######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007380 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي، جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق (المتوفى: 739هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 739 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإيضاح في علوم البلاغة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007380 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7380 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7380 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عبد المنعم خفاجي #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الكلمة الأولى # أحمده وأسأله التوفيق والسداد، وبعد: # فهذ اشرح جديد مفصل، لكتاب الإيضاح، تأليف العالم الإمام الخطيب ~~القزويني، إمام البلاغة وشيخ البيان، المتوفى عام 739ه. # توخيت فيه عمق البحث، ودقة التحليل، والعناية ببسط المسائل، وحل ~~المشكلات، وأومأت فيه إلى شتى المراجع والمصادر. ليكون جامعا لمسائل ~~البلاغة ومصدرا للدراسات العالية فيها، ومرجعا للطلاب والدارسين والباحثين. ~~والله يعلم مقدار ما أخذ مني من جهد وبحث ومراجعة، ومع ذلك فقد ثابرت على ~~كتابته وإخراجه، لسد النقص الذي نلمسه في دراسات البلاغة. # وقد ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب عام 1949، وها هي ذي الطبعة الثانية ~~منقحة مهذبة. والله أسأله أن يجعله خالصا لوجهه، وأن ينفع به العلم ~~والثقافة ولغة الكتاب العزيز. فهو وليي، نعم المولى ونعم النصير. # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # محمد عبد المنعم خفاجي. # PageV01P003 ### | مقدمات ### | نشأة البلاغة العربية ومراحل التأليف فيها ### | 1- # كان القرن الثاني الهجري أول عصر شهد نشأة آراء كثيرة أصيلة ومترجمة حول ~~البلاغة1 وعناصرها، بعد فساد الملكات، وقد أخذ العلماء في بحث أصول بلاغات ~~العرب، وفي تدوين آرائهم في معنى كلمة البلاغة والفصاحة. وأهم ما يؤثر من ~~ذلك: وصية بشر بن المعتمر -من زعماء المعتزلة وتوفي نحو عام 210ه- في ~~البلاغة2، وتفسير ابن المقفع للبلاغة3، وتعريف العتابي لها4، ووصية5 أبي ~~تمام للبحتري تدخل في هذا الباب، ويقول البحتري خير الكلام ما قل ودل ولم ~~يمل6، وفي البيان للجاحظ تحديد البلاغة كما يراها حكيم الهند7، ويقسمها ~~الكندي فيلسوف العرب المتوفى عام260ه إلى ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه ~~العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس، PageV01P004 # ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها1، وذكر بزر جمهر حكيم الفرس فضائل ~~الكلام ورذائلة في كلمة مترجمة رواها صاحب الموازنة2. إلى آخر هذه الكلمات ~~والآراء. ### | 2- # ثم ألفت بعد ذلك كتب تجمع كثيرا من الآراء والدراسات الموجزة حول البلاغة ~~وبحوثها. ومن هذه الكتب: مجاز القرآن لأبي عبيدة م 207ه والفصاحة للدينوري ~~م 280ه3 والتشبيه والتمثيل للفضل بن نوبخت4 وصناعة الكلام ms001 للجاحظ5، ونظم ~~القرآن 6 والتمثيل 7 له أيضا، والبلاغة وقواعد الشعر للمبرد8.. وفي الكامل ~~إشارات لمسائل كثيرة في البلاغة، وكذلك الرسالة العذراء لابن المدبر، ~~والبلاغة للحراني"9"، وقواعد الشعر لثعلب، وقد نشرته عام 1948 بشروح كثيرة، ~~والبلاغة والخطابة للمروزي 10 والمطابق والمجانس لابن الحرون 11 وتهذيب ~~الفصاحة لأبي سعيد الأصفهاني12 وإعجاز القرآن في نظمه وتأليفه للواسطي ~~المعتزلي م 306ه، وصنعة البلاغة للباحث، وللسيرافي م 368ه. ونظم القرآن ~~لابن الأخشيد 13، وكذلك لابن أبي داود م 316ه 14 وكتاب الرد على من نفى ~~المجاز في القرآن للحسن بن جعفر 15 ومن هذه الكتب أيضا المفصل في البيان، ~~والفصاحة للمرزباني م 378ه. # على أن أهم الكتب التي تناولت بعض مسائل البلاغة بالبحث، PageV01P005 # أو التي ألفت فيها خاصة هي: كتاب جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، ففي ~~مقدمته بحوث موجزة طريفة تتصل بالبلاغة. وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وهو ~~أهم ماألف في هذا الطور من كتب تتصل ببلاغات العرب نثرا وشعرا، وتتعرض ~~لتحديد البلاغة بما حولها من آراء كانت ذائعة في عصر الجاحظ، وفيه كثير من ~~بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة1 ويتكلم على السجع2 ويشير إلى التفصيل ~~والتقسيم3 والاستطراد والكناية4 والأمثال5 والاحتراس6 والقلب7 والأسلوب ~~الحكيم 8، والجاحظ أول من تكلم على المذهب الكلامي9 ويرى البلاغة في النظم ~~لا في المعاني10 وهو ماذهب إليه ابن خلدون 11، والجاحظ يشيد بالإيجاز12، ~~كما يدعو في البيان كثيرا إلى ترك الوحشي والسوقي، ويحث على الإفهام ~~والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، إلى غير ذلك من شتى ~~مادونه في البيان. ولا يضير الجاحظ أن كانت دراساته موجزة مفرقة كما يقول ~~أبو هلال 13، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان، وهي التي أوحت ~~إلى كثير أن يعدوا الجاحظ الواضع الأول لعلم البيان. ومن الخطأ التهوين ~~بأثر الجاحظ في البيان كما ذهب إليه بعض الباحثين المحدثين. PageV01P006 ### | 3- # وقد بدأ التدوين في البلاغة على يد ابن المعتز الذي ألفه كتابه القيم ~~"البديع"1 وثعلب الذي ألف كتابه "قواعد الشعر"، وبعد قليل ظهر نقد ms002 النثر ~~كما ظهر نقد الشعر لقدامة بن جعفر المتوفى عام 337ه. ثم كتاب الصناعتين ~~لأبي هلال المتوفى عام 395ه، ثم كتاب الموازنة للآمدي، والوساطة للجرجاني، ~~وإعجاز القرآن للباقلاني، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي، والعمدة لابن ~~رشيق وهما أكثر الكتب اتصالا بالبلاغة. ### | 4- # ثم جاء بعد ذلك أبو بكر عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة العربية ~~والمتوفى عام 471ه. فألف في البلاغة كتابين جليلين هما: ### | 1- # أسرار البلاغة، وفيه دراسات واسعة تتناول بحوث علم البيان من تشبيه ومجاز ~~واستعارة وفيه شرح للسرقات وبعض ألوان البديع. ### | 2- # دلائل الإعجاز، وفيه بحوث كثيرة هي أصول علم المعاني. كماأنه تحدث فيه عن ~~الكناية وعن التمثيل والمجاز والاستعارة والسرقات أيضا. ### | 5 - # وبعد عصر الجرجاني بحث الزمخشري في تفسيره، والرازي في كتابه "نهاية ~~الإعجاز"، وابن الأثير صاحب المثل2 السائر، وبدر الدين بن مالك صاحب ~~المصباح، والتنوخي صاحب "الأقصى القريب"، وكثير من العلماء، في البلاغة ~~والفصاحة. # ومن أهم هؤلاء العلماء في هذا الطور أبو يعقوب السكاكي المتوفى عام 626ه ~~تلميذ الحاتمي3، الذي ألف كتابه "المفتاح"، وجعله PageV01P007 # أقساما، وخص البلاغة بالقسم الثالث منه، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: المعاني ~~-البيان- البديع. وبذلك تميزت علوم البلاغة ومباحث كل علم منها بالتفصيل. # والفلسفة والمنطق تغلب على السكاكي إلى حد كبير، من حيث كان يغلب الذوق ~~والطبع على عبد القاهر. # وبذلك تنتهي مراحل التأليف والابتكار في بحوث البلاغة وتدوينها تدوينا ~~كاملا. ### | 6- # وجاء الخطيب القزويني المتوفى عام 739 فألف في البلاغة كتابيه: تلخيص1 ~~المفتاح والإيضاح. وقد ألف الإيضاح ليكون كالشرح لتلخيص المفتاح وجمع فيه ~~كثيرا من آراء عبد القاهر والسكاكي في شيء من التنظيم والشرح. # وعلى متن التلخيص كثرت الشروح والحواشي والتقارير وفي مقدمتها الأطول ~~للعصام، والمطول2 للسعد وشروح التلخيص وسواها ... وهذه أهم كتب البلاغة ~~وشروحها في هذا العهد. قوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادي م 629ه، ~~والتبيان لابن الزملكاني م651ه، والمعيار للزنجاني م654ه، وبديع القرآن ~~لابن أبي الأصبع م654ه، والفوائد الغياثية للعضد م 756ه وشرحها الكرماني م ~~786ه والتبيان لشرف الدين الطيبي م743ه، والطراز ليحيى ابن حمزة العلوي ms003 م ~~749ه، وعروس الأفراح للسبكي م 773ه، والسمرقندية للسمرقندي وهي رسالة في ~~الاستعارات، وتوفي السمرقندي عام 880ه. PageV01P008 ### | 9- # شروح المفتاح للسكاكي. # أ- شرحه بتمامه المولى حسام. # ب- وشرح القسم الثالث منه: الشيرازي م 710ه في "مفتاح الفتاح"، والترمذي ~~وهو معاصر للشيرازي، والخلخالي م 745ه، والسعد "712-791ه"، والسيد م 816ه ~~في "المصباح" الذي ألفه عام 803 "1"ه، وعماد الدين الكاشي. وله رسالة في حل ~~المتشابهات التي أوردها الخطيب على المفتاح، والأبهري سلطان شاه، وطاشكبري ~~زاده م 962ه، وشيخ زاده م 951ه، والشربيني م 769ه، والخوارزمي، وقد فرغ منه ~~عام 642ه، والفناري م834، وله على شرحي السعد والسيد تعليقات، وابن كمال ~~باشام 940، وسواهم. # ج- واختصر القسم الثالث منه: # المعانيجي م 990ه، والقزويني 666-739ه، والأيجي م756ه في الفوائد ~~الغياثية، وبدر الدين ابن مالك م 686ه في "المصباح في اختصار المفتاح" ونظم ~~"المصباح" المراكشي، ثم شرحه وسماه "ضوء المصباح على ترجيز المصباح"، ~~واختصر هذا المختصر ابن النحوية م 718ه، وسماه "ضوء الصباح"، ثم شرحه في ~~مجلدين في كتاب أسفار المصباح عن ضوء المصباح، ولمحمد بن خضر "مصباح الزمان ~~في شرح المصباح". # هذا وقد ألف السعد "المطول على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني" وانتهى من ~~تأليفه عام 748ه، كما انتهى من تأليف مختصر المطول عام 756ه.. وفرع ابن ~~يعقوب من تأليف شرحه على مختصر PageV01P009 # السعد في مكناسة في المحرم 1108ه.. وانتهى ابن السبكي من تأليف شرحه ~~"عروس الأفراح" على مختصر السعد في جمادى الأولى عام 758ه.. وانتهى الدسوقي ~~من كتابة شرحه على مختصر السعد في شوال عام 1210ه. ### | 8- # يمتاز الإيضاح للخطيب القزويني بعدة ميزات ظاهرة: فهو أوفى كتاب في بحوث ~~البلاغة، وهو أوضح الكتب المؤلفة فيها نظاما وأسلوبا، وهو كثير البحث ~~والتعمق والاستنباط لأسرار البلاغة العربية، فوق أنه كتاب تطبيقي جميل في ~~البلاغة، وينقد القزويني فيه كثيرا من آراء السكاكي، وإن كان يعتمد الخطيب ~~فيه على عبد القاهر والسكاكي كثيرا. ومع ذلك فالخطيب يجمع في كتابه خلاصات ~~لبحوث علماء البلاغة في شتى العصور حتى عصره، والكتاب بعد ذلك غزير المادة، ms004 ~~كبير الفائدة في الأدب والنقد والبلاغة والبيان1. # وهناك مؤلفات جديدة ظهرت في البلاغة في عصر الحواشي، ومن بينها عقود ~~الجمان للسيوطي. كما ظهرت في العصر الحديث عدة مؤلفات في البلاغة فيها لون ~~من التهذيب والتنسيق وحسن الأخذ والاختيار. # وبذلك تنتهي مراحل التأليف في البلاغة منذ نشأتهاحتى الآن. PageV01P010 # الخطيب وأثره في البلاغة العربية: # والخطيب القزويني1 هو "جمال الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن، ابن ~~خطيب دمشق" كما يقول جورجي زيدان، وبتفصيل أوسع هو "الشيخ الإمام العالم ~~العلامة خطيب الخطباء، مفتي المسلمين، جلال الدين، أبو عبد الله، محمد، ابن ~~قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، ~~القزويني الشافعي" كما يقول تلاميذه أو هو نفسه في مقدمة كتابه "الإيضاح" ~~فهو من أسرة علمية ودينية كبيرة، كان لها ولاشك أثرها في حياته وتفكيره ~~وروحه. # ولد عام 666ه، وتعلم الفقه، وتولى القضاء، وانتقل إلى دمشق، وتولى ~~الخطابة في مسجدها، ثم تولى القضاء بمصر، وتمكن نفوذه فيها أيام الملك ~~الناصر، اكتسب مالا طائلا، ثم جاء إلى دمشق وتوفي فيها. وأشهر مؤلفاته ~~تلخيص المفتاح، والإيضاح في المعاني والبيان2، وكانت وفاته عام 739ه، ~~كمايقول صاحب الدرر الكامنة. # وتدل مؤلفات الخطيب في البلاغة على ثقافة بلاغية وأدبية واسعة وقراءة ~~مستفيضة لأهم المؤلفات في البلاغة وفي مقدمتها: "أسرار البلاغة" و"دلائل ~~الإعجاز" لعبد القاهر، والمفتاح للسكاكي. # ألف الخطيب مختصرا صغيرا للمفتاح في البلاغة، أو للقسم PageV01P011 # الثالث بعبارة أوضوح، وسماه "تلخيص المفتاح1" لخص فيه ذلك السفر القيم ~~وقدم فيه وأخر، وحذف واختصر، وفيه بعض آراء له لم يرتضها جهابذة هذه ~~الفنون، "ومن العجيب أن يسمي كتابه بهذا الاسم، وهو في رأي أحد الباحثين ~~ليس بالتلخيص له وحده، بل أشبه بأن يكون تلخيصا لكتابي أسرار البلاغة ~~ودلائل الإعجاز لعبد القاهر ولسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي.. وروح التلخيص ~~من الكتاب الأخير واضح كل الوضوح في مقدمته"2 وقد يكون في هذا الرأي لون من ~~المبالغة، فمتن التلخيص ليس تلخيصا للأسرار ودلائل وسر الفصاحة في قليل ولا ~~كثير، ms005 إنما هو تلخيص للقسم الثالث من المفتاح وحده، وما فيه من روح التأثر ~~بعبد القاهر فمرجعه إلى المفتاح نفسه، الذي اعتمد فيه السكاكي على عبد ~~القاهر إلى حد بعيد. وقد يستساغ ذلك في الإيضاح لا في "تلخيص المفتاح". # ثم ألف الخطيب كتابه الإيضاح في البلاغة على ترتيب التلخيص، وبسط القول ~~فيه ليكون كالشرح له، فأوضح مواضعه المشكلة، وفصل معانيه المجملة، واعتمد ~~على المفتاح والأسرار والدلائل وغير هذه المؤلفات في بحوثه ودراساته فيه، ~~كما يشير إليه الخطيب نفسه في مقدمة الإيضاح. والكتاب "فيه أمهات مسائل هذه ~~الفنون بعبارة واضحة فيها روح من أسلوب عبد القاهر الجامع بين التحقيق ~~العلمي والرصانة الأدبية3. PageV01P012 # وعلى "تلخيص المفتاح للخطيب" كثير من الشروح والحواشي والتقارير ممايدل ~~على مدى شهرته العلمية عند الباحثين. ولا يزال منهج الخطيب في البلاغة وفي ~~تلخيصه بالذات هو المنهج العلمي في علوم البلاغة إلى عصرنا الراهن. # وكتاب الإيضاح عمل جليل في البلاغة سواء في ترتيبه وتقسيمه وتنظيم بحوثه، ~~أم في استيعابه واستقصائه وتحليله، أم في جمعه واستمداده من شتى المصادر ~~والمراجع، أم في أسلوبه الأدبي وروحه وكثرة تطبيقاته الأدبية، وهو أهم كتاب ~~دراسي في البلاغة في العصر الحاضر. # وهذا شرح جديد للإيضاح، يتناول بالبحث والتحليل والدراسة والتعليق والشرح ~~جميع مسائله وشواهده، ويشير إلى مصادره ومراجعه التي ألف منهاالخطيب هذا ~~الكتاب. وهو عمل سيكون له أثره في البلاغة العربية، وفي خدمة الإيضاح ~~وتذليل صعوبات البحث فيه بتوفيق الله. # ويمتاز هذا الشرح بدقة البحث. وطول المراجعة، وكثرة الشرح والتفصيل، ~~والإلمام بكل رأي، وتحليل كل مذهب ما عليه وماله، وبعرض آراء جديدة في شتى ~~بحوث البلاغة وعلومها.. كما يمتازا بمقدمته التي هي تأريخ للبلاغة ونشأتها ~~وأطوار التأليف فيها، وغير ذلك مما يحتوي عليه من مميزات، وقد وضعنا للكتاب ~~بعض العناوين المساعدة على فهمه وإيضاحه. # PageV01P013 ### | ترجمة الخطيب # عن الدر الكامنة لابن حجر 1، والعقد المذهب لابن الملقن، وشذرات الذهب2. # هو قاضي القضاة أبو المعالي جلال الدين محمد بن القاضي سعد الدين أبي ~~القاسم عبد الرحمن بن إمام ms006 الدين عمر القزويني الشافعي. # ولد بالموصل سنة 666 وسكن بلاد الروم، مع والده وأخيه واشتغل بالعلم ~~وتفقه على والده وولي قضاء نيكسار من بلاد الروم ثم قدم دمشق وسمع من العز ~~الفاروثي وطائفة وحدث وتفقه واشتغل في الفنون وأتقن الأصول والعربية ~~والمعاني والبيان، وكان فهما ذكيا مفوها ذا ذوق سليم حسن الإيراد والمحاضرة ~~حلو العبارة فصيحا جميل الهيئة كبير الذهن جوادا أديبا حسن الخط، وناب عن ~~أخيه الأكبر إمام الدين قاضي قضاة الشام إلى أن مات أخوه سنة 699 ثم ولي ~~خطابة جامع دمشق فأقام بها مادة طويلة ثم طلبه الملك الناصر إلى القاهرة في ~~سنة 724 وكان قدومه على البريد يوم الجمعة فاتفق أنه اجتمع بالناصر ساعة ~~وصوله فأمر به أن يخطب بجامع القلعة فخطب مرتجلا مع ما هو عليه من التعب ~~وأثر السفر فأعجب به السلطان وشكره وسأله عن حاله وكم عليه من الدين فذكر ~~أن عليه ثلاثين ألف فأمر بوفائها عنه فشافهه بقضاء دمشق فباشرها والخطابة ~~جميعا إلى أن ولاه قضاء الديار المصرية في سنة 727 فعم أمره جدا وصرف مال ~~الأوقاف على الفقراء والمحتاجين وحج مع السلطان فأعانه بمال وأحسن إلى ~~المصريين والشاميين وكان لهم ذخرا وملجأ ولم يزل على PageV01P014 # حاله إلى أن أعيد إلى قضاء الشام بسبب أحوال أولاده وفرح به أهل الشام ~~فأقام قليلا وتعلل وأصابه فالج فمات منه في سنة 739 عن 73 سنة فأسفوا عليه ~~كثيرا وشيعه عالم عظيم، وللشعراء فيه مدائح كثيرة ومراث عددة وكان يرغب ~~الناس في الاشتغال بأصول الفقه وفي المعاني والبيان. وتصنيفه المسمى تلخيص ~~المفتاح مشهور ونظمه السيوطي وسماه عقود الجمان.. وله إيضاح التلخيص أيضا. ~~وكان يعظم الأرجاني الشاعر ويقول أنه لم يكن للعجم نظيره واختصر ديوانه ~~فسماه "السور المرجاني من شعر الأرجاني". وقال الذهبي: عظم شأنه لماولي ~~قضاء الديار المصرية وبلغ من العز ما لا يوصف بحيث لاترد له شفاعة وربما ~~رمي علي يد السلطان نفسه وكان فصيحا حلو العبارة، مليح الصورة، سمحا حليما ~~كثيرة التحمل وسيرته ms007 تحتمل كراريس، وذكر اليوسفي في سيرة الملك الناصر محمد ~~أن القاضي كان محسنا إلى الناس كثير التصدق والمكارم والبر لأرباب البيوت، ~~قال: أنه لم يوجد لأحد من القضاة منزلة عند سلطان تركي نظير نزله جلال ~~الدين، وكان الناصر يحتمل ما ينقل إليه من سيرة ولده حتى كان يقول لوالي ~~البلد: أكبس فلانا ثم يرسل إليه يقول: لا تفعل، نبقى في حياء من والده ... ~~فرحمه الله تعالى عليهم وغفرانه. # وترجم له السيوطي في بغية الوعاة "ص66"، فنسبه إلى أبي دلف العجلي، وذكر ~~ما لايخرج عما سبق، ثم قال: ولا أعلمه نظم شيئا مع قوة باعه في الأدب، ومات ~~في منتصف جمادى الأولى عام 739ه. # ويقول صاحب الدرر الكامنة: أن له ابنا اسمه محمد بن محمد بن عبد الرحمن ~~بن عمر القزويني، وهو ابن القاضي جلال الدين خطيب جامع دمشق.. وقد ترجم ~~له1. PageV01P015 ### | أول كتاب الإيضاح ### | تمهيد # ... # أول كتاب الإيضاح للخطيب القزويني: # تمهيد: # قال الشيخ الإمام، العالم العلامة خطيب الخطباء، مفتي المسلمين، جلال ~~الدين: أبو عبد الله محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ~~ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني الشافعي. متع الله المسلمين بمحياه، ~~وأحسن عقباه: # الحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد وعلى آل محمد أجمعين. # أمابعد: فهذا كتاب في علم البلاغة وتوابعها1، ترجمته 2 ب"الإيضاح" وجعلته ~~علي ترتيب مختصري الذي سميته تلخيص المفتاح. وبسطت فيه القول ليكون كالشرح ~~له، فأوضحت مواضعه المشكلة، وفصلت معانيه المجملة وعمدت إلى ماخلاعنه ~~المختصر، مماتضمنه "مفتاح العلوم3"، وإلى ماخلاعنه المفتاح من كلام الشيخ ~~الإمام عبد القاهر الجرجاني4 رحمه الله -في كتابيه: دلائل الإعجاز، وأسرار ~~البلاغة، وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما5، فاستخرجت زبدة6 ذلك كله، ~~وهذبتها ورتبتها، حتى استقر كل شيء منها في محله، وأضفت إلى ذلك ما أدى ~~إليه فكرى، ولم أجده لغيري. فجاء بحمد الله جامعا لأشتات هذا العلم. وإليه ~~أرغب في أن يجعله نافعا لمن نظر فيه من أولى الفهم. # وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P016 ### | مقدمة ms008 # 1: # في الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة: # وانحصار علم البلاغة في علمي2 المعاني والبيان للناس في تفسير الفصاحة ~~والبلاغة أقوال مختلفة، لم أجد فيما بلغني منها. ما يصلح لتعريفها به، ولا ~~ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم ~~3، فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين، فنقول: ~~PageV01P017 ### | ......................................................................... # PageV01P018 # كل واحدة منهما1 تقع صفة لمعنيين: أحدهما الكلام كمافي قولك قصيدة فصيحة ~~أو بليغة، ورسالة فصيحة أو بليغة، والثاني المتكلم كما في قولك شاعر فصيح ~~أو بليغ، وكاتب فصيح أو بليغ. والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد فيقال: كلمة ~~فصيحة، ولايقال كلمة2 PageV01P019 # بليغة1. PageV01P020 # الفصاحة1: # أما فصاحة المفرد2 فهي خلوصه3 من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس ~~اللغوي: PageV01P021 # فالتنافر1: # منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها، ~~كما روي أن أعرابيا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع2. PageV01P022 # ومنه ما هو دون ذلك كلفظ مستشزر في قول امرئ القيس: # غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل1 # والغرابة: # أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته PageV01P023 # إلى أن ينقر1 عنها في كتب اللغة المبسوطة، كما روي عن عيسي بن عمر2 ~~النحوي أنه سقط عن حماره، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي ~~تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، أي اجتمعتم تنحوا. # أو يخرج لها وجه بعيد3 كما في قول العجاج4: # ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسنا مسرجا PageV01P024 # فإنه لم يعرف ما أراد بقوله "مسرجا"، حتى اختلف في تخريجه: فقيل هو من ~~قولهم للسيوف: سريجية، أي منسوبة إلى قين1 يقال له "سريج"، يريد أنه في ~~الاستواء والدقة كالسيف السريجي، وقيل: من السراج، يريد أنه في البريق ~~كالسراج2. وهذا يقرب من قولهم: سرج وجهه أي حسن، وسرج الله وجهه أي بهجه ~~وحسنه3. PageV01P025 # ومخالفة القياس1: # كما في قول الشاعر2: # الحمد لله العلي الأجلل ... "أنت مليك الناس ربا فاقبل" # قإن القياس الأجل بالإدغام. # وقيل هي:3 خلوصه مما ذكر4، ومن الكراهة في السمع5 PageV01P026 # بأن تمج الكلمة ويتبرأ من ms009 سماعها كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة. فإن ~~اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس سماعه ومنها ما تكره ~~سماعه، كلفظ الجرشي في قول أبي الطيب: # "مبارك الاسم أغر اللقب" ... كريم الجرشي شريف النسب1 # أي كريم النفس، وفيه2 نظر. # ثم علامة كون الكلمة فصيحة، أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها ~~كثيرا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها3. PageV01P027 # وأما فصاحة الكلام: # فهي خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحتها. # فالضعف1: # كما في قولنا ضرب غلامه زيدا، فإن رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظا ~~ممتنع عند الجمهور، لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظا ورتبة. ~~PageV01P028 # وقيل يجوز1، كقول الشاعر2: # جزى ربه عنه عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل3 # وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر جزى، أي "جزى"، رب الجزاء4 كما في قوله ~~تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} ، أي العدل. PageV01P029 # والتنافر1: # منه ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على لسان وعسر النطق بها ~~متتابعة، كما في البيت الذي أنشده الجاحظ2: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر3 # ومنه ما هو دون ذلك كما في قول أبي تمام: # كريم متى أمدحه والورى معي ... "وإذا ما لمته لمته وحدي4". PageV01P030 # فإن في قوله: أمدحه "أمدحه" ثقلا لما بين الحاء والهاء من التنافر1. # والتعقيد2: # أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به وله3 سببان: أحدهما ما ~~يرجع إلى اللفظ وهو أن يختل نظم4 الكلام. ولا يدري PageV01P031 # السامع كيف يتوصل منه إلى معناه1، كقول الفرزدق2: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # إلا مملك أبو أمه أبوه، فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي3 ~~خال هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال وما مثله -يعني إبراهيم الممدوح- في ~~الناس، حي يقاربه -أي أحد يشبهه في الفضائل- إلا مملكا يعني هشاما، أبو أمه ~~-أي أبو أم هشام- أبوه -أي أبو الممدوح- فالضمير في أمه للملك، وفي أبوه ~~للممدوح، ففصل بين أبو أمه -وهو مبتدأ- وأبوه -وهو خبره- بحي -وهو ms010 أجنبي-، ~~وكذا فصل بين حي ويقاربه وهو نعت حي -بأبوه- وهو أجنبي، وقدم المستثنى على ~~المستثنى منه4، فهو كما تراه في غاية التعقيد. PageV01P032 # فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما ~~يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك، إلا وقد قامت عليه ~~قرينة ظاهرة، لفظية أو معنوية، كما سيأتي تفصيل ذلك كله وأمثلته اللائقة ~~به1. # والثاني ما يرجع إلى المعنى، وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول ~~إلى المعنى الثاني -الذي هو لازمه والمراد به- ظاهرا2 كقول العباس بن ~~الأحنف: PageV01P033 # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا1 # كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب؛ لأن من شأن البكاء أن ~~يكون كناية عنه، كقولهم: أبكاني وأضحكني أي ساءني وسرني، وكما قال ~~الحماسي2: PageV01P034 # أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى # ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكنى عما يوجبه دوام التلاقي من السرور ~~بالجمود، لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر، ~~وأخطأ1: # لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها، فلا يكون ~~كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر2: # ألا إن عينا لم تجد يوم "واسط" ... عليك بجاري دمعها لجمود # ولو كان الجمود يلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به ~~للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. وذلك مما ~~لا يشك في بطلانه. # وعلى ذلك قول أهل اللغة: سنة "جماد" لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن ~~لها، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة ~~بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جمودا. PageV01P035 # ألا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة ~~بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأنها قد ضنت. # فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه ms011 الأول إلى ~~معناه الثاني -الذي هو المراد به- ظاهرا، حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه من ~~حاق اللفظ، كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية. # وقيل فصاحة الكلام هو خلوصه مما ذكر1 ومن كثرة التكرار2 وتتابع الإضافات. ~~كما في قول أبي الطيب "المتنبي": # "وتسعدني في غمرة بعد غمرة" ... سبوح لها منها عليها شواهد3 # وكما في قول ابن بابك4: PageV01P036 # حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... "فأنت بمرأى من سعاد ومسمع"1 # وفيه نظر 2؛ لأن ذلك 3 أن أفضي باللفظ إلى الثقل على اللسان فقد حصل ~~الاحتراز عنه بما تقدم4، وإلا فلا يخل بالفصاحة، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم" 5. PageV01P037 # قال الشيخ عبد القاهر1: قال الصاحب2. إياك والإضافات المتداخلة، فإنها لا ~~تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل: # يا علي بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره # ثم قال الشيخ3: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ~~ملح ولطف. ومما حسن فيه قول ابن المعتز4 أيضا: # وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه، ملاح5 # ومما جاء فيه حسنا جميلا قول الخالدي6 يصف غلاما له: # ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد # وصيرفي القريض وزان ... دينار المعاني الدقاق، منتقد7 PageV01P038 ### | .......................................................................... # PageV01P039 # وأما فصاحة المتكلم: # فهي ملكة "1" يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. فالملكة قسم ~~من مقولة الكيف التي هي هيئة قارة لا تقتضي قسمة ولا نسبة، وهو مختص بذوات ~~الأنفس راسخ في موضوعه. # وقيل: ملكة. ولم يقل صفة، ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة، حتى لا ~~يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحا. # إلا إذا كانت الصفة التي اقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح ~~راسخة فيه. # وقيل يقتدر بها، ولم يقل بعبر بها، ليشمل حالتي النطق وعدمه: وقيل: بلفظ ~~فصيح، ليعم المفرد والمركب2. PageV01P040 # البلاغة. # وأما بلاغة الكلام: # فهي مطابقته لمتقضى الحال1 مع فصاحته. PageV01P041 # ومقتضى الحال مختلف. فإن مقامات ms012 الكلام متفاوتة1 فمقام التنكير يباين ~~مقام التعريف2 ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد3 ومقام التقديم يباين مقام ~~التأخير4، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافة، ~~ومقام الفصل يباين مقام الوصل، PageV01P042 # ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب ~~الغبي1. # وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام 2.. إلى غير ذلك كما سيأتي تفصيل الجميع. # وارتفاع3 شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب4، ~~وانحطاطه بعدم مطابقته له. # فمتقضى الحال هو الاعتبار المناسب5 PageV01P043 # وهذا -أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال- هو الذي يسميه الشيخ عبد ~~القاهر بالنظم. حيث يقول: النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب ~~الأغراض التي يصاغ لها الكلام. # فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى1 عند التركيب2. # وكثيرا ما يسمى ذلك3 فصاحة أيضا4. وهو مراد الشيخ PageV01P044 # عبد القاهر بما يكرره في دلائل الإعجاز من أن الفصاحة صفة راجعة إلى ~~المعنى دون اللفظ، كقوله في أثناء فصل منه: # علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى ~~المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها. # وإنما قلنا مراده ذلك؛ لأنه صرح في مواضع من دلائل الإعجاز بأن فضيلة ~~الكلام للفظه لا لمعناه، منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك فقال: "فأنت ~~تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة أو أدبا أو اشتمل على تشبيه غريب ~~ومعنى نادر". ثم قال: "والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه ~~المحصلون؛ لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة مبرزا في شأوها إلا وهو ينكر ~~هذا الرأي"، ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلاما منه قوله: "والمعاني مطروحة في ~~الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي1 وإنما الشأن في إقامة الوزن ~~وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك".. ثم قال: ~~"ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر ~~عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو ~~سوار. فكما أنه ms013 محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته أن ~~تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل، كذلك ~~محال إذا أردت أن تعرف كان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، ~~وكما لو فضلنا خاتما بأن تكون فضة هذا أجود أو فضه أنفس لم يكن ذلك تفضيلا ~~له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فصلنا بيتا على بيت من أجل معناه أن لا ~~يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام". PageV01P045 # هذا لفظه، وهو صريح في أن الكلام من حيث هو كلام لا يوصف بالفضيلة ~~باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فلا تكون راجعة ~~إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ. # فالجمع بينهما بما قدمنا بحمل كلامه حيث نفى أنها من صفات اللفظ على نفي ~~أنها من صفات المفردات1 من غير اعتبار التركيب، وحيث أثبت أنها من صفاته ~~على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب. # وللبلاغة طرفان: # أعلى، إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز2، وما يقرب منه3. PageV01P046 # وأسفل، منه تبتدئ وهو ما1 إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند ~~البلغاء بأصوات الحيوانات2 وإن كان صحيح الإعراب ... وبين الطرفين مراتب ~~كثيرة متفاوتة3: # وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومرابتها، فاعلم ~~PageV01P047 # أنه يتبعها وجوه كثيرة1 غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى ~~الفصاحة، تورث الكلام حسنا وقبولا. PageV01P048 # وأما بلاغة المتكلم: # فهي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ. # وقد علم بما ذكرنا1 أمران: # أحدهما: أن كل بليغ -كلاما كان أو متكلما فصيح2، وليس كل فصيح بليغا3. # الثاني: أن البلاغة في الكلام: مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية ~~المعنى المراد4، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره5. PageV01P049 # والثاني -أعني التمييز1- منه ما يتبين في علم متن2 اللغة، أو التصريف3، ~~أو النحو4، أو يدرك بالحس5، وهو 6 ما عدا التعقيد المعنوي7. # وما يحترز به عن الأول -أعني الخطأ8- هو ms014 علم المعاني. وما يحترز به عن ~~الثاني -أعني التعقيد المعنوى- هو علم البيان9. # وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ~~وفصاحته، هو علم البديع. PageV01P050 # وكثير من الناس يسمى الجميع علم البيان1. # وبعضهم يسمى الأول علم المعاني، والثاني والثالث علم البيان، والثلاثة ~~علم البديع. PageV01P051 ### | الفن الأول: علم المعاني # 1. ### | تعريف الخطيب # وهو علم2 يعرف به أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال3. PageV01P052 # قيل: "يعرف" دون "يعلم"، رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم ~~بالكليات والمعرفة بالجزئيات، كما قال صاحب "القانون"1 في تعريف الطب: الطب ~~علم يعرف به أحوال بدن الإنسان، وكما قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله2: ~~التصريف علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم. # تعريف السكاكي: # وقال السكاكي: "علم المعاني: هو تتبع خواص تراكيب الكلام PageV01P053 # في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن ~~الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضي الحال ذكره1". # نقد تعريف السكاكي: # "قال الخطيب": وفيه2 نظر: # 1 إذا التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه، فلا يصح تعريف شيء من العلوم3 به. # 2 ثم قال4: "وأعني بالتراكيب تراكيب البلغاء"، ولا شك أن معرفة البليغ من ~~حيث هو بليغ متوقفه على معرفة البلاغة، وقد عرفها في كتابه بقوله: ~~"البلاغة: هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص ~~التراكيب حقها5 وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها". # فإن أريد بالتراكيب في حد البلاغة تراكيب البلغاء، وهو الظاهر، فقد جاء ~~الدور6، وإن أراد غيرها فلم يبينه. PageV01P054 # 3 على أن قوله "وغيره" مبهم لم يبين مراده به1. # المقصود من علم المعاني: # ثم المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب: # أولها: إحوال الإسناد الخبري. # وثانيها: أحوال المسند إليه. # وثالثها: أحوال المسند. # ورابعها: أحوال متعلقات الفعل. # وخامسها: القصر. # وسادسها: الإنشاء. # وسابعها: الفصل والوصل. # وثامنها: الإيجاز والإطناب والمساواة. # ووجه الحصر أن الكلام إما خبر أو إنشاء؛ لأنه أما أن يكون PageV01P055 # لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه. أو لا يكون لها خارج 1، PageV01P056 # الأول الخبر، ms015 والثاني الإنشاء. ثم الخبر لا بد له من إسناد ومسند إليه ~~ومسند1. وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى. ثم المسند قد يكون ~~له متعلقات إذا كان فعلا أو متصلا به أو في معناه كاسم الفاعل ونحوه 2، ~~وهذا هو الباب الرابع. ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون إما بقصر أو ~~بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس، والإنشاء هو الباب السادس. ثم الجملة إذا ~~قرنت بأخرى فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو ~~الباب السابع. ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة3 أو غير ~~زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن. PageV01P057 ### | ........................................................................ # PageV01P058 # تنبيه1: # اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب، فذهب الجمهور إلى أنه ~~منحصر فيهما ثم اختلفوا: ### | 1- # فقال الأكثر منهم: صدقه مطابقة حكمه للواقع 2- هذا هو المشهور وعليه ~~التعويل. ### | 3- # وقال بعض الناس3: صدقه مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر PageV01P059 # صوابا كان أو خطأ، وكذبه عدم مطابقة حكمه له. واحتج له بوجهين: # أحدهما: أن من اعتقد أمرا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال: ما ~~كذب ولكنه أخطأ، كما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت فيمن شأنه كذلك: ما ~~كذب ولكنه وهم. # ورد بأن المنفي تعمد الكذب لا الكذب، بدليل تكذيب الكافر كاليهودي إذا ~~قال: "الإسلام باطل" وتصديقه إذا قال: الإسلام حق. فقولها1: "ما كذب" متأول ~~بما كذب عمدا. # الثاني: قوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ، كذبهم في قولهم ~~"إنك لرسول الله" وإن كان مطابقا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه. وأجيب عنه ~~بوجوه. # أحدها أن المعنى نشهد شهادة وأطأت فيها قلوبنا ألسنتنا، كما يترجم عنه أن ~~والسلام وكون الجملة اسمية في قولهم: {إنك لرسول الله ... } فالتكذيب في ~~قولهم: {نشهد} وادعائهم فيها المواطأة، لا في قولهم: {إنك لرسول الله} 2. # وثانيهما: أن التكذيب في تسميتهم أخبارهم شهادة؛ لأن الأخبار PageV01P060 # إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة. # وثالثها: أن المعنى لكاذبون في قولهم: {إنك لرسول الله} عند أنفسهم، ~~لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال ms016 المخبر عنه. # وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين1، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، ~~وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر ~~له أو عدمه، وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه: # فالأول -أي المطابق مع الاعتقاد- هو الصادق2. # والثالث -أي غير المطابق مع الاعتقاد- هو الكاذب3. # والثاني والرابع -أي المطابق مع عدم الاعتقاد4، وغير المطابق مع عدم ~~الاعتقاد5- كل منهما ليس بصادق ولا كاذب. PageV01P061 # فالصدق عنده مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده -والكذب عدم مطابقته مع عدم ~~اعتقاده. # وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده. # واحتج بقوله تعالى: {أفترى على الله كذبا أم به جنة} [سبأ: 8] 1؟ "، ~~فإنهم حصروا دعوى النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة في الافتراء والإخبار ~~حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو، وليس إخباره حال الجنون كذبا لجعلهم ~~الافتراء في مقابلته، ولا صدقا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فثبت أن من الخبر ~~ما ليس بصادق ولا كاذب2.. وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد، فهو نوع ~~من الكذب فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا لجواز أن يكون ~~نوعا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر مطلقا، ~~والمعنى "افترى أم لم يفتر؟ "، وعبر عن الثاني بقوله: "أم به جنة"؛ لأن ~~المجنون لا افتراء له. PageV01P062 # تنبيه آخر: # وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم1. # قال السكاكي: ليس من الواجب في صناعة وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها ~~إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها، في استفادة الذوق منها، ~~فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات ألفية؟ فلا على ~~الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق ~~هناك، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق. # وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إلى هذا، كما ذكر في ~~موضع ما تلخيصه هذا: اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من ~~السامع، ولا ms017 يجد لديه قبولا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، ومن تحدثه ~~نفسه بأنه لما تومئ إليه من الحسن أصلا. فيختلف الحال عليه عند تأمل ~~الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها آخرى، وإذا عجبته تعجب، وإذا نبهته ~~لموضوع المزية انتبه، فأما من كانت الحالات عنده على سواء، وكان لا يتفقد ~~من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من ~~عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفة من سالمه في أنك لا ~~تتصدى لتعريفه، لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف ... واعلم أن هؤلاء ~~وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا ~~سبيل إلى معرفة العلة في شيء مما تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له ~~موقعا من النفس وحظا من القبول، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول.. واعلم ~~أنه ليس إذا لم يمكن معرفة PageV01P063 # الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله1 شاهدا ~~في غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتعودها الكسل والهوينا، قال ~~الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة وثمرة مرة. فمن ~~أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئا2، فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه ~~الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت ~~العلم مختلا 3. PageV01P064 ### | القول في أحوال الإسناد الخبري # 1: # من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر 2 بخبره إفادة المخاطب إما. ~~PageV01P065 # نفس الحكم1 كقولك زيد قائم لمن لا يعلم أنه قائم، ويسمى هذا فائدة الخبر. ~~أما كون المخبر عالما2 بالحكم، كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: ~~زيد عندك، ويسمى هذا لازم فائدة الخبر3. # قال السكاكي4: PageV01P066 # "والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع، كما هو حكم اللازم ~~المجهول المساواة1. # أي يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه2، ~~لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول، ms018 مع أن سماع الخبر من المخبر كاف في ~~حصول الثاني منه. # ولا يمتنع أن لا يحصل الأول3 من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه، لجواز ~~حصول الأول قبل حصول الثاني وامتناع حصول الحاصل. PageV01P067 # وقد ينزل العالم1 بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل لعدم جريه على ~~موجب العلم، فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما.. قال السكاكي: # وإن شئت فعليك بكلام رب العزة: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة ~~من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] ، كيف تجد ~~صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي وآخره ينفيه عنهم حيث ~~لم يعلموا بعلمهم. ونظيره في النفي والإثبات: {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: ~~17] 3، وقوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة: 12] . # هذا لفظه4.. وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة ~~الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هي من أمثلة تنزيل ~~العالم بالشيء منزلة الجاهل به لعدم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ~~ظاهر. PageV01P068 # وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين، فينبغي أن يقتصر ~~من التركيب على قدر الحاجة: ### | 1- # فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم1 -بأحد طرفي الخبر على الآخر- ~~والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم كقولك: جاء زيد، وعمرو ذاهب، فيتمكن في ~~ذهنه، لمصادفته إياه خاليا. ### | 2- # وإن كان متصورا لطرفية2، مترددا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبا له، ~~حسن تقويته بمؤكد3، كقولك لزيد عارف أو أن زيدا عارف. PageV01P069 ### | 3- # وإن كان حاكما بخلافه وجب توكيده1 بحسب الإنكار2، فتقول: "إني صادق" لمن ~~ينكر صدقك ولا يبالغ في إنكاره، "وإني لصادق" لمن يبالغ في إنكاره. وعليه ~~قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون، قالوا ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون، قالوا ربنا يعلم ~~إنا ms019 إليكم لمرسلون} . [يس: 13، 14، 15] . PageV01P070 # حيث قال في المرة الأولى: إنا إليكم مرسلون، وفي الثانية: إنا إليكم ~~لمرسلون1. # ويؤيد ما ذكرناه جواب أبي العباس2 للكندي عن قوله: إني أجد في كلام العرب ~~حشوا، يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم، ~~والمعنى واحد. بأن قال، بل المعاني مختلفة، "فعبد الله قائم" إخبار عن ~~قيامه، و"إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم جواب عن ~~إنكار منكر. # ويسمى النوع الأول من الخبر ابتدائيا3، والثاني طلبيا، والثالث إنكاريا، ~~وإخراج الكلام على هذه الوجوه4 إخراجا على مقتضى الظاهر5. PageV01P071 # وكثيرا ما يخرج على خلافة1: # 1 فينزل غير السائل منزلة السائل، إذا قدم إلى ما يلوح له بحكم الخبر، ~~فيستشرف له استشراف المتردد الطالب2 كقوله تعالى: PageV01P072 # {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37] 1، وقوله: {وما أبرئ ~~نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] ، وقول بعض العرب: # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2 # وسلوك هذه الطريقة شبعة من البلاغة فيها دقة وغموض. # روى عن الأصمعي3 أنه قال: # كان أبو عمرو بن العلاء 4 وخلف الأحمر5 يأتيان بشارا 6، فيسلمان عليه ~~بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ~~ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، فأتياه يوما ~~فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في PageV01P073 # ابن قتيبة1 قال: هي التي بلغتكما، قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب ~~قال: نعم إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، ~~قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير # حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح": ~~بكرا فالنجاح، كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت "إن ~~ذاك النجاح" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت "بكرا فالنجاح" كان هذا من ~~كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام ~~خلف فقبل بين عينيه. ms020 # فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء -وهم من فحولة ~~هذا الفن- إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ ### | 2- # وكذلك بنزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارات ~~الإنكار2. كقوله3: PageV01P074 # جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح # فإن مجيئه هكذا مدلا بشجاعته قد وضع رمحه عرضا لدليل على إعجاب شديد منه، ~~واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد. كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم ~~رمح. ### | 3- # وكذلك بنزل المنكر1 منزلة غير المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن ~~الإنكار، كما يقال لمنكر الإسلام: الإسلام حق2. وعليه قوله تعالى في حق ~~القرآن: {لا ريب فيه} 3. PageV01P075 # ومما يتفرع على هذين الاعتبارين قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم ~~إنكم يوم القيامة تبعثون} [المؤمنون: 14-15] . أكد إثبات الموت تأكيدين وإن ~~كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم ~~في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل "ميتون" دون "تموتون" كما ~~سيأتي الفرق بينهما1. وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان مما ينكر؛ ~~لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر، بل إما أن يعترف به أو ~~يتردد فيه، فينزل المخاطبون منزلة المترددين، تنبيها لهم على ظهور أدلته، ~~وحثا لهم على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل. # هذا كله اعتبارات الإثبات وقس عليه اعتبارات النفي2، كقولك: ليس زيد أو ~~ما زيد منطلقا أو بمنطلق، ووالله ليس زيد PageV01P076 # أو ما زيد منطلقا أو بمنطلق، وما ينطلق أو ما أن ينطلق زيد، وما كان زيد ~~ينطلق، وما كان زيد لينطلق، ولا ينطلق زيد، ولن ينطلق زيد، ووالله ما ينطلق ~~أو ما إن ينطلق زيد. PageV01P077 ### | ....................................................................... # PageV01P078 ### | ........................................................................ # PageV01P079 ### | الحقيقة العقلية والمجاز العقلي # فصل. # قال الخطيب: الإسناد: منه حقيقة عقلية، ومنه مجاز عقلي. # أما الحقيقة فهي إسناد1 الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في ~~الظاهر. PageV01P080 # والمراد بمعنى الفعل نحو المصدر واسم الفاعل. وقولنا "في الظاهر" ms021 ليشمل ~~مالا يطابق اعتقاده مما يطابق الواقع وما لا يطابقه. # فهي أربعة أضرب: # أحدهما: ما يطابق الواقع واعتقاده، كقول المؤمن: "أنبت الله البقل" و"شفى ~~الله المريض". # والثاني: ما يطابق الواقع دون اعتقاده، كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله ~~وهو يخفيها منه: "خالق الأفعال كلها هو الله تعالى". PageV01P081 # والثالث ما يطابق اعتقاده دون الواقع، كقول الجاهل: "شفى الطبيب المريض" ~~معتقدا شفاء المريض من الطبيب، ومنه قوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: {وما ~~يهلكنا إلا الدهر} . ولا يجوز أن يكون مجازا. والإنكار عليهم من جهة ظاهر ~~اللفظ لما فيه من إيهام الخطأ، بدليل قوله تعالى عقيبه: {وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] ، والمتجوز المخطئ في العبارة لا يوصف ~~بالظن، وإنما الظان من يعتقد أن الأمر على ما قاله. # والرابع ما لا يطابق شيئا منهما، كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل ~~عالما بحالها دون المخاطب. # وأما المجاز1 فهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس2 له غير PageV01P082 ### | .......................................................................... # PageV01P083 ### | .......................................................................... # PageV01P084 ### | ........................................................................... # PageV01P085 # ما هو بتأول وللفعل ملابسات شتى 1: # يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب. فإسناده إلى ~~الفاعل إذا كان مبنيا له حقيقة كما مر، وكذا إلى المفعول PageV01P086 # إذا كان مبنيا له، وقولنا "ما هو له" يشملهما. وإسناده إلى غيرهما ~~لمضاهاته لما هو له في ملابسة الفعل مجاز. كقولهم في المفعول به: "عيشة ~~راضية" و"ماء دافق"، وفي عكسه "سبيل مفعم" وفي المصدر "شعر شاعر1"، وفي ~~الزمان "نهاره صائم" و"ليلة قائم"، وفي المكان "طريق سائر" و"نهار جار"، ~~وفي السبب "بنى الأمير المدينة"، وقال: # "فلا تسأليني واسألي عن خليقتي" ... إذا رد عافي القدر من يستعيرها2 # وقولنا بتأول يخرج نحو قول الجاهل: شفى الطبيب المريض، فإن إسناده الشفاء ~~إلى الطبيب ليس بتأول. ولهذا لم يحمل نحو قول الشاعر الحماسي3. PageV01P087 # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي # على المجاز ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يرد ظاهره.. كما استدل على أن ~~إسناد "ميز" إلى "جذب الليالي" في قول أبي النجم: # قد أصبحت "أم الخيار" تدعى ... على ms022 ذنبا كله لم أصنع # من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع # جذب الليالي أبطئي أو أسرعي1 # مجاز بقوله عقيبه: # أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي # وسمي الإسناد في هذين القسمين من الكلام عقليا لاستناده إلى العقل دون ~~الوضع؛ لأن إسناد الكلمة إلى الكلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة، ~~فلا يصير ضرب خبرا عن زيد بواضع اللغة بل بمن قصد إثبات الضرب فعلا له، ~~وإنما الذي يعود إلى واضع اللغة: أن ضرب لإثبات الضرب لا لإثبات الخروج، ~~وأنه لإثباته في زمان ماض وليس لإثباته في زمان مستقل، فأما تعيين من ثبت ~~له فإنما يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين ... ولو كان لغويا لكان حكمنا أنه ~~مجاز في مثل PageV01P088 # قولنا "خط أحسن مما وشى الربيع" من جهة أن الفعل لا يصح إلا من الحي ~~القادر حكما بأن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون ~~الجماد، وذلك مما لا يشك في بطلانه. # تعريف السكاكي للحقيقة والمجاز العقليين: # وقال السكاكي: # الحقيقة العقلية: هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه1. # وإنما قلت "ما عند المتكلم"، دون أن أقول "ما عند العقل" ليتناول كلام ~~الجاهل إذا قال "شفي الطبيب المريض"، رائيا شفاء المريض من الطبيب، حيث عد ~~منه حقيقة مع أنه غير مفيد لما في العقل من الحكم فيه.. وفيه. نظر2: ### | 1- # لأنه غير مطرد3، لصدقة على ما لم يكن المسند فيه فعلا PageV01P089 # ولا متصلا به، كقولنا: الإنسان حيوان، مع أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازا. ### | 2- # ولا منعكس، لخروج ما يطابق الواقع دون اعتقاد المتكلم وما لا يطابق شيئا ~~منهما منه، مع كونهما حقيقتين عقليتين كما سبق. # وقال "السكاكي": # المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه ~~لضرب من التأويل، إفادة للخلاف لا بوساطه وضع، كقولك: أنبت الربيع البقل، ~~وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة. # قال "السكاكي": وإنما قلت "خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه". ms023 دون أن ~~أقول خلاف ما عند العقل: ### | 1- # لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره: أنبت ~~الربيع البقل، رائيا إنباته من الربيع، فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا، وإن ~~كان بخلاف العقل في نفس الأمر، واحتج "السكاكي" ببيت الحماسة وقول أبي ~~النجم على ما تقدم. ### | 2- # ثم قال السكاكي: ولئلا يمتنع عكسه بمثل: كسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير ~~الجند، فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة ولا أن يهزم ~~الأمير وحده الجند، ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي. # وإنما قلت "لضرب من التأول" ليحترز به عن الكذب فإنه لا يسمى مجازا مع ~~كونه كلاما مفيدا خلاف ما عند المتكلم. # وإنما قلت "إفادة للخلاف لا بوساطة وضع" ليحترز به عن المجاز اللغوي في ~~صورة، وهي إذا ادعى أن "أنبت" موضوع لاستعماله في القادر المختار أو وضع ~~لذلك. # PageV01P090 # وفيه نظر1: ### | 1- # لأنا لا نسلم بطلان طرده بما ذكر، لخروجه بقوله: لضرب من التأول. ### | 2- # ولا بطلان عكسه بما ذكر، إذ المراد بخلاف ما عند العقل خلاف ما في نفس ~~الأمر، وفي كلام الشيخ عبد القاهر إشارة إلى ذلك، حيث عرف الحقيقة العقلية ~~بقوله: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل ~~وواقع موقعه" فإن قوله "واقع موقعه" معناه في نفس الأمر وهو بيان لما قبله، ~~وكذا في كلام الزمخشري، حيث عرف المجاز العقلي بقوله: "أن يسند الفعل إلى ~~شيء يلتبس بالذي هو في الحقيقة له"، فإن قوله في الحقيقة معناه في نفس ~~الأمر. ونحو كسا الخليفة الكعبة إذا كان الإسناد فيه مجازا كذلك. ### | 3- # ثم القول بأن الفعل موضوع لاستعماله في القادر ضعيف، وهو معترف بضعفه، ~~وقد رده في كتابه بوجوه، منها: أن وضع الفعل لاستعماله في القادر قيد لم ~~ينقل عن واحد من رواة اللغة وترك القيد دليل في العرف على الإطلاق فقوله: ~~"إفادة للخلاف لا بوساطة وضع" لا حاجة إليه، وأن ذكر فينبغي أن لا يذكر إلا ~~بعد ذكر ms024 الحد على المذهب المختار، على أن تمثيله بقول الجاهل "أنبت الربيع ~~البقل" ينافي هذا الاحتراز. # تنبيه: # قد تبين بما ذكرنا أن المسمى بالحقيقة العقلية والمجاز العقلي على ما ~~ذكره السكاكي هو الكلام لا الإسناد، وهذا يوافق PageV01P091 # ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر في مواضع من دلائل الإعجاز، وعلى ما ذكرناه ~~هو الإسناد لا الكلام، وهذا ظاهر ما نقله الشيخ أبو عمرو بن الحاجب1 رحمه ~~الله عن الشيخ عبد القاهر2، وهو قول الزمخشري في الكشاف، وقول وقول غيره، ~~وإنما اخترناه؛ لأن نسبة المسمى حقيقة أو مجازا إلى العقل على هذا لنفسه ~~بلا وساطة شيء، وعلى الأول لاشتماله على ما ينتسب إلى العقل، أعني الإسناد. # أقسام المجاز العقلي باعتبار طرفيه: حقيقيتهما ومجازيتهما أو أحدهما: # قال الخطيب: # ثم المجاز العقلي باعتبار طرفيه -أعني المسند والمسند إليه- أربعة أقسام ~~لا غير؛ لأنهما إما: ### | 1- # حقيقتان، كقولنا أنبت الربيع البقل، وعليه قوله: # فنام ليلي وتجلى همي # وقوله: # وشيب أيام الفراق مفارق ... "وأنشزن نفسي فوق حيث تكون" # وقوله: # "لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى" ... ونمت وما ليل المطي بنائم3 ~~PageV01P092 ### | 2- # وأما مجازان كقولنا "أحيا الأرض شباب الزمان". ### | 3- # وأما مختلفان، كقولنا: "أنبت البقل شباب الزمان"، وكقولنا: "أحيا الأرض ~~الربيع"، وعليه قول الرجل لصاحبه: "أحيتني رؤيتك"، أي آنستني وسرتني، فقد ~~جعل الحاصل بالرؤية من الأنس والمسرة حياة ثم جعل الرؤية فاعلة له، ومثله ~~قول أبي الطيب: # وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجد1 # جعل الزيادة والوفور حياة للمال، وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت ~~الأحياء فعلا للصوارم، والقتل فعلا للتبسم، مع أن الفعل لا يصح منهما. ونحو ~~قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم": جعلت الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك ~~فعلا للدينار والدرهم. # وهو في القرآن كثير2. # كقوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} ، نسبت PageV01P093 # الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا فيها. وكذا قوله تعالى: ~~{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} . ومن هذا الضرب قوله: {يذبح ~~أبناءهم} ، الفاعل غيره ونسب الفعل إليه لكونه الآمر به. ms025 وكقوله: {ينزع ~~عنهما لباسهما} ، نسب النزع الذي هو فعل الله تعالى إلى إبليس؛ لأن سببه ~~أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياها: أنه لهما لمن الناصحين. ~~وكذا قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار} [إبراهيم: 28] ، نسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن ~~سببه كفرهم وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر. وكقوله تعالى: {يوما يجعل ~~الولدان شيبا} [المزمل: 17] نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، كقولهم: ~~"نهاره صائم". وكقوله تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} . [الزلزلة: 2] . # وهو غير مختص بالخبر، بل يجري في الإنشاء، كقوله تعالى: {يا هامان ابن لي ~~صرحا} [غافر: 36] ، وقوله: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا} ~~[القصص: 38] . # وقوله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} . # أنواع القرينة: # "قال الخطيب": # ولا بد له -أي للمجاز العقلي- من قرينة: ### | 1- # أما لفظية كما سبق في قول أبي النجم1. PageV01P094 # ب- أو غير لفظية "أي معنوية": # كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور أو قيامه به: عقلا كقولك ~~محبتك جاءت بي إليك، أو عادة كقولك هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة ~~وبنى الوزير القصر، "لاستحالة ذلك في العادة". وكصدور الكلام من الموحد في ~~مثل قوله: "أشاب الصغير"، البيت1. # واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز بسهولة بل تجدك في كثير ~~من الأمر تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه له بشيء تتوخاه في النظم، كقول من ~~يصف جملا: # تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجه شرب غير ملأى ولا صفر # يريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ~~ولولاها لكانت الظلماء كالسد الذي لا يجد السائر شيئا يفرجه به ويجعل لنفسه ~~فيه سبيلا، فلولا أنه قال: تجوب له، فعلق له بتجوب لما تبين جهة التجوز في ~~جعل الجوب فعلا للعين كما ينبغي؛ لأنه لم يكن حينئذ في الكلام دليل على أن ~~اهتداء صاحبها في الظلماء ومضيه فيها بنورها، وكذلك لو قال تجوب له الظلماء ~~عينه لم يكن له هذا الموقع ولا نقطع السلك ms026 من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف ~~العين بما وصفها به. PageV01P095 # واعلم: أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في ~~التقدير إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة1 لما يشعر بذلك تعريفه كما سبق، ~~وذلك قد يكون ظاهرا كما في قوله تعالى: PageV01P096 # {فما ربحت تجارتهم} ، أي فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفيا لا يظهر ~~إلا بعد نظر وتأمل، كما في قولك سرتني رؤيتك أي سرني الله وقت رؤيتك، كما ~~تقول: أصل الحكم في أنبت الربيع البقل أنبت الله البقل وقت الربيع، وفي شفى ~~الطبيب المريض: شفى الله المريض عند علاج الطبيب، وكما في قولك أقدمني بلدك ~~حق لي على فلان أي أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان أي قدمت لذلك، ~~ونظيره محبتك جاءت بي إليك، أي جاءت بين نفسي إليك لمحبتك، أي جئت لمحبتك.. ~~وإنما قلنا أن الحكم فيهما مجاز؛ لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي ~~والداعي لا يكون فاعلا، وكما في قول الشاعر1: # وصيرني هواك ربي ... لحيني يضرب المثل # أي وصيرني الله لهواك وحالي هذه، أي أهلكني الله ابتلاء بسبب هواك، وكما ~~في قول الآخر وهو أبو نواس2: # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا PageV01P097 # أي يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه من دقائق الجمال متى تأملت. # وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام، وقال: الذي عندي نظمه في ~~سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي1 ~~بواسطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبني الاستعارة كما سيأتي، وجعل ~~نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة2. PageV01P098 ### | .......................................................................... # PageV01P099 ### | ........................................................................ # PageV01P100 ### | ........................................................................ # PageV01P101 # ويجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند ~~الهازم وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة. # وفيما ذهب إليه "السكاكي" نظر: ### | 1- # لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى "فهو في عيشة راضية صاحب ~~العيشة لا العيشة، وبماء في قوله: خلق من ماء دافق فاعل. فاعل الدفق لا ~~المني، لما سيأتي من تفسيره للاستعارة بالكناية. ### | 2- # وأن لا تصح الإضافة في نحو قولهم: فلان ms027 نهاره صائم وليله قائم؛ لأن ~~المراد بالنهار على هذا فلان نفسه وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح. ### | 3- # وأن لا يكون الأمر بالإيقاد على الطين في إحدى الآيتين وبالبناء فيهما ~~لهامان، مع أن النداء له. ### | 4- # وأن يتوقف جواز التركيب في نحو قولهم: أنبت الربيع البقل، وسرتني رؤيتك ~~على الإذن الشرعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل ذلك منتف ظاهر ~~الانتفاء. ### | 5- # ثم ما ذكره منقوض بنحو قولهم: "فلان نهاره صائم" فإن الإسناد فيه مجاز، ~~ولا يجوز أن يكون النهار استعارة بالكناية عن فلان؛ لأن ذكر طرفي التشبيه ~~يمنع من حمل الكلام على الاستعارة ويوجب حمله على التشبيه، ولهذا عد نحو ~~قولهم "رأيت بفلان أسدا، ولقيني منه أسد" تشبيها لا استعارة، كما صرح ~~السكاكي أيضا بذلك في كتابه. # PageV01P102 # تنبيه: # إنما لم نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان كما فعل ~~السكاكي ومن تبعه، لدخوله في تعريف علم المعاني دون تعريف علم البيان. # PageV01P103 ### | أسلوب المجاز العقلي وتطور البحث البلاغي عنه # ... # البحث البلاغي عن أسلوب المجاز العقلي وأطواره 1: # سيبويه وهل أثبت المجاز العقلي؟. # قال صاحب الكتاب: مطر قومك الليل وبالنهار على الظرف، وإن شئت رفعته على ~~سعة الكلام كما يقال صيد عليه الليل والنهار، كما قال جرير: # ونمت وما ليل المطي بنائم # فكأنه في كل هذا جعل الليل بعض الاسم، وكما قال الشاعر: # أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في قعر منحوت من الساج # فكأنه جعل النهار في قيد والليل في جوف منحوت "راجع 80/ 1 سيبويه في: باب ~~من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول ويجري الاسم كما يجري أجمعون على الاسم ~~ينصب بالفعل؛ لأنه مفعول". # وقال: تقول سرقت الليلة أهل الدار فتجري الليلة في سعة الكلام، ومثل ما ~~أجري مجرى هذا في سعة الكلام والاستخفاف: "بل مكر الليل والنهار" فالليل ~~والنهار لا يمكران ولكن المكر فيهما "89/ 1 الكتاب لسيبويه". # وقال: باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام ~~وللإيجاز والاختصار: فمن ذلك أن نقول: صيد عليه يومان أي صيد ms028 عليه الوحش في ~~يومين ولكنه اتسع واختصر، ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار. {واسأل ~~القرية التي كنا فيها والعير التي PageV01P104 # أقبلنا فيها} ، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما ~~كان عاملا في الأهل لو كان ها هنا، ومثله بل مكر الليل والنهار المعنى ~~مكركم في الليل والنهار، وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله، أي بر من آمن ~~بالله، وهذا أكثر من أن يحصى، وقال الجعدي: # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب # "راجع 108-110/ 1 من الكتاب". # هذا بعض ما ذكره سيبويه في كتاب عن المجاز العقلي1. وهو يرشدنا إلى رأي ~~شيخ العربية في مثل هذا الأسلوب.. وبالإمعان فيما نقلناه ها هنا عن سيبويه ~~ندرك أنه يحمل هذه الأساليب وما شابهها -مما حمله المتأخرون على المجاز في ~~الكلام أي على المجاز العقلي- يحملها على السعة في الكلام بالإيجاز والحذف ~~والاختصار، وأصلها على تقدير المضاف، وبهذا التقدير تخرج هذه الأساليب عند ~~سيبويه عن معنى المجاز الذي نفهمه من كلام المتأخرين ... فالمجاز العقلي ~~محمول عنده على السعة في الكلام وحذف مضاف. # وسيأتي نبسط رأي عبد القاهر في ذلك ودفاعه عن أسلوب المجاز العقلي ورده ~~على من يرى أنه محمول على السعة والحذف من علماء العربية كسيبويه ومن نهج ~~نهجه في فهم وتحليل هذا الأسلوب. PageV01P105 # المبرد وأسلوب المجاز العقلي: # وقال صاحب الكامل: "ليلة مزؤودة" أي ذات زؤد وهو الفزع وجعل الليلة ذات ~~فزع؛ لأنها يفزع فيها، قال تعالى: {بل مكر الليل والنهار} أي مكركم في ~~الليل والنهار، وقال جرير: # ونمت وما ليل المطي بنائم. # وقال آخر: # فنام ليلى وتجلى همي. # "65/ 1 كامل النسخة القديمة". # وقال: العرب تقول نهارك صائم وليلك قائم أي أنت قائم وصائم، كما قال ~~تعالى: {بل مكر الليل والنهار} أي في الليل والنهار، وقال: ونمت وما ليل ~~المطي بنائم "104/ 1 كامل المبرد". # وقال: "وأما خلة فثماني"، سماها بالمصدر مثل فإنما هي إقبال وإدبار، ~~نعتها بالمصدر لكثرته منها، ويجوز أن يكون أراد ذات خلة، ومثله: ولكن البر ~~من ms029 آمن بالله "137 ج1 كامل المبرد الطبعة القديمة". # وقال: "ويمسي ليله غير نائم" أي في ليلة، جعل الفعل لليل على السعة مثل ~~فإنما هي إقبال وإدبار، وفي القرآن بل مكر الليل والنهار "248 ج2 كامل ~~المبرد طبعة التجارية". # ذلك ما في كلام المبرد من كلام وتحليل لبعض الأساليب التي جعلها ~~المتأخرون من أسلوب المجاز العقلي. # والمبرد في تحليل هذه الأساليب يجمع بين رأي سيبويه السابق ورأي أخر جديد ~~هو المبالغة، والمبالغة من خصائص المجاز كما نعلم -فيقول في "فإنما هي ~~إقبال وإدبار" نعتها بالمصدر لكثرته منها "137 ج1 كامل"، فهو إذا يجوز في ~~أسلوب "فإنما هي إقبال وإدبار" -وما يشابهه مثله طبعا- أن يكون على ~~المبالغة كما يقول عبد القاهر أي على المجاز، أو على الحذف كما يقول ~~سيبويه، وإذا هو # PageV01P106 # لم يذهب إلى مذهب سيبويه وحده، وقد يكون المبرد قد أراد من المبالغة ~~التشبيه البليغ، هي إقبال، أي شبيهة به. ولكن ذلك بعيد عن الأسلوب وعن مراد ~~المبرد منه كما يخيل لي. # وفي رسالة أخرى للمبرد هي "ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن" يقول ~~المبرد: # وفي القرآن مختصرات، فإن مجاز كلام العرب يحذف كثيرا من الكلام إذا كان ~~فيما يبقى دليل على ما يلقى، فمن ذلك: واسأل القرية التي كنا فيها والعير ~~التي أقبلنا فيها، لما كانت القرية والعير لا يسألان ولا يجيبان علم أن ~~المطلوب غيرهما "ص36"، ولا يجوز على هذا جاء زيد وأنت تريد غلامه؛ لأن ~~المجيء يكون له ولا دليل في مثل هذا على المحذوف. ومثل الأول: ولكن البر من ~~آمن بالله، أي بر من آمن بالله؛ لأن البر لا يكون البار. ونظيره قول ~~الجعدي: ".. أصبحت خلالته كأبي مرحب" أي كخلالة أبي مرحب "32 و33". # ومن المختصر في القرآن قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما ~~لا يسمع} [البقرة: 171] تأويله مثلكم ومثلهم كمثل الناعق بما لا يسمع ~~فاختصر وحذف، كقول النابغة: كأنك من جمال بني أقيش، أي جمل من جمال "35".. ~~والمبرد في ذلك تابع ms030 لسيبويه ناقل عنه، ورأيه عندي صحيح. # ابن المدبر والمجاز العقلي: # يرى ابن المدبر أن أسلوب: {بل مكر الليل والنهار} من الحذف والاتساع، وأن ~~الكتاب ينبغي أن يتجنبوه. "راجع ص18 الرسالة العذراء لابن المدبر نشر ~~الدكتور مبارك". # PageV01P107 # نقد النثر والمجاز العقلي: # وكذلك كتاب "نقد النثر" ضئيل الصلة بالمجاز العقلي. قال: # ومن الاستعارة انطاق ما لا ينطق مثل: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه} ومثل: امتلأ الحوض وقال قطني -وذكر أيضا المثال: فللموت ما تلد ~~الوالدة "66 نقد النثر".. ومن المعلوم أن كلامه في هذا قليل جدا من ناحية ~~البحث البياني وهو متأثر بخطابه أرسطو، حامل لهذه المثل على الاستعارة، كما ~~صنع عبد القاهر بعد. # الآمدي وأسلوب المجاز العقلي: # قال الآمدي في موازنته: المصادر قد تجعل أوصافا في مكان أسماء الفاعلين ~~وإنما تكون أوصافا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم إنما زيد ~~دهره أكل ونوم وإنما عمرو أبدا قيام وقعود، فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ ~~لأنه يدل عليه أو تجعل زيدا نفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على ~~المبالغة؛ لأن ذكل كثير منهما كما قالت: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فجعلت ~~الناقة هي الإقبال والإدبار؛ لأن ذلك كثير منها، وإن شئت كان المعنى ذات ~~إقبال وإدبار فأقمت المضاف إليه مقام المضاف فهذه طريقة الوصف بالمصادر على ~~ما ذكرته، فيقال هند الحسن كله ودعد الجمال أجمعه وزيد الهرم أقصاه وعبد ~~الله التيه بعينه: إن شئت كان المعنى هند صاحبة الحسن كله ودعد ذات الجمال ~~أجمعه وزيد أخو الهرم وعبد الله ذو التيه فأقمت المضاف إليه مقام المضاف ~~مثل واسأل القرية، وإن شئت جعلت هندا هي الحسن ودعد هي الجمال على المبالغة ~~لما كانتا متناهيتين في هذين الوصفين "76 الموازنة طبعة صبيح". # ورأى صاحب الموازنة قد حلله أتم تحليل وإن كان لا يخرج عن رأي المبرد في ~~كثير ولا قليل.. فإن هذه الأساليب كلها بعيدة عن # PageV01P108 # المجاز العقلي إنما هي على الحذف والاختصار، أما ما ذكره في الكامل من ~~الأساليب من ms031 مثل: نهارك صائم وليلك قائم فقد حملهما على المبالغة أو على ~~الحذف كما سبق: وسيبويه يحملها كلها على الحذف. # ومن تتمة الفائدة: أن ننقل هذا النص عن المبرد وإن لم يكن وثيق الصلة ~~بالمجاز العقلي، قال المبرد: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات: 56] {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} مجاز مصيره على ذا كقوله ~~تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] وهم لا ~~يتلقطونه مقدرين فيه ذلك ولكن تقديره: فكان مصيره إلى عداواتهم وحزنهم، ~~ومثله: ودورهم بخراب الموت نبنيها، أي إلى هذا تصير، ومثل قول ابن الزبعري ~~فللموت ما تلد الوالدة، أي أن هذا مصيرهم "26-28 ما اتفق لفظه للمبرد". # خطابة أرسطو والمجاز العقلي: # وقد ترجمت في القرن الثالث الهجري ولم يتأثر بها أئمة البيان كثيرا في ~~فهم هذا الأسلوب، وإنما كان جل تأثرهم بآراء علماء العربية كسيبويه والمبرد ~~وابن فارس، وليس فيها إلا كلام قريب الصلة بالمجاز العقلي: قال: # "ومن التغيرات الاستعارية اللذيذة أن ينسب الأمر إلى صفة الفاعل مثل ~~الشيخوخة تفعل الخير بدل الشيخ".. وقال: ومن أنواع الاستعارة اللفظية أن ~~تجعل أفعال الأشياء غير المتنفسة كأفعال ذوات الأنفس مثل الغضب لجوج "راجع ~~باب العبارة في فن الخطابة في الشفاء لابن سينا". # فهو ها هنا يجعل هذه الأساليب استعارة فقط، لا حذفا كما ذهب إليه سيبويه. ~~وصنيع الخطابة في هذا هو صنيع عبد القاهر، فقد جعل ما شابه هذه الأساليب ~~مجازا عقليا ورد أن تكون من الحذف بسبيل. # PageV01P109 # ابن فارس وأسلوب المجاز العقلي: # قال ابن فارس: ومن اللامات لام العاقبة: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا} لم يلتقطوه لذلك ولكن صارت العاقبة ذلك "87 الصاحبي لابن ~~فارس". # وقال: ومن سنن العرب الحذف والاختصار، ومنه "واسأل القرية" أراد أهلها، ~~وبنو فلان يطؤهم الطريق أي أهله، ومنه نطأ السماء أي مطرها، وعلى خوف من ~~فرعون: {إذا لأذقناك ضعف الحياة} أي ضعف عذابها "175 الصاحبي". # وقال: ومن سنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلا في الحقيقة مثل جدارا ms032 ~~يريد أن ينقض وهو في شعر العرب كثير "179 و180 الصاحبي". # وقال: باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل، تقول سر كاتم أي مكتوم، وفي القرآن ~~لا عاصم اليوم من أمر الله أي لا معصوم، ومن ماء دافق، وعيشة راضية أي مرضي ~~بها، وحرما آمنا أي مأمونا فيه.. قيل ويأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله: ~~{إنه كان وعده مأتيا} . أي آتيا "187 و188 الصاحبي". # وقال: ومن سنن العرب وصف الشيء بما يقع أو يكون منه كقولهم يوم عاصف أي ~~عاصف الريح؛ لأن عصوف ريحه يكون فيه، ومثله ليل نائم، وليل ساهر؛ لأنه ينام ~~فيه ويسهر، قال أوس: خذلت على ليلة ساهرة، وقال عمرو بن براق: "وليلك من ~~ليل الصعاليك نائم". ومثله، "وما ليل المطي بنائم". ويقولون: لا يرقد وسادة ~~يريدون متوسد الوساد "188 الصاحبي".. وقال: ومن سنن العرب التوهم والإيهام ~~وهو أن يتوهم أحدهم شيئا ثم يجعله كالحق كمساءلة الرسوم "192".. وقال: ومن ~~سنن العرب الإضمار: # PageV01P110 # إضمار الأسماء، وإضمار الأفعال، وإضمار الحروف "196-198 الصباحي"- والعرب ~~تضمر الفعل فيشتبه المعنى حتى يعتبر فيوقف على المراد مثل "فإني لا ألام ~~على دخول" أي على ترك دخول، وقال الأعشى: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا، أي من ~~أجل آل ليلى "ص198 و199". وقال: باب إضافة الشيء إلى ما ليس له مثل سرج ~~الفرس وثمرة الشجرة وغنم الراعي "ص205". وقال: باب اقتصارهم على ذكر بعض ~~الشيء. وهم يرديون كله ومنه: ويبقى وجه ربك إلخ. "212 و213". # وبالتأمل فيما ذكره ابن فارس في الصاحبي نجده يفرق بين باب الحذف وباب ~~المبالغة والمجاز، فيذكر مثل الحذف ويجعلها من الحذف، ويذكر مثل المبالغة ~~كليل نائم ويجعلها من وصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه. # وابن فارس في هذا جد دقيق متحر للصواب فيما يرى ويقول. # ابن الأثير والمجاز العقلي: # كذلك لم يعرض ابن الأثير في المثل السائر للمجاز العقلي، وإنما جعل ~~المجاز ثلاثة أقسام: توسع في الكلام وتشبيه واستعارة: # فالتوسع يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول ms033 ~~والمنقول إليه لطلب التوسع في الكلام، وهو ضربان: ### | 1- # ما يرد على وجه الإضافة واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف والمضاف ~~إليه، وذلك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا ~~مناسبة بين الطرفين، كان ذلك قبيحا مثل بح صوت المال وماء الملام. # PageV01P111 ### | 2- # ما يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه مثل: قالتا أتينا ~~طائعين، فنسبة القول إلى السماء من باب التوسع؛ لأنهما جماد لا ينطق، وعلى ~~هذا ورد مخاطبة الطلول ... وهذا النوع الثاني قريب من أسلوب المجاز العقلي، ~~وابن الأثير يعده من التوسع الذي هو قسم من أقسام المجاز. # عبد القاهر والمجاز العقلي: # ليس عبد القاهر أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي، فقد تقدمه كثير من ~~العلماء: كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس.. وفي هذا ما يبطل الرأي ~~القائل بأن المجاز الحكمي -العقلي- من ابتداع عبد القاهر وحده، وهو رأي ذهب ~~إليه الدكتور طه حسين في مقدمته لكتاب نقد النثر. # وبلاغة المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق إلى بيانها باختصار وفي ~~خفية المبرد والآمدي. # وجملة ما ذكره عبد القاهر في كتابيه الأسرار والدلائل عن المجاز العقلي.. ~~هي: ### | 1- # إثبات وجود المجاز العقلي وبيان سر الفروق بينه وبين المجاز في الكلمة. ### | 2- # بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي. ### | 3- # بيان حد هذين النوعين من المجاز "المجاز الحكمي والمجاز في المفرد". ### | 4- # بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي والفرق بينه وبين الأحاديث ~~الكاذبة. # PageV01P112 ### | 5- # الكلام على بلاغة المجاز العقلي ودرجاته في البلاغة -من العامية ~~والخاصية- وأن تقدير الحقيقة في الإسناد المجازي قد لا يتأتى في الأسلوب، ~~وتوضيح سر دقة الأساليب الخاصية في المجاز العقلي، وتأويل نظرية علماء ~~النحو التي يذهبون فيها إلى أن أسلوب المجاز الحكمي على تقدير مضاف، ~~والدفاع عن بلاغة المجاز الحكمي التي يهتضمها مثل هذا التقدير الحائف ~~والتأويل البعيد. # وهذه الآراء مبسوطة في كتابي "عبد القاهر، والبلاغة العربية" بسطا وافيا، ~~فليرجع إليها من أراد. # الراغب الأصفهاني والمجاز العقلي: # أكثر الأسباب التي يحتاج الفعل إليها في وجوده ms034 كما يقول الراغب عشرة: ~~فاعل يصدر عنه كالنجار وعنصر يعمل فيه كالخشب وعمل كالنجر، وزمان ومكان ~~يعمل فيهما، وآلة يعمل بها كالمنجر، وغرض قريب كاتخاذ النجار، وغرض بعيد ~~كتحصين البيت به، ومثال يعمل عليه ويقتدي به، ومرشد يرشده.. وكل قد ينسب ~~إليه الفعل فيقال أعطاني زيد إذا باشر الإعطاء وأعطاني الله لما كان هو ~~الميسر له وربما جمع بين السببين: البعيد والقريب فيقال: أعطاني الله وزيد، ~~قال الشاعر: # حبانا به جدنا والإله ... وضرب لنا أجذم صارم # فنسب إلى الأول وهو الله وإلى السبب المتأخر وهو الضرب وإلى المتوسط وهو ~~الجد.. وقال: الله يتوفى الأنفس حين موتها، فأسند إلى الآمر به، قل يتوفاكم ~~ملك الموت، فأسند إلى المباشر له، وقال الشاعر: # وألبسنيه الهالكي.. # وقال: # كساهم محرق1 # فنسب PageV01P113 # الفعل إلى عاملها وفي الثاني إلى مستعملها، وقال في صفة نبال: كستها ~~ريشها مضرحية، فنسب كسوتها إلى الطائر الذي أخذ ريشه فجعل لها: وقيل يداك ~~أوكتا وفوك نفخ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة. # ويقال سيف قاطع فنسب إلى الآلة المنفصلة. وقيل ضرب قاطع وطعن جائف فنسب ~~إلى الحدث. وسر كاتم وعيشة راضية، فنسب إلى المفعول. وقال تعالى: حرما ~~آمنا. فنسب إلى المكان. وقيل يوم صائم وليل ساهر، وما ليل المطي بنائم، ~~فنسب إلى الزمان.. ولما كانت أفعالنا على ذلك صح في الفعل الواحد أن ينسب ~~إلى أحد الأسباب مرة وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين. وقال: # أعطيت من لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاء حرمت من لم تحرم # فأثبت له الفعل ونفاه عنه بنظرين مختلفين.. وهذا فصل من تأمله لم يعتمد ~~في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر ~~في مثل هذا من المعنى إلى اللفظ. ومن أجل هذا قال قوم من المحصلين لا فاعل ~~في الحقيقة لأي شيء من الأفعال إلا الله تعالى فإن فعله يستغني عن الزمان ~~والمكان والمادة، ومن عداه من الفاعلين فإن له من كل ذلك وبعضه، ولهذا لا ~~يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره ms035 تعالى لا حقيقة ولا مجازا ويصح أن ينسب فعل ~~الله تعالى إلى كل ما تقدم ذكره "180-182 الذريعة إلى مكارم الشريعة". # وبهذا نرى أن الراغب ينفي المجاز العقلي كافة، ولكن في نظري أنه إنما ~~ينظر إلى المعاني كما قال في آخر كلمته، ويوجه الألفاظ في دلالتها إلى ما ~~تقتضيه المعاني، ولا ينظر إلى النظم والأسلوب وكيفية أدائه للمعنى من حقيقة ~~أو مجاز، فهو عن هذا في واد بعيد، وشغل شاغل. # PageV01P114 # صاحب المصباح1 وأسلوب المجاز العقلي: # وقد تأثر بدر الدين في كتابه في بحث المجاز العقلي بالسكاكي: # قال: المجاز العقلي هو الكلام المزال إسناده عما هو له عند المتكلم إلى ~~غيره بضرب من التأويل والمراد بما الإسناد له عند المتكلم ما يعتقد قيام ~~الفعل به أو صدوره عنه، ولم أقل بغير العقل؛ لأنا لم نرهم يحملون نحو "أشاب ~~الصغير البيت" على المجاز ما لم يعلموا أو يظنوا صدوره عن غير جهل، أوما ~~ترى كيف استدلوا على أن إسناد "ميز" إلى الجذب في قوله: # ميز عنا قنزعا عن قنزع ... جذب الليالي أبطئي أو أسرعي # مجاز بأن أتبعه قوله: "أفناه قيل الله إلخ" الشاهد لنزاهته أنه يريد ~~الظاهر، وقولي بضرب من التأويل مخرج للكذب. وسمي هذا الضرب مجازا عقليا ~~لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي من غير تغيير للوضع. ومن شرط هذا المجاز ~~أن يكون للمسند إليه شبه بالمتروك في تعلقه بالعامل "69 و70 المصباح". # فهو يثبت المجاز العقلي ويفسره ويبين شروطه ويفرق بينه وبين الكذب. # "حسن التوسل في صناعة الترسل" والمجاز العقلي: # وهذا الكتاب متأثر في بحث أسلوب المجاز العقلي بعبد القاهر، قال: المجاز ~~مفعل من جاز يجوز إذا تعداه. فإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه ~~مجاز بمعنى أنهم قد جاوزوا به موضعه الأصلى أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه ~~أولا؛ لأنه ليس بموضع أصلي لهذا PageV01P115 # اللفظ ولكنه مجازه ومتعداه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعداه إلى ~~مكانه الأصلى1.. وحدهما -الحقيقة والمجاز- في المفرد: أن كل كلمة أريد ms036 بها ~~ما وضعت له فهي حقيقة "117 المرجع المذكور" كالأسد للحيوان واليد للجارحة، ~~وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز كالأسد للشجاع واليد للنعمة أو ~~القوة، وحدهما في الجملة: أن كل جملة كان الحكم الذي دلت عليه كما هو في ~~العقل فهي حقيقة مثل خلق الله الخلق، وكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن ~~موضعه في العقل لضرب من التأويل فهي مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شيء ~~يضاهي الفاعل كالمفعول به في عيشة راضية. أو المصدر في شعر شاعر، أو الزمان ~~في ليلة نائم، أو المكان في طريق سائر، أو المسبب في بنى الأمير المدينة، ~~أو السبب في وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، فمجاز المفرد لغوي ويسمى ~~مجازا في المثبت ومجاز الجملة عقلي ويسمى مجازا في الإثبات، فالمجاز قد ~~يكون في المثبت وحده مثل: فأحيينا به الأرض بعد موتها، وقد يكون في الإثبات ~~وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي كما ذكرنا. وقد يكون فيهما جميعا ~~كقولك آنستني رؤيتك أي سرتني فجعل المسرة حياة، وأسندها إلى الرؤية وهو ~~مجاز في الإثبات "118 حسن التوسل". PageV01P116 # الزمخشري والمجاز العقلي: # قال في الكشاف في تفسير الآية الكريمة: {ختم الله على قلوبهم} ما نصه: ~~ويجوز أن يستعار الإسناد نفسه من غير الله لله فيكون الختم مسندا إلى الله ~~على سبيل المجاز وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أن للفعل ملابسات شتى يلابس ~~الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل ~~حقيقة، وقد يسند إلا هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك ~~لمضاهاتها الفاعل في ملابسته الفعل1 كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته ~~فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية وماء دافق وفي عكسه: سيل ~~مفعم وفي المصدر شعر شاعر وذيل ذائل وفي الزمان نهاره صائم وليله قائم، وفي ~~المكان طريق سائر ونهر جار، وأهل مكة يقولون: صلى المقام، وفي المسبب بنى ~~الأمير المدينة، وقال الشاعر: # إذا رد عافى القدر من يستعيرها. # فالشيطان هو الخاتم في ms037 الحقيقة أو الكافر إلا أن الله لما أقدره ومكنه ~~أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب. # وقال في الأية الكريمة: {فما ربحت تجارتهم} ما نصه: فإن قلت كيف أسند ~~الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها. قلت: هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند ~~الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين. ~~PageV01P117 # الشهاب الخفاجي وأسلوب المجاز العقلي: # جاء في طراز المجالس للشهاب الخفاجي م سنة 1069ه ما نصه: # قال الأبهري في شرح العضد: الفاعل لا بد أن يكن سببا قابليا لفعله ليصح ~~الإسناد إليه لغة، فإذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببا قابليا له يجعل مجازا ~~عن فعل آخر مناسب1 له يكون الفاعل قابليا3 له، ويكفي في هذا التسبب أن يعد ~~الفاعل سببا قابليا له في عرف العرب وعادتهم ولا يجب أن يكون محلا له في ~~الحقيقة، فإنهم لا ينظرون في الإسناد إلى ذلك، ويرون جهة الإسناد -في نحو: ~~سرتني رؤيتك ومات زيد وضرب عمرو- واحدة من حيث أن الفاعل فيها سبب قابل ~~لأفعاله عادة وإن كان موجدها هو الله حقيقة، فقول الشيخ عبد القاهر: ~~"الإسناد في سرتني رؤيتك مجاز إذ فاعله في الحقيقة هو الله والمعنى سرني ~~الله عند رؤيتك، وفي الآخرين حقيقة" بعيد؛ لأن موجد الضرب أيضا هو الله لما ~~ثبت من قاعدة خلق الأفعال، وكذا محدث الموت اتفاقا لكن العرب لا يخطر ~~ببالهم عند إسناد الضرب إلى عمرو والمسرة للرؤية أن فاعلها غير المذكور. ~~قال الشهاب: وهذا كلام دقيق، ولكن فيه بحث من وجهين: ### | 1- # كيف يتم قوله: إذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببا قابليا له يجعل مجازا عن ~~فعل آخر مناسب له يكون الفاعل قابليا له، فإنه يقتضي أنه لو أسند إلى ~~الموجد الحققي كخلق الله السموات والأرض يكون مجازا، وهذا يأباه العقل ~~والنقل، وكون هذا لا بد فيه من التجوز في PageV01P118 # الفعل أيضا لا وجه له لجواز التجوز في الإسناد، فما وجه الحصر؟. ### | 2- # كيف يشترط في الإسناد الحقيقي أن يكون ms038 الفاعل سببا قابليا، دائما في ~~اللغة. بناء على أن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي، مع أن اللغة ~~واستعمال العرب يشهد بخلافه في مواضع كثيرة: منها ما ذكر من الإسناد ~~للموحد، ومنها أن الفعل يوضع للإعدام الصرفة كفقد وعدم وقد يسند للرجل ~~حقيقة ما يقبله غيره ويقوم به مثل قطف، وهذا كله يقتضي أن الحقيقة والمجاز. ~~يدوران على اعتبار اللغة وواضعها. # والذي تحرر عندي وهو ما رد به الأبهري: أن الفاعل الواقع في التخاطب لا ~~سيما في اللسان العربي هو من تلبس بالفعل وقام به أو كان سببا قابليا عاديا ~~في الإثبات، أو ما هو في حكمه، وليس هذا على الإطلاق بل إذا كان الشيء ~~موجدا وفاعلا حقيقيا. وكان له أمر آخر قام به أو نسب له على الوجه المذكور ~~فإنه يسند حقيقة إلى الثاني دون الأول، فإن لم يكن إلا الأول كخلق الله ~~السموات يسند حقيقة إلى الموجد، وإنما الكلام ومحل النزاع هو الأول، ثم ~~السبب القابل ليس المراد به ما هو كذلك حقيقة بل هو وما جرى مجراه، ولذا ~~عول فيه على عادة العرب في عرف تخاطبهم، ومن كان له دراية وطالع أساس ~~البلاغة للعلامة وفقه اللغة للثعالبي وقف على سر هذا "204-206 طراز ~~المجالس". # PageV01P119 # والخلاصة: # أن أسلوب المجاز العقلي قد اختلف فيه العلماء: ### | 1- # فسيبويه ومن تابعه يقولون: هو على تقدير محذوف -نقام ليلي أي نمت في ~~ليلي. ### | 2- # وأناس يقولون: المجاز في الفعل وحده وهو "نام" ... فهو فيه مجاز لغوي لا ~~غير، ويرد عبد القاهر هذا الرأي ردا مطولا في كتابه "الأسرار". ولكن ~~الأبهري اتخذ ذلك مذهبا في شرحه على العضد، ورد على ذلك الخفاجي في "طراز ~~المجالس". ### | 3- # وأخرون يقولون: المجاز في الفاعل وحده وأنه على تشبيهه بالفاعل الحقيقي، ~~وعبد القاهر يرد على ذلك، ولكن الزمخشري يلوح كلامه باعتقاده هذا الرأي، ~~والسكاكي ذهب إليه وحده، وجعله مذهبا له في التخلص من المجاز العقلي. ### | 4- # وعبد القاهر يرى أن المجاز في الإسناد، وأن تشبيه الفاعل غير الحقيقي ~~بالفاعل الحقيقي إنما هو ms039 عبارة على العلاقة في هذا التجوز العقلي وأن تقدير ~~المضاف في أسلوب المجاز العقلي صار كالشريعة المنسوخة، فهو غير منظور إليه ~~الآن ... # ولا شك أن رأي عبد القاهر هو أمثل هذه الآراء في فهم بلاغة هذا الأسلوب. # PageV01P120 ### | حول المجاز العقلي ### | 1- # الحقيقة العلمية والمجاز العقلي عند الخطيب من صفة الإسناد لا الكلام، ~~حيث قال: "ثم الإسناد منه حقيقة عقلية ومجاز عقلي"؛ لأن المتصف بالحقيقة ~~والمجاز في الواقع هو ما تسلط عليه التصرف # PageV01P120 # العقلي وهو الإسناد، فاتصاف الكلام بهما بالتبع للأمر العقلي وهو ~~الإسناد، واتصاف الإسناد بهما بطريق الأصالة، فجعل الإسناد معروضا لهما. ~~وذلك أولى -لكون ذلك بالأصالة- من جعل الكلام معروضا لهما؛ لأن ذلك بالتبع، ~~وكلام الزمخشري يؤيد الخطيب. أما السكاكي فجعلهما صفتين للكلام حيث قال: ~~"المجاز العقلي هو الكلام المقاد به خلاف ما عند المتكلم إلخ"، والحقيقة ~~العقلية هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم إلخ". # أما كلام عبد القاهر من قوله: "مجاز واقع في الإثبات" وقوله "الإضافة في ~~الاسم كالإسناد في الفعل"، فظاهره أن المتصف بذلك هو الإسناد. ولكن قوله في ~~حد الحقيقة في الجملة: "كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو ~~عليه في العقل وواقع موقعه فهو حقيقة"، وفي حد المجاز العقلي فيها: "فكل ~~جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل لضرب من التأويل فهو مجاز"، ~~وقوله "لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد الأمرين"، كل ذلك ~~يوهم أنهما عنده صفتان للكلام لا للإسناد. # ولكن الحق أن عبد القاهر يجعلهما وصفا للإسناد بالذات فإذا وصف بهما ~~الكلام فباعتبار اشتماله على الإسناد. فرأيه مؤيد لما سبق عن الخطيب، وهذا ~~ظاهر مما نقله ابن الحاجب في رأي الشيخ، عبد القاهر أيضا من أنه يجعلهما ~~وصفا للإسناد، كما أن ذلك هو رأي جمهور علماء البلاغة، ولكن السعد يرى أن ~~عبد القاهر يجعلهما وصفا للكلام كصاحب المفتاح، والحق أن السعد في ذلك قد ~~وهم بظاهر بعض كلام عبد القاهر، فالحق أن عبد القاهر يرى أنهما ms040 وصفان ~~للإسناد. ثم قال السعد: "قال الخطيب: وإنما اخترنا أنهما صفة للإسناد؛ لأن ~~نسبة الشيء الذي يسمى حقيقة أو مجازا إلى العقل على هذا لنفسه بلا واسطة ~~وعلى قولهما "عبد القاهر والسكاكي" لاشتماله على ما ينسب إلى العقل أعني ~~الإسناد، يعني الخطيب أن # PageV01P121 # تسمية الإسناد حقيقة عقلية إنما هي باعتبار أنه ثابت في محله ومجاز ~~باعتبار أنه متجاوز إياه والحاكم بذلك هو العقل دون الوضع؛ لأن إسناد كلمة ~~إلى كلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة. # فإن ضرب مثلا لا يصير خبرا عن زيد بواضع اللغة بل بمن قصد إثبات الضرب ~~فعلا له وإنما الذي يعود إلى الواضع أنه لإثبات الضرب دون الخروج وفي ~~الزمان الماضي دون المستقبل1 فالإسناد ينسب إلى العقل بلا واسطة والكلام ~~ينسب إليه باعتبار أن إسناده منسوب إليه".. فالسعد يثبت هنا أمرين: ### | 1- # أن المجاز في الإسناد عقلي وكذلك الحقيقة في الإسناد عقلية. ### | 2- # أن المجاز والحقيقة العقليين راجعان إلى الإسناد. # فالخلاصة أنهما وصفان للإسناد إلا عند السكاكي على أن كلام السكاكي ربما ~~أمكن تأويله، أفلا تراه يقول: المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما ~~عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل والحقيقة هي الكلام المفاد به ما ~~عند المتكلم من الحكم فيه فيجعل مناطهما الحكم "وهو الإسناد"، ويسميه -تبعا ~~لعبد القاهر- أحيانا مجازا حكميا ومجازا في الإثبات، أفلا يدل ذلك على أن ~~السكاكي يعتبر التجوز إنما هو أولا في الإسناد، فيكون على هذا وصفا له، قال ~~السبكي: بل لا يصح من جهة المعنى إلا ذلك. # الحق أن جمهور علماء البلاغة على أن المجاز والحقيقة العقليين إنما هما ~~وصف للإسناد، وما يوهمه كلام السكاكي فمؤول، وتأويل ما يوهمه عبد القاهر في ~~ذلك أظهر في باب التأويل إذ لا يحتاج في تأويله إلى دليل. PageV01P122 ### | 2- # ذكر الخطيب المجاز العقلي في علم المعاني وذكره السكاكي في علم البيان. ~~أما حجة الخطيب فهي أن المجاز العقلي داخل في تعريف علم المعاني لا البيان ~~فكأنه مبني على أنه من الأحوال المذكورة ms041 في تعريف المعاني كالتأكيد ~~والتجريد عن المؤكدات، فهو من أحوال اللفظ -بواسطة أنه من أحوال الإسناد- ~~التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، قال السعد: "وفيه نظر؛ لأن علم المعاني ~~إنما يبحث عن الأحوال المذكورة من حيث إنها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال ~~وظاهر أن البحث في الحقيقة والمجاز العقليين ليس من هذه الحيثية -وإلا لو ~~كانا من الأحوال المعهودة لذكر المصنف الحال التي تقتضي الحقيقة والمجاز ~~كما ذكر في غيره من المباحث الآتية- فلا يكون داخلا في علم المعاني وإلا ~~فالحقيقة والمجاز اللغويان أيضا من أحوال المسند أو المسند إليه"، هذا ~~اعتراض قوي من السعد، تخلص منه بعض العلماء بحجة واهية وهي أن الخطيب إنما ~~ذكر المجاز والحقيقة العقليين هنا على طريق الاستطراد لا غير أي لا ~~لمناسبة. # أما حجة السكاكي في ذكرهما في علم البيان فقوية، قالوا: لما كان علم ~~البيان موضوعا لبيان ما يعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطريق مختلفة في ~~وضوح الدلالة واختلاف الطرق يكون بالحقيقة والمجازية في الجملة، أوردهما في ~~علم البيان، ولكن الخطيب -كما سبق- راعى أنهما من أحوال الكلام المفيد، ~~باعتبار عروضهما لإسناده الذي به صار مفيدا، والكلام المفيد تراعى فيه ~~المعاني الزائدة على أصل المراد ليطابق بها الكلام مقتضى الحال، بخلاف ~~الحقيقة والمجاز اللغويين فليسا من أحوال الكلام المفيد بل من أحوال ~~أجزائه، والمفيد من حيث أنه مفيد بالإسناد هو المعروض للمعاني الزائدة على ~~أصل المعنى المراد ليطابق بها مقتضى الحال كما تقدم. # قال ابن يعقوب: لكن يرد على هذا أنهما يكونان من علم المعاني أن ذكرا فيه ~~من حيث المطابقة لمقتضى الحال، ولم يذكرا فيه # PageV01P123 # من تلك الجهة والحيثية بل من حيث تفسيرهما وذكر أقسامهما، وقد يجاب عن ~~هذا بأن تصور حقيقتهما يدرك معه بسهولة ما يذكر في علم المعاني من كيفية ~~الاستعمال للمطابقة لمقتضى الحال؛ لأنه إذا علم أن المجاز يفيد تأكيد ~~الملابسة علم أنه لا يعدل إليه عند اقتضاء المقام لذلك التأكيد مثلا فكأنه ~~ذكر ولم يصرح به لوضوحه. # الحق مع السكاكي ms042 في عدهما من علم البيان، وما قيل عن عدهما في المعاني ~~تكلف محض، ولابن السبكي رأي غريب في توجيه حجة السكاكي في عدهما من البيان، ~~قال: جعلهما السكاكي في علم البيان؛ لأنه كان ينكر هذه الحقيقة وهذا المجاز ~~فلذلك ذكرهما ثم. ### | 3- # المجاز والحقيقة العقليان وصف للإسناد مطلقا سواء كان خبريا أو إنشائيا ~~ولهذا قال الخطيب "ثم الإسناد منه حقيقة عقلية إلخ" فأتي بالاسم الظاهر دون ~~الضمير -وإن كان المحل للضمير حيث كان السياق أن يقول ثم منه- لئلا يتوهم ~~عوده على الإسناد المقيد بالخبرى في قوله "أحوال الإسناد الخبري، وارتكاب ~~الاستخدام في الكلام خلاف الأصل"، ولا يرد أن المعرفة إذا أعيدت بلفظ ~~المعرفة كانت عين الأولى فما لزم على الإتيان بالضمير لازم على الإتيان ~~بالاسم الظاهر؛ لأنا نقول ليس هذا كليا بل مقيد بما إذا خلا عن قرينة ~~المغايرة. ومما يدل على أن المراد الإسناد مطلقا الأمثلة الآتية من نحو: ~~{يا هامان ابن لي صرحا} . وليس المراد خصوص الخبري كما قد يتوهم من كون ~~البحث في الإسناد الخبري. # والحقيقة والمجاز العقليان يقتضي ذكرهما في الإسناد الخبرى وجعلهما وصفا ~~للإسناد مطلقا -إنشائيا كان أو خبريا- اختصاصهما بالإسناد التام؛ لأن ~~الإنشاء والإخبار وصفان له. مع أنهما لا يختصان بالإسناد التام بل يكونان ~~في الإسناد الناقص كما في إسناد المصدر للفاعل وللمفعول به مثل أعجبني ضرب ~~زيد وجري النهر وأعجبني إنبات الله البقل أو إنبات الربيع البقل. # PageV01P124 # وأجاب الحفيد بأن المراد بالإنشائي والإخباري الإسناد في الجملة ~~الإنشائية والإخبارية سواء كان تاما أو ناقصا فتناول ما ذكر، فالمراد ~~بالإسناد مطلق النسبة مجازا مرسلا من إطلاق المقيد على المطلق فإن الإسناد ~~هو النسبة التامة واستعمل في مطلق النسبة: تامة كالإسنادية أم غير تامة مثل ~~الإضافية والإيقاعية. وأجاب المطول بأن المراد بالإسناد أعم من أن يكون ~~صريحا أو مستلزما. # قال الخطيب: والمجاز العقلي غير مختص بالخبر بل يجري في الإنشاء، كقوله ~~تعالى: {يا هامان ابن لي صرحا} وقوله تعالى: {فأوقد لي يا هامان على الطين ~~فاجعل لي صرحا} ms043 وقوله تعالى: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} وقد سبق إلى ~~ذلك السكاكي "169 المفتاح". # وقال السعد نقلا عن السكاكي: لما كان تقييده بالمجاز في الإثبات وإيراده ~~في أحوال الإسناد الخبرى يوهم اختصاصه بالخبر؛ لأن الإثبات لا يتحقق في ~~الإنشاء إذ الإثبات يقابل الانتزاع، وكل منهما حكم، ولا حكم في الإنشاء؛ ~~لأنه من قبيل التصورات، قال الخطيب وهو غير مختص بالخبر بل يجري في الإنشاء ~~كما في {يا هامان ابن لي صرحا} أي قصرا عاليا. # فالمجاز العقلي يدخل في الخبر، ويدخل في الإنشاء ويظهر ذلك في دخوله في ~~أنواع الإنشاء الآتية: ### | 1- # الأمر 2- النهي 3- الاستفهام عند ابن يعقوب لا السبكي 4- أما النداء فلا ~~تقدر على دخول المجاز العقلي فيه كما قال السبكي 5- وأما غير الإنشاء ~~الطلبي: فالقسم لا تكاد تقدر عليه كما ذكره السبكي، والعلاقة في المجاز ~~العقلي في الإنشاء كما هي في الخبر، فقد تكون السببية مثل ابن لي صرحا أو ~~المكانية مثل ليت النهر جار أو الزمانية مثل ليصم ليلك أو الآلة مثل لتقطع ~~السكين إلخ. # PageV01P125 ### | 4- # ومما سبق الإشارة إليه في الملاحظة السابقة نعلم أن المجاز العقلي أعم من ~~أن يكون في النسبة الإسنادية أو غيرها، فكما أن إسناد الفعل إلى غير ما حقه ~~أن يسند إليه مجاز، فكذا إيقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه، وإضافة ~~المضاف إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ لأنه جاز موضعه الأصلي، فالمذكور في ~~الخطيب إما تعريف للمجاز العقلي في الإسناد خاصة أو لمطلقه باعتبار أن يجعل ~~الإسناد المذكور في التعريف أعم من أن يدل عليه الكلام بصريحه كما مر أو ~~يكون مستلزما له كما في: {شقاق بينهما} فإنه جعل البين شقاقا في الآية، ~~وكما في {مكر الليل والنهار} حيث جعل الليل والنهار ماكرين، وكما في يا ~~سارق الليلة أهل الدار فإنه جعل الليل مسروقة، وكما في {ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين} ، حيث جعل الأمر مطاعا ... وكذا فيما جعل فيه الفاعل المجازي ~~تمييزا كقوله تعالى: {أولئك شر مكانا وأضل سبيلا} [الفرقان: 34] ؛ لأن ~~التمييز ms044 في الأصل فاعل، قال السعد: واعلم أن المجاز العقلي قد يدل عليه ~~صريحا كم مر، وقد يكون كناية كما ذكروا في قولهم "سل الهموم" أنه من المجاز ~~العقلي حيث جعل الهموم مخزونة بقرينة إضافة التسلية إليها، فافهم ولا تقصر ~~المجاز العقلي على ما يفهم من ظاهر كلام السكاكي والخطيب، وقال الدسوقي: ~~المجاز العقلي والحقيقة العقلية يجريان في الإضافة مثل أعجبني جري الماء في ~~النهر وجري النهر، وفي الإيقاعية مثل نومت ابني في الليل ونومت الليل أي ~~أوقعت النوم عليه، فلا تختص الحقيقة والمجاز بالنسبة الإسنادية كما يوهمه ~~كلام الخطيب؛ لأنهما كما يجريان في الإسنادية يجريان في الإضافة وهي النسبة ~~الواقعة بين المضاف والمضاف إليه، وفي الإيقاعية وهي نسبة الفعل للمفعول ~~فإن الفعل المتعدي واقع على المفعول أي متعلق به -ولكن يلاحظ أن ظاهر هذا ~~يقتضي أن الايقاعية غير تامة مع أن نسبة الفعل للمفعول إنما تعتبر بعد ~~التمام فكان الأولى الاقتصار على الإضافية إلا أن يقال إنهم التفتوا إلى ~~نسبة الفعل للمفعول في حد ذاته بقطع النظر عن نسبته # PageV01P126 # للفاعل ولا شك أنها غير تامة.. فنحو أعجبني جري الأنهار من النسب ~~الإضافية وهو مجاز عقلي وكذلك أعجبني إنبات الربيع البقل، فهما مجازان في ~~النسبة الإضافية لكن هذا إذا جعلت الإضافة بمعنى اللام وأما لو جعلت بمعنى ~~في فلا يكون مجازا بل حقيقة، فلا بد من النظر لقصد المتكلم ونفس الأمر فإن ~~كان ما قصده مناسبا بحسب نفس الأمر فحقيقة وإلا فمجاز. ومجرد مناسبة نوع من ~~الإضافة لا يقتضي أن تكون حقيقة ما لم يقصده. ### | 5- # حديث المجاز العقلي أنه تجوز في الإسناد كما قال الخطيب أو تجوز في ~~النسبة أعم من أن تكون إسنادا أو إضافة أو إيقاعا مصرحا بها أو مكنية عنها ~~كما رأى السعد، فما الحكم إذا في: # أ- وصف الفاعل أو المفعول بالمصدر نحو رجل عدل، فإنما هي إقبال. # ب- وصف الشيء بوصف محدثه وصاحبه مثل الكتاب الحكيم والأسلوب الحكيم، فإن ~~المبني للفاعل قد أسند إلى المفعول لكن لا إلى ms045 المفعول الذي يلابسه ذلك ~~المسند بل فعل آخر من أفعاله مثل أنشأت الكتاب.. فإن كلامه ظاهر في أن ~~المفعول الذي يكون الإسناد إليه مجازا يجب أن يكون بما يلابسه ذلك المسند. ~~وكذا ما أسند إلى المصدر الذي يلابسه فعل آخر من أفعال فاعله نحو الضلال ~~البعيد فإن البعيد إنما هو الضال وكذا العذاب الأليم فالأليم هو المعذب ~~فوصف به فعله مثل جد جده، كذا في الكشاف وظاهر أن هذا المصدر مما يلابسه ~~ذلك المسند. # أما الجواب عن الأول فقد قالوا: أنه ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأنه إسناد إلى ~~المبتدأ -والإسناد إليه ليس بحقيقة ولا مجاز عند الخطيب- هذا بعيد، والحق ~~أنه مجاز، كما ذهب إليه عبد القاهر # PageV01P127 # ومن سبقه، وكما يمليه الذوق السليم، قال عبد القاهر في الدلائل: "لم ترد ~~بالإقبال والإدبار غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة وإنما المجاز في ~~أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار، فليس ~~المراد تشبيهها بالإقبال حتى يكون تشبيها بليغا، ولا المراد ذات إقبال ولو ~~كان صحيح المعنى؛ لأن ذلك يفيت المبالغة المقصودة للشاعر وهي كونها لكثرة ~~وقوع الإقبال والإدبار منها صارت نفس كل منهما". # وأما الجواب عن الثاني فهو أن الملابسة أعم من أن تكون بواسطة حرف أو ~~بدونها، وهذه الصورة من قبيل الأول؛ لأن المعنى هو حكيم في أسلوبه وكتابه ~~وبعيد في ضلاله وأليم في عذابه فيكون مما بني للفاعل وأسند إلى المفعول ~~بواسطة، فهو داخل في المفعول ليكون إسناد ما للفاعل له مجازا؛ لأنه لا ~~يتوصل إليه ذلك المسند إلا بحرف فالمراد بالمفعول ما يتوصل إليه فعل الفاعل ~~بنفسه أو بحرف، فهو مجاز عقلي علاقته المفعولية. فالخلاصة أن الإسناد في: # أ- الإنسان حيوان ليس بحقيقة ولا مجاز عند الخطيب. # ب- هي إقبال وإدبار مجاز عند عبد القاهر والسكاكي وعند السعد. # ج- كتاب حكيم رده السعد إلى المجاز. # د- نام ليلي أو ليلي نائم الإسناد فيه مجاز قطعا عند الجميع. # فالخطيب أخرج الإسناد الذي بين المبتدأ والخبر عن أن يكون حقيقة أو ms046 ~~مجازا، ولذلك قال ثم الإسناد منه حقيقة ومنه مجاز ولم يقل إما حقيقة وإما ~~مجاز، وذلك؛ لأن المتبادر من هذه العبارة في تقاسيم الأشياء هو الانفصال ~~الحقيقي "مانعة جمع وخلو معا" أو المانع من الخلو إذ بأحدهما تصير الأقسام ~~مضبوطة، دون المانع. # PageV01P128 # من الجمع إذ لا يعلم به عدة الأقسام قطعا، فلو أوردت إما هنا لدلت على ~~انحصار الإسناد في الحقيقة والمجاز والمصنف لا يقول به. # قال السبكي: قال الخطيب: إسناد ما ليس فعلا ولا متصلا به لا يسمى حقيقة ~~ولا مجازا مثل الإنسان جسم، وليس كما قال بل كل خبر ففيه الإسناد وما ذكر ~~يؤدي إلى نفي الإسناد؛ لأن من أثبت الحقيقة والمجاز العقليين فتقسيمه ~~الإسناد إليهما منفصلة حقيقية مانعة جمع وخلو فكل إسناد ليس حقيقة ولا ~~مجازا لا وجود له، ومن وقف على حدي الإسناد الحقيقي والمجازي عرف ذلك، ثم ~~نقول: الإنسان جسم فيه معنى الفعل باعتبار رجوعه إلى الإسناد المعنوي كما ~~قدروا في زيد أسد زيد جريء، وكذلك يقدر في الجميع. # هذا ويجعل ابن قتيبة مثل نبت البقل وطالت الشجرة من المجاز، ومثل قوله في ~~الغرابة كلام صاحب الذريعة من أنه ينفي المجاز العقلي كافة، قال السبكي: ~~وهما قولان غريبان آخذان بطرفي الإفراط والتفريط والحق بينهما. # وقال الدسوقي: الظاهرية يزعمون عدم وقوع المجاز العقلي في القرآن كاللغوي ~~لا يهام المجاز الكذب والقرآن منزه عنه.. والرد عليهم أنه لا إيهام مع ~~القرينة. # وقال ابن السبكي: في أنبت الربيع البقل إذا لم يكن من كافر ولا كذبا ~~أقوال: # أ- المجاز لغوي في أنبت وهو رأي ابن الحاجب. # ب- المجاز لغوي في الربيع وهو رأي السكاكي. # ج- المجاز عقلي في الإسناد وهذا رأي عبد القاهر والمصنف. # د- أنه تمثيل فلا مجاز فيه لا في الإسناد ولا في الأفراد بل هو كلام أورد ~~ليتصور معناه فينتقل الذهن فيه إلى إنبات الله تعالى وهو اختيار الإمام فخر ~~الدين. انتهى كلام السبكي، ونضيف إليه رأيا خامسا وهو أنه حقيقة، وهو رأي ~~صاحب الذريعة. # PageV01P129 ### | نشأة البيان العربي ### | مدخل ms047 # ... # نشأة البيان العربي: ### | 1- # كان للعرب في حياتهم الأولى ذوق وفيهم طبق، كانوا بهما في غنى عن الشرح ~~والتحليل والتوجيه والتعليل لأحكام النقد ولأصول البيان العربي ومذاهبه، ~~وكذلك كانت أصول البيان بعيدة عن البحث والدراسة والتقرير. # وفي ظلال الحياة الإسلامية اختلطت العناصر، وتمازجت الثقافات، فلقحت ~~العقول، وأصابت الألسنة آثار من اللكنة واللحن، وأخذ أئمة العربية يعملون ~~في صبر وعزيمة في وضع أصول النحو العربي، وجمع مواد اللغة العزيزة.. وصحب ~~ذلك وتلاه دراسات أخرى تتناول البيان العربي وأصوله ومذاهبه بالبحث ~~والتحليل، وأخذت تتكون من تلك الدراسات النواة الأولى للبيان العربي، وظل ~~التقدم الفكري والنضوج الأدبي والعلمي يسير بهذه البحوث والدراسات نحو ~~الكمال المنشود بخطوات كبيرة.. وكانت الثقافة البيانية تنمو حين ذاك بجهود ~~ثلاث طبقات: ### | 1- # الأولي طبقة رواة وعلماء الأدب من البصريين والكوفيين والبغداديين، من ~~أمثال: خلف والأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة ويحيى بن نجيم وعمرو بن كركرة، ~~وأستاذهم أبو عمر بن العلاء أعلم الناس بالعرب والعربية1، ومن عامة الرواة ~~الذين لا يقفون إلا على البليغ الساحر من الأساليب كما يقول الجاحظ دون ~~النحويين واللغويين والإخباريين الذين لم يتجهوا هذا الإتجاه2.. وبجوار ~~هؤلاء أئمة الشعراء3 وغيرهم من الخطباء ورجال الأدب الذين تثقفوا بالثقافة ~~العربية. PageV01P130 # ب- والثانية طبقة الكتاب الذين لم ير الجاحظ قوما أمثل طريقة في البلاغة ~~منهم والذين التمسوا من الألفاظ ما لم يكن وحشيا ولا سوقيا1، ورأى الجاحظ ~~البصر بهذا الجوهر من الكلام فيهم أعم2، وحكم مذهبهم في النقد3، ومثلهم ~~المعتزلة وفرق المتكلمين الذين رآهم الجاحظ فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير ~~من البلغاء4 وكان بعضهم من عناصر عربية وتثقفوا بثقافة أجنبية، والآخرون من ~~عناصر أجنبية تثقفت بالثقافة العربية، مما كان له أثره في فهم أصول البيان ~~وفي توجيه دراسته وبحوثه وفي الدعوة إلى آراء في الأدب توائم ثقافتهم ~~وعقليتهم، وكان بعضهم يلقن مذاهبه الأدبية العامة للتلاميذ وشداة الأدب، ~~كما ترى في محاضرة بشر بن المعتمر المعتزلي م 210ه في أصول البلاغة5، والتي ~~يقول الجاحظ عنها أن بشرا مر بإبراهيم بن جبلة ms048 بن مخرمة6 وهو يعلم الفتيان ~~الخطابة فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد فقال بشر: اضربوا عما ~~قال صفحا ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه في أصول البلاغة وعناصر ~~البيان7، ومن رجال هذه الطبقة: أبو العلاء سالم مولى هشام وعبد الحميد ~~الكاتب أو الأكبر كما يقول الجاحظ8 وابن المقفع وسهل ابن هرون9 والحسن ~~والفضل10 ابنا سهل ويحيى البرمكي وأخوه PageV01P131 # جعفر1 وأيوب بن جعفر وأحمد بن يوسف وعمر بن مسعدة2 وابن الزيات وسواهم. # وكان لهذه الطبقة أثرها في بحث عناصر البيان وبلاغة الكلام. ونستطيع أن ~~نعرف آثار هاتين الطبقتين في دراسات البيان بالرجوع إلى آرائهم المبثوثة في ~~شتى أصول الأدب، والتي يمكننا أن نذكر لك هنا طرفا منها، وإن شئت فاقرأ ~~جواب صحار لمعاوية حين سأله عن البلاغة3، ويروى قبل هذا بكثير أن عامر بن ~~الظرب سأل حممة بن رافع من أبلغ الناس؟. فقال، من حلى المعنى المزيز باللفظ ~~الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز4 واقرأ تحديد المفضل الضبي للإيجاز5، ~~وتفسير ابن المقفع للبلاغة6، وحوار الشمري لعمرو بن عبيد في البلاغة7، ~~وتعريف الأصمعي للبليغ8، ورأي إبراهيم بن محمد في البلاغة9، وتعريف جعفر ~~البرمكي للبيان10، وتعريف العتابي للبلاغة 11، وتفضيل الجاحظ لرأيه 12، ~~ووصف الرشيد للبلاغة 13، ورأي شبيب بن شيبة في تفضيل بلاغة جودة القطع أو ~~القافية على جودة الابتداء14، ووصف ابن المقفع كلام الأعراب 15، الذين أعجب ~~PageV01P132 # الجاحظ ببلاغتهم1 ووصف الحسن بن وهب بلاغة أبي تمام2، وتعريف المأمون ~~للبليغ بأنه من كان كلامه في مقدار حاجته ولا يجيل الفكرة في اختلاس ما صعب ~~عليه من الألفاظ ولا يتعمد الغريب الوحشي ولا الساقط السوقي3، وقول خالد بن ~~صفوان: أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى الكلام إلخ4، وتعريفه للبلاغة بأنها ~~التقريب من المعنى البعيد أو التباعد عن خسيس الكلام والدلالة بالكبير على ~~الكثير، وتعريف ابن عتبة لها: بأنها دنو المأخذ وقرع الحجة والاستغناء ~~بالقليل عن الكثير، وعرفها الخليل: بأنها ما قرب طرفاه وبعد منتهاه، وعرفها ~~إبراهيم الإمام: بأنها الجزالة والإصابة وعرفها ابن المقفع: بأنها قلة ms049 ~~الحصر والجراءة على البشر، إلى غير ذلك من شتى هذه التحديدات5، ويقول أبو ~~داود الإيادي: رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام ~~وحليها الإعراب6 إلخ، ويقول الخليل: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة ~~فإن استطعت أن يكون لفظ لمعناك طبقا ولتلك الحال وفقا وآخر كلامك لأوله ~~مشابها وموارده لمصادره موازنة فافعل واحرص أن تكون لكلامك متهما وإن ظرف7، ~~ووصية أبي تمام للبحتري تدخل في هذا الباب8، ويقول عبد الملك بن صالح 199ه: ~~البلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه9، وقال ابن الرومي: البلاغة حسن الاقتضاب ~~عند البداهة والغزارة عند الأصالة10، ويقول البحتري: خير الكلام ما قل وجل ~~ودل ولم يمل11، PageV01P133 # ويقول الثعالبي بعد: خير الكلام ما قل وجل ولم يمل1، ويقول ابن الأعرابي: ~~البلاغة التقرب من البغية ودلالة قليل على كثير2. # ج- وأما الطبقة الثالثة فهي طبقة المفكرين والمثقفين الذين تثقفوا بثقافة ~~أجنبية واسعة، وتأثروا كل التأثر بآداب الأمم الأخرى، وترجموا آراءهم في ~~البيان ومناهجه إلى اللغة العربية، أو ألفوا كتبا تبحث في هذه الاتجاهات، ~~وهؤلاء قد عاشوا في البيئة الإسلامية وأثروا في النقد والأدب والبيان ~~ودراساته وتطوره تأثيرا واضحا كبيرا، يمكننا أن نذكر شيئا عن مجهود هذه ~~الطبقة في خدمة البيان. # أهم عمل علمي قامت به هذه الطبقة: هو ترجمة كتابي الخطابة والشعر لأرسطو ~~إلى العربية، فأما الخطابة فهو أصل البلاغة ودراساتها، وقد "أصيب بنقل قديم ~~ونقله إسحاق بن حنين م 298ه وكذلك نقله إبراهيم بن عبد الله وفسره الفارابي ~~339ه" 3، وأما كتاب الشعر فقد اختصره الكندي م 253ه، ونقله يحيى بن عدي ~~ومتى في القرن الرابع من السريانية إلى العربية4 ... وقد ألفوا في صناعة ~~الشعر وللكندي رسالة في صناعة الشعر5، ولأبي زيد البلخي كتاب بعنوان "صناعة ~~الشعر" أيضا6، وكذلك لأبي هفان7. PageV01P134 # وهناك آراء كثيرة مأثورة عن هذه الطريقة في البلاغة وعناصرها وهي متفرقة ~~في شتى كتب الأدب ومصادره، وتجد في البيان والعمدة وسواهما أن صاحب ~~اليونانيين عرف البلاغة بأنها تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وعرفها الرومي ~~بأنها وضوح الدلالة ms050 وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وعرفها الفارسي بأنها ~~معرفة الوصل من الفصل، وعرفها الهندي بأنها البصر بالحجة والمعرفة بمواضع ~~الفرصة إلخ، وعرفها أرسطو بأنها حسن الاستعارة، ويعرفها جالينوس بأنها ~~إيضاح المفصل وفك المشكل، واقرأ البلاغة كما يراها حكيم الهند1، ويقول ~~حكيم: البلاغة معرفة السليم من المعتل وفرق ما بين المضمن والمطلق وفصل ما ~~بين المشترك والمفرد2، ويعرفها سقراط بأنها استشكاف الحقائق3، ويقسمها ~~الكندي ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس، ونوع ~~تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها4، ويقول: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ ~~كثير المعاني5، وذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله فقال: فضائله أن يكون ~~صدقا وأن يقع موقع الانتفاع به وأن يتكلم به في حينه وأن يحسن تأليفه وأن ~~يستعمل منه مقدار الحاجة، ورذائله بالضد6 إلخ، وقال أبرويز لكاتبه: الكلام ~~أربعة: سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عنه، فإذا طلبت ~~فأسجع وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فأحكم وإذا أخبرت فحقق، وقال أيضا: واجمع ~~الكثر مما تريد في القليل7، ولعل ثعلبا حين ذكر في صدر كتابه "قواعد الشعر" ~~أقسام الشعر وأنها أمر ونهي وخبر واستخبار 8 قد تأثر بذلك الرأي. ~~PageV01P135 # وبعد فقد تعاونت هذه الطبقات في خدمة البيان، ولها جميعا أثرها في نشأته ~~وتطوره. ### | 2- # ومن الكتب الأولى التي ألفت في دراسات البيان وموضوعاته: مجاز القرآن ~~لأبي عبيدة، وكتاب البيان لابن السكيت1 وكتاب الفصاحة للدينوري2، وكتاب ~~التشبيه والتمثيل # للفضل بن نوبخت3، وصناعة الكلام للجاحظ4، وكتاب التمثيل له5، ونظم القرآن ~~أيضا6 وقواعد الشعر وكتاب البلاغة للمبرد7، وللحراني كتاب في البلاغة8، ~~ولثعلب قوا عد الشعر، ولابن مقسم تلميذه كتاب المدخل إلى صناعة الشعر9، ~~وللمروزي كتاب البلاغة والخطابة10 ولابن الحرون كتاب المطابق والمجانس 11، ~~ولأبي سعيد الأصفهاني كتاب تهذيب الفصاحة12، وللباحث كتاب صنعة البلاغة 13 ~~ولمحمد بن يزيد الواسطي المعتزلي م 306ه كتاب إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه ~~ولابن الأخشيد كتاب نظم القرآن14 وكذلك لابن أبي داود 316ه 15 وللحسن بن ~~جعفر كتاب في الرد على من نفى المجاز في ms051 القرآن16. ### | 3- # وبعد فقد كان البيان العربي في القرن الثالث مزيجا من PageV01P136 # ثقافات وآراء مختلفة عربية وغير عربية مؤلفة ومترجمة، ومن حيث كاد في ~~القرن الثاني أن يكون عربيا خالصا. وهنا سؤالان لابد من الجواب عليهما ~~وهما: متى نشأ البيان العربي، وهل تأثر بثقافة أجنبية؟ # أما نشأة البلاغة والبيان فالآراء فيها كثير ة. فالدكتور طه حسين يرى أن ~~البلاغة نشأت في عهد متأخر والجاحظ في رأيه أول من اهتم بها وهو مؤسس ~~البيان العربي حقا1، ويرى آخر أن نشأة البلاغة قديمة قد سبقت القرآن وتطورت ~~بعده2 وأكثر الفنون الأدبية أخذت شواهدها من القرآن3 وينقد باحث هذا ~~الرأي4.. ومن الضروري أن نفرق بين أمرين، نطق العرب في آثارهم الأدبية ~~بأساليب لغتهم المختلفة من استعارة وتشبيه وكناية ومجاز وقصر وفصل ووصل ~~وطباق وتجنيس إلخ، ومعرفتهم العلمية بأوضاع هذه الأساليب ونواحيها ~~البلاغية، فالأول كان موجودا عند العرب قبل القرآن وفي عصر القرآن وبعده، ~~والثاني لم يوجد إلا في القرن الثالث الهجري كما ذهب إليه أكثر الباحثين، ~~فقواعد البلاغة قد سنها الفكر أولا ليجري عليها الأدب بل إن طبيعة الأدب ~~موجودة من قبل سواء بحثت أو لم تبحث5، فالأدب وخواصه الأدبية موجودان من ~~قديم وأما معرفة هذه الخصائص ودراستها وبحثها على أنها علم وأصول وقواعد ~~فلم يوجد إلا بعد القرن الثاني الهجري، "فعلم البلاغة إسلامي لا عهد ~~للجاهليين به"6، والبلاغة باعتبارها فنا مدروسا أي التحليل العلمي للأساليب ~~البلاغية ليست من علوم العصر الجاهلي إنما هي دراسة متأخرة في نشأتها على ~~أنه لا شك كان هناك في العصر. PageV01P137 # الجاهلي وصدر الإسلام بعض الخصائص والأساليب البلاغية المتعارف عليها1، ~~وهذا كله مما لا سبيل إلى الشك فيه. # وأما الأمر الثاني وهو هل تأثرت البلاغة العربية في نشأتها الأولى ببلاغة ~~الأمم الأخرى؟ فيمكننا بسط الحديث فيه: # يذكر ابن الأثير أن الشعر والخطابة في الأدب العربي لم يتأثرا بثقافة ~~اليونانية البيانية "فهذا شيء لم يكن ولا علم أبو نواس شيئا منه ولا مسلم ~~ولا أبو تمام ولا البحتري ولا المتنبي ms052 ولا غيرهم وكذلك جرى الحكم في أهل ~~الكتابة كعبد الحميد وابن العميد"، ثم ينفي أن يكون هو قد تأثر في رسائله ~~ومكاتباته بما ذكره علماء اليونان في حصر المعاني ويذكر أنه اطلع على ما ~~كتبه ابن سينا في الخطابة والشعر فلم يوافق ذوقه واستجهله ورأى أن ما ذكره ~~لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا2، ويرى باحث محدث أنه كان ~~للبلاغة اليونانية أثر في علم البلاغة العربي3، ويرى باحث آخر أن أرسطو ~~المعلم الأول للمسلمين في علم البيان4، وأن الكتاب والمتكلمين الذين عاشوا ~~في القرن الثاني وأثروا في البيان وتطوره جلهم من الأعاجم5 وأن متكلمي ~~المعتزلة كانوا بتضلعهم في الفلسفة اليونانية من مؤسسي البيان العربي6 وأنه ~~حتى منتصف القرن الثالث لم يوجد إلا بيان عربي واحد كان لا يزال في دور ~~الطفولة وكان خصبا جامعا للروح العربي والفارسي واليوناني ثم وجد من ذلك ~~الوقت بيانان: عربي بحت، ويوناني يجهر بالأخذ عن أرسطو، على أن البيان ~~العربي الصرف قد تأثر باليونان7. وترجم كتاب الخطابة في النصف الثاني من ~~القرن. PageV01P138 # الثالث، وجاء قدامة فاستفاد من كتاب الخطابة وفهم منه كل ما يمكن أن ~~ينتفع به وطبقة على الشعر العربي وكان يجهل كتاب الشعر1 وقد درس قدامة ~~الفلسفة وخاصة المنطق2، على أن تشريع الفلسفة للأدب في رأي الدكتور يظهر ~~أول مرة في "نقد الشعر"3 ثم في "نقد النثر" الذي هو مستمد من آراء أرسطو في ~~الجدل والقياس والخطابة4. # على أننا قد بسطنا القول في ذلك فيما سبق ورأينا أن المشتغلين بالفلسفة ~~قد اشتركوا مع الجماعات الأخرى في خدمة البيان العربي وإنشائه والتأليف فيه ~~وكان اتجاههم الأول إلى البيان اليوناني فأخذوا يدأبون على الإفادة منه في ~~بحوث البيان العربي ودراساته وتلقيحه بما يمكن أن يلقح به من عناصر ومناهج ~~علمية سلكها ومهد سبيلها اليونان، فهم قد استعانوا بطرقهم في دراسة البيان ~~على فهم وتحليل أصول البيان العربي والتأليف فيه. ### | 4- # ونحن الآن نعرض عليك خلاصة وافية لأهم الكتب التي تناولت بعض مسائل ~~البلاغة بالبحث ms053 والتي ألفت فيها خاصة. ### | 1- # جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي: وفي مقدمتها نجد آراء متفرقة في ~~البلاغة والبيان، فهو يعرف الالتفات ويشير إلى أن العرب تخاطب الشاهد ~~مخاطبة الغائب5، ويعرف مجاز الحذف ويفيض في شرحه6. # ب- الجاحظ وكتابه "البيان والتبيين": # والجاحظ إمام الكتاب وشيخ البيان وعلم من أعلام الأدب PageV01P139 # والنقد، وهو من أئمة المعتزلة، تتلمذ على النظام وسواه من فحول عصره فخرج ~~واسع الثقافة عميق التفكير كثير الإحاطة والإطلاع على شتى المؤلفات ~~والتراجم المنقولة من جميع اللغات إلى العربي. # اتصل الجاحظ باليونان وثقافتهم من كتبهم المترجمة وعن طريق المتكلمين ~~وبمجالسته لكثير من المثقفين باليونانية1، كما أنه حذق الثقافة الفارسية من ~~كتب ابن المقفع وسواه، وتوسع في الثقافات كلها بما كان يقرؤه من الكتب2، ~~وتأثر بخطابة أرسطو إلى حد بعيد ومن المشابهة بينه وبين أصحاب الخطابة في ~~الأسلوب استعماله القياس المضمر وهو المذهب الكلامي عند البديعيين3، ونقد ~~الجاحظ التراجم والمترجمين من اليونانية وخاصة كتاب المنطق بأنه في أسلوب ~~سقيم، فالجاحظ ولاشك قد تأثر "بالخطابة" لأرسطو كثيرا4، وأنكر باحث آخر أن ~~يكون كتاب البيان متأثرا بخطابة أرسطو أو صدى له؛ لأن الجاحظ لم يره5 ولم ~~ما يؤيده الدكتور طه حسين6. # ومن البدهي أن الجاحظ ألم بالثقافة الفارسية المترجمة إلماما واسعا، ~~ويبدو لي أنه كان يعرف اللغة الفارسية، ففي البخلاء يحكي الجاحظ كلام بخيل ~~من أهل مرو تجاهل رجلا زاره من أهل العراق: لو خرجت من جلدك لم أعرفك، قال ~~الجاحظ: وترجمة هذا الكلام بالفارسية "كراز بوستت بارون ببائي نشناسيم"7: ~~PageV01P140 # وأثر ثقافته الفارسية واضح في كتبه وفي مؤلفه "البيان"، أما أثر ثقافته ~~اليونانية فواضح أيضا في الحيوان وفي كتابه البيان1، قرأ الجاحظ من كتب ~~أرسطو المترجمة كتاب الحيوان واستدل برأي لأرسطو فيه"2" وكان مصدرا كبيرا ~~له في كتابه "الحيوان"، والجاحظ يذكر تعريف صاحب المنطق للإنسان كثيرا3 ~~ويذكر صاحب المنطق وأنه كان بكئ اللسان مع علمه بتمييز الكلام وتفضيله ~~ومعانيه وبخصائصه، 4 ويذكر تعاريف البلاغة عند الأمم المختلفة ومنها ~~اليونان5 ويذكر كتب اليونان في المنطق ms054 وأن الحكماء جعلتها معيارا للتفكير6، ~~ويذكر نوادر ريسموس اليوناني7 ويرى أن لليونان فلسفة وصناعة منطق وليس ~~لفلاسفتهم في الخطابة ذكر8، وأقسام الدالة عند الجاحظ9 هي من تفكير أرسطو، ~~ويذكر أن للفرس رسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها ولليونان رسائلها وخطبها ~~وعللها وحكمها وكتبها في المنطق وللهند حكمها وسيرها وعللها ويرى أنها لا ~~توازن بما للعرب من بيان وبلاغة وصناعة وخطابة10، وللجاحظ رسالة في نقد ~~الكندي11. # ويذكر الجاحظ في البيان "صناعة الكلام" ويعني بها حينا علم الكلام12، ~~وحينا آخر البيان13، ويذكر اصطلاحات أخرى كصناعة المنطق14 وصناعة الخطابة ~~ويذكر أحيانا "أصحاب الخطابة والبلاغة"15. PageV01P141 # ومهما يكن فالجاحظ فيما ذكره من أصول البلاغة العربية قريب من روح أرسطو، ~~فدعوته إلى ترك الوحشي والسوقي1 له نظير عند أرسطو الذي دعا إلى "هجر ~~الألفاظ الخسيسة التي لا يستعملها إلا العامة2 وقال "ينبغي ألا تكون ~~الألفاظ سفسافة ولا مجاوزة الحد في المتانة مبلغ الأمر الذي يدل عليه فلا ~~تبلغ درجة العامية ولا تحوج إلى الكلفة المنشوءة"، ودعوة الجاحظ إلى ~~الوضوح3 لها نظير عند أرسطو حيث يذكر "حسن الدلالة ووضوح العبارة وأن ~~الأغراب مستنكره وأنه يجب ألا تمعن في الإغرابات بل يجب أن تكون العبارة ~~بحيث يفهمها الأماثل دون أسقاط الجمهور"، واللحن وخروجه عن حد البلاغة4 ~~موجود في خطابة أرسطو حيث يوجب أن "يكون اللفظ فصيحا لا لحن فيه"، ويذكر ~~الجاحظ استعمال المبسوط في مواضعه والمقصور "المحذوف الموجز" في مواضعه5، ~~والإيجاز والإطناب يوم الإطناب6، وأرسطو أول من أشار إلى ذلك كله فذكر ~~الإيجاز والإسهاب وأشار إلى أن لكل منهما مقاما، وعلى أي حال فمرجع هذا ~~التشابه في الأفكار أرجح إن سببه نقل الجاحظ كثيرا عن الذين ألموا بثقافة ~~اليونان وكتب أرسطو في النقد وعلى الأخص الخطابة والشعر. # ومع ذلك فالجاحظ يجهل كثيرا من النظريات التي شرحها أرسطو في كتابيه، ~~فأنواع البيان والأساليب البلاغية الأنيقة التي ألم بها. PageV01P142 # أرسطو1 لا يشير إليها الجاحظ في بيانه، وهو على العموم لم يطلع على كتابي ~~أرسطو، ولا نشك في أنه أفاد من أستاذه النظام ms055 ومن علوم الفلسفة والمنطق ~~التي شاعت في عصره كثيرا، ونقل عمن اطلعوا على خطابه أرسطو، ويكفينا ذلك ~~التحقيق في هذا المقام. # وبعد فللجاحظ في البيان العربي آثار كثيرة: كرسالته في تفضيل النطق على ~~الصمت2، وكتابه البيان والتبيين. # والبيان "أول كتاب ظهر في الأدب جامعا لفنون كثيرة من ضروبه3"، ويشيد به ~~أبو هلال4، ويعده ابن خلدون من أركان الأدب5، والكتاب يبحث في فنون الأدب ~~والبلاغة ويتناول النقد واللغة ويأتي على ذكر الخطباء والأدباء والشعراء ~~والمنشئين وآثارهم الأدبية وهو من أجل وثائق الأدب في الجاهلية والإسلام6، ~~ويذكر ابن رشيق أنه لا يبلغ جودة وفضلا7، ويذكر أبو أحمد العسكري مثلا من ~~تصحيف الجاحظ فيه8، وينقد ابن شهيد الكتاب9 ورد عليه بعض المعاصرين10 ~~والكتاب يجمع بين دفتيه الكثير من بلاغة العرب وسحرهم في البيان كما يجمع ~~آراء كثيرة في أصول النقد الأدبي PageV01P143 # وقوانين البلاغة العربية وأنواعها وعناصرها ومذاهبها واتجاهاتها وأثرها، ~~سواء كانت هذه الآراء من جمع الجاحظ وروايته أم من رأيه وتفكيره، وحسبك أن ~~تقرأ فيه البلاغة كما تتحدث عنها صحيفة هندية مكتوبة1، أو كما يصورها بشر ~~بن المعتمر2، أو كما يراها ابن المقفع3، ولهذه النصوص قيمة كبيرة، وقد عد ~~بعض الباحثين الجاحظ مؤسس البيان العربي لما جمعه من النصوص التي توضح لنا ~~كيف كان العرب إلى منتصف القرن الثالث يتصورون البيان العربي وتعطينا صورة ~~مجملة لنشأته4. # وفي الكتاب كثير من بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة5، ويتكلم على ~~السجع6، ويشير إلى التفصيل والتقسيم7، والاستطراد، والكناية8، والأمثال9، ~~والاحتراس10 والقلب 11 والأسلوب الحكيم12، والجاحظ فوق ذلك هو أول من لقب ~~المذهب الكلامي بهذا الاصطلاح13، ويرى الجاحظ أن البلاغة في النظم لا في ~~المعاني قال: والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي ~~والقروي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحيز اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة ~~الطبع وجودة السبك 14، وهو ما ذهب إليه. PageV01P144 # ابن خلدون1، ويقول شيلر، في الفن الشكل هو كل شيء والمعني ليس شيئا ~~مذكورا.. وفي البيان نصوص كثيرة استغلها علماء البيان والبديع في اختيار ~~شواهد ms056 أساليب البلاغة منها، مما لا داعي إلى ذكره هنا خوفا من كثرة ~~الإسهاب، والجاحظ يشيد بالإيجاز ويدعو إليه كثيرا في بيانه2، وفي الحديث عن ~~رسول الله: إذا قلت فأوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف3، ويحث على ترك الوحشي ~~والسوقي وعلى الإفهام والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، ~~وعلى أي حال فالبيان والتبيين أثر أدبي وعلمي نفيس، والجاحظ يده على البيان ~~العربي لا تجحد، ويعده ابن خلدون من السابقين في التأليف فيه4. # وبعد فالجاحظ أظهر من خص البيان بالتأليف وهو أعظم السابقين إلى جمع ~~وتدوين آراء رجال البيان والبلاغة، وله مع ذلك آراء كثيرة وصل إليها بفكرة ~~وذوقه وملكته البيانية الدقيقة الإحساس بالأساليب البلاغية ودقائقها، ولا ~~يضير الجاحظ أن كانت دراساته في كتاب البيان موجزة مفرقة كما يقول أبو ~~هلال5، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان. # ج- وقد كتب بعد الجاحظ كثير من العلماء في مسائل تتصل بالبلاغة والبيان: ~~كالمبرد في كامله، وإبراهيم بن المدبر في الرسالة العذراء، وثعلب في قواعد ~~الشعر، وابن عبد ربه في العقد، وسوى هؤلاء مما يطول الحديث لو فصلنا القول ~~فيه. PageV01P145 ### | الجاحظ والبيان العربي ### | 1- # كان الجاحظ أستاذ الثقافة الإسلامية في الصنف الأول من القرن الثالث، ~~وكان مجده الأدبي الذائع يعصف بمجد كل أديب، ويدوي في كل أفق، ويرن صداه في ~~سمع كل كاتب وشاعر وخطيب. # وعاش الناس في عصره وبعد عصره عيالا عليه في البلاغة والفصاحة واللسن ~~والعارضة كما يقول ابن العميد، وعدوا التلمذة عليه شرفا لا يعدله شرف ومجدا ~~يدنيهم من بلاط الملوك وتعصب له كثير من رجالات الثقافة الإسلامية في شتى ~~عصورها، فألفوا الكتب في الإشادة به -كما فعل أبو حيان التوحيدي في كتابه ~~تقريظ الجاحظ-، وبالغوا في الإشادة به والثناء عليه حتى حسد ثابت بن قرة ~~الأمة العربية عليه، وحتى كان الخلفاء يهشون عند ذكره ونهج كبار الكتاب ~~نهجه في الثقافة والبيان، وكان فخر الرجل في أن يلقب بلقبه، وأقبلوا على ~~كتبه وأدبه يتثقفون بثقافتها ويرونها تعلم العقل ms057 أولا والأدب ثانيا وبلغ من ~~اهتمام خاصة رجال الفكر الإسلامي بها أن كانوا يسألون الناس عن المفقود ~~منها في البيت الحرام وعرفات، وكان معاصروه يحذرون خصومته حتى لا يسمهم ~~بميسم الخزي والهوان إلى الأبد، ومن ساء جده منهم فكان هدفا لسخريته ~~اللاذعة سار على الأجيال صورة مشوهة وإساءة لا يغفرها الزمن كما فعل الجاحظ ~~مع أحمد بن عبد الوهاب بطل رسالته الساخرة المتهكمة "التربيع والتدوير".. ~~وحسبك أن المأمون كان يقرأ تآليف الجاحظ ويثني عليها ويستجديها1. ~~PageV01P146 # ومجد الجاحظ الأدبي مجد خالص من شوائب العصبية وتمويه السياسة وهو مجد ~~بوأه صرحه الخالد: كفاءته الممتازة وثقافته النادرة وآثاره الفكرية ~~والأدبية الممتعة، فقد عاش الجاحظ محروما من كل شيء إلا من مجد الأدب، ~~وشهرة العلم، ولم تبوئه مواهبه مقاعد الوزارة التي كان التي كان يصعد إليها ~~في عهده كثير من الكتاب، ولم تنله كفايته الأدبية منزلة في ديوان رسائل ~~الدولة، ولما صدر فيه أيام المأمون لم يبق فيه غير ثلاثة أيام استقال بعدها ~~منه، أو قل إنه حورب فيها من أجله حذرا من أن يأفل به نجم الكتاب كما كان ~~يرى سهل بن هارون، الإخفاق في الحياة العامة الذي منى به الجاحظ في عصره ~~كان مما نعاه ابن شهيد عليه في رسالته "الزوابع والتوابع"، ومما جعله يخطئ ~~من يذهب إلى تقديم الجاحظ على سهل بن هارون، وإن كان تحكيم التوفيق في ~~الحياة في وزن الشخصيات وتقديرها ضلالا وغبنا. # ولكن ما سر هذا الإخفاق مع هذه الشهرة البعيدة والمجد الذائع؟ رأى ابن ~~شهيد من قبل أن حرمان الجاحظ من شرف المنزلة بشرف الصنعة مع تقدم ابن ~~الزيات وإبراهيم بن العباس إما؛ لأنه كان مقصرا في الكتابة وجميع أدواتها ~~أو؛ لأنه كأن ساقط الهمة أو؛ لأن دمامته وإفراط جحوظ عينيه قعد به عن ~~الغايات المنشودة، ورأى أن نقص أدوات الكتابة عند الجاحظ شيء قد يكون غريبا ~~فذهب إلى أن أول أدوات الكتاب العقل وقد تجد عالما غير عاقل. # أما أن الجاحظ ينقصه أداة -أيا كانت هذه ms058 الأداة- من أدوات الكتابة فذلك ~~ما ترده الحقيقة المقررة، فعقل الجاحظ وفنه الأدبي وطبعه الموهوب أعظم من ~~أن يتطرق إليه فيها شك وريب. وأما أن الجاحظ كان قريب الأمل غير بعيد ~~الطموح، لا يتطلع إلى مجد ينشده أو جاه سلطان يناله، فذلك بعيد عن الجاحظ ~~وحياته وروحه الوثاب الطموح. وأما أن دمامة الجاحظ كان لها أثر في هذا ~~الإخفاق # PageV01P147 # فذلك أحد ما نراه من أسبابه الكثيرة حتى أنه ذكر للمتوكل لتأديب بعض ولده ~~فلما رآه واستبشع منظره صرفه وأمر له بعشرة آلاف درهم. # الحق أن الجاحظ كان عربيا في روحه ودمه وحياته. وكان يتعصب للعرب في كل ~~شيء حتى في الثقافة والأدب في عصر كان النفوذ والسلطان في الدولة فيه ~~للعناصر الأجنبية لا سيما الفرس، وكثيرا ما كان ينسى أولو الثقافة ~~والكفايات من العرب إلا من اتصل منهم بحبل وزير أو أمير، والجاحظ مع صداقته ~~الوثيقة لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير م سنة 233ه، والذي أهدى له كتابه ~~"الحيوان" وكافأه عليه بخمسة آلاف دينار، كان يتخلل هذه الصداقة الشك ~~والجفاء، ولم يستطع أو لم يتسن له، أن يستفيد شيئا من وراء هذه الصداقة، ~~وقتل محمد بن عبد الملك وجاء بعده عدوه اللدود أحمد بن أبي دؤاد الذي سيق ~~إليه الجاحظ مغلولا؛ لأنه كان من أصحاب محمد بن عبد الملك، ثم فك قيوده ~~وطلب حديثه وبيانه وثوقا منه بظرفه وأدبه لا بإخلاصه وولائه. # ثم لا ننس أن مواهب الجاحظ مواهب عالم وأديب لا مواهب رجل من رجال ~~المجتمع والسياسة والحياة العامة، وقد رفعته مواهبه العقلية والعلمية ~~والأدبية مكانا عليا ما كان ينتظر أن ترفعه إليه السياسة مهما خلق في ~~أجوائها، وكان إخلاص الجاحظ للفكر والثقافة أعظم من إخلاصه للحياة نفسها، ~~وكان خوضه في معامع الثقافة والعلم يشغله عن الخوض في ميادين السياسة ~~والاجتماع، وكانت لذته في الدراسة والبحث والتأليف أكثر من لذته في مجد ~~السياسة وسلطانها، فالجاحظ أولا وقبل كل شيء هو رجل الثقافة والأدب، وهو ~~المعتزلي الذي تتلمذ على النظام ms059 ثم عاف تقليد غيره في العقيدة فكان صاحب ~~مذهب ورئيس فرقة من فرق المعتزليين، وهو المتكلم الساحر والكاتب البليغ ~~والخطيب المفوه والعالم الفذ والمؤلف النابه وشيخ العربية. # PageV01P148 # الذي وعى الثقافة العربية وما خالطها من الثقافات في شتى علوم الدين ~~والدنيا، وهضمها وعاصرها زهاء قرن "150-255ه"، وكان له في صدر شبابه فخر ~~التلمذة على شيوخها في اللغة والأدب وفي علوم الدين والكلام وفي التفكير ~~والمنطق كما كان له فخر صداقة رجال الفكر والسياسة في الدولة، وقد استفاد ~~من وراء هذا وذاك نضوجا كبيرا في عقليته وثقافته هيأه لأن يكون محور ~~الثقافة الإسلامية في عصره لا بطلا من أبطال السياسة والدولة والاجتماع. # ولا يضير الجاحظ أن يكون كما قال بديع الزمان الهمذاني فيه من أحد شقي ~~البلاغة يقطف وفي الآخر يقف1، فقد يجيد الرجل في باب من أبواب الأدب دون ~~باب، ولا يغض ذلك من إحسانه فيما أحسن فيه، ولكن البديع أراد الفخر بنفسه ~~على حساب الجاحظ، وليته وقف عند هذا الحد فلم يرم الجاحظ بأنه كلامه يبعد ~~الإشارات قليل الاستعارات قريب العبارات وأنه منقاد لعريان الكلام يستعمله ~~نفور من معتاصه يهمله، وأنه ليس له لفظة مصنوعة وكلمة غير مسموعة2. وإنما ~~أراد البديع أنه فوق الجاحظ أدبا وبيانا، وهيهات! # وثقافة الجاحظ ثقافة واسعة منوعة تحيط بسائر ألوان الثقافات التي مازجت ~~الثقافة الإسلامية في عصره، فهو عالم من علماء الدين، ومتكلم من الطراز ~~الأول للمتكلمين وعالم يحيط باللغة وبيانها وآدابها إحاطة لا تقف عند غاية، ~~وقد خاض الجاحظ في جداول الثقافات الأخرى التي سرت في تيار الثقافة العربية ~~منذ مشرق القرن الثاني الهجري، وعقلية الجاحظ البعيدة التفكير لا نشك أنها ~~أفادت ذلك من أستاذه النظام ومن علوم الفلسفة والمنطق التي شاعت في البيئة ~~الإسلامية في عصر الجاحظ. ولا شك أن عصر الجاحظ، وعقليته وشغفه بالدراسة ~~والبحث، وعكوفه على القراءة، ونشأته بالبصرة، PageV01P149 # وتلقيه اللغة عن الأعراب في المربد والعلماء في حلقات البصرة ومجامعها ~~العلمية، وتلمذته على كثير من أساتذة الثقافة في شتى مناحيها كأبي ms060 يوسف ~~القاضي والنظام والأصمعي والأخفش وابن الأعرابي وأبي عبيدة. وأبي زيد ~~الأنصاري، كان له أثره في ثقافة الجاحظ الواسعة الجوانب المتعددة الألوان. # وشخصية الجاحظ تطالعك في أدبه وكتبه من كل جانب وناحية، وهي شخصية رجل ~~الفكر الواثق بشخصيته وعقليته وثقافته، والمؤمن بها، الحريص على كرامته، ~~المعتز بنفسه.. يخاطب الوزراء والعظماء ويراسلهم، فلا يفني شخصيته في ~~شخصياتهم، بل يراهم إخوانه، ويرى له عليهم حق الصداقة ودالة الأخوة، ولا ~~يجبن عن توجيه العتاب واللوم إليهم، وأنت حين تقرأ في كتب الجاحظ ومؤلفاتة ~~تغيب في جو بعيد تطل عليك فيه شخصية الرجل، بسعة ثقافتها وبعد مكانتها، ~~وبتوجيهها الساحر لعقل القارئ وفكره وشعوره حتى ليكاد ينسى أمامها نفسه، ~~ويشرع شعورا صادقا أنه قد نقلك من جوه هو إلى جو آخر تشيع فيه روح قوية ~~ساحرة تملك عليك عقلك وعاطفتك، وتروعك بكثرة حفظها وروايتها، كما تروعك ~~بروعة فكرها وجلال بيانها، وتتركك صريعا في معارك فكرية ترى الجاحظ فارسها ~~المعلم، وترى قلمه البليغ عصا الساحر المتحدى تسترعي السمع والبصر، وتنبهت ~~الفكر والعقل، وتلهب العاطفة والشعور. # والعجيب أن سعة ثقافة الجاحظ وكثرة روايته في تأليفه جعلت كثيرا ممن لا ~~يفهمون الجاحظ يرونه كاتبا لا شخصية له، تطمس شخصيات من يروى لهم وينقل ~~عنهم كل أثر لشخصيته، فتقرأ الجاحظ وأنت تقرأ لسواه وتبدو أمام عينك صورة ~~شتى لرجال لا ترى الجاحظ فيهم ولا تلمس آثاره بينهم. # ومنشأ ذلك أن الجاحظ رجل من الخاصة في فكره وفي كتابته وأسلوبه وفي بحثه ~~وتأليفه، فإذا فكر فبعقل الخاصة، وإذا كتب # PageV01P150 # أو ألف فبأسلوبهم ولمن يفكر في مجال تفكيرهم، وليس ذلك؛ لأن الجاحظ ~~"يستمسك بفائدته ويضن بما عنده غيرة على العلم وشحا بثمرة الفهم ولذلك كان ~~كتاب "البيان" موقوفا على أهله ومن كرع في حوضه، أما الجهال والمبتدئ فلا ~~نفع له من كتابه" كما يقول ابن شهيد، إنما ذلك؛ لأنه كما أرى لا يستطيع إلا ~~أن يفكر تفكير الخاصة، ويكتب بعقلهم وأسلوبهم؛ ولأنه رجل يكتب لنفسه قبل كل ~~شيء ويرضى بشهوته في ms061 تدوين عناصر الثقافة الأدبية والعلمية على طريقة كتابه ~~الموسوعات. كما يرى بعض الباحثين المعاصرين1، وما دام الجاحظ كذلك فلن ~~يستطيع أن يفهمه إلا رجل مثله في فكره واتجاهه وثقافته، ولن يتسنى لكثير أن ~~يفهموا الجاحظ وأن يؤمنوا بشخصيته في كتبه ومؤلفاته ما داموا لا يستطيعون ~~مجاراته في نواحي ثقافته العقلية والأدبية. وحسب الجاحظ مجدا وخلود ذكر أن ~~يكون له كتاب مثل كتاب البيان والتبيين. ### | 2- # ألف الجاحظ كتابه "الحيوان" وأهداه إلى صديقه محمد بن عبد الملك الزيات، ~~فكافأه عليه بخمسة آلا دينار. ثم ألف بعده كتاب "البيان" وأهداه إلى أحمد ~~بن أبي دؤاد فأعطاه عليه خمسة آلف دينار، والجاحظ يشير في مواضع متعددة من ~~البيان إلى كتاب الحيوان، وكان لظهور "البيان والتبيين" ضجة كبيرة في الأدب ~~والبيان حتى إنه حمل إلى الأندلس فيما حمل من نفائس المؤلفات. # وكتاب "البيان" ألفه الجاحظ على نمط طريف في التأليف، من كثرة الرواية ~~التي قصد الجاحظ من ورائها أن ينال كتابه الشهرة والإعجاب كما يقول الجاحظ ~~نفسه في كتابه، وينال كتابه الذكر PageV01P151 # والذيوع، ومن كثرة الاستطراد الذي يستدر به الجاحظ نشاط القارئ وإعجابه ~~كما يقول الجاحظ في تعليله له، والجاحظ حين يعلل عدم ترتيبه للخطباء الذين ~~ذكرهم في كتابه ترتيبا يتمشى مع التاريخ بعجزه عن تنسيق ذلك فإن ذلك يقابل ~~بتحفظ كبير، فالجاحظ لو أراد لما أعجزه إنما هو مذهبه في الاستطراد ~~والانتقال. # ويبدو من أسلوب الكتاب أن الجاحظ كان يكتب أصوله -أو كثيرا منها- محاضرات ~~يلقيها على تلاميذه وطلابه وقد يسبغ عليها أحيانا روحا توائم بين هذه ~~المحاضرات وبين ما يجب لمن أهدى إليه كتابه من تقدير وإجلال، وأسلوب الكتاب ~~الاستطرادي جعل الجاحظ يعدنا في كتابه بأنه سيذكر الشيء ثم لا يذكره ولا ~~يفي بوعده، وهذا الأسلوب الاستطرادي أيضا جعل الجاحظ ينقد نفسه في ترتيب ~~فصول كتابه وجعله يرسم منهجه في أجزاء كتابه في آخر الجزء الأول منه، وجعله ~~يضع في أماكن متعددة من كتابه عناوين مختلفة تقابل من القارئ بمزيد ~~الابتسام. فهو يعنون فصولا ms062 بباب البيان وأخرى يسميها باب الصمت وأخرى باب ~~اللحن أو باب الزهد إلى آخر هذه الألقاب التي تعلم أن الجاحظ لم يرد شيئا ~~منها ولم يضعها إلا للتعزيز بالقارئ واكتساب نشاطه وامتحان ملكاته. # وكتاب "البيان" يجمع بين دفتيه الكثير من بلاغة العرب وسحرهم في البيان ~~كما يجمع آراء كثيرة في أصول النقد الأدبي وقوانين البلاغة العربية، وقد ~~نهج فيه الجاحظ منهجه الساحر، وكتبه بأسلوبه العميق المحكم، ورسم فيه صورا ~~صادقة لروح الأدب والبلاغة إلى عهده، والكتاب سجل للأدباء والشعراء ~~والخطباء حتى عصر الجاحظ وهو ذو قيمة فذة في تاريخ الأدب والأدباء لا سيما ~~المعاصرين للجاحظ ومن سبقوه بقليل، وقد عني فيه الجاحظ بتدوين المثل ~~الساحرة من الأدب العربي: شعره ونثره، وقاده الاستطراد إلى الإلمام بكثير ~~من مسائل الأدب والنقد والبيان. # PageV01P152 # يبدأ الجاحظ كتابه بمقدمة يذكر فيها البيان وشرفه ويلم فيها بالكثير من ~~عيوبه الفطرية وسواها في استطراد جميل، ثم يشرح البيان ويحلل عناصره، ويذكر ~~البلاغة ومذاهب رجال البيان فيها، ويبين الصلة بين البليغ ومظهره، ذاكرا ~~بلاغة الخطيب وعناصرها وأدواتها، ملما بالكثير من الخطباء، داعيا إلى قوة ~~الطبع وشرف المعنى وجمال اللفظ وإلى مراعاة شتى المقامات والأحوال، مبينا ~~أثر في هذه البلاغة في النفس والوجدان، ويتكلم على الحديث المردد ومن عابه ~~ومن مدحه، وعلى الصمت: من أشاد به ومن ذمه داعيا البليغ إلى أن لا يتمسك ~~بحكمة الصمت حتى لا يورثه ذلك العي والحصر، ويدعو الأدباء الناشئين إلى أن ~~يعرضوا انتاجهم الأدبي على أولي الذوق والبيان حتى يعرفوا قدر أنفسهم ~~ومنزلتها في البيان، كما يتحدث عن السجع: مطبوعه ومتكلفة وعن منزلته ~~الأدبية، محللا عناصر الشعر نافيا أن يكون ما في القرآن من كلمات موزونة ~~شعرا، ملما بطبقات الشعراء وألقابهم، وينعي على المتقعرين، ويسرد أحاديث ~~النوكي والحمقى سردا بليغا، وبذلك ينتهي الجزء الأول من الكتاب الذي أودع ~~فيه الجاحظ جل ما أورده من بلاغة البيان وعناصرها وألوانها ومذاهبها ~~وأسبابها. # أما الجزء الثاني فتحدث فيه عن الخطابة وأقسامها وأثرها، وألم فيه بسحر ~~بلاغة ms063 رسول الله في أحاديثه وخطبه، ويخطب كثير من جلة الصحابة والسلف ~~الأولين، وتكلم عن الحوليات وطبقات الشعراء ومذاهب المطبوعين وأصحاب ~~الصنعة، كما تكلم على اللحن واللحانين والنوكي والحمقى والمجانين. # وفي الجزء الثالث يرد على الشعوبية مطاعنها التي قدحت بها في العرب لا ~~سيما ما نعوه عليهم من أخذ العصا والقوس عند الخطابة وفي مواقف الكلام، ورد ~~الجاحظ على الشعوبية فيه كثير من حرارة الإيمان التي أذكت في دفاعه روح ~~الجدل وقوة المناقشة وسعة التفكير. وينقل الجاحظ كثيرا من حكم النساك ~~ومواعظهم، وخطب الخوارج. # PageV01P153 # وكلماتهم، وسياسة بني العباس ودهائهم، ويتحدث عن رواية الأدب واتجاهات ~~الرواة وطبقاتهم، وعن كلام رسول الله وسحر إيجازه وبعده عن مذاهب العرب في ~~شعرها، وعن أمية رسول الله مع بلاغته وعن مجد الشعر وأثره ومكانته إلى غير ~~ذلك من شتى الآراء ويختم الجاحظ كتابه بهذه الكلمة الجامعة: "وهذا أبقاك ~~آخر ما ألفناه من كتاب البيان والتبيين ونرجو أن نكون غير مقصرين فيما ~~اخترناه من صنعته، وأردناه من تأليفه، فإن وقع على الحال التي أردنا ~~والمنزلة التي أملنا فذلك بتوفيق الله، وإن وقع بخلافها فما قصرنا في ~~الاجتهاد ولكن حرمنا التوفيق والله أعلم". # وبعد فكتاب البيان ثمرة من ثمرات الرجولة المكتملة التي أحاطت بالجاحظ ~~بعد أن ودع شبابه واستقبل عهد المشيب، وهو لذلك آية من آيات الطبع المتمكن ~~والذوق السليم والإحاطة التامة بالبيان وبلاغته. وليس ذلك بكثير على الجاحظ ~~شيخ العربية الفذ وبطلها الكبير. # وأثر "البيان" وقيمته مما يعسر على الباحث تفصيله وإيفاؤه فيها حقه من ~~التقدير والإنصاف ودقة الحكم: # فكتاب البيان أصل من أصول الأدب وهو في أسلوبه وفي نهجه وفي رواياته وفي ~~آرائه الأدبية خير معين لطلاب العربية والمتخصصين في آدابها. # وقيمته في البيان العربي خطيرة لما أودع فيه من شتى البحوث والآراء في ~~البلاغة وعناصرها واتجاهاتها ومذاهبها وألوانها وغاياتها وأثرها سواء كانت ~~هذه الآراء من جمع الجاحظ وروايته وتدوينه أم من ابتكاره ورأيه الشخصي ~~واتجاهه الأدبي المستقل، وفيما جمعه الجاحظ من ذلك الكثير مما لايزال ms064 محل ~~إعجاب الباحثين وتقديرهم، وكفى أن تقرأ فيه: البلاغة كما تتحدث عنها صحيفة ~~هندية مكتوبة، أو كما رآها ابن المقفع أو كما تحدث عنها بشر بن المعتمر في ~~صحيفة من تحبيره # PageV01P154 # وتنميقه إلى غير ذلك من شتى الآراء التي كتبها الجاحظ مستقلا بالتفكير ~~فيها. # وإذا كان للجاحظ فخر التلمذة والرواية -في كتابه- عن شيوخ العربية ~~وأدبائها كالأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي وابن سلام وأبي العاصي، ~~وكإبراهيم بن السندي وعبد الكريم بن روح الغفاري ومحمد بن بشير الشاعر، ~~وكثمامة والنظام، وسوى هؤلاء وهؤلاء، فيجب أن لا ننسى أنه قد كان لعلماء ~~الأدب والبيان الذين جاءوا بعد عصر الجاحظ هذا الفخر نفسه بالتلمذة عليه ~~وعلى كتابه "البيان". # فابن قتيبة المتوفى سنة 276 تبع في كتابه "الشعر والشعراء" الجاحظ في ~~مذهبه الأدبي من إيثار الطبع والرونق والماء والبعد عن التكلف والاستكراه ~~والتعقيد. # ومؤلف نقد النثر يبدو في كتابه أثر الجاحظ، وهو وإن كان نقد "بيان" ~~الجاحظ في أول كتابه إلا أنه قد تأثر به إلى حد كبير، فكلامه على أنواع ~~البيان ونظره إليه نظرة واسعة أعم من البيان بالعبارة هو صنيع الجاحظ في ~~كتابه، ويتكلم على اختيار مواقع الكلام وأوقاته ومناسبته للسامعين ومطابقة ~~الكلام للمقام1 وتلك آراء الجاحظ، ويرى أن اللحن يستحسن من الجواري وأن من ~~الصواب معرفة أوقات الكلام والسكوت وأقدار الألفاظ والمعاني بأنه يلبس ~~المعنى ما يليق به من اللفظ، كما يرى أن من أوصاف البلاغة أن يتساوى فيها ~~المعنى واللفظ، فلا يكون اللفظ إلى القلب أسبق من المعنى ولا المعنى أسبق ~~من اللفظ، وتلك كلها آراء الجاحظ، إلى غير ذلك من كثير من مظاهر التأثر ~~والاحتذاء. # وكذلك دعا الآمدي إلى المذهب الأدبي الذي دعا إليه الجاحظ في كتابه ~~البيان. PageV01P155 # ودعوة أبي الحسن الجرجاني في وساطته إلى ترك التكلف والاسترسال مع ~~الطبع1، وإلى تقسيم الألفاظ على رتب المعاني هي دعوة الجاحظ في بيانه، وإن ~~كانت مظاهر التأثر بالجاحظ تبدو معدومة في الوساطة. # وأبو هلال العسكري في "الصناعتين" متأثر بالجاحظ وكثير الإفادة منه ms065 ومن ~~كتابه "البيان". وكتاب "الصناعتين" سير في السبيل الذي عبده الجاحظ وإتمام ~~لما بدأ به، وكثير من آراء الجاحظ نجدها في الصناعتين وإن كان للصناعتين ~~ميزة شرحها والتعليق عليها، وقد ينقلها نفسها، وقد يستدل بها، وينقل وصية ~~بشر بن المعتمر ويشرحها، وعلى العموم فالجاحظ هو المرجع الأول لأبي هلال. # وكذلك ابن سنان الخفاجي ينقل في كتابه "سر الفصاحة" عن الجاحظ كثيرا. # وعبد القاهر الجرجاني شديد التأثر بالجاحظ وكتابيه "الحيوان" "والبيان"، ~~يأخذ عنه كثيرا من آرائه بدون ذكر له، وقليلا ما يشير إليه، فكلام عبد ~~القاهر عن البيان يتجلى فيه روح الجاحظ ورأيه في أن فضيلة الكلام لنظمه لا ~~للفظه ولا لمعناه هو روح كلام الجاحظ، وعبد القاهر ورأيه في السجع متأثر ~~بالجاحظ، وبلاغة الألفاظ من أن تكون مألوفة ليست وحشية ولا سوقية دعا إليها ~~الجاحظ قبل عبد القاهر، وتعريف عبد القاهر للبلاغة هو روح الجاحظ في بيانه، ~~وإيثاره من الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك مما سبقه ~~إليه الجاحظ وينقل عبد القاهر عن الجاحظ كثيرا، إلى غير ذلك من مظاهر ~~التأثر الكثير. # ولكتاب البيان كذلك أثره في النقد الأدبي فهو سجل حافل للآراء ~~PageV01P156 # المختلفة في النقد مما لا يزال إلى الآن موضع البحث والإعجاب. والجاحظ ~~الذي نقد مذاهب أصحاب الصنعة من الشعراء وأثره عليها مذهب المطبوعين كان ~~يضع بذلك أساسا كبيرا لعلم النقد وتطوره الأدبي. وعصرنا الحديث يؤمن كل ~~الإيمان برأي الجاحظ ويسير في تياره الفكري والأدبي كما يسير على ضوئه في ~~البيان العربي وبلاغته. # -3- # كان للعرب في حياتهم الأولى ذوق وفيهم طبع، وكانوا بهذا الطبع وذلك الذوق ~~وفي مثل بيئتهم البدوية في غنى عن الشرح والتحليل والتوجيه والتعليل لأحكام ~~النقد الأدبي ولأصول البيان العربي ومذاهبه واتجاهاته. كانوا يسمعون النص ~~الأدبي فيوحي إليهم طبعهم بكل شيء، ويرون من يسمع منهم ويأخذ عنهم في غنى ~~بذوقه وطبعه عن كل شيء، ولذلك بقيت أصول النقد والبيان بعيدة عن البحث ~~والدراسة والتقرير. # وفي ظلال الحياة الإسلامية اختلطت العناصر ms066 وتمازجت الثقافات وتجاورت ~~الطباع والأذواق، فسرت العدوى في البيئة العربية الخالصة، وظهرت في مظهر من ~~اللكنة المستهجنة ومن الخطأ المردود في اشتقاق بعض الكلمات العربية ~~وتصريفها وفي إعرابها وأشكال الحرف الواجبة لها، فسرت بين علماء الدين ~~والعربية روح من الجد والإقدام والعزيمة التي صممت على تلافي آثار هذه ~~العدوى حتى لا تمس العربية في صميمها وفي كتابها المقدس الحكيم، وظهرت لذلك ~~الدراسات النحوية ثم اللغوية بمظهر جاد لا وناة فيه. بيد أن ذلك لم يثن ~~رجال الأدب عن غاياتهم، ولم يحل بينهم وبين اتجاهاتهم وطبائعهم، فكثر النقد ~~الأدبي ودخلته روح جديدة من البحث والتوجيه والتعليل، وتكونت من ذلك أصول ~~أدبية موجزة لها قيمتها في الأدب والنقد والبيان. # وبعد أن أشيع الفكر الإسلامي رغباته من البحث والدراسة # PageV01P157 # في تقويم اللسان العربي وتصحيح الملكات العربية في النطق واللهجة، اتجه ~~رجال العربية -مع مسايرتهم للدراسات العربية واللغوية- إلى الدراسات ~~الأدبية والبيانية حرصا على إرضاء ملكاتهم وأذواقهم وتمشيا مع التطور ~~الفكري والترف العقلي في دراسة العربية وآدابها، ومسايرة لروح البحث ~~المتجلية في الثقافات الأخرى التي امتزجت بالثقافة الإسلامية، والتي كان ~~لها الأثر والخطر في إثارة مشكلات الأدب والبيان، وفي بحث عناصر بلاغة ~~الكلام، وفي توجيه أذهان الكتاب والأدباء إلى المجدي المقبول من الأساليب ~~وطرق الأداء وفي التفكير والمعنى، وفي مراعاة شتى المقامات وسائر الأحوال ~~التي يجب على الأديب والخطيب والكاتب والشاعر مراعاتها والإلمام بها. وكانت ~~عناصر الثقافة البيانية والأدبية إذ ذاك تتجلى في طبقتين: # أ- طبقة رواة الأدب العربي من البصريين والكوفيين والبغداديين، الذين ~~كانوا يرونه إشباعا لنهم فطرتهم وأذواقهم الأدبية العربية الخالصة. ومن ~~أمثال: خلف والأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد ويحيى بن نجيم وعمرو بن كركرة ~~وابن سلام، وأستاذهم أبو عمرو بن العلاء أعلم الناس بالعرب والعربية1 ومن ~~عامة رواة الأدب والبيان الذين لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعاني ~~المنتخبة، وعن الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة، وعلى ~~الطبع الممكن والسبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى التي إذا صارت ~~في الصدور ms067 عمرتها وفتحت للسان باب البلاغة -كما يقول الجاحظ- دون النحويين ~~الذين ليس لهم غاية إلا كل شعر فيه إعراب، والإخباريين الذين لا يقفون إلا ~~على كل شعر فيه الشاهد والمثل، واللغويين الذين لا يرون إلا كل شعر فيه ~~غريب2. بجوار هذه الطبقة الشعراء الذين طارت شهرتهم في آفاق الأدب العربي ~~أمثال ابن هرمة وبشار وصالح بن عبد القدوس وأبي نواس وأبي العتاهية والسيد ~~الحميري PageV01P158 # وأبان اللاحقي ومنصور النمري وسلم الخاسر وابن أبي عيينة ويحيى بن نوفل ~~وخلف بن خليفة ومحمد بن بشير والعتابي ومسلم وأبي تمام1، وغيرهم من ~~الخطباء، ورجال الأدب والبيان، من بيت بني هاشم وبني العباس ومن رجال الفرق ~~الأدبية والسياسية والدينية لا سيما المعتزلة وفرق المتكلمين الذين رآهم ~~الجاحظ فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء2. # ب- طبقة الكتاب الذين لم ير الجاحظ قوما قط أمثل طريقة في البلاغة منهم، ~~والذين التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا3 ورأى ~~الجاحظ البصر بهذا الجوهر من الكلام فيهم أعم4 وحكم مذهبهم في نقد5 البيان، ~~وكان جلهم من عناصر أجنبية من الفرس والروم والسريان والقبط من الذين فهموا ~~لغاتهم وبلاغتهم ثم قرءوا البيان والبلاغة العربية وآدابها وأخذوا يحدثون ~~في اللغة العربية مذاهب جديدة في الكتابة والأدب والبيان ويدعون إلى آراء ~~خطيرة تمس الذوق الأدبي وترضي اتجاهات الحضارة والترف العقلي والاجتماعي ~~الذي داخل البيئة العربية منذ بدء القرن الثاني، كما أخذوا يلقنون مذاهبهم ~~الأدبية العامة لتلاميذهم والمشايعين لهم من شداة الأدب كما ترى في محاضرة ~~بشر بن المعتمر المعتزلي م سنة 210ه في أصول البلاغة التي يقول الجاحظ ~~عنها: إن بشرا مر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة وهو يعلم الفتيان الخطابة فوقف ~~بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظارة فقال بشر: ~~اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره ~~وتنميقه في أصول البلاغة وعناصر البيان6، ومن رجالات هذه الطبقة أبو العلاء ~~سالم مولى هشام بن عبد الملك PageV01P159 # وعبد ms068 الحميد الكاتب أو الأكبر كما يقول الجاحظ1، وعبد الله بن المقفع ~~وسهل بن هارون والحسن بن سهل والفضل بن سهل ويحيى بن خالد وجعفر بن يحيى ~~وأيوب بن جعفر وأحمد بن يوسف ومحمد بن عبد الملك الزيات وعمرو بن مسعدة ~~وسواهم من كتاب الدولة الذين صعدوا بفنهم وبلاغتهم إلى أرقى المناصب في ~~الخلافة الإسلامية، وكان لهذه الطبقة أثرها في بحث عناصر البيان وبلاغة ~~الكلام ورسم المذاهب الأدبية التي توائم ذوق بيئتهم وعصرهم مما نراه مبثوثا ~~في كتاب البيان والتي لا تخرج عن أحكام الذوق الأدبي السليم ولا يتعمد ~~أصحابها فيها مذاهب العلماء في الشرح والتحليل. # وظهر الجاحظ والبلاغة العربية تفيض سحرا وقوة وروعة، سواء في خطب الخطباء ~~وشعر الشعراء ورسائل الكتاب ومحاضرات المحاضرين وجدل المجادلين. كما ظهر ~~وعناصر البيان العربي تكاد تخطو في طفولتها نحو الغاية وتسير في هدى العلم ~~والذوق إلى منزلتها من الوضوح والتمايز والاستقلال. فدخل الجاحظ المعمعة ~~وتوسط الميدان وسار أنبه أبطاله المعلمين. أما الجاحظ في بلاغة بيانه ~~وجلالة أسلوبه وحلاوة منطقه واستقلاله بمذهب خاص في الكتابة والبيان فهو في ~~ذلك ليس له نظير ولا ينكره عليه أحد. وبحق ما وسم بشيخ الكتاب. وأما الجاحظ ~~في وضع أسس البيان وعناصر البلاغة العربية فهذا ما نريد أن نعرف أثره فيه. # خدم الجاحظ البيان العربي خدمة لا تقدر. بالكتابة -في كتبه- في شتى بحوثه ~~وجمع مختلف الآراء والمذاهب في عناصره وألوانه. ولم نعلم أن باحثا أفرد ~~البيان العربي بتأليف قبل الجاحظ، كما كان كل ما هناك آراء مبثوثة متفرقة ~~لكثر من رجال البيان والأدب وكانت خسارة البيان في عدم تدوينها تكاد تكون ~~فادحة بالغة. PageV01P160 # منتهاها، وما نجده في الكتاب لسيبويه ومجازات القرآن لأبي عبيدة والشعر ~~والشعراء لابن سلام فإنما هو قليل من كثير إذا قيس بما جمعه الجاحظ في كتبه ~~ومؤلفاته، نعم لا يمكن لأي باحث أن ينكر حقيقتين هامتين. # أولاهما أن الجاحظ أظهر من أفرد البيان بمعناه العام بالتأليف في كتابه ~~الكبير "البيان والتبيين"، وثانيتهما أن له فضل جمع ms069 مختلف الآراء والمذاهب ~~فيه، والجمع والإحصاء أول خطوات البحث والابتكار والتجديد، ومنزلة العالم ~~في الجمع لا يمكن الغض منها أو الاستهانة بها، وإذا قرأت كتب الجاحظ لا ~~سيما "الحيوان" و"البيان" عرفت منزلة الجاحظ في هذا السبيل. ومن الغريب أن ~~ترى شخصية الجاحظ واضحة فيما يجمعه وضوحها فيما يبتكره من آراء ومذاهب بعكس ~~كثير من العلماء والباحثين. # والجاحظ فوق أثره الكبير في جمع آراء رجال البيان والبلاغة في مذاهبهما ~~وعناصرهما في كتابه "البيان" على الخصوص، له وراء ذلك فضل خاص وجهد مستقل ~~فيه، فقد استقل ببحوث جديدة صبغها بشخصيته واستمدها من عقليته وثقافته ~~وعرفت له وحده دون سواه من الباحثين في البيان العربي وقواعده، وقبل أن ~~نفصل ذلك كله نتساءل: ما هو البيان الذي نريده ويعنيه الجاحظ في كتابه ~~"البيان والتبيين"؟ # لاشك أن الجاحظ لم يعن بالبيان ذكر قواعد البلاغة العربية وأدائها في ~~ألفاظها وأساليبها ومعانيها كما فهم مؤلف نقد النثر ونقد على ضوئه الجاحظ ~~في كتابه البيان حيث يقول: "أما بعد فإنك ذكرت لي وقوفك على كتاب عمرو بن ~~بحر الجاحظ الذي "سماه البيان والتبيين" وأنك إنما وجدته قد ذكر فيه أخبارا ~~منتخلة وخطبا منتخبة ولم يأت فيه بوصف البيان ولا أتى على أقسامه في هذا ~~اللسان، # PageV01P161 # وكان عندما وقفت عليه غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب1 إليه". # ولا شك أن أبا هلال العسكري كان أدنى إلى الإنصاف حينما نوه في كتابه ~~الصناعتين بكتاب "البيان" وذكر خطورته كمؤلف من مؤلفات البيان العربي، وإن ~~كانت أبحاثه في البيان موجزة مفرقة2، فهو بدون شك ومهما أردنا بكلمة البيان ~~من معان مؤلف من مؤ لفات البيان، ولا يضيرنا بعد ذلك إن كانت بحوثه في ~~البيان مجملة أو مفصلة مجموعة أو مفرقة، ونحن على كل حال في الرأي مع أبي ~~هلال. # ولا شك أيضا أن ابن شهيد حين ذهب إلى أن كتاب "البيان للجاحظ" لم يكشف ~~فيه مؤلفه عن وجه تعليم البيان ليرى القارئ كيف يكون وضع الكلام وتنزيل ~~البيان وكيف يكون التوصل إلى ms070 حسن الابتداء وتوصيل اللفظ بعد الانتهاء وأن ~~الجاحظ استمسك بفائدته وضن بما عنده غيرة على العلم وشحا بثمرة الفهم3 قد ~~ظلم الجاحظ وكتابه وحكم عليه حكمة متأثرا باتجاهه هو في البيان الذي انتحى ~~فيه ناحية تطبيقية حتى كان كما يقول يعلم الشحاذ الأساليب التي يستدر بها ~~عطف الناس4. فابن شهيد حين أراد أن يكون كتاب "البيان" كتابا يرسم فيه ~~مؤلفه طرق الأداء ويعبد سبل التعبير عن مختلف الأغراض التي تؤثر في عقول ~~الناس وعواطفهم، قد ظلم الجاحظ مرتين: ظلمه حين تناسى ما كتبه وما جمعه ~~الجاحظ في رسم المذاهب الأدبية المختارة في الأداء والتعبير، وظلمه مرة ~~أخرى حين حكم فيه اتجاهه هو ونقده على ضوئه وقاس كتابه بمقياسه. # وعلى كل فالجاحظ إنما أراد بالبيان ما كشف لك قناع المعنى وهتك الحجب دون ~~الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته5. وأراد PageV01P162 # ما أراده جعفر بن يحيى من البيان، وهو أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويجلي ~~عن مغزاك وتخرجه من الشركة ولا تستعين عليه بالفكرة والذي لا بد منه أن ~~يكون سليما عن التكلف بعيدا من الصنعة بريئا من التعقيد غنيا عن التأويل1، ~~أراد به ساحر الأدب ورائعه من نثر ونظم وأسجاع ورسائل وخطب ومقالات وأحاديث ~~وحجاج، وأراد به أمثل الأساليب وأقوم الألفاظ التي تقرب ما غمض من المعاني ~~وتوضح ما خفي من الأفكار، ذاكرا معها أصحابها من أولى اللسن والخطابة ~~والبلاغة في المنثور والمنظوم، ولذلك كان كتابه أخبارا منتحلة وخطبا منتخبة ~~كما يقول مؤلف نقد النثر، والجاحظ لا يكتفي بذكر ذلك ذاك وحده بل يذكر ~~المذاهب الأدبية العامة في عصره وقبل عصره في النقد والأدب والبيان كلما ~~دعا إليها داع أو ألمت بها مناسبة، ويذكر في سياق ذلك آراءه الأدبية التي ~~يؤثرها ويدعو إليها في شيء من الإجمال والإيجاز وفي مواضع متفرقة من كتابه ~~كما يقول أبو هلال. # -4- # ارتاب بعض الباحثين المعاصرين في شخصية في كتابه البيان، ورأى أنها تكاد ~~تكون معدومة فيه2. وهذا موضع مناقشة هذه الفكرة الجائرة. # إن من يمعن ms071 في كتاب "البيان" يؤمن معي إيمانا جازما بمدى ما في هذا الرأي ~~من جور على الجاحظ وغبينه لكتابه، فشخصية الجاحظ في كتابه البيان ليست ~~معدومة ولا ضعيفة، بل نراها قوية مهيمنة ونلمسها في ثناياه في مظاهر منوعة: # فهي فيما يذكره الجاحظ من أدب ورواية، وفيما يسرده من آراء رجال البيان ~~العربي في البلاغة وعناصرها ومذاهبها، ويكفي لظهورها PageV01P163 # في هذا المظهر صبغ شخصية الجاحظ لهذه الروايات بصبغته، وهضم عقليته لها ~~وإخراجها في أسلوبه الساحر، وفي استطراده الفاتن العجيب وفي سعة تامة ~~وإحاطة كبيرة باللغة والأدب والبيان. # وهي في تعليقه على هذه الروايات والآراء، وفي نقده لها وحكمه عليها، ولن ~~نحصي من ذلك نقده للآراء العامة في الأدب وما يتصل به، مما نراه في تعليقه ~~على رأي الأهتم في الأحنف بن قيس1، وفي موافقته لرأي إياس في حمد إ عجاب ~~الرجل بقوله2، وفي تعليقه على الحكمة القائلة: قيمة كل امرئ ما يحسنه3، وفي ~~ثنائه على كلمة بليغة لمحمد بن علي4، وفي نقده لرأي في تعليل تهيب عمر في ~~خطبة النكاح5، وفي مناقشته لكلمة عن ابن الزبير 6، وفي نقده لمن يستحمق ~~المعلمين ورعاة الغنم7، وفي نقده لرأي من يضع الحبشة مع الأمم العريقة في ~~الثقافة8، وفي نقده رواية خطبة رويت لمعاوية9 إلى آخر ما فيه من التعليق ~~والنقد في هذا الباب. إنما نريد نقده لما يتصل بالبيان من آراء ومذاهب تمس ~~صميم البلاغة العربية، ولا بأس أن نعد بعض هذه التعاليق والنقود. # أنشد خلف الأحمر الجاحظ: # وبعض قريض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ # فعلق الجاحظ على هذا البيت تعليقا جميلا، فالشعر "إذا كان مستكرها وكانت ~~ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض كان بينها من التنافر ما ~~بين أولاد العلات ... وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، ~~فيعلم بذلك أنه أفرد إفراغا جيدا PageV01P164 # وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري على الأذهان1" وذلك تقرير ~~لبلاغة الألفاظ والنظم ولتنافر الحروف والكلمات سبق إليه الجاحظ عبد القاهر ~~وشيعته ms072 والسكاكي ومدرسته بقرون. # ويرى بليغ أن بلاغة الكلام في أن يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، فلا يكون ~~لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك، والجاحظ يثني على هذا الرأي ~~ويجتبيه2. # ويرى ابن المقفع أنه يجب أن يكون في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن ~~خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته "91/ 1 بيان"، فيشرح ~~ذلك الجاحظ ويدلي برأيه فيه 3، مقررا بلاغة الاستهلال تقريرا ليس بعده من ~~غرابة. # والجاحظ جد معجب ببلاغة الكتاب، يتجلى ذلك في نقده لمذهبهم الأدبي في ~~الكتابة والبيان4، وهو يرى أن حديث الأعراب الفصحاء بالغ الغاية في ~~الامتاع، وليس أفتق للسان ولا أجود تقويما للبيان "5" منه، كما يعجب ببلاغة ~~المتكلمين والنظارين ويراهم فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء6. # وذكر الجاحظ رأي إبراهيم بن محمد في البلاغة وأنه يكفي من حظها ألا يؤتي ~~السامع من سوء إفهام الناطق ولا الناطق من سوء فهم السامع، ثم أشاد به ~~وأثنى عليه "75/ 1". # واختلف علماء البيان في الخطابة وهل يستجاد فيها الإشارة والحركة؟ فذهب ~~النظام إلى استجادتها، وجعلها رجل كأبي شمر PageV01P165 # عيبا في الخطيب، والجاحظ يذكر ذلك ويميل إلى رأي أستاذه النظام محللا رأي ~~أبي شمر ويرجعه إلى صفاته الخلقية والنفسية من الوقار والتزمت "69 و77 و78/ ~~1". # ويختلفون كذلك في شيء آخر يمس الخطيب والبليغ، فهل السمت والجمال من تمام ~~آلة البليغ أم لا؟ يورد الجاحظ ذلك ويذكر بتفصيل رأي سهل بن هرون في عدم ~~عدهما من أدوات البلاغة "76/ 1"، ولا شك أن الجاحظ كان يدافع عن نفسه بما ~~أورده وفصله في ذلك الموضوع. # وكثرة الكلام يراها بليغ كاياس خيرا وبلاغة، ولكن الجاحظ يرد عليه؛ لأن ~~للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية "82/ 1" ... وكذلك إعادة الحديث من ~~العلماء من ذمة ومنهم من حمده ومنهم من جعل لحمده مواضع وأسبابا، والجاحظ ~~يتكلم في ذلك ويدلي برأيه فيه ويجعله على قدر المستمعين له ودرجاتهم ~~العقلية، ويعلل سر ما في الذكر الحكيم من إعادة وتكرير "84 و85/ 1". # والجاحظ يروي في وصف ms073 ثمامة بن أشرس لبلاغة جعفر بن يحيى "85/ 1"، ويصف هو ~~بلاغة ثمامة "89/ 1"، ويصف بلاغة بليغ يحذر من سحر الكلام وأثره ويدعو إلى ~~اجتناب السوقي والوحشي وإلى أن لا يجعل الأديب همه في تهذيب الألفاظ وشغله ~~في التخلص إلى غرائب المعاني "176 و177/ 1" والجاحظ هو نفس هذا البليغ، ~~وكثيرا ما يتكلم فيخرج آراءه في معرض الرواية عن سواء لغرض سنعلمه بعد حين، ~~وذلك كله يستحق الدراسة والإمعان؛ لأنه يمس عناصر البيان وبلاغته. # والخطبة يستحسن أن يكون فيها أي من القرآن أو بيت من الشعر أم لا؟ يذكر ~~ذلك الجاحظ ويروي مذاهب البلغاء فيه "93/ 1" ويذكر أن منها الطوال ومنها ~~القصار، وأن لكل مواضع تليق به "19/ 2". # PageV01P166 # ويرى العتابي أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ، فيذكر الجاحظ ذلك ويحلله ~~"121/ 1".. والصمت يحمده قوم ويذمه قوم "143-146، 183/ 1" والجاحظ يقف من ~~هؤلاء وهؤلاء موقف الناقد الحصيف، فيناقش رأي من آثر الصمت "147، 148، 184، ~~185، 205 ج1" ويدلي برأيه هو في قوة وروعة، داعيا إلى ألا يتمسك البليغ ~~بحكمة الصمت مادام يجد القوة والمقدرة والملكات البيانية المواتية "147/ ~~1". # والشاعر أو البليغ قد يستطيع فنا من فنون البيان ويجيد فيه دون فن آخر، ~~ورأى بعض الشعراء حين سئلوا عن عدم إحسانهم في بعض أنواع الشعر وفنونه أن ~~ذلك ليس مرجعه قصورا في ملكاتهم أو عجزا في مقدرتهم الأدبية، والجاحظ ~~يناقشهم ويفيض معهم في الجدال ذاهبا إلى أن الرجل قد يكون له طبع في فن من ~~فنون الأدب دون فن وفي باب دون باب "51، 150، 151 ج1، 259 ج2". # وبلاغة المتقعرين من اللغويين والنحويين يستسمجها الجاحظ وينقدها ويرى أن ~~نهجهم فيما ليس من أخلاق الكتاب ولا آدابهم "240/ 1". # وللشعوبيين رأي في العرب وبيانهم، والجاحظ لا يدعهم دون أن يحاسبهم ~~ويناقشهم ويرد عليهم في قوة وحرارة دفاع، وفي كل ما أخذوه على العرب، لا ~~سيما ما يمس البيان والبلاغة بوجه خاص "15 و16/ 3". # ويرى بعض الباحثين أن أداة الكتابة وقريض الشعر كانت في رسول الله "ص" ~~معدومة، فيناقش الجاحظ رأيهم ذاهبا إلى أنها كانت في رسول الله ms074 تامة، ولكنه ~~"ص" صرف تلك القوى إلى ما هو أزكى بالنبوة، وأراد أن لا يكون للشاعر متعلق ~~عما دعا إليه، وأنه "ص" لما طال هجرانه لقرض الشعر وروا يته صار لسانه # PageV01P167 # لا ينطبق به، والعادة توأم الطبيعة "230 و231/ 3"، ونحن نستجيد رأي ~~الجاحظ كل الاستجادة. وعلل الجاحظ أمية رسول الله وعدم قرضه الشعر في إفاضة ~~وقوة بيان "228/ 2"، وأدلى برأيه في قوله صلى الله عليه وسلم: نحن معشر ~~الأنبياء بكاء "276/ 3". # وأخيرا فهذه هي شخصية الجاحظ في بعض ما ناقش فيه آراء رجال البيان وهي ~~لعمري شخصية قوية مهيمنة لا تدعك حتى تؤمن بالجاحظ وثقافته ومذهبه واتجاهه ~~في الأدب والبيان. # وللجاحظ فوق ذلك كله شخصية الباحث في أصول البيان العربي: ### | 1- # فالجاحظ أظهر من تكلم في البيان وحاجته إلى التمييز والسياسة والترتيب ~~والرياضة وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق ~~وتكميل الحروف وإقامة الوزن وأن حاجة الكلام إلى الحلاوة كحاجته إلى ~~الجزالة. وأن ذلك من أكبر ما تستمال به القلوب وتزين به المعاني "30/ 1" ~~ولذلك فقد تحدث عن عيوب المنطق وآفات اللسان "31 و33 و44-46 و58-62 و66 و67 ~~ج1"، وتكلم على تنافر الحروف والألفاظ "62-64 ج1" ونادى بضرورة تجنب البليغ ~~ألفاظ المتكلمين "106-108 ج1" وبترك الوحشي والسوقي "110، 176 ج1" وكراهة ~~الهذر والتكلف والتعقيد والتقعير والإسهاب والفصول "21 و141 و239 ج1"، ونفي ~~الكلام الملحون عن أن يكون من البلاغة "121-124 ج1" متحدثا عن اللحن ~~واللحانين "155-154 ج2".. وذكر البيان وأن مداره على الإفهام "68/ ~~1"والوضوح مع شرف المعنى وبلاغة اللفظ وصحة الطبع والبعد عن الاستكراه ~~والتكلف ومع قوة التأثير وسحر البيان "73 و75 و89 ج1" وأن يكون الكلام ~~موزونا أصيب به مقدار الحاجة "161 و62 ج1" مع العارضة واللسن "130، 163 ج1" ~~ومع ترك الإسراف في الصنعة والتهذيب "176/ 1" ومع استعمال # PageV01P168 # المبسوط والمقصور في موضع البسط والقصر "281/ 2" ومع الطبع المتمكن ~~والديباجة الكريمة والماء والرونق "224 و225 ج3" ومتى شاكل اللفظ معناه ~~وأعرب عن فحواه وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة ~~الاستكراه ms075 وسلم من فساد التكلف والفضول والتعقيد، حبب إلى النفوس واتصل ~~بالأذهان وهشت إليه الأسماع وخف على الألسن وشاع في الآفاق. وكثيرا ما يكرر ~~الجاحظ اصطلاحات أدبية خاصة مثل "صناعة الكلام" "69 و220 ج1" وصناعة المنطق ~~"48 و67و 209 و242 ج1" وهو يعني بذلك هذا اللون الخاص من البيان البلاغي ~~الذي يرسم مناهج الأداء. # وعني الجاحظ أكثر ما عني بالخطابة فأطال الكلام في أوصافها وعناصرها ~~وأدواتها ومظاهرها وفي هيئة الخطيب وسمعته، وذكر عيوبها وآفاقها، ودعا ~~الخطيب إلى مراعاة شتى المقامات والأحوال، وإلى أن يطيل حيث تجب الإطالة ~~ويوجز حيث يجب الإيجاز، وذكر أكثر أعلامها ورجالها حتى عصره، كما تكلم على ~~رسالة الخطيب وأثرها في نفسه، وأورد من الخطب القصار والطوال الكثير ~~الرائع. # وتكلم على النثر والمحادثة والكتابة: بلاغتها وعناصرها ومذاهب الكتاب ~~الأدبية فيها، وعلى سحر الحديث المعاد، والسجع مطبوعة ومتكلفة وبلاغة ~~المطبوع منه، وعلى اللحن وبدء ظهوره واللحانين، وكثير من المثل في لحنهم، ~~وذكر الحكم والمواعظ والزهد والدعوات السياسية والدينية وكثيرا من مثلها، ~~وتكلم على رواية الأدب وطبقات الرواة من نحويين ولغويين وإخباريين وأدباء ~~واتجاهاتهم في الرواية. # كما ذكر الشعر وأثره وخطره وألوانه وطبقات الشعراء، وتحدث عن مذاهب ~~المطبوعين وأصحاب الصنعة منهم، وعن الحوليات ورجالها، وذكر بعد كلام الله ~~ورسوله عن الشعر ومكانة الشعر والشعراء في الجاهلية وكيف غلبته الخطابة ~~أخيرا بعد التكسب بالشعر وكثرة الشعراء، وحتم على الأدباء الناشئين عرض ~~ثمراتهم الأولى على أولى # PageV01P169 # العلم ورأى أن اجتماع الشعر والرجز والخطابة قليل، وقلما ينبه الإنسان في ~~أكثر من فن واحد منها، وأن الشعر والغناء والنادرة مما يستجاد أطرافها دون ~~أوساطها، وتكلم على استواء الشاعرية واختلافها. إلى غير ذلك مما يتصل بصميم ~~البيان، ومما تراه متفرقا في الأجزاء الثلاثة من كتاب البيان. ### | 2- # ودعوة الجاحظ في كتابه "البيان" -وفي مواضع متفرقة منه لا سيما الجزء ~~الأول من كتابه الكبير- إلى مذهب أدبي جديد مستمد من عقليته وثقافته ~~وبيئته: هي المظهر القوي من مظاهر شخصية الجاحظ الواضحة في كتابه البيان ~~والتبيين. ويمكننا إرجاع هذا ms076 المذهب إلى عناصره الأولى من: سحر اللفظ ~~وتلاؤم الحرف، ووضوح المعنى وترك التكلف والتعقيد والإغراب والوحشية ~~والسوقية، ومراعاة المقام وإصابة الغاية مع الحذق والرفق والتخلص إلى حبات ~~القلوب وإصابة عيون المعاني في سحر إيجاز، ومع البعد عما يكره من مظاهر ~~مذمومة في البيان مما يتعلق بخلق البليغ وخلقه أو طبعه وزيه، ومع الحرص على ~~صبغ ذلك ذلك كله بصبغة الرجل وأسلوبه وظهور شخصيته وأثره فيه. ومع مسايرة ~~الأديب للحركة الفكرية العامة في بيئته، ومع الحرص على إيثار نشاط السامعين ~~والقراء والاحتيال عليه. بالفكاهة الجميلة، والاستطراد الساحر، وبراعة ~~الأسلوب وسحره وقوته، والرواية الكثيرة لأعلام الأدب والبيان التي تلقي في ~~روع السامع والقارئ روح الهيبة والإعجاب بهم وبالمؤلف، وبمناقشة الآراء ~~التي تستحق المناقشة والنقد مما تجعل السامع والقارئ متطلعا مسايرا للمؤلف ~~في اتجاهاته الفكرية والأدبية، إلى غير ذلك من عناصر هذا المذهب الأدبي ~~التي ترجع إلى المعنى والأسلوب دون حرص على ترف البيان أو طلب لشتى ألوان ~~البديع إلا إذا طلبها الطبع واستدعاها المقام. ومن الجدير بالملاحظة أن ~~كثرة الرواية في كتاب الجاحظ التي رآها بعض الباحثين المعاصرين من أسباب ~~ضعف شخصيته إنما هو غرض قصد إليه الجاحظ وأراده، ليشعر القارئ بروحه ويؤمن # PageV01P170 # بما يوجهه المؤلف إليه من آراء وأفكار، وليكتسب به رضاه وتقديره وإعجابه. ~~ولا أحيلك في فهم مذهب الجاحظ ذلك على صفحة من كتابه، فاقرأ أي صفحة وعلى ~~الأخص الجزء الأول من هذا الكتاب، فتؤمن معي بما ذكرت. ### | 3 - # وقد ظهر الجاحظ في عصر شاع فيه اتجاهان أدبيان مختلفان: اتجاه يرمي إلى ~~الظهور بمظهر البداوة التقليدي في الأداء والتعبير فيؤثر الغريب من الألفاظ ~~والعنجهي من الأساليب متناسيا روح العصر وذوقه، واتجاه آخر تأثر بالحياة ~~السياسية والاجتماعية وبألوان الحضارة في العيش والتفكير، فمال إلى رقة ~~الأسلوب وسهولته، مع حرص على إرضاء الطبع والذوق، وشاهد الجاحظ هذه ~~التيارات الفكرية والأدبية المنوعة وعاصرها ولكنه مال بطبعه وذوقه إلى ~~الاتجاه الأخير، وكتابه البيان كله دعوة إلى هذا الرأي، فهو حينا يشيد بأدب ~~الكتاب ومذهبهم ms077 في البيان "105/ 1"، وحينا يكرر الدعوة إلى الوضوح والإفهام ~~ومسايرة الذوق والطبع "73 ج1 و20 ج2 و225 ج3"، وحينا ينقد مذاهب الصنعة في ~~الشعر "54، 150 ج1 و21، 25 و26 ج2" وحينا يدعو إلى ترك التكليف والتعقيد ~~والتقعير وإيثار الأساليب السمحة الكريمة الساحرة "110 ج1 و20، 21 ج2 و224 ~~ج3". ### | 4- # وتكلم الجاحظ عرضا على ألوان كثيرة من البيان، وحال كثيرا من أساليبه ~~البيانية: # ذكر البديع، حينما ذكر بعض مثله وأساليبه، ورأى أنه مقصور على العرب، ومن ~~أجله فاقت لغتهم كل لغة، وذكر كثيرا من الشعراء الذين أكثروا منه في شعرهم، ~~"ورأى أنه لم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار وابن هرمة "242 ج3، 54 ~~و55 و1".. وتكلم على ألوان من البيان من سجع ومزدوج وقصيد وإجازة "16 ج3". ~~فأما السجع فقد تكلم عليه الجاحظ بتفصيل وذكر آراء رجال البيان فيه # PageV01P171 # وآثر المطبوع منه "194 و195 ج1" وأما المزدوج من الكلام فقد ذكر له مثلا ~~في باب صغير عقده له "96 ج2" ومن مثله التي ذكرها الحديث: "اللهم علمه ~~الكتاب والحساب وقه العذاب". وقول مالك بن الأخطل في الشاعرين "الفرزدق ~~وجرير" جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر. # وتكلم على الاستعارة وعرفها حين ساقه الكلام إلى ذكر مثل من مثلها ورآها ~~تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه "115 و116 ج1"، ويرجع بعض الأساليب ~~إلى الإستعارة "راجع 192/ 1".. وذكر التفصيل والتقسيم حين مر بأسلوبين من ~~أساليبهما "170/ 1، 91، 92/ 2".. وتكلم على الاستطراد وبلاغته وأثره في ~~التأليف والكتابة "138/ 1، 105/ 3" ... وذكر كثيرا من مثل الكناية وحللها ~~"180/ 1، 31 ج3".. كما ذكر كثيرا من الأمثال التي ضرب بها العرب المثل "86، ~~183 ج1".. وتكلم على جودة الابتداء وجودة القطع والقافية -أي حسن خاتمة ~~الكلام والشعر- "89 و155 ج1".. وعقد الجاحظ بابا قال فيه: ويذكرون الكلام ~~الموزون ويمدحون به ويفضلون إصابة المقدار، وذكر كثيرا من مثله، وهذا هو ~~باب الاحتراس الذي ذكره البيانيون.. وحلل الجاحظ كثيرا من الأساليب ~~البيانية البليغة "راجع 163، 166 ج1 و201 ج2" تحليلا بيانيا احتذى حذوه فيه ~~العلماء، وذكر مثلا ms078 رائعة للتشبيه "229/ 2" وأشار إليه في الجزء الثالث ~~ص243، وعقد الجاحظ فصلا من فصول كتابه عنونه بباب اللغز في الجواب "216/ ~~2"، والمذهب الكلامي نوع من البديع كان الجاحظ أول من لقبه1 به، والجاحظ جد ~~خبير بمذهب الايجاز وكثيرة الدعوة والإشارة إليه "81 ج1 و198 ج2" وأشار ~~الجاحظ إلى أسلوب القلب "180 ج1"، وإلى سواه من الأساليب التي يعني بها ~~علماء البلاغة. PageV01P172 # وبعد: فتلك آراء الجاحظ البيانية الخاصة به، وهي وإن كانت دراسات موجزة ~~مفرقة إلا أنها على كل حال ذات أثر كبير في خدمة البيان العربي. # PageV01P173 ### | أول صحيفة في البلاغة # لبشر بن المعتمر: # عن البيان والتبيين للجاحظ. # مر بشر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب وهو يعلم الفتيان ~~الخطابة فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من ~~النظارة، فقال بشر، اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا.. ثم دفع إليهم ~~صحيفة من تحبيره وتنميقه، وكان أول ذلك الكلام: # خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة ~~أكرم جواهر وأشرف حسبا، وأحسن في الإسماع. وأحلى في الصدور وأسلم من فاحش ~~الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة، من لفظ شريف ومعنى بديع.. # واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة ~~وبالتكلف والمعاودة. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكن مقبولا قصدا وخفيفا على ~~اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه. # وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد مستهلك معانيك ~~ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى ~~الشريف، اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يسدهما ويهجنهما، وعما ~~تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترتهن نفسك ~~بملابستهما وقضاء حقهما. # PageV01P173 # وكن في ثلاث منازل: فإن أولى الثلاث: أن يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما ~~سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا قريبا معروفا، إما عند الخاصة إن كنت ~~للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف أن ms079 ~~يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما ~~مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من ~~المقال. وكذلك اللفظ العامي والخاص، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك ~~وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدراك على نفسك أن تفهم العامة معاني الخاصة ~~وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء، ~~فأنت البليغ التام. # فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسمح لك عند أول نظرك ~~وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من ~~أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تتصل ~~بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب ~~الأماكن والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر والموزون، ~~ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتها ~~ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك بصيرا بما عليك أو مالك، عابك من أنت ~~أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.. فإن ابتليت بأن تتعاطى الصنعة ~~وتتكلف القول ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة وتعصي علبك بعد إجالة الفكرة ~~فلا تعجل ولا تضجر ودع بياض يومك أو سواد ليلك وعاوده عند نشاطك وفراغ ~~بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة أو جريت من ~~الصناعة على عرق. # فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ومن غير طول إهمال، فالمنزلة ~~الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة على أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك، فإنك ~~لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما # PageV01P174 # نسب، والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في ~~طبقات؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود ~~مع المحبة والشهوة، فكذا هذا، قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي، أنا ~~أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان. # PageV01P175 ### | مؤلفات ms080 متأخرة في البلاغة ### | 1- # من شروح تلخيص المفتاح للخطيب: شرح للخلخالي م745ه، وشرح للزوزني م 792، ~~وشرح لابن عربشاه م 945، وقد شرح العباسي أبيات التلخيص في كتابه "معاهد ~~التنصيص" ونظمه السيوطي في كتابه "عقود الجمان".. وقد شرح جمال الدين محمد ~~بن محمد الأقصرائي م800ه كتاب الإيضاح للخطيب القزويني في كتاب أسماه ~~"إيضاح الإيضاح".. "2 و459" بلاغة -دار الكتب المصرية- مخطوطات". ### | 2- # وعلى المطول حواشي كثيرة: منها حاشية السيد م 816، وحاشية الفنري م 886، ~~وحاشية ملا خسرو م885، وحاشية السيرامي المصري م833 وحاشية الحفيد م 906ه، ~~وحاشية الشيرازي م994ه، وعز الدين بن جماعة م 819ه، والبساطي م 842ه، ~~والسمرقندي م 880ه، وعبد الحكيم السيلاكوتي 1061ه. ### | 3- # ومن الكتب المتأخرة في البلاغة: الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري وقد ~~شرحه ابن يعقوب، والشيخ أحمد الدمنهوري م 1192ه. # ومنها: تحفة الأعواز في علاقات المجاز للسجاعي م 1197، وتحفة الإخوان في ~~علم البيان للدردير م 1201ه، والرسالة البيانية للصبان م 1026ه، والتجريد ~~للبنان م 1211ه، وحسن الصنيع للشيخ البسيوني م 1313ه، وزهر الربيع للحملاوي ~~م 1352ه، # PageV01P175 # والبلاغة الواضحة للجارم المتوفى في 8 فبراير 1949، وكتاب "فن القول ~~للأستاذ أمين الخولي، وهناك مذكرات قيمة مطبوعة في بحوث البلاغة للأستاذ ~~سليمان نوار، وللأستاذ حامد عوني.. وللشيخ محمد عرفة عضو جماعة كبار ~~العلماء كتاب قيم في البلاغة سينشره عما قريب، وله محاضراته البلاغية التي ~~كان يلقيها في قسم الأستاذية بكلية اللغة العربية، والتي أفاد منها جمهور ~~كبير من العلماء. # PageV01P176 ### | تطبيقات ### | تطبيقات 1 # ... ### | تطبيقات - # 1-: # عين الأساليب الخبرية والإنشائية فيما يأتي: ### | 1- # {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله} . ### | 2- # {يمحق الله الربا ويربي الصدقات، والله لا يحب كل كفار أثيم} . ### | 3- # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} . ### | 4- # قال صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي ~~نعمة محسود". ### | 5- # ومن وصية عبد الملك بن مروان لأولاده: يا بني، كفوا أذاكم، وابذلوا ~~معروفكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، ~~فإن من ms081 ضيق ضيق الله عليه، ومن أعطى أخلف الله له. ### | 6- # قال أبو العلاء المعري: # لا تحلفن على صدق ولا كذب ... فما يفيدك الا المأثم الحلف ### | 7- # وقال: # لا تفرحن بما بلغت من العلا ... وإذا سبقت فعن قليل تسبق # وليحذر الدعوى اللبيب فإنها ... للفضل مهلكة وخطب موبق # PageV01P177 ### | 8- # وقال أبو العتاهية: # بكيت على الشباب بدمع عيني ... فلم يغن البكاء ولا النحيب # ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب ### | 9- # وقال: # يا صاحب الدنيا المحب لها ... أنت الذي لا ينقضي تعبه ### | 10- # وقال: # ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع الله من نالها # من لم يؤاس الناس من فضلها ... عرض للإدبار إقبالها ### | 11- # وقال الشاعر: # أراك تؤمل حسن الثناء ... ولم يرزق الله ذاك البخيلا # وكيف يسود أخو فطنة ... يمن كثيرا ويعطي قليلا ### | 12- # وقال سعيد بن حميد: # وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... صاف عليك من الوفاء دليل # ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول # PageV01P178 ### | ### | تطبيقات - # 2-: # بين أساليب الخبر وأدوات التوكيد في الأمثلة الآتية: ### | 1- # {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} . ### | 2- # {وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون} . ### | 3- # وقال صلى الله عليه وسلم: "شر الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتم". ### | 4- # وقال علي كرم الله وجهه: "مارست كل شيء فغلبته، ومارسني الفقر فغلبني، إن ~~سترته أهلكني، وإن أذعته فضحني". ### | 5- # وقال النبي عليه السلام يصف الأنصار: "إنكم لتقلون عند الطمع، وتكثرون ~~عند الفزع". ### | 6- # وقال بشار بن برد: # خليلي إن المال لسي بنافع ... إذا لم ينل منه أخ وصديق ### | 7- # وقال أبو العتاهية: # إن البخيل وإن أفاد غنى ... لترى عليه مخايل الفقر # ما فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مئونة الشكر ### | 8- # وقال آخر: # وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشمس من ظلم # PageV01P179 ### | 9- # وقال حسان بن ثابت: # أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال # أحتال للمال إن أودى فأكسبه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال ### | 10- # وقال المقنع ms082 الكندي يعاتب قومه، ويصف وفاءه لهم: # وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا # وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القول من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا ### | 11- # وقال رجل من فزارة يفخر بشرف خصاله وجوده: # ألا يكن عظمي طويلا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول # ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقول # إذا كنت في القوم الطوال علوتهم ... بعارفة حتى يقال طويل # وكم قد رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول # ولم أر كالمعروف، أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل ### | 12- # وقال سعيد بن سلم الباهلي: مدحني أعرابي فأبلغ، فقال: # ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم نور كل بلاد # PageV01P180 # جواد حثا في وجه كل جواد ... لنا سيد أربى على كل سيد # قال سعيد: فتأخرت عنه قليلا، فهجاني، فأبلغ، فقال: # أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلي ثواب # مدحت سعيدا والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب # وفي هذا الشعر إشارة إلى قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} . ### | 13- # وقال الشماخ يمدح عرابة بن أوس الأنصاري: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين ### | 14- # وقال بشار بن برد في العتاب: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه ### | 15- # وقال إبراهيم الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات وقد تغير ms083 عليه بعد ~~ما صار وزيرا: # وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا # وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا # PageV01P181 # وكنت أعدك للنائبات ... فأصبحت أطلب منك الأمانا ### | 16- # ومن الهجو قول جرير يهجو تيما: # ويقضي الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود # وإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت أيهم العبيد ### | 17- # وقال الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: # ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا # فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا # ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا ### | 18- # ولقطري بن الفجاءة في الحماسة يخاطب نفسه: # أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي # فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي # فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع # وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع ### | 19- # وقال الشاعر: # ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل # PageV01P182 ### | 20- # وقال صردر: # تذل الرجال لأطماعها ... كذل العبيد لأربابها # وأعلم أن ثياب العفا ... ف أجمل زي لمجتابها # أي للابسها. ### | 21- # وقال آخر: # لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا ### | 22- # وقال سعيد بن حميد في العتاب: # أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل # ولعل أحداث المنة والردى ... يوما ستصدع بيننا وتحول # فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل # ولئن سبقت -ولاسبقت- ليمضين ... من لا يشاكله لدي خليل # وليذهبن بهاء كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول # PageV01P183 ### | ### | تطبيقات - # 3-: # عين الأغراض المستفادة من الخبر في الأمثلة الآتية: ### | 1- # قال تعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوامافي أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء ~~قدير} [البقرة: 283] . ### | 2- # وقال تعالى: {عبس وتولى، أن جاءه ms084 الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى، أما من استغنى، فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من ~~جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهى} . ### | 3- # قال صلى الله عليه وسلم: "عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة". ### | 4- # وقال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل ~~عليه الجور في عدله". ### | 5- # ومن خطبة له عليه السلام بمكة حين دعا قومه إلى الإسلام: "أن الرائد لا ~~يكذب أهله، والله لو كذبت الناس ما كذبتكم، وأغررت الناس ما غررتكم، والله ~~الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة". ### | 6- # قال الشريف الرضي: # جار الزمان فلا جواد يرتجي ... للنائبات ولا صديق يشفق # وإذا الحليم رمي بسر صديقه ... عمدا فأولى بالوداد الأحمق # PageV01P184 ### | 7- # وقال المعري: # عرفت سجايا الدهر، أما شروره ... فنقد، وأما خيره فوعود ### | 8- # وقال: # رأيت سكوتي متجرا فلزمته ... إذالم يفد ربحا فلست بخاسر ### | 9- # قال ابن حيوس مادحا: # بني صالح أقصدتم من رميتم ... وأحييتم من أم معروفكم قصدا # وذللتم صعب الزمان لأهله ... فذل وقد كان الجماح له وكدا # مناقب لو أن الليالي توشحت ... بأذيالها لابيض منهن ما اسودا ### | 10- # وقال أبو فراس: # صبرت على الأواء صبر ابن حرة ... كثير العدا فيها قليل المساعد # منعت حمى قومي وسدت عشيرتي ... وقلدت أهلي غر هذي القلائد ### | 11- # وقال يخاطب سيف الدولة: # وكم لك عندي من إياد وأنعم ... رفعت بها قدري وأكثرت حسدي # وإنك للمولى الذي بك أقتدي ... وإنك للنجم الذي بك أهتدي ### | 12- # وقال: # ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر # تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر # PageV01P185 ### | 13- # وقال ابن الرومي في رجل اسمه عيسى: # يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد # ولو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد ### | 14- # وقال أبو العلاء: # بلوت أمور الناس من عهد آدم ... فلم أر إلا هالكا إثر هالك # إذا كان هذا الترب يجمع بيننا ... فأهل الرزايا مثل أهل الممالك ### | 15- # وقال أعربي يرثي ولده: # بني ms085 لئن ضنت جفون بمائها ... لقد قرحت مني عليك جفون # دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفس منها دافن ودفين ### | 16- # قال زهير في قوم هرم بن سنان: # قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # PageV01P186 ### | تطبيقات -4-: # عين المسند والمسند إليه، وبين الأساليب الخبرية والإنشائية. واذكر أغراض ~~الخبر فيما يأتي: ### | 1- # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآاخذيه إلا أن تغمضوا ~~فيه واعلموا أن الله غني حميد، الشيطان يعدكم الفقر ويأامركم بالفحشاء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} . [البقرة: 267: 269] . ### | 2- # قال عليه السلام: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير كله، ومن ~~حرم حظه من الرفق فقد حرم لحظه من الخير كله". ### | 3- # وقال: "لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل". ### | 4- # ومن خطبة لخالد بن عبد الله القسري: "نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى ~~المغانم، واشتروا الحمد بالجود.. واعلموا أن حوائج الناس إليكم، نعمة من ~~الله عليكم، فلا تمروا النعم فتحولوها نقما". ### | 5- # ومن رسالة لابن زيدون: "قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ~~ويؤتي الحذر من مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته ... وعلمك محيط بأن ~~المعروف ثمرة النعمة، والشفاعة زكاة المروءة، وفضل الجاه تعود به صدقة: # PageV01P187 # وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله ### | 6- # قال أبو العتاهية: # إذا ما مضى القرن الذي أنت منهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب # وإن امرأ قد سار خمسين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب ### | 7- # وقال أبو العلاء: # احذر سليلك فالنار التي خرجت ... من زندها إن أصابت عود احترقا ### | 8- # وقال الأخطل: # وان امرأ لا ينثني عن غواية ... إذا ما اشتهتها نفسه لجهول ### | 9- # وقال حسان بن ثابت: # وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما ms086 جنى لسعيد ### | 10- # وقال المتنبي: # تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام ### | 11- # وقال الحسين بن مطير: # أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا # وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا # ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا # PageV01P188 ### | 12- # قال رجل من طيئ: # ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى ... وإن كان فيهم واسط العم مخولا # وبزري بعقل المرء قلة ماله ... وإن كان أسرى من رجال وأحولا ### | 13- # الشاعر: # إن الطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يشفي مثله فيما مضى ### | 14- # قال عروة بن الورد: # ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير # يباعده القريب وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير # وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم ... ولكن للغنى رب غفور ### | 15- # وقال قيس بن عاصم المنقري في قومه: # خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصقع لسن # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن ### | 16- # وقال وعلة بن الحارث: # قومي هموا قتلوا -أميم- أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي ### | 17- # وقال المتنبي: # رب عيش أخف منه الحمام ... ذل من يغبط الذليل بعيش # PageV01P189 ### | فهرست الجزء الأول # الصفحة الموضوع # 3 الكلمة الاولى # 4 مقدمات في تاريخ البلاغة العربية # 14 ترجمة الخطيب # 16 أول كتاب الإيضاح # 17 معنى الفصاحة والبلاغة # 21 الفصاحة # 21 فصاحة المفرد # 28 فصاحة الكلام # 41 البلاغة # 41 بلاغة الكلام # 46 بلاغة المتكلم # 52 الفن الأول - علم المعاني # 59 الصدق والكذب # 63 تنبيه - الذوق هو الحكم في أمور البلاغة # 65 أحوال الإسناد الخبري # 80 الحقيقة العقلية والمجاز العقلي ### | 104 - 188 # بحوث بلاغية ملحقة بالكتاب # 104 أسلوب المجاز العقلي وتطور البحث البلاغي عنه # 120 حول المجاز العقلي # 130 نشأة البيان العربي # 146 الجاحظ والبيان العربي # 173 أول صحيفة في البلاغة # 177 تطبيقات # PageV01P190 ### | المجلد الثاني ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم. # المقدمة: # صدر الجزء الأول من شرحي على كتاب الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب ~~القزويني "666-739ه"، بحمد الله وتوفيقه وفضله. # وهذا هو الجزء الثاني من هذا الشرح.. وهو ms087 كسابقه في الشرح والتحليل ~~والتفصيل والدقة، وتنظيم البحوث والموضوعات. # ولا أجد ما أقوله إلا أن أقدمه لجمهور العلماء، ورجال اللغة والأدب ~~والنقد، وطلاب البحث والمعرفة، معتمدا بعد فضل الله على حسن تقديرهم، وكريم ~~ثقتهم. # وما توفيقي إلا بالله. # محمد عبد المنعم خفاجي. # PageV02P003 ### | القول في أحوال المسند إليه # 1: ### | حذف المسند إليه # 2: # أما حذفه: فأما لمجرد الاختصار3 والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر4. # وأما لذلك مع ضيق المقام. # وأما لتخييل5 أن في تركة تعويلا على شهادة العقل في ذكره PageV02P004 # تعويلا على شهادة اللفظ من حيث الظاهر، وكم بين الشهادتين؟ # وإما لاختيار تتنبه السامع له عند القرينة أو مقدار تنبهه1. # وإما لإيهام أن في تركه تطهيرا له عن لسانك، أو تطهيرا فللسانك عنه. # وإما ليكون لك سبيل إلى الإنكار إن مست إليه حاجة2. # وإما؛ لأن الخبر لا يصلح إلا له حقيقة3 أو ادعاء. # وإما لاعتبار آخر مناسب لا يهدي إلى مثله إلا العقل السليم والطبع ~~المستقيم4 كقول الشاعر: # قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن5 طويل PageV02P005 # وقوله1: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا للنعل زلت # وقوله: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه2 # وقول بعض العرب3 في ابن عم له موسر، سأله فمنعه وقال: لو أعطيك مالي وأنت ~~تنفقه فيما لا يعنيك؟ والله لا أعطيتك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم، ~~وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه فأنشأ يقول: ~~PageV02P006 # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع # حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع1 # وعليه قوله تعالى: {صم بكم عمي} وقوله: {وما أدراك ما هيه، نار حامية} . ~~وقيام القرينة شرط في الجميع. PageV02P007 ### | ذكر المسند إليه # وأما ذكره: فإما؛ لأنه الأصل1 ولا مقتضي للحذف. # وإما للاحتياط لضعف التعويل2 على القرينة. # وإما للتنبيه على ms088 غباوة السامع. # وإما لزيادة الإيضاح والتقرير3. # وإما لإظهار تعظيمه4، أو إهانته5، كما في بعض الأسماء المحمودة أو ~~المذمومة. # وإما للتبرك بذكره6. # وإما لاستلذاذه 7. PageV02P007 # وأما لبسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب1، كقوله تعالى "حكاية عن موسى عليه ~~السلام "هي عصاي"، ولهذا زاد على الجواب. # وإما لنحو ذلك2. # قال السكاكي: "وإما لكون الخبر عام النسبة إلي كل مسند إليه والمراد ~~تخصيصه بمعنى كقولك "زيد جاء وعمرو ذهب وخالد في الدار". # وقوله: # الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل3 # وقوله: # النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع4 # وفيه5 نظر؛ لأنه إن قامت قرينة تدل عليه إن حذف، فعموم. PageV02P008 # الخبر وإرادة تخصصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره1، وإلا فيكون ذكره ~~واجبا2. PageV02P009 ### | تعريف المسند إليه # 1: # وأما تعريفه: فلتكون الفائدة أتم؛ لأن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد ~~كانت الفائدة في الأعلام2 به أقوى، ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعده3 بحسب ~~تخصيص المسند إليه والمسند، كما ازدادا4 تخصيصا ازداد الحكم بعدها وكلما ~~ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولنا "شيء ما ~~موجود" وفي قولنا "فلان بن فلان يحفظ الكتاب"، والتخصيص كماله بالتعريف5.. ~~ثم التعريف مختلف: PageV02P009 ### | تعريفه بالإضماء # ... # فإن كان بالإضمار: # فإما؛ لأن المقام مقام التكلم، كقول بشار: # أنا المرعث لا أخفى على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني1 # وإما؛ لأن المقام للخطاب، كقوله2 الحماسية: # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم # وإما؛ لأن المقام مقام الغيبة، لكون المسند إليه مذكور أو في حكم المذكور ~~لقرينة كقوله3: # من البيض الوجوه، بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا # هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا # وقوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} ، أي العدل4. PageV02P010 # وقوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} ، أي ولأبوي الميت. # وأصل الخطاب أن يكون لمعين1، وقد يترك إلي غير معين2 كما تقول: "فلان ~~لئيم: إن أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك"، فلا تريد مخاطبا بعينه، ~~بل تريد إن أكرم ms089 أو أحسن إليه"، تخرجه في صورة الخطاب ليفيد العموم، أي سوء ~~معاملته غير مختص بواحد دون واحد. # وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ~~ربهم} ، أخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم، للقصد إلى تفظيع حالهم وأنها ~~تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها، فلا تختص بها رؤية راء. بل كل يتأتى منه ~~الرؤية داخل في هذا الخطاب. PageV02P011 ### | تعريفه بالعلمية # ... # وإن كان بالعلمية 1: # فإما لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص2 به، كقوله تعالى: ~~{قل هو الله أحد} وقول الشاعر: # أبو مالك قاصر ففره ... على نفسه، ومشيع غناه3 # وقوله: # الله يعلم أني ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد4 # وإما لتعظيمه. أو لإهانته، كما في الكنى والألقاب المحمودة والمذمومة5. ~~PageV02P012 # وأما للكناية حيث الاسم صالح لها، ومما ورد صالحا للكناية من غير باب ~~المسند إليه قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب} ، أي جهنمي1. PageV02P013 # وإما لايهام استلذاذه أو التبرك به1. # وإما لاعتبار آخر مناسب2. PageV02P014 ### | تعريفه بالموصلية # ... # وإن كان بالمصولية 1: # فإما لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة، كقولك "الذي كان ~~معنا أمس رجل عالم". # وإما لاستهجان التصريح بالاسم2. # وإما لزيادة التقرير3، نحو قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه} 4 فإنه مسوق لتنزيه يوسف عليه السلام عن PageV02P014 # الفحشاء والمذكور أدل عليه من امرأة العزيز وغيره. # وإما للتفخيم، كقوله تعالى: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} 1. # وقول الشاعر: # مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي2 # ومنه في غير هذا الباب قوله تعالى: {فغشاها ما غشى} ، وبيت الحماسة: # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد3 # وقول أبي نواس4: # ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا # وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام # وإما لتنبيه المخاطب على خطأ5، كقول الآخر6: # إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا PageV02P015 # وإما للإيماء إلي وجه بناء الخبر1، نحو {إن الذين يستكبرون عن ms090 عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين} 2. # ثم إنه3 ربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر، كقوله: # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول4 PageV02P016 # أو لشأن غيره1 نحو: {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} . # قال السكاكي: # وربما جعل ذريعة إلى تحقيق الخبر2، كقوله: # إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول3 # وربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على خطأ كقوله: إن الذين ترونهم ~~-البيت. # وفيه نظر، إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر فرق، ~~فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟، والمسند إليه في البيت الثاني4 ليس فيه ~~إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه بل لا يبعد PageV02P017 # أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه1. PageV02P018 ### | تعريفه بالإشارة # ... # وإن كان بالإشارة: # فإما لتمييزه أكمل تمييز1 لصحة إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة حسا، ~~كقوله: # هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... "من نسل شيبان بن الضال والسلم"2 # وقوله "أي الحطيئة": # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلينا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وقوله3: # وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر # أومأ إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري PageV02P018 # وقوله1: # ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد # وإما للقصد إلى أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول ~~الفرزدق: # أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع # وإما لبيان حاله2 في القرب أو البعد أو التوسط، كقولك: هذا زيد وذاك عمرو ~~وذاك بشر. وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير كقوله تعالى: {وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم} ، [الأنبياء: 36] ، ~~وقوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} ، [العنكبوت: 64] ، ~~وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: {ماذا أراد الله بهذا مثلا} ؟، ~~[البقرة: 26] ، وقول عائشة -رضي الله عنها- لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا ~~عجبا لابن عمرو هذا، وقول الشاعر3: PageV02P019 # تقول ms091 ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس؟ # وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: {الم ذلك الكتاب} ~~[البقرة: 1-2] ذهابا إلى بعد درجته، ونحوه: {وتلك الجنة التي أورثتموها} ، ~~ولذا قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه، لم تقل "فهذا" -وهو حاضر- رفعا لمنزلته ~~في الحسن وتمهيدا للعذر في الافتتان به. وقد يجعل1 ذريعة إلى التحقير كما ~~يقال: ذلك اللعين فعل كذا. # وإما للتنبيه -إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف- على أن ما يرد ~~بعد اسم الإشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف، كقول حاتم ~~الطائي2: # ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي علي الأحداث والدهر مقدما # فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعه إن نالها عد مغنما # إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما # يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما # وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما PageV02P020 # فعدد له كما ترى خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدما، والصبر على ~~ألم الجوع، والأنفة من أن يعد الشبعة مغنما، وينمم كبرى المكرمات، والتأهب ~~للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله "فذلك" فأفاد أنه جدير بإنصافه بما ذكر ~~بعده. # وكذا قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [لقمان: 5] ~~، أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله ~~باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح1. # وإما لاعتبار آخر مناسب2. PageV02P021 ### | تعريفه بالام # ... # وإن كان باللام 1: PageV02P021 # فإما للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك1، كما إذا قال لك قائل: جاءني ~~رجل من قبيلة كذا، فتقول.. ما فعل الرجل؟، وعليه قوله تعالى: {وليس الذكر ~~كالأنثى} ، أي وليس الذكر الذي طلبت2 كالأنثى التي وهبت لها. PageV02P022 # وإما لإرادة نفس الحقيقة1 كقولك: الرجل خير من المرأة، والدينار خير من ~~الدرهم، ومنه قول أبي العلاء المعري: # والخل كا لماء: يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء، ويخفيها مع الكدر # وعليه من غير هذا الباب قوله تعالي: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} ، أي ms092 ~~جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس الذي هو الماء، روي أنه تعالى خلق الملائكة ~~من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.. ~~ونحوه: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} [الأنعام: 89] . # والمعرف باللام2 قد يأتي لواحد باعتبار عهديته في الذهن لمطابقته ~~PageV02P023 # الحقيقة كقولك: ادخل السوق وليس بينك وبين مخاطبك سوق معهود في الخارج1 ~~وعليه قول الشاعر2: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... "فمضيت ثمت قلت لا يعنيني" # وهذا يقرب في المعنى من النكرة3، ولذلك يقدر يسبني وصفا للئيم لا حالا. ~~PageV02P024 # وقد يفيد الاستغراق، وذلك إذا امتنع حمله على غير الأفراد وعلى بعضها دون ~~بعض كقوله تعالى: {إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا} [العصر: 1-2] . # والاستغراق ضربان: # حقيقي1 كقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} أي كل غيب وشهادة. ~~PageV02P025 # وعرفي1 كقولنا "جمع الأمير الصاغة" إذا جمع صاغة بلده أو أطراف مملكته ~~فحسب، لا صاغة الدنيا2. # واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع3، بدليل أنه لا يصدق "لا رجل في ~~الدار" في نفس الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق "لا رجال في ~~الدار4". # ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد اسم الجنس5: PageV02P026 # لأن الحرف إنما يدخل عليه مجردا عن الدلالة على الواحدة والتعدد؛ ولأنه ~~بمعنى كل الأفرادي لا كل المجموعي، أي معنى قولنا الرجل: "كل فرد من أفراد ~~الرجال لا مجموع الرجال"1، ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع، وللمحافظة على ~~التشاكل بين الصفة والموصوف أيضا. # فالحاصل أن المراد باسم الجنس المعرف باللام: # إما نفس الحقيقة لا ما يصدق عليه من الأفراد وهو تعريف الجنس والحقيقة، ~~ونحوه علم الجنس كأسامة. # وإما فرد معين وهو العهد الخارجي، ونحوه العلم الخاص كزبد. # وإما فرد غير معين وهو العهد الذهني ونحوه النكرة كرجل. # وإما كل الأفراد وهو الاستغراق، ونحوه لفظ كل مضافا إلى النكرة كقولنا: ~~كل رجل. PageV02P027 # وقد شكك السكاكي على تعريف الحقيقة والاستغراق بما خرج الجواب عنه مما ~~ذكرنا1: # ثم اختار2-بناء على ما حكاه عن بعض أئمة أصول الفقه من كون اللام ms093 موضوعة ~~لتعريف العهد لا غير- أن المراد بتعريف الحقيقة تنزيلها منزلة المعهودة ~~بوجه من الوجوه الخطابية، إما لكون الشيء حاضرا في الذهن لكونه محتاجا إليه ~~على طريق التحقيق أو التهكم، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم على أحد ~~الطريقين3، وإما؛ لأنه لا يغيب عن الحس على أحد الطريقين لو كان معهودا. # وقال4: PageV02P028 # "الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا متعددة، لتحققها مع الوحدة تارة ومع ~~التعدد أخرى، وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد ~~والتكثر، فكون الحكم استغراقا أو غير استغراق إلى1 مقتضى المقام: فإذا كان ~~خطابيا2 مثل: "المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم" حمل المعرف باللام -مفردا ~~كان أو جمعا- على الاستغراق، بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر مع تحقق ~~الحقيقة فيهما ترجيح لأحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حمل على أقل ما ~~يحتمل وهو الواحد في المفرد والثلاثة في الجمع3. PageV02P029 ### | ......................................................................... # PageV02P030 ### | ......................................................................... # PageV02P031 ### | ....................................................................... # PageV02P032 ### | تعريفه بالإضافة # ... # وإن كان بالإضافة1: # فأما؛ لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخص منها كقوله2: ~~PageV02P033 # هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب، وجثماني بمكة موثق # وإما لإغنائها عن تفصيل متعذر أو مرجوح لجهة1، كقوله2: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل # وقوله3: # قومي هم قتلوا "أميم" أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # وأما لتضمنها4 لشأن المضاف إليه كقولك: "عبدي حضر" فتعظم شأنك، أو لشأن ~~المضاف كقولك: "عبد الخليفة ركب" PageV02P034 # فتعظم شأن العبد. أو لشأن غيرهما1 كقولك "عبد السلطان عند فلان"، فتعظم ~~شأن فلان. أو تحقيرا2 نحو ولد الحجام حضر. # وإما لاعتبار آخر مناسب3. PageV02P035 ### | تنكير المسند إليه # وأما تنكيره1: فللإفراد2 كقوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~... } أي: فرد من أشخاص الرجال. # أو للنوعية3، كقوله تعالي: {وعلى أبصارهم غشاوة} ، أي نوع من الأغطيه غير ~~ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات PageV02P035 # الله1. # ومن تنكير غير المسند إليه للأفراد قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] 2، وللنوعية قوله تعالى: {ولتجدنهم ~~أحرص الناس على ms094 حياة} [البقرة: 96] ، أي نوع من الحياة مخصوص، وهو الحياة ~~الزائدة، كأنه قيل "ولتجدنهم أحرص الناس -وإن عاشوا ما عاشوا- على أن ~~يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل، فإن الإنسان لا ~~يوصف بالحرص على شيء إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص ~~عليه، وقوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} يحتمل الأفراد والنوعية، أي ~~خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من ~~نوع من أنواع المياه3. # أو للتعظيم والتهويل. أو للتحقير4، أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حد لا ~~يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السمط5: # فتى لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه ألا تضيء الكواكب # له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب PageV02P036 # أي له حاجب أي حاجب، وليس له حاجب ما. # أو للتكثير كقولهم "أن له لابلا" و"أن له لغنما"1، يريدون الكثرة. وحمل ~~الزمخشري التنكير في قوله تعالي: {قالوا إن لنا لأجرا} عليه2. # أو للتقليل كقوله تعالي: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} ~~[التوبة: 72] ، أي وشيء ما من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضا الله سبب كل ~~سعادة وفلاح؛ ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما ~~وراءه من النعم وإنما تهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطه تنغصت عليه ولم يجد ~~لها لذة وإن عظمت. # وقد جاء التعظيم والتكثير جميعا3، كقوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل ~~من قبلك} [فاطر: 4] ، أي رسل ذوو عدد كثير وآيات عظام. وأعمار طويلة ونحو ~~ذلك. # والسكاكي لم يفرق بين التعظيم والتكثير ولا بين التحقيير والتقليل. ثم ~~جعل التنكير في قولهم "شر أهر ذا ناب" للتعظيم، وفي قوله تعالى: ~~PageV02P037 # {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك} [الأنبياء: 46] . لخلافه1، وفي كليهما2 ~~نظرا أما الأول فلما سيأتي3، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من ~~البناء للمرة ms095 ومن نفس الكلمة؛ لأنها إما من قولهم "نفحت" الريح إذا هبت أي ~~هبة، أي من قولهم "نفح الطيب" إذ فاح أي موحة كما يقال شمة، واستعماله بهذا ~~المعنى4 في الشر استعارة إذ أصله أن يستعمل في الخير، يقال "له نفحة طيبة" ~~أي هبة من الخير5.. # وذهب6 أيضا إلى أن قول تعالى: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} ~~[مريم: 45] بالإضافة، أما للتهويل أو لخلافه7، والظاهر أنه لخلافة وإليه ~~ميل الزمخشري، فإنه ذكر أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لم يخل هذا الكلام ~~من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق له لاصق به، ولكنه ~~قال: {إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} [مريم: 45] ، فذكر الخوف والمس ~~ونكر العذاب. # وأما التنكير في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} فيحتمل PageV02P038 # النوعية والتعظيم، أي ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة ~~عظيمة، لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من ~~الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص، ~~فإن الإنسان إذا هم بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو ~~من القود، فتسبب لحياة نفسين. # ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية {وأمطرنا عليهم مطرا} ، أي وأرسلنا ~~عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فساء ~~مطر المنذرين ... } وللتحقير 1 {إن نظن إلا ظنا} 2. PageV02P039 ### | وصف المسند إليه # 1: # وأما وصفه: فلكون الوصف تفسيرا له كاشفا عن معناه كقولك "الجسم الطويل ~~العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله 2 ": PageV02P039 # ونحوه في الكشف قول أوس1: # الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا # حكي أن "الأصمعي" سئل عن "الألمعي" فأنشده ولم يزد. وكذا قوله تعالى: {إن ~~الأنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج: ~~19-21] ، قال الزمخشري: "الهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع ~~عند مس الخير، من قولهم: ناقة هلوع": سريعة السير، وعن أحمد بن يحيى ~~"ثعلب"2: قال لي ms096 محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله ~~تعالى.. انتهى كلام الزمخشري. # أو لكونه مخصصا له3 نحو "زيد التاجر عندنا": PageV02P040 # أو لكونه مدحا له كقولنا "جاء زيد العالم"، حيث يتعين1 فيه "زيد" قبل ذكر ~~العالم. ونحوه من غيره2 قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} ، وقوله ~~تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} . # أو لكونه ذما له، كقولنا: ذهب زيد الفاسق، حيث يتعين فيه زيد قبل ذكر ~~الفاسق. ونحوه من غيره قوله تعالى: {فإذاقرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . # أو لكونه تأكيدا له كقولك أمس الدابر كان يوما عظيما3. # أو لكونه بيانا له كقوله تعالى: {لاتتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} ~~[النحل: 51] ، قال الزمخشري: الاسم الحامل لمعنى الأفراد والتثنية دال على ~~شيئين على الجنسية والعدد المخصوص، إذا أريدت الدلالة على أن المعنى به ~~منهما والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه ~~والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت PageV02P041 # إنما هو إله ولم تؤكده ب"واحد" لم يحسن وخيل أنك تثبت الألهية لا ~~الوحدانية1. # وأما قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} ~~[الأنعام: 38] فقال السكاكي: شفع الدابة ب"في الأرض" وطائرا ب"يطير ~~بجناحيه" لبيان أن القصد بهما إلى الجنسين، وقال الزمخشري: معنى ذلك زيادة ~~التعميم والإحاطة كأنه قيل: وما من دابة في جميع الأرضين السبع وما من طائر ~~قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه2. # واعلم: أن الجملة قد تقع صفة للنكرة، وشر طها أن تكون خبرية؛ لأنها في ~~المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلم يستقم أن تكون إنشائية مثله. وقال ~~السكاكي: لأنه يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف؛ لأن الوصف ~~إنما يؤتى "به" ليميز به الموصوف مما عداه، وتمييز المتكلم شيئا من شيء بما ~~لا يعرفه له محال، فما لا يكون عنده محققا للموصوف يمتنع أن يجعله وصفا له، ~~بحكم عكس النقيض، ومضمون الجمل الطلبية كذلك3؛ لأن الطلب يقتضي مطلوبا غير ~~متحقق، ms097 لامتناع طلب الحاصل، فيقع شيء منها صفة لشيء. PageV02P042 # والتعليل الأول1 أعم؛ لأن الجملة الإنشائية قد لا تكون طلبية كقولنا: نعم ~~الرجل زيد، وبئس الصاحب عمرو، وربما يقوم بكر، وكم غلام ملكت، وعسى أن يجيء ~~سشر، وما أحسن خالدا، وصيغ العقود نحو بعت واشتريت، فإن هذه كلها إنشائية ~~وليس شيء منها بطلبي ولامتناع وقوع الإنشائية صفة أو خبرا قيل في قوله: # حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط2 # تقديره جاءوا بمذق مقول عنده هذا القول، أي بمدق يحمل رائيه أن يقول لمن ~~يريد وصفه له: هل رأيت الذئب قط، فهل مثله في اللون لإيراده في خيال الرائي ~~لون الذئب لورقته. وفي مثل قولنا: زيد اضربه أولا تضربه تقديره مقول في حقه ~~"اضربه أو لا تضربه". PageV02P043 ### | توكيد المسند إليه # وأما توكيده: فالتقرير1 كما سيأتي في "باب تقديم الفعل وتأخيره". ~~PageV02P043 # أو لدفع توهم التجوز1 أو السهو2، كقولك: عرفت أنا، وعرفت أنت، وعرف زيد ~~زيد، أو عدم الشمول3 كقولك "عرفني الرجلان كلاهما أو الرجال كلهم". ~~PageV02P044 # السكاكي: ومنه "كل رجل عارف"، وكل إنسان حيوان. # وفيه نظر: لأن كلمة كل: تارة تقع تأسيسا -وذلك إذا أفادت الشمول من أصله، ~~حتى لولا مكانها لما عقل- وتارة تقع تأكيدا وذلك إذالم تفده من أصله، بل ~~تمنع أن يكون اللفظ المقتضى له مستعملا في غيره- أما الأول فهو أن تكون ~~مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: {كل حزب بما لديهم فرحون} وقوله: {وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا} وقوله: {وهم من كل حدب ينسلون} ، وأما الثاني فما عدا ذلك، ~~كقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم} . وهي في قوله: كل رجل عارف وكل إنسان ~~حيوان من الأول لا الثاني1؛ لأنها لو حذفت منهمالم يفهم الشمول أصلا. ~~PageV02P045 ### | بيان المسند إليه # 1: # وأما بيانه وتفسيره: فلا يضاحه باسم مختص به2 كقولك: "قدم صديقك خالد". ~~PageV02P045 ### | الإبدال من المسند إليه # وأما الإبدال منه: فلزيادة التقرير والإيضاح، نحو جاءني زيد أخوك، وجاء ~~القوم أكثرهم، وسلب عمرو ثوبه، ومنه في غيره1 قوله تعالى: {اهدنا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعمت ms098 عليهم} [الفاتحة: 6-7] . PageV02P046 ### | العطف على المسند إليه # وأما العطف: فلتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو "جاء زيد وعمرو وخالد"1، ~~أو لتفصيل المسند2 مع اختصار، نحو "جاء زيد فعمرو" أو "ثم عمرو"، أو "جاء ~~القوم حتى خالد"3. ولابد في "حتى" من تدريج، كما ينبئ عنه قوله4: # وكنت فتى من جند إبليس فارتمى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي # أو لرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب: كقولك "جاءني زيد لا عمرو5، ~~لمن اعتقد أن عمرا جاءك دون زيد، أو أنهما جاءاك PageV02P047 # جميعا: وقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو لمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو. # أو لصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر، نحو "جاءني زيد بل عمرو"، وما جاءني ~~زيد بل عمرو1. PageV02P048 # أو للشك فيه، أو التشكيك، نحو جاءني زيد أو عمرو، أو أما زيد وأما عمرو، ~~أو أما زيد أو عمرو. # أو للإبهام كقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: ~~24] . # أو للإباحة أو التخيير، وهو أن يفيد ثبوت الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء ~~فحسب، مثلهما: قولك ليدخل الدار زيد أو عمرو، وأفرق بينهما واضح فإن ~~الإباحة لا تمنع من الإتيان بهما أو بها جميعا1. PageV02P049 ### | تعقيب المسند إليه بضمير الفصل # 1: # وأما توسط الفصل بينه2 وبين المسند فلتخصيصه به3. PageV02P049 # كقولك زيد هو المنطلق، أو هو أفضل من عمرو، أو خير منه، أو هو يذهب1. ~~PageV02P050 ### | تقديم المسند إليه # وأما تقديمه فلكون ذكره أهم1: # أما؛ لأنه "2" الأصل ولا مقتضى للعدول عنه3. # وأما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه، ~~PageV02P050 # كقوله1: # والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد2 # وهذا3 أولى من جعله شاهدا لكون المسند إليه موصولا كما فعل السكاكي. # وأما لتعجيل المسرة أو المساءة، لكونه صالحا للتفاؤل أو التطير، نحو "سعد ~~في دارك" و"السفاح في دار صديقك". # وإما لايهام أنه لا يزول عن الخاطر4 أو أنه يستلذ فهو إلى الذكر أقرب. # وإما لنحو ذلك5 ... قال السكاكي: وإما؛ لأن كونه متصفا بالخبر يكون ms099 هو ~~المطلوب لا نفس الخبر6 كما إذا قيل لك: كيف. PageV02P051 # الزاهد، فتقول: الزاهد يشرب ويطرب. وأما؛ لأنه يفيد زيادة تخصيص كقوله: # متى تهزز "بني قطن" تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف # جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف # والمراد هم خفوف. وفيه نظر: ### | 1- # لأن قوله: لا نفس الخبر يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس ~~الخبر، وهو باطل؛ لأن نفس الخبر تصورا لا تصديق والمطلوب بها إنما يكون ~~تصديقا، وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقا فغير صحيح أيضا لما سيأتي أن ~~العبارة عن مثله لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه كقولك وقع القيام1. ### | 2- # ثم في مطابقة الشاهد الذي أنشده2 للتخصيص نظر لما سيأتي أن ذلك مشروط ~~بكون الخبر فعليا3. وقوله4: والمراد هم خفوف تفسير للشيء بإعادة لفظه. ~~PageV02P052 # مذهب عبد القاهر في إفادة التقديم للتخصيص: # قال عبد القاهر. وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي1، إن ~~ولي حرف النفي2، كقولك: "ما أنا قلت هذا"، أي لم أقله مع أنه مقول، فأفاد ~~نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مفول وأنت ~~تريد نفي كونك قائلا له3، ومنه قول الشاعر4: # وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا # إذ المعنى أن هذا السقم الموجود والضرم الثابت ما أنا جالب لهما، فالقصد ~~إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما. # ولهذا لا يقال5 ما أنا قلت ولا أحد غيري. لمناقضة منطوق الثاني مفهوم ~~الأول6، بل يقال: ما قلت أنا ولا أحد غيري. PageV02P053 # ولا يقال "ما أنا رأيت أحدا من الناس"1، ولا "ما أنا ضربت إلا زيدا"2، بل ~~يقال: ما رأيت- أو ما رأيت أنا أحدا من الناس، وما ضربت أو ما ضربت أنا إلا ~~زيدا؛ لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس وفي الثاني ~~الضرب الواقع على كل واحد منهم سوى زيد، وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته ~~لغير المذكور هو ما نفي عن المذكور فيكون ms100 الأول مقتضيا؛ لأن إنسانا غير ~~المتكلم قد رأى كل الناس، والثاني مقتضيا؛ لأن إنسانا غير المتكلم قد ضرب ~~من عدا زيدا منهم، وكلاهما محال، وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكي3، وامتناع ~~الثاني4 بأن نقض النفي بألا يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدا وإيلاء ~~الضمير حرف النفي يقتضي أن لا يكون ضربه وذلك تناقض، وفيه نظر: لأنا لا ~~نسلم أن إيلاء الضمير حرف. PageV02P054 # النفي يقتضي ذلك1 فإن قيل الاستثناء الذي فيه مفرغ، وذلك يقتضى أن لا ~~يكون ضرب أحدا من الناس وذلك يستلزم أن لا يكون ضرب زيدا، قلنا: إن لزم ذلك ~~فليس للتقديم لجريانه في غير صورة التقديم أيضا كقولنا "ما ضربت إلا زيدا". # هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي ... وإلا2: # فإن كان"3" معرفة كقولك "أنا فعلت" كان القصد إلى الفاعل وينقسم قسمين: ~~PageV02P055 # أحدهما: ما يفيد تخصيصه بالمسند، للرد على من زعم انفراد غيره به1 أو ~~مشاركته فيه2، كقولك "أنا كتبت في معنى فلان" و"أنا سعيت في حاجته"، ولذلك ~~إذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول: أنا كتبت في معنى فلان لا ~~غيري، ونحو ذلك، وفي الوجه الثاني: أنا كتبت في معنى فلان وحدي، فإن قلت: ~~أنا فعلت كذا وحدي في قوة أنا فعلته لا غيري، فلم أختص كل منهما بوجه من ~~التأكيد دون وجه؟ قلت: لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب ~~السامع، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك ~~بشركة الغير، أكدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك "لا غيري" وفي الثاني بقولك ~~"وحدي"؛ لأنه محزه ولو عكست أحلت، ومن البين في ذلك المثل: "أتعلمني بضب ~~أنا حرشته3؟ ". وعليه قوله تعالى: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101] ، أي لا يعلمهم إلا نحن ولا يطلع على ~~أسرارهم غيرنا لابطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم. # الثاني4: ما لا يفيد إلا تقوي الحكم وتقرره في ذهن السامع وتمكنه كقولك ~~"هو يعطي الجزيل"، لا تريد أن غيره لا ms101 يعطي الجزيل، ولا أن تعرض بإنسان، ~~ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقق أنه يفعل إعطاء الجزيل. PageV02P056 # وسبب تقويه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما ~~يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه. فينعقد، بينهما حكم، سواء كان خاليا عن ~~ضميره نحو "زيد غلامك" أو متضمنا له نحو أنا عرفت، وأنت عرفت، وهو عرف، أو ~~"زيد عرف" ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا فيكتسي ~~الحكم قوة1. # ومما يد على أن التقديم يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء: # وفيما اعترض فيه شك نحو أن تقول للرجل: كأنك لا تعلم بالذي تقول"، فتقول ~~أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، وعليه قوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون} [آل عمران: 78] ؛ لأن الكاذب لاسيما في الدين لا يعترف بأنه ~~كاذب فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. # وفيما اعترض فيه شك نحو أن تقول للرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان، فيقول: ~~أنا أعلم. # وفي تكذيب مدع، كقوله تعالى: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61] ، فإن قولهم: "آمنا دعوى منهم أنهم لم ~~يخرجوا به للكفر كما دخلوا به. # وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون، كقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [النحل: 20] . # فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يتخذ إلها مخلوقا. PageV02P057 # وفيها يستغرب كقولك: ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعيا باليسير؟. # وفي الوعد والضمان كقولك للرجل: أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر؛ لأن من ~~شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان فهو ~~من أحوج شيء إلى التأكيد. # وفي المدح والافتخار؛ لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما ~~يمدح به ويبعدهم عن الشبهة وكذلك المفتخر، أما المدح فكقول الحماسي1: # هم يفرشون اللبد كل طمرة ... "وأجرد سباح يبذ المغاليا" # وقول الحماسية2: # هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... "شحيحان ما اسطاعا عليه ms102 كلاهما" # وقول الحماسي3: # هم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجه من الدماء سبائب # وأما الافتخار فكقول طرفة: # نحن في المشتأة ندعو الجفلى ... "لا ترى الآدب فينا ينتقر4" PageV02P058 # ومما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم ~~قوله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: ~~196] وقوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا} [الفرقان: 5] ، وقوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والأنس ~~والطير فهم يوزعون} [النمل: 17] ، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء ~~في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد ~~زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها. # وكذا إذا كان الفعل منفيا1، كقولك "أنت لا تكذب" فإنه أشد لنفي الكذب عنه ~~من قولك "لا تكذب"، وكذا من قولك "لا تكذب أنت"؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه ~~لا الحكم، وعليه قوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} فإنه يفيد من ~~التأكيد في نفي الاشراك عنهم ما لا يفيده قولنا والذين لا يشركون بربهم ولا ~~قولنا والذين بربهم لا يشركون، وكذا قوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون} وقوله تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} ~~، وقوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} . ~~PageV02P059 # هذا كله إذا بني الفعل على معرف1. PageV02P060 ### | ......................................................................... # PageV02P061 # صفحة 62 تسحب اسكانر. # PageV02P062 ### | ........................................................................... # PageV02P063 # فإن بني على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس أو الواحد بالفعل، كقولك: رجل ~~جاءني أي لا امرأة أو لا رجلان، وذلك؛ لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من ~~الجنس. فيقع بها تارة إلى الجنس فقط كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد ~~عرف أن قد أتاك آت ولم يدر جنسه أرجل هو أو امرأة، أو اعتقد أنه امرأة، ~~وتارة إلى الوحدة فقط، كما إذا عرف أن قد آتاك من هو من جنس الرجال ولم يدر ~~أرجل هو أم رجلان، أو اعتقد أنه رجلان. # PageV02P064 ### | مذهب السكاكي في ms103 إفادة التقديم للتخصيص # واشترك السكاكي في إفادة التقديم الاختصاص أمرين: # أحدهما: أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرا، على أن يكون فاعلا في المعنى ~~فقط كقولك "أنا قمت"، فإنه يجوز أن تقدر أن أصله قمت أنا على أن أنا تأكيد ~~للفاعل الذي هو التاء في قمت فقدم أنا وجعل مبتدأ. # وثانيهما: أن يقدر كونه كذلك1. # فإن انتفى الثاني دون الأصل كالمثال المذكور2 إذا أجري على الظاهر. وهو ~~أن يقدر الكلام من الأصل مبنيا على المبتدأ والخبر، PageV02P064 # ولم يقدر تقديم وتأخير، أو انتفى الأول بأن يكون المبتدأ اسما1 ظاهرا. ~~فإنه لا يفيد إلا تقوي الحكم. # واستثني2 المنكر كما في نحو رجل جاءني، إن قدر أصله جاءني رجل، لا على أن ~~"رجل" فاعل جاءني بل على أنه بدل من الفاعل الذي هو الضمير المستتر في ~~جاءني، كما قيل في قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} إن الذين ظلموا ~~بدل من الواو في أسروا، وفرق بينه وبين المعرف بأنه لو لم يقدر ذلك فيه ~~انتفي تخصيصه، إذ لا سبب لتخصيصه سواه، ولو انتفي تخصيصه لم يقع مبتدأ ~~بخلاف المعرف لوجود شرط الابتداء فيه وهو التعريف. # ثم قال: وشرطه أن لا يمنع من التخصيص مانع كقولنا: رجل جاءني، أي لا ~~امرأة أو رجلان، دون قولهم: شر أهر ذا ناب، أما على التقدير الأول فلامتناع ~~أن يراد المهر شر لا خير4 وأما على PageV02P065 # الثاني1 فلكونه نابيا عن مكان استعماله2، وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث ~~تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر، فالوجه3 تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق4. # هذا كلامه5، وهو مخالف لما ذكره الشيخ عبد القاهر: ### | 1- # لأن ظاهر كلام الشيخ فيما يلي حرف النفي، القطع بأنه يفيد التخصيص مضمرا ~~كان أو مظهرا معرفا أو منكرا من غير شرط، لكنه لم يمثل إلا بالمضمر. وكلام ~~السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا إذا كان مضمرا، أو منكرا بشرط تقدير ~~التأخير في الأصل، فنحو: ما زيد قام، يفيد التخصيص على إطلاق قول الشيخ ولا ~~يفيده ms104 على قول السكاكي ونحوه: "ما أنا قمت" يفيده على قول الشيخ مطلقا وعلى ~~قول السكاكي بشرط. ### | 2- # وظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذالم يقع بعد النفي وخبره مثبت أو منفي قد ~~يفيد الاختصاص مضمرا كان أو مظهرا لكنه لم يمثل. PageV02P066 # إلا بالمضمر وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيد إلا المضمر فنحو زيد قام، ~~قد يفيد الاختصاص على إطلاق قول الشيخ ولا يفيده عند السكاكي. # ثم فيما احتج به1 لما ذهب إليه نظر: ### | 1- # إذ الفاعل وتأكيده2 سواء في امتناع التقديم ما دام الفاعل فاعلا والتأكيد ~~تأكيدا، فتجويز تقديم التأكيد دون الفاعل تحكم ظاهر3. ### | 2- # ثم لا نسلم انتفاء التخصيص في صورة المنكر4 لولا تقدير أنه كان في الأصل ~~مؤخرا فقدم، جواز حصول التخصيص فيها بالتهويل. PageV02P067 # كما ذكر1- وغير التهويل2. ### | 3- # ثم لا نسلم امتناع أن يراد: المهر شر لا خير3، قال الشيخ عبد القاهر: ~~إنما قدم شر؛ لأن المراد أن يعلم "أن" الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا ~~من جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول ~~العلماء أنه إنما صلح؛ لأنه بمعنى "ما أهر ذا ناب إلا شر" بيان لذلك، وهذا ~~صريح في خلاف ما ذكره4. # ثم قال السكاكي: ويقرب من قببيل "هو عرف" في اعتبار تقوي5 الحكم "زيد ~~عارف". وإنما قلت "يقرب"، دون أن أقول "نظيره"؛ لأنه لمالم يتفاوت في ~~التكلم والخطاب والغيبة في: "أنا عارف"، و"أنت عارف"، و"هو عارف" أشبه ~~الخالي عن PageV02P068 # الضمير. ولذلك لم يحكم على "عارف" بأنه جملة ولا عومل معاملتها في ~~البناء1 حيث عرب في نحو: "رجل عارف"، "رجلا عارفا"، "رجل عارف"، وأتبعه في ~~حكم الأفراد نحو "زيد عارف أبوه"، يعني أتبع "عارف" "عرف" في الأفراد إذا ~~أسند إلى الظاهر: مفردا كان أو مثنى أو مجموعا2. # ثم قال: ومما يفيد التخصيص ما يحكيه -علت كلمته- عن قوم شعيب عليه ~~السلام: {وما أنت علينا بعزيز} ، [هود: 91] ، أي العزيز علينا يا شعيب رهطك ~~لا أنت، لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال عليه ms105 السلام في جوابهم: {أرهطي أعز ~~عليكم من الله} [هود: 92] ، أي من نبي الله، ولو كان معناه ما عززت علينالم ~~يكن مطابقا.. وفيه نظر: لأن قوله: {وما أنت علينا بعزيز} من باب "أنا ~~عارف"، لا من باب "أنا عرفت"3، والتمسك بالجواب4 ليس شيء، لجواز أن يكون ~~PageV02P069 # عليه السلام فهم كون رهطه أعز عليهم، من قولهم: {ولولا رهطك لرجمناك} . # وقال الزمخشري1: دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام في الفاعل لا في ~~الفعل، كأنه قيل: "وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعز علينا".. وفيه ~~نظر: لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذالم يكن الخبر فعليا يفيد ~~الحصر. فإن قيل: الكلام واقع فيه، وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: ~~{أرهطي أعز عليكم من الله} قلنا: قال السكاكي معناه "من نبي الله" فهو على ~~حذف المضاف، وأجود منه ما قاله الزمخشري: "وهو أن تهاونهم به وهو نبي الله ~~تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 81] ، ويجوز أن ~~يقال: لا شك أن همزة الاستفهام هنا ليست على بابها بل هي للإنكار للتوبيخ، ~~فيكون معنى قوله: {أرهطي أعز عليكم من الله} إنكار أن يكون مانعهم من رجمه ~~رهطه، لانتسابه إليهم، دون الله تعالي، مع انتسابه إليه أيضا، أي أرهطي أعز ~~عليكم من الله حتى كان امتناعكم من رجمي بسبب انتسابي إليهم بأنهم رهطي، ~~ولم يكن بسبب انتسابي إلى الله تعالى بأني رسول، والله أعلم. # موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه: # ومما يرى تقديمه كالملازم2 لفظ مثل إذا استعمل كناية من PageV02P070 # غير تعريض1 كما في قولنا مثلك "لا يبخل" ونحوه، مما لا يراد بلفظ مثل غير ~~ما أضيف إليه ولكن أريد من كان على الصفة التي هو عليها كان من مقتضى ~~القياس وموجب العرف أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل2، ولكون المعنى هذا قال ~~الشاعر3: # ولم أقل مثلك أعني ... سواك يا ms106 فردا بلا مشبه # وعليه قوله: PageV02P071 # مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع من غربه1 # وكذا قول القبعثري للحجاج لما توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم": مثل ~~الأمير حمل على الأدهم والأشهب أي من كان على هذه الصفة من السلطان وبسطة ~~اليد ولم يقصد أن يجعل أحدا مثله2: # وكذلك حكم غير إذا سلك به هذا المسلك3، فقيل "غيري يفعل ذاك" على معنى ~~أني لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان.. وعليه قوله:4. # غير بأكثر هذا الناس ينخدع ... "إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا". # فإنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد هناك فيصفه بأنه ينخدع بل أراد أنه ~~ليس ممن ينخدع. وكذلك قول أبي تمام: PageV02P072 # وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي1 # فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قرف2 به عند الممدوح من ~~أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن ~~يكفر النعمة ويلؤم لا غير. # واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفحت الكلام وحدتهما ~~يقدمان أبدا على الفعل إذا نحى بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى ~~فيهما إذالم يقدما. # والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم به كما سبق تقريره، وسيأتي3 أن ~~المطلوب بالكناية في قولنا "مثلك لا يبخل" و"غيرك لا يجود" هو الحكم وأن ~~الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمها أعون للمعنى الذي جلبا ~~لأجله. PageV02P073 ### | موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه # قيل وقد يقدم؛ لأنه دال على العموم، كما تقول كل إنسان لم يقم1، فيقدم ~~ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن2 PageV02P073 # الموجبة المعدولة المهملة1 في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم ~~عن جملة الأفراد دون كل واحد منها، فإذا سورت ب"كل" وجب أن تكون لإفادة ~~العموم لا لتأكيد نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لأن التأسيس خير من التأكيد. # ولو لم تقدم فقلت: "لم يقم كل إنسان" كان نفيا للقيام عن جملة الأفراد ~~دون كل ms107 واحد منها؛ لأن السالبة المهملة2 في قوة السالبة الكلية المقتضية ~~سلب الحكم عن كل فرد لورود موضوعها3 في سياق النفي4. فإذا سورت5 بكل وجب أن ~~تكون لإفادة نفي PageV02P074 # الحكم عن جملة الأفراد، لئلا يلزم تجريح التأكيد على التأسيس. وفيه نظر1: ### | 1- # لأن النفي عن جملة الأفراد في الصورة الأولى -أعني الموجبة المعدولة ~~المهملة كقولنا إنسان لم يقم- وعن كل فرد في الصورة الثانية -أعني السالبة ~~المهملة كقولنا لم يقم إنسان- إنما أفاده الإسناد إلى إنسان، فإذا أضيف كل ~~إلى إنسان وحول الإسناد إليه، فأفاد في الصورة الأولى نفي الحكم عن جملة ~~الأفراد وفي الثانية نفيه عن كل فرد منها، كان كل تأسيسا لا تأكيدا3؛ لأن ~~التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر4 وما نحن فيه ليس كذلك. ~~PageV02P075 ### | 2- # ولئن سلمنا أنه يسمى تأكيدا "فقولنا لم يقم إنسان" إذا كان مفيدا للنفي ~~عن كل فرد كان مفيدا للنفي عن جملة الأفراد لا محالة فيكون "كل" في "لم يقم ~~كل إنسان" إذا جعل مفيدا للنفي عن جملة الأفراد تأكيدا لا تأسيسا 1 كما قال ~~في "كل إنسان لم يقم" فلا يلزم من جعله للنفي عن كل فرد ترجيح التأكيد على ~~التأسيس2. ### | 3- # ثم جعله قولنا "لم يقم إنسان" سالبة مهملة في قوة سالبة كلية مع القول ~~بعموم موضوعها لوروده نكرة في سياق النفي خطأ؛ لأن النكرة في سياق النفي ~~إذا كانت للعموم كانت القضية التي جعلت هي موضوعا لها سالبة كلية، فكيف ~~تكون سالبة مهملة3؟ ولو قال: لو لم يكن الكلام المشتمل على كلمة كل مفيدا ~~لخلاف ما يفيده الخالي عنها لم يكن في الاتيان بها فائدة، لثبت مطلوبه في ~~الصورة الثانية دون الأولى، لجواز أن يقال فائدته فيها الدلالة على نفي ~~الحكم عن جملة الأفراد بالمطابقة PageV02P076 # واعلم أن ما ذكره هذا القائل1 -من كون كل في النفي مفيدة للعموم تارة ~~وغير مفيدة للعموم أخرى- مشهور. وقد تعرض له الشيخ عبد القاهر2 وغيره.. قال ~~الشيخ "عبد القاهر": كلمة كل في النفي إن أدخلت في حيزه، بأن قدم ms108 عليها: ~~لفظا، كقول أبي الطيب: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن" # وقول الآخر: ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد3. # وقولنا "ما جاء القوم كلهم" وما جاء كل القوم، "ولم آخذ الدراهم كلها"، ~~ولم آخذ كل الدراهم. أو تقديرا، بأن قدمت4 على الفعل المنفي وأعمل فيها؛ ~~لأن العامل رتبته التقدم على المعمول كقولك كل الدراهم لم آخذ، توجه النفي ~~إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام ثبوته لبعض أو تعلقه5 ببعض.. ~~وإن أخرجت6 من حيزه بأن قدمت عليه لفظا ولم تكن معمولة للفعل المنفي ~~PageV02P077 # توجه النفي إلى أصل الفعل وعم ما أضيف إليه1 كل كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله: "كل ذلك لم ~~يكن"، أي لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان وقول أبي النجم: # قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع # ثم قال2: وعلة ذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية ~~على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء ~~عن النفي، فأعرفه. هذا لفظه3. وفيه نظر4. # وقيل5 إنما كان التقديم مفيدا للعموم دون التأخير؛ لأن صورة التقديم تفهم ~~سلب "لحقوق" المحمول للموضوع وصورة التأخير تفهم سلب الحكم من غير تعرض ~~للمحمول بسلب أو لثبات.. وفيه نظر PageV02P078 # أيضا: لاقتضائه أن لا تكون ليس في نحو قولنا ليس كل إنسان كاتبا مفيدة ~~لنفي كاتب، هذا إن حمل كلامه على ظاهره وإن تؤول بأن مراده أن التقديم يفيد ~~سلب الحقوق المحمول عن كل فرد، والتأخير يفيد سلب لحقوقه لكل فرد اندفع هذا ~~الاعتراض، لكن كان مصادرة 1 على المطلوب. # واعلم أن2 المعتمد في المطلوب الحديث وشعر أبي النجم، وما نقلناه عن ~~الشيخ عبد القاهر وغيره لبيان السبب وثبوت المطلوب لا يتوقف عليه. ~~والاحتجاج بالخبر3 من وجهين: أحدهما أن السؤال بأم عن أحد الأمرين لطلب ~~التعيين بعد ثبوت أحدهما ms109 عند المتكلم على الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو ~~بنفي كل واحد منهما4، وثانيهما ما روي أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، والإيجاب الجزئي ~~نقيضه السلب الكلي، وبقول5 أبي النجم ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر وهو أن ~~الشاعر فصيح، والفصيح الشائع في مثل قوله نصب كل وليس فيه ما يكسر له وزنا، ~~وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت. PageV02P079 # عليه هذه المرأة، فلو كان النصب مفيدا لذلك والرفع غير مفيد لم يعدل عن ~~النصب إلى الرفع من غير ضرورة. # تنبيه: # ومما يجب التنبيه له في فصل التقديم أصل، وهو أن تقديم الشيء على الشيء ~~ضربان: تقديم على نية التأخير وذلك في شيء أقر مع التقديم على حكمه الذي ~~كان عليه كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل كقولك قائم زيد ~~وضرب عمرا زيد فإن قائم وعمرا لم يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا ~~مسندا ومرفوعا بذلك وكون هذا مفعولا ومنصوبا من أجله.. وتقديم لا على نية ~~التأخير ولكن أن ينقل الشيء عن حكم إلى حكم ويجعل له إعراب غير إعرابه كما ~~في اسمين يحتمل كل منهما أن يجعل مبتدأ والآخر خبرا له فيقدم تارة هذا على ~~هذا، وأخرى هذا على هذا، كقولنا "زيد المنطلق" و"المنطلق زيد"، فإن المنطلق ~~لم يقدم على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير فيكون خبر ~~مبتدأ كما كان، بل على أن ينقل عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذا القول في ~~تأخير زيد. # PageV02P080 ### | تأخير المسند إليه # وأما تأخيره: فلاقتضاء المقام تقديم المسند1. # خروج المسند إليه على خلاف الظاهر: # هذا كله2 مقتضى الظاهر: PageV02P080 # وقد يخرج المسند إليه على خلافه1: ### | 1- # فيوضع المضمر موضع المظهر: # كقولهم ابتداء من غير جري ذكر لفظا، أو قرينة حال: "نعم رجلا زيد2، وبئس ~~رجلا عمرو، مكان: "نعم الرجال"، و"بئس الرجل". على "3" قول من لا يرى الأصل ~~"زيد نعم رجلا". PageV02P081 # و"عمرو بئس ms110 رجلا"، وقولهم: "هو زيد عالم" وهي عمرو1 شجاع، مكان: الشأن ~~زيد عالم، والقصة عمرو شجاع. # ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه2 فإن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى ~~بقي منتظرا لعقبى الكلام: كيف تكون، فيتمكن المسموع بعده في ذهنه فضل ~~تمكن3، وهو السر في التزام تقديم الشأن أو القصة، قال الله تعالى: {قل هو ~~الله أحد} ، وقال: {إنه لا يفلح الكافرون} ، وقال: {فإنها لا تعمى الأبصار} ~~. ### | 2- # وقد يعكس فيوضع المظهر موضع المضمر: ### | 1- # فإن كان المظهر اسم إشارة. # فذلك إما لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بحكم بديع4 كقوله5: PageV02P082 # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا # وإما للتهكم بالسامع، كما إذا كان فاقد البصر، أولم يكن ثم مشار إليه ~~أصلا. # وإما للنداء على كمال بلادته بأنه لا يدرك غير المحسوس بالبصر، أو على ~~كمال فطانته بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره. # وإما لادعاء أنه كمل ظهوره حتى كأنه محسوس بالبصر. ومنه1 في غير باب ~~المسند إليه قوله: # تعاللت كي أشجي وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك2 # وإما لنحو ذلك.. PageV02P083 # ب- وإن كان المظهر غير اسم إشارة: # فالعدول إليه عن المضمر إما لزيادة التمكين1، كقوله تعالى: {قل هو الله ~~أحد، الله الصمد} [الإخلاص: 1-2] ونظيره3 من غيره4 قوله: {وبالحق أنزلناه ~~وبالحق نزل} [الإسراء: 5] وقوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا} [البقرة: 59] ، وقول الشاعر6: # إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... "والدرع محقبة والسيف مقروب" # بدل نعطكم إياه. # وإما لادخال الروع في ضمير السامع وتربية المهابة. وإما لتقوية المأمور، ~~مثالهما قول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا. وعليه من غيره7 {فإذا عزمت ~~فتوكل على الله} . PageV02P084 # وإما للاستعطاف كقوله: # إلهي عبدك العاصي أتاكا ... "مقرا بالذنوب وقد دعاكا"1 # وإما لنحو ذلك. PageV02P085 ### $ 3- الالتفات: # قال السكاكي: "هذا1 غير مختص بالمسند إليه، ولا بهذا القدر2، بل التكلم ~~والخطاب والغيبة مطلقا3 ينقل كل واحد منها إلى الآخر4، ويسمى هذا النقل ~~التفاتا5 عند ms111 علماء المعاني، PageV02P085 # كقول ربيعة بن مقروم1: # بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا # فالتفت كما ترى، حيث لم يقل "وأخلفتني2"، وقوله3: # تذكرت -والذكرى تهيجك- زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا # وحل بفلح فالأباتر أهلنا ... وشطت فحلت غمرة فمثقبا # فالتفت في البيتين4. # والمشهور عند الجمهور5 أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق ~~الثلاثة بعد التعبير عنه6 بطريق آخر منها7. PageV02P086 # وهذا1 أخص من تفسير السكاكي؛ لأنه أراد بالنقل2 أن يعبر بطريق من هذه ~~الطرق عما عبر عنه بغيره أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها3، فكل ~~التفات عندهم التفات عنده من غير عكس. # مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون} [يس: 22] 4. PageV02P087 # ومن التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر} ~~[الكوثر: 1-2] 1. # ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة2: # طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب # ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} ~~[يونس: 22] 3. # ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه} [فاطر: 8] 4. PageV02P088 # ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: {مالك يوم الدين، إياك نعبد} ~~[الفاتحة: 4-5] 1. # وقوله عبد الله بن2 عمة: # ما3 أن ترى السيد زيدا في نفوسهم ... كما يراه بنو كوز ومرهوب # أن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب # وأما قول امرئ القيس4: # تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود # فقال الزمخشري: فيه ثلاث التفاتات5، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي6؛ لأن ~~على تفسيره في كل بيت التفاتة، لا يقال الالتفات PageV02P089 # عنده1 من خلاف مقتضى الظاهر، فلا يكون في البيت الثالث التفات لوروده على ~~مقتضى الظاهر؛ لأنا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى لما تقدم. ~~وأما على المشهور2 فلا التفات في ms112 البيت الأول3، وفي الثاني التفاتة واحدة4، ~~فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان5، فقيل هما في قوله جاءني، إحداهما ~~باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من ~~الغيبة في الثاني، وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتبس به ~~وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق ~~الخطاب حاصلا ملتبسا به فيكون الانتقال إلى التكلم في الثالث من الغيبة ~~وحدها لا منها ومن الخطاب جميعا فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة ~~واحدة، وقيل احداهما في قوله وذلك؛ لأنه التفات من الغيبة6 إلى الخطاب ~~والثانية في قوله جاءني؛ لأنه التفات من الخطاب7 إلى التكلم وهذا أقرب8. ~~PageV02P090 # واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه على ما ذكر الزمخشري هو أن ~~الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية1 لنشاط السامع، ~~وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه2 من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه ~~بلطائف: كما في سورة الفاتحة، فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيقي ~~بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه، بقوله: {الحمد لله} الدال على ~~اختصاصه بالحمد وإنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه، ~~فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: {رب العالمين} الدال على أنه مالك ~~للعالمين لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوى ذلك المحرك، ثم إذا ~~انتقل إلى قوله: {الرحمن الرحيم} الدال على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ~~ودقائقها، تضاعفت قوة المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام ~~وهي قوله: {مالك يوم الدين} الدال على أنه مالك للأمر كل يوم الجزاء تناهت ~~قوته وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في ~~المهمات3، وكما في قوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم PageV02P091 # 92 # جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} [النساء: 64] ، لم يقل ~~"واستغفرت لهم"، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيما لشأن رسول الله ~~PageV02P092 # صلى الله عليه وسلم، وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة ms113 من اسمه ~~الرسول من الله بمكان. # وذكر السكاكي لالتفاتات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها: ### | 1- # أحدهما أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه. فنبه في التفاته الأول على أن ~~نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذي ~~لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه، وخاطبها1 ب"تطاول ~~ليلك" تسلية، أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ولم تتصبر فعل ~~الملوك، فشك في أنها نفسه فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية، وفي ~~الثاني على أنه صادق في التخزن خاطب أولا، وفي الثالث على أنه يريد نفسه. ### | 2- # أو نبه في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرا فما فطن معه لمقتضى الحال ~~فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أموره الكبار: أمرا ~~ونهيا، وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا فلم يجد النفس معه ~~فبنى الكلام على الغيبة. وفي الثالث على ما سبق. ### | 3- # أو نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظة ذلك، فأقامها مقام ~~المستحق للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك، وفي الثاني على ~~أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب وسكت عنه الغضب ~~بالعتاب الأول ولي عنها الوجه وهو يدمم قائلا "وبات وباتت له"، وفي الثالث ~~على سبق. PageV02P093 # هذا كلامه1 ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف2. PageV02P094 ### $ 4- الأسلوب الحكيم 1: # ومن خلاف المقتضى2 ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب3 ~~بغير ما يترقب4 بحمل كلامه على خلاف مراده5 تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ~~أو السائل6بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى ~~بحاله أو المهم له: # أما الأول فكقول القبعثري للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: لأحملنك على ~~الأدهم "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، فإنه أبرز وعيده في معرض ~~الوعد، وأراه بألطف وجه أن من كان على PageV02P094 # صفته في السلطان وبسطه اليد فجدير أن يصفد لا أن يصفد1، وكذا قوله له لما ms114 ~~قال له في الثانية "إنه حديد"، لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، وعن ~~سلوك هذه الطريفة في جواب بالمخاطب عبر من قال مفتخرا. # أنت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي # فقلت كأني ما سمعت كلامها: # هم الضيف جدي في قراهم وعجلي2 # وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة: # وأما الثاني فكقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ~~[البقرة: 188] قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا ~~قليلا حتي يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ 3 وكقوله تعالى: ~~{يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل} [البقرة: 214] ، سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ~~ببيان المصرف4. PageV02P095 ### $ 5- التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: # ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، تنبيها على تحقق وقوعه. وأن ما هو ~~للوقوع كالواقع، كقوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الارض إلا من شاء الله} [النمل: 87] ، وقوله: {ويوم نسير الجبال وترى ~~الارض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} [الكهف: 47] وقوله تعالى: ~~{ونادى أصحاب النار} ، وقوله تعالى: {ونادى أصحاب الأعراف} جعل المتوقع ~~الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع1.. وعن حسان2 أن ابنه عبد الرحمن لسعه ~~زنبور وهو طفل فجاء إليه يبكي. فقال له: يا بني مالك قال: لسعتي طوير3 كأنه ~~ملتف في بردي حبرة، فضمه إلى صدره، وقال: يا بني قد قلت الشعر4. # ومثل التعبير عنه5 باسم الفاعل كقوله تعالى: {وإن الدين لواقع} ، وكذا ~~اسم المفعول كقوله تعالى: {ذلك يوم مجموع له PageV02P096 # الناس وذلك يوم مشهود} [هود: 103] 1. PageV02P097 ### $ 6- القلب 1: # ومنه القلب2، كقول العرب "عرضت الناقة على الحوض"3. PageV02P097 # ورده مطلقا1 قوم، وقبله مطلقا قوم منهم السكاكي2، والحق أنه إن تضمن ~~اعتبارا لطيفا قبل وإلا رد.. أما الأول3 فكقول رؤبة: # "ومهمة مغيرة أرجاؤه" ... كأن لون أرضه سماؤه4 # أي كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه فعكس التشبيه للمبالغة، ونحوه قول أبي ~~تمام يصف قلم الممدوح: # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ms115 ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل5 # وأما الثاني6 فكقول القطامي7: PageV02P098 # "فلما أن جرى سمن عليها" ... كما طينت بالفدن السباعا # وقول حسان: # "كأن سبيئة من بيت رأس" ... يكون مزاجها عسل وماء1 # وقول عروة بن الورد: # فديت بنفسه نفسي ومالي ... "وما آلوك إلا ما أطيق"2"" # وقول الآخر3: # "قفي قبل التفرق يا ضباعا" ... ولا يك موقف منك الوداعا # وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} ليس ~~واردا على القلب، إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف. وكذا قوله تعالى: ~~{ثم دنا فتدلى} وكذا قوله تعالى: {اذهب PageV02P099 # بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} 1. # فأصل الأول أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا أي إهلاكنا، وأصل الثاني ثم أراد ~~الدنو من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى فتعلق عليه في الهواء، ومعنى ~~الثالث تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك ~~فانظر ماذا يرجعون فيقال أنه دخل عليها من PageV02P100 # كوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة1.. وأما قول خداش: # "وتركب خيلا لا هوادة بينها" ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر2 # فقد ذكر له سوى القلب وجهان: # أحدهما: أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها. # والثاني: أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها تحقيرا لشأنهم وأنهم ليسوا أهلا؛ ~~لأن يطعنوا بهاكما يقال شقى الخز بجسم فلان إذا لم يكن أهلا للبسه. وقيل في ~~قول قطري بن الفجاءة: # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام3 # أنه من باب القلب، على أن لم أصب بمعنى لم أجرح، أي قارح PageV02P101 # البصرة جذع الأقدام، كما يقال "أقدام غر ورأي مجرب" وأجيب عنه بأن لم أصب ~~بمعنى لم ألف أي لم ألف بهذه الصفة بل وجدت بخلافها جذع الأقدام قارح ~~البصيرة على أن قوله: "جذع البصيرة قارح الأقدام" حال من الضمير المستتر في ~~لم أصب فيكون متعلقا بأقرب مذكور، ويؤيد هذا الوجه1 قوله قبله: # لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام # فلقد أراني للرماح دريئة ms116 ... من عن يميني مرة وأمامي # حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي # فإن الخضاب بما تحدر من دمه دليل على أنه جرح، وأيضا فحوى كلامه أن مراده ~~أن يدل على أنه جرح ولم يمت، إعلاما أن الأقدام غير علة الحمام، وحثا على ~~الشجاعة وبغض الفرار. PageV02P102 ### | القول في أحوال المسند ### | حذف المسند # أما تركه1: فلنحو ما سبق في باب المسند إليه من تخييل العدول إلى أقوى ~~الدليلين، ومن اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة، أو مقدار تنبه، ومن ~~الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر. ### | 1- # أما مع ضيق المقام كقوله: # "ومن يك أمسى بالمدينة رحله" ... فإني وقيار بها لغريب2 PageV02P103 # أي وقيار كذلك، وكقوله1: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # أي نحن بما عندنا راضون2.. وكقول أبي الطيب: # قالت وقد رأى إصفراري من به؟ ... وتنهدت، فأجبتها: المتنهد # أي المتنهد هو المطالب3 به، دون المطالب به هو المتنهد، إن فسر بمن ~~المطالب به؛ لأن مطلوب السائلة على هذا الحكم على شخص معين بأنه المطالب به ~~ليتعين عندها، لا الحكم على المطالب به بالتعيين، وقيل معناه "من فعل به"، ~~فيكون التقدير: فعل به المتنهد. ### | 2- # وأما بدون الضيق، كقوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] ~~على وجه، أي والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، ويجوز أن يكون جملة واحدة، ~~وتوحيد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فكانا في حكم مرضي ~~واحد، كقولنا: إحسان زيد وإجماله تعشني وجبر مني، وكقولك "زيد منطلق ~~وعمرو"، أي عمرو كذلك4، وعليه قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ، أي ~~واللائي لم يحضن PageV02P104 # مثلهن، وقولك: خرجت فإذا زيد1. وقولك لمن قال هل لك أحد، إن الناس ألب ~~عليك: إن زيدا وإن عمرا، أي إن لي زيدا وإن لي عمرا، وعليه قوله2: إن محلا ~~وإن مرتحلا. أي إن لنا محلا في الدنيا وإن لنا مرتحلا عنها إلى الاخرة. ~~وقوله تعالى: {قل ms117 لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} [الإسراء: 100] تقديره لو ~~تملكون تملكون مكررا لفائدة التوكيد، فأضمر "تملك" الأول إضمارا على شريطة ~~التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ~~ما يتصل به من اللفظ، فأنتم فاعل الفعل المضمر وتملكون تفسيره3 قال ~~الزمخشري: هذا ما يقتضيه علم الأعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن ~~"أنتم تملكون" فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون PageV02P105 # بالشح المتبالغ. ونحوه قول حاتم "لو ذات سوار لطمتني"، وقول المتلمس: # ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... "جعلت لهم فوق العرانين ميسما1" # وذلك؛ لأن الفعل لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر، ~~وكقوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآاه حسنا} [فاطر: 8] ، أي كمن لم ~~يزين له سوء عمله، المعنى أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ~~ذكرهما -الذين كفروا والذين آمنوا- كمن لم يزين له سوء عمله؟ ثم كأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له ذلك قال: لا، فقيل: {فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ، وقيل المعنى: أفمن زين له ~~سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف الجواب لدلالة: {فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات} أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة: {فإن الله يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء} . وأما قوله تعالى: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل} ، [يوسف: 18] ، وقوله تعالى: {سورة أنزلناها} ، وقوله: {وأاقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة} [النور: ~~53] فكل منها يحتمل الأمرين: حذف المسند إليه وحذف المسند، أي فأمري صبر ~~جميل أو فصبر جميل أجمل، وهذه سورة أنزلناها أو فيما أوحينا إليك سورة ~~أنزلناها، وأمركم أو الذي يطلب منك طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا ~~يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين، الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان ~~تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة أي بأنها ~~بالقول دون الفعل. أو ms118 طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة. ~~PageV02P106 # ومما يحتمل الوجهين1 قوله سبحانه وتعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} ، قيل ~~التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، ورد بأنه تقرير لثبوت آلهة؛ لأن النفي ~~إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدأ، كما تقول: ليس ~~أمراؤنا ثلاثة فإنك تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة دون أن تكون لكم ~~أمراء، وذلك إشراك، مع أن قوله تعالى بعده: {إنما الله إله واحد} يناقضه، ~~والوجه أن "ثلاثة" صفة مبتدأ محذوف، أو يكون مبتدأ محذوفا مميزه، لا خبر ~~مبتدأ، والتقدير: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة، ~~ثم حذف الخبر كما حذف الخبر من: {لا إله إلا الله} {وما من إله إلا الله} ، ~~ثم حذف الموصوف أو المميز كما يحذفان في غير هذا الموضع، فيكون النهي عن ~~إثبات الوجود لآلهة، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين مع أن ما بعده أعني ~~قوله: {إنما الله إله واحد} ينفي ذلك، فيحصل: النهي عن الاشراك، والتوحيد ~~من غير تناقض، ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال: ولا تقولوا لنا: آلهة ~~ولا إلهان؛ لأنه كقولنا "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا الهان"، وهذا صحيح. ولا ~~يصلح أن يقال على التقدير الأول ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا اثنان؛ لأنه ~~كقولنا: ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين وهذا فاسد، ويجوز أن يقدر ولا تقولوا ~~الله المسيح وأمه2 ثلاثة: أي لا تعبدوهما كما تعبدونه لقوله تعالى: {لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ، فيكون المعنى: ثلاثة ~~مستوون في الصفة والرتبة، فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد الحاق اثنين ~~بواحد في وصف وأنهما شبيهان له أن يقال "هم ثلاثة"، كما يقال إذا أريد ~~الحاق واحد بآخر وجعله في معناه "هما اثنان". PageV02P107 # واعلم أن الحذف لا بد له من قرينة كوقوع الكلام جوابا عن سؤال: ### | 1- # أما محقق: كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله} ، وقوله: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض ms119 من بعد ~~موتها ليقولن الله} [العنكبوت: 63] . ### | 2- # وأما مقدار نحو: # لبيك يزيد ضارع لخصومه ... "ومختبط مما تطيح الطوائح1" # وقراءة من قرأ "يسبح له فيها بالغدو والآصال،2 رجال"، وقوله: {كذلك يوحي ~~إليك وإالى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} [العنكبوت: 3] ، ببناء الفعل ~~للمفعول. وفضل هذا التركيب على خلافه، أعني لبيك يزيد ضارع، ببناء3 الفعل ~~للفاعل ونصب يزيد من وجوه: أحدها أن PageV02P108 # هذا التركيب1 يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين إجمالا ثم تفصيلا2، ~~والثاني أن نحو "زيد" فيه ركن الجملة3 لا فضلة، الثالث أن أوله غير مطمع ~~للسامع في ذكر الفاعل، فيكون عند ورود ذكره كمن تيسرت له غنيمة من حيث لا ~~يحتسب، وخلافه بخلاف ذلك. # ومن ذلك الباب، أعني الحذف الذي قرينته وقوع الكلام جوابا عن سؤال مقدر: ~~قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} على وجه، فإن "لله شركاء" إن جعلا ~~مفعولين لجعلوا، فالجن يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره الشيخ4 عبد القاهر، من ~~أن يكون منصوبا بمحذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل من جعلوا لله شركاء؟ ~~فقيل الجن، فيفيد الكلام إنكار الشرك مطلقا فيدخل اتخاذ الشريك من غير الجن ~~في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن، والثاني: ما ذكره الزمخشري، وهو أن ينتصب ~~"الجن" بدلا من شركاء فيفيد إنكار الشريك مطلقا أيضا كما مر، وإن جعل لله ~~"لغوا" كان "شركاء الجن" مفعولين قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم ~~استعظام أن يتخذ "لله" شريك: ملكا كان أو جنيا أو غيرهما ولذلك قدم اسم ~~"الله" على الشركاء، ولو لم يبين الكلام على التقديم وقيل: "وجعلوا الجن ~~شركاء لله، لم يفد إلا إنكار جعل الجن شركاء، والله أعلم. PageV02P109 # ومنه ارتفاع المخصوص في باب نعم وبئس على أحد القولين1. PageV02P110 ### | ذكر المسند # وأما ذكره: فإما لنحو ما مر في باب المسند إليه: من زيادة التقرير، ~~والتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام1 ~~وإما ليتعين كونه: اسما فيستفاد منه الثبوت2، أو كونه فعلا فيستفاد منه ~~التجدد3، أو كونه ظرفا فيورث احتمال الثبوت والتجدد، وإما لنحو ذلك. # قال ms120 السكاكي: وإما للتعجب من المسند إليه بذكره، كما إذا قلت زيد يقاوم ~~الأسد مع دلالة قرائن الأحوال، وفيه نظر4: لحصول التعجب بدون الذكر إذا ~~قامت القرينة. PageV02P110 ### | إفراد المسند # 1: # وأما إفراده: فلكونه غير سببي2 مع عدم إفادة تقوي3 الحكم، كقولك: زيد ~~منطلق، وقام عمرو. والمراد بالسبببي نحو "زيد أبوه منطلق". قال السكاكي: ~~وأما الحال المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليا ولم يكن المقصود من نفس ~~التركيب تقوي الحكم، وأعني PageV02P111 # بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه أو ~~بالانتفاء عنه كقولك: أبو زيد منطلق، والكر من البر بستين1، وضرب أخو عمرو. ~~ويشكرك بكر أن تعطه، وفي الدار خالد، إذ تقديره استقر أو حصل في الدار على ~~أقوى الاحتمالين2، لتمام الصلة بالظرف كقولك: الذي في الدار3 أخوك ... وفيه ~~نظر من وجهين. # أحدهما: أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرا للمسند ~~مطلقا4، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي، إذ فسر المسند ~~السببي بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلي، ومثله بقولنا "زيد أبوه ~~منطلق"، أو "انطلق"، "والبر الكر منه بستين"، فجعل كما ترى أمثلة السببي ~~مقابلة لأمثلة الفعلي مع الاشتراك في أصل المعنى. # والثاني: أن الظرف الواقع خبرا إذ كان مقدرا بجملة كما اختاره كان قولنا: ~~"الكر من البر بستين"، تقديره الكر من البر استقر بستين فيكون المسند جملة ~~ويحصل تقوي الحكم كما مر، وكذا إذا كان "في الدار خالد" تقديره "استقر في ~~الدار خالد" كان المسند جملة أيضا، لكون استقر مسندا إلى ضمير خالد لا إلى ~~خالد5 على الأصح لعدم اعتماد الظرف على شيء. PageV02P112 ### | فعلية المسند واسميته # وأما كونه فعلا فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة1 على أخصر ما يمكن مع ~~إفادة التجدد2. # وأما كونه اسما: فلإفادة عدم التقييد والتجدد3. ومن البين فيهما قول ~~الشاعر4: # لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق # وقوله5: # أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم # إذا معنى الأول على انطلاق ثابت للدرهم مطلقا من غير ms121 اعتبار تجدده ~~وحدوثه، ومعنى الثاني على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك. ~~PageV02P113 ### | تقييد الفعل وعدمه # وأما تقييد الفعل 1 بمفعول 2 ونحوه: # فلتربية الفائدة3: كقولك: ضربت ضربا شديدا، وضربت زيدا، وضربت يوم ~~الجمعة، وضربت أمامك، وضربت تأديبا، وضربت بالسوط، وجلست والسارية، وجاء ~~زيد راكبا، وطاب زيد نفسا، وما ضرب إلا زيد، وما ضربت إلا زيدا. # والمقيد في نحو: كان زيد قائما هو قائما لا كان4: PageV02P114 # وأما ترك تقييده: فلمانع من تربية الفائدة1. PageV02P115 ### | تقييد الفعل بالشرط # وأما تقييده بالشرط1: فلاعتبارات2 لا تعرفه إلا بمعرفة ما بين أدواته من ~~التفصيل وقد بين ذلك في علم النحو، ولكن لا بد من النظر ههنا في "أن" ~~و"إذا" و"لو". PageV02P116 ### | أن وإذا الشرطيتان # أما: أن، وإذا، فهما للشرط في الاستقبال1 لكنهما يفترقان في شيء، وهو أن ~~الأصل في أن ألا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه2 كما تقول لصاحبك: "إن ~~تكرمني أكرمك"، وأنت لا تقطع بأنه يكرمك، والأصل في إذا أن يكون الشرط فيها ~~مقطوعا بوقوعه3، كما تقول إذا زالت الشمس آتيك، ولذلك كان الحكم النادر ~~موقعا؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع إذا ~~لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرا إلى اللفظ قال الله تعالى: {فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} [الأعراف: 131] ~~، أتى في جانب الحسنة بلفظ إذا؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي ~~حصولها مقطوع به، ولذلك عرفت تعريف الجنس4، وجوز السكاكي أن يكون تعريفها ~~للعهد5، وقال: وهذا أقضى لحق PageV02P117 # البلاغة، وفيه نظر1، وأتى في جاذب السيئة بلفظ أن؛ لأن السيئة نادرة ~~بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ولذلك نكرت. ومنه قوله تعالى: {وإذا أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} ~~[الروم: 36] ، أتى باذا في جانب الرحمة.. وأما تنكيرها فجعله السكاكي ~~للنوعية نظرا إلى لفظ الإذاقة، وجعله للتقليل نظرا إلى لفظ الإذاقة كما قال ~~أقرب. وأما قوله تعالى: {وإذا مس الناس ضر} بلفظ إذا مع الضر، فللنظر ms122 إلى ~~لفظ المس وإلى تنكير الضر المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من ~~الضر وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير ~~من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به. وأما قوله تعالى: ~~{وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} ، بعد قوله عز وجل: {وإذا أنعمنا على ~~الأنسان أعرض ونأى بجانبه} ، أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم، ~~فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في مسه للمعرض المتكبر، ويكون لفظ إذا ~~للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به. # قال الزمخشري: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب ~~فيغلطون ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطا بهما الموقع في قوله ~~يخاطب بعض الولاة وقد سأله حاجة فلم يقضها ثم شفع له فيها فقضاها: # ذممت ولم تجمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها # أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها PageV02P118 # إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها1 # فلو عكس لأصاب. # وقد تستعمل2 إن في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة: # كالتجاهل لاستدعاء المقام3 إياه. وكعدم جزم المخاطب4 كقولك لمن يكذبك5 ~~فيما تخبر: إن صدقت فقل لي ماذا تفعل. وكتنزيله منزلة الجاهل6 لعدم جريه ~~على موجب العلم كما تقول لمن يؤذي أباه: إن كان أباك فلا تؤذه. وكالتوبيخ ~~على الشرط وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلعه7 عن أصله لا يصلح إلا ~~لفرضه كما يفرض المحال لغرض، كقوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم ~~قوما مسرفين} فيمن قرأ أن بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف ~~وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ~~ثبوته له إلا على مجرد الفرض، وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف8 به، ~~ومجيء قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب PageV02P119 # مما نزلنا على عبدنا} بأن يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال ~~المقام على ما يقلعها ms123 عن أصلها ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من ~~المخاطبين على المرتابين منهم فإنه كان فيهم من يعرف الحق وإنما ينكر ~~عنادا، وكذلك قوله تعالى: {إن كنتم في ريب من البعث 1} . # والتغليب2 باب واسع يجري في فنون كثيرة كقوله تعالى: {لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 188] ، أدخل ~~شعيب عليه السلام في لتعودن في ملتنا بحكم التغليب، إذ لم يكن شعيب في ~~ملتهم أصلا، ومثله قوله تعالى: {إن عدنا في ملتكم} وكقوله تعالى: {وكانت من ~~القانتين} عدت الأنثى من الذكور بحكم التغليب وكقوله تعالى: {فسجدوا إلا ~~إبليس} عد إبليس من الملائكة بحكم التغليب وكقوله تعالى: {بل أنتم قوم ~~تجهلون} بتاء الخطاب غلب جانب أنتم على جانب قوم، ومثله {وما ربك بغافل عما ~~تعملون} . PageV02P120 # فيمن قرأ بالتاء وكذا قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21] غلب المخاطبون في قوله لعلكم ~~تتقون على الغائبين في اللفظ، والمعنى على إرادتهما جميعا؛ لأن لعل متعلقة ~~بخلقكم لا باعبدوا، وهذا من غوامض التغليب. وكقوله تعالى: {وجعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأانعام أزواجا يذرؤكم فيه} [الشورى: 11] ، فإن الخطاب ~~فيه شامل للعقلاء والأنعام، فغلب فيه المخاطبون على الغيب والعقلاء على ~~الأنعام، وقوله تعالى: {يذرؤكم فيه} أي يبثكم ويكثركم في هذا التدبير وهو ~~أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ~~فجعل هذا التدبير كالمتبع والمعدن للبث والتكثير ولذلك قيل يذرؤكم فيه ولم ~~يقل به كما في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} . # واعلم أنه لما كانت هاتان الكلمتان1 لتعليق أمر2 بغيره، أعي الجزاء ~~بالشرط، في الاستقبال3، امتنع في كل واحدة من جملتيهما الثبوت4 وفي ~~أفعالهما المضي، أعني أن يكون كلتا الجملتين أو إحداهما. PageV02P121 # اسمية أو كلا الفعلين أو إحدهما ماضيا1، ولا يخالف ذلك لفظا2 -نحو أن ~~أكرمتني أكرمتك وإن أكرمتني أكرمك وإن تكرمني أكرمتك وإن تكرمني فأنت مكرم ~~وإن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس- إلا لنكتة ما مثل إبراز ms124 غير الحاصل في ~~صورة الحاصل: إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه كقولك إن اشترينا كذا حال ~~انعقاد الأسباب في ذلك وإما لأن ما هو للوقوع كالواقع كقولك إن مت كان كذا ~~وكذا كما سبق. وإما للتفاؤل، وإما لإظهار الرغبة في وقوعه نحو إن ظفرت بحسن ~~العاقبة فهو المرام، فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره ~~إياه، فربما يخيل إليه حاصلا. وعليه قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا} 3. وقد يقوي هذا التخيل PageV02P122 # عند الطالب حتى إذا وجد حكم الحس بخلاف حكمه غلطه تارة واستخرج له محملا ~~أخرى وعليه قول أبي العلاء المعري: # ما سرت إلا وطيف منك يصحبني ... سري أمامي وتأوييا على أثرى1 # يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بك انتقشت في خيالي فأعدك بين يدي مغلطا للبصر ~~بعلة الظلام إذا لم يدركك ليلا أمامي، وأعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه ~~حين لا يدركك بين يدي نهارا. وإما لنحو ذلك، قال السكاكي: أو للتعريض: كما ~~في قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ، وقوله تعالى: {ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} ، [البقرة: 145] ، ~~وقوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} ، ونظيره في التعريض2 ~~قوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} [يس: 22] ، المراد وما لكم ~~لا تعبدون الذي فطركم، والمنبه عليه ترجعون، وقوله تعالى: {أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون، إني إذا لفي ~~ضلال مبين} [يس: 23-24] ، إذ المراد أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمن ~~بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئا ولا ينقذونكم إنكم إذا لفي ضلال مبين، ولذلك ~~قيل: {آمنت بربكم} دون بربي، واتبعه: {فاسمعون} . ووجه حسنه3 تطلب أسماع ~~المخاطبين الذين هم أعداء المسمع الحق. PageV02P123 # على وجه لا يورثهم مزيد غضب وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ~~ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله لكونه أدخل في أمحاض النصح لهم، حيث لا ~~يريد لهم إلا ما يريد ms125 لنفسه. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {قل لا تسألون عما ~~أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} ، فإن حق النسق من حيث الظاهر: "قل لا تسألون ~~عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون"، وكذا ما قبله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ~~في ضلال مبين} . قال السكاكي رحمه الله: وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف، ~~ومما يتصل بما ذكرناه أن الزمخشري قدر قوله تعالى: {وودوا لو تكفرون} عطفا ~~على جواب الشرط في قوله تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم ~~أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} [الممتحنة: 2] ، وقال: "الماضي ~~وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الأعراب فإن فيه نكتة، كأنه ~~قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم ~~مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا، وردكم ~~كفارا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ ~~لأنكم يذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه" ~~هذا كلامه، وهو حسن دقيق، لكن في جعل: {وودوا لو تكفرون} عطفا على جواب ~~الشرط نظر؛ لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وإن لم يظفروا بهم، فلا يكون ~~في تقييدها بالشرط فائدة، فالأولى أن يجعل قوله: {وودوا لو تكفرون} عطفا ~~على الجملة الشرطية كقوله تعالى: {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون} . # PageV02P124 ### | لو الشرطية # وأما لو1 فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط2 فيلزم انتفاء ~~الجزاء3 كانتفاء الإكرام في قولك: لو جئتني لأكرمتك، PageV02P125 # ولذلك قيل هي لامتناع الشيء لامتناع غيره، ويلزم كون جملتيها فعليتين ~~وكون الفعل ماضيا، فدخولها على المضارع في نحو قوله تعالى: {لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم} ، لقصد استمرار الفعل فيا مضى وقتا فوقتا كما في قوله ~~تعالى: {الله يستهزئ بهم} بعد قوله: {إنما نحن مستهزئون} وفي قوله تعالى: ~~{فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] ، ودخولها ~~عليه1 في نحو قوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ms126 ربهم} ~~[السجدة: 12] ، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} [سبأ: ~~31] ، لتنزيله منزلة الماضي لصدوره عمن لا خلاف في إخباره كما نزل "يود" ~~منزلة "ود" في قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا2} ، ويجوز أن يرد الغرض. ~~PageV02P126 # من لفظ ترى ويود إلى استحضار صورة رؤية المجرمين ناكسي الرؤوس قائلين لما ~~يقولون وصرة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات وصورة ~~ودادة الكافرين لو أسلموا، كما في قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها} [فاطر: 9] إذ ~~قال فتثير سحابا استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ~~من آثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض تبدو في الأول كأنها قطع قطن ~~مندوف ثم تتضام متقابلة بين أطوار حتى يعدن ركاما، وكقول تأبط شرا1: # ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان # بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان # فقلت لها: كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلي لي مكاني # فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفي بمقصول يماني # فأضربها بلادهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران # إذ قال: فأضربها ليصور لقومه الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه ~~يبصرهم إياها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبا من جراءته على كل هول وثباته عند ~~كل شدة. ومنه قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] ، دون كن فكان. وكذا قوله تعالى: {ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان ~~سحيق} [الحج: 31] . PageV02P127 ### | تنكير المسند # وأما تنكيره: فإما لإرادة عدم الحصر والعهد، كقولك: زيد كاتب وعمرو شاعر. # وإما للتنبيه على ارتفاع شأنه أو انحطاطه1 على ما مر في المسند إليه ~~كقوله تعالى: {هدى للمتقين} ، أي هدى لا يكتنه كنهة. PageV02P128 ### | تخصيص المسند وعدمه # وأما تخصيصه بالإضافة1 أو الوصف2: فلتكون الفائدة أتم كما مر3. # وأما ترك تخصيصه بهما فظاهر مما سبق. PageV02P128 ### | تعريف المسند # وأماتعريفه1 فلإفادة السامع: إما حكما على أمر ms127 معلوم له بطريق من طرق ~~التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك2، وأما لازم حكم بين أمرين كذلك3. تفسير ~~هذا أنه قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف4 ويكون السامع عالما باتصافه ~~بإحداهما دون الأخرى5، فإذا أردت أن تخبره بأنه متصف بالأخرى تعمد إلى ~~PageV02P129 # اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية ~~وتجعله خبرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية، كما إذا كان ~~للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنه أخوه، وأردت ~~أن تعرفه أنه أخوه، فتقول: له زيد أخوك، سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن ~~زيدا أخوه أو لم يعرف أن له أخا أصلا. وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت ~~أن تعينه عنده قلت "أخوك زيد: أما إذالم يعرف أن له أخا أصلا فلا يقال ذلك ~~لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، فظهر الفرق بين ~~قولنا: زيد أخوك وقولنا أخوك زيد، وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا ~~بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنه كان من زيد أو ~~غيره فأردت أن تعرفه أن زيدا هو ذلك المنطلق فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت ~~أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت المنطلق1 زيد، وكذا إذا عرف السامع ~~إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق وأردت أن تعرفه ~~أن زيدا متصف به فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق ~~قلت: المنطلق1 زيد، لا يقال: زيد دال على الذات فهو متعين للابتداء تقدم أو ~~تأخر، والمنطلق دال على أمر نسبي فهو متعين للخبرية تقدم أن تأخر؛ لأنا ~~نقول: المنطلق لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق وأنه بهذا ~~المعنى لا يجب أن يكون خبرا وزيد لا يجعل خبرا إلا بمعنى صاحب اسم زيد وأنه ~~بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ. PageV02P130 # ثم1 التعريف بلام الجنس قد لا يفيد قصر المعرف على ما ms128 حكم عليه به، كقول ~~الخنساء2: # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا # وقد يفيد قصره: إما تحقيقا3 كقولك: زيد الأمير، إذالم يكن أمير سواه، ~~وإما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه كقولك: "عمرو الشجاع" أي الكامل ~~في الشجاعة4 فتخرج الكلام في صورة توهم. PageV02P131 # أن الشجاعة لم توجد إلا فيه لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة ~~الكمال. # ثم المقصور قد يكون نفس الجنس مطلقا أي من غير اعتبار تقييده بشيء كما ~~مر، وقد يكون الجنس باعتبار تقييده بظرف أو غيره، كقولك: "هو الوفي حين لا ~~تظن نفس بنفس خيرا"، فإن المقصور هو الوفاء في هذا الوقت لا الوفاء مطلقا، ~~وكقول الأعشى1: # هو الواهب المائة المصطفاة ... أما مخاضا وإما عشارا # فإنه قصر هبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، لاهبتها مطلقا. ولا ~~الهبة مطلقا. وهذه الوجوه الثلاثة: أعني العهد، والجنس للقصر تحقيقا، ~~والجنس للقصر مبالغة، تمنع جواز العطف بالفاء ونحوها على ما حكم عليه ~~بالمعرف، بخلاف المنكر فلا يقال: زيد المنطلق وعمرو، ولا زيد الأمير وعمرو، ~~ولا زيد الشجاع وعمرو. PageV02P132 ### | جملية المسند # وأما كونه جملة فإما لإرادة تقوي الحكم بنفس التراكيب كما سبق1، وإما ~~لكونه سببا2 وقد تقدم بيان ذلك3. وفعليتها لإفادة التجدد. واسميتها لإفادة ~~الثبوت، فإن من شأن الفعلية أن تدل على التجدد، ومن شأن الاسمية أن تدل على ~~الثبوت، وعليهما قول رب العزة: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} [البقرة: 14] ، وقوله تعالى: {قالوا ~~سلاما قال سلام} ، إذ أصل PageV02P133 # الأول نسلم عليك سلاما وتقدير الثاني سلام عليكم، كأن إبراهيم عليه ~~السلام قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذا بأدب الله تعالى في قوله ~~تعالى: {وإذاحييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} [النساء: 86] . وقد ذكر له وجه ~~آخر فيه دقة غير أنه بأصول الفلاسفة أشبه وهو أن التسليم دعاء للمسلم عليه ~~بالسلامة من كل نقص ولهذا أطلق، وكمال الملائكة لا يتصور فيه التجديد؛ لأن ~~حصوله بالفعل مقارن لوجودهم، فناسب أن يحيوا بما يدل ms129 على الثبوت دون ~~التجدد، وكمال الإنسان متجدد؛ لأنه بالقوة وخروجه إلى الفعل بالتدرج فناسب ~~أن يحيا بما يدل على التجدد دون الثبوت. وفيه نظر. وقوله تعالى: {سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} ، أي أحدثتم دعاءهم أم استمر صمتكم عنه ~~فإنه كانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعائهم، ففيه لم يفترق الحال ~~بين أحداثكم دعاءهم وما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم. وقوله تعالى: ~~{قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} أي أحدثت عندنا تعاطي الحق فيما ~~نسمعه منك أم اللعب، أي أحوال الصبا بعد مستمرة عليك، وأما قوله تعالى: ~~{وما هم بمؤمنين} ، في جواب: {آمنا بالله وباليوم الآخر} فلإخراج ذواتهم من ~~جنس المؤمنين مبالغة في تكذيبهم، ولهذا أطلق قوله "مؤمنين" وأكد نفيه ~~بالباء، ونحوه: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} . # وشرطيتها: لما مر1، وظرفيتها لاختصار الفعلية، إذ هي مقدرة بالفعل على ~~الأصح2. PageV02P134 ### | تأخير المسند # وأما تأخيره: فلأن ذكر المسند إليه أهم كما سبق. # PageV02P135 # وإما للتنبيه من أول الأمر على أنه1 خبر لا نعت2 كقوله3: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # وقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] . # وإما للتفاؤل4. # وإما للتشويق إلى ذكر المسند5 إليه كقوله6: # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر. # وقوله: # وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان # قال السكاكي رحمه الله: وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم ~~يحسن ذلك الحسن. PageV02P136 # تنبيه: # كثير مما في الباب1 والذي قبله2 غير مختص بالمسند إليه والمسند، كالذكر ~~والحذف وغيرهما3 مما تقدمت أمثلته، والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما4 لا ~~يخفى عليه اعتباره في غيرهما5. PageV02P137 ### | القول في متعلقات أحوال الفعل ### | مدخل # ... # القول في متعلقات أحوال الفعل: # حال الفعل مع المفعول1 كحاله مع الفاعل، فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى ~~الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا ~~عديته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه ms130 لا أن تفيد وجوده في نفسه ~~فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم ~~التباسه بهما2، PageV02P138 # فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في ~~المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أريد الأخبار بوقوعه ~~في نفسه من غير إرادة أن يعمل ممن وقع في نفسه أو على من وقع، فالعبارة عنه ~~أن يقال كان ضرب أو وقع ضرب أو وجد أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود ~~المجرد1. وإذا تقرر هذا فنقول: # الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يذكر له مفعول فهو على ضربين: # الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق أو نفيه ~~عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي من غير اعتبار عمومه PageV02P139 # وخصوصه ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه1، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة ~~اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار ~~تعلقه بالمفعول، ولا يقدر أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور2. PageV02P140 ### | ......................................................................... # PageV02P141 ### | ........................................................................... # PageV02P142 ### | ........................................................................ # PageV02P143 ### | ......................................................................... # PageV02P144 # وهذا الضرب قسمان: ### | 1- # لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا1 كناية2 عن الفعل متعلف بمفعول مخصوص دلت ~~عليه قرينة3. PageV02P145 ### | 2- # أو لا1. PageV02P146 # الثاني: كقول تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ~~[الزمر: 9] ، أي من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث. PageV02P147 # قال السكاكي1: ثم إذا كان المقام خطابيا2 لا استدلاليا، أفاد2 العموم في ~~أفراد الفعل، بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون مفرد آخر مع تحقق الحقيقة ~~فيهما تحكم، ثم جعل قولهم في المبالغة PageV02P148 # "فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع" محتملا لذلك ولتعميم المفعول كما سيأتي، ~~وعده الشيخ عبد القاهر مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء ~~من ذلك. # والأول1 كقول البحتري يمدح المعتز بالله ويعرض بالمستعين بالله: # شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي2 PageV02P149 # أي أن يكون ذو رؤية وذو سمع. يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من ~~له بصر لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب استحقاقه الإمامة ms131 دون ~~غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد، فحساده ~~وأعداؤه يتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي ~~يخفى استحقاقه للإمامة فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى ~~مطلق الرؤية PageV02P150 # كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره، وكقول ~~عمرو بن معد يكرب1: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت2 # لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح أجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم ~~والافتخار بهم حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرته. وكقول ~~طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب. PageV02P151 # جزى لله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت # هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت # فإن الأصل لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ~~ليدل على مطلوبه بطريق الكناية1، فإن قلت لا شك أن قوله "ألجأوا" أصله ~~"ألجأونا" فلأي معنى حذف المفعول منه؟ قلت PageV02P152 # الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛ لأن حكمه حكم ما عطف عليه وهو قوله ~~خلطونا1. # الضرب الثاني: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول2 فيجب PageV02P153 # تقديره بحسب القرائن 1: ### | حذف المفعول # ثم حذفه من اللفظ: ### | 1- # إما للبيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة2 إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله ~~غرابة. كقولك: لو شئت جئت أو لم أجئ، أي لو شئت المجيء أو عدم المجيء، فإنك ~~متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقت المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا ~~شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ~~ذلك الشيء. ومنه قوله تعالى: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وقوله تعالى: {فإن ~~يشأ الله يختم على قلبك} ، وقوله تعالى: {من يشأ الله يضلله} وقول طرفة: # فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد3 PageV02P154 # وقال البحتري: # لو شئت عدت بلاد ms132 نجد عودة ... فحللت بين عقيقة وزروده1 # وقوله: # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد2 # فإن كان في تعليق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع ~~وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه لو شئت أن أرد على الأمير رددت وإن شئت ~~أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته، وعليه قول الشاعر3: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب بن عباد: # فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا4 # فليس منه5؛ لأنه لم يرد أن يقول فلو شئت أن أبكي تفكرا PageV02P155 # بكيت تفكرا، ولكنه أراد أن يقول أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر ~~تجول، وحتى لو شئت البكاء فمريت جفوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ~~ولخرج منها بدل الدمع التفكر، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي وفي الثاني ~~غير الحقيقي1، فالثاني لا يصلح؛ لأن يكون تفسيرا للأول. ### | 2- # وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد كقول ~~البحتري: # وكم ذدت2 عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم # إذ لو قال حززن اللحم لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان ~~في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم PageV02P156 # ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في ~~اللحم حتى لم يرده إلا العظم. ### | 3- # وأما؛ لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل1 على صريح لفظه2، ~~إظهارا لكمال العناية بوقوعه3 عليه كقول البحتري أيضا في مدح المعتز بالله: # قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا4 # أي قد طلبنا لك مثلا في السؤدد والمجد والمكارم، فحذف المثل إذ كان غرضه ~~أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل. ولأجل هذا المعنى بعينه عكس ذو ~~الرمة في قوله: # ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب ms133 مالا5 # فإنه أعمل الفعل الأول الذي هو أمدح في صريح لفظ "اللئيم"، والثاني الذي ~~هو أرضى في ضميره، إذا كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون ~~الإرضاء ويجوز أن يكون سبب الحذف في بيت البحتري قصد المبالغة في التأدب مع ~~الممدوح، بترك مواجهته بالتصريح. PageV02P157 # بما يدل على تجويز أن يكون له مثل فإن العقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده. ### | 4- # وإما للقصد إلى التعميم في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما ~~يذكر معه دون غيره، مع الاختصار. كما تقول: "قد كان منك ما يؤلم" أي ما ~~الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان1. وعليه قوله تعالى: {والله يدعو ~~إلى دار السلام} أي: يدعو كل أحد. ### | 5- # وإما للرعاية على الفاصلة كقوله سبحانه وتعالى: {والضحى، والليل إذاسجى، ~~ما ودعك ربك وما قلى} [الضحي: 1-3] أي وما قلاك. ### | 6- # وإما لاستهجان ذكره كما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما رأيت ~~منه ولا رأى مني" تعني العورة. ### | 7- # وإما لمجرد الاختصار2، كقولك: "أصغيت إليه" أي PageV02P158 # أي أذني، "وأغضيت عليه" أي بصري، ومنه قوله تعالى: {أرني أنظر إليك} أي ~~ذاتك، وقوله تعالى: {أهذا الذي بعث الله رسولا} ، أي بعثه الله، وقوله ~~تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} أي أنه لا يماثل، أو ما بينه ~~وبينها من التفاوت، أو أنها لا تفعل كفعله كقوله تعالى: {هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء} ويحتمل أن يكون المقصود نفس الفعل من غير تعميم أي ~~وأنتم من أهل العلم والمعرفة ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل ~~الأصنام لله أندادا غاية الجهل. ومما عد السكاكي الحذف فيه لمجرد الاختصار ~~قوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم ~~امرأتين تذودان ماخطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، ~~فسقى لهما} [القصص: 23] ، والأولى أن يجعل PageV02P159 # لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر، وهو ظاهر قول الزمخشري، ~~فإنه قال: ms134 ترك المفعول؛ لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه ~~رحمهما؛ لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما؛ لأن مذودهما ~~غنم ومسقيهم إبل مثلا، وكذلك قولهما لا نسقي حتى يصدر الرعاء المقصود منه ~~السقي لا المسقي1. # واعلم: أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل كما ~~في قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى} [الإسراء: 109] ، فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء فلا يقدر في ~~الكلام محذوف، وليس بمعناه؛ لأنه لو كان بمعناه لزم إما الإشراف أو عطف على ~~نفسه؛ لأنه إن كان مسمى أحدهما. PageV02P160 # غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كان مسماهما واحدا لزم الثاني وكلاهما ~~باطل، تعالى كلام الله عز وجل عن ذلك، فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي ~~تتعدى إلى مفعولين، أي سموه الله أو الرحمن أيا ما تسمونه فله الأسماء ~~الحسنى، كما يقال: "فلان يدعى الأمير" أي يسمى الأمير. وكما في قراءة من ~~قرأ وقالت اليهود عزير بن "الله" بغير تنوين، على القول بأن سقوط التنوين ~~لكون الابن صفة واقعة بين علمين، كما في قولنا "زيد بن عمرو قائم"، فإنه قد ~~يظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة كما هو أصله، فقيل تقدير الكلام: "عزير ~~ابن الله معبودنا"، وهذا باطل؛ لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى ~~الإسناد لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة كما إذا حكيت عن إنسان ~~أنه قال: "زيد بن عمر وسيد" ثم كذبته فيه، لم يكن تكذيبك أن يكون زيد بن ~~عمرو، ولكن أن يكون زيد سيدا، فلو كان التقدير1 ما ذكر لكان الإنكار راجعا ~~إلى أنه معبودهم، وفيه تقرير أن عزيرا بن الله، تعالى الله عن ذلك. فالقول ~~في الآية بمعنى الذكر؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ ~~في الجهل والشرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر، كما تقول في قوم ~~تريد أن تصفهم بالغلو في أمر صاحبهم وتعظيمه، أني ms135 أراهم قد اعتقدوا ~~أمراعظيما فهم يقولون أبدا زيد الأمير، تريد أنه كذلك يكون ذكرهم له إذا ~~ذكروه. # واعلم أن لحذف التنوين من عزير في الآية وجهين: أحدهما أن يكون لمنعه من ~~الصرف لعجمته وتعريفه كعازر، والثاني أن يكون لالتقاء السكاكنين2، كقراءة ~~من قرأ: {قل هو الله أحد، الله الصمد} [الإخلاص: 1-2] ، بحذف التنوين من ~~أحد، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ PageV02P161 # {ولا الليل سابق النهار} بحذف التنوين من سابق ونصب النهار، فقيل له وما ~~تريد؟ فقال: {سابق النهار} ، فالمعنى على هذين الوجهين1 كالمعنى على إثبات ~~التنوين، فعزير مبتدأ وابن الله خبر، وقال: على أصله والله أعلم. ~~PageV02P162 ### | تقديم المفعول على الفعل # وأما تقديم مفعوله ونحوه 1 عليه: # فلرد الخطأ في التعيين2، كقولك "زيدا عرفت" لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا ~~وأنه غير زيد وأصاب في الأول دون الثاني، وتقول لتأكيده3 وتقريره زيدا عرفت ~~لا غيره، ولذلك4 لا يصح أن يقال: PageV02P162 # مازيدا ضربت ولا أحدا من الناس، لتناقض دلالتي الأول1 والثاني، ولا أن ~~تعقب الفعل المنفي بإثبات ضده كقولك: "ما زيدا ضربت ولكن أكرمته"؛ لأن مبنى ~~الكلام ليس على أن الخطأ في الضرب فترده إلى الصواب في الأكرام، وإنما هو ~~على أن الخطأ في المضروب حين اعتقد أنه زيد فرده إلى الصواب أن تقول ولكن ~~عمرا، وأما نحو قولك زيدا عرفته: فإن قدر المفسر المحذوف قبل المنصوب أي ~~عرفت زيدا عرفته فهو من باب التوكيد أعني تكرير اللفظ2 وإن قدر بعده زيدا ~~عرفت عرفته أفاد التخصيص3. وأما4 نحو قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} ~~فيمن قرأ بالنصب فلا يفيد إلا التخصيص لامتناع تقدير أما فهدينا ثمود5 ~~وكذلك إذا قلت بزيد مررت أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد فأزلت عنه ~~الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره6. PageV02P163 # والتخصيص1 في غالب الأمر لازم للتقديم2 ولذلك يقال في قوله تعالى: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} معناه نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك ونخصك بالاستعانة لا ~~نستعين غيرك، وفي قوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} معناه أن ms136 كنتم تخصونه ~~بالعبادة وفي قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} [البقرة: 143] ، أخرت صلة الشهادة2 في الأول وقدمت في الثاني 4؛ لأن ~~الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الثاني اختصاصهم بكون الرسول ~~شهيدا عليهم. وفي قوله تعالى: {لإلى الله تحشرون} معناه إليه لا إلى غيره، ~~وفي قوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولا} معناه لجميع الناس من العرب والعجم ~~على أن التعريف للاستغراق، لا لبعضهم المعين على أنه5 للعهد أي للعرب، لا ~~لمسمى الناس على أنه للجنس، لئلا يلزم من الأول اختصاصه بالعرب دون العجم ~~لانحصر الناس في الصنفين، ومن الثاني اختصاصه بالإنس دون الجن لانحصار من ~~يتصور الإرسال إليهم من أهل الأرض فيهما، وعلى تقدير الاستغراق لا يلزم شيء ~~من ذلك؛ لأن التقديم لما كان مفيدا لثبوت الحكم للمتقدم ونفيه عما يقابلها ~~كان تقديم "للناس" على "رسولا" مفيدا لنفي. PageV02P164 # كونه رسولا لبعضهم1 خاصة؛ لأنه هو المقابل لجميع الناس، لا لبعضهم2 ~~مطلقا، ولا غير جنس الناس. # وكذلك يذهب3 في معنى قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} إلى أنه تعريض بأن ~~الآخرة التي عليها أهل الكتاب - فيما يقولون من "أنه لا يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى وأنه لا تمسهم النار فيها إلا أياما معدودات وأن أهل ~~الجنة فيما لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع ~~اللذيذ"- ليست بالآخرة، وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة ~~عند الله في شيء، أي بالآخرة يوقنون لا بغيرها كأهل الكتاب. # ويفأد التقديم في جميع ذلك4 وراء التخصيص5 اهتماما بشأن المقدم6، ولهذا ~~قدر المحذوف في قوله "باسم الله" مؤخرا7 وأورد قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} ~~، فإن الفعل فيه مقدم8، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك أهم؛ لأنها أول سورة. ~~PageV02P165 # نزلت1، وأجاب السكاكي بأن باسم ربك متعلق باقرأ الثاني2، ومعنى الأول3 ~~افعل القراءة وأوجدها على نحو ما تقدم في قولهم فلان يعطي ويمنع يعني إذالم ~~يحمل على العموم وهو بعيد. PageV02P166 ### | تقديم بعض معمولات الفعل على بعض # 1: # وأما تقديم بعض معمولاته على بعض: ms137 فهو إما؛ لأن أصله2، التقديم3 ولا ~~مقتضى للعدول عنه4 كتقديم الفاعل على المفعول نحو ضرب زيد عمرا، وتقديم ~~المفعول الأول على الثاني نحو أعطيت زيدا درهما5 وإما؛ لأن ذكره أهم ~~والعناية به أتم6، فيقدم المفعول PageV02P166 # على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه لا وقوعه ممن ~~وقع منه، كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى فقتل ~~وأردت أن تخبر بقتله فتقول "قتل الخارجي فلان"، إذ ليس للناس فائدة في أن ~~يعرفوا قاتله وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلصوا من شره، ~~ويقدم الفاعل على المفعول إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه لا ~~وقوعه على من وقع عليه كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل ~~فقتل رجلا وأردت أن تخبر بذلك فتقول: "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن ~~الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن ومعلوم أنه لم يكن ~~نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه بل من حيث كان واقعا ممن ~~وقع منه. وعليه قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم} ، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى ~~للفقراء بدليل قوله تعالى من إملاق فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، ~~فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء ~~بدليل قوله خشية إملاق فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع. فكان رزق أولادهم ~~هو هو المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم ~~على الوعد برزقهم. # وإما؛ لأن في التأخير إخلالا: # ببيان المعنى كقوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} ، ~~فإنه لو أخر {من آل فرعون} عن {يكتم إيمانه} لتوهم أن "من" متعلقة ب {يكتم} ~~، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون1. PageV02P167 # أو بالتناسب كرعاية الفاصلة نحو: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} 1. # وإما لاعتبار آخر مناسب2. # وقسم السكاكي ms138 التقديم للعناية مطلقا3 قسمين: أحدهما أن يكون أصل ما قدم ~~في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه، كالمبتدأ المعرف فإن أصله ~~التقديم على الخبر نحو زيد عارف، وكذا الحال المعرف فإن أصله التقديم على ~~الحال نحو جاء زيد راكبا وكالعامل فإن أصله التقديم على معموله نحو عرف زيد ~~عمرا وكان زيد عارفا وإن زيدا عارف، وكالفاعل فإن أصله التقديم على ~~المفعولات وما يشبهها من الحال والتمييز نحو ضرب زيد الجاني بالسوط يوم ~~الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له ممتلئا من الغضب، وامتلأ الإناء ماء، ~~وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب "علمت" نحو علمت زيدا منطلقا، أو ~~في حكم الفاعل من مفعولي باب أعطيت وكسوت نحو أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا ~~جبة، وكالمفعول المتعدي إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدي إليه ~~بواسطة نحو ضربت الجاني بالسوط وكالتوابع فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات. # وثانيهما أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه: ### | 1- # لكونه في نفسه نصب عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد PageV02P168 # كما تجدك قد منيت بهجر حبيبك، وقيل لك ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب1 ~~أتمنى". وعليه قوله2 تعالى: {وجعلوا لله شركاء} أي على القول بأن لله شركاء ~~مفعولا جعلوا. ### | 2- # أو لعارض يورثه ذلك3 كما إذا توهمت أن مخاطبك ملتفت الخاطر إليه4 ينتظر ~~أن تذكره، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد ~~له مجالا للذكر صالحا أوردته نحو قوله تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل ~~يسعى} ، قدم فيه المجرور5 لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية ~~الرسل. من إصرارهم على تكذيبم فكان مظنة أن يلعن السامع على مجرى العادة ~~تلك القرية ويبقى مجيلا في فكره أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر دان أم ~~قاص منبت خير، منتظرا لإلمام الحديث6 به بخلاف ما في سورة القصص أو كما إذا ~~وعدت ما تبعد7 وقوعه من جهتين إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى فإنك حال ~~التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما تجد تفاوتا في ms139 إنكارك إياه قوة وضعفا ~~بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتا في ~~القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك إذا أنكرت تقول في الأول ~~"شيء" حالة في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وعدت هذا. PageV02P169 # أنا وأبي وجدي فتقدم المنكر1 على المرفوع، وفي الثاني "لقد وعدت أنا وأبي ~~وجدي هذا" فتؤخر: وعليه قوله تعالى في سورة النمل: {لقد وعدنا هذا نحن ~~وآباؤنا} ، وقوله تعالى في سورة المؤمنين: {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} ، ~~فإن ما قبل الأولى: {إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون} ، وما قبل ~~الثانية: {أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} فالجهة المنظور فيها ~~هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا ~~وعظاما، ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث. ### | 3- # أو كما إذا عرفت في التأخير مانعا2 كما في قوله تعالى في سورة المؤمنين: ~~{وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم} بتقديم ~~المجرور3 على الوصف4؛ لأنه لو أخر عنه وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما ~~يدخل في صلة الموصول وتمامه: {وأترفناهم في الحياة الدنيا} لاحتمل أن يكون ~~5 من صلة الدنيا6 واشتبه الأمر في القائلين أنهم من قومه أم لا بخلاف قوله ~~تعالى في موضع آخر منها: {وقال الملأ الذين كفروامن قومه} . فإنه جاء على ~~الأصل لعدم المانع. وكما في قوله تعالى في سورة طه: {آمنا برب هارون وموسى} ~~، للمحافظة على الفاصلة بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: {رب موسى وهرون} ~~. "انتهى كلام السكاكي". وفيما ذكره نظر من وجوه. PageV02P170 # أحدها: أنه جعل تقديم لله على شركاء للعناية والاهتمام وليس كذلك، فإن ~~الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق "جعلوا" بالله منكرا من ~~غير اعتبار تعلقه بشركاء، إذ لا ينكر أن يكون جعل ما متعلقا به، فيتعين أن ~~يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بشركاء وتعلقه بشركاء كذلك منكر باعتبار ~~تعلقه بالله، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها1. وقد علم بهذا أن كل فعل ~~متعد إلى ms140 مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر، ~~إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه2 بالعناية. # وثانيهما: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى والتقديم ~~للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه3. # وثالثها: أن تعلق من قومه ب"الدنيا" على تقدير تأخره غير معقولا إلا على ~~وجه بعيد4. PageV02P171 ### | بحوث حول متعلقات الفعل # 1: ### | 1- # الفعل المتعدي علامته في عرف النحويين صحة اتصال هاء الضمير الغير المصدر ~~به من غير توسع بحذف الجار أو صحة أن يصاغ منه "أو من مصدره" اسم مفعول تام ~~"أي مستغن عن حرف الجر" بإطراد "لا خراج تمرون الديار إذ يصح صوغ اسم مفعول ~~منها فيقال: الديار ممرورة لكن لا باطراد". وما سوى المتعدي فلازم. أو نقول ~~المتعدي ما يصل إلى المفعول به بنفسه واللازم بالعكس ويسمى اللازم قاصرا. ~~والأصل سبق الفاعل في المعنى ويلزم الأصل لخوف اللبس كضرب موسى عيسى، ولكون ~~الثاني محصورا كما أعطيت إلا زيدا أو ظاهرا والأول ضمير متصل مثل: {إنا ~~أعطيناك الكوثر} . وقد يجب تقديم المفعول في ذلك إذا كان الفاعل في المعنى ~~هو المحصور مثل ما أعطيت الدراهم إلا زيدا أو ظاهرا والثاني ضمير متصلا مثل ~~الدرهم أعطيته زيدا أو ملتبسا بضمير الثاني مثل أسكنت الدار بانيها. وحذف ~~المفعول من غير باب ظن جائز اختصارا أو اقتصارا - لا يقال: حذفه للاقتصار ~~لا يأتي في المفعول به؛ لأن الفعل المتعدي يدل عليه إجمالا فلا يكون حذفه ~~إلا لدليل؛ لأنا نقول المراد دليل على خصومه لا ما يدل عليه إجمالا. ومن ~~الحذف اقتصارا حذف مفعول الفعل المنزلة منزلة اللازم على رأي النحاة ~~والبيانيين ووافقهم المغني على أنه لا مفعول له أصلا وعبارة المغني بعد أن ~~ذكر رأي النحاة: والتحقيق أن يقال أنه تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد ~~وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه أو من أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندا إليه ~~فعل كون عام فيقال: حصل حريق، وتارة يتعلق بالإعلام بإيقاع الفاعل للفعل ~~فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ms141 ولا ينوي إذ المنوي كالثابت ولا يسمى ~~محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له ومنه: {ربي ~~PageV02P173 # الذي يحيي ويميت} ، وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعول ~~فيذكران، وهذا النوع الذي لم يذكر مفعوله قيل له محذوف نحو: {ما ودعك ربك ~~وما قلى} - وحذف المفعول لغرض لفظي كتناسب الفواصل مثل ما ودعك ربك وما قلى ~~وكالإيجاز مثل فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، أو لغرض معنوي كاحتقاره مثل كتب ~~الله لأغلبن أي الكافرين أو استهجان التصريح به مثل قول عائشة: ما رأيت منه ~~ولا رأى مني أي العورة أو العلم به أو الجهل به أو تعظيمه أو الخوف منه. # ويقول السكاكي: "واعلم أن للفعل وما يتعلق به اعتبارات مجموعها راجع إلى ~~الترك والإثبات والإظهار والإضمار والتقديم والتأخير، فلا بد من التكلم ~~هناك وعلى الخصوص في تقييده -أعني الفعل- بالقيود الشرطية، فتقول: أما ~~الترك فلا يتوجه إلى فاعله كما عرف في علم النحو وإنما يتوجه إلى نفس الفعل ~~أو إلى غير الفاعل، لكنه لا يتضح اتضاحا ظاهرا إلا في المفعول به كما ستقف ~~عليه1. ثم تكلم السكاكي على الحالة المقتضية لترك الفعل2، وعلى الحالة ~~المقتضية لإثباته3 -ثم تكلم على الحالة المقتضية لترك مفعوله4- ثم تكلم على ~~اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل بأنواعه الثلاثة: # فأحدها: أن يقع بين الفعل وبين ما هو فاعل له معنى مثل: هو عرف. # وثانيها: أن يقع بينه وبين غير ذلك مثل: زيدا عرفت. # وثالثها: أن يقع بين ما يتصل به كنحو: عرف زيد عمرا وعرف عمرا زيد. ~~PageV02P174 # وذكر السكاكي الأحوال التي تقتضي كل واحد1 منها، كما تكلم على الحالة ~~المقتضية لإضمار فاعله ولكونه مظهرا2، وبسط الكلام على الحالة المقتضية ~~لتقييد الفعل بالشرط3: ### | 1- # المذكور في باب متعلقات الفعل ثلاثة أمور هي: # أ- نكات حذف المفعول به. # ب- نكات تقديمه على الفعل -لإفادة الاختصاص قلبا كان أو إفرادا أو ~~تعيينا، ويفيد التقديم وراء التخصيص اهتماما بشأن المقدم. # ج- نكات تقديم بعض معمولاته على بعض. # هذه هي عناصر الكلام على "أحوال متعلقات ms142 الفعل"، فقوله: "أحوال متعلقات ~~الفعل" أي بعض هذه الأحوال الخاصة بمتعلقات الفعل وهي الثلاثة الأحوال التي ~~أشرنا إليها، هكذا قال السعد ولكن العصام قال: المراد جميع أحوال متعلقات ~~الفعل؛ لأن وضع الباب لها إلا أنه اقتصر على ذكر البعض استغناء عن ذكر ~~الباقي بما سبق في غير هذا الباب لظهور جريان الباقي فيها "أي في ~~المتعلقات" كما نبه الخطيب عليه في التنبيه السابق، وتفسيره بعض أحوال ~~المتعلقات حيث لم يذكر إلا البعض كما ذهب إليه الشارح المحقق "السعد" وهم ~~وكيف لا يكون وهما أو كيف لا يكون كما ذكرنا؟، ولولم يكن المراد جميع ~~الأحوال لم ينحصر الفن "فن المعاني" في الأبواب الثمانية. # وقال السبكي: هذا الباب لبيان أحوال متعلقات الفعل ولم يستوعبها بل ذكر ~~منها الفاعل والمفعول، وذكر الفاعل فيه نظر: PageV02P175 # أ- لأنه مسند إليه فذكره في باب المسند إليه أليق. # ب- ثم الأحوال التي يريدها هنا الذكر والترك والتقديم والتأخير، والترك ~~لا يأتي في الفاعل؛ لأنه لا يحذف. ولكن قال العصام: إن المتعلق في عرف ~~العربية كأنه مختص بما سوى الفاعل ولهذا قال نلبسه دون تعلقه؛ لأن الفاعل ~~ملابس لا متعلق. # وقال أيضا: ينبغي أن يقول: أحوال متعلقات الفعل وما في معناه مما يعمل ~~عمله. وقال أيضا: المتكلم: تارة يريد الإخبار عن الفعل أي الحدث من غير ~~تلبس فاعل ولا مفعول فيقول وقع ضرب ونحوه وليس في هذا التركيب شيء من ~~متعلقات الضرب- وتارة يراد فاعله فيؤتى بالفعل الصناعي الذي هو مشتق من ~~الحدث الذي يريد الإخبار به فيذكر فاعله أبدا عند البصريين إلا في مواضع ~~مستثناه، ويجوز الحذف عند الكسائي. ثم إن كان متعديا: فتارة يقصد الإخبار ~~بالحدث والمفعول دون الفاعل فيبنى للمفعول فيقال ضرب زيد، وتارة يقصد ~~الإخبار بالفاعل ولا يذكر مفعوله فهو على ضربين: # أ - أن يقصد إثبات المعنى للفاعل أو نفيه عنه على الإطلاق، إلخ، فالمتعدي ~~حينئذ كاللازم فلا يذكر له مفعول لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار ~~بتعلقه بالمفعول ولا يقدر؛ لأن المقدر كالمذكور. وهذا القسم لا ms143 يتأتى في ~~الفاعل بل متى ذكر الفعل الصناعي وجب الإتيان بالفاعل أو نائبه. ثم قال ~~السبكي: وهذا حقيقة اللازم فلا ينبغي أن يقال هو كاللازم وكأنهم يعنون ~~باللازم حقيقة. ثم هذا القسم نوعان كما قال الخطيب: أن يجعل إطلاق الفعل ~~كناية عنه متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة، أو لا يجعل كذلك. # ب- أن لا يكون كذلك بأن لم يقطع النظر عن المفعول بل قصد ولم يذكر لفظا ~~فيقدر بحسب القرائن. ### | 3- # وفي لام متعلقات الفعل وجهان: أنها بكسر اللام أي أحوال. # PageV02P176 # الأمور المتعلقة بالفعل فالفعل يقال فيه متعلق والمفعول مثلا متعلق أي ~~متشبث وهذا هو الأحسن ووجه أولويته أن المفاعيل وما ألحق بها معمولة والفعل ~~عامل فيها وكون المعمول لضعفه متعلقا أنسب؛ لأن المتعلق هو المتشبث وهو ~~أضعف من المتشبث به فالتعلق هو التشبث والمتشبث بالكسر هو المعمول الضعيف ~~وبالفتح هو العامل القوي فهذا كما يقال الجار والمجرور متعلق بكذا. # أو أنها بفتح اللام واقتصر عليه العصام، لوجهين: فالوجه الأول ذكره عبد ~~الحكيم. وهو أن الفتح نظرا إلى أن الحدث الذي يدل عليه الفعل يتعلق بها كما ~~في الكافية: المتعدي ما يتوقف فهمه على متعلق، ولذلك قال العصام: "إنه اسم ~~مفعول على ما في الرضى" - والوجه الثاني أن الفتح جائز كالكسر؛ لأن كلا من ~~الفعل والمفعول متعلق بالآخر وهذا الوجه ذكره الدسوقي.. هذا ويقول عبد ~~القاهر: "وأما تعلق الاسم بالفعل فبأن يكون فاعلا له أو مفعولا مطلقا أو ~~مفعولا به أو ظرفا أو مفعولا معه أو له أو بأن يكون منزلا من الفعل منزلة ~~المفعول وذلك في خبر كان وأخواتها والحال والتمييز ومثله الاسم المنتصب على ~~الاستثناء"، وهذا يرجح كسر اللام. ويقول السكاكي: اعلم أن للفعل وما يتعلق ~~به اعتبارات وهو أيضا يرجح الكسر. ### | 4- # ذكر المطول أن قول الخطيب "الفعل مع المفعول إلخ" تمهيد للكلام على أحوال ~~متعلقات الفعل ولكن الدسوقي يرى أن المصنف قد ذكر مقدمة للمطلب الأول "الذي ~~هو نكات حذف المفعول به" بقوله: "الفعل مع المفعول إلى قوله ms144 ثم الحذف إما ~~للبيان إلخ"، فقوله: ثم الحذف إلخ هو أول المقصود بالترجمة، إلا أن الدسوقي ~~عاد فذكر -في تعليقه على قول السعد: "ومهد لذلك مقدمة"- أن قوله: "الفعل مع ~~المفعول" إلى قوله: "لا إفادة وقوعه مطلقا" توطئة لبحث حذف المفعول به. # PageV02P177 ### | البلاغة والتجديد ### | مدخل # ... # البلاغة والتجديد: ### | 1- # البلاغة العربية مدينة في نشأتها الأولى لجهود علماء اللغة والأدب ~~ولمثابرة الرواة والنقاد والباحثين في أصول البيان العربي، مع الأثر الفذ ~~الذي أحدثه الكتاب والشعراء والأدباء في القرن الثاني والثالث الهجري.. ~~ولقد تلاحقت الثقافات، واتصلت المعارف، وتبودلت الأفكار، في عواصم العلم ~~والثقافة في العالم الإسلامي القديم، على أيدي العرب الذين نبغوا في اللغات ~~الأجنبية، والموالي الذين حذقوا اللغة العربية وأجادوها، والمترجمين الذين ~~كانوا همزة الوصل بين الثقافات القديمة والثقافة العربية الإسلامية ~~الأصيلة. كان خلف لا يشق له غبار في صناعة النقد "لنفاذه فيها وحذقه بها ~~وإجادته لها"1. وكان أبو عبيدة يعجب من فطنة بشار وجودة قريحته وصحة نقده ~~للشعر2، وكان خلف يعجب من نقده للشعر ومذاهبه3. وكان الجاحظ4 يرى أن بشارا ~~زعيم المولدين. ثم جاء ابن سلام والجاحظ وابن قتيبة والمبرد وابن المدبر ~~وابن المعتز، فكان لجهودهم أثر كبير في نشأة البلاغة ونمو البحث في أصول ~~البيان. # ولا ننسى جهود طائفة أخرى من العلماء في إثارة البحوث البلاغية والتعليق ~~عليها، وتلك الطائفة هي جماعة العلماء الذين شغلوا بالبحث في إعجاز القرآن ~~الكريم وتفهم أسرار هذا الإعجاز والتأليف فيه، فكشفوا الكثير من غوامض ~~البلاغة وأصولها، ومن هؤلاء أبو عبيدة والجاحظ وسواهما من أئمة المعتزلة ~~وفحولهم. وعلى أيدي قدامة وأبي هلال والآمدي والقاضي الجرجاني وغيرهم من ~~أفذاذ النقاد في القرن الرابع الهجري، نرى البحث البلاغي ينمو ويقوى ~~ويزدهر. ثم تلاهم الباقلاني وابن سنان وابن رشيق من علماء النقد والبيان. ~~PageV02P178 # ولقد لمعت عبقرية عبد القاهر الجرجاني -المتوفى عام 471ه- في هذا العهد، ~~وكان مظهر هذه العبقرية اللماحة كتابان جليلان ألفهما قبل وفاته بقليل هما ~~"دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" اللذان يعدان حتى اليوم أصلا ضخما من ~~أصول البيان وبحوث ms145 البلاغة والنقد والموازنة. وبعد عبد القاهر انطفأ ~~السراج، وذبل العود، وأصيبت الأذواق بالعي والعجز كما أصيبت البلاغة ~~بالتأخر والاضمحلال.. وبعد نحو قرن ونصف قرن ظهر فجأة السكاكي بعقليته ~~المنطقية وذوقه الأعجمي، فأحال البلاغة إلى جدل عقيم في الألفاظ والأساليب، ~~وإلى قواعد جافة لا صلة لها بالذوق ولا بالحياة، وكثر تلاميذ السكاكي. ~~وانتشر مذهبه في البلاغة الذي يمثله القسم الثالث من كتابه "المفتاح"، ~~والذي عني فيه بالقشور لا باللباب وبالتوافق لا بالحقائق، ولا تزال دراستنا ~~للبلاغة حتى اليوم قائمة على أصول مذهب السكاكي وتلاميذه وحده دون سواه. ### | 2- # ولقد نهض جماعة من أدبائنا يدعون إلى التجديد في البلاغة، فمن قائل: إن ~~الكتب القديمة يجب أن تحل محلها كتب أخرى مؤلفة على النهج الحديث، ومن دعاة ~~إلى تلقيح البلاغة العربية بأصول الدراسات البلاغية في شتى اللغات الحديثة ~~الأوربية، ومن ناهجين مناهج الغرب في بحث أسرار البلاغة وأصولها، ومن ~~منادين إلى مذاهب البلاغيين القدماء من أمثال عبد القاهر وقدامة وأبي هلال. ~~وهكذا تعددت الآراء، وتخاصمت الأفكار، في التجديد في البلاغة، وبيان كيف ~~يكون هذا التجديد، على أن أذواق علمائنا المعاصرين وأدبائنا المشهورين لا ~~تكاد تساعد على الوصول إلى هدف أو غاية ينشدها المشفقون على البلاغة ~~العربية اليوم. والذين يحاولون التجديد فيها يكتفون بنقل أفكار الغربيين ~~دون فهم أو يقظة فكرية أو إلمام ما بتراثنا القديم الخالد في البلاغة ~~والبيان والنقد. # ومن صور البحث البلاغي والنقد البياني ما قرأناه في مجلة # PageV02P179 # الأزهر -عدد ربيع الأول 1372ه- بعنوان "علوم البلاغة في الميزان" للأستاذ ~~المرحوم محمد عرفة، وقد اتجه الكاتب إلى إثارة الملكات، وتنشيط الأفكار، ~~وتحريض الأذهان على النظر والبحث والنقد والاستنتاج والكشف، وحفز الهمم ~~للبحث والابتكار. وهي محاولة مجدية قوية في سبيل التجديد البلاغي المنشود. ~~وأول فكرة في هذا البحث هذه الأسرار البلاغية الدقيقة للحذف ومحاولة الكشف ~~عنها، فلقد عرض عبد القاهر الجرجاني للحذف ومكانه من البلاغة دون أن يبين ~~سبب هذا الحسن والإحسان وسر هذا الجمال البياني الأخاذ. وجاء السكاكي ~~والخطيب وتلاميذهم فجعلوا الحذف في موضعه ms146 كالذكر في موضعه، لكل مكانه من ~~البلاغة، ومنزلته من سحر البيان، وأبوا أن يكون للحذف مزية على الذكر بل ~~هما يحصلان البلاغة ويوجدانها، ثم عللوا الحذف بعلل متكلفة لا صلة بينها ~~وبين أحكام الذوق الأدبي السليم. ويحاول الباحث أن يعلل سر جمال الحذف ~~وبلاغته بأسباب نفسية وأمور بيانية، منها الهجوم بالسامع على المطلوب دفعة، ~~والجدة التي نراها في أسلوب الحذف، ومنها أن المحذوف تدل عليه القرائن فإذا ~~ذكر كان ثقيلا في موضعه؛ لأنه تعريف لما عرف وبيان لما بين، فيربط بذلك بين ~~البلاغة وأحكام الذوق وأسرار البيان وملكات النفس الإنسانية. # ومن البحوث التي أثارها الأستاذ: أسلوب التجريد وتحليل ألوان جماله وسر ~~هذا الجمال، بعيدا عن تكلف القدماء البغيض وتأويلهم المصنوع. وكذلك عرض ~~لأسلوب. رأيت اليوم حاتما، ولقيت مادرا، وسمعت سحبان وما أشبه ذلك مما أوله ~~البلاغيون فجعلوا حاتما هنا كأنه موضع للجواد، فانتزعوه من معناه وهو ~~العلمية على الرجل المعروف من طيء، وبهذا التأويل يكون حاتم متناولا للفرد ~~المتعارف المعهود والفرد غير المتعارف وهو من يتصف بالجود، فيصير استعماله ~~في غير المتعارف استعمالا في غير ما وضع له فيكون عندهم استعارة. وهو يبحث ~~ذلك كله ويناقشه وينقده ويحاول الوصول إلى الصواب. # PageV02P180 # في أمره، حيث يرى أن المراد هنا تشبيه هذا الكريم بحاتم في جوده، فحاتم ~~باق على معناه دون تغيير أو تبديل. # إن القديم ليس كله صوابا، وليس كله خطأ، بل فيه الصواب، وفيه الخطأ، وفيه ~~سوى ذلك ألوان من القصور العلمي الذي يجب ملاقاته، فما أجدرنا في الأزهر ~~بتجديد البحث والدراسة في أصول بلاغتنا، وفي مذاهب للبيان وأسراره. # PageV02P181 ### | المبرد وأثره في البيان العربي ### | 1- # المبرد عالم جليل من أعلام اللغة العربية عاش في القرن الثالث "210-285ه" ~~يخدم اللغة والثقافة، ويدرس مذهبه في النحو وآراءه فيه لتلاميذه، ويبحث ~~ويكتب ويؤلف ويعمل، حتى أصبح بحق شيخ العلماء والنحاة وإمام العربية ~~وقطبها.. وأهم مؤلفات المبرد هو كتابه الكامل، الذي يعد من أهم مصادر الأدب ~~العربي وضمنه آراءه في الأدب والنقد والبيان، وأشار فيه ms147 إلى بعض آرائه في ~~النحو العربي ودراسته. وكتاب الكامل مجموعة كبيرة من الأدب العربي، شعره ~~ونثره، في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي وصدر عصر المحدثين، ساقها ~~المبرد على غير نظام ولا ترتيب، وأضاف إليها شروحا وتعليقات وتفسيرات ~~وتوجيهات قيمة في دراسة الأدب العربي ونحن لا يعنينا هنا إلا أن ندرس كل ما ~~يتصل بالبلاغة والبيان في كتاب "الكامل للمبرد" لنتبين أثره في هذا ~~الميدان. ### | 2- # والبيان العربي أو قل البلاغة العربية دراسة لأصول التعبير والأداء ~~والذوق الأدبي في اللغة العربية. # وقد ساعد على إنضاج هذه الدراسات مجهود العلماء المتواصل إلى آخر القرن ~~الثالث الهجري، في كشف أسرار البلاغة العربية، ودراسة أصولها وعناصرها ~~وألوانها، ولكن مجهود هؤلاء كان مفرقا موزعا على المناسبات، يأتي عرضا حين ~~تحليل بيت أو ذكر قصيدة، وأهم العلماء الذين كان لهم أثرهم في بدء نواة هذه ~~البحوث البيانية هو الجاحظ صاحب البيان والتبيين. ثم جاء المبرد، وألف ~~كتابه "الكامل"، فجاء فيه عرض لكثير من الآراء في البيان والبلاغة، بعضها ~~استنبطه وابتكره، وبعضها الآخر تابع فيه الباحثين قبله كالجاحظ وابن قتيبة ~~وسواهما. هذا فضلا عن أنه ألف كتاب "قواعد الشعر". # PageV02P182 # وكتاب "البلاغة1" مما لا شك في تعلقه واتصاله بالبيان ودراسات البلاغة في ~~مرحلة نشأتها الأولى. ### | 3- # ونحن نشير هنا إلى أهم هذه الآراء التي وردت في "الكامل": # أ- أشار المبرد إلى أسلوب القلب2 في كامله، وذهب إلى جوازه في الكلام ~~للاختصار إذا لم يدخله لبس2، وعلى نهج المبرد في ذلك سار ابن فارس في ~~الصاحبي3، ويسمى قدامة هذا الأسلوب "المقلوب" ويجعله من عيوب ائتلاف المعنى ~~والوزن معا4. وأشار المبرد في "الكامل" إلى أسلوب "الالتفات5". قال: ~~"والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة ~~الغائب6. وقد سبق أبو زيد في "جمهرة أشعار العرب" المبرد إلى ذكر هذا ~~الأسلوب7 وسار على نهجه ابن فارس8. # وعرف المبرد السجع بأنه ائتلاف أواخر الكلام على نسق، كما تأتلف ~~القوافي9. وهو روح كلام الجاحظ الذي عرف السجع بأنه الكلام المزدوج على غير ~~وزن10. والسجع يذكره ms148 أرسطو في خطابته ويوجب أن "يكون كل واحد من المصاريع ~~مسوقا إلى المصراع الذي PageV02P183 # يليه والذي إنما يتم به المعنى"1 ويذكر الجاحظ آراء رجال البيان في السجع ~~وآثر المطبوع منه2، كما أشار الجاحظ إلى الازدواج3. ويذكر مؤلف نقد النثر ~~أن "من أوصاف البلاغة السجع في موضعه وعند سماع القريحة به وأن يكون في بعض ~~الكلام لا في جميعه"4. # ب- وقسم المبرد في "كامله" الكلام إلى الاختصار المفهم والإطناب المفخم، ~~وقال: "وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب وإن قيل بل الكلام ~~القبيح في الحسن أظهر كان ذلك، ولكن يغتفر السيء للحسن والبعيد للقريب5. # ج- ويشير المبرد إلى التعقيد اللفظي في بيت الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # ويشرح البيت وينقده6. # و ويشير إلى أسلوب الاستعارة التمثيلية في قولك: "فلان عليه دين أو ركبه ~~دين" تريد أن الدين علاه وقهره7، ويذكر مثلا للتمثيل كقوله تعالى: ~~{والسماوات مطويات بيمينه} وسواه 8. ويشير إلى مثل للاستعارة ويحللها9، ~~ويشير أيضا إلى الاستعارة10 ويقول: "والعرب تستعير من بعض لبعض"11. وقد ~~سبقه PageV02P184 # الجاحظ بتعريف الاستعارة1 الذي هو روح تعريف المبرد.. ويحال المبرد في ~~الكامل مثلا من أمثلة التجريد2. ويشير إلى أسلوب اللف والنشر، فيقول: ~~"والعرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يرد ~~إلى خبره إلخ"3، وسار على نهجه الصاحبي4. وقدامة يسمي ذلك صحة التفسير5. ~~ويشير المبرد إلى مثل للكناية الاصطلاحية6، ويسميها ابن فارس في الصاحبي ~~الإيماء7. ويقسم الكلام إلى مصرع وما يكنى عنه بغيره وما يقع مثلا فيكون ~~أبلغ في الوصف، ويذكر أقسام الكناية8، وإن كل المبرد يقصد الكناية اللغوية ~~لا الاصطلاحية وكذلك فعل ابن فارس في الصاحبي9. ويشير المبرد إلى أسلوب ~~التغليب: كالقمرين للشمس والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر10. # ه- ويذكر أيضا بيتين للقتال الكلابي ويقول: البيت الثاني توكيد للأول11. ~~وهذا أحد أسباب الفصل عند البلاغيين، ولا نجد أحدا أشار إلى سبب من أسبابه ~~قبل المبرد، وإن كان الجاحظ قد أشار إلى الفصل والوصل ومكانتهما في ~~البلاغة12.. ms149 ويشير المبرد إلى ورود همزة الاستفهام13 للتقرير ويذكر إفراط ~~الشعراء في مثل من الشعر14. وقد سبقه ابن قتيبة م 276ه إلي الإشارة إلى مثل ~~للإفراط من شعر الشعراء وذلك في كتابه "الشعر والشعراء". PageV02P185 # "و" ويشير المبرد إلى مثل للمجاز المرسل1. وفي أدب الكاتب لابن قتيبة باب ~~سماه "باب تأويل كلام من كلام الناس مستعمل"2 ذكر فيه مثلا كثيرة للمجاز ~~المرسل. ويشير المبرد إلى مثل من أمثلة المجاز العقلي3. ويحلل قول الشاعر: # "متقلدا سيفا ورمحا" # ومثلا أخرى تشبهه4. وهذه المثل يجوز أن تكون من أسلوب المشاكلة الذي سبق ~~المبرد إلى تقريره. ويشير إلى التشبيه5، ويعقد له بابا يذكر فيه "ما للعرب ~~من التشبيه المصيب والمحدثين بعدهم"6. # وقد أفاض المبرد في استطراد في ذكر ما يستجاد من التشبيه في شعر القدامى ~~والمحدثين وحلل ما أتي به ذاكرا كثيرا من أصول التشبيه، فتكلم على جهة ~~الشبه وأنه إنما ينظر إلى التشبيه من حيث وقع7 ويذكر كثرة التشبيه في ~~الكلام8، ويشرح التشبيه في الآية الكريمة: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} شرحا ~~وافيا9. ويذكر أقسام التشبيه: المفرط والمصيب والمقارب والبعيد10، وأن منه ~~تشبيه شيء في حالتين بشيئين مختلفين 11 كقول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # إلى ما سوى ذلك من بحوثه في باب التشبيه الذي شرح فيه أسراره وبين ألوانه ~~وفصل القول في كثير من مناحيه، والباب حافل بكثير من ألوان النقد الأدبي ~~وهو أصل عظيم لدراسة التشبيه عند البيانيين -ويذكر المطابقة12. وبعض عيوب ~~البيان كاللحن وفساد PageV02P186 # الملكات1 واللكنة2 وكالاستعانة ويعرفها بأنها أن يدخل في الكلام ما لا ~~حاجة بالمستمع إليه ليصحح وزنا إن كان في شعر وليتذكر ما بعده إن كان في ~~نثر3. وفي خطابة أرسطو "ومن الأشياء المفسدة لرونق النظم إدخال كلام في ~~كلام وهو الاعتراض الطويل بين الكلام المتصل بعضه ببعض4، ويشير العتابي ~~الشاعر إلى الاستعانة ويشرحها5 بما لا يخرج عن كلام المبرد، ويذكر قدامة أن ~~من نعوت الكلام ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال ms150 معنى ليس الغرض في الشعر ~~محتاجا إليه حتى إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه6 ويذكر المعاظلة وأن ثعلبا ~~عرفها بأنها مداخلة الشيء في الشيء7، ويذكر الحشو ويجعله من عيوب الكلام ~~ويعرفه بأنه أن يجيء البيت بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة الوزن8. إلى غير ذلك ~~مما ذكره المبرد وما عرض له من آراء في البيان. # وبعد فلا شك أن هذه الآراء كلها وردت مبثوثة مفرقة في الكامل وخالية من ~~الاصطلاحات العلمية وحينما يقف عند أسلوب من أساليب البيان ويحلله ويعجب به ~~ولا يسميه؛ لأن علماء البيان والأدب لم يكونوا قد وضعوا له اسما وإنما ~~بلاغته وسحره لا يخفيان على متذوق.. وبحسبي هذا اليوم ففيه كفاية، وهو يرشد ~~إلى أثر الكامل في هذه الدراسات، وإن كان أثرا محدودا، شأنه في ذلك شأن من ~~سبقه من العلماء الذين كانوا لا يزالون يكشفون أسرار البيان العربي. ~~PageV02P187 ### | ثعلب وأثره في البيان # ثعلب هو إمام الكوفيين في النحو واللغة وعلوم العربية، عاش في الفترة ~~التي بين عامي 200 و291، وهي عام مولده وعام وفاته.. وله كثير من المؤلفات، ~~منها كتاب "الفصيح". # ولثعلب كتاب "قواعد الشعر"، وقد قمت بنشره عام 1948، وكتبت شروحا ~~وتعليقات عليه ومقدمة له.. وهو أهم كتاب يظهر فيه آراء ثعلب البيانية، حيث ~~عرض فيه بعض ألوان البيان والبديع وشواهدها، ومنها: التشبيه والمبالغة ~~-والإفراط في المعنى- ولطافة المعنى -والتعريض والكناية- والاستعارة وحسن ~~الخروج أو التخلص -ومجاورة الأضداد أو الطباق كما يسميه البلاغيون والمطابق ~~وهو نوع من الجناس. ولا شك أن ثعلبا قد كتب كتابه قبل أن يؤلف ابن المعتز ~~كتابه البديع، وبذلك يكون ممهدا لجهود ابن المعتز الذي خصص ألوان البيان ~~بالتأليف والدراسة في كتابه البديع.. ولي بحث ضاف عن كتاب "قواعد الشعر" ~~وأثر ثعلب في دراسات البيان، وهو منشور مقدمة لكتاب قواعد الشعر، فليرجع ~~إليه من يشاء1. PageV02P188 ### | ابن المعتز وأثره في البيان # ولابن المعتز منزلة كبيرة في البيان العربي، بكتابه القيم "البديع"، الذي ~~توليت شرحه ونشره عام 1945 وطبعته مطبعة مصطفى الحلبي-.. والكتاب أول مؤلف ~~في ms151 علم البديع وصنعة الشعر وألوان البيان، وقد عرض ابن المعتز فيه ~~للاستعارة والتجنيس والمطابقة ورد العجز على الصدر والمذهب الكلامي ~~والالتفات والاعتراض والرجوع وحسن الخروج وتأكيد المدح بما يشبه الذم ~~وتجاهل العارف والهزل الذي يراد به الجد وحسن التضمين والتعريض والكناية ~~والإفراط في الصفة وحسن التشبيه ولزوم ما لا يلزم وحسن الابتداء. # ولي بحث طويل عن الكتاب وأثره وأثر مؤلفه في البيان والبديع، وهو منشور ~~في كتابي "ابن المعتز وأثره في الأدب والنقد والبيان" فليرجع إليه من ~~أراد1.. وكتاب "ثعلب" يختلط فيه النقد بالبيان وببحوث الشعر، من حيث كان ~~كتاب ابن المعتز وقفا على دراسات البيان والبديع. PageV02P189 ### | تطبيقات بلاغية # -1- # ما سر التعبير باسم الموصول في الأمثلة الآتية؟. ### | 1- # {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن ~~كنتم صادقين} . ### | 2- # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها. ### | 3- # إن الألى حانت بفلج دماؤهم ... هم لقوم كل القوم يا أم خالد. # -2- # ما سر التعبير باسم الإشارة في الأمثلة الآتية؟. ### | 1- # هذا هو الرجل. ### | 2- # على ذلكم هو القائد. ### | 3- # ما أتفه ذلك الإنسان. ### | 4- # أهذا الذي يذكر آلهتكم. ### | 5- # ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم. ### | 6- # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} . # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # PageV02P190 # -3- # بين سر التعريف بالموصولية واسم الإشارة في الأمثلة الآتية: ### | 1- # أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر ### | 2- # إن الذين نعبت لي بفراقهم ... قد أسهدوا ليلي التمام فأوجعوا ### | 3- # {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} . ### | 4- # الذي نال الجائزة شاعر مطبوع. ### | 5- # {أهذا الذي يذكر آلهتكم} . ### | 6- # {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون} . ### | 7- # {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} . ### | 8- # {أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده} . # -4- # بين دواعي تنكير المسند إليه في الأمثلة الآتية: ### | 1- # {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} . ### | 2- # {فإن لم تفعلوا ms152 فأذنوا بحرب من الله ورسوله} . ### | 3- # وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد ### | 4- # لأمر أعدته الخلافة للعدا ... وسمته دون العالم الصارم العضبا ### | 5- # {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} . # PageV02P191 # -5- # بين دواعي التقديم في الأمثلة الآتية: ### | 1- # {أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} . ### | 2- # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما ### | 3- # ومن عجب الأيام بغي معاشر ... غضاب على سبقي إذا أنا جاريت ### | 4- # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجني اشتارته أيد عواسل ### | 5- # سواي بتحنان الأغاريد يطرب ... وغيري باللذات يلهو ويلعب ### | 6- # ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال والشباب ### | 7- # بكف أبي العباس يستنزل الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل # ويستعطف الأمر الأبي بحزمة ... إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل ### | 8- # وقال بعض الشعراء مادحا: # له همم لا منتهى لكباره ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر ### | 9- # {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم} . ### | 10- # "شر الناس من اتقاه الناس لشره". ### | 11- # "المرء كثير بإخوانه"، "اليد العليا خير من اليد السفلى" - "إن الدنيا ~~حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون". ### | 12- # "القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر من السماء". # PageV02P192 # -6- ### | 1- # "قد ينزل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب ~~علمه"- اشرح ذلك، وبين هل منه قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] ، ~~وقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت} - وجه ما تقول، وبين لم كان قول بشار: "إن ~~ذاك النجاح في التبكير" أدخل في الفصاحة من قوله: "بكرا فالنجاح في ~~التبكير". ### | 2- # لم سمي المجاز في الإسناد مجازا عقليا؟ وهل يجب أن يكون لكل إسناد مجازي ~~فاعل إذا أسند إليه كان الإسناد حقيقة؟ وهل من السهل إدراك هذا الفاعل ~~الحقيقي في كل مجاز عقلي؟ وضح ما تقول بالتمثيل. ### | 3- # متى يؤكد الحصر المستفاد من تقديم المسند إليه بكلمة "وحدي"، ومتى يؤكد ~~بكلمة "لا غيري" ms153 وإذا كان معنى "وحدي" في قوة معنى "لا غيري" فلم اختصت كل ~~منهما بوجه من التأكيد؟ وما الذي يدل عليه تقديم المسند إليه عند عبد ~~القاهر إذا بني الفعل على منكر، وما فائدة التقديم في قوله تعالى: {وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61] . ### | 4- # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} - {يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} - {يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد ~~جاء أمر ربك} - {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} - {لا يستوى أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة} ، بين في هذه الآيات حال المخاطب، ونوع الخبر، وما جرى ~~منه على مقتضى ظاهر الحال وما جاء على خلافه. # PageV02P193 ### | 5- # له شافع في القلب من كل زلة ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذر # إن الذي قسم البلاد حباكم ... بلدا كأوطان النجوم مجيدا # العلم يجمع في جنس وفي وطن ... شتى القبائل أجناسا وأوطانا # بني عمنا عودوا نعد لمودة ... فإنا إلى الحسنى سراع التلطف # بين سر تقديم المسند وتنكير المسند إليه في البيت الأول، وتعريف المسند ~~إليه بالموصولية في الثاني، ومجيء المسند جملة في الثالث، وتأكيد الإسناد ~~في الأخير. # -7- ### | 1- # يتنوع الخبر باعتبار حال المخاطب فما هذه الأنواع. # متى يكون الكلام مخرجا على خلاف مقتضى ظاهر الحال -اشرح ذلك مع التمثيل ~~من فصيح الكلام وبيان الحال والمقتضى؟ ### | 2- # يعرف المسند إليه بالموصولية لدواع: اذكر خمسة منها مع التمثيل؟ # بين رأي السكاكي فيما اقتضى إيراد المسند إليه موصولا في قول الشاعر: # إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول # ورد الخطيب عليه. ### | 3- # اذكر باختصار مذهب الشيخ عبد القاهر في تقديم المسند إليه وثلاثة دواع ~~لتقديم المسند مع التمثيل؟ ### | 4- # "أ" قال الله تعالى: {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} . # PageV02P194 # وقال الشاعر: # إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر # وقال الشاعر: # أعمير إن أباك غير رأسه ... مر الليالي واختلاف الأعصر # في الآية والأبيات المتقدمة مجاز عقلي: بين موضعه وعلاقته وقرينته. # ب- قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون، ms154 الذين هم في صلاتهم خاشعون} . # قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك} . # قال الله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} . # قال الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} . # قال الله تعالى: {وأنه هو أغنى وأقنى} . # قال الله تعالى: {فأزلهما الشيطان عنها} . # بين سر الإتيان بالمسند فعلا واسما، وتقديم المعمول في الآية الأولى. ~~والاتيان بالمسند جملة في الثانية، وبادا في الثالثة، وبان في الرابعة. ~~وحذف المفعول في الخامسة. وتقديم المفعول على الفاعل في السادسة. # حل هذا التطبيق بإيجاز شديد. # ج1- أنواع الخبر باعتبار حال المخاطب ثلاثة: ابتدائي، طلبي، إنكاري ... ~~إلخ. # PageV02P195 # ويكون الكلام مخرجا على خلاف مقتضى الظاهر. في هذه الصور الثلاث: ### | 1- # تنزيل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر إلخ. ### | 2- # تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إلخ. ### | 3- # تنزيل المنكر منزلة غير المنكر إلخ. # ج2- من الدواعي لتعريف المسند إليه بالموصولية ما يلي: ### | 1- # عدم المخاطب بالأحوال المختصة بالمسند إليه سوى الصلة ... إلخ. ### | 2- # استهجان التصريح بالاسم. مثل: الذي يتصل بالأعداء خائن لوطنه، الذي يخرج ~~من الإنسان ناقض للوضوء. ### | 3- # زيادة التقرير، مثل وراودته التي هو في بيتها عن نفسه. ### | 4- # التفخيم مثل فغشاها ما غشى. ### | 5- # تنبيه المخاطب على خطأ مثل: # إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا # ورأى السكاكي في البيت "إن التي ضربت إلخ" هو أن ذكر الموصول هنا يفيد ~~الإيماء إلى وجه بناء الخبر، وهذا الإيماء ليس بمقصود لذاته بل جعل ذريعة ~~إلى تحقيق الخبر. ورد الخطيب عليه بأنه لا يظهر فرق بين الإيماء إلى وجه ~~بناء الخبر وتحقيق الخبر، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟. # PageV02P196 # ج3- مذهب عبد القاهر في تقديم المسند إليه، يفيد تقديم المسند إليه ~~التخصيص بشروط هي: ### | 1- # أن يكون المسند خبرا فعليا. ### | 2- # أن يتقدم على المسند إليه حرف النفي. ### | 3- # ألا يفصل بين المسند إليه وحرف النفي بفاصل سواء في ذلك ما إذا كان ~~المسند إليه نكرة أو معرفة ظاهرة أو ضميرا، مثل: ما محمد قام، ما رجل حضر، ~~ما أنا ms155 فعلت هذا. # فإن لم يل المسند إليه حرف النفي فإن كان معرفة مثل أنا فعلت كان القصد ~~إلى الفاعل وينقسم إلى قسمين: ### | 1- # ما يفيد تخصيصه بالمسند للرد على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته فيه ~~مثل أنا كتبت في حاجتك، فإذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول أنا ~~كتبت في حاجتك لا غيري ونحوه، وفي الوجه الثاني أنا كتبت في حاجتك وحدي. ### | 2- # ما لا يفيد إلا تقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع وتمكنه مثل هو يعطي ~~الجزيل. وكذلك إذا كان الفعل منفيا مثل أنت لا تكذب فإنه أشد لنفي الكذب من ~~قولك لا تكذب أو لا تكذب أنت. # هذا كله إذا بني الفعل على معرف، فإن بني على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس ~~أو الواحد بالفعل مثل رجل جاءني أي لا رجلان أو لا امرأة. # أما تقديم المسند فيكون لدواع منها: ### | 1- # التشويق إلى ذكر المسند إليه مثل: # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر. # PageV02P197 ### | 2- # التنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت مثل: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر ### | 3- # التفاؤل مثل: سعدت بغرة وجهك الأيام. ### | 4- # "أ" تجري من تحتهم: في إسناد تجري إلى ضمير الأنهار مجاز عقلي والأصل ~~يجري الماء في النهر -وعلاقاته المكانية وقرينته معنوية. # جد جده: في الإسناد مجاز عقلي علاقته المصدرية والقرينة معنوية. # غير رأسه مر الليالي واختلاف الأعصر: في الإسناد مجاز عقلي علاقته ~~الزمانية والقرينة معنوية. # ب- الإتيان بالمسند فعلا في "أفلح" للتقييد بالزمن الماضي على أخصر ما ~~يمكن مع إفادة التجدد. # والاتيان بالمسند اسما في "خاشعون" لإفادة عدم التقييد والتجدد. # وتقديم المعمول "في صلاتهم" لإفادة التخصيص أو للاهتمام لكون ذلك مساق ~~الكلام. # الاتيان بالمسند جملة في "إن الله لا يغفر إلخ" لإرادة تقوي الحكم بنفس ~~التركيب. # الاتيان بإذا في الآية لإفادة الشرط في الاستقبال مع إفادة أن الشرط ~~مقطوع بوقوعه -والاتيان بإن في الآية لإفادة الشرط في الاستقبال أيضا مع ~~إفادة أن الشرط غير مقطوع بوقوعه. # حذف ms156 المفعول في الآية لتنزيل الفعل منزلة اللازم بذكر الفعل. # PageV02P198 # ولا ينوي له في نفس مفعول أصلا؛ لأن الغرض إثبات الفعل في نفسه. # تقديم المفعول على الفاعل في الآية الأخيرة؛ لأن الكلام مسوق للحديث ~~عنهما "آدم وحواء" أولا فقدم ذكرهما على ذكر الفاعل. # انتهى الجزء الثاني من شرح الإيضاح. # ويليه إن شاء الله الجزء الثالث. # PageV02P199 ### | فهرست الجزء الثاني # من كتاب الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني. # الموضوع الصفحة # المقدمة 3 # القول في أحوال المسند إليه 4 # حذف المسند إليه 4 # ذكر المسند إليه 7 # تعريف المسند إليه 9 # تعريفه بالإضماء 10 # تعريفه بالعلمية 12 # تعريفه بالموصولية 14 # تعريفه بالإشارة 18 # تعريفه بالام 21 # تعريفه بالإضافة 33 # تنكير المسند إليه 35 # وصف المسند إليه 39 # توكيد المسند إليه 43 # بيان المسند إليه 45 # الإبدال من المسند إليه 46 # العطف على المسند إليه 46 # تعقيب المسند إليه بضمير الفصل 49 # تقديم المسند إليه 50 # مذهب عبد القاهر في إفادة التقديم للتخصيص 53 # مذهب السكاكي في إفادة التقديم للتخصيص 64 # موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه 73 # تأخير المسند إليه 80 # خروج المسند إليه على خلاف الظاهر 80 # وضع المضمر موضع المظهر 81 # وضع المظهر موضع المضمر 82 # PageV02P200 # الموضوع الصفحة # الالتفات 85 # الأسلوب الحكيم 94 # التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي 96 # القلب 97 # القول في أحوال المسند 103 # حذف المسند 103 # ذكر المسند 110 # إفراد المسند 111 # فعليه المسند واسميته 113 # تقييد الفعل وعدمه 114 # تقييد الفعل بالشرط 116 # أن وإذا الشرطيتان 116 # "لو" الشرطية 125 # تنكير المسند 127 # تخصيص المسند وعدمه 127 # تعريف المسند 129 # جملية المسند 133 # تأخير المسند 135 # تقديم المسند 135 # القول في متعلقات أحوال الفعل 138 # حذف المفعول 154 # تقديم المفعول على الفعل 162 # تقديم بعض معمولات الفعل على بعض 166 # بحوث حول متعلقات الفعل 173 # البلاغة والتجديد 178 # المبرد وأثره في البيان العربي 182 # ثعلب وأثره في البيان العربي 188 # ابن المعتز وأثره في البيان 189 # تطبيقات ms157 بلاغية 190 # PageV02P201 ### | المجلد الثالث ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الكلمة الأولى: # ظهر الجزء الأول والثاني من شرحي على الإيضاح في علوم البلاغة للخطب ~~القزويني "666-739ه". # فلقيا من عناية العلماء والباحثين والدارسين والمعلمين مالم أكن أحسبه أو ~~أخاله. # وهذا هو الجزء الثالث من هذا الشرح وأوله باب القصر وآخره باب الإيجاز ~~والإطناب والمساواة. # وإني لأحمد الله على توفيقه، وأسأله أن يسدد خطانا، ويلهمنا الرشد ~~والصواب. # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # محمد عبد المنعم خفاجي. # PageV03P003 ### | القول في القصر ### | أسلوب القصر # ... # القول في القصر: PageV03P004 ### | ...................................................................... # PageV03P005 ### | ........................................................................ # PageV03P006 ### | أقسام القصر # القصر حقيقي وغير حقيقي1. # وكل واحد منهما2 ضربان: # قصر الموصوف على الصفة3، وقصر الصفة على الموصوف4 PageV03P007 # والمراد الصفة المعنوية لا النعت1: PageV03P008 # القصر الحقيقي: # والأول1 من الحقيقي كقولك: "ما زيد إلا كاتب" إذا أردت أنه لا يتصف بصفة ~~غير الكتابة. وهذا لا يكاد يوجد في الكلام2؛ لأنه ما من متصور إلا وتكون له ~~صفات تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر. # والثاني منه3 كثير، كقولنا: "ما في الدار إلا زيد"4. # والفرق بينهما5 ظاهر، فإن الموصوف في الأول6 لا يمتنع PageV03P009 # أن يشاركه غيره1 في الصفة المذكورة2، وفي الثاني3 يمتنع4. وقد يقصر به5 ~~المبالغة6 لعدم الاعتداد بغير المذكور فينزل منزلة المعدوم7. PageV03P010 ### | ....................................................................... # PageV03P011 # القصر الإضافي: # والأول1 من غير الحقيقي تخصيص أمر بصفة دون أخرى2 أو مكان أخرى. # والثاني3 منه4 تخصيص صفة بأمر دون آخر أو مكان PageV03P012 # آخر فكل واحد منهما1 ضربان2. # قصر الأفراد: # والمخاطب بالأول3 من ضربي كل4- أعني تخصيص أمر بصفة دون أخرى، وتخصيص صفة ~~بأمر دون آخر- من يعتقد الشركة5، أي اتصاف ذلك الأمر6 بتلك الصفة وغيرها ~~جميعا في PageV03P013 # الأول1، واتصاف ذلك الأمر2 وغيره جميعا بتلك الصفة3 في الثاني4. # فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد أن زيدا كاتب وشاعر، وبقولنا ~~"ما شاعر إلا زيد" من يعتقد أن زيدا شاعر لكن يدعي أن عمرا أيضا شاعر. وهذا ~~يسمى قصر أفراد، لقطعة الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف5 أو بين ~~الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة6. PageV03P014 # قصر القلب 1 والتعيين: # والمخاطب بالثاني2 ms158 من ضربي كل3 أعني تخصيص أمر بصفة مكان أخرى وتخصيص صفة ~~بأمر مكان آخر. # أما من يعتقد العكس4، أي اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضا عنها في ~~الأول5، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضا عنه في الثاني6 وهذا يسمى ~~قصر قلب لقلبه حكم السامع7. PageV03P015 # وأما من تساوى الأمران عنده، أي اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه ~~بغيرها في الأول1 واتصافه بها واتصاف غيره بها في الثاني2، وهذا يسمى قصر ~~تعيين. # فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا قائم" من يعتقد أن زيد قاعد لا قائم3 أو ~~يعلم أنه إما قاعد أو قائم ويعلم ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعنيه4. # وبقولنا "ما قائم إلا زيد" من يعتقد أن عمرا قائم لا زيد5. أو يعلم أن ~~القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم من هو بعينه6. PageV03P016 ### | ......................................................................... # PageV03P017 ### | شروط القصر # وشرط قصر الموصوف على الصفة أفرادا عدم تنافي الصفتين1 حتى تكون منفية في ~~قولنا "ما زيد إلا شاعر" كونه كاتبا أو منجما أو نحو ذلك، لا كونه مفحما لا ~~يقول الشعر، ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما. PageV03P018 # وشرط قصره1 قلبا تحقق تنافيهما2 حتى تكون المنفية3 في قولنا ما زيد إلا ~~قائم كونه قاعدا أو جالسا أو نحو ذلك، لا كونه أسود أو أبيض أو نحو ذلك، ~~ليكون إثباتها4 مشعرا بانتفاء غيرها5. PageV03P019 # وقصر التعيين أعم 1؛ لأن اعتقاد كون الشيء موصوفا بأحد أمرين معينين على ~~الإطلاق لا يقتضي جواز اتصافه بهما معا ولا امتناعه. وبهذا علم أن كل ما ~~يصلح أن يكون مثلا لقصر الأفراد أو القلب يصلح أن يكون مثالا للتعيين من ~~غير عكس. # وقد أهمل السكاكي القصر الحقيقي2 وأدخل قصر التعيين في PageV03P020 # قصر الأفراد، فلم يشترط في قصر الموصوف أفرادا عدم تنافي الصفتين ولا في ~~قصره1 قلبا تحقق تنافيهما. PageV03P021 ### | طرق القصر # ولقصر طرق: 1 ### | 1- # منها2 العطف. كقولك: في قصر الموصوف على الصفة. PageV03P021 # أفرادا: "زيد شاعر لا كاتب"، أو "ما زيد كاتبا بل شاعر"1 وقلبا: "زيد ~~قائم لا قاعد" و"ما زيد قاعدا بل قائم". ms159 وفي قصر الصفة على الموصوف -أفرادا ~~أو قلبا بحسب المقام- "زيد قائم لا عمرو" أو "ما عمرو قائما2 بل زيد". ~~PageV03P022 ### | 2- # ومنها النفي والاستثناء: 1 # كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادا "ما زيد إلا شاعر"، وقلبا "ما ~~زيد إلا قائم"، وتعيينا كقوله تعالى: {وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون} ، أي لستم في دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب كما يكون ظاهر ~~المدعي إذ ادعى بل أنتم عندنا كاذبون فيها2. # وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين3 "ما قائم أو ما من قائم أو لا ~~قائم إلا زيد4. PageV03P023 # وتحقيق1 وجه القصر في الأول2 أنه متى قيل "ما زيد" توجه النفي إلى صفته ~~لا ذاته؛ لأن أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنما تنفي صفاتها كما بين ذلك في ~~غير هذا العلم، وحيث لا نزاع في طوله وقصره وما شاكل ذلك، وإنما النزاع في ~~كونه شاعرا أو كاتبا تناولهما النفي، فإذا قيل: "إلا شاعر" جاء القصر. وفي ~~الثاني3 أنه متى قيل "ما شاعر" فأدخل النفي على الوصف المسلم ثبوته -أعني ~~الشعر- لغير من الكلام فيهما كزيد وعمرو مثلا، توجه النفي إليهما، فإذا قيل ~~"إلا زيد" جاء القصر. ### | 3- # ومنها إنما: 4 # كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادا إنما زيد كاتب، وقلبا إنما زيد ~~قائم وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين5 إنما قائم زيد. PageV03P024 # والدليل على أنها تفيد القصر: ### | 1- # كونها متضمنة1 معنى ما وإلا، لقول المفسرين في قوله تعالى: {إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم} بالنصب معناه ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو المطابق ~~لقراءة الرفع2، لما مر في باب "المنطلق زيد". PageV03P025 ### | 2 - # ولقول النحاة1 "إنما لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه2. ### | 3- # ولصحة انفصال الضمير3 معها4، كقولك "إنما يضرب أنا"، كما تقول "ما يضرب ~~إلا أنا". PageV03P026 # قال الفرزدق:1 # أن الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # وقال عمرو بن معد يكرب:2 PageV03P027 # قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا # قال السكاكي1: ويذكر لذلك وجه لطيف يسند إلى علي بن عيسى الربعي ms160 وهو أنه ~~لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها ما ~~المؤكدة2، لا النافية كما يظنه من لا وقوف له على علم النحو، ناسب أن يضمن ~~معنى القصر؛ لأن القصر ليس إلا تأكيدا على تأكيد فإن قولك "زيد جاء لا ~~عمرو" لمن يردد المجيء الواقع بينهما يفيد إثباته لزيد في الابتداء صريحا ~~وفي الآخر ضمنا. ### | 4- # ومنها التقديم: 3 PageV03P028 # كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادا "شاعر هو" لمن يعتقده شاعرا ~~وكاتبا، وقلبا "قائم هو" لمن يعتقده قاعدا1. # وفي قصر الصفة على الموصوف أفرادا "أنا كفيت مهمك" بمعنى وحدي لمن يعتقد ~~أنك وغيرك كفيتما مهمة، "وقلبا" أنا كفيت مهمك بمعنى لا غيري لمن يعتقد أن ~~غيرك كفى مهمه دونك كما تقدم2. # فروق بين طرق القصر: # وهذه الطرق تختلف3 من وجوه: PageV03P029 # الأول: أن دلالة الثلاثة الأولى1 بالوضع 2، دون الرابع3. # والثاني: أن الأصل في الأول4 أن يدل على المثبت والمنفي جميعا بالنص، فلا ~~يترك ذلك إلا كراهة الإطناب في مقام الاختصار، كما إذا قيل "زيد يعلم النحو ~~والتصريف والعروض والقوافي". "وزيد يعلم النحو وعمرو وبكر وخالد"، فتقول ~~فيهما "زيد يعلم النحو لا غير"، وفي معناه "ليس إلا"، أي "لا غير النحو5". ~~PageV03P030 # "ولا غير زيد"1 وأما الثلاثة الباقية2 فتدل بالنص على المنبت دون3 ~~المنفي. # والثالث: أن النفي لا يجامع الثاني4؛ لأن شرط المنفي بلا أن لا يكون ~~منفيا قبلها بغيرها5. PageV03P031 # ويجامع1 إلا خبرين2 فيقال إنما زيد كاتب لا شاعر، وهو يأتيني لا عمرو3؛ ~~لأن النفي فيهما4 غير مصرح به5، كما يقال PageV03P032 # "امتنع زيد عن المجيء" لا عمر"1. # قال السكاكي2: شرط مجامعته3 للثالث4 أن لا يكون الوصف مختصا بالموصوف5: ~~كقوله 6 تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} ، فإن كل عاقل يعلم أن ~~الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمع، وكذلك قولهم "إنما يعجل من يخشى الفوت". # وقال الشيخ عبد القاهر7: # "لا تحسن مجامعته له8 في المختص9 كما تحسن في غير PageV03P033 # المختص" وهذا أقرب1: # قيل2: ومجامعته له إما مع التقديم كقوله تعالى: {إنما أنت ms161 مذكر، لست ~~عليهم بمصيطر} ، وإما مع التأخير كقولك: ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو. # وفي كون هذين مما نحن فيه نظر3. # الرابع4 أن أصل الثاني5 أن يكون ما استعمل فيه مما يجهله المخاطب وينكره ~~6، كقولك لصاحبك وقد رأيت شبحا من بعيد PageV03P034 # "ما هو إلا زيد" إذا وجدته يعتقده غير زيد ويصر على الإنكار، وعليه قوله ~~تعالى: {وما من إله إلا الله} . # وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل1 له الثاني2 ~~أفرادا3 نحو: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} . [آل عمران: 144] ~~، أي أنه صلى الله عليه وسلم مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من ~~الهلاك4 نزل استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إياه 5، ونحوه: {وما أنت بمسمع ~~من في القبور، إن أنت إلا نذير} PageV03P035 # فإنه صلى الله عليه وسلم كان لشدة حرصه على هداية الناس يكرر دعوة ~~الممتنعين على الإيمان ولا يرجع عنها، فكان في معرض من ظن أنه يملك مع صفة ~~الإنذار إيجاد الشيء فيما يمتنع قبوله إياه1 أو قلبا كقوله تعالى حكاية عن ~~بعض الكفار: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} أي أنتم بشر لا رسل، نزلوا المخاطبين ~~منزلة من ينكر أنه بشر، لاعتقاد القائلين أن الرسول لا يكون بشرا مع إصرار ~~المخاطبين على دعوى الرسالة2، وأما قوله تعالى حكاية عن الرسل: {إن نحن إلا ~~بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11] ، فمن مجاراة ~~الخصم للتبكيت والإلزام والإفحام، فإن من عادة من ادعى عليه خصمه الخلاف في ~~أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلامه على وجهه، كما إذا قال لك من يناظرك ~~"أنت من شأنك كيت وكيت"، فتقول: نعم أنا من شأني كيت وكيت ولكن لا يلزمني ~~من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم، فالرسل عليهم السلام. PageV03P036 # كأنهم قالوا إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم هو كما قلتم لا ننكره ولكن ذلك ~~لا يمنع أن يكون الله تعالى قد من علينا بالرسالة1 ... وأصل الثالث2 أن ~~يكون ما استعمل له مما يعلمه ms162 المخاطب ولا ينكره على عكس الثاني، كقولك: ~~"إنما هو أخوك"، "وإنما هو صاحبك القديم" لمن يعلم ذلك ويقر به وتريد أن ~~ترققه3 عليه وتنبهه لما يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب، وعليه قول أبي ~~الطيب "في كافور"4: # إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد # لم يرد أن يعلم كافورا أنه بمنزلة الوالد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه ~~إلى الإعلام ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاه ما ~~يوجبه ... وقد ينزل المجهول لمنزلة المعلوم5 لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل ~~له الثالث6، نحو: {إنما نحن 7 مصلحون} ادعوا أن كونهم مصلحين ظاهر جلي، ~~ولذلك جاء: {ألا إنهم هم PageV03P037 # المفسدون" للرد عليهم مؤكدا بما ترى: من جعل الجملة اسمية وتعريف للخبر1 ~~باللام وتوسيط الفصل والتصدير بحرف التنبيه ثم بأن، ومثله قول الشاعر2: # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # ادعى أن كون "مصعب" كما ذكر جلي معلوم لكل أحد، على عادة الشعراء إذا ~~مدحوا أن يدعوا في كل ما يصفون به ممدوحيهم الجلاء وأنهم قد شهروا به حتى ~~أنه لا يدفعه أحد، كما قال الآخر3: # وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالتي علمت سعد # وكما قال البحتري4: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه # "الخامس": # واعلم: أن لطريق "إنما"5 مزية على العطف، وهي أنه يعقل PageV03P038 # منها1 إثبات الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة بخلاف العطف2. # "مواقع إنما" 3: # وإذا استقريت وجدتها أحسن ما يكون موقعا إذا كان الغرض بها التعريض4 بأمر ~~هو مقتضى معنى الكلام بعدها، كما في قوله تعالى: {إنما يتذكر أو لو ~~الألباب} ، فإنه تعريض بذم الكفار وإنهم من فرط الغباء وغلبة الهوى عليهم ~~في حكم من ليس بذي عقل فأنتم في طمعكم منهم أن ينظروا ويتذكروا كمن طمع في ~~ذلك من غير أو لي الألباب، وكذا قوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} ، ~~وقوله تعالى: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} ، المعنى على أن من لم ~~تكن ms163 له هذه الخشية فكأنه ليس له أذن تسمع وقلب يعقل فالإنذار معه كلا ~~إنذار. # قال الشيخ عبد القا هر: ومثل ذلك. من الشعر قوله: # أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا5 # فإنه تعريض بأنه قد علم أنه لا مطمع له في وصلها فيئس من أن PageV03P039 # يكون منها إسعاف به، وقوله1: # وإنما يعذر العشاق من عشقا # يقول ينبغي للعاشق أن لا ينكر لوم من يلومه، فإنه لا يعلم كنه بلوى ~~العاشق، ولو كان قد ابتلي بالعشق مثله لعرف ما هو فيه فعذره وقوله2: # ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب # فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الأوصاب # يقول في البيت الأول أنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه، ~~وفي الثاني أنا قد طلبنا الأمر من جهته حين استعنا بك فيما عرض لنا من ~~الحاجة، وعولنا على فضلك كما أن من عول على الطبيب فيما يعرض من السقم كان ~~قد أصاب في فعله. # "قصر الفاعل على المفعول وعكسه3": # ثم القصر كما يقع بين المبتدأ والخبر كما ذكرنا يقع بين الفعل والفاعل ~~وغيرهما 4، ففي طريق النفي والاستثناء يؤخر المقصور عليه. PageV03P040 # مع حرف الاستثناء1، كقولك في قصر الفاعل على المفعول أفرادا أو قلبا بحسب ~~المقام ما ضرب زيد إلا عمرا، وعلى الثاني2 لا الأول قوله تعالى: {ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [الأنعام: 117] ؛ لأنه ليس ~~المعنى أني لم أزد على ما أمرتني به شيئا3 إذ ليس الكلام في أنه زاد شيئا ~~على ذلك أو نقص منه، ولكن المعنى أني لم أترك ما أمرتني به أن أقول لهم إلى ~~خلا فه4؛ لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى أنك يا عيسى تركت ما أمرتك أن ~~تقوله إلى ما لم آمرك أن تقول، فإني أمرتك أن تدعو الناس إلى أن يعبدوني ثم ~~إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا غيري بدليل قوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله قال} [المائدة: 116] ، وفي ms164 قصر5 المفعول على الفاعل ~~"ما ضرب عمرا إلا زيد6"، وفي قصر المفعول الأول على الثاني في نحوكسوت ~~PageV03P041 # وظننت في ما كسوت زيدا إلا جبة، "وما ظننت زيدا إلا منطلقا" وفي قصر ~~الثاني على الأول ما كسوت جبة إلا زيدا وما ظننت منطلقا إلا زيدا، وفي قصر ~~ذي الحال على الحال ما جاء زيد إلا راكبا وفي قصر الحال على ذي الحال ما ~~جاء راكبا إلا زيد. # والوجه1 في جميع ذلك أن النفي في الكلام الناقص أعني الاستثناء المفرغ2 ~~يتوجه إلى مقدر3 هو مستثنى منه عام4 مناسب للمستثنى في جنسه5 وصفته6. أما ~~توجهه إلى مقدر هو مستثنى منه فلكون إلا للإخراج واستدعاء الإخراج مخرجا ~~منه، وأما عمومه فليتحقق الإخراج منه، ولذلك قيل تأنيث المضمر في كانت على ~~قراءة أبي جعفر المدني إن كانت إلا صيحة بالرفع وفي ترى مبنيا للمفعول في ~~قراءة الحسن فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم برفع مساكنهم، وفي بقيت في بيت ذي ~~الرمة. PageV03P042 # وما بقيت إلا الضلوع الجراشع1 للنظر إلى ظاهر اللفظ. والأصل التذكير ~~لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء. وأما مناسبته2 في جنسه وصفته فظاهرة؛ ~~لأن المراد بجنسه أن يكون في نحو "ما ضرب زيد إلا عمرا، أحدا"3، وفي نحو ~~قولنا "ما كسوت زيدا إلا جبة لباسا" وفي نحو ما جاء زيد راكبا، كائنا على ~~حال من الأحوال" وفي نحو "ما اخترت رفيقا إلا منكم" من جماعة من الجماعات، ~~ومنه قول السيد الحميري. PageV03P043 # لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم1 فارسا # لما سيأتي إن شاء الله تعالى أن أصله "ما اختار فارسا إلا منكم والمراد ~~بصفته كونه فاعلا أو مفعولا أو ذا حال أو حالا، وعلى هذا القياس. وإذا كان ~~النفي متوجها إلى ما وصفناه فإذا أو جب2 منه شيء جاء القصر3. # هل يقدم المقصور عليه مع إلا؟ 