######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.TariqMinSama.Hindawi80252614 #META# Tags: novels #META# ID: 80252614 #META# Title: طارق من السماء #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # طارق من السماء‏ # طارق من السماء‏ # | طارق من السماء # | طارق من السماء # تأليف # ثروت أباظة # | طارق من السماء # 1 # كانت ولادة لم يشهد التاريخ لها مثيلا، القلوب واجفة، والنفوس ~~هالعة، والعيون زائغة، والأم تكتم صرخات الوالدات التي تطلقها ~~كل أم تلد لتعلن إلى العالم قدوم إنسان جديد إلى الحياة. ~~وعملية الولادة تقوم بها جدة الطفل القادم، فمجيء القابلة إعلان، ~~وهم يحرصون على الكتمان غاية الكتمان. # الصمت يضرب بخيامه على المنزل جميعا؛ فالحديث همس، والخطى تلمس ~~الأرض لمسا، ولا تجرؤ أن تطأها وطئا. # وحول البيت رجال شداد غلاظ يتسمعون ويراقبون، فهم يعلمون أن ~~موعد الولادة قد حان، فإن يكن أهل بيت الوليد يتكتمون في يوم ~~مولده خبر الولادة، فإن مقدمات الولادة هيهات لها أن تتخفى في ~~قرية كل نبأ فيها معلن، وكل همسة صيحة، وكل حركة ~~خبرها ذائع شائع. فكيف لأم حامل أن تخفي حملها؟! # إنها قرية نائية عن الدنيا، وتكاد تبتعد عن الزمان، من قرى ~~الصعيد القاصية من أرض مصر، أسماها الذين نزلوا بها في أول ~~نشأتها بني عمران، وليس فيها من العمران شيء، جهلها التقدم الذي ~~عرفه العالم، وظلت على حالها من يوم نشأتها منذ قبل الميلاد إلى ~~يوم ميلاد الطفل الجديد، تكاد لإغراقها في الجمود إذا الأرض دارت ~~بها لم تدر. # أما الطفل الذي يجيء اليوم فأبوه إبراهيم آدم، نال أبوه ثأر ابنه ~~وهدان الذي قتلته أسرة حمدان لتثأر هي أيضا لقتيل لها اتهموا فيه ~~وهدان، واضطر آدم أن يقتل سليم حمدان ليرفع رأسه في القرية، وما ~~كاد يرفعه حتى قتلته أسرة وهدان، ولم يستطع إبراهيم أن يسكت عن ثأر ~~أبيه فسارع إلى زعيم أسرة حمدان فقتله. # وقبل أن تقتل أسرة حمدان إبراهيم عاجلته السماء بموت رباني ~~فوت على أسرة حمدان ثأرها، فأقسم رجال الأسرة أن يقتلوا وليد ~~إبراهيم المنتظر إن كان رجلا، وهكذا تحلق رجال أسرة حمدان حول ~~بيت إبراهيم ينتظرون الولادة بآذان مرهفة، وعيون طلعة تكاد تخترق ~~الجدران اختراقا. # فكان لا بد لأسرة إبراهيم أن تعيش ms01 الأيام السابقة على الولادة ~~منعزلة عن العالم تجهز لليوم الموعود سرا. # وكان لا بد للولادة نفسها أن تتم في هذا الصمت المطبق الذي تمت ~~به. وقد كانت كل خشيتهم أن يعلن المولود الجديد ما تجاهد أمه ~~في كتمانه، وما تبذله من ألم يفوق طاقة البشر في سبيل هذا ~~الكتمان. # وولد الطفل، وقبل أن يطلق الصرخات التي يلقيها كل طفل في ~~وجه الحياة، سارعت أخته عزيزة، ووضعت يدها على فمه، فحرمته أن ~~يعلن الحياة بقدومه. # تمت الولادة في صمت كما أراد لها بيت إبراهيم آدم، ولكنهم ~~كانوا يعرفون أن ما يسترونه اليوم، وما قد يخفونه يومين آخرين أو ~~ثلاثة لا بد أن ينكشف، ولكنهم كانوا قد أعدوا للأمر عدته. ~~••• # في الموهن الأخير من الليل خرجت عزيزة تحمل أخاها، وهي تضع يدا ~~لها على فمه، وتلفه باليد الأخرى بخمارها الذي يغطي رأسها، ~~ويغطي أخاها في آن معا. # وركبت عزيزة مركبا صغيرا أعدته منذ أيام، وأخفته في ~~الأحراش الكثيفة التي تحيط بترعة الرادين. وجرت المركب في الماء ~~مجرى وانيا هامسا، كأنه وشوشة أمواج لشاطئ؛ فقد كانت عزيزة ~~تلمس الماء بمجدافيها لمسا هينا لا يعلو لها صوت، حتى إذا ~~بلغت مشارف قرية التمرة أرسلت مركبها، وتلفتت حواليها في حذر ~~وخشية، ونزلت إلى الشاطئ. وفي الخص الذي أقامته في الصباح وجدت ~~الحمار حيث تركته، فركبته وهي تحتضن أخاها في حدب حريصة دائما ألا ~~يصدر عنه بكاء يفضح هربها به. # الليل ستار، والناس بعد نيام، فلا بأس عليها أن تخترق شوارع ~~القرية، وهي آمنة بعض الأمن، وكان بيت العمدة في جوف القرية ~~والطريق إليه يخترق الكثير من الدروب. وكلما أوغلت في الطريق ~~اقتربت من الأمن، حتى بلغت بيت العمدة، وقلبها يوشك أن يقف من ~~الخوف. # وطرقت الباب طرقا رقيقا، فكأنها طارق من السماء مرة واثنتين ~~وثلاثا، ثم انفتح الباب، واستقبلها العمدة. ~~- هل أتيت به؟ حسنا! ~~- هل أدخل؟ ~~- بل انتظري. ~~- ماذا؟ ~~- إن زوجتي سافرت إلى أسوان عند أختي منذ اتفقنا بعد أن أعلنت ~~هنا أنها حامل. ~~- إذن. ms02 ~~- إذن لا بد أن نسافر بالطفل إلى أسوان لتعود به زوجتي، ونعلن ~~أمره إلى الناس. ~~- ولكن الطفل يحتاج إلى رضاعة. ~~- ادخلي فأرضعيه، هل معك ما ترضعينه به؟ ~~- نعم. ~~- إذن فأرضعيه، وأسرعي حتى أنادي سائق السيارة ونسافر. # وسرعان ما أخذت السيارة طريقها إلى أسوان، وكان الفجر يرسل أشعته ~~الأولى إلى الطريق. # وصلت السيارة إلى أسوان، والنهار يملأ الدنيا، وقال العمدة ~~لعزيزة: ابقي حيث أنت. ~~- لماذا؟ ~~- لآتي بزوجتي ونعود. ~~- ألا تعرف أختها بالأمر؟ ~~- بل تعرف. ~~- فما لي لا أنزل بالطفل حتى أرضعه وأريحه بعض الشيء، ونعود به ~~وقتما تشاء، فلم يعد في الأمر عجلة. ~~- معك حق .. انزلي. # وجاءت الأم المزيفة، واستقبلت ركب ابنها الذي لم تلده، ورفعت عن ~~وجهه الدثار، وأشرق وجهها بابتسامة عريضة. ~~- بسم الله ما شاء الله! حلو هو كالقمر ... وقال العمدة: أريني ~~ابني هذا الذي لم أنجبه ... سبحان الخلاق العظيم في وجهه سمو! ~~وسارعت زوجته قائلة: واسمه سامي، إن شاء الله! # ثم نظرت إلى أخته. ~~- هل ستبقين معه؟ ~~- إذا أردت. ~~- حسنا، ولكن هل سبق لك أن رعيت طفلا؟ ~~- الحقيقة لا. ~~- إذن؟! ~~- هل تريدين له من ترضعه؟ ~~- يا ليت. ~~- أعرف في بني عمران أما فقدت رضيعها، وهي فقيرة، وأستطيع أن ~~آتي بها لترعاه وترضعه. ~~- على بركة الله، ولكنني أحببتك لماذا لا تبقين مع المرضعة ~~وتساعدينها في رعاية سامي. ~~- وأنا والله أحببتك يا ست هانم منذ رأيتك أول مرة حين اتفقنا ~~على إحضار الطفل لك. وما أحب إلي أن أبقى في بيتك. فنحن لم ~~يعد لنا في بني عمران شيء يستحق أن نبقى إلى جانبه. الفدانان ~~سيزرعهما خالي ... المهم أنني أحب أن أبقى معك ومع المحروس ~~سامي. # وعاد الركب الذي خرج متخفيا من التمرة في باكر الصباح، وبلغ ~~بيت العمدة قبل أن تغرب الشمس، وأعلن عن عودته بالزغاريد وبالدفوف ~~وبالمزمار. # لقد أنجب العمدة ولدا بعد أن ظل عشر سنوات محروما من ~~النسل. # وكما استطاعت عزيزة أن تهرب بالطفل، استطاعت أن تدبر لأمها ~~مهربا، ولكن بطريقة مختلفة كل الاختلاف. فقد أدركت أن ms03 أمها بعد ~~الولادة التي لم يعرف بأمرها أحد أصبحت هيئتها غير تلك التي يعرفها ~~عنها المترصدون لها. وإمعانا في التنكر ألبست أمها ملابس ~~خالها، وخرجت بها بعد غروب الشمس بقليل، حتى ليرى الرائي فيها ~~جسما، ولا يستطيع أن يتبين وجها. وجازت الحيلة، وبلغت الأم ~~مأمنها لترضع وليدها الذي أصبح ابن العمدة، أصبح اسمه سامي زين ~~الرفاعي، فاسم العمدة زين، واسم أسرته الرفاعي. # ولكن الأم تعلم أن الذي ترضعه هو وليدها، وهي بهذا قريرة العين ~~هانئة، وليكن اسم أبيه بعد ذلك ما يكون، ما دام قد نجا من أعداء ~~أبيه، وكتبت له الحياة. # 2 # عاشت رتيبة أم سامي عيشة هانئة في بيت العمدة قريبة غاية القرب ~~من زوجته حميدة، وكانت عزيزة في البيت هي مديرته التي تقوم بكل ~~شأنه. وسرعان ما أصحبت الأم وابنتها صديقتين لأهل القرية جميعا، ~~وقد اتفقت الأم وابنتها أن ينتسبا إلى قرية المهاجرة، التي تدخل في ~~إطار محافظة المنيا البعيدة كل البعد عن محافظة أسوان. ولم يحاول ~~أحد من نساء القرية ولا من رجالها أن يستقصي أمرهما، فما دار بذهن ~~أحد أنهما تكذبان. واستقر الحال على هذا ومضت الأيام رخاء. ~~رتيبة ترضع وليدها، وحميدة ربة البيت تقربها إليها في حب ~~وحدب وعطف، وهما تقضيان وقتهما في أحاديث لا تنفد، وتمدهما سيدات ~~القرية بمدد من أسباب الحديث لا ينقطع. # والعمدة أصبح لا يرى زوجته إلا وفي رفقتها رتيبة، ولم تستطع ~~رتيبة أن تغفل النظرات الراغبة التي كانت تطل في إصرار من عيني ~~العمدة زين الرفاعي. وكان كيانها يضطرب أشد الاضطراب حين تلح ~~عليها هذه النظرات، فقد كانت تخشى كل الخشية أن يتجاوز العمدة ~~النظرات التي تصدر عنه على رغم أنفه إلى محاولات أخرى تفسد عليها ~~هذه الحياة الهانئة التي تحياها، والتي لم تكن تتمنى خيرا ~~منها. وماذا يمكن أن تأمل أم ابنها مهدد بالثأر أكثر من هذه ~~الحياة التي تحياها مع ابنها وابنتها في ظلال كريمة من عطف الست ~~حميدة. وقد كانت رتيبة تحمل لها مع الاعتراف بالفضل ms04 حبا لا ينتهي ~~مداه، فقد كانت أخلاق حميدة رضية سلسلة لا عنف بها ولا كبر. وكانت ~~طيبة عن سجية مواتية في غير افتعال ولا من. وقد أحبت سامي ~~حب أم لوليدها حقا، وكانت رتيبة من الذكاء والفطنة بحيث لم ~~تذكرها قط بأن سامي ربيبها وليس وليدها. ولم يجر هذا على لسانها، ~~حتى ولو كانتا في مأمن كامل من العيون والآذان. # وكانت رتيبة تحرص دائما أن تضع الطفل في حجر أمه في غير أوقات ~~الرضاع، آملة أن يعمق احتضان حميدة له مشاعر الأمومة الفطرية ~~التي لم تعرفها حميدة؛ فهي لم تكن له أما. فلا هي حملته، ولا ~~ولدته، ولا أرضعته، وهي مع ذلك هي أمام العالم أجمع أمه. # ومع الأيام أوشكت حميدة أن تنسى أنها ليست أمه، بل وأوشك زين ~~الرفاعي أن ينسى أنه ليس أباه. لم يكن ينغص حياة رتيبة إلا هذه ~~النظرات الهاربة من عيني العمدة، والتي كانت تتقيها بالتجاهل ~~التام. وكان ينغصها أيضا ما تقوله لها النسوة إذا جلسن إليها ~~بعيدا عن حميدة؛ فقد عرفت رتيبة أن العمدة ظالم جبار، جشع غاية ~~الجشع في معاملته للناس، نهاز للفرص في جمع المال. وكانت رتيبة ~~تدهش مما يفعله العمدة. أيكون جميع المال غاية في ذاته؟! لمن ~~يجمعه؟! لطفل هو يعلم حق العلم أنه ليس ابنه، ولا هو أباه؟ ~~كاذب ذلك الذي يقول إن الإنسان يحرص على المال من أجل أبنائه. ~~إنما هو النهم في جمع المال، مرض قائم بذاته يصيب الإنسان ~~فيخرب نفسه، حتى وإن لم يكن له ولد. وما الولد عند هؤلاء إلا حجة ~~منهارة لا صحة لها. وإن جازت هذه الكذبة على الناس الذي يشهدون ~~سعادة زين الرفاعي في جمع المال، فما كانت هذه الكذبة لتجوز على ~~رتيبة التي ولدت سامي، والتي تعرف من سره ما لا يعرفه في القرية ~~أحد. ~~••• # كانت حجرة رتيبة في جناح من البيت قصي، وكانت عزيزة تبيت معها ~~فيها. وما كان أحد يعرف أن عزيزة ابنتها، وهكذا قضى الله على رتيبة ~~أن تكون ms05 أمومتها - وهي أمومة شرعية - مستورة مستترة عن الجميع، ~~لا يعرفها أحد من البيت الذي تعيش فيه، أو من القرية التي تحتوي ~~هذا البيت. # وفي يوم بينما كانت الشمس ترسل شواظا من نار على القرية، وفي ~~فترة الظهيرة التي لا يطيق أحد فيها أن يترك السقف الذي يحميه من ~~سعير الحر، وكانت رتيبة وابنتها عزيزة تنالان قسطا من الراحة في ~~فترة القيلولة، وكان العمدة في حجرته مع زوجته. وكان سامي في سريره ~~بالغرفة المجاورة لهما. # بلغ أذن رتيبة صوت طرق واهن على شباك حجرتها، وتعجبت؛ فهي ~~لم تتعود أن يطرق أحد شباكها. بل ولم تتصور أن أحدا يجرؤ ~~أن يطرق شباكا في بيت العمدة بهذه الطريقة الهامسة. صمتت حينا ~~فتوالى الطرق. أيقظت عزيزة، وساد الصمت لحظات، ثم عاد الطرق ~~وسمعتاه معا ... ما هذا؟ ~~- من؟ # قالتاها معا وجاءهما صوت مرتعد. ~~- أنا؟ ~~- أنت من؟ ~~- أنا صميدة. # وقالت رتيبة وصوتها في طريقه إلى الارتفاع: صميدة؟! صميدة ~~من؟ ~~- أنا في عرضك، اخفضي صوتك ... أنا صميدة الدلهوني. ~~- ماذا تريد؟ ~~- أنا واقع في عرضك يا ست رتيبة. ~~- من أين تعرفني أيها الرجل؟ ~~- من سيرتك في البلدة، الجميع يمتدحك. وأنت أقرب واحدة من الست ~~حرم العمدة. ~~- ماذا تريد؟ ~~- أختي. ~~- ما لها أختك؟ ~~- يريد العمدة أن يزوجها غصبا عنها. ~~- والعمدة ما شأنه بأختك؟ ~~- الرجل الذي يريد الزواج منها دفع له مبلغا كبيرا. ~~- مبلغا كبيرا! من هذا الرجل. ~~- الشيخ دهشور الملواني، سمعنا أنه دفع له ثلاثمائة جنيه. ~~- وأختك لا تريده؟ ~~- إنه رجل عجوز تخطى السبعين من عمره وأختي في السادسة عشرة من ~~عمرها. وابن عمها خطيبها منذ هما أطفال. أختي ستموت مني يا ست ~~رتيبة، أنا في عرضك. ~~- وماذا يستطيع العمدة أن يعمل؟ زوجها لابن عمها، ولن يستطيع ~~العمدة أن يصنع شيئا. ~~- ست رتيبة! ألا تعرفين ماذا يستطيع العمدة أن يعمل؟ # وجدت رتيبة الفرصة مواتية لتتأكد مما يرويه لها النسوة عن ~~العمدة. ~~- ومن أين لي أن أدري؟ ~~- لك الآن معنا فترة ليست قصيرة ولا تدرين. ~~- أنت تعرف أنني لا أترك ms06 بيت العمدة ، ولا أزور أحدا من نسوان ~~البلد. ~~- ولكن نسوان البلد جميعا يزرن بيت العمدة، ويأنسن إليك، ولا ~~بد أنهن قلن لك ماذا يستطيع العمدة أن يعمل! ~~- كلام نسوان لا أصدقه. ~~- إن لم أزوج أختي من دهشور الملواني، فمعنى هذا أن تقتل ~~أختي صبيحة، ويقتل ابن عمها شملول القط، ثم أقتل أنا. ~~- ماذا تقول؟ ~~- ما سمعت يا ست رتيبة. ~~- هل يعقل هذا؟ ~~- أتريدينني أن أفهم أن الست حميدة وأنت لا تعرفان شيئا عن ~~رجال العمدة القتلة؟ ~~- أتتصور أننا نعرف؟ ~~- أما أنت فنعم، يخيل إلي أنك تعرفين. ~~- وافرض، فهل أجرؤ أن أقول هذا لزوجته؟ ~~- طبعا لا. ~~- إذن ففيم مجيئك إلي؟ ~~- كلمي العمدة نفسه. ~~- هل أجرؤ؟ ~~- إنك مرضعة ولده. وهو يعلم أن الست حميدة تحبك كل الحب، ~~وقد يخشى أن تكشفي للست حميدة ما يحاول أن يستره عليها. ~~- أنا أكلم العمدة؟! ~~- حياة أختي بين يديك يا ست رتيبة. ~~- نحاول يا صميدة، امش أنت الآن، واترك لي الموضوع. ~~- أمرك. # قالت لها عزيزة: ماذا تنوين أن تفعلي؟ ~~- والله لا أدري يا بنتي. ~~- الرجل وضع أمله فيك. ~~- سأرى. ~~••• # صحا العمدة من نومه، وذهب إلى حجرة ولده يتناول قهوته هناك، وترك ~~زوجته في سريرها بين نائمة ومتيقظة. كانت رتيبة جالسة على ~~الأريكة، وسامي في حضنها يحرك أطرافه في جذل بعد أن رضع وارتوى. ~~رنا زين الرفاعي إلى جمال رتيبة، كان يرى في وجهها نورا ~~وإشراقا، ورأى في عينيها وهي تنظر إلى سامي نظرات ساجية هانئة، ~~ووجد نفسه ينظر إليها كامرأة بعد أن كانت عنده مرضعة سامي. طويلة ~~القامة، موفورة الجسم في غير استرخاء هادئة السمات تشعر من ~~يراها بالطمأنينة. # نظر إليها لحظات، ثم قال لها: هل رضع؟ # وقالت في سعادة: ألا ترى سعادته؟ ~~- أعطيه لي. ~~- تفضل. # وحمل سامي وقامت هي واقفة، فقال لها: بل اجلسي مكانك يا ست ~~رتيبة. # وجلست وراح هو يناغي سامي، ويداعب وجهه، وانتهزت هي ~~الفرصة. ~~- سيدي العمدة. ~~- نعم يا ست رتيبة. ~~- قصدتني امرأة برجاء عندك. ~~- من هي؟ ~~- طلبت إلي ألا أذكر اسمها ms07 عندك. ~~- وماذا تريد؟ ~~- أن تتزوج صبيحة من ابن عمها شملول القط. # وانقلب وجهه الضاحك إلى أنواء عاتية من الغضب والسخط، وصاح دون ~~أن يرتفع صوته: من تلك التي طلبت منك هذا؟ ~~- لا تغضب يا سيدي العمدة، كأني لم أقل شيئا. ~~- هل عرفت حميدة شيئا عن هذا الموضوع؟ ~~- لا وشرفك. ~~- إذا عرفت فستكونين أنت التي قلت لها. ~~- لن تعرف. ~~- ولا أسمع شيئا عن هذا الزواج منك. ~~- أمرك. ~~- خذي الولد. ~~- أمرك. # وأعطاها الولد، وخرج دون أن يشرب قهوته. ~~••• # مشاعر شتى متباينة داخلت قلب رتيبة. هذه النظرات الجائحة ~~أرهبت جوانبها. وهذا الوجه الحديدي الملامح الذي ارتمى على جبين ~~العمدة. وهذه الأنياب المكشرة ... ما هذا؟ أيمكن للإنسان أن يكون عدة ~~آدميين في كيان واحد. ألقت إلى وجه ابنها نظرات فارغة ساهمة تحمل ~~في طواياها حيرة ورعبا من المستقبل. وما لبثت أن فكرت في ابنها ~~هذا الذي يبتسم في سعادة غامرة، ماذا يحمل لك الغد مع أب هذه ~~سماته، تنقلب إلى خوالج ذئب، وهذه خلته ينشب في أرواح الآدميين في ~~قريته يدا فراسة تعتصر دماءهم في غير رحمة ولا مهادنة. # تائهة هي حائرة خائفة، يثقل على قلبها أن رجاءها في شأن صبيحة ~~قد خاب. ما لهذه الدنيا تجور على أبنائها، وما لقوم كأن أكبادهم ~~من فولاذ جامد. # وقبل أن تفيق سمعت في البيت ضجيجا وأصواتا متسارعة، وانقضت ~~عليها ابنتها عزيزة. ~~- أمي. # وذعرت رتيبة في هلع آخذ، وقد أخطأت ابنتها في ندائها، وأوشكت أن ~~تكشف المستور من علاقتها بها، ولم تملك نفسها أن صاحت بها في غير ~~وعي. ~~- اخرسي. # وفي لمحة تنبهت عزيزة إلى خطئها، وتلفتت حولها، وعادت تقول في ~~بهرها لا تزال: الحقي يا أمة رتيبة. ~~- هل جننت؟ ~~- جاءت سليمة، لم يسمع أحد، أسرعي إلى الست حميدة إنها في حالة ~~سيئة. # وهمت رتيبة في جد. ~~- ما لها ألف سلامة لها، ماذا بها؟ # كانت حميدة شاحبة اللون لاهثة تصيح: هواء ... هواء. # وقالت لها رتيبة: ألف سلامة يا ست حميدة. ~~- صدري يا رتيبة، كأن يدا تقطع فيه ms08 بسكاكين حادة . ~~- بعد الشر عنك، العمدة ... أين العمدة؟ # وما لبث العمدة أن دخل وقبل أن يسمع شيئا صاحت به رتيبة: نريد ~~طبيبا من البندر فورا ... فورا يا حضرة العمدة. ~~••• # وجاء الطبيب وأعلن: إنها أزمة قلبية. # 3 # الليالي الحالمة والأيام المشرقة المعطرة بأريج الحب منذ هما ~~طفلان في مرح الصبا الغض، ويدها في يده، وهو يذهب بها إلى كتاب ~~القرية ثم إلى مدرستها، وكانت تعطيه يدها في بلاهة الطفولة ~~ونصاعتها، ومع مرور السنين أحست أن يده بدأت تضغط على يدها، ثم ~~تواتر الضغط، وأحست يدها أن جديدا لا تدريه يشب بين يدها ويده. ~~شيئا ثالثا استشعرت له في قلبها وجيبا غريبا على القلب البريء، ~~ثم سمعت من لقاء يدها بيده حديثا حلوا ونغما ذا أغاريد، ومعاني ~~كلها عذب، فهي نشيد وكلها طروب، فهي رقص ودفوف وناي وعود. # وفجأة قال أخوها صميدة: منذ الغد لا مدرسة لك يا صبيحة. # وانعقد لسانها ... أيكون قد سمع همس يده إلى يدها؟! أتكون الأناشيد ~~العذاب قد بلغت أذنيه؟! لم تجادل، فقد خشيت أن تطالعها من أخيها ~~الحقيقة. انطوت على أسى، وصمتت على قلب واله، وأطرقت رأسها في ~~تخاشع، وإن كانت في نفسها ثورة عارمة. وفي الصباح جاء شملول ~~ليصحبها إلى المدرسة وفاجأه أخوها. ~~- كفى ما تعلمت. # وقال شملول وكأنما مسته جمرة: كيف؟! ~~- أنا أخوها. ~~- وأنا ابن عمها. ~~- أنا صاحب الولاية عليها. ~~- لم أقل شيئا، ولكنها ما زالت صغيرة، ماذا تعمل في ~~البيت؟ ~~- كما تعمل بنات القرية، تساعد في عمل البيت. ~~- إنها ما زالت في الرابعة عشرة. ~~- كان يجب أن تبقى في البيت منذ سنتين. ~~- صميدة. ~~- نعم يا شملول. ~~- أنا أخطب إليك أختك. ~~- أجننت، إنك قلت منذ لحظة إنها في الرابعة عشرة. ~~- أتزوجها عندما تبلغ السادسة عشرة. ~~- أسألها. # ورأى صميدة في عينيها السعادة أعلى صوتا من الحديث. # وقال صميدة لشملول: أوافق. # وقال صميدة: نقرأ الفاتحة غدا في جمع من الرجال. ~~••• # وحين بلغت السادسة عشرة انقض عليهم دهشور بسنواته السبعين ~~وأمواله وأفدنته العشرة، وقدرته على رشوة العمدة. وحاول ms09 صميدة ~~محاولته تلك ، وبدلا من أن يعود إلى رتيبة يسألها عن شفاعتها بلغته ~~الأنباء عن مرض حميدة، وبينما هو جالس إلى أخته التي أصبحت كعود ~~جف عنه الماء. وهي مطرقة تحاذر أن يرى أخوها ما علا وجهها من ~~قترة وعبوس. دق الباب وقامت صبيحة إليه تمشي، وكأن بالأرض ~~أشواكا أو جمرات، وفتحت الباب، ودخل محمود القط وراءه أخوه الأصغر ~~شملول. ولم يلق أحد منهما السلام، وإنما صاح محمود في همس: ~~صميدة. ~~- أهلا يا محمود ... أهلا يا شملول. # وأكمل محمود: اسمع يا صميدة! ماذا لك في هذا البلد؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- أرضك؟ ~~- حياتي. ~~- أشتريها منك. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أشتري أرضك وخذ أختك وأخي واذهبوا إلى مصر، وأرض الله واسعة، ~~ولا الذل الذي نحن فيه. # وبهت صميدة لحظات، وأعمل ما سمعه في ذهنه، وكأنما يريد أن ينال ~~مزيدا من الوقت ليفكر، وجد نفسه يقول في صوت ذاهل: ماذا ~~تقول؟ ~~- إن لك ولأختك أربعة أفدنة وعشرين قيراطا، ولكما هذا البيت، ~~وكلها ثمنها معروف. هذا هو، واجمعوا ملابسكم، وتوكلوا على الله. ~~كان الإشراق يعود إلى وجه صبيحة طوال الفترة التي تسمع فيها هذا ~~الحديث، وكأنه صعود الشمس إلى سمتها في السماء. وأطرق صميدة ~~هنيهات، ثم رفع رأسه إلى محمود. ~~- أتظن العمدة سيسكت عنك؟ ~~- بل لن يسكت، لقد بعت أرضي أنا أيضا بما فيها أرضك، بعتها ~~كلها. ~~- لمن؟ ~~- ألا تدري لمن؟ ~~- لعوض أبو عوف؟ ~~- طبعا، إنه يكره دهشور الملواني ويكره العمدة. ~~- إذن؟ ~~- سافروا أنتم الليلة إلى مصر وهو مشغول بمرض زوجته. ~~- وأنت؟! ~~- سأبقى يومين أو ثلاثة حتى أبيع بيتكم وبيتنا. ~~- والله لا بأس. ~~- وقع هذه العقود ... ~~الأرض باسم عوض أبو عوف، والبيت باسمي حتى أتصرف فيه. # ووقع صميدة وصاح محمود: ألف مبروك، هيا لا تضيعوا وقتا، ~~اسمع يا صميدة، خذ هذا ثمن أرضي، أبقه معك. ~~- لماذا؟ ~~- لو حاول العمدة أن يرغمني على دفع مبلغ له يجدني لا أملك ~~شيئا. ~~- معقول ... هات المبلغ، ولكن لا تتأخر. إذا لم تبع البيتين في ~~يوم أو يومين دعهما، ولهما عودة. ~~- توكلوا ms10 على الله، انزلوا على بيت مسعود الصاحب، أو اجعلوه يعرف ~~عنوانكم. مع السلامة! ~~••• # ورأت حقول التمرة ثلاثة نفر يشقون ظلمات الليل، وكأنهم قطعة منه ~~يتركون وراءهم ذكريات أعمارهم، وماضي أيامهم، وملاعب طفولتهم، ~~ورفات آبائهم وأجدادهم، ومع دمعة في عيونهم كانت تتراءى لهم في ~~ظلمات الليل أضواء أمل في الغد. وإشراقات مستقبل يرجون الله أن ~~يكون هانئا سعيدا. # 4 # أطال المرض مكوثه في قلب حميدة. وكان البيت جميعه مشغولا بها، ~~حتى العمدة لم يكن يجلس مع الناس في السلاملك إلا ساعة أو بعض ~~الساعة، ثم يرتد إلى داخل بيته يراقب حميدة. فمهما يكن جبارا ~~صلب المشاعر، إلا أنه مع ذلك يظل إنسانا. # وبينما زين الرفاعي جالس بالخارج مع بعض زواره من أعيان التمرة ~~قدم إليه خطاب، وفي محياه جهامة لا تخطئها العين، وعلى ~~شاربيه الكثيفين غضبه. ~~- أريدك في كلمتين يا حضرة العمدة. # وكان الجالسون جميعا يعلمون ما صنعه شملول وصميدة ومحمود، ~~ولكنهم كانوا يحاذرون أن يعرضوا لهذا الحديث حتى لا يثيروا من ~~العمدة ثائرا الله وحده يعلم ماذا هو مدمر في اشتعاله. # وقام العمدة وأدرك الجالسون ما سيلقيه خطاب إلى أذن العمدة، ~~فقام بعضهم يلوذ بالفرار من الإعصار المنتظر، وأقام بعض آخرون ~~وقد تغلب حب الاستطلاع في نفوسهم على الخشية. # وعاد العمدة وهو كظيم يحاول أن يضع على وجهه قناعا من الجمود، ~~فتخونه عروق نافرة، ونأمات نابضة، ونظرات ملتهبة. ولا يقول العمدة ~~شيئا. ~~••• # كان محمود جالسا في بيته متنمرا؛ فقد كان لا ينام الليل ~~متربصا بما قد يصنعه العمدة، حتى إذا لاحت تباشير الصباح كان ~~يختبئ من القرية في مكان مستور وينام. # كان في ليلته تلك جالسا يصنع لنفسه كوب شاي يعينه على السهر، ~~فإذا هو يسمع حفيف ثوب يحاول أن يتخافت، فتحصن وتطلع وانتظر. ~~وفجأة فتح الباب، وانطلق الرصاص، فسارع محمود يجيب الرصاص برصاص، ~~واحتدمت المعركة. وأدرك رجال العمدة أنهم لو استمروا في المعركة، ~~فإنها قد تدور عليهم دوائرها، فأمرهم خطاب أن يتوقفوا، واستداروا ~~قافلين إلى حيث جاءوا. وانتظر محمود ms11 حتى أشرقت الشمس، وقام إلى ~~ملابسه جميعها، فوضعها في جوال، وأخذ سمته إلى القاهرة. فليذهب ~~بيته وبيت ابن عمه بددا، ولينج هو بحياته. # لم يحاول حتى أن يمر بعوض أبو عوف ليبيعه البيتين، أو يوكله في ~~بيعهما. # انتظر القطار، وركبه إلى القاهرة، وليدبرها كريم قيوم على ~~عباده. # بلغ صوت الرصاص آذان حميدة وجزعت، وأدرك زين أن أوامره تنفذ، ~~فأجابها حين سألت: لا بد أنهم الخفراء يريدون أن أعرف أنهم ساهرون ~~على الأمن. ~~- الخفراء يطلقون رصاصة أو اثنتين. ~~- لعل أحدهم قد أخذه الحماس. # وصمتت حميدة غير راغبة في اتصال الحوار. ~~••• # عرف العمدة أن المهمة التي كلف بها خطاب لم تنجح، فأصدر أوامره ~~أن يصبح البيتان مخزنين لمحاصيله، حتى لا يفكر أحد في ~~شرائهما. # 5 # لم يمض طويل وقت حتى لاقت حميدة ربها، وأصبحت رتيبة مشرفة ~~على البيت. وسارت الأيام في طريقها على عادتها، فما تعنى الأيام ~~بمن يموت ومن يقيم، وإنما هي تمضي في طريقها. وقليلا ما تمضي ~~حتى وجدت رتيبة نفسها في مواجهة توقعتها منذ وقت طويل، ~~وأعدت لها عدتها. ~~- يا ست رتيبة أنت الآن مسئولة عن سامي، ولا يستطيع أحد أن يحل ~~مكانك. ~~- أعرف ذلك. ~~- وأنا رجل أحتاج إلى زوجة ~~وأخشى إن أتيت بأخرى أن تضيق بالولد أو تضيقي أنت بها. ~~- لا بأس أن تجرب. ~~- ولماذا لا تتزوجينني؟ ~~- الحقيقة أنني لا أفكر في الزواج مطلقا. ~~- هل أنت على استعداد أن تتركي سامي. # ودون أن تفكر فزعت قائلة: لا ... إلا هذا. # وفي دهشة باغتته لحظة ثم ... ~~- نعم أعرف أنك تحبين الولد، ولكن لم أتصور أنك تحبينه إلى ~~هذا الحد. # وعادت رتيبة إلى ثباتها. ~~- لقد حملته أكثر مما حملته أمه وأرضعته ولا أعرف لنفسي الآن ~~عملا آخر، إلا أن أكون المسئولة عنه. # وصمت زين قليلا، ثم قال وقد أدرك أنه أصبح يملك الموقف: فإذا ~~جاءت سيدة أخرى، فإنني لا أستطيع أن أحميك منها أو أحمي ~~سامي. # وأطرقت وقد أوشكت على الهزيمة. ~~- إنك العمدة ... ولست مثل أي عمدة، إنك تحكم بلدك بيد ms12 من حديد، ~~أتعجز عن أن تحكم امرأة في بيتك. # وفهم زين كل ما ترمي إليه، ولكنه قال: إنني عمدة في خارج بيتي، ~~ولكنني في البيت زوج، ولا يستطيع زوج مهما يكن عمدة أن يفرض مرضعة ~~على زوجته في بيته. ~~- ولماذا لا تحسن الاختيار؟ ~~- قد تكون قبل الزواج هادئة حليمة، ثم تنقلب بعد الزواج جبارة ~~طاغية، وأنت تعرفين المرأة إذا وجدت ابن غيرها هو موضع الرعاية ~~في بيتها، حينئذ ستعمل أول ما تعمل أن تخرجك أنت من البيت؛ لأنك ~~تؤثرين الطفل عليها، ثم هي بعد ذلك تنفرد ... # وقاطعته رتيبة: نعم ... نعم أعرف. ~~- إذن؟ # وأطرقت، لقد تركت بيتها وبلدتها من أجل ابنها هذا، وهي لا تحب ~~هذا الرجل، وهي تكره خلقه كل الكراهية. فالظلم هو الذي قتل ~~زوجها، وشتت شملها، وأخرجها من بين أهلها وذويها ليرمي بها إلى ~~قوم غير قومها، وناس غير ناسها. # إنها كامرأة تدرك أن حياتها لم تصبح شيئا إلا أن تكون أما ~~لهذا الطفل. وقد ضحت من أجله بكل حياتها الماضية، فهل ترى كتب ~~عليها أن تضحي أيضا بحياتها الآتية؟ وأي مصير يمكن أن تنتظرها ~~به الأيام؟ فإذا ولدت لهذا الرجل وليدا آخر، وصاحت دون أن تدري: ~~لا. # وصاح زين: هذا جوابك؟ # ورجعت إلى نفسها وأطرقت: ألا تترك لي فرصة للتفكير؟ ~~- أنا لم أتعود أن أفعل ذلك، ولكن من أجل خاطرك سأقبل. # وفكرت، ولم تجد لنفسها مهربا، إنها الآن إذا رفضت فسيطردها ~~هو من بيته دون أن ينتظر زوجته المقبلة لتطردها. فإذا كان يرى في ~~مطلبه أن ينظرها انتقاصا له، فهيهات أن يرضى من أجيرته أن ترفضه ~~زوجا، وهو بعد لن يكون حريصا على مستقبل طفل ليس ولده أكثر من ~~حرصه على كبريائه. # إنما طلبت منه فرصة للتفكير، حتى لا تتداعى أمامه في نفس الجلسة ~~التي طلب إليها فيها الزواج. # لم يكن هناك خيار لرتيبة، فهي بين اثنين لا ثالث لهما؛ إما أن ~~تترك وليدها نهبا لمستقبل لا يعلمه إلا الله، وإما أن تقبل ~~الزواج من زين الرفاعي ms13 الذي قدر الله أن يحمل وليدها اسمه، فأصبح ~~أبا لابنها الذي ليس له بعد الله غيره. # وتزوجت رتيبة من زين بعد أن مر على وفاة حميدة ثلاثة أشهر، ~~وحملت رتيبة في الشهر الثاني من زواجها، وما لبثت أن ولدت ولدا ~~أسماه مأمون، وكانت رتيبة في رعب أن يحل الابن الحقيقي عند زين ~~مكان الابن المصطنع، ولكنها أخفت رعبها ولم يناقشها زين في الأمر، ~~فهو واثق أنها لم تعلم من أمر سامي شيئا، فهو متصور أن سامي عندها ~~هو ابنه وابن زوجته المتوفاة حميدة. # وقد خشي أن تبوح عزيزة بالسر الدفين، فانتهز فرصة خلت به وبعزيزة ~~غرفة. ~~- عزيزة لا أحد الآن يعرف سر سامي إلا أنت. ~~- نعم يا حضرة العمدة. ~~- أخت حميدة التي كانت تعرف السر ماتت، ولم يبق الآن إلا أنت، ~~فإذا عرف السر فجزاؤك سيكون رهيبا. ~~- أعرف يا حضرة العمدة. ~~- لا تلومي غير نفسك. ~~- أتتصور يا حضرة العمدة أن أعرض نفسي لغضبك وأعرض أخي ~~للتشريد؟ ~~- رتيبة لا تعرف شيئا؟ ~~- ومن أين لها أن تعرف؟ لقد أتيت بها يوم أتيت بها لترضع ابن ~~عمدة التمرة بعد أن مات وليدها. ~~- فليظل الأمر كذلك. ~~- سيظل كذلك يا حضرة العمدة، ولا يمكن إلا أن يظل كذلك. ~~••• # وحين تأكدت عزيزة أنها في خلوة بعيدة بأمها نقلت إليها هذا ~~الحديث، ففرحت رتيبة به، وقرت به عينا، وزايلها - أو كاد - ~~رعبها الذي داخلها أن يفوز مأمون بالأمن، وينتهي دور سامي كابن ~~لزين، ذلك الدور الذي فرضته عليه الأقدار دون أن يكون له أي رأي في ~~قبوله أو رفضه. # وهكذا كان البيت مكونا تكوينا عجيبا، أم تعلم أنها أم ~~الابنين والفتاة التي تقوم بشأنهما أيضا. وأب ليس له في الثلاثة ~~إلا ولد واحد، والأب يخفي سر ابنه المتبنى، والأم تخفي سر ~~ابنها وابنتها. # وهكذا يستطيع الظلم والجبروت أن يطمس معالم الحياة، ويخلط نتائج ~~الأرحام، ويخسف عن حياة الناس الشموس التي لا معنى للحياة بغير ~~إشراقها. # وكان أمر زين أمام رتيبة عجبا، فهو في خارج بيته ذلك الجبار ms14 ~~القاسي، يقتل وينهب الأموال في يسر وطبيعة مواتية، وهو في البيت ~~أنيس لين العريكة، دمث الحديث، شديد الحدب على ولديه، لا ~~يفضل واحدا منهما على الآخر. وتعجبت رتيبة ... إن تكن غريزة ~~الأب ترغمه على حب مأمون، فأي نبضة في قلبه تجعله يرعى سامي ~~بهذا البر، وذلك الحب والحنان، سبحانه، لا يملك أحد أن يجعل قلب ~~هذا الرجل يلين لغير ابنه إلا الله وحده، وإن له في ذلك لحكمة لا ~~يعلمها إلا هو، إن له لغاية يطويها سبحانه في خفايا السنين. # 6 # بدأ سامي يذهب إلى الكتاب، ولم يمض سوى عام وبعض العام حتى ~~لحق به مأمون. # وقليلا ما مكثا في الكتاب، فما ذهبا إليه إلا تنفيذا لرغبة ~~أنشبت براثنها في نفسه أن يتعلم ولداه القرآن، وازداد عجب رتيبة ~~وإن كان صدرها قد انشرح لتمكن هذه الرغبة من زوجها، وازداد ~~يقينها أن الله يهيئ الابنين لقدر بعيد كل البعد عما ~~يسير فيه أبوهما. # وعجب زين الرفاعي من سرعة حفظ سامي ومأمون للقرآن، واستجابة كل ~~منهما استجابة نورانية لآيات القرآن الكريم. وكان سامي يمتاز بشيء ~~لم يشهد له زين ولا أحد من أبناء القرية مثيلا. # فقد كان يحلو لأبيه أن يطلب إليه أن يرتل شيئا من الذكر ~~الحكيم، وكان سامي يسارع إلى الاستجابة. وكان الأب يجد نفسه يحس ~~في صوت ربيبه خشوعا تحف به أجواء إلهية سامقة، ولا يملك ذلك ~~الجبار السفاح دموعه، فإذا هي تتبادر مترسلة من ~~عينيه. # وقد كان زين يحسب أن هذه الدموع لا تطفر إلا من عينيه، وهو يرى ~~ربيبه قد كبر، وأصبح يقرأ القرآن، إلا أنه في يوم كان يجلس ~~بالدوار، وكان الديوان مليئا بالزوار، مكتظا بالقادمين إليه ~~للتحية أو للسمر، أو لحاجة لهم عند العمدة. وقدم إليهم سامي ومأمون ~~يشاركان الجمع الجلسة، ويستمعان إلى ما يدور من حديث. # وفجأة وجد زين نفسه يقول دون أن يملك زمام تفكيره أو عنان ~~لسانه. ~~- سامي، اقرأ لنا عشرا مما حفظته. # وعجب الجالسون أن يعرف زين الله أو يهفو إلى ms15 سماع كلماته. ~~وتهيأ جميعهم للنفاق يعلقون به على تلاوة سامي. # وبدأ سامي يقرأ ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن ~~الرحيم: # اقتربت الساعة وانشق ~~القمر ~~، ومضى في قراءته مرتعش الصوت بإيمان عميق ~~عربي اللسان بين الحروف ينطقها في حب وخشوع وإخبات، يحسب ~~سامعه أن صوته يسجد بالقراءة لمالك الملك. والصوت خفيض، ولكن الصمت ~~حوله مرهوب يكاد كل سامع منهم يمسك أنفاسه، لا يعلو منه شهيق أو ~~زفير. لحظات ربانية هومت على الجمع، ويمضي سامي في القراءة، فإذا ~~القلوب كلها وجيب، والنفوس متعلقة بالسموات العلا بعيدة غاية ~~البعد عن الأرض وما فيها، والدموع من الجمع سواجم هاملات، لا يطيق ~~فرد منهم أن يمسكها لا تهمى، بل إن أحدا لا يحاول أن يذودها ... لقد ~~كانت كل دمعة تسبيحة مرفوعة إلى رب العرش، وأحس الجمع إحساسا ~~واحدا أنهم جميعا أصبحوا عند سدرة المنتهى قريبين غاية القرب من ~~العرش، وسامي يقرأ لا يلتفت أمر الجمع حوله أنه هو في الملكوت ~~الأعلى هناك عند الملك القدوس في الساحة العلوية التي لا يبلغها ~~إلا ذو حظ عظيم. # وحين قال سامي: صدق الله العظيم، شمل الصمت الذاهل المكان، ~~وتملكت الرهبة قلوب الحاضرين، فهزهم هزا، ثم علا فجأة نحيب ~~مأمون، واندفع إلى أخيه يقبله ويحتضنه، وصحا الجمع من البهر الذي ~~لفهم، وراحوا يحيطون بسامي تتعالى أصواتهم: ما هذا بصوت بشر، ~~سبحان من أعطاك! ما هذا الذي ترتله؟! كأننا نسمع القرآن لأول ~~مرة، وتوالت التعليقات، والتفت سامي إلى أخيه مأمون. ~~- مأمون اقرأ. ~~- بعدك؟ ~~- نعم. ~~- هيهات. ~~- بل تقرأ. ~~- أمرك. # وجلس مأمون جلسة القارئ، وبدأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~بسم الله الرحمن الرحيم: # إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون ~~. # ومضى في القراءة، سبحان الوهاب، إذا كان صوت سامي سجودا، فصوت ~~مأمون ركوعا ورجاء ودعاء. وصوت كليهما إيمان أو فناء في حروف ~~الكلمة الربانية التي يرتلانها، وكأن كلا منهما أصبح حرفا ~~من الكلمة، أو كلمة من الجملة، أو جملة من الآية، أو آية من ms16 ~~السورة. # 7 # كانت رتيبة تراقب ولديها، وتشهد بقلب الأم وعين البشر هذه ~~المعالم العجيبة التي ينفردان بها عن سائر من عرفت من ~~البشر. # وكلما شبا ازدادت هذه المعالم قوة ووضوحا. كان سامي هادئ ~~السمات، مطمئن القسمات، واثقا في تصرفاته وفي خطواته، خاشعا ~~في غير مذلة، هادئا في غير ضعف. وكان مأمون دائما مأخوذا بأخيه، ~~معجبا به، يطيعه طاعة أب لا أخ لا يكبره بأكثر من سنتين. وشيء ~~آخر كان يذهل الأم هو تلك القوة الجسدية التي يتمتع بها سامي، ~~تلك القوة التي بهرتها في طفولته الباكرة. فقد مشى قبل السن التي ~~يمشي فيها أترابه، وليست تنسى يوم كانت جالسة تريد أن تقوم إلى ~~المكواة الحديدية الثقيلة. وكان سامي جالسا بجوارها، ورآها وهي ~~تمد عينيها إلى المكواة، ولاحظ أنها أوقدت نار وابور الجاز، ووضعت ~~عليه تلك القطعة من الصفيح التي تضعها عادة تحت المكواة، وفوجئت ~~رتيبة بالطفل الصغير يقوم من جلسته، وقد أدرك ما تريد من نظرتها، ~~ومما أوقدت من نار. قام الفتى وحمل المكواة، وقفزت مشفقة أن يقع ~~الطفل من ثقل الحديد، ويأخذها الدهش البالغ أن الطفل حمل ~~المكواة، وكأنه يحمل لعبة من لعب الأطفال، ويقدمها إلى أمه، ويجلس ~~إلى جوارها وكأنه ما صنع شيئا. # وكان مما تلاحظه أنه لم يحاول أن يتفاخر بهذه القوة مطلقا، ~~وكأنه لا يعرفها في نفسه. # وكان الأطفال في ملعبهم إذا تعاركوا ابتعد عنهم، وكأنه يخشاهم، ~~إلا مرة واحدة، وكان أخوه مأمون يلعب مع أصحابه، فإذا بأحدهم يعدو ~~عليه ويضربه ويوقع به، وسامي متباعد لا يحاول أن يتدخل، حتى إذا ~~أمعن الصديق في عدوانه، وارتمى فوق مأمون، وراح يكيل له الضربات، ~~تقدم سامي في هدوء وفي ثقة، وقد فرغ صبره الطويل، وفوجئ الأطفال ~~جميعا بسامي يرفع الطفل، وكأنه يرفع قطعة من القماش المتهرئ، ~~ويلقي به بعيدا، ثم يحمل أخاه إلى البيت. ومنذ ذلك اليوم لم ~~يحاول أي طفل أن يعارض سامي أو مأمون، والأطفال في الملعب لا يخشون ~~الآباء، فكلهم في مراحل الطفولة سواسية، لا ms17 تقف مناصب الآباء أمام ~~أعينهم، فهم لا يدرون عن هذه المناصب شيئا، وهي لا تعنيهم في ~~قليل أو كثير. ~~••• # كبر الأخوان وانتظما في سلك الدراسة الابتدائية، وكان بالقرية ~~مدرسة ابتدائية. وكان كلاهما نابغة في فصله، وكان كلاهما حبيبا ~~إلى المدرسين والتلاميذ معا، ولكن سامي مع السنين لاحظ أن شيئا ~~ما في عيون التلاميذ والمدرسين جميعا غير الحب. لم يدركه سامي ~~أول الأمر، ثم شعر كأنما هو طائف من خوف، ولم يدر سامي مأتى ~~هذا الطائف ولا مبعثه، حتى كان يوما جالسا بالفصل وحده، وسمع ~~اثنين من المدرسين يتحدثان من خارج الحجرة وهما لا يعلمان أنه ~~بها. ~~- عجيب شأن سامي ومأمون. ~~- تقصد ابني العمدة. ~~- ألا تعجب معي؟ ~~- كأنهما ابنا قطب من أقطاب الله الصالحين. ~~- كلاهما مثال نادر في الأدب والهدوء مع ذكاء غير طبيعي. ~~- أتراهما يعرفان ماذا يفعل أبوهما؟ ~~- مطلقا. ~~- لا بد أنهما لا يعرفان، لا يمكن أن يكونا على علم بما يصنعه ~~أبوهما بأهل القرية من رعب وقهر وظلم وجبروت. ~~- على فكرة، هل عرفت أنه رفع الإتاوة؟ ~~- حقا؟! ~~- وحاول فرهود أن يحتج فأحرق له قمحه، وهدده أن يفقد ~~بهائمه. ~~- وبعد؟ ~~- رضخ طبعا وقدم الإتاوة كما قررها العمدة. ~~- طيب اسكت وحياة والدك لا يسمعنا أحدهما، وينقل إلى أبيه ~~حديثنا. ~~- أعوذ بالله لا قدر الله! إن أطفالي ما زالوا صغارا إذا قتلت ~~أنا لن يجدوا أحدا بعدي. # وأدرك سامي في مكمنه الهول الراعد الذي سيدخله إلى نفس الأستاذين ~~إذا هما علما أنه سمع ما سمع، فاختفى تحت الدرج، وحين سمع أصوات ~~الطلبة القادمين تظاهر لزملائه، وكأنه يبحث عن قلم سقط منه، حتى ~~إذا دخل المدرس وجده جالسا في مكانه، وهجس في نفس الأستاذ ~~هاجس. ~~- سامي. ~~- نعم يا أستاذ. ~~- لم أرك تدخل الفصل مع إخوانك. ~~- بل كنت معهم. ~~- حسنا. # واطمأن الأستاذ إلى ما في صوت سامي من نبرة طبيعية. ~~••• # تأكد سامي أن المكان خال به وبأخيه، وقص عليه ما سمع من ~~الأستاذين، وقال مأمون: وبعد؟ ~~- ما رأيك؟ ~~- ما رأيك أنت؟ ~~- الآن عرفت سر ms18 هذه النظرات في عيون الزملاء ~~والمدرسين. ~~- وماذا نفعل؟ ~~- أنا وأنت لم نسئ إلى أحد، فلماذا نحتمل كراهية الناس ~~لنا؟ ~~- إنه أبونا. ~~- ألا نخبر أمنا؟ # وقال سامي بعد ريث تفكير: واحدة من اثنتين، إما أنها تعرف ولا ~~تستطيع أن تصنع شيئا، وإما أنها لا تعرف، وحينئذ لن تستطيع أن ~~تصنع شيئا أيضا. ~~- أنت محق، فماذا ترى؟ ~~- أرى أن نصبر حتى تتم هذا العام الدراسة في المدرسة الابتدائية، ~~ونطلب إلى أبينا الذهاب إلى المركز للدراسة في الإعدادية. ~~- وأنا ... ما زال أمامي عامان. ~~- سأطلب من أبي أن نذهب أنا وأنت، فما دام سيفتح بيتا هناك، فمن ~~الطبيعي أن يذهب كلانا. ~~- معقول. # 8 # رحب مسعود الصاحب بأبناء بلدته، وأنزلهم أهلا، وحين تداولوا ~~أمرهم معه أفسح لهم من الآمال ما لم يخطر لهم على بال. ~~- توكلوا على الله، الصعيدي منا ينزل مصر لا يملك إلا صحته، ~~ويعيش أحسن عيشة فكيف وأنتم تحملون ما تحملون من مال؟ ~~- اسمع يا مسعود نحن لم نخرج من بلدتنا إلا هذه المرة. ~~- أعرف ذلك. ~~- ونحن نترك لك الأمر كله. ~~- لنبدأ أولا بزواج صبيحة وشملول. ~~- أترى هذا؟ ~~- حتى يتاح لهما أن يعيشا معا، وزواجهما فرصة أن يعرفا أبناء ~~بلدتهما، وتقول صبيحة: وكيف أتزوج قبل أن أعد المنزل؟ # ويقول مسعود: سأترككم فترة صغيرة من الزمن لأهيئ لك ولزوجك ~~المنزل. # ويقول صميدة: هل الأمر ميسور إلى هذا الحد؟ # ويقول مسعود: هو أمر في غاية الصعوبة على جميع الناس إلا علينا ~~نحن أبناء الصعيد، فنحن بيننا معاملات قوية، ومشكلة الفرد منا ~~مشكلة الجميع. فاترك الأمر لي أدبره، ألا يكفيك حجرة ~~بمنافعها؟ # ويقول شملول: يا عم مسعود، إننا نبدأ حياة جديدة، والله وحده ~~يعلم كم من الوقت سنقيم في هذا البيت، وأنت تعلم أننا إذا كنا ~~اليوم نجد عطفا من أصدقائك، فسرعان ما نصبح منكم ونهتم معكم ~~بمشاكل الآخرين، ويستعصي علينا أن نجد من يهتم بمشاكلنا، فكلما ~~كان البيت متسعا كلما كان هذا أنسب، حجرة لا تصلح طبعا. وخاصة ~~ومعنا الآن صميدة، ونحن ننتظر أخي ms19 محمود أيضا. ~~- يا ابني كلامك معقول، ولكنني قدرت طبعا أن صميدة ومحمود ~~سيعيشان في بيت آخر، إنما علينا أن نهيئ مكانا لأبنائكما، دع ~~الأمر لي، سلام عليكم. # وحين عاد مسعود بعد ساعتين كان قد وطأ لهم كل العقبات، ووجد ~~في روض الفرج شقتين. وما أن سمع ضيوفه هذا حتى شملهم الفرح والعجب ~~معا، ولكن عجبهما زال حين عرفا أن العمارة لسليم الخشت، وهو من ~~قرية الدميرة المجاورة لقريتهم، أثرى في العمل في سوق الفاكهة، ~~وظل شديد الانتماء لقريته، والقرى المجاورة لها. # وانتقل الركب إلى البيتين الجديدين، وبدأ الجميع في الصباح ~~يشترون الأثاث بصحبة مسعود، الذي كان على صلة وطيدة بكل متجر ~~دخلوا إليه. # وما هي إلا ثلاثة أيام حتى كان البيتان صالحين للإقامة غاية ~~الصلاحية، ولم يجد محمود صعوبة في الوصول إليهم. # وبات محمود ليلته مع شملول، وباتت صبيحة مع أخيها صميدة، ودعا ~~محروس إلى الفرح بعد أسبوع من مجيء محمود، ولم يكلفهم هذا الفرح ~~شيئا، فقد تعاون أبناء الصعيد بروض الفرج في إقامة الفرح، وعرف ~~الجميع العروسين الجديدين، وعرف العروسان أبناء الصعيد في ~~المنطقة. # ومر أسبوع آخر ترك فيه محروس العروسين يستمتعان بعرسهما، ثم ~~... ~~- وبعد يا شملول. ~~- نعم. ~~- نفكر فيما نحن مقبلون عليه. # وقال صميدة: أنت رئيسنا هنا. ~~- اسمعوا نحن قيمتنا هنا بعملنا. ~~- طبعا. ~~- الفلوس تذهب الآن إلى البنك ونودعها. ~~- كلها؟! ~~- تقريبا. ~~- وبعد؟ ~~- أعددت لكل منكم عملا. ~~- لكل منا؟ ~~- شملول سيعمل في محل سليم الخشت لبيع الفاكهة بالزمالك، حتى ~~يتعلم هذه الحرفة. # ويقول محمود: ونعم العمل! خاصة وهو يجيد القراءة ~~والكتابة. # ويقول محروس: وأنت يا محمود وأنت يا صميدة ستعملان معي في ~~المقاولات. فأنا لن أجد أحدا أطمئن إليه مثلكما. وبعد وقت قليل ~~سأجعل كلا منكما يتولى مقاولاته الخاصة به. # وهكذا استقر المقام بالقادمين، وعرف كل منهم طريقه الواضح في ~~الحياة. # 9 # حين حصل سامي على الابتدائية جلس إلى أبيه جلسة عرف بها الأب ~~أن في نفس ربيبه أمرا يريد أن ينفضه على مسامعه. ولم يعجب الأب ~~من تلك ms20 النظرة التي اتسمت بها عينا سامي منذ فترة؛ فقد تعود ~~عليها. كان سامي إذا جلس إلى أبيه نظر إلى السماء حذرا أن تلتقي ~~عيناه بعيني أبيه، ولم يعد الأب يعجب، ولكنه لما يزل جاهلا ~~ما تعنيه هذه النظرة، ولا يجد لها سببا. # منذ عرف سامي ما عرف من أمر أبيه انشطرت نفسه شطرين، فهو ابن ~~يكن لأبيه، أو لمن يظن أنه أبوه، كل العواطف التي تجيش في ~~نفس ابن قبل أبيه من حب وشكر وولاء. وهو كإنسان تعلقت روحه ~~بأسباب السماء، وأحب الله حتى تفانى في هذا الحب، يرى أن ما ~~يصنعه أبوه بالناس إجراما واعتداء على حقوق الله، وعلى إنسانية ~~الإنسان الذي جعله الله أكرم مخلوقاته. وكان في نفسه يتساءل لماذا ~~يمتحنه ربه هذا الامتحان العسير؟ ويمزق مشاعره هذا التمزق، ~~والله هو العدالة المطلقة؟ وهو سبحانه المطلع على القلوب، ~~وهو سبحانه يعلم كم يفنى سامي في حب الله اللطيف الرحمن! # وفي هذه الحيرة كان سامي يتحرى دائما إذا جلس إلى أبيه ألا ~~ينظر إليه عينا بعين؛ فقد كان يمثل في نظره تناقضا غير منسجم ~~مع طبيعة الأمور، كيف يكون أبا حانيا، وزوجا بارا في بيته؟! ~~وكيف يدمر حياة الناس الذين هم مثله آباء وأزواج وأخوة ~~وأبناء؟! # قال زين لابنه: أراك تريد أن تقول شيئا؟ # وقال سامي ونظرته معلقة بالسماء لم تزل: نعم يا ~~أبت. ~~- فقل. ~~- أريد أن أتلقى تعليمي الإعدادي بالمركز. ~~- ولماذا؟ ~~- إنني أعد نفسي لأكون صاحب شهادة عالية، وأريد منذ هذه ~~المرحلة التي أنا فيها أن أتلقى تعليمي على أحسن المصادر ~~المتاحة. ~~- وترى أن المدرسة الإعدادية هنا لا تصلح لذلك؟ ~~- إنني هناك سأكون متفرغا للدراسة، كما أنني سأكون قريبا من ~~المكتبة، وأستطيع أن أحصل على ما أشاء من كتب، والمركز قريب على ~~أية حال! ~~- ولكنك بهذا ستكون وحدك! ~~- إذا سمحت لي صحبت معي أخي مأمون، فكلانا لا يترك صاحبه، وهو ~~أيضا هناك سيكون تعليمه خيرا من هنا. ~~- ومعنى ذلك أن تصحبك أمك؟ ~~- هذا إليك. ~~- أتريد أن تتركني وحدي؟ ms21 ~~- يا أبي أنت مشغول بعملك. ~~- أليس من حقي أن يكون لي بيت؟ ~~- إنك لا يمر عليك أسبوع دون أن تذهب إلى المركز مرة أو مرتين، ~~والتليفون موجود تستطيع أن تطلبنا وقتما تشاء. ~~- هل أنت مصمم؟ ~~- أما أنا فمصمم، نعم، ولكن الأمر الأخير لك. # عجيبة تلك المشاعر التي كانت تداخل نفس زين من ربيبه سامي، إنه ~~كان يحس نوعا من الرهبة، وهو يتحدث إليه، أهي رهبة المخطئ ~~أمام النقاء، أم أن في سامي هذا سرا خفيا يفرض الإجلال على من ~~يتحدث إليه حتى ولو كان هذا المتحدث أباه الذي إن لم يكن قد ~~ولده، فهو الذي تلقفه وليدا وشمله برعايته، حتى أصبح هذا الفتى ~~المهيب في هدوء، الجليل في تواضع، كان زين واثقا أنه لن يستطيع ~~أن يرفض طلب ولده، وكل ما استطاع أن يفعله. ~~- إذن أرسل معكما خادمة ترعى شأنكما وتتركان أمكما لي. ~~- هذا إليك. ~~- ولكن والدتك لن تقبل. ~~- أحسب هذا. ~~- فلنسألها. ~~••• # وذهبت الأم وابناها إلى بيت استأجره لهما زين، واستقرت بهما ~~الحياة هناك، وصحب الجميع فواز الشيمي الذي ظل يرافق سامي إلى ~~المدرسة منذ اليوم الأول لدراسته، والذي يحبه سامي ويرعاه، حتى ~~أصبح معروفا في بيت العمدة أنه مخصص لسامي ثم لمأمون كليهما. ~~وقد ارتأت رتيبة أن وجود فواز معهم هام، حتى يشتري لهم مطالب ~~البيت، وصحبت معها طبعا ابنتها عزيزة، واستقر بهم البيت الجديد ~~في المركز، وركب لهم التليفون أيضا ففي المراكز مشكلة التليفون ~~ليست في عسرها بالبنادر والمدن. واستطاع سامي أن يحصل على ما يشاء ~~من كتب، وجعل أخاه مأمون يقرأ معه، فأصبح كل منهما نسيجا وحده ~~بين التلامذة. وأحس التلاميذ أن سامي وأخاه مأمون من صنف آخر ~~غيرهم، وساد بينهم هذا الشعور الذي يختلط فيه الإعجاب والإكبار ~~بالغيرة والحسد والشعور بالتنقص، ولكن التلاميذ على كل حال لم ~~يكن يبدر منهم إلا الود، وإن طفر الحقد على وجه بعضهم، فما يلبث ~~أن يمحى ويعود أدراجه إلى خفايا الضمائر، ويستتر هناك لا يعلم أمره ~~إلا الذي يعلم خائنة ms22 الأعين وما تخفي الصدور. # حصل سامي على الإعدادية بتفوق ، وانتقل إلى المرحلة الثانوية، ~~وحاله تجاه أبيه على ما هي عليه، وحيرته من العذاب الذي ألقاه أبوه ~~إليه كما هي، يسأل ربه كل حين: لماذا يا إلهي هذا العذاب الذي ~~أنا فيه؟ يسأل ربه كل حين، أنت تدري يا إلهي كم أحبك، وكم أطيعك، ~~وكم أفنى في حبي، فلماذا؟! # وفي ليلة أخذه النعاس، وهو في هذه الحال من التهجد والمساءلة، ~~فرأى في منامه عجبا. # رأى شيخا مهيبا وجهه كله صلاح وتقوى ونور يركب البحر، ولكن ~~مركبه فيه ليس سفينة ولا هو قارب، وإنما حوت ضخم يشق به العباب، ~~ويأتمر بأمره، ولم يكن حين يأمره يحدثه، وإنما كان الحوت يدري ما ~~يريد سيده، فيأتمر بأمره بصورة تلقائية لا يعرف الناس لها ~~مثيلا. # ويظل الشيخ النوراني سائرا في البحر، وسامي معه يصاحبه، وقد ~~اطمأنت نفسه، وأصبح في سعادة سماوية لا يحسها إلا حين يقرأ القرآن، ~~وبينما الشيخ النوراني على حوته يشق الماء شقا. عرضت له سفينة ~~ضخمة، فإذا هو يخطو خطوة فيصبح فوق السفينة والحوت يسير بجانبها، ~~ولا ينظر ركاب السفينة إلى الشيخ، وكأنه ما شاركهم مركبهم، بل هم ~~حتى لا يرون الحوت، ولا يحسون من أمره شيئا. وإذا الشيخ النوراني ~~يصنع صنيعا يذهل له سامي ذهولا مفجعا. إن الشيخ الرباني يخرق ~~السفينة ويتلفها، وحينئذ فقط يتنبه الركاب إلى ما حدث بمركبهم ~~دون أن يروا الشيخ أو يشعروا به. # ويصيح به سامي: أتخرق السفينة لتغرق أهلها؟ أهذا عدل؟ أيعقل ~~أن شخصا في عظمتك يصنع هذا الصنيع؟ # وينظر إليه الرجل الرباني ولا يكلمه، وإن كان يبدو عليه أنه ~~سمعه، ويلح سامي في استنكار ما رأى. ~~- إنك رجل نوراني ... إنك رجل رباني ... أمعقول هذا الذي تفعله؟ ~~وكان الشيخ قد استقر على الحوت، فنظر إلى سامي نظرة هادئة ~~مطمئنة، وابتسم له، فكأنما أشرق عن فمه ضياء فجر، ومشى به ~~الحوت وسامي معه لا يدري كيف يتسنى له أن يكون في رفقته. # ورسا الحوت إلى أرض مدينة، ms23 وخرج الشيخ النوراني، ومضى في طريق ~~بين بيوت، وإذا بغلام مقبل عليه حتى إذا اقترب منه وأصبح بين ~~يديه إذا به يضربه ضربة صاعقة فيقتله، ويحيط الهول الآخذ بسامي ~~ويتملكه الذهول، وتكاد الدهشة أن تعقد لسانه، ولكنه جاهدها، حتى ~~استطاع أن يصيح بالشيخ في استنكار شديد: أتقتل نفسا زكية بغير ~~نفس؟ أهذا عمل يرضاه الله؟ أهذا معقول؟ لقد كنت أحسبك ~~ربانيا! # ولم ينظر إليه الشيخ، وكأنه ما سمعه وصاح سامي ثانية وثالثة ~~ورابعة. فنظر إليه الشيخ وابتسم تلك الابتسامة المشرقة بالنور، ~~وصمت سامي. # وركب الشيخ حوته، ومضى طريقه حتى بلغا قرية نزل بها الشيخ واختفى ~~الحوت. ورأى الشيخ جماعة كبيرة من الناس فاقترب منها، وقال في ~~مسألة وفي اعتزاز لم يزل يحتفظ به: ألا أجد عندكم طعاما؛ فقد ~~مسني التعب ولا أجد هنا طعاما. # فأشاح عنه الناس، وكأنهم ما سمعوا مسألته. # وانصرف الشيخ عنهم ومضى طريقه من القرية في هدوء من يعرف ~~مقصده. وبلغ الشيخ جدارا يهم بالسقوط، فراح يصلح شأنه ويقومه، ~~حتى أصبح ثابتا قويا. # فقال سامي: هذه أول حسنة أراك تصنعها، ولكنها أيضا عجيبة أيرفض ~~أهل القرية إطعامك، فتصلح لهم حائطا يوشك أن ينقض؟ ألم يكن يجدر ~~بك أن تطلب منهم أجرا جزاء ما صنعت. # ونظر إليه الرجل وابتسم، ثم رجع إلى الحوت فركبه، وبلغ صخرة رسا ~~عندها الحوت، فنزل الرجل النوراني، وجلس عليها، وأشار إلى سامي ~~فقدم إليه والذهول لا يزال يحيط به، وأومأ إليه الرجل، فجلس سامي، ~~وأراد سامي أن يعود إلى استنكاره، ولكن الرجل النوراني سارع ~~قائلا: اسمع حتى يطمئن قلبك؛ أما السفينة فهي لقوم مساكين لا حياة ~~لهم إلا بالعمل في البحر. ~~- أوهذا سبب يجعلك تخرقها وتغرقها؟ ~~- بل إني أنقذها. ~~- لا أحسب أن مع الخرق إنقاذا! ~~- بل هو الحق، فإني أردت أن أعيبها عن عمد؛ لأن ملكا ظالما ~~كان قادما من خلف السفينة بأسطوله، وكان يستولي على كل سفينة ~~يجدها غصبا. وأمرني الله أن أخرق هذه السفينة، حتى يراها الملك ~~الطاغية وكأنها ستغرق فيتركها ms24 لأصحابها المساكين. ~~- وهل سلمت السفينة؟ ~~- ولم يأخذها الملك اللص . # وهم سامي أن يفتح فمه، فإذا بالشيخ يقول: تريد أن تسأل عن ~~الغلام؟ ~~- أمعقول هذا؟! ~~- إن أبويه مؤمنان قريبان إلى ربهما كل القرب. ~~- أصبحت المصيبة أعظم. ~~- بل انتظر ... إن هذا الابن كان سيرهقهما ويسيء إليهما، ويلاقيان ~~منه الشقاء والعقوق والعدوان، فأردنا أن يهب لهما ربهما خيرا منه ~~ابنا زكيا بارا يصل الرحم، ويكون لهما على الحياة عونا، ولا ~~يكون عونا للحياة عليهما. ~~- ولكن الأبوين سيحزنان لموت ابنهما فهما لا يدريان أنهما ~~كانا سيجدان من ابنهما هذا عقوقا ونكرا. ~~- إن حزن عام أو عامين خير من نكد الدهر كله، وما أدراني وما ~~أدراك؟! لعل الله يكتب لهما مزيدا من الخير جزاء صبرهما على ~~الجزع الذي أحاط بهما لموت الغلام! ~~- أصبت و... ~~- تريد أن تسأل عن الجدار؟ ~~- نعم. ~~- أتخيلت أنني أريد من الناس طعاما وأنا في حمى الله؟ ~~- دهشت لهذا. ~~- أنا أردت أن أمتحن كرم هؤلاء الناس، فكانوا عندما توقعت منهم ~~بخلا وشحا. ~~- والحائط الذي أقمته؟ ~~- إنه لغلامين يتيمين في هذه المدينة، وإن تحته كنزا، وقد كان ~~أبوهما رجلا صالحا، فشاء ربك في علياء سمائه أن يبلغ الفتيان ~~أشدهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وإكراما لعباده ~~المؤمنين. وأنا يا بني لا أفعل ما أفعل مختارا، فما صنعت شيئا ~~مما صنعت عن أمري. ~~- باركك الله أيها الشيخ الرباني! سلام عليك. ~~- إلى أين؟ ~~- أعود. ~~- بل انتظر. ~~- إذا أمرت. ~~- فاجلس. ~~- أمرك. ~~- ألم تكن تسأل ربك لماذا جعلك شقيا بأبيك وأنت على ما أنت ~~عليه من حب الله وطاعته؟ ~~- لا أعجب الآن حين أجدك تعرف هواجس نفسي. ~~- أعرفت الآن؟ ~~- إن قلت نعم، عرفت أنت أنني لم أصدقك القول. ~~- يا بني، إن عدالة السماء لا صلة لها بعدالة الأرض. إن الإنسان ~~في دنياه هذه الضيقة لا يستطيع أن يصل إلى عدالة السماء، ولكن ~~الإنسان حين يؤمن إيمانك يثق أن الله وهو العدالة المطلقة لا يريد ~~بالناس إلا خيرا. وقد رأيت المركب قد خرقت، ولكن الله أنقذها من ~~السلب. ms25 ورأيت الغلام قد مات، والموت ليس عقابا لمن مات ، وقد نقله ~~الله إلى جواره قبل أن يسيء إلى والديه، وقبل أن يصبح جبارا ~~شقيا، فموته إذن رحمة به وثواب لوالديه، أهذا النوع من ~~العدالة المطلقة يعرفه البشر. والجدار حفظ به للأسرة المؤمنة كنزا ~~أراد سبحانه أن يظهر في الوقت الذي قدر سبحانه أنه أحسن الأوقات ~~لهما. فعدالة السماء يا بني هيهات لبشر أن يدركها، وإنما علينا ~~فقط أن نؤمن بها، ونؤمن أنه الرحيم الرحمن اللطيف الخبير. هيه يا ~~بني أوجدت جوابا لسؤالك؟ # وصحا سامي من نومه وعيناه تفيضان بالدمع وتوضأ وصلى، ثم ~~صلى، ثم صلى. يدعو ربه ويشكر آلاءه عليه. سبحانك ربي، فأنا ~~إذن أثير عندك قريب منك. عبدك، أنا أعاهدك يا رب العالمين أن ~~أكون حتى ألقاك العبد الشاكر العامل في طاعتك، أصحب أبي بمعروف، ~~وأرد ظلمه عن الناس بكل ما أملك من الإيمان والقوة التي وهبت لي. ~~اللهم أعني على اتباع أوامرك، وعلى رفع الظلم عن المظلوم. وعلى ~~رد الحق إلى أصحابه إنك أنت العزيز ذو القوة المتين، اللهم لقد ~~بلوتني لتختبرني بما يفعل أبي، اللهم أنت القائل: # ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم ~~، اللهم فاجعلني من أولئك الصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس، فقد قلت عنهم سبحانك: # أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون ~~. # 10 # ما لبثت صبيحة أن أنجبت لشملول ابنهما الأول فالثاني، وما لبث ~~شملول أن أصبح صاحب متجر خاص به، فهو ذو ثراء عريض. ولم يمض كثير ~~وقت حتى أصبح صميدة ومحمود من المقاولين الواسعي الثراء، وأصبحت ~~الحياة بالنسبة للمهاجرين جميعا واضحة المعالم، بينة ~~السمات. # ودخل ماهر ومختار ولدا شملول إلى المدرسة، وانتظما في السلك ~~الدراسي، وسار خطواتهما الدراسية في توفيق. ~~••• # وازداد سعار العمدة زين الرفاعي، وفشا رجاله في المنطقة جميعها ~~يفرضون ما يشاء زين من أوامر. وكان زين ذكيا فهو يجزل العطاء ~~لمعاونيه، ويعاملهم في كرم باذخ وإسماح .. لماذا هذا المال؟ .. ~~لمن؟ .. لولدي سامي ومأمون .. ماذا؟ .. ماذا .. ما قلت؟ .. سامي؟! ~~أتختلق الكذبة ms26 وتصدقها؟ وهل سامي ابنك؟ هكذا أثبته في شهادة ~~الميلاد .. أتساوي إذن بينه وبين ابن دمك؟ .. وماذا بيدي أن ~~أصنع؟ وكيف أفرق بينهما في المعاملة؟ .. لا أحد يعلم أن سامي ليس ~~ابني إلا عزيزة، وقد حافظت على السر لم تخنه .. وهي تعلم سطوتي ~~وجبروتي، ولن تفكر يوما أن تخون سري .. إذن كيف أستطيع أن ~~أفرق في المعاملة بين سامي ومأمون؟ .. لا سبيل أمامي .. ومن أين ~~كنت أعلم أنني سأرزق بطفل من رتيبة؟ وهل كنت أتصور حين جاءت ~~رتيبة إلى بيتي لترضع سامي أنها ستصبح زوجتي وأم ابني الحقيقي؟ ~~عجيب أمر رتيبة .. إنها تعامل سامي كما لو كان ابنها شأنه شأن ~~مأمون، بل إنها أحيانا تفضل سامي في المعاملة بمقولة أنه ~~الأكبر. إن شأن سامي هذا عجيب هو أيضا، أي سر فيه يجعلني وأنا ~~لست أباه أشعر كأنني حقا أبوه، حتى إنني كثيرا ما أنسى أنني ~~اصطنعته اصطناعا واستجلبته من حيث لا أدري محاولا أن أرضي غريزة ~~الأمومة في زوجتي. وقد تلقفته طفلا في يومه الأول، ثم أنا بين ~~يديه أحس رهبة، وتروعني من حوله هيبة لا تطالعني من أحد. وأنا ~~رجل لم أعرف الخوف من أحد. لقيت من لقيت من كبار رجال المديرية، ~~بل والدولة، فما استطاع أحد منهم أن يلقي في نفسي لمحة من ~~رهبة. وأنا في منطقتي جميعا أنا الرهبة والخوف، يرتجف أشجع رجالها ~~هلعا إذا سمع اسمي، فأي شيء في هذا الفتى الذي شهدته رضيعا ~~وطفلا وصبيا يجعلني أخشى أن أواجهه؟ وأحاذر كل الحذر أن يعلم ~~عني ما أشيعه من الهول والذعر في أنحاء الربوع التي تجاور بلدتي؟! ~~وما له وهو أمامي وهو واثق كل الثقة أنني أبوه، وليس له من أب ~~غيري. ما له لا يتولاه هو الرهب، ويتولاني أنا؟ وما له لا يخشاني، ~~بينما أحس أنا أنني أخشاه؟ أيكون هذا لنقائه وعلمه وصدقه وثباته ~~وإيمانه العميق بالله، ووثوقه بنفسه ثقة لا تتاح إلا لمن عرف ~~الطريق وسار عليه؟! # كم من صادقين لقيتهم، ولكنهم لم ينالوا ما ms27 يناله سامي في نفسي من ~~إجلال، بل إن مأمون أيضا ينال مني هذا الإجلال وهو ابن دمي، ولكنه ~~لصيق بأخيه لا يكاد يفارقه، فهو يتشبه به في كل شيء، حتى في ~~إشاراته ولفتاته، وحتى لقد اكتسى وجهه بهذا الوقار الذي يكسو وجه ~~أخيه. وهو يقدس كل ما يفعله أخوه، فكأن الفارق بينهما عشر ~~سنوات، وليس سنتين. ما شأن هذين الأخوين، وما لي أحس من كليهما ~~رهبة تجعلهما غريبين عني؟! وأحدهما جزء مني والآخر ربيبي الذي ~~لا يعرف لنفسه أبا غيري. # أيكون ما أصنعه من مال لأجلهما؟ .. لا .. ما أظن .. ربما خادعت ~~نفسي، وقلت إنني أكون لولدي ثروة، ولكني أعلم في البعيد في نفسي ~~أنني أصنع ما أصنع عن رغبة عاتية في السلطان والجبروت. والمال أساس ~~خطير من أسس الجبروت، ونتيجة محتمة للسلطان إذا جاء من البطش ~~والطغيان. وقد استطعت بقوتي أن أقتل في نفسي كل شفقة إلا على أهل ~~بيتي. وما دمت قد تخلصت من ضعف الشفقة، فأنا قادر أن أصنع ما ~~أريد لا يردني شيء. # إن رغبة السلطان الجارفة التي تموج بين أضالعي هي التي ترسلني ~~كالإعصار في أرجاء الحياة، وليس ولدي. # أيقاوم الإنسان قدره؟ .. أيحارب الإنسان سجيته؟ .. هكذا أنا، ~~وهكذا أحب أن أكون. # 11 # كان سامي قد بلغ نهاية المرحلة الثانوية، وأدى امتحان الشهادة، ~~وفي يوم ظهور النتيجة ذهب مع مأمون ليتعرفا عليها. وكان فناء ~~المدرسة حاشدا بالطلبة، والجلبة شديدة، والتلاميذ في حلقات منها ~~المتسعة ومنها قليلة العدد. وسامي بين رفاق له يجري بينهم الحديث ~~هينا وهو يسمع أكثر مما يتكلم. وفجأة رأى سامي حلقات تنضم، ~~واثنين متماسكين في معركة عنيفة. وأنعم النظر، فإذا مأمون أحد ~~المتعاركين وخصمه يكيل له الضربات ويهم سامي إلى أخيه، وقبل أن ~~يصله يكون مأمون على الأرض، وقد ارتمى خصمه عليه يضربه في غير ~~هوادة ولا رحمة، ويصل سامي إلى مكان المعركة، ولا يسأل ولا يفكر، ~~وإنما يرفع ذلك الخصم في ثبات، ويحمله وكأنه يحمل ورقة، ويلقي ~~به، وكأنما يلقي حصاة اعترضت طريقه، ms28 ومال على أخيه فأقامه، وهو ~~يسأل في هدوء وكأنه لم يصنع ما جعل الطلبة متجمدين من الهول ~~والذهول. ~~- ماذا حدث؟ # ويقول مأمون لاهثا: راح يذكر أبي بسوء دون أي سبب. # وقبل أن يجيب سامي يتصايح الطلبة: الحقوا ... أسرعوا ... منيب ... ~~منيب. # ويلتفت سامي إلى الصائحين: من منيب؟ # وتتكاثر الأصوات، وتتقاطع الكلمات، ويفهم سامي بصعوبة أن منيب ~~هو اسم الفتى الذي ألقى به عن أخيه. ~~- ما له؟ ~~- مات. ~~- ماذا؟ ~~- مات. # ويؤخذ سامي على غرة ولا يتريث، بل سرعان ما يشق جموع ~~الطلبة الزاحفة، وكأنه يزيح شخوصا من هباء، ويصل إلى باب المدرسة ~~بين حيرة المشاهدين وذهولهم، ويخرج يجري في سرعة الومض حتى يصل إلى ~~محطة السكك الحديدية، ويسأل سائق التاكسي الواقف في انتظار ~~القادمين: ما أول قطار إلى مصر؟ ~~- بعد دقيقتين. ~~- لماذا لم يصل إذن إلى المحطة؟ ~~- سلامتك يا أستاذ ها هو ذا واقف على ... # وقبل أن يكمل السائق جملته يكون سامي في القطار دون أن يشتري ~~تذكرة، ودون أن يفكر إن كان ما في جيبه يكفي ثمنا للتذكرة أم أن ~~ما معه لا يكفي، ويتحرك القطار. ~~- إلى أين؟ ما هذا الذي فعلته؟ أقتل إنسانا وأهرب؟! كأني إذن ~~أبي، ما الفارق بيني وبينه؟ لماذا نلوم الناس ونفعل فعلهم؟ ألم يكن ~~الأجدر بي وأنا الذي أوثق أسبابي بالسماء، وأقرأ ما أقرأ أن أكون ~~أكثر هدوءا وروية؟ نعم أعلم أنني لم أتمالك نفسي، وأنا أرى أخي ~~يكاد يموت تحت هول الضربات، ولكن أي فارق بيني وبين الحيوان إذا ~~أنا تركت مشاعري تتحكم في دون أن أحيطها بسياج التعقل ~~والتفكير؟ أليس بالعقل وحده فضل الله الإنسان على سائر ~~المخلوقات؟ فما فائدته إذن إذا لم يجعلنا نتروى عند غضب، ~~ويعصمنا عند ثورة، ويدرأ عنا عادية المعاصي؟ وهل هناك أكبر من ~~القتل؟ إنني كأنني قتلت الناس جميعا، ويل لي أي ويل، ويل لي من ~~الله، فوحق الإله سبحانه إنني لا أخشى غير سخطه، وإنني وحق ~~الإله سبحانه لا أخشى الموت، وإنما أخشى الله، فأنا كادح إليه ~~فملاقيه ms29 سبحانه، وإنه ملق بي إلى حيث العصاة. ~~- أكنت حين جريت وهربت عبدا ثائبا؟ ~~- أنا لم أبدأ في إعمال العقل إلا حين تحرك القطار، أي إنسان ~~أنا؟ بل إنني أنا الإنسان الذي قال عنه خالقه: # قتل الإنسان ما أكفره ~~، أنا الإنسان بكل ~~شروره وطغواه وجبروته، إن صلاتي ونسكي وصيامي وحبي لربي، وعلمي ~~وثقافتي، كل هذا لم يجعلني أتصرف كما ينبغي أن يتصرف العقلاء! ~~غائب العقل كنت حين ألقيت بالفتى وغائب العقل حين جريت، وغائب ~~العقل حين ركبت القطار. والآن ها أنا ذا أعود إلى عقلي ويعود إلي ~~... أفتراني أستطيع أن أنزل عند أول وقفة للقطار، وأقفل عائدا إلى ~~حيث كنت؛ لأتحمل نصيبي من العقاب، ولأواجه آثار ما قدمت ~~يداي. ~~- هل أستطيع؟ ~~- ولم لا؟ ~~- وما لي لا أفعل؟ ~~- إذن فهلم. ~~- هلم. # ووقف وكان القطار سائرا، فقعد ينتظر وقوف القطار، وحين استقر ~~به المقام ... إلى أين؟ وكيف أعود إلى قوم ثائرين؟ ~~- وما لي لا أفعل؟ ~~- ليس مع ثورتهم منطق. ~~- وفيم تريد المنطق؟ ~~- أوليس هو الحكم الطبيعي بيني وبينهم؟ ~~- أي حكم؟ إنك قتلت وعقوبة القتل هي القتل، ففيم تريد المنطق؟ ~~لا تخفيف في عقوبة القتل، لا تخفيف في عقوبة القتل؟ إذن أعود، ~~وإذن أقتل .. وإذن ... وألقى عليه النوم بقوة لا قبل له بها، ~~ولا يد له فيها. وتجلى له الشيخ النوراني صاحب الحوت. ~~- لا تعد. ~~- أليس من الطبيعي أن أواجه عقابي؟ ~~- أي عقاب؟ ~~- عقاب القاتل. ~~- أقتلت عن عمد؟ ~~- لا ... لا طبعا أعوذ بالله. ~~- إذن فلست القاتل الذي يعاقب بالإعدام. ~~- ولكنني أعلم أنني أملك قوة جسمانية خارقة وهبها الله لي، وكان ~~ينبغي أن أتحسب حين أضطر إلى استعمالها. ~~- هل كنت في تمام وعيك حين فعلت ما فعلت؟ ~~- كان إنقاذ أخي هو كل ما أفكر فيه. ~~- وقد تصرفت بما أنقذ أخاك؟ ~~- نعم. ~~- ولم تتصور أنك قد تقتل زميلك؟ ~~- لا. ~~- إذن فلا بد من مناقشة هذا جميعا قبل أن يقع بك ~~العقاب. ~~- مع من أناقشه؟ ~~- مع كل الذين يسألونك. ~~- صاحب الثأر لا يسأل. ~~- إذن لا تعد. ~~- ولكنني ms30 أنا أسائل نفسي. ~~- هل كنت تريد قتله؟! ~~- أعوذ بالله العلي العظيم . ~~- إذن لا تعد إلا حين تعلم أنك تستطيع أن تجادل الذين ~~سيواجهونك. ~~- لا جدال معهم. ~~- إذن لا تعد. ~~- أظل هاربا؟ ~~- وما تعلم نفس ماذا تكسب غدا. ~~- ولكني قتلت. ~~- عن غير عمد. ~~- الموت شيء فظيع. ~~- ليس كما تظن. ~~- ألم يجعل الله منه قصاصا؟ ~~- إن القصاص ليس في الموت نفسه، وإنما في العلم به. ~~- إنه قصاص. ~~- إن الساعات التي يعلم فيها القاتل أنه سيقتل جزاء ما فعل هي ~~القصاص الحقيقي، أما الموت نفسه فشهيق لا يعقبه زفير، أو زفير لا ~~يعقبه شهيق. إنما الموت لحظة، لمحة، ومضة لا أكثر ولا ~~أقل. ~~- وحزن الأهل. ~~- أسف وتشوق، ولكنهم يعلمون أنهم جميعا لاحقون ~~بعزيزهم. ~~- ألا يطهرني القصاص من الخطيئة؟ ألا يجعلني احتمال العقوبة ~~مغفورا لي عند ربي؟ ~~- إنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وهو وحده من يعلم أين ~~يضعها. قد يغفر لك دون أن يقع بك القصاص، وقد لا يغفر لك وإن وقع ~~بك القصاص، وهو وحده الذي يغفر، وهو العدالة المطلقة. # 12 # بلغ سامي القاهرة، ونزل من القطار لا يعرف مقصدا ولا متجها، ~~وإنما هو يسير على الرصيف، ويخرج به إلى الساحة، ويقف لحظات على ~~سلم المحطة، وتتناوشه الأيدي والأكتاف وخطوات الآخرين الذي يعرف ~~كل منهم طريقه ووجهته. ويزوغ منه البصر، ويعلو به وجيب قلبه، حتى ~~ليطغى على السمع منه والبصر، وتتدافعه الأيدي في عنف يزداد في ~~لحظة عن اللحظة السابقة، ويجد نفسه آخر الأمر قد نزل السلم، ~~ويحاول الوقوف على الرصيف، ولكن حركة الركاب تجرفه، ويضطر آخر ~~الأمر أن يفيق، وينتزع نفسه انتزاعا من مجرى الزحام، وينتحي من ~~ساحة المحطة ناحية هادئة بعض الشيء. # ماذا أنا صانع؟ وإلى أين بي المسير في هذه القاهرة الضخمة، وكل ~~علمي بها أن ساكنها ضائع فيها؟ فما خطبي أنا وأنا لم أرها إلا ~~اليوم؟ وهل رأيت منها شيئا إلا دفاع أقدام ينتهبون الأرض بخطاهم ~~كأن الإنسان منهم يجري وراء عمره، خاشيا أن يضيع منه في ~~الزحام. ms31 # كل ما معي عشرون جنيها، ماذا أنا صانع بها؟ أتراني ضعت من ~~الحياة؟ سبحان الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله ~~الرحمن الرحيم: # إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون # صدق الله العظيم. # إن معي إيماني بالله، ويقيني به يقيني، ومعي قوة الجسم، ومعي ~~شجاعة القلب، ومعي ثقتي أن الله لا يضيع عباده المخلصين، وأي سلاح ~~أقوى من هذه الأسلحة التي أتحصن بها؟! # وما لي لا أمشي في مناكبها، وأرى ماذا هي صانعة بي؟ وماذا أنا ~~صانع فيها؟ هلم المسير. # ومشى وعبر الساحة، وخرج من الباب، وترك قدميه تختاران الطريق ~~يتبعهما ولا يأمرهما، وقد أحس أن العقل لا عمل له الآن، وإنما ~~النظرة وحدها هي التي تتحكم في كيانه .. وفي لحظة أحس أنه ~~يتبع شيئا لا يدريه، وأن خطواته استقامت على طريق من الهدى لا ~~يدري مأتاه. سارع في شارع إبراهيم، وكأن قوة عليا تحركه، ~~والغريب في أمره أنه لم يحاول أن يتعرف معالم الطريق ولا الأسماء ~~التي تحملها اللافتات على جانبي الشارع، إنما هو يمشي، وكأنما ~~ولد بهذا الشارع، وكأنه يعرف كل خافية من خوافيه. وطال به ~~الطريق وهو يحس طوله، ذاهل هو عن المكان والزمان، وإنما يمشي، ثم ~~وقف. # ثم نظر. # لافتة كتب عليها شركة تعمير سيناء، صعد السلم، ودلف في شقة ذات ~~بهو واسع عريض، يجلس في صدره على مكتب صغير رجل في أواسط العمر قصد ~~إليه. ~~- السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام يا ابني ورحمة الله وبركاته. ~~- أليست هذه شركة تعمير سينا؟ ~~- نعم هي. ~~- لا شك أنكم تريدون عمالا. ~~- هو ما قلت. ~~- فهل أصلح؟ ~~- ماذا تريد أن تعمل؟ ~~- أي عمل. ~~- نحن لا نحتاج إلى أعمال مكاتب. ~~- وأنا لم أقل أنني أريد عملا في مكتب. ~~- أمعقول هذا يا بني. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- إن هيئتك تدل على أنك متعلم، وعلى جانب من سعة العيش. ~~- وحدسك صادق في النظرتين. ~~- وتقبل أن تعمل في أعمال البناء الشاقة. ~~- وأرحب بها. ~~- يا ابني لن أناقشك، فلكل إنسان ظروفه، هل ms32 معك بطاقة؟ ~~- ها هي ذي. ~~- متى تريد أن تسافر؟ ~~- إن كان هناك عمال سيسافرون اليوم، فما أحب إلي أن أسافر ~~اليوم! ~~- إذن، فأنت ستسافر اليوم. ~~- أكرمك الله! ~~- اقعد هنا، فأنت ستسافر بعد ساعة. ~~••• # إذن فأنا في سيناء، في رحاب الوادي المقدس، ما أعظم هذا ~~الذي اختاره لي الله! # نام مع العمال وسمع إلى أحاديثهم في صمت منه مطبق لا يجيب ~~إلا إذا سأله منهم محب للاستطلاع. # وفي الصباح بدأ العمل وتوالت الأيام، حتى اكتملت أسبوعا وهو ~~يقوم بعمله في طاعة، وفي عزم، وفي قوة واضحة تفوق عشرات ~~الرجال. # وكان إذا انتهى يوم العمل ترك إخوانه، وراح يوغل في المسير ~~بجانب الجبل، ونفسه ترف من الخشوع والسعادة، وترقى به إلى مدارج من ~~النورانية الوضاءة المتألقة. وكان منذ اليوم الأول قد اختار ~~مكانا أنس إليه، يجلس فيه وتسبح روحه طليقة، وهو يقرأ القرآن ~~مخافتا حينا أو مجاهرا. # لم يكن يعرف الأجر المقرر له، ولم يسأل، ولكنه وجدهم يعطونه ~~في نهاية الأسبوع الأول عشرين جنيها فرح بها كل الفرح. فالطعام ~~يقدم إليهم مجانا، والمبيت أيضا، فهو لا ينفق شيئا. # ومضت به الحياة، وهو في سعادة أنسته منيب، ذلك القتيل الذي ~~تركه بأعماق الصعيد وأنسته أيضا أباه ذلك الطاغية العاتي، ~~وأنسته أمه، أو التي يظن أنها حلت مكان أمه، والتي كان يحس ~~منها الحنان الدافق يفوح منه عبير الأم السماوي. وأنسته أخاه ~~مأمون، وقد كانت علاقته به أقوى من أي أخوة بين أخوين؛ فقد كان ~~يشعر أنه جزء منه لا يتجزأ. # نسي هذا جميعه في غمرة العمل عند الصباح، وقد كان يبدأ مع شروق ~~الشمس، ونسيه أيضا في ساعات البهجة الروحية الكبرى التي كان ~~يحسها في مسيره بجانب الجبل، وفي جلسته التي أنس إليها وأنست ~~إليه. # ومضى عليه في عمله وفي أثباج سبحاته العلوية شهر وأربعة أيام، ~~وكأنه في حلم يحرص أن يحلمه، وأن يطول مكوثه في رحابه. # وفي يوم طال به الجلوس في مكانه الأثير، وغابت الشمس فلم يحس ~~لها غيابا، فالنور في ms33 داخله أعظم إشراقا من نورها. ومضت الساعات، ~~حتى أحس كأن هاتفا يوحي إليه أن يقوم. # فنهض وأخذ طريقه الذي تعود أن يسير فيه، وهو يقلب ناظريه في ~~كل ما يحيط به، وفجأة رأى نارا على مدرجة من الجبل عالية، فعجب ~~من ذلك الذي يشعلها هناك، وتملكه حب التعرف، فراح يصعد الجبل ~~يؤم النار، فهي سمته، وأحس بالجهد، ولكنه واصل الصعود دون ~~محاولة منه للتفكير فيما يصنعه. لقد صمم أن يعرف معنى وجود ~~النار في هذا المكان تصميما ليس له في دخيلة نفسه سبب واضح، وصعد، ~~ونال منه الجهد كل منال، ولكنه صعد. وأخيرا بلغ النار مشتعلة ~~هي، ولكن النور الذي يخرج منها أقوى من جذوتها، فراح ينظر إليها، ~~ويطيل النظر مبهورا دهشا. وجلس وكان الليل باردا قارس البرودة، ~~فنشر يديه فوقها عله أن يصيب بعض الدفء، وما هي إلا لحظة حتى ~~ملكه النعاس، فنام في جلسته ويداه ممدودتان فوق النار تمدان كيانه ~~بالدفء والطمأنينة. # وفجأة بدا له في المنام ذلك الشيخ النوراني. ~~- إلام بقاؤك هنا يا سامي؟ ~~- وما الضير في ذلك؟ ~~- أهكذا تريد أن تقضي حياتك؟ ~~- وهل ما زالت لي حياة بعد الذي صنعت؟ ~~- إنك لست علام الغيوب. ~~- أستغفر الله العظيم. ~~- إذن فأمامك الحياة كلها. ~~- في السجن؟ ~~- هذا ليس من شأنك. ~~- وهل في هذا شك؟ ~~- إن الله وحده الذي يعرف ما الذي يخفيه الغد. ~~- أولا تخبرني؟ ~~- أستغفر الله العظيم! ~~- إذن كيف أعود إلى الحياة وقد قتلت نفسا بغير نفس؟ ~~- إنك عائد لا محالة. إن لم يكن اليوم فغدا، فهذا البناء الذي ~~تشارك في بنائه لن يستغرق من حياتك إلا وقتا ضئيلا. ~~- هذا حق. ~~- عد من غدك، وانظر في أمرك. ~~- والسجن؟ ~~- واجه حياتك. ~~- بما فيها أبي؟ ~~- ربما كنت أنت خير من يواجه أباك. ~~- أنا؟ ~~- أنت تحفظ القرآن، وأنت عظيم الإيمان، وقد وهب الله لك قوة لا ~~مثيل لها، فمن يواجهه إذا لم تواجهه أنت؟ ~~- وتهمة القتل التي تلاحقني؟ ~~- أنت لم تقتل عمدا، ولئن تسجن فترة ثم تخرج إلى الحياة خير ~~من ms34 أن تحكم أنت على نفسك بالسجن داخل نفسك مدى الحياة. ~~- هل أعود إذن؟ ~~- واجه مصيرك. ~~- وأبي؟ ~~- وماذا عن أبيك؟ ~~- إنه أبي. ~~- # وإن جاهداك على أن تشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل ~~من أناب إلي ثم إلي مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون ~~. ~~- أومشرك هو؟ ~~- لقد أشرك مع الله نفسه، وتأله في الأرض، وأفشى الظلم بين ~~الناس، وأصاب منهم الأموال والأرواح. ~~- وماذا أنا مستطيع قبله؟ ~~- بالإيمان ستواجهه، وبالعلم. ~~- وأخي؟ ~~- ماذا ترى فيه؟ ~~- إنه قطعة مني. ~~- ففيم خشيتك؟! ~~- سيؤازرني. ~~- فتوكلا على الله. ~~- إنه نعم المولى. ~~- وإنه نعم النصير. # وصحا سامي من غفوته، ونظر إلى النار، فوجد الجذوة فيها أقوى من ~~النور، فراح يردد كلمات الله سبحانه وتعالى: # فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله ~~يحب المتوكلين # صدق الله العظيم. # 13 # وصل إلى القاهرة والشمس تميل إلى الغروب، وركب السيارة العامة ~~التي تؤدي إلى الجيزة، وكان قد عرف كيف يركبها من زميله سلمان ~~المعسراني، الذي أشار عليه أن ينزل في شقة بعمارة بشارع رستم ~~بالجيزة تعود صاحب البيت أن يؤجرها لطلبة الجامعات. # نزل في ميدان الجيزة منفذا تعليمات سلمان، وبدأ يسأل ~~المارة عن شارع رستم، وراح كل واحد يدله على طريق يتضارب مع ~~الطريق الذي دله عليه الآخر. وتلوي به السبيل، وتشابكت الشوارع ~~والسبل، وأقبل الليل، وحل الظلام إلا قليلا من نور يتلصص من ~~نوافذ المنازل، وفي عتمة من طريق سمع أصوات قوم تأتي إليه ~~خافتة، ولكنها حاسمة. وكان سامي ذا سمع حاد، فاقترب قليلا، ثم ~~رأى ثلاثة نفر ملتفين حول فتاة، وسمع أحدهم: # ستأتين معنا شئت أم أبيت. # ولم يسمع سامي إجابة. # وسمع صوتا آخر يقول: لو علا صوتك ستجدين هذه المطواة في ~~صدرك. # واختبأ سامي، ثم ألقى النظر خفية، فرأى أحدهم ممسكا برأس ~~الفتاة، وهي تقاوم مقاومة عاجزة. ونفض سامي الطريق بعينيه، فوجد ~~النور المتهافت قادما من شباك يقع في الناحية التي يختبئ فيها، ~~ووجد ما يقرب من سعة متر على طول المسافة ms35 التي تفصل بينه وبين ~~المجرمين معتمة تماما، فالتصق بالحائط، وراح يخطو خطوات جانبية ~~إلى المعتدين لا يرونه، حتى انقض فجأة على ذلك الذي يطوق وجه ~~الفتاة، ورمى به إلى الأرض، وفي لمحة خاطفة كان الاثنان الآخران ~~على الأرض مع زميلهما، وحاذر سامي أن يضرب بكل قوته، حتى لا ~~يصل الأمر إلى جريمة أخرى؛ فقد كان وهو يخطو خطاه المتئدة ~~المحاذرة يفكر في روية أنقذت المعتدين وأنقذته أن يرتكب ~~جريمة أخرى. # قال للفتاة: لا تخافي. ~~- الله يحميك. ~~- لن أترك هؤلاء حتى أذهب بهم إلى الشرطة، أين الشرطة؟ ~~- قريبة من هنا. ~~- فهيا بنا. ~~- وكيف ستثبت للشرطة؟ ~~- تقولين الحقيقة. ~~- وماذا يجعلهم يصدقون؟ ~~- سيعترفون. ~~- لن يعترفوا. ~~- سأجعلهم يعترفون. ~~- لن تصدق الشرطة شيئا، ولن تصدق أن شخصا واحدا تغلب على ~~ثلاثة مجرمين، وسوف تظن أنك أنت الذي هددتهم بالسلاح. ~~- إذن أتركهم؟ ~~- هذا رأيي. ~~- وحق المجتمع؟ ~~- منهم إلى الله. ~~- لقد قلتها، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم، لا بد أن أذهب إلى الشرطة. هلم أريني الطريق إلى ~~الشرطة. # وعجبت الفتاة وهي ترى سامي ممسكا بالثلاثة، وهم مستسلمون له ~~في غير عناد، ودون أن يستعمل سلاحهم، بل إنه أمر الذي كان ~~ممسكا بالسلاح أن يطويه، ويضعه في جيبه ففعل. وازداد عجب ~~الفتاة، وهي ترى المجرمين الثلاثة ينقادون لسامي، وكأنهم واقعون ~~تحت سيطرة قوة عليا لا يملكون منها فكاكا. وسار الركب إلى قسم ~~البوليس، وألقى سامي بحمله أمام المسئول، وأدلت الفتاة باسمها، ~~وعرفه سامي، إنه «رشيدة مسعود النبوي»، طالبة بالسنة الأولى بكلية ~~الآداب، وتمت كتابة المحضر. وحجز المتهمون الذين وجدوا أنفسهم ~~يعترفون بجريمتهم دون أي مقاومة، فقد كانت نظرات سامي كافية ~~لتجعلهم يفقدون كل سيطرة على عقولهم، وقع سامي في حيرة حين سأله ~~المحقق عن عنوانه، إلا أنه سرعان ما قال الحقيقة عند عودته من ~~سيناء، ومن أنه في طريقه إلى شارع رستم، وحين سأله المحقق أين ~~نخاطبك إن أردنا شهادتك تطوعت رشيدة بالقول: خاطبوه عندنا؛ ~~فسوف أعرف عنوانه. # وخرج سامي ورشيدة. ~~- لا أعرف ms36 كيف أشكرك. ~~- إنها الصدفة وحدها. ~~- أين أنت ذاهب؟ ~~- كما سمعت. ~~- وهل تضمن وجود مكان بهذه الشقة؟ ~~- علي أن أجرب. ~~- تعال معي إلى أبي. ~~- الآن؟ ~~- لا بد أن يتعرف بك، ولا بد أيضا أن أروي له ما حدث، حتى ~~يعرف فيم تأخرت. ~~- إذن هيا. # وبلغا العمارة، كانت عمارة ~~متوسطة الحال، وفي أواسط العمر بناها صاحبها قبل أن يدمر ~~الحاكم الصلات بين المالك والمستأجر بتلك القوانين التي أوقفت ~~البناء في مصر تماما. كانت رشيدة تسكن مع أبيها في الطابق الثاني ~~من العمارة، وكان السلم معتما، ولم يستطع سامي أن يرى شيئا ~~واضحا من ملامح رشيدة، فقد كان لقاؤهما في الظلام. وكان النور ~~خافتا كل الخفوت في قسم الشرطة، فكان كل ما يعرف عن كيان ~~رشيدة أنها فتاة نحيلة ذات وجه ضامر، مع أن معرفته بها كانت قد ~~تجاوزت عدة ساعات قضاها في صحبتها. # وحين بلغا الشقة فتحت ~~رشيدة الباب بمفتاح معها، ودخلت وأوقدت النور في البهو ورآها. فتاة ~~صبيحة الوجه، هادئة القسمات، زكية العينين، تحكم وثاق شعر لا ~~يثور، ولا يتمرد، تلبس فستانا جميلا في تواضع وغير بهرجة. ~~ورأت هي فيه فتى مطمئن الملامح، حاد القسمات، فارع الطول، ~~في عينيه سماحة حاسمة، وفي فمه هدوء الإيمان وقوته في آن ~~واحد. # في لمحة من لحظة عرف كل منهما وجه الآخر، وصوت الأب يعلو ~~من إحدى الحجرات: أهذا أنت يا رشيدة؟ # وتجيب رشيدة في حب واحترام: نعم يا أبي. ~~- تأخرت! تعالي. # وتقول رشيدة في صوت هادئ لسامي: تعال. # وتقصد إلى الباب المواجه لباب الدخول، وتدخل ثم تردد لسامي: ~~تفضل. # ويسمع سامي الأب وهو يقول: من؟ # وقبل أن تجيب رشيدة تضمهم جميعا غرفة مكتب يجلس في صدرها رجل ~~واضح الطيبة، زكي الطلعة، يلبس نظارة سميكة، تدل دلالة واضحة على ~~مقدار ما يعاني من ضعف البصر. وتقول رشيدة: أبي هذا سامي زين ~~الرفاعي. # ويقول الأب ذاهلا: أهلا وسهلا يا ابني، تفضل، اقعد. # وقعد وتقول رشيدة: أنقذني يا أبي من هلاك محقق، كنت في ~~طريقي إلى المكتب ms37 بعد أن سلمت أوراقا كتبتها على الآلة في ~~شارع رستم، فإذا ثلاثة رجال ... # وراحت رشيدة تقص على أبيها في أمانة وفي إسهاب كل ما وقع ~~لها في ليلتها تلك، وسامي يرقب وجه الأب الذي بدا له، وكأنه صفحة ~~نقية يرتسم عليها كل ما يعتمل في نفس الأب من خوف ومن غيظ ومن ~~إعجاب ومن سعادة. حين انتهت رشيدة من قصتها التفت الأب إلى ~~سامي. ~~- شكر الله لك يا بني، وكافأك أحسن ما تكون المكافأة. # وتقول رشيدة وكأنها تستدرك: يا سامي، أبي الدكتور مسعود النبوي ~~أستاذ تاريخ بكلية الآداب. ~~- أهلا يا أستاذنا ... أهلا وسهلا. ~~- أهلا بك يا ابني. # ثم التفت إلى ابنته: أما زلت مصرة على العمل في مكتب الآلة ~~الكاتبة هذا؟ ~~- إذا لم تمنعني يا أبي، فأنا أحب أن أعمل، ولكنني أعدك أنني ~~لن أذهب بعد اليوم إلى أحد بأوراقه. ~~- وهل تذهبين عادة؟ ~~- لهذا الزبون فقط فهو مقعد، وأنا أشفق عليه، وهو يعيش مما ~~يكتبه للإذاعة، ومرتبط بمواعيد، ولكن هذا جميعه لن يجعلني أسير ~~في الشوارع المظلمة وحدي بعد الليلة أبدا. # والتفت الدكتور إلى سامي: يا ابني لا تعجب، فأنا أعمل أستاذا ~~متفرغا كما يقولون، وهي من أسماء الأضداد، فقد خرجت على ~~المعاش من سنة تقريبا، ولا أحاضر إلا ثلاث محاضرات في الأسبوع، ~~وأنا أحاول أن أكتب كتابا عن تاريخ التحضر في الشرق الأوسط، ~~فأنا منصرف إليه. ودخلنا لا يكفي أدويتي ومراجعي ونفقاتنا، ~~ولهذا رأت رشيدة أن تستعين على الحياة وتعينني. ~~- أنعم بكما وأكرم، أب عظيم وابنة عظيمة. ~~- أكرمك الله يا ابني، وأنت من أين؟ ~~- أنا ... أنا من الصعيد، وجئت إلى مصر، وذهبت إلى سيناء، ~~وقدمت منها الليلة بأمل البقاء هنا، وكنت في طريقي إلى شقة ~~للطلبة سمعت عنها في شارع رستم. # وأدرك الدكتور الذكي أن هذا فقط ما يريد محدثه أن يقوله عن ~~نفسه، فلم يسأل سؤالا واحدا يجعله يقول ما لا يريد، وإنما قال ~~له: وهل سكنت في هذه الشقة التي تقول عنها قبل اليوم؟ ~~- أنا لم أحضر ms38 إلى القاهرة قبل هذه المرة. # ونظر الدكتور إلى رشيدة: رشيدة، الحجرة التي كان يسكنها عبد ~~السلام ما شأنها؟ ~~- خالية يا أبي. ~~- هل أخذ عبد السلام ما له فيها؟ ~~- نعم، فقد حصل على الليسانس، وأحسب أنه لن يعود في العام ~~القادم. # والتفت الدكتور إلى سامي: أقم بهذه الحجرة، وبها حمام أيضا، ~~وتصلح لك. # وارتبك سامي قليلا، وهم أن يقول شيئا، ولكن الدكتور يعاجله: ~~اسكن بها أولا، وسنتحدث عن الأجرة في الغد بعد أن تستريح اليوم من ~~عناء السفر والعراك، وحماية ابنتي من الذئاب. # خذيه يا رشيدة إلى الغرفة، ولا أوصيك به، ففضله علينا كما ~~تعرفين عظيم. # وصعد سامي إلى الغرفة ومعه رشيدة تحمل ملاءات نظيفة فرشتها له ~~على السرير، وتركته بعض الوقت، وعادت له بالعشاء. واستقر به ~~المقام بعد يوم طويل عصيب. ~~••• # في الصباح الباكر كان سامي بمقر التليفون العمومي، وطلب منزل ~~أبيه في البلدة مقدرا أن الإجازة الصيفية لم تنته بعد، وأن ~~مأمون ووالدته سيكونان بالقرية. # وأجاب مأمون على التليفون، وما أن سمع صوت أخيه حتى صاح: سامي ~~أين أنت؟ منيب لم يمت، كان مغمى عليه فقط. ~~- أحقا؟! أحقا؟! ~~- إننا نبحث عنك في كل مكان، أين أنت؟ ~~- أنا في مصر. ~~- عنوانك ... ما هو عنوانك؟ ~~- ما أخبار نتيجتي؟ ~~- أحرزت تسعين في المائة من الدرجات، وقدمت لك في كلية الآداب ~~قسم التاريخ كما كنت تريد ... عنوانك؟ ~~- تعال إلي اليوم أو غدا يا مأمون، واكتب عنواني خمسة وخمسين ~~ميدان وجدي بالجيزة. ~~- كلم يا سامي، كلم. # وتكلمت إليه الأسرة جميعا، وهو يكاد يطير من الفرح. وتنتهي ~~المكالمة، ويخرج إلى أقرب جامع ويروح يصلي ركعات لا عدد لها شكرا ~~لربه، لقد كان ينتوي أن يظل هاربا من الحياة كلها من أجل جريمة ~~توهمها، ولم تقع. # وحين انتهى من صلاته انتحى من الجامع ركنا، وراحت الدموع تنسكب ~~من عينيه راوية بالسعادة، وكأنما أراد أن يغمر بهذه السعادة كل ~~جارحة من جسمه لا يكتفي بها هادرة صاخبة في القلب وحده. # عاد إلى البيت، وصعد إلى غرفته قفزا، ms39 فوجد رشيدة تنظم ~~الحجرة. ~~- وبعد يا ست رشيدة؟ ~~- أين ذهبت؟ ~~- تعالي معي. ~~- إلى أين؟ ~~- هل صحا الدكتور؟ ~~- نعم. ~~- إذن فتعالي معي. # وقصدا إلى الدكتور، وراح يقص عليه قصته جميعا، لم يخف عنه ~~حتى ما عرفه عن أبيه من طغيان وظلم. والدكتور يسمع في هدوء لا ~~يقاطعه، وإنما يلاحقه، وسامي يحس أن الرجل يشعر بكل خلجة في صوته ~~أو في صدره، حتى إذا انتهى من الحديث جاءه صوت الدكتور، وكأنما ~~يتصاعد إليه من أعماق بئر بعيد الغور. ~~- بارك الله فيك يا بني، ووفقك في كل ما تسعى إليه. # وظلت رشيدة فاغرة فاها في دهشة بالغة، وكأنما لم تكن تتصور ~~أن هذا الفتى الحدث يستطيع أن يدرك معاني الخير والجبروت بكل هذا ~~الصدق والإيمان والوضوح. ~~••• # في اليوم التالي كانت غرفة سامي تغص بأبيه وأمه ومأمون وفواز ~~جميعا لا يصدقون عيونهم أنهم يرون سامي، ثم يقول الأب: منذ الغد ~~أبحث لك عن شقة مفروشة تليق بك. # ويقول سامي: إن هذه الغرفة هي التي تليق بي. # ويقول الأب في غضب: ماذا تقول؟ أتريد أن تشهر بي بين الناس ~~ويقولون إنه تارك ابنه في حجرة فوق السطح؟ ~~- أي ناس يا أبي، إننا هنا في القاهرة، ولا أحد هنا يعرف الآخر، ~~وهذه الحجرة تكفيني، بل وتكفي معي مأمون أيضا وفواز. ~~- ماذا؟ ~~- ليس من المعقول أن يتعلم كل منا في ناحية ... القاهرة ~~تستطيع أن تعلمني وتعلم مأمون، وقد علمت العرب ~~أجمعين. # ويلتفت زين إلى الأم: أيعجبك هذا الكلام؟ # وتقول الأم في فخر: إنه خير كلام، إنه يريد أن يتعلم، ولا يريد ~~المظاهر الفارغة، ولا يحتاج إليها. ~~- فإن جئنا لزيارته. ~~- نزوره ونبيت في الفندق الذي سنبيت فيه الليلة. # وأحس الأب بالخذلان، ثم التفت إلى سامي: ألا تأتي معنا حتى ~~تنتهي الإجازة؟ ~~- بل أنا الذي سأبقي مأمون معي وفواز، حتى تنتهي الإجازة، ثم ~~أدخل أنا إلى الجامعة. ~~- وفيم بقاؤكم لبداية الدراسة؟ ~~- لأقدم لمأمون في مدرسة السعيدية القريبة من الجامعة، ونعد ~~أنفسنا للقاهرة ونتعرف عليها ... فهي مقامنا الجديد. # وأطرق الأب ms40 قليلا، ثم قال: خذ. # وأخرج حافظته، وراح يعد، ثم أعطى سامي مبلغا من المال. ونظر ~~سامي إلى المال، وخيل إليه أنه يقطر دما، وأوشك أن يرفض، ولكنه ~~في لحظة رأى نورا يحيط بالمال، وأزمع أمرا ومد يده، وتناول ~~المبلغ الذي لم يتبين عدده، وقال الأب: هذا المبلغ مائتا جنيه، ~~وسوف أرسل لك كل شهر مثل هذا المبلغ لك ولأخيك، وأوشك سامي أن ~~يقول هذا كثير، ثم ما لبث أن قمع الجملة، فلم تخرج، وإنما نطق ~~بدلا منها كلمة واحدة. ~~- شكرا. # ونظرت الأم نظرات عميقة في عيني ابنها، وكأنما تبينت ما ~~فيهما، فقد كانت تنتظر أن يطلب إلى أبيه أن ينقص المبلغ إلى الربع ~~أو النصف. ودهشت من هذا الشكر المستسلم الذي أبداه، حتى إذا أنعمت ~~النظر في عيني ولدها حل الرعب مكان الدهشة، وتعالت أنفاسها، ولم ~~تقل شيئا. # وخرج الأبوان ليسافرا، وخرج معهما فواز ليعود بحقيبة مأمون ~~وحقيبته، وما أن خلت الغرفة بمأمون وسامي، حتى وجد كلا الأخوين ~~نفسه مندفعا إلى أحضان أخيه، وراح كل منهما يضم الآخر، ~~وكأنما يريد كل منهما أن يصبح جزءا من كيان الآخر. وانهمرت ~~دموع فرح وشوق وحنين. # وحين جلسا قال مأمون: سامي، إنك تضمر شيئا؟ ~~- نعم. ~~- قله. ~~- بل انتظر. ~~- أتخفي عني؟ ~~- لو أخفيت عن نفسي ما أخفيت عنك. ~~- إذن؟ ~~- هي فكرة بدت لم تتضح معالمها، لن أطلعك عليها إلا حين ~~تصبح صالحة أن أفكر فيها. ~~- وأنا قبلت. # 14 # قال الدكتور لسامي: سامي، ماذا أنت صانع في وقتك؟ ~~- تقصد أوقات الفراغ؟ ~~- هذا ما أقصد ... وأنت منذ الآن في فراغ، حتى تفتح الجامعة، ثم ~~أنت بعد أن تفتح الجامعة لن تحتاج إلى وقتك كله للمذاكرة. ~~- أعلم ذلك! ~~- إذن؟ ~~- قل لي أنت يا دكتور ما الذي جعلك تسألني هذا السؤال؟ ~~- ربما كان لي في ذلك مأرب. ~~- إنه أمر عجيب. ~~- ومن أين العجب؟ ~~- إنني كنت قادما إليك من أجل هذا. ~~- كنت قادما من أجل ماذا؟ ~~- لأبحث عن عمل لي وعمل لأخي. ~~- ولكن كيف؟ ~~- كيف ماذا؟ ~~- ألا يرسل أبوكما ms41 لكما ... ~~- إنه في الحقيقة يعطي كلا منا مبلغا كبيرا أكثر مما ~~نحتاج إليه، ولكنني لا أريد أن أمس هذه الأموال. ~~- تريد أن تعتمد على نفسك؟ ~~- نعم. ~~- وماذا أنت صانع بهذه الأموال؟ هل ستردها إلى أبيك؟ ~~- بصورة أو بأخرى. ~~- ونعم الأبناء أنتما! ~~- رعاك الله! ~~- إذن فاسمع، أنا أريدك أن تعمل معي، وتقرأ لي، فأنت لا شك قد ~~لاحظت ضعف بصري. ~~- ما أعظم هذه الوظيفة. ~~- أما أخوك مأمون، فسأجعل رشيدة تعلمه الكتابة على الآلة ~~الكاتبة، ويعمل معها في المكتب الذي تعمل به. ~~- أعجز عن شكرك. ~~••• # مر عام وانتصف العام الآخر، ولم يذهب سامي ولا مأمون إلى ~~البلدة، بحجة أنهما في القاهرة يعملان، ولكن الواقع أنهما كانا ~~لا يريدان أن يذهبا إلى القرية قبل أن يتما تعليمهما، وكان الأب ~~كثيرا ما يزورهما في القاهرة، وكثيرا أيضا ما كانت أمهما تأتي ~~معه. # نما حب ناعم نضير طهور بين سامي ورشيدة، لم يجرؤ أن يظهر إلا ~~في نظرة عين تطفر، فلا يستطيع أن يكبح جماحها، أو في ابتسامة معها ~~تلاقيها ابتسامة منه لا تطيق أن تحجبها، ويعجز عن إجابتها، وحزم ~~أمره بعد روية وتدبر: دكتور، لي كلمة! ~~- قلها. ~~- أعلم أنني طالب ما أزال. ~~- قل ما تريد ولا تطل، فأنا لم أتعود منك أن تقول كلمة إلا ~~في موضعها. ~~- إنني أحب رشيدة كل الحب. ~~- وهي؟ ~~- ما كنت لأسألها. ~~- باركك الله! ~~- إذا قبلت ... أكون ... ~~- وإذا لم تقبل. ~~- سأترك البيت، فأنا أدخل بيتك كثيرا ... ~~- لا تكمل. ~~••• ~~- ما رأيك يا رشيدة؟ ~~- ما رأيك أنت؟ ~~- لا أستطيع أن أقول إلا إذا عرفت مكانه منك. ~~- أبي ... إني أحبه، وإني أقدره. ~~••• # وجاء الأبوان، وتزوج سامي من رشيدة، وأصبح سامي يقيم مع عروسه ~~في شقة أبيها، وترك الحجرة لمأمون. وانقضت سنوات الدراسة، ونال ~~سامي ورشيدة ليسانس الآداب، وبقيت سنتان دراسيتان أمام مأمون ~~ليتخرج في كلية الحقوق. # وكان على سامي أن يؤدي الخدمة العسكرية، فذهب إلى المكان ~~العسكري الذي حدد له، وتمت الإجراءات، وبدأ سامي يبيت في ~~المعسكر، حتى يتم توزيع القادمين على مختلف ms42 الأسلحة. # وكان الوقت صيفا، وكان سامي وزملاء له كثيرون يتحلقون حلقات ~~في ضوء القمر . وكان سامي يستمع، بينما كل منهم يروي ما تعن له ~~روايته، فمن حكايات ضاحكة إلى مآسي إلى قصص أخرى لا تضحك، ولا ~~تبكي، وإنما تروى لينقطع بها الوقت، وتهون ملالته. وفي لحظة صمت ~~الجميع كأنما لم يجد أحد منهم شيئا يقول، كان السكوت لحظة أو ~~أقل، وإذا بواحد منهم يقول: أليس بينكم من يحفظ القرآن أو ~~شيئا منه؟ وقال سامي: أنا أحفظه أو أحفظ الكثير منه، والحمد ~~لله! # وسأله آخر: أتستطيع أن تجود؟ # وقال سامي: أظن ذلك. # وقال آخر: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن ~~الرحيم، أسمعنا أكرمك الله، وتهيأ سامي وبدأ. ~~- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر ~~فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاء أحوى * ~~سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء ~~الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن ~~نفعت الذكرى * سيذكر من ~~يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيا * قد أفلح من تزكى * ~~وذكر اسم ربه فصلى * بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا * ~~والآخرة خير وأبقى * إن هذا ~~لفي الصحف الأولى * صحف ~~إبراهيم وموسى # صدق الله العظيم. # كان سامي حين يقرأ ينصرف بجميعه إلى آيات الله، فلم ير الذهول ~~من حوله وصموت الكون وخشوع الكائنات جميعا، حتى كأن القمر ~~والأنجم قد اقتربت تتسمع إلى صوت لم يسمعه الخلق من قبل. ومن ~~كل حدب وناحية أقبل من في الثكنات مبهورين يسيرون هونا لا ~~يصدر صوت من خطواتهم يشوب هذا الجمال الإلهي الجرس الرباني ~~النغم. # وحين انتهى سامي من قراءته هوم الصمت المأخوذ على الجميع، وازداد ~~القمر تألقا، وبدت الأنجم، وكأنما ترسل كل واحدة منها شعاعا ~~فيه عطر السماء تحية للصوت المتخشع الرخيم. فلم تكن روعة الصوت ~~وحدها هي التي أخذت بكل هذه المخلوقات، وإنما خشوع الرنين وإخباته، ~~وكأنه متبتل يصلي في محراب، وفجأة ارتفعت أصوات الإعجاب. ms43 وقال ~~قائد الثكنة: سبحان المعطي الوهاب، ما اسمك يا ابني؟ # وذكر سامي اسمه، ورقم تجنيده، وقال القائد: أنت معي في مصر إن ~~شاء الله. ~~- أمرك. ~~- وفي أي سلاح تريد أن تتم خدمتك؟ ~~- تمنيت يا سيادة القائد لو أنني أتقنت التصويب. ~~- ولك ما تريد بعون الله. # وهكذا أصبح سامي من خيرة الذين يصوبون. # وأتم سامي الخدمة العسكرية بأحسن ما يتاح لمثله، فكان يبيت ~~معظم الأيام مع زوجته، ويذهب إلى الثكنة في باكر الصباح. ~~••• # وعين سامي بمدرسة في الزمالك، وعينت رشيدة بمدرسة في ~~الجيزة. # 15 # شملول وصبيحة هذان الحبيبان اللذان أبيا الظلم، وأبى معهما ~~أهلوهم أن يستضعفوا في أرض قريتهم، فهاجروا إلى أرض الله الواسعة؛ ~~ليجدوا مراغما كثيرا وسعة، وقد وجدوا ذلك الملجأ الفسيح عند ~~أقاربهم في القاهرة. وانفتحت أمامهم أبواب الرزق يمثلون الإنسان ~~حين يستكبر أن يعتو عليه إنسان مثله، ويمثل العاشقان منهما أسمى ~~ما في الحياة من معاني الحب، تلك النسمة من نسائم الجنة التي شاء ~~الله في عالي سمائه أن يرسلها مع آدم وحواء حين أمر بهما أن يتركا ~~جنته الفيحاء إلى هجير الأرض. # فإذا ذلك الحب يصبح موئل البشرية وملاذها ومراحها ونداها، ~~يرطب به سبحانه وتعالى عداوات البشر في تلك الحياة الدنيا التي ~~تشابكت فيها المطالب وتصاخبت، فإذا أبناء آدم بعض لبعض عدو إلى يوم ~~الدين. # حين احتجب الحب بين قابيل وهابيل قتل الأخ أخاه، وحين عاد الحب ~~يتنفس في إحناء قابيل وارى سوأة أخيه. وهكذا بدأ الحب مع البغضاء ~~في الأرض نسمة من نسائم الجنة لولاه لفنيت البشرية منذ عصورها ~~الأولى، وانتهت الحياة. # شملول وصبيحة زوجان يشد كل منهما إلى الآخر منبت القرية ~~والمهجر إلى القاهرة، ثم الزواج، فكانت بينهما مع الحب المودة ~~كل المودة، والرحمة كل الرحمة، وسكن شملول إلى صبيحة، وأنجب ~~لهما الزواج ماهر، ثم مختار. وكان شملول يعمل بالزمالك في متجر ~~الفاكهة، ثم ما لبث أن أصبح صاحب المتجر جميعا، فكان يصحب ولديه ~~إلى المدرسة الإعدادية بالزمالك، ويعود بهما في الظهيرة، وحين يعود ~~هو ms44 إلى دكانه يتركهما بين يدي صبيحة ترقبهما في المذاكرة، ثم ~~يصحبان التليفزيون إن راق لهما أن يصحباه أو ينزلان إلى ~~أصدقائهما بينهم زملاء دراسة وجيران، وبينهم جيران غير ~~زملاء. # وصبيحة حريصة دائما أن تعرف منهما في ملاينة ودون إثقال كل ~~أبناء المدرسة وأسماء المدرسين. # وأخبرها ماهر، ثم أخبرها مختار بأسماء المدرسين الجدد الذين ~~وفدوا إلى المدرسة، وذكر اسم سامي فيمن ذكر ولم تول الاسم أي ~~اهتمام، وما كلمة سامي بالنسبة إليها. وكم من «سامي» في ~~الحياة. # والعجيب أن سامي حين دخل الفصل الذي به ماهر، وسأل الطلبة عن ~~أسمائهم، وقال ماهر: اسمه ماهر شملول القط لم يلتفت سامي إلى ~~الاسم، على الرغم من أنه اسم ليس مثل كل الأسماء، ولكنه عبره دون ~~التفات، وكذلك كان شأنه في فصل مختار أيضا، ومرت الأيام فلا بيت ~~ماهر ومختار علما أن ابن الذي أخرجهم من ديارهم يدرس لابنيهما، ~~ولا سامي يعرف أن من بين تلاميذه ذرية قوم عتا عليهم أبوه كل ~~عتو. # وفي يوم، بينما كان سامي يدرس للفصل الذي فيه ماهر، وحين كان ~~مواليا ظهره للفصل يكتب على السبورة تعالى إلى أذنه ضجة هامسة، ~~فالتفت فجأة، فوجد ماهر محور هذه الضجة فاستدعاه. ~~- تعال أنت. # فقد كان ناسيا لاسمه. # وتقدم ماهر وجلا حتى وقف إزاءه. ~~- ما هذه الضجة؟ ~~- لا شيء يا أستاذ. ~~- بل هناك شيء. ~~- أنا لا ذنب لي. ~~- ربما، ولكن اللغط يدور حول مقعدك. ~~- اسألهم سيادتك. ~~- ماذا هناك يا أولاد؟ # وساد صمت، فأشار سامي إلى التلميذ الجالس بجواره، ونظر إليه نظرة ~~عميقة، ووجد الطالب نفسه يقول كل شيء. ~~- ماهر. # وقال سامي: ماهر من؟ ~~- ماهر هذا. # والتفت سامي إلى ماهر: هل اسمك ماهر؟ ~~- نعم يا أستاذ. # وعاد سامي إلى التلميذ الآخر، وسأله: هه، ماذا فعل ماهر؟ ~~- أحضر معه بعض حبات من المشمش، وراح يأكلها في الفصل. ~~- مشمش؟! ~~- نعم. ~~- وبعد؟ ~~- راح التلاميذ يطلبون منهم أن يعطيهم شيئا مما يأكل. ~~- هذا كل ما في الأمر؟ ~~- نعم. ~~- لماذا تأكل المشمش في الفصل يا ماهر؟ ~~- أكلت حبة ms45 واحدة يا أستاذ. # وقال سامي في محاولة أن يزيل الخوف عن ماهر الذي رأى علامات ~~الرعب بادية في عينيه: هل اشتريت المشمس وأنت قادم إلى ~~المدرسة؟ # وازدرد ماهر لعابه من الخوف، وتعالت في الفصل ضجة سمع منها سامي ~~كلمة أبوه، ولم يتبين ما يليها، فرفع يده إلى التلاميذ، وساد ~~الصمت، والتفت إليه: ما اسمك كله يا ماهر؟ ~~- ماهر شملول القط. # وأعاد الاسم كل ما يحيط باسم شملول من ذكريات، وتذكر قصة ذلك ~~الفتى الذي أوقع أبوه بأهله أفدح الظلم، وشك أن يكون شملول أبو ~~ماهر هو نفسه شملول الذي سمع قصته فيما سمع عن مظالم أبيه. وأعاد ~~الاسم على مسامع ماهر. ~~- ماهر شملول القط! ~~- نعم يا أستاذ. ~~- ما صناعة أبيك؟ # وعلت أصوات التلاميذ حتى ابتلعت صوت ماهر، وهو يقول في صوت ~~خفيض؛ فقد قالوا جميعا صناعة أبيه في أصوات مختلطة لم يتبينها ~~سامي. ~~- فاكهي. # وأشار سامي إلى الفصل أن يصمت، فصمت التلاميذ، وسأل ماهر: ~~ماذا؟ # وقال ماهر: فاكهي. # ولم تكن صناعة الأب ذات شأن فيما ثار بنفسه من شك حول اسم ~~شملول. ~~- وما لك لا ترفع صوتك؟ لا تخف يا ماهر، أنت لم تصنع شيئا ~~يستحق منك هذا الخوف، قل لي يا ماهر: هل أبوك من مصر أم من ~~الأرياف؟ ~~- أنا يا أستاذ ولدت بمصر، ولكنني أعرف أن أبي من الصعيد. # وبدأ خيط من نور يخترق الشك الغامض. ~~- ألا تعرف من أي بلدة في الصعيد؟ ~~- أظن يا أستاذ من بلدة اسمها التمرة. # وانقطع الشك باليقين، لا شك إذن. وجلس سامي وصمت طويلا، ثم قال ~~لماهر: لا بأس عليك يا ابني، لن أمسك بأي سوء. اهدأ ... اهدأ ~~تماما، واذهب إلى مكانك. # وأكمل سامي الدرس، حتى إذا دق الجرس وبدأ التلاميذ يخرجون إلى ~~الفسحة، نادى سامي تلميذه ماهر وسأله: أين دكان أبيك يا ~~ماهر؟ # وتلجلج ماهر، وهمس أحد التلاميذ إلى الآخر: «الظاهر الأستاذ يريد ~~أن يتعشى فاكهة الليلة»، وضحك الذين سمعوا التعليق، ولم يلتفت سامي ~~إلى ضحكهم، وانتظر حتى خلا الفصل به ms46 وبماهر، وقال له: لا تخف، ~~أنا أريده في شيء خاص، بعيد كل البعد عنك. # واطمأن ماهر، وقال: في شارع حسن صبري يا أستاذ. ~~- وهل يذهب أبوك بعد الظهر إلى الدكان؟ ~~- نعم. ~~- إذن فأخبره أنني قادم إليه اليوم، فلينتظرني. ~~- أمرك يا أستاذ. ~~- هل أنت وحيد أبيك؟ ~~- بل لي أخ، وهو تلميذ هنا في السنة الثانية، واسمه ~~مختار. ~~- أحضره لي غدا في غرفة المدرسين لأتعرف عليه. ~~- أمرك يا أستاذ. ~~- مع السلامة يا بني. # 16 # صحب سامي رشيدة، وذهب إلى شملول. واشترت رشيدة بعض الفاكهة، ~~وفجأة قال سامي دون أن يوجه الحديث إلى أحد بعينه من الواقفين ~~بالدكان. ~~- من شملول؟ # وتقدم إليه فتى سمهري القامة، طيب الملامح، بادي ~~الوسامة. ~~- أنا شملول. ~~- أنا سامي مدرس ابنيك: ماهر ومختار. ~~- مرحبا، أهلا وسهلا! شرفت، هات كراسي يا درويش. وجلس ~~ثلاثتهم أمام الدكان، وبدأ سامي: أنت من التمرة؟ ~~- أتعرفها؟ ~~- كل المعرفة. ~~- لا أحسب أنك سامي الذي نعرفه. ~~- من سامي الذي تعرفه؟ ~~- سامي زين الرفاعي. ~~- أيغضبك أن أكون هو؟ # ويصمت شملول فترة، ويقول سامي: # وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في ~~عنقه ~~. # ويقول شملول في استسلام: صدق الله العظيم. ~~- اسمع يا شملول، لقد وقع عليك من أبي ظلم فادح. ~~- إذن فأنت تعرف أنه ظلم. ~~- الظلم الذي وقع علي من أبي أشد. # وظهرت الدهشة على ملامح شملول، وقال: عليك أنت! ~~- الظلم الذي وقع عليك من أبي ظلم واحد، أما الظلم الذي وقع ~~علي، فهو كل ما أوقعه بالناس من قهر، ومن اغتصاب ~~لحقوقهم. ~~- أوتشعر أنت بمعنى تحمل القهر؟ ~~- أشعر كأنني أنا الذي ارتكبت كل هذه المظالم، أو أشعر كأنني ~~أنا الذي وقعت عليه؟ ~~- أوتريد أن تعتذر عن أفعال أبيك؟ ~~- بل أريد شيئا أكبر من هذا. ~~- ماذا؟! # ونظر شملول إلى رشيدة مندهشا، فأومأت برأسها أن نعم، وقال ~~سامي: هذه زوجتي رشيدة، وهي مدرسة أيضا. # وقالت رشيدة: صدقه يا شملول. ~~- أمعقول هذا الذي يقوله يا ست؟ ~~- إنه يعيش في جحيم مما يصنعه أبوه بالناس. ~~- إذن فهو ليس ابنه. # وتقول رشيدة: أنت تعرف أمه؟ ms47 ~~- كانت أشرف الناس. ~~- إذن فاعلم أن أخاه مأمون أيضا يعيش في جحيم مثله مما يصنعه ~~أبوهما بالناس. ~~- أيصدق أحد هذا؟ # وتقول رشيدة: وما لك لا تصدقه. ~~- إنه لا يدخل العقل. ~~- ففيم تظنه قد جاء إليك وصحبني معه؟ ~~- لا أفهم ... ربما ... ربما. ~~- نحن في القاهرة، نبعد عن التمرة مسافات ومسافات ما كان أحراه ~~أن يخفي أمره عنك وعن ولديك. ~~- آمنت بالله ... # ويقول سامي: جل شأن الله. ~~- فهل أطمع أن تعتبرني صديقا لك؟ ~~- هذا أمر يسير، وقد تم فعلا، ولكن أيكفي هذا؟ # وينعقد لسان شملول، وينفتح فمه في ذهول، ويجمع الحروف لتصبح ~~كلمات ويقول: إلى أي طريق تسير بالحديث يا سي سامي؟ ~~- إلى طريق الحق والنور والعدالة إن شاء الله. ~~- إن قلبي يوشك أن يقف من الخوف. ~~- بل قلبك سينتعش بالفرح إن شاء الله. من كان مثلك لا ينبغي أن ~~يعرف الخوف. ~~- ماذا تريد أن تفعل؟ ~~- إننا كلنا سنفعل إن شاء الله. ~~- أنا أريد أن أعيش حياتي. ~~- وحقك الذي تركته هناك؟ ~~- لقد مرت سنوات طوال. ~~- مرور السنين لا يسقط الحق. ~~- لقد أعادت إلي الحياة ما أماتته السنوات. ~~- إن العدالة ينبغي أن تكون أساس الحياة. ~~- أتريد أن ننتقم من أبيك؟ ~~- أستغفر الله، ليس الثأر ولا الانتقام مما يرضى الله ~~عنه. ~~- أنا في حيرة مما تقول ... ماذا تريد أن تفعل؟ أو ماذا تريدنا أن ~~نفعل؟ ~~- أنا قادم إليك في بيتك. ~~- أهلا بك وسهلا. # وقالت رشيدة: وأنا قادمة معه. ~~- يا مرحبا. # وقال سامي: وسيأتي معي أخي مأمون، ونريد أن نلتقي بصبيحة، ونتعرف ~~عليها، ثم نجلس معك أنت وصميدة ومحمود. # وقال شملول في بعض دهشة: كأنك تعرفنا جميعا. ~~- وأعرف عن أموالكم التي في التمرة ما لا تعرفون جميعا. ~~- أكاد لا أصدق. ~~- اكتب هنا عنوانك. # وأعطاه ورقة، وكتب شملول عنوانه، وهو يقول: حسبتك تعرف عنواني ~~أيضا. # ويبتسم سامي في جذل ويقول: ما كان أسهل علي أن أعرفه من ~~ولديك. # ويضحك شملول، وهو يقول: آه صحيح ... نسيت هذا. ~~- متى يناسبك أن تأتي؟ ~~- الأمر إليك. ~~- خير البر عاجله. ~~- والأستاذ ms48 مأمون ماذا يعمل؟ ~~- أستاذ كما ذكرت. ~~- مدرس أيضا؟ ~~- بل تخرج في الحقوق هذا العام. ~~- على بركة الله. ~~- أيناسبك أن نأتي في الغد؟ ~~- تشرف في أي وقت. ~~- غدا في السادسة إن شاء الله، السلام عليكم. ~~- مع ألف سلامة. # 17 # اجتمع أهل التمرة جميعا، وانضمت إليهم رشيدة زوجة سامي وفوزية ~~زوجة صميدة التي تزوجها في القاهرة، وروحية زوجة محمود التي ~~تزوجها في القاهرة أيضا، وكان الجمع كبيرا، ولكن غرفات شملول ~~لم تضق بهم. وقد بدأ الاجتماع بترحاب مصري صادق، حتى وإن كان ~~القادمون يلف قدومهم الكثير من الغموض المبهم غير الواضح. ومر ~~الشاي على الجلوس، حتى إذا انتهوا منه بدأ سامي، فتعرف على أعمال ~~صميدة ومحمود، ثم بدأ الحديث: بسم الله الرحمن الرحيم. # وقالوا جميعا: بسم الله الرحمن الرحيم. # وقال سامي: إن الصمت على الظلم ضعف، وأنتم قد ظلمتم. وكنتم ~~رجالا، وأبيتم أن تذعنوا للظلم، وخرجتم من دياركم، وقدمتم إلى ~~مصر. # وهوم الصمت على الجميع فيه كثير من الذهول، وكثير أيضا من ~~التشوق وانتظار الحديث المقبل. ~~- ربما تكونون الآن في خير حال، بل إنكم لا شك قد استطعتم أن ~~تجعلوا الحياة تستقر بكم استقرارا ما كانت لتستقره في ~~التمرة. ~~- وترددت الحمد لله، وأكيد وأما بنعمة ربك فحدث، واستأنف ~~سامي حديثه. ~~- الحمد لله، ولكن أنا وأخي هذا وقع علينا الظلم، ولا نستطيع له ~~رفعا إلا بمعونتكم. # وترددت ماذا، وكيف، وعجيبة من المستمعين، وأكمل سامي: إنكم خرجتم ~~من التمرة، ولم تخسروا هناك إلا البيتين اللذين خرجتم منهما وبنيتم ~~حياتكم هنا جديدة مشرقة أما نحن أنا ومأمون فنعتبر كل ظلم وقع من ~~أبينا على إنسان كأنه وقع علينا. وأنا وأخي وزوجتي أيضا نرى أن ~~سكوتنا على ما يصنعه أبي أمر لا يرضاه الله، بل إنه يقول إن الشرك ~~لظلم عظيم، فالظلم العظيم إذن هو عند الله شرك. # وقال محمود: أتريد أن تحارب أباك؟ # وقال سامي: معاذ الله، ما كنت لأحارب أبي. # وقال شملول: عجيب أمرك يا أستاذ سامي، ماذا تريد أن ~~تصنع؟ # وقال صميدة: لا ms49 وسيلة لك إلا محاربة الظلم. # وقال سامي في بساطة: بل هناك وسيلة أجدى وأقوم. # وصمت الجميع في سكون، وقالت روحية في حب استطلاع: كيف؟ # قال سامي: منع الظلم أن يقع. # وسأل شملول: وكيف تستطيع؟ # وقال سامي: بل قل كيف نستطيع، فإنني بغيركم لا أستطيع أن أصنع ~~شيئا، إما أن تنضموا إلي أو أترك الأمر كله. # وتصايحت أصوات الجميع من نساء ورجال وتناثرت الألفاظ والجمل، ~~واختلطت وتشابكت وركب بعضها فوق بعض، كيف؟ هل هذا معقول؟ نذهب ~~للنار بأرجلنا، ونحن ما شأننا، أبعد أن أنقذنا الله نرجع مرة ~~أخرى؟! # وعلت الابتسامة وجه سامي ومأمون ورشيدة، وانتظر ثلاثتهم حتى لم ~~يجد أصحاب البيت بدا أن يصمتوا، وقال محمود: إن ما تقوله عجيب يا ~~أستاذ سامي، إنك تأتي إلينا في مستقرنا بمصر، وتطلب إلينا أن نعود ~~مرة أخرى للتمرة، وقد حاول أبوك أن يقتلني هناك، واغتصب بيوتنا. ~~ونحن قانعون بما نحن فيه اليوم، فنحن نعيش حياة آمنة لا نحتاج إلى ~~مال، ولدينا أبناؤنا، ونريد أن نربيهم، وتطلب إلينا أن نعود إلى ~~رجل طاغية معه الرجال والسلاح. وقلبه - ولا تغضب - بلا رحمة على ~~الإطلاق. أهذا معقول؟ ~~- إن لم تردوا الظلم عن أهل قريتكم فمن يرده؟ # ويقول صميدة: فليقع الظلم ما شاء له أن يقع، ما شأننا ~~نحن؟! # ويقول سامي: شأنكم أنكم نجوتم من هذا الظلم، وأنكم رجال، وأنكم ~~تملكون المال. وأنتم مسلمون والله يقول: # والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون ~~. # ويقول محمود: ولماذا لا تحاول قرية التمرة برجالها أن ترد هذا ~~الظلم؟ # ويبتسم سامي ويقول: إنهم يعيشون في جوف الهول، ولا يتصورون أن ~~هناك طريقا لمقاومة الظلم أن يقع. وهم جهلاء وأنتم أصبتم، ونحن ~~أصبنا شيئا من العلم، وهم فقراء وأنتم ونحن أصبنا شيئا من ~~الغنى. # ويقول محمود: أستاذ سامي لا تؤاخذني، هذه أول مرة نراك منذ كنت ~~طفلا، ولا نعرف عنك شيئا. وأنت تطلب منا شيئا لا يتصور أحد ~~أن ابنا يقوم به إزاء أبيه، فكيف يمكن أن نطمئن أنك لا تجرنا ~~إلى مكيدة ms50 يدبرها لنا - ولا مؤاخذة - أبوك؟ # وقبل أن يستطرد، يقول شملول: أستاذ سامي اسكت أنت، فأنا الذي ~~سأتكلم . محمود أنت أبعد ما تكون عن الصواب، هل تتصور أننا عظماء ~~لدرجة أن يرسل لنا زين الرفاعي ابنيه وزوجة ابنه الأكبر ليدبروا ~~لنا مكيدة بعد هذه السنوات الطوال التي تركنا فيها التمرة؟ ما الذي ~~يجعله يهتم بنا كل هذا الاهتمام؟ # ويقول محمود: ولماذا لا يكون الأستاذ سامي مختلفا مع أبيه، ~~ويريد أن يستغلنا؟ # ويقول صميدة: أمرك عجيب يا محمود يستغلنا فيم؟ إنك سمعته مثلما ~~سمعناه وهو يرفض كل الرفض محاربة أبيه، وسمعته مثلما سمعناه، وهو ~~يقول إنه يريد أن يمنع الظلم. # ويقول شملول: يا محمود نحن تجار، وصناعتنا أن نعرف الناس من ~~سيماهم التي في وجوههم، أوجه الأستاذ سامي هذا يوحي إليك بأنه ~~رجل يريد أن يخادعنا؟ # وتقول صبيحة: أستغفر الله العظيم، وقد نسيت شيئا آخر يا ~~محمود. # ويقول محمود، وقد بدأ يقتنع بالحجج المنهالة عليه: خيرا! # وتستطرد صبيحة: إننا على اتصال دائم بقرية التمرة، ونعرف وتعرف ~~معنا أن العلاقة بين زين وابنيه على أحسن ما يكون. # ويقول سامي: اسمعوا أنا سأترككم لتفكروا وتتدبروا الأمر، حتى ~~إذا اطمأنت نفوسكم تماما أرجع إليكم، وشملول يعرف كيف ~~يجدني. # وقال محمود في حسم عجيب: بل إنك لن تقوم من مكانك هذا إلا وقد ~~اتفقنا على كل التفاصيل. # ويقول شملول: الآن يا محمود قلت ما يجب أن يقال. # ويقول صميدة: إن الذي يراك ولا يطمئن كل الاطمئنان إلى صدقك ~~يكون غبيا غير جدير بأن يكون إنسانا. # وتقول صبيحة: إننا كلنا معك، وإذا لم يعاونك رجالنا عاوناك نحن، ~~ما رأيك يا روحية؟ وأنت يا فوزية؟ # وتقول روحية: نحن معك يا أستاذ سامي. # وتقول فوزية: ليس آدميا من لا يقاوم الظلم. # ويضحك الجميع ويقول صميدة: أرأيت يا أستاذ سامي لم يصبح لنا بعد ~~قولهم أن نقول شيئا. # ويقول شملول: لم يبق إلا أن نعرف علام عزمت! # ويقول سامي: لقد كان أبي يرسل لي كل شهر مائة جنيه، ويرسل ~~مثلها ms51 إلى أخي مأمون. # وتتعالى ألفاظ الدهشة، ويستطرد سامي: لم ننفق منها على أنفسنا ~~شيئا، فقد كنت أنا ومأمون ورشيدة نعمل إلى جانب الدراسة، كل ما ~~جمعناه مرصود لما ننوي أن نفعل. # وتعالت أصوات تتساءل: اشتريت بكل النقود سلاحا. ~~- سلاح وسيارة. أما السيارة فلها عملها، أما السلاح فلن نطلق منه ~~رصاصة واحدة على إنسان. # ماذا؟ ... ماذا تقول؟ ... كيف؟ ... وما نفع السلاح إذن؟ ... ما ~~لزومه؟ # ويقول سامي في هدوء: سنرد به الظالمين عن ظلمهم. # وتتعالى «كيف؟» مرة أخرى. ~~- أنتم جميعا تعرفون فواز الشيمي؟ ~~- نعم. ~~- لقد رتب لي عيونا في رجال أبي. ~~- وإذن؟ # ويقول سامي: حين نذهب جميعا إلى المركز نتكلم في ~~التفاصيل. # ويقول محمود: جميعا؟ # ويقول سامي: جميعا ... لقد رتبت كل شيء. # ويهوم الصمت على الجميع ... صمت فيه سعادة غامرة، وفيه تشوق، وتطلع ~~إلى المستقبل ورضى عنه، واطمئنان أيضا. # 18 # كان من أيسر الأمور على سامي أن ينتقل إلى مدرسة المركز، فمن ~~ذاك المدرس الذي يعمل في مدرسة بأقصى الصعيد، ولا يتمنى أن ينتقل ~~إلى القاهرة؟! خاصة إذا كان هو نفسه من أبناء القاهرة، وهكذا تم ~~البدل بينه وبين وصفي عبد القوي في سهولة بالغة. وكذلك كان يسيرا ~~على رشيدة أن تطلب إجراء البدل مع تفيدة السلامية. # أما مأمون فقد اختار مكتب لطفي مصطفى المحامي ليقضي به مدة ~~التمرين، وقد رحب به لطفي كل الترحيب، وكيف لا وهو ابن زين ~~الرفاعي، ووجوده بالمكتب سيجعل أهالي قرية التمرة والمنطقة المحيطة ~~بها يتدفقون على المكتب في جميع شئونهم القانونية. # أما صميدة وشملول ومحمود، فقد تركوا زوجاتهم بالقاهرة، ورجعوا ~~إلى المركز يتجمعون تحت الراية التي رفعها سامي من نص الآية ~~الكريمة: # والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون ~~. ~~••• # وهش زين الرفاعي حين رأى ابنيه ومعهما رشيدة يدخلون البيت على ~~غير توقع، وبعد غياب سنوات عن البلدة، أما أمهما رتيبة، فقد راحت ~~تحتضن ابنيها ومعهما رشيدة، والدموع تهمى من عينيها كما لقفتهم ~~أختهما عزيزة بشوق صادق متدفق. وحين هدأت بهم الجلسة قال زين: يا ~~أهلا ... يا مرحبا ms52 ... لقد أصبح غريبا علي أن أراكم في ~~البلدة. # وقالت الأم وهي تجتذب نفسا مطمئنا من أعماق أمومتها: يا أخي ~~بركة ... البيت من غيرهما ليس بيتا. # ويضحك الأخوة الثلاثة وتقول عزيزة: أمي رتيبة لها حق، الحياة ~~بعيدا عنكما لا تستحق أن تعاش، أظن هذه أول مرة تأتين فيها البلد ~~يا رشيدة؟ # وتبتسم رشيدة وتومئ برأسها: أن نعم، وتقول رتيبة: أهذا كلام يا ~~أهلا بك في بيتك يا بنتي ... يا أهلا يا مرحبا ألف أهلا. # ويقول زين: ولكنني فقط أريد أن أطمئن ... أهي زيارة؟ # ويبتسم مأمون ورشيدة، ويقول سامي: بل إقامة. # وتختلط الدهشة بالخوف في وجه رتيبة، ويقول زين: ماذا؟! # وتلحق به رتيبة في سرعة متوجسة: وشغلكم؟ # ويضحك سامي ورشيدة ومأمون، ويقول مأمون: أتخشين أن نخرج من ~~أعمالنا كل هذه الخشية؟ ... من يسمع هذا يحسب أنكم تعيشون من ~~مرتباتنا. # وتقول رتيبة في جدية: الإنسان بغير عمل كارثة. # وتقول رشيدة ممعنة في إخافة حماتها: وماذا يجري إذا أنا ساعدتك ~~في البيت وساعد سامي ومأمون عمي في ... # وتقاطعها رتيبة، وقد كادت أن تشعر بالمزاح في الحديث: يا بنتي لا ~~قدر الله لا أنا ولا عمك نحتاج إلى مساعدة. # ويقهقه سامي ومأمون ورشيدة، ويقول سامي: لا تخافي ... إننا في ~~أعمالنا لا نزال. # ويقول زين: أهذا معقول؟ ... أجاد أنت فيما تقول؟! # ويقول مأمون: كل الجد، سامي ورشيدة انتقلا إلى مدرسة المركز، ~~وأنا ذهبت قبل أن أجيء إلى هنا، واتفقت أن أقضي سنوات التمرين في ~~المحاماة بمكتب لطفي مصطفى. ~~- متى جئتم؟ # ويقول سامي: بالأمس. # وتقول الأم: وأين قضيتم ليلتكم؟ # وتقول رشيدة: أنت ست عظيمة ... بيت المركز كأنه لم يترك. # وتضحك رتيبة: كنت أرسل عزيزة ومعها خادمتها سعدية ينظفانه ~~كل أسبوع، وكأني كنت أنتظر أن تجيئوا إليه في أي لحظة. # ويقول سامي: ظللت كل هذه السنوات تنظفين البيت كل ~~أسبوع؟! # وتقول رشيدة: بحاسة الأم. # وتقول رتيبة: الأمر لا يستأهل كل هذه الدهشة، من الطبيعي أن ~~نحتاج إلى أشياء من المركز كل أسبوع، فما البأس أن تذهب عزيزة ~~ومعها ms53 سعدية بالسيارة، وتمران بالمنزل تنظفانه؟ # وتقول رشيدة: كنت أظن أنني سأجد مشقة كبيرة لأجعله صالحا ~~للمبيت، فوجدته أنظف من أي بيت يسكنه أصحابه. # ويقول زين وقد خالجه بعض الدهش: ولكن ما الذي جعلكم تقررون ~~هذا القرار، وتنتقلون إلى هنا بغير مقدمات؟! # ويبتسم سامي وهو يقول: المقدمات كانت في نفسي منذ عرفت أنني ~~لم أرتكب جريمة، وأن زميلي منيب والحمد لله لم يصب بسوء. # ويقول زين: ياه ... أما زلت تذكر؟ ~~- وهل أستطيع أن أنسى؟ ~~- لقد جعلت من هذه الحكاية التافهة أمرا خطيرا. # ويطرق سامي قليلا ويقول لأبيه متوخيا ألا يتخذ موقف الواعظ: يا ~~أبي لو كان زميلي هذا قد مات لما رأيت أنت وأمي وجهي مدى ~~الحياة. # وذهل زين، وقالت رتيبة: بعد الشر. # وقال زين: إلى هذه الدرجة؟ # وقال سامي في حسم: وأكثر. # وتقول رتيبة: ألف حمد وشكر لك يا رب. # قضى سامي ومأمون ورشيدة ثلاثة أيام بالقرية، ثم أخذوا سمتهم إلى ~~المركز وصحبوا معهم فواز الشيمي الذي تمكن في هذه الأيام الثلاثة ~~أن ينفذ كل ما أمره به سامي. # 19 # عرف فواز الشيمي فيما عرفه أن زين أعطى أمره إلى رجاله بسرقة ~~بهائم كدواني البرقوقي. وكان رجال زين في انتظار أن يحدد لهم ~~العمدة موعد هجومهم على بهائم الكدواني. # وقد رتب فواز أن يأتي إليه نجيب رسلان بالموعد الذي تعين ~~لهم. # وما أن استقر سامي وزوجته وأخوه بالمركز، حتى كان قد أعد ~~سكنا ملائما للقادمين من مصر، وقد هدأ بهم المقام في مسكنهم ~~الجديد، وكانوا يجتمعون كل مساء في بيت سامي. ويتبادلون شتى ~~الأحاديث، فقد كان ما ينتوون القيام به متفقا عليه، ولم يعد ~~محتاجا لأي حديث جديد، بل إنهم شعروا أن الحديث فيما هم مقبلون ~~عليه سيجعل اتفاقهم مائعا، فكثرة الحديث تفتر عزيمة العمل. # في إحدى الأمسيات بينما هم مجتمعون عند سامي، طرق الباب وقام ~~إليه فواز، وفتحه، وهم ينظرون. ما لبث أن خرج فواز من الباب لحظات، ~~ثم دخل وأقفل الباب، وقال في هدوء حازم: الموعد غدا. ~~••• # كان ms54 رجال زين الرفاعي مدربين على أعمالهم غاية الدربة، وكان ~~كل منهم يعرف دوره، وكان يؤديه في إتقان وبراعة، حتى أصبح ~~كبيرهم خطاب الضبع في غير حاجة أن يعطي أوامره عند بدء العملية، ~~بل يكتفي بجملة واحدة تعودوا أن يسمعوها في صوته الهادئ المنخفض ~~الواثق: كل واحد منكم يعرف ما سيعمله. # ولم يكن من المحتم أن يجيب كل فرد منهم جملته، وقد يكتفي ~~أحدهم أن يقول: توكل على الله. # أو يقول آخر: توكل. # ثم يمضي خطاب إلى غرفة السلاح في بيته، فيفتحها ويدخل كل منهم ~~إلى سلاحه الذي يعرفه، وهم جميعا يصرون ألا يستعملوا إلا السلاح ~~الذي مردوا عليه. وقد كان بعضهم يقول في فخر: إن بينه وبين سلاحه ~~لغة لا يفهمها إلا هو وسلاحه. # وكانوا ستة نفر لهم عند هجومهم طقوس غير مكتوبة، وإنما هي ~~تكونت بطول الدربة، وبكثرة العمليات، فكان لكل منهم ملبسه ~~الذي خصصه لليالي العمل، وكان كل منهم يستبشر بملبسه هذا، ~~فكان لا يلبسه إلا في الليلة التي يعمل فيها، حتى لا تهلكه كثرة ~~الاستعمال. وكانوا إذا ساروا إلى مهمتهم ذهبوا إليها أزواجا، وكان ~~كل واحد منهم يعرف رفيق عمله. وكان خطاب يخبرهم في كل مرة ~~بمكان تجمعهم، يقصدون إليه من طرق شتى، ومن منافذ ~~متفرقة. ~~••• # كان كدواني البرقوقي قد تاجر في البهائم في عامه هذا، وعادت ~~عليه التجارة بربح يتجاوز العشرة آلاف جنيه، وقد عرف زين بهذا ~~النبأ فاستقدمه إليه. ~~- مرحبا يا كدواني. # ولم يكن كدواني ليغبى السبب الذي استدعاه زين من أجله، ولكنه شأن ~~الدهاة من أبناء القرى يعرف كيف يخفي مشاعره، فهو يقول لزين وكأنه ~~مطمئن: رحب الله بك يا حضرة العمدة. ~~- لنا زمان لم نرك. ~~- علم الله يا حضرة العمدة كم أنا مشوق إليك. ~~- فماذا منعك يا أخي أن تزورنا؟ هل نسيت الطريق إلى ~~بيتنا؟ ~~- يا حضرة العمدة نحن نعتبر بيتك بيتا لنا جميعا، والإنسان لا ~~يمكن أن ينسى الطريق إلى بيته. ~~- فما الذي شغلك عنا يا ترى؟ ~~- لم تفلح زرعة القطن، فاضطررت ms55 أن أرقعها، فكنت أقضي يومي كله في ~~الغيط، وأعود إلى البيت بعد المغرب مهدودا لا أكاد أصيب من الطعام ~~شيئا، وأوشك أن أسأل أهل بيتي أن يحملوني إلى الفراش. ~~- كان الله في العون! ~~- أطال الله عمرك يا حضرة العمدة! ~~- إذن، فالذي سمعناه ليس صحيحا. ~~- خيرا يا حضرة العمدة، وما الذي سمعت؟ ~~- لا داعي لقوله ما دام الأمر كذلك. # وأدرك كدواني أن الحديث قد بلغ الغاية المقصودة منه ومن ~~الاستدعاء أيضا فهو يقول: وما البأس أن تقول يا حضرة العمدة؟ ~~والأمر كله كلام ابن عم حديث، وها نحن أولاء نسمر. ~~- كنت سمعت أنك - فيما يقولون - تاجرت في البهائم. # ويبتسم كدواني، وكأنه لا يعير الحديث التفاتا. ~~- آه ... أتقصد إلى هذا؟ لا وشرفك لا تجارة ولا يحزنون ... الأمر لا ~~يزيد على كم رأس اشتريتها وأطعمتها بضعة أشهر وبعتها. وشاء الله أن ~~يكرمني في قرشين اشتريت بها كم بهيمة أخرى لأتاجر فيها. ~~- أحد عشر ألف جنيه لا يقال عنها قرشان. ~~- أنت تعرف كم يبالغ الناس يا حضرة العمدة. # ويستعيد العمدة صوته الآمر المتسلط، بعد أن ظل طوال حديثه ~~يعمل صوتا هادئا منسابا يكاد من يسمعه يظن أنه ينبعث عن نفس ~~طيبة شفيفة لا أثر فيها لقهر أو عدوان. # يقول العمدة في نغمته الأصيلة التي يعرف أهل القرية معنى صدورها ~~عنه: بل أنت تعرف يا كدواني أنك إذا شربت شربة ماء في بيتك، فأنا ~~أعرف تماما كم قطرة ماء شربت. ~~- ليس هذا بجديد علينا يا حضرة العمدة. ~~- فمكسبك إذن أحد عشر ألف جنيه وخمسون جنيها أيضا، حتى تفهم ~~أنني ما زلت أعرف كم قطرة شربت في بيتك. ~~- وإذا فرضنا يا حضرة العمدة أن ما تقوله صحيح؟ ~~- يكون عليك أن تدفع لي خمسة آلاف جنيه. ~~- في أي شرع هذا؟ ~~- شرع زين الرفاعي. ~~- ولكنه ليس شرع الله يا حضرة العمدة. ~~- ألست أنا الذي أحمي تجارتك؟ وأنا الذي أمنع عنك اللصوص أن ~~يسرقوا بهائمك جميعا، وأمنع الخراب أن يحل بك؟ # ويقول كدواني في نفسه: وهل هناك خراب أكثر ms56 من الذي تصنعه؟ ويصمت، ~~ولكن خاطرا عجيبا يلح عليه، كيف يستطيع اللصوص أن يجعلوا ~~إجرامهم شرعيا له منطقه، وكيف يلبسون الباطل أثواب الحق، فتطمئن ~~نفوسهم أن ما يصنعونه بالناس عدل لا عدوان فيه، ولا افتئات، ولا ~~تدمير فيه لإنسانية الإنسان. # يصمت كدواني، ولكن قليلا ما يصمت، فالعمدة لا يترك للسكون فترة ~~أن يخيم عليهما، فهو يقول في صوته الجبار: ألست أنا الذي يمنع ~~محصولك أن يحرق أو يسرق، وبيتك أن يهدم أو يحرق ~~أيضا؟ # ويطرق كدواني، ويقول في مخادعة وفي غير اقتناع: وهل يستطيع ~~أحد أن ينكر يا حضرة العمدة؟ # ويعود العمدة إلى مواصلة جبروته: # ألا أحتاج إلى رجال لأحميك، وأحمي أهل القرية معك، وهؤلاء الرجال ~~ألا يحتاجون أن يعيشوا وقد تركوا أعمالهم، وتفرغوا للمحافظة على ~~أرواحكم وأموالكم. من أين أنفق عليهم؟ ومن أين ينفقون هم على ~~عيالهم إذا كان كل واحد منكم سيربح ما طاب له الربح، ولا يدفع ~~لنا ما نحافظ به على رأس ماله وأرباحه؟ بل إننا أيضا نحافظ على ~~حياتك وحياة كل الذين يقومون بأعمال تعود عليهم بالربح، فلولا ~~الرهبة التي يحسها المجرمون حولنا لقتلوكم، واستولوا على ما تحملون ~~من أموال. # ولا يتكلم بلسانه كدواني ... ولكن ... يا بن الكلب إن أحدا لا ~~يسرقني إلا أنت، وأحدا لن يقتلني إلا أنت، وأحدا لن يحرق زرعي أو ~~بيتي أو بهائمي إلا أنت. إذا أنت حميتني من نفسك، فأنا في غير حاجة ~~إلى حماية، فليس هناك مجرم إلا أنت، ولا عاتية ظالم إلا ~~أنت. # وحرك كدواني لسانه في فمه: أمرك يا حضرة العمدة! # وفي حسم قاطع يقول زين: خمسة آلاف جنيه. ~~- أهذا معقول يا حضرة العمدة؟ # هذا هو المعقول الوحيد. ~~- أنا لا أستطيع أن أدفع أكثر من ألفين. # وفي صوت آمر يقول زين: خمسة. ~~- إذن فاصبر علي. ~~- حتى متى؟ ~~- حتى أبيع البهائم التي عندي. ~~- ولماذا لا تبيعها الآن؟ ~~- أخسر في بيعها كل ما ربحته، ولا أستطيع أن أدفع حتى ~~الألفين. ~~- متى تستطيع الدفع؟ ~~- بعد ستة أشهر. ~~- ماذا؟ ~~- خمسة أشهر. ms57 ~~- اسمع، أنا سأمهلك هذه الأشهر الخمسة، ولكنك إذا تأخرت يوما ~~واحدا تكون الجاني على نفسك. ~~••• # وتأخر كدواني، وتحدد الموعد . وخرج رجال العمدة، وقصدوا إلى ~~بيت كدواني والقمر ينير لهم الطريق، فهم لا يخشون أن يراهم أحد، ~~وكان بيت كدواني متسعا، وقد حرص منذ بدأ يتاجر في البهائم أن يسد ~~باب الحظيرة الخارجي بالطوب، ويجعل البهائم في دخولها وخروجها تمر ~~عبر باحة البيت، ولكن شيئا من هذا لم يقف عائقا دون رجال زين. ~~ما هي إلا دفعة حتى كان باب البيت مفتوحا على مصراعيه، وكان ~~كدواني وزوجته شفيعة وأبناؤهم الثلاثة سعداوي وبغدادي ونبيل جالسين ~~إليهم، وقفوا جميعهم، ورأوا رجال زين ملثمين، ولكنهم عرفوهم جميعا ~~فردا فردا، وكان خطاب وأعوانه يعلمون تمام العلم أن كدواني ~~يعرفهم فما راعهم هذا ولا مر بخاطر أحدهم أن يفكر في هذا ~~الأمر. # ودخل الرجال إلى حظيرة كدواني، وكأن البيت خال بهم، وكأنهم ما ~~رأوا صاحب البيت ولا زوجته ولا أبناءه، وبدءوا يخرجون البهائم، ~~ولم يجد كدواني شيئا يصنعه إلا أن دعا زوجته وأولاده أن يدخلوا ~~أمامه إلى حجرة أخرى، وأقفل الباب على نفسه وأسرته، فقد أصبحت ~~حياته وحياة أسرته في هذه اللحظة هي كل ما يحرص عليه، ولتذهب ~~البهائم وثروته جميعا إلى الجحيم. # خرج خطاب في المقدمة يقود جاموسة، وتبعه الرجال الخمسة يقود كل ~~منهم جاموستين، وما أن خرج آخرهم، حتى فوجئوا بخمسة شخوص يلبسون ~~السواد ما يبين منهم شيء يحيطون بهم، ويطلقون الرصاص حواليهم، ~~وكأنه مطر منهمر، ويتولى العتاة الخوف الراعد، وتتواثب البهائم ~~في أيديهم توشك أن تقتلهم، ويقف بهم الذعر جامدين، وكأنهم تماثيل ~~من جماد. # ويواجههم صوت لا يعرفونه ... إنه صوت شملول، ومن أين لهم أن ~~يذكروا شملول أو صوت شملول؟ ~~- ألقوا السلاح. # ودون تفكير يلقي الرجال الستة سلاحهم، ويطالعهم الصوت آمرا ~~مرة أخرى. ~~- أعيدوا البهائم إلى مكانها، وليبدأ أقربكم من البيت في إدخال ~~ما معه، ثم يتبعه الذي يليه. # وينفذون الأمر في دقة الحريص على حياته، حتى إذا أدخلوا ~~البهائم يقول شملول: قولوا ms58 لحضرة العمدة إنكم ستجدوننا دائما عند ~~كل عملية تقومون بها، ويقول خطاب في صوت راعش: ماذا؟ ~~- ما سمعت يا خطاب، أبلغ العمدة ذلك. هيا اذهبوا، وإذا التفت ~~أحدكم خلفه قتلناه في لحظة ... اذهبوا واحذروا أن يلتفت أحدكم ~~خلفه. # وفي مثل لمح البصر يولون الفرار. # ويجمع سامي ومأمون ومحمود وشملول ومعهم رشيدة، وهي في ملابس ~~الرجال الأسلحة الملقاة، ويخفيهم الليل عائدين إلى المركز بالسيارة ~~التي أعدها سامي فيما أعد حين استقر رأيه على أن يكون من أولئك ~~الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. ~~••• # تعود زين كلما أمر بعملية أن يجلس في غرفة خاصة بالبيت لها ~~شباك على الطريق، ينتظر أن يأتي خطاب أو غيره من مجرميه إلى هذه ~~النافذة، فيطرقها أربع طرقات إن كانت العملية تمت بنجاح، أو ~~يطرقها ثلاث طرقات إذا حال دون إتمام العملية حائل. # وحين سمع زين أصوات الرصاص دهش، وانتظر بالغرفة، وكانت رتيبة ~~تجلس معه فيها، وقد تعودت ألا تسأله عن هذه الطرقات منذ أول مرة ~~سمعتها فيها، وسألت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من هذا الذي ~~يطرق في مثل هذه الساعة؟ فأجابها زين في حسم قاطع، وبصوته الذي ~~عرفته حين ينقلب زوجها من إنسان أنيس إلى شيطان مريد. ~~- لا شأن لك. # وكانت في ليلتها تلك تدرك بحسها وبطول المعاشرة أنه ينتظر ذلك ~~الطرق المبهم. وحين سمعت أصوات الرصاص تأكدت أن حدسها ~~صادق. # ولم يطل بها الانتظار؛ فسرعان ما طرق النافذة ذلك الطارق ... ورأت ~~زوجها يتسمع في اهتمام بالغ، حين انتهت الطرقات الثلاث ظل ~~لحظات طوال يتسمع، فلم يصل إلى أذنيه إلا أصوات أقدام تبرح ~~النافذة. # ورأت الدم يعلو وجهه، حتى أصبحت عيناه وكأنهما جمرتان ملتهبتان. ~~وحين قاما إلى النوم أحست به طوال الليل والفراش يقلبه لا يقر له ~~قرار، حتى نفذت إلى الحجرة خيوط الشمس الأولى، فإذا زوجها منتصب ~~على قدميه، ودون أن يتناول إفطاره كان قد ترك البيت، وقصد إلى ~~مجلسه في الدوار. # وما أن استقرت به الجلسة، حتى وافاه خطاب، وروى عليه ما حدث، ms59 ~~وقبل أن يتم الحديث يصعد الدرجات القلائل كدواني خائفا يتكفى، ~~ودون تحية يصيح: البهائم معي في الخارج يا حضرة العمدة. # وينظر إليه زين مليا ... ماذا يمكن أن يحدث لو أنه أخذ هذه ~~البهائم؟ إن المجرم حين يحيط به التهديد يصبح أشد الناس خوفا ~~وهلعا. كيف أضع هذه البهائم في بيتي؟ إن قوما صنعوا ما صنع هؤلاء ~~بالأمس لا يقف دونهم شيء. هيهات أن يكونوا خمسة أو عشرة، بل لا بد ~~أن وراءهم مددا عتيدا. وما أظنهم بالذين يغضبون من أجل كدواني، ~~ويبذلون كل هذا الجهد الذي بذلوه لمجرد المحافظة على بهائمه، ~~فما كدواني بالنسبة إليهم إلا فرصة اهتبلوها ليعلنوا لي عن ~~وجودهم. # ويطرق زين ويطيل الإطراق، ثم يرفع رأسه إلى كدواني: ارجع إلى ~~بيتك، وخذ بهائمك معك يا كدواني. ~~- أنا لا شأن لي بما حدث يا حضرة العمدة. والله على ما أقول ~~شهيد. ~~- أعلم يا كدواني. ~~- البهائم في ستين داهية. أولادي يا حضرة العمدة. ~~- كدواني تأكد أنني أعرف أنك لا شأن لك بما حدث، وخذ مني كلمة ~~رجل: إنني لن أمسك بما يؤذيك. ~~- أطال الله عمرك يا حضرة العمدة! ~~- مع السلامة يا كدواني. # وقام كدواني وهم بنزول السلالم، ثم توقف فجأة والتفت إلى ~~العمدة مرة أخرى: ألا أترك البهائم يا حضرة العمدة؟ ~~- بل تأخذها معك كما أحضرتها. ~~- أمرك. # والتفت إلى السلم، ثم توقف واستدار ثالثة إلى العمدة: وإذا جاء ~~لي فيها مشتر يا حضرة العمدة؟ # وأدرك العمدة أنه يساوم على الإتاوة، ولكن زين لم يكن في حالة ~~تسمح له بالمفاوضة الآن ... وأين سيذهب مني كدواني؟ فليبع البهائم، ~~وإذا انتهيت من هذه البلوى التي ظهرت لي على آخر الزمن، فإن يدي ~~تستطيع أن تعتصر منه عشرة آلاف لا خمسة ... قال زين في حسم: إذا أردت ~~أن تبيع البهائم، فبعها يا كدواني. ~~- و... ~~- وحين أريد المبلغ سأقول لك ... أبق الثمن كله عندك الآن. ~~- أمرك يا حضرة العمدة، وأين سيذهب المبلغ؟ إنه عندي تحت أمرك، ~~أحضره عندما تشاء، أمرك يا حضرة العمدة. # وانصرف ms60 كدواني، وأمر العمدة خطاب أن ينصرف هو أيضا، وخلا به ~~المكان. كيف عرفوا بالموعد الذي حددته لكدواني؟ أهي صدفة أم أن ~~لهم علي عيونا راصدة؟ وكيف لي أن أعرف؟ بل لا بد لي أن أعرف، ~~وما الذي جعلهم يعيدون البهائم إلى صاحبها؟ من هؤلاء؟ ما ~~شأنهم؟ ~~••• # اندلع الخبر في القرية في كل نواحيها وتناقلته الألسنة والقلوب ~~والوجوه والفرحة تشيع في كيانهم كله. # وبدأ الناس يتساءلون: من هؤلاء؟ إنهم ليسوا لصوصا، اللصوص لا ~~يعيدون المسروقات إلى صاحبها. وهم ليسوا من الشرطة، فالشرطة لا ~~تترك المجرمين المتلبسين دون أن تقبض عليهم. وهم ليسوا غرباء، ~~فهم يعرفون اسم خطاب، ويعرفون لمن يعمل. وهم ليسوا من البلد، فلو ~~كانوا من البلد ما خفي أمرهم على رجال زين، أملائكة هم أم بشر؟ إنس ~~هم أم هم من الجن؟ # ومن أهل البلد أعيان حلا لهم أن يروا العمدة في يومهم هذا، ~~واختلق كل منهم سببا يذهب به إلى العمدة، وكان زين قد استطاع ~~فيما أتيح له من وقت خلا فيه بنفسه أن يجمع ما تمزق منها، وما ~~صدعته الحادثة، وما تشتت من فكره. # وجدوا العمدة راسيا كأن شيئا لم يقع، وراح يروغ بالحديث إلى ~~شتى مسالك ومختلف سبل. لا يجرؤ أحد من زواره أن يسأله، وفيم ~~السؤال؟ وكيف يستطيع أحدهم أن يقيم جملة متصلة الألفاظ تؤدي ~~المعنى الذي يراد لها أن تؤديه؟ وعزم زين على أمر وقطع فيه ~~الرأي، واستقر به الفكر. ~~••• # وفي بيت سامي جلسوا جميعا ينتظرون فواز الشيمي الذي ما لبث أن ~~جاء وقدم إلى سامي مبلغا من المال هو ثمن السلاح الذي أخذوه من ~~رجال العمدة، وسأله سامي: كم؟ ~~- خمسمائة وخمسون. ~~- فيم تقترحون إنفاقها؟ # قال شملول: الأمر لك. # قال سامي: إذن هي من نصيب محمود ونصيبك، فقد بعتما أرضكما ~~بأبخس الأسعار، حتى تهربوا من الظلم. # وقال محمود: ألا نبقيها معك، فقد نحتاج إليها فيما نحن مقبلون ~~عليه. # وقالت رشيدة: أبقها أنت معك، وإن احتجنا قلنا لك. # وقال شملول: ولكن ... # ويقطع سامي النقاش: انتهى ms61 أمر هذه الفلوس، ولننظر فيما هو آت ... ~~فواز. ~~- نعم. ~~- تذهب الآن فورا إلى البلدة، وتعرف ماذا هم صانعون؟ ~~- فورا . ~~- لن يبيت أبي وهو لا يعلم عمن هاجموا العصابة شيئا. ~~- أمرك. ~~- ونحن هنا سننتظر عودتك، وقد أخذنا أهبتنا للتحرك لحظة ~~عودتك. ~~- أمرك ... سلام عليكم. ~~- عليكم السلام. # 20 # عبد الغني الريدي فلاح ماهر، تمازجت هوايته مع حرفته، وهوايته ~~في الحياة أن يكون زرعه أحسن زرع في المنطقة. وقد استطاع بجهده أن ~~يرتفع بملكه من أربعة أفدنة تركها له أبوه الحاج محسن الريدي إلى ~~أحد عشر فدانا. وكان زين الرفاعي يتقاضى منه مائتي جنيه عن كل ~~فدان يشتريه كما كان يتقاضى من البائع مثلها. وقد كانت هذه الإتاوة ~~مقررة لا مجال فيها لمناقشة، ولم يحاول عبد الغني أن يماكس ~~فيها، أو يتمرد عليها. # وفي عامه هذا استطاع عبد الغني الريدي أن يستنبت من ستة الأفدنة ~~التي زرعها قطنا أربعة وخمسين قنطارا، فقد أحسن خدمة الأرض، حتى ~~جعل الأرض والبذرة يخرجان أسرارهما الكامنة، وأنتج الفدان تسعة ~~قناطير. # وحين استدعاه كان يدرك تماما السبب الذي يقف وراء استدعائه، ~~وثارت به نفسه وهو في طريقه إلى دوار العمدة، وجعلته يواجه ابتسامة ~~زين التي استقبله بها مواجهة مقطبة رافضة، تأبى حتى أن تداري ما في ~~نفسه من سخط ورفض. ~~- مرحبا بزين الرجال. ~~- الله يرحب بك يا حضرة العمدة. ~~- أين أنت يا عبد الغني؟ لي زمان لم أرك. ~~- حضرة العمدة أنا لا أظن أنك استدعيتني لشوق ألم بك ~~نحوي. ~~- يا أخي الترحيب بالضيف واجب. ~~- هذا إذا لم يكن الضيف قادما على رغم أنفه. ~~- وهل أرغمك أحد؟ ~~- نعم يا حضرة العمدة. ~~- من ذاك؟ اذكر اسمه لي، وسترى أي عقاب سأنزله به. ~~- إذن، عاقب نفسك يا حضرة العمدة. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت يا حضرة العمدة، وليس غيرك. فأنا لم أحضر لزيارتك ~~مختارا، وإنما استدعيتني أنت وأنا أعلم ماذا يمكن أن يحل بي ~~إذا نكصت عن استدعائك هذا، فأنا في حضوري هذا إليك لست حرا. ~~وقد كنت أستطيع أن أداجيك وأتغنى بالشوق ms62 إليك، إلا أنني في ~~الحقيقة لم أعد أطيق يا حضرة العمدة. ~~- وما لك غاضبا كل هذا الغضب؟ ~~- من تلك الحياة المفروضة علينا فرضا بقوة السلاح يا حضرة ~~العمدة. ~~- فماذا يقول غيرك؟ إن الله يعطيك ويرضيك وأرضك تنتج أحسن محصول، ~~وأنت من أغنى أهل البلد. ~~- أعرف أن هذا ما استدعيتني من أجله، إن الله سبحانه جل علاه ~~هو العدل المطلق، وهو لا يعطي للكسول أو الخامل، وأنا يا حضرة ~~العمدة أرضيت ربي في عملي، فأرضاني في محصولي. ~~- أفلا تشكر الله إذن؟ ~~- إنني أشكره وأحمده آناء الليل وأطراف النهار. ~~- أوليس من الشكر أيضا أن تشارك غيرك فيما وهب الله ~~لك؟ ~~- إن الله يا حضرة العمدة غني عن العالمين، وهو سبحانه قد ~~حدد الزكاة، وأنا أرفعها إلى ذاته العلية كما أمر بها أن ترفع ~~لتعين الفقير والمحتاج وابن السبيل، وهو سبحانه حبب إلينا أن ~~نتصدق وأغرانا بأن الحسنة التي يقدمها العبد منا إلى أخيه ~~يضاعفها رب الجميع عشرة أضعاف. وهذا أمر بيني وبين الله وحده، لا ~~يطلع عليه إلا هو. ~~- والذي يحميك من عدوك، ويحمي مالك من السارق؟ ~~- أنا يا حضرة العمدة ليس لي أعداء، وأنا أستطيع والحمد لله أن ~~أحمي مالي من السارق. ~~- أتستطيع؟! ~~- بإذن واحد أحد. ~~- إذن فلا حديث بيننا. ~~- والله المستعان يا حضرة العمدة، إنه هو وحده القاهر فوق ~~عباده. ~~- إذن فلا تبك بعد ذلك يا عبد الغني. ~~- وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت. ~~- لقد فتحت على نفسك نافذة من جهنم. ~~- إنها بفضلك مفتوحة على المنطقة كلها، ولكن النفس في كثير من ~~الأحيان تفضل الموت على الذل يا حضرة العمدة. ~~- وأين كانت هذه الشجاعة من قبل؟ ~~- قد يحتمل الإنسان بعض الحين، وقد يرضى بشيء من التنازل عن ~~حقه، ولكن الطاغية حين يسرف في طغيانه يجعل الحجر يتحرك وتدب ~~فيه الحياة. ~~- إذن سنلتقي يا عبد الغني. ~~- وأنا مستعد للقاء، والله يحق الحق، ويجعل الباطل بأمره ~~زهوقا، سلام عليكم يا حضرة العمدة. # كان هذا الحديث بعد ms63 أن جمع عبد الغني قطنه، ووضعه في ~~مخزنه. # وقد رأى العمدة أن ينتظر حتى يحشوه في أكياس البيع ليوقع به ما ~~انتوى أن يصنعه. # ويوم وقعت الواقعة بالعمدة على أيدي سامي وصحبه كان عبد الغني قد ~~أوشك على الانتهاء من تعبئة القطن جميعه، كان زين ينوي أن يرسل ~~رجاله بعد يومين؛ ليستولوا على القطن بأكياسه، ولكنه وقد نزلت به ~~هذا القاصمة رأى رأيا آخر. ~~- خطاب. ~~- أمرك يا حضرة العمدة. ~~- أنبيت ليلتنا ونحن لا ندري من هؤلاء الذين صنعوا بنا هذا ~~الصنيع؟ ~~- أمر سعادتك. ~~- قطن عبد الغني. ~~- نحمله الليلة؟! ~~- الليلة. ~~- أمرك. ~~- ولكن انتظر ... لا بد في هذه المرة أن نغير الطريقة التي كنا ~~نتبعها في السنوات الماضية كلها. ~~- طبعا ... طبعا يا سعادة البك. ~~- إذن فاسمع. ~~- نعم. ~~- ما سنتفق عليه الآن لا يعرفه أحد من الرجال إلا وقت تنفيذ ~~العملية. ~~- طبعا يا حضرة العمدة ... طبعا وهل تشك في هذا؟ ~~••• # قال فواز لسامي: كما توقعت حضرتك يا سامي. ~~- طبعا. ~~- قطن عبد الغني الريدي. ~~- وتوقعت هذا أيضا ... هل أنتم مستعدون؟ # وقال شملول: بل انتظروا، لا بد لنا من حديث قبل أن نقوم إلى ~~عملنا. # وقال محمود: قل. ~~- اقعدوا وفكروا معي. ~~••• # كان الذين يستعين بهم خطاب الضبع في تنفيذ أوامر العمدة خمسة ~~نفر، اختارهم خطاب من البلاد المجاورة، وكانوا جميعا لصوصا ~~صغارا. وكان لكل لص منهم نهجه ومنحاه، وضمهم خطاب، فأصبحوا ~~جميعا أعوانا له توحد بهم الطريق. # أما سعفان أبو زغلول فهو من بلدة العسرانية، وكان متخصصا في ~~سرقة البهائم، ولم يكن يبيعها إلا إذا عجز صاحبها أن يدفع عنها ~~الحلوان. وقد كان هذا الحلوان قريبا كل القرب من ثمن البهائم، ~~ولكن المعتدى عليه لا يملك إلا أن يدفع، وأمره إلى الله، وبعض الشر ~~أهون من بعض. وكان سعفان أيضا يعمل وسيطا في السرقات التي يقوم ~~بها غيره، وبين السارق والمسروق يظفر سعفان بجزء مما يتفقان عليه. ~~طلبه خطاب فوجد في العمل معه دخلا ثابتا، فرحب بذلك خاصة أن ~~خطاب سمح له أن يمارس سرقاته ms64 خارج التمرة في الأيام التي لا يعملون ~~فيها. # أما إدريس السلاموني، فكان قاطع طريق، يسقط على فريسته في حالك ~~الظلام ، ويجرده من كل ما معه، ثم يقيده ويتركه ملقى في مكانه. ~~وكانت وسيلته إلى ذلك بندقية صدئة، إلا أنها بالنسبة للأعزل سلاح ~~فتاك. # وكان فهيم سمهان من قرية الترابية، وصنعته قاتل محترف يقصد إليه ~~كل صاحب ثأر أن يقتل لحسابه من وقع عليه الاختيار. ويقصد إليه ~~أيضا كل من يريد أن يزيح من طريقه عائقا بشريا. # أما عمران القناوي فكان سمسارا في الأسواق، وكان هزيلا في ~~سرقاته؛ فقد كان ينتهز فرصة غفلة من صاحب خروف أو معزة أو حتى ~~أوزة، وقد مرن أيضا على نشل الجيوب، وهو ما يزال يسعى سعيه هذا في ~~الأسواق بجانب عمله الضخم في عصابة زين الرفاعي. # خامس الجماعة شهيدي عبد المعين، وهو من أصدقاء خطاب، نشأ كلاهما ~~في رحاب زين، ومرنا في باحته على كل ما كان يكلفهما به من ~~أعمال. # كان خطاب وشهيدي وإدريس هم فقط الذين نزلوا من سيارة النقل أمام ~~دار عبد الغني، وشهروا أسلحتهم على الرجال الذين كانوا يعبئون ~~الأكياس القليلة الباقية من قطن عبد الغني في غرفة بيت عبد الغني، ~~وكانوا هم أيضا ثلاثة رجال، وأصدر خطاب أمره. ~~- اتركوا هذا، واخرجوا إلى القطن الملقى أمام البيت وضعوه في ~~السيارة. # وأطاع الرجال العزل، وخرجوا إلى القطن الذي كان مكدسا أمام ~~البيت، وهموا أن يحملوا أول كيس، فإذا بسامي يخرج من ورائه، ~~ويأمر خطاب وصاحبيه أن يلقوا سلاحهم، وأردف أمره بضغطة على ~~الزناد قذفت إلى الهواء عدة طلقات، وألقى خطاب سلاحه، وهو يصيح: ~~سعفان. # ولكن سامي يقول له في ثبات: سعفان وفهيم وعمران مقيدون ~~جميعا، هذه هي أسلحتهم. ~~- وتخاذل خطاب وهو يلقي سلاحه، وتبعه شهيدي وإدريس. # وقال سامي: فك أصحابك، تجدهم خلف البيت، واركبوا السيارة إلى ~~العمدة، وأخبروه أنه سيجدنا دائما حيث يرسلكم. ~~- هيا ... أسرعوا. # ويصدع خطاب بالأمر، ويركبون السيارة، وينصرفون. # ولا يعرف عبد الغني، أو أحد من رجاله سامي، أو أحدا ms65 ممن ~~معه. # وحين يحاول أن يتعرف عليهم يقول له سامي: ستعرف حين ينبغي أن ~~تعرف، ادخل الآن إلى دارك، وأكمل عملك، ولا تخش شيئا، وتوكل ~~على الله. ~~••• # وسار سامي وصحبه عائدين طريقهم. وكان سامي يعلم أن عيون ~~العصابة تسير وراءهم حيث يسيرون. # تحرى سامي أن يطيل طريقه، ويتلوى بهم حتى بلغ النهر. وفوجئ ~~رجال زين بسامي ورفاقه يختفون في جرف النهر، واستبد بخطاب ~~وعصابته الذهول. وأمرهم خطاب أن ينتظروا، فتريثوا بعض الحين، ثم ~~تسارعوا إلى النهر، فوجدوا سامي قد صنع من بعض حبال شبيه جسر مما ~~يصنعه رجال الجيش عند عبورهم للعوائق المائية. تقدم خطاب وأشار إلى ~~أصحابه أن يتبعوه، وسار خطاب على الجسر، وخطا عليه بضع خطوات. وفي ~~أثره تقاطر الرجال الخمسة، وحين أصبحوا جميعهم في منتصف الجسر ~~سمعوا صوتا حاسما يقول: الآن! # فإذا بالجسر تتقطع أطرافه وإذا جميعهم في الماء. ~~••• # حين سمع العمدة الطرقات الثلاث عرف أن السرقة فشلت مرة أخرى ~~وركبه هم قاتل، ولكن الطارق لم يكتف بالطرق. # بل صاح: حضرة العمدة. # وتصامم زين، ولكن النداء ألح، فنظر العمدة إلى زوجته، فرأى ~~وجهها قد كسته الجهامة. وتبين من قسماتها أنها تعرف كل شيء، ~~واستطاعت هي أن ترى في عينيه نوعا من التساؤل، وصمتت فازدادت ~~حيرته، وراح يقلب نظره بينها وبين الصوت الآتي له من ~~الطارق. # لأول مرة رأته رتيبة ضعيفا حائرا، لا يدري ماذا يصنع. إنسان ~~إذن هو بكل ضعف الإنسانية وهوانه، وليس هو ربا ولا هو إلها، ها ~~هو ذا متخاذل أمامها، وهي سيدة بلا حول لها ولا قوة إلا شرف ~~الدخائل، وطهر السرائر، ووضوح النفس، لا تخاف شيئا يتخفى في ~~كيانها البشري. # وحين ألح الطارق المنادي قالت هي في صوت آمر قوي بالحق ~~الذي أحست أنها تتجسده: انظر فيم يريدك! # وكسجين تحطم عنه القيد، قال بصوت يشرخه الرعب: انتظر، أنا ~~قادم إليك. # وتوقف الطارق عن الطرق وعن النداء، وقصد زين إلى باب البيت، وخرج ~~إلى سواد الليل. # 21 # عينان حمراوان، وبنيان تصدع، ووجه مكروب، وشارب ms66 متهدل، ~~وعمامة منداحة على الرأس، وخوف ووجل، واستخذاء ورعب وانزواء. هكذا ~~كان العمدة وهو جالس في صدر قاعته بدواره. وحيدا كان ليس حوله ~~من أهل القرية أحد، تقتله الوحشة، من حجرته كما تقتله الوحشة من ~~داخله. # من هؤلاء؟ أمن الجن هم أم من البشر؟ أم قد أرسل الله إليه ~~ملائكة شدادا ينتقمون لكل من أصابهم في حياتهم، وفي أمنهم، ~~وفي أموالهم؟! # أتكون هكذا نهايته، وهو الذي عتا ما عتا في البشر. # ألم يكن الموت أرحب يتوارى في طواياه من هذا الخزي؟ وكيف يكون ~~مقامه في قريته من بعد اليوم؟ # الناس جميعا يرونه مسربلا بالخزي والعار. # لقد كانت الجموع في طريقها إلى المسجد لصلاة الفجر، ولا حديث لها ~~إلا الهوان الذي أحاط به. # ولم يعد في الربوع من لم يعرف ما حل بالطاغية من ~~وبال. # فما بعجيب إذن أن يستقبل صباحه وحيدا تحيط به الوحشة من كل ~~جانب وتفري صرخات الرعب كيانه جميعا. # ومن بعيد تتواتر إليه أصوات جموع ما تزال تتعالى وتقترب، حتى ~~تصبح ضجيجا عاليا مشتدا، ثم ينفتح باب القاعة على مصراعيه، ~~وإذا بالحجرة المترامية الأطراف تصبح مليئة بالناس. وعلى رأسهم ~~اثنان يحملان السلاح حمل من لا ينتوي أن يستعمله، وقبل أن يفيق ~~العمدة زين الرفاعي يجد السلاح جميعا ملقى أمامه على الأرض. ويرفع ~~رأسه إلى من رمى بالسلاح ويرى ... ويل له من الأيام ... أي إنسان إلا ~~هذين ... أي مخلوق من المخلوقات ... من البشر أو الجن أرحم من أن يرى ~~هذين اللذين يراهما. ويغمض عينيه، ويطيل الإغماض ثم يفتحهما ... ~~كونا أي اثنين آخرين ولا تكونا من أرى! ولكن الحقيقة لا ~~تحتمل الشك. إنهما هما وليس غيرهما ... سامي ومأمون ... واقفان هما ~~كجبلين أقامهما القدر في وجهه ... إن قلت إن سامي ليس ابني، ماذا ~~أنا قائل عن مأمون ابن دمي ... أيكون الحق أرفع شأنا من صلة الدم؟ ~~وسامي نفسه إنه لا يعرف لنفسه أبا غيري، بل إني نسيت من حقيقة ~~مولده إلا أنه ابني تلقفته وهو رضيع وأرضعته من أصبحت فيما ms67 ~~بعد زوجي وأم أخيه وأم ابني، ما هذا الذي يصنعان بي؟ # وطال الصمت، والابنان ينتظران الأب أن يقول أو يسأل وهو في غمرة ~~الذهول الصاحي لا ينطق، والناس جميعا الذين ملئوا الحجرة وما ~~خارجها من بناء وطرق كأن على رءوسهم الطير. # كان الصمت الذي طال أعظم من كل كلام يمكن أن يقال، ما كان ~~صمتا ذاك، بل كان حوارا عجيبا دار بينه وبين ولديه، ثم بينه ~~وبين كل فرد من هذه الجموع. # فكلهم أصابه منه ويل وويل. من لم يصبه بالفعل والعمل أصابه ~~بالرعب الرادع، وبالخوف يسري من جوبهم مسرى الدماء، فما يجرؤ واحد ~~منهم أن يرفع رأسا، أو ينطق باحتجاج أو يعالن بتمرد. # وحين طال الحوار الصامت وجد زين نفسه يقول في حروف متعتعة راعشة: ~~أنتما؟! # ويقول سامي: نعم ... نحن. # وباللسان المتصلب يقول زين: أنتما من دون الناس جميعا؟ # ويقول سامي: كان لا بد أن نكون نحن من دون الناس جميعا. ~~- ألم أكن أصنع ما صنعت من أجلكما؟ # ويقول سامي: لقد كان ما صنعت وبالا على الناس أجمعين، ولكنه ~~كان علينا أنا وأخي كارثة لا مثيل لها. ~~- أن يقدم الناس لكما الاحترام كارثة؟ # ويقول سامي: ليس الاحترام فيما يقدمه الناس من كلمات وحركات، ~~وإنما الاحترام هو الحب في داخل القلوب، وقد جعلت الناس جميعا لا ~~تحمل لنا إلا البغض والكراهية والاحتقار. وكان دعاؤهم في كل صلاة ~~أن يخلصهم الله منك ومنا جميعا. فإنك مهما تحاول أن تمحق حرية ~~الإنسان، فإنه على تمام حريته إذا ناجى ربه. وإن دعاء مظلوم ~~يرتفع إلى السماء لا يعادله شيء من أطايب الأرض جميعا. ~~- ألم أكن أجمع المال لكما؟! # ويقول سامي: لا يا أبت ... لقد كان أيسر المال يكفينا، وكان ~~الحلال من مالك حسبنا ليكون سترا وعيشة راضية، ولكنك كنت تفعل ~~ما تفعل؛ لأنك يلذ لك أن تقهر الناس، وتكسر كرامة الإنسان فيهم، ~~وهم البشر الذين جعلهم الله سادة مخلوقاته، فجعلتهم أنت عبيد ~~سلاحك وطغيانك وجبروتك. # وفي هوان اليائس ينظر زين إلى ابن دمه ms68 يستجدي منه الرحمة. ~~- هذا قولك يا مأمون؟ ~~- هو قولي يا أبت، ولا قول لي غيره. ~~- هل أنت واثق يا بني؟ ~~- كره الله ما تفعل يا أبي. ~~- أهكذا علمك أخوك؟ ~~- بل هكذا علمني ربي ورب أخي. # وأطرق زين، ثم قال وهو في إطراقه وانحنائه: وماذا أنتما ~~فاعلان؟ # ويقول سامي: ترد إلى كل صاحب حق حقه. # ويقول زين: لقد اختلط الحق بالباطل، ولم أعد أدري أي الأنصبة لي ~~وأيها لغيري. # ويقول سامي في بساطة: فمالك جميعا خالطه الحرام فهو جميعه ~~للناس. # وفي مرارة قاتلة يقول زين: وأنا وأمك كيف نعيش؟ # فيقول مأمون: هذا واجبنا نحن. # وينظر زين إلى سامي الذي يقول: إننا نحن المسئولان عنك وعن أمنا، ~~وليس ما اغتصبت من حقوق الناس. # وهوم الصمت مرة أخرى، فيه من الناس تنظر وارتقاب، وهو في رأس ~~زين ضجيج وفكر يتزاحم. # وفجأة قال زين في حسم: سامي. ~~- نعم يا أبي. ~~- وأنت يا مأمون. ~~- نعم يا أبي. ~~- أما أنا فلن أبقى بعد اليوم في هذه القرية. # وساد الصمت لحظات، ثم قال: لتكن أنت العمدة يا سامي. # فقال سامي: ليس من حقك أن تعين خليفتك، فإنك لا تملك إلا أمر ~~نفسك. ~~- أترفض؟ ~~- نعم أرفض. ~~- فمن يكون العمدة؟ ~~- هذا من حق الناس أن يقولوه. ~~- وإن اختاروك؟ ~~- أستعفيهم. # وتعالت أصوات. ~~- نعم ... نعم ... نريدك أنت. # فإذا سامي يصيح فيهم: اصمتوا ... ما هذا الذي تقولون؟ لماذا ~~تختارون ابن الظلم والقتل والرعب والجبروت أن يكون رئيسا عليكم، ~~وأبوه هو من عانيتم منه السنين الطوال. هيهات والله لن أقبل ~~مبايعتكم هذه، فأنتم الآن في لحظة أنا فيها أبهركم بدفعي الظلم ~~عنكم، وما أردت بها إلا وجه الله. دعوني وقد أديت أنا وأخي ~~رسالتنا نمضي سبيلنا، واختاروا أنتم من بينكم من ترضون عنه، فإذا ~~ظلم واحد منكم واحدا فقط أهون ظلم فاجمعوا رأيكم وغيروه، ~~فإنكم إن سكتم عن ظلم هين ما يلبث الظلم الغليظ أن يحيط ~~بكم. # ويصمت القوم ويبدو الاقتناع والرضا على وجوههم، ثم يلتفت سامي ~~إلى أبيه: أبي ... قلت إنك تريد ms69 أن تترك البلد؟ ~~- نعم إني تاركها. ~~- فلا شأن لك من بعد بمنصب العمدة فيها ... فهل لك مال تعيش به ~~حيث تذهب ؟ ~~- نعم. # ويلتفت سامي إلى الجموع: أتتركون له هذا المال؟ # ويصيح الجميع: نعم. # ويقول سامي لأبيه: إذن فهو لك. # ويقول الأب: زوجتي! # وتخرج رتيبة من حجرة مجاورة. ~~- أنا مع ولدي. # وينظر إليها زين طويلا، ثم يقول: لم أكن أنتظر إلا هذا، فما ~~أحسب أنك تزوجتني إلا لترعي سامي الذي رضع قطرته الأولى من ~~صدرك. # وترتسم لمحة سريعة من الدهشة على وجه رتيبة ... أيكون قد علم؟ ~~ولكن ما البأس، الآن لا يهمني أن يعلم أو لا يعلم. # ويقوم زين عن كرسيه وهو يقول: سأركب السيارة إلى المركز، ثم تعود ~~إليكم. # ويقول مأمون: ألا تريد شيئا يا أبي؟ # وينظر إليه زين طويلا، ثم يقول: لقد وجدت في سامي أبا ... ~~فأحبه كما لم تحببني. # ويقول سامي: بل إننا فعلنا ما فعلنا؛ لأنني ومأمون نحبك أكثر من ~~حبنا لأي إنسان في العالم. # ويبتسم زين وهو يقول: أحب هذا الذي تصنعان؟! ~~- ما صنعنا إلا أن جعلناك قريبا إلى الله، وكنت عنه بعيدا ~~كل البعد. # ويطرق زين طويلا، ثم يقول: نعم ... أحسبك صادقا ... لقد كنت ~~دائما صادقا ... وداعا إذن. # ويقول سامي: بل سنلتقي. ~~- لن تعرف مكاني. # ويقول مأمون: سنلتقي يا أبي. # ويقول زين: لنترك الزمن يفعل ما يشاء ... كونا سلاما كما كنتما ~~دائما. # ويقول سامي: لا نستطيع إلا أن نكون سلاما. # ويقوم زين عن كرسيه ويمشي، فتنشق الجموع عن طريق له يسير فيه ~~وئيدا، حتى إذا بلغ الباب الخارجي وجد السيارة تنتظره فيركبها، ~~وحين تسير السيارة تكون الأصوات كلها هائمة في صمت من ملكوت ~~الحرية المعطرة، والقلوب كلها خاشعة للحي القيوم. ms70