######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.SibahaFiRimal.Hindawi49205204 #META# Tags: literature #META# ID: 49205204 #META# Title: السباحة في الرمال #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لحظة سعادة‏ # السباحة في الرمال‏ # حكاية رجل بخيل‏ # النابغة‏ # الميراث‏ # المقابل‏ # تحية عابرة‏ # وحدة‏ # رحلة العودة‏ # لحظة سعادة‏ # السباحة في الرمال‏ # حكاية رجل بخيل‏ # النابغة‏ # الميراث‏ # المقابل‏ # تحية عابرة‏ # وحدة‏ # رحلة العودة‏ # | السباحة في الرمال # | السباحة في الرمال # تأليف # ثروت أباظة # | لحظة سعادة # كان سعيدا منشرح الصدر وهو يفكر، كانت لحظة من هذه اللحظات القليلة ~~التي يشعر فيها الإنسان أن الحياة تعطيه بقدر ما يريد منها أن تعطيه، ~~ودون أن يدري السبب راح يفكر في السبب الذي بث في نفسه هذه السعادة ~~التي يشعر بها، وما لبثت هذه الفترة أن بعدت عن مسار تفكيره، وما لبث ~~أن قال لنفسه إني سعيد لأني سعيد، وأخشى ما أخشاه أن أبحث عن أسباب ~~سعادتي وأنقلب بفعل يدي تعيسا، وأسباب التعاسة دائما أكثر وفرة من ~~أسباب السعادة، وهل هذا كلام رجل سعيد، إنه كلام أي إنسان، ولكنك لست ~~أي إنسان؛ إنك رجل سعيد؟ حسنا فلأظل سعيدا إذن دون محاولات سخيفة ~~لتعمق أسباب السعادة، هل هي قليلة لحظات السعادة هذه إلى هذا الحد، هل ~~هي قليلة لدرجة أنني أقتنصها من الحياة اقتناصا ولا أحاول حتى أن أبحث ~~أسبابها وما دعت إليه. # إني سعيد بزوجتي، ولكن سعادتي بها لا تكون لي لحظات سعادة، أنا أحبها ~~وأعلم أنها تحبني، وهي شريفة بحكم تكوينها، وهي تعمل دائما على إسعاد ~~بيتها، وليس بيني وبينها إلا هذه المشاجرات التي تدل على أننا أحياء، ~~ولو أنها مشاجرات كثيرة وعنيفة في بعض الأحيان؛ مما ينبئ على أننا ~~أحياء جدا، ولكنها جميعا مشاجرات طبيعية لا بد أن تنشأ بين اثنين ~~نشأ كل منهما في بيت، ثم جمعهما بيت واحد يعلمان أنهما سيقضيان فيه ما ~~بقي لهما من حياة، قد تشعر هي بالضيق أحيانا، أو قد يشعر هو بالضيق ~~أحيانا، وقد تكون هذه الأحيان كثيرة، وقد تتلاقى هذه الأحيان من الضيق ~~فتكون مشاجرة لو بحث كلاهما أو أحدهما عن سببها لا تضح على الفور مقدار ~~سخافتها. # لماذا أفكر في كل هذا، من أجل لحظة ms01 سعادة، ألم تكن لي لحظات سعادة ~~كثيرة وأنا طفل، لماذا يقول الناس طفولة سعيدة، أظن السعادة هنا يقف ~~وراءها الجهل، إنهم سعداء لأنهم لا يعرفون كيف يكونون تعساء، ولكني مع ~~ذلك أذكر في طفولتي لحظات سعيدة. والآن فقط أدرك أنني كان يجب أن ~~أعتبر طفولتي سعيدة، يبدو أن الأطفال يعتبرون سعادتهم قضية مسلما بها ~~لا تقبل النقاش؛ فحياتهم مهما تكن سعيدة يعتبرونها هم عادية. ولا ~~يذكرون منها إلا لحظات السعادة الخارقة للعادة ولحظات التعاسة العادية، ~~كانت لحظات سعادتي هي تلك الأوقات التي أقضيها في قراءة القصص، قصص ~~الأطفال. كنت أحس أنني أعيش في عالم آخر غير هذا الذي أعيش فيه. # لماذا يعتبر البعد عن العالم الذي أعيش فيه سعادة، لماذا يقول الناس ~~هذا دائما كلما أحبوا أن يعبروا عن سعادتهم، هل العالم الذي نعيش فيه ~~سيئ إلى هذا الحد، وإن كان سيئا أهو هكذا بالنسبة للأطفال؟ لماذا ~~يحبون أن يعبروا إلى عوالم أخرى من قصص علاء الدين والسندباد وعلي بابا ~~والأربعين حرامي وقصص الجان وغيرها وغيرها؟ # والكبار، ألا يتشبثون بعالم آخر، ما الحياة عندنا إذا كانت هي هذه ~~الحياة فقط، سبحان خالق الناس، عرف نفوسهم وعرف حياتهم فوعدهم بحياة ~~أخرى يلقون فيها السعادة التي لم يعرفوها من الدنيا، ولكني الآن سعيد، ~~لحظة، أو لحظات ثم تعود الحياة حياة. أقصى ما أطمع فيه منها ألا ترزأني ~~بلحظات تعاسة وتصبح أيام الملل والوتيرة الواحدة سعيدة، سعيدة لأنها ~~ليست تعيسة. # إننا نبحث في حياتنا هذه عن السعادة من أي سبيل، نرى السعادة في نظرة ~~إلى أبنائنا، في أبنائنا، في ابتسامة على شفة لهم، في ضحكة، في مجرد ~~جلوسهم أمامنا مشغولين عنا بالنظر إلى التليفزيون. # ما السعادة التي يهبها لنا أطفالنا؟ ما هي ما قبل الرعب الذي يلقون ~~به في نفوسنا؟ الهول المبين، الذعر الأخاذ الوبيل، إذا مرض أحدهم أو ~~إذا وهمنا أن مرضا يهدد واحدا، وحين يزول المرض وحين يزول الوهم تعود ~~نفوسنا إلى الصفاء وتعود إلينا السعادة، ما أعظم الثمن الذي ندفعه ms02 لقاء ~~السعادة من أطفالنا. # ويل لي، لحظة سعادة واحدة تفعل بي هذه الأفاعيل، ماذا أحاول أن أعرف؟ ~~هل فرض علي فرضا أن أبحث عن سبب هذه السعادة؟ ألا يكفيني أني ~~سعيد؟ # لنبحث أولا، ما هي أعراض السعادة التي أعانيها، ويلي ألا أعرف أعراض ~~السعادة، أهذه أيضا تحتاج إلى شرح، ألا أعرف هذه الإشراقة التي تشيع ~~في النفس، فإذا النفس بهجة وإذا هي متطلعة إلى المستقبل الوردي الصافي ~~وإلى الحاضر وكأن سعادة العالم تجمعت فيه، هذه هي حالي الآن، لماذا؟ ~~وما يهمك؟ لماذا ما دمت سعيدا، ألا تخشى أن تفقد سعادتك وأنت تبحث في ~~هدوء دون هذا البحث السخيف، وتتفلسف أيضا وتريد أن تظل سعيدا، يقولون ~~إن الفلاسفة هم السعداء، بل يقولون إن السعداء هم الجهلاء، كلا ~~القولين غير صحيح؛ فأنت سعيد ولست جاهلا إلى درجة أن يقال عنك جاهل، ~~ولست فيلسوفا إلى درجة أن يقال عنك فيلسوف، ولكنني لست سعيدا، ماذا ~~هل فقدت السعادة؟ أقصد أنني لست سعيدا سعادة الفلاسفة ولا الجهلاء، كل ~~ما في الأمر أنني أشعر بلحظة سعادة، لعل لقاءك بالأمس مع سهام أمدك ~~بهذه السعادة. لقد أحسست بالسعادة فعلا في لقائي معها، ولكن اللقاء ~~كان يشغلني عن الشعور بالسعادة، وانتهى اللقاء وعدت إلى حياتي اليومية، ~~ومرت بي لحظات رضى ولحظات ضيق، فلا شأن لسعادتي الراهنة بلقائي مع ~~سهام، هي حبي وهي الوحيدة في هذا العالم التي تستطيع أن تمسح عن نفسي ~~خمولها وآلامها، وأنا أسعد بلقائها وأهب لها كل ما تريد، ولكن الحياة ~~تلاقيني بعد ذلك وأرى فيها الخير وأرى فيها الشر، وأحيا كما يحيا الناس ~~حتى ألتقي مرة أخرى بسهام، فهذه السعادة التي أحسها إذن سعادة جديدة من ~~نوع آخر ينتابني بلا مقدمات، ولهذا أبحث عن أسبابه، ألا بد أن تبحث؟ ~~رجعنا ثانية إلى هذا الحديث. وهل السعادة مع سهام خالصة؟ أتحبني لنفسي ~~أم لما أقدمه لها من مال؟ إنني أقدم المال وأسعد، لا شيء يهم بعد ~~ذلك. أم تراه يهم؟! # لعلك سعيد لهذه المرافعة الرائعة ms03 التي قدمتها في قضية الأمس، أهي ~~المرافعة الوحيدة التي رضيت عن نفسي فيها، إنني أعمل في المحاماة منذ ~~سنوات طويلة، ويقولون إنني محام ناجح، وأعرف أنني ناجح، ومعرفتي هذه ~~تجعلني ألتقي بكل قضية وأنا أحتشد لها وكأنني محام ناشئ، ثم أحتشد لها ~~وورائي تاريخي الطويل في ساحة القضاء، أرى أنك بدأت تترافع، طبيعة، ~~ماذا أفعل فيها، المهم أن لحظة السعادة التي أمرح فيها الآن لا صلة لها ~~بمرافعتي. # اسمع، ألا يجوز ... مجرد فكرة لا تسخر منها، ألا يجوز أن يكون حديثك ~~التليفوني مع صديقك إسماعيل قد أرسل إليك بهذه اللحظة السعيدة؟ أرى أنك ~~بدأت تخرف، إنني كثيرا ما أحادث الأصدقاء ولا شك أنهم يرسلون الدفء ~~إلى قلبي، ولكن لو أنني شعرت بهذه لمجرد حديث مع صديق لأصبحت حياتي ~~كلها سعادة بلهاء، سعادة لا قيمة لها لأنها ستصبح سعادة غبية ~~سخيفة. # اسمع، طالما سمعت ... اسمع ولا تعقب، إنك سعيد لأنك سعيد، أهذا آخر ~~ما وصلت إليه، ما أشد سخفك! بل أنت السخيف، أرأيت أنك تريد أن تفسد ~~علي سعادتي. # اسمع إنني لن أبحث عن السبب، إني الآن سعيد ولا يهم لماذا، إني سعيد ~~وكفى. # | السباحة في الرمال # كان البحر هادئا، ولكن الشاب الذي يسبح فيه خائر القوى؛ فهو يرفع ~~رأسه يلقف نفسه، ثم تغوص رأسه مرة أخرى فيمد يديه يرفع يديه لا تجدان ~~إلا الفراغ وتهويان مرة أخرى خائرتين إلى المياه، ويعود رأسه يشرئب في ~~يأس ويهوي في عجز إلى الماء. # أنا لا أجيد السباحة، لو حاولت أن أنقذه مت أنا وهو لا محالة، نظرت ~~حولي فوجدت شابا فتيا يجلس في زورق على الرمال ويحرك مجدافين، ~~فيمسان الرمال في رفق ثم يرتفعان إلى الهواء والفتى ماض في عمله هذا ~~وكأنما يجدف في الماء، وكأنما يفضي إلى مكان يعرفه، فإن نظرت إليه ~~خيل إليك أن الهدف أمامه واضح لا شك فيه. # وارتفع صوت الفتى الذي يغرق في اليم، ارتفع في يأس يطلب النجدة ومزقت ~~صرخته كل نفس، ولكن الفتى في الزورق لم ms04 يلتفت إليه وظل يجدف وكأنه في ~~عالم آخر. ~~- ألا ترى هذا الذي يغرق؟ ~~- أراه وأعرفه. ~~- أتعرفه؟ ~~- إنه أبي. ~~- أبوك؟! ~~- وأخي. ~~- وأخوك؟! ~~- وأمي. ~~- وأمك؟! ~~- وزوجتي. ~~- وزوجتك؟! ~~- وابني. ~~- وابنك؟! ~~- وابنتي. ~~- وابنتك؟! ~~- وكل ماضي وكل مستقبلي. ~~- فلماذا لا تذهب إليه بالزورق؟ ~~- هذا الزورق لا يسير في الماء. ~~- إن الزورق لم يخلق إلا للماء. ~~- ولكن هذا الزورق لا يسير في الماء. ~~- وأنت ألا تستطيع أن تنقذه، ألا تستطيع أن تعوم؟ ~~- أنا أحسن سباح في العالم. ~~- فلماذا لا تنقذه؟ ~~- أنا لا أسبح إلا في الرمال. ~~- إن الرمال لم تخلق للسباحة. ~~- وهل خلق الماء للسباحة؟ ~~- إن السباحة هي التي خلقت للماء. ~~- فأنقذه. ~~- لا أستطيع. ~~- لماذا؟ ~~- إن أحدا لم يدعني. ~~- ها أنا ذا أدعوك. ~~- ومن أنت؟ ~~- بشر. ~~- ولكن ما شأنك؟ ~~- إنسان يغرق. ~~- وهل أنت مسئول عن كل إنسان يغرق. ~~- إنني مسئول عن كل إنسان. ~~- من الذي ألقى عليك هذه المسئولية؟ ~~- إنسانيتي. ~~- مغرور. ~~- إنه وقت النقاش. ~~- أبوك وأمك وزوجتك وابنك وابنتك وأخوك وماضيك ومستقبلك جميعهم ~~يغرقون وأنت تناقش. ~~- أنا لا أعرف إلا النقاش. ~~- فأعطني هذا الزورق. ~~- قلت لك إنه زورق للرمال فقط. ~~- أعطنيه ولا شأن لك. ~~- لا تستطيع الاقتراب منه. ~~- سأحاول. ~~- لا تحاول. ~~- بل لا بد أن أحاول. # واقتربت من الزورق ولكن شيئا جعلني أقف ولا أستطيع الاقتراب من ~~الزورق، ورحت أدفع جسمي بكل قوتي ولكن بدون جدوى، والفتى في الزورق ~~يجدف وكأن شيئا لا يحدث، والفتى في البحر يغرق ويصرخ من حين إلى آخر ~~ولكن بلا جدوى هو الآخر. ~~- أنا لا أستطيع فعلا أن أقترب منه ولكنك أنت فيه، فلماذا لا تنزل ~~به إلى البحر؟ ~~- لقد أجبتك. ~~- حاول. ~~- لا أستطيع. ~~- ويغرق هؤلاء جميعا؟ ~~- أنا أفعل كل ما أستطيع. ~~- أنت تجدف في الرمال. ~~- هذا هو كل ما أستطيع أن أصنعه. ~~- سأصرخ. ~~- اصرخ. ~~- لعل أحدا يسمعني. ~~- سيسمعك الكثيرون ولكن أحدا لن يجيب صراخك. ~~- لماذا، ماذا يجري للناس؟ ~~- إن إنقاذه في يدي أنا وحدي. ~~- فلماذا لا تنقذه؟ ~~- أنا أفعل كل ما أستطيع. ~~- أنت لا تفعل شيئا. ~~- هذا هو كل ما ms05 أستطيع. ~~- إنه في البحر وأنت على الشاطئ. ~~- هذا قدره وقدري. ~~- لا نتكلم عن القدر. ~~- إنه قدره وقدري. ~~- الجبناء وحدهم الذين يرمون أخطاءهم على القدر. ~~- المنطق العادي يحكم أفكارك. ~~- وأنت لك منطق؟ ~~- إنني أستخدم منطقي هنا. ~~- وهل منطقك يجعلك تملك الزورق ولا تنقذ به أحدا؟ ~~- لأن هذا الزورق خلق للرمال فقط. ~~- أهذا منطق؟ ~~- منطق لا تعرفه. ~~- منطق جديد؟ ~~- جديد أو قديم، لا أدري، وإنما هذا هو المنطق الذي أعرفه. ~~- ويغرق في البحر. ~~- لعله ينقذ. ~~- كيف؟ ~~- إذا قدر له أن ينقذ فسوف ينقذ. ~~- كم كنت أرجو أن أكون قادرا على إنقاذه. ~~- وما الذي يمنعك؟ ~~- لا أعرف السباحة، أو أنا على الأقل لا أجيدها. ~~- فحاول. ~~- وإذا غرقت معه؟ ~~- تكون قد أرضيت ضميرك. ~~- وضميرك أنت؟ ~~- لا شأن لك بضميري، أرح أنت ضميرك. # وهممت أن أنزل إلى الماء ولكن ثقتي أنني لا أجيد السباحة ردتني ونظرت ~~إلى الفتى يغرق، ونظرت إلى الفتى يجدف في الرمال، وأوليت الجميع ظهري ~~وانصرفت. # | حكاية رجل بخيل # نشأ كما ينشأ أمثاله جميعا من الأثرياء في الريف؛ فلم يكن ذا شأن في ~~هذا الحين من الزمان، فكان بحسب الطفل من هؤلاء أن يختم القرآن في ~~الكتاب، وأن يتعلم أصول الحساب وقواعده، فإن كان ذا ميل شديد ~~للدراسة أرسله أبوه ليكمل تعليمه في القاهرة، فإن لم يكن فهو مقيم ~~بجانب أبيه في القرية يعين أباه في شئون الحقل، ويصبح من أعيان قريته، ~~فإن كان صاحب عقلية راجحة وكلام منمق، وإذا كان كريما يحسن استقبال ~~الناس ولقاءهم أصبح من أعيان المركز، فإن كان واسع الثراء صاحب شخصية ~~يمكن أن تكون مرموقة أصبح من أعيان المديرية أو من أعيان البلاد جميعا ~~إذا رشح نفسه في مجلس شورى القوانين الذي أصبح بعد ذلك مجلس النواب ~~أو مجلس الشيوخ. # وهكذا اكتفى عبد القادر فهمي بأن يختم القرآن في قريته الهدارة من ~~أعمال مديرية بني سويف بالصعيد، كما تعلم قواعد المحاسبات على يد ~~ميخائيل أفندي شفيق كاتب دائرة والده. # وكان عبد القادر يجد في مكتبة أبيه بعض ms06 الكتب القديمة فقرأها أبناء ~~القرية المتعلم منهم وغير المتعلم فأصبح يحسن الإنصات. # وقد اعتمد عليه أبوه في أعمال الحقل والمحاسبة؛ فكان يقوم بعمله خير ~~قيام، فعلى الرغم من سعة الأرض وكثرة المحاسبات كان عبد القادر على علم ~~بكل خافية من شئون الفدادين التي تبلغ ألفي فدان، وما لبث أن أصبح هو ~~وحده القائم بأمر الأرض، وكان أبوه يكتفي بأن يأخذ الريع آخر العام، ~~وكان أبوه يعطيه راتبا شهريا خمسين جنيها. ولم تمر إلا سنوات أربع ~~حتى فوجئ الأب بابنه يشتري مائة فدان. ~~- من أين دفعت الثمن؟ ~~- من مرتبي. ~~- ألا تصرف منه شيئا؟ ~~- ولماذا أصرف؟ ~~- ألا تحتاج إلى شيء؟ ~~- الأكل في البيت. ~~- والملبس؟ ~~- تشتريه أنت في كل عام. ~~- ولكن مرتبك لا يكفي لشراء الأرض؟ ~~- لقد اتفقت مع البائع على أن أسدد له خمسين جنيها كل شهر. ~~- وأنت؟ ~~- إن سألتك شيئا لا تعطه. # ولم يعرف الأب إن كان يفرح بابنه هذا المدبر أم يحزن، ولكنه تركه ~~وشأنه وإن كان قد أزمع في نفسه أن يعجل بزواجه؛ فقد حزر أنه لو تركه ~~دون زواج ما تزوج أبدا، وخشي فهمي بك عبد المتعال أن تنقطع ذريته ~~لتدبير ابنه، ولا يحب أن يقول لنفسه نتيجة لبخل ابنه. ~~- أريد أن أزوجك. ~~- كم سيكلفك الزواج؟ ~~- ليكلف ما يكلف. ~~- أعطني تكاليف الزواج، ولا تشغل أنت نفسك. ~~- هذا ما أخشاه، إنك ابني الوحيد فلو تركتك وشأنك ما تزوجت ~~أبدا. ~~- أنت مصمم إذن؟ ~~- كل التصميم. ~~- أمرك. # واختار الأب العروس فتاة من أسرة عريقة بالصعيد لابنه وخطبها دون أن ~~يراها هو أو ابنه؛ فقد كانوا في ذلك الحين يتزوجون من الأسرة العريقة، ~~ولا يهم أن تكون الزوجة جميلة أو غير جميلة. أما عبد القادر فقد ارتاح ~~للزواج حين علم أن أبا زوجته يملك ألفي فدان وليس للعروس إلا أخ واحد، ~~ولم يكن محتاجا لعلمه الواسع بالمواريث ليعرف أنها سترث عن أبيها إن ~~آجلا أو عاجلا ما يقرب من السبعمائة فدان فقد كانت أمها متوفية. إلى ~~جانب بيت فخم بالقاهرة. وعد الأب ms07 أن يكون من نصيب الابنة لأنه أعد ~~لأخيها قصرا آخر بالقاهرة أيضا. وتزوج عبد القادر وعاش هو وزوجته ~~نفيسة في بيت أبيه، وكانا يذهبان أحيانا إلى بيت أبيها بالقاهرة، وكان ~~الأب يعرف تدبير ابنه فكان هو الذي يعد لسفرهما إذا سافرا، وكان الأب ~~يعطي لنفيسة مبلغا من المال لتشتري به ما تشاء من القاهرة خوفا من ~~تدبير ابنه الذي لا يحب أن يسميه بخلا، إذا هو أعطاه المال دون ~~زوجته. # وحتى ذلك الحين لم تكن مواهب عبد القادر قد تكشفت؛ فأبوه هو الذي ~~ينفق عليه وعلى زوجته، ولكن نفيسة لاحظت على زوجها عدم عنايته بملبسه؛ ~~فكانت هي التي تعتني بها، كما لاحظت أنه لا يعتني بنظافة جسمه، فكانت ~~تصر أن تفرض عليه النظافة فرضا ويخضع هو صاغرا؛ فقد كان ذهنه جميعا ~~منصرفا إلى القيام بشأن الأرض وتدبير مبالغ لشراء أرض أخرى. # ولم يطل الأمر بالزوجة فقد توفي أبو الزوجة، وأثبت عبد القادر وجوده ~~الرائع في المحافظة على حقوق زوجته؛ فاستخلصها كاملة غير منقوصة، وأراد ~~أن يبيع بيت القاهرة ليشتري بثمنه أرضا، ولكن زوجته التي بدأت ترى ~~بوادر حقيقته الفذة أصرت أن يبقى لها بيت القاهرة. ~~- لا تنس إننا ننتظر ابننا، وسيحتاج إلى تعليم، ولن نبقى في القرية ~~طول عمرنا، واقتنع، أو هو لم يكن يملك إلا أن يقتنع فقد أصرت الزوجة ~~على موقفها. ~~- وشيء آخر. ~~- ماذا أيضا؟ ~~- أريد مائة جنيه شهريا من ريع أرضي. ~~- ماذا؟ ~~- هذا خير من أن أكتب توكيلا لأخي سلامة ليدير هو الأرض. ~~- وكأنما هددته بالموت، بل لعل الموت بالنسبة إليه أهون من هذا ~~التهديد. ~~- ولك هذا، أتريدين شيئا بعد ذلك؟ ~~- افعل بعد ذلك ما تريد. # فقد ضمنت هي أن تعيش ولا شأن لها بزوجها بعد ذلك؛ فقد كان كثير ~~الحديث عن رغبته في التملك وكانت تخشى أن تجوع هي وأولادها في سبيل أن ~~يزيد عبد القادر من أملاكه، وأنجبت ابنها الأول ورآه فهمي بك واطمأن ~~على أن ذريته باقية ثم مات. # مات وانفرد عبد القادر بالأرض ms08 ، وبدأت مواهبه تظهر على ~~حقيقتها. ~~- مصاريف البيت يا عبد القادر. ~~- والمائة جنيه التي تأخذينها؟ ~~- هذا من مالي. ~~- وهل لك مال ولي مال؟ ~~- اسمع إما أن تدفع خمسين جنيها في الشهر مصاريف البيت أو ... ~~- لا تكملي. ~~- إذن ... ~~- سأخبرهم في الدائرة أن يصرفوا لك خمسين جنيها كل شهر. ~~- ولماذا لا تعطيني أنت؟ ~~- وأنت ما شأنك؟ ~~- خبايا البيوت لا يجوز أن تعرفها الدائرة. ~~- أنت تأخذين هذا المبلغ رغم أنفي ويدي لا تطاوعني أن أدفعه. ~~- أنت حر. # وأصبحت الدائرة تعطي نفيسة خمسية جنيها فوق المائة، وانطلق عبد ~~القادر يبحث عن الأرض، رحلة طويلة يقطعها كل يوم؛ يمر بالأرض، ويستخلص ~~كل مليم يمكن أن يستخلصه، كل ما يهمه ألا يدفع وأن يجمع. # حين مات ميخائيل كان لا بد له أن يعين كاتبا جديدا. ~~- كم تأخذ يا ابني في الشهر؟ ~~- كم تدفع؟ ~~- ثلاثة جنيهات. ~~- وهل هذا معقول؟ ~~- ستسرق أنت عشرة فليكن مرتبك ثلاثة. # المهم ألا يدفع. وقد كان يدرك أن الكاتب سيسرق على كل حال مهما يغدق ~~عليه في المرتب فليستفد هو من المرتب وليسرق الكاتب بعد ذلك. # كانت الأموال السائلة التي تركها أبوه تكفي لشراء ألف فدان فاشتراها، ~~وأصبحت أملاكه في بني سويف ثلاثة آلاف فدان، وأخذ نفسه ألا ينفق هو ~~على نفسه شيئا، وقد كان رداؤه رداء المشايخ فهو يلبس العمة والجبة ~~والقفطان جريا على عادة أعيان الصعيد، وقد كان أبوه هو الذي يشتري له ~~الملابس فلما مات أبوه أصبح لا يشتري شيئا، وقد جاهدت نفيسة جهدا ~~شاقا أن تجعله يشتري لنفسه بعض الملابس فكان جوابه الوحيد والدائم: ~~لك المائة والخمسون جنيها وليس لك بعد ذلك شيء. وأصبح الأولاد ثلاثة ~~وهو لا شأن له بهم. وضاقت نفيسة بالقرية وبزوجها. ~~- أريد أن أذهب إلى القاهرة. ~~- وأنا. ~~- أنت حر. ~~- لن تأخذي مليما واحدا أكثر مما تأخذين. ~~- لا أريد شيئا، فقط أريد أن أذهب إلى القاهرة. # ومنذ ذلك الحين أصبحت تسلية عبد القادر إذا خلا به الليل أن يفتش عن ~~القمل في ملابسه، ويقتله وأن يرتق هذه ms09 الملابس حتى لا تبين عما تحتها ~~من قذارة، أو حتى يسلي نفسه فما كان يهمه أن يبين منه القذر. # وفي يوم اشترى أرضا، وكان لا بد أن يسجلها بالقاهرة؛ فذهب إلى بيت ~~زوجته وصعد إليها في الطابق الأعلى ورأت هيئته الجديدة فصرخت: ماذا ~~بك؟ ~~- ماذا. ~~- ما هذا الذي تلبسه؟ ~~- ملابس. ~~- ألا يغسلها لك أحد. ~~- لقد تركتني. ~~- عشرة قروش لأي فلاحة تغسل ملابسك. ~~- أنت لا شأن لك بي. ~~- إلى هنا ولي شأن، يا محمد، يا حسين. # وجاء الخادمان. ~~- هذا الشيخ لا يصعد إلى الطابق الأعلى إلا بعد أن يستحم بالطابق ~~الأسفل وتغير له ملابسه. ~~- لن أشتري أي ملابس. ~~- سأشتريها أنا. # ومنذ ذلك اليوم أصبح عبد القادر لا يستحم ولا يغير ملابسه إلا إذا ~~زار بيته في القاهرة، وقليلا قليلا ما كان يزور بيته في ~~القاهرة. # يشتري أرضا بالمنصورة # كان لا بد أن يكون لعبد القادر أصدقاء، وقد كان له أصدقاء فعلا، ~~وقد أحسن اختيارهم؛ إنهم السماسرة، وقد كان مع السماسرة أمينا في ~~المعاملة لا حبا في الأمانة ولكن حبا في عقد الصفقات الرابحة، ~~وقد كان عبد القادر يعطي السمسار حقه كاملا غير منقوص وغير زائد ~~أيضا بطبيعة الحال. وقد دله سمسار على صفقة مع رجل ألماني يملك ~~أرضا بعزبة قريبة من المنصورة، كان الألماني مهتما بها غاية ~~الاهتمام؛ فقد بنى بها بيتا أرضيته من الخشب الباركيه، وبنى بها ~~بيتا آخر لناظر العزبة، وأجرى الماء فيها داخل قنوات من الإسمنت ~~المسلح، وبها تروللي يمر على كل شبر من الأرض، وقد كانت العزبة ~~تستطيع أن تجد مشتريا خيرا من عبد القادر؛ فعبد القادر لا يعنى ~~بالبيت المنشأ. ولا يهمه في شيء كيف يجري الماء، ولا يهمه أيضا أن ~~يلف العزبة راكبا الترولي فإن قدميه عن الترولي. # ولكن استفاد من وجود هذه الأشياء أن صاحب العزبة كان مهتما ~~بها، والواقع أن في إطلاقنا على الأرض كلمة عزبة ظلما كبيرا لها ~~فهي تفتيش واسع مساحته ألف فدان. والفرصة التي أتيحت لعبد القادر ~~أن صاحب التفتيش ms10 يريد أن يبيعه في أسرع وقت وأن يحصل على الثمن ~~كاملا. # فحين قصد السمسار إلى عبد القادر قصد إليه وهو يعلم أنه يكاد ~~يكون الشخص الوحيد الذي يجد معه المبلغ كاملا. # كان الفدان يساوي في ذلك الحين مائتي جنيه، ولكن عبد القادر ~~الذي أدرك الموقف استطاع أن يشتري الفدان بمائة جنيه، والبائع لم ~~يجد حيلة للمناقشة، فأين يجد رجلا يملك مائتي ألف جنيه جاهزة ~~ويريد أن يشتري أرضا؟ لعله كان يجد له لو كان ملك فسحة من الوقت ~~ولكن لا وقت. وهكذا انقض عبد القادر على الصفقة انقضاض النسر. ~~وسافر في سيارة المالك الألماني وطاف بالأرض طوافا سريعا ولم ~~يلق أي اهتمام بالبيتين ولا بالترولي ولا بقنوات الماء. واستطاع ~~أن يخفي فرحته باتساع الأرض؛ فقد كان عبد القادر يملك وجها فريدا ~~في نوعه؛ فإن رأيته خيل إليك أنه يلبس على وجهه قناعا من ~~المطاط الرقيق لا تبين فيه خلجة فرحة ولا نأمة سرور ولا علامة حزن، ~~وإنما هو وجه بلا أي تعبير، ولولا إفرازات عينيه التي لا تنقطع عن ~~جوانبها لتأكد لديك أنه يضع هذا القناع، اللهم إلا إذا أمسكت بوجهه ~~لتتأكد أنه بشرة آدمية لا صناعة فيها، وما أظنك ستفعل؛ فإنه ~~بملابسه التي توحي إليك بمقدار قذارته يمنعك إن كنت ممن يحبون ~~النظافة أن تفعل؛ ولهذا ... لم يكن غريبا على أحد عظماء الصعيد ما ~~كان يفعله مع عبد القادر كلما ذهب لزيارته؛ فقد كان يجلس في آخر ~~الحجرة وما يكاد يلوح عبد القادر عند الباب حتى يعاجله عظيم الصعيد ~~بقوله: عندك وقل ما تريد. # ولم يكن عبد القادر يغضب لكرامته فمسألة الكرامة عنده ليست ذات ~~بال. كان يقف ويقول ما يريد، ويقضيه له العظيم أو لا يقضيه حسب ~~الموضوع المطروح. # وكان عبد القادر يسخر من العظيم في نفسه فهو يملك آلاف الأفدنة ~~بينما العظيم مدين مع غناه؛ لأنه كان ينفق أكثر من إيراده على ~~وجاهته. # وهكذا طاف عبد القادر بالتفتيش وعاد إلى القاهرة. وإياك أن تظن ~~أن معنى عودته ms11 إلى القاهرة أن يعود إلى بيته. إنه كان يبيت في ~~لوكاندة بسيدنا الحسين تؤجر فيها الغرفة بعشرة قروش، وكان يستأجر ~~الغرفة كاملة لمبيته وكان يجد هذا أوفر من ذهابه إلى البيت فقد ~~تطالبه زوجته بمال، إنه لن يعطيها ولكن المطالبة نفسها لا يطيقها ~~ثم هو سيواجه على كل حال بهذا الحمام والملابس، وقد كان لا يحب أن ~~يلبس هذه الملابس النظيفة لأنها قد توحي للناس بغناه؛ وهذا في ذاته ~~سبب كاف أن يبقى على نفسه هذه الملابس المهلهلة، ثم بماذا سيتسلى ~~إن لبس النظيف من الثياب وتركه القمل الذي يجمعه آخر الليل إذا خلا ~~به الليل. # عاد إذن إلى القاهرة، وأصبح الصباح فكان هو يستقبل إشراق الشمس ~~مع أن موعده مع البائع كان في الرابعة من بعد الظهر، نزل من ~~اللوكاندة فأفطر وكان إفطاره رغيفا من العيش وبنصف قرش طعمية، ثم ~~دلف إلى مسجد الحسين فتوضأ وصلى الصبح، وظل جالسا بالمسجد لا يصنع ~~شيئا حتى إذا اقترب موعد صلاة الظهر قام قاصدا مسجد السيدة زينب ~~ليصلي الظهر. وهناك وجد متصدقا يوزع العيش والفول النابت على ~~فقراء المسجد، الحمد لله لقد أتانا غداؤنا، ولم يكن الموزع ليجد ~~أصلح من عبد القادر في مظهره ليتصدق عليه مما يتصدق به على ~~الفقراء، وهكذا تناول عبد القادر غداءه، بل وأخذ أيضا خمسة تعريفة ~~كانت ضمن النذر الذي يوزعه المتصدق. وفلسفته بسيطة لا تحتاج إلى ~~نقاش، خير جاء لي من عند ربنا، هل أرده؟ # أول زيارة لتسلم الأرض # عبد القادر لا يعرف من درجات القطار إلا الدرجة الثالثة، وأظن ~~أننا نكون سخفاء لو حاولنا أن نسأله عن الدرجتين الأخريين، ولكنه ~~يجيب على كل حال، ألا تصل الدرجات الثلاث في وقت واحد. في هذه ~~الليلة لم يشأ أن يبيت في اللوكاندة؛ فقد حزم أمره أن يأخذ القطار ~~الأول إلى المنصورة، فما معنى أن ينفق عشرة قروش في اللوكاندة، ~~فلماذا إذن خلقت هذه الأرائك المنشورة في محطة مصر؟ فإن لذعه ~~البرد فالبركة في الجبة يتغطى بها وينام ms12 ليلته في المحطة، ويوفر ~~ثمن اللوكاندة وأجرة تذكرة الترام من الحسين إلى المحطة، فوائد ~~كثرة يجنيها من بياته على هذه الأريكة وقد فعل. ومن المنصورة ~~استقل قطارا آخر أنزله في أقرب محطة من التفتيش. وأقرب محطة من ~~التفتيش تبعد عنه ثلاثة كيلو مترات يستطيع أن يمشيها؛ فقد أخذ ~~درسا من صاحب حمار كان يحاول يوما أن يستأجره، كان ذاهبا إلى ~~إحدى تفاتيشه ونزل بأقرب محطة من التفتيش وكانت المسافة بعيدة بعض ~~الشيء خمسة كيلو ووجد فلاحا ومعه حمار فركب الحمار، وحين استقر ~~عليه نظر إلى الفلاح. ~~- كم تأخذ لتوصلني إلى التفتيش؟ # وكان الفلاح يعرفه ويعرف سمعته العريضة. ~~- خمسة قروش. ~~- صاغ. ~~- كثيرة. ~~- اسمع سأدفع لك ثلاثة تعريفة. # ويبدو أن الفلاح لم يكن معجبا به ولا بما يسمعه عنه؛ فإذا هو ~~يدفعه دفعة قوية تلقيه عن ظهر الحمار ليصبح طريحا على الأرض ~~ويقول له: والله لا أوصلك حتى لو دفعت خمسين قرشا. # ومنذ ذلك تعلم ألا يستأجر حمارا إلا عند الضرورة القصوى. وقد ~~كان يستطيع في يومه هذا الذي يزور فيه تفتيش الألماني لأول مرة أن ~~يكلمهم بالتليفون؛ فقد كان بالتفتيش تليفون، وكان يستطيع أيضا أن ~~يرسل لهم تلغرافا لينتظروه بالحنطور الذي كان ضمن ما اشتراه في ~~التفتيش، ولكن المكالمة التليفونية أو التلغراف كان لا يمكن أن ~~تكون مجانا، أما المشي فإلى جانب أنه رياضة فهو أيضا لا يكلف ~~شيئا. # كان القائم بشأن التفتيش عمدة الناحية، وكان رجلا وجيها يحب أن ~~يعيش في رغد عيشة كريمة لا بخل فيها؛ فهو محترم في منطقته يحظى ~~بتقدير الفلاحين وأعيان الناحية. # ولم يكن المفتش حاضرا في المرة الأولى التي جاء فيها عبد القادر ~~ليطوف بالأرض، ولكنه طبعا عرف أنباء الزيارة جميعا ولم ينس من ~~قصوا عليه هذه الأنباء أن يصفوا له المشتري الجديد. ولم يكن ~~محتاجا لهذا الوصف فقد كان رجل مجتمع، وكانت أنباء عبد القادر أو ~~معظمها قد وصلته. # كان المفتش جالسا مع الكاتب والخولي وبعض الفلاحين حين أقبل ~~عليهم عبد القادر في ملابسه ms13 الرثة. ~~- السلام عليكم. # ودون ريث تفكير قال المفتش: يعطيك ربنا يا عم الشيخ. # ولم تهتز كرامة عبد القادر؛ فهي قد عودت هذه النظرة ولم يعد ~~صاحبها يهتم بمثل هذه التفاهات للناس أن يقولوا وأن يفعلوا ما ~~يشاءون، وله هو أن يتمتع بمتعاته الخاصة كما يشاء. ~~- أنا عبد القادر فهمي. # وانتفض الجميع، وسارع المفتش الذي كان يغمزه أحد الفلاحين في يده ~~بعد فوات الوقت. ~~- لا مؤاخذة يا سعادة البك اللي ما يعرفك يجهلك. ~~- لا مؤاخذة ولا يحزنون هيه كيف الحال؟ # وجلس وطلب دفاتر الحسابات، واستأذن المفتش لحظة، ونادى أحد ~~الفلاحين وانتحى به ناحية. ~~- اذهب إلى البيت واطلب إليهم أن يذبحوا أوزة ويجهزوا ~~الغداء. ~~- إنه لا يستحق. ~~- يا جدع اخرس إنه صاحب التفتيش. ~~- خسارة فيه. ~~- اجر ولا تتلكع. # ويذهب الرسول إلى البيت ويعود المفتش إلى مجلسه مع عبد القادر ~~ويبدأ عبد القادر في مراجعة الحسابات، وينتهي النقاش بأن يطلب منه ~~المفتش مائة وخمسين جنيها قيمة إصلاحات لأدوات زراعية، واستهول ~~المبلغ. ~~- ولكن الزراعة محتاجة لهذه الأدوات. # فظل يناقشهم ويعنف بهم في النقاش حتى نزل بالمبلغ إلى ثلاثين ~~جنيها. # وحينئذ كان الغداء قد أعد، ووجد عبد القادر نفسه أمام وليمة ~~هائلة، وقد كان أكولا مع أن فلسفته لا تتفق مع هذه الصفة فيه؛ فقد ~~قال يوما لأحد الكبراء: يا باشا يقولون عني بخيل. # فقال الباشا: والله يا شيخ عبد القادر نعم يقولون هذا. ~~- هذا غير صحيح. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- البخيل هو الذي تشتهي نفسه الشيء ولا يشتريه أما أنا فنفسي لا ~~تشتهي شيئا، وقد كانت هذه الفلسفة جديرة أن تجعله غير أكول ولكنه ~~- والشهادة لله - في الولائم ذو فن عريض فهو عليم بالمأكولات يحسن ~~تذوقها، ويتناول منها مقادير لا يمكن أن تتناسب مع جسمه الضئيل ~~الهزيل. # فحين وجد نفسه أمام هذه الوليمة التي أعدها له المفتش هش ~~وسجحت نفسه، وهم أن يمد يده ولكنه فجأة تذكر أشياء على جانب كبير ~~من الأهمية؛ إنه في تفتيشه ولعل هذه الوليمة تظهر له في المرة ~~القادمة بدفاتر الحسابات ms14 ، وثنى يده الممدودة ونظر إلى المفتش: ~~العزومة دي على حسابي أم على حسابكم؟ # والواقع أن المفتش كان قد أعد الوليمة على حسابه الخاص ولم يفكر ~~مطلقا أن يحاسب الشيخ عبد القادر عليها، ولكنه أمام هذه السؤال ~~تملكه غيظ شديد فنظر إليه في ضيق وضجر وقال: على حسابك. ~~- ومن قال لكم إن معدتي تحتمل هذا الأكل؟ ~~- والله لا نعرف طبعك. ~~- لا، أنا لا آكل إلا اللبن الرائب. ~~- أمرك. # وأحضروا له اللبن الرائب وراحوا هم يأكلون الوليمة في نهم مغيظ، ~~وحين انتهى الغداء هم الشيخ عبد القادر بالقيام. ~~- ألحق القطار. ~~- أمرك ولكنك لم تدفع الثلاثين جنيها. ~~- آه نسيت خذ. # وأخرج من جيبه عشرة تناولها المفتش صامتا معتقدا أنه سيرسل له ~~باقي المبلغ، وأمر بتجهيز العربة واستقلها الشيخ عبد القادر وركب ~~معه المفتش، وفي منتصف الطريق فاجأه الشيخ عبد القادر بأن أخرج من ~~جيبه عشرة جنيهات أخرى وأعطاها له، فقال في نفسه لعله كان ناسيا ~~أن معه عشرة أخرى، وحين وصلوا إلى المحطة فاجأه بأن أعطاه العشرة ~~الثالثة وهو يقول: صعب أن أخرج ثلاثين جنيها دفعة واحدة. # هو وزوجته # ضاقت به زوجته؛ فهو يأبى أن يزيد ما يعطيه لها عن المائة وخمسين ~~جنيها وقد أصبح الأولاد خمسة ثلاثة أولاد وبنتين، والأولاد ~~يتعلمون في الجامعة وهي تريدهم أن يلبسوا أحسن الثياب ما دام أبوهم ~~قادرا، والبنتان اقتربتا من سن الزواج ولن يقدم أحد على الزواج ~~بإحداهما وسمعة أبيهما تملأ الآفاق. # وقد انقطع عبد القادر عن البيت تماما منذ عرضت عليه زوجته هذا ~~الحديث؛ فهو طبعا لن يزيد مرتبها، وهو يعلم أنها قد تهدده بنزع ~~الأرض من تحت يده، فوجد أن خير ما يفعله أن ينقطع تماما عن البيت، ~~ولكن السيدة زوجته لم تسكت؛ فقد أرسلت في طلب أخيها سلام وسرعان ما ~~جاء، كان هو أيضا يكاد يموت من الخجل مما يسمعه عن زوج أخته، وقد ~~كان يتوق أن يذهب إلى أخته ليحادثها في أمره، ولكنه كان يمنع نفسه ~~خشية أن تظن أنه طامع في ms15 إدارة أموالها، كما كان يريد أن يربأ ~~بنفسه أن يتدخل من تلقاء نفسه بين الزوجين. فحين أرسلت إليه أخته ~~وافقت الدعوة هوى نفسه. ~~- ماذا نصنع يا أخي؟ ~~- يا أختي إن لم يكن أصيلا فيجب أن نكون نحن أصلاء. ~~- أنت لا تحتاج إلى أن أحدثك عن شيء. ~~- أخباره تملأ الدنيا ويتندر بها الناس في كل مكان. ~~- يا للفضيحة! ~~- في الصعيد، في القاهرة، في المنصورة. ~~- المصيبة ماذا أصنع مع الأولاد؟ ~~- أنا تحت أمرك. ~~- تحت أمري؟! أيكون أبوهم بهذا الثراء ونأخذ منك مالا؟! ~~- ترى ماذا تريدينني أن أفعل؟ ~~- المصيبة الكبرى البنتان؛ لقد أشرفتا على سن الزواج. ~~- اسمعي أنا أستطيع أن أصنع الكثير. ~~- اصنع. ~~- قبل أي شيء نرسل إليه، أتعرفين طريقه؟ ~~- أعرف الذي يعرف طريقه؟ ~~- من؟ ~~- الحاج أحمد هلال من المنصورة. ~~- من هذا؟ ~~- سمسار يلازمه أغلب الوقت، وقد طلبته مرة فجاء ورجوته أن ~~يكلمه. ~~- وبماذا أجاب؟ ~~- عاد الرجل الطيب خجلان لا يعرف ماذا يقول؛ فقد رفض أي حديث في ~~الموضوع. ~~- ولماذا يلازمه؟ ~~- والله لا أدري، ولكن يبدو أنه ينتفع منه؛ فهو سمسار وهو الذي ~~يتولى له بيع المحصولات، كما يعرض عليه شراء بعض الأراضي كلما وجد ~~فرصة، المهم أنه يلازمه أغلب وقته. ~~- هل تستطيعين أن تستدعي الحاج أحمد هلال؟ ~~- إن له محل إقامة على الأقل. ~~- ألا تقولين إنه يلازمه؟ ~~- نعم، ولكنه يبيت كل ليلة في بيته ما لم يكن معه في ~~القاهرة. ~~- أتعرفين أين يبيت زوجك إن كان في القاهرة؟ ~~- في سيدنا الحسين. ~~- في أي لوكاندة؟ ~~- وكيف أعرف؟ ~~- يبدو أنه لا سبيل إلا الحاج أحمد هلال فليس من المعقول أن نطوف ~~بلوكاندات الحسين نسألهم عن عبد القادر. ~~- هل معك نمرة الحاج أحمد هلال؟ ~~- أتيت بها من دفتر المنصورة، وقد طلبته منها في المرة ~~الأولى. # وجاء الحاج أحمد هلال وقال سلامة: أيرضيك ما يصنعه عبد ~~القادر؟ ~~- إنه لا يرضي أحدا. ~~- أنت صديقه؟ ~~- أولا يجب أن تعرف سعادتك أنه لا يحب أن يكون له صديق. ~~- وأنت؟ ~~- أنا أعمل معه. ~~- مجرد عمل. ~~- أنا سمسار، وهو غني يبيع ms16 محصولا ويشتري أطيانا. ~~- فلست صديقا. ~~- صديق؟! اسمع. ~~- ماذا؟ ~~- سأروي لك حكايتين. ~~- حكايات؟ ~~- لتعرف إن كان يمكن لمثله أن يكون له صديق. ~~- إنك تلازمه. ~~- وتلك هي المصيبة، في يوم اجتمعنا حوله ثلاثة سماسرة في قهوة ~~حقيرة بالمنصورة ننتظر إقفال البورصة لنزايد على الإقفال ويقدم كل ~~منا العلاوة المناسبة لنشتري قطنه، أتعرف كم قنطارا كان يبيعها في ~~ذلك اليوم. ~~- كثير طبعا. ~~- ألفي قنطار. ~~- عظيم. ~~- تأخر الإقفال. ~~- هيه. ~~- جعنا، الساعة قاربت الثالثة. ~~- لم يفكر طبعا أن يدعوكم للغداء. ~~- انتظر. ~~- إني منتظر. ~~- نحن في قهوة حقيرة الغداء لن يكلفه أكثر من خمسة قروش أربعة ~~أرغفة بقرشين صاغ، وبثلاثة صاغ طعمية كانت كافية، ونحن نعرف أنه ~~بخيل، ولم نكن ننتظر أكثر من ذلك. ~~- معقول. ~~- وكلنا كان خجلا أن يدعو الآخرين على الغداء؛ فهذا لا يجوز في ~~وجود رجل في غناه سيبيع في جلستنا ألفي قنطار. ~~- معقول أيضا. ~~- استأذن منا عبد القادر بك وغاب. ~~- إلى أين ذهب؟ ~~- انتظر، قلت لزملائي إني أفكر في شيء، وأنا واثق منه. قالوا: ~~ماذا؟ قلت: انتظروا. ذهبت إلى المرحاض، أتتصور مرحاضا في قهوة ~~حقيرة، رائحته تملأ المنطقة كلها لا القهوة وحدها، للمرحاض فتحة ~~مستديرة في أعلى الباب لا أعرف لوجودها سببا، وجدت عبد القادر بك ~~يخرج من جيب الصديري لفة بها طعميتان، ومن الجيب الآخر شقة عيش، ~~وأنت تعرف أن نظره ضعيف، فلم يرني وراح يتناول غداءه هذا في ~~المرحاض حتى لا يضطر لدفع القروش الخمسة التي تكفي غداءنا، وتقول ~~صديق؟! ~~- أعوذ بالله. ولماذا تسير معه؟ ~~- ألم أقل لك لماذا؟ ~~- ألم أقل: أعوذ بالله. ~~- اسمع. ~~- حكاية أخرى. ~~- ألعن وأضل سبيلا. ~~- ماذا؟ ~~- ذهبت لأبيت معه في لوكاندة بسيدنا الحسين رجوته أن يغيرها ~~فأبى، وكنت مضطرا أن ألازمه لأن صفقة هامة كانت تنتظرنا في ~~الصباح الباكر من اليوم التالي. وكانت عينه اليمنى مصابة برمد حاد؛ ~~فحين دخلنا اللوكاندة نادى الخادم وقال له: اذهب إلى الصيدلية ~~القريبة واشتر قطرة وقطارة، وبنكلة قطنا. سأله الخادم: بنكلة؟! ~~قال: نعم بنكلة. ذهب الخادم وعاد بالأشياء، ورأيته يعطي ms17 الخادم ~~شيئا فعجبت فليس هذا من عادته. قبض الخادم على ما أعطاه وخرج دون ~~أن ينظر فيه، ولم تمر لحظة إلا وفتح الخادم الباب وقال له: «ماذا ~~أعطيتني يا عم الشيخ.» فقال عبد القادر بك «نكلة.» فقال الخادم ~~«إذن فإني لم أخطئ لقد اعتقدت أنني أخطأت، خذ يا عم الشيخ النكلة ~~خسارة تنفعك.» وخرج الخادم ولم أجرؤ أن أسأله عما فعل ولكنه هو ~~قال: «بني آدم لا يملأ عينه إلا التراب، ماذا يريد، أيريد فدانا ~~لأنه اشترى لي بضعة أشياء من الصيدلية؟!» قلت: «الفرق كبير حبتين ~~بين النكلة والفدان يا عبد القادر بك.» قال: «كلكم مجانين تبعثرون ~~من أموالكم في الكلام الفارغ، والله لو أعطيته جنيها ما قنع بني ~~آدم؛ لا يملأ عينه إلا التراب.» قلت: «تعال لنرى عينك أولا.» ~~وقطرت له في عينه المريضة، جففت القطرة بقطعة من القطن، وألقيتها ~~إلى الأرض قال: «ماذا فعلت.» قلت: «رميت القطنة.» قال: «أنت جننت.» ~~قلت: «لماذا؟» قال: «ألن تقطر في العين الثانية.» قلت: «نعم.» قال: ~~«فلماذا رميت القطنة؟» قلت: «حتى لا تصاب العين السليمة من العين ~~المريضة.» فإذا به يقول غاضبا: «يا رجل حرام عليك خسارة القطن. ~~كلكم مجانين.» أتستطيع بربك أن تقدر لي ثمن قطنة مقطوعة من قطنة ~~ثمنها نكلة. وتقول أصدقاء؟! في هذا اليوم قال لي حكمة عجيبة. قال ~~إن أحد المليونيرات في الغرب قال راقب الملاليم أما الجنيهات ~~فسوف تراقب نفسها. وتقول لي صديق؟! يا سعادة البك زوج أختك لا يعرف ~~معنى كلمة صديق هذه أبدا. ~~- يا سيدي أنا آسف، المهم. ~~- أنا تحت أمرك في كل شيء إلا في مسألة أختك. ~~- لماذا؟ ~~- حين كلمته في المرة الفائتة كاد يضربني، والحقيقة أنا أستفيد ~~منه؛ فصفقاته كثيرة وأنا آخذ حقي في السمسرة، وأنا لا أضمن أن أجد ~~زبونا مثله. ~~- إذن أخبرنا أين نجده؟ ~~- هو ليس في المنصورة. ~~- فأين تظنه يكون؟ ~~- لعله في القاهرة. ~~- إذن دلنا على مكانه في القاهرة. ~~- هذه سهلة. ~~- وذهب سلام إليه في اللوكاندة فوجده يمارس هوايته من تنقية ms18 ~~القمل من ملابسه. ~~- يا رجل اتق الله. ~~- اسمع أنا لا أريد نصائح أحد. ~~- اتق الله في نفسك، إن لم تتق الله في أولادك. ~~- لا شأن لأحد بي. ~~- ماذا تريد أن تصنع بهذا المال؟ ~~- أنتم مجانين. والمال لم يوجد إلا ليجمع. ~~- يقولون إنه موجود ليتمتع به الإنسان. ~~- أنا أتمتع بجمعه، ما رأيك؟ ~~- أهذه متعتك؟ ~~- ولا متعة لي غيرها. ~~- إذن اسمع. ~~- سمعنا. ~~- أختي تريد أن تكلمك. ~~- قل أنت ما تريد. ~~- هناك أشياء لا يقولها إلا الزوج. ~~- أمري إلى الله، أذهب معك. # قالت نفيسة: اسمع يا عبد القادر هذه الحال لا تنفع. ~~- هذا آخر ما عندي. ~~- إذن علي أنا أن أفعل ما يجب علي. ~~- اعملي كل ما في يدك. ~~- منذ الغد سأسقط التوكيل عنك، وأوكله أخي في إدارة ~~الأرض. ~~- وبعد غد تصلك ورقة الطلاق. ~~- هذا يوم المنى، على الأقل يعرف الناس أنني انفصلت عنك لعل ~~بناتك تتزوج. ~~- ولن تبقى بناتك معك. ~~- هذا أمر تقرره المحكمة. ~~- وأنا أحب المحاكم. # وخرج، وفعلا أسقطت الست نفيسة عنه التوكيل، ووكلت أخاها في ~~إدارة الأرض، وفعلا طلق هو زوجته ولم يطالب بضم الأولاد قائلا ~~في نفسه ما دامت قد استولت على الأرض فلا أقل من أن تنفق هي على ~~الأولاد، ولكن الست نفيسة كانت مليئة منه بالغيظ؛ فرفعت دعوى نفقة ~~وحكمت المحكمة لها بمائة وخمسين جنيها شهريا مع المتجمد من يوم ~~الطلاق. # جن جنون عبد القادر وذهب إلى المحامي. ~~- إن جاءت البنات إلى حضانتي لن يكلفوني أكثر من عشرة جنيهات أو ~~عشرين. # ورفع دعوى الضم بالنسبة للبنتين، أما الأولاد فكانوا قد بلغوا سن ~~الرشد وحكمت المحكمة بالضم، وفي يوم تنفيذ الحكم ذهب ومعه الحاج ~~أحمد هلال ليتسلم البنتين وعند باب البيت. ~~- حاج أحمد، هات لنا عربة. # وذهب الحاج أحمد فأحضر سيارة أجرة نظر إليها عبد القادر. ~~- ما هذا؟ ~~- سيارة أجرة. ~~- وهل قلت لك سيارة، أتريد أن تخرب بيتي؟ ~~- لماذا؟ ~~- السيارة ستأخذ أكثر من عشرين قرشا. ~~- فماذا تريد؟ ~~- عربة، عربة حنطور بخمسة قروش. # وصرف الحاج أحمد السيارة بعد أن ms19 دفع أجرتها من جيبه، وأحضر عربة ~~ونزلت البنتان وركبتا معه صاغرتين، وسارت العربة! # وفجأة لاحت في الطريق سيارة فاخرة نظرت البنتان فيها فوجدتا ~~أمهما ومعها خالهما، فإذا البنتان تقفزان من العربة وتجريان إلى ~~السيارة ويصيح عبد القادر: امسك يا حاج أحمد. ~~- ماذا أمسك؟ ~~- البنات. ~~- يا عبد القادر بك بناتك كبيرات أتريد يدي أن تأتي على ~~صدورهن؟ ~~- امسك ولا شأن لك. ~~- نحن في الشارع يا عبد القادر بك، لا يمكن، لا أستطيع. ~~- وأثناء هذا الحوار كانت البنات قد ركبن السيارة مع أمهما، وعاد ~~هو خائبا إلى البيت وظل يدفع النفقة. # عبد القادر وبائعة الفجل # كان جالسا أمام باب بيته في بني سويف وكان الوقت رمضان، وكان ~~صائما بطبيعة الحال حين مرت به بائعة فجل. ~~- بكم الحزمة يا خالة؟ ~~- بتعريفة. ~~- هات عينة أريها لهم بالداخل. ~~- أحسن فجل وشرفك، تفضل. # وأخذ حزمة الفجل ودخل إلى منزله، وما هي إلا لحظات قلائل ~~وعاد. ~~- خذي يا خالة. ~~- ماذا؟ ~~- الفجل لم يعجبهم. ~~- الأمر لله، هات. ~~- ونظرت المرأة في حزمة الفجل. ~~- ما هذه؟ ~~- الحزمة التي أعطيتها لي. ~~- يا رجل يا ضلالي. ~~- عيب يا خالة اختشي. ~~- أعطيك حزمة ريانة ناضرة فتستبدلها بحزمة ذابلة بقيت عندك منذ ~~أيام. ~~- أنا يا امرأة؟ ~~- تعريفة يا ضلالي تريد أن تأكلني فيها. ~~- اذهبي يا امرأة أنا صائم، ولا أريد وجع دماغ. ~~- صائم يا ضلالي، والله لأخرب بيتك. # واتجهت المرأة إلى نقطة البوليس وقدمت شكواها وانتقل الضابط مع ~~قوة إلى عبد القادر. ~~- ماذا فعلت لهذه المرأة؟ ~~- إنها امرأة مجنونة. ~~- اسمع إنها تقول إنها أعطتك عينة. ~~- حصل. ~~- وبالطبع البائع حين يعطي عينة يقدم أحسن ما عنده. ~~- لقد رددتها لها. ~~- سنجري تفتيشا في بيتك. ~~- كيف؟ ~~- هكذا. ~~- وإن وجدت فجلا ببيتي؟ ~~- سنقارنه بفجل المرأة فإن كان مثله فأنت قد استبدلت حزمة ~~الفجل. ~~- يا حضرة الضابط تكذبني وتصدق هذه المرأة. ~~- أولا: أنت تعملها، وثانيا: لماذا تتبلى عليك هذه ~~المرأة؟ ~~- وقام الضابط والقوة بالتفتيش ووجدوا حزمة الفجل وقاموا ~~بالمقارنة وأصدروا الحكم في الحال. ~~- تدفع لهذه المرأة خمسة جنيهات. ~~- ماذا ms20 ؟ ~~- أو نقدمك إلى النيابة. # وفي هذه المرة دفع خمسة جنيهات. # عبد القادر وموظف البنك # كان معه خمسون ألف جنيه وبات ليلته في لوكاندة الحسين، وهي في ~~هذا اليوم بالذات أحسن مكان يبيت فيه؛ فهي المكان الوحيد الذي لا ~~يشك أحد أن شخصا يحمل خمسين ألف جنيه يبيت فيه. # صلى الفجر في الحسين وقصد ماشيا إلى البنك الأهلي فوجد البنك ~~ما زال مغلقا؛ فتكوم بجانب الباب في انتظار فتح البنك. # وأقبل الموظف الذي يحمل مفاتيح البنك فوجد هذه الكومة فرق قلبه ~~على هذا المسكين الذي يجلس في مثل هذه الساعة المبكرة من الصباح ~~وفي هذا البرد القارس من يناير بباب البنك، ولم يكن الموظف غنيا ~~ولكنه كان طيبا، فمد يده بقرش تعريفة أعطاه لعبد القادر فأخذه ~~ووضعه في جيبه وهو صامت. # وبعد قليل جاء موظفو البنك وجاء المدير فدخل إليه عبد القادر، ~~وقدم له الخمسين ألف جنيه ليودعها في حسابه. # ودق المدير الجرس ودخل أحد الموظفين فقال له المدير: هذه خمسون ~~ألف جنيه أودعها باسم عبد القادر بك فهمي. # ونظر الموظف إلى عبد القادر فهمي وأنعم النظر ثم قال: حضرتك جئت ~~قبل فتح البنك؟ ~~- نعم. ~~- سعادتك كنت جالسا بجانب الباب؟ ~~- نعم. ~~- إذن هات التعريفة. # وأخرج عبد القادر التعريفة في صمت وأعطاه للموظف، وسأل المدير ~~الموظف فقص عليه ما حدث وضحك المدير وسأل عبد القادر: ~~لماذا؟ ~~- أنا لا أرد خيرا أبدا، هذا كفر يا سعادة المدير، ~~كفر. # المصير # طال به العمر وطال لم يغير الزمن منه شيئا، حتى كان قانون ~~الإصلاح الزراعي فإذا عبد القادر يجد ما جمعه كله بددا، سبعة آلاف ~~فدان لم يبق منه إلا ثلاثمائة، ترى هل كان يجمع عبد القادر ماله ~~ليرثه أولاده من بعده، هراء وإلا لأعطى لأبنائه الفرصة أن يعيشوا، ~~لقد كانت متعته في الحياة أن يجمع المال ويمنعه عن الآخرين حتى ~~عمن يستحقونه، وأول هؤلاء وعلى رأسهم أولاده الذين لولا أمهم ~~لعاشوا عيشة الشحاذين وأبناء العيل، إن نكبته في قانون الإصلاح لم ~~تكن في أن ms21 الأرض لم يرثها أبناؤه، وإنما النكبة الكبرى في أن الأرض ~~لن تصبح ملكا له، وليست في أن إيراده قل فما كان محتاجا ~~لإيراد؛ فهو قد أودع باسم ابنه الأكبر ما يقرب من المليون جنيه؛ ~~لأنه كان معجبا بابنه الأكبر الذي حصل على بكالوريوس التجارة ~~العليا، وكان شحيحا طبعا، لم يكن في القمة التي وصل إليها أبوه ~~من الشح ولكنه كان شحيحا. وهكذا أودع أبوه باسمه هذه الأموال حتى ~~لا تنال الضرائب منها شيئا إذا وافاه الأجل المحتوم. # الإصلاح الزراعي كان نكبة بالنسبة إليه في أنه انتزع الأرض ~~والأموال باسم ابنه الأكبر، كان فقط يريد أن يحرم ضريبة التركات من ~~حقها، هذا كل ما في الأمر، ولكنه أبدا لم يكن يفكر في شأن أبنائه، ~~إنها - كما قلت - الرغبة في الجمع لنفسه والرغبة في منع ~~الآخرين. # ولكن عبد القادر رغم ضآلة جسمه كان قويا على الشدائد فاحتمل ~~الصدمة وظل يواصل حياته كأن شيئا لم يحدث، طبعا مسألة الإيراد لم ~~تؤثر فيه على الإطلاق فقد كان إيراد فدان واحد يكفيه العام كله ~~ويفيض، ولكن النزع تجميع العمر، أمل السنين، لعله قال في نفسه قد ~~تمتعت في الجمع نفسه ولكن ما أظنه قال هذا أيضا، المهم أنه صبر ~~ولا أدري كيف صبر، على أية حال لم يطل به الصبر. # مر على قانون الإصلاح الزراعي ما يقرب من الثلاثة شهور، وكان ~~عبد القادر جالسا في بيته بالصعيد وحيدا يمارس لعبته المفضلة مع ~~القمل حين سمع أصواتا في الحجرة التي بها الخزانة، كان بالخزانة ~~ثلاثمائة جنيه، قام يجري إلى الحجرة، الضوء منبعث من مصباح غازي ~~فهو طبعا لا يفكر في الكهرباء، ونظر عبد القادر ضعيف ولكن هذا لم ~~يمنعه أن يرى أشباحا حول الخزانة، ثلاثة نفر يتعاملون مع الخزانة ~~معاملة لا ترضي عبد القادر. ~~- ماذا تعمل يا ابني أنت وهو؟ # وكانت كلمته الأخيرة، التف اللصوص حوله وقتلوه. # لقد مات الميتة التي تليق به. لقد عاش عمره يجمع المال، ومات في ~~سبيل المحافظة على المال. # اعتبرت الضرائب ms22 الورثة يملكون السبعة آلاف فدان فحجزت على ~~الثلاثمائة الباقية وفاء للضريبة المستحقة على وارث سبعة آلاف ~~فدان، وحاول الإخوة أن ينالوا من أخيهم شيئا من المال السائل فأبى ~~مدعيا أن جميعه ماله؛ فأبلغوا الضرائب أن الأموال التي بالبنك ~~باسم أخيهم إنما هي ملك لأبيهم فوضعت تحت الحراسة وفاء للضريبة ~~المستحقة. ولم يبق من عبد القادر إلا هذه الصفحات التي أنقلها ~~إليك، لو كنت ألفتها لك لكان من حقك أن ترى فيها رأيك حسنا كان أو ~~غير حسن، ولكن الحياة هي التي ألفت هذه الصفحات وهي - للأسف - ~~حين تؤلف لا يهمها كثيرا رأي أحد، ومع ذلك فقد رأيت فيما ألفت ~~الحياة شيئا يستحق أن أرويه لك، وفي هذا الرأي تستطيع أنت أن تقول ~~ما تشاء رضى أو سخطا. # | النابغة # لم يكن يتصور حين أدخل نادية المدرسة الابتدائية أنه سيطيق دفع ~~المصروفات لها حتى تواصل تعليمها، ومن أين وهو يعمل ساعيا بوزارة ~~الحربية مرتبه عشرة جنيهات، وقد أدخل محمدا ابنه الأكبر إلى المدرسة، ~~كما أدخل ابنه الآخر عبد الكريم، وحين جاءت نادية عزم في نفسه أن تبقى ~~في البيت لتساعد أمها عيشة على شئون البيت، ولكنها حين بلغت السابعة ~~كانت عبئا على الأم بدلا من أن تكون عونا لها. ~~- أدخلها المدرسة. ~~- وبعد المدرسة. ~~- تقعد في البيت. ~~- وإن عجبها الحال. ~~- يحلها ألف حلال. ~~- ولو تعبت من أعمال البيت. ~~- هي الآن أكثر شيء يتعبني في البيت. ~~- تدخل المدرسة. ~~- آه، تدخل المدرسة. # ودخلت نادية المدرسة، وكأنما كانت شيطنتها وهي في البيت تنتظر ~~الشرارة لتنفجر فانفجرت؛ انفجرت مذاكرة، فهي الأولى دائما، وبدلا من ~~أن تعاند أخويها وتغيظهما أنهما يتقويان في دروسهما بينما تنتهب هي ~~الدروس انتهابا، كانت تترضى كلا منهما وتتخاضع لهما في الحديث ليشرحا ~~لها ما يعجز المدرس أن يشرحه؛ فالمدرس لم يكن يشرح شيئا وهي لم تكن ~~تفهم من المدرس شيئا، والمدرس ونادية كلاهما معذور؛ فقد كانت ~~المدرسة لا تملك الفصول الكافية للتلاميذ. والوقت المخصص للدراسة من ~~السابعة إلى الثانية عشرة؛ لأن هناك تلاميذ ms23 آخرين تخصص لهم المدرسة من ~~الثانية عشرة إلى الرابعة، فالمدرس تائه بتلاميذه يبحث لهم عن مكان وهو ~~ملهوف ملوع يريد أن يرمي بدرسه قبل أن يدهمه موعد الجرس، وبين اللهفة ~~والقلق لا يفهم التلاميذ شيئا. ولم تكن نادية إلا واحدة من أولئك ~~التلاميذ الضائعين مع مدرسهم؛ فلم يكن لها موئل إلا أخويها محمد وعبد ~~الكريم يشرحان لها ما في الكتاب، ذلك الكتاب المستكين بين يديها لا ~~يبحث عن مكان يلقى فيه بدرسه ولا يخشى أن يدهمه الموقف، وإنما هو ثابت ~~صابر ينتظر من يقرؤه، ومن يفهمه في هدوء ودعة وأمان. # وكانت نادية تنظر إلى زميلاتها اللواتي قعدن مع أمهاتهن في البيت ~~فيزلزلها الرعب أن تصبح مثلهن؛ ثيابا متهرئة وشعرا أشعث أغبر ~~وأقداما مفلطحة من طول ما عاشرت الطريق عارية، وهي تنظر إلى المرآة ~~فترى في وجهها مخايل وسامة، وحين تنعم النظر لا تدري من أين جاءت لها ~~الوسامة؛ فعيناها لا سعة بهما ولا غمق، ووجهها أكثر ميلا إلى السمرة، ~~وفمها أكثر ميلا إلى السعة، وشعرها فيه انسياب ولكنه انسياب ساذج لا ~~التواء به ولا ذكاء ولا حنايا ولا ثنايا، ولكنها مع ذلك كانت ترى في ~~نفسها وسامة، وكانت تشفق على هذه الوسامة التي لا تدري مأتاها أن ~~يغولها البيت والطريق الأغبر والأقدام العارية والملابس المتهرئة؛ فهي ~~الأولى دائما، ونالت الشهادة الابتدائية وخجل أبوها أن يتكلم في ~~إبقائها بالبيت فهي الأولى وهي أكثر نجابة من ولديه، فهي إذن في ~~الإعدادية. ويصرخ الأب: تعبت. ~~- وأنا تعبت. ~~- مرتبي لم يزد إلا جنيهين. ~~- وأنا كبرت وأريد من يساعدني. ~~- أتستطيع نادية أن تساعدك؟ ~~- ولماذا لا تستطيع؟ ~~- أصبحت بنت مدارس. ~~- ولكنها تستطيع أن تساعدني. ~~- كيف نقول لها؟ ~~- إنك أبوها ألست كذلك؟ ~~- وأنت أمها ألست كذلك؟ ~~- أنت رب البيت. ~~- وأنت ربة البيت. ~~- لا تخالف لك أمرا. ~~- ولا تخالف لك أمرا. ~~- يظهر أننا نخاف أن نكلمها. ~~- نعم. ~~- وبعد. ~~- الخيرة فيما اختاره الله. ~~- والبيت وتعبي. ~~- أصبر أنا على الضنك وقلة المال، وتصبرين أنت على عمل البيت وليكن ~~ما يكون ms24 . ~~- تخاف من ابنتك. ~~- لا تعيريني ولا أعايرك. # واستمرت نادية في المدرسة وواصلت نجاحها في المرحلة الثانوية. وفي ~~المرحلة الثانوية راحت أنوثتها تتبلور معها فهي تتفجر في كل يوم عن ~~جديد، والفتاة تستقبل أنوثتها في سوق عارم مفتوحة الذراعين تواقة إلى ~~كل نأمة جديدة من أنوثتها الوافدة، كانت تريد أن ترغم ثيابها على إظهار ~~أنوثتها ولكن ثيابها لم تكن تطيعها فهي ثياب رخيصة وتفصيلها مجانا، ~~والأنوثة تحب أن تختار القماش وتختار التفصيل وبين ضيق ذات اليد من ~~الأب ورغبة نادية العارمة في إظهار أنوثتها تنكمش الثياب خجلة حائرة لا ~~تدري ماذا تستطيع أن تفعل لترضي صاحبة الأنوثة الجديدة. # كانت نادية تحاول مع ثيابها ما وسعها الجهد فهي تضيق الحزام حتى ~~لتكاد أنفاسها تختنق، ولكن لا يهم فإن الحزام حين يشد يسمح للجزء الهام ~~من الصدر أن ينفجر إلى أمام، وللجزء الهام من الظهر أن ينفجر إلى وراء ~~ويظهر من الجسم الفتي ما تحاول الثياب أن تطمره في رخصها. # هناك عينان تتبعان نادية في كل يوم حين تذهب إلى المدرسة وحين تعود، ~~بل إن هاتين العينين تراصدانها كلما تبدت في الطريق، كانت العينان ~~نافذتين ولم تكن نادية تستطيع أن تغفل حدة النظرة التي توجه إليها ~~منهما، كانت ترى فيهما نوعا من الجرأة وكأنما كانت العينان تجسان كل ~~مكان في جسمها، وكان فيهما انتظار، ولم تكن نادية تفهم سببا لأي من ~~هذه المعاني التي تتواثب من العينين، فلو كان صاحبهما شابا في ريق ~~العمر أو حتى شابا في أواخر الشباب لكان لهذه النظرات معنى، ولكن أن ~~تصدر هذه النظرات من حسين بائع السجائر الذي يكبر أباها في السن فهذا ~~أمر لم تستطع أن تفهمه أبدا. # وفي يوم. ~~- تعالي يا نادية. ~~- نعم يا عم حسين. ~~- يعني يا بنتي تفوتين ولا سلام ولا كلام. ~~- أراك مشغولا يا عم حسين. ~~- ومهما أنشغل يا بنتي هل يمكن أن أنشغل عنك. ~~- كتر خيرك يا عم حسين. ~~- لقد شلتك على كتفي يا نادية. ~~- عارفة يا عم حسين. ~~- كنت قبيحة ms25 ، ولا يحب أن ينظر إليك أحد. ~~- أهكذا يا عم حسين؟! ~~- سبحان مغير الأحوال! من كان يظن ... من كان يظن؟! ~~- ماذا يا عم حسين؟ ~~- يا بنت ألا تعرفين ما أريد أن أقول؟ ~~- لعلي أعرف وأريدك أن تقول. ~~- آه من البنات اليوم يا عالم. ~~- ماذا فعلن يا عم حسين؟ ~~- مصيري معهن إلى الجنون والله. ~~- ومالك ولهن يا عم حسين؟ ~~- وهل لي شغلة غيرهن؟ ~~- أنت يا عم حسين. ~~- آه أنا، وماذا في هذا؟ ~~- لا شيء يا عم حسين ولكن ألا ترى نفسك كبيرا بعض الشيء على بنات ~~اليوم. ~~- يا بنت اصحي. ~~- صاحية وحياتك يا عم حسين. ~~- لا وشرفك، نائمة في العسل نوما، وأين العسل، نائمة في البشر ~~نوما. ~~- لماذا يا عم حسين؟ ~~- أهذا يليق؟ ~~- ما هو الذي لا يليق؟ ~~- هذا الجسم المرمري، هذا الجمال العجيب يلبس هذه الهلاهيل. ~~- وبعد يا عم حسين، أنت تعرف البير وغطاه. ~~- ملعون أبو البير على غطاه. ~~- وماذا أفعل؟ ~~- اسمعي كلامي. ~~- وهل قلت شيئا. ~~- لي أصدقاء. ~~- لك أنت؟! ~~- يجعلونك تلبسين الحرير، لا تلبسين إلا الحرير. ~~- أبرد يا عم حسين. ~~- والصوف الإنجليزي في الشتاء. ~~- هكذا مجانا. ~~- مجانا وشرفك. ~~- ما دخل شرفي في الموضوع يا عم حسين؟ ~~- شرفك مصان، اسمعي كلامي. ~~- حرام يا عم حسين. ~~- إذا غيرت رأيك أنا تحت أمرك. # ونالت نادية شهادة الثانوية العامة، وفي الصيف كانت كلما مرت بعم ~~حسين ألقت إليه ابتسامة وتحية من بعيد. إن هاجسا في نفسها كان يهمس ~~لها ألا تقطع المفاوضات بينها وبين عم حسين. # وأتت أشهر الصيف، ودخلت إلى الجامعة، إن لها زميلات من المدرسة ~~الثانوية ذهبن معها إلى الجامعة، تعرفهن وتعرف ملابسهن وهن في المدرسة ~~الثانوية، ما هذا الذي يرتدين؟ ~~- كيف؟ ~~- أنت هبلة. ~~- هبلة؟ ~~- ألا تعرفين كيف؟ ~~- آه فهمت. فهمت. ~~- أخيرا. ~~- وعند الزواج. ~~- بثمن فستان نجري عملية. # وحين عادت في ذلك اليوم وقفت مع عم حسين دقائق، لقد كان الهاجس في ~~نفسها صادقا معها، لقد أحسنت صنعا أنها لم تقطع المفاوضات. # | الميراث # ليس غريبا أن يكون بينهما هذا الخلاف الذي وصل ms26 إلى أقصى مداه، وليس ~~غريبا أن يكون بينهما هذه الكراهية الشديدة وهذا المقت المرير، لقد ~~ورثا الخلاف والكراهية والمقت فيما ورثا عن أبويهما، وهما الآن وجيهان ~~لكل منهما أنصار وأعوان، وقد نسي كل منهما كما نسي أنصار كل منهما قصة ~~الأبوين. # أما أبو الأول الذي أصبح اليوم أسعد بك فقد كان المعلم أنور. بدأ ~~حياته في حي السيدة زينب وقد زحف إليها من الريف حين ضاقت به بلدته ~~«شيبة» فأصبح لا يجد بها قوت يومه؛ فهي قرية مزدحمة يتخاطف أهلها ~~الرزق، وهو لا يرى في الزحام طريقا، وحالفه الجوع حتى أصبح لا يأبه ~~كثيرا بالشرف، فكان يختطف العيش اختطافا فيه قسوة أحيانا كثيرة وفيه ~~الحيلة في أحيان قليلة ولكن لم يكن هذا الاختطاف ليستطيع أن يستمر ~~طويلا؛ فضاقت به القرية ولم يجد مناصا آخر الأمر إلا أن يزحف إلى ~~القاهرة. الزحام أشد ولكن هذا الزحام كان بالنسبة إليه كالصحراء البكر؛ ~~فهناك لن يعرفه أحد، وهناك يستطيع أن يمارس اختطافه بالحيلة دون أن ~~يعجزه ضيق المكان أن يجد الفريسة، ولم يكن يستبعد أن يستعمل القسوة، ~~إذا كان لا بد أن يستعمل القسوة وزحف إلى القاهرة. # غريب في حي السيدة، والقاهرة يومذاك بها كثير من الأراضي الخالية، ~~فماذا عليه أن يتخذ من خرابة مسكنا، وماذا عليه لو أقام بيته من بعض ~~خشب. ومن أين له الخشب، أدرك أنه لو ظهر على حقيقته في أيام إقامته ~~الأولى، فلن يلبث شارع الملك الناصر أن ينبذه كما نبذته بلدته شيبة، ~~قصد إلى تاجر أخشاب. ~~- أعمل عندك؟ ~~- وماذا تحسن أن تعمل؟ ~~- أحمل الخشب. ~~- لا بأس فإن لك جسما قويا. ~~- فقط أريد بعض خشب مقدما أقيم به الحجرة التي سأسكن بها. ~~- أنت ... ~~- غريب قادم من الريف. ~~- ومن يضمن لي أنك ستبقى حتى تفي بثمن الخشب. ~~- الخشب نفسه. ~~- معقول. # وهكذا بنى حجرته بقطعة أرض وجدها خالية، ولم يفكر أن هذه الأرض لا بد ~~أن يكون لها صاحب، أو هو فكر ولكن لم يشأ أن يتخذ إجراء معينا إزاء ms27 ~~هذا التفكير. # المهم أنه أقام الحجرة وأقام. # كان صاحب الأرض رجلا عنيفا ذا بطش وسلطان. حتى نما إلى سمعه أن ~~إنسانا تجرأ وبنى حجرة بملكه، ترفع أن يذهب إليه، وإنما أرسل بعض ~~أتباعه. ~~- كيف أقمت هنا؟ ~~- بنيت هذه الحجرة وأقمت. ~~- ألا تعرف أن لهذه الأرض صاحبا. ~~- هل أنت صاحبها؟ ~~- أنا تابعه. ~~- أريد أن ألقاه. ~~- لا يلقي أمثالك. ~~- وماذا يضيره أن ألقاه؟ ~~- لا يلقى أمثالك. ~~- ألا يملك هذه الأرض؟ ~~- بل يملك البيوت المحيطة بها جميعا. ~~- ألا يسكن في هذه البيوت جميعا فقير مثلي؟ ~~- ولكنهم لا يلقونه. ~~- اصنع لي هذا المعروف. ~~- ولماذا أصنعه؟ ~~- لعلي أنفعك في بعض الأيام. ~~- أنت؟! ~~- ألا تعرف الفأر الذي خلص الأسد من المصيدة؟ ~~- حكاية. ~~- لا بد سمعتها. ~~- فأنت تعرف أني أسد. ~~- وأني فأر. ~~- سأجعلك تلقاه. ~~••• ~~- ماذا يضير سيادتك أن أقيم بهذه الأرض الخالية؟ ~~- يأتي يوم وتدعي ملكيتها. ~~- بل سأجعلها نظيفة، ويوم تريد طردي فما هي إلا بضعة أخشاب أحملها في ~~يدي وأمضي إلى حال سبيلي. ~~- تدفع أجرة؟ ~~- أمرك. ~~- عشرة قروش في الشهر. ~~- ولكن الأرض خالية. ~~- ولو. ~~- وسأحرسها لك. ~~- مثلي لا تحتاج أملاكه إلى حراسة. ~~- ألا تجعلها خمسة. ~~- عشرة قروش في الشهر. ~~••• # ومضت الأيام وأحس أنور أنه يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون؛ فقد طال ~~مكثه في الحي وثبتت أقدامه، وبدأ يعود إلى نفسه التي صحبها معه من ~~القرية. # فوجئ المالك الكبير بأنابيب المياه في بيوته تتفجر كل يوم، وأدرك أن ~~أنور هو فاعلها. ~~- لا أريدك في أرضي. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أنت لا ترعى الجميل. ~~- وأين الجميل؟ ~~- ألم أتركك تسكن في أرضي؟ ~~- كنت أدفع أجرا. ~~- ولكني تركتك تسكن. ~~- بعرقي. ~~- إذا أعفيتك من الأجرة توقف أعمالك. ~~- أنا لم أعمل شيئا. ~~- أستطيع أن أضربك كل يوم علقة حتى تترك الحي جميعه. ~~- ولكني لم أعمل شيئا. ~~- لا تعد إلى ما صنعت ولا تدفع الأجرة. ~~- شكرا ولكني لم أصنع شيئا. ~~••• ~~- لماذا ضعفت معه؟ ~~- لو أخذته بالشدة لم آمن أن يظل في تخريبه. ~~- تستطيع أن تخرجه من الحي كما قلت. ~~- ويستطيع أن يجيء ms28 إليه خلسة فيرتكب جرائمه ويرجع من حيث أتى. هو ~~الآن تحت أعيننا على الأقل. ~~••• # إذن فالحكاية أثمرت. بهذا إذن يستطيع أن يصنع ما يشاء. # ذهب أنور إلى مولد السيدة واصطنع خناقة مع فتوة الحي، فأصبح هو ~~الفتوة وأصبح من الميسور عليه أن: ~~- قطعة الأرض. ~~- ما لها يا معلم أنور؟ ~~- أقبلها هدية من سعادتك. ~~- قطعة الأرض جميعها. ~~- حتى أحافظ على المباني الأخرى. ~~- أليس كثيرا يا معلم أنور؟ ~~- لا بد أن أبني لي بيتا. ~~- فخذ نصفها. ~~- إذن أحافظ على نصف الأملاك. ~~- أمرك، خذها كلها. # وفعلا بدأ أنور يبني بيته، وحتى يعلو البيت لا بد أن يحفر الأرض، ~~وإذا بالأرض تنكشف له عن كنز عظيم، وأصبح أنور في ضربة أرض أغنى أغنياء ~~حي السيدة، ولكن المال لم يخلص إليه هكذا سهلا هينا وإنما نبت له رجل ~~لا يدري عنه إلا أنه بني اللون. ~~- هذا المال ملكي. ~~- أي مال؟ ~~- هذا الكنز الذي وجدت. ~~- أنت الذي خبأته هنا؟ ~~- لا، وإنما أجدادي. ~~- من؟ ~~- أجدادي. ~~- ولماذا لم يدلك أجدادك على مكان الكنز؟ ~~- كان آبائي كلهم يعرفونه، ومات أبي دون أن يخبرني به. ~~- فمن أدراك إذن أنه كنزك؟ ~~- إنه في هذه المنطقة. ~~- وتتوقع مني أن أعطيك إياه. ~~- إذا شئت العدل. ~~- فإن لم أشأ. ~~- فالقوة. # وقتل أنور المطالب بالكنز وثار أهله، وقامت المعارك كثيرة بين أنور ~~وأعوانه وبين أهل القتيل، ولكن هذا لم يمنع المال أن يظل ملكا لأنور، ~~ولم يمنعه أن يقيم بيتا رائعا ويصبح سيدا عظيم الشأن، ويتزوج ويأتي ~~ابنه أسعد ليجد نفسه بك. # وحين يشب أسعد عن الطوق يجد هناك عداوة بين أنور أبيه وبين رجب، ولم ~~يكن يدري أسباب هذه العداوة، ولكنه ما لبث أن عرفها على مرور السنين ~~واتساع الإدراك، وعرف أيضا أنه لا بد أن يكون عدوا لراغب بن رجب لأن ~~طبيعة الأمور تقضي بأن يكون عدوا له. # قدر أنور حين أصبح غنيا أنه لا يليق به أن يكون فتوة فراح ينمي ~~ثروته فأنشأ مصنع خشب، أو هو في الحق اشترى المصنع الذي ms29 عمل به حين جاء ~~إلى القاهرة أول ما جاء، وأغراه الربح أن ينشئ مصانع أخرى؛ فزاد ثراؤه ~~زيادة فاحشة، وأصبح مطمئنا أنه أغنى أغنياء المنطقة جميعها إن لم يكن ~~أغنى أغنياء مصر. # ولكن شيئا جديدا بدا في الأفق اسمه رجب، كان رجلا ينتسب إلى ~~العلماء فلم يعره أنور التفاتا أول الأمر، ولكنه فوجئ برجب يجمع حوله ~~المريدين وعلى رأسهم سعيد، وفوجئ أنور برجب يقول لا يجوز أن يكون هناك ~~أغنياء وفقراء وإنما المال مال الناس أجمعين، قالها هو ونفذها سعيد ~~وأعوانه. وأصبح حي البغالة جميعا ملكا لرجب وسعيد، وأصبحا ينافسان ~~أنور في غناه، وحلت بينهما الكراهية منذ ذلك الحين، وقد توثقت الصلة ~~بين رجب وسعيد حتى إن راغب لا يدري إن كان ابن رجب أم ابن سعيد، بل إن ~~أمه نفسها لا تعرف، فهو من الناحية النظرية ابن رجب أما من الناحية ~~الفعلية فهو لا يدري. # دافع الناس عن أموالهم في حي البغالة فكان الموت مصيرهم، فشا فيهم ~~سعيد، أموالهم أو أرواحهم، ومات كثيرون ولكن الأمر استتب له ولرجب، ~~وراح سعيد يتولى توظيف الأموال؛ فأنشأ المصانع هو أيضا بل أنشأ ~~المواخير حتى ينسى الناس ما فقدوه من مال وتاجر في كل شيء، وبالإرهاب ~~يشتري من لا يريد أن يشتري. # وكان رجب وسعيد من الذكاء بحيث لم يفكرا أن يقتربا من حي السيدة، ~~وكان أنور من الذكاء بحيث لم يفكر أن يقترب من حي البغالة. # ومضت السنون وأصبح الناس فريقين؛ فريقا ينتمي بعواطفه وعقيدته إلى ~~أنور وابنه أسعد، والآخر ينتمي إلى رجب وسعيد وابنهما راغب. وكانت ~~الخلافات تحتدم بين الفريقين احتداما يصل إلى التشابك بالأيدي، ثم ~~تطورت فأصبحت معارك تستعمل فيها كل أدوات المعارك وأصحاب الخلاف ~~الأصليون يكتفون بتقديم أدوات المعارك دون أن يشاركوا هم فيها. # وتمضي السنون ويموت رجب ويتبعه سعيد. ويموت أنور. ويظل راغب وأسعد ~~على الخلاف الذي ورثاه عن آبائهما، ويتوارث الأتباع أيضا المعارك فيما ~~يتوارثون عن آبائهم. # وفجأة يجد أسعد ويجد راغب أن هذه الخلافات تشغلهما عن ms30 تنمية ~~ثروتيهما وكأنما تكشفت هذه الحقيقة بغتة أمام كليهما في لحظة واحدة؛ ~~فيبدأ كل منهما بكلمة لينة عن الآخر، وما تلبث هذه الكلمة أن تصبح ~~زيارة من أسعد إلى راغب في بيته، تتبعها زيارة من راغب إلى أسعد في ~~بيته، ويتم الصلح بين الخصمين القديمين. # ولكن العجيب العجيب أن أنصار كل منهما ما زال حتى يومنا هذا في عراك ~~قاتل مستميت يموتون من أجل اثنين تم بينهما الصلح. # | المقابل # لقد كانت المعركة بيننا وبين قبيلة غطفان غاية في العنف، وقد أصبنا ~~منهم مقتلة عظيمة وما كان هذا إلا لغياب بطلهم الصنديد رافع بن عدي، ~~ولا شك أنهم ينتظرون يوما قريبا ينالون فيه ثأرهم، والقبيلة منذ ذلك ~~الحين مشغولة فيما يمكن أن تصنعه حتى تتهيأ لهذا اليوم المنتظر ~~القريب، وقد اجتمع شيوخ القبيلة يفكرون واجتمع معهم الشباب وراح كل منا ~~يدلي برأي، ولكن ما أسرع ما كانت هذه الآراء تواجه بالنقاش. ~~- نهاجر. # ويقول شيخ القبيلة في عظمة واعتزاز: حتى نصبح أحدوثة بين العرب؛ نترك ~~ديارنا خوف عدو دحرناه وأنزلنا به الهزيمة الماحقة، إذا نحن هاجرنا ~~يكون العدو هو المنتصر، ويصبح النصر الذي أحرزناه أعجب نصر في التاريخ، ~~سيكون نصرا ترتبت عليه آثار الهزيمة. ~~- ولكننا إن واجهنا العدو ونيران الثأر تغلي في دمائه ومعه البطل ~~الذي كان غائبا عنه، فإنه سيصيب منا قتلى كثيرين، ونخسر النصر والدماء ~~في آن معا. ~~- إن دمائنا لا شيء، إنها ما خلقت إلا لتحمي كرامتنا وشرفنا، يا شيخ ~~القبيلة. ~~- الدماء دماء أب أو أخ أو زوج أو ابن، إنها دماء عزيزة. ~~- في سبيل النصر يصبح العزيز رخيصا. ~~- فإن بذلنا الدماء ولم نحقق النصر؟ ~~- لهذا اجتمعنا. # ويقول رأي آخر: ما لنا لا نناشد قبيلة عاصم؛ فإن بينها وبيننا أخوة ~~قديمة. # يقول الشيخ: وما يجعلها تحارب قبيلة غطفان وليس بينهما عداوة، وقبيلة ~~غطفان كثيرة العدد موفورة الحظ من القوة والبأس. ~~- أليست الأخوة كافية لتقف قبيلة عاصم إلى جانبنا؟ ~~- كنا جديرين أن نأخذ بهذا الرأي لو كان هناك عداء بين ms31 قبيلة عاصم ~~وقبيلة غطفان، أما أن تثير قبيلة عاصم العداء عليها بلا داع إليه فهذا ~~ما لا يفعله أحد. # ويقول شيخ من القبيلة في تؤدة ووقار: إن ما يلزمنا يا شيخ القبيلة هو ~~فتى في مثل قوة رافع بن عدي يجعل انتصارنا على العدو مؤكدا. # ويصمت الجميع ويتكلم شيخ القبيلة بعد تريث وتفكير. ~~- بالصواب نطقت، ولكن من أين لنا به؟ # ويصيح شاب من القبيلة: إن العراف ... # وتقاطعه أصوات كثيرة. ~~- هل ضعفت؟ ~~- ما للعراف وهذا. ~~- إنك تخرف. # ويقول شيخ القبيلة: دعوا الفتى يكمل حديثه. # ويسود الصمت هنيهة ويعود الشاب إلى حديثه. ~~- إن العراف يمر بالقبائل جميعها وهو يعرف من أخبارها ما لا نعرف، ~~فلماذا لا نقصد إليه نسأله أن يدلنا على بطل من أبطال العرب يكون كفؤا ~~لرافع بن عدي؟ # ويصمت الشاب ويعود الصمت إلى التحليق ويقول شيخ القبيلة: الرأي ما ~~قلت، إذا كان الغد نذهب إلى العراف. # وينفض الاجتماع ولكن شابا من شباب القبيلة يمكث حيث هو لا يريد أن ~~ينصرف، وإنما يظل رانيا إلى شيخ القبيلة في استعطاف ولهفة، وأنا أنظر ~~إليهما لا يريد أن أنصرف أو أسمع الحديث بين الشيخ والفتى؛ فأنا أعرف ~~ما يريد سليمان أن يقول، وأريد أن أعرف كيف سيجيبه شيخ القبيلة. يظل ~~الفتى رانيا وشيخ القبيلة يتظاهر بأنه لا يراه وإنما هو يحول عنه ~~بصره في ضيق، حتى إذا فشل سليمان في أن يجعل الشيخ يسأله ما يريد جمع ~~كل ما فيه من شجاعة وتقدم إلى الشيخ. ~~- وبعد يا عماه؟ ~~- وبعد فيم يا سليمان؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- كأني أعرف. ~~- فما انصرافك عني كلما أردت أن أكلمك. ~~- أهذا وقته يا سليمان؟ ~~- قبل الحرب كنت تقول بعد الحرب، وها قد انتهت الحرب. ~~- أترى الحرب قد انتهت. ~~- لقد انتصرنا، ألم ننتصر؟! ~~- ففيم إذن كان اجتماعنا هذا؟ ~~- لنؤمن النصر، ونتأكد منه. ~~- فإذا أمنا النصر وتأكدنا منه يحق لك أن تقول وأن أسمع. ~~- يا عماه سنوات ثلاث مررن. ~~- أو عشر ماذا أفعل؟ ~~- اعقد لي عليها. ~~- فماذا تقول القبيلة؟ ~~- تقول زوج ms32 ابنته من ابن أخيه. ~~- والعدو يتربص بنا. ~~- وهل لزواجي صلة بالعدو؟ ~~- إني شيخ القبيلة لا يجوز لي أن أفرح والقبيلة خائفة. ~~- إذن. ~~- انتظر. ~~- إلى متى؟ ~~- إلى قريب، إلى قريب إن شاء الله. # ويطرق سليمان ثم يلقي بنظره حوله فلا يجد غيري فيقوم إلي يصحبني ~~إلى عريض الصحراء. ~~- ما رأيك؟ ~~- لقد اخترت موعدا لا يصلح لهذا الحديث. ~~- فأي موعد يصلح؟ ~~- حين ترى الأمن بين القبيلة تقدم بطلبك. ~~- ومتى يشيع؟ ~~- لا أحد يعرف متى يشيع الأمن بين النفوس. ~~- لا أحد يعرف؟ ~~••• # وقال العراف: أعرف فتى لا حديث له إلا الحرب وأفعاله فيها، وما ~~خاضه من أهوال. ~~- هل شهدته وهو يحارب؟ ~~- يا أخا العرب إنني عراف لا أشهد الحرب، هل رأيتني أجيء إلى ~~قبيلتكم منذ نشبت الحرب بينها وبين غطفان؟ ~~- لا. ~~- إن عملي في الحياة هو الحياة، والحرب عملها الموت، يا أخا العرب إن ~~الموت والحياة لا يجتمعان. ~~- إذن فمن هذا الفتى الذي يروي عن الحرب؟ ~~- غضبان بن صخر. ~~- أتعرف مكانه؟ ~~- أدلكم عليه. ~~••• # وجاء صخر، شاهق هو إلى السماء، عريض الكتفين ضخم رائع التكوين عظيم ~~البنيان. ~~- كما شهدت من حروب، وإن عملي فيها بسيط، فإنني أتولى القيادة دائما ~~وما هي إلا أن أجيل السيف جولة أو جولتين حتى يدرك الأعداء بلا أمل ~~لهم وما هي إلا إغماضة عين أو انتباهتها حتى تكون الحرب قد انتهت، في ~~يوم من الأيام نشبت الحرب بين قبيلة بهنس وفزارة، وكان البهانسة ~~أصدقائي فأرسلوا إلي رسولا ... # وقص غضبان وقص، وكنت أحس مع كل قصة من غضبان نوعا من الأمن ~~والطمأنينة يشيع في نفوس القبيلة فتشرق به وجوههم، وسأل شيخ القبيلة: ~~ما أجرك؟ ~~- ما نوع الحرب؟ ~~- يريدون أن ينتقموا من يوم هزمناهم فيه. ~~- فهي شر أنواع الحرب. ~~- فلتكن ما تكون، ما أجرك؟ ~~- اجمعوا لي خمسين ناقة سليمة لا عيب فيها ولا أود. ~~- وبعد؟ ~~- أرسل النياق إلى أهل بيتي ثم أقيم معكم حتى يوم الكريهة. ~~- أتأخذ النياق قبل الحرب؟ ~~- هكذا تعودت. ~~- ليكن لك ما أردت. ~~- وإني أحب أن أشرب الصبوح ms33 والغبوق. ~~- وخمر أيضا؟ ~~- لا أعيش بغيرها. ~~- ولك ذلك. ~~- أما إفطاري فقعب من اللبن، وإناء من السمن، وعشرة أرغفة وغدائي شاة ~~وعشائي ... ~~- وعشاء أيضا؟! ~~- إن لم آكل فكيف أحارب؟ ~~- وعشاؤك؟ ~~- لا أحب أن أثقل في العشاء حتى يحسن نومي. نصف شاة تكفي. ~~- لك ما أردت. ~~- والنصر مؤكد لكم. # وأقام غضبان بيننا يروي عن أعماله، وانصرفت القبيلة جميعا إلى ~~أعمالها؛ فقد آمنوا أن الحرب لن تنال منهم شيئا ما دام معهم غضبان، ~~ولم يعد حديث الحرب يدور بينهم إلا إذا جلسوا حول غضبان يسمرون ~~ويستمعون إلى أحاديثه عن حروبه التي لا تنتهي، وكنت جالسا إلى جانب ~~سليمان حين التفت إلي فجأة. ~~- لقد شاع الأمن في النفوس. # نظرت إليه ثم قلبت نظري في وجوه القبيلة، نعم لقد شاع ~~الأمن. ~~- نعم لقد شاع الأمن. ~~- لقد صدق قولك، لا أحد يعرف متى يشيع الأمن. ~~- نعم، لا أحد يعرف. ~~- لقد شاع الأمن مع أن الحرب لم تنته. ~~- تستطيع اليوم أن تتقدم إلى عمك. ~~••• # كان الفرح عظيما، واجتمع الحبيبان بعد طول انتظار، وفرحت القبيلة ~~باجتماعهما؛ فقد طالت بهم فترة القلق والخوف، وكانت النفوس منهم تهفو ~~إلى فرح، أي فرح أكان فرح بنت شيخ القبيلة، ومرت شهور طويلة على ~~العروسين، وبشرت العروس بمقدم طفل يحبو في أثباج الغيب، ورفرفت ~~السعادة على القبيلة لا يذكرهم بالحرب إلا وجود غضبان بينهم يروي عن ~~بطولاته، ويتناول مأكله الدسم وإن كان هذا المأكل لم يصبح له وحده ~~وإنما كان يشاركه فيه كثيرون من أبناء القبيلة؛ فقد اتضح منذ اليوم ~~الأول أنه ليس أكولا نهما كما أحب أن يصور نفسه لأبناء القبيلة. ~~وإن كان في شرب الصبوح والغبوق يكثر ولكن إكثاره ما يلبث أن يتحول إلى ~~أحاديث يمتع بها مستمعيه من أبناء القبيلة، ولعلهم من أجل هذا كانوا ~~يلحون عليه أن يستمر في الشراب كلما أحب أن يكتفي. # لقد نشأ بين غضبان وأبناء القبيلة جميعا نوع من الألفة والحب ~~والإكبار من جانبهم، والإيناس من جانبه. ~~••• # حتى كان يوم فوجئنا فيه بنعمان أحد تجار ms34 القبيلة يدخل إلى أفناء ~~الخيام يركض فرسه كالسهم النافذ، وقبل أن يوقف فرسه صاح: لقد جاء ~~اليوم. # وما هي إلا لمحة من بصر حتى كانت القبيلة جميعها حوله. ~~- كنت في السوق فرأيت جماعة كبيرة من الناس وسمعتهم يذكرون اسم ~~قبيلتنا، فلم أشتر شيئا وجئت أسابق الريح. ~~- متى تظنهم يصلون؟ ~~- قبل أن تغرب الشمس. # وصاح شيخ القبيلة: يومك يا غضبان. # ونظر الجميع إلى غضبان، لم يكن غضبان هذا الذي نرى، لقد امتقع وجهه ~~فهو أبيض ناصع البياض، وزاغت عيناه فهي هاربة في حفائرها كأنما تريد أن ~~تغور داخل رأسه، بل جسمه الشاهق الضخم أصابته الضآلة فهو بعض من ~~جسم. # غضبان جميعه بعض من إنسان، وقال لسانه وهو يتعثر في فمه: بل هو يومكم ~~أنتم. ~~- يومنا نحن بقيادتك. ~~- أنا لم أحارب في حياتي. ~~- ماذا؟ # انطلقت صرخة ذاهلة من الجميع، واستغلق الأمر لحظات على شيخ القبيلة، ~~ولكنه سرعان ما تماسك ونظر إلى غضبان ثم قال في تؤدة ووقار: احبسوا هذا ~~الرجل حتى تنتهي الحرب ثم نرى فيه رأينا. # وخف إلى غضبان بضعة فتيان كنت منهم، وكان معي صديقي سليمان ولم ~~يلتفت غضبان إلى أحد منا وإنما نظر إلى سليمان وقال في تؤدة: أما أنت ~~يا سليمان فلا، أنت لا أجيز لك أن تقيدني. # وبهت سليمان لحظات ولم يدر ما يقصده غضبان إلا أنه ترك الحبل من يده ~~وتولينا نحن قيد غضبان، وألقينا به في خيمته، وقد لاحظت عليه شيئا ~~غريبا، لم يعد ذلك الشخص الذي كانه منذ لحظات، لقد بارحه الخوف وعادت ~~إليه الطمأنينة التي عهدناها فيه، ولو لم نكن مشغولين بالجيش الوافد ~~ولو وجد منا آذانا صاغية لراح وهو في قيده يقص علينا بطولاته في ~~الحروب التي خاضها. ~~••• # راح شيخ القبيلة يستعد للحرب؛ فالقبيلة جميعها تهيئ السيوف وتعد ~~الخيل، وشيخ القبيلة يحدد لكل منهم موقعه وما عليه أن يفعله. # وجاءت الجيوش آخر الأمر، وبادرنا نلتقي بها قبل أن تصل إلى الخيام ~~وكانت مفاجأة لم تخطر لنا على بال، لم تكن جيشا؛ لقد ms35 كانوا جماعة من ~~قبيلة عاصم لم يتبين نعمان حقيقتهم؛ فقد هيأ له الخوف أنهم جيش ~~غطفان، وما لبث شيخ قبيلتنا أن رحب بشيخ قبيلة عاصم ودعاه هو ومن معه ~~إلى الخيام لينال الراحة والضيافة. # لقد جاء شيخ عاصم ليعقد صلحا بيننا وبين قبيلة غطفان وذكر ما طلبوه ~~من دية وكانت مائتي بعير، ولم ينتظر شيخ عاصم حتى نبحث الأمر بل سارع ~~يقول: وإني أقدم من عندي خمسين بعيرا هدية مني إليكم حتى يعود السلام ~~إلى الربوع. # وقبلنا الصلح؛ فما أعظم أن ننتصر وندفع ثمن نصرنا هذا العدد من ~~الجمال. ~~••• ~~- فأنت إذن يا غضبان كنت تسرقنا. ~~- أنا يا شيخ القبيلة؟ ~~- ألست أنت من أخذ الخمسين ناقة وأقمت ... # وقاطعه غضبان: لا تذكر المأكل والمشرب يا شيخ القبيلة فإنك أكرم من ~~أن تذكر مثل هذا. # وصاح سليمان: ليكن، فماذا أنت قائل عن الخمسين ناقة. # وقال غضبان: اسكت أنت يا سليمان. ~~- عجيب أمرك معي، رفضت أن أقيدك وأنت الآن ترفض أن أحاسبك، ما شأنك ~~معي؟ ~~- إنك أكثر أبناء القبيلة انتفاعا بما قدمت. ~~- لم تقدم إلا الأحاديث المزوقة، وأخبار الحروب الوهمية التي خضتها ~~والبطولة الزائفة التي ادعيت إنك صاحبها. # ونظر غضبان لحظات إلى سليمان، ثم راح يجيل عينيه في أبناء القبيلة ~~فوجد عيونهم جميعا تنتظر جوابه ونكس رأسه هنيهة ثم رفع رأسه في هدوء ~~وثقة. ~~- لقد قدمت إليكم بهذه الأحاديث أعظم ما كنتم تفتقدونه ولا ~~تجدونه. ~~- أنت؟ ~~- قدمت إليكم الأمن، قدمت إليكم الاطمئنان. # وكأنما كانت هذه الكلمة في واد سحيق بعيد عن أذهان الجميع، نظر ~~أبناء القبيلة بعضهم إلى بعض ثم التقت عيونهم جميعا عند شيخ القبيلة ~~فوجدوه صامتا صمت المفحم الذي لا يجد ما يقول، واستمر غضبان في حديثه ~~موجها كلامه إلى سليمان ما يزال: بهذا الأمن وهذه الطمأنينة تزوجت يا ~~سليمان، وجد الفرح سبيله إلى قبيلة كانت قبل أن أجيء مفزعة في صباحها ~~ومسائها، طعامها قلق وشرابها شغل وتفكير، أكثير ما أخذته منكم مقابل ما ~~أعطيتكم، لقد نلتم المقابل، نلتموه كاملا، أليس كذلك ms36 يا ~~سليمان؟ # | تحية عابرة # كان عدلي يفرح أشد ما يفرح حين يمر بالأطفال فيلقي عليهم التحية ~~فيستقبلونها بالفخر والإعجاب والإكبار، إن عدلي جمعة يلقي عليهم التحية ~~ويعتبرهم رجالا يستحقون منه هذا الإكرام، وكان هذا الشعور بالفرح في ~~نفوس الأطفال يسكب سعادة مزغردة في قلب عدلي ويشعره أنه ما زال فتى ~~الليل ذا الصيت الضخم الذي تهتز لذكره أفئدة الناس في قريته وجميع ~~القرى المجاورة، وكان هذا الشعور يسليه عن أنظاره الذي يعلم أنه أصبح ~~ضعيفا وهو يعلم أنه يجب أن يذهب إلى طبيب يعالج له ما يفقده من بصره، ~~ولكنه يخشى أن يسامع الناس بهذا فتسقط هيبته ويزول مجده الذي أصبح في ~~مهب الرياح منذ توقف عن الأعمال المجيدة التي تعود أن يقوم بها؛ فهو ~~لم يقتل أحدا منذ ثلاث سنوات ومجده يوشك أن يصبح نسيا؛ فإنه لولا ~~فرحة الأطفال بتحيته لأصبح بلا مجد على الإطلاق. # وهو يخشى أيضا أن تعرف حبيبته هنية أن نظره قد ضعف؛ فينكمش حبها له ~~وتفضل عليه زوجها عبد الباقي؛ فهو إذن يبقي على سره دفينا في ~~العميق من صدره لا يطلع عليه أحد. # خرج عدلي من داره في أول الليل وراح يتحسس طريقه إلى دار عبد الباقي ~~في ليلة موعد كان عبد الباقي في الحقل يروي الأرض وسيظل هناك إلى ساعة ~~متأخرة من الليل؛ فالفرصة مواتية لعدلي أن يذهب إلى هنية. # استقبلته هنية في بشاشة ودخلا إلى حجرة النوم. # لم يطل بهما المقام في الحجرة فقد سمعا صوتا. ~~- عبد الباقي. ~~- هل ترك الغيط؟ ~~- اخفض صوتك. ~~- أيهمك أمره؟ ~~- زوجي. ~~- وأنا عدلي. ~~- إنه زوجي. # وذهل عبد الباقي مما يرى. ~~- عدلي. # وأخرج عدلي مسدسه من جيبه ولم يتكلم وأطرق عبد الباقي والثورة توشك ~~أن تمزقه تمزيقا، ولم يجد شيئا يفعله إلا أن يخرج من البيت هائما ~~على وجهه، وتاه به الطريق وطال به المسير لا يعرف مكانه من القرية وهي ~~قريته، ولا يعرف قدميه على الطريق وهو طريقه، وكلما آفاق تذكر زوجته ~~الخائنة ومسدس عدلي، فيعود إلى ms37 الضياع وينسلخ الليل وتطلع الشمس ولكن ~~الظلام ما يزال يحيط به، ويتلفت حواليه آخر الأمر فيتبين له أن قدميه ~~قد سحبتاه إلى قريب من المدينة. # في المدينة يعرف طريقه، يعرفه في إصرار وحزم، إنه الآن يعرف ما يريد، ~~ويعرف الطريق. ~~- بلغني أنك تسلف. ~~- بفائدة عشرة في المائة. ~~- في السنة؟ ~~- في الشهر. ~~- أعطني عشرة جنيهات. ~~- لكم شهر؟ ~~- حتى أجمع القطن. ~~- لمدة ثلاثة شهور؟ ~~- نعم. ~~- وقع على هذه الكمبيالة. ~~- هات الفلوس. ~~- توقيعك غير واضح. ~~- أوقع ثانية. ~~- خذ الفلوس. ~~- هذه سبعة جنيهات؟! ~~- خصمت الفائدة. ~~- آه، إذن مزق هذه الكمبيالة واكتب كمبيالة أخرى بخمسة عشر جنيها. ~~وسار في طريقه، إنه يعرف طريقه. ~~- أريد مسدسا. ~~- هل معك رخصة؟ ~~- بكم هذا المسدس؟ ~~- إن كان معك رخصة فهو بثمانية جنيهات. ~~- إن لم يكن معي؟ ~~- فهو باثني عشر جنيها. ~~- والرصاص؟ ~~- بجنيه. ~~- اسمع أريد هذا الرصاص مملوءا بضعفي ما يحمله من بارود. ~~- مر علي بعد ساعة. # وحين عاد إلى القرية لم يذهب إلى البيت فما عاد له بيت، ذهب إلى حقله ~~وبات ليلته في العراء. # وفي الصباح راح يهيم على وجهه محاذرا أن يقترب من بيوت القرية حتى ~~اقتربت الشمس من المغيب، فهو يسير إلى بيت مسعود حيث يعلم أن عدلي يسهر ~~كل ليلة، وينتظر مترقبا حين خرج عدلي سار خلفه بضع خطوات، ثم أخرج ~~مسدسه وأطلق منه رصاصة ونظر إليه عدلي هالعا فأطلق رصاصة أخرى وثالثة ~~حتى أفرغ رصاص المسدس جميعه وعدلي واقف على قدميه، لم يتحرك فهو مسمر ~~إلى الأرض شاخص إلى قاتله لا يكاد يحس بقدميه من الهلع، وهذا الرصاص ~~يتدافع من المسدس وعبد الباقي أشد هلعا ودهشا من عدلي. إن الرصاص لا ~~يصيب مقتلا، وحين ينتهي الرصاص يظل عدلي مسمرا في هلعه، ويضيق عبد ~~الباقي إلى موقفه فيسارع بالجري الخائف المفزع، ويظل يجري ويجري حتى ~~تجد قدماه الطريق إلى المدينة ويظل يهيم بها شاردا ذاهلا فما يصبح ~~الصبح وتفتح الأبواب المغلقة حتى يسارع إلى الرجل الذي باعه ~~المسدس. ~~- ما هذا الرصاص؟ ~~- رصاص بلا بارود. ~~- لماذا ms38 فعلت هذا؟ ~~- عرفت أنك تريد أن تقتل. ~~- وما شأنك؟ ~~- وعرفت أنك لست قاتلا محترفا. ~~- ليس في العالم شيء يستحق أن تفقد من أجله حياتك أو حريتك. ~~- شرفي. ~~- طلقها. ~~- شرفي. ~~- إن طلقتها سيصبح شرفها هي وليس شرفك أنت. ~~- ويصمت عبد الباقي حينا، ويجلس ويجتذب من أعماقه نفسا بعيد ~~الأغوار. ~~- عجيبة. ~~- ماذا؟ ~~- أحس الآن بالراحة. ~~- حقا؟ ~~- لقد قتلته. ~~- هل قتلته؟ ~~- أنا قتلته ولكن هو لم يمت. ~~- إذن فأنت فعلت ما تريد. ~~- لقد قتلته. # ظل عدلي مسمرا وتقاطر الناس إلى صوت الرصاص فوجدوه واقفا جامدا ~~على موضعه لم ينتقل وراحوا يسألون وهو شارد، ذاهل، هزوه. ~~- قتلني. ~~- ليس بك جرح. ~~- ولكنه قتلني. ~~- من؟ # وتطايرت القصة في أرجاء القرى جميعا وأصبح القوم ولا حديث لهم إلا ~~هذا الحادث؛ فإنهم هناك يترقبون مثل هذه الحوادث بشغف، يتسقطون أنباءها ~~ويمضغون حديثها؛ فإنهم هناك لا يجدون الكثير من وسائل التسلية ولا عزاء ~~لهم عن هذا إلا الحديث، لن يتركه عدلي سيجعل من جثته غربالا، ستسمع ~~الكثير في الأيام القليلة القادمة، وستروي الكثير في الأيام القليلة ~~القادمة، ونقول. ونروي ونتحدث ونتسلى. # وتمر الأيام ويزداد التوقع والتشوق وعدلي يعلم أنه لن يستطيع أن يصنع ~~شيئا، إن يده لا تعرف طريقها إلى الطبق الذي يأكل منه إلا بالتحسس، لن ~~يستطيع، لن يستطيع. # ويمر بالناس فترنو إليه العيون في ترقب وتوقع وفي إكبار أيضا؛ ~~فهو الرجل الذي تعلقت به آمالهم أن يمدهم بموضوع للحديث يعينهم على ~~الملالة شهرا أو ربما شهرين، إنهم يتوقعون وهو يعلم أنهم يتوقعون ولكن ~~كيف، لعله يستطيع أن يستأجر قاتلا، إنها إذن النهاية، عدلي الذي عاش ~~عمره جميعا يستأجره الناس للقتل يستأجر هو الآخر. إذن قد مات ~~عدلي. # وتمر الأيام وتصبح أسابيع ما تلبث أن تصبح شهورا ويحس الناس بخيبة ~~الأمل؛ فقد فتر حديثهم عن حادثة عبد الباقي وهم يريدون أن يبدءوا ~~حديثهم عن عدلي، لقد خاب أملهم، خاب أملهم. ولكن عدلي ما يزال يمر ~~بالناس ويلقي التحية، وقد أصبح الرجال يستقبلون هذه التحية بنغمة ~~فاترة؛ فيتظاهر عدلي ms39 بأنه لم يلحظ هذا الفتور، ويمر الأطفال فيسعد ~~بالنغمة المرحبة المليئة بالإعجاب والإكبار، ويسعد ويشعر أنه ما زال ذا ~~مجد وشموخ. # حتى كان يوم، يا له من يوم! # مر الأطفال وكان من بينهم محمد بن عبده أبو السيد، وكانت هذه الشلة ~~من الأطفال قد عودته أن ترد تحيته في إعجاب شديد يزيد على إعجاب ~~الجماعات الأخرى من الأطفال. ~~- السلام عليكم يا رجال. # وتخافتت الأصوات وهي تقول: سلام. # سلام فقط، أين إذن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيد الرجال؛ ~~إذن الأطفال أيضا قد أصابتهم عدوى الفتور، ولكن انتظر ما هذا؟ # إنه لم يكد يخطو خطوتين حتى سمع صوتا، إنه يعرفه، يعرف الصوت قال ~~الصوت: جاءتك خيبة يا عدلي. # ويضحك الأطفال ولا يملك عدلي نفسه فينقلب إليهم. ~~- ولد يا محمد كيف تقول هذا؟ ~~- أصلك هايف، ولا مؤاخذه يا عم عدلي. ~~- قتلت ثلاثين رجلا، ولا يمكن أن أنتهي إلى قتل الأطفال. ~~- تستطيع أن تقتل رجلا إذا شئت يا عم عدلي. ~~- والله لن أقتل إلا أباك. ~~- أنا شتمتك، إنما غيري قتلك ولم تمد إليه يدا، جاءتك خيبة يا عم ~~عدلي، وثار عدلي وهاج وعلا صوته وصرخ، لقد أعماه الغيظ عن إدراك ~~الموقف؛ فتجمع الناس ووجد القوم آخر الأمر حديثا يسليهم عن ~~الملالة. # ولكن عدلي لم يطق، حياته أهون من ضياع مجده. # انتظر عبد الباقي في الطريق وتحرى أن يكون ملاحقا للمكان الذي يمر ~~به عبد الباقي، ومر عبد الباقي وأطلق عدلي رصاصة وثنى بأخرى قبل أن ~~يقفز إليه عبد الباقي فيصرعه، ويصرخ عبد الباقي ويأتي الناس ويبلغ ~~الحادث إلى الشرطة والنيابة، وحين يأتون إلى مكان الحادث يقرر وكيل ~~النيابة حفظ القضية، والسبب أن المكان الذي أطلق منه عدلي الرصاص على ~~عبد الباقي لا يسمح بالخطأ فقد كانت المسافة مترا واحدا، فالشكوى ~~كيدية يحاولون بها سجن عدلي؛ فالأعمى وهو أعمى لا يمكن أن يخطئ من هذه ~~المسافة القريبة. # ووجد القوم آخر الأمر شيئا يتحدثون فيه، وأصبح عدلي آخر الأمر ~~أسطورة خزي وخذلان، وبعد شهور ms40 كان عبده أبو السيد يسير بحماره فإذا ~~بعدلي يمسك برقبة الحمار. ~~- حاول أن يقتلني عتاولة المجرمين يا عبده يا أبو السيد فلم يستطيعوا ~~ولكن ابنك يا عبده أبو السيد قتلني، فوضت أمري إلى الله، فوضت أمري إلى ~~الله. # | وحدة # 1 ~~- أريد أن أقول. ~~- قل هل منعك أحد؟ ~~- أنت دائما تمنعيني. ~~- أنا؟ ~~- أنت. ~~- ما منعتك عمري. ~~- أنت لا تسمعين ما أقول. ~~- أليس المهم أن تقول؟ ~~- بل المهم أن تسمعي. ~~- في هذه المرة أريد أن أقول وأن تسمعي. ~~- ليس من عادتي أن أسمع. ~~- لقد سئمت القول بلا سماع. ~~- لن تقول شيئا جديدا. ~~- تزوجنا من زمن بعيد، وما عندك طبعا قلته في الأيام ~~الأولى. ~~- حدث بيننا شيء. ~~- لا يهم ما حدث. ~~- ولكني أريد أن أقول. ~~- فقل. ~~- وتسمعين؟ ~~- لا شأن لك. ~~- فلا معنى للقول. ~~- أنت حر. ~~- لو كنت حرا لتكلمت، إن لك الحرية أن تقول. ~~- وأنا لي الحرية ألا أسمع. ~~- ما إصرارك هذا؟ ~~- لا أرى فائدة في قولك ولا في سماعي. ~~- كيف تحكمين على ما سأقول وأنت لم تسمعيه بعد. ~~- لقد خرجت من حياتي فكل حديث لا معنى له. ~~- ومع ذلك ليس هناك ما يمنع أن أقول وتسمعي. ~~- لقد رأيتكما. ~~- أنا لم أنكر هذا. ~~- فماذا تريد أن تقول؟ ~~- فتاة هي ... ~~- لا تقل، لا تقل. ~~- إذن فسأقول أنا ولك أنت أن تسمعي أو لا تسمعي. # وهبته حبي ووفائي ويخون. # طفلة كنت حين تزوجنا وبهرني منه حديث منمق وقوام رشيق ووجه ~~وسيم. # وحين عرفت الحياة وجدته بلا ضمير ووجدت حديثه المنمق طلاء وبلا ~~معنى ولا نبض، وكانت طفلتي قد جاءت؛ فكان لا يمكن أن أتركه، وقبلت ~~أن أعيش معه وهو تافه وسخيف أما أن يصل الأمر إلى الخيانة، ولكن ما ~~لي أغضب لخيانته كل هذا الغضب، ما دمت لا أحبه فما حرصي على وفائه. ~~لعلني حريصة على كرامتي، وما شأن كرامتي ما دام يخفي عني خيانته؛ ~~فكرامتي إذن سالمة لم يمسها أحد فحين كشفت ما كان خافيا ~~حينئذ. ~~- إني محام. ~~- كنت. ~~- وما زلت. ~~- بل كنت. ~~- وللمحامين ms41 زبائن . ~~- هل أنت مصمم أن تقول؟ ~~- كل التصميم. ~~- وماذا يضيرك ما دمت لا تتعب. ~~- أرادت هذه الموكلة أن تلتقي بي خارج المكتب فكان لا بد أن ~~ألتقي بها، إن المحامي طبيب نفسي عليه أن يشعر زبائنه دائما أنهم ~~في أمن واطمئنان ما داموا في مكتبه وفي حمايته القانونية. # كل ما بلغك غير هذا كذب، لماذا لا تجيبين؟ أي إنسان لا يجوز أن ~~يخبر الزوجة بما يصنعه زوجها حتى لو كانت هذه الأخبار صحيحة، إن ~~للبيوت قدسية لا يجوز لأحد أن يحطمها، إن هؤلاء الذين كلموك عني ~~إنما يريدون أن يحطموا البيت الذي بنيناه من أحلام طفولتنا ومن ~~ظلال صبانا، ومن أوهام شبابنا ومن حقيقة وجودنا، ألا تذكرين؟ وإنما ~~كنت تحبين أن تسمعي الذكريات وكنت تكملينها ما لك لا ~~تكملين؟ # أتذكرين يوم كانت دادة حميدة تلقي بنا معا في البانيو عرايا ولم ~~نكن نجد حرجا في ذلك يومذاك، كنا نضحك وأرشك بالماء وتضحكين، ثم ~~نستحم ونخرج وكأننا طفلان أو طفلتان لا يفرق بيننا جنس مختلف، أنت ~~لا تسمعين لو كنت تسمعين لاحمرت وجناتك فقد كانت وجناتك تحمر ~~دائما كلما ذكرتك ببانيو دادة حميدة، إذا كانت الأيام الطويلة لم ~~تستطع أن تفرق بيننا أتستطيع ألسنة الناس، ألا تعرفين معنى مرور ~~الأيام؟ إنها هذه الأيام التي تلقي الشيب إلى الرءوس وتلقي الغضون ~~على الوجوه والترهل على الأجسام والضعف على الأبدان، هذه الأيام ~~نفسها تمر على العلاقات الصادقة الأصيلة فتزيدها أصالة وتغرسها ~~عميقة في صدر الزمن، فإذا الروحان مثلنا يصبحان حياة واحدة تنطلق ~~أنفاسها من مصدر واحد قد اتحدت آمالها في الحياة واتحدت بينهما ~~مصادر الرزق ومصادر الضيق ومصادر الفرح، لا لن أحدثك عن ابنتنا، إن ~~كانت العلاقة بيننا لا تحتمي إلا بسهير فأنا لا أريد هذه العلاقة، ~~لن أقول لك إن طلاقنا سيكون صدمة لسهير في بيت زوجها، أتصدقين هذه ~~الخرافات وبنتنا الآن متزوجة، أتريني ما زلت شابا أصلح لهذا؟ كنت ~~دائما تحبين سن الخامسة والأربعين لست صغيرا على كل حال. ~~••• # لو علمت ms42 لماذا خنتك، لن تتصوري الأسباب، إنك قاسية، إنك تطلبين ~~الكمال من كل من حولك ولا يستطيع من حولك أن يهبوا لك الكمال، أعلم ~~أنك قسوت على نفسك وكنت مثالية في كل ما تصنعين ولهذا أردت من ~~الجميع أن يصبحوا في مثل مثاليتك، عذبت نفسك بالمثالية فلماذا لا ~~تعذبين الآخرين؟ ولكننا نحن الذين حولك بشر نريد أن نخطئ كما يخطئ ~~الناس، وأن نعيش كما يعيش الناس ونتمتع بالحياة بكل الحياة. بما في ~~الحياة من خطأ وما فيها من صلاح، كرهت عنفك ومحاسبتك على كل صغيرة، ~~كرهت هذا فيك وأعجبت به فيك أيضا، أنت مثل أعلى أعبده ولا أريد أن ~~أكون مثله، أتمنى أن أراه ولا أتمنى أن أكونه، ليتك تسمعين هذا ~~الكلام ولكن كيف أقوله، إن فيه اعترافا بما فعلت وقد تحصلين مني ~~على كل شيء، ولكنك لن تحصلي على هذا الاعتراف. ~~••• # وأنت أيضا لست صغيرة، الغيرة لا تتفق مع سنك، أصغر مني أعلم ذلك ~~ولكنك لست صغيرة، لا إجابة، لا إجابة على الإطلاق، إن كنت مصممة ~~على الصمت، فابتسامة أو تكشيرة أو هزة رأس، أي شيء يشعرني أنني هنا ~~إنني أقول شيئا. ~~- لو كنت حيا لأمتعني هذا الحديث، ما زال لحديثك طلاوته، ما ~~زال حديثك يستطيع أن يعيدني إليك. ~~- لو كنت حيا؟! ألست حيا؟! ~~- ألا تعلم أنك مت؟ ~~- مت، ألهذا الحد تكرهينني، هل استطاعت الأقاويل أن تجعلني ميتا ~~في نظرك؟ ~~- لأنك مت. ~~- أنا الآن لست حيا؟! ~~- أتتصور نفسك حيا؟ ~~- أليس هذا حقا؟ ~~- ألا تعرف أنك مت؟ ~~- لا تقولي هذا. ~~- إنها الحقيقة. ~~- ألست جالسا الآن أمامك، ألا تسمعين حديثي وتجيبين. ~~- صوت من العالم الآخر. ~~- فأنا ميت إذن. ~~- هل تشك في ذلك؟ ~~- بل إني واثق أني أعيش، إني حي ولكن لن أحيا معك ما دمت قد هنت ~~عندك إلى هذه الدرجة. ~~- علم الله لم تهن ولكنها الحقيقة. ~~- إنها أمنياتك أنت. ~~- إنها الحقيقة. ~~- سأجعل منها حقيقة بالنسبة إليك؛ لن أعيش معك، لن ترى وجهي بعد ~~اليوم. لن ترى وجهي بعد اليوم. # 2 # لعلها ms43 كانت تختاره من تلقاء نفسها إذا لم تتعرض لما تعرضت له، ~~كيف قبل أبوها هذا، أبوها رجل القانون الذي ظل طول حياته ~~يعلمها أن الحرية هي أثمن ما في الوجود، وأن حرية المرء هي حياته ~~فإذا هي في سنها الباكرة تتنسم الحرية مع الهواء الذي تتنشقه، ~~واثقة أنها تستطيع أن تمارس حريتها في كل صغيرة وكبيرة من حياتها، ~~وقد عاشت منطلقة سعيدة بحريتها سعيدة بثقة أبيها فيها، حريصة أن ~~تؤكد له دائما أنه يضع ثقته بين يدين جديرتين بها؛ فهي نقية ~~دائما، تختار لنفسها أكرم مكان بعيدة كل البعد عن مواطن الشبهات، ~~لا تكترث كثيرا بتضييق أمها عليها؛ فإنها يجب أن تسيطر عليها ~~دائما، وتحب أن تحد من حريتها المنطلقة هذه في طبيعة لا تكلف ~~فيها، وقد عرفت هي هذا في أمها؛ فهي تغفر لها قسوتها وتعيش حياتها ~~كما تحب أن تعيش في حرية نقية صافية. # وهي في جمالها الرائع الأخاذ كفيلة أن تثير لدى الشباب ألوانا ~~من المطاردة، وهي سعيدة بهذه المطاردة وهي أكثر سعادة حين ترى ~~نفسها تردهم جميعا في كبرياء، وتدفعهم في عزة، لا يعنيها ماذا هي ~~مثيرة حولها بكبريائها. # وحين أصبحت في الجامعة أحاط بها الزملاء برغباتهم الجامحة، وأحاط ~~بها الزميلات بغيرتهم المجنونة فلم تعبأ بالرغبة من الفتيان ولا ~~بالغيرة من الفتيات، وظلت كما تحب لنفسها أن تظل مترفعة كريمة على ~~وئام تام مع ضميرها وحريتها. # واستطاعت الرغبة من الشباب والغيرة من الفتيات والكبرياء منها أن ~~تطلق حولها الأقاويل ضاربة مجنونة؛ فمنهم من يقول لها حبيب ولكنها ~~خبيثة عميقة تستطيع أن تخفي أمرها، ومنهم من يقول مجنونة متكبرة، ~~ومنهم من يقول إنها مبذولة لمن يشاء ولكنها تتظاهر بالعفة، ومنهم ~~من يدعي أنها في أمسها القريب كانت معه، وأنه رأى من فجورها ما ~~لم يشهده من المحترفات. # وتجد هذه الأقاويل طريقها إلى أذنيها؛ فالبنات يحببن أن يتظاهرن ~~بالشفقة عليها، ويحببن أيضا أن يتظاهرن بصداقتها، فإن الفتاة التي ~~تستطيع أن تثير كل هذه الأقاويل تصبح صداقتها في أغلب ms44 الأمر شيئا ~~حبيبا إلى نفوس الفتيات. # وكانت هذه الأقاويل تصيب من نفسها مكانا قاسيا، ولكنها كانت ~~تستطيع دائما أن تتكبر عليها فكأنما الحديث عن فتاة غيرها لا ~~تعرفها. # وإن كان قول الشاب الذي قال إنه كان معها قد أثار فيها غضبا ~~شديدا، إنها تعرف هذا الفتى ولكنها لم تكلمه في حياتها أبدا، ~~ولقد حاول أن يتقرب منها بالطريقة الساذجة التي يحاول بها غيره فلم ~~تكلف نفسها عناء صده بالحديث، وإنما أشاحت عنه وانصرف دون حديث؛ ~~فهو من ذلك النوع الذي يحب أن يزهو دائما أن النساء أسيرات ~~إشارته. # عرض الفتاة بضاعة لا حارس عليها، يكفي أن يطلق هذا الأفاق ~~قوله الرخيص حتى أصبح أحدوثة بين الطالبات والطلبة، وعن وهم دائما ~~أكثر ميلا إلى الهجوم منهم إلى الحق، لا يعنيهم ما يعرفونه عن ~~كبريائي، وما يعرفونه عن هذا الفتى من كذب وادعاء، وإنما يعنيهم ~~أنهم أصبحوا أمام قالة جديدة حكاية مثيرة يرويها فتى على أنه ~~بطلها، وسنصدق الحكاية بلا تمحيص ولا تفكير؛ فإن النفوس تريد أن ~~تصدقها، وليذهب كبريائي إلى أي جحيم يشاء. # ويتجمع الفتيان والفتيات حول الشاب ويصف، وفي كل يوم يزيد في ~~الوصف ويستطيع في خبث أن يغمز بعينه: لولا وجود الإنسان لسمعتم ما ~~شئتم من التفاصيل. ~~- أنت كذاب. # صوت انبعث من شاب بينهم، والتفتت إليه العيون منكرة عاجبة؛ فقد ~~تعودوا أن يسمعوا هذه الأحاديث من ملقيها هذا دون أن يفكر أحد في ~~وضعها موضوع الاختبار ليحكم عليها آخر الأمر بالصدق أو بالكذب، فما ~~هذه النغمة الجديدة؟ ومنذ متى يفكر واحد منهم في مقدار الحق فيما ~~يسمع؟ ~~- أنا كذاب؟! وما شأنك؟ ~~- أنت كذاب لأن ما تقوله لم يحدث، وحقير؛ لأنه لو كان حصل لكان ~~الأولى بك أن تستره. ~~- خطبة عظيمة في مكارم الأخلاق. ~~- الفتاة التي تروي عنها نعرفها جميعا وهي لم تسمح لأحد أن يأخذ ~~عليها إشارة غير كريمة. # فهي حريصة أن تكون سمعتها في الكلية أحسن سمعة، وهي جميلة، بل هي ~~أجمل فتاة نعرفها، ولو شاءت لوجدت الأصدقاء ms45 من كل مكان، ومن ~~الطبيعي أنها إذا أرادت أن تلهو، فإنها ستبحث عن شاب في أي مكان ~~غير الكلية التي حرصت دائما أن تكون فيها شريفة، أنت كذاب. # وكأنما أفاق الجمع الملتف حول القصة والحوار إلى هذه الحقيقة ~~البسيطة الساذجة، إنها حقيقة لو أراد أي شخص منهم أن يفكر فيما ~~يسمع لوصل إليها دون جهد يذكر، ونظروا إلى الفتى الذي كان يروي ~~فوجدوا البهتة على وجهه، إنه في موقف جديد عليه؛ فقد ظل طول عمره ~~يروي فيجد المتعة في وجوه السامعين ولم يجد معارضة في يوم من ~~الأيام، ونظر حوله فوجد الوجوه جميعا تنتظر جوابه وهي أقرب ما ~~تكون تصديقا لهذا الهجوم الذي شنه عليه زميله، كان ذهنه مشغولا ~~بخلق القصة ولم ينشغل أبدا في خلق الحجج التي تدل على صدقها؛ فحين ~~واجهه هذا الإنكار وجد نفسه في صحراء من الدهشة ولم يجد شيئا ~~يقوله، فغر فمه وحملقت عيناه وانطفأ عن وجهه وهج الحماسة وجف ~~ريقه، وراح يدور بعينيه حوله، فإذا العيون التي كانت منذ لحظات ~~ساجية مستمتعة بما تسمع تصبح عيونا متسائلة متهمة قاسية محتقرة، ~~كانت تريده أن يكون صادقا، كانت تريده يحمل الدليل على ما يقول ~~حتى تصبح متعتهم حقيقية لا أثر فيها للخداع، خداعه لهم وخداعهم هم ~~لأنفسهم، ولكنه خذلهم بهذا الصمت وهذه الحيرة، وهذه الحماسة ~~المنطفئة، وهذا الصمت الذاهل الحيران، وهذا الوجوم الكسيف الخزيان. ~~طال صمته فألقى بعينيه إلى الأرض آخر الأمر واستدار للجميع في يأس ~~قائلا في صوت يحاول أن يحمل التهديد فلا يحمل إلا الهزيمة: ~~طيب. # وينصرف لتعلو في سمعه عند الباب قهقهات عالية ساخرة، ويلتئم ~~الجمع حول المنتصر فيجدون الفتى غير معتز بانتصاره. ~~- أنتم جميعا شركاؤه والفتيات منكم خاصة، كيف تأمن أي واحدة ~~منكن أن يقول عنها مثل هذا القول؟ # وينصرف الفتى المنتصر في غضب، وينتقل الحديث جميعه إليها فتجد في ~~نفسها راحة واطمئنانا، إن الدنيا ليست بالسوء الذي كانت تتصوره، ~~إن هذا الفتى الذي دافع عنها حاول أن يقيم معها صداقة فردته ms46 هو ~~أيضا ولكنه شريف. # وتمر الأيام ولا يحاول أن يتقرب منها، إنها تعرف أنه يحس ~~بنظراتها الشاكرة تلقيها إليه من بعيد ويروغ هو من هذه النظرات؛ ~~فقد قال ما يعتقد أنه الحق وهو لا يريد منها شكرا، وتأبى هي أن ~~تقدم شكرها في حديث؛ فهي لا تريد أن يرى زملاؤها أن بينها وبينه أي ~~علاقة ولو كانت هذه العلاقة مجرد حديث. # ودون أن تحس هي ودون أن يحس نشأت العلاقة، فيها إكبار من ~~الناحيتين وفيها شكر من جانبها، بل فيها من جانبها معنى أكبر من ~~مجرد الشكر، لقد أحست أن هذا الشاب قد أعاد إليها ثقتها في الناس. ~~إن فيهم سوءا ولكنهم ليسوا جميعا أشرارا، أحبته من ومضات ~~خاطفة في عينيه أحست أنه يحبها؛ فهي لم تدهش حين تقدم إلى أبيها ~~يريد أن يخطبها، ولكنها دهشت أن أباها لم يسألها عن رأيها وإنما ~~عرفت أنه صرفه دون قبول، تقول أمها إنه فقير لا يملك إلا مرتبه حين ~~يعين. تلك الحجة التي يراها الآباء دائما مقنعة، والتي يراها ~~الأبناء دائما سخيفة. # كان رفض أبيها مؤلما بالنسبة لها، كيف ينهار هذا التمثال الذي ~~أقامته له في نفسها، لقد ظل طول حياتها يعلمها أن الحرية هي أثمن ~~ما يملكه الإنسان، ثم هو في لحظة واحدة يسلبها كل حريتها وهي أهم ~~ما يعرض لفتاة في حياتها، انهار تمثال أبيها، إنها تعلم أنه يلين ~~أمام أمها في أمور كثيرة، ولكنه من المبادئ الأساسية التي يؤمن بها ~~لا يلين، فكيف قبل أن يعتسف حق ابنته في اختيار شريك حياتها؟ وكيف ~~قبل أن يرده دون أن يسألها؟ # إن هذا الذي رده أبوها هو الشخص الوحيد الذي تريد بحريتها ~~الكاملة أن تتزوج منه، وشباب الدنيا جميعها بعد ذلك سواء، ما دامت ~~لن تتزوج هذا الشاب فليكن الزوج من يكون. # وحين أقبل زوجها هذا: ما رأيك؟ ~~- لا رأي لي. ~~- فأنت إذن موافقة. ~~- إذا كان عدم إعطاء الرأي موافقة فأنا موافقة. # واعتبرت أمها هذا الحديث القصير موافقة، وتمت مراسيم الزواج ms47 ~~وأبوها بعيد عن الموضوع جميعا وكأنه لا يعنيه. # وحين أصبحت في بيت زوجها تبينت هول ما حدث لها، لقد قضي ~~عليها. ~~- قالت لي أمك إنك وافقت. ~~- هل سألتني أنت؟ ~~- وهل تكذب أمك في مثل هذا؟ ~~- إنك علمتني الحرية وسلبتها مني، ليتك لم تعلمها لي حتى لا ~~أفجع فيها وفيك وأنت تسلبها مني. ~~- هل سلبت حريتك؟ ~~- منذ رفضت زميلي الذي جاء يخطبني. ~~- إنها أمك. ~~- وأنت أبي. ~~- حسبت أنه لا يهمك أن أرفضه. ~~- ولماذا لم تسأل؟ ~~- كنت في شقاق مع أمك وخشيت أن تظن أنني أقف إلى جوارك للخلاف ~~الذي بيننا. ~~- وأنا الضحية. ~~- لم أتصور أن في الأمر تضحية. ~~- ولماذا لم تسأل؟ ~~- أخطأت. ~~- وحياتي هي الثمن. ~~- ألا تقبلين اعتذاري؟ ~~- وماذا يفيد الآن؟ ~~- قد نستطيع أن نصلح ما فسد. ~~- كيف وقد مت؟ ~~- أنا مت؟! ~~- ألم تمت؟ ~~- من هذا الذي يحدثك؟ ~~- وهم أو شبح. # 3 ~~- حتى أنت، حتى أنت، حتى أنت، لقد أعطيتك كل حبي. ~~- وأعطيتك كل حبي. ~~- لم تطلبي شيئا إلا قدمته. ~~- كنت سعيدا وأنت تقدم لي ما أريد. ~~- وكنت سعيدة وأنا أقدم لك ما تريدين. ~~- كنت أحب أن أجد لحبي صدى عندك. ~~- ولكنك كنت كثيرا ما تشك في. ~~- كنت أخشى أن يكون حبك لي مبعثه البحث عما أقدم لك. ~~- هناك من هو أغنى منك ولم أقدم له حبي. ~~- إن الغيرة هي الثمن الذي يدفعه المحب في مقابل هنائه ~~بحبه. ~~- ولكن على حساب ثقته بمن يحب. ~~- أكنت تريدينني محبا لا يغار؟ ~~- كنت أريد حبيبا يهب الثقة ثم يخاف. ~~- أهذا ما أغضبك؟ ~~- لا، لقد تعودت منك هذه الوساوس. ~~- إن الصلة بيننا لم يكن يحميها إلا الحب. ~~- وهل هناك أقوى من الحب؟ ~~- القلوب تتغير. ~~- فهل تمنع الغيرة تغيرها؟ ~~- والمرأة تتغير. ~~- وهل تمنع الغيرة تغيرها؟ ~~- أنا لا أملك الوساوس تثور في نفسي. ~~- الواثق بنفسه يملك وساوسه. ~~- هل يريد أحد أن يخاف؟ ~~- القوي يتحكم في طبائعه. ~~- لكل إنسان ضعفه. ~~- تستطيع دائما أن تثق بنفسك. ~~- وبغيري؟ ~~- إذا وثقت بنفسك وثقت بغيرك. ~~- بكل الناس؟ ~~- بمن تحب. ~~- فإن أحببت من ms48 لا يحبني. ~~- فأنت غبي. ~~- هل أنا غبي؟ ~~- إذا أحببت من لا تحب فأنت غبي. ~~- أعظم أذكياء العالم أحبوا من لا يحبونهم. ~~- لم يكونوا يعرفون أنهم غير محبوبين. ~~- خادعوا أنفسهم. ~~- كنت أخاف أن أخادع نفسي. ~~- أن تخادع نفسك خير من أن تثيرها. ~~- أحببتك بجنون. ~~- وأنت تعلم أنني أحببتك بجنون. ~~- لقد جئت لي كموكلة. ~~- كانت سمعتك كمحام كبير. ~~- وكسبت قضيتك. ~~- لقد كنت على حق. ~~- فأنا لست بارعا إذن. ~~- كنت بارعا في اختيارك لي. ~~- أحسست أنك في فراغ. ~~- حين يتوفى الزوج تصبح الزوجة في فراغ. ~~- ولكني أنا أيضا كنت في فراغ. ~~- كان فراغا عاطفيا. ~~- كنت محتاجا إليك. ~~- وكنت محتاجة إليك. ~~- قضيت معك أروع لحظات حياتي. ~~- وإنها أروع لحظات حياتي. ~~- لقد وهبت لي الكثير. ~~- وأنت وهبت لي الكثير ثم ... ~~- ثم ماذا؟ ~~- مللتني. ~~- أنا؟ ~~- تركتني بين الموت والحياة. ~~- كان لا بد أن أسافر في عمل. ~~- وحياتي. ~~- إن عملي يتوقف عليه مصائر الآخرين، إنها مسألة ضمير. ~~- ألم يعاتبك ضميرك في أمري؟ ~~- تركتك بين يدي الأطباء. ~~- ولكني وحيدة. ~~- وماذا كنت أصنع؟ ~~- وأنا وحيدة بسببك. ~~- طبيعة حياتنا تحتم عليك الوحدة. ~~- ألم تفكر في أمري؟ ~~- ماذا كنت أصنع؟ ~~- سؤال العاجزين. ~~- فأجيبي أنت. ~~- كنت تستطيع على الأقل أن تأتي لي بممرضة. ~~- لماذا لم تقولي؟ ~~- مثل هذا لا أقوله أنا. ~~- إنك دائما كنت تطلبين ما تريدين. ~~- إلا هذا. ~~- لماذا؟ ~~- إنها صحتي وحياتي يجب أن ترعاها أنت دون أن أقول. ~~- كنت مشغولا بعملي، ولم يخطر لي هذا ببال. ~~- لو كان أمري يعنيك لخطر هذا ببالك. ~~- لا يجوز أن تحاكميني على فكرة خطرت لك ولم تخطر لي. ~~- ثم عدت من السفر. ~~- لست أدري أي شيطان أخبر زوجتي بعلاقتنا. ~~- فهو حرصك على زوجتك إذن. ~~- بيتي وكياني وسمعتي. ~~- وحبك؟ ~~- كنت أطمئن عليك. ~~- وهل اطمئننت؟ ~~- لقد كنت دائما حريصة على بيتي. ~~- كنت أحسب حياتي عندك غالية. ~~- أنت تعرفين أنها غالية. ~~- كنت أحسب. ~~- ومع هذا فقد سمحت زوجتي للمجلات أن تتكلم في الموضوع. ~~- وهل يهمك هذا؟ ~~- سمعة المحامي في غاية الأهمية. ~~- كل شيء مهم عندك إلا صحتي. ms49 ~~- ألا يمكن أن تكون أشياء كثيرة مهمة في وقت واحد؟ ~~- على أن تكون صحتي أهم شيء عندك. ~~- أنت تعرفين أنها أهم شيء عندي. ~~- تركتني وأنا بين الموت والحياة. ~~- ظروف قاسية. ~~- عذر الضعاف. ~~- ألا ترحمين؟ ~~- وماذا تفيد رحمتي الآن؟ ~~- ألا تعرفين ماذا تفيد؟ ~~- لقد فات الأوان. ~~- لم يفت. ~~- لعلي كنت أقبل عذرك، لو لم تكن ... ~~- لو لم أكن ماذا؟ ~~- لقد مت. ~~- أنا مت؟ ~~- لقد مت. ~~- أهي مؤامرة مدبرة؟ ~~- الموت لا يحتاج إلى تدبير المؤامرات. ~~- إذن فأنا ميت. ~~- ميت؟ ~~- أنت ترين هذا. ~~- إنها الحقيقة. ~~- الحقيقة؟! ~~- ميتا أو حيا لن أراك ولن تريني بعد اليوم. # 4 # هو الملجأ الأخير ليس لي غيره، لا يستطيع هو الآخر أن يدعي موتي، ~~أنا الذي صنعته من السهر الطويل والجهد الشاق والضمير اليقظ والعلم ~~والدراسة والفن، صنعته وجعلت اسمه على كل لسان، مكتبي، إذا ذكر ~~اسمه للمتهم فهو أمن، ولصاحب الحق فهو عدل، لم أقبل فيه قضية إلا ~~كنت راضي الضمير عنها، فارغ هو الآن، موعد المكتب لم يأت بعد، ~~الوكيل لم يأت والزبائن لا تجيء إلا بعد موعد المكتب بساعة أو ~~أكثر، ما أعظم ما قمت به، هذه القضايا القديمة كلها تحمل الأعمال ~~الرائعة التي قدمتها في ساحة العدالة، وفي فن المحاماة وفي خدمة ~~الحق. بل إلى أن القضايا التي لم أقبلها كانت أعظم وأضخم. لا أنسى ~~تلك القضية التي اجتمع فيها خمسة شباب ليقتلوا رجلا عجوزا، ~~وجاءني أخو أحدهم يدعوني للمرافعة عن أخيه، وقرأت القضية ووجدت ~~الظروف جميعا تشير إلى موكلي بالاتهام، كان مجرد المرافعة في ~~القضية مهما بالنسبة لي؛ فقد كنت في ذلك الحين محاميا ناشئا ~~يبحث عن القضايا الهامة ليصنع بها اسمه في سجل كبار المحامين، وقد ~~جاءني هذا الموكل لصلة كانت تربط بيني وبين أسرته، وكان طامعا ~~ألا أغلو في الأتعاب وقد كنت خليقا ألا أتقاضى شيئا على ~~الإطلاق. فمثل هذه القضايا يدفع فيها المحامون أتعابا، ولم تكن ~~أصابع الاتهام التي تشير إلى موكلي تهمني في شيء، كل ما كان يهمني ~~هو ms50 الحقيقة، لقد أحسست أن موكلي اشترك في الجريمة، أحسست بهذا ~~إحساسا اقترب من اليقين، فحين جاء الأخ يسألني إن كنت سأقبل ~~القضية سألته ذلك السؤال الذي لا يجوز لمحام أن يسأله لمتهم أو ~~قريب لمتهم، ذلك السؤال المباشر الصريح القاطع: هل ارتكب أخوك ~~الجريمة؟ # وأطرق الأخ لحظة كأنما كان السؤال لكمة عنيفة موجهة إليه ثم رفع ~~رأسه في حزن وأسى. ~~- نعم. # وهدمت نعم كل آمالي أو معظمها؛ فقد أردت أن أخاطب الأمانة في نفس ~~هذا الأخ. ~~- لقد أقسمنا اليمين ألا نكذب فدفاعي عن أخيك سيكون قائما على ~~طلب التخفيف بناء على الشهادات التي قدمت للمحكمة لإثبات الجنون، ~~وأعتقد أن هذا هو خير سبيل للدفاع، أنا لن أدعي أن أخاك بريء، إن ~~رأيت أن أسير في الدعوى على هذا النحو فأنا تحت أمرك، وإن رأيت أن ~~نبحث عن محام آخر يحاول نفي التهمة جميعا فهذا إليك. # وصمت الأخ قليلا في تلعثم وهو يقول: سر في الدعوى على النحو ~~الذي يرضيك، وفرحت يومذاك ولكن ما لبث فرحي أن تبدد؛ فقد علمت أن ~~الأخ قد وكل محاميا آخر، تبدد فرحي ولكن ما أسرع ما ملكني شعور ~~بالسعادة الطاغية، ذلك الشعور الذي يمتلك من قدم تضحية في سبيل ~~مبدأ، شعور رائع كثيرا ما أحسست به وأنا أقيم صرح هذا ~~المكتب. # شعرت به كلما رفضت قضية كهذه، وشعرت به كلما حاول أحدهم أن يجعل ~~من المحاماة مهنة وساطة رخيصة. # لعل هذا النوع من الشعور أعظم في إسعاده من كسب قضية؛ فكسب ~~القضية يقترن فيها الجهد بالفرح، وتوقع الكسب مع الجهد يجعل الكسب ~~نتيجة قريبة الاحتمال، فالفرح بها لا يكون كبيرا، أما مغالبة ~~النفس وهي أعظم عدو للإنسان ورفض المال الذي نحتاج إليه، رغم حاجتك ~~إليه. # أما هذا فإنه يشيع في النفس نوعا من الرضا والسعادة والاطمئنان ~~إلى نفسك والثقة بها، وأهم ما يحتاج إليه المرء في حياته أن يطمئن ~~إلى نفسه ويثق بها، يثق بأنها تستطيع دائما أن تكون أبية ~~مترفعة فيها كبرياء القناعة واعتزاز ms51 أصحاب المبادئ. # ماذا حدث لي حتى بدأت أترافع عن نفسي، لا أدري ماذا حدث، لا أريد ~~أن أذكره وهل أملك إلا أن أذكره؟ وماذا يهمه؟ فما دام مكتبي هذا ~~باقيا لي فكل ما عدا ذلك عبث، أستطيع أن أعيد إلى حياتي كل هؤلاء ~~الذين رفضوا حياتي فهم أيضا قد صنعتهم بمكتبي، وأستطيع أن أعيد ~~صنعهم إذا شئت، زوجتي، السنين الطويلة والطريق الذي قطعناه مع ~~الآمال الهشة الواهنة حتى أصبحت الآمال حقائق وهي في شموخها الصاعد ~~وفي ترفعها الأبي وفي مثاليتها الرائعة القاسية. وإني أحبها ~~وأكبرها وأجلها في كل لحظة في حياتي، إني أعتز بها، أمثل هذه ~~أستطيع أن أعيد صنعها؟ أن أعيد صنع الحياة التي قطعتها معها، ابنتي ~~نبض قلبي وحبي وضعفي وقوتي، في ثقتها بنفسها وبحبها لي تقطع الحياة ~~حرية ونقاء. كيف استطعت أن أجعلها ترفض حياتي، كيف؟ كيف، وكيف تعود ~~إلى مثل هذه البنية. # حبيبتي، لحظات السعادة المزغردة الطاغية، لحظات المتعة الوضيئة ~~في حياتي، القلب، والقلب ينبض واحد، والمخاطرة والخاطرة تتآلفان ~~لهما خاطرة واحدة، مخاوفي عندها أمن وآلامي عندها إلى زوال، ومع ~~ذلك بقي لي مكتبي. # ماذا حدث؟ لقد أوغل الليل ولم يأت الوكيل. ولم يأت الزبائن، ~~لعل الوكيل في مكتبه ولعله لا يعرف أنني بحجرتي. أبدا إنه لم ~~يأت. لم يأت والحجرات فارغة، لا أحد في الأوراق على مكتب الوكيل، ~~إنها ليست أوراقا إنها مجلات، مجلات. فضيحة شائنة؛ زوجة محام ~~كبير تطلب الطلاق لأن زوجها يخونها. زوجة محام كبير ترفض البقاء ~~مع زوجها الخائن، زوجة محام كبير في قضايا الجنايات ... # إنه من أسهل الأمور علي أن أعرف على الفور إن كنت حيا أو كنت ~~ميتا ولكن، إذا كان هؤلاء يرون أنني ميت فالأمر بعد ذلك سواء، لا ~~حاجة بي إلى البحث، الأمر سواء. # | رحلة العودة # أصدر حاكم الكوفة أمره إلى عماله أن يلزموا أصحاب المحال ~~التجارية بدفع خمسة دنانير في الشهر مقابل من يحمي لهم متاجرهم من ~~اللصوص والغاصبين، كما أمر أن يدفع الزراع عشر محصولهم مقابل ms52 أن ~~يحمي لهم التسعة أعشار الباقية، وأصاب الناس اضطراب شديد، وراح الأفراد ~~يتجمعون ويتهامسون ولكن سرعان ما يتفرقون، ويصبح الهمس هواء مع الهواء. ~~وقد يفيد الهواء ولكن هيهات لهمسهم أن يفيد. # وكان أحد شوارع الكوفة مزدحما بالتجار فكان الهمس في هذا الشارع ~~يعلو بعض الشيء عن الشوارع الأخرى، ولكن مهما يكن الهمس عاليا فإنه ~~ينداح آخر الأمر مع الهواء فلا يفيد. # وكان أحد الوراقين جالسا إلى كتبه ينظر إلى رجل عنده مهيب يقرأ في ~~كتاب من كتب المكتبة بنهم واستغراق. ~~- قل لي أيها الشيخ. ~~- هل أنت مصمم على أن أقول لك؟ ~~- مجرد سؤال. ~~- يا ليت. ~~- مجرد سؤال. ~~- لا يمكن. ~~- فانتظر حتى ترى. ~~- إن كل حديث يبدأ بكلمة قل لي هذه السخيفة، وقد يتبعها مجرد سؤال ثم ~~تتوالى الأسئلة فلا تنتهي وأنا أريد أن أقرأ. ~~- حسنا لماذا تقرأ؟ ~~- لأتعلم. ~~- ولماذا تتعلم؟ ~~- لأعرف كيف يصاغ الكلام. ~~- ثم بعد. ~~- أرأيت لم يكن مجرد سؤال إذن إنها مؤامرة كاملة. ~~- لو كنت أجبتني إجابة شافية لما احتجت أنا إلى كل هذه ~~الأسئلة. ~~- بماذا أتريدني أن أجيبك؟ ~~- لماذا تقرأ؟ ~~- لقد قلت لك. ~~- لم تقل شيئا. ~~- إنني أقرأ لأنني أريد أن أقول. ~~- فالقول إذن صناعتك؟ ~~- إنه صناعتي. ~~- صناعتك أن تقول. ~~- نعم. ~~- فلماذا لا تقول؟ ~~- وماذا تريدني أن أقول؟ ~~- أن تقول للظالم أنت ظالم. ~~- أين هو الظالم؟ ~~- أتستطيع أن تقول للظالم أنت ظالم. ~~- إنها صناعتي. ~~- ألم تسمع بالأحكام الأخيرة التي أصدرها الحاكم؟ ~~- هذا عمله. ~~- أن يفرض علينا الإتاوات. ~~- إذا لم تدفعوا هذه الإتاوات كما تسميها فمن أين تنفق ~~الدولة؟ ~~- لو أنها أخذت من أجل الدولة ما تكلمنا. ~~- ومن أين تعرف السبب الذي من أجله أخذت؟ ~~- اسمع أيها الشيخ. إنني وإخواني لا نعارض في دفع ما تزيده الدولة، ~~فقط لنا مطلب. ~~- لكم أن تقولوا مطالبكم. # حين يمتنع الحاكم عن إقامة الولائم كل يوم مرتين مرة في الغداء ومرة ~~في العشاء، وحين يمتنع الحاكم عن اقتناء الجواري باذلا في سبيل ذلك ~~الألوف المؤلفة من الدنانير، وحين يمتنع الحاكم عن أن ms53 ينفق في سعة ~~ليرتدي الملابس موشاة بالذهب والماس، وحين يمتنع الحاكم عن أن يعطي ~~من خزانة بيت المال لأهله وذويه والمقربين إليه بغير حساب، وحين ~~يمتنع الحاكم عن أن يقذف بالمال تحت أقدام الشعراء الذين يمدحون في ~~خسة، والمغنين الذين ينافقون في صغار. حين يمتنع الحاكم عن هذا جميعه ~~ويحتاج بعد ذلك إلى أموال لبيت المال فإننا نرحب أن نقدم كل ما يطلبه ~~منا. ~~- إذن فأنت تريد في بساطة أن يبدأ الحاكم بنفسه. ~~- بوركت لقد ظللت أتكلم وأتكلم فقلت أنت ما أريد في كلمة ~~واحدة. ~~- الكلام صناعتي. ~~- أترى لصناعتك هذه فائدة إن لم تقل بها كلمة حق. ~~- إنك على حق، ولقد اقتنعت بقضيتك. ~~- أتذهب إذن إلى الحاكم فتجعله يقتنع بما اقتنعت أنت به. ~~- أما أنا فلا مانع لدي ولكن؟ ~~- أتخاف؟ ~~- ليس لدي ما أخاف عليه. ~~- حياتك. ~~- أخاف عليها ولكن ما أظن أن الحاكم سيستولي عليها لمجرد أنني نقلت ~~إليه رأيا. ~~- فما لكن هذه؟ ~~- ولكن ذهابي وحدي لن يفيد شيئا. ~~- إن الكلام صناعتك. ~~- لست وحدي من اتخذ الكلام صناعة في الكوفة. ~~- إذن فأنت تريد جماعة من الناس حتى تكون مطمئنا بوجودهم. ~~- أولا: لا عيب في ذلك؛ فمن خصال الإنسان أن يخاف، وثانيا: ذهاب ~~الجماعة خير من ذهاب الفرد، فإن الحاكم حين يرى جمعا منا يعرف أننا ~~نعبر عن رأي قوم كثيرين. أما إن رأى فردا فقد يستخف به ويرميه بالتدخل ~~في غير شأنه. ~~- أليس شأنك أن تقول. ~~- في هذه الحالة لن يعترف الحاكم أن من شأني أن أقول. ~~- لا بأس فمن تريد معك. # إنك وراق وتعرف كل من يتخذون الكلام صناعة. ~~- فمتى تحب أن تذهب؟ ~~- متى تستطيع أنت أن تجمع الذاهبين؟ ~~- في أقرب وقت. ~~- وأنا مستعد. # وتجمع صناع الكلام وقصدوا إلى قصر الحاكم. فاستقبلهم ~~الحاجب. ~~- من أنتم؟ # فقال كبيرهم: نحن أهل الكلمة. ~~- ومن أهل الكلمة؟ ~~- أولئك الذين وهبهم الله موهبة الكلام. ~~- وماذا تريدون؟ ~~- نريد أن نلقى الحاكم. ~~- ولماذا؟ ~~- عندنا كلمة نريد أن نقولها له. ~~- ألا يمكن أن تقال لي؟ ~~- إنها لا ms54 تقال إلا للحاكم. ~~- أهي بشرى طيبة؟ ~~- إنها ليست بشرى. ~~- فهي إذن نبوءة سيئة. ~~- يا أخا العرب نحن لسنا من علماء الفلك. ~~- فماذا تريدون إذن؟ ~~- أن نلقى الحاكم. ~~- لن تلقوا الحاكم إلا إذا عرفت أنا ما تريدون. ~~- لقد جئنا نكلمه في شأن التجار والزراع. ~~- آه. ~~- أعرفت؟ ~~- أهذه هي الكلمة؟ ~~- تلك يا أخي البداية. ~~- أهناك شيء آخر؟ ~~- إنك لم تعرف إلا رأس الموضوع فقط أما الكلام الذي نريد أن نقوله ~~للحاكم فأنت لا تعرفه، ونحن نحب أن نقوله له. ~~- ولماذا لا تقولونه لي؟ ~~- أنت حاجب الخليفة ألست كذلك؟ ~~- إني هو. ~~- فأبلغه أمرنا وانظر بماذا يجيبك. # ودخل الحاجب فما هي إلا أن عاد. ~~- تعالوا معي. ~~- إلى الحاكم. ~~- ستلقون الحاكم. ~~- الآن أليس كذلك؟ ~~- الآن نعم، اتبعوني. ~~- يا أخا العرب، إنك دخلت إلى الحاكم من هذا الباب فما لك تقصد بنا ~~إلى باب آخر؟ ~~- إنه سيلقاكم في حجرة أخرى، اتبعوني. # وتبعوه. ~~- ولكننا يا أخي لم نقل شيئا بعد حتى تقودنا إلى السجن. ~~- وهل رأيتموني أدخلكم السجون وأقفل دونكم الأبواب. ~~- فما مجيئنا إلى السجن؟ ~~- إنه الطريق إلى الغرفة التي ينتظركم فيها الحاكم. ~~- آه، وما هذا؟ ~~- لا شيء. ~~- رجل معلق من قدميه في الهواء ورأسه موضوعة في الماء ثم لا ~~شيء. ~~- عملية تنشيط للذاكرة. ~~- أي ذاكرة؟ ~~- الذاكرة التي تنسى أحيانا أن الحاكم لا بد أن يطاع. ~~- فإن كسلت الذاكرة يموت؟ ~~- إنه لن يموت. ~~- الموت أهون، وهذا؟ ~~- مثله. ~~- ولكنه لا يعامل مثله. ~~- وسيلة أخرى لتنشيط الذاكرة. ~~- ولكن النار في قدميه. ~~- إن الدماء إذا سخنت في الأقدام وصلت إلى الرأس حارة فتنشط ~~الذاكرة. ~~- وهذا؟ ~~- مثله. ~~- وهذا؟ ~~- مثله. ~~- مثله؟ ~~- مثله. ~~- أيطول بنا الطواف هنا؟ ~~- إننا في الطريق إلى الحاكم، اتبعوني. # وتبعوه. ~~- ما هذا أيها الحاجب لماذا تقيد أيدينا وراء ظهورنا؟ ~~- لا تخافوا حين نخرج من هذه الغرفة سنفك أيديكم. ~~- ولكن لماذا؟ ~~- ستعرفون، حالا ستعرفون. # ودخلوا إلى حجرة كلها رفوف من الأرض إلى السقف، وكل الرفوف مليئة ~~بالماس والياقوت والزبرجد والزمرد، أما الذهب فكان أكواما، وصاح كبير ~~القوم: ألهذا قيدتم أيدينا؟ ms55 ~~- إنها أوامر صادرة إلى حراس الغرفة. ~~- إننا نحتج، أنحن لصوص؟ سنبلغ الحاكم هذه الإهانة التي ألحقتموها ~~بنا. ~~- إنها أوامر الحراس. ~~- ولكنها إهانة فما نحن لصوص. ~~- على كل حال لا تغضب فإنكم ستعودون من هذه الغرفة فإن كان الحاكم ~~راضيا عنكم فإنكم ستمرون بهذه الحجرة وأيديكم مطلقة. ~~- أهكذا؟ ~~- على شرط. ~~- ما الشرط؟ ~~- ألا تسرفوا في أخذ الجواهر حتى تتبعج جيوبكم ويراكم ~~الحراس. ~~- شرط معقول. # خرجوا من الغرفة إلى بهو فأطلقت أيديهم وقال لهم الحاجب: انتظروني ~~هنا أستأذن لكم على الحاجب. # وحين تركهم نظر أحدهم إلى كبيرهم. ~~- ماذا أنت قائل؟ ~~- ما تريدون أن أقول؟ ~~- أتعرف ما نريد أن نقول؟ ~~- كل المعرفة. # وحين دخلوا إلى الحاكم بدأ كبيرهم؟ ~~- يا مولاي الحاكم لقد أرسلنا التجار والزراع لنشكر لك هذا القرار ~~الحكيم العادل الذي تفضلت فأصدرته؛ فقد جعلتهم يشعرون أنهم يشاركون ~~حقا في بناء بلدهم، ولو لم تصدر هذا القرار لأرسلونا إليكم لنرجوكم ~~أن تصدروا هذا القرار. ولكن نفاذ بصيرتكم ونبل معدنكم وأصيل فطنتكم ~~ورفيع فكركم ورائع تدبيركم كل هذا كان أسبق منا، وأنتم دائما بالفضل ~~أسبق وبالخير أوثق وبالمجد أخلق. # وفي العودة مر أصحاب الكلمة في غرفة الجواهر والذهب وكانت أيديهم ~~مطلقة. والمفاجأة التي كانت تنتظرهم أن هناك طريقا يفضي إلى خارج ~~القصر دون أن يمر بالسجن، وقد دهشوا لذلك أي دهشة. ms56