يتوسع فيه. # وفي ظل ms083 هذه الشرائع الجديدة من سقوط الشرعية، ينزوي القانون خزيان ~~ينظر ويتحسر وتدمى جراحه ولا ينطق، فالقانون هو الشرعية؛ فإذا ~~استبيحت الشرعية اندثر القانون، وهكذا أصبح القانون المدني تاريخا ~~يروى عنه كفترة من الزمان، كانت ولم تصبح، ومرت ولم تعد توجد، وتخلو ~~الحياة من القانون، وتخلو أيضا من العاملين في القانون. # وهكذا كان من الطبيعي أن يبحث أسامة لنفسه عن عمل جديد، لم يتصور أنه ~~يستطيع أن يتوظف، فقد تعلق بالمحاماة وأحبها، ورسم مستقبله وحياته ~~على أن يكون محاميا، وقد قضى السنوات التي عمل بها في المحاماة في ~~توطيد أركانه في ميدان القانون؛ والقانون المدني بالذات. فحين رأى ~~القانون المدني يحتضر حار به الطريق، وأشكلت أمامه المناهج، ولم يعد ~~يدري إلى أي مصير يصوب غايته. # كان قد خلف مهران باشا في المكتب في صفقة مالية معتدلة جديرة برجل ~~كبير مثل مهران باشا، وبشاب غني مثل أسامة، وفي الأيام الأولى ~~لاستقلاله بالمكتب، بدأ الانهيار القانوني في الحياة المصرية، وأصبح ~~أسامة يتابع القضايا القديمة في المكتب، ويقينه يزداد كل يوم أنه لن ~~يجد قضايا جديدة. # فاسم المكتب كبير، ولا يؤمه إلا أصحاب القضايا الكبيرة، وهؤلاء ~~زالوا تماما من الحياة المصرية مضيعين بين المصادرة والحراسة. وباسم ~~الحراسة والمصادرة اغتالت الدولة الغالبية العظمى من أصحاب المال ~~بقانون، فكان شأنها من هؤلاء شأنا فريدا، فالسارق يعاقبه القانون ~~ويسترد منه المال، أما إذا اغتصب القانون نفسه المال في حماية من ~~قوة الدولة وسلطانها؛ فإنه حينئذ يصبح اللص أشرف من الدولة، وتصبح ~~السرقة أشرف من القانون، فلم يكن غريبا أن يدرك أسامة أن المكتب إلى ~~إفلاس، وإن كان هناك بعض محامين صغار يروحون ويجيئون في المحاكم؛ فإن ~~هؤلاء إنما يترافعون في قضايا صغيرة، لا تستطيع أن تقترب من باب المكتب ~~الكبير. # كان أسامة واثقا أنه لا بد له أن يبحث عن طريق آخر، وكان وثوقه ~~هذا يزداد في كل يوم إيقانا. أين إذن الطريق؟ فكر أن يكتب لجميل في ~~الكويت أو لصبحي في السعودية؛ لعل واحدا منهما يستطيع ms084 أن يجد له عملا ~~هناك، فهو لا يطيق البطالة، حتى وإن كان موفور المال. كان في ذلك اليوم ~~أوشك أن يصمم على كتابة الخطاب، ولكن وكيل المكتب يدخل إليه: زوجة ~~محمدين تطلب أن تراك. ~~- عم محمدين؟ ~~- قالت أنت تعرفها. ~~- أدخلها فورا. # وقام أسامة وراء وكيله، وفتح باب مكتبه وهو يصيح: أهلا أمه ~~مرسيلة. ~~- أهلا بك يا ابني. ~~- أين أنت؟ ~~- في الدنيا. ~~- تفضلي. # وتدخل السيدة العجوز، ويجلسها أسامة علي كرسي قريب من مكتبه، ويجلس ~~أمامها كما يفعل مع كبار الزوار. إنها زوجة عم محمدين الذي كان مع أبيه ~~وجده، والذي لقفه على كتفيه. وكان عم محمدين قد مات منذ سنوات، وسأل ~~أسامة زوجته هذه التي يناديها أمه مرسيلة؛ إن كانت تريد مرتبا شهريا ~~أم تريد مبلغا واحدا مرة واحدة؟ ففضلت المبلغ الواحد، فأعطاها ألفي ~~جنيه، وطلب إليها أن تقصد إليه في أي لحظة إذا احتاجت إليه، وكانت ~~والدته منذ فترة تطلب إليه أن يسأل عنها. وذهب فعلا إلى البيت الذي ~~كانت تقيم، فوجدها قد تركته، ولم يعد يعرف عنوانها، فكان فرحه بمجيئها ~~طبيعيا، فقد كان يريد أن يطمئن على أحوالها، وهي في هذه السن ~~المتقدمة، كما كان يريد أن يطمئن أمه عليها. ~~- لقد وقعت من السماء. ~~- أتلقاك بعيني يا أمه مرسيلة، أين أنت؟ لقد ذهبت إلى ... ~~- سأحكي لك. حين أخذت منك المبلغ، كان عمك محمدين قد اشترى أرضا ~~بحلوان، وهو يعمل مع المرحوم والدك، قلت أضع المبلغ في بناء بيت يسترني ~~أنا وابني راشد وزوجته. ~~- راشد تزوج؟ ~~- لم يكن أيامها متزوجا، ولكن قلت في نفسي إنه لا بد سيتزوج. ~~- معقول؟ ~~- وتزوج فعلا، واسم النبي حارسه تعلم ميكانيكي. ~~- سيارات؟ ~~- سيارات وكل الماكينات، واستطاع واحد من صحابه أن يعينه بشركة من ~~شركات الحكومة. ~~- عظيم! ~~- أنا أجرت شقة في حلوان؛ لأكون بجانب البيت وهو يبني، وراشد تعين، ~~والحمد لله أصبحت الحالة مستورة، وتزوج راشد بنت حلال من أربع سنوات، ~~وعنده الآن ولدان علي وحسين. ~~- بسم الله ما شاء الله! ~~- تعيش! ما أدري من يومين ms085 إلا وواحد من صحاب راشد يدخل إلي، ~~ويخبرني أنهم قبضوا على راشد. ~~- ماذا؟! .. لماذا؟ ~~- قال صاحبه إنه كان في مظاهرة. ~~- مظاهرة؟ .. وهل هناك مظاهرات الآن؟ ~~-يا ابني والله لا أعلم، قال عن البتاع الاشتراكي، وإنه قال في ~~الاجتماع كلاما جعل الرؤساء يزعلون. المهم الولد المحبوس. ~~- أين؟ ~~- لا أدري. ~~- كيف؟ ~~- ليلتين الآن لم يأت إلى البيت، ولا أعرف له طريقا. ~~- من الذي قبض عليه؟ ~~- سبحان العالم! ~~- طيب يا أمه مرسيلة تعالي أنت معي الآن إلى البيت. ~~- أروح يا ابني، البنت مراة راشد فتها في البيت حالها ملخبط، ~~ولا يصح أن أتركها وحدها. ~~- اسمعي .. تعالي معي، وسأرسل السيارة تأتي بزوجة راشد وبعلي وحسين ~~أيضا. ~~- يخليك، يطول عمرك، يعمر بيتك. ~~- قومي يا أمه مرسيلة، قومي، هيا، نينا ستفرح جدا لما تشوفك، وأنت ~~أيضا ستفرحين لما تشوفي مراتي نادية، وابني راشد وفهمي. ~~- محفوظ باسم الرحمن الرحيم تعيش الأسامي! ولا تدعوني يا سي أسامة؟ ~~لقد شلتك على كتفي ولا أحضر فرحك؟ ~~- ربنا يعلم، بحثت عنك بلا فائدة، على كل نصلح الخطأ اليوم، هيا ~~بنا! # | الفصل الحادي والعشرون # الخيانة ليست وليدة منطق، وإنما هي طبيعة في بعض الناس، أو إن شئت ~~الدقة هي طبيعة في أكثر الناس، مثلما تجد الأمانة طبيعة أيضا عند قلة ~~من الناس. # وقد تعاني المرأة من زوجها ما تعاني، ولكنها مع ذلك تظل شريفة دون ~~أي منطق يدعو لهذا الشرف؛ إلا أنها هي بطبيعتها شريفة، ولا تتصور أن ~~الحياة فيها طريق آخر غير الشرف. # وليس صحيحا أن البنت لأمها، كما يقول هذا المثل السخيف، الذي يكفي ~~القدرة على فمها دون أي داع، ودون أن يكون للقدرة أي دخل في ~~الموضوع؛ إلا أن تكون مقدمة دون معنى لنتيجة لا صلة لها بالمقدمة، ثم ~~هي نتيجة خاطئة. # فكثيرا ما عرفت الحياة فتيات شريفات غاية الشرف، وهن من أمهات لا ~~يعرفن الشرف في أي شيء. وكثيرا، بل كثيرا جدا، ما أصبحت بنات ~~غير شريفات، وهن في ذلك من أمهات كلهن شرف، وهكذا تجد نفسك في ms086 غير ~~حاجة أن تكفي القدرة على فمها لتطلع البنت لأمها، كما يقول هذا ~~المثل العامي الساذج. # ولكن لا بأس أيضا أن تتعرض البنت لظروف مثل ظروف تعرضت لها أمها، ~~فتجد البنت نفسها سائرة في الطريق الذي سبقتها فيه أمها. # ولكن الموقف مع بهيرة ابنة شهيرة مختلف كل الاختلاف، وإن كانت ~~النتائج متشابهة كل التشابه. # فشهيرة خانت زوجها؛ لأن زوجها كان يدعو الناس إلى احتقاره بكل ~~الوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ فلم يكن غريبا إذن أن تبحث شهيرة عن ~~أحضان تحترمها، فخانت. # أما بهيرة، فزوجها يفرض احترامه على الناس بكل الوسائل المشروعة وغير ~~المشروعة، أو هو في الواقع يصطنع الوسائل غير المشروعة في فرض هذا ~~الاحترام، ذلك أنه يطالب بالاحترام بالتكبر لا بالكبرياء وبالتظاهر ~~لا بالحقيقة، فهو أجوف بلا علم. ومن أين العلم وهو بلا تجربة؟ ومن أين ~~التجربة، وقد وجد نفسه في بواكير الحياة من كبار بكوات المجتمع المصري ~~بغير ثقافة، أو علم، أو تجربة في الحياة؟ وكانت البكوية التي صبتها ~~عليه أمه بقوة المال وجبروته لا تتيح له أن يخالط أبناء جيله، ويحيا ~~الحياة الطبيعية التي تجعل الإنسان حين يكبر إنسانا طبيعيا شأنه شأن ~~الآخرين، له تجاربهم وله أيضا أخطاؤهم. # اعتزل يحيى الحياة قابعا بين جدران بكويته الباكرة وتكبره الكاذب ~~فأصبح فراغا؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن يقنع بالاحترام الزائف من ظاهر ~~الناس، وإن خالطه الاحتقار، بل وإن خالطته السخرية في أعماقهم. # وبهذا التكبر وبهذا الإرغام على الاحترام الموهوم عامل يحيى ~~الحياة، وعامل أقرب الناس إليه زوجه بهيرة، وابنيه باسل وشهاب. # وهكذا راح ثلاثتهم يبدون له الاحترام غاية الاحترام، ويكنون له ~~الاحتقار غاية الاحتقار. # أما الزوجة، فهي تحتقره للتكبر السخيف الذي يلازمه، فهو دائما ~~منفوخ الصدر، يتكلم وكأنما كلامه وحي من السماء، ويخاطبها وكأنما ~~يتنازل كل التنازل أن يمتد بينهما حديث. # وكم كان سهلا على بهيرة أن تبدي له الاحترام، وتشبع الغرور العجيب ~~الذي ركب فيه، ثم هي بعد ذلك تصنع ما تشاء؛ لتشعر أنها تنتقم من ~~غروره، وأنها قادرة ms087 دائما على تحطيم كبريائه، ولو في نفسها. والحب لا ~~يستطيع أن يماشي الاحتقار مطلقا، وهكذا أصبح من المستحيل أن تحب بهيرة ~~زوجها، وإذا انعدم الحب من البيت؛ فكل شيء غير شريف معقول ~~وطبيعي. # أما ابناه فهما لم ينتهيا إلى احتقار كبريائه إلا حين تقدمت بهما ~~السن، وعرفا آباء آخرين لأصدقائهما، وبالمقارنة تبين لهما أن أمر ~~أبيهما عجيب. # لقد وجدا الآباء الآخرين يحبون أبناءهم، ويبدون هذا الحب في شتى صور، ~~قد يبدو منهما الحب في كلمة إشفاق، أو حتى في كلمة تأنيب حانية، أو قد ~~يبدو في منحة مالية، أو قد يبدو في اهتمام بدراسة أو إشفاق عند مرض. ~~أما أبوهما فلا يبدي لأي منهما أي عاطفة، إنه يحبهما لا شك ولكنه ~~بصلفه وتكبره يختزن حبه، ويضن به أن يظهر أنه يستكبر أن يبين منه ~~حب؛ لعله كان ينتقم لنفسه أن أباه لم يظهر له حبه منذ بدأ هو يدرك ~~الأشياء، أو لعله كان يظن أن الأجدر بالأب ألا يظهر منه حب، فما دام ~~أبوه قد صنع هذا، فهذا إذن هو المثل الأعلى. أما حب أمه له وتفخيمها ~~لشأنه، فهذا أمر مفروض؛ لأنه يرى نفسه فوق البشر، وأمه لم تزد على أن ~~اعترفت بتفوقه وسموه، وهو بعد إذا سأل نفسه فيم هذا التفوق أو ~~ذاك السمو؟ سارعت إليه نفسه بالكثير الكثير من توافه الأمور التي تجعله ~~يتأكد أنه صنف فوق البشر، وأنه إنسان يسمو على الإنسانية. # وهكذا شب باسل وشهاب في منزل قاتم، الأم فيه تبدو تابعة للأب، وهي في ~~حقيقة الأمر الشخصية المتبوعة لا التابعة؛ لأنها استطاعت في مهارة أن ~~تجعل زوجها يصنع ما تشاء أن تصنع ببعض كلمات بسيطة من إشباع الغرور، ثم ~~هي بعد ذلك تسحبه خلفها كيفما تريد، ويسير الأهبل خلفها وهو يظن نفسه ~~يقودها، وينفذ كل ما تشاء، وهو يظن أنها هي التي تنفذ كل ما يشاء، ~~والابنان يكبران ويدركان هذه الحقيقة، فتنقلب موازين الحياة عندهما، ~~ويكرهان أباهما؛ لأنهما لم يريا منه شيئا يستحق الحب، ويعجبان ms088 من ~~أمهما؛ لأنها جعلت من أبيهما هذا المسخ الشائه، وحين توثقت صلة الأب ~~والأم بحامد عبد البديع وجد باسل وشهاب في حامد شخصية كريهة. # وربما كانت هذه الكراهية؛ لأنه دخل البيت الذي لم يتعود أن يستقبل ~~أحدا؛ فقد كانت الأم تريد أن تستولي على الزوج، وكان الناس بطبعهم ~~ينفرون من الزوج. وهكذا كان البيت مقفل الأبواب دون الآخرين، ولو لم ~~يكن في البيت مع الأب والأم سهير أم يحيى؛ لكانت حياة الطفلين في البيت ~~جحيما، فالأم مشغولة بخططها المشروعة وغير المشروعة، والأب مشغول ~~بغروره، ولا أحد يسكب على الطفلين حنانا إلا سهير. وربما أحست سهير ~~أنها هي التي جعلت ابنها مرسوما بهذا الجفاء والغرور، وكانت تعزي ~~نفسها أنها لم تكن تتصور أن يتمادى فيه الغرور إلى هذا الحد، ولكن تلك ~~هي مصيبة المشاعر في نفوس الناس؛ فإنها، قبيحة كانت أو حميدة، لا تعرف ~~أين ينبغي لها أن تقف، وهكذا تصبح المشاعر القبيحة بالغة القبح، ~~وتنقلب المشاعر الحميدة إلى شيء يدعو إلى الضجر أحيانا، أو السخف، أو ~~الملالة، فتنقلب في أحيان كثيرة إلى شيء كريه هي الأخرى. # وحين ماتت سهير، كان الطفلان يشبان إلى بواكير المراهقة، وانقطع ~~عنهما ذلك المنهل من الحنان في وقت كانا في أشد الحاجة إليه. # وحينئذ دخل إلى حياتهما حامد، وأحسا نحوه بذلك المقت، وإن لم ~~يدريا لذلك سببا، وأغلب الأمر أن السبب كان في داخلهما، ولكن حامد ~~استطاع في مهارة فائقة أن يتقرب منهما، وقد كانت السبل مهيأة له من ~~قريب. # لقد عرف كيف يعاملهما كرجلين، وراح يصحبهما