4. # ويجوز تقديم المقصور عليه مع حرف الاستثناء بحالهما5 على المقصور، كقولك، ~~ما ضرب6 إلا عمرا زيد، وما ضرب إلا زيد عمرا7 وما كسوت إلا جبة زيدا، وما ~~ظننت ms165 إلا زيدا منطلقا، وما جاء إلا راكبا زيد، وما جاء إلا زيد راكبا. ~~وقولنا "بحالهما" احتراز من إزالة حرف الاستثناء عن مكانه بتأخيره عن ~~المقصور عليه، كقولك في الأول8 ما ضرب عمرا إلا زيدا، فإنه يختل المعنى9 ~~فالضابط PageV03P044 # أن الاختصاص إنما يقع في الذي يلي إلا. ولكن استعمال هذا النوع أعني ~~تقديمها قليل1، لاستلزامه، قصر الصفة قبل تمامها كالضرب الصادر من زيد في ~~ما ضرب زيدا إلا عمرا والضرب الواقع على عمرو في ما ضرب عمرا إلا زيد2. # وقيل إذا أخر المقصور عليه والمقصور عن إلا وقدم المرفوع كقولنا ما ضرب ~~إلا عمرو زيدا، فهو على كلامين وزيدا منصوب بفعل مضمر، فكأنه قيل ما ضرب ~~إلا عمرو أي ما وقع ضرب إلا منه، ثم قيل من ضرب فقيل زيدا أي ضرب زيدا. ~~وفيه نظر لاقتضائه الحصر في الفاعل والمفعول جميعا3. # "موقع المقصور عليه في "إنما": # وأما في إنما فيؤخر المقصور عليه تقول إنما زيد قائم4 وإنما PageV03P045 # ضر زيد عمرا، وإنما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة، وإنما ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة في السوق، أي ما زيد إلا قائم، وما ضرب إلا زيد وما ضرب زيد إلا ~~عمرا، وما ضرب زيدا عمرا إلا يوم الجمعة وما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة إلا ~~في السوق، فالواقع أخيرا هو المقصور عليه أبدا، ولذلك1 تقول إنما هذا لك ~~وإنما لك هذا، أي ما هذا إلا لك وما لك إلا هذا، حتى إذا أردت الجمع بين ~~إنما والعطف فقل إنما هذا لك لا لغيرك، وإنما لك هذا لا ذاك، وإنما أخذ زيد ~~لا عمرو وإنما زيد يأخذ لا يعطي ومن هذا تعثر على الفرق بين قوله2 تعالى: ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 18] ، وقولنا: "إنما يخشى ~~العلماء من عباده الله"، فإن الأول يقتضي قصر خشية الله على العلماء، ~~والثاني PageV03P046 # مقتضى قصر خشية العلماء على الله. واعلم أن حكم "غير" حكم إلا في إفادة ~~القصرين، أي قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف2 وفي ms166 امتناع ~~مجامعة لا العاطفة3، تقول في قصر الموصوف أفرادا ما زيد غير شاعر، وقلبا ما ~~زيد غير قائم، وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام لا شاعر غير زيد، ولا ~~تقول ما زيد غير شاعر لا كاتب ولا شاعر غير زيد لا عمرو. # "والله تعالى أعلم". PageV03P047 ### | القول في الإنشاء ### | مدخل # ... # القول في الإنشاء 1: # الإنشاء ضربان: # طلب وغير طلب2. PageV03P051 # والطلب1 يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب لامتناع تحصيل الحاصل2. وهو ~~المقصود بالنظر هنا. PageV03P052 ### | أنواع الإنشاء الطلبي # وأنواعه كثيرة1، منها: # أولا: التمني 2. # واللفظ الموضوع له ليت3. PageV03P052 # ولا يشترط في التمني الإمكان1، نقول: "ليت زيدا يجيء"، و"ليت الشباب ~~يعود2" قال الشاعر3: # يا ليت أيام الصبا رواجعا # وقد يتمنى بها4، كقول القائل: "هل لي من شفيع"، في مكان يعلم أنه لا شفيع ~~له فيه5، لإبراز المتمني لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله ~~تعالى حكاية عن الكفار: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} . # وقد يتمنى بلو6، كقولك: لو تأتيني فتحدثني بالنصب7 PageV03P053 # قال السكاكي1: # "وكأن حروف التنديم والتحضيض هلا وألا بقلب الهاء همزة ولولا، ولوما، ~~مأخوذة منهما2 مركبتين مع لا وما المزيدتين لتضمنيهما معنى التمني، ليتولد3 ~~منه4 في الماضي التنديم نحو هلا أكرمت زيدا، وفي المضارع5 التحضيض نحو هلا ~~تقوم. # وقد يتمنى بلعل فتعطي حكم ليت نحو لعلي أحج6 فأزورك بالنصب، لبعد المرجو ~~عن الحصول7 وعليه قراءة عاصم في رواية حفص: {لعلي أبلغ الأسباب، أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى} ، بالنصب8. PageV03P054 # "ثانيا - الاستفهام": # ومنها1 الاستفهام2: # والألفاظ الموضوعة له: # الهمزة وهل وما ومن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان PageV03P055 # فالهمزة1 لطلب التصديق2، كقولك. أقام3. زيد، وأزيد قائم، أو التصور4 ~~كقولك5: أدبس في الإناء أم عسل، وفي الخابية دبسك أم في الزق6، ولهذا 7 لم ~~يقبح: "أزيد8 قام، وأعمرا عرفت9". PageV03P056 # والمسئول عنه بها1 هو ما يليها، فتقول، أضربت زيدا إذا كان شك في الفعل ~~نفسه وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده2 وتقول أأنت ضربت زيدا إذا كان الشك ~~في الفاعل من هو وتقول أزيدا ضربت إذا كان ms167 الشك في المفعول من هو 3. # وهل لطلب التصديق4 فحسب، كقولك: "هل قام زيد"، و"هل عمرو قاعد5، ولهذا6 ~~امتنع هل زيد قام أم عمرو7، PageV03P057 # وقبح "هل زيدا ضربت1" لما سبق أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل ~~والشك فيما قدم عليه، ولم يقبح "هل زيدا ضربته" لجواز تقدير المحذوف ~~والمفسر مقدما كما مر2. # وجعل السكاكي3 قبح "هل رجل عرف" لذلك4 أي لما قبح له "هل زيدا ضربت"، ~~ويلزمه أن لا يقبح نحو "هل زيد عرف5" لامتناع تقدير التقديم والتأخير فيه ~~عنده على ما سبق6. PageV03P058 # وعلل غيره1 القبح فيهما بأن أصل هل أن تكون بمعنى قد إلا أنهم تركوا ~~الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام2. # وهل تخصص المضارع بالاستقبال3 فلا يصح أن يقال هل تضرب زيدا وهو أخوك4 ~~كما تقول "أتضرب زيدا وهو أخوك5"؟ PageV03P059 # ولهذين أعني اختصاصها بالتصديق وتخصيصها المضارع بالاستقبال كان لها مزيد ~~اختصاص بما كونه زمانيا أظهر كالفعل1. أما الثاني فظاهر وأما الأول؛ فلأن ~~الفعل لا يكون إلا صفة والتصديق حكم بالثبوت أو الانتفاء والنفي والإثبات ~~إنما يتوجهان إلى الصفات لا الذوات. # ولهذا2 كان قوله تعالى: {فهل أنتم شاكرون} أدل على طلب الشكر من قولنا: ~~"فهل تشكرون" و"فهل أنتم تشكرون"3 إن إبراز PageV03P060 # ما سيتجدد1 في معرض الثابت2 أدل على كما ل العناية بحصوله من إبقائه على ~~أصله3، وكذا من قولنا أفأنتم شاكرون" وإن كانت صيغته للثبوت4؛ لأن هل أدعي ~~للفعل من الهمزة فتركه5 معها أدل على كما ل العناية بحصوله، ولهذا لا يحسن ~~هل زيد منطلق إلا من البليغ. # وهي6: قسمان بسيطة وهي التي يطلب بها وجود الشيء7 كقولنا هل الحركة ~~موجودة، ومركبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء8 كقولنا هل الحركة دائمة. # والألفاظ الباقية لطلب التصور فقط9. PageV03P061 # أما "ما": فيطلب به: أما شرح الاسم2 كقولنا ما العنقاء. وأما ماهية ~~المسمى3 كقولنا: "ما الحركة4" والقسم الأول يتقدم على قسمي5 هل جميعا، ~~والثاني 6 يتقدم على هل المركبة دون البسيطة، فالبسيطة7 في الترتيب واقعة ~~بين قسمي ما 8. وقال السكاكي9: يسأل ms168 بما عن الجنس120 تقول ما عندك أي أجناس ~~PageV03P062 # الأشياء عندك، وجوابه إنسان أو فرس أو كتاب أو نحو ذلك، وكذلك تقول ما ~~الكلمة وما الكلام؟، وفي التنزيل: {وما خطبكم} أي أي أجناس الخطوب خطبكم، ~~وفيه: {ما تعبدون من بعدي} أي أي من في الوجود تؤثرونه للعبادة أو عن الوصف ~~تقول ما زيد وما عمرو وجوابه الكريم أو الفاضل ونحوهما وسؤال فرعون: {وما ~~رب العالمين} أما عن الجنس لاعتقاده لجهله بالله تعالى أن لا موجود مستقلا ~~بنفسه سوى الأجسام كأنه قال أي أجناس الأجسام هو، وعلى هذا جواب موسى عليه ~~السلام بالوصف للتنبيه على النظر المؤدي إلى معرفته، لكن لما لم يطابق ~~السؤال عن فرعون عجب الجهلة الذين حوله من قول موسى بقوله لهم: {ألا ~~تسمعون} ، ثم لما وجده مصرا على الجواب بالوصف إذ قال في المرة الثانية: ~~{ربكم ورب آبائكم الأولين} استهزأ به وجننه بقوله: {إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون} ، وحين رآهم موسى عليه السلام لم يقطنوا لذلك في المرتين غلظ ~~عليهم في الثالثة بقوله: {إن كنتم تعقلون} وإما عن الوصف، طمعا في أن يسلك ~~موسى عليه السلام في الجواب معه مسلك الحاضرين لو كانوا هم المسئولين مكانه ~~لشهرته بينهم برب العالمين إلى درجة دعت السحرة إذ عرفوا الحق أن أعقبوا ~~قولهم: {آمنا برب العالمين} بقولهم {رب موسى وهارون} نفعا لاتهامهم أن عنوه ~~وجهله بحال موسى إذ لم يكن جمعهما قبل ذلك مجلس بدليل قال أو لو جئتك بشيء ~~مبين قال فائت به إن كنت من الصادقين فحين سمع الجواب تعداه عجب واستهزاء ~~وجنن وتفيهق بما تفيهق من قوله: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين} . PageV03P063 # وأما "من": 1 # فقال السكاكي هو للسؤال عن الجنس من ذوي العلم2، نقول من جبريل! بمعنى ~~أبشر هو أم ملك أم جني، وكذا من إبليس ومن فلان، ومنه قوله تعالى حكاية عن ~~فرعون: {فمن ربكما يا موسى} ؟ أي أملك هو أم بشر أم جني منكرا لأن يكون ~~لهما رب سواه لإدعائه الربوبية لنفسه، ms169 ذهابا في سؤاله هذا إلى معنى ألكما ~~رب سواي فأجاب موسى عليه السلام بقوله: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى} كأنه قال نعم لنا رب سواك، هو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بين ~~بإيجاده لما أو جد وتقديره إياه على ما قدر، واتبعت فيه الخريت الماهر- وهو ~~العقل الهادي عن الضلال لزمك الاعتراف بكونه ربا وأن لا رب سواه، وأن ~~العبادة له منى ومنك ومن الخلق أجمع حق لا يدفع له3 وقيل هو للسؤال عن ~~العارض المشخص لذي4 العلم وهذا أظهر؛ لأنه إذا قيل من فلان، يجاب بزيد أو ~~نحوه مما يفيد PageV03P064 # التشخيص، ولا نسلم صحة الجواب بنحو بشر أو جني كما زعم السكاكي. # وأما "أي" 1. # فللسؤال عما يميز2 أحد المتشاركين في أمر يعمهما3 يقول القائل عندي ثياب، ~~فتقول: أي الثياب هي فتطلب منه وصفا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية، ~~وفي التنزيل: أي الفريقين خير مقاما أي أنحن أم أصحاب محمد عليه السلام4، ~~وفيه: {أيكم يأتيني بعرشها} أي الإنسي أم الجني. # وأما "كم": # فللسؤال عند العدد، إذا قلت: كم درهما لك وكم رجلا رأيت، فكأنك فكأنك قلت ~~أم عشرون أم ثلاثون. أم كذا أو كذا، وتقول كم درهمك وكم مالك أي كم دانقا ~~أو كم دينارا، وكم ثوبك أي كم شبرا أو كم ذراعا، وكم زيد ماكث؟ أي كم يوما ~~أو كم شهرا، وكم رأيتك أي كم مرة، وكم سرت أي كم فرسخا أو كم يوما؟ قال ~~الله تعالى: {قال قائل منهم كم لبثتم} أي كم يوما أو كم ساعة، وقال: {كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين} وقال: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية} . ~~PageV03P065 # بينة1؟ ومنه قول الفرزدق2: # كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري # فيمن روى بالنصب3، وعلى رواية الرفع تحتمل الاستفهامية والخبرية4. # وأما "كيف": # فللسؤال عن الحال، إذا قيل: كيف زيد؟ فجوابه صحيح أو سقيم أو مشغول أو ~~فارغ ونحو ذلك. # وأما "أين": 5 # فللسؤال عن المكان، إذا قيل: أين ms170 زيد؟ فجوابه في الدار أو في المسجد أو ~~في السوق ونحو ذلك. PageV03P066 # وأما "أنى": # فتستعمل تارة بمعنى "كيف1"، قال تعالى: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} 2، أي كيف ~~شئتم، وأخرى بمعنى "من أين3" قال الله تعالى: {أنى لك هذا} 4؟، أي من أين ~~لك5. # وأما "متى" و"أيان" 6: # فللسؤال عن الزمان7، إذا قيل. متى جئت؟ أو أيان جئت؟ قيل: يوم الجمعة أو ~~يوم الخميس أو شهر كذا أو سنة كذا. وعن علي بن عيسى الربعي أن أيان تستعمل ~~في مواضع التفخيم كقوله تعالى: {يسأل أيان يوم القيامة} ، {يسألون أيان يوم ~~الدين} ؟. PageV03P067 # الأغراض البلاغية التي يخرج إليها أسلوب الاستفهام: # ثم إن هذه الألفاظ كثيرا ما تستعمل في معان غير الاستفهام بحسب ما يناسب ~~المقام1، منها: # الاستبطاء: # نحو كم دعوتك2؟، وعليه قوله تعالى: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله} ؟. # ومنها التعجب: # نحو قوله: {ما لي لا أرى الهدهد} 3؟ PageV03P068 # ومنها: التنبيه على الضلال: # نحو: {فأين تذهبون} 1؟. PageV03P069 # ومنها: الوعيد: # كقولك1 لمن يسيء الأدب: ألم أؤدب فلانا؟ إذا كان عالما بذلك، وعليه قوله ~~تعالى: {ألم نهلك الأولين} . # ومنها الأمر 2: # نحو قوله تعالى: {فهل أنتم مسلمون} ، ونحو {فهل من مدكر} # ومنها التقرير 3: PageV03P070 # ويشترط في الهمزة1 أن يليها المقرر به، كقولك: أفعلت إذا أردت أن تقرره ~~بأن الفعل كان منه، وكقولك: أأنت فعلت، إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل2. ~~وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي وغيرهما إلى أن قوله: {أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم} ، من هذا الضرب. قال الشيخ3: لم يقولوا ذلك له عليه ~~السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر أنه منه ~~كان، كيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم {أأنت فعلت هذا} . وقال عليه ~~السلام: {بل فعله كبيرهم هذا} ، ولو كان التقرير بالفعل في قولهم "أأنت ~~فعلت" لكن الجواب: فعلت أو لم أفعل، وفيه4 نظر لجواز أن تكون الهمزة فيه ~~على أصلها إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه عليه السلام ~~هو الذي كسر ms171 الأصنام5. # وكقولك أزيد ضربت، إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه زيد. PageV03P071 # ومنها الإنكار1، إما للتوبيخ: بمعنى ما كان ينبغي أن يكون2 نحو أعصيت ~~ربك؟ أو بمعنى لا ينبغي أن يكون كقولك للرجل يضيع الحق. أتنسى قديم إحسان ~~فلان؟ وكقولك للرجل يركب الخطر. أتخرج في هذا الوقت أتذهب في غير الطريق ~~والغرض بذلك تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل أو يرتدع عن فعل ما هم ~~به وإما للتكذيب3 بمعنى لم يكن4 كقوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ ~~من الملائكة إناثا} وقوله: {أصطفى البنات على البنين} ، وبمعنى لا يكون نحو ~~أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، وعليه قول امرئ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال5 PageV03P072 # فيمن روى أيقتلني بالاستفهام وقول الآخر1: # أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم # والإنكار كالتقرير يشترط أن يلي المنكر2 الهمزة، كقوله تعالى: {أغير الله ~~تدعون} ، {أغير الله أتخذ وليا} ؟ {أبشرا منا واحدا نتبعه} ، وكقوله: ~~{وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمت ~~ربك} ، أي: ليسوا هم المتخيرين للنبوة من يصح لها المتولين لقسم رحمة الله ~~التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته، وعد الزمخشري قوله أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقوله أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي من هذا ~~الضرب، على أن المعنى أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان وأفأنت تقدر على ~~هدايتهم على سبيل القسر والإلجاء، أي إنما يقدر على ذلك الله لا أنت. # وحمل السكاكي3 تقديم الاسم في هذه الآيات الثلاث4 على PageV03P073 # البناء على الابتداء1 دون تقدير التقديم والتأخير كما مر في نحو أنا ضربت ~~فلا يفيد في تقوي الإنكار. # ومن مجيء الهمزة للإنكار نحو قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} 2؟، وقول ~~جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # أي الله كاف عبده وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا ~~مراد من قال أن الهمزة فيه للتقرير أي للتقرير بما دخله للنفي لا للتقرير ~~بالانتفاء3 وإنكار الفعل مختص ms172 بصورة أخرى4. PageV03P074 # وهي نحو قولك أزيدا ضربت أم عمرا، لمن يدعي أنه ضرب إما زيدا وإما عمرا ~~دون غيرهما؛ لأنه إذالم يتعلق الفعل بأحدهما والتقدير أنه لم يتعلق بغيرهما ~~فقد انتفي من أصله لا محالة وعليه قوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} ؟ أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم ~~في أحد الأشياء ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من ~~أصله. وكذا قوله: {آلله أذن لكم} ، إذ معلوم أن النهي على إنكار أن يكون قد ~~كان من الله تعالى إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير ~~الله فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك ليكون ~~أشد لنفي ذلك وإبطاله، فإنه إذا نفي الفعل عما جعل فاعلا له في الكلام ولا ~~فاعل له غيره لزم فيه من أصله، قال السكاكي رحمه1 الله: وإياك أن يزول عن ~~خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو أنا ضربت وأنت ضربت وهو ضرب. من احتمال ~~الابتداء واحتمال التقديم وتفاوت المعنى في الوجهين، فلا تحمل نحو قوله ~~تعالى: {آلله أذن لكم} على التقديم2، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله ~~دون غيره، ولكن أحمله على الابتداء مرادا منه تقوية حكم الإنكار. وفيه نظر؛ ~~لأنه إن أراد أن نحو هذا التركيب أعني ما يكون الاسم الذي يلي الهمزة فيه ~~مظهرا لا يفيد توجه الإنكار إلى كونه فاعلا للفعل الذي بعده فهو ممنوع، وإن ~~أراد أنه يفيد ذلك إن قدر تقديم وتأخير وإلا فلا على ما ذهب إليه فيما سبق ~~فهذه الصورة مما منع هو ذلك فيه على ما تقدم3. PageV03P075 # لا يقال: قد يلي الهمزة غير المنكر في غير ما ذكرتم كما في قول "امرئ ~~القيس": # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فإن معناه أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، بدليل قوله: # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني، والمرء ليس بقتال1 PageV03P076 # لأنا نقول ليس ذلك ms173 معناه؛ لأنه قال والمشرفي مضاجعي، فذكر ما يكون منعا ~~من الفعل، والمنع إنما يحتاج إليه مع من يتصور صدور الفعل منه دون من يكون ~~في نفسه عاجزا منه. # ومنها التهكم: # نحو: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء 1} . # ومنها التحقير2: PageV03P077 # كقولك: من هذا؟ وما هذا؟ # ومنها التهويل 1: # كقراءة ابن عباس رضي الله عنهما: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب ~~المهين من فرعون} ، بلفظ الاستفهام، لما وصف الله تعالى العذاب بأنه مهين ~~لشدته وفظاعة شأنه، أراد أن يصور كنهه، فقال: من فرعون2 أي أتعرفون من هو ~~في فرط عتوه وتجبره، ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به، ثم عرف حاله بقوله ~~إنه كان عاليا من المسرفين3. PageV03P078 # ومنها الاستبعاد 1: # نحو: {أنى لهم2 الذكرى وقد جاءهم رسول مبين، ثم تولوا عنه وقالوا معلم ~~مجنون} ؟ # ومنها التوبيخ والتعجيب جميعا: # كقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون} أي: كيف تكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة أما ~~التوبيخ؛ فلأن الكفر مع هذه الحال ينبئ عن الإنهماك في الغفلة أو الجهل، ~~وأما التعجب؛ فلأن هذه الحال تأبى أن لا يكون للعاقل علم بالصانع، وعلمه به ~~يجعله يأبى أن يكفر، وصدور الفعل مع الصارف القوي مظنة تعجب ونظيره: ~~{أتأمرون الناس PageV03P079 # بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} 1. PageV03P080 # "ثالثا - الأمر": # ومن أنواع الإنشاء "الطلبي" الأمر: # والأظهر1 أن صيغته -من المقترنة باللام نحو ليحضر زيد، وغيرهما نحو: أكرم ~~عمرا، ورويد بكر2- موضوعة لطلب الفعل3 استعلاء، لتبادر الذهن عند سماعها4 ~~إلى ذلك5 وتوقف ما سواه على القرينة. PageV03P081 # قال السكاكي1. ولا طباق أئمة اللغة على إضافتها إلى الأمر. # بقولهم: صيغة الأمر، ومثال الأمر ولام الأمر2. # وفيه3 نظر لا يخفى على المتأمل. # ثم إنها -أعني صيغة الأمر- قد تستعمل في غير طلب الفعل بحسب مناسبة ~~المقام. # كالإباحة:4 PageV03P082 # كقولك في مقام الإذن جالس الحسن أو ابن سيرين، ومن أحسن ما جاء فيه قول ~~كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا ms174 مقلية إن تقلت1 # أي: لا أنت ملومة ولا مقلية ووجه حسنة إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ ~~الأمر حتى كأنه مطلوب، أي مهما اخترب في حقي من الإساءة والإحسان فأنا راض ~~به غاية الرضا فعامليني بهما وانظري هل تتفاوت حالي معك في الحالين. # والتهديد2 كقولك العبد شتم مولاه وقد أدبنه: اشتم مولاك PageV03P083 # وعليه: {اعملوا ما شئتم} . # والتعجيز 1: # كقولك لمن يدعى أمرا تعتقد أنه ليس في وسعه: افعله. # وعليه: {فأتوا بسورة من مثله} 2. PageV03P084 # والتسخير: # نحو: {كونوا قردة خاسئين} 1. # والإهانة 2: # نحو كونوا حجارة أو حديدا وقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . # والتسوية 3: # كقوله: {أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم} . وقوله: {اصبروا أو لا ~~تصبروا} . PageV03P085 # والتمني1. كقول امرئ القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... "بصبح، وما الإصباح منك بأمثل" # والدعاء 2: إذا استعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع نحو: رب اغفر لي ~~ولوالدي. # والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف، كقولك لمن يساويك في ~~الرتبة: افعل، بدون الاستعلاء. # والاحتقار 3: PageV03P086 # نحو: {ألقوا ما أنتم ملقون} . # ثم الأمر قال السكاكي حقه الفور. # أولا: لأنه الظاهر من الطلب1. # وثانيا: ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافة إلى تغيير الأمر ~~الأول دون الجمع وإرادة التراخي2. # والحق خلافة لما تبين في أصول الفقه3. PageV03P087 # رابعا: النهي1. # ومنها النهي2. # وله حرف واحد، وهو "لا" الجازمة في نحو قولك: لا تفعل. # وهو كالأمر في الاستعلاء3. # وقد يستعمل في غير طلب الكف4 أو الترك5. # كالتهديد: 6 كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري7. PageV03P088 # واعلم1 أن هذه الأربعة -أعني التمني والاستفهام والأمر والنهي- تشترك في ~~كونها قرينة دالة على تقدير الشرط2 بعدها، كقولك ليت لي ما لا أنفقه أي أن ~~أرزقه وقولك أين بيتك أزرك أي أن تعرفنيه وقولك أكرمني أكرمك أي إن تكرمني، ~~قال الله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا، يرثني} ، بالجزم، فأما قراءة الرفع: ~~فقد حملها الزمخشري على الوصف، وقال السكاكي الأولى حملها على الاستئناف ~~دون الوصف لهلاك يحيى قبل زكريا عليهما السلام وأراد بالاستئناف أن ms175 يكون ~~جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنه لما قال فهب لي وليا قيل ما تصنع به؟، ~~فقال: يرثني، فلم يكن داخلا في المطلوب بالدعاء، وقولك: لا تشتم يكن خير لك ~~أي إن لا تشتم. # وأما العرض كقولك لمن تراه لا ينزل: ألا تنزل تصب خيرا أي أن تنزل فمولد ~~من الاستفهام وليس به؛ لأن التقدير أنه لا ينزل PageV03P089 # فالاستفهام من عدم النزول طلب للحاصل وهو محال1.. وتقدير الشرط في غير ~~هذه المواضع لقرينة جائز أيضا كقوله تعالى: {فالله هو الولي} 2 أي إن ~~أرادوا وليا بالحق فالله هو الولي لا ولي سواه3. وقوله: {ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق} ، أي لو كان معه إله إذا ~~لذهب. PageV03P090 # خامسا: النداء 1. # ومنها النداء 2. # وقد تستعمل صيغته في غير معناه3. # كالإغراء 4. # في قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم. # والاختصاص5. PageV03P091 # في قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل1، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واغفر ~~اللهم لنا أيتها العصابة، أي متخصصا من بين الرجال ومتخصصين من بين الأقوام ~~والعصائب. # "وقوع الخبر موقع الإنشاء2: # ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء3 أما: للتفاؤل4، أو لإظهار PageV03P092 # الحرص في وقوعه كما مر1، والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل الوجهين2. # أو للاحتراز عن صورة الأمر، كقول العبد للمولى إذا حول عنه وجهه: ينظر ~~المولى إلى ساعة3. # أو لحمل المخاطب على المطلوب، أن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب ~~الطالب4. أو لنحو ذلك5. PageV03P093 # تنبيه: # ما ذكرناه في الأبواب الخمسة السابقة1 ليس كله مختصا بالخبر. # بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر يظهر ذلك بأدنى تأمل فليعتبره ~~الناظر2. # "والله أعلم". PageV03P094 ### | القول في الوصل والفصل # 1: ### | ما هو الوصل والفصل # ؟: # الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه2 وتمييز موضع أحدهما من موضع ~~الآخر على ما تقتضيه البلاغة فن منها عظيم الخطر، صعب المسلك دقيق المأخذ ~~لا يعرفه على وجهه، ولا يحيط علما بكنهه، إلا من أو تي في فهم كلام العرب ~~طبعا ms176 سليما، ورزق في إدراك أسراره ذوقا صحيحا، ولهذا قصر بعض العلماء ~~البلاغة على معرفة الفصل من الوصل3، وما قصرها عليه؛ لأن الأمر كذلك، إنما ~~حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه وأن أحدا لا يكمل فيه إلا كمل. # في سائر فنونها فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجه في البيان فنقول ~~والله المستعان: PageV03P097 ### | حكم المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب # إذا أتت جملة بعد جملة فالأولى منهما إما أن يكون لها محل من الإعراب1 أو ~~لا. وعلى الأول2 أن قصد التشريك بينها وبين الثانية في حكم الإعراب1 أولا. ~~وعلى الأول2 أن قصد التشريك بينها وبين الثانية. # في حكم الإعراب3 عطفت عليها4 وهذا كعطف المفرد على5 المفرد؛ لأن الجملة ~~لا يكون لها محل من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد، فكما يشترط في كون ~~العطف بالواو ونحوه6 مقبولا في المفرد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه7 ~~جهة جامعة8 PageV03P098 # كما في قوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها} ، يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولا في الجملة ~~ذلك1، كقولك: زيد يكتب ويشعر2 أو يعطي ويمنع وعليه قوله تعالى: {والله يقبض ~~ويبسط وإليه ترجعون} ، ولهذا عيب على أبي تمام قوله: # لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم3 PageV03P099 # إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر. ~~PageV03P100 # وإن لم يقصد1 ذلك ترك عطفها عليها كقوله تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم} ، أم يعطف الله يستهزئ ~~بهم على إنا معكم؛ لأنه لو عطف عليه لكان من مقول المنافين2 وليس منه، وكذا ~~قوله تعالى3: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا ~~إنهم هم المفسدون} ، وكذا قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} . PageV03P101 ### | حكم الجمل التي لا محل لها من الإعراب # 1: # وعلى الثاني2 أن ms177 قصد بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف ~~العطف سوى الواو عطفت عليها3 بذلك الحرف4 تقول: دخل زيد فخرج عمرو، إذا ~~أردت أن تخبر أن خروج عمرو كان بعد دخول زيد من غير مهلة، وتقول: خرجت ثم ~~خرج زيد، إذا أردت أن تخبر أن خروج زيد كان بعد خروجك بمهلة5، وتقول يعطيك ~~زيد دينارا أو يكسوك جبة، إذا أردت أن تخبر أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه، ~~وعليه قوله تعالى: {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} 6. PageV03P102 # وإن لم يقصد ذلك1. ### | 1- # فإن كان للأولى حكم2 ولم يقصد إعطاؤه الثانية تعين الفصل، كقوله تعالى: ~~{وإذا 3 خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ ~~بهم} ، لم يعطف {الله يستهزئ بهم} على {قالوا} ، لئلا يشاركه في الاختصاص ~~بالظرف المقدم وهو قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} ، فإن استهزاء الله ~~تعالى بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجا إياهم من حيث ~~لا يشعرون، متصل لا ينقطع بكل حال: خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم 4، ~~وكذلك في الآيتين الأخيرتين5: فإنهم مفسدون في جميع PageV03P103 # الأحيان -قيل لهم لا تفسدوا. أو لا، وسفهاء في جميع الأوقات قيل لهم ~~آمنوا أو لا: ### | 2- # وإن لم يكن للأولى حكم كما سبق1: # فإن كان بين الجملتين كما ل الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود ~~كما سيأتي، أو كما ل الاتصال2 أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى ~~أو بمنزلة المتصلة بها، فكذلك يتعين الفصل 3: أما في الصورة الأولى؛ فلأن ~~الواو للجمع والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبة بينهما كما مر، وأما في ~~الثانية؛ فلأن العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه مع أن العطف يقتضي ~~التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه وأما في الثالثة والرابعة فظاهر مما ~~مر4. PageV03P104 # "كمال الانقطاع": # وأما كما ل الانقطاع فيكون لأمر يرجع إلى الإسناد أو إلى طرفيه. # الأول: أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء: # لفظا ومعنى1 كقولهم لا تدن من الأسد يأكلك، وهل تصلح لي كذا أدفع إليك ~~الأجرة، وبالرفع فيهما، ms178 وقول الشاعر: # وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار2 PageV03P105 # أو معنى1 لا لفظا كقولك مات فلان رحمه الله2. وأما قول اليزيدي: # ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي PageV03P106 # وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب # فعده السكاكي رحمه الله من هذا الضرب1 وحمله الشيخ عبد القاهر2 رحمه الله ~~على الاستئناف بتقدير قلت3. # الثاني: أن لا يكون بين الجملتين4 جامع كما سيأتي. # "كمال الاتصال": # وأما كمال الاتصال5 فيكون لأمور ثلاثة: # الأول: أن تكون الثانية مؤكدة6 للأول والمقتضى للتأكيد دفع توهم التجوز7 ~~والغلط وهو قسمان: PageV03P107 # أحدهما أن ننزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي1 من متبوعة في ~~إفادة التقرير مع الاختلاف2 في المعنى، كقوله تعالى3: {الم، ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه4} ، فإن وزان لا ريب فيه في الآية وزان نفسه في قولك جاءني الخليفة ~~نفسه، فإنه لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى من الكمال، بجعل ~~المبتدأ ذلك، وتعريف الخبر باللام5 كان عند السامع قبل أن يتأمله6 مظنة ~~PageV03P108 # أنه1 مما يرمي به جزافا2 من غير تحقق، فأتبعه3 لا ريب فيه، نفيا لذلك، ~~اتباع الخليفة نفسه، إزالة لما عسى أن يتوهم السامع أنك في قولك جاءني ~~الخليفة، متجوز أو ساه، وكذا قوله: {كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} ~~الثاني مقرر لما أفاده الأول. كذا قوله: {إنا معكم إنما نحن مستهزئون} ؛ ~~لأن قوله: {إنا معكم} معناه الثبات على اليهودية وقوله: {إنما نحن ~~مستهزئون} رد للإسلام ودفع له منهم؛ لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر ~~له ودافع له، لكونه غير معتد به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته، ويحتمل ~~الاستئناف، أي فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد. # وثانيهما أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظي4 من متبوعه في ~~إفادة التقرير مع اتحاد المعنى، كقوله تعالى: {الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~هدى للمتقين 5} ، فإن هدى للمتقين معناه أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك ~~كنهها حتى كأنه هداية محضة6، PageV03P109 # وهذا معنى قوله: {ذلك الكتاب 1} ؛ لأن ms179 معناه كما مر الكتاب الكامل، ~~والمراد بكماله كما له في الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت في ~~درجات الكمال2 وكذا قوله تعالى3: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون} ، فإن معنى قوله: {لا يؤمنون} معنى ما قبله، وكذا ما بعده4 تأكيد ~~ثان؛ لأن عدم التفاوت بين الإنذار وعدمه لا يصح إلا في حق من ليس له قلب ~~يخلص إليه حق، وسمع تدرك به حجة، وبصر تثبت به عبرة. ويجوز أن يكون {لا ~~يؤمنون} خبرا؛ لأن، فالجملة قبلها اعتراض. # الثاني: أن تكون الثانية بدلا من5 الأولى، والمقتضى للإبدال PageV03P110 # كون الأولى غير وافية بتمام المراد1 بخلاف الثانية2 والمقام يقتضى اعتناء ~~بشأنه3 لنكتة ككونه4 مطلوبا في نفسه5 أو فظيعا6 أو عجيبا7 أو لطيفا8. # وهو ضربان: # أحدهما: أن تنزل الثانية من الأول منزلة بدل البعض9 من متبوعه، كقوله ~~تعالى: {أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون} ، فإنه مسوق ~~للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين10 وقوله: {أمدكم بأنعام وبنين ~~وجنات وعيون} ، أو فى بتأديته11 مما قبله. PageV03P111 # لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم من كونهم معاندين، ~~والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ويحتمل ~~الاستئناف. # وثانيهما 1: # أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال من متبوعه كقوله تعالى: ~~{اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} ، فإن المراد هو ~~حمل المخاطبين على إتباع الرسل، وقوله تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا ~~وهم مهتدون} ، أو فى بتأدية ذلك؛ لأن معناه لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ~~وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، وقول الشاعر: # أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما # فإن المراد به2 كما ل إظهار الكرامة لاقامته3 بسبب خلاف سره العلن وقوله: ~~"لا تقيمن عندنا" أو فى بتأديته لدلالته4 عليه بالمطابقة مع التأكيد5، ~~بخلاف "ارحل" ووازن الثانية من كل PageV03P112 # واحد من الآية والبيت وازن حسنها في قولك: "أعجبتني الدار حسنها"؛ لأن ~~معناها مغاير لمعنى ما قبلها1 وغير داخل ms180 فيه2 مع ما بينهما3 من الملابسة. # الثالث: أن تكون الثانية بيانا للأولى4 وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف ~~البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، والمقتضى للتبيين أن يكون في الأولى ~~نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته كقوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا ~~آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} ، فصل جملة قال: عما قبلها ~~لكونها تفسيرا له وتبينا، ووازنه وازن عمر في قوله: # أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر5 PageV03P113 # وأما قوله تعالى: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} ، فيحتمل التبيين ~~والتأكيد: أما التبيين؛ فلأنه يمتنع أن يخرج من جنس البشر ولا يدخل في جنس ~~آخر فإثبات الملكية له تبيين لذلك الجنس وتعيين، وأما التأكيد؛ فلأنه إذا ~~كان ملكا لم يكن بشرا؛ ولأنه إذا قيل في العرف لإنسان ما هذا بشر حال تعظيم ~~له وتعجب ما يشاهد منه من حسن حلق أو خلق كان الغرض أنه ملك بطريق الكناية. ~~فإن قيل هلا نزلتم الثانية منزلة بدل الكل من متبوعه في بعض الصور، ومنزلة ~~النعت من متبوعه في بعض قلنا،1؛ لأن بدل الكل لا ينفصل عن التأكيد إلا بأن، ~~لفظه غير لفظ متبوعه وأنه مقصود بالنسبة دون متبوعه بخلاف التأكيد، والنعت ~~لا يفصل عن عطف البيان2، إلا بأنه يدل على بعض أحوال متبوعه لا عليه، وعطف ~~البيان بالعكس3 وهذه كلها اعتبارات لا يتحقق شيء منها فيما نحن بصدده4. ~~PageV03P114 ### | ........................................................................ # PageV03P115 ### | ........................................................................... # PageV03P116 # شبه كما ل انقطاع: # وأما كون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى: # فلكون عطفها عليها1 موهما لعطفها على غيرها2. ويسمى الفصل لذلك قطعا، ~~مثاله قول الشاعر: # وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم3 PageV03P117 # لم يعطف "أراها" على "تظن" لئلا يتوهم السامع أنه معطوف على "أبغي" لقربه ~~منه مع أنه ليس بمراد. ويحتمل الاستئناف1. # وقسم السكاكي القطع إلى قسمين: # أحدهما: القطع للاحتياط وهو ما لم يكن لمانع من العطف كما في هذا البيت. # والثاني: القطع للوجوب، وهو ما كان لمانع، ومثله بقوله تعالى: ms181 {الله ~~يستهزئ بهم} قال: لأنه لو عطف لعطف إما على جملة {قالوا} وإما على جملة: ~~{إنا معكم} ، وكلاهما لا يصح لما مر2 وكذا قوله: {ألا إنهم هم السفهاء} . # وفيه نظر: لجواز أن يكون المقطوع في المواضع الثلاثة معطوفا على الجملة ~~المصدرة بالظرف وهذا القسم لم يبين امتناعه. PageV03P118 # شبه كما ل الاتصال 1: # وأما كونها2 بمنزلة المتصلة بما3 فلكونها جوابا عن سؤاله اقتضته الأولى4، ~~فتنزل منزلته5 فتفصل الثانية عنها6، كما يفصل الجواب عن السؤال7 وقال ~~السكاكي8، فينزل ذلك9 منزلة الواقع10 ثم قالوا تنزيل السؤال بالفحوى منزلة ~~الواقع لا يصار إليه إلا لجهات11 لطيفة، أما لتنبيه السامع على موقعه، أو ~~لإغنائه أن يسأل12 أو لئلا يسمع منه شيء13، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه، ~~PageV03P119 # أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف، ~~أو لغير ذلك مما ينخرط في هذا السلك1. ويسمى الفصل لذلك2 استئنافا، وكذا ~~الجملة الثانية أيضا تسمى استئنافا3. # والاستئناف4 ثلاثة أضرب: لأن السؤال الذي تضمنته الجملة5 الأولى: # "1-" إما عن سبب الحكم فيها مطلقا 6، كقوله: PageV03P120 # قال لي: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل1 # أي ما بالك عليلا أو ما سبب علتك2، وقوله3. # وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغر بعد ما غرضا # جريت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا # أي لم تقول هذا ويحك، وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحيا ة إلى هذا الحد ~~كشحك. ### | 2- # وإما عن سبب خاص له4، كقوله تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء} ، كأنه قيل: هل النفس أما رة بالسوء5؟ فقيل: إن النفس لأمارة ~~بالسوء6. وهذا الضرب. PageV03P121 # يقتضي تأكيد الحكم1 كما مر في باب أحوال الإسناد2 وأما عن غيرهما3 كقوله ~~تعالى4: {فقالوا سلاما قال سلام} ، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم عليه ~~السلام فقيل: قال سلام، ومنه قول الشاعر: # زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي5 # فإنه لما أبدي الشكاية من جماعات العذال، كان ذلك مما يحرك السامع ليسأل ~~أصدقوا في ذاك ms182 أم كذبوا؟ فأخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، ففصل. ~~ومثل قول جندب بن عمار6: PageV03P122 # زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت # كذب العواذل، لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن: لج وذلت # وقد زاد هنا أمر الاستئناف تأكيدا بأن وضع الظاهر موضع المضمر1 من حيث ~~وضعه وضعا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتي به مأتى ما ليس قبله كلام ومن ~~الأمثلة قول الوليد2: # عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال # عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال3 # فإنه لما قال عفا، وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه، كان مظنة أن ~~يسأل عن الفاعل، ومثله قول أبي الطيب4: # وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا # فإنه لما نفي الفعل الموجود عن الرياح، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل وأيضا ~~من الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه5 كقوله: "أحسنت إلى زيد. ~~زيد حقيق بالإحسان6". PageV03P123 # ومنه ما يبنى على صفته1 كقولك "أحسنت إلى زيد"، صديقك القديم أهل لذلك7. ~~وهذا أبلغ لانطوائه على بيان السبب3. # وقد يحذف صدر الاستئناف4 لقيام قرينة، كقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال، رجال} ، فيمن قرأ "يسبح" مبنيا للمفعول5، وعليه نحو قولهم: "نعم ~~الرجل أو رجلا زيد، وبئس الرجل أو رجلا عمرو"، على القول بأن المخصوص خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو زيد6 كأنه لما قيل ذلك فأيهم الفاعل بجعله معهودا ذهنيا ~~مظهرا أو مضمرا، سئل عن تفسيره، فقيل: هو زيد ثم حذف المبتدأ. PageV03P124 # وقد يذدف الاستئناف كله، ويقام ما يدل عليه مقامه كقول الحماسي1: # زعمتم أن أخوتكم قريش ... له ألف وليس لهم آلاف # حذف الجواب الذي هو كذبتم في زعمكم، وأقام قوله "لهم ألف وليس لكم آلاف" ~~مقامه، لدلالته عليه، ويجوز أن يقدر قوله: "لهم ألف وليس لكم آلاف" جوابا ~~لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنه لما قال المتكلم كذبتم، قالوا لم كذبنا؟ ~~فقال: لهم ألف وليس لكم آلاف، فيكون في البيت استئنافان. # وقد يحذف ولا يقام شيء مقامه1 كقوله تعالى: ms183 {نعم العبد} أي أيوب أو هو، ~~لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه، ونحوه قوله: {فنعم الماهدون} . أي ~~نحن3. PageV03P125 ### | مواضع الوصل # 1: # وإن لم يكن بين الجملتين شيء من الأحوال الأربع تعين الوصل # "الوصل لدفع الإيهام": # إما لدفع إيهام خلاف المقصود2، كقول البلغاء. لا وأيدك الله3. ~~PageV03P126 # وهذا عكس للقطع. # "الوصل للتوسط بين الكمالين": # وأما1 للتوسط بين حالتي كما ل الانقطاع وكمال الاتصال. وهو ضربان. # أحدهما أن يتفقا خبرا أو إنشاء لفظا ومعنى، كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي ~~نعيم وإن الفجار لفي جحيم} 2، وقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي} 3، وقوله: {يخادعون الله وهو خادعهم} 4، وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا} 5. PageV03P127 # والثاني: أن يتفقا كذلك1 معنى لا لفظا 2، كقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق ~~بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين وقولوا} ، عطف قوله "وقولوا" على قوله: {لا تعبدون} ؛ لأنه بمعنى ~~لا تعبدوا3 وأما قوله: {وبالوالدين} PageV03P128 # {إحسانا} فتقديره: إما وتحسنون بمعنى وأحسنوا، وإما وأحسنوا، وهذا أبلغ ~~من صريح الأمر؛ لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه1. # وأما قوله2 في سورة البقرة: {وبشر الذين آمنوا} ، فقال الزمخشري فيه: فإن ~~قلت علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلت: المراد ~~ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف ~~عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جملة ~~وصف عقاب الكافرين، كما تقول "زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرا بالعفو ~~PageV03P129 # والإطلاق"1 ولك أن تقول هو معطوف على فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا ~~عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم هذا كلامه. # وفيه نظر لا يخفى على المتأمل2. # وقال3 أيضا في قوله تعالى في سورة الصف: {وبشر المؤمنين} أنه معطوف على ~~"تؤمنون"؛ لأنه بمعنى آمنوا. # وفيه أيضا نظر: لأن المخاطبين في "تؤمنون" هم المؤمنون وفي "بشر" هو ~~النبي عليه السلام، ثم قوله "تؤمنون" بيان لما قبله على ms184 سبيل الاستئناف ~~فكيف يصح عطف "بشر المؤمنين" عليه4. # وذهب السكاكي5، إلى أنهما معطوفان على "قل" مرادا قبل "يا أيها الإنسان، ~~ويا أيها الذين آمنوا"؛ لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه ~~غير عزيزة في القرآن، وذكر صورا كثيرة. PageV03P130 # منها قوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا} ، وقوله: {وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا} ، وقوله: {وإذا جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا واتخذوا} ، أي وقلنا أو قائلين. # والأقرب1 أن يكون الأمر في الآيتين معطوفا على مقدر يدل عليه ما قبله، ~~وهو في الآية الأولى: {فأنذر} أو نحوه أي: فأنذرهم وبشر الذين آمنوا، وفي ~~الآية الثانية: {فأبشر} أو نحوه" أي: فأبشر يا محمد وبشر المؤمنين. وهذا ~~كما قدر الزمخشري قوله تعالى: {واهجرني مليا} معطوفا على محذوف يدل عليه ~~قوله: {لأرجمنك} أي: فاحذرني واهجرني؛ لأن: {لأرجمنك} تهديد. PageV03P131 ### | الجامع # 1 ": # والجامع بين الجملتين2 يجب أن يكون باعتبار المسند إليه في هذه والمسند ~~إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه والمسند في هذه جميعا3 كقولك يشعر زيد ~~ويكتب ويعطي ويمنع5 وقولك زيد شاعر وعمرو كاتب، وزيد طويل وعمرو قصير إذا ~~كان بينهما مناسبة كان يكونا أخوين أو نظيرين6، بخلاف قولنا زيد شاعر وعمرو ~~كاتب إذا لم يكن بينهما مناسبة7. PageV03P132 # وقولنا: "زيد شاعر وعمرو طويل" كان بينهما1 مناسبة أو لا. # وعليه قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون} ، فقطع عما قبله؛ لأنه كلام في شأن الذين كفروا وما قبله كلام في ~~شأن القرآن. # وأما ما يشعر به ظاهر كلام السكاكي في مواضع من كتابه أنه يكفي أن يكون ~~الجامع باعتبار المخبر عنه أو الخبر أو قيد من قيودهما فإنه منقوض بما مر ~~وبنحو قولك هزم الأمير الجند يوم الجمعة وخاط زيد ثوبي، ولعله سهو فإنه صرح ~~في موصع آخر منه بامتناع عطف قول القائل: "خفي ضيق" على قوله: "خاتمي ضيق" ~~مع اتحادهما في الخبر2. # ثم قال3: # الجامع بين الشيئين عقلي وهمي وخيالي: PageV03P133 ### | ........................................................................ # PageV03P134 # "الجامع العقلي": # أما العقلي فهو: # أن يكون ms185 بينهما اتحاد في التصور1 أو تماثل2: فإن العقل بتجريده المثلين ~~عن التشخص في الخارج يرفع التعدد، أو تضايف3 كما بين العلة والمعلول4 ~~والسبب والمسبب والسفل والعلو الأقل والأكثر فإن العقل يأبى أن لا يجتمعا ~~في الذهن. PageV03P135 # "الجامع الوهمي": # وأما الوهمي1: فهو أن يكون بين تصوريهما: ### | 1- # شبه تماثل2 كلون بياض ولون صفرة. # فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة في قوله: ~~"محمد بن وهيب". # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر2 ### | 2- # أو تضاد4 كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة ~~والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك PageV03P136 # والسكون القيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان ~~والكفر1 وكالمتصفات بذلك كالأسود والأبيض والمؤمن والكافر. ### | 3- # أو شبه تضاد2 كالسماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني، فإن الوهم ~~ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجمع بينهما في الذهن ~~ولذلك تجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد. PageV03P137 # "الجامع الخيالي1": # والخيالي أن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال2 سابق3. # وأسبابه مختفة4- ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتبا ووضوحا5، ~~فكم صور تتعانق في خيال وهي في آخر لا تتراءي، وكم صورة لا تكاد تلوح في ~~خيال وهي في غيره نار على علم، كما يحكي1 أن صاحب سلاح ملك وصائغا وصاحب ~~بقر ومعلم صبية سافروا ذات يوم وواصلوا سير النهار بسير الليل، فبينما هم ~~في وحشة الظلام ومقاساة خوف التخبط والضلال، طلع عليهم البدر PageV03P138 # بنوره فأفاض كل منهم في الثناء عليه وشبهه بأفضل ما في خزانة صوره، فشبهه ~~السلاحي بالترس المذهب يرفع عند الملك، والصائغ بالسبيكة من الإبريز تفتر ~~عن وجهها البتوقة، والبقار بالجبن الأبيض يخرج من فالبه طريا والمعلم برغيف ~~أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة، وكما يحكى1 عن وراق يصف حاله: عيشي أضيق من ~~محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرق من الزجاج، وحظي أخفى من شق القلم ~~وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادا من الحبر وسوء ~~الحال لي ألزم من الصمغ. # ولصاحب1 علم المعاني فضل احتياج إلى التنبيه ms186 لأنواع الجامع لا سيما ~~الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد لأسباب في ذلك3 ~~كالجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض ~~كيف سطحت} ، بالنسبة إلى أهل الوبر فإن جل انتفاعهم في معاشهم من الإبل ~~فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب ~~وذلك بنزول المطر فيكثر تقلب وجوههم في السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم ~~وحصن يتحصنون به ولا شيء لهم في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم ~~في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا فتش البدوي في خياله وجد صور هذه ~~الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور بخلاف الحضري فإذا تلا قبل الوقوف ~~على ما ذكرنا ظن النسق لجهله معيبا. PageV03P139 ### | محسنات الوصل # 1 ": # ومن محسنات الوصل1 تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية2 وفي المضي ~~والمضارعة3، إلا لمانع4 كما إذا أريد بإحداهما التجدد وبالأخرى الثبوت كما ~~إذا كان زيد وعمرو قاعدين ثم قام زيد دون عمرو فقلت قام زيد وعمرو قاعد5 ~~كما سبق. PageV03P140 ### | ......................................................................... # PageV03P141 ### | الجملة الحالية # 1 ": # ومما يتصل بهذا الباب القول في الجملة إذا وقعت حالا منتقلة2، فإنها تجيء ~~تارة بالواو وتارة بغير الواو، فنقول: # أصل3 الحال المنتقلة أن تكون بغير واو لوجوه: # الأول: أن إعرابها ليس بتبع وما ليس إعرابه بتبع لا يدخله الواو وهذه ~~الواو إن كانت تسمى واو الحال فإن أصلها العطف. # الثاني: أن الحال في المعنى حكم على ذي الحال كالخبر بالنسبة إلى ~~المبتدأ4 إلا أن الفرق بينه وبينها أن الحكم به يحصل بالأصالة لا في ضمن ~~شيء آخر والحكم بها إنما يحصل في ضمن غيرها5 فإن الركوب مثلا في قولنا جاء ~~زيد وراكبا محكوم به على زيد لكن لا بالأصالة بل بالتبعية، بل وصل بالمجيء ~~وجعل قيدا له بخلافه في قولنا زيد راكب, PageV03P142 # الثالث: أنها في الحقيقة وصف لذي الحال فلا يدخلها الواوكالنعت1. # فثبت ms187 أن أصلها أن تكون بغير واو لكنه خولف الأصل فيها إذا كانت جملة؛ ~~لأنها بالنظر إليها من حيث هي جملة2؛ مستقلة بالإفادة تحتاج3 إلى ما يربطها ~~بما جعلت حالا عنه، وكل واحد من الضمير4 والواو صالح للربط، والأصل5 الضمير ~~بدليل الاقتصاد عليه في الحال المفردة والخبر والنعت6. # وإذا تمهد هذا فنقول: # الجملة التي تقع حالا ضربان: خالية عن ضمير ما تقع حالا عنه، وغير خالية. ~~PageV03P143 # أما الأولى: # فيجب أن نكون1 بالواو لئلا تصير منقطعة عنه غير مرتبطة2 به، وكل جملة ~~خالية عن ضمير ما يجوز3 أن ينتصب عنه حال يصح أن تقع حالا عنه إذا كانت مع ~~الواو، إلا المصدرة بالمضارع المثبت كقولك "جاء زيد ويتكلم عمرو" على أن ~~يكون "ويتكلم عمرو" حالا عن زيد، لما سيأتي أن ارتباط مثلها يجب أن يكون ~~بالضمير وحده. PageV03P144 # وأما الثانية 1: # فتارة يجب أن تكون بالواو، وتارة يمتنع ذلك، وتارة يترجح أحدهما وتارة ~~يستوي الأمران، والواو غير مناف للضمير في إفادة الرابط، فتعين التنبيه على ~~أسباب الاختلاف، فنقول: ### | 1- # الجملة إن كانت فعلية والفعل مضارع مثبت امتنع الواو2، كقوله تعالى: ~~{ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وقوله: {ولا تمنن تستكثر 3} وقوله: {وسيجنبها ~~الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} ؛ لأن أصل الحال. PageV03P145 # المفردة أن تدل على حصول صفة1 غير ثابتة2، مقارن3 لما جعلت قيدا له، ~~والمضارع المثبت كذلك4: أما دلالته على حصول صفة غير ثابتة؛ فلأنه فعل5 ~~مثبت6، والفعل المثبت يدل على التجدد وعدم الثبوت كما مر، وأما دلالته على ~~المقارنة فلكونه مضارعا7 فوجب أن يكون بالضمير وحده كالحال المفردة، ولهذا ~~امتنع نحو "جاء زيد ويتكلم عمر". PageV03P146 # وأما ما جاء من نحو قول بعض العرب: قمت وأصك عينه أو وجهه وقول عبد الله ~~بن همام السلولي1: # فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا # فقيل: على حذف المبتدأ2 أي وأنا أصك عينه، وأنا أرهنهم، وقيل الأول شاذ3 ~~والثاني4 ضرورة، قال5 الشيخ عبد القاهر: ليست الواو فيهما للحال بل هي ~~للعطف، وصك "أرهن" معنى صككت ورهنت، ولكن الغرض من إخراجهما على لفظ ms188 الحال ~~أن يحكيا الحال في أحد الخبرين ويدعا الآخر على أصله6 كما في قوله "عميرة ~~بن جابر الحنفي": # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم قلت7 لا يعنيني # يبين ذلك أن الفاء لا تجيء مكان الواو في مثله كما في خبر عبد الله بن ~~عتيك8 فإنه ذكر دخوله على أبي رافع اليهودي حصنه، ثم قال: فانتهى إليه فإذا ~~هو في بيت مظلم لا أدري أين هو من البيت؟ قلت. PageV03P147 # أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش، فإن ~~قوله فأضربه مضارع عطفه بالفاء على ماض؛ لأنه في المعنى ماضي. ### | 2- # وإن كان الفعل مضارعا منفيا1 فيجوز فيه الأمران من غير ترجيح2، لدلالته ~~على المقارنة لكونه مضارعا، وعدم دلالته على الحصول لكونه منفيا. أما مجيئه ~~بالواو فكقراءة ابن ذكوان: فاستقيما ولا تتبعان، بتحقيق النون3 وقول بعض ~~العرب: كنت ولا أخشى بالذيب، وقول مسكن الدارمي: PageV03P148 # أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب1 # وقول مالك بن رفيع: هو كان قد جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير: # بغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد # أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد2 # وأما مجيئه بعير واو كقوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله} 3 وقول عكرشة ~~العبسي4: # مضوا لا يريدون الرواح، وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر # وقول خالد بن يزيد بن معاوية: # لو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب PageV03P149 # وقول الأعشي1: # أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم # وكان سفاهة مني وجهلا ... مسيري لا أسير إلى حميم2 # كأنه قال: سفاهة مني وجهلا أن سرت غير سائر إلى حميم3. ### | 4- # وإن كان ماضيا لفظا4 أو معنى5 فكذلك يجوز الأمران من غير ترجيح. # أما مجيئه بالواو فكقوله تعالى: {أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر} ، ~~وقوله تعالى: {أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا} ، وقال امرئ القيس: # أتقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعفت المهنوءة الرجل الطالي6 ~~PageV03P150 # وقوله1: # فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر ms189 إلا لبسة المتفضل # وقوله تعالى: {أو قال أو حي إلي ولم يوح إليه شيء} ، وقوله: {يكون لي ~~غلام ولم يمسسني بشر} ، وقول كعب: # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل # وقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم} ، وقول الشاعر: # دانت قطام ولما يحظ ذو مقة ... منها بوصل ولا إنجاز ميعاد2 # وقول الشاعر: # وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر # وقوله: # أتيناكم قد عمكم حذر العدا ... فنلتم بنا أمنا ولم تعدموا نصرا3 # وقوله4: # حتى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل # وكقوله تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم PageV03P151 # سوء1 وقوله: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا} ، وقول امرئ ~~القيس: # فأدرك لم يجهد ولم يئن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب2 # وقول زهير: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا، لم يحطم3 # والسبب في أن جاز الأمران فيه إذا كان مثبتا4 دلالته على حصول صفة غير ~~ثابتة لكونه فعلا، وعدم دلالته على المقارنة لكونه ماضيا5. ولهذا6 اشترط أن ~~يكون مع7 قد ظاهرة أو مقدرة حتى تقربه إلى الحال فيصبح وقوعه حالا. ~~PageV03P152 # وظاهر هذا يقتضي وجوب الواو في المنفي1 لانتفاء المعنيين، لكنه لم يجب ~~فيه، بل كان مثله: أما لمنفي بلما؛ فلأنها للاستغراق2 وأما المنفي بغيرها3؛ ~~فلأنه لما دل على انتفاء متقدم4 وكان الأصل استمرار ذلك5، حصلت الدلالة على ~~المقارنة عند إطلاقه6، بخلاف. PageV03P153 # المثبت1 فإن وضع الفعل على إفادة التجدد2. وتحقيق هذا3 أن استمرار العدم4 ~~لا يفتقر إلى سبب5 بخلاف استمرار الوجود6 كما يبين في غير هذا العلم. ~~PageV03P154 ### | 5- # وإن كانت الجملة1 اسمية فالمشهور أنه يجوز فيها الأمران2 ومجيء الواو أو ~~لى. # أما الأول3 فلعكس ما ذكرناه في المصدرة الماضي المثبت4. فمجيء الواو ~~كقوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} ، وقوله: {ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد} ، وقول امرئ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال. # وقوله: # ليالي يدعوني الهوى وأجيبه ms190 ... وأعين من أهوى إلى رواني6 # والخلو منها كما رواه سيبويه، كلمته فوه إلى7 في، ورجع عوده على بدئه8 ~~بالرفع، وما أنشده أبو علي9 في الإغفال: PageV03P155 # ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق # وقول الآخر: # ما بال عينك دمعها لا يرقأ1. # وقول الآخر2: # ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر # وأما الثاني:3 فلعدم دلالة الاسمية على عدم الثبوت4، مع ظهور الاستئناف ~~فيها5. # فحسن زيادة رابط6 ليتأكد الربط. # وقال الشيخ عبد القاهر7: PageV03P156 ### | 1- # إن كان المبتدأ ضمير ذي الحال وجب الواو1 كقولك جاء زيد وهو يسرع أو وهو ~~مسرع، ولعل وهو يسرع أم "وهو مسرع" ولعل السبب فيه2 أن أصل الفائدة كان ~~يحصل بدون هذا الضمير بأن يقال جاءني زيد يسرع أو مسرعا، فالإتيان به3 يشعر ~~بقصد الاستئناف المنافي للاتصال فلا يصلح4؛ لأن يستقل بإفادة الربط فتجب ~~الواو5. PageV03P157 # ب- وقال أيضا1: أن جعل نحو "على كتفه سيف" بتقديم الظرف حالا عن شيء كما ~~في قولنا "جاء زيد على كتفه سيف" كثر فيها أن تجيء بغير واو، كقول بشار2: # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي. علي سواد # يعني: على بقية من الليل، وقول أبي الصلت عبد الله الثقفي يمدح ابن ذي ~~يزن3: # فاشرب هنيئا، عليك التاج، مترفقا ... في رأس غمدان دارا منك مجلالا ~~PageV03P158 # وقول الآخر: # لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب # ثم قال:1 والوجه أن يقدر اسم في الأمثلة مرتفعا بالظرف2 فإنه جائز باتفاق ~~من صاحب الكتاب وأبي الحسن لاعتماده على ما قبله3، ثم اختار أن يكون الظرف ~~ههنا خاصة4 في تقدير اسم فاعل5 وجوز أيضا في أن يكون في تقدير فعل ماض مع ~~قد6، ومنع أن يكون في تقدير فعل مضارع7 ولعله اختار تقديره باسم فاعل لرجوع ~~الحال حينئذ PageV03P159 # إلى أصلها في الأفراد ولهذا كثر مجيئها بلا واو، وإنما جوز التقدير بفعل ~~ماض أيضا لمجيئها بالواو قليلا وإنما منع التقدير بفعل مضارع؛ لأنه لو جاز ~~التقدير به لامتنع مجيئها بالواو. # ج- ثم قال:1 ms191 وربما يحسن مجئ الاسمية بلا واو لدخول حرف على المبتدأ، وكما ~~في قوله2: # فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد3 # فإنه لولا دخول كأن عليه لم يحسن الكلام إلا بالواو وكقولك: عسى أن ~~تبصريني وبين حوالي الأسود. ثم قال4 وشبيهه بهذا أن تقع. PageV03P160 # حالا بعقب مفرد فيلطف1 مكانها بخلاف ما لو أفردت كقول ابن الرومي: # والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم2 PageV03P161 ### | ........................................................................ # PageV03P162 # الجملة الحالية1. # الفكرة العامة في البحث: # الجملة التي تقع حالا إما أن تكون فعلية: مبدوءة بفعل مضارع مثبت أو منفي ~~أو بماض مثبت أو منفي، وإما أن تكون جملة اسمية، وفي هذه الأنواع كلها قد ~~يجب أن تقرن الجملة الحالية بالواو وقد يجب تركها وقد يجوز الأمران: فما ~~السر في ذلك؟ # هناك أصلان ينبني عليهما معرفة أحكام الجملة الحالية بالتفصيل، وهما: # الأول: الجملة التي تقع حالا تحتاج إلى رابط يربطهما بصاحب الحال ~~لاستقلالها بالإفادة فيصل هذا الرباط بينها وبين صاحبها بصلة وثيقة، وهذا ~~الربط إما: ### | 1- # الضمير وهو الأصل في الربط بدليل الاقتصار عليه في الحال المفردة وفي ~~الخبر والنعت. ### | 2- # أو الواو وهي وإن كانت واو الحال إلا أن أصلها العطف فهي شبيهة بحرف ~~العطف ولذلك بحثنا عن أحكام الجملة الحالية في باب الفصل والوصل. ### | 3- # أو الضمير والواو معا. # الثاني: أن الحال المفردة المنتقلة الأصل فيها أن تكون بغير الواو، ~~لشبهها بالخبر والنعت، وهي تدل على أمرين: ### | 1- # حصول صفة غير ثابتة. ### | 2- # مقارنة لعاملها. فإذا شبهت الجملة الواقعة حالا الحال المفردة في إفادتها ~~الأمرين: الحصول والمقارنة أعطيت الجملة حينئذ حكم الحال المفردة في امتناع ~~اقترانها بالواو: وإذا أشبهتها في أحد هذين الأمرين جاز الاتيان بالواو ~~وجاز تركها وربما رجح أحدهما. PageV03P163 ### | التفصيل # أ- مواضع وجوب الإتيان بالواو في بدء الجملة الحالية: # ب- يجب الإتيان بالواو في موضع واحد: وهو ما إذا خلت الجملة الحالية من ~~ضمير صاحب الحال، لوجوب الرابط وحيث لا ضمير وجبت الواو وذلك وفق ما ذكر في ~~الأصل الأول - المثال خرجت وزيد قائم. # ب- مواضع وجوب ترك الواو: # ويجب ms192 ترك الواو في موضع واحد أيضا: # وهو ما إذا كانت الجملة الحالية مبدوءة بفعل مضارع مثبت، وذلك لشبهها ~~بالحال المفردة تمام المشابهة؛ لأنها تدل حصول صفة؛ "لأن الفعل مثبت" وهذه ~~الصفة غير ثابتة؛ "لأن الحال فعل" والمقارنة موجودة؛ لأن الفعل مضارع فتعطي ~~حينئذ حكم الحال المفردة ي وجوب ترك الواو -المثال: حضر محمد يضحك. # ج- مواضع جواز الواو وتركها: ### | 1- # الجملة الحالية المبدوءة بمضارع منفي بغير لم ولما لدلالة الفعل حينئذ ~~على المقارنة؛ لأنه مضارع دون الحصول؛ لأنه منفي -المثال: سافر الأصدقاء لا ~~يريدون السفر، أو ولا يريدون. ### | 2- # المبدوءة بمضارع منفي بلم ولما أو المبدوءة بماض منفي لدلالة الفعلين ~~حينئذ على المقارنة لاستغراق النفي أو استمراره دون الحصول؛ لأن الفعل منفي ~~-مثل: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر، نال محمد طلبه ما ذهب كثيرا أو وما تعب. ### | 3- # المبدوءة بماض مثبت لدلالته على الحصول؛ لأنه فعل مثبت وعد دلالته على ~~المقارنة؛ لأنه ماض ولذلك اشترط أن يكون مع قد ظاهرة أو مقدرة لتقربه إلى ~~الحال -المثال. # أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر - كما انتقض العصفور بلله القطر. ### | 4- # الجملة الاسمية مطلقا مع ترجيح ذكر الواو والسر في جواز الأمرين فيها ~~"الواو وعدمها" دلالتها على المقارنة دون حصول صفة غير # PageV03P164 # ثابتة، والسر في ترجيح ذكر الواو ظهور الاستئناف في الجملة الاسمية ~~-المثال: # نجحت وأنا واثق من النجاح، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون، ثم راحوا ~~عبق السمك بهم، ما بال عينك دمعها لا يرقأ. # مذهب عبد القاهر في الجملة الاسمية: # ولعبد القاهر رأي خاص في الجملة الاسمية يخالف الرأي السابق الذي ذهب ~~إليه الخطيب وخلاصة مذهبه. ### | 1- # المبتدأ إذا كان ضمير صاحب الحال وجبت الواو لظهور الاستئناف. المثال ~~جاءني خالد وهو يسرع ومن باب أو لى إذا كان المبتدأ اسما ظاهرا. "اسم صاحب ~~الحال" أو سببا له مثل جاءني خلد وخالد يسرع أو "وعمرو" معه. ### | 2- # الجملة الاسمية التي خبرها جار ومجرور مقدم فالأرجح فيها ترك الواو ms193 مثلي ~~جاءني الخادم على رأسه الغذاء. ### | 3- # الجملة الاسمية المصدرة بحرف غير الواو يحصل به نوع من الارتباط بالأرجح ~~فيها أيضا ترك الواو مثل سرت كأنما أشعر بتعب شديد. ### | 4- # الجملة الاسمية الواقعة حالا بعقب حال مفردة فالأرجح فيها الترك أيضا مثل ~~سافرت مغتبطا، نفسي متفائلة بالخير. # PageV03P165 ### | القول في الإيجاز والإطناب والمساواة ### | تعريفه # ... # القول في الإيجاز والإطناب والمساواة 1: # "تعريف السكاكي": # قال السكاكي2: # أما الإيجاز والإطناب3 فلكونهما نسبيين4 لا يتيسر الكلام PageV03P169 # فيهما إلا بترك التحقيق1 والبناء على شيء عرفي2، مثل جعل كلام الأوساط ~~على مجرى متعارفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم. # ولا بد من الاعتراف بذلك مقيسا عليه ولنسمه متعارف الأوساط3. PageV03P170 # وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم1 ولا يذم2. فالإيجاز هو أداء المقصود ~~من الكلام بأقل من عبارات3 متعارف الأوساط. والإطناب هو أداؤه بأكثر من ~~عباراته. سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل4. ثم ~~قال5، الاختصار6 لكونه من الأمور النسبية يرجع في بيان دعواه7 إلى ما سبق ~~تارة8 وإلى كون المقام9 خليقا بأبسط مما ذكر10. PageV03P171 # وفيه نظر1: ### | 1- # لأن كون الشيء نسبيا لا يقتضي أن لا يتيسر الكلام فيه إلا بترك التحقيق ~~والبناء على شيء عرفي2. ### | 2- # ثم البناء على: متعارف الأوساط. والبسط الذي يكون المقصود جديرا به3. رد ~~إلى جهالة4 فكيف يصلح للتعريف. PageV03P172 # "تعريف الخطيب": # والأقرب1 أن يقال: # المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد2 بلفظ مساو2 له أو ~~ناقص4 عنه واف5 أو زائد عليه6، لفائدة7 والمرد بالمساواة أن يكون اللفظ ~~بمقدار أصل المراد لا ناقصا عنه بحذف أو غيره كما سيأتي ولا زائدا عليه ~~بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض PageV03P173 # كما سيأتي1 وقولنا واف احتراز عن الإخلال. وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن ~~أداء المعنى2 كقول عروة بن الورد3: # عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا # فإنه أراد إذ يقتلون نفوسهم في السلم. # وقول الحارث بن حلزة: # والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا4 # فإنه أراد5 العيش الناعم في ms194 ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال ~~العقل. الحل كما ترى. # وقولنا "الفائدة" احتراز عن شيئين: PageV03P174 # أحدهما: التطويل1 وهو أن لا يتعين الزائدة في الكلام كقوله2: # "وقددت الأديم لراهشيه" ... وألفى قولها كذبا3 ومينا # فإن الكذب والمين واحد4. # وثانيهما: ما يشتمل على الحشو. والحشو ما يتعين أنه الزائد5 وهو ضربان: # أحدهما ما يفسد المعنى كقول أبي الطيب: # ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب6 PageV03P175 # فإن لفظ الندى فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا ~~للشجاعة والصبر والندى لولا الموت. وهذا الحكم صحيح في الشجاعة1 دون الندى؛ ~~لأن الشجاع لو علم أن يخلد في الدنيالم يخش الهلاك في الإقدام فلم يكن ~~لشجاعته فضل2 بخلاف الباذل ما له، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله. ~~ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنى أثق بالتمتع بهذا ~~المال. وعليه قوله طرفة: # فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي # وقول مهيار: # فكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل # فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل. فالشجاعة لولا الموت لم ~~تحمد والندى بالضد. # وأجيب عنه: بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال. ~~PageV03P176 # كما قال مسلم بن الوليد "يمدح داود بن حاتم المهلبي": # يجود بالنفس من ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود1 # ورد بأن لفظ الندى لا يكاد يستعمل في بذل النفس، وإن استعمل على وجه ~~الإضافة فأما مطلقا فلا يفيد إلا بذل المال. # والثاني: مما لا يفسد المعنى2 كقوله3: # ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب. PageV03P177 # فإن لفظ "الرأس فيه حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس ~~وليس بمفسد للمعنى، وقول زهير: # وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكني عن علم ما في غد عمي1 # أن قوله قبله مستغنى عنه غير مفسد، وقول أبي عدي2: # نحن الرءوس وما الرءوس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب. ms195 # فإن قوله: "للأقوام" حشو لا فائدة فيه مع أنه غير مفسد. # "ملاحظة": # واعلم أنه قد تشتبه الحال على الناظر لعدم تحصيل معنى الكلام وحقيقته، ~~فيعد من الزائد على أصل المراد ما ليس منه كما مثله بعض الناس بقول ~~القائل3: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على دهم المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطي الأباطح4 ~~PageV03P178 # يبين أنه ليس منه ما ذكره الشيخ1 عبد القاهر في شرحه قال: # أو ل ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: # "ولما قضينا من منى كل حاجة" # فعبر عن قضاء جميع المناسك فرائضها وسننها بطريق العموم الذي هو أحد طرق ~~الاختصار، ثم نبه بقوله: # "ومسح بالأركان من هو ماسح" # على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر ودليل المسير الذي هو مقصود من الشعر ~~ثم قال: "وشدت ... البيت" فتوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زم الركاب ~~وركوب الركبان، ثم دل بلفظ الأطراف على الصفة التي تختص بها الرفاق في ~~السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث أو ما هو عادة المتظرفين من ~~الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط ~~وفضل الارتباط كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب ويليق بحال من وفق ~~لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب وتنسم روائح الأحبة والأوطان ~~واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة ~~لطيفة، حيث قال: وسالت بأعناق المطي الأباطح، فنبه بذلك على سرعة السير ~~ووطأة الظهر وفي ذلك ما يؤكد ما قبله؛ لأن الظهور إذا كانت وطيئة وكان ~~سيرها سهلا زاد ذاك في نشاط الركبان فيزداد الحديث طيبا، ثم قال: بأعناق ~~المطي، ولم يقل: والمطي؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في ~~أعناقها ويتبين أمرها من هو ادبها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في ~~الحركة وتتبعها في الثقل والخفة. PageV03P179 ### | أقسامه # القسم الأول: المساواة 1: # كقوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} 2 وقوله: ms196 {وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ، وقول ~~النابغة الذبياني: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع3. ~~PageV03P180 # القسم الثاني: الإيجاز 1. # وهو ضربان: أحدهما إيجاز القصر وهو ما ليس بحذف، كقوله تعالى: {ولكم في ~~القصاص حياة} ، فإنه لا حذف فيه مع أن معناه كثير يزيد على لفظه؛ لأن ~~المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له قويا إلى ~~أن لا يقدم على القتال، فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل الناس ~~بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وفضله على ما كان عندهم أو جز ~~كلام في هذا المعنى وهو قولهم: القتل أنفى للقتل من وجوه: PageV03P181 # أحدهما: أن عدو حروف ما يناظره1 منه2 وهو في القصاص حياة عشرة في التلفظ ~~وعدة حروفه أربعة عشر. # وثانيهما: ما فيه التصريح بالمطلوب الذي هو الحياة بالنص عليها فيكون ~~أزجر عن القتل بغير حق لكونه أدعى إلى الاقتصاص. # وثالثها: ما يفيده تنكير حياة من التعظيم3 أو النوعية4 كما سبق5. # ورابعها: إضراره 6 بخلاف قولهم، فإن القتل الذي ينفي القتل هو ما كان على ~~وجه القصاص لا غيره7. PageV03P182 # متعلق بثبوته نفيا الملزوم بنفي اللازم1 وكذا قوله تعالى: {ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع 2} أي لا شفاعة ولا طاعة على أسلوب قوله3: # على لاحب لا يهتدي بمناره ... "إذا ساقه العود النباطي جرجرا" # أي: لا منار ولا اهتداء، وقوله4: # لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب به ينجحر # أي: لا ضب ولا انجحار. # ومن أمثلة الإيجاز أيضا قوله تعالى فيما يخاطب به النبي عليه الصلاة ~~والسلام: {خذ العفو5 وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ، فإنه جمع فيه مكارم ~~الأخلاق؛ لأن قوله: {خذ العفو} أمر بإصلاح قوة الشهوة فإن العفو ضد الجهل؛ ~~قال الشاعر: # خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطفي في سورتي حين أغضب6 # أي: خذ ما تيسر أخذه وتسهل، وقوله: {وأعرض عن الجاهلين} أمر بإصلاح قوة ~~الغضب أي: أعرض عن ms197 السفهاء واحلم عنهم ولا تكافئهم PageV03P183 # على أفعالهم، هذا يرجع إليه منها. وأما ما يرجع إلى أمته فدل عليه بقوله: ~~{وأمر بالعرف} أي: بالمعروف والجميل من الأفعال، ولهذا قال جعفر الصادق رضي ~~الله عنه فيما روي عنه: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، ~~وليس في القرآن آية أجمع لها من هذه الآية ومنها1 قول الشريف الرضي: # مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق3 # فإنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، عبر ~~عن ذلك بقوله: أيدي الطعان، ومنه3 ما كتب عمرو بن مسعدة عن المأمون لرجل ~~يعني به، إلى بعض العمال، حيث أمره أن يختصر كتابه ما أمكن: كتابي إليك ~~كتاب واثق ممن كتب إليه معني بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية ~~حاملة. # الضرب الثاني إيجاز الحذف4: # وهو ما يكون بحذف: # والمحذوف أما جزء جملة وجملة أو أكثر من جملة. PageV03P184 # وخامسها: سلامته من التكرار الذي هو من عيوب الكلام خلاف قولهم1. # وسادسا: استغناؤه عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن تقديره: القتل أنفى ~~للقتل من تركه2. # وسابعها: أن القصاص ضد الحياة فالجمع بينهما طباق كما سيأتي3. # وثامنها: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال "في" عليه على ما ~~تقدم. ومنه4 قوله تعالى: {هدى للمتقين} ، أي: هدى للصالحين الصائرين إلى ~~الهدى بعد الضلال، وحسنه التوصل إلى تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه وإلى ~~تصدير السورة بذكر أو لياء الله تعالى، وقوله: {أتنبئون الله بما لا يعلم} ~~5 أي بما لا ثبوت له ولا علم الله PageV03P185 # والأول1 إما مضاف2 كقوله تعالى: {واسأل القرية} أي أهلها3، وكقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة} . أي تناولها؛ لأن الحكم الشرعي إنما يتعلق بالأفعال ~~دون الإجرام، وقوله: {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} أي: تناول طيبات أحل لهم ~~تناولها، وتقدير التناول أو لى من تقدير الأكل؛ ليدخل فيه شرب ألبان الإبل ~~فإنها من جملة ما حرمت عليهم، وقوله: {وأنعام حرمت ظهورها} ، أي: منافع ~~ظهورها وتقدير المنافع أو لى من تقدير ms198 الركوب؛ لأنهم حرموا ركوبها ~~وتحميلها، وكقوله تعالى: {لمن كان يرجو الله} ، أي: رحمة الله، وقوله: ~~{يخافون ربهم} أي: عذاب ربهم وقد ظهر هذان المضافان في قوله: {ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} . # وإما موصوف كقوله4: # أنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني # أي أن ابن رجل جلا5. PageV03P186 # وأما صفة نحو: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} ، أي سفينة صحيحة أو ~~صالحة أو نحو ذلك؛ بدليل ما قبله1 وقد جاء ذلك مذكورا في بعض القراءات، قال ~~سعيد بن جبير: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ "وكان أمامهم ملك يأخذ كل ~~سفينة صالحة غصبا" وأما شرط كما سبق2. # وأما جواب شرط 3 وهو ضربان: # أحدهما: أن يحذف لمجرد الاختصار4، كقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتقوامابين ~~أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون} . أي اعرضوا؛ بدليل قوله بعده: {إلا كانوا ~~عنها معرضين} . # وكقوله تعالى5: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به PageV03P187 # الأرض أو كلم به الموتى} أي: لكان هذا القرآن، وكقوله تعالى: {قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم} ، أي ألستم ظالمين بدليل قوله بعده: {إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} . # والثاني: أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف1، أو لتذهب نفس ~~السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا أو مكروها إلا يجوز أن يكون الأمر ~~أعظم منه، ولو عين شيء اقتصر عليه، وربما خف أمره عنده كقوله: {وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} وكقوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} ، ~~{ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} ، {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ~~ربهم} 2. # قال السكاكي3: رحمه الله: "ولهذا المعنى حذف الصلة من قولهم: "جاء بعد ~~اللتيا والتي، أي أشار إليه بهما وهي المحنة والشدائد PageV03P188 # قد بلغت شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معه حتى لا يحير ببنت شفة ~~... " وأما غير ذلك1 ms199 كقوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل} . أي: ومن أنفق من بعده وقاتل بدليل ما بعده2. ومن هذا الضرب قوله ~~تعالى: {رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس 3 شيبا} ؛ لأن أصله: يا رب إني ~~وهن العظم مني واشتعل الرأس مني شيبا4. وعده السكاكي5 من القسم الثاني من ~~الإيجاز6 على ما فسره، ذاهبا إلى أنه وإن اشتمل على بسط فإن انقراض الشباب ~~وإلمام المشيب جديران بأبسط منه، ثم ذكر فيه لطائف يتوقف بيانها على النظر ~~في أصل المعنى ومرتبته الأولى، ثم أفاد أن مرتبته الأولى: "يا رب قد شخت" ~~فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم تركت هذه المرتبة؛ لتوخي ~~مزيد التقرير إلى تفصيلها في: "ضعف بدني وشاب رأسي" ثم ترك التصريح بضعف ~~بدني إلى الكناية بوهنت عظام بدني؛ لما سيأتي أن الكناية أبلغ من التصريح، ~~ثم لقصد مرتبة رابعة أبلغ من التقرير بنيت الكناية على المبتدأ فحصل: أنا ~~وهنت عظام بدني، ثم لقصد مرتبة خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ فحصل: "إن ~~وهنت عظام بدني" ثم لطلب تقرير أنا الواهن عظام بدنه قصد مرتبة سادسة وهي ~~سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، فحصل أني وهنت العظام من بدني، ثم لطلب مزيد ~~اختصاص العظام به قصد مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن، فحصل PageV03P189 # أني وهنت العظام مني، لم أطلب شمول الوهن العظام فردا فردا، قصدت مرتبة ~~ثامنة وهي ترك الجمع إلى الإفراد1؛ لصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون ~~كل فرد، فحصل ما ترى، وهكذا تركت الحقيقة في: شاب رأسي إلى الاستعارة في: ~~اشتعل شيب رأسي لما سيأتي أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة. ثم تركت هذه ~~المرتبة إلى تحويل الإسناد إلى الرأس وتفسيره ب"شيبا"؛ لأنها أبلغ من جهات: ~~إحداها إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الشيب الرأس؛ إذ وزان اشتعل ~~شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا ~~والفرق كبير، وثانيتهما: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز، وثالثهما: ~~تنكير "شيبا" لإفادة المبالغة: ms200 ثم ترك اشتعل رأسي شيبا؛ لتوخي مزيد التقرير ~~إلى "اشتعل الرأس مني شيبا" على نحو وهن العظم مني، ثم ترك لفظ مني؛ لقرينة ~~عطف: واشتعل الرأس، على وهن العظم مني، لمزيد التقرير وهي إيهام حوالة ~~تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ. # ثم قال2 عقيب هذا الكلام: واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير ~~القبول في القلوب هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي "رب" اختصرت ذلك ~~الاختصار، بأن حذفت كلمة النداء وهي "يا"، وحذفت كلمة المضاف إليه وهي ياء ~~المتكلم، واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب وهي المنادى، ~~والمقدمة للكلام كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة نازلة منزلة ~~الأساس للبناء، فكما أن البناء الحاذق لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من ~~البناء عليه كذلك البليغ يصنع بمبدأ كلامه. فمتى رأيته قد اختصر المبدأ فقد ~~آذنك باختصار ما يورد. PageV03P190 # انتهى كلامه، وعليك أن تنتبه لشيء وهو أن ما جعله سببا للعدول عن لفظ ~~العظام فيه نظر؛ لأنا لا نسلم صحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل1 ~~فرد، فالوجه في ذكر العظم دون سائر ما تركب منه البدن وتوحيده ما ذكره ~~الزمخشري2 قال: إنما ذكر العظم لأنه عمود البدنه وبه قوامه وهو أصل بنائه، ~~وإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما ~~وراءه أو هن، ووحده لأن الواحد الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا ~~الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو ~~جمع لكان قصدا إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن بعض عظامه ولكن كلها2 وأعلم أن ~~المراد بشمول الشيب الرأس أن يعم جملته حتى لا يبقى من السواد شيء أو لا ~~يبقى منه إلا ما لا يعتد به. # والثاني4 أعني ما يكون جملة: # أما مسبب ذكر سببه كقوله تعالى: {ليحق الحق ويبطل الباطل} أي: فعل ما ~~فعل5 وقوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ms201 من ربك} أي: ~~اخترناك، وقوله: {ليدخل الله في رحمته من يشاء} أي: كان الكف ومنع التعذيب، ~~ومنه قول أبي الطيب: PageV03P191 # أتي الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # أي: فساءنا. # أو بالعكس1 كقوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم ~~عند بارئكم فتاب عليكم} أي: فامتثلتم، فتاب عليكم، وقوله: {فقلنا اضرب ~~بعصاك الحجر فانفجرت} ، أي: فضربه بها، فانفجرت2، ويجوز أن يقدر: فإن ضربت ~~بها فقد انفجرت3 أو غير ذلك4 كقوله تعالي: {فنعم الماهدون} على ما مر5. # والثالث6 كقوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى} ~~وقوله: {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف} ، أي: فأرسلوني إلى يوسف؛ ~~لاستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه8 وقال له: يا يوسف7، وقوله: {فقلنا ~~PageV03P192 # اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا} أي: فأتياهم، ~~فأبلغاهم الرسالة، فكذبوهما، فدمرناهم، وقوله: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول ~~رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك} ، أي: فأتياه أبلغاه ~~ذلك، فلما سمعه: {قال ألم نربك} ، ويجوز أن يكون التقدير فأتياه فأبلغاه ~~ذلك ثم يقدر: فماذا قال؟ فيقع قوله: {قال ألم نربك} استئنافا، ونحوه قوله: ~~{اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون، قالت يا أيها ~~الملأ} ، أي: ففعل ذلك، فأخذت الكتاب، فقرأته، ثم كأن سائلا قال: فماذا ~~قالت؟ فقيل: قالت: يا أيها الملأ. وأما قوله تعالى2: {ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما وقالا الحمد لله} فقال الزمخشري في تفسيره: هذا موضع الفاء ~~كما يقال: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر، وعطفه بالواو إشعارا بأن ما قالاه بعض ~~ما أحدث فيهما العلم، كأنه قال: فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه ~~والفضيلة وقالا: الحمد لله، وقال السكاكي2: يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عما ~~صنع بهما وعما قالا، كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد من ~~غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع كقولك: قم يدعوك، بدل: قم فإنه ~~يدعوك. # واعلم أن الحذف على وجهين: أحدهما أن لا يقام شيء مقام المحذوف3 كما سبق ~~4. والثاني ms202 أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى: {فإن تولوا فقد أبلغتكم ~~ما أرسلت به إليكم} ليس إلا بلاغ هو الجواب؛ لتقدمه على توليهم5، والتقدير ~~فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم، أو فلا عذر لكم عند ربكم، وقوله: ~~{وإن يكذبوك فقد PageV03P193 # كذبت رسل من قبلك} أي: فلا تحزن1 واصبر فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: ~~{وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين} أي فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين. # وأدلة الحذف2 كثيرة3 منها4: # أن يدل العقل على الحذف والمقصود الأظهر5 على تعيين المحذوف كقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} الآية، وقوله: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} الآية، فإن العقل يدل على الحذف لما مر6 والمقصود الأظهر يرشد إلى ~~أن التقدير حرم عليكم تناول الميتة وحرم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض ~~الأظهر من هذه الأشياء تناولها ومن النساء نكاحهن. ومنها أن يدل العقل على ~~الحذف والتعيين. PageV03P194 # كقوله: {وجاء ربك} ، أي أمر ربك أو عذابه أو بأسه1 وقوله: {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} أي: عذاب الله أو أمره. # ومنها: أن يدل العقل على الحذف والعادة2 على التعيين، كقوله تعالى حكاية ~~عن امرأة العزيز: {فذلكن الذي لمتنني فيه} دل العقل على الحذف؛ لأن الإنسان ~~إنما يلام على كسبه، فيحتمل أن يكون التقدير في حبه لقوله: {قد شغفها حبا ~~3} ، وأن يكون في مراودته لقوله: {تراود فتاها عن نفسه} ، وأن يكون في شأنه ~~وأمره فيشملهما، والعادة دلت على تعيين: المراودة؛ لأن الحب المفرط لا يلام ~~الإنسان عليه في العادة لقهره صاحبه وغلبته، وإنما يلام على المراودة ~~الداخلة تحت كسبه التي يقدر أن يدفعها عن نفسه. # ومنها: أن تدل العادة على الحذف والتعيين كقوله تعالى: {لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم} ، مع أنهم كانوا أخبر الناس بالحروب، فكيف يقولون بأنهم لا ~~يعرفونها؟ فلا بد من حذف قدره مجاهد رحمه الله مكان قتال، أي أنكم تقاتلون ~~في موضع لا يصلح للقتال ويخشى عليكم منه، ويدل عليه أنهم أشاروا إلى رسول ~~الله أن لا ms203 يخرج من المدينة وأن الحزم البقاء. # ومنها الشروع في الفعل4 كقول المؤمن: "بسم الله الرحمن PageV03P195 # الرحيم"، كما إذا قلت عند الشروع في القراءة: "بسم الله" فإنه يفيد أن ~~المراد بسم الله أقرأ وكذا عند الشروع في القيام والقعود أو أي فعل كان فإن ~~المحذوف يقدر ما1 جعلت التسمية مبدأ له2. # ومنها3: اقتران الكلام بالفعل، فإنه يفيد تقديره كقولك لمن أعرس: ~~بالرفاء4 والبنين5 فإنه يفيد: بالرفاء والبنين أعرست. # القسم الثالث: الإطناب. # وهو إما: ### | 1- # الإيضاح بعد الإبهام": # أما بالإيضاح بعد الإبهام: # ليرى المعنى في صورتين مختلفتين6: أو ليتمكن في النفس فضل تمكن7 فإن ~~المعنى إذا ألقى على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت نفس السامع إلى معرفته ~~على سبيل التفصيل والإيضاح فتتوجه إلى ما يرد بعد ذلك فإذا ألقي كذلك تمكن ~~فيها فضل تمكن وكان شعورها به أتم، PageV03P196 # أو لتمكن اللذة بالعلم به1 فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم ~~يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه تشوقت النفس ~~إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ~~ألم، ثم إذا حصل لها العلم به حصلت لها لذة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى ~~من اللذة التي لم يتقدمها ألم أو لتفخيم الأمر وتعظيمه كقوله2 تعالى: {قال ~~رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري} ، فإن قوله اشرح لي يفيد طلب شرح لشيء ما ~~له3، وقوله: {صدري} يفيد تفسيره وبيانه4 وكذلك قوله: ويسر لي أمري، والمقام ~~مقتض للتأكيد للإرسال المؤذن بتلقي المكاره والشدائد. وكقوله تعالى: ~~{وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} ، ففي إبهامه وتفسيره ~~تفخيم للأمور وتعظيم له. PageV03P197 # ومن الإيضاح بعد الإبهام باب نعم وبئس1 على أحد القولين2 إذ لو لم يقصد ~~الإطناب لقيل: نعم زيد وبئس عمرو3 ووجه حسنه4 سوى الإيضاح بعد الإبهام5 ~~أمران آخران؛ أحدهما: إبراز الكلام في معرض الاعتدال، نظرا إلى إطنابه من ~~وجه وإلى اختصاره من آخر، وهو حذف المبتدأ في الجواب، والثاني إبهام الجمع ~~بين المتنافيين6. PageV03P198 # ومنه1 ms204 التوشيع2 وهو: # أن يؤتى في عجز الكلام3 بمثنى4 مفسر باسمين أحدهما معطوف على الآخر5 كما ~~جاء في الخبر: "يشيب ابن آدم ويشب6 فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل7" وقول ~~الشاعر8: # سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بعير رقيب # فما زلت في ليلين: شعر وظلمة ... وشمسين: من خمر ووجه حبيب # وقول البحتري:9 # لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود # في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربى ووشي برود PageV03P199 ### | 2- # ذكر الخاص بعد العام": # وأما ذكر الخاص بعد العام1 للتنبيه على فضله2 حتى كأنه ليس من جنسه3 ~~تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، كقوله تعالى: {من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ، وقوله: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} 4. ### | 3- # التكرير 5: # وأما بالتكرير لنكتة6: كتأكيد الإنذار في قوله تعالى: {كلا 7 PageV03P200 # {سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون 1} ، وفي ثم2 دلالة على أن الإنذار ~~الثاني أبلغ وأشد3، كزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقي الكلام ~~بالقبول. في قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، ~~يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} وقد يكرر اللفظ لطول في الكلام كما في ~~قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} ، وفي قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} . ~~وقد يكرر؛ لتعدد المتعلق كما كرره الله تعالى من قوله4: {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} ؛ لأنه تعالى ذكر نعمة عقيب نعمة غير الغرض من ذكره عقيب نعمة ~~أخرى، فإن قيل: قد عقب بهذا القول ما ليس بنعمة كما في قوله: {يرسل عليكما ~~شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} ، وقوله: {هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون، يطوفون بينها وبين حميم آن} ، قلنا: العذاب وجهنم وأن لم يكونا ~~من آلاء الله تعالى فإن ذكرهما ms205 ووصفهما على طريق الزجر عن المعاصي والترغيب ~~في الطاعات من آلائه تعالى: ونحوه قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} لأنه تعالى ~~ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه عقب كل قصة: ويل يومئذ ~~للمكذبين بهذه القصة". PageV03P201 # 4 الإيغال 1: # وإما بالإيغال، واختلف في معناه: ### | 1- # فقيل هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها كزيادة المبالغة2 في ~~قول الخنساء: # وأن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار3 # لم ترض أن تشبهه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت ~~في راسه نارا وقول ذي الرمة: PageV03P202 # قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل1 # أظن الذي يجدي عايك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل # وكتحقيق التشبيه2 في قول امرئ القيس 3: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # فإنه: لما أتى على التشبيه قبل ذكر القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة ~~في قوله: "لم يثقب" لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون، ومثل ~~قوله زهير: PageV03P203 # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا1 لم يحطم # فإن حب الفنا أحمر الظاهر أبيض الباطن فهو لا يشبه الصوف الأحمر إلا ما ~~لم يحطم، وكذا قول امرئ القيس2: # حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان # ب- وقيل لا يختص بالنظم3، ومثل بقوله تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا ~~وهم مهتدون} 4. ### | 5- # التذليل 5: PageV03P204 # وإما بالتذليل، وهو تعقيب الجملة بجملة1 تشتمل2 على معناها3 للتوكيد4: # وهو ضربان: ### | 1- # ضرب لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة. PageV03P205 # المراد1 وتوقفه على ما قبله كقوله تعالى: {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل ~~نجازي إلا الكفور} ، إن قلنا: إن المعنى وهل يجازى ذلك الجزاء2، وقال ~~الزمخشري: وفيه وجه آخر: # وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة تستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في ~~معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: {جزيناهم بما كفروا} ~~بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل يجازى إلا الكفور؟ بمعنى وهل يعاقب؟ فعلى ~~هذا يكون من الضرب الثاني3، وقول الحماسي4. ms206 # فدعوا: نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟ # وقول أبي الطيب: # وما حاجة الأظنان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه5 ~~PageV03P206 # وقوله أيضا: # تمسي الأماني صرعي دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي1 # وقول ابن نباتة السعدي: # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل # قيل: نظر فيه إلى قول أبي الطيب وقد أربى عليه في المدح والأدب مع ~~الممدوح؛ حيث لم يجعله في حيز من تمنى شيئا. # ب- وضرب يخرج مخرج المثل2، كقوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا} . # وقول الذبياني: # ولست مبستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب3 PageV03P207 # وقول الحطيئة: # تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد1 # وقد اجتمع الضربان في قوله2: تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن ~~مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة} فإن قوله: {أفإن مت فهم الخالدون} من ~~الأول3 وما بعده من الثاني، وكل منهما تذييل على ما قبله. # وهو4 أيضا: # إما لتأكيد منطوق كلام كقوله تعالى: {وقل جاء الحق} الآية5 وإما لتأكيد ~~مفهومه6 كبيت النابغة، فإن صدره دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال فحقق ~~ذلك وقرره بعجزه. ### | 6- # التكميل 7: # وأمابالتكميل -ويسمى الاحتراس أيضا8- وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف ~~المقصود بما يدفعه9. PageV03P208 # وهو ضربان: # ضرب يتوسط الكلام، كقول طرفة: # فسقى ديارك -غير مفسدها- ... صوب الربيع وديمة1 تهمي PageV03P209 # وقول الآخر1: # لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها # إذ التقدير عند حاكم موفق، فقوله: "موفق" تكميل، وقول ابن المعتز: # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل2 # وضرب يقع في آخر الكلام، كقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} 3 فإنه لو اقتصر على وصفهم ~~بالذلة على المؤمنين لتوهم أن ذلتهم لضعفهم فلما قيل: {أعزة على الكافرين} ~~علم أنها منهم تواضع لهم، ولهذا عدي الذل بعلي بتضمينه معنى العطف، كأنه ~~قيل عاطفين عليهم على وجه ms207 التذلل والتواضع، ويجوز أن تكون التعدية بعلي لأن ~~المعنى أنهم مع شرفهم وعلو طبقاتهم PageV03P210 # وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم1 ومنه قول ابن الرومي2 فيما كتب ~~به إلى صديق له: أني وليك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته، من غير طمع ولا ~~جزع، وإن كنت لذي الرغبة مطلبا ولذي الرهبة مهربا، وكذا قول الحماسي3: # رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد # وكذا قول كعب بن سعد الغنوي4: # حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب # فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم لأوهم أن حمله عن عجز فلم يكن صفة مدح ~~فقال: إذا ما الحلم زين أهله، فأزال هذا الوهم وأما بقية البيت فتأكيد ~~للازم ما يفهم من قوله: إذا ما الحلم زين أهله من كونه غير حليم حين لا ~~يكون الحلم زينا لأهله فإن من يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله لا يكون ~~مهيبا في عين العدو لا محالة فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا كما زعم بعض5 ~~الناس، ومنه قول الحماسي: PageV03P211 # وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل1 # فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم لأوهم أن ذلك لضعفهم ~~وقلتهم، فأزال هذا الوهم بوصفهم بالانتصار من قاتلهم وكذا قول أبي الطيب: # أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا # فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش لأوهم ذلك أنه عنف كله ولا لطف عنده، ~~فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة، ولم يتجاوز في ذلك كله صفة الريح التي شبه ~~بها، وقال: إنه أسرع في الندى منها هبوبا كأنه من قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في ~~رمضان كأنه كالريح المرسلة". # "التتميم" 3: # وإما بالتميم وهو أن يؤتى في كلام3 لا يوهم خلاف المقصود4 PageV03P212 # بفضله1 تفيد نكتة، كالمبالغة في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} ، ~~أي مع حبه والضمير للطعام أي ms208 مع اشتهائه والحاجة إليه2، ونحوه: {وآتى المال ~~على حبه} ، وكذا: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 3} ، وعن الفضل بن ~~عياض: "على حب الله"، فلا يكون مما نحن فيه4، وفي قول الشاعر: # إني على ما ترين من كبري ... أعرف من أين تؤكل الكتف5 # وفي قول زهير: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا6 ~~PageV03P213 ### | 8- # الاعتراض 1: # وهو أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى2 بجملة أو أكثر ~~لا محل لها من الإعراب3 لنكتة سوى ما ذكر في تعريف التكميل4: PageV03P214 # كالتنزيه والتعظيم في قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه 1 ولهم ما ~~يشتهون} . # والدعاء في قول أبي الطيب: # وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها -وحاشاك- فانيا # فإن قوله: "وحاشاك" دعاء حسن في موضعه، ونحوه قول عوف بن محلم الشيباني: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان2 # والتنبيه في قول الشاعر3: # واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا4 PageV03P215 # وتخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما، كقوله تعالى: ~~{ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك} 1. # والمطابقة مع الاستعطاف في قول أبي الطيب: # وحقوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما2 # والتنبيه: على سبب أمر فيه غرابة، كما في قول الآخر3: PageV03P216 # فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه # فإن قوله: "فلا هجره يبدو" يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه وغريب أن ~~يكون هجر الحبيب مطلوبا للمحب، فقال: وفي اليأس راحة، لينبه على سببه، ~~وقوله تعالى: {لو تعلمون} في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم، إنه لقرآن كريم} ، اعتراض؛ لأنه اعترض به بين الموصوف والصفة، ~~واعترض بقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} ، بين القسم والمقسم عليه. ومما ~~جاء بين كلامين متصلين1 معنى قوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم} 2، فإن قوله: {نساؤكم ~~حرث لكم} بيان ms209 لقوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني أن المأتي الذي ~~أمركم به هو مكان الحرث، دلالة على أن الغرض PageV03P217 # الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهم إلا من حيث ~~يأتي فيه هذا الغرض، وهو مما جاء في أكثر من جملة أيضا. ونحوه في كونه أكثر ~~من جملة قوله تعالى: {قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس ~~الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم} ، فإن قوله: {والله أعلم بما وضعت وليس ~~الذكر كالأنثى} ليس من قول أم مريم، وكذا قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، والله أعلم ~~بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، من الذين هادوا يحرفون الكلم ~~عن مواضعه} أن جعل {من الذين} بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب؛ لأنهم ~~يهود ونصارى أو لأعدائكم، فإنه على الأول يكون قوله: {والله أعلم بأعدائكم ~~وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} اعتراضا، وعلى الثاني يكون {وكفى بالله} ~~اعتراضا، ويجوز أن يكون {من الذين} صلة، ل: {نصيرا} أن ينصركم من الذين ~~هادوا كقوله: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا} وأن يكون كلاما مبتدأ على أن: ~~{يحرفون} صفة مبتدأ محذوف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون، كقوله1: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح # وقد علم مما ذكرنا أن الاعتراض كما يأتي بغير واو ولا فاء قد يأتي ~~بأحدهما ووجه حسن الاعتراض على الإطلاق حسن الإفادة مع أن مجيئه مجيء ما لا ~~معول عيه في الإفادة فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لا ترتقبها. # ومن الناس من لا يقيد فائدة الاعتراض بما ذكرنا، بل يجوز أن PageV03P218 # تكون دفع توهم ما يخالف المقصود1. # وهؤلاء فرقتان: # فرقة لا تشترط فيه أن يكون واقعا في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين ~~معنى، بل تجوز أن يقع في آخر كلام2 أو يليه غير متصل به معنى، وبهذا يشعر ~~كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف فالاعتراض عند هؤلاء1 يشمل التذليل، ومن ~~التكميل ms210 ما لا محل له من الإعراب جملة كان أو أكثر من جملة. PageV03P219 # وفرقة1 تشترط فيه ذلك2 لكن لا تشترط أن يكون جملة أو أكثر من جملة3. ~~فالاعتراض عند هؤلاء يشمل من التتميم ما كان واقعا في أحد الموقعين4، ومن ~~التكميل ما كان واقعا في أحدهما. PageV03P220 # ولا محل لها من الأعراب جملة كان أو أقل من جملة أو أكثر1. ### | 9- # "مواضع أخرى للإطناب غير ماسبق": # وأما بغير ذلك، كقولهم: "رأيته بعين"، ومنه قوله تعالى: {إذ تلقونه ~~بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} أي هذا الإفك ليس إلا قولا ~~يجرى على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم في القلب كما هو ~~شأن المعلوم إذا ترجم عنه اللسان، وكذا قوله: {تلك عشرة كاملة} لإزالة توهم ~~الإباحة كما في نحو قولنا: جالس الحسن أو ابن سيرين2، ويعلم العدد جملة كما ~~علم تفصيلا ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم وفي أمثال العرب: علمان خير من ~~PageV03P221 # علم، وكذا قوله: {كاملة} تأكيدا آخر، وقيل: أريد بالتأكيد الكيفية لا ~~الكمية حتى لو وقع صوم العشرة على غير الوجه المذكور لم تكن كاملة، وكذا ~~قوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا} 1، فإنه لو لم يقصد الإطناب لم يذكر: {ويؤمنون به} لأن ~~إيمانهم ليس مما ينكره أحد من مثبتيهم، وحسن ذكره2 إظهار شرف الإيمان ~~ترغيبا فيه، وكذا قوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فإنه لو اختصر ~~لترك قوله: {والله يعلم إنك لرسوله} لأن مساق الآية لتكذيبهم في دعوى ~~الإخلاص في الشهادة كما مر وحسنه دفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس ~~الأمر3، ونحوه قول البلغاء: "لا، وأصلحك الله"، وكذا قوله تعالى4: {هي عصاي ~~أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} ، وحسنه أنه عليه ~~السلام فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله تعالى في العصا، فينبغي أن ~~يتنبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت ms211 بين الحالين، وكذا قوله: {نعبد أصناما ~~فنظل لها عاكفين} ، وحسنه إظهار الابتهاج بعبادتها والافتخار بمواظبتها؛ ~~ليزداد غيظ السائل. PageV03P222 # معنى آخر للإيجاز والإطناب 1: # وأعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها ~~بالنسبة إلى كلام آخر مساو له في أصل المعنى، كالشطر الأول من قول أبي ~~تمام: # يصد عن الدنيا إذا عن سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد2 # وقول الآخر2: # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر # ومنه قول الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # وقول بشر بن أبي خازم: # إذا ما المكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها PageV03P223 # وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها1 # ويقرب من هذا الباب قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} . # وقول الحماسي: # وننكر أن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول3 # وكذا ما ورد في الحديث: "الحزم سوء الظن"، وقول العرب: الثقة بكل أحد ~~عجز4 والله تعالى أعلم. # تم الفن الأول وهو علم المعاني. PageV03P224 ### | ملحق للجزء الثالث ### | أهم كتب البلاغة في مختلف العصور # مجاز القرآن لأبي عبيدة م208ه. # صنعة البلاغة للسيرافي م 368ه. # البديع لابن المعتز م 296ه. # أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر م 471ه. # سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي 466ه. # العمدة لابن رشيق م 460. # الصناعتين للعسكري م 395. # المفصل في البيان والفصاحة للمزرباني م 278ه. # البديع لابن منقذ م 584ه. # نهاية الإيجاز للرازي م 606ه. # المفتاح للسكاكي م 626ه1. # قوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادي م 629ه. # المثل السائر لابن الأثير م 637ه2. # التبيان لابن الزملكاني م 651ه. # المعيار للزنجاني م 654ه. PageV03P225 # المصباح لبدر الدين ابن ابن مالك م 8686ه1. # الأقصى القريب للتنوخي 698ه. # بديع القرآن لابن أبي الأصبع م 654ه. # الإيضاح للخطيب2 القزويني م 739. # تلخيص المفتاح2 له أيضا. # الفوائد الغياثية للعضد م 756ه، وشرحها الكرماني م 786ه. # التبيان لشرف الدين الطيبي م 743ه. # الطراز ليحيى بن حمزة العلوي م 749ه. # عروس الأفراح للسبكي م 773ه. # السمرقندية للسمرقندي وهي رسالة ms212 في الاستعارات، وتوفي السمرقندي عام ~~880ه4. # المطول للسعد م 792ه5. # عقود الجمان للسيوطي م 911ه. PageV03P226 # الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري م 950ه1، وقد شرحه الشيخ أحمد ~~الدمنهوري م 1192ه. # الأعواز في علاقات المجاز للسجاعي م 1197ه. # تحفة الإخوان في علم البيان لدردير م 1201ه. # الرسالة البيانية للصبان م 1026ه وله حاشية على السعد. # التجريد للبناني م 1211ه. # حسن الصنيع للشيخ البسيوني م 1313ه. # زهر الربيع للحملاني م 1352ه. # البلاغة الواضحة للمرحوم الجارم بك م 8 فبراير سنة 1949. # هذا وأهم الشروح على متن التلخيص للخطيب القزويني المطول ومختصره السعد ~~والأطول للعصام. PageV03P227 ### | الموازنة للأمدي والبلاغة العربية # أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفي عام 371ه من أعلام الأدب ~~والنقد والبيان في القرن الرابع. # وكتابه الموازنة سجل حافل لشتى مناهج النقد، ومذاهب النقد في تحليل ~~شاعرية أبي تمام والبحتري وإن كان الآمدي ينصر البحتري في مواقف كثيرة. # والصلة بين الآمدي والقاضي أبي الحسن الجرجاني صاحب الوساطة م 392ه ~~كبيرة، اتفقا في كثير من الآراء في النقد والأدب والبيان، وكثيرا ما نرى ~~أسلوبهما في شرح الأبيات واحدا، أو متقاربا. على أن اتجاه الرجلين في النقد ~~واحد أيضا، فاتجاه الجرجاني في نقد شعر المتنبي هو اتجاه الآمدي في نقد شعر ~~الطائيين فهو يحصى ما أخذ على المتنبي من سرقات، وما أخذ عليه من أخطاء ~~ترجع إلى التكلف والتعقيد، أو إلى الإفراط والمبالغة، أو إلى بعد الاستعارة ~~وعدم وضوحها، أو غموض المعنى والتعثر في أدائه، أو إلى اللحن في الأداء ~~والخطأ في التركيب، وهذا هو الاتجاه الذي اتجهه الآمدي في موازنته مع فوارق ~~ضئيلة، وهو رجوع بالنقد إلى النهج العربي والذوق الأدبي دون ما عداهما، وكل ~~ذلك يدلنا على وجود صلة أدبية بين الرجلين رغم تباين موطنيهما "البصرة ~~وجرجان". ومن المرجح عندي أن صاحب الوساطة قد تأثر بالموازنة دون العكس، ~~وأن الموازنة كانت خطوة أولى في النقد الادبي كعلم، ثم تلتها الوساطة كخطوة ~~ثانية في مضماره يرشدنا إلى ذلك دراسة فن التأليف في كلا الكتابين، ms213 فالرقي ~~التأليفي في كتاب الوساطة المتجلي في جمال عرضها وتهذيب تأليفها وحسن ~~أسلوبها أكبر دليل على ما أذهب إليه، ويصعب علينا أن نفسر ما بين الرجلين ~~من تقارب كثير بأنهما عاشا في عصر واحد وتثقفا بثقافة عصرهما المتحدة؛ فإن ~~اختلاف بيئة الرجلين وحياتهما مما لا يجعل لذلك التفسير قوته ولا وجاهته. # أثر الموازنة في كتب البيان: # وأثر الموازنة في النقد، وكيف كانت أصلا عظيما من أصول الموازنة والنقد ~~الأدبي أثر كبير، وكذلك كان الكتاب مرجعا لعلماء البيان، ومصدرا من مصادرهم ~~العلمية: # PageV03P228 # أ- فعبد القاهر الجرجاني "م سنة 471" ينهج نهج صاحب الموازنة ويقتبس منه ~~في الشرح الأدبي للنصوص، وينقل عنه كثيرا، ويستدل بآرائه في كتبه1، وقد ~~ينقده أحيانا2. # ب- وابن سنان الخفاجي "م سنة 466" يأخذ عنه كثيرا، ويشيد بعلمه ورأيه ~~ودقة نظره وسعة علمه في مواضع كثيرة من كتابه، وقد ينقده في بعض الأحيان، ~~وقد يرد على من نقده كالمرتضي في أحيان أخرى، وسر الفصاحة للخفاجي أكبر ~~شاهد عند من يطالعه على مدي تأثر صاحبهابعيد بالموازنة ومؤلفها، وعلي أن ~~الموازنة كان مصدرا لابن سنان. # ج- وابن رشيق "م سنة 456" ينوه في عمدته بالموازنة أعظم تنويه2، وإن كان ~~لم يتأثر به في بحوث البلاغة كثرا كما تأثر بقدامة بن جعفر وكتابه نقد ~~الشعر. # د- أما ابن الأثير "م سنة 637" فقد نوه في أول مثله السائر بالموازنة ~~ككتاب بيان، وبصاحبها كعالم من علماء البيان. # وعلي كل حال فأثر الموازنة في علم البيان لا يجحد، وهو أظهر من أن يحتاج ~~إلى دليل. # البديع والبيان عند الآمدي: # تكلم الآمدي على كثير من مباحث علم البيان وأصوله إجمالا وفرضا، وذلك حين ~~كان يعرض لنقد بيت أو شرح معنى إلى غير ذلك، فلنعرض آراءه في البيان لنقف ~~على قيمة الكتاب من هذه الناحية العلمية. # أ- تكلم الآمدي "في ص6، 7" على نشأة البديع وتطوره، وكيف كان يقع نادرا ~~في الشعر العربي عن غير عمد وكيف فطن المحدثون لجماله فطلبوه وتكلفوه وكيف ~~بالغ أبو تمام في طلبه وتكلفه. # ب- وتكلم على البلاغة وتحدث عنها وعن ms214 عناصرها في إيجاز، وأقامها على أساس ~~الجمال اللفظي وسحر الأسلوب ورقة الطبع، وإيراد الألفاظ في مواضعها، وإيراد ~~المعنى بالعبارة المألوفة فيه، مع السلامة من التكلف والهذر والإخلال، وأن ~~تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعانيها ~~"181 موازنة"، وجعل صحة التأليف في الشعر والنثر PageV03P229 # أقوى عناصر البلاغة. واستدل على ذلك برأي الفلاسفة ورأي يزر جمهر الحكيم ~~الفارسي في عناصر البلاغة: من صدق الكلام، ووقوعه موقع الانتفاع به، وأن ~~يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، ثم طبق ~~الآمدي ذلك الرأي على الشعر "181-183 موازنة ". # ج- كما تكلم الآمدي على سوء النظم وفساد التعقيد، وعلي المعاظلة والحوشية ~~في أكثر من موضع "ص125 موزانة". # د - وتكلم على أسلوب القلب وحلل ما ورد منه، ورأى أن ما جاء على أسلوب ~~القلب في القرآن صحيح لا قلب فيه وهو جار على التأليف الصحيح، وعرض لما ورد ~~منه في الشعر العربي فزعم أن بعضه لا قلب فيه، وأن الآخر قبيح في ذلك ~~الأسلوب، ولم يجز القلب لمتأخر بحجة أن القلب إنما جاء في كلام العرب على ~~السهو، والمتأخر وإن احتذاهم فلا ينبغي أن يهم فيما سهوا فيه، ويناقش رأي ~~المبرد في جواز القلب للاختصار "96 و97 موازنة". # فلنقف مع الآمدي وقفة قصيرة نناقشه وننقد رأيه. لقد جعل سبب القلب هو ~~السهو ومن ثم لم يجزه المتأخر، ونحن لا نسلم له الأمرين جميعا، فليس صحيحا ~~أن سبب القلب هو السهو، بل إن له سببا آخر غير ما ذكره وهو المبالغة في ~~أداء المعنى وإظهار فضل كمال الأمر فيه، فقول أبي تمام: # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه # مثلا، لم يكن هذا القلب فيه عن سهو ونسيان، إنما قصده أبو تمام وطلبه، ~~والقلب في ذلك البيت هو سر روعته وجماله، وهو الذي أعطاك من المبالغة في ~~المعنى ما لا يعطيك إياه لو جرى الكلام على سننه المألوف. وكيف أذن نمنع ~~المتأخرين عنه والعرب قد استعملته لتؤدي به فضل المبالغة في المعنى على أكل ms215 ~~وجه وأتمه، وإن ضل الشعراء أحيانا النهج الصحيح في القلب فأحالوا وأخطأوا. # ه- وحلل الأسلوب الذي يقع فيه المصدر نفسه وصفا الأسماء الذوات مثل هند ~~الحسن كله. ودعد الجمال أجمعه "76 موازنة"، وتكلم على أسلوب التشبيه البليغ ~~عرضا في بعض المواضع "69، 72". # و كما بحث المجاز المرسل وذكر بعض علاقاته وأفاض في ذكر أمثلته "15، ~~165". # ز- وتكلم على الاستعارة حين كان بصدد بيان ما في شعر أبي تمام من قبيح ~~الاستعارات "112-120 موازنة" فذكر قبيح استعاراته وبين سبب كثرتها في شعره ~~بأنه احتذى القدماء فيما رآه من بعيد استعاراتهم اليسيرة حبا للإبداع "117" ~~والإغراق، ولا شك أن هذا تعليل غريب، # PageV03P230 # فنحن لا نشك أن في شعر الرجل استعارات بعيدة غريبة على الذوق العربي، ~~ولكنا نثق أن باعثها عند أبي تمام هو أنه كان في شغل بالمعاني والإغراق في ~~استنباطها وتدقيق النظر في أجزائها وحواشيها والإلمام بأصولها، فكان كثيرا ~~ما تجيء من أجل ذلك في شعره استعارات بعيدة المعنى لا يستسيغها الطبع ~~المطبوع. # ثم بين الآمدي النهج العربي في أسلوب الاستعارة وأن العرب إنما تستعير ~~لمعنى ما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله، فتكون ~~اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشئ الذي استعيرت له وملائمة لمعناه "114 ~~موازنة "، وهو بهذا يشرح الاستعارة ويبين الحد الفاصل بين جميلها وقبيحها، ~~وقد ذكر الآمدي عقب ذلك نصوصا ونماذج يتجلى فيها النهج العربي في أسلوب ~~الاستعارة شارحا أسباب الجمال فيها بأسلوب تتجلى روحه في كتابة عبد القاهر ~~فيها في كتابه دلائل الإعجاز. # ومن المناسب أن نبحث رأي الآمدي في الاستعارة ونعرف ما فيه من تجديد: # أهم شيء ذكره الآمدي عن الاستعارة هو أن للعرب نهجا خاصا في أسلوبها، ~~وأنها تراعي قرب الشبه وظهور المشاكلة والمناسبة بين المستعار له ومنه، وأن ~~على البليغ أن يحافظ على هذا النهج ولا يتعداه حتى تكون استعاراته جميلة ~~غير قبيحة ومفهومة غير غامضة. # وأساس هذه الفكرة قديم، فقد ورد في خطابة أرسطو: "أنه ينبغي إذا أراد ~~الخطيب أن يستعير أن يأخذ ms216 الاستعارة من جنس مناسب لذلك الجنس محاك له غير ~~بعيد منه ولا خارج عنه"1، ونقل هذه الفكرة قدامة في نقد الشعر، فتكلم على ~~حسن الاستعارة وقبيحها وسبب الحسن والقبيح بما لا يخرج عن هذا الرأي3 ثم ~~أخذها عنه الآمدي في موازنته2 حيث جعل جمال الاستعارة بقرب معناها من ~~الحقيقة وأن بعد الاستعارة يجعلها قبيحة، وعلي نهج الآمدي سار صاحب ~~الوساطة، فملاك الاستعارة عنده "تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار ~~منه4 وإنما تحسن بأن تجيء على وجه من المناسبة وطرف من الشبه والمقاربة"5، ~~وعلى هذا مشى ابن رشيق6، وعبد القاهر7 وابن سنان الذي أخذ الفكرة ووافق. ~~PageV03P231 # عليها وإن كان قد ضم إليها شطرا آخر وهو ألا تكون الاستعارة مبنية على ~~غيرها، فقد قرأ في المقالة الرابعة من الفن الثامن من كتاب الشفاء عن أرسطو ~~ما نصه: "أما الاستعارة فيجب أن تكون غير كثيرة التداخل وهو أن "تدخل ~~الاستعارة في الاستعارة" فضم هذا إلى الفكرة، وأوجب في الاستعارة أن تكون ~~قريبة من الحقيقة وغير مبنية على استعارة أخرى، وبهذا يتم حسنها وإلا كانت ~~قبيحة، فالاستعارة القبيحة عنده نوعان: استعارة بعيدة عن الحقيقة واستعارة ~~مبنية على أخرى، ولذلك جعل ابن سنان بيت امرئ القيس: فقلت له لما تمطي ~~بصلبه ... إلخ" ليس من جيد الاستعارات بل من وسطها1 لأن الاستعارة فيه ~~مبنية على استعارة أخرى، وهو لذلك ينقد الآمدي الذي استحسن هذه الاستعارة، ~~وماذا على ابن سنان لو ترك هذا القيد الثاني الذي اقتبسه من سواه؟ ولكنه ~~عرض نفسه لنقد لاذع من رجل كابن الأثير2، وإن كان ابن الأثير يخلط في رده ~~عليه الإساءة بالإحسان، كما فعل ابن سنان حين نقد رأي الآمدي في بيت امرئ ~~القيس. # وبعد فماذا يريد الآمدي من كلمة استعارة؟ # يطلق الآمدي هذه الكلمة مريدا في بعض الأحيان مجرد معناها اللغوي، وهو ~~مطلق النقل لا لعلاقة التشبيه3 وهو بذلك يجاري أهل اللغة فيها، ولكنه حين ~~يذكرها في معرض الكلام العلمي يريد منها معناها الاصطلاحي الخاص المعروف4، ~~ولكن الآمدي يجعل من ms217 الاستعارة الآية الكريمة: {فصب عليهم ربك سوط عذاب} ~~ويقول في شرح الاستعارة فيها: لما كان الضرب بالسوط من العذاب استعير ~~للعذاب سوط5، وذلك عند المتأخرين من المجاز المرسل. # ح- وتكلم الآمدي على الجناس وعرفه بأنه ما اشتق بعضه من بعضه، وذكر نماذج ~~له من الشعر العربي وأن أبا تمام احتذى هذه الأمثلة فأتى بالجيد والساقط من ~~الجناس "120-123 موازنة. PageV03P232 # ط- وتكلم على الطباق فذكر حقيقته وحده وبعض ما وقع لأبي تمام من جيده ~~ورديئه، ونقد رأي قدامة في تسمية الطباق تكافؤ وفي خلطه بين الجناس والطباق ~~"123 و124 موازنة". # ي- كما تكلم على السرقات الشعرية وأنها لا تكون إلا في المعاني الخاصية ~~وفي البديع المخترع منها مما يظهر فيه فضل شاعر على شاعر، لا في المعاني ~~العامية التي هي مشتركة بين الناس "149 موازنة". # هذه خلاصة لأهم آراء الآمدي في البيان، وبالإطلاع عليها نرى أن الآمدي ~~كان له ولكتابه الأثر البليغ في البيان العربي. # PageV03P233 ### | كلمات الاساتذة: # الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني "666-739": # كتاب الخطيب: "الإيضاح" أهم كتب البلاغة، وأحفلها بالبحوث والدارسات ~~والآراء والمذاهب. # وهو فوق ذلك أمثل كتب البلاغة أسلوبا، وأجملها بيانا، وأوفاها بحثا، وقد ~~جمع فيه المؤلف كثيرا من آراء ونظريات المتقدمين في البلاغة، وخاصة: عبد ~~القاهر الجرجاني أمام البلاغة م 741ه، والسكاكي فيلسوفها المتوفى عام 626ه. # وكتاب الإيضاح هو الكتاب الدراسي المقرر في شتى كليات اللغة والأدب في ~~الشرق العربي. # وقد قام الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي بعمل جليل، وهو شرح الكتاب شرحا ~~جديدا صافيا، في ستة أجزاء كبيرة. # وقد حرص في شرحه على تلخيص آراء المتقدمين وتوضحيها ودراستها ونقدها. ~~وأعظم عمل في هذا الكتاب فوق ذلك هو ذكر جميع المصادر والمراجع وشرح ~~الشواهد وذكر مصادرها وموضع الشاهد فيها فوق ما فيه من تحقيقات علمية واسعة ~~وتعليقات في غاية الأهمية لعلماء البلاغة ودارسيها # وفي آخر كل جزء من أجزاء هذا الشرح بحوث إضافية ودراسات جديدة في البلاغة ~~ومؤلفاتها وعلمائها، مما لم يسبق إليه أحد. # عبد الله الشربيني. # الأستاذ بكلية اللغة ms218 العربية. # PageV03P234 # الإيضاح في البلاغة: # أهدى إلى صفي الصبا، وصديق الشباب، وعضد الكهولة والشيخوخة أن شاء الله، ~~فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي فيما أهدى إلي من كتبه النفيسة ~~شرحه القيم للإيضاح، فوجدته كجميع كتبه صورة بينه لهذه النفس الفاصلة التي ~~أعرف من مواهبها العلمية أو الأدبية في أكثر من عشرين عاما ما لا يعرف كثير ~~من الناس وهي تبدو لنظارها في مظهرين: أولهما راجع إلى عبارته التأليفية، ~~والثاني إلى مداركه العقلية والعلمية. # أما الأول فآيته هذه البساطة الآخذه بسياق لفظه، المشرقة بوضوح أسلوبه ~~واتساق نظمه، إلى حد يقرب البعيد ويوضح الغامض ويهون المصاعب ويحل المشاكل، ~~مما ينبئ عن ملكة مسيطرة آخذه بعنان الكلم مهيمنة على ضروب القول وجأش ~~رابط، وجنان ثابت جريء على ما يقتحم من مفاوز وما يعالج من معضلات. # وأما الثاني فآيته هو هذا العجب العجاب الآخذ بمجامع الأفئدة والألباب من ~~هذه الحافظة الواعية والذاكرة اليقظة التي جمعت الأخبار والآثار إلى ~~المذاهب والأفكار إلى التحصيل والنقد والابتكار جميعا، لا يزال يتزايد ~~وينمو وينتظم ويتسق إلى الحد الذي جعله لا يجد ما يجده كثير من محاولي ~~التأليف من وعورة التأليف ومشقة التوضيح والتلخيص، ومما جعله آية من آيات ~~المواهب الإلهية العليا وسبحان الفتاح العليم الذي يهب بفضله ما يشاء لمن ~~يشاء. # محمود فرج العقدة. # الأستاذ في كلية اللغة العربية. # PageV03P235 ### | فهرست الجزء الثالث # الموضوع الصفحة # الكلمة الأولى 3 # أسلوب القصر 4 # أسلوب الإنشاء 33 # أسلوب الوصل والفصل 93 # الجامع بين الجملتين 132 # الجملة الحالية 141 # الإيجاز والإطناب والمساواة 167 # مصادر البلاغة 225 # الموازنة للآمدي 228 # كلمات الأساتذة 234، 235 PageV03P237 ms219