######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.ThummaTashruqShams.Hindawi86491805 #META# Tags: novels #META# ID: 86491805 #META# Title: ثم تشرق الشمس #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # | ثم تشرق الشمس # | ثم تشرق الشمس # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # صعد همام بك الأزميرلي إلى الطابق الأعلى من منزله، وابتسامة فرحانة تشيع في وجهه كله، ~~وكانت زوجته سميرة هانم تجلس في البهو الذي تعودت أن تنتظره فيه. وما لبثت ابتسامة زوجها أن ~~ترقرقت على وجهها، وأحس الزوجان الكبيران فرحة مشرقة بينهما؛ فقد عاشت سميرة هانم مع ~~زوجها السنوات الطوال لم تلقه يوما حين عودته إلا بهذه الإشراقة، وعاش هو معها يطيب نفسا ~~بلقائها وبكل شيء تقوم به، فلم يكن غريبا إذن أن تطفر السعادة بينهما ms001 عند اللقاء. ولكن ~~همام بك كان يحمل لزوجته في يومه هذا هدية أراد أن يشفعها بهذه الابتسامة التي صحبته في ~~طريقه إلى الطابق الأعلى من منزله. # جلس الزوج إلى كرسيه وأخرج من جيبه ورقة مطوية وأعطاها زوجته، ولم يزد على قوله: مبروك يا ستي. # وأخذت الزوجة الورقة وقد شاع في وجهها فرح مستطلع، وفتحت الورقة وهي تقول: خيرا. # ثم لم تنتظر الإجابة، بل راحت تقرأ الورقة التي تبينت فيها أول ما تبينت أنها ورقة رسمية ~~عليها أختام وتوقيعات كثيرة، ثم ما لبثت أن تجهم وجهها هونا وقالت لزوجها: ما هذا؟ ~~- ماذا؟ ألم تعرفي؟ ~~- ما الذي جعلك تفعل هذا؟ # وفهم الزوج مبعث غضبها، وازداد بهذا الغضب فرحا وازداد به حبا لزوجته وإعجابا، وقال ~~وفي صوته رعشة: عشرون فدانا، قصدني صديق أن أشتريها منه بدل أن يشتريها منه غريب لا يعرفه، ورأيت أن ~~أكتبها باسمك، ولم أشأ أن أخبرك حتى أسجل الشراء في المحكمة المختلطة. # وقالت سميرة هانم وقد اختلج وجهها، وطفرت إلى عينيها دموع حبستها أن تسيل خشية من إغضاب ~~زوجها الذي يريد رضاءها: ~~ومن قال لك إني أريد أرضا أو فدادين؟ ~~- وماذا يغضبك في هذا؟ ~~- يغضبني أنني لا أريد منك إلا أنت، أنت وحدك، وتفكيرك في كتابة أرض لي تفكير لا أحب ~~أن يجول في ذهنك؛ لأني لا أحب أن يجول في ذهني، أنت غناي كله، وما كنت أحب أن تظهر رضاءك ~~عني في أرض. تكفيني منك ابتسامة رضا، ويغنيني في حياتي أن أراك مرتاحا في بيتك وبين ~~أولادك. ~~- الله يبقيك يا سميرة. # وكادت الدموع تطفر إلى عيني الرجل، ولكن رجولته ما لبثت أن تغلبت، وما لبث هو أن غير ~~موضوع الحديث: أين الأولاد؟ ~~- خيري ويسري ما زالا في المدرسة. ~~- تقولين خيري ويسري في المدرسة وكأن يسري أصبح تلميذا كبيرا مثل خيري. # وعادت الابتسامة هونا إلى وجه سميرة هانم وهي تقول: لو رأيته وهو يغالب النوم مصمما أن يسهر مثلما يسهر أخوه عاجزا في الوقت نفسه أن ~~يغالب رأسه المائل ms002 وجفونه المقفلة، وكلما صحت به أن يقوم للنوم انتفض لحظات معارضا، ثم ما ~~يلبث رأسه أن يعود إلى الميل وجفونه إلى الانطباق. ~~- أرجو أن يصبح مثل أخيه في المذاكرة. ~~- خيري، الله يحميه. ~~- الحمد لله، فيه البركة، لا أذكر أنني طلبت منه أن يذاكر أبدا. ~~- الحمد لله، ناجح دائما، ولكني يا همام بك غير مرتاحة لاستذكاره خارج البيت في هذه ~~الأيام. ~~- لماذا؟ إنه يذاكر عند محسن ابن عمه، والبكالوريا محتاجة لتعاون الطلبة. ~~- نعم أعرف، ولكن هل يا ترى يقدمون إليه حاجته من طعام وشاي وقهوة كما نفعل هنا؟ ~~- بيت عزت مفتوح. # وابتسم همام ابتسامة تخفي معنى ما، أو لعلها تبين عن ذلك المعنى وهو يقول: ولعل هناك يا ست سميرة من يهتم بشأنه أكثر مما تفعلين، أين نادية؟ ~~- في حجرتها. ~~- ناديها تجلس معنا. # وقبيل أن تقوم سميرة هانم تأتي الخادمة لتنبئ البك أن صديقه فواز بك في الطابق الأسفل ~~ويريد أن يلقاه، ويقوم همام بك إلى صديقه، وتعود سميرة إلى الورقة تقرؤها، ثم ما تلبث دمعات ~~لها أن تسيل؛ فقد كانت هذه الورقة تجسم لها الخوف من يوم تحتاج فيه إلى ريع أرض، ويومذاك ~~ما الأرض وما المال، بل وما الدنيا جميعا إذا فارقها زوجها؟ هذا العطوف الطيب السمح الذي ~~يحول بينها وبين هموم الحياة، لا كان ذلك اليوم، لا كان. # | الفصل الثاني # انتهى اليوم الدراسي في مدرسة الخديوي إسماعيل، وخرج التلاميذ. وكان خيري مع جماعة من ~~إخوانه يعرفون أن عليه أن يذهب إلى مدرسة المنيرة لينتظر أخاه يسري ويصحبه إلى البيت، ~~فرافقوه الطريق، ولكن محسن عزت لم يشأ أن يصحبهم وقال لخيري: لا بد لي أن أذهب إلى البيت، فقد تركت أختي الصغيرة مريضة، وأريد أن أطمئن عليها. # وقال خيري في لهفة شفوق: من؟ فايزة؟ ~~- نعم. ~~- مسكينة! وهل تتحمل المرض؟ طيب اذهب أنت وسألحق بك. # وانفصل محسن عن الجماعة، فساروا إلى مدرسة المنيرة، ولما بلغوا بابها كان لا يزال أمام ~~انصراف تلاميذها بضع دقائق، وظل خيري ورفاقه أمام الباب يتحدثون ms003 ، ولكن نجيب كامل صديق خيري ~~المقرب أحس الجزع الذي يعانيه خيري، فقال له في صفاء: إن شئت فاذهب أنت إلى محسن، وسأصحب أنا يسري إلى البيت. ~~- أترى ذلك؟ ~~- وما البأس؟ ~~- أخشى أن يجزع يسري لغيابي، سأنتظره حتى يخرج ثم أذهب أنا إلى محسن. ولكن وحياة والدك ~~يا نجيب احرص على يسري في الطريق؛ فهو كثير الحركة لا يهدأ. ~~- ألا أعرف يسري؟ لا تخف يا أخي. ~~- واحذر أن تدخل به في مظاهرة. ~~- مظاهرة؟ آه، أظنها الآن بلغت عابدين. # وقال صلاح الفولي: بهذه المناسبة ألا تعرف ماهية هذه المظاهرة يا خيري؟ ~~- هل يمر يوم من غير مظاهرة؟ حزب الوفد وحده كان يقيم المظاهرات كل يوم في وزارة محمد ~~محمود، فما بالك والوفد اليوم مع الأحرار الدستوريين، المظاهرات كل ساعة، هل مر علينا يوم ~~في وزارة صدقي من غير مظاهرات؟ ~~- يا أخي، وكأن الرجل معجون من حديد، صلب، كأن المظاهرات تخرج لتحيته. ~~- المهم أن تحافظ على يسري يا نجيب، احذر منه. ~~- لا تخف. # وتدخل صلاح الفولي في الحديث سائلا خيري: قل لي يا خيري، هل محسن ابن عمك مباشرة؟ ~~- تقريبا. ~~- لا أفهم، ما معنى تقريبا؟ # فقطع نجيب الحديث قائلا: هل تمت شجرة عائلة خيري عندك ولم يعد ينقصها إلا صلة خيري بمحسن؟! # واغتاظ صلاح فقال في حدة: يا أخي ما شأنك أنت، هل سألك أحد؟ # وقبل أن يجيب نجيب دق الجرس، وما هي إلا بضع دقائق حتى انفرج باب المدرسة عن أفواج ~~التلاميذ، وقد تباينت جسومهم وأعمارهم تباينا شديدا؛ فهذا طويل فارع الطول، وهذا نحيل ~~ضئيل لا يكاد يبين في الحشد الذي يجاهد للخروج من الباب، وآخر سمين مفرط السمن. وبينهم من ~~يتعهد شاربه في اعتزاز، وبينهم من يتعهد طربوشه في تأنق، ومنهم من لا يعتز بشيء أو يهتم ~~بشيء إلا أن يخرج من المدرسة وينفتل إلى بيته، أو إلى الرفاق الذين ينتظرونه عند بيته. ~~وبين التلاميذ من ينتظره خادمه، وبينهم من ينتظره ذووه، ومنهم من لا ينتظره أحد، ولا فارق ~~ثمة عندهم ms004 بين هذا وذاك، فكلهم في هذا الرحاب سواء. # وتكسر فيهم غرور الثراء # وزهو الولادة والمنصب # بيوت منزهة كالعتيق # وإن لم تستر ولم تحجب # ويظهر يسري وعينه إلى المكان الذي تعود أخوه أن ينتظره فيه. فيقصد إليه في غير ترحيب ولا ~~ضيق، غير ملتفت إلى هذه الابتسامة التي أشرقت على وجه خيري حين رآه. فما كان يفهم لها معنى، ~~إلا أنه كان فرحا على أية حال أن خرج من المدرسة ليستقبل البقية الباقية من يومه في لعب ~~ومرح. # وطلب خيري إلى أخيه أن يسير مع نجيب حتى البيت، وطلب إليه أيضا أن يكلمه في التليفون عند ~~عمه عزت بك ليطمئنه على وصوله، فوعده يسري بالطاعة. وانصرف هو ونجيب وبقية الرفاق وعين ~~خيري تصاحبهم حتى حاد بهم الطريق، فانصرف هو إلى بيت صديقه وقريبه محسن. # كانت فايزة طفلة في سنتها السادسة، ضحكة البيت المرحة الطروب. إليها يلجأ الأب إن ضاق ~~بالسياسة التي يعمل في ميدانها، وإليها تلجأ الأم كلما وجدت من بيتها فراغا، وحولها يجلس ~~محسن وخيري كلما ضاقا بالمذاكرة. كانت فايزة عند محسن أخته الحبيبة الضاحكة، وكانت عند ~~خيري كل هذا وشيئا آخر أكثر من هذا وأعز، كانت وسيلته إلى وفية؛ فحولها كانوا يجلسون كلما ~~عن لهم أن يتركوا المذاكرة حينا، وحولها كانت تصاحبهم وفية تلهو معهم وتفتح لأختها الصغيرة ~~موضوعات الأحاديث التي تظهر لثغتها، وبين الضحكات الصاخبة تلتقي عيون صافية، وقلوب شغفها ~~الحب الطاهر، ومنعها الحياء أن تبين عن حب بها زاخر موار. # هي وفية أمل الصبا والشباب، كانت الطفولة تجمعهما في الملعب، ثم استقبلا الشباب معا فنزل ~~بينهما ستارا رقيقا دقيقا عنيفا لا يلين؛ فالخلوة بينهما لا تتاح، واللقاء بينهما ~~بمقدار، والعيون حولهما رواصد، والرقيب عليهما عتيد، يحسانه في دعوة الأم لوفية إن طال ~~بقاؤها في الغرفة، ويحسانه في نظرة محسن العاتية إذا علت ضحكة لها، ويحسانه أول ما يحسانه ~~في نفسيهما التي تحول بينهما وبين الانطلاق الذي كانا يمرحان فيه حين كانت الطفولة تظلهما. ~~وهما مع ذلك يحمدان ms005 الشباب، ذلك الوافد الجديد؛ ففي بريقه عرفا معنى هذا الخفق العنيف الذي ~~كان يزحم صدريهما ولا يدريان له سببا، وفي هذا الخفق عرفا الحياة، وفي هذا الستار الذي ~~أسدله الشباب عرفا الحب، وفي هذا الرقيب الذي حل بهما عرفا لذة ناره. إنهما يحمدان الشباب ~~ويحمدان ما فرضه عليهما من قيود، فهي قيود لم تستطع على شدتها أن تمنع العين أن تلتقي ~~بالعين، والابتسامة أن تلاقيها ابتسامة، والإشراقة أن تستقبلها إشراقة. وحول فايزة كانت ~~تلتقي العيون والابتسامات والإشراقات. # وهكذا جزع خيري لمرض فايزة جزعا شديدا، فذهب إلى منزلها يريد أن يطمئن عليها، ويرجو من ~~صميم قلبه ألا يطول هذا المرض. واستقبله البيت في وجوم صاخب؛ فالخدم مشغولون بتنفيذ الأوامر ~~التي لا ينقطع لها سيل، والجميع حول سرير فايزة يحيطون بها في إشفاق وخوف، ينتظرون الطبيب ~~أن يفرغ من فحصه. وصعد خيري إلى الطابق العلوي، وحين عرف بوجود الطبيب مكث خارج الغرفة ~~ينتظر. ولم يطل به الانتظار وإن أحسه هو طويلا، وخرج الطبيب ومعه وفية، وسارع خيري إلى ~~وفية يسألها عما قال، فطمأنته في ابتسامة تكاد تشرق. وهدأت نفسه بعض الشيء، ودخل الغرفة ~~وراح يضحك فايزة مقلدا طريقة نطقها للحديث، وهي تضحك في ابتسامة واهنة، وعمه عزت بك يحاول ~~أن يضحك ليهون على زوجته إجلال ما كانت تنوء به من خوف شديد من هذه الحرارة المرتفعة التي ~~تعانيها ابنتها. # ولم يطل خيري مقامه، بل سرعان ما طلب إلى محسن أن يؤجلا المذاكرة إلى الغد. وما أسرع ما ~~ارتاح محسن لهذا الطلب! وخرج خيري من الغرفة، وقبل أن يصل إلى السلم التقى بوفية مرة أخرى، ~~فطالعته منها ابتسامة عذبة. وسؤال هامس ناغم لم يزد على كلمة واحدة حملت معها معاني نعم بها ~~قلبه أي نعيم. ~~- خارج؟ # وفي هناءة غامرة أجاب: أجلنا المذاكرة إلى الغد. ~~- وماله. ولماذا لا تبقى معنا قليلا؟ ~~- أنتم مشغولون بفايزة، وأنا أريد أن أذهب إلى البيت لأطمئن على يسري؛ لأني لم أوصله ~~اليوم. ~~- لماذا؟ ~~- كنت مشغولا على فايزة فأرسلته مع ms006 أحد أصحابي، وطلبت إليه أن يكلمني هنا بالتليفون، ولكنه ~~لم يتكلم، وأخاف أنا أن أتكلم ويكون حضرته في الشارع يلعب دون أن يري وجهه لنينا فتشغل ~~لغيابه. ~~- طيب يا سيدي، نشكرك. ~~- علام الشكر؟ ~~- على اهتمامك بفايزة. ~~- أنت لا تعرفين كم هي عزيزة علي يا وفية، فايزة عندي مثل نادية تماما. # وأوشك أن يستطرد في حديث عن المكانة التي تشغلها فايزة في قلبه، بل أوشك أن يبين لها ~~مكانة هذا البيت جميعا في نفسه، ولعل أملا متهافتا داعبه أن يحدثها عما لها هي في ~~نفسه، واهما أن عينيه ووجهه هذا المشرق وذلك الضياء الذي يشع من خلجاته جميعا لم ترو لها ~~حديث نفسه كاملا، لم تخف منه خافية، أوشك خيري ثم وقف به إيشاكه عندما ارتفع صوت إجلال ~~هانم من حجرة فايزة: يا وفية! ~~- نعم يا نينا. # وقبل أن يرتفع صوت إجلال هانم مرة أخرى ليدعو وفية، كان خيري قد استأذن وكانت هي قد همست ~~في إعزاز: مع السلامة. # نزل خيري يثب السلم وثبا عنيفا، سريعا متلاحقا، ولكنه مع ذلك أهون من ذلك الوثب الذي ~~أخذ قلبه يخفق به داخل ضلوعه فرحا بهذا الحديث الصغير الكبير الذي مهدت له الصدفة. لقد ~~كاشفته بحبها في طلبها إليه أن يبقى، وكاشفته بحبها في نظراتها الحالمة الوادعة الرضية، وكاشفته بحبها في نغمات صوتها الهامسة الحالمة، ~~وكاشفها هو بحبه فيما رواه عن مكانة فايزة من قلبه، وفي إشفاقه عليها وفي مسارعته إلى بيتهم ~~مرسلا أخاه مع صديق. لقد تكاشفا بالعيون والوميض، والكلام يدور من بعيد كما يدور العابد ~~حول معبوده المقدس ويكبره أن يلمسه. لم يقل أحبك وإن قالها ألف مرة، ولم تقل أحبك وإن كان ~~قد سمعها منها ألف ألف مرة، لكم يحبها، ولكم يطيب له أن يقول في نفسه، ولكم ~~تحبني. # | الفصل الثالث # بلغ خيري البيت وقصد من فوره إلى حجرة يسري وفتحها، فوجده يلهو ويلعب على الأرض، فقال له ~~في شيء من عنف شفوق: لماذا لم تكلمني يا أخي؟ ~~- والله نسيت يا ms007 آبيه. ~~- نسيت؟ ألا تقدر خوفي عليك؟ ~~- ومم تخاف؟ هل أنا صغير؟ ~~- طيب يا سيدي، أنا غلطان! # وأقفل الباب وذهب إلى أمه ينبئها بمرض فايزة، واستقبلت الأم النبأ في شيء من الإشفاق ~~سائلة عن نوع المرض، ثم قالت لابنها إنها ستزورهم بمجرد عودة أبيه لتستأذنه وتستقل سيارته ~~في زيارتها. ثم دار بينهما الحديث بعد ذلك في نواح شتى، ولكن الأم لاحظت أن الابن فرح طروب ~~يجاهد عينيه ووجهه ألا تفضح ما يموج في قلبه من هناءة ورضا. وشاءت الأم أن تظهر لولدها أن ~~ما يبذله من جهد قد نجح، وأنها لم تلحظ السعادة التي يعيش فيها. # ولكن غريزة المرأة الأم لم تمهد لها المضي فيما تشاء، فإذا هي تجذب الحديث جذبة عنيفة ~~إلى ناحية لم يكن خيري يتوقع أن ينحرف إليها الحديث، قالت الأم في هدوء: خيري! ~~- نعم يا نينا. ~~- لماذا لا نخطب لك؟ ~~- ماذا؟ ~~- لماذا لا نخطب لك؟ ~~- أنا تلميذ ولا أزال في البكالوريا. ~~- وماله؟ ~~- كيف؟ ~~- أنت تلميذ مستقيم، نخطب لك، وحين تتخرج تتزوج. لم لا؟ ~~- ولكن يا نينا. ~~- ماذا؟ ~~- لا يا نينا، هذا غير معقول. ~~- أترى هذا؟ ~~- والله أظن لو انتظرنا قليلا. ~~- ولماذا ننتظر؟ ~~- والله أمرك. ~~- قد لا تنتظر العروس التي تريدها. # وانتفض خيري في حيرة ذاهلة: ماذا؟ العروس التي أريدها؟ أي عروس؟ # وقالت الأم في سخرية رحيمة: وفية. ~~- نينا. ~~- نعم. ~~- هل قلت إني أريدها؟ ~~- إنك يا ابني تقول هذا كل يوم، كل دقيقة، كل مذاكرة مع محسن، وكل عودة من عند محسن، ~~المصيبة أن الأولاد دائما يظنون أن آباءهم وأمهاتهم سذج، وأنهم يستطيعون أن يضحكوا ~~منهم. # وتشرق نفس خيري وتعلو وجهه حمرة يجاهد أن يخفيها فيخفق جهده، ولا يجد شيئا يقوله آخر ~~الأمر إلا: على كل حال يا نينا لا بد أن ننتظر قليلا. ~~- طبعا، حتى تنال البكالوريا. # ويتلعثم خيري وهو يقول: نعم، وتشفى فايزة. ~~- ماذا؟ تشفى فايزة! وهل مرضها خطير يا ابني؟ ~~- أبدا، ولكنها مريضة على كل حال. ~~- مرض بسيط وستشفى منه طبعا قبل دخولك الامتحان بوقت ms008 كبير. ~~- إن شاء الله، أقوم أنا أذاكر قليلا. ~~- قم يا بني، ربنا يوفقك، أليس عندك مدرس اليوم؟ ~~- نعم، سيأتي حامد أفندي، وكان مفروضا أن يأتي محسن ليأخذ الدرس معي؛ ولذلك سأؤجل الحصة ~~اليوم. ~~- وهل سيعطي يسري درسه؟ # وضحك خيري وهو يقول: إن حامد أفندي مدرس ممتاز، وهو يدرس ليسري من أجل خاطرنا فقط. ~~- أليس مدرسا في مدرسته؟ ~~- مجرد سوء حظ، إنما الحقيقة أنه فوق مستوى الابتدائي بكثير. وقد طلب إلي أن أرجو عمي ~~عزت ليرقى إلى الثانوي. ~~- وهل كلمته؟ ~~- نعم، ووعد بأن يتكلم له. ~~- ربنا يوفق الجميع يا ابني. ~~- على الله، أقوم أنا. # وقام خيري إلى مذاكرته، ولكن أي مذاكرة؟ لقد داعب حديث أمه أملا كان يهفو إليه وما كان ~~ليتوقع أن يأتي إليه هكذا من قريب، لم يكن ينوي المذاكرة في يومه هذا، أما وقد أصبحت ~~المذاكرة هي طريقه إلى وفية فهو سيذاكر اليوم، وكل يوم، وكل ساعة، ولكن أي مذاكرة يطيقها ~~اليوم؟ عيناه في الكتاب وخاطره مشغول يجمح به إلى هواه الذي كان بعيدا فأصبح وهو لا ~~يمنعه عنه إلا هذا الكتاب، فيعود إليه هنيهات، ثم يتركه. وهكذا كانت مذاكرته كحسو الطائر، ~~يشرب مهما يشرب، فلا يصيب من الماء إلا رذاذا أو أقل من الرذاذ. # | الفصل الرابع # كان حامد أفندي عبد الكريم يقيم مع أمه الست مريم وأخته دولت في شقة متواضعة على رغم أنفها ~~في الدراسة، أما أبوه فقد تركهم لا يرد جوعهم إلا معاش ضئيل، استطاع حامد أن يزيده بعض ~~الشيء بوظيفة حصل عليها كان يعمل بها بعد الظهر. واستطاع أن يجمع بين الوظيفة والمدرسة حتى ~~يحصل على دبلوم المعلمين، وأصبح مدرسا للغة الإنجليزية والجغرافيا والتاريخ بمدرسة ~~المنيرة الابتدائية. وقد كان حامد مثابرا في المذاكرة، حتى لقد استطاع أن يحصل على مكان ~~كريم بين زملائه المتخرجين في دفعته، ولكنه كان بلا وساطة؛ فلم يستطع أن ينال إلا هذا ~~المكان بمدرسة المنيرة. وهكذا ما كاد يعرف أن لأهل يسري صلة بذوي السلطان حتى بذل غاية جهده ~~أن ms009 تتصل أسبابه بيسري. وقد نجح جهده وأصبح المدرس الخصوصي ليسري ولخيري أيضا. ولم يضع ~~وقتا كثيرا، فإنه ما لبث أن طلب إلى خيري أن يكون شفيعه إلى عزت بك، ليشفع له في ~~الوزارة، وقد اتسعت الآمال أمام عينيه منذ ذلك اليوم وأصبح يحلم بالترقية إلى المدارس ~~الثانوية، حتى لقد قصد في يومه هذا إلى الوزارة ليعرف الأمكنة الخالية بمدارس القاهرة ~~الثانوية، ولكن أبحاثه قادته إلى سبيل آخر لم يكن ليفكر فيه؛ فلقد أبلغه زميل له بالديوان ~~العام أن الوزارة في سبيلها إلى إرسال بعثة إلى إنجلترا في العلوم الاجتماعية، وأن المرشحين ~~لهذه البعثة من المتقدمين في دفعته. وقد أبلغه زميله أيضا أنه يستطيع أن يسافر في هذه ~~البعثة إذا هو عثر على وساطة كبيرة ذات نفوذ في الوزارة. وهكذا عاد حامد إلى بيته والآمال ~~تزحم نفسه أن يفوز بهذه البعثة، أربع سنوات قابلة للزيادة في إنجلترا، ومن هناك يستطيع أن ~~يدور بالعالم أجمع. إنجلترا، أي أمل ضخم هذا، وأي مستقبل عريض ينتظره عند عودته، وما له لا ~~يسعى وأي ضير في ذلك؟ ليجعل هدف البعثة بديلا عن هدفه القديم من ترقيته إلى المدارس ~~الثانوية. قد تعترض أمه، ولكن أي أم لا تعترض على غياب ابنها أربع سنوات عنها؟ ولو أطاع ~~الناس جميعا أمهاتهم لما نال أحد دكتوراه ولظلوا قابعين بجانب أمهاتهم فلا يصيبون من العلم ~~إلا هذه الدرجة التي نالوها. وقد يضيق الحال بأمه بعض الشيء، ولكنها تعودت أن تكتفي بالمعاش، ~~فلتعتمد عليه هذه السنوات. ولكن دولت كبرت وكثرت طلباتها، ولكن ما البأس بأمه وأخته أن ~~تحتملا الضيق هذه السنوات القلائل ثم يعوضهما عنها بالعيش الرغيد؟ وماذا عليه لو قبل زواج ~~دولت من فهمي الفهلوي، ولكن كيف؟! # وكان حامد قد بلغ منزله حينئذ وانتبه إلى السلم؛ فقد عوده حرصه على الحياة أن ينتبه ~~إلى السلم كلما أوشك أن يصعد، فجميع الباقي من درجاته متآكل لا يسمح إلا بأطراف القدم أن ~~تستقر عليه. كما تعود ألا يعتمد على الدرابزين. وكم عود ms010 الفقر حامد من عادات؛ فقد عودته ~~ملابسه القديمة مثلا أن يتأنى في مشيته وحركاته حتى لا يشتد الاحتكاك بها فتبلى البقية ~~الباقية منها. وقد ظن كثير من الناس أن هذا البطء في المشي والحركة وليد كبر يعتمل بنفسه، ~~ويعلم الله، ويعلم حامد، أنه لولا الفقر لتحرك مثل سائر الناس. وهكذا كان حامد دقيقا في ~~تفكيره حريصا كل الحرص على ماله ونفسه. # بلغ حامد السلم وصعده في تأن وفي تفكير يبذله كلما ترك درجة إلى أخرى. وحين بلغ شقته فتح ~~الباب فوجد أمه جالسة في البهو، ويجلس إلى جانبها فهمي الفهلوي وقد انهمك كل منهما في حديث ~~أخذ بمجامع تفكيرهما كل مأخذ. وكانت الجملة التي بلغت أذن حامد عند فتحه الباب: أنا أعجبك جدا يا ست أم حامد. # وأنقذ حامد أمه من الإجابة وهو يقول: أهلا وسهلا، كيف حالك يا أسطى فهمي؟ ~~- معدن يا حامد أفندي، معدن والحمد لله، ماشية، الدكان يكسب خمسين قرشا يوميا على ~~الأقل. ~~- ربنا يزيد ويبارك. ~~- أنا والله لا أعرف ما الذي لا يعجبك في. ~~- لماذا يا أخي - لا قدر الله - أنت تعجب السلطان. ~~- يا أخي العفو، كل مناي أن أعجبك أنت فقط. ~~- ربنا يهيئ الخير يا أسطى حامد. ~~- الخير بيدك أنت يا سي حامد أفندي. ~~- شربت القهوة؟ ~~- شربناها والحمد لله، أستأذن أنا. ~~- ولماذا العجلة؟ ~~- الدكان وحده، البركة فيك يا ست أم حامد، فقد يرضى علينا الأستاذ، سلام عليكم. # وشيعته همهمة من حامد وأمه أشبه ما تكون برد لتحيته، وما كاد فهمي يغلق الباب حتى قالت ~~الست مريم: والله إنه ابن حلال. # فقال حامد محاولا أن يغير الحديث: وهل قلت إنه ابن حرام؟ ~~- فما عيبه؟ ~~- يا ستي اتركي هذا الموضوع. ~~- ولماذا أتركه؟ رجل يا بني ويستر على أختك. ~~- وهل هي بائرة؟ ~~- لا قدر الله، ولكني لا أرى فيه عيبا. ~~- كيف هذا يا أمه؟ أين هو منا؟ ~~- يا ابني العظمة لله، أليس هو فهمي ابن الحاج سيد الفهلوي الذي كان صديق أبيك العمر ~~كله؟ ~~- يا أمه الدنيا تتغير ms011 . ~~- ولكن النفوس يا بني لا تتغير. ~~- كل شيء يتغير. ~~- إلا النفوس الحلوة يا ابني، لم تكن هكذا أبدا، يا ابني، فهمي ابن حلال ونعرفه، نعرفه ~~وهو طفل صغير، وسيكون لدولت كأخيها، لماذا ترفض؟ ~~- أنا لا أزوج أختي من عامل! ~~- وإذا كانت هي تقبله؟ ~~- أنا لا أقبل. ~~- وماذا ينتظر لها؟ ~~- واحد متعلم. ~~- وماذا يفعل بها المتعلم؟ هل تراها نالت الشهادات. ~~- إنها تقرأ وتكتب، وعلى كل حال لا يهم، فالمتعلم سيطلبها من أجلي أنا. ~~- وهل سيتزوجك أنت هذا المتعلم، المتعلم يريد المتعلمة مثله أو الغنية، ونحن والحمد لله ~~لا علم ولا مال، اقبل فهمي يا حامد يا ابني، من يعرف؟ لعله أحسن من غيره. ~~- لا يا ستي، أنا لا أقبل أن يعيرني زملائي بأني زوجت أختي من شخص جاهل، عامل. ~~- يا ابني مصلحة أختك أهم من أقوال زملائك. ~~- أنا أدرى بمصلحتها، وعلى كل حال هي ما زالت صغيرة، صغيرة جدا. ~~- يا ابني هذا حرام، في أيامنا كانت البنت لا تصل الحادية عشرة إلا وهي متزوجة. ~~- اسمعي، فعندي خبر مهم. ~~- خير، اترقيت؟ ~~- لا، لا. ~~- خطبت؟! ~~- أليس في ذهنك إلا الزواج؟ ~~- وماذا أهم من الترقية إلا الزواج؟ ~~- بعثة. # وضربت أم حامد على صدرها في ذعر: ماذا؟ # بعثة. # لمن؟ # لك! # أجننت؟ ~~- سؤالك عجيب، لمن تكون البعثة إن لم تكن لي؟ ~~- وتتركني أنا وأختك يا حامد؟ ~~- كم سنة فقط، وأعود الدكتور حامد عبد الكريم. ~~- دكتور؟! ألست مدرسا؟ ~~- نعم، دكتور في التدريس. ~~- وتتركنا يا حامد؟ ~~- أليست مصلحتي هي أهم شيء عندك؟ ~~- طبعا. ~~- هذه هي مصلحتي. # وتطرق الأم وبوادر دمعات تبدو في عينيها وتفيض، وتجاهد لسانها كل جهد لتقول: ما تراه يا ابني. # وما تكاد تقول هذا حتى يقول حامد محاولا أن يبعث إلى نفسها بقية من أمل: على كل حال المسألة لم تتأكد بعد. ~~- ربنا يعمل ما فيه الخير يا ابني. ~~- أين دولت؟ ~~- ذهبت عند خالتك وصفية لتساعدها في خياطة بعض الملابس. ~~- خالتي؟ منذ متى كانت وصفية خالتي؟ ~~- ماذا جرى يا حامد؟ كلامي لم يعد يعجبك، طول ms012 عمرك تنادي وصفية بيا خالتي. ~~- كلام فارغ! ولماذا تذهب إليها دولت؟ ألم تجد إلا دولت لتساعدها؟ ~~- وماله يا ابني؟ ~~- النهاية، الغداء جاهز؟ ~~- جاهز يا ابني، دقيقة واحدة حتى أعده لك. # ويدخل حامد إلى حجرته، وما تلبث دولت أن تجيء. فتاة تخطو نحو شبابها الأول، سمحة ~~الملامح، بريئة الوجه، ملفوفة القوم، ريانة العود غضة، ساذجة النظرات ساجية، ذات عينين ~~سوداوين، فيهما حلاوة الشباب الباكر المتطلع إلى المستقبل في تعجل لا ريث فيه ولا مهل، رشيقة ~~الحركة عن طبيعة مواتية في غير كلفة ولا افتعال. وكان وجهها في إشراقه أشبه بالمرآة الصافية ~~لا يخفي نأمة عن نفسها إلا بدت آثارها عليه في وضوح أبين من الكلام. ذات شعر كث غزير ناعم، ~~ولكنها كانت تقيد كثرته العارمة في ضفيرة كبيرة تلفها في إحكام، ثم تغطيه بوشاح تربط عقدته ~~خلف ذقنها، فيزيد ذقنها وضوحا وجمالا. لم يكن في وجه دولت من عيب إلا هذه الأرنبة النافرة ~~في أنفها، ولعل بعض الناس يرون فيها جمالا، أو بلورة لجمال دولت. وقد كانت دولت تحب أخاها ~~حبا عارما، فيه إجلال يستره أن يبين، فقد كان يمثل أمامها العلم والمال والسيطرة، وهي ~~أمور تفقدها جميعا فقدانا تاما. وقد كان كذلك يمثل أمامها حياتها التي تحياها، فقد كانت ~~بغيره خليقة أن تضيع في الزحام وهي بلا سلاح إلا هذه الصبابة الضئيلة التي تصيبها أمها كل ~~شعر كمعاش لأبيها. وهكذا كانت دولت تجد في أخيها كل شيء تفقده كما كانت تجد فيه نفسه كل شيء ~~تملكه. # دلفت دولت إلى البهو فوجدت أمها تضع الأطباق على المائدة، فهمست وكأنها تخفي جرما: هل جاء حامد؟ # فأجابتها أمها في صوت متردد بين الهمس والجهر: من زمان. # وعادت دولت تسأل هامسة: أسأل عني؟ ~~- نعم. ~~- وماذا قلت له؟ ~~- الله! ألا ينتهي هذا التحقيق؟ وماذا يمكن أن أقول؟! قلت المكان الذي ذهبت إليه. ~~- هل غضب؟ ~~- وما شأنك أنت ما دمت أنا التي أمرتك أن تذهبي؟ ادخلي هاتي الأكل، بلا مسخرة. # وامتثلت دولت لأمر أمها، وأقبلت الأسرة ms013 تأكل صامتة أفواهها، صاخبة عقولها، يضج في داخل كل ~~منهم زحام من الآمال والمخاوف والظنون. فأما رب الأسرة فمفكر في هذا الباب الجديد الذي ~~أومأ إليه صديقه بالديوان العام، يكبر الأمل في نفسه حتى ليكاد يصبح حقيقة مجسمة يعيشها ~~بكاملها، فهو يتخيل نفسه في لندن ذاتها، ويمتد به الخيال ويمتد حتى ليرى نفسه أستاذا في ~~الجامعة يرتدي روبها ويحاضر طلبتها في سمته المترفع ويده في جيبه. وبلا وعي يضع يده في جيبه ~~فتهوى إلى الفضاء، فقد ارتدى الجلباب، ولم يكن للجلباب جيب، فيصحو وقد اضمحل الأمل وذوى حتى ~~ليكاد يضرب عنه صفحا، مكتفيا بأن يصبح مدرسا في المدارس الثانوية. ولكن لماذا يضيع ~~الفرصة؟ ولا يزال بآماله يتأرجح بينها حائرا راغبا حينا في الأمل الكبير من الدكتوراه، ~~راغبا عنه حينا آخر خشية أن يخذله الديوان، وهو مع تفكيره العميق يطحن الأكل طحنا غير ~~شاعر بما يأكل، وإنما هو يحرك فكيه حركة وانية واثقة، وعيناه في شرود، وذهنه يتجول بين لندن ~~والمدارس الثانوية بالقاهرة. # وأما أمه فمفكرة هي أيضا في هذه المشكلة الجديدة التي أضافها ابنها إلى مشكلة زواج ~~دولت، فهي تفكر فيما سيئول إليه حالهما إن سافر ابنها، وكيف تدبر أمرها بالمعاش الضئيل الذي ~~تركه لها زوجها. وحين تضيق بها السبل يذهب بها التفكير إلى ما قد يستدعيه الحال عندئذ من ~~أن تعمل، ثم ما يلبث أن يردها عن هذا التفكير علمها بكبر سنها وجهلها بالعمل خارج بيتها ~~جهلا تاما. وما تلبث أن تدير بذهنها فكرة أخرى، لماذا لا تعمل دولت؟ وتنظر إلى دولت ~~فتجدها ذاهلة هي الأخرى تقلب النظر بين أمها وأخيها وقد ران عليهما هذا الصمت ~~المطبق. # كانت دولت حائرة لا تدري ماذا تقول، فهي إن نظرت إلى أخيها طالعتها منه هذه النظرة الذاهلة ~~تنبعث من عينيه العميقتين وقد ازدادت ملامح وجهه الدقيقة صرامة وقوة. ثم ما تلبث أن تجد ~~أساريره قد استرخت هونا ولكن إلى حين، فما هي إلا خلجة عين حتى تعود إليه الصرامة ~~والإصرار. وهي إن ms014 نظرت إلى وجه أمها الذي كسته الأيام ترهلا وطيبة، والذي عرفت فيه الرضا ~~المذعن والاستسلام الهادئ وجدته وقد غشيته كآبة وتفكير، فهي ذاهلة عما حولها، لا تكاد تحس ~~بأحد ولا بشيء. ويصخب عقل دولت حائرا بين الظنون والتخمين، فهي تفكر في أمر وتكاد تؤكد أنه ~~سبب هذا الصمت الذاهل الحيران، ثم ما تلبث أن تنفيه لتفكر في سبب آخر ما يلبث أن يتداعى ~~كسابقه، وهي حائرة لا تدري ماذا تقول أو تفعل إلا أن تلوك الطعام كما يفعل أخوها وكما تفعل ~~أمها، غير دارية من أمرهما أمرا. ولا يزال ثلاثتهم في شرودهم هذا الذاهل حتى ينتهوا من ~~طعامهم صامتين. ويقوم حامد إلى حجرته شأنه كل يوم، وإن كان في يومه هذا قد عزم على أن ~~يستبدل بالنوم كتابة مذكرة بحالته لتقدم إلى مراقبة البعثات. # وتذهب الأم إلى الشباك تطل منه على الحارة، بينما تقوم دولت بتنظيف المائدة. # تظل الأم رانية إلى الحارة. الدكاكين مقفلة، والطريق خال إلا من متأخر يروده منهوكا ~~عجلا يريد أن يسارع بالعودة إلى داره فيعوقه تعب النهار، فالهمة بادية في عينه وإن قصرت ~~قدماه عن همته، وتطول الجلسة بمريم، ويبدأ التجار والصناع في العودة إلى محالهم. وتكثر ~~الأرجل الضاربة في الحارة، ويتجمع أصحاب المحال في أماكنهم التي تعودوا التجمع فيها، وترتفع ~~أصوات بالتحايا وأخرى بالنكات وأخرى بالضحك وأخرى بالزجر يلقيه كل رئيس عمل إلى عماله ~~مظهرا سيطرته عليهم. وترتفع أعين إلى الشبابيك، وتتابع أعين أجسام المارات، وتعلو بين ~~الحين والحين تكبيرة لله أريد بها وجه الشيطان، أو مصمصة شفاه أريد بها إعلان غزل. ولا ~~تعدم الحارة صوت حاج فيها يزع الغاوين وينصحهم بالاحتشام، فيلقونه بالصمت حينا أو بالقول ~~الرضي الخجلان حينا آخر. # ويخيل لمريم أن باب بيتها قد فتح وأقفل، ولكنها لا تعنى بالالتفات إلى الباب، فقد ~~كانت بتفكيرها المضطرب في شغل شاغل. وما يلبث ابنها حامد أن يبدو في الطريق في مشيته ~~البطيئة المليئة بالعظمة، تلك العظمة التي لا تتفق وجسمه القميء الضئيل أو وجهه ms015 الدقيق ~~القسمات، يرين عليه الجد والعمل من طول ما تعود الجد والعمل، فعينان غائرتان عميقتان، ~~ووجنتان لاصقتان بأسنانه، وفم مطبق لا ينفرج، وطربوش لاصق برأسه في ميل لا يختلف في يوم عن ~~يوم حتى ليحسب من يراه أنه لا يخلعه في ليل أو نهار، فإنه من العسير أن يتأتى لأحد بالغة ما ~~بلغت دقته، أن يظل طربوشه في وضع واحد لا ينحرف عنه قيد شعرة، إلا إذا كان لا يخلعه. # ويسير حامد في طريقه بطيئا كما عهدته الحارة، عظيما كما عهده أهلها. وتراه أمه يرفع يده ~~بالتحية للقوم الجلوس، وتسمع تحيته التي عهدتها وتعودت أذنها أن تلتقطها من بين الأصوات ~~الصاخبة، تلك التحية الواهنة النغمة الأنيقة المخارج. ورأت مريم القوم يجيبون تحية ابنها، ~~وتفيق على أصواتهم من سرحتها، فأصواتهم اليوم غيرها بالأمس، كانوا يحتفون بابنها إذا مر ~~وحيا، ولكنهم اليوم يردون تحيته وكأنهم يقومون بواجب فرضه عليهم القرآن الكريم من رد التحية ~~بأحسن منها. بل إنهم حتى لا يردونها بأحسن منها ولا بمثلها، إنما هي همهمة لا تكاد تبارح ~~شفاههم إلا لتسقط في الطريق قبل أن تبلغ الأذن، فما تعي الأذن منها إلا طنينا. وتدرك أم ~~حامد أن فهمي قص على إخوانه من أهل الحارة إباء حامد أن يزوجه دولت، وتدرك الأم أن أهل ~~الحارة أحسوا كبر حامد من رفضه هذا، فهم ساخطون يفرجون عن سخطهم في هذه النغمة المتخاذلة ~~التي أجابوا بها تحية حامد. ويدرك حامد هذه المعاني ولكنه لا يعنى بها إلا هنيهة، ثم ينصرف ~~بتفكيره وجسمه أيضا إلى هذا الأمل الذي يسعى طريقه إليه. # | الفصل الخامس # ظل خيري في مذاكرته تلك التي لا تغني، يقرأ لحظات بذهن شارد، ثم يرفع رأسه عن الكتاب ~~ليفرغ للشرود فراغا كاملا، ثم يعود شاردا إلى الكتاب مرة أخرى. وهكذا حتى وجد حامد أفندي ~~واقفا على رأسه يلقي عليه التحية في ود ظاهر وإشراق: السلام عليكم. # ويفيق خيري تماما إلى أستاذه ويقف ليحييه، ويسأل حامد: وأين محسن، ألم يأت بعد؟ ~~- والله أخته ms016 الصغيرة مريضة، وقد اتفقنا أن نؤجل الدرس إلى الغد. ~~- أهي مريضة إلى هذا الحد؟ ~~- لا، ولكن رأيته مشغول الخاطر، فاعتقدت أنه لن يكون صالحا للدرس اليوم. ~~- ما هذا الكلام يا أخي؟ لقد اقترب الامتحان. ~~- نعم صحيح، ولكن أخته عزيزة عليه جدا. ~~- أعتقد أن المذاكرة ستشغله عن التفكير في مرضها. ~~- أترى ذلك؟ ~~- طبعا. ~~- نطلبه في التليفون ليأتي. ~~- ولماذا لا نذهب إليه نحن، فنطمئن على أخته من جهة و... # وقاطع خيري أستاذه في لهفة: فكرة، هيا بنا. # وهكذا وجد اقتراح حامد نفسا متوثبة لتنفيذه، وقد كان خيري خليقا أن يكون هو المقترح، ~~ولكن من أين له الذهن الذي يداور ويخلق المعاذير وهو فارغ لتوه من هذا الحديث الخطير الذي ~~دار بينه وبين أمه؟ لقد كان مشغولا عن وفية بها، كان مشغولا عن خلق المعاذير للذهاب إليها ~~بالتفكير في زواجه منها. # أما حامد فقد كان شغله الشاغل أن يلقى عزت بك، وأن يجعل رجاءه لديه لندن بدلا من ~~المدارس الثانوية، والتقت من حامد وخيري الرغبتان وإن اختلفت الدوافع وتباينت ~~الأسباب. ~~••• # كان محسن جالسا إلى أخته فايزة لا يرفع نظره عنها، وهي مغمضة العينين بلا حديث ولا مطالب ~~إلا أنفاسا تتردد متسارعة. وقد جلس أفراد الأسرة الآخرون حولها شأنهم شأن محسن، لا ~~يتكلمون، وإنما أصبحوا جميعا عيونا لا تميل عن طفلتهم الحبيبة. وجاءت الخادم تنبئ محسن أن ~~خيري وحامد ينتظرانه في الطابق الأسفل، وحاول أن يستدعي خيري ليعتذر إليه ولكن أباه قال له: لماذا لا تنزل؟ انزل أنت فأختك بخير، وسألحق بك أنا أيضا بعد قليل. # ويصدع محسن بأمر أبيه، وينزل إلى أستاذه وقريبه. ويسأل خيري في لهفة عن صحة فايزة، كما ~~يتظاهر حامد بهذه اللهفة نفسها، ويلقي خيري على محسن ذلك النقاش الذي دار بينه وبين حامد ~~والذي أدى إلى مجيئهما. وما يكاد خيري ينتهي من الحديث حتى يدخل عزت بك فيسلم عليهم، فيقوم ~~حامد في احتفاء كبير ويتقبل السلام في احتفاء أكبر، ثم يسأل في إشفاق وحزن يبدو صادرا من ~~أعمق أعماق ms017 نفسه: سلامة الست الصغيرة. # ويقول عزت بك في أدب رقيق: إن شاء الله خير، أنا على موعد غدا يا أستاذ حامد مع وزير المعارف لأرجوه في ~~مسألتك. # ويقول حامد في أدب شديد منتهزا الفرصة في مهارة: ألف شكر يا سعادة البك، الحمد لله أن سعادتك لم تذهب بعد. ~~- لماذا؟ هل تمت المسألة؟ ~~- أبدا! ولكني عرفت اليوم أن هناك بعثة من دفعتي ستذهب إلى لندن، وأنا من أوائل الدفعة، ~~فإذا أمكن أن تزكيني سعادتك لأرشح في هذه البعثة تكون سعادتك قد أديت لي جميل العمر. ~~- بكل سرور يا أخي، هل كتبت مذكرة بهذا الشأن؟ ~~- نعم، ها هي ذي. # وكأنه كان على موعد مع هذا اللقاء الذي هيأته له ظروف متضافرة من مرض فايزة وعدم خروج ~~عزت، ثم من رغبة عزت أن يطمئنه على المسعى الذي رجاه فيه ونزوله إليه، ظروف متنافرة تجمعت ~~خيوطها من كل منحى في الحياة تمهد له هذا اللقاء وتتيح له أن يقدم المذكرة إلى عزت شخصيا ~~بلا وسيط من خيري أو محسن. # ويخرج عزت عائدا إلى ابنته. ويعود الأستاذ مشرقا مرحا إلى تلميذيه فلا يلقيانه بهذا ~~المرح، فأما محسن فمشغول بأمر أخته، وأما خيري فمشغول بأختي محسن جميعا. ويدرك حامد أن ~~لا فائدة ترجى من الدرس في يومهم هذا، ويصبح الدرس الذي كان مهما لديه غير ذي قيمة الآن، ~~فقد أتى له المجيء إلى محسن بالفوائد التي كان يرجوها منه، وأصبح الامتحان الذي كان قريبا ~~لا يحتمل تأجيل درس أمرا يسهل التغلب عليه. وهكذا اقترح في جرأة: لنؤجل الدرس اليوم، فإني أراكما مشغولين بفايزة. # ويقول محسن: والله أنت محق يا أستاذ، أنا لا أستطيع أن أركز ذهني في شيء اليوم. # ويرى خيري أن أمنية حامد قد تحققت دون أن تتحقق أمنيته هو، فيسارع قائلا: أتنتظرني دقائق يا أستاذ حتى أرى فايزة وأعود؟ # ولكن حامد تواقا إلى أن يخلو بالطريق ليفكر وحده في أعقاب هذا اللقاء الذي تم بينه ~~وبين عزت، فهو يقول: ولماذا العجلة يا أخي؟ على ms018 مهلك أنت، وأستأذن أنا. # ويفرح خيري بهذا الاقتراح ويقول: أترى ذلك؟ ~~- نعم، فنحن ذاهبان من طريقين مختلفين، أستأذن أنا، السلام عليكم. # ويخرج حامد، ويصعد خيري ومحسن إلى الطابق الأعلى فيجدان الأسرة كما هي في غرفة فايزة. ~~ويلقي خيري نظرة على المريضة، ثم يخرج إلى البهو ويتبعه محسن، فيقول له: ادخل أنت عند أختك، وسأنتظر أنا أمي هنا، فهي قادمة لترى فايزة، وسآخذ أنا السيارة إلى ~~البيت. # ويحاول محسن أن يجلس معه فيهدده إن فعل أن يترك البيت، فلا يجد محسن مناصا من ~~طاعته. ~~••• # يبقى خيري منفردا لحظات، ثم ما تلبث وفية أن تخرج إليه وتعجب لوجوده، فما كانت تعلم أنه ~~ما زال بالبيت. تلقي إليه ابتسامة وتذهب إلى الخدم تأمرهم أن يعدوا مشروبا ساخنا ~~لأختها، ثم تعود إلى خيري فتجلس إليه. # يرنو خيري إليها طويلا حائرا لا يدري كيف يبدأ الحديث، وتظل هي تنتظر أن يفرج شفتيه عن ~~أي كلام، حتى إذا يئست قالت: لماذا لم تدخل؟ # وأفاق خيري دهشا يسأل: أين؟ ~~- عند فايزة. ~~- آه، كيف هي الآن؟ ~~- الحرارة مرتفعة. ~~- بسيطة إن شاء الله، وفية. ~~- هه. # وحل الصمت بينهما مرة أخرى، ثم عاد خيري يقطعه قائلا في نفس النغمة الملهوفة التي ناداها ~~بها: وفية. # وتطلق وفية «هيه» ممدودة، كأنما خيل إليها أنه لن يسمعها إذا هي لم تمدها، وإن تكن قد ~~صحبتها بابتسامة عذبة، ويتحفز هو مرة أخرى وهو يقول: وفية هل ... هل ... ~~- هيه، هل ماذا؟ # ويومض في ذهنه باب آخر يستطيع أن يدخل منه إلى الحديث الذي يريد، فيقول: هل تعرفين ماذا قالت لي نينا اليوم؟ # وازدادت الابتسامة إشراقا في وجه وفية وهي تقول: وكيف أعرف؟ ~~- هل تستطيعين أن تحزري؟ # وابتسمت وفية وهي تقول: اذكر لي رأس الموضوع على الأقل. # ولم يكن خيري يتوقع هذا السؤال، فحار ماذا يقول إلا أن يردد في محاولة للتفكير: رأس الموضوع، رأس الموضوع. ~~- نعم، فيم كان حديثكما؟ ~~- حزري. ~~- اذكر لي الموضوع، وسأحزر التفاصيل. # وتومض الكلمة المناسبة في ذهن خيري فيقول: نجاحي، إذا نجحت ms019 ... ~~- تشتري لك سيارة. # ويضحك خيري قائلا: لا، لن تشتري لي شيئا. ~~- إذن ... ~~- إذن ستقدم لي أعظم أمل في حياتي. ~~- ماذا؟ ما هو هذا الأمل؟ ~~- قولي. ~~- يا أخي أنا أسلم بغبائي، قل لي، ماذا قالت لك؟ # وتعود اللعثمة إلى خيري عاجزا كل العجز أن يكمل، راغبا في إنبائها رغبة تأخذ عليه ~~مشاعره، وبين العجز والخجل والرغبة يرتبك خيري وتكاد تدرك وفية، ويجمع خيري بعض شجاعته ~~ليقول ثالثة في حيرة وارتباك: وفية هل ... وفية ... # وقبل أن يكتمل الكلام ليكون شيئا مفيدا يرتفع صوت الخادم معلنا قدوم سميرة هانم، ~~وتقوم وفية قائلة: عمتي. # وتنزل السلم لتستقبلها، ويظل خيري في مكانه ينتظر أمه حائرا لا يزال، لا يدري أيفرح أن ~~طالت بهما الجلسة بعض الشيء فاستطاع أن يومض بما في نفسه ومضا لا يكاد يبدد ظلاما، أم ~~يلوم نفسه هذه الخجلى دائما والمترددة العاجزة التي لا تستطيع أن تترك لسانه وشأنه ليقول ~~مرة - ولو واحدة - ما لا بد أن يقال. # وتصعد أمه وهو في حيرته لا يزال، وقبل أن تقول أمه شيئا يسارع هو قائلا: أتسمحين لي بالسيارة أصل بها إلى البيت وأعيدها؟ # وتقول الأم: ولماذا لا تنتظر حتى نذهب معا؟ ~~- أريد أن أذاكر. # وتبتسم الأم، فقد أصبح للمذاكرة أسباب قوية تصل إلى أعماق الفؤاد وهي تدري، ومن خلال ~~ابتسامتها تسمح له بالسيارة. # وفي الطريق يعود خيري إلى تفكيره، ترى أفهمت وفية أي وعد بذلته أمه إن هو نجح، لقد فهمت، ~~وإلا فما هذه الغلالة الوردية الرقيقة التي كست وجهها، ويريد أن يعود إلى لوم نفسه ثم ما ~~يلبث أن يثوب، ماذا تراني كنت قائلا؟ أحبك؟! ألا تدري؟ إذن كنت أسألها أتحبينني؟! ألا ~~أدري؟ وهل يرضى لي حيائي أو حياؤها أن أقول أو تقول، هو الحب ما بيننا يقوله الضياء الذي ~~يحيط بنا إذا التقينا، واللهفة التي أحسها وتحسها إلى هذا اللقاء، كيف أقول؟ كيف تقول؟ ~~أتراني أقبل أن تقول لي أحبك؟ لا، أم تراها تقبل أن تسمعها مني؟ إنما حبنا أعظم من ~~أن ms020 تعبر عنه كلمة مهما تكن خالدة بعيدة الأصول في الزمان الماضي، باقية على كل زمن مستقبل. ~~ولكن الهوى العذري بيننا، ولكن التقدير الذي أكنه لها، ولكنه التقاليد التي ربينا أنا وهي ~~في ظلها، كل هذا يمنعها ويمنعني أن تقول أو أقول. ألا ما أجمل أن تجمعنا جملة واحدة، أنا ~~وهي، اهدئي إذن يا نفسي، فهكذا أنت، وما كنت لأكلفك أمرا لم تتعوديه، إنها تعلم، ولم ~~يبق إلا أن أذاكر، لا شيء إلا أن أذاكر، ألا ما أهون العقبة التي تقف بي دونها، وأفاق ~~خيري من تأملاته على صوت السائق وهو يقول: خيري بك، خيري بك، سأتأخر عن الست. ~~- ماذا؟ هل وصلنا؟ ~~- منذ نصف ساعة. نحن هنا يا خيري بك من نصف ساعة. # ويبتسم خيري وينزل من السيارة. الابتسامة تعلو شفتيه، وأفكار كثيرة كلها باسمة تدور في ~~ذهنه، وفي قلبه. # | الفصل السادس # لم يكن همام بك ينتظر زائرا في يومه هذا، ولا كان مرتبطا بموعد، ولا كان راغبا في ~~الذهاب إلى المقهى. وتذكر أنه منذ زمن بعيد لم يخرج مع زوجته إلى مكانهما المفضل بجانب ~~الأهرام، فقد كانا يريان في الذهاب إلى ذلك المكان نزهتين لا واحدة، نزهة الطريق ونزهة ~~الجلسة. # وظلت سميرة هانم تعين زوجها في ارتداء ملابسه حتى أتمها، وخرج إلى غرفة الجلوس ينتظر ~~زوجته أن ترتدي ملابسها هي الأخرى. ولم ينس قبل أن يتركها أن يطلب إليها أن تعجل حتى لا ~~يفاجئهما زائر غير منتظر. لم يكد همام بك يستقر في كرسيه حتى قدمت إليه الخادم تنبئه أن ~~فواز بك في الطابق الأسفل ينتظره. # وقام همام بك من فوره وذهب إلى زوجته ينبئها بقدوم الزائر، وكأنه خشي أن تكره قدوم صديقه ~~أو تكره صديقه، فطمأنها أنه سيصحبها إلى النزهة الموعودة عند خروج فواز. ولم تكن سميرة هانم ~~في حاجة إلى هذا الوعد لتخفي غضبها عن زوجها، فإنها لم تتعود أن تظهره على غضبها، وإن كانت ~~لا تحب في حياتها شيئا قدر حبها للخروج مع زوجها، وما أندر ما ms021 كانت تخرج مع زوجها. # فواز بك نافع، صديق همام بك منذ كانا طفلين، ورثا الصداقة عن أبويهما اللذين كانا ~~صديقين أيضا. وقد جمعت الأعمال المشتركة بين الصديقين فتوطدت بينهما الصلات، ثم جمعت ~~بينهما الأزمات فوقفا دونها يدا واحدة وقلبا واحدا، يخشى كل منهما على صاحبه ما يخشى ~~على نفسه. وقد ضاربا معا في البورصة وخسرا فيها كل شيء. ثم جاهدا حتى استردا ما خسرا. ~~وحينئذ توقف همام عن المضاربة ناظرا إلى أولاده مشفقا أن تلتهم المضاربة ما لم يصبح ~~حقا له وأصبح حقا لأولاده. أما فواز فقد صمم على المضي في المضاربة فصارت حياته سلسلة ~~من الصعود والهبوط، فهو إما في قمة الجبل أو في حضيض الهاوية. ولم يستطع يوما وهو في قمة ~~الجبل أن ينظر إلى الحضيض في خشية فيكف، فقد أصبحت المضاربة تسري مع دمه لا يستغني عنها، أو ~~يستغني عن دمه نفسه. # ولم يمنع توقف همام عن المضاربة ومضي فواز فيها صداقتهما أن تظل كما هي. وكثيرا ما حاول ~~فواز أن يغري صديقه بصفقة يراها رابحة، ولكن همام كان قد أقلع وما كان ليعيده إلى البورصة ~~إغراء مهما يكن جامحا. بل لم تكن تغريه تلك الذكريات التي كان يستعيدها صديقه أمامه، أيام ~~كانا والفقر يطل عليهما بوجهه الكالح الشاحب الكئيب، ثم ينشب فيهما أظفاره الضاربة المرنة ~~فما تند عن واحد منهما أنة أو آهة، وإنما يلقيان الفقر والغنى معا بذلك الوجه الجامد تعود ~~الأحداث سعيدها وشقيها، فسيان عندهما فقر أو غنى. هكذا كانا يبدوان للناس وإن أحرقت الخسارة ~~كبديهما، وإن زلزلت قلبيهما، ولكنهما لا يظهران أحدا على ما تنطوي عليه جوانحهما من حريق ~~أو زلزال، كبرا منهما وتعاليا على الأحداث. لقد كانا نوعا من الرجال ينشب أظفاره في ~~الزمن فلا يطيق الزمان أن يطيح به. # لم يكن إغراء الذكريات ليجدي في جذب همام إلى المضاربة ثانية. وقد كان يجهد في دفع ~~الإغراء الذي ينتابه من ذكريات الفقر جهدا أشد عنفا مما يبذله في دفع إغراء فواز إياه ms022 ~~بالربح الوفير. فقد تجد الذكريات مسارب إلى النفوس يعجز عن العثور عليها المال بجلاله ~~وسلطانه. # حتى لقد هم همام يوما أن يعود إلى المضاربة فما وقف به إلا ابن عمه عزت الذي يرى في ~~البورصة مقبرة لأموال الكرام ولكرامتهم معا. وقد ألح على همام حتى ثناه عن هذه المحاولة ~~فلم يعد إليها ثانية. # أما فواز فقد كان يرى في المضاربة عملا طبيعيا له، فهو يقامر فيها بأمواله جميعا، ~~فإن لم تكف عمد إلى صاحبه وطلب إليه أن يضمنه لدى من يقرضه مالا. وما كان همام يتردد لحظة ~~إذا قصده صديقه. ولم يكن فواز في هذا جائرا على صديقه، فقد كان يرى فيما يفعله أمرا ~~طبيعيا لا يفكر في غيره. ولم يكن همام يضيق بطلب صديقه وإن ساورته الخشية، إلا أنها خشية ~~لا تزيد في خاطره على همسة، ما تلبث أن تزول في دوامة الصداقة والأخوة والنجدة التي تزخر ~~بها نفسه. # كان فواز جالسا في مكتب صديقه ينتظر نزوله، ولم يطل به الانتظار، فسرعان ما بدا على باب ~~الحجرة محييا تحية الأخ الهينة العميقة. # كان التناقض بين الصديقين في الشكل عجيبا. فأما همام فطويل القامة عريض المنكبين يضع ~~طربوشه معتدلا على رأسه، ويضع على فمه ابتسامة مطمئنة لا تبارحه، يرى فيه الرائي بشرا ~~وثقة وهدوءا، وقد كان وجهه مستديرا في غير امتلاء، ذا شارب متقن الصبغة، وكانت سوالفه ~~كثة سوداء أيضا كشاربه، وكانت عيناه عميقتين فيهما ذكاء وفيهما كوجهه اطمئنان وهدوء. أما ~~فواز فقد كان قصير القامة مليء الجسم والوجه، حليق اللحية والشارب والرأس أيضا، وإن تكن ~~الأيام هي التي تولت عنه نزع شعر رأسه، ولم يكن ضاحكا كصديقه، وإنما هو متجهم الوجه إلا حين ~~يسمع نكتة، فإنه يخف إلى الضحك لها خفة الذكي اللماح، وقد كان هو نفسه مرح العبارة سريع ~~اللفتة ضاحك الحديث. شيء واحد اتفق فيه الصديقان، هو ذلك الاطمئنان الذي يشيع في وجه كل ~~منهما. # التقى الصديقان، ولم يمهل فواز صديقه أن يجلس، بل سارع قائلا: أما ms023 صفقة يا همام! # وازدادت الابتسامة اتساعا على وجه همام وهو يقول: ألم تيأس مني بعد؟ ~~- بل ألم تعقل أنت بعد؟ ~~- وأي جديد يدعوني إلى العقل الذي تحسبه أنت عقلا؟ ~~- أرباحي، مكاسبي، انظر، أنا أغنى منك اليوم عشرات المرات. ~~- المهم أن تظل كذلك. ~~- ولماذا لم تسمع كلامي؟ كسبت من الصفقة الأخيرة ثروة، ثروة طائلة، ودعوتك لتربح معي ~~فرفضت. ~~- الحمد لله، كل رجائي أن أترك ما جمعت للأولاد. ~~- أليس لي أولاد أنا الآخر، مم تخاف؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- الفقر؟ ~~- أهو قليل؟ ~~- لم تخفه أبدا. ~~- كنت أخافه دائما كما تخافه أنت دائما. ولكننا كنا نخفي خوفنا. ~~- أتذكر؟ ~~- أذكر، وهل يمكن أن ننسى؟ ~~- أتذكر يوم خسرنا كل أموالنا وخرج كل منا مدينا بعشرين ألف جنيه؟ ~~- وهل ينسى ذلك اليوم؟ جلسنا في المقهى نلعب النرد، وجاء صديقنا محمد باشا يوسف يهمس في ~~أذني أنه يريدني لأمر جليل. ~~- نعم، كان محتاجا لألف جنيه سلفة. ~~- يرحمه الله، كان رجلا. ~~- لا أنسى ضيقك وألمك، يومذاك لم تهزك الكارثة وهزك أن صديقا لك قصدك وليس معك ما تجيب ~~به طلبه، والله إنك رجل يا همام، اقترضت المبلغ بفائدة بشعة وذهبت به إلى صديقك. ~~- وهل كان يمكن إلا هذا؟ ~~- رجل والله. ~~- الله يرحم محمد باشا. رد المبلغ وتوفى ولم يعلم أني كنت أشد منه إفلاسا. ~~- ومع ذلك تخاف؟ ~~- الأولاد يا فواز، الأولاد. ~~- اسمع، لماذا لا تكتب الأرض باسم زوجتك؟ # فقال همام جازعا: أتعني أهرب أموالي؟ ~~- وما البأس! ~~- أخون ثقة الناس، أسرق يا همام، أترضى لي ذلك؟ أتفعلها أنت؟ ~~- يا أخي والله ... ~~- ماذا؟ ~~- لقد اضطررت أن أفعل هذا. ~~- ماذا؟! ~~- أليس لي الحق أن أخاف أنا أيضا؟ ~~- هذه سرقة يا فواز! ~~- وماذا أفعل؟ ~~- توقف عن المضاربة. ~~- لا أستطيع، وأنا لم أبتدع شيئا جديدا. ~~- لا يا فواز، صداقتي بك في كفة وبقاء أموالك باسم زوجتك في كفة. ~~- على مهلك يا همام. ~~- أبدا، غدا، غدا يا فواز، غدا وليس بعد غد. ~~- أترى هذا! ~~- ولا صداقة بيننا حتى أرى أموالك باسمك، إلا هذا يا فواز، إلا ms024 هذا. ~~- أمرك، لم يكن ضميري مستريحا أنا أيضا. ~~- بل كان يجب على ضميرك ألا يقبل هذا من أول الأمر. ~~- طيب يا سيدي، أمرك. ~~- بل أمر الأخلاق يا رجل، غدا يا فواز. ~~- غدا يا همام، غدا إن شاء الله. ~~- وسأنسى لك هذه الحكاية وكأنها لم تكن. ~~- لهذه الدرجة أنت غاضب؟! ~~- أنت تعرف إلى أي مدى أنا غاضب. ~~- والله لقد جئت إليك من أجل هذا، فمنذ نقلت أموالي وأنا أحس شيئا يخزني فلا أستطيع ~~النوم أو الاستقرار. ~~- أتنسى ما فعلناه مع حمدي الأسواني لأنه هرب أمواله؟ ألم أشتمه في وجهه وأيدتني ~~أنت؟ ~~- انظر إليه الآن، خسر مائة ألف جنيه ولم تمس أمواله بسوء. ~~- ولكنه بلا كرامة. ~~- أي كرامة تقصد؟ الناس جميعا يحترمونه! ~~- يحترمونه في وجهه، ويحتقرونه إذا ابتعد عنهم. ~~- يا أخي أنت مبالغ، انظر إلى سيد باشا الحديدي، أكل أموال أخيه وخرجوا إلى المقاهي ~~يسألون الصدقة، وقد ترك لهم أبوهم ألف فدان، ومع ذلك يحترم الناس سيد باشا ويحتقرون أولاد ~~أخيه. الناس لهم الغنى، لا يهمهم من أين أو كيف أصبح غنيا. المهم عندهم أنه غني. ~~- أتحترم أنت سيد باشا؟ ~~- والله ... والله ... ~~- أتفكر؟ إن كنت تحترمه، فأنت لست صديقي! ~~- ماذا؟ أأصبحت صداقتي هينة عليك إلى هذا الحد؟ ~~- إنما أنت عزيز علي؟ وهذا الذي تقوله كبير وليس هينا كما تظن. ~~- طيب يا سيدي وهو كذلك، أعود إليك غدا إن شاء الله ومعي ما يرضيك. ~~- وإني منتظر. # | الفصل السابع # طال مرض فايزة والمسكينة لا تملك إلا طاعة الأطباء دون أن تجدي الطاعة أو يجدي الأطباء. ~~وقد كان خيري خليقا أن يزورها في كل يوم ليرى وفية ويطمئن على فايزة، ولكنه حين أعمل عقله ~~وجد أن الامتحان الحاسم أصبح على الأبواب، ووجد أن الاطمئنان على فايزة يمكن أن يتم عن طريق ~~محسن، أما مذاكرته هو لدروسه فلا يمكن أن تتم إلا عن طريق المذاكرة نفسها بلا طريق آخر. ~~واستطاع بالأمل الذي وضعته أمه له عند النجاح أن يكبح هوى قلبه وإلحاحه عليه أن يزور وفية ms025 ، ~~فظل في بيته وقد تولاه سعار من المذاكرة، وطلب إلى محسن أن يأتي ليذاكر معه حتى يتهيأ لهما ~~جو بعيد عن مرض فايزة، وحتى يستطيع محسن أن يبتعد قليلا عن خوفه على أخته ويفرغ إلى هذا ~~الامتحان الذي يتقدم منهما حثيثا لا يوقفه مرض فايزة أو خوف محسن. # كان خيري حائرا، أيريد الأيام أن تمضي سراعا، فتدنو به إلى الأمل المرتقب، أم يريدها ~~أن تمر رهوا بطيئة وهي تحمل في قوابلها الامتحان وما في الامتحان من رعب؟ حيرة سرعان ما ~~تدور بها المذاكرة فتذوي في طوايا النفس لا تعود إلا عند فراغ - وما أقل الفراغ - أو قبيل ~~نوم - وأين منه النوم؟ # أما محسن فقد كان يجد في الذهاب إلى خيري مسلاة عن هذا المرض الذي انصب على أخته فكأنما ~~انصب على البيت جميعا، وقد كان خليقا أن يجد عند أصدقائه في المقهى هذه المسلاة نفسها، ~~ولكنه لم يجد في نفسه خفة إلى مرح أصدقائه هؤلاء، كما أن خيري لم يتح له الذهاب إليهم، فهو ~~لا يزال به يذكره بقرب الامتحان وبضرورة المذاكرة حتى لوى به عن طريق المقهى إلى ~~البيت. # كان خيري ومحسن منهمكين في المذاكرة حين دلفت نادية إلى الحجرة فلم يحس بها واحد منهما. ~~ووقفت نادية قليلا ثم ضاقت بهذا الصمت الذي ران على الصديقين. واشتد ضيقها أن لم يرحب ~~بمقدمها أحد، وهي لم تدخل حجرة إلا واستقبلها الترحيب المرح الفرحان. ولم تطق السكوت فقالت ~~في غضب: يا سلام، طيب أنا أيضا أذاكر ولن أكلم أحدا. # واختطفت كتابا وأمسكته وأولت الشابين ظهرها في سرعة خفيفة طفلة، وانتبه الاثنان إلى ~~نادية جازعين لصوتها في الوهلة الأولى، ثم لم يلبثا أن استغرقا في قهقهة طويلة. وقام إليها ~~خيري يعتذر وسعى بها إلى محسن، وتركا المذاكرة حينا وراحا يحادثان نادية ويحاولان ~~استرضاءها. ولم يلبث خيري أن رأى الدموع تطفر من عيني محسن، فتذكر مثل هذه الجلسة حول ~~فايزة، وما لبثت الدموع أن طفرت من عينيه هو أيضا فسارع إلى عينيه يزجرهما ms026 بيده، ثم تمالك ~~من أمر نفسه ما كان يفلت وصاح بمحسن: ماذا جرى يا أخي لا قدر الله؟ إنه مجرد مرض ويزول. ~~- أيزول حقا يا خيري! ~~- إن شاء الله يا أخي، لماذا هذا التشاؤم؟ ~~- فقط لو نعلم ما هو المرض! ~~- حرارة، مجرد حرارة. ~~- مسكينة يا خيري، صغيرة ولا تحتمل المرض! ~~- على العكس، فإن الصغار يتحملون المرض أكثر مما نحتمله نحن. # وأخذت نادية بهذه الدموع التي تبادلها الصديقان وعجز عقلها عن فهم الحديث. ولكنها رأت أنه ~~لا بد أن تشارك في الأمر، ولم تكن تستطيع المشاركة إلا في الحديث عن البكاء، فهو الشيء ~~الوحيد الذي تفهمه في كل ما حدث. ~~- أنت زعلت يا آبيه محسن مني، طيب لا تزعل، لن أذاكر وسأكلمك. # وضمها محسن يخفي عنها دموعه، ولكن خيري أخذها من بين أحضانه وحملها ليصعد بها إلى ~~غرفتها، وأراد محسن أن يبقيها فقال خيري: لا، ليس اليوم، أعصابك أصبحت تالفة جدا. # وخرج خيري فلم يغب غير دقائق، ثم عاد إلى محسن يقول له: قم بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى منزلكم. ~~- لماذا؟ ~~- عجيبة! أأقول لك إني أريد الذهاب إلى منزلكم فتقول لماذا، هل لا بد من مناسبة؟ ~~- لا أبدا، أهلا وسهلا، ولكن المسألة لا تحتاج. ~~- بالعكس تحتاج جدا، أولا نتمشى قليلا ونريح أنفسنا، وثانيا أرى فايزة فإني لم ~~أرها من زمان، هيا. # وقاما. ~~••• # كان عزت بك الأزميرلي رجلا من رجال السياسة، وقد كان يلجأ إلى بيته من صخب الحياة التي ~~يحياها، وكان يجد الهناءة كلها في بيته، في الجلوس إلى أولاده كلما أتاحت له أعماله هذه ~~الجلسة. # وكانت فايزة أقرب أبنائه إليه، فهو شديد الحب لها، فقد رزقها وهو كبير السن. وكانت في هذه ~~السن الحبيبة التي لا يستطيع أحد إلا أن يدلل أصحابها. وقد هاله مرضها، وحين طال بها أصبح ~~يهرب من البيت ويلقي بنفسه في غمار السياسة، فإذا وجد فراغا كان يقصد إلى ابن عمه همام ~~محاولا ما وسعه الجهد ألا يعود إلى البيت. # وارتاحت إجلال هانم لغياب زوجها وابنها محسن ms027 ، فقد أتاح لها هذا أن تفرغ لتمريض ابنتها لا ~~يشغلها عنها شاغل من زوج أو ولد. وأصبحت لا يلازمها إلا ابنتها الكبرى وفية، فقد كانت هذه ~~عونا لها على هذه الشدة التي طال بها الأمد. وكانت وفية تحب أن تقوم بهذا العون، فهي تحب ~~أمها وتحب أختها وتشفق على كلتيهما من الجهد والمرض. وقد أتاح شباب وفية لها أن تبذل الجهد ~~الذي لا تطيقه أمها، فهي تتولى إعطاء الدواء لفايزة، وهي تتولى شئون البيت، وهي تنتظر أباها ~~وأخاها حتى يعودا، وهي تقوم بهذا جميعه راضية لا تفكر في شيء إلا شفاء أختها، وإلا هذا ~~الشيء الذي لا تملك أن تنساه وإن زجرت نفسها وعنفتها أن تذكره في هذه الأيام التي تمر بهم، ~~هواها، إنه لا يستحي أن يذكرها بنفسه في هذه الأوقات الحالكة من حياتها. بل لقد أصبحت لا ~~تذكره لأنها لا تنساه أبدا. لقد أصبح شعورا ملازما لكل شعور آخر ينتابها، فهو معها يتردد ~~مع أنفاسها، ومع مسرى كل تفكير يمر بذهنها، ومع كل خلجة يختلج بها قلبها. # أقبل محسن وخيري إلى البيت ودخلا حجرة فايزة، ولم تكن بها وفية. # لم يكن خيري قد رأى فايزة منذ فترة طويلة، فجزع لهذا الهزال الذي نزل بها، ولم يشأ أن ~~يظهر أهلها على ما لاحظه، وخشي أن يخونه تعبير وجهه، فتضاحك وحاول أن يداعب فايزة ففشلت ~~دعابته، واستدار يخرج من الغرفة مسرعا. وجلس في ذلك الركن من البهو الذي حاول فيه أن يبوح ~~بحبه فلم يستطع. ولم يطل به الجلوس، فقد جاء محسن ليجلس إليه، ولكن ما لبثت إجلال هانم أن ~~دعت محسن ليعود إلا أخته لأنها تسأل عنه. وقام محسن وهو يقول في تأثر شديد: إنها لا تراني كثيرا في هذه الأيام؛ ولهذا تتعلق بي كلما دخلت إلى غرفتها. # فقال خيري: لا شأن لك بي، سأنتظرك هنا حتى تعود. # وذهب محسن إلى أخته، وراح خيري يدور بعينه على أبواب الحجرات الأخرى لعله يرى بصيصا ~~ينبئه أن وفية هناك، ولكنه لم ms028 يجد. كاد يسأل عنها الخدم، ولكن الخجل منعه أن يفعل. ومنعه ~~أيضا ظهورها من باب الخدم وبيدها إناء مليء بعصير الليمون. # وقفت وفية حين رأته وقد شاعت في وجهها فرحة كبيرة لم تبن عنها إلا في: أهلا. # ولكنها كانت كافية ليجد فيها خيري كل ما يتمنى محب أن يجده عند هواه. # وقام خيري إليها يحمل عنها الإناء وهو يقول: أهلا بك. # واقترب الحبيبان، وأنعم خيري النظر وتقلبت على عينيه طيوف من الفرح والعجب والإشفاق. كانت ~~وفية في شاغل عنها جميعا بفرح لقياه، وحين أفاقا إلى وقفتهما وتنبهت وفية أنه يريد أن ~~يأخذ عنها الإناء قالت: لا، سأدخله إليها وأعود، فإن أمي لا تأمن أن يصنع أحد العصير إلا أنا. # وتنحى خيري عن مكانه ذاهلا لا يزال. # كانت وفية طويلة القامة هيفاء، لا هي بالنحيفة ولا هي بالمليئة، وإنما كما يشتهي الجمال ~~أن تكون. وكان شعرها أسود فاحما كثا غزيرا، ينسكب انسكابا ويتهدل على جبينها صقيلا. ~~وكان خيري يحب منها يدها وهي ترفع خصلات شعرها الجامحة لتعيدها إلى رأسها. وكان وجهها أبيض ~~تشوبه سمرة خمرية، تشع فيه عيناها السوداوان في حور شديد لا يشوب بياضهما إلا زاوية حمراء ~~صغيرة في عينها اليسرى يراها بعضهم عيبا ويراها خيري جمالا أي جمال. وكانت أهدابها العليا ~~ترتفع في إباء حتى لتكاد تبلغ أجفانها، بينما تنسدل أهدابها السفلي طويلة مثل العليا. كانت ~~أهدابها كالزهرة الغضة تفتحت منذ قريب. وكان أنفها دقيقا يتفق وشفتيها الرقيقتين وذقنها ~~الصغير. كان خيري يحب في وفية، وفية، بكل ما فيها، وقد باغته العجب حين رأى بعض شحوب ~~يكاد يحيل سمرتها إلى بياض، ولكنه أزمع في نفسه ألا يفاتحها بما لاحظه. ~~••• # عادت وفية إلى حبيبها، وجلست إليه في المكان نفسه الذي أحست فيه أنه يريد أن يقول فلم يقل، ~~جلست وهي تقول: خير، ماذا أتى بكما؟ ~~- أعجيبة أن نأتي؟ ~~- نعم، الامتحان قرب، وهذه بكالوريا يا خيري. ~~- صحيح، ولكن ... # وأراد خيري أن يسكت، ولكنه لم يجد جوابا من إكمال الحديث فأكمله، وذكر ms029 لها ما كان من ~~دموع محسن، وما لبث أن تلألأت على أهداب وفية دمعات تأبى أن تسيل أو تغيض. وحاول أن يعتذر ~~ولكنه رأى دموعه هو أيضا تنحدر على وجنتيه. ولم يكفكف دموعها أو دموعه، فقد أحس بعد أن رأى ~~فايزة أنه لا بد من هذا البكاء. # ومن بين الدموع روت وفية لخيري كيف تزداد حالة أختها سوءا في كل يوم، وحين سألها ~~خيري: والأطباء؟ # قالت في أسى: يخيل لي أنهم يعرفون المرض ولكنهم يخفونه عنا. ~~- يخفونه؟ ~~- يخيل لي هذا. ~~- لعلهم لم يثقوا منه بعد! ~~- لا أدري! ~~- أتنتظرون أحدا منهم الآن؟ ~~- نعم، سيأتي الدكتور عبد الحميد فاضل. ~~- سأنتظر حتى ألقاه. # | الفصل الثامن # كانت دولت تجلس إلى أمها في سكون، وقد أمسكت بيدها قميصا لأخيها ترتق فتوقه، والأم تنظر ~~إليها بين الحين والحين تريد أن تحادثها في أمر يأخذ عليها تفكيرها، ولكنها ما تلبث أن تعيد ~~الكلام إلى داخلها في تردد حائر. # وكانت دولت تحس عيني أمها كلما صوبتا إليها وتحس رغبتها العارمة في الحديث، بل كانت تحس ~~حيرتها وجهادها لنفسها أن تكتم هذا الحديث. الأمر الذي كانت تغباه ولا تعرفه هو موضوع هذا ~~الحديث، وإن كانت تظن ظنا يكاد يبلغ اليقين أنه حديث يدور حول سفر أخيها حامد الذي أصبح ~~وشيكا. ولكن أي شأن لدولت بهذا السفر؟ لقد عاشت عمرها في البيت آلة، آلة لغسل الأطباق ~~ولغسل الملابس ولغسل الأرض وللمعاونة في المطبخ ولشراء الحاجات ولكل ما يتصل بأعمال البيت، ~~ولكنها آلة بلا رأي ولا رغبة تبديها ولا معارضة، آلة لها كل ما للآلة من حقوق وعليها كل ~~ما على الآلة من واجبات، فعلى الآلة أن تقوم بعملها وعلى صاحبها أن يحميها من الطبيعة ~~فيكسوها إذا كان الكساء يحفظ عليها انتظام سيرها، ويئويها إلى سقف إذا كان لا بد لها من ~~سقف، وعليه أن يلقي فيها الوقود حتى تعمل، وكانت دولت تثور في بعض الأحيان كلما هفت نفسها ~~إلى شيء وعجزت عن إبداء رغبتها، ولكنها ثورة تذوب من فورها في ms030 غمار أعمالها وفي غمار ~~الأحلام التي ترسمها لنفسها عن مستقبل لها في ظل رجل، أي رجل، فقد كان حديث الرجال يطربها، ~~فكانت تتلقفه من أفواه النسوان اللواتي يكبرنها في السن، واللواتي لا حديث لهن يدور إلا عن ~~الرجال، وكانت دولت تقول لنفسها إذا مال حديث أولئك النسوة إلى الأطفال، ومن أين يأتي ~~الأطفال؟! وهكذا كانت تلتذ هذا الحديث عن الرجال، فإن انحرف حورته في ذهنها إلى الوجهة التي ~~ترضيها. فإن خلت إلى نفسها خلت وفي نفسها ذخيرة وافرة من الأحلام والآمال، في ظل رجل، أي ~~رجل. # وهكذا وجدت دولت نفسها حائرة في أمر هذا الحديث الذي تريد أمها أن تلقيه ثم تكتمه. فهي ~~تعلم أن لا شأن لها بأي شأن مهما يكن متصلا بحياتها، فهي لم تعود أن تتدبر حياتها، آلة، ~~ومهما تكن لهذه الآلة من أحلام وأفكار وآمال وهواجس إلا أنها تعلم أنها أمام أمها وأخيها ~~بلا أحلام ولا أفكار ولا آمال ولا هواجس. وقد تبدي رأيا أو تطلب شيئا، ولكن هذا لا يعني ~~أن يأخذ أحد منهما برأيها، بل إنها تعلم أنهما في الغالب سيهملان هذا الرأي، ولعلهما ~~يهملانه عن عمد لأنه صدر عنها، وتعلم أيضا أن الطلب الذي قد تهفو إليه قلما يتحقق، بل ~~إنه لن يتحقق إلا إذا أيدتها أمها فيه. # فماذا إذن يدور في ذهن أمها ولا تستطيع أن تصارحها به؟! لم تطق السكوت طويلا، فألقت ~~سؤالا تعرف جوابه ولكن كان لا بد منه. ~~- ألم يقل أخي متى يسافر؟ ~~- لم يحدد الميعاد بعد، ولكن يهيأ لي أنه سيسافر قريبا، قول لي يا دولت. ~~- نعم يا أم. # ثم سكتت الأم ولم تقل شيئا، ولكن دولت لم تسكت بل عادت تقول: نعم؟ ~~- يا بنتي ... ~~- ماذا يا أم؟ # وأجمعت الأم أمرها أخيرا وقالت: ماذا نفعل حين يسافر أخوك؟ ~~- ماذا نفعل يا أم؟ ~~- أنبقى هكذا بلا رجل، وأنت يا بنتي كبرت وأخاف عليك أولاد الحرام؟ ~~- مم تخافين؟ ~~- هيه، ماذا أقول؟ النهاية، ألا تعرفين مم أخاف؟ ~~- يا أم، لا تخافي ms031 ، بنتك ناصحة ولا تفوتها الفايتة. # وخالطت صوت الأم نبرة من السخرية وهي تقول: صحيح، لم أكن أعرف. ~~- صحيح والنبي يا أم، لا تخافي أبدا. # وقالت الأم في صوت يائس ساخر: طيب. # ثم سكتت قليلا ولكنها لم تطق، فقصدت إلى ما تريد دون لف أو دوران. ~~- وماله فهمي الفهلوي! أليس رجلا يستر عليك؟ واسمه على كل حال رجل في البيت بدل أن ~~نبقى امرأتين وحيدتين! ~~- وما شأني أنا يا أم؟ # وفي سخرية مريرة قالت الأم: أخوك يريد لك رجلا متعلما. ~~- وماله يا أم؟ ~~- وماذا يفعل بك المتعلم؟ ~~- وما عيبي؟ # طيب يا أختي، يا فرحتي بك وبأخيك وبالمتعلمين الذين يرتمون تحت أقدامك وأقدام بسلامته ~~حامد. ~~- الله يا أم، وأنا ما ذنبي حتى تسخري مني، لم تقدري على الحمار قدرت على البردعة، ~~الأمر أمر أخي، وهل خرجت عن طوعه؟ ~~- يا بنتي نريد الستر، الستر يا بنتي، ربنا يستر. ~~- أنا طوع أمركما، افعلا ما تريانه، ولو أني أريد أن أعمل في غياب أخي. ~~- وماذا تعملين؟ هل معك الشهادة؟ ~~- أي شيء، أليس لي يدان وأعرف القراءة والكتابة، سأعمل حتى أساعدك في المصاريف. ~~- وهذه أيضا لا أدري كيف أدبرها، ليس لنا إلا المعاش، هيه، النهاية. ~~- ألا ينوي أخي أن يرسل لك شيئا من أوروبا؟ ~~- وكيف؟ إن ما سيناله يكفيه بالكاد، أمر الله، هو العالم. # وقبل أن تجيب دولت يدخل حامد، وقد أعد نفسه للتجهم الذي تلقاه به أمه في هذه الأيام حتى ~~عوده. ويجلس حامد بعد أن يطلب إلى أخته أن تعد له فنجان قهوة. وتقوم أخته وهي تسمع أمها ~~تقول له: بسلامتها تريد أن تعمل. # وتسمع أخاها يقول: وماذا تعمل؟ # وتقول دولت وهي تغادر البهو: أي عمل؟ # وتمص الأم شفتيها وهي تقول: حكم! ~~- لو كان معها شهادة! # ويسكت الاثنان، فقد استنفدا في هذه الأيام كل نقاش يمكن أن يدور حول سفره، أو زواج أخته ~~من فهمي، أو إرسال نقود من الخارج، لم يبق لهما موضوع يمكن أن يتناقشا فيه، لم يعد ~~أمامهما إلا الصمت. # وعادت ms032 دولت بالقهوة وهي تقول: وأي عيب في أن أعمل يا أخي؟ ~~- لا عيب، ولكن ماذا تعملين وأنت بلا شهادة؟ ~~- ممرضة، مربية، أي عمل، وعلى كل حال أنا أقرأ وأكتب. ~~- نعم أعرف. ~~- اسمع والنبي يا حامد، لماذا لا تكلم تلميذك خيري، لعله يجد لي عملا؟ ~~- سأفكر في الموضوع يا دولت، أشوف. # | الفصل التاسع # كان همام بك في حجرة مكتبه ينتظر ابن عمه عزت الذي أخبره بالتليفون أنه قادم إليه لأمر ~~هام، وقد انتهز همام هذه الفرصة ليراجع حساب البنك الذي جاءه في هذا الصباح، وليراجع أيضا ~~حسابات مزارعه. وما كاد يجلس إلى مكتبه حتى فتح باب الحجرة وبدا منه صديقه فواز جامد الوجه ~~كعادته، وألقى تحيته في هدوء وجلس إلى الكرسي الذي تعود الجلوس إليه، وقام همام من مكانه ~~وجلس إلى الكرسي المقابل له وهو يقول في نبرة عادية يحاول أن يفتح أبواب الحديث: هيه كيف الحال؟ # وقال فواز في نبرة طبيعية: الحمد لله. ~~- ماذا فعلت في الصفقة الأخيرة؟ ~~- خسرت. ~~- كم؟ ~~- كل شيء. ~~- ماذا؟! ~~- كل شيء، لم يبق لي شيء على الإطلاق. ~~- كل شيء؟ # وأخرج فواز تصعيدة من أعماق قلبه وهو يقول: كل شيء. ~~- الأرض والعقارات والأسهم و... ~~- والمال السائل وكل شيء ... ~~- وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- سأضارب. ~~- يا فواز! ~~- ماذا؟ أتريد أن تنصحني الآن بعدم المضاربة، هل أمامي شيء آخر؟ ~~- والله لا أدري، أنا لا أعرف حتى ماذا أقول، أصبحنا يا فواز في سن لا تحتمل هذه الهزات، ~~السنوات تمر، والعمر له حكم. ~~- أعرف، ولكن ماذا أفعل؟ ~~- هل أستطيع أن أفعل شيئا؟ ~~- طبعا. ~~- تحت أمرك. ~~- ضمانة. ~~- متى؟ ~~- غدا. ~~- أين؟ ~~- عند الخواجة بتشتو في الساعة العاشرة. ~~- سأكون هناك. ~~- أتشترك معي في هذه العملية؟ ~~- شكرا. ~~- هيه، أمرك، أتعرف من رأيت اليوم؟ # ثم جرى الحديث بين الصديقين وكأنما لم يحدث شيء، كأنما هو فواز الغني الذي لم يخسر ~~أمواله جميعا ولم يصبح فقيرا يكاد لا يملك الملابس التي يرتديها، هو هو لم يتغير فيه شيء، ~~يضحك إذا مر الكلام بما يضحك، ويهتبل النكتة إن ms033 عرض لها الحديث، حتى إذا أقبل عزت ورآهما ~~في حديثهما هذا ظن أن الأنباء التي بلغته عن إفلاس فواز غير صحيحة، وإن كان قد عرفها من ~~مصادرها التي لا تخطئ، جلس عزت إلى الصديقين وشاركهما في الحديث، ودار بهم الكلام في كل ~~متجه. وحاذر عزت أن يذكر البورصة وما كان فيها، وكان الآخران بعيدين عن حديثهما أيضا، فقد ~~استنفدا عنها ما تستحق من حديث، وطالت الجلسة وهم فواز بالانصراف، ولكن همام ألح عليه أن ~~يقعد مصمما في دخيلة نفسه أن يجعل عزت ينصرف قبل فواز. فقد أدرك الأمر الهام الذي كان ~~يريده فيه، إنه أراد أن يخبره بإفلاس فواز وأراد أن يحذره من ضمانته، وكان همام يعلم أن لا ~~جدوى من هذا التحذير فأراد أن يتجنب المناقشة. # وأدرك عزت السياسي المداور ما بيته همام في نفسه، فعزم على البقاء حتى يخرج فواز، وأدرك ~~همام أن لا محيد له عن هذه المناقشة بينه وبين عزت. # خلت الحجرة بهما، فبادر همام يسأل وعلى فمه ابتسامة: يا أخي، أليس لك بيت؟ ~~- بلى لي بيت، وسيظل لي بيت. # واتسعت الابتسامة على وجهه وهو يقول: ماذا تقصد؟ ~~- أقصد أنه سيظل لي بيت ما دمت لا أضمن الناس، وخاصة الذين يضاربون بأموالهم جميعا، ولا ~~يكتفون بهذا بل يطلبون ضمانة أصدقائهم أيضا. ~~- ماذا تنتظر مني أن أفعل؟ ~~- يا أخي، ربنا خلق كلمة في اللغة العربية اسمها لا، وأخرى اسمها متأسف، ولا أستطيع، ~~وعندي أولاد. ~~- عندي أيضا أصدقاء، وعلي واجبات لهم. ~~- واجباتك نحو أولادك أولا. ~~- أتعرف يا عزت أنه كتب كل أمواله باسم زوجته؟ ~~- عظيم، تضمنه زوجته. ~~- جعلته أنا يعيدها باسم نفسه، ألا تراني مسئولا عن إفلاسه الآن إلى جانب مسئوليتي ~~كصديق العمر؟ # وارتج على عزت هونا ثم قال: أتعرف المبلغ الذي ستضمنه فيه؟ ~~- لا، لم أسأله. ~~- أراهن أنه مبلغ يزيد على أملاكك. ~~- لا أستطيع الرفض. ~~- يا همام، أرجوك. ~~- ماذا فعلت مع طبيب فايزة؟ # وغامت عينا عزت بالدموع فجأة، ولكنها ما لبثت أن غاضت وقد تماسك قائلا: لا ms034 فائدة. ~~- مطلقا؟ ~~- لن تسمع شيئا بقية عمرها؟ ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- المصيبة أنها صغيرة ولا أدري كيف يكون مصيرها؟ كيف تتعلم؟ كيف؟ # ثم تماسك وصمت. ~~- ألا تذهب بها إلى أوروبا؟ ~~- سأذهب، ولكن ليس للعلاج. ~~- لماذا؟ ~~- أنت تعرف كما أعرف أنا أنه لا فائدة، حمى شوكية قضت على السمع، لا علاج لها في أي ~~مكان. ~~- فلماذا تذهب؟ # أولا لا أريد أن أفجع أمها في أمل قد يلازمها بضعة أشهر أخرى، وثانيا أريد أن أبحث عن ~~مدرسة لتعليم ... # وعادت الدموع في عينيه مرة أخرى، وأطرق همام. ولكن عزت أكمل جملته في صوت يختلط ~~بالبكاء: الصم. # | الفصل العاشر # رحمتك اللهم ورضاك، كان أهون علي لو أرحتها من العالم وأخذتها إلى جوارك، ولكن الأمر ~~أمرك لا حيلة لنا فيه. ما ذنبها يا رب؟ ماذا جنت؟ ولكن سبحانك، تصيبنا لتختبر الصبر فينا، ~~وهل نملك إلا الصبر؟ بماذا تلاقي الدنيا هذه الفتاة المسكينة؟ بنتي حبيبتي، لقد سدت ~~منافذ الصوت إلى عقلها، وقف وعيها عند هذه السنوات القلائل التي بلغتها من العمر، ما ~~مصيرها؟ أتظل ترنو إلينا بهذه العيون الحائرة القلقة المذعورة؟ إنها لا تدري ما بها وهي ~~تحسه أو فيما يكون الحس، لم تعد تسمع شيئا، لا تستطيع الضحك، ولا تعرف إلا البكاء، ~~كلما رأتنا نتكلم، فهي لا تسمع كلامنا وإنما تراه، تبكي، لقد فقدت شيئا كبيرا، ثم هي ~~لا تدري ماذا فقدت فتبكي، تسأل، تسألني، وتسأل أخاها، وتسأل أختها: لماذا لا أسمع؟ ~~وكيف نجيب؟ وكيف تسمعنا إن نحن أجبنا؟ يا حبيبتي يا بنتي، أهكذا ينقطع ما بينها وبين ~~الحياة، لا تتصل بالدنيا إلا بعيون جاهلة. طفلة صغيرة حائرة، ترى أتجدي هذه المعلومات ~~القلائل التي تعلمتها؟ وإلا فكيف تتعلم؟ أو كيف تعيش؟ يا رب هذا هو القضاء، فأين اللطف ~~فيه؟ وتلك هي الكارثة، فيدك الكريمة يا رب ترفع بعضها أو تخفف وقعها، يا كريم يا ~~رب. # ضاقت بالسرير وضقت بالأمل، فتركت هي السرير. أتراني أستطيع أن أترك الأمل؟ وماذا لي غيره، ~~يأس؟ يأس قاتل ms035 أسود مرير، كحياتها بل كحياتي، أبقاك الله يا عزت، تريد أن تخفف عني ~~المصيبة ولعلها عليك أشد. وتريد أن تفسح لي أملا من السفر إلى الخارج، وهل أجهل المرض، ~~أليس في أوروبا صم؟ فما لهم لم يعالجوا هناك إذا كان هناك من يعالج؟ ولكنها صغيرة، ~~فالفاجعة فواجع، والمصيبة مصائب، لن تكون بنتي فايزة صماء فحسب، بل قد تغدو شبه بلهاء. ~~أو كيف تفهم ما يدفع عنها البله وهي لا صلة لها بدنيا الناس إلا عقل استقر عند السادسة لا ~~ينمو. وكيف له أن ينمو؟ وعلم توقف لا يزيد. وكيف يزيد؟ أأرجو لها الموت؟ يا لي من أم ~~قاسية، أأتمنى لها الموت لترتاح هي أم لأرتاح أنا؟ ماذا فعلت يا رب حتى يصبح موت ابنتي ~~أمنية عندي؟ هل أستحق هذا؟ لعلك في مطوي علمك قد ادخرت لي عندك ثواب هذا العذاب. ولكن ~~سبحانك أي ثواب يعدل ما ألاقيه، ولكن سبحانك فإنك تعلم ما لا نعلم وحسبنا أنت. إنك أنت، ~~أنت حسبنا ونعم الوكيل. # وقامت إجلال هانم من جلستها الصامتة الصاخبة تملأ الدموع وجهها، دموع حارقة لا تطفئ ~~نارا ولا تريح فؤادا. قامت فاستقبلت القبلة وأقامت الصلاة تتمتم ألفاظها غائبة عن ~~معانيها وتؤدي مناسكها ذاهلة، وإنما هي قيام وركوع وسجود تقوم بها جميعا كشيء يسير في طريق ~~فرض عليه لا يدري مبتدأه أو منتهاه. # وحين بلغت إجلال قراءة التحيات الأخيرة دلف إلى الغرفة زوجها عزت واتخذ كرسيا وظل يرنو ~~إليها يجاهد نفسه ما وسعه الجهد ألا تبدر من عينيه دمعة، والله وحده يعلم أي كفاح مرير بذله ~~حتى يذود الدموع عن عينيه، تاركا قلبه يبكي في نشيج مرير مكتوم. كان لا بد له أن يصبر حتى ~~يصبر البيت جميعه، وكان لا بد له أن يتماسك حتى لا يفقد أسرته كلها، فصبر وتماسك. # إذا أصاب الموت بيتا فأيام أو شهور ثم يعود البيت إلى سابق حياته، فالموت يطوف طواف ~~الزائر العجلان، يختار من يختاره ثم يمضي به لا يترك إلا الذكرى. وللأيام على ms036 الذكرى سطوة، ~~فهي تنسيها، وإن عادت بها فلحظات أو ساعات ثم يعود القوم المصابون إلى مألوف حياتهم. أما ~~هذه الكارثة التي أصابت بيت عزت فهي قائمة تسعى في البيت تطالع القلوب التي تحف بها بالهول ~~الذي أصابهم فيها، وإنهم ليدركون ما أصابهم ويقدرون عواقبه، وينظرون إلى المستقل الذي ~~ينتظرها فلا يرون إلا سوادا حالكا، أما هي فقطعة من إحساس يسعى في البيت، إحساس يعلم ~~أنه مصاب بفادح من الأمر، ثم يقف بها العلم عند الشعور بلا إدراك ولا تفكير في العواقب ولا ~~نظر إلى المستقبل. # فرغت إجلال من الصلاة ولم تفرغ دموعها فإنها لا تزال تنهمر على وجنتيها سكبا بلا توقف، ~~وأنعم عزت فيها النظر بعض الحين حتى ملك مر لسانه وقال: وبعدلك يا إجلال؟ ~~- لا عليك يا عزت، تحملني، المصيبة كبيرة. ~~- لعل الله يكرمنا فنجد علاجا في أوروبا. ~~- أتراني صغيرة يا عزت؟ لا فائدة، وأنا أعلم أن لا فائدة. # وارتج على عزت هنيهة ثم قال: كيف؟ كيف؟ من قال هذا؟ ~~- أنا أقوله، اسمع، المهم أن نبحث الآن عن طريقة تتعلم بها القراءة والكتابة. ~~- لعلنا في أوروبا نجد الطريقة. ~~- ماذا تتعلم هناك؟ لغة أخرى غير لغتنا، لا، دع عنك سفر أوروبا هذا، لا فائدة منه ~~على الإطلاق. ~~- يا ستي من يعرف؟ ~~- عزت، أرجوك، أنا لست صغيرة. ~~- طيب! لعلنا نجد لها مدرسة هناك؟ ~~- ولا هذا، هل يمكن أن أتركها في هذه المدرسة؟ ثم ماذا تتعلم فيها؟ # أتتعلم أن تجهلنا نحن أيضا ونحن كل ما بقي لها؟ أم تتعلم قراءة لغة أخرى وكتابتها فلا ~~نستطيع التفاهم معها؟ ~~- إذن فماذا تريدين؟ ~~- أريد شيئين، أريد بنتا كبيرة بعض الشيء ترافقها وتحاول أن تلهيها وتؤدي لها ما تحتاج ~~إليه، وأريد أن تبحث عن وسيلة لتستأنف تعليمها، فهي تعرف الحروف، وكانت قد ابتدأت تتعلم ~~الهجاء. فلنحاول أن ننتفع بهذا القليل الذي تعلمته لعلها تستطيع القراءة فتفهم ما لا نستطيع ~~إفهامه لها بالكلام. ~~- أمرك. ~~- تعليم فايزة أهم من تعليم محسن نفسه. فايزة ستظل وحيدة العمر كله. # وأطرق ms037 عزت في حزن مرير وهو يقول: نعم، أعرف هذا. ~~- لا بد أن نواجه الحقيقة، نحن نعرف أنها لن تتزوج ولن يكون لها بيت إلا هذا البيت، فلا ~~بد أن تفهم حتى تستطيع أن تعيش. ~~- نعم يا إجلال، أنا أدرك هذا تماما، ربنا يوفقنا إن شاء الله. ~~- سبحانه ليس لنا إلا هو. ~~••• # كان بيت عزت واجما جامدا لا يخطئ من يدخله أمره، هو بيت ينضم على كارثة. نجح محسن في ~~الامتحان ونجح معه خيري، ولكن خبر النجاح مر بالبيت عابرا عجلا لم تستقبله إلا ابتسامة ~~باهتة. بل إن بيت خيري نفسه لم يستطع أن يفرح بنجاح ابنه البكر الذي صاحب هذه المصيبة التي ~~ألمت بعائلة عزت. # بل إن خيري نفسه لم يفرح بنجاحه كما كان يقدر لنفسه أن يفرح. فما كان هناك من سبيل أن ~~يتحقق أمله الكبير في هذه الأيام الأولى من الفاجعة. وما استطاعت نفسه أن تفرح وهو يرى إلف ~~هواه حزينة أسيفة. نجح الشابان ولكنهما استقبلا نجاحهما استقبالا فاترا هادئا لا نبض فيه ~~ولا حياة. # وقد استقر خيري في بيت عزت بك لا يبرحه، يرافق محسن أينما ذهب لا يتركه إلا عند الليل، ~~وكانا يقضيان أغلب وقتهما في البيت. وكانت وفية تجلس إليهما في كثير من الأحيان، وكثيرا ~~ما خلا خيري إلى وفية، ولكن لا حديث إلا عن فايزة ما تقول وما تفعل وما سيفعلان بها، وكيف ~~يقضي عزت بك وقته، وكيف تحيا إجلال هانم حياتها. خيمت التعاسة على البيت جميعه، وإن كان ~~نبض الحب لا يزال قويا في القلبين الصغيرين إلا أنه نبض لا يجاوز القلب إلا في نظرة ~~وامضة، أو دمعة مشفقة يتبادلها الحبيبان. # كان خيري ومحسن يجلسان في حجرة المكتب حين قدم إليهما الأستاذ حامد. حياهما وجلس صامتا ~~وهما صامتان، ثم لم يلبث أن قال: لا أعرف ماذا أقول يا محسن، هل أقول مبروك أو أقول الله معكم؟ # وقال محسن في ألم: والله يا أستاذ نحن في أشد الحاجة إلى عون الله. ~~- لم أعرف إلا ms038 الآن، فقد مررت ببيت خيري فوجدت يسري وهو الذي أخبرني. # وأراد خيري أن يغير الموضوع فقال: متى تسافر يا أستاذ حامد؟ ~~- الأسبوع القادم إن شاء الله. ~~- بالسلامة. ~~- سلمك الله، سأكتب لكم دائما. ~~- هل ستغيب هناك؟ ~~- والله حسب الظروف، سأبقى ما استطعت البقاء. # وقال خيري: والست والدتك وأختك هل ستقيمان في نفس البيت؟ ~~- طبعا، البيت إيجاره رخيص. ~~- لا تشغل بهما، فسأزورهما دائما، وأرى إن كانتا تحتاجان إلى شيء، اعتبرني ~~أخاك. ~~- أنا أعرف يا خيري مقدار وفائك، وأنا معتمد عليك كأخ وكصديق. # وقال محسن: هذا أقل ما يجب يا أستاذ حامد. نحن لا ننسى معروفك. ~~- بل أنا الذي لا ينسى معروفكم أبدا، أنتم لا تعرفون أثركم في حياتي لأنكم تعودتم أن ~~تجيبوا طلبات الناس، هي عندكم رجاءات تبذلون جهدكم في تحقيقها. أما عند كل فرد تحققون ~~رجاءه فهي مستقبله وحياته، وربنا لن يضيع أجركم أبدا يا محسن. ~~- هيه يا أستاذ. ~~- لا، لا تيأس، لكل ضيق فرج. ~~- ألف شكر يا أستاذ، طبعا أنت تعرف أننا على استعداد لأي طلب تريده قبل السفر. السفر ~~طلباته كثيرة وقد تكون فوجئت به، فإن كنت تريد سلفة فنحن طبعا أخواك ونحن ... # وقاطعه حامد شاكرا: أبدا، أبدا يا محسن، لقد أعددت نفسي تماما ولكن ... ~~- ماذا؟ ~~- كنت نويت ألا اذكر هذا الطلب. ~~- ولماذا يا أخي؟ ~~- والله الحكاية الأخيرة هذه، أظن لا يجوز لي أن أرجو في شيء وأنتم مشغولون بأمر ~~فايزة. ~~- إننا نحيا على كل حال يا أستاذ حامد. قل ماذا تريد؟ ~~- أختي. ~~- ما لها؟ ~~- تعرف القراءة والكتابة وتريد أن تجد عملا، فإذا استطاع البك الوالد أن يجد لها عملا ~~في مستشفى مثلا أو شيئا كهذا أكون شاكرا. ~~- بالطبع سأبلغه، سافر وأنت مطمئن. # وقال خيري: اطمئن يا أستاذ حامد، سأضم رجائي إلى رجاء محسن وألح على عمي عزت بك. ~~- شكرا، أستأذن أنا. # وقال خيري: كنت أنوي والله أن أسافر معك إلى الإسكندرية لأودعك، ولكن لا أستطيع ترك محسن وحده في ~~هذه الأيام. ~~- أنا أعرف شعورك تماما يا خيري، وأعتبرك ms039 أخي الأصغر، وأنت بتفكيرك هذا كأنك ودعتني في ~~الإسكندرية. السلام عليكم. # ومد حامد يده وشد على قبضة خيري في حب وود، وصافح محسن وخرج. وخلت الغرفة بالصديقين مرة ~~أخرى، وانفرد بهما الصمت فترة طويلة، ثم قال خيري: ربنا يوفقه. # ولكن محسن قال، وكأنما تذكر شيئا كان غائبا عنه: الله، خيري، ألم يقل إن أخته تريد أن تعمل؟ ~~- نعم. ~~- فلماذا لا ترافق فايزة؟ فنحن نريد لها مرافقة. ~~- أتظنه يرضى؟ ~~- ولم لا؟ ~~- فعلا، ولم لا؟ سأذهب إليه. ~~- أتعرف بيته؟ ~~- نعم، كثيرا ما أوصلته إليه بالسيارة. # | الفصل الحادي عشر # أجابت دولت الطرق فانفرج الباب عن شاب، رجل، رجل في بواكير الشباب الأولى، مشرق الوجه، ~~وامض العينين، طويل القامة، باسم الثغر، شديد العناية بهندامه وبطربوشه، يميله إلى الناحية ~~اليمنى من رأسه إمالة هينة ما تكاد تلحظ. ورأت في عينيه السوداوين خجلا، وفي وجهه المشرق ~~مبادئ احمرار، وفي فمه كلاما يتردد بين الانطلاق والاختفاء. ثم رأت في عينيه إعجابا يكتمه ~~ولكنها أدركته، طارق جديد على البيت لم يعهده البيت. نظرت إليه مليا، وسمحت للإعجاب ~~الذي خالط نفسها أن يبدو في عينيها دون أن تخفيه، ثم قالت في غنة حلوة تعودت أن تنغم بها ~~حديثها كلما خلت إلى أحلامها مع الرجال: نعم؟ # وقال خيري وهو يرنو إليها ثم يخفض بصره كلما طالعته نظرتها الجريئة: منزل الأستاذ حامد عبد الكريم؟ ~~- نعم هو، تفضل. ~~- لا، أشكرك، الأستاذ موجود؟ ~~- سيأتي حالا، تفضل. ~~- أين أجده؟ ~~- لن يغيب، تفضل بالدخول. # ولم يستطع خيري إلا أن يتفضل بالدخول، وكيف يستطيع أن يصدف عن هذه الدعوة المنغومة ~~الحلوة. إنها الأنثى في جلالها، في ذروة عنفوانها وقوتها، شباب ريان كالنبت الأخضر الغض ~~تيقظ في بواكير الفجر والندى يتلألأ على أوراقه، وعينان جريئتان كالأمر، كالقوة، كالسلطان، ~~وعود مزدهر مرسوم يدق حيث ينبغي له أن بدق، ويمتلئ حيث يجمل به أن يمتلئ، فارع مياد هفهاف ~~كالفرحة النشوانة، كالأمل، كالشباب، وثديان جديدان كالرجاء المجاب، كالرغبة ~~المحققة. # لم يكن بد من أن يتفضل، ودخل. # لم تكن أم حامد ms040 بالبيت، فقد خرجت تشتري لابنها بعض الملابس التي رأت أنه سيحتاج إليها في ~~سفره. وخلا البيت بخيري ودولت، قادته إلى حجرة الجلوس فاستقر بها مقامه ولم تستقر عيناه ~~المترددتان بين الإنعام والإطراق، ولم يستقر قلبه من الخفق. وجيبا شديدا، وجيب الشاب ~~الجديد، وجيب الدم يدور في الجسم فوارا عنيفا جائحا، تذكر وفية ولكنه قال في نفسه: ~~وهل خنتها؟ الأمر مختلف، واطمأن إلى أن الأمر مختلف، وراح يلتذ هذا الوجيب وهذا التحديق ~~وهذا الشباب. وأخرجته دولت من حيرته: قهوة؟ ~~- لا شكرا. # وظلت واقفة تريد أن تعرض شيئا آخر مما يقدمه المضيف لضيفه، ولكنها انشغلت عن هذا بإنعام ~~النظر فيه، نظرة جائحة قوية، رجل، وأي رجل؟ # قال خيري: حضرتك الآنسة دولت؟ ~~- وحضرتك الأستاذ خيري؟ # وضحك ضحكة ساذجة وازداد وجهه احمرارا إن عرفته ثم قال: كيف عرفتني؟ # وقالت في دلال وأنوثة: عرفتك. # وضحك مرة أخرى في بهجة استخفت له: كيف؟ ~~- عرفت والسلام. ~~- هل أنا مشهور إلى هذا الحد؟! # وتأودت دولت في غنج وهي تقول: جايز. # ورنا خيري إليها نشوان الفؤاد ذاهل النظرة. جف ريقه وشرد ذهنه إلى عوالم يا طالما طاف بها ~~وكانت رفقته فيها امرأة وجهها أخلاط وجسمها أمشاج من الأجسام غير محددة المعالم أو واضحة ~~المعارف. امرأة متقلبة الوجوه لا تثبت محاسنها على حال، فقد تكون في يوم جميلة غاية الجمال ~~وتكون في آخر قبيحة غاية القبح، ولكنها قط لم تكن معروفة عنده. لم تكن وفية مطلقا كما أنها ~~لم تكن بهذا الجمال الذي يتمايل أمامه مشرفا عليه من عل، باسما دائما، فرحا دائما بهذه ~~الدماء الموارة في عروقه، وبهذا اللسان الجاف، يلتذ جفافه، ويلتذ كل إحساس آخر يخالجه. رنا ~~إليها وأطال، وهي رانية إليه لا تميل عيناها عنه، فقد طالما رافق أحلامها، ويا طالما ~~شاركها في وحدتها عند المساء، منذ رأته من الشباك في أول يوم جاء فيه بأخيها إلى البيت ~~رأته ولم يرها، ثم ظلت تراه كل ليلة وتستجلب صورته إلى عينيها قبل أن تغمضهما، ثم تترك ~~للأحلام أن ms041 تكمل آمالها العربيدة. # طال بينهما الصمت فلا يجد قولا إلا: اقعدي، لماذا أنت واقفة؟ # وفي نظرة إليه ناعمة عميقة حالمة معربدة، قالت وفي صوتها تلك الغنة التي تصطنعها: مبسوطة هكذا؟ # وظل رانيا إليها، وكالحلم الجميل يخشى صاحبه أن يستيقظ فلا يراه، خشي خيري أن يصرفها من ~~وقفتها هذا شيء، خشي ألا يراها، خشي أن تذكر شيئا وتتركه، خشية داخلت نفسه، فألحت وملأت ~~جوانح تفكيره طنينا عاليا، خشي أن تنصرف فراح يفكر في شيء يبقيها إلى جانبه، ماذا يمكن ~~أن يبقيها إلى جانبه؟ حديث، أي حديث يستطيع أن يحرك به لسانه؟ وأي لسان يحرك؟ ولكن لا ~~بد مما ليس منه بد، فليفكر في موضوع الحديث أولا وعند الحديث يعينه الذي لا تغفل له عين، ~~أي حديث يمكن أن يحادثها فيه؟ وعاده الصوت المنغوم: أتريده حضرتك في شيء؟! # وانتبه خيري قائلا: من؟ # وقالت دولت في فرح أن استطاعت أن تخلب لبه وتلهيه عن طلبته الأولى: حامد، حامد أخي، ألم تقل إنك تريده؟ # وصحا خيري وتذكر أنه يريد حامد، وفي تذكره وجد موضوع الحديث الذي يهفو إليه: آه، نعم، أريده طبعا، أريده في موضوع خاص بك. ~~- بي أنا؟ ~~- نعم بك أنت. # واقتربت منه وقد تكلفت الاهتمام تكلفا يتيح لها أن تدنو وتنعم بعينيها في عينيه، وتوسع ~~من جفونها وتعيد قولها: ماذا ... ماذا ...؟ # وانتهز خيري فرصة هذا الاقتراب وأجلس دولت إلى كرسي بجواره وهو يقول: اقعدي أولا. ~~- ها أنا ذي قعدت، ماذا؟ # وراح خيري يقص عليها قصة فايزة، ودون أن يحس وجد دمعات تفيض من عينيه، إن المصيبة قديمة ~~على البكاء، ولكنها كانت المرة الأولى التي يرويها فيها فبكى. لقد استقبل المصيبة ولم يكن ~~مصدرا لروايتها إلا اليوم، فأحس لذعة الكارثة وكأنها شيء جديد. وعجب خيري حين رأى دمعات ~~أخرى تنحدر على خدي دولت، ولكنه سرعان ما تمالك أمر نفسه وهو يقول: آسف لم أقصد. ~~- لا عليك. ~~- هذه هي المسألة. ~~- وما شأن أخي أو أنا بهذا؟ ~~- كان أخوك عند ... عندنا وعرفنا منه أنك تريدين ms042 أن تعملي. ~~- نعم. ~~- هل عندك مانع أن تكوني شبه مرافقة لهذه البنت المسكينة؟ # ونظرت إليه مليا وقالت: تقصد مربية؟ ~~- عندها مربية، أقصد الكلمة التي قلتها تماما، مرافقة. # وظلت دولت تنظر إليه ثم قالت: وهل سأراك هناك؟ ~~- طبعا. # وأطرقت دولت هنيهة ثم قالت: على كل حال الأمر لأخي. ~~- أعلم، ولكن هل توافقين أنت؟ ~~- نعم. ~~- إذن سيوافق. # | الفصل الثاني عشر # دق جرس التليفون في بيت عزت بك، وكان جالسا إلى جانبه مع زوجته إجلال هانم، فرفع عزت ~~السماعة، ثم فوجئت زوجته به وقد ملكه ذعر عارم عنيف وهو يقول: هل أنت متأكد؟ # ثم يعود فيقول: وهل عرف؟ # ثم جاهد نفسه ليقول قبل أن يضع السماعة: لا، لا تخبره أنت، سأخبره أنا. # وراح يردد في ذهول: لا حول ولا قوة إلا بالله! لا حول ولا قوة إلا بالله! ثم قام من فوره والذهول لا يزال ~~آخذا به غير مبال بزوجته التي راحت تلح عليه في جزع: ماذا يا عزت؟ ماذا حصل؟ عزت. # واتجه عزت إلى السلم يريد أن ينزله لولا أن صاحت به زوجته صيحة يائسة: عزت، أخبرني يا أخي ماذا حصل؟ # وأفاق عزت هونا ليرى زوجته وهي في جزعها ويقول: لا شيء، لا شيء، لا أستطيع أن أخبرك الآن. # والتفت إلى السلم ينزل في تمهل يائس حزين. ~~••• # كان همام في حجرة مكتبه الفاخرة يراقب ابنه خيري والكاتب الذي يعمل عنده وهما يرصفان ~~الكتب في المكتبة الجديدة التي ركبت اليوم بحجرة المكتب. وكان همام فرحا بمكتبته هذه، فقد ~~صنعت بأمره في باريس، فهي قطعة من الفن الرفيع تغطي جدران حجرته جميعا، كل جزء ظاهر منها ~~محفور مغطى بالبرونز الذي لعبت به أيدي صناع ماهرة، فهو رسوم وتشكيلات وزخارف. وكانت ~~قاعدتها مثلها تقفل على أدراج أو رفوف. وكانت الضلف مغطاة بقطع من البرونز المشغول ... ملائكة ~~أو آدميين أو طيورا تكاد جميعها تسعى وتحيا لو أصابت من قدرة الله نبضا. ~~- هيه يا عم خيري؟ ظللت تشكو ضيق المكتبة وكثرة الكتب، أين هي هذه الكتب التي ms043 كانت لا ~~تجد مكانا؟ أرى المكتبة خاوية لا تزال. # ويقول خيري في جذل فرحان: وهل كنت أدري أنك ستأتي بهذه المكتبة كلها؟ إنها بيت وليست مكتبة. ~~- أتعجبك؟ ~~- تعجبني؟! إنها رائعة يا بابا، هائلة. ~~- عظيم، عليك إذن أن تختار الكتب التي تخفى هذه الأرفف. ~~- بسيطة، سأملؤها لك قبل أن أدخل الكلية. ~~- اشتر ما تشاء وأحضر لي الفاتورة ولاحظ أنني أمتحن اختيارك. ~~- وماذا تعطيني إن نجحت في هذا الامتحان؟ ~~- المكتبة. ~~- كيف؟ ~~- ستصبح الكتب لك. ~~- إنها لي بغير مكافأة. ~~- لا، أنا أقصد أن أعطيك هذه الحجرة فتصبح حجرة مكتبك أنت. ~~- وأنا لا أقبل. ~~- كيف؟ ~~- لو كانت هذه الحجرة لي لما قبلت أن تكون لي ولا تكون لك، فإنك مهما تصنع لن تستطيع أن ~~تجمل حجرتك بمثل هذه المكتبة، ولا يمكن أن تكون لي أنا حجرة خيرا من حجرتك، لأول مرة يا ~~بابا أراني مضطرا لرفض هديتك. إن جمالها لا يكمل إلا بك، وبجلوسك فيها، أريد مكافأة ~~أخرى. # وابتسم الأب فرحا بحديث ابنه وهو يقول: أطال الله عمرك يا خيري، لك ما تشاء. ~~- إذن سأفكر وأخبرك. ~~- فكر ما تشاء، إن كل ما أملكه لك. ~~- بل لك أنت يا بابا، أطال الله عمرك. ~~- هيه يا خيري، لم يعد لنا أمل إلا أن تسعدوا أنتم. # وقبل أن تخونه عيناه سارع يقول في لهجة آمرة ضاحكة: أسرع يا ولد، لا تكثر الحديث، افرغ من عملك، إنك ثرثار كبير. ~~- حالا، حالا، أين تريد كتب المنفلوطي؟ ~~- هنا، قريبا من متناول اليد. ~~- وكتب طه حسين؟ ~~- هنا أيضا، فإني أحب أن أعود إليها دائما، أقرأتها؟ ~~- نعم. ~~- كم مرة؟ ~~- مرة واحدة. ~~- أنت مجنون، كيف تستطيع أن تقرأها مرة واحدة؟ ~~- أقرؤها ثانية، وهذه كتب هيكل والمازني والعقاد. ~~- ضعها جميعها في الأرفف القريبة من اليد، وضع معها دواوين الشعر، فهذه لا تقرأ مرة واحدة. ~~والأغاني، والعمدة، ونفح الطيب، وأمثال هذه الكتب اجعلها جميعا قريبا من يدي، دع الكتب ~~الأخرى للأرفف الباقية، تلك التي لا يرجع إليها إلا في القليل النادر، أما هذه الكتب ~~الرخيصة ms044 فلا تضعها في المكتبة، هذه تقرأ ثم ترمى. آه، هذا الكتاب. # وقبل أن يكمل همام جملته يدخل عزت إلى الحجرة فيستقبله همام في فرحة طاغية: أهلا، كنت أفكر فيك، فأنت من هواة الأثاث الجميل، ما رأيك؟ # ولا يجيب عزت على السؤال وإنما يقول في حزن واضح وذهول لا يخفى: أريد أن أراك وحدك. # وأحس همام أن عزت يحمل شيئا فاجعا، فالتفت إلى كاتبه يقول: اتركنا قليلا يا زكي أفندي. # وقال عزت: وخيري أيضا. # وأخذ همام بعض الشيء وقال: وخيري أيضا. ~~- نعم. # ودون أن يسمع خيري مناقشة أخرى حول خروجه أو بقائه قال للكاتب: تعال يا زكي أفندي. # وخرجا وأقفلا الباب وخلت الحجرة بولدي العم، وتلعثم عزت قليلا ثم قال: همام، طول عمرك رجل فأرجو أن تتحمل ما سأقول في ... # وقاطعه همام: يا عزت أني كونت ثروتي وأعصابي في البورصة، وبقدر عظم ثروتي قويت أعصابي. قل. ~~- فواز خسر كل شيء. # وارتج على همام هنيهة وهو يقول: الدين الذي ... ~~- نعم الذي ضمنته فيه، هو طبعا لا يملك شيئا، وأنت ... ~~- الضامن، نعم. إذن فقد خسرت كل شيء، بل أصبحت مدينا أيضا. ~~- إذن ... ~~- أنا تحت أمرك ثروتي كلها طوع مشيئتك، أي شيء تريده، سأبقي على البيت، سأشتريه أنا ~~وأؤجره لك حتى تجمع ثمنه، وأضمنك في أي مبلغ حتى تستعيد ما خسرته. كل ما أرجوه أن تظل أنت ~~كعهدنا بك ثابتا كالجبل، لقد كنت حياتك كلها هكذا فأرجو أن تظل هكذا. # وابتسم همام ابتسامة فيها شكر وفيها تقدير للرجل الكبير الذي يعرض عليه حياته ومستقبله ~~ومستقبل أولاده، لم يقل شكرا فقد رآها ضئيلة لا تقوم بما في نفسه، ولم يقل إنه لا يقبل ~~فقد كان واثقا أن عزت يعلم أنه لن يقبل. إنه لا يقبل أن يعرض ابن عمه وهو كأخيه لمثل ما ~~تعرض له، فبيت عزت بيته، ولئن ينهدم بيته خير من أن ينهدم بيتاه، ولم يقل ماذا سيفعل، ~~فإنه لم يكن يدري ماذا سيفعل. # لم يقل شيئا إلا نظرة الشكر هذه التي أطلت ms045 من عينيه وظلت مطلة في ثبات، وإلى هذه ~~الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه وتجمدت ابتسامة يعجز صاحبها أن يستردها وتأبى هي أن تزول. ~~وفي بطء تحرك لسانه في فمه يقول: الأولاد يا عزت. # وسمع عزت الجملة وكأنها تصل إليه من أغوار واد سحيق، فهو يسمعها بذكائه لا بأذنه، ~~وخيل إليه أن هماما أصيب، فأراد أن يستعيد ما سمع أو فهم. أراد أن يقول شيئا أي شيء ~~فهو يسأله: ماذا ... ماذا قلت يا همام؟ # ويريد همام أن يقول ثانية، يريد أن يفضي إلى ابن عمه، أخيه، بهذه الفكرة التي تلح على ~~ذهنه في إصرار، الأولاد، والأولاد هم زوجته وأولاده. يريدهم أمانة في عنق هذا الأخ، ~~يريد أن يقول، فيقول، ولكن الكلمة تدور في رأسه وتدور أيضا في فمه، ولكنها عاصية عن ~~الانطلاق أو هي عاجزة عن الانطلاق. ويرى عزت لسان همام يدور في فمه كالعجوز المقعد يدور في ~~الدرب المظلم فلا يبصر الطريق ولا يبلغ المقصد، ويدرك عزت ما وقع بابن عمه. وينفي إدراكه ~~عن ذهنه بأمل واهن أن تكون إلمامة إلى زوال، ولكنه يعلم أنها ليست كذلك. يعلم، ولكن لا بد ~~للمصيبة من أمل - مهما يكن ضائعا - يخفف وقعها أو يمنعها على الأقل أن تنزل دفعة واحدة، ~~هو يعلم ولكن ماذا بيده إلا أن يتعلق بأمل أوهن من خيط العنكبوت وأوهى. يعلم ولكن ماذا ~~بيده إلا أن يقول في جزع: همام ... همام ... ماذا بك يا همام؟ # ولا يجيب همام إلا بهذا اللسان التائه العاجز المقعد يتعثر في فمه ولا يبين. # واندفع عزت إلى باب الغرفة في جنون يصيح: خيري! خيري! # ولا ينتظر حتى يقترب منه خيري الملهوف الجازع، بل يقول له: استدع الدكتور حالا، الدكتور عبد العزيز، عبد العزيز إسماعيل، حالا! حالا يا ~~خيري! # ويقول خيري: ماذا ... أبي! هل به شيء؟ أبي ما به يا عمي؟ أبي. # ويندفع إلى حجرة المكتب ويحاول عزت أن يمنعه، ولكنه ينفذ إليها دافعا الضلفة المغلقة من ~~الباب محطما زجاجها صائحا: أبي! أبي! # ويستدير عزت ms046 إلى خيري ليقول له: أسرع باستدعاء الدكتور. # وينظر همام إلى خيري، ويجد أخيرا وسيلة أخرى ليفهم بها عزت ما يريد، فهو يشير إلى خيري ~~ثم يشير إلى عزت ويكرر الإشارة مرات ومرات لا يقف عنها حتى يقول عزت: من عيني يا همام، من عيني يا أخي، لا تخش شيئا، أنت بخير. وتراح أنفاس همام اللاهثة ~~ويطمئن أنه أبلغ أخاه الصديق ما يريد، ويستسلم لمرضه في إذعان مطمئن، ويهدأ لسانه إلى مستقر، ~~لقد أدى الأمانة، فليحملها من أودعها يديه، وإنها لأيد أمينة، إنها أيدي عزت، إنه ابن ~~عمه، أخوه، صديقه. # | الفصل الثالث عشر # انفجار شريان في المخ، انفجار الحياة. شريان، صغير أو كبير لا يهم، لقد انفجر وكانت ~~الحياة معلقة بهذه الخيوط الرفيعة التي تجري فيها الدماء، ولم تحتمل الخيوط الحياة، فانفجرت ~~فمات. مات همام كأي إنسان يموت، لم يرحم الموت أنه أراد أن ينقذ صديقه، ولم ترحم الحياة ~~أنه اندفع إلى غمار المخاطرة من أجل الصداقة. لا، لم يراع الموت ولم تعطف الحياة، شأنهما ~~دائما يغبيان المروءة ولا يحفلان بالرجولة، سيان عندهما شقي مات وهو يتسلق بيتا ليسرق، ~~أو رجل رمى بنفسه إلى البحر لينقذ واحدا من أبناء الحياة. الموت يستقبل كلا الاثنين وتصدف ~~الحياة عن كليهما. # حلت الكارثة بالبيت الكبير، وكان أكبر الرجال فيه هو ذلك الشاب الذي يريد أن يستقبل ~~الحياة، فأبت الحياة أن تستقبله. ونزلت النازلة بأمه سميرة هانم، فهي من الخطب في هلع آخذ ~~حزين مر، وهي من النازلة في يقظة كاملة تريد أن تواجه هذه الجديدات التي تطالعها بها حياة ~~جديدة من الفقر وهي لم تعود الفقر، ومن العسر قد كانت للآخرين يسرا. # وتقدم عزت يجاهد بأقصى جهاده أن يبقي عليهم البيت، ولكن خيري أبى في عزم واثق. ~~- ماذا نفعل بالبيت يا عمي؟ سيكون ثمنه دينا علينا، وأولى بنا أن نواجه الموقف بغير حرص ~~على المظاهر. # وقالت الأم: ومن يخدم هذا البيت الكبير؟ وأين لنا بما يكفي خدمه والعيش فيه. بل أينا لنا بالقلوب ~~التي ms047 تستطيع العيش تحت سقف كان يظل كبيرنا وكنا ننعم في بره؟ # وقال خيري: لا تخش علينا من كلام الناس يا عمي. فقد عاش والدنا غنيا ومات فقيرا، ولكنا نشرف ~~بفقره ونعتز به أكثر من اعتزازنا بغناه. لقد أراد أن ينقذ صاحبه فأصابتهما الفاجعة. # وقال عزت: يرحمهما الله، مات كلاهما من الصدمة، على كل حال يا خيري أنا معجب بهذا الكلام الذي ~~أسمعه منك، وكل رجائي أن تعوض أنت ما فاتكم من غنى وتلتفت إلى المذاكرة. ~~- سأعمل يا عمي. ~~- تعمل؟! فيم؟ ~~- سأتوظف. ~~- بالبكالوريا؟ ~~- نعم. ~~- وتترك التعليم العالي؟ ~~- سأحاول أن أذاكر من الخارج. ~~- يا ابني الحالة لا تستدعي هذا. ~~- كيف؟ ~~- أمك عندها العشرون فدانا التي كتبها لها أبوك. ~~- وماذا تفعل العشرون فدانا في هذه الأزمة يا عمي؟ أنت أدرى، قنطار القطن بثلاثة ~~جنيهات. ~~- إنها تكفي ولا شك، سأشرف عليها أنا. ~~- بل لا يا عمي، أعفني. ~~- ماذا؟ ~~- لا نستطيع. ~~- ماذا؟ ~~- أكثر الله خيرك وأبقاك، أما هذا فلا نقبله. ~~- ما هو هذا الذي لا تقبله؟ ~~- لا نقبل الصدقة يا عمي عزت. ~~- صدقة؟! ~~- نعم صدقة، صدقة كريمة تحاول كل جهدك أن تغلفها بخلقك السامي، ولكن لا نستطيع. ~~- يا بني، لا صدقة هناك. ~~- نحن نعلم حبك لأبي، ونعلم أنه أودعنا أمانة في عنقك، وكل أملنا أن ترعانا بإشرافك، ~~أما مالك فحرام علينا. ~~- يا خيري لا تقل هذا. ~~- إنك لا ترضى أن تقبل الصدقة يا عمي عزت، لم يصل بنا الحال إلى هذا. ~~- وأين الصدقة في إشرافي على أرضكم؟ ~~- الصدقة في أن تقدم لنا من أموالك ما نحتاج وتدعي أن ما تقدمه إلينا إنما هو من نتاج ~~الأرض، وأنا لا أقبل هذا، وأمي أيضا لا تقبله. # وجرت دمعات على خد الأم الوالهة وهي تقول: يرحمك الله يا همام، تركت والله رجلا وإن كان صغيرا. # وأطرق عزت في حزن وإكبار: أي والله، ترك رجلا. أنا تحت أمرك يا بني، افعل ما تراه. ~~- تجد لي وظيفة. ~~- غدا تتسلم عملك. ~~- شكرا يا عمي. ~~••• # لم يحس يسري ولم تحس نادية من ms048 الفاجعة إلا ظلالا ضئيلة، فقد علما أنهما لن يريا أباهما ~~من بعد، ورأيا الحزن القاتل يخيم على البيت الكبير. ثم رأيا البيت الكبير ينكمش إلى شقة ~~صغيرة. ثم رأيا الخدم يتضاءلون ويختفون الواحد منهم بعد الآخر، فاختفى سائق السيارة مع ~~السيارة نفسها، وتناقص الخدم والخادمات فلم يبق إلا الحاجة زينب التي تقوم على تربيتهما ~~والتي كانت حاضنة لأمهما وهي طفلة، وبشير أغا الذي كان عبدا ثم نال حريته وأبى نيلها وظل ~~مع جدهما ثم مع أبيهما، ثم ها هو يظل معهم بعد أبيهم، فهو لا يعرف بيتا غير بيتهم، وقد ~~كان في أخريات أيام همام لا يعمل شيئا، ولكنهما يريانه في هذه الأيام وفي هذه الشقة الصغيرة ~~يقوم بكل عمل يمكن أن يقوم به. وشيئا آخر أحساه، أصبح خيري فجأة ذا أهمية لم تكن له في ~~البيت الكبير، ورأياه يصدر أمرا عجبا له أول الأمر ثم ما لبث أن أصبح طبيعيا على الأيام، ~~فقد أصبحت الحاجة زينب في الشقة الصغيرة طباخة وتركت أمر رعايتهما، وأصبح كل منهما يقوم ~~بشأن نفسه ما وسعه الجهد. # رأيا هذا وأحساه، ولكنه لم يصل إلى أعماق نفسيهما، فالوفاء صغير عند الأطفال والنسيان ~~كبير. عجبا ولعلهما ضاقا بالبيت بعض الشيء، ولكن ما أسرع ما وجد يسري أصحابا بدل الصحاب ~~وما أسرع ما شغلته المدرسة التي لم يصبها في هذا الانقلاب الكبير تغيير، فهي هي مدرسة ~~المنيرة لا تزال. # وأما نادية فقد بدأت تذهب للمدرسة، وكان هذا تغييرا جديدا على حياتها، لم تدر إن كانت ~~له صلة باختفاء أبيها أو بالنقلة من بيت إلى بيت، أم لا صلة هناك. # واستطاع عزت أن يستقدم للشقة الجديدة أثاثا من البيت الكبير، وقد وجد من الدائن ترحيبا، ~~فقد أكبر هذا الدائن خيري الذي قدم كل ما يملك سدادا للدين ولم يهرب شيئا. وأراد عزت أن ~~يأخذ المكتبة إلى الشقة، ولكن خيري أبى، فقد أصبح يكره هذه المكتبة التي لم تشهد في بيتهم ~~إلا مصرع أبيه، ولكنه أخذ الكتب جميعا وجعل ms049 منها هوايته. # واستقر الأثاث الفخم في الشقة الصغيرة يشهد ما يشهده أصحابه من فقر بعد غنى، وعسر بعد يسر، ~~وضيق بعد سعة. لم يفكر خيري ولم تفكر أمه أن يبيعا الأثاث ليستبدلا به رخيصا غيره، فقد كان ~~الأثاث يحمل ماضيا للأسرة، ومهما تكن في هذا الماضي من مرارة إلا أنه قطعة منهم، تحن لها ~~النفس، وإن أمض النفس أن تذكره. # استقرت الحياة بالأسرة، ومهما يكن الحال الذي استقرت عليه إلا أنه استقرار خير من الضياع. ~~وجاهدت الأم نفسها وأعانها كبرها، فاستطاعت أن تظل دائما الست الكبيرة الهادئة المطمئنة، ~~إن حزنت فلزوجها، وإن بكت فعلى فقيدها، ولم تذكر عزا مضى ولا غنى زال ولا رفاهية ذوت، ~~وإنما تذكر زوجا كريما ورجلا رجلا، وركنا ظل إلى أن مات ركنا. وفي هذه المعاني عاش ~~خيري، واستطاب أن يرى نفسه عماد بيت، والتذ بشعوره بأنه يجاهد من أجل أمه أن تعيش كريمة ~~وأخيه أن يتم تعليمه وأخته أن تتثقف حتى يرضيهم ربهم بمن يضمها إلى بيته فقيرة ذات أصل ~~وثقافة وجمال. # وكانت أسرة عزت تكثر من زيارتها للشقة الصغيرة. وكانت سميرة هانم ترد الزيارات في ثقة ~~بالنفس وهدوء، فقد أكرمها الله بولد أبقى على كرامتها أن تهان وعلى يدها أن تمد. فهي إن ~~شكرت عزت، فإنما تشكر الوفاء لم يشبه عطاء، والرعاية لم تخالطها الصدقة، فهي بعد مثلها مثل ~~إجلال لا تقل عنها شيئا، فأمر غناها وفقرها لا شأن له بصلاتها بقريباتها وصديقاتها ما دامت ~~لا تحتاج إليهن في فقرها كما كانت لا تحتاج إليهن في غناها. # لا شأن لواحدة منهن أنها كانت تأتي إليهم بالسيارة، وأصبحت تأتي بعربة أجرة يجرها حصان أو ~~اثنان، ولا شأن لواحدة منهن أنها كانت ترجع إلى البيت الكبير فأصبحت ترجع إلى الشقة ~~الصغيرة، ومن تشأ منهن أن تزورها فبيتها بيتها، كبيرا كان أو صغيرا. # وبهذا التفكير الواثق المطمئن كانت تزور من يزورها من قريباتها وصديقاتها، شيء واحد جد ~~على علاقتها بالناس، أقلعت عن زيارتها للفقيرات من قريباتها، فقد ms050 أخجلها أن تذهب إليهن دون ~~أن تحمل ما تعودت أن تحمله لهن مما يعين على الحياة. ورفضت أيضا أن تبدأ صديقة أو قريبة من ~~مثيلاتها لم تبدأها بالزيارة، فقد رأت إحجامهن ترفعا منهن لا يقابله عندها إلا ترفع ~~مثله. ~~••• # لم يستطع خيري في غمرة عمله والأحزان والتغيير الذي أصاب حياته جميعا أن ينسى هواه، وكيف ~~له أن ينساه؟ فقد تستطيع الحياة أن تفقد أباه، وتستطيع أن تفقده المال ورفاهية العيش، وتستطيع ~~أن تفقده آماله من شهادة عالية ومكان بين الناس كبير. وقد يستطيع أن يقنع عن اليتم بساعد إن ~~يكن ضعيفا إلا أنه لا بد له على الأيام أن يشتد. وقد يستطيع أن يرضى من المال بالستر، ومن ~~الرفاهية بالعيش الرضي. وقد يستطيع أن يخدع آماله في مكان كبير بين الناس بأن يرى نفسه داخل ~~نفسه كبيرا يسعى من أجل أمه وأخويه. ولكن بماذا يقنع هواه وهو هوى في القلب بلا منطق أو ~~عقل؟ إنه هوى، بماذا يستطيع أن يخدع حبه أو يرضيه؟ وكيف السبيل إليها اليوم؟ لقد صحبت ~~أمها إلى البيت في كل زيارة، ولقيها، وحادثها. يا له من حديث كالحصان الجامح العربيد تمسك ~~به يد طاغية عاتية لا يملك منها فكاكا. حادثها عن عمله هنيهات، وانتظر أن تدعوها أمها كما ~~كانت تفعل. ولكنها لم تدعها، لقد أرادت الأم أن تشعره أن شيئا بينهما لم يتغير، وشعر هو وفهم، ~~ولكن هيهات، لقد تغير كل شيء، رفض هو سكون أمها فلم يلبث أن دعا هو وفية أن يذهبا معا ~~ليجلسا إلى أمها، رفض الخلوة التي كان يحلم بها ويدعوها ويرجوها ويسعى إليها. وأحست هي، ~~ولكن كيف تبين له عما تحس؟ أرادت أن تقول له إن شيئا لم يتغير، وقالتها بما صنعت من جلوسها ~~إليه، ولكنها لم تستطع أن تذكر هذا في حديث. خيل إليها أنها لو قالت إن شيئا لم يتغير ~~فكأنما تقول إن كل شيء قد تغير. أرادت الأمور أن تجري في نفس المجرى الذي كانت تسير فيه، ~~ولكن ms051 الأمور أبت وأبى هو وأبت الحياة. # هيهات، إنه هوى لا سبيل إليه، قالها وأحس في نفسه الطعنة، وأحس راحة الموت بعد الشقاء، ~~وهدوء المنكوب بعد الفاجعة. لا أمل له في هواه، فليبحث له عما يصرفه عن هذا الهوى، فها هو ~~ذا أصبح حرا من الحب، وإن كان الجرح في نفسه عميقا. # وأحست وفية أنه حزم أمره على اليأس، وحاولت في زياراتها العديدة أن ترسل إلى هذا اليأس ~~وامض أمل، ولكنه أغلق نفسه من دونها. # أتراها تيأس مثل يأسه وتتركه؟! لكم تمنى ألا تفعل، ولكم تمنى أن تفعل، حيران بين يأس ~~استقر عليه وبين حب شب معه وانتهى إلى رماد من ذكريات ودماء من جراح. أيتزوجها فيصبح ~~عالة عليها وعلى أبيها؟ هو يعلم أن أباها يقبل، ولكن أيقبل هو؟ ولكن أيقبل أن تصبح ~~أيامه الماضية جميعا من طفولة وشباب ذكريات لا تحمل إلا الألم والحسرة؟ وما له لا يقبل؟ ~~ألم تتغير حياته جميعا؟ فليكن هذا جرحا مع الجراح، ولتتكسر النصال على النصال. ولكن هذا ~~الجرح أشد عمقا وأبعد في الزمن والنفس غورا. لعلها ... لعلها ماذا؟ إنني لن أقبل، أم ~~تراني أقبل؟ رحماك يا رب العالمين. # | الفصل الرابع عشر # دأب خيري منذ انتقل إلى الشقة وحصل على كتب أبيه، على أن يشتري هو الخشب ويصنعه ليكون ~~مكتبة تغطي جدران حجرته، ولم تكن المكتبة التي يهفو إليها إلا أرففا بعضها فوق بعض، يسيرة ~~الصنع رخيصة التكاليف، تعينه على قطع الوقت وعلى تجميل الحجرة وعلى حفظ الكتب. وقد جعلت أمه ~~من هوايته الجديدة هذه مادة ضحكها، فكان يشاركها في الضحك ويدعو إليه أخته وأخاه، فقد ~~تستطيع النفوس الحزينة أن تجد في بلواها ما يضحك، وقد تراح النفوس إلى هذا الضحك، كم هي ~~رحيمة يد الله! الدمع يغسل والزمان يلهي والحياة تقسو فلا يجد الناس لدفع قسوتها سلاحا إلا ~~الضحك فيضحكون. # واستطاع يسري أن يجد في المكتبة إلى جانب الضحك مادة للعب أيضا، حتى جرح يوما أصبعه ~~فأمره أخوه ألا يلهو بأدوات النجارة مرة أخرى ms052 ، ولم يطعه فزجره فلم ينته. فلم يجد خيري ~~مفرا من أن يقفل الحجرة كلما ترك البيت، وأصبح يقوم بعمله هذا واجدا في ذلك العمل اليدوي ~~راحة لذهنه وقلبه معا. # كان خيري مشغولا بإقامة مكتبته حين جاءه بشير أغا يخبره أن صديقا له اسمه نجيب جاء ~~لزيارته. ويقول خيري في فرح: نجيب كامل؟ # ويقول بشير أغا في عربية غير عربية: لا أعرف، قال نجيب، كامل غير كامل لا أعرف؟! # ويسارع خيري إلى غرفة الجلوس فيجد صديقه نجيب كامل وعلى فمه ابتسامة حلوة وهو ~~يقول: يا أخي اذكرنا، تركت البيت، أرسل لنا العنوان الجديد، أم تراه حتما علينا أن ندوخ ~~حتى نعرفه. # في هذه العذوبة والصفاء يجمل نجيب كل هذا الذي حدث. لم تضع ثروتهم ولم يفقدوا عائلهم ولم ~~يصبهم الدهر في جاههم ومالهم ومجدهم وآمالهم، لم يحدث شيء من هذا، وإنما انتقلوا من بيت ~~إلى بيت، هذا كل ما حدث. # وفي عناق حار اختفت الدموع التي ترقرقت في عيني خيري، وفي أهلا وسهلا تهدج بها صوته بدا ~~منه لصديقه الشكر والحب والإعزاز. وجلس الصديقان. ~~- والله زمان يا نجيب. ~~- أي والله، زمان. ~~- هيه ما أخبارك؟ ~~- كلية الحقوق طبعا، كما تعرف. ~~- طبعا. # وأوشك صوته أن يتهدج ثانية، ولكنه جمع نفسه وهو يقول: كنا ننوي الالتحاق بها معا. ~~- وما المانع الآن؟ ~~- أني موظف، أظنك عرفت. ~~- نعم أعرف، ولكن ما يمنعك أن تذاكر معي؟ ~~- أخاف أعطلك. ~~- بالعكس، فأنت من بعد الساعة الثانية لا عمل لك، وستكون أحرص على المذاكرة مني، فأنا قد ~~أعتمد على المحاضرات، بينما لن تعتمد أنت إلا على المذاكرة. ~~- نبحث الموضوع. ~~- لا نبحث ولا يحزنون، وعلى فكرة أصبحت أعيش وحدي في شقة خاصة بي. ~~- ماذا؟ ~~- ما سمعت. ~~- ولماذا، كفى الله الشر؟ ~~- رقي أبي إلى باشكاتب محكمة قنا، وطبعا لم يكن بد أن أظل وحدي. ~~- ومن يخدمك؟ ~~- استأجرت خادما كسولا لا يعرف من شئون البيت شيئا، يخيط الزرار فلا يتماسك إلا ريثما ~~يدخل في العروة، ثم يسقط على الأرض شاكيا جهل من ركبه ms053 ، ويطبخ الأرز فيصبح لبخة أو يطبخه ~~فيصبح حصى. ~~- اطرده. # ويفكر نجيب قليلا وهو يقول: والله أظن مسألة الطرد هذه مستحيلة. ~~- لماذا؟ ~~- قريبي. ~~- قريبك؟! ~~- جدا، ثم لا يتقاضى أجرا. ~~- طبعا لا يتقاضى أجرا، إنه خليق أن يدفع لك أجر إبقائك له، من هو هذا القريب؟ ~~- نجيب كامل. ~~- من؟ # ويغرق الصديقان في الضحك، ويقول نجيب: أصدقت أن لي خادما؟ أجننت؟ مرتب أبي يسع الكتب بطلوع الروح، فمن أين أجيء ~~بالخادم؟ ~~- إذن فأنت وحيد! ~~- وحيد! # ومد نجيب شفته مخرجا نغمة تتأرجح بين السرور والخبث، وقال: ليس دائما. # وأشرق وجه خيري بالفهم، ولكنه فضل أن يبدو كأنه غبي لا يفهم ما يقصد إليه صديقه. ~~- لا أفهم. ~~- بطبيعة الحال، الملابس تحتاج إلى غسل. ~~- وما شأن هذا بوحدتك. ~~- الغسالة آية في الجمال. ~~- ومن أين لك بأجرها؟ ~~- في الثلاثين من عمرها، وأنا في العشرين. ~~- عظيم، غيره. ~~- زوجة صاحب البيت، صاحب البيت في الستين من عمره، وهي في الخامسة والعشرين، وأنا ~~... # ويقاطعه خيري: في العشرين، مفهوم، غيره. ~~- هذا هو الثابت، وكله مع التساهيل. ~~- وكله مجانا. ~~- المسألة لا تخلو من زجاجة عطر للغسالة، وهدية صغيرة للست، إنها حاجات بسيطة، والقادمات ~~من الخارج يكتفين بالعشاء، والطماعة تذكرة سينما. ~~- ما ألذ وحدتك ومذاكرتك، عنوانك، أسرع. # | الفصل الخامس عشر # كانت سميرة هانم تجلس إلى ولديها وابنتها نادية في حجرتها التي اتخذوها مكانا يقضون به ~~يومهم إن لم يكن لديهم زائر، وتنقلت سميرة هانم بعينيها على وجوه أبنائها ثم قالت في نفسها: ~~«نحمدك يا رب ونشكر فضلك، أخذت المال والعائل وتركت البنين، أكمل كرمك يا رب وبارك فيهم.» ~~ومست فؤادها نفحة من راحة لا تلبث تهفو إلى القلوب الحزينة فتمنحها إشراقا وأملا. وفي ~~غمرة من هذا الإشراق قالت الأم لخيري: هيه يا معلم، ألم تنته من مكتبتك؟ # وضحك يسري ونادية، وارتج على خيري لحظات، فقد كان غارقا في تلك الآونة يفكر في شأنه وشأن ~~وفية، وقد أخذت بمجامع نفسه أفكار تتأرجح بين اليأس القاتل والأمل الواهن لا يكاد يبين. ~~وأدركت الأم بحاستها ما ms054 يفكر فيه. أدركته بهذه الضحكة المضطربة التي أطلقها تعليقا على ~~سؤالها. وأرادت أن تتأكد مما أدركت، فالتفتت إلى يسري تسأله: هيه يا يسري، ألم تذهب اليوم إلى بيت عمك عزت؟ # وكانت عيناها ترقبان خيري، فرأته يفيق تماما إلى اسم البيت الذي ذكر أمامه. # وقالت نادية وكأنما تذكرت شيئا: قل لي يا يسري، لماذا تذهب وحدك إلى بيت عمي عزت؟ لم لا تأخذني معك لألعب مع ~~فايزة؟ # وقال يسري: يا عبيطة، وهل ألعب معها؟ إني ألاعبها، أرسم لها وأصنع لها البيوت. أتعرفين أنت كيف ~~تلاعبينها؟ إنك ستتكلمين وتتكلمين وتجعلينها تبكي لأنها لا تسمعك. # وقال خيري: والله فيك الخير يا يسري. وماذا تصنع لها أيضا؟ ~~- ألاعبها، أظل أنا ودولت نلاعبها، وأحيانا تطلب دولت إلي أن أبقى معها وتتركنا هي ~~لتستريح. # وقال خيري في خبث: هيه؟ ~~- هيه ماذا؟! ~~- أهي دولت؟! # وقال يسري في لعثمة وسرعة: مالها دولت؟ ~~- لا، لا شيء، ولكنك قلت لي إنها حلوة ولطيفة. # واحمر وجهه خجلا وهو يقول: وماله؟ # وأغرقت سميرة هانم في الضحك وهي تقول: وكيف عرفت أنها حلوة ولطيفة يا سي يسري؟! # وقال يسري في غضب: وهل أنا عيل؟! ~~- لا، العفو. ~~- والله لأتركنكم، لن أقعد معكم. # وقال خيري: وأين تذهب؟ إلى دولت، أقصد إلى فايزة. # وأسرعت نادية تقول في براءة: خذني معك. # ولحقت بأخيها الذي كان قد غادر الحجرة تاركا خلفه ضحكا يملأ أرجاءها. ملأ الضحك الغرفة ~~هنيهات، ثم أعقبه ذلك الجو الذي تعود أن يواكب الضحك أنى يكون. والتفتت الأم إلى ولدها تقول ~~له: خيري! ~~- نعم يا نينا. ~~- ألا تعرف أن عندي مجوهرات كثيرة؟ ~~- أعرف يا نينا. ~~- لماذا لم تسألني عنها؟ ~~- ولماذا أسألك؟ ~~- كان من الطبيعي أن تسأل، لعلها تنفعك الآن! ~~- بل ستنفعنا غدا حين تزوجين نادية، وحين يتخرج يسري ويريد الزواج وتكون الأحوال قد ~~تعدلت. وتنفعنا إذا - لا قدر الله - صادفتنا عقبات في حياتنا هذه الجديدة. ~~- أبقاك الله يا خيري، أتدري لماذا أكلمك عنها الآن؟ ~~- لا والله لا أدري! ~~- أريد أن أختار منها شبكة لك، وأبيع ms055 واحدا من العقود وأجعل ثمنه مهرا لوفية. # ونظر خيري إلى أمه طويلا ثم قال: أترضين لي ذلك يا نينا؟ ~~- ما هو الذي أرضاه؟ ~~- أترضين أن أتزوجها فتصبح هي الزوج وأنا الزوجة؟! لماذا تتزوج فقيرا لا يحمل شهادة؟ ~~وأين أسكنها؟ وماذا تفعلون أنتم؟ ~~- وهل ستظل بلا شهادة، ألا تذاكر مع نجيب؟ ~~- آمال يا نينا، أتظنين أن هذه المذاكرة تفيد؟ وعلى كل حال افرضي أني نلت الليسانس، ~~وبعد؟ ~~- كل شيء يمكن تدبيره. ~~- لا يا نينا، أنت تعرفين أن هذا لا يمكن تدبيره أبدا، وأظنك لا تقبلين أن أتزوج منها ~~وأعيش على نفقة أبيها، وأضطر لإجهاد نفسي حتى لا أضيع كرامتي كلها، فلا أستطيع أن أقوم ~~بواجبي نحوكم. ~~- يا بني نخطبها وتتزوج حين تتخرج. ~~- وأترككم؟! ~~- يكون يسري كبر. ~~- أتريدين أن يترك يسري المدارس أيضا ليقنع بوظيفة بالبكالوريا مثلي، لا يمكن. إن كانت ~~الظروف حكمت ألا أنال أنا الشهادة العالية فلا بد أن ينالها يسري. ~~- ماذا أقول لك يا بني؟ أنا أعرف مكانها في نفسك، وأشفق عليك، ولكني أرى رأيك كاملا، ~~عوض الله صبرك خيرا يا بني و... # ودق جرس الباب الخارجي، ومرت الحاجة زينب بهما لتفتحه، وما لبثت دولت أن دخلت عليهما ~~الحجرة. ~~- إجلال هانم ترجوك أن تتفضلي بزيارتها لأنها متعبة، ولم تستطع المجيء معي. ~~- طيب يا بنتي، انتظريني حتى أتوضأ وأصلي المغرب. ~~- حاضر. # وقعدت دولت، وقامت سميرة هانم وتركت الحجرة تخلو بالاثنين، وما لبثت دولت أن قالت: ماذا ... لماذا لا نراك؟ إن جئت لا تصعد، وإنما تكتفي بلقاء البك ثم تمضي ... ماذا جرى؟ ~~أليس لك أحد تسأل عنه؟ ~~- والله ... ~~- إن كنت لا تريد أن تسأل عن وفية فاسأل عن فايزة، أو عن التي أحضرتها لفايزة. ~~- أنا مطمئن على أخبارك من يسري. # وضحكت دولت ضحكة فيها دعابة وقالت: آه، أيكفي هذا؟ المهم، معي رسالة لك. ~~- ماذا؟ ~~- فكرت ألا أعطيها لك، ولكن خشيت أن تعرف وفية أنني ... المهم، لم أستطع حجزها، هذه هي ~~الرسالة، اقرأها وقل الجواب. # وفتح خيري الرسالة، كانت سطرا واحدا: «أرجو ms056 أن أراك غدا في الساعة السابعة ~~بالسلاملك.» # ارتج على خيري لا يدري بماذا يجيب، لكم يهفو إلى الذهاب، ولكن كم من العراقيل تقف دونه. ~~يريد أن يقول نعم فتمسك بلسانه آلاف الحجج التي أقامها في نفسه. ظل ينظر إلى الرسالة ثم ~~ينظر إلى دولت فيرى على فمها ابتسامة فيها سرور، ويرى في عينيها إشفاق أن يوافق، ثم يسمعها ~~تقول: «هيه، ماذا أقول لها؟» وقبل أن يجيب تدخل أمه فتنقذه من هذه الحيرة التي ألقته إليها ~~الرسالة. وتقيم الأم الصلاة ثم ما تلبث أن تخرج من الحجرة تتبعها دولت التي لم تشأ أن تنظر ~~إليه منذ دخلت أمه؛ حتى لا تضطر أن ترى موافقته على الذهاب في إيماءة خافية. # | الفصل السادس عشر # ماذا كان يمكن أن أفعل؟ كيف كان يمكنني أن أصل إليه؟ إنه لا يراني إلا إذا اطمأن أنني لست ~~وحدي. أصبح كل جهده ألا ينفرد بي بعد أن كان كل جهده أن ينفرد بي. أعلم أن فقره وغناي حائل ~~بيني وبينه، ولكنه حائل يقيمه هو، أبي يريد هذا الزواج وتريده أمي، فهما يعلمان ما بيننا، ~~ويعلمان أن كل من يعرفني ويعرفه كان يتوقع خطبتنا من يوم إلى آخر، وكانا سعيدين بذلك. ~~واليوم لا يزال أبي يريد هذا الزواج ويرى فيه الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من عون أسرته دون ~~أن يجرح كبرياءها أو كبرياءه، وأمي - كعادتها - لا رأي عندها إلا رأي أبي، فلماذا لا يتقدم ~~هو؟ أعلم أنه متكبر، ولكن ألا يكفي حبنا القديم الذي لا يزال جديدا؟ ألا يكفي هذا ~~اعتذارا لكبريائه؟! # لقد أرسلت إليه الخطاب ولم يجب، ولكن لا بد أن يأتي، ألا يقدر أنني أنا أيضا قد تنازلت ~~عن كبريائي وقبلت أن أكتب إليه؟ ألا يكفيه هذا؟ لشد ما أخشى أن يرى في خطابي شفقة لا ~~حبا، بل لا، إنه يدري كم أحبه، كيف يدري؟! أكنت كاشفته؟ نعم، كاشفته، أكان لا ~~بد أن أقول؟ ألم ير إلى عيني؟ إلى وجهي؟ ألم ير؟ أكان محتاجا للحديث حتى يدري ms057 ~~حبي؟ إن لم يكن قد أدرك كم أحبه فهو لا يحبني، وأنا لا أريده، بل لا، إني أريده، إنه ~~كل شيء لي، كل شيء، أحلامي وآمالي وزوجي وبيتي. بربك يا خيري، بحبنا، بأيامنا الطفلة ~~اللاهية، وبكل ما كان بيننا من لقاء نشوان، وهوى عاصف مستور، بكل ابتسامة مني استقبلتها ~~ابتسامة منك، وبكل فرحة بلقائك التقت بفرحتك، لا تخذلني، لا تدعني لأيام أجهل شريكي فيها، ~~لا تدعني لوحدة لن تزول عني، ألا تفكر إلا في كبريائك؟ ألا تذكر مصيري أنا؟ ألا تضحي ~~بالكبرياء لتنقذني أنا من أيام أجهل فيها المصير، فأنا ضائعة ملقاة في دوامة من عصف الحياة ~~بي لا أرى فيها مستقرا أو ملاذا. خيري، أكبرياؤك أحب إليك من حياتي؟ أهينة أنا عليك؟ ~~إنها أنا بكل ما مضى من أيامي في ظلال حبك، وبكل ما بقي لي من حياة، أتاركي وحدي لترضي ~~هواجس نفسك من مثل وكبرياء وإباء؟ # ما إخالك ألا تفكر في نفسك فقط، ألا تفكر في أنا؟ أتنظر إلى حقك ولا تنظر إلى حقي؟ ~~إن توهمت أن واجبك نحو نفسك هو أن تأبى الزواج بي، فواجبك نحوي أنا أن تقبل هذا الزواج. ~~فليكن زواجك بي تضحية بكبريائك في سبيل حياتي أنا، أهينة حياتي؟ ألا تعدل هذا الثمن ~~الذي تبذله مهما يكن باهظا؟ لو كنت مكانك ما ترددت، لو كنت إياك في موقفك وكنت أنت في ~~موقفي لتقدمت. إنها أنانية منك تلك التي تملي عليك موقفك هذا، فاترك أنانيتك هذه من أجلي ~~أنا، ومن أنا؟! ألست أنا أنت؟ خيري ألا تجيء؟ من ينقل إليك هذا الكلام إن لم أقله أنا؟ ~~من يذكرك بحقي عليك إن لم أذكرك أنا به؟ لا بد أن تأتي، لا بد أن تأتي حتى أجعل ~~عقلك يفكر بعقلي، فإني أدري أنك الآن لا تفكر إلا بكبريائك أنت، ولا تذكر غير كرامتك أنت، ~~فاذكر حياتي. أتذكر حياتي؟! # كانت وفية تحترق في هذا اللهيب من الذكريات والآمال، وهي ماكثة بجانب شباك السلاملك ترقب ~~الطريق تأمل أن تراه ms058 ، وكانت لا تني تنظر إلى ساعتها وقد جاوزت السابعة، تحطم كل دقيقة تمر ~~بعضا من آمالها، وبعضا من كبريائها، أهي التي تنتظر؟ وهي التي تسعى إلى اللقاء؟ وهي ~~التي ترسل الخطاب؟ فالكارثة التي أصابتها إذن أصابتها هي أول ما أصابت، في كبريائها، في ~~آمالها، في حياتها جميعا. # وفي نظرة إلى الطريق رأته قادما، إذن فقد جاء، فأعطني يا رب القوة أن أقول ما أريد أن ~~أقول، يا رب. # واقترب خيري من الباب الرئيسي للبيت، وقصدت وفية إلى باب السلاملك ففتحت لعينها ضلفة ترى ~~إلى الطريق ولا يراها من بالطريق. واجتاز خيري الباب الكبير، ولكن ماذا حدث؟ إنه لم يمل ~~إلى سلم السلاملك، وإنما جاوزه قاصدا إلى البيت نفسه، لم يستطع أن يمنع عينيه أن تلقيا ~~بنظرة إلى السلاملك، فهو إذن يعلم أنها وفية، ولكنه مع ذلك لا يلقي إلا هذه النظرة القلقة ~~ولا يزيد، ثم يعدوها إلى البيت. لم يأت لي إذن. أقفلت وفية الباب وعادت إلى مكانها وأسلمت ~~نفسها إلى بكاء يتفجر من أعماق نفسها. ~~••• # دلف خيري إلى حجرة المكتب في بيت عمه عزت، فوجده جالسا بها ينتظر مقدمه. وما إن رآه حتى ~~قام إليه يحييه في ترحيب، وما لبث أن قال: أكنت مشغولا اليوم؟ ~~- والله كنت على موعد مع أحد أصدقائي. ~~- أرجو ألا أكون عطلتك عن شيء هام. ~~- أنا تحت أمرك دائما يا عمي. ~~- والله يا بني أنا أريدك اليوم في موضوع هام، وإني آسف أن الظروف اقتضت أن أكلمك أنا ~~فيه. ~~- تحت أمرك يا عمي. ~~- لعلك لا تعرف أن المرحوم والدك كان قد خطب مني وفية لك ووافقت، واتفقنا ألا نخبر أحدا ~~بذلك حتى تتم تعليمك. ~~- ماذا؟ ~~- إنه لم يخبر حتى والدتك، وأنا لم أخبر إجلال إلا اليوم. ~~- حتى والدتي؟ ~~- نعم، قدرنا أن الأمهات لا يسكتن، وتوقعنا أن أمك قد تخبرك على سبيل التشجيع لك على ~~المذاكرة أو تعجز عن كبت عواطفها، المهم أن أحدا لم يعرف بهذه الخطبة إلا أنا وهو. ~~- والله يا عمي ... ~~- لم أكن ms059 أنوي أن أفاتحك الآن، كنت أريد أن أنتظر حتى تتم تعليمك، فقد علمت أنك تذاكر مع ~~أحد أصدقائك. ~~- نعم. ~~- ولكنني مضطر أن أطلب إليك إعلان الخطبة. # وارتج على خيري فلم يجب، وواصل عزت بك الحديث: تقدم لخطبة وفية جميل نظمي ابن نظمي باشا السيد. ووالده من أقرب أصدقائي، ولا أستطيع ~~رفض خطبته إلا بإعلان خطبتك أنت، أما الزواج فليتم على مهل. # وأطرق خيري طويلا وران الصمت على الحجرة، ورأى عزت دمعات تسيل من عيني خيري فظل رانيا ~~إليه ينتظر جوابه. وأخرج خيري منديله يذود عبراته، ثم رفع إلى عزت وجها شاحبا تصلبت ~~نأماته في عزم كعزم المقدم على الانتحار، وبلسان واثق ينطلق عن نفس تحترق من الألم قال ~~خيري: أشكرك يا عمي. ~~- علام تشكرني؟ ~~- أنت طبعا تعرف من هي وفية بالنسبة لي. ولا شك أن أبي كان يعرف هذا يوم خطبها، كان ~~يعرف أنه يحقق بخطبته أملي الأكبر في الحياة، ولكني اليوم لا أستطيع، لا أستطيع مطلقا، ~~ولن أنسى لك هذا الموقف مني. # وأطرق عزت طويلا ثم قال: يا بني لا أستطيع أن ألح عليك في هذا. ولكني أستطيع أن أقول، وأقسم برحمة أبيك، إن رغبتي ~~في زواجك من ابنتي لا يشوبها شفقة عليك، وإنما هو أمر أهفو إليه كما كنت أهفو إليه يوم ~~خطبها والدك. وأنا أعرف كل ما يدور بنفسك، وأستطيع أن أنتظر بعض الوقت حتى تفكر وتجيبني، ~~فلعلني اليوم أدهشتك. ~~- أفكر؟ أنا لا أفكر إلا في هذا يا عمي منذ وقت طويل، كم كنت أتمنى أن أجد في نفسي ~~الشجاعة على التقدم إليها، والله وحده يعلم كم أشقى بعجزي، ضميري لم يقبل، فكرت كثيرا ~~يا عمي، أبقاك الله لنا دائما، فأنت أعظم إنسان عرفته، السلام عليكم. # وقبل أن يسمع شيئا اندفع إلى باب الحجرة والدموع تتواكب على عينيه، يكتم نشيجه ويحبسه ~~ويسارع الخطى حتى ليكاد يجري. والتقى به محسن وحاول أن يستوقفه، ولكنه مال عنه إلى الباب في ~~اندفاعة يائسة مجنونة مريرة، وعبر السلاملك ملقيا إليه نظره ms060 دون أن يحس، ثم نفذ كالسهم من ~~الباب وراح يدفع خطاه كأنه العاصفة التي تدور في نفسه. حتى إذا ابتعد عن البيت أطلق الدموع ~~والنشيج وراح يسير في الطرقات بلا هدف ولا غاية، إلا ظلاما يستر عليه دموعه الوالهة ~~الحارقة. # | الفصل السابع عشر # إنه ابن أبيه، كان لا بد لي أن أتوقع منه هذا. كنت أريد أن أجعل منه أخا لمحسن، وكنت آمل ~~أن أعينه على العيش، فلا يحتاج إلى الوظيفة ويتفرغ للدرس، وكنت أؤدي واجبي نحو صديقي وابن ~~عمي وأخي، وكنت أيضا أضحي بابنتي وألقي بها إلى بيت يقوم على مالها وحده، آملا - والأمل ~~ضعيف - أن يكبر زوجها على الأيام، بل على السنين، والكثير الكثير من السنين. إنها تريده، ~~وأعلم ذاك، ولكن منذ متى استطاعت فتاة في هذه السن الباكرة أن تتبين الطريق الأقوم لتسير ~~فيه. إني أحب خيري وأقدره وما زال تقديري له يزداد منذ مات أبوه، ولكن حبي وتقديري لا ~~يمنعان أن أرى الحقيقة واضحة جلية، إنه فقير بلا شهادة، وعليه لأسرته واجبات يصر على ~~القيام به، وهو محق في إصراره. فإن كان خير وفية وحده هو ما أستهدفه فزواجها من جميل أجدى، ~~ومستقبلها في ظله أثبت، وقد أديت واجبي وأدى خيري واجبه. وأنا بعد سأظل راعيا لهم لا ~~أتركهم، ولعل إكباري لخيري يجعل مكانه مني مكان الصهر القريب. لقد جعلني موقفه أكثر ~~اطمئنانا على مستقبل ابنتي، وهو لهذا جدير مني بالشكر، وسيكون شكري أن أجعل من نفسي أبا ~~له. # مسكينة وفية، لا شك أنها ستتألم، ولكن ألم الشباب سريع الزوال. مسكينة! لقد شبت وهمس ~~صويحباتها والسيدات من حولها لا يني يذكرها أنها عروس خيري. لقد كان فتى آمالها، عاشت ترى ~~فيه زوج المستقبل، أعرف هذا وهي تدري أنني أعرفه. وقد حاولت، بل لقد بذلت في محاولتي ما ~~لم يبذله أب آخر، لقد خطبت أنا لابنتي ورفضت خطبتي. لا أستطيع أن ألوم نفسي في يوم إذا ~~رأيتها حزينة أن لم يتم زواجها من خيري. # وبعد، فما دامت ms061 لم تتزوج خيري فالكل عندها سواء، وجميل خير من يصلح لها، وهو في السلك ~~السياسي، فهي لن تقيم في مصر وتستطيع البلاد التي تزورها أن تنسيها ما كان في مصر من آمال ~~محترقة، لعلهما يسافران إلى أوروبا، فأجد بيتا حين أسافر هناك وأستغني عن الفنادق وما ~~ألاقيه فيها من متاعب. نعم إن بيت ابنتي سيكلفني أجرا أغلى، ولكنه خير من الفنادق على أي ~~حال؟ وعون ابنتي أمر لا بد منه، سواء أنزلت بفندق أم نزلت ببيتها. ونظمي باشا السيد من كبراء ~~رجال الحزب، وأستطيع بهذا الزواج أن أضمه إلى جانبي كلما اقتضى الأمر عونا إلى جانبي. ~~وها أنا ذا مرشح للوزارة في التعديل القادم القريب. لو كنت رفضت هذا الزواج، لعارض هو ترشيحي ~~للوزارة. أما الآن فلا بد أن يؤيدني. عجيبة؟! لقد كنت ناسيا مسألة الوزارة هذه، أما ~~كنت أقدر أن رفض جميل كان سيطيح بكرسي الوزارة؟ لا لم أكن ناسيا. لقد خطرت هذه الخاطرة ~~بذهني، ولكن وفائي لهمام كان يحتم علي أن أفعل ما فعلت، أحمد الله أني لم أصغر أمام ~~نفسي، وشاء الله الكريم وشاء خيري - حفظه الله - أن يرد إلي وفائي بالخير العميم. # لم يعد أمامي الآن مشكلة إلا إقناع وفية. ولكن ليست هذه مشكلتي، إنها مشكلة إجلال. مسكينة ~~إجلال، مصيبتها في فايزة تكبر مع الأيام، فأنا أخرج وأعمل ولا أقيم في البيت إلا قليل وقت، ~~أما هي فلا تبارحه ولا تبارح فايزة أو هي لا تكاد. لعل دولت ترفع عنها بعض العبء فهي ~~تلاعب فايزة وتصاحبها أغلب الوقت. ولكن من للعبء الذي تحمله إجلال في نفسها! من لهذا العبء! ~~ودولت إلى متى تقيم هنا! أرى محسن كثير النظر إليها، ترى هل بينهما شيء؟ لكم أخشى، ولكن ~~إجلال يقظة، ولعل محسن يقدر الظروف التي جاءت بدولت فلا يعدو عليها ويكتفي بالنقود الكثيرة ~~التي يصيبها مني، والتي يدعي أنه يأخذها للكتب، يا له من أبله؟ أيظنني لا أعرف أين ~~ينفقها؟ لو شئت لكشفت حيله ولذكرت له الأمكنة التي ms062 يرودها، ولكن ما شأني أنا؟ إنه شاب ~~فليعش كشاب ما دام ينجح آخر العام وما دام يحسب أنني أجهل أمره ويبذل كل جهده أن يظل أمره ~~خافيا عني، فلأظل أمامه جاهلا لعل في جهلي ما يجعله رزينا في تصرفاته. لقد كنت مثله، ~~وإن كانت النسوة اليوم أكثر تحررا وأقرب منالا، ولكن أيستطيع أن يتمتع مثلما تمتعت؟ ~~لا أظن، ولماذا لا أظن؟ المتعة مسألة نسبية، ولعله يحس بها أكثر مما كنت أحس، أحاول أن ~~أطمئن نفسي أن متعتي أكبر من متعته. ماذا يهم أن تكون أكبر أو أصغر ما دمت أنا تمتعت وملأت ~~المتعة نفسي في أيام الشباب؟ ما لي تركت هذه الأجواء جميعا منذ تزوجت؟ أما كان هذا ~~طبيعيا؟ في الأمر نظر. بعضهم يراه طبيعيا وبعضهم لا يراه. نعم الناس يعرفونني، ~~والشهرة تقيد العربدة. ولكن أكان لا بد لي من العربدة العلنية؟ إنني لم أكلف بها في يوم من ~~الأيام. فيم أفكر؟ أريد أن أعيد الشباب. هيهات، لتكن متعتي اليوم في أولادي، ولكن، ~~سبحانك يا رب، أمرك. نرضى بحكمك، فايزة صماء، ووفية أمامها أيام طويلة من مصارعة اليأس، ~~ومحسن. اللهم احفظه من كل سوء يا رب. من يدري لعل وفية تسعد بزوجها. ومن يدري لعل أحدا ~~يحب فايزة ويتزوجها، هيهات، ولكن ما البأس بالأمل؟ مصرعه مر، ولكنه على كل حال أمل لن يصرع ~~في يوم وليلة، وإنما سيصرعه مر السنين الطوال، فلنأمل الخير في وجه الله، ولتمر الأيام ~~والسنون، ولننتظر، وهل نملك في هذه الدنيا إلا أن ننتظر ونسعى حتى لا نشعر بثقل الانتظار؟ # وقام عزت بك إلى زوجته إجلال يضع في عنقها هذه المهمة الجديدة من أخبار وفية، وسؤالها عن ~~رأيها في جميل، وما زال طنين هذا التفكير يدور بذهنه أقرب إلى الارتياح لهذا الزواج، وإن ~~كانت غصة لا تزال تراوحه وتغاديه من ذلك الحزن الذي يعلم أنه سيلم بابنته. ~~••• # جلست إجلال هانم إلى ابنتها تحس الحرج فيما هي مقدمة عليه، ولا تجد عن الإقدام مناصا، ~~فتجمع أمرها آخر ms063 الأمر وتقول: يا بنتي، أنا وأبوك كنا نريد أن تتزوجي من خيري، وقد استقدمه أبوك وعرض عليه الزواج ~~بك. # وندت عن وفية صرخة عجب أطلقتها كالملسوع: ماذا؟! ~~- ورفض. # وندت عنها صرخة أخرى: ماذا؟ ~~- لماذا تعجبين؟ أنت تعرفين موقفه. فقد كان نبيلا. # وقالت وفية في نفسها: أيبلغ كبره هذا المدى؟ # ولم تجد جوابا على تساؤلها، وإنما غرقت في دوامة حزن كبير، بينما راحت الأم تنفض لها بقية ~~الخبر من خطبة جميل لها وموافقة أبيها وانتظاره لموافقتها، ووفية صامتة تسمع بعض ما تقول ~~أمها ولا تسمع أكثره، حتى انتهت الأم من حديثها قائلة: وعلى كل حال يا بنتي جميل في السلك السياسي وستسافران، ولعلك في الخارج تنسين. تنسين ~~كل شيء. # وسمعت وفية هذا الكلام الأخير فانتبهت إلى أمها تقول: نسافر إلى الخارج؟! ~~- نعم. ~~- إذن ... # وأطرقت لم تكمل الجملة تدور في نفسها عاصفة من الأفكار، ولم تتركها أمها لأفكارها وإنما ~~قالت: هيه، ماذا قلت يا وفية؟ # وفي حزم واهن حزين قالت: ما يراه بابا. ~~- يعني موافقة؟ ~~- أمركم. ~~••• # لم يكن جميل جميلا، وإنما كان شديد العناية بملبسه ومظهره، يكسو قوامه النحيل الطويل ~~بأفخر الثياب وأغلاها، وكان أبيض الوجه ناصعا في لون الملابس البيضاء بعد غسلها، وكان وجهه ~~باهتا لا تعبير فيه. وكان معجبا بهذه الصفة في نفسه فهي تهيئ له المظهر السياسي الذي يصبو ~~إليه. وكان أنفه معقوفا كبير الأذنين يحتفظ على فمه بابتسامة لا تحمل معنى، ابتسامة وجدت ~~نفسها على فمه دون أن تدري لوجودها سببا، وكأن صاحبها وضعها ونسيها في مكانها. وكانت عيناه ~~جامدتين، ولكنهما إن أنعمت فيهما النظر أدركت أنهما لا تخلوان من ذكاء. وكان جميل يكبر وفية ~~بسنوات كثيرة، ولكنه فارق لا يعيب الزواج، فقد كان في الثلاثين من عمره ولم تكن هي قد أكملت ~~العشرين. وهو طيب النفس سمح عذب في اختيار ألفاظه، عسير على من يعاشره أن يسيء إليه. # تمت الخطبة وجاء جميل ليرى عروسه ولتراه. أما هو فقد حمد الرؤية وفرح بها، وإن كان قد ~~ضاق بعض ms064 الشيء بتلك الحمرة التي تشوب بياض عينها اليسرى، وفكر أن يباحث أطباء أوروبا في ~~شأنها، ولكنه سرعان ما أدرك أن لا فائدة ترجى من هذه المباحثة. وخشي ما قد يعلق به زملاؤه ~~على هذا الاحمرار، فزوجة الموظف في السلك السياسي لا يكفي أن تعجبه هو، بل لا بد لها أن تعجب ~~الآخرين، فهي تقابل في الاحتفالات الرسمية، وهي عنصر مهم في حياة زوجها العامة، بل لعلها ~~أكثر أهمية في هذه الحياة منها في حياة زوجها الخاصة. # فكر جميل كثيرا، ثم وجد المخرج أخيرا في كلمة فرنسية طالما أراحت نفوسا، وطالما أرضت ~~كبرا، وطالما أشاعت في قلوب الكثيرين الثقة والاطمئنان، إنها تيب، تيب. إنها طابع مستقل ~~بذاته لا يماثل الأخريات، من من الأخريات لها زاوية حمراء في ركن عينها اليسرى؟ من ~~غير خطيبته، زوجته وفية؟ تيب، تيب لا شك. وارتاح إلى هذا الرأي بل فرح به وانقلبت خشيته ~~سعادة لا يشوبها إلا تفكيره في إبلاغ هذه الكلمة، تيب، إلى أذهان زملائه ممن سيعملون معه ~~في سفارة فرنسا. لو قيلت مرة واحدة فسيلقفها زميل عن زميل ولا يصبح في حاجة أن يعيدها مرة ~~أخرى، مرة واحدة تقال ثم كفى، فأول حديث بين زملائه هو التعليق على زوجات بعضهم البعض، ~~تعليق جاد وقور، ولكنه أيضا ناقد متبصر لا يترك عيبا إلا ذكره ولا حسنة إلا ناقشها، ~~ولكنهم - كجميع الناس - يحبون اصطياد العيوب أكثر من حبهم لكشف المحاسن، تيب هي الكلمة. ~~وإنه بعروسه راض فرح مسرور. هذا عن المظهر، أما عن المخبر فقد أدرك أنها تجيد الفرنسية، ~~وهذا أيضا شيء يسره كل السرور. وأدرك أنها قليلة الكلام وإن يكن بعض الشك قد شاب إدراكه ~~هذا، فليس من المعقول أن يتوقع منها كثرة الحديث أمام خطيبها الذي تراه لأول مرة. ولم يكن ~~في حاجة إلى البحث عن مقومات أخلاقها الأخرى، فهي ابنة عزت بك الأزميرلي، وحسبه هذا ~~اطمئنانا إلى أخلاقها، ذاكرا أيضا ما قاله أبوه أن عزت سيصبح وزيرا عن قريب، وبالتالي ~~سيصبح باشا. إنه ms065 بعروسه راض فرح مسرور. # أما هي فلم يستطع خطيبها أن يرسل في نفسها شعورا من الرضا أو السخط، لاحظت عنايته ~~بملبسه ولم تعجب، فهي صفة تكاد تكون مشتركة بين رجال السلك السياسي. ولاحظت أنه غير جميل ~~ولكنها لم تره أيضا قبيحا، وقد كانت من ذلك النوع من النساء اللواتي لا يحفلن كثيرا ~~بجمال الرجل. ولاحظت طول قامته ونحافتها ولم تعلق في نفسها على هذا. ولاحظت أدبه في الحديث ~~ولم يدهشها ذلك، فهو أمر متوقع من ابن نظمي باشا ومتوقع أيضا من موظف بهذا السلك. ولاحظت ~~أنه يتكلف بعض التكلف في إخراج ألفاظه وفي بعض حركاته وبعض جمله التي يقحم فيها أحيانا ~~ألفاظا فرنسية. لاحظت هذا ولم تحفل به، فقد توقعته أيضا من شاب جاء يعرض نفسه على خطيبته ~~ويقوم عمله على التمثيل، وإن يكن تمثيلا سياسيا. وعزمت في نفسها على تنبيهه إلى هذا ~~التكلف في مستقبل أيامها. ولم يخف عليها فارق السن، ولكنها غفرته أيضا، فقد يجعله هذا ~~يحتمل ما تعلم أنه سيلازمها من ألم. ألم كانت تقدر أنه لن يزايلها أبد الدهر. # كانت وفية خليقة أن تستقصي عيوب خطيبها جميعا، وكانت خليقة أن تزيد يأسها مرارة. ولكنها ~~عزمت في نفسها أن تقبله، فقد كانت تعلم أنه إن لم يكن هو فغيره على الأبواب، ولن يكون غيره ~~هذا خيري بحال من الأحوال. وكانت تعلم أيضا أن أباها راض عن جميل، وكان موقف أبيها من خيري ~~يملأ نفسها إكبارا له. وقد أرادت أن ترضي أباها تعبيرا عن شكرها وإكبارها، فأسلمت نفسها، ~~وحاولت ما وسعها الجهد أن تغضي عن عيوب جميل عينا كانت حرية بمعرفة هذه العيوب، وأن ترضي ~~نفسا كانت حرية أن تثور وترفض، ولكنها قبلت، فما دام خيري ليس الزوج فالجميع سواء، فليكن ~~جميل زوجها ما دام في هذا إرضاء لأبيها، وما دام في هذا إبعاد لها عن مصر. # وأعلن نظمي باشا أن ابنه سيسافر بعد شهرين، ورجا عزت بك أن يمكن ابنه من السفر ~~بعروسه. ~~••• # انتهز عزت الفرصة ودفع ms066 بزوجه إجلال إلى دوامة العرس، يرجو أن تنسى في غمارها ما تكابده من ~~حزن على فايزة. # واندفعت إجلال وكادت تنسى، لولا ما يطالعها من ابنتها وفية من ضيق لا يبارحها وعدم مبالاة ~~بما تشتري لها. ولكن ذلك لم يمنعها أن تنصرف بكليتها إلى الجهاز. لا تكف عن القول في ~~نفسها إنه أول فرح يدخل قلبي، ولا تكف نفسها عن الإجابة وآخر فرح، ولا تتركها نفسها هذه ~~المتشائمة قبل أن تهمس ثانية: أهو فرح حقا؟ أترين هذا الفرح في عيني ابنتك؟ ولكنها مع ~~ذلك تزجر نفسها زجرا ولا تني تلح عليها أنه فرح. # وينتهي الشهران وتتزوج وفية من جميل، ويتركان مصر. # وتفكر وفية ومشارف الإسكندرية تغيب عن ناظريها، أأستطيع أن أترك مع هذا الشاطئ ما في ~~نفسي من حسرة وحزن وألم و... وحب؟! هيهات. # | الفصل الثامن عشر # كانت أنباء الزواج تبلغ بيت خيري من كل سبيل، فيسري ونادية لا يسكت لسانهما عن ذكر ما ~~اشترته أبلتهم وفية، ودولت رائحة كل يوم غادية تبلغ خيري في خلوة قصيرة مختلسة أو تبلغه على ~~مرأى من الجميع ما يتم في البيت الكبير من خطوات، وكأنما تريد بذلك أن تنسيه وفيه نسيانا ~~تاما، مدركة أن هذا التذكير في أغلب أمره مجلبة للنسيان أو اليأس، وأي يأس بعد الخطبة ~~وشراء الجهاز وتحديد موعد الزواج وما يعقب الزواج من سفر لشهر العسل. ولم تكن كلمة تلسع ~~خيري قدر ما تلسعه كلمة العسل في هذا الموضع. # وقد كانت سميرة هانم سيدة كريمة كشأنها، فما إن علمت بالخطبة حتى قصدت إلى إجلال هانم ~~فهنأتها في هدوء ووقار وإخلاص، وأدركت إجلال ما يدور في نفس صديقتها فتقبلت التهنئة في ~~صمت. ثم حاولت سميرة هانم أن تقطع زياراتها بعد ذلك، ولكن إجلال أبت عليها هذا وراحت هي ~~تزورها وترسل لها دولت بالسيارة أغلب أيام الأسبوع، فإذا التقتا فلا حديث عن الخطبة ولا ~~حديث عن الجهاز. # كانتا كلتاهما تدركان الموقف كل الإدراك، فلم تحاول واحدة منهما أن تزيد الأمر ~~حرجا. # ولما رأى ms067 خيري أن بيته أصبح ولا حديث به إلا الزواج، ولما رأى أمه تحاول جهدها ألا تتعرف ~~شيئا من أنباء هذا الزواج على مرأى منه أو مسمع، رأى أن خير سبيل له هو أن يترك البيت أطول ~~فترة ممكنة من اليوم. وحبب إليه نجيب هذا الرأي فقد التقى هناك بالغسالة، والتقى بزوجة صاحب ~~البيت، وحمد اللقاءين وأصبح لا يكاد يترك بيت صديقه. وإن سألته أمه عن المذاكرة جمجم بعض ~~الألفاظ لا يدرك لها معنى، وانتقل بها إلى موضوع آخر أو انتقل هو بنفسه إلى مكان آخر. # وقد كان خيري حريصا ألا يدور الحديث عن مذاكرته أمام يسري، فقد خشي ألا يصيب النجاح ~~فيجعل من نفسه قدوة غير طيبة أمام أخيه. وقد كان في يومه هذا على موعد أن يذهب إلى نجيب في ~~السادسة من بعد الظهر، فلقد أنبأه نجيب أنه لن يعود إلى البيت قبل هذا الميعاد، ولم يجد ما ~~يفعله من الظهيرة حتى حلول الموعد إلا أن يستلقي على فراشه ويقرأ، وكانت ضجة إخوته تملأ ~~البيت، ولكنه كان قد تعود ألا يضيق بها. # لم يطل انفراد خيري بنفسه فقد فتحت أمه الباب تسأله: أتريد شيئا يا خيري؟ ~~- لا يا نينا شكرا، ما المناسبة؟ ~~- أنا خارجة أنا ويسري ونادية. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى بيت عمك عزت. مسكينة إجلال من يوم سفر وفية وحزنها حزنان، حزن على المقيمة معها ~~التي لا تسمع، وحزن على الغائبة التي لا تعرف كيف تسير حياتها مع زوجها الغريب الذي لم يرها ~~ولم تره إلا عند الزواج. # ولم يشأ خيري أن يعلق على هذا الحديث وإن ملأ نفسه حزنا، فقال في ألم كبير حازم: طيب يا نينا مع السلامة، أتأخذين معك بشير أغا؟ ~~- نعم، وأنت لماذا لا تذهب إلى عمك عزت يا خيري؟ ~~- والله يا نينا لا أدري، تقصير، مجرد تقصير. ~~- لا، لا حق لك، إنه يا بني يستحق منك كل خير. ~~- أنا لا أنسى فضله. ~~- إنه دائم السؤال عنك. ~~- سأذهب إليه. ~~- لماذا لا تأتي معي؟ ~~- لا ليس ms068 اليوم، أنا على موعد، قد أذهب غدا إن شاء الله. ~~- طيب يا بني كما تحب، فتك بعافية. ~~- الله يعافيك يا نينا. # وخرجت الأم وأقفلت الباب، ولم يعد خيري إلى القراءة وإنما نحى الكتاب جانبا وراح يفكر، ~~والتذ التفكير، والتذ الألم، والتذ التضحية التي قام بها، الجراح تملأ نفسه، ولكنه كان ~~حين يتحسسها يجد في قلبه راحة وهدوءا، ليس يدري أهو هدوء البركان الثائر من الحب أتت عليه ~~الخطوب فاستقر ثائره وهدأ مضطربه وأصبح لا شيء إلا ذكرى؟ كان خيري إذا التقى بجراحه في خلوة ~~بنفسه أحس في داخله أنه كبير، واطمأن خاطره أنه رجل أدى ما يحب أن يؤديه الرجل من أمانة نحو ~~نفسه ونحو كبريائه ونحو أهله ونحو من يحب. # طال التفكير بخيري ولم يقف عنه إلا حين فوجئ بالباب يفتح. وبدولت تبدو منه هنيهة اطمأنت ~~فيها أنه وحده. ثم أقفلت الباب وسعت إليه وهو نائم لا يزال دهشا لدخولها على غير ~~توقع. # وقالت دولت: أين الحاجة زينب؟ ~~- لا أدري، ألم تفتح لك باب الشقة؟ ~~- أبدا، دققت الجرس مرات فلم يرد أحد، وكدت أعود، ولكني دفعت الباب فوجدته ~~مفتوحا. # وتلعثم خيري وهو يقول: لعلها ذهبت تشتري شيئا وتعود. # ونظرت إليه دولت وأطالت النظر ثم قالت: لم نعد نراك. # وسكت خيري، وراح ينظر إليها، كم من الأحداث مرت به منذ التقيا في خلوة كامنة كهذه، وكم ~~تعلم من أشياء منذ ذلك الحين، كم فقد وكم كسب، فقد أباه وفقد حبا وفقد مالا، وكسب خبرة ~~وكسب جرأة. وجلست دولت. لم تجلس إلى الكرسي الكبير بجانب الشباك، ولم تجلس إلى الأريكة ~~الفخمة التي تصر على البقاء تحت المكتبة وكأنها تعيرها بالفارق بينهما، أو هي في الواقع ~~تعيرها بعدم التناسب بينهما، وأين مكتبة أقامتها يد بضة لم تمسك بغير القلم من أريكة صيغت ~~بباريس بناء على تصميم خير المهندسين وأجملهم ذوقا؟! لم تجلس دولت إلى شيء من هذا، وإنما ~~اختارت السرير ذاته الذي ينام عليه خيري، وحين حاول أن يجلس دفعته بيدها فنام ms069 ثانية، ~~كأنما أحست دولت أن الفارق الذي كان بينهما قد زال، كان المال يفصل بينهما وها هي ذي تراه ~~قد أصبح قريب الفقر منها، وكانت وفية تفصل بينهما، ووفية اليوم في أوروبا في أحضان زوجها، ~~أي شيء يمنعها عنه؟ لماذا لا يتزوجها ذلك الشاب الفتى الجميل؟ ولم تكن دولت ترى وسيلة ~~أفعل في التعجيل بالزواج من هذه الجلسة ومما توقعت أن يتولها. # واستقبل خيري الدفعة في رضى ونشوة. ولم يفكر في فوارق كانت بينهما وزالت، ولم يفكر في ~~الزواج، وإنما فكر في أشياء أخرى لا يستطيع أن يفكر في غيرها. # وقالت دولت: لماذا تريد أن تقوم؟ أنا لم أقصد إزعاجك. # كانت دولت تعلم الحديث الذي تريد أن تلقيه، وكانت قد أعدته فأحسنت إعداده، وكانت تجد فيه ~~خير وسيلة تصل بها إلى ما تريد. ~~- عندي لك خبر يفرحك. ~~- خير. ~~- يسري. ~~- ماله؟ ~~- أصبح يغار علي منك، ويظل يقول لي لماذا تكلمين آبيه خيري وأنا لا؟! # ثم أطلقت ضحكة عربيدة، ولكن خيري قال: هيه، وماذا فعلت أنت؟ ~~- وماذا يمكن أن أفعل؟ سكت طبعا، فهو لم يقل شيئا أستطيع أن ألومه عليه. ~~- وهل يسري فقط من يغار؟ ~~- من تقصد؟ ~~- محسن! ~~- آه! # وقلد خيري صوتها قائلا: آه! ~~- لا، محسن طيب وابن حلال. # وقال خيري: أعلم أعلم، ولكن هل هذا يمنع؟ # فقالت دولت محاولة أن تغير مجرى الحديث: أنا والله لا أكاد أراه، دائما في الخارج، ياه، ما للحجرة حارة هكذا؟ # وكان فستانها ذا أزرار تمتد من أعلاه إلى أسفله، فما لبثت أن أعفت زرين من قيدهما فبان ~~تحتهما قميص حريري وردي اللون تدور حول حافته قطعة من الدانتلا صنعتها يد لا بد أن تكون ~~رقيقة حلوة، وأدرك خيري قيمة القميص، فقال وعينه لا تبارح ما انفرج من الفستان: حلو قميصك. ~~- إنه من ... # ثم قطعت الجملة لم تكملها، وأدرك خيري أنه من وفية، وأدرك أنها لم ترد أن تذكر اسمها في ~~لحظتهما تلك. وخافت هي أن يكون قد أدرك فأكملت بعد قليل وقالت: إنه من شيكوريل ms070 ، أيعجبك؟ # ثم أمسكت بحافة القميص ومالت عليه، ولم ينظر إلى القميص وإنما نظر إلى ما بداخله. # ولم يدر خيري من أمر نفسه إلا ذراعين تحيطان بها، وشفتين تستقران على شفتيها، وغابت دولت ~~في نشوة القبلة هنيهات، ولكنها ما لبثت أن اعتدلت وهي تقول: أخاف أن تأتي الحاجة زينب. # وانتبه خيري إلى هذه الخاطرة فخشي مغبتها هو أيضا، ثم ما لبث أن قال وقد أطلق ~~يده: نعم أنت محقة، لقاؤنا هنا لا يجدي. ~~- أين إذن؟ ~~- اسمعي، متى تستطيعين الخروج؟ ~~- وقتما أشاء، أنت تدري أنهم يطلقون لي الحرية، وأستطيع في أي وقت أن أطلب رؤية نينا ~~وأخرج. # فقال خيري في نشوة: وتبيتين في الخارج؟! ~~- وأبيت في الخارج! ~~- إذن سأعطيك عنوانا ونلتقي هناك غدا في الساعة الثامنة. # | الفصل التاسع عشر # اسمع يا بطل، أنت تبحث لك غدا عن مكان تبيت فيه. ~~- ماذا؟ ماذا؟ نعم يا سي خيري. ~~- نعم يا سي نجيب، أكثير هذا عليك؟ ~~- لا يا حبيبي، شرط المرافقة الموافقة. ~~- وما الذي يوافقك؟ ~~- بالنصف يا حبيبي. ~~- بعمرك. ~~- لماذا؟ هل وقعت من قعر القفة؟ ألم أعرفك بالغسالة وبالست؟ وكنت غدا سأصحبك إلى ~~جلسة لم تحلم بها في حياتك. ~~- ولو. ~~- أأنت جاد؟ ~~- كل الجد. ~~- ما المناسبة؟ ~~- هذه شيء آخر. ~~- وما الآخر فيها يا حبيب الروح؟ ~~- أعرفها وأعرف أسرتها. # وكأنما تذكر خيري شيئا كان غائبا عنه، ولكنه ما لبث أن تناساه ثانية واستأنف ~~حديثه: إنها لا تقبل، وإن أردت الحق، أنا أيضا لا أقبل. ~~- طيب يا سي خيري، سأنام في مكان آخر، ولكن ستظل هذه الحكاية نقطة سوداء في تاريخ حياتك، ~~لن أنساها العمر كله. ~~- لا عليك، أعوضها لك. ~~- تعوضها؟ ومن أين؟ أنت تظل هادئا كالباشا حتى يتقدم إليك خادمك الذي هو أنا برغباتك ~~وحين استطعت مرة في العمر أن تصل إلى شيء وحدك تطردني من البيت، طيب يا سي خيري، نترك ~~البيت، أمرك يا سلطان الزمان، سلطان طماع أناني. ~~- اعقل يا نجيب، قلت لك هذه شيء آخر. ~~- وطبعا ستصبح المسألة عادة، وأضطر أنا في كل ms071 ليلة أن أبحث عن صديق ينيمني عنده، وأصير ~~مشردا وأنا صاحب البيت. ~~- لا، لا تخف، غدا فقط، وبعد ذلك سأطردك مدة ساعات فقط وتعود. ~~- عظيم، عظيم يا خيري بك. ~~- أين ستبيت غدا؟ ~~- وهل أعلم؟ ~~- قل لي وحياة والدك أين ستبيت؟ أنا مستعد يا سيدي أن أدفع لك أجر اللوكاندة. ~~- سميراميس. ~~- تنيل. ~~- أين تريدها إذن؟ في سيدنا الحسين؟! ~~- ألا تستبدل بسميراميس إلا سيدنا الحسين؟ اسمع، هي عشرون قرشا وتصرف أنت. ~~- لا يا سيدي، رد العشرين عفريتا على نفسك، ستنفعنا بعد غد في السهرة التي أحدثك ~~عنها. ~~- إذن فأين تبيت؟ ~~- ما شأنك أنت؟ ~~- عند خالتك. ~~- وكيف عرفت؟ ~~- وهل لك صدر حنون إلا هي؟ تذهب إليها وتدعي الزيارة، وتطفح العشاء وتنام وتطفح الفطور. ~~- يا سيدي، هذه الإجراءات تتخذ عند الفقر فقط، أما الآن فأنا في أول الشهر والأشيا ~~معدن والحمد لله. ~~- وماذا تخسر؟ اعملها مرة وأنت غني، لعلك بهذا تخدع خالتك وتجعلها تظن أنك تزورها ~~من أجل الزيارة لا من أجل الفقر. ~~- أمرك يا سيدي، نعملها. # إنها تغنيني عن الغسالة والست والجميع، وأين هذه الأجسام القديمة التي تقلبت وأكثرت ~~التقلب من هذا القوام الرائع. ثدياها، شعرها، كل شيء فيها جميل جديد طازج يصرخ منه ~~الشباب ويثور، وهي لي وحدي بلا شريك، وهي تحبني وإني ... ماذا؟ هل أحبها؟ ألابد من الحب؟ ~~لقد أخذت من الحب حظي، فكان حظا عاثرا، أكان عاثرا حقا؟ ألم أجعله أنا عاثرا؟ ألم ~~أطلق على آمالي هذا الوحش الذي يكمن في ذاتي وأسميه ضميرا أو أسميه مثلا أو أسميه ~~كبرياء؟ وهو وحش يلتهم الآمال ويحطم الحياة ويدمر الأحلام، ما لي أذكر هذا الآن؟ أسمع ~~في نفسي من ذلك الوحش همسا، أله بي شأن الآن؟ ألم يتسلط علي بهذا الطنين حتى حرمت ~~نفسي من حبي وسافرت وفية وبقيت؟ ماذا يريد مني الآن؟ ما هذه الخرافة التي يديرها في نفسي ~~منذ الأمس؟ نعم أعلم أنها أخت حامد أفندي، وأعلم أن حامد أفندي قال إنه يعتبرني أخا له، ~~ولكن ما لهذا وما نحن ms072 فيه الآن؟ دولت فتاة فائرة، إن لم أكن أنا فمصيرها إلى غيري. وهل ~~يعتبرني حامد أخا له حقا، أم هو تعبير ألف الناس أن يقولوه في سهولة ويسر؟ وإذا صدقت كل ~~من قال إنه أخي أو قال إنه أبي أو أمي لأصبح كل من أعرف يتصل بي بهذه الآصرة ~~القوية. # وعزت باشا، ألم يقل إنه كأبي، فكيف كنت سأتزوج ابنته؟ ما أصدق الشاعر: # دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن # أخاها ولم أطعم لها بلبان # دعتني أخاها بعد ما كان بيننا # من الأمر ما لا يفعل الأخوان # هل أنا أخو دولت؟ نعم قال أخوها إنه يعتمد علي في رعاية أمرهم. ولكن أكان يقصد ما يقول ~~أم هي عبارة يلقيها بعض الناس إلى بعض ليظهروا مقدار ثقتهم وحبهم لبعضهم البعض؟ نعم أعترف ~~أنه يحبني، وما البأس في ذلك؟ وأخته أيضا تحبني، وأنا ... أعجب بها، ألا بد من الحب في هذا ~~الذي أقدم عليه؟ ألا بد من تفكير كهذا الآن؟ إنها قادمة، بقوامها الحلوة، وقميصها الوردي، ~~قميص وفية، أتلبسه اليوم؟ لا أدري، إن كانت عرفت أنني أدركت أنه قميص وفية، أتراها ~~تلبسه؟ سنرى مقدار ذكائي. لا شك أن عيني أظهرت لها أنني أدركت، ترى أتلبسه اليوم؟ ~~وماذا تلبسه غيره؟ وأين لها بغيره؟ من مرتبها الضئيل أم من أخيها حامد؟ رجعنا إلى ~~حامد. أي شيطان يرسل به إلى ذهني كلما نسيته؟ هل نسيته؟ لا بد أن أنساه، ألا يستطيع ~~جمال دولت الصارخ أن يطغى عليه؟ لا يستطيع فمها العذب؟ دولت ... دولت. # وطرق الباب في همس، وقام خيري إليه مسرعا، ودخلت دولت، وأسرعت تقفل الباب وترد رتاجه ~~وتسأل لاهثة: متأكد أننا وحدنا؟ # ولف ذراعه حول خصرها قائلا: طبعا، تعالي وانظري بنفسك. ~~- لمن هذه الشقة؟ ~~- لصديق لي طلبت إليه أن يتركها الليلة. # وكانت دولت قد بلغت حجرة النوم وهي تقول: صحيح؟ ~~- ما هذا الفستان الأنيق؟ # كان فستان دولت من الحرير الأخضر، ولو حكم خيري ذوقه لما رآه أنيقا بحال من الأحوال، ~~فهو رخيص الصنع من هذا ms073 النوع الذي تلبسه متوسطات الحال في أيام العيد. وقد كانت دولت تستطيع ~~أن تختار خيرا منه، ولكنها ما كانت لتفعل، فكل ما يفضله عندها من ملابس وفية، ولم تكن تحب ~~أن تلبس شيئا لوفية في يومها هذا، وقدرت أنها غالبا ستستغني عن الفستان، وقدرت أيضا أن ~~جمالها يغفر كل عيب فيما تلبس، أدركت دولت أنه يريد أن يبدأ حديثا ليس إلا، فهي تعلم أن ~~الفستان ليس خليقا برضائه، قالت: أيعجبك؟ ~~- طبعا. # وقالت في دلال وهي تجلس إلى الأريكة ذات المساند والوسائد: هو أم القميص؟ ~~- كلاهما، أما ما يعجبني أكثر منهما فهو ... # ونظر إلى نهديها فقالت: هيه؟ ~~- ما تحتهما. ~~- لا أفهم. ~~- أقصد هذا. # ولم تجعل يده سبيلا لها ألا تفهم، فقالت: على مهلك، انتظر. # ولم يتمهل أو ينتظر، وإنما راح يفك أزرار الفستان وهي تقول في دلال: ستقطع الزر، انتظر، اسمع، لا شأن لك بملابسي. # وفهم خيري ما تقصد، وما هي إلا لحظات حتى كان كلاهما عاريا! # وطالع خيري جسمها لأول مرة متألقا كالصباح الوليد، رائعا صافيا مترقرقا كماء الشباب، ~~وعلى فمها ابتسامة حائرة بين النشوة والخجل. انسدل شعرها على كتفيها كاد يعدو على صدرها. ~~فمد إليه خيري يدا مرتعشة فأزاحه إلى ظهرها كرسام يهيئ النموذج الذي سينقل عنه. وراح ينظر ~~إليه ثانية مبهورا متلاحق الأنفاس جياش الخلجات معجبا حائرا مذهولا. قبلها خيري ~~وقبلها، قبلها جميعا ثم طواها في أحضانه. حامد ... ما هذا؟! أي طنين هذا الذي يدور ~~برأسه؟ أهمله وعاد يقبلها في جنون، في ثورة عارمة فيها من الاصطناع ما يحاول به أن ~~يخفت هذا الطنين الذي لم يجد وقتا آخر إلا هذا ليلح على تفكيره. حامد، وما شأني به؟ وعاد ~~يقبلها في جنون أشد وفي ثورة أكثر جموحا، ولكن، حامد، تطن في رأسه تعلو مع جنونه ~~فتطغى على جنونه، وتصرخ مع ثورته فتتداعى لها ثورته، وحاول خيري ثانية وثالثة وعشرا، ~~ولكن حامد تخذله في كل مرة، ودولت دهشة جاهلة ذاهلة، ماذا به؟ ما هذا الومض الذي يبرق في ~~عينيه ms074 ؟ ما هذه الثورة التي يفتعلها؟ ماذا به؟ # استلقى خيري على الأريكة وأدار وجهه إلى الحائط، وراح يضرب الوسادة بقبضته قائلا: حامد، حامد، حامد، حامد. # وأطرقت دولت ثم قامت إلى ثيابها، وحين استدار خيري ليواجه هزيمته كانت دولت تركت البيت ~~جميعه. # أسرع خيري إلى ملابسه، فارتداها ونزل إلى الطريق، وحين مر بشقة صاحب البيت وجد الرجل ~~العجوز يدلف إلى شقته، ووجد زوجته تستقبله، ورأى في عينيها شيئا لم يفهمه، ولكنه واثق أنه ~~رآه. ولم يعر الأمر كثير تفكير، بل سارع إلى الطريق، وما وقع في ليلته لا يزال يسيطر على ~~كيانه فيشعر بالعجز والأسى، من أدراني أن حامد هو السبب؟! لعله ستار تختفي من ورائه خيبتي ~~وقلة حيلتي. إنها المرة الأولى التي ألتقي فيها بهذا الخذلان، ولعلي لا ألتقي بعد ذلك إلا ~~بالخذلان، دولت التي تفتن العابد يمنعني عنها تفكيري في حامد، حامد، أي مصيبة. # كان يعرف طريقه، وقف بباب خالة نجيب وطرق الباب، وأجابت الخالة طرقه وكانت تعرفه، سألها ~~في لهفة عن نجيب، وكان نجيب بمسمع فخرج إليه: خير يا خيري؟ # وقال خيري في لهفته ما يزال: خير، استأذن من خالتك وتعال. ~~- ماذا؟ ~~- سنسهر معا الليلة. ~~- ماذا حصل؟ ~~- اذهب يا نجيب مع صاحبك ولا تكثر الأسئلة، وسأنتظرك حتى تعود. # وقال خيري: والله - إذا سمحت - اتركي نجيب يبيت معي الليلة. # وقال نجيب: تسمحين يا خالتي؟ ~~- ما تراه يا ابني. # ودون أن يحيي واحدا منهما السيدة الطيبة هبطا السلم جريا، وما أن بلغا الشارع حتى حاولت ~~كلمة استفهام أن تصدر عن نجيب، ولكن خيري لم يدع لها مجالا، فقد راح يقص على صديقه ما وقع ~~له، ولم يعقب نجيب بشيء إلا: يا خيبتك! ~~- المهم. ~~- ماذا؟ ~~- أتعرف طريق الغسالة؟ ~~- الست أقرب. ~~- البك زوجها في البيت. ~~- إذن؟ ~~- ألم تقل إنك كنت تريد أن تذهب بي إلى سهرة؟ ~~- والله فكرة، معك فلوس؟ ~~- كم تريد؟ ~~- كم في جيبك؟ ~~- جنيه تقريبا. ~~- نعمة، هيا بنا. ~~••• # في مصر الجديدة وفي بيت أنيق ولج نجيب يتبعه خيري، وحين هم نجيب ms075 بالصعود قال ~~خيري: الله يخرب بيتك، إلى أين؟ ~~- وأنت ما لك، اطلع، اسمع، لا تنطق أنت بشيء. ~~- أمرك. # وعلى باب شقة في الدور الثاني وقف نجيب ودق الجرس، ووقف خيري من ورائه ذاهلا دهشا ~~خائفا متشوقا مفكرا في كل شيء. وأجاب الجرس رجل مهيب الطلعة ذو شاربين أنيقين وخطهما ~~الشيب وقامة مديدة وقوام ممشوق لم تعد عليه السن، وقال الرجل وهو يطل من ضلفة الباب: من؟ # وأوشك خيري في سرعة خاطر أن يسأل عن اسم وهمي يعلل به مجيئهما ثم ينصرف، وكأنه أخطأ في ~~العنوان، ولكن نجيب سارع يقول: أنا يا عمي. ~~- أهلا، كيف أنت يا بني يا ...؟ # وقال نجيب: نجيب، نجيب يا عمي، قد جئت في الأمس مع صلاح. ~~- نعم، نعم، أذكرك يا بني تماما، ادخل يا نجيب. # وقال نجيب: الأستاذ خيري صديقي. ~~- أهلا، تفضلا. # وتقدمهما الرجل الكبير إلى غرفة الجلوس، وهم خيري أن يقول شيئا، ولكن نجيب وضع سبابته ~~أمام شفتيه وهو يقول: هس. # فدخل نجيب إلى البهو، وراعه أول ما راعه سيفان على الحائط يحيطان بصورة الرجل الذي ~~لقيهما، وقد بدا في الصورة أعظم منظرا وأشد هيبة. ورأى تحت السيفين مسدسين قديمين كقوسين ~~حول أسفل الصورة، ثم لم يجد سعة من الوقت ليرى شيئا آخر، فقد وجد نفسه مسحوبا إلى غرفة ~~على شيء من الأناقة عرف أنها غرفة الجلوس. # وقعد الثلاثة ودار بينهم الحديث، ولكن قليلا ما دار، فقد قطعه نجيب: الهوانم هنا؟ # وقال الرجل في وقار: أخواتك هنا. # ثم نادى: يا ليلى، يا يسرية. # وأقبلت فتاتان، إحداهما شقراء الشعر خضراء العينين ناصعة البشرة، وإن شاب بياضها قليل من ~~النمش لا يعيب جمالها، والثانية سمراء ممشوقة القوام سوداء الشعر، وكان في كلتيهما عزة لا ~~توحي برخص. وأقامت الفتاتان قليلا، وخرجتا بعد حديث قصير تناول الجو ومصر الجديدة ~~والمواصلات. ولحق بهما العجوز، وقال خيري: ما هذا؟ ~~- وما شأنك؟ أيهما تختار؟ ~~- ممن؟ ~~- ليلى أم يسرية؟ ~~- أهما ...؟ ~~- نعم. ~~- كان يقول: أختاك! ~~- كلام. ~~- كلام؟! أليس أباهما؟! ~~- نعم. # ويقول: أختاك! وتقول: يا ms076 عمي! ~~- يا سيدي كلام، أنا لم أعرف العائلة إلا أمس، يا أخي لا تضع الوقت. # وفكر خيري في كلمة الأخوة التي قدسها، ورجع به ذهنه إلى دولت، ولكن نجيب سارع ~~يقول: انطق. # وعاد بذهنه إلى ما هو فيه، لقد كان يريد الشقراء، فهو يحب الشقراوات، ولكن الآن، في هذه ~~اللحظة يريد السمراء، إنها سمراء كدولت، كدولت في سمارها على الأقل. # قال دون أن يحس: السمراء. ~~- تترك ثلاثين قرشا في الحجرة. # ودخل الرجل، العم، وجلس ثانية، وبدأ حديثا عن الجامع الذي يقوم بجمع المال له؛ لأن مصر ~~الجديدة تكاد تخلو من الجوامع، وقال نجيب: هذا مشروع عظيم يا عمي، أتسمح أن أساهم فيه؟ ~~- بكل سرور يا بني. ~~- عشرة قروش تكفي؟ ~~- عظيم، كله لله. # وسارع خيري يقول: تسمح لي أنا أيضا؟ ~~- تشكر يا بني، أنت ابن حلال. # ونادى صوت من الخارج: نجيب، أريدك في كلمة. # وقام نجيب وهو يقول: عن إذنك يا عمي، تعال يا خيري لترى الشقة. # وقام خيري وهو يقول: تسمح لي يا ... # وكاد لسانه يقول عمي جريا على عادة البيت وزائريه، ولكنه وقف عنها ليقول في اللحظة ~~الأخيرة: يا بك. # وقال البك: تفضل يا بني، شف فيما تريدك أختك. # وطنت أختك في أذن خيري، ولكنه ما لبث أن ضحك منها في نفسه ساخرا! ~~••• # عاد خيري مطمئنا إلى بيت نجيب، فما كان يستطيع أن يعود إلى بيته بعد أن أخبر أمه في ~~الصباح أنه سيبيت ليلته عند نجيب ليذاكر، كان إذ ذاك يفكر في ليلة مع دولت، فأصبحت ليلة مع ~~يسرية، أهناك فرق؟ هذه أخته وهذه أخته، ترى لو عادت إليه دولت؟ لا، كلهن إلا دولت، ~~إنه يعرف حامد وبينهما صلات قوية، الأخوة مع حامد مشفوعة بصداقة وبأستذة من حامد وبمعروف ~~قدمه هو لحامد، وحامده هو من عرفه بأخته وهو من أوصاه بها، وإن تكن دولت سهلة المنال إلا ~~أنها ليست مثل يسرية ولا ليلى تباع لكل من يشتري، نعم هناك فرق، إذن فهو الضمير، ملعون ~~أبو الضمير ومن عرف ms077 الضمير، النهاية، سليمة، على كل حال هكذا أحسن، بلغ الصديقان البيت ~~وأذان الفجر يعلو، فقال كل منهما في نفسه: إن الله غفور رحيم، ثم لم يعقب أحدهما على ~~الآذان بكلمة، أطرق كل منهما في صمت وراحا يصعدان السلم، وبلغا شقة صاحب البيت فوجداه ~~خارجا وقد التف بعباءة وراح يتمتم مسبحا في طريقه إلى صلاة الفجر في الجامع. # وقال نجيب: حرما مقدما يا عم عبد الباقي أفندي. # ولكن عبد الباقي أفندي قال في حزم: يا سي نجيب، أنا لا أقبل هذه الأمور في بيتي أبدا، أنا مضطر أن أطلب منك أن تترك ~~الشقة. ~~- ماذا؟ لماذا يا عم عبد الباقي أفندي؟ كفى الله الشر! ~~- اسأل صديقك، اسأله عن البنت المايعة التي كانت عنده الليلة، لقد رأتها زوجتي. # وسارع خيري قائلا: من؟ أنا؟ رأت ... # وقبل أن يكمل الجملة سارع نجيب يقاطعه: أبدا، أبدا يا عم عبد الباقي أفندي، لا بد أن الست أخطأت النظر، لم يأت لصديقي إلا ~~صديقنا صلاح، أحيانا يخرج من غير طربوش. ~~- من غير طربوش؟ أهذا كلام يا بني! أيمكن أن تخطئ زوجتي بين رجل وامرأة؟ لا يا بني، ~~أرجوك أن تبحث عن مكان من أول الشهر. # وأطرق نجيب متظاهرا بالأسف وقال: أمرك يا عم عبد الباقي أفندي. # وحاول خيري أن يتكلم، ولكن نجيب أمسك بيده خفية فسكت، ثم توجها إلى السلم يكملان صعوده، ~~ولكنهما لم يكادا حتى أوقف نجيب خيري مرة أخرى ممسكا بذراعه دون أن يحادثه، ومال نجيب على ~~الدرابزين ونظر إلى الباب الخارجي حتى إذا اطمئن إلى خروج عبد الباقي أفندي قال ~~لخيري: تعال. # وفهم خيري ما يريده صديقه، فنزل وراءه وهو يقول: المقابلة الشريفة الوحيدة التي تتم في ~~بيته يكون هذا جزاؤها. # وقال نجيب: اسكت، تعال. # ودخلا شقة عبد الباقي أفندي ولاقتهما الست. # لم يترك نجيب البيت أول الشهر، ولم يطلب إليه عبد الباقي أفندي إلا شيئا واحدا، هو أن ~~يقبل اعتذاره، وقبله. # | الفصل العشرون # لم يستطع خيري أن ينجح في عامه هذا، واستطاع نجيب. # ويئس ms078 خيري من المذاكرة يأسا تاما، ولم يحاول أن يعيد إلى ذهنه فكرة المذاكرة مرة أخرى، ~~وطمأن نفسه أن مستقبله معلق بمستقبل يسري ونادية. ولم يخذل يسري أخاه، فقد كان يسير في ~~تعليمه سيرا طيبا، فلم يرسب، وكانت نادية أيضا تسير في تعليمها سيرا مرضيا، ولم يخف عن ~~سميرة هانم ولا على خيري ما جد على الطفلين من تغيير، فيسري قد أصبح ذا وجه اختفى صفاؤه تحت ~~نثار من الحبوب الحمراء، يخرج صوته خشنا لا نعومة فيه ولا براءة، تتقلب عيناه عابرة الرجال ~~مستقرة على النساء، أي نساء، ذاهلا أغلب الأحيان، حائرا عجلا إلى كل أمر، لا يستقر به ~~من القلق حال. # ونادية أيضا لم يعفها الزمان من بوادر أنوثة، فوجهها يسارع إلى الاحمرار، وتتخفى عن ~~أخويها إذا بدلت ملابسها، ولكنها لم تكن بعد قد وصلت إلى السن التي تشغلها فيها محاسنها، ~~بوادر لا أكثر. # لم تنقطع الصلة بين خيري ونجيب، بل استمرت دون تظاهر بالمذاكرة، فعرفا الحانات معا، ~~وعرفا الكثيرات من مثيلات ليلى ويسرية، وأصبحت هذه الأمور بالنسبة إليهما جزءا من حياتهما. ~~ولم يفقدا من متعتهما الأولى إلا الدهشة التي كانت تداخلهما كلما التقيا بجديد، فقد أصبحا ~~لا يلتقيان بالجديد إلا نادرا، يندر كلما مرت الأيام، وكان خيري يعمل في إصرار على ألا ~~يشاركهما محسن في هذه الجولات، فما كان يجب أن ينفق أكثر مما يستطيع أن ينفق، وما كان يحب ~~أن يصحبهما محسن في أمكنة قد لا يراها جديرة بغناه أو قد يرى نفسه متواضعا حين يرودها. ~~فالتواضع صفة لا يرضى خيري أن يصطنعها له أحد. مكان واحد كان يرافقه إليه محسن، هو المسرح، ~~فثمن التذكرة واحد بالنسبة لكليهما، وجميعهم يهوى المسرح ويرى فيه متعة روحية ينعم بها ~~فترات من الوقت طويلة، تطول إلى ما بعد مشاهدة الرواية بأيام، وقد تصل إلى أسابيع، ثم تظل ~~ذكرى الرواية ما وعت الذاكرة. # وهكذا أبقى صلته مع محسن مقصورة على الزيارات المنزلية، ولم تكن زياراته قليلة، ولا كانت ~~زيارات محسن، وعلى زيارات ms079 المسرح، ولم تكن هي أيضا قليلة، فما كانوا يشاهدون الرواية مرة ~~واحدة ولا اثنتين. # وظلت دولت تعمل في بيت عزت باشا، وظلت على رغم أنفها عفيفة، فمحسن يصدف عنها إكراما ~~لمكانها في البيت، وهي لا تبذل في سبيل اجتذابه إليها أية محاولة، فقد كانت تدرك الفارق ~~بينهما، وكان إدراكها هذا يمحو مطامعها، ويقضي عليها قبل أن تحاول الظهور. # وماتت أمها، فلم يبق لها إلا هذا البيت، وعدل عزت باشا نهائيا عن فكرة إبعادها، واطمأن ~~لما كشف بعينه الواعية انعدام الصلة بينها وبين محسن. ولم يحضر حامد وفاة أمه، فقام عنه ~~خيري ومحسن بكل الأعباء وأرسلا يعزيانه، واكتفى هو بخطاب أرسله إلى أخته، وبعض خطابات أخرى ~~أرسلها إلى الباشا ومحسن وخيري، ولم ينس يسري، فقد كان دائما يقدر أنه هو صاح بالفضل ~~الأول عليه، وأنه عن طريقه استطاع أن يصل إلى عزت بك الذي أصبح باشا، ثم إلى هذه البعثة ~~وإلى ذلك المستقبل الذي ينتظر عودته. # وقد حصل حامد على الدكتوراه، ولكن وفاة أمه واطمئنانه على مكان دولت جعلاه يطلب مد البعثة ~~لينال شهادات أخرى. وكان عزت باشا وزيرا فأجيب طلبه. # واستطاعت فايزة أن تنتفع بهذه المعلومات القليلة التي كانت قد تعلمتها قبل أن تصاب، ~~فتمكنت أن تتغلب على البله بالقراءة، فقرأت ولم تكن تفعل شيئا إلا أن تقرأ، وهل يمكن أن ~~تفعل شيئا؟ قراءة تستريح منها بالسينما، وتستعين هناك بالقراءة أيضا، كانت تقرأ ترجمة ~~الحوار التي كانت تكتب إلى جانب الشاشة على شاشة أخرى صغيرة، وكان رأسها يظل رائحا غاديا ~~بين الشاشتين، ولكنها كانت تستمتع بما تشاهد. ولم تفكر بطبيعة الحال كما لم يفكر أهلوها أن ~~تذهب إلى أفلام مصرية ناطقة، فما كانت هناك شاشة صغيرة تستعين بها. فإن كان لا بد من فيلم ~~مصري فصامت، كحياتها، كآذانها، واستطاعت مع كل هذا أن تجد في هذه الحياة جمالا واستطاعت ~~أن تضحك من النكتة المكتوبة، واستطاعت أن تلقي إلى قلبها إشراقا بريئا صنعته لنفسها من ~~ثقافتها ومن قلبها الغض ومن عطف ms080 المحيطين بها ومن حبهم. ~~••• # وجرت الحياة شبه رخاء لعزت باشا، فاشترك في الوزارة عدة مرات، وحصلت مصر على المعاهدة، ~~وكان من الذين يرون فيها خطوة إلى الاستقلال وليست الاستقلال جميعا. وحاول عزت باشا أن ~~يصرف كثيرا من جهده ووقته لإسعاد زوجته، وتقبلت إجلال محاولاته في شكر وتقدير، فكان لا يني ~~عن طمأنتها على وفية، فقد كانت الأنباء تصل إليه دائما عنها، وكانت أنباء يرتاح لها فؤاده ~~وفؤاد زوجته. وكانا يكتبان هذه الأنباء لفايزة فتفرح وتظهر فرحها في براءة حبيبة. وكانت ~~وفية تأتي إليهما في كل عام، بل كانت تأتي إليهما خلال العام مرات، فقد كان لها من كياسة ~~زوجها وغناه ما يهيئ لها هذا المجيء كلما شاءت. # وكان خيري يحرص على أن يراها مرة عند مجيئها ومرة قبل ذهابها، وكان اللقاء يثير بعض ~~ذكريات ما تلبث أن تصطدم بالواقع، فتذوب مع الزمان الماضي الذي انبعثت منه. # وكان محسن يسير في طريقه المرسوم عابثا جادا، ناجحا في دروسه ناجحا في مغامراته، ~~وإن جد عليه شيء فهذا الاهتمام المفاجئ بأعمال أبيه السياسية، وبالحزب وبالصراع بينه وبين ~~الأحزاب الأخرى. ولكن اهتمامه لم ينل من حق دراسته أو من الحقوق الأخرى التي يتيحها لشبابه، ~~ولم يكن لهوه جميعا نساء وخمرا، بل كان كإخوانه يمتع نفسه بكل شيء، ومناحي المتعة عنده ~~كثيرة، فهو يحب المسرح، ويحب الأدب، ويطرب للشعر ويسعى إلى مجالسه، وينتشي للغناء ويهفو ~~للنكتة، ويفطن إليها مهما تكن خافية. الحياة جميعها رقيقة الأستار أمام عينيه بأعبائها ~~ولهوها، بجدها وهزلها، بوقارها الذي تفرضه عليه، وبعربدته التي يفرضها هو عليها، يحب من ~~حوله ويبذل جهده ليحبوه، ويحب الحياة ويبذل جهده أن تحبه الحياة. وحين أقبلت بوادر الحرب ~~استقبلوها في اهتمام ساخر، فقد عرفوا أين يقضون لياليهم. ولم يمنعهم النور المحبوس داخل ~~الحجرات أن ينعموا وإن حرموا بعض المتع، فقد استطاعت نفوسهم المرتاحة الهادئة أن تقبل ~~الحرمان في نكتة أو ضحكة أو تعبيسة واهنة ما تلبث أن تزول في متعة أخرى - مهما تكن هذه ~~المتعة - هي ms081 النقاش حول تطورات الموقف الحربي، وحول أفضلية الألمان على الإنجليز أو أفضلية ~~الإنجليز على الألمان. على أن النقاش لم يكن في يوم عنيفا، فقد كان الساسة يكرهون ~~الإنجليز، وكان كره المستعمر مغروسا في النفوس شب معها وكبر، فكان الرأي العام يكاد يتجه ~~بكله إلى رجاء هزيمة الإنجليز لمجرد الانتقام منهم لا بفكرة أخرى، لا يقف رجاؤهم هذا عند ~~حد إلا إذا ذكر أحدهم الآخر بأن الألمان قد يكونون شرا في استعمارهم من الإنجليز، وأننا ~~قد نبدأ عهدا جديدا من استعمار جديد يحتاج إلى بدء مفاوضات أخرى كانت قد وصلت إلى معاهدة ~~الشرف والاستقلال. وما كانت شيئا قليلا. وعندما تبدو هذه الحجج في أثناء النقاش تتجه رغبة ~~الانتقام المنطلقة عن العاطفة إلى التفكير، بعض التفكير، وينتهي النقاش على غير هزيمة أو ~~انتصار. # | الفصل الحادي والعشرون # أوغلت الحرب فلم تعف أحدا، ولم يستطع أحد مهما يتح له من اطمئنان أن يباعد ما بينه ~~وبينها. # فقد عادت وفية إلى مصر تحمل طفلها عزت جميل. ولعلك مدرك من تسميتها لابنها أنها أثيرة على ~~زوجها مجابة الرجاء عنده يبذل غابة جهده لإرضائها، فهو يسمي ابنهما باسم أبيها ولا ~~يسميه باسم أبيه. ولعلك مدرك أيضا أنها سعت مع الأيام، فلحبها القديم في نفسها آثار. ~~وابنها، ابنها أرسلته إليها السماء الكبيرة فترى في ابتسامته ابتسامة الأيام، وترى في طلعته ~~اعتذارا عن حب كبير لم تتحقق آمالها فيه. ولعلك مدرك من وجود هذا الابن أن الزواج أثمر، ~~وأن قلبي الزوجين قد التقيا على ولدهما. وأني مطمئنك أيضا أنهما التقيا على تلك الصداقة ~~الحبيبة التي ينشأ في ظلالها الحب الرقيق الناعم العميق، تزيده المعاشرة اطمئنانا وتزيده ~~الأيام توثقا، ذلك الحب الذي يولد صغيرا كالطفل ويتغذى من الود والوفاق فينمو مع الأيام ~~الطوال، ويستطيع مع هذه الأيام أن يمد جذوره في حياة الزوجين فيثبت قويا على الأعاصير ~~والعواصف مهما يكن هبوبها من ماض جياش بالهوى، أو من جهل الزوجين كليهما بالآخر قبل الزواج. ~~اطمأنت الحياة بالزوجين، وثبت فيها العطف المزدهر ms082 والود الوثيق. وحين عادت وفية إلى بيت ~~أبيها كان خيري يلقاها وتتصافح منهما الأيدي وتثب إلى الذهن خيالات من الماضي فلا تجد في ~~نفسيهما إلا حبا دارسا أصبح صداقة وطيدة يحفها الإكبار والإعجاب، والذكريات والأمنيات ~~المفعمة برجاء السعادة والرغد والنجاح في الحياة. # وعاد الدكتور حامد عبد الكريم، وما هو إلا هين السعي حتى عين بكلية التجارة مدرسا ~~للجغرافية الاقتصادية. ولم تعد دولت لتعيش مع أخيها فهو قد تعود الحياة فردا، وأحب هذه ~~العادة التي اكتسبها من لندن، كما أحب العادات الأخرى التي يعود بها أغلب العائدين من هناك. ~~ولم ينس الدكتور حامد عادة من تلك العادات، بل صحبها جميعا من بلادها إلى مصر، ودمجها ~~بعادته التي نبتت معه في مصر، فهو لا يزال بطيء المشية عظيما، نبيل اللفتات متكبر السمات. ~~وعلى الرغم من أن الفقر كان مصدر هذه العادات، وعلى الرغم من أنه ترك الفقر واطمأن إلى عدم ~~عودته إليه، إلا أنه لم يترك من عاداته القديمة هذه شيئا. وكان من بين ما أحضر معه من ~~عادات عادة الانفراد وعادة البخل، وكلتاهما تغنيه عن دولت أي غناء. واستطاع أن يبخل ويشتد ~~بخله فلا يترك استغناءه عن دولت يمر دون أن يستغله أحسن استغلال. فأظهر لعزت باشا أنه يترك ~~أخته إكراما لخاطره وخاطر فايزة التي أصبحت لا تستغني عنها، وأظهر أيضا أنه يقبل هذا عن ~~طيب نفس مهما يكن في هذا الترك من متاعب ستلاقيه بها وحدته وانفراده. وكان شكر الباشا ~~واضحا في سعيه الحثيث، وكانت الثمار دانية عن قريب في تعيين الدكتور بكلية ~~التجارة. # لم ينس حامد وفاءه للبيت الذي حقق له هذه الآمال، وقد آلمه ما حاق به. ولكنه حين رأى ~~الكارثة قديمة أخفى ألمه، وأبدى وفاءه في اهتمامه بيسري وإصراره أن يلحقه بكلية التجارة ~~ما دام غير راغب في كلية بعينها. والتحق يسري بكلية التجارة، وظل حامد يرعى أمره رعاية ~~مخلصة وفية. # أما خيري فقد واجه الحرب هادئا، لم يشغله إلا غلاء الحاجات، ولكنه اطمأن حين وجد ~~محصولات ms083 أرضهم تغلو هي أيضا فتواجه الغلاء. وحين جاءت علاوات الحرب ازداد طمأنينة. وسار ~~حياته كما كان يسيرها هادئا واثقا مرتاح النفس والضمير. # وأحس محسن من الحرب الظلام المفروض الذي حد من غزواته المسائية، وترك لأبيه جميع الأعباء ~~الأخرى، وترك له أيضا - بطبيعة الحال - المكاسب الكبرى التي أغدقتها الحرب على أصحاب ~~الأرض. # واجه الجميع الحرب مرغمين غير راضين، شأنهم في ذلك شأن العالم أجمع. واختلف تأثر كل منهم ~~عن الآخر شأنهم في ذلك أيضا شأن سكان العالم أجمعين. # | الفصل الثاني والعشرون # فرغت سميرة هانم من صلاة الظهر، ولم تقم عن السجادة بل ظلت في مكانها تسبح بعض الوقت، ثم ~~نظرت إلى نادية التي كانت جالسة إلى جانب السجادة على الأريكة التي ظلت عمرها في حجرة سميرة ~~هانم، وصحبتها من بيتهم القديم إلى شقتهم. وقالت سميرة هانم: لماذا لم تلبسي يا نادية؟ ~~- سألبس حالا يا نينا. ~~- قومي يا بنتي لنذهب ونعود قبل الليل والغارات. ~~- حالا. آبيه خيري سيذهب معنا؟ ~~- طبعا، ألم يلبس هو أيضا؟ ~~- إنه لابس لم يخلع. ~~- ويسري؟ ~~- لا يريد الذهاب. ~~- لماذا؟ ~~- لا أدري. ~~- ناديه، واذهبي أنت لتلبسي. # وخرجت نادية وعندما تركت الباب نادت: يسري. # وأجاب خيري ظانا أنه هو المطلوب: نعم. ~~- نينا تريدك. # وقصدت نادية إلى حجرتها تبدل ملابسها، وقصد خيري إلى حجرة أمه يسألها: تريدينني يا نينا؟ ~~- لا يا ابني ناد لي يسري. ~~- أتريدينه في شيء؟ ~~- ناده وابق معنا. # وحين جاء يسري بدأته أمه: ماذا يا يسري؟! ~~- ماذا يا نينا؟! ~~- ما معنى مقاطعتك لبيت عمك عزت؟ ~~- لا شيء. ~~- لا بد من شيء. يا ابني منذ مات أبوك لم نجد أحدا مثل عزت باشا، وقف إلى جانبنا في ~~أيام الشدة، وما من طلب طلبناه منه إلا سارع ينفذه، فهل أقل من أن نزوره ونسأل عنه؟ # وقال يسري في بوادر غضب: أنا لا أعرف لأحد فضلا علينا. # وضاق خيري بهذه الإجابة ولكنه كظم ضيقه، وقالت الأم: أبدا؟ # وقال يسري في إصرار: أبدا. # وقال خيري: يا أخي لا تنس فضل الله على ms084 الأقل. # وقال يسري في ثورة: ولا الله. # وهبت الأم قائلة: ماذا؟ ماذا قلت؟ # وقال خيري: لا تخافي يا نينا، لا تخافي، إنها موجة في هذه الأيام، ولكنها كلام لا يدل على ما في ~~القلب. # وقالت الأم: إنه كافر يا خيري، كافر! # وسكت يسري مأخوذا من ثورتها، وقال خيري محاولا أن يهدئ أمه: أبدا يا نينا، أبدا، إنه لا يقصد. # واتجهت الأم إلى يسري قائلة: أتنسى فضل الله، الله الذي جعل لك هذا الأخ الذي قام بأمرك وحرم نفسه من التعليم لأجلك، ~~تنسى فضله. إلى أي مصير كنت تلقى بغير أخيك؟ أليس له فضل عليك؟ # واستأنف يسري صمته في تخاذل، وقال خيري محاولا أن يخرج أخاه مما أوقع نفسه فيه: يا أخي، ما لهذا جميعه ولذهابك إلى بيت عزت باشا؟ # وكأنما أثار هذا الاسم ثائرا في نفس يسري كان قد أوشك أن يهدأ. ~~- يا أخي لا أريد، أهو مفروض علي أن أذهب؟ هل أنا أسير عندكم؟ لا أريد، لا ~~أريد. # وقالت الأم في حدة: ولد، ما هذه اللهجة التي تتكلم بها؟ أجننت؟ # وقال خيري مصطنعا الهدوء لا يزال: أليس لإحجامك هذا سبب؟ # وقالت الأم: عظمة، واحد عظيم ليس لأحد فضل عليه. # وقال يسري دون أن يلتفت إلى سخرية أمه مستأنفا ثورته موجها حديثه إلى أخيه: أتريد أن تعرف لماذا؟ أتريد أن تعرف؟ # وأسندت الأم ذقنها إلى يدها ونظرت إلى ابنها الثائر نظرة ثابتة دهشة، وقال خيري: إن كان لا يضيرك أن تقول. ~~- لا يا أخي لا يضيرني، لا يا سيدي، أقول لك لماذا لا أذهب، لا أريد أن أرى غناهم وفقري، ~~لا أريد أن أرى السراية وأعود إلى الشقة، لا أريد أن أرى محسن يلبس أفخم قماش وأفخم ~~كرافتة ويستبدل كل يوم حلة بأخرى وأعود لأجد حلتي الوحيدة في الصوان، واحدة في الصوان لا ~~تزيد، إن خرجت فإلى جسمي، ولتحل التي ألبسها مكانها واحدة في الصوان وواحدة علي، لا ~~أريد أن أذهب حتى لا أرى فايزة الصماء تلبس أفخم الملابس، بل ms085 إن دولت تلبس أفخم الملابس، ~~ونادية وهي تستقبل الشباب في ملابس ... ملابس ... # وقاطعه خيري: على مهلك، على مهلك، نحن نعرف تماما إلى أي مدى هم أغنياء ونعرف أيضا مقدار ما ~~نملكه، ولكننا متساوون في أشياء أخرى، نحن وهم شرفاء، ونحن وهم أولاد عم لم نمد أيديهم ~~يدا تستجدي ولا هم أشعرونا بفارق المال بيننا، والمساواة بيننا في ... # وقاطع يسري أخاه في حدة: في المركز العائلي والشرف والكرامة. ها، ها، هذه النكت التي لا تعرف غيرها، لم تعد ~~تساوي شيئا، لا أستطيع أن أشتري بها بيت عزت باشا، تعال معي إلى المذبح، تعال إلى سوق ~~الخضر، تعال إلى تجار الدقيق واللبن ومتعهدي الجيوش، تعال انظر إلى المجد الذي بلغوه بلا ~~شرف ولا عائلة ولا كرامة، بلا شيء إلا الذكاء وفهم الدنيا كما يجب أن تفهم، تعال انظر ~~إليهم الآن، الأموال مكدسة تجري بين أيديهم كما تجري على لسانك ألفاظ الكرامة والشرف ~~والمركز العائلي. ولكن الفلوس تجري فتأتي بفلوس، وكلامك يجري فلا يأتي إلا بالفقر الأصلي. ~~نحن لم نصل إلى بائع الخضر ولا إلى الجزار، لا ولا إلى حتى بائع اللبن، ولكننا مع هذا نتشدق ~~بالبيت الكبير الذي كان لنا، وبقرابتنا القريبة من عزت باشا. وتصر أمي وتصر حضرتك على أن ~~أذهب لزيارتهم، وتغضب أمي وتغضب حضرتك إذا قلت إني لا أريد الذهاب، لا يا أخي، لن أذهب، ~~لن أذهب إلا حين أحس أنني أصبحت في غنى عزت باشا أو في غنى قريب من غناه، أعرفت الآن لماذا ~~لا أريد الذهاب؟ هل اقتنعت؟ لن أذهب، ولن أنتظر حتى لأسمع رأيك، فإني أعرفه. # وفي حركة سريعة اتجه يسري إلى الباب وعبره إلى باب الشقة الخارجي، وما هي إلا هنيهة حتى ~~سمعت سميرة هانم وسمع خيري الباب ينصفق صفقة عنيفة، ولم تزد الأم عن أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. # وقال خيري: لا تخافي، شدة وتزول، لا تخافي، سوف يعرف قريبا أيهما أكثر قيمة: الكلام الذي يجري ~~على لساني أم المال الذي ms086 يجري في يد الجزار وبائع الخضر. # | الفصل الثالث والعشرون # غادر يسري البيت ساخطا، الثورة تمور في نفسه فكأنه ما أفرج عنها. وراح يسير الطريق يعلو ~~صدره ويهبط لا يفعل ذهنه شيئا إلا أن يستعيد ما كان يقوله لأخيه، ولا تبدو على وجهه إلا ~~بقايا ابتسامة ساخرة تطفر إلى فمه كلما دار بذهنه ما يفكر فيه أخوه من شرف وكرامة وأخلاق، ~~وغير هذا من الأوهام التي يسبح فيها خيري، والتي لا تساوي عنده إلا هذه الابتسامة. وإنه ~~اليوم يزيد ابتسامته تثبيتا وإن كانت قد بدأت تتخذ لونا آخر إلى جانب السخرية التي تتسم ~~بها، فلقد راح يستعيد في ذهنه شكل أخيه وهو يسمع منه هذا الهجوم الذي شنه على العوالم التي ~~يعيش في هيكلها. # نعم إن أخي ما كان يفكر يوما أنه سيسمع هذا الحديث، ولا شك أن دهشته زادت إن صدر هذا ~~الحديث عني أنا، أخوه الذي عاش معه هذه السنوات الطوال لا يسمع منه حديثا إلا هذا الحديث ~~عن ماضينا وبيتنا وأسرتنا وكرامتنا، كرامتنا؟! كلام، كلام، في أي عصر يعيش أخي خيري، ~~إنه يغلف نفسه بستار سميك من سنوات الماضي وخرافاته، مع أنه شاب، شاب ودائر وقطع السمكة ~~وذيلها. ولكنه من أفكاره في غرفة أقفل ما بينها وبين الحياة، فهي المعزل البعيد المطمور في ~~خرافات الماضي وأوهام السنين، ألم ير إلى الحياة اليوم؟ لعله لا يعرف ما نعرفه نحن، نعم ~~أظن أنه لم يتعمق الحياة كما أتعمقها أنا، طبعا ثقافته محدودة ولم يدخل إلى التعليم ~~العالي، ويكتفي بقراءة هذه المكتبة التي ورثها عن المرحوم والدنا. ولكن ماذا تجدي هذه الكتب ~~الأدبية في فهم الحياة على حقيقتها والوصول إلى جذورها؟ العالم يحترق أمامه وهو يقرأ في ~~شعر المتنبي وشوقي وأيام طه حسين ومجدولين المنفلوطي وفلسفة العقاد ومساخر المازني. مصائب، ~~إنه لا يريد أن ينزل إلى الحياة الحقيقية، إلى الواقع، كم دهش حين حدثه الدكتور حامد عن ~~مبادئه، كم دهش حين رأى الدكتور حامد يقول إن كل العواطف ضعف، وإن الحياة ms087 لا تقبل إلا على ~~الذين يلقونها بقلوب خالية من كل عاطفة إلا عاطفة المصلحة، وبعزم لا يعرف إلا بلوغ القصد ~~بلا نظر إلى الوسيلة ولا مشاعر الغير، كم جزع أخي، كم جزع، لم يجد شيئا بقوله إلا أن ~~العواطف لا تعرف وإنما تحس، وأنه لا يستطيع أن يناقش إنسانا هذا رأيه؛ لأنه لن يستطيع أن ~~يقنعه، وقال شيئا آخر، قال في حدة: لولا العاطفة، عاطفة الصداقة والأخوة بينه وبين ~~الدكتور ... ثم لم يكمل، وحين استحثه الدكتور حامد أن يكمل احمر وجهه وصمت ولم يكمل، ماذا ~~كان يريد أن يقول؟ أتراه كان يريد أن يذكر الفضل الذي ناله الدكتور حامد عن طريقه؟ أم ~~تراه يقصد إلى شيء آخر؟ لا أدري. أظن أن الدكتور حامد فهم هذا الفهم، أم تراه لم يفهمه ~~فهو رجل حريص ألا يبدي وجهه شيئا مما يعتمل في نفسه، كم أعجب بالدكتور حامد، لقد استطاع ~~أن يفهم الدنيا ويتعمق حقائقها، كيف استطاع ذلك؟ أترى سفره إلى الخارج أم تراها طبيعة؟ أم ~~تراه مجرد ذكاء وهبه الله له؟ إنه يختلف كل الاختلاف عن أخي وصديقيه نجيب ومحسن، ولكن أي ~~مقارنة تلك؟ إنه يسبقهم في السن ويختلف عنهم في الثقافة. لا شك أنه يملك مواهب وثقافة وصدفة ~~في أيضا، فهو لا شك يسبق جيله فهو ثائر على جيله المقيد بالماضي والتقاليد. لا أنسى ما ~~فعله معي في الامتحان. # أي أستاذ غيره يمكن أن يملي الإجابة على تلميذ في اللجنة؟ جرأة عجيبة، أظن إن كان أخي ~~خيري مكانه لقتلني لو طلبت إليه هذا، أما الدكتور حامد فجريء، ألم يقل لي يومها: «أنت ~~أحق بالنجاح من الأغنياء الذين يذاكرون ولا يفهمون شيئا، وإنما يحفظون ويرمون بما يحفظون ~~على أوراق الإجابة.» رجل مقتنع أنني ذكي وأنني أستحق النجاح والتفوق. # كانت أقدام يسري قد بلغت به إلى موقف الترام، وما لبث أن رأى الترام الذي يبلغ به بيت ~~الدكتور حامد قادما فركبه، فقد جعله هذا الحديث الذي دار بنفسه يشتاق إلى رؤيته، كما تذكر ms088 ~~أنه يريد أن يسأله في بعض مواضع عرضت له أثناء المذاكرة. وقد تعود يسري أن يزور أستاذه في ~~غير حرج، فقد قاربت الكلية بينهما كما قاربت بينهما روابط الماضي. ولم يكن ببيت حامد إلا ~~خادم هرم قليل المئونة هين الأجر، فلم يكن يسري يرى حرجا في أن ينتظر أستاذه بالبيت حتى ~~يعود إذا تصادف وذهب على غير موعد أو ذهب على موعد فلم يجد أستاذه بالبيت، فقد كانت الصلة ~~بينهما تتيح للأستاذ ألا ينتظر تلميذه مكتفيا بترك ورقة يطلب إليه فيها أن يعود في موعد ~~آخر أو يطلب أن ينتظره حتى يعود، كما كانت تتيح ليسري ألا يغضب. # وبلغ يسري البيت ودق الجرس، وفتح الباب عن دولت. أخذ يسري بعض الشيء وعاجلته هي قائلة: أهلا. # فيها ترحيب وفيها شوق. وقال يسري: أهلا بك. ~~- أين أنت؟ من زمان لم نرك. ~~- في الدنيا، خير ماذا جاء بك؟ ~~- ماذا، غريبة؟ ~~- نعم. ~~- بيت أخي. ~~- أعرف، ولكني أجيء إليه كل يوم تقريبا ولا أراك. ~~- أنا أجيء إليه من حين لآخر، أرى ملابسه وأنظم بيته وأعود. ~~- آه، أهو هنا؟ ~~- لا، ادخل. # ودخل يسري وهو يقول: أين ذهب؟ ~~- لا أعلم! جئت فلم أجده. ~~- وأين عم إدريس؟ ~~- لا أدري أيضا، فإنه ما كاد يراني حتى قال الحمد لله أنك جئت، انتظري أنت أخاك وسأنزل ~~أنا أشرب فنجان شاي لأن عندي صداعا، وأريد أن أشم الهواء. ونزل السلم يجري كأنه ابن ~~العشرين. ~~- هيه، طيب. ~~- اقعد، ما لك واقفا؟ ألا تنتظر أخي؟ # ولم يتردد يسري إلا بكلمة عابرة أطلقها وهو يقتعد الأريكة في البهو: قد يغيب. # وقالت دولت في دلال: وماله؟ لنا زمان لم نرك. # هي دولت كما هي، لم تغير منها السنون، ولم تمر بها الحرب. عفيفة رغم أنفها، عاهرة لو ~~استطاعت إلى ذلك سبيلا، الرجل يملأ تفكيرها وحسها، ولولا بعض حياء ما امتنعت على الخدم في ~~بيت الباشا. ولكنها لم تستطع أن تنسى مكانها في البيت، وأخاها الذي أصبح أستاذا كبيرا، ~~فعفت عن الخدم ولم تجد في حياتها ms089 غيرهم، فعاشت شريفة بواقع أمرها، غير شريفة بآمالها ~~وتفكيرها وأحلامها وأمسياتها المنفردة الباردة. # لم تجد زوجا، فأخوها يأبى لها الجاهل ولا يجد لها المتعلم. وهي في وسط بعيد عن الرجال ~~الذين قد يقبل أخوها أن يزوجها بأحدهم. وقد جعلتها إقامتها في بيت الباشا تقتنع برأي ~~أخيها، فإنها لم تعد تطيق أن تنزل من هذا العز الذي رفلت في أطوائه إلى حياة جافة مع صانع ~~أو مثيل له. # نظر يسري إلى دولت مليا، جمال أخاذ، إنه يعرف ذلك منذ زمن بعيد، ولكن كيف كان يمكن ~~أن يصل إليها؟ لقد انقطع عن بيت عزت باشا في الوقت الذي كان يمكن أن يستغل فيه علمه ~~بجمالها. # أحست دولت نظرته وعرفتها والتذتها، فأقامت مكانها ترنو إليه وتنتظر أن ينتهي من النظر ~~بحديث. ولم يطل انتظارها. قال: ازددت جمالا يا دولت. # وضحكت دولت في تمايل وهي تقول: أما تزال تراني جميلة؟ ~~- أجمل مما كنت أراك. # وازدادت ضحكا وقالت: أنت أيضا ازددت جمالا، فقد أصبحت تعتني بشعرك وتمشطه، وخلعت الطربوش الذي كان لا ~~يفارقك على الرغم من خوصته الكسرة، وأصبحت تهتم بملابسك، وازدادت عيناك بريقا، ولو أن الخبث ~~حل فيهما محل البراءة، وأصبحت ذا عينين جريئتين حتى لأستحي أن أقف أمامك، فإنه يخيل إلي ~~أنك توشك أن تخلع عني ثيابي. # وقال يسري في لهو: يا ليت! # وضحكت دولت ضحكة عالية وهي تقول: لا، لقد أصبحت بلوى كبيرة. # وأمسك يسري بيدها وأجلسها إلى جانبه. # وتحققت أمنية دولت آخر الأمر، واستطاعت أن تجد رجلا، واستطاعت أيضا أن تترك عهد العذارى ~~غير آسفة ولا قلقة، فقد كانت تحس أن لا أحد هناك سيأسف على ما فقدته، فهي لا أحد لها إلا ~~أخوها، وأخوها لا يهمه من أمرها إلا أن تكفيه مئونتها ولا تطلب منه مالا، ثم هو مشغول بعد ~~ذلك بالكلية وبالمجد الذي يمهده لنفسه في الحياة، فماذا تخشى؟ # وهكذا وبهذا الاطمئنان المستقر في نفس دولت استطاع يسري أن يطمئن هو الآخر، فما دامت هي ~~غير آسفة ولا قلقة ms090 ولا خائفة، فماذا يدعوه هو إلى الأسف أو القلق أو الخوف؟! لا شيء. # قالت له: أين نلتقي بعد ذلك؟ # قال يسري: لا أدري! ~~- لماذا لا تأتي إلى البيت؟ ~~- وما الفائدة؟ ~~- صحيح. # ثم قال وكأنما أشرقت في ذهنه فكرة رائعة: لماذا لا نلتقي هنا؟ # ونظرت دولت إليه في دهشة: هنا؟! ~~- نعم، لم لا؟ ~~- وأخي؟ ~~- سأعرف مواعيد خروجه وأخبرك بها بالتليفون. # وظلت دولت تحملق في وجهه بدهشة وهي تقول مرددة وراءه بلا تفكير: بالتليفون. ~~- نعم، سأظل أطلب البيت ولا أجيب حتى أسمع صوتك، فإذا سمعته أخبرك بالميعاد ولا تجيبي ~~أنت. # وبدا على دولت أنها اقتنعت، ولكنها ما لبثت أن قالت: وعم إدريس؟ ~~- لا شأن لك به، سأسبقك وأجعله ينزل بأي حجة أو تسبقيني أنت، وهو ما أحب أن ينال إجازة ~~بمجيئك. ~~- نجرب. ~~- ليس أصلح من هنا. ~~- أترى ذلك؟ ~~- لا شك. # وما هي إلا دقائق حتى كان يسري بالطريق يفكر فيما كان من أمره وأمر دولت، فرحا هادئ ~~النفس، يسير على الأرض ولا يكاد يلمسها من مرح ونشوة، حتى إذا هفت إلى ذهنه فكرة أنها أخت ~~أستاذه وصديقه الذي يحبه حبا يكاد يصل إلى حبه لأخيه خيري طمأن نفسه، إن حامد واسع ~~الأفق ثائر على التقاليد ذكي، ما تلبث نفسه أن تطمئن ويعود إلى سيره يكاد لا يلمس الأرض من ~~مرح ونشوة. # | الفصل الرابع والعشرون # دامت الصلة بين يسري ودولت، ولكنه أنبأها في آخر لقاء بينهما أنه سينقطع عنها بعض الوقت ~~لأن امتحان البكالوريوس أصبح على الأبواب. # وانقطع يسري للمذاكرة فعلا، وكانت مذاكرته في بيت صديق له هو عبد الوهاب النجدي، وكان ~~يشاركهما في المذاكرة صبحي الملواني ويحيى المهدي. وكانوا جميعهم جادين في مذاكرتهم، وألحت ~~عليهم الدروس وألحوا عليها وأصابهم هذا الدوار الذي يعرفه أبناء المدارس. حتى كانت ليلة ~~انتبه يحيى إلى رفاقه الثلاثة، كان يشرح لهم، فوجدهم لا يعون من قوله شيئا، فأقفل الكتاب ~~ونظر إليهم قائلا: أولاد. # فطالعته منهم همهمة تشبه الإجابة، فقال: أنتم لا تفهمون شيئا مما أقول. # فقال يسري ms091 : اشرح أنت ولا شأن لك. ~~- لا شأن لي؟ كيف؟ أهو تعب قلب والسلام؟! # فقال صبحي: لا يا يسري! يحيى محق، مخنا مقفل. # وقال عبد الوهاب: ما رأيكم؟ نترك المذاكرة الليلة. # فقال يسري: وماذا نفعل؟ # وقال يحيى: نذهب إلى السينما. # وسارع صبحي قائلا: أي سينما، هل جننت؟ # وقال يحيى: مسرح. # فقال صبحي ساخرا في مرارة: يا بني اكبر، سينما، مسرح، هل نحن عيال؟ # وقال يحيى: ألا يذهب إلى السينما والمسرح إلا العيال؟ طيب وماذا تريدون أن تفعلوا؟ # قال عبد الوهاب: البار، بار سبيت فاير، عجيب يا بني، كأس الويسكي ... # فقاطعه يحيى: أنا لا أشرب. # قال عبد الوهاب: لا وعيت تشرب. انظر، ألا تنظر أيضا؟ # فقال يحيى في بلاهة: وماذا أنظر؟ # فأغرق الجميع في الضحك إلا يسري الذي ارتسمت على وجهه معالم دهشة كبيرة وقال: أتريد أن تفهمني أنك لم تذهب إلى بار في حياتك؟ # وقال يحيى وعلائم البلاهة ما زالت بادية عليه: لا، لم أذهب. # وضحك يسري وأغرق في الضحك: لا، معذور تكون أول الدفعة. أبدا؟ # فقال يحيى: أبدا، ألا بد أن نذهب إلى البار؟ أذهب أحدكم إلى الجامع في حياته؟ # فقال يسري: ماذا؟ أنويت تخطب خطبة وعظ أيضا؟ # فقال يحيى: لا، ولكن هناك أمكنة لم تذهبوا أنتم إليها أبدا وذهبت أنا إليها، وأمكنة لم أذهب أنا ~~إليها ... # فقال يسري مقاطعا: نعم، وذهبنا نحن إليها، عظيم، اسمع، البار فيه نسوان تفتن العابد، وشراب يا حبيبي ~~وعدك الله به في الجنة، ونحن نجده في الدنيا من غير جنة أو تعب جنة. تجيء معنا أم تنتظر أنت ~~دورك مع الحور العين وشراب الكوثر؟ # فقال يحيى في حزم: لا، أفضل أن أنتظر دوري. # فقال صبحي: يا بني، بار سبيت فاير أقرب. # وقال عبد الوهاب: وأسرع، وهو أيضا مؤكد. # فقال يحيى في لهجة تكاد تكون غاضبة: أتكفر بالله؟ الجنة أيضا مؤكدة. # فقال يسري: وهل قلنا إنها غير مؤكدة، كل ما في الأمر أننا شباب ونأخذ حظنا من الدنيا، ومسألة ~~الجنة هذه نؤجلها إلى حين لا ms092 نستطيع المتعة، أؤكد لك يا يحيى أنني في سن الخمسين، لا، ~~الستين، سأصلي وأمتنع عن شرب المسكر وأصوم وأعجبك، وسأقابلك بعد ذلك على أبواب الجنة عند ~~عمك رضوان، يا عيني عليك يا يحيى ستحزن يوم ذلك حزنا عظيما، حرمت نفسك ومتعت نفسك، ثم ~~التقينا على أبواب الجنة، يا عيني يا ابني. # فقال يحيى: كلام فارغ، لكل جزاؤه. # وقال عبد الوهاب بين ضحك رفاقه: اسمع يا عم، نحن ذاهبون إلى النار، أقصد إلى الجنة التي في الأرض، أتجيء معنا أم ~~تذهب أنت إلى السينما؟ ~~- لا، سأذهب أنا إلى السينما، واذهبوا حيث شئتم. # فقال يسري: اسمع، قبل أن تذهب، أعندك خادمة في البيت؟ # وأدرك يحيى ما يرمي إليه السؤال، فقال: وما شأنك أنت؟ # فقال يسري: لا شأن لي، وإنما أسأل فقط. # فقال يحيى: يظهر أنك سكرت قبل البار؟! # فقال يسري: لا والله، أنا مفيق جدا، المهم، متى تحضر غدا؟ # فقال يحيى: في موعدي، وأرجو أن أجدكم قد أفقتم من سهرة الليلة. # فقال عبد الوهاب: لا يا أخي، لا تخش شيئا، نحن نشرب المحيط ولا يهمنا. # فقال يحيى: محيط يبلعكم جميعا، سلام عليكم. # فقال عبد الوهاب في جد ساخر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. # وقد تقطعت تحيته بالضحكات العالية أو المكبوتة، وخرج يحيى وتركهم يتهيئون لسهرتهم، وقد ~~طمأنهم عبد الوهاب أنه سيدفع عنهم النفقات جميعا. # أصر يسري على أن يمر ببيته ليلبس حلته الأخرى، ولم يستطع رفاقه أن يخالفوه. وحين سأله ~~أخوه عما دعاه إلى ارتداء حلته النظيفة أنبأه في عجلة أنهم تعبوا من المذاكرة ويريدون أن ~~يذهبوا إلى السينما. ولم يشأ خيري أن يسأله أي سينما. ولم يشأ أن يقول له إنه يريد أن ~~يرافقهم مع أنه كان ينتوي أن يذهب إلى السينما هو الآخر، لم يشأ أن يقول شيئا، فقد كان ~~يدرك أن وجوده معهم لا يروقهم، كما كان يدرك تمام الإدراك أن أخاه في أغلب الأمر يكذب وأن ~~السينما لن تكون مقصده. أدرك هذا فسكت. ولم يدرك يسري أن أخاه ms093 عرف كذبته، وإنما هو يلقيها ~~واثقا أن أخاه سيصدقها، فهو واثق من ذكاء نفسه، واثق أنه قادر على أن يجعل أخاه يصدق ما ~~شاء له أن يصدق، وانفتل يسري إلى صديقيه اللذين كانا ينتظرانه أسفل البيت، وما هي إلا بعض ~~دقيقة حتى كانوا يأخذون سمتهم سعيا على أقدامهم من المنيرة إلى بار سبيت فاير بميدان ~~الأوبرا. # سار الرفاق، ووجدهم يسري يتابعون حديثا بدأوه حين كان هو يرتدي ملابسه، قال صبحي: ألم تقل لأبيك إنك لا تريدها؟ # فقال يسري: ماذا؟ هل جد جديد في أمر زواجك يا عبد الوهاب؟ ~~- لا، لا جديد، إلا أنني اقتربت منه. # فقال يسري: ولكني أراك في هذه الأيام غير غاضب كما كان شأنك يوم فرض عليك هذا الزواج. # فقال صبحي: والله إن أردت الحق يا أبا عبده، أنا أيضا أراك في هذه الأيام أقرب إلى ~~الانبساط. # فقال عبد الوهاب: والله إنكما خبيثان. # فقال يسري في لهجة الفاهم: قل الحق يا أبا عبده. # فقال عبد الوهاب: والله أنا وجدت المسألة معقولة إلى حد كبير. # فقال صبحي: أهكذا؟! # فقال عبد الوهاب: البنت عندها مائتا فدان وحدها، سترثها من أبيها الذي أصبح رجلا في الدنيا وأخرى في جنة ~~عمك يحيى! # فقال صبحي: معقول يا ابني، الغني يحب الغني. # فقال عبد الوهاب: الزواج شيء لا بد منه على كل حال، ومسألة الجمال هذه ليست مهمة، الجمال موجود في سبيت ~~فاير وغيره من البارات، أما المائتا فدان فمسألة صعب وجودها. # فقال صبحي: رحم الله عمك أوسكار وايلد، كان يقول: إذا أطفئت الأنوار تساوت النساء. # فقال عبد الوهاب مسترسلا: فعلا، هي زوجة على أية حال للبيت والأولاد، وأما عن جمالها فأستطيع بمالها أن أجعل ~~ألف جميلة تعوضني عن قبحها خير عوض. # فقال صبحي: والله وأصبحت فيلسوفا يا ابن الكلب. # فقال يسري في نوبة تفكير: والله كلامه معقول يا صبحي. # فقال صبحي: وهل قلت غير ذلك؟ # وقال عبد الوهاب: ثم إن أبي سيرضى عن هذا الزواج لأنه وقع باختياره و... # وقاطعه يسري: وهل ms094 هذا المنطق الذي تسوقه منطق أبيك؟ # فقال عبد الوهاب: لا أبدا، إنما البنت بنت أخيه، وهو معجب بأدبها وخلقها، ومسألة الجمال لا ~~تهمه. # فقال يسري: وما الجمال؟ وما العيب أن تكون زوجتك غنية وغير جميلة؟ ما أكثر الجميلات اللواتي سيكن ~~زوجاتك بأموالها. الفلوس يا حبيبي، الفلوس هي كل شيء، إذا كان معك فلوس فمعك الجمال الذي ~~تريد والمجد والعز والأبهة، والله فلسفتك عميقة يا عبد الوهاب، تزوج يا بني على بركة ~~الله. # وقال صبحي: العقبى لك يا يسري. # فقال يسري: ومن أين آتي بفرصة كفرصة سي عبده؟ إنه غني ويستطيع أن يتزوج الغنية. # وقال صبحي: فرصتك أنت أكبر، أقاربك جميعهم أغنياء، ما عليك إلا أن تضع يدك في وسطهم تخرج بواحدة ~~غنية، وما دمت ترى أن الجمال لا أهمية له فالمسألة أصبحت غاية في السهولة. # وصمت يسري وفكر وأطال التفكير، وانشغل الصاحبان، وران عليهم صمت زاده عمقا الظلام المخيم ~~على القاهرة، فالنور يخرج إلى الشارع متخفيا في حذر، تذوده ألوان زرقاء قاتمة طلي بها ~~زجاج النوافذ والسيارات تمضي واهنة تتحسس طريقها بالعلم لا بالرؤية، فمصابيحها هي أيضا ~~زرقاء داكنة تكاد لا تفيد شيئا إلا أن تنبه المارة أنها تمر. وكان الرفاق قد بلغوا ميدان ~~الأوبرا وليس من دليل أنهم بلغوا إلا أنهم يعرفون أنه هو، فهو هادئ ساكن، شأنه شأن ضاحية في ~~طرف من المدينة قصي، فلا لم يكن ميدان الأوبرا - قلب القاهرة النابض - نابضا في هذه ~~الأيام، إنما هو متسع من الأرض يرين عليه ما يرين على العالم والنفوس من إظلام، وصمت مقبض، ~~وخوف راعد، وجهل للمستقبل، وضيق بالحاضر، وشوق إلى الماضي. # كان بار سبيت فاير شأنه شأن الميدان أجمعه، فهو من الخارج صامت كالح، ينبعث منه بصيص من ~~الضوء يتلصص طريقه إلى الخارج، ولكن ما إن دلف إليه الرفاق الثلاثة حتى وجدوا الحياة تمور ~~في داخله عربيدة تنتقم من الصمت في الخارج، ووجدوا الضياء باهرا ينتقم من الظلام في ~~العالم، والعقول غائبة والأجسام حاضرة تثبت وجودها في إصرار ms095 ، في كل نأمة منها، في كل إشارة ~~يشير بها جندي من الجنود المحاربين أو تشير بها فتاة من فتيات البار. أجسام بلا عقول، وضحك ~~بلا تفكير، وحديث بلا منطق إلا الرغبة، حديث أجسام تهتبل من إجازة الساعات فرصة لا يدري ~~أصحابها إن كانت تعود أو لا تعود، أو متى تعود إن هي عادت؟ هم الجنود العائدون من القتل ~~أذاقوه عدوهم ونجوا منه بأعاجيب، ولم تكن عودتهم لأهلهم وذويهم، بل إنهم يجهلون من أمر ~~هؤلاء كل أمرهم، فمن زوج ترك زوجته الشابة، ومن ابن ترك أمه العجوز، لا يدري الزوج كيف تحيا ~~زوجته، ولا يدري الابن أتحيا أمه أم هي فارقت الحياة. عادوا يريدون أن ينسوا الموت جميعه، ~~سواء منه ما جرعوه لعدوهم أو ما تعرضوا هم له وأفلتوا لا يدرون كيف، ويرعبهم أنهم يعلمون ~~أنهم ملاقوه ثانية وثالثة وعشرا. ثم يعجز تفكيرهم، كيف يفلتون من الموت القادم؟ كيف؟ ~~إنهم يريدون أن يحجبوا تفكيرهم عن هذا الطريق، ويريدون أن ينسوا أوطانهم وما فيها، فينكبوا ~~على الخمر، يريدون أن يسكروا ويريدون النساء اللواتي تعرض عليهم، ولا يهمهم في غمرة خوفهم من ~~الماضي والمستقبل أنهم في أرض غير أرضهم، وبين قوم غير قومهم، فقد أصبحوا يرون كل مكان ~~ينزلون فيه مكانهم هم أصحابه بقوتهم وبسلاحهم، وبالحق الذي يفرضونه لأنفسهم على غير ~~المحاربين. # دخل الرفاق الثلاثة البار، ووقفوا بجانب الباب بعض الحين ينفضون المكان بأعينهم، متنقلين ~~في دهشة وبعض خوف بين النساء واحدة بعد الأخرى، فإذا هن جميعا مشغولات عنهم. فراحوا ينقلون ~~أبصارهم مرة أخرى بين المناضد عساهم يجدون واحدة خالية، حتى إذا يئسوا من هذه أيضا تقدمهم ~~يسري في تؤدة وأدب جم إلى البار، واعتلى كرسيا ووقف صاحباه إلى جانبه، وقال عبد الوهاب: ثلاثة ويسكي. # وجاءهم الشراب، فراحوا يشربون وهم سكوت مفكرين خائفين، الصخب من حولهم منصب في قلوبهم ~~رعبا. # وكان إلى جانب يسري من الناحية الأخرى جندي طويل القامة عريض المنكبين، له ذراعان ~~مفتولتان، كل عرق فيهما يمور بالقوة العارمة، وكان أحمر ms096 الوجه احمرارا صارخا، لا عن خجل ~~وإنما عن طبيعة زادتها الخمر وضوحا، فهو كالذبيحة بين يدي الجزار يكاد رائيه يظن أن الدماء ~~لن تلبث أن تنبجس من خديه في عنف وانهمار. وكان الجندي يلف ذراعا له حول خصر فتاة لا تكاد ~~تتماسك بين ذراعيه، حتى لخيل ليسري أنها تسيل وتسيل وتوشك أن تصبح مادة بلا قوام، تحتاج ~~إلى وعاء يقيم من أودها أو يبقي على مادتها، وكانت ذراع الجندي الأخرى على البار تمسك بكأس ~~ترفعها بين الحين والحين إلى فمه أو إلى فم فتاته، ولعله كان يخيل إليه من شدة السكر ~~أنه يسقيها وهو يسقي نفسه، أو يخيل إليه أنه يسقي نفسه بينما هو يسقيها. # وظل الرفاق الثلاثة يشربون، وظل يسري ينظر إلى هذه الفتنة التي ترتكب بجانبه شاردا يفكر ~~فيها حينا ويفكر في حديث صبحي حينا آخر، أو يفكر في دولت حينا ثالثا، أو تختلط الأفكار ~~جميعا في رأسه امتزجت بحميا الخمر فهو في بحران. # مضى حين من الوقت لم يشعر البار بمضيه، وغمز صبحي ذراع يسري وأشار بذقنه إلى فتاة مالت ~~على صدر جندي راح يعبث في جسمها ويقبلها في نهم. وأطال يسري النظر إلى الفتاة والجندي. ثم ~~التفت فجأة إلى جواره يريد أن يرى أثر هذه المغازلة الصريحة على الأسترالي وصديقته، ولكنه ~~وجد الأسترالي قد انصرف والفتاة تقف وحدها إلى البار. فظل ناظرا إليها، وتنبهت هي إلى ~~نظرته فابتسمت له وابتسم، فدعاها إلى كأس فأجابت وإلى أخرى فقبلت. وأوشك أن يدعوها إلى ~~الخروج لولا أن عاد الأسترالي، وكانت الفتاة قد تعتعتها الخمر كما تعتعت يسري، وكان ~~الأسترالي كامل السكر غير محتاج إلى مزيد، وما هي إلا ثانية واحدة حتى كان يسري مقذوفا ~~يحطم الزجاج المطلي باللون الأزرق خارجا هو والنور إلى الشارع، وقبل أن تمر الدقيقة ~~التالية كان الصديقان يخترقان لوحين آخرين من الزجاج الأزرق غير مقذوفين إلا بالرعب المرفرف ~~في قلبيهما، وما إن بلغت أقدامهما أرض الميدان حتى أطلقها الزمام للجري لا يلويان على ~~صاحبهما. # أمسك ms097 يسري بأول قدم مرت به في مرقده خارج البار، وامتدت إليه يدان تحملانه كطفل، وسارع ~~صاحب اليدين يترك المكان جميعه يتوخى الظلام الشديد، حتى إذا بلغ مكانا مطمئنا تركته ~~اليدان، وطالعه صوت لم يختلط عليه: يظهر أن الفيلم كان دراما عنيفة يا أستاذ يسري. # | الفصل الخامس والعشرون # أفاق يسري إفاقة تامة، وواجه أخاه الذي طالعه وجهه من ثنايا الظلام الأغبر مبتسما حانيا ~~صافحا مدركا، وظل يسري صامتا مستخزيا. # وقال خيري: هل أصابك شيء؟ ~~- لا، بسيطة. ~~- أتستطيع المشي؟ ~~- نعم، أظن ذلك. ~~- اعتمد على ذراعي وامش. ~~- أين تريد الذهاب؟ ~~- إلى البيت. ~~- خذني إلى مكان آخر. ~~- تعال. ~~- إلى أين؟ ~~- تعال. # ومشى الأخوان يعتمد يسري على ذراع أخيه. تعثرت خطواته في أول الأمر بعض الحين، ثم ما لبث ~~أن استقام به المسير. وبلغا شارع قصر العيني، ولم يمل أخوه إلى المنيرة، بل حاد يمنة إلى ~~النيل، وحين بلغا الحجارة البيضاء المشرفة على النهر العريق جلس خيري وساعد أخاه فأجلسه إلى ~~جانبه، ثم قال: هل فكرت يوما أن تجلس جلسة كهذه؟ # وقال يسري في سخرية تتردد بين الظهور والاستخفاء: جلسة شاعرية تعني؟ # فقال خيري مغضيا عن رنة السخرية في صوت أخيه: مثلا. ~~- لا يا سيدي، أنا لست من غواة الشعر. ~~- هل لا بد أن تكون من غواة الشعر حتى تتمتع بالطبيعة، يخيل لي يا يسري أنك لا تتمتع ~~بالطبيعة أبدا. ~~- هذه متعة لا أعرفها، إنما أعرف متعات أخرى. ~~- حتى هذه المتعات تحتاج إلى شيء من الجمال في نفسك لتتغلغل إلى كيانك، تستطيع أن تسكب ~~على حياتك لونا من الجمال، من الإحساس، من المشاعر. ~~- إحساس! مشاعر! الشعر أتلف الدنيا معك. # وقال خيري في بساطة: قل لي يا يسري، ألم تحس في لحظة، في لحظة عابرة أنك تحب هذه الدنيا، الدنيا كلها ~~بكل ما فيها ومن فيها؟ تحب الظلام والنور، تحب العدو والصديق، تحب الدنيا لأنك فيها، ~~وتحب الله لأنه صنع لك هذه الدنيا، والدنيا كلها بجمالها، بل بقبحها وقسوتها. ألم تحس في ~~لحظة - ولو لحظة - أن ms098 قلبك استطاع أن يحتوي العالم جميعه واستطاع أن يحنو عليه ويعطفه بما ~~فيه من جمال، بل ما فيه أيضا من بؤس؟ # قال يسري في نفس البساطة: لا. ~~- أبدا؟ ~~- أبدا، ولا أظن أنني سأفعل، أي دنيا هذه التي أحبها؟ هذه الدنيا التي جعلتنا فقراء ~~وجعلتك تترك تعليمك لتعلمنا أنا وأختي، وجعلت خيرنا أغنياء لا يدرون ما يفعلون ~~بمالهم؟ ~~- أليس جميلا أن تجد في الحياة أخا مثلي ترك تعليمه لتعليمك أنت وأختك؟ أليست جميلة ~~هذه الصلات القوية الرقيقة التي تصل الأخ بأخيه والصديق بصديقه؟ ~~- ليست جميلة أبدا، ماذا كسبت؟ إنك تفلسف حياتك فتقبلها مع أنها حرمتك من العلم والطموح ~~والغنى، أما أنا فلا أستطيع. ~~- لقد حرمتني الحياة مما قلت، ولكنها وهبت لي الأصدقاء والحب والدفء والطمأنينة، وإني أرى ~~في هذه الأشياء غنى عن الطموح والغنى. ~~- ألم أقل إنك تفلسف حياتك وتقبلها؟ أنا لا أفلسفها، أنا أنظر إلى الواقع الملموس فيها، ~~فأرانا فقراء وغيرنا أغنياء، لماذا؟ ماذا يفيد الدفء في حل هذه المعضلة؟ ~~- طيب اسمع، أترضى أن تكون فردا من عائلة عزت باشا بدل أن تكون فردا من أسرتنا ~~هذه؟ ~~- أرضى! أرضى يا أخي، بل أتوق وأتمنى. ~~- ترضى أن تكون أختك ... صماء؟ # وأخذ يسري هنيهة وقال: صماء؟! ~~- نعم. ~~- لماذا ... ما معنى سؤالك؟ ~~- معناه أن لكل أسرة متاعبها، أسرة عمك عزت باشا نعرف المصيبة التي تكمن ببيتها، أما ~~الآخرون فلا نعرف مصائبهم. دع الخلق للخالق يا يسري، واحمد الله على الصحة. # فقال يسري ساخرا: الصحة، نحمده، أهذه كل ما نملك؟ ~~- أهي قليلة؟ على أنك تملك أيضا الستر وإخوة يحبونك وأما ترعاك. ~~- يا سلام على الأملاك، يا سيدي على الشفالك. ~~- ليست الدنيا كلها أملاكا وشفالك يا يسري. ~~- آه، صحيح، الدنيا ذكريات الماضي التي لا تزال تجترها حتى تتماوج الدموع في عينيك، ~~والدنيا شعر وخيال والنيل الهادئ والأحلام، لا يا آبيه خيري، الدنيا تغيرت، تغيرت كثيرا ~~عن هذا، أصبحت واقعا مجردا، أصبحت قيمتك تحدد بما تملك. إن كان ما تملكه يحويه ~~جيبك فأنت لا تساوي أكثر ms099 من حجم الجيب الذي يحوي مالك، وإن كانت أملاكك في الأرض فقيمتك ~~على قدر الأرض أو العمارة، وإن كانت في البنك فعلى ... # وقاطعه خيري: قدر رصيدي في البنك، أهذه هي الدنيا كما تراها؟ أترى أنها تغيرت فأصبحت كذلك؟ ~~- لا شك. ~~- بل إن هناك شكا، بل إن هناك يقينا أنها ليست كذلك، هذه غمرة حرب يا يسري ثم تنجلي ~~وتعود الدنيا مرة أخرى إلى معان أخرى وقيم غير هذه القيم. ~~- معان وقيم؟ لم تعد الدنيا تحتمل هذه الخرافات يا آبيه خيري. ~~- بل هي الحقائق يا يسري وأنت لا تدري. الحياة كلها في الصلات الدقيقة غير المرئية التي ~~تربط الإنسان إلى الإنسان، في الحب، في العطف، في الإحساس بالجمال، في الإشفاق على البائس، ~~في إيثار الصديق على النفس، في هذه التيارات الهينة العنيفة التي تسري وتعصف في طوايا ~~الإنسانية، دائما وفي كل جيل وفي كل زمن. العملات تتغير، والمذاهب الاقتصادية تتبدل، ~~والعواطف ثابتة منذ عرفت حتى الآن، لم تتغير ولم تتبدل، وهي هي في جميع أنحاء العالم، وهي هي ~~منذ الأزل وإلى الأبد، الناس تضحك إذا فرحت وتبكي إذا حزنت، وتحتقر الحقير وتعجب بالنبيل، ~~لا يختلف في هذا قوم عن قوم ولا دين عن دين. هذا الإجماع العالمي هو الذي يرسي للعواطف ~~والمعاني الكريمة خلودها، فهي خالدة باقية. ~~- أين هي اليوم؟ ~~- في النفوس، ظاهرة في بعضها خافية في البعض الآخر، ولكنها موجودة عميقة راسخة في ~~الأغوار البعيدة من نفس الإنسانية، وستظل هناك وإن طغت عليها موجة عاتية من سعار الحرب ~~ومادية الحياة، إلا أنها لا بد ستظهر. ~~- ما أسعدك! تعيش في أحلامك سعيدا بها. ~~- وما يمنعك يا أخي أن تخلق لنفسك أحلامها وتعيش فيها؟ ~~- الحياة، واقع الحياة وأنا أبصره أكاد أمسك به، الحياة، الحقيقة؟! ~~- ما أملك في الحياة؟! ~~- الغنى. ~~- عن أي طريق؟ ~~- عن أي طريق! ألا ترجو الغنى أنت أيضا؟ ~~- بل أرجوه، ولكن ليس عن أي طريق. ~~- فعن أي طريق تريده؟ ~~- أريد أن أجهد وأحصل على المال، لا أحب هذا المال الذي ms100 يجيء سهلا، لا أحب المال الذي ~~يعجبك في يد الجزار الذي اغتصبه غصبا من الإنسانية منتهزا فرصة الحرب والقتل والدمار ~~ليغنى ويثرى، ولا هذا الذي اغتصبه اللبان، لا، لا أحب هذا ولا أريده. ~~- طيب، وما رأيك في مال يأتيك عن زوجة غنية؟ # ووجم خيري وطالت وجمته بعض الحين، ثم قال: ألا تعرف رأيي؟ ألم تعرفه؟ ~~- صحيح، هذا نوع من المال لم يعجبك. # وألحت الذكريات على خيري فظل صامتا، حتى قال أخوه أخيرا: هيا بنا. # وأفاق خيري من وجومه ليقول في ذهول: نعم، هيا بنا. # | الفصل السادس والعشرون # نجح يسري في عامه هذا وحصل على شهادة البكالوريوس، وقد استقبل البيت الصغير النبأ في فرحة ~~غامرة، فهي أول شهادة عالية يحصل عليها بيت همام. وقد أحس خيري أنه أدى واجبه، ورأى في ~~شهادة أخيه ثمار سعيه، وكانت نادية فرحة بأخيها، فقد أصبحت ترى في كل نجاح تصيبه العائلة ~~خطوة تدنو بها إلى الآمال المنضورة التي بدأ الشباب يهيئها لها. # ومرت أيام قليلة على نجاح يسري، ثم كان يوم اجتمعت فيه الأسرة حول مائدة الغداء يديرون ~~الحديث بينهم رهوا فيه تكاسل السعادة وهدوء الأمن، ودق الجرس فشخصت إلى الباب الحاجة زينب، ~~وانفرج الباب عن عزت باشا يحمل في يديه هو لا يدي السائق لفافة ضخمة، ودخل عزت باشا ومن ~~ورائه إجلال هانم، ثم محسن يتبعهم السائق يحمل لفافة واحدة، وقد خلت يده الأخرى. # وقامت سميرة هانم من جلستها في فرح وشكر دون أن تطغى الفرحة أو يطغى الشكر على كبرياء ~~طبعت به حركاتها ومخارج ألفاظها، وقالت: أنت يا باشا تحمل اللفافة، ألا تتركها للأسطى عبده يحملها عنك؟ # وقال عزت باشا في فرح صادق عميق: إن لم أحمل تورتة نجاح يسري فماذا أحمل؟ جئنا نشارككم في الغداء فهل لنا متسع؟ # وكان يسري وخيري ونادية قد خفوا إلى عمهم وأسرته، وقد أدهشتهم المفاجأة، والتقت في قلوبهم ~~بخفقة شكر أحسها يسري نفسه الذي طالما كفر بالعواطف. كانت المائدة هي مائدة همام وهي مائدة ~~تعودت أن تمتد ms101 ولا تضيق بوافد، فامتدت ووسعت القادمين ووسعت ما حملوه معهم من هدايا، وانتهى ~~الطعام وقاموا إلى غرفة الجلوس، وقال عزت باشا في صفاء: مبروك ثانية يا يسري. ~~- بارك الله فيك يا عمي. ~~- أتظن أنني لم أعرف إلا اليوم؟ ~~- أظن ذلك. ~~- إني أعرف بنجاحك في نفس اليوم الذي عرفت فيه أنت، ولكنني تأخرت عامدا متعمدا. # وضحكت سميرة هانم وهي تقول: لماذا يا باشا كفى الله الشر؟! # وقال الباشا: لم أرد أن أقول مبروك واحدة، لا بد من مبروكين. # فقال خيري: فأما واحدة فنعرف أمرها، وأما الثانية ... # فقال عزت باشا: فأما الثانية فلأنني حصلت ليسري اليوم على وظيفة في وزارة المالية، ما رأيك يا أستاذ ~~يسري؟ # وأحس يسري دفء العطف ينهل عليه من هذا الرجل الكبير، وقال دون أن يفكر فيما يقول: أشكرك يا عمي، أشكرك غاية الشكر. # وقال عزت باشا: هذه كلمة لا أحب أن أسمعها منكم يا يسري يا ابني، أبوك كان أخي، وقد حاولت أن أؤدي ~~واجبي نحوه فمنعني خيري، منعني مرتين. وأعجبت به في المرتين، وغضبت منه في المرتين، فأنا ~~مهما أفعل الآن لا أحس أنني أديت واجبي نحوكم، أنتم أولادي. # وشاعت في الحجرة موجة صامتة، فيها شكر وفيها حنان وفيها مودة جمعت قلوبا على معان كريمة ~~عميقة. وأحس خيري أنه لا يستطيع أن يقول شكرا، وأحس يسري أن آراءه ليست جميعها سديدة، وأن ~~من الناس من يستطيع أن يكون ذا قلب كبير، وأحس أيضا أن شكره إن حاول أن يقدمه فسينزل في ~~غير مكانه، وقد يقطع هذه الموجة الحنون التي أظلت القوم فتركوا نفوسهم تلتذها وتنغمر في ~~أسلوبها. # | الفصل السابع والعشرون # أصبح الصباح على يسري، وليس في ذهنه إلا خاطر واحد يشغل تفكيره، لا بد أن يذهب إلى بيت ~~عزت باشا ليشكره، إذن فسأذهب ولا سبيل لي أن أنكص عن الذهاب، إذن فسأذهب دون أن أصل إلى ~~غناه أو إلى غنى قريب من غناه، بل سأذهب لأقول شكرا، لقد غمرني الرجل بفضله وعطفه، أذهب ~~إذن لأدفع ضريبة ms102 الفقر والعجز، فلو كنت غنيا ما احتجت إلى وظيفة، ولو كنت ذا سلطان ما ~~احتجت إلى سعيه. ولكنني بلا مال ولا سلطان فلا بد أن أشكر وإلا أصبحت جاحد فضل، وإن كانت ~~هذه الصفة لا تغضبني إن هي اتصلت بي. ولكنني إن امتنعت عن الذهاب ضاربا برأي أمي وأخي عرض ~~الأفق، فإنني قد أغضب هذا الرجل ذا المال وذا السلطان، فيقف عني فضل رضاه، ولا أستطيع أن ~~ألجأ إليه بعد ذلك إن احتاجت حياتي الجديدة في ظل الوظيفة أن ألجأ إليه. لا بد من الذهاب ~~إذن، ذهابا خاضعا ذليلا أترضى به وأشكر فضلا سابقا وأرجو به أفضالا جديدة، فهاتي ~~أيتها الدنيا الحقيرة هاتي، هاتي مصائبك، ما كان أغناني عن الذهاب لو كنت غنيا، أكنت ~~أحتاج إلى وساطة أو كنت أحتاج إلى تقديم الشكر أو كنت أحتاج إلى عون أحد؟ المال، المال ~~وحده يستطيع أن يكون عوني ووساطتي وكل شيء لي. ولكن أين هو لعن الله قلته، فلأذهب إذن. أي ~~انتصار لأخي خيري. إن ذهابي سيجعله يوقن أن آراءه الحالمة صائبة وقد يجعله يظن أنني أصبحت ~~حالما عاطفيا مثله، سيحس النصر ولكنه سيسكت مصطنعا نبل الكرام عند هزيمة أعدائهم، ~~أعرف أنه لن يذكرني بهذا العهد الذي قطعته على نفسي ألا أذهب أو أصبح في غنى عزت. أعرف أنه ~~لن يقول لي ساخرا ما أقوله أنا لنفسي الآن: «أأصبحت غنيا؟!» لن يقول بلسانه ولكن سيفرح ~~في نفسه أنه انتصر علي، ما شأني بفرحته؟ إنها الحياة أمامي ولا بد أن أقتحمها بكل سلاح، ~~وليفكر أخي بشأني ما شاء له التفكير. وليفرح بنصره ما حلا له الفرح، فأنا أنا لن يغيرني فضل ~~عزت أو ظن أخي أنه انتصر. # كم يتوق أخي أن يسألني الآن في ابتسامته الحالمة: «أرأيت كيف تصل العواطف ما بين الناس؟ ~~ورأيت كيف سعى لك عزت باشا دون أن ينتظر منك شكرا أو يطمع في عوض عن جميله.» # الجواب عندي ولكني لو قلته له لصرخ في وجهي وثار بي ولعنتني أمي ms103 ، الجواب عندي، أي عوض ~~يطمح فيه عزت باشا أكثر من أن نظل نهارنا وليلنا نسبح بفضله وكرم أخلاقه ووفائه لصديقه ~~المرحوم ولأسرته من بعده؟ أي عوض أعظم من أن نظل عمرنا أمامه صنيعة يديه وبعضا من فضله ~~وقطعة من كرمه؟ أي عوض يرجوه أكثر من أن يتشدق الناس من حوله وحولنا بما صنعه لنا وما ~~قدمه إلينا؟ ذلتنا أمام كبره وضعفنا أمام فضله وانحناؤنا أمام عطفه عوض له أي عوض، المال ~~عنده فما البأس به أن يجمع إلى المال ثناء الناس لعطفه علينا. لقد نال العوض وافيا بل ~~زائدا، ولكن لا بد مع ذلك من الشكر غاية الشكر ومن الذلة غاية الذلة، ولا بد على كل حال من ~~الذهاب. # كانت هذه الأفكار تدور في رأس يسري وهو يرتدي ملابسه، وما زالت به حتى ارتداها، وما إن ~~هم بمغادرة الحجرة حتى دق جرس الباب الخارجي ودخل إليه محسن ابن عمه عزت باشا، مشرقا ~~كعهده مطمئنا فرحا. ~~- صباح الخير يا أستاذ. ~~- أهلا محسن، صباح الخير. # وأدار يسري عينيه في الحجرة خجلا، ثم ما لبث أن قال: تعال إلى الصالون. ~~- أي صالون؟ وهل أنا غريب؟ أراك متأنقا، إلى أين تذهب؟ ~~- والله كنت أنوي زيارتكم لأشكر عمي الباشا. ~~- يا أخي عيب. أتظن أن عمك الباشا ينتظر شكرك؟ على كل حال لقد أرسلني لأدعوك اليوم ~~للغداء معنا، وعندئذ أشكره ما طاب لك الشكر. ~~- الغداء! ~~- نعم، هل أنت على موعد؟ ~~- أبدا، فقط. ~~- فقط ماذا؟ هيا بنا الآن فقد أمرني أبي أن أترك عملي اليوم لأذهب معك إلى وزارة ~~المالية وأقدمك إلى الوزير. ~~- الباشا هو الذي أمرك بهذا؟ ~~- نعم، وأي غرابة في ذلك؟ ~~- لا، لا غرابة، ولكن لم أظن أنه سيذكر هذا جميعه. ~~- هل أنت عبيط؟ ألا تعرف حبه لكم؟ هيا، هيا بنا. # عاد يسري ومحسن إلى بيت عزت باشا قبيل الغداء، وقبل أن يصعدا إلى الطابق الأعلى سمع محسن ~~نفير سيارة أبيه، فانتظره هو ويسري في البهو، وأقبل عليهما عزت باشا وأشرق وجهه حين رأى ~~يسري ms104 وسأله عما تم في وزارة المالية، فأنبأه أنه سيتسلم عمله بدءا من الغد. وحاول أن يشكر ~~عمه، ولكن الشكر توقف على شفتيه مترددا بين الانطلاق والجمود حتى غلبه الحياء آخر الأمر، ~~فقالها شكرا مستخذية غير مقتنعة ولا منطلقة، واكتفى الباشا بجملة عابرة: «يا أخي عيب.» ثم ~~أخذ بذراع يسري وتقدم به إلى السلم يصعدانه معا وقد تبعهما محسن. وما إن بلغا أعلى السلم ~~حتى نادى عزت باشا: يا إجلال، إجلال. # وجاء صوت إجلال: نعم يا عزت. ~~- تعالي، تعالي رحبي بالبك. # وظهرت إجلال من باب إحدى الغرف وهي تقول: بالبك؟! # فقال الباشا: نعم البك الذي سيتسلم عمله غدا في وزارة المالية. # وقالت إجلال هانم وقد رأت يسري: أهلا، أنت محق يا عزت، إنه بك فعلا. # وسيطر الخجل على يسري فلم يجد ما يقوله إلا حمرة علت وجهه وهمهمة تشبه الحديث وما هي ~~بحديث، أو تشبه الشكر وما هي بشكر، إنما هي لعثمة تتحرك بها شفتاه ولا يبين عنها ~~صوته. # كان يسري قد غاب عن البيت سنوات، ولولا أن عزت باشا كان يراه كلما زارهم هو في منزلهم ~~لتبين هذا الغياب. ولكن إجلال هانم كانت تبينت هذه القطيعة منه، ثم لم تجعل لها في نفسها ~~شأنا مقدرة أنه شاب ذو أصدقاء قد يلهونه عن الزيارة كما تلهيه المذاكرة، دون أن يجنح بها ~~الذهن إلى هذه الأفكار الثائرة التي تمور في ذهن يسري. # ودخلوا جميعهم إلى حجرة الجلوس اليومي، وما كاد الحديث يدور حتى أقبلت إلى الحجرة فايزة. ~~إنها سنوات قلائل التي غابها يسري، أتستطيع هذه السنوات القلائل أن تفعل كل هذا؟ أصبحت ~~ريانة العود، استوى نبتها واخضل، واكتملت أنوثتها وكادت تطغى، لولا هذه النظرة الحزينة ~~ماثلة في عينيها الزرقاوين وفي وجهها الهادئ المستسلم، لا تمنع عنه غشاوة الحزن تلك البسمة ~~التي ارتسمت على وجهها حين رأت يسري، ابتسامة طفلة كانت تلقاه بها حين كان يجيء ليلاعبها، ~~هناك في هذه الأيام التي لم يكن يفكر فيها في ثرائهم وفقره، هي نفسها تلك الابتسامة ms105 ~~البريئة لا تعرف الشباب ولا الأنوثة، لا ولا هي تستشعر السنوات مررن فجعلن من الطفلة فتاة ومن الطفل ~~ثائرا. وخالط عينيها بعض العجب، لقد أصبح الطفل العربيد الذي كان يضع ملابسه على نفسه لا ~~يعنى بموضعها أو مظهرها، والذي كان يصر على الطربوش أن يكون فوق رأسه ثم لا يحفل به مائلا ~~أو معتدلا، منهارا أو مستويا، والذي كانت عيناه الغريرتان لا تومضان إلا إذا همست في ~~ذهنه لعبة خطرة من لعب الطفولة تستهدف تسلقا أو قفزا، أو تستهدف معاكسة لخادم أو تقليدا ~~لمشية كبير من كبار البيت. أصبح هذا الطفل أنيق الملبس يختار رباط العنق ملائما للحلة، ~~وأصبح بلا طربوش إنما هو شعر كثيف يغطي رأسه وقد جرى فيه المشط فهو مستو مستقر المكان، ~~وأصبح وهو ذو عينين عميقتين فيهما ذكاء وفيهما وقار وإن بدا مصطنعا، وأصبح وهو ذو وجه ~~بارحته آثار الطفولة فهو صلب محدد المعالم. ولكن الأيام لم تستطع أن تغير لون عينيه ~~السوداوين، ولا أن تغير تلك السمرة التي تشوب وجهه، ولا أن تغير شفتيه الغليظتين بعض الشيء، ~~وإن كانت الأيام قد عدت على تلك البساطة التي كانت تتسم بها شفتاه فإذا هما اليوم شفتان ~~فيهما عزم يؤيده ذلك البريق المصر الذي يشع من عينيه، عينين تعرفان طريقهما وترودانه في ~~تشبث، وإن يكن تشبثا حائرا قلقا. # قالت فايزة بعد هنيهة: أهلا يسري. # ووقف يسري وفي وجهه بعض دهشة: أهلا فايزة. # ولم تسمع فايزة ما يقول وإن كانت فهمته، وقبل أن يعود الحديث إلى أفواههم أقبلت دولت تتبع ~~فايزة، فقد تعودت أن تلازمها وأن تكتب لها ما يراد لها أن تسمعه. ووقف يسري يسلم على دولت ~~لم تختلج يده ولا يدها ولا طرفت عينه ولا عينها، وإنما هي تحية طبيعية لا تنم عما كان ~~بينهما في اللقاء القريب. ودار الحديث بعد ذلك شتى مناحيه، ولاحظ يسري ما تقوم به دولت من ~~عون لفايزة ولكنه لم يظهر أنه لاحظ، وما لبثت خاطرة أن هفت إلى ذهن يسري، ماذا ms106 لو تزوج ~~فايزة؟! إنها صماء؟ وهذا هو طريقه الوحيد إلى الزواج بها، أفكان يقبله عزت باشا لو لم تكن ~~صماء، وما البأس بالصمم؟ أيريدها مراقبة في الإذاعة أم يريدها زوجة، ويريدها غنى ~~وعزا؟! ماذا عليه لو تزوجها وعاش في هذا القصر وخلت حياته من الفقر وفرغ إلى الغنى ~~والبلهنية؟ الوحيد الذي سيدرك الدوافع التي حدت به إلى هذا الزواج هو خيري، بل وقد تدركها ~~أمه أيضا، ولكن ماذا عليه إن أدركا؟ ومنذ متى أقام لرأيهما أو إدراكهما وزنا؟ إنها ~~حياته وإنها فرصته وما كان ليتركها. إن الأغنياء الذين ولدوا فقراء لم يصلوا إلى الغنى إلا ~~بخطوة من هذه الخطوات الحاسمة في حياتهم، يقدمون على تجارة يظنها الناس بائرة فإذا هي ~~رابحة، فما لي لا أتخذ هذه الخطوة في حياتي؟ إن أحدا لم يطلب فايزة لأنها صماء، جهل من ~~الخطاب وحمق، أتترك هذه الثروة جميعا لأن العروس صماء، وكانت نظرته مثبتة على فايزة ~~ودولت، فما لبثت دولت أن أوحت إليه بحجة أخرى، إنه سيتزوج كلتيهما، أما فايزة فعلى سنة ~~الله ورسوله؛ لأن الثروة لا يمكن أن تأتيه إلا على سنة الله ورسوله، وأما دولت فعلى مألوف ~~ما جرى بينهما ولن يحتاجا بعد ذلك إلى بيت أخيها، فسيكون بيت فايزة مكانا لهما يلتقيان فيه ~~ما شاء لهما اللقاء، ويصخبان به أيضا فإنها لن تسمع. # إن للصمم فوائد كبرى فهو سيتيح لي هذه الزيجة التي ما كنت لأطمح إليها أو أصبو، وهو سيتيح ~~لي أيضا أن أحادث دولت أمامها ما شئت من حديث، ومن يدري فقد يتيح لي بعد ذلك مكاسب أعظم ~~وأضخم، أما لو تحقق هذا الأمل؟ إذن فوداعا للفقر، ووداعا للحلة الواحدة والشقة ~~الضيقة. # وقبل أن يدعوهم الخادم للغداء أقبلت وفية في سمتها الرفيع الجميل، وقد أمسكت في يدها ~~بابنها عزت، ورحبت بيسري ترحيبا بالغا وعاتبته على غيبته عتبا هينا لا مرارة فيه، ولم ~~تجلس وفية، فقد دعي الجميع لتناول الغداء. # وعلى المائدة ظل يسري يحملق في فايزة ودولت، ولم يلحظ ms107 الأب ولم تلحظ الأم ولم يلحظ محسن، ~~فقد شغلهم الحديث والطعام. وكانوا قد يئسوا أن ينظر أحد - أي أحد - إلى فايزة على أنها فتاة ~~تصلح للزواج، اثنتان لحظتا هذا الإنعام الصامت الذي ينظر به يسري إلى فايزة، دولت ووفية، ~~فأما دولت فقد ظنت أنه ينظر إليها ويصطنع النظر إلى فايزة حتى لا يفتضح أمره وفرحت بهذا ~~الظن وارتاحت إليه مطمئنة واثقة. # وأما وفية فقد دهشت أول الأمر ثم تملكها الذعر. ماذا يريد هذا الفتى من أختي الصماء؟! ~~ماذا يريد؟! # | الفصل الثامن والعشرون # انفرد يسري بأخيه خيري وقد كسا وجهه جد واهتمام: آبيه خيري! إني أريد أن أتزوج. # ودهش خيري من هذا الحديث، ثم ما لبثت موجة من الفرح أن طغت على محياه. إذن فقد أدى ~~الأمانة التي حملها وكبر أخوه الأصغر وتقدم يطلب الزواج. ~~- ما أحب هذا إلي يا يسري، هل اخترت الزوجة أم هي فكرة عامة وتريد أن نبحث معا عمن تليق ~~بك؟ ~~- بل اخترت. ~~- حقا؟! من هي! ~~- فايزة. # وانتفض خيري كالملسوع صائحا في دهشة وخوف: من؟! # ولم يحفل يسري بانتفاضة أخيه ولا دهشته وخوفه، وإنما أعاد الاسم في هدوء ثابت ~~واثق: فايزة. # وقال خيري كما لو كان قد أخطأ السمع: تقول فايزة يا يسري؟ ~~- نعم يا آبيه خيري، وما البأس؟ # وصمت خيري بعض الحين بعد أن وثق أنه لم يخطئ السمع، لقد كان يعرف أن يسري يحب الغنى، ~~ولكنه لم يتصور أنه يحبه إلى هذا المدى. ولم يعد يفكر في يسري فهو يعلم أنه يستطيع أن يفعل ~~ما يشاء، ولكنه أصبح يفكر في فايزة وفي وفية وفي عمه عزت، في هذا البيت الذي لم يصيبوا منه ~~إلا الخير كل الخير. وقد ملأت الخشية قلبه أن يرد لهم أخوه خيرهم جحودا ونكرانا، فهو ~~يعلم أخاه. صمت مفكرا وأطال التفكير حتى قال أخوه: هيه، ما رأيك؟ # وقال خيري يائسا: أيفيدك رأيي كثيرا؟ ~~- إنك أخي الأكبر وأنت من ربيتني. ~~- أتأخذ برأيي إذا قلته؟ ~~- هذا يتوقف على رأيك. ~~- إذن فلا قيمة له ms108 . ~~- عفوا أنا لم أقل. ~~- بل قلت، أنا أعرف أنك لن تعمل إلا برأي نفسك، أما إن شئت رأيي فأنا غير ~~موافق. ~~- ولماذا؟ ~~- أنت تعرف لماذا. ~~- لا، لا أعرف. ~~- لأن فضل عزت باشا كبير علينا، ولا يجوز لك أن ترد فضله بأن تطمع في ثروة ابنته، فإنك لا ~~تريدها إلا لثروتها. وحين تصبح هذه الثروة بين يديك ستذيقها ألوان العذاب، وإني أراك ~~ظالما. ~~- أهو ظلم أن أتقدم لفتاة لن يتزوجها أحد وأتزوجها؟ ~~- إنك تتزوج مال أبيها وستظلمها وهي مسكينة عاجزة لا تستحق ما تدبره لها. ~~- ولماذا تظن أني أدبر لها شيئا؟ ~~- هل تحبها يا يسري؟ ~~- يا سلام يا آبيه خيري؟ أتظن أن الزواج لا يقوم إلا على الحب؟ ~~- لا، ولكني أعلم أنه لا يقوم على الطمع. ~~- ألست أولى من الغريب؟ ~~- بل لا، أنت تعرف أن أحدا لن يطلب فايزة، وإذا فكر أحد المحبين للغنى من أمثالك في ~~التقدم لها، فإن ذكاء أبيها سيحول دون هذا الزواج لأنه يعلم أن من يتقدم لها إنما يطمع في ~~مالها لا غير. ~~- أتراه يظن بي هذا الظن؟ ~~- لا، فإنك ابن همام صديقه، ولا يمكن أن يفكر فيك على أنك طامع في مال ابنته. ~~- فما لك أنت تفكر هذا التفكير إذن؟ ~~- لأني أعرفك يا يسري، لأني أعرفك، لقد توهمت لفترة أنك تكثر من الذهاب إلى بيتهم لتعبر ~~عن شكرك، وإذا بي مخطئ، وإذا أنت أنت لم تتغير. المال بالنسبة إليك كقطب البوصلة لا تتجه ~~إلا إليه. ~~- وماذا يضيرك في هذا؟ ~~- أخاف أن نسيء إلى هذا البيت. ~~- لا تخف. ~~- أتنتظر أن يزول خوفي لمجرد قولك لا تخف؟ لا، لا أستطيع القبول. ~~- إذن فلن تخطبها لي. ~~- أنا، موتي أهون. ~~- إذن فلا تغضب أن أطلبها أنا. ~~- أنت حر. ~~- لا أظن مثاليتك ستجعلك تذهب إلى عزت باشا تخبره أني طامع في مال ابنته. ~~- لا أستطيع فأنت أخي، ثم إني غير واثق أنك ستسيء إليها، فليس لي أن أسبق ~~المستقبل. ~~- هذا كل ما أطلبه منك. ~~- إنه ليس هينا ما تطلب، كان ms109 الأجدر بي أن أنبه الرجل، ولكن ماذا أقول له، ماذا ~~أقول؟ # | الفصل التاسع والعشرون # اعتنى يسري بهندامه أقصى ما تكون العناية، وكرر النظر إلى المرآة، وأطال التحديق في كل ~~مرة حتى اطمأن أن ليس بعد عنايته زيادة لمستزيد، وترك غرفته إلى حجرة أمه فنظرت إليه مليا ~~ثم قالت: إلى أين؟ ~~- إلى بيت عمي عزت باشا. ~~- أنويت، تفاتحه اليوم؟ ~~- نعم ما دمت مصممة ألا تفاتحي أنت إجلال هانم. ~~- أنا والله يا ابني أخجل أن أفعل. ~~- هل في الزواج ما يخجل؟! ~~- لو لم أكن أعرف حبك للمال وطمعك في العروس ما خجلت. ~~- هل معنى ذلك أن تقاطعي الزيجة بأكملها؟ ~~- بالطبع لا. ~~- إذن فماذا ستفعلين؟ ~~- إذا قبلوا فسأذهب وأقدم الشبكة وأفعل كما تفعل أم تفرح بأول زواج يتم في بيتها، وسأظل ~~بعد ذلك أدعو الله أن يهديك ويسترك، ويكرمنا مع هذه العائلة التي لم نر منها إلا كل ~~خير. ~~- إن شاء الله كل خير، أمصممة أنت على عدم الذهاب؟ ~~- طبعا. ~~- إذن أستأذن أنا. ~~- ربنا يوفقك. # وبهذا الدعاء الهين الفاتر ترك يسري أمه واستقبل الطريق يقطعه في عزم وإصرار، حتى إذا بلغ ~~بيت عزت باشا وجد حجرة مكتبه منيرة ووجده بها منفردا يقرأ، فحياه في أدب وجلس إلى كرسي ~~مقابل له، وعاد الباشا إلى القراءة لحظات، ثم ترك ما بيده وقال ليسري: لعلك مرتاح في عملك يا يسري. ~~- مرتاح يا عمي كتر خيرك. ~~- إن أردت أي شيء أنت تعلم طبعا أنني دائما مستعد لأدائه. ~~- أعلم يا عمي. # وانقطع الحديث فترة، وران الصمت على الحجرة ثم قال يسري في بعض لعثمة: يا عمي إن لي عندك أمنية. ~~- قلها. ~~- لقد أصبحت بفضلك موظفا، وأنا أحمل شهادة عالية، وأملي كبير أن أرتفع في الوظيفة أو أشق ~~طريقي في الشركات إن سنحت الفرصة. ~~- هذه مقدمة طويلة، خير. ~~- عمي، إنني أريد ... # وانقطع السيل المتدفق كما لو كان آلة أصابها العطب فجأة، وتلعثم يسري ووجد أن الأمر ليس ~~باليسر الذي ظن. # وقال عزت باشا وقد خيل له أنه يعرف ما ms110 يريد: يسري قل، ماذا تريد؟ # وعلت وجه يسري حمرة وازداد لسانه لعثمة ووقف به الحديث، فقد وقف عقله عن العمل أو كاد، ~~وراح يردد في خجل: أريد ... أريد ... # وقال عزت باشا: شكلك يدل على أنك تريد الزواج. # وكأنما وجد يسري ضالته فقال في سرعة وفي صوت خفيض: نعم. # واستطرد عزت باشا: وتريد سلفة؟ # وقال يسري في حزم: لا. ~~- من العروس؟ # وعادت اللعثمة إلى يسري مرة أخرى: إنها ... إنها ... # وقال عزت باشا وقد كاد يضيق: يا أخي قل، مم تخجل؟ # وكانت هذه الجملة سريعة المفعول، فقد وجد يسري نفسه يقول في سرعة: أريد فايزة بنت معاليك. # ووجم عزت باشا، فما كان يظن أنه سيسمع أحدا يخطب فايزة أبدا، ولم يذهب به الظن أن هذه ~~المقدمة الطويلة التي ساقها يسري كانت تمهيدا لهذه النهاية، واختلطت مشاعره بين فرح وقبول، ~~وبين خوف وإشفاق، وبين حذر وريبة، ولم يجد شيئا آخر يقوله ليسري إلا: يا ابني، أنا لم يخطر لي هذا التفكير على بال. وعلى كل حال فايزة أختك، ولكن أتمانع أن ~~تترك لي بعض الوقت لأسألها وأسأل أمها؟ # وقال يسري: أنا تحت أمرك يا عمي. متى أجيء؟ ~~- وهل تجيء إلي بمواعيد؟ تعال في أي وقت شئت، وسأجيبك حالا. ~~- أشكرك يا عمي، أشكرك. # وقام يسري واستأذن وانصرف، لم يخالجه الشك أن عمه سيقبل. # ولماذا يرفض؟ وأين يجد مثلي لمثلها؟ قال أختك، أختي لأنها صماء، أتراها كانت تظل أختي ~~لو لم يكن بها ما بها؟ أختي، مفهوم يا معالي الباشا مفهوم. أتريد فترة للتفكير؟ لك ما ~~تشاء من فترات، فإنك ستقبل يا معالي الباشا، سيقول عنك الناس وخاصة أقاربنا إنك رجل عظيم، ~~رعيت القرابة والصداقة القديمة، وأنت في نفس الوقت ستزوج ابنتك التي لم تطمع أن تزوجها في ~~يوم من الأيام، فتجمع إلى زواج ابنتك ثناء الناس. فلك من فترات الزمن ما تشاء، ولكني أعلم ~~أنك ستقبل. # مكث عزت باشا في مكانه يفكر في هذا الأمر الجديد، أتراه يحبها، أم تراه يطمع في مالها، أم ms111 ~~تراه يطمع في مكانتي أن تظله، أم تراه يريد الزواج، مجرد الزواج، فوجد في فايزة المال ~~والسلطان وتغاضى عما بها من مرض؟ ولكن كيف؟ إنها لا تسمع مطلقا، لعله يريد أن يشكرني ~~على تعييني له، ولعله لم يجد ما يعبر به عن شكره إلا أن ينقذ ابنتي أن تكون عانسا؟ أما ~~هذا فلا، إنني أقبل أن يتزوجها يسري بن همام حتى وإن كان طامعا في مالها، ولكنني لا أقبل ~~أن يتزوجها أحد على الإطلاق لمجرد أنه يريد أن يقدم شكره لي، لا أرضى لابنتي هذا المكان، ~~ولا أرضى ليسري أيضا أن يقدم حياته كلها لي لمجرد شعوره بالجميل نحوي، أما هذا فلا ~~أقبله. # وقام عزت باشا متثاقلا يقلب الآراء جميعها في ذهنه حتى بلغ إجلال هانم وجلس إليها ~~مفكرا ما يزال، وتركته هي لصمته بعض الحين ثم قالت: ما لك يا عزت؟ # فقال دون ريث تفكير، فقد كان يريد أن يقول دون سؤال: يسري خطب فايزة. # وتمعنت إجلال هانم الخبر هنيهة، ثم أشرق وجهها بالفرح وقالت: صحيح؟! ~~- ما رأيك؟ ~~- وهل نجد لها خيرا منه؟ ~~- ألا تخشين شيئا؟ ~~- أن يكون طامعا في مالها؟! ~~- لا، ليس هذا ما أخشاه. ~~- إذن؟! ~~- ألا تخشين أن يكون يسري يحاول أن يضحي بنفسه ليشكرنا؟ ~~- يا أخي ما هذا الكلام؟ إنك لم تقدم له ما يجعله يضحي بنفسه من أجلك. إنك عينته وليست ~~هذه بالخدمة التي يضحى من أجلها شاب في سن يسري بمستقبله كله، لو لم يكن يريدها ما طلبها، ~~دع عنك هذا التفكير. ~~- لعلك على حق، ولكنني على كل حال سأسأله. ~~- أنت حر، ولكن ألا تسأل فايزة؟ ~~- بالطبع، ولكن سأنتظر حتى أتأكد من رغبته، فإنني أخشى ألا يكون واثقا من شعوره أو يكون ~~مندفعا في تيار التضحية، فتصدم البنت صدمة عنيفة. ~~- ما ترى. ~~••• # جاء يسري إلى البيت بعد يومين، وانفرد به عزت باشا وبدأه قائلا: يسري، هل أنت واثق أنك تريد فايزة؟ # وقال يسري في جرأة، فقد أصبح الأمر ميسورا بعد الحديث الأول: بالطبع يا ms112 عمي، إنها أمنيتي. ~~- يا ابني، أنا لم أفعل لك شيئا يذكر. وأني سعيت من أجلك لتعين أمر لا يستحق منك أن ~~تبذل أي تضحية، فإن كان طلبك هذا مبعثه شكران أو إحساس بالمعروف، فأعف بنتي العاجزة أن تكون ~~وسيلة لشكرانك، وأعف نفسك من مستقبل طويل في ظل زواج لا يقوم على أسس سليمة. # وأحس يسري وخزة ألم أن يظن به عمه هذه المثالية التي لم تخطر في ذهنه على بال، ولكن سرعان ~~ما استجمع نفسه وهو يقول: إنك يا عمي قد قدمت لنا أفضالا كثيرة، وقد رعيتنا خير رعاية بعد وفاة المرحوم والدنا، ~~وقد عينتني وعينت أخي خيري من قبل، لقد بذلت لنا الكثير، ولكن زواجي من فايزة أعتبره أنا ~~إذا سمحت به أكبر فضل أضفيته علينا. ~~- أنت واثق من شعورك هذا؟ # وقال يسري في حزم: كل الثقة يا عمي. ~~- إذن فأنا موافق على الزواج ومرحب به، وكذلك إجلال، ولكن لا بد أن أسأل فايزة، وقريبا ~~ستسمع الجواب. ~~••• # جلس عزت باشا وإجلال هانم في حجرة النوم، وطلبا فايزة أن تحضر إليهما. وما إن استقر بها ~~مجلسها حتى لاحظت هذه الإشراقة على وجه أمها، وتلك الابتسامة المترددة بين الخوف والفرح على ~~فم أبيها، فانتظرت حتى ترى ما يخفيان. وقدم إليها أبوها ورقة مكتوبا عليها: «يسري يريد أن ~~يخطبك.» وامتقع وجهها في اندهاشة المبدوه الذي لا يتوقع، وسارع لسانها يقول في عجب: أنا؟! # وهز أبوها رأسه وهزت أمها رأسها أن نعم. وقالت الأم: «نعم.» وفهمت فايزة الإيماءة ~~واستنتجت حركة الشفاه استنتاجا، ثم سكتت وما لبثت الدموع أن أشرقت من عينيها وهي تغالبها ~~في حيرة وذهول، وقد انعدمت مشاعرها لا تدري أخير ذلك الذي يعرض عليها أم هو شر، فهي لم تقرر من ~~أمر نفسها شيئا منذ أدركت الأشياء، وها هي ذي تواجه هذا الأمر، أهم ما يؤخذ فيه رأي فتاة، ~~إنها حياتها، فكرت بعض الحين ثم قالت: وأترككما؟! # وأشار أبوها أن لا، وقالت الأم: لا، فقالت فايزة: ما رأيكما؟ # وكتب لها أبوها ms113 أنهما موافقان، فقالت: لماذا يخطبني؟! # وكتب لها أبوها: «ابن عمك ويريدك، ما الغرابة في هذا؟» # وقالت: إنني صماء، كان يستطيع أن يجد خيرا مني. # وقالت الأم: «ليس في العالم خير منك.» فلم تسمع وكتب أبوها: «إنه يريدك ويلح.» # وقالت: ألا تخشى أن يكون وراء رغبته شيء آخر؟ # وكتب لها أبوها: «لقد تأكدت من حقيقة شعوره.» # فأطرقت هنيهة وفاض دمعها وهي تقول: الأمر أمركما، افعلا ما تشاءان. # وخرجت فايزة من الحجرة ولجأت إلى حجرتها، ولحقت بها دولت، فطلبت إليها أن تتركها بعض ~~الحين. وما إن غادرت دولت الحجرة حتى انخرطت فايزة في بكاء عنيف، أهكذا يا يسري؟ أتطمع ~~في مالي وتنتهز فرصة مرضي حتى لا أستطيع الرفض؟ كيف أرفض؟ ماذا أقول لأبي وماذا أقول ~~لأمي؟ إن الفتاة حين ترفض تكون واثقة من نفسها عالمة أن الكثيرين سيتقدمون إذا هي لم ~~تتزوج ممن ترفض، أما أنا فماذا أنتظر؟ ومن يتقدم إلي إذا لم أقبل يسري؟ ولكن أيقبل هو ~~هذا؟ أينتهز مرضي ليتزوج مني؟ كيف أقتل هذه الفرحة النشوانة في نفس أبي؟ وكيف أقسو عليه ~~وأقضي على هذا الأمل الذي ظل زمنا طويلا يراوحه ويغاديه ضعيفا يائسا حتى أصبح حقيقة؟ ~~كيف أقضي على هذا الأمل بعد أن تجسم أمامه واكتمل في شخص يسري؟ كيف أستطيع الرفض؟ هي ~~حياتي اليائسة. آمالي آمال الآخرين، وقدري يخطه أبي وتخطه أمي والغريب عن الدار، ولا يد لي ~~فيه، بماذا أقرر لنفسي مصيرها، بأذني التي تعزلني عن الناس، وتضعني في عالمي وحدي بلا شريك ~~ولا أنيس؟ بأي حق أقول لا أو نعم؟ إنما أنا ما يريدان لي أكون لا أملك من أمر نفسي أمرا، ~~فليفعلا ما يشاءان، وليس لهما مني إلا أن أطرق كما أطرقت وأسلم إليهما أمري كما ~~أسلمت. # واشتد بكاؤها فدخلت إليها دولت وفي عينيها من السؤال ما يغني عن السؤال، وجلست دولت ولم ~~يطل بها الجلوس، بل قالت فايزة تجيب السؤال المطل من عينيها: يسري يريد أن يخطبني. # ودقت دولت صدرها وهي تقول: من؟ # ولم ms114 تسمع فايزة، وإنما ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة وهي تقول: يطلبني، ويلح في طلبي. # وازدادت نبرات صوتها سخرية وهي تقول: وأين يجد خيرا مني؟ أذنان تسمعان الهمس، وصحة مكتملة، إنه يريدني لذاتي لا لمالي، ~~أليس كذلك؟ قولي إنه كذلك. # ولم تقل دولت شيئا إلا: ابن الكلب السافل. # ولم تسمع فايزة شيئا، بل استمرت في ثورتها المريرة الساخرة: بنت عمه، وماله لا يخطب بنت عمه؟ وماذا تستطيع أن تقول بنت عمه؟ هل عندها خطاب ~~غيره؟ إنه الوحيد الذي وازن بين مالها وصممها فوجد المال أعظم فخطبها، أتستطيع أن ترفض؟ ~~وماذا تقول إن رفضت؟ إنها ما زالت صغيرة، ومن سيخطبها حين تصبح كبيرة؟ إنها لا تريد ~~الزواج، وماذا تصنع الفتيات إلا الزواج، إن الوقت متسع أمامها، ومن سيسأل عنها في هذا ~~الوقت المتسع؟ لا بد أن تقبل بنت عمه، وإن كانت تعرف أنه يخطب مال أبيها، نعم وإن كانت ~~تعرف، ولتقم الأفراح والليالي الملاح، فسيتزوج ابن العم من ابنة عمه الصماء، فوا فرحتاه. # وارتمت فايزة على السرير باكية في نشيج عال أليم حتى لم تستطع دولت إلا أن تنسى ما أصابها ~~من هذا الخبر، فراحت تربت فايزة في إعزاز وحب وإشفاق، وأحست حينذاك أنهما كلتيهما طعينتان ~~بسكين واحدة، هي يسري. # ودق جرس التليفون وظل يدق فترة حتى وافاه أحد الخدم، ثم لم تسمع دولت الخادم يتكلم، وإنما ~~سمعته يضع السماعة مكانها، فعرفت أن يسري يطلبها، فعزمت ألا تجيبه في المرة التالية، ودق ~~جرس التليفون ثانية، وترددت، وسارع الخادم، فكان حظه من الحديث كحظه في المرة الأولى، ودق ~~الجرس ثالثة فقصدت هي إليه وسمعت يسري يقول ردا على صوتها: غدا في الساعة السادسة. # ووضعت السماعة وعادت إلى فايزة واحتوتها بين ذراعيها، وتفجرت دموعهما معا. # | الفصل الثلاثون # أكنت أطمع في الزواج به؟! إذن فما لي قد غضبت هذا الغضب؟ شاب متعلم موظف ابن ناس، ~~أكنت فكرت حين أسلمت نفسي له أنه سيتزوجني، لعل هذا التفكير راودني عن أخيه، أما عنه هو ~~فلم أفكر في ms115 الزواج به على الإطلاق. لماذا لم أفكر؟ لست أدري، فما هذا الغضب الذي تولاني؟ ~~ألعلي غاضبة لأنه لم ينبئني، أم لعلي غاضبة لأنه سيكون في أحضان غيري، بعلمي، أم ~~لعلي مشفقة على فايزة، أم تراني غير غاضبة وإنما كنت مأخوذة بالنبأ حين سمعته؟ ماذا ~~أقول له حين ألقاه؟ وماذا تراه يقول هو؟ إنني لا أستطيع عنه غناء، إنه الرجل الوحيد ~~الذي عرفته، فكيف أغنى عنه؟ سأقبل عذره، أي عذر يلقيه. # ولكن أترى ألقاه كما عودته في بهجة أم أصطنع الغضب؟ لأترك هذا إلى ما تمليه علي نفسي ~~عند اللقاء. وإلام يدوم بي هذا الحال؟ ألا من نهاية؟ لقد ضمنت الآن على أية حال أنني ~~سألازم فايزة حتى بعد زواجها، وأين أجد زوجا مثل يسري؟ ولكن ماذا بعد؟ إنني أكبر مع ~~الأيام وأخشاها، إنها رفيق غادر هذه الأيام، فماذا تخبئ لي؟ لو أن أخي بذل بعض الاهتمام ~~بي، ولكن كيف؟ لقد قطعت رحلته ما كان بيننا من صلة هينة وازداد التباعد بيننا حين استقل ~~ببيته وتركني في هذا البيت، أما كنت خليقة أن ألقى واحدا من زملائه في بيته فيطلبني؟ ~~ولكن أأستطيع اليوم الوصول إلى زواج كهذا، وكيف؟ ألا يجدر بي أن أبحث هذا الأمر مع يسري؟ ~~نعم، لا بد من ذلك، مبلغ يسير من المال أعود فتاة كما كنت، فإني أعرف الحاجة توحة، وهي ما ~~زالت تقوم بهذه العمليات، سيستطيع بعد زواجه أن يدبر لي ما أريد، لا شك أنه ~~سيستطيع. # بلغت دولت بيت أخيها وفتح لها عم إدريس الباب، وما هي إلا هنيهة حتى كان عم إدريس في ~~طريقه إلى مقهاه وفي جيبه خمسة وعشرون قرشا. # ولم يتأخر يسري ووجد الباب مفتوحا، فدخل ووجدها جالسة في البهو على الأريكة التي شهدت ~~أول الصلة بينهما. وكانت لا تزال تدير في رأسها هذه الأفكار عن مستقبلها وماضيها، وقد غشت ~~وجهها سحابة من الحزن، لاقاها هو بابتسامة عريضة: لا، لا، لا أطيق هذا الوجوم، إنه لا يتفق وهذا الجمال. # ولم تستقبل الدعابة ms116 إلا بنظرة غير مبالية وهي تقول: أكنت تنتظر الزغاريد؟ # وكان مدركا ما بها فقال: أنت غاضبة؟ ~~- ذكي، عرفتها وحدك. ~~- ما لك؟ ~~- ولد، ألا تعرف ما لي؟ ~~- لا والله. ~~- يسري، أتراني ساذجة؟ ~~- العفو، من قال ذا؟ ~~- أنت، ألا تعرف ما لي؟ ~~- أفهميني. ~~- يسري، حط مخك في رأسك، ألا تعرف إلى من تتكلم؟ ~~- ألأنني خطبت فايزة؟ ~~- ها أنت ذا تعرف. # فقال يسري وابتسامة تعلو شفتيه: وماذا يغضبك في هذا؟ ~~- ألا تعرف؟ ألا تعرف ماذا يغضبني في هذا؟ ~~- اسمعي يا عبيطة، إنني حين أتزوج فايزة سأكون معك دائما. ~~- وماذا كسبت أنا؟ ~~- غدا تعرفين ماذا كسبت، هل أنت مجنونة؟ ألا تدرين الفوائد التي نجنيها من هذا الزواج؟ ~~لقد طلبتك اليوم لتقنعيها بالزواج إن كانت غير راغبة. ~~- وأنا يا يسري. ~~- أنت في عيني، ألا تعرفين مكانتك عندي؟ # فقالت ساخرة: أعرفها تماما. ~~- لا والله، أنت لا تعرفين شيئا، غدا تعرفين، المهم الآن أن تقنعيها. # وصمتت دولت. لم تنبئه أن فايزة قد قبلت الزواج مرغمة. فقد أرادت أن تنتهز الفرصة لتظهر له ~~أنها صاحبة الفضل في هذا الزواج عسى أن ينفعها هذا في أيامها القادمة. ولم يتركها يسري ~~لصمتها، بل قال: هيه! ماذا قلت؟ ~~- وماذا عساي أقول؟ ~~- هل سأل الباشا فايزة عن رأيها في الزواج؟ ~~- نعم. ~~- وماذا قالت؟ ~~- لم تقل شيئا. ~~- كيف؟ ~~- تركته وخرجت إلى حجرتها، وقد ظلت تبكي طول يومها أمس. ~~- أهي التي أخبرتك بالخطبة، أم كنت معها حين أخبرها أبوها؟ ~~- هي التي أخبرتني. ~~- ولماذا تبكي؟ ~~- ألا تعرف؟! ~~- ألا تريد الزواج؟ ~~- إنها تعتقد أنك تريدها لمالها. ~~- وماذا قلت لها؟ ~~- وماذا كنت تريدني أن أقول؟! ~~- ماذا قلت؟ ~~- أنا أعرف أنها ساذجة وضعيفة. ~~- إذن فقد وافقت على زواجها بي. ~~- أنت والله لا تستأهل هذا العطف مني. ~~- أبقاك الله لي. ~~- أبعد يدك. ~~- أنت أعظم إنسانة في العالم، غدا ترين كيف أعوضك عن هذا. ~~- كلام! ~~- غدا ترين. # | الفصل الحادي والثلاثون # وأقيم الفرح، فرحا متألقا، وجلست فايزة إلى جانب يسري يحف بهما الورد أكداسا، وكان ~~يسري فرحا غاية الفرح، وكانت فايزة ms117 تعسة يملأ الخوف قلبها رعبا، تكاد تثق أن زوجها هذا لم ~~يتزوجها لذاتها، وإنما لمالها، ومع ذلك لا يزال وامض من الأمل يراوحها ويغاديها تذوده عن ~~نفسها باليأس القاتل المرير. حتى إذا بارحها هذا الوميض المتهافت وخلت إلى اليأس وحده ~~خالصا عادت تسترجع وامض الأمل لتجد فيه راحة، ثم ما تلبث أن تجد في الشك عذابا يعدل عذاب ~~اليأس أو يزيد، فتظل تتقلب بين نيران الأمل ولواذع اليأس يملأ الرعب قلبها على الحالين، ~~ويسري بجوارها ينظر إلى الراقصة نظرات جريئة، وينظر إلى المستقبل نظرات مقتحمة، يطمئن نفسه ~~أنه بلغ من الحياة ما يريد أن يبلغ. وتلتقي عيناه بعيني أمه فيجد فيهما الخوف فيشيخ عنها ~~لينظر إلى الدكتور حامد، فيجده فرحا مطمئنا مقبلا، وإذا التقت عيناه بعيني دولت وجد ~~فيهما تساؤلا ووجد في شفتيها ابتسامة المتفضل إلى المفضول، وابتسامة حامل السر يبديها لمن ~~يحمل سره. # وبحث يسري عن أخيه خيري فلم يجده، فخطر في ذهنه أن يبحث عن وفية فلم يجدها أيضا، فقال في ~~نفسه: «لعلهما التقيا ولعلهما الآن يتذكران الهوى القديم.» ثم يبتسم ساخرا من أفكار أخيه ~~الخيالية ويعود إلى الراقصة ينعم النظر في جسمها اللدن يتأود أمامه فيرى فيها فرحة الدنيا ~~التي يقبل عليها. # لم تكن وفية ولا كان خيري في البهو الذي أقيم فيه الفرح، فقد انتهزت وفية خلسة من الناس ~~وأومأت إلى خيري أن يتبعها فتبعها، وصعدت إلى الطابق الأعلى وهو وراءها. حتى إذا اطمأنت إلى ~~نجوة من العيون جلست وجلس، وقالت وفي عينيها خوف ولهفة: خيري، لقد أردت أن أراك منذ وقت طويل. # وقال خيري في هدوء: نعم أعرف. ~~- لماذا لم تأت؟ ~~- لأنني أعرف ما تريدينني فيه. ~~- هل أخوك مثلك؟ ~~- أترينه كذلك؟ ~~- بل أرى فيه صنفا من الناس يختلف عنك كل الاختلاف. ~~- إذن فقد أدركت. ~~- لا شك. ~~- أنا لا يد لي في الأمر. ~~- وهذا أدهى. ~~- وماذا تريدينني أن أفعل؟ ~~- أما كان جديرا بك أن تحذر أبي؟ # وأطرق خيري مليا وقد ران الصمت على الحجرة، فقالت: لماذا ms118 لا تجيب؟ ~~- يا وفية قدري ظرفي، ماذا ترين كنت أقول؟ وكيف أعتمد على مجرد الاستنتاج لأطلب إليه ~~أن يرفض يسري؟ لعله ... لعله - من يدري - يدرك الفضل الذي أسبغه أبوك فيحسن ~~معاملتها! ~~- أتضيع أختي من أجل لعله؟ لعله! أنت تعرفه، إن شخصا يتقدم ليتزوج من فايزة الصماء ... ~~ماذا أقول ماذا أقول؟ لماذا يا خيري سكت، لماذا سكت؟ ~~- كان الأمر أقوى مني يا وفية، إنه أخي. ~~- أليست فايزة أختك؟ وهي عاجزة يا خيري، ماذا سيصنع بها؟ ~~- نسأل الله اللطف. ~~- إن اقتصر الأمر على المال هان، ولكن أخشى أن يعذبها. ~~- لا تخشي. ~~- أهو طيب؟ أهو شفوق؟ ألا يؤذيها؟ ~~- إنه يطمع أن يساعده أبوك، فلا تخشي. ~~- وهل سيعيش لها أبي دائما؟ ~~- دعينا نؤمل الخير في حياته على الأقل، وبعد ذلك يتولاها الذي لا تغفل له عين. ~~- كيف؟ ~~- قد ينجبان، وقد يحب أولاده فيكرمها من أجلهم. ~~- أكثر من زيارتنا يا خيري. ~~- ألا أحرجك بكثرة الزيارة؟ ألا يعرف جميل ما كان بيننا؟ ~~- إنه يعرف، ولكن السنين مضت. وهو يقدرك ولا يخشى جانبك، فزرنا لتطمئن على فايزة. إنها ~~أختك، وهي وديعة بين يديك، إن فايزة لن تخبر أحدا منا بعذابها إذا تعذبت، ولكنها قد ~~تخبرك أنت، فزرها وأكثر ولا تخف أن تحرجني، لقد سكت فتزوجها، فلا تتركها في هذه الأمواج ~~من الطمع التي ألقيتها إليها. ~~- أمرك يا وفية. ~~- أنت أخونا يا خيري، أنت دائما أخونا. ~~- أعرف يا وفية وسأظل دائما، دائما تحت أمرك. # وأمسكت وفية بيده في كلتا يديها وشدت عليها في إعزاز وإكبار وأمل: لا أمل لي إلا أنت يا خيري. ~~- ربنا معنا، إن شاء الله خير. ~~- أرجوك يا خيري، إنها أختك. ~~- هي أختي، إن لم يكن من أجلها وأجل أبيها فمن أجلك أنت، فأنت دائما عندي وفية، وفية ~~التي ... # وانهمرت الدموع من عينيه وعينيها، ثم هوى على يديها فقبلهما في حب وإعزاز. ~~••• # انتهى الفرح وصعد العروسان إلى الحجرة التي خصصت لهما، وجلست فايزة مطرقة وجلس يسري ~~بجانبها، وطال بينهما الصمت، فمد يسري يده وربت كتف ms119 زوجته وحاول أن يحتويها في ذراعه، فرفعت ~~إليه عينين مخضلتين بالدموع وقالت: لماذا تزوجتني؟ # كان السؤال نافذا مباشرا لا لف فيه ولا دوران، نوع من الكلام لم يتوقعه يسري وحار في ~~الإجابة، وحاول أن يتكلم ليجيب، ثم تذكر أنها لن تسمع فحمد الصمم مرة أخرى، فإن الكتابة ~~ستتيح له وقتا للتفكير. أمسك القلم وكتب على الورق الذي يظل دائما قريبا من فايزة، فهو ~~أذناها، كتب: «لأني أحبك.» ونظرت إليه في ألم ويأس وقالت: إنني صماء، صماء، ألا تعرف؟ # وكتب يسري: «أعرف، ولكن ما أهمية هذا؟» ~~- أتشفق علي؟! # وكتب: «إن بنت عزت باشا الأزميرلي الوزير الغني لا تستحق الإشفاق.» # فقالت في ألم: أتتزوج عزت باشا الأزميرلي والوزارة والغنى؟ # فكتب: «بل أتزوج فايزة، فايزة وحدها، بلا إشفاق وبلا تفكير في وزارة أبيها أو ~~غناه.» # ونظرت إليه فايزة مليا وقد رفأت دموعها وأطالت التحديق ثم قالت: أنت لا تعرف مدى لهفتي إلى تصديقك. # فكتب: «فصدقيني.» ~~- يا ليت! # فكتب: «ستجعلك الأيام تصدقينني.» # فقالت: لا تستهن بالأيام، فهي تأتي من قريب، وعن قريب أعرف مقدار صدقك، لا تجعل الأيام تؤيد ~~خوفي وتزيل أملي، فأنا لا أستحق هذا، ولا أستحقه منك أنت بالذات، أنت أخ لنا، وأنا ... وأنا ~~... وأنا لقيت من الزمان ما يكفي. # وكتب: «ستعرفين مدى صدقي.» # فأطرقت فايزة وأطالت الإطراق، وعاد يسري يربت كتفها، وما لبثت أن قالت: يا رب، إن كان كاذبا فلا تجعلني أرى كذبه. # | الفصل الثاني والثلاثون # نعم يسري بحياته الجديدة، واستطاع أن ينسي فايزة مخاوفها، فكان يقبل عليها مشرقا ~~وينصرف عنها ملاطفا، واستكانت هي إلى هذه الحياة الجديدة مقبلة عليها في سعادة لم تعرفها ~~منذ كانت طفلة لاهية، وأوشكت أن تنسى ما بها. وشهد أبوها وأمها وأختها هذا الإشراق الجديد ~~الذي أصبح يشيع في أجوائها، وكان خيري لا يني عن الزيارة وكان يشهد هذه السعادة التي استطاع ~~أخوه أن يهيئها لزوجته، وكان يرى آثارها على العائلة جميعها، ولكنه لم يطمئن كما اطمأنت ~~عائلة عزت باشا، فقد كانت معرفته لأخيه أعمق ms120 ، ولم يشأ أن يكدر هذا الصفو فهو يظهر لهم فرحه، ~~ويخفي خوفه، يخفيه عن وفيه التي ما تكاد تختلس خلوة به حتى تظهر رضاها غاية الرضا عن أخيه ~~ومعاملته لزوجته، وكان خيري يلاقي فرحها بفرح يصطنعه متكلفا في اصطناعه غاية الجهد. # ومرت الأيام بيسري وهو بها هانئ، وكان عزت باشا لبقا كيسا، فاستطاع أن يمد عونه ليسري ~~دون أن يجرح كبرياءه، فقد طلب إليه أن يشرف على حسابات الزراعة، وحدد له لقاء هذا أجرا ~~كبيرا قبله يسري في صمت كحق مفروض له، وهكذا أصبح هذا الأجر وما يناله كمرتب من وزارة ~~المالية مالا خالصا له هو غير مطالب منه بشيء إلا هدايا قليلة يقدمها لأخته نادية أو ~~لأمه، وحين حاولت أمه الرفض غضب وكاد يقاطع البيت فقبلت مرغمة. وأراد يسري أن يقدم لأخيه ~~خيري بعض هذه الهدايا فأقنعه خيري ألا يفعل، ولكن دون أن يغضب ودون أن يتيح له فرصة للغضب، ~~مشيرا إليه أن واجبه يقضي عليه بأن يقدم الهدايا لزوجته، ففرح يسري بهذه الإشارة ونفذ ~~مضمونها في إقبال وغدق. # ولم تطل أيام يسري الهانئة، فإن نفسه لم تعفه من الضيق. # ها هو ذا المال يجري بين يدي، وها أنا ذا لا أشتهي شيئا، فما لي ضيق النفس لا أستقر على ~~حال من القلق والملل؟ إني أعمل ... ماذا أعمل؟ ألا أذهب كل يوم إلى الوزارة؟ وماذا أفعل ~~بها؟ إنني هناك كما أنا في البيت زوج بنت عزت باشا ولا عمل، ألم يكن المال هو كل ما ~~أشتهي؟ ألم أكن أحسد الجزار وبائع اللبن وعزت باشا على غناهم؟ وها أنا ذا أكثر غنى منهم، ~~فإن المال يأتيني ثم أنا غير مطالب بشيء، دفتر حساباتي فيه الوارد وليس فيه الصادر، ربح ~~خالص بلا رأس مال، وعزت باشا يشقى ويكدح طول عامه، يسافر إلى العزبة مرات في الأسبوع، ~~ويتابع أمواله في كل مناحيها، وأنا ما علي إلا أن آكل من شقائه وأسعد ابنته، وإن إسعادها ~~هين يسير. ولكني أرى عزت باشا سعيدا في ms121 سفره سعيدا في شراء الأسهم وبيعها ولا أرى نفسي ~~سعيدا، يبدو لي أن السعادة ليست في المال ذاته، وإنما في بذل الجهد للحصول عليه، فأي جهد ~~أستطيع أن أبذله؟ آه لو شهد أخي خيري هذا الضيق الذي يزحم نفسي لأحس الانتصار علي مرة ~~أخرى، وكيف له أن يشهد؟! إنني لا أبدو أمامه إلا سعيدا هانئا فمن له بما يركد في نفسي من ~~ضيق وملل؟ ولو أنني حكمت منطقي وحده لوجدت هذا الضيق سخفا خالصا، لقد طلبت الغنى ~~فنلته، والسلطان فتحقق لي بفضل عزت باشا، فما هذا الضيق؟ وما حيلتي فيه وأنا أحسه يملأ ~~كياني، ويهصر سعادتي، ويدمر أيامي تدميرا؟ # حتى دولت لم أعد أجد بين أحضانها ما كنت أجد، حتى الويسكي لم يعد يمدني بهذه النشوة التي ~~كنت أحسها منه حين كنت أشربه مع عبد الوهاب وصبحي، ترى أيحس عبد الوهاب ما أحسه أنا؟ لا ~~أظن، ولماذا لا أظن؟ ما لي أظن الناس جميعهم سعداء إلا أنا؟ فيم يختلف عني عبد الوهاب؟ ~~حاله كحالي ولعله يظهر الرضى ويخفى الضيق الذي أخفيه، ألا يحس عبد الوهاب حاجة إلى ~~السعي؟ ألا يحس بشوق عارم للعمل؟ ألا ينظر لما يدخل في جيبه من مال نظرة باردة لا حرارة ~~فيها؟ ألم يفقد سروره بهذا المال؟ ألا تهدر في نفسه عواصف من رغبة العمل؟ ألا يريد أن ~~يمسك مالا كسبه عن عمل لا عن وساطة؟ وبعد، ماذا لي من أمل في الحياة بعد هذا؟ إلى أي ~~مدى أتشوف للمستقبل؟ ماذا أريد من هذا المستقبل؟ وما لذة اليوم الجديد؟ ماذا لي في طوايا ~~الغيب؟ سكون راكد كالمستنقع. إن لي مالا، وإنني آمن من الفقر. ولكن ماذا بعد أن يزيد ~~مالي؟ وماذا أفعل به؟ وما لذته وأنا لم أجهد للحصول عليه؟ ماذا أفعل بشبابي جميعه؟ طلبت ~~الغنى فها أنا ذا أناله في أول خطواتي من الحياة، ثم ها هي ذي الحياة بكاملها تمتد أمام ناظري ~~بيضاء باهتة بلا حياة فيها ولا أمل ولا عمل، ألمثل هذا كانت ms122 ثورتي؟ وا خيبتاه! لا حياة ~~لي، لا حياة. # | الفصل الثالث والثلاثون # كان الدكتور حامد عبد الكريم جالسا بين رهط من إخوانه الأساتذة في جروبي، وكان الحديث ~~يدور بينهم هينا لا يمس إلا أمورا تكرر تناولهم لها مرات ومرات، ولكنهم لا يجدون غيرها ~~ليديروها بينهم، وأقبل عليهم في جلستهم زميل لهم هو الدكتور أنيس عوض، وما إن حياهم وجلس ~~حتى سأله صديقه الدكتور فهمي صدقي: خير يا أنيس؟ ~~- خير إن شاء الله. ~~- هل تمت المسألة؟ ~~- أعتقد أنها ستتم قريبا. # وسأل حامد: ماذا يا أنيس؟ # وقال الدكتور أنيس محاولا أن يغير موضوع الحديث: لا، لا شيء، مسألة بسيطة. # وقال حامد في ثقة مدركا ما هدف إليه صديقه من محاولة البعد عن هذه المسألة: هي سر إذن. # وقال الدكتور فهمي محاولا أن ينقذ صديقه مما أوقعه فيه: يا أخي ألا تترك شيئا إلا وتحاول معرفته؟ هل انتهيت من طبع كتابك؟ # ولم يجب حامد، بل فكر قليلا محاولا أن يعرف ما يخفيه صديقه، ولكن فهمي لم يتركه يفرغ ~~لتفكيره، بل أعاد سؤاله مرة أخرى في صوت أقوى، فانتبه حامد من سرحته ليقول: آه، ماذا؟ آه، نعم، كدت أنتهي من طبعه. # وضحك الزملاء من إجابة صديقهم المترددة، وعادوا إلى حديثهم الذي قطعه عليهم مجيء الدكتور ~~أنيس. ولم تطل بهم الجلسة وبدءوا ينصرفون الواحد بعد الآخر، وكان حامد يعرف أن زميلهم ~~الدكتور محمد وحيد صديق للدكتور فهمي صداقة وطيدة، فحرص أن يكون انصرافه في رفقة الدكتور ~~محمد، فما كاد هذا يستأذن في الانصراف حتى استأذن حامد معه وخرجا إلى شارع المناخ معا. ~~وسأله حامد: أذاهب إلى البيت؟ ~~- نعم. ~~- خذني معك، إني أريد أن أزور صديقا في جهتكم. ~~- أهلا. # وهكذا أتاح حامد لنفسه فترة طويلة يحاول فيها أن يستخلص هذا السر الذي أخفاه عنه أنيس ~~وفهمي. ولم يكن الوصول إلى هذا السر يحتاج إلى كثير مداورة ولا كبير عناء، فما أسرع ما عرفه، ~~وما أعظم الفائدة التي توقعها لنفسه من معرفته. # قصد الدكتور حامد من فوره إلى ms123 بيت تلميذه السابق وصديقه الدائم يسري، وكان هو نفسه بيت ~~عزت باشا. وكان يسري بالبيت فدعاه حامد أن يخرجا معا ليجلسا في سان سوسي، وما إن استقر ~~بهما المكان حتى قال حامد: مسألة يا يسري لو تمت نلنا بها السعادة والغنى والجاه. # وكأنما كان حامد يعلم ما بنفسه من شوق إلى العمل، وما أسرع ما قال يسري في فرح: صحيح. ~~- صحيح جدا، اسمع. المسألة تحتاج إلى عناية ومثابرة واهتمام، وأنا واثق أنها ستتم. ~~- ماذا؟ ~~- منصب عضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة التأمين الوطنية. ~~- ما له؟ ~~- خال، ويريدون أن يعينوا فيه أستاذا جامعيا. ~~- ما المناسبة؟ ~~- المناسبة أنهم يريدون أن يضفوا ثقة على الشركة، أو أي سبب آخر، المهم أن زميلا لي ~~مرشح وتجري معه مفاوضات. ~~- من زميلك؟ ~~- الدكتور أنيس عوض. ~~- ولماذا اختاروه؟ ~~- له قريب في مجلس الإدارة. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- لو أن الباشا كلم وزير المالية فرشحني لأصبحت أنت سكرتيرا عاما للشركة بمرتب تحدده ~~أنت. ~~- ولكن الباشا لو عرف أنني سأعمل بالشركة لاعتبر هذا رشوة. ~~- ومن الذي سيخبره؟ ~~- ألست سأعين؟ ~~- بعد أن أعين أنا، وحينئذ لن يكون للباشا عندنا كلام. ~~- معقول. ~~- خدمة يقدمها لي الباشا كما تعود أن يقدم من خدمات. ~~- توكل على الله. ~~- وعليك. ~~- إن شاء الله. ~~••• # عاد يسري إلى البيت والأمل يداعب نفسه عن هذا المنصب الجديد. ووجد الباشا جالسا وحده في ~~المكتب فألقى إليه رجاء الدكتور حامد في لهجة خلت مما يخالط نفسه من آماله يعلقها به، ووجد ~~عند الباشا قبولا كشأنه دائما كلما سنحت له فرصة لخير يقدمه إلى حامد، واطمأن يسري وظل مع ~~عمه يدور بينهما الحديث في شتى مناحيه. ثم قام العم لينام وصعد معه يسري. # وكان جناح يسري وفايزة مستقلا عن البيت لا يشركهما فيه إلا دولت في حجرة مقابلة ~~لحجرتهما. وحين بلغ يسري جناحه وجد حجرة نومه مظلمة وبابها مقفلا، ووجد باب دولت منفرجا ~~ورأى ضوءا خافتا ينبعث منه، فدلف من الباب المنفرج إلى الضوء الخافت. # | الفصل الرابع والثلاثون # أصبح يسري بعد تعيين حامد ms124 بشهور قليلة سكرتيرا عاما للشركة، ورأى يسري نفسه وهو في ~~بواكير الشباب الأولى ذا حجرة منفردة وذا نهي وأمر وسطوة وسلطان، وأدرك الباشا عند تعيين ~~يسري أنه كان آلة في يد يسري يحركها إلى حيث يشتهي. وقد غضب لهذا الوضع الذي أراده له يسري، ~~ولكنه لم يستطع أن يظهر غضبه واضحا، فقد كان يرى حب فايزة لزوجها، ولم يكن قلب الأب فيه ~~ليتيح له أن يعنف بيسري العنف الذي يراه يستحق. ولكن لم يشأ أن يسكت، بل انتهز أول فرصة بعد ~~تعيين يسري، وقال له: أظن يا يسري أن عملك في الشركة سيأخذ وقتك كله! # وقال يسري وقد أوجس: أظن ذلك يا عمي! # فقال الباشا في حزم: إذن فاترك حساباتي ليتفرغ لها شاب أقل من سكرتير عام الشركة الوطنية للتأمين. # وأطرق يسري خجلا وهو يقول: أمرك يا عمي. # وبهذه السخرية اللاذعة وبهذا الحزم القاطع استطاع الباشا أن يبدي ليسري أنه فهم اللعبة ~~التي دبرها له هو وحامد، وأنه أيضا غير مرتاح لهذا التصرف، كما استطاع بهذه المحادثة ~~القصيرة الحاسمة أن يقطع عن يسري المرتب الذي كان يعطيه إياه. # ولم يكن يسري في حاجة إلى المرتب، فقد كان مرتب الشركة ضخما، كما أنه أصبح إلى حين في ~~غير حاجة إلى عون عمه، وطمأن نفسه «أنه رجل طيب وما أسرع ما أستطيع إرضاءه.» فاطمأنت نفسه ~~إلى هذا الظن. # ولم يمر كثير وقت على تعيين يسري بالشركة حتى كان قد دبر هو والدكتور حامد أمرا، وارتاح ~~إليه وقصد إلى أخيه خيري في البيت، فوجده في حجرته جالسا يقرأ في إنعام، فقال له: جئتك اليوم في أمر هام يا آبيه خيري. # وقال خيري في هدوء لا يزايله: خير؟ # قال يسري: كم بلغ مرتبك في الوزارة؟ # وقال خيري: ما المناسبة؟ ~~- أليس لي الحق أن أعرف؟ ~~- لا أرى مانعا أن تعرف، ولكني أيضا لا أرى موجبا لذلك، فقد بلغ مرتبي القدر الذي ~~يكفيني ويجعلني أعيش المعيشة التي أرضاها لنفسي فلا أشكو ضيقا. ~~- وحياتي عندك يا آبيه ms125 خيري أن تترك هذا الخيال، لكل إنسان طموح ولا يعقل ألا تكون أنت ~~طموحا مثل كل الناس. ~~- ومن قال لك إنني لست طموحا؟ إنني بغير طموحي هذا ما كنت أستطيع أن أواصل تعليمك ~~وتعليم أختك والإبقاء على أسرتنا في ستر ورضا، ألم يكن هذا جميعه طموحا؟ ~~- عظيم، عظيم، ولكن أليس لك طموح شخصي؟ أليس لك آمال تبنيها لنفسك؟ ~~- أنت أمل من هذه الآمال، وأختك نادية أمل آخر لي، وثق أنني حين أزوج نادية سأنظر إلى ~~نفسي وأتزوج، وقد أخرج من الوظيفة، وقد أحقق آمالا أخرى يعود نفعها علي وعليكم. ~~- لم تحدثني أبدا عن هذه الآمال. ~~- أحب أن أنفذها ولا أتحدث عنها. ~~- ألا تتحدث عنها لي أنا أخوك؟ ~~- أعلم أنك أخي، ولكن حديثي عن آمالي قد يجعلها أمام عينيك حقائق، بينما أنا لا أزال أراها ~~آمالا، هي بعد في نفسي لم تكتمل عناصرها ومقوماتها، والحديث عنها قد يجعلها تبدو كاملة ~~قائمة. ~~- قل لي يا آبيه خيري وحياتي، ورحمة أبي إلا قلت؟ ~~- المسألة لا تستأهل كل هذا الإلحاح، أريد أن أترك الحكومة وأذهب إلى البلد فأقيم في ~~بيتنا هناك، وأستأجر أرضا من حولنا أربي ماشية وأنمي ثروتنا البسيطة. # وفكر يسري قليلا ثم قال: والله مشروع لا بأس به! وماذا يؤخرك عنه؟ ~~- أنا الآن مطالب بالتزامات إزاء والدتنا وأختنا، ولا أستطيع أن أترك مرتبي الثابت ~~المضمون لمشروعات لا أدري نتائجها. # وأطرق يسري هنيهة ثم قال: ما رأيك لو ارتفع مرتبك هذا إلى ضعفيه؟ # وصمت خيري لحظة ثم قال: ماذا تتوقع أن أقول؟ # وقال يسري على الفور: أن توافق طبعا. ~~- طبعا، ولكن فقط أحب أن أعرف كيف يرتفع؟ ~~- تترك الوزارة وتعمل معنا في الشركة. # فقال خيري في تؤدة: الشركة التي تعمل بها سكرتيرا عاما؟ # وبهت يسري من الإجابة، وما لبث أن قال في لعثمة: نعم. ~~- أترضى لي ذلك؟ ~~- ماذا؟ ~~- أن أكون مرءوسك. ~~- وهل تعتقد أنني سأكون رئيسا حقا؟ ~~- وهذا أدهى، سأجعلك بين أمرين لا أرضاهما، إما أن تكون رئيسا حقا وهذا لا أحبه ~~لنفسي ms126 ، أو لا تكون رئيسا حقا، وهذا لا أحبه لك. ~~- يا آبيه خيري إنها فرصة، وقد تستطيع أن توفر منها مبلغا ينفعك في مشروعك الذي ~~تنتويه. ~~- إن كان مشروعي سيجعلني أفعل ما لا أرضاه، فإني سأنصرف عنه. ~~- يا آبيه خيري إنه مشروع عظيم. ~~- ألم أقل لك إنك ستراه كاملا قائما بينما هو لا يزيد عن مجرد أمل في نفسي. ~~- وهل الأمل شيء بسيط؟ أليست الآمال هي التي تحدد خطوط سيرنا في الحياة؟ ~~- الآمال أهداف وأخلاقنا وتركيب نفوسنا هي التي توجهنا في الطريق. إن طريقا لا ترضاه ~~أخلاقي طريق لا أسيره، وإن لم يكن غيره مؤديا إلى هدفي، هكذا أنا، هكذا ركبت نفسي منذ ~~كنت صغيرا حتى الآن، لا أظن أنني قادر على تغيير نفسي. ~~- كنت أظن يا آبيه خيري أن مثاليتك لا تستطيع الصمود أمام الحقيقة، نعم أعرف ما فعلته مع ~~عزت باشا في أول حياتك، ولكنني خيل لي أنك مع مرور الأيام أسفت على ما كان منك، ~~وخيل لي أنك قد تلين أمام المنفعة إذا كانت ماثلة أمامك بلا أوهام ولا خيالات، ولكن ~~للأسف ما زلت تتحدث عن الأخلاق والمثالية، والتعفف والقناعة حتى أصبحت تطبقها في حياتك ~~أيضا ولا تكتفي بها في أحاديثك. ~~- عجيبة يا يسري، أكنت تظن أن آرائي مجرد كلام فقط؟ ~~- كنت أظن أن الحياة علمتك أكثر مما فعلت. # وضحك خيري ضحكة صغيرة فيها بعض سخرية وقال: لا عليك يا يسري، أمرك إلى الله، ربنا بلاك بأخ عقله فارغ، تحمل. # وسارع يسري يقول وقد احمر وجهه خجلا: العفو، أنا لم أقل هذا. ~~- لم تقله ولكنك تعتقده، لا عليك ولكن اسمع، أنا أشكرك، فإن وفاءك لي وحرصك الدائم ~~على أن تقدم لي ما تظنه خيرا أمر أحبه فيك وأكبره، وهو أيضا يطمئنني أنك يوما ما ستعرف ~~أن ما آخذ به نفسي ليس مثالية ولا أوهام تقاليد بالية، ويجعلني أيضا آمل أنك في يوم ما ~~سترى الدنيا شيئا آخر غير المال يستحق أن نحيا له. # وأطرق يسري هنيهة وقد تأثر ms127 بحديث أخيه واختلج قلبه بعواطف الحب له، وإن كان عقله لم يعفه ~~من الإلحاح عليه أن هذا اليوم لن يأتي، وأن اليوم الذي قد يأتي هو يوم يعلم أخوه القيمة ~~الحقيقية التي يحتلها المال في الحياة. # | الفصل الخامس والثلاثون # كان يسري جالسا بمكتبه بالشركة حين دلف إلى المكتب سكرتيره ينبئه أن بالخارج صديقه صبحي ~~الملواني. وقال يسري في لهفة: دعه يدخل. # ثم سارع يقول في نفس اللهفة: بل اجعله ينتظر قليلا. # فقد ومض في ذهنه خاطر سريع لا يدري مأتاه، لقد أحب أن يشعر زميل دراسته بالفارق الذي ~~أصبح بينهما، وخرج السكرتير لم يبد ملاحظة ولم يشغل ذهنه باللهفة التي أرسلت رئيسه سامحا ~~في دخول الزائر، ثم اللهفة التي أتبعتها في أن يتريث به، لم يفكر فليس من عمله أن يفكر ~~وإنما عليه أن يسمع فيطيع، وقد سمع وأطاع وخرج. ولبث يسري يتشاغل بالأوراق التي أمامه بعض ~~الحين، ولم يطل به التشاغل، فقد دق التليفون المجاور له وإذا هي دولت تخبره أن جميلا ووفية ~~سيصحبان فايزة إلى السينما، وأنهم يسألونه إن كان يريد أن يرافقهم ليشتروا له تذكرة، ~~فيسألها: وأنت هل تذهبين؟ ~~- لا. ~~- إذن فأخبريهم أنني سأتأخر في الشركة ولا أستطيع صحبتهم. ~~- ومتى تجيء؟ ~~- في الساعة الرابعة. # وانتهت المكالمة، ولكن التليفون الآخر الذي يصل حجرات الشركة بعضها ببعض دق، فرفع يسري ~~السماعة ليصله صوت حامد يطلب إليه أن يجيء إلى مكتبه. # وفكر يسري أن يمضي إلى حامد دون أن يلقى صديقه صبحي، ولكنه خشي أن تطول غيبته وينصرف صبحي ~~ففضل أن يراه واقفا. لم يغب عن ذهنه ما في هذه المقابلة الواقفة من إظهار مدى مشاغله ومن ~~أثر هذا في نفس زميل الدراسة. # ودق يسري الجرس وطلب إلى السكرتير أن يدخل صبحي ودخل صبحي، ونسى يسري ما أراد أن يأخذ به ~~نفسه من وقار وعظمة وإظهار مشاغل وإثبات أهمية، ووجد نفسه حين رأى وجه صديقه يفتح ذراعيه ~~ويحتضن صديقه، وكأنه يحتضن نفسه والأيام التي قضياها معا، ووجد نفسه يقول في ms128 سجية مواتية ~~لا تكلف فيها: أين أنت يا ولد؟ أين طول هذه المدة؟ # وأطرق صبحي قليلا ثم قال: أشكرك يا يسري، يا يسري بك. # وكأنما أفاق يسري من غفوة، أيقظته «بك» يسمعها من صبحي، وأوشك أن يقول «لا تقلها!» ~~ولكنه التذها، أحس فيها بما وصل إليه من غنى وسلطان، فوجد نفسه يتجاهل «البك»، وكأنها أمر ~~مفروض، وقال لصبحي: علام الشكر؟ ~~- على هذا اللقاء. # وقال يسري في صوت يغاير مضمون كلامه: نحن أخوان. # قالها في عظمة متواضعة تستطيع أن تحمل في طواياها، أي معنى غير معنى الأخوة، ثم ما لبث أن ~~قال: صبحي، عضو مجلس الإدارة يطلبني وأنا مضطر للذهاب إليه، هل هناك أي خدمة أستطيع أن ~~أؤديها؟ # وقال صبحي في ارتباك: أجيء في وقت آخر. ~~- أهلا، ولكن ماذا تريد؟ ~~- وظيفة. # وبهت يسري فهو لم يكن يتوقع هذا الطلب من صديقه، وطاف به الصمت هنيهة ثم قال: والله يا صبحي المسألة ليست سهلة، أتعطيني فرصة من الوقت؟ ~~- طبعا، ولكن أرجو ألا يطول هذا الوقت. ~~- كن على اتصال دائم بي. ~~- سأجيء كثيرا. ~~- وهو كذلك، اترك لي هذا الموضوع. # واستأذن صبحي وانصرف، وقصد يسري إلى مكتب الدكتور حامد، وحين دخل وجد في الحجرة رجلا ~~أنيق الملبس قدمه إليه حامد قائلا: عبد السميع بك فتحي، مندوب شركة النقل بالسيارات. # وحيا عبد السميع بك يسري في أدب وافر، ولاحظ يسري عناية الرجل البالغة بحركاته جميعا ~~وتحريه أن تكون كل حركة فائقة الأدب والجمال، وحرصه كل الحرص أن تظل ابتسامة على فمه ثابتة ~~لا تزيد ولا تنقص إلا عند ضحك شديد إذا ما بدا في الجو مشروع نكتة وإن لم يكن المتحدث يقصد ~~إليها، وطال الحديث بينهم في أمور عامة لا صلة لها بالعمل، ويسري يشارك في الحديث طورا ~~ويرقب هذا الوافد الجديد طورا آخر، أو هو يرقب الأدب البالغ الذي يصطنعه الدكتور حامد ~~أيضا في الحديث، أو يحاول أن يعرف هدف هذه الزيارة، أو على الأقل السبب الذي استدعاه من ~~أجله الدكتور حامد، ولكن محاولاته ms129 لم تنته به إلى رأي يرتاح إليه. وبدا ليسري أن كلا من ~~حامد وعبد السميع بك يتباريان أيهما أكثر صبرا وأشد مداورة من الآخر، فكل منهما يلوب في ~~الحديث مبتعدا عما اجتمعا من أجله. وقد فاز حامد في هذه المباراة وهزم عبد السميع، فقد حرص ~~حامد أن تشيع في الحجرة فترة من الصمت أعقبها بكلمة واحدة: ~~- شرفت. # وقال عبد السميع: الله يحفظك، ترى أتخبر أنت يسري بك بالمسألة أم تفضل أن أقول أنا؟ ~~- أظن من الأفضل أن تخبره أنت. ~~- أمرك، لقد اتفقت يا يسري بك مع حامد بك على صفقة ستعود عليكم بخير عميم. # وقال يسري مشجعا: عظيم. ~~- أنا رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة الأمانة للنقل، وأملك فيها أكثر من 60٪ من ~~الأسهم. # وقال يسري: أهلا وسهلا. ~~- لدى الشركة ما يقرب من الخمسين سيارة نقل، وحوالي ثماني سيارات خاصة للمديرين ~~ولي. ~~- عظيم. ~~- نريد أن نؤمن تأمينا كاملا على هذه السيارات. # وبدا على يسري كأنه فهم ما يراد به، فقال في تفكير: تأمينا كاملا؟ ~~- نعم. ~~- السيارات جديدة طبعا؟ # وأصاب السؤال مكانا دقيقا من الموضوع فوجم عبد السميع ووجم حامد. وسارع عبد السميع ~~يتخلص من وجومه في سرعة حاذقة: طبعا، طبعا. ~~- عظيم. ~~- كل ما في الأمر أنها ليست حديثة. # وازداد يسري فهما للأمر فقال: كيف تكون جديدة وليست حديثة؟ ~~- جديدة بمعنى أنها في حالة جيدة، وإن كانت ليست حديثة الشراء. # فقال يسري في مداورة: على كل حال هذا أمر يقوم به مهندسو الشركة. # فقال عبد السميع في سرعة: هذا ما أردناك فيه. # وقال حامد: عبد السميع بك لا يثق في مهندسي الشركة. # وقال يسري: أيهم؟ فسعادتك تعرف أنهم أربعة نتعامل معهم، نستطيع أن نستبعد الذي لا نثق به، وإن كانوا ~~جميعا موضع ثقة الشركة. # وقال حامد: إنه لا يثق بأي واحد منهم. # وقال يسري في دهشة: الأربعة ذمتهم خربة؟! # فقال حامد في حزم: هذا رأيه. # فقال يسري: وما رأي سعادتك؟ # فقال حامد موجها حديثه إلى عبد السميع: وعلى كل حال يا عبد ms130 السميع بك اعتبر المسألة منتهية. وتستطيع سعادتك أن تمر بالشركة ~~بعد غد، وستجد الأوراق جاهزة. # فقال يسري محاولا إبداء رأيه: ولكن ... # فقال حامد في حزم الرئيس: انتهينا يا يسري. # فقال يسري في استخزاء داهش: أمرك. # واستأذن عبد السميع بك وانصرف يودعه حامد إلى باب الغرفة، وحين عاد من توديعه وجد يسري ~~متجهما يأخذ طريقه إلى الباب، فقال له: إلى أين أنت ذاهب؟ اقعد، أنت عبيط. # فقال يسري: أنا دهش. ~~- فيم الدهشة؟ ~~- يبدو أن المسألة ليست سليمة. ~~- وما يهمك أنت، أتمانع أن تقبض أربعمائة جنيه دون أي تعب؟ # وفهم يسري الأمر على تمام حقيقته. ~~- لا أمانع أبدا، كيف؟ ~~- تأتي لي بمهندس صديقك يأخذ في هذه العملية ضعفي ما يأخذ مهندسو الشركة ويعتبر السيارات ~~جديدة، ونأخذ مقابل ذلك ألف جنيه، لي منها ستمائة ولك أربعمائة، ما عيبها؟ # وقال يسري مفكرا: أما عن الأربعمائة جنيه فلا عيب بها، أما عن الطريقة ...؟ # وقال حامد في سخرية: نعم يا سيدي، ما لها الطريقة؟ لا تجعلني أظن بك العبط كأخيك، أنا دائما أحترمك ~~لأنك واقعي، ذهنك تخلص من المخلفات الراكدة للتقاليد والتفكير الضيق العقيم. ~~- ولكن هذه المسألة يا حامد بك لا شأن لها بالتفكير العقيم ولا مخلفات الماضي، إنها ... ~~إنها ... ~~- هيه، قل سرقة، قل، قلة ذمة، كرر هذه الألفاظ الجوفاء التي سيطرت على الأجيال ~~الماضية وكبلت التفكير فيها. ~~- يا حامد بك أنا لا أرى صلة بين الأجيال الماضية وهذه المسألة أبدا. # فقال حامد في حزم: إذن فأنت لا تريد الاشتراك معي فيها؟ ~~- والله إذا أعفيتني أكون شاكرا. ~~- أنت حر، طبعا أنت اليوم غني ولم تصبح في حاجة إلى المال. أصبحت تختار نوع المال الذي ~~يصل إليك، فهذا تقبله وهذا ترفضه، معلوم، لك حق، ولكنني يا سيدي لست كذلك. وإن لم أحصل ~~على المال من حنك السبع فلن أجده، أنت حر. ~~- الواقع يا حامد بك أنا خجلان أن أرفض لك أمرا، ولكن لا أستطيع. ~~- أنت حر، أنت حر، ولكن فقط لا تعطل الورق. # وأصابت يسري بغتة أخرى ms131 : ماذا؟ هل سيمر بي هذا الورق؟ ~~- طبعا. # وفكر يسري قليلا ثم قال: ألا يمكن أن يأتيك هذا الورق مباشرة؟ ~~- بالطبع لا، أنت سكرتير عام الشركة، وحين يمر موضوع من غير تأشيرتك سيثير كثيرا من ~~التساؤل والدهشة. وأنا لا أحب التساؤل أو الدهشة، أو التعطيل. ~~- إذن ... ~~- إذن فلا تعطل الورق. ~~••• # وأطرق يسري وفكر، يمكن أن يقال لم ينتبه. وهذا خير من أن يقال لص، لعلهم سيقولون لص ~~أيضا، لا يهم ما دمت أنا مقتنعا أنني لم أسرق، إن لم أوقع فسأرفت، فهو لا يحب ~~التعطيل. # وقاطع حامد تفكيره قائلا في حزم ونغمة خالية من التهديد: هيه. # فقال يسري: حاضر، سأوقع. # وضحك حامد ساخرا وقال: تقبل أن يقال مغفل لا يفهم شغله، ولا تقبل أن تأخذ أربعمائة جنيه. # وحاول يسري أن يعتذر عن أمانته ثانية، ولكن حامد سارع يقول: لا، لا، لا ترغم نفسك على شيء، أنت حر، أنت دائما حر، تقبل ما تشاء ولا تقبل ما ~~تشاء، أنت حر. # وأطرق يسري وهو يقول: أشكرك. # ثم خرج من الغرفة يفكر في هذه الحرية التي يتيحها له رئيسه. # | الفصل السادس والثلاثون # نزلت فايزة ترافق أختها وفية وزوجها جميل إلى السينما في حفلة الساعة الثالثة، وكان جميل ~~قد جاء في إجازة قصيرة سيعود بعدها إلى عمله بسفارة فرنسا. وقد كان يحرص في إجازاته أن يعوض ~~زوجته عن غيابه بالإكثار من النزهة، وكان يحرص في أغلب الأوقات أن يصحب فايزة التي أصبح عمل ~~زوجها الجديد يشغله عنها وقتا كبيرا. # كانت سيارة جميل التي يقودها بنفسه تسير بشارع فؤاد متخذة طريقها إلى السينما، وكانت وفية ~~تجلس إلى جانبه وإلى جانبها تجلس فايزة. وكانت وفية تكتب لفايزة كلاما تمنعه السيارة أن ~~يتضح، فلا تستطيع أن تقرأه، فلا تملك هي وأختها إلا أن تضحكا من هذه الأشكال العجيبة التي لا ~~تستطيع أن تكون شيئا مفيدا. وأخيرا قالت فايزة: اسكتي حتى نصل ... ألا تتوقفين عن الكلام أبدا؟ # وقبل أن تضحك الأختان انتابت فايزة حالة غثيان، وحملقت في وجه أختها ms132 ثم انثنت وقد وضعت ~~يدها على وجهها وهي تتأوه في ألم، فقالت أختها في ارتباك: ما لك؟ # وراحت فايزة في دوامة ولم تعن بأن تخبر أختها عما بها، وإنما راح عقلها يفكر أين تفرغ ~~غثيانها في منجى عن عيون جميل بالذات، وفجأة فتحت حقيبة يدها وأفرغت ما بها دفعة واحدة في ~~فستان وفية، ثم زادت من انثناء ظهرها وجعلت من الحقيبة وعاء. # أوقف جميل السيارة على جانب من الطريق، وقصد إلى مقهى وطلب كوب ماء، وعاد به إلى فايزة ~~فتناولته في شكر. # وقالت وفية: جميل، ألا تعرف طبيبا نذهب إليه؟ ~~- أعرف طبعا، ولكن الآن الساعة الثالثة والنصف. ~~- ألا تعرف بيته؟ ~~- سأكلمه بالتليفون. # وعاد جميل بالكوب الفارغ ليتكلم من تليفون المقهى، باحثا عن صديقه الطبيب. # وكتبت وفية لفايزة: «ما لك؟» # فقالت فايزة: لا أدري، أحسست فجأة بهذا الغثيان. # وقالت وفية وقد أشرق وجهها بالفرح: فايزة، أنت حامل؟ # ظلت فايزة رانية إليها لم تفهم شيئا لأنها لم تسمع شيئا، فانتبهت وفية وكتبت لها: «أنت ~~حامل؟» # وقالت فايزة: غالبا. # وقالت وفية في فرحة متوثبة: حقا؟ # ثم انتبهت وكتبت: «مبروك.» # وقفزت من السيارة وثبا، وسارعت تقتحم المقهى الذي دخله جميل غير عابئة بالأنظار التي ~~أحدقت بها بين عاجبة وبين معجبة وبين مستهجنة، وحين وجدت زوجها قالت له دون أن تترك له فرصة ~~أن يذكرها بأنهما في مصر وليسا في باريس: جميل هل صديقك طبيب أمراض نساء؟ # وقال جميل دهشا: لا. ~~- إذن فابحث عن طبيب أمراض نساء. # وقلب جميل صفحات دفتر التليفون يبحث عن الطبيب المطلوب. ~~••• # خرجت فايزة من عيادة الطبيب فرحة نشوانة، تشاركها في فرحتها أختها، وركبتا السيارة، وقبل ~~أن يقودها جميل قال لوفية: اكتبي لها أنني أطالب بالحلاوة. # وكتبت لها ما أراد، فأخرجت فايزة قرش صاغ وأعطته إياه، فقال لوفية ضاحكا: اطلبي على الأقل ثمن تذاكر السينما التي ندخلها. # وكتبت وفية وغرق ثلاثتهم في ضحك سعيد هانئ، وسارت السيارة وخلت فايزة إلى نفسها، إلى ~~عزلتها وقد أحست بهنائها، هنائها بكل شيء حتى بهذه ms133 العزلة، ففي ظلها وبسببها تستطيع أن ~~تستمتع بفرحتها كاملة بلا صخب من الطريق ولا حديث من وفية أو جميل. كانت تحتمل صممها في ~~صبر، ولكنها لم تر فيه نعمة إلا اليوم وفي هذه اللحظة، أحمدك يا رب، هل آن لي أن أسعد كما ~~يسعد الآخرون؟ أأرى ابني فأسمع بأذنه وأفرح بفرحه وأبدأ به حياة جديدة من غير صمم ومن غير ~~هذه الآلام التي أعانيها في حياتي القديمة؟ أحمدك يا رب، فإن أحدا في العالم لا يستطيع ~~أن يقدر السعادة كما يقدرها من عرف الشقاء، وقد عرفته، ثم ها أنت ذا تهب لي حياة جديدة ~~هي حياة ابني، فإذا أنا، وأنا وحدي أدري مدى هذه السعادة التي سكبتها علي بحياتي الجديدة ~~فيه، فقد كانت حياتي يا رب شقاء، ولكنني الآن، الآن فقط أحمد هذا الشقاء الذي أحاط بي ~~لأنني أستطيع به أن أدرك أي سعادة تحيط بي اليوم، ولا يستطيع الذين لم يروا شقائي أن يلتذوا ~~السعادة كما ألتذها أنا الآن. فلك الشكر، سبحانك. # وكانت وفية تحذر جميلا طوال الطريق أن يسرع، وتحذره أن تهتز السيارة حتى قال جميل آخر ~~الأمر: ما رأيك أوقف الآلة وأدفع أنا السيارة وتقودينها أنت، سنصل غدا ولكن لن نهتز. ~~نعملها؟ # وضحكت وفية ضحكة عالية حتى لقد طرحت رأسها إلى الخلف، ورأتها فايزة فأدركت أنها تضحك ~~ضحكا عاليا، فقالت لها: ماذا بك؟ # فكتبت لها وفية ما قاله زوجها، فغرقت في الضحك هي الأخرى. # وحين وصلت السيارة إلى باب البيت كتبت لها وفية: «انزلي أنت ولكن على مهلك، واصعدي السلم ~~درجة درجة، واستريحي حتى نحضر لك الدواء ونعود.» # وابتسمت فايزة ودلفت إلى البيت. وحين بلغت الطابق الأعلى تذكرت أنها لن تجد أحدا إلا ~~دولت، فقد كانت أمها مدعوة إلى الغداء خارج البيت مع أبيها، وكانت فايزة تعلم أن يسري ~~بالشركة، ولكنها أصرت أن تخبره فورا، فقصدت إلى دولت لتجعلها تطلب يسري في الشركة ليأتي من ~~توه. # بلغت فايزة حجرة دولت وفتحتها ثم جمدت لحظات، ثم أدركت أن ms134 الاثنين اللذين بالغرفة لم ~~يرياها، فأقفلت الباب بهدوء محاذرة أن يند عنه صوت، وقصدت إلى حجرتها وألقت بنفسها إلى ~~السرير وقد انطبق فكاها في إحكام، كأنها تمنع الصرخة التي تعربد في كيانها أن تنطلق، ~~وتولاها حريق من العذاب، فعقلها لهيب ونفسها نيران وتفكيرها موقوف جامد وعيناها لا تريان ~~إلا الصورة التي طالعتها من حجرة دولت، ورفعت فايزة يديها ووضعتهما على عينيها ثم ~~تمتمت: أما زال هناك نوع من العذاب لم أعرفه يا رب؟ # ثم وجدت نفسها تقول: لن يعرف أحد، لا، لن يعرف أحد، لن أجعل من نفسي سخرية ولا موضع شفقة بعد ~~اليوم. # ثم صمتت حينا وعادت تقول: ولكن لا بد أن تترك هذا البيت، كيف؟ أأخبر وفية؟ وماذا ستفعل؟ إذا طلبت هي طردها ~~عرف الجميع، لا بد أن تطلب هي الخروج، واحد فقط يستطيع أن يقول لها اطلبي ترك البيت، هو ~~يسري، ولكن لن أخبره، ماذا أفعل؟ لمن أقول؟ نعم هناك حل. # وخرجت فايزة من الحجرة في خفة وسعت على أطراف أصابعها ونزلت إلى الطابق الأسفل ودخلت إلى ~~مكتب أبيها، وجلست حتى ليظن من يراها أنها جاءت إلى هذا الحجرة من الخارج مباشرة، فكأنها ~~ما صعدت، وكأنها ما رأت، وكأنها ما زالت تحيا في تلك الفرحة المنتشية التي صحبتها من عند ~~الطبيب، والتي فقدتها عند دولت. # دقت فايزة الجرس وكتبت على ورقة كلاما، وحين جاء الخادم قالت له: خذ سيارة أجرة واذهب بها إلى بيت خيري بك، أعطه هذه الورقة وارجه أن يأتي معك في ~~السيارة، وإذا لم تجده فانتظره حتى يعود، لا تعد من غيره. # وأومأ الخادم أن نعم، وخرج في طريقه إلى خيري، والتقى في فناء الدار بوفية وجميل. وكانت ~~وفية تحث الخطى في سعادة متوثبة ضاحكة، استخفها الفرح حتى لم تملك نفسها أن تسأل ~~الخادم: هل جاء الباشا والست؟ # مع أنها تعلم أنهما لن يعودا قبل المساء. ولم تنتظر الإجابة، بل واصلت سيرها الحثيث حتى ~~بلغت البهو الداخلي تريد أن تواصل سيرها إلى الطابق الأعلى ms135 حيث تتوقع أن تجد فايزة. ولكن ~~مكتب أبيها ذا الباب المفتوح استرعى انتباهها فالتفتت فوجدت فايزة جالسة، فذهبت إليها ودون ~~أن تلحظ ما بها كتبت لها: «هل أخبرت يسري؟» # فقالت فايزة في جفاء وإصرار وألم ومرارة: لم أره. # وأحست وفية ما في صوت أختها، فكتبت وهي تعجب في نفسها: «أن لم يأت؟» # وأجابت فايزة في نفس النغمة المريرة: لا أعرف. # وكتبت وفية: «ألم تصعدي إلى الطابق الأعلى؟» # وقالت فايزة في حزم وتماسك وقد أوشكت أن تنهار: لا. # ولم تملك وفية أن تكتم عجبها فكتبت: «ما بك؟» # ولم تجد فايزة شيئا تقوله إلا: ~~- متعبة. # فكتبت: «فتعالي نصعد إلى أعلى.» ~~- لا. # فكتبت: «لماذا؟ ماذا بك يا فايزة؟» ~~- يا سلام يا أبلة وفية، متعبة، متعبة، اتركيني هنا، فإني هنا مرتاحة. # ولم تكتب وفية شيئا، وإنما قالت في صوت مسموع وفي نغمة الخبير الذي يعرف بواطن ~~الأمور: هيه، لقد بدأ معك الوحم فقلب مزاجك، بسيطة، يا دولت، دولت. # وخرجت وفية من الحجرة تنادي حتى أجابها صوت دولت. # وكان جميل بالبهو لا يزال، وقد وضع ما حمله من دواء على إحدى المناضد، فقالت له: لماذا تجلس هنا؟ تعال. # فقال وهو يقوم من كرسيه: لا، سأذهب أنا إلى بيت أبي وأعود في المساء لآخذك. أم ستبيتين هنا؟ ~~- سأبيت هنا مع فايزة، ولماذا لا تبيت أنت أيضا هنا؟ ~~- كما تشائين. # وخرج وعادت إلى غرفة المكتب، وكانت فايزة قد أحست أنها قست على أختها وخشيت أن تكون غضبت، ~~فقالت لها في صوت يحاول الرقة فيمنعه عنها ألم مرير يخالط كل كيانها: أين ذهبت؟ # فكتبت لها: «أنادي دولت.» # وانتقضت فايزة دون أن تحس: لا. # وقالت وفية: ماذا؟ ما بك؟ # ولكن فايزة لم تسمع واستطاعت في لحظة أن تملك أمر نفسها. فأقرت جسمها المحموم وأطبقت ~~يديها على مقابض كرسيها في تمسك. كأنها تخشى أن يقذفها شيء من عليه، وكتبت لها وفية: ما بك؟ # فقالت فايزة في تشنج: لا شيء. # ثم أقرت نفسها على الكرسي ثانية وثبتت من مقامها عليه، وقالت ms136 وكأنها تستعد لصراع ~~كبير: ناديها، نادي دولت. # وقالت وفية: إنها آتية. # ولم تسمع فايزة شيئا ولم تكن في حاجة إلى أن تسمع، لقد دخلت دولت، وقبل أن تخبرها وفية ~~بالنبأ السعيد وجدت فايزة نفسها مقذوفة على الكرسي، واقفة تسارع خطوها إلى مكان الحوض، وقد ~~عاودها الغثيان بصورة أشد. # وبهتت دولت هنيهة، ثم نظرت إلى وفية فوجدتها ترنو إليها في نظرة من يحمل أخبارا فرحانة، ~~ثم غمزت لها بعينها وقالت: اذهبي إليها ساعديها، ألم تدركي ما بها؟ إنها حامل. # وظهر الفرح على دولت وقالت في سرور مخلص: حقا؟ # وقالت وفية في نغمتها السعيدة المرحة: اذهبي إليها، اذهبي. # وذهبت دولت إلى فايزة ولكنها وجدتها قد أوصدت من دونها الباب، وهمت أن تطرقه ثم تذكرت ~~أن لا فائدة من طرقه، فعادت إلى وفية ثانية. وراحت وفية تعطي الأدوية لدولت واحدا بعد ~~الآخر وتخبرها عن مواعيدها في دقة وتحذرها أن تنسى أو تهمل. # وعادت فايزة بعد قليل وقد استعادت جأشها أو كادت، ووجدت آثار النبأ الجديد على وجه دولت، ~~وعجبت أن ترى منها هذا الفرح الخالص الصافي الصادق العميق، حتى لكادت تشك فيما رأت عيناها. ~~ولكنها سرعان ما سخرت من نفسها وشكها: «قد أكون صماء، ولكنني على أية حال أرى، ولقد رأيت، ~~رأيت بعيني.» وأوشكت أن تعود إلى ثورتها، ولكنها تماسكت وجلست إلى أقرب كرسي منها. # وقالت في لهجة توشك أن تكون بريئة: هل جاء يسري يا دولت؟ # وارتج على دولت هنيهة، تستطيع العين البريئة ألا تلحظ ارتباكها، ولكن العين التي رأت ما ~~رأت، عين فايزة لم تكن تستطيع ألا تلحظ. وتمالكت دولت نفسها وقالت: نعم. # ثم أتبعت الكلمة بإيماءة لتفهم فايزة، ولم تكن فايزة في حاجة إلى الإيماءة، بل خيل ~~إليها أنها سمعت، فقد كانت تدري بماذا ستتحرك شفتا دولت، فقالت لها: أين هو؟ # ومرة أخرى لم تكن في حاجة إلى الإجابة، ولكن دولت أشارت إليها أنه بالطابق الأعلى. وصاحت ~~وفية: صحيح؟ أين هو؟ # وخرجت تجري من الحجرة وهي تصيح: يسري، يسري. # وجاءها ms137 صوت يسري يجيب نداءها، وما لبث أن أشرف عليها من أعلى السلم: ماذا؟ هل جئتم؟ ألم تذهبوا إلى السينما؟ # وقالت وفية في مرحها: أية سينما! تعال، انزل، أسرع. # وسارع يسري ينزل السلم وثبا وهو يقول في فرح بعثه إليه فرح وفية: ماذا؟ ماذا حصل؟ # وقالت وفية: لا، لن أخبرك أنا، فإن هذا من حق زوجتك وحدها. # وكاد يسري يعرف، ولكنه قال في سرعة: أين هي؟ ~~- في المكتب. # وسارع يسري إلى فايزة وهو يقول: فايزة، فايزة، ماذا؟ # ورأت فايزة زوجها فعادت تمسك بكرسيها، وأنعمت فيه النظر ذاهلة، تمور في نفسها أعاصير من ~~الغضب والألم، وخيل ليسري أنها ذاهلة لأنها لم تسمع، فلم يعن بالكتابة، فقد أدرك من ~~الجو المحيط به أنها تحمل ابنه. ولكنه أراد أن يتأكد فنظر إلى دولت يسألها: قولي أنت، فلا وقت عندي للكتابة. # وقالت دولت في إشراق: اسألها، ألم تقل وفية هانم إن هذا من حق زوجتك وحدها؟ # وانكب يسري على جبين فايزة يقبلها ويقول: أظنني أعرف، أظنني أعرف. # وما إن لامست شفتاه فايزة حتى عادها الغثيان، فانتفضت عن كرسيها وأسرعت الخطى تخرج من ~~الحجرة. # وقالت وفية: ها قد أجابت، إنها في الوحم. # وقال يسري وقد اختلج قلبه في فرح عامر: حقا، فلماذا لم يرها الدكتور؟ لماذا لا تأخذ الدواء؟ لماذا تتركونها في هذا ~~التعب؟ # وقبل أن تجيب دخل خيري متوجسا، وما إن رأى ما هم فيه حتى اطمأن، فقد خيل إليه أن ~~فايزة استدعته لتخبره بهذا النبأ السعيد، فراح يشارك الجميع في فرحهم. وحين عادت فايزة لم ~~يحاول أن يسألها لماذا أرادته، فقد اطمأن إلى الظن الذي خامره. وطالت الجلسة بعض الحين، ~~وأمسكت فايزة خلسة ورقة وراحت تكتب عليها كلاما. وحين رأت الأنظار متجهة إليها راحت ترسم ~~على الورق أشكالا لا معنى لها، ثم تقطعه وتلقيه في السلة، حتى إذا اطمأنت أن الجالسين ظنوا ~~أنها تتسلى قامت وهي تقول: إني متعبة، سأنتظركم بالدور الأعلى، أظنك لن تصعد يا آبيه خيري، أراك بخير. # وتقدمت منه ومدت إليه ms138 يدا مطبقة الأصابع، وما إن انفرجت يدها في يده حتى أحس ورقة صغيرة ~~تنتقل إليه، فأدرك أنها تريده في أمر لا تحب أن يعرفه غيره. فأمسك بالورقة في خلسة وواراها ~~عن الآخرين، وانتهز فرصة العيون التي تبعت فايزة في خروجها ووضع الورقة في جيبه. # وتبعت دولت فايزة، ولكن صوت فايزة سرعان ما بلغهم مناديا: أبلة وفية، تعالي، إني أريدك. # وخرجت وفية وبقي الأخوان معا، وقال خيري: مبروك يا يسري. # وقال يسري: مبروك أنت أيضا، إن ابني هو ابنك. # وقال خيري: الله يجازيك، أحس نفسي عجوزا، أحس كأنني جد. # وضحك يسري، ولكن خيري لم يكن خالص الفرحة، فقد أفسدت هذه الورقة المطوية فرحته. وأوشك أن ~~يسأل أخاه إن كان قد أغضب فايزة، ولكنه خشي أن يفشي بهذا السؤال سرا لا تريد صاحبته له أن ~~يذيع، فلن يجد شيئا يقوله إلا أن يستأذن وينصرف. # وحين بلغ خيري الشارع وقف عند أول عمود نور، وأخرج الورقة المطوية من جيبه وقرأ: «أريدك ~~غدا في الصباح.» # | الفصل السابع والثلاثون # حين بلغ خيري بيت عزت باشا وجد فايزة قد أعدت العدة لتنفرد به، وما إن خلت بهما الحجرة ~~حتى أقفلت الباب بالمفتاح ووضعت الورق والقلم على منضدة جعلتها بينها وبين خيري. ثم راحت ~~تقص على خيري ما رأته، باذلة أقصى جهد تطيقه إنسانة طعينة تحرص ألا يرى أحد الدماء النازفة ~~أو الجرح الغائر، وقد زاد جهدها الدماء نزيفا والجراح غورا أمام عيني خيري الإنسان ~~الكبير. رأى في وجهها العذاب نيرانا، ورأى في وجهها جهادها أن تخفي هذه النيران، ولم تبك ~~ولكن خيري بكى. وما إن رأت دموعه حتى انهارت عزيمتها الصلبة فوجدت نفسها تميل على المنضدة ~~بينهما، ثم وجدت نفسها تنطلق في نشيج يندلع من أقصى حبات قلبها، حتى لخيل لخيري أنه ~~سيرى عن قريب قلبها يتسرب من عينيها. ولكنه لم يشأ أن يذكرها بوجوده، لم يربت كتفها ولا ~~كتب لها أن اصبري، لم يفعل شيئا، فقد رأى أن خير ما تفعله هو أن تبكي وخير ms139 ما يفعله هو أن ~~يسكت. # حتى إذا هدأ نشيجها ورفعت وجهها المخضب بالدموع نظر إليها خيري نظرة طويلة فيها حنان ~~وفيها أخوة، وحرص ألا يبدو في نظرته عطف أو إشفاق، ثم كتب: «ماذا تريدين أن أفعل؟» # وقالت: لا أريد دولت، ولا أريد أن أطردها أنا. # وأومأ خيري أن نعم، إيماءة فيها حزم وفيها وعد لا شك في تنفيذه. ثم كتب: «هل تريدين ~~شيئا آخر؟» # وقالت في حزم: لا، اترك الباقي لي، لا أريد يسري أن يعرف أنني رأيته. # وأومأ أنه لن يعرف. ثم كتب: «اطلبيني في أي وقت، وسأنفذ لك ما تشائين.» ثم قامت فقامت ~~وأمسكت يده بكلتا يديها وراحت تربتها وهي تقول: أنت دائما أخونا، أنت عندنا مثل محسن، وأنت تعرف. # وأطرق خيري ولم يقل شيئا، وربت يدها بيده، ثم أخذ طريقه إلى الباب، فأدار فيه المفتاح ثم ~~أخرج المنديل من جيبه ومسح دموعه ووقف هنيهة يتهيأ للقاء الناس، تنحنح وخرج يجاهد نفسه ألا ~~يلتفت إلى فايزة. ~~••• # قصد خيري من فوره إلى الشركة، وحين دخل حجرة السكرتير وجد بها شابا في سن يسري، إلا أنه ~~كان مهمل الثياب، ووجد السكرتير ينظم أوراقا على مكتبه كأنه لا يجد شيئا يعمله. وقال ~~خيري: البك موجود؟ # فانتبه إليه السكرتير وحدق فيه هنيهة ثم قال: هل هناك موعد؟ # فقال له خيري في هدوء: قل له أخوك يريدك. # وانتفض السكرتير يفتح باب يسري، ونظر الشاب الجالس إلى خيري وهم أن يقول شيئا. وانتظر ~~خيري هنيهة أن يسمع ما يريد الشاب أن يقول، ولكنه رأى في عينيه أنه عدل عما يزمع قوله. فعبر ~~خيري الباب إلى يسري. # ودهش يسري لحظة من قدوم أخيه، ثم ما لبث أن وثب إليه يرحب به مبالغا في الترحيب، فقد كان ~~فرحا حقا بزيارة أخيه. # وقال خيري: استطعت أن أجد فرصة لترك المكتب، فقلت أزورك في شركتك التي لم أرها. ~~- أهلا، أهلا، كم أنا فرح بزيارتك هذه يا آبيه خيري. # ولم يترك السكرتير لهما فرصة للحديث، فقد دخل يحمل دوسيه ms140 أوراق وعاجله قائلا: ألا تستطيع الانتظار؟ # فقال السكرتير: إنها عملية عاجلة يا سعادة البك. # فقال خيري: لا تعطل عملك، انظر الدوسيه. # وتقدم السكرتير إلى يسري ووضع الدوسيه أمامه. وقرأ يسري عنوانه، إنها عملية شركة النقل. ~~وأوشك أن يقول للسكرتير اتركه، ولكنه سرعان ما أدرك أن لا فائدة ترجى من تركه، وسرعان ما ~~أدرك أنه سيوقع، وقال في نفسه: «خير البر عاجله.» ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يقول في نفسه: ~~«الأولى بي أن أقول خير الشر عاجله، ربنا يستر.» ثم نظر إلى أخيه وقال في نفسه: «ترى ماذا ~~يفعل بي لو عرف أي عملية هذه التي أوقعها؟» وكان خيري متشاغلا بالنظر في أرجاء الغرفة ~~الأنيقة، فلم ير ما مر بأخيه في هذه اللحظات من سخرية بنفسه ومن حيرة وقلق. # وأعاد يسري عينيه إلى الورق ثانية وهو يقول في نفسه: «الأمر لله.» ثم سخر من نفسه وهو ~~يقول دون أن ينطق: «بل الأمر للشيطان.» ثم سمعه أخوه يقول: هيه! # ثم أجرى قلمه في سرعة على الورقة وكأنه يدفع بخنجر إلى جسم، وخيل ليسري أنه يطعن ~~ضميره، ولكنه وقع ورفع الورق إلى السكرتير في سرعة يريد ألا يراه ثانية. وعاد إلى أخيه ~~يرحب به. # ودار الحديث بينهما، حتى قال خيري فجأة: يسري، ما صلتك بدولت؟ # وامتقع وجه يسري وجف ريقه، وتولاه ذهول طغى على تفكيره وظل شاخصا إلى أخيه باهتا لا ~~يدري بماذا يجيب، حتى أكمل جملة جمع حروفها من شتى النواحي: ما المناسبة؟ # وأدرك خيري ما يمر به أخوه من حيرة واضطراب. فقال وقد عزم أن يزيد من حيرته ~~واضطرابه: لا، فقط أريد أن أعرف؟ # وصمت يسري لحظات ثم قال: علاقة عادية. # وتوغل خيري في أخيه بعينيه وأطال التحديق، ثم قال: هيه، أهكذا؟ # ثم صمت فصمتت الحجرة إلا من صوت واهن هو صوت يسري يحاول أن يعيد إلى لسانه ليونة فارقته، ~~ولما طال الصمت قال يسري: هل هناك شيء؟ # وقال خيري في حزم: والله نعم، هناك شيء. # واستجمع خيري نفسه ليقول: خير ms141 ؟ # وقال خيري: لا والله، ليس خيرا. ~~- ماذا؟ ماذا حدث؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- آبيه خيري، هل هناك شيء؟ أرجوك. لا تعذبني. ~~- اسمع يا يسري! هل تصر أن تبقى دولت بالبيت؟ # وأطرق يسري طويلا ثم قال: ماذا أفعل؟ ~~- ألا تذهب إلى أخيها؟ ~~- وما شأني أنا؟ إنه ليس بيتي. ~~- يسري، أرجوك لا تلف علي. ~~- أنا؟! ~~- نعم أنت. ~~- آبيه خيري، هل سمعت شيئا؟ هل قال لك أحد إن هناك شيئا؟ ~~- يسري، إنني واثق أن بينك وبينها أشياء. ~~- هل أخبرك أحد بذلك؟ ~~- هل رآكما أحد حتى يخبرني؟ # وأدرك يسري أن أخاه يريده أن يعترف. أدرك أنه لو قال «لا.» اعترف. فصمت هونا ثم ~~قال: ليس بيننا ما نخفيه. # وصمت خيري ثم قال: إذن، فأقوم أنا. # واضطرب يسري وخشي أن يتركه أخوه هكذا معلقا دون أن يطلعه على حقيقة ما يعرفه، فتشبث ~~ببقائه قائلا: لماذا؟ لماذا تقوم؟ ~~- لأنك تصر على أن تدور علي وتلف. ~~- ماذا تريد؟ ~~- لا أريد دولت أن تبقى في البيت. ~~- هل سمعت شيئا؟ ~~- إني أعرف دولت وأعرفك. # وارتاح يسري بعض الشيء، واطمأن أن علم أخيه قائم على الاستنتاج، فاستقر مضطربه. وكان ترك ~~دولت للبيت أمرا يفكر فيه هو، بل إن دولت أنبأته في الأمس أنها تريد خمسين جنيها لتعود ~~فتاة عند الحاجة ... الحاجة ... قالت الحاجة من؟ لا يهم، فلماذا لا يعطيها ما طلبت، ويزوجها؟ ~~والله فكرة، من يتزوج بها؟ إنها هي أيضا لا تريد البقاء وتريد أن تستقل ببيت، فلماذا ~~لا ينفذ هذا؟ ولكن من يتزوج بها؟ من؟ من؟ وقبل أن يبدأ أخوه الحديث ثانية دخل ~~السكرتير ليقول: الأستاذ صبحي، هل ينتظر؟ # وانتفض يسري عن مقعده وهو يقول: هو، إنه هو. # وقال أخوه: ماذا، ما بك؟ # فقال لأخيه وقد استعاد ثباته: لا، لا شيء. # ثم قال للسكرتير: اسأله أن ينتظر، فسأطلبه حالا. # وخرج السكرتير. وقال خيري: هيه، أأتركك لتفرغ لعملك، أم أنتظر دقيقة أخرى لأسمع منك كلاما مستقيما لا لف فيه ~~ولا دوران؟ # قال يسري وقد اطمأنت فكرة في ذهنه: ماذا تريد مني؟ ~~- اطلب ms142 إلى دولت أن تخرج. ~~- وما الحجة التي تقدمها لتخرج؟ # وارتج على خيري هنيهة ثم قال: هذا شأنها وشأنك، لتقل إنها ستتزوج، أو لتقل إن أخاها يريدها، أو لتقل ما تشاء، ~~المهم ألا تبقى في البيت. فإن نظرات الخدم أمس لم تعجبني، وأخشى أن تنتقل نظرات الخدم إلى ~~السادة. # فقال يسري: سأطيعك يا آبيه خيري، وستسمع حالا أني أطعتك. # وقام خيري دون أن يشكره على هذا الأدب ولا على الترحيب الذي لاقاه به، فقد كان لقاؤه مع ~~فايزة لا يزال مسيطرا عليه. # وهم خيري أن يخرج من الباب الذي دخل منه، ولكن يسري عاجل يسبقه قائلا: بل من هنا يا آبيه خيري، فهذا بابي الخاص، لا تزرني بعد اليوم إلا منه. # ولم يقل خيري شكرا، بل واصل طريقه إلى باب الشركة الخارجي ويسري من خلفه يتبعه حتى خرج ~~إلى الطريق. # وعاد يسري إلى مكتبه مسرعا، واستقر على كرسيه وطلب أن يدخل إليه صبحي. ورحب يسري بصديقه ~~ترحيبا بالغا، وراح يسأله عن زملائهما، وراح صبحي يجيب في لعثمة أول الأمر، ثم انطلق ~~لسانه في ظلال الذكريات، ووجد نفسه دون أن يحس قد عاد مرة أخرى زميلا لهذا الجالس على ~~الكرسي الأنيق لا يفصله عنه منصب كبير حين هو بلا منصب على الإطلاق، ولا يفصله عنه غنى وجاه ~~حين هو بلا غنى ولا أمل في الجاه، تحادث الصديقان وجمحت بهما الأحاديث حتى لقد نسى يسري ~~نفسه هو أيضا، وراحت الذكريات ترفرف عليهما بجناحين فيهما حنان ولها في القلب وجيب قوي ~~الأخذ آسر. وكان يسري ينسى ما انتوى أن يقوله لصديقه، بل كاد صبحي نفسه ينسى ما جاء له وقد ~~جاء لحياته. قليلا ما ترفرف هذه الأجنحة، وقليلا ما يدوم هذا الحنان في حجرة اجتمع فيها ~~اثنان لكل منهما عند الآخر نشيدة ترتجى وأمل مرموق. غير أن يسري عجب من نفسه أن أحست هذا ~~الدفء، وعجب من نفسه أن تسيطر عليه الذكريات فيلتذ أسلوبها. وسرعان ما أفاق إلى مجلسه ~~ومنصبه فحرص أن يشيع في ms143 الغرفة صمت، وحرص ألا يفاتح صبحي فيما جاء له، فقد أراده أن يكون هو ~~البادئ بالطلب. وسرعان ما استرد صبحي نفسه من الأيام الغابرة ليعيش في حاضره ويذكر ما نسيه ~~من فوارق ومن فراغ ومن فقر وشظف عيش. # قال صبحي: ماذا عملت لي؟ # واصطنع يسري النسيان، فقد كان يعلم كيف يصطنع النسيان: فيم؟ ~~- في مسألتي. ~~- آه، الوظيفة. ~~- نعم. # وأطرق يسري ليقول: والله يا صبحي المسألة معقدة. ~~- ألا أمل يرجى؟ ~~- كل شيء ممكن، إلا أن المسألة صعبة جدا، فالوظائف معدومة والشركة تشكو كثرة ~~الموظفين. وقد نبهنا مجلس الإدارة مرات إلى تضخم اعتماد الوظائف، حتى إننا نفكر في هذه ~~الأيام في توفير بعض الموظفين. # وأطرق صبحي صامتا آسفا، يرى أمله يصرع بعد أن كان قد أنشأه في نفسه فكبر حتى كاد يصبح ~~حقيقة، ولم يجد ما يقوله إلا: أي وظيفة يا يسري، يا يسري بك، لا يهمك أنني أحمل شهادة عالية، فقد أصبحت الشهادات ~~اليوم عقبة أمامنا، وضاق بي أبي وأصبح في كل يوم يصبحني ويمسيني بقوله: «ها قد تعلمت، فهل ~~جئت بالسبع من ذيله؟ لو تعلمت الصنعة مثلي لكنت اليوم تأتي بأكلك على الأقل.» وحياتي أصبحت ~~لا تطاق حتى أمي أصبحت تضيق بي، اللقمة التي أتناولها في بيتي لا أستطيع أن أبتلعها، فإني ~~أحس أنها حق إخوتي الذين يعملون مع أبي، أو حق أبي الذي يشقى نهاره وليله ليأتي بها، وإني ~~أحس أنظار البيت جميعه تحدق باللقمة في طريقها إلى فمي فتمسك أنظارهم بها وأعيدها إلى الطبق ~~وأقوم ... جوعان، أرى الأكل ولا أطيق أن آكله، تعافه نفسي وأحتاج إليه، أي عمل يا يسري، يا ~~يسري بك. # وانهار صبحي باكيا في نشيج مكتم لا يعلو، ولم يملك يسري إلا أن يقول: الله! صبحي ما بك؟ تشجع إنك رجل! # فقال صبحي: لا رجولة مع الحاجة أبدا. # فقال يسري وقد قام يقف إلى جانب صبحي ويربت كتفه: تهون يا صبحي، تهون إن شاء الله، اسمع. ~~- نعم. ~~- هل أنت متزوج؟ # وأفاق صبحي إلى صديقه إفاقة ms144 تامة: نعم، ماذا قلت؟ ~~- هل أنت متزوج؟ ~~- وهل أجد طعامي حتى أتزوج؟ إن كان أهلي لا يحتملونني وحدي، فهل يحتملون معي فما ~~آخر؟! ~~- ما رأيك لو تزوجت؟ ~~- وهل هذه وظيفة؟ ~~- نعم. ~~- لا أفهم. ~~- أخت عضو مجلس الإدارة المنتدب، تتزوجها اليوم تصبح غدا من كبار موظفي الشركة. ~~- ولكن؟! ~~- ماذا؟! ~~- هل بها عيب؟ ~~- أبدا. ~~- إذن فلماذا تتزوجني؟ ~~- تركها أخوها وسافر إلى أوروبا، وطال غيابه بها فلم تتزوج، وسنها اليوم كبيرة بعض الشيء، ~~لكن الفارق بينكما لا يذكر. ~~- أهي عجوز؟ ~~- سأجعلك تراها! ~~- ومن أين آتي بالمهر والملابس؟ ~~- الملابس يسهل تدبيرها. ~~- والمهر؟ ~~- أسلفك. ~~- ومن أين أسدد؟ ~~- من مرتب الشركة. ~~- إذن؟ ~~- سأجعلك تراها غدا. ~~- غدا؟! ~~- غدا. ~~- وهو كذلك. # وخرج صبحي على موعد في الغد، وكان الموعد بجزيرة الشاي في حديقة الحيوان، يراها هناك مع ~~يسري. # وما إن أقفل صبحي الباب من خلفه حتى أمسك يسري بسماعة التليفون وطلب بيته، وحين أجابت ~~دولت قال لها: الآن في بيت أخيك. # وتأكد أن الدكتور حامد بالشركة ثم نزل. ~~••• # وحين التقى يسري بدولت بادر فأعطاها ورقة بخمسين جنيها وهو يقول: غدا سيراك العريس بحديقة الشاي معي، ثم تذهبين من فورك إلى الحاجة ... الحاجة ... # فقالت دولت: توحة، الحاجة توحة ... ولكن من العريس؟ ~~- شاب متعلم، سأعينه في الشركة بعد زواجك مباشرة. ~~- أكبير في السن أم صغير؟ ~~- في سني أنا، سترينه غدا، قومي الآن، فإني سأعود إلى الشركة. # ونظرت إليه مليا ثم قالت مفكرة: طيب، اذهب أنت. # | الفصل الثامن والثلاثون # لم يكن فرح دولت كبيرا، فقد حرص الدكتور حامد أن يكون في أضيق الحدود الممكنة، وقد حضر ~~عزت باشا الفرح وفاء منه لدولت كما شهدته وفية ومحسن ونادية وإجلال هانم وسميرة هانم، إلا ~~أن فايزة استطاعت أن تجعل من حملها سببا قويا للاعتذار، فلم تحضر، كما استطاع خيري أن ~~يجد عذرا فلم يشهده هو الآخر، فهو لا يعرف صبحي ولا يحب أن تقوم بينه وبين دولت صلة من ~~بعد، ولم ينتبه أحد إلى غياب الاثنين غير يسري، إلا أنه سرعان ما نفض ms145 عن ذهنه أن زوجته تعرف ~~شيئا، وكان العروسان قد استأجرا شقة صغيرة بالغة الصغر، فما إن انتهت الليلة حتى انتقلا ~~إليها وانفض السامر الصغير في شقة الدكتور حامد الفاخرة. ~~••• # كان يسري في مكتبه صبيحة الزواج حين اقتحم صبحي عليه الباب وهو يقول في غضب ~~وسخرية: صباح الخير يا أستاذ. # ووقف يسري محاولا أن يتجاهل ما كان واضحا في الاقتحام والصوت من معان مخيفة: أهلا وسهلا، أهلا بالعريس. # وقال صبحي دون أن يهدأ غضبه أو تخف سخريته: أهلا بك، من العريس، أنا؟ # وقصد يسري إلى الباب فأقفلته، والتفت إلى صبحي قائلا: ماذا بك يا صبحي؟ اجلس. ~~- لن أجلس، أريد مقابلة عضو مجلس الإدارة المنتدب. ~~- لماذا؟ خير؟ ~~- خير طبعا، وأي خير، أخبره عن أخته وعن الحاجة توحة والعملية الفاشلة التي أراد لها ~~الله أن تفشل حتى أفتح عيني ولا أصبح ما أردت لي أن أكون. # وأدرك يسري كل شيء، ولكنه سرعان ما تمالك أمر نفسه وقال: اجلس، اجلس أولا. # قال صبحي: ولماذا أجلس؟ أنا نسيب البك عضو مجلس الإدارة، أريد أن أقابله، أنا أقرب منك وهو ~~أقرب إلي منك، أنا نسيب البك، لا بد أن أقابله. # وقال يسري في جرأة: اجلس يا أخي، ماذا تريد أن تقول له؟ ~~- ماذا أريد أن أقول له، ألا تعرف؟ ~~- وماذا تنتظر أن يفعل لك؟ أتظنه سيحتضنك ويشكرك ويقدم إليك الوظيفة التي ~~تريدها؟! # وحين سمع صبحي لفظة الوظيفة جلس وصمت، وقال يسري: اهدأ هكذا ولنتفاهم، إن أمورا مثل هذه التفاهم فيها مهم ومفيد. ~~- مفيد، مفيد؟! ~~- نعم مفيد. ~~- أهكذا، أرني يا سيدي كيف يكون التفاهم مفيدا، فمنك نستفيد. ~~- نعم مني تستفيد، وما المانع؟ ~~- تفضل قل. ~~- المشكلة أنك وجدت عروسك ليست فتاة، أليس كذلك؟ ~~- ها أنت ذا تعرف! ~~- كيف يمكن أن تصبح فتاة؟ ~~- حاولت الحاجة توحة فلم تفلح. ~~- قد يفلح غيرها. ~~- لا أفهم شيئا. ~~- ألا تفهم؟ ~~- أفصح. ~~- ألا تستطيع أنت؟ ~~- أنا، أنا. ~~- نعم، من سيعلم بالحقيقة، هذه مسألة بينك وبين زوجتك لا يعرف بها غيركما. وأنت لم ~~تتزوجها حبا ms146 فيها وإنما حبا في الوظيفة، والوظيفة مضمونة ما دام بينكما ~~الزواج. ~~- وأسكت؟! ~~- فإذا أضفنا إلى الوظيفة مبلغا صغيرا من المال يكون رأس مال لكما ولأبنائكما، ألا ~~يعوضك هذا عن زوجة فتاة؟ # وسكت صبحي وأطرق، وانهلت من عينيه دمعتان، وكأنما تسربت فيهما سخريته التي صحبها، فأخرج ~~المنديل الأنيق الذي أهداه إليه يسري وأزال دمعتيه، وأزال معهما البقية الباقية من غضبه ~~وقال: لا بد أن يكون التعويض كبيرا. ~~- سيكون مجزيا. ~~- خمسمائة جنيه. ~~- فإن كان مائتين. ~~- اجعله ثلاثة. ~~- مائتان، ولا ترد المائة جنيه التي اقترضتها مني. # وأطرق صبحي وصمت، وأخرج يسري دفتر الشيكات وكتب شيكا جعله لحامله وأعطاه صبحي الذي وضعه ~~في جيبه وهو يقول: ومتى أتسلم الوظيفة؟ ~~- ألا ترى أن تنتظر بضعة أسابيع حتى لا تحرج الدكتور حامد؟ ~~- على ألا تصل إلى شهور. ~~- توكل على الله، فترة أسبوعين أو ثلاثة وأكتب قرارا بتعيينك وأجعله يوقعه. ~~- وهو كذلك. # وخرج صبحي غير غاضب ولا ثائر ولا حائر أيضا، فقد علمته أيام الشظف التي عاشها مع أبيه ~~وأمه ألا يغالي في غضبه، كما علمته أن الطريق وعر على رواده، كما علمته النقود أن يكون ~~هادئا ما وسعه الجهد. # وحين خلا يسري بنفسه راح يفكر في هذه الوظيفة التي وعد بها صبحي. لم تعد هينة المأخذ كما ~~كان يظن حين وعده بها أول الأمر، فقد كثرت الصفقات المريبة التي عقدها الدكتور منذ ذلك ~~الحين، وأصبح مجلس الإدارة كثير التشكك، وكثر التساؤل بين أعضاء المجلس، والدكتور حامد لا ~~يريد أن يكف عن صفقاته، ولا يريد أن يستمع إلى تحذيره، بل هو ماض في سبيله لا يكترث بأحد ولا ~~بشيء، فكيف يستطيع اليوم أن يعين زوج أخته، وكيف يوافق المجلس على هذا التعيين؟ ~~••• # مرت شهور بعد الأسبوعين والثلاثة، وصبحي يقدم في كل حين يستنجز يسري وعده، ويسري يستمهله، ~~ويلجأ إلى حامد فيستمهله أيضا مدركا ما يحيط به من حرج. وكان صبحي لا يستطيع أن يطلب ~~مالا من حامد، وما كان ليعطيه لو هو طلب، فقد كان يجهل كل ms147 شيء، ولكن صبحي كان يلجأ إلى ~~يسري فيعطيه عشرة ثم خمسة ثم جنيهين، ثم جاء يوما إليه وهو يقول: وبعدين يا يسري؟ ~~- وبعد فيم؟ ~~- الوظيفة؟ ~~- نحن في موقف غاية في الدقة، وما إن نخرج منه حتى تعين على الفور! ~~- وأنا ماذا أفعل؟ ~~- وأنا ماذا أفعل؟ ~~- لقد طال الوقت وطال. ~~- ألا أعطيك ما تطلب؟ ~~- أتمن علي بما تعطي؟ إنك مضطر لذلك. ~~- وما يضطرني؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- آه! هذه الحكاية القديمة؟ ~~- ماذا! أأصبحت قديمة؟ ~~- ألم تعرف هذا؟ ألم يمر على زواجك شهور؟ أتريد بعد هذه الشهور أن تقول؟ # وأدرك صبحي الموقف على حقيقته، وقال يسري: أتظن أنني مضطر لإعطائك، لا يا أخي، أنا أعطيك لله، لا لأني مرغم! # وأطرق صبحي، وقام صامتا وخرج. # | الفصل التاسع والثلاثون # كان خيري جالسا في حجرة أمه، وهي تصلي جالسة على كرسي، جاعلة ركوعها وسجودها على نضد ~~اتخذته أمامها، وكانت نادية تقرأ شعرا على أخيها وهي مأخوذة بجمال الشعر، فهي تلقيه في ~~إعجاب وقد صعدت الدماء إلى وجهها فزادت براءتها جمالا وروعة، يتهدل شعر ذهبي على جبينها ~~فترفعه في غير ما كلفة ولا اصطناع، وعيناها بريق أخضر أودعهما حب الفن شعاعا من نور، فهما ~~تتألقان، وينساب الشعر من بين شفتيها موسيقى رخية النغمات عميقة فيخيل إليك أنه نبض قلب أو ~~نبض شباب، وخيري ينظر إليها بإنعام مأخوذا بقوامها الأهيف وجمالها الطاغي الهادي البريء ~~وصوتها الناغم الندي، ويجد في نفسه لهفة أن يضمها بين ذراعيه فيناديها إليه ويطويها في حنان ~~أب بين أحضانه ويقبلها وهو يقول: أنت خير قصيدة رأيتها أو سمعتها. # وتقول في خجل: وبعد لك يا آبيه خيري، ألا تجعلني أكمل القصيدة؟ ~~- كم أغار من ذلك الشاب الذي سيأتي يوما ليأخذك منا. # وقالت نادية وقد ازداد خجلها: آبيه خيري. # وتفرغ الأم من صلاتها وهي تقول: ستفسد البنية يا ولد بكثرة مديحك لها. ~~- نادية لا تفسد أبدا، ربنا يحميها. # وضحكت الأم ونادية في جذل، ودق جرس الباب فقالت الأم: افتح الباب يا خيري، دادة زينب لم تعد قادرة ms148 على المشي في سهولة، يا ابني أين بنت عبد ~~التواب التي قلت إنك ستحضرها من البلد؟ # ولم يستطع خيري أن يجيب أمه، فقد شخص إلى الباب، وما إن فتحه حتى وجد نجيبا واقفا به، ~~وكان قد غاب عنه فترة طويلة، فصاح به: أهلا، أين أنت يا ولد؟ ~~- ألا تسأل أنت؟ النهاية، أريد فنجان قهوة. # وقاد خيري صديقه إلى غرفة الجلوس وأقفل الباب، وعاد إلى نادية يطلب إليها أن تصنع لهما ~~قهوة. # وحين استقر المجلس بالصديقين راحا يديران بينهما الحديث، ونجيب يقص على خيري ما يعرض له ~~في مهنة المحاماة التي احترفها، والتي أصبحت تدر عليه ربحا مرضيا، وبعد قليل وقت سمع خيري ~~طرقا على الباب فقام يحضر القهوة من نادية، وقال نجيب وهو يشربها: أين تذهب اليوم؟ ~~- أمرك. ~~- عندي لك هدية. ~~- خير؟ ~~- بيت جديد عرفته. ~~- كبيت مصر الجديدة! ~~- وما له بيت مصر الجديدة! ~~- والله عمك كان رجلا عظيما، ماذا فعل الله به؟! ~~- مات وتزوجت الآنستان من شابين موظفين محترمين. ~~- أتعرف العناوين؟ ~~- يا حبيبي لذة العيش في التنقل، التنقل يا حبيبي التنقل، البيت الذي سنذهب إليه اليوم فيه امرأة لا تراها ولا على الشاشة الأمريكية. ~~- وفيه لك عم أيضا؟! ~~- لا، أخ، فزوجها رجل طيب، وابن حلال ويرضى بالقليل. ~~- وما القليل؟ ~~- جنيهان! ~~- جنيهان؟! ألا تذكر القروش؟ ~~- الحرب يا سيدي رفعت أسعار البضاعة، كانت أيام ومرت ولن تعود، ولكن الحق أن الجنيهين ~~ثمن بخس بالنسبة للجمال الذي ستشاهده هناك. ~~- سنرى. ~~••• # نزل الصديقان في ميدان الدقي، وأخذ سمتهما إلى الشارع المفضي إلى الجامعة، ولم يطل بهما ~~المسير، فقد أمسك نجيب بذراع خيري وحاد به إلى عمارة حديثة. وصعد بهما المصعد إلى الطابق ~~الأعلى، فوجدا شقة لا تقابلها شقة أخرى، فدق نجيب الجرس وفتح الباب شاب أنيق الثياب جريء ~~النظرة جبان النظرة، وحدق فيه خيري يريد أن يتذكر أين رآه، فقد كان واثقا أنه رآه، ولكن ~~أين؟ لم يذكر. # وقاد الشاب الصديقين إلى حجرة للجلوس عبر ردهة صغيرة ضيقة، ولم يتكلم وإنما غاب عنهما ~~لحظات ms149 وعاد فوجد على المنضدة أربعة جنيهات لم يكن في حاجة إلى عدها، فوضعها في جيبه، ثم ترك ~~الغرفة وما لبث الصديقان أن سمعا صوت الباب الخارجي يفتح ثم يغلق، فقال نجيب لخيري: قم. # فقام خيري غير محتاج إلى دليل، فلم يكن بالبيت إلا حجرة أخرى، ففتحها ثم تولاه ذهول، ~~وصاح: دولت؟! # ونظرت إليه دولت مشدوهة كأنما مسها صاعق، ثم سارعت تضع يديها كلتيهما على وجهها، وارتمت ~~على الأريكة تبكي في خزي وألم. # وترك خيري الباب مفتوحا لم يقفله ولم يذهب إلى نجيب، وإنما قصد إلى الباب الخارجي ~~وانصرف. # | الفصل الأربعون # كان خيري جالسا في مكتبه بالوزارة منكبا على بعض أوراق حين أحس ظلا يلقى على الورق ~~أمامه، فرفع رأسه ليرى وجها حاول أن يتذكر صاحبه، ولكن صاحب الوجه لم يمهله: خيري بك، أنا سكرتير يسري بك. # وقام خيري ليحيي ضيفه ويسأله: نعم، هل هناك خدمة؟ # فنظر السكرتير إلى الموظفين الجالسين مع خيري في الحجرة ثم قال: تسمح، كلمة على انفراد. # ويخرج خيري من مكتبه إلى الردهة الخارجية ويريد أن يقف، ولكن السكرتير يمضي به تاركا ~~الردهة ومبنى الوزارة جميعا، حتى إذا آنس من الطريق مكانا منعزلا وقف وقال لخيري: أرجوك أن تسمع ما سأقوله لك في هدوء، كما أرجو أن تتصرف بحكمة، فالوقت أشد ما يكون حاجة ~~إلى الحكمة. ~~- قل، ماذا هناك؟ ~~- النيابة قبضت اليوم على يسري بك وقد أرسلني إليك. ~~- ماذا؟ ~~- مجلس الإدارة وجه إليهما التهمة بعد فصلهما من الشركة. ~~- وهل عرف بيت يسري شيئا؟ ~~- أمرني أن أجيء إليك. ~~- وما رأيك؟! ~~- لا علم لي بالعقود موضوع الاتهام، ولكني أعرف أن يسري بك لم يكن يقبل مليما حراما ~~منذ دخل الشركة. وقد رفت السكرتير الذي كان يعمل معه قبلي لأنه قدم إليه عميلا يريد أن ~~يرشوه. ~~- أنت واثق؟! ~~- من أمانته؟ نعم، ولكن الدكتور حامد دخل في صفقات كثيرة، وأخشى أن يكون قد أرغمه على ~~الاشتراك فيها. ~~- طيب، أشكرك. # وركب خيري سيارة أجرى إلى منزله وصعد إلى أمه وقال لها وقد ms150 اصطنع الهدوء: نينا! الدكتور حامد متهم في اختلاس، وقد قبض عليه! # وفغرت سميرة هانم فاها وقد أوشكت أن تستنج الخبر التالي: ماذا؟ ~~- وبالطبع قبض على يسري معه. # ونظرت سميرة هانم إليه مليا وقالت: خيري، هل سرق يسري؟ ~~- لا أظن! ~~- وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- أريد جزءا من حليك لأرهنه وأدفع أتعاب المحامي. ~~- هاك المفتاح. # وقصد خيري إلى لطفي بك محمد أستاذ القانون الجنائي، واصطحبه إلى مقر النيابة، فوجد ~~التحقيق جاريا مع حامد، ووجد يسري جالسا خارج غرفة التحقيق، وحين اقترب منه وجد في عينيه ~~دمعات تبدو وتغيض، وقال يسري في حزم وإباء: أنا لم أسرق يا آبيه خيري. # وأنعم خيري فيه النظر ثم قال: نعم، أعرف. # وجلس المحامي إلى جانب يسري وراح يسأله عن الاتهام، وما هي إلا لحظات حتى رأى يسري زوجته ~~فايزة قادمة يصحبها عزت باشا ووفية وعبد السلام بك هنداوي المحامي الكبير. # وتقدمت منه فايزة لم تسأله شيئا ولم تهتم بشيء إلا أن تقول: لا تخف يا يسري. # وانضم المحامي الكبير إلى زميله الذي جاء مع خيري، وراح ثلاثتهم يتحدثون، وابتعد عنهم رهط ~~الأقارب. وكتب خيري لفايزة: «ما كان لك أن تأتي يا فايزة.» # وفهمت فايزة ما يعنيه، لكنها قالت: فمن يأتي؟ لماذا لم تقل لي؟ # وكتب: «خشيت أن أتعبك.» # وقال عزت باشا وقد قرأ الورقة: لا تخش شيئا يا خيري، ولا تخجل من شيء، فقد أديت أنت واجبك كاملا وللشباب ~~طيشه. # وقالت وفية: يسري لا يسرق. # وسكت أربعتهم، ولاحظت وفية أن خيري ينظر إليها نظرات فيها سؤال لا يريد أن يبوح به، ~~فقالت: جميل مشغول مع الوزير، لم يستطع أن يجيء. # وفهم خيري أن جميل خشي على منصبه وهيبة السلك السياسي، فمهد له في نفسه العذر وانطوى على ~~خجله وصمت. # لم يمض وقت طويل حتى استدعي يسري إلى التحقيق، وصحبه المحاميان الكبيران. # وبدأت أسئلة النيابة تنهمر على يسري وهو يجيبها في حذر، محاولا ما وسعه الجهد أن يحمي ~~نفسه ويحمي الدكتور حامد ما أمكنته الوقائع من حمايته ms151 . وراح ممثل النيابة يستدرجه ويحيط به ~~بما مرن عليه من مهارة وخبرة، حتى إذا وجده صلبا في دفاعه عن نفسه وفي دفاعه عن رئيسه ~~فاجأه قائلا: وما قولك في التهمة التي يوجهها إليك عضو مجلس الإدارة المنتدب، من أنك وحدك المسئول عن ~~كل العمليات محل الاتهام، ومن أنه لم يوقع ورقة واحدة منها إلا بعد توقيعك؟ # وروع يسري وخيل إليه أن ممثل النيابة يحاول أن يوقع بينه وبين الدكتور حامد ليعترف ~~كلاهما، ونظر يسري إلى حامد نظرات متسائلة أشاح عنها حامد غير عابئ، فقال يسري: هو قال ذلك؟! # وقال ممثل النيابة للكاتب دون أن ينظر إلى يسري: أعطه المحضر ليطلع عليه. # وقرأ الاتهام صريحا واضحا، بل قرأ سؤال النيابة للدكتور حامد: «هل تشك في ذمة سكرتير ~~الشركة؟» وقرأ إجابته: «لم أكن أشك فيها ولكنني بعد أن تبينت الآن ما كان في هذه الصفقات ~~من تلاعب أصبحت على يقين أن ذمته تقبل أي شيء.» # وأعاد يسري الأوراق للكاتب مفجوعا حريصا ألا ينظر إلى حامد ثانية، مجاهدا نفسه ألا ~~تتحول عيناه إلى حيث يجلس. أطرق يسري وسكت، إذن فهذه هي الحياة التي يعرفها الدكتور حامد ~~ولا يعرف غيرها، النجاح عن أي طريق، والكسب من أي سبيل، فإن اعترض طريقه عارض فيده إلى ~~أقرب شخص تصل إليه يده ويضعه تحت قدميه ليعبر هو، وإن انهدم المعبر بعد ذلك، نعم وإن ~~انهدم وانهار وأصبح لا شيء إلى ذرا من الغبار. تلك هي مثله، وتلك هي العقلية الناضجة ~~المتحررة من تقاليد الماضي المتوثبة إلى آفاق المستقبل الثائرة على القيم والأخلاق وكل ~~الخرافات التي يقول بها خيري، أهي خرافات؟ أم تراني أنا الذي كنت أعيش في خرافة يقودني ~~ويقدم خطاي فارس من فرسان اللاأخلاق واللاقيم واللامثل واللاشيء على الإطلاق إلا ~~اهتبال الفرص السانحة وتحطيم كل ما يعترضني ومن يعترضني لبلوغها؟ أم آن لخيري أن يسخر؟ ~~وأحبب بسخريته إن فعل، ولكنه في نبله لن يسخر، بل ها هو ذا خارج الغرفة يصحب أكبر ~~المحامين، وحده يعلم كيف ms152 دفع له أتعابه، ومعه الرجل الذي سكب علي فضله فلم ير مني إلا ~~استغلال اسمه واستغلال منصبه، ومعهما الزوجة التي تزوجتها لمالها وخنتها، أتعلم بخيانتي ~~لها؟ لا ما كانت لتجيء لو كانت تعلم، لا فلا يمكن أن تصل بها الملائكية إلى هذا المدى، ~~فقد يكون بين الناس من وصلت أرضيتهم إلى ما وصلت إليه، ولكن ليس بين الناس من تصل بهم ~~الملائكية إلى الحد الذي تصوره، لا يمكن أن تكون قد علمت بما كان بيني وبين دولت ثم تجيء، ~~ولكن أليست رائعة في مجيئها إلي هي وأختها وأبوها؟ وأبوها من هو اسما وقدرا، وهي وأختها ~~من هما شرفا، لم يقل الرجل ولم تقل واحدة منهما: بعيدا عن العفن، بعيدا عن المستنقع ~~الذي تردى فيه هذا الذي غال حمانا، ودنس اسمنا، وهوى بما كافحنا في بنيانه من شرف ومجد ~~ورفعة، لم يقل واحد من ثلاثتهم هذا، وإنما جاءوا ليقفوا إلى جانبي ولأراهم لي ركنا، في ~~حين أرى من سعيت به إلى مكانته، أرى ذلك الذي أحاول أن أحميه، أرى ذلك المثل الذي جعلته ~~أمامي وتتبعت خطاه يرمي بي إلى الوحل محاولا أن يدوسني ليمر هو وأموت أنا في الطين. # حرص يسري مرة أخرى ألا ينظر إلى حامد، فقد تمثل له شيطانا من ماضيه قائما أمامه، فهو ~~يريد أن ينساه أو يعمى فلا يراه. # طال الصمت في غرفة التحقيق، وترك ممثل النيابة يسري لصمته لم يقطعه مقدرا ما أصابه من ~~التهمة التي وجهها إليه حامد، يمنعه العطف أن يلح عليه بالأسئلة في غمرته هذه، مرتئيا أن ~~التفكير الذي يتجه له الصمت قد يهديه إلى الاعتراف. # وقال ممثل النيابة آخر الأمر: ما أقوالك؟ # وانتبه يسري إلى واقعه، وصمت هنيهات أخرى ثم قال: أرجو تأجيل التحقيق إذا كان ذلك ممكنا. ~~- إذا تأجل التحقيق فسيستمر حبسك حتى نواصل التحقيق. # وقال الأستاذ عبد السلام: ألا تستطيع الإجابة الآن؟ # وقال يسري في انهيار: أفضل أن يتأجل التحقيق، لا أستطيع الإجابة، حالتي لا تسمح. # وأصدر ممثل النيابة أمره ms153 بالقبض على يسري وحامد على ذمة التحقيق. # واقتيد يسري إلى الحبس وفايزة والهة لا تدري ماذا تم في أمره، لا تجد أحدا يكتب لها ما ~~انتهى إليه التحقيق حتى سارع إليها خيري ينبئها، وانصرف الجميع تحيط بهم أشجان ~~وحيرة. # وفي الصباح الباكر كان خيري وفايزة أول من حضر إلى دار النيابة وتبعهما المحاميان، وجيء ~~بيسري وحامد من الحبوس. وحين حاول حامد أن يقول شيئا ليسري أشاح عنه بوجهه، فكأنه لم يعرفه ~~يوما، أو كأنه يريد ألا يذكر أنه عرفه يوما. # كان يسري قد استقر على رأي، وحين ابتدأ التحقيق معه أصر على خطته من الدفاع عن نفسه وعن ~~حامد معا، ولم تجد النيابة أدلة قوية تسمح لها أن تأمر باستمرار الحبس، فأفرجت عن المتهمين ~~بكفالة قدرها خمسون جنيها لكل منهما، وخرجا، وأراد حامد أن يحادث يسري ثانية فلم يلتفت ~~إليه، بل سارع إلى السيارة يريد ألا يلقاه، فكأنما يهرب من ماضيه كله ومن آرائه ومن الأيام ~~التي عاشها في ظلال هذا الرجل. # وفي السيارة جلست فايزة وإلى جانبها يسري وإلى جانبه خيري، ولم يملك يسري أن يسكت، ولم ~~يأبه بالسائق الذي يقود بل التفت إلى أخيه يسأله: آبيه خيري، هل تعلم فايزة شيئا عن ... # ثم نظر إلى السائق ومال على أذنه يسأله: عن دولت؟ # ودهش خيري من السؤال، وعجب أن يكون هذا هو أول سؤال يلقيه عليه بعد هذه المحنة التي مرت ~~به، فسأل: ما المناسبة؟ ~~- أريد أن أعرف. ~~- لست في حل أن أقول. ~~- فهي إذن تعلم. # وصمت خيري فقال يسري: فهي التي أنبأتك. # ولم يجد خيري محيدا عن إفشاء السر فقال هامسا: لقد رأتك في حجرتها في اللحظة التي أرادت أن تنبئك فيها أنها تحمل لك ابنك. # وانهمرت الدموع من عيني يسري، ولم يجد شيئا يفعله إلا أن يمسك بيد فايزة ويرفعها إلى ~~فمه يقبلها قبلة المعترف بالفضل. وأحست فايزة بغريزتها نوع القبلة، وإن كانت لم تسمع من ~~الحديث شيئا، فأبعدت يدها عن فمه وربتت بها رأسه في حدب ms154 وقد انهمرت الدموع من عينيها. ورأى ~~خيري دموع يسري ورأى قبلته ليد زوجته، فانتظر حتى عاد يسري يرفع رأسه، فأمسك بيده وشد عليها ~~في ابتهاج وقد تماوجت الدموع في عينيه. وقال في فرح غامر: مبروك يا يسري. ~~- نعم يا آبيه خيري، إنني الآن أستحق التهنئة. # نزل يسري من السيارة حين بلغت البيت، وأحاط زوجته بذراعه وعبر بها البهو إلى الطابق ~~الأعلى ودخلا حجرتهما، وأقفل يسري الباب، وكانت فايزة قد جلست على الكرسي ترنو إليه في ~~إعزاز، فتقدم منها وركع على الأرض وانكب على قدمها يقبلها فصاحت: لماذا يا يسري؟ لماذا؟ # وكتب لها: «اغفري لي.» # وأدركت أن خيري قد أباح سرها فقالت: لقد غفرت. # وكتب: «كنت في ظلام.» # فقالت: ثم تشرق الشمس. ms155