معه إلى مزارع أبيهما ~~كلما ذهب لعمل في مزارع أبيهما، أو في مزرعته هو بعد أن أصبح مالكا ~~لعشرين فدانا هناك. # وعرف أيضا كيف يكون واسطة لهما عند أبيهما، فاشترى كل منهما ~~سيارة، وهو يدخل إلى الجامعة. # وأصبح حامد قريبا كل القرب إلى قلب باسل وشهاب، ولم يكن ذلك ~~غريبا؛ فقد كان هو الإنسان الوحيد الذي يدخل البيت دخول الأقارب. وقد ~~استطاعت معاملة حامد هذه أن تفتح عين ms089 الأم على تلك الهوة التي تفصل ~~بين الولدين وأبيهما، بل إنها فتحت عينيها المروعتين على تلك الهوة ~~بينها هي وبين ولديها. # وهكذا راحت تتقرب إليهما، وتعمل على إسعادهما بكل ما تملك من قوة، ~~ولكنها حرصت كل الحرص أن تكون مصادر هذه السعادة بعيدة عن الأب؛ فهي ~~لم تكن تريد للولدين أن يحبا أباهما، فهي حريصة أن يدرك الأب أن ~~أحدا لا يحبه في هذا الوجود إلا هي. # وكان الولدان يحسان بحنوها، ويحسان أيضا بهذا الحنو ينقلب إلى ~~قساوة طاحنة، كلما اقترب واحد منهما إلى ساحة الأب. ~~••• # كان الوقت شتاء، وكان شهاب في حجرته الخاصة يشاهد التليفزيون الذي ~~أحضرته له أمه في عيد ميلاده، ولم يكن معه باسل، ولم يكن ذلك عن جفاء؛ ~~فقد كانت العلاقة بين الأخوين صداقة صحيحة فرضتها عليهما طبيعة الحياة ~~في بيت أبيهما أو قصر أبيهما إذا شئت، ولكن باسل كان قد اختار أن ~~يتجه إلى الهندسة، حين اختار شهاب أن يتجه إلى الحقوق، فإن الصداقة ~~بينهما لم تستطع أن توحد طريقهما في الحياة. # وكان لكل منهما حجرته في البيت، وكانت هذه الحجرة مجهزة بكل ما ~~تصبو إليه نفس شاب، فلكل مكتبته الخاصة، ولكل جهازه الخاص ~~للتليفزيون وجهازه الخاص للراديو؛ فلم يكن غريبا أن يفترق الأخوان في ~~الساعات الأولى من الليل، ليصنع كل منهما في حجرته ما يحلو ~~له. # كان التليفزيون في تلك الليلة يعرض فيلما أجنبيا، وكان شهاب ~~مستغرقا في مشاهدته بعيدا عن واقع الحياة كل البعد. # وانتهى الفيلم وانتهى الإرسال أيضا، وقام شهاب إلى الباب، ونظر إلى ~~غرفة أخيه، فوجد أنوارها مطفأة؛ فقد كان يحس أن النوم بعيد عنه. خاب ~~أمله في السمر مع أخيه وأقفل الباب، وعاد إلى مكتبته، فوجد كتابا كان ~~قد اشتراه ولم يفتحه، وراح ينظر في صفحاته، الفكر الماركسي والإسلام، ~~وكان عنوان الكتاب هو الذي أغراه بالشراء؛ فقد كان يحس كأبناء جيله أن ~~النفاق من حوله يمكن أن يقلب جميع القيم والموازين، ولم يستبعد أن يجد ~~منافقا يزعم أن الإسلام يبارك ms090 الماركسية . وكان هذا النفاق هو الحديث ~~الذي لا تنقطع مصادره كلما اجتمع شباب، واعتقد شهاب أن هذا الكتاب ~~سيمده بمادة لا تنفد عن سيطرة النفاق المطلقة على الحياة المصرية، بل ~~على الدين أيضا. # أعاد الكتاب إلى المكتبة؛ فقد كان في نشوة لا تقبل أن تواجه هذا ~~الانحطاط. بحسب الإنسان المصري أن يواجه النفاق في الصحف وفي الحياة؛ ~~لأن الإنسان لا بد له أن يقرأ الصحف، وأن يعيش الحياة، فإذا خلا إلى ~~نفسه وأحس بنوع من النشوة؛ فينبغي له أن يحاول نسيان الصف والحياة ~~العامة وما يسودهما من نفاق؛ وإلا أصبح شخصا مولعا بتعذيب ذاته دون ~~مبرر. # بحث عن رواية لكاتب يحترمه، ووجدها ووجد فيها ما تصبو إليه نفسه من ~~انطلاق، واستلقى على السرير وبدأ يقرأ. لم ترق له بداية الرواية، ~~أقفلها وأطفأ نور السرير، وترك نفسه ترود ما يحلو لها من وديان الخيال ~~أو الحقيقة أو هما معا متمازجان، تتماوج المعالم منهما متناغمة أو ~~متنافرة وهو ملق نفسه إلى الدفاع، لا يكبح جماح الخيال ولا يهتم ~~بحقائق الواقع، ولم يكن يدري أطال به الوقت أم لم يطل حين سمع همسا ~~وخطوات وعجب، فإن لكل حجرة من حجرات القصر حمامها الخاص، وليس هناك ~~ما يدعو إلى صوت في الليل أبدا. # قام إلى الباب وفتحه في غير حذر، وفي اللحظة نفسها سمع صوت باب ~~يقفل، ثم رأى شخصا ينزل السلم المفروش بالبساط السميك، وعلى ضوء ~~القمر الذي ينفذ كسهم القدر من شباك السلم رأى وجه حامد، هم أن ~~يلحق به ولكن قدميه تسمرتا، وحين استطاع أن يجرهما كان حامد قد خرج ~~من الباب الرئيسي. # ذهب إلى حجرة أبيه، وفتح الباب ولم يفكر. ~~- بابا. # وقام الأب مفزوعا! هذه هي المرة الأولى في حياته التي يتجرأ فيها ~~أحد أن يفتح عليه الباب دون إذن سابق. ~~- من؟ .. ماذا؟ .. من؟ ~~- هل أنت نائم؟ ~~- هذا هو الطبيعي في ساعة مثل هذه! ~~- فماذا كان حامد يفعل هنا؟ ~~- من؟ ~~- حامد. ~~- حامد من؟ ~~- حامد الذي لا يدخل بيتنا غيره. ~~- أجننت؟ ms091 ~~- يا ليتني جننت! # وجاءت الأم: ماذا؟ ~~- اسمعي ما يقول ابنك. ~~- حامد نزل الآن من هنا. ~~- من؟! ~~- كنت أظنه يعمل مع أبي، أو أنا على الأقل، تمنيت أن أجده يعمل ~~مع أبي، ولكن أبي نائم. # أي امرأة غير بهيرة كان يمكن أن تنهار، ولكن بهيرة شيء آخر. من ~~المؤكد أنها طبيعة أخرى غير طبيعة البشر. ~~- اسم الله عليك يا شهاب، مالك يا ابني؟ # وراحت تجس جبهته: آه، قل هذا. ~~- ماذا؟ ~~- الولد نار، ضع يديك يا يحيى. # ووضع يحيى يده، والعجيب العجيب أنه قال: فعلا فعلا عنده ~~حمى. ~~- تعال يا شهاب، استند علي. # وفغر شهاب فمه ولم يستند على أمه، وإنما استندت هي عليه وسحبته، ولكن ~~من ينظر إليهما يخيل إليه أنه هو الذي يسحبها، وذهبت به إلى حجرته، ~~وقبل أن تدخلها سمعت باب حجرة زوجها وهو يقفل عليه، ودخلت مع شهاب إلى ~~حجرته، وأغلقت الباب وأرادت أن تلقي به إلى الفراش، ولكنه كان قد أفاق ~~من ذهوله. ~~- ماما، ماذا تفعلين؟ ~~- تنام وتستريح، وحبة أسبرين تصبح بكرة في أحسن صحة. ~~- ماما، كيف استطعت أن تقنعيه أنني محموم؟ ~~- لأنك محموم فعلا. ~~- ماما! ~~- انتظر قليلا، حتى أحضر لك الأسبرين وبعض الثلج. ~~- اخرجي من هنا. ~~- ماذا تقول؟ ~~- اخرجي حالا قبل أن أعمل ما أريد أن أعمله. ~~- شهاب! ~~- اخرجي! # وأمام نظراته القاتلة، خرجت سهير. ~~••• # مسكين يحيى! لم يكن ما قاله ابنه جديدا عليه، كان يعرفه، وفكر ~~كثيرا! كيف يمكن أن يعالج الموقف؟ أيطلقها، فتصبح الحقيقة مدموغة ~~بورقة الطلاق الرسمية؟ وهل تحتمل كبرياؤه هذا؟ أيكلمها؟ وتعرف أنه ~~يعرف؟ سكت واحتمل، وكان كل أمله ألا يعرف أحد آخر. # واليوم عرف شهاب، ماذا سيفعل شهاب؟ # استطاع هذا السؤال البسيط أن يبقي يحيى مؤرقا حتى الصباح. ~~••• # لم يقل شهاب شيئا لأبيه، ولكن العبء كان أكبر من أن يحتمله وحده، ~~قال لأخيه، وارتمى الأخوان في دوامة قاتلة من الخزي والشعور بالمهانة: ~~أبلغ تأثيرها عليه إلى هذا الحد؟ ~~- اسمع، إن أبي يعرف. ~~- ماذا تقول؟ ~~- لا يمكن، لا بد أنه يعرف. ~~- على كل ms092 حال إن لم يكن عارفا، فقد عرفته أنا، ورفض أن ~~يعرف. ~~- شهاب، ماذا ستفعل؟ ~~- لا نعرف. ~~- كيف سننظر إلى أم عاهرة، وأب ديوث وصديق خائن؟ ~~- نحن الآن لا نستطيع أن نفكر. ~~- لا بد أن نفكر، ماذا سنفعل؟ ~~- نطلب منهما أن نعيش في بيت وحدنا. ~~- ربما يرفضان. ~~- لا تتكلم عنهما، تكلم عنها وحدها أنها تفعل ما تريد، هو لا شيء؛ ~~بكل صمته المهيب، وبكل عظمته المتجهمة هو لا شيء. ~~- إذن سترفض. ~~- لا تستطيع أن ترفض لنا شيئا الآن. ~~- لماذا؟ ~~- بعد الذي رأيته. ~~- إنها متأكدة أنك لن تقول لأحد. ~~- فعلا، ولكن لماذا ترفض؟ ~~- بماذا تبرر خروجنا من القصر؟ ~~- إذن لا يدخل حامد هذا بيتنا. ~~- ولا هذا، الظاهر أنك لا تعرف قيمة حامد، إنه صديق الحكام اليوم، ~~وهو الذي يحمي بيتنا أن يؤخذ، ويحمي أبي أن توضع عليه الحراسة. ~~- حراسة! أيقبل هذا الوضع خوفا من الحراسة؟ ~~- لا تبالغ في ظلمه، ربما قبله حتى لا يعرفه أحد. ~~- اسمع، لا بد أن نجد حلا، لن نستطيع العيش في هذا البيت، بل لن ~~نستطيع العيش في مصر كلها. ~~- وجدتها. ~~- ماذا؟ ~~- نسافر إلى الخارج. ~~- نهرب؟! ~~- نهرب. ~~- ولكن الحقيقة التي نعرفها أنستطيع أن نتركها هنا؟ ~~- هناك دنيا أخرى. ~~- ولكنها لن تستطيع أن تبتلع الحقيقة التي نعرفها. ~~- على كل حال، هذا خير من أن نرى هؤلاء الناس. ~~- أي شيء خير من أن نرى هؤلاء الناس. ~~- أي شيء خير من أن نرى هؤلاء الناس. ~~- إلى أين نسافر؟ ~~- إلى فرنسا. ~~- ولماذا فرنسا؟ نسافر إلى إنجلترا. ~~- أولا؛ لأننا نتقن الفرنسية. ~~- وهذا سبب يجعلنا نسافر إلى إنجلترا؛ حتى نتقن الإنجليزية ~~أيضا. ~~- الحقوق دراستها في فرنسا والهندسة أيضا، أما في إنجلترا فستكون ~~دراسة الهندسة فقط هي الممكنة، فالقانون الإنجليزي بعيد كل البعد عن ~~القانون المصري. ~~- لولا الظروف التي نمر بها؛ لكنت تركتك تسافر إلى فرنسا، وسافرت أنا ~~إلى إنجلترا، أما الآن فلا بد أن نكون معا دائما. ~~- ومسألة اللغة بسيطة، يمكن أن نقضي الإجازة الصيفية كلها في ~~إنجلترا لدراسة اللغة. ~~- فكرة. # وسافر الأخوان، وتركا ms093 القصر العظيم يضم بين أحنائه تكبره وخسته ~~وجراحه وخيانته، ولم يقدرا .. وكيف لهما أن يقدرا أن القلب المتكبر ~~الكسير لذلك الرجل الذي استطاعا أن يكرهاه، انصدع حطامه بسفرهما ~~صدعا الموت أهون منه، ولكن طول التكبر منه عوده تلبس الكبرياء، ~~فانحنى على صدوع قلبه الذي أمسى شظايا. وصمت! # | الفصل الثاني والعشرون # لا يستطيع أحد أن يقدر أثر الرواية المقروءة المعروضة على مسرح، أو ~~شاشة السينما، أو التليفزيون، أو المذاعة، التقدير الصحيح. # فإن هذه الروايات أفسدت حياة الناس، ونغصت عليهم عيشتهم تنغيصا ~~فريدا؛ حتى لا يجرؤ شيء آخر أن يسابقها في هذا المضمار. # فقد ظلت هذه الأعمال التي نطلق عليها أعمالا فنية ترسم البيت السعيد ~~رسما غاية في السذاجة والعبط، فالزوجة تطعم زوجها بيدها، وتأتي له ~~بالحذاء، وتتولى شئون ملابسه، وتحاول دائما أن تضحك معه، ولا تطلعه ~~على شيء يكدرها أبدا حتى لا يمتد الكدر إليه، وهي طبعا تطيع أوامره ~~مهما تكن هذه الأوامر سخيفة. وتحرص هذه الأعمال الفنية أن تجعل حياة ~~الزوجين جميعا على هذه الوتيرة الواحدة، التي يتخيلها الكتاب ~~السذج، سعادة لا تدانيها سعادة وهناءة لا يماثلها هناء. # وأغلب الأمر أن هؤلاء الكتاب يلقون من زوجاتهم عنتا ورهقا ~~يجعلهم يهربون من واقع دنياهم، تلك التي يصطنعونها دنيا مهبولة تفيض ~~سخافة وعبطا. # ولو وقف الأمر عند هذا لأصبح مقبولا. وأي خير أن يهرب كاتب، أو أي ~~شخص، من واقع مرير إلى حلم وهم سعيد، ما دام بهذا يقر عينا ~~ويسعد؟ # ولكن الكارثة الكبرى أن المنتجين والمخرجين يأخذون الأمر مأخذ الجد، ~~ويعرضون هذه الأعمال على الناس. # وهكذا تقولب الحب في حياتنا في هذا القالب المضحك، فالزوجة التي لا ~~تطعم زوجها بيدها، ولا تطيع كل سخافاته، ولا تأتي له بالحذاء أو ~~النعل، ولا تطبخ له كل ما تهفو إليه نفسه، تصبح عند الأزواج الذين ~~شاهدوا هذه الأعمال أو قرءوها، امرأة لا تعاشر، وهي في عرفهم ~~تكرههم ولا تحبهم. ومن الزوجات من صدقت هذه الصورة، وحاولت أن تنفذها ~~في أيام زواجها الأولى، ولكن قليلا ms094 ما تستطيع أن تظل على حالها هذا، ~~ثم تعود إلى طبيعة البشر. وهكذا تنقلب حياة الزوج إلى جحيم وليس هذا ~~منه بعجيب؛ فقد رسمت له الأعمال التي رآها الجنة بهذه المعالم ~~المضحكة، فحين يصطدم بغيرها يصبح من الطبيعي أن يرى حياته جحيما، فنقص ~~أي معلم من معالم هذه الجنة الفنية هو عنده جحيم. وويل للزوجين إذا ~~كانا تحابا قبل الزواج؛ فإن كلا منهما سيتوقع من الآخر أن يقتل ~~نفسه وهو سعيد؛ ليقدم لحبه كل ما يمكن أن يخطر ببال هذا الحب، حتى ~~إذا تم الزواج وعاد كل من الزوجين إلى طبيعة البشر، انكشفت الحقيقة ~~الرهيبة أن الرجل إنسان بشر، وأن المرأة إنسانة بشر، وتصطرع الحياة ~~على أنغام نفير الحروب، بعد أن كانت ساجية بين المحبين على أنغام ~~موسيقى الملائكة. # وفي أتون هذه الأوهام، تحطم كثير من حب كان صادقا، ولكنه كان ~~مجنونا، ودمرت زيجات كان يمكن أن يفوح منها عبير يانع عن أيام ~~مخضلة بندى الحنان والمودة، ولكنها جهلت الواقع، ولم تستطع الأيام ~~أن تنقلب عندها إلى أحلام وأوهام ورؤى. # ولكن أسامة كان محصنا ضد الأوهام، فلو أن الحياة سارت بأبيه رخاء ~~كلها، ولو أنه ترك لأمه وحدها لواجه، في كل متجه من حياته، ذلك ~~الحلم الباسم المستبشر الذي ينقلب إلى واقع كشر متجهم ذي أنياب ~~ونصال ومدى. # لقد صاحبت نمو أسامة تلك الأزمة التي تعرض لها أبوه، ووعى أباه وهو ~~يركب الموتوسيكل السيدكار، وهو ما يزال يذكر أمه وهي تعتذر عن عدم قبول ~~الدعوات؛ حتى لا تصبح مضطرة أن تردها بمثلها، ورأى بيته والطعام فيه ~~معدود بقدر الأشخاص، بعد أن كان دائما موفورا لا يحصيه حجما ولا ~~عددا، حتى لقد كان الخدم يدعون من يشاءون من خدم الجيران، ورأى أمه ~~تمكث السنة بأكملها لا تدخل بيتها خياطة، ورأى أباه لا يفكر في ~~شراء قماش جديد لنفسه سنوات، ولكنه أيضا يذكر أن ملابسه هو دائما ~~كانت تتجدد، فلم يعد على مظهره إشارة من ضيق يد، وأدرك كيف كان ~~أبواه يجنبانه ms095 دائما أن يحس بما يمران به، وحسب الجانبان أن ~~ابنهما لم يشعر بشيء، وحنا هو عليهما فلم يشعرهما أنه أحس ~~بشيء. # ومرت بهم هذه الأيام النكدة الماجدة، واستطاع أسامة بضربة حظ ~~أفلس فيها أبوه أن يصبح هو من أغنى الناس نفسا، واستطاع أن يعرف أن ~~الحياة التي تعطي تستطيع أن تمنع، وأن الإنسان إذا لم يعرف من الحياة ~~حالتيها، صار فيها هشا هينا جاهلا، أو أحمق تصرعه أي ريح من ~~رياح الحياة. # ورياح الرخاء والغنى والدعة والهناء تحمل من طواياها نفس الأخطار ~~التي تحملها رياح الفقر والحاجة، والعوز والشقاء. # وإذا كان الإنسان يحتاج أن يكون قويا ليواجه الحياة، وهي تطحن ~~وتفترس بمخالب الفقر، فهو محتاج أن يكون أكثر قوة؛ ليواجه الحياة وهي ~~تبتلع وتمحو من الإنسان إنسانيته، حين تفرش الذهب والماس تحت ~~الأقدام. # استطاعت هذه الفترة النكدة أن تجعل من أسامة إنسانا يعرف تقلبات ~~الحياة؛ الأمر الذي لم يستطع المسكين يحيى أن يعرفه، فلو كان يحيى ~~قويا في لقاء الغنى، لما انهدمت به الحياة، ولما تصدعت جوانب ~~نفسه، ولما خلت الحياة عنده من كل معنى للحياة. # في هذه الأيام النكدة التي شهدها قصر راشد باشا، كانت أسرة فهمي ~~عبد الحميد من الأسرات النادرة التي تأتي للقصر أغلب أيام الأسبوع، ~~وتوطدت علائق الصداقة بين خديجة وبين نعمات زوجة فهمي. وفي فناء ~~القصر لعبت جميلة مع أسامة، كانت تصغره بعام وبعض عام، ولكنه لم ~~يكن رآها قبل أن تصبح أمها صديقة لأمه. # لم يكن حبا ذلك الذي نما بينهما وإنما كان ألفة، وكان يأنس إليها، ~~وكان يخيل له أنها تأنس إليه. ولم يكن يدري يومذاك شيئا عن الصلات ~~التي تجمع بين أبيها وأبيه، وما كان يستطيع أن يعي هذه الصلات، ولا ~~أن يفهمها. وكيف لمثل من كان في سنه أن يفهم هذه الحرب، وهذا العداء، ~~ثم هذا الحب وذلك الإيثار؟ وكيف يستطيع أن يعي في براءته الإنسان ~~يسفل إلى هذه الخسة، ثم يعلو هو نفسه إلى هذه السموة؟ # لم يكن يدري شيئا ms096 دائما ، كان يأنس إلى جميلة وكان يألفها، وكان يحب ~~أن تأتي، ويحب أن يلعب معها طفلين، ثم أصبح يحب أن يحكي ما يجري له في ~~المدرسة، ثم أصبح يحب، حين باكرته الرجولة ونهدت هي إلى الأنوثة، أن ~~يحادثها عن كل شيء، ويستمع منها عن كل شيء. وكانت تحس أن ما يقوله ~~لها لا يقوله لسواها، وكانت تعرف أن ما تقوله هي له لا تقوله لسواه، ~~على براءة ما يقول وما تقول. # وحين تزوجا كانت بينهما هذه الألفة الحنون التي تكون بين الزوجين، ~~ولم تكن الناحية المالية تشكل لهما أي عقبة؛ فقد استعاد راشد ~~ثروته، وكتبها جميعا باسم أسامة، ولو أن هذا لم يكن يعني شيئا ~~بالنسبة لأسامة في حياة أبيه؛ فقد كان راشد هو الذي يتصرف في كل ~~دخله. # وقد تزوج أسامة، وراشد ما زال على قيد الحياة، وكان راشد سعيدا بهذه ~~الزيجة أشد السعادة، كما سعدت بها أيضا خديجة. وحين استقر ~~الزوجان الصغيران بالمنزل تنازلت خديجة عن سيادة البيت، وجعلت لجميلة ~~اليد الطولى والوحيدة في إدارة البيت، وحلا لها أن تأخذ المكان الذي ~~أخذته منها هانم أفندي حين تزوجت هي راشد، وسعدت خديجة بمكانها هذا ~~الجديد، وقد استطاعت جميلة في ذكاء أن تجعل خديجة دائما في مكانة ~~عليا، أوامرها مقدسة وراحتها موفورة قبل أن تتوافر لزوجها أو حتى ~~لحميها. # وحين مات راشد، كان أسامة قد عمل في المحاماة، ووجد نفسه في مهنته، ~~فاستطاع أن يكون حكيما في تصرفاته المالية؛ يعيش عيشة كريمة، ولكنها ~~بعيدة عن السفه. # وكان من الطبيعي أن تختلف خديجة وأسامة في أيام زواجهما الأولى، ولم ~~يكن أسامة يدهش أن يجد أباه وأمه يقفان إلى جانب زوجته، حتى وإن لم ~~تكن محقة، فقد وجدا عندها طاعة الأبناء وحبهم هذه الطاعة، وذلك ~~الحب الذي يصبح موضع إكبار إن جاء من غير الأبناء. # وحين مات راشد، ظلت جميلة التي أصبحت ست البيت، فعلا لا ~~تفضلا، أكثر عناية بحماتها، وأكثر رعاية لها وحدبا عليها. # وحين تتابعت قوانين الإصلاح الزراعي ابتلعت ms097 الغالبية العظمى من ثروة ~~فهمي عبد الحميد، فلما مات كان ما تركه من مال يكاد لا يقوم بشأن ~~أولاده، فكان أسامة يعوضهم عما أصابهم كلما سنحت فرصة لا تجرح ~~كرامتهم، وأصبح يحث زوجته أن تعطي أخويها كل ما يحتاجان إليه حتى لا ~~يحسا بعنت الحياة. إلا أن الأخوين وجدا أن الأمر لا يمكن أن يستمر ~~على هذا المنوال، فكتب كل منهما توكيلا لأسامة ليدير ما بقي من ~~أرضهما، واتجه الأكبر جميل إلى الكويت، واتجه الأصغر صبحي إلى ~~السعودية، ومرت الحياة بالزوجين أسامة وجميلة طيبة، لا يشوبها إلا ما ~~يشوب البيوت السعيدة من خلافات يمحوها الحب، أو شجار يعصف به ~~الحنان. # وأنجبا راشد وفهمي، وراحت الحياة تكرر نفسها مع الطفلين، ليدرجا ~~في طريق درج فيه أبواهما من قبل قد تختلف تفاصيله، ولكن المعالم ~~الأساسية فيه واحدة. # وحين كسدت سوق المحاماة المدنية، وفكر أسامة أن يتجه، كما اتجه ~~كثير من غيره، إلى البلاد العربية، جاءته أم مرسيلة لتغير متجه حياته ~~جميعا. # فمنذ ذلك اليوم الذي قصدت فيه إلى مكتبه، أصبح أسامة من أكبر ~~المحامين في القضايا السياسية، ولم تكن هذه القضايا وحدها تكفي مكتبه، ~~ولكن ذيوع اسمه فيها جعله بعيد الصيت في القضايا الجنائية، وانتعش ~~المكتب واستقر أسامة، وأصبحت الحياة أمامه هانئة سعيدة، ومن أسعد من ~~رجل بارع في عمله يعترف الجميع ببراعته؟ # وهل هناك اعتراف أعظم من تلك الدعوة التي جاءت إليه عن طريق ضابط ~~دخل إلى مكتبه بغير إذن، ليقول له في محاولة فجة للتلطف: سيادتك ~~مطلوب. ~~- أنا؟ ~~- نعم. ~~- من الذي يطلبني؟ ~~- ستعرف حين تذهب. ~~- أذهب؟ ~~- سأذهب معك. ~~- إلى أين؟ ~~- ستعرف. ~~- لماذا؟ ~~- ستعرف ذلك أيضا. ~~- أهو قبض؟ ~~- لا، المسألة لن تصل لهذا. ~~- لقد وصلت فعلا. ~~- إنها مجرد دعوة. ~~- هل أستطيع الاعتذار؟ ~~- طبعا لا. ~~- فهي أمر بالقبض، وليست دعوة. ~~- سيادتك تستطيع أن تسميها كما تشاء. ~~- ألا أخبر البيت؟ ~~- لا داعي. ~~- مجرد مشورة أم هو أمر ألا أتصل؟ ~~- لا داعي، والسلام. ~~- ومن أين يأتي السلام؟ ~~- تفضل. ~~- حاضر. # | الفصل الثالث والعشرون # حين وقعت ms098 هزيمة 5 يونيو، كان باسل وشهاب في باريس، وشاهدا الفضيحة ~~العالمية على شاشات التليفزيون، وراح كل منهما ينظر إلى الآخر تحجب ~~صورة كل منهما عن الآخر دموع غزار لا تريد أن تنضب، ولم يكن عجيبا ~~أن يفكر كل منهما أنهما كأنما يواجهان حادثة أمهما مرة أخرى، ~~ولكنهما في هذه المرة أحسا أن العالم أجمع يعرف السر الذي ينطويان ~~عليه، بل أحسا أن التاريخ أيضا أصبح يعرف هذا السر الذي لم يصبح ~~سرا. # لم تصبح علاقة أمهما الآثمة حادثة يخفيها جدار بيت، وإنما أصبحت ~~مثار اهتمام العالم أجمع؛ التليفزيون والسينما والإذاعة والصحف، لا ~~حديث في العالم لها إلا عن أمهما. وتتكسر النصال على النصال! # لقد كانا يغفران للحكم المصري كل ما يسمعانه من قهر الآدمية، وقتل ~~الأبرياء، وخنق الكلمات، ومحق الرأي، وهدم الإنسان، في سبيل أن يكون ~~هناك جيش قوي يواجه العدو. # ثم، وفي ساعات، تصبح مصر والعروبة جميعا أهزوءة التاريخ على يد ~~الجيش المصري. # قلبانا عليك يا مصر! عرفا أن أمهما أصيبت بالسرطان، وأنها تنتظر ~~الموت في أية لحظة. ~~- نذهب؟ ~~- أتريد أن نذهب؟ ~~- أمام الناس؟ ~~- وأمام نفسينا كيف سنراها؟ ~~- وأبي؟ ~~- هل نستطيع أن نصنع له شيئا؟ ~~- الكثير. ~~- سيتجهم. ~~- ولكن قلبه سيفرح حين يرانا. ~~- هل رأيت قلبه؟ ~~- لا لم أره. ~~- كل الأبناء رأوا قلوب آبائهم في ابتسامة، في فرحة لقاء، في اهتمام ~~بمرض، في سعادة بنجاح. هل رأيت قلب أبيك؟ ~~- ولكن له قلبا. ~~- كيف نعرف؟ ~~- لقد ستر على أمنا. ~~- يخشى على كبريائه. ~~- كان يستطيع أن يطلقها، ولا يبدي الأسباب. ~~- لقد تعود أن تكون بجانبه. ~~- وهي لغيره؟! ~~- إنه مشغول دائما بنفسه. ~~- لعله خاف أن يذكرنا أحد بسوء. ~~- تحاول أن تجعل لنا أهمية عنده. ~~- إننا جزء منه. ~~- شهادة الميلاد فقط. ~~- إنه يخفي مشاعره. ~~- كان يستطيع أن يجعل مشاعره تخونه مرة واحدة، ما دام استطاع أن ~~يجعل زوجته تخونه دائما. ~~- إننا لا نستطيع أن نعرف ما بداخله. ~~- ما دمت لم أر له ظاهرا، كيف أعرف داخله؟ ~~- هو الآن جازع. ~~- مرض زوجته قاتل. ~~- مصر كلها ms099 تعاني نفس المرض. ~~- فهو يعاني مرض مصر، ومرض زوجته. ~~- أتريد أن تسافر؟ ~~- لا أعرف. ~~- فكر. ~~- أريد أن أرى أمي، وأريد أن أرى مصر، ولا أريد أن أرى أمي، ولا أريد ~~أن أرى مصر. ~~- لم يبق لنا إلا نفسانا. ~~- أخشى أن نقتل أبانا بما نفعله. ~~- وأنا أخشى أن نقتله، إذا رآنا ونحن على هذه الحال. ~~- لا نذهب إذن. ~~- لعلنا نكون أشفق عليه، لو لم نذهب! ~~- ومصر؟ ~~- سنكون أشفق بنفسينا إذا لم نذهب. ~~- لعل مصر تحتاج إلينا. ~~- إنما تحتاج للمنافقين والدجالين والهتافين والهازلين. ~~- لعلها الآن تحتاج للجادين. ~~- لو كانت ما سمت الهزيمة نكسة، وكأنها إنفلونزا. ~~- إذن؟ ~~- نبقى، فما بقي لنا إلا أنفسنا. ~~- معك حق نبقى، فما بقي لنا إلا أنفسنا. # | الفصل الرابع والعشرون # استطاع وجدي أن يغري زوجته بالإكثار من الحفلات؛ يدعو لها كل صاحب ~~سلطة. وهذه الحفلات لا تكلف المأكل والمشرب فقط، وما هو بقليل، وإنما ~~تكلف معها ملابس لكل حفل. وقد استطاعت ناهد في غمرة هذه الحفلات أن ~~تبيع أملاكها جميعا، وراحت تشتري بأثمانها مجوهرات لا يعرف زوجها ~~عنها شيئا، ودبرت ناهد أمرها أحسن تدبير، وراحت تفحص الأشخاص الذي ~~تعرفت بهم في حفلاتها، واختارت أخطرهم شأنا، وساعدها الحظ فكان ~~أيضا أشدهم غباء، فألقت عليه شباكا قناصة لا تفلت صيدا. # وكان من الطبيعي أن يظن نفسه ساحر نساء، وهادم قلاع، وفاتح حصون، ~~وما كان ذا فكر ليمعن به النظر، وليتبين أن التي يتوهم أنه سحرها؛ ~~إنما هي التي سحرته، وأن القلاع التي هدمها كانت بلا جدران إلا بابا ~~على الصحراء، فهي مفتحة من جميع جوانبها، ومن ثم فلا حصون هناك ~~لتفتح. # أغرته ناهد، وقبل الإغراء وأعد لها - وما كان أيسر هذا بالنسبة ~~إليه - شقة كانا يلتقيان بها، وما هي إلا لقاءات قليلة حتى واجهته ~~ناهد. ~~- لا يمكن أن يستديم الحال هكذا. ~~- لماذا؟ ~~- أتحسب أن أمرنا لن يعرف؟ ~~- لا يمكن أن يعرف. ~~- إذن اطمئن، لقد عرف فعلا. ~~- كيف؟ ~~- أنت في نومة. ~~- أنت التي تتوهمين أشياء لا ظل لها من الحقيقة. ~~- يا حبيبي ms100 فكر، أنت شخصية مهمة جدا، كيف يمكن أن تكون تنقلاتك ~~مطلقة هكذا من غير عيون حواليك؟ ~~- ماذا؟ ~~- أتشك في هذا؟ ~~- انتظري انتظري، يظهر أنك على حق. ~~- كيف؟ ~~- بالأمس .. نعم لك حق .. فعلا. ~~- ماذا حدث بالأمس؟ ~~- قال لي كلاما مبهما فيه هذا المعنى. ~~- مثل ماذا؟ ~~- مثل ماذا؟ مثل: كل واحد منكم حر، وأنا عارف أن كثيرين منكم لهم ~~ليلى يهيم بها. ~~- أرأيت! ولكن ماذا يعني بليلى؟ ~~- لعله يقصد ليلى المجنون. ~~- أو غيرها. ~~- سأله أحدنا أي ليلى تقصد؟ ~~- قال: لك حق. ~~- ماذا قال؟ ~~- قال ليلى، ناهد، أو جواهر، لا يهم. ~~- أرأيت؟ ~~- فعلا. ~~- إذن ماذا ترين؟ ~~- طالما أنا في مصر لا أمان لنا. ~~- وماذا تريدين؟ ~~- أسافر. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الخارج. ~~- وأنا؟ ~~- أنت ستجد أن الاتصال بي في الخارج أسهل من الاتصال بي هنا، ~~الطيارات كلها تحت أمرك. أقيم في فرنسا أو سويسرا أو إنجلترا، وكل ~~شهر تأخذ أسبوعا أو أكثر، أو قل إجازة، ونكون على حريتنا. ~~- متى تستطيعين السفر؟ ~~- الآن إذا استطعت أنت. ~~- ووجدي؟ ~~- اتركه لي. ~~- سأسافر. ~~- مع السلامة. ~~- إلى الأبد. ~~- ماذا؟ ~~- وهل تعتقد أنني أصرف هذه المبالغ؛ لأبقى في مصر؟ ~~- وأنا؟ ~~- أنت حر. ~~- أنا مستقبلي في مصر. ~~- مع من؟ ~~- مع هؤلاء الذين نعرفهم. ~~- أنت مستقبلك الحقيقي في بيع رجولتك. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- لا تدعي الدهشة، أنا عارفاك، وأنت تعرف أنني عارفاك. ~~- وافرضي. ~~- الستات اللواتي يشترين رجولتك تركن مصر. ~~- بعضهن ما زال هنا. ~~- هؤلاء لا يدفعن ما يكفيك. ~~- مع وظيفتي في الاتحاد الاشتراكي. ~~- والمخابرات. ~~- وتعرفين هذا أيضا؟ ~~- أنت لا يكفيك هذا جميعه. ~~- إذن؟ ~~- سافر. ~~- وأرضي هنا؟ ~~- وماذا سيجري لها؟ ستبقى وستظل تدخر ريعها، وتنفق من ريع ~~أعمالك. ~~- أسافر معك؟ ~~- لا، في الخارج لا يمكن. ~~- لا يمكن ماذا؟ ~~- كنت هنا أشتريك لتكون ستارا، أما في الخارج فأنا لا أحتاج لهذا ~~الستار، والنقود في الخارج لها قيمة أخرى، إنها في الخارج عملة ~~صعبة. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- العقد بيننا انتهى. ~~- ولكنك لا تستطيعين السفر من غير إذني! ~~- وجدي، هل أنت جاد؟ ~~- طبعا لا. ~~- إذن؟ ~~- تكلمين الذي سهل لك ms101 السفر يرفع درجتي. ~~- في المخابرات أم في الاتحاد الاشتراكي؟ ~~- المخابرات أهم. ~~- لا مانع، العشرة على كل حال لا تهون. ~~- تظاهري أنني لن أوافق على السفر. ~~- تقصد الطلاق؟ ~~- كله واحد. ~~- هناك فرق. ~~- لم نختلف، قولي إنني لن أوافق على الطلاق، إلا إذا أرضاني هو، وضحك ~~علي بترقية. ~~- أتظن أنني أحتاج لدروسك؟ ~~- آسف. نسيت نفسي. ~~- فعلا. ~~••• # وسافرت ناهد، وحمل حقيبة المجوهرات صديقها ذو السلطان، وسلمها لها ~~في الطائرة. وكانت التذكرة إلى لندن، وكانت هذه التذكرة هي نهاية ~~العلاقة بينهما؛ فقد قدر لصاحب السلطان أن يفقد سلطانه، فلم يعد يستطيع ~~السفر، والشيء الذي مات دون أن يعرفه هو أنه، باليقين والقطع، كان لن ~~يجدها في ذلك العنوان الذي اتفقا على اللقاء فيه بلندن. # لم يكن عجيبا إذن أن يستقبل أسامة، عند اعتقاله، وجدي جالسا على ~~مكتبه في مبنى المخابرات العامة. # ولما كان أسامة يعرف وجدي ويعرف قصته جميعا؛ البادئة بمولده والمارة ~~بزواجه، والتي لم تنته بعد؛ لم يجد أسامة أي غرابة في هذه الابتسامة ~~الفاجرة التي لا تبالي بشيء، والتي في نفس الوقت توضح أي درك من ~~الوضاعة ابتدع صاحبها. ~~- أهلا أسامة بك. ~~- أهلا. ~~- ألا تذكرني؟ ~~- آسف. ~~- أنا وجدي، وجدي عبد المحسن، والدي ووالدك كانا صديقين، ونحن ~~تقابلنا كثيرا، ولكنك تنسى. ~~- فعلا كثيرا. ~~- أم تراك تنسى حين تحب أن تنسى؟ ~~- المؤكد أن طريقة الدعوة، أو الاستدعاء التي تفضلت بها علي، ~~تجعل الإنسان ينسى أشياء كثيرة، حتى التي لا يحب أن ينساها. ~~- وهل كثير علينا أن تعطينا بعض وقتك؟ ~~- يا أستاذ ... # وأدرك وجدي أنه يصر على تجاهله، ولكنه لا يعنى كثيرا برأي الآخرين؛ ~~فهو يكمل في ابتسامته الفاجرة. ~~- وجدي، وجدي يا أخي. ~~- المؤكد أن هذا ليس هو موضوع الحديث الذي تريدني فيه. ~~- طبعا هناك ما أريد أن أكلمك فيه. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أصبحت المحامي الأول في كل القضايا السياسية، يا أسامة ~~بك. ~~- وهل هذا ممنوع؟ ~~- المظهر لا يليق. ~~- ما المظهر الذي لا يليق؟ ~~- كأنك تأخذ من العهد موقفا مضادا. ~~- يا سيدي، أنا أترافع في ms102 القضايا التي يرى العهد أن يسمح للمحامين ~~بالترافع فيها، والقضايا الأخرى لا يترافع فيها أحد؛ فماذا يضير أن ~~أكون أنا المحامي أم غيري؟ ~~- خفف من قبول هذه القضايا. يكفيك قضايا الجنايات، وخصوصا قضايا ~~المخدرات. ~~- يكفيني من أي جهة تقصد؟ ~~- القضايا الجنائية، وخاصة قضايا المخدرات أتعابها كبيرة. ~~- سيادتك شهادتك في القانون؟ # وأوشك وجدي أن يغضب بهذا التجاهل الكامل من أسامة؛ فهو واثق أنه ~~يعرفه كل المعرفة، ولكنه تماسك. ~~- في القانون، أنا خريج دفعة ... ~~- لا يهم، المهم أنك خريج حقوق. أترى أن المحاماة أتعاب فقط؟ ألا ترى ~~فيها أي شيء آخر؟ ~~- طبعا طبعا، هذا لا شك فيه، واجبك نحو العدالة ونحو ~~موكليك. ~~- الذي تقوله صحيح، ولو خلا من رنة السخرية يصبح هو ~~الحقيقة. ~~- أنا لا أسخر، أستغفر الله! ~~- المهم، المطلوب مني الآن ألا أقبل قضايا سياسية؟ ~~- والله يستحسن. ~~- أهذا كل شيء؟ ~~- ألف شكر. ~~- تسمح لي؟ ~~- تفضل. # وقام أسامة، وأوصله وجدي إلى باب الغرفة، وصافحه مرة أخرى، وأغلق ~~الباب، وأخذ أسامة طريقه إلى الباب الخارجي. ولكن ما هي إلا خطوات ~~قلائل؛ حتى وجد نفسه محاطا بقوة من الشرطة، ثم أغلقت عليه أبواب ~~السجن. ~~••• # مكث أسامة في السجن، لا يعرف شيئا عن تهمته، ولا تعرف أسرته عنه ~~شيئا. # كان الذي رآه أسامة في السجن بعضا مما كان يسمعه، ولم يقع عليه هو ~~تعذيب جسماني؛ فهو لم يكن يخفي شيئا يريدونه أن يبديه، ولكنه عومل ~~كما تعامل الكلاب الجرباء، وكانت هذه المعاملة مع ما يرى الآخرين ~~يجرعونه نوعا من التدليل والرفاهية. # انصب عذاب الآخرين على نفس أسامة، حتى لقد كان يخيل إليه أنه ~~يعذب عذابهم أجمعين، ولم يكن يشعر بنسمة فرح إلا حين يموت أحد ~~المسجونين، فيحس أسامة أن إنسانا أنقذه الله من براثن الغيلان ~~المتشحة بجلود الآدميين. والعجيب أن أسامة كان يحس أن الذين يقومون ~~بالتعذيب في حاجة إلى الشفقة؛ لأنهم هم أنفسهم ما هم إلا أصابع الحاكم، ~~يفترس بها آدمية البشر وإنسانية الإنسان، ويتمنى الموت للمسجونين ~~جميعا ولنفسه قبلهم، ويذكر قول المتنبي: # كفى ms103 بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # وكان يعجب؛ أيستطيع الحاكم أن ينام؟! أتستطيع أصابعه هذه أن يهدأ لها ~~ضمير؟! وما هي إلا أيام؛ حتى رأى في وجوه الذين يقومون بالتعذيب ~~علامات لم يكن قد تعرف عليها أول الأمر، وكيف لإنسان أن يرى على وجه ~~وحش قسمات آدمي ويتعرف عليها؟ علامات لم يشهدها على وجوه بشر قبل ~~اليوم. # لقد تغيرت ملامح البشرية في وجوههم؛ انقلبوا إلى جنس من المخلوقات ~~غريب عن الأجناس التي يعرفها الكون ولا يألفها الناس؛ نوع من ~~المخلوقات لا هو إنسان ولا هو حيوان، ولم يستغرب هذا الذي تبينه؛ ~~فالإنسان لا يستطيع أن يصب هذا العذاب جميعه على مخلوق آخر، إنسانا ~~كان هذا المخلوق أو كان حيوانا. # والحيوان حين يهاجم الفريسة لا يقدر أنها إنسان أو هي حيوان، وإنما ~~يرى فيها طعامه وهو يريد أن يأكل، أو يرى فيها عدوه وهو يدافع عن نفسه، ~~فالحيوان المفترس المتوحش طبيعي ومعقول في كل هجوم يقوم به وعمله ~~جميعه له مبرره ومعقوليته، فما هذا الجنس إذن الذي يعمل في هذه ~~السجون؟ وأين صنعه العهد؟ وكيف ركبه؟ ومن أي مادة تكون هيكله وضميره؟ ~~إن المتفرس في وجوههم يرى مادة جديدة من المخلوقات يشك كثيرا أن تكون ~~يد الرحمن قد مستها. إنما هم كالحاكم الذي يأمرهم سرطانات بشرية، ~~خلايا تفجرت من طين بلا روح، ومن شر بلا خير، ومن مادة متوحشة عجنها ~~إبليس، وخلا تركيبها من ضمير أو قلب أو شعور. # مر بأسامة شهر وثان، وأوشك الثالث أن يكتمل، فإذا لغط يشب في ~~السجن، وهمهمات وجمجمة، وهمس يفضي إلى همس، ورءوس تميل في براءة، ~~وتعتدل في أسى وجزع. إنها حرب يونيو، وفتحت أبواب السجون لا لتخرج ~~أحدا، وإنما لتبتلع آخرين عرف منهم أسامة كثيرين. ورآهم وهم ~~يجلسونهم القرفصاء فلا تحتمل سيقانهم، فأغلبهم جاوز الشباب وأصبح ~~يتوكأ إلى الشيخوخة، وما تحتمل سيقانهم ما يريدونهم عليه، ولكنهم جلسوا ~~القرفصاء، ورفعوا أيديهم فوق رءوسهم كقرود يدربها عفريت من ~~الجن. # الوجوه غير ms104 البشرية وغير الحيوانية فيها رعب، وفيها حيرة وفيها جزع؛ ~~إنها تخاف من المسجونين. المسجونون عزل وبلا سلاح، وها هم أولاء ~~جالسون القرفصاء، وأيديهم فوق رءوسهم، والسجانون بيدهم الأسواط، وبيدهم ~~أدوات التعذيب الكهربائية والحديدية، وبيدهم دائما الأسلحة النارية ~~والمدافع السريعة الطلقات. # ولكن المسلحين بآلات التعذيب، وبالأسواط وبالبارود والمدافع، ~~يخافون من هؤلاء العزل الجالسين القرفصاء والواضعين أيديهم فوق ~~رءوسهم. # أهو موقف الحق الأشم أمام الظلم الخسيس؟ أم أن الخلايا السرطانية، ~~من أعوان السرطان الأعظم، قد أصابتها روح من البشرية ألقتها إلى ~~نفوسهم أنباء الحرب؟ لا أحد يدري! ~~••• # مرت أسابيع قلائل بعد الخامس من يونيو، وأفرج عن بعض المسجونين، ~~وكان أسامة من بينهم. # خرج فوجد أمواله جميعا تحت الحراسة، والبقية الباقية من أموال ~~زوجته، بل إن أموال خديجة وضعت تحت الحراسة، وصدر الأمر الخاص باسم ~~حرم المرحوم راشد برهان. ولست أدري هل ارتجفت يد المارد الرعديد، وهو ~~يضع تحت الحراسة أموال ميت أصبح في ذمة الله، أم أنها كانت ثابتة ~~متبجحة؟ أغلب الأمر أنها لم ترتجف؛ فالرجفة لا يبتعثها إلا بقية من ~~آدمية، وهيهات! ولو عرفوا الحق لتبين لهم أن خديجة لم ترث عن زوجها ~~شيئا، وإنما كان مالها هو ما بقي لها عن أبيها، ولكن ما الفرق؟! ~~والعجيب، ولو أن أي شيء لم يكن عجيبا في ذلك الزمن، أن أمر الحراسة ~~يقول «حرم المرحوم». كيف تجرأ مصدر الأمر، وخط كلمة توحي بالرحمة؛ ~~ليوقع بها قرارا لا يتصل بأي رحمة؟! إن أغلب مواد القانون تقضي بأن ~~يعاقب المذنب بغرامة قدرها كذا من المال، أو بسجن قدره كذا من الشهور ~~أو السنين. فالغرامة المالية إذن تستوي عند القانون مع العقاب ~~الجسماني، وهكذا يصبح الاستيلاء الكامل على مال شخص ما حكما بالإعدام ~~المدني، وبلا محاكمة. # ومن عجب أن يصدروا حكما بالإعدام المدني على شخص مات فعلا! كيف ~~يريدون أن يقتلوا من مات؟ القانون يسمي هذا الجريمة المستحيلة؛ لأن ~~القتل لا يكون إلا لحياة، ولا سبيل لأحد أن يقتل ميتا، ولكن ذلك العهد ~~لم يكن شيء ms105 مستحيلا عنده . # لم يأبه أسامة، وإنما عاد إلى مكتبه، وواصل طريقه في الحياة، وواصلت ~~الحياة طريقها إلى جانبه؛ صعبة عنيفة، ولكنها شريفة، وتسير. ~~••• # حين تفجر الحق في مصر، وحين أعاد الحكم أموال الناس إليهم، وحين ~~انشرخ الظلام عن الصباح، وحين عادت الحياة إلى الحياة أحس أسامة أنه ~~استطاع أن يجتاز الأزمة الطاحنة: ربما استطاع أبي أن يركب الموتسيكل ~~السيدكار، وربما عجزت أنا أن أجد في بعض الفترات دراجة أتنقل عليها، ~~ولكن أبي استطاع أن يسير فوق الأزمة على موتسيكل، واستطعت أنا أن أسير ~~عليها بقدمي. # ولم ينكس أبي رأسه، ولم أنكس أنا رأسي للطغيان. عجبا! ألم يكن هو ~~أنا وأنا أربأ بشرفي أن يدنسه ذهب الطغيان أو يذله تعذيبه؟ من يدري؟! ~~لعل روحه تلبستني! أو ربما، لا أدري، ربما كنت أنا شجاعا! من يدري؟ ~~من سيذكر أنني لم أنحن، لم أنافق، لم أذل؟ وماذا يعنيني أن يذكر ذلك ~~أحد؟ يكفي أنني أنا أذكر هذا لنفسي. وحسبي فوق الحسب أنني أستطيع أن ~~أواجه نفسي، لا أخافها ولا أستخزي. # | الفصل الخامس والعشرون # قال شهاب: اليوم نعود. ~~- نعم نعود. ~~- لقد انتصرت مصر. ~~- إني أحس أن أمي التي ماتت ذهبت إلى الأبد، وعادت لي أم جديدة ~~شريفة مثل هذا الانتصار؛ أم لا صلة لها بتلك التي تشردنا لنبتعد ~~عنها. ~~- هناك أبونا. ~~- لعلنا نجده قد تغير. ~~- لا أظن. ~~- وهل كنت تظن أن مصر ستنتصر؟ ~~- اسمع، لماذا لا نتغير نحن؟ ~~- كيف؟ ~~- إن أبانا لم يشعرنا أنه يحبنا. ~~- فهل أشعرناه نحن أننا نحبه؟ # ونظر باسل إلى أخيه طويلا، وراحت ابتسامة تنداح على شفتيه، لتعلو ~~إلى وجنتيه ثم إلى جبهته، وخيل إليه وهو ينظر إلى أخيه أنه كأنما ~~ينظر إلى مرآة، ولف الأخوين عبير مصري، له ذلك الأريج الخاص الذي لا ~~يعرفه إلا من نبت في أرض مصر ومن ماء النيل، ترن في أذنيه منذ ~~ولادته: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ms106