######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.SimatMinZaman.Hindawi86462682 #META# Tags: novels #META# ID: 86462682 #META# Title: سمات من الزمان #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سمات من الزمان‏ # سمات من الزمان‏ # | سمات من الزمان # | سمات من الزمان # تأليف # ثروت أباظة # | سمات من الزمان # 1 # كان وفديا متعصبا، ولكن تعصبه كان بعيدا كل البعد عن أي اقتناع أو مناقشة فكرية ~~أو جدل منطقي. ولكن تعصبه أولا وأخيرا كان لأن صديقه الذي يحنو عليه ويساند أباه في ~~منصب العمودية كان وزيرا من الوزراء الثابتين في الوزارات الوفدية. # ومن ناحية أخرى كانت الأغلبية الوفدية سببا قويا في تعصبه للوفد، فقد كان ينتوي ~~أمرا ويخفيه في دخيلة قلبه، وإن لم يكن يخفي الوسيلة أو الوسائل التي تحقق له هذا ~~الهدف الخبيء في بعيد نفسه. # وقد كان إخفاؤه لهذا الهدف عنصرا من عناصر سعيه الوثيق إلى تحقيق هذا الهدف. # كان مراد دياب طلبة ابن عمدة وحفيد عمدة، وكان هذا فخرا أي فخر لأسرتهم، وطالما ~~تناقل أبناء وأحفاد العمدة القديم عبد الستار طلبة أن التليفون لم يغادر باحة دارهم منذ ~~ستين عاما. # وكان مراد خليقا أن يكتفي بهذا الشرف ولكنه كان يزيد على أبيه وجده بأنه نال حظا ~~من التعليم بعد دراسته في الكتاب حتى نال الابتدائية، وقضى بعض سنوات متعثرة في ~~التعليم الثانوي حتى وصل متقطع الأنفاس إلى الثالثة الثانوية حين كان زملاؤه قد حصلوا ~~على التوجيهية، ودخلوا الجامعة، بينما لم يتجاوز أبوه وجده الدراسة في الكتاب، تلك ~~الدراسة التي مكنت لهما أن يجيدا القراءة والكتابة وحفظ نصيب لا بأس به من كتاب الله ~~الكريم، وإن كانت الأيام أنستهما ما حفظا من القرآن لأن كليهما لم يحرص على ما حفظ ~~بلزوم القرآن ومداومة قراءته. # على أية حال كان دياب طلبة والد مراد حريصا على أن يعلم ابنه ويصل به إلى التخرج ~~في الجامعة، وإن يكن مراد قد خذله فما كان لهذا شأن كبير عند دياب، فحسبه أن له ولدا ~~يرث عنه العمودية بعد أن كاد يصل إلى اليأس من إنعام الله عليه بولد. # فقد ظل بلا مولود أو مولودة خمس سنوات بعد زواجه من ابنة عمه بدوية عبد الموجود ~~طلبة. ms01 # وكان مراد أول ما من الله به عليه، وتبعته بنتان أسمى الأولى نجاح، وربما كان هذا ~~الاسم ينبض بما كان يراوده، من نجاح أخيها في الدراسة، وأسمى الأخرى فاطمة تيمنا بستنا ~~فاطمة كريمة النبي عليه الصلاة والسلام. # كان في صحبة مراد في المدرسة نديم راشد، وكان أبوه من الشخصيات المرموقة في حزب ~~الوفد، وكان ينتظر الوزراء في كل مرة يؤلف فيها الوفد الوزارة. # توطدت الصداقة بين مراد ونديم. ولما كان مراد يقيم عند عمه صالح طلبة الذي كان موظفا ~~بوزارة الأشغال بالقاهرة، فقد كانت الرقابة عليه هينة لينة لا تعنت فيها ولا حزم؛ ولذلك ~~كان يستطيع أن يقضي وقته جميعا في غير مواعيد الدراسة في منزل فكري بك راشد مع ابنه ~~نديم. وكان كثيرا ما يتناول غداءه مع سعادة البك في يومي الاثنين والخميس اللذين كانت ~~الدراسة فيهما لا تستغرق إلا نصف اليوم. # وعلى مائدة الغداء في يوم من أيام الاثنين كان الجميع يعلم أن الوفد يؤلف الوزارة في ~~تلك الساعات. وكان فكري بك في حالة من الترقب الذي يجاهد أن يخفيه بكل ما يملك السياسي ~~من خبرة واسعة في كبت مشاعره وزجرها أن تبين منها خلجة على وجهه بله في تصرفه. # كان جالسا إلى المائدة يتلطف كل التلطف مع مراد صديق ابنه، ويعده بهدية قيمة إذا هو ~~نجح مع نديم في الامتحان. # وكان مراد سعيدا بهذا التلطف غاية السعادة، مضمرا أن يبلغ أباه بهذه المكانة التي ~~بلغها عند هذا السياسي الكبير. # وفجأة رن جرس التليفون، وجاء الخادم يبلغ فكري بك أن معالي سكرتير الحزب يطلبه على ~~التليفون، وهنا انكشف كل ما كان يكاتمه فكري من ترقب، وهب لا تكاد تسعفه قدماه إلى ~~التليفون. # وتوقف كل من على المائدة من المأكل بل والمشرب. # وعاد سعادة فكري بك وهو معالي فكري بك وزيرا للدولة، وكأنما لم يجد أحدا يفرغ عليه ~~سعادته إلا مراد، فإذا هو يصيح به: أنت فتى ميمون الطالع يا مراد طلبة، وستنال مني هدية ~~عظيمة لأنني طوال فترة ms02 الغداء وأنا متفائل بك. # ومنذ ذلك اليوم أصبح مراد مقربا من فكري الذي أصبح باشا، وكان مراد سعيدا بمكانته ~~هذه، وكان يحس أن الباشا يدلله ولا يرفض له طلبا، وعرف أهل الميمونة التي ينتمي إليها ~~والتي يشغل أبوه فيها منصب العمدة هذا المكان الذي بلغه مراد في ساحة معالي فكري باشا، ~~فكانوا كثيرا ما يلجئون إليه ليرجو لهم الباشا فيما يعرض لهم من مشاكل أو تعيينات أو ~~ترقيات أو تنقلات. وكان الباشا يستجيب لرجائه، سواء كان خارج الوزارة أو داخلها. # فرجال هذا الزمان لم تكن الحزبية تقف بين بعضهم البعض أن تقوم بينهم الصداقات، وأن ~~يلبي كل منهم ما يتشفع فيه واحد لدى الآخر مهما يكن أمر الخلاف الحزبي، إلا إذا كان ~~المطلب يضر بالحزب الذي ينتمي إليه صاحب المنصب. وكان المشفع دائما ذكيا فلا يعرض ~~نفسه لمطلب يمس حزب صديقه. فهو الآخر سياسي ويعلم كل العلم ما يجوز الرجاء فيه وما لا ~~يجوز. # وهكذا لم يكن عجيبا أن ينشأ مراد طلبة وفديا متحمسا، ولم يكن بهذا يخالف ضميره، ~~فهو لا يعرف عن حزب الوفد أو غيره من الأحزاب شيئا على الإطلاق حتى يثبت ضميره على شيء ~~أو يخالفه لا شأن له بتاريخ أي حزب أو مبادئه، وفدا كان هذا الحزب أو كان حزبا ~~آخر. # كل ما كان يعنيه أن فكري باشا راشد واحد من وزراء الحزب الوفدي فهو إذن وفدي. # 2 # كان مراد في العشرين من عمره حين رأى أبوه أن من الخير له ولابنه وللزراعة وللعمودية ~~أن يمكث مراد بالميمونة، ولا داعي لإكمال الدراسة فهو على كل حال سواء نال الشهادة ~~الجامعية أو لم ينلها، كان أمله كله أن يصبح مراد عمدة بعده، وأن يشرف على المائتي فدان ~~اللتين يملكهما. # وهكذا استقر مراد بالقرية، وكان زميله نديم قد أصبح في السنة الثانية من كلية الحقوق ~~بجامعة فؤاد، ولكن هذا الفارق في الدراسة لم يقطع ما بين الصديقين من رابطة وثيقة، ولم ~~يؤثر في شيء على رعاية فكري باشا ms03 لمراد. # حتى لقد طلب الباشا من مراد أن يدعو أباه للغداء معه. فرجال السياسة ثروتهم تتكون ~~من الناس قبل المال. # ورحب الحاج دياب بهذه الدعوة، مع صداقته لعمر المفتي عضو النواب الحر الدستوري عن ~~الدائرة، ولكن معرفة فكري باشا أعظم نفعا. # وهكذا عرف مراد معالي فكري باشا، بل إنه لم يكتف بهذا، بل دعاه إلى الغداء بالميمونة ~~مركز الزقازيق، وقبل الباشا الدعوة. # وحين لباها وجد العمدة قد أقام على شرف الباشا حفلا حافلا، فالمظاهرات تستقبل ~~الباشا قبل ظاهر القرية بعديد من الكيلومترات، والقرى المجاورة تجامل العمدة والباشا ~~جميعا بالتجمهر أمام قريتهم والهتاف لمعالي الباشا. # وكان دياب من العمد الأذكياء فدعا عمد البلاد التي يمر عليها الباشا أولا ليظهر ~~أمامهم أنه يستطيع أن يدعو الباشاوات إلى بيته، ولأنه يعلم كل العلم أن الباشا يحب أن ~~يتعرف إلى هؤلاء العمد ليكونوا أو يكون كثير منهم - على الأقل - من أنصار الحزب عند ~~الانتخابات. # وطبعا انطلقت الأعيرة النارية إلى عنان السماء فما كان العمد جميعا سواء الداعي أو ~~المدعوون ينظرون إلى السماء في هذه الساعات، بل كانت نظراتهم وآمالهم جميعا أرضية ~~مغرقة في الأرضية. # وبعد الغداء أعلن الحاج دياب أنه منذ اليوم وفدي متحمس، ولن يترك الوفد مهما تكن ~~الضغوط عليه، ولم يكن عجيبا أن يقول زميله عمدة النمايرة أنه أيضا يعلن انضمامه إلى ~~الوفد، وكان الحاج دهشان النمر عمدة النمايرة من كبار العمد ومن كبار الأعيان أيضا، ~~وكانت بلدته أكبر البلاد عددا في المنطقة. # وهكذا لم يكن عجيبا أيضا أن يعلن جميع العمد انضمامهم إلى الوفد. ومهما يكن شأن هذه ~~المظاهرة فكل هؤلاء العمد كانوا على أتم استعداد للانضمام للأحزاب الأخرى حين تتولى ~~الحكم، ولكن لا بأس بالمجاملة ما دامت لن تصيبهم في مناصبهم أو أموالهم أي إصابة مهما ~~تكن هينة، بل هي إلى النفع أقرب، وكان كل منهم يعرف عن نفسه وعن الآخرين أنهم على أتم ~~الاستعداد للانضمام للأحرار الدستوريين أو السعديين إذا كانوا في حضرة أي وزير من أي من ~~الحزبين. ms04 # ولم يكن فكري باشا يغبى هذا، بل كان يعرفه كل المعرفة فهو سياسي مخضرم. # وبممارسته الحزبية ومرانه السياسي تظاهر بأنه صدق كل الذين انضموا إلى حزبه، وأظهر ~~الفرح الشديد بهذا الكسب الحزبي الكبير، والله يعلم بل أحسب أن جميع الحاضرين بلا ~~استثناء كانوا يعلمون ويعملون دستور النفاق هذا الذي يسود الانضمام والقبول في وقت ~~معا. # وربما كان هذا اليوم هو ميلاد أو تمكن الخاطر الذي يهفو له مراد. # وما البأس وها هو ذا في سنه هذه الباكرة يتمكن من إقامة هذا الاستقبال الضخم للوزير ~~الوفدي، الأمر الذي يعجز عنه كثير من عتاولة العمد وعتاتهم. # وما البأس عليه أن يتوق إلى هذا الذي يأمله لنفسه، وما البأس عليه أن يذكر البيت ~~القديم: # منى إن تكن حقا أعذب المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # 3 # قال الحاج دياب لولده مراد: لقد قاربت السن التي ينبغي فيها أن تعين عمدة، وأنا ~~أريد أن أراك عمدة على حياة عيني. ~~- أطال الله عمرك يا أباه وأعطاك الصحة والعافية. ~~- فليطل عمري ما شاء الله أن يطول وأنت عمدة. ~~- أنا لم أعص لك أمرا في حياتي. ولكن لي رأيا آخر. ~~- نهارك أسود، رأيا آخر فيهم. ~~- لا تخف. سيرضيك هذا الرأي ولكن أوانه لم يأت بعد. ~~- ما هو؟ ~~- سوف أقوله لك في الوقت المناسب. ~~- وما المانع أن تقوله الآن. ~~- من ناحية المانع لا مانع، ولكن لكل كلام حينه. ~~- ما هذه الفلسفة لماذا لا تقول ما تفكر فيه؟ ~~- لو قلته الآن سيبوخ لك على أن نفرح أنا وأنت فرحا لا مثيل له. ~~- افرح كما شئت، ولكن لا ترفض العمودية. ~~- يا أبي أنا تحت أمرك، ولك أن تتأكد أني لن أخرج عن طاعتك طول عمري، والله على ما ~~أقول شهيد. ~~- إذن فافعل ما تحب، ولا تنس أن التليفون لم ينتقل من دوار آل طلبة منذ قرابة سبعين ~~عاما. ~~- ولن ينتقل، لا تخف، التليفون قاعد في مكانه. # وضحك الأب والابن معا وقال مراد: أنا تحت أمرك. # وقال الحاج دياب وهو ms05 يبتسم: ومن وجاهة العمودية أن تكون رب أسرة. # وتولى مراد شيء من الدهشة فهو لم يكن يتوقع أن يحيد الحديث إلى هذا الأمر، ولكنه ~~سرعان ما تمالك نفسه. ~~- أما أن أتزوج فهذا أمر محترم، ولكن هل ترى اخترت لي الزوجة أيضا؟ ~~- معاذ الله بل أنت الذي تختار. # وقال مراد وفي نفسه ما فيها من آمال عراض: فاترك لي بعض الوقت، وسوف أرضيك إن شاء ~~الله. ~~••• # كان مدني طلبة ابن عم مراد من أقرب أسرته إليه، وكان يخالصه بدخيلة نفسه لا يخفي عنه ~~شيئا إلا هذا الأمل الذي يداريه في البعيد القريب من أعماقه. # قال له: مدني! إذا طلبت منك أن تخطب لي فمن تراك تختار؟ ~~- أنت يا بني تعلمت في مصر، ولا بد أنك تريد من تحب حتى تتزوج. ~~- دعك من حكاية الحب هذه. ~~- معناها أنك لم تحب في مصر. ~~- وهبني أحببت. ~~- لعلك تصبو إلى هذه المحبوبة. ~~- هيهات! ~~- هذه قصة لم تحكها لي. ~~- لم تأت مناسبة. ~~- وها هي ذي قد جاءت. ~~- أحكي لك. ~~- احك. ~~- كنت مقيما - كما تعلم - مع عمنا صالح. ~~- بالمنيرة، أعرف ذلك. ~~- ولم يكن البيت بعيدا عن مدرسة الخديو إسماعيل. ~~- لا جديد في هذا. ~~- أمام المدرسة مباشرة عمارة جديدة كنا مبهورين بها، وكان يسكن فيها واحد من زملائنا ~~اسمه وافي الإمبابي. وكان تلميذا عظيما في الفصل لا يترك المذاكرة ليلا ولا نهارا، ~~فقلت في نفسي أمد خيوط الصداقة بيننا لعلي أذاكر وأنجح بدلا من هذه الخيبة الثقيلة ~~التي أعانيها. # لم أكذب خبرا توددت إلى الولد، وكان لطيف المعشر رضي الخلق، وقلت له ألا تعمل في ~~معروفا وتجعلني أذاكر معك؟ فقال وهو يمزح: لن تستطيع معي صبرا، قلت: أنا أتصور أن ~~أكون في مثل تقدمك، وكل ما أريده هو أن أنجح ولا أقضي في كل سنة سنتين أو ثلاثا. قال: ~~وتسمع الكلام؟ قلت: وأسمع الكلام، لا أطيل عليك، قامت بيني وبين وافي صداقة، وكنت أفرغ ~~من المدرسة فيصحبني إلى بيته، وقد اشترط علي واحدة من اثنتين: إما ألا أزيد ms06 بقائي ~~عنده عن ساعة يشرح لي فيها كل ما أطلبه، وإما أن أبقى معه أذاكر حتى التاسعة مساء بلا ~~توقف. تصور أنت أنني أذاكر من الرابعة إلى التاسعة، ملعون أبو النجاح إن لم يتحقق إلا ~~بهذا. قلت له: لا يا عم أنا تكفيني الساعة وتفيض. # في ثاني أو ثالث يوم ذهبت إليه، ودخلت الحجرة فتاة طالما رأيتها خارجة من باب ~~العمارة، وطالما أعجبت بها، ولم أكن أعرف أن لها بوافي أي صلة. وأذكر أنني تجرأت مرة ~~وقلت لها: صباح الخير. فلم تلتفت إلي وذهبت إلى طريقها وكأنها ما سمعت شيئا. # فحين دخلت إلى الحجرة التي أجلس فيها أنا ووافي خيل إلي أن قلبي سيقف من ~~المفاجأة، فالبنت حلوة يا ولد يا مدني حلاوة تفوق الوصف. ~~- كيف؟ ~~- ماذا تعني بكيف؟ ~~- يعني ما شكلها؟ ~~- حلوة. ~~- يا أخي ماذا وراءنا، صفها وأطل في وصفها. ~~- عينان سوداوان واسعتان ذوات رموش تشرئب إلى أعلى في انثناءة مقوسة رائعة الحلاوة ~~موضوعتان داخل خدين ناعمين أنعم من الحرير. ~~- وكيف عرفت؟ لامست خدها؟ ~~- ليس في أول يوم على أي حال. بالنظر هل لا بد أن تمسك الحرير لكي تعرفه. ~~- نهايته أكمل. ~~- قوام ممشوق كل شيء فيه مرسوم بدقة، شغل رب قادر، وهي إلى النحافة أقرب، ولكن ذلك ~~لم يمنع الأماكن التي يجمل بها أن تكون عظيمة من أن تكون عظيمة في كبرياء يا ولد يا ~~مدني، وفي إشارات تأمر بالإعجاب ولا ترضى به بديلا أنا رأيتها داخلة. ~~- وقلبك كان سيقف، قلت هذا من قبل. ~~- وركبني ذهول وقبل أن أفيق قال لها وافي: تعالي يا هند هذا زميلنا مراد، وفجأة تذكرت ~~محاولتي أن ألقي عليها تحية الصباح، وركبني الرعب أن تذكر شيئا عنها لأخيها، ولكنها ~~قالت في صوت ناعم مخملي كما يقولون وفي غير كلفة: أهلا. وفي خبث لم تشأ أن تفوت الفرصة ~~دون أن تغمزني في تجرئي على إلقاء تحية الصباح. فقالت كثيرا ما رأيته وهو ذاهب إلى ~~المدرسة يظهر أن عمارتنا في طريقه. والخبيثة تعلم أنني لو ms07 شئت أن أذهب إلى المدرسة ~~مباشرة لذهبت دون أن أمر بباب العمارة. فقد كان طريقي من شارع الملك الناصر، والقاصد ~~إلى مدرستي لا يحتاج أن يمر بالعمارة ولكنني كنت أتحرى أن أقف لحظات أمام العمارة لعلها ~~تخرج. ~~- يعني كنت تعرف جمالها. ~~- لم أكن تحققت منه كما فعلت وهي تسلم علي ويدها في يدي وتقول أهلا. كنت أعرف أنها ~~جميلة، ولكن تفاصيل هذا الجمال لم تتضح في إبهار كما اتضحت وهي معنا في الغرفة. قالت ~~لأخيها: أنت مشغول؟ أجيء لك في وقت آخر، فقال لها: هل هناك شيء؟ قالت: مسألة حساب كنت ~~أريد أن أسألك فيها. قلت أقسم بالله العظيم ثلاثا إن لم تحل لها المسألة لمشيت من فوري ~~لا ساعة ولا عشر، فضحكت ملء قلبها، وسألت عن حكاية الساعة هذه، فأخبرتها وأكملت: وأنا ~~يا آنسة هند لست أتحمل المذاكرة أكثر من ساعة في اليوم الذي أكون فيه مجدا كل الجد، ~~وهيهات لي أن أكون كفء أستاذنا وافي. ~~- طبعا كنت تريدها أن تحل المسألة لتبقى أطول فترة ممكنة. ~~- عجيبة وفهمتها وحدك! فلماذا يقولون عنك غبي؟ ~~- أنت قليلة الأدب. أكمل. ~~- حل المسألة وأنا لا أفهم مما يقول شيئا، فأنا عنه وعن المسألة في شغل شاغل ~~بالمسألة الإلهية الكبرى التي أبدع الله خلقها. قل عرفتها. وأصبح من الطبيعي أن أنتظرها ~~في اليوم التالي، وأصبح من الطبيعي أن أقول: صباح الخير، فتقول: صباح الخير. يوم ~~والثاني والعاشر تجرأت وقلت لها: وبعد؟ قالت: وبعد في ماذا؟ في صباح الخير. وصباح الخير ~~أليس لها آخر؟ قالت: ماذا تقصد؟ قلت: أنت تعرفين ما أقصد، قالت: بل لا أعرف شيئا. قلت ~~لا بد من التصريح، قالت: بماذا؟ بأنني معجب غاية الإعجاب إما أن ألقاك أو فقاطعيني أو ~~ماذا؟ تنتحر مثلا، قلت: الحقيقة أنني لن أنتحر فبصراحة ليس عندي هذه الشجاعة، ولكنني ~~لا أدري ماذا سأفعل، وكلمة مني وكلمة منها تواعدنا على اللقاء. وواجهت في هذا اللقاء يا ~~مدني يا أخي أكبر حب عرفته أو سأعرفه في حياتي. ~~- إلى ms08 أي مدى كان هذا الحب؟ ~~- على مهلك. ماذا تتصور؟ أتظنها عاهرة من الطريق؟ إنها فتاة بنت ناس وأبوها تاجر ~~كبير. ~~- يعني إلى أي حد وصل الحب؟ ~~- قبلة. ~~- فقط. ~~- ولم أكن أتصور أنني سأنالها في حياتي لولا أن هند أحبتني يا مدني، أحبتني فعلا ~~ووثقت بي وثوقا كاملا. ~~- متى كان هذا؟ ~~- قبل أن أترك المدرسة بسنتين. ~~- يعني كنت في الثامنة عشرة. ~~- تقريبا. ~~- فلماذا لم تطلب من أبيك أن يزوجك بها؟ لقد كان وأنت في هذه السن واثقا أنك إن شاء ~~الله لن تفلح في الدراسة. ~~- قلت أنتظر سنة أخرى أكون اقتربت من العشرين. ~~- فلنفرض. ~~- في هذه السنة حدث الخراب الكامل. ~~- لمن؟ ~~- لأبيها. ~~- ماذا حدث؟ ~~- أفلس الأب إفلاسا كاملا. ~~- وما لنا نحن؟ ~~- كيف. ~~- ألا تحبها؟ ~~- أحبها جميعا بجمالها وبمال أبيها. ~~- تقصد أنك كنت تنظر إلى غنى أبيها؟ ~~- لا شك أنه كان شيئا مهما. ~~- وماذا فعلت؟ ~~- ليس أنا الذي فعل. ربك هو الذي فعل، ترك وافي مدرسة الخديو إسماعيل؛ لأن أباه لم ~~يكن يستطيع أن يدفع إيجار الشقة المرتفع وأصبحت لا أرى هندا. ~~- ألم تبحث عنها؟ ~~- عرفت أنهم سكنوا في الحلمية. ~~- ولم تذهب؟ ~~- ولماذا أذهب؟! ~~- لا، لك حق، ولماذا تذهب؟ ~~- المهم هل تعرف لي عروسا؟ ~~- الآن أستطيع أن أقول لك: نعم أعرف. ~~- هل أنت واثق؟ ~~- عرفت من العروس التي تريدها، ولكن قل لي لماذا؟ ~~- أي لماذا؟ ~~- إنك عندك من المال ما يكفيك ويفيض. ~~- يكفيني لأن أكون ماذا؟ ~~- عمدة. ~~- أنت العمدة. ~~- ماذا تقول؟ ~~- كلام ابن عم حديث. ~~- طبعا. وهل يمكن أن يكون العمدة أحدا آخر غيرك؟ ~~- نرجع لموضوعنا. ماذا تعرف عن العروس التي أريدها؟ ~~- أن تكون ذات مال. ~~- طبعا، وماذا أيضا؟ ~~- هذا الذي فهمته وأكذب لو ادعيت أنني فهمت معه شيئا آخر؟ ~~- دعني أرحك من البحث. ~~- أرحني أراحك الله. ~~- عليك أن تتعرف لي من البلاد التي حولنا البنات اللاتي تصلحن زوجات لي. ~~- أتريد بحجة الزواج أن ترى بنات المنطقة كلها؟ ~~- اعمل ما أقوله لك وسترى أنك مغفل في استنتاجاتك. ~~- ألا يمكن أن تتكلم من ms09 غير قلة أدب ؟ ~~- ماذا أعمل لك ما دمت تريد أن تعمل نفسك ذكيا وأنت خائب؟ ~~- حفظت. ~~- أنت بالذات تعرف الناحية كلها، فأنت إلى جانب أرضك تعمل في تجارة القطن على خفيف، ~~ولكن لا شيء يجعل الواحد يعرف الناس في البلاد مثل هذه التجارة. ~~- والله إنك ناصح، فلماذا إذن لم تفلح في المدارس؟ ~~- المدارس شيء، والدنيا شيء آخر. ~~- كل الخائبين يقولون هذا القول. ~~- لعنة الله عليك، لا تغير الحديث. ~~- يا سيدي علم. ~~- علم؟! ~~- علم وينفذ. # 4 # طلب الحاج دياب زميله الحاج دهشان عمدة النمايرة في التليفون المباشر، لا في تليفون ~~العمودية. ~~- يا صباح الخير. ~~- يا أهلا حاج دياب، مشتاق لك. ~~- من بعض ما عندنا. ~~- أتأتي إلي أم آتي أنا إليك؟ ~~- غداؤنا عندك اليوم. ~~- يا مرحب. ~~- أنا والعائلة جميعا. ~~- أي سعادة وهناء؟ ~~••• ~~- أنا اليوم يا حاج دهشان أسعد إنسان في العالم. ~~- إذا فأنا أيضا أسعد الناس، فسعادتك سعادتي. ~~- قل لي لماذا؟ ~~- ولماذا أسأل وأنت ستقول فحديثك عن سعادتك تمهيد لحديث آخر قادم في السكة. ~~- طول عمرك لا تفوتك الفائتة، أنا طلبت الغداء عندك لسبب. ~~- انطق. ~~- أريد نازلي ابنتك الوحيدة لابني الوحيد. ~~- لمراد؟ ~~- وهل عندي ولد آخر؟ ~~- وأين رآها؟ # وهنا نطق مراد: وهل لا بد أن أراها يا عم الحاج؟ ~~- هذا سلوككم يا أبناء المدارس. ~~- يكفيني إنها ابنتك. ~~- قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما.» # وقال الحاج دياب: ألم تجهز لنا الغداء؟ ~~- لقمة على ما قسم. ~~- ستراه ويراها، ويؤدم بينهما. ~~••• # لم تكن جميلة ولكنها كانت صبيحة الوجه ودودا هادئة الحديث والتصرف تحسن استقبال ~~الضيف. وقد كان مراد ينوي خطبتها على أية حال وإن كانت عجوزا شوهاء شمطاء رديئة الخلق ~~والخلقة، فقد كان - كما قال - يريد أباها الحاج دهشان، فهو رجل ذو ثراء كما تعلم ليس ~~له من البنين ولا البنات إلا نازلي، ثم هو صاحب شفاعة عند الكبار من المديرية كلها. بل ~~ومن غيرها أيضا. # ولم يخل الأمر على الغداء من ابتسامة يسفر بها مراد لنازلي إجابتها ms10 ابتسامة ~~منها. # قال الحاج وهم يتناولون قهوة ما بعد الغداء: نقرأ الفاتحة. # ونظر الحاج دهشان إلى مراد: سأكون لك ابنا صالحا إن شاء الله يا عم الحاج. # وقال الحاج دهشان: أنا ليس لي في الدنيا إلا هي، وقد بعت لها أرضي كلها بعقد مسجل، ~~ولا أمل لي إلا أن تكون سعيدة. # وقال مراد: أظنني في غير حاجة أن أقدم لك نفسي، فأنت مني كأبي وتعرف عني كل ~~شيء. ~~- ما عدا أنك لا تحب العلم. # وهنا قال الحاج دياب: شغلتنا يا حاج دهشان لا تحتاج إلى علم. # وقال الحاج دهشان: ولكن نازلي أخذت الابتدائية وترطن وكأنها بنت من بنات ~~فرنسا. # وهنا سأل مراد: أكانت بمدرسة الراهبات بالزقازيق؟ # وقال الحاج دهشان: طبعا. # وقال مراد: ربنا يستر. # وقال دهشان: مالك؟ # وقال مراد: أصل أنا في مسألة اللغات هذه يدك والأرض. # وضحك ثلاثتهم، وقال الحاج دياب: وما له! هي تعلمك. # وقال مراد: إن شاء الله. # وقال الحاج دياب: امدد يدك يا حاج دهشان. # وقال الحاج دهشان: على بركة الله. # ولكن مراد سأل في شبه خجل ليس طبعا فيه: أسألتها يا عم الحاج. ربما تكون غير راضية ~~عني. # ولولا ابتسامة المائدة ما سأل مراد هذا السؤال. # وقال الحاج دهشان: أوكنت أقول على بركة الله إن لم أكن سألتها؟ إنها بنتي الوحيدة، ~~وغدا تعرف إلى أي مدى يحب الآباء أبناءهم، فهذا شيء لا يعرفه الأبناء إلا حين يصبحون ~~آباء. # وأنهى الحاج دياب الحديث: امدد يدك يا حاج دهشان. ~~- على بركة الله إن شاء الله. # ومد يده وقرأ ثلاثتهم الفاتحة. # 5 # تم الزواج، وانتقلت نازلي إلى دار الحاج دياب ريثما يتم المنزل الذي رسمه مهندس حسن ~~الذوق ليقيم فيه مراد وزوجه، وكانت الحاجة بدوية أم مراد سيدة رضية الخلق، وقد فرحت ~~بزواج ابنها الأوحد فرحا لا يدانيه فرح، ورحبت بنازلي غاية الترحاب، وخصصت للعروسين ~~جناحا في الدور الأعلى من المنزل، وأصرت قبل الزواج أن يلحق بالجناح حمام خاص ~~بالعروسين، ولم يجد المهندس الذي رسم بيت مراد مشقة ms11 أن يقلب غرفة مجاورة للجناح إلى ~~حمام للعروسين. # ومع ذلك فإن الحاج لم ينجح في جعل مراد وزوجته مستقلين عن البيت الكبير، أو السراية ~~كما يسمي أهل الميمونة بيت العمدة. وربما كان اتساعه وأنه مبني بالطوب الأحمر سببا في ~~هذا اللقب الذي أضفاه أهل البلدة على منزلة العمدة. # كان مأكل العروسين وشربهما وسائر ما يشغل أهل البيت متوحدا لا انفصال فيه بين ~~العروسين والحاجة بدوية أو الحاج دياب. # وأصرت نازلي أن تقوم هي نفسها بعمل القهوة لحميها وحماتها كلما طاب لهما أن يتناولا ~~القهوة. وكانت نازلي صناعا في شئون المطبخ، فكثيرا ما كانت تتحف الأسرة بطعام تختاره ~~هي لهم وتتقن صنعه. # وهكذا ازداد حب بدوية لنازلي وبخاصة أنها وجدت نازلي لا تحاول أن تبدو وكأنها ست ~~البيت. بل كانت ترجع في صغير الأمور قبل كبيرها إلى نينا بدوية كما كانت تدعوها. # وما هو إلا شهر وبعض شهر حتى انطلقت الزغاريد في بيت العمدة إعلانا عن الحمل الذي ~~ظهرت بوادره على نازلي، والذي أكده الطبيب المختص في البندر. # كان طبيعيا أن يشمل الفرح الأسرة جميعا، ولم ينس الحاج دياب أو الحاجة بدوية منذ ~~عرفا هذا النبأ العظيم أن يدعوا بعد كل صلاة أن تقوم نازلي بالسلامة وأن تهب لهما ~~غلاما. # وتمر الأيام والشهور ويأتي الغلام، ويصبح اسمه دياب مراد دياب طلبة. # ولا تمر على ولادة الطفل أيام حتى يصبح بيت العروسين الجديد مستعدا لاستقبال الأسرة ~~الجديدة. # ربما كان فرح الحاج دياب أعظم من الجميع، فقد ضمن لاسمه البقاء من بعده وبعد ابنه. ~~فالجد يلد حفيده مرتين كما يقول أمير الشعراء. # وفي ذكاء شديد وفطرة مواتية ينتهز مراد الفرصة من سعادة أبيه الغامرة ويقول له: ما ~~رأيك يا ابا في الانتخابات الجائية؟ ~~- أي انتخابات؟ هل هناك انتخابات؟ ~~- لا بد أن تأتي انتخابات. ~~- طبعا ولكن متى؟ ~~- على الأقل حين تنتهي الدورة. ~~- يا من يعيش! ~~- ربنا يطيل عمرك الأمر ليس بعيدا سنة والأخرى ويبدأ الاستعداد للبرلمان ~~الجديد. ~~- ولد يا مراد. ~~- نعم يا ابا. ~~- قل ms12 ما تريد ولا تلف على أبيك؟ ~~- أنا لا ألف ولا أدور، ألم تنضم للوفد وتصبح عضوا فيه؟ ~~- انضممت وأصبحت عضوا فيه. ~~- أولم تصبح صديقا لفكري باشا راشد؟ ~~- افرض. ~~- أنا لا أفرض أنا أعرف مكانك عنده وصلتي أنا بابنه نديم، والباشا يستقبلني بكل ترحاب ~~كلما زرتهم. ~~- هل عرف أنك أصبحت أبا؟ ~~- لا أظن ولكنك تذكر أننا دعوناه إلى الفرح وجاء ومعه ابنه نديم وسجادة غالية ~~الثمن. ~~- حصل. ~~- آبا. ~~- هيه. ~~- لماذا لا ترشح نفسك في الانتخابات الجائية؟ # وبهت الحاج دياب لحظات ثم أفاق في بطء شديد ليجد نفسه قائلا لابنه: أجننت؟! # وابتسم مراد أنه أثار انبهار أبيه: أترى أنني جننت؟ ~~- والعمودية؟! ~~- أي عمودية يا ابا؟ أنا أكلمك لتكون عضو مجلس نواب تقول لي عمودية «أي عمودية» يا ~~أباه؟! ~~- أفوتها؟! ~~- وهي أين ستروح! إنها باقية في العائلة. ~~- أنت تريد أن تصبح عمدة بسرعة. ~~- أنا؟ لا يمكن، أولا أنا لم أبلغ السن، ومسألة العمودية بعيدة عن ذهني تماما ولا ~~أفكر فيها. ~~- كيف؟! ~~- يا ابا أريد أن تكون عضو نواب، والعمودية لها حديث آخر. ~~- فاجأتني يا ولد يا مراد. ~~- وفيم المفاجأة؟ ~~- لم أكن أفكر في هذا عمري كله. ~~- غلطان. # وصمت الحاج دياب وشرد ذهنه وأمعن في التفكير، ثم ما لبثت ابتسامة متفاخرة أن علت ~~شفتيه: والله يا ولد ربما كنت على حق يمكن أنا غلطان فعلا ولماذا لا؟ # وصاح مراد: يعيش حضرة النائب. ~~- هس لا يسمعنا أحد. ~~- لك حق، اسمع إذن يا ابا. ~~- هيه. ~~- لعضوية النواب ترتيبات مهمة. ~~- فعلا، أتعرفها؟ ~~- يا ابا أنا ليس لي أمل في حياتي منذ أدركت الحياة إلا أن أراك نائبا. # وهكذا راوغ مراد أباه عن دخلية نفسه وعن الأمل الذي طالما أخفاه لقد كان يريد أن يكون ~~هو نائبا، وليس يعنيه أن يكون أبوه أو لا يكون، ولقد دبر فيما دبر أنه ما دامت سنه لا ~~تسعفه لنيل هذا المنصب فلماذا لا يسبقه فيه أبوه. # ويخلف هو أباه وتكون الطريق قد مهدت، ويكون قد لف الدائرة وعرف من لم يكن ms13 يعرف، وعرفه ~~من لم يكن سمع عنه. # وما كان اختياره نازلي فيمن عرضه عليه مدني إلا لأن أباها عمدة لأكبر بلد في الدايرة ~~إلى جانب ثرائه، وهكذا وجد في نازلي كل الذي يحقق ما تهفو له نفسه، ويدني له من الأمل ~~المتشبث به تشبث الإنسان بالحياة. # قال أبوه: ومن أين نبدأ؟ ~~- وهل المسألة عايزة تفكير؟ ~~- كيف؟ ~~- نبدأ بالباشا. ~~- أي والله صحيح نبدأ بالباشا. # 6 # قال مراد للباشا: أتكلم أنا أم يتكلم أبي؟ ~~- وهل هذا السؤال ما دام أبوك موجودا فالكلام يكون له. ~~- طبعا الأمر كما تقول معاليك، ولكن أريد أنا أن أتكلم. # وضحك الباشا وقال: والله كبرت يا مراد وأصبحت تلف وتدور على سياسي محترف. ~~- أولا معاليك لم تهنئني. ~~- ألم أحضر فرحك؟ ~~- وهدية معاليك تتصدر المديرية كلها لا بيتنا فقط. ~~- إذن فيم أهنئك؟ ~~- بالحاج دياب الصغير. # وأراد الباشا أن يبدو مسرورا كل السرور وهو يقول: كذا! أنت لحقت! ألف مبروك، وقبل أن ~~نتكلم افتح يدك. وأخرج محفظة والتقط منها ورقة كبيرة واستطرد قائلا: نقطة المولود يا ~~أبا دياب. # وأعطاه ورقة بمائة جنيه وقال الحاج دياب: كثير يا معالي الباشا هذا كثير! # وقال مراد: لا يا ابا أنا عند الباشا مثل نديم بك، وأنا أعرف ذلك، ربنا يطيل عمرك يا ~~معالي الباشا ويكرمك. # وقال الباشا: المهم، ماذا كنت تريد أن تقول؟ ~~- مرة واحدة كده نريد أن نرشح أبي لمجلس النواب عن دايرتنا ... ~~- العضو الآن عمر المفتي. ونحن نرشح في هذه الدائرة ... # وقاطعه مراد: كامل الزيني. # وقال الباشا: عمر المفتي قوي. # وقال مراد: ليس هو القوي، ولكن كامل الزيني هو الضعيف ولا يخدم الدائرة مطلقا، إذا ~~كان يعمل محاميا، ويسلخ أهل الدايرة في الأتعاب إلى جانب أنه ... # وقاطعه الباشا قائلا: بخيل، أعرف ذلك وبيته مقفل دائما. # وصاح مراد: يعيش معالي الباشا. # وقال الباشا في تؤدة وفي تفكير: والله يا ولد يا مراد، المسألة فيها كلام. # وقال مراد: قل معاليك نعم، وهي لا يصبح فيها كلام. # وقال الباشا: المسألة ليست بهذه السهولة، كامل ms14 عضو قديم والأمر ليس بيدي وحدي ، بل لا ~~بد من الرجوع إلى الرئيس والسكرتير العام وأعضاء مجلس الإدارة في الحزب، الأمر ليس ~~سهلا كما تتصور، وبخاصة أن لكامل أصدقاء كثيرين في الحزب. # وقال مراد: وماذا يهم أن يكون العضو قديما أو جديدا إذا كان لا ينجح؟ ~~- المسألة ليست كما تتصور. ~~- البركة فيك. ~~- ليست حكاية بركة. ~~- أنت تذلل كل العقبات. ~~- بل أنت يا حاج دياب الذي يمكنك أن تساعدني. # وكان الحاج دياب تائها طوال هذا الحوار وكأنما أفاق فجأة بنداء الباشا له صائحا: ~~أفندم. ~~- ألست معنا؟ ~~- بل معك تماما يا معالي الباشا، أنتظر أمرك. # ونظر الباشا إلى الحاج دياب وابنه، وصمت لحظات طويلة ثم قال: ألم تكن عضوا في حزب ~~قبل ذلك يا حاج دياب؟ ~~- أول مرة يا معالي الباشا. النائب الذي أعرفه عمر بك المفتي رجل طيب، وتعودنا أن ~~نعطيه أصواتنا، فالمعرفة بيننا معرفة جدود. وأنا لا أشتغل بالسياسة إلا وقت ~~الانتخابات. # وأعاد إليهما الباشا نظرة ثاقبة ثم قال لمراد: قل لي يا فصيح أنت يا من أسكت أباك ~~وتكلمت. ألم تأت عندنا في الحزب ولو مرة. ~~- كيف؟ إنني ذهبت لمعاليك هناك أكثر من مرة، سواء وحدي أو مع نديم ... # وصمت لحظة ثم قال مستدركا: مع نديم بك. # وقال الباشا: أليس هذا الحزب يحتاج إلى ميزانية ضخمة؟ # وهنا صاح الحاج دياب: أفندم. ~~- أم ماذا تظن؟ ~~- أنا يا باشا تحت أمرك، ولكن ميزانية لماذا؟ ~~- يا إلهي! لماذا، ألا تعرف يا حاج دياب؟ أبسط شيء الإنفاق على الانتخابات. وإصدار ~~الصحف، وهذا وحده يحتاج إلى مئات الألوف. ~~- أي والله معقول. إنما قل لي يا معالي الباشا، أينفق الحزب على الانتخابات؟ ~~- طبعا، مثلا لنا أعضاء أقوياء في دوائرهم؟ ولكن ضعفاء في حالتهم المالية. # وهنا قال مراد: ما داموا ليسوا قادرين على الانتخابات فليتركوها للقادرين. # وضحك الباشا: على مهلك يا أستاذ، الموضوع ليس بهذه البساطة، فهؤلاء إن لم يساعدهم ~~الحزب تركوه وأصبحوا ضده، وليس بعيدا أن يرشحوا أنفسهم بأموال حزب آخر، إلى جانب أنهم ~~سيؤثرون ms15 في دوائر أخرى بشخصياتهم. # وقال مراد وكأنما رد إلى عقله: والله معقول يا معالي الباشا. ~~- إلى جانب مصاريف أخرى حزبية سرية لا يعرفها إلا رئيس الحزب والسكرتير العام، وهذه ~~طبعا لا تذكر. # وهنا قال مراد مذهولا: مثل ماذا يا معالي الباشا؟ ~~- مثل الأموال التي نعطيها لمن ينقل لنا أخبار الأحزاب، ولاحظ أنني أفشيت لك سرا من ~~أسرار الحزب. # وصاح مراد: يا خبر أسود. ~~- لا أسود ولا أبيض هذه سياسة، والأحزاب الأخرى تعمل مثلنا. وهناك المصاريف الإدارية ~~في الحزب مثلا. # وهنا أراد دياب أن يعرف رأسه من رجليه وسأل الباشا في حسم: كامل الزيني يدفع للحزب كم ~~جنيها يا معالي الباشا؟ ~~- المبالغ لا أعرفها، ولكنه يدفع مع الاشتراك مبلغا محترما فيما أعتقد. ~~- أنا يا باشا أدفع ضعفي ما يدفع. # وتجلت الفرحة على وجه مراد، وقال في شجاعة: نحن سننجح يا باشا، وكامل لم ينجح مرة ~~واحدة في حياته، ما رأي معاليك؟ ~~- توكلنا على الله، على فكرة أنتما مدعوان لفرح نديم يوم الخميس القادم. # وصاح مراد: وهو ما زال في الكلية. ~~- ابنة عمه وواضح أنهما متفقان، فقلت بدلا من أن تشغله عن المذاكرة يتزوجها. # وقال مراد: على بركة الله يا معالي الباشا ولو أنني أرجو أن تبلغ نديم أني عاتب ~~عليه. ~~- لماذا؟ ~~- أنا أقرب صديق له وأعرف الخبر من معاليك. ~~- إنه لم يبح لأحد مطلقا. لا بد أن تحضر الفرح. # ولم ينس الحاج دهشان أن يرسل إلى الباشا عشرة خراف نقوطا لتذبح في الفرح. # 7 # حين خلا مراد إلى أبيه قال الحاج دياب: استرحت؟ ~~- كيف؟ ~~- ألم يعد الباشا؟ ~~- أتظن أن الحكاية انتهت هكذا؟ ~~- على الأقل مؤقتا إلى أن تأتي الانتخابات. ~~- يا ابا الحكاية أكبر بكثير مما تظن. ~~- يعني يا ولد أنت ناوي تعلمني الانتخابات، وأنا فيها منذ بدعوا الانتخابات في ~~البلد؟! ~~- أنت فيها بأن تعطي صوتك، وهذه أول مرة ترشح فيها. ~~- أتريدني أن أعلن ترشيحي من الآن وأصبح مضحكة. ~~- لا يا ابا، لا إعلان ولا يحزنون. ~~- فماذا تريدنا أن نعمل؟ ~~- نعمل. ~~- ماذا ms16 نعمل؟! ~~- أصحابك في البلاد تزورهم. ~~- هكذا من غير مناسبة. ~~- زيارات ودية، أما المناسبات سواء كانت مآتم أم أفراحا فلا تفوتنك منها واحدة. ~~وتدفع في الأفراح نقطة كبيرة، وإذا كان صاحب المأتم رقيق الحال. نغمزه بكم جنيه ليواجه ~~أعباء الوفاة. ~~- من الآن يا ابني؟ ~~- بل من الأمس يا ابا. # وأعجبت الإجابة الحاج دياب فراح يقهقه ملء فمه، ثم قطع الضحكة وهو يقول: ولكن الأمر ~~سيكلفنا كثيرا يا ولد. ~~- ليس هناك مال يساوي أن تصبح عضو مجلس نواب. # ولم يستطع أن يكتم آماله فإذا هو يقول في تسرع الشباب: والذي سننفقه اليوم جنيها ~~سنجمعه غدا عشرة. # ووجم الحاج دياب وهو يسأل في شبه استنكار: كيف؟ # وتنبه مراد إلى تعجله وأراد أن يصلح ما أوشك أن يفسد. ~~- مصالحنا في المديرية بل في الدولة كلها، هل يستطيع أحد أن يقف ضدنا، وغير هذا كثير ~~مما ستعرفه حين تصبح عضو نواب يا ابا. # وأطرق الحاج دياب قليلا: طيب والعمودية؟ ~~- مالها؟ ~~- من يتولاها؟ أنت لم تصل إلى السن القانونية. ~~- عضو النواب يعين من يريد. ~~- وتخرج من دار طلبة؟ ~~- بل تبقى. ~~- هل تقترح أحدا؟ ~~- عندي ألف، فقط توكل أنت على الله. ~~- توكلنا على الله. ~~••• # وبدأ الحاج دياب يعمل بنصائح مراد الذي كان يعد للأمر منذ زمن بعيد، وقد بدأ حملته ~~بإقامة دعوة غداء واسعة كل السعة بمناسبة ميلاد دياب الصغير، وانتقال مراد وأسرته إلى ~~بيتهم الجديد. # ولم يقصر مراد ودياب دعوتهما على العمد، بل دعوا كل ذي مكانة أو أكرومة في ~~بلده. # ولم يخل الأمر من إلقاء الشيخ سليم الديب المدرس الإلزامي بالميمونة قصيدة شعر مهما ~~تكن هشة بعيدة عن الرصانة، إلا أنها أدت الغرض منها، واستقبلها شهود الحفل بالتصفيق ~~والتهليل. # وتبارى آخرون في إلقاء خطب المديح والتمنيات الطيبات للمولود الكريم، والتنبؤ له بأن ~~يكون عمدة بعد مراد. # ولم يفت الأذكياء الماكرين من العمد وأعيان البلاد والتجار أن هذه الدعوة تخفي ~~وراءها ما تخفي، وإن لم يستطع ذكاؤهم أن يصل واثقا إلى ما ينتويه العمدة، وإن كان ms17 ~~بعضهم لم يستبعد أن يكون عاقدا العزم على ترشيح نفسه في الانتخابات. ومما جعل هذا ~~الأمر معقولا إلى حد ما في ذهن من قام بذهنه أنه لم يدع عمر بك المفتي مع أنه تعود ~~فيما قبل أن يكثر من دعوته. # وهمس خميس الملواني في أذن الحاج دهشان: نسيبك ناوي على ماذا؟ ~~- لم يفاتحني في شيء. ~~- بل فاتحك. ~~- كيف؟ ~~- لقد فاتح الجميع بهذه العزومة الطويلة العريضة التي لا أشك أنها ستتلوها عزائم ~~أخرى. ~~- بأي مناسبة؟ ~~- ومن غير مناسبة وشرفك؟ ~~- دع شرفي في حاله. ~~- وشرفي أنا ولا تزعل. ~~- # لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون ~~. ~~- صدق الله العظيم. لو أنني أعتقد أن هذا النبأ سيتأخر بعض الشيء؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- ما تعلم. ~~- أتظن ذلك يا خميس؟ ~~- إن غدا لناظره لقريب. ~~- ولكن غدا هذا بعيد بعض الشيء. ~~- إنه يعمل له من بعيد. ~~- آه. ربنا يوفقه. ~~- ويوفقنا. ~~- ماذا تنوي. ~~- وقت الله يعين الله. ~~- على رأيك. # 8 # ما أسرع السنوات وأبطأ الأيام والساعات! # استطاع دياب ومراد أن يجمعا الناس حولهما بشتى طرق ومختلف سبل لا يقصران في مجاملة أو ~~مال أو تهنئة أو مواساة. ويكاد لا يمر بهما أسبوع أو أسبوعان دون أن يولما ~~الولائم. # حتى إذ حل موعد الانتخابات كان الحاج دياب قد أخذ أهبته كاملة للترشيح. # وصدق فكري راشد وعده له بعد أن قدم دياب للحزب ضعفي ما كان يدفع كامل الزيني. # ورشح حزب الوفد الحاج دياب طلبة ليكون نائبه في هذه الدائرة، وكان للوفد في هذه ~~الانتخابات كفة راجحة غاية الرجحان؛ لأن الشعب المصري لا يحب أن يبقى حزب أو حزبان فترة ~~طويلة في الحكم أقصى فيها حزب الوفد عن الوزارة. # ويعلم الله أن الوفد قد كسب من ابتعاده عن الحكم أضعاف ما كسب خصومه من بقائهم في ~~الحكم. # فالوفد لم يكمل دورة واحدة في حياته، فما أن يتولى الوزارة ويمضي به بعض الوقت، ويبدأ ~~الشعب في كراهيته كما يكره المحكوم حاكمه الظالم حتى يقيله الملك، فتنقلب كراهية الشعب ~~له إقبالا عليه وإعجابا به، لا ms18 حبا فيه وإنما كراهية لفكرة الإقالة ذاتها التي أصرت ~~إنجلترا المحتلة أن توضع في الدستور اطمئنانا منهم أن أحدا من الملوك لن يجرؤ على ~~معارضتهم إذا هم أرادوا أن يغيروا الوزارة ويأتوا برئيس جديد، كما أتوا بمصطفى النحاس ~~في حادث 4 فبراير الشهير الجهير الحقير. # نجح الحاج دياب طلبة في الانتخابات وجلس تحت قبة البرلمان، ولا ينسى أحد كم كان فرحا ~~سعيدا حتى لقد لبس وشاح النواب، وذهب إلى مقهى لونابارك في القاهرة منذ باكر الصباح ~~قبل موعد الافتتاح ليعلم كل من يمر به أنه عضو بمجلس النواب. # كان عليه أن يختار بين العمودية والنيابة في ثلاثة أشهر. وطبعا هو لم ينفق هذا ~~الإنفاق من ماله وجهده ليبقى آخر الأمر بالعمودية. # ومراد لم يبلغ السن القانونية. ~~- ماذا تفعل في العمودية يا مراد؟ أنت بعد لم تبلغ السن. ~~- وحتى إذا بلغتها إنما مسألة العمودية هذه لا أفكر فيها على الإطلاق. ~~- هل جننت؟ ~~- لا تغضب أنا لم أبلغ السن القانونية، وحين أبلغها يفرجها الذي لا تغفل له ~~عين. ~~- ليكن، هل فكرت فيمن يكون عمدة من دار طلبة؟ ~~- هل سعادة النائب فكر؟ ~~- ربما ولكني أحب أن أسمع منك. ~~- ما رأيك في مدني طلبة. ~~- مدني ابن الحاج إسماعيل. ~~- شاب ذكي وفاهم وعلى قدر من التعليم المطلوب وبلغ السن. ~~- ألا تخشى أن يكون كثيرون من كبار العائلة طامعين فيها؟ ~~- هم يحبونه جميعا ولن يرضى أحد منهم أن يرد لك رأيا وأنت كبيرهم وزعيمهم، وشرفتهم ~~بما لم يشرفهم به أحد من عائلتهم في حياة العائلة من جدهم الكبير إلى يومنا هذا. ~~- ولكني لا أريد أن أغضبهم. ~~- وهل جئنا بعمدة من خارج العائلة؟ ~~- ولكني مع ذلك لا أحب أن أغضبهم. ~~- أقول لك أنا سأمر على كبار العائلة وأعرض على كل منهم الأمر، على أن الشباب يجب أن ~~يأخذ حظه وأن العمودية هم وإنفاق، ومسألة الإنفاق هذه مهمة جدا عندهم جميعا فليس في ~~العائلة - والحمد لله - كريم إلا أنت، وسأقول إن دوار العمدة لا بد أن يظل مفتوحا ms19 ~~ليلا ونهارا ليستقبل ضيوف البلدة وموظفي المديرية و... و ... اترك الشيوخ علي ~~أنا. ~~- اتفقنا، إذا قبلوا نتوكل على الله. ~~- سيقبلون وبخاصة مدني يعتبر من أغنياء الأسرة، فقد ورث كما تعلم أباه وأمه التي كانت ~~غنية هي الأخرى. ~~- على بركة الله. ~~••• # وصدق حدس مراد ووجد أغلب الكبار في العائلة زاهدين في العمودية. فقد كانوا تعودوا على ~~نوع خاص من المعيشة يصعب عليهم أن يغيروه في سنهم المتقدمة هذه، ومن كان طامعا في ~~العمودية أقنعه مراد بمنطقه هذا الذي قدمه بين يدي أبيه. ~~••• # قصد مراد إلى بيت مدني وكان قد تحرى أن يكون ترشيحه له عند أبيه سرا مكتوما عنه، ~~كما حرص ألا يذكر اسمه لواحد من شيوخ الأسرة الذين كلمهم، وإنما كان يطلق حديثه مع ~~محدثه، وكأنه لا يجد في الأسرة صالحا للعمودية إلا هو، وينتظر أثر هذا منه ويميل معه ~~في الحديث، وينفره من العمودية في لهجة الحريص على ~~ماله وصحته وينبئه أنه إذا رفض العمودية: سنتعب كثيرا حتى نجد العمدة المناسب. ولكن ~~وما له نتعب نحن وترتاح أنت. # وهكذا لم يظهر اسم مدني في الأفق على الإطلاق، ومن يتصور أن يتولى العمودية شاب أكمل ~~السن منذ شهور ولا يتولاها الكبار المتصدرون لمجالس القرية واجتماعاتها. # قال مراد لمدني: كم تدفع لتصبح عمدة؟ # وقفز مدني عن كرسيه: ماذا تقول؟ ~~- ما سمعت. ~~- وهل يعقل هذا؟ ~~- كم تدفع؟ ~~- كم تريد؟ ~~- ألف جنيه. ~~- ألف جنيه! ~~- ألف جنيه. ~~- ادفع. ~~- هات. ~~- الآن. ~~- في بيتك أكثر من هذا. ~~- من سيأخذها؟ ~~- أنا. ~~- أنت؟! حسبت أن الحاج دياب هو ... ~~- الحاج دياب لا يعرف عن الألف جنيه شيئا. ~~- يا أخي خف بعض الشيء، إنني سرك ونجيك وحبيبك. ~~- ولهذا لم أقل ثلاثة آلاف. ~~- لك حق. ~~- هات. ~~- الفلوس في الداخل، لحظات وتكون في يدك. ~~••• # وأصبح مدني طلبة عمدة للميمونة. # 9 # كانت هذه الوزارة هي الأخيرة لحزب الوفد، وهي التي ألغى فيها النحاس باشا المعاهدة، ~~وكان ساسة مصر جميعا يعلمون أن إلغاءها خراب مؤكد لمصر، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا ~~أن يعالنوا برأيهم ms20 هذا، فإلغاء المعاهدة في ظاهره عمل وطني لا بد أن تؤيده الأحزاب ~~الأخرى، بل لقد أيده أيضا الساسة الكبار البعيدون عن الأحزاب، ولكنهم جميعا، وبلا ~~استثناء، كانوا واثقين أنه سيؤدي بمصر إلى أوخم العواقب. # كانت مقاومة المصريين للإنجليز على أشدها، حتى لقد فجر الإنجليز فجورا لا مثيل له ~~في تاريخهم بمصر إلا في حادثة دنشواي، وقد تمثل أبشع ما تمثل في حصارهم لمركز شرطة ~~الإسماعيلية الأمر الذي اضطر وزير الداخلية فؤاد سراج الدين باشا أن يأمر بأن يقاوم ~~المصريون الذين كانوا من الوطنية في أعلى معانيها، وأجلى صورها حين نفذوا الأمر وجادوا ~~بأرواحهم في سبيل مصر. # كان نديم قد حصل على شهادة الليسانس، ورغب عن الوظيفة الحكومية التي كانت يسيرة ~~بالنسبة له غاية اليسر، فعمل محاميا في مكتب واحد من كبار المحامين هو منير فراج، وكان ~~من زملائه في المكتب عبد الوهاب فتحي وأمجد شرف الدين، وكان كلاهما يعمل في حركة ~~المقاومة بكل جد وجهد. وكانا على صلة بالضباط الذين كانوا يطلقون على أنفسهم الضباط ~~الأحرار، وكان أقرب هؤلاء الضباط إليهما سعيد سلطان وكان برتبة يوزباشي. # وقد انضم نديم بحماسة شديدة إلى زميله وتعرف باليوزباشي سعيد، الذي فرح به كابن واحد ~~من الوزراء في الحزب الحاكم. # وكان المحامون الثلاثة بحكم صلتهم بالموكلين في المكتب يستطيعون أن يتعرفوا مواطن ~~السلاح، وأخبرهم نديم أنه أيضا يعرف كيف يخفي هذا السلاح. # وفي يوم من الأيام التي تمر شأنها شأن سائر الأيام وجد مراد نفسه يستقبل نديم في بيته ~~الخاص، وتعانق الصديقان في شرفة البيت، والدنيا لا تكاد تسع مراد من الفرح، وبادر نديم ~~سائلا: أين سيارتك؟ ~~- أحببت أن أجيء بالقطار. ~~- لماذا؟ ~~- ستعرف. ~~- وهو كذلك. ~~- أولا أريد أن أرى دياب الصغير. ~~- والكبير أيضا وحياتك. ~~- طبعا ولكن أريد أن نكون وحدنا قبل أن نذهب إلى حضرة النائب. ~~- أمرك. # وحين خلا بهما المكان قال نديم وهو يحتسي القهوة: أنا أعمل في المقاومة. # وقفز مراد عن كرسيه قائلا: يا نهار أسود من الحبر الكوبيا. # وقال له نديم ms21 في هدوء ورباطة جأش: اقعد، اقعد، إذا كان هذا رد فعلك لأنني قلت لك ~~إنني أعمل بالمقاومة، فماذا أنت صانع إذا أكملت ما جئت لك بشأنه؟ # وقال مراد وهو يجلس شبه تائه: من أجل هذا جئت؟ ~~- هذا خبر لا يحتاج إلى مجيء، لقد جئت لأنك ستعمل معي. # وهب مراد واقفا: أنا؟ وماذا أفعل في المقاومة؟ أخاف من خيالي. ~~- اقعد يا أخي، وهل ستذهب إلى الثكنات الإنجليزية؟ # والتقط مراد بعض أنفاسه وسأل وهو يلهث: إذن ماذا سأفعل؟ ~~- اقعد. ~~- قعدت. ~~- الأسبوع القادم سآتي إليك ومعي واحد من الضباط الأحرار. ~~- هل سمعت عنهم؟ ~~- لا. ~~- إنهم جماعة تكونت في حرب فلسطين، ويريدون أن يغيروا الأمور في مصر، وهم الآن ~~مشغولون بمعاونة المقاومة والعمل مع الفدائيين، منهم من يذهب إلى الثكنات متخفيا، ~~ومنهم من يعد لهم السلاح ويرسله إلى العاملين بالميدان. ~~- وصاحبك هذا من أي الفريقين؟ ~~- يعمل على الناحيتين. ~~- وأنا ماذا سيكون عملي؟ ~~- سنخفي عندك السلاح. # وصمت مراد، واحترم نديم صمته، إذا أخفيت السلاح أصبحت واحدا منهم، وحين يأتي الوقت ~~يرشحني الوفد وأصبح من الأبطال ولو حدث - ولو أن هذا بعيد - واستطاع هؤلاء الضباط أن ~~يغيروا الأوضاع فسيكون لهم شأن أي شأن، ولا شك أن صاحب نديم هذا سيصبح في المقدمة، ~~ومسألة إخفاء السلاح ليست صعبة علي. فأنا هنا أعرف مخابئ كثيرة، بل إن بيتي نفسه لن ~~يفكر فيه أحد، ما المانع؟ ما المانع؟ كله فائدة، لا خطر هناك، وأنا سأظهر بمظهر ~~الأبطال. ~~- نديم؟ ~~- نعم. ~~- أنا نفسي ملكك فما بال بيتي؟ أنا تحت أمرك. # وقام نديم، فقام مراد، وتعانق الصديقان. ~~- متى تجيء أنت وصاحبك؟ ~~- سنطب عليك. ~~- أهلا في كل وقت ما اسم صاحبك؟ ~~- ستعرف حين يجيء. ~~- أسرار. ~~- ربما. ~~- أمرك. ~~••• # لم تمض أيام حتى كان نديم وسعيد عند مراد. ولاحظ مراد أن سعيد ارتاح له، كما اطمأن ~~هو إليه، وبعد أن تبادلا حديثا عاما فاجأ سعيد مراد: أين ستخبئ السلاح؟ # ولم يفاجأ مراد بالسؤال، وإن كان فوجئ من توقيت إلقائه، فقد جاء على غير انتظار ~~بعيدا ms22 كل البعد عما كانوا يأخذون فيه من حديث، ألجمته المفاجأة لحظة ثم قال: هنا في ~~بيتي. ~~- فقط. ~~- وفي أماكن أخرى كثيرة. ~~- معناها أن يعرف أصحاب هذه الأماكن ما نحاول أن تخفيه. ~~- اطمئن هذه مسئوليتي. ~~- لا هذه مسئوليتي أنا. ~~- ما رأيك في بيت العمدة ودواره؟ ~~- وسيعلم. ~~- إنه كشخصي وكل ما أرجوك فيه أن تطمئن تماما وتثق في ثقة تامة. ~~- لو لم أكن وثقت فيك من النظرة الأولى لما فتحت الموضوع أمامك. ~~- أكثر الله من أمثالك يا سعيد بك. ~~- بك هذه بعيدة عن قاموسنا كل البعد، سعيد سلطان، وتقول لي سعيد كما أنني لن أقول لك ~~إلا يا مراد دون بك ولا يحزنون. ~~- ويا ولد يا مراد إذا أحببت. # وضحك ثلاثتهم، وقال سعيد لمراد: ستكون بيننا رحلة طويلة يا ولد يا مراد. ~~- أحس بهذا. ~~- واضح أنك رجل يعتمد عليك. # وقال نديم: وهل كنت عرفتك به إذا لم يكن كذلك؟ # وقال سعيد: أهدافك مرسومة في ذهنك، وستصل إليها. # وقال مراد: المهم أن أعرف الطريق إليها. # وقال سعيد: ربما تكون قد وضعت رجلك عليه. # وقال مراد: البركة فيك أنت ونديم. # وقال سعيد: توكل على الله. # وقال نديم: أنا أعرفه كما أعرف نفسي هو مستعد أن يتوكل على الله أو على الشيطان. فقط ~~المهم أن يصل. # وصاح مراد مذعورا، وكأنه يرى نديم يقرأ خبيء نفسه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~حرام عليك يا شيخ. # وقال نديم: ولا يهمك، فلنتوكل على الله. # وقال مراد: هكذا يكون الكلام، توكلنا على الله. # وقال سعيد: توكلنا على الله. # 10 # تلاحقت الأحداث بصورة لم تشهد مصر لها مثيلا، وحدث حريق القاهرة الذي لم يستطع أحد ~~أن يحدد الفاعل الأصلي فيه. # واستقالت وزارة النحاس باشا وتدهور الحكم في مصر تدهورا فظيعا، ورفض حزب الأحرار ~~الدستوريين والهيئة السعدية تأليف الوزارة، وكانت حجتهم قوية، فقد كتب رجال الحزبين ~~بالاشتراك مع كبار الساسة من المستقلين عريضة اشتهرت بعريضة الثلاثين؛ لأن الموقعين ~~عليها كانوا ثلاثين عملاقا من عمالقة مصر. نددوا في العريضة بتصرفات الملك الشخصية ms23 ~~والعامة تنديدا لم يكن له سابقة في تاريخ مصر، وطالبوه أن يقوم من تصرفاته الشخصية، ~~ويبعد عن حاشيته ذا السمعة الساقطة، وحذروه إنه إذا لم يفعل فإن المستقبل لمصر وللجميع ~~مظلم ومخيف. # وذعر الملك من العريضة، ولكنه كان يسعى إلى حتفه بظلفه، وظل على ما هو عليه من فساد ~~وضلال وهوى لم يغير من نفسه شيئا، كما لم يغير من زبانيته أحدا، فكان طبيعيا أن ~~يحدث ما توقعه زعماء مصر ورجالاتها. # فحين أزفت الآزفة وحاول الملك أن يستصرخ الحزبين الكبيرين اللذين كانا خارج الحكم، ~~فقال الحزبان في إجماع رائع ما كان لنا أن نستجيب فما كنا لاهين حين كتبنا عريضة ~~الثلاثين، وما يتصور أحد أن نستجيب لصرخته حتى ينفذ كل ما جاء بالعريضة. # وهكذا تعاقبت الوزارات المحايدة وهي نوع من الوزارات التي لا يكتب لها البقاء عادة، ~~ولكنه في هذه المرة تجاوز الرقم القياسي في قلة الأيام التي كانت تبقى فيها الوزارة ~~حاكمة حتى لقد رأى المصريون بهي الدين بركات باشا يكلف بتأليف الوزارة، وبدأ يؤلفها ~~فعلا حتى حل عليه عميق المساء فنام على أن يكمل التأليف في غده. # نام وهو رئيس وزراء، وصحا ليجد الصحف تعلن أن حسين سري باشا ألف الوزارة، وحلف ~~الوزراء اليمين، وسارت الحال على هذا المنوال حتى قامت الثورة. ~~••• # ولم يكن عجيبا أن يستقبلها الشعب بما هو معروف في التاريخ من ترحاب صاخب طاغ، ومن ~~فرح عريض جهير. ~~••• # وما لبثت الثورة أن شنت هجومها الشرس على الأحزاب ورجالها، وقتلت الدستور أول ما قتلت ~~مع أن بيانها الأول أعلن أنها جاءت لتحمي الدستور من العبث به ولتثبيت أركانه، فكان أول ~~ما فعلت في سبيل تثبيت هذه الأركان أن تلغي الدستور، فكان شأنها شأن الطبيب الذي دخل ~~البيت لينقذ رب الأسرة المريض فكان أول ما صنعه أن أطلق الرصاص على قلب المريض، وقتله ~~في الحال متمثلا بالقول الشائع أن الموت إحدى الراحتين، وقد اختارت الثورة الموت ~~للدستور حتى يرتاح تماما من الاعتداء عليه. ~~••• # هيهات! فما قدمت إليك ms24 لأكون مؤرخا لما حدث في هذه الفترة وما خربت من بيوت ، وما هتكت ~~من أعراض، وما استباحت من كرامات، وما سفحت من دماء، وما استلبت من أموال، فكل هذا ~~أتركه للتاريخ، وقد حكم فعلا وكان منطوق الحكم على منصات القضاء المصري رفيع الشأن ~~سامي المكان. # ولكن ما لنا وهذا، ولو أن حديث الأفاعي طويل المدى، ولكنني لا أسوق لك تلك الأحداث في ~~هذه الرواية، فمكانها مجالات أخرى غير هذه الرواية بين يديك التي أخشى عليها أن يلهيني ~~عنها غير ما رصدته لها. # فلنعد إلى البدء ونقف أثر أبطالنا ونتتبع طريقهم الخاص، وما حديثي عن الثورة إلا حتم ~~من الحتم ففي ركام أحداثها مهدوا سبيلهم ولا بد لمن يروي ما ساروا فيه من سبيل أن يرسم ~~ولو في كلمات قلائل معالم هذه السبيل. # فإليهم إذن عودتنا نقص خطاهم. ونتتبع سيرهم ومسراهم. فإنما هم الذين اجتذبوا عقلي ~~ومشاعري أن أروي هذا الذي بين يديك ولك الحرية المطلقة أن تطلق عليها من الأسماء ما ~~شئت. أما أنا فإنما أريد أن أكتب لك ما عهدت مني من روايات، فهي إذن رواية. # 11 # صادرت الثورة فيما صادرت أسرة محمد علي بأموالها، وعلى رأسها طبعا الملك وزوجته ~~وأولاده، وأعلنت أنها كونت لجنة لتحصر أموال الملك والأسرة العلوية وغيرها من الأموال ~~المصادرة جميعا، وكان سعيد واحدا في هذه اللجنة. وبدأت اللجنة أعمالها، وكان من بين ~~أعضاء اللجنة واحد من رجال المال في الحكومة. # في الجلسة الأولى لاجتماع اللجنة قال العضو المختص، وقد بدءوا بإحصاء أموال فاروق ~~وزوجه، وقال المختص لسكرتير اللجنة: اكتب عندك يا سيدي عدد واحد قرط، ثانيا ... # وإذا بالمندوب المالي الذي انتدب مراقبا على طريقة الإحصاء يتولاه الذعر ويصيح: ~~انتظر كيف ننتقل إلى ثانيا؟ ~~- وماذا تريد؟ ~~- هذا القرط الذي بدأت به الإحصاء ما وصفه؟ إن هناك قرطا لا يساوي أكثر من خمسة ~~قروش، وآخر يفوق ثمنه المليون جنيه! لا بد من ذكر وصف القرط وما فيه من أحجار كريمة ~~وأحجامها والتقدير المالي له. # فإذا عضو ms25 اللجنة يقول: لا، لا، الأوامر عندنا كذا. # ولم يكن السعار من الثورة قد بدأ واضحا بعد مما جعل المندوب المالي يصيح: وأنا ~~مستقيل من اللجنة. ~~- أنت حر. ~~- سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. ~~••• # وحينئذ بدأت اللجنة أعمالها فعلا، ووجد سعيد نفسه في موضع تردد معه بعض الشيء، إذا ~~استقلت فالله يعلم مصيري، وإذا اعترضت فمصيري المؤكد مصادرة حياتي جميعا، ليس أمامي ~~إلا أن أفعل مثل ما يفعلون ما دامت الأوامر هكذا. فمفهوم طبعا ما يراد منا، ومفهوم ~~طبعا أننا سننال حظنا من الغنائم. # لا سبيل إلى التردد. أنا واحد منهم وسأظل واحدا منهم. ~~••• # النائب دياب طلبة أعلن انتماءه للثورة أعظم ما يكون الانتماء، وقد استطاع أن يتصرف في ~~أرضه وأمواله بحيث لم تنل منه الثورة سهما من أرضه، أو مليما من ماله. وقد كان شأنه ~~في غمار الناس أهون من أن يكون تحت الحراسة، وقد رضي المسئولون عن الثورة انضمامه ~~إليهم، واعتبروه جنديا من جنودها. # أما مراد فقد رأى في الثورة في أول عهدها كارثة تسحق آماله جميعا. # ولكن الأيام ما لبثت أن أتاحت لهذه الآمال أن تنتعش من موات. فقد كان المسئولون عن ~~الثورة في المديرية من أصدقائه المقربين اللصقاء، فكان طريقه إليهم واسعا، وكانت ~~الأبواب مفتحة أمامه على مصراعيها جميعا. # وكان أول ما صنع من الناحية السلبية أن يقطع صلاته جميعا بنديم. # ولم يكن هذا غريبا على نديم فما انتظر من صديقه الحميم غير هذا. # ولم يكن أثر الثورة على نديم فادحا كما كان بالنسبة لوزراء آخرين. فلم يكن أبوه ذا ~~شأن خطير في الحزب، وإن يكن قد بلغ منصب الوزارة فما كان وزيرا ذا خطر يخشاه ~~أعداؤه. # ولم يكن فكري باشا ذا مال يستحق أن توضع عليه الحراسة. فما كان وفير الغنى. # وما دام مقدور الرزق والخطر ففيم تلتفت إليه الثورة؟ فلتصرف انتقامها إلى الذين إن ~~حاربتهم أصابت بهم أحزابهم وأشياعهم ومناصريهم. # أما نديم فقد ظل يعمل في مكتب المحاماة، وقطع تماما جهاده السياسي. # وقد استطاع نديم في فترة ms26 قصيرة أن يصبح المحامي الثاني للمحامي الكبير منير فراج، ~~ومضى في طريق المحاماة صعدا. وقال له منير: يا نديم أعرف أنك تنوي أن تفتح مكتبا ~~خاصا. ~~- ليس الآن على أي حال يا سعادة البك. ~~- لا تفعل هذا الآن ولا بعد الآن. ~~- أمرك، ولكن لماذا؟ ~~- أنا أرى مستقبلك في المحاماة عظيما، وأنا ليس لي أولاد، وسني أصبحت لا تحتمل جهد ~~المحاماة. فأنا سأبيع لك المكتب لأنك الوحيد بين زملائك الذي أطمئن على قضايا موكلي ~~بين يديه؟ ~~- لكن يا سعادة البك ... # فقاطعه منير بك: لا تكمل أنا أعرف تماما حالتك المالية وحالة الباشا أيضا. سيكون ~~البيع أقرب إلى الهدية منه إلى البيع. لولا خشيتي أن أثير عليك حسد زملائك لأهديته ~~إليك. والله يعلم ما اخترتك إلا لأمانتك. ولحرصي على مصالح موكلي الذين بذلت عمري كله ~~في اكتساب ثقتهم. ~~- أنا لا أدري ماذا أقول، إلا أنني دائما سأظل ابنك في المحاماة، وفي الحياة ~~جميعا. # وسواء بالنسبة للقضايا التي ستتركها في المكتب، أو القضايا التي قد يأتي بها موكلون ~~جدد الذين لن يقصدوا إلا على الاسم الرفيع الذي يتمتع به المكتب بفضلك. فإنك أنت ~~دائما ستظل أستاذي ومرجعي في كل هذه القضايا قديمها وحديثها. ~~- هذا ما توقعته، لا تقل كلمة مما دار حولنا إلا لوالدك. فأنا لا أريد أحدا غيره ~~يعلم ما انتويت. ~~- هذا طبعا ما كنت أنوي عمله. ~~- على بركة الله. # 12 # فوجئ مراد بتليفون منزله يستدعيه. ~~- ألو من؟ ~~- أنا سعيد سلطان يا مراد. ~~- يا مرحب يا مرحب سعادة الباشا. ~~- الباشاوية ألغيت. ~~- لكي تأخذوها أنتم. وأين الباشاوات منكم يا سادة الدنيا كلها؟! ~~- أنت لم تتغير. ~~- أمر منك أن أتغير إلى أي شكل تريد. أنا من يدك ذي إلى يدك ذي. ~~- أحب أن أراك. ~~- أجيء الآن. ~~- تعرف بيتي؟ ~~- لم أصل إلى هذا الشرف. ~~- في الحلمية، شارع نسيم باشا رقم 4 الدور الرابع. ~~- بعد ساعة. ~~- لا. أنا أنتظرك في الساعة السابعة اليوم. ~~••• # بيت متهالك عجيب الشأن لا مساحة له عبارة عن واجهة بلا عمق إلا ms27 بمقدار حجرة واحدة. ~~فالحجرات فيه متراصة متجاورة في نظام عجيب لم يشهد له مراد مثيلا. وعرف لماذا يخبره ~~سعيد عن رقم الشقة لأن الدور على ضآلته شقة واحدة، وكانت المرة الأولى التي يشاهد فيها ~~مراد عمارة بأكملها لا تزيد على واجهة فقط، وهي تدل دلالة واضحة عن الحالة المالية ~~لسكان هذا البناء العجيب الذي لا يجرؤ أحد أن يسميه عمارة. # فتح الباب لمراد فتاة في سن الشباب الباكر تلبس جلبابا من الكستور الرخيص لا توحي ~~لرائيها بشيء، فلا هي جميلة، ولا هي قبيحة، ولاهي طويلة فارعة، ولا هي قصيرة قزعة، ولا ~~هي نحيفة ضامرة ولا سمينة ممتلئة. إنها كالشيء الذي لا معنى له، أو مثلها مثل الكلمة ~~العابرة التي إن سقطت من الكلام لا يتغير معناه. وقادته إلى غرفة خبيثة الأثاث والرائحة ~~معا واضح أنها لم تفتح منذ عهد بعيد. ~~- أهلا وسهلا. ~~- مراد طلبة. البك ينتظرني. ~~- تفضل، أتشرب قهوة أم تفضل الشاي؟ ~~- لا داعي للتعب. ~~- هذا واجب لا بد منه. ~~- إذن قهوة زيادة إذا سمحت. ~~- حاضر، سعيد أخي يلبس وسيأتي حالا. ~~••• # قال سعيد: اسمع، إن الحديث الذي سيجري بيننا إذا عرفه أحد ثالث ... ~~- لا سمح الله. ~~- لا، المسألة ليست مسألة كلام، إذا عرفت أنك نطقت بكلمة مما سأقوله لك ~~سأقتلك؟ ~~- عيب يا سعيد بك، ألا تثق في؟ ~~- ما عيب إلا العيب، أنا لا أقصد أقتلك على سبيل التهديد والتخويف، لا، سأقتلك فعلا ~~بالرصاص وأنت تعلم أن هذا ليس صعبا بالنسبة إلي. ~~- يا خبر أسود، على كل حال إن كنت تشك في فعلا فلا داعي أن تقول لي ~~شيئا. ~~- لو كنت أشك ما طلبتك. ~~- إذن فما هذا الكلام الذي تقوله؟ ~~- لأخلص ذمتي من ذنبك، ليس عندي إلا القتل. ~~- أمري إلى الله. ~~- وأمام هذا التهديد هناك الوعد بالثراء بصورة لا تخطر لك على بال. ~~- كيف؟ ~~- لن أقول لك أكثر من أنني أعمل بلجنة الجرد. ~~- وما معنى هذا؟ ~~- معناه كثير جدا. ~~- أفهم. ~~- سأحصل على مجوهرات وتحف لا تقدر بمال. ~~- معقول، وأثاث طبعا. ~~- لا ms28 الأثاث والأشياء الكبرى لها جهات أخرى. ~~- مفهوم. والمطلوب؟ ~~- ألم تفهم؟ ~~- فقط أستفسر. ~~- هذه التحف والمجوهرات إذا بعتها أنا في مصر فستباع بأبخس الأثمان. هذا بجانب أنني ~~لا أجرؤ أن أعرف نفسي للمشترين. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- تبيعها بالنيابة عني، ولك النسبة المئوية التي ترضيك في كل صفقة. ~~- أين أبيعها؟ ~~- في الخارج طبعا. ~~- والخروج بها وكل ما يتعلق بالمسائل الأمنية وشرطة المطار والتفتيش؟ ~~- كل هذا لا شأن لك به، ما رأيك؟ ~~- وهل فيها رأي؟! ~~- اتفقنا. ~~- على بركة الله. ~~- على بركة الله. # 13 # ما أسرع ما انضم مراد إلى هيئة التحرير، وما لبث سعيد أن جعل منه عضوا متميزا في ~~شتى مناحي الحياة السياسية، فعرف الدهاليز والدروب. # وكان من الطبيعي أن يصبح موئل طلاب الجامعات، ليس في الميمونة وحدها كما كان شأنه ~~أيام صلته بفكري باشا، وإنما اتسع مجال خدماته مدفوعة الأجر، فشمل المنطقة كلها. # وكان الحاج دياب فخورا كل الفخر بما بلغه ابنه من مكانة رفيعة، ولم يكن يعنيه في ~~قليل أو كثير أن يتقاضى ابنه أجرا مقابل خدماته أو لا يتقاضى. # ولم يكن مراد كاذبا كل الكذب حين يقول لمن يرشونه إنه يضطر أن يقدم هذه الرشى لمن ~~يملكون قضاء هذه الحوائج. # وكانت نازلي أشد الناس فرحا بالأهمية الباذخة التي يمرح في ساحتها مراد تياها ~~فخورا. وكانت في نفس الوقت أشد الناس خوفا. لقد كان خليقا أن يكتفي بالصفقة التي ~~عقدها مع سعيد ليصبح من أثرى أثرياء المديرية جميعا. # ولكن أي شيء يمنعه أن يتقاضى الرشاوى، ويزيد أمواله ويجعلها قناطير مقنطرة. فهو من ~~غياب ضميره في سعادة نفسية ومالية لا يبلغها أي إنسان من الذين يخافون الله، أو أولئك ~~الذين وهب الله لهم إنارة من ضمير. # وكان دياب الصغير في أول عهد أبيه بهذه الفتوحات المشهودة يغمغم الكلمات ولكنه مع ~~مرور السنوات أصبح ينطقها. # ولم يكن لدى مراد أي فراغ لينظر إلى مستقبل ولده، وترك هذا الأمر بكليته لزوجه نازلي، ~~واستأجر شقة أنيقة بالقاهرة، فقد كانت أعماله تقتضي منه أن يقيم ms29 بالقاهرة، أياما ~~كثيرة، فإن الاتفاق وحده الذي تم بينه وبين سعيد كان يحتم بقاءه بالقاهرة فترات طويلة ~~قد تستغرق أسبوعا أو أسابيع في بعض الأحيان. فكيف إذا أضيفت إليه الأعمال التي كان ~~يتوسط فيها لذوي الحاجات. كما أن هيئة التحرير في القاهرة غيرها في أي محافظة من ~~المحافظات؛ فهي في القاهرة تساعد أفرادها على أن يكونوا ذوي جاه عريض في الوزارات ~~والمصالح. # وهكذا استأجر شقة أنيقة بحي المنيل، واستجلب إليها من البلد فتوح سيد أحمد ليكون ~~طاهيا وخادما في وقت معا، وليحرس الشقة أثناء غيابه عنها. # وهكذا كانت نازلي هي وحدها، بعون ضئيل من حميها الحاج دياب، مسئولة عن ابنها دياب، ~~وقد حرصت على أن تجعله ينتظم في الدراسة المنزلية منذ سن باكرة فقد ضنت به أن ينتظم في ~~المدرسة، فأقامت له مدرسة خاصة كاملة في البيت، وقد بدأت معه بأن استجلبت له الشيخ عبد ~~المعطي الدروي ليعلمه القرآن، فحفظ بعض سوره، ثم انتقلت به إلى التعليم المدني، وراحت ~~تستدعي المدرسين إلى البيت حتى لا يذهب دياب الصغير إلى المدرسة. # وحين دخل دياب إلى المدرسة الابتدائية كان متفوقا على زملائه بما حصل من التعليم ~~المنزلي. # ومضت السنون. # وكان من الطبيعي أن يكون لسعيد شأن أي شأن في أن يكون مراد مرشح السلطة في ~~الدائرة. # وحين ذهب مراد إلى سعيد في شأن الانتخابات لم يكن طبعا محتاجا أن يسأله عن عنوانه ~~الجديد. فقد كان بحكم الاتفاق الذي تم بينهما كثير الذهاب إليه. وإن كانت نوعا من ~~الكثرة التي لا تلفت الأنظار، الأمر الذي كان يراعيه الطرفان معا كل الرعاية. # كان سعيد وأخته قد انتقلا إلى شقة فاخرة في جاردن سيتي في عمارة من العمارات التي ~~استولت عليها الحكومة في شارع النباتات. وكانت الشقة مكونة من سبع غرف وبهو طويل مترامي ~~الأطراف. وطبعا لم يكن الذي يفتح الباب محبوبة أخت سعيد، وإنما كان واحدا من الخدم ~~الثلاثة الذين يعملون في بيت سعيد. ولكن هذا لم يمنع أن يرى مراد محبوبة في أغلب ms30 المرات ~~التي يزور فيها شريكه سعيد. وطبعا لم تستطع الثروة أو الجاه أن يغيرا شيئا من وجهها ~~وطبيعة خلقها، وإن كان قوامها قد امتلأ بعض الشيء امتلاء لا يصل لحد السمنة، ولم تكن ~~الملابس غالية الثمن التي تفقد الذوق بمطيقة وحدها أن تغير من شخصية محبوبة، ولكن الذي ~~لا شك فيه أن بلغت من السنين عددا يجعلها قريبة كل القرب من أن تكون عانسا. # كان مراد طبعا يعرف مواعيد سعيد، فما كان ليذهب إليه ويخطئه قط، قال لسعيد: شكرا لك ~~كل الشكر على ترشيحي. ~~- وهل كنت تنتظر غير هذا؟ ~~- ولكن هناك مشكلة. ~~- ما هي؟ ~~- سيتقدم في الدائرة ستة مرشحين. ~~- من هم؟ ~~- لا تهم أسماؤهم إلا أن من بينهم عمر المفتي. ~~- لا تخف منه. ~~- كيف؟ لقد كان نائب الدائرة لسنوات طويلة. ~~- ألم ينتصر عليه أبوك؟ ~~- كان وفديا، وطبعا أنت تعرف أن الحكومة كانت تساعد الوفد في هذه الانتخابات ومع ~~ذلك نجح أبي بصعوبة بالغة، ولولا وقوف العمد معه لما نجح. ~~- سنشطب اسمه. ~~- عظيم، والباقون؟ ~~- صعب. ~~- وهل هناك شيء صعب بالنسبة إليك؟ ~~- لا نريد أن نزيد من أعدائنا. ~~- يا سيدي الأمر لا يستحق، أنت فقط كلم المسئول، وسينفذ لك كل ما تريد. ~~- غير معقول. ~~- إذن لا فائدة. ~~- ادخل الانتخابات وأعدك بالمساعدة. ~~- لا أضمن النجاح. ~~- وأنا لا أستطيع أن أشطب خمسة. ~~- الأمر لله. ~~••• # وانصرف مراد، وهو يفكر ويطيل التفكير، وحين عاد إلى الميمونة وجد نازلي تعلم دياب ~~مبادئ اللغة الفرنسية، فلم يعلق على ما تفعل، ولا انتظر أن يتعلق به دياب شأنه في كل ~~يوم يراه فيه. # فلم يكن مراد يراه كل يوم، فقد أصبح بقاؤه في القاهرة يعادل إن لم يزد على بقائه في ~~بيته بالبلدة وتعودت نازلي على هذا الوضع راضية به، وإن كان رضاؤها ليس عن اختيار؛ فهي ~~لم تكن تملك إلا تقبل إهمال مراد لها ولابنهما في وقت معا. # ولم تكن نازلي غبية ولا جاهلة فإن تكن السنوات التي قضتها في التعليم قليلة إلا أنها ~~أصبحت تتكلم الفرنسية بقدر ms31 من الطلاقة لا بأس به، وزاد من معرفتها باللغة الفرنسية ~~قراءتها لكتب العالميين من كتاب فرنسا وما ترجم إلى الفرنسية من الآداب الأخرى ~~الإنجليزية أو الروسية أو الألمانية كما كانت حريصة على القراءة العربية لكبار الكتاب، ~~هذا جميعا إلى جانب حرصها على تتبع الأخبار في الصحف والراديو على السواء. # وهكذا أصبحت على قدر من الثقافة يعتبر غريبا على زوجة تعيش في القرية، لا تكاد ~~تغادرها إلا القليل النادر، مرات إلى الزقازيق، ومرات أقل إلى القاهرة. # وقد تمكنت ثقافتها أن تجعلها تعرف تمام المعرفة ذلك السعار المحموم الذي أصاب زوجها ~~في جمع المال وسعة السلطة والجاه، وأدركت أن شخصا هذا شأنه لا يمكن أن يلتفت إلى بيته ~~أو تعليم ولده، فحزمت أمرها أن تكون هي المسئولة وحدها عن تعليم دياب وتثقيفه أيضا. ~~فإن حزبها أمر لجأت إلى حميها، وقد كان يستجيب لكل ما تريده، مدركا بحنكة الشيخ المجرب ~~أن نازلي تنازلت عن حقوق الزوجة وأصبحت وحدها المسئولة عن ابنها الذي أهمل أبوه ~~شأنه. # وما كان مراد ليستطيع أن يهتم بشئون بيته وماله وآماله العراض، وكان عليه أن يختار ~~بين أن يكون أبا وزوجا مع مال موفور ولكن ليس بالوفرة التي يريدها، وجاه لا بأس به، ~~ولكن ليس بالضخامة التي يصبو إليها، وبين أن يكون نوعا من الديناصور البشري، وقد اختار ~~الأمر الأخير وليذهب ولده وزوجه إلى أي مصير يلقفهما. # وقد اختار فعلا المال والجاه، وانقضى الأمر، وأصبحت ملائكة السماء والأرض عاجزة كل ~~العجز أن تجعله يغير وجهته أو سمته. # كما أنه كان يعتبر أن نازلي قد استنفدت أغراضها بعد أن توثقت صلته بسعيد، وإن كان ما ~~زال يطمح إلى عون أبيها في الانتخابات. # ولو أن الحاج دهشان ما زال ذا مكانة في البلدان الأخرى، وطبعا في عموديته الكبيرة ~~إلا أن مراد قدر أن الحكومة أقوى من كل الأعمدة التي تستند إليها مكانة الحاج دهشان، ~~فلم يكن عجيبا إذن أن يسعى سعيه الخبيث المستميت لدى سعيد أن تشطب الحكومة المرشحين ~~أمامه. # وهو ms32 في دوامة الحصول على عضوية البرلمان في شبه غيبوبة تلهيه كل الإلهاء عن ابنه ~~وزوجه ، أو أي إنسان، أو أي شيء في الدنيا أو الآخرة على السواء. # فلم يكن غريبا أن تعتبر نازلي نفسها متزوجة من بعض رجل، وأن أغلب هذا الرجل أصبح ~~سعارا في سبيل المال والسلطة. # ولم تحاول أن تناقشه أو حتى تسأله إلى أي غاية يريد أن ينتهي، وأي مدى يشتهي أن ~~يبلغ. # فهي تعلم بثقافتها أنه ليس لطالب سلطة أو مال غاية ينتهي عندها أو مدى يقف ~~عنده. ~~••• # أما الحاج دياب فتفرغ كل التفرغ لأرضه والأرض التي كتبها بأسماء ابنه وابنتيه. ومع أن ~~مدني طلبة كان يقوم بشئون العمودية، فقد حرص أن يكون تحت جناح عمه الحاج دياب وقد حرص ~~أن يجلس إلى الناس في دوار العمدة القديم، وأن يظل تليفون العمدة أمام هذا الدوار الذي ~~لم يغادره منذ السنوات الطوال. وهكذا كان الأمر مستقرا في القرية كل الاستقرار، ~~واستطاع مراد أن يفرغ لسعار المال والجاه تفرغا كاملا. # 14 # قال مراد لسعيد: جئتك اليوم في أمر بعيد كل البعد عما يشغلنا. ~~- خيرا. ~~- لا مقدمات. أريد أن تزوجني محبوبة. # وصدم سعيد بالطلب، وصمت وإن لم يطل صمته، ثم عاد وقال: ماذا تقول؟ ~~- لماذا كل هذه الدهشة؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- أي عجيبة أن أتزوج أختك؟ ~~- الزواج في ذاته ليس عجيبة ولكنك أنت ... # فقاطعه مراد: متزوج. ~~- وعندك دياب. ~~- أتظنني أحتاج منك أن تعرفني أنني متزوج وعندي ولد؟ ~~- إذن. ~~- زوجتي مشغولة تماما بابنها. وهي مقيمة في البلدة. ~~- ولماذا لا تأتي إلى مصر؟ ~~- ولماذا لا أتزوج من محبوبة، وتقيم هي في مصر، وتظل نازلي بالبلدة؟ ~~- هل نسيت أن دياب سيضطر أن يأتي للقاهرة؟ ~~- من أجل الجامعة تقصد؟ ~~- مثلا. ~~- ما زالت أمامنا سنوات. ~~- السنوات تمر سريعة. ~~- يقيم معي ومع محبوبة. ~~- وهل تقبل نازلي؟ ~~- دع هذا لوقته، المهم ما رأيك أنت؟ ~~- والله المسألة تحتاج إلى تفكير، ثم طبعا لا بد ... # وقاطعه مراد: من موافقتها، هذا أمر لا شك فيه. ~~••• # ومن سيتزوج مثلي إذا لم ms33 أقبل أن أكون زوجة ثانية، لقد مرت السنوات وقاربت من العنوسة ~~وأنا أعلم أنني لست جميلة . وزوارنا قليلون أو نادرون. وسعيد قطع رجل أقاربنا جميعا ~~لأنه في مكانته الجديدة أصبح لا يشرفه أن ينتسب إليه هؤلاء الأقارب. وطبعا سيرفض ~~سعيد أي متقدم من أقاربنا. فجميعهم من صغار الفلاحين أو الصناع، وطبعا سعيد لن يقبل أي ~~شخص منهم إذا تجرأ وطلب يدي. ليس لي أمل في الزواج إذا أنا لم أقبل مراد. # وما شأني أنا بزوجته الثانية. هي في البلد وأنا هنا، ولن تراني ولن أراها. وكل منا في ~~حالها. # وابنها ... # ما لي أنا بابنها؟ # ماذا أصنع إذا أقام معي. # الذي يفعله ربنا ساعتها سيكون. # صحيح سعيد ترك لي الخيار ولكن هل أمامي خيار؟ # وواضح أن سعيد مقبل على هذا الزواج طبعا. فهو يخشى أن أظل معه إذا عنست، وأحول بينه ~~وبين الزواج أو أكون مصدر مضايقة له - على الأقل - عندما يتزوج. # وقد مضى عليه شهور يحدثني عن منى ابنة رئيسه، وواضح أنه يريد أن يتزوجها. # وما له؟ لقد كبر هو الآخر، ولا بد له أن يلحق بالقطار. # وإذا لم يتزوج وهو في هذه السن وهذه البحبوحة التي صار إليها فمتى؟ إنه لا خيار ~~أمامي، زوجة ثانية، زوجة ثانية والله يفعل ما يريد. ~~••• # وتم الزواج، وانتقلت محبوبة إلى بيت مراد بالمنيل. ولم تجرؤ أن تطلب إليه أن يستأجر ~~لها شقة أفخر. فهو قد رأى الشقة التي كانت تسكن فيها قبل أن تنتقل إلى شقة جاردن ~~سيتي. # واستطاع مراد أن يكتم خبر زواجه عن أبيه وزوجته على الرغم من أنه زواج رسمي وليس ~~عرفيا، ولكن فتوح ذهب إلى البلد في إجازة بعد أشهر من الزواج وهمس في أذن الحاج ~~دياب. ~~••• # قال الحاج دياب لابنه: لماذا يا مراد؟ ~~- يا آابا أنا وحدي في مصر التي أصبحت أقضي بها معظم وقتي، والوحدة وحشة. ~~- لا، ليس هذا هو السبب. ~~- وما المانع أن أتزوج يا ابا؟ ~~- زوجتك نازلي لا مثيل لها، وربنا يبارك لك في دياب. ms34 ~~- وهل أنا قصرت نحو زوجتي أو ابني؟ ~~- أنت مقصر معها قبل أن تتزوج. ~~- البركة فيك يا ابا. ~~- البيت لا يستغني عن رجله، والزوجة تحتاج إلى زوجها، والابن يحتاج إلى أبيه. ~~- يا ابا هل معنى أن أتزوج واحدة تقيم معي في مصر أنني سأترك نازلي أو دياب؟ ~~- المهم لا فائدة من الكلام، الحقيقة يا دياب أنا لا أخاف عليك من أحد إلا من ~~نفسك. ~~- لماذا يا ابا؟ ~~- تريد أن تحصل على الدنيا كلها دون أن تقدم أي ثمن. ~~- ومن الذي لا يريد هذا يا ابا؟ ~~- لو كان الناس جميعهم مثلك لأكل بعضهم بعضا. ~~- توكل على الله يا ابا. ~~- وهل لنا غيره، أنا لن أخبر نازلي بزواجك. ~~- مصيرها تعلم. ~~- لتعلم من غيري. ~~••• # فتوح متزوج. وزوجته تعمل عند نازلي في البيت، واستطاعت عديلة أن تكتم الخبر عن ستها ~~يوما ويومين وثلاثة، ولكن هل تستطيع المرأة أن تكتم سرا كهذا أكثر من بضعة أيام، ~~هيهات. ~~••• # نزل الخبر على نازلي نزول الصاعقة، فهي مهما تكن مثقفة فهي امرأة، ومشاعرها كمشاعر ~~النساء جميعا. # لماذا؟ ماذا فعلت له؟! أهذا جزائي لأنني لا أحاسبه على إهماله لي ولابنه وأني لا ~~أسأله متى تسافر ومتى تعود، لا، إنه يسعى بزواجه هذا إلى شيء آخر غير الزواج، المؤكد ~~أن في زواجه نفعا ماديا له. # عديلة تقول إن الزوجة ليست جميلة، لعلها تحاول بهذا أن تعزيني، ولكنه عزاء لا قيمة ~~له. وأعتقد أن عديلة على حق، وأن زوجته الثانية ليست جميلة. فهو لا يهمه الجمال أو ~~القبح. المهم أن يصل إلى أطماعه التي لا تنتهي. # والآن كيف أتصرف؟ # أذهب إلى أبي؟ # ولم لا؟ لا بد أن يعرف. # وماذا بعد أن يعرف؟ # وماذا أفيد أنا حين أجعل الأمر الذي سيسمعه الناس؛ فيصدقه بعضهم ويكذبه آخرون حقيقة ~~ثابتة لا شك فيها. # أي فائدة تعود علي حين أعلن أنني فشلت في أن أبقي على زوجي مع أن الله يعلم أنني ~~أنا لم أفشل أن أكون زوجة صالحة، والذي فشل هو مراد في أن يكون ms35 إنسانا طبيعيا، شأنه ~~شأن كل الناس. وإنما هو إنسان تعميه مطامعه وإن داس بها على شريكة عمره، بل وإن أساء ~~إلى ابنه الوحيد مهما يكن قدر الإساءة. ولكن كم من الناس سيقيم ميزان العدل بيني ~~وبينه. # وماذا أنا قائلة لأبي؟ طبعا سأخبره، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل؟ لقد مارس مراد حقا ~~شرعيا له، وأنا بين أمرين اثنين إما أن أقبل وأصمت، أو أثير الدنيا وأفضح ما ينبغي أن ~~أستره من أمر بيتي، ولن أسيء بهذا إلا لولدي ولنفسي، وأنا لم يبق لي في الدنيا إلا ~~ولدي. # قالت نازلي لمراد في أول لقاء بعد علمها بزواجه: مبروك. ~~- خير. ~~- مبروك يا مراد وكتر خيرك. ~~- أعرفت؟ ~~- لا شيء يختبئ. ~~- لن تجدي مني أي تغيير. ~~- لا يمكن أن تتغير. ~~- كيف؟ ألا تخشين أن يجعلني الوضع الجديد أتغير؟ ~~- إلى ماذا؟ أنت وقبل أن تتزوج لم تكن تهتم بي ولا بدياب أي اهتمام، فماذا يستطيع ~~زواجك الجديد أن يصنع منك أسوأ من هذا؟ ~~- هل ينقصك شيء؟ ~~- أنا إنسانة، ولست مثلك. أنت كيان لا شأن له بالإنسانية. أنت عبارة عن سعار للمال ~~وللجاه، وقد طمرت أطماعك الإنسان فيك حتى لتحسب أن الإنسان ما دام يأكل ويشرب فهو لا ~~ينقصه شيء، فسؤالك إن كان ينقصني شيء غير غريب منك. # وأصر مراد قائلا: هل ينقصك شيء؟ ~~- ينقصني الزوج لي، والأب لابني. فقط مسألة بسيطة. ~~- لقد أفسدتك القراءة. ~~- القراءة لا تفسد، وإنما الجهل هو الذي يفسد. ~~- أنا جاهل؟! ~~- لست مثقفا على أية حال. ~~- الأمر لا يصل إلى قلة الأدب. ~~- فعلا لك حق. فالحقائق دائما قلة أدب. ~~- انتهينا. ~~- بل بدأنا. ~~- ماذا تريدين أن تفعلي؟ ~~- ماذا تظن أنني سأفعل؟ ~~- أنا لا أعلم أنت حرة. افعلي ما تشائين. ~~- لا وحياة دياب لن أجعل حبيبا يرثى له أو لي، أو أجعل عدوا يشمت به أو بي. ~~- أنت دائما عاقلة. ~~- أكثر من اللازم. ~~- هذا ما توقعته. ~~- بل هذا ما شجعك على الزواج علي. ~~- أتعتقدين ذلك؟ ~~- أقول شجعك. أما السبب الحقيقي والأهم فهو أمر آخر أعرفه ms36 كل المعرفة. ~~- ما هو؟ ~~- المنفعة، الانتخابات، المال، الجاه، أخذ الرشاوى من الناس. ~~- ماذا؟ ماذا؟ ما هذا كله؟ ~~- أسباب زواجك إن لم يكن كل ما ذكرت فبعضه على الأقل. ~~- لا، ناصحة. ~~- لا، لست ناصحة، ولكن إن لم أعرف زوجي فمن أعرف؟ ~~- أهكذا تظنين بي؟ ~~- ليس ظنا بل ثقة تامة. ~~- أنت متأكدة. ~~- وأنت ألست متأكدا؟ ~~- إن لم أسع إلى تحسين وضعي في هذا السن فمتى؟ ~~- كل المسعورين يجدون الأعذار لسعارهم. ~~- رجعنا إلى قلة الأدب. ~~- العفو يا سعادة البك! أم تريد أن أقول الباشا، وما البأس الباشويات اليوم أصبحت على ~~قفا من يشيل. ~~- وسخرية أيضا! ~~- قلنا العفو. ~~- انتهينا. ~~- انتهينا. # 15 # سافر مراد عدة مرات إلى دول أوروبية مختلفة، وكان يستعين بلغته الإنجليزية المتهرئة ~~في بيع ما كان يحمله من تحف ومصوغات، وقد كان العائد ضخما جزيلا. # ولكن مراد أحس أن هذه المجوهرات التي كان يبيعها في شتى البلاد الأوروبية ليست هي كل ~~ما يحصل عليه سعيد. # وقد جرى العمل على أن يودع نصف حق سعيد في بنوك متفرقة في دول العالم، ويرجع إليه ~~بالنصف الآخر. # وطبعا كان الخروج من مصر والدخول إليها بالنسبة لمراد أمرا ميسرا كل التيسير، مع ~~استحالته لسائر الناس الذين لا يتمتعون بما يتمتع به هو من صلات عليا مع سعيد. ~~••• # حين تزوج مراد من محبوبة أصبح بالنسبة لسعيد موضع ثقة كاملة، يستطيع أن يبيح له ما لم ~~يكن يبيحه حين كانت الصلة أقل شأنا مما صارت إليه. ~~- اسمع يا زوج أختي. ~~- قل ما شئت. ~~- كل الذي بعته من مجوهرات لا يساوي شيئا بالنسبة لما أخفيه عندي ولم أبعه ~~بعد. ~~- كنت واثقا من ذلك. ~~- لماذا؟ ~~- ليس فيما أبيعه شيء خارق للمألوف، مجوهرات نفيسة نعم. ولكن بالنسبة للأسرات الكبيرة ~~وأسرة محمد علي، شيء أقل من المستوى إلى حد ما. ~~- كنت تعلم أن الأسر الأخرى أيضا أصبحت تحت إشرافي. ~~- وهل تعجب أن أعرف شيئا كهذا؟ ~~- لنتكلم في المهم. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- ستخرج في كل مرة بقطعتين أو ثلاث على الأكثر. ~~- ليكن. ~~- لاحظ ms37 أنني لا أحصل على هذه الأشياء وحدي. وإنما يشترك في قبض أثمانها أشخاص ~~كثيرون. ~~- أعلم هذا. ~~- وهذا أيضا تعلمه. ~~- شيء بدهي. فما كانوا ليبقوا عليك طوال هذه الفترة إن كانوا لا ينالون منك أكثر مما ~~يتوقعون. ~~- لا يخشى عليك. ~~- أنا أخشى عليك أنت. # وجزع سعيد وامتقع لونه. ~~- لماذا؟ لماذا؟ ~~- هؤلاء قوم لا صديق لهم. ~~- هذا صحيح، ولكن العمل الذي أقوم به يصعب أن يجدوا من يحل فيه غيري. ~~- ولهذا لا تتسرع في بيع المجوهرات، ولا في توزيع النفائس من المفروشات والسجاجيد ~~واللوحات العالمية، بل اجعل توزيعك بمقدار. # وصمت سعيد لحظات طوالا ثم قال: لعلك على حق. ~~- المهم نتكلم في السفر. ~~- بعد ثلاثة أيام ستسافر. ~~- إلى أين في هذه المرة؟ ~~- إلى باريس ومعك ثلاث قطع. ~~- طبعا لن أعرضها على صائغ واحد. ~~- طبعا، تعرض كل قطعة منفردة، بل ينبغي ألا يعلم من يشتري منك قطعة أن معك ~~غيرها. ~~- مفهوم. # استطاع مراد أن يبيع قطعتين لصائغين مختلفين، وأبقى القطعة الكبرى، وهي وشاح ضخم من ~~الماس الخالص والذهب الأصفر والأبيض جميعا، وقد ذهب به مراد إلى أشهر متجر ماس في ~~العالم، وقدمه إلى الموظف، فإذا بالموظف يرفع سماعة التليفون، ويطلب صاحب المتجر وفي ~~لحظات يأتي وينظر إلى الوشاح، ويقلبه بين يديه بعناية شديدة، ثم يقول لمراد ~~بالإنجليزية: هل يمكن أن تتركه لنا وتأتي غدا لنتفاوض في الثمن؟ ~~- كيف؟ ~~- سأعطيك إيصالا به حتى تبيت ليلتك مطمئنا، ولو أن متجرنا لا يحتاج لمثل هذا ~~الإجراء. ~~- أمرك. # وكتب له صاحب المتجر الإيصال، وانقلب مراد إلى فندقه متصورا أن الوشاح من العظمة ~~بحيث يحتاج الأمر إلى لجنة لتقرير قيمته الحقيقية. # وفي الصباح قال له صاحب المتجر: هذا الوشاح نحن الذين صنعناه خصيصا لشاه إيران ~~ليهديه إلى عروسه في ذلك الحين الأميرة فوزية، وهو وشاح شهير في عالم الماس. # وقدم إلى مراد كتابا به القطع النادرة التي صنعها المتجر وفتح في الكتاب صفحة معينة ~~وأشار إلى صورة بها وهو يقول: أليس هذا هو الوشاح الذي تعرضه علينا؟ # وكان مراد ms38 يتوقع أي شيء إلا هذا الذي هو فيه، وتولاه الجزع والعجب، وارتعدت منه ~~الفرائص، بل إن نأمات وجهه أصابتها الرعشة الواضحة ولم يجد شيئا يقول إلا: أنت تعلم أن ~~الحكومة المصرية استولت على أموال أسرة محمد علي. # وقال التاجر: والأسرات الأخرى أيضا. # وقال مراد وهو في رجفته لا يزال: فأي عجيبة أن تبيع الحكومة ما استولت عليه؟ # وقال صاحب المتجر في صراحة وحسم: إذا كانت حكومتكم قد سرقت أموال أسراتها، فليس معنى ~~هذا أن نعاونها. # ثم إنك لم تقدم لنا صفتك الرسمية التي تدل على أنك تمثل الحكومة المصرية. # وقال مراد: وماذا تريد أن تفعل؟ ~~- لقد فعلت. # ولم يسعف الجفاف الذي أصاب لسان مراد إلا بأن يلملم حروفا متناثرة. ~~- ماذا؟ # قالها بصعوبة شديدة حتى لقد دهش كيف استطاع أن يجمعها لتصبح كلمة مسموعة. # وقال صاحب المتجر: لقد اتصلنا بشاه إيران فأمر بأن نأخذ الوشاح ولا نقدمك إلى ~~الشرطة. # وهب مراد واقفا: الشرطة؟! ~~- هذا ما كان ينبغي أن نفعله. أنت تبيع قطعة نادرة من الماس. ولست صاحبها. بل إنني ~~واثق أنك لا تملك ما يثبت تمثيلك للحكومة المصرية. # وأطرق مراد يجمع شتات نفسه ويجرض ريقه لعله يعينه على الحديث. واستطاع أخيرا أن ~~يقول: ما أنا إلا رسول. فهل يمكن أن تكتب لي ورقة أعطيها لمن كلفني ببيع هذه ~~القطعة؟ # ونظر إليه صاحب المتجر طويلا ثم قال: نظرا لحالتك التي أراها لا مانع من ~~هذا. # وبالعربية الفصحى تنفس مراد الصعداء، وهو يقول: الحمد لله. # 16 # أدرك مراد أن أيام سعيد لن تطول. # مراد اليوم عضو مجلس أمة بعد أن استطاع سعيد أن يجعل الحكومة ترفض ترشيح أربعة مما ~~كانوا مرشحين ضد مراد، ولم تبق إلا على مرشحين اثنين هزيلين فكان طبيعيا أن يفوز ~~مراد بالدائرة. # وقد فكر طويلا بعد أن عاد إلى مصر من رحلته الماسية. # الماس والمجوهرات ستنتهي. وكذلك الرياش والنفائس مصيرها إلى نفاد. فما مصير سعيد بعد ~~ذلك؟ أيبعدونه أم يبقون عليه؟ وإن أبقوا عليه وهو أمر مستبعد أيبقي هو ms39 علي أنا، لأكن ~~زوج أخته بل لأكن أخاه الشقيق ما لهؤلاء أمان. # لقد تزوجت محبوبة لأضمن عضويتي في مجلس الأمة. أما بعد ذلك فالذي لا شك فيه أن ~~مفعولها ضئيل جدا. # صحيح سعيد تزوج وأصبح لا يتصور أن تعود أخته للعيش معه. ولكن هذا لن يمنعه أن يمزق ~~العلاقة التي بيني وبينه مطمئنا في نفسه أن أخته تستطيع أن تعيش وحدها إذا عن لي أن ~~أطلقها، ولا تثريب عليه في هذا التفكير. # وإن كان على مصاريف معيشتها فقد أصبح يستطيع أن يعطيها ما يكفيها ويفيض عن حاجتها دون ~~أن تتأثر أمواله الطائلة بهذا. # لا مناص لي أن أوطد صلتي بأصحاب السلطان بالطرق المشروعة وغير المشروعة، والطرق غير ~~المشروعة أقوى وأيسر. # ماذا تراني أستطيع أن أفعل ما دمت ما أزال على صلة طيبة بسعيد. فما لي لا أجعله مفتاح ~~الباب إلى الساحات الرفيعة لأصحاب الجاه والسلطان؟ # ولكن لا بد أولا من شقة فاخرة أستطيع فيها أن أدعو هؤلاء الآلهة الجدد. # لا بد من ذلك أولا. # لا بد. # وما أسرع ما أتاح له سعيد شقة بجواره في جاردن سيتي تحقق ما يصبو إليه. # وما أسرع ما راح يدعو أهل القمة إلى بيته الجديد، وما أسرع ما لبوا. # وتوالت الحفلات، وكان العدد فيها في كل مرة يزيد واحدا أو اثنين، وكان الواحد أو ~~الاثنان يمثلان عند مراد نجاحا يفوق كل الحدود. # وراحت الأواصر تترابط بين مراد وبين وجوه الزمان، وراحت الهدايا منه تترى إليهم، ~~وتوثقت علاقاته بعرى الهدايا، واستطاع بذكاء شديد أن يدرك الهدية المناسبة لكل وجه ~~من الوجوه. # وكانت حفلات الشقة الجديدة حفلات صاخبة فيها ما يرضي الأذواق جميعا، شرابا كان أو ~~كان دخانا أو طعاما مما لم يكن متوافرا إلا في السراديب الرفيعة التي لا يبلغها إلا ~~الكبار والضخام واللائذون بهم والمنتسبون إليهم. # ومهما تكن أناقة الحفلات وروعتها وتوافر جميع عناصر البهجة فيها فلم تكن تخلو أيضا ~~من سيدات صنعهن مراد خصيصا لهذه الحفلات، وكن بطبيعة الحال يدرين مصيرهن المحتوم ~~إذا ms40 تجرأت واحدة منهن وأذاعت من أمر هذه المهرجانات ما ينبغي أن يظل مستورا في طي ~~الكتمان. # ولم يكن مراد حريصا أن يكون المدعوون كثرة. بل هم قلة يعرف كل منهم - قبل أن يأتي - ~~أسماء المدعوين القادمين معه. # ولم يكن مراد يعنى أي عناية باسم التنظيم الذي ينضوي تحت لوائه. # فهو مع هيئة التحرير، وهو في الاتحاد القومي، وهو مستعد أن يكون في أي تجمع ما دام ~~على صلة بالأعمدة الكبرى من هذا التنظيم. # 17 # لم تمنع الحفلات مراد أن ينجب من محبوبة طفلا وأسماه أيمن. فقد جاء الطفل ويمن ~~الطالع يفرش ظلاله على حياة مراد أكثر مما كان يتوقع. # ولم تمنعه مشاغله في القاهرة أن يلم بنازلي ودياب، فكان يشهد تقدم دياب في الدراسة ~~وتفوقه تفوقا ملحوظا. بل إنه أيضا عرف مبادئ اللغة الفرنسية وراحت أمه تغدق عليه من ~~كتب هذه اللغة ما يناسب سنه. # وكانت نازلي تعلم كل العلم أن مجيء مراد إلى بيته في البلدة ليس رعاية لحقوقها أو ~~حقوق ابنها فقد كانت تعلم أنه أصبح شريكا للفلاحين في بهائمهم، ولكل التجار في ~~تجارتهم، وكانت تعلم أن جميع شركائه في غاية السعادة بهذه المشاركة. فقد ضمنوا أن لهم ~~ظهرا قويا يستندون إليه. # ولم تعجب نازلي حين زار أبوها زوجها في البلدة، وعرض عليه أن يشاركه في ماكينة الطحين ~~التي يملكها والتي آن لها