######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.AwladHaratna.Hindawi94868139 #META# Tags: novels #META# ID: 94868139 #META# Title: أولاد حارتنا #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # افتتاحية‏ # أدهم‏ # جبل‏ # رفاعة‏ # قاسم‏ # عرفة‏ # افتتاحية‏ # أدهم‏ # جبل‏ # رفاعة‏ # قاسم‏ # عرفة‏ # | أولاد حارتنا # | أولاد حارتنا # تأليف # نجيب محفوظ # | افتتاحية # هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها ~~إلا طوره الأخير الذي عاصرته، ولكني سجلتها جميعا كما يرويها الرواة، ~~وما أكثرهم! جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كل كما ~~يسمعها في قهوة حيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال، ولا سند لي ~~فيما كتبت إلا هذه المصادر. وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد ~~الحكايات! كلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم أو سوء معاملة؛ أشار إلى ~~البيت الكبير على رأس الحارة من ناحيتها المتصلة بالصحراء، وقال في ~~حسرة: «هذا بيت جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا ~~نجوع؟ وكيف نضام؟!» ثم يأخذ في قص القصص والاستشهاد بسير أدهم وجبل ~~ورفاعة وقاسم من أولاد حارتنا الأمجاد. وجدنا هذا لغز من الألغاز؛ ~~عمر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور، حتى ضرب المثل بطول عمره، واعتزل ~~في بيته لكبره منذ عهد بعيد، فلم يره منذ اعتزاله أحد. وقصة اعتزاله ~~وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في ~~إنشائها. على أي حال، كان يدعي الجبلاوي وباسمه سميت حارتنا. وهو صاحب ~~أوقافها وكل قائم فوق أرضها والأحكار المحيطة بها في الخلاء. سمعت مرة ~~رجلا يتحدث عنه فيقول: «هو أصل حارتنا، وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، ~~عاش فيها وحده وهي خلاء خراب، ثم امتلكها بقوة ساعده وبمنزلته عند ~~الوالي. كان رجلا لا يجود الزمان بمثله، وفتوة تهاب الوحوش ذكره.» ~~وسمعت آخر يقول عنه: «كان فتوة حقا، ولكنه لم يكن كالفتوات الآخرين، ~~فلم يفرض على أحد إتاوة، ولم يستكبر في الأرض، وكان بالضعفاء رحيما.» ~~ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره ومكانته، وهكذا ~~حال الدنيا. وكنت وما زلت أجد الحديث عنه شائقا لا يمل. وكم دفعني ~~ذاك إلى الطواف ببيته الكبير لعلي أفوز بنظرة منه ولكن من دون جدوى. ~~وكم وقفت أمام بابه ms001 الضخم أرنو إلى التمساح المحنط المركب أعلاه! ~~وكم جلست في صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير، فلا أرى إلا رءوس ~~أشجار التوت والجميز والنخيل تكتنف البيت، ونوافذ مغلقة لا تنم على أي ~~أثر لحياة. أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه ~~أو يرانا؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن ~~نعيش نحن في التراب؟! وإذا تساءلت عما صار به وبنا إلى هذا الحال سمعت ~~من فورك القصص، وترددت على أذنيك أسماء أدهم وجبل ورفاعة وقاسم، ولن ~~تظفر بما يبل الصدر أو يريح العقل. # قلت إن أحدا لم يره منذ اعتزاله. ولم يكن هذا بذي بال عند أكثر ~~الناس، فلم يهتموا منذ بادئ الأمر إلا بأوقافه وبشروطه العشرة التي كثر ~~القيل والقال عنها، ومن هنا ولد النزاع في حارتنا منذ ولدت، ومضى ~~خطره يستفحل بتعاقب الأجيال حتى اليوم، والغد. ولذلك فليس أدعى إلى ~~السخرية المريرة من الإشارة إلى صلة القربى التي تجمع بين أبناء ~~حارتنا. كنا وما زلنا أسرة واحدة لم يدخلها غريب، وكل فرد في حارتنا ~~يعرف سكانها جميعا نساء ورجالا. ومع ذلك فلم تعرف حارة حدة الخصام ~~كما عرفناها، ولا فرق بين أبنائها النزاع كما فرق بيننا، ونظير كل ~~ساع إلى الخير تجد عشرة فتوات يلوحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال؛ ~~حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالإتاوة، والأمن بالخضوع والمهانة، ~~ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة في القول أو في الفعل بل الخاطرة ~~تخطر فيشي بها الوجه. # وأعجب شيء أن الناس في الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغاري ~~والدراسة والحسينية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء، ~~فيقولون: حارة منيعة، وأوقاف تدر الخيرات، وفتوات لا يغلبون. كل ~~هذا حق، ولكنهم لا يعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين، نعيش في ~~القاذورات بين الذباب والقمل، نقنع بالفتات، ونسعى بأجساد شبه عارية. ~~وهؤلاء الفتوات يرونهم وهم يتبخترون فوق صدورنا، فيأخذهم الإعجاب، ~~ولكنهم ينسون أنهم إنما يتبخترون فوق صدورنا، ولا عزاء لنا إلا ms002 أن ~~نتطلع إلى البيت الكبير ونقول في حزن وحسرة: «هنا يقيم الجبلاوي، صاحب ~~الأوقاف، هو الجد ونحن الأحفاد.» # شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا، وعاصرت الأحداث التي دفع بها إلى ~~الوجود «عرفة» ابن حارتنا البار. وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل في ~~تسجيل حكايات حارتنا على يدي، إذ قال لي يوما: «إنك من القلة التي ~~تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا؟ إنها تروى بغير نظام، ~~وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة في وحدة ~~متكاملة ليحسن الانتفاع بها، وسوف أمدك بما لا تعلم من الأخبار ~~والأسرار.» ونشطت إلى تنفيذ الفكرة، اقتناعا بوجاهتها من ناحية، ~~وحبا فيمن اقترحها من ناحية أخرى. # وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة في حارتنا على رغم ما جره ذلك ~~علي من تحقير وسخرية. وكانت مهمتي أن أكتب العرائض والشكاوى ~~للمظلومين وأصحاب الحاجات. وعلى كثرة المتظلمين الذين يقصدونني فإن ~~عملي لم يستطع أن يرفعني عن المستوى العام للمتسولين في حارتنا، إلى ما ~~أطلعني عليه من أسرار الناس وأحزانهم حتى ضيق صدري وأشجن قلبي. ولكن ~~مهلا، فإنني لا أكتب عن نفسي ولا عن متاعبي، وما أهون متاعبي إذا قيست ~~بمتاعب حارتنا! حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة. كيف وجدت؟ وماذا ~~كان من أمرها؟ ومن هم أولاد حارتنا؟ # | أدهم # 1 # كان مكان حارتنا خلاء؛ فهو امتداد لصحراء المقطم الذي يربض في ~~الأفق. ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذي شيده ~~الجبلاوي كأنما ليتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطريق. كان سوره ~~الكبير العالي يتحلق مساحة واسعة، نصفها الغربي حديقة، والشرقي ~~مسكن مكون من أدوار ثلاثة. # ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتاني المتصل ~~بسلاملك الحديقة؛ وجاء الأبناء جميعا، إدريس وعباس ورضوان وجليل ~~وأدهم، في جلابيبهم الحريرية، فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لا ~~يكادون ينظرون نحوه إلا خلسة. وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد ~~من حوله، وراح يتفحصهم هنيهة بعينيه النافذتين كعيني الصقر، ثم ~~قام متجها نحو باب السلاملك. ووقف وسط الباب الكبير ينظر إلى ms003 ~~الحديقة المترامية التي تزحمها أشجار التوت والجميز والنخيل، ~~وتعترش في جنباتها الحناء والياسمين، وتثب فوق غصونها مزقزقة ~~العصافير. ضجت الحديقة بالحياة والغناء، على حين ساد الصمت بالبهو. ~~وخيل إلى الإخوة أن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطوله وعرضه ~~خلقا فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط. وتبادلوا نظرات ~~متسائلة. إن هذا شأنه إذا قرر أمرا ذا خطر، وما يقلقهم إلا أنه ~~جبار في البيت كما هو جبار في الخلاء وإنهم حياله لا شيء. التفت ~~الرجل نحوهم دون أن يبرح مكانه، وقال بصوت خشن عميق تردد بقوة في ~~أنحاء البهو الذي توارت جدرانه العالية وراء ستائر وطنافس: أرى من ~~المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف ... # وتفحص وجوههم مرة أخرى، ولكن لم تنم وجوههم عن شيء. لم تكن ~~إدارة الوقف مما يغري قوما استحبوا الفراغ والدعة وعربدة الشباب، ~~وفضلا عن هذا فإدريس الأخ الأكبر هو المرشح الطبيعي للمنصب، فلم ~~يعد أحد منهم يتساءل عما هنالك. وقال إدريس لنفسه: «يا له من عبء! ~~هذه الأحكار لا حصر لها، وهؤلاء المستأجرون المناكيد!» أما ~~الجبلاوي فاستطرد قائلا: وقد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليدير ~~الوقف تحت إشرافي. # عكست الوجوه وقع مفاجأة غير متوقعة، فتبودلت النظرات في ~~سرعة وانفعال، إلا أدهم فقد غض بصره حياء وارتباكا، وولاهم ~~الجبلاوي ظهره وهو يقول في عدم اكتراث: لهذا دعوتكم! # تفجر الغضب في باطن إدريس، فبدا كالثمل من شدة مقاومته، ونظر ~~إليه إخوته بحرج، ودارى كل منهم - عدا أدهم طبعا - غضبه لكرامته ~~باحتجاجه الصامت على تخطي إدريس، الذي كان تخطيا مضاعفا لهم. أما ~~إدريس فقال بصوت هادئ كأنما يخرج من جسم آخر: ولكن يا أبي ~~... # قاطعه الأب ببرود وهو يلتفت نحوهم: ولكن؟! # فغضوا الأبصار حذرا من أن يقرأ ما في نفوسهم، إلا إدريس فقد ~~قال بإصرار: ولكنني الأخ الأكبر ... # فقال الجبلاوي مستاء: أظن أنني أعلم ذلك، فأنا الذي ~~أنجبتك. # فقال إدريس وحرارة غضبه آخذة في الارتفاع: للأخ الأكبر حقوق لا ~~تهضم إلا لسبب! # فحدجه الرجل بنظرة طويلة كأنما يمنحه فرصة ms004 طيبة لتدبر أمره ~~وقال: أؤكد لكم أني راعيت في اختياري مصلحة الجميع. # تلقى إدريس اللطمة بصبر ينفد. إنه يعلم كم يضيق أبوه ~~بالمعارضة، وأن عليه أن يتوقع لطمات أشد إذا تمادى فيها، ولكن ~~الغضب لم يدع له فرصة لتدبر العواقب، فاندفع خطوات حتى كاد يلاصق ~~أدهم، وانتفخ كالديك المزهو ليعلن للأبصار فوارق الحجم واللون ~~والبهاء بينه وبين أخيه، وانطلق الكلام من فيه كما ينطلق نثار ~~الريق عند العطس بغير ضابط: إني وأشقائي أبناء هانم من خيرة ~~النساء، أما هذا فابن جارية سوداء! # شحب وجه أدهم الأسمر دون أن تند عنه حركة، على حين لوح ~~الجبلاوي بيده قائلا بنبرات الوعيد: تأدب يا إدريس! # ولكن إدريس كانت تعصف به عواصف الغضب المجنونة فهتف: وهو أصغرنا ~~أيضا، فدلني على سبب يرجحني به إلا أن يكون زماننا زمان الخدم ~~والعبيد! ~~- اقطع لسانك رحمة بنفسك يا جاهل! ~~- إن قطع رأسي أحب إلي من الهوان! # ورفع رضوان رأسه نحو أبيه وقال برقة باسمة: نحن جميعا ~~أبناؤك، ومن حقنا أن نحزن إذا افتقدنا رضاك عنا، والأمر لك على أي ~~حال .. وغاية مرامنا أن نعرف السبب. # وعدل الجبلاوي عن إدريس إلى رضوان، مروضا غضبه لغاية في نفسه، ~~فقال: أدهم على دراية بطباع المستأجرين، ويعرف أكثرهم بأسمائهم، ثم ~~إنه على علم بالكتابة والحساب. # وعجب إدريس من قول أبيه كما عجب إخوته. متى كانت معرفة الأوشاب ~~ميزة يفضل من أجلها إنسان؟! ودخول الكتاب، أهو ميزة أخرى؟! وهل ~~كانت أم أدهم تدفع به إلى الكتاب لولا يأسها من فلاحه في دنيا ~~الفتونة؟! وتساءل إدريس متهكما: أتكفي هذه الأسباب لتبرير ما يراد ~~بي من مذلة؟ # فأشار الجبلاوي نحوه بضجر وقال: هذه إرادتي، وما عليك إلا السمع ~~والطاعة! # والتفت الرجل التفاتة حادة صوب أشقاء إدريس وهو يسأل: ما ~~قولكم؟ # فلم يحتمل عباس نظرة أبيه، وقال وهو واجم: سمعا وطاعة. # وسرعان ما قال جليل وهو يغض طرفه: أمرك يا أبي. # وقال رضوان وهو يزدرد ريقه الجاف: على العين والرأس. # عند ذاك ضحك إدريس ضحكة ms005 غضب تقلصت لها أساريره حتى قبحت وجهه ~~وهتف: يا جبناء، ما توقعت منكم إلا الهزيمة المزرية. وبالجبن يتحكم ~~فيكم ابن الجارية السوداء! # فصاح الجبلاوي مقطبا عن عينين تتطاير منهما النذر: ~~إدريس! # ولكن الغضب كان قد اقتلع جذور عقله فصاح بدوره: ما أهون الأبوة ~~عليك! خلقت فتوة جبارا فلم تعرف إلا أن تكون فتوة جبارا، ونحن ~~أبناءك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين! # اقترب الجبلاوي خطوتين في بطء كالتوثب، وقال بصوت منخفض وقد ~~أنذرت أساريره المنقبضة بالشر: اقطع لسانك! # ولكن إدريس واصل صياحه قائلا: لن ترعبني. أنت تعلم أنني لا ~~أرتعب، وأنك إذا أردت أن ترفع ابن الجارية علي فلن أسمعك لحن ~~السمع والطاعة. ~~- ألا تدرك عاقبة التحدي يا ملعون؟ ~~- الملعون حقا ابن الجارية! # فعلت نبرات الرجل واخشوشنت وهو يقول: إنها زوجتي يا عربيد، ~~فتأدب وإلا سويت بك الأرض! # وفزع الإخوة وأولهم أدهم؛ لدرايتهم ببطش أبيهم الجبار، ولكن ~~إدريس كان قد بلغ من الغضب درجة لم يعد يدرك معها خطرا كأنه مجنون ~~يهاجم نارا مندلعة، فصاح: إنك تبغضني، لم أكن أعلم هذا، ولكنك ~~تبغضني دون ريب، لعل الجارية هي التي بغضتنا إليك، سيد الخلاء ~~وصاحب الأوقاف والفتوة الرهيب، ولكن جارية استطاعت أن تعبث بك، ~~وغدا يتحدث عنك الناس بكل عجيبة يا سيد الخلاء. ~~- قلت لك اقطع لسانك يا ملعون. ~~- لا تسبني من أجل أدهم، طوب الأرض يأبى ذلك ويلعنه، وقرارك ~~الغريب سيجعلنا أحدوثة الأحياء والحواري! # فصاح الجبلاوي بصوت صك الأسماع في الحديقة والحريم: اغرب ~~بعيدا عن وجهي! ~~- هذا بيتي، فيه أمي، وهي سيدته دون منازع. ~~- لن ترى فيه بعد اليوم، وإلى الأبد ... # واكفهر الوجه الكبير حتى حاكى لونه النيل في احتدام فيضانه، ~~وتحرك صاحبه كالبنيان، مكورا قبضة من صوان، وأيقن الجميع أن ~~إدريس قد انتهى، ما هو إلا مأساة جديدة من المآسي التي يشهدها هذا ~~البيت صامتا. كم من سيدة مصونة تحولت بكلمة إلى متسولة تعيسة! ~~وكم من رجل غادره بعد خدمة طويلة مترنحا يحمل على ظهره العاري ~~آثار سياط حملت أطرافها ms006 بالرصاص والدم يطفح من فيه وأنفه. والرعاية ~~التي تحوط الجميع عند الرضا لا تشفع لأحد وإن عز جانبه عند ~~الغضب. لهذا أيقن الجميع أن إدريس قد انتهى. حتى إدريس بكري الواقف ~~ومثيله في القوة والجمال قد انتهى. وتقدم الجبلاوي خطوتين أخريين ~~وهو يقول: لا أنت ابني ولا أنا أبوك، ولا هذا البيت بيتك، ولا أم ~~لك فيه ولا أخ ولا تابع، أمامك الأرض الواسعة فاذهب مصحوبا بغضبي ~~ولعنتي، وستعلمك الأيام حقيقة قدرك وأنت تهيم على وجهك محروما من ~~عطفي ورعايتي! # فضرب إدريس البساط الفارسي بقدمه وصاح: هذا بيتي، ولن ~~أغادره! # فانقض عليه الأب قبل أن يتقيه، وقبض على منكبه بقبضة ~~كالمعصرة، ودفعه أمامه والآخر يتراجع متقهقرا، فعبرا باب ~~السلاملك، وهبطا السلم وإدريس يتعثر، ثم اخترق به ممرا تكتنفه ~~شجيرات الورد والحناء مفروشا بالياسمين حتى البوابة الكبيرة فدفعه ~~خارجا وأغلق الباب. وصاح بصوت سمعه كل من يقيم في البيت: الهلاك ~~لمن يسمح له بالعودة أو يعينه عليها! # ورفع رأسه صوب نوافذ الحريم المغلقة وصاح مرة أخرى: وطالقة ~~ثلاثا من تجترئ على هذا! # 2 # منذ ذلك اليوم الكئيب وأدهم يذهب كل صباح إلى إدارة الوقف في ~~المنظرة الواقعة إلى يمين باب البيت الكبير. وعمل بهمة في تحصيل ~~أجور الأحكار وتوزيع أنصبة المستحقين وتقديم الحساب إلى أبيه. ~~وأبدى في معاملة المستأجرين لباقة وسياسة، فرضوا عنه على رغم ما ~~عرف عنهم من مشاكسة وفظاظة، وكانت شروط الواقف سرا لا يدري به ~~أحد سوى الأب، فبعث اختيار أدهم للإدارة الخوف أن يكون هذا مقدمة ~~لإيثاره في الوصية. والحق أنه لم يبد من الأب قبل ذلك اليوم ما ~~ينم عن التحيز في معاملته لأبنائه. وعاش الإخوة في وئام ~~وانسجام بفضل مهابة الأب وعدالته، حتى إدريس - على قوته وجماله ~~وإسرافه أحيانا في اللهو - لم يسئ قبل ذلك اليوم إلى أحد من ~~إخوته. كان شابا كريما حلو المعشر حائزا الود والإعجاب. ولعل ~~الأشقاء الأربعة كانوا يضمرون لأدهم شيئا من الإحساس بالفارق ~~بينهم وبينه، ولكن أحدا منهم لم يعلن ms007 هذا ولا اشتم منه في كلمة ~~أو إشارة أو سلوك. ولعل أدهم كان أشد إحساسا منهم بهذا الفارق، ~~ولعله قارن كثيرا بين لونهم المضيء ولونه الأسمر، بين قوتهم ~~ورقته، بين سمو أمهم ووضاعة أمه، ولعله عانى من ذلك أسى مكتوما ~~وألما دفينا، ولكن جو البيت المعبق بشذا الرياحين، الخاضع لقوة ~~الأب وحكمته، لم يسمح لشعور سيئ بالاستقرار في نفسه، فنشأ صافي ~~القلب والعقل. # وقال أدهم لأمه قبيل ذهابه إلى إدارة الوقف: باركيني يا أمي، ~~فما هذا العمل الذي عهد به إلي إلا امتحان شديد لي ~~ولك. # فقالت الأم بضراعة: ليكن التوفيق ظلك يا بني، أنت ولد طيب ~~والعقبى للطيبين. # ومضى أدهم إلى المنظرة ترمقه العيون من السلاملك والحديقة ومن ~~وراء النوافذ، وجلس على مقعد ناظر الوقف وبدأ عمله. وكان عمله أخطر ~~نشاط إنساني يزاول في تلك البقعة الصحراوية ما بين المقطم شرقا ~~والقاهرة القديمة غربا. واتخذ أدهم من الأمانة شعارا، وسجل كل ~~مليم في الدفتر لأول مرة في تاريخ الوقف. وكان يسلم إخوته ~~رواتبهم في أدب ينسيهم مرارة الحنق، ثم يقصد أباه بحصيلة الأموال. ~~وسأله أبوه يوما: كيف تجد العمل يا أدهم؟ # فقال أدهم بخشوع: ما دمت قد عهدت به إلي فهو أعظم ما في ~~حياتي. # فشاعت في الوجه العظيم البشاشة؛ إذ إنه على جبروته كان يستخفه ~~طرب الثناء. وكان أدهم يحب مجلسه، وإذا جلس إليه اختلس منه نظرات ~~الإعجاب والحب. وكم كان يسعده أن يتابع أحاديثه وهو يروي - له ~~ولإخوته - حكايات الزمان الأول، ومغامرات الفتوة والشباب، إذ هو ~~ينطلق في تلك البقاع ملوحا بنبوته المخيف غازيا كل موضع تطؤه ~~قدماه. وبعد طرد إدريس ظل عباس ورضوان وجليل على عادتهم من ~~الاجتماع فوق سطح البيت، يأكلون ويشربون ويقامرون. أما أدهم فلم ~~يكن يطيب له الجلوس إلا في الحديقة؛ كان عاشقا للحديقة منذ درج، ~~وكان عاشقا للناي. ولازمته تلك العادة بعد اضطلاعه بشئون الوقف ~~وإن لم تعد تستأثر بجل وقته. فكان إذا فرغ من عمله في الوقف ~~افترش سجادة على حافة ms008 جدول، وأسند ظهره إلى جذع نخلة أو جميزة، أو ~~استلقى تحت عريشة الياسمين، وراح يرنو إلى العصافير، وما أكثر ~~العصافير! أو يتابع اليمام، وما أحلى اليمام! ثم ينفخ في الناي ~~محاكيا الزقزقة والهديل والتغريد، وما أبدع المحاكاة! أو يمد ~~الطرف نحو السماء خلال الغصون، وما أجمل السماء! ومر به أخوه ~~رضوان وهو على تلك الحال فرمقه بنظرة ساخرة وقال: ما أضيع الوقت ~~الذي تنفقه في إدارة الوقف! # فقال أدهم باسما: لولا إشفاقي من إغضاب أبي لشكوت. ~~- فلنحمد نحن المولى على الفراغ! # فقال أدهم ببساطة: هنيئا لكم. # فسأله رضوان وهو يداري الامتعاض بالابتسام: أتود أن تعود ~~مثلنا؟ ~~- خير ما تمضي الحياة في الحديقة والناي! # فقال رضوان بمرارة: كان إدريس يود أن يعمل ... # فغض أدهم بصره وهو يقول: لم يكن عند إدريس وقت للعمل، ~~ولاعتبارات أخرى غضب، أما السعادة الحقة ففي هذه الحديقة ~~تجدها. # ولما ذهب رضوان قال أدهم لنفسه: «الحديقة، وسكانها المغردون، ~~والماء، والسماء، ونفسي النشوى، هذه هي الحياة الحقة. كأنني ~~أجد في البحث عن شيء. ما هذا الشيء؟ الناي أحيانا يكاد يجيب. ~~ولكن السؤال يظل بلا جواب. لو تكلمت هذه العصفورة بلغتي لشفت قلبي ~~باليقين. وللنجوم الزاهرة حديث كذلك. أما تحصيل الإيجار فنشاز بين ~~الأنغام.» # ووقف أدهم يوما ينظر إلى ظله الملقى على الممشى بين الورود، ~~فإذا بظل جديد يمتد من ظله واشيا بقدوم شخص من المنعطف خلفه. ~~بدا الظل الجديد كأنما يخرج من موضع ضلوعه. والتفت وراءه فرأى ~~فتاة سمراء وهي تهم بالتراجع عندما اكتشفت وجوده، فأشار إليها ~~بالوقوف فوقفت، وتفحصها مليا، ثم سألها برقة: من أنت؟ # فأجابت بصوت ملعثم: أميمة. # إنه يذكر الاسم، فهو لجارية قريبة لأمه، وكما كانت أمه قبل أن ~~يتزوج منها أبوه. # ومال إلى محادثتها أكثر، فسألها: ماذا جاء بك إلى ~~الحديقة؟ # فأجابت مسبلة الجفنين: حسبتها خالية ... ~~- لكن ذلك محرم عليكن! # فقالت بصوت لم يكد يسمع: أخطأت يا سيدي ... # وتراجعت حتى توارت وراء المنعطف، ثم ترامى إلى أذنيه وقع ~~أقدامها المسرعة، وإذا به يغمغم متأثرا: ms009 «ما أملحك !» وشعر بأنه ~~لم يكن قط أدخل في خلائق الحديقة منه في هذه اللحظة، وإن الورد ~~والياسمين والقرنفل والعصافير واليمام ونفسه نغمة واحدة. وقال ~~لنفسه: «أميمة مليحة، حتى شفتاها الغليظتان مليحتان، وجميع إخوتي ~~متزوجون عدا إدريس المتكبر، وما أشبه لونها بلوني! وما أجمل منظر ~~ظلها وهو مفروش في ظلي كأنه جزء من جسدي المضطرب بالرغبات! ولن ~~يسخر أبي من اختياري، وإلا فكيف جاز له أن يتزوج من أمي؟!» # 3 # رجع أدهم إلى إدارة الوقف بقلب مفعم بجمال غامض كالعبير. ~~وحاول كثيرا أن يراجع حساب اليوم، ولكنه لم ير في صفحة عقله إلا ~~السمراء. ولم يكن عجيبا أن يرى أميمة اليوم لأول مرة، فالحريم في ~~هذا البيت كالأعضاء الباطنية يعرفها صاحبها على نحو ويعيش بفضلها ~~ولكنه لا يراها، واستسلم أدهم إلى تيار أفكاره الوردية حتى انتزع ~~منه على صوت مرعد قريب كأنما انفجر في المنظرة نفسها وهو يصيح: ~~«أنا هنا، في الخلاء يا جبلاوي، ألعن الكل، اللعنة على رءوسكم ~~نساء ورجالا، وأتحدى من لم تعجبه كلماتي، سامعني يا جبلاوي؟!» ~~وهتف أدهم: «إدريس!» وغادر المنظرة إلى الحديقة فرأى أخاه رضوان ~~متجها نحوه في اضطراب ظاهر، وبادره قائلا: إدريس سكران، رأيته من ~~النافذة مختل التوازن من السكر، أي فضائح تخبئ الأقدار ~~لأسرتنا؟ # فقال أدهم وهو يغضي ألما: قلبي يتقطع أسفا يا أخي! ~~- وما العمل؟! إن كارثة تتهددنا! ~~- ألا ترى يا أخي أنه يجب علينا أن نحدث أبانا في الأمر؟ # فقطب رضوان قائلا: أبوك لا يراجع في أمر، وحال إدريس هذه لا ~~شك ضاعفت من غضبه عليه ... # فغمغم أدهم في كآبة: ما كان أغنانا عن هذه الأحزان! ~~- نعم، النساء يبكين في الحريم، عباس وجليل معتكفان من الكدر، ~~وأبونا وحده في حجرته لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه ... # فتساءل أدهم في قلق وهو يشعر بأن ملابسات الحديث تدفعه إلى مأزق: ~~ألا ترى أنه ينبغي أن نعمل شيئا؟ ~~- يبدو أن كل واحد منا يود أن يلوذ بالسلامة، ولا يهدد السلامة ~~مثل طلبها بأي ثمن، غير ms010 أني لن أجازف بمركزي ولو انطبقت السماء على ~~الأرض، أما كرامة أسرتنا فتتمرغ الساعة في التراب في ثوب ~~إدريس! # لماذا قصدتني إذن؟! بين يوم وليلة انقلب أدهم غراب بين ينعق! ~~وتنهد قائلا: إني بريء من كل هذا، ولكن لن تطيب لي الحياة إن ~~سكت .. فقال رضوان وهو يهم بالذهاب: لديك من الأسباب ما يوجب ~~عليك العمل! # ومضى راجعا. ولبث أدهم وحده وأذناه ترددان هذه العبارة: «لديك ~~من الأسباب ...» نعم. إنه المتهم دون ذنب جناه، كالقلة التي تسقط ~~على رأس؛ لأن الريح أطاحت بها. وكلما أسف أحد على إدريس لعن ~~أدهم. واتجه أدهم نحو الباب ففتحه في رفق ومرق منه، رأى إدريس غير ~~بعيد يترنح دائرا حول نفسه، يقلب عينين زائغتين، وقد تشعث ~~رأسه وانحسر جيب جلبابه عن شعر صدره. ولما عثرت عيناه على أدهم ~~توثب للانقضاض كأنه قطة لمحت فأرا، ولكن أعجزه السكر فمال نحو ~~الأرض وملأ قبضته ترابا ورمى به أدهم، فأصاب صدره وانتثر على ~~عباءته. وناداه أدهم برقة: أخي ... # فزمجر إدريس وهو يترنح: اخرس يا كلب يا ابن الكلب، لا أنت أخي ~~ولا أبوك أبي، ولأدكن هذا البيت فوق رءوسكم! # فقال أدهم متوددا: بل أنت أكرم هذا البيت وأنبله ... # فقهقه إدريس من فيه دون قلبه وصاح: لماذا جئت يا ابن الجارية؟ ~~عد إلى أمك وأنزلها إلى بدروم الخدم! # فقال أدهم دون أن تتغير مودته: لا تستسلم للغضب، ولا توصد ~~الأبواب في وجه الساعين لخيرك. # فلوح إدريس بيده ثائرا وصاح: ملعون البيت الذي لا يطمئن فيه ~~إلا الجبناء، الذين يغمسون اللقمة في ذل الخنوع، ويعبدون مذلهم. ~~لن أعود إلى بيت أنت فيه رئيس، فقل لأبيك إنني أعيش في الخلاء الذي ~~جاء منه، وإنني عدت قاطع طريق كما كان، وعربيدا أثيما عاتيا كما ~~يكون، وسيشيرون إلي في كل مكان أعيث فيه فسادا ويقولون: «ابن ~~الجبلاوي!» بذلك أمرغكم في التراب يا من تظنون أنفسكم سادة وأنتم ~~لصوص! # وتوسل أدهم قائلا: أخي أفق، حاسب نفسك على كل كلمة توجب اللوم، ~~ليس الطريق ms011 مسدودا في وجهك إلا أن تسده بيديك، وإني أعدك بأن ~~يعود كل شيء طيب إلى أصله. # فخطا إدريس نحوه خطوة بصعوبة كأن ريحا ترجعه وقال: بأي قوة ~~تعدني يا ابن الجارية؟ # فقال وهو يرمقه بحذر: بقوة الأخوة. ~~- الأخوة؟! قذفت بها في أول مرحاض صادفني ... # فقال أدهم متألما: ما سمعت منك من قبل إلا الجميل ... ~~- طغيان أبيك أنطقني بالحق! ~~- لا أحب أن يراك الناس على هذه الحال. # فأرسل إدريس ضحكة معربدة وصاح: وسيرونني على أسوأ منها كل يوم، ~~العار والفضيحة والجريمة ستحل بكم على يدي، طردني أبوك دون حياء ~~فليتحمل العواقب! # ورمى بنفسه نحو أدهم فتنحى هذا عن موقفه دون تردد، فكاد إدريس ~~يهوي على الأرض لولا أن استند إلى الجدار، ولبث يلهث حانقا، وينظر ~~في الأرض مفتشا عن حجر، فتراجع أدهم بخفة إلى الباب ودخل، ~~واغرورقت عيناه من الحزن. وكان صياح إدريس ما زال صاخبا. وحانت ~~منه التفاتة نحو السلاملك فلمح أباه خلال الباب وهو يعبر البهو، ~~فمضى نحوه وهو لا يدري، متغلبا على خوفه بحزنه. ونظر إليه ~~الجبلاوي بعينين لا تفصحان عن شيء، وكان يقف بقامته المديدة ~~ومنكبيه العريضين أمام صورة محراب نقشت على جدار البهو خلفه. ~~وأحنى أدهم رأسه قائلا: السلام عليكم. # فتفحصه الجبلاوي بنظرة عميقة، ثم قال بصوت نفذ إلى أعماق ~~قلبه: صرح بما جئت من أجله ... # فقال أدهم بصوت مهموس: أبي، إن أخي إدريس ... # فقاطعه الأب بصوت كضربة الفأس في الحجر: لا تذكر اسمه أمامي ~~... # ثم وهو يمضي إلى الداخل: اذهب إلى عملك! # 4 # توالى مشرق الشمس ومغيبها على هذه البقعة الخلاء، وإدريس يتردى ~~في مهاوي الشقاوة. في كل يوم يسجل في كتابه حماقة جديدة. كان يدور ~~حول البيت ليقذفه بأقذع الشتائم. أو يجلس على كثب من الباب، عاريا ~~كما ولدته أمه كأنما يتشمس، وهو يترنم بأفحش الأغاني، وكان يتجول ~~في الأحياء القريبة في خيلاء الفتوات، يتحدى كل عابر بنظرات ~~هجومية، ويتحرش بكل من يعترض سبيله، والناس يتحاشونه كاظمين، ~~وهم يتهامسون: «ابن الجبلاوي!» ولم يحمل لغذائه ms012 هما، فكان يمد ~~يده بكل بساطة إلى الطعام حيث وجده، في مطعم أو على عربة، فيأكل ~~حتى يكتظ ثم يمضي دون شكر من ناحيته أو محاسبة من الآخرين. وإذا ~~تاقت نفسه إلى العربدة مال إلى أول حانة تصادفه، فتقدم إليه ~~البوظة حتى يسكر، ثم ينطلق لسانه كالنافورة بأسرار أسرته ~~وأعاجيبها، وتقاليدها السخيفة وجبنها المهين، منوها بثورته على ~~أبيه، جبار هذه الأحياء جميعا، ثم يدخل في قافية ليغرق في الضحك، ~~ويغني إذا لزم الحال ويرقص، وتتناهى مسرته إذا ختمت السهرة بمعركة، ~~ثم يذهب مشيعا بالتحيات. # وفي كل مكان اشتهر بهذه السيرة، فتحاماه الناس ما استطاعوا، ~~ولكنهم سلموا بأمره كأنه مصيبة من مصائب الدهر. ونال الأسرة من ذلك ~~ما نالها من الغم والكرب. وغلب الحزن أم إدريس فشلت واحتضرت. ~~وجاء الجبلاوي ليودعها فأشارت نحوه بيدها السليمة محتجة وفاضت ~~روحها في أسى وغضب. وخيم الحزن على الأسرة كخيوط العنكبوت، فتوقف ~~سمر الإخوة فوق السطح، وسكت ناي أدهم في الحديقة. # ويوما تفجر الأب عن ثورة جديدة كانت ضحيته تلك المرة امرأة؛ إذ ~~تعالى صوته الجهير وهو يلعن نرجس الخادمة ويطردها من البيت. وعلم ~~في نفس اليوم أن أعراض الحمل ظهرت على المرأة، فقررت حتى أقرت بأن ~~إدريس اعتدى عليها قبل طرده. وغادرت نرجس البيت وهي تصوت وتلطم ~~خديها، وهامت على وجهها سحابة النهار حتى عثر عليها إدريس ~~فألحقها بركابه دون ترحيب، ودون جفاء كذلك؛ إذ لم تكن تخلو من نفع ~~عند الحاجة. # على أن كل مصيبة وإن جلت لا بد يوما أن تؤلف؛ لذلك أخذت ~~الحياة تعود إلى مجراها المألوف في البيت الكبير كما يعود السكان ~~إلى ديارهم عقب زلزال أكرههم على الفرار منها. عاد رضوان وعباس ~~وجليل إلى ندوة السطح، كما عاد أدهم إلى سهرة الحديقة يناجي الناي ~~فيناجيه. ووجد أميمة تضيء خواطره وتدفئ مشاعره، وصورة ظلها المعانق ~~لظله ترتسم بوضوح في مخيلته، فقصد مجلس أمه في حجرتها حيث كانت ~~تطرز شالا، فأفضى إليها بذات نفسه، إلى أن قال: إنها أميمة يا ~~أمي، ms013 قريبتك ... # فابتسمت أمه ابتسامة باهتة دلت على أن فرحة الخبر لم تستطع ~~التغلب على عناء مرضها وقالت: نعم يا أدهم، إنها فتاة طيبة، تصلح ~~لك كما تصلح لها، وستسعدك بمشيئة المولى. # ولما رأت تورد البهجة في وجنتيه استدركت قائلة: لا ينبغي أن ~~تدللها يا بني حتى لا تفسد حياتك، وسأخاطب أباك في الأمر لعلي ~~أنعم برؤية ذريتك قبل أن يدركني الموت. # وعندما دعاه الجبلاوي إلى مقابلته وجده يبتسم ابتسامة لطيفة حتى ~~قال لنفسه: «لا شيء يعادل شدة أبي إلا رحمته.» وقال الأب: ها أنت ~~ذا تطلب زوجة يا أدهم، ما أسرع الزمن! وهذا البيت يحتقر المساكين، ~~ولكنك باختيار أميمة تكرم أمك، لعلك تنجب ذرية صالحة. لقد ضاع ~~إدريس، وعباس وجليل عقيمان، ورضوان لم يعش له ولد حتى اليوم، ~~وجميعهم لم يرثوا عني إلا كبريائي، فاملأ هذا البيت بذريتك، وإلا ~~ذهب عمري هباء. # وكانت زفة أدهم التي لم يشهد لها الحي نظيرا من قبل. وحتى ~~اليوم يجري ذكرها مجرى الأمثال في حارتنا. تدلت ليلتذاك ~~الكلوبات من غصون الأشجار ومن فوق السور حتى بدا البيت بحيرة من ~~نور وسط الخلاء المظلم، وأقيم سرادق فوق السطح للمغنين ~~والمغنيات، وامتدت موائد الطعام والشراب في البهو والحديقة والخلاء ~~المتصل بمدخل البيت الكبير. وبدأت زفة أدهم من أقصى الجمالية عقب ~~منتصف الليل، سار فيها كل من يحب الجبلاوي أو يخافه حتى انتظمت ~~الجميع. وخطر أدهم في جلباب حريري ولاسة مزركشة بين عباس وجليل، ~~أما رضوان فسار في المقدمة، وعلى اليمين وعلى اليسار حاملو الشموع ~~والورود، وتقدم الموكب مجموعة ضخمة من المنشدين والراقصين، ~~وتعالى الغناء، وتبعته تأوهات المطربين وتحيات المعجبين ~~بالجبلاوي وأدهم، حتى استيقظ الحي ودوت الزغاريد. وسار الموكب من ~~الجمالية فالعطوف ثم كفر الزغاري والمبيضة، ينهال عليه الترحيب حتى ~~من الفتوات، وحطب من حطب، ورقص من رقص، ووزعت الحانات البوظة ~~مجانا فسكر حتى الغلمان، وتهادت الجوزة من جميع الغرز في طريق ~~الموكب هدية للمحتفلين فعبق الجو بحسن كيف والهندي. # وفجأة لاح إدريس كمارد انشقت عنه الظلمة ms014 في آخر الطريق. لاح عند ~~المنعطف المفضي إلى الخلاء على ضوء الكلوبات التي تتقدم الموكب، ~~فتوقف حاملو الكلوبات عن السير وانتشر التهامس باسم إدريس. ولمحته ~~أعين المنشدين فاعترض الخوف حناجرهم فكفت عن الغناء، ورآه ~~الراقصون فجمدت أوساطهم. وسرعان ما سكتت المزامير وخرست الطبول، ~~وغاضت الضحكات. وتساءل كثيرون عما يفعلون، فهم إن استكانوا لم ~~يأمنوا الأذى وإن ضربوا لم يضربوا إلا ابن الجبلاوي. ولوح إدريس ~~بنبوته وهو يصيح: لمن الزفة يا حثالة الجبناء؟ # فساد الصمت واشرأبت الأعناق نحو أدهم وإخوته، وعاد إدريس يتساءل: ~~متى كنتم لابن الجارية أو لأبيه أصدقاء؟ # عند ذاك تقدم رضوان خطوات وهتف قائلا: أخي، من الحكمة أن تدع ~~الزفة تمر ... # فصاح إدريس مقطبا: أنت آخر من يتكلم يا رضوان، أنت أخ خائن ~~وابن جبان، وذليل يشتري رغد العيش بالكرامة والأخوة! # فقال رضوان بإشفاق: لا شأن للناس باختلافاتنا. # فقهقه إدريس قائلا: الناس يعلمون بخزيكم، ولولا جبنهم العريق ما ~~وجدت هذه الزفة زامرا أو منشدا! # فقال رضوان بعزم ثابت: أبوك عهد إلينا بأخيك، ولا بد أن ~~نحفظه! # فعاد إدريس يقهقه وهو يتساءل: أرأيت أنك تدافع عن نفسك لا عن ابن ~~الجارية؟ ~~- أين رشادك يا أخي؟ بالحكمة وحدها تعود إلى بيتك. ~~- إنك كاذب، وأنت تعلم أنك كاذب ... # فقال رضوان في حزن: لن ألومك فيما يخصني، ولكن دع الزفة تمر ~~بسلام ... # فكان جوابه أن انقض على الموكب كالثور الهائج. وأخذ نبوته ~~يرتفع ويهوي فتتحطم الكلوبات وتتصدع الطبول وتتبعثر الورود؛ وراح ~~الناس يولون مذعورين كالرمال أمام العاصفة. وتكاتف رضوان وعباس ~~وجليل أمام أدهم فتضاعف غضب إدريس: يا أنذال، تدافعون عمن تكرهون ~~خوفا على الطعام والشراب! # وهجم عليهم، فتلقوا ضرباته بنبابيتهم دون أن يردوا عليها وهم ~~يتراجعون. وإذا به يرمي بنفسه فجأة بينهم فيشق سبيلا إلى موقف ~~أدهم، فعلا الصوات في النوافذ، وهتف أدهم وهو يتحفز للدفاع عن ~~نفسه: إدريس، لست عدوا لك فارجع إلى عقلك! # ورفع إدريس نبوته. وهنا صاح صائح: «الجبلاوي!» وصاح رضوان ~~مخاطبا إدريس: أبوك قادم ... # فوثب إدريس إلى جانب ms015 الطريق والتفت إلى الوراء فرأى الجبلاوي ~~قادما وسط هالة من الخدم يحملون المشاعل. وعض إدريس على أسنانه ~~ثم هتف ساخرا: سأهبك عما قريب حفيدا من الزنى تقر به ~~عينك. # واندفع نحو الجمالية والناس توسع له على الجانبين حتى ابتلعته ~~الظلمة. وبلغ الأب موقف الإخوة وهو يتظاهر بهدوء تحت آلاف الأعين ~~المحدقة فيه، ثم قال بلهجة آمرة: ليعد كل شيء إلى أصله! # ورجع حملة الكلوبات إلى مواقعهم، ودقت الطبول، وعزفت ~~المزامير، ثم غنى المنشدون، ورقص الراقصون، واستأنفت الزفة مسيرها ~~... # وسهر البيت الكبير حتى الصباح في طرب وشراب وغناء. وعندما دخل ~~أدهم حجرته المطلة على خلاء المقطم وجد أميمة واقفة إلى جانب ~~المرآة، والنقاب الأبيض لا يزال يغطي وجهها. كان مخمورا مسطولا ~~لا تكاد قدماه تحملانه، فاقترب منها وهو يبذل جهدا شديدا ليتمالك ~~أعصابه، ورفع النقاب عن وجهها الذي طالعه في أحسن رواء، وهوى برأسه ~~حتى لثم شفتيها المكتنزتين، ثم قال بلسان مخمور: لتهن الهموم ~~جميعا ما دمت حسن الختام ... # واتجه نحو الفراش، يستقيم خطوة ويترنح خطوة، حتى استلقى على عرض ~~السرير باللاسة والمركوب، وكانت أميمة تنظر إلى صورته المنعكسة على ~~المرآة وهي تبتسم في إشفاق وحنان ... # 5 # وجد أدهم في أميمة سعادة لم يعرفها من قبل. ولبساطته أعلن عن ~~سعادته بأقواله وأحواله حتى تندر به إخوته. وعند ختام كل صلاة كان ~~يبسط يديه هاتفا: «الحمد لصاحب المنن؛ على رضا أبي الحمد له، على ~~حب زوجتي الحمد له، على المنزلة التي أحظى بها دون من هم أجدر مني ~~بها الحمد له، على الحديقة الغناء والناي الرفيق الحمد له.» وقالت ~~كل امرأة من نساء البيت الكبير: إن أميمة زوجة واعية، فهي ترعى ~~زوجها كأنه ابنها، وتتودد حماتها وتخدمها حتى أسرتها، وتولي ~~مسكنها العناية التامة كأنه قطعة من جسدها .. أما أدهم فكان زوجا ~~مترع القلب بالمحبة وحسن المعاشرة. وكما شغلته إدارة الوقف عن جزء ~~من ملاهيه البريئة في الحديقة من قبل، فقد شغل الحب بقية يومه، ~~واستبد به حتى نسي نفسه. # وتوالت أيام هانئة، ms016 وامتدت فوق ما قدر رضوان وعباس وجليل ~~الساخرون، ولكنها ارتطمت في النهاية بذاك الهدوء الحكيم كما تنتهي ~~مياه الشلال المتدفقة الراغية المزبدة في النهر الرصين. وعاد ~~التساؤل يحتل مكانه في قلب أدهم، فشعر بأن الزمن لا يمر في غمضة ~~عين، وأن النهار يعقبه الليل، وأن المناجاة إذا تواصلت إلى غير ~~نهاية فقدت كل معنى، وأن الحديقة ملهاة صادقة لا يجدر به أن ~~يهجرها، وأن شيئا من هذا لا يعني بحال أن قلبه تحول عن أميمة، ~~فلا تزال في صميمه، ولكن للحياة أطوارا لا يخبرها المرء إلا يوما ~~بيوم. وعاد إلى مجلسه عند القناة، وأجال بصره في الأزهار والعصافير ~~ممتنا ومعتذرا. وإذا بأميمة تلحق به مشرقة بالبهجة، فجلست إلى ~~جانبه وهي تقول: نظرت من النافذة لأرى ما أخرك، لماذا لم تدعني ~~معك؟ # فقال باسما: خفت أن أتعبك. ~~- تتعبني؟ طالما أحببت هذه الحديقة، أتذكر أول لقاء لنا ~~هنا؟ # وأخذ يدها في يده، وأسند رأسه إلى جذع النخلة مرسلا طرفه إلى ~~الغصون، وإلى السماء خلال الغصون، وعادت هي تؤكد له حبها للحديقة، ~~وكلما أمعن في الصمت أمعنت في التوكيد؛ إذ إنها كانت تكره الصمت ~~بقدر ما تحب الحديقة، وكان حديث حياتها أطيب حديث. ولا بأس بالوقوف ~~بعض الوقت عند أهم الأحداث في البيت الكبير، وبخاصة ما يتعلق ~~بزوجات رضوان وعباس وجليل، ثم تغير صوتها مائلا نحو العتاب وهي ~~تقول: أنت تغيب عني يا أدهم ...! # فابتسم إليها قائلا: كيف وأنت ملء القلب؟! ~~- ولكنك لا تصغي إلي ...! # هذا حق. ومع أنه لم يرحب بمقدمها فإنه لم يضق به. ولو همت ~~بالرجوع لأمسك بها صادقا. والحق أنه يشعر بأنها جزء لا يتجزأ منه. ~~وقال كالمعتذر: إني أحب هذه الحديقة، لم يكن في حياتي الماضية أطيب ~~من جلستها، وتكاد أشجارها الباسقة ومياهها المفضضة وعصافيرها ~~المزقزقة تعرفني كما أعرفها، وأود أن تقاسميني حبها. أرأيت إلى ~~السماء كيف تبدو خلال الغصون؟ # فرفعت عينيها مقدار لحظة ثم نظرت إليه باسمة وقالت: إنها جميلة ~~حقا، وجديرة بأن تكون أطيب ما في ms017 حياتك. # فآنس من قولها العتاب دون إفصاح، وبادرها قائلا: بل كانت كذلك ~~قبل أن أعرفك ... ~~- والآن؟ # فضغط على يدها بحنو قائلا: لا يتم جمالها إلا بك! # فقالت وهي تحد بصرها نحوه: من حسن الحظ أنها لا تؤاخذك على ~~انصرافك عنها إلي ... # فضحك أدهم وجذبها نحوه حتى التصق خدها بشفتيه، ثم سألها: أليست ~~هذه الأزهار أجدر بالتفاتنا من الكلام عن زوجات إخوتي؟! # فقالت أميمة باهتمام: الأزهار أجمل، ولكن زوجات إخوتك لا يكففن ~~عن الحديث عنك .. إدارة الوقف، دائما إدارة الوقف، وثقة أبيك ~~فيك، يبدئن ويعدن في هذا ... # وقطب أدهم غائبا عن الحديقة، وقال بحدة: لا شيء ~~ينقصهن! ~~- الحق أني أخاف عليك العين! # فهتف أدهم غاضبا: لعنة الله على الوقف، أرهقني وغير القلوب ~~علي وسلبني راحة البال، فليذهب في داهية! # فوضعت أصبعها على شفتيه وهي تقول: لا تكفر بالنعمة يا أدهم، إن ~~إدارة الوقف شأن خطير، وقد تجر وراءها نفعا لا يخطر بالبال ~~... ~~- جرت حتى الآن المتاعب .. وحسبنا مأساة إدريس! # فابتسمت، لكن ابتسامتها لم تنم عن بهجة وإنما دارت بها اهتماما ~~جديا تجلى في نظرة عينيها، وقالت: انظر إلى مستقبلنا كما تنظر ~~إلى الغصون والسماء والعصافير! # وواظبت أميمة على مشاركته جلسته في الحديقة. ولم تكن تعرف الصمت ~~إلا في النادر. لكنه اعتادها، كما اعتاد الإصغاء بنصف انتباه أو من ~~دون ذلك، وعند الحاجة يتناول الناي لينفخ فيه ما شاء له الطرب. ~~واستطاع أن يقول في رضا تام إن كل شيء طيب. حتى شقاوة إدريس ~~باتت شيئا مألوفا. لكن المرض اشتد على أمه. وعانت آلاما لم ~~تعرفها من قبل تقطع لها قلبه. وكانت تدعوه إلى جانبها كثيرا ~~فتسبغ عليه أكرم الدعاء. ومرة قالت له بتوسل حار: «ادع ربك دائما ~~أن يقيك الشر ويهديك سواء السبيل.» ولم تدعه يذهب. وظلت تراوح بين ~~الأنين وبين مخاطبته وتذكيره بوصيتها حتى فاضت روحها بين يديه. ~~وبكاها أدهم، وبكتها أميمة، وجاء الجبلاوي فنظر في وجهها مليا ثم ~~سجاها باحترام وقد تجلت في عينيه الحادتين نظرة كئيبة مليئة ~~بالشجن. ms018 # وما كاد أدهم يعود رويدا إلى مألوف الحياة حتى ارتطم بتغير طارئ ~~على أميمة لم يعرف له علة. بدأ بانقطاعها عن مجلسه في الحديقة، فلم ~~يسر بذلك كما كان يتوهم أحيانا. وسألها عن سر انقطاعها فاعتلت ~~بأعذار شتى كالعمل أو التعب. ولاحظ أنها لم تعد تقبل عليه ~~بالاندفاع المعهود، فإذا أقبل هو عليها لاقته دون عاطفة حقيقية، ~~كأنما تجامله، وكأنما مجاملته عناء. وتساءل عما هنالك! لقد مر ~~بشيء شبيه بهذا، ولكن حبه صمد له وتغلب عليه. وكان بوسعه أن يقسو ~~عليها، وود أحيانا لو يفعل ذلك ولكن منعه انكسارها وشحوبها ~~ومغالاتها في التأدب معه. أحيانا تبدو حزينة، وأحيانا تبدو ~~حائرة، ومرة باغت في عينيها نظرة نافرة حتى ركبه الغضب والجزع ~~معا. وقال لنفسه: «فلأصبر عليها قليلا، إما ينصلح حالها أو ~~فلتذهب في ألف داهية!» # وجلس إلى أبيه في مخدع الرجل ليعرض عليه حساب الشهر الختامي، ~~وتفحصه الأب دون أن يعنى بمتابعته وسأله: ما لك؟ # فرفع أدهم رأسه نحوه في دهش وقال: لا شيء يا أبي. # فضيق الرجل عينيه وتمتم: خبرني عن أميمة. # فانخذلت عيناه تحت نظرة أبيه النافذة وقال: بخير، كل شيء ~~طيب. # فقال الجبلاوي بضجر: صارحني بما عندك. # فصمت أدهم مليا، وهو يؤمن بأن أباه قادر على معرفة كل شيء، ثم ~~قال معترفا: تغيرت كثيرا، وتبدو كالنافرة! # فتجلت في عيني الأب نظرة غريبة وقال: هل وقع بينكما ~~خلاف؟ ~~- أبدا. # فقال الجبلاوي في ارتياح وهو يبتسم: يا جاهل، ترفق بها، لا ~~تقترب منها حتى تدعوك، سوف تكون أبا عما قريب. # 6 # جلس أدهم في إدارة الوقف يستقبل مستأجري الأحكار الجدد، واحدا ~~بعد آخر، وقد وقفوا طابورا، أوله أمامه وآخره في نهاية المنظرة ~~الكبيرة. ولما جاء آخر المستأجرين سأله أدهم دون أن يرفع رأسه عن ~~دفتره في عجلة وضجر: اسمك يا معلم؟ # فجاءه صوت يقول: إدريس الجبلاوي. # فرفع أدهم رأسه في فزع فرأى أخاه واقفا أمامه، ثم وقف متوثبا ~~للدفاع عن نفسه وهو ينظر نحوه بحذر. لكن إدريس بدا في مظهر ms019 جديد ~~لا عهد لأحد به. بدا رث الهيئة، هادئا، متواضعا، حزين الطرف، ~~مأمون الجانب، كالثوب المنشى بعد نقعه في الماء. ومع أن هذا ~~المنظر استل من نفس أدهم كل حنق قديم إلا أنه لم يطمئن إلى ~~السلامة كل الاطمئنان، فقال في تحذير مشوب بالرجاء: إدريس! # فأحنى إدريس رأسه قائلا في رقة عجيبة: لا تخف، لست إلا ضيفك في ~~هذا البيت إذا وسعني كرم أخلاقك. # أهذا الكلام اللطيف يصدر عن إدريس حقا؟! هل أدبته الآلام؟ ~~الحق إن خشوعه محزن كفجوره. وألا تعد استضافته له تحديا للأب؟ ~~لكنه جاء دون دعوة منه. ووجد نفسه يشير إليه بالجلوس على مقعد ~~قريب من مقعده، فجلسا معا وهما يتبادلان النظر في غرابة حتى قال ~~إدريس: اندسست في جموع المستأجرين؛ لأتمكن من الانفراد بك. # فتساءل أدهم في قلق: ألم يرك أحد؟ ~~- لم يرني أحد من البيت، اطمئن إلى هذا، لم أجئ لأكدر صفوك، ~~ولكني ألجأ إلى لطف أخلاقك. # فغض أدهم عينيه متأثرا وقد تصاعد الدم إلى وجهه، فقال إدريس: ~~لعلك تعجب لما غيرني، لعلك تتساءل أين ذهب تكبره وصلفه؟ فاعلم ~~أنني قاسيت آلاما لا يقدر عليها أحد، وعلى رغم هذا كله فإنني لا ~~أقف موقفي هذا من أحد سواك؛ إذ إن مثلي لا ينسى كبرياءه إلا حيال ~~الخلق اللطيف. # فغمغم أدهم قائلا: خفف الله عنك وعنا، فكم نغص مصيرك حياتي ~~وكدرها! ~~- كان ينبغي أن أعرف هذا من أول الأمر، ولكن الغضب جنني، وفتكت ~~الخمر بكرامتي، ثم أجهزت حياة التشرد والبلطجة على الرمق الأخير من ~~إنسانيتي، أعهدت مثل ذاك السلوك في أخيك الأول؟! ~~- أبدا، كنت خير أخ وأنبل إنسان! # فقال إدريس بصوت المتوجع: حسرة على تلك الأيام، لست اليوم إلا ~~شقيا أخبط في الخلاء جارا ورائي امرأة حبلى، أشيع في كل ~~مكان باللعنات، وأشتري رزقي بالمنكر والعدوان. ~~- إنك تمزق قلبي يا أخي. ~~- معذرة يا أدهم، لكن هذه هي طويتك التي خبرتها منذ قديم، ألم ~~أحملك صغيرا على يدي؟ ألم أشهد صباك ويفاعتك وألمس فيهما نبلك ~~وسجاياك الحميدة؟ ms020 لعن الله الغضب حيثما احترق. ~~- لعنة أبدية يا أخي. # وتنهد إدريس وهو يقول وكأنما يخاطب نفسه: شد ما أسأت إليك، إن ~~ما حاق بي من شر وما سيحيق لهو دون ما أستحق من جزاء. ~~- خفف الله عنك، أتدري أنني لم أيئس أبدا من عودتك؟ حتى في إبان ~~غضب أبينا جازفت بمخاطبته في شأنك. # فابتسم إدريس عن أسنان علاها الاصفرار والقذارة وقال: هذا ما ~~حدثتني به نفسي، قلت إن يكن ثمة رجاء في مراجعة أبي فلن يتأتى عن ~~سبيل سواك. # فلمعت عينا أدهم وهو يقول: إني ألمس الهداية في روحك الكريم، ألا ~~ترى أنه قد آن الأوان لكي نخاطب والدنا في الأمر؟ # فهز إدريس رأسه الأشعث في يأس وقال: أكبر منك بيوم يعرف أكثر ~~منك بسنة، وأنا أكبرك بعشر سنوات لا بسنة واحدة، فاعلم أن أبانا ~~يغفر كل شيء إلا أن يهينه أحد. لن يعفو عني أبوك بعد ما كان، ولا ~~أمل لي في العودة إلى البيت الكبير. # لا شك فيما قاله إدريس، وهذا ما زاده حرجا وضيقا، وتمتم في ~~كآبة: ماذا في وسعي أن أفعل من أجلك؟ # فابتسم إدريس مرة أخرى قائلا: لا تفكر في مساعدات مالية، فإني ~~واثق من أمانتك كمدير للوقف، واعلم أنك إذا مددت لي يد المعونة ~~فسيكون من حر مالك وهو ما لا أقبله، إنك اليوم زوج وغدا أب، وأنا ~~لم أجئك مدفوعا بفقري، ولكني جئت لأعلن لك ندمي عما فرط مني في ~~حقك، ولأسترد مودتك، ثم إن لي رجاء. # فتطلع إليه أدهم باهتمام وتساءل: قل يا أخي ما رجاؤك؟ # فأدنى إدريس رأسه من أخيه كأنما يخشى أن تسمعه الجدران وقال: ~~أريد أن أطمئن على مستقبلي بعد أن خسرت حاضري. سأكون أبا مثلك، ~~فما مصير ذريتي؟ ~~- ستجدني رهن إشارتك في كل ما أستطيع ... # فربت إدريس كتف أدهم بامتنان وقال: أريد أن أعرف هل حرمني أبي ~~حقي في الميراث؟ ~~- كيف لي بمعرفة هذا؟! ولكن إن سألتني عن رأيي ... # فقاطعه إدريس قلقا: إني لا أسألك عن رأيك ولكن ms021 عن رأي أبيك ~~... ~~- إنه كما تعلم لا يصارح أحدا بما يدور في رأسه ... ~~- ولكنه دون شك قد سجله في حجة الوقف! # فهز أدهم رأسه دون أن ينبس، فعاد إدريس يقول: كل شيء في الحجة ~~... ~~- لا علم لي بها، وأنت تعلم أن أحدا في بيتنا لا يدرى عنها ~~شيئا، وعملي في الإدارة يسير تحت إشراف أبي الكامل. # فحدجه إدريس بنظرة حزينة وقال: الحجة في مجلد ضخم، وقد لمحته ~~مرة في صباي وسألت أبي عما فيه - وكنت وقتذاك قرة عينه - فقال لي ~~إنه يضم كل شيء عنا، ولم نعد إلى الحديث عنه، ولم يسمح لي بذلك حين ~~بدا لي أن أسأل عن بعض ما جاء فيه، ولا أشك الآن في أن مصيري قد ~~تقرر فيه. # فقال أدهم وهو يشعر بأنه ينحصر في ركن ضيق: الله أعلم. ~~- إنه في الخلوة المتصلة بمخدع أبيك، ولا شك في أنك رأيت بابها ~~الصغير في نهاية الجدار الأيسر. وهو باب مغلق دائما، لكن مفتاحه ~~مودع في صندوق فضي صغير في درج الخوان القريب من الفراش، أما ~~المجلد الضخم فعلى ترابيزة في الخلوة الضيقة. # فرفع أدهم حاجبيه الخفيفين في انزعاج وتمتم: ماذا تريد؟ # فقال إدريس متنهدا: إن كان ثمة راحة بال باقية لي في هذه الدنيا ~~فهي رهن بمعرفتي ما سجل في الحجة عني. # فقال أدهم في ارتياع: أهون علي أن أسأله عما في الشروط العشرة ~~صراحة! ~~- لن يجيب، وسيغضب، وربما أساء بك الظن، أو خمن الدافع الحقيقي ~~وراء سؤالك فثار سخطه، وكم أكره أن تخسر ثقة أبيك جزاء إحسانك ~~إلي! وهو لا شك لا يريد أن يذيع شروطه العشرة، ولو أراد ذلك ~~لعرفناها جميعا، فلا سبيل مأمونا إلى الحجة إلا السبيل الذي ~~وصفته لك، وهو ميسور جدا عند الفجر حين يتجول أبوك في الحديقة ~~... # فامتقع وجه أدهم وهو يقول: ما أفظع ما تدعوني إليه يا ~~أخي! # فدارى إدريس خيبته بابتسامة شاحبة وقال: ليس جريمة أن يطلع ابن ~~على ما يخصه في حجة أبيه. ~~- لكنك تطلب إلي سرقة ms022 سر يحرص أبونا على صونه! # فتنهد إدريس بصوت مسموع وقال: قلت لنفسي عندما قررت اللجوء ~~إليك: «ما أصعب أن أقنع أدهم بعمل يعتبره مخالفا لإرادة الأب!» ~~ولكن داعبني أمل قوي فقلت: «لعله يقدم إذا لمس مدى حاجتي إلى ~~معونته.» وليس في الأمر جريمة، وسيمر بسلام، وستجد أنك انتشلت ~~روحا من الجحيم دون أدنى خسارة. ~~- ليحفظنا المولى من الأخطاء! ~~- آمين، لكني أتوسل إليك أن تنقذني من العذاب. # نهض أدهم في جزع واضطراب، فنهض إدريس في أثره، وابتسم ابتسامة ~~دلت على تسليمه باليأس، وقال: أزعجتك حقا يا أدهم؛ من أمارات ~~تعاستي أنني لا ألقى شخصا حتى تدركه المتاعب على وجه أو آخر. بات ~~إدريس لعنة سافرة ... ~~- كم يعذبني عجزي عن مساعدتك، إنه عذاب ما بعده عذاب! # فدنا منه حتى وضع يده على منكبه في رقة، ثم لثم جبينه في عطف، ~~وقال: لا يسأل عن تعاستي إلا نفسي، لماذا أحملك فوق ما تطيق؟ دعني ~~أتركك بسلام وليفعل الله ما يشاء! # قال إدريس ذلك ثم ذهب. # 7 # دبت الحيوية في وجه أميمة لأول مرة منذ عهد غير قصير، فسألت ~~أدهم باهتمام: ألم يحدثك أبوك عن الحجة من قبل؟ # كان أدهم متربعا على الكنبة، ينظر من النافذة إلى الخلاء الغارق ~~في الظلمة. فأجابها: لم يحدث أحدا عنها قط. ~~- لكن أنت ... ~~- لست إلا أحد أبنائه الكثيرين! # فابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: لكنه اختارك أنت لتدير ~~الوقف! # فالتفت نحوها قائلا بحدة: قلت إنه لم يحدث أحدا عنها ~~قط! # فابتسمت مرة أخرى كأنما لتلطف حدته، ثم قالت بمكر: لا تشغل ~~بالك، إدريس لا يستحق ذلك، إن إساءاته لك لا تنسى أبدا! # فحول أدهم رأسه نحو النافذة، وقال بحزن: إدريس الذي جاءني ~~اليوم غير إدريس الذي أساء إلي، إن منظره النادم الحزين لا يبرح ~~مخيلتي! # فقالت بارتياح ظافر: هذا ما أدركته من حديثك، وهو سر اهتمامي ~~بالأمر، ولكنك تبدو ضيق الصدر بخلاف عادتك. # كان ينظر إلى ظلام الليل الكثيف، لكن رأسه المشغول لم يستجب له، ~~فقال: لا فائدة ترجى من ms023 الاهتمام! ~~- لكن أخاك النادم يسألك الرحمة! ~~- العين بصيرة واليد قصيرة. ~~- يجب أن تحسن علاقتك به، وبإخوته، وإلا وجدت نفسك يوما وحيدا ~~أمامهم. ~~- إنك تهتمين بنفسك لا بإدريس. # فهزت رأسها كأنما تزيح عنه نقاب المكر وقالت: من حقي أن أهتم ~~بنفسي، ومعنى هذا أن أهتم بك وبما في بطني. # ماذا تريد المرأة؟ وهذا الظلام ما أشد كثافته! حتى المقطم العظيم ~~قد ابتلعه. وأراح نفسه بالصمت. وإذا بها تسأله: ألا تذكر أنك دخلت ~~الخلوة أبدا؟ # فأجاب خارجا من صمته القصير: أبدا، أحببت في صباي أن أدخلها ~~فمنعني أبي، ولم تكن أمي تسمح لي بالاقتراب منها. ~~- لا شك في أنك كنت تتمنى دخولها! # ما حادثها في الأمر إلا وهو ينتظر أن تدفعه عنه لا أن تجذبه ~~إليه. كان بحاجة إلى من يؤكد له صواب موقفه من أخيه. كان بحاجة ~~ماسة إلى ذلك ولكنه كمن كان ينادي في الظلام خفيرا فيخرج إليه ~~قطاع الطريق. وعادت أميمة تسأله: والخوان الذي به الصندوق الفضي ~~هل تعرفه؟ ~~- كل من دخل الحجرة يعرفه، لماذا تسألين عنه؟ # تزحزحت من مجلسها على الكنبة مقتربة منه وسألته بإغراء: بربك ألا ~~تود أن تطلع على الحجة؟ # فأجاب بحدة: كلا، لماذا أود ذلك؟ ~~- من ذا يقاوم الرغبة في الاطلاع على المستقبل؟ ~~- تعنين مستقبلك أنت؟! ~~- مستقبلي ومستقبلك، ومستقبل إدريس الذي حزنت عليه على رغم ما ~~سبق منه ضدك! # المرأة تعرب عما في نفسه. وهذا ما يثير حنقه. ومد رأسه نحو ~~النافذة كأنما يهرب منها وهو يقول: لا أود ما لا يود أبي! # فرفعت حاجبيها المزججين متسائلة: لماذا يخفي هذا ~~الأمر؟ ~~- ذلك شأنه، ما أكثر أسئلتك الليلة! # فقالت وكأنما تخاطب نفسها: المستقبل! نعرف مستقبلنا ونقدم ~~إحسانا كبيرا إلى إدريس التعيس، لن يكلفنا هذا كله إلا قراءة ~~ورقة دون أن يدري أحد، وأتحدى أي صديق أو عدو أن يثبت علينا سوء ~~نية في عملنا هذا أو أنه يمس من قريب أو من بعيد والدك ~~المحبوب! # وكان أدهم يراقب نجما فاق الأنجم بضيائه اللامع فقال متجاهلا ~~قولها: ms024 ما أجمل السماء! لولا رطوبة الليل لجلست في الحديقة أراقبها ~~من خلال الغصون. ~~- لا شك في أنه ميز البعض في شروطه. # فهتف أدهم: ما أزهدني في امتياز لا يجر وراءه إلا ~~المتاعب! # فقالت متنهدة: لو كنت أعرف القراءة لذهبت بنفسي إلى الصندوق ~~الفضي. # تمنى لو كان ذلك كذلك. وتضاعف حنقه عليها وعلى نفسه، بل شعر بأنه ~~قد وقع في المحظور فعلا وأنه يفكر فيه كحدث مضى. وتحول نحوها ~~مقطبا فبدا وجهه على ضوء المصباح المرتعش بالنسيم المتسلل من ~~النافذة مهتما ضعيفا، على رغم تجهمه، وقال: لعنت حين أفضيت إليك ~~بالخبر! ~~- لا أريد بك شرا، ومحبتي لوالدك مثل محبتك له ... ~~- دعيك من هذا الحديث المتعب، في هذه الساعة تستحب ~~الراحة. ~~- يبدو أن قلبي لن يرتاح قبل الإقدام على هذا العمل ~~السهل. # فنفخ قائلا: اللهم أرجع إليها عقلها! # فرمقته بنظرة المتحفز ثم سألته: ألم تخالف أباك باستقبالك إدريس ~~في المنظرة؟! # فاتسعت عيناه دهشة وقال: وجدته أمامي فلم يسعني إلا ~~استقباله! ~~- هل أخبرت والدك بنبأ زيارته؟ ~~- ما أثقلك الليلة يا أميمة! # فقالت بصوت الظافر: إذا جاز لك أن تخالفه فيما قد يضرك فكيف لا ~~تخالفه فيما يفيدك ويفيد أخاك ولا يضر أحدا؟! # بوسعه أن يقطع الحديث لو شاء، ولكن المنحدر كان شديد الانحدار. ~~والحق أنه لم يتركها تسترسل في حديثها إلا لأن جزءا من نفسه كان ~~بحاجة إلى تأييدها. وتساءل فيما يشبه الغضب: ماذا تعنين؟ ~~- أعني أن تسهر حتى الفجر، أو حتى يخلو المكان لنا ... # فقال بامتعاض: ظننت الحمل قد أفقدك عاطفتك وحدها، ولكن ها هو ذا ~~يفقدك عقلك أيضا! ~~- أنت مقتنع بما أقول وحق من خلق الروح في بطني، ولكنك خائف، ~~والخوف لا يليق بك! # فاكفهر وجهه اكفهرارا منقطع الأسباب بالتراخي الساري في داخله ~~وقال: سنذكر بهذه الليلة أول زعل فرق بيننا. # فقالت برقة عجيبة: أدهم، دعنا نفكر جادين في الأمر. ~~- لن نجني خيرا! ~~- هذا قولك ولكنك سترى. # شعر بوهج النار وهو يقترب منها. قال لنفسه: «إذا احترقت فلن ~~تجدي دموعي في ms025 إخمادها.» وحول رأسه إلى النافذة فخيل إليه أن سكان ~~ذلك النجم اللامع سعداء لبعدهم عن هذا البيت. وتمتم بصوت ضعيف: لم ~~يحب أحد أباه كما أحبه. ~~- ما أبعدك عما يسيئه! ~~- أميمة، ما أحوجك إلى النوم! ~~- أنت الذي طيرت النوم عن عيني. ~~- أملت أن أسمع عندك صوت العقل. ~~- ما أسمعتك غيره. # وساءل نفسه بصوت منخفض كالهمس: ترى هل أندفع نحو ~~الخراب؟! # فربتت يده الملقاة على مسند الكنبة وقالت بعتاب: مصيرنا واحد يا ~~ناكر الحب! # فقال في استسلام دل على أنه اتخذ قراره: ولا هذا النجم يدري ~~ما مصيري! # فقالت بانطلاق: ستقرأ مصيرك في الحجة! # ومد بصره نحو النجوم الساهرة، وقطع السحاب المستضيئة بنورها ~~الهادئ، وخيل إليه أنها مطلعة على نجواه فغمغم: «يا لطف السماء!» ~~ثم سمع أميمة وهي تقول في نبرات مداعبة: أنت علمتني حب الحديقة، ~~دعني أرد إليك الجميل! # 8 # وعند الفجر غادر الأب حجرته قاصدا الحديقة. كان أدهم بأقصى ~~الردهة يترقب، وأميمة خلفه ممسكة بكتفه في الظلام. تابعا وقع ~~الأقدام الثقيل المتزن ولكنهما لم يتبينا اتجاهها في الظلام، وكان ~~من عادة الجبلاوي أن يسير في هذه الساعة دون حاجة إلى ضوء أو رفيق. ~~وسكت الصوت فالتفت أدهم نحو زوجه هامسا: ألا يحسن بنا أن ~~نعود؟ # فدفعته وهي تهمس في أذنه: علي اللعنة إن كنت أضمر سوءا ~~لإنسان. # فتقدم بخطوات حذرة، في اضطراب أليم، ويده قابضة على شمعة ~~صغيرة في جيبه، وجعل يتحسس الجدار حتى مست يده مصراع الباب. ~~وهمست أميمة: سأبقى هنا لأرقب المكان، اذهب مصحوبا ~~بالعناية. # ومدت يدها فدفعت الباب حتى انفتح ثم تراجعت. ومضى أدهم نحو ~~الحجرة بخطواته الحذرة فتلقى من داخلها رائحة مسكية شديدة النفاذ. ~~ورد الباب وراءه ووقف يحملق في الظلام حتى تبين له خصاص النوافذ ~~المطلة على الخلاء وهي تنضح بنور الفجر. شعر أدهم بأن الجريمة - إن ~~كان ثمة جريمة - قد وقعت بدخوله الحجرة وأن عليه أن يتم عمله. سار ~~مع الجدار الأيسر، مرتطما أحيانا بالمقاعد، مارا في طريقه بباب ~~الخلوة، حتى بلغ نهايته، ms026 ثم مال مع الجدار الأوسط، وما لبث أن عثر ~~على الخوان. جذب الدرج، وتحسس ما بداخله حتى وجد الصندوق، ثم شعر ~~بحاجته إلى الراحة ليأخذ نفسه. ورجع إلى باب الخلوة، ففتش عن ثقبه، ~~ثم وضع فيه المفتاح وأداره، وفتح الباب، وإذا به يتسلل إلى الخلوة ~~التي لم يدخلها أحد قبله إلا الأب. # رد الباب، وأخرج الشمعة، ثم أشعلها، فرأى مربعا ذا سقف عال لا ~~منفذ فيه إلا الباب، مفروش الأرض بسجادة صغيرة، وعند ضلعه الأيمن ~~ترابيزة أنيقة عليها المجلد الكبير الذي ثبت في الجدار بعلاقة من ~~صلب. ازدرد أدهم ريقه الجاف بشيء من الألم كأن وعكة أصابت ~~اللوزتين، وعض على أسنانه، كأنما ليعصر الخوف الساري في أوصاله ~~والمرعش للشمعة في يده. واقترب من الترابيزة وهو يحملق في غلاف ~~المجلد المزخرف بخطوط مموهة بالذهب، ثم مد يده ففتحه. وجد ~~مشقة في تركيز ذهنه ونفض الاضطراب عنه. وبدأ يقرأ بالخط الفارسي ~~«باسم الله ...» # لكنه سمع الباب وهو يفتح بغتة. انجذب رأسه نحو الصوت بقوة ومن ~~دون وعي كأن الباب شده إليه وهو ينفتح. رأى الجبلاوي على ضوء شمعته ~~يسد الباب بجسمه الكبير ملقيا عليه نظرة باردة قاسية. حملق أدهم ~~في عيني أبيه في صمت وجمود، وتخلت عنه قوى الكلام والحركة ~~والتفكير. وأمره الجبلاوي قائلا: اخرج! # لكن أدهم لم يستطع حراكا. بقي في موقفه كالجماد إلا أن الجماد ~~لا يشعر بالقنوط. وهتف الأب: اخرج! # أيقظه الرعب من تجمده فتحرك، وتخلى الأب عن الباب، فغادر أدهم ~~الخلوة والشمعة لا تزال تحترق في يده. ورأى أميمة واقفة وسط الحجرة ~~صامتة، والدمع ينحدر تباعا من مقلتيها. وأشار له الأب أن يقف إلى ~~جانب زوجته ففعل، ثم خاطبه بصرامة قائلا: عليك أن تجيب عن أسئلتي ~~بالصدق. # فنطقت أساريره بالامتثال. وسأله الرجل: من الذي أخبرك ~~بالكتاب؟ # فقال أدهم دون تردد كوعاء تحطم فسال ما فيه: إدريس. ~~- متى؟ ~~- صباح الأمس. ~~- كيف تم اللقاء بينكما؟ ~~- اندس بين المستأجرين الجدد وانتظر حتى انفرد بي. ~~- لماذا لم تطرده؟ ~~- عز علي طرده يا ms027 أبي. # فقال الجبلاوي بحدة: لا تخاطبني بالأبوة. # فاستجمع أدهم قواه قائلا: إنك أبي على رغم غضبك وعلى رغم ~~حماقتي. ~~- أهو الذي أغراك بفعلتك؟ # وأجابت أميمة دون أن يوجه إليها السؤال: نعم يا سيدي. # فهتف الجبلاوي: اخرسي يا حشرة! (ثم موجها الخطاب إلى أدهم): ~~أجب! ~~- كان يائسا حزينا نادما وود لو يطمئن على مستقبل ~~ذريته. ~~- وفعلت هذا من أجله! ~~- كلا ... اعتذرت له عن عجزي. ~~- وماذا غيرك؟ # فتنهد أدهم يائسا وتمتم: الشيطان! # فسأله ساخرا: هل أخبرت زوجتك بما جرى بينك وبينه؟ # هنا انتحبت أميمة فنهرها الجبلاوي أن تخرس، وحث أدهم على ~~الإجابة بإشارة من أصبعه، فقال: نعم. ~~- وماذا قالت لك؟ # لاذ أدهم بالصمت كي يزدرد ريقه فصاح به: أجب يا وضيع! ~~- وجدت بها رغبة في الاطلاع على الوصية، وظنت أن ذلك لن يضر ~~أحدا. # فحدجه باحتقار شديد وقال: وهكذا انصعت إلى خيانة من فضلك على ~~من هم خير منك. # فقال أدهم بصوت كالأنين: لن يسعفني دفاع عن ذنبي، لكن مغفرتك ~~أكبر من الذنب والدفاع. ~~- تتآمر علي مع إدريس الذي طردته إكراما لك؟ ~~- لم أتآمر مع إدريس، لقد أخطأت، ولا نجاة لي إلا ~~بمغفرتك. # وهتفت أميمة بتوسل: سيدي ... # فقاطعها قائلا: اخرسي يا حشرة. # وجعل يردد عينيه بينهما عابسا، ثم قال بصوت رهيب: اخرجا من ~~البيت. # وهتف أدهم: أبي ... # فقال الرجل بصوت غليظ: غادرا البيت قبل أن تلقيا خارجا. # 9 # فتح باب البيت الكبير ليشهد هذه المرة خروج أدهم وأميمة ~~مطرودين. خرج أدهم يحمل بقجة ملابس، وتبعته أميمة حاملة بقجة ~~ثانية وأطعمة خفيفة. خرجا ذليلين حزينين باكيين بلا أمل. ~~وعندما سمعا صوت الباب وهو يغلق خلفهما ارتفع صوتاهما بالنحيب. ~~وقالت أميمة وهي تنشج: الموت دون ما أستحق من جزاء! # فقال أدهم بصوت متهدج: لأول مرة تصدقين، ولكن الموت دون ما ~~أستحق كذلك! # وما كادا يبتعدان قليلا عن البيت حتى دوت ضحكة ساخرة ~~مخمورة، فنظرا نحو مصدرها، فرأيا إدريس أمام كوخه الذي بناه من ~~الصفائح والأخشاب وقد جلست امرأته نرجس وهي تغزل صامتة. كان إدريس ms028 ~~يضحك في سخرية وشماتة حتى ذهل أدهم وأميمة فوقفا يحملقان فيه. ~~وراح إدريس يرقص ويفرقع بأصابعه حتى ضجرت نرجس فآوت إلى الكوخ. ~~تابعه أدهم بعينين محمرتين من البكاء والغضب. أدرك في لحظة ~~المكر الذي مكره فتكشف له عن حقيقته الخبيثة المجرمة. وأدرك أيضا ~~مدى حمقه وغبائه الذي يرقص له المجرم شماتة وفرحا. هذا هو إدريس ~~الذي استحال شرا مجسدا. وغلى دمه حتى فار فأغرق مخه. وقبض على ~~حفنة من تراب ورماه بها وهو يصيح بصوت مختنق بالغضب: يا قذر، يا ~~لعين، إن العقرب بالقياس إليك حشرة مستأنسة! # فأجاب إدريس بمزيد من حركاته الراقصة؛ هز رقبته يمنة ويسرة، ~~ولعب حاجبيه وما زال يفرقع بأصابعه. وتضاعف غضب أدهم فصاح: ~~الفساد والدناءة والوضاعة هذه هي صفات المخادعين الكاذبين. # فراح إدريس يهز وسطه بمثل الرشاقة التي هز بها رقبته ويرسم ~~بفيه ضحكة صامتة قبيحة، فصاح أدهم دون التفات إلى أميمة التي ~~حاولت أن تدفعه إلى المسير: حتى الدعارة تجربها يا أقذر من ~~خلق! # فمضى إدريس يهز عجيزته وهو يدور حول نفسه في بطء ودلال، فأعمى ~~الغضب أدهم فرمى بالبقجة أرضا ودفع أميمة التي همت بالتعلق به ~~وجرى نحوه حتى قبض على عنقه وشد عليه بكل قوته. لم يبد على إدريس ~~أنه تأثر بالمنقض ولا بقبضته، وواصل الرقص وهو يتأنق في تأوده؛ ~~وجن جنون أدهم فانهال على إدريس ضربا ولكن إدريس ازداد عبثا وراح ~~يغني بصوت كريه: # حطة يا بطة، # يا دقن القطة. # وتوقف بغتة وهو يزمجر، ثم دفع أدهم في صدره دفعة قوية تقهقر على ~~أثرها يترنح ثم اختل توازنه فسقط على ظهره. وهرعت إليه أميمة صارخة ~~فساعدته على النهوض وأخذت تنفض الغبار عن ثوبه وتقول: ما لك أنت ~~وهذا الوحش؟! فلنبتعد عنه! # وتناول البقجة صامتا، وحملت زوجه بقجتها وابتعدا حتى طرف ~~البيت الآخر، وكان الإعياء قد نال منه فرمى بالبقجة وجلس عليها وهو ~~يقول: «لنسترح قليلا.» فجلست المرأة قبالته وقد رجعت تبكي. وإذا ~~بصوت إدريس يترامى إليهما قويا كالرعد وصاحبه يقف ناظرا إلى ms029 ~~البيت الكبير نظرة التحدي ويصيح: طردتني إكراما لأحقر من أنجبت، ~~أرأيت كيف كان سلوكه نحوك؟! ها أنت ذا ترميه بنفسك إلى التراب. ~~عقاب بعقاب والبادي أظلم، كي تعلم أن إدريس لا يقهر، فلتبق وحدك ~~مع أبنائك العقماء الجبناء. لن يكون لك حفيد إلا من يسعى في التراب ~~ويتقلب في القاذورات. غدا يسرحون بالبطاطة واللب، غدا يتعرضون ~~لصفعات الفتوات في العطوف وكفر الزغاري، غدا يمتزج دمك بأحقر ~~الدماء، وتقبع أنت وحيدا في حجرتك تبدل وتغير في كتابك كيف شاء لك ~~الغضب والفشل، وتعاني وحدة الشيخوخة في الظلام، حتى إذا جاء الأجل ~~فلن تجد عينا تبكيك. # ثم التفت صوب أدهم وواصل صياحه الجنوني: وأنت أيها الضعيف كيف ~~تلقى الحياة وحدك؟! لا قوة فيك تؤيدك ولا قوي لديك تعتمد عليه، ~~وماذا تفيدك مبادئ القراءة والحساب في هذا الخلاء؟! ها .. ها .. ~~ها! # ولم تزل أميمة تبكي حتى ضاق بها أدهم فقال في فتور: كفي عن ~~البكاء. # فقالت وهي تجفف عينيها: سأبكي كثيرا، أنا الآثمة يا ~~أدهم! ~~- لست دونك إثما، لو لم تلقي مني ضعيفا نذلا ما وقع الذي ~~وقع. ~~- الذنب ذنبي وحدي. # فهتف بغيظ: إنك تحملين على نفسك لتتقي حملتي عليك! # فباخت حميتها في اتهام نفسها وأحنت رأسها مليا، ثم عادت تقول ~~بصوت ضعيف: لم أكن أتصور أن تبلغ قسوته هذا الحد! ~~- إني أعرفه، ولا عذر لي. # فترددت قليلا ثم قالت: كيف أعيش هنا وأنا حبلى؟! ~~- في هذا الخلاء نعيش بعد البيت الكبير، ليت للدموع جدوى، ولكن ~~ليس أمامنا إلا أن نقيم كوخا لنا. ~~- أين؟ # فنظر فيما حوله، ووقف نظره قليلا صوب كوخ إدريس، ثم قال بقلق: ~~لا يجوز أن نبتعد كثيرا عن البيت الكبير ولو اضطررنا إلى البقاء ~~غير بعيد من كوخ إدريس، وإلا هلكنا وحدنا في أطراف هذا ~~الخلاء. # ففكرت أميمة قليلا، ثم قالت بوجه مال إلى الاقتناع برأيه: نعم، ~~ولكي نبقى على مرمى بصره لعله يرق لحالنا. # فتأوه أدهم قائلا: الحسرة تقتلني، ولولاك لتوهمت ما بي ~~كابوسا، هل يجفوني قلبه إلى ms030 الأبد؟ لن أتطاول عليه كإدريس، هيهات، ~~لست كإدريس في شيء، فهل ألقى المعاملة نفسها؟ # فقالت أميمة في حنق: لم تعرف هذه الأحياء أبا مثل أبيك. # فتساءل بعينين حادتين: متى يتوب لسانك؟! # فانفعلت قائلة: والله ما ارتكبت جريمة ولا إثما، خبر من تشاء ~~بما فعلت وبما نلت جزاء ما فعلت، وأراهنك على أنه سيضرب كفا بكف، ~~والله ما عرفت الأبوة أبا كأبيك. ~~- ولا عرفت الدنيا رجلا مثله، هذا الجبل وهذه الصحراء وهذه ~~السماء تعرفه، ومثله يجن عند التحدي. ~~- بهذا الجبروت لن يبقى في البيت أحد من أبنائه. ~~- نحن أول الخارجين فنحن شر من فيه. # فقالت بامتعاض: لست كذلك، لسنا كذلك. ~~- الحكم الصحيح لن يكون إلا عند الامتحان. # لاذ كلاهما بالصمت. لم يكن بالخلاء حي يرى، إلا بعض العابرين عن ~~بعد عند سفح الجبل. وكانت الشمس ترسل أشعة حامية من سماء صافية ~~فتغمر الرمال المترامية حيث يلمع الحصى أو قطع الزجاج المتناثرة. ~~ولم يكن من قائم إلا الجبل في الأفق، وصخرة كبيرة في الشرق كأنها ~~رأس جسم مطمور في الرمال، وكوخ إدريس عند الطرف الشرقي للبيت ~~الكبير ينغرس في الأرض متحديا بهيئته الزرية. كان الجو كله ينذر ~~بالشقاء والتعب والخوف. وتنهدت أميمة بصوت مسموع وقالت: سنتعب ~~كثيرا حتى تتيسر لنا الحياة. # فرنا أدهم إلى البيت الكبير وقال: وسنتعب أكثر حتى ينفتح لنا هذا ~~الباب مرة أخرى. # 10 # شرع أدهم وأميمة في إقامة كوخ لهما عند الطرف الغربي للبيت ~~الكبير. كانا يجيئان بالأحجار من المقطم، ويجمعان الصفائح من سفح ~~الجبل، ويلتقطان الأخشاب من مشارف العطوف والجمالية وباب النصر. ~~وتبين لهما أن بناء الكوخ سيستغرق وقتا أطول مما قدرا، وصادف ذلك ~~نفاد الزاد الذي حملته أميمة من البيت من جبن وبيض وعسل أسود، فقرر ~~أدهم أن يبدأ بالسعي في سبيل رزقه. ورأى أن يبيع بعض ثيابه ~~الثمينة؛ ليشتري بثمنها عربة يد لبيع البطاطة والملانة والخيار ~~وغيرها على حسب المواسم. وعندما أخذ في جمع ثيابه أجهشت أميمة في ~~البكاء من شدة التأثر، ولكنه لم يستجب ms031 لعواطفها، فقال وهو بين ~~السخط والسخرية: لم تعد هذه الثياب تناسبني، أليس من المضحك أن ~~أسرح ببطاطة وأنا متلفع بعباءة مزركشة من وبر الجمل؟! # ثم شهده الخلاء وهو يدفع عربته نحو الجمالية؛ الجمالية التي لم ~~تنس بعد زفته، وانقبض قلبه وانحبس صوته فكف عن النداء، وكادت ~~تغرورق عيناه. واتجه نحو الأحياء البعيدة متهربا. وكان يواظب على ~~المشي والنداء من الصباح إلى المساء حتى كلت يداه وانجرد نعلاه ~~وسرت الأوجاع في قدميه ومفاصله. وكم كان يشق عليه مساومات ~~النسوان، أو أن يضطره الإعياء إلى افتراش الأرض لصق جدار، أو أن ~~يقف في ركن ليفك حصره. بدت الحياة غير حقيقية، وأيام الحديقة ~~وإدارة الوقف والمخدع المطل على المقطم كالأساطير. وجعل يقول ~~لنفسه: «لا شيء حقيقيا في هذه الدنيا، هي البيت الكبير، هي الكوخ ~~الذي لم يتم، هي الحديقة، هي عربة اليد، هي الأمس واليوم والغد، ~~لعلي أحسنت صنعا بالإقامة قبالة البيت حتى لا أفقد الماضي كما ~~فقدت الحاضر والمستقبل، وهل من عجب أن أخسر الذاكرة كما خسرت أبي ~~وكما خسرت نفسي؟!» فإذا عاد أول الليل إلى أميمة فليس إلى الراحة ~~يعود، ولكن ليواصل العمل في بناء الكوخ. # ومرة جلس في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس. واستيقظ على ~~حركة فرأى غلمانا يسرقون عربته فنهض مهددا. ورآه غلام فنبه ~~أقرانه بصفير ودفع العربة ليشغله بها عن مطاردتهم فاندلق الخيار ~~على الأرض على حين تفرق الغلمان مسرعين كالجراد. وغضب أدهم غضبا ~~شديدا حتى قذف فوه المهذب بسيل من أقذع الشتائم، ثم انكب على ~~الأرض يجمع الخيار الذي لوث بالطين. وتضاعف غضبه دون أن يجد له ~~متنفسا فراح يقول بتأثر وانفعال: «لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا ~~رحمة؟ لماذا كانت كبرياؤك أحب إليك من لحمك ودمك؟ وكيف تنعم ~~بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو ~~واللين والتسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار؟!» وقبض على ~~يدي العربة وهم يدفعها بعيدا عن الحارة اللعينة، وإذا بصوت يقول ~~متهكما: بكم الخيار يا عم؟ # رأى ms032 إدريس واقفا يبتسم ابتسامة ساخرة، رافلا في جلباب مقلم ~~بألوان زاهية، وعلى رأسه لاسة بيضاء. رآه باسما ساخرا لا ثائرا ~~ولا هائجا؛ فضاقت لمنظره الدنيا في عينيه على رغم ذلك. ودفع ~~العربة ليذهب، ولكن إدريس اعترض سبيله وهو يقول في دهشة: ألا يستحق ~~زبون مثلي حسن المعاملة؟ # فارتفع رأس أدهم في عصبية وهو يقول: دعني وشأني. # فأمعن إدريس في السخرية متسائلا: ألم تجد خيرا من هذه اللهجة ~~تخاطب بها أخاك الأكبر؟ # فقال أدهم بلهجة المتصبر: يا إدريس أما كفاك ما فعلت بي؟ لا ~~أريد أن تعرفني أو أن أعرفك! ~~- كيف يتأتى هذا ونحن في حكم الجيران؟! ~~- ما أردت جوارك ولكني قصدت أن أبقى قريبا من البيت الذي ~~... # فقاطعه هازئا: الذي طردت منه! # فسكت أدهم وقد تجلى الضيق في شحوب وجهه، فاستطرد الآخر قائلا: ~~النفس تتعلق بالمكان الذي تطرد منه، أليس كذلك؟ # فلم يخرج أدهم عن صمته، فقال الآخر: إنك تطمع في العودة إلى ~~البيت يا ماكر، إنك ضعيف حقا ولكنك مليء بالمكر. ألا فاعلم بأني ~~لن أسمح لك بالعودة وحدك ولو انطبقت السماء على الأرض. # فتساءل أدهم ومنخراه يتحركان من الحنق: ألم يكفك ما فعلت ~~بي؟ ~~- ألم يكفك أنت ما فعلت بي؟ من أجلك طردت وكنت كوكب البيت ~~المنير. ~~- بل طردت بسبب نفسك المتعجرفة. # فقهقه إدريس قائلا: وطردت أنت بسبب نفسك الضعيفة، فلا مكان في ~~البيت الكبير للقوة ولا للضعف! فانظر إلى استبداد أبيك. إنه لا ~~يسمح باجتماع القوة والضعف في نفس إلا نفسه هو، إنه القوي لحد ~~الفتك بفلذات كبده، الضعيف لحد التزوج من أم كأمك. # فقطب أدهم غاضبا وقال بتهدج: دعني أذهب، وتحرش إذا شئت بقوي ~~مثلك. ~~- أبوك يتحرش بالأقوياء والضعفاء. # فصمت أدهم وازداد وجهه عبوسا، فقال إدريس هازئا: لا تريد أن ~~تتورط في تجريحه! هذا مكر من مكرك، ودليل على أنك ما زلت تحلم ~~بالعودة. ~~- ثم تناول خيارة وأخذ ينظر إليها باشمئزاز ثم قال: كيف سولت لك ~~نفسك أن تسرح بهذا الخيار الملوث؟! ألم تجد عملا أشرف ms033 من ~~هذا؟ ~~- إني راض عنه! ~~- بل اضطرتك الحاجة إليه، على حين ينعم أبوك بالعيش الرغيد. فكر ~~قليلا في الأمر، أليس من الأكرم لك أن تنضم إلي؟! # فقال أدهم في ضجر: لم أخلق لحياتك! ~~- انظر إلى جلبابي! كان صاحبه يرفل فيه أمس دون وجه حق! # فلاح التساؤل في عيني أدهم وقال: وكيف حصلت عليه؟ ~~- كما يفعل الأقوياء! # أسرق أم قتل؟! وقال بحزن: لا أصدق أنك أخي إدريس! # فقال وهو يقهقه: لا تعجب ما دمت تعلم أنني ابن الجبلاوي! # فهتف أدهم في نفاد صبر: هلا أوسعت لي الطريق؟ ~~- كما تشاء لك حماقتك! # وملأ جيبه بالخيار، وألقى عليه نظرة ازدراء، ثم بصق على العربة ~~ومضى. # ووقفت أميمة تستقبله وهو يقترب من الكوخ. كانت الظلمة تغشى ~~الخلاء. وفي داخل الكوخ شمعة تحترق كأنها رمق في صدر محتضر. أما في ~~السماء فالنجوم تزهر، وعلى ضوئها يبدو البيت الكبير كشبح عملاق. ~~أدركت أميمة من صمته أنه على حال يستحسن معها تجنبه. قدمت إليه كوز ~~ماء؛ ليغسل أطرافه وجاءته بجلباب نظيف. وغسل وجهه وقدميه وبدل ~~جلبابه ثم جلس على الأرض ومد ساقيه. واقتربت منه في حذر فجلست ~~وهي تقول بلهجة الاسترضاء: ليتني أتحمل عنك بعض تعبك. # وكأنها حكت أجرب فصاح: اخرسي يا أصل الشر والتعاسة! # فتزحزحت بعيدا عنه حتى كادت تختفي، ولكنه صاح: إنك خير من ~~يذكرني بغفلتي وحماقتي، ملعون اليوم الذي رأيتك فيه. # فجاءه في الظلام انتحابها ولكنه ضاعف من غضبه فقال: سحقا ~~لدموعك! إن هي إلا عرق الخبث الذي يمتلئ به جسدك. # فجاءه صوتها الباكي قائلا: كل قول يهون بالقياس إلى ~~عذابي. ~~- لا تسمعيني صوتك، وابعدي عن وجهي. # وكور ثوبه المخلوع ورماها به، فتأوهت قائلة: «بطني!» وسرعان ما ~~برد غضبه، وأشفق من العواقب. وآنست هي من صمته تراجعا فقالت بصوت ~~المتوجع: سأذهب بعيدا كما تريد. # وقامت فمضت تبتعد حتى صاح بها: هل ترين الوقت مناسبا ~~للدلال؟ # ثم تحفز للقيام وهو يصيح: ارجعي لا رجعت إليك الراحة. # وأحد بصره في الظلام حتى رأى شبحها يعود فأسند ms034 ظهره إلى جدار ~~الكوخ ورفع رأسه نحو السماء. وود لو يطمئن على بطنها ولكن أبت ~~كبرياؤه. أجل ذلك إلى أجل قريب. ثم مهد له بقوله: اغسلي بعض ~~الخيار للعشاء. # 11 # مجلس لا يخلو من الراحة. لا نبت فيه ولا ماء، ولا عصافير تزقزق ~~فوق الغصون، لكن أرض الخلاء الجرداء المشاكسة تكتسي في الليل حلة ~~غامضة يخالها الحالم ما يشاء. وفوقه قبة السماء المرصعة بالنجوم ~~والمرأة داخل الكوخ، والوحدة ناطقة، والحزن كالجمر المدفون تحت ~~الرماد. وسور البيت العالي يعاند المشتاق، وهذا الأب الجبار كيف ~~السبيل إلى إسماعه أنيني. ومن الحكمة نسيان الماضي، لكن ليس لنا من ~~زمن غيره، لذلك كرهت ضعفي ولعنت نذالتي ورضيت الشقاء رفيقا وسألد ~~له أبناء. والعصفورة التي لا تصدها قوة عن الحديقة أسعد من أحلامي، ~~وعيناي احترقتا شوقا إلى المياه الجارية بين شجيرات الورد، وأين ~~عبير الحناء والياسمين؟ أين؟ أين خلو البال والناي؟ أين أيها ~~القاسي؟ مضى نصف عام فمتى يذوب ثلج قسوتك؟! # وعن بعد ترامى صوت إدريس مغنيا بصوت كريه: «عجايب والله ~~عجايب». وإذا به يوقد نارا أمام كوخه فاشتعلت كأنها شهاب هوى ~~فانغرس في الأرض، وكانت زوجه تذهب وتجيء ببطنها المتدلي؛ لتقدم ~~طعاما أو شرابا. ولطمته موجة سكر فصاح في السكون موجها الخطاب ~~إلى البيت الكبير: «هذا أوان الملوخية والفراخ المحمرة، اطفحوها ~~سما يا أهل البيت!» ثم عاد إلى الغناء. # وقال أدهم لنفسه متأسفا: «كلما خلوت إلى نفسي في الظلام جاء ~~الشيطان فأشعل ناره وعربد فأفسد علي خلوتي!» وظهرت أميمة عند باب ~~الكوخ فعلم أنها لم تنم على خلاف ظنه. وكانت من الحمل في إعياء، ~~ومن الجهد والفقر على حال لا تسر. وقالت برقة وإشفاق: ألا ~~تنام؟! # فقال في ضجر: دعيني للساعة الوحيدة التي تطيب فيها ~~الحياة! ~~- ستسعى بعربتك مع الصباح الباكر، فما أحوجك إلى الراحة! ~~- في وحدتي أرتد سيدا أو شبه سيد، أتأمل السماء وأتذكر الأيام ~~الخالية. # فتنهدت بصوت مسموع وقالت: أود لو رأيت أباك ذاهبا من البيت أو ~~راجعا إليه أن أرمي بنفسي ms035 تحت أقدامه وأن أستغفره. # فقال أدهم في جزع: قلت لك مرارا أن تقلعي عن هذه الأفكار، فليس ~~بهذه الوسيلة يمكن أن نسترد عطفه. # فصمتت مليا، ثم قالت همسا: إني أفكر في مصير الشيء الذي في ~~بطني. ~~- ولا شغل لي إلا هذا على رغم أني لم أعد إلا حيوانا ~~قذرا. # فتمتمت بحزن: والله إنك خير الرجال جميعا. # فضحك أدهم ساخرا وقال: لم أعد إنسانا، فالحيوان وحده هو الذي ~~لا يهمه إلا الغذاء. ~~- لا تحزن، كم من رجل بدأ مثلك، ثم تيسر له العيش الرغيد، فملك ~~الدكاكين والبيوت! ~~- أراهن على أن أوجاع الحبل قد بلغت رأسك! # فقالت بإصرار: ستكون رجلا ذا شأن، وسينشأ وليدنا في أحضان ~~النعيم. # فضرب أدهم كفا بكف وتساءل ساخرا: أأبلغ ذلك بالبوظة أم ~~بالحشيش؟ ~~- بالعمل يا أدهم. # فقال في سخط: العمل من أجل القوت لعنة اللعنات، كنت في الحديقة ~~أعيش، لا عمل لي إلا أن أنظر إلى السماء أو أنفخ في الناي، أما ~~اليوم فلست إلا حيوانا، أدفع العربة أمامي ليل نهار في سبيل ~~شيء حقير نأكله مساء ليلفظه جسمي صباحا، العمل من أجل القوت ~~لعنة اللعنات، الحياة الحقة في البيت الكبير، حيث لا عمل للقوت، ~~وحيث المرح والجمال والغناء. # وإذا بصوت إدريس يقول: نطقت بالحق يا أدهم، العمل لعنة، وهو ذل ~~لم نعتده، ألم أعرض عليك الانضمام إلي؟! # التفت أدهم نحو الصوت فرأى شبح إدريس واقفا على قرب منه. هكذا ~~يتسلل في الظلام دون أن يشعر به فينصت إلى الحديث ما شاء له ~~الإنصات، ويشترك فيه إذا حلا له ذلك. ووقف أدهم منفعلا وهو يقول: ~~عد إلى كوخك. # فقال إدريس بلهجة جدية مفتعلة: إني مثلك أقول: إن العمل لعنة ~~لا تليق بكرامة الإنسان. ~~- إنك تدعوني إلى البلطجة وهي أقذر من اللعنة. ~~- إذا كان العمل لعنة والبلطجة قذارة، فكيف يعيش الإنسان؟ # فلم يرتح إلى محادثته فصمت، وانتظر إدريس أن يتكلم فلم يتكلم، ~~فقال: لعلك تريد رزقا بلا عمل؟ ولكن ذلك سيكون حتما على حساب ~~الآخرين! # وثابر أدهم على ms036 صمته فعاد الآخر يقول: أم لعلك تريد رزقا بلا ~~عمل دون أن يضار به أحد؟! # وضحك ضحكة كريهة وقال: هذه فزورة يا ابن الجارية! # وصاحت أميمة بغضب: عد إلى كوخك واخز الشيطان. # ونادته امرأته بحدة، فرجع من حيث أتى وهو يترنم: «عجايب والله ~~عجايب». # وتوسلت أميمة إلى زوجها قائلة: تجنب الاشتباك معه بأي ~~ثمن. ~~- إني أجده فجأة فوق رأسي دون أن أدري كيف جاء. # وساد صمت اتخذا منه مسكنا لانفعالهما. وعادت أميمة تقول برقة: ~~قلبي يحدثني بأنني سأجعل من كوخنا بيتا شبيها بالبيت الذي طردنا ~~منه، لن تنقصه الحديقة ولا البلابل، وسيلقى وليدنا فيه كل راحة ~~ومتعة. # فوقف أدهم وهو يبتسم ابتسامة لم ترها في الظلام، وقال ساخرا وهو ~~ينفض التراب عن جلبابه: الخيار القشطة .. الخيار السكر! والعرق ~~يتصبب من جسدي والغلمان يتسلون بمعاكستي، والأرض تأكل قدمي، في ~~سبيل ملاليم! # ودخل الكوخ فتبعته وهي تقول: لكن سيأتي يوم المرح ~~والغناء. ~~- لو كنت تشقين ما وجدت وقتا للأحلام. # ورقد كل منهما على خيشة محشوة بالقش، وهي تقول: أليس الله ~~بقادر على أن يجعل من كوخنا بيتا كالبيت الكبير الذي طردنا ~~منه؟ # فقال أدهم وهو يتثاءب: أمنيتي أن أعود إلى البيت الكبير. # ثم وهو يتثاءب بدرجة أعلى: العمل لعنة! # فقالت بصوت هامس: ربما، ولكنها لعنة لا تزول إلا بالعمل! # 12 # وذات ليلة استيقظ أدهم على تأوهات عميقة. ولبث وهو بين النوم ~~واليقظة حتى تبين صوت أميمة وهي تتوجع هاتفة: «آه يا ظهري ... آه يا ~~بطني!» فجلس من فوره وهو يحملق صوبها، ثم قال: هذا حالك هذه الأيام ~~ثم ينجلي عن لا شيء، أشعلي الشمعة. # فقالت وهي تئن: أشعلها بنفسك، هذه المرة جد. # فقام يتحسس موضع الشمعة بين أدوات الطهي حتى عثر عليها، فأشعلها، ~~وثبتها على الطبلية، فبدت أميمة على الضوء الخافت جالسة متكئة على ~~ساعديها، تئن، وترفع رأسها؛ لتتنفس بصعوبة ظاهرة. وقال الرجل ~~بقلق: هذا ما تظنينه كلما شعرت بوجع. # فقالت بوجه متقلص: كلا، أنا متأكدة أن هذه المرة جد. # وساعدها حتى ms037 أسند ظهرها إلى جدار الكوخ، ثم قال: هو شهرك على ~~أي حال . تجلدي حتى أذهب إلى الجمالية لأحضر لك الداية. ~~- صحبتك السلامة. ما الوقت الآن؟ # مضى أدهم خارج الكوخ، وجعل ينظر إلى السماء، ثم قال: الفجر قريب، ~~لن أغيب إلا مسير الطريق. # واندفع يسير على عجل نحو الجمالية. ثم عاد يشق الظلام وهو قابض ~~على يد الداية العجوز ليهديها السبيل. وعند اقترابه من الكوخ ترامى ~~إليه صراخ أميمة الذي مزق السكون، فخفق قلبه وأوسع خطاه حتى تشكت ~~الداية. ودخلا الكوخ معا، فخلعت المرأة ملاءتها وهي تقول لأميمة ~~ضاحكة: جاء الفرج، وما بعد الصبر إلا الراحة. # وسألها أدهم: كيف حالك؟ # فقالت في صوت كالأنين: أكاد أموت من الألم، جسمي يتفكك، وعظامي ~~تتكسر، لا تذهب. # فقالت الداية: بل ينتظر في الخارج بسلام. # وغادر أدهم الكوخ إلى العراء، فلمح شبحا واقفا عن قرب، عرفه ~~قبل أن يتبينه، فانقبض صدره، ولكن إدريس قال مصطنعا لهجة الأدب: ~~جاءها الطلق؟ مسكينة، مرت زوجي بهذه الحالة كما تعلم منذ زمن ~~قصير، إنه ألم كاذب لا يلبث أن يزول، ثم تتلقى نصيبك من عالم ~~الغيب كما تلقيت هند. إنها طفلة ساحرة، ولكنها لا تكف عن التبول ~~والبكاء، تجلد. # فقال أدهم على مضض وضيق: الأمر لصاحب الأمر. # فصدرت عن إدريس ضحكة خشنة وتساءل: جئت لها بداية ~~الجمالية؟ ~~- نعم. ~~- امرأة قذرة، وطماعة، جئت بها أيضا فغالت في تقدير أتعابها ~~فطردتها، ولا تزال تدعو علي كلما رأتني مارا ببيتها. # فقال أدهم بعد تردد: ما ينبغي أن تعامل الناس هكذا. ~~- يا ابن الأكابر، علمني أبوك أن أعامل الناس بالفظاظة ~~والقسوة. # وارتفع صوت أميمة بصراخ كأنما هو صدى للتمزق الذي يقع في جوفها، ~~فانطبقت شفتا أدهم على ما هم بقوله، واقترب من الكوخ قلقا، وهتف ~~بصوت رقيق: شدي حيلك. # فردد إدريس قوله بصوت مرتفع: شدي حيلك يا امرأة أخي. # فأشفق أدهم من سماع زوجه هذا الصوت، لكنه دارى حنقه قائلا: يحسن ~~بنا أن نقف بعيدا عن الكوخ. ~~- تعال بنا إلى كوخي أقدم لك ms038 الشاي، وترى هند وهي تغط في ~~النوم. # لكن أدهم ابتعد عن كوخه دون أن يتجه نحو كوخ الآخر، وهو يلعنه في ~~سره في غيظ مكتوم، فتبعه إدريس وهو يقول: ستكون أبا قبل طلوع ~~الصبح. إنه تغير خطير، من فوائده أن تشعر بالرابطة التي يمزقها ~~أبوك في يسر وبلادة. # فنفس أدهم عن ضيقه بقوله: هذا الكلام يضايقني. ~~- ربما، لكن لا هم لنا غيره. # فسكت أدهم مترددا، ثم قال بشيء من الإشفاق: إدريس، لماذا تتبعني ~~وأنت تعلم أن لا مودة بيننا؟! # فقهقه إدريس عاليا وقال: يا لك من طفل قليل الحياء! لقد أيقظني ~~صراخ زوجك من أحلى نومة فلم أسمح لنفسي بالغضب، وعلى العكس جئت ~~لأقدم لك المعونة إن كنت في حاجة إليها، وإن أباك ليسمع الصراخ كما ~~سمعته ولكنه عاود النوم كمن لا قلب له. # فقال أدهم في ضجر: حسبنا ما كتب لنا من مصير، ألا تستطيع أن ~~تتجاهلني كما أتجاهلك؟ ~~- إنك تكرهني يا أدهم، لا لأنني كنت السبب في طردك، ولكن لأنني ~~أذكرك بضعفك. إنك تكره في نفسك الآثمة، أما أنا فلم يعد لي من ~~مبرر لكراهيتك؛ بل أنت اليوم عزائي وتسليتي، ولا تنس أننا جيران، ~~وأول من سكن هذا الخلاء من الأحياء، وسيدب عليه أولادنا جنبا ~~إلى جنب. ~~- إنك تتلذذ بتعذيبي. # فصمت إدريس مليا حتى منى أدهم نفسه بالخلاص، ولكنه عاد يسأل ~~بلهجة جدية: لماذا لا نتفق؟ # فقال أدهم هو يتنهد: لأنني بياع على قد حالي وأنت رجل هوايتك ~~الضرب والاعتداء. # وعاد صراخ أميمة يعلو ويشتد فرفع أدهم رأسه متوسلا، فأدرك من ~~توه أن كثافة الظلام قد خفت، وأن الفجر تسلق الجبل. وهتف أدهم: ~~ما ألعن الألم! # فقال إدريس ضاحكا: ما أجمل الرقة! خلقت لإدارة الوقف والنفخ في ~~الناي. ~~- اسخر ما شئت، إني متألم. ~~- لماذا؟ حسبت امرأتك هي المتألمة! # فصاح أدهم من فرط جزعه: دعني وشأني. # فتساءل الآخر في هدوء مغيظ: أتريد أن تصير أبا بلا ثمن؟ # فلزم أدهم الصمت وهو ينفخ، فقال إدريس متعطفا: أنت حكيم، وقد ~~جئت ms039 أعرض عليك عملا تستعين به على إسعاد المخلوقات القادمة، إن ~~هذا الذي نسمع مقدمات تشريفه الأول وليس الأخير، فإن شهواتنا لا ~~تقنع إلا بأن تبني فوقنا تلا من الذرية الصاخبة، ما رأيك؟ ~~- الضياء يلوح فاذهب لتستوفي نومك. # وتعالى الصراخ، متتابعا متواصلا، حتى ضاق أدهم بموقفه فرجع إلى ~~الكوخ الذي شف عنه الظلام، وبلغه وأميمة ترسل تنهيدة عميقة مثل ~~ختام أغنية حزينة. اقترب من باب الكوخ وهو يتساءل: كيف الحال ~~عندكم؟ # فجاءه صوت الداية وهو يقول: «انتظر!» تحفز قلبه للارتياح عندما ~~خيل إليه أن الصوت يوحي بالظفر. وما لبث أن لاحت المرأة في الباب ~~وهي تقول: رزقت بذكرين! ~~- توءمين؟ ~~- فليرزقك الله برزقهما. # وصكت أذنيه ضحكة إدريس من وراء ظهره وسمعه يقول: إدريس الآن ~~أب لأنثى وعم لذكرين. # ومضى نحو كوخه وهو يغني: «البخت والقسمة فين يا دي الزمان ~~قوللي». وعادت الداية تقول: ترغب الأم في أن يسميا قدري ~~وهمام. # فراح أدهم يغمغم وقد استخفه السرور: قدري وهمام، قدري ~~وهمام. # 13 # قال قدري وهو يجفف وجهه بذيل جلبابه: فلنجلس؛ لتناول ~~طعامنا. # فقال همام وهو ينظر نحو الشمس المائلة للغروب: نعم، سرقنا ~~الوقت. # تربعا على الرمال تحت سفح المقطم. وحل همام عقدة المنديل الأحمر ~~المخطط فكشف عن خبز وطعمية وكراث، وراحا يأكلان، وينظران بين حين ~~وآخر نحو أغنامهما، التي هام بعضها على وجهه، وقعد البعض ليجتر ~~في راحة وسلام. لم يكن ثمة ما يميز بين الشقيقين في الملامح ~~والقسمات، غير أن نظرة الصائد المتجلية في عيني قدري أضفت على ~~سحنته حدة ميزته بطابع خاص. وعاد قدري يقول، وهو يطحن الطعام ~~المحتشد في فيه: لو كان هذا الخلاء لنا دون شريك لرعينا أغنامنا ~~مرتاحي البال. # فقال همام باسما: ولكن هذا الخلاء مقصد الرعاة من العطوف وكفر ~~الزغاري والحسينية، ومن الحكمة أن نصادقهم فنتقي شرهم. # فضحك قدري ضحكة هازئة انطلقت من فيه مع فتات من طعامه وقال: هذه ~~الحواري عندها جواب واحد لمن ينشد صداقتها؛ هو الصفعات. ~~- لكن ... ~~- لا لكن يا ابن أبي، إني أعرف ms040 طريقة واحدة، وهي أن أجذب الرجل ~~من جلبابه وأنطحه في جبينه فينقلب على وجهه أو على قفاه. ~~- لذلك لا نكاد نحصي أعداءنا. ~~- ومن كلفك بإحصائهم؟! # وتابع همام جديا أوغل في الابتعاد فراح يصفر له حتى توقف ودار ~~عائدا في صمت الحكيم. وانتقى عودا من الكراث ومسحه بأصابعه فدفعه ~~في فيه متلذذا، ثم قال وهو يتمطق: لذلك تجدنا وحدنا، ويمضي الوقت ~~الطويل دون أن نتكلم. ~~- وما حاجتك إلى الكلام وأنت تغني طوال الوقت؟! # فنظر همام إليه بثقة وقال: يخيل إلي أنك تضيق بهذه الوحدة ~~أحيانا. ~~- سأجد دائما عللا للضيق، الوحدة أو غيرها. # وساد صمت وضح فيه التمطق. ولاحت عن بعد جماعة عائدة من الجبل ~~نحو العطوف، تسير على غناء منشد كالحادي والآخرون يرددون ... # فقال همام: هذه الناحية من الخلاء امتداد لحينا، ولو ذهبنا ~~شمالا أو جنوبا فأغلب الظن أننا لن نعود. # فضحك قدري ضحكة مجلجلة وقال: ستجد في الشمال وفي الجنوب أناسا ~~يودون قتلي، ولكنك لن تجد واحدا يجرؤ على منازلتي. # فقال همام وهو ينظر نحو الأغنام: لا يمكن إنكار شجاعتك، ولكن لا ~~تنس أننا نعيش بفضل اسم جدنا وسمعة عمنا المخيفة على رغم ما بيننا ~~وبينه من خصام. # فعقد قدري ما بين حاجبيه احتجاجا، ولكنه لم يجهر بمعارضته. ~~واتجه بصره نحو البيت الكبير الذي لاح عن بعد في الغروب هيكلا ~~ضخما مطموس المعالم، وقال: هذا البيت! لم أشهد له مثيلا، في خلاء ~~يكتنفه من جميع النواحي، وعلى مقربة من حوار وأزقة اشتهرت ~~بالجبروت والمشاكسة. صاحبه جبار بلا جدال، هذا الجد الذي لم ير ~~أحفاده وهم على بعد أذرع منه! # فاتجه بصر همام ناحية البيت، ثم قال: إن أبانا لا يذكره إلا ~~مصحوبا بالإجلال والإكبار. ~~- وعمنا لا يذكره إلا مصحوبا باللعنات. # فقال همام بإشفاق: هو جدنا على أي حال. ~~- وما جدوى ذلك يا غلام؟ إن أبانا يكدح وراء عربته، وأمنا تكد ~~طوال النهار وشطرا من الليل، ونحن نعاشر الأغنام حفاة شبه عراة. ~~أما هو فقابع وراء الأسوار، بلا قلب، متمتعا بنعيم ms041 لا يخطر على ~~بال. # فرغا من الطعام. نفض همام المنديل ولفه ثم دسه في جيبه، ~~واستلقى على ظهره متوسدا ذراعيه، مرسلا ناظريه إلى السماء ~~الصافية، وهي تقطر هدوء المغيب، والحدآت تولي في الآفاق. ونهض قدري ~~فانتحى جانبا ليبول، وقال: يقول أبونا إنه كان يخرج كثيرا في ~~الماضي فيمر بهم في ذهابه وإيابه، أما اليوم فلا يراه أحد، وكأنما ~~يخاف على نفسه. # قال همام بنبرات حالمة: كم تمنيت أن أراه. ~~- لا تحلم بأن ترى شيئا خارقا، ستجده شبيها بأبينا أو بعمنا، ~~أو لكليهما معا، إني أعجب لوالدي كيف لا يذكره إلا بالإجلال على ~~رغم ما ناله على يديه. ~~- الظاهر أنه كان شديد التعلق به، أو أنه آمن بعدالة ما نزل به ~~من عقاب. ~~- أو أنه ما زال يطمع في عفوه! ~~- إنك لا تفهم أبانا، إنه رجل ودود حلو المعشر. # وعاد قدري إلى مجلسه وهو يقول: إنه لا يعجبني، وأنت لا تعجبني. ~~أؤكد لك أن جدنا شخص شاذ لا يستحق الاحترام، ولو كانت به ذرة من ~~خير ما جفا لحمه هذا الجفاء الغريب، إني أراه كما يراه عمنا، لعنة ~~من لعنات الدهر. # فقال همام باسما: لعل أرذل ما فيه هو ما تتباهى به أنت، أعني ~~القوة والبطش. # فقال قدري بحدة: لقد نال هذه الأرض هبة بلا عناء ثم طغى ~~واستكبر. ~~- لا تنكر ما اعترفت به منذ قليل، إن الوالي نفسه لم يكن بوسعه ~~أن يعيش وحده في مثل هذا الخلاء. ~~- وهل تجد في الحكاية التي رويت لنا مسوغا حقا لغضبه على ~~والدينا؟ ~~- إنك تجد أهون منها سببا كافيا للبطش بالناس! # تناول قدري الكوز ومضى يشرب حتى روي، ثم تجشأ وقال: ما ذنب ~~الأحفاد؟ إنه لا يدري ما رعي الغنم، سحقا له! أود لو أعرف وصيته، ~~وماذا أعد لنا! # فتنهد همام وقال بصوت حالم: ثروة تريح من العناء، كي يفرغ المرء ~~لقلبه، ويمضي العمر في يسر وطرب. ~~- إنك تردد قول أبينا، نشقى في التراب والطين ونحلم بالناي في ظل ~~حديقة غناء. الحق أقول ms042 إني أعجب بعمي أكثر من أبي. # فجلس همام وهو يتثاءب، ثم نهض يتمطى ، وقال: على أي حال صرنا ~~شيئا، لنا مأوى يسعنا، ورزق يحفظ علينا الحياة، وأغنام نرعاها، ~~نبيع لبنها ونسمنها لنبيعها أيضا، ومن شعرها تغزل أمنا ~~الكساء. ~~- والناي والحديقة؟ # فلم يجب، واتجه نحو الأغنام بعد أن تناول عصاه الملقاة عند ~~قدميه. ووقف قدري، وصاح موجها خطابه إلى البيت الكبير في عبث: ~~أسمحت بأن نرثك، أم ستعاقبنا في موتك كما عاقبتنا في حياتك؟ # أجب يا جبلاوي! # وردد الصدى: «أجب يا جبلاوي!» # 14 # ورأيا عن بعد شخصا يتجه نحوهما لم تتضح معالمه. ومضى القادم ~~يقترب رويدا حتى تبيناه، فانتصبت قامة قدري بحركة تلقائية وشعت ~~عيناه الجميلتان نور ابتهاج. ولحظ همام أخاه باسما، ثم نظر إلى ~~الأغنام في غير مبالاة وهمس بلهجة تنبيه: الظلام غير بعيد. # فهتف قدري باستهانة: فليأت الفجر إذا شاء. # وخطا خطوات نحو الأمام ملوحا بذراعيه في ترحاب للفتاة. وأخذت ~~تدنو من موقفهما، مجهدة من المشي، لطول المسافة من ناحية ولمقاومة ~~الرمال لشبشبها من ناحية أخرى، متطلعة نحوهما ببصر لامع يعكس مع ~~فتنة العينين الخضراوين جرأة. وبدت ملتفة بملاءتها اللف حتى ~~الكتفين، مطلقة الرأس والعنق عاريين فعبث الهواء بضفيرتيها. ~~وارتفع صوت قدري بسرور مسح عن وجهه أمارات الحدة: أهلا ~~بهند. # فأجابت بصوت رقيق: أهلا بك (ثم مخاطبة همام) مساء الخير يا ابن ~~عمي. # فقال همام باسما: مساء الخير يا بنت العم، كيف حالك؟ # وتناول قدري يدها وسار بها نحو الصخرة الكبيرة القائمة على بعد ~~أمتار من موقفهما، ودارا حول الصخرة حتى ضلعها المواجه للجبل، ~~فصارا في منعزل عن الخلاء ومن فيه. وجذبها نحوه فأحاطها بذراعيه، ~~ثم قبل ثغرها قبلة طويلة حتى تماست ثناياهما وغابت الفتاة في ~~لحظة استسلام مذهلة. واستطاعت أن تتخلص من ذراعيه، وأن تقف مضطربة ~~الأنفاس فتحكم لف ملاءتها، وتتلقى نظرته المهاجمة بنظرة باسمة. ~~ولكن الابتسامة اختفت كأنما لخاطرة خطرت، وتقوست الشفتان في تبرم، ~~ثم قالت: جئت بعد معركة، أف، هذه الحياة لا تطاق. # فقطب قدري لإدراكه ms043 ما تعني وقال بحدة: لا تبالي بشيء، إننا أبناء ~~الحمق. أبي الطيب رجل غبي ، وأبوك الشرس لا يقل عنه غباء، إنهما ~~يودان أن يورثانا الكراهية، فيا للغباء! خبريني كيف تيسر لك ~~المجيء؟ # فنفخت وقالت: مضى اليوم كالأيام السابقة في نقار متواصل بين أبي ~~وأمي، وصفعها مرة أو مرتين فصرخت تلعنه وصبت غضبها على قلة ~~فحطمتها، ولكن غضبها اليوم وقف عند هذا الحد. إنها كثيرا ما تمسك ~~بخناقه متحدية لطماته، وتدعو عليه إذا غلبت على أمرها، أما إذا ~~غلبته الخمر فلا سلامة إلا بالبعد عن وجهه. كثيرا ما أشعر برغبة ~~في الهرب، وبكراهية شديدة لهذه الحياة، ولكني أروح عن نفسي ~~بالبكاء حتى تؤلمني عيناي. ما علينا، انتظرت حتى ارتدى ثيابه وذهب، ~~فتناولت الملاءة ولكن أمي تعرضت لي تحاول منعي كالعادة، ولكني ~~تخلصت منها ومضيت إلى الخارج. # فتناول قدري يدها بين يديه وتساءل: ألا تخمن أين تذهبين؟ ~~- لا أظن، لا يهمني، إنها على أي حال لا تجرؤ على إخبار ~~أبي. # فضحك قدري ضحكة مقتضبة وسألها: ماذا تظنينه يفعل لو عرف؟ # فرددت ضحكته في حيرة، ولكنها قالت: إني لا أخشاه على رغم شدته، ~~بل أقول لك إني أحبه، وهو يحبني في سذاجة لا تتفق وحدة طبعه؛ ولا ~~يبالي أن يقول إنني أغلى شيء في دنياه، ولعل هذا هو أصل ~~متاعبي. # جلس قدري على الأرض أسفل الصخرة ودعاها إلى الجلوس بأن ربت ~~الموضع جانبه، فجلست وهي تتخفف من حبكة الملاءة، ومال نحوها فلثم ~~خدها، ثم قال: يبدو أن غزو أبي أيسر من غزو أبيك، ومع ذلك فشد ما ~~يبدو فظا إذا جاء ذكر لأبيك. إنه ينكر عليه صفات ... # فضحكت قائلة وهي تذكر ما تردد عن ذكره: بني آدم! ... كذلك ينكر أبي ~~عليه. # فحدجها بنظرة استنكار، فقالت: أبوك ينكر على أبي فظاظته، وأبي ~~ينكر على أبيك طيبته، والمهم أنهما لم يتفقا على شيء. # فندت عن رأس قدري حركة كأنما ينطح الهواء. وقال بتحد: لكننا ~~سنفعل ما نشاء. # فقالت هند وهي تنظر نحوه بعطف وإشفاق: أبي ms044 يستطيع أن يفعل ما ~~يشاء كذلك! ~~- وأنا قادر على أشياء كثيرة، ماذا يريد لك هذا العم ~~السكير؟ # فضحكت على رغمها، وقالت بلهجة تشي بالاحتجاج والمداعبة معا: ~~تكلم عن أبي بأدب. # وواصلت الكلام وهي تقرصه في أذنه: طالما ساءلت نفسي عما يريد لي، ~~فخيل إلي أحيانا أنه يكره أن يزوجني من أحد. # فحملق فيها منكرا، فعادت تقول: رأيته مرة يرمى بيت جدنا بنظرة ~~غاضبة ويقول: «إذا كان قد رضي لأبنائه وأحفاده بالهوان، فهل يرضى ~~به لحفيدته؟! لا مكان لائق بهند إلا هذا البيت المغلق.» ومرة قال ~~لأمي: إن فتوة كفر الزغاري يرغب في الزواج مني، ففرحت أمي فصاح بها ~~حانقا: «يا وضيعة .. يا خسيسة، من يكون فتوة كفر الزغاري هذا؟ إن ~~أحقر خادم في البيت الكبير أشرف منه وأنظف!» فسألته أمي في حسرة: ~~«فمن تراه الجدير بها؟» فصاح: «علم ذلك عند الطاغية المتواري خلف ~~أسوار بيته، إنها حفيدته، وليس في الأرض من هو أهل لها! أريد لها ~~زوجا مثلي أنا!» فقالت أمي على رغمها: «أتريدها أن تكون تعيسة مثل ~~أمها؟!» فهجم عليها كالوحش وراح يركلها بشدة حتى جرت خارج ~~الكوخ! ~~- هذا هو الجنون بعينه. ~~- إنه يكره جدنا، ويلعنه كلما ذكره، لكنه في أعماقه يتيه إجلالا ~~بأبوته. # فكور قدري قبضته وجعل يضرب بها فخذه ويقول: لعلنا كنا نكون ~~أسعد حالا لو لم يكن ذلك الرجل جدا لنا! # فقالت بمرارة: لعلنا. # فجذبها إلى صدره بشدة تناسب الحدة في قوله وضمها إليه بقوة. ~~واستبقاها هكذا بين يديه ريثما تمر فترة الانتقال بين الشواغل ~~المتعبة وبين الهيام الموعود، وقال: أعطيني فاك. # عند ذاك تراجع همام من موقفه عند الصخرة، واتجه بخفة نحو الأغنام ~~وهو يبتسم في حياء وأسى. خيل إليه أن الهواء يثمل بأنفاس الحب، ~~وأن الحب ينذر بالمآسي. لكنه قال لنفسه: «صفا وجهه ورق، لا يرى ~~على هذا الحال إلا خلف الصخرة، فمن لنا بقوة هذا الحب السحرية ~~لتزيل متاعبنا؟» هذا والسماء تشحب في استسلام، وأنفاس المغرب تتردد ~~في خمول، والسمرة تزحف كنغمة وداع ms045 وانية، وهناك تيس يثب على ~~عنزة، وعاد همام يحدث نفسه: «ستفرح أمي يوم تلد هذه العنزة؛ ولكن ~~ميلاد إنسان قد يجيء بالكوارث، فوق رءوسنا لعنة من قبل أن نولد، ~~وأعجب عداوة هي التي لا تجد لها من مبرر إلا أنها بين أخوين. إلى ~~متى نعاني من هذه الكراهية؟! لو نسي الماضي لابتهج الحاضر، ولكننا ~~سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذي لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا ~~بسبب منه!» وعلقت عيناه بالتيس فابتسم. ومضى يدور حول الغنم وهو ~~يصفر ويلوح بعصاه. وحانت منه التفاتة نحو الصخرة الكبيرة الصامتة ~~فبدت في وقفتها، كأنها لا تبالي شيئا في الوجود. # 15 # استيقظت أميمة كعادتها عندما لم يبق في السماء إلا نجمة واحدة. ~~ونادت أدهم حتى استيقظ متأوها. ونهض الرجل فغادر غرفته مثقلا ~~بالنعاس إلى غرفة خارجية متصلة بها حيث ينام قدري وهمام فأيقظهما. ~~وبدا الكوخ في مظهره الجديد ناميا ممتدا كأنه بيت صغير، وأحاط ~~به سور ضم إليه فراغا خلفيا لإيواء الأغنام. وانتشرت على السور ~~أفرع اللبلاب؛ فلطفت من جفاء منظره، ودلت على أن أميمة لم تيئس ~~بعد من تحقيق حلمها القديم بأن تهذب ما استطاعت كوخها على مثال ~~البيت الكبير. واجتمع الرجال في الفناء حول صفيحة مملوءة بالماء، ~~فغسلوا وجوههم، وارتدوا جلابيب العمل، وحمل الهواء من داخل الكوخ ~~رائحة احتراق خشب، وبكاء الإخوة الصغار. # وأخيرا جلسوا حول الطبلية أمام مدخل الكوخ يأكلون من حلة فول ~~مدمس. وكان جو الخريف رطيبا مائلا للبرودة في هذه الساعة ~~المبكرة، ولكنه لاقى أجساما قوية صمدت حيال نزواته. وعن بعد بدا ~~كوخ إدريس وقد كبر وامتد كذلك. أما البيت الكبير فقام في صمت ~~منطويا على ذاته كأنما لا يربطه سبب بهذا العالم الخارجي. وجاءت ~~أميمة تحمل كوز لبن محلوب لتوه فوضعته على الطبلية وجلست. وعند ~~ذاك سألها قدري بسخرية: لماذا لا تبيعين اللبن إلى بيت جدنا ~~الموقر؟ # فالتفت إليه أدهم برأسه الذي وخط المشيب فوديه وقال: كل ~~وأنت ساكت، السكوت غاية ما نرجو عندك من خير. ms046 # وقالت أميمة وهي تطحن ما في فيها: آن لنا أن نخلل الليمون ~~والزيتون والفلفل الأخضر ، كنت يا قدري تبتهج في أيام التخليل ~~وتشترك في حشو الليمون. # فقال قدري بمرارة: كنا نبتهج ونحن صغار حتى بلا سبب. # فسأله أدهم وهو يعيد الكوز إلى موضعه: وماذا يشقيك اليوم يا أبا ~~زيد الهلالي؟ # فضحك قدري ولم يجب. أما همام فقال: يوم السوق قريب، ينبغي أن ~~نفرز الأغنام. # فهزت الأم رأسها بالإيجاب، على حين وجه الأب خطابه إلى قدري ~~قائلا: يا قدري لا تكن فظا، لا أقابل شخصا يعرفك إلا شكاك ~~إلي، أخشى أن تعيد سيرة عمك في هذه الحياة. ~~- أو سيرة جدي! # فاتقدت عينا أدهم استياء وقال: لا تذكر جدك بسوء، هل سمعتني ~~أفعل ذلك؟ ثم إنه لم يسئ إليك. # فقال قدري باستنكار: أساء إلينا ما دام أساء إليك. ~~- اسكت، نقطنا بسكوتك. ~~- بسببه كتبت علينا هذه الحياة، وهي أيضا مصير بنت ~~عمنا. # فقال أدهم في عبوس: ما لنا وما لها، أبوها علة الكارثة. # فهتف قدري: أعني أنه ما كان يصح أن تنشأ نساء من دمنا في الخلاء ~~والعراء! ثم خبرني أي رجل ستتزوج هذه الفتاة؟ ~~- ليكن الشيطان نفسه، لا شأن لنا بها، لا شك في أنها مفترسة مثل ~~أبيها. # ونظر نحو زوجه كأنما ينشد تأييدا فقالت أميمة: نعم، مثل ~~أبيها. # فبصق أدهم قائلا: ملعونة هي وأبوها! # فتساءل همام: ألا يفسد هذا الحديث علينا طعامنا؟ # فقالت أميمة برقة: لا تبالغ .. إن أسعد الأوقات وقت ~~اجتماعنا. # هنا ترامى إليهم صوت إدريس كالهدير وهو يلعن ويسب، فقال أدهم ~~بتقزز: بدأت صلاة الصبح! # وتناول آخر لقمة ونهض، ثم اتجه نحو عربته وراح يدفعها أمامه وهو ~~يقول: «تركتكم بعافية.» فردوا عليه: «مع السلامة!» ومضى الرجل ~~مبتعدا صوب الجمالية. وقام همام فمضى نحو الحظيرة من ممشى جانبي، ~~وما لبث أن تعالى ثغاء الأغنام ووقع أظلافها فملأت الممشى في ~~طريقها إلى الخارج. ونهض قدري كذلك فتناول عصاه ولوح لأمه مودعا ~~ولحق بأخيه. وعندما اقتربا من كوخ إدريس تصدى لهما فتساءل ms047 ~~ساخرا: بكم الرأس يا جدع؟ # فحدجه قدري بنظرة حب استطلاع على حين تجنب همام النظر ~~إليه. # وعاد إدريس يتساءل في إنكار: ألا يتفضل أحدكما بالجواب يا ابني ~~بياع الخيار؟ # فقال قدري بحدة: إذا أردت الشراء فاذهب إلى السوق! # فتساءل إدريس مقهقها: وإذا قررت الاستيلاء على إحداها؟ # وجاء صوت هند من الداخل وهي تقول: أبي، لا نريد فضائح! # فأجابها مداعبا: اهتمي بشأنك أنت، ودعيني لسلالة ~~الجواري! # فقال همام: نحن لا نتعرض لك فلا تتعرض لنا. ~~- آه، صوت أدهم، كان ينبغي أن تكون بين الأغنام لا ~~وراءها. # فقال همام محتدا: أمرنا أبي بألا نجيب على تحرشك ~~بنا. # فقهقه إدريس عاليا وقال: جزاه الله كل خير، لولا أمره هذا لكنت ~~من الهالكين! (ثم بلهجة خشنة) ... إنكما تعيشان عزيزين بفضل اسمي، ~~لعنة الله عليكم جميعا، غورا من وجهي. # وواصلا سيرهما وهما يلوحان من حين إلى حين بعصويهما، ولبث همام ~~ممتقع اللون من الانفعال فقال لقدري: هذا الرجل مقيت، ما أقذره! ~~حتى في الساعة المبكرة تنفث أنفاسه رائحة الخمر. # فقال قدري وهما يوغلان وراء الأغنام في الخلاء: إنه يتكلم ~~كثيرا، ولكنه لم يمد لنا يدا بأذى. # فقال همام محتجا: بل استولى أكثر من مرة على بعض ~~أغنامنا. ~~- إنه سكير، وهو للأسف عمنا، لا مهرب من الإقرار بذلك. # وساد الصمت قليلا وهما يتجهان نحو الصخرة الكبيرة، وفي السماء ~~سحب متفرقة، والشمس ترسل أشعتها فتغمر الرمال المترامية. وضاق ~~همام بكتمان ما يود قوله فقال: ستخطئ خطأ كبيرا إذا وصلت ~~أسبابك بأسبابه. # فاشتعلت عينا قدري بنظرة غاضبة وهتف: لا تحاول نصحي، حسبي ~~أبوك. # فقال همام وهو لم يفق بعد من إهانات إدريس: حياتنا موفورة ~~المتاعب فلا تزدها. # فصاح قدري: فلتسحقكم المتاعب التي تخلقونها بأنفسكم، أما أنا ~~فأفعل ما أشاء. # وكانا قد بلغا الموضع الذي يسرحان عنده الأغنام فالتفت همام نحو ~~أخيه وتساءل: أتظن أنك ناج من عواقب أفعالك؟! # فقبض قدري على منكبه بقبضته وصاح: ما أنت إلا حسود! # فدهش همام. دهمه قول أخيه الذي لم يتوقعه. ولكنه كان ms048 متعودا من ~~ناحية أخرى على مفاجآته ومفرقعاته. ورفع يده عن منكبه وهو يقول: ~~اللهم احفظنا ! # فشبك قدري يديه على صدره وهو يهز رأسه ساخرا فقال همام: خير ما ~~أفعل أن أتركك لنفسك حتى تندم، لن تقر بخطأ، ولن تقر به إلا بعد ~~فوات الفرصة. # وأولاه ظهره متجها نحو جانب الصخرة الظليل. ووقف قدري مكفهر ~~الوجه تحت الأشعة الحامية. # 16 # جلست أسرة أدهم أمام الكوخ تتناول عشاءها في ضوء النجوم الخافت. ~~وإذا بحدث يقع لم يشهد له الخلاء مثيلا منذ طرد أدهم. فتح باب ~~البيت الكبير وخرج منه شبح حاملا مصباحا. وتطلعت الأعين إلى ~~المصباح في دهشة انعقدت لها الألسنة، وتابعته وهو يتحرك في الظلام ~~ككوكب أرضي، وعندما توسط المسافة بين البيت والكوخ تركزت الأبصار ~~على الشبح لتتبينه على ضوء المصباح المنعكس حتى همس أدهم: «هذا ~~عم كريم بواب البيت.» وتضاعفت الدهشة عندما أيقنوا من أنه يقصدهم؛ ~~فوقفوا جميعا، بعضهم اللقمة في يده والبعض اللقمة في فيه بلا ~~حراك، وبلغ الرجل موقفهم فوقف رافعا يده وهو يقول: مساء الخير يا ~~سيدي أدهم. # ارتجف أدهم لدى سماعه الصوت الذي انقطع عنه منذ عشرين عاما، ~~فدعا من أعماق ذاكرته نبرات الأب العميقة وشذا الياسمين والحناء ~~وحنينا وأشجانا، فمادت به الأرض. وقال وهو يقاوم دموعه: مساء ~~الخير يا عم كريم. # فقال الرجل بتأثر غير خاف: لعلك أنت وأهلك بخير. ~~- الحمد لله يا عم كريم. # فقال الرجل برقة: أود أن أعرب لك عما بنفسي، ولكني كلفت فقط بأن ~~أبلغك بأن سيدي الكبير يدعو ابنك همام إلى مقابلته فورا. # وساد الصمت، فتبادلوا النظرات، ولفتهم الحيرة، وإذا بصوت ~~يتساءل: همام وحده؟ # والتفتوا ساخطين نحو إدريس الذي بدا عن كثب وهو يصغي، غير أن عم ~~كريم لم يجب، ورفع يده تحية ورجع صوب البيت الكبير تاركا الجميع ~~في ظلام. وتغيظ إدريس منه فصاح به: أتتركني بلا جواب يا ابن ~~اللئيمة؟ # وأفاق قدري من ذهوله فتساءل غاضبا: لماذا همام وحده؟ # فردد إدريس تساؤله: نعم، لماذا همام وحده؟ # فقال له ms049 أدهم، ولعله وجد في مخاطبته متنفسا عن أزمته: عد إلى ~~كوخك ودعنا في سلام. ~~- سلام؟! إني أقف حيث أشاء. # وتطلع همام إلى البيت الكبير صامتا، وقلبه يخفق بشدة خيل إليه ~~معها أن المقطم يردد صداه. وقال له أبوه بتسليم: اذهب يا همام إلى ~~جدك مصحوبا بالسلامة. # فالتفت قدري إلى أبيه يسأله بحدة وتحد: وأنا؟ ألست ابنك ~~مثله؟ ~~- لا تتكلم كما يتكلم إدريس يا قدري، إنك ابني مثله بلا أدنى ~~ريب، ولا لوم علي فلست أنا الداعي. # فقال إدريس محتجا: ولكن بوسعك أن تمنع تمييز أخ عن ~~أخيه. ~~- هذا شأن لا يعنيك (ثم مخاطبا همام) يجب أن تذهب، وسيأتي دور ~~قدري، إني واثق من ذلك. # فقال إدريس وهو يهم بالذهاب: إنك أب ظالم مثل أبيك، مسكين ~~قدري، لماذا يعاقب دون ذنب؟ # لكن اللعنة تنزل أول ما تنزل في أسرتنا بالممتازين، ألا لعنة ~~الله على هذه الأسرة المجنونة! # ومضى فابتلعته الظلمة. وعند ذاك هتف قدري: إنك تظلمني يا ~~أبي. ~~- لا تعد أقواله، تعال يا قدري، واذهب يا همام. # فقال همام بحرج: وددت لو كان معي أخي! ~~- سيلحق بك. # فصاح قدري بحنق: أي ظلم هذا؟! لماذا آثره علي؟ إنه لم يعرفه ~~كما لم يعرفني، فلماذا يختصه بالدعوة؟ # فدفع أدهم همام قائلا: اذهب! # فسار همام، وهمست أميمة: تحفظك العناية! # واحتضنت قدري باكية، ولكنه تخلص من ذراعيها ومضى في أثر أخيه ~~فصاح به أدهم: عد يا قدري ولا تقامر بمستقبلك. # فقال قدري بغضب: لن ترجعني قوة على الأرض. # وعلا صوت أميمة بالبكاء، وبكى الصغار في الداخل. وأوسع قدري خطاه ~~حتى لحق بأخيه، وعلى كثب منه في الظلام رأى شبح إدريس يسير ممسكا ~~بيد هند. ولما بلغوا باب البيت دفع إدريس قدري إلى يسار همام وهند ~~إلى يمينه وتراجع خطوات وهو يصيح: افتح يا عم كريم، جاء الأحفاد ~~للقاء جدهم. # وفتح الباب، وظهر على عتبته عم كريم وبيده المصباح، وقال بأدب: ~~فليتفضل سيدي همام بالدخول. # فهتف إدريس: وهذا أخوه قدري، وهذه هند، وهي صورة مكررة من ms050 أمي ~~التي ماتت باكية. # فقال عم كريم بأدب: أنت تعلم يا سيدي إدريس أنه لا يدخل هذا ~~البيت إلا من يؤذن له. # وأشار إلى همام فدخل، وتبعه قدري آخذا بيد هند ولكن علا صوت من ~~الحديقة عرفه إدريس وهو يقول بصرامة: اذهبا بعاركما أيها ~~الملوثان. # تسمرت أقدامهما. وأغلق الباب. وانقض إدريس عليهما فقبض على ~~منكبيهما بقبضتيه وتساءل بصوت متهدج من الغضب: أي عار ~~يعني؟ # وصرخت هند ألما، على حين تحول قدري فجأة نحو إدريس ورفع يديه ~~عنه وعن هند، فأفلتت هند وولت هاربة في الظلام. وتراجع إدريس ~~بخفة إلى الوراء، ثم وجه إلى قدري لكمة فتحملها الشاب على رغم ~~قوتها ووجه إليه لكمة أشد. واندفعا يتبادلان الضرب والركل بقسوة ~~ووحشية تحت سور البيت الكبير. وصاح إدريس: سأقتلك يا ابن ~~العاهرة! # فصاح قدري: سأقتلك قبل أن تقتلني! # وتبادلا الضربات حتى سال الدم من فم قدري وأنفه. وجاء أدهم جريا ~~كالمجنون وصاح بأعلى صوته: اترك ابني يا إدريس! # فصاح إدريس بحقد: سأقتله بجريمته! ~~- لن أدعك تقتله، ولن أدعك تعيش إن قتلته! # وجاءت أم هند مولولة وهي تصيح: فرت هند يا إدريس، أدركها قبل ~~أن تختفي! # ورمى أدهم بنفسه بين إدريس وقدري، وصاح بأخيه: أفق، إنك تقاتل ~~بلا سبب، بنتك طاهرة لم تمس، لكنك أرعبتها ففرت، أدركها قبل أن ~~تختفي. # وجذب قدري إليه، ورجع به مسرعا وهو يقول: أسرع .. تركت أمك في ~~حالة إغماء. # أما إدريس فانطلق في الظلام وهو يصرخ بأعلى صوته: «هند .. ~~هند!» # 17 # تبع همام عم كريم فاجتازا الممشى تحت عريشة الياسمين متجهين نحو ~~السلاملك. بدا الليل في الحديقة شيئا جديدا، لطيفا رطبا مترعا ~~بنشوات الأزهار والرياحين فانسكب بروعته في أعماق روحه. وامتلأ ~~الشاب بشعور جلال وافتتان، وحنين مودة عميقة للمكان، وبأنه مقبل ~~على أجل لحظات عمره. وتراءت لعينيه أنوار وراء شيش بعض النوافذ، ~~ونور قوي ينبعث من باب البهو فارشا على أرض الحديقة تحته شكلا ~~هندسيا، فخفق قلبه وهو يتخيل الحياة خلف النوافذ وفي الأبهاء، ~~كيف تكون؟ ومن يحياها؟ ms051 وزاد قلبه خفقانا حينما تمثلت لخاطره هذه ~~الحقيقة العجيبة وهي أنه مخلوق من سلالة هذا البيت ونطفة من هذه ~~الحياة، وأنه جاء ليلقاها وجها لوجه في جلباب أزرق بسيط وطاقية ~~باهتة، منتعلا أديم الأرض. ورقيا في سلم السلاملك، فمالا إلى جناح ~~الشرفة الأيمن نحو باب صغير، فتح على سلم فصعداه في صمت لا ينم عن ~~حياة، حتى بلغا ردهة طويلة مضاءة بمصباح يتدلى من سقف مزركش، ~~واتجها نحو باب كبير مغلق يتوسط الردهة. وقال همام لنفسه في ~~تأثر بالغ: «في موضع من هذه الردهة، لعله هذا الموضع عند رأس ~~السلم، وقفت أمي منذ عشرين عاما لتراقب الطريق، أي ذكرى تعيسة؟!» ~~ونقر عم كريم على الباب الكبير مستأذنا للقادم، ثم دفعه برقة ~~وتنحى لهمام جانبا وهو يشير له بالدخول. # ودخل الشاب في أناة وأدب ورهبة، فلم يسمع صوت الباب وهو يغلق ~~وراءه، ولم يشعر إلا شعورا غامضا بالنور المضيء في السقف ~~والأركان، أما وعيه كله فقد انجذب نحو الصدارة حيث تربع الرجل على ~~ديوان. لم يكن رأى جده من قبل، ولكنه لم يشك في هوية الجالس ~~أمامه، فمن يكون هذا الهائل إن لم يكن جده الذي سمع عنه الأعاجيب؟ ~~واقترب من مجلسه وهو يتلقى من عينيه الكبيرتين نظرة استلت من ~~ذاكرته جميع ما فيها، ولكنها بثت في قلبه في الوقت نفسه طمأنينة ~~وسلاما. وانحنى حتى كادت جبهته تمس طرف الديوان، ومد يده، فأعطاه ~~الآخر يده، فلثمها من الأعماق، وقال بشجاعة غير متوقعة: مساء الخير ~~يا جدي. # فجاءه الجواب من صوت جهوري لم يخل من أنغام رحمة: أهلا بك يا ~~بني، اجلس! # واتجه الشاب نحو مقعد إلى يمين الديوان وجلس على حافته، فقال ~~الجبلاوي: خذ راحتك في مجلسك. # فتزحزح همام إلى الداخل وقلبه يرتوي من المسرة، وتحركت شفتاه ~~بشكر مهموس ثم ساد الصمت. ولبث ينظر في نقوش السجادة تحت قدميه، ~~وهو يشعر بموقع النظرة المسددة نحوه كما نشعر بموقع الشمس منا ~~دون أن نراها. وإذا بذهنه يتجه فجأة نحو الخلوة القائمة إلى ms052 يمينه، ~~فلحظ بابها بخوف وكآبة، وإذا بالرجل يسأله: ماذا تعرف عن هذا ~~الباب؟ # فارتجفت أوصاله، وعجب كيف يرى كل شيء، وقال بخشوع: أعرف أنه ~~فاتحة مأساتنا. ~~- وماذا ظننت بجدك لدى سماعك الحكاية؟ # وفتح فاه ليتكلم فبادره الرجل: اصدقني القول. # فأثرت به اللهجة إلى حد أنه قال فيما يشبه الصراحة: بدا لي تصرف ~~والدي خطأ كبيرا، كما بدا لي عقابهما صارما شديدا. # فابتسم الجبلاوي قائلا: هذا هو شعورك على وجه التقريب، إني أمقت ~~الكذب والخداع؛ ولذلك طردت من بيتي كل من لوث نفسه. # فاغرورقت عينا همام. فقال الجد: بدا لي أنك شاب نظيف، ولذلك ~~استدعيتك. # فقال همام بصوت رطبته الدموع: شكرا يا سيدي! # فقال الجد بهدوء: رأيت أن أعطيك فرصة لم تتح لأحد ممن في الخارج، ~~وهي أن تعيش في هذا البيت، وأن تتزوج به، وأن تبدأ حياة جديدة ~~فيه. # فتتابعت دقات قلب همام في نشوة من الأفراح، ولبث ينتظر أنغاما ~~جديدة يستكمل بها هذا اللحن البديع كالسميع الذي ينتظر الجواب ~~بعد أن طرب للقرار، ولكن الرجل لاذ بالصمت. وتردد همام قليلا، ثم ~~قال: الشكر لك على نعمتك! ~~- إنك تستحقها. # واختلج نظر الشاب بين جده وبين السجادة، ثم تساءل في إشفاق: ~~وأسرتي؟ # فقال الجبلاوي في عتاب: قلت ما أريد بوضوح! # فقال همام باستعطاف: إنهم يستحقون رحمتك وعفوك! # فتساءل الجبلاوي بشيء من البرود: ألم تسمع ما قلت؟ ~~- بلى، ولكنهم أمي وأبي وإخوتي، إن أبي رجل ... ~~- ألم تسمع ما قلت؟ # وشى الصوت بالضجر فغلب الصمت. وإذا بالرجل يقول إيذانا بانتهاء ~~الحديث: ارجع إليهم لتستأذن، ثم عد. # وقام همام فلثم يد جده ومضى. وجد عم كريم ينتظر، فتحرك الرجل ~~وتبعه الشاب في سكون. ولما انتهيا إلى السلاملك، رأى همام فتاة في ~~منطقة الضوء بأول الحديقة، وقد سارعت إلى الاختفاء. غير أنه لمح ~~منها العارض والعنق وقامة ممشوقة. وعاد صوت الجد يتردد في أذنيه ~~وهو يقول: «أن تعيش في هذا البيت وأن تتزوج به.» بفتاة كهذه ~~الفتاة، وعيشة خبرها أبي. كيف هانت عليه المقامرة؟! وكيف ms053 وبأي قلب ~~تحمل الحياة بعد ذلك وراء عربة اليد؟! وهذه الفرصة السعيدة كأنها ~~حلم؛ حلم أبي منذ عشرين عاما. # 18 # عاد همام إلى الكوخ فوجد أسرته جالسة تترقب عودته، وأحاطوا به ~~مستطلعين وسأله أدهم بلهفة: ماذا وراءك يا بني؟ # ولاحظ همام أن قدري معصوب العين؛ فقرب رأسه من وجهه ليتحقق من ~~الأمر فقال أدهم بأسى: نشبت معركة حامية بين أخيك وبين ذلك ~~الرجل. # وأشار بيده نحو كوخ إدريس الذي بدا غارقا في الظلمة والصمت، على ~~حين قال قدري بغضب: كل ذلك بسبب التهمة الخبيثة الكاذبة التي ~~قذفت بها من داخل البيت. # وأشار همام نحو كوخ إدريس، وتساءل في قلق: ماذا يحدث ~~هنالك؟ # فقال أدهم بحزن: الرجل وزوجه يبحثان عن ابنتهما الهاربة. # فصاح قدري: من المسئول عن ذلك إلا الرجل الفظ اللعين؟! # فتوسلت أميمة قائلة: أخفت من صوتك. # فصاح قدري في حنق: ماذا تخافين؟ ... لا شيء إلا الطمع في عودة لن ~~تتحقق. صدقيني إنك لن تغادري هذا الكوخ حتى الممات. # فاحتد أدهم قائلا: كفى هذيانا، أنت مجنون وحق خالق الكون! ألم ~~تكن تريد أن تلحق بالفتاة الهاربة؟ ~~- وسألحق بها. ~~- اسكت، لقد ضقت بحماقاتك! # وقالت أميمة بجزع: لن تطيب لنا الحياة بجوار إدريس بعد ~~اليوم. # والتفت أدهم نحو همام وسأله: قلت ماذا وراءك؟ # فقال همام بصوت لا أثر للسرور فيه: دعاني جدي إلى الإقامة في ~~البيت الكبير. # وترقب أدهم بقية للحديث، فلما لم ينبس الشاب تساءل في يأس: ونحن؟ ~~ماذا قال عنا؟ # فهز همام رأسه في حزن وهمس: لا شيء. # فضحك قدري ضحكة كلدغة عقرب وسأله في سخرية: وماذا جاء بك؟ ~~- نعم ماذا جاء بي؟ لا شيء إلا أن السعادة لم تخلق لينعم بها ~~أمثالي. وقال بحزن: لم أقصر في تذكيره بكم. # فقال قدري بحنق: شكرا، ولكن ماذا جعله يؤثرك علينا؟ ~~- أنت تعلم أن لا شأن لي في ذلك. # وقال أدهم وهو يتنهد: لا شك في أنك يا همام خيرنا جميعا. # فهتف قدري بمرارة: وأنت يا أبي الذي لم تذكره إلا بخير ms054 لا ~~يستحقه! # فقال أدهم: أنت لا تفهم شيئا. ~~- هذا الرجل أسوأ من ابنه إدريس. # فتوسلت أميمة قائلة: إنك تقطع قلبي، وتغلق أبواب الأمل في ~~وجهك. # فصاح قدري باستهانة: لا أمل إلا في هذا الخلاء، أدركوا هذا ~~وأريحوا أنفسكم، ايئسوا من هذا البيت اللعين، أنا لا أخاف هذا ~~الخلاء، حتى إدريس نفسه لا أخافه، وبوسعي أن أكيل له من الضربات ~~أضعاف ما يكيل لي. ابصقوا على هذا البيت وأريحوا أنفسكم. # وساءل أدهم نفسه: «أيمكن أن تمضي هذه الحياة على هذا النحو إلى ~~الأبد؟ ولماذا أيقظت يا أبي طموحنا إليك قبل أن ترتضي العفو لنا؟ ~~وأي شيء يمكن أن يلين قلبك إذا كان ذلك الزمن الطويل لم يلنه؟ وما ~~جدوى الأمل إذا كان ذلك العذاب كله لم يزكنا لرحمة من نحب؟» وقال ~~الرجل بصوت كالغروب: خبرني يا همام عما لديك. # فقال همام في حياء: قال لي اذهب فاستأذن ثم عد. # وشى الظلام بمحاولة فاشلة من أميمة لكتم انتحابها، وتساءل قدري ~~في خبث: وماذا يؤخرك؟ # فقال أدهم في حزم: اذهب يا همام مصحوبا بالسلامة ~~والبركات. # وقال قدري بلهجة جدية كاذبة: اذهب يا شهم ولا تلق بالا ~~إلى أحد. # فصاح أدهم: لا تهزأ بأخيك الطيب. # فقال قدري ضاحكا: إنه شرنا جميعا. # فهتف همام بحدة: إذا قررت البقاء فلن يكون هذا إكراما لك ~~أنت. # فقال أدهم بقوة: بل اذهب دون تردد! # وقالت أميمة خلال دموعها: نعم .. اذهب بالسلامة. # فقال همام: كلا يا أمي، لن أذهب! # فتساءل أدهم: أجننت يا همام؟ ~~- كلا يا أبي، الأمر يحتاج إلى تفكير ومشاورة. ~~- لا حاجة بك إلى ذلك، ولا تحملني ذنبا جديدا. # فقال همام بعزم وهو يشير نحو كوخ إدريس: يخيل إلي أن أحداثا ~~ستقع. # فقال قدري ساخرا: إنك أضعف من أن تدفع شرا عن نفسك فضلا عن ~~الآخرين. # فقال همام بازدراء: خير ما أفعل أن أتجاهل ما تقول. # فعاد أدهم يقول برجاء: اذهب يا همام! # فاتجه همام نحو الكوخ وهو يقول: سأظل إلى جانبك. # 19 # لم يبق من الشمس ms055 إلا الشفق، وانقطعت السابلة، وانفرد بالخلاء ~~قدري وهمام والأغنام. مر النهار فلم يتبادلا طواله إلا ما ~~تقتضيه ضرورة الشركة في العمل. وغاب قدري شطرا كبيرا من النهار ~~فخمن همام أنه يتشمم أخبار هند، ولبث وحده في ظل الصخرة على كثب من ~~الأغنام. وفجأة، وفي شيء من التحدي، سأل قدري همام: خبرني عما ~~انتويت من ذهابك إلى جدك أو عدولك؟ # فقال همام بامتعاض: هذا شأن يخصني وحدي. # فاحتدم الغيظ في قلب قدري، ولاحت بوادره في وجهه كطلائع الظلام ~~فوق المقطم، وتساءل: لماذا بقيت؟ .. ومتى تذهب؟ .. متى تجد الشجاعة ~~لإعلان نيتك؟ ~~- بل بقيت لأتحمل نصيبي من العناء الذي خلقته فضائحك. # فضحك قدري ضحكة كاسرة وقال: هكذا تقول لتداري حسدك! # فهز همام رأسه كالمتعجب وقال: إنك تستحق الرثاء لا الحسد! # فاقترب قدري منه وأطرافه ترتجف من الحنق، وقال بصوت مخنوق ~~بالغضب: ما أبغضك حين تتظاهر بالحكمة! # فحدجه همام بنظرة احتقار دون أن ينبس، فعاد الآخر يقول: يجب أن ~~تخجل الحياة لانتساب أمثالك إليها. # فلم يغض همام من بصره تحت النظرات المتقدة التي تنصب عليه وقال ~~بثبات: اعلم أنني لا أخافك. ~~- هل وعدك البلطجي الأكبر بالحماية؟ ~~- إن الغضب يجعل منك شيئا حقيرا تعافه النفس. # وفجأة لطمه قدري على وجهه. لم تدهمه اللطمة فردها بأشد منها ~~وهو يقول: لا تتماد في جنونك. # وانحنى قدري بسرعة فالتقط حجرا وقذف به أخاه بكل ما أوتي من ~~قوة. وبادر همام؛ ليتفادى الحجر ولكنه أصاب جبينه. ندت عنه آهة ~~وجمد في موقفه والغضب يشتعل في عينيه. وإذا بالغضب يختفي منهما ~~فجأة كأنه شعلة ردمت بتراب كثيف. وإذا بفراغ قاتم يحل فيهما. ~~فبدت العينان وكأنهما تنظران إلى الداخل. وترنح ثم انكفأ على ~~وجهه. # وتبدل قدري حالا بعد حال، فزايله الغضب، وتركه حديدا باردا ~~بعد انصهار، وركبه الخوف. ترقب بلهفة أن ينهض المنكفئ أو أن يتحرك ~~ولكنه لم يرحم لهفته. وانحنى فوقه، ومد إليه يده يهزه في رفق ولكنه ~~لم يستجب. وسواه على ظهره؛ ليخلص أنفه وفاه من الرمال؛ فاستلقى ~~الآخر ms056 محملق العينين ولا حراك به. وركع قدري إلى جانبه، وراح ~~يهزه، ويدلك صدره ويديه، وينظر بفزع إلى الدم المتدفق بغزارة من ~~جرحه. وناداه برجاء فلم يجب. وبدا صمته كثيفا عميقا، كأنه جزء لا ~~يتجزأ من كيان، كجموده الذي بدا غريبا عن الحي والجماد معا؛ لا ~~إحساس ولا انفعال ولا اهتمام بشيء، كأنما ألقي إلى الأرض من مكان ~~مجهول فلم يمت إليها بسبب. عرف قدري الموت بفطرته فراح يشد شعر ~~رأسه في يأس، ونظر فيما حوله خائفا، ولكن لم يكن هناك من حي إلا ~~الأغنام والحشرات، وجميعها انصرفت عنه دون اكتراث، سينتشر الليل ~~ويستحكم الظلام. # وقام بعزم، فجاء بعصاه، واتجه إلى موضع بين الصخرة الكبيرة وبين ~~الجبل، وراح يحفر الأرض ويرفع التراب بيديه، ويواصل العمل بعناد، ~~وهو يتصبب عرقا وترتجف منه الأوصال. وهرع نحو أخيه، هزه وناداه ~~للمرة الأخيرة دون أن يتوقع جوابا. وقبض على أسفل ساقيه وجره حتى ~~أودعه الحفر، وألقى عليه نظرة وهو يتنهد، وتردد مليا، ثم أهال ~~عليه التراب. ووقف يجفف عرق وجهه بكم جلبابه. وكلما رأى بقعة دم ~~في الرمال غطاها بالتراب. وارتمى على الأرض من شدة الإعياء. وشعر ~~بقوته تتخلى عنه، وبرغبة في البكاء، ولكن الدموع استعصت عليه. ~~وقال: «غلبني الموت!» لم يدعه ولم يقصده ولكنه يجيء كما يحلو ~~له. ولو أنه انقلب تيسا لغاب في الأغنام، أو ذرة من رمال لاختفى ~~في الأرض. ما دمت لا أستطيع أن أرد الحياة فلا يجوز أن أدعي القوة ~~أبدا. وهيهات أن تمحى تلك النظرة من رأسي أبدا! إن الذي دفنته ~~لم يكن من الأحياء ولا من الجماد، ولكنه من صنع يدي! # 20 # عاد قدري إلى الدار يسوق الأغنام، ولم تكن عربة أدهم بموقفها. ~~وجاءه صوت أمه من الداخل وهي تتساءل: لماذا تأخرتما عن ~~موعدكما؟ # فدفع الأغنام إلى الممشى المفضي إلى حظيرتها وهو يقول: غلبني ~~النوم، ألم يحضر همام؟ # رفعت أميمة صوتها؛ ليعلو على أصوات الطفلين قائلة: كلا، ألم يكن ~~معك؟ # فازدرد ريقا جافا وقال: غادرني منذ الظهر دون ms057 أن يخبرني أين ~~هو ذاهب، فظننته رجع إلى هنا. # فتساءل أدهم وكان قد وصل ومضى يدخل العربة إلى الفناء: هل ~~تشاجرتما؟ ~~- أبدا. ~~- أظنك كنت السبب في ذهابه، ولكن أين هو؟ # خرجت أميمة إلى الفناء، على حين أغلق قدري باب الحظيرة، وراح ~~يغسل وجهه ويديه من ماء طشت تحت الزير. لا بد من مواجهة الموقف. ~~الدنيا تغيرت ولكن اليأس قوة. وانضم إلى والديه في الظلام، وهو ~~يجفف وجهه بطرف جلبابه. وتساءلت أميمة: أين ذهب همام؟ لم يغب كهذه ~~المرة من قبل. # فوافقها أدهم قائلا: نعم، خبرنا كيف ولماذا ذهب؟ # وارتعد قلب قدري لصورة خطرت برأسه، لكنه قال: كنت جالسا في ظل ~~الصخرة، فلاحت مني التفاتة فرأيته يبتعد صوب حينا، وهممت أن ~~أناديه ولكني لم أفعل. # فقالت أميمة في حسرة: ليتك ناديته ولم تستسلم لزعلك. # ونظر أدهم حائرا في الظلام حوله، فرأى ضوءا خافتا خلال كوة في ~~كوخ إدريس دلت على أن الحياة دبت فيه من جديد، ولكنه لم يأبه ~~لذلك، وثبت بصره على البيت الكبير وتساءل: أتراه ذهب إلى ~~جده؟ # فقالت أميمة بإنكار: لا يفعل ذلك دون إخبارنا. # فقال قدري بصوت شاحب: لعل الحياء منعه! # فسدد أدهم نحوه نظرة ارتياب منقبض الصدر؛ لخلو صوته من السخرية ~~والعدوان وقال: دفعناه إلى الذهاب فأبى. # فقال قدري في إعياء: تحرج من القبول أمامنا! ~~- ليس هذا من خلقه، وأنت ما لك كالمريض؟! # فقال قدري بحدة: حملت عبء العمل وحدي! # فهتف أدهم في ضيق المستغيث: الحق أقول .. إن قلبي غير ~~مطمئن. # فقالت أميمة بصوت مبحوح: سأذهب إلى البيت الكبير؛ لأسأل ~~عنه. # فهز أدهم منكبيه في يأس وقال: لن يرد عليك أحد، ولكني أؤكد لك ~~أنه لم يذهب. # فنفخت أميمة في كرب وقالت: رباه، لم يضطرب هكذا قلبي من قبل، ~~افعل شيئا يا رجل! # فتنهد أدهم بصوت مسموع في الظلام وقال: فلنفتش عنه في كل ~~ناحية. # فقال قدري: لعله في الطريق إلينا. # فهتفت أميمة: لا ينبغي أن ننتظر. # ثم مستدركة في جزع، وهي تنظر صوب كوخ إدريس: ms058 أيكون إدريس قد ~~صادفه في طريقه؟ # فقال أدهم بامتعاض: غريم إدريس قدري لا همام. ~~- إنه لا يتردد عن القضاء على أي منا، إني ذاهبة إليه؟ # فحال أدهم بينها وبين الذهاب وهو يقول: لا تزيدي أمورنا تعقيدا، ~~أعدك إذا لم نعثر عليه أن أذهب إلى إدريس، وأن أذهب إلى البيت ~~الكبير. # وحدج شبح قدري بنظرة قلقة. ما باله واجما؟! أليس عنده أكثر ~~مما قال؟ وأين أنت يا همام؟! # واندفعت أميمة لتغادر الفناء فمال أدهم نحوها وأمسك بمنكبها. ~~وإذا بباب البيت الكبير يفتح، فتطلعوا نحوه. وبعد قليل لاح شبح عم ~~كريم وهو يقترب منهم فخرج إليه أدهم وهو يقول: «أهلا بك يا عم ~~كريم.» فحياه الرجل وقال: سيدي الكبير يسأل عما أخر ~~همام. # فقالت أميمة بيأس: لا ندري أين هو حتى ظنناه عندكم. ~~- سيدي يسأل عما أخره! # فهتفت أميمة: أعوذ بالله من أوهام قلبي. # وذهب عم كريم. وأخذت أميمة تحرك رأسها في اضطراب ينذر بالانفجار، ~~فساقها أدهم أمامه إلى حجرتهما الداخلية حيث علا بكاء الصغيرين، ~~وصاح بوحشية: لا تغادري الحجرة، سأعود به، ولكن إياك أن تغادري ~~الحجرة. # وعاد إلى الفناء فعثر على قدري جالسا على الأرض فانحنى فوقه ~~هامسا: خبرني ماذا تعرف عن أخيك؟ # فرفع رأسه نحوه بشدة، ولكن شيئا منعه من الكلام فعاد الرجل ~~يسائله: خبرني يا قدري ماذا فعلت بأخيك؟ # فقال الشاب بصوت لا يكاد يسمع: لا شيء. # وارتد الرجل نحو الداخل، ثم رجع بمصباح فأشعله ووضعه على عربته ~~فسقط نوره على وجه قدري فتفحصه الرجل بريبة وقال: وجهك ينذر ~~بالشقاء. # وجاء صوت أميمة من الداخل مختلطا بأصوات الطفلين؛ ليقول كلاما ~~لم يميزه أحد فصاح أدهم: اسكتي يا ولية، موتي إن شئت ولكن في ~~صمت! # وعاد إلى تفحص ابنه. وبغتة ارتعدت أطرافه. وأمسك بطرف كمه وقال ~~في فزع: دم! ما هذا؟ دم أخيك؟! # فحملق قدري في كم جلبابه ثم انكمش بحركة لا إرادية، وحنى رأسه ~~في يأس. وأطرق قدري بحركته اليائسة، فجذبه أدهم حتى أقامه، ثم دفعه ~~إلى الخارج. دفعه ms059 بقسوة لم يعهدها من قبل، وغشي عينيه ظلام فوق ~~الظلام المحيط. # 21 # دفعه نحو الخلاء قائلا: سنميل نحو خلاء الدراسة كي لا نمر أمام ~~كوخ إدريس. # وأوغلا في الظلام، وقدري يسير كالمترنح تحت قبضة أبيه الناشبة في ~~منكبه. وتساءل أدهم وهو يجد في السير بصوت أدركه الهرم: خبرني ~~هل ضربته؟ بأي شيء ضربته؟ وعلى أي حال تركته؟ # لم يجب قدري. كانت قبضة أبيه شديدة ولكنه لم يكد يشعر بها. وكان ~~ألمه شديدا ولكنه لم يفصح عنه، وود أن الشمس لا تطلع ~~أبدا. ~~- ارحمني وتكلم، ولكنك لم تعرف الرحمة، وقد قضيت على نفسي ~~بالعذاب يوم أنجبتك، أنا الذي تطاردني اللعنات منذ عشرين عاما، ~~وها أنا ذا أطلب الرحمة ممن لا يعرفها. # فانفجر قدري باكيا، حتى ارتجف منكبه في قبضة أدهم القاسية، وظل ~~يرتجف حتى سرت عدواه إلى أدهم، لكنه قال: أهذا جوابك؟ لماذا يا ~~قدري؟ لماذا؟ كيف هان عليك؟ اعترف في الظلام قبل أن ترى نفسك في ~~ضوء النهار. # فهتف قدري: لا طلع النهار! ~~- نحن أسرة الظلام، لن يطلع علينا نهار! وكنت أحسب الشر مقيما ~~في كوخ إدريس، فإذا به في دمنا نحن. إن إدريس يقهقه ويسكر ~~ويعربد، أما نحن فيقتل بعضنا البعض، رباه .. هل قتلت أخاك؟ ~~- أبدا! ~~- فأين هو؟ ~~- ما قصدت قتله! # فصاح أدهم: لكنه قتل! # وأجهش قدري في البكاء واشتدت قبضة أبيه. إذن قتل همام، زهرة ~~العمر وحبيب الجد، كأنه لم يكن، لولا الألم المفترس ما ~~صدقت. # وبلغا الصخرة الكبيرة فسأله أدهم بصوت غليظ: أين تركته يا ~~مجرم؟ # فسار قدري نحو الموضع الذي حفره لأخيه، ووقف عنده فيما بين ~~الصخرة والجبل. وتساءل أدهم: أين أخوك؟ لا أرى شيئا. # فقال قدري بصوت لا يكاد يسمع: هنا دفنته. # فصاح أدهم: دفنته؟! # وأخرج من جيبه علبة ثقاب وأشعل عودا تفحص الموضع على ضوئه حتى ~~رأى قطعة من الأرض قلقة المستوى، كما رأى مسحب الجثة الذي انتهى ~~عندها. تأوه أدهم من الألم. وراح يزيح التراب بيدين مرتعشتين. ~~وواصل عمله في جو رهيب حتى ms060 مست أصابعه رأس همام. وغرز يديه ~~إلى ما تحت إبطيه وسحب الجثة في رفق. وجثا على ركبتيه إلى جانبها ~~واضعا يديه على رأسه، مغمض العينين، مثالا للتعاسة والخيبة. وزفر ~~من أعماقه، ثم غمغم: إن حياة أربعين عاما من العمر تبدو سخفا ~~سقيما أمام جثتك يا بني. # وقام بغتة، ونظر نحو قدري وهو يقف أمام الجثة من الناحية الأخرى، ~~فعانى لحظات كراهية عمياء، وقال بصوت غليظ: سيعود همام إلى الكوخ ~~محمولا على عنقك. # فجفل قدري متراجعا، ولكن الرجل سارع إليه دائرا حول الجثة ثم ~~قبض على منكبه وهتف: احمل أخاك! # فقال قدري بصوت كالأنين: لا أستطيع! ~~- إنك استطعت قتله. ~~- لا أستطيع يا أبي! ~~- لا تقل «أبي»، قاتل أخيه لا أب له، لا أم له، لا أخ له. ~~- لا أستطيع! # فشد قبضته عليه وقال: على القاتل أن يحمل ضحيته! # حاول قدري أن يفلت من قبضة أدهم، ولكن أدهم لم يمكنه، وانهال في ~~عصبية على وجهه باللكمات فلم يتفاد من لكمة أو يتأوه من ألم. ~~وكف الرجل، ثم قال: لا تضيع الوقت، أمك تنتظر. # وارتعد قدري لدى ذكر أمه، فقال برجاء: دعني أختفي. # فجذبه نحو الجثة وهو يقول: هلم نحمله معا. # تحول أدهم إلى الجثة ووضع يديه تحت إبطي همام، وانحنى قدري ~~واضعا يديه تحت الساقين. رفعا الجثة معا، وسارا في بطء نحو خلاء ~~الدراسة. أوغل أدهم في مشاعره الأليمة حتى فقد أي شعور بالألم أو ~~بسواه. ولبث قدري يعاني ألما من خفقان قلبه وارتجاف أطرافه. ~~وامتلأ أنفه برائحة ترابية نفاذة على حين سرى مس الجثة من يديه ~~إلى أعماقه. وكان الظلام غليظا بينما نضح الأفق بأنوار الأحياء ~~الساهرة. وشعر قدري باليأس يكتم آخر أنفاسه فتوقف قائلا لأبيه: ~~سأحمل الجثة وحدي. # ووضع ذراعا تحت الظهر وأخرى تحت الفخذين، وسار يتبعه ~~أدهم. # 22 # وعندما اقتربا من الكوخ جاءهما صوت أميمة متسائلا في جزع: هل ~~وجدتماه؟ # فصاح أدهم بصوت آمر: اسبقيني إلى الداخل! # وسبق قدري إلى الكوخ؛ ليتأكد من اختفائها. ووقف قدري عند مدخل ~~الكوخ ms061 لا يريد أن يتحرك. وأشار له أبوه بالدخول، فامتنع قائلا في ~~صوت هامس: لا أستطيع أن ألقاها. # فهمس الأب حانقا: استطعت ما هو أفظع. # فتشبث قدري بموقفه وهو يقول: كلا، هذا أفظع! # ودفعه أدهم أمامه بحزم فاضطر إلى التحرك حتى بلغ الحجرة ~~الخارجية. وانقض أدهم على أميمة بسرعة فكتم براحته الصرخة التي ~~أوشكت على الإفلات من فيها، وقال بقسوة: لا تصرخي يا ولية، لا ~~ينبغي أن نلفت الأسماع إلينا حتى نتدبر الأمر، فلنقاس المقدور ~~صامتين، ولنتحمل الألم صابرين، الشر من بطنك ومن صلبي خرج، واللعنة ~~حقت علينا جميعا. # وسد فاها بقوة. وحاولت التخلص من يده عبثا. أرادت أن تعضها ~~فلم تتمكن. اضطربت أنفاسها وخارت قواها فسقطت مغشيا عليها. ولبث ~~قدري واقفا يحمل الجثة في صمت وخزي مركزا بصره على المصباح ~~ليتجنب النظر إليها. واتجه أدهم نحوه، فساعده على وضع الجثة على ~~الفراش، ثم سجاها برفق. ونظر قدري إلى جثة أخيه المسجاة على ~~الفراش الذي اقتسماه طوال العمر، فشعر بأنه لم يعد له مكان في ~~الدار. وحركت أميمة رأسها، ثم فتحت عينيها فبادر أدهم إليها وهو ~~يقول بحزم: إياك أن تصرخي. # وأرادت أن تنهض فساعدها على النهوض وهو يحذرها من إحداث صوت. ~~وهمت بالارتماء على الفراش فحال الرجل دون ذلك، فوقفت مغلوبة على ~~أمرها واندفعت تنفس عن كربها بشد شعرها بقسوة فانتزعت منه خصلات ~~بعد خصلات. ولم يبال الرجل بما تفعل، وقال بغلظة: افعلي ما يريحك ~~ولكن في صمت. # فقالت بصوت مبحوح: ابني .. ابني! # فقال أدهم في ذهول: هذه جثته، لم يعد ابنك ولا ابني، وهذا هو ~~قاتله، اقتليه إن شئت. # ولطمت أميمة خديها وقالت لقدري بوحشية: إن أحط الوحوش تتبرأ ~~من فعلتك! # فحنى قدري رأسه في صمت، على حين قال أدهم بوحشية: هل تذهب هذه ~~الروح هدرا؟ لا ينبغي أن تحيا، هذه هي العدالة. # فهتفت أميمة: كان أمس أملا مشرقا، قلنا له اذهب فأبى، ليته ~~ذهب، لو لم يكن كريما نبيلا رحيما لذهب، أيكون جزاء هذا القتل؟! ~~كيف هان عليك ms062 يا صخري القلب! لست ابني ولست أمك! # لم ينبس قدري، لكنه قال لنفسه: «قتلته مرة وهو يقتلني مرة كل ~~ثانية، لست حيا ، من قال إني حي؟!» وسأله أدهم بفظاظة: ماذا أفعل ~~بك؟ # فقال قدري بهدوء: قلت إنه لا ينبغي أن أحيا. # فهتفت أميمة: كيف سولت لك نفسك قتله؟! # فقال قدري في يأس: لا جدوى من النواح، إني مستعد للعقاب، ~~والقتل أهون مما أعاني. # فقال أدهم بحنق: لكنك جعلت حياتنا أيضا أفظع من الموت. # وهبت أميمة هاتفة وهي تلطم خديها: لن أحب هذه الحياة، ~~ادفنوني مع ابني، لماذا لا تدعني أصوت؟ # فقال أدهم بمرارة وسخرية: ليس شفقة على حنجرتك، ولكني أخشى أن ~~يسمعنا الشيطان. # فقال قدري باستهانة: فليسمع كيف شاء، لم أعد أكترث ~~للحياة. # وإذا بصوت إدريس يعلو قريبا من مدخل الكوخ: أخي أدهم! تعال يا ~~مسكين! # فسرت الرعدة فيهم جميعا، غير أن أدهم صاح به: عد إلى كوخك، ~~واحذر أن تستفزني. # فقال إدريس بصوت قوي: شر أهون من شر، مصيبتكم نجتكم من غضبي، ~~ولكن لندع هذا الحديث، كلانا مصاب، أنت فقدت العزيز الغالي، وأنا ~~ضاعت ابنتي الوحيدة؛ كان الأبناء عزاءنا في منفانا ولكنهم ذهبوا، ~~تعال يا مسكين نتبادل العزاء. # إذن ذاع السر! كيف ذاع؟! ولأول مرة يخاف قلب أميمة على قدري. ~~وقال أدهم: لا تهمني شماتتك، من يذق ألمي تهن عليه ~~الشماتة! # فجاء صوت إدريس مستنكرا: شماتة؟! ألا تدري أنني بكيت عندما ~~رأيتك تسحب الجثة من الحفرة التي حفرها قدري؟! # فصاح أدهم بغضب: تجسس حقير! ~~- لم أبك على القتيل وحده، ولكن على القاتل أيضا! وقلت لنفسي: ~~يا لك من مسكين يا أدهم، فقدت شابين في ليلة واحدة! # وصوتت أميمة دون اكتراث لأحد، واندفع قدري خارج الكوخ بغتة. ~~وجرى أدهم وراءه. وصرخت أميمة: لا أريد أن أفقد الاثنين! # أراد قدري أن يثب على إدريس، ولكن أدهم دفعه بعيدا عنه، ثم وقف ~~أمام الرجل متحديا وهو يقول: احذر أن تتعرض لنا! # فقال إدريس بهدوء: أنت أحمق يا أدهم، لا تفرق بين الصديق ms063 وبين ~~العدو، تريد أن تعارك أخاك دفاعا عن قاتل ابنك! ~~- اذهب عني. # فقال إدريس ضاحكا: كما تشاء، تقبل عزائي والسلام ~~عليكم. # غاب إدريس في الظلام. وتحول أدهم نحو قدري فوجد أميمة واقفة ~~تتساءل عنه، فجزع الرجل وراح ينظر في الظلام ويصيح بأعلى صوته: ~~قدري .. قدري .. أين أنت؟! # وجاءه صوت إدريس وهو يصيح بقوة: قدري .. قدري .. أين ~~أنت؟! # 23 # دفن همام في مقبرة تابعة للوقف بباب النصر. سار في جنازته قوم ~~كثيرون من معارف أدهم، أكثرهم باعة من زملائه، وأقلهم زبائن ممن ~~أسرتهم رقة أخلاقه وحسن معاملته. وفرض إدريس نفسه على الجنازة ~~فاشترك في تشييعها، بل وقف يتقبل العزاء بصفته عم الفقيد. وسكت ~~أدهم كارها، فسار في الجنازة كثيرون من الفتوات والبلطجية ~~والبرمجية واللصوص وقطاع الطرق. وعند الدفن وقف إدريس فوق القبر ~~يشجع أدهم بكلمات العزاء، والآخر صابر متصبر لا يجيب ودموعه تستبق ~~على خديه. وروحت أميمة عن كربها باللطم والصوات والتمرغ في التراب. ~~وعندما تفرق المشيعون، التفت أدهم إلى إدريس وقال بحنق: ألا يوجد ~~حد لقسوتك؟! # فتظاهر إدريس بالدهشة وتساءل: عم تتحدث يا أخي المسكين؟ # فقال أدهم بحدة: لم أتصورك على هذا القدر من القسوة على رغم سوء ~~ظني بك، الموت نهاية كل حي، فما وجه الشماتة فيه؟! # فقال إدريس وهو يضرب كفا على كف: الحزن أخرجك عن أدبك، لكني ~~مسامحك. ~~- متى تقر بأنه لم تعد تربطنا صلة؟ ~~- لترحمنا السماء، ألست أخي؟! هذه رابطة ليس في الإمكان ~~فصمها. ~~- إدريس! كفاك ما فعلت بي. ~~- الحزن قبيح، ولكن كلينا مصاب، أنت فقدت همام وقدري وأنا فقدت ~~هند، أصبح للجبلاوي العظيم حفيدة عاهرة وحفيد قاتل. وعلى أي حال ~~فأنت خير حالا مني، إذ لك ذرية تعوضك عما فات. فتساءل أدهم في ~~حسرة: أما زلت تحسدني؟ # فقال إدريس متعجبا: إدريس يحسد أدهم؟! # فعلا صوت أدهم وهو يهدر: إذا لم يكن جزاؤك من جنس عملك فعلى ~~الدنيا العفاء. ~~- العفاء .. العفاء. # ومرت أيام كئيبة مفعمة بالأشجان. وقهر الحزن أميمة فساءت صحتها ~~واعتصرها الضمور. وفي أعوام قلائل ms064 بلغ أدهم من الهرم ما لا يبلغ ~~في عمر مديد. وبات الزوجان يعانيان الهزال والمرض. ويوما اشتدت ~~عليهما وطأة المرض فركنا إلى الرقاد ، أميمة مع طفليها في الغرفة ~~الداخلية، وأدهم في الغرفة الخارجية، غرفة قدري وهمام. ومضى النهار ~~وجاء الليل فلم يشعلا مصباحا، وقنع أدهم بضوء القمر المنبعث من ~~الفناء. وراح يغفو قليلا ويستيقظ قليلا في حال بين الوعي ~~والذهول. وجاءه صوت إدريس من خارج الكوخ وهو يسأله متهكما: ألست ~~في حاجة إلى خدمة؟ # فانقبض صدره ولم يجبه. وكان يكره الساعة التي يغادر فيها الآخر ~~كوخه؛ ليذهب إلى سهرته الليلية. وجاءه الصوت مرة أخرى وهو يقول: ~~اشهدوا يا ناس على بري وعقوقه. # وذهب وهو يغني: # كنا تلاتة طلعنا الجبل نصطاد، # واحد قتله الهوى، والتاني خدوه الأحباب. # امتلأت عينا أدهم بالدموع. هذا الشر الذي لا يصد عن اللهو. يقاتل ~~ويقتل ويحظى بكل احترام. يقسو ويستبد هازئا بالعواقب وله ضحكة ~~تجلجل فتملأ الآفاق. له لذة في العبث بالضعفاء ويسمر في المآتم ~~ويغني فوق شواهد القبور. الموت يدنو مني وهو ما زال يضحك ساخرا. ~~القتيل في التراب والقاتل ضائع، وفي كوخي بكاء على الاثنين. ضحكة ~~الطفولة في الحديقة استحالت مع الأيام عبوسة غارقة في الدمع. وفي ~~الداخل بقية جسدي يتوجع. لماذا هذا العناء كله؟ وأين صفو الأحلام؟ ~~أين؟ # وخيل إلى أدهم أنه يسمع وقع أقدام؛ أقدام بطيئة وثقيلة استثارت ~~ذكريات غامضة كرائحة زكية مؤثرة تستعصي على الإدراك والتحديد. ~~حول وجهه نحو مدخل الكوخ فرأى الباب يفتح، ثم رآه يمتلئ بشيء كجسم ~~هائل. حملق في دهش، وأحد بصره في أمل يكتنفه يأس، وندت عنه ~~آهة عميقة، وغمغم متسائلا: أبي؟! # وخيل إليه أنه يسمع الصوت القديم وهو يقول: مساء الخير يا ~~أدهم. # فاغرورقت عيناه، وهم بالقيام فلم يستطع، ووجد غبطة وبهجة لم ~~يجدهما منذ أكثر من عشرين عاما. وقال بصوت متهدج: دعني ~~أصدق. # فقال: أنت تبكي وأنت الذي أخطأت. # فقال أدهم بصوت يشرق بالدمع: الخطأ كثير والعقاب كثير، ولكن حتى ~~الحشرات المؤذية لا تيئس من ms065 العثور على ظل. ~~- هكذا تعلمني الحكمة. ~~- عفوا عفوا، الحزن أرهقني، والمرض ركبني، حتى أغنامي مهددة ~~بالهلاك. ~~- جميل أن تخاف على أغنامك. # تساءل أدهم في رجاء: هل عفوت عني؟ # أجاب بعد صمت: نعم. # فهتف أدهم بجسم مرتعش: الشكر لله، منذ قليل كنت أقرع قاع هاوية ~~اليأس بيدي. ~~- فعثرت علي فيها؟ ~~- نعم كالصحو بعد الكابوس. ~~- لذلك فأنت ولد طيب. # فتأوه أدهم قائلا: أنجبت قاتلا وقتيلا. ~~- الميت لا يعود، فماذا تطلب؟ # فتنهد أدهم قائلا: كنت أهفو للغناء في الحديقة، ولكن لن يطيب لي ~~اليوم شيء. # فقال: سيكون الوقف لذريتك. ~~- الشكر لله. # فقال: لا تجهد نفسك واركن إلى النوم. ~~••• # وفي تواريخ متقاربة ودع الحياة أدهم، فأميمة، ثم إدريس. وكبر ~~الأطفال. وعاد قدري بعد غيبة طويلة ومعه هند ومعهما أطفال. نشئوا ~~جنبا إلى جنب وخالطوا غيرهم فازدادوا بهم عددا. وانتشر العمران ~~بفضل أموال الوقف فارتسمت في صفحة الوجود حارتنا. ومن هؤلاء وأولئك ~~جاء أبناء حارتنا. # | جبل # 24 # أقيمت بيوت الوقف في خطين متقابلين يصنعان حارتنا. ويبدأ الخطان ~~من خط يقع أمام البيت الكبير، ويمتدان طولا في اتجاه الجمالية. ~~أما البيت الكبير فقد ترك خاليا من جميع الجهات على رأس الحارة ~~من ناحية الصحراء. وحارتنا، حارة الجبلاوي، أطول حارة في المنطقة. ~~أكثر بيوتها ربوع كما في حي آل حمدان، وتكثر الأكواخ من منتصفها ~~حتى الجمالية. ولن تتم الصورة إلا بذكر بيت ناظر الوقف على رأس ~~الصف الأيمن من المساكن، وبيت الفتوة على رأس الصف الأيسر ~~قبالته. # كان البيت الكبير قد أغلق أبوابه على صاحبه وخدمه المقربين. ومات ~~أبناء الجبلاوي مبكرين فلم يبق من سلالة الذين أقاموا وماتوا في ~~البيت الكبير إلا الأفندي ناظر الوقف في ذلك الوقت. أما أهل الحارة ~~عامة فمنهم البائع الجوال، ومنهم صاحب الدكان أو القهوة، وكثيرون ~~يتسولون، وثمة تجارة مشتركة يعمل فيها كل قادر هي تجارة ~~المخدرات وبخاصة الحشيش والأفيون والمنافع. وكان طابع حارتنا - ~~كحالها اليوم - الزحام والضجيج. الأطفال الحفاة أشباه العرايا ~~يلعبون في كل ركن، ويملئون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ ms066 ~~مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل، وثالثة ~~توقد النار، يتبادلن الأحاديث والنكات، وعند الضرورة الشتائم ~~والسباب. والغناء والبكاء لا ينقطعان، ودقة الزار تستأثر باهتمام ~~خاص. وعربات اليد في نشاط متواصل. ومعارك باللسان أو بالأيدي تنشب ~~هنا وهناك، وقطط تموء وكلاب تهر، وربما تشاجر النوعان حول أكوام ~~الزبالة. والفئران تنطلق في الأفنية وعلى الجدران، وليس بالنادر أن ~~يتجمع قوم لقتل ثعبان أو عقرب. أما الذباب فلا يضاهيه في الكثرة ~~إلا القمل، فهو يشارك الآكلين في الأطباق والشاربين في الأكواز، ~~يلهو في الأعين ويغني في الأفواه كأنه صديق الجميع. # وما إن يجد شاب في نفسه جرأة أو في عضلاته قوة حتى يندفع إلى ~~التحرش بالآمنين، والاعتداء على المسالمين، فيفرض نفسه فتوة على حي ~~من أحياء الحارة، يأخذ الإتاوات من العاملين، ويعيش ولا عمل له إلا ~~الفتونة. هكذا وجد فتوات الأحياء مثل: قدرة والليثي وأبو سريع ~~وبركات وحمودة. وكان زقلط أحد هؤلاء الفتوات، فخاض معارك كثيرة مع ~~فتوة بعد فتوة حتى هزم الجميع وصار فتوة الحارة كلها. وفرض ~~الإتاوات على الفتوات جميعا. ورأى الأفندي ناظر الوقف أنه بحاجة ~~إلى مثل هذا الرجل؛ لينفذ أوامره أو يدفع عنه ما قد يتهدده من شر ~~فقربه ورتب له راتبا عظيما من ريع الوقف، فأقام زقلط في بيته ~~المقابل لبيت الناظر واستحكم سلطانه. وعند ذلك ندر وقوع المعارك ~~بين الفتوات؛ إذ إن الفتوة الأكبر لا يرتاح إلى هذا النوع من ~~المعارك الذي قد ينتهي بتكبير فتوة، وبالتالي بتهديد مركزه هو؛ ~~لذلك لم يجد الفتوات متنفسا لقوة شرهم الحبيسة إلا في الأهالي ~~المساكين المسالمين. كيف انتهى الأمر بحارتنا إلى هذه ~~الحال؟ # لقد وعد الجبلاوي أدهم بأن يكون الوقف لخير ذريته. وشيدت الربوع ~~ووزعت الخيرات وحظي الناس بفترة من العمر السعيد. ولما أغلق الأب ~~بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حينا، ثم لعب الطمع ~~بقلبه فنزع إلى الاستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب ~~والتقتير في الأرزاق، ثم قبض يده قبضا مطمئنا إلى حماية فتوة ~~الحارة ms067 الذي اشتراه. ولم يجد الناس بدا من ممارسة أحقر الأعمال. ~~وتكاثف عددهم؛ فزاد فقرهم وغرقوا في البؤس والقذارة. وعمد الأقوياء ~~إلى الإرهاب، والضعفاء إلى التسول، والجميع إلى المخدرات. كان ~~الواحد يكد ويكدح نظير لقمات يشاركه فيها فتوة، لا بالشكر، ولكن ~~بالصفع والسب واللعن. # الفتوة وحده يعيش في بحبوحة ورفاهية، وفوق هذا الفتوة الأكبر، ~~والناظر فوق الجميع، أما الأهالي فتحت الأقدام. وإذا عجز مسكين عن ~~أداء الإتاوة انتقم منه فتوة حيه شر الانتقام، وإذا شكا أمره إلى ~~الفتوة الأكبر ضربه الفتوة الأكبر وأسلمه إلى فتوة حيه ليعيد ~~تأديبه، فإذا سولت له نفسه أن يشكو إلى الناظر ضربه الناظر والفتوة ~~الأكبر وفتوات الأحياء جميعا. وهذه الحال الكئيبة شهدتها بنفسي ~~في أيامنا الأخيرة، صورة صادقة مما يروي الرواة عن الأزمان ~~الماضية. # أما شعراء المقاهي المنتشرة في حارتنا فلا يروون إلا عهود ~~البطولات متجنبين الجهر بما يحرج مراكز السادة، ويتغنون بمزايا ~~الناظر والفتوات، بعدل لا نحظى به، ورحمة لا نجدها، وشهامة لا ~~نلقاها، وزهد لا نراه، ونزاهة لا نسمع عنها. # وإني لأتساءل: عما أبقى آباءنا - أو عما يبقينا نحن - بهذه ~~الحارة اللعينة؟ الجواب يسير. لن نلقى في الحواري الأخريات إلا ~~حياة أسوأ من الحياة التي نكابدها هنا، هذا إذا لم يهلكنا فتواتها ~~انتقاما مما لاقوا على أيدي فتواتنا. والأدهى الأمر أننا ~~محسودون! يقول أهالي الحواري حولنا: يا لها من حارة سعيدة! تحظى ~~بوقف لا مثيل له، وفتوات تقشعر عند ذكرهم الأبدان. ونحن لا ننال من ~~الوقف إلا الحسرات، ومن قوة فتواتنا إلا الإهانات والأذى. على ذلك ~~كله فنحن باقون، وعلى الهم صابرون. نتطلع إلى مستقبل لا ندري متى ~~يجيء، ونشير إلى البيت الكبير ونقول: هنا أبونا العتيد، ونومئ إلى ~~الفتوات ونقول هؤلاء رجالنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد. # 25 # ونفد صبر آل حمدان فاصطخبت في حيهم أمواج التمرد. # كان آل حمدان يقيمون في قمة الحارة فيما يلي بيتي الأفندي وزقلط، ~~حول البقعة التي بنى أدهم فيها كوخه. وكان رئيسهم حمدان صاحب قهوة؛ ~~قهوة ms068 حمدان، أجمل قهوة في الحارة كلها وتتوسط حي حمدان بين الربوع. ~~جلس المعلم حمدان في الجهة اليمنى من مدخل القهوة، في عباءة ~~رمادية، وعلى الرأس لاسة مزركشة، يتابع عبدون صبي القهوة في نشاطه ~~المتواصل، ويتبادل مع بعض الزبائن الأحاديث. وكانت القهوة ضيقة ~~العرض ولكنها تمتد طولا حتى أريكة الشاعر في الصدر تحت صورة ~~خيالية ملونة لأدهم في رقاده الأخير، وهو يتطلع إلى الجبلاوي ~~الواقف بباب الكوخ. # أشار حمدان إلى الشاعر فتناول الربابة واستعد للإنشاد. وبين ~~أنغام الأوتار بدأ بتحية الناظر حبيب الجبلاوي، وزقلط زين الرجال، ~~ثم روى فترة من حياة الجبلاوي قبيل مولد أدهم. وندت عن احتساء ~~القهوة والقرفة والشاي أصوات، وانعقد الدخان المتصاعد من الجوز حول ~~الفانوس سحبا شفافة. وتركزت الأعين في الشاعر، واهتزت الرءوس ~~لجمال ذكرى أو حسن موعظة. ومضى وقت الخيال في شغف وانسجام حتى ~~وافاه الختام، وترامت على الشاعر تحيات الاستحسان. عند ذاك تحركت ~~في الأعماق موجة التمرد التي اجتاحت آل حمدان، فقال عتريس الأعمش ~~من مجلسه وسط القهوة، معلقا على ما سمع من قصة الجبلاوي: كان في ~~الدنيا خير، حتى أدهم لم يجع يوما واحدا. # وإذا بتمر حنة العجوز تقف أمام الدكان وتنزل قفص البرتقال من فوق ~~رأسها، ثم تقول موجهة الخطاب إلى عتريس الأعمش: يسلم فمك يا عتريس، ~~كلامك كالبرتقال السكري! # فنهرها المعلم حمدان قائلا: اذهبي يا ولية وأريحينا من كلامك ~~الفارغ. # لكن تمر حنة جلست على الأرض لصق مدخل القهوة وهي تقول: ما أحلى ~~القعدة جنبك يا معلم حمدان! (ثم وهي تشير إلى قفص البرتقال) يوم ~~ونصف ليلة في المشي والنداء نظير ملاليم يا معلم! # وهم المعلم بالرد عليها، ولكنه رأى ضلمة مقبلا مقطبا وقد ~~تلوث جبينه بالتراب فنظر إليه حتى وقف أمامه في مدخل القهوة وهتف ~~بصوت مرتفع: ربنا على المفتري! قدرة .. قدرة يا هوه أكبر مفتري، ~~قلت له: أمهلني إلى الغد حتى يفتح الله علي؛ فرماني على الأرض ~~وبرك فوق صدري حتى كتم أنفاسي. # فجاء صوت عم دعبس من أقصى القهوة ms069 وهو يقول: تعال يا ضلمة اقعد ~~جنبي، تعال الله يلعن أولاد الحرام. نحن أسياد هذه الحارة ولكننا ~~نضرب فيها كالكلاب، ضلمة لا يجد إتاوة لقدرة ، تمر حنة تسرح ~~بالبرتقال وهي لا ترى أبعد من ذراع أمامها، وأنت يا حمدان أين ~~شجاعتك يا ابن أدهم؟! # فاتجه ضلمة إلى الداخل، وتساءلت تمر حنة: أين شجاعتك يا ابن ~~أدهم؟! # فهتف بها حمدان: غوري يا تمر حنة، أنت فت سن الزواج من خمسين ~~سنة فلم تحبين مجالس الرجال؟! # فتساءلت المرأة: أين هم الرجال؟! # فقطب حمدان ولكن تمر حنة بادرته كالمعتذرة: دعني أسمع الشاعر يا ~~معلم. # فقال دعبس للشاعر بمرارة: حدثها عن هوان آل حمدان في هذه ~~الحارة. # فابتسم الشاعر قائلا: حلمك يا عم دعبس، حلمك يا سيد ~~الناس. # فقال دعبس محتدا: من سيد الناس؟ إن سيد الناس يضرب الناس ويظلم ~~الناس ويغتال الناس، أنت تعرف من هو سيد الناس! # فقال الشاعر بقلق: قد نجد بيننا فجأة قدرة أو غيره من ~~الشياطين! # فقال دعبس بحدة: كلهم ذرية إدريس! # فقال الشاعر بصوت خافت: حلمك يا عم دعبس قبل أن تهدم القهوة فوق ~~رءوسنا. # فنهض دعبس من مجلسه وقطع القهوة في خطوات واسعة ثم جلس إلى يمين ~~حمدان على أريكة وهم بالكلام، ولكن ضجة غلمان علت بغتة حتى غطت ~~على صوته، وانتشروا أمام القهوة كالجراد وهم يتبادلون السباب، فصرخ ~~فيهم دعبس: يا أولاد الشياطين أليس لكم جحور تؤويكم في ~~الليل؟ # لكنهم لم يبالوا بصراخه فوثب كالملدوغ وانقض عليهم، فجروا في ~~الحارة وهم يصيحون: «هيه!» وترامى أكثر من صوت نسائي من نوافذ الربع ~~المواجه للقهوة: «وحد الله يا عم دعبس»، «خوفت الأولاد يا رجل». ~~فلوح بيده ساخطا وعاد إلى مجلسه وهو يقول: الواحد حيران، لا عند ~~الأولاد راحة ولا عند الفتوات راحة ولا عند الناظر راحة. # أمن كل على قوله. آل حمدان ضاع حقهم في الوقف، آل حمدان ~~تمرغوا في تراب القذارة والبؤس. آل حمدان تسلط عليهم فتوة ليس منهم ~~بل من أحط الأحياء. قدرة يسير بينهم مختالا ms070 يصفع من يشاء ويأخذ ~~الإتاوة ممن يشاء؛ لذلك نفد صبر آل حمدان واصطخبت في حيهم أمواج ~~التمرد. # والتفت دعبس إلى حمدان وقال: يا حمدان، الجميع على رأي واحد، ~~نحن آل حمدان، عددنا كبير، أصلنا معروف، وحقنا في الوقف كحق الناظر ~~نفسه. # فغمغم الشاعر: اللهم فوت الليلة على خير. # حمدان حبك العباءة حوله ورفع حاجبيه المثلثين الغزيرين وقال: ~~قلنا في هذا وعدنا، سيحدث أمر، إني أشم الأحداث شما. # وارتفع صوت علي فوانيس بالتحية وهو يدخل القهوة مشمرا الجلباب ~~وطاقيته الترابية مائلة حتى حاجبيه، وما لبث أن قال: الكل مستعدون، ~~ولو احتاج الأمر إلى نقود سيعطون، حتى الشحاذون. # وانحشر بين دعبس وحمدان وهو يهتف بعبدون صبي القهوة: شاي من غير ~~سكر! # فانتبه إليه الشاعر قائلا: إحم! # فابتسم علي فوانيس ودس يده في صدره فأخرج كيسا ثم فتحه ~~واستخرج منه لفافة صغيرة رمى بها إلى الشاعر. وربت فخذ حمدان ~~متسائلا فقال هذا: أمامنا المحكمة. # فقالت تمر حنة: خير ما نفعل. # فقال الشاعر وهو يخرج الشيء من اللفافة: فكروا في ~~العواقب. # فقال علي فوانيس بحدة: لا هوان أحط مما نحن فيه، ولنا عدد ~~وفير يجب حسابه، والأفندي لا يمكن أن يتجاهل أصلنا وقرابتنا إليه ~~وإلى صاحب الوقف. # فقال الشاعر وهو ينظر إلى حمدان نظرة ذات معنى: لم تضق بنا ~~الحلول. # فقال حمدان كأنما يجيبه: عندي فكرة جريئة! # تطلعت إليه الأبصار، فقال: أن نلجأ إلى الناظر! # فقال عبدون وهو يقدم الشاي إلى فوانيس: خطوة عزيزة وبعدها تحفر ~~قبور. # فضحكت تمر حنة قائلة: اسمعوا فالكم من عيالكم. # لكن حمدان قال بتصميم: ينبغي أن نذهب، ولنذهب جماعة. # 26 # تجمهر أمام بيت الناظر جمع كثير من آل حمدان نساء ورجالا، على ~~رأسهم حمدان ودعبس وعتريس الأعمش وضلمة وعلي فوانيس ورضوان الشاعر. ~~كان من رأي رضوان أن يذهب حمدان وحده نفيا لشبهة العصيان واتقاء ~~لعواقبه، ولكن حمدان قال له بصراحة: «إن قتلي شيء يسير ولكن قتل آل ~~حمدان لا يقدرون عليه.» واسترعى التجمهر أنظار أهل الحارة وبخاصة ~~الجيران الأقربون، ms071 فبرزت رءوس النساء من النوافذ، وتطلعت أعين من ~~تحت السلال والمقاطف ومن فوق عربات اليد، وأقبل كثيرون كبارا ~~وصغارا وتساءلوا: ماذا يريد آل حمدان؟ وقبض حمدان على المطرقة ~~النحاسية وطرق الباب، ففتح بعد قليل عن البواب بوجهه الكئيب ~~ونسائم محملة بشذا الفل والياسمين. نظر البواب إلى المتجمهرين ~~بانزعاج وتساءل: ماذا تريدون؟ # فقال حمدان بقوة استمدها ممن خلفه: نريد مقابلة حضرة ~~الناظر. ~~- كلكم؟ ~~- ليس فينا من هو أحق بالمقابلة من الآخرين. ~~- انتظروا حتى أستأذن لكم. # وهم برد الباب لكن دعبس مرق إلى الداخل وهو يقول: الانتظار في ~~الداخل أكرم. # واندفع وراءه الآخرون كالسرب وراء الحمامة، ودفع حمدان بينهم ~~على رغم سخطه على اندفاع دعبس فانتقلت المظاهرة إلى الممشى المفروش ~~بين السلاملك والحديقة. وصاح البواب: يجب أن تخرجوا. # فقال حمدان: الضيف لا يطرد، اذهب وخبر سيدك. # وتحركت شفتا الرجل باحتجاج غير مسموع، وشت به قسماته المكفهرة ثم ~~تحول مهرولا نحو السلاملك. وتبعته الأعين حتى اختفى وراء الستار ~~المسدل على باب البهو، وظلت أعين عالقة بالستار، وجالت أعين في ~~أنحاء الحديقة، حول الفسقية المحاطة بالنخيل، وأعراش العنب لصق ~~الجدران، وفروع الياسمين المتسلقة الأسوار، جالت بنظرات حائرة ~~وحواس مغلقة بالهم وما لبثت أن ردت إلى الستار المسدل على باب ~~البهو. # وانزاح الستار فخرج الأفندي بنفسه متجهم الوجه، وتقدم في خطوات ~~حادة غاضبة حتى وقف عند رأس السلم. لم يبد من شخصه المتلفع ~~بالعباءة إلا وجهه الغاضب وشبشبه الوبري ومسبحة طويلة في يمناه. ~~ألقى نظرة ازدراء على المظاهرة ثم استقرت عيناه على حمدان فقال هذا ~~بأدب جم: صبحك الله بالسعادة يا حضرة الناظر. # فاكتفى برد التحية بحركة من يده، وتساءل: من هؤلاء؟ ~~- آل حمدان يا حضرة الناظر. ~~- من أذن لهم بالدخول في بيتي؟ # فقال حمدان بدهاء: إنه بيت ناظرهم، فهو بيتهم، وهم في ~~حماه. # فلم يلن وجه الأفندي وقال: تحاول الاعتذار عن سوء ~~سلوككم؟! # وضاق دعبس بتأدب حمدان فقال: نحن أسرة واحدة، جميعنا أبناء أدهم ~~وأميمة. # فقال الأفندي بامتعاض: ذاك تاريخ مضى، ورحم الله امرأ ms072 عرف قدر ~~نفسه. # فقال حمدان: نحن في كرب من الفقر وسوء المعاملة، فاجتمع الرأي ~~بيننا على اللجوء إليك لتفرج كربنا. # وهنا قالت تمر حنة: وحياتك عيشتنا تقرف الصراصير. # فقال دعبس بصوت ارتفع درجات: أكثرنا متسولون، أطفالنا جياع، ~~وجوهنا متورمة من صفع الفتوات، أيليق ذلك بأبناء الجبلاوي ومستحقي ~~وقفه؟! # فتقبضت يد الأفندي على المسبحة وهتف: أي وقف يا هذا؟ # حاول حمدان أن يمنع دعبس من الكلام، ولكنه اندفع قائلا كمن لطشت ~~الخمر رأسه: الوقف الكبير، لا تغضب يا حضرة الناظر، الوقف الكبير ~~الذي يملك حارتنا من أولها إلى آخرها، ويتبعه كل حكر في الخلاء ~~المحيط، وقف الجبلاوي يا حضرة الناظر. # فاندلعت ألسنة الغضب من عيني الأفندي، وصاح: هذا وقف أبي وجدي ما ~~لكم به صلة. إنكم تتناقلون الحكايات الخرافية وتصدقونها، وما لديكم ~~دليل أو حجة. # فقال أكثر من صوت وضح بينها صوتا دعبس وتمر حنة: الجميع يعرفون ~~ذلك. ~~- الجميع؟ ما قيمة ذلك؟ لو تناقلتم فيما بينكم أن بيتي هو بيت ~~فلان أو علان منكم، فهل يكفي هذا لاغتصاب بيتي يا هؤلاء؟ حارة ~~حشاشين حقيقة! خبروني متى أخذ أحدكم مليما من ريع الوقف؟ # فساد الصمت مليا ثم قال حمدان: كان آباؤنا يأخذون. ~~- ألديكم دليل؟ # فعاد حمدان يقول: قالوا لنا ونحن نصدقهم. # فهتف الأفندي: كذب في كذب، وتفضلوا غير مطرودين. # فقال دعبس بتصميم: أطلعنا على الشروط العشرة. # فصاح الأفندي: لماذا أطلعكم عليها؟ من أنتم؟ ما علاقتكم ~~بها؟ ~~- نحن المستحقون. # عند ذاك تعالى صوت هدى هانم حرم الناظر من وراء الباب وهي تقول: ~~دعهم وادخل، لا تبح صوتك بمناقشتهم. # فقالت تمر حنة: كوني محضر خير يا ست هانم. # فقالت هدى هانم بصوت متهدج من الغضب: قطع الطرق لا يكون بالنهار ~~والشمس طالعة! # فقالت تمر حنة بامتعاض: الله يسامحك يا ست هانم، الحق على جدنا ~~الذي أغلق على نفسه الأبواب. # فرفع دعبس رأسه وصاح بصوت الرعد: يا جبلاوي! تعال شف حالنا، ~~تركتنا تحت رحمة من لا رحمة لهم. # دوى الصوت قويا حتى خيل إلى البعض ms073 أنه سيبلغ الجد في بيته. ~~ولكن الأفندي صاح مرتعش النبرات من الحنق: اخرجوا، اخرجوا دون ~~تردد. # وقال حمدان بضيق: هيا بنا. # وتحول عن موقفه ومضى نحو الباب. وأخذوا يتبعونه صامتين. حتى دعبس ~~تبعه. لكنه رفع رأسه مرة أخرى وصاح بالقوة نفسها: يا ~~جبلاوي! # 27 # دخل الأفندي البهو مصفر الوجه من الغضب فوجد زوجه واقفة ~~مقطبة، فقالت: حركة غريبة لها ما بعدها، ستكون حديث الحارة كلها، ~~وإذا تهاونا في الأمر فقل علينا السلام. # فقال الأفندي بتقزز: رعاع أبناء رعاع ويطمعون في الوقف، من ذا ~~الذي يستطيع أن يعرف أصله في حارة مثل خلية النحل؟ ~~- احسم الأمر، ادع زقلط ودبر أمرك، زقلط يقاسمنا الريع دون أن ~~يفعل شيئا فدعه يحلل ما ينهب من أموالنا. # فحدجها الأفندي بنظرة طويلة، ثم تساءل: وجبل؟! # فقالت بطمأنينة وثقة: جبل؟! إنه ربيبنا، بل هو ابني، لم يعرف من ~~الدنيا إلا بيتنا، أما آل حمدان فلا يعرفهم ولا يعرفونه، ولو كانوا ~~يعدونه منهم؛ لتشفعوا به إلينا، اطمئن من ناحيته، وسوف يعود من ~~جولته بين المستأجرين فيحضر الاجتماع. # وجاء زقلط تلبية لدعوة الناظر. كان متوسط القامة، بدينا، متين ~~البنيان، وبقسماته سماجة وغلظة، وبرقبته وذقنه ندوب. جلسوا ~~متقاربين وزقلط يقول: سمعت أخبارا لا تسر. # فقالت هدى بغيظ: ما أسرع ما تجري أخبار السوء! # وقال الأفندي وهو يلحظ زقلط بمكر: إنها تمس هيبتنا كما تمس ~~هيبتك. # فقال زقلط بصوت كالخوار: مضى زمن غير قصير دون أن نحرك نبوتا أو ~~نسفك دما. # فابتسمت هدى قائلة: يا لهم من مغرورين آل حمدان! لم يظهر منهم ~~فتوة واحد، ومع ذلك فأحقرهم يزعم أنه سيد الحارة. # فقال زقلط باشمئزاز: باعة ومتسولون، ولن يظهر فتوة من قوم ~~خرعين! # فتساءل الأفندي: والعمل يا زقلط؟ ~~- سأدوسهم بقدمي كالصراصير. # سمع جبل قول زقلط وهو يدخل البهو. بدا مورد الوجه بعد جولته في ~~الخلاء، وجرت حيوية الشباب في جسمه الفارع القوي، ووجهه ذي الملامح ~~الصريحة وبخاصة أنفه المستقيم وعيناه الكبيرتان الذكيتان. حيا ~~الموجودين بأدب وبدأ يتكلم عن الأحكار التي تم ms074 تأجيرها اليوم، ولكن ~~هدى هانم قاطعته قائلة: اجلس يا جبل، نحن في انتظارك لأمر ~~عظيم. # فجلس جبل وعيناه تعكسان نظرة تحرج لم تغب عن عيني الهانم ~~فقالت : أرى أنك تحدس ما نحن مهتمون له. # فقال بصوت هادئ: الجميع يتحدثون في الخارج. # فنظرت الهانم صوب زوجها هاتفة: أسمعت؟ .. الجميع يتوقعون منا ~~الجواب. # فقال زقلط وقسماته تزداد سماجة: شعلة تطفئها حفنة تراب، بودي ~~أن أبدأ العمل! # فالتفتت هدى إلى جبل متسائلة: ألديك ما تقوله يا جبل؟ # فقال وهو يداري ضيقه بالنظر في الأرض: الأمر منكم وإليكم يا ~~سيدتي. ~~- يهمني أن أعرف رأيك! # تفكر مليا وهو يشعر بنظرات الأفندي الحادة، ونظرات زقلط ~~الممتعضة ثم قال: سيدتي، إني ربيب نعمتك، ولكني لا أدري ماذا أقول، ~~فلست إلا أحد أبناء حمدان! # قالت هدى بحدة: لماذا تذكر حمدان ولا أب ولا أم ولا أقارب لك ~~فيهم؟ # وند عن الأفندي صوت ساخر مقتضب يشبه الضحك لكنه لم يتكلم. ~~وبدا في وجه جبل أنه يعاني ألما صادقا، لكنه أجاب: كان أبي وأمي ~~منهم، لا يمكن إنكار ذلك. # وقالت هدى: ما أخيب أملي في ابني! ~~- معاذ الله، إن المقطم لا يستطيع أن يزحزحني عن الوفاء لك، لكن ~~إنكار الحقائق لا يغيرها. # وقام الأفندي نافد الصبر وقال يخاطب زقلط: لا تضيع وقتك في ~~سماع هذه المعاتبات. # فقام زقلط باسما، وإذا بالهانم تقول له وهي ترمي جبل بلحظ خفي: ~~لا تجاوز المعقول يا معلم زقلط، نريد تأديبهم لا إبادتهم. # غادر زقلط البهو. وألقى الأفندي على جبل نظرة لوم وهو يتساءل ~~ساخرا: إذن أنت من آل حمدان يا جبل؟! # ولاذ جبل بالصمت حتى رحمته هدى فقالت: قلبه معنا ولكن شق عليه أن ~~يتنكر لأصله أمام زقلط. # فقال جبل بحزن واضح: إنهم بؤساء يا سيدتي على الرغم من أنهم ~~أكرم أهل الحارة أصلا. # فصاح الأفندي: حارة لا أصل لها. # فقال جبل جادا: إننا أبناء أدهم، وما زال جدنا حيا أطال ~~الله بقاءه. # فتساءل الأفندي: من ذا يستطيع أن يثبت بنوته لأبيه؟ .. إنه ~~كلام ms075 لا بأس أن يقال أحيانا، ولكنه لا ينبغي أن يتخذ وسيلة لنهب ~~أموال الغير. # وقالت هدى: نحن لا نريد بهم شرا على شرط ألا يطمعوا في ~~أموالنا . # وأراد الأفندي أن ينهي الحديث فقال لجبل: اذهب إلى عملك ولا تفكر ~~في سواه. # غادر جبل البهو فذهب إلى إدارة الوقف في منظرة الحديقة. كان عليه ~~أن يسجل في الدفاتر عددا من عقود الإيجار، وأن يراجع الحساب ~~الختامي للشهر ولكن الحزن شتت عقله. ومن عجب أن آل حمدان لا ~~يحبونه، وهو يعلم ذلك ويذكر كيف كان يقابل بالبرود في قهوة حمدان ~~في المرات القلائل التي غشيها. مع ذلك أحزنه ما يدبر لهم من شر. ~~أحزنه أكثر مما أسخطه سلوكهم الجريء. وود أن يدفع عنهم الشر لولا ~~إشفاقه من إغضاب البيت الذي آواه ورباه وتبناه. ماذا كان يكون لو ~~لم يدركه عطف هدى هانم؟ # منذ عشرين عاما رأت الهانم طفلا عاريا يستحم في حفرة مملوءة ~~بمياه الأمطار. مضت تتسلى بمشاهدته فمال قلبها، الذي حرمه العقم من ~~نعم الأمومة، إليه. أرسلت من حمله إليها وهو يبكي خائفا. وتحرت ~~عنه فعلمت أنه طفل يتيم ترعاه بياعة دجاج. استدعت الهانم بياعة ~~الدجاج وطلبت إليها أن تنزل لها عن الطفل فرحبت بذلك كل الترحيب. ~~هكذا نشأ جبل في بيت الناظر وفي رعاية حضرته ينعم بأسعد أمومة في ~~الحارة جميعا. وأدخل الكتاب فتعلم القراءة والكتابة، ولما بلغ ~~رشده ولاه الأفندي إدارة الوقف. # في كل بقعة فيها للوقف أملاك يدعونه «حضرة الوكيل» وتتابعه نظرات ~~الإكبار والإعجاب أينما حل. وكانت الحياة تبدو ودودة واعدة بكل ~~جميل حتى كان تمرد آل حمدان. وجد جبل أنه ليس شخصا واحدا كما ~~توهم طوال عمره ولكنه شخصان. أحدهما يؤمن بالوفاء لأمه، وثانيهما ~~يتساءل في حيرة: وآل حمدان؟! # 28 # انبعثت الرباب تحكي مصرع همام على يد قدري. اتجهت الأعين نحو ~~رضوان الشاعر في انتباه يشوبه القلق. ليست الليلة كبقية الليالي، ~~ليلة ختمت نهارا ثائرا، وظل كثيرون من آل حمدان يتساءلون: هل تمر ~~بسلام؟ وشمل الحارة ظلام، ms076 حتى النجوم توارت وراء سحب الخريف فلم ~~يبد من ضوء إلا ما نضحت به النوافذ المغلقة أو ما أرسلته مصابيح ~~عربات اليد المتباعدة في أحياء الحارة. وضجت الأركان بغوغاء ~~الغلمان المتجمعين كالفراشات حول مصابيح العربات، على حين افترشت ~~تمر حنة خيشة أمام أحد ربوع آل حمدان وراحت تدندن: # على باب حارتنا حسن القهوجي. # وارتفع مواء قطط في نوبات متقطعة واشيا ~~بمنافسات جنسية أو منازعات تموينية. واحتد صوت الشاعر وهو يروي ~~قائلا: وصرخ أدهم في وجه قدري: «ماذا فعلت بأخيك؟» في تلك اللحظة ~~ظهر زقلط في دائرة الضوء التي يرسمها فانوس القهوة على الأرض. ظهر ~~فجأة كأنما انشق عنه الظلام. بدا عابسا متحديا كارها مكروها ~~يتفجر الشر في عينيه وتشد قبضته على نبوته المرعب. وزحفت من ~~محجريه نظرة ثقيلة مخيفة على القهوة والجالسين كأنها حشرة سامة، ~~فتحجر الكلام في حلق الشاعر. وباخت نشوة ضلمة وعتريس، وانقطع عن ~~التهامس دعبس وعلي فوانيس، وكف عن الحركة عبدون. أما حمدان ~~فشدت يده على خرطوم النارجيلة بعصبية، وساد صمت كالموت. # وتتابعت حركات خاطفة. غادر القهوة سراعا الزبائن الذين لا ~~ينتسبون لآل حمدان. جاء فتوات الأحياء قدرة والليثي وأبو سريع ~~وبركات وحمودة فصنعوا جدارا وراء زقلط، وسرى الخبر في الحارة ~~بسرعة كأنه بيت تهدم ففتحت النوافذ، وأقبل الصغار يجرون والكبار ~~يتنازع قلوبهم الإشفاق والشماتة. وكان حمدان أول من خرق الصمت فقام ~~في هيئة استقبالية وهو يقول: أهلا بالمعلم زقلط فتوة حارتنا، ~~تفضلوا. # لكن زقلط تجاهله. كأنه لا يسمعه ولا يراه. وظل يطلق الطعنات من ~~عينيه القاسيتين. ثم تساءل بصوت غليظ: من فتوة هذا الحي؟ # فأجاب حمدان ولو أن السؤال لم يوجه إليه: فتوتنا قدرة. # التفت زقلط نحو قدرة متسائلا في سخرية: أنت حامي آل ~~حمدان؟ # فتقدم قدرة خطوات بجسمه القصير المدمج ووجهه المتحرش بكل شيء ~~وقال: أنا حاميهم من الجميع إلاك يا معلم. # فابتسم زقلط ابتسامة كالامتعاض وقال: ألم تجد حيا غير حي ~~النسوان لتكون فتوة عليه؟ # ثم صاح بالقهوة: يا نسوان، يا أولاد الزواني، ألا ms077 تعترفون بأن ~~للحارة فتوة؟ # فقال حمدان بوجه شاحب: يا معلم زقلط ليس بيننا وبينك إلا ~~الخير. # فصاح به: اخرس يا عجوز يا قارح، الآن تتمسكن بعد أن تهجمت على ~~أسيادك وأسياد أهلك. # فقال حمدان بصوت المتألم: لم يكن في الأمر تهجم، لكنها شكوى ~~سرنا بها إلى حضرة الناظر. # فصاح زقلط: أسمعتم ما يقول ابن الزانية؟ حمدان يا نتن أنسيت ما ~~كانت أمك تفعله؟ والله لن يسير أحدكم آمنا في هذه الحارة حتى يقول ~~بأعلى صوته: أنا مرة. # ورفع بسرعة نبوته وهوى به بشدة على الطاولة فتطايرت الفناجيل ~~والأكواب والصواني والملاعق وعلب البن والشاي والسكر والقرفة ~~والزنجبيل والكنكات. وثب عبدون إلى الوراء فارتطم بترابيزة وسقطا ~~معا. وبغتة وجه زقلط لطمة إلى وجه حمدان ففقد الرجل توازنه وسقط ~~على جنبه فوق النارجيلة التي تحطمت. ورفع زقلط نبوته مرة أخرى وهو ~~يصيح: لا ذنب بلا عقاب يا أولاد الزواني. # وتناول دعبس كرسيا ورمى به الفانوس الكبير فتحطم وساد الظلام ~~قبل أن يهوي النبوت على المرآة الكبيرة وراء الطاولة. وصوتت تمر ~~حنة فرددت نساء آل حمدان الصوات في النوافذ والأبواب، كأنما انقلبت ~~الحارة حنجرة كلب رمي بحجر. وجن جنون زقلط فأطلق ضرباته في كل ~~ناحية فأصابت أناسا ومقاعد والجدار. وتلاطمت أمواج الصراخ ~~والاستغاثات والتأوهات. وتطايرت الأشباح في كل ناحية. وارتطمت ~~أشباح بأشباح. وصاح زقلط بصوت كالرعد: كل واحد يلزم بيته. # فبادر إلى تنفيذ الأمر كل شخص، من آل حمدان أو من غيرهم، وتتابع ~~وقع الأقدام المتراجعة. وجاء الليثي بفانوس فظهر على ضوئه زقلط ~~والفتوات من حوله، في حارة خالية، لا يسمع بها إلا صوات النسوان. ~~وقال بركات متوددا: وفر نفسك يا معلم للشدائد، وعلينا نحن تأديب ~~الصراصير. # وقال أبو سريع: لو شئت جعلنا من آل حمدان ترابا تمشي عليه ~~بحصانك. # وقال قدرة فتوة حمدان: لو كلفتني بتأديبهم لحققت لي أمنية ~~كبيرة وهي أن أخدمك يا معلم. # وعلا صوت تمر حنة من وراء باب الربع: ربنا على الظالم. # فصاح بها زقلط: يا تمر حنة أتحدى ms078 أي رجل من آل حمدان أن يعد ~~الزانين بك! # فهتفت تمر حنة وإن دل آخر كلامها على أن يدا وضعت على فيها؛ ~~لتمنعها من الاستمرار: ربنا بيننا وبينك ، آل حمدان أسياد ال... # ووجه زقلط الخطاب إلى الفتوات بصوت أراد أن يسمعه آل حمدان، قال: ~~لا يغادر رجل من آل حمدان داره إلا ضرب. # فصاح قدرة مهددا: من ير نفسه رجلا فليخرج. # وتساءل حمودة: والنسوان يا معلم؟ # فقال زقلط بحدة: زقلط يعامل الرجال لا النسوان. # وطلع النهار فلم يغادر الربوع رجل من آل حمدان. وجلس كل فتوة ~~عند باب قهوة حيه يراقب الطريق. وجعل زقلط يمر بالحارة كل بضع ~~ساعات فيستبق الناس إلى تحيته والتودد إليه والثناء عليه، «والله ~~أسد بين الرجال يا فتوة حارتنا»، «عفارم عليك يا زين الرجال، يا ~~ملبس آل حمدان الطرح»، «والحمد لله الذي أذل آل حمدان المتعجرفين ~~بيدك القوية يا زقلط». ولم يكن يعير أحدا أدنى اهتمام. # 29 ~~- هل يرضيك هذا الظلم يا جبلاوي؟! # تساءل جبل وهو يفترش الأرض أسفل الصخرة التي تقول الحكايات إن ~~عندها كان قدري يخلو إلى هند، وإن عندها قتل همام. ونظر إلى الشفق ~~بعين لم تعد ترى إلا ما يكدر الصفو. لم يكن ممن يركنون إلى ~~الخلوات؛ لكثرة مشاغله لكنه شعر أخيرا برغبة قاهرة في الخلو ~~بنفسه التي زلزلها ما حاق بآل حمدان. لعل في الخلاء أن تسكت ~~الأصوات التي تعيره والتي تعذبه؛ أصوات تهتف به من النوافذ وهو ~~مار: «يا خائن آل حمدان يا لئيم»، وأصوات تهتف به من أعماق نفسه: ~~«لن تطيب الحياة على حساب الغير». وآل حمدان أهله، ففيهم ولدت أمه ~~وأبوه، وفي مقابرهم دفنا. وهم مظلومون وما أقبح الظلم! اغتصبت ~~أموالهم، ولكن من الظالم؟ إنه ولي نعمته، الرجل الذي انتشلته زوجه ~~من الطين فرفعته إلى مصاف آل البيت الكبير. وجميع الأمور تجري في ~~الحارة على سنة الإرهاب، فليس عجيبا أن يسجن سادتها في بيوتهم. ~~وحارتنا لم تعرف يوما العدالة أو السلام. هذا ما قضي به عليها منذ ms079 ~~طرد أدهم وأميمة من البيت الكبير، ألا تعلم بذلك يا جبلاوي؟ ويبدو ~~أن الظلم ستشتد كثافة ظلماته كلما طال بك السكوت، فحتى متى تسكت يا ~~جبلاوي؟ الرجال سجناء في البيوت والنساء يتعرضن في الحارة لكل ~~سخرية، وأنا أمضغ المهانة في صمت. # ومن عجب أن أهل حارتنا يضحكون! علام يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر ~~أيا كان المنتصر، ويهللون للقوي أيا كان القوي، ويسجدون أمام ~~النبابيت، يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم. غموس اللقمة ~~في حارتنا الهوان. لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على ~~هامته. # ورفع رأسه إلى السماء فوجدها صامتة هادئة ناعسة، يوشي أطرافها ~~الغمام، وتودعها آخر حدأة. وانقطع المارة وآن للحشرات أن ~~تزحف. # وفجأة سمع جبل صوتا غليظا يصيح من قريب: «قف يا ابن الزانية!» ~~استيقظ من أفكاره فنهض قائما وهو يحاول أن يتذكر أين سمع هذا ~~الصوت، ثم اتجه حول صخرة هند إلى الجنوب فرأى رجلا يركض في رعب ~~وآخر وراءه يطارده ويوشك أن يلحق به. وأمعن النظر فعرف في الهارب ~~دعبس وفي المطارد قدرة فتوة حي حمدان، وفي الحال أدرك حقيقة ~~الموقف. ومضى يراقب المطاردة التي تقترب منه بفؤاد قلق. وما لبث ~~قدرة أن أدرك دعبس؛ فقبض بيده على منكبه وتوقف الاثنان عن العدو ~~وهما يلهثان من الجهد. وصاح قدرة بصوت متقطع من البهر: كيف تجرؤ ~~على مغادرة جحرك يا ابن الأفعى؟ لن تعود سالما. # فهتف دعبس وهو يحمى رأسه بذراعه: دعني يا قدرة، أنت فتوة حينا ~~وعليك أن تدافع عنا. # فهزه قدرة هزة أطارت اللاسة عن رأسه وصاح به: أنت تعرف يا ابن ~~اللئيمة أني أدافع عنكم ضد أي مخلوق إلا زقلط. # وحانت من دعبس نظرة نحو موقف جبل فرآه وعرفه فناداه قائلا: ~~أغثني يا جبل، أغثني فأنت منا قبل أن تكون منهم. # فقال قدرة بغلظة وتحد: لا مغيث لك مني يا ابن الدايخة. # ووجد جبل نفسه يتقدم منهما حتى وقف عندهما وهو يقول بهدوء: ترفق ~~بالرجل يا معلم قدرة. # فحدجه قدرة بنظرة باردة وهو ms080 يقول: إني أعرف ما ينبغي أن ~~أفعله. ~~- لعل أمرا ضروريا دفعه إلى مغادرة بيته. ~~- ما دفعه إلا قضاؤه المحتوم. # وشد على منكبه حتى أن دعبس أنينا مسموعا، فقال جبل بحدة: ~~ترفق به، ألا ترى أنه أكبر منك سنا وأضعف بنية؟ # رفع قدرة يده عن منكبه وصفعه على قفاه بقوة تقوس لها ظهره، ثم ~~ضرب بركبته دبره فانكفأ على وجهه، وسرعان ما برك فوقه وراح يكيل له ~~الضربات، وهو يقول بصوت يزفر الغل والحنق: ألم تسمع ما قال ~~زقلط؟! # واشتعل الغضب في دماء جبل فصاح به: اللعنة عليك وعلى زقلط، اتركه ~~يا قليل الحياء! # فكف قدرة عن ضرب دعبس ورفع إلى جبل وجها ذاهلا، ثم قال: أنت ~~تقول هذا يا جبل؟! ألم تشهد حضرة الناظر وهو يأمر زقلط بتأديب آل ~~حمدان؟ # فصاح جبل وغضبه آخذ في ازدياد: اتركه يا قليل الحياء. # فقال قدرة بصوت يرتعش من الحنق: لا تظن أن خدمتك في بيت الناظر ~~تحميك مني إذا أردت محاسبتك! # فانقض عليه جبل كمن فقد وعيه وركله فألقاه جانبا وصاح به: عد ~~إلى أمك قبل أن تثكلك. # وثب قدرة قائما وهو يتناول نبوته من على الأرض ثم رفعه بخفة، ~~ولكن جبل بادره بضربة في بطنه من يد قوية فترنح متألما. وانتهز ~~جبل هذه الفرصة فخطف النبوت من يده ووقف وهو ينظر نحوه بحذر. تراجع ~~قدرة خطوتين، ثم انحنى بسرعة خاطفة فالتقط حجرا، ولكنه قبل أن ~~يقذف به أصاب النبوت رأسه فصرخ، ودار حول نفسه، ثم سقط على وجهه ~~والدم يتفجر من جبينه بغزارة. كان الليل يهبط فنظر جبل فيما حوله ~~فلم ير أحدا إلا دعبس الذي وقف ينفض جلبابه ويتحسس المواضع التي ~~تؤلمه من جسده، ثم اقترب من جبل وهو يقول ممتنا: عوفيت من أخ ~~كريم يا جبل. # فلم يجبه جبل، وانحنى فوق قدرة فعدله على ظهره، ثم تمتم: أغمي ~~عليه! # فانحنى دعبس فوقه كذلك ثم بصق على وجهه، فجذبه جبل بعيدا عنه، ~~وانحنى فوقه مرة أخرى، وراح يهزه برفق ولكنه لم ms081 يبد أملا في ~~الإفاقة، فتساءل: ما له؟ # فانحنى دعبس فوقه وألصق أذنه بصدره، ثم قرب وجهه من وجهه، وأشعل ~~عودا من الثقاب، ثم وقف وهو يهمس: إنه ميت. # فاقشعر بدن جبل وقال: كذبت! ~~- ميت ابن ميت وحياتك. ~~- يا خبر أسود! # فقال دعبس مهونا الأمر: كم ضرب وكم قتل! فليذهب إلى ~~الزبانية! # فقال جبل بصوت حزين وكأنه يخاطب نفسه: لكنني لم أضرب ولم ~~أقتل. ~~- كنت تدافع عن نفسك. ~~- لكنني لم أقصد قتله ولا أردته. # فقال دعبس باهتمام: إن يدك لشديدة يا جبل، لا خوف عليك منهم، ~~وبوسعك أن تكون فتوة لو أردت. # فضرب جبل جبينه بيده وهتف: يا ويلي، هل أنقلب قاتلا من أول ~~ضربة؟ ~~- انتبه إلى نفسك وهلم ندفنه وإلا قامت القيامة. ~~- ستقوم القيامة دفناه أم لم ندفنه. ~~- لست آسفا، عقبى للباقي، عاوني على إخفاء هذا ~~الحيوان. # وتناول دعبس النبوت وراح يحفر في الأرض غير بعيد من الموضع الذي ~~حفر فيه قدري من قبل. وما لبث جبل أن انضم إليه بقلب كئيب. ~~وتواصل العمل في صمت حتى قال دعبس ليخفف عن جبل ثقل مشاعره: لا ~~تحزن فالقتل في حارتنا مثل أكل الدوم. # فقال جبل متنهدا: ما وددت أن أكون قاتلا قط، رباه ما كنت أحسب ~~أن غضبي بهذه الفظاعة! # ولما فرغا من الحفر وقف دعبس يجفف جبينه بكم جلبابه ويتمخط ليطرد ~~الرائحة الترابية التي تملأ خيشومه. قال بحقد: هذه الحفرة تسع ابن ~~الزانية والفتوات الآخرين. # فقال جبل بضجر: احترم الميت، فجميعنا أموات. # فقال دعبس بحدة: عندما يحترموننا أحياء نحترمهم أمواتا. # ورفعا الجثة فأودعاها الحفرة، ووضع جبل النبوت إلى جانبها، ثم ~~أهالا عليها التراب. # ولما رفع جبل رأسه رأى الليل قد أخفى الدنيا وما عليها فتنهد من ~~الأعماق وهو يكبت نزوعا نحو البكاء. # 30 ~~- أين قدرة؟ # سأل زقلط نفسه كما سأل الفتوات الآخرين. لكن الفتوات كانوا ~~يتساءلون أيضا عن صاحبهم الذي اختفى من الوجود كما اختفى رجال آل ~~حمدان من الحارة. كان قدرة يسكن في الحي التالي لحي آل حمدان وكان ms082 ~~أعزب يسهر الليل في الخارج فلا يعود إلى مسكنه إلا مع الفجر أو بعد ~~ذلك، ولم يكن من النادر أن يغيب عن مسكنه ليلة أو ليلتين، ولكن لم ~~يحدث أبدا أن غاب أسبوعا كاملا دون أن يعلم أحد بمكانه وبخاصة ~~في أيام الحصار هذه التي أوجبت عليه أعباء لا يستهان بها من ~~اليقظة والمراقبة. وحامت الظنون حول آل حمدان فتقرر تفتيش بيوتهم. ~~واقتحم الفتوات وعلى رأسهم زقلط ربوعهم ففتشوها تفتيشا دقيقا من ~~البدروم إلى السطح، وحفرت الأفنية بالطول والعرض، وتعرض رجال ~~آل حمدان ~~لإهانات شتى، ولم يسلم أحد منهم من لطمة أو ركلة أو بصقة، ~~ولكنهم لم يعثروا على شيء يريب. وتفرقوا في أطراف الخلاء يسألون ~~فلم يدلهم أحد على أمر ذي بال. # وبات قدرة الموضوع الذي تدور به الجوزة في غرزة زقلط تحت تكعيبة ~~العنب بحديقة بيته. كان الظلام يغشى الحديقة عدا نور حيي ينبعث من ~~مصباح صغير قائم على الأرض على بعد شبرين من المجمرة؛ ليستضيء به ~~بركات وهو يقطع الحشيش ويبططه، ويفتت الجمرات، ويرص الحجر ~~ويخشنه ليعد الجوزة. وكان نور المصباح الراقص في مجرى النسيم ~~ينعكس على وجوه زقلط وحمودة والليثي وأبو سريع الكالحة فيبدي عن ~~أعين متراخية الجفون، انعقدت في نظراتها الشاردة نوايا معتمة. ~~وتعالى نقيق ضفادع كأنه استغاثات خرس في هدأة الليل. قال الليثي ~~وهو يتناول الجوزة من بركات ويوجهها نحو زقلط: أين ذهب الرجل؟ كأن ~~الأرض بلعته. # شد زقلط نفسا عميقا وهو ينقر الغابة بسبابته ثم زفره دخانا ~~كثيفا وقال: قدرة بلعته الأرض وهو راقد في جوفها منذ ~~أسبوع. # تطلعت إليه الأبصار باهتمام عدا بركات الذي بدا مسلوبا بعمله، ~~فعاد زقلط يقول: لا يختفي فتوة لغير ما سبب، وللموت رائحة ~~أعرفها. # فتساءل أبو سريع بعد سعال تقوس له ظهره كأنه سنبلة في مهب ريح ~~عاتية: ومن قاتله يا معلم؟ ~~- عجيبة! ومن يكون غير رجل من آل حمدان؟ ~~- لكنهم لا يغادرون بيوتهم وقد فتشناها. # فضرب زقلط طرف الشلتة بقبضته وتساءل: ماذا يقول أهل الحارة ~~الآخرون؟ ms083 # فقال حمودة: يعتقد حينا بأن لآل حمدان يدا في اختفاء ~~قدرة. ~~- افهموا يا مساطيل! ما دام الناس يعتقدون أن قاتل قدرة في آل ~~حمدان فالواجب علينا أن نعتبره كذلك! ~~- ولو كان القاتل من العطوف؟ ~~- ولو كان من كفر الزغاري، نحن لا يهمنا عقاب القاتل بقدر ما ~~يهمنا إرهاب الآخرين. # فهتف أبو سريع بإعجاب: الله أكبر! # فقال الليثي وهو ينفض الحجر في الكوز ويعيد الجوزة إلى بركات: ~~الله يرحمكم يا آل حمدان. # فندت عن أفواههم ضحكات جافة اختلطت بنقيق الضفادع وتحركت منهم ~~الرءوس حركات الوعيد، على حين هبت نسمة بقوة طارئة أعقبتها ~~خشخشة في الأوراق الجافة. وصفق حمودة بيديه وهو يقول: لم تعد ~~المسألة صراعا بين آل حمدان والناظر، ولكنها كرامة ~~الفتوات. # فعاد زقلط يضرب طرف الشلتة بقبضته ويقول: لم يقتل فتوة بيد حارته ~~من قبل. # وتصلبت ملامحه من الغضب حتى خاف شره ندماؤه فحذروا أن تند عنهم ~~كلمة أو حركة تحول غضبه إليهم. وساد الصمت فلم يعد يسمع إلا قرقرة ~~الجوزة وسعلة أو نحنحة. وإذا ببركات يسأل: وإذا عاد قدرة على غير ~~ما نظن؟ # فقال زقلط بحنق: أحلق شاربي يا ابن المسطولة. # كان بركات أول من ضحك ثم عادوا إلى الصمت. تخايلت للأعين ~~المذبحة، والعصي تحطم الرءوس، والدماء تسيل حتى تصبغ الأرض، ~~والصوات يعلو من النوافذ والأسطح، وعشرات الرجال يصعدون حشرجة ~~الموت. اضطربت في النفوس رغبة نمرية في الافتراس وتبادلوا نظرات ~~قاسية. لم يهمهم قدرة لذاته، بل لم يكن أحد منهم يحبه، ولم يكن أحد ~~منهم يحب الآخر قط، ولكن جمعتهم رغبة واحدة في الإرهاب والذود عن ~~الفتونة. وتساءل الليثي: وبعد؟ # فقال زقلط: ينبغي أن أرجع إلى الناظر كالعهد بيننا. # 31 # قال زقلط: يا حضرة الناظر، قتل آل حمدان فتوتهم قدرة. # وركز بصره في الناظر ولكنه كان يرى في الوقت نفسه هدى هانم إلى ~~يمينه وجبل إلى يمينها. وبدا أن الأفندي لم يفجأه الخبر؛ إذ قال: ~~بلغتني أنباء عن اختفائه، ولكن هل يئستم حقا من العثور ~~عليه؟ # قال زقلط وكان ms084 نور الضحى الذي يقتحم باب البهو يؤكد سماجة ~~ملامحه: لن يعثر عليه وأنا خبير بهذه المكائد. # فقالت هدى بعصبية وهي تلحظ وجه جبل الذي راح ينظر إلى الجدار ~~المواجه له: لو صح أنه قتل لكان ذاك حدثا خطيرا! # فقال زقلط وهو يشد على أصابعه المتشابكة: ويقتضي عقابا شاملا، ~~أو قولوا علينا وعليكم السلام! # فلعبت أصابع الأفندي بحبات مسبحته وقال: إنه يمثل هيبتنا! # فقال زقلط بتركيز مقصود: ويمثل الوقف كله! # وخرج جبل من صمته قائلا: لعلها جريمة مزعومة لم تقع. # واندلع الغضب في صدر زقلط لدى سماعه صوت جبل، فقال: لا ينبغي أن ~~نضيع الوقت في الكلام. ~~- هات دليلا على مقتله. # فقال الأفندي بلهجة اصطنع لها القوة؛ ليخفي ما وراءها من ارتياب: ~~لا يختفي أحد من أبناء حارتنا على هذا النحو إلا إن كان ~~قتل! # ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون ~~بالنوايا الدموية فهتف زقلط: الجريمة تنادينا بصوت سوف تسمعه ~~الحواري المجاورة وما الكلام إلا مضيعة للوقت. # لكن جبل قال بإصرار: رجال حمدان في بيوتهم مسجونون! # فضحك زقلط بصوته دون وجهه وقال ساخرا: فزورة حلوة! # ثم وهو يستريح في مجلسه ويتحداه بنظرة نافذة: لا يهمك إلا تبرئة ~~أهلك! # ومع أن جبل بذل جهدا صادقا لشكم غضبه إلا أن صوته احتد وهو ~~يقول: يهمني الحق. إنكم تعتدون لأوهى الأسباب، وأحيانا بلا سبب، ~~وما همك الآن إلا الحصول على إذن لإحداث مذبحة في قوم ~~مسالمين. # وتبدى الحقد في عيني زقلط وهو يقول: أهلك مجرمون، قتلوا قدرة وهو ~~يدافع عن الوقف! # فالتفت جبل نحو الأفندي وقال: يا سيدي الناظر لا تسمح لهذا الرجل ~~بإشباع شراهته الدموية. # فقال الأفندي: إذا ضاعت هيبتنا ضاعت حياتنا! # وتساءلت هدى، وهي تنظر نحو جبل: أتريد أن ندفن أحياء في ~~حارتنا؟ # فقال زقلط بحنق: إنك تنسى فضل أصحاب الفضل عليك وتذكر ~~المجرمين. # وارتفعت موجة الغضب في صدر جبل حتى قلقلت جذور إرادته فقال بصوت ~~شديد: ليسوا مجرمين وإن غصت حارتنا بالمجرمين! # قبضت يد هدى بشدة على ms085 طرف شالها الأزرق، وتحركت فتحتا أنف ~~الأفندي وقد عبرت وجهه صفرة، فتشجع زقلط بهذه المظاهر وقال بحقد ~~ساخر: لك عذر في دفاعك عن المجرمين ما دمت منهم! ~~- تهجمك على المجرمين شيء لا يصدق وأنت شيخ الإجرام في ~~حارتنا. # قام زقلط قومة عنيفة وقد اربد وجهه، وقال: لولا مكانتك عند آل ~~هذا البيت لأخرجتك من مجلسك على أجزاء! # فقال جبل بهدوء مخيف يشف عما تحته: أنت واهم يا زقلط! # وصاح الأفندي: أتجرآن على هذا أمامي؟ # فقال زقلط بخبث: إني أناطحه دفاعا عن هيبتك! # فأوشكت أصابع الأفندي أن تفتك بالمسبحة، وخاطب جبل بشدة قائلا: ~~لا أسمح لك بالدفاع عن آل حمدان. ~~- هذا الرجل يفتري الكذب عليهم لغاية سوء في نفسه. ~~- دع هذا لتقديري أنا! # وساد الصمت هنيهة. ترامت من الحديقة زقزقة لاهية، وتعالت في ~~الحارة موجة تهليل صاخبة يتخللها سباب فاحش. وابتسم زقلط قائلا: ~~أيأذن لي حضرة الناظر في تأديب الجناة؟ # أيقن جبل أن ساعة المنايا قد دنت فالتفت نحو الهانم وقال يائسا: ~~سيدتي، سأجد نفسي مضطرا إلى الانضمام إلى أهلي في سجنهم؛ لألقى ~~معهم مصيرهم. # فهتفت هدى في عصبية ظاهرة: يا لخيبة رجائي! # فتأثر جبل حتى انحنى رأسه، ودفعه شعور مرهف إلى أن ينظر نحو ~~زقلط فرآه يبتسم ابتسامة شماتة كريهة فانطبقت شفتاه في حنق، ثم قال ~~في أسى: لا خيار لي، ولن أنسى صنيعك معي ما حييت. # فحدجه الأفندي بنظرة قاسية وسأله: يجب أن أعرف إن كنت معنا أم ~~علينا؟ # فقال جبل بحزن وهو يشعر بأنه في النزع الأخير من حياته الراهنة: ~~ما أنا إلا ربيب نعمتك فلا يمكن أن أكون عليك، ولكن من العار أن ~~أترك أهلي يبادون وأنا أنعم بظلك. # وقالت هدى وهي تتلوى من انفعال الأزمة التي تهدد أمومتها: يا ~~معلم زقلط فلنؤجل الحديث إلى وقت آخر. # فقطب زقلط كأنما ركب على وجهه حافر بغل، ونقل عينيه بين الأفندي ~~وزوجه ثم تمتم: لا أدري ماذا يحدث غدا في الحارة! # فتجنب الأفندي النظر إلى هدى وتساءل: أجبني يا ms086 جبل أأنت معنا أم ~~علينا؟ # وتمادت موجة الغضب به حتى بلغت قمة رأسه فهتف دون أن ينتظر ~~الجواب: فإما أن تبقى معنا كواحد منا، وإما أن تذهب إلى ~~أهلك؟ # وثار جبل ، وبخاصة وهو يلحظ أثر هذا القول في صفحة وجه زقلط فقال ~~بعزم: يا سيدي إنك تطردني، وإني ذاهب. # وهتفت هدى بصوت معذب: جبل! # وهتف زقلط ساخرا: أمامكم الرجل كما ولدته أمه. # وضاق جبل بمجلسه، فقام، ثم سار بخطوات ثابتة نحو باب البهو. ~~ووقفت هدى ولكن ذراع الأفندي حالت دون تحركها. وسرعان ما اختفى ~~جبل. وفي الخارج هبت ريح تحركت بها الستائر واصطفقت مصاريع نوافذ. ~~وامتلأ جو البهو بتوتر وانقباض. وقال زقلط بهدوء: ينبغي أن ~~نعمل. # ولكن هدى قالت بإصرار وعصبية ينذران بالعناد: كلا، حسبهم الآن ~~الحصار، وحذار أن يمس جبل بشر. # لم يغضب زقلط؛ إذ إنه لم يهضم بعد ما أحرز من فوز، ورفع إلى ~~الناظر عينا متسائلة. # فقال الأفندي وهو يبدو كمن يتمصص ليمونة: سنعود إلى الحديث مرة ~~أخرى. # 32 # ألقى جبل نظرة وداع على الحديقة والمنظرة فتذكر مأساة أدهم التي ~~ترويها الرباب كل مساء. واتجه نحو الباب فوقف له البواب وهو ~~يتساءل: ماذا يدعوك إلى الخروج ثانية يا سيدي؟ # فقال جبل بامتعاض: إني ذاهب بلا عودة يا عم حسنين! # ففغر الرجل فاه وجعل ينظر إليه مليا في انزعاج ثم غمغم ~~متسائلا: بسبب آل حمدان؟ # فأحنى جبل رأسه صامتا، فعاد البواب يقول: من يصدق هذا؟ كيف ~~تسمح به الهانم؟ يا رب السماوات! وكيف تعيش يا بني؟ # فعبر جبل عتبة الباب مرسلا بصره إلى الحارة المكتظة بالناس ~~والحيوان والقاذورات وهو يقول: كما يعيش أهل حارتنا. ~~- لم تخلق لهذا. # فابتسم جبل ابتسامة ذاهلة وقال: إنها المصادفة وحدها التي ~~انتشلتني منه. # ومضى يبتعد عن البيت وصوت البواب يحذره في حسرة من التعرض لغضب ~~الفتوات. # وامتدت أمام عينيه الحارة بأتربتها ودوابها وقططها وغلمانها ~~وجحورها. أدرك مدى الانقلاب الذي جرى على حياته، ما ينتظره من ~~متاعب، وما خسره من نعيم. لكن غضبه غطى ms087 على آلامه فبدا وكأنه لا ~~يبالي بالأزهار والعصافير والأمومة الحانية. ومر في سبيله ~~بالفتوة حمودة، فقال هذا بسخرية ملساء: ليتك تعيرنا قوتك لنؤدب ~~بها آل حمدان. # فلم يعره التفاتا وقصد ربعا كبيرا من ربوع آل حمدان وطرقه. ~~وإذا بحمودة يلحق به ويسأله في دهشة واستنكار: ماذا تريد؟ # فأجابه في هدوء: إني أعود إلى أهلي. # وارتسمت الدهشة في عيني حمودة الضيقتين وبدا أنه لا يصدق ما ~~سمع. ورآهما زقلط وهو يغادر بيت الناظر متجها نحو مسكنه فصاح ~~بحمودة: دعه يدخل، وإذا خرج بعد ذلك ادفنه حيا. # فزايلت حمودة دهشته وابتسم ابتسامة بلهاء متشفية. ومضى جبل يطرق ~~الباب حتى فتحت نوافذ الربع والربوع الملاصقة، وأطلت رءوس كثيرة ~~من بينها حمدان وعتريس وضلمة وعلي فوانيس وعبدون ورضوان الشاعر ~~وتمر حنة، وتساءل ضلمة ساخرا: ماذا تريد يا ابن الأكابر؟ # وسأله حمدان: معنا أم علينا؟ # فصاح حمودة: طردوه فعاد إلى أصله القذر! # فتساءل حمدان بلهفة: طردوك حقا؟! # فقال جبل بهدوء: افتح الباب يا عم حمدان. # وزغردت تمر حنة ثم صاحت: كان أبوك رجلا طيبا وأمك امرأة ~~شريفة. # فضحك حمودة قائلا: مباركة عليك شهادة الزانية. # فصاحت تمر حنة غاضبة: اسم الله على أمك ولياليها الملاح عند حمام ~~السلطان. # وأسرعت بإغلاق النافذة فصك الحجر المنطلق من يد حمودة الضلفة من ~~الخارج محدثا دويا هلل له الصبية في الأركان. وفتح باب الربع ~~فدخل جبل مستقبلا جوا رطبا وهواء غريب الرائحة. واستقبله أهله ~~بالعناق واختلطت الكلمات الطيبات. ولكن قطع الترحيب عليهم جعجعة ~~شجار آتية من أقصى الحوش، فنظر جبل فرأى دعبس مشتبكا في شد وجذب ~~مع رجل يدعى كعبلها، فمضى نحوهما ودفع نفسه بينهما وهو يقول بحدة: ~~تتشاجران وهم يحبسوننا في بيوتنا؟! # فقال دعبس خلال أنفاسه المضطربة: سرق البطاطة من حلة على ~~نافذتي. # وصاح كعبلها: هل رأيتني وأنا أسرق؟ حرام عليك يا دعبس! # فصاح جبل غاضبا: فلنرحم أنفسنا كي يرحمنا من في السماء! # لكن دعبس قال بإصرار: بطاطتي في بطنه وسأستخرجها بيدي. # فقال كعبلها وهو يعيد طاقيته إلى رأسه: ms088 والله ما ذقت البطاطة من ~~أسبوع. ~~- أنت اللص الوحيد في هذا الربع. # فقال جبل: لا تقض بلا دليل كما يفعل زقلط معكم. # فصاح دعبس: لا بد من تأديب ابن الخطافة. # فصرخ كعبلها : يا دعبس يا ابن بياعة الفجل! # وثب دعبس على كعبلها فنطحه فترنح كعبلها وسال الدم من جبينه، ~~وراح يكيل له الضربات غير مبال بزجر الواقفين، حتى غضب جبل فانقض ~~عليه وقبض على عنقه بشدة. وعبثا حاول دعبس أن يتخلص من قبضة جبل ~~فقال بصوت مبحوح: أتريد أن تقتلني كما قتلت قدرة؟! # فدفعه جبل بقوة فارتمى على الجدار وراح يحدق فيه بحنق وغيظ. وردد ~~الرجال أبصارهم بين الرجلين، وتساءلوا: أجبل حقا هو الذي قتل ~~قدرة؟ وقبله ضلمة وصاح عتريس: «فلتحل بك البركة يا خير آل ~~حمدان!» وقال جبل لدعبس حانقا: لم أقتله إلا دفاعا عنك! # فقال دعبس بصوت منخفض: لكنك استحليت القتل. # فصاح ضلمة: يا لك من جاحد يا دعبس، اخجل من نفسك يا رجل! # ثم وهو يجذب جبل من ذراعه: ستنزل ضيفا علي في شقتي .. تعال يا ~~سيد آل حمدان! # طاوع جبل يد ضلمة لكنه شعر بأن الهاوية التي انفتحت اليوم تحت ~~قدميه لا قرار لها. # وهمس متسائلا في أذنه وهما يسيران معا: ألا يوجد سبيل إلى ~~الهرب؟ # فقال ضلمة باستنكار: أتخاف يا جبل أن يشي بك أحد إلى ~~أعدائنا؟! ~~- دعبس أحمق. ~~- نعم ولكنه ليس بالنذل! ~~- أخاف أن تثبت عليكم التهمة بسببي! # فقال ضلمة بثقة: سأدلك على طريق الهرب إذا أردته، ولكن أين ~~تقصد؟ ~~- الخلاء واسع لا يحيط به خاطر. # 33 # لم يتيسر الفرار لجبل إلا في الهزيع الأخير من الليل. جعل ينتقل ~~من سطح إلى سطح في هدأة الليل، وفي رعاية النوم المرفق بالأجفان ~~حتى وجد نفسه في الجمالية. ومضى على رغم الظلام الحالك نحو ~~الدراسة ثم مال نحو الخلاء، متجها نحو صخرة هند وقدري، فلما ~~بلغها على ضوء النجوم الخافت لم يعد بوسعه أن يغالب النوم، من فرط ~~ما نال منه الإعياء والسهر، فاستلقى على الرمال ms089 متلفعا بعباءته ~~وغط في النوم. # وفتح عينيه مع أول شعاع يضيء أعلى الصخرة، فقام من فوره كي يصل ~~إلى الجبل قبل أن يعبر الخلاء عابر. لكن بصره انجذب نحو البقعة ~~التي دفن فيها قدرة قبل أن يهم بالسير. ارتعدت فرائصه وهو ينظر ~~إليها حتى جف ريقه ثم فر بنفسه وهو في ضيق شديد. ما قتل إلا ~~مجرما، لكنه بدا كالمطارد وهو يبتعد عن قبره. وقال لنفسه: «لم ~~نخلق لنقتل وإن فاق عدد قتلانا الحصر.» وعجب لنفسه كيف أنه لم يجد ~~مكانا ينام فيه إلا المكان الذي دفن فيه قتيله! وشعر برغبته في ~~الابتعاد تتضاعف، وأن عليه أن يودع إلى الأبد من يحب ومن يكره على ~~السواء، أمه وحمدان والفتوات إلى الأبد. وبلغ سفح المقطم ونفسه ~~تفيض بالأسى والوحشة، فسار معه نحو الجنوب حتى بلغ سوق المقطم وسط ~~الضحى. وألقى نظرة طويلة إلى الخلاء وراءه وقال في شيء من ~~الاطمئنان: «الآن بعد ما بيني وبينهم.» # وراح يتفحص سوق المقطم أمامه، ذلك الميدان الصغير الذي تصب فيه ~~جملة حواري من جميع نواحيه، وتتصاعد من جنباته ضوضاء عالية تختلط ~~فيها أصوات الآدميين بنهيق الحمير. وكان ثمة ما يدل على مولد يقام، ~~لازدحام الميدان بالمارة والباعة والمجذوبين والدراويش والمهرجين ~~على الرغم من أن حركة المولد الحقيقية لا تبدأ قبل الغروب، فتنقلت ~~عيناه بين أمواج البشر المتلاطمة .. ورأى عند حافة الخلاء كوخا من ~~الصفائح صفت حوله مقاعد خشبية فبدا على حقارته أصلح مقهى في ~~السوق وأحفله بالزبائن، فاتجه نحو مقعد خال وجلس بجسم اشتد حنينه ~~إلى الراحة. وأقبل نحوه صاحب الكوخ محتفلا بمظهره المتميز بين ~~الجلوس بعباءة فاخرة وعمامة عالية ومركوب ثمين فطلب قدح شاي ~~وراح يتسلى بمتابعة الناس. # وما لبث أن جذب سمعه ضوضاء اشتدت حول كشك حنفية مياه عمومية، ~~رأى الناس يتزاحمون أمامها ليملئوا أوعيتهم بالماء، وكان التزاحم ~~كالقتال عنفا وضحايا، فارتفع الصخب وتهاوت اللعنات، ثم ندت صرخات ~~رفيعة حادة من الوسط عن فتاتين غرقتا في لجة الزحام وراحتا ~~تتراجعان لتنجوا بنفسيهما حتى ms090 خرجتا من المعترك بصفيحتين ~~فارغتين. بدتا في جلبابين فاقعي الألوان ينسدلان على جسميهما من ~~العنق حتى الكعبين، فلم يظهر منهما إلا وجهان يزهر فيهما الشباب. ~~مرت عيناه بأقصرهما دون توقف، ثم ثبتتا على الأخرى ذات العينين ~~السوداوين فلم تتحولا عنها. # أقبلتا نحو مكان خال قريب من مجلسه فتبين في ملامحهما شبها ~~أخويا على تميز جاذبته بقسط أوفر من الحسن، فقال جبل لنفسه ~~منتشيا: «ما أبدع هذه الملاحة! لم تقع عيناي على مثلها في ~~حارتنا.» وقفتا تسويان ما تشعث من شعريهما وتعيدان الخمار إلى ~~رأسيهما، ثم وضعتا الصفيحتين مقلوبتين وجلستا عليهما والقصيرة تقول ~~متشكية: كيف نملأ الصفيحة في هذا الزحام؟ # فقالت جاذبته: المولد أجارك الله! وأبونا الآن ينتظر ~~غاضبا! # فدخل جبل في الحديث دون وعي منه متسائلا: لماذا لم يحضر بنفسه ~~ليملأ الصفيحتين؟ # فالتفتتا نحوه باحتجاج، ولكن منظره المتميز لم يخل من أثر ~~مسكن فاكتفت فتاته بأن قالت: ما شأنك أنت؟! هل شكونا ~~إليك؟! # فسر جبل بخطابها وقال معتذرا: أردت أن أقول إن الرجل أقدر ~~على اقتحام زحام المولد! ~~- هذا عملنا، وله عمل أشق. # فتساءل مبتسما: ماذا يعمل أبوك؟ ~~- هذا ليس من شأنك. # وقام جبل غير مبال بالأعين المحدقة حوله، حتى وقف أمامهما وقال ~~بأدب: سأملأ لكما الصفيحتين. # فقالت جاذبته وهي تدير عنه وجهها: لسنا في حاجة إليك! # ولكن القصيرة قالت بجرأة: افعل ولك الشكر. # وقامت وهي تشد الأخرى لتقوم معها فتناول جبل الصفيحتين من ~~مقبضيهما، وسار بجسمه القوي، يشق الزحام، ويرتطم بالرجال، ويلاقي ~~الجهد، حتى بلغ الحنفية التي يجلس وراءها الساقي في كشكه الخشبي، ~~فنقده مليمين، وملأ الصفيحتين وعاد بهما نحو موقف الفتاتين. ~~وأزعجه أن يجد الفتاتين مشتبكتين مع بعض الشبان في معركة كلامية ~~بسبب معاكستهم لهما، فوضع الصفيحتين على الأرض، وتصدى للشبان ~~مهددا. وتحرش به أحدهم ولكنه صرعه بضربة في صدره فتجمع الشبان ~~للهجوم عليه وهم يسبونه، غير أن صوتا غريبا صاح بهم: اذهبوا يا ~~شين الرجال. # اتجهت الأبصار نحو رجل كهل، قصير مدمج الجسم، براق العينين، يشد ~~جلبابه ms091 على وسطه بحزام فهتفوا خجلين: «المعلم البلقيطي؟!» وسرعان ~~ما تفرقوا وهم يرمقون جبل بحنق. ولاذت الفتاتان بالرجل والقصيرة ~~تقول: اليوم عسير بسبب المولد وهؤلاء الأوغاد. # فقال البلقيطي يجيبها وهو يتفحص جبل: تذكرت المولد لتأخيركما ~~فجئت، جئت في الوقت المناسب. # ثم خاطب جبل قائلا: وأنت من أهل الشهامة، وما أندرهم في ~~أيامنا! # فقال جبل في حياء: ما هي إلا مساعدة تافهة لا تستحق ~~شكرا. # في أثناء ذلك حملت الفتاتان الصفيحتين وغادرتا المكان صامتتين. ~~ود جبل بأن يملأ من المليحة عينيه ولكنه لم يجرؤ على نزعهما من ~~عيني البلقيطي الحادتين. خيل إليه أن هذا الرجل يستطيع أن يرى ~~الأعماق فخشي أن يقرأ رغائبه، ولكن المعلم قال: دفعت عنهما ~~الأشرار، أمثالك يستحقون الحب، وهؤلاء الشبان كيف تجرءوا على ~~التحرش بابنتي البلقيطي؟ إنها البوظة! ألم تلحظ أنهم ~~سكارى؟! # فهز جبل رأسه نفيا، فقال الآخر: إني أشم كالجن الأحمر، ما ~~علينا، ألا تعرفني؟ ~~- كلا يا معلم، لم يحصل لي هذا الشرف. # فقال بثقة: إذن فأنت لست من هذه الناحية؟ ~~- نعم. ~~- أنا البلقيطي الحاوي. # وأضاء وجه جبل بنور التذكر المباغت، فقال: حصل لنا الشرف، كثيرون ~~يعرفونك في حارتنا. ~~- وما حارتكم؟ ~~- حارة الجبلاوي. # فرفع البلقيطي حاجبيه الخفيفين الأبيضين وقال بصوت منغوم: ~~أنعم وأكرم، من ذا الذي يجهل الجبلاوي صاحب الوقف؟ أو فتوتكم زقلط! ~~وهل جئت للمولد يا معلم ...؟ ~~- جبل. # ثم قال بمكر: جئت أبحث عن مقام جديد. ~~- هجرت حارتك؟ ~~- نعم. # فاشتد تفحص البلقيطي له، ثم قال: ما دام يوجد فتوات فلا بد أن ~~يوجد مهاجرون! ولكن خبرني أقتلت رجلا أم امرأة؟ # فانقبض قلب جبل وقال بثبات: مزاحك ليس لطيفا مثلك! # فضحك البلقيطي عن فم خرب وقال: لست من الرعاع الذين يعبث بهم ~~الفتوات، ولا أنت من أهل السرقة، فمثلك لا يهاجر من حارته إلا بسبب ~~القتل! # فقال جبل بحدة وضيق: قلت لك ... # فقاطعه قائلا: يا سيدي أنا لا يهمني أن تكون قاتلا وبخاصة بعد ~~أن ثبتت لي شهامتك. ما من رجل هنا إلا وقد سرق أو نهب ms092 أو قتل. ولكي ~~تطمئن إلى صدق قولي فإني أدعوك إلى فنجان قهوة ونفسين في ~~داري! # فعاود الأمل جبل وقال: حبا وشرفا. # سارا جنبا إلى جنب يخترقان السوق نحو حارة قلة، وعندما خلفا ~~الزحام وراءهما سأله البلقيطي: أكنت تقصد أحدا في حينا؟ ~~- لا أعرف أحدا. ~~- ولا مأوى؟ ~~- ولا مأوى. # فقال البلقيطي في انبساط: كن ضيفي إذا شئت حتى تجد لنفسك ~~مأوى. # فرقص قلب جبل فرحا وقال: ما أنبلك يا معلم بلقيطي! # فقال الرجل ضاحكا: لا تعجب لذلك، في داري تقيم الثعابين والحيات ~~فكيف تضيق عن إنسان؟! هل أفزعك قولي؟ إني حاو وستعرف عندي كيف ~~تستأنس الثعابين! # عبرا الحارة فانتهيا إلى خلاء لا يحد. ورأى جبل في مطلع الخلاء ~~دارا صغيرة بعيدة عن الحارة، جدرانها أحجار غير مطلية، لكنها ~~تعتبر جديدة بالقياس إلى بيوت حارة قلة المتداعية، فأشار البلقيطي ~~إليها وقال بفخار: بيت البلقيطي الحاوي. # 34 # ولما بلغا البيت قال البلقيطي: اخترت هذا المكان المنعزل لبيتي؛ ~~لأن الناس لا يرون في الحاوي إلا ثعبانا كبيرا. # دخلا معا إلى دهليز غير قصير يفضي في نهايته إلى حجرة مغلقة، ~~على حين قامت على الجانبين حجرتان مغلقتان. وأردف البلقيطي وهو ~~يشير إلى الحجرة المواجهة للداخل: في هذه الحجرة توجد أدوات العمل، ~~الحي منها والجامد، لا تخش شيئا فبابها محكم الإغلاق، أؤكد لك أن ~~الثعابين أصلح للمعاشرة من أناس كثيرين، كالذين فررت منهم ~~مثلا! # ثم ضحك كاشفا عن فيه الخرب وقال: الناس تخاف الثعابين، حتى ~~الفتوات تخافها، أما أنا فأدين لها برزقي، وبفضلها أقمت هذا ~~البيت. # وأشار إلى الحجرة اليمنى وهو يقول: هنا تنام ابنتاي، ماتت أمهما ~~من زمن تاركة إياي لشيخوخة لا تصلح للزواج من جديد. (ثم أشار إلى ~~اليسرى) وهنا سننام معا. # وترامى صوت الفتاة القصيرة من سلم جانبي يصعد إلى السطح وهي ~~تنادي: شفيقة ساعديني في الغسيل ولا تقفي هكذا كالحجر بلا ~~عمل. # فصاح البلقيطي: يا سيدة! صوتك سيوقظ الثعابين، وأنت يا شفيقة لا ~~تقفي كالحجر! # اسمها شفيقة؟! ما أبدع المليحة! وزجرها غير ms093 الجارح. والشكر ~~الصامت في عينيها السوداوين. من يخبرها بأنه ما قبل هذه الضيافة ~~الخطيرة إلا من أجل عينيها؟ # ودفع البلقيطي باب الحجرة اليسرى وأوسع لجبل حتى دخل ثم تبعه ~~ورد الباب. ومضى الرجل إلى كنبة تمتد بطول الحجرة الصغيرة في ~~جانبها الأيمن، متأبطا ذراع جبل حتى جلسا معا. وأحاط جبل بالحجرة ~~بنظرة واحدة، فرأى فراشا في الجانب الآخر مغطى ببطانية ترابية ~~اللون، وفي أرض الحجرة فيما بين الفراش والكنبة حصيرة مزركشة ~~تتوسطها صينية نحاس حال لونها من كثرة البقع، ويرقد وسطها موقد ~~هرمي الرماد، مركونة إلى قائمه جوزة، وعلى مسطح حافته سيخ وكماشة ~~وحفنة من معسل جاف. ولم يكن يرى من النافذة الوحيدة المفتوحة إلا ~~الخلاء والسماء الشاحبة وجدارا شاهقا داكنا عن بعد من جدران ~~المقطم، على حين ورد منها خلال الصمت المخيم زعيق راعية ونسائم ~~مشبعة بحرارة الشمس الساطعة. وكان البلقيطي يتفحصه لحد المضايقة ~~ففكر في أن يشغله عن نفسه بالحديث ولكن السقف فوقهما اهتز لوقع ~~أقدام تمشي فوق السطح فاهتز قلب جبل. تخيل أول ما تخيل قدميها ففاض ~~قلبه برغبة كريمة في أن تحل السعادة بالبيت ولو انطلقت ثعابينه، ~~وقال لنفسه: «قد يغتالني هذا الرجل ويدفنني في الخلاء كما دفنت ~~قدرة دون أن تدري فتاتي أني ضحيتها هي.» # وأيقظه صوت البلقيطي وهو يسأله: هل لك عمل؟ # فأجابه وهو يتذكر آخر نقود يملكها في جيبه: سأجد عملا، أي ~~عمل. ~~- لعلك في غير حاجة عاجلة إلى عمل؟ # فداخله شيء من القلق لهذا السؤال وقال: بل يحسن بي أن أبحث عن ~~عمل اليوم قبل الغد؟ ~~- لك جسم فتوات! ~~- لكني أكره العدوان! # فضحك البلقيطي وتساءل: ماذا كنت تعمل في الحارة؟ # فتردد قليلا ثم قال: كنت أعمل في إدارة الوقف. ~~- يا خبر أسود! وكيف تهجر هذا النعيم؟ ~~- حظي! ~~- هل طمعت عيناك في إحدى الهوانم؟ ~~- اتق الله يا شيخ. ~~- إنك شديد الحذر، ولكنك ستأنس إلي سريعا وتفضي لي بكل ~~أسرارك. ~~- إن شاء الله. ~~- معك نقود؟ # فعاوده القلق ولكنه لم يكشف عنه وقال ببراءة: عندي ms094 قليل منها لن ~~يغني عن السعي. # فقال البلقيطي وهو يرمش: أنت ذكي كالعفاريت، ألا تدرك أنك تصلح ~~حاويا؟ لعلنا نتعاون معا، لا تدهش لقولي، فإني عجوز في حاجة إلى ~~المعين. # لم يأخذ قوله مأخذ الجد ولكنه كان مدفوعا برغبة عميقة إلى ~~توثيق صلته به، وهم بأن يتكلم ولكن الآخر بادره قائلا: سنفكر في ~~ذلك على مهل، أما الآن ... # ونهض الرجل، ومال فوق الموقد فرفعه، ومضى به خارجا كأنما ~~ليشعله. ~~••• # وقبيل العصر خرج الرجلان معا، فمضى البلقيطي إلى تجواله، وقصد ~~جبل السوق للفرجة والتسوق. وعاد مع المساء إلى الخلاء فاهتدى إلى ~~البيت المنعزل على بصيص نور ينبعث من نافذة. ولما بلغ البيت ترامت ~~إلى أذنيه أصوات محتدمة في نقاش فلم يملك إلا أن يصغي. سمع سيدة ~~تقول: إن صح ما تقول يا أبي فإن وراءه جريمة ونحن لا قبل لنا ~~بفتوات الحارة. # فقالت شفيقة: لا يبدو أنه مجرم! # فقال البلقيطي بسخرية واضحة: وهل عرفته لهذا الحد يا بنت ~~الأفاعي؟ # فقالت سيدة: لماذا يهرب من النعيم؟ # فقالت شفيقة: ليس عجيبا أن يهرب الإنسان من حارة اشتهرت بكثرة ~~فتواتها! # فتساءلت سيدة بسخرية: من أين أتتك هذه القدرة على معرفة ~~الغيب؟ # فقال البلقيطي متنهدا: معاشرة الثعابين جعلتني أنجب ~~حيتين! ~~- أتستضيفه يا أبي وأنت لا تدري عنه شيئا؟ ~~- عرفت عنه أشياء، وسأعرف كل شيء. لي عينان يعتمد عليهما عند ~~الحاجة، ثم استضفته متأثرا بشهامته ولن أرجع عن رأيي. # ما كان يتردد عن الذهاب في غير هذا الظرف. ألم يهجر بيت النعيم ~~بلا تردد؟ ولكنه يذعن للقوة التي تشده إلى هذا البيت. وطرب منه ~~الفؤاد حتى سكر لسماع الصوت الذي دافع عنه. صوت الحنان الذي بدد ~~وحشة الليل والخلاء وجعل الهلال السابح فوق الجبل يبتسم كمن يزف ~~بشرى في الظلام. ولبث ينتظر في الظلام، ثم سعل، وأقبل نحو الباب ~~فطرقه. فتح الباب عن وجه البلقيطي الذي انعكس عليه ضوء المصباح في ~~يده. وذهب الرجلان إلى حجرتهما فجلس جبل بعد أن ترك فوق الصينية ~~النحاس لفة جاء ms095 بها. ونظر البلقيطي إلى اللفة متسائلا فقال جبل: ~~تمر وجبن وحلاوة طحينية وطعمية ساخنة. # فابتسم البلقيطي، وجعل يشير إلى الجوزة تارة وإلى اللفة أخرى ~~ويقول: خير الليل ما مضى بين هذا وذاك. # وربت كتفه متوددا وهو يتساءل: أليس كذلك يا ابن الواقف؟ # وانقبض قلبه على رغمه، وتوالت على مخيلته صور الهانم التي ~~تبنته والحديقة الغناء بأعراش الياسمين والعصافير والمياه ~~الجارية، والطمأنينة والسلام والأحلام الناعمة، دنيا النعيم ~~الزائلة، حتى أوشكت الحياة أن تفسد. وإذا بموجة تدفع ذكرياته ~~الغارقة في الأسى إلى بر الأمان إلى هذه الصبية الودودة الطيبة، ~~إلى القوة الساحرة التي تشده إلى بيت فيه وكر للثعابين، فقال بحماس ~~غير متوقع كتوهج مصباح إثر هبة نسيم: ما أطيب الحياة في جوارك يا ~~عم! # 35 # لم يعطف عليه النوم إلا قبيل الفجر إذ عانى من الخوف كثيرا. ~~وزاره طيفها في هلوسة المخاوف كما تتساقط أوراق الياسمين على ~~حشائش جافة تسعى بينها الحشرات. كابد الأوهام التي تلدها الظلماء ~~في البيت الغريب. وقال لنفسه في الظلام: «ما أنت إلا غريب في بيت ~~الثعابين، تطاردك جريمة ويهتز قلبك بالعشق.» ولو ترك وشأنه ما رغب ~~في غير السلام والدعة. وما خاف الثعابين قدر خوفه الغدر من ناحية ~~ذلك الرجل الذي يتعالى شخيره في فراشه، فمن أدراه أن شخيره صادق؟ ~~وما عاد يطمئن إلى صدق شيء. حتى دعبس المدين له بحياته ستذيع ~~حماقته السر فيثور زقلط وتبكي أمه وتندلع النيران في الحارة ~~التعيسة. والحب الذي شده إلى هذا البيت، وإلى حجرة رفيقه مروض ~~الثعابين، من أدراه أنه سيعيش حتى يصرح بمكنونه. هكذا لم يعطف عليه ~~النوم إلا قبيل الفجر بعد أن عانى من الخوف كثيرا. # وفتح عينيه المثقلتين عندما نضحت النافذة المغلقة بنور الصباح. ~~رأى البلقيطي جالسا في فراشه متقوس الظهر، يدلك بيديه المعروقتين ~~ساقيه تحت الغطاء. وابتسم في ارتياح على رغم الدوخة الملمة برأسه ~~لقلة النوم. لعن الأوهام التي تعشش في الرأس في الظلام وتتبدد في ~~النور كالخفافيش. أليست أوهاما جديرة بسوء ظن قاتل؟ أجل، ms096 إن ~~أسرتنا المجيدة تجري في دمائها الجريمة منذ القدم. وسمع البلقيطي ~~يتثاءب بصوت مرتفع متماوج كالحية الراقصة فهاج صدره وراح يسعل ~~طويلا بشدة حتى خيل إليه أن وجهه سيلفظ عينيه. ولما سكت السعال ~~تأوه الرجل من الأعماق فقال جبل: صباح الخير. # وجلس على الكنبة فالتفت البلقيطي نحوه ووجهه ما زال محتقنا من ~~السعال وقال: صباح الخير يا معلم جبل، يا من لم ينم من الليل إلا ~~أقله. ~~- لعل وجهي متغير؟ ~~- بل أذكر تقلبك في الظلام والتفاتات رأسك نحوي كالخائف! # يا لك من ثعبان! ولكن كن ثعبانا غير سام وحق العينين ~~السوداوين! ~~- الحق إني أرقت لتغيير مكان النوم. # فضحك البلقيطي قائلا: أرقت لسبب واحد وهو أنك كنت تخافني على ~~نفسك، قلت سيقتلني ويسلبني نقودي ثم يدفنني في الخلاء كما فعلت أنا ~~بالرجل الذي قتلته. ~~- أنت ... ~~- اسمع يا جبل، الخوف شديد الإيذاء، والثعبان لا يلدغ إلا عند ~~الخوف! # فقال جبل في انهزام خفي: إنك تقرأ ما ليس في الصدور. ~~- إنك تعلم أنني ما جاوزت الحق يا موظف الوقف السابق! # وترامى صوت من الداخل ينادي بقوة: «يا سيدة تعالي». فشعشع روحه ~~بانبساط غير متوقع. هذه الحمامة الزاجلة في وكر الثعابين، التي قضت ~~له بالبراءة وجذبته إلى شجرة الآمال المورقة. وقال البلقيطي وكأنه ~~يعلق على نداء شفيقة: النشاط يدب في بيتنا منذ الصباح الباكر، ~~فتنطلق هاتان البنتان إلى الطريق لتعودا بالماء والمدمس لتطعما ~~أباهما العجوز ثم ترسلاه بجراب الثعابين ليلتقط لنفسه ولهما ~~الرزق. # وحلت السكينة بقلبه، وشعر بأنه عضو في هذه الأسرة، وفاضت نفسه ~~بالمودة، فنزع إلى فتح صدره والتسليم إلى مقاديره في عفوية لا ~~تقاوم فقال: يا معلم، بالحق سأقص عليك قصتي. # فابتسم البلقيطي وتشاغل بتدليك ساقيه فعاد جبل يقول: إني قاتل ~~كما قلت، ولكن لي قصة. # وقص عليه قصته. ولما فرغ قال الرجل: يا لهم من قوم ظالمين! أما ~~أنت فرجل شهم ولم يخب نظري فيك. # واعتدل في جلسته باعتزاز ثم قال: من حقك الآن أن أبادلك صراحة ~~بصراحة، فاعلم أني أنتسب ms097 في الأصل إلى حارة الجبلاوي. ~~- أنت؟! ~~- نعم، وفررت منها في صدر الشباب ضيقا بفتواتها! # فقال جبل والدهشة لم تزايله بعد: هم شقاء حارتنا. ~~- نعم، لكننا لا ننسى حارتنا على رغم فتواتها، ولذلك أحببتك ~~عندما عرفت أصلك. ~~- من أي حي كنت؟ ~~- من حي آل حمدان مثلك. ~~- يا للعجب! ~~- لا تعجب لشيء في هذه الدنيا، لكنه تاريخ مضى من بعيد، فلا أحد ~~يعرفني الآن ولا تمر حنة نفسها التي تربطني بها صلة قربى. ~~- أعرف هذه السيدة الشجاعة، ولكن من كان غريمك من الفتوات؟ ~~زقلط؟ ~~- لم يكن في ذلك العهد إلا فتوة حي حقير. ~~- قلت هم شقاء حارتنا! ~~- ابصق على الماضي بكل ما فيه. # ثم قال بلهجة فيها إغراء: اشغل نفسك منذ الساعة بمستقبلك، وها ~~أنا ذا أكرر لك القول بأنك تصلح حاويا ماهرا، ولنا مجال مريح في ~~الجنوب من هنا، بعيدا عن حارتنا، وعلى أي حال ففتواتكم وأتباعهم ~~لا يظهرون في هذا الحي. # لم يكن بطبيعة الحال يدري شيئا عن فن الحواة ولكنه رحب به ~~باعتباره الوسيلة التي ستلصقه بهذه الأسرة، فتساءل بنبرات فضحت ~~رضاه: أتراني أصلح حقا لذلك؟ # فوثب الرجل إلى الأرض في سرعة بهلوانية ووقف أمامه بجسمه القصير ~~وقد كشف طوق جلبابه عن شعر كث أبيض وقال: أنت موافق، لم يخب نظري ~~في شيء قط. # ومد له يده فتصافحا ثم قال الرجل: أصارحك بأني أحبك أكثر من أي ~~ثعبان عندي. # فضحك جبل في نشوة طفل، وشد على يد الرجل ليمنعه من الذهاب حتى ~~وقف متسائلا ثم قال باندفاع لم تجد حيلة في منعه: يا معلم، جبل ~~يطلب القرب منك. # فابتسمت عينا البلقيطي المحمرتان وتساءل: حقا؟! ~~- نعم ورب السموات! # فضحك البلقيطي ضحكة قصيرة وقال: كنت أتساءل متى يا ترى يفاتحني ~~في ذلك! نعم يا جبل فلست أحمق، ولكنك الرجل الذي أعهد إليه بابنتي ~~مطمئنا، ومن حسن الحظ أن سيدة فتاة ممتازة كما كانت المرحومة ~~أمها! # واعترى ابتسامة الابتهاج في فم جبل ارتباك غير خاف كما يعتري ~~أطراف الزهرة اليانعة الذبول، وخاف ms098 أن يتبدد حلمه بعد أن صار في ~~قبضته وغمغم: لكن ... # فقهقه البلقيطي قائلا: لكنك تطلب شفيقة! أعلم هذا يا ابن والدي، ~~أخبرتني به عيناك وحديث الصغيرة ومعاشرة الثعابين والحيات، فلا ~~تؤاخذني فهذه هي طريقة الحواة فيما يعقدون من اتفاقات. # تنهد جبل من صميم القلب، وشعر ببرد الطمأنينة والسلام، ووثبت ~~بصدره مشاعر قوة وحماسة وانطلاق، حتى بيت النعيم لم يعد يبالي به، ~~ولا الجاه المولي، ولم يعد يخاف ما ينتظره من كد ومرمطة، فليسدل ~~على الماضي ستارا لا ينضح بضوء، وليبتلع النسيان المتاعب والآلام ~~الماضية كافة، وليبتلع فيما يبتلع حنان القلب إلى الأمومة ~~الضائعة. # في الضحى زغردت سيدة. # وسرى النبأ السعيد في الحواري المجاورة. # ثم شهد سوق المقطم وحيه زفة جبل. # 36 # قال البلقيطي بلهجة انتقاد ساخرة: لا يجمل بالرجل أن يركن إلى ~~حياة الأرنب والديك! وها أنت ذا لم تتعلم شيئا وأوشكت نقودك أن ~~تفرغ! # كانا يجلسان على فروة أمام باب الدار، وكان جبل يمد ساقيه على ~~الرمال المشمسة تلوح في عينيه الغبطة والدعة فالتفت إلى حميه وقال ~~باسما: عاش أبونا أدهم ثم مات وهو يتمنى الحياة البريئة اللاهية ~~في الحديقة الغناء! # فضحك البلقيطي ضحكة مرتفعة ونادى بأعلى صوته: يا شفيقة! أدركي ~~زوجك قبل أن يقتله الكسل. # فظهرت شفيقة على عتبة الباب وهي تنقي عدسا في طبق على يدها ~~وقد لفت رأسها بخمار أرجواني أكد صفاء وجهها. تساءلت دون أن ~~ترفع عينيها عن الطبق: ما له يا أبي؟ ~~- يتمنى شيئين؛ «رضاك وحياة بلا عمل.» # فضحكت متسائلة في إنكار: وكيف يجمع بين إرضائي وقتلي ~~جوعا؟ # فقال جبل: هذا سر الحاوي! # فلكزه البلقيطي في جنبه قائلا: لا تستهن بأشق المهن. كيف تخفي ~~بيضة في جيب متفرج وتستخرجها من جيب آخر في الصف الذي يقابله؟ كيف ~~تحول البلي إلى كتاكيت؟ كيف ترقص الحية؟ # فقالت شفيقة التي بدت منورة بالسعادة: علمه يا أبي، إنه لم ~~يعرف من الحياة إلا الجلوس على مقعد وثير في إدارة الوقف. # فقام البلقيطي وهو يقول: «جاء وقت العمل.» ثم ms099 دخل البيت. وراح ~~جبل يتأمل زوجه بإعجاب ويقول: زوجة زقلط دونك في الملاحة ألف درجة، ~~لكنها تقطع النهار على أريكة ناعمة، والأصيل في الحديقة تستنشق ~~عبير الفل وتلهو بالمياه الجارية. # فقالت بسخرية ومرارة معا: هذا حال المتخمين بأرزاق ~~الناس. # فهرش جانب رأسه متفكرا وقال: ولكن هنالك سبيلا إلى السعادة ~~الشاملة. ~~- لا تحلم، لم تكن حالما عندما نهضت للأخذ بيدي في السوق، ولم ~~تكن حالما عندما طردت عني ذباب البشر؛ ولذلك دخلت قلبي. # فاشتاق أن يقبلها. ولم يهون من قيمة كلامها اقتناعه بأنه يعرف ~~أكثر منها، وقال: أما أنا فأحببتك دون ما سبب. ~~- في هذه الحواري من حولنا لا يحلم إلا المجانين. ~~- ماذا تريدين مني يا حلوة؟ ~~- أن تكون مثل أبي. # فتساءل معابثا: وهذه الحلاوة تقطر منك ما شأنها؟ # فانفرجت شفتاها عن ابتسامة، وأسرعت أصابع يدها بين حبات ~~العدس. ~~- عندما فررت من الحارة كنت أشقى الناس جميعا، ولكن لولا ذلك ما ~~تزوجتك! # فضحكت قائلة: نحن مدينان في سعادتنا لفتوات حارتك، كما يدين أبي ~~في رزقه للحيات والثعابين. # فتنهد جبل قائلا: ومع ذلك فقد آمن خير من عرفته حارتنا من ~~أبنائها بأنه يوجد سبيل يكفل الرزق للناس وهم في الحدائق ~~يغنون. ~~- رجعنا! ها هو ذا أبي قادم بجرابه، قم رعاك الله. # وجاء البلقيطي بجرابه وقام جبل ومضى الاثنان في طريقهما المعهود. ~~وجعل البلقيطي يقول له: تعلم بعينيك كما تتعلم بعقلك، انظر ماذا ~~أفعل ولا تسألني أمام أحد من الناس، واصبر حتى أوضح لك ما يغمض ~~عليك فهمه. # ووجد جبل الحرفة شاقة حقا، ولكنه لم يستهن بها من أول الأمر ~~ووطن نفسه على الحذق فيها مهما كلفه الجهد. والواقع أنه لم يكن ~~أمامه من مهنة أخرى إلا أن يرضى بمهنة بائع جوال أو الفتونة أو ~~اللصوصية وقطع الطريق. لم تكن الحواري في حيه الجديد لتختلف عن ~~حارته في شيء عدا الوقف والقصص التي نشأت حوله. وقد رسبت في قرارة ~~نفسه حسرة متخلفة من أحلام الماضي وذكريات المجد الغابر والآمال ~~التي يتعذب بسببها آل ms100 حمدان كما تعذب أدهم من قبل. وكان مصمما ~~على النسيان بإلقاء نفسه في خضم الحياة الجديدة وتقبلها وفتح الصدر ~~لها، واللواذ بزوجه المحبة المحبوبة كلما خطر له خاطر حزن أو ~~هوان في تجواله. وتفوق على أحزانه وذكرياته وبرع في تعليمه حتى ~~أدهش البلقيطي نفسه. # كان يواصل التدريب في الخلاء ويعمل في النهار والليل، وتمضي ~~الأيام والأسابيع والأشهر فلا تهن له عزيمة ولا يدركه الكلال. وقد ~~عرف الحواري والأزقة، واستأنس الثعابين والحيات، ولعب أمام آلاف ~~الصبية، وذاق حلاوة النجاح والربح، وتلقى بشرى الأبوة المقبلة. ~~واستلقى على ظهره يرعى النجوم حين الراحة، وسهر الليالي يتجاذب مع ~~البلقيطي الجوزة ويقص القصص التي كانت الرباب ترويها بقهوة حمدان. ~~وتساءل: من حين إلى حين أين الجبلاوي؟ ونادى كثيرا: يا جبلاوي. ~~وإذ أشفقت شفيقة من أن يفسد عليه الماضي حياته هتف بها: إلى هؤلاء ~~ينتسب الشيء الذي في بطنك، وآل حمدان آله، والأفندي رأس الاغتصاب ~~كما أن زقلط رأس الإرهاب، فكيف تطيب الحياة وبها أمثال ~~أولئك؟ ~~••• # ويوما كان يعرض ألاعيبه في زينهم وسط حلقة محكمة من الصغار. ~~ولاحت منه التفاتة فرأى أمامه دعبس وقد شق سبيله إلى الصف الأمامي ~~وراح يحملق فيه بذهول. اضطرب جبل وتجنب النظر إلى وجهه ولم يعد ~~بمستطاعه أن يواصل عمله فأنهاه على رغم احتجاج الصغار، ورفع جرابه ~~ومضى. وما لبث أن لحق به دعبس وهو يصيح: جبل! أهذا أنت يا جبل؟! # فتوقف عن السير ملتفتا إليه وقال: نعم، ماذا جاء بك يا ~~دعبس؟ # ولم يفق دعبس من دهشته وجعل يقول: جبل حاو؟! متى تعلمت هذا؟ ~~وأين؟ # فقال جبل باستهانة: ليس هذا بأعجب ما يقع في هذه الدنيا. # وسار جبل والآخر يتبعه حتى بلغا سفح الجبل ثم جلسا في ظل نتوء، ~~ولم يكن بالمكان إلا أغنام ترعى وراع جلس عاريا يفلي جلبابه. ~~وتفرس دعبس في وجه صاحبه وقال: لماذا هربت يا جبل؟ كيف ساء ظنك بي ~~حتى توقعت أن أخونك؟ والله ما أخون أحدا من آل حمدان ولو يكون ~~كعبلها! ولحساب من ms101 أخونك؟ الأفندي أم زقلط؟! فليحرقهم رب السموات ~~جميعا، كم سألوا عنك كثيرا، وكنت أسمعهم يسألون فأغرق في ~~عرقي. # فسأله جبل باهتمام: خبرني كيف تعرض نفسك للانتقام بالتسلل من ~~ربعك؟ # فلوح دعبس بيده في استهانة قائلا: رفع الحصار عنا من زمن، لم ~~يعد أحد يسأل اليوم عن قدرة أو قاتله، ويقال إن هدى هانم هي التي ~~أنقذتنا من الموت جوعا، ولكن قضي علينا بالذل إلى الأبد، ولا ~~مقهى لنا ولا كرامة. نسعى في أعمالنا بعيدا عن حارتنا وإذا عدنا ~~توارينا وراء الجدران، وإذا عثر على أحدنا فتوة عبث به صفعا أو ~~بصقا. إن تراب حارتنا اليوم أكرم عليهم منا يا جبل .. ما أسعدك في ~~غربتك! # فقال جبل بامتعاض: دع سعادتي وشأنها وخبرني ألم يصب أحد ~~بسوء؟ # فقال دعبس وهو يتناول طوبة ويضرب بها الأرض: قتلوا منا عشرة في ~~عهد الحصار! ~~- يا رب السموات؟ ~~- ذهبوا فداء لقدرة الحقير ابن الحقيرة، ولكنهم ليسوا من ~~أصحابنا! # فقال جبل بحنق: ألم يكونوا من آل حمدان يا دعبس؟ # فرمش دعبس حياء وتحركت شفتاه بعذر غير مسموع، فعاد جبل يقول: ~~والآخرون ينعمون بالصفع والبصق! # وشعر الرجل بأنه مسئول عن الأرواح التي أزهقت، وعصر الألم قلبه. ~~ووجد ندما داميا على كل لحظة سلام مرت به منذ هجرته. ودهمه دعبس ~~بقوله: لعلك الوحيد السعيد اليوم من آل حمدان. # فهتف: لم أكف يوما عن التفكير فيكم. ~~- لكنك بعيد عن الهم والغم. # فقال بحدة: لم أفلت من الماضي قط. ~~- لا تبدد راحة بالك بلا أمل، لم يعد لنا أمل. # فردد جبل قوله الأخير ولكن في نبرات غامضة: لم يعد لنا ~~أمل! # فرمقه دعبس باهتمام مستطلعا ولكنه لم ينبس احتراما للحزن ~~المرسوم على وجهه. ونظر إلى الأرض فرأى خنفساء تدب مسرعة حتى اختفت ~~تحت كومة أحجار. وكان الراعي ينفض جلبابه ليغطي جسده الذي ألهبته ~~الشمس. وعاد جبل يقول: في الحق لم أكن سعيدا إلا في ~~الظاهر. # فقال مجاملا: إنك تستحق السعادة عن جدارة. ~~- تزوجت واتخذت لنفسي عملا جديدا كما ترى وما برح ms102 نداء خفي ~~يلح في إقلاق منامي. ~~- فليباركك الله، أين تقيم؟ # لم يجبه. وبدا وكأنه يخاطب نفسه. ثم قال: لا تطيب الحياة وبها ~~أمثال أولئك الأوغاد. ~~- صدقت، ولكن كيف التخلص منهم؟ # ارتفع صوت الراعي وهو ينادي أغنامه ، ويسير نحوها متأبطا عصاه ~~الطويلة، ثم ترامى عنه لحن غناء غير واضح. وتساءل دعبس: كيف أستطيع ~~أن ألقاك؟ ~~- سل عن بيت البلقيطي الحاوي عند سوق المقطم ولكن اكتم خبري إلى ~~حين. # ونهض دعبس فشد على يده ومضى والآخر يتابعه بعينين ~~محزونتين. # 37 # أوشك الليل أن ينتصف. وكادت حارة الجبلاوي تغرق في الظلمة لولا ~~أضواء وانية تتسلل من أبواب المقاهي المواربة اتقاء للبرد. ولم ~~يلح في سماء الشتاء نجم واحد، وتوارى الغلمان في الحجرات وحتى ~~الكلاب والقطط أوت إلى الأفنية. ومن خلال الصمت الشامل انبعثت ~~أنغام الرباب الرتيبة تردد الحكايات، أما حي آل حمدان فقد تلفع ~~بظلمة خرساء. وجاء شبحان من ناحية الخلاء، فسارا تحت سور البيت ~~الكبير، ثم مرا أمام بيت الأفندي، قاصدين حي آل حمدان، حتى وقفا ~~أمام الربع الأوسط وطرق أحدهما الباب، فرن الطرق في الصمت مثل ~~قرع الطبول. وفتح الباب عن وجه حمدان نفسه الذي بدا شاحبا على ضوء ~~سراج بيده ورفع السراج ليتبين وجه الطارق، وما عتم أن هتف في ~~دهشة: جبل؟! ~~- وتنحى عن الباب فدخل جبل حاملا بقجة كبيرة وجرابا، وتبعته ~~زوجه حاملة بقجة أخرى. وتعانق الرجلان. وألقى حمدان نظرة سريعة ~~على المرأة فلمح بطنها، وقال: زوجتك؟ أهلا بكما، اتبعاني على ~~مهل. # اخترقوا دهليزا طويلا مسقوفا حتى بلغوا الحوش الواسع غير ~~المسقوف، ثم مالوا إلى السلم الضيق ورقوا فيه حتى مسكن حمدان. ~~وأدخلت شفيقة إلى الحريم، ومضى حمدان بجبل إلى حجرة واسعة متصلة ~~بشرفة مطلة على حوش الربع. وما لبث خبر عودة جبل أن ذاع فأقبل ~~كثيرون من رجال آل حمدان على رأسهم دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس ~~ورضوان الشاعر وعبدون، فصافحوا جبل بحرارة، وجلسوا في الحجرة على ~~الشلت يتطلعون إلى العائد باهتمام وحب استطلاع. وتتابعت الأسئلة ~~على جبل فقص ms103 عليهم طرفا من حياته الأخيرة. وتبادلوا نظرات ~~الأسى. ورأى جبل أن أرواحهم المضعضعة تنعكس على أجسادهم المهزولة ~~وأن الفناء يدب في الأوصال. وقصوا عليه ما يلقون من هوان، فقال ~~دعبس: إنه أخبره بكل شيء في لقاء اتفق لهما منذ شهر؛ وإنه لذلك ~~يعجب لما جاء به، وسأله ساخرا: أجئت لتدعونا للهجرة إلى مقامك ~~الجديد؟ # فقال جبل بحدة: لا مقام لنا إلا هنا! # وجذب الأسماع في صوته نبرة قوة حتى لاح الاستطلاع في عيني حمدان ~~وقال: لو كانوا ثعابين لما استعصى عليك ردعهم. # ودخلت تمر حنة بأقداح الشاي فحيت جبل تحية حارة، وأثنت على ~~زوجه، وتنبأت له بأنه سينجب ذكرا، ولكنها قالت مستدركة: لم يعد من ~~فارق بين رجالنا ونسائنا! # ونهرها حمدان وهي تغادر الحجرة، ولكن أعين الرجال عكست اقتناعا ~~ذليلا بقولها، وتكاثفت سحب الأحزان المخيمة على المجلس، فلم يذق ~~أحد للشاي طعما. وتساءل رضوان الشاعر: لماذا عدت يا جبل وأنت لم ~~تألف الإهانة؟ # فقال حمدان بصوت ينم عن الانتصار: قلت لكم مرارا إن الصبر على ~~ما نلقى خير من التسكع بين غرباء سيكرهوننا. # فقال جبل بقوة: ليس الأمر كما ترى. # وهز حمدان رأسه دون أن ينبس، فساد صمت حتى قال دعبس: يا جماعة ~~فلنتركه ليستريح. # ولكنه أشار لهم بالبقاء وقال: ما جئت لأستريح، ولكن لأحدثكم في ~~شأن خطير، أخطر مما تتصورون. # وتطلعت إليه الأعين بدهشة وغمغم رضوان متمنيا الخير فيما سيسمع. ~~أما جبل فراح يقلب في الوجوه عينيه القويتين، ثم قال: كان بوسعي أن ~~أمضي العمر كله في أسرتي الجديدة دون تفكير في العودة إلى ~~حارتنا. # وصمت مليا، ثم عاد يقول: لكنه حدث منذ أيام معدودة أن شعرت ~~برغبة في المشي وحدي على رغم البرد والظلام، فخرجت إلى الخلاء، ~~وإذا بقدمي تقودانني إلى البقعة المشرفة على حارتنا، ولم أكن ~~دنوت منها منذ هروبي. # تجلى الاهتمام في الأعين، فواصل الرجل حديثه قائلا: مضيت في ~~تجوالي في ظلام دامس، فحتى النجوم توارت وراء السحب، وما أدري إلا ~~وأنا أوشك أن أصطدم بشبح ms104 هائل، توهمته أول الأمر أحد الفتوات، ~~ولكنه بدا لي شخصا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعا، ~~طويلا عريضا كأنه جبل، فامتلأت رهبة وهممت بالتراجع، وإذا به ~~يقول بصوت عجيب: «قف يا جبل!»؛ فتسمرت في مكاني وسألته وجلدي ينضح ~~بالخوف: «من؟ من أنت؟» # وتوقف جبل عن الحديث فمالت الرءوس إلى الأمام في اهتمام، وتساءل ~~ضلمة: من حارتنا؟ # ولكن عتريس قال بسرعة معترضا: قال إنه ليس كمثله أحد في حارتنا ~~ولا في الناس جميعا. # ولكن جبل قال: بل إنه من حارتنا؟ # وتساءلوا عن هويته جميعا فقال جبل: قال لي بصوته العجيب: «لا ~~تخف، أنا جدك الجبلاوي!» # وارتفعت صيحات الدهشة من الجميع ورمقوه بنظرات الارتياب، وقال ~~حمدان: إنك تهزر دون شك. ~~- بل أقول الحق دون زيادة ولا نقصان! # فسأله فوانيس: ألم تكن مسطولا؟ # فصاح جبل بغضب: إن السطل لم يذهب بعقلي قط! # فقال عتريس: له لطشات لا تعرف عزيزا وخصوصا الأصناف ~~الجيدة! # فتبدى الغضب في وجه جبل كالسحاب المظلم وصاح: سمعته بأذني وهو ~~يقول لي: «لا تخف، أنا جدك الجبلاوي»! # فقال حمدان برقة ليسكن غضبه: لكنه لم يغادر بيته من زمن ولم ~~يره أحد! ~~- لعله يخرج كل ليلة دون أن يدري أحد. # فعاد حمدان يتساءل في حذر: لكن أحدا غيرك لم يصادفه! ~~- صادفته أنا! ~~- لا تغضب يا جبل فما قصدت التشكيك في صدقك، ولكن الوهم خداع. ~~بالله خبرني إذا كان الرجل يستطيع الخروