######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.SardQisasi.Hindawi19640759 #META# Tags: novels #META# ID: 19640759 #META# Title: السرد القصصي في القرآن الكريم #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # ملامح من قصص القرآن‏ # الهيكل الفني في قصة يوسف‏ # جاذبية التشويق في قصة الخليل‏ # دقة التبسيط في قصة موسى‏ # فن الجاذبية في قصة سليمان‏ # الإعجاز في قصة مريم‏ # الثواب والعقاب في قصة آدم‏ # الإعجاز الفني في قصة يونس‏ # السمو الفني في قصة لوط‏ # تقديم‏ # ملامح من قصص القرآن‏ # الهيكل الفني في قصة يوسف‏ # جاذبية التشويق في قصة الخليل‏ # دقة التبسيط في قصة موسى‏ # فن الجاذبية في قصة سليمان‏ # الإعجاز في قصة مريم‏ # الثواب والعقاب في قصة آدم‏ # الإعجاز الفني في قصة يونس‏ # السمو الفني في قصة لوط‏ # | السرد القصصي في القرآن الكريم # | السرد القصصي في القرآن الكريم # تأليف # ثروت أباظة # | تقديم # ماذا أردت من هذا الكتاب؟ إن لم أكن أردت إلا أن أظهر ناحية ~~جديدة من إعجاز القرآن فحسبي. ولعل ذلك كان يقتضيني أن أقدم إليك ~~قصص القرآن جميعا، ولكن ما الذي كان يعود علي أو عليك إن أنا ~~فعلت. أنا لا أتغيا عرض القصص القرآني، وإنما كل ما هدفت إليه ~~أن أقدم إليك هذه الظاهرة العجيبة، وهي أن أحدث ما وصل إليه ~~الفن القصصي هو النسق الذي سار عليه السرد في القرآن ~~الكريم. # وقواعد الفن القصصي نبتت من الاستقراء؛ فالرواية حين بدأت في ~~الظهور منذ خمسمائة عام ونيف، لم يكن لها قواعد بطبيعة الحال، ~~شأنها في ذلك شأن الشعر في التراث العربي؛ فحين ألفت روايات كثيرة ~~- نجح منها ما نجح، وفشل منها ما فشل - بدأ النقاد يتساءلون لماذا نجح ~~الناجح ولماذا فشل الفاشل، فكانت هذه القواعد. # ولعمري هل نظر النقاد إلى قصص القرآن حين وضعوا قواعدهم؟ أشك في ~~ذلك، بل أقطع أنهم لم يفعلوا؛ فهذه القواعد واردة علينا من الأدب ~~الغربي. وما أحسب أن بين النقاد هناك من يفكر في القرآن إلا على ~~أنه كتاب سماوي. أما روعته اللغوية والفنية فبعيدة عن أذهانهم كل ~~البعد. # وقد كان الأجدر بنقادنا نحن أن ينتبهوا إلى هذه الفنية في السرد ~~القصصي في القرآن، ويقوموا عني بعمل هذا الكتاب؛ فما أحسب أنني ms01 ~~مهيأ للبحث؛ فقد يسر لي أن أكون روائيا، والروائي بعيد عن ~~البحث، ولكن الروائي أيضا مطالب بأن يعرف قواعد القصة والرواية. وقد ~~عجبت حين وصلت إلى هذه المعجزة في القرآن الكريم، وعجبت أن لم ~~يلتفت إليها أحد من نقادنا، ثم ما لبثت أن قمعت هذا العجب الأخير؛ ~~فمنذ متى يهتم نقادنا بديننا أو تراثنا، إنما كل همهم أن يلووا ~~ألسنتهم بلغة غير لغة بلادهم، وينسبوا أنفسهم إلى أي أدب غير ~~أدبهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل. # | ملامح من قصص القرآن # تنزه القرآن الكريم أن يكون قصصا، مجرد قصص، وإنما هي أمثال ~~تضرب للناس ليتخذوا مما يروى لهم عبرة وليهتدوا إلى صراط مستقيم؛ ~~ولذلك فقد يرى الناقد المحترف أن القصة القرآنية بعيدة عن قواعد القصة ~~العادية؛ لأن الموعظة فيها تقترن بالعرض. وهذا الناقد إن فعل يكون ~~مجانبا للصواب، مجافيا للنظرة المتعمقة؛ فالقصة التعليمية مذهب ~~فني معترف به لا يحتاج إلى تأكيد وجوده. والقصص القرآني قصص من ~~نوع خاص؛ فهو ليس فنا خالصا يقدمه صاحبه لا يعنيه فيه الجانب ~~الخلقي. إنما قصص القرآن قصص صاغها الله سبحانه وتعالى لتكون مثالا ~~للناس. والقصصي الملتزم، وأغلب القصاصين الآن ملتزمون لا يلقون بقصتهم ~~لمجرد التسلية وإزجاء الوقت؛ فهم إن فعلوا أصبحوا أشبه ما يكونون ~~بجدات الأطفال يهدهدن فراشهم بالحدوتة ليسلوا الأطفال إلى ~~نوم هنيء. # القصاص الجاد لا بد أن يقول ~~قصته ليقول بها شيئا، مهما يكن هذا الشيء قد يدعو إلى تحطيم ~~الأخلاق، أو قد يدعو إلى إكبار الأخلاق. وبعض القصاصين يحبون أن ~~يظهروا بمظهر المتحررين من كل قيد، فيدعون بقصصهم إلى التمرد، ~~ظانين أن الحرية تمثل في التمرد. إنهم صغار، ولكنهم مع ذلك ~~ملتزمون. وهنا يختلف القصاص البشر عما هو تنزيل من عزيز حكيم؛ فقصص ~~القرآن بطبيعة الحال لا بد أن تكون المثل الأرفع في الخلق ~~والإيمان. # فإذا نحينا إذن جانب الموعظة التي يجملها القرآن في أغلب الأمر ~~حين يختم قصته. وإذا اعتبرنا أن هذا الحديث يساق إلى قوم ~~القصة بالنسبة إليهم لم تكن تخرج ms02 عما يتناقله الرواة من أخبار ~~العرب. بل إن القصة حتى يومنا هذا ما زالت غريبة في بلاد عربية كثيرة ~~لا يعرفون مذاقها. إلا إذا تمثلت في إذاعية أو تليفزيونية أو فيلم ~~سينمائي. إذا تذكرنا هذا جميعه، ونظرنا إلى العرض الفني في القصص ~~القرآني لوجدنا عجبا. ولا عجب؛ فإنه تنزيل من السماء. إنما العجب ~~هنا من الإعجاب. إن الغرض القصصي في القرآن الكريم يتمشى مع أحدث ~~ما وصل إليه الفن القصصي. وحتى نستطيع أن نتصور هذا دعونا نلق ~~نظرة إلى الكتاب الخالد. # هذه قصص قصيرة، منها قصة تطالعنا في سورة الأعراف: # بسم الله الرحمن الرحيم # لقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم * قال الملأ من قومه ~~إنا لنراك في ضلال مبين * قال ~~يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب ~~العالمين * أبلغكم رسالات ربي ~~وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون * فكذبوه ~~فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما ~~عمين ~~(من سورة الأعراف: من آية 59-64). # أرأيت كيف قدم القرآن قصة نوح جميعا في هذه الأسطر القلائل؟ ثم ~~أرأيت كيف روى قصة الطوفان في كلمات لا تكاد تزيد على العشر؟ فهو لم ~~ير داعيا أن يروي القصة جميعا وهي واردة في سورة أخرى. وهكذا ~~ألمح إليها فأجملها إجمالا يوشك ألا يحتاج إلى تفصيل. إن الروعة ~~هنا في اختيار الكلمة المؤدية. لا تستطيع كلمة غيرها أن تحل ~~محلها، وكأن الكلمة قد خلقت لتكون هنا أولا، ثم لتؤدي بعد ذلك ~~ما تشاء من وظائف. ثم انظر كيف انتقل بعد ذلك مباشرة إلى قصة أخرى في ~~روعة آخذة عجيبة. # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون * قال الملأ الذين كفروا ~~من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا ~~لنظنك من الكاذبين * قال ms03 يا ~~قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب ~~العالمين * أبلغكم رسالات ربي ~~وأنا لكم ناصح أمين * أوعجبتم ~~أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء # 1 # الله لعلكم تفلحون * ~~قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين * قال قد وقع عليكم ~~من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها ~~من سلطان فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين * فأنجيناه والذين ~~معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين # صدق الله العظيم ~~(سورة الأعراف: من آية 65-72). # تبدأ الآيات بقوله تعالى # وإلى عاد ~~أخاهم هودا # إنه سبحانه لا يحتاج هنا إلى كلمة ~~وأرسلنا؛ فهو سبحانه يخاطب قوما ذوي عقول (والكلمة الزائدة تقول ~~لسامعها أنت غبي). وهذه قاعدة من أهم قواعد الأعمال الفنية جميعا، ~~وخاصة القصة الحديثة التي تخلصت أخيرا من تفاصيل الواقعية الطويلة ~~الكثيرة الجمل والأوصاف التي كانت تقول شيئا، ولكنه شيء في غاية ~~الضآلة إذا قيس بطول الحديث الذي يقول هذا الشيء. # أصبحت القصة الآن تكتفي ~~بالإشارة السريعة. أما في المسرح فالقاعدة المعروفة أن الجملة الحوارية ~~لا بد أن تتقدم خطوة بالمسرحية، فإن لم تتقدم هذه الخطوة فلا داعي ~~لها. # فالله سبحانه إذن في هذه الآيات يرسلها في إيجاز فني يطابق أحدث ما ~~تطورت إليه القصة، وأعرق ما عرف عن المسرح الحديث. # وإذا قرأنا قصة نوح، ثم قصة هود كما جاءتا في سورة الأعراف، وإذا ~~سرنا مع بقية الآيات بعد ذلك، ورأينا القرآن الكريم يروي معنى هذا ~~النحو في قصة صالح مع قومه ثمود وقصة شعيب مع قومه مدين، لخرجنا بقصة ~~أخرى عجيبة لم تذكرها الآيات في صريح نصها، وإنما ذكرها هذا التتابع ~~في القصص لمن اختاره سبحانه وتعالى ليروي قصصه من رسله وأنبيائه ~~الصالحين. وإنها قصة البشرية جميعا، وإنهم جميعا أقوام كذبوا ما ~~جاء لهم من السماء، ms04 فحق عليهم العذاب . إنها البشرية في جهلها ~~وعمايتها واستكبارها الكاذب. وإنهم الرسل والأنبياء في جهادهم في سبيل ~~الله .. سبيل الحق، وفي سبيل هداية البشر، ولكن البشر لا يهتدون. وفي ~~قصة البشرية هذه التي تتخفى وراء ظاهر النص في هذه الآيات روعة فنية ~~قصصية لا نستطيع إلا أن نعجب بها، ولا نعجب لها؛ فإنه تنزيل من ~~عزيز حكيم. # وحين يورد القرآن قصة نوح في سورة هود نرى الإعجاز أروع ما يكون ~~الإعجاز؛ فالتفصيل حيث لا بد من التفصيل، والإيجاز حيث لا بد من ~~الإيجاز. إنني أوشك أن أعتقد أن الذين أنشئوا فن القصة في الغرب ~~قرءوا هذا القرآن وتعلموا. وإذا تركنا السرد ونظرنا إلى الألفاظ ~~وكيف هي مطمئنة في مكانها، تهدد فترجف الأفئدة وتهلع النفوس، ~~وتسارع إلى مغفرة من ربها عسى أن يهديها إلى صراط مستقيم. # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون * واصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع ~~الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون * فسوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه ~~عذاب مقيم # صدق الله العظيم (من سورة هود: من آية ~~36-39). # أنرى إلى بداية هذه الآيات وكيف يواسي الله نبيه، ثم كيف ينتقل بعد ~~ذلك من حدث إلى حدث، في سرعة خاطفة وفي ترابط داخلي للحدث دون ~~ترابط لفظي. # اصنع الفلك # هذا حدث، ~~ثم ينتقل فجأة إلى أمر فيه حدث كبير. أنا أعلم يا نوح أنك تريد أن ~~تتشفع عندي لقومك أو لبعض منهم، لا تفعل ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون. ثم يروي سخرية الناس من الفلك. ثم نصل إلى رد ~~نوح على الساخرين، ويكاد هذا الرد يكون نوعا من تيار الوعي؛ فهي ~~إجابة قد يقولها نوح بصوت مسموع أو يقولها لنفسه. وفجأة وفي فنية ~~إلهية معجزة تصل إلى قمة الأحداث فتتواكب الآيات، في كل جملة قصة ~~بأكملها. ms05 # حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ~~ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ~~ومرساها إن ربي لغفور رحيم * ~~وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ~~ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى ~~جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما ~~الموج فكان من المغرقين * وقيل ~~يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء # 2 # وقضي الأمر واستوت على الجودي # 3 # وقيل بعدا للقوم الظالمين # صدق ~~الله العظيم (سورة هود: من آية 40-44). # أرأيت عرضا فنيا أروع من هذا العرض؟! ما أعظم حظ الآباء ~~الأوائل الذين استقبلوا هذه الآيات في نزولها الأول! لقد رأوا السينما ~~قبل أن يعرف العالم السينما .. صور متتالية سريعة متلاحقة تنبهر لها ~~النفس، وتخفق القلوب، ويشتد الوجيب، ويعلو النبض، وتروغ الأعين، ~~وتحار البصيرة، ويريم الخيال، ويعمل التصور. ونرى السينما في ~~جرس من اللغة هي الموسيقى العنيفة الرائعة، فلا السيمفونية ولا شيء ~~مما يدعون. # انظر إلى قوله: # احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك ~~. # هل رأيت أجمل من كلمة أهلك هنا؟ همسة جامعة قصيرة. لم يقل قبلها ~~واحمل أهلك. أو لا بأس عليك أن تحمل أهلك. إنها مجرد كلمة أهلك ثم ~~يستثني (إلا من سبق عليه القول). ليس كل من أهلك إذن، فالضالون لا ~~توجه إليهم الدعوة، وإنما دعوة للمؤمنين من أهلك ومن غير أهلك ~~أيضا. # ثم انظر إلى قوله: # إلا من رحم وحال بينهما ~~الموج ~~. # إن كلمة رحم هنا جملة ناقصة وكاملة في الوقت نفسه؛ فكأنما كان نوح ~~يريد أن يقول إلا من يرحم. ولكن حال الموج فاكتملت الجملة ولم تكتمل. ~~أليس هذا هو الإعجاز؟ تلك هي قصة نوح الذي كلفه بهداية قومه، فما شأن ~~نوح الإنسان الذي لم يستطع أن ينقذ ولده؟ # ونادى نوح ربه فقال رب إن ~~ابني ms06 من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم ~~الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ~~ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين * قيل ~~يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم # صدق الله العظيم (من سورة هود: من ~~آية 45-48). # يسأل نوح ربه في شأن ابنه فيجيبه سبحانه وتعالى أنه ليس من أهلك. ~~إنه عمل غير صالح. ويترك سبحانه الإيجاز هنا ليواسي نبيه، وينزل ~~السكينة على قلبه. ثم تتتابع الآيات لتنتهي إلى هذه الأمم التي ستنال ~~المتعة وتنال العذاب .. إنها أمم تعيش الحياة. وما الحياة؟ أليست هي ~~المتعة، وهي العذاب؟ # | الهيكل الفني في قصة يوسف # لعل سورة يوسف هي خير مثال للفكرة التي نحاول أن نبلورها من خلال ~~استقراء القصص القرآنية؛ فالقرآن في هذه السورة يصارح بأنه يقص ~~القصص. # نحن نقص عليك أحسن القصص ~~بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين ~~(من سورة يوسف: آية ~~3). # فالقرآن إذن يقص القصص ليصحو الغافل. وما أعظم النقلة بعد هذه ~~الآية: # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين ~~(من سورة يوسف: آية ~~4). # من القواعد القصصية المعروفة أن القصة يجب ألا تفاجئ القارئ؛ فلا بد ~~لكل حدث من تمهيد يسبقه. وأحسن ما يكون التمهيد إذا كان غير واضح. ~~إذا التأم في نسيج القصة بحيث لا ينبئ عما يمهد له. حتى إذا وقع ~~الحدث تنبه القارئ إلى هذا التمهيد فتذكره. والحلم هنا خير تمهيد ~~للأحداث التي جرت بعد ذلك، بل إن الآيات لا تكتفي بهذا، وإنما تمضي ~~قدما. # قال يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين * وكذلك ~~يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~ويتم نعمته عليك ms07 وعلى آل يعقوب كما ~~أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ~~إن ربك عليم حكيم ~~(يوسف، آيتا 5، 6). # في هذه الآيات القليلة عرفنا أن إخوة يوسف على استعداد أن يكيدوا، ~~وأن يوسف من آل يعقوب. عرفنا معنى الحلم وما سيصير إليه أمر يوسف من ~~بعد. وفي هذه اللمحة قمة التشويق، وإن كنت عرفت حقيقة ستأتي فيما ~~بعد؛ ذلك أن القارئ سيقرأ ليعرف كيف وصل يوسف إلى معرفة تأويل الأحلام ~~والحكمة. كما سيقرأ ليعرف كيف انتفع بعلمه هذا. ولو كان القارئ يقرأ ~~لقصاص عادي لقرأ ليعرف إن كان هذا التنبؤ قد تم أم لا. كل هذا ~~يشوق القارئ فيمضي في قراءة القصة في لهفة. وقد حاول بعض من كتاب ~~القصة المتحدثين في الغرب أن يلغوا فكرة التشويق فانهارت القصة، ~~وفرض عليهم التشويق نفسه كعنصر أساسي من عناصر العرض الآتي: # ولعل ألبرتو مورافيا هو أهم قصاص حاول تحطيم التشويق في رواية ~~له، ومورافيا كاتب عالمي، وكل أعماله تحقق نجاحا عالميا منقطع ~~النظير، ولكنه في هذه الرواية بالذات التي حاول أن يحطم فكرة التشويق ~~باء بفشل لم يصادفه في كل أعماله التي قدمها وهو في قمته، فالتشويق ~~إذن كان وما زال من أهم عوامل القصة، وهو أروع ما يكون إذا سيطر على ~~الرواية أو القصة دون افتعال من المؤلف أو من الأحداث. # انظر معي إذن هذا التشويق في قمته حين اجتمع إخوة يوسف: # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين * قال قائل منهم لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب # 1 # يلتقطه بعض السيارة # 2 # إن كنتم فاعلين ~~(سورة يوسف: من آية ~~8-10). # أرأيت المؤامرة كيف دبرت. أنت بطبيعة الحال تعرف القصة، ولكنك ~~مع ذلك مشوق أن تعرف كيف سارت الأمور بعد ذلك. أنت بطبيعة الحال تعرف ~~القصة، ولكنك لا شك واجف على يوسف، مشفق عليه. أتستطيع أن تتصور ~~نفسك من المسلمين ms08 الأوائل متحلقا مع صحبك حول النبي تستمع. ماذا أنت ~~فاعل حين يسكت النبي عند هذه الآيات؟ لا شك أنك ستظل ساهرا الليل ~~والليالي حتى يصل الوحي ما انقطع من القصة، لتعرف ماذا تم بشأن يوسف. ~~وأنت يومذاك لا تعرف يوسف. وأنت يومذاك لم تسمع به قبل، ولكنك حين ~~تسمع هذه الآيات يصبح يوسف جزءا من حياتك، تذكره في مضطرب يومك. ~~وفي هدأة ليلك، وتريد أن تعرف ماذا فعل به إخوته .. هل قتلوه؟ هل ~~ألقوه في غيابة الجب؟ هل التقطه السيارة؟ هل نجا؟ هل مات؟ لقد ~~أصبحت شخصية يوسف شخصية حية في محيط حياتك، تعرفها وتناجيها ~~وتسألها لعلها تجيبك. # ثم أرأيت الأسلوب الفني في العرض؟ أبونا يحب يوسف .. اقتلوا يوسف ~~.. مقدمة ونتيجة .. جملة حوار أعقبتها جملة أخرى .. قال الإخوة ~~جميعا الجملة الأولى. أما الثانية فلم تذكر الآية قائلا لها. ~~ولكننا نحس أنها رغبة الإخوة جميعا .. إلا أن واحدا منهم هو أكثرهم ~~تعقلا .. لا تقتلوا يوسف .. إنه حوار قصصي في قمة الحوار القصصي. ~~ماذا بعد هذه المؤامرة؟ # قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون * ~~أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون * قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غافلون * قالوا لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ~~(سورة يوسف: من آية 11-14). # انتقلت القصة نقلة سينمائية مباشرة من تدبير المؤامرة إلى تنفيذها، ~~وانتقل السر دون أي إطالة إلى الأب، ويحذرهم الأب، ولكنهم خبثاء ~~يمكرون، فهم يظهرون الحب لأخيهم. يريدون أن يرتع ويلعب وهم له ~~لحافظون. والأب أب للجميع، تراوده الهواجس، ولكنه مع ذلك يتمنى أن ~~تكون هواجس كاذبة، ويتمنى أن يحب الإخوة أخاهم الذي يكن له ~~الحب والأثرة، وهكذا تنتقل الآية في نقلة سينمائية أخرى. # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون ~~(سورة يوسف: آية 15). # تمت المؤامرة إذن، ولكن الله اللطيف بمن يجتبيهم يوحي ليوسف أنك ~~ستنبئهم بأمرهم هذا. إذن ms09 فقد اطمأن يوسف أنه سيعيش، فلا خوف إذن ولا ~~هلع، بل لقد بشره ربه أنه سينبئ إخوته بهذا الذي صنعوا دون أن ~~يتوقعوا. # ونترك يوسف تركا فنيا شائقا رائعا لنرى إلى الإخوة ماذا صنعوا ~~مع أبيهم. # وجاءوا أباهم عشاء يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ~~* وجاءوا على قميصه بدم كذب ~~قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون ~~(سورة ~~يوسف: آية 16-18). # وتترك القصة الأب مطمئنا إلى عدل ربه، والها على بعاد ابنه ~~الأثير، ونرجع مرة أخرى إلى يوسف في غيابة الجب. # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم # 3 # فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ~~(سورة ~~يوسف: من آية 19-20). # في هذه الآيات نرى قاعدة من أم القواعد القصصية، فهؤلاء الأشخاص ~~الذين التقطوا يوسف وباعوه نكرات مسرحية؛ ولذلك لم تهتم القصة بذكر ~~شأنهم؛ من هم، وماذا كانوا يفعلون ولم ذهبوا إلى مصر. كل هذا لا يهم ~~القصة، فهي لا تذكر عنه حرفا. إنهم نكرات كان دورهم أن يصلوا ~~بيوسف إلى مصر. وقد فعلوا. إنهم أداة للحدث .. لا تؤثر شخصياتهم في ~~الحدث ذاته .. فالقصة إذن تهملهم وتمر بأمرهم عرضا دون إطالة أو ~~بحث، وكانوا فيه من الزاهدين. في هذه الكلمات القلائل قمة من القمم ~~الفنية. إنهم زاهدون فيه لأنهم لا يعرفون قيمته، شأن الجاهل إذا وجد ~~جوهرة من الماس، وظن أنها من الزجاج، فهو فيها زاهد وهو يبيعها بثمن ~~بخس. مفارقة فنية بارعة؛ فلو كان هؤلاء السيارة يعرفون قيمة يوسف ~~وما سيصير إليه أمره لما اكتملت القصة. لو كانوا يعرفون مكانة يوسف ~~هذا عند أبيه لرجعوا به إليه، ولما اكتملت القصة، وإنما هم فيه ~~زاهدون. # أين استقر المقام بيوسف .. ما مصيره؟ # وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي مثواه # 4 # عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وكذلك مكنا ms10 ليوسف في الأرض ولنعلمه ~~من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(سورة يوسف: ~~آية 21). # أترى هذا الإجمال؟ ألا يشوقك أن تعرف كيف انتفع يوسف بتأويل ~~الأحاديث، وماذا سيكون من أمره في هذه البلاد؟ أنت تعرف القصة، وأنا ~~أعرفها، ولكن لا شك أن كلينا يريد أن يعرف. إنه الفن في قمة ~~روعته. # أستغفر الله. إنما الفن قد يكون عمل البشر، إنما هذا هو الإعجاز. ~~ومن أعظم إعجازا من الله العلي الكبير؟ ~~••• # في انتقالة سريعة وامضة تنتقل قصة يوسف إلى فترة زمنية أخرى، ~~انتقالة أشبه ما تكون بالنقلة الفيلمية، أو بالنقلة القصصية ~~الحديثة. # ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما وكذلك نجزي المحسنين * ~~وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ~~وغلقت الأبواب وقالت هيت لك # 5 # قال معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون ~~. # وفي انتقالة سريعة وامضة أخرى ذهبنا إلى قصة جديدة. إنها حياة ~~عريضة مليئة بالمغامرات يخوضها سيدنا يوسف وتقدمها لنا قصته القرآنية ~~في تشويق أخاذ. لو أن قصصيا اقتبس هذه القصة لاستطاع أن ~~يسميها مغامرات يوسف، ولاستطاع دون جهد يذكر أن يجعل منها ~~فيلما سينمائيا رائعا .. ماذا فعل يوسف؟ انظر معي: # ولقد همت به وهم بها لولا ~~أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين ~~. # إن العرض القصصي هنا في قمته .. فأروع ما في العرض القصصي السرد ~~الفني. وقد كانت السورة خليقة أن تستر على يوسف أنه هم بها، ولكن ~~الله سبحانه يريد أن يقول لعباده إن يوسف كان إنسانا مثلكم، يهم ~~بالخطيئة شأن الإنسان .. ثم يرجع عنها شأن الصالحين. في هذه الجملة ~~روعة فنية وكشف نفسي عميق؛ فهي تجعل القارئ يطمئن أنه أمام شخصيات ~~تحيا وتعيش مثل حياة الناس وعيشهم، يهمون بالخطأ، ويوشكون أن يقعوا ~~فيه، ثم يرتدون عنه. إن لم يفعلوا ذلك كانوا ملائكة. والله سبحانه ~~وتعالى لا يريد أن يقص علينا قصص الملائكة، إنما يريد أن يروي لنا قصص ~~ناس مثلنا يجري عليهم ما ms11 يجري علينا من مشاعر ومن أخطاء ومن رغبات. إن ~~قصص الملائكة لن تجدينا في شيء. فإننا سنقول في أنفسنا. وأين نحن من ~~الملائكة؟ أما قصص الناس فإنها تغرينا أن نتشبه بهم حتى وإن كانوا ~~أنبياء. لنمض إذن مع قصة هذا الإنسان. # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر # 6 # وألفيا # 7 # سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم ~~. # في هذه الآية قاعدة قصصية يقدمها القرآن في روعة فنية أخاذة. ~~وقدت قميصه من دبر إذا قرأت هذه الجملة دون أن تكون عارفا ~~ببقية القصة ما ألقيت أدنى اهتمام، إنها كلمات ألقيت، وكأنما ~~ألقيت عن غير عمد. هذا هو التمهيد الفني للحدث في أروع صوره. ثم ~~أرأيت إلى المفاجأة الواقفة عند الباب؟ تصورها إذا كنت تقرأ هذه ~~القصة دون أن تكون عارفا ببقيتها .. زوجة تراود رجلا عن نفسه .. ~~ثم تفاجأ بزوجها عند باب الغرفة المغلقة. مفاجأة آخذة لا تكاد ~~تفيق منها. حتى تشدك مفاجأة أخرى أقسى وأنكى .. ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم. إذن فقد ألقت التهمة ~~جميعها على يوسف في سرعة خاطفة؛ فلم يقل القرآن فكرت ماذا تفعل، ~~أو حاولت في أمرها وأمر ذلك الرجل معها. لم يقل شيئا من هذا، ~~وإنما صك النفوس بالتهمة في مفاجأة فنية مذهلة. وتمضي القصة بعد ~~ذلك في فنية بارعة، وفي إيجاز أعجب. # قال هي راودتني عن نفسي وشهد ~~شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين * وإن ~~كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين * فلما رأى قميصه قد ~~من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم ~~. # أرأيت محاكمة الدليل فيها قاطع مثل هذا .. ثم أرأيت الكلمة التي ~~ألقيت إلقاء وكأنها غير متعمدة ماذا أصبحت الآن؟ إنها براءة ~~يوسف مما وجه إليه من اتهام. ثم أرأيت الحكم الذي أصدره الزوج كيف ~~كان مانعا جامعا؟ إن كيدكن عظيم .. حكم أطلق في وجه النساء ~~جميعا ms12 .. غير مخصص للزوجة الخائنة. # وحين تثير نسوة المدينة حديث زوجة العزيز ويوسف تدعوهن: # فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكئا # 8 # وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم ~~. # براعة في السرد معجزة .. هل سمعت في السورة من أولها إلى أن ~~بلغت هذه الآيات أن يوسف جميل .. أو على شيء من الوسامة؟ لم تذكر ~~السورة شيئا. ولكن كيف قدمت لك السورة هذه الحقيقة قدمتها صورة ~~مرئية متحركة أخاذة تحمل الدليل الذي لا يستطيع أي كلام أن يصفه .. ~~لقد قطعت النسوة أيديهن؛ فهن إذن في ذهول عن أنفسهن وفي ذهول ~~عما حولهن .. فالجمال الذي أمامهن إذن جمال لا يحيط به وصف .. وهل ~~هناك وصف أروع من هذا أو أصدق؟ ~~••• # وننتقل بعد ذلك إلى مغامرة أخرى من مغامرات يوسف: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين * ~~ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني ~~أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ~~نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين ~~. # إذن فقد عدنا إلى تأويل الحديث، ذلك الذي بدأت به الآية .. ألست ~~الآن مشوقا أن تعرف كيف انتفع يوسف بهذا العلم؟ # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ~~ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم # 9 # لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم ~~كافرون ~~. # وتمضي الآيات حتى يقول سبحانه عن لسان يوسف: # يا صاحبي السجن أما أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي ~~فيه تستفتيان * وقال للذي ظن ~~أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع ~~سنين * وقال الملك إني أرى سبع ~~بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ ~~أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون ~~. # أرأيت كيف إذن مهد السبيل أن يرجع يوسف إلى ms13 الملك؟ لقد نسي من ~~نجا أن يذكره حين نجا، ولكن الرؤيا تذكره، ويسأل يوسف، ويجيب يوسف ~~الصديق: # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما ~~حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد # 10 # يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون # 11 ~~* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث # 12 # الناس وفيه يعصرون ~~. # لقد أفتى يوسف، ولكن يوسف يصر أن يعرف الملك الحقيقة من أمره؛ فقد ~~دخل السجن متهما من زوجته ومن النساء الأخريات. # قال ما خطبكن إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه ~~من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص # 13 # الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين ~~. # لقد رأت النسوة، ورأت امرأة العزيز أن الأمر أصبح جدا لا هزل ~~فيه، وأن الشعب كله مهدد بمجاعة إذا لم يأخذ الملك قول يوسف ~~أخذ صدق .. فلا بد إذن تصيح: الآن حصحص الحق. # وترفع عن يوسف تهمة الخيانة .. ويمضي يوسف إلى عهد جديد من حياته، ~~ونسير معه في هذه القصة الأخاذة المعجزة في عرضها. وإن لم يكن القرآن ~~معجزة، فما المعجزة؟ # ماذا فعل الملك حين علم الحق من أمر يوسف؟ # وقال الملك ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين # 14 # أمين * قال اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم * ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع ~~أجر المحسنين ~~. # في كلمات قلائل أصبح يوسف على خزائن الأرض .. ولكن أرأيت كيف ~~ألقيت إليك هذه الآيات؟ طلب يوسف أن يكون على الخزائن، وأبدى السبب ~~القوي .. إنه حفيظ عليم؛ أي إنه يريد الخير لهذه الخزائن وللناس .. ثم ~~لا نسمع ردا من الملك، وإنما يقول جل وعلا في جملة إخبارية تبدو ~~كأنها بعيدة عن الخزائن نفسها إنه يريد أن يقدم الحكمة من كل ما مضى ~~من أحداث ليوسف .. وكذلك مكنا ليوسف .. أعطيناه ما ~~يستحقه من تكريم .. ومن هذه الجملة تعرف أنه أصبح ms14 على خزائن الأرض دون ~~أن يذكر ذلك صراحة. # وتنتقل السورة فجأة إلى أمر كنا أوشكنا أن ننساه .. ماذا فعل إخوة ~~يوسف؟ ماذا كان من شأنهم وشأن أبيهم؟ # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون * ولما ~~جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من ~~أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين * فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ~~. # أتراك ترى الإعجاز الفني في هذه الآيات؟ لقد ذكرت السورة في ~~أولها أن هناك أخا شقيقا ليوسف لم تذكره السورة بعد ذلك أبدا. حتى ~~لتعجب ما الداعي إلى تخصيص ذكره. ولا يلبث عجبك أن يزول حين تجد يوسف ~~يسأل إخوته عن أخيه هذا الشقيق .. أتراك تذكر هذا الأخ؟ وما لنا لا ~~نقرأ السورة من أوائلها، ونتذكر تلك المؤامرة التي دبرها هؤلاء ~~الإخوة؟ ألم يقولوا آنذاك: # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين ~~. # أذكرت الآن ذلك الأخ؟ وفي إعجاز رائع وذكاء قصصي فريد يريد يوسف ~~أن يرى أباه وأخاه، ويريد إخوته هؤلاء المؤتمرون أن يعرفوا حقيقته. فهو ~~لا يطالعهم بهذه الحقيقة في جملة إخبارية ساذجة .. وإنما يسألهم عن ~~أخيهم من أبيهم، ويهددهم إن لم يأتوا به فلا كيل لهم عنده، ولا هو ~~يسمح لهم بأن يقتربوا منه .. ويعرف الإخوة أنهم أصبحوا في مأزق؛ فإن ~~أباهم لن يسمح لهم أن يأخذوا الأخ الثاني أيضا .. ماذا يفعلون؟ # قالوا سنراود عنه أباه # 15 # وإنا لفاعلون * وقال ~~لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ~~لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ~~لعلهم يرجعون * فلما رجعوا ~~إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل ~~فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون ~~* قال هل آمنكم عليه إلا ~~كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير ~~حافظا وهو أرحم الراحمين ~~. # انظر إلى يوسف الذي يعرف إخوته ويعرف أباه .. لقد وضع لهم كيلهم في ~~رحالهم، وهو يعلم أنهم مع ذلك سيعودون، ويعرف أن أباه سيمنع أخاه، ~~ولكنهم سيجدون وسيلة لإقناعه .. انظر ms15 معي: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا ~~بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما ~~نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير # 16 # أهلنا ونحفظ أخانا .. # إنها شخصيات بشرية تمور بالحياة. تلك هي الشخصية القصصية المكتملة ~~لا تجد فيها اضطرابا فنيا .. أو تناقضا في السلوك .. إن الإخوة ~~الطامعين الذين تخلصوا من أخيهم حتى يخلو لهم وجه أبيهم هم أنفسهم ~~الذين يحاولون أن يصحبوا أخاهم الثاني ليزداد لهم الكيل؛ فهم غير راضين ~~عما أصابوا، ولكن ما رأي الأب؟ # قال لن أرسله معكم حتى ~~تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم # 17 # فلما آتوه موثقهم قال الله على ما ~~نقول وكيل ~~. # ويعود الإخوة كما توقع يوسف .. ويقرب يوسف أخاه ويؤمنه ~~ويخبره أنه أخوه. وفجأة يواجه الإخوة حدث جديد .. مهد له العزيز ~~يوسف بطمأنة أخيه .. دون أن يطمئن إخوته. # فلما جهزهم بجهازهم جعل ~~السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن ~~أيتها العير # 18 # إنكم لسارقون ~~. # مفاجأة قصصية عجيبة، وجديدة على مسار القصة .. ويفتشهم العمال ~~باحثين عن صواع الملك الضائع .. فإذا بالصواع في رحل أخي يوسف .. ~~ويسقط في يد الإخوة. # قالوا يا أيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك ~~من المحسنين * قال معاذ الله أن ~~نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون ~~. # إذن فقد نزلت الطامة. ويتشاور الإخوة فيما يفعلون، فيقول كبيرهم ~~إنه سيبقى إلى جانب أخيه. وعليهم هم أن يخبروا أباهم أن ابنه قد ~~سرق، وأن هذا لم يكن في حسبانهم، ولكن هيهات. # قال بل سولت لكم أنفسكم ~~أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا إنه هو العليم الحكيم * ~~وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم # 19 ~~. # وهكذا تبلغ القصة قمتها وتكتمل المأساة .. وأسهل شيء في القصة ~~أو الرواية عند السرد هي القمة أو المأساة، وأصعب شيء هو بلوغ هذه ~~القمة. كيف يستطيع الراوي أن يصل إليها في فنية وبراعة دون قفزات ~~متكلفة لا تمهيد فيها ولا معقولية. إن ms16 البلوغ إلى القمة هو أصعب ~~شيء في القصة وفي الحياة جميعا. # وحين يصل الروائي إلى القمة تواجهه صعوبة أخرى. كيف يصل من هذه ~~القمة إلى الحل؟ هذا هو إعجاز القرآن. أما في القصة الكاملة فلا بد أن ~~يكون الكاتب روائيا متمكنا لا تفلت منه الخيوط، ولا تنساب من بين ~~يديه الشخصيات لتضرب في ظلام دامس من اللامعقولية والتخبط. # أعود فأكرر أنني أشك كثيرا أن يكون الغرب بمنأى عن هذه القصص ~~القرآنية. لعل التاريخ قد أهمل .. وكم أهمل التاريخ .. فلم يذكر لنا ~~أن القرآن قد ترجم إلا في العصر الأخير. وإلا فكيف استطاع أولئك ~~الروائيون الذين أنشئوا فن القصة أن يضعوا هذه القواعد، فإذن هي ~~منقولة عن القرآن وقصصه نقلا يوشك أن يكون حرفيا. نعرف أن القرآن ~~قد ترجم وأفاد منه تولستوي الذي كان يعرف العربية، ولكني أعتقد أنه ~~ترجم قبل أن يعرف فن الرواية جميعا. # سيروا بنا مع خاتمة قصة يوسف لنرى كيف أخذت قواعد القصة من العرض ~~الفني لقصص القرآن. # في غمرة من يأس الأب على فقد ولديه يقول لبنيه: # يا بني اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون ~~. # إذن فالأب لم ييئس أن يلقى يوسف؛ فإنه لا ييئس من روح الله إلا ~~الكافرون. والآية التالية مباشرة تنفيذ لرغبة الأب. # فلما دخلوا عليه قالوا يا ~~أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة # 20 # فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن ~~الله يجزي المتصدقين * قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون * قالوا أئنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين * ~~قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين ~~. # أرأيتم كيف تجمع القصة الخيوط لا تفلت منها شيئا. لقد غفر الأخ ~~لإخوته عن خطئهم، ولم يبق إلا الأب. هيا بنا ms17 لنرى ماذا يكون من ~~شأنه. # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~* ولما فصلت العير # 21 # قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف ~~لولا أن تفندون * قالوا تالله ~~إنك لفي ضلالك القديم ~~. # أتراك ترى مثلي هذا التمهيد الرائع للحدث عند الأب. وترى معي هذه ~~السخرية التي تجعلك تتشكك في وقوع الحدث. ولا تنتظر السورة بعد ذلك ~~.. بل تصك المستقبل بالمعجزة في قوة فنية فائقة. # فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون ~~. # لقد وقعت المعجزة .. وآن للأب أن يقول لقد كنت أعلم ما لا تعلمون ~~.. وتمضي الآيات بعد لتلم الأسرة التي ظلت متفرقة حينا من ~~الدهر. # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~* ورفع أبويه على العرش ~~وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد ~~أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ # 22 # الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي ~~لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم ~~. # وهكذا تستدير القصة .. وتعود نهايتها إلى أولها، إذ قال يوسف ~~لأبيه: # يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين # صدق الله العظيم. # | جاذبية التشويق في قصة الخليل # في لون آخر من القصص المعجز نجد قصة إبراهيم عليه السلام. دعونا ~~نعجب معا من السرد الفريد الرفيع الذي قدمها به القرآن ~~الكريم. # ولقد آتينا إبراهيم رشده من ~~قبل وكنا به عالمين * إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم ~~لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا ~~لها عابدين * قال لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * ~~قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ~~* قال بل ربكم رب السموات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين * وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ~~(سورة ~~الأنبياء: من آية 51-75). # أرأيت السخرية في السؤال؟ ما هذه التماثيل ms18 التي أنتم لها عاكفون؟ ~~كأنما لا يدري ما هذه التماثيل .. نوع من الاستنكار الرائع ليس فيه ~~صراخ السخرية البشرية، وإنما هو سخرية مترفعة متأبية مستكبرة. ~~ويستمع سيدنا إبراهيم لأبيه وقومه وهم يشرحون ما هذه التماثيل ، فهم ~~بسذاجة يقعون في الفخ الذي هيأه لهم ويشرحون، وكأنه لا يعرف ما ~~يشرحون. # وفي هذه السورة نجد المنولوج الداخلي أو تيار الوعي الذي لم تعرفه ~~القصة العالمية إلا على يدي جويس وبروست .. ولم تعرفه القصة العربية ~~إلا في أواخر الأربعينيات من هذا القرن. أتراك عرفت أين هو المنولوج ~~الواقعي في هذه الآيات. إنه واضح ولا يحتاج إلى أعمال بحث. # قال بل ربكم رب السموات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين ~~. # إلى هنا والحديث واضح. يرجع إلى أبيه وقومه الذين يجري معهم ما سبق ~~الآية من حوار .. فالحوار ما زال حوارا معلنا، ولكن انظر ~~وتابعه. # تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين ~~.. # لا يمكن أن تكون هذه الآية معلنة .. إنما هي منولوج داخلي .. ~~يقولها في نفسه ولا يعلنها .. وروعة القرآن هنا أنه لا يقول وأسر ~~إبراهيم في نفسه، أو قال إبراهيم في نفسه .. وإنما انتقل من الحوار ~~المعلن إلى الحوار الذاتي، أو المنولوج الداخلي، أو تيار الوعي دون ~~أية إشارة، معتمدا على ذكاء القارئ الذي لا يمكن أن يتصور أن ~~إبراهيم سيعلم قومه بأنه سيحطم آلهتهم. # وننتقل من المنولوج الداخلي إلى الحدث يورده القرآن الكريم في ~~جملة قصيرة آخذة كأنها الرعد، أو كأنها الصاعقة. جملة تصك. تجمع ~~الحدث وتتواءم معه، فلا يمكن أن نتصور الحدث يوصف إلا بهذه الجملة ~~.. إن طالت فقدت قوتها ورهبتها وترفعها. # فجعلهم جذاذا # 1 # إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون ~~(سورة الأنبياء: آية 58). # لقد حطم دين آبائه بهذه الجملة .. لأول مرة في تاريخ البشرية ~~تحطم الأوثان بدين جديد. ونسير مع الآيات: # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه ~~لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(سورة الأنبياء: ~~من آية 59-60). # أرأيت إذن أن تهديد إبراهيم لم يكن معلنا، ms19 وأنهم حين وجدوا ~~آلهتهم جذاذا راحوا يتلمسون الفاعل حتى اهتدوا إليه بالاستنتاج لا ~~بالعلم؟ # قالوا فأتوا به على أعين الناس ~~لعلهم يشهدون * قالوا أأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * ~~قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون ~~(سورة الأنبياء: من آية ~~61-63). # أرأيت السخرية مرة أخرى؟ سخرية مترفعة. سخرية نبي. ثم هي سخرية ~~تعتمد على المنطق الطبيعي. وأعظم السخرية هي تلك التي تعتمد على المنطق ~~الطبيعي. أنتم تعتقدون أن هذه الآلهة تضر وتنفع، فهي إذن تحيا وتسعى ~~وتعقل وتفعل، فلماذا لا يكون كبيرهم هذا هو الذي حطم الآلهة ~~الصغيرة؛ لأنها لا تعجبه، ولأنه أراد ذلك؟ أليس إلها وكبير الآلهة؟ ~~منطق لا يقبل المناقضة. وحين يبلغ المنطق قمته لا يمكن أن يكون ~~جوابه إلا القوة الباطشة. يلجأ إليها الظالمون؛ لأنهم لا يستطيعون أن ~~يلجئوا إلى المنطق؛ فلو ملكوا المنطق ما احتاجوا إلى القوة. # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ~~إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار ~~كوني بردا وسلاما على إبراهيم * ~~وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ~~(سورة الأنبياء: آية 68-70). # وقد تصلح القوة الباطشة لمن لا نصير له، فكيف إن كان النصير هو الله ~~جل وعلا؟ يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. فهي برد وسلام على ~~إبراهيم، والكافرون هم الأخسرون. ولا نستطيع أن ننهي حديثا عن ~~إبراهيم قبل أن نلقي نظرة متأنية على هذا الحوار السماوي الرائع الذي ~~بين إبراهيم وأبيه وقومه. # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ~~ضلال مبين * وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين * فلما جن عليه # 2 # الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين * ~~فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين * فلما رأى ~~الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ~~(سورة الأنعام: آية ms20 74-79). # لقد اتخذ إبراهيم عليه السلام من الشمس والقمر وسائل تعليمية .. ~~إنه يعرف الحق منذ اللحظة الأولى، ولكن يريد أن يعلم قومه لعلهم ~~يهتدون .. النجم إنه يأفل. إذن فالقمر .. ولكن القمر يأفل أيضا .. ~~فاهدني اللهم كأنه حائر .. أرأيت روعة في العرض مثل هذه؟ ثم هو ~~يظهر الضيق بهذه الأشياء التي هانت أن تكون أربابا، فيتوجه إلى ~~الله القدير الذي يعرفه منذ أول برهة .. إن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين. # صرخة رجاء أن يهديه ربه، وهو منذ أول الأمر على هدى. وإنما يظهر ~~أمام قومه أنه يبحث ليهتدوا هم، لا يهتدي هو؛ فهو عليه السلام يعرف ~~الهدى، ولكن الكفر لا يقتلع من النفوس مهما يكن الحق واضحا؛ فأهله ~~لا يؤمنون به، وإنما يناقشونه ويبالغون في النقاش، فهو يصيح ~~بهم: # وحاجه # 3 # قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ~~ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون * وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين ~~أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~(سورة ~~الأنعام: من آية 80-81). # أرأيت كلمة الأمن في مكان ما مطمئنة كما هي مطمئنة في هذا المكان ~~من الآية الكريمة؟ إن اختيار الكلمة هي قمة العرض الفني، وهي الألفاظ ~~في الآيات القرآنية إعجاز. ابحث ما شئت في اللغة العربية، وحاول مهما ~~تكن أديبا أن تغير لفظا بلفظ. لا تفعل فإنك لن تستطيع .. إنه ~~الإعجاز. # امض مع الآيات: # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك ~~حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف ~~وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين ~~. # إنه الله سبحانه يريك أن أنبياءه ينالون ما تصبو إليه نفوسهم من ~~هداية الناس، فإن لم يهتد قومهم فإن ذريتهم على هدى؛ فهو سبحانه أعظم ~~من أن يترك نبيه إلا أن يرضيه. إن لم يرضه قومه أرضاه من يأتي ms21 ~~بعده، ذريته، وهل هناك أعظم من عدل أرحم الراحمين؟ # وإنني لا أشك لحظة أن كتاب القصة القصيرة في منشئها قد قرءوا هذا ~~القرآن وتعلموا منه. وقد قيل إن سرفانتس هو أول من أنشأ القصص ~~القصيرة. وقد كانت قصصا متناهية في الصغر، وإن كتابه حين ظهر تداولته ~~الأيدي والأعين والنفوس في شغف وإقبال منقطع النظير وتطورت بعد ذلك ~~القصة القصيرة حتى كتب فيها فأبدع جي دي موبسان وأوهنري وجوركي وغيرهم، ~~ثم انتقلت إلى الأدب العربي. وهي تكاد تغلب على أدب الشباب ~~اليوم. # ولا شك أنك قرأت الكثير من القصص القصيرة فهي تطالعك في الإذاعة، ~~وتطالعك ممثلة في التليفزيون، وتطالعك مكتوبة في الجريدة ~~والمجلة والمجموعة القصصية. ولا شك أنك أدركت بحسك ما الذي يجعل ~~القصة القصيرة جيدة، وما الذي يجعلها سيئة. دعنا الآن من القصة ~~الحديثة؛ فهي لا تمثل قاعدة يمكن أن نتكلم عنها. كما أنها لا ~~تمثل مضمونا مفهوما يمكننا من الحكم عليها؛ فهي تنظر إلى ~~الغرب في موجة طغت على الغرب وبدأت تنحسر عنه، ولكن الشباب من أبناء ~~اللغة العربية أخذوا بها. كما أخذو بالشعر المرسل والملابس النسائية ~~للرجال، وملابس الرجال للنساء .. وكتبوا القصة غير المعقولة تشبها ~~بالغرب، وأوشك أن أكون على يقين أنهم لا يفهمون ما يكتبون، فما ~~علينا نحن قراءهم إذا لم نفهم ما يكتبون. # لنتكلم إذن عن القصة القصيرة ~~المفهومة، ولا أحب أن أقول التقليدية؛ فقد دخل على القصة القصيرة ~~كثير من التجديد لم يطمس فيها معالم المضمون ولم يجعلها ثابتة على ~~صورتها الأولى؛ فالحداثة فيها حداثة فنية لم تطغ على معناها، ولم ~~تزل عنها معالم الفهم. يقولون إن من أهم شروط هذه القصة وحدة الزمان، ~~بحيث لا يتطاول الزمان تطاول الزمن في الرواية؛ فالمفروض في القصة ~~القصيرة أنها حادثة صغيرة على جانب عظيم من الأهمية بحيث تلفت نظر ~~الكاتب، وتجعله يسجل هذه الحادثة، فهي إذن لمحة من الحياة يمسك ~~بها الكاتب، ويمنعها أن تسير مع تيار الزمن العادي، فهو يثبتها ويضع ~~لها لإطار الفني فتقف ولا ms22 تصبح نقطة عادية من تيار الزمن السائر ~~الرتيب، الوضع الذي يمضي فلا يحس به أحد؛ ولهذا فوحدة الزمن توائم ~~فكرة اللحظة الفنية التي تلفت نظر الكاتب. # ويقولون إن الشرط الآخر هو وحدة الموضوع؛ فحين تسمح لك الرواية أن ~~تتناول جوانب عدة من الحياة ، لا تسمح لك القصة القصيرة إلا أن تتناول ~~جانبا واحدا من الحياة تركز عليه اهتمامك وتبلوره، حتى إذا وضع ~~الإطار القصصي أصبح واضحا جليا لا يختلط بموضوعات أخرى تطغى عليه، ~~وتطمس الأهمية التي لفتت نظر الكاتب حين اختاره ليكون موضوع ~~قصته. # ويقولون إن القصة القصيرة يجب ألا تكون كثيرة الأشخاص؛ فالقصة ~~القصيرة لا تسمح لشخص يظهر فيها إلا إذا كان مهما غاية الأهمية ~~بالنسبة للحدث. وإذا ظهر فلا بد أن يظل موجودا في القصة حتى تنتهي، في ~~حين أن الرواية تسمح لك أن تتعدد الأشخاص، ما شاء لها أن تتعدد، ~~وتسمح للشخصية أن تمضي لشأنها إذا أدت دورها فلا تعود للظهور مرة ~~أخرى. # ويقولون إن القصة القصيرة يجب أن تكون ذات بداية وقمة ونهاية، تلك ~~النهاية التي يسميها بعض النقاد لحظة التنوير، وهي اللحظة التي ~~تدرك فيها لماذا كتب الكاتب القصة جميعا. # يقولون إن القصة القصيرة يجب أن تكون مركزة غاية التركيز في ~~تعبيراتها، بحيث يكون كل تعبير ذا أثر في تطور القصة. وإن كان بعض ~~الكتاب العرب يحبون أن يجملوا قصصهم بالأسلوب العربي الرشيق ناظرين ~~إلى كثرة المترادفات في لغتنا، ضاربين صفحا عن هذا الشرط من شروط ~~القصة. # تلك هي في إجمال أهم شروط القصة القصيرة .. انظروا إذن هذه المعجزة ~~في هذه القصة القصيرة: # رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين * فلما ~~أسلما وتله # 4 # للجبين * وناديناه أن ~~يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا ~~إنا كذلك نجزي المحسنين * إن ~~هذا لهو البلاء المبين * ~~وفديناه بذبح عظيم ~~(سورة الصافات: ms23 من آية ~~100-107). # في ستين كلمة اكتملت قصة معجزة .. من ناحية الزمن لحظة. أب ~~يهم بقتل ابنه ويتله للجبين فيوحي إليه ربه قد صدقت الرؤيا ~~وينقذ الابن. # من ناحية الموضوع واحد لم يتغير .. أب يقول لابنه إنه أوحي إليه ~~أن يقتله، فيقول الابن في روعة الإيمان وعظمته وأمنه المطمئن افعل ~~ما تؤمر به. لم تحد القصة عن موضعها قيد أنملة. # من ناحية الأشخاص اثنان لا ثالث لهما .. وليس أقل من الاثنين إلا ~~الواحد، وما أحسب أن الواحد يستطيع وحده أن يصنع قصة. # من ناحية البداية والقمة والنهاية .. البداية رب هب لي من ~~الصالحين، القمة افعل ما تؤمر به، وتله للجبين، النهاية وفديناه ~~.. البداية أروع ما تكون البداية؛ فالسورة تبدأ منذ إسماعيل، دعاء ~~يتوجه به إبراهيم عليه السلام إلى ربه .. والقمة أروع ما تكون ~~القمة، أب يقتل ابنه، وابن يرحب أن يقتل في سبيل الله .. ~~والنهاية أروع ما تكون النهاية .. لقد وضع الله نبيه وابنه في ~~بلاء عظيم يمتحن صبرهما، حتى إذا أبدياه واضحا جليا عفا .. وأعاد ~~الابن إلى أبيه، والحياة إلى الابن .. فكلاهما جميعا في فرح ~~مقيم. # ألم أقل لك إنه الإعجاز؟ # وثمة شيء آخر. كثيرون يعتقدون أن الشخصية المسطحة عيب في ~~العمل القصصي. وهذا وهم فالشخصية المسطحة دائما تقدم أعظم ~~الأعمال الدرامية؛ لأن الشخصية المسطحة في القصة أو الرواية، إنما ~~يبين لك منها جانب واحد، هو الجانب الذي اختارت القصة أو الرواية أن ~~تقدمه لك، وهو دائما الجانب الفذ .. فإسماعيل في هذه القصة شخصية ~~مسطحة، ولكنه في نفس الوقت قمة إنسانية. # وسيدنا إبراهيم في هذه القصة شخصية مسطحة، ولكنه في نفس الوقت ~~قمة إيمانية. ولم تشأ الآيات أن تظهر من أعمال سيدنا إبراهيم أو ~~سيدنا إسماعيل .. إلا هذين الجانبين .. أب يتمنى ابنا صالحا، ~~فيهبه له الله، ثم يأمره أن يقتله فيمتثل .. وابن مقبل على الحياة ~~يقول له أبوه إني قاتلك امتثالا لأمر ربي، فيقول افعل ما تؤمر به .. ~~القصة لا تريد أن تروي أكثر من هذا الجانب الكامل من ms24 النبيين ~~الكريمين .. ولو لم يكن لكل منهما إلا هذا الجانب الذي قدمته ~~الآيات لكان هذا كافيا ليصبح الأب أبا الأنبياء جميعا، وليصبح الابن ~~نبيا وابنا لهذا الأب العظيم. # | دقة التبسيط في قصة موسى # ألوان الرواية كثيرة؛ فمنها الرواية التي تتخذ مادتها من الجماعة ~~أو الأسرة . ومنها الرواية التي تتخذ مادتها من الفرد وحربه ضمن الظروف ~~أو المجتمع .. وفيها الرواية التي تتخذ قوامها من تشابك الظروف فيها ~~.. وهناك الرواية الرمزية. وهناك الرواية التي ترسم المجتمع في فترة ~~معينة من الزمن .. وهناك أيضا الرواية التي ترسم الأزمة وأثرها ~~ومدى ما تنداح دائرتها في أوساط المجتمع. وما أحسبني قادرا أن ألم ~~بكل ألوان الرواية. # ولعل قصة سيدنا موسى من أعظم أنواع الروايات التي تلم بين أطوائها ~~جملة ألوان من فنون الرواية؛ ففيها صراع الفرد ضمن القوة الطاغية .. ~~ثم صراع المرء ضد الظروف .. ثم صراع الجماعة في سبيل الحق .. ثم ارتباط ~~الناس بما تعودوه من حياة لا يغيرون ما بهم مهما تتغير أفكارهم ~~وعقائدهم .. إنها قصة من القصص المعجز .. وما أحسبني