######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.AfrahQubba.Hindawi63827462 #META# Tags: novels #META# ID: 63827462 #META# Title: أفراح القبة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # طارق رمضان‏ # كرم يونس‏ # حليمة الكبش‏ # عباس كرم يونس‏ # طارق رمضان‏ # كرم يونس‏ # حليمة الكبش‏ # عباس كرم يونس‏ # | أفراح القبة # | أفراح القبة # تأليف # نجيب محفوظ # | طارق رمضان # سبتمبر، مطلع الخريف، شهر التأهب والتدريب. صوت سالم العجرودي ~~المخرج يتدفق؛ يتدفق في حجرة المدير المغلقة النوافذ ~~المسدلة الستائر. لا صوت يتطفل عليه إلا أزيز خفيف يند ~~عن جهاز التكييف. صوته يمرق في إطار صمتنا اليقظ قاذفا بالصور ~~والكلمات، نبراته ترق وتخشوشن، تتلون بشتى الأصباغ، محاكية ~~أصوات الرجال والنساء. قبل ترديد أي حوار، يرمق صاحب الدور أو ~~صاحبته بنظرة تنبيه، ثم يسترسل. وتنبثق الصور من واقع ثقيل صلب ~~يجتاحنا بصراحة مرعبة، يجتاحنا بتحد مخيف. سرحان الهلالي، المدير، ~~يجلس على رأس المائدة المستطيلة المكللة بالقطيفة الخضراء، يجلس ~~كحارس صارم، يتابع التلاوة بوجه جامد هادئ، قابضا على سيجار الدينو ~~بشفتين ممتلئتين، يحدق بوجهه الصقري في وجوهنا المشرئبة نحو ~~المخرج، يصادر بجديته البالغة أي مقاطعة أو تعليق، يتجاهل انفعالاتنا ~~المتوقعة ويدعونا بصمته البارد إلى تجاهلها أيضا؛ ألم يدرك الرجل ~~معنى ما يلقى علينا؟ الصور تتماوج أمام مخيلتي مخضبة بالدماء ~~والوحشية، أريد أن أتنفس بكلمة أتبادلها مع أحد! سحابة الدخان ~~المنعقدة في الحجرة تزيد من غربتي. أغوص في الرعب، وأحيانا ألتصق ~~بنظرة بلهاء بالمكتب الفخم وراءنا، أو بصورة من الصور المعلقة؛ صورة ~~درية وهي تنتحر بالأفعي، صورة إسماعيل وهو يخطب فوق جثة قيصر. ها هي ~~المشنقة تتخايل لعيني، ها هي الشياطين تتبادل الأنخاب. # وعندما نطق سالم العجرودي بجملة «يسدل الستار»، اتجهت الرءوس نحو ~~سرحان الهلالي مترعة بالذهول. # يقول المدير: يسرني أن أستمع إلى الآراء. # وتقول درية، نجمة المسرح، باسمة: فهمت الآن لم لم يحضر ~~المؤلف جلسة القراءة! # وأقول أنا، وأنا أحلم بتدمير العالم: المؤلف؟ ... ما هو إلا مجرم ~~علينا تسليمه إلى النيابة. # يرد علي الهلالي بنبرة آمرة: الزم حدك يا طارق؛ انس كل شيء ~~إلا أنك ممثل ... ~~- ولكن ... # يقاطعني بغضبه الجاهز دائما: ولا كلمة! # ووجه عينيه نحو المخرج، فقال المخرج: المسرحية مرعبة! ~~- ماذا تعني؟ ~~- ترى كيف يكون ms01 وقعها في الجمهور؟ ~~- لقد وافقت عليها وأنا مطمئن. ~~- لكن جرعة الرعب جاوزت الحد. # وقال إسماعيل نجم الفرقة: دوري بشع! # فقال الهلالي: لا يوجد من هو أقسى من المثاليين، هم المسئولون عن ~~المذابح العالمية! دورك تراجيدي من الطبقة الأولى! # فقال سالم العجرودي: قتل الطفل سيفقده أي عطف ... ~~- دعنا الآن من التفاصيل، ممكن حذف دور الطفل. لقد نجح عباس يونس في ~~إقناعي أخيرا بقبول مسرحية له، وشعوري يلهمني بأنها ستكون من أقوى ~~المسرحيات التي قدمناها في عمر مسرحنا الطويل. # فقال فؤاد شلبي الناقد: إني أشاركك شعورك، ولكن يجب حذف دور ~~الطفل. # فقال الهلالي: يسرني أن أسمع منك ذلك يا فؤاد؛ إنها مسرحية متقنة ~~وصادقة ومثيرة ... # فقلت بحدة: ما هي بمسرحية؛ إنها اعتراف، هي الحقيقة، نحن أشخاصها ~~الحقيقيون ... # فقال الهلالي بازدراء: ليكن؛ أتحسب أن ذلك فاتني؟ ... لقد رأيتك كما ~~رأيت نفسي، ولكن من أين للجمهور أن يعرف ذلك؟ ~~- ستتسرب الأخبار، بطريقة أو بأخرى ... ~~- ليكن؛ الضرر الأكبر سيحيق بالمؤلف نفسه. بالنسبة لنا، سنضمن ~~مزيدا من النجاح؛ أليس كذلك يا فؤاد؟ ~~- أعتقد ذلك. # فابتسم الهلالي لأول مرة، وقال له: يجب أن يتم كل شيء في لباقة ~~وكياسة. ~~- طبعا ... طبعا! # فرجع سالم العجرودي يتمتم: الجمهور! ... ترى كيف يستقبلها؟ # فقال الهلالي: هذه مسئوليتي أنا. ~~- عظيم ... سنبدأ العمل فورا. # الجلسة تنفض؛ ألبث أنا وحدي مع المدير. لي دالة عليه (بحكم ~~الزمالة والصداقة والجيرة القديمة). قلت له وأنا في غاية الانفعال: ~~علينا أن نعرض الموضوع على النيابة. # فقال متجاهلا انفعالي: ها هي فرصة، لتمثل في المسرحية ما سبق ~~أن عشته في الحياة. ~~- إنه مجرم لا مؤلف! ~~- وهي فرصة ستخلق منك ممثلا مهما، بعد عمر طويل مضى وأنت ممثل ~~ثانوي. ~~- إنها اعترافات؛ كيف نترك المجرم يفلت من يد العدالة؟ ~~- إنها مسرحية مثيرة واعدة بالنجاح، وذاك أقصى ما يهمني يا ~~طارق! # فاض قلبي بالغضب والمرارة، انتشرت أحزان الماضي كالدخان بكافة هزائمه ~~وآلامه. # إنها فرصتي للتنكيل بعدوي القديم. ~~••• ~~- من أدراك بهذه ~~الأسرار؟! ~~- عفوا ... سنتزوج! ~~••• # ويتساءل سرحان الهلالي: ~~ماذا أنت فاعل؟ ~~- يهمني في ms02 الاعتبار الأول أن ينال المجرم جزاءه. # فقال بضيق: اجعل الاعتبار الأول لإتقان الدور. # فقلت بتسليم: لن يفوتني ذلك. ~~••• # يقتحمني انفعال قهار عند رؤية النعش، فأجهش في البكاء مغلوبا ~~على أمري، كأنه أول نعش أراه. الدموع في عيني مثلي مثيرة للدهشة؛ ألمح ~~السخريات من خلال الدمع مثل ثعابين الماء. ليس هو الحزن أو العظة، ~~ولكنه جنون عابر. أتجنب النظر إلى المشيعين؛ خشية أن ينقلب ~~البكاء إلى هستيريا من الضحك! ~~••• # أي كآبة تغشاني وأنا أخترق باب الشعرية؟ منذ سنوات لم تقترب منه ~~قدماي. حي التقوى والخلاعة! أغوص في زحام وضوضاء وغبار النساء والرجال ~~والصبية. تحت سقف الخريف الأبيض، كل شيء يلوح لعيني في ثوب الازدراء ~~والكآبة. حتى الذكريات منفرة جارحة، بما فيها مجيئي بتحية لأول مرة ~~وهي تتأبط ذراعي في مرح. مثل الهوان في الظل ومعاشرة الصعاليك والقبوع ~~الحقير تحت جناح أم هاني. اللعنة على الماضي والحاضر، اللعنة على ~~المسرح والأدوار الثانوية، اللعنة على أول نجاح تأمله من لعب في ~~مسرحية عدو مجرم وأنت تعلو الخمسين من العمر. ها هو سوق الزلط ~~النحيل الطويل مثل ثعبان، ها هي بواباته المتجهمة العتيقة، وها هما ~~عمارتاه الجديدتان الوحيدتان، والبيت القديم رابض مكانه بما يطويه في ~~صدره من تاريخ أسود وأحمر. لقد استجد جديد لم يكن، فتحولت المنظرة ~~الخارجية إلى مقلى يجلس فيها للبيع كرم يونس، وإلى جانبه حليمة زوجته. ~~شد ما غيرهما السجن؛ وجهان هما صورتان مجسدتان للامتعاض، ينغمسان ~~في الكدر على حين يأخذ نجم ابنهما في اللمعان. لمحني الرجل، نظرت ~~المرأة نحوي أيضا، لا حب ولا ترحيب هذا ما أسلم به، رفعت يدي ~~بالتحية، فتجاهلها الرجل، وقال بجفاء: طارق رمضان! ... ماذا ~~جاء بك؟ # لم أتوقع استقبالا أفضل؛ اعتدت ألا أبالي! وقفت المرأة ~~منفعلة، ثم سرعان ما جلست على كرسيها المجدول من القش، وهي تقول ~~بمرارة ساخرة: أول زيارة مذ رجعنا إلى سطح الأرض. # ما زالت قسمات وجهها تتشبث بذكريات جمالها. الرجل يقظ مفيق رغم ~~أنفه. من هذين ولد المؤلف المجرم. # قلت كالمعتذر: الدنيا ms03 شبكة من الهموم، وما أنا إلا غريق من ~~الغرقى. # فقال كرم يونس: جئت من الماضي كذكرى من أسوأ ذكرياته. ~~- لست أسوأ من غيري! # لم يدعني أحد للجلوس في المقلى، فلبثت واقفا في موقف الزبائن، ~~وشجعني ذلك على التمادي فيما جئت من أجله، وتساءل كرم في جفاء: ~~هه؟ # فقلت بتحد: معي أخبار سيئة! # فقالت حليمة: لم نعد نحزن للأخبار السيئة. ~~- حتى لو تكون عن الأستاذ عباس يونس؟ # فقلقت نظرتها في حدة، وهتفت: لن تزال عدوه حتى الموت! # وقال كرم: إنه ابن بار؛ هو الذي أنشأ لنا هذه المقلى، بعد أن ~~رفضت العودة إلى عملي القديم بالمسرح. # وقالت حليمة بفخار: وقد قبلت مسرحيته. ~~- قرئت علينا أمس. ~~- رائعة ولا شك! ~~- مرعبة ... ماذا تعرفان عنها؟ ~~- لا شيء. ~~- ما كان بوسعه أن يخبركما ... ~~- لماذا؟ ~~- إنها باختصار تدور في بيتكم هذا، مكررة ما وقع فيه بالحرف ~~الواحد، كاشفة في الوقت نفسه عن جرائم خفية تفسر الوقائع تفسيرا ~~جديدا. # تساءل كرم بجدية لأول مرة: ماذا تعني؟ ~~- سترى نفسك كما سنرى أنفسنا؛ كل شيء ... كل شيء، ألا تريد أن ~~تفهم؟ ~~- حتى السجن؟ ~~- حتى السجن، وموت تحية، ولكنها تدلنا على من وشى بنا إلى ~~الشرطة، كما تثبت لنا أن تحية قتلت ولم تمت! ~~- ما هذا السخف؟ ~~- إنه عباس أو من حل محله في المسرحية من يفعل ذلك. # تساءلت حليمة بحدة: ماذا تعني يا عدو عباس؟ ~~- إني أحد ضحاياه، أنتما ضحيتان أيضا. # فتساءل كرم: أليست مسرحية؟ ~~- إنها لا تدع مجالا للشك فيمن وشى بكما، ولا فيمن قتل ... ~~- كلام فارغ ... # وقالت حليمة: عنده تفسير ولا شك! ~~- اسألاه ... شاهدا المسرحية عند عرضها. ~~- مجنون ... لقد أعماك الحقد! ~~- بل الجريمة! ~~- ما أنت إلا مجرم، وما هي إلا مسرحية ... ~~- إنها الحقيقة ... ~~- حاقد مجنون ... ابني عبيط، ولكنه ليس خائنا ولا قاتلا ... ~~- هو خائن وقاتل، وليس عبيطا ... ~~- هذا ما تتمناه. ~~- يجب تسليم قاتل تحية إلى العدالة. ~~- إنه الحقد القديم ... هل أكرمت تحية حينما كانت بيدك؟ ~~- كنت أحبها، وكفى! ~~- حب البرمجية ... # صحت بغضب: إني خير من زوجك، وخير ms04 من ابنك. # فسألني كرم بجفاء ومقت: ماذا تريد؟ # فقلت ساخرا: أريد لبا بقرش. # فهتف بي: رح في داهية! ~~••• # رجعت أخوض في أمواج الأطفال والنساء. توكد لدي أن عباس لم ~~يشر إلى موضوع مسرحيته لوالديه، مما يشهد على تجريمه، لكن، لم ~~يفشي سرا خطيرا لم يشك فيه أحد؟ أهي اللهفة على النجاح ~~بأي ثمن؟ أيلقى جزاءه شهرة بدلا من المشنقة؟ ~~••• ~~- طارق ... ماذا أقول؟ ... ~~القسمة والنصيب! ~~••• # عند ناصية شارع الجيش، التفت صوب العمارة، ثم ملت نحو العتبة. ~~بمرور الأعوام، الشارع يضيق ويجن ويصاب بالجدري. نلت جزاءك يا ~~تحية؛ من الإنصاف أن يقتلك من هجرتني من أجله. سيستفحل الزحام، حتى ~~يأكل الناس بعضهم بعضا. لولا أم هاني، لتشردت في الطرقات. المشنقة ~~هي قمة المجد يا عباس، لا ميزة لك إلا الفحولة، هزيمتها لا تنسى. ما ~~معنى أن تعيش ممثلا من الدرجة الثالثة؟ في الأيام الحلوة، نما الحب ~~وراء الكواليس، فقهت الغريزة الحية لغة الفحولة الخفية. نلت أول قبلة ~~والموت يزحف على راسبوتين. ~~- تحية ... إنك تستحقين أن تكوني نجمة لا ممثلة ثانوية ~~كحالي. ~~- حقا؟! ... إنك تبالغ يا أستاذ طارق. ~~- بل شهادة خبير ... ~~- أم عين الرضا؟ ~~- حتى الحب لا يؤثر في حكمي! ~~- الحب؟! # كنا نسير في شارع جلال، في النصف الثاني من الليل؛ سهونا عن قشعريرة ~~البرد، وثملنا بدفء الحلم. # قلت: طبعا ... أتريدين هذا التاكسي؟ ~~- آن لي أن أرجع إلى بيتي. ~~- وحدك؟ ~~- لا أحد معي في شقتي الصغيرة. ~~- أين تقيمين؟ ~~- شارع الجيش. ~~- نحن جيران تقريبا؛ إني أقيم في حجرة ببيت كرم يونس في باب ~~الشعرية. ~~- ملقن الفرقة؟ ~~- نعم ... هل تدعينني إلى شقتك، أو أدعوك إلى حجرتي؟ ~~- وكرم وحليمة؟ # ضحكت، فابتسمت. تساءلت: لا أحد في البيت سواكم؟ ~~- ابنها الوحيد، تلميذ. # جميلة، وصاحبة شقة ومرتب مثل مرتبي! ~~••• # لم يستدعيني سرحان ~~الهلالي ونحن منهمكون في التدريب؟ # يقف مستندا إلى مائدة الاجتماعات في تيار الشمس الدافئ، يبتدرني: ~~اعتذرت مرتين عن التدريب يا طارق ...؟ ~~- لم أجد ما أقوله، فواصل بضيق: لا تخلط بين الصداقة والعمل ... ألم ~~يكفك أنك حملت عباس ms05 على الاختفاء؟ ~~- لعله هرب بعد افتضاح أمره! ~~- ما زلت مصرا على أفكارك الغريبة؟ ~~- إنه مجرم؛ ما من شك في ذلك! ~~- إنها مسرحية، وإنك ممثل لا وكيل نيابة. ~~- ولكنه مجرم، وأنت تؤمن بذلك. ~~- الحقد يعمي بصيرتك! ~~- لست حقودا. ~~- لم تشف من خيبة الحب بعد. ~~- إننا نتدرب لنهيئ النجاح للمجرم. ~~- إنه نجاحنا نحن، وهي فرصتك للضوء بعد عمر طويل في الظل. ~~- أستاذ سرحان ... الحياة ... ~~- لا تحدثني عن الحياة ... لا تتفلسف ... إني أسمع ذلك كل ليلة في المسرح ~~حتى مللته ... إنك تهمل صحتك ... الجنس والمخدرات وسوء التغذية ... ولا ~~تتورع عن تمثيل دور الإمام في مسرحية الشهيدة وأنت سكران! ~~- أنت الوحيد الذي عرف ذلك. ~~- أكثر من ممثل شم رائحة فمك ... هل تضطرني إلى ... # قاطعته بجزع: لا تعرض صداقة العمر للهوان ... ~~- ولحنت في آية، وهو شيء لا يغتفر. ~~- مر كل شيء بسلام. ~~- أرجوك ... أرجوك ... انس هوس التحقيق الخرافي، واحفظ دورك جيدا ... إنه ~~فرصة العمر! # وأنا أغادر الحجرة، قال لي: عامل أم هاني معاملة أفضل ... ستعاني ~~كثيرا إذا هجرتك. # اللعنة ... تماثلني في السن، ولا تعرف الشكر. شهدت موت تحية، دون أن ~~تدري أنها قتلت. سأمثل كل ليلة دور العاشق المهجور ... سأبكي مرارا ~~وتكرارا أمام النعش ... ماتت دون أن تندم ... لم تتذكرني ... لم تعرف ~~أنها قتلت ... قتلها المثالي ... إنه ينتحر في المسرحية، ولكن يجب أن ~~يشنق في الحياة ... ها هي جريمة تخلق مؤلفا وممثلا في ~~آن. ~~••• ~~- ألم تحضر تحية؟ ~~- كلا. ~~- لم أقابلها في المسرح. ~~- لم تذهب إلى المسرح. ~~- ماذا تعني يا عباس؟ ~~- أستاذ طارق ... أرجوك ... لن تحضر تحية إلى هنا، ولن تذهب إلى ~~المسرح. ~~- من أدراك بهذه الأسرار كلها؟ ~~- عفوا ... سنتزوج ... ~~- هه؟! ~~- اتفقنا على الزواج. ~~- يا ابن ... أنت مجنون؟ ... ماذا تقول؟ ~~- حلمك ... نريد أن نكون شرفاء معك ... دعني ... # لطمته، تنمر بغتة بوجه يموج بالعدوان، ولكمني. شاب قوي رغم ~~السحابة على عينه اليسرى. دار رأسي، جاء كرم يونس، وجاءت حليمة. ~~تساءلا: ماذا حدث؟ # صرخت: شيء مضحك ... رواية هزلية ... المحروس سيتزوج من تحية! # تساءل كرم ببرود مدمن ذاهل دائما ms06 : حقا؟! # وهتفت حليمة مخاطبة ابنها: تحية؟! ... أي جنون؟ ... إنها أكبر منك ~~بعشرة أعوام! # لم ينبس، صحت أنا: لعب أطفال ... سأمنع هذا بالقوة. # فصاحت حليمة: لا تزد الأمور سوءا. # فصرخت بجنون: سأهدم البيت على من فيه! # فقالت لي ببرود: خذ ملابسك، ومع السلامة ... # فغادرت المكان، وأنا أقول بتحد: باق على أنفاسكم حتى ~~النهاية. ~~••• # ذبيح الكرامة، مهين الفحولة، مضغوط القلب، مهجور الأمل، يشتعل قلبه ~~من جديد، بعد أن ظن أن الروتين قد أخمده. كنت أتوهم أن تحية ملكي ~~مثل الحذاء المطيع، كنت أنهرها وأهينها وأضربها، كنت أتصور ألا ~~حياة لها بدوني، وأنها تفرط في حياتها قبل أن تفرط في، فلما تلاشت ~~بحركة مباغتة ماكرة قاسية، تلاشى معها الأمن والثقة والسيادة، وحل ~~الجنون. وبزغ الحب من ركن مظلم غائص في الأعماق، ينفض عن ذاته سبات ~~البيات الشتوي؛ ليبحث عن غذائه المفتقد. لاحت خلف شراعة الباب ~~تلبية لنداء الجرس، عكست عيناها نظرة ارتباك مثل نطق ملعثم، ولكنها ~~لم تتراجع، متحدية أزمة مصيرها. تفرست في الصورة الجديدة المتحررة من ~~الإذعان الأبدي، المتطلعة إلى الجديد، وهي تنزلق فوق الحد الفاصل ~~الذي يستثير كوامن الجريمة. ~~- افتحي الباب يا تحية. ~~- أنت تعرف الآن كل شيء. ~~- هل تتركينني في الخارج كالغريب؟ ~~- طارق، ماذا أقول؟ لعله خير لكلينا، وهو النصيب والقسمة. ~~- إنه عبث وجنون. ~~- كان علي أن أخبرك بنفسي. ~~- ولكني لا أصدق ... افتحي. ~~- كلا ... إني أعاملك بشرف. ~~- ما أنت إلا عاهرة! ~~- حسن ... دعني في سلام. ~~- لن يحدث ذلك أبدا. ~~- سوف نتزوج في الحال. ~~- تلميذ ... مجنون ... نصف أعمى ... ~~- سأجرب حظي. ~~- افتحي الباب يا مجنونة. ~~- كلا ... لقد انتهى كل شيء. ~~- مستحيل ... ~~- ذاك ما حدث. ~~- لن تعرفي الحب إلا بين يدي! ~~- لا يمكن أن تمضي الحياة على ذاك النحو. ~~- لم تبلغي بعد سن اليأس؛ فلم ترتكبين الحماقات؟ ~~- لنفترق بسلام ... أرجوك ... ~~- إنها نوبة يأس خادعة ... ~~- كلا ... ~~- إني خبير بالأطوار الشاذة، التي يتعرض لها أمثالك! ~~- سامحك الله! ~~- يا مجنونة ... متى تغيرت؟ ~~- لم أرتكب في حقك أي خطأ ... ~~- عشت الكذب فترة ما ... ~~- لا تتماد فيما لا ms07 فائدة منه. ~~- إنك أول عاهرة. # ولكنها أغلقت الشراعة. ~~••• # بقيت في بيت كرم يونس، عباس يونس ذهب؛ حل محل أبيه في وظيفة ~~الملقن، بعد أن استغنى الأب عنها، اكتفاء بما يدره عليه بيته من ~~أرباح وفيرة. توتر الجو في بادئ الأمر، فتدخل سرحان الهلالي، وهمس ~~في أذني: لا تفسد علينا سهرتنا ... اعقل ... بإشارة تسترد أم هاني ... ~~دخلها ضعف دخل تحية. # الهلالي مجنون نساء، ولكنه لا يعرف الحب؛ عاشر تحية مرة أو مرتين. ~~لا يعترف بما يسمع عن الحب وآلامه، وهو يأمر وينهى في الحب، كأنه ~~أحد الشئون الإدارية، ويطالب بالتنفيذ في الحال. لا أشك في نواياه ~~الطيبة نحوي، وكم هيأ لي من فرص فوق خشبة المسرح، ضاعت كلها بسبب ~~قصور موهبتي، ولكنه يؤمن بنجاحي في مسرحية عباس. وقد بشر أم هاني ~~خياطة الفرقة برجوعي إليها، فرجعت إليها، فرارا من الوحدة، وتدعيما ~~لحالي المالية المتوعكة، وقبل أن أبرأ من التجربة المريرة. لم ~~أتوقع لزواج تحية أي استمرار أو نجاح؛ كانت دائما كثيرة العلاقات، ~~تستكمل أجرها الصغير. لم تحب أحدا سواي رغم فقري، وقد كذبت ~~توقعاتي، فحافظت على الزوجية حتى وفاتها، غير أن المسرحية هتكت ما ~~خفي من سرها. في المسرحية؛ تعترف وهي على فراش المرض بأنها باعت ~~نفسها لضيف أجنبي، وعند ذاك يقرر زوجها في المسرحية قتلها؛ وذلك ~~بأن استبدل بالدواء حبوب أسبرين لا جدوى منها. إذن قد صدقت توقعاتي، ~~وأنا لا أدري، وقتلها الذي أزعجها بمثاليته، الذي أرجو ألا يفلت من ~~العقاب. ~~••• # أي مغامرة! # أجد نفسي وجها لوجه مع عباس، في شقته التي كانت ذات يوم شقة ~~لتحية، اندفع إليها في ذات اليوم الذي قابلت فيه والديه بالمقلى. ~~إنه الآن مؤلف، ووحيد في الشقة. أخيرا أصبح مؤلفا، بعد رفض العشرات ~~من المسرحيات. مؤلف زائف يسرق الحقيقة بلا حياء! دهش لحضوري؛ لا ~~تدهش، ما مضى قد انقضى، ولكن آثاره تطرح نفسها من جديد. وقد صالح ~~بيننا الهلالي ذات يوم فتصافحنا، وما في القلب في القلب. جلسنا في ~~مكتبه؛ الشقة مكونة من حجرتين ms08 ومدخل، نتبادل النظر في وجوم، حتى قلت: ~~أنت ولا شك تتساءل عما جاء بي! ~~- لعله خير. ~~- جئت لأهنئك على المسرحية. # فقال بفتور: شكرا. ~~- سيبدأ التدريب غدا. ~~- المدير متحمس لها. ~~- بخلاف المخرج. ~~- ماذا قال؟ ~~- إن البطل قذر جدا، وبغيض جدا، ولن يتعاطف الجمهور معه. # فهز منكبيه استهانة وإن تجهم وجهه. سألته: تشهد جلسة ~~القراءة؟ # فقال ببرود: هذا شأني. ~~- ألم تقدر أن حوادث المسرحية ستصب عليك مطرا من ~~الظنون؟ ~~- لا يهمني ذلك. ~~- سيتصورون ولهم الحق أنك قاتل وخائن لوالديك. ~~- سخف لا يهمني. # فانفرط زمامي، وقلت بانفعال: يا لك من قاتل محترف! # فرمقني بازدراء وتمتم: ستظل حقيرا، دائما وأبدا. ~~- أتستطيع أن تدافع عن نفسك؟ ~~- لست متهما كي أطالب بذلك. ~~- سيوجه لك الاتهام أقرب مما تظن. ~~- إنك أحمق. # قمت وأنا أقول: إنها على أي حال تستحق القتل. # وذهبت متمتما: ولكنك تستحق الشنق أيضا! ~~••• # وجدتني في رحاب غضبة هلالية؛ عندما يغضب سرحان الهلالي ينقلب ~~زوبعة. لمعت أنيابه، لمحت الوهج في عينيه اللوزيتين الجاحظتين. ~~صاح: أنت أنت، كما كنت وأنت ابن عشرة، أحمق، لولا حماقتك لاستويت ~~ممثلا مرموقا؛ تأبى إلا أن تتقمص وكيل نيابة! لم زرت عباس يونس ~~أمس؟ # هل شكاني إليه الوغد؟ آثرت الصمت حتى تخف العاصفة. صاح: لن تتقن دورك ~~حتى تتفرغ له. # تمتمت بهدوء: بدأنا اليوم. # ثم بهدوء أعمق: مهم أيضا أن ينال المذنب جزاءه. # فصاح متهكما: ما من أحد منا إلا وفي عنقه دين من الذنوب، يستحق ~~عليها السجن! ~~- لكننا لم نقتل بعد. ~~- من يدري؟ ... تحية إن صح أنها قتلت، فقد اشترك في قتلها أكثر من ~~رجل، على رأسهم أنت. ~~- إنه لا يستحق دفاعك عنه. ~~- إني لا أعتبره متهما؛ هل لديك دليل واضح ضده؟ ~~- المسرحية. # فضحك ساخرا، وقال: ما من مسرحية تخلو من اتهام، ولكن النيابة تطالب ~~بأدلة من نوع آخر. ~~- لقد انتحر في المسرحية. ~~- هذا يعني أنه لن ينتحر في الحياة، وإنه لمن حسن الحظ أن يبقى ~~ويكتب. ~~- إنه لم يؤلف سطرا، ولن يؤلف سطرا، وأنت أدرى بما قدم لك من ms09 ~~مسرحيات سابقة. ~~- يا طارق رمضان، لا تكن مملا، انتبه لعملك، وانتهز فرصتك، فإنها لن ~~تتكرر. ~~••• # أتدرب على دوري في مسرحية القاتل، أستعيد حياتي مع تحية، بدءا من ~~وراء الكواليس. # أنضم إلى البيت القديم بسوق الزلط. الحب في الحجرة، اكتشاف الخيانة، ~~البكاء في الجنازة. # ويقول لي سالم العجرودي: إنك تمثل كما لم تمثل من قبل، ولكن احفظ ~~النص جيدا. ~~- إني أكرر ما قيل بالفعل. # فضحك قائلا: انس الحياة، وعش في المسرحية. # عند ذلك قلت له: من حسن الحظ أن من حقك التغيير. ~~- لقد غيرت ما اقتضت الضرورة تغييره، فحذفت مشهد الطفل. ~~- عندي فكرة. # فرمقني بضجر، ولكني قلت: البطلة وهي تحتضر، تطلب رؤية عشيقها ~~القديم. ~~- أي عشيق؟ ... ما من ممثل في المسرح إلا عشقها حينا. ~~- أعني العشيق الذي أمثل دوره ... ويذهب إليها، فتعتذر إليه عن ~~خيانتها، وتموت بين يديه. ~~- إنه يقتضي إدخال تعبيرات جوهرية على الشخصية، وعلى العلاقة بين ~~الزوجين. ~~- ليكن. ~~- إنك تقترح مسرحية جديدة ... البطلة نسيت تماما عشيقها ~~القديم. ~~- غير ممكن، وغير طبيعي. ~~- قلت لك: عش في المسرحية، وانس الحياة، أو تفضل بتأليف مسرحية ~~جديدة، فنحن في زمن مؤلفي النزوة والصدفة. ~~- ولكنك حذفت الطفل ودوره! ~~- ذاك شيء آخر؛ إنه غير ملتحم بالأحداث، وقتل وليد بريء خليق بأن ~~يفقد البطل أي عطف. ~~- وقتل زوجة تعيسة؟ ~~- اسمع، مئات من المتفرجين يودون في أعماقهم قتل زوجاتهم. ~~••• # أليس هذا هو كرم يونس؟ بلى! إنه يغادر حجرة المدير. لم يكن بقي على ~~عرض المسرحية إلا أسبوعان، وكنت واقفا أمام مدخل البوفيه، أحاور درية ~~نجمة الفرقة، وبيد كل منا فنجان قهوة. قلت له وهو يقترب منا في ~~بدلة قديمة، ورقبة البلوفر الأسود تطوق عنقه حتى أسفل الصدغين: ~~شرفت المسرح. # فرمقني شزرا، وقال بجفاء: ابعد عن وجهي. # وحيا درية تحية عابرة ومضى. قطعت درية حديثها عن الغلاء، وقالت: ~~جاء ولا شك يسأل عن سر اختفاء عباس. # فقلت بحنق: ما هو إلا اختفاء مجرم. # فقالت درية باسمة: لم يقتل، ولم ينتحر. ~~- لن ينتحر، ولكنه سيشنق. # رجعت تقول: كان يجب ms10 أن يقودنا النصر إلى حياة أيسر. # فقلت بسخرية: لا يحيا حياة يسيرة إلا المنحرفون؛ لقد بات البلد ~~ماخورا كبيرا. لم كبست الشرطة بيت كرم يونس وهو يمارس الحياة كما ~~تمارسها الدولة؟! # فقالت درية ضاحكة: نحن في زمن القومية الجنسية. ~~- إني رجل منبوذ من أسرتي العريقة لانحرافي، فلم تحدق بي ~~الخيبة؟ ~~- أيها الخائب الأبدي الذي لم يجد إلا أم هاني حقلا ~~لاستغلاله! ~~••• # ليلة الافتتاح 10 أكتوبر؛ الليل في الخارج يزفر نسمة لطيفة، أما في ~~الداخل فثمة نذير بجو حار. بين المشاهدين كرم وحليمة، الهلالي، ~~فؤاد شلبي؛ أنا الوحيد الذي يكرر دوره الذي لعبه في الحياة فوق الخشبة. ~~إسماعيل يلعب دور عباس؛ حياة البيت القديم تعرض من جديد بكل قصتها، ~~وتلحق بها جرائم جديدة أكثر وحشية. المدير يقامر، ويتسلل إلى حجرة نوم ~~حليمة. الفضائح تتعانق وتتوج بالخيانة والقتل. لأول مرة في حياتي تختم ~~مواقفي بالتصفيق. النجاح خمر. هل تشاهدنا تحية من وراء القبر؟ النجاح ~~خمر. الجمهور غارق في الصمت، أو منفجر في التصفيق. المؤلف المجرم ~~الجبان غائب. أي رد فعل انداح في جوارح كرم وحليمة؟ ستغطيها التجاعيد ~~قبل الهبوط الأخير للستار. # يجمعنا البوفيه للاحتفال التقليدي، لأول مرة في حياتي تحس ~~الأبصار بوجودي؛ إني شخص جديد تماما. تحية تخلق من العدم أكثر من ~~رجل. ارتسمت على فم أم هاني ابتسامة واسعة تتسع لتسلل بولدج. وراء ~~كل عظيم امرأة. قال لي سرحان الهلالي: ألم أقل لك؟ # وقال فؤاد شلبي: مولد ممثل كبير. # إسماعيل نفسه تجلت في ابتسامته المتكلفة الغيرة، مثلت العشق ~~والبرمجة والجنون ... ملأت بطني بالشويرمة والكونياك. تحالف الكونياك ~~مع خمر النجاح، حتى نخب المؤلف شربته. رأيت حليمة في التايير الذي ~~استأجرته من أم هاني. # غادرت المسرح حوالي الثالثة صباحا. أم هاني تتأبط ذراعي وأنا ~~أتأبط ذراع فؤاد شلبي. قال: هلم نتمش في القاهرة في الوقت الوحيد ~~الذي يتاح لها فيه الوقار. # قالت أم هاني: بيتنا بعيد. ~~- معي سيارتي ... تلزمني بعض المعلومات. # سألته: ستكتب عني؟ ~~- طبعا. # ضحكت عاليا، رحت استجابة له أتحدث عن الماضي. ms11 ~~- ولدت بمنشية البكري ... فلتان متجاورتان ... آل رمضان، وآل الهلالي ~~... رمضان أبي كان لواء بالسواري، من باشوات الجيش القديم ... الهلالي من ~~ملاك الأرض ... أنا البكري وسرحان الوحيد ... لي أخ قنصل، وأخ مستشار، ~~وأخ مهندس ... باختصار؛ طردنا أنا وسرحان من المدرسة الثانوية بلا ثمرة، ~~ولكن بخبرة واسعة ببيوت الدعارة والحانات والمخدرات ... لم يترك أبي ~~شيئا ... ورث سرحان سبعين فدانا ... أنشأ فرقة حبا في الإدارة والنساء ~~... عملت معه ممثلا ... انقطع ما بيني وبين إخوتي ... أجر بسيط ... ديون ~~نثرية كثيرة ... لولا النسوان ... # ندت عن أم هاني آهة. تساءل فؤاد: طبعا كان لك نشاط سياسي؟ # ضحكت مرة أخرى. ~~- لا أنتمي إلا للحياة ... أنا وكرم يونس توءمان روحيان ... يقال: إنه ~~مدين في نشأته إلى أم عاهرة ... حسن، لقد نشأت أنا في أسرة، فكيف تفسر ~~تماثلنا؟ ... هذا يعني أن الموهبة لا تتأثر بالبيئة! كلانا يحتقر ~~الحياة المحترمة ... الحق أن ما يفرق بيننا وبين الآخرين هو أننا ~~صادقون، أما الآخرون فمنافقون. # تساءلت أم هاني: هل ستكتب هذا الهذيان؟ # فقلت متحديا: فؤاد نفسه من حزبنا! # فتمتم في مرح: يا لك من وغد ... ولكن ألا تؤمن بوجود أخيار بكل معنى ~~الكلمة؟ ~~- طبعا، مثل الأستاذ عباس مؤلف «أفراح القبة» ... إنه مثالي كما ~~تعلم؛ لذلك زج بوالديه في السجن، وقتل زوجه وابنه! # سألته أم هاني: ماذا ستكتب؟ # فقال وهو يتجه بنا نحو سيارته الفيات: لست مجنونا مثله. # غادرنا السيارة أمام الحارة بالقلعة، منعه من الدخول طفح المجاري، ~~سرنا على طوار متآكل، ونشوتنا تخمد تحت وطأة الرائحة الكريهة! هل ~~يتواصل النجاح ويتغير الحال؟ هل أتحرر من هذه الحارة الكئيبة، وهذه ~~المرأة الخمسينية التي تزن مائة كيلو؟! # أنا وتحية نغادر البيت القديم بسوق الزلط، في طريقنا إلى المسرح. ~~حبكت معطفها الأسود حول جسمها الناضج، واخترقنا موجة من البرد في عتمة ~~المساء. يخطر لي أن جسمها معد للفراش لا للمسرح، وأننا في خيبة ~~الموهبة سواء. قلت لها: ونحن نحتسي الشاي، ضبطت الولد يختلس إليك ~~نظرة جائعة. ~~- عباس؟ ... إنه مراهق! ~~- سيعمل ذات يوم قوادا ماهرا. ~~- إنه ms12 مؤدب ، متبرئ من بيته! ~~- ابن كرم وحليمة، وفي هذا العصر العجيب؛ ماذا تنتظرين؟ # الآن أدرك أنني لم أفطن إلى ما كان يدور في نفسها. ~~••• # يقول لي سرحان الهلالي ~~ضاحكا: ما تصورتك قط في صورة عاشق حزين. ~~- وهل تصورت ذات يوم أننا نعبر القنال وننتصر؟ ~~- إنها مثلك في الفقر. ~~- حدثها ... أرجوك. ~~- يا مجنون ... لقد قررت هجر المسرح ... إنه سحر الزواج. ~~- يا للشيطان ... إني أكاد أجن! ~~- إنه الغضب ليس إلا ... ~~- صدقني. ~~- البرمجي لا يحتمل الهزيمة. ~~- ليس الأمر كذلك. ~~- بل هذا هو كل شيء ... ارجع من فورك إلى أم هاني؛ لأنك لن تجد من ~~يقرضك. # بعد تردد قلت: أحيانا يخيل إلي أن الله موجود! # فقهقه قائلا: طارق يا ابن رمضان ... حتى للجنون حدود! ~~••• # نجاح «أفراح القبة» مستمر؛ نجاحي يتوكد ليلة بعد أخرى. أخيرا ~~صادف الهلالي المسرحية التي تثري مسرحه، قرر لي مكافأة يومية ~~أنعشت روحي وجسدي. وسألني فؤاد شلبي: أعجبك ما كتبت عنك؟ # فشددت على يده بامتنان، وقلت: بعد أكثر من ربع قرن، تظهر لي صورة في ~~المجلة. ~~- لن تتراجع بعد اليوم ... أما علمت! لقد ظهر المؤلف المختفي. ~~- حقا؟! ~~- زار أمس الهلالي في مسكنه؛ أتعرف لماذا؟ ~~- هه؟ ~~- طالب بحصة من الأرباح. # قهقهت عاليا حتى أزعجت عم أحمد برجل وراء البوفيه، وقلت: ابن ~~حليمة! ... وماذا كان رد الهلالي؟ ~~- أعطاه مائة جنيه. ~~- خسارة في عينه. ~~- لقد أصبح بلا عمل، وهو منكب على كتابة مسرحية جديدة. ~~- ابتزاز ... وهيهات أن يكتب جديدا ذا قيمة. ~~- فال الله ولا فالك! ~~- وأين كان مختفيا؟ ~~- لم يبح بسره لأحد. ~~- أستاذ فؤاد، ألم تقتنع بتجريمه؟ ~~- لم يقتل تحية؟ ~~- لاعترافها بخيانته. # فهز منكبيه، ولم ينبس. ~~••• # عندما رأيت النعش يتهادى من مدخل العمارة، اجتاح جوفي فراغ مخيف، ~~تمادى حتى لفظني في العدم. هجم علي البكاء هجمة غادرة فأجهشت، ~~الصوت الوحيد الذي أثار المشيعين، حتى عباس كان جاف العينين. رجعت ~~في سيارة سرحان الهلالي، قال لي: عندما سمعت بكاءك ... عندما رأيت منظرك ~~... كدت أنفجر ضاحكا لولا ستر الله. # قلت باقتضاب: كان مفاجأة لي أيضا. ~~- لا ms13 أذكر أنني رأيتك باكيا من قبل. # فقلت باسما: لكل جواد كبوة. # أرجع الموت ذكريات الحب والهزيمة. ~~••• # سمعت بالخبر في مقهى الفن، قبل الذهاب إلى المسرح، هرعت إلى حجرة ~~سرحان الهلالي، سألته: الخبر صحيح؟ # فأجابني بوجوم: نعم، كان عباس يقيم في بنسيون في حلوان ... غاب طويلا ~~... عثر على خطاب في حجرته يعترف فيه بعزمه على الانتحار. ~~- هل عثر على جثته؟ ~~- كلا ... لم يعثر له على أثر. ~~- هل ذكر أسبابا لانتحاره؟ ~~- لا ... ~~- هل اقتنعت بانتحاره؟ ~~- لم يختفي والنجاح يدعوه للظهور والعمل؟ # وفصل بيننا صمت كئيب، حتى سمعته يتساءل: لم ينتحر؟ # فقلت: لنفس الأسباب التي انتحر من أجلها بطل مسرحيته. ~~- إنك مصر على اتهامه. ~~- أتحدى أن تجد سببا آخر. # انفجر الخبر في الوسط الفني، وبين جمهور المسرح. لم يسفر البحث عنه ~~عن شيء. اتخذت الإجراءات المألوفة في هذه الأحوال. داخلني شعور عميق ~~بالارتياح؛ قلت لنفسي: لن يعرف نجاح المسرحية حدودا يقف ~~عندها. # | كرم يونس # الخريف نذير، فهل نحتمل برودة الشتاء؟ عمر ينقضي في بيع الفول ~~السوداني واللب والفشار. وهذه المرأة التي قضي علي بها مثل السجن؛ ~~لم نسجن في بلد تستحق غالبيته السجن؟ قانون مجنون لا يدري كيف ~~يحترم نفسه. ماذا سيفعل كل هؤلاء الصبية؟ انتظر حتى تشهد هذه البيوت ~~القديمة وهي تنفجر! التاريخ يحزن لتحوله إلى قمامة، المرأة لا ~~تكف عن الأحلام؛ ولكن ما هذا؟ من هذا؟ شبح من الماضي. إلي بخنجر ~~مسموم! ماذا تريد يا مستنقع الحشرات؟ قلت لحليمة بامتعاض: انظري ~~... # دهشت، تساءلنا: أيجيء للتهنئة أم للشماتة؟ ~~- ها هو يقف ملقيا بابتسامته الكريهة، بعينيه الضيقتين، وأنفه ~~الغليظ، وفكه القوي العريض! كن جافا معه مثل الزمن. ~~- طارق رمضان! ... ماذا جاء بك؟ # وقالت حليمة منفعلة: أول زيارة من أهل الوفاء مذ رجعنا إلى سطح ~~الأرض. # فقال طارق: ما أنا إلا غريق من الغرقى. # فقلت بحنق: جئت من الماضي كذكرى من أسوأ ذكرياته. # وشغلت عنه بزبون، ثم رمقته بازدراء، فقال: معي أخبار ~~سيئة! # فقالت حليمة: لا تهمنا الأخبار السيئة. ~~- حتى لو تكون عن الأستاذ ms14 عباس يونس؟ # فقلت: إنه ابن بار ... عرض علي أن أعود إلى المسرح، فلما رفضت ~~أنشأ لنا هذه المقلى. # وقالت المرأة: وقد قبلت مسرحيته. # لكنه ما جاء إلا من أجل المسرحية؛ هل أعمته الغيرة؟ يطيق الموت، ~~ولا يطيق أن ينجح عباس؛ فليمت بغيظه! إنك أصل البلاء، لا يفهمك مثلي؛ ~~فنحن من خرابة واحدة. قال: المسرحية تدور في هذا البيت، عنكم، وتهدي ~~إلينا جرائم جديدة لم تخطر ببال أحد. أيمكن ذلك؟ عباس لم يقل لنا ~~كلمة عن موضوعه، لكنه شاب مثالي. تساءلت: ماذا تعني؟ ~~- كل شيء ... كل شيء ... ألا تريد أن تفهم؟ # ماذا يعني؟ لماذا يفضح عباس نفسه؟ سألته: حتى السجن؟ ~~- وأنه هو الذي وشى بكما إلى الشرطة، وهو الذي قتل تحية. ~~- إنه لسخف. ~~- وتساءلت المرأة: ماذا تعني يا عدو عباس؟ # وتساءلت رغم انقباض قلبي: أليست مسرحية؟ # وقالت حليمة: لديه التفسير الصحيح. ~~- شاهدا المسرحية بنفسكما. ~~- أعماك الحقد. ~~- بل الجريمة. ~~- ما مجرم إلا أنت! # وقلت له وانقباض قلبي لا يزايل قلبي: حاقد مجنون ... ابني عبيط، ولكنه ~~ليس خائنا ولا قاتلا. # فصاح: يجب القبض على قاتل تحية. # اشتبك مع المرأة في خصام جارح وأنا شارد في أفكاري، حتى سألته ~~بخشونة: ماذا تريد؟ # وطردته شر طردة! ~~••• # غصت في بئر، لا يمكن أن يجيء من آخر الدنيا ليلقي بأكاذيب يسير ~~كشفها؛ إنه وغد ولكنه ليس أحمق. لا قدرة لي على الانفراد بوساوسي. ~~نظرت نحو المرأة، فالتقيت بعينيها تنظران نحوي؛ إننا غريبان يجمعهما ~~بيت قديم، لولا إشفاقي من إغضاب عباس لطلقتها. عباس وحده الذي يجعل ~~للحياة طعما مقبولا؛ إنه الأمل الوحيد الباقي. تمتمت المرأة: إنه ~~يكذب. # فسألتها وأنا أشد منها التماسا لنقطة رحمة: ولم يكذب؟ ~~- ما زال يحقد على عباس. ~~- ولكن هناك مسرحية أيضا. ~~- لا نعرف عنها شيئا، اذهب إلى عباس. ~~- سأقابله حتما. ~~- ولكنك لا تتحرك! # إني خائف، إنها غبية وعنيدة. قلت: لا داعي للعجلة. ~~- يجب أن يعرف ما يدبر من وراء ظهره. ~~- وإذا اعترف؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- إذا اعترف بأن مسرحيته تحوي ما قال الوغد؟ ~~- ستجد التفسير ms15 المريح . ~~- لا أدري. ~~- لم يفضح نفسه إذا كان قاتلا حقا؟ ~~- لا أدري ... ~~- تحرك ... هذا هو المهم. ~~- سأذهب طبعا. ~~- أو أذهب أنا. ~~- ليس عندك ملابس صالحة ... صادروا نقودنا ... ضربني المخبر ~~الكلب. ~~- ذاك تاريخ مضى ... فكر الآن فيما نحن فيه. ~~- الوغد كاذب. ~~- يجب أن تسمع بأذنك. ~~- لم يكن يوافق على حياتنا ... كان مثاليا كأنه ابن حرام ... ولكنه ~~لا يغدر بنا، ثم لماذا يقتل تحية؟ ~~- إنك تستجوبني أنا؟ ~~- إني أفكر. ~~- لقد صدقت ما قال الوغد. ~~- وأنت أيضا تصدقينه. ~~- يجب أن نسمعه. ~~- الحق أنني لا أصدق! ~~- إنك تهذي ... ~~- اللعنة! ~~- اللعنة حلت يوم ارتبطت بك! ~~- ويوم ارتبطت بك. ~~- كنت جميلة. ~~- هل رغب فيك أحد غيري؟ ~~- كنت دائما مرغوبة ... إنه سوء الحظ. ~~- كان أبوك ساعي بريد، أما أبي فكان موظفا في دائرة ~~الشمشرجي. ~~- ذلك يعني أنه كان خادما. # _ أنا من أسرة. ~~- وأمك؟ ~~- مثلك تماما. ~~- مخرف ... ولكنك لا تريد أن تذهب. ~~- سأذهب عندما يروق لي. # تشتت فكري، ليكن ما يكون، لن يصيبنا أسوأ مما أصابنا. ألم نبدأ ~~- أنا وهذه المرأة - من ملتقى مفعم بالحرارة والرغبة والأحلام ~~الجميلة؟ ... أين نحن من ذلك الآن؟ ولكن يجب أن أذهب على أي حال؛ لعل ~~العصر هو أنسب الأوقات. ~~••• # لم أعرف مسكن ابني من قبل. منذ زواجه انفصلنا، لم يكن بيننا خير؛ كان ~~يرفض حياتنا ويحتقرها، فنبذته واحتقرته، وبانتقاله إلى بيت تحية ~~تحررت من نظراته الممتعضة. أسعى إليه الآن بعد أن لم يبق أمل غيره؛ ~~تلقانا بعد السجن ببر ورحمة، فكيف يكون هو الذي زج بنا فيه؟ سألت ~~البواب عنه، فقال: ذهب منذ ساعتين حاملا حقيبة. ~~- سافر؟ ~~- قال إنه سيغيب بعض الوقت. ~~- ألم يترك عنوانه الجديد؟ ~~- كلا. # ذهلت، حدث ما لم أتوقعه. لم لم يخبرنا؟ هل بلغته اتهامات طارق ~~له؟ وبازدياد قلقي، قررت أن أقابل سرحان الهلالي. ذهبت إلى مسرح الغد ~~بعماد الدين، وطلبت المقابلة، فسرعان ما أذن لي. وقف مرحبا بي وهو ~~يقول: أهلا، حمدا لله على السلامة ... لولا ظروفي لزرتك ~~مهنئا. ~~- سرحان بك، عذر غير مقبول. # فضحك ولم يكن ms16 شيء يحرجه أو يربكه، وقال: لك حق. ~~- إنها عشرة طويلة؛ لقد قضيت عمرا ملقنا لفرقتك، وفتحت لك ~~بيتي حتى قبض علي ... ~~- إنني مخطئ في حقك ... تشرب قهوة؟ ~~- لا قهوة ولا شاي، إني قادم بخصوص عباس ابني. ~~- تقصد المؤلف المثير؟ ... ستنجح مسرحيته يا كرم نجاحا غير عادي، ~~وأنت أدرى الناس بإحساسي. ~~- عظيم ... ولكني لم أجده في مسكنه، وقال البواب إنه حمل حقيبته ~~وذهب. ~~- وماذا يقلقك من ذلك؟ ... إنه شارع في تأليف مسرحية جديدة ... ولعله ~~وجد مكانا هادئا. ~~- بلغتني أشياء عن موضوع المسرحية، فخفت أن يكون لذلك علاقة ~~بذهابه. ~~- تفكير خاطئ يا كرم. ~~- طارق حاقد، وهو ... # فقاطعني: لا تحدثني عنه، فإني أعلم به، ولكن لا داعي للقلق على ابنك ~~على الإطلاق. ~~- أخشى أن يكون قد ... # وسكت، فقال ضاحكا: المسرحية خيال، ولو كانت ... ~~- خبرني عن رأيك بصراحة! ~~- لم أشغل عقلي دقيقة إلا بالمسرحية نفسها ... ما ارتكبه البطل في ~~المسرحية في صالح المسرحية، هذا ما يهمني. ~~- ولكنه وشى بوالديه وقتل زوجته؟ ~~- خير ما فعل. ~~- ماذا تعني؟ ~~- ذلك ما خلق المأساة. ~~- ألم تشعر بأن ذلك قد حدث فعلا في الحياة؟ ~~- لا يهمني ذلك ألبتة! ~~- أريد أن أعرف الحقيقة. ~~- الحقيقة؛ المسرحية عظيمة، وأنا كما تعلم مدير مسرح لا وكيل ~~نيابة. ~~- وأنا معذب! # فضحك الهلالي، وقال: لا أدري شيئا عما تتحدث عنه، ثم إنك لم تكن ~~تحبه قط! ~~- الحاضر غير الماضي، وأنت سيد من يفهم. ~~- المسرحية مسرحية لا أكثر من ذلك، وإلا جاز للقانون أن يدخل 90٪ من ~~المؤلفين قفص الاتهام. ~~- إنك لا تريد أن تريحني! ~~- ليتني أملك ذلك يا كرم، لا تشغل نفسك بأوهام سخيفة، ولن يشاركك ~~فيها إلا قلة من الأصدقاء المعروفين، أما الجمهور فلن يخرج عن حدود ~~المسرحية. لماذا رفضت أن ترجع إلى وظيفتك القديمة كملقن ~~للفرقة؟ ~~- شكرا، اقترح عباس ذلك ~~مؤيدا اقتراحه بموافقتك، ولكني لا أحب الرجوع إلى الماضي. # فضحك الهلالي، وقال: إني أفهم ذلك، أنت الآن سيد نفسك، ولعل المقلى ~~أربح؛ ليكن يا عزيزي، ولكن لا تقلق على عباس، إنه يبني نفسه، وسيظهر ms17 ~~في الوقت المناسب. # انتهت المقابلة، غادرته وأنا أنوء باحتقاري للجنس البشري. لا أحد ~~يحبني ولا أحب أحدا، حتى عباس لا أحبه وإن تعلق به أملي، الغادر ~~القاتل! ولكن فيم ألومه وأنا مثله؟ لقد تقشر الطلاء عنه فتجلى على ~~حقيقته الموروثة عن أبيه، الحقيقة المعبودة في هذا الزمان، التي توشك ~~أن تعلن ذاتها بلا نفاق. ما الفضيلة إلا شعار كاذب يتردد في المسرح ~~والجامع! كيف زج بي في السجن في زمن الشقق المفروشة وملاهي الهرم؟ ~~من هذا؟ صادفت طارق رمضان أمام باب البوفيه، مد إلي يد ثعبان ~~فرفضته، قلت له أن ابعد عن وجهي. ~~••• # لم أخطئ؛ أليس هذا هو زمن المخدرات؟ وأنا رجل بلا قيود، لا أخلص إلا ~~للغريزة؛ مثلي تماما أولئك الرجال، ولكنه الحظ وحده. تقول حليمة: أتظن ~~أن أجري وحده يكفي للإنفاق على بيتك وابنك؟ ~~- إني على أتم الاستعداد للشجار! ~~- الأفيون يهدم كل شيء. ~~- فليهدم كيف شاء. ~~- وابنك؟ ... إنه ولد رائع جدير بالرعاية! # لم أخطئ، لقنتني أمي مبادئ الصواب الأبدي. حليمة ترغب في تمثيل ~~دور السيدة المحترمة، وتتناسى ماضيها الداعر. لن أسمح للنفاق بالمعيشة ~~في بيتي. # وقلت للهلالي: إنكم تتعبون أحيانا للعثور على بيت مناسب؛ إليكم ~~بيتي. # حدجني باهتمام، فقلت: في أعماق باب الشعرية، الجن نفسه لن يرتاب ~~فيه! # لم أخطئ، البيت القديم يتجدد على مبادئ جديدة، ينفض عنه الغبار، ~~تتأهب أوسع حجرة فيه لاستقبال القادمين من الجحيم. أحترم هؤلاء العظام ~~الذين يمارسون الحرية بلا نفاق؛ الهلالي والعجرودي وشلبي وإسماعيل ~~وطارق وتحية. أعد أيضا مخزنا من الأطعمة الجافة والشراب والمخدرات. ~~حليمة تتوثب للنفاق، إني لا أرحم المنافقين! تثوب إلى حقيقتها الكامنة، ~~تمسي ربة البيت الجديد بكل كفاءة. جميلة وذكية وحرة مثلي وأكثر، جديرة ~~بقيادة ماخور. أمطرت السماء ذهبا، ولكن لم ينظر الولد إلينا بامتعاض؟ ~~ابن من أنت؟ من أبوك؟ من أمك؟ من جدتك؟ ابن حرام أنت، ابن الكتاب ~~والمسرح، وتصدق النفاق يا غبي. وتقول حليمة: الولد يقتله ~~الحزن. ~~- ليقتله الحزن، كما يجدر بأي غبي. ~~- إنه يرفض. ~~- لا أحب هذه ms18 الكلمة. ~~- إنه يستحق الرحمة. ~~- إنه يستحق القتل. # أصبح يمقتني، ويقتلع الحب القديم من قلبي. ~~- انتبه لحياتك ... عش الواقع ... قلة نادرة تظفر بمثل طعامك ... انظر إلى ~~الجيران ... ألا تسمع عما يجري في البلد؟ ألا تفهم؟ من أنت؟ # عيناه تعكسان نظرة غريبة، إنه يعيش خارج أسوار الزمن؛ ماذا يريد؟ ~~اسمع موعظة، هذا البيت بناه جدك، لا أدري عنه شيئا، جدتك جعلت ~~منه مهدا لغرامها. أرملة وشابة ولا تختلف عن أمك. أبوك نشأ في أحضان ~~الحقيقة، أود أن أحكي لك كل شيء؛ هل أخشاك؟! لولا أن عاجلت الوفاة ~~جدتك، لتزوج منها الباشجاويش، ولضاع البيت. أراد أن يستولي علي بعد ~~وفاتها، ولكني ضربته؛ لذلك سعى حتى جندت في الجيش القديم، ولكن ~~البيت بقي. أم هاني قريبة أمي، وقوادة الهلالي؛ كانت الوساطة ~~لأتعين ملقنا بالفرقة. أود أن ألقي عليك هذه السيرة ذات يوم؛ ~~لتعرف أصلك، وتنتمي بلا مقاومة كاذبة إلى مبادئك الحقيقية. كن مثل ~~أبيك ليجمعنا الحب كما كان وأنت صغير، ولا تنخدع بنفاق أمك. ستعرف كل ~~شيء ذات يوم. هل أخشاك يا ولد؟! ~~••• # رجعت إلى المقلى، فسألتني ~~حليمة بلهفة: ماذا قال لك؟ ~~- لم أقابله؛ غادر الشقة إلى مكان مجهول حاملا حقيبته. # ضربت فخذيها بقبضتيها، وقالت: مكان مجهول! ... لم لم يخبرنا؟ ~~- من أدراك أنه يفكر فينا؟ ~~- إنه هو الذي فتح لنا هذه المقلى. ~~- وانتهى منا؛ إننا بالنسبة له اليوم ماض يحسن نسيانه. ~~- إنك لا تفهم ابني؛ ليتك ذهبت إلى الهلالي! # صمت متأثرا بدفقة غيظ مجهولة البواعث فراحت تقول: إنك لا تحسن ~~التصرف! # فقلت بازدراء: أود أن أفلق رأسك! ~~- هل رجعت إلى الأفيون؟ # فقلت ساخرا: لا يطمع إليه اليوم إلا الوزراء! # ثم استطردت: الهلالي لا يدري شيئا عن مكانه. # فتساءلت بقلق: زرته؟ ~~- لا يدري شيئا عن مكانه. ~~- أين ذهب ابني؟ هل أخلى شقته؟ ~~- لا. ~~- سيرجع ... لعل في الأمر امرأة. ~~- تفكير ينسجم مع امرأة مثلك! # فهتفت: لا يهمك أمره، لا يهمك إلا نفسك. ~~- قضي علي بأن أخرج من سجن إلى سجن. # فقالت بحنق: أما أنا فإني أعيش ms19 في زنزانة ! # ومن شدة القهر نشجت باكية، فتضاعف حنقي عليها، وتساءلت في غرابة: ~~كيف أحببتها ذات يوم؟ ~~••• # البوفيه الأحمر، جدرانه وسقفه مطلية بحمرة قاتمة، كذلك أغطية مناضده ~~وبساطه السميك. اتخذت مجلسي أمام طاولة الساقي عم أحمد برجل، على كرسي ~~جلدي طويل إلى جانب أنثى لم أتبينها. قدم لي كالعادة سندوتش فول ~~وفنجان شاي. وبالتفاتة لا بد منها، بهرني شباب ذو جمال رائق. أدركت ~~أنها مثلي موظفة في المسرح؛ ففي الساعة الثامنة لا يتواجد أحد من ~~الخارج. سمعت عم أحمد يسألها: هل من جديد عن الشقة يا آنسة ~~حليمة؟ # فأجابت بصوت دسم: البحث عن الذهب أسهل. # واندفعت متأثرا بانبهاري: هل تبحثين عن شقة؟ # فأحنت رأسها بالإيجاب، وهي تزدرد رشفة شاي، فقال عم أحمد يعارف ~~بيننا: السيد كرم يونس ملقن الفرقة. آنسة حليمة الكبش قاطعة التذاكر ~~الجديدة. # فسألت بجرأة لا تنقصني: من أجل زواج؟ # فأجاب عم أحمد عنها: إنها تقيم مع خالتها في شقة صغيرة مكتظة، وتحلم ~~بشقة صغيرة خاصة، ولكن هناك عقبة الإيجار، وعقبة خلو الرجل. # وقلت بلا تريث: عندي بيت. # فالتفتت نحوي باهتمام لأول مرة متسائلة: حقا؟ ~~- بيت كبير؛ إنه قديم، ولكنه مكون من طابقين. ~~- الطابق شقة؟ ~~- كلا ... إنه ليس مقسما إلى شقق. # فسألني عم أحمد: ممكن تستقل بطابق؟ ~~- ممكن جدا. # فسألت هي: ألا يضايق ذلك الأسرة؟ ~~- إني أقيم فيه وحدي. # فرفعت حاجبيها معرضة عني، فقلت مدافعا عن حسن نيتي: ستجدين ~~الطابق آمنا أنت وأسرتك. # فلم تنبس معتبرة الموضوع منتهيا، أما عم أحمد فسألني: وكم ~~الإيجار؟ ~~- لم يستأجره أحد من قبل، ولست طماعا بحال. # فسألني جادا: هل آتيك بساكن؟ # فقلت بنبرة إعلامية: لا أود ذلك؛ إنه بيت الأسرة وله ذكرياته، ~~وإنما أردت أن أقدم خدمة للآنسة، بصفتها زميلة لي في المسرح. # فضحك عم أحمد برجل، وقال: أعطنا فرصة للتفكير، وربنا يسهل. # وذهبت الآنسة مخلفة في نفسي انتعاشا وحيوية ورغبة ~~حريفة. ~~••• # ها هي مقوسة فوق كرسيها متشابكة الذراعين، تعكس عيناها نظرة قرف ~~ممتعضة، وتنعقد فوق جبينها تكشيرة كاللعنة؛ أليست الوحدة خيرا ms20 من ~~عشير النكد؟ أين الانبهار القديم؟ أين سكرته المشعشعة؟ في أي مستقر ~~من الكون تحنطت؟ ~~••• # كلما رأيتها في البوفيه الأحمر، قلت لنفسي: «هذه الفتاة تستحوذ علي ~~كالجوع.» إني أتخيلها تمرح في البيت القديم، تجدد شبابه، تدفئ ~~دماءه؛ أتخيلها وهي تشفيني من عللي المزمنة. # ودأب عم أحمد برجل على تشجيعي كلما انفرد بي. قال لي مرة: حليمة ~~قريبة لي من ناحية أمي ... متعلمة وذكية ... أنا من سعيت عند الهلالي ~~بك لإلحاقها بعملها. # فشجعته بدوري قائلا: بنت ممتازة حقا! ~~- خالتها طيبة، والبنت ذات خلق. ~~- لا شك في ذلك. # ورمقني بابتسامة سكرت بها رغبتي المتحفزة. استسلمت لأنامل ناعمة، ~~لنعاس مهدهد بأحلام اليقظة، وانفسحت أمامي عذوبة الحواس الطاغية. قلت ~~له ذات يوم: يا عم أحمد، إني أرغب بصدق. # أدرك البقية المضمرة من كلامي، وتمتم بانشراح: جميل وحكيم. ~~- لا دخل لي سوى أجري، ولكني ~~أملك المسكن، وهو امتياز لا يستهان به في هذه الأيام. ~~- الرغبة في الستر أهم من الظواهر. # وفي نفس الأسبوع استقبلني قائلا: مبارك يا كرم. # دخلت منطقة الظل الحنون، منطقة الخطوبة الصافية، منطقة شفافة ~~يمتزج في نسيجها الحريري وشي الحلم وعذوبة الواقع. أهدتني كيسا ~~جلديا تصطف في ثغراته وعلاقاته أدوات حلاقة الذقن، فسعدت به في ~~طفولة، وإذا بسرحان الهلالي يرفع أجري جنيهين، مهنئا إياي بحياتي ~~الجديدة، واحتفل بنا رجال المسرح في البوفيه، وشيعونا بالأزهار ~~والحلوى. ~~••• # فيم تفكر المرأة؟ ... يدها المعروقة تعبث بالفشار، ولا ينطوي رأسها على ~~فكرة مريحة واحدة. قضي علينا أن نتبادل الضجر في هذه الزنزانة. ~~القاذورات منتثرة فوق أديم الشارع العتيق، محددة له معالم جديدة ~~تحت دفقات الضوء. هبات الهواء تطير ما خف منها، فيزحم أقدام صبية لا ~~حصر لهم. فيم تفكر المرأة؟ ~~••• # ليلة الدخلة؟ أجل، عند صياح الديكة، وقد جذبتنا الحقيقة نحو بؤرة ~~خانقة، وغابت الأعين فلم يبق إلا التاريخ. انقبض قلبي حيال الحيرة ~~المقتحمة، كدت أتصور أن الوجود قد مات لولا تصاعد النحيب المكتوم، ~~وقال النحيب كل شيء، وتمتمت: لن أسامح نفسي. # حقا؟ ... وتمتمت أيضا: كان يجب أن. ms21 # ماذا؟ ... لا داعي لمزيد. وأيضا تمتمت: لكنني أحببتك. # عرفت سرها، ولكنها لم تعرف سري بعد. من أين لها أن تعلم أن رجلها ~~ينحدر إليها من عهد سابق على التاريخ؟ من أين لها أن تتصور مدى ~~حريته؟ لم أكترث للعبة، كانت مجرد دهشة فقط، وحتى الدهشة استسخفتها، ~~وقلت بسخرية عميقة: لا يهمني الماضي. # فأحنت رأسها ربما لتخفي ارتياحها، وقالت: إني أحتقر الماضي، وأولد ~~من جديد. # فقلت بنبرة عادية: هذا حسن. # نبذت أي رغبة في مزيد من المعرفة (لست غاضبا ولا مبتهجا، ولكني ~~أحبها)، وانغمست في حياتي الجديدة بحرارة صادقة. ~~••• # تمر الساعات، فلا نتبادل كلمة واحدة، مثل حبات الفول السوداني. ما ~~من زبون يجيء إلا ويشكو الغلاء، والمجاري الطافحة، والطابور المهلك ~~أمام الجمعية الاستهلاكية؛ أبادله العزاء. ربما نظر إلى المرأة ~~متسائلا: ما لك ساكتة يا أم عباس؟ # أي أمل أرتقبه أنا؟ هي على الأقل تنتظر عودة عباس! ~~••• # انغمست في الزوجية بحرارة صادقة، انزعجت عندما وافتني ببشائر ~~الأمومة، ولكنه كان انزعاجا عابرا. # وقد عشقت عباس في طفولته، وبدأ كل شيء يتغير منذ قال لي طارق ~~رمضان: حوار هملت صعب ... ذوب هذه في فنجان شاي. # بدأت رحلة جديدة جنونية؛ صادف الإغراء رجلا لا يهمه شيء، وكانت ~~ينابيع الحياة تجف، ومسراتها تختنق في قبضة أزمة قاسية. وتقول حليمة: ~~أتريد أن تنفق أجرك على السم، وتتركني أواجه الحياة وحدي؟ # أي صوت قبيح كأنما يصدر عن المجاري الطافحة. صرنا مثل شجرتين ~~متعريتين؛ الجوع يطرق باب البيت القديم. # وذات يوم قلت لها بارتياح: نهاية حميدة. ~~- عم تتحدث؟ ~~- فلنعد الحجرة الشرقية للعب. ~~- هه ...؟! ~~- سيجيئون كل ليلة ولن نشكو الفقر. # رمقتني بنظرة غير متوقعة لخير، فقلت: الهلالي، العجرودي، شلبي، ~~إسماعيل. أنت فاهمة، ولكن علينا أن نعد لهم ما يلزمهم. ~~- إنه قرار خطير. ~~- لكنه حكيم ... أرباحه خيالية. ~~- لم يكفنا أن يقيم عندنا طارق وتحية ... نحن نتدهور. ~~- نحن نرتفع ... ليسكت صراخك وصراخ ابنك. ~~- ابني ملاك ... إنه الرعب له! ~~- عليه اللعنة إن تحدى أباه ... إنك تفسدينه بأفكارك ~~السخيفة. # إنها تستسلم بامتعاض. أنسيت ليلة ms22 الدخلة؟ عجيب أن يطمح أناس ~~للتحرر من الحكومة على حين يرسفون بكل ارتياح في القيود الكامنة في ~~أنفسهم. ~~••• # ها هي راجعة من مشوارها، لولا خدمتها في البيت لتمنيت ألا ترجع، ~~ينم وجهها عن الخيبة. لم أسألها عن شيء، أهملتها حتى قالت ~~متنهدة: ما زالت شقته مغلقة. # رحبت بزبون لأتجنبها، فلما ذهب قالت بحدة كريهة: افعل ~~شيئا. # غبت عنها راجعا إلى فكرة طالما أثارتني، وهي كيف تزج الحكومة بنا ~~في السجن من أجل أفعال ترتكبها هي جهارا؟ ألا تدير هي بيوتا للقمار؟ ~~ألا تشجع المواخير المعدة للضيوف؟ إني معجب بسلوكها، ولكني ثائر ~~على نفاقها الظالم. وارتفع صوت المرأة وهي تقول: اذهب مرة أخرى إلى ~~المدير. # فقلت ساخرا: اذهبي إليه بنفسك؛ فهو أقرب إليك مني! # فهتفت بحنق: الله يرحم أمك! ~~- على أي حال؛ لم تكن منافقة مثلك! # فتأوهت قائلة: إنك لا تحب ابنك، ولم تحبه قط. ~~- لا أحب المنافقين، ولكني لا أنكر مساعدته لنا. # فولتني ظهرها متمتمة: ترى أين أنت يا عباس؟! ~~••• # أين سرحان الهلالي؟ غادر مجلسه، ولكنه لم يرجع. لا يمكن أن ينام في ~~دورة المياه. اللعب مستمر، وأنا أجمع نصيبي عقب كل دورة. أين حليمة؟ ~~أما آن لها أن تقدم شيئا من الشراب؟ أتساءل: أين المدير؟ # لم يجب أحد، كل مشغول بورقاته. ترى هل حدجني طارق بنظرة ساخرة؟! ~~يجب أن تقدم حليمة شيئا من الشراب. ~~- يا حليمة! # لا جواب؛ لن أتخلى عن موقعي، وإلا سرقت. ~~- يا حليمة! # دوى صوتي عنيفا، جاءت بعد قليل. ~~- أين كنت؟ ~~- غلبني النوم. ~~- أعدي شرابا ... وحلي محلي حتى أرجع. # غادرت حجرة اللعب، صادفت عباس في صالة الدور الأول؛ سألته: ماذا ~~أيقظك في هذه الساعة؟ ~~- أرق طارئ. ~~- أرأيت سرحان الهلالي؟ ~~- غادر البيت. ~~- متى؟ ~~- منذ قليل ... لا أدري بالضبط. ~~- هل رأته أمك؟ ~~- لا أدري! # لم ذهب؟ ... لماذا ينظر إلي الولد واجما؟ ... إني أشم رائحة غريبة. ~~إني أي شيء، ولكني لست مغفلا. وعندما لم يبق في البيت إلا أعقاب ~~السجائر والكئوس الفارغة، رمقت المرأة بنظرة طويلة، ثم سألتها: ماذا ms23 ~~حدث من وراء ظهورنا؟ # فرمقتني بازدراء، وتجاهلتني تماما، فعدت أسأل: عباس رأى؟ # فلم تجب، وازددت غضبا ... فقلت: إنه هو الذي ألحقك بالعمل! # فضربت الأرض بقدمها، فقلت بسخرية: لا شيء بلا ثمن، هذا ما يهمني، ~~أما أنت فلا تستحقين الغيرة! # اندفعت نحو حجرتها، وهي تقول: إنك أحقر من حشرة! # فقلت مقهقها: إلا حشرة واحدة. ~~••• # ها هي راجعة من مشوار جديد. فلتزدادي عذابا وجنونا. لبثت واقفة ~~في المقلى، وراحت تقول: فؤاد شلبي مطمئن تماما. ~~- قابلته؟ ~~- في مقهى الفن. ~~- من أين له أن يعلم؟ ~~- قال إنها نزوة مؤلف، وأنه سيظهر في الوقت المناسب وبيده مسرحية ~~جديدة. ~~- لا بد من كلمة لتهدئة امرأة مجنونة مخرفة. # جرت كرسيها إلى أقصى المقلى، وجلست، ومضت تحدث نفسها: لو أراد الله ~~لوهبني حظا أسعد، ولكنه رمى بي إلى رجل سافل مدمن. # فقلت بسخرية: هذا جزاء من يتزوج من عاهرة. ~~- الله يرحم أمك. عندما يرجع عباس سأذهب معه. ~~- إذن فليرجع عباس رحمة بي. ~~- من يتصور أنك أبوه؟ ~~- ما دام قد قتل زوجته، وزج بوالديه في السجن، فهو ابني، وإني لفخور ~~به. ~~- إنه ملاك، وهو من صنع يدي أنا. # تمنيت أن تكلم نفسها حتى تجن. وتذكرت صفعة المخبر على قفاي، واللكمة ~~التي أسالت الدم من أنفي؛ الكبسة مثل زلزال مدمر. حتى سرحان الهلالي شد ~~جفناه من الذعر. ومصادرة المال المخزون الذي بعنا أنفسنا حبا فيه؛ يا ~~لها من قشعريرة! ~~••• # أي شيطان يرقص في ~~الصالة؟! # غادرت الحجرة، فرأيت طارق وعباس وهما يتضاربان. حليمة تصرخ. اجتاحني ~~الغيظ؛ صرخت: ما هذا العبث؟ # صاح طارق: مسرحية هزلية، المحروس سيتزوج من تحية. # بدا لي الأمر سخيفا، ومهددا بإطفاء نشوة المخدر المتصاعدة. صاحت ~~حليمة: أي جنون! ... إنها أكبر منك بعشرة أعوام! # وتدفقت الإنذارات من فم طارق مع نثار لعابه، فقالت له حليمة بشدة: ~~لا تزد الأمور سوءا! # فصرخ طارق: سأهدم البيت على من فيه. # سكت غيظي، وتسللت إلى السخرية واللا مبالاة، وقبل أن أتفوه بكلمة، ~~قالت حليمة لطارق: خذ ملابسك، ومع السلامة. # فهتف: من وراء ظهري، ms24 في هذا البيت القذر. # فقلت له بهدوء تبدى غريبا في ذلك الجو العاصف: إنه قذر بسبب ~~وجودكم فيه. # فلم يعن بالالتفات إلي، أما حليمة فسألت عباس: أحقيقي ما ~~يقول؟ # فأجاب المحروس: اتفقنا على ذلك. # فسألته دون مبالاة: لم لم تتفضل باستشارتنا؟ # فلم يرد، فرجعت أسأله: هل يكفي أجرها للإنفاق على بيت ~~زوجية؟ # فقال عباس: سأحل محلك ملقنا للفرقة. ~~- من مؤلف إلى ملقن؟ ~~- لا تناقض بين الاثنين. # فصاحت حليمة بصوت متشنج: ابني مجنون! # وقالت لطارق: لا تكن أنت أيضا مجنونا. # فعاد يهدد، فصاحت به: غادر بيتنا! # فمضى وهو يقول: باق على أنفاسكم ليوم القيامة. # خلا المكان للأسرة الكريمة، جعلت أردد عيني بينهما في شماتة ~~وسخرية. قالت له بضراعة: ما عرفتها إلا خليلة لهذا أو ذاك. # فقلت مقهقها: أمك خبيرة ... اسمع وافهم ... # واصلت ضراعتها: أبوك كما ترى وتعلم أصبح لا شيء؛ أنت أملنا. # فقال عباس: سنبدأ حياة جديدة. # فسألته ضاحكا: لماذا خدعتنا طويلا بمثاليتك؟! # غادر عباس البيت، فأجهشت هي في البكاء. رحبت في أعماقي بذهابه ~~النهائي الوشيك. هللت لتحطم التحالف الكريه القائم بينه وبين أمه ~~ضدي؛ إنه صوت معارضة دائم، ضقت به، وكرهته، وها هو يختفي فيكتسب البيت ~~هدوءا وانسجاما؛ كنت أخافه أحيانا، تتجسد فيه أقوال أزدريها، وأفعال ~~أحتقرها. وجعلت حليمة تندب حظها مولولة: وحدي ... وحدي! # فقلت لها بهدوء: وحدك؟ ... لا تدعي ما ليس فيك؛ فيم نختلف؟ ... نبع ~~واحد، وحياة واحدة، وهدف واحد ...! # فحدجتني بنظرة تنز مقتا واحتقارا، ومضت إلى حجرتها مشيعة ~~بقهقهتي العالية. ~~••• # نظرت إلى ظهرها عابرا تلال الفول السوداني واللب والفشار والحمص ~~المعبأة في جيوب الطاولة الممتدة؛ أي حياة تمضي بلا سرور، وفي جو ~~مشحون بالكراهية والدخان! عودة الولد ونجاحه خليقان بأن يضيفا إليها ~~جدة وإثارة! ~~••• # أنا مرح، حليمة تداري ~~وجومها، سرحان الهلالي يتساءل: أين طارق وتحية؟ # ويقول سالم العجرودي: انكماش خطير في اللعب. # وقلت ضاحكا: أخبار مثيرة يا سرحان بك؛ ابني المجنون تزوج من ~~تحية! # ضجت المائدة بالضحك، وقال إسماعيل: الظاهر أن ابنك فنان ~~حقيقي. # وقال الهلالي: الولد الصغير؟! ms25 # فقال شلبي : زواج الموسم! # وقال إسماعيل: تجدون طارق الآن في الصحراء، مثل مجنون ليلى! # وضجت المائدة بالضحك مرة أخرى، ولكن سرحان قال بنبرة ذات معنى: ~~ولكن حليمة لا تشارك في الأفراح. # فقالت حليمة وهي تواصل إعداد الشراب: حليمة في مأتم! ~~- من يدري؟ ... ربما تصادفه السعادة التي لا ندري أين تقيم. # فقال سالم العجرودي: تحية امرأة طيبة رغم كل شيء. # فقلت وأنا أضحك عاليا: رغم كل شيء! # فقالت حليمة بحنق: السعادة في هذه الأيام من نصيب البغال. # وتساءل سرحان: وهل يواصل محاولاته في تأليف المسرحيات؟ # فقالت حليمة: طبعا. # فقال باسما: عظيم ... ستهبه تحية تجارب مفيدة! # ثم انهمكت في جمع النقود، وأنا أتذوق أول ليلة تمر بلا رقيب. ~~••• # المرأة تبحث عن ابنها، وأنا في المقلى وحدي؛ ترى أي نهاية رسمها لها ~~في المسرحية؟ فاتني أن أسأل عن ذلك! هل يسدل الستار ونحن في السجن؟ في ~~المقلى؟ ويجيء زبون في أعقاب زبون؛ هؤلاء الناس لا يدرون كم أحتقرهم ~~وأمقتهم، منافقون، يفعلون مثلنا، ويؤدون الصلاة في أوقاتها؛ أنا خير ~~منهم، أنا حر أنتمي إلى عصر سابق للدين وقواعد السلوك، لكني محاصر في ~~هذه المقلى بجيوش المنافقين. كل رجل وكل امرأة مثل الدولة؛ لذلك تترككم ~~للمجاري والطوابير، وتجود عليكم بالخطب الرنانة، ويحطم ابني رأسه ~~بمواعظه الصامتة، ثم يرتكب الخيانة والقتل، ولو تيسر الأفيون وحده ~~لهان كل شيء. لماذا تغرر بنا أيام الخطوبة؟ لماذا تهمس لنا بعذوبة ~~غير موجودة؟ ~~- إني مدين لعم أحمد برجل بسعادة فوق احتمال البشر. ~~- لا تبالغ. ~~- حليمة ... ما أسعد من لا يضيع خفقان قلبه في العدم! # وتألقت ابتسامة مثل فلة يانعة؛ أين تختفي هذه العذوبة؟ آه لو أن ~~الرجوع في الزمان ممكن مثل الرجوع في المكان. في كائني البدائي ركن ~~ساذج، يطيب له أحيانا أن يبكي الأطلال. كرم الذي لم يعد موجودا يبكي ~~حليمة التي لم تعد موجودة. # ها هي المرأة راجعة، دخلت وجلست دون تحية، تجاهلتها تماما، ولم ~~تنبس. في عينيها طمأنينة، فماذا عرفت؟ لا شك أن ثمة خبرا طيبا تضن ms26 به ~~علي الخنزيرة! لو كان شرا لصبته على رأسي قبل أن تدخل. هل رجع ~~عباس؟ أبيت أن أسأل، ومضى وقت، حتى قالت: نحن مدعوان لمشاهدة ~~المسرحية. # وقدمت إلي إعلانا مطبوعا؛ استقر بصري على اسم المؤلف عباس ~~يونس، جرفني زهو، تساءلت: هل نذهب؟ ~~- أي سؤال؟ ~~- قد لا يسرنا أن نرى أنفسنا. ~~- المهم أن نرى مسرحية عباس. # صمت، فقالت: قلبي يحدثني بأن المؤلف سيظهر حتما. ~~- من يدري؟ ~~- قلبي يدري. ~~••• # ذهبنا في أحسن صورة ممكنة؛ ارتديت بدلة لا بأس بها، واستأجرت ~~حليمة ثوبا ومعطفا من أم هاني. استقبلونا استقبالا حسنا، وقالت ~~حليمة: ولكني لم أر المؤلف. # فقال سرحان الهلالي: لم يحضر، ولكني أخبرتك بما فيه الكفاية. # إذن قد قابلته، وتلقت أخبارا لا بأس بها. ولما كان الوقت مبكرا، ~~فقد ذهبنا لزيارة عم أحمد برجل. قدم لنا - هدية منه - سندوتشين ~~وقدحين من الشاي، وهو يقول ضاحكا: مثل الأيام الماضية! # لم نعلق، لا بكلمة، ولا بابتسامة. وفي الوقت المناسب، انتقلنا إلى ~~مقاعدنا في الصف الأول. كان المسرح كامل العدد، فقالت حليمة: هو ~~النجاح. # فتمتمت: لا حكم إلا بعد مرور أسبوع. # رغم استهتاري توترت أعصابي. فيم تهمني مسرحية وأنا لا تهمني ~~الحياة؟! آه، ها هو الستار يرفع عن بيتنا، بيتنا دون غيره؛ هل أراده ~~العجرودي كذلك أو أنه عباس؟ الأب والأم والابن، إنه ببساطة ماخور ونادي ~~قمار. يوجد أكثر من الجريمة والخيانة، الأم تبدو عاهرة بلا ضابط، ~~علاقاتها تتتابع مع المدير والمخرج والناقد وطارق رمضان! هلت ~~لحظتها أنفاسها تتردد في ثقل وخشونة؛ إنه الجحيم. استمتعي برأي ابنك ~~فيك؛ رؤيته تتجلى بوحشية عن أبيه وأمه؛ من يتصور أن رأسه المتزمت ~~يحوي هذه الخرائب كلها؟ إني سعيد برأيه في أمه، سعيد باطلاعها على رأيه ~~فيها. المسرحية تنكل بي، وتنتقم لي. في لحظة الفضيحة هذه أنعم ~~بالانتصار على الأم والابن معا، على عدوي اللدودين. ثم إنه لم ~~يفهمني، إنه يقدمني كرجل منحل، كرجل واجه تحديات الواقع ~~بالانحراف؛ لست كذلك يا غبي، لم أستو مركبا لكي أنحل. نشأت بسيطا ~~بدائيا ms27 حرا، نشأت شاهدا ومدينا للنفاق؛ ذاك ما لا يمكن أن ~~تفهمه، وسر نجاحك أنك تتملق النفاق والاستعلاء الكاذب. تلق مني ~~بصقة في مهجرك الأبدي. # بعد تلاشي عاصفة التصفيق الهستيري، دعينا؛ اتباعا لتقليد قديم، ~~للاحتفال بالنجاح في البوفيه. # سألتها همسا: نشترك أم نذهب؟ # فقالت بتحد: كيف لا نشترك؟ # تتظاهرين عبثا بالاستهانة، ليس لك جناحان مثلي. تمتمت: ما كان ينبغي ~~أن ينتحر. # فقلت أغيظها: أي نهاية تتوقعين لقاتل؟ ~~- لقد فاز بالعطف. # دارت الأنخاب. قال سرحان الهلالي: لي فراسة لا تخيب. # فقال سالم العجرودي: وحشية بلا شك، ولكنها مؤثرة. # فقال فؤاد شلبي: إنها تذكر الجمهور بمعاناته اليومية ... ولكنها ~~متشائمة. # فتساءل الهلالي ساخرا: متشائمة؟! # ما كان ينبغي أن ينتحر بعدما تعلق به أمل الجمهور. # فقال الهلالي: ليس انتحارا، ولكنه مصير الجيل الجديد في نضال ~~الإنقاذ! ~~- سلم الأوغاد! # فقهقه الهلالي قائلا: ليحفظ الله الأوغاد! # والتفت المدير نحو طارق رمضان، ورفع رأسه قائلا: نخب اكتشاف ~~ممثل عظيم في الخمسين من عمره! # فقال فؤاد شلبي بحماس: أهم من اكتشاف بئر بترول. # ونظر الهلالي نحونا، ولكني سبقته رافعا كأسي: نخب المؤلف ~~الغائب! # سرعان ما ارتفعت موجة استحسان، فاضت النشوات على حساب المسرح، اختلط ~~الجد بالهزل، تلذذت بتذكر فضائح كل رجل وكل امرأة؛ لماذا كان السجن ~~من نصيبنا وحدنا؟ أيها الزملاء الأحرار، اشربوا نخبي أنا؛ فإني رمزكم ~~الصادق. # وصلنا إلى بيتنا القديم عند الفجر، لم نجد أي رغبة في النوم، أشعلت ~~فحم المدفأة، وجلسنا في الصالة؛ البلاط المعصراني مغطى بكليم أسيوطي ~~قديم. رغم النفور المتبادل شعرنا بالرغبة في التواجد معا، ولو لحين ~~قصير. من ذا يبدأ بفتح الحديث؟ ما أشد ما نتبادل من مشاعر الحذر ~~والتوجس! # سألتها: أعجبتك المسرحية؟ ~~- جدا ... جدا! ~~- والموضوع؟ ~~- يا له من سؤال سخيف لمن قضى عمرا في المسرح! ~~- لم نتظاهر بغير ما في نفوسنا؟ ... لا مجال للشك. ~~- أرفض هذا التفكير السخيف. ~~- كل شيء حقيقي أكثر من الحقيقة. ~~- كلام فارغ؛ لقد رأيت نفسي في صورة لا علاقة لها بالواقع. # فضحكت تاركا للضحكة وحدها الإفصاح عن رأيي، ms28 فقالت باستياء : إنه ~~الوهم. ~~- ألم نر الجميع على المسرح كما عرفناهم في الحياة؟ ~~- المؤلف حر، يحافظ على من يشاء، ويغير من يشاء، وهناك أشياء جديدة ~~تماما. ~~- لم صورك في تلك الصورة؟ ~~- ذاك شأنه. ~~- اعتقدت طويلا أنه يحبك ويحترمك. # فقالت بحدة: ذاك ما لا شك فيه. ~~- الحقيقة تتجلى في نظرتك الكلبية! ~~- إني واثقة من نفسي. # قلت باستهانة: حتى طارق! ... ما تصورت أنك حرة لذلك الحد. ~~- أرحني من أفكارك القذرة. ~~- لولا الكذب لربحنا أضعاف ما ربحنا! ~~- الحق أنه صورك في صورة أجمل من حقيقتك، وهذا يقطع بأنه استلهم ~~الخيال قبل كل شيء. # ضحكت عاليا، فهتفت: سيسمعك العائدون من صلاة الفجر. ~~- لم لا؟ ... ذلك الولد الغريب الذي زج بنا في السجن. ~~- كيف تطالب أحدا بالتزام فضيلة؛ أنت الذي لا تؤمن إلا ~~بنزواتك؟! ~~- ولكنه ادعى المثالية حتى أوجع رأسي. # فقالت بحماس ظاهر على الأقل: إنه ولد رائع ... مؤلف مرموق ... ابني ~~... # فقلت ساخرا: إني معجب بوحشيته. ~~- عندما يعود سأذهب معه هاجرة هذا البيت اللعين! # فقلت ساخرا: كل حجرة فيه تشهد لنا بالمجد. # غادرتني عند ذاك، فلبثت وحدي باسط الذراعين فوق المدفأة. كان يسعدني ~~بلا شك أن أعرف المزيد عن أبي؛ أكان من هؤلاء المنافقين؟ لقد عاجله ~~الموت فسقطت أمي، ونشأت أنا تلك النشأة المتوجة بقرون الشيطان، أما ~~أنت يا عباس فلغز غامض! ما أشد الملل؛ إني مثل شيطان حبيس قمقم لا ~~يجد مجالا للعبث. ~~••• # تابعت نجاح المسرحية باهتمام وشغف، توقعت أن يعود المؤلف ولو مع ~~المسرحية الجديدة، توقعت أيضا أن يغير نجاحه مجرى حياتي المملة، وكنت ~~أتردد على المسرح بين الحين والحين لأتنسم الأخبار عنه، وفيما أنا ~~أقطع المدخل ذات ضحى إذ هرع نحوي عم أحمد برجل، فمضى بي إلى داخل ~~البوفيه الخالي. أقلقني وجهه المكفهر المتقبض، فاستشفقت وراءه خبرا ~~كئيبا. قال: كرم ... كنت على وشك الذهاب إليك. # فسألته: ماذا؟ ... ماذا عندك؟ ~~- عباس! ~~- ماذا عنه؟ ... هات ما عندك يا عم أحمد. ~~- اختفى من بنسيون كان يقيم فيه في حلوان، تاركا رسالة ~~غريبة. ~~- أي رسالة؟ ... ألا ms29 تريد أن تتكلم؟ ~~- كتب يقول إنه سينتحر! # غاص قلبي، وخفق مثل بقية قلوب البشر. تبادلنا النظر صامتين؛ سألته: ~~هل عثر على ...؟ # فأجاب بحزن: كلا ... البحث جار. # تمتمت وأنا شارد الوعي: آه ... ربما ... من يدري، ولكنه ما كان يكتب ~~الرسالة لولا. # فقال عم أحمد بنبرة من يعتبر المسألة منتهية: ربنا يلطف ~~بكم. ~~- يجب أن أذهب إلى حلوان. ~~- لقد سبقك سرحان بك الهلالي. # رحلة عقيمة وأليمة! لا توجد إلا الرسالة، أما عباس فقد اختفى؛ مضى من ~~الاختفاء الأول إلى الاختفاء الجديد. لن يعترف بانتحاره إلا إذا عثر ~~على الجثة، ولكن لم يكتب ما كتب إن لم يكن قد عقد العزم حقا على ~~الانتحار؟ # وتساءل الهلالي: إذا كان يريد الانتحار حقا، فلم لم ينتحر في ~~حجرته؟ ~~- أيداخلك شك في صدقه؟ # فأجاب ببساطة: أجل! # رجعت إلى البيت القديم مساء، فلم أجد حليمة؛ أدركت أنها ذهبت إلى ~~المسرح مستطلعة أسباب تأخري. أغلقت المقلى الخالية، وجلست في الصالة ~~أنتظر، وبعد مضي ساعة ثقيلة رجعت بعينين مترعتين بالجنون. ~~تبادلنا النظر ثواني، ثم هتفت: كلا ... لو أراد أن ينتحر لانتحر بالفعل ~~... لا يمكن أن ينتحر. # وانحطت على الكنبة، وأجهشت في البكاء، وهي تلطم خديها. # | حليمة الكبش # أولد من جديد، من جوف السجن إلى سطح الأرض، ويهل علي وجه عباس ~~فأحتويه بين ذراعي، أدفن وجهي في صدره مثقلة بالعار والخجل. همست: ~~شد ما أسأنا إليك؛ ليت الموت أراحك منا. # قال برقة: ما يسيئني إلا كلامك. # ونشجت باكية، فقال: الآن يطيب لنا الشكر ... دعينا نفكر في ~~المستقبل. # فقلت بصوت مختنق: وحيد يا بني ... ابتلاك الله باسترداد زوجتك وابنك ~~... ونحن لم نرحمك. ~~- ما مضى قد مضى. # لم يكد يتبادل مع أبيه كلمة، جمعتنا صالة البيت القديم، كبعض ~~الأوقات الماضية، وراح يقول: أرجو ألا نعود إلى ذكر الماضي. # وصمت قليلا، ثم قال: فكرت في أشياء ... ولكن هل يود أبي أن يرجع إلى ~~عمله القديم في المسرح؟ # فقال كرم: كلا ... عليهم اللعنة. ~~- سأحول المنظرة إلى دكان، ممكن أن نبيع بعض الأثاث، ونجعل من ms30 ~~المنظرة مقلى ، تجارة يسيرة ومربحة ... ما رأيكما؟ # فقلت بامتنان: الرأي ما ترى يا بني ... أسأل الله أن أسمع عنك خيرا ~~قريبا. ~~- بإذن الله ... أشعر بأنني قريب من النجاح. # فدعوت الله له كثيرا، حتى قال وهو ينقل عينيه بيننا: المهم أن ~~يحل بينكما التعاون، وألا أسمع ما يسيئني. # فقلت بلهفة: طالما حلمت بأن أعيش معك. ~~- إذا أراد الله لي النجاح، فسوف يتغير كل شيء. # وتساءل كرم بجفاء: ألا تتفضل بأخذها معك؟ # فقال عباس بحرارة: أطالبكما بالتعاون ... سأبذل ما أستطيع لأوفر لكما ~~حياة كريمة، ولكني أطالبكما بالتعاون. # أي تعاون؟! إنه لا يدري شيئا، إنه أبرأ من أن يحيط بأسرار القلوب ~~إذا نفثت دخانها. من أين له أن يعلم بما فعل أبوه، وهو لم يشهد إلا ~~سطحه الكئيب؟ إنه يبذل ما يجود به قلبه البار، ولكن هل غاب عنه أنه ~~يجمع بين خصمين في زنزانة واحدة؟ من السجن إلى سجن، ومن المقت إلى ما ~~هو أشد مقتا. لا أمل لي يا بني إلا أن تنجح، وأن تنتشلني من ~~زنزانتي البغيضة. ~~••• # أسترق إليه النظر وهو يعمل، يبيع الفول السوداني واللب والفشار ~~والحمص، ويرمي بالقروش في درج نصف مفتوح، بعد إدمان طويل للرزق الحرام ~~الغزير. لا شك أنه يحلم بالمخدر القاتل الذي شفاه السجن منه على ~~رغمه؛ لولا أن عباس اشترط عليه أن نتقاسم الربح، لبادرنا الخراب من ~~جديد. دائما مكفهر الوجه، لا يزيح قناع الأسى عن وجهه إلا في حضرة ~~الزبائن. تمادى في العمر أكثر من الواقع بعشر سنوات، وهذا يعني أنني ~~تماديت أيضا. أيام السجن الحزينة، وليلة الكبسة التي استبقت فيها ~~أيدي المخبرين بلطم وجهي ... آه ... الأوغاد ... لم يزرنا منهم أحد. ~~الهلالي وغد مثل طارق رمضان؛ حجزوا في القسم ليلة، ثم أطلق ~~سراحهم، وحملنا الوزر وحدنا. حتى جيراننا يقولون إن القانون لا يصول ~~ويجول إلا مع المساكين، يعزوننا، ويشمتون بنا، ولكنهم يتعاملون ~~معنا. لا أمل لي يا بني إلا أن تنجح! يمر الوقت دون أن نتبادل كلمة، ~~حرارة المقت أقوى من موقد الفرن. ms31 وكم أشعر بالتعاسة وأنا أنظف البيت ~~القديم الكريه، أو وأنا أعد الطعام؛ كيف قضي علي بهذه الحياة؟ كنت ~~جميلة ومثالا في التقوى والأدب. الحظ ... الحظ ... من ذا يدلني على ~~معنى الحظ؟ ولكن الله مع الصابرين، وسوف يقول الحظ كلمته الأخيرة على ~~يدك يا عباس، ولن أنسى زيارتك لنا ليلة مولد سيدي الشعراني، وقولك ~~المفرح للكرب، المفتح لأبواب السماء: أخيرا قبلت مسرحيتي! # لقد انطلقت من صدري ضحكة كاللؤلؤة، لم تترنم فيه منذ الشباب الأول. ~~حتى أبوه تهلل وجهه؛ ما دخله في الأمر ... لا أدري! لقد كرهته كما ~~كرهني! حسن ... ها هو يستوي مؤلفا لا خرافة كما توهمت، طالما عددت ~~مثاليته سفاهة، ولكن الخير ينتصر، ويجرف تياره المتدفق زبد السفلة ~~من أمثالك. ~~••• # لا أحب الخريف، لولا أنه يقربنا من ليلة الافتتاح. من أين تجيء هذه ~~السحب التي تحجب النور؟ ألا تكفيني السحب التي سبح فيها قلبي؟ ~~وجاءني صوت الرجل قائلا: انظري ... # رأيت طارق رمضان مقبلا كحادثة سيئة من حوادث الطريق. تساءلت: ~~للتهنئة أم للشماتة؟ # وقف قبالتنا يلقي بسلامه في فراغ. قلت: أول زيارة من أهل ~~الوفاء! # ولم ألق بالا إلى اعتذاراته، حتى سمعته يقول: معي أخبار ~~سيئة! # فقلت بتحد: لا تهمنا الأخبار السيئة. ~~- حتى لو تكون عن الأستاذ عباس يونس؟ # هرب دمي، تماسكت ما وسعني التماسك. قلت بزهو: قد قبلت ~~مسرحيته! ~~- ما هي إلا نكتة مبكية؛ ماذا تدرين عن المسرحية؟ # وراح يسوق العجائب من خلال تلخيصه، ويختم قائلا: كل شيء ... كل شيء ~~... # دار رأسي، تساءلت وأنا أداري رعبي: ماذا تعني يا عدو عباس؟ ~~- شاهدا المسرحية بنفسكما. ~~- أعماك الحقد. ~~- بل الجريمة. ~~- ما مجرم إلا أنت! ~~- يجب القبض على قاتل تحية ... ~~- إنك مجرم وخسيس، وعليك أن تذهب ... # فضحك ساخرا، وتساءل: كيف يقولون إن السجن تأديب وإصلاح؟ # كبشت كبشة حمص، ورميته بها، فتراجع هازئا، ثم ذهب. ماذا كتب عباس؟ ~~ماذا فعل؟ ابني لا يقتل ولا يخون؛ لا يخون أمه على الأقل، إنه ~~ملاك. # تبادلت مع الرجل نظرة؛ يجب أن أخرج من وحدتي الأبدية. قلت: إنه ms32 ~~يكذب. ~~- ولم يكذب؟ ~~- ما زال يحقد على ابني. ~~- ولكن توجد مسرحية. ~~- اذهب إلى عباس. ~~- سأقابله حتما. ~~- ولكنك لا تتحرك! ~~- لا داعي للعجلة. # فحنقت عليه ... إنه مثل طارق لا يحب عباس. هتفت: يجب أن يعرف ما ~~يدبر من وراء ظهره. ~~- وإذا اعترف؟ ~~- ستجد التفسير لكل شيء. ~~- لا أدري. ~~- القاتل الحقيقي لا يفضح نفسه. ~~- لا أدري. ~~- تحرك. ~~- سأذهب طبعا. ~~- أو أذهب أنا. ~~- ليس عندك ملابس لائقة. ~~- إذن فعليك أن تذهب أنت. ~~- الوغد يكذب. ~~- يجب أن تسمع بأذنك. # ولكنه تراجع قائلا: كره حياتنا ... كان مثاليا كأنه ابن حرام ... ~~ولكنه لا يغدر بنا ... ثم لماذا يقتل تحية؟ ~~- إنك تستجوبني أنا! ~~- إني أفكر. ~~- لقد صدقت ما قال الوغد. ~~- وأنت أيضا تصدقينه. # كدت أبكي، ولكنني أطبقت على شفتي، وقلت: يجب أن نسمعه. ~~- الحق أنني لا أصدق. ~~- إنك تهذي! ~~- اللعنة! ~~- اللعنة حلت يوم ارتبطت بك. ~~- ويوم ارتبطت بك. # فقلت بتحد: كنت جميلة ... إنه سوء الحظ. ~~- كان أبوك ساعي بريد، أما أبي فكان موظفا في دائرة ~~الشمشرجي. ~~- ذلك يعني أنه كان خادما. ~~- أنا من أسرة ... ~~- وأمك؟ ~~- مثلك تماما! ~~- مخرف ... ولكنك لا تريد أن تذهب. ~~- سأذهب عندما يروق لي. # ثم غير نبرته قائلا: العصر أنسب وقت لوجوده في بيته. # سكت منادية الصبر المر؛ الشك يقتلني من جذوري! ماذا يقال عن ~~أشرف الناس؟ الوردة النابتة في خرابة، في بلد اللصوص والضحايا! ابتاع ~~لي قماشا لثوب يصلح للخروج، ولكني تقاعدت عن تفصيله؛ سأشرع من فوري ~~في تفصيله وحياكته. يعيرني بأصلي ابن العاهرة، أما عباس فلا يمكن أن ~~يخون أمه. احتقر كل شيء إلا حبي؛ الحب أقوى من الشر نفسه. ~~••• # بيت الهنا بالطمبكشية، الشمس لا تغيب حتى في الشتاء والليل. حليمة ~~الجميلة بنت الجميلة. أبي يرجع حاملا شيئا طيبا تحبه الأنفس، وتقول ~~أمي لأبي: دعها تستمر ... التعليم فرصة العمر ... ليتني وجدت ~~فرصتي. # ويقول قريبنا الطيب عم أحمد برجل: أصبحت البنت يتيمة ... الاستمرار في ~~التعليم مشقة. # فتسأله أمي: وما العمل يا عم أحمد؟ ~~- معها شهادة ... وهي ذكية ... يلزمها عمل ... ستخلو عندنا وظيفة قاطعة ms33 ~~التذاكر. # وتسألني أمي: هل تحسنين عملا كهذا؟ # فأقول بلهفة: التمرين يكمل ما ينقصني. # ويقول عم أحمد: الشمشرجي صديق الهلالي بك ... تشفعي به عنده، ~~وسأكلمه من ناحيتي. # ها هي الدنيا تتفتح عن تجربة جديدة؛ هكذا أدخل المسرح لأول مرة، مكان ~~فخم ذو رائحة خاصة مؤثرة، عم أحمد يتضاءل، ويلعب فيه دورا صغيرا. ~~أدعى إلى مقابلة المدير، أدلف إليه في معبده الضخم بثوبي الأبيض ~~البسيط وحذائي القديم. بهيكله العالي، وعينيه الحادتين، ونظرته ~~المجتاحة، يبدو كائنا رائعا شديد التأثير. تفحصني حتى ذبت. ~~يقدم لي فرخ ورق ليمتحن سرعة كتابتي للأرقام. # يقول بصوته الجهير: يلزمك تدريب قبل تسلم العمل يا ... # أقول بحياء: حليمة الكبش. # يبتسم معلقا: الكبش؟! ... ما علينا ... وجهك مقبول أكثر من وجوه ~~ممثلات فرقتنا ... أريد أن أمتحنك عند انتهاء التدريب. # أجتهد بحماس وافق، لا غيرة على مستقبلي، ولكن إرضاء لذلك الساحر ~~الرائع. وأقول لأمي؛ فتقول هكذا يكونون أولاد الأصول. أتخيل رضاه مثل ~~نعمة مباركة، وأمثل بين يديه مضطربة الأنفاس. أنت تعويذة الفرقة يا ~~حليمة. الله جميل يحب الجمال. متى بدأت مداعباته اللمسية؟ كان شعاع ~~الشمس النافذ من الزجاج يغمر وجهي، وثمة مزمار بلدي في الطريق يعزف ~~راقصا، وأدفع يده المترامية لاهثة: لا يا سعادة البيك، أنا بنت ~~شريفة! تجلجل ضحكته في أذني، يتلاشى احتجاجي في صمت الحجرة المغلقة ~~الواسعة، عاصفة من الأنفاس الحارة والتسلل الماكر تشوش إرادتي ~~الصادقة؛ إنه الكابوس الذي ينقشع عن دموع لا تستدر عطفا! خارج ~~الحجرة أحياء يذهبون ويجيئون، وتموت أمي قبل أن تعلم. ~~••• # تحرك أخيرا عند العصر، خف توتر أعصابي. إني أتعلق بقشة، ولكن ~~ماذا أنتظر؟ علي أن أعد الثوب لأستطيع الحركة. إنه يبوح بسره ~~لي، لا للرجل الكريه. ماذا يبقى لي الآن سوى عباس. ~~••• # الخيبة تجيء مع الأفيون؛ لا ... إنها أقدم من الأفيون. ما أعذب ما دفنت ~~من آمال! يرشف آخر رشفة في الكأس، يبتسم ابتسامة مخمورة، يشير إلى ~~الحجرة الملاصقة للمنظرة، ويقول: في هذه الحجرة، كانت أمي تخلو إلى ~~الباشجاويش! # أذهل من هول المكاشفة، عباس نائم ms34 في لفافة المهد، أقول غير مصدقة ~~أذني: سكرت يا كرم! # يهز رأسه قائلا: كانت تحذرني من مغادرة حجرتي. ~~- ما كان يجوز. # ويقاطعني: لا أحب النفاق ... أنت منافقة يا حليمة. ~~- الله يغفر لها ... ألا زلت تحقد عليها؟ ~~- ولم أحقد عليها؟ ~~- إني لا أفهمك! ~~- زوجك رجل لا مثيل له بين الرجال ... لا يؤمن بأي أكذوبة ~~بشرية. # ماذا يعني؟ إنه زوج لا بأس به، لكنه يسخر من كل شيء؛ من إيماني يسخر ~~... من مقدساتي وتقاليدي ... ماذا يحترم ذلك الرجل؟ ها هو يهتك أمه دون ~~مبالاة! أقول له: أنت مرعب يا كرم. # فيقول باستهانة: ذلك من حسن حظنا، وإلا لطلقتك ليلة ~~الدخلة. # انغرز دبوس محمى في قلبي، دمعت عيناي، تلقيت ثاني ضربة قاسية في ~~حياتي. يقول: معذرة يا حليمة؛ متى تصيرين حرة؟ ~~- أنت قاس وشرير. ~~- لا تهتمي بهذه الكلمات التي لا معنى لها. # ويحدثني عن عشق أمه الجنوني للشرطي، عن إهمالها له، كيف نشأ حرا ~~بفضل ذلك الإهمال الداعر! # ويقول بنبرة مخمورة: إني مدين لها بكل شيء. # إنه يطوقني كشيء مرعب، إني أعاشر قوة غير منتمية لأي قاعدة؛ على أي ~~أساس أتعامل معه؟ الخيبة أقدم من الأفيون، الأفيون لم يجد روحا ليقضي ~~عليها. ~~••• # لمحته راجعا، فوثب قلبي رغم النفور. بدا في الطريق أطعن في السن ~~مما يكون في المقلى. اتخذ مجلسه دون أن ينظر نحوي. سألته: ماذا قال ~~لك؟ # فقال ببرود: غادر شقته حاملا حقيبته إلى مكان مجهول. # يا للعذاب والرعب؛ متى يكف الحظ عن التنكيل بي؟ ~~- لم لم يخبرنا؟ ~~- إنه لا يفكر فينا. # أشرت إلى أنحاء المقلى قائلة: أحسن إلينا بوفاء لا ~~نستحقه. ~~- يريد بعد ذلك أن ينسانا. ~~- كان عليك أن تذهب إلى الهلالي. # رمقني بازدراء وكراهية، فقلت بتحد: إنك لم تحسن التصرف. ~~- أود أن أكسر رأسك. ~~- كأنك رجعت إلى الأفيون. ~~- لا يقدر عليه اليوم إلا الوزراء. # وإذا به يقول مخفضا درجة صوته: الهلالي لا يدري شيئا عن ~~مكانه. # فسألته بلهفة: زرته؟ ~~- لا يدري شيئا عن مكانه. ~~- رباه ... هل أخلى شقته؟ ~~- لا. ~~- لعل ms35 في الأمر امرأة. ~~- تفكير سليم من وجهة نظر امرأة مثلك. ~~- ماذا يمكن أن أقول لمثلك؟ ... ثم إن أمره لا يهمك البتة. # وغلبني البؤس، فبكيت من أعماقي. ~~••• # ذهبت مرتدية ثوبي الجديد، متلفعة بشال قديم، لم أحمل معي ~~أملا، وتوكد هناك يأسي. قلت للبواب: عندك معلومات ولا شك؟ ~~- أبدا. # لم أجد شجاعة للذهاب إلى المسرح، رجعت كارهة، زرت سيدي الشعراني، ~~واستغثت بكراماته. مضيت إلى الزنزانة لأجد الرجل يضاحك زبونا وهو ~~ناعم البال. جلست منهزمة حانقة، ونفد صبري، فقلت: افعل شيئا؛ أليس ~~عندك حيلة؟ ~~- أود أن أقتلك، سأقتلك ذات يوم. ~~- زيارة جديدة للمدير. # فقاطعني: اذهبي إليه أنت، فهو يخص جواريه بعنايته. ~~- الحق أنني ضحية أمك، مارست تعذيبي من وراء قبرها؛ هي التي خلقت منك ~~هذا الوحش! ~~- إنها تعتبر بالقياس إليك سيدة عفيفة! ~~••• # هذا المسرح يشهد عذابي وحبي، شهد أيضا اغتصابي ولم يمد لي يدا، ~~تحت قبته العالية تدوي شعارات الخير في أعذب بيان، وتسفح على مقاعده ~~الوثيرة الدماء. وأنا ضائعة ... ضائعة ... محتقنة بسري، وهو لا يدري ~~بحبي، ولا يهمه شيء؛ لعله نسي اسمي أيضا! ~~- إنك تتجنبني ... شقيت حتى قابلتك. ~~- هل ينقصك شيء؟ ~~- ماذا؟ ... أنسيت؟ ... لقد فقدت كل شيء. ~~- لا أحب المغالاة ... لم يحدث شيء ذو بال. # طفرت الدموع من عيني. ~~- لا ... لا ... لا يجوز أن يلاحظ شيء في المسرح. ~~- ولكنني ... ألا تدرك حالي؟ ... لا تتركني. ~~- الأمر أبسط مما تتخيلين ... لم يحدث شيء ضار البتة ... احتفظي ~~بصفاء ذهنك من أجل عملك ومستقبلك، وانسي ما كان، فلا فائدة ترجى من ~~تذكره. # إنه الصوان، أمقته بقدر ما أحبه. مهجورة وحيدة معذبة. ستخمن خالتي ~~سر عذابي ذات يوم. ماذا أرجو من دنيا لا يعبد فيها الله؟! ~~••• # عند الأصيل، ذهبت إلى مقهى الفن، رأيت فؤاد شلبي يدخن الشيشة فقصدته؛ ~~لم يتوقع حضوري بحال، فقال: مرحبا. وأجلسني وهو يقول: كان يجب أن ~~أزوركم، اللعنة على الشواغل! # فقلت دون مبالاة: لم يزرنا أحد، لا أهمية لذلك، إنما جئتك مدفوعة ~~بالقلق لاختفاء عباس. # فابتسم وقال: لا داعي للقلق، الأمر واضح، لقد ms36 هرب من المتطفلين، ~~وخيرا فعل، ولا شك أنه يعد مسرحيته التالية. ~~- أما كان يجب أن يخبرني؟ ~~- اغفري له خطأه، لا تقلقي، ما زلت جميلة كما كنت يا حليمة، كيف ~~حال كرم؟ ~~- حي، يمارس هوايته في إتعاس البشر. # فضحك، وظلت ضحكته تثير أعصابي حتى غادرت المقهى. وجدت الشجاعة ~~والتصميم هذه المرة للذهاب إلى المسرح، طلبت مقابلة المدير، دخلت ~~الحجرة؛ الحجرة نفسها، الكتب الجلدية نفسها، الرجل نفسه؛ لا ... إنه رجل ~~آخر، لم يبق من الآخر إلا نذالته، إدمان الشهوات كبره أكثر مما ~~كبرنا السجن. أيهما المسئول أكثر عن تعاستي؟ وقف مرحبا ... هتف: ~~أهلا ... أهلا ... يسعدني أن أراك بخير. # فتساءلت بسخرية وأنا أجلس: بخير؟! ~~- كما يجدر بأم مؤلف ناجح! ~~- إنه سر عذابي الراهن! ~~- يا له من عذاب لا أساس له؛ عندي خبر سار، لقد اتصل بي ~~تليفونيا. # قاطعته بفرحة مشتعلة: أين هو؟ ~~- لا أدري ... إنه سره، فليحتفظ به كيف شاء، المهم أنه مكب على ~~تأليف مسرحية جديدة. ~~- هل ترك عمله؟ ~~- نعم ... إنها مجازفة، ولكنه واثق من نفسه، وأنا واثق. ~~- لم يكلف خاطره بالاتصال بي؟ ~~- يتجنب أن يستجوبه أحد عن مسرحيته ... هذا ما أتصوره. ~~- لقد قالوا وعادوا ... ما رأيك أنت؟ ~~- المسرحية فن، والفن خيال مهما استمد من الحقائق! ~~- ولكن ظنون الناس ...؟ ~~- الجمهور لن يرى شيئا من ذلك كله ... إنه سخف، ولولا حماقة ~~طارق. # فقاطعته: إنه عدوه، عليه اللعنة. ~~- أطالبك الآن بأن تقري عينا. ~~••• ~~- بلغني أن كرم يونس ~~يطلب يدك؟ ~~- أجل. ~~- ممكن إصلاح الأمر. ~~- لا ... أرفض هذا النوع من الكذب. ~~- ستصارحينه؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- يا لك من فتاة استثنائية في هذا الزمن المغمور بالسفلة! هل ~~تكاشفينه بالفاعل؟ ~~- لا أهمية لذلك. ~~- الأفضل ألا تفعلي. ~~••• # مضيت إلى البوفيه، صاح ~~أحمد برجل عند رؤيتي: خطوة عزيزة. # جلست أمامه صامتة، راح يعد لي السندوتش والشاي. هنأنا من أهل ~~الأرض شخصان، أحمد برجل وأم هاني. غمرتني ذكريات المكان، الشاي، ~~والسندوتش، والغزل، والمزمار الراقص في الجحيم، مثل قطرات مطر صافية ~~أصابت مزبلة. وقال عم أحمد: نجاح عباس حظ طيب، وبشير بالعزاء عما ms37 ~~سلف. # فقلت بأسى: لكنه هجرنا بلا كلمة طيبة. ~~- لا تقلقي، لا يقلق أحد ممن حولنا لذلك! ~~- وطارق رمضان؟! ~~- إنه نصف مجنون. ~~••• # التجربة عنيفة وجديدة، ثمة تصميم على الاعتراف، وخوف يخرسني في آخر ~~لحظة؛ إني شريفة وطاهرة، وأكره الخداع، ولكن الخوف يخرسني. يبدو لي ~~كرم مثالا للجدية والحب، فهل أفقده؟ وخرست حتى أغلق علينا بابنا، ~~هالني ضعفي فبكيت، انتصبت الحقيقة عارية متوترة مستخذية بيني ~~وبينه. همست: إني مجرمة ... عجزت أن أخبرك من قبل. # تحيرت، في مقلتيه نظرة ساهمة، ما أخشاه يقع! قلت: خفت أن ~~أفقدك، وصدقني لقد اغتصبت اغتصابا. # وأخفيت عيني في الأرض، وانفعالاته تلفحني، وقلت كلاما، وقال كلاما، ~~وضاع الكلام في وقدة الألم، لكن صوته حفر في وعيي وهو يقول: لا يهمني ~~الماضي. # ازددت بكاء، ولكن بهرني شروق غير متوقع. قلت إنه شهم، وأنني ~~سأكرس نفسي لإسعاده، وهمست وأنا أجفف عيني: ما أسهل أن يضيع ~~الأبرياء ...! ~~••• # ما أضيق صدري وأنا راجعة إليك؛ دخلت الزنزانة وجلست. سأقول كلمة عن ~~لقاء فؤاد شلبي، ولن أزيد، لن أريحه، إنه لا يحب عباس، يتظاهر بعدم ~~الاهتمام، ليته يتعذب كما أتعذب! نحن نبيع التسلية، أما تسليتنا ~~الوحيدة فهي تبادل السباب. ~~••• # في الخيبة أمضي درجة بعد ~~درجة، لكن الشر الجديد يهدد أساس البيت. ~~- الأفيون مخيف جدا، إنه يلتهمك! ~~- شكرا له على أي حال. ~~- إنك تنسحب من دنيانا بسرعة مزعجة. ~~- أكرر له الشكر! ~~- إني أبذل أقصى ما في جهدي، وهناك عباس، وهو حبيبك. # مضى يرشف من قدح الشاي الأسود غائبا عني. ~~- مرتبي لا يكفي وحده للإنفاق على البيت. ~~- عندك إيجار حجرة رمضان. ~~- ولا هذا يكفي، الدنيا نار. # إني الآن أعرفك، ولذلك أخشاك، لست كما تصورتك في أيامنا الأولى. ~~ها أنت تفقد كل شيء، حتى قدرتك التي تباهيت بها. استقل كل منا ~~بحجرة خاصة، لا حب وأيضا لا طعام؟! أنت أنت الباقي يا عباس، لا تحفظ ~~كلام بابا ... لا تصدقه؛ فإنه مريض. من حسن الحظ أنك غالبا وحدك، الله ~~معك، فيه الكفاية! كن ملاكا، ليكن صديقك المدرس والكتاب ms38 والمسرح، ~~كن ابني وابن الآخرين الطيبين؛ إنك النور الوحيد في هذا البيت القديم ~~الغارق في الظلام، كن وحيدا في كل شيء. ~~••• # يسترق إلي النظر أحيانا، لعلي أبوح له بما لدي؛ هيهات! أتحداك ~~أن تكرهني أكثر. تساءل: عندما يجيء الشتاء، فكيف نحتمل البقاء في هذه ~~المقلى المفتوحة؟ # فقلت بثقة: عندما ينجح عباس يتغير المصير كله. # فرد بمرارة: عندما ينجح عباس! # فقلت بتحد: سأذهب معه، ولن يضن عليك بمعطف أو عباءة. ~~••• # البوفيه الأحمر باق كما كان، يضحك من تغير رواده، سمع الكثير ~~مما يقال، ولا يصدق أحدا. يقول لي عم أحمد برجل: هاك السندوتش، ~~وسأعد لك الشاي. # ويجيء، فيجلس على المقعد إلى جانبي شاب، فيطلب أيضا الفول ~~والسندوتش؛ إنه من أهل المسرح فيما يبدو، ولكنه ليس من الممثلين؛ ~~شاب مقبول المنظر، كبير الرأس والأنف. # ويسألني عم أحمد: هل من جديد عن الشقة يا آنسة حليمة؟ # فأجيبه بشيء من التكلف أمام الغريب: البحث عن الذهب أسهل. # وإذا بالشاب يسألني: هل تبحثين عن شقة؟ # فأجبت بالإيجاب، وعارف عم أحمد بيننا، فراح يسأل بجرأة: من أجل ~~زواج؟ # آه ... بدأ الغزل، إنه يبدأ بسرعة في هذا المسرح، ولا يتردد عن ~~استعمال العنف، وتقتل الفريسة على أنغام المزمار البلدي! ~~- عندي بيت قديم مكون من طابقين. ~~- الطابق شقة؟ ~~- كلا ... إنه ليس مقسما إلى شقق. # عم أحمد يسأله إن كان ممكنا أن أستقل بطابق، فيجيب بالإيجاب. ~~سألته: ألا يضايق ذلك الأسرة؟ # فأجاب بجرأته المعهودة: إني أقيم فيه وحدي. # أعرضت عنه في استياء، فقال بلباقة: ستجدين الطابق آمنا، أنت ~~وأسرتك. # شكرته وصمت، لم يترك أثرا سيئا في نفسي. ماذا يريد؟ لا علم له ~~بمأساتي، ولا بحبي، ولا بسوء ظني. ~~••• # قلت أذهب إلى أم هاني بشقتها الصغيرة بالإمام، حيث يقيم معها ~~طارق رمضان. استقبلتني بحرارة، وكان علي أن أنتظر حتى يستيقظ طارق ~~من نومه. خرج من حجرته منفوش الشعر مثل شيطان، وهو يقول بسخرية لا ~~تناسب المقام: خطوة عزيزة. # فقلت له دون لف أو دوران: أعتقد أنك زرت عباس قبل رحيله! ms39 ~~- حصل. ~~- لا أستبعد أنك أسمعته ما حمله على الرحيل. # فقال بقحة: لقد شعر بالحصار فهرب! # فغضبت حتى طفرت الدموع من عيني، فصاحت أم هاني: ألا يعرف قلبك ~~الرحمة؟! ما هذا الذي يقال؟ لقد شهدت وفاة تحية، وشهدت حزن عباس ~~الجنوني! # دهشت وأنا أتلقى هذه الحقيقة، وسألتها: هل يتفق ما شاهدته مع ما ~~يقال؟ ~~- كلام فارغ. # فقال طارق: ما كان له أن يقتلها أمامك يا حمقاء. ~~- الحماقة أن تتصور عباس قاتلا. ~~- اعترافه يتجسد على المسرح ليلة بعد أخرى. # فقالت أم هاني: بفضله صرت ممثلا يصفق له الجمهور أكثر من ~~إسماعيل نفسه. ~~- بفضل جريمته ... جريمته التي حملته على الهرب. # فقلت بإصرار: إنه يقيم في مكان هادئ؛ ليتم مسرحيته الجديدة. # فقهقه ساخرا، وهو يقول: مسرحيته الجديدة! ... لا تحلمي يا أم ~~عباس! ~~••• # آه ... في تلك الأيام كان ~~معقولا ومقبولا رغم كل شيء. ~~- ما رأيك يا حليمة؟ طارق رمضان يرغب في استئجار حجرة عندنا! # فقلت محتجة: لا ... لا ... فليبق في مسكنه. ~~- تشاجر مع أم هاني فاضطر إلى مغادرة البيت ... إنه يهيم بلا ~~مأوى، والغلاء يرتفع يوما بعد يوم. ~~- إنه لأمر كريه أن يقيم غريب بيننا. ~~- إنه في حاجة إلينا، ونحن أيضا في حاجة إلى نقود. ~~- إنه أشبه بالمتشردين. ~~- إنه طامع في كرمنا، في كرمك أنت خاصة ... عندنا من الحجرات الخالية ~~ما يكفي جيشا. # وأذعنت كارهة. لم أحترمه قط، ممثل فاشل، ويعيش بعرق النساء، ~~ولكني لم أتصور أن يفعل بنا ما فعل! ~~••• # ما ندري إلا وأم هاني تزورنا في المقلى، زارتنا في اليوم التالي ~~لزيارتي لها، واضح أنها تريد أن تعتذر بالزيارة عن سوء معاملة رجلها ~~لي. إنها في الخمسين مثل طارق، ولكنها بدينة، ولا تخلو من حسن، ~~وحالتها المالية طيبة. قالت: إنهم يتحدثون عن نجاح المسرحية ... لم تنجح ~~بهذا القدر مسرحية من قبل. # فقلت بأسى: ولكن المؤلف لا يريد أن يظهر. ~~- سيجيء عندما يفرغ من مسرحيته الجديدة. # وصمتت المرأة قليلا، ثم استطردت: ما أسخف ما يقال ... ولكن طارق ~~مجنون. # فتساءل كرم ساخرا: ألم يكن من ms40 الأفضل أن يقتل أمه؟! # كنت أميل إلى أم هاني، ولم ينتقص من ميلي لها أنها قريبة ~~زوجي. ~~••• # بيت الطمبكشية المكتظ بسكانه، مثل الباص تفوح منه رائحة المطاط. ~~خالتي تخلي ركنا، لتستقبل فيه عم أحمد برجل. تقول له: لا تنس ~~التموين، فاعتمادنا بعد الله عليك. # فيقول الرجل باهتمام غير عادي: جئت لما هو أهم! ~~- افتح الجراب يا حاوي. ~~- الأمر يتعلق بحليمة. # رددت خالتي عينيها بينه وبيني، فتصاعد الدم إلى خدي. # تساءلت: هه ... عريس؟! ~~- صدق التخمين! # تطلعت إليه متسائلة، فقال: كرم يونس. # فتساءلت خالتي: ومن كرم يونس؟ ~~- ملقن الفرقة. ~~- ما معنى هذا؟ ~~- موظف محترم بالمسرح. ~~- تراه لائقا يا عم أحمد؟ ~~- أعتقد ذلك، ولكن المهم هو رأي العروس. ~~- العروس قمر كما ترى، ولكننا فقراء يا عم أحمد. # وجاء دوري للكلام. كنت كسيرة الفؤاد، أنطوي على سر دام، لا أحب ~~العريس، ولكنني لا أنفر منه. شاب مقبول، ولعله يهبني راحة البال، ~~وربما السعادة. قلت محاصرة بنظرات خالتي: لا أعرف عنه شيئا ذا ~~بال. ~~- موظف، يملك مسكنا، ويشهدون له بالطيبة. # قالت خالتي: على خيرة الله. # إنها تحبني، ولكنها ترحب بالتخلص مني. أنا كذلك أود النجاة ~~من البيت المكتظ، وسرحان الهلالي وغد لا أمل فيه. ~~••• ~~- الحياة لا تطاق، والجوع ~~يتهددنا. # رمقني بسخرية، وقال: وجدت الحل الذي يخرسك! ~~- هل تحررت أخيرا من المخدر الجهنمي؟ ~~- وافق الهلالي على أن يسهر هو وشلته في بيتنا القديم! # لم أدرك مراده، فقال: سنعد لهم حجرة للعب الورق، وسوف يدر ذلك ~~علينا رزقا سخيا. # فتساءلت في ذهول: نادي قمار؟ ~~- عندك دائما أبشع الأوصاف ... ما هو إلا ملتقى للأصدقاء. ~~- ولكن. # فقاطعني: ألا تريدين حياة طيبة؟ ~~- ونظيفة أيضا! ~~- ما دامت طيبة فهي نظيفة ... لا قذر إلا النفاق. # فتمتمت بقلق: وهنالك عباس أيضا؟ # فصاح بغضب: أنا صاحب البيت لا عباس ... ابنك مجنون ... ولكن يهمك ولا ~~شك أن يجد الغذاء والكساء. ~~••• # كثيرا ما تختفي الشمس في هذا الخريف، وتغشى قلبي كآبة ثقيلة، ~~ويستقبل الطريق الضيق كل يوم جنازة أو أكثر، فيمضي بها إلى سيدي ~~الشعراني. والرجل ms41 كلما خلا من الزبائن راح يحدث نفسه؛ إني أحلم ~~بأمل يعدني به عباس، ولكنه لا يجد ما يحلم به. ~~••• # لم لا نسجل اللحظات السعيدة لنصدقها فيما بعد؟ أكان هو الرجل ~~نفسه؟ أكان صادقا حقا؟ أهو الذي قال: إني مدين لعم أحمد برجل ~~بسعادة فوق احتمال البشر. # حركت رأسي بدلال، وقلت: لا تبالغ! # فقال بصوت اضمحلت صفاته إلى الأبد: حليمة ... ما أسعد من لا يضيع ~~خفقان قلبه في العدم! # ورغم أني لا أحبه، فقد أحببت كلماته، ودفئت بحرارته. ~~••• # جاء اليوم الموعود، قلبي يموج بالفرح والخوف، ذهبت إلى الحمام ~~الهندي، أمدتني أم هاني بفستان ومعطف وحذاء، رجعت من الكوافير بهالة ~~جديدة من شعر طال إهماله. رمقني الرجل بسخرية، وقال: ما زال لديك بقية ~~من استعداد للدعارة، فلم لا تستثمرينها في هذه الأيام الداعرة ~~المجيدة؟ # صممت على ألا أكدر صفو الليلة بأي ثمن. ذهبنا إلى المسرح، ~~استقبلنا كما ينبغي لنا، رمقني سرحان الهلالي بإعجاب. قلت: ولكني لا ~~أرى المؤلف. # فقال باسما: لم يحضر، ولكني أخبرتك بما فيه الكفاية. # تبدد الأمل الأول، انطفأ الشعاع الباطني المجدد لشبابي. ذهبنا ~~لزيارة عم أحمد؛ كالعادة القديمة قدم لنا الشاي والسندوتش. تمتم ~~ضاحكا: مثل الأيام الماضية. # عم تتحدث يا عم أحمد، ليت ما كان لم يكن، حتى الثمرة الوحيدة ~~المعزية غائبة. بوجودي في المكان توترت أعصابي، وازددت حزنا. ~~وفي الوقت المناسب دخلنا المسرح، انشرح صدري فجأة بامتلاء المسرح، ~~وقلت: هو النجاح. # لم أسمع تعليقه، سرعان ما رأيت البيت القديم ترفع عنه الستار، ~~تتابعت الأحداث، تجسدت أمام عيني عذابات حياتي، تجسدت بعد أن لم ~~يبق منها إلا رواسب الأنين. وجدتني مرة أخرى في الجحيم، وأدنت نفسي ~~كما لم أدنها من قبل، قلت هنا كان علي أن أهجره، هنا كان يجب أن ~~أرفض، لم أعد كما كنت في ظني الضحية. ولكن ما هذا الطوفان من الجرائم ~~التي لم يدر بها أحد؟ وما هذه الصورة الغريبة التي يصورني فيها؟ ~~أهذا حقا هو رأيه في؟ ما هذا يا بني؟ إنك تجهل أمك ms42 أكثر مما ~~يجهلها أبوك، وتظلمها أكثر منه. وهل اعترضت على زواجك من تحية بدافع ~~الأنانية والغيرة؟ أي غيرة وأي أنانية؟ لا ... لا ... إنه الجحيم نفسه، إنك ~~تكاد تجعل من أبيك ضحية لي؛ أبوك لم يكن ضحية لشيء سوى أمه، هذه ~~صورة جدتك لا أمك؛ تراني عاهرة محترفة وقوادة؟ تراني القوادة ~~التي ساقت زوجتك إلى السائح طمعا في نقوده؟ أهو خيال أم هو الجحيم؟ ~~إنك تقتلني يا عباس، لقد جعلت مني شيطان مسرحيتك! والناس يصفقون ... ~~الناس يصفقون! # كنت ميتة تماما وأنا أدعى لحفل البوفيه. سألني الرجل: نشترك أم ~~نذهب؟ # يتحداني ويسخر مني. ولكني قلت له بتحد: كيف لا نشترك؟ # لكنني في الواقع لم أشترك، انغمست في غيبوبة محترقة، دوى رأسي ~~بأصوات متلاطمة، تماوجت أمام عيني وجوه غريبة تصرخ وتضحك بلا سبب، ~~سينفجر رأسي وتقوم القيامة. لتقم القيامة، لتقم القيامة، لن ~~يدركني حكم عادل إلا بين يدي الله! قتلت وخنت وانتحرت، فمتى أراك؟ ~~هل يتأتى لي أن أراك؟ # وصلنا البيت القديم عند الفجر، تهالكت فوق الكنبة في الصالة، على ~~حين راح يشعل المدفأة. جاءني صوته متسائلا: أعجبتك ~~المسرحية؟ # فقلت بفتور: أعجبت الجميع! ~~- والموضوع؟ ~~- موضوع قوي! ~~- لم نتظاهر بغير ما في نفوسنا؟ ~~- لا تفكر كطارق رمضان الحاقد. ~~- كل شيء حقيقي أكثر من الحقيقة. # فقلت بغضب: لا علاقة بين دوري في المسرحية وبين الحقيقة. # فضحك ضحكة كريهة، فقلت متخطية عذابي: إنه الوهم! ~~- الجميع كما عرفناهم في الحياة. ~~- الجديد المتخيل أكثر من الواقع بكثير. ~~- لم صورك في تلك الصورة؟ ~~- المؤلف شخص آخر غير ابني. ~~- توهمت كثيرا أنه يحبك ويحترمك! ~~- لا شك في ذلك. ~~- وجهك يشهد بنقيض لسانك. ~~- إني واثقة من نفسي. ~~- حتى طارق! ... يا لك من امرأة فذة! # صرخت: أرحني من أفكارك القذرة. ~~- ذلك الولد الذي زج بنا في السجن! ~~- لم يكن يصور نفسه، كان يصورك أنت. ~~- كم ادعى المثالية! # فقلت مغالبة اليأس في قلبي: عندما يعود سأذهب معه. # وغادرته إلى حجرتي، أغلقت الباب، وأفحمت في البكاء؛ كيف لا تعرف أمك ~~يا عباس؟! ~~••• # يهبط السلم ms43 مترنحا، يكاد يقع من الإعياء. يراني، فيقول: كولونيا ~~... أنا في غاية الإرهاق. # أدخل حجرتي لأجيئه بالكولونيا، فيتبعني. أقول: إليك ~~الكولونيا. ~~- شكرا ... شربت أكثر مما يجوز. ~~- وكان حظك سيئا من أول السهرة. # ينتعش قليلا، ينظر إلي، يقوم إلى الباب فيغلقه. أتحفز للرد، ~~يقول: حليمة ... إنك رائعة! ~~- هلم إلى فوق. # اقترب مني، فتراجعت مقطبة. ~~- أتخلصين لهذا الحيوان؟ # أقول بجدية: إني امرأة شريفة وأم. # وثبت إلى الباب ففتحته، تردد ثانية واحدة، ثم غادر الحجرة إلى ~~خارج البيت. ~~••• # ما من أحد منهم إلا راودني عن نفسي فرفضته، عاهرة؟! لقد اغتصبت ~~مرة، عاشرت أباك زمنا قصيرا، ثم ترهبنت، إني راهبة لا عاهرة يا ~~بني! هل زور أبوك لك تلك الصورة الكاذبة؟ إني امرأة محرومة تعيسة ~~الحظ، ليس لي أمل سواك، فكيف تتصورني في تلك الصورة؟! سأحدثك عن ~~كل شيء، ولكن متى ترجع؟! ~~••• # المعربدة يتسللون إلى بيتنا العتيق بالليل، بقلوبهم الآثمة ~~المستهترة، يدنسون الطريق المفضي إلى سيدي الشعراني. قلبي يهبط وأنا ~~أطالع نظراتهم الفاجرة، ويطوف في إشفاق حول حجرة عباس. لكنك جوهرة يا ~~بني، ولا يجوز أن تختنق في وحل الفقر. ها أنا أرحب بهم في مرح ~~مصطنع، وأتقدمهم إلى الحجرة في الدور الأعلى، التي أعدت بقرض ~~لاستقبالهم، وسأعمل لهم ساقية تقدم الطعام والشراب، ولا أدري أين أقف ~~في المنحدر الوعر. ~~- يا حبيبي، لا تنزعج، إنهم أصدقاء أبيك، كل الرجال يفعلون ~~ذلك. ~~- وأنت يا أمي ما شأنك وذلك؟ ~~- إنهم زملائي في المسرح، ولا يليق بي إهمالهم. # ويقول سرحان الهلالي وهو يتخذ مجلسه إلى المائدة: مكان طيب ~~وآمن. # إسماعيل يفنط الورق. فؤاد شلبي يقول ضاحكا: ممنوع جلوس تحية جنب ~~طارق. # كرم يقف وراء الصندوق في طرف المائدة. طارق يعلق ضاحكا: صندوق ~~نذور سيدي كرم يونس! # سرحان يقول محذرا: لا صوت يعلو على صوت المعركة! # كرم يذيب الأفيون بالشاي الأسود؛ يا لها من بداية لا تعرف لها ~~نهاية! ~~••• # رجعت إلى الزنزانة، كما رجعت الملابس إلى صاحبتها، ها هو يجلس بوجهه ~~الكئيب الشارد، يبيع الفول واللب، ويشارك مع الزبائن ms44 في التشكي من ~~الزمان. قلت وكأنما أحادث نفسي: نجحت المسرحية، وحسبنا ذلك ~~عزاء. # فقال: لا يمكن الحكم قبل مرور أسبوع. ~~- انفعال الجمهور؛ الانفعال هو كل شيء. ~~- ترى كم أعطاه الهلالي ثمنا لها؟ ~~- أول عمل يباع بأبخس الأثمان، وعباس لا يهتم بالمادة. # قهقه ساخرا، فلعنته في سري. ~~••• # في الحجرة المترامية، يرمقنا إله الشر باسما، ويتمتم: أهلا حليمة ~~... أخمن أن ابنك يقدم مسرحية جديدة؟ ~~- هو ذلك. # يقول مخاطبا عباس: المسرحيات السابقة لا قيمة لها. # فيقول عباس: إني أنتفع دائما بإرشاداتك. ~~- بودي أن أشجعك، إكراما لوالدتك على الأقل. ~~••• # الأسابيع تتلاحق، والنجاح يستفحل. لم يعرف المسرح نجاحا كهذا من ~~قبل. الأسابيع تتلاحق والأشهر، متى يظهر المؤلف؟ ليكن رأيك ما يكون، ~~فلأتألم ما شاء لي الألم، ولكن أين أنت؟ وقلت لأسمع الرجل: لا شك أنهم ~~في المسرح يعرفون جديدا عن الغائب. ~~- ذهبت إلى هناك آخر مرة منذ عشرة أيام. # لم أطالبه بشيء تحاميا للسانه، كان يتردد على المسرح من آن لآن، ~~أما أنا فلم أجرؤ على الذهاب منذ ليلة الافتتاح، لكنه ذهب في ضحى اليوم ~~التالي. إنه يوم دافئ، مشرق الشمس، وقد خفق قلبي بأمل ~~ملهم. ~~••• # أتصور عجائب وغرائب، ولكني لا أتصور أن يتزوج عباس من تحية. ~~سيذهب عباس، ويبقى طارق رمضان، فأين عدالة السماء؟ ~~- عباس، إنها تكبرك بعشرة أعوام على الأقل. # إنه يبتسم في استهانة، فأقول: لها سيرة وتاريخ؛ ألا تفهم ما يعنيه ~~ذلك؟ ~~- المسألة أنك لم تعرفي الحب. # تقلص باطني بمرارة، وتذكرت أحزاني الدفينة، فعاد يقول: سنبدأ حياة ~~جديدة. ~~- لا يمكن أن يتحرر إنسان من تاريخه. ~~- تحية رغم كل شيء طاهرة. # لم أكن منصفة، ونسيت نفسي، كنت أتمنى له مصيرا أفضل، هذا كل ما ~~هنالك. وقد زارتني تحية، بدت حزينة ومصممة. # قالت لي بتوسل: لا تقفي في سبيل سعادتي. # فقلت لها بحدة: إنك تسرقين البراءة. ~~- سأكون خير زوجة له. ~~- أنت! # تضايقت من لهجتي، فامتقع لونها، وقالت: كل امرأة في المسرح بدأت ~~من سرحان الهلالي! # تقبض قلبي؛ أجل، كل واحد هناك يعرف ما يعرفه، ms45 ويستنتج ما لا يعرف. ~~كأنها تهددني، إنني أمقتها، ولكنه سيبقى ابني رغم كل شيء. ~~••• # ألم يتأخر الرجل عن ميعاد ~~عودته؟ # بلى، ها هي الشمس تسحب أطراف ذيلها من جدران الشارع الضيق، فماذا ~~أخره؟ هل عرف أخيرا مكانه فقصده؟ هل يجيئان معا؟ إني أتخيل وجهه ~~المهذب الباسم وهو يعتذر، وأومن بأن هذا العذاب لا يمكن أن يستمر إلى ~~الأبد. أجل، أطلعتني المسرحية على كوامن ضعفي، ولكنني حافظت دائما ~~على نقاء قلبي، ثم ألم أكفر عن ضعفي بما فيه الكفاية؟ من كان يتخيل ~~تلك الحياة مصيرا لحليمة الجميلة الطاهرة؟ لا يخفق قلبي الآن إلا ~~بالسماحة والحب، فاقض يا رب بما أنت قاض، حتى كرم سأغفر له وحشيته ~~تقديرا لتعاسته، سأغفر له كل شيء عندما يعود متأبطا ذراع حبيبي ~~الغائب. قلبي يخفق بإلهام عجيب، ولكن مرور الوقت يكدره. وقال لي زبون ~~وهو يمضي بلفافته: أنت يا أم عباس في دنيا أخرى. # ترامى إلي أذان العصر، والعتمة تزحف فوق نهار الشتاء القصير. ليس ~~تأخره بلا سبب؛ إنه لا يقيم وزنا لانتظاري الملهوف، ولكن ماذا ~~أخره؟ الشمعة تحترق، وريح الشتاء تعصف بذبالتها. وقفت وليس في نيتي ~~أن أجلس ثانية؛ لقد تغير قلبي، خانني بلا ترفق، ونفد صبري، لا بد ~~أن أذهب! أول من صادفني عند باب المسرح كان فؤاد شلبي. أقبل بحنان غير ~~معهود، وبسط لي يديه، وهو يقول: أرجو أن يكون خبرا كاذبا. # فتساءلت وأنا أفقد البقية الباقية من الأمل: أي خبر؟ # فارتبك الرجل، ولم ينبس، فتساءلت: عن عباس؟ # فأحنى رأسه بالإيجاب ولم يزد، وغبت عن الوجود. # أفقت فوجدتني مستلقية على كنبة في البوفيه، وعم أحمد يعنى بي، ~~وفي المكان فؤاد شلبي وطارق رمضان. حكى لي عم أحمد بصوت جنائزي، ثم ختم ~~بقوله: لا أحد يصدق. # أوصلني فؤاد شلبي بسيارته، تساءل في الطريق: إذا كان انتحر، فأين ~~جثته؟ # فسألته: ولم كتب الرسالة؟ # فأجاب: ذاك سره ... وسنعرفه في حينه. # ولكني أعرف سره، أعرف قلبي، أعرف حظي. عباس انتحر، الشر يعرفه ~~المزمار! # | عباس كرم يونس # البيت ms46 القديم والوحدة هما رفيقا عمري الأول، أحفظه عن ظهر قلب. ~~بوابته مقوسة الهامة، شباك المنظرة ذو القضبان الحديدية، حجراته ~~في الطابقين ذوات الأسقف العالية، والعروق الخشبية الملونة، وبلاط ~~أرضياتها المعصراني، أثاثه القديم الشاحب من الكنبة والشلت والحصر ~~والأكلمة، وزجاج شراعات أبوابه بقطعه الملونة بالأحمر والأخضر ~~والبني، وأحياؤه من الفئران والصراصير والأبراص، وسطحه المغطى ~~بحبال الغسيل مثل أسلاك الترام والترولي باص، المطل على أسطح ~~تكتظ بالنساء والأطفال في عصاري الصيف. أجول فيه وحدي، وصوتي يتردد ~~بين أركانه، مستذكرا درسا، أو مسمعا شعرا، أو مقلدا مقطوعة ~~مسرحية، أو منشدا أغنية. أطل على الطريق الضيق متابعا تيار الخلق، ~~تواقا إلى رفيق ألاعبه. يناديني غلام قائلا: انزل. # فأجيبه: الباب مغلق، والمفتاح مع أبي. # اعتدت الوحدة بالنهار والليل فلا أخافها، ولا أخاف الشياطين. # يقول أبي ضاحكا: لا شيطان إلا ابن آدم. # فتبادرني أمي: كن ملاكا. # وأتسلى عند الفراغ بمطاردة الفئران والأبراص والصراصير. قالت لي أمي ~~ذات يوم: كنت أحملك معي وأنت وليد في مهد من الجلد، وأضعك على أريكة ~~إلى جانبي في حجرة قطع التذاكر، وطالما أرضعتك في المسرح. # ذلك عهد لا أتذكره، ولكني أتذكر عهدا أحدث نسبيا، وأنا في الرابعة ~~أو حوالي ذلك، فكنت أتجول في صالة المسرح، أو وراء الكواليس، وأستمع ~~فيما بين هذا وذاك إلى ممثلين وهم يحفظون أدوارهم، فتمتلئ أذناي ~~بأناشيد الخير والمواعظ ونذر الشر والجحيم، فأتلقى تربية لم تتح لي ~~على يدي والدي الغائبين عني دوما بالنوم والعمل. وعند العرض ~~الأول لكل مسرحية جديدة، كنت أشهدها مع والدي، وأمضي الوقت بين ~~الانبهار والنعاس. وأيضا تلقيت أول كتاب مصور عن ابن السلطان ~~والساحرة، أهدانيه فؤاد شلبي. هكذا عرفت بطل الخير وشيطان الشر في ~~المسرح، ولم يكن لدى أحد من والدي وقت لتوجيهي، فضلا عن أن والدي ~~لا يكترث بالتربية بتاتا، على حين قنعت أمي بوصية فريدة ترددها ~~لي: كن ملاكا! # وتشرح لي معنى الملاك بأنه المحب للخير، المانع للأذى، النظيف الجسد ~~والملبس. فولي أمري الحقيقي هو المسرح، ثم الكتاب عندما يجيء ms47 وقته، ~~وآخرون لا يمتون بصلة إلى أبوي. # لذلك سرعان ما أحببت المدرسة لدى إلحاقي بها؛ انتشلتني من الوحدة، ~~وجادت علي بالرفاق. وكان علي أن أعتمد على نفسي في كل خطوة، أستيقظ ~~مبكرا، أتناول إفطاري البارد من الجبن والبيض المسلوق في الطبق ~~المغطى بالفوطة، أرتدي ملابسي، وأغادر البيت في هدوء؛ حتى لا أوقظ ~~أبوي النائمين. أرجع عصرا، فأجدهما يستعدان لمغادرة البيت إلى ~~المسرح، أبقى وحدي، أؤدي واجباتي المدرسية، ثم أتسلى باللعب المنفرد ~~والقراءة - المصورة ثم المكتوبة - ولا أنسى هنا فضل عم عبده، بياع ~~الكتب المستعملة الرابض بمجلسه عند مسجد سيدي الشعراني. وأتناول ~~عشائي المكون من الجبن والحلاوة الطحينية، ثم أنام. لا أحظى برؤية ~~والدي إلا فيما بين العصر والأصيل، وحتى تلك الفترة القصيرة يضيع ~~جانب منها في الاستعداد للخروج، ولا يبقى للمؤانسة والرعاية إلا ~~القليل. وتعلق بهما قلبي وأشواقي؛ سحرني جمال أمي وعذوبتها وحنانها، ~~والملائكية التي تدعوني إليها، وبدا لي أبي كائنا رائعا بمداعباته ~~الرقيقة، وضحكاته السخية، ولم يفسد جو اللقاء المحدود بتحذير أو ~~إرشاد أو تهديد، وآثر دائما أن ينفقه في دعابة ومرح، ولم يزد عن أن ~~يقول لي أحيانا: تمتع بوحدتك، أنت ملك البيت، ماذا تريد أكثر من ~~ذلك؟ الولد الوحيد الذي لا يعتمد على أحد؛ كذلك كان أبوك، وستكون أروع ~~منه. # فتسارع أمي قائلة: إنه ملاك، كن ملاكا يا حبيبي. # وأسأل أبي: هل كان جدي وجدتي يتركانك وحدك أيضا؟ # فيجيب ضاحكا: أما جدك فقد تركني إلى الآخرة قبل أن أعرفه، وأما جدتك ~~فكانت موظفة بالداخلية. # وتقطب أمي، فأشعر أن وراء الكلام سرا ما، وتقول: مات جدك ~~مبكرا، ولحقت به جدتك، فوجد أبوك نفسه وحيدا. ~~- في هذا البيت نفسه؟ ~~- أجل! # ويقول أبي: لو نطقت الجدران لحدثتك بأعجب الحكايات. # كان بيت الوحدة، ولكنه كان بيت الوئام أيضا. وقتذاك، كان أبي وأمي ~~زوجين متوافقين أو هكذا بدوا لعيني فيما بين الأصيل والعتمة، ~~يتبادلان الحديث والدعابة، ويشتركان في عاطفة صادقة نحوي، وكان أبي ~~يميل إلى الانطلاق في التعبير، فتوقفه أمي بنظرة تحذير ms48 ألحظها ~~أحيانا فأتساءل. ولحظة ذهابهما كانت لحظة أليمة، لذلك كنت أنتظر يوم ~~الخميس بنفاد صبر؛ لأذهب معهما وأشاهد المسرحية. وكلما تقدمت في ~~التعليم والقراءة، طالبت بمزيد من القروش لشراء الكتب، حتى كونت ~~مكتبة من قصص الأطفال المستعملة ... وقال لي أبي: ألا يشبعك أنك ~~تشاهد المسرح كل أسبوع؟ # ولكني لم أكن أشبع، ووثبت بي الأحلام إلى آفاق جديدة، حتى قلت له ~~ذات يوم: أريد أن أكتب مسرحية! # فقهقه عاليا، وقال: احلم بأن تكون ممثلا، فهو أفضل ~~وأربح. ~~- وعندي فكرة أيضا. ~~- حقا؟ # ورحت أحكي له فكرة فاوست، وكانت آخر ما شاهدت، بلا جديد أضيفه، إلا ~~أنني جعلت بطلها غلاما في مثل سني. فتساءلت أمي: وكيف ينتصر ~~الغلام على الشيطان؟ # فأجاب أبي: ينتصر الإنسان على الشيطان بوسائل الشيطان نفسه! # فهتفت أمي: احتفظ بأفكارك لنفسك، ألا ترى أنك تحدث ~~ملاكا؟ # منذ سن مبكرة، تشبعت بحب الفن والخير، ناجيتهما طويلا في ~~وحدتي، وعرفت بهما بين أقراني في المدرسة، تميزت بينهم لما غلب على ~~أكثرهم من العفرتة. وكلما ضاق المدرس بهم صاح: يا أبناء حي ~~الغواني! # وملت إلى نخبة قليلة عرفت بالمثالية البريئة، حتى كونا من ~~أنفسنا جمعية أخلاقية لمقاومة الألفاظ البذيئة، وكنا نردد ~~الأناشيد، ونصدقها، ونؤمن بمصر الثورة الجديدة. وعلى حين نذر البعض ~~أنفسهم لبطولات خارقة عسكرية أو سياسية، فقد نذرت نفسي للمسرح، ~~وتصورته منبرا للبطولة أيضا، ويناسب من ناحية أخرى ضعف بصري الذي ~~جعلني أستعمل النظارة الطبية قبل إنهاء دراستي الابتدائية. ومهما يكن ~~من اختلافنا، فقد حلمنا بعالم مثالي جعلنا أنفسنا على رأس مواطنيه ~~المثاليين، وحتى الهزيمة لم تزعزع أركاننا، وما دام الأناشيد لم ~~تتغير، ولا تغير الزعيم، فماذا تعني الهزيمة؟ لقد شحب وجه أمي، ~~وغمغمت بكلمات غير مفهومة، أما أبي فهز منكبيه كأن الأمر لا يعنيه، ~~وراح يردد بصوت أجش ساخر: # بلادي بلادي فداك دمي # وقد توقف المسرح عن العمل أياما، فنعمت ببقاء والدي في البيت ~~طيلة الوقت مرة، واصطحبني أبي معه إلى مقهى بشارع الجيش، فتذوقت ~~تجربة جديدة. وإذن فإن الهزيمة لم ms49 تخل من نتائج طيبة غير متوقعة، ~~وإن تكن قصيرة الأجل. ~~••• # تقول أمي وهي تملأ ~~أقداحنا بالشاي: عباس ... سيسكن عندنا غريب! # رنوت إليها غير مصدق، فقالت: إنه صديق أبيك، وأنت أيضا تعرفه، فهو ~~طارق رمضان. ~~- الممثل؟ ~~- نعم؛ اضطر إلى ترك مسكنه، ولم يجد في أزمة المساكن حلا ~~آخر. # تمتمت في غير ارتياح: إنه ممثل تافه ... ومنظره لا يسر. ~~- الناس للناس، وأنت ملاك يا حبيبي ...! # وقال أبي: سيجيء مع الفجر، وينام حتى العصر، ويظل البيت مملكتك ~~الخاصة عدا حجرة واحدة. # لم أشعر بمجيئه قط، ولكنه كان يذهب عادة مع والدي أو في ~~أعقابهما. كان وقح النظرة، فظ التعبير ... وجعل يهتم بي اهتماما ~~متكلفا مجاملة لأبوي، ولكني لم أحترمه. وشاهد مكتبتي يوما من ~~مجلسه في الصالة، فسألني: كتب المدرسة؟ # فقالت أمي بزهو: كتب أدب ومسرحيات، إنك تحدث مؤلفا ~~مسرحيا! ~~- اللعنة على المسرح، ليتني كنت بياع خردة أو لحمة راس. # عند ذاك سألته: لم لا تمثل إلا أدوارا صغيرة؟ # فسعل سعلة غليظة، وقال: قسمتي! ... حظ أعرج يطاردني، ولولا شهامة ~~أبيك، لاضطررت للبيات في المراحيض العمومية. # فقالت له أمي: لا ترعب الأستاذ بكلامك يا طارق. # فقال ضاحكا: على المؤلف أن يعرف كل شيء، والشر خاصة، فمن الشر ينبع ~~المسرح. # فقلت بحماس بريء: ولكن الخير ينتصر دائما. # فقال ساخرا: هو كذلك في المسرح. ~~••• # ثمة تغير مبهم يزحف بهدوء وحذر كالليل؛ ليس الصمت هو الصمت، ولا ~~الكلام هو الكلام، ولا أبي هو أبي، ولا أمي هي أمي. أجل، لم تكن الحياة ~~تخلو من اختلاف أو نقار، ولكنها كانت تمضي في إطار معاشرة طيبة. ما هذا ~~الغامض الخفي الذي تسلل بينهما؟ كانت لها إشراقة دائمة، فتلاشت، وكان ~~يعيش خارج ذاته في قهقهات وسخريات وملاطفات، فانطوى على ذاته. علاقة ~~أمي بي إلى الحنان القديم - اتسمت بأسى لم تفلح في مداراته، أما أبي ~~فأهملني تماما. تسرب إلى جنبات نفسي قلق وتوقعات مجهولة غير ~~سارة. وفي مجلس الشاي قبيل الذهاب، سمعت طارق يقول لهما مرة: لا ~~تستسلما للشيطان. # فقالت له أمي ms50 بمرارة: ما الشيطان إلا أنت! # فقال أبي محتجا: لست قاصرا! # ولم تسترسل أمي إكراما لحضوري فيما توهمت، ولما غادروا البيت ~~انتابني شعور بالحزن والضياع. لقد حدث شيء ما في ذلك من شك. إني أسأل ~~أمي، فتتهرب مني متظاهرة بالاستهانة، وأسمع حوارا محتدما بينها ~~وبين أبي وهما منفردان في الصالة، فأنكمش وراء الباب الموارب ~~متصنتا. تقول له بتوسل: ما تزال توجد فرصة للنجاة. # فيقول لها بغلظة: لا تتدخلي في شئوني الخاصة. ~~- لكن فعلك ينعكس علينا، ألا تدرك ذلك؟ ~~- إني أكره المواعظ! ~~- الأفيون قتل زوج خالتي! ~~- هذا يثبت أنه لا يخلو من فائدة. ~~- لقد تغيرت أخلاقك، ولم تعد تحتمل. # اقتحمني الخوف، إني أعرف ~~الأفيون، عرفته في مسرحية «الضحايا»، مناظر الهالكين لم تبرح ذاكرتي؛ ~~هل يصير أبي واحدا منهم؟ هل يترك أبي المحبوب للفناء؟! وانفردت بأمي ~~في الصالة، قبل مجيء أبي وطارق رمضان؛ رمقتها بحزن، فسألتني: ما لك ~~يا عباس؟ # فقلت بصوت متهدج: إني أعرف، إنه شيء خطير، لم أنس مسرحية ~~الضحايا. ~~- كيف عرفت؟ ... لا، ليس الأمر كما تتصور. # وجاء أبي منفعلا مما قطع بأنه سمعني، وصاح بي: يا ولد، الزم ~~حدودك. # فقلت له: إني أخاف عليك! # فصاح بصوت أفظع من الأول: اخرس، وإلا كسرت رأسك. # وأخذت وأنا أراه في صورة جديدة متوحشة. تبدد حلم سعيد طويل، ~~انسحبت إلى حجرتي، تخيلت منظرا مسرحيا متكاملا، يبدأ بطرد ~~طارق، وينتهي بتوبة أبي على يدي، وقلت إن الخير ينتصر إذا وجد من ~~ينصره، ولكن الحال مضى من سيئ إلى أسوأ! أبي يزداد انطواء، تلاشى ~~الأب القديم، يغيب عنا، وإذا دعاه داع إلى اليقظة فلكي يصب اللعنات ~~والإهانات. بت أخافه وأتحاشاه. أمي شقية، ولا تدري ماذا تفعل، ~~وتسأله مرة: أجري وحده لا يكفي بيتك. # فيقول لها: انطحي الجدار! # أجل، لم تعد المعيشة كما كانت؛ تقشف في الطعام، وتراجع في ~~المصروف. أنا لا يهمني الطعام ولا النقود؛ كيف أقتني الكتب؟ حياة ~~الروح لا تستغني عن النقود للأسف الشديد، وأتعس ما رميت به أنني فقدت ~~أبي؛ أين ذلك الرجل ms51 القديم؟ يثور على نظرة عيني، ويقول لي: إنك أنموذج ~~سيئ لا يصلح للحياة. # وتدهور الحال حتى انفصلا تماما، فاستقل كل واحد منهما بحجرة. ~~تفتت البيت، بتنا سكانا غرباء في طابق واحد؛ عزيز علي مصير أمي! ~~ومن ذلك المنطلق، تخيلت موقفا مسرحيا يدور حول معركة بين أبي وطارق، ~~يقتل أبي طارق رمضان، ثم يقبض عليه، ويمضي وهو يقول لي: ليتني سمعت ~~كلامك. يعود الطهر إلى البيت القديم. ولكني أشعر بالندم، الندم على ~~قسوة خيالي. وأسأل أمي: كيف تواجهين تكاليف الحياة وحدك؟ ~~- إني أبيع أشياء صغيرة. انتبه لعلمك؛ فأنت الأمل الوحيد ~~الباقي. ~~- قلبي معك. ~~- أعرف ذلك، ولكن لم يحن الوقت بعد لتحمل همومنا؛ يجب أن تعمل من ~~أجل مهنة مفيدة. ~~- حلمي أن أكون مؤلفا للمسرح. ~~- مهنة لا تضمن لك ثروة. ~~- إني أحتقر المادة، أنت تعرفين كل شيء عني. ~~- احتقر المادة، ولكن لا تتجاهلها. # فقلت لها بحماس: سينصر الخير يا أمي. ~~- إني أدمن الحلم كما يدمن أبي الأفيون. بالحلم أغير كل شيء ~~وأخلقه، أكنس سوق الزلط وأرشه، أجفف طفح المجاري، أهدم البيوت ~~القديمة وأقيم مكانها عمارات شاهقة، أهذب الشرطي، أسمو بسلوك ~~الطلاب والمدرسين، أوفر الطعام من الهواء، أمحق المخدرات ~~والخمر. # ويجلس أبي في الصالة ذات عصر، وهو يشذب شاربه بملقاط، وقبالته ~~طارق يرفأ جوربه. ويقول طارق: لا يخدعك فقر الفقراء، البلد ملأى ~~بأغنياء لا يدري بهم أحد. # فقال أبي: الهلالي يربح ذهبا. # فيضحك طارق قائلا: طظ في الهلالي وذهبه، حدثني عن النساء، وفائض ~~البترول! ~~- يعجبني الجنون، ولكننا عاجزون. # وتدخلت قائلا: كان أبو العلاء يعيش على العدس وحده. # فصاح بي أبي: انقل هذه الحكمة لأمك! # وألوذ بالصمت، وأنا أقول لنفسي: يا لهما من حيوانين! ~~••• # تحية أمامي وجها لوجه، ناضجة الأنوثة جذابة العينين؛ نظرت إليها ~~في ذهول وأنا لا أصدق عيني! في الأيام السابقة للامتحان، كنت أسهر ~~الليل وأنام في النهار، فتح الباب وأنا أتمشى في الصالة، ودخلت ~~تحية، أما أبي وأمي فقد سبقا للنوم. دخلت تحية وفي أثرها طارق رمضان؛ ~~إني أعرفها، وطالما رأيتها ms52 فوق خشبة المسرح، تقوم بأدوارها الثانوية ~~مثل طارق. نظرت إليها بذهول، فقالت باسمة: ماذا يوقظك في هذه الساعة ~~المتأخرة؟ # فقال طارق: إنه مجاهد، يسهر الليل في طلب العلم، وبعد أسبوع سيدخل ~~امتحان الإعدادية. ~~- برافو! # ومضيا يصعدان السلم إلى حجرة طارق؛ دار رأسي، فار دمي، أيجيء بها ~~إلى حجرته من وراء أبي وأمي؟ أليس لها بيت يذهبان إليه؟ أي تدهور يهبط ~~ببيتنا إلى الحضيض؟! عجزت عن تركيز ذهني، واحترق رأسي بالفكر. هاجمني ~~الشر وأنا أعاني المراهقة والرغبات الجامحة، وأكافحها بالإرادة والطموح ~~إلى النقاء، واشتعلت بالغضب حتى صرعني النوم. وأقبلت على والدي وهما ~~يجلسان في الصالة عصرا؛ ما إن رآني أبي حتى تساءل في توجس: ماذا ~~وراءك؟ # فقلت بتدفق حار: حدث غريب لا يتصوره عقل؛ جاء طارق بتحية إلى ~~حجرته أمس! # فمد إلي بصره الثقيل، وثبته علي دون أن ينبس، فتوهمت أنه لا ~~يصدقني، فقلت: لقد رأيت بعيني. # فسألني ببرود مثير: ماذا تريد؟ ~~- أردت أن أخبرك، لتؤدبه وتفهمه أن بيتنا بيت محترم؛ يجب أن ~~تطرده. # فقال بحدة: انتبه لعملك، ودع شئون البيت لصاحبه. # وقالت أمي بصوت منخفض ذليل: إنها خطيبته. ~~- ولكنه لم يتزوجها بعد! # فخاطب أبي أمي قائلا بسخرية وهو يومئ ناحيتي: يريد أن يموت ~~جوعا. # فقلت مجتاحا بدفقة غضب: نحن الذين أفقرنا أنفسنا. # فرفع قدح الشاي ليرميني به، ولكن أمي وثبت بيننا، ومضت بي إلى حجرتي. ~~رأيت عينيها منذرتين بالدمع، وقالت لي: لا فائدة ترجى منه، فلا ~~تحتك به. بودي لو نهجر البيت معا، ولكن أين نذهب؟ أين نجد مسكنا؟ ~~ومن أين لنا بالنقود؟! # لم أجد جوابا. تبدت لي الحقيقة ببشاعتها وبلا رتوش؛ لقد أذعنت أمي ~~مغلوبة على أمرها، وغلب أبي على أمره مهزوما بإدمانه؛ إنه مسئول ما ~~في ذلك من شك، ولكنه مغلوب على أمره. إنه أكثر من ذلك، فإنه يبدو ~~أحيانا بلا مبادئ على الإطلاق. إني أحتقره بقدر ما أرفضه؛ لقد جعل من ~~مأوانا العتيق بيت دعارة. أنا أيضا ضعيف، ما دمت لا أجد ما أفعله إلا ~~أن أذرف ms53 الدمع الغزير . ~~••• # نجحت، غير أني لم أسعد بالنجاح كما ينبغي، لازمني الشعور بالعار، ~~استقر بأعماقي حزن مقيم، هاجرت في العطلة الطويلة إلى دار الكتب، كتبت ~~مسرحية، رجوت أبي أن يعرضها على سرحان الهلالي، ولكنه قال لي: إنه ليس ~~مسرح أطفال. # تطوعت أمي بتقديمها إليه، رجعت بها بعد أسبوعين، وقالت لي: لا ~~تتوقع أن تقبل أولى مسرحياتك، وما عليك إلا أن تعيد ~~التجربة. # حزنت، ولكني لم أيئس، وكيف أيئس بعد أن لم يعد لي من أمل إلا ~~المسرح؟ وصادفت ذات يوم الأستاذ فؤاد شلبي في قاعة المطالعة، فصافحني، ~~وذكرته بنفسي، فرحب بي. وتشجعت بلطفه، وسألته: كيف أكتب مسرحية ~~مقبولة؟ # فسألني بدهشة: ما عمرك؟ ~~- ماشي في السادسة عشرة. ~~- في أي مرحلة تعليمية؟ ~~- الثانوية بدءا من العام القادم. ~~- ألا تنتظر حتى تكمل تعليمك؟ ~~- أشعر بقدرة على الكتابة. ~~- لكنك لم تفهم الحياة بعد. ~~- عندي فكرة عنها لا بأس بها. # فسألني باسما: ما هي الحياة في نظرك؟ ~~- هي معركة الروح ضد المادة. # فازدادت ابتسامته اتساعا وهو يتساءل: والموت ما موقعه من هذه ~~المعركة؟ # فقلت بثقة: هو الانتصار النهائي للروح! # فربت على منكبي، وقال: ليت الأمور بهذه البساطة، تلزمك تجارب كثيرة، ~~ابحث أيضا عما يهم الناس ويثيرهم؛ إني أطالبك بخوض خضم الحياة، ~~والانتظار عشرة أعوام على الأقل. # دفعني حديثه في جوف الوحدة أكثر مما كنت؛ إنه يتصور أني بمنجاة ~~من التجارب، لعله غاب عنه ما يحدث في بيتنا، وغاب عنه أيضا جهاد ~~النفس في معركة المراهقة، النزاع الذي لا يهدأ بين السمو والشهوات، بين ~~أشعار المجانين والخيام، بين تحية العابثة في الحجرة العليا وطيفها ~~الزائر للخيال، بين الطين وقطرات السحب البيضاء. ~~••• # إن ما يفعل بالحجرة المجاورة لحجرة طارق عجيب؛ بيع أثاثها ~~القديم، اشتري لها أثاث جميل من مزاد علني، توسطتها مائدة خضراء، غطى ~~بلاطها المعصراني بساط كبير، قام في جدارها الأوسط بوفيه؛ إنه استعداد ~~غامض. وأسأل أمي فتقول: أبوك يعدها للسمر مع أصدقائه، كما يفعل ~~الرجال. # رمقتها بارتياب، فما عاد اسم أبي يوحي إلا بالارتياب، فقالت: ms54 سيسهرون ~~سهرتهم عقب إغلاق المسرح. # تعودت أن أقبع في الظلام في حجرتي لأرى الأشياء؛ لا ترى الحوادث على ~~حقيقتها في بيتنا إلا من الظلام! وقد جاء الصحاب في هزيع موغل من ~~الليل. رأيتهم يتقاطرون، في المقدمة والدي، الهلالي، إسماعيل، سالم ~~العجرودي، فؤاد شلبي، طارق، تحية. تسللت إلى الدور الأعلى في الظلام، ~~قد تحلقوا المائدة ودار الورق؛ إنه القمار كما رأيته في المسرح. مآسي ~~المسرح تنتقل إلى بيتنا بأبطالها أو ضحاياها، هؤلاء الناس يتصارعون فوق ~~الخشبة، أما هنا فيقفون صفا واحدا في جانب الشر، إنهم ممثلون، حتى ~~الناقد ممثل أيضا، لا شيء حقيقي إلا الكذب. إذا جاء الطوفان، فلن ~~يستحق السفينة إلا أمي وأنا. إن يكن للنية قيمة إذ لا عمل لنا. حتى أمي ~~تعد الطعام والشراب. وأقول لها: ما كان ينبغي أن تقومي بخدمة ~~السفلة. # فتقول كالمعتذرة: إنهم زملاء، وأنا ربة البيت. ~~- أي بيت؟ ما هو إلا ماخور وناد للقمار. # فتقول بأسى: أتمنى لو أهرب، لو نهرب معا، ولكن ما الحيلة؟! # فأقول بحنق: لذلك أكره النقود! ~~- لكنها ضرورية؛ هذه هي المأساة. على أي حال، فلا أمل لي ~~سواك. ~~••• # ما الخير؟ ما الخير بلا عمل؟ لا ينشط إلا الخيال، الخيال ميدانه ~~المسرح. البيت غنيمة في يد السفلة. حداثة سني ليست بالعذر المقبول. ~~إنه العجز، لذلك مر النصر كخبر. في الأقران من الطلبة حياة لا أشارك ~~فيها إلا بالحماس والخيال، تتحول الكلمات الجميلة إلى صور لا أفعال، ~~إنهم يرقصون رقصة الموت على حين أصفق أنا خارج الحلبة. ويجيء ~~فؤاد شلبي بدرية ليتناجيا في الحجرة الثالثة، تحت إطار البسملة ~~المهداة من جدي. وقلت لأمي: شلبي ودرية أيضا! علينا أن ~~نذهب! # فقالت محمرة العينين: ليس قبل أن تستطيع ذلك أنت. ~~- إني أختنق. ~~- وأنا مثلك وأكثر. ~~- هل الأفيون هو المسئول عن ذلك كله؟ # فلم تنبس، فقلت: ربما كان نتيجة وليس السبب. ~~- أبوك مجنون. # ثم بصوت منخفض: ولكني مسئولة عن انخداعي به. ~~- أود أن أقتله! # فمست ذراعي بحنان، وهمست: انغمس في العمل، فأنت الأمل ~~الباقي. ~~••• # ليلة ms55 النار التي أهلكت آخر نبتة خضراء. من الظلام رأيت سرحان الهلالي ~~يهبط السلم مترنحا، شعره منفوش، عيناه مظلمتان، يسوقه جنون أعمى. ~~لماذا هجر الحجرة والمعركة محتدمة؟ خرجت أمي من حجرتها مستطلعة، ~~وكنت أظنها فوق، لاقته أسفل السلم، تهامسا بما لم تبلغه أذناي، دخلت ~~حجرتها فاندفع وراءها، توثبت للاندفاع ولكنني لم أتحرك؛ أهمني أن ~~أعرف الحقيقة أكثر من أن أمنعها. أمي أيضا؟! لعله أغمي علي ~~دقائق. هي النهاية التي ليس وراءها نهاية. تفتت الكون، وضج بسخرية ~~الشياطين. اندفعت إلى الصالة، ومنها إلى الحجرة، وقد غرقت في الظلام، ~~أضأت النور فوجدتها خالية، أطفأت النور، وخرجت إلى الصالة وأضأتها. ~~لبثت واقفا بوعي مشتت، وإذا بوالدي يهبط السلم، حتى يقف أمامي، ~~ويسألني بخشونة: ماذا أيقظك؟ # فقلت وأنا لا أدري ماذا أقول: أرق طارئ. ~~- هل رأيت سرحان الهلالي؟ ~~- إذا لم يكن فوق، فقد غادر البيت. ~~- متى؟ ~~- لا أدري. ~~- هل رأته أمك؟ ~~- لا أدري. # رجعت إلى حجرتي، لبثت واقفا في الظلام يشتعل رأسي بأفكار جنونية. ~~لم أشعر بمرور الوقت، حتى انتبهت إلى وقع أقدام الراحلين. لم يبق في ~~الصالة إلا أبي وأمي، ألصقت أذني بثقب الباب لأسمع ما يدور. سمعته ~~يسألها: ماذا حدث من وراء ظهورنا؟ # لم تجب، فعاد يسأل: عباس رأى؟ # لم تجب أيضا، فقال: هو الذي ألحقك بالعمل ... معروف أنه لم يعتق ~~امرأة واحدة، حتى أم هاني. # لم أسمع لها صوتا، فعاد يقول: لا شيء بلا ثمن، هذا ما يهمني، أما ~~أنت فلا تستحقين الغيرة. # أخيرا جاء صوتها قائلا: إنك أحقر من حشرة! # فقال مقهقها: إلا حشرة واحدة. # هذه هي الحقيقة؛ هذا أبي وهذه أمي. النار تتمادى في الاشتعال، أغمد ~~خنجرك فحتى قيصر قد قتل. سيرانو دي برجراك صاول الأشباح! إني أرفض ~~أبوي، القواد والداعرة؛ لا أنسى أنني رأيتها وفؤاد شلبي يتهامسان ~~مرة، فلم يداخلني سوء ظن، ومرة أخرى مع طارق رمضان نفسه، فلم ~~يداخلني شك. الجميع ... الجميع ... بلا استثناء ... لم لا؟ هي عدوي الأول. ~~أبي مجنون مدمن، أما أمي فهي المدبرة لما يجري ms56 في الكون من ~~الشر. ~~••• # جاءني في حجرتي صوت أمي مناديا، فلم أستجب. من عجب أن مقتي لأبي ~~متجسد واضح، أما شعوري نحوها فيتجسد في سخط عارم لا كراهية واضحة. ~~سرعان ما جاءت، فأخذتني من يدي، وهي تقول: أجل القراءة، وكرس لنا ~~هذا الوقت القصير النادر. # أجلستني إلى جانبها في الصالة، قدمت لي الشاي، قالت: أنت لا تعجبني ~~هذه الأيام. # تجنبت النظر إلى وجهها، فقالت: إني أعلم بما يحزنك، ولكن لا ~~تضاعف آلامي؛ ساعة الخلاص تقترب، وسنذهب معا. # يا لها من مخادعة! تمتمت: لا يطهر هذا البيت إلا حرقه! ~~- حسبك قلبي الذي يعبدك! # هل أصب عليها الحمم الذي يمور به قلبي؟ لكن خيالي كان يدمر كل شيء، ~~ثم يقف حائرا أمام عينيها. # وسألتني: هل تكتب مسرحية جديدة؟ # فقلت: ستذكرك بمسرحية المرأة السكيرة. # إنها مسرحية تقدم عالما أسود من النساء الساقطات. فقالت: لا ... ~~فلتشرق مسرحياتك بنور قلبك. # عند ذاك خرج أبي من حجرته، ونزل طارق وتحية. وقفت لأرجع إلى حجرتي، ~~ولكن تحية اعترضت سبيلي قائلة بمرح: اجلس معنا أيها المؤلف. # لعلها أول مرة تعيرني اهتماما، فجلست، على حين قال طارق ضاحكا: ~~سيكون هذا المؤلف تراجيديا. # فتمتم أبي ساخرا: إنه مريض بداء الفضيلة! # فقالت تحية وهي ترشف من قدحها رشفة: جميل أن يوجد في زماننا هذا ~~فاضل. # فقال أبي: بصره ضعيف كما ترين، فهو لا يرى ما حوله. # فقالت تحية: دعوه في جنته، إني أحب الفضيلة أيضا! # فقال طارق ضاحكا: فضيلتك من النوع الضاحك المقبول. # فقالت تحية: إنه وسيم مثل أمه ... قوي كأبيه ... يجب أن يكون دون ~~جوان. # فقال أبي ساخرا: انظري إلى نظارته؛ عيبه أنه لا يرى. # ولما ذهبوا فاض قلبي بالغضب والافتتان، نشط خيالي ليهدم ويعيد ~~البناء؛ ما تحية إلا صورة من أمي، بل هي أفضل. عندما اعترضت سبيلي ~~مستني فحركت حلما جديدا. عندما تذكرت مسها لي وأنا وحيد، انبثقت ~~من سعير نفسي فكرة؛ هذه الدار العتيقة التي بناها جدي بعرق جبينه، وكيف ~~تحولت إلى ماخور؛ هذه هي الفكرة، لا دليل ms57 لدي على نجاحها إلا ~~ارتعاشة الفرح التي خامرتني. هل تصلح أساسا لمسرحية؟ وهل تقوم مسرحية ~~بلا حب؟ ~~••• # سمعت على الباب نقرا خفيفا، فتحته فرأيت تحية؛ ماذا جاء بها قبل ~~ميعاد مجلس الشاي؟ دخلت وهي تقول: الجميع نيام إلا أنت. # وقفت في وسط الحجرة بملابس الخروج، تجيل النظر في أنحائها، وتقول: ~~إنها بيت لا حجرة، مكون من غرفة نوم ومكتبة؛ هل أجد عندك حلوى؟ # فقلت معتذرا: آسف! # استوى جسمها الناضج في وسط الحجرة، في هالة من الإثارة والجاذبية، ~~ورأيت لون عينيها لأول مرة كالشهد الرائق. قالت: يجب أن أذهب، ما دام ~~لا يوجد عندك إلا الكتب. # ولكنها لم تتحرك، بل راحت تقول: لعلك تتساءل عما دفعني للخروج ~~مبكرة، إني ذاهبة إلى شقتي في شارع الجيش؛ ألا تعرفها؟ إنها تبعد عن ~~باب الشعرية بمحطة ترام ... العمارة 117. # سألتها وقد ثملت تماما بحضور الأنوثة الفواح: انتظري حتى أجيئك ~~بحلوى من الخارج. ~~- سأجد في الطريق ما يلزمني؛ إنك لطيف جدا! # فقلت متناسيا في تلك اللحظة ما يرمز إليه وجودها من معاناة لضميري: ~~أنت اللطيفة حقا. # فرنت إلي بنظرة موحية بالأحلام، وتحركت ببطء ورشاقة نحو الباب، ~~فهمست على رغمي: لا تذهبي ... أعني ... خذي راحتك ... # لكنها ابتسمت في ارتياح ظافر، ومضت وهي تقول: إلى اللقاء! # تركت وراءها في الحجرة الهادئة عاصفة من الانفعالات البهيجة، لم ~~تجئ لغير ما سبب، ولم تذكر رقم العمارة اعتباطا. خفق قلبي المحروم ~~المتشبث بالبراءة، لأول مرة يجد قلبي امرأة حقيقية ليهيم بها؛ إنه ~~لم يهم قبل ذلك إلا بليلي ولبنى ومية وأوفيليا وديدمونة. وفيما تلا ~~ذلك من أيام، أصبح لكل نظرة نتبادلها خلسة معنى جديد يؤكد سحر ~~الحياة. في غفلة من الحضور نتبادل حوارا ساخنا. وتساءلت وأنا من ~~الحيرة في عناء: ترى أأرتفع أنا أم أهوي إلى الحضيض؟! ~~••• # ورغم رياح أمشير المزمجرة في الخارج، ترامى إلى أذني من الطابق ~~الأعلى صخب وعنف، رقيت في السلم مستكشفا، فرأيت في الصالة طارق ~~وهو ينهال لطما على وجه تحية. تسمرت ذاهلا، توارت هي في الحجرة، ms58 ~~على حين قال لي هو في برود: أزعجناك! # فتمتمت وأنا أكتم انفعالاتي: معذرة. ~~- لا تنزعج، واستمتع بمشاهدة بعض عاداتنا اليومية. # وجاء صوتها المتهدج من الداخل صائحا: لن أرجع هذه المرة. # وسرعان ما تبعها طارق، وأغلق الباب. # ورجعت بحزن جديد غاص بي أكثر في قلب الظلام؛ لم ترضى امرأة جميلة ~~مثل تحية بحياة مهينة مع رجل ك طارق؟ هل يتكشف الحب أيضا عن مأساة؟ ~~وقد غابت بالفعل يومين، ولكنها رجعت في الثالث مشرقة الوجه! تقلص ~~قلبي، وتضاعف حزني، احتقرت سلوكها، ولكن حبي لها تجسد لي حقيقة لا ~~مفر منها، ولعله ولد ونشأ ونما من قبل أن أعيه بزمن غير قصير. وفي ذلك ~~اليوم، عندما مضوا يغادرون المكان، تأخرت لإصلاح جوربها، ثم أسقطت من ~~يدها لفافة ورق صغيرة قبل اللحاق بهم. بسطت الورقة بقلب مرتعش بالبهجة، ~~فقرأت العنوان والساعة. ~~••• # الشقة صغيرة مكونة من حجرتين ومدخل، ولكنها جميلة ونظيفة وتعبق بشذا ~~بخور عذب. على منضدة في المدخل، استقر أصيص برتقالي كروي تنطلق منه ~~باقة ورد وزهور كنافورة. استقبلتني باسمة في روب كحلي، وهي تقول ~~مشيرة إلى الورد: احتفالا بيوم اللقاء. # دفعتني أشواق متراكمة إليها، فتعانقنا طويلا، وتذوقت فرحة القبلة ~~الأولى، ولو ترك الخيار لي؛ لانتهى اللقاء قبل أن ننفصل، ولكنها ~~تخلصت بلطف، وقادتني إلى حجرة جلوس زرقاء بسيطة وأنيقة، فجلسنا جنبا ~~إلى جنب على الكنبة الرئيسية. قالت بصوت منخفض: تصرفنا جريء، ولكنه ~~عين الصواب. # فرددت بتوكيد: عين الصواب. ~~- ليس ممكنا أن نخفي ما بنا أكثر. # فقلت مصمما على إزاحة الطفولة: عين الصواب، أنا أحبك من زمن ~~طويل. ~~- حقا؟ ... أنا أيضا ... هل تصدق أني أحب لأول مرة؟! # لم أنبس، ولم أصدق، فقالت بحرارة: لقد رأيت بنفسك، وسمعت ربما ما هو ~~أكثر، ولكنه التخبط لا الحب. # فقلت بأسف: حياة لا تليق بواحدة مثلك. # فاستأنست بكلامي، وقالت: لا يسأل متسول عما يليق وعما لا ~~يليق. ~~- يجب أن يتغير كل شيء. ~~- ماذا تعني؟ ~~- يجب أن نبدأ حياة لائقة. # فتمتمت بتأثر: لم أصادف أحدا مثلك، كانوا كلهم حيوانات. ms59 # فتساءلت بامتعاض : كلهم؟! ~~- لا أريد أن أخفي عنك شيئا، سرحان الهلالي، سالم العجرودي، وأخيرا ~~طارق. # صمت ... تذكرت أمي، أما هي فقالت: إن كنت ممن لا ينسون الماضي، ~~فالفرصة ما زالت متاحة للتراجع. # أخذت راحتها بين راحتي، شعرت بقوة ذاتية تدفعني للقوة والتحدي، فقلت: ~~لا أبالي إلا بالقيمة الحقيقية. ~~- حدثني قلبي دائما بأنك أكبر من مخاوفي الصغيرة. ~~- لست طفلا. # فقالت باسمة: لكنك ما زلت تلميذا. ~~- ذلك حق، ما زالت أمامي مرحلة طويلة. # فقالت ببساطة مخلصة: أصبح لدي مدخر قليل، وبوسعي أن ~~أنتظر. # لكنني وقعت في أسر الحب، وفاضت بي رغبة كامنة في هجر البيت ~~الملوث الكئيب، فعقدت العزم على اتخاذ قرار يحول بيني وبين ~~التراجع، ويفتح لي في الوقت ذاته طريقا جديدا. قلت: بل يجب أن نعقد ~~زواجنا في الحال. # فتورد وجهها، وازداد حسنا، وأرتج عليها القول. فقلت: هذا ما يجب ~~علينا. # قالت بانفعال: الحق أني أريد أن أغير هذه الحياة، أريد أن أهجر ~~المسرح أيضا، لكن هل تضمن أن يمدك أبوك ببعض المال؟ # فقلت باسما في أسى: هيهات أن يفعل، وهيهات أن أقبل مالا ~~ملوثا. ~~- وكيف إذن نتزوج؟ ~~- بعد قليل سأفرغ من دراستي الثانوية، لن أجند لضعف بصري، فمن ~~الأفضل أن أعمل، خاصة وأن موهبتي تعتمد على الدراسة الخاصة أكثر من ~~الدراسة النظامية. ~~- هل يكفي في هذه الحال مرتبك؟ ~~- لقد طلب أبي إعفاءه من عمله في المسرح، اكتفاء بما يربحه من ~~القمار وغيره، وهم الآن بصدد البحث عن ملقن؛ سأتقدم لأحل محل ~~أبي، فأجد عملا في جو المسرح الذي أعقد به أملي في الحياة ... يضاف إلى ~~ذلك أنك تستأجرين شقة، فلن تصادفنا عقبة السكن. ~~- هل أستمر في عملي بالمسرح حتى تتحسن الأحوال؟ # فقلت بحدة: كلا ... يجب الابتعاد عن أولئك الرجال. ~~- قلت إنه لدي مدخر قليل، ولكنه لن يبقى حتى تقف على ~~قدميك. # فقلت بحماس: علينا أن نتحمل حتى نبلغ النجاح المنشود. # عند بلوغ ذلك المرفأ، استسلمنا لعواطفنا، ونسينا إلى حين كل شيء، ~~وربما لولاها ما واصلنا الحديث، ولكنها تخلصت من ms60 ذراعي بحنان وهي ~~تهمس: يجب أن أتخلص من طارق ... لن أراه مرة أخرى. # فسألتها بضيق: سيجيء إلى هنا؟ ~~- لن أفتح له الباب. # فقلت بتحد: سأخبره بكل شيء. # فقالت بقلق: أرجو ألا تتطور الأمور إلى ما يسوء. # فقلت بكبرياء: إني على استعداد لمواجهته. ~~••• # رجعت إلى باب الشعرية مخلوقا جديدا، لأول مرة أراها من خلال نظرة ~~المودع، فتلوح في غلالة أجمل وأجذب للحنان. عما قليل سأنتقل من ~~مقاعد المتفرجين لألعب دورا في مسرح الحياة، سأستنشق هواء نقيا ~~غير هواء هذا البيت القديم العطن. جلست في الصالة الخالية في الدور ~~الأرضي، حتى رأيت طارق هابطا. حياني، ثم سألني: ألم تحضر ~~تحية؟ # فقلت وأنا أتوثب للنزول: كلا! ~~- لم أقابلها في المسرح. ~~- لن تذهب إلى المسرح. ~~- ماذا تعني؟ ~~- لن تحضر إلى هنا، ولن تذهب إلى المسرح. ~~- من أدراك بهذه الأسرار كلها؟ ~~- سنتزوج. ~~- هه؟! ~~- اتفقنا على الزواج. ~~- يابن ... أنت مجنون؟ ... ماذا تقول؟! ~~- قررنا أن نكون شرفاء معك. # ما أدري إلا ويده تلطمني، ثار غضبي، فوجهت إليه لكمة كادت تلقيه ~~على الأرض، وإذا بوالدي يندفعان نحونا. صاح طارق: شيء مضحك ... ~~المحروس سيتزوج من تحية! # هتفت أمي: تحية! ... إنها أكبر منك بعشرة أعوام! # راح طارق يهدد، حتى قالت له أمي: خذ ملابسك، ومع السلامة. # صاح وهو يمضي إلى الخارج: باق على أنفاسكم حتى النهاية. # وسادنا الصمت قليلا. تمتم أبي ساخرا: في العشق يا ما كنت ~~أنوح. # وقالت لي أمي: عباس ... ما هي إلا نزوة إغراء. ~~- لا ... إنها حياة جديدة. ~~- وأحلامك ومستقبلك؟ ~~- ستتحقق على خير مثال. ~~- ماذا تعرف عنها؟ ~~- لقد صارحتني بكل شيء. # فقهقه أبي قائلا: بنت مسارح، وتعرف الأصول ... وأنت شاب غريب؛ كان ~~يجب أن تزهدك معرفتك لأمك في جنس النساء. # عند ذاك مضت بي أمي إلى حجرتي، وقالت لي: لها سيرة وتاريخ؛ ألا تفهم ~~ما يعنيه ذلك؟ # تجنبت النظر إليها، طحنتني من جديد الآلام الماضية. قلت: من سوء ~~الحظ أنك لم تعرفي الحب ... سنبدأ حياة جديدة. ~~- لا يمكن أن يتحرر إنسان من تاريخه. # أواه ... إنها لا تدري ms61 أنني أدري ... وقلت: تحية رغم كل شيء ~~طاهرة. # ليتني أستطيع أن أقول عنك ذلك أيضا يا أمي. ~~••• # ما إن أتممت المرحلة الثانوية، حتى قابلت سرحان الهلالي راجيا أن ~~أحل مكان أبي، وفي الحال عقدت زواجي بتحية. ودعت البيت القديم ~~وأهله بلا احتفال، وكأنما أمضي إلى المدرسة أو دار الكتب. لم يتفوه ~~أبي بتهنئة أو دعاء، ولكنه قال: لماذا كان اجتهادك في المدرسة ما دام ~~المصير هو عمل ملقن في الفرقة؟ # أما أمي، فقد عانقتني وهي تنشج بالبكاء، وقالت لي: ربنا يسعدك، ~~ويكفيك شر الناس، اذهب مصحوبا بالسلامة، ولا تنس زيارتنا. # ولكن العودة إلى الجحيم لم تخطر لي ببال، تطلعت إلى حياة جديدة، وإلى ~~هواء نقي، وتمنيت أن أنسى البؤرة التي انصهرت فيها معانيا آلام ~~العذاب والغم. ووجدت تحية في انتظاري، كما وجدت الحب ينتظر أيضا، ~~وعرفت السعادة عندما تترجم إلى امتزاج بين اثنين متوافقين، فتضفي ~~سحرها على الحديث والصمت، الجد واللهو، الطعام والعمل. وكانت تكمل ~~بمدخرها ما يقصر عنه مرتبي، وحظيت باستقرار نفسي عوضني عما بدده ~~القلق والتشتت والحزن والغضب الكظيم. وكنت أرجع إلى البيت حوالي ~~الثانية صباحا، أستيقظ حوالي العاشرة، ويتسع الوقت بعد ذلك للحب ~~والقراءة والكتابة أيضا. وكان كلانا يعقد أمله بالنجاح المأمول في ~~تأليفي المسرحي، وفي سبيل ذلك رضينا بالبساطة في العيش، بل بالتقشف ~~أيضا، وضاعف الاجتهاد والصبر والأمل من سعادتنا المشتركة. وأثبتت تحية ~~بجدارة قوة إرادتها، فلم تذق قطرة من خمر على تعلقها القديم بها، ~~بل امتنعت أيضا عن عادة التدخين توفيرا لثمنه، واعترفت لي بأن قدمها ~~كادت تنزلق إلى إدمان الأفيون، لولا أن تعاطيها له صحب بأعراض صحية ~~سيئة، كالقيء الشديد، فكرهته من أول الأمر. ولاحظت مهارتها كست بيت، ~~حتى قلت لها مرة: بيتك نظيف دائما ومنظم، طعامك ممتاز، معاملتك ~~مهذبة، ما كان يجوز. # وانقطعت عن تكملة الجملة، فقالت: مات أبي فتزوجت أمي من محضر، لقيت ~~منها الإهمال، ومنه سوء المعاملة، حتى اضطررت إلى الهرب. # لم تزد، ولم أسأل عن مزيد، تخيلت على رغمي ما ms62 حدث حتى عملت ممثلة ~~ثانوية عند سرحان الهلالي. # على رغمي أيضا، تذكرت أمي وعملها في المسرح نفسه، وتحت رحمة سرحان ~~الهلالي. أضمرت حربا لا هوادة فيها على كافة ألوان العبودية التي ~~يتعرض لها الناس، لكن هل يكفي المسرح ميدانا لهذه الحرب؟ ... وهل تغني ~~فكرة البيت القديم، الذي تدهور فصار ماخورا؟! ~~••• # حافظت تحية على رقتها وعذوبتها بصورة مباركة، لم تعرف علاقة أمي ~~وأبي ذلك حتى في أيام طفولتي السعيدة؛ إنها - تحية - ملاك حقا، وآي ~~ذلك تصميمها الناجح على محق عاداتها السيئة التي شابتها في عهد ~~الأحزان، وهي تحبني بصدق، وقد تجلى ذلك في حرصها على الإنجاب، ولم أكن ~~أرحب به، وكنت أخافه على مواردنا المحدودة، وعلى حياتي الفنية ~~المفضلة عندي على كل شيء في الحياة، حتى الحب نفسه. غير أني كرهت أن ~~أحول بينها وبين أمنيتها الأثيرة، وأبت أخلاقياتي الإذعان للأنانية. ~~وكان الغلاء يتصاعد غير مكترث بتقشفنا وآمالنا، فحملنا على التفكير في ~~وسيلة جديدة لمجابهته. وفي تلك الأثناء تحققت أمنيتها في الحمل، ~~فركبني هم جديد، وكان علي أن أستعد للمستقبل القريب والبعيد معا، ~~ثم أقنعني الحال بأنه لا مفر من الاستعانة بعمل إضافي إن ~~أمكن. # وكنت قد تعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة، محاكاة لما سمعته عن ~~استعمال الكتاب الأمريكيين والأوربيين لها بدلا من القلم. وكنت ~~أمر أمام «مكتب فيصل» للآلة الكاتبة في طريقي إلى المسرح، فعرضت نفسي ~~على صاحبه، وسرعان ما قبلني بعد اختبار أجراه بنفسه. قبلت العمل من ~~الثامنة صباحا حتى الثانية بعد الظهر، وقدر أجري بالقطعة، وقد ~~استقبلت تحية الخبر بعواطف متضاربة. قالت: تنام في الثانية صباحا، ~~لتستيقظ في السابعة على الأكثر بدلا من العاشرة، تعمل من الثامنة إلى ~~الثانية، ترجع في الثالثة، ستنام ساعتين على الأكثر ما بين الرابعة ~~والسادسة، لا راحة، ولا وقت للقراءة أو للكتابة ...! # فقلت: ما الحيلة؟ ~~- أبوك غني! # فقلت باستياء: لا أقبل مليما ملوثا. # ورفضت الاستمرار في المناقشة. حقا إنها امرأة ممتازة، ولكنها ~~عملية فيما يتعلق بالحياة. وكانت في قرارة نفسها تفضل الاستعانة بأبي ms63 ~~على الانغماس الكلي في العمل الذي سلبني الوقت والفن والراحة. وقد ~~اعتذرت من عدم الذهاب إلى مكتب فيصل يومين لأتم مسرحية. قدمتها ~~لسرحان الهلالي. نظر إلي باسما، وتساءل: ما زلت مصرا؟ # وفي فترة الانتظار، نعمت بأحلام جميلة. أجل، أصبح الفن هو الأمل ~~الباقي للرغبة الملتهبة وللحياة الواقعية معا. وكنت شرعت في كتابة ~~المسرحية قبل أن تنبثق في نفسي فكرة البيت والماخور التي لم تتبلور ~~بعد، فأتممتها وأنا فرح بأخلاقيتها المثالية، غير أن سرحان الهلالي ~~ردها إلي وهو يقول: أمامك مشوار طويل. # فسألته بلهفة: ماذا ينقصها؟ # فقال بعجلة لا تشجع على الاسترسال: إنها حكاية، ولكن لا يوجد ~~مسرح! # يا له من عذاب يهون إلى جانبه أي عذاب حتى عذاب البيت القديم؛ ~~الفشل في الفن موت للحياة نفسها. هكذا خلقنا، والفن بالنسبة لي ليس ~~فنا فحسب، ولكنه البديل عن العمل الذي يطمح إليه المثالي العاجز. ~~ماذا فعلت لمقاومة الشر من حولي؟ وما العمل إذا عجزت أيضا عن الجهاد ~~في الميدان الوحيد المتاح، وهو المسرح؟! وتمر الأيام، وأنا غارق في ~~العمل كالآلة، أتعامل مع الحب خطفا، وقد انقطع ما بيني وبين حياتي ~~الروحية جميعا، فلا قراءة ولا كتابة، وغاضت من الحياة بهجتها، فلم ~~يبق منها إلا البثور في أديم الأرض، ومياه المجاري الراكدة، ~~والمواصلات البهيمية. # في أويقات الراحة على كثب من تحية، تتمثل لي الحياة جدولا غائضا ~~من السخرة والجفاف، نتبادل كلمات رقيقة في مناخ كئيب تلطفه أحلام ~~اليقظة. الدبيب النابض في بطنها يعزف على أوتار النجاح المرتقب، أحلم ~~أيضا بالنجاح، ولكن تشتعل أحلامي أحيانا بغضب متوحش، أحلم بنار ~~تلتهم البيت القديم ومن يفسقون فيه؛ هكذا يتجسد غضبي على العار ~~والشر، لكنه لا يمر دون خجل ومحاسبة للنفس. حقا لا توجد في قلبي ~~ذرة حب لأبي، ولكني أقف مع أمي موقف المشفق المتردد، وأعرب عن ~~آلامي من تلك الناحية، فتقول لي تحية: نادي قمار سري جريمة في نظر ~~القانون، ولكن الغلاء جريمة أيضا! # فأسألها: هل تقبلين أن يقع ذلك في بيتك. ~~- لا سمح ms64 الله، ولكني أود أن أقول إن من الناس من يجدون أنفسهم في ~~محنة، فيتصرفون كالغريق الذي لا يتورع عن فعل في سبيل ~~النجاة. # وقلت لنفسي إنني أتصرف كذلك الغريق، وإن لم أرتكب جريمة في حق ~~القانون؛ لقد ملأت وقتي بالعمل التافه في سبيل اللقمة، حتى جف عود ~~الحياة الأخضر؛ أليس ذلك جريمة أيضا؟ # وتمر الأيام، ويشتد العذاب، فتتحرر الأحلام السرية بقوة شيطانية. ~~وأنا جالس إلى الآلة الكاتبة، أشعر بحنين جارف إلى الحرية ... إلى ~~الإنسانية المفقودة ... إلى الفن الضائع؛ كيف يحطم الأسير أغلاله؟ ~~أتخيل دنيا مباركة، بلا إثم، بلا أسر، بلا التزامات اجتماعية، دنيا ~~تنبض بالخلق والإبداع والفكر وحدها، دنيا تحظى بالوحدة المقدسة، فلا ~~أب ولا أم ولا زوجة ولا ذرية، دنيا يمضي فيها الإنسان خفيفا، غائصا ~~في الفن وحده. آه ... أي أحلام؟ أي شيطان يكمن في القلب الذي نذر نفسه ~~للخير؟ فليتجل الندم في صورة ملاك باك، ولأنزو خجلا أمام ~~المرأة النفاثة للحب والصبر. ليحفظ الله زوجتي، وليتب على والدي. ~~وتسألني: فيم تفكر؟ ... إنك لا تكاد تسمعني. # فألمس راحتها بلطف، وأجيب: أفكر في القادم الجديد، وما نعده ~~له. ~~••• # وأنا أهم بالجلوس أمام طاولة عم أحمد برجل ذات يوم، قرأت في وجهه ~~عبوسا ينذر بالسوء: خير يا عم أحمد؟ ~~- يبدو أنك لم تعلم بعد! ~~- إني قادم لتوي؛ ماذا هناك؟ # فقال بحزن بالغ: أمس، عند الفجر، كبست الشرطة البيت ...! ~~- أبي؟ # أحنى رأسه. ~~- وماذا حدث؟ ~~- ما يحدث في هذه الأحوال، أفرج عن اللاعبين، وألقي القبض على ~~والديك. # انهرت تماما، وغصت في هم خانق. نسيت عواطفي القديمة، نسيت غضبي ~~الثابت، وعز علي جدا ذلك المصير المؤسف لأمي وأبي، عز علي ~~لدرجة البكاء. وسرعان ما استدعاني سرحان الهلالي، وقال لي: سأوكل عنهما ~~محاميا ممتازا ... لقد صودرت النقود ... عثر على كمية غير صغيرة من ~~المخدرات ... يوجد أمل. # قلت بصوت ذليل: أريد أن أقابلهما فورا. ~~- سيحصل دون شك، ولكن لا مفر من أداء واجبك الليلة ... هذه هي طبيعة ~~المسرح ... الموت نفسه ... أعني موت أي شخص عزيز لا ms65 يمنع الممثل من أداء ~~دوره، ولو كان هزليا. # غادرت حجرته مغلوبا على أمري، وتذكرت أحلامي المرعبة، فتضاعف ~~ألمي. ~~••• # قبيل المحاكمة، ولد طاهر، ولد في جو كئيب مكلل بالحزن ~~والعار حتى تحية كانت تداري فرحتها أمامي، ودخل جداه السجن وهو في ~~شهره الأول، وكان عليلا يثير القلق، ولكني هربت إلى العمل ~~المتواصل، أغرق فيه همي وشعوري بالذنب. وقدر لي أن يعترض سبيلي ما ~~ينسيني أحزاني الراهنة دفعة واحدة؛ إذ توعكت صحة تحية، وشخصنا المرض ~~باجتهادنا الشخصي باعتباره إنفلونزا، وكان طاهر في شهره السادس، ولما ~~مر أسبوع دون تحسن، أحضرت طبيب الحي، وقد قال لي ونحن على انفراد: ~~يلزمنا تحليل؛ فإني أشك في تيفود. # وعلى سبيل الاحتياط، وصف لنا الدواء، وسألني: أليس الأفضل أن تنقل ~~إلى مستشفى الحميات؟ # فرفضت الفكرة عاقدا العزم على السهر عليها بنفسي. اضطررت لذلك ~~الانقطاع عن مكتب فيصل، وتعويضا عما فقدت، ولمواجهة المصروفات ~~الجديدة، بعت الفريجدير. جعلت من نفسي ممرضا لتحية، ومرضعا لطاهر ~~باللبن المحفوظ، تفرغت للخدمة بكل إخلاص. عزلت طاهر في الحجرة ~~الأخرى. مضت صحتها تتحسن بخلاف الطفل، بذلت جهدي مدفوعا بالحب ~~والامتنان نحو المرأة التي لم ألق منها إلا ما هو عذب وخير. وفي نهاية ~~ثلاثة أسابيع، وجدت تحية القوة، فغادرت الفراش لتجلس على مقعد مريح في ~~مجرى الشمس. وكانت قد فقدت رواءها وحيويتها، ولكنها دأبت على السؤال ~~عن الطفل. وجدت نسمة من راحة، رغم تعاسة طاهر؛ لا يلقى أي عناية طيلة ~~مدة عملي في المسرح، ما بين الثامنة مساء حتى الثانية صباحا. أملت ~~أن تنهض تحية لحمل العبء عني، ولكن حالتها ساءت فجأة، حتى استدعيت ~~الطبيب؛ وقال الرجل: ما كان يجب أن تغادر الفراش ... إنها نكسة ... تحدث ~~كثيرا بلا عواقب سيئة. # رجعت إلى التمريض بحزن مضاعف، وتصميم مضاعف، وعلمت أم هاني ~~بحالي، فتطوعت للبقاء مع تحية مدة غيابي. وتردد الطبيب علينا أكثر من ~~مرة، غير أن قلبي انقبض، واستشعر هما قادما. # تساءلت: هل تخلو دنياي من تحية؟ ... هل تحتمل دنياي بلا تحية؟ ~~تمزقت بينها وبين ms66 الطفل المتدهور ، قلقت جدا من تسرب النقود من ~~يدي، فماذا هناك لأبيعه أيضا؟ وجعلت أطيل النظر إلى وجهها الشاحب ~~الذابل وكأنما أودعه، وأتذكر عشرتها الجميلة، فتظلم الدنيا في ~~عيني. # وتلقيت النذير الأخير وأنا واقف خارج المسكن؛ كنت عائدا من المسرح، ~~ضغطت على الجرس، سبق إلي صوت أم هاني وهي تجهش في البكاء. لقد ~~أغمضت عيني متلقيا القضاء، فاتحا صدري بأريحية الكرماء للحزن ~~البهيم. ~~••• # عقب أسبوع من وفاة تحية لحق بها طاهر؛ كان ذلك متوقعا، والطبيب ~~تنبأ به ولم يخفه علي. لم تجد الأبوة فرصة طيبة لترسخ في قلبي، ~~وكان بقاؤه المعذب مصدر ألم دائم لي. لم أذكر من تلك الأيام إلا بكاء ~~طارق رمضان. لقد تماسكت أمام الناس بعد أن نفدت دموعي في وحدتي، وإذا ~~بصوت طارق ينفجر في ضجة لفتت إليه أنظار زملائنا في المسرح. تساءلت عن ~~معنى ذلك؟ أكان يحبها ذلك الحيوان الذي نقل تقاليد عشقه المحفوظة ~~إلى بيت أم هاني؟ ... تساءلت عن معنى بكائه لا كأرمل فحسب، ولكن كمؤلف ~~درامي أيضا؛ إذ إن غيبوبة الحزن لم تنسني تطلعاتي الكامنة ~~...! ~~••• # ها هي الوحدة؛ بيت خال، ولكنه مكتظ بالذكريات والأشباح، قلب مترع ~~بالحزن والإثم. طالعني الواقع بوجه صخري يناجيني بصوت خفي، أن قد ~~تحقق كل ما حلمت به. أريد أن أنسى الحلم ولو بمضاعفة الحزن، غير ~~أن الحزن عندما يغوص حتى يرتطم بالقاع، ترتد منه إشعاعات غريبة ثملة ~~براحة خفيفة. آه ... لعل طارق ضحك ضحكة عميقة خفية واجهت المعزين ~~بإجهاشة الدمع. ها هي الوحدة، ومعها الحزن والصبر والتحدي، أمامي ~~تجربة للتقشف والكبرياء، والانغماس في الفن حتى الموت. شرعت في ~~التخطيط لمسرحية «البيت القديم - الماخور»، حضرتني فجأة ذكرى تحية ~~قوية يانعة بثقل الكائنات الحية. عند ذاك انبثقت فكرة جديدة؛ ليكن ~~البيت القديم هو المكان، ليكن الماخور هو المصير، ليكن الناس هم الناس، ~~ولكن الجوهر سيكون الحلم لا الواقع؛ أيهما الأقوى؟ هو الحلم بلا شك! ~~الواقع أن الشرطة كبست البيت، والمرض قتل تحية وابنها، ولكن ثمة ~~قاتلا آخر هو الحلم؛ الحلم ms67 الذي أبلغ الشرطة، هو الذي قتل تحية، هو ~~الذي قتل الطفل. البطل الحقيقي للمسرحية هو الحلم، هو الذي توفرت فيه ~~الشروط الدرامية. بذلك أعترف، وبذلك أكفر، بذلك أكتب مسرحية حقيقة ~~لأول مرة، أتحدى سرحان الهلالي أن يرفضها. سيعتقد هو وغيره أنني ~~أعترف بالواقع السطحي لا الحلم الجوهري، ولكن كل شيء يهون في سبيل ~~الفن، في سبيل التطهير، في سبيل الصراع الواجب على شخص ولد ونشأ في ~~الإثم، وصمم بقوة على الثورة! # وانفعلت بحمى الخلق. ~~••• # ها أنا أذهب إلى سرحان الهلالي في الميعاد المضروب، مضى الشهر الذي ~~حدده لقراءة المسرحية. قلبي يخفق بشدة؛ الرفض هذه المرة خطير، وقد ~~يجرف الصبر. لكنني تلقيت من عينيه بسمة غامضة هزت فؤادي المثقل ~~بالحزن، جلست تلبية لإشارته مستزيدا من التفاؤل، جاءني صوته الجهوري ~~قائلا: أخيرا خلقت مسرحية حقيقية. # وحدجني بنظرة متسائلة، كأنما يقول: من أين لك هذا؟ فتبخرت في تلك ~~اللحظة - ولو إلى حين - همومي جميعا، وشعرت بحرارة التورد في وجهي. ~~قال: رائعة، مرعبة، ناجحة؛ لماذا سميتها «أفراح القبة»؟ # فأجبته بحيرة: لا أدري! # فقال ضاحكا في تعال: مكر المؤلفين لا يجوز علي، لعلك تشير ~~إلى الأفراح التي تبارك الصراع الأخلاقي رغم انتشار الحشرات، أو لعله ~~من أسماء الأضواء، كما نسمي الجارية السوداء صباح أو نور! # ابتسمت قانعا بسكرة الرضا، فقال: سأعطيك ثلاثمائة جنيه، ربما كان ~~الكرم فضيلتي الوحيدة، وهو أكبر مكافأة لأول مسرحية. # ليت العمر امتد بك حتى تشاركيني فرحتي! وتفكر قليلا، ثم ~~تساءل: لعلك تتوقع أسئلة محرجة؟ ~~- إنها مسرحية، ولا يجوز إلقاء نظرة خارج نطاقها. ~~- جواب حسن؛ أنا لا يهمني إلا المسرحية ... ولكنها ستثير عاصفة من سوء ~~الظن بين معارفنا. # فقلت بهدوء: لا يهمني ذلك. ~~- برافو ... ماذا عندك أيضا؟ ~~- أرجو أن أشرع في كتابة مسرحية جديدة. ~~- برافو ... حل موسم الأمطار ... وإني في انتظارك، سأفاجئ بها الفرقة ~~في الخريف القادم. ~~••• # في سكني الصغير، تغشاني الكآبة كثيرا؛ تمنيت أن أجد سكنا آخر، ~~ولكن أين؟ بدلت الحجرتين كلا مكان الأخرى، بعت الفراش، واشتريت آخر ~~جديدا. تغلغلت تحية ms68 في حياتي أكثر مما تصورت. لم يبدأ حزني شديدا ~~ثم يخف، ولكنه بدأ خفيفا نسبيا ربما بسبب الذهول، ومضى يشتد، حتى ~~وضعت أملي في النسيان بيد الزمن. سيتصور كثيرون أنني قتلتها، ~~ولكنها تعرف الآن الحقيقة كلها. وقبيل الخريف، غادر والدي السجن، ~~واحتراما للواجب الذي أرفعه فوق العواطف استقبلتهما بالبر والرحمة. ~~رأيتهما شبه محطمين، فازددت حزنا. اقترحت على سرحان الهلالي قبول ~~عودتهما إلى عملهما السابق في المسرح، فأوفر لهما العمل وأعفي نفسي ~~منه؛ لأتفرغ للفن، فوافق الرجل، ولكنهما رفضا ذلك بشدة دلت على نفورهما ~~من المسرح وأهله. باستثناء عم أحمد برجل وأم هاني، لم يكلف أحد نفسه ~~بزيارتهما. ارتحت أنا لذلك؛ لأنه جاء مطابقا لما سجلته في المسرحية. ~~ظل أبي غريبا رغم توبته الإجبارية عن الأفيون، لا رابطة في الواقع ~~بيننا، والحق أنني لم أفهمه، ولا أدعي فهما له أطمئن إليه، وقد شاءت ~~المسرحية أن أصوره كضحية للفقر والمخدر؛ ترى ماذا يقول عن دوره؟ هل ~~أستطيع أن أواجهه بعد العرض؟! أما أمي، فما زالت متعلقة بي، وتود ~~أن تشاركني حياتي، ولكنني أود أن أظل خفيفا، وأحلم بأن أعثر على ~~مسكن جديد ولو حجرة واحدة. إن لم أشعر نحوها بحب، فإنني لا أضمر ~~لها كرها، وسوف تذهل حين ترى دورها على المسرح، فتعرف أنني عرفت ~~جميع ما حاولت إخفاءه عني؛ هل أستطيع بعد ذلك أن ألاقيها في نظرة؟ ~~كلا، سأتركهما ولكن في أمان. فكرة المقلى فكرة طيبة، وصاحب الفضل فيها ~~هو أحمد برجل. أملي أن يجدوا حياتهما، وأن تدركهما توبة صادقة. ~~••• # وجدتني وجها لوجه مع طارق رمضان، في المسرح كنا نتبادل التحيات ~~الضرورية العابرة، ولكنه هذه المرة يقتحم علي خلوتي بوقاحته ~~المعهودة؛ إنه من القلة التي لا تعرف الارتباك ولا الحرج. طالما عاتبت ~~أم هاني على معاشرتها له. قال كاذبا بغير ما شك: جئت لأهنئك على ~~المسرحية. # بل جئت للاستجواب الحقير، ولكنني جاريته فشكرته. وبمكر أطلعني على ~~رأي المخرج قائلا: إن البطل قذر جدا، وبغيض جدا، ولن يتعاطف ~~الجمهور معه. # تجاهلت الحكم ms69 تماما؛ ليس البطل كذلك لا في الواقع ولا في المسرحية، ~~ولكنه يهاجمني بلا زيادة ولا نقصان. جعلت أنظر إليه باستهانة، حتى ~~تساءل: ألم تقدر أن حوادث المسرحية ستلاحقك بأسوأ الظنون؟ # فأجبته ببرود: لا يهمني ذلك. # فإذا به يقول بانفعال واضح: يا لك من قاتل محترف! # فقلت باستهانة: ها أنت تعود إلى الماضي، وهو بالنسبة إلي تجربة حب، ~~أما بالنسبة لك فما هو إلا محنة حقد. ~~- أتستطيع أن تدافع عن نفسك؟ ~~- لست متهما. ~~- ستجد نفسك في النيابة قريبا. ~~- إنك أحمق وحقير! # فقام وهو يقول ساخرا: إنها على أي حال تستحق القتل. # ثم مضى قائلا: ولكنك تستحق الشنق أيضا. # رمتني الزيارة البغيضة في دوامة، أقنعتني بوجوب الاختفاء عن أعين ~~الأغبياء، ولكن هل أستحق الشنق حقا؟ كلا ... حتى لو حوسبت على ~~النوايا الخفية! ما كانت أحلامي إلا رمزا للتخلص من متاعب راهنة، لا ~~من الحب أو المحبوب، وهي تثار بانفعال اللحظة العابرة، لا بالعاطفة ~~المستقرة، وعلى أي حال، لم يعد لي بقاء في مجال الشياطين. ~~••• # دلني سمسار على حجرة في بنسيون الكوت دازور بحلوان. وجدتني في ~~وحدة جديدة أنا والكتب والخيال، لزمت الحجرة أكثر الوقت، وخصصت الليل ~~وقتا لرياضة المشي. استقلت من عملي، ولم يبق لي إلا الفن وحده. قلت ~~لنفسي إن علي أن أركز على فكرة من بين عشرات الفكر السابحة في خيالي. ~~عند الاختبار، تبين لي أنني لا أملك فكرة واحدة. ما هذا؟ إني لا ~~أعيش في وحدة، ولكن في فراغ. وعاودتني أحزاني على تحية بصورة قاهرة ~~ونافذة وعميقة، حتى صورة طاهر تجسدت لي في هزالها وبراءتها وهي تصارع ~~المجهول. وكنت أهرب من كآبتي إلى الفن فلا ألقى إلا الفراغ، والخمود ~~أيضا. أجل؛ لقد انطفأت الشعلة تماما، وانسحقت الرغبة في الخلق، وحل ~~محلها فتور أبدي وتقزز من الوجود. # في تلك الأثناء، قرأت الكثير عن نجاح المسرحية المذهل، واطلعت على ~~عشرات التحيات الموجهة لموهبة المؤلف، وتنبؤات عما سيجود به ~~للمسرح. سخريات تتتابع معذبة لي، وأنا أتقلب في جحيم القحط، أتقلب في ~~جحيم ms70 القحط والأحزان ، ونقودي تتناقص يوما بعد يوم. قلت أخاطب الكآبة ~~المحدقة بي: ما توقعت ذلك قط. # أين موسم المطر الذي تغنى به سرحان الهلالي؟ لا توجد أفكار؛ إذا ~~وجدت فكرة تمخضت عن لا شيء، إذا تطلبت فكرة تأملا، كتم أنفاسها ~~الجفاف والخمود. إنه الموت، الموت كما يتبدى لحي؛ إني أرى الموت، ~~وألمسه، وأشمه، وأعاشره. # وعندما نفدت النقود، ذهبت للقاء سرحان الهلالي في بيته؛ لم يضن ~~علي بمائة جنيه خارج العقد. انخرطت في سباق مميت، ولكن الجفاف استفحل ~~حتى صرت جسدا بلا روح، وتسلل إلي صوت الفناء الساخر، ينذرني ~~بأنني قد انتهيت. لقد عبث بي ما شاء له العبث، ثم غادرني مكشرا عن ~~أنياب القسوة والإعدام. ونفدت النقود مرة أخرى، فهرعت إلى سرحان ~~الهلالي، ولكنه لاقاني بحزم مؤدب، معربا عن استعداده لمنحي هبة ~~جديدة، تحت شرط أن أطلعه على أي جزء من المسرحية الجديدة. عدت هذه ~~المرة إلى الوحدة والحزن والجفاف، بالإضافة إلى الإفلاس أيضا. خطر لي ~~أن ألجأ إلى باب الشعرية، ولكن سدا اعترض الخاطر، مؤكدا لي أنني ~~يتيم، وبلا بيت أو حي. عند ذاك قلت لنفسي: لم تبق إلا النهاية التي ~~رسمتها للبطل! # اهتديت أخيرا إلى مخرج، رمقت الأعباء والهموم بشماتة وازدراء، ~~حررت رسالة المنتحر محتفظا بالسر لنفسي، مضيت إلى الحديقة ~~اليابانية قبيل العصر. لم أنتبه إلى ما حولي، لم أر إلا خواطري ~~المتلاطمة في حمرتها القانية. جلست على أريكة. بأي وسيلة، وفي أي وقت؟ ~~ثقل رأسي في مهب الهواء الجاف، ولم أكن نمت الليلة الماضية إلا ساعة ~~واحدة، ثقل رأسي، وغلبني الإرهاق، وخفت النور بسرعة مذهلة. لما فتحت ~~عيني، تبدت العتمة في هبوطها الوئيد؛ لعلي نمت ساعة أو أكثر. قمت في ~~خفة غير متوقعة، وجدتني في حال جديد من النشاط، تخلص رأسي من ~~الحرارة، وقلبي من الثقل؛ ما أعجب ذلك! انقشعت الكآبة، وتلاشى التشاؤم؛ ~~إني الآن إنسان آخر. متى ولد؟ كيف ولد؟ لماذا ولد؟ تساءلت أيضا عما ~~حدث في إغفاءة ساعة؛ لم تكن ساعة فقط على وجه اليقين، ms71 لقد نمت عصرا ~~كاملا، واستيقظت في عصر جديد! لا شك قد حدثت في أثناء النوم أمور ذات ~~شأن، ولولا فرحة الشفاء المباغت لاحتفظ الوعي منها بقبس. ألهتني ~~الفرحة عن التشبث بالذكريات، فتلاشت أشياء لا تقدر بثمن، لكنني قمت ~~برحلة طويلة وناجحة، وإلا فمن أين وكيف جاء البعث؟ وهو بعث غير معقول ~~ولا مبرر، ولكنه حقيقة محسوسة ماثلة، يمكن أن ترى ويمكن أن تلمس، ~~بالرغم من الفراغ والإفلاس، بالرغم من عناد الأشياء وتحدياتها، بالرغم ~~من الخسران والأحزان! وإذن، فلأستمسك بالنشوة كتعويذة سحر، ولتكن قوتها ~~في سرها الغامض؛ ها هي الحيوية تدب ناشرة شذاها الظافر. وفي الحال، ~~مضيت نحو المحطة، وهي هدف غير قريب، ومع تتابع الخطوات، تدفقت ~~الحيوية خلابة واعدة، كما تبشر السحابة الثرية بالمطر. ما هو إلا ~~وعد وشعور وطرب، عدا ذلك فإنني مفلس ومطارد وذو حزن. وعندما تراميت ~~بعيدا تذكرت الرسالة، ولكن أدركت أيضا أن قد فات أوان استردادها. ~~قلت لنفسي لا يهم، وما يهم في هذه اللحظة إلا الإمعان في السير؟ ليكن ~~من شأنها ما يكون، ولتكن العاقبة ما تكون! ذروة النشوة تتألق على جسد ~~عراه الإفلاس والجفاف، ولكن تنطلق إرادته بالبهجة المتحدية. ms72