أن تعفى من الخدمة، وتحل محلها أخرى حديثة. # وهكذا اطمأنت نازلي إلى ما فعلته حين علمت أن مراد تزوج عليها وحين رفضت أن تترك ~~بيتها إلى بيت أبيها. فما كان أبوها ليناصرها إذا لجأت إليه. ~~••• # وتمر السنوات ومراد يصبح النائب الدائم في الدائرة، ويصبح من الوجوه الواضحة في ~~الاتحاد الاشتراكي العربي. # وكما سبق أن قلت لك لم يكن يعني مراد شيئا الاسم الذي يعلن للتجمع الذي ينتمي ~~إليه. # إلا أن الجديد الذي لاحظه مراد أن سعيد لم يعد ذو حظوة عند المسئولين، وأصبح بعض منهم ~~يخشى أن يذهب إلى حفلاته لصلته بسعيد. # وحين تكرر هذا ms41 من شخصيات لها خطرها لم يتردد مراد لحظة وطلق محبوبة وأعادها هي ~~وابنها إلى شقة المنيل، وإن لم يقطع عنهما ما يكفيهما لملاقاة الحياة. # وكان عمله هذا حاسما بالنسبة لسعيد. فقد أدرك تماما الموقف الذي يريد مراد أن يتخذه ~~منه. فلم يحاول الاتصال به من قريب أو بعيد. # وعادت الحفلات إلى بهجتها. فما كان لمحبوبة أية صلة بهذه الحفلات بل كانت تحرص في ~~أثنائها ألا تغادر حجرتها، ولا شأن لها أي شأن بما يجري في حجرات الاستقبال والمائدة. ~~وحاول مراد أن يبقي على دماء من ماء وجهه بقوله لها: إننا فلاحون، وحريمنا لا يسهرن مع ~~الرجال. # مع أن هؤلاء الحريم أنفسهن كن يتصدرن للدعوات الأخرى التي لا تتداول فيها الأيدي ~~الكاسات أو مصادر الدخان. # 18 # لم تكن وفاة الحاج دياب مفاجأة لمراد فقد بلغ من السن ما جعل أيامه الأخيرة متصلة ~~المرض. # وكان مراد في السنوات الأخيرة هو الذي يشرف على الزراعة، وما كان إشرافه عليها يكلفه ~~أي جهد، فقد حرص الحاج دياب بعد الثورة ألا يقوم بزراعة أرضه أو أرض مراد أو بنتيه ~~اللتين كونت كل منهما أسرة. الأمر الذي جعل أرضه وأرض ولده وبنتيه في مأمن تام من ~~كل قوانين الإصلاح الزراعي. # ولكن مراد بعد وفاة أبيه رأى أن يزرع الأرض جميعها بالموالح. وكان قد استطاع في أثناء ~~أسفاره إلى الخارج أن يتعرف ببعض المستوردين، وكان يدري أيضا أنه لا يفهم شيئا في ~~شئون الزراعة. كما أن مدني العمدة لا يجيد زراعة الموالح. وإن كان يجيد زراعة المحاصيل ~~المألوفة من قطن إلى ذرة إلى قمح إلى شعير إلى برسيم، أما خارج هذه الحدود فلا يعرف ~~شيئا. # وقد اتفق مراد مع أختيه بعد وفاة أبيهما أن يزرع أرضهما هما أيضا بالموالح ورحبت ~~أختاه بما يريد. # وبهذا أصبحت المساحة التي سيزرعها جديرة بأن يشرف عليها مهندس زراعي من خريجي ~~الزراعة العليا المتخصصين في الموالح، وكان يقدم له مرتبا ضخما لا يحلم به الخريج ~~من أمثاله. فقد كان يدفع له مائة ms42 جنيه في الشهر مع نسبة 5٪ من الأرباح، وكان المهندس ~~واسمه فؤاد برعي ماهرا كل المهارة في خبرته. # فما هي إلا سنوات حتى أصبح محصول الموالح في أرض مراد وأختيه مضرب الأمثال في الوفرة ~~وامتياز الثمار في وقت معا مما شجعه على أن يسافر ويستفيد بصلاته السابقة في الأسفار، ~~ويوقع العقود بالتصدير ويزيد ماله ويزيد. ~~••• # وقد اختار الله أيضا الحاج دهشان إلى جواره بعد أن كان قد باع أرض نازلي جميعها ~~لمشترين آخرين قبل موته بفترة طويلة. # وقد كان البيع لأنها وزوجها سيصبحان مخالفين لقوانين الإصلاح الزراعي. فلم يكن عجيبا ~~أن يتغلب الحاج دهشان على تلك الصعوبة بأن يبيع الأرض للفلاحين ويقيم عمارة فاخرة ~~بالقاهرة باسم ابنته، وطبعا كان مراد هو الذي يدير هذه العمارة. # وكان طبيعيا بعد قوانين الإسكان ألا يؤجر فيها شقة واحدة بإيجار عادي، وإنما أجر ~~شققها جميعا إيجارا مفروشا حتى يستطيع أن يخرج السكان وقتما يشاء. وفي نفس الوقت ~~أبقى شقتين متجاورتين بدون تأجير لتتصرف فيهما نازلي كما تشاء، أو لتقيم فيهما حين يذهب ~~دياب إلى الجامعة. # وهكذا مات الحاج دهشان مطمئنا على ابنته. # أما آلة الطحين فقد ارتأى مراد بعد وفاة حميه أن يبيعها. ~~- ما رأيك يا نازلي في ماكينة الطحين؟ ~~- ما تراه يا مراد. ~~- أنا أرى أنها تحتاج لوجود شخص مأمون إلى جوارها حتى تظل تنتج كما كانت تنتج أيام ~~المرحوم الحاج. ~~- فعلا. ~~- والشخص المأمون لا يوجد في هذا الزمان. ~~- فماذا ترى؟ ~~- سأعرضها للبيع. ~~- وما له؟ ~~- أنا عندي فعلا توكيل، ولكن أردت أن أعرف رأيك. ~~- الحقيقة أنك مع حبك للمال لا تبخل علي ولا على دياب، ثم إن حقي من العمارة يصلني ~~على دائر المليم. فالذي تراه افعله. # وفعلا باع مراد ماكينة الطحين وقال لنازلي: ما رأيك نشتري بثمنها أرضا للبناء في ~~القاهرة. ~~- ما المناسبة؟ ~~- تكون لدياب حين يكبر. ~~- نحن عندنا شقتان في عمارة الدقي. ~~- أعلم ولكن دياب سيتزوج في يوم من الأيام. ~~- نخلي له شقة في عمارتنا. ~~- ولماذا؟ ~~- مع أزمة السكن الأرض ثمنها سيزيد. ms43 ~~- اكتب الأرض باسم دياب مباشرة. ~~- وهو كذلك. # وهكذا كانت الأحوال المالية لمراد في انتعاش مستمر. والانتعاش يغري بالمزيد منه. ~~والأرقام ليس لها نهاية. فليمض به الطريق ونحن من ورائه نقص أثره ونتنطس ~~أنباءه. # 19 # في ثورة مايو كان مراد غاية في الحصافة والذكاء، وكان يدري على وجه اليقين لمن سيكون ~~النصر. # فما أسرع ما تنكر لكل المارقين على السلطة العليا للبلاد، وراح بأنف متمرس يبحث عن ~~الأعمدة الجديدة للحكم الجديد. # ولم يهمه في شيء أنه كان يدعو إلى الاشتراكية بكل قوته أيام سيطرة الاشتراكية، وكان ~~في آرائه البرلمانية متحمسا للمذهب الاشتراكي تحمسا يقصر عنه ماركس ولينين وستالين ~~جميعا. # ولم يهمه في شيء الأغراض التي انتهكت، ولا مذبحة 66، 67 لمن أسمتهم بالإقطاع فهو مع ~~كل ما له كان محصنا بآرائه الاشتراكية، وهتافاته المتواصلة للعهد، وأربابه وصلاته ~~الوثيقة بمن كانوا يبقون في الصدارة وتنكره كل التنكر لمن يقصيهم الحكم، ويتخذ منهم ~~موقفا عدائيا، وكأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام هم الأقمار الساطعة في دعواته ~~وصلاته ومهرجاناته ومشاربه المائية أو ذات الدخان. # وحين وقعت حرب 67 أوشك أن يشارك النائب الراقص في رقصه لولا بقية هزيلة من ~~حياء. # فقد أدرك أن الهزيمة وإن كانت قد زلزلت العهد زلزالا شديدا إلا أنها لن تقضي عليه، ~~فكان من أوائل من حشدوا الهاتفين، واستأجر عشر لوريات مليئة بالرجال والعصي انتظارا ~~لمهزلة التنازل، وكان يدري كل شيء عن مناورة التنازل والتجميع والهتافات، فلم يترك ~~الفرصة للمشاركة في التمثيلية الفجة التي مثلها العهد بعد الهزيمة النكراء، ولم يعنه في ~~شيء من قتلوا من أبناء مصر مع الأموال الضخام التي سفحت مع الدماء على رمال ~~سيناء. # وفي مجلس الأمة كان أشد المصفقين للنائب الراقص على أشلاء مصر. حتى إذا أراد الله ~~للعهد أن ينتهي كان هو مع العهد الجديد أشد ما يكون تحمسا، وأعلى ما يكون صوتا في ~~الهتاف والتأييد للعهد الجديد. # وقد أدرك العهد أن مراد ممن يمكن الاعتماد عليهم، فما دام رجل قد احترف الهتاف فهو ms44 لن ~~ينصرف عنه في سبيل أي شيء، وإنما سيستمر على الهتاف لأن حنجرته لا تستطيع أن تصنع شيئا ~~إلى هذا الهتاف. ولا بد من هاتفين لكل عهد. # فما أسرع ما أقيمت الولائم في بيت مراد لسدنة العهد الجديد، وما أحسن ما سارت معه ~~الأمور. ~~••• # وطبعا كان ضمن المرشحين في منبر مصر. # وكان أول من قيد اسمه في حزب مصر. # كما كان الأول أيضا في قيد اسمه بالحزب الوطني. # وظل هو دائما نائب الدائرة. # 20 # انتقلت نازلي إلى عمارتها بالقاهرة ليصبح دياب طالبا في كلية الحقوق، ويبدأ دياب ~~حياة جديدة كل الجدة مع أنه كثيرا ما كان يأتي إلى القاهرة في الإجازات ويقيم في شقتي ~~والدته اللتين احتفظ بهما أبوه. # وكان طبيعيا أن ينضم مراد إلى أسرته ويؤجر شقته الفاخرة مفروشة؛ ومع ذلك كان لا شأن ~~له بدياب إلا في إلمامات عابرة. # وكان دياب متقدما في دراسته دائما، ولما كان يتقن اللغة الفرنسية فقد اختار كلية ~~الحقوق. ووافقت أمه، أما أبوه فلم يشترك في الرأي إلا بالموافقة وفي الكلية تعرف به ~~طالب اسمه فكري نديم راشد. # وفي أحد الأيام بينما دياب وزوجته وابنه على مائدة الغداء أحب مراد على غير المألوف ~~من عادته أن يظهر اهتماما بشئون دياب ولو على سبيل قطع الصمت على مائدة الطعام. ~~- ما أخبار الكلية يا عم دياب؟ ~~- الحمد لله عظيمة. والدراسات فيها تستهويني. ~~- هل تعرفت بأصدقاء هناك؟ ~~- كثيرين، أذكرتني يا أبي؟ ~~- بماذا؟ خيرا. ~~- كنت أسمع جدي يتحدث عن الوزير السابق فكري باشا راشد. ~~- نعم لقد كنت أنا سبب تعرفه على جدك. ~~- كيف يا أبي؟ # وكان دياب تواقا أن يتحدث إلى أبيه أو يتحدث أبوه إليه. فما أن وجد أباه فتح حديثا ~~حتى سارع يستحثه أن يتكلم. قال أبوه: ألم يقل لك أبي؟ ~~- ربما قال، ولكني أحب أن أسمع منك. ~~- كان ابنه نديم زميلي في المدرسة، وكان الباشا يحبني مثل ابنه، لأنه كان يستبشر بي. ~~فقد كنت على مائدته يوم استدعي ليكون وزيرا. وبعد ذلك دعانا أنا ms45 وأبي إلى بيته، ودعاه ~~أبي إلى بيتنا في البلد، وأقام له حفلة ما زالت بلدنا والبلاد المجاورة تتحدث عنها حتى ~~اليوم. ~~- أيكون فكري هذا ابن نديم صديقك؟ ~~- لا بد أن يكون كذلك. ~~- ماذا يعمل نديم؟ ~~- في المحاماة وقد أصبح اليوم من أكبر المحامين في مصر. ~~- إنه هو لا شك. ~~- إن للزمن تصاريف عجيبة. ~~- إنه شاب مهذب جدا، وقد تعلم في المدارس الفرنسية. ~~- لقد حضرت فرح أبيه، وكان بعد ميلادك بفترة قصيرة جدا، أنا لا أنسى ذلك اليوم، ~~إنما أعتقد أنه أصغر منك بسنتين على الأقل. # وهنا تدخلت نازلي: طبعا فإن دياب لم ينتظم في المدارس إلا بعد أبناء سنه بسنتين ~~تقريبا وربما أكثر، فأنت تعلم أنني كنت حريصة أن يتعلم في البيت، وربما تكون هذه ~~الدراسة هي التي جعلته دائما متفوقا على زملائه. # وقال مراد: لك حق هذا صحيح. قل لي يا دياب هل تقدر أن تأتي لي من زميلك بتليفون ~~أبيه. ~~- أقدر جدا. ~~- والله زمان. ~~••• # أدار دياب قرص التليفون وأجابه صوت وقور: ألو. ~~- لو عرفتني تكون فعلا أكبر محامي في مصر. ~~- تحدث قليلا. ~~- وفيم تريد الحديث؟ ~~- في أي شيء يعجبك. ~~- تريد أن تستجوبني كما تستجوب الشهود في المحكمة، ولكني لن أمكنك من هذا. ~~- أهذا معقول؟! بعد كل هذه السنين. مراد أيها الرجل الناقص. ~~- أنعم وأكرم. أنت نديم بذكائك الشديد لم ينقص بل زاد. ~~- أين أنت؟ لا تقل أنت مشغول في أشياء كثيرة فأخبارك تصل إلي أولا فأولا. ~~- الكلام في التليفون لا ينفع، تتغدى أو تتعشى معي أو عندي لا يهم. ~~- إذن، نتعشى عندي يوم الاثنين القادم. ~~- وهو كذلك. ~~- أنت ونازلي هانم ودياب. ~~- طبعا، فإن دياب هو السبب في تجديد الصلات فهو كما تعرف. ~~- نعم عرفت من فكري أنهما زميلان في الكلية. ~~- يوم الاثنين إذن. ~~- يوم الاثنين إن شاء الله في الثامنة والنصف، وأيضا لترى دينا أخت فكري. ~~- بسم الله ما شاء الله ودينا أيضا. ~~- نعم وهي طالبة في الجامعة الأمريكية. ~~- اللهم وفقها يا رب. ~~- أنا منتظركم. ~~- إن شاء الله. ms46 # وهكذا عادت الصداقة القديمة إلى مجراها. ولم يعد هناك حرج على دياب أن يصادق أبناء ~~الوزراء السابقين الذين حاربتهم الثورة بكل سلاح. # فالعهد الجديد لم يكن جبارا فاتكا كسابقه. # وتعرف دياب على السيدة إلهام وجدي زوجة نديم وأم ولده وابنة عمه، ولم يكن رآها إلا في ~~يوم الفرح. كما تعرف بابنته دينا فتاة جميلة واضحة الذكاء مع خفة روح لا تخفى. # وكانت السنون قد أعملت يدها في الصديقين والزوجتين، ولكن السمات الأساسية لم تتغير. ~~فمهما تصنع التجاعيد فإنها لا تستطيع أن تمحو ما يعرفه الصديق عن صديقه من الملامح ~~والطريقة التي يتحدث بها كل منهما. # وإن كانت الموضوعات قد تغيرت اليوم عن الأمس البعيد، وتعرفت نازلي على إلهام. وتقاربت ~~بينهما الأفكار، وعرفت كل منهما أن ثقافة الأخرى فرنسية. فالموضوعات بينهما موصولة لا ~~فارق ثمة بين ابنة العمدة السابق، وابنة المستشار السابق أيضا. # فكل المناصب بالنسبة للآباء من الزوجين ومن الزوجتين مناصب سابقة، وقد جاوز أربعتهم ~~سنوات الشباب والكهولة واقتربوا جميعا من الشيخوخة ولم يبق من شبابهم إلا الآمال ~~المعلقة بأولادهم الجالسين معهم يشاركون في الحديث بمنطق مختلف كل الاختلاف عن الوالدين ~~والأمين جميعا. # وأحس دياب إعجابا شديدا بدينا التي لم يكن رآها إلا في ليلتهم هذه، وقد استطاع في ~~لباقة أن يبدي إعجابه في كلمة عابرة وفي الاهتمام الشديد بما تقول. # 21 # حرص مراد في مهرجان الانفتاح ألا يغامر بأمواله مطلقا، كما حرص ألا يفتح أبوابا ~~جديدة من التجارة، ولكنه حرص على توطيد علاقاته وصداقاته برجال البنوك الكبار ~~والاقتصاديين، منتسبين إلى الحكومة كانوا أم كانوا من العاملين في الميادين الاقتصادية ~~أو التجارية العامة والخاصة على السواء، وقد اتخذ لنفسه موقفا صلبا وهو ألا يشارك ~~أصحاب الملايين أو رجال الأعمال في مشروعات اقتصادية مطلقا. # وكثيرا ما ألح عليه أصحاب مشروعات ضخمة أن يشترك معهم فكان يأبى هذا؛ لأنه يرى أن ~~كل مشروع يحتمل المكسب والخسارة، وهو لا يريد أن يخسر مطلقا. # وكان المال موفورا لديه وقابلا للزيادة. فقد كان رجال الأعمال ms47 هؤلاء يلجئون إليه في ~~كثير من الأحيان لتسهيل أمور لهم لدى الحكومة ولدى البنوك. وكان لا يتأخر عن قاصد ~~مطلقا ما دام يقدم له الهدية التي نسميها نحن الرشوة. # وقد كان محصول هذا الرشى ضخما إلى حد بعيد. فقد كانت الرشوة تبدأ حيث تبدأ، وقد ~~تنتهي بنصف مليون أو ربعه. # فما بعجيب منه إذن أن يرفض الدخول في مشروعات قابلة لكسب أو لخسارة. فهو مهما يكسب ~~منها لن يصل كسبه إلى دخله من باب الرشوة. # قصده عبد الحميد عنارة رجل الأعمال الكبير، والذي يعمل في الاستيراد والتصدير. ~~والاستيراد طبعا أكثر من التصدير وكان عنارة يستورد فيما يستورد الحديد بجميع أحجامه ~~وأنواعه. وقال عبد الحميد لدياب: أمامي صفقة عمر. ~~- خيرا. ~~- حديد. ~~- بكم؟ ~~- بمائة مليون جنيه. ~~- يا واقعة سوداء! ~~- يا رجل حرام عليك قل بيضاء إن شاء الله. ~~- بيضاء بيضاء إن شاء الله. والمطلوب مني؟ ~~- تدخل معي. ~~- أين. ~~- في العملية. ~~- حرام عليك. الرقم وحده أصابني بالرعب. فكيف أتصور أن أشارك في عملية بهذا ~~الحجم؟ ~~- إنها مضمونة كما أنك تراني الآن. ~~- مبروكة عليك. ~~- دخولك أساسي. ~~- لماذا؟ هل تعتقد أن أموالي كلها ذات قيمة في مثل هذه المبالغ؟ ~~- ليس مالك هو المطلوب، هل تعتقد أن عندي ما يواجه مبلغا كهذا؟ لو كان عندي لاعتزلت ~~العمل. ~~- إذن ماذا تريد مني؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- لا بد أن تقول. ~~- مساعدتك. ~~- مساعدتي أنا؟! فيم؟ ~~- لا يا مراد بك أنت لا تحتاج إلى شرح. ~~- ربما كنت غير محتاج إلى شرح، ولكن لا بد أن تكون المسائل واضحة تماما حتى لا يحصل ~~لبس. ~~- تساعدني في الحصول على المبلغ من البنك. ~~- على مائة مليون؟ ~~- لا على ثمانين فقط. ~~- والله الأمر يتوقف ... ~~- على ماذا؟ ~~- على ما تعرضه أنت علي. ~~- كم يكفيك؟ ~~- في عملية كهذه، لا أقل من مليونين. ~~- لا، لا، لا يمكن، هذا كثير. ~~- أمرك، أنا لن أقبل أقل من هذا مليما واحدا. ~~- ألا يكفيك مليون؟ ~~- لا يكفيني أقل من المليونين بعشرة جنيهات. ~~- أنت متشدد جدا. ~~- وعلى شرط. ~~- وشرط أيضا؟ ~~- ألا أتكلم في ms48 الموضوع قبل أن أحصل على حقي. ~~- أنت سميته حقك؟! ~~- أنت تعرف الجهد الذي أبذله في حياتي لتصبح وساطتي مقبولة. فهو حقي لا شك. ~~- فلنقل نصفه قبل موافقة البنك و... ~~- لا تكمل، لن أخطو إلى البنك خطوة قبل أن آخذ حقي كاملا. ~~- اتفقنا. ~~- على بركة الله. # وفعلا ذهب مراد مع عنارة إلى البنك، وقدمه إلى رئيس البنك وأوصى بكل حماس. وكان من ~~الذكاء بحيث استأذن أن ينصرف لموعد مهم، مقدرا أن رئيس البنك ربما يريد أن ينال حقه هو ~~أيضا. # 22 # نال دياب شهادة الليسانس ولم تمض إلا أشهر قلائل حتى عين بالنيابة ~~العامة. # وبدأ يفكر في الزواج يشجعه أبوه وأمه على ذلك، وبخاصة أنه كان مستقرا على العروس ~~التي سيخطبها. # فقد استطاع بعد تعرفه بدينا أن يصل إليها في الجامعة الأمريكية، ونشأ بينهما ما ينشأ ~~بين كل شاب وفتاة يجد كل منهما في الآخر ما يرضي مشاعره ومنطقه وعقله جميعا. # وفي حفل صاخب انتهز فيه مراد الفرصة ودعا كل ذي مكانة أو شأن أو مال أو صلة تمت ~~الخطبة والوالدان والأمان سعداء غاية السعادة. # أما أيمن فقد توكأ في دراسته حتى وصل إلى كلية التجارة لاهثا، وكان أبوه يحرص على أن ~~يتصل به أو بأمه مرة أو مرتين في الأسبوع ليتأكد أنهما في غير حاجة إلى مال. # فإن يكن مراد مسعورا في المال إلا أنه حريص كل الحرص أن يكون ابنه الذي ينتسب إليه ~~في مظهر لائق بين زملائه ومن يعرفونه. # وربما كان هذا الحرص في ذاته مكملا لمعالم السعار المالي الذي يتمتع به. # فإن مظاهر الأبناء ما هي إلا لافتة لآبائهم، ومراد في حاجة جائحة أن تكون عناصر ~~الأبهة جميعها متوافرة له فيما يستطيع أن يسعى سعيه في الوساطات، ويستطيع أن يحافظ على ~~صلاته بذوي الشأن والسلطان. # ولهذا لم يكن غريبا أن يشتري لأيمن سيارة يوم دخل الجامعة كما فعل لدياب من ~~قبل. # فهو يعلم بخبرته أن السيارة في الجامعة أصبحت منتشرة، وأنه من العار ألا يكون ابن ~~مراد ms49 طلبة دون سيارة مهما يكن مطلقا لأمه. فزملاؤه لا شأن لهم بما بين الأب والأم، ~~وإنما لهم الشأن كل الشأن إن كان زميلهم ذا وفرة في المال والوجاهة. # والعار والشرف عند مراد لا يتمثلان إلا في المال والسيارات ومظاهر الرفاهية وعضوية ~~المجلس الذي أصبح اسمه مجلس الشعب، ثم ليس في أي شيء آخر. # وهكذا كان أيمن بما لا يملكه من تفوق في الدراسة يعوض نكوصه في العلم بتفوقه في إظهار ~~الغنى واتخاذ كل الوسائل التي تجعل منه بين إخوانه شخصا يشار إليه. # وأي شيء يعينه على هذا أكثر من أن يعرف طلاب الكلية جميعا والأساتذة أن أباه عضو ~~بمجلس الشعب، وأنه ثري ذو سيارة ووفرة في المال وقدر كبير من وجاهة المظهر والملبس، ~~وليذهب الجوهر إلى أي جحيم يطيب له. # ولم يكن غريبا أن يصبح كثير الأصدقاء من الزملاء، والكثرة تجمع في طواياها الخبيث ~~والطيب. والخبيث أكثر إقناعا من حميد الخلق السوي الطريق. وهكذا كان من المتوقع ما حدث ~~حين طلبت محبوبة زوجها السابق مراد بالتليفون وهي تصيح مولولة: الحقني يا مراد. ~~- ماذا بك؟ ~~- الولد. ~~- ما له؟ ~~- مغمى عليه! ~~- هل طلبت الدكتور؟ ~~- أي دكتور، الحقني أنت وهات معاك دكتور. ~~••• # تبين أن أيمن تناول قدرا من المخدرات لم يحتملها، ففقد الوعي وأسعفه الطبيب الذي ~~أحضره أبوه وأبلغ أباه بحقيقة الغيبوبة. ~~••• # وكان طبيعيا أن ينقل أيمن إلى المستشفى، وكان طبيعيا أن يحضر خاله سعيد. بادره ~~مراد: أهذا جزائي لأنني لم أتأخر عن أي طلب له أو لأمه؟ # ورد سعيد في جفاء: هذا جزاؤك أنك أهملته. والأبوة ليست المال وحده. ~~- أخوه لا ينال من اهتمامي أكثر منه. ~~- الخطأ لا يبرر الخطأ. ~~- ولكن أخاه من أحسن الناس خلقا، وهو أيضا متفوق. ~~- لا تنتظر أن يكون الأخ كأخيه لكل منهما ظروفه النفسية. ~~- اسمع أنا سأنقل أيمن إلى بيتي ليكون تحت إشرافي. ~~- ألا يغضب هذا زوجتك؟ ~~- زوجتي سيدة مثالية وستعامله كما تعامل دياب. ~~- ومحبوبة؟ ~~- إنك أخوها. ~~- نعم، أهلا بها. ~~- أعرف أنك تزوجت وخلفت ولدين. ولكنك لن ms50 تعجز عن إيجاد غرفة لأختك. ~~- طبعا لن أعجز. ~~- ولن أنسى أنا العشرة وسوف يكون لديها ما يكفيها. ~~- أنا لن أكون نذلا لدرجة أنني أرفض قبول أختي في بيتي. وليس من المعقول أن أتركها ~~وحدها. ~~- وهو كذلك. # طبعا مراد قد أعد في نفسه أن يؤجر الشقة التي ترك فيها محبوبة وابنها مفروشة، ولا ~~شك أن ما سيعطيه لها أقل مما سيتقاضاه من الإيجار، في نفس الوقت يشعر ابنه أيمن أنه لم ~~يهمل أمه. # شفي أيمن من الإدمان وانتقل إلى بيت أبيه. ودأبت نازلي أن تعامله أحسن معاملة، كما ~~أن دياب كان يشعر بنوع من الأنس بوجود أخيه معه. وبخاصة أن النيابة كانت تأخذ كل وقته، ~~ولم يكن يلم بالبيت إلى في فترات ضئيلة. وكان قد روعه أن يصاب أخوه بالإدمان. فمثل ~~هذا الأمر إذا عرف يؤثر لا شك على مكانته في النيابة، فقد كان يدرك أنها وظيفة حساسة ~~غاية الحساسية وأي لغط حول واحد من أسرته كفيل بأن يؤثر على نظرة المسئولين والزملاء ~~إليه. # ولذلك كان حريصا كل الحرص على متابعة أخيه في دراسته وصلاته وخلطائه ~~وأصدقائه. # وتحت هذه الرقابة الثلاثية من الأب وزوجة الأب والأخ لم يجد أيمن سردابا يعود به إلى ~~الإدمان، ولم يجد شيئا يفعله إلا المذاكرة وأمره إلى الله. # 23 # حصل عبد الحميد عنارة على الاعتماد الذي توسط فيه مراد لدى البنك. # ولكنه بدلا من أن يستورد به الحديد رأى أن الكسب مهما يبلغ لن يصل إلى المبلغ الذي ~~حصل عليه فعلا. فراح يهرب أجزاء منه على فترات إلى الخارج، معدا نفسه أن يلحق ~~بالمال، ويقيم بالخارج بعد أن يودعه جميعا بعيدا عن السلطات المصرية، وإن كانت نيته ~~هذه لم تمنعه أن يسافر بعد كل مبلغ يهربه حتى يطمئن على سلامة وصوله واستقراره في البنك ~~الأجنبي. # ولم يكن عنارة يتصور أن عليه عيونا رواصد. فإذا أمره ينكشف فجأة قبل أن يهرب من ~~المبلغ إلا ثلاثة ملايين من الجنيهات لم يرد في مقابلها حديد كما كانت الاتفاقية مع ms51 ~~البنك تنص. # وقبض على عبد الحميد عنارة. # وتداولت الصحف الصفقة السارقة لأموال البنك والدولة معا، وبدأ التحقيق واتسع، ولاكت ~~الصحف اسم مراد دياب طلبة عضو مجلس الشعب . # وكدأب الصحافة ما إن تجد فرصة كهذه يكون من بين عناصرها شخص مثل مراد حتى توسعها ~~بالتفاصيل. منها الصادق ومنها ما تتناقله الإشاعات ومنها ما يختلقه المختلقون. # وأصبح مراد في حالة من الكرب لم تمر به في حياته جميعا، واختلط عقله. وفجع يوم عرف ~~أن وزارة العدل طلبت رفع الحصانة عنه. # ولم يجد له ملاذا إلا نديم يلجأ إليه ويستفتيه من الناحيتين الشخصية والقانونية ~~معا. # وسأله نديم: هل لك صلة بهذه العملية؟ ~~- أكذب لو قلت لا. ~~- تذكر أنني محام، والمحامي إذا لم يعرف الحقيقة كاملة يستحيل عليه أن يدلي ~~برأي. ~~- طبعا. ~~- ما صلتك؟ ~~- أنا الذي قدمت عبد الحميد عنارة إلى أمجد حسانين رئيس مجلس إدارة البنك. ~~- هل ضمنت؟ ~~- ليس لي توقيع واحد في العملية، وكل صلتي بها أنني زكيت عنارة عند أمجد حسانين الذي ~~طالما دعوته إلى بيتي. ~~- ماذا تعرف عن أمجد حسانين؟ ~~- لا أعرف دخائله. ~~- ولكن اسمه ليس فوق مستوى الشبهات. ~~- معك حق. ~~- فلماذا تتصل به؟ ~~- إذا لم أصادق إلا من ترتفع أسماؤهم عن الشبهات لخاصمت الكثيرين من الذين ترتبط ~~مصالحي بمعرفتهم. ~~- ماذا تقصد بكلمة مصالحي؟ ~~- سبحان الله ألا تعلم؟ ~~- طبعا أعلم، ولكن أريدك أنت أن تقول. ~~- أنا أعمل في التصدير، ثم إنني عضو بمجلس الشعب، وأبناء الدائرة لهم طلبات لا تنتهي؛ ~~فلا بد أن أكون وثيق الصلة بكل من يملك التوقيع. ~~- كيف تعلل السبب الذي دعا إلى ذكر اسمك في قضية عنارة؟ ~~- طبعا لا بد أن أمجد ذكر اسمي. ~~- أنت واثق أنك لم توقع على ورقة؟ ~~- ثقتي من أنني أقعد أمامك. لقد طلب مني عنارة أن أشاركه ولكني رفضت. ~~- هل تقاضيت منه شيئا؟ ~~- ولكني لم أوقع على ورقة فهذه أمور لا يمكن إثباتها. ~~- لك حق. ~~- بماذا تنصحني أن أفعل؟ ~~- متى يجتمع مجلس الشعب. ~~- يوم السبت القادم. ~~- هل سينظر في رفع الحصانة؟ ms52 ~~- لا أظن فقد أحال رئيس المجلس الطلب إلى اللجنة التشريعية، وهي عادة تستغرق وقتا ~~حتى تقدم تقريرها إلى المجلس. ~~- أتريد نصيحتي؟ ~~- فلماذا أنا هنا؟ ~~- طلب الحصانة، هل هو مقدم بالاتهام أم لسماع الأقوال؟ ~~- لسماع الأقوال. ~~- عظيم، سعادتك تتقدم بطلب إلى المجلس برفع الحصانة. ~~- أنا؟ ~~- طبعا ليس أنا، أنت طبعا. وبهذا تظهر أنك لا تخشى أن تسأل وأنك مطمئن إلى براءة ~~ساحتك. ~~••• # رفعت الحصانة وتمت المحاكمة وأدين فيها رئيس البنك للخطأ الجسيم وعدم التثبت من ~~الضمانات المقدمة على ضعفها كما أدين طبعا عبد الحميد عنارة. # وبرأت المحاكمة ساحة مراد دياب طلبة. ~~••• # هيهات فإن مثل هذه الأمور لا تجدي فيها براءة المحكمة؛ فقد زاد اللغط حول مراد. حكى ~~كل من قدم له رشوة كيف قدمها وكم دفع له. # وما احتفظ به الراشون من أسرار أصبح على كل لسان، وخيم السواد والمهانة على بيت ~~دياب. # وارتفعت الرقابة عن أيمن، وعاد إلى طريقه القديم، إذا كان أبي لصا فما أهون أن أكون ~~أنا مدمنا. # أما الذي أصيب إصابة قاتلة فهو المسكين دياب عضو النيابة. # 24 # جلس دياب أمام نديم في مكتبه. ~~- أرجو أن تأمر كاتبك ألا يدخل إليك أحدا. ~~- وهو كذلك. # أصدر أوامره وقال دياب: إن الذي بيني وبين دينا إعجاب شديد، وربما كان إجلالي لك ~~يمنعني من أن أقول الكلمة الحقيقية. ~~- أنا لست محتاجا أن أسمعها. ~~- ألا زلت تراني كفئا لها؟ ~~- وما الذي جد؟ ~~- الذي تعرفه. ~~- الذي أعرفه ليس جديدا علي. ~~- أكنت ... # وقاطعه نديم: أنا أعرف أباك منذ نحن تلاميذ صغار، وصداقتي به، بل وحبي له لم يكونا في ~~يوم من الأيام حائلا بيني وبين معرفة أخلاقه معرفة تامة. ~~- وقبلتني؟ ~~- لسببين. ~~- أولهما؟ ~~- إنني أعلم أن والدتك هي التي قامت بشأنك منذ الطفولة. ~~- هذا حق، ولكن أتعرف والدتي؟ ~~- أخلاقها وما صنعته مع أبيك حين تزوج عليها من أجل مصالحه وثقافتها وعقلها، كل هذا ~~معروف وأنا محام وأخبار الناس تأتي إلي من كل سبيل. ~~- وما السبب الثاني؟ ~~- أنا أستطيع من لقاء أو لقاءين أن أعرف ms53 دخيلة الناس، وقد ارتحت إليك ووثقت أنك على ~~النقيض من أبيك تماما، وقد صدق حدسي بما سمعته عنك في الفترة القصيرة التي قضيتها في ~~النيابة. ~~- أشكرك، وأحمد الله على أن يكون هذا رأيك، ولكن بقي الأهم من ذلك رأي دينا. ~~- أنت خطيبها، اسألها أنت. ~~- قد تجد حرجا أن تقول لي رأيها صريحا. ~~- دع هذا لي. ~~- هذا ما أرجوه. ~~- وهو كذلك. ~~- وهناك خبر آخر أرجو أن تعرفه. ~~- خيرا. ~~- لقد استقلت من النيابة. ~~- ليس هذا غريبا عليك، وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- هذا ما سأقوله لسعادتك حين تخبرني برأي دينا. ~~- ليكن. ~~- متى آتي؟ ~~- لن أطيل فترة انتظارك، ليكن هذا اليوم في الساعة السابعة. ~~- أستأذن. ~~- مع السلامة. # وقصد نديم أن يقف إجلالا لخطيب ابنته ويصافحه بحرارة وهو يودعه. ~~••• # قال نديم لابنته دينا ما دار بينه وبين خطيبها بما في ذلك استقالته من النيابة وكانت ~~أمها بمشهد. ~~- فما رأيك؟ ~~- ما رأيك أنت؟ ~~- رأيي أحتفظ به لنفسي حتى لا يكون له أي تأثير عليك. # وقالت إلهام والدة دينا: أنا لا أريد أن أدلي برأي. ولكن اسمحا لي أن أعجب بموقف دياب ~~وإقدامه هو على هذا السؤال. وأنا أعرف مقدار حبه لدينا وحرصه على الزواج منها. # وقال نديم: اتركي دينا تقل رأيها. # وقالت دينا: الحقيقة يا أبي أنا لا أرى له ذنبا فيما يفعله أبوه، وإذا كان ذا ضمير ~~وأبى أن يفرض نفسه علينا بعد ما شاع عن أبيه، فلا يجوز أن أكون أنا حقيرة وأتخلى عنه في ~~شدته. أنا الآن متمسكة به أكثر ما كنت. ~~••• # ونقل نديم رأي دينا إلى دياب وقال له: والآن حان لك أن تخبرني ماذا تنوي من جهة ~~عملك؟ ~~- إن كل ما فكرت فيه مرده إليك وإليك وحدك. ~~- أوضح. ~~- أريد أن أعمل في مكتبك. ~~- لقد كنت أخشى أن تكون متجها إلى وجهة أخرى. ~~- إذن تقبلني؟ ~~- إذا كنت قبلتك زوجا لابنتي الوحيدة فأنا أرحب بك زميلا في مكتبي طبعا. # وعمل دياب بمكتب نديم، وتم الزواج في فرح قصد مراد أن يكون باذخ الفخامة؛ ms54 ليعلن به ~~نسبه إلى نديم المحامي العملاق وابن فكري باشا راشد. ~~••• # بقي في هذه الرواية سطر واحد. # لقد رشح مراد نفسه في الانتخابات التالية، وفاز بنجاح ساحق! # ولا تعليق. ~~(تمت) # مجلس الشورى # في 5 أكتوبر سنة 1994م # الساعة الثانية والنصف مساء # 29 ربيع ثان عام 1415ه ms55