قادرا أن أجمع ~~كل ما تتسم به من إعجاز وشمول في أسطر قلائل .. ولكن نستطيع أنا وأنت ~~أن نحاول قراءتها، لعلنا نصل إلى بعض من أسرار إعجازها إن كان إلى ~~ذلك من سبيل .. وما أظن. # وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم # 1 # ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين ~~(سورة القصص: ~~آية 7). # بداية معجزة؛ فالله سبحانه وتعالى لا يخفي عنك نهاية القصة .. ~~وإنما يضعها أمامك منذ سطورها الأولى؛ فقصص القرآن لا يزجى إليك ~~ليسليك، وإنما تضرب به الأمثال. وأنت طبعا تعرف قصة موسى، وتعرف ~~أنه صار نبيا. فهذه الحقيقة توضع أمامك منذ اللحظة الأولى، ولنمش ~~مع القصة بعد ذلك. # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين ~~. # وقالت امرأة فرعون قرة عين ~~لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون * ~~وأصبح فؤاد أم موسى ms25 فارغا إن كادت لتبدي ~~به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من ~~المؤمنين * وقالت لأخته قصيه ~~فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل ~~فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم وهم له ناصحون * فرددناه ~~إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم ~~أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون ~~(سورة القصص: من آية 9-13). # قصة معجزة قدمت لنا طفولة موسى منذ نشأته الأولى، ولولا ~~الإنسانية التي تتسم بها ما قصها القرآن .. ومن هنا نستطيع أن ننفذ ~~إلى قاعدة قصصية تغيب عن كثير وهي أن القصة لا بد أن تقدم شيئا ~~غريبا .. لم يعهده المجتمع من ناحية الوقائع التي تجري حولها القصة. ~~وهي مع ذلك تقدم ردود الفعل النفسية الطبيعية التي يعرفها المجتمع؛ ~~فانفصال وليد عن أمه أمر عجيب لم يعهده المجتمع. ولهفة الأم على ~~وليدها أمر طبيعي يعرفه المجتمع، فالقارئ حين يطالع هذا اللون من ~~القصص يريد واقعة عجيبة غريبة على مألوف عاداته، ثم يمسك به ~~التشوق أن يعرف كيف تصرف الشخص الذي واجه هذه الواقعة ~~الغريبة. # نسير مع القصة لنرى سيدنا موسى .. وهذا المضطرب الضخم من الأحداث ~~التي خاضها: # ولما بلغ أشده واستوى ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ~~* ودخل المدينة على حين ~~غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته # 2 # وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه فوكزه # 3 # موسى فقضى عليه قال هذا من عمل ~~الشيطان إنه عدو مضل مبين * ~~قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ~~إنه هو الغفور الرحيم * قال ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين ~~(سورة القصص: من آية 14-17). # إعجاز في القصة التعليمية .. ما الذي تهدف إليه قصص القرآن؟ إنها ~~جميعا تهدف أن تضرب الأمثال للناس. وسيدنا موسى هنا قاتل، ولكن الله ~~غفر له، إنما المغفرة لا تعطى هكذا بدون حساب واضح. إنه وقع في خطأ. ~~وإنه أحس بهذا الخطأ الذي وقع فيه فاستغفر ربه ms26 فغفر له .. وأحس أن ~~الله غفر له بالطمأنينة تسري بين جوانحه، ويشكر ربه أنه لن يكون بعد ~~اليوم ظهيرا للمجرمين، فبهذه الآيات القليلة يضرب الله سبحانه وتعالى ~~من واقع القصة المثل على أن باب التوبة مفتوح لمن أحسن التوبة. وفي ~~هذه الآيات أيضا معنى واضح وإن تخفى وراء النص، يا بني آدم حتى ~~الأنبياء يخطئون، فلا تثريب عليكم، فكل ابن آدم معرض للخطأ. ~~إعجاز في العرض وإعجاز في تقديم الأمثال. وتمضي الآيات حتى يقول ~~سبحانه: # وجاء رجل من أقصى المدينة ~~يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب قال ~~رب نجني من القوم الظالمين ~~(سورة القصص: ~~آية 20، 21). # ويخرج موسى من المدينة ليواجه الحياة لا يملك إلا إيمانه، وهو ~~حسبه. # ولما ورد ماء مدين وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم ~~امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا ~~نسقي حتى يصدر الرعاء # 4 # وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم ~~تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت ~~إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما ~~تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين ~~. # أرأيت سرعة في السرد .. وإبانة مع التفصيل، مثلما ترى في هذه ~~الآيات؟ سقى وقص وأمنه أبو الفتاتين .. كل ذلك في آيات قلائل ~~ونقلات سريعة متلاحقة، تلهث وراءها أنفاسك في متعة رائعة .. وهل ~~نراك لاحظت كلمة على استحياء؟ إنها الإعجاز. لقد وقع موسى من نفس ~~الفتاة موقعا حسنا، ولكن القرآن لا يذكر ذلك. وإنما يشير إليه هذه ~~الإشارة المعجزة. فالاستحياء هنا من نفسها أنها تحس أنه وقع من ~~نفسها، وهي تستحي من هذه المشاعر التي تخالجها. والكلمة في نفس الوقت ~~تمهيد مغر لما سيجري بعد ذلك من أمور. # قالت إحداهما يا أبت استأجره ~~إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين ~~. # الحب هنا لفظة. وقد كان مشاعر. ولكنه لفظة قرآنية شريفة. لم تقل يا ~~أبت ms27 أحبه أو يا أبت زوجني منه .. وإنما استأجره .. ويفهم ~~الأب ما يراود ابنته من مشاعر، ويحفظ عليها حياءها فيكفيه أن يسمع ~~ابنته تقول إنه قوي أمين. فهي إذن تمتدحه، وهي إذن تقبله. # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج # 5 # فإن أتممت عشرا فمن عندك وما ~~أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين * قال ذلك بيني وبينك ~~أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله ~~على ما نقول وكيل * فلما قضى ~~موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ~~نارا قال لأهله امكثوا إني آنست # 6 # نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو ~~جذوة من النار لعلكم تصطلون ~~. # أترى هنا إلى إعجاز البناء القصصي؟ لقد تم عقد بين والد الفتاتين ~~وبين موسى .. وتم الزواج وقضى موسى أجل العقد .. ثم سار بأهله حتى آنس ~~نارا .. وفي كلمة آنست نارا هذه قصة قد يرويها البشر في صفحات ~~طوال طوال لا تنتهي؛ فهي تعني أنهم ضلوا الطريق؛ فلو لم يكونوا ~~قد ضلوا الطريق لما كان وجود النار أمرا يستحق أن يذكر .. ثم هو ~~يريد أن يأتي لامرأته بجذوة نار لتصطلي، فالبرد إذن شديد قارس. وهناك ~~أمر آخر. لقد قضى مع زوجته سنوات أقلها ثمان، وهو يهتم بها، ~~ويحاول أن يأتي لها بنار تصطلي، فالزواج إذن كان موفقا سعيدا؛ ~~كل هذا وأكثر منه في الكلمات القلائل. والإعجاز هنا أن طريقة العرض ~~ترغمك على أن تفكر فيما وراء الألفاظ حتى تندمج مع القصة ~~القرآنية، وتعيش فيها بنبض إحساسك وكل تفكيرك، وتلك هي قمة الإعجاز في ~~العرض القصصي. ~~••• # ماذا وجد موسى عند النار؟ # فلما أتاها نودي من شاطئ ~~الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين ~~(سورة القصص: آية 30). # جل وعلا. ألا تحس كأن الدماء منك تجري في غير متجهها؟ وهل تراك ~~رأيت التقديم لنطق رب العالمين سبحانه؟ هذا التحديد للمكان. هذا ~~التحديد وحده ينبئ أن أمرا جليلا سيحدث، بل إنه ينبئ ms28 أن أمرا لم ~~تعرفه الأرض سيهزها هزا. ليس لك إلا الله يا موسى. إن إله العالمين ~~يخاطبك وهكذا - وليس هذا بعجيب - يصبح اسمك منذ اليوم موسى الكليم. ~~عرض معجز للحظة إلهية تجل عن أي وصف، إن إله السموات يخاطب ~~واحدا من عباده # إني أنا الله رب ~~العالمين ~~. # وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب # 7 # يا موسى أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين ~~(سورة القصص: آية 31). # أرأيت عرضا أروع من هذا للمعجزة التي يقدمها الله لنبيه؟ صورة ~~تتحرك فتكاد تراها، ثم كلام الله جل وعلا مباشر لم يسبقه أنه سبحانه ~~نادى موسى، وإنما الجملة مباشرة، يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~.. وتمضي الآيات: # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء ~~من غير سوء واضمم إليك جناحك # 8 # من الرهب فذانك برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين ~~(سورة القصص: آية 32). # وهكذا تبدأ رسالة موسى أروع ما تكون البداية، وننتقل بعد ذلك ~~مباشرة إلى موسى يؤدي الرسالة، ولا تعود القصة إلى زوجته ولا تذكر ~~ماذا كان من شأنها؛ فهذه الآيات تفصيلات لا قيمة لها يتركها لك ~~القرآن أن تفهمها دون ذكر لها؛ فالأمر أصبح الآن جليلا خطيرا. لقد ~~جاءت رسالة من فوق سبع سموات في هذه التفصيلات. وما قيمتها إلى جانب ~~هذا الحدث الضخم الذي تهتز له الأرض هزا. # فلما جاءهم موسى بآياتنا ~~بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~(سورة ~~القصص: آية 36). # وننتقل إلى سورة أخرى تروي ما كان من أمر موسى وأمر فرعون. وفيها ~~نرى الإعجاز الدرامي للصراع بين الحق والباطل، بين الملك الأرضي ~~الهين وبين الإيمان العظيم بمالك الكون ومن عليه. # ولقد أريناه آياتنا كلها ~~فكذب وأبى * قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل ~~بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا ~~أنت مكانا سوى * قال موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ~~(سورة ~~طه: من آية 56-59). # أرأيت ms29 التمهيد الرائع لهذه المباراة؟ إن الكافرين يكيدون، وإن موسى ~~ليقبل التحدي ويضرب لهم الموعد، كم أنت مشوق أن تعرف النتيجة وإن ~~كنت تعرفها! نعم .. فإن الإنسان يحب أن يسمع الخبر الذي يحبه مرات ~~ومرات ولا تمل نفسه منه. ومع أننا نعرف ما كان من أمر موسى ~~والسحرة، إلا أننا نحب أن نقرأ كيف تم هذا. ونقرؤه ونقرؤه ولا ~~نمل قراءته حتى يرث الله الأرض ومن عليها. # قالوا يا موسى إما أن تلقي ~~وإما أن نكون أول من ألقى * ~~قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس # 9 # في نفسه خيفة موسى ~~(سورة طه: من آية ~~65-67). # أرأيت هنا الصراع النفسي؟ إنه نبي بشر .. لقد خاف، مع أنه ~~مؤيد من ربه، ولكن النفس الإنسانية لا تستطيع أن تتخلص من ضعفها ~~أبدا. وهل تراك لاحظت تركيب الآية الأخيرة: فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى. أترى أين جاء اسم موسى؟ إعجاز فني في التركيب اللغوي والتركيب ~~القصصي، بل وفي التركيب النفسي، فإن التوجس هنا هو المهم؛ ولذلك ~~تقدمت الجملة جميعها، ثم جاء اسم موسى في آخرها. # قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ~~* وألق ما في يمينك تلقف ما ~~صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى * فألقي ~~السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى ~~(سورة طه: من آية 68-70). # إيجاز لا شبيه له. قلنا ألق ما في يمينك، فألقي السحرة سجدا. ~~لم يجد القرآن داعيا أن يقول إن موسى عليه السلام ألقى، وإن ما وعده ~~الله به تحقق. فهذه جميعا بديهيات لا تحتاج إلى إعادة ذكرها؛ فما ~~دام الله وعده فهو منجز وعده لا محالة. # آمن السحرة؛ فهم أبناء صنعة، ويعرفون الزيف من الحقيقة. والذي رأوه ~~ليس سحرا، وإنما هو معجزة، فماذا إذن يصنع فرعون، وما تراه ~~يقول؟ # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى * قالوا ~~لن نؤثرك ms30 على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيا ~~(سورة طه: من آية 71-72). # وهكذا تبلغ المأساة قمتها؛ فالسحرة هم الشعب كفروا بفرعون وآمنوا ~~بربهم رب العالمين. # فرعون غاضب ساخط يهدد ~~ويتوعد، ولكن المؤمنين يسخرون منه. إنك لا تملك إن كنت تملك إلا ~~هذه الحياة الدنيا، وهي دنيا هانت. أما نحن الذين رأينا ما رأينا فلن ~~نخذل إيماننا أبدا. كل هذا نسمعه في حوار سماوي معجز، الجملة فيه ~~تحمل ألف معنى وألف نبض وشحنة من القوة لا يطيق أن يبثها فيها إلا ~~رب العالمين .. وتتدخل السماء في هذا الصراع. # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا # 10 # ولا تخشى * فأتبعهم ~~فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم # صدق الله العظيم (سورة طه: آية 77-78). # وسبحانه الله تعالت معجزاته! في آيتين اثنتين روى انشقاق البحر ~~لموسى وأتباعه من عباد الله .. ونرى كيف طغى اليم على جنود فرعون ~~فانقضى أمرهم. هذه المعجزة التي ظلت حتى يومنا هذا وحيا للفن ~~التشكيلي المتحرك والثابت، وإلهاما للفن الأدبي في كل بقاع العالم ~~يقدمها القرآن في آيتين اثنتين لا تتجاوزان معا الخمس والعشرين ~~كلمة. هذه الواقعة لو أمسك بها قصاص من البشر لجعل منها رواية ~~بأكملها، ولكنها السماء ترسل تنزيلا معجزا تنزه عن الثرثرة، ~~وسما عن التزيد، وإنما هو قرآن أحكمت آياته، فكانت معجزات تصغر ~~دونها المعجزات، وسبحانه رب العالمين! ~~••• # القصة البوليسية فيما تعارف عليه الناس هي القصة التي تصنع للتسلية ~~وإزجاء الوقت ثم لا شيء بعد هذا؛ فلا هي تحمل في طواياها معنى آخر، ~~ولا هي تهدف إلى فكرة أو هدف، شأن رواية الفكرة التي يسميها الفرنسيون ~~رومان آتيز أو الرواية ذات الرسالة؛ أي الرواية التي يقصد بتأليفها ~~إثبات فكرة معينة. الرواية البوليسية بعيدة عن هذا جميعه كل ~~البعد. ولكنها في نفس الوقت أمتع أنواع الروايات؛ فهي تلقف القارئ لا ~~تتركه أو ينتهي منها. والرواية البوليسية تعتمد في بنائها ms31 على الغموض. ~~حدث معين يدعو إلى الدهشة أو الانبهار، ثم تمضي الرواية بقارئها وهو ~~يضع التفسيرات لهذا الحدث، وينشئها في ذهنه، وتتغير هذه التفسيرات ~~مع كل منعطف للسرد. ولا يزال القارئ بين اقتناع بما وصل إليه ظنه ~~وانصراف عنه، حتى تنتهي الرواية إلى تفسير قد يكون بعيدا كل البعد ~~عما أنشأه هو في نفسه. # وإعجاز القرآن أنه قدم لنا رواية ذات بناء بوليسي؛ فهو يعرضها في ~~سرد شائق أخاذ معجز، ومع ذلك وفي نفس الوقت نجد القصة القرآنية ~~تجعل من هذا السرد رواية ذات هدف بل أهداف. أليس ذلك هو ~~الإعجاز؟ # والأعجب من ذلك في هذه القصة أنها تجمع بين أصول القصة القصيرة وأصول ~~القصة الطويلة في وقت معا، وهذا أمر لم يصنعه إلا جون شتاينبك ~~القصاص الأمريكي المعاصر الذي توفي منذ قريب، وقد قدم هذا العمل ~~الذي يجمع بين القصة والرواية في السنوات الأخيرة القريبة، ومع ذلك فقد ~~كانت القصة القصيرة عند شتاينبك منفصلة عن الرواية، بحيث إذا نزعت ~~قصة قصيرة من قصص المجموعة لظلت الرواية كما هي في بنائها. ولكن ~~القصة القصيرة في رواية القرآن الكريم جزء أساسي في بناء الرواية لا ~~تستطيع أن تفصله عنها. # في هذه القصة القرآنية إذن نوعان من الإعجاز؛ الإعجاز الأول أن ~~الرواية كان بناؤها يشبه بناء القصة البوليسية. ومع ذلك فهي رواية ~~هادفة تحمل الكثير من المعاني والكثير من الأهداف. الإعجاز الثاني أنها ~~قصة طويلة تتكون من عدة قصص قصيرة في مزيج بينها عجيب فلا تصلح ~~إحداهما إلا بالأخرى. # أتراك الآن مشوقا أن تعرف هذه القصة العجيبة؟ أنت تعرفها كل ~~المعرفة. انظر معي إلى تلك الآيات من سورة الكهف: # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ~~حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ~~* فلما بلغا مجمع بينهما ~~نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا ~~* فلما جاوزا قال لفتاه آتنا ~~غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ms32 في البحر ~~عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ ~~فارتدا على آثارهما قصصا ~~(سورة الكهف: من ~~آية 60-64). # أرأيت هذا التمهيد الرائع؟ إن القرآن الكريم يروي كيف بدأت هذه ~~القصة، أو هذه القصص التي سيرويها لك، فلنمض إذن مع ذلك ~~القصص: # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه ~~رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما ~~(سورة الكهف: آية 65). # إذن فبطل جديد قد ظهر في القصة؛ فالأبطال في الروايات يظهرون شيئا ~~فشيئا بتتابع. وقد يبدو أن هذا العبد من عباد الله الصالحين لن يكون ~~له أثر في القصة، ولكن ما هي إلا أن تنتقل إلى الآية التالية حتى ~~تدرك أنه قد أخذ مكان البطولة جميعا. انظر. # قال له موسى هل أتبعك على أن ~~تعلمن مما علمت رشدا * قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا * ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ~~ولا أعصي لك أمرا * قال فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا ~~(سورة الكهف: من آية 66-70). # أرأيت تشويقا أروع من هذا التشويق؟ لن تستطيع معي صبرا. ثم لا ~~تسألني حتى أخبرك. إذن فعبد الله يعلم أنهما سيلاقيان في مسيرتهما هذه ~~عجبا، وأن موسى سيرى أشياء يذهل بها، وأنه سيسأل، إن لم تكن تعلم ~~ما رأياه .. ألا تتوق أن تعرف؟ # فانطلقا حتى إذا ركبا في ~~السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها ~~لقد جئت شيئا إمرا # 11 ~~. # لو كنت لا تعرف قصة هذه السفينة، أليس من الطبيعي أن يتولاك ~~العجب؟ # وأليس من الطبيعي أن تروح تنشئ في ذهنك الأسباب التي تجعل رجلا ~~أوتي علما من لدن الله سبحانه وتعالى يخرق سفينة؟ امض مع ~~الأحداث: # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا ~~. # وقتل أيضا. أرأيت النبأ كيف استقام للقصص المعجز؟ قتل من رجل ~~عامد. ألست في ذهول؟ وموسى يسأل، فيذكره بأنه قال له منذ أول ~~الأمر أنه لن يستطيع معه صبرا، ولكن موسى يعتذر، وينطلقان. # فانطلقا ms33 حتى إذا أتيا أهل ~~قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ~~قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ~~(سورة ~~الكهف: آية 78). # وتمضي الآيات تتوالى؛ فالسفينة لمساكين يعملون في البحر، فأراد أن ~~يعيبها، حتى لا يستولي عليها ملك ظالم، كان يسير خلف هؤلاء المساكين. ~~هل يمر هذا السبب بذهن أحد؟ # والغلام، ذلك الذي قتل، ما شأنه؟ كان أبواه مؤمنين، وكان يعلم ~~أنه سيرهقها طغيانا وكفرا فخلصهما منه ليهب لهما خيرا منه ~~وأقرب رحما. أتراك أدركت ما يتخفى وراء هذه القصة من معنى ~~رفيع آخر؟ لا شك أن الأبوين حين فقدا ولدهما، اعتبرا هذا كارثة ~~حلت بهما، لأنهما لا يطلعان على الغيب، كما يطلع العبد الصالح. ~~وراء هذه الآية أنه رب كارثة حاقت بإنسان ما، فإذا اطلع على ~~الغيب وجدها نعمة قدرها له الله، فأحسن سبحانه تقديرها، فما شأن ~~الجدار إذن؟ إنه لغلامين يتيمين في المدينة. وكان تحته كنز لهما، ~~وكان أبوهما صالحا، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لهما الكنز حتى ~~يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من الله جل وعز، ثم هو يقول ~~إنه ما فعل شيئا من هذا من تلقاء نفسه. وإنما كان أداة لتنفيذ مشيئة ~~رب العالمين. # وتتضح أسرار القصة وتبلغ منتهاها، أروع ما تبلغ قصة منتهاها، إعجازا ~~من الإعجاز، ولا يقوله غير الله جل وعلا وسبحانه. # | فن الجاذبية في قصة سليمان # يعتبر الأستاذ توفيق الحكيم من أعظم كتاب العرب ثقافة؛ فهو يجيد ~~الفرنسية. وقد تعلم أصول الفن الأدبي في باريس في عشرينيات هذا ~~القرن، ثم ظل متابعا لأحدث أصول الفن القصصي والمسرحي. وهو أيضا ~~يجيد قراءة الإنجليزية، وهذا بالطبع إلى جانب ثقافته العربية التي لا ~~تحتاج إلى إبانة أو تفصيل. وقد كتب الأستاذ توفيق الحكيم روايته ~~الخالدة عودة الروح في مطالع حياته الأدبية عند عودته من باريس، بل ~~لعله كتبها أو كتب معظمها في باريس. وقد كان فن الرواية في ذلك ms34 ~~الحين قد استوى عند الفرنسيين على أصوله وقواعده، التي ما زالت حتى ~~اليوم من أهم أصول وقواعد فن القصة. # وقد تكلم توفيق الحكيم في هذه الرواية عن فكرة وحدة الكون، فكان ~~كلامه مباشرا بطريقة تدعو إلى الدهشة. ألا يجد أستاذنا الكبير وسيلة ~~إلى التعبير عن رأيه في فكرة وحدة الكون إلا هذه الوسيلة المباشرة التي ~~توشك بأن تكون مقالة أكثر منها فصلا في قصة؟ ولا يشفع له أن هذه ~~الرواية هي من أوائل أعماله؛ فهو حين كتبها كان قد انتهى من أهم ~~مقومات ثقافته. وقد يشفع له أن الفكرة عند الكاتب المفكر كثيرا ما ~~تتغلب عليه وعلى فنه، فتجعله يحيد بهذا الفن إلى شرح الفكرة ~~بطريق مباشر لا فنية فيه ولا إبداع. # إذا كان هذا العرض الفج هو العرض الذي لجأ إليه واحد من أكبر ~~كتاب الفن الأدبي في عصرنا الحديث، فدعونا ننظر معا إلى الإعجاز ~~الفني الذي تناول به القرآن الكريم فكرة وحدة الكون. والمقصود طبعا ~~به أبعد ما يكون عن فكرة وحدة الكون الفلسفية التي لا تعدو أن تكون ~~شطحة من شطحات أحد الفلاسفة العقليين وهو اسبينوزا. دعونا منه ولنعد ~~معا إلى أحسن الكلام: # وورث سليمان داوود وقال يا ~~أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من ~~كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن ~~والإنس والطير فهم يوزعون # 1 ~~* حتى إذا أتوا على واد النمل ~~قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ~~لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون * فتبسم ضاحكا من ~~قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين ~~(سورة النمل: من آية 16-19). # أرأيت كيف عبر القرآن عن وحدة الكون في هذه الآيات؟ فالجن والإنس ~~لم يعد يجمعهم جميعا علم سليمان. وأين الحيوان إذن؟ هل يغني الطير ~~عن الحيوان؟ إن كان لا يغني أفلا يغنيك هذا الحديث كله عن النمل وما هي ~~من الطير. إذن فسليمان يعرف أيضا منطق ms35 الحيوان. وأي حيوان. النملة تلك ~~الساعية في الأرض لا تكاد تراها فهو إذن يعرف لغة الحيوان جميعا ما ~~دام يعرف لغة تلك المخلوقة الضئيلة الهزيلة الهينة. هل هناك تعبير ~~عن وحدة الكون أروع أو أبرع من هذا؟ # وهناك شيء آخر. هذا الحديث من النملة إلى قومها، ولفظة القرآن ~~الكريم منطق الطير ألا تشير إليك بشيء آخر؟ إن هذه الحيوانات وهذه ~~الطيور في مدارات الأرض والسماء لها لغتها فيما بينها، فهي إذن ~~تتفاهم. وهي إذن لها منطقها الخاص بها. إن هذه الحيوانات والطيور لا ~~يعنيها أن تتسنم القمر أو تركب الطائرات؛ فقد خلقها الله وخلق لها في ~~جسومها ما تحتاج إليه في حياتها. هي لا تفكر في شأنها، إذن فلعلها ~~أكثر منك سعادة. وما لها لا تكون؟ لعلها بإيمانها المطلق الذي لا ~~تحتجزه فلسفة أو تشويه أو تظاهر بالعلم أسعد منك أنت أيها الإنسان ~~الذي يطغى حين يستغني، والذي قال عنه ذو الجلال سبحانه وتعالى # قتل الإنسان ما أكفره ~~. # دعونا نسير هونا مع هذه الآيات: # وتفقد الطير فقال ما لي لا ~~أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # 2 ~~* فمكث غير بعيد فقال أحطت ~~بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~* إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس ~~من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ~~(سورة ~~النمل: من آية 20-24). # أرأيت الهدهد يخاطب سليمان؟ هل أحسست بوحدة الكون بصورة أوضح من ~~هذه؟ أنت أولا ترى سلطة سليمان على الطير سلطة مطلقة؛ فهو يهدد ~~بقتله إن لم يأت باعتذار مقبول عن غيبته. وهكذا الحكم لا يصلح ~~فوضى لا قوام له. وانظر أيضا كيف يكلم الهدهد الضعيف سليمان ~~جميعه. أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين؛ فعبادة ~~الله في هذا الملك هي أهم شيء يسعون له. ولا يهم بعد ذلك شيء من ~~المظهر. هذا الكون كله ms36 من إنسانه إلى طيره إلى جانه لا يهمهم ~~شيء إلا أن يعبد الجميع رب السموات والأرض. ماذا فعل ~~سليمان؟ # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون * قالت يا أيها الملأ إني ألقي ~~إلي كتاب كريم * إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ~~* قالت يا أيها الملأ أفتوني ~~في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون ~~(سورة النمل: من آية 28-32). # سليمان إذن يدعو إلى دين الله، والملكة تستفتي قومها، فالحكم إذن ~~شورى عندها، مع أنها لا تعبد الله. وترى ويرى معها قومها أن ~~يجربوا إرسال هدية لترى كيف يستقبل قوم سليمان الهدية، وهل يلهيهم ~~المال عن ذكر الله. ماذا يصنع سليمان؟ # قال يا أيها الملأ أيكم ~~يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك ~~به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه ~~لقوي أمين * قال الذي عنده ~~علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال ~~هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن ربي غني كريم ~~(سورة النمل: من آية ~~38-40). # وهكذا وأخيرا جاء دور الجن لتكتمل الصورة أمامك. جميعا ~~مسخرون لسلطان سليمان، وسليمان لا يعنى بشيء إلا أن يدعو إلى ~~عبادة ربه، حتى وهو يرى هذه القوى جميعا مسخرة له. لا يفكر ~~فيما بلغ من مجد، وإنما يذكر في خشوع فضل الله عليه؛ أأشكر أم أكفر، ~~ومن كفر فإن ربي غني كريم. # وهكذا نرى القرآن قد أورد فكرة وحدة الكون دون أن يذكر هذا العنوان، ~~وإنما أنت لا تجد مناصا إلا أن تدرك هذه الوحدة، متمثلة في هذا ~~الملك العظيم من سوابح السماء، ومن الإنسان والجان جميعا في زمرة ~~واحدة، فيها النبي وفيها الطير، وفيها الجان، تسعى إلى هدف واحد، ~~وتشرئب إلى إله واحد، لا إله إلا هو، فاطر السموات والأرض ~~سبحانه. ~~••• # أقوى وسائل الإقناع الإقناع بالصورة؛ أي الإقناع ms37 بالحدث، ما الذي ~~هدف إليه سليمان من أن يأتي بعرش بلقيس، وبها جميعا، قبل أن يرتد إليه ~~طرفه؟ أهو مجرد الاطمئنان أنه يملك هذه الوسائل التي لم تتهيأ ~~لإنسان من قبل أو من بعد؟ # القصة هنا تبين كيف استطاع سليمان أن يقنع تلك الملكة التي تسجد ~~هي وقومها للشمس، أن تسجد لله رب الشمس ورب العالمين. انظر معي ماذا ~~فعل سليمان: # قال نكروا # 3 # لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون ~~من الذين لا يهتدون * فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ~~وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين * وصدها ما كانت تعبد من دون ~~الله إنها كانت من قوم كافرين ~~(سورة ~~النمل: من آية 41-43). # أعظم بهذا القرآن! إنه العرض الفني في إعجازه. لم يقل إنها حين رأت ~~آمنت من فورها. لا .. إن القرآن هو الصدق المطلق، وهو حين يذكر ~~لنا القصص، لا يؤلفها، وإنما يرويها في عرضه هذا المعجز الرفيع، ~~والنفس الإنسانية لا تترك دينها هكذا عند الوهلة الأولى وإلا فهي ليست ~~نفسا إنسانية. أو هي لم تكن مقتنعة بما كانت تؤمن به، ولو لم تكن ~~مقتنعة لتركت هذا الذي تعتبره، دون حاجة إلى الصورة أو الحدث أو ~~الحديث، لا بد إذن للنفس التي كانت مؤمنة بشيء أن تتروى وترى وتمعن ~~النظر، وتتأكد، حتى تطمئن إلى هذا الدين الجديد الذي تنوي أن تعتنقه. ~~ونتذكر شيئا آخر، تلك الهدية التي أرسلت بها إلى سليمان. # إن سليمان لم يعطها ردا على هذه الهدية. لقد آن له أن يريها ~~أمثلة وهو من سخر له الله كل قوى الطبيعة، لا يقبل هدية منها، وهي ~~لا تزيد عن مجرد ملكة إن أطاعها أبناء بلدها، فما كانت لتطيعها ~~الرياح، ولا الطيور، ولا الجان. # قيل لها ادخلي الصرح فلما ~~رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال ~~إنه صرح ممرد # 4 # من قوارير # 5 # قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين ~~. # العرض في هاتين الآيتين يبلغ ذروة الإعجاز؛ فقد يسأل سائل: كيف لا ms38 ~~تؤمن بلقيس حين ترى عرشها، وترى نفسها منقولة إليه قبل أن يرتد إليه ~~طرفه، ثم تؤمن لمجرد أن ترى صرحا مقاما من قوارير؟ ولو كان الراوي ~~بشرا، لقال عن وقوع المعجزة الأولى، وخيل لبلقيس أن ما تراه ما هو ~~إلا من عمل السحر، فهي تأبى أن تؤمن أو تتأكد أن هذا الذي تراه إنما ~~هو معجزة إلهية، سخر لها الجن والطير. وقد يقول القصاص البشري: ~~إن الملكة وهي ملكة، أبت أن تخدع في المظاهر، منذ الوهلة الأولى، فهي ~~تصر على كفرها وتأبى أن تتزحزح عن دينها بسهولة ويسر، وقد يقول ~~القصاص البشري: إنها حين رأت الصرح عاودتها طبيعة المرأة، فأخذت ~~بهذا البناء الشاهق الضخم. وقد يقول: إن الملكة قد كبر عليها أن تحسب ~~هذه القوارير لجة من ماء، فهي تكشف عن ساقيها خشية أن يمس الماء ~~ثيابها، فحين عرفت أنها إنما تمشي على قوارير من زجاج، آمنت لأن الذي ~~يصنع هذا لا يستطيع أن يتقنه إلا أن يكون الله قد سخر له ما لم ~~يسخره لغيره من قوى لا حدود لها، فآمنت. # هكذا قد يقول القصاص من البشر. إنما القرآن الكريم يلوح به ~~تلويحا، ويشير إليه إشارة معجزة قادرة صانعة فيصبح كل حديث بعد ذلك ~~عبثا من العبث. ونمضي مع سليمان منتقلين إلى سورة أخرى فنرى ذلك ~~الإعجاز الضخم: # ولسليمان الريح غدوها شهر ~~ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر # 6 # ومن الجن من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه ومن يزغ # 7 # منهم عن أمرنا نذقه من عذاب ~~السعير ~~. # يعملون له ما يشاء من محاريب # 8 # وتماثيل # 9 # وجفان # 10 # كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور * فلما قضينا عليه الموت ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو ~~كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين ~~(سورة سبأ: من آية 12-14). # أرأيت هذا الإجمال السريع لما سخره الله سبحانه وتعالى لسليمان، ~~ثم النقلة الغريبة العجيبة المعجزة، هذه النقلة الإلهية؟ ms39 إن هذا الذي ~~سخرنا له الريح والجن لا يستطيعون أن يعصوا له أمرا أو يذوقوا عذاب ~~السعير؛ هذا الرجل جميعه ليس إلا إنسانا يقضي عليه بالموت رب ~~العالمين، كما يقضي بالموت على جميع الناس. إنه مع كل هذا الذي سخر ~~له ليس إلا بشرا عاش، فلا بد أن يموت؛ ولذا فلا بد أن ينتهي. # يموت نعم، ولكن موته معجزة، لقد اتكأ على منسأته، فلم يتصور ~~الجن أنه مات، فظلوا على ولائهم له، يسعون ويروحون ويجيئون في أداء ~~ما كلفهم به من مهام، لا يجرؤ واحد منهم أن يقترب منه، أو يسأله ~~شيئا. ظانين أنه في سنة من النوم حتى أكلت دابة من الأرض ~~منسأته، فلما خر تبينت الجن أنه مات. # سبحان رب العالمين، فالجن إذن لا يعرفون الغيب. أليس هذا ما تقوله ~~الآية؟ إنها إذن مخلوقات هزيلة هينة ضعيفة، لا تعرف إلا ما يشاء ~~الله لها أن تعرف؛ فهي تسعى في خدمة الملك الميت، في رهبة خائفة ~~هالعة من عذاب رب العالمين، إن هي خرجت عن أوامره، وهي لا تستطيع أن ~~تعرف موته إلا حين تأكل دابة الأرض منسأته، فلتخجل إذن هذه ~~المخلوقات التي تدعي علما، وهي لا تعلم شيئا. لم تقل الآيات شيئا ~~من هذا في صريح نصها، وتلك هي المعجزة في عرضها. # وهناك شيء آخر لا شك أنك أدركته، سليمان هذا النبي الذي آتاه ~~الله كل هذه النعم .. سليمان الذي سخرت له الرياح سوانح السماء، ~~وسخر له الجن، تجعله الدابة التي لا ترى يخر؛ فعند الذات ~~الإلهية العظمى يظل البشر مهما يعظم شأنهم بشرا لا يزالون، وسبحان رب ~~العالمين! # | الإعجاز في قصة مريم # الحوار من أهم أدوات القصاص. وكل كاتب مهما يكن شأنه يستطيع أن ~~يصنع حوارا، ولكن الكاتب المتمكن وحده هو الذي يجعل الحوار يموج ~~بالحياة. والكاتب المتمكن للقصة هو الذي يعرف أين يضع الحوار، فلا ~~يورده حين يجمل أن يكون العرض سردا وضعيا، أو سردا كحوادث. ~~والدخول إلى الحوار ليس ميسورا لكل كاتب؛ فالكاتب القادر وحده ms40 هو الذي ~~يجعلك تنتقل إلى الجزء الحواري من روايته، دون أن تشعر أن هناك نقلة ~~قد حدثت من السرد الروائي إلى السرد الحواري. والحوار صعب صعوبة ~~بالغة من وجهة نظر أخرى؛ إذ لا بد أن تكون كل جملة حوار تطورا ~~جديدا للحدث أو للشخصية أو للرواية جميعا. # اقرأ معي هذه الآيات: # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت # 1 # من أهلها مكانا شرقيا # 2 ~~* فاتخذت من دونهم حجابا ~~فأرسلنا إليها روحنا # 3 # فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا * قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا * قالت ~~أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك ~~بغيا * قال كذلك قال ربك هو ~~علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا ~~وكان أمرا مقضيا ~~(سورة مريم: من آية ~~16-21). # أرأيت كيف انتقل السرد إلى الحوار؟ أرأيت أن الحوار هنا لا يمكن أن ~~يستبدل بأي وسيلة أخرى من وسائل العرض القصصي؟ فكأنما خلق الحوار ~~ليكون في هذا المكان. وقد جاءت النقلة طبيعية؛ فأنت تحس بها كالطريق ~~الحريري الممهد تسير فيه الكلمات طيعة مواتية. ثم أترى إلى العرض ~~النفسي لمريم، وكيف يؤدي الحوار توجسا وخوفا في روعة أخاذة؟ إن ~~الحوار هنا يؤدي في كل كلمة منه تطورا في الحدث والشخصية ~~معا. # ولنمض مع الآيات: # فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا * فناداها من تحتها ~~ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا # 4 ~~* وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي ~~واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر ~~أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا ~~. # معجزة لم يشهدها العالم تحدث، ولكن القرآن يوردها في هذا اليسر ~~كأنها أمر طبيعي. ذلك هو الإعجاز. إن المعجزة لا تحتاج إلى ضجيج ~~حولها، لأنها وحدها تحمل ضجيجها. واكتفى القرآن بشيء واحد؛ أن مريم ~~التي كانت خائفة هالعة تتمنى لو كانت قد ماتت قبل هذا، أو كانت ~~نسيا منسيا، تطمئن وتهدأ وتطيع هذه ms41 المعجزة التي تناديها من ~~تحتها. # يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ ~~سوء وما كانت أمك بغيا * ~~فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا * قال إني عبد الله ~~آتان ي الكتاب وجعلني نبيا * ~~وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * ~~وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا ~~. # ألاحظت أنهم لم يسألوا سيدنا عيسى، وإنما تكلم هو دون أن يسألوه. ~~لقد انتهى حديثهم عند إبائهم أن يكلموا من كان في المهد صبيا، فهم ~~إذن قوم عقلاء لا يتصورون أن يخاطبوا هذا الطفل في مهده، فحين ~~تجيبهم المعجزة يصبح وقعها عليهم عنيفا مزلزلا؛ فإن عقولهم الراسخة ~~الثابتة لم تكن لتقبل هذه المعجزة لو لم يروها بأعينهم. ولعلك ~~تعلم أن معجزات الأنبياء كلها كانت مرئية تخاطب العين، فهي إذن ~~معجزات قاطعة لا ينكرها إلا الجبار العنيد. ولكن من ناحية أخرى لم ~~يبق للأجيال التالية شيء من هذه المعجزات. المعجزة الوحيدة الباقية ~~التي تحمل أريج السماء حين عبقت به الأرض هي القرآن. وفي هذا القرآن ~~عرفنا كل المعجزات السابقة التي كانت مرئية والتي لم يعرفها إلا القوم ~~الذين عاصروها، ثم أصبحت من بعدهم روايات تروى تحمل التصديق ~~والتكذيب، فمن كان مؤمنا بهؤلاء الأنبياء فهو يصدقها، ومن لا ~~يصدقها حتى يأتي القرآن فيجعل منها جميعا معجزات لا سبيل إلى ~~نكرانها إلا من ذي النفس السقيمة المريضة. # وفي سورة أخرى نرى جديدا في سرد آخر: # إذ قالت الملائكة يا مريم إن ~~الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين * ويكلم الناس في ~~المهد وكهلا ومن الصالحين * ~~قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~. # أرأيت هذا الإجمال في العرض؟ إنها معجزة عيسى جميعا، ولكن القرآن ~~لم يشأ أن يفصلها؛ لأن تفصيلها يقع في مكان آخر، فالقرآن هنا ~~يقدمها لك تقديما ms42 سريعا؛ لأنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي ~~تمهيد لما قام به عيسى بعد ذلك من أعمال، وهي أيضا تمهيد للمعجزات ~~الأخرى التي شاء الله سبحانه وتعالى أن يهبها لعبده عيسى ابن ~~مريم. # ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل * ورسولا ~~إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم ~~إن كنتم مؤمنين * ومصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم ~~فاتقوا الله وأطيعون ~~. # في هذه الآية نقلة من أحدث النقلات التي عرفتها القصة الحديثة، أو ~~يظن كتاب القصة أنها حديثة، ولكن الآية تدمغها بأنها قديمة منذ نزل ~~القرآن على النبي الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~. لا شك أنك لاحظت هذه ~~النقلة. # إن القرآن الكريم يتكلم بصيغة الغائب .. يعلمه الكتاب ورسولا ~~إلى بني إسرائيل. ثم فجأة ودون أي مقدمات أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم. # انتقل السرد إلى صيغة المتكلم فجأة. وهل تحتاج هناك إلى تمهيد ~~وإعجاز؟ هل تحتاج إلى من يقول إن سيدنا عيسى قال لقومه إني قد جئتكم ~~بآية. وكان السرد يستطيع أن يمضي في الرواية بصيغة الغائب، فيقول إنه ~~قال لقومه إنه قد جاءهم. ولكن هذه اللفتة الإلهية المعجزة تقع من الآية ~~موقعا لا تملك إزاءه إلا الإكبار والإجلال والخشوع. وهل تملك أمام ~~كلام الله إلا الإكبار والإجلال والخشوع؟ # | الثواب والعقاب في قصة آدم # لعله كان أولى بنا أن نبدأ بقصة آدم، ولكن هل نسوق هنا عرضا ~~تاريخيا؟ إنما نحن نلقي نظرات سريعة خاشعة على السرد في قصص ~~القرآن الكريم، فلا جناح علينا أن نضرب عن الترتيب الزمني صفحا. ~~والقرآن نفسه لم يورد قصة آدم في بداية سوره القصصية. يقول تعالى ~~في سورة طه، (الآية 113، وما بعدها): # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ~~وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ms43 ذكرا * فتعالى الله ~~الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما * ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ~~فنسي ولم نجد له عزما * وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن ~~هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى ~~. # لا شك أن كل قارئ سمع عن التمهيد في القصة والأعمال المسرحية على ~~السواء .. أرأيت القرآن هنا كيف يسوق التمهيد في لغة شريفة لا لبس ~~فيها ولا غموض؟ لقد حذر الله آدم. وقال إن إبليس هذا عدو لك ولزوجك ~~.. في روعة أخاذة معجزة. يشير سبحانه وتعالى إلى أن إبليس عدو ~~للجنس البشري جميعا ولم يكن الجنس البشري يومذاك إلا آدم وزوجه. ثم ~~هذه الإيماءة الوامضة إلى الزوجة هنا .. إنها إيماءة لا تتأتى إلا من ~~فوق سبع سموات .. فالزوجة هنا عنصر رئيسي، فما وقع بعد ذلك حدث، ~~فذكرها إشارة إلى الحدث دون كشف للحدث .. فأنت تريد أن تعرف مشوقا ~~إلى ما حدث بعد ذلك، وتلك هي تماما وظيفة التمهيد. وقد قدمه سبحانه ~~وتعالى لا يزيد كلمة عما يجب أن يكون في جمل حاسمة حازمة قوية ~~الدلالة تأسر القارئ فلا تفلته أو يصل من القصة إلى ~~غايتها. # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ~~* وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى ~~. # أترى الجنة التي هيأها الله لآدم وزوجه؟ لقد وعده فيها ألا يجوع ~~ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، فماذا فعل آدم أمام هذه ~~الوعود؟ # فوسوس إليه الشيطان قال يا ~~آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى * فأكلا منها فبدت لهما ~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى آدم ربه فغوى ~~. # أرأيت سردا أكثر اكتمالا وقصرا في وقت معا مثل هذا في جمل ~~قليلة؟ قدم الحدث أجمعه، ثم عقب عليه بما يبلوره. وعصى آدم ربه ~~فغوى. # فماذا فعل ربه بعد أن عصى وغوى؟ # ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى * قال اهبطا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني ms44 ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد ~~كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم ~~يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى ~~. # إذن فالجزاء من جنس العمل. وحين عفا الله عن آدم رحمه فأنزله إلى ~~الأرض، ثم وفي جملة واحدة بشره بأنبيائه جميعا، فإما يأتينكم مني ~~هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل فيها ولا يشقى. هذا الهدى هو الأنبياء ~~يشيد الله بذكرهم دون أن يذكرهم، وإنما ينبئ آدم بعد أن عفا عنه أن ~~السماء لم تقطع صلتها به، وإنما سيأتيه من ربه هدى. وسيمتحن الأبناء ~~بما امتحن به أباهم الذي عهد الله إليه فنسي ولم يجد له عزما. ~~كذلك الأبناء سيهب لهم الهدى كما وهبه لأبيهم من قبل، فمن نسي منهم ~~فسوف يحشره أعمى؛ لأنه في هذه المرة مجرم عائد لا يستحق العفو، وهو ~~عائد لأنه عرف ما حاق بأبيه حين نسي، ومع ذلك لم ينتفع بالمثل ~~أمامه. أما أبوه فكان أول نساء للعهد، ولذلك أدركته رحمة ربه. ~~وهكذا ترجع القصة خاتمتها إلى بدايتها؛ فكما ابتدأت الآيات ذاكرة كيف ~~نسي آدم، كذلك تنتهي القصة بتحذير الأبناء ألا ينسوا مثل ~~أبيهم. # أنا لست بشارح للقرآن؛ فما أستطيع أن أرقى هذا الرقي. ولكن هذه ~~المعاني جميعا كانت تنثال على خاطري وأنا أقرأ الآيات. وأروع أنواع ~~السرد القصصي هو ذلك الذي يوحي إليك بما وراء الألفاظ دون تصريح، ~~فالقصة إنما التمست كنوع السرد الفني لتقر في النفس أرسالا من ~~المعاني في لغة غير مباشرة؛ لأن اللغة المباشرة لا تفعل بالنفس ما ~~تصنعه اللغة القصصية؛ فالحدث في ذاته حجة أقوى من كل حجة كلامية. ~~والقارئ الذي يستطيع أن يستشف ما وراء الحدث هو الذي يستطيع أن ~~يستمتع بالقصة ويبلغ منها غاياتها. # | الإعجاز الفني في قصة يونس # تلك القصة أوردها القرآن الكريم في آيات قليلة، ولكنها تمثل ~~نوعا من ms45 القصص لا يخطئ التشويق والاهتمام عند القارئ أبدا؛ فهي ~~نوع من القصص المبهر، فيه إعجاز لا يكاد العقل يتصوره. والعقل ~~بطبيعته لا يستطيع أن يقبل ما لا يدخل في دائرة منطقه، ولكنه عندما ~~يأتي الإعجاز من السماء يقبله كقضية مسلم بها، ولا بأس علينا أن ~~نضرب لذلك مثلا متمثلين ببيت أبي تمام: # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والمصباح # لو أن شخصا ما قال لك إنه يستطيع أن يختفي من أمام عينيك، ثم يظهر ~~غير خارج أو داخل من منفذ ما مما ألف الناس أن يخرجوا أو يدخلوا ~~منه، فإنك بطبيعة الحال لن تصدقه، ولكنه إذا فعل هذا فأنت مرغم على ~~أن تصدقه بعد ذلك. من أجل هذا كان الله سبحانه وتعالى يقدم للبشرية ~~أنبياءه السابقين على سيد المرسلين بمعجزات حسية ترى بالعين وتمسك ~~باليد. كان ذلك حين كانت البشرية طفلة ساذجة، الجانب الروحي فيها ~~ضامر لا يستطيع أن يرقى إلى مراقي القرآن وعظمته. وكانت هذه المعجزات ~~التي قدمها الأنبياء الأولون معجزات تزول بزوال العصر، ولا يبقى ~~منها إلا ذكر يصدقه البعض ويكذبه البعض، حتى جاء القرآن معجزة ~~خالدة كلما مر عليه الزمان ازداد إعجازا وروعة. # فقد نزل القرآن إلى الناس منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة سنة، وجاء من ~~جاء من الكتاب والشعراء، ولكن أحدا لم يستطع أن يصل إلى آية من ~~آيات القرآن في إعجازها اللفظي والأسلوبي. هذه المعجزة وحدها تتيح ~~للقرآن أن يقول ما شاء عن معجزات الأولين، ولا نملك إلا أن نصدق ما ~~جاء فيه، فمن شاء أن ينكر فليأت بآية من آياته. وهناك طبعا معجزة ~~الحياة وهذه الروح التي لا يعرف البشر سرها، ولا من أين أتت ولا أين ~~تنسرب من الجسم. وقد بلغ العلم هذا المدى الذي وصل إليه اليوم، ولكنه ~~مع ذلك لم يستطع أن يصل إلى سر الروح أو يقترب منها. # ولعل من أغبى المحاولات إن لم تكن أغباها، تلك المحاولة التي يقوم ~~بها الشيوعيون من اكتشاف سر الخلية ومن ms46 عمل خلية، ظانين أنهم لو ~~وصلوا إليها فقد وصلوا إلى السر المستغلق على البشرية، غافلين أننا ~~نحن المؤمنين سوف نسألهم يوم يصلون من أين أتيتم بالمواد الأولية ~~لهذه الخلية نفسها. ومن هنا فإنها محاولة غبية، ولن تؤدي إلى ما ~~يرجون لها أن تؤدي من إنكار الله جل وعلا. # فلننظر الآن إلى قصة يونس وكيف قدمها القرآن الكريم: # وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين ~~* للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون * فنبذناه بالعراء ~~وهو سقيم * وأنبتنا عليه ~~شجرة من يقطين * وأرسلناه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون * ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين ~~. # أرأيت قصة تكتمل في مثل هذه السطور القلائل. لو وفق إلى هذه ~~القصة قصاص من البشر لراح يكتب عنها الصفحات الطوال. ولماذا هرب ~~يونس إلى الفلك، وكيف غرق، وماذا فعل وهو يغرق وكيف كان يصارع الموج ~~حتى غلبه الموج، وكيف طلع عليه الحوت، وماذا كان حجم الحوت، وكيف كان ~~ضخما طوله شهر وعرضه دهر، إلى آخر هذه الصفات السخيفة التي كان ~~يصطنعها القصصي الساذج. ثم ما أحسب قصاص البشر إلا منتقلا إلى حياة ~~يونس في جوف الحوت، ويستطيع هذا الفصل أن يكون قصة كاملة بذاتها. ثم ~~كيف لفظه الحوت، وكيف كان مشفيا على الموت، خائر القوى، منهار ~~الأركان. # أما شجرة اليقطين التي نبتت فجأة، هذه التي ذكرها الله تعالى في ~~بساطة لا تصدر إلا من رب العالمين؛ فما أيسر أن ينبت سبحانه شجرة! ~~ولو تناول القصاص البشري هذا الحدث لراح يعيد فيه ويزيد .. ~~وهكذا. # إلا أن القصص الحديث انتهى إلى رأي آخر في القصص الساذج الذي نشأت ~~القصة في ظلاله. هناك قاعدة فنية معروفة اليوم في القصص الحديث تدعو ~~إلى الاقتصاد الفني؛ أي أنه لا يجوز للقصاص أن يصف إلا ما يدعم الحوت ~~الذي اختاره ليدير حوله قصته. وتكفي منك نظرة عاجلة إلى الآيات التي ~~تصف قصة يونس لتجد الاقتصاد الفني في أروع صورة، فلماذا أبق ms47 يونس؟ ~~لا تعنينا في شيء. وكيف التقمه الحوت. لا شأن لها بالقصة، وحجم الحوت ~~موجود في القصة، فهو حوت استطاع أن يبتلع رجلا بأكمله، فبماذا يمكن ~~أن تصف حجمه بأدق من هذا وأشمل؟ وهكذا. # إن السرد في هذه الآيات القليلة يحقق مبدأ الاقتصاد الفني بأجمل ~~ما يمكن أن يتحقق. وقد يقول البعض: إن الواقعية حين بدأت كانت تحرص ~~على التفاصيل. ولعل هؤلاء لا يدركون أن الواقعية نفسها قد تطورت، ~~وأصبح القصاص اليوم يكتفي ببعض خطوط عريضة تحدد ملامح الصورة، ~~وعلى الأحداث بعد ذلك أن تكمل الملامح إذا كان لا بد لها أن ~~تكتمل. # ذلك لأن الواقعية حين بدأت وأعجب الناس بها كان القارئ غير قارئ ~~اليوم. لقد كان القارئ يريد من الكاتب أن يخلق له الجو الذي يحيط ~~بالقصة حتى يعيش فيه مع أشخاص القصة، فيصبح القارئ وكأنه بطل من أبطال ~~الأحداث، وإن كان بطلا محايدا لا يجري الأحداث، وإنما يجري معها ~~مشاهدا. # أما قارئ اليوم فقد أصبح من الصعب خداعه وأصبح الكاتب يترك لقارئه ~~أن يخلق هو الجو الذي يظن أنه يجمل بالقصة أن تدور فيه. وهكذا أصبح ~~القارئ اليوم يشترك مع المؤلف، وأصبحت متعة القراءة أكبر؛ لأن ~~القارئ يحس الآن أنه عنصر من عناصر العمل الفني الذي يقرؤه، وهذا ~~التغيير في شكل القصة وفي نوع القارئ لم يطرأ إلا في السنوات القريبة ~~الماضية. حين أصبح القارئ أكثر تحضرا، وأكثر ألفة بالفن ~~القصصي. # | السمو الفني في قصة لوط # كيف يستطيع القاص أن يقول ما يشاء في أروع لفظ وأشرفه، مهما يكن ~~الموضوع الذي يتناوله؟ وقصة لوط قصة تستطيع أن تمد القصاصين ~~الذين يريدون الكسب التجاري بمادة لا تنفد، ولكن روعة العرض القرآني ~~جعلتها قصة عفيفة بألفاظها أنصع ما تكون العفة. # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم ~~بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن ~~جاء بعجل حنيذ * فلما رأى ~~أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ~~* وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن ms48 وراء إسحاق يعقوب ~~* قالت يا ويلتى أألد وأنا ~~عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب ~~* قالوا أتعجبين من أمر الله ~~رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه ~~حميد مجيد * فلما ذهب عن ~~إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط * إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب * يا إبراهيم أعرض ~~عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود * ولما ~~جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ~~وقال هذا يوم عصيب * وجاءه ~~قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر ~~لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد * قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ~~ما نريد * قال لو أن لي بكم ~~قوة أو آوي إلى ركن شديد * ~~قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت ~~منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما ~~أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح ~~بقريب * فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من ~~سجيل منضود ~~(سورة هود: من آية 69-82). # وقد ذكر لوط كثيرا في آيات القرآن الكريم. وكل الآيات ذكرت ~~القصة ولكن في هذه العفة. وقد يقول قائل: وماذا كنت تنتظر من رب ~~العالمين إلا العفة؟ وإنما أريد أن أقدم هذه الآيات للقصاصين إن ~~كانوا جادين في فنهم. # فإنهم يستطيعون أن يقولوا ما شاءوا وينسربوا إلى نفوس قرائهم بما ~~يعن لهم، ولكن في لفظ كريم متسام يقع من نفس القارئ موقعا يتفق ~~مع جلال الفن ورفعة شأنه. وإني عارض عليك القصة نفسها، كما وردت في ~~سورة الشعراء، وقد وضح فيها القرآن الكريم ما لم يوضحه في سورة ~~هود، ولكن نفس العفة وسمو اللفظ. # إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون * إني لكم رسول أمين ~~* فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين * ~~أتأتون الذكران من العالمين * ~~وتذرون ما خلق لكم ربكم ms49 من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم ~~تنته يا لوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين ~~* رب نجني وأهلي مما ~~يعملون * فنجيناه وأهله ~~أجمعين * إلا عجوزا في ~~الغابرين * ثم دمرنا ~~الآخرين ~~(سورة الشعراء: من آية 161-172). ms50