######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.TairFiCunuq.Hindawi97381570 #META# Tags: novels #META# ID: 97381570 #META# Title: طائر في العنق #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # | طائر في العنق # | طائر في العنق # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # هذه هي المرة الأولى التي أمسك فيها بالقلم وأنا لا أدري إلى أين ~~سأرمي به ولا إلى أين سيرمي هو بي، أهي رواية طويلة؟ أهي قصة قصيرة؟ ~~أهي شيء بين هذه وتلك أم هي شيء جديد بالنسبة لي أنا؟ ولك أن تسألني - ~~وما لك لا تفعل - ولماذا لا تصبر على قلمك وتنتظر حتى تعرف إلى أي ~~الوديان أنت متخذ سمتك، ومستقبل وجهتك؟ ولي على سؤالك إجابة. # لقد خرجنا من فترة سياسية قلبت الموازين الاجتماعية كلها، وانقلب ~~معها ما استقر عليه مألوف الناس، وما تعارفوا عليه في مضطرب ~~حياتهم. # وقد وقف بنا هذا الاضطراب على أبواب حياة جديدة أصبحنا نرى فيها ما ~~تعتبره بعض الأجيال عجبا وما تعتبره أجيال آخرون أمرا طبيعيا لا ~~يدعو إلى دهشة أو تعجب. # وقد شاء لي تزاحم الحياة حولي أن أرى الكثير. وشاء لي قدري أن أكون ~~من أهل الرواية والقصة. فليس عجيبا إذن أمري إذا أنا أمسكت بالقلم ~~ورحت أفكر به فيما رأيته حولي من زحمة الحياة، وليس عجيبا من أمري ~~ولا من أمرك أن أقدم إليك ما انتهى إليه حديثي إلى قلمي أو حديث قلمي ~~إلي. قد يكون بعض الناس قد شاهد ما شاهدت، وسيجد هؤلاء أن ما خبره ms01 من ~~الحياة لم ينفرد وحده بخبره، وقد يكون بعض آخرون قد سمع ولم يختبر، ~~ونقل إليه الأمر ولم يره، أو قد يكون بعض ثالث بمعزل عن مضطرب الحياة ~~وزحمتها، فلا هو رأى ما رأيت، ولا هو حتى سمع عنه. # وأيا ما يكون الأمر، فقراءة الشيء غير مشاهدته وغير الاستماع إليه؛ ~~لأن القارئ حين يقرؤه يجده نابضا بنبض الكاتب ورؤيته. فلست حكاء ~~أروي لك الخبر دون أن أنفذ إلى العميق العميق من أغواره، ثم أنا ألف ~~حوله وأدور فأرى ما يحيط به من كل جانب، فأنت لن تقرأ حديثا هامدا لا ~~حياة فيه ولا حركة؛ فليست القصة أو الرواية مجرد مجموعة من الأحداث أو ~~من ملامح الشخصيات أو تطور التآلف بين الحدث والشخص، وإنما القصة أو ~~الرواية هي رؤية فنان، وهي حياة كاملة ولعلها الحياة الوحيدة في الحياة ~~التي نعرف سرها؛ فسر الحياة لا يعلمه إلا الله. # وما أنا بسبيلي إلى تقديمه إليك الآن لا أدري - كما قلت لك - كيف أنا ~~سائر به أو كيف سيسير هو بي؛ فهذا الذي أكتبه لم أضع خطوطه العريضة، ~~وإنما أنا مسلم أمري إلى ذكرياتي وتفكيري وقلمي، وهذه الذكريات فيها ~~كثير تهادى إلي من أفواه ناس عن ناس، وأنا أعرف الحاكي والمحكي ~~عنه. وهذه الذكريات فيها ما عرفته عن مشاهدة أو ما عرفته من مشاركة، ~~ويتمازج هذا جميعه في نفسي وعلى سن قلمي، فإذا أنا لا أدري كيف يمكن أن ~~تؤدي البداية فيه إلى النهاية. # | الفصل الثاني # عدلي صديقي الذي أعرفه متمسك بالأخلاق الرفيعة تمسكا لا يقبل ~~معه التنازل عن شيء من صغائر الأمور، ولكنه أمام مشكلة عمه واقف ~~كالحجر لا يستطيع أن يحقق ما تقاضيه به المثل ولا يستطيع أن يسكت، أو ~~أن نفسه تأبى عليه الهدوء أو قبول السكوت منه، وأقصى ما استطاع أن ~~يبلغه ومن جهده أن يدعي الجهل بكل ما يقال حول عمه. # وهو يدرك أنه بذلك الذي صنعه إنما يخادع نفسه في حين تأبى نفسه أن ~~تنخدع، فهو وإياها في ms02 صراع أي صراع، ولكن ما لنا نبدأ بالحديث عنه ولا ~~نبدأ بالحديث عن عمه هذا؟ # هو من مواليد السنوات الأولى من هذا القرن، وهو الأخ الأصغر لوالد ~~صديقي الحائر. وأخوه يكبره بسنوات ليست قليلة، وقد مات عنهما أبوهما ~~فواز الوسيمي، والأخ الأكبر حلمي في مدرسة الحقوق، فلم تكن في ذلك ~~الحين تحمل اسم الكلية، فما كانت الجامعة قد نشأت بعد. # وكان الأخ الأصغر حفني متجمدا في الابتدائية لا يريد عنها حولا ولا ~~منصرفا. # وكان التعليم في ذلك الحين قد بدأ يأخذ مكانه الرفيع من الحياة ~~المصرية، وكان حرص حفني على البقاء في الشهادة الابتدائية ينغص على ~~أخيه حياته، فهو ينظر في هلع كلما استشرف المستقبل له ورآه فيه ضائعا ~~كهباءة لا معنى لها ولا وجود ولا ثقل. # وكان الأخ الأكبر شأن جيله جميعا من المشتغلين بالقضية الوطنية إلا ~~أنه أبى أن يقف موقف المعلق أو السائر حيث تسير الجموع؛ فقد كان صاحب ~~قلم وصاحب مواهب خطابية فأمره بين جيله منفرد تفرد صاحب الموهبة بين ~~عامة الناس. # وقد كانت القضية المصرية تمثل عند حلمي الحياة جميعا، فهو ملهوب ~~العاطفة كاره للإنجليز ولكل شيء ينتمي إليهم، وقد كانت المدارس ~~الثانوية في ذلك الحين، والتي كانت تسمى التجهيزية، فيها قسم ~~يدرس علومه جميعا باللغة الإنجليزية، وآخر يدرس علومه باللغة ~~الفرنسية، فاختار هو الدراسة باللغة الفرنسية إمعانا منه في كره ~~الإنجليز على الرغم من إلحاح إخوانه الذين كانوا يريدونه أن يدرس ~~الإنجليزية ليعرف لغة أعدائه، فقد يحتاج إلى مجادلتهم، وكان جواب حلمي ~~القاطع: عليهم هم أن يكلموني بلغتي فإن لم، فليتكلموا بالفرنسية، أما ~~أنا فلن أجعلهم يرغمونني على تعلم لغتهم. وحين نال حلمي شهادة ~~التجهيزية كان يتقن اللسان الفرنسي إتقانا نادرا؛ فقد كان ذا موهبة ~~في اللغة وأحب الفرنسية، فكان إلى جانب العلوم التي يتعلمها بالفرنسية ~~كالجغرافيا والتاريخ والطبيعة والكيمياء والحساب، يقرأ في الأدب ~~الفرنسي بنهم شديد. # وهكذا كان الأمر ميسورا بالنسبة إليه في الرجوع إلى المراجع ~~الفرنسية، كما كان ميسورا له تلقي المحاضرات ms03 عن الأساتذة الفرنسيين، ~~ولم يكن عددهم قليلا في هذه الأيام. وعلى أية حال فقد أحس حلمي نفسه ~~سعيدا كل سعادة أنه استطاع في تعليمه أن يقاطع الإنجليز والإنجليزية ~~مقاطعة تامة، وحين تخرج حلمي لم يصبح له عمل إلا حرب الإنجليز ~~حيثما هيأت له الفرصة حربا، وإن لم تهيئها اصطنعها هو ~~اصطناعا. # كان حلمي مشغولا في الحياة العامة بحرب الإنجليز ومشغولا في حياته ~~الخاصة بحرب الجهل الفاضح الذي يرزح فيه أخوه الذي يرفض كل الرفض أن ~~يمسك كتابا أو يفكر في امتحان أو مستقبل يعتمد على علم. # بدأ حلمي عمله في وزارة الداخلية، وأصر حفني أن يتمسك بوظيفته ~~التي يحبها ولا يفكر في تركها؛ طالب بالشهادة الابتدائية. وبلغ حفني ~~مشارف الشباب وأصبح في البواكير الأولى من الحياة. وكان طويل القامة ~~جميل القسمات بصورة لا يستطيع الإنسان أن يتجاهلها. وهب الله له حب ~~الناس ويسر الصداقات، فكل الذين زاملوه وكل أصدقائهم الذين عرفوهم به ~~أحبوه حبا شديدا، وقد كان يستطيع أن يجعل كل شخص منهم يعتقد أنه ~~صديقه الأوحد أو الأول على الأقل. وكان كل أصدقائه يثقون بهذه الفكرة ~~ثقة لا تقبل المناقشة أو التفكير، وهكذا أصبح لحفني أصدقاء في المدارس ~~التجهيزية طبعا، ومع السنين أصبح أغلب أصدقائه في المدارس العليا، ومن ~~باب أولى كان له أصدقاء كثيرون في المدرسة الحربية ومدرسة البوليس. ~~ولعل هؤلاء كانوا أشد أصدقائه قربا إليه، فما كان يذهب إلى هاتين ~~المدرستين إلا الذين يريدون أن يتعجلوا الخروج إلى الحياة، فهم في هذا ~~مع حفني على وفاق أي وفاق. # فما كانت هاتان المدرستان تحتمان أن يكون الملتحق بهما من حملة ~~البكالوريا. # ويا طالما ألح حلمي على حفني أن ينال الابتدائية لعله يستطيع أن ~~يلتحق بواحدة من هاتين المدرستين، ولكن من أين؟ إنه يستطيع أن يصادق أي ~~إنسان أو أي شيء إلا أن يصادق الكتاب حتى وإن كانت صداقة مغرضة منافقة ~~تتقطع أواصرها إذا نال منها بغيته، عداوة موهوبة ومكتسبة، وهكذا أصبح ~~من الطبيعي أن يكون له أصدقاء في ms04 المدرسة الحربية أو في مدرسة البوليس، ~~ولكنه لم يستطع قط أن يخطو إلى داخل واحدة منها تلميذا ~~منتظما. # لم يستطع عمل حلمي في وزارة الداخلية أن يجعله معقولا بعض الشيء في ~~كرهه للإنجليز، فكان يكتب مقالات بتوقيع مستعار «مصري صميم» في الصحف ~~اليومية، وكانت السلطات البريطانية تحاول التعرف على صاحب هذا ~~التوقيع فتصاب بالفشل الشديد، فقد كان رؤساء التحرير يدعون دائما ~~أن المقالات تأتي إليهم في البريد، وأنهم ينشرونها دون أن يعرفوا اسم ~~صاحبها، وكانوا يعلمون طبعا أن العقاب نازل بهم لنشرهم هذه المقالات، ~~ولكنهم كانوا يشعرون بالسعادة وهم يستقبلون هذا العقاب. # واستطاع حلمي عن طريق وظيفته ومقالاته أن يتعرف على رؤساء تحرير هذه ~~الصحف. وكان حفني قد كف عن محاولته في الحصول على الابتدائية فلم يجد ~~حلمي بدا آخر الأمر من أن يرجو صديقه فايز وهبي رئيس تحرير مجلة الفن ~~أن يعين حفني عنده ناقدا فنيا، فالنقد لا يحتاج إلى مؤهل، وحفني ~~يستطيع أن يتعرف على العاملين في المسرح وغير المسرح من ملاهي ~~الليل. # ولم يكن حلمي يعلم أن حفني وطيد الصلة فعلا بالممثلين والمخرجين، ~~فقد كانت الحياة التي تجمع حلمي وحفني في بيت واحد تباعد بينهما بعد ~~ذلك في كل شيء؛ فحلمي لا يعرف عن حفني إلا أنه موظف بوزارة الداخلية، ~~وحفني لا يعرف عن حلمي إلا أنه خائب. # وحين تجمع بينهما المائدة فحديث مقتضب، فكل منهما يحيا حياة غير ~~التي يحياها الآخر، فإن لم يكن هناك خبر ذو شأن في السياسة أو جديد ~~يقال عن الأرض التي يملكانها والتي يشرف عليها حلمي لا يكون بينهما ~~حديث على مائدة الغداء، وهي المائدة الوحيدة التي يمكن أن تجمع بينهما ~~في وجبات اليوم. # على أن مائدة الغداء هذه نفسها قليلا ما كانت تجمع بينهما، فكثيرا ~~ما كان يتغذى كلاهما خارج البيت أو يتغذى أحدهما على الأقل في الخارج ~~مع صديق له. # وعلى مائدة الغداء قال حلمي: حفني تستطيع أن تذهب غدا إلى الأستاذ ~~فايز وهبي. ~~- صاحب مجلة الفن؟ ~~- أتعرفه. ~~- أعرف ms05 المجلة. ~~- من أين تعرفها؟! ~~- أكان لا بد أن أحصل على الابتدائية حتى أعرف مجلة الفن. ~~- كنت أحسب أن ليس لك صلة بأي قراءة. ~~- ولا حتى مجلة الفن! ~~- حسنا، هل تستطيع أن تكتب شيئا عن المسارح والغناء والتمثيل وما ~~إلى ذلك؟ ~~- طبعا، أنا لي أصدقاء كثيرون بينهم. ~~- كيف؟ ~~- طول المعاشرة للمدرسة جعل لي أصدقاء في كل مكان. ~~- حتى بين أهل الفن؟ ~~- خصوصا بين أهل الفن. ~~- لك حق فكلهم ... ~~- لا تكمل، أعرف ما ستقول. ~~- أنت تعرف أني أقدر الفنون. ~~- ولكن هذا لن يمنعك أن تقول إن كلهم خائب مثلي. ~~- أنا لم أقل. ~~- قلت ولكنك لم تنطق. ~~- يا خسارة يا حفني! ~~- نعم لك حق. ~~- وفهمت هذه أيضا. ~~- إن لم أفهم أخي الذي في مكان أبي فمن أفهم؟ ~~- لو كنت أكملت تعليمك لاخترقت كل الصفوف لتصبح النابغة الأول في أي ~~ميدان تختاره. ~~- وهل يدري أحد يا سي حلمي أين يكمن نجاحه؟ ~~- لك حق، فعلا لك حق، إن شاء الله توفق في عملك الجديد. ~~- بفضلك، إن شاء الله. # ولعلك قرأت كلمة يا سي حلمي وأنت بين مصدق ومكذب، فما هكذا ينادي ~~الأخ أخاه الأكبر، فإن حرفي سي اللذين يمثلان اختصارا لكلمة سيدي لم ~~يعودا يتخذان نفس القيمة في زماني وزمانك إلا في بعض البلاد العربية ~~غير مصر، ولكن هذين الحرفين في ذلك الزمان كانا عنوان احترام شديد ~~وتوقير، وكان الأخ الأصغر ينادي بهما الأخ الأكبر إذا كان فارق السن ~~بعيدا كما كان أي شاب في أسرة ينادي من هم أكبر منه بأسمائهم مسبوقة ~~بهذين الحرفين. وما دمت قد أخذت نفسي أن أقص عليك ما كان من شأن هذين ~~الأخوين، فحتم علي أن أقص أيضا ما يعرض له الحديث من عادات العصر ~~الذي نشأ فيه، فإن لم أفعل وجدت نفسك متعجبا حينا ورافضا أيضا، ~~وأنا حريص أن أمنع عنك التعجب وأشد حرصا ألا ترفض. ~~••• # وبدأ حفني مستقبلا جديدا كأنما الوسط الفني لم يخلق إلا ليعيش ~~فيه حفني، أو كأن حفني لم يخلق إلا ليعيش في هذا ms06 الوسط. # انداح فيه كأنه مولود على خشبة مسرح. وحاول بعض المخرجين أن يستغل ~~جمال وجهه، ولكن انعدام الموهبة تماما عنده، وربما أيضا خشيته من ~~أخيه، كانت حائلا بينه وبين أن يكون ممثلا؛ فقد يقبل حلمي أن ينقد ~~أخوه الفن، ولكنه لا يسمح أبدا أن يصبح أخوه فنانا. # لم يكن المسرح في ذلك الحين هو ذلك الفن الرفيع الذي نعرفه اليوم، ~~ولم يكن مستقلا كل الاستقلال عن مواخير الليل وكباريهات الرقص ~~وبائعات الجنس. # وهكذا راح حفني يتنقل بين أولئك النسوة في زهو الشباب، وعلى موائد ~~المواخير عرف حفني مصر كلها، كبراءها وشبابها، عظماءها والمتسلقين حول ~~عظمائها، وعرف الناس من كل النحل والمهن. عرف الأطباء والمحامين ~~والكتاب والمهندسين وكبار الموظفين وصغارهم وضباط البوليس وضباط ~~الجيش، وما أكثر ضباط الجيش الذين عرفهم هناك! # وعرف أيضا ... عرف القمار. # وعلى هذه المائدة يجتمع عالم آخر غير عالم الناس، وتعيش بجانب الحياة ~~حياة أخرى. # وعرف الزجاجة ولم يحبها، ولكنه كان يشرب ليجاري الجلسة. # وفي جلسة من هذه الجلسات سأله صديق جديد لم يكن رآه قبل ذلك اليوم: ~~اسمك حفني الوسيمي؟ ~~- نعم. ~~- ترى هل لك صلة بالأستاذ حلمي الوسيمي. ~~- أخي. ~~- غير معقول. ~~- لماذا؟ ~~- لا، لا شيء. ~~- إلا أنه جاد. ~~- ماذا تقصد بجاد؟ ~~- يعني ... ليس مثلي. ~~- على كل حال ليست دهشتي لهذا. ~~- فلماذا؟ ~~- لأنه صديق قريب لي جدا، وكثيرا ما نذهب إلى المسارح، وكثيرا ما ~~نجلس معا في بار اللواء وفي صولت. ~~- فلماذا لم تأت به إلى هنا؟ ~~- إلى هنا مستحيل، الظاهر أنك لا تعرف أخاك. ~~- هو في مكان أبي، ولكن المؤكد أن الذي أعرفه عنه أكثر مما يعرفه ~~الآخرون حتى ولو كانوا أصدقاءه. ~~- الحقيقة أنني لم أعرف أن له أخا إلا الآن، هل أنت متأكد أنك ~~أخوه؟ ~~- أنا متأكد أن والدتي مثل أعلى في الشرف. # وضحك الجميع وخجل محاوره بعض الشيء وغمغم. ~~- أنا آسف ... العفو ... طبعا أنا لا ... المهم ... المهم أن هناك حقيقة عن ~~أخيك المؤكد أنك لا تعرفها. ~~- الحقيقة أن سعادتك أكثرت من الشرب وجعلتنا نشغل ms07 الإخوان بما لا ~~يعنيهم. ~~- الحقيقة أنني أريد أن أعلن عن بطولة أخيك التي لا تعرفها. ~~- هل أنت مصمم؟ ~~- هل تقرأ وهل تقرءون المقالات الموقعة باسم مصري صميم؟ # واختلطت أصوات التأييد وأصوات الإعجاب. ~~- أتعرفون من يكتبها؟ ~~- وتضافرت «لا» على الشفاه، ونظر الصديق السكران إلى حفني. ~~- أتعرف أنت؟ ~~- ومن أين أعرف؟ ~~- ألم أقل لك أنك لا تعرف شيئا عن أخيك؟ حلمي الوسيمي هو مصري ~~صميم. ~~••• # قبض على حلمي وألقي به في السجن وفتش بيته في القاهرة وفي قريته ~~الرمايحة. # ولكن الغريب أن الاحتلال لم يكن يلقي الناس في السجون دون أن يوجه ~~لهم تهمة معينة أو يعنى على الأقل بتلفيق تهمة بذاتها يستر بها وجهه ~~أمام العالم. # وهكذا لم يكن غريبا ألا يطول المقام بحلمي في السجن، ولكنه حين خرج ~~وجد نفسه مترددا في مواصلة العمل بوزارة الداخلية، ولكن السلطات ~~المحتلة كانت على قدر من الذكاء فلم تشأ أن تفصله ليصبح بطلا ~~قوميا، ولم تشأ أيضا أن تنقله من الداخلية حتى يظل تحت عينها. وكان ~~يعلم أن بقاءه تحت عيونهم سيقف حائلا بينه وبين نشاطه الآخر الذي كان ~~أكثر خطورة من المقالات. # ولم يشأ حلمي أن يستقيل ليظل قريبا من الإدارة المصرية. ترك بضعة ~~أيام ثم ذهب إلى مقهى الكلوب المصري حيث تصعب المراقبة، وتحرى ألا ~~يجلس مع شخص واحد بمفرده، بل عمد إلى جماعة كان بينهم صفوت الأشموني ~~الذي يريد أن يكلمه. ولم يطلب إلى صفوت أن ينتحي به جانبا، وإنما جلس ~~إلى جواره بين الجالسين وراح ينظر إلى النرد الذي يتحلق حوله الآخرون. ~~وقال صفوت: أرسلنا إليك لتبتعد عنا فترة. ~~- لم يأت لي أحد. ~~- يحسن أن تبتعد. ~~- سأسافر إلى الرمايحة فترة. ~~- خيرا تفعل. ~~- سأحضر أول اجتماع. ~~- موعدنا كما هو لم يتغير. ~~- وهو كذلك. ~~••• # لم تمنع عنه الإجازة حين طلبها. وذهب إلى الرمايحة وراح يكتب ~~المنشورات من هناك. ولم يكن غريبا أن يرى المرشدون والمخبرون فلاحا ~~يرتدي طاقية معممة يذهب إلى الكلوب المصري. ولم يكن غريبا أيضا أن ~~يجلس بجانب الأفندية ms08 وتنتقل المناشير في ذكاء شديد من عيسى أحد خفراء ~~بلدة الرمايحة إلى وحيد زنكي الذي أخذ مكان صفوت في الكلوب. # وما هي إلا ليلة حتى تكون هذه المنشورات قد طبعت ووزعت في القطر ~~المصري كله من أقصاه إلى أقصاه موقعا عليها بتوقيع مصر. وهل كان ~~يكتبها إلا مصر؟! # ولكن حفني كان لا شأن له مطلقا بهذا الذي يصنعه أخوه، وإنما هو يغمر ~~حياته في متع كثيرة، فلا يترك لحظة من حياته لا يملؤها المرح ~~والبهجة. ~~••• # انتهت إجازة حلمي وعاد إلى القاهرة يشم في أرجائها عبير ثورة يكاد ~~يراها ويوشك يهتف بها ولا يطول به الانتظار. # يخترق يوم 13 نوفمبر حجب الغيب، وأستار التوقع، وسدل الحدس ~~والتخمين، ويتم ذلك اللقاء الذي بدأت به مصر حياتها السياسية في العصر ~~الحديث. # ومثل ريح عاصفة، طيبة، عاتية ولكن حنون، مزمجرة ولكنها موسيقى ~~التاريخ ... يصبح سعد وفهمي وشعراوي أنشودة أمل وبداية حياة لمصر وللعالم ~~العربي، ثم لكل الدول التي لا تغيب عنها شمس الإمبراطورية ~~الكريهة. # وتتواكب الأحداث ويقبض على عمالقة الثورة فيسيرون إلى المنفى وكأنهم ~~إلى الاحتفال باستقلال مصر يسيرون. وتصبح مصر نارا مثل نار الحقيقة ~~التي ألقي إليها إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. ولكن النار الحديثة ~~كانت تقتل المحتل مع ذلك حين هي على الوطنيين برد وسلام، كما أمرها ~~الله أن تكون على أبي الأنبياء، ثم هي تنقلهم من فانية إلى باقية، ومن ~~أسماء لا قيمة لها على صفحات الحياة إلى خلود يظل أبد الدهر وإلى ما ~~بعد الأبد مضيئا على جباه الحرية. # وفي مدرسة الحقوق يضرب الطلبة عن تلقي العلوم، ويخرج إليهم عميد ~~الكلية الإنجليزي. ~~- عليكم أن تنتظموا في دراستكم وتتركوا السياسة، فإن آباءكم قد ~~أرسلوكم إلى هنا لتتعلموا. # ومن بين الصفوف يخرج طالب شامخ الطول مثل مصر، في صوته ثورة الأحرار، ~~وحكمة الفلاح. ~~- إن آباءنا هم هؤلاء الذين قبضتم عليهم، ونحن نؤمن بالقضية التي ~~يبذلون حريتهم في سبيلها وحياتهم إذا احتاجت القضية إلى حياتهم. وهيهات ~~لنا أن ندرس هنا الحقوق، وحقوق آبائنا ووطننا ms09 مضاعة . تحيا ~~الثورة. # وتندلع إلى بروج السماء هذه الأيام المجيدة المطهرة بدماء الشهداء ~~والنابضة بروح جديدة وهبها الله للشعب ... # وكان اسم هذه الروح الجديدة المنورة بضياء السماء هو مصر. وتنعقد ~~الاجتماعات السرية وتتخذ القرارات. ويقسم الشباب نفسه بين خطباء ~~ظاهرين وبين جنود في الخفاء يقتلون، فيصبح الاحتلال في مصر على فراش ~~من رصاص ومتفجرات. # وفي بعض الأحيان كان المجتمعون يقرون قتل من يرون أن في وجوده ~~خطرا على القضية المصرية حتى وإن كان مصريا؛ فليست المصرية مولدا ~~وإنما هي عقيدة تنبت مع الولادة وتسمق شجرتها في النفس حتى تصبح هي ~~النفس كلها. فإذا كانت البذرة خبيثة وماتت في ركام المنفعة واختنقت في ~~حمأة الخيانة، فصاحبها إذن ليس مصريا. # كان هؤلاء قلة نادرة بل كانوا أقل من القلة النادرة، وكان الحكم ~~عليهم في جمعيات الثورة السرية لا بد أن يكون اجتماعيا، لذلك فلم ~~تقتل هذه الجمعيات من المصريين إلا فردا أو اثنين. # حاول الإنجليز أن يصوبوا سهامهم إلى العقائد الدينية، وصاحوا ~~بالعالم أنهم يريدون أن يحافظوا على الأقليات باحتلالهم لمصر. # وأدرك أقباط مصر الدور المهين الذي يريد الإنجليز أن يستعملوهم فيه، ~~فإذا هم ينتفضون مصريين. وحين تنهار حجة القوي يصبح السلاح هو حجته، ~~فإذا الدماء المراقة تلقح الثورة بالعنفوان فتزداد على الأيام روعة ~~وشموخا. # وبعد فما أظنك تنتظر مني أن أروي لك أحداث الثورة الكبرى في مصر؛ ~~فأنت لا شك تعرفها وتعرف كيف أصبح الشعب فيها كلا واحدا. واختلط ~~المثقف بالجاهل والقادر بالمعسر والفلاح بصاحب الأرض والعامل بصاحب ~~المصنع، وسقطت كل الفوارق فتعانق الصليب والهلال وأصبح كل فرد في الشعب ~~المصري لا يعرف أن له مصلحة خاصة، وإنما مصلحة الوطن العامة هي هي ~~ذاتها المصلحة الخاصة عند الجميع. # حلمي في ثبج الأحداث وفي بؤرة العاصفة؛ فهو في الجمعيات السرية، وهو ~~يقوم بدوره الذي يختارونه له، فيوما تراه خطيبا في صحن الأزهر الخالد ~~الشامخ، ويوما لا تراه لأنه يلبس الخفاء ويتعقب جماعة من الإنجليز ~~يقضي عليهم بالسلاح الذي تتفق الجمعية على استعماله؛ ms10 فالرأي جميع ~~والجميع رأي وعمل. # قلة قليلة وقفت من الأحداث على حوافيها تعلق ولا تشترك؛ فالثورة ~~عندها موضوع حديث لا حياة أمة، والأمة عندها شخص غريب يوحي بالحواديت ~~والأخبار المسلية، فيستوي الأمر عندها أن يكون هذا الشخص مصر ماضيهم ~~وحاضرهم ومستقبلهم، أو أي دولة أخرى لا صلة لهم بها ولا سبب ~~كان. # كان حفني من هؤلاء؛ فقد كانت أهمية الثورة عنده أن الأحاديث حول ~~مائدة القمار أصبحت أكثر جمالا ورونقا وانفعالا أصبح فيه سحر الحدث ~~لا موات التعليق. الخبر يلقى ليشمل أمة بأسرها، وكانت الأخبار قبل ذلك ~~تلقى فلا تكاد تجد سامعا، ومن أي سلة كانت تخرج الأخبار قبل الثورة ~~غير سلة التفاهة! فهذا زوجته تزور أمها، وهذا يريد لابنته عريسا ~~فيومئ ولا يصرح ويشير ولا يبوح، وذلك يريد لابنه عروسا فيقول ويرفع ~~صوته، أليس غضنفرا رئبالا أنجب ولدا بحاله ويريد له عروسا. كانت ~~أخبارا تولد موءودة تموت قبل أن تتم خبرا أو تجد تعليقا. # أما اليوم فالخبر أسطورة، والكلمة تاريخ، واللحظة خلود، وهم يلعبون ~~القمار ويلتذون في نفس الوقت بجسامة الأحداث، وبهذه الخلجات العالية ~~الضجيج التي يصنعها الخبر العظيم حتى في نفس هؤلاء الذين يعيشون من ~~الحياة على هامش الحياة. # وتمضي الأيام ويعود سعد ورفاقه من المنفى، وتبدأ المفاوضات وحلمي ~~ورفاقه سائرون الطريق بقوة الثائر وذكاء السياسي، وقد استقر الرأي ~~عندهم أن يكون عملهم هو تأييد المفاوضين بالطريقة التي يراها ~~المفاوضون، وكان عبد الرحمن فهمي في مصر ذلك الزعيم العملاق الذي رفض ~~أن يتقاضى ثمن الزعامة هتافا وإعجابا، وإنما تقاضاه راحة ضمير وعملا ~~خطيرا خفيا وراء الأستار في سبيل مصر، كان ذلك السياسي الزاهد في ~~المجد الشخصي والمتعبد في محراب مجد الوطن هو الصلة بين المفاوضات وبين ~~الجماعة التي يعمل فيها حلمي. # فالعمل إذن كان متئدا متزنا لا نزق ولا رعونة. وكان أعضاء الجمعية ~~يتزاورون، فلم يكن معقولا أن يصطنعوا لأنفسهم مكانا ثابتا يلتقون ~~فيه. # وقد يزور الصديق منهم صديقه على غير موعد، وقد يزور الغني فقيرا، ~~فلم يكن ms11 المال بذي شأن في علائقهم؛ فمنهم من كان قادرا على أن يستأجر ~~أكثر من خادم، ومنهم من لا يستطيع أن يستأجر إلا خادما واحدا أو ~~خادمة، فقد كان وجود الخادم في المنزل ضرورة لا غنى عنها، وإلا فمن ~~يشتري من الأسواق. # وقد تطهو سيدة المنزل أو ابنتها، ولكن لا بد أن يصل إليها الطعام ~~الفج ليكون على يديها مطهوا. # وحين زار حلمي بيت صديقه وزميله في الدراسة أحمد عبد المتعال لم يكن ~~بالبيت فرج الخادم، وكانت الأم مشغولة في شئون المنزل فلم تجد وصفية ~~بدا من أن تجيب الطارق، فلم تكن الأجراس معروفة في ذلك الحين. ولم ~~تقل من؟ وإنما ظنت أن فرج عاد من السوق ففتحت بسرعة، وما إن رأت ~~غريبا حتى توارت في لمحة وراء ضلفة الباب. ~~- أفندم؟ ~~- أحمد بك هنا؟ ~~- لا يا أفندم. ~~- شكرا. ~~- نقول له من؟ ~~- حلمي. ~~- حاضر. ~~- شكرا. # كانت اللمحة كافية لأن يرى حلمي وصفية. # | الفصل الثالث # ولم لا؟ وتزوج حلمي من وصفية وانتقل إلى بيت جديد وترك أخاه حفني ~~في البيت، وبدأ صديقي عدلي يتشكل في عالم الغيب. # وكانت السيدات في ذلك الحين يسيرات المأخذ قريبات الرضى، فبحسب ~~الزوجة أن تجد رجلا يحميها من ضراوة الحياة ويمد قلبها وروحها بدفء ~~الطمأنينة حتى تسلم إليه حياتها كلها، وقد كانت حياة السيدات كلها ~~موهوبة لبيوتهن؛ فالنجيبات منهن النجيبات من أصابت بعض تعليم في ~~المنزل الأول، سواء كان هذا المنزل بيت أبيها أو بيت أخيها كشأن وصفية ~~التي مات عنها أبوها وهي في باكر الصبا تولى أخوها أحمد أمرها. ولما ~~كان واسع الأفق واسع الآمال حين يفكر في بلاده فقد كان مؤمنا بتعليم ~~المرأة، وهكذا ذهبت وصفية إلى مدرسة السنية وبقيت بها حتى أتقنت ~~القراءة والكتابة واللغات أيضا، ثم أصرت أمها منيرة هانم أن تكتفي من ~~التعليم بما أصابت خشية أن ينصرف عنها الرجال، أو ذلك ما صرحت به ~~لابنها على الأقل فقبله في غير اقتناع، ولو كانت قد ساقت له السبب ~~الحقيقي لرفضه بغير جدال، ولو ms12 أن الرجال في هذه الأيام لم يكونوا ~~ليجرءوا أن يرفضوا لأمهاتهم مطلبا مهما يكن حظ الأبناء من التعليم ~~والمكانة ومهما يكن حظ الأمهات من الجهل، فقد استطاعت الحياة أن تعلم ~~نفسها لأولئك الجاهلات، فهن في شئون حياتهن وخاصة أمورهن أعلم من ~~العلماء إن فات الرأي السديد هؤلاء العلماء في هذه الشئون. # كانت منيرة هانم ترى وصفية متفوقة في الدراسة وقد خشيت إن أمعنت في ~~هذا التفوق أن تنصرف عن الزواج إلى الدراسة، فرأت أن تحسم الأمر في ~~مهده وتقضي عليه قبل أن يستفحل، واصطنعت هذا السبب الذي اصطنعته لتبقى ~~ابنتها في البيت، ولم يستطع أحمد أن يجادل مكتفيا بأن وصفية أصبحت ~~تستطيع أن تثقف نفسها إذا شاءت ما دامت أصبحت تعرف الكتابة واللغات ~~قراءة وكتابة. ~~••• # مر على الزواج شهور والزوج سعيد بزوجته سعادة يتوقعها؛ فقد كانت أغلب ~~الزيجات تتم دون أن يرى العريس عروسه، أما هو فقد رآها، وهو يعرف البيت ~~الذي نشأت فيه، فأبوها رجل من علماء الأزهر الأجلاء وإن يكن قد رحل وهي ~~طفلة إلا أنه ترك نور إيمانه في البيت وفي زوجه وفي ابنه أحمد صديق ~~حلمي وزميل دراسته منذ هما في الخديوية الثانوية حتى نالا شهادة الحقوق ~~وعمل حلمي بالداخلية وأحمد بالنيابة العامة. وحين تم هذا الزواج كان ~~أحمد قاضيا. # ولم يكتمل العام على الزواج، فقد سرعان ما قبضت عليه السلطات المحتلة ~~وألقت به إلى السجن، وذهب أحمد إلى أخته. ~~- تعودين معي إلى البيت. ~~- أترضى لي هذا؟ ~~- ولا أرضى لك أن تعيشي وحيدة. ~~- كنت تعرف حين زوجتني أن زوجي قد يقبض عليه في أي لحظة. ~~- وكنت تعرفين. ~~- وقبلت أنا الزواج وقبلته أنت، أفأترك البيت حين يحدث ما توقعه ~~كل منا؟ ~~- لو كان مسافرا لجئت معك، أما وهو في السجن السياسي فلا. أأجعل ~~سجانه يحس ولو للحظة أنه هدم بيته، وأن زوجته تخلت عنه؟ ~~- إن واجبي قبلك وقبل حلمي يحتم علي ألا أتركك وحدك. ~~- هذا حق. ~~- إذن؟ ~~- تأتي أنت وتقيم معي. ~~- وأمي؟ ~~- سلها. ~~••• ~~- وأقيم أنا أيضا معكما ms13 عند حلمي. # والناس اليوم لا تدري أية تضحية كبرى قدمتها الأم العظيمة منيرة ~~هانم وهي تترك بيتها، فترك البيت في ذلك الحين كان أمرا تقف دونه ~~أهوال جسام، ولكن الأم أدركت أن هذا وقت التضحية التي تملكها في سبيل ~~مصر أولا ثم من بعد، من أجل ابنتها وزوجها البطل. # | الفصل الرابع # خلا حفني بالأرض فأصبح يشرف على أرضه وأرض حلمي جميعا، وكان القمار ~~قد تغلغل في دمه فراح ينفق الريع كله في شهر أو شهرين، ثم يقف عاجزا ~~لا يدري ماذا يصنع. أما أموال أخيه فقد كان يخشى عليها من نفسه، وكذلك ~~أعطى أمره للناظر ألا يعطيه مليما من أموال حلمي وإنما عليه أن يذهب ~~بها جميعا إلى أحمد بك صهر أخيه لينفق منها على البيت ويبقي بقية ~~المال لأخيه. # وهكذا تعرف الناظر الحاج علي سعدون على أحمد، وفي أول لقاء ~~لهما. ~~- هذا هو الريع. ~~- هل معك إيصال أوقع عليه؟ ~~- والله أعددت الإيصال نعم. ولو كان مالي ما أعددت. ~~- وأنا لا أقبل مليما لا أعطي عليه إيصالا، فأنا أمين على هذا ~~المبلغ، ولا بد أن أؤدي الأمانة إلى أهلها ومعها الشواهد. ~~- إن صهرك يعرف طهارة يدك. ~~- وأنا أيضا أعرفها، ولكن ماذا أقول إذا نسيت أنت أو نسيت أنا قيد ~~مبلغ؟ ~~- الإيصال أضمن. ~~- وهذا هو التوقيع. ~~- ولكن هذا أمر لا خطر له. ~~- هناك أمر له خطر؟ ~~- كل الخطر. ~~- خيرا. ~~- لا خير مطلقا. ~~- ماذا؟ ~~- حفني بك. ~~- ما له؟ ~~- طلب إلي أن أبحث عن مشتر لعزبة الزمايلة. ~~- أكلها من نصيبه؟ ~~- له النصف وهو ما يريد بيعه. ~~- وأرض حلمي؟ ~~- ملاصقة طبعا لنصيبه. ~~- كم فدانا هي؟ ~~- مائتا فدان. ~~- وبكم الفدان؟ ~~- لن يزيد عن مائة جنيه، سينفقها على القمار في شهرين أو ثلاثة، وإذا ~~استمر الحال على هذا المنوال فالله أعلم إلى أي مصير سينتهي إليه، ~~والله أيضا يعلم إلى متى سيظل البك محبوسا عند أولاد الكلب ~~هؤلاء. ~~- اسمع، كم عندك لحلمي بك؟ ~~- هذه عشرة آلاف، وعندي محاصيل بحوالي خمسة آلاف. ~~- ألا تستطيع تدبير الخمسة الباقية؟ ms14 ~~- لا يهم أن أدبرها. ~~- كيف؟ ~~- لاعب القمار يرضى بأي مبلغ. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أخسف الثمن وأشتري على آجال، وحين يخرج حلمي بك من السجن نكون قد ~~اشترينا الأرض كلها بربع ثمنها. ~~- افعل ذلك. ~~- وحلمي بك؟ ~~- لو استطعت أن ألقاه - وهذا مستحيل - لن يقبل، ونحن نحافظ على أرض ~~أبيه في غيابه، ولا حيلة لنا إلا هذه؛ لأن الأرض إذا انتقلت إلى يد ~~غريبة فلن تعود. ~~- نعم الرأي. ولكن مصاريف البيت؟ ~~- أمرها سهل، لا شأن لك. ~~- وهو كذلك. # | الفصل الخامس # القمار مضمار عجيب من ميادين الحياة، الداخل فيه يدخل إلى حياة أخرى ~~بعيدة كل البعد عن حياته وعن مألوف أمر الناس. وما ظنك بقوم يجتمعون ~~حول مائدة واحدة وكل شخص منهم يحرص أن يخرب بيت الآخر في صراحة ووضوح! ~~فعلى هذه المائدة لا وجود لأي آصرة من قربى وإن كانت قرابى ابن من ~~أبيه، ولا وجود لأي معنى من معاني الصداقة أو المودة، سعار خالص بريء ~~من أي شائبة إنسانية، ولا يبقى إلا المال صاحب الصرخة الوحيدة والسيطرة ~~المطلقة. وإن كان المال قوي البراثن صلب المخالب في الحياة إلا أنه ~~فيها يتخفى وراء كلمة طيبة أو يستخذي أمام صلة رحم أو سبب من أسباب ~~المودة أو عشرة قديمة، إلا أنه في مائدة القمار يخلع كل الأقنعة ويعلن ~~نفسه حاكما فردا باطشا آخذا لا شريك له، ولا هو يقبل أية ~~مراجعة. # وعلى هذه المائدة تلتقي أصناف من الناس شتى لكل منهم عالمه الخاص ~~البعيد كل البعد عن عالم الآخرين الجالسين على نفس المائدة العاكفين ~~على المعبود الواحد؛ القمار. تجد السياسي رجل الدولة الذي يوشك أن يكون ~~عالما، وتجد الطبيب العالمي فعلا، وتجد المهندس الذي يهز اسمه أوساط ~~الفن الهندسي في كل أنحاء المعمورة، وتجد الضابط. وكثيرا ما تجد ~~الضباط، وتجد القواد، وتجد المقامر المحترف النصاب. وتجد الجميع ~~يعرف عن الجميع كل شيء، ولكن لا شأن لأي منهم بالآخر، متفقون على أن ~~الصلة بينهم هي هذه المائدة. وإن كان لأحدهم عند آخر منهم مسألة أو ms15 ~~موضوع فلا بأس أن يقضيه له كما يقضي خدمة لشخص يعرفه، ولكن العلاقة ~~تظل واضحة؛ علاقة قمار. وأغلب الأمر أن من يقضي هذه المسألة إنما ~~يقضيها لأنه يعلم أنه ملاق الشفيع فيها كل يوم، ولن يفلت من الحاجة، ~~على أن هذه الخدمات لا تتجاوز فعل الخير إلى المنفعة الخاصة، فالمصارحة ~~بينهم تتم حين يوزع بينهم ورق الدور الأول في اجتماعهم، فلا يستطيع ~~رفيق المنضدة أن يستغل نفوذ السياسي لأن السياسي سيواجهه في الحال بما ~~لم يتعود أن يواجه به الآخرين، وسيقول إن هذا الموضوع ستكسب منه كذا، ~~ولست مستعدا أن أخون الأمانة من أجلك أو من أجل أي أحد. # فلاعب القمار ليس من الحتم أن يكون لصا، وإنما قد يكون شريفا غاية ~~الشرف. صحيح أن القمار قد يجرف الشريف إلى مهاوي الدنية، ولكن هذا ~~المنحرف ضعيف كان مستعدا أن يكون لصا تحت أي ضغط أو أمام أي ~~إغراء. وها أنت ذا رأيت حفني يأبى أن يمس مال أخيه. # فالقمار هو هذه المائدة العجيبة التي تجمع الأصدقاء الألداء والأحباب ~~الذين لا يمانع أحد فيهم أن يقتل حبيبه فقرا طبعا، بل هو يسعى إلى ~~ذلك جاهدا ما وسعه الذكاء والمران والمناورة والمداورة. # كانت مائدة حفني للقمار تعمر بكل هؤلاء الذين ضربت بهم المثل، ~~فكان فيها حامد باشا محمد السياسي الداهية الذي تولى مناصب الوزارة، بل ~~إنه تولى عددا وفيرا من الوزارات، وهو رجل شريف السمعة لم يقل عنه ~~أحد ما يشين، وهو ذو عقلية سياسية نادرة وكان يلعب القمار بشيء من ~~التعبد وبكثير من الإخلاص في اللعب، فقد كانت المائدة المكان الوحيد ~~الذي ينسى عليه خصوماته السياسية والمؤامرات التي تدبر عليه والتي ~~يدبرها هو، وقد كانت أغلب الخصومات حتى ذلك الحين مع الإنجليز، وكان ~~معه دائما سياسي آخر يعمل بالمضاربة في البورصة، فهو حينا منتعش ~~النفس أو هو حينا آخر منتكس الخاطر والقلب، ترى في وجهه تقلبات ~~البورصة شأن المبتدئ الذي لا يستطيع أن يخفي مشاعره، ولهذا لم يكن ~~عجيبا أن يخسر ms16 عبد الفتاح صدقي بك دائما على المائدة، فقد كان وجهه ~~صفحة مفتوحة لأعين الخبراء، وكان معهم أيضا وجدي المسيري الملازم ~~بالجيش، فمائدة القمار لا تعترف بالفوارق، فأنت تجد السياسي العجوز ~~يجلس إلى الضابط الصغير دون أي شعور بفارق المرتبة، وكان وجدي في اللعب ~~مغامرا يبحث عن البطولة في ورق اللعب بعد أن تعب في البحث عنها في ~~أرجاء الحياة ودروب الوظيفة. وكان هناك أيضا يسري الجندي اللاعب ~~المحترف، وكان هناك أيضا رشدي المهدي اللاعب المحترف والقواد المحترف ~~أيضا، وهو الذي يعد المائدة ويدعو إليها ويدبر اللقاءات بين ~~اللاعبين. وكان هناك طبعا حفني. # إذا اتفقت المشارب بين اثنين من اللاعبين فلا بأس عليهما أن تقوم ~~بينهما صداقة. وقد كان حفني بموهبته الخارقة في صنع الصداقات على صلة ~~وطيدة بالجميع حتى ليحسب كل لاعب على المنضدة أنه الصديق الأول عند ~~حفني. # ولكن القمار لا صديق له، فحفني يخسر عشر ليال ويكسب ليلة، وإذا كان ~~جميع اللاعبين الذين ذكرتهم والذين لم أذكر يتبادلون أمكنتهم على ~~المائدة فهناك دائما اثنان لا يكاد يغيب أحد منهما عن اللعب، رشدي ~~المهدي وحفني الوسيمي؛ أما رشدي المهدي فتلك هي وظيفته في الحياة ولا ~~وظيفة له غيرها، وأما حفني فلأنه لم يكن يجد شيئا يعمله إلا اللعب، ~~وربما لو وجد متعة أخرى لترك المائدة سعيدا، فهو لا يعرف التحمس لشيء ~~حتى ولا للقمار الذي أجمع التاريخ على أن من يصاب به فلا فكاك له ~~منه. ولكن حفني شيء آخر غير الناس، لا يخلص لشيء ولا يتشبث بأي عادة ~~مما يتعود الناس عليه. دخن بعض الوقت ثم ترك التدخين، وشرب الخمر ~~ويشربها ولكنه لا يشربها إلا ليشارك الشاربين، فهو لا يذكر أنه جلس ~~منفردا وطلب كأس خمر، وإذا مر به الشهر أو الشهران لم يجلس إلى شاربين ~~لم يشرب هو قطرة واحدة. وهكذا شأنه مع القمار يذهب كل ليلة ليلعب فإذا ~~وجد متعة أخرى انقطع تماما عن اللعب. هو لا يتمسك بشيء أبدا ولا يسمح ~~لشيء أن يتمسك به. ms17 ماذا تراه يفعل إذا تزوج؟ تلك تجربة ستكون فريدة ~~وعجيبة أيضا، أيمكن أن يفكر مثله في الزواج؟ من يدري؟ # وهكذا باع حفني أرضه كلها، وكان مثال المقامر في بيعه، فكل ما كان ~~يفعله أن يوقع حيث يطلب منه الحاج علي أن يوقع، لا يرى إلى اسم ~~البائع ولا يعنيه أن يرى إليه، بحسبه أن يرى المبلغ معدا في يد الحاج ~~علي حتى يوقع عجلا متسرعا، ويطوي الحاج علي العقد في تؤدة وذكاء ~~وخبرة نادرة ويضعه في جيبه ويقول: عد معي يا سعادة البيك. ~~- يا حاج علي ألم تعد أنت؟ ~~- نعم، وإنما لا بد أن تعد أنت أيضا. ~~- يا حاج علي أنت تعلم كم أثق فيك. ~~- ولكن أنا يا سعادة البيك لا أثق في نفسي، عد مائة مائتين ~~... # ويتكرر هذا المشهد في كل مرة لا ينقص كلمة ولا يزيد، ولا يختلف في ~~مرة عن الأخرى إلا في رقم المبالغ الذي راح يتضاءل يوما بعد يوم، ~~شهرا بعد شهر. ~~••• # دعا رشدي المهدي إلى عشاء بمنزله، وكان حفني بين المدعوين، وهناك وجد ~~حفني دنيا جديدة تطالعه من الحياة لأول مرة وهو الذي خبر من هذه الحياة ~~ما لم يخبره إلا القلة النادرون. # الباشاوات هناك وقد خلعوا رتبة الباشوية، بل خلعوا رتبة الإنسانية ~~وارتدوا حيوانات حمر الوجوه من الرغبة والإثارة. والعظماء بلا عظمة، ~~والنساء بلا ملابس، والمقامرة بالعرض لا بالمال، وبالشرف لا بالنفوذ. ~~ورشدي منتعش النفس يضحك دائما ويعقد الصفقات بين المرأة والرجل وهو ~~سعيد غاية السعادة هنئ في قمة الهناءة. # ويعجب حفني أن رشدي لم يفقد شيئا من احترام المجتمع، بل إن كل هؤلاء ~~يقدم له الاحترام والتبجيل والإعزاز، ولا يعنى حفني بما في داخل ~~النفوس، وإنما بحسبه ما يراه في ظاهر الوجوه وفي الأيدي الممتدة بالمال ~~من ناحية وبالإجلال والتعظيم من ناحية أخرى للشخص نفسه الذي يتاجر في ~~الشرف، ولم يعرف حفني أن هذا الذي يتاجر بالشرف لا بد أن يتاجر معه ~~بشيء آخر هو الذي يهيئ له كل هذا الإجلال. إنه ms18 كما يتاجر في شرفه ~~وشرف النساء، يتاجر في سمعة الرجال والعظماء من الرجال. وكلما ازداد ~~الرجل عظمة ازداد حرصا على سمعته، ولكن أي حرص لا يستطيع أن يقف أمام ~~رشدي. يا لها من تجارة! يا لها من تجارة! # ما هذا الحب الذي يحظى رشدي به من أصدقاء له! بل ما هذا الاحترام وما ~~هذا الإجلال؟! إنها مهنة تصور حفني أن يكون رصيدها أي شيء إلا ~~الاحترام. قد يجني العامل فيها مالا أو صداقات أو قدرة على الشفاعة، ~~أما أن ينال الاحترام أيضا فهذا ما لم يتصور حفني أن المهنة ترتد ~~على صاحبها به. لقد كان لفظها يختلط في نفسه بالمهانة والاحتقار وكل ما ~~هو ذليل في الحياة؛ فقد عرف محترفيها من أسفل الطبقات، ولم يعرف من ~~محترفيها في الطبقات العليا إلا رشدي. القواعد في هذه الطبقات مختلفة، ~~والوسائل ليست هي الوسائل، والصفقات تعقد دون تصريح، والأجور يتم ~~تسلمها دون إبانة، ولكن الهدف واحد، والغاية لم تتغير، وهنا في هذه ~~الطبقة الأسماء تطلق على مسميات أخرى؛ فالفتاة أو المرأة موضوع الصفقة ~~صديقة لا عاهرة، والأجر هدية وليس أجرا. ولكن الفتاة أو المرأة تذهب ~~إلى المخدع على أية حال، والهدية تصل واسطة التعارف، ولا يسمى ~~قوادا ولا تسمى الهدية أجرا، فكل شيء هنا محصن بسياج الشرف، وأي ~~عيب أن يحيي صديق صديقا؟ وأي بأس في هذا المجتمع الساقط أن تحب ~~المرأة رجلا فتقضي ليلة في مخدعه؟ وأي لوم في أن يقبل شخص في مثل ~~مكانة رشدي ابن الأكرمين هدية من شخص آخر هو أيضا ابن أكرمين؟ منذ ~~هذه السهرة أصبح عبد الفتاح صدقي أكثر الناس تقربا إلى حفني، ولم ~~يكن هذا غريبا، فقد كانت سنه ومكانته تمنعانه أن يصل إلى المرأة عن ~~طريق آخر غير طريق حفني. وقد رأى عبد الفتاح إقبال النساء على حفني ~~وحبهن له، وخير له أن يتعرف بالمرأة عن طريق حفني أخي حلمي وغير ~~القواد من أن يتعرف بها عن طريق ~~رشدي فيصبح الأمر رسميا، وإن كانت الرسمية ms19 متسترة بأسماء بريئة. ~~والظاهر عند عبد الفتاح وأمثاله أهم من الواقع. وحفني يمثل له الشخص ~~الأمثل ليقدمه إلى من يحب، فجمال حفني يقتنص من النساء أشدهن مراسا ~~وأعظمهن فتكا. ومكانة حفني الاجتماعية وما هو معروف عن غناه وما ليس ~~معروفا عن فقره، كل هذا يجعل صداقة العظماء به أمرا طبيعيا لا ~~غرابة فيه، ولو لم يكن لأسرته من المكانة إلا اسم أخيه بطل ثورة 19 ~~وسجين الإنجليز لكان حسبه وحسب أسرته مكانة ورفعة. # وهكذا توطدت العلائق بين عبد الفتاح رجل البورصة الذي يحيط دائما ~~بكل ظروف الصفقة قبل أن يقدم عليها، وبين حفني الذي وجد فيه شخصا ~~غاية في الذكاء وسرعة الخاطر مع مقدرة فائقة على التمتع بالحياة، جدها ~~وهزلها. وأصبح بيت عبد الفتاح مثابة لحفني، ولم يجد عبد الفتاح في ذلك ~~بأسا؛ فحفني يصغره بسنوات عديدة ولا خوف على زوجته منه، وزوجته سيدة ~~فاضلة شريفة أنجبت بنتيها وانتهى ما بينها وبين الأنوثة منذ مجيء آمال ~~البنت الصغرى منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما. وكانت البنت الكبرى سناء ~~في السابعة عشرة حين تعرف على الأسرة حفني، ولم يكن حفني يتعامل مع ~~هذه الأعمار في مألوف حياته. فلا حرج على عبد الفتاح إذن أن يستقبل ~~بيته حفني في أي وقت، وقد استطاع حفني بالموهبة التي منحتها له السماء ~~أن يكون محبوبا من السيدة كريمة المدبولي ومن ابنتيها جميعا سناء ~~وآمال. وقد سعد حفني بهذه الأسرة، فقد كان عمله في الصباح قليلا، ~~فما عليه إلا أن يكتب كلمتين ويلقي بهما إلى المجلة، ثم يصبح فارغا لا ~~هم له إلا أن ينام في القيلولة بضع ساعات يقوم بعدها ليجد الفراغ ~~ينتظره حتى يبدأ السهر المتكاسل، الذي يأبى أن يبدأ قبل العاشرة، إن ~~يكن قمارا فقمار، أو يكن حفلة فحفلة. # فماذا هو صانع في الصباح؟ # وماذا هو صانع بعد نومة القيلولة إلى مشارف العاشرة؟ # أما بيت أخيه فلم يكن يرحب به كل الترحيب وإن كان لا يصد عنه، فهو ~~يذهب ليقضي واجب الأخوة ms20 ثم سريعا ما ينصرف إلى هواء آخر يحب أن ~~يستنشقه، وهو بالتأكيد ليس الهواء الذي في بيت حلمي. # ولم يكن هواء البيت عند عبد الفتاح مشوبا بما يحب أن يستنشق حفني في ~~مألوف حياته، ولكنه أيضا كان خاليا من التزمت الذي كان يواجهه في بيت ~~حلمي وزوجه وأخيها وأمها التي لا تترك سجادة الصلاة إذا تصادف ووجدهما ~~عند زيارته. # وحفني لم يحصل على الأسرة منذ وعى الحياة، والأسرة جزء من دمائنا نحن ~~الشرقيين. وقد كان حلمي هو أسرة حفني جميعا. أما أقاربه الكثيرون ~~فكانوا أصدقاء ولم يعاشرهم وما عاشروه، فهو إذن واجد في بيت عبد الفتاح ~~كل ما تتوق له نفسه من شعور الأسرة، ومن ترحيب في اللقاء، ومن سماحة في ~~المعاملة من بين ضحكات منطلقة لا يحبسها شيء في رنينها، فهي صفاء القلب ~~الخالي والاطمئنان والإقبال على الحياة. # | الفصل السادس # صدر تصريح 28 فبراير وأصبحت البلاد تتهيأ لدستور جديد وانتخابات ~~برلمانية، وأصبح من المضحك أن يبقي الإنجليز على معتقلين من المصريين ~~وهم يعترفون لهم في نفس الوقت بحقهم في الحياة البرلمانية ~~الديمقراطية. # وخرج حلمي دون أن تتم محاكمته، فالقضية سقطت بصدور التصريح. ~~- ماذا فعلت بأرضك يا حفني؟ # ويجيبه صمت وإطراق. ~~- أجب. ~~- لقد عرفت. ~~- ولكن أحب أن أسمع الإجابة، فلست وحدي الذي سيسألك هذا السؤال، ~~وسنسمعه من أقاربنا جميعا، وسنسمعه من أصدقائك الذين يحترمونك اليوم ~~ظانين أنك صاحب الضياع والأرض والمال ... سنسمعه دائما. فماذا أنت ~~قائل: أجب. ماذا أنت قائل؟ ~~- أنا لم أمس من مالك مليما. ~~- ومتى كان لي مال ولك مال؟ ~~- احتجت للنقود. ~~- فالبيع أقرب شيء إليك؟ ~~- لم تكن بجانبي ماذا كنت أفعل؟ ~~- بسيطة تبيع الأرض. أقدرت أنني سأموت في السجن؟ ألم تنتظر أن تقف ~~مني هذا الموقف؟ ~~- كنت في حالة يائسة. ~~- توقف عن القمار. ~~- كنت خسرت كثيرا وأريد أن أعوض. ~~- وتدور العجلة فتخسر كل شيء. ~~- لم أقدر هذا. ~~- لأنك لا تقدر شيئا على الإطلاق. أنت ابن لحظتك، وليكن بعد ذلك ~~ما يكون. ~~- أرجوك يا سي حلمي كفى. ~~- ألم ms21 تقل لنفسك كفى وأنت تبيع كل هذه الأرض؟ أظننتها أرضك؟ ~~- أليست أرضي؟ ~~- إنها أمانة في أعناقنا ولها أصحاب. ~~- أمانة! أصحاب! من أصحابها؟ ~~- أصحابها أولادنا. ~~- قد يبيعونها هم من يدري. ~~- نؤدي نحن أمانتنا والباقي نتركه على الله، فالأرض كلها ملكه، وما ~~نحن إلا خلائف له عليها. ~~- ماذا؟ ~~- أنا آسف. كان يجب أن أقدر أن هذا الحديث لا يلقى إليك. ~~- أكافر أنا؟ ~~- لا. مقامر فقط. ~~- سأتوقف. ~~- أرجو ... كم بقي معك من ثمن الأرض؟ ~~- ماذا؟ ~~- لا شك أنك سمعتني. ~~- وماذا تريد من الباقي؟ ~~- أريده. ~~- أنت؟ ~~- نعم أنا. ~~- أنا لا أعصي لك أمرا. ~~- أعرف ذلك. ~~- خمسة آلاف جنيه. ~~- هاتها. ~~- أمرك. # وخرج حفني ذاهلا، وابتسم السياسي المحترف حلمي وهو يرى الدهشة على ~~كل نأمة جسمه حتى على قفاه الذي كان آخر ما اختفى من الباب. # بقي حلمي لحظات وحده، لم يفقد كل الخير الذي فيه، قلت هات قال حاضر، ~~وهو حتى لا يعلم لماذا إلا أنني أريد فقط. # ويدخل أحمد الحجرة ويصيح به حلمي: أهلا أحمد باشا. ~~- باشا مرة واحدة. ~~- الباشوية مضمونة لك يا سعادة القاضي، كل القضاة يصبحون مستشارين ~~فباشاوات ... ~~- وأين أنا من مستشار هذه؟ ~~- أنت عينت في النيابة منذ تخرجك ورقيت إلى القضاء وأنت صغير، ~~فإن لم تصبح أنت مستشارا فمن يكون؟ المهم أنا لا أعرف كيف أشكرك على ~~ما صنعت مع وصفية ومع حفني، أما فضل السيدة العظيمة والدتك فهو أكبر من ~~أن يذكر. ~~- أما عجيبة يا أخي! أولا من وصفية هذه، أليست أختي؟! وهل أشكر ~~لأني أؤدي واجبي نحو أختي؟! وثانيا حفني أنا صنعت ما صنعته معه لأنني ~~تصورت أنك لو كنت خارج السجن لما فكر هو فيما أقدم عليه، وأن لك علينا ~~واجبا أكبر من واجب الصهر على أصهاره. ~~- أي واجب يا سعادة الباشا؟ ~~- واجب الوطني على مواطنيه. أتسجن من أجل مصر ولا نقدم كل ما ~~نملك لك؟! ألسنا بشرا مصريين؟! ~~- خطبة وطنية رائعة. ~~- تنفعك في الانتخابات. ~~- لا يا عم، لا شأن لك أنت بالانتخابات، فأنت رجل قضاء. ~~- من سيرشح ms22 أمامك؟ ~~- اثنان حتى الآن، أعتقد أن أحدهما سيتنازل. ~~- والآخر؟ ~~- مرشح الوفد. ~~- ولماذا لا تنضم إلى الوفد، أنت من مؤسسي لجان الشباب فيه، وكنت من ~~أعظم أبطال منظماته السرية؟ ~~- العمل في السياسة عندي ليس تجارة أدفع مقدما لأربح مؤخرا. أنا ~~عملت مع الوفد لأنه كان مصر كلها، وكنت واحدا من الذين يستطيعون أن ~~يقدموا شيئا لوطنهم. ~~- وقد قدمت بقلمك ولسانك ومالك وحريتك. ~~- ولكني لم أعد معجبا بسياسة الوفد التي ينتهجها، فقد أصبحت سياسة ~~شخصية بعد أن كانت قومية. ~~- ولكنه قوة خطيرة في الانتخابات. ~~- هذا صحيح، ولكني حتى إذا لم أنجح فإن هذا لن يجعلني أغير رأيي في ~~سياسة الوفد الآن. المهم هناك موضوع أحب أن أكلمك فيه. ~~- انتظر حتى أفتح باب المرافعة. ~~- وهل حجزت القضية للحكم. ~~- وماذا أعمل لك وأنت تستأذنني في الكلام! نحن إخوة يا حلمي. ~~- وأكثر والحمد لله. حين راجعت الحسابات وجدت أنك أعطيت كل الريع ~~لحفني ثمنا لأرضه، ومعنى هذا أن مصاريف البيت كنت تقوم بها ~~أنت! ~~- وما له! بيتي. ~~- وبيتي أيضا. ~~- كنت في السجن. ~~- ولكن أرضي لم تكن في السجن معي. ~~- أرضك ريعها ذهب لحاجة أهم. ~~- ليس أهم من المعيشة. ~~- قمت أنا بها، ماذا في هذا! ~~- لا شيء، ولكن قدر ظروفي. ~~- حين تقدر أنت ظروفي. ~~- ظروفك؟ ~~- أيرضيك أن أحس أنا وأمي أننا انتقلنا إلى بيتك لنعيش على ~~حسابك؟ ~~- وأنت هل يرضيك أن أتزوج أختك ونعيش على حسابكم؟ ~~- كان ظرفا استثنائيا. ~~- لو لم يصنع حفني ما صنع ماذا كنت ستفعل؟ ~~- كنت سأعطي أختي ما تحتاجه يدها من مالك، وأنفق أنا على البيت الذي ~~أصبحت رجله حتى يخرج رجله من السجن الشريف. ~~- هذا ظلم. ~~- هذه كلمة يقولها الناس في مألوف حياتهم ولا تعني شيئا، ولكنها إذا ~~قيلت لقاض فهي كبيرة. ~~- والقاضي يكون في بعض الأحيان ظالما لنفسه، ولا بد أن يجد من ~~يواجهه بهذا ما دام بعيدا عن منصة القضاء. أنت في هذا ظالم. ~~- ظلما أحبه. ~~- وهذا أظلم. ~~- لمن؟ ~~- لي أنا. ~~- وما شأنك أنت؟ ~~- لا يقع الظلم إلا على ms23 مظلوم. وأنت لا يرضيك أن تظلمني. ~~- لقد طال الحوار في أمر لا يحتاجه. ~~- وهذا ظلم آخر، فإن المظلوم وحده هو الذي يعرف أين ينتهي ~~الدفاع. ~~- اسمع، أنت خريج حقوق معي فقل ما تراه. ~~- أدفع ما كنت أدفعه في البيت وأنا فيه. ~~- اسمع، لقد فوضت المحكمة الأمر إليك فكن عادلا، واخصم ثلثه مقابل ~~غيبتك، فقد كنت تعيش على حساب الحكومة في السجن. ~~- موافق. ~~- وأنا موافق وأمري إلى الله، ولو أن الأمر لا يستاهل كل هذا. ~~- إن راحة النفس لا يماثلها شيء في العالم. ~~- أعرف ذلك. ~~- وأعرف أنك تعرفه. # | الفصل السابع # حين خرج حفني من حجرة أخيه أحس دوارا لا قبل له به، كأنما كان ~~يواجه تنينا وأنقذ منه، أي شيء فيه أخافه؟ هو أنيس لا ينطق كلمة ~~جارحة ولا يأتي بعمل عنيف، ولكنه مع ذلك قوي صلب، أي شيء فيه أخافه؟ ~~ربما لأنه دائما على حق وأنني دائما أفعل ما يحلو لي بغير اهتمام ~~بالحق أو بالباطل، وهو يضحي بعمره من أجل وطنه وأنا أتمتع بحياتي أقصى ~~ما تكون المتعة، أنهل رحيق كل ساعة فيها وتسري لحظاتها في دمائي نشوة ~~وسرورا وجدلا وفرحا، أيحس هو في جهاده بما أحس أنا به في متعتي؟ ~~الحياة عندي ضحكة والحياة عنده جهاد. أينا عرف سرها وبلغ مكامن ~~الحقيقة فيها؟ هو يعطي دماءه لبلده جميعا، وأنا أعطي دمائي لنفسي. ~~ربما شعر هو بمتعة العطاء قدر ما أشعر أنا بمتعة الأخذ. # هو يعتصر الحياة ليقدم للبشرية مثلا رفيعا مختلطا بتضحيته بكل ~~ما يمتعه، وأنا أعتصر الحياة لتعطيني أكثر مما تطيق أن تعطيه فأنهله ~~أنا ... أنا ... أنهله متعة وحبا للنساء كل النساء، ولرشفة خمر أشربها في ~~غير رضاء عنها، وإنما لأنها تمثل رحيق عدم المبالاة بالحياة متجسما ~~في شراب ولعب القمار؛ لأن الحياة قمار، وأنا أريد أن أمارسها وأعيشها ~~وأذلها بألا أعنى بكل ما تخبئه لي، فإن يكن خيرا فأهلا، وإن يكن ~~شرا فأنا عنه لاه، وعن نتائجه مشيح غير آبه ولا مهتم، ومنه أنا غير ~~خائف ms24 ولا متوجس ولا متحسب لخفايا الغد فيها. هو يفكر في الغد وما بعد ~~الغد، وأنا ابن لحظتي وأبوها وربها وقاتلها قبل أن تقتلني. فأينا عرف ~~حقيقة الحياة؟ وأينا بها أكثر خبرا ولخبثها أكثر درءا ومنعا؟ وأينا ~~أذل الحياة واغتصب منها ما يريد أن يغتصب؟ # حين سألني كم بقي قلت خمسة آلاف فصدقني. هل صدقني أم أراد أن يصدقني، ~~إنه ذكي يقبل الكذب الذي يلقى إليه ما دام يعرف أنه لن يستطيع أن يصل ~~إلى الحقيقة. فيم يريد هذا المبلغ؟ لعل الانتخابات ونفقاتها جعلته ~~يحتاج إلى هذا المال. إن كان الأمر كذا فيسعدني أن أقدم له العون، ~~فرغم أن كلا منا يقف على طرفين متناقضين من الحياة إلا أنني أقدره ~~كل التقدير. أتراني أقدره أم أقدر فيه الرجل الذي تمنيت أن أكونه ~~ولم أستطع؟ ترى هل مرت به لحظة ولو لحظة عابرة تمنى أن يكونني ولم ~~يستطع؟ من يدري؟ ربما! # مشى به الطريق والضجيج في داخله، وليس يشعر من خارج نفسه ضجيجا ولا ~~حسا، وإذا هو يجد نفسه فجأة بين رأسي حصانين ويعلو الضجيج في هذه ~~المرة من خارجه لا من داخله. ~~- يا أفندي اصح، مسطول في عز الظهر. ~~- احفظ أدبك. ~~- أدق لك الجرس من الصبح وأنت ولا أنت هنا. ~~- قلت لك احفظ أدبك يا قليل الأدب. # وحينئذ يقفز من داخل العربة ضابط ملازم ثان ويثور به: أما إنك بارد ~~حقا وقح. تسير في منتصف الشارع ولا يهمك من العربات الرائحة ~~والجائية، وإذا أنقذ الأسطى حياتك تطول لسانك عليه! ~~- أتظن أنك تخيفني ببذلتك العيرة هذه؟ ~~- عيرة يا قليل الأدب. ~~- بذلة المحمل. ~~- محمل! قدامي على القسم. ~~- أخفتني. قدامك على القسم. # وكان أسرع منه في ركوب العربة، فقد تنبه أنه يبغي أن يحسم الموقف ~~قبل أن تتشابك الأيدي ويتجمع الناس، وصادف هذا التفكير مثيله عند ~~الملازم شوقي سالم. وحاول السائق أن ينهي الموضوع. ~~- يا أفندية لا لزوم لهذا، حضراتكم ناس محترمون والقسم ليس ~~لأمثالكم. # وصاح الملازم في كبر وغيظ: امش أنت إلى القسم ms25 ولا شأن لك . لا بد أن ~~يدفع ثمن طول لسانه. ~~- إياك أن تزيد كلمة واحدة. في القسيم قدم شكواك، ولكن حتى نصل إلى ~~القسم تسكت تماما. ~~- وهو كذلك. أما نشوف. # ولم يجد السائق بدا من الصمت، فقد أدرك بذكائه الفطري أن أي حديث ~~قد يشعل حريقا لا داعي له. # وقفت العربة عند القسم ونزل الخصمان، وطبعا قصد الملازم إلى حجرة ~~المأمور مباشرة ودخل حفني وراءه، وإذا الجالس في مكان المأمور ملازم ~~ثان من الشرطة لم يعرف ضابط الجيش ولكنه ما إن رأى حفني حتى هب من ~~كرسيه: من! حفني الوسيمي! # وصاح حفني: أهلا. كيف أنت يا زين. # وصاح شوقي: أتعرفه. # والتفت زين أخيرا إلى شوقي: أهلا حضرة الضابط، تفضل. كيف أنت يا ~~حفني؟ # وحين هدأت التحايا قال شوقي في غيظ موجها كلامه لحفني: ولأنك ~~تعرف ضباط البوليس تريد أن تأخذ الدنيا في وشك؟ # وقال حفني في ثقة وعدم مبالاة: أنت الآن في القسم، اكتب شكواك واترك ~~الأمر للبوليس يأخذ إجراءاته. ~~- وهل بقي فيها إجراءات! طلعت صاحب البوليس. # وقال زين وهو يكتم غيظه: يا حضرة الضابط لا لزوم لهذا، ومعرفتي بحفني ~~بك لن تمنعني من إعطائك حقك إن كنت صاحب حق. ~~- وهل عاد فيها حق؟ ~~- سترى. ~~- وهو كذلك. # وروى القصة وما إن انتهى منها حتى ضحك زين: ألا تعرف حفني بك؟ ~~- عرفته بين رأسي الفرسين. ~~- حفني بك الوسيمي. # ونظر شوقي إلى حفني نظرة متفرسة: أأنت الذي تكتب في مجلة الفن؟ # وقهقه زين أخيرا وقد أحس أن الحرج الذي وقع فيه قد انجاب عنه إلى ~~غير رجعة. ~~- هو الذي يكتب في مجلة الفن، وأخوه حلمي الوسيمي الوطني ~~المشهور. ~~- ولماذا لم تقل هذا من الصبح يا أخي؟ ~~- وهل تركت لي فرصة لأقول. ~~- أوجعتني بذلة المحمل. ~~- حقك علي. ~~- ولا حق ولا يحزنون، إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- كنت في طريقي لاستئجار عربة. ~~- لمجرد استئجار عربة أم لتذهب بها إلى مكان معين؟ ~~- والله كنت سأفكر أين أذهب بعد أن أركب. ~~- ولا تفكر ولا حاجة، تعال نشرب ms26 حاجة أولا ثم فكر على ~~كيف. ~~- تعال معنا يا زين. ~~- والمحضر؟ ~~- اكتبه حين ترجع. ~~- وضحك ثلاثتهم. ~~- على رأيك. ~~- ونادى زين البلوكامين: أنا خارج في مهمة، ولن أغيب. ~~- أمرك يا أفندم. # وفوجئ سائق العربة بالخصمين يخرجان وقد لف كل منهما ذراعه في ~~ذراع خصمه ومعهما أيضا ضابط البوليس، وركب الثلاثة عربته. وصدر إليه ~~الأمر أن يذهب إلى قهوة ريش. وزيد عدد الأصدقاء عند حفني صديقا جديدا ~~سرعان ما تبين له أن صداقته ستكون وطيدة بذلك الإحساس الخفي الذي لا ~~يعرف مأتاه إلا خالق النفوس وباريها. # | الفصل الثامن # توقع حفني كل شيء إلا هذا الذي فاجأه به أخوه حين ذهب إليه بعد ~~الظهر يحمل مبلغ الخمسة آلاف جنيه التي ادعى أنها كل ما بقي ~~له. ~~- أتعرف من اشترى الأرض؟ ~~- لا والله. ~~- ألم تقرأ عقدا واحدا من عقود البيع؟ ~~- وفيما أقرأ؟ الحاج علي هو الذي يقوم بالبيع، وكلانا يعرف أمانته كل ~~المعرفة. ~~- هيه، النهاية، أنا الذي اشتريت الأرض. # ووجم حفني في ذهول. ~~- تقول من؟! ~~- ألم تسمع؟ ~~- ولكنك ... ولكنك ... ~~- نعم، وأنا في السجن اشتريتها. ~~- كيف؟ ~~- لا يهم، المهم. ~~- أرجوك ... انتظر، أرجوك يا سي حلمي انتظر لم يعد في رأسي عقل ~~ليسمع. ~~- ضياع عقلك أمر يحدث كثيرا. ~~- في عرضك انتظر قليلا. # وصفق وجاء بخيت أمين المنزل وطلب منه كوب ماء وانتظر الصمت كوب ~~الماء حتى حضر. وخرج بخيت بالكوب الفارغ. ~~- أهذا ذهول الفرح أم العجب أم السخط؟ ~~- كل هذا معا. ~~- والسخط أيضا؟ ~~- على نفسي. ~~- أهذا فقط ما يسخطك على نفسك؟ ~~- لماذا لم تقل لي هذا من قبل؟ ~~- وماذا كنت تفعل إذا قلت لك؟ ~~- أهدأ وأستريح. ~~- وهل كنت مضطربا حتى تهدأ؟ ~~- ومن أدراك أنني لم أكن مضطربا؟ ~~- لأن الله وهب لك أعصابا من حديد. ~~- كيف تعرف؟ ~~- بعت أرضك كلها ومع ذلك لم يهمك شيء. ~~- وماذا يمكن أن يهمني؟ ~~- ألا تخاف المستقبل؟ ~~- وأنت موجود ... لا، لا أخاف شيئا. ~~- نعم تعودت أن تجدني دائما. ~~- وسأجدك دائما. ~~- فهل يا ترى سأجدك أنا؟ ~~- أنت لا تحتاج إلي ولن تحتاج إلي. ms27 ~~- من يدري؟ ~~- أنا أدري. ~~- تستطيع أن تكون قمة في الذكاء، ولكنك أبدا لن تستطيع أن تعرف ~~الغيب. ~~- أرجو ألا تحتاج إلي أبدا، ولكن على كل حال أنت أبي وأخي وأستاذي ~~ومثلي الأعلى، فإن خنت واحدا من هؤلاء فلن أخون الآخر. # وعاد الصمت مرة أخرى وبدأ حلمي الحديث: على كل حال، الأرض ستظل ملكا ~~لك وسأسدد لنفسي ما دفعته لك ثمنا لها من الريع حتى إذا استوفيته ~~عادت إلى إدارتك مرة أخرى، وفي هذه المرة لن تستطيع أن تبيعها ~~ثانية. ~~- أطال الله عمرك وأبقاك. ~~- وفي فترة السداد سأعطيك خمسين جنيها شهريا لتظل محافظا على ~~مظهر البذخ الذي عرفك الناس به. ~~- هذا كثير، كثير جدا. ~~- الجنيه في يدك مليم، أرجو أن تقدر أن المبلغ كثير حقيقة ولا ~~تبالغ في الإنفاق. ~~- مرة أخرى وثالثة وعاشرة وألفا أطال الله عمرك، أريد أن أقبلك ~~ولكن لن أقبل وجهك كما يفعل الأخ مع أخيه وإنما ... # واختطف يده وقبلها وأكمل الحديث: كما يفعل الابن مع أبيه. # واضطرب حلمي هنيهة، ولكنه تمكن بقوة السياسي أن يكبت عواطفه ~~ويغير مجرى الحديث: أنا مسافر غدا لأبدأ الحملة الانتخابية. # ولكن حفني عاجله: لا تغير الموضوع، هناك أمر لم يتم. ~~- ما الذي لم يتم فيه؟ ~~- هذا المبلغ. ~~- ما هذا؟ ~~- ألفا جنيه. ~~- إذن فقد كانت سبعة! ~~- لم أكن أعرف فيم تريد المبلغ، قلت إن كان يريد أن يعاقبني فالخمسة ~~كافية، أما إذا كان يريد المبلغ للانتخابات فالسبعة كلها له. ~~- مهما تكن أعمالك سيئة في حق نفسك إلا أنك كأخ تعتبر من أبر ~~الأخوة. ~~- الآن غير الموضوع إذا شئت. ~~- أنا مسافر غدا للانتخابات. ~~- أسافر معك. ~~- لماذا؟ ~~- لأكون معك. ~~- كما تشاء، ولو أنني أفضل أن تبقى. ~~- أبقى لماذا؟ ~~- أخشى أن تحتاج وصفية إليك. ~~- هل اقترب موعد الوضع؟ ~~- أظن ذلك. ~~- البلد ليست بعيدة، وأنا قادر إن شاء الله على أن أكون على علم ~~بأخبارها دائما. ~~- كما تريد، وعلى كل أخوها أحمد ووالدتها سيقيمان معها هنا. ~~- إذن فأنا معك. ~~- على بركة الله. ~~••• # في مولد فجر من عام ms28 1924م ولد صديقي عدلي حلمي الوسيمي الذي بدأت به ~~ومعه هذه الرواية التي أرويها لك، وأصبح والده الأستاذ حلمي الوسيمي ~~عضوا بمجلس النواب، وبدأت بالأب وابنه حياة جديدة، وربما أيضا بدأت ~~مصر نفسها حياة جديدة. # | الفصل التاسع # أما أخي فقد أصبح عضوا بالبرلمان منذ سنوات وسنوات، وأصبح له ابنه ~~عدلي، فماذا أنا في هذه الحياة؟ مقامر صاحب نساء ثم ماذا؟ وماذا تريد ~~بعد ثم؟ هو يجاهد في سبيل الوطن ويشق الحياة بمخالبه ليحقق الاستقلال ~~لبلاده لأن استقلاله هو ممثل في استقلال مصر، أما أنا فمتمتع باستقلالي ~~دون البحث عن استقلال مصر، هو سينال مكافأته وسعادته إذا جلا الاحتلال ~~وأنا أنال مكافأتي من كل لحظة حياة والدفع فوري، المتعة مع اللحظة بلا ~~أجل ولا تسويف ولا تعطيل ولا تأخير. أنا واثق أنني تقاضيت ثمن جهدي، ~~أسهر على المائدة وأتمتع وأنال متعتي مع سهرتي. أو أسهر مع صاحبتي ~~وأنال متعتي في الصحبة نفسها، أما هو فمن يعلم أينال ما يرجوه أم هو ~~جهاد بلا نتيجة، وشقاء بلا ثمن، وتعب بلا فائدة. # أهو هكذا حقا أم تراه يجد لذته في أنه يؤدي واجبه الذي اقتنعت به ~~نفسه واطمأن إليه ضميره؟ أشهد أنه لا يهتم بالشهرة ولا يسعى إليها ولا ~~يفكر فيها، وإنما هي تسعى إليه كنتيجة طبيعية لجهاده، ولكنها أبعد ما ~~يكون عن آماله. # أينا خير من صاحبه؟ وفيم التفكير؟ وهبني أردت أن أكون مثله، أبيدي ~~هذا؟ إنما أحسن ما لا يحسن، ويحسن هو ما لا أحسن. هل أستطيع أن أتكلم ~~بالبرلمان وأحارب الإنجليز وأؤيد الحكم أو أعارضه؟ وهل يستطيع هو أن ~~يلعب البوكر أو الكونكان كما ألعب؟ هل يستطيع أن يجعل أجمل سيدات مصر ~~يتقن إلى ابتسامة منه أو موعد؟ هيهات له هيهات! # بالمناسبة ما قصة هذه الأميرة المقبلة علي، وماذا تريد مني، وماذا ~~أستطيع أن أقدم لها؟ جمالي وشبابي! ألم تجد شابا جميلا غيري؟ ~~أعجبتها؟ وأي عجيبة في ذلك! ومهما تكن أميرة فإنها ما زالت امرأة. ~~ولكن الملك معجب بها. وماذا ms29 في ذلك؟ هل جننت ؟ إنه الملك. وأنا ما شأني ~~به؟ لتكن أنت لا شأن لك به، أليس أخوك مرشحا أن يكون وزيرا؟ وما شأن ~~الوزارة وأميرة أرادها الملك وأرادت هي غيره؟ أنسيت كيف تحكم مصر؟ ~~لا، ولكن أستطيع أن أتناسى أنها أميرة، وأنها امرأة. كيف ستبدو؟ كما ~~تبدو النساء. أكل النساء متساويات هيهات! لو كان الأمر كذلك ما بحثت عن ~~بديلات دائما. كل امرأة لها مذاقها الخاص وطعمتها الخاصة ولونها ~~المتميز. صوت كل امرأة له تهدج مختلف، ولكل صوت وقعه في الأذن نغمات ~~تتقاصر بجانبها موسيقى عبد الوهاب وأم كلثوم. والله ولا مائة ملك ~~سيمنعني عن الأميرة فضيلة، فضيلة، مصيبة لو كان لها من اسمها ~~نصيب! ~~••• # كان الحفل في قصر الأميرة فضيلة غاية في البهاء والروعة، ولكن حفني ~~أصبح متمرسا على هذه الحفلات، إلا أنه فوجئ بشوقي سلام ضابط الجيش بين ~~المدعوين. ~~- أهلا شوقي. ~~- أهلا حفني. ~~- ماذا أتى بك؟ ~~- مأمورية. ~~- ماذا؟ ~~- ألم تسمع أم أنت مندهش؟ ~~- كنت أظن هذا من عمل البوليس. ~~- أصبحت وجوههم معروفة، وأصبحنا نحن نكلف من حين لآخر بهذه ~~المهمات. ~~- في أي سلاح أنت؟ ~~- ألم تدرك؟ ~~- أريد أن أتأكد. ~~- في الحرس الملكي. ~~- أهلا، تشرفنا. ~~- حفظت؟ ~~- وأنت ماذا أتى بك؟ ~~- مأمورية. ~~- أنت الآخر؟ ~~- هذا عملي الرسمي. ~~- حسبتك صحفيا. ~~- هذا عملي غير الرسمي. ~~- وقعتك هباب، مأموريتك ألعن من مأموريتي. ~~- ربنا يستر. ~~- أنا علي أن أراقب أما أنت ... ~~- ما دمت أنت الرقيب فمهمتي سهلة بإذن الله. ~~- ولم لا؟ لولاك ما جئت أنا هنا الليلة. ~~- كيف؟ ~~- وصلت إخبارية أن هناك حبيبا جديدا، ومهمتي أن أعرفه. ~~- لا تتعب نفسك. ~~- وفيم التعب؟ المأمورية تمت والحمد لله. ~~- إياك أن تؤدي المأمورية بأمانة. ~~- المسألة كلها لا أمانة فيها، وما دمت أنت المقصود فأنت أولى ~~بالمحاباة. ~~- والله صاحب. ~~- هل رأيت شيئا بعد؟ ~~- الناس لبعضها البعض. ~~- هيص أنت وانس أمري تماما. ~~- تعيش. ~~••• # الأميرة فضيلة ذات نوع من الجمال المبهر الذي لا يستطيع إنسان مهما ~~يكن زاهدا أن يعبره دون أن يقف أمامه حائرا ذاهلا، وفي أحيان كثيرة ms30 ~~يتولى الذي يراها للمرة الأولى نوع من الخشوع والرهبة. قوام فارع مياد، ~~إذا مشت خيل إليك أن العالم كله يعزف موسيقى إلهية من نوع خاص لا ~~تعرفها الأرض ولم تسمع بها. شعرها ثورة كل شعرة منه تقوم بوظيفة لا ~~يستطيع أن يؤديها غيرها، عيناها الخضراوان الضاربان إلى الزرقة بحر ~~وشلال ونمير وجدول ومطر وبرق ورعد وناي وعود وكمان وقانون تعزف جميعها ~~ألحان باخ وبتهوفن وشوبان وليست. أنفها أمر، وفمها إشراقة ابتسامة ~~وكبرياء سيد. جيدها قصيدة تشابكت البحور فيها فإذا هي بحر جديد يجمع ~~فن الغرب والشرق جميعا، وجهها أنواع شتى من وجوه الجمال في أنحاء ~~العالم كله، إذا طالعه إنسان لم يستطع أن يطيل إليه النظر خاشيا أن ~~تصيبه منه صاعقة ترديه، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يصرف عنه عينيه، ~~فهو عائد إليه، فالصاعقة أهون بكثير من أن يحرم النظر إلى هذا العالم ~~المتفرد من الفن والجمال والطيبة والقسوة والإسماح والجبروت والقبول ~~والرفض. # كل ما كان يحسه حفني أنها ذات جمال رائع، ولكن هيهات له أن يصل من ~~جمالها إلى أعماقه، ومن أين له؟! وكل ما يعنيه منها ما يفكر فيه رجل ~~من محترفي النساء عند امرأة تحب دائما أن ترى أثر جمالها الفادح على ~~المحترفين قبل الهواة. # في لحظة أو هنيهة من لحظة استطاعت أن تهمس في أذنه آمرة في دلال وحزم ~~حاسم: تأتي غدا الساعة الواحدة ظهرا. ~~- أمر سموك. # | الفصل العاشر # مجلة الفن التي يعمل بها حفني تجمع فيها كل أصناف الناس، وكذلك شأن ~~الصحافة منذ ولدت الصحافة في العالم؛ فهي تجتذب بسحر لها عجيب ~~ألوانا من الناس شتى تضاربت مشاربهم واختلفت أهواؤهم وتعددت ثقافاتهم ~~وجهالاتهم، وكثيرا ما يكون الجهل في الصحافة رأس مال. ولا تحسب أني ~~أغالي أو أحاول إثارة التعجب في نفسك، وإنما أقصد تماما ما أقول، فإذا ~~كان محرر الشئون الفنية للممثلين في ذلك الزمان عالما - لا قدر الله ~~- يسقط بابه سقوطا فاحشا، فالمفروض في محرر هذا الباب أن يكون قمة في ~~السطحية؛ لأنه ms31 ينبغي عليه أن ينقل إلى القراء أين تصنع الممثلة ملابسها ~~وأين تسهر ومع من، كما يتحتم عليه أن يذكر أحداثها الغرامية ~~ومغامراتها، فإذا لم يكن لها أحداث فعليه أن يختلقها اختلاقا. والخبطة ~~الصحفية تتحقق عنده إذا ذكر أن ممثلا وقع في حب ممثلة. وليس يعنيه أن ~~يكون الممثل متزوجا ولا يعنيه أن تكون الممثلة كذلك، إنما المهم أن ~~يمتع القراء. ولو كان - لا قدر الله مرة أخرى - على شيء من الثقافة ~~لأصابه بعض الحياء، فإن أصابه هذا الداء الوبيل المسمى بالحياء لما ~~استطاع أن يقدم الباب الناجح الذي يريده صاحب المجلة أن ~~يقدمه. # وهكذا تجدني لم أبتعد عن الحق، بل التزمته حين قلت لك إن الجهل يكون ~~في كثير من الأحيان رأس مال خطيرا في عالم الصحافة. # وكما تجتذب الصحافة هؤلاء تجتذب أيضا من يريد أن يظهر اسمه منقوشا ~~بحروف المطبعة ولا يهم على أي مادة يظهر هذا الاسم، إنما المهم أن يظهر ~~حتى ليضطر بعض الذين على شيء من العلم أن يخفوا علمهم هذا وكأنه سبة ~~حتى يقبل صاحب الأمر في الصحافة أن ينشر له. # ومن الصحفيين من يريد أن يتصل بصاحب سلطة أو صاحب جاه أو صاحب ~~شهرة. # ومنهم من يريد أن يكون كاتبا فيبدأ حياته ناقل خبر حتى يصل الزمن ~~به يوما أن يكون صاحب قلم. # ومنهم غير ذلك. في بعضهم الإخلاص لمهنته، وفي بعضهم الرغبة أن يركب ~~مهنته وسيلة إلى غاية أخرى. # ومنهم من يتخذ مهنته - كما ينبغي لها أن تكون - مهنة الأمانة والشرف ~~والصدق والنقد الراغب في الإصلاح والتأييد المنبعث في الحق. # ومنهم من يتخذ مهنته - كما ينبغي لها أن تكون - سلاحا لقطع الطريق ~~وفرض إتاواته على كل من لا يطيع رغباته الشخصية، فإذا هاجم هاجم ~~لينال، وإن مدح مدح لينافس ... و... # وإذا أنت لم تشرب مرارا على القذى # ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # في كل مهنة في الحياة أخبارها وأشرارها، وهل المهن جميعا إلا بنات ~~الحياة، صناعها هم أبناء الدنيا، والدنيا خير وشر، وشرفاء ms32 ولصوص، ~~وأتقياء وفجرة، وأنقياء وقذرة. ~~••• # شاع في الصحافة جميعا تلك الصلة التي استحكمت حلقاتها بين الأميرة ~~فضيلة وحفني. ورأى حفني عجبا، راح الصحفيون من جميع الجرائد يتقاطرون ~~على حفني. ولكن سبقهم جميعا إليه اثنان من العاملين معه في المجلة. لم ~~يكن واحد منهما يلقي إليه اهتماما أو يحاول أن يتعرف به. ولكنهما فجأة ~~حين عرفا بتلك الصلة الجديدة أقبلا عليه إقبالة غير قادرة ولا متمرسة؛ ~~فقد كان كلاهما في أول حياته الصحفية، وإن شئت قلت في أول الحياة كلها، ~~ولكن هذان الصحفيان حقيقان أن نعرف عنهما كل شيء، وإني بأمرهما على ~~علم اليقين. # فأما أولهما فهو حامد العراقي. وليست كلمة العراقي تلك جنسيته وإنما ~~هي اسم، والسبب فيه غاية في الغرابة! # قدمت قبل مولد أبيه جارية من العراق أدركها قانون منع الرق فصارت ~~راقصة في الأفراح والموالد، واستعملت معها مغنية مصرية كان لا بد لها ~~منها حتى يتاح لها أن تسمع سيدات هذا العصر الغناء، فقد كان لا يغني ~~عند الحريم إلا المغنيات، وكان من الطبيعي أن تطلق على هذه المغنية ~~اسما فنيا فأطلقته، فإذا هو سعاد العراقية. وحين تزوجت سعاد نسب ~~ابنها إلى الجانب الأكثر شهرة، فإذا اسم ابنها وجيه العراقي لا ~~وجيه القماش، كما كان ينبغي أن يكون. مع أن القماش كان أيضا من ~~أهل الفن، فقد كان طبال الفرقة التي تغني فيها العراقية، ولكن أين ~~الطبال من مغنية الفرقة! # أنجب وجيه العراقي الذي عمل قاهيا بوش البركة فوزي العراقي الذي ~~صمم أبوه أن يبعده عن الوسط تماما، فعلمه حتى نال الشهادة ~~الابتدائية، وسعى له عند زبائن بالمقهى حتى عين موظفا بوزارة ~~الأوقاف، وأصبح يحمل اسم فوزي أفندي العراقي، وأنجب فارس حديثنا هذا ~~حامد العراقي. وقد لقي حامد من شظف العيش ما جعله يكره الدنيا جميعا، ~~فجوانحه كلها حقد وسخيمة، ونفسه تأكل نفسه حتى شب ولم يشب، فهو مشروع ~~إنسان لم يكتمل خلقه ولم تكتمل نفسه، فهو قصير غاية القصر، ضامر كل ~~الضمور، وإن تهيأ لك أن تطلع ms33 على داخله لوجدته أعظم قماءة من ~~جسمه. # أصر أبوه أن يعلمه ويتم تعليمه، وكانت دون ذلك أهوال. واستنجد فوزي ~~أفندي بكل ذي أكرومة حتى استطاع أن يحصل على إعانة من الأوقاف كانت هي ~~أحد المصدرين اللذين كان لهما الفضل في تعليم حامد، أما المصدر الثاني ~~فقد كان مبلغا من المال يجود به كل شهر وجيه العراقي على حفيده حامد. ~~وهكذا شب حامد وتعلم على موردين من المال عجيب أن يقترب أحدهما من ~~الآخر، وعجيب أن ينسجما في مجرى واحد، وكل منهما قادم من مصدر بعيد ~~كل البعد عن المصدر الآخر؛ فقد اجتمع على تنشئته وتربيته وتعليمه مال ~~الصدقة قادما من الأوقاف، ومال السحت قادما من وش البركة. # وأكمل حامد العراقي تعليمه وتخرج في كلية الحقوق، وكان ترتيبه ~~متقدما، فكان طبيعيا أن يسعى جهده ليعين في النيابة العامة أمل ~~خريجي الحقوق جميعا، ولكن وقفت دون ذلك عقبات لا يستطيع أن يتخطاها به ~~أحد حتى ولا زبائن جده بوش البركة. وكيف لمن كان جده قاهيا وجدته ~~راقصة أن يصبح عضوا بالنيابة؟ هيهات! راح حامد يبحث عن وظيفة أخرى، ~~ولكن الوظائف لم تكن ميسورة في ذلك الحين، فالأبواب أمامه مغلقة. كان ~~الحقد قد تمكن من نفس حامد وعظم سخطه على المجتمع. فأي ذنب جناه ~~هو حتى تحيطه الحياة بكل هذا القذر الذي يحيط به والذي يحول بينه ~~وبين أن يبلغ من المكانة ما يصل إليه من هم أقل علما. # راح حامد في هوة الفراغ التي تطالعه من الحياة يقرأ، وكان بروح الحقد ~~التي طمت على نفسه يعرف ما يريد أن يقرأ. وبدأ يكتب واتجه بكتابته إلى ~~مجلة الفن؛ فقد كان فيها أبواب لا تخلو من الجرأة، وهو يريد حقده أن ~~يفشو في كتاباته ومقالاته بعد أن فاضت به مشاعره. # ومهاجمة المجتمع والمستقر من شئونه أمر حبيب إلى نفس أصحاب الصحف؛ ~~فكل هجوم حبيب إلى القراء، فالفاشلون في المجتمع أكثر من الناجحين، ~~وقديما قال الشاعر: # بغاث الطير أكثرها فراخا # وأم الصقر مقلات نزور # والفاشلون ms34 يحبون دائما أن يعلقوا أسباب فشلهم على أقرب مشجب، ~~وليكن المشجب فساد المجتمع أو الوساطة التي تأخذ بيد الناجحين أو هم ~~يبالغون فيدعون أن الذين أفلحوا إنما أفلحوا بالنفاق والسفالة وبيع ~~الضمير. ليكن المشجب أي شيء إلا أن يكون الناجح أهلا للنجاح وهم ~~أهلا للفشل بغبائهم أو جهلهم. # وهكذا نشر صاحب المجلة مقالات حامد، وما هي إلا بضع مقالات حتى ~~عين حامد محررا لباب المجتمع في مجلة الفن، ومن هذا الباب كتب في ~~السياسة. وحين تقرب إلى حفني طلب إليه أن يعرفه بأخيه حلمي. ولم ~~يجد حفني مانعا وتعرف حامد بحلمي. # ألا يطيب لك الآن أن نترك حامد قليلا لنذهب إلى زميله الذي سعى إلى ~~حفني حين بلغه اتصاله بالأميرة. إنه حسن هنداوي. # أما أبوه فسمسار غلال تمكن من تعليمه حتى نال الابتدائية، ثم ~~تقطعت أنفاسه وأعلنه أبوه هنداوي: الابتدائية على أيامنا كانت تجعل ~~الحاصل عليها أفندي قد الدنيا. ~~- ولكنها على أيامنا لا تزيد عن الآخرة في شيء. ~~- يا ابني ألا تعرف ماذا أعمل؟ ~~- تاجر غلال. ~~- يا ليت! يا ابني أنا سمسار، أوصل البائع إلى المشتري أو المشتري ~~إلى البائع وآخد العمولة والسمسرة. ~~- ولماذا لا تكون تاجرا؟ ~~- أولا أنا لا أملك رأس المال، وهذا وحده سبب كاف، ثم إن التاجر ~~عرضة للخسارة، أما السمسار فلا يخسر أبدا. ~~- ولكنك لا تملك شيئا حتى تخشى الخسارة. ~~- حتى وإن كنت أملك المال فأنا لا أملك الجرأة. ~~- الجرأة هي الحياة. ~~- وهي الموت أيضا. ~~- المهم أنا لا أستطيع إكمال تعليمك. ~~- حاول أن تعيني في وظيفة إذن، فعملك جعلك تعرف الكثيرين. # وكان عضو النواب بالدائرة ممن يبيعون قمحهم عن طريق أبيه، فزكاه ~~عند صاحب الجريدة فعين بها، وراح يحاول الالتصاق بالأستاذ فايز وهبي ~~صاحب الجريدة. # وكان الأستاذ فايز يحب الليالي الحمراء، وأدرك حسن هذا فيه، فإذا هو ~~يتقرب إليه عن طريق النساء. وأصبح هو الصلة بين الأستاذ فايز وبنات ~~المواخير اللاتي وجد حياته تقوم على الاتصال بهن، وأصبح من أقرب ~~المحررين إلى صاحب المجلة. ولكن حسن ms35 كان ذا طموح كبير ضخم وليس فايز ~~بالنسبة إليه إلا أول الدرج، وربما كان حفني وحلمي هما السلمة ~~الثانية في هذا الدرج. وهو درج من نوع عجيب يراه حسن يؤدي إلى ~~السماء السابعة من الشهرة والمجد والجبروت، ويراه المجتمع الشريف يؤدي ~~إلى أسفل حمأة من السفالة، ويبيع القلم والضمير والشرف وكل ما يتصل ~~بالخلق الكريم. # ولكن حسن حين جال بعينيه فيمن حوله أدرك أنه لا سبيل له أن ينال ~~مكانة مرموقة في الصحافة التي رمته المقادير إليها إلا بأن ينال شهادة ~~وأن يتقن لغة أخرى. وإن كانت صلته بفايز تمكنه اليوم من نشر مقالاته ~~وتقربه مما يظن أنه شهرة ومجد فقد كان من الذكاء بحيث يدرك أن ~~الكتابة هي عرض عقل الإنسان على بشر كثير، وإذا لم يكن ما يعرض ~~عميقا ذا قيمة فلا بد على الأقل أن يكون جذابا، فإذا هو ظل محصورا ~~في دائرة الثقافة الابتدائية وما يكتبه الآخرون في شتى الصحف فلا ~~مستقبل له. التحق حسن بمدرسة من مدارس اللغات وراح يتعلم اللغة ~~الإنجليزية، وفي نفس الوقت راح يذاكر لينال شهادة التوجيهية أو ~~البكالوريا من المنزل؛ فقد كان حسن يعلم أنه إذا لم يتسلح بالشهادة ~~وباللغة فلا سلاح له في الحياة، وحين تعرف بحفني كان قد نال شهادة ~~البكالوريا، وكانت أنفاسه قد تقطعت فاكتفى بها وانصرف عن إكمال ~~الجامعة، واعتمد على أن إتقانه للغة الإنجليزية قد يعوضه عن الشهادة ~~العالية، واعتمد أيضا على أن الناس مع الزمن ينسون ما حصل عليه ~~الإنسان من شهادات، وخاصة إذا كان هذا الإنسان يعمل في الصحافة وليس في ~~وظيفة رسمية في حكومة. # كان كل من حامد وحسن أصغر كثيرا من حفني. وهكذا استطاعا أن يلازماه ~~ملازمة الظل، وتعرف كلاهما بحلمي الذي أصبح وزيرا، فكان مصدر ~~معلومات سياسية لكليهما، وكانا يقسمان المعلومات بينهما، ويعرض كل ~~منهما معلوماته ويعلق عليها كل بطريقته. أما حامد فبخبث الحاقدين، ~~وأما حسن فبديماجوجية التجار الباحثين عن الإبهار عن طريق تضخيم الهائف ~~وتعظيم التافه، وإكساب هين الأمور ما ms36 لا تستحقه من أهمية ~~وخطورة. # | الفصل الحادي عشر # طغى الملك واستكبر وتجمعت حوله ثلة من أصاغر الناس وحقرائهم ~~الباحثين عن المال لأنفسهم وللملك عن أي طريق وبأي وسيلة، أما هم ~~فوضعاء ويعلمون أن بقاء أي فرد إلى جانب السلطان أمر لا يطول أمده، ~~وأنهم إن كانوا نجوما اليوم فهم في غد قريب مبعدون، فهم يهتبلون ~~فرصة قربهم هذا ليشفطوا ما يتاح لهم وما لا يتاح من أموال، أما الملك ~~فقد كان يشعر في بيته بالمهانة وحقارة الشأن، وكان يريد أن يثبت لنفسه ~~أنه ذكي وخطير، وأنه يستطيع أن يسخر ممن يشاء، وما درى المسكين أنه ~~يسخر أول ما يسخر من نفسه، فإن أحدا مهما يكن ذكاؤه لا يستطيع أن يسخر ~~من شعب أي شعب، فما الخطب إن كان هذا الشعب هو الشعب المصري الذي خاض ~~من أهوال الحياة ما لم يخضه شعب آخر، والذي اقتعد قمة التاريخ في صدر ~~التاريخ ودوخ الطغاة ودوخوه على مر الآلاف من السنين. فليس في ~~العالم أجمع شعب خبر الحياة وخبرته الحياة مثل الشعب المصري، فهيهات ~~أن يسخر منه ساخر. # قد يخدعه مخادع، ولكن هيهات أن يستطيع المخادع أن يخدع المثقفين منه ~~والمتعلمين، أما الذين لم يتلقوا من التعليم حظا فهم يتقنون من ~~الحياة صنعتهم في الحياة؛ فالفلاح المصري يزرع بأدوات قدماء المصريين ~~وينتج إنتاج القرن العشرين. رأيت فلاحا يمسك بقطعة الطين من الأرض ~~ويضعها على لسانه، ثم يقول وكأنه أستاذ في أعلى الجامعات: هذه الأرض لا ~~تصلح لزراعة القطن. # ورأينا الصانع المصري يجتاز فترة الحرب العالمية وسيارات مصر جميعها ~~تسير بغير قطع غيار من الخارج، والمباني تقوم دون أن يستقدموا لها ~~الحديد أو أدوات السباكة من الغرب الذي كان مشغولا بحربه، ولا عبور ~~بالبحر الأبيض المتوسط الذي كان لا يخدم إلا سفاكي الدماء من الجانبين ~~المتحاربين. # فإذا ظن سياسي أنه يخادع هؤلاء فلأنهم كانوا مشغولين عنه بإتقان ~~صنعتهم وليس يعنيهم أمره في قليل أو كثير، وكأنهم كانوا يريدون أن ~~يقولوا له في تلك الابتسامة ms37 الطيبة العذبة: أتريد أن تضحك علينا وماله؟ ~~اضحك ولكن اتركنا نحن لنقوم بواجبنا نحو صنعتنا. # وهكذا أصبح الملك لصا وهو في غير حاجة إلى مال، وحلا له أن يذاع ~~عنه أنه في ميدان النساء صنديد لا يشق له غبار ليخفي بذلك حقيقة أمره. ~~وما كان في حاجة إلى إخفائها، فما يعني الناس عنه في هذا الميدان شيء، ~~ولكنه غباء تمكن منه وخرج به عن طبيعة الأمور، وربما كان له العذر في ~~ذلك بما كان يلقاه في أسرته من أهوال. # حاول الملك أن يعدو على أموال الدولة في الوزارة التي كان يحمل عبئها ~~حلمي باشا. وكان الملك يظن أن إنعامه عليه بالباشوية سيجعله يقبل ~~محاولة الملك أن ينال أموال الدولة، ولكن فأله خاب. ورفض حلمي أن ~~تتنازل وزارته عن حقها في المال العام فيصبح مالا خاصا ~~للملك. # وأصر الملك وأصر حلمي. وأحرج رئيس الوزارة، ولكن حلمي الذي لم يأبه ~~بغضب الملك كان أكثر إهمالا لحرج رئيس الوزراء. # وأوشك رئيس الوزراء أن يستقيل، ولكن الأحداث تلاحقت. # واضطر الملك أن يتراجع ليتظاهر أنه يواكب الأحداث. # فقد حدث في ذلك الحين أن بدأ اليهود في انتهاب دولة فلسطين مؤيدين ~~بالإمبراطورية التي كانت ما تزال حتى ذلك الحين تغطي بشمسها المظلمة ~~العالم أجمع، وأصبحت مصر في موقف غاية في الحرج؛ فهي من ناحية زعيمة ~~العالم العربي والإسلامي، وها هي ذي دولة عربية بأكملها يحاول عدو وقح ~~أن يستولي عليها ويقيم عليها دولة يهودية، ومن ناحية أخرى كانت مصر هذه ~~الزعيمة دولة محتلة بالإمبراطورية البريطانية التي تحمي العدوان ~~اليهودي الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ. # وحاول الملك أن ينتهز الفرصة ليلهي الناس عن فضائحه ويحيي الحلم ~~القديم الذي راود أجداده أن يصبح خليفة على العرب جميعا متناسيا ~~طبيعة التاريخ والدول، ورفض كل دولة أن تكون تابعة في حكمها إلى أي ~~دولة أخرى مهما تكن هذه الدولة حبيبة وصديقة، بل وزعيمة أيضا. # أراد الملك أن يجبر الوزارة على دخول الحرب بغير أي استعداد، وعرض ~~الأمر على ms38 مجلس الوزراء، وانقسم الرأي ، وكان رأي حلمي أن نسأل وزير ~~الدفاع، وكان وزير الدفاع من أتباع الملك فإذا هو يقول وهو يعلم أنه ~~كاذب: إن هذه الحرب نزهة حربية للجيش المصري، وأنه يستطيع أن يقضي على ~~القوات الإسرائيلية فيما لا يزيد عن أسبوعين. # وحينئذ قال حلمي: ما دام الأمر كذلك فإن الجيش المصري لن يجد فرصة ~~مثل هذه ليمحو عن نفسه ذلك الاسم المقيت من أنه جيش المحمل الذي لا عمل ~~له إلا الخروج في الاستعراضات ليكون أشبه شيء بعارضات الأزياء. ومصر ~~عليها أن تواجه قدرها الذي ألقاه التاريخ على كاهلها، فهي زعيمة ~~العالم العربي والإسلامي، ومصر يجب أن تجعل المحتل يحس أنه غير آمن في ~~احتلاله، ولعله يعجل بالرحيل بعد أن انتهت المفاوضات الأخيرة بالفشل، ~~شأنها شأن كل المفاوضات السابقة عليها. # ورفعت الجلسة دون أخذ الرأي، فإذا حلمي يقدم استقالته إلى رئيس ~~الوزراء، ويطلب إليه رئيس الوزراء أن يؤجلها إلى فترة قصيرة، ويقول ~~حلمي: أنا أعلم أن الوزير عليه أن يخضع لرأي الأغلبية في مجلس الوزراء، ~~ولكني أعلم أيضا أن موضوع الخلاف إذا كان من الخطورة بهذا المكان، فإن ~~ضميري يحتم علي أن أقدم استقالتي لأنني مصمم على رأيي، وأرى أن ~~بقائي في الوزارة يعد خيانة مني للوطن ولنفسي. # ويقول رئيس الوزراء: إنك محق فيما تقول، ولكن لا تنس أن مجلس ~~الوزراء لم يقل رأيه بعد، فأبق عليك استقالتك حتى يصدر المجلس قراره، ~~فإن كان مخالفا لرأيك أصبح من حقك أن تقدم استقالتك، وأصبح من واجبي ~~أن أقبلها. # وانتظر حلمي وقطع الشعب المصري الطريق على أي رأي؛ فقد تطوعت ~~الألوف من الشباب، بل تطوع أيضا الكثيرون من رجال الجيش، ووجدت ~~الحكومة نفسها مرغمة أن تعلن الحرب حتى تستطيع أن تقدم لهم السلاح ~~علانية، وقامت الحرب واكتسح الجيش المصري أعداءه، ولكن الإمبراطورية ~~البريطانية أدركت أنها لو أتاحت هذا النصر لمصر فمصيرها في مصر أصبح ~~مقضيا عليه، وهي في الوقت نفسه كانت تريد لدولة إسرائيل أن تقوم ~~لتكون قاعدة لها في ms39 المنطقة إذا اضطرتها الظروف أن تجلو عن البلاد التي ~~تحتلها، وكانت تدرك في نفس الوقت أن شمسها تنحسر عن العالم، وأن شمس ~~الإمبراطورية الأمريكية الجديدة تطفئ أضواءها، فكان من الطبيعي أن ~~تحاول لندن وهي تلملم ثيابها من الشرق أن تغرس فيه هذه الشوكة ~~لتستعملها عند الحاجة إليها. # وتتابعت الأحداث ... # | الفصل الثاني عشر # أين صديقي الذي حدثتك عنه عندما بدأت هذه الرواية؟ ألا ترى معي أنه ~~تأخر كثيرا عن الظهور. لا علي ولا عليك ولا عليه، فما كان صديقي ~~حتى الآن ذا مكان في الحياة حتى يمثل مكانا في هذه الرواية. وأنت على ~~كل حال قد تعرفت عليه، ولكنك لم تلتفت إلى أمره ولا عنيت به، فهكذا ~~أنت أيها القارئ تريد من الروائي أن يضع لك كل شخصية في إطار، ويلح ~~عليك أن تتعرف بها، والروائي عادة لا يفعل ذلك إلا إذا كان يحتاج إلى ~~هذه الشخصية، وهو أيضا لا يفعل ذلك إلا حين يرى أن الموقف قد حان ~~لشخصيته أن تظهر. وقد ألمحت لك عن عدلي قبل الآن، متى كان ذلك؟ عليك ~~أنت أن تتذكر. إن عدلي هو الابن الوحيد الذي أنجبه حلمي الذي أصبح حلمي ~~باشا، وقد كان عدلي يحبو في حنايا السنين ليتعلم، وحين تعرف حامد ~~وحسن الصحفيان إلى أبيه الباشا كانت سنه تقارب سنهما؛ فلم يكن ~~غريبا أن يسعى كل منهما إلى التعرف إليه وتوثيق هذه المعرفة، وكان ~~عدلي من ذلك النوع من الناس الذين يحبون أن يعرفوا الناس، وينزلوا كل ~~إنسان في منزلته. وأدرك حامد أن عدلي لا يمكن أن يكون متفقا معه في ~~الرأي، فهو من الفئة التي لا تحقد، وإنما يحقد عليها الحاقدون، فعمل ~~جهده أن يجعل الجانب الذي يبدو لعدلي منه مناقضا تماما لوجهه ~~الحقيقي، واستطاع في نفس الوقت أن يجتذب عدلي إليه بما قرأ من كتب في ~~الفلسفة والسياسة والتاريخ. أما حسن فقد علم أن عدلي لا يحتاج إلى ~~فتيات المواخير، وهو في نفس الوقت لا يحب أن تكون هذه الصفة معروفة ms40 عنه ~~في بيت حلمي ، ولكنه استطاع أن يجتذب عدلي بحديثه المنمق وبنفاقه ويسكب ~~المديح من غير تحفظ على والده حلمي باشا. # وقد أثمرت هذه الصداقة منفعة لحامد وحسن على السواء. # أما حامد فقد كان يريد أن يسافر إلى الخارج بأي وسيلة من الوسائل، ~~وقد أدرك أن حفني لا يستطيع أن يكون شفيعا له عند فايز ليأمر له برحلة ~~إلى العالم الخارجي ليرى ما لا يستطيع أن يراه بماله الخاص. # وقد استطاع هو أن يقنع فايز أنه لو جعل له مراسلا في لندن وآخر في ~~باريس لسبق المجلات المصرية في عرض أنباء العالم. وقد اقتنع فايز بهذه ~~الفكرة، وخاصة بعد أن أصبحت مجلته عامة لا تقصر اهتمامها على الفن ~~وحده. وطمع حامد أن يكون هو واحدا من هذين المراسلين. ولكنه وجد في ~~فايز فتورا عن الاستجابة لمطلبه، وفي دربة الكلاب على الشم أدرك أن ~~حلمي باشا لو أوصى به عند فايز فإن فايز لن يستطيع أن يتغاضى عن رجاء ~~الوزير. وتكلم حامد مع صديقه عدلي وأصبح حامد مندوب المجلة في ~~باريس. # أما حسن فقد أراد أن يكون مندوب المجلة في حرب فلسطين، ولكن فايز لا ~~يستطيع أن يستغني عن خدمات حسن في القاهرة، فهو الذي يؤجر له الشقق وما ~~ينتفع به في هذه الشقق، وهو الذي يعد له كل ما يحتاجه الأمر في ~~أمسياته، ولكن حسن كان مصرا على أن يقفز حواجز الزمن، وكان يدرك أنه ~~إذا لم يصنع في الصحافة ما يخشى الآخرون أن يصنعوه فلا فلاح له. وما ~~دام قد صنع ما يخجل الآخرون أن يقوموا به فمن الطبيعي ألا يقف شيء ~~أمامه بعد ذلك. # وتوجه إلى عدلي برجائه وتقرر أن يكون حسن مندوب المجلة في ~~الحرب. ~~••• # لم يكن حفني ليعنى بهذه الحرب في شيء، إلا أنه فوجئ بشوقي سلام يأتي ~~إليه على غير موعد ببيته. ~~- أنا وقعت من السما. ~~- وأنا ألقاك. ~~- أنا مسافر إلى فلسطين بعد يومين. ~~- يا نهار اسود! ~~- ولا اسود ولا حاجة، كل اخواني مسافرون. ~~- من ms41 اخوانك هؤلاء؟ ~~- ليس هذا هو المهم. ~~- فما هو المهم إذن؟ ~~- صاحبتي. ~~- أحلام؟ ~~- طبعا، وهل أعرف غيرها! ~~- الآن لا. ~~- إذن هي. ~~- وما شأن أحلام بفلسطين. ~~- هي عندي منذ ثلاثة أيام. ~~- عندك! ألست متزوجا؟ ~~- ماذا جرى لك؟ يا أخي أنت تفهمها وهي طائرة. ~~- ولكن هذه ليست طائرة، هذه غير واضحة الرؤية مطلقا. ~~- في شقتي الخاصة طبعا. ~~- عظيم. ~~- بل هباب! ~~- لماذا؟ ~~- كانت قالت لزوجها أنها ستذهب إلى أمها في الإسكندرية، بسلامته أخذ ~~إجازة أمس وذهب إلى الإسكندرية ولم يجدها! أحد أصدقائي ... ماذا أقول ... ~~أحد إخواني وشى بي. ~~- أحد إخوانك. ~~- ضابط زميلي كل نفسه حقد يحقد على أي سعادة مهما يكن مصدر هذه ~~السعادة. المهم ليس هذا وقته، أرسل ورقة مجهولة إلى الزوج يخبره عن ~~عنوان الشقة. ~~- وكيف عرفت أن صديقك هذا الذي أرسل الورقة؟ ~~- من حظي الأسود له صديق في نفس العمارة التي بها الشقة، ومن حظي ~~الأسود أنه جاء يزور صديقه هذا فرآني مع أحلام، فهو الوحيد الذي كشف ~~أمري. يا أخي ليس هذا هو المهم. ~~- وما هو المهم؟ ~~- أن نختفي. ~~- أين؟ ~~- في أي داهية. ~~- ألم يأت الزوج إلى الشقة؟ ~~- تنيل، أتى. ~~- وأين كنتما؟ ~~- كنا في أول الشارع قادمين إلى العمارة حين رأينا سيارته أمام الباب ~~فادركت كل شيء. ~~- والآن؟ ~~- أبحث لي عن مخبأ. ~~- هيا بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى العزبة. ~~- هيا. ~~- أين أحلام؟ ~~- تحت في السيارة. ~~- سأذهب أنا في سيارتي وتلحق بي أنت في سيارتك. ~~- لماذا؟ ~~- حتى تكون عندنا حرية الحركة. ~~- لك حق فإن صديق الحقد الذي كلمتك عنه يعرف صلته بك، ولا تستبعد أن ~~يرسل ورقة ليرشد الزوج عن العزبة. ~~- هيا. # وقبيل الغروب شهد منزل الوسيمي ببلدتهم الرمايحة سيارتين ينزل عنهما ~~ثلاثة نفر، وجرى عبد المعين خادم المنزل ففتح الباب وقال حفني: كيف ~~حالك يا عبد المعين؟ ~~- بخير يا سعادة البك، ربنا يبارك فيك. # وصاح شوقي: اسمه عبد المعين. # وقال عبد المعين: خادمك يا سعادة البك. # قال شوقي: ربنا يستر. أخشى أن يكون هو عبد المعين صاحب المثل ~~المشهور. # وضحك حفني ms42 قائلا: لا تخف، فهو عند الشدة يعجبك. اعمل لنا عشاء يا ~~عبد المعين. ~~- أمرك يا بك. ~~- وجهز حجرتي لشوقي بك والست زوجته، وأنا جهز لي حجرة من حجر ~~الضيوف. ~~- أمرك يا بك. سعادتك ستتعشى هنا أم في الدور الأعلى. ~~- هنا. ~~- وصاح شوقي: في الدور الأعلى، في الدور الأعلى أنا في عرضك. # ونظر إليه حفني وسكت لحظة، ثم أدرك ما يعنيه وقال: وهو كذلك في الدور ~~الأعلى، واسمع يا عبد المعين، قل لسعدون يفتح الجراج. ~~- أمرك يا بك. # وحين انصرف عبد المعين قال حفني: أدخل سيارتك في الجراج وقل لهم أن ~~يتركوه مفتوحا. ~~- معقول! الجراج بعيد عن مدخل البيت. ~~- طبعا. ~~••• # كان الليل حالك الظلمة، وكانت آلة الإنارة قد توقفت تماما في عزبة ~~الوسيمي، وأصبح البيت قطعة من ظلام لم تجرؤ الأشعة المتخافتة من ضوء ~~مصباح الغاز المتروكة في البهو أن تعدو على حلكته أو أن تبدد شيئا ~~من قتامته. # ولكن ضوء سيارة اخترق الظلام واعتدى على هذه الحلكة بنور جريء جرأة ~~صاحب الحق، وهب الثلاثة في بيت الوسيمي وهم يعرفون من صاحب السيارة ~~والنور. # واقتحم حفني الحجرة على شوقي وأحلام وألقى أوامره في سرعة وحسم: ~~أحلام خذي بدلتي هذه والبسيها، وأنت البس هدومك وانزلا فورا من باب ~~الخدم إلى الجراج، وسأشغل أنا عبد الصادق حتى تخرجا بالسيارة إلى مصر، ~~واذهب أنت يا شوقي إلى بيتك، أما أنت يا أحلام فعودي إلى بيتك واتفقي ~~مع صديقة لك في أي بلد أن تقول إنها دعتك فذهبت إليها. أسرعا. اسمعي ~~أليس لك صاحبة ليست في القاهرة. ~~- المنصورة. ~~- حلوة، هيا. # وبسرعة نادى عبد المعين وأمره أن يرتب فراش شوقي، وأن يترك فراشه ~~مهوشا كما هو، ونزل إلى الطابق الأول. ~~- أهلا عبد الصادق بك. ~~- أهلا بك يا حفني بك. أهكذا؟ ~~- أهكذا ماذا؟ ~~- أتقبل أن تكون هذه صنعتك؟ ~~- يا ترى أنت متأكد أنك قصدت إلى الشخص المطلوب؟ ~~- لا شك في هذا. ~~- ومن هو الشخص المطلوب؟ ~~- حفني الوسيمي. ~~- في عزبتي والساعة تقترب من الثانية صباحا؟ ~~- أتظن أنني أفعل ms43 مثل هذا إلا لسبب خطير؟ ~~- متصل بي أنا؟ ~~- طبعا. أين زوجتي يا حفني؟ أين أحلام؟ ~~- أحلام! معي أنا؟ ~~- مع صاحبك شوقي. ~~- وأنا ما شأني؟ ~~- أنت تخفيهم عندك. ~~- وإذا كان هذا صحيحا فكيف عرفت؟ ~~- اقرأ. # ولم يكن حفني في حاجة إلى أن يقرأ، فقد أدرك أن توقع شوقي قد صح، ~~فأخذ الورقة ثم رفع بصره إلى عبد الصادق: ورقة من مجهول تجعلك تأتي في ~~الثانية صباحا إلى بيت وزير من وزراء الدولة لتتهم أخاه أنه يتستر على ~~جريمة زنا؟! ~~- كان على أخي الوزير أن يبقي بيته وبيت أخيه شريفا. ~~- وهل سمعت عن حلمي غير ذلك؟ ~~- عن حلمي لا. أما عن أخي حلمي فإنه يستطيع أن يصنع أي شيء. ~~- تهمة مثل هذه عندنا نحن الفلاحين لا يمحوها إلا الدم يا عبد الصادق ~~بك. ~~- إذا لم تكن صحيحة. ~~- أنت تحتاج إلى إثبات. ~~- اسمح لي أن أمر بغرف البيت. ~~- الطابق الأسفل نعم، أما الطابق الأعلى فهيهات أن تخطو إليه رجل ~~غريبة. ~~- ما غريب إلا الشيطان يا سعادة البك يا أخا سعادة الباشا. ~~- اخرس. ~~- تخفيهما في الطابق الأعلى وتقول لا تطؤه رجل، لا وحياة والدك لئن ~~لم أصعد إلى الطابق الأعلى لأبلغن البوليس فورا. ~~- أتظن أن البوليس يجرؤ على التهجم على بيت وزير وعضو نواب دون أمر ~~بالتفتيش ورفع الحصانة من مجلس النواب أيضا؟ ~~- أبلغ وزير الداخلية ووزير الحقانية، شرفي يا هوه، شرفي يا ~~عالم. ~~- أتظن أنك تصون شرفك بهذه الضجة؟ ~~- هذا شأني أنا. ~~- اسمع يا عبد الصادق، أنا لا أخشى التهديد، ولكن لأنني إنسان وأدرك ~~الحالة التي أنت فيها سأصعد معك إلى الطابق الأعلى، ولكن قل لي، إذا لم ~~نجد أحدا كيف ستعتذر؟ ~~- الذي جعلك تقدر حالتي من الثورة سيجعلك تقدر حالتي من ~~الخجل. ~~- وهو كذلك، تفضل. # وطبعا لم يجدا أحدا. # | الفصل الثالث عشر # ربما خيل إليك بما قدمته لك عن حفني أنك عرفته من كل جوانبه، ولكن ~~هيهات؛ فإن حفني هذا دنيا بأكملها، وهيهات لأحد أن يحيط بدنيا. بحر هو ~~متلاطم الأمواج لا ms44 يقر له قرار، وأعجب ما فيه أنه لا يتحمس لشيء في ~~الوجود، ولا يأخذ شيئا مأخذ الجد إلا متع الحياة، وليس يعنيه مصدر ~~المتعة، وإنما يعنيه أن يحصل عليها في أي مظنة لها. # وقد رأيناه يبيع أرضه ليلعب القمار، ولم يكن ذلك منه تحمسا للقمار ~~وإنما احتقارا للتملك مع حب شديد للمال لا ليكنزه وإنما لينفقه ~~ويستمتع به، وليس يهمه أن ينفق كل ما يملك في سبيل لحظة واحدة من ~~المتعة الحقيقية. وهو لا يعرف في الدنيا مشاعر، فهو لم يستطع أن يكره ~~أحدا. وشعوره نحو أخيه شعور من نوع عجيب، فهو يعلم أن انتسابه إلى ~~أخيه هذا يمكنه أن يحصل على أنواع من المتعة، هيهات أن يستطيع الوصول ~~إليها إذا لم يكن أخا لحلمي باشا. # ولكن حلمي يظل مع هذا بالنسبة لحفني جزءا من كيانه، ولو كان قلبه ~~يعرف الحب ما أحب إلا أخاه حلمي، ولكنه لا يشعر بهذا الحب، ولا هو يعرف ~~معناه، ولكنه يعرف أنه مستعد أن يبذل كل جهده من أجل أخيه من غير حب. ~~وما دام ما يبذله لا يفسد عليه متعة من متعه. وأحسب أن حفني لو أحس أن ~~قطعة من جسمه ستقف حائلا بينه وبين متعته لاستغنى عنها وكأنه يلقي ~~سيجارة شربها إلى عرض الطريق. وهكذا عاصر حفني كل هذه الأحداث التي مرت ~~بها مصر، لم يشترك يوما في مناقشة يحس أنها ستعكر مزاجه أو تجعله آخر ~~الأمر يفكر بجدية في شيء ما، ولهذا لم يكن عجيبا أن يكثر حوله ~~الأصدقاء، ولماذا لا؟ وأين سيجدون شخصا يوافق كل الآراء المتعارضة دون ~~أي مناقشة لها؟ بل ربما وجد الكلمة المؤيدة للرأيين المتناقضين، فإن ~~يكن أخوه من حزب معارض للوفد فهو لا يعرف الحزبية، وأصدقاؤه من كل ~~الأحزاب، وكلهم واحد عنده تأييدا لرأيه في الحياة. # وهكذا مرة أخرى لم يكن عجيبا أن تتوثق الصلة وتزداد توثقا بين حفني ~~وعبد الفتاح صدقي، وتستمر هذه الصداقة رغم فارق السن بينهما، ولكن صلات ~~حفني لا تعترف بفوارق الأعمار ms45 ولا بفوارق الطبقات، فهو كما يعرف حامد ~~وحسن وهما من سن ابن أخيه عدلي الذي هدهد طفولته وهو وليد، يعرف عبد ~~الفتاح صدقي الذي يكبره بما يقرب من عشرين عاما. # وبعد فهل تراك عرفت حفني؟ هيهات لك أن تعرفه! وكيف لك أن تصل إلى ~~أغواره إذا كنت أنا وأنا مصدر الوحيد عنه لا أستطيع أن أدعي أنني بلغت ~~من حقيقته كل حقيقة؟! # وحسبي وحسبك أن أروي لك ما خاض من أحداث لعلك تقف على شيء يسير من ~~حقيقته، وربما سألت نفسك: وماذا يهمني من أمر حفني؟ فإذا فعلت فإنني ~~أحزن حزنا شديدا، فإنما حفني لون من ألوان الإنسانية، وما نحن إذا لم ~~نعرف أنفسنا، وكل إنسان هو جانب منا ونحن جانب منه، هو يمثل لونا من ~~الفصيلة التي نكونها نحن البشر، فإذا كنت لا تعرف نفسك مصورة في ~~الآخرين فماذا يمكن أن تعرف؟! # لا عليك ولا علي، فإني أقص وشأنك وما أقول، ولك أن ترى فيه ما تشاء ~~من رأي. ~~••• # لم يكن حلمي قد اشترك في الوزارة بعد، حين التفت عبد الفتاح صدقي إلى ~~حفني وهو يقدم له فنجان قهوته: قل لي يا حفني، إلى متى تظل تلعب ~~القمار؟ ~~- كلنا يقامر يا عبد الفتاح بك. ~~- لم نختلف، ولكن قمار عن قمار يختلف. ~~- كله قمار. ~~- تظل تلعب الليل كله وتجهد نفسك وتتعب أعصابك. ~~- اسمع يا عبد الفتاح بك، لعلك أول إنسان أخبره، أنا لا ألعب ~~لأكسب. ~~- فلماذا تلعب؟ ~~- لأني أجد متعة في اللعب، فإذا فقدت المتعة تركت اللعب. ~~- ولا تريد أن تكسب؟ ~~- ليس للفلوس عندي أي معنى إلا أن تكون وسيلة لأنبسط وأعيش كما أحب ~~أن أعيش. ~~- أنت أحسن إنسان يمكن أن يعمل في البورصة. ~~- أتظن هذا؟ ~~- أنا محترف وأعرف ما أقول. ~~- ولماذا أعمل في البورصة؟ ~~- لتكسب. ~~- وماذا أفعل بالمكسب؟ ~~- ستتزوج يوما. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- اسمع، أنت تعرف خالتك كريمة عز المعرفة. ~~- طبعا. ~~- أتعتبرها امرأة؟ ~~- كانت. ~~- أنا أتكلم عن الحاضر. ~~- أنا لم أنظر إليها من هذه الناحية. ~~- وهل يستطيع أحد أن ينظر ms46 إليها من هذه الناحية ؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- وأنت تعرف طبعا مغامراتي. ~~- كلها على يدي. ~~- أتعرف لو ارتفعت حرارة خالتك كريمة نصف درجة أصاب بالجنون؟! ~~- هو الحب إذن. ~~- وأكثر، هو الحياة؛ حياتي وحياة بناتي وكل ما لي في الوجود. ~~- وتريدني أن أتزوج؟ ~~- طبعا. ~~- أتريدني أن أجن؟ ~~- لا، وإنما أريدك أن تعيش. ~~- الزواج مسئولية، وأنا يا عبد الفتاح بك أرفض المسئولية. ~~- أنت اليوم شاب، فكر في يوم تصبح فيه في مثل سني، أنا بدون كريمة ~~وسناء لا أساوي شيئا. ~~- أما أنا فقاربت الأربعين، أما أنت فتساوي كثيرا من غير ~~أحد. ~~- أوهام، أنا أعمل لأسرتي. أنت لا تعرف المتعة التي أجدها حين أشغل ~~نفسي بأمورهم، ولا تعرف المتعة التي أحس بها وأنا أتكلم مع كريمة عما ~~سنصنعه لسناء حين تتزوج ولآمال. ~~- ولكن لا أنسى الشقاء الذي ساد البيت يوم مات لطيف خطيب ~~سناء. ~~- أنت رجل مقامر، ولكي تكسب لا بد أن تخسر. ~~- أنا أريد أن أكسب فقط. ~~- المتعة الحقيقية هي المكسب بعد الخسارة، أما المكسب المستمر فيورث ~~الملالة. المتعة العميقة هي الخسارة والمكسب معا. هكذا الحياة. ~~- أظن أن هذه المتعة لا أحب أن أعرفها. ~~- اسمع، أنت ستتزوج يوما. ~~- لا أظن. ~~- سترى. ~~- انتظر حتى نرى. المهم لماذا لا تعمل معي في البورصة؟ ~~- أعمل. ~~- حقا؟ ~~- ولم لا؟ # وعمل حفني في البورصة، وعن هذا الطريق استطاع أن يجد وظيفة لعدلي في ~~البورصة بعد أن تخرج في كلية التجارة. وكان اليوم الواحد من العمل في ~~البورصة يقدم لعدلي من الخبرة في المجال الاقتصادي ما تقدمه عشرات ~~السنوات في أي عمل آخر بهذا الميدان. # وعين حلمي وزيرا، وحاول حفني أن يستخدم وظيفة أخيه ليصل إلى ~~معلومات يستفيد بها في البورصة، فكان الفشل نصيبه دائما، فمهما يكن ~~ذكاء حفني فهو لا يستطيع أن يصارع داهية في السياسة مثل حلمي. # والتفت حفني إلى عدلي فوجده ما زال عبيطا عبط الشباب في سنه ~~المؤمنين بالشرف والخلق وأسرار الدولة وواجبات العمل، فانصرف عنهما ~~كليهما واتجه إلى صداقاته، وطالما أسعفته صداقاته، وازدادت ثروة حفني، ms47 ~~وكان ينشغل تماما عن مادة القمار وانحصرت متعته في الحفلات الصاخبة ~~التي يخرج منها دائما بامرأة لا يعنيه من أمرها أن تكون متزوجة أو غير ~~متزوجة. ~~••• # كان الحفل رائعا في بيت رشدي المهدي؛ فقد ترك الشقة التي كان يسكن ~~بها وابتنى لنفسه فيلا أنيقة جعلت أعماله تتسع والمال ينهمر عليه ~~انهمارا، وكانت الحفلات التي يقيمها في فيلته تدر عليه أرباحا ~~خيالية، فقد كان يوهم كثرة من الوجهاء أن الحفلة مقامة له خصيصا ~~ليعرفه بالفتاة التي يريد أن يتعرف بها، وهكذا كان يأخذ مصاريف ~~الحفلة مضاعفة خمسة أضعاف أو ستة أو أحيانا سبعة قبل أن تقام الحفلة. ~~وكان من الطبيعي أن يكون حفني الوسيمي وعبد الفتاح صدقي عضوين دائمين ~~في كل حفل يقيمه رشدي المهدي، أما حفني فلسمعته النسائية ولحب الأصدقاء ~~له، وأما عبد الفتاح فلأنه هو أيضا كان يقيم الحفلات في بيت رشدي ~~المهدي لحسابه الخاص، أو أن رشدي يوهمه بهذا على الأقل. # كان حفني منذ تعرف بالأميرة فضيلة قد علا نجمه بين النساء بصورة ~~خيالية. وأصبحت كل فتاة من اللواتي لا يعنين كثيرا بالشرف تتمنى أن ~~تكون صديقة لذلك الفتى الذي صاحب الأميرة فضيلة فترة من الزمان. # وكان في هذه الحفلة في تلك الليلة فتاة أو قل سيدة، أو إذا كنت تريد ~~الدقة في الوصف فقل امرأة اسمها وسيلة الدهري، وكانت لها قصة. أما ~~قصتها فلا شأن لها بما أرويه لك، ولكني مع ذلك أجد نفسي مسوقا لقصها ~~عليك، إذا كنا اتفقنا أننا نسعى لمعرفة البشر الذي تنتسب إليه، أم ~~ترانا لم نتفق؟ المهم كانت وسيلة. أتحب أن أروي لك أنا قصتها أم ~~أتركها هي ترويها لك، فأنا حريص على ألا أقص عليك قصة واحدة مرتين. وفي ~~هذه الحادثة التي سأقدمها إليك والتي وقعت بين حفني ووسيلة ستسمع القصة ~~منها هي، فلماذا لا أكتفي بنقل أنباء هذه الواقعة إليك وأترك وسيلة تقص ~~هي عليك قصتها؟ والحقيقة أنها فيما قالته كانت صادقة، لا لأن الصدق من ~~طبيعتها، ولكن لأنها لم ms48 تكن محتاجة لكذب على من تروي له القصة. # كان رشدي المهدي يقدم خدماته للجنسين معا. فكما يستجيب لرغبات ~~الرجال كان يستجيب أيضا لرغبات النساء، وقد طلبت إليه وسيلة أن ~~يعرفها بحفني، وكانت هذه الحفلة الموعد الذي حدده لها لينفذ ~~رغبتها. # وسيلة سيدة غاية في الجمال تركت الثلاثين من عمرها منذ سنوات قلائل، ~~وهي زوجة الدكتور فتوح عبد القادر، وهو طبيب واسع الشهرة في أمراض ~~النساء والولادة. ووسيلة هي زوجته الثانية، وهي تتمتع بشهرة قريبة من ~~شهرة زوجها في ميدان المغامرات، وإن كانت الألسنة تتناقل شهرة زوجها في ~~علانية وصوت جهير، فهي تتناقل سمعة زوجته بنفس السعة ولكن خفية وفي صوت ~~هامس. # قال رشدي المهدي: حفني بك لا بد أنك تعرف وسيلة هانم. ~~- بشهرة الجمال وإن لم يسبق لي الشرف. # وقالت وسيلة: أما أنا فأعرفك بشهرات أخرى عديدة. # وقال رشدي المهدي: إذن فلا مكان لي بينكما. # خبير هو واسع الخبرة. لقد أتم مأموريته وانصرف ليقوم بالأعمال الأخرى ~~الكثيرة المتراكمة على كتفيه، أم يجدر بنا أن نقول المتراكمة على ~~رأسه. # قالت وسيلة: غريبة أننا لم نلتق قبل الآن. ~~- بل لا غرابة، فأنا أعرف أن الدكتور مشغول، وأنك لا تكثرين من ~~الذهاب إلى الحفلات. ~~- أنت تعرف عني الكثير. ~~- إذا لم أعرف عن هذا الجمال كل أخباره فالموت أولي بي. ~~- أعوذ بالله! لا ... اطمئن، إنك جدير بالحياة، فأنت تعرف كل شيء ~~تقريبا. ~~- إذن فهناك أشياء لا أعرفها. ~~- طبعا، وهل يستطيع أحد أن يعرف كل شيء عن الآخرين. ~~- إذن فأنا منتظر أن تخبريني أنت عما لا أعرف. ~~- عني؟ ~~- طبعا. ~~- وهل تظن أن أحدا يعرف كل شيء عن نفسه. ~~- الآن عرفت شيئا لم أكن أعرفه. ~~- أهكذا؟ ~~- أنت فيلسوفة أيضا. ~~- وهل شفت حاجة! ~~- أريد أن أشوف. ~~- وماله. ~~- متى؟ ~~- متى أحببت. ~~- أنا أحب من الآن. ~~- من الآن؟! ~~- من الآن. ~~- والحفلة؟ ~~- في ستين داهية الحفلة ومائة حفلة. ~~- هيا. ~~- هيا. ~~••• ~~- كانا في سرير حفني عاريين تماما. ~~- ها أنت شفت. ~~- وما أجمل ما شفت! ~~- ولكن أتظن أنك عرفت عني كل شيء؟ ms49 ~~- عرفت أهم شيء. ~~- يتهيأ لك. # وعلا صوت جرس الباب يدق في إصرار متصل، فشحب وجه حفني، وابتسمت ~~وسيلة، وقال حفني: أنا لا أنتظر أحدا. # وقالت وسيلة في عدم مبالاة وفي هدوء: أما أنا فأنتظر. ~~- غير معقول. ~~- فعلا غير معقول. ~~- ضعي شيئا على نفسك وادخلي الحجرة المجاورة. ~~- لا تخف. ~~- أنا خائف فعلا. افعلي ما قلته لك. ~~- وقالت وسيلة في غير عناية: أمرك، ولكن لا تخف. # وكان قد وضع على نفسه أحد معاطفه المنزلية وخرج وهو يربط حزامه ~~والجرس مصر على ألا يصمت، وفتح حفني الباب ليرى أمامه الدكتور فتوح ولم ~~يخطئه، فهو رجل شهير وقد رآه أكثر من مرة في أكثر من مناسبة. وقال ~~الدكتور وهو على الباب: أين وسيلة؟ # وكان حفني مشدوها حائرا، فهو مع ممارسته الطويلة للمغامرة لم يلتق ~~بموقف مثل هذا الذي يعانيه في لحظته تلك: ألا تدخل يا دكتور. ~~- لا أريد أن أدخل. ~~- أظن لا يعقل أن دكتور في مثل شهرتك وسنك ... ~~- لا شأن لك بسني. ~~- في مثل مكانتك يناقش أمرا مثل هذا على باب شقة، ويدخل الدكتور ~~ويغلق حفني الباب وهو يقول: تفضل اقعد. # والتفت إليه فإذا بيد الدكتور مسدس وروع حفني. ~~- ما هذا يا دكتور؟ أهو فيلم سينما؟ ~~- أريد زوجتي. # وقال حفني وهو يتصنع الشجاعة، وإن كان في دخيلة نفسه قد زلزل الهلع ~~كيانه كله، وفي لحظات تصور ما قد ينشر في غده عنه وعن أخيه وعن ~~الدكتور الشهير وعن وسيلة. ~~- أدخل هذه اللعبة في جيبك. ~~- أنا أقتلك وأقتلها وأقتل نفسي. ~~- وماذا تكسب؟ ~~- أقتلك ... # ودخلت وسيلة وهي تضع على نفسها معطفا منزليا من معاطف حفني، وقالت ~~في حسم: قم يا فتوح واذهب إلى البيت. ~~- إذن فأنت هنا. ~~- قم يا فتوح. # وتوقع حفني أن ينطلق النار من المسدس ليقتل وسيلة، وهي في وقفتها ~~هذه المتحدية وفي ملبسها هذا الذي يدعو ألف رصاصة أن تنطلق، ولكن الذي ~~حدث شيء مختلف تماما. ارتخى المسدس في يد الدكتور، وانخرط العملاق ~~الأشم في بكاء منهار مستخز، واعتمد رأسه بذراعه، وتقطعت ms50 ~~جمله. ~~- نعم هي تعرف أنني لن أفعل شيئا ... هي متأكدة ... لأني أحبها ... أحبها ~~... ضعفي الوحيد في حياتي. # وقالت وسيلة التي أصبحت مثل صخرة ناطقة: بل أنت تعرف أنه ليس ضعفك ~~الوحيد. قم ولا تجعل من نفسك أضحوكة، فأنت رجل محترم. # وقال الزوج وهو ينشج: وهل يمكن لمن يتزوجك أن يكون محترما؟ # وقالت الصخرة: إذا احترم هو نفسه. ~~- سأطلقك، سأطلقك. ~~- اذهب الآن إلى البيت، هيا. # وقام فتوح أشبه ما يكون بكلب يطيع أمر صاحبه، وتدلى المسدس في ذراعه ~~المرتخية وخرج، وقبل أن يغلق حفني الباب وراءه صاحت وسيلة: ضع هذا ~~البتاع في جيبك. # ورآه حفني وهو يصدع بالأمر مثل آلة ضغط صاحبها على الزر المناسب ~~للحركة التي يريدها منها. وأغلق حفني الباب وارتمى على كرسي مرتعدا ما ~~يزال يكاد لا يصدق ما رآه منذ لحظات، وأحضرت له وسيلة بعض الماء، وراحت ~~ترش على رأسه كولونيا وهي تضحك ضحكا شديدا وهي تقول: لم أكن أتصور ~~أنك خواف إلى هذه الدرجة. ~~- خواف! يا ست أنت مش واخدة بالك من اللي حصل ولا دا كان ~~حلم؟! ~~- بل حقيقة. ~~- أمال ربنا عمل الخوف ليه إذا لم يكن للموقف الذي كنا فيه؟! ~~- عمله لغيرك الذين لا يغامرون مع زوجات الآخرين. ~~- طول عمري أغامر مع زوجات الآخرين ولم يحصل لي شيء من هذا ~~مطلقا. ~~- ألست أنت الذي أردت أن تعرف عني كل شيء؟! ~~- معرفة مهببة. ~~- ألم تنبسط؟ ~~- وهل هناك انبساط في العالم يساوي هذا الذي كنا فيه؟ ~~- اهدأ، اهدأ. ~~- إنما قولي لي أنت، ما كل هذا الهدوء؟ ~~- ألم تعرف؟ ~~- أكاد أعرف. ~~- ماذا؟ ~~- ليست هذه المرة الأولى. ~~- ولا أظنها ستكون الأخيرة. ~~- ما حكايتك؟ ~~- هذا الرجل تزوجني من اثنتي عشرة سنة. كنت أنا لم أكمل العشرين، ~~وكان هو في الستين وقد جاوزها. الزواج الحقيقي لم يدم بيننا أكثر من ~~سنتين. ~~- ولماذا قبلت الزواج منه؟ ~~- أبي كان غنيا وأضاع أمواله كلها، وطمع أن يعينه هذا الرجل على ~~الحياة، والبنت منا لا تملك من أمر نفسها شيئا. ~~- إذن ... ~~- وهل فيها إذن؟ ms51 كان من حقي أن أستجيب للطبيعة، وكنت في أول الأمر ~~أحاذر أن يعرف، ولكنه عرف، وفي كل مرة أتعرف بشخص جديد تتكرر هذه ~~التمثيلية. ~~- ماذا سيفعل معك حين تعودين إلى المنزل؟ ~~- أنا عادة لا أعود في نفس الليلة التي يقدم فيها هذا العرض الذي ~~شهدته. ~~- إذن ... ~~- هل عندك مانع أن أقيم معك بضعة أيام؟ ~~- أهلا وسهلا، ولكن ماذا بعد بضعة الأيام هذه؟ ~~- أعود إلى المنزل. ~~- وزوجك؟ ~~- يستقبلني وكأني عائدة من مشوار لم يستغرق أكثر من ساعة، وكأن الذي ~~جرى ما كان، ونستأنف حياتنا، هو يعرف أني أخونه، وأنا أعرف أنه يعرف، ~~ولا يذكر أحد منا للآخر شيئا. ~~- ولماذا لم تقولي لي هذا قبل أن تدهمني المفاجأة التي كدت فيها أن ~~أفقد حياتي؟ ~~- من مسدسه؟ ~~- من الخوف. ~~- أحببت أنا أيضا أن أعرف شيئا عن مقدار شجاعتك. ~~- يا ست وهل قلت لك أني جنرال؟! ~~- أنت في حجرة النوم أعظم من جنرال. ~~- في حجرة النوم، إنما أمام المسدس أنا أقل من قطة. ~~- عرفنا. ~~- الحمد لله إنكم عرفتم. ~~••• # وفي اليوم التالي ووسيلة لا تزال في بيته قصد إلى بيت عبد الفتاح ~~صدقي. ~~- لا بد أن أتزوج فورا. ~~- ماذا؟ ~~- ألم تسمع؟ ~~- المصيبة أنني سمعت. ~~- وما المصيبة في هذا؟ ~~- كلمتك مائة مرة أن تتزوج وكنت ترفض. ~~- والآن قبلت. ~~- أنا عندي العروسة، ولكن لن أخبرك عنها إلا إذا قلت لي ما الذي ~~غير رأيك بهذه السرعة؟ ~~- أنا الآن في الأربعين وأستطيع أن أكون زوجا صالحا لسنوات عديدة، ~~ولا أريد أن ينزل علي قضاء الله بالزواج وأنا أكبر من هذه السن. ~~- كلام معقول. ~~- خشيت أن أصاب وأنا في الشيخوخة بحمى الزواج وأصبح أضحوكة أمام ~~نفسي وأمام زوجتي. ~~- لا بد أن شيئا قد حصل لك بالأمس. ~~- حصل أو لم يحصل لا يهم، أنا أريد أن أتزوج. ~~- وأنا عندي عروستك. ~~- من؟ ~~- ابنتي سناء. ~~- أنا في عرض النبي، أنا أعرف سناء وهي طفلة. ~~- أنت دخلت بيتي منذ كم سنة؟ ~~- أظن منذ حوالي عشر سنوات. ~~- هو كذلك فعلا. سناء كان عندها في ms52 ذلك الحين سبعة عشر ~~عاما. ~~- حقا؟ ~~- طبعا. أنت لم تكن تنظر لها لأنك كنت في الثلاثين من عمرك وقطعت ~~السمكة وذيلها. ~~- وهي تأخرت في الزواج لأنها كانت مخطوبة لابن عمتها. ~~- وأنت تعرف أنه استشهد في فلسطين، وأنا أريد أن أخرجها من حزنها ~~عليه. ~~- لا يزال الفرق بيني وبينها حوالي ثلاثة عشر عاما. ~~- كل زواجاتنا تتمتع بهذا الفرق. ~~- والله معقول. ولكن كيف تقبلني زوجا وأنت تعرف عني ما تعرف؟ ~~- أنت شبعت من النسوان، وأنا أطمئن على ابنتي بين يدي رجل في مثل ~~تجربتك. ~~- على بركة الله. ~~- نقرأ الفاتحة. ~~- بل لا بد أن يقرأها عني حلمي أخي. ~~- هكذا يكون كلام العائلات، وهو كذلك. # وتزوج حفني من سناء. # | الفصل الرابع عشر # حين عاد حسن من الجبهة كانت تحيط به أجواء غريبة كل الغرابة على ~~الذين يعرفونه؛ فقد أصبح يحاول أن يضفي على نفسه نوعا من الأهمية، ~~وأصبح فايز يهتم بأمره بعض الاهتمام، الأمر الذي لم يكن أحد يتصور أن ~~يحدث أبدا، بل والأعجب من ذلك أنه أصبح يشارك فايز سهراته بعد أن كان ~~يعدها له فقط دون أن يجرأ على التفكير في مشاركته فيها. # وقد أصبح شديد العناية بملبسه في الحدود التي تتيحها له دخوله ~~المختلفة، والتي ما زالت قليلة مع ذلك. # وقد توثقت صلة حسن بالأميرالاي وهبي عبد المولى، وصار يتردد على بيته ~~في انتظام. وكان للأميرالاي وهبي ابنة في الثلاثين من عمرها وكانت تكبر ~~حسن ببعض سنوات، ولكنه وجد أن فرصة زواجه منها لن تتكرر، ومن أين له أن ~~يجد ابنة أميرالاي إلا أن تكون زوجة سابقة مات عنها زوجها وترك لها ~~طفلا. ~~- يا ترى يا سعادة البك أطمع في هذا الشرف. ~~- والله يا حسن يا ابني تعرف أن بنتي كانت متزوجة، وقد أصبح لها ~~وحدها الحق أن تقبل الزواج مرة أخرى أو ترفضه. ~~- البركة فيك يا سعادة البك. # ووافقت الست بديعة وهبي على الزواج، وطبعا لم يفكر حسن أن يدعو أباه ~~إلى العرس، ولكنه دعا إليه - طبعا - حلمي باشا وأخاه ms53 حفني وعبد الفتاح ~~صدقي وعدلي. ودعا أيضا شخصا ربما تكون قد نسيته وهو حامد العراقي ~~الذي عاد من فرنسا ومعه زوجة فرنسية، فقد انتهز فرصة وجوده في باريس ~~ووثق أنهم هناك لن يعرفوا شيئا عن جده أو جدته أو الطريقة التي تعلم ~~بها، وأين يمكن أن تتوه هذه الأعراق العميقة الجذور في تربة وش البركة ~~إذا لم يدركها التيه في باريس؟ # وهكذا تزوج هو أيضا وشهدت زوجته مادلين زواج زميله حسن. وقدم فايز ~~إلى حسن مائة جنيه هدية زواج له استطاع أن يشتري منها حلة العرس. وبدأت ~~مطالع حياة جديدة تسفر عن وجهها الحسن بعد وجه شائه لم تكن الحياة ~~تطالعه إلا به. وحين انتهى العرس جلست أسرة الأميرالاي وهبي بك تذكر ما ~~كان من المدعوين ومن أمر الراقصة ومن أمر النقوط. وإن لم يكن الحفل ~~كبيرا ولكن الحديث عنه كان موفورا. وغمزت الست حكمت اليازرجي زوجة ~~وهبي لزوجها بعينها، وتلقى الإشارة وأحسن فهمها. ~~- ألا قل لي يا حسين يا بني. ~~- نعم يا سعادة البك. # وقالت الست حكمت: يا أخي قل يا عمي. # وقال حسن في نفاق يجري في عروقه مجرى الدم: لا يمكن يا ست هانم، أين ~~أنا من كلمة عمي هذه؟ # وضحك الأميرالاي وهبي، فقد كان لقب بك حبيبا إلى نفسه دائما، وأكمل ~~حديثه. ~~- متى تحب أن تتم الدخلة؟ ~~- متى تأمر بديعة هانم. # وقال وهبي: بيدك أن تكون الليلة وبيدك أن تكون بعد أشهر. ~~- اجعلها الليلة أنا في عرضك يا سعادة البك. # وضحك الجميع ووضعت بديعة على وجهها خمارا من حياء، وقال وهبي: هل ~~تصر على أن تسكن في شقة وحدك أنت وعروسك؟ ~~- والله الأمر إليها وإليك. ~~- أنت تعرف أن ابنها نبيه محتاج لمن يرعاه، وهنا سته تستطيع أن تكون ~~إلى جانبه دائما، والبيت هنا كبير وتستطيع أن تعيش معنا، وهكذا لا ~~تحرم خالتك حكمت من بنتها الوحيدة ومن حفيدها. ~~- وهل يمكن أن أتمنى أحسن من هذا؟ كل ما في الأمر أنني مواعيدي صعبة ~~كصحفي، وسعادتك تعرف وأخشى ms54 أن أزعجكم. ~~- لا إزعاج في الأمر، سنجعل حجرتك على السلم مباشرة لتخرج وتدخل ~~وقتما تشاء. ~~- وهو كذلك أمركم. ~~- اذهب إذن وأحضر ملابسك. ~~- في لمح البصر يا سعادة البك، في لمح البصر. ~~- ألم أقل لك أن الحياة أصبحت تطالعه بوجه لم يكن يتصور أنه سيراه ~~من هذه الحياة؟ # | الفصل الخامس عشر # حين اندلع حريق القاهرة لم يأت على القاهرة وحدها، وإنما أتى على ~~أموال حفني وعبد الفتاح مصطفى في لفحة واحدة؛ فالبورصة لم تكن تتوقع ~~هذا الحريق فإذا هي تجابه به وكأنه حيوان شرس جائع وجد طعامه، والمال ~~أكثر شيء جبنا، فما الخطب إذا واجه الرعب نفسه والحريق والدمار الآخذ ~~لا يبقي على شيء؟! # ونزل الحدث على عبد الفتاح مصطفى بالهول الوبيل؛ فهو إنسان طبيعي ~~ضاعت ثروته كلها التي شقي في جمعها طول عمره. فأي عجيبة أن يصاب ~~بالهون، بل أي عجيبة أن يصاب بالفالج؟ أما حفني فالأمر معه مختلف كل ~~الاختلاف، لقد استقبل الأنباء وكأنه يسمع أمرا ليس يعنيه في شيء، فقد ~~المال الذي كسبه في البورصة، وفقد الأرض التي تركها له أبوه وأنقذها ~~له أخوه وكأنما كان ينقذها لتعتسفها البورصة، وأصبح مصيره ومصير زوجته ~~وابنه فواز الجوع والمسغبة وهوان الفقر وذلة الأخذ، وهو الذي تعود ~~الشبع وعزة الغنى وكبرياء العطاء. ولكن لو أنه كان اهتز أقل هزة ~~لأصبح إنسانا آخر غير حفني الذي نعرفه. # ولما استحق منا أن نتيح له هذه المساحة العريضة مما تقدمه لك هذه ~~الرواية. # وقف حفني للعاصفة مثل الجبل، وانتظر حتى انحسر عزيف الرياح عنها ~~مخلفا وراءه الخراب وعبد الفتاح صدقي وقد أصبح جزءا من شيء لا حياة ~~فيه ولا رجاء منه. # وكان حلمي على علم بالأمر، وكان يعرف من أخيه في كل لحظة على أنباء ~~الخراب الذي يحل به. واعتصرت الرجل الوطني أيد عنيفة من الأسى، فهو ~~حزين أشد الحزن على عاصمة وطنه التي يمثل خرابها خراب مصر جميعا، ~~وحزين من أجل أخيه الذي أتت الكارثة على أمواله جميعا. # كان حلمي قد ترك الوزارة، ms55 وهكذا أعفته الظروف أن يكون فريسة لموقف ~~المسئول أمام مسئوليته. # كان من الطبيعي أن يطلب حفني ليوافيه بمنزله: أنا أنقذت أرضك مرة ~~وأظنني قادرا على إنقاذها مرة أخرى. ~~- يا أخي ربنا يطيل عمرك، أظنك في هذه المرة لا تستطيع. ~~- كيف؟ ~~- الدين الذي تحمله الأرض أكثر من ثمنها عشرات المرات. ~~- وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- هل رأيتني عمرك أشكو قلة المال؟ ~~- كان لا يمكن أن تشكو قلة المال وأنت على ما كنت عليه من غنى. أما ~~الآن فالأمر يختلف. ~~- توكل على الله. ~~- كم عندك الآن؟ ~~- ما يكفيني. ~~- لا يمكن. فلوسك كلها كانت في البنك. ~~- ما يكفيني يا سي حلمي. ~~- طيب، خذ هذه خمسمائة جنيه ودبر بها حالك، أو أبقها معك إذا كان ~~معك ما يكفيك حقا. ~~- لن أرفضها؛ فهذه يد أحب دائما أن آخذ منها، أطال الله ~~عمرك. # حين عاد حفني إلى بيته أصبح يعرف طريقه تمام المعرفة؛ فهو حين تزوج ~~كان قد انتقل إلى شقة فاخرة ضخمة عريضة الاستقبال تستطيع أن تتسع ~~لمائتين في ليلة واحدة، وقد أثثها له حموه بأحسن الأثاث. وهكذا بدأ ~~حفني يعطي أوامره. وقد اتخذ موقف المسئولية عن بيته وبيت حميه، وما كان ~~الأمر يحتاج إلى هذا، فقد كان عبد الفتاح مصطفى شأن كل المقامرين قد ~~كتب عمارة لكل فتاة، كما كتب عمارة لزوجته، فهم يستطيعون أن يعيشوا في ~~ستر وإن لم يكن في رخاء، ولكن حفني لم يكن يملك شيئا وهو حريص أن ينال ~~المتعة التي رصد حياته لها، فكيف إذن سيبرر تصرفاته المقبلة إذا لم ~~يتظاهر أنه يصنع في سبيل فواز وأمه، بل ويزداد جرأة على الحق فيدعي أنه ~~ينظر أيضا إلى مصلحة حماته ومصلحة آمال. # وحاولت سناء أن تذكره أن دخل والدته وأختها من العمارتين سيكفيهما، ~~بل إن دخلها هي من العمارة سيكون قادرا على مواجهة الحياة، ولكنه قال ~~في حسم: لقد تعودتم جميعا على العيش في سعة، وهيهات أن تستطيعوا العيش ~~في قلة. ~~- وماذا تريد أن تفعل؟ ~~- نذهب لنعيش مع أبيك في بيته. ms56 ~~- هل البيت باق له ؟ ~~- إنه قد كتبه باسمك واسم آمال في العام الماضي. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- لا شيء. أولا تكون عيشتنا واحدة، وتجد والدتك وأختك رجلا معهما ~~تعتمدان عليه. ~~- هل وافقتا؟ ~~- إن أمك هي التي طلبت هذا. # قالها الرجل في بساطة وهدوء، ولو كنت شاهدا الحوار بينه وبين كريمة ~~... وما لي لا أتيح لك أن تسمعه. # قالت كريمة: أهكذا ينتهي عبد الفتاح صدقي يا حفني؟ ~~- عبد الفتاح صدقي لا ينتهي أبدا يا كريمة هانم. ~~- ألا ترى إليه؟ ~~- شدة وتزول، إنما أنا أرى أن تنتقلي به إلى بيتنا، الأمر قد يحتاج ~~لوجودي معه، ربما احتاج إلى طبيب في الليل أكون إلى جانبكم. ~~- ربنا يا بني يطيل لنا عمرك. وهل أصبح لنا غيرك! لا والنبي لم يصبح ~~لنا غيرك. ~~- فما رأيك؟ ~~- وكيف يمكن نقله يا بني؟ وأنا كيف أذهب معه؟ ~~- بيتي كبير وأنت تعرفين. ~~- لكن اسمع، أليس بيتنا أكبر؟ لماذا لا تأتي أنت وسناء وفواز وتعيشون ~~معنا؟ أولا أجد أنا رجلا أطمئن به ونوحد المعيشة. ~~- أترين هذا؟ ~~- أليس هذا هو المعقول؟ ~~- أمرك. # وانتهى الحوار. # ولكن حفني الجبار يقول لسناء إن كريمة هانم هي التي طلبت. وهذا في ~~ظاهره حق، ولكنها طلبت لأنه جعلها هي تطلب. هكذا حفني، أتذكر حين قلت ~~لك إنك لن تستطيع أن تلم بجوانبه؟ وقالت سناء: ولكن ماذا سنفعل ببيتنا ~~هذا؟ ~~- يا ستي لا تفكري فيه الآن. # طبعا يجب ألا تفكر فيه الآن أو بعد الآن، فما كانت النقلة إلا لما ~~يفكر هو فيه بشأن هذا البيت. ~~••• # بدأت الحفلات في بيت حفني الوسيمي تضارب حفلات رشدي المهدي، وبدأ ~~حفني نفسه يقضي على رشدي المهدي في صنعته التي عاش عمره كله بها ~~ولها. # وعاد المال ينهمر على حفني وإن كان انهماره من أنهار أخرى، ولكن ~~الرجل لم يكن يعنى أقل عناية بمصادر المال الذي يصل إليه. # وكان شوقي سلام يأتي إلى حفلات حفني بانتظام لا يخطئ، وكان يأتي معه ~~في كل مرة بأربعة نفر تعرف بهم حفني وأدرك بذكائه الخارق أنهم ms57 ~~يدبرون شيئا، ولكنه أيضا أدرك بذكائه الخارق أنهم لا يريدونه أنه ~~يعلم عنه شيئا، فصمت وقد فطن أنه لو أظهرهم على ما يحسه فربما امتنعوا ~~عن المجيء. # وفي صباح يوم دق جرس التليفون في بيت عبد الفتاح صدقي الذي أصبح ~~بيت حفني الوسيمي. ~~- أنا شوقي. ~~- أهلا شوقي. ~~- أين ستذهب في الصباح؟ ~~- لا مكان. ~~- إذن فاذهب إلى جروبي. ~~- ولماذا لا تأتي أنت إلى هنا؟ ~~- اسمع ما أقوله ولا تناقش، الساعة الحادية عشرة في جروبي ~~عدلي. # سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. ~~••• ~~- تذهب إلى أخيك فورا وتطلب منه أن يبيع ما يستطيع من أرض. ~~- ماذا تقول؟ ~~- ما تسمع. ~~- وما الذي يجعله يصدقني؟ ~~- أخوك سياسي وهو يرى الحالة بعين الغيب، وسيعرف أن الكلام ليس ~~تخريفا. ~~- كل أرضه؟ ~~- إن استطاع. ~~- وإن لم يستطع؟ ~~- لا يبقي منها غير خمسمائة فدان، خمسمائة على الأكثر. ~~••• # وقال حلمي باشا: خمسمائة فدان؟ ~~- على الأكثر. ~~- أترى هذا معقولا؟ ~~- اسمح ووكلني واترك الأمر لي. ~~- إنني أملك أكثر من ألف وخمسمائة فدان. ~~- هذا شأني. ~~- تعال غدا خذ التوكيل. ~~••• # ذهب حفني إلى العزبة وصحب معه عدلي. وراحا يبيعان الأرض متظاهرين أن ~~حلمي باشا يريد أن ينقذ أخاه، واستطاعا فعلا أن يبيعا كل ما يزيد عن ~~الخمسمائة فدان، وأحضرا الأموال وسلماها إلى حلمي باشا الذي وضعها في ~~خزانة بيته وانتظر الأحداث. # ولم يطل به الانتظار. # وحين صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول كانت الأرض التي يملكها حلمي ~~لا تزيد عما فرضه القانون إلا مائتي فدان استطاع أن يبيعها بسهولة، ~~مطبقا نفس القانون الذي كان يسمح لمن تزيد أرضه عن النصاب أن ~~يبيعها. # | الفصل السادس عشر # حين قامت الثورة كان حفني صديقا للأغلبية الكاثرة منها. وقد جاءه ~~شوقي الذي يتصدر منها مكانا مرموقا في ليلة من ليالي بيته التي ~~ازدادت ازدهارا مع الأحداث الجديدة، وقال شوقي: قل لي يا حفني، هل ~~أساء أخوك حلمي إلى الصحفي حسن هنداوي؟ ~~- أساء! إنه هو الذي جعله يذهب مندوبا عن المجلة في حرب فلسطين وهو ~~الذي ... النهاية لا أحب أن أذكر ما ms58 صنعه معه ولا ما كان يعطيه له من ... ~~المهم ... ~~- هل أنت جاد؟ ~~- الأمر معروف. اسأل أي صحفي يخبرك ... لماذا؟ ~~- طيب وحامد العراقي هل أساء له أخوك؟ ~~- كل الإساءة. ~~- كيف؟ ~~- هو الذي رجا فايز حتى يكون مندوب المجلة في باريس. ~~- عجيبة! ~~- ماذا حصل؟ ~~- أنت لا تتصور كيف كان كل منهما يصر اليوم على أن يلقى أخوك في ~~السجن مع المعتقلين السياسيين. ~~- هل هذا معقول؟ ماذا قالا؟ ~~- قالا إن الوجوه القديمة لا بد أن تتغير، وأن الناس لا بد أن تعرف ~~أن حياة جديدة في الطريق. ولا بد لهؤلاء السياسيين أن يختفوا من ~~الحياة، وقلت لهم حتى الشرفاء، فقال حسن وخاصة الشرفاء؛ لأن هؤلاء هم ~~الذين يخشى منهم على الوضع الجديد، وأيد حامد كلامه في صياغة ~~أيدولوجية وألفاظ رنانة. ~~- يا نهار أسود وبعد؟ ~~- ولا بعد ولا قبل. أصررت أنا وأصدقاؤك الذين تعرفهم فاستثني أخوك ~~من الاعتقال. ~~••• # وهكذا اجتاز حلمي باشا كل ما وقع على زملائه من ضير، وأحس السياسي ~~المحنك أن الحياة في مصر تغيرت، ورأى أن خير ما يفعله أن ~~يبتعد. # ينظر إلى الجهلاء والمنتفعين فيجدهم أصحاب رأي يقال وينشر ~~وينفذ، وهو الذي كانت مصر عنده عقيدة كأنها دين يحرم من أن يقول ~~رأيه، هذا الحق البسيط الذي ينبغي أن يتمتع به كل فرد من أفراد الشعب ~~الحر، ولكن أين الحرية في بلد أصبح أخوه حفني هو الذي يحميه فيها، ولم ~~يكن يعرف عن حفني إلا أنه إنسان فشل في كل ما عهد إليه من الحياة، ولم ~~يرق إليه النجاح الساحق الذي يحققه حفني في كل ليلة في البيت الذي شهد ~~زواجه وشهد مولد ابنه فواز الذي أسماه على اسم جده، وكأنه إنسان يعرف ~~كيف ينتمي إلى أسرة عريقة. # ولكن أصدقاء حلمي كثيرون. وما لم يرق إليه في شهر بلغه نبؤه بعد ~~أشهر، وكأنما هذا الذي بلغه ستار الختام لحياته؛ فقد طلب أخاه في ~~التليفون وأمره أن يحضر إليه فورا. وكان أمر حلمي عند حفني معناه ~~النفاذ. فما أسرع ما قصد ms59 إليه وجلس منه تلك الجلسة التي تعودها معه ولم ~~يستطع أن يغيرها وكأنه ما زال ذلك التلميذ الذي لم يستطع أن ينال ~~الشهادة الابتدائية. # كان حلمي قد استطاع أن يقف صلبا شامخا أمام كل ما مر به وبمصر. ~~ولكنه في هذه المرة لم يستطع أن يبقى على هدوئه. كانت عيناه تلتمعان ~~بدموع يمنعها الكبر أن تسيل، فانفجرت نبضا على شفتيه ورعشة في يديه ~~لم يتح له أن يتحكم فيها، وتخلج لسانه في فمه. ~~- أحقا يا حفني ... أحقا ... ~~- ماذا يا سي حلمي؟ ~~- أحقا ... أحقا ... # وآثرت روحه أن تخرج إلى بارئها قبل أن تخرج الكلمة التي تجمدت على ~~لسانه إلى حفني. # ومات حلمي ... ومات عهد. # | الفصل السابع عشر # انفرد عدلي بين كل لذاته من أبناء الأثرياء بأن المال كان موفورا ~~لديه، فلم يشك الفقر ولا القلة، وكان له في عمه حماية أي حماية، ولكنه ~~كان غير مرتاح قط، كان يقول لي: الله وحده يعلم كيف استطاع عمي حفني ~~أن يحصل على هذه الأسرار التي حفظ بها ثروتنا. # وكنت أحس أنه كان يريد أن يتعرف مني على مدى انتشار الحقيقة التي ~~يتناقلها الناس عن عمه. كنت واثقا أنه يعرف ولا يريد أن يعرف، وكنت ~~أشفق عليه أن أظهره على ما يقوله الناس، وكنت أختار لنفسي طريقا ~~ملتويا. ~~- يا أخي وأي عجيبة أن يحمي أخ أموال أخيه؟ ~~- لست من هذا أعجب، وإنما أريد أن أعرف كيف وصل إلى هذه ~~الأسرار. ~~- من أصدقائه. ~~- ما نوع هذه الصداقة وماذا وراءه وما مداها؟ ~~- وفيم يعنيك هذا؟ لقد أنقذه أبوك مرة من الخراب، وأنقذ هو أباك مرة ~~في مقابلها. ~~- أما أبي فأنقذه بماله، أما هو فماذا قدم لينقذ أبي؟ # ولم يكن شيء يجعل عدلي يسكت عن هذا التساؤل كلما خلا به وبي ~~مكان. ~~••• # لم يكن عدلي يستطيع أن يعيش دون أن يعمل، فقد التحق بالوظيفة منذ ~~تخرجه، ولم يكن يجد في التحاقه بالوظيفة أمرا يستحق منه إنعام نظر أو ~~إمعان فكر، فهو حاصل على شهادة التجارة العليا، وعين ms60 في الدرجة التي ~~يعين بها كل زملائه، وكان تعيينه في البورصة لأن عمه كان يعمل بها ~~وصداقاته فيها مشهرة معلنة لا تحتاج إلى البحث عما وراءها، إن كان شيء ~~وراءها. # ومرت على وفاة أبيه سنة وبعض السنة وهو مقيم في بيته مع والدته التي ~~بدأت تلح عليه أن يتزوج شأن كل أم لها ابن وحيد، وتريد أن تطمئن أن ~~حياة أبيه التي اعتسفت ممتدة في حفيد يوحي إليها ببعض طمأنينة أن حلمي ~~الوسيمي لم يمت. # وكان عدلي يرى أن زواجه أمر طبيعي، فهو ليس من رواد الليل، ولا هو ~~عربيد ولا صاحب لهو، فسنة الحياة سنته، والطريق الذي رسمه المجتمع هو ~~طريقه لا يريد أن يخرج عنه ولا أن يغير الكون أو يحطم ما جرى عليه عرف ~~الحياة. # وقد وجد في ابنة خاله أحمد نشيدته، فهي فتاة متعلمة حصلت على شهادة ~~الآداب وذات جمال ناضر نقي وقلب يافع طازج، مقبلة على الحياة إقبالة ~~طهورا رصينة، وهو منها ومن أسرتها في أمان أي أمان. أمها كانت منه ~~بمنزلة الأم وأبوها أبوه. وهما أسرتان لا تجمعهما صلة الرحم وحدها ~~وإنما يجمعهما أيضا قانون مجتمع واحد وخلق متشابه، فهما وإن كانا ~~يعيشان في بيتين إلا أنهما في تكوين أخلاقهم وتفكيرهم بيت واحد. حتى ~~لقد كان كل بيت منهما يطلق على البيت الآخر كلمة البيت الثاني، فلا ~~يقال بيت الباشا ولا يقال بيت أحمد بك في أي من المنزلين، وإنما ~~يقال البيت الثاني - فهما إذن بيت واحد. فزواج عدلي من حورية أمر يكاد ~~يكون مقررا بالأمر الواقع حتى إنه لو لم يحدث لكان شذوذا عن الطبيعة ~~الكونية لا معنى له ولا داعي إليه. وكان من الطبيعي أيضا أن تقيم ~~حورية مع عمتها في نفس البيت. ~~••• # حين أغلقت البورصة أبوابها كان عدلي قد أنجب ولده الأول منذ سنوات، ~~وكان من الطبيعي أن يسميه حلمي. ولم يطق عدلي أن يعمل في الوظيفة ~~التي نقل إليها؛ فقد كان لا يصنع شيئا إلا أن يقبض المرتب في آخر ms61 كل ~~شهر، وهذا أمر يأباه ضميره، كما أن طبيعة عدلي ترفض أن يكون بلا عمل ~~حقيقي، وليس يرضى أن يتوارى أمام الناس وراء وظيفة بلا عمل. # كان قد تعرف وهو في البورصة على أكبر المحاسبين شأنا، وقد اختار ~~منهم مكتب الدكتور فكري الدهشان، فقد كان يأنس إليه، وكان يحس منه ~~أمانة منقطعة النظير، كما أنه كان يعجب بعلمه النظري والعملي ~~جميعا. # وقد كان الدكتور فكري من الذين يعجبون بوالده كل الإعجاب، ولم يكن ~~يخفي إعجابه هذا كلما دعا الحديث أن يبديه، قصد إليه. ~~- يا دكتور أريد أن أعمل معك. ~~- وتترك الحكومة؟ ~~- أنت بالذات تعرف معنى أن يتناول الإنسان مرتبا دون أن يعمل في ~~مقابله شيئا، وأنت بالذات تدرك معنى أن يكون الإنسان في ريعان شبابه ~~وفي استقبال القادم من الأيام دون أن يعد نفسه لذلك بالعمل ~~والجهد. ~~- ولكن يا عدلي يا بني عمل المحاسبين في مصر أصبح محدودا كما ~~تعرف. ~~- وهل طلبت منك مرتبا؟ ~~- إذا كنت أنت لا تقبل أن تنال أجرا بلا عمل، فإنني أنا أيضا لا ~~أقبل أن يعمل محاسب في مكتبي بلا أجر. ~~- أنت تعلم أنني والحمد لله موفور. ~~- لا يعنيني هذا في شيء. أنت ستعمل معي فلا بد أن تنال ~~مرتبا. ~~- إذن فأنت ترفض أن أعمل معك. ~~- وهل تتصور هذا؟ ~~- هذا ما فهمته من كلامك. ~~- إن ما قلته واقع لا شأن له بعملك معي، فإن مجرد إبداء رغبتك في ~~العمل معي يعتبر كأنك عملت فعلا، فأنت تعرف رأيي فيك وفي المرحوم ~~والدك. ~~- إذن؟ ~~- اسمع، أنا لن أجد خيرا منك ليتولى أعمال مكتبي في مصر. ~~- ماذا؟ ~~- هذا هو الجديد، لقد فتحت مكتبا في الكويت، وأعتقد أنه سيشغلني بعض ~~الوقت عن المكتب هنا. والعمل الحسابي في مصر كما قلت لك أصبح نادرا، ~~أو أقل من النادر وخاصة في المكاتب الكبيرة مثل مكتبي، وكنت فكرت أن ~~أقفل المكتب هنا، ولكني سرعان ما طردت الفكرة، فقد أحسست أنها أشبه ما ~~تكون بالانتحار، فالدنيا يا عدلي ليست فلوسا فقط، وها أنت ms62 تبحث عن عمل ~~مع إنك تستطيع أن تعيش على دخلك، وهذا المكتب يمثل عندي كفاح عمري كله، ~~فأنا إذن سأتركه في رعايتك وأسافر أنا لإنشاء مكتب الكويت، وسنكون على ~~اتصال دائم إما بأن تأتي أنت إلى الكويت أو بأن أجيء أنا إلى القاهرة. ~~ما رأيك؟ ~~- سأقدم استقالتي غدا إن شاء الله من الحكومة، وإن كنت مندهشا ~~مما سمعت. ~~- ومم الدهشة؟ ~~- أنت بلا ولد، وقد كونت اسما عظيما، ولا شك أنك كونت ثروة، ~~ففيم إذن سفرك إلى الكويت وهذا الجهد؟ ~~- عجيب شأن الناس! لماذا يظن الناس أن ما يصدق عليهم لا يصدق على ~~غيرهم؟! يا رجل ألم تأت إلي هربا من الفراغ؟ ~~- أنا آسف لك حق. # | الفصل الثامن عشر # كانت الحياة الجديدة هي أصلح حياة لحسن هنداوي. وكأنما تم كل هذا ~~الذي تم ليصبح حسن هنداوي في الذؤابة العليا من القمة، والحقيقة أنه ~~كان يعرف طريقه كل المعرفة، فإذا هو حوت شرس، يحرص كل الحرص أن يمزق ~~بأسنانه الحادة المتراكبة كل من كان ذا فضل عليه في ماضيه. استطاع ~~أن يزج بفايز إلى السجن أو أوحى إلى مستمعيه أن عدلي لا حديث له إلا ~~الهجوم والتنقص، واعتقل عدلي ولكنه لم يبت ليلته في المعتقل، فقد ~~أدركه عمه مرة أخرى وخرج بعد عشر ساعات من اعتقاله، فصداقات حفني لم ~~تكن مقصورة على فئة بعينها إنما هي تنداح وتتسع فتشمل كل ذي سلطان في ~~أي وقت. وكأنما كانت شقة حفني مظهرا لا يكتمل سلطان ذي السلطان إلا ~~به، فلم يكن عجيبا أن يكون محاطا بسياج من الأمان يستطيع أن يصد عنه ~~وعن كل من يهتم به أي عادية. # ولكن العجيب أو ربما لم يكن عجيبا، أن حسن لم يحاول يوما أن يمد ~~أباه بشيء يعينه على الحياة مع أن المال كان يجري بين يديه سيلا لم ~~يطف يوما بأحلامه، وبعد أن كان يعيش مع الأميرالاي في بيته ابتنى هو ~~لنفسه فيلا خاصة، وطبعا أقامت فيها زوجته وحدها دون أهلها ودون ابنها، ~~وإنما أقامت ms63 معهما ابنته التي أسماها جميلة. # أما حامد فقد فشا هو الآخر واعتلى مكانا سامقا، ربما لا يطاول ~~مكانة حسن إلا أنه ليس بعيدا عنه كل البعد. وقد كان حامد بحاسته ~~وبقدرته الفائقة على النفاق حريصا أن يجعل حسن راضيا عنه دائما كل ~~الرضا. ~~••• # كان عدلي جالسا في سميراميس في انتظار صديقه الصحفي فخري عبد النبي ~~الذي كان يعمل تحت رئاسة حسن. وجاء فخري وهو ملتاع خائف لا يطيق أن ~~يخفي من لوعته أو خوفه شيئا، ولم ينتظر عدلي أن يسأله، بل ~~عاجله. ~~- مصيبة سوداء. ~~- ماذا! قل. ~~- قرأت اليوم نعيا لعم حسن هنداوي. ~~- نعم قرأته. ~~- أنت أيضا؟ ~~- وما العجيب في هذا؟ ~~- يبدو أن أحدا لم يقرأه إلا أنا وأنت. ~~- كيف؟ ~~- كان من الطبيعي أن أذهب إلى العزاء، كلمت زملائي فإذا هم جميعا ~~يرفضون الذهاب، منهم من يدعي المرض، ومنهم من يدعي الشجاعة والعزوف ~~عن النفاق. فقلت أذهب وحدي والأمر الله. البلدة ليست بعيدة عن القاهرة، ~~استأجرت سيارة أجرة وذهبت، ويا ليتني ما ذهبت! # وقال عدلي وطيف ابتسامة يتماوج على فمه: فعلا يا ليتك ما ~~ذهبت. ~~- أنت أيضا تعرف؟ ~~- لو كنت سألتني لأخبرتك. ~~- أأطلب منك أن تعزيه وأنا أعرف أنه حاول أن يعتقلك؟ ~~- كنت سأرفض الذهاب، ولكن ليس من أجل هذا السبب. ~~- فلماذا؟ ~~- أكمل حكايتك. ~~- ذهبت فوجدت العزاء بلا سرادق ولا حتى كراسي، وإنما جلسنا على الأرض ~~وتحتنا شريط من الحصير، وكان أبو حسن يستقبل العزاء وعليه معطف حائل ~~اللون يملأ الرتق جوانبه جميعا. ~~- هذا هو السبب الذي رفض زملاؤك الذهاب من أجله. ~~- أكلهم يعرفون؟ أليس هناك خائب غيري؟ ~~- وفيم خوفك؟ ~~- أن يعرف أنني عزيته. # وضحك عدلي وقهقه ثم انخرط في البكاء في حزن شديد، وأخذ فخري وكأنما ~~خشي أن يكون صاحبه قد أصابه مس من الجنون. ~~- الله! عدلي، عدلي ماذا بك؟ # وتماسك عدلي وصمت وناوله صديقه كوب ماء وشرب ثم تكلم وكأنما ينعى ~~نفسه. ~~- أهذه هي مصر؟ يخاف فيه الشخص أن يعرف رئيسه أنه عزاه وعرف أنه سافل ~~مع أبيه وضيع ms64 ساقط المروءة. كان من الطبيعي أن يخاف الشخص إذا لم يقم ~~بواجب العزاء، أما أن تخاف - وأنت محق - لأنك قمت بالواجب فواضيعة ~~مصر! ولا يخاف الشخص الذي لم يقم بواجبه أو ببعض واجبه نحو أبيه أصل ~~وجوده وصاحب اسمه، وتكون أنت يا من قمت بواجبك مرءوسا ويكون الآخر ~~رئيسا! فلأي شيء صنع البكاء إذا لم يكن صنع لهذا الذي ترويه، وهو ~~أهون ما نراه؟ # كيف أعيش في مصر؟ لقد جربت أن أنافق وفشلت، لا شجاعة مني، ولكن طبيعة ~~تكويني ترفض أن تتيح لي هذه الميزة التي تتمتع بها الكثرة ممن ~~أعرفهم. # ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي قمت فيه بمراجعة دفاتر رجل الأعمال ~~الشهير مرجان علوان الذي نجا من التأميم لسبب لا يعرفه أحد. ربما كان ~~له الآخر عم كعمي. المهم راجعت دفاتره فوجدت أنه لص من أكبر اللصوص ~~الذين نسمع عنهم، ووقفت أمام دفاتره حائرا - مكتب الدكتور فكري ليس ~~فيه مثل هذا، وإن كان فيه ما عملت معه، أو لما قبل هو أن أعمل معه، ~~ولكنني أيضا لا أستطيع أن أرفض الزبون برأيي المفرد، فهذا قرار يجب أن ~~يتخذه صاحب المكتب نفسه الموجود الآن بالكويت. # كان علي أن ألقى مرجان، وجاء الرجل في الموعد المحدد. ~~- أنت يا عدلي بك رجل سمعتك مثل الجنيه الذهب. ~~- ألف شكر. ~~- وليس هذا غريبا على من له أصلك، واسم أبيك نار على علم. ~~- ألف شكر يا مرجان بك. ~~- وأنا والحمد لله رجل لا أقبل مليما حراما. وأنت اطلعت على ~~دفاتري، ومثلك لا تخفى عليه خافيه ولو كان فيها، لا قدر الله، شيء لا ~~ترضى عنه ... # ومضى الرجل يتحدث عن الشرف الذي يتمتع به وعفة اليد، وكيف أنه لا ~~يأكل على الحكومة مليما واحدا، وثبت أنه يملك مع ذمة اللص جرأته على ~~الحق. وعزمت في نفسي أن أؤيد كل كلمة يقولها عن نفسه، وبدأت أرتب ~~الحديث. استغفر الله يا مرجان بك، أنت رجل فوق كل الشبهات ولا يجرؤ أحد ~~أن يشك في ذمتك ... إلى آخر ms65 هذا الحديث الذي تواضع المنافقون على قوله ~~لكل اللصوص، فأنا أعرفه ولست أغباه. كان المهم فقط أن أقوله؛ فأنا لم ~~أقله قط لمن لا يستحقه. ظللت أتمرن على الكلام طوال الفترة التي ~~يتكلم فيها مرجان عن ضميره اليقظ ويده الشريفة وذمته النقية. ولم يكن ~~حديثه قصيرا، فالفترة التي أتيحت لي للتمرين لم تكن قصيرة حتى إذا ~~سكت مرجان وجدتني أقول في عفوية وانطلاق دون أي ريث من تفكير: الحقيقة ~~يا مرجان بك إنك أكبر لص التقيت به في حياتي. # وسكت الرجل لحظة ثم انفجر ضاحكا بأعلى صوت له، ووجدتني أقول: ولكنني ~~لا أمزح يا مرجان بك. # وازداد ضحك الرجل، حتى إذا هدأ به الضحك قال: العجيبة أن هذه هي ~~الحقيقة، ولكنني أسمعها لأول مرة، وقد كنت أفكر ماذا أنا صانع إذا ~~جابهني بها أحد. # ولم أجد شيئا أقوله، وكان الرجل غاية في الذكاء، فقد سرعان ما استرد ~~وجهه ملامح الجد. ~~- إن الحكومة التي تسرق الأفراد لا بد أن يسرقها الأفراد. ~~- الحكومة شخصية معنوية تمثل الشعب أجمع، وأموالها أموال عامة لا ~~يجوز لأحد أن يسرقها، والذين تتكلم عنهم يمثلون أنفسهم ولا يمثلون مصر. ~~وعلينا نحن أن نؤدي واجبنا نحو بلدنا حتى لو كان هناك من لا يؤدي هذا ~~الواجب. ~~- إذن فأنت ترفض الدفاتر. ~~- أنا شخصيا لن أكون مسئولا عنها، أما رفضها أو قبولها فمن حق ~~صاحب المكتب الدكتور فكري وحده. ~~- أنا أعرف مكانتك عنده، وما دمت أنت رفضتها فهو أيضا سيرفضها، ~~فدعني آخذها ويا دار ما دخلك شر. ~~- هذا إليك. ~~- أتصدقني إن قلت لك شيئا؟ ~~- هذا يتوقف على ما ستقوله. ~~- أنا معجب بك غاية الإعجاب. ~~- ألف شكر. ~~- ولكني لا أتمنى أن تعمل معي ولا أن تعمل لي. ~~- الآن صدقتك. # ولم أعجب من الدكتور فكري حين رد على رسالتي التي قصصت له فيها ما ~~كان من أمر مرجان، ووجدته سعيدا بموقفي كل السعادة، ولكن الدكتور فكري ~~في الكويت. فكيف أعيش أنا في مصر. ومع من أستطيع أن أعمل؟ بل مع من ~~أتكلم؟ ms66 كلام الناس في مصر همس، بل لقد انقطع الهمس خشية أن تشي النفس ~~بالنفس. مع من أعيش؟ مع زوجتي، وابني وأمي، ولكن الحياة لا تستقيم إلا ~~مع الحياة. إذا لم أر إلى الناس وأجلس إليهم وأعيش حياتي كما ينبغي ~~لإنسان في مجتمع أن يعيش فما الحياة، هذه مصري أنا وهي مصر كل إنسان ~~فيها، فكيف تنحسر ملكيتها وتصبح مقصورة على عمي حفني ومن يذهب إلى شقته ~~في خوافي الظلام الذي لا يخفي شيئا؟ # كيف أعيش في مصر؟ وإذا أنا استطعت فما مصير حلمي؟ إنه الآن في ~~العاشرة من عمره وستلقفه في غد هذه الحياة، فأي الطريقين سيسير فيه؟ ~~وأي النجدين سيهتدي إليه؟ أهو سائر في طريقي وطريق جده أم هو آخذ سمته ~~إلى طريق عمي؟ إن الدماء التي في عروق حفني هي الدماء التي في عروقي، ~~وهي نفسها التي في عروق ابني حلمي، ففي نفسه فجورها وتقواها. # إن البيت الذي نشأ أبي ونشأني هو البيت الذي نشأ حفني وهو نفسه ~~الذي سينشأ في أجوائه وتعاليمه حلمي الحفيد فما مصيره؟ # وإذا كان عمي حفني قد اختار طريقه والحياة في مصر فيها الجانبان، فما ~~مصير حلمي وهو لن يجد إلا جانبا واحدا، هو جانب عمي حفني ورواد ~~لياليه؟ ~~••• # جاءني عدلي وعرض علي حيرته تلك ووجد عندي الصمت المطبق؛ فقوله كله ~~حق. والله وحده يعلم مصائر الناس، ولا أستطيع أنا ولا أعتقد أن غيري ~~يستطيع أن يطمئنه. ولم أجد شيئا أجيب به حيرته إلا أن أسأله: ماذا ~~تتوقع؟ ~~- في أي شأن؟ ~~- في شأن مصر. # وصمت قليلا وقال: لم يبق إلا الكارثة. # وذهلت وأكمل: لكل أمر مستقر، ولكل فورة نهاية. وما دامت الأمور قد ~~بلغت هذا المدى فلا بد أن تنكشف عن قمة الهاوية إذا جاز هذا ~~التعبير. ~~- أهذا ما تتوقعه؟ ~~- لا بد للسائر أن يقف، ولا بد للصاعد أن يبلغ القمة أو يهوي، ونحن ~~صاعدون قدما على جبل من أوهام وفساد، وليس للفساد قمة إلا ~~الهاوية. # وما لبثت أن جاءت 67 تحمل في ms67 طواياها كل ما تنبأ به عدلي. وكان ~~ابنه حلمي قد تخطى الحلقة الأولى من حياته. ولكن عدلي لقيني والدموع في ~~عينيه وهو يقول: إنها ليست على مصر الحاضر وحدها، وإنما على مصر الغد ~~أيضا. ~~- أعوذ بالله. ~~- لو رأيت حلمي ابني وكيف أصيب في سنه هذه الباكرة بانهيار ~~عصبي! ~~- كل الشباب كذلك. ~~- الشباب نعم لأنهم شهدوا غير ما كانوا يسمعون، ورأوا عكس كل ما ~~كانوا يتوقعون. أما حلمي فهو لم يصبح شابا بعد، فما مصير جيله إذا ~~أشرقت حياتهم على الحروب وافتتحوا مستقبلهم بالخراب. ~~••• # لست أدري أي الأسباب كان هو الأقوى عند عدلي حين قرر أن يسافر إلى ~~الكويت. # فقد حدث أن أصيب الدكتور فكري بأزمة قلبية في الكويت، وحين شفي ~~منها قرر أن يعود إلى مصر وعرض على عدلي أن يقوم هو بأعمال مكتب ~~الكويت. ~~- يا بني يا عدلي أنا ليس لي أولاد، ومكتب الكويت يدر مكاسب طائلة ~~وحرام أن أقفله دون أن تستفيد منه، فلماذا لا تذهب تقوم بشأنه ويكون لك ~~نصف الأرباح والنصف لي طول حياتي حتى إذا اختارني الله إلى جواره تكون ~~أنت قد تعرفت على الناس هناك، وبارك الله لك في المكتب جميعه. وفي مكتب ~~مصر أيضا. # وقبل عدلي. هل قبل من أجل المال؟ لقد كان عنده ما يكيفه. أكان يريد ~~أن يهرب من مصر، أم يريد أن يهرب من نفسه في مصر؟ ولكنه سيلقى مصر ~~ونفسه في الكويت أو في أي مكان. ولو كان استشارني ما نصحت له بالذهاب، ~~ولكن الإنسان لا يستشير إلا إذا كان مترددا، فهو إذن لم يتردد وغادر ~~مصر إلى الكويت وتركني أنا أقول لعله كان يريد أن يعمل أي شيء غير ~~السكون والصمت والجمود. فليس هناك سبب واحد يجعله يترك مصر وزوجته ~~وابنه وأمه إلا أنه كان يريد أن يصنع أي شيء، أي شيء حتى ولو كان هذا ~~الشيء ترك نفسه إلى ما لا يدري. لعله كان يريد أن يبحث عن نفس أخرى ~~لا تضيق عليه الخناق ولا تلهبه بعذاب ms68 القلق. # ربما هرب من الترجح بين الأمل واليأس إلى إحدى الراحتين. مسكين عدلي ~~فما كان يعرف إلى الهدوء سبيلا. ولو كان على غير ما هو عليه لكان ~~الهدوء ملك يمينه ورهن إشارته. # | الفصل التاسع عشر # سمعنا عن قصة ذلك المهندس الذي استدعاه صاحب أحد المصانع ليرى رأيه ~~في آلة توقفت عن العمل وكانت الآلة تساوي ملايين الجنيهات، وكان ~~المصنع قد أخذ قراره بالاستغناء عنها وشراء غيرها إلا أن القائمين بأمر ~~المصنع أرادوا أن يكونوا على ثقة من قرارهم فاستقدموا هذا المهندس ~~ليعطي رأيه وليصدر قرار المصنع النهائي. ورأى المهندس الآلة وقال في ~~بساطة: أستطيع إصلاحها، ويمكن أن تعمل بعد ذلك عدة سنوات أخرى. # ووافق صاحب المصنع ولكن المهندس طلب أجر إصلاحه للآلة خمسين ألف ~~جنيه، ولم يجد صاحب المصنع بدا من الموافقة. # ولبس المهندس حلة العمل وأمسك بعض المفاتيح وواجه الآلة وربط مسمارا ~~هنا وآخر هناك، واستغرق عمله ساعة أو بعض الساعة وضغط على زر الآلة ~~فعملت وعادت وكأنها قادمة لتوها من مصنعها. وخلع حلته وذهب إلى صاحب ~~الآلة وطلب أجره. ولكن صاحب المصنع بعد أن دارت الآلة ذات الجنيهات ~~الملايين استكثر أن يدفع خمسين ألف جنيه من أجل ساعه عمل واحدة وقال ~~للمهندس: أتريد خمسين ألف جنيه من أجل عمل ساعة واحدة. # ولكن المهندس قال له في ثقة: لا يا سيدى إنني أتقاضى خمسين ألف جنيه ~~من أجل عمل خمسين سنة، فالخبرة التي قدمتها لك في ساعة واحدة اكتسبتها ~~أنا في خمسين سنة. # وأمام هذا المنطق الحاسم لم يجد صاحب المصنع مناصا أن يدفع الأجر ~~الذي اتفق عليه. # ولكن بعض الدول العربية ما زالت تفكر بتفكير صاحب المصنع، وقليلة هي ~~الدول التي تفكر بتفكير المهندس؛ فالخبرة التي تقدمها مصر إلى الدول ~~العربية هي خبرة آلاف السنين تلقوها من أجدادهم الذين بنوا الأهرام ~~مارين بكل ما مرت به مصر من تجارب، فالصانع المصري لا مثيل له في ~~العالم، والعلماء المصريون يقفون مع علماء العالم على قمة واحدة، ~~والمثقف المصري هو ms69 منارة العالم العربي أجمع. # فما لي أرى الناس في الكويت تعاملنا نحن المصريين المقيمين فيها هذه ~~المعاملة وقد شهدتهم يستقبلون الأدباء المصريين والعلماء والفنانين ~~أعظم استقبال ويحتفون بهم كل الاحتفاء ويجلونهم غاية الإجلال. # ولكن المقيم عندهم لا يلقى من هذا شيئا. وأعرف أن الشعب الكويتي ~~مثله مثل الشعوب العربية جميعا يحب مصر والمصريين غاية الحب، ولم لا ~~وقد تعلموا على مدرسيهم وحفظوا شعرهم وغنوا غناءهم! فما بالهم إذن ~~إذا أقام معهم المصريون تكبروا وشمخوا عليهم بأنوف عربية من شأنها أن ~~تعرف الكبرياء ولا يجوز لها أن تعرف التكبر. يذكروننا ببيت الشعر ~~القديم: # وكان بنو عمي يقولون مرحبا # فلما رأوني معدما مات مرحب # وعلم الله ما أصبحت مصر معدمة إلا بظروف قاهرة فرضت عليها فرضا ~~ولم نخترها، وعلى أية حال فقد أنفقت مصر على الحروب العربية ما أبهظ ~~مقدراتها بقدر ما أبهظها المتلفون الذين أضاعوا أموالها، وأذكر ~~البيت القديم أيضا: # يعيرني في الدين قومي وإنما # ديوني في أشياء تكسبهم حمدا # أكان ذنبنا أن حاربنا نحن وخلطنا بالمال دماءنا دفاعا عن العرب؟ أم ~~كان ذنبنا أن تولى أمرنا من جلب علينا هزيمة 67. ولماذا اعتبرت هزيمة ~~67 هزيمة لمصر وحدها ولم تعتبر هزيمة للعرب أجمعين؟ # يعيروننا في الكويت وفي العراق وفي دول الخليج بالهزيمة، ونصلى نحن ~~المصريين مرارة الخجل والهوان، وأصيح في نفسي: # لم أكن من جناتها علم الله # وإني بحرها اليوم صال # أمن أجل هذا اللقاء تركت وحيدي حلمي وزوجتي الحبيبة حورية وأمي التي ~~تتلهف علي في غيبتي وتخشى أن يوافيها الأجل وأنا عنها بعيد؟ # ولكنني قبلت ما عرضه علي الدكتور فكري، وإن كنت أستطيع أن أضيع حق ~~نفسي فما أنا بمستطيع أن أضيع حق رجل وهب لي ثقته واعتمد علي. فما ~~هكذا نشأت وما بهذا يرضى أبي. # فلأصلاها إذن أياما قاتمة، ولأقضي للدكتور فكري حقه علي، بل إن ~~هنا في الكويت أيضا قوما وضعوا ثقتهم في، ما أحسب أنه يجوز لي أن ~~أتخلى عن ثقتهم قبل أن أربي هنا ممن يساعدونني ms70 من يطيق أن يحمل هذه ~~الثقة ويؤدي الأمانة التي أؤديها. وليظن منهم من يظن أنني إلى المال ~~أسعى، فأنا أعرف ما في نفسي، وحسبي هذا إرضاء لها. # وليس السعي في سبيل المال أمرا تأباه الكرامة. # أنا هنا أعرف كيف أعامل من يسيء إلي، فإن من كان عزيزا في قومه ~~يعرف كيف يكون عزيزا في أي قوم. # وأنا أضع كرامتي في مكان لا يستطيع أن يرقى إليه إنسان، فإذا تطاول ~~أحد علي فإنما إلى نفسه يسيء وليس إلي. وتعجبني كلمة قالها معاوية ~~لابنه يزيد حين رآه يضرب غلاما له: «أتعلمه الأدب بأن تضيع أنت ~~أدبك؟» ولم يضرب يزيد غلاما له بعد ذلك قط. وأنا هنا لست على ~~استعداد أن أعلم أحدا الأدب وأفقد في سبيل ذلك أدبي، فلأتذرع ~~بالحلم، وليقضي الله أمرا كان مفعولا. ~~••• # تتابعت الأحداث في مصر، وكان عدلي يعود إلى أهله أسبوعا في كل شهر، ~~وكان يعد مكتبه في الكويت ليقلب الأمر ويزور بعد ذلك مكتب الكويت ~~أسبوعا في كل شهر؛ فقد كان حلمي يشب عن الطوق، وكان عدلي مصرا أن ~~يكون إلى جانب ابنه في هذه الفترة التي يتكون فيها أساسه، فقد كان عدلي ~~يرى أن يقوم هو بواجبه نحو ابنه ويترك المستقبل لمن عنده أم ~~الكتاب. # حدثت ثورة مايو واسترد شعب مصر قدرا كبيرا من حريته، وبدأ الناس ~~يتنفسون جهرا بعد أن كانوا يتنفسون خفية، وأصبح كل فرد في مصر يحاول ~~أن يذكر الآخرين بنفسه بعد أن كان كل فرد في مصر يتمنى لو ينساه ~~الآخرون. # كان عدلي في مكتبه بالكويت حين طلبته السيدة ألفت حشمت بنت أخي ~~الدكتور فكري لتخبره أن الدكتور فكري قد عاودته الأزمة القلبية، وأنها ~~تكلمه دون علم عمها، ولكنها تدرك العلاقة بينهما، وأحست أنه ينبغي ~~عليها أن تخبره. # ووصل عدلي إلى القاهرة في أول طائرة، ولم يقصد إلى بيته وإنما سارع ~~من فوره ومعه حقائبه إلى بيت أستاذه. وكان الأطباء قد منعوا الدخول إلى ~~حجرته، ولكن السيدة ألفت استثنت عدلي من هذا ms71 المنع، وطفرت إلى وجه ~~الرجل فرحة حب لا تطفر إلا على وجه أب يرى ابنه. ~~- كيف أنت يا عدلي؟ ~~- طمأننا الله عليك يا دكتور. ~~- اطمئن. ~~- أرجو ألا تتكلم. ~~- إذا مت ذهبت إلى مكان سعيت عمري أن أذهب إليه، وإن عشت فأنا مطمئن ~~بوجودك إلى جانبي. ~~- أطال الله عمرك. ~~- لا يهم. مصر الآن بخير، وما بنيته أنا سيصبح في يد أمينة. لم أعش ~~عبثا يا عدلي يا بني، وهل هناك أجمل من أن يحس الإنسان أنه لم يعش ~~عبثا! ~~- سأتركك لأنك تتكلم كثيرا. ~~- وما له دعني أتكلم فإنني سأصمت طويلا. ~~- أتركك بخير، هل تأمر بشيء؟ ~~- خذ بالك من نفسك ومن ابنك حلمي، اجعله يصبح مثل أبيك أو مثلك على ~~الأقل. ~~- وهل بيدي؟ ~~- حاول. ~~- أنا سعيد أنني رأيتك. ~~- وستراني دائما. ~~- ربما، وإنما أعتقد أنك أنت لن تراني. ~~- وخرج عدلي وكأنما كان الرجل يطلع على وجه الغيب، فقد كان هذا آخر ~~لقاء بينهما. # واستمرت أعمال المكتبين في مصر والكويت على حالها لم تتغير، فقد كان ~~زبائن المكتب قد عرفوا عدلي واطمأنوا إلى عمله، فلم يترك أحد منهم ~~أيا من المكتبين. # وكانت ألفت ميسورة الحال، وكان زوجها ميسور الحال أيضا، ولكن عدلي ~~أصر أن يكون لها مرتب ثابت من المكتب، فإذا هي تلقاه: ما هذا المبلغ ~~الذي أرسلته إلي؟ ~~- أهو قليل؟ ~~- هو غير مفهوم. ~~- إنه مرتب شهري أعتقد أنك تستحقينه من مكتب عمك. ~~- لم يصبح المكتب مكتب عمي. ~~- هو الذي أنشأه. ~~- ولكنك الآن تقوم بشأنه، وأنت تعلم أنني والحمد لله غير ~~محتاجة. ~~- أعلم ذلك كل العلم، ولكن أنا أقوم بما أراه عدلا. ~~- هل من العدل أن تعمل أنت وأتناول أنا مرتبا؟ ~~- لولا عمك ما عملت. ~~- لقد ورثت كل أمواله، فقد باعها لي منذ سنوات دون أن يتلقى ثمنا ~~لها، أما المكتب فقد كانت إرادته أن يئول إليك. ~~- أعلم ذلك. ~~- فما هذا المرتب الذي تريد أن تجريه علي؟ ~~- أريح به ضميري. ~~- فهل فكرت في ضميري؟ ~~- اسمعي يا ألفت هانم، هذا نقاش أشعر معه بنوع من ms72 السعادة انقطعت عن ~~الشعور بها منذ سنوات. ~~- والعجيبة أنني أنا أيضا أشعر بجو أصبح غريبا على ~~زماننا. ~~- فما رأيك أن يكون هذا المبلغ الذي قدرته لك نواة شيء طيب ~~بيننا. ~~- كم هو؟ ~~- ألم تعديه؟ ~~- لا والله، وجدت نقودا في ظرف ومعها بطاقة منك فجئت إليك من ~~فوري. ~~- أنت ست عظيمة. ~~- وأنت رجل عظيم. ~~- المبلغ مائة جنيه. ~~- هذا كثير. ~~- اسمعي، ما رأيك لو أنك ادخرت المبلغ ثم نلتقي كل عام في مثل هذا ~~الشهر ونقرر جهة البر التي نقدمه إليها؟ ~~- موافقة. ~~- عظيم. ~~- ولكن انتظر، باسم من يكون التبرع؟ ~~- باسمك طبعا. ~~- أكون قد ادعيت لنفسي فضلا ليس لي. ~~- وجدتها! ~~- فقلها. ~~- باسم المرحوم الدكتور فكري الدهشان. ~~- هو ما قلت. # | الفصل العشرون # إن الذي يبني مجده على أكتاف الآخرين يزول مجده بزوالهم. فمجدك إن لم ~~تصنعه يداك على أساس من الكفاءة والعمل الجاد إنما هو سراب قد يفرح به ~~الرائي، ولكن إذا بلغته الحقيقة وجدته وهما من الوهم، وهباء من ~~الهباء. # ولكن الذين يخدعون أنفسهم مساكين، فهم أول من يصدق أنفسهم حين ~~تخدعهم، وهم في خداعهم هذا يعمون عن الحق ويطيشون عنه، ويظنون أن مجدهم ~~هم صانعوه، وهيهات لهم أن يتبينوا الحقيقة من أنهم نباتات متسلقة على ~~أشخاص آخرين. فإذا شاء حظهم التعس وزال هؤلاء الآخرون طالعتهم ~~الحقيقة صريحة صارخة لا قبل لهم بمواجهتها، ولا قبل لهم ~~بتجاهلها، وويل لهم من أنفسهم حينذاك. فالنفس الممزقة والحقيقة التي ~~تكشف الوهم وتجعل الدجل ينماع إلى زوال ويتهافت إلى تلاش وينهار إلى ~~هباء، تجعل الواهمين الدجالين في سعار من الجنون يتخبطهم الشيطان ~~فيعرف الناس عنهم أعماق الأعماق التي كان يغشيها الوهم ويذود عنها ~~الدجل الرؤية الصادقة. # وقد يغيب الحق عن الظهور بعض الوقت ولكنه في موعده قادم لا شك، وهو ~~في قدومه موكب له طبل وزمر وزفاف كفيل أن يجعل الخداع مهتك الأستار ~~والدجل مفضوحا ليس له من غطاء ولا وقاء. # لهذا لم أعجب وأنا في الكويت حين كنت أقرأ مقالات حسن، فالعهد الجديد ~~يرفض أن يعطيه ms73 ما كان يعطيه العهد الماضي. فإذا هو يبالغ في مديح ~~الماضي، وهو في مديحه لا يملك أدلة من واقع؛ فالهزيمة ماحقة والجراح ~~من النفوس والجسوم ما زالت تنزف، وليس هناك نظرية واضحة المعالم يستطيع ~~أن يتخفى وراءها كما كان يتخفى حامد وراء نظرية. وهكذا أصبح موقف حسن ~~مضحكا. وكلما كتب ازداد الناس ضحكا منه، ولكنه ضحك موجع مؤلم كله ~~سخرية من ذلك الذي خدعهم حينا ثم تكشف أمره عن بلياتشو كانت الأصباغ ~~تغطي وجهه ثم أزالتها مياه الحرية، فإذا هم يتبينون أن الوجه لم يكن ~~وجهه وإنما كان وجه الآخرين. # إن الشيوعيين حين يدافعون عن رأيهم يجدون نظرية مهما تكن فاسدة سفاحة ~~قاتلة للإنسان في الإنسان، إلا أنها على كل حال نظرية اعتنقها سفاكون ~~وفرضوها على دول. وهكذا كان حامد يستطيع أن يقول ويجد ما يقول. أما حسن ~~فعن أي شيء يدافع؟ ليس في يده إلا وقائع كلها عسف وبطش وجبروت واعتداء ~~على كل ما هو إنساني، جسما كان أو روحا أو كرامة. # ووجد حسن مدخله إلى الحديث من باب ضيق حشر نفسه فيه فلم يخرج، فقد ~~راح يدافع عن الهزيمة ويبين أنها أمر لا يمكن تلافيه، وأن التفكير في ~~حرب أخرى إنما هو الخراب الآخذ الشامل الذي لا خراب مثله. ويقرأ الجيش ~~هذا الكلام فيزداد سخطا على حسن، ويقرأ العرب هذا الحديث فيزدادون ~~اشمئزازا من الكاتب ورفضا له. # فقد كانت الحرب هي الأمل الوحيد الذي يتحدثون به، وقد كنت أنا بعد ~~الهزيمة واثقا أنه لا حرب هناك. وكيف تكون الحرب مع جيش هزم الجيش ~~المصري في ساعات والجيش السوري في دقائق؟! # ولكنني مع ذلك كنت لا أميت الأمل في نفس محدثي، وأذكر بيت ~~الشعر: # إذا تمنيت نمت الليل مغتبطا # إن المنى رأس أموال المفاليس # وقد كنت أعتقد اعتقادا راسخا أننا أصبحنا أكثر هوانا من كل مفاليس ~~العالم. # أما أنا فلست كاتبا، وأنا لا أنشر رأيي على الناس، فمن حقي أن أظن ~~ما أشاء، وأعتقد ما أريد أن أعتقد، ما ms74 دام هذا الظن وذلك الاعتقاد ~~حبيسين في نفسي لا يخرجان منها إلى كلام منشور في صحف. # أما الكاتب، فإنه وإن كان واجبه أن يكون إنذارا للناس ونورا لهم ~~ومصباحا على غدهم، وكشفا لأمسهم، إلا أنه لا يجوز أن يكون لهم حسرة ~~وبأسا. فإذا توجس وجب عليه أن يذكر مكان الأمن، وإذا حذر تحتم ~~عليه أن يبين طريق الرشاد. أما أن يكون ارتكاسة مع الحكام ومعولا مع ~~الخراب وهزيمة مع الهزيمة، فهذا ما لا يرضاه أحد من كاتب ولا يرضاه ~~أحد له. # وقد كان حسن ارتكاسة وحطاما ومعولا وخرابا وهزيمة في وقت ~~معا. # في أول رمضان جئت إلى القاهرة لأقضي الشهر مع حورية وحلمي ومع أمي، ~~وبدأ الشهر، بدأ طبيعيا، ولكن ما كادت تمضي منه أيام ستة حتى انفجر ~~في العالم العربي ذاك الخبر الذي قلب موازين العالم أجمع. # مصر تعبر القناة. # كان حلمي في تلك السن التي تبهرها الأنباء ولا تطل إلى ما وراءها، ~~فإذا الفتى يكاد يجن من الفرح، فهو رائح غاد في البيت وفي يده ~~الراديو، أو وهو ممسك به عيناه على التليفزيون التصقتا به. # أما زوجتي فهي خائفة على الشباب الذي يحارب، وهي في نفس الوقت فرحة ~~سعيدة، فهي تعتقد أنه لم يكن لنا سبيل إلى استعادة الحياة إلا بحرب ~~أخرى ولتكن نتيجتها ما تكون. أما أمي فلا تترك كرسي الصلاة على ~~السجادة، فقد كانت لا تستطيع أن تصلي إلا وهي جالسة وهي تدعو الله في ~~تجرد كامل لوجهه سبحانه أن يحمي أبناء مصر المحاربين. # أما أنا فقد كان أمري عجيبا! لقد توقعت هزيمة محققة. والآن وأنا ~~أفكر بعد كل هذه السنوات أجدني كنت محقا في تفكيري، وإلا فكيف لجيش ~~هزم منذ ست سنوات فقط في ست ساعات أن يعود إلى حرب أشد شراسة بنفس ~~الرجال ونفس السلاح ويريد أن ينتصر؟! # لقد كان في الحرب الأولى مع العدو على أرض واحدة لا تفصله عنه حدود ~~من طبيعة أو من صنع الإنسان، والآن يريد أن يعبر القنال ويحطم ms75 خط ~~برليف وما فيه من ألسنة لهب مثلوها لنا كنار جهنم، ثم ينتصر! # أينهزم ولا حدود بينه وبين عدوه وينتصر وبينه وبين عدوه حواجز من ~~بحار وجبال ونيران؟! هيهات! # ولكن الآن لا بد أن أقول إذا لم يكن الجيش قد انتصر وأمامه كل هذه ~~العقبات لما حقق المعجزة، وقد شاء ربك من فوق سماوات سبع أن يقول ~~لعباده آمنوا بي، فإن أكن قد قطعت عنكم رسالات السماء فإني أرحم بكم ~~من أن أقطع عنكم معجزاتها. # وتمت المعجزة. # ويماري فيها أقوام في نفوسهم إحن وأحقاد مثل حسن وحامد ولكنها ~~معجزة. وما لهذين ولأمثالهما ألا يماروا! وإلا فماذا كنا نريد منهم أن ~~يقولوا؟! أعيدوا إلينا شلالات الأموال التي كانت تنسكب علينا، وآيات ~~المجد التي كانت تحيط بنا، وطقوس الإجلال التي كانت تفرش تحت ~~أقدامنا. # وما لهم ألا يماروا وقد خسروا بانتصار مصر طريقهم إلى خراب ~~مصر. # استعاد حلمي ابني نفسه وأحس أنه إنسان مكتمل، وفي يوم وقف إطلاق ~~النار فوجئنا به على المائدة يقف والدمع في عينيه ويصيح بأعلى صوته: ~~أنا مصري، بابا أنا مصري، نينا أنا مصري، ماما أنا مصري. # كانت بداية مشرقة لعامه المدرسي، فقد كان في الثانوية العامة، وقد ~~اختار هو دون أي تدخل من أحد أن يكون في القسم العلمي. وكانت درجاته ~~العلمية تتيح لي أن أستبشر خيرا باختياره هذا. # وكان حلمي في الإجازة قد وثق صلته بقريتنا الرمايحة، وقد أغراه ~~فريد بن الحاج سعدون الذي أصبح يشرف على أرضنا بعد أبيه أن يربي بعض ~~عجول بدلا من أن يترك العزبة خالية من البهائم تماما، وقد أحببت أن ~~يرتبط عدلي بالرمايحة وشجعت تحمسه المراهق، وفرح وبدأ مشروعه، وقد ~~كان الفتى يعرف حقوقه وواجباته، وكنت واثقا أن اشتغاله بالعجول لن ~~يشغله عن الدروس، وكنت أمزح معه قائلا: يا عدلي يا بني العجول لا تغني ~~عن العقول. # ويبتسم في ثقة ويقول: لا تخف. ~~••• # انتهى شهر رمضان وعدت إلى الكويت لأقضي بها أسبوعين. لقد عادت مصر ~~إلى مكانها، بل إنها عادت ms76 إلى أرفع مكان تبوأته في تاريخها ، وما لها ~~ألا تعود وقد حققت النصر الوحيد في العصر الحديث؟ ولكن عجيبة! أم ~~تراها ليست عجيبة؟ لقد كانت الهزيمة هزيمة مصر وحدها، ولكن وبقدرة ~~قادر - أم تراني يجب أن أقول بقدرة ظالم - أصبح النصر نصر العرب ~~أجمعين! لا بأس فليكن كذلك، وهل مصر والعرب إلا كما قال الشاعر: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # وانتهى الأسبوعان. وركبت الطائرة عائدا إلى القاهرة. شعور عجيب ~~يتولاني كلما عدت من الخارج إلى مصر. مهما يكن المكان الذي كنت فيه ~~والذي أعود منه إلى مصر. أنا دائما مشوق إليها بكل حال هي عليه. أنا ~~مشوق إليها والظلم يتغشاها ويتغشاني معها، ومشوق إليها وحقي وحقوق ~~المصريين مكفولة. ومشوق إليها حتى بعد أن خامرها ما خامرها من طريق غير ~~سوي وماء متفجر وكهرباء مقطوعة وتليفون لا ينطق، بل ربما أنا أشد شوقا ~~إليها وهي في تلك الحال من شوقي إليها وهي لا تعاني. وهل نعرف قيمة ~~الأم إلا إذا مرضت الأم. وهل نحبها في مألوف أيامنا قدر ما نحبها وهي ~~تعاني. وأمنا الخالدة تعاني، فنحن أبناءها أعظم لها حبا، وأكثر ~~إليها لهفة، وأشد عليها حرصا. # لقيني حلمي في البيت، وما هدأ بي المقام حتى وجدته ينتهز فرصة صمت ~~ويسارع قائلا في لهفة، وقد وضح لي أنه كان يختزن ما يقوله منذ أيام، ~~وينتظرني متعجلا عودتي ليعرض علي ما يعرض. ~~- يا بابا من المفروض أن يأتي إلى العجول طبيب بيطري ليرى إن كانت قد ~~بلغت الحجم الذي تستحق معه الحصة المخصصة لها من العلف أم لا، وقد جاء ~~الطبيب ورأى العجول وقرر أنها لا تستحق بعد تلك الحصة، وقبلت رأيه ~~كأمر مقرر ولم أناقشه، وخرج الطبيب من المنزل هو والتمورجي الذي ~~يعمل معه، ولكن ما هي إلا دقائق حتى عاد التمورجي ليهمس في أذني: إذا ~~كنت تريد أن يقرر الدكتور حصة العلف فادفع خمسة جنيهات عن كل رأس. ~~وسألته: لمن؟ قال للدكتور. قلت: أهي ms77 تمغة أو ضريبة حكومية مثلا؟ قال : ~~لا، وإنما هي إكرامية للدكتور. قلت: ولك؟ قال: اللي تشوفه. قلت: ولكن ~~الإكرامية من الإكرام، والإكرام لا يكون بالعافية. قال: والله أمرك. ~~قلت: اتركني أفكر في الأمر. والحقيقة أن المبلغ بسيط لا يستحق ~~التفكير، ولكنني يا بابا لا أتصور أن أبدأ حياتي بالرشوة، وفي نفس ~~الوقت أرفض أن يقع علي ظلم لأنني رفضت أن أقدم رشوة. ماذا ~~أفعل؟ # ولا أدري إن كان قد ظهر على وجهي ما شقيت به من ذلك الحديث أم لم ~~يظهر، فجعت فجيعة كبرى. ليس الأمر غريبا علي. ولكنني شأن الناس أرى ~~الشيء وهو بعيد ولا أتوقع أن يلاقيني أنا في طريقي. ماذا أنا قائل ~~لابني الآن؟ أأقول اقبل أن تكون راشيا؟ هذه هي المثل العليا التي ~~يريد أب مثلي أن يرسيها في نفس ابنه. وماذا سيكون أمري أمام ابني وهو ~~يرفض لنفسه أن يكون راشيا وأنا أقبل له هذا؟ أم أقول له ارفض وهو يريد ~~أن يخوض الحياة وقد بدأ خوضها فعلا بتلك العجول التي يربيها؟ وكيف ~~يستطيع خوضها وهو بكل هذه الطهارة؟ ويل لمصر مما مر بمصر! # قد يصلح الطريق فيها للسيارة، ولكن ما أظن أنه سيصلح للمثل العليا، ~~وقد لا تنقطع فيها الكهرباء ولكن نور الشرف سيتأخر عن الإنارة، وقد ~~يتحدث التليفون ولكن شقة عمي ما زالت تعمل، وما زال التليفون يستعمل ~~في إقامة لياليها. # قلت لحلمي في حسم: حلمي ما دمت قد دخلت إلى الحياة فينبغي أن تقرر ~~طريقك فيها وحدك. انظر أنت ماذا تريد أنت أن تفعل وافعله. # قال الفتى في حسم: بابا، أنا لن أدفع مليما واحدا، وليكن بعد ذلك ~~ما يكون. # قلت في نفسي: لهفي عليك يا بني، لقد اخترت طريقك لا شك في ذلك، ~~فاللهم يا رب العالمين يا حق يا عدل يا سبحانك ثبته على هذا الطريق ~~وإن لقي فيه ما لقي الحسين بن علي. # وقررت أن أقيم في مصر، وهنا بجانب ابني، فإنه في هذا الطريق سيحتاجني ~~لأكون له نسمة ms78 هواء في هجيره، ونفحة دفء في جليده. أنا هنا. # | الفصل الحادي والعشرون # قال لي عدلي: ماذا أصنع الآن؟ إن عمي حفني يرسل إلي كثيرا من ~~الزبائن وكلهم أصدقاؤه، وكلهم من ذوي الصداقات ذات النفوذ. وأنا لا أحب ~~صداقاته هذه، ولا أعرف ما تخفي، ولا أدري أقبل أم أرفض. # وأسقط في يدي، فإن كان هو يدري ما وراء هذه الصداقات أو كان لا يريد ~~أن يدريها فأنا أدريها كل الدراية، فإن قلت له اقبل خنت نفسي وخنته، ~~وإن قلت له ارفض أقفلت من دونه بابا واسعا من أبواب الرزق. وليس ~~الرزق له وحده، فربما كان في وفرة تغنيه عن المال وتغنيني عن الحيرة، ~~ولكن الرزق أيضا للشباب الكثيرين الذين يعملون معه والذين يريدون أن ~~يتعرفوا على هؤلاء الناس ويشقوا طريقهم في الحياة كما شقه أستاذهم ~~عدلي. ولم أجد شيئا أقوله إلا أن سألته: ألم تخبرني عن موقفك من مرجان ~~حين أراد لمكتب الدكتور فكري أن يكون مسئولا عن حساباته؟ ~~- أما زلت تذكر؟ ~~- وأنت أيضا يجب أن تذكر. ~~- فهمت ما تعني. ~~- فلا حيرة إذن. ~~- فيما يختص بالزبائن لم تعد هناك حيرة. ~~- إذن؟ ~~- حيرتي لن تنتهي ولن تنتهي. # وعرفت ما كان يقصده تماما، ولكنني أيضا كنت سعيدا بتخلصي من ~~الإجابة على سؤاله، ولم أشأ أن أوقع نفسي في حيرة جديدة معه. ~~••• # شمل السلام مصر واتهمها من اتهمها أنها باعت القضية بقبضة من ~~الرمال، وعلم الله أن مصر لم تبع القضية، وإنما أقامتها على أسس من ~~المنطق والعقل بعد أن ظلت أعواما لا شيء إلا هتافات وشعارات وصراخا ~~لا معنى له ولا قوام ولا عمق. وعلم الله أن هذه الرمال إنما هي أرض ~~مصرية عزيزة على مصر، ولست أدري لماذا تكون أرض مصر وحدها هي الرخيصة ~~وكل أرض غير أرضها عرض وشرف وكرامة ومستقبل وماض وحاضر وتاريخ؟! لم ~~أذهب إلى الكويت وإن كان مكتبي ظل يعمل به تحت اسمي، وأصبح من بين ~~تلاميذي الذين مرنتهم هناك من يستطيع أن يقوم بالعمل خير قيام، ومن ms79 ~~أعتقد أنه نال الثقة في نفسه ومن الزبائن. وتركت أمر المكتب لم أعد ~~أفكر فيه، واستغرقني عمل المكتب في القاهرة، فقد نشطت الحركة ~~الاقتصادية في مصر بصورة لم أر لها مثيلا في حياتي، واتسع مكتبي ~~اتساعا لم أكن أنتظره، ولكن الذي يحيرني هو النظام الذي يقوم عليه ~~الاقتصاد في مصر، فهو نظام فريد في العالم لا شبيه له. # فهو باليقين والقطع ليس نظاما شيوعيا، وهو أيضا ليس نظاما ~~اشتراكيا. وهو أيضا ليس نظاما رأسماليا. إنما هو خليط من هذا ~~جميعه. يأخذ من كل نظام بطرف، والنظريات ليست على استعداد أن تقبل معها ~~نظاما جديدا خلقته الظروف الشاذة في حياة مصر ولم تخلقه التيارات ~~الطبيعية التي تولدت عنها النظريات الأخرى ما نجح وما ثبت فشله. ~~والذي لا شك فيه أن هذا النظام المضطرب الذي كان الاقتصاد المصري ~~يعانيه هو ابن شرعي للنظام السياسي المترجح الذي كان يحكم مصر. فلا كان ~~النظام في مصر ديكتاتوريا كاملا يترأسه حاكم باطش مخيف ليس يبقي ~~لأعدائه من باقية وليس يرعي فيهم حق إله أو كرامة إنسان أو شرف آدمية، ~~ولا كان النظام أيضا ديموقراطيا مطلقا، ومن أين له بالديموقراطية ~~وقد قتلت أصولها منذ ربع قرن ولم تعد لها أدوات ولا أحزاب ولا ~~أشخاص؟! # وبيد الحرية الوليد وآثار الديكتاتورية قتل رئيس النظام، وتغيرت ~~الأوضاع في مصر بعض الشيء فبقيت وجوه على المسرح وأخرى تبدلت بقوم ~~آخرين، إنما الذي عناني بالذات أن شقة عمي قد أقفلت أبوابها، وبدأ عمي ~~يبحث عمن يؤجرها منه إيجارا مفروشا. ولكن أن يكون وجوه القوم الذين ~~كانوا يعمرون شقة عمي قد غابوا عن الواجهة فإن أذنابهم يملئون أرجاء ~~مصر منتشرين في كل مرفق من مرافقها، ما لهم عنها من منصرف. # قلت له: أتقص علي كل هذا وكأنني لا أعرفه؟ ~~- بل أعرف أنك تعرفه، بل وتعرفه كل المعرفة. ~~- ففيم إذن أتعبت نفسك؟ ~~- لا بد من شكري لذي مروءة. ~~- أشكر لك حسن ظنك، ولكن ماذا بعد الشكوى؟ ~~- أما جواب منك أو أظل أنا على ms80 حيرتي؟ ~~- وفيم الجواب وأنا لا أعرف بعد ما السؤال؟ ~~- ابني. ~~- ما له. ~~- لقد انتهى من دراسة الطب. ~~- وهذه أيضا أعرفها. ~~- والأطباء فئة فيهم الملائكة، وفيهم الوحوش القاتلة السفاحة ~~السفاكة. ~~- هو ما قلت. ~~- وحلمي ابني يحمل دم جدي. وهذا الدم أخرج أبي وأخرج عمي. فإلى أي ~~فصيلة من الفصيلتين سينتسب حلمي؟ وهل طريقه مسبعة الذئاب الباطشة أم ~~مسابح الملائكة؟ لكم أخاف عليه! إن الذي أشاهده في مصر لا يفرش الطريق ~~إلى مسابح الملائكة، وهو مهيأ كل التهيؤ أن يجعله إلى الوحوش ~~يميل. ~~- أولم يكن الأمر معك أشد عسفا وجورا وظلما؟ ~~- لو كنت واثقا أنه سيصبح مثلي ما احترت. ~~- ومن الذي يستطيع أن يعرف الغد؟ ~~- وأخاف عليه أن تطالعه سمعة عمي حيثما اتجه. ~~- وأي شيء تخشاه من هذه السمعة؟ أتخشى أن تكون عائقا له؟ أم تخشى أن ~~تكون طريقا له مفروشا بالورد والرياحين والزئبق الذي كان يملأ شقة ~~عمك؟ ~~- أخاف عليه من الأمرين كليهما، فكل من الفرضين أشد هوانا من ~~صاحبه. ~~- هل طالعتك أنت سمعة عمك؟ ~~- لست أذكر. ~~- فلماذا تخشاها عليه وهي لم تهددك أنت، وأنت إلى عمك أقرب من ولدك ~~إليه؟ ~~- الحيرة تقتلني. ~~- ألم تشعر أنك أديت واجبك؟ ~~- كل إنسان يطمئن نفسه بهذه الجملة. ~~- أتحس أن هناك شيئا كان أن تصنعه ولم تصنعه؟ ~~- لا أظن. ~~- أفلا تترك الأمر لله الذي ألزم كل إنسان طائره في عنقه. اترك ابنك ~~يلزم طيره، والزم أنت طيرك، وتوكل على الله. # وصمت عدلي، ولكن أكان صمت الطمأنينة وزوال الحيرة؟ لا أظن، بل إني ~~واثق أنه على حيرته ما تزال مسلط عليه ما كتب على الإنسان ألا يعرف ~~ماذا يكسب غدا. ذلك القانون الذي يتمثل فيه عذاب الحياة، وتتمثل فيه ~~متعتها أيضا. ~~(تمت) ms81