######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.ShucacMinAmal.Hindawi81730979 #META# Tags: novels #META# ID: 81730979 #META# Title: شعاع من الأمل #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # | شعاع من الأمل # | شعاع من الأمل # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # صلى الحاج سيد العزوني المغرب ~~في بيته وقام عن السجادة، وجلس إلى كرسيه الأثير في بهو بيته بقرية ~~هندامة، وراح يسبح في قنوت وإخبات، حتى إذا استكمل ما يفرضه على ~~نفسه من تسبيح بعد الصلاة مد يده إلى المصحف الذي يحرص أن يكون ~~دائما بجوار كرسيه، وراح يقرأ في صوت لا هو بالجهير ولا هو بالخافت، ~~ولم تطل به القراءة فقد سمع طرقا على الباب الرئيسي فتمتم: «صدق ~~الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله.» ثم صاح: يا بدوية. # وظهرت بدوية من داخل الدار وهي تصيح: نعم. ~~- شوفي من يخبط بالباب. # وفتحت بدوية الباب وكان واقفا إزاءه طلبة عمران الذي صاحت بدوية ~~باسمه لتعلن سيدها به، فقال متوخيا أن يرفع صوته؛ ليسمع القادم ترحيبه ~~به: يا أهلا وسهلا ومرحبا. # ودخل طلبة، رجل في الخمسين من عمره، يرتدي الجلباب البلدي، وفوقه ~~معطف واضح لمن يراه أنه رجل يحترم نفسه ويعتني بمظهره. # جلس إلى الحاج سعيد الذي كان يرتدي هو أيضا جلباب البيت ومعطفا، ~~ولو أن ما كان يرتديه ساعة ذاك لا يمثل حقيقة ملبسه. # فهو عند الخروج من البيت يتخذ الملابس الإفرنجية رداء له. # فالحاج سعيد حاصل على الابتدائية القديمة، وقد ورث عن أبيه أربعين ~~فدانا، وكان هو الوارث الوحيد، فحين مات أبوه لزم الأرض وأتقن ~~زراعتها، وأصبحت الأربعون فدانا خمسين ومعها مال موفور سائل. # ولم يكن ms01 لسعيد هم في الدنيا إلا استثمار أرضه وزيادة أمواله بكل ~~الوسائل، كما كان أيضا حفيا بزوجته عايدة وهي ابنة عمه، تزوجها ~~في حياة أبيه الذي شهد مولد ابنيه بهجت ومجدي. # تبادل الرجلان الجمل المعتادة ولم تطل بهما المجاملات، وبدأ طلبة ~~الحديث فيما جاء بشأنه. ~~- صليت بنا على النبي. ~~- عليه الصلاة والسلام. ~~- أنت تعرف طبعا الخسارة التي حدثت لي العام الماضي في ~~تجارتي. ~~- التجارة يا طلبة يا حبيبي فيها المكسب والخسارة، وأنت سيد ~~العارفين. ~~- معك حق يا حاج، ولكن خسارتي كانت شديدة. ~~- أعرف ذلك. ~~- وأريد أن أعوض هذا العام. ~~- بارك الله لك. ~~- بارك الله لك. ~~- حفظت، ولكن الفلوس مقصرة. ~~- كان عليك يا طلبة ألا تغامر بكل رأس مالك. ~~- التجارة مجنونة يا حاج سعيد، وكلما خسر التاجر استمر في المضاربة، ~~وزاد حرصه على أن يظل بالسوق، في محاولة منه لتعويض الخسارة أو ~~تحديدها على الأقل. ~~- المهم ربنا إن شاء الله يكرمك هذا العام. ~~- ليس لنا إلا وجهه يا حاج. # وهمست نفس سعيد له موجهة حديثها الصامت إلى طلبة: ما دام ليس ~~إلا وجهه فلماذا جئت إلى هنا يا كذاب يا منافق؟! المهم لنسمع ماذا ~~تريد، ولو أنني متأكد من النهاية التي سينتهي إليها حديثك. وكان طلبة ~~في فترة الهمس هذه يغمغم بما لم يسمع سعيد الذي أفاق من سرحته، ~~قائلا وكأنه ما حادث نفسه: سبحانه! ~~- إلا أنه جل شأنه جعل لقدره أسبابا. ~~- طبعا. ~~- من أجل هذا جئت لك. ~~- وصلنا، ولو أنك تأخرت كثيرا. # ثم أبان قائلا: يا مرحبا. ~~- تسلفني؟ ~~- وما له؟ ~~- خمسة آلاف جنيه. ~~- مرة واحدة؟ ~~- السوق متوحشة وإن لم أبدأ مبكرا برش العرابين تضيع علي ~~السنة. ~~- ولكن المبلغ كبير جدا. ~~- ليس بالنسبة لك. ~~- وهو كذلك؛ على أن ترد الخمسة ستة. ~~- ماذا؟ ~~- ما سمعت. ~~- أنا أعرف أنك تسلف بالفائدة، ولكن لم أتصورها فاحشة إلى هذا ~~الحد. إنني سأرد المبلغ بعد شهرين أو ثلاثة على الأكثر. ~~- ليس هذا من شأني ... هذا شأنك أنت. ~~- أتكون حاجا ومقيما للصلاة وقارئا للذكر الحكيم وتسلف ~~بالربا؟! ~~- أعوذ ms02 بالله بيننا وبين الربا ... حد الله ... أعوذ بالله ... أعوذ ~~بالله ... إذا كنت تعتبره ربا فلا داعي للعملية كلها، ونفضها ~~سيره. ~~- يا عم الحاج سعيد، إذا لم يكن هذا هو الربا فماذا يمكن أن ~~يكون؟ ~~- مشاركة معك في التجارة. ~~- أنعم وأكرم، فهل تخسر معي إذا خسرت؟ ~~- ما هذا الذي تقول؟! أهذا كلام معقول؟! ~~- فكيف تكون مشاركة إذا لم تتحمل الخسارة كما تستفيد ~~بالربح؟! ~~- وكيف أتحمل الخسارة وأنت وحدك الذي تعمل في السوق؟! ~~- اعمل معي. ~~- وهل أنا تاجر؟ ~~- المسألة بسيطة ... تصبح تاجرا. ~~- أنا لا أعرف في التجارة شيئا ... ~~- إذن. ~~- إذن أعطيك المال وشأنك والسوق، إذا كسبت عشرين ألفا مبروكة ~~عليك، فقط ترد لي مالي ومعه شيء مما ربحته. ~~- فإذا خسرت؟ ~~- إنك أنت الذي تتاجر. ~~- أهذا كلامك الأخير؟ ~~- وليس عندي غيره. ~~- متى أجيء إليك لآخذ المبلغ؟ ~~- أنا تحت أمرك. ~~- بكرة. ~~- اجعلها بعد بكرة. ~~- وهو كذلك، ولو أنك كنت قاسيا علي كل القسوة. ~~- بالربح إن شاء الله. ~~- كله بأمره، البنك كان أرحم. ~~- البنك لا يسلف إلا ملاك العقارات فأي بنك تقصد؟ ~~- المهم بعد بكرة إن شاء الله. ~~- إن شاء الله. # وحين خلا الطريق بطلبة راحت الهواجس تدور بنفسه غاضبة ثائرة على ~~هذا الرجل، الذي يقرض بالربا الفاحش ولا يكتفي بهذا، بل هو في جحود ~~يحلل الذي يفعله وينفي عنه الاعتداء على حدود الله. # عاد الحاج سعيد إلى قراءة المصحف ولم يطل به الوقت؛ فقد أتى إليه ~~ابنه بهجت فختم قراءته والتفت إلى ابنه. ~~- أهلا. أين كنت من الصبح؟ ~~- أقطع الوقت الطويل الممل مع أصحابي. ~~- وماذا بعد؟ ~~- إني أنا الذي أسألك: ماذا بعد؟ ~~- هل أنت مصمم على رفض ما أعرضه عليك؟ ~~- يا أبي، مستحيل! وهل أخذت شهادة الحقوق لأشرف على زراعة الأرض، ~~كان أولى بي أن أبقى هنا، ولا أدخل كلية الحقوق، وإن كان لا بد من ~~تعليم عال كنت أذهب إلى كلية الزراعة، ولو أن هذا مخالف لميولي كل ~~المخالفة. أما الأرض فالبركة فيك وفي أخي مجدي. ~~- كان عندي أمل أن تتخرج بتفوق فتعين ms03 في النيابة، ثم تصبح ~~قاضيا. ~~- يا أبي، أنا لا أريد أن أكون قاضيا. ~~- هل هناك خريج حقوق يرفض أن يكون قاضيا؟! ~~- أنا. ~~- عجيبة! ~~- ولا عجيبة ولا حاجة؛ القاضي يظل تلميذا طول حياته. ~~- ماذا؟ ماذا تقول؟! ~~- أليس عليه أن يدرس القضايا وينظر في الأحكام السابقة، ورأي الفقهاء ~~ومختلف التفسيرات للمواد التي تنطبق على القضية؟ ... مصيبة ~~سوداء. ~~- إذن، لماذا وافقت على كلية الحقوق؟ ~~- أولا: إطاعة لك، وثانيا: لم أكن راغبا في دراسة أخرى، وما دام ~~الأمر شهادة فلتكن الحقوق وشأنها عندي شأن أي شهادة أخرى. ~~- إذن، أنت مصمم على وظيفة. ~~- أي وظيفة؛ فإن الفراغ سيقتلني. ~~- لماذا لا تقرأ مثلا؟ ~~- يا أبي، لو كنت أحب القراءة لتخرجت في الكلية بتفوق. أنا لا ~~أجد متعة في القراءة، وكنت أذاكر الكتب وأنا في غاية الضيق بها، فكيف ~~أقرأ باختياري؟ ~~- المهم، ماذا تريدني أن أفعل؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- أعرف وأمري إلى الله، ولو أن كمال باشا ليس في الوزارة ~~الحالية. ~~- كمال باشا وجدي نفوذه خارج الوزارة مثل نفوذه في الوزارة. ~~- على رأيك. ~~- اعمل معروفا يا آبا، إن لم تكن عونا لابنك فلمن تكون؟ ~~- توكل على الله. ~~- متى تسافر؟ ~~- أنا مشغول بكرة وبعده، أسافر بعد ذلك إن شاء الله. ~~- وهو كذلك. ~~- توكل على الله. ~~- المهم يعرف الباشا أنك مهتم بالأمر، وأنك لا ترجوه لمجرد أداء ~~واجب. ~~- ستكون راضيا بإذن الله. ~~- يا رب. # | الفصل الثاني # كمال باشا وجدي من الوزراء الذين لا ينتمون لأحزاب، وهكذا كان يصل ~~إلى كرسي الوزارة كلما تألفت وزارة مستقلة، أو إذا أرادت إحدى ~~الوزارات الحزبية أن تستفيد بخبرته الفائقة في شئون البورصات أو ~~الشركات المساهمة. # وقد كان عضوا بكثير من مجالس إدارة الشركات، حتى إذا دخل الوزارة ~~ترك مكانه من مجالس الشركات، التي كانت تصر على أن تحتفظ بكرسيه ~~خاليا حتى يعود إليه. # وأسرة كمال باشا وجدي مكونة من زوجته تفيدة هانم المعايرجي، وهي ~~سيدة واسعة الثراء، وكانت أثيرة لدى زوجها، لا يرد لها طلبا، وكان ~~هو يشرف على أملاكها زراعية كانت أو كانت ms04 أموالا سائلة أو أسهما ~~لشركات. # ولكمال باشا ثلاث بنات من زوجته التي لم يتزوج غيرها، هن كريمة ~~وسعدية وميرفت. # وليس لكمال باشا أولاد، وقد كان رجلا منفتح العقل فلم يعنه في شيء ~~ألا يكون له أولاد. # ولما كان يدري أن زوجته تفيدة هانم مشغولة كل الشغل بحياتها ~~الاجتماعية، كما يدري أنه هو أيضا من حياته العامة في زحمة من العمل، ~~ولما كان حريصا أن تكون بناته على درجة عالية من الثقافة وإتقان ~~اللغات، فقد رأى ووافقته زوجته أن يدخل البنات في باكورة حياتهن ~~إلى مدرسة «السكركير» في القسم الداخلي. # ولم يكن أهل ذلك الزمان يعنون أن يحصل البنات على شهادات عالية، ~~خاصة إن كانوا على قدر من الثراء يرفع عن كاهل البنات أن يسعين إلى ~~العمل بشهاداتهن. # وحين ذهب الحاج سعيد إلى كمال باشا كانت كريمة متزوجة من ممدوح بك ~~زيدان، وكانت هي في الثالثة والثلاثين من عمرها، وكان زوجها في ~~الأربعين، وكانا قد تزوجا منذ عشر ~~سنوات، ولم ينجبا وقاما بالفحوص المفروضة في مثل هذه الحالات، فتبين ~~لهما أنه ليس لدى أحد منهما أي مانع لحدوث الحمل، فانتظر كلاهما أمر ~~الله في إيمان وأمل. # وكانت سعدية متزوجة من وحيد القناوي الذي يعمل سكرتيرا بوزارة ~~الخارجية، وكانت سعدية في الخامسة والعشرين من عمرها ووحيد في الثانية ~~والثلاثين، وقد أثمر زواجهما ولدين، هما فريد وصبحي. أما ميرفت فقد ~~كانت تصغر سعدية بعامين، وكان زوجها حمدي عمران يعمل مراجعا ~~حسابيا بالبنك الأهلي، وقد أنجبا بنتا هي إنجي، وولدين هما سراج ~~وسمير. # وكانت صلة الحاج سعيد بكمال باشا وطيدة، بما كان لتفيدة هانم من ~~أراض بناحية هندامة، حيث الحاج سعيد وأرضه. # فقد كان كمال باشا كثيرا ما يطلب منه الإشراف على بعض الأمور ~~الزراعية، وكان الحاج سعيد يقوم بمطالب الباشا خير قيام. # فلم يكن غريبا أن يسعى الحاج سعيد إلى كمال باشا ليعين له ابنه ~~في إحدى الوظائف الإدارية، التي يرى بهجت أنه لا يصلح لغيرها، وسأل ~~كمال باشا: ومتى تخرج بهجت يا ms05 حاج سعيد؟ ~~- العام الماضي يا معالي الباشا. # وصمت الباشا قليلا، ثم تحدث في أناة وتدبر: والله أنا أفكر له في ~~شيء ... على كل حال أحضره إلي الأسبوع القادم، وربنا يهيئ ~~الخير. # ومضى الأسبوع، وصحب الحاج سعيد ابنه إلى كمال باشا في القاهرة، وكان ~~بهجت شابا في الرابعة والعشرين من عمره، فتي الجسم، ليس في ملامحه ~~ما يمكن أن يجعله يوصف بالجمال، كما أنها بعيدة عن القبح، إنما وجهه ~~من ذلك النوع الحيادي الذي لا يجعلك تلحظ من شأنه معالم خاصة ... إنه ~~وجه مثل سائر الوجوه تراه وما تلبث أن تنساه، وكأنك ما رأيته، سأله ~~كمال باشا: لماذا لا تريد أن تعمل بالمحاماة ما دمت لم تستطع أن ~~تعين في النيابة؟ ~~- أنا يا معالي الباشا - حتى أكون صريحا معك - أكره المذاكرة وكثرة ~~القراءة والدراسة، والمحامي إن لم يكن صبورا قادرا على هذه الأمور ~~ففشله مؤكد. ~~- أنا مسرور من صراحتك أولا، كما أني مسرور من معرفتك ما تحسن ~~وما لا تحسن. ~~- أطال الله عمرك يا معالي الباشا. ~~- أنت تعرف أن التعيين في الحكومة صعب؛ فالحرب لم تترك بلدا إلا ~~وجعلت ميزانيتها واقتصادها مضطربين كل الاضطراب. ~~- لو لم نكن نعرف أن الأمر صعب ما لجأنا إلى معاليك. ~~- هل أنت مصمم أن تعمل بالحكومة؟ ~~- يا معالي الباشا، أنا أملي أن أعمل فقط. ~~- اسمع يا حاج سعيد، أحضر ابنك وتعاليا إلي بعد غد. # وإن شاء الله ستسمعان خيرا. # وجاء الرجل وابنه في الموعد الذي حدده الباشا فطالعهما. ~~- أنا عينت بهجت في شركة الغزل الاقتصادي التي أعمل عضوا بمجلس ~~إدارتها. # وصاح بهجت: أطال الله عمرك يا معالي الباشا. # وقال الحاج سعيد: كنت واثقا أنك لن تخيب لي رجاء. # وفاجأهما الباشا بقوله: أنا لم أكمل كلامي. # وقال الحاج سعيد: وهل بعد هذا كلام يا معالي الباشا؟ ~~- أهم من الذي قلته. ~~- تحت أمرك. ~~- أنا أريد لنفسي سكرتيرا خاصا يرتب أوراقي بالبيت، ويتابع ~~حساباتي وحسابات الهانم، ولا أجد أحدا أثق فيه مثل ابن الحاج ~~سعيد. # وقال بهجت: هذا شرف ms06 كبير، وأي فرصة للتعليم أكبر من أن أكون بجانب ~~معاليك؟ إن فرحي بهذا أعظم من فرحي بالوظيفة الرسمية. ~~- ستتسلم عملك غدا في الشركة، وعليك بعد ذلك أن تأتي إلى هنا ~~مباشرة، وستجد غداءك جاهزا تتناوله وتنتظرني حتى أصحو من القيلولة، ~~وسأريك ماذا أريد منك. ~~- وهو كذلك يا معالي الباشا، أمرك نافذ. # وقال الحاج سعيد: أكرمك الله يا معالي الباشا، كما أكرمتني في ~~ابني. # | الفصل الثالث # تسلم بهجت عمله بالشئون القانونية في شركة الغزل الاقتصادي. وقد ~~استقبله رئيس القسم فتحي البرديسي بكل ترحاب؛ فهو يعرف من الذي عينه، ~~ويعرف ما للباشا من مكانة وسطوة في الشركة. وهكذا كان فتحي أحرص ما ~~يكون على التقرب من الباشا، ومن كل ما يمت إليه بصلة، سأل فتحي: ~~ماذا تريد أن يكون اختصاصك؟ # وفي خبث شديد قال بهجت: أتريد أن أكون صريحا معك؟ ~~- كأني أخوك الأكبر، هل لك أخ أكبر؟ ~~- لي أخ اصغر، ولكني سأعتبرك والدا في المقام لا في السن. ~~- أنعم وأكرم ... ~~- هل أصارحك؟ ~~- فقط لا بد أن تعلم أنني سأعرفك من كلامك، إن كنت صريحا حقا أم ~~تريد أن تخدعني. ~~- المؤكد أنني لست غبيا لدرجة أن أتصور أنك وصلت إلى مكانك ~~هذا، إذا لم تكن غاية في الذكاء واللماحية. ~~- دع عنك التمدح بي؛ فأنا محصن ضده بموهبتي وخبرتي في وقت ~~معا. ~~- أنا واثق من هذا. ~~- إذن تكلم بلا مقدمات. ~~- الحقيقة أنا درست الحقوق دون أن أكون راغبا فيها. ~~- عظيم، وماذا ترى؟ ~~- إذا أبعدتني عن الدراسة وكتابة المذكرات فستخرج مني أحسن ما ~~أتقنه. ~~- وطبعا النزول إلى المحاكم. ~~- أنا في عرضك. ~~- فهمت. ~~- الحمد لله. ~~- إنني أكاد أعرف فيما سأنتفع بك. ~~- ستجدني عند ظنك بي في كل شيء، ما عدا ما ذكرته لك. ~~- توكل على الله. # وضغط فتحي على زر الجرس وجاء الساعي فقال له: ضع مكتبا جديدا في ~~قسم العقود ليكون مخصصا للأستاذ بهجت. ~~- أمرك يا أفندم. # وقال بهجت: أقوم معه. ~~- ابق معي حتى يعد لك المكتب. ~~- وأسعدت الجملة الأخيرة بهجت، وجعلته يحس أنه بسبيله ms07 أن ينال ~~حظوة عند رئيسه، وانتهز الفرصة وراح يروي له عن أسرته كل شيء، مدركا ~~أن مثل هذا الحديث يزيده قربا إلى رئيسه. # ولم يمض كثير وقت حتى كان بهجت جالسا على مكتبه الجديد، وبدأ ~~يتعرف على زملائه في قسم العقود. # كانوا ثلاثة نفر؛ أحدهم فوزي عمران خريج الحقوق، ويسبقه في التخرج ~~بثلاثة أعوام، والآخر رجب توفيق، ويسبقه في التخرج بسنتين، أما الثالث ~~فهو شحاتة عبد الكريم، وهو حاصل على البكالوريا، ويعمل كاتبا ~~بالقسم. # واستطاع بهجت بعد فترة وجيزة أن يتقرب من زميليه، ويزيل الجمود ~~الذي يرين دائما على الموظف الجديد، ويجعل استقباله من سابقيه ~~مشوبا بكثير من الحيطة والحذر، ولم ينس أن ينادي شحاتة بيا عم ~~شحاتة حتى يسقط عنه الخشية، التي توقع بهجت أن تداخل هذا ~~الموظف الكبير السن، الذي لم يحصل على شهادة عالية، ويجلس في نفس ~~الوقت مع شباب متخرجين في كلية الحقوق. انتهى اليوم الأول لبهجت ولم ~~يكن إلا يوم تعارف وصلات، جاهد جهادا حثيثا أن تكون ودية، سواء ~~كان ذلك مع رئيسه أو زميليه أو حتى الكاتب الذي من المفروض أن يكون ~~مرءوسا له، وذهب إلى بيت الباشا بجاردن سيتي، وما إن فتح إدريس كبير ~~الخدم الباب وتعرف عليه، حتى تبين بهجت أن الأوامر كانت صادرة ~~للخادم بكل شيء. # صحبه إدريس إلى غرفة المكتب وسأله: هل تحب أن آتي لحضرتك بأي شيء ~~قبل الغداء؟ ~~- لا، شكرا. ~~- هذه صحف اليوم، تسل بها حتى أعد المائدة. # ولم يطل انتظار بهجت؛ فسرعان ما عاد إليه إدريس يدعوه إلى غرفة ~~المائدة، وعرف بهجت أن الباشا وأسرته يتناولون طعامهم دائما بالدور ~~الأعلى من القصر. كان الغداء جديرا ببيت كمال باشا، حتى إذا انتهى منه ~~عاد إلى غرفة المكتب وإلى الصحف، حتى يصحو الباشا من نومة ~~القيلولة. # كان بهجت وأبوه يبيتان في فندق العتبة، وكان الاتفاق بينهما أن ~~يلتقيا هناك بعد أن يفرغ بهجت من عمله الجديد، فما إن أذن الباشا لبهجت ~~بالانصراف حتى ذهب إلى أبيه، الذي وجده منتظرا ms08 في بهو الفندق الصغير، ~~وبادره أبوه: هيه ما الأخبار؟ ~~- كلها خير، والحمد لله. ~~- وعندي ما يكمل لك هذا الخير، إن شاء الله. ~~- هل من جديد؟ ~~- طبعا، لا بد لك من سكن. ~~- صغير. ~~- والله أنا قدرت أنني قد أحضر إليك أنا ووالدتك وأخوك، فقلت ~~أؤجر شقة بها ثلاث غرف وبها أيضا حجرة استقبال، أما السفرة فتكون في ~~البهو. ~~- إيجارها سيكون كبيرا. ~~- أنا المسئول عن إيجارها. ~~- عظيم. ~~- وأظنك لا تحتاج مني إلى شيء بعد هذا. ~~- أعتقد أن مرتبي من الشركة ومن الباشا سيكون فيهما ~~الكفاية. ~~- أظن ذلك. ~~- إلا إذا كنت محتاجا إلى كسوة أو ما شابه ذلك. ~~- لن نختلف. وهل معقول أن أتأخر عنك في كل ما تريده؟! توكل على ~~الله. ~~- أين هذه الشقة؟ ~~- في المنيرة بشارع خيرت ... هلم بنا إليها. ~~- شيء عظيم أنها ستكون قريبة من بيت الباشا. ~~- لن تحتاج إلى مواصلات. ~~- هلم بنا. # وقام الأب وابنه، وذهبا إلى عمارة في شارع خيرت، وهو شارع لا هو ~~ضيق حقير ولا هو واسع كل الاتساع، والعمارة في ذاتها نظيفة، وقال ~~الأب: الشقة في الدور الثاني حتى لا أتعب أنا ووالدتك في الطلوع ~~إليك. # ودخلا الشقة، وسر بهجت بها كل السرور، وقال له الأب: لن أعود إلى ~~البلد حتى أكون قد فرشت لك الشقة فرشا كاملا. ~~- أطال الله عمرك. # | الفصل الرابع # وطد بهجت مكانته في الشركة، وكان عمله يفسح له الطرق، ويمهدها ~~أن يتعرف إلى موظفين شتى بشركات ووزارات، وما هي إلا شهور قلائل ~~حتى كان قد أحكم الصداقات بعدد وافر من أقوام على قدر لا يستهان ~~به من الأهمية. # وربما كان أصدقاؤه بوزارة الحربية هم أقربهم إليه، ليس من العسكريين ~~فقط بل ومن المدنيين أيضا؛ فقد كان لهذه الوزارة معاملات واسعة مع ~~الشركة. # وبطبيعة هذه المعاملات كان للعسكريين والمدنيين بالوزارة أواصر ~~بالعقود التي تعقد مع الشركة، وقد أناط به رئيس قسمه الإشراف على ~~عقود هذه الوزارة. # وبطبيعة عمله اتصل بموظفين في شركات أخرى، واستحوذ على اهتمام ~~رئيسه وثقته. # ولم تعقه إجادة عمله ms09 بالشركة أن يجعل الباشا راضيا كل الرضا؛ فقد ~~استطاع أن ينظم أوراقه جميعا، وجعل للباشا وزوجته ولكل بنت من ~~بناته حسابا منفصلا، وخصص لأوراق كل منهم أماكن محددة حتى لا ~~تختلط الحسابات، وحتى يستطيع الباشا في لحظة من الزمن أن يتعرف على ~~ما يريد التعرف عليه من حسابات أي فرد من أفراد الأسرة. وقد استطاع ~~بهجت من خلال هذا التنظيم أن يعرف ثروة كل بنت من بنات الباشا الثلاث؛ ~~فقد اتضح له أن الباشا وزوجته قد باعا بعقود رسمية أغلب ما يمتلكانه ~~لبناتهما مقسما بينهن تقسيما عادلا، حتى لا ينال أحد من أقارب ~~الأبوين شيئا من الميراث. # كما تبين له أن كريمته الكبرى زوجة ممدوح زيدان أكثر البنات ~~ثراء بما لزوجها من أملاك شاسعة، حتى إنه لم يكن يعمل شيئا إلا أن ~~يدير أملاكه الخاصة. # أما وحيد قناوي الموظف بالخارجية فقد كان ابن أسرة عريقة في قنا، ~~ولكن عراقتها لم تتح لها من المال إلا ما يجعلها تعيش راضية في غير ~~بذخ فاحش ولا تقتير كز. # أما حمدي عمران زوج ميرفت فقد كان ابنا لفوزي عمران الموظف الكبير ~~بوزارة المالية، وكان يعيش من مرتبه وحوالي أربعين فدانا ورثها عن ~~أبيه، ولم يكن قد أنجب إلا حمدي، وإنما قبل كمال باشا حمدي زوجا ~~لابنته لصداقة وثيقة الأواصر تربط بينه وبين أبيه فوزي، ولم تكن ~~الصداقة وحدها هي الشفيع لهذا الزواج، بل ما يعرفه الباشا عن فوزي والد ~~حمدي، من خلق رفيع ونزاهة وحفاظ على الكرامة. # صارت أمور الأسرة جميعا واضحة لبهجت كل الوضوح، ولقد كان لما جبل ~~عليه من حب شديد لمعرفة أسرار الناس وخاصة الأثرياء منهم وذوي ~~الجاه، كان لهذا أثر بعيد في أن يتعرف على ثروات الأسرة جميعا فردا ~~فردا. # وقد ائتمنه الباشا على هذه الأسرار؛ لأنه لم يكن عنده شيء يخيفه؛ ~~فكل تصرفاته ناصعة النقاء. # وهكذا أصبح بهجت لصيقا بالباشا يعتمد عليه في خاصة شأنه، بل وفي بعض ~~أعماله العامة أيضا. # وهكذا لم يكن غريبا أن يختاره الباشا ms10 سكرتيرا خاصا له، حين وقع ~~عليه الاختيار ليكون وزيرا للتجارة. # واستطاع الباشا بنفوذه أن يحتفظ لبهجت بوظيفته في شركة الغزل مع ~~الوظيفة الحكومية التي يشغلها. # واستطاع بهجت بخبثه أن يجعل الشركة تقبل هذا الوضع راضية؛ فهو قد ~~أقنع أمجد علوان رئيس مجلس إدارة الشركة أن عمله مع الباشا في هذا ~~المكان سيتيح أن يستجلب عملاء جددا، مما يزيد أرباح الشركة زيادة ~~واسعة، واستطاع أن يقنعه أيضا أنه سيكون مع الباشا في الصباح، وفي ~~الشركة من بعد مواعيد العمل الرسمية بالحكومة، مقدرا أن العمل الذي ~~كان يقوم به بعد الظهر عند الباشا سيكون عمله الرسمي بالوزارة، وهكذا ~~سيكون في بقية يومه متفرغا لعمله في الشركة. # ولم يفت بهجت في إلحاحه أن يقول لرئيس مجلس الإدارة: يا أمجد بك، ~~أنت تعرف أن الوزارات في مصر سرعان ما تذهب، وأنت كما تعلم محتفظ ~~للباشا بعضوية مجلس الإدارة، فهل كثير علي أن تبقيني بوظيفتي مع ~~ما ذكرته لك من فائدة ستجنيها الشركة من الإبقاء علي. ~~- لم أكن أتصور أنك على كل هذا الذكاء ... توكل على الله، أنت في ~~مكانك من الشركة، فواجبي الأول أن تعتمد الشركة على موظفين لهم ملك ~~من لماحية ومهارة في الإقناع، لا شك أنها لا تتخلى عنك في كل ما ~~تقوم به من أعمال. واستقر الأمر على ذلك. # | الفصل الخامس # كان الحاج سعيد العزوني جالسا إلى زوجته الحاجة عايدة، وكان كلاهما ~~منتشيا بالحديث الذي يدور بينهما. ~~- بهجت يا حاجة أصبح أقرب شخص إلى الباشا بعد بناته وأزواج ~~بناته. ~~- بهجت طول عمره يعرف ماذا يريد، كما يعرف كيف يصل إليه. ~~- لك حق، مع أنني كنت أعارضه في مسألة الوظيفة، وكان هو مصمما ~~عليها. ~~- ألم أقل لك إنه يعرف ماذا يريد وكيف يحقق كل ما يفكر ~~فيه؟! ~~- وبالنسبة للزراعة، البركة في مجدي. ~~- وهل مجدي قليل؟ ~~- الحمد لله. ~~- ببركة ربنا ومجدي أرضك تنتج أحسن محصول ليس في بلدنا وحدها، بل ~~في الجيرة كلها. ~~- الشهادة لله، مجدي فلاح لم تجئ به ولادة. ~~- فلماذا لا ms11 تزوجه؟ ~~- ألا نزوج الكبير أولا؟ ~~- وماله نزوج الولدين. ~~- يا ستي يختاران هما، ونحن تحت أمرهما. ~~- أليس من الواجب أن تكتب لكل ولد بضعة أفدنة حتى يتقدم لعروسه ~~بعين قوية؟! ~~- يا أم بهجت، وهل سآخذ معي شيئا إلى الآخرة؟ ~~- أطال الله عمرك، ولكن أهل البنات يحبون أن يكون لمن يتقدمون ~~لبناتهم ملك باسمهم؛ فقد يخشى أهل العروس أن يغضب الأب على ابنه لا ~~قدر الله، فتصبح البنت وزوجها وهما لا يجدان اللقمة. ~~- ربنا يقدم الخير. # وطرق الباب وذهبت بدوية وفتحته وصاحت: الحاج طلبة يا ~~سيدي. # وهمس الحاج سعيد لزوجه: ادخلي الآن. # وقامت الحاجة عايدة، وصاح الحاج سعيد: يا مرحبا. # وجلس طلبة إلى الحاج سعيد: هل الأصل في جيبك؟ ~~- ولماذا يكون في جيبي؟ وهل كنت أعرف أنك ستجيء في هذه ~~الساعة؟ ~~- المبلغ اكتمل، ورأيت ألا يطلع عليه الصباح وهو معي. ~~- كانت سلفية مبروكة، وكسبت منها مكسبا كبيرا. ~~- الحمد لله، ربنا أرضاني. # وتسلم الحاج سعيد المبلغ، وقام وهو يقول: دقيقة واحدة، أحضر لك ~~الوصل. ~~- على راحتك. # وحين تسلم طلبة الوصل فاجأ الحاج سعيد بقوله: نحن لسنا في الدنيا ~~يا حاج سعيد. ~~- من المؤكد أننا لسنا في الآخرة. ~~- والله بالك رائق للهزار. ~~- إذا كنت تقول نحن لسنا في الدنيا. ~~- أتعتبر المكاسب التي أكسبها أنا من القطن، أو تكسبها أنت من الأرض ~~أو الر... أو التسليف مكاسب؟ ~~- ابن آدم لا يملأ عينه إلا التراب. ~~- تراب من يا عم؟ اصح وبص للدنيا حواليك. ~~- ماذا جرى يا طلبة؟ ~~- المكاسب التي سمعت عنها ورأيتها هبلتني. ~~- أي مكاسب ... مكاسب القطن؟ ~~- قطن من يا عم؟ ... اردم. ~~- أي مكاسب تقصد إذن؟ ~~- مكاسب البورصة. ~~- بورصة القطن؟ ~~- أنعم وأكرم! ولكن هذه بورصة لا يطيق الدخول فيها إلا العتاولة ~~الأشداء. ~~- فأي بورصة تقصد؟ ~~- بورصة الأسهم والسندات. ~~- الأسهم والسندات؟ ~~- نعم الأسهم، تعرفت في الإسكندرية على سمسار يعمل في بورصة ~~الأسهم، وحاول أن يغريني بشراء بعض أسهم الشركات. ~~- وقبلت؟ ~~- رفضت من خيبتي. ~~- أية خيبة؟ ~~- أتعرف أن الأسهم التي عرضها علي كسبت كم في ظرف ثلاثة أيام ms12 ؟ ... ~~عشرين ألف جنيه. ~~- فعلا، يا خيبتك! ولكن لماذا لم تشتر أسهما أخرى؟ ~~- ما معي لا يكفي التجارة والأسهم، فكرت جديا، ولكن المال ~~السائل عندي لا يستطيع أن يواجه تجارة القطن والأسهم في وقت معا، ~~وأنا في القطن طول عمري وأخاف أن أتركه، فلا أجد القوت الضروري. ~~- وصاحبك هذا أين تجده؟ ~~- هذا ما أريد أن أقوله لك. ~~- يعني تقصد؟ ... ~~- وهل في هذا كلام؟ ~~- نذهب إلى الإسكندرية. ~~- هو مكتبه في القاهرة. ~~- نذهب إليه. ~~- ولماذا تذهب؟ بثمن التذاكر أقم للرجل وليمة وأنا أجيء به ~~إليك. ~~- وهو كذلك ... متى؟ ~~- غدا أفوت عليك في المغربية وأخبرك بالموعد. ~~- على بركة الله، ولكن كيف ستتصل به؟ ~~- لماذا خلقت التليفونات إذن؟ ~~- معك رقمه؟ ~~- وعنوانه. ~~- إذن إلى الغد. # وتحدد الموعد، ولبى نعيم وهبة دعوة الغداء التي أقامها الحاج ~~سعيد، وطبعا كان في رفقته طلبة عمران. # وبدأت المناقشات، وما لبث أن اقتنع سعيد بجدوى الإقدام على هذا ~~الميدان. # | الفصل السادس # أصبح بهجت كل شيء في المعاملات سواء بالشركة أو بالوزارة، وتوثقت ~~صلاته مع الجميع، وقد حرص ألا يجد فرصة للتعرف على الموظفين ~~الذين يتولون المناصب الحساسة في الوزارات والشركات إلا ~~اهتبلها. # غير ملق بالا إلى الوزراء ~~الذين كانوا يغدون إلى الباشا في مكتبه أو رؤساء مجالس إدارة ~~الشركات. الوزير إن كان وزيرا اليوم فهو في الغد جالس بالمقهى، وكذلك ~~الحال مع رؤساء الشركات؛ فإنهم وصلوا إلى أعلى السلم، فلم يبق ~~أمامهم إلا الخروج ليحل آخرون محلهم. # إنما الحزم أن أصرف همي كله إلى الشباب الذي سيصبح في الغد ~~مسيطرا على كل شيء؛ فسني الآن لا تتيح لي إلا أن أعمل لحساب نفسي، ~~فلماذا أبذل الجهد مع الوزراء ورؤساء مجالس الإدارة؟ إنما الآخرون ~~البعيدون عن الأعين والذين في أيديهم عصب الشئون المالية والإدارة، هم ~~الذين ينبغي أن أجعل منهم أقرب الأصدقاء. # بينما كان بهجت في مكتبه بالوزارة إذا به يفاجأ بممدوح زيدان قادما ~~إليه، فهب واقفا وكان طبعا قد تعرف به والتقى كل منهما بالآخر ~~مرات كثيرة بمنزل الباشا. # وسارع بهجت ms13 قائلا: أهلا ممدوح بك، شرفت، أتريد الباشا؟ ~~- أهلا يا بهجت، استرح، أنا أريدك أنت لا الباشا. ~~- أنا؟! ~~- نعم أنت، وهل أنت؟ وهل أنت قليل؟ وأريدك في شيء مهم أيضا. ~~- اعتبره تم. ~~- هكذا دون أن تعرفه؟ ~~- يكفي أنه أمر صادر منك. ~~- هذا هو العشم ... فأنت أخ عزيز. ~~- العفو يا سعادة البك، هذا تفضل منك لا أستحقه. ~~- اسمع يا عم بهجت. ~~- أذني وقلبي تحت أمرك. ~~- أنا عندي أعمال كثيرة متشعبة، والباشا يمدح نشاطك وإخلاصك، ~~والأمر لا يحتاج إلى دليل؛ فقد اختارك أنت بالذات لتكون سكرتيرا ~~له. ~~- الباشا رجل عظيم، وأنا أتعلم منه الكثير. ~~- أنا أريدك أن تشرف على أعمالي في أوقات فراغك، وسيكون مرتبك مني ~~مثل المرتب الذي تتقاضاه من الباشا لتراعي شئونه الخاصة. ~~- أنت رجل عظيم يا ممدوح بك، والعمل معك يزيدني شرفا، ومسألة ~~المرتب ليست مهمة. ~~- بل مهمة كل الأهمية؛ فالمرتب يجعلك تشعر أن الأمر جد، وأنك تقوم ~~به مقابل مال، وأي عمل لا يكون مقابله مال لا يتسم بالجدية. ~~- متى تحب أن تبدأ العمل؟ ~~- سعادتك تعرف أنني أذهب إلى الشركة بعد الظهر. ~~- أعرف. إنما أريدك بعد السابعة. ~~- وهو كذلك. ~~- خاصة أن عملك معي أغلبه سيكون متابعة القضايا الخاصة بي مع ~~المحامين، المحامون لا يكونون في مكاتبهم إلا في المساء. ~~- المحامون ... هل هم أكثر من واحد؟ ~~- ثلاثة، حتى لا يشعر واحد منهم أنه يستطيع أن يتراخى في أعمالي وفي ~~الدعاوى المرفوعة مني أو علي. ~~- بسم الله، ما شاء الله، تفكير سليم ... أكون عند سيادتك غدا الساعة ~~السابعة. ~~- وأنا في انتظارك. # وأتاح عمل بهجت مع ممدوح الفرصة له أن يعرف كل شيء عن أمواله، كل هذا ~~وليس له ولد، له في ذلك حكم! والعجيبة أنه رجل لطيف ومستقيم، وكلما ~~عرضت عليه عملية ظن أنها غير سليمة أو فيها شك أو فيها ظلم لأحد ~~أبى أن يقبلها أو يقترب منها. سبحان مقسم الأرزاق! كل هذه الأموال ~~وليس له ولد، والفقراء ينوءون بكثرة العيال. # كانت العلاقة بين ممدوح وزوجته كريمة ودودة راضية سلسة ms14 ؛ فقد كان ~~كل منهما يحب الآخر ويحترمه، ويحرص على إرضائه؛ فممدوح كان يتحرى ~~أن يغدق المجوهرات على كريمة، وكأنه يريد أن يعوضها بذلك عما ~~حرمها الله. # وكانت هي لا تني عن الذهاب إلى الأطباء بأمل أن يهب الله لها ~~مولودا، ذكرا كان أم أنثى؛ ليشيع السعادة في البيت الثري المحروم من ~~الهناء. # وقد سافرت مع زوجها ست مرات إلى أوروبا سعيا وراء أطبائها؛ لعل ~~واحدا منهم يحقق لهما هذا الأمل ... وكان ممدوح يبادر إلى الاستجابة ~~إلى رغبتها في السفر كلما أبدتها. # كانا جالسين بغرفة المعيشة في بيتهما الضخم المليء بالتحف، ~~والمكون من طابقين بمصر الجديدة. ~~- ممدوح. ~~- أفندم. ~~- سمعت عن طبيب جديد في باريس. ~~- وماله ... متى تريدين السفر؟ ~~- إن كان الأمر متروكا لي فمن اللحظة التي نحن فيها. ~~- في أي يوم نحن من أيام الله؟ ~~- اليوم الأحد. ~~- نسافر الأحد القادم، إن شاء الله. ~~- صحيح؟ ~~- وهل تأخرت عنك في طلب أبدا؟ ~~- أطال الله لي عمرك. ~~- آه! ~~- ماذا؟ ~~- ألم شديد ... شديد يا كريمة. # راح ممدوح يستجدي أنفاسه من الهواء في جهد عنيف، وسارعت كريمة إلى ~~التليفون، وما هي إلا دقائق حتى كان الأطباء يزحمون البيت، ولكن ~~الموعد كان قد حل ... استرد الروح واهبها، وصدق الشاعر: # إذا حم القضاء فلا أساة # فقد يجري القضا بيد الأساة # ولو أن الأطباء في هذه المرة كانوا أبرياء من موت ممدوح؛ فقد كانت ~~أزمة قلبية حادة، وكان أمر الله، وما شاء تم. # | الفصل السابع # كان من الطبيعي أن يتولى بهجت شئون التركة جميعا؛ فقد كان الباشا ~~يعلم أنه يعمل مع ممدوح، فهو إذن على خبر بأمور ثروته، كما أن الباشا ~~كان من المفروض أن يجعل سكرتيره هو المشرف على مصالح ابنته. وهكذا ~~اجتمعت في بهجت الصفتان من قربه للباشا ومن عمله مع ممدوح. وقد ~~أطلقت له كريمة الحرية المطلقة في أن يتحدث باسمها مع الورثة ~~الآخرين؛ فممدوح انتقل إلى رحاب الله في سن باكرة، ولم يكن يفكر في ~~الموت مطلقا، وإلا لتحرى أن يخص زوجته الحبيبة بنصيب وافر ms15 من ~~ثروته، وكريمة نفسها لم تكن تفكر في هذا الأمر مطلقا، ولم يخطر ~~بذهنها لحظة أن تطلب إليه شيئا يتصل بالثروة. # وهكذا توزعت الثروة على أقارب ممدوح، ولم يكن لكريمة إلا حق ~~الربع في هذه الثروة العريضة. وقد جاهد بهجت أن تتخارج كريمة ملكية ~~البيت الذي كانت تعيش فيه مع زوجها إلى جانب عمارة بشارع قصر النيل ~~وخمسين فدانا من الأرض الجيدة. # وحين عرف الباشا بما توصل إليه بهجت أقره ونصح ابنته. ~~- اقبلي هذا الذي يقول بهجت. ~~- أمرك يا بابا، والله أنا لا يهمني شيء أكثر من الذي فقدته. ~~- لا بد يا ابنتي أن نرضى بحكم الله سبحانه. المهم أنا تركتك في ~~بيتك طوال هذه الشهور، ناظرا أن يكون البيت من نصيبك، وخشيت أن ~~تتركيه فيغتاله الورثة، خاصة وأنا عرفت أنهم كانوا في غاية ~~الجشع. ~~- سامحهم الله يا بابا. ~~- أما جاء الوقت بعد أن تنتهي إجراءات تملكك للبيت أن تنتقلي ~~لتعيشي معنا؟! ~~- يا بابا، أنت تعرف أنني لا أتأخر عن تنفيذ أي أمر لك، ولكن إن ~~أحببت أن ترضيني فدعني في بيتي. ~~- وحدك في هذا البيت كله؟! ~~- معي الأيام والذكريات والحنان والتواد الذي كان بيني وبين ~~المرحوم، ومعي أيضا حريتي أن أستقبل من أشاء وأرفض لقاء من أشاء، وأنت ~~تعرف ماما صاحباتها كثيرات، والبيت عندك لا يخلو من ضيفاتها، فإن أردت ~~أن ترضيني يا بابا فاتركني في بيتي، وأنا لن أتأخر أبدا عن ~~زياراتكم. ~~- والله يا بنتي، أنا في الحقيقة أكاد أكون مقتنعا بما تقولين. ~~البيت عندنا سوق فعلا، ولولا أنني في عملي في الصباح ومع أصدقائي في ~~المساء خارج البيت، لما عرفت كيف كنت سأطيق العيش هذه العيشة ~~التي تفرضها علينا أمك. # | الفصل الثامن # ربح الحاج سعيد من بورصة الأسهم ربحا واسعا، وتماوجت حوله ألوان ~~السعادة والفرح، فقد كان المال - كما شهدت - هو كل ما يعنيه في ~~الحياة. # قالت له الحاجة عايدة حين رأت سعادته الغامرة بما تحقق له من ~~أرباح: الآن أحسن وقت أن تكتب لبهجت ومجدي أرضا ms16 . ~~- أنا في حاجة إلى كل الريع، بل قد أضطر إلى بيع بضعة أفدنة؛ فإن ~~ما تحققه البورصة في يوم لا تحققه الأرض في سنة كاملة. ~~- لا يا حاج، إلا الأرض، أنا أعلم أن عندك أموالا كافية ~~للبورصة. ~~- كلما زادت الأسهم زادت الأرباح. ~~- هذا شأنك، ولكن هذا لا يمنع أن تسجل لكل ولد بضعة ~~أفدنة. ~~- بشرط. ~~- أي شرط؟ ~~- أن تظل الأرض في حيازتي، ولا يستوليا على ريعها. ~~- وماله، أنت تعرف أنهما لا يعصيان لك أمرا. ~~- إن كان الأمر كذلك فلا بأس. ~~- وهل خالف أحد منهما لك أمرا؟ إن بهجت لم يدخل إلى كلية الحقوق ~~إلا إرضاء لك، ومجدي أنت تعرف مقدار طاعته لك وحرصه على ~~إرضائك. ~~- أكتب لهما، إن شاء الله. ~~- كم فدانا؟ ~~- ماذا ترين أنت؟ ~~- عشرة أفدنة لكل منهما. ~~- والله لا أرد لك كلمة. ~~- أطال الله عمرك. # وفعلا سجل الحاج سعيد عشرة أفدنة لكل من ولديه، وسلم مجدي ~~العقد الخاص به، وانتهز الفرصة وسافر إلى بهجت، وحين ذهب إلى منزله لم ~~يجده، ولكنه كان يحتفظ بمفتاح للشقة فدخل المنزل، وانتظر بهجت حتى ~~عاد. # وفرح بهجت بمجيء أبيه. ~~- لماذا لم تخبرني بالتليفون حتى أنتظرك؟ ~~- أردت أن تفاجأ بي. ~~- ونعم المفاجأة! ~~- وإليك مفاجأة أخرى. # وأخرج العقد المسجل من جيبه وأعطاه له ... ونظر بهجت في العقد ورفع ~~رأسه إلى أبيه. ~~- أطال الله عمرك، ولكن ما المناسبة؟ إنك لا تبخل علي أو على أخي ~~بشيء. ~~- والدتك أصرت. ~~- أنا أتوقع أن تكون لنا الأرض بالاسم فقط، ويظل ريعها لك ~~طبعا. ~~- أنت ترى هذا؟ ~~- هذا هو الطبيعي. ~~- وهو كذلك. ~~- إذن، فما معنى كتابتك هذه الأرض لنا؟ ~~- أتريد الحقيقة؟ ~~- نعم، وخاصة وأنا أعرف أنك تضارب الآن في البورصة، وتحتاج إلى ~~كل المال السائل. ~~- وأين سيذهب المال السائل؟ إن تسجيل الأرض لك مجرد إجراء ~~وقائي. ~~- لا قدر الله. ~~- فهمت قصدي ... وأيضا تقول أمك إن كتابة الأرض لك ولأخيك يجعل ~~التي يختارها أحدكما مطمئنة أن لزوجها أرضا خاصة به. ~~- البركة فيك دائما على كل حال. ~~- صحيح أنني أكسب الآن ms17 مبالغ طائلة، ولكن البورصة ليس لها كبير، ~~فإذا خسرت الأرض التي باسمي تبقى الأرض التي باسمكما. ~~- أرجو ألا تحتاج إليها. وعلى كل حال أنت مطمئن أن الأرض عندي وعند ~~مجدي في الحفظ والصون. ~~- أنا واثق. ما أخبارك؟ ~~- الحمد لله، ولو أنه من المتوقع أن يخرج كمال باشا من ~~الوزارة. ~~- وهل سيؤثر هذا عليك؟ ~~- من المؤكد أنني لن أصبح سكرتير الوزير الجديد. ~~- متى تتوقع هذا؟ ~~- الله أعلم ... السياسة ليس لها مواعيد. # | الفصل التاسع # توثقت صلة بهجت بكريمة؛ فقد أصبح هو وحده المسئول عن أموالها، ~~وكان كثيرا ما يلتقي بها ليبلغها بتصرفاته في الأرض أو العمارة، ومر ~~على ذلك قرابة العام ولماذا لا؟ إنها الآن وحدها وواضح أنها مقبلة ~~علي، وتعاملني بكثير من الاحترام، ولكن الاحترام شيء وما أفكر فيه ~~شيء آخر، وماذا أخسر إذا عرضت؟ # وهل سيقبل أبوها؟ ... # رأى بهجت أن يتريث بعض وقت، ولكن الأيام لا يعنيها ما يدور في نفوس ~~أبنائها من خواطر. ما لبثت الأحداث أن توالت. # خرج الباشا من الوزارة، وطبعا لم يصبح بهجت سكرتيرا للوزير الجديد، ~~وإنما نقل إلى الشئون القانونية بحكم شهادته، وظل محتفظا بموقعه من ~~الشركة. # ولم تكتف الأيام بهذا، بل فاجأت الباشا وبيته، بأن أصابت الباشا ~~بجلطة في المخ أصبح معها عاجزا عن الكلام أو الحركة. # ومن شأن هذا المرض أنه يجعل صاحبه على قيد الحياة ولكن بلا ~~حياة. # وهكذا اجتمع رأي الأسرة على أن يقوم حمدي عمران زوج ميرفت بشئون ~~الباشا المالية؛ فهو وإن كان زوج أصغر البنات إلا أن بقاءه في القاهرة ~~مؤكد، وليس معرضا للتنقل في بلاد العالم مثل وحيد القناوي الذي ~~يعمل بالخارجية، ويظل دائما على شفا العمل بالسفارات في الدول ~~المختلفة. # وكان من الطبيعي أن يستعين حمدي ببهجت، وسارت الأمور في طريقها ~~المرسوم وتمضي الحياة؛ لأنها لا بد أن تمضي مهما تكاثرت بها ~~الأحداث. # لم تمنع معاونة بهجت لحمدي أن يظل وثيق الصلة بكريمة، ولم تمنعه من ~~مداومة التفكير فيما يهفو إليه. # انتهز فرصة كان منفردا فيها بكريمة ms18 . ~~- كريمة هانم، هل أتجرأ على عرض ما أفكر فيه، وصمتت كريمة لحظات ~~وقالت: لا أحسبه خافيا علي، ولكني أتعجب له. ~~- وفيم العجب؟ ~~- لننظر أولا فيما تفكر فيه؛ فربما كنت مخطئة. ~~- بل إنك على صواب. ~~- فصرح، ولا داعي للألغاز. ~~- أترى لو طلبت الزواج منك أكون قد جاوزت حدي؟ # وصمتت كريمة ثانيا ثم أدغمت الكلمات، وهي تقول: أي حد الذي تكون ~~قد تجاوزته؟ ~~- هوان شأني وعظمة شأن ... ~~- أي شأن تقصد؟ ~~- أقربها المكانة الاجتماعية. # وقالت كريمة في استحياء: أنت لست أقل من حمدي ووحيد. ~~- ولكني لست في مثل وضعهما الاجتماعي. ~~- أنت والدك رجل محترم. ~~- ليس في مثل احترام والدي زوجي أختيك. ~~- ليس للاحترام موازين في مثل الدقة التي تتصورها أنت، والدك ~~رجل من الأعيان وأنت حاصل على شهادة عالية، ولك عمل ثابت. # وفي نشوة بالغة: إنك توافقين؟ # وقالت كريمة في حسم: أنا لم أتكلم عن موافقتي أو عدم موافقتي، وإنما ~~أصحح لك فكرتك عن مكانتك الاجتماعية. ~~- إذن لا مانع لديك؟ ~~- بل هناك مانع وأنا لست موافقة، ولكن السبب ليس كما تصورت ~~أنت. ~~- الوالدة قد ترفض؟ ~~- الوالدة لا تتدخل في شئوني، ثم إني أرملة. # وتلعثم بهجت لحظات وهو يقول: الوالد - شفاه الله - ليس في حال تسمح ~~له بإبداء الرأي. ~~- ليس هذا أيضا هو السبب. ~~- إذن ... ~~- ألا تعلم؟ ~~- على قدر تفكيري. ~~- إذن فكر أكثر. ~~- أنا عاجز. ~~- ألم تفكر في فارق السن؟ # وصمت بهجت وراحت الأفكار تعصف به. إنه يعلم أن ثمة فارقا في ~~السن، وقد كان يعتمد على هذا العنصر كل الاعتماد في أن تقبله كريمة؛ ~~فهو الأصغر، وفي تدبر وخبث قال: أنت أكبر مني بسنوات ~~قلائل. ~~- ليست قلائل. ~~- على كل حال ليس الفارق بعيدا. ~~- هل يرضى والدك أو ترضى والدتك أن تتزوج أرملة وتكبرك في السن ~~أيضأ بفارق ليس صغيرا. ~~- أنت لا تعرفين قدر نفسك. ~~- اترك لي فرصة للتفكير. ~~- إلى متى؟ ~~- لا تأت إلى هنا لمدة أسبوع. ~~- أمرك. # وبعد الأسبوع قالت كريمة في حسم: أنا وحدي الذي أقرر أمر زواجي ما ~~دام أبي ليس ms19 في حالة تسمح له أن يكون صاحب رأي فيه؛ فالأسرة جميعها ~~لا شأن لها بهذا الزواج. # وقال بهجت وفي صوته بارقة أمل: أفهم من هذا أنك ... # فقاطعته قائلة: لا تفهم شيئا على الإطلاق؛ فأنا لم أكمل كلامي ~~بعد. ~~- أنا آسف. ~~- يأتي والدك ومعه والدتك إلى هنا، ويطلبان مني الموافقة على ~~الزواج بك. # أمي! وهل أستطيع أن أجعلها ترى أمي ... أبي معقول ولكن أمي، ثم علا ~~صوته في شبه لعثمة: يا كريمة هانم، نحن فلاحون، والستات عندنا ... # فقاطعته مرة أخرى قائلة: أنا أعرف أنك لا تريدني أن أرى والدتك، ~~ولكنني مصممة أن أراها، وأنا واثقة تماما أنها لم تترك القرية، ~~وأقدر ما سأجدها عليه من مظاهر الفلاحات، ولكني فهمت من كلامك عنها ~~أنها سيدة عاقلة ومحترمة وهذا يكفيني؛ ولذلك أنا مصممة على أن تأتي ~~مع أبيك. ~~- أمرك، ولكن هل أستطيع أن أعرف سبب هذا التصميم. ~~- إذا تم هذا الزواج فأريده أن يكون طبيعيا، ولو كان أبي بصحته ~~لصممت أن يذهب والدك ووالدتك إليه ويطلباني لك منه. أما في حالة أبي ~~هذه فهذا الطلب لا بد أن يكون مني أنا؛ فأمي مشغولة عنا بحياتها ~~الاجتماعية، وأختاي الاثنتان أصغر مني، وعلى كل فهذا هو شرطي ~~الأساسي. # سافر بهجت في نفس اليوم إلى والده بالهندامة، ولم يكن مجدي بالبيت ~~فقال لأبيه بمشهد من أمه: ما رأيكما إذا كنت أريد الزواج؟ # وصاحت الحاجة عايدة: والنبي صحيح؟ ... ألف مبروك. # وقال الحاج سعيد: انتظري يا حاجة ... هل اخترت العروس؟ إذا لم أقل لهما ~~إنني أطلبها فسيعرف أبي أنني أكذب عليهما أو على الأقل أبي لن يفوته ~~أنني أموه عليه، وربما استهول أن أتزوج أنا ابنة الباشا، ورفض ~~التقدم حتى لا يتعرض للخزي، أحيانا الصراحة تكون أخبث من ~~المداورة. ~~- الحقيقة يا أبي أني كلمتها فعلا، ولكنها أصرت ألا يطلبها ~~للزواج إلا أبواي. # وفي لمحة ذكاء قال الحاج سعيد: إذن تكون كريمة هانم؟ # وانتتر بهجت واقفا. ~~- بسم الله الرحمن الرحيم. ~~- اهدأ ... اهدأ ... أتعرفين كريمة هانم يا حاجة؟ ~~- أعرف أن ms20 بنت الباشا الكبيرة اسمها كريمة. ~~- إنها هي. ~~- ألم تكن متزوجة؟ # وأكمل الحاج: وزوجها تعيشين أنت. ~~- نعم، سمعت شيئا كهذا، ولكن يا بهجت يا ابني أليست كبيرة ~~عليك. ~~- بسنوات قلائل. ~~- ولماذا يكون أول بختك امرأة؟ # فقاطعها بهجت مستنكرا: امرأة! ~~- آسفة، سيدة أرملة وأكبر منك أيضا. # وحسم الحاج سعيد الحوار: على بركة الله يا بني، توكل على ~~الله. ~~- ولكنها تريدك أنت وأمي أن تذهبا لتطلباها لي. ~~- نطلبها من الباشا ...؟ ~~- الباشا لا يقابل أحدا ... منها هي. ~~- ولماذا لا نذهب؟ ... يا زين ما اخترت. # وقالت الحاجة: ولكن يا حاج ... ~~- الأمر انتهى ... يا بهجت متى تريد أن نذهب؟ ~~- إن كان علي فأنا أريد أن نذهب الآن. ~~- غدا، إن شاء الله، نسافر معك أنا ووالدتك. ~~- على بركة الله. # وأدرك بهجت أن أباه يريد أن يقنع أمه على انفراد، فقال: أقوم أنا ~~لأستريح قليلا. ~~- على راحتك يا ابني. # وحين خلا المكان بالزوجين الكبيرين قال الحاج سعيد: ماذا جرى لك يا ~~حاجة؟ ~~- أنا التي أسأل: ماذا جرى لك أنت؟ ~~- أكنت تحلمين أن يتزوج ابنك بنت كمال باشا وجدي؟ ~~- أكبر منه وأرملة أيضا. ~~- وإن لم تكن كذلك فلماذا تقبله؟ شاب في أول حياته، لولا أبوها لكان ~~حتى اليوم بلا وظيفة، وثروتي مهما كانت فهي على قد بلدتنا. أما نحن في ~~الحقيقة إلى جانب ثراء كريمة هانم وأمثالها فنعتبر شحاذين، فبالله ~~عليك إن لم تكن أرملة وأكبر منه فلماذا تقبله يا حاجة؟ ... الدنيا أخذ ~~وعطاء. ~~- كنت أريد أن أفرح به. ~~- وماذا يمنعك؟ افرحي على آخر ما عندك، وعندما نعود من مصر اجعلي كل ~~أهل البلدة يملأن الأجواء بالزغاريد. # وتزوج بهجت من كريمة، وعاش معها في بيتها بمصر الجديدة، وقابل أعضاء ~~الأسرة نبأ زواج كريمة في غير رضى ولا استنكار. # وقال حمدي: كان لا بد لها أن تتزوج، فليكن زواجها ممن نعرفه؛ فهو ~~أحسن من الذي لا نعرفه. # أما الأم فلم تعلق بشيء، وكذلك فعل وحيد والأختان ... # | الفصل العاشر # صدر قرار بأن يعين وحيد سكرتيرا أول بسفارة مصر في ألمانيا ~~الشرقية ms21 ، التي كانت تسمى بألمانيا الديمقراطية، وراح هو وزوجته ~~يعدان العدة للسفر الذي كان محددا له وقت قريب من صدور ~~القرار. # وقالت سعدية لزوجها: وماذا سنعمل مع الأولاد؟ ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- هل ستقبل المربية التي تعمل عندنا أن تذهب معنا؟ ~~- وإذا قبلت هي فلماذا نقبل نحن؟ إنها إن ذهبت إلى هناك فلن تعرف ~~شيئا عن البلد، وستكون عبئا علينا. ~~- إذن ماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- أليس هناك أطفال لهم مربيات؟ ~~- ربما تكون أجورهن مرتفعة. ~~- ربنا يعين. توكلي على الله. ~~- كل على الله. # حين عرف حمدي باضطرار وحيد للسفر حزم أمره أن ينفذ ما استقر عليه ~~رأيه، وطلب من جميع أفراد الأسرة أن تجتمع بالبيت الكبير ولبوا كلهم ~~طلبه، وكان بهجت طبعا من الأعضاء المجتمعين فهو زوج الأخت الكبيرة، ~~وقال حمدي: أنتم تعرفون أن الباقي من ثروة الباشا بعد الذي وزعه على ~~بناته هو أسهمه في الشركات التي كان يشغل فيها وظيفة عضو مجلس ~~الإدارة، وهذه الأسهم، إذا توفي الباشا لا قدر الله، ستكون رقما ~~كبيرا، وستكون ضريبة التركات عليه كبيرة. والضريبة أمرها سهل، إنما ~~الذي لا شك فيه أن جميع الأقارب المستحقين سيرثون أنصبتهم في ~~الأسهم. # وقالت الأم: وأنا أيضا لي أسهم. ~~- أعرف ذلك. ~~- وماذا ترى؟ ~~- تبيعين حضرتك أسهمك، وتحتفظين بأموالها سائلة مؤقتا، ونبيع ~~للباشا أسهمه وأسهمكم وهو على قيد الحياة، وتنالين حضرتك الثمن من ~~ثمنها، ويقسم الباقي بالتساوي بين بناته الثلاث. # وقالت تفيدة هانم: كلامك معقول بالنسبة لأسهم الباشا، ولكن لماذا ~~نبيع نحن أسهمنا؟ ~~- أولا هي ليست كثيرة؛ فأغلب الأسهم باسم الباشا، وثانيا أن أحدا ~~منا لا يستطيع أن يوجهها الوجهة الصحيحة كما كان الباشا يفعل، ~~فبيعها يوفر لأموالكم فيها الأمان مع غياب خبرة الباشا الفائقة في ~~هذا المضمار. # وفكر كل مستمع لهذا الحديث في مصلحته الخاصة، فوجد أن ما يقوله ~~حمدي منطقي ومقبول وعادل أيضا، وقالت الأم في حسم: أنا موافقة. # وترادفت الموافقات من الآخرين إلا بهجت الذي قال في تظاهر ~~بالخجل. ~~- كلام حمدي بك معقول، ولكن إذا سمحت كريمة تكون ms22 أسهم شركة الغزل ~~التي أعمل بها من ضمن نصيبها هي ونحتفظ هي باسمها. # وقال حمدي: لك حق. أنت تخشى إذا بعنا أسهم شركة الغزل أن يؤثر هذا ~~على مكانتك في الشركة. ~~- أليس من المعقول أن أفكر هذا التفكير؟ ~~- هذه مسألة بسيطة إذا كانت كريمة لا تمانع في بقاء هذه الأسهم ~~باسمها دون بيع. # وقال بهجت في دهاء: والله يا حمدي، إذا اشترت كريمة هذه الأسهم ~~ونقلت باسمها فعلا يكون أصلح. # ويكمل حمدي: حتى إذا لا قدر الله حدث شيء للباشا لا تكون الأسهم ~~تركة عليها ضريبة، إلى جانب أنها ستكون ميراثا للجميع. # فعلا يا بهجت ... لك حق ... هيه يا جماعة هل أنتم موافقون على هذا ~~التصرف؟ # ووافق الجميع وقال حمدي: من بكرة سأقوم بالتصرفات اللازمة. # حين خلا بهجت بكريمة بعد الاجتماع قال لها: ألم أكن محقا فيما ~~قلته بشأن أسهم شركة الغزل؟ ~~- هذا شيء طبيعي. ~~- ألا أستحق مكافأة؟ ~~- اسمع يا بهجت، العملية التي تذكرها تمت لتبقى أنت على مكانك ~~بالشركة، فالمكافأة قد نلتها فعلا. # واستخزى بهجت قليلا، وقال: لك حق. ~~- اسمع يا بهجت، إنني سأعطيك من مالي ما تشاء، ولكن بشرط أن تعرف ~~أنني لست عبيطة. ~~- أعوذ بالله، وهل يجرؤ أحد أن يقول إنك عبيطة؟ # | الفصل الحادي عشر # اشتعلت حرب 48، وتدهورت أسواق الأوراق المالية، وخسر الحاج سعيد ~~الأموال التي ربحها، بل اضطر أيضا أن يبيع أرضه كلها. لم ينج منها ~~إلا ما كتبه لبهجت ومجدي. # ولم يجرؤ أحد من الابنين أن يطالب بحقه في الأرض التي باسمهما؛ فقد ~~أصبحت هي المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه أبوهما في العيش. # وكان مجدي قد تزوج ابنة خالته نعمات، وبعد الفرح أقامت معه في بيت ~~أبيه؛ فقد توسلت لديها خالتها الحاجة عايدة. ~~- يا بنتي، أنا وحدي في البيت، والحمد لله أن مجدي اختارك وأنت ~~كابنتي، فإذا عشت معنا فستكونين أنت ست البيت. # وفي استحياء وإذعان قالت نعمات: وماله يا خالتي، أنا تحت ~~أمرك. # وعاشت معهما شهورا ثم حلت الكارثة المالية بحميها، فأصبح بقاؤها ~~في ms23 بيت خالتها وزوجها أمرا لا محيد عنه ولا مفر منه. # وراح مجدي يرعى العشرين فدانا، وهداه تفكيره أن يستأجر عشرين فدانا ~~أخرى يزرعها، حتى يظل مستوى معيشتهم بالبيت قريبا مما تعود ~~عليه. # أما الحاج سعيد فأصيب بنوع من الوجوم الصامت، وأصبح لا يرى إلى ~~أحد، ولا يريد أن يخرج من البيت؛ فقد تهدمت آماله كلها بعد أن كانت ~~قد استطالت وتوحشت، وبعد أن كان الغنى المفاجئ قد أصابه بنوع من ~~السعار، وذلك السعار نفسه هو الذي أدى به إلى هذه الخسارة ~~الفادحة. # | الفصل الثاني عشر # كان بهجت جالسا بمكتبه بالشئون القانونية بالوزارة، حين أقبل عليه ~~رجل مهيب الطلعة على قدر من الوجاهة، لا يخفى على من يراه، قال: ~~بهجت بك العزوني؟ ~~- أنا هو، تفضل، أهلا وسهلا. # وجلس القادم إلى الكرسي الذي يلاصق مكتب بهجت، وقال: أقدم نفسي؛ ~~أنا عصام شهاب الدين. # وعرف بهجت محدثه؛ فهو من كبار تجار البقالة في مصر كلها. ~~- أهلا وسهلا طبعا، أسمع بسعادتك، ولو أنه لم يكن لي الشرف قبل ~~اليوم. ~~- أهلا بك. شكرا. ~~- أمامك عقد لي مطلوب موافقة الوزارة عليه. ~~- أعرفه. ~~- وما رأيك؟ ~~- يا عصام، مثلك لا يخفى عليه الرأي في هذا العقد. ~~- لك حق. ~~- فماذا أستطيع أن أفعل؟ ~~- ماذا ترى؟ ~~- العقد مخالف للقوانين واللوائح. ~~- وهل يستعصي عليك شيء؟ ~~- أمام القانون؟ # فقاطعه عصام قائلا في حسم: عشرة آلاف جنيه. # وصمت بهجت فجأة وكأنما أصيب بالخرس، وفكر قليلا ثم قال: خمسة ~~عشر. # وقال عصام: اثنا عشر. ~~- اتفقنا. ~~- متى أتسلم العقد؟ ~~- متى أتسلم المبلغ؟ ~~- اليوم بعد الظهر، الساعة السادسة. ~~- أين؟ ~~- في قهوة بوديجي. ~~- سيكون العقد معي أسلم وأستلم. ~~- وهو كذلك. # تمت صفقة الأسهم كما أعد لها حمدي، واشترت كريمة أسهم شركة الغزل ~~بجزء من نصيبها، وأصبحت الأسهم باسمها، وسافر وحيد وزوجته بعد تمام ~~البيع بأيام. ولم يمر شهران على هذا جميعه حتى لقي الباشا ربه، ~~طاويا تاريخا سياسيا واقتصاديا جديرا بكل إجلال وإكبار. # ومرت أيام العزاء الذي لم يشهده الحاج سعيد العزوني؛ فقد أصبح لا ~~يعزي ولا ms24 يهنئ ويكاد لا يتكلم، ولولا مجدي لما وجدت الأرض ~~الباقية أي عناية أو رعاية. # وبهجت طبعا لم يفكر أن يطالب أباه أو أخاه بريع الأفدنة العشرة؛ ~~فقد أصبحت طموحاته أكبر من ذلك بكثير. # خلا بزوجته يوما. ~~- أسهم شركة الغزل. ~~- ما لها؟ ~~- ثمنها نزل. ~~- مثل كل الأسهم. ~~- لماذا لا نستفيد منها؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- إذا بعتها لي يمكن أن أكون عضوا بمجلس الإدارة و... # فقاطعته. ~~- هل معك ثمنها؟ # فقال في تبجح: وهل تحتاجين إلى ثمنها؟ ~~- كل إنسان أولى بماله. ~~- إلا الزوج والزوجة فمالهما واحد. ~~- الإسلام لم يقل هذا. ~~- ولكن العرف بين الناس والحب بين الزوجين يقولانه. ~~- تكتب لي ورقة أن البيع صوري. ~~- أكتب عشرين ورقة. ~~- لا بأس، أنا كنت عارفة منذ تكلمت عن هذه الأسهم أن عينك عليها، ~~وأنك لن تفلتها من يدك أبدا. # ومن هذا الحديث ومن كثير أمثاله وضح لبهجت أن زوجته تفهمه تمام ~~الفهم، وأنها إذا كانت تطلق يده في أملاكها، فما هذا إلا لأنها تعلم ~~أنه سيأخذ ما يريد، ولئن يسرقها زوجها خير من أن يسرقها ~~الغريب. # مر على زواج بهجت وكريمة بضعة أشهر أوشكت أن تكتمل عاما. # وبدأت كريمة تشعر بتغير جسماني دهشت له كل الدهشة، حتى لا تكاد ~~تصدق أن ما تحس به أمر واقع، وليس وهما أو تخيلا ولا نوعا من ~~الرغبة التي تئوي تجسيد الآمال البعيدة، لتصبح حقيقة ماثلة لا مراء ~~فيها ولا شك يدور حولها. وحين ذهبت إلى الطبيب تأكد ما توقعت. ~~إنها حامل حملا مؤكدا. وانفجر الفرح في نفس كريمة معربدا صاخبا ~~أنساها كل ما مر بحياتها من آلام وأحزان، بل كاد يهون عليها ما ~~تشهده من طمع زوجها فيها. وكان من الطبيعي أن يفرح بهجت بهذا النبأ، ~~وهل هناك أقوى من البنوة آصرة توثيق ارتباطه بزوجته؟ كما فرحت أمه ~~التي لم تعرف الفرح منذ نكبة زوجها المالية، بل إن الحاج سعيد نفسه ~~علت شفتيه تلك الابتسامة التي توارت عن نفسه ووجهه، وإن بدت اليوم ~~واهنة هزيلة متهافتة ضامرة، فهو منذ خسارته ms25 الفادحة لم يفق من ~~بلواه، وتجرأت الحاجة عايدة أن تقول له: يا حاج سعيد، افرح فإنك ~~خاصمت الفرح، بل خاصمت الدنيا كلها منذ زمان بعيد. ~~- ولن أصالحه أبدا. ~~- سيأتي لك حفيد من ابنك البكر. ~~- وماذا أستطيع أن أعطي له إلا الفقر والعوز؟ ~~- عنده ما يكفيه، وهو في غير حاجة إلى مالك. ~~- الشيء الذي يدهشني أنني لم أمت حتى الآن. ~~- أعوذ بالله ... بعد الشر. ~~- وهل هناك شر مما أنا فيه؟ ~~- التجارة مكسب وخسارة. ~~- أنا لست تاجرا، أنا دخلت في ميدان لا شأن لي به، وحسرتي على نفسي ~~أنني كنت مستغنيا عن تلك المخاطرة كل الاستغناء. ~~- وماذا تقول في قدر الله؟ ~~- أنا الذي اخترت. ~~- يا حاج، صل على النبي. إن الإنسان لا يستطيع أن يرد ~~قدره. ~~- ربنا وهب لنا العقل لنختار، وقد أسأت الاختيار وأنا أعاني ما ~~أعانيه؛ لأني أنا نفسي الذي دمرت نفسي. ~~- المهم مبروك علينا حفيدنا. ~~- يا عالم، هل سأراه أم أنني لن أراه؟ # وكأنما كان الحاج سعيد مطلعا على الغيب وهو يقول كلمته العفوية ~~هذه؛ فقبل أن تلد كريمة كان الحاج سعيد قد انتقل إلى رحمة الله. # ولم تكن وفاته ذات أثر إلا على زوجته الحاجة عايدة، التي فقدت ~~فيه رفيق العمر وأبا ولديها وأنيس وحدتها، ولو أن أنسه انقطع منذ ~~هذا الذي حدث. # أقام بهجت ومجدي مأتما وقورا لأبيهما، واستقبلا العزاء فيه ~~بالبلدة، وانقضى اليوم ومضى الابنان كل في سبيل. العجيب أن بهجت لم ~~يطالب أخاه بريع الفدادين؛ أولا لأن هذا الريع أصبح لا يمثل له قيمة ~~مع ما هو فيه سعة وبحبوحة؛ وثانيا لأنه قدر أن مجدي سيقوم بشأن ~~أمه؛ وثالثا لأنه يعلم أنه قادر بمهارته في الزراعة والحسابات ~~الزراعية أن يجعله لا يصيب من أرضه مليما، فقال في نفسه: أجعلها ~~جميلا بدلا من أن أرغم عليها. # | الفصل الثالث عشر # أقام وحيد وسعدية ومعهما ولداهما فريد وصبحي في شقة فاخرة في برلين ~~الشرقية، وكان الاعتماد في الإنفاق على ثروة سعدية؛ فمرتب وحيد لا ~~يستطيع وحده أن يواجه ms26 نفقات المسكن الأنيق والمعيشة الميسرة، وأيضا ~~مرتب المربية التي سرعان ما عثرا عليها، وكانت جميلة غاية الجمال ~~لم تدرك العشرين من عمرها بعد، وكان هذا الجمال هو العيب الوحيد ~~الذي تضيق به سعدية في حاضنة ولديها كريستين. # وكانت سعدية على حق في توجسها من جمال كريستين الباهر؛ فسرعان ما ~~وقع وحيد في حبها، ولم يكن عسيرا عليه أن يواعدها، وتواعدا؛ فقد كان ~~قد تعلم الألمانية وأجادها، كما كان يجيد الفرنسية والإنجليزية؛ فهو ~~منذ باكر حياته كان يعد نفسه لأن يعمل بوزارة الخارجية، وكان وحيد ~~شابا جميل السمت طويل القامة، ممشوق القوام يجيد إدارة الحديث، ~~وكانت كريستين هيفاء القوام، يصدق عليها قول الشاعر: # بيضاء باكرها النعيم فصاغها # بلباقة فأدقها وأجلها # خضراء العينين، ذات شعر في لون الذهب المشرب بالخمرة، حتى لا تجد له ~~بين صنوف الشعر لونا يصدق عليه، وكانت تطلقه أحيانا فهو موج ~~عربيد، أو تقمعه فهو تاج أشم ذو جلال وهيبة، يزيدها جمالا إن كان ~~جمالها يقبل الزيادة. # وكانت كريستين ابنة عامل في برلين، فهي في حاجة إلى المرتب الذي ~~تتقاضاه من عملها ببيت وحيد، ولم يخف أمرها على وحيد؛ فقد كان الشعب ~~في ألمانيا الشرقية شأن الشعوب التي تظلها الشيوعية، يضيقون بالعيش ~~كما تضيق بهم الحياة، قالت له: أخشى أن تعلم زوجتك بلقاءاتنا. ~~- لا أخفي عليك، أنا أيضا أخاف أن تعلم؛ فإن حياتي وحياة ولدي ~~مرتبطة بها كل الارتباط. ~~- فما هي الغاية من هذه العلاقة التي أراك مصرا عليها كل ~~الإصرار؟ ~~- أنا نفسي لا أدري. ~~- إذن نحاول أن نتباعد. ~~- مستحيل. ~~- إلى هذا الحد؟ ~~- بل أكثر. ~~- أنا أيضا أحببتك، ولا تدهش أنني في سني هذه لم أحب أحدا ~~قبلك، وأنا من المؤمنين بديني إيمانا عميقا خفية، بالرغم من أوامر ~~النظام اللاديني الصارم أن نهجر المسيحية، ولا نؤمن إلا بالشيوعية ~~التي يفرضونها علينا فرضا. ~~- أتقصدين أنك؟ ... أنك ... ~~- قلها ولا تخف؛ نعم أنا عذراء. ~~- عجيبة! ~~- ربما ... لكن لماذا ترى هذا الرأي؟ ~~- فتاة في مثل جمالك، والعذرية عندكم ليس لها القدسية التي ms27 عندنا في ~~الشرق جميعه، لا في مصر وحدها. ~~- ربما كنت محقا، ولكنني في حقيقتي وفي أعماقي مؤمنة، وديننا يرفض ~~الزنا كما ترفضه الأديان السماوية جميعا؛ ولذلك فليس عجيبا أن أكون ~~عذراء. ~~- وأنت على هذا الجمال؟ ~~- ربما كان جمالي هو السبب بجانب مسيحيتي؛ فقد ضننت بهذا الجمال أن ~~أبيحه لأحد، أنا لا أحبه، مهما أحبني هو وألح في ملاحقتي. ~~- إذن فلا بد للعلاقة بيننا أن تأخذ صورة رسمية. ~~- أما وقد ظللت عذراء حتى الآن، فمن الطبيعي ألا أبذل عذريتي إلا ~~لزوجي. ~~- أنت تعلمين أن الرجل في ديننا له أن يتزوج زوجتين. ~~- وأربع زوجات. هذا أمر لا يجهله أحد من أي دين، سواء كان مسلما ~~أو لم يكن. ~~- ولكنك لا تعرفين أنني إذا تزوجت أجنبية أفقد وظيفتي في السلك ~~الدبلوماسي. ~~- أما هذه فلا أعرفها. ~~- وإذا أردت أن أتزوجك فلا بد أن يتم الزواج في السفارة. ~~- هذا طبيعي. ~~- ومعنى هذا ألا نقيم هنا. ~~- أنا مستعدة أن أذهب معك إلى أي مكان ليس عن حب فقط، وإنما لأن أي ~~مكان في العالم خير من حياتنا القاسية التي نحياها هنا. ~~- فأنت موافقة أن تكوني زوجة ثانية؟ ~~- هذا لا يعني عندي شيئا. ~~- إذن فلا بد أن ننتظر. ~~- ماذا؟ ~~- حتى ننتقل إلى مصر، وهناك أستطيع أن أجعل زواجنا رسميا وإن لم ~~يكن معلنا، هل تقبلين أن تعتبريني خطيبك فترة وجودنا هنا. # على أن تكون علاقتنا علاقة خطيب بخطيبة لا أكثر؟ ~~- هذا صعب بالنسبة لي، ولكن أعدك بألا أحاول أن أضغط عليك. # وهكذا ظلت علاقة وحيد وكريستين نقية، ومكن لها هذا أن تتخفى ~~على العيون، فاللقاء بينهما عابر، ويسير أن يكون بأي مكان، وأحب فريد ~~وصبحي مربيتهما مما جعل سعدية تتمسك بها، ولو أنها دهشت حين سألتها: ~~كريستين أتأتين معنا إذا رجعنا إلى مصر؟ ~~- أنا فعلا أصبحت أشعر كأنكم أسرتي، وأبي هنا معه إخوتي، وأستطيع ~~أن أرسل له المال من أي مكان. ~~- إذن تأتين معنا. ~~- طبعا. # | الفصل الرابع عشر # أنجبت كريمة ولدا وأصرت أن تسميه عطاء، في محاولة ms28 أن تشكر ~~باسمه الله سبحانه وتعالى على عطائه. # وكان بهجت أشد الناس فرحا؛ فقد أصبح عطاء وثاقا جديدا يشد إليه ~~كريمة، هذا إلى جانب السعادة التي يشعر بها أي أب بأول مولود ~~له. # وتمر الشهور وبهجت على حاله في الوزارة والشركة، وقد بدأت سمعته ~~في الوزارة تتناقلها الألسنة، وهو ماض في قبول الرشوة بمبالغ كبيرة، ~~لدرجة أن زوجته كريمة كانت تعجب من وفرة المال عنده، مع أنها تعلم أنه ~~لا يملك إلا مرتبيه، وما كانا يتيحان له هذا البذخ في ~~الإنفاق. # لم يخف على بهجت أن شيئا ما يدبر له في الوزارة، فحزم أمره أن ~~يستغل الأسهم التي أصبحت باسمه في شركة الغزل، فذهب إلى رئيس مجلس ~~الإدارة أمجد بك علوان. ~~- أتستطيع أن تفي لي هذا الأمر يا أمجد بك؟ ~~- أي أمر يا بهجت بك؟ ~~- إنني من أكبر المساهمين في الشركة وكنت من المسئولين عن الشئون ~~القانونية، فمن أجدر مني بعضوية مجلس الإدارة في الشركة؟! # ولم يتردد أمجد علوان كثيرا، وإنما قال: اعتبر نفسك عضوا بمجلس ~~الإدارة. ~~- لا بد أن يكون الأمر رسميا. ~~- الجمعية العمومية ستجتمع بعد غد، فاعتبر الأمر منتهيا. # وفعلا اختير بهجت سعيد العزوني عضوا بمجلس الإدارة، ولم يمر ~~شهران على هذا التعيين حتى استدعاه شعبان بك كرارة وكيل وزارة ~~التجارة. ~~- يا أستاذ بهجت، العقود التي توافق عليها أو الغالبية العظمى ~~فيها تدور حولها الأحاديث، وأنا أعرف أنك صهر كمال باشا وجدي، وعلمت ~~أيضا أنك رزقت من ابنته بولد ... # وقاطعه بهجت محاولا أن يخفف الحدة التي تسود أجواء اللقاء ~~بينهما. ~~- ولقد تفضلت سعادتكم وهنأتني عليه. ~~- ليس هذا هو المهم. أنا لا أريد أن أجري تحقيقا في التهم ~~الموجهة إليك عندي؛ لأنها إذا ثبتت لن يكون الرفت وحده هو الجزاء، ~~بل إن الأمر قد يصل إلى ... إلى وقاطعه بهجت: لست في حاجة أن تقول ~~ولكنني أريح سعادتك؛ فأنا أرى أنك تريد أن تنقلني إلى مكان ~~آخر. ~~- هذا المكان سيكون في الوزارة، وليس من الطبيعي أن أنقل إليه موظفا ~~أنا ms29 شخصيا لا أثق فيه، ولا تغضب من التعبير فهو أخف عبارة ~~أجدها. # وقال بهجت في حسم: شعبان بك، أتريدني أن أستقيل؟ ~~- اطلب تسوية معاشك. ~~- أمرك. # وحين حاول بهجت أن يبرر الأمر لكريمة قال لها: ليس من المعقول أن ~~أكون عضو مجلس إدارة شركة كبيرة، وموظفا يتلقى أوامره من أمثال ~~شعبان كرارة. # وقالت كريمة: شعبان كرارة وكيل وزارة وليس شيئا هينا، والحكومة ~~كانت أبقى لك. # فقال في محاولة استكبار: والله زهقت. # وفي ذكاء شديد قالت كريمة: بهجت، هل استقلت أم أجبرت على ~~الاستقالة؟ ~~- أنا لم أستقل، وإنما طلبت تسوية معاشي باختياري، وتستطيعين أن ~~تتأكدي من هذا. ~~- أصدقاء أبي كثيرون، وأستطيع أن أعرف، ولكن السؤال في ذاته مصيبة ~~وفضيحة، وإذا لم أستر أنا على زوجي ووالد ابني فمن يستر؟ ولكن اعلم ~~أنني حزينة، والأمر لله من قبل ومن بعد. # لم يتوان بهجت عن التوجه إلى رئيس مجلس إدارة الشركة. ~~- أبيت أن أكون عضو مجلس إدارة معك وموظفا، فسويت معاشي ~~بالحكومة وتركتها. ~~- خيرا فعلت، ولو أنك كنت تفيد الشركة هناك. ~~- اعتبرني هناك بالموظفين الذين كنت أرأسهم وبأصدقائي. ~~- فعلا، أنت محق، كأنك الآن لا تعمل في الصباح؟ ~~- يا سيدي، المسألة بسيطة، أستطيع أن أجيء إلى هنا. ~~- تجيء إلى هنا دون أن يكون لك مكتب؟ غير معقول، اسمع يا بهجت بك، ~~أنا سأقترح عليك اقتراحا. ~~- وأنا تحت أمرك. ~~- الواقع أنني كبرت وعلت بي السن، وأنا الذي أنشأت هذه الشركة من ~~العدم حتى أصبحت على ما ترى. ~~- طبعا، الجميع يعرفون هذا. ~~- أنا احتفظت لنفسي برئاسة مجلس الإدارة مع منصب العضو المنتدب ~~فترة طويلة. ~~- منذ إنشاء الشركة. ~~- العضو المنتدب عمله يتطلب الدخول في كثير من التفاصيل أنا ~~أصبحت لا أطيقها، ما قولك في أن تصبح العضو المنتدب وأكتفي أنا برئاسة ~~مجلس الإدارة؟ ~~- هذه ثقة غالية. ~~- وأنت كفء لها. ~~- على بركة الله. ~~- تجيء إلينا غدا صباحا، ستجد مكتبك معدا. # وحين علمت كريمة قالت: الله يا بهجت هذه مسئولية ... كبيرة، فإياك أن ~~تفعل بالشركة ما كنت تفعل بالوزارة. # وفي ms30 تبجح قال: وماذا كنت أعمل بالوزارة؟ # وفي جرأة قالت: أتريد أن أتقصى لأقول لك؟ # ولأنه لم يجد شيئا ينبس به كان من الحتم أن يقول في صوت خفيض ~~متهم: تقصي إذا شئت. ~~- لا أريد أن أعرف؛ لأني لا أريد أن أخفي على عطاء شيئا حين ~~يكبر. # | الفصل الخامس عشر # مرت سنوات ثلاث وانتقل وحيد إلى القاهرة، وصاحبت كريستين الأسرة ~~مع أن فريد وصبحي أصبحا في المدرسة، ولم يعودا في حاجة شديدة إلى ~~مربية، ولكن اطمئنان سعدية ونقاء نفسها من الشك، إلى جانب ما اتفق عليه ~~وحيد وكريستين، قد جعل علاقتهما بريئة، مؤيدا هذا جميعه تعلق ~~الولدين بكريستين، كل ذلك جعل سفرهما مع الأسرة أمرا ~~طبيعيا. # وما إن استقر بهما المقام في بيتهما بالقاهرة، حتى فوجئت أسرة ~~كمال باشا وجدي بوفاة تفيدة هانم المعايرجي، مع أنها لم تشك مرضا. ~~وكان البيت الكبير مكتوبا باسم البنات الثلاث، ومع ذلك لم تفكر ~~واحدة منهن في أمره. # تزوج وحيد القناوي من كريستين فيليب، واستطاع وحيد أن يجد شقة بحي ~~العباسية كانت ملتقى الزوجين، وطبعا لم يعرف أحد بهذه الزيجة إلا ~~مأذون العباسية والشاهدان اللذان أحضرهما، واللذان لا يعرفان شيئا عن ~~وحيد ولا عن زوجته طبعا. # ومرت سنوات كانت كريمة تلحظ زوجها فيها يقيم كثيرا من الدعوات في ~~منزله، كما أنه يلبي دعوات أخرى مثيلة ... واتسعت دائرته الاجتماعية ~~بصورة كانت لا ترتاح لها كريمة، ولكنها رأت أن تجاري زوجها الذي كان ~~يدعي أن التعرف على الناس ثروة لا تقدر بثمن. وكان من الطبيعي أن ~~يشتهر اسم بهجت العزوني في جميع الأوساط، وعند كل ذي مكانة ... سواء ~~استمد مكانته من وظيفته أو من ثرائه. وتمضي الأيام وتتولي ثورة 23 ~~يوليو الحكم، ولا يضار أحد من أسرة كمال باشا وجدي؛ فالأرض الزراعية ~~كانت دون الحد الأدنى ولم يعد لهم أسهم، فبالنسبة لهم كأن الثورة ما ~~جاءت. # كان بهجت أكثر الأسرة تمجيدا للثورة، وإصرارا على التقرب من ~~رجالها، وعاونه على ذلك أحد أصدقائه القدامى من رجال القوات المسلحة، ms31 ~~وراح يهتبل الدعوات التي يعرف أن رجال العهد مدعوون فيها، كما حاول ~~هو أن يدعو المقربين، وقليلا ما كانت تنجح هذه الدعوات. # تنبه حمدي الذي أصبح يشغل منصبا مرموقا في البنك، أنه لا بد أن ~~يسارع بالتصرف في بيت الباشا، وإلا فهو معرض للاستيلاء بدعوى ~~تحويله إلى مقر للتنظيم الثوري، فاقترح على الأسرة أن يؤجروا البيت ~~لسفارة من السفارات، ووافق الجميع على هذا الاقتراح. وتمكن حمدي أن ~~يؤجره لسفارة روسيا واشترط في العقد أن يتم تجديد الإيجار في كل عام، ~~بحيث إذا احتاج إلى البيت أخلته السفارة، وفرحت الأسرة بهذا ~~العقد. # لم يعد وحيد من الوجوه المقبولة بوزارة الخارجية، مع أن أحدا لم ~~يعرف شيئا عن زواجه بأجنبية، ففوجئ برئيسه يستدعيه. ~~- أنت صهر كمال باشا وجدي. ~~- نعم. ~~- وأنت تعرف أن الثورة لا ترحب بأقارب الباشاوات وأصهارهم في ~~السلك الدبلوماسي، خاصة وأن الدور عليك في هذه الأيام لتكون بدرجة ~~مستشار. ~~- وماذا ترى؟ ~~- ليس أنا الذي رأى. لقد ترفقوا بك وصدر قرار بنقلك إلى وزارة ~~المالية بدرجتك الوظيفية. # وأحس وحيد بغصة ولكن الحمد لله؛ فأنا كنت سأنقل أو غالبا ~~أرفت إذا علموا بزواجي من كريستين. ولم يطل صمته وإنما رفع رأسه ~~إلى رئيسه ممتاز بك حامد. ~~- متى أنفذ النقل؟ ~~- القرار صدر فعلا. ~~- لمن أذهب في وزارة المالية. ~~- إلى السكرتير العام منير بك أبو الفتوح. ~~- وهو كذلك، أجمع أوراقي اليوم. ~~- الصلة بيني وبينك تبقى على ما هي عليه. ~~- أنت أخ أكبر، يا ممتاز بك. ~~- وتعلم أنني لا دخل لي في هذا النقل. ~~- أنا واثق. # ووقف ممتاز بك وصافح وحيد وانتهت صلة وحيد نهائيا بوزارة ~~الخارجية. # في إحدى الدعوات التي كان يحضرها بهجت تقدم إليه شخص قصير ~~القامة، واسع العينين، مسطح الجبهة، واضح الخبث. ~~- بهجت بك العزوني؟ ~~- تحت أمرك. ~~- أنا سليمان ذكري من رجال الأعمال، وأعتبر التعرف بك شرفا أسعى ~~إليه من زمن بعيد. ~~- يا مرحبا. ~~- ترى أتسمح لي أن أدعوك إلى غداء أو عشاء؟ ~~- والله لا مانع. ~~- إذن بعد غد نتعشى سويا في ms32 مطعم سان جيمس. ~~- وهو كذلك. # وتوثقت الصلة بين سليمان ذكري وبهجت، الذي لم يستطع أن يعرف عنه ~~إلا ما قاله من أنه ليس متزوجا، ويقيم بشقة بعمارة الإيموبيليا، ~~وتكررت بينهما الدعوات ولم يغب عن بهجت أنه لم يدعه إلى بيته قط، ~~وكلما حاول أن يدعوه بهجت إلى بيته هو، تخلص من هذه الدعوة قائلا: ~~أنا أضيق بالبيوت فلتكن دعوتك إلى أي رستوران. # ولم ينس سليمان أن يعقد مع بهجت بضع صفقات، حرص فيها أن يجعل ربح ~~بهجت فيها فاحشا جسيما. # عين بهجت زميله القديم فوزي عمران رئيسا للشئون القانونية ~~بالشركة؛ فقد كان يعلم عنه أنه لا يملك إلا مرتبه، وأنه يستطيع أن ~~ينتفع بفقره نفعا موفورا، وكان فوزي عند ظن بهجت به وتضافرت بينهما ~~المصالح، واستقرت الأمور لبهجت في الشركة بالصورة التي رسمها فأتقن ~~رسمها. # أتراك تذكر إدريس؟ ... لا ... ما أحسبك تذكره. إنه الخادم الخاص ~~للباشا، الذي استقبل بهجت في أول يوم ذهب للغداء في بيت الباشا، حين ~~تسلم عمله سكرتيرا للباشا حين كان خارج الوزارة. # إدريس هذا كان مقربا لكريمات الباشا، أثيرا لدى ثلاثتهن؛ فحين ماتت ~~تفيدة هانم كانت سعدية وزوجها وحيد عائدين منذ قريب من الخارج؛ ولذلك ~~توجهت سعدية برجاء إلى أختيها أن تتركا لها عم إدريس ليعمل ببيتها، ~~ولم تجد الاختان مانعا خاصة أنه كان لكل منهما خدمها. وهكذا أصبح ~~عم إدريس كبير الخدم ببيت وحيد وسعدية، وطلبت إليه سعدية أن يختار هو ~~من يعاونه في شئون البيت، ونفذ إدريس طلبها. # كانت سعدية قد لاحظت بمرور الوقت أن وحيد يتغيب عن الغداء دائما ~~في الأيام التي تطلب فيها كريستين إجازة، وفي المرات الأولى صرفت ~~الوهم عن ذهنها محاولة أن تطمئن نفسها أن الأمر ربما كان مجرد ~~صدفة. # فلما تكررت الصدف فكرت أن تحاول معرفة المكان الذي يذهب ~~إليه وحيد في هذه الأيام ... # ولم تجد من تستأمنه على سرها إلا إدريس، فاستقدمته وقالت له: يا ~~إدريس، أنت تعرف مكانتك عندنا. ~~- عمري كله قضيته مع الباشا. ~~- اسمع، أنا أشك ms33 في شيء. ~~- خيرا. ~~- وحيد يتغيب عن البيت في مواعيد إجازة كريستين بالذات، وأخشى أن ~~يكون بينهما شيء. ~~- لا قدر الله. ~~- أريدك أن تتبعه يوم إجازة كريستين بالذات. # عرف إدريس العمارة التي بها شقة وحيد وكريستين في العباسية، واستطاع ~~أن يتعرف على البواب الذي أخبره أنها زوجته، وأن صاحب العمارة أبى أن ~~يؤجر لهما الشقة إلا بعد أن اطلع على عقد الزواج، وهو زواج ~~شرعي على يد مأذون رسمي. # اندلع الحريق في قلب سعدية، وأغلقت باب غرفتها وراحت تفكر فيما ~~تفعل. إن يكن وحيد قد أجرم في حقها هذا الجرم، فما ذنب فريد وصبحي وقد ~~أصبحا في السن التي يحتاجان فيها إلى أب أشد الحاجة. # ماذا هي صانعة معه؟ أتخبره أنها عرفت أم تكتم الأمر؟ ... تكتم ~~الأمر؟ هيهات وألف هيهات. # ظلت في دوامة من الأفكار إلى أن انتهت إلى ما ينبغي عليها أن ~~تفعله. # حين جاء وحيد إلى البيت حرصت سعدية أن يكون حديثها معه بمنجى عن ~~مسامع ولديها. ~~- أنا عرفت كل شيء. # ولم يحاول أن ينكر أو يتظاهر بالدهشة، أو يدعي غير الحقيقة فقد ~~كان وجهه قد شحب، وتوقف لسانه في فمه، ووجد نفسه في دوار مفيق، ~~وحرك شفتيه في صعوبة بالغة، ليجمع عليها «أنا آسف» متخاذلة ~~متهافتة، تعلن في صراخ ما يحيط به من وجوم وشبه تجمد. # قالت له سعدية في حسم: أنت بين اثنتين لا ثالث لهما؛ إما أن ~~تطلقها وتعيش في هذا البيت، لتمثل فيه دور الزوج ولتكن أبا ~~حقيقيا لولديك، أو تطلقني وتترك البيت، وأنت تعرف أنني أستطيع أن ~~أرغمك على الطلاق. # ليس في الأمر خيار. هكذا قرر وحيد دون أن ينبس ببنت شفة. # وتم طلاق وحيد من كريستين، واشترط عليها ليمنحها بعض المال مع تذكرة ~~السفر، أن تقول لفريد وصبحي إنها مضطرة إلى السفر إلى والدها ~~المريض. # وتم الأمر كما قررت سعدية، لن يعرف ابناها شيئا، كما أنها حرصت ~~ألا تبلغ أختيها بشيء. # صدق فريد وصبحي ما قالته كريستين وودعاها آسفين، إنما الأمر ~~الذي لم ms34 يفهماه تلك الحجرة التي خصصت لأبيهما بعد أن كانت غرفته ~~هي غرفة أمهما. # | الفصل السادس عشر # مرت سنوات واجتازت مصر عام 56م، ولم تؤثر حكومة الثورة حتى ذلك ~~العام في عمل الشركات؛ ولهذا كانت الخسارة التي تمنى شركة الغزل بها ~~على يد بهجت، تدعو إلى الدهشة من أمجد علوان ومن كل أصحاب الأسهم، ولم ~~يجد أمجد شخصا يأتمنه على بحث أسباب هذه الخسائر إلا شحاتة عبد ~~الكريم، أقدم موظف في العقود، بعد أن عين بهجت فوزي عمران رئيسا ~~للشئون القانونية. # وكان شحاتة معدا نفسه لهذا الطلب تمام الإعداد ... فقدم كل ما عنده ~~إلى أمجد بك علوان، وكان أمجد يدرك تماما ما ينبغي أن يفعله. # دق جرس التليفون في بيت بهجت العزوني ورفع الخادم السماعة. ~~- آلو ... من؟ ~~- أنا، يا ابني، اسمي أمجد علوان. ~~- البك غير موجود. ~~- أنا أريد الست. ~~- دقيقة واحدة ... # وحين أمسكت كريمة السماعة وقالت: ألوه، أنا كريمة كمال. ~~- أنا أمجد علوان. ~~- أهلا أمجد بك. ~~- أريدك أن تأتي غدا مع بهجت إلى مكتبي. ~~- لماذا يا أمجد بك؟ ~~- ستعرفين حين تأتين. ~~- وهو كذلك. ~~- لي عندك رجاء. ~~- تفضل. ~~- لا تخبريه أنني طلبتك. ~~- وكيف أجيء معه؟ ~~- من الأحسن أن تجعليه يأتي لمكتبه، ثم تتبعيه أنت بسيارتك. ~~- فهمت. ~~- مع السلامة. # وتم الأمر كما أراده، حتى إذا استقرت كريمة بمكتبه في الصباح، ~~رفع سماعة التليفون. ~~- بهجت بك ... هل عندك أحد؟ # وجاءه الرد. ~~- لا ... أنا تحت أمرك. ~~- تعال إلى مكتبي بضع دقائق. # وجاء بهجت، وأصيب بالذهول حين رأى زوجته بمكتب رئيس مجلس الإدارة، ~~وأمر أمجد سكرتيره ألا يدخل أحدا إليهم مهما يكن شأنه، وبدأ أمجد ~~الحديث. ~~- بهجت بك، حدث في الشركات اختلاسات حصرتها، فوجدتها تزيد على ~~خمسة وعشرين ألف جنيه. # وانتتر بهجت واقفا؛ فقد كان في عماية تامة عن الأبحاث التي أجراها ~~عليه أمجد، وقال أمجد في هدوء رجل الأعمال المخضرم. ~~- المسألة أكبر بكثير من التمثيليات يا بهجت بك. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أقصد أنك وحدك المسئول عن هذه الاختلاسات والرشاوي التي أخذتها، ~~والتي خسرت الشركة مقابلها مبالغ ms35 طائلة. ~~- أنا ؟! ~~- طبعا، كان هناك من يستر عليك، وربما كنت تعطيه بعضا من هذه ~~المبالغ. ~~- أنا أرفض هذا الاتهام ولا أقبله. ~~- وأنا كنت أنتظر منك أن تقول هذا؛ ولهذا رجوت السيدة العظيمة ~~حرمكم أن تشرفني بالحضور اليوم. # وقال بهجت في محاولة متبجحة: وزوجتي ما شأنها بعملي؟ # وظلت كريمة على صمتها وقال أمجد: بل الشأن كله شأنها؛ أولا الذي ~~عينك موظفا في هذه الشركة هو المرحوم والدها، وثانيا الأسهم التي ~~وثبت بها إلى عضو مجلس إدارة ثم إلى عضو منتدب أسهمها هي، وإن كانت ~~تنازلت عنها لك، والخسارة التي وقعت للشركة بسبب الاختلاسات أصابت ~~أسهمها، كما أصابت أسهم جميع أصحاب الأسهم في الشركة، وأولا أيضا ~~ولا أقول ثانيا أن كريمة هانم وهي من هي لن تقبل لوالد عطاء أن يدخل ~~السجن. # وقاطعه بهجت مذعورا. # ولم تملك كريمة نفسها هي أيضا أن تقول في لهفة: السجن يا أمجد ~~بك؟ # وفي هدوء وجه أمجد حديثه إلى كريمة غير ملق بالا لبهجت، وكأنه ~~غير موجود. ~~- هذه أسهم المساهمين وأموال ناس وليست أموالي وحدي يا كريمة هانم، ~~فإما أن أدخل أنا السجن وهذا غير معقول؛ لأنني لم أنتهب شيئا، وإما أن ~~يدخل بهجت بك السجن. وقبل أن تجيبي اقرئي هذا التقرير ولا داعي أن ~~تدخلي في التفاصيل؛ فكل كلمة ستقرئينها عندي ما يثبتها، وما يدخل بهجت ~~بك السجن لا محالة. # وأخذت كريمة الملف من أمجد، وهو يقول: التقرير في الصفحات الأولى ~~وهي ثلاث، والأوراق الأخرى المستندات، يكفي أن تطلعي على ~~التقرير. # وراحت كريمة تقرأ ومنذ اللحظات الأولى أخذت الدهشة تنتاش وجهها، ~~وكانت ترفع رأسها ناظرة في احتقار إلى بهجت أو في ذهول كسيف لأمجد، ~~حتى إذا أتمت القراءة ضمت دفتي الملف، وقدمته إلى أمجد ~~قائلة: طبعا أنت لا تتوقع مني أي تعليق. # وقال أمجد في كياسة: أنا أقدر أن الفترة القصيرة التي مررت بها ~~الآن، ربما تكون أبشع عندك من أحزان السنين جميعا، وأنا أعرف أنك ~~مررت بظروف كثيرة لم تكن سعيدة. ~~- أشكرك أنك مدرك ms36 ما أنا فيه الآن، وتأكد سعادتك أن الدقائق التي ~~عشتها الآن لم أكن أتصور أنني سأواجهها في حياتي كلها. ~~- أرجو أن تكون نظرتك لي عادلة؛ فمكانتك عندي ومكانة الباشا ~~كلها إجلال وإكبار. ~~- لقد جاء دوري لأشكرك، وأنا أعرف أنه لولا هذه المكانة التي تتحدث ~~عنها، لكنت بادرت بإبلاغ النيابة فورا دون أن تفكر في إشراكي في ~~الموضوع. ~~- أقسم بشرفي أنك وحدك التي جعلتني أخير بهجت بك بين أن ~~يدفع المبلغ أو أبلغ النيابة. ~~- أعرف ذلك تماما. # وكان بهجت طوال هذا الحوار صامتا في شعور عميق بالذل والهوان، حتى ~~لقد راح ينكمش وتتداخل أعضاء جسمه بعضها في بعض، وألقت إليه كريمة ~~نظرة مقيتة تشتعل بلهيب الثورة والغضب، ثم التفتت إلى أمجد وسألته: ~~كم تتيح لنا من الوقت؟ ~~- إذن المبلغ سيدفع ... الحمد لله ... ترى لو قلنا في ظرف أسبوع نظرا ~~لموقفي الحرج ... # وقاطعته كريمة: سأحضر أنا المبلغ في خلال هذا الأسبوع. ~~- عظيم. ~~- كم ثمن الأسهم التي باسم بهجت اليوم؟ ~~- حوالي عشرة آلاف جنيه. # ونظرت إلى بهجت وقالت له أول كلمة وجهتها إليه طوال هذا ~~اللقاء. ~~- خذ ورقة واكتب أمرا ببيع الأسهم، واكتب على ورقة أخرى أنك ~~تسلمت ثمنها. # وقام بهجت عن كرسيه وكأنه آلة كهربية تستقبل الأوامر وتنفذها، وكتب ~~ما أمرت به كريمة وأعطى الورقتين لأمجد وكريمة تقول له: الباقي ~~سيكون عندك قبل الأسبوع إن شاء الله. ~~- أرحتني، أسعدك الله. # والتفتت إلى بهجت قائلة في حسم: هيا. # وتقدمت إلى الباب وهو يتبعها وما زال في حالة الآلة الكهربية. ~~وبعد أن أغلق أمجد باب مكتبه قالت كريمة لبهجت: هل عندك أحد في ~~مكتبك؟ ~~- لا ... لا أبدا. ~~- فلنذهب إليه. # وفي وجل قال: ألا نذهب إلى البيت؟ ~~- هناك أشياء أحب أن أعملها قبل أن أذهب إلى البيت. اتبعني إلى ~~مكتبك. # وقالت كريمة لسكرتيرة بهجت في حسم: لا تجعلي أحدا يدخل ~~علينا. # ولم تنتظر ردها، وإنما دخلت إلى مكتب بهجت، وما إن توسطت ~~الحجرة حتى أمرته: أغلق الباب. # وأغلق الباب ولم تجلس كريمة، مما جعل بهجت ms37 يظل واقفا ليرى ماذا ~~تريد، ولم تهمله بل سألته في حزم: كم بقي معك من المبلغ؟ # وفي رد فعل تلقائي قال: يا كريمة. # وبلا تريث قالت في نفس الحزم بل ربما في حسم أشد. ~~- كم بقي معك من المبلغ؟ # وفي لعثمة قال: خمسة آلاف جنيه. ~~- في أي بنك؟ ~~- بنك مصر. # نذهب الآن إلى هناك ونسحب المبلغ، وخرجت وهو يتبعها وأمرته أن يركب ~~معها سيارتها، ويترك سيارته أمام الشركة على أن يحضرها السائق فيما ~~بعد، وامتثل لأمرها، وأمام الموظف المختص في بنك مصر، جلست كريمة ~~وأمرت بهجت: اطلب حسابك. ~~- يا كريمة، هذا غير ... # ولم تتركه يكمل. ~~- اطلب حسابك. # وسرعان ما جاء الحساب فوجدته ستة آلاف جنيه، أمرته أن يسحبها ~~فورا فسحبها، وحين ركبا السيارة قالت للسائق: اذهب إلى بنك ~~القاهرة. # وامتقع وجه بهجت ولحظت هي امتقاعه، فقالت له: طبعا غير معقول أن ~~نودع مبالغ بالبنك الذي يعمل به حمدي زوج أختي. # ومرة أخرى قال وهو في دواره ولعثمته: لكن يا كريمة ... # وأسكتته قائلة: ولا كلمة. # وفي بنك القاهرة تكرر ما حدث في بنك مصر، ووجدت أن حسابه به ألفا ~~جنيه سحبهما تنفيذا لأمرها، واستولت على الجنيهات الألفين، كما ~~استولت على الستة آلاف الأخرى وقالت للسائق: اذهب إلى البيت واترك هذه ~~السيارة، واذهب إلى شركة البك لتحضر سيارته. # وحين خلت بهما حجرة المعيشة قالت كريمة بوجه جامد: أنت تعرف طبعا ~~أنني ليس عندي مبالغ سائلة، والأرض من حق عطاء، والحلي التي عندي كنت ~~أريد أن أستبقيها لعروسه، ولكني سأبيع منها ما يفي ببقية المبلغ الذي ~~اختلسته. # وحاول بهجت أن يفتح فمه. ~~- يا كريمة أرجو أن ... # فقاطعته: أرجو ألا تتكلم في الموضوع إطلاقا، والله وحده يعلم كيف ~~سأعيش معك بعد ذلك، ولكن أي كلام سيزيدني احتقارا لك، وأسفا على أنني ~~وافقت على الزواج منك. # ولم يجد بهجت شيئا يصنعه إلا أن يترك البيت، ويخرج قاصدا إلى ~~سليمان ذكري في مكتبه، ولم يمهله سليمان بل عاجله. ~~- ماذا؟ ... لماذا جئت إلى مكتبي؟ ~~- وأي عجيب في ms38 ذلك؟ ~~- لا شيء، مجرد أننا لا نستطيع أن نجلس براحتنا، وعلى كل حال لماذا ~~لم تذهب إلى مكتبك؟ ~~- لن أذهب منذ اليوم. ~~- لا أريد أن أعرف السبب. ~~- اختلفت معهم وتبين لي أنني لن استطيع الاستمرار. ~~- فما قولك أن تعمل معي؟ ~~- مبدئيا أنا موافق، ولو أنني لا أعرف طبيعة عملك. ~~- ستعرفها، لا تعجل، ولكن المهم أنك ستعمل خارج المكتب. ~~- أحسن. ~~- هلم بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى مكان ... هلم. # وخرجا، وقضى بهجت الوقت مع سليمان وتناول معه الغداء؛ آملا أن ~~يترك فرصة لكريمة لتكون صالحة للكلام معه. إنها طبعا ستحاول أن ~~تعصف بي، وليس لي حيلة إلا الصمت، والزمن كفيل بالأمر بعد ذلك. # وجد كريمة جالسة بمفردها في غرفة المعيشة، فما إن جاء حتى بادرته ~~قائلة: أنا مضطرة أن أبقي عليك في البيت؛ لأني لا أريد لعطاء أن ~~يكون بغير أب، ولكن الحقيقة سيكون بلا أب، فلا شأن لك به مطلقا إلا ~~التحية العابرة؛ فمنذ اليوم سأتولاه أنا تماما، وأرجوك أن تحاول بكل ~~جهدك أن تقضي يومك خارج البيت، فيما عدا مواعيد الطعام والنوم. # وأخيرا قال: إني أعرف أنني أخطأت، ولكن إذا لم تغفر الزوجة لزوجها ~~فمن يغفر له؟ ~~- أنت تعلم حرصي على ديني وكرامتي، فأنا لا أترك فرضا من فروض الله ~~إلا أديته، وأنت حتى لا تصوم ولو على سبيل التظاهر، لقد اتضح لي من ~~زمن بعيد أننا من معدنين مختلفين كل الاختلاف، وأنا أنوي أن أجعل ~~عطاء بعيدا عنك في خلقك ودينك كل البعد، وما أقوله لك اليوم لا نقاش ~~فيه ولا مراجعة ولا تراجع أيضا. ~~- أمرك. # | الفصل السابع عشر # سرعان ما عرف بهجت طبيعة عمله مع سليمان ذكري، وكان من الطبيعي بما ~~خلقه وانعدام كل أنواع الضمير عنده أن يقبله، وإنما كانت جوانحه لم ~~تخل من الخوف الذي يبلغ درجة الذعر في بعض الأحيان. # أدخلت كريمة ابنها مدرسة فرنسية، وحرصت أن تأتي له بشيخ يجعله ~~يحفظ القرآن، وأصرت أن تجعله يقوم بواجباته الدينية على أكمل وجه، ~~وأكرمها الله فيه فاستجاب ms39 الابن لأمه في كل ما تريده له. ومضت السنوات ~~كما شاءت لها كريمة أن تمضي، حتى أصبح عطاء في الحادية عشرة من عمره. ~~أما عن بهجت فقد كانت تعطيه خمسة جنيهات يومية كمصروف، وقبل هو هذا ~~صاغرا وحلت سنة اثنين وستين، وفوجئ بيت كريمة بالشرطة تدهمه وتقبض ~~على بهجت وتضع الحديد في معصميه، وتتجه به إلى القسم، وما هي إلا ~~ساعات حتى عرفت الكارثة الجديدة التي أنزلها بهجت بنفسه وبيته بل ~~وبوطنه كذلك. لقد كان سليمان ذكري جاسوسا يهوديا زور أوراقا تثبت ~~أنه مصري مسلم، وكان بهجت يعينه في الحصول على أسرار بلده. # وقدم بهجت إلى المحكمة وحكم عليه بعشر سنوات، وكان عطاء في ~~الثانية عشرة من عمره، وكان يستطيع أن يعي ما يحدث حوله، وقد كان وعيه ~~له يشوبه الذهول والألم والحسرة. # مرت السنوات وحين أصبح عطاء في السادسة عشرة من عمره، قالت له أمه: ~~يا عطاء أصبحت في السن التي ينبغي أن أحدثك فيها، أنت حفظت ~~القرآن، وتعرف قول الله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في ~~عنقه. ~~- تأكدي يا ماما، أنني أعرف أني لست مسئولا عما فعله أبي، ولعلك ~~ستدهشين إذا عرفت أن العاطفة الوحيدة التي أحس بها نحوه هي عاطفة ~~الرثاء له، والإشفاق عليه من نفسه ~~أولا ثم من الناس، ولا أنسى ما وصى به الله الابن بأبويه، بل إني ~~حريص على أمر الله فيك وفيه كل الحرص. ~~- ألم تلاحظ شيئا يا عطاء ... لقد نسي الناس أمره. ~~- ولاحظت ذلك؛ ففي المدرسة لم يذكر لي تلميذ واحد شيئا عن ~~أبي. ~~- الحمد لله، فسر أنت في طريقك. ~~- أترين أني محتاج إلى هذه النصيحة؟ ~~- حتى الآن، أنت كما أرجو أن تكون، والحمد لله. ~~- والفضل بعده لك. # خرج بهجت من السجن بعد أن قضى المدة، واستقبلته كريمة ومعها عطاء ~~على باب السجن، وألقى عطاء نفسه بين أحضان أبيه، وشملهم الصمت في ~~السيارة حتى بلغوا المنزل. وترك عطاء أمه لأبيه ربما أحب أحدهما أن ~~يقول للآخر شيئا لا يريد لعطاء أن يسمعه، ms40 وحدث ما توقع فقد بدأ بهجت ~~الحديث. ~~- اسمعي يا كريمة، أنا في السجن لم يكن معي إلا الله ونفسي. ~~- تقول الله؟! ~~- إني وهبت نفسي لعبادته أملا في غفرانه بعد الذي دمرته من حياة ~~ابني وحياتك، ومن أمانتي لوطني ولنفسي وما ارتكبته من المعاصي، وأنا ~~عزمت منذ بضع سنوات أن أقول لك ما أقوله الآن في أول لقاء لي بك. ~~إن بقائي بالبيت أصبح ثقيلا وغير مقبول؛ فأنا لن أحتمل نظرات ابني ~~التي سيمازجها دائما الاحتقار، فإن اغتفر لي ما صنعته به بعض ~~الغفران، فنظرات الشفقة المشوبة بالعطف. هذا إلى جانب مشاعرك أنت ~~نحوي التي لا أجرؤ أن أصفها بلساني. ~~- هذا قدرك، ولا بد أن تحتمله. ~~- أنا على أتم الاستعداد أن أحتمله، ولكن لماذا أحملك أنت وعطاء ~~وباقي أفراد الأسرة أختيك وزوجيهما وأبناءهم والأصدقاء، وكل من يعرف ~~قصتي، الحرج في رؤيتي والحيرة في معاملتي؟ ~~- ماذا تريد أن تعمل؟ واضح أن هناك أمرا أنت مقرره. ~~- الأمر الذي لا تعرفينه وربما تكونين قد علمته من رجال الأمن ~~بالسجن، مأمورا كان أو ضابطا؛ فأنا أعلم أنك رغم أنك امتنعت عن ~~زيارتي، كنت توالين السؤال عني بنفس النظام، الذي كان يصلني به ~~الطعام الذي كنت ترسلين به لي، الأمر الذي ربما تكونين قد عرفته، ~~أنني منقطع منذ سنوات للعبادة انقطاعا تاما، فبقائي في القاهرة ~~لألقي جبلا رازحا على أنفاس ابني وأنفاسك، أمر أرى أنني لن أجني ~~منه إلا المرارة الشديدة، التي أحاول أن أزيحها عن نفسي بتوجهي ~~إلى الله. ~~- ماذا تريد أن تفعل؟ ~~- أريد أن أذهب إلى هندامة وأعيش بها. # وصمتت كريمة بعض الشيء، ثم قالت: الفكرة لا بأس بها، ولكن شعور ابنك ~~نحوك ليس كما تظن، وأنا نفسي تغيرت كثيرا منذ علمت ~~بتوبتك. ~~- البيت عندنا في البلدة لا بأس به، فلماذا لا تأتين إلي من حين ~~إلى آخر ومعك عطاء؟ ~~- اسمع يا بهجت، أنا أوافقك على فكرتك، ومن جانبي سأجعلك في غير ~~حاجة إلى أفدنتك العشرة، التي يعتمد عليها أخوك في حياته. سيكون لك ms41 ~~مرتب يجعلك تتفرغ لعبادتك، دون أن تشغل نفسك بشيء في هذه ~~الدنيا. ~~- وأنا لن أرفض هذا تظاهرا بالعفة، واعتبريه أنت صدقة جارية على ~~رجل كان زوجك في يوم من الأيام، وشاء الله أن يكون أبا ولدك ~~الوحيد. ~~- بل أعتبره واجبا إن لم يكن واقعا على كتفي، وهو واقع عليها، فهو ~~واجب عطاء نحو أبيه، شرعه الله تعالى، ويكون خارجا عن طاعته سبحانه، ~~إذا لم يقم به؛ فالمال الذي عندي هو مال عطاء كما تعلم، وما أنا إلا ~~أمينة عليه. واسمع يا بهجت، أرجو أن تعرف أنك وقد عرفت طريق الله، ~~فأنت أصبحت في الطريق الذي اخترته لنفسي طول حياتي، فمشاعري نحوك ~~الآن إن لم تكن مشاعر زوجة، فهي إنسانة، أخت لك في الله، تراك تسير ~~معها في نفس الطريق. ~~- ومن أفضالك أنك لم تطلبي الطلاق. ~~- إكراما لعطاء؛ فانا أعلم أنه يحبك. ~~- هل تسمحين لي بسيارتك لتذهب بي إلى البلدة؟ ~~- الآن؟ ... غير معقول! ليس قبل أن أعد لك الملابس المناسبة، وجميع ~~ما قد تحتاج إليه هناك. ~~- كل هذا يمكنك أن تفعليه وأنا هناك. أعفيني أكرمك الله من لقاء ~~أفراد أسرتك. ~~- على كل حال السيارة تحت أمرك. # وحين خرجا من الغرفة استدعت كريمة ابنها. ~~- تعال سلم على والدك. ~~- إلى أين يا بابا؟ ~~- لا تعجب، أنا لن أتركك بعد اليوم أبدا، وإنما رأيت أن أقيم ~~ببلدتنا هندامة، لأنقطع فيها لعبادة الله، بعد أن اطمأننت على ~~مستقبلك، وسيسعدني أن أستقبلك أنت وماما في أي وقت. # وربما استشعر عطاء الراحة لما يقوله أبوه؛ فقد كان حائرا في نفسه، ~~كيف تكون المعاملة المثلى لأبيه، وهو شبه غريب عنه، وهكذا طأطأ عطاء ~~رأسه وهو يقول لأبيه: لن ترى مني إلا الحب الصادق والطاعة التامة، وما ~~دمت ترى هذا ... فالله معك ومعنا. # واحتضن بهجت ولده وقالت كريمة: وأنا أيضا أريد أن أودعك، ولو ~~أني سأراك قريبا. # واحتضن بهجت زوجته في حب وندم عميقين كل العمق، وأخذ سكته إلى ~~السيارة التي سافرت به إلى بلدته. # كان هذا منذ سنوات ms42 بعيدة، وما زالت الحال بين بهجت وكريمة وعطاء على ~~حالها حتى يومنا هذا؛ فقد حرصا أن يزوراه مرتين أو ثلاثا في الشهر، ~~وزاد عليهما منذ سنوات بهجت الصغير وكريمة الصغيرة؛ ابن عطاء وبنته ... ~~وما زالت الحياة تمضي بهم جميعا، وسبحان الله العفو الرحمن الرحيم! ~~الذي جعل اسم الرحمة مستمدا من اسمه، ليكون بين الناس منذ بدء ~~الخليقة حتى الساعة، آصرة وودا وحبا وغفرانا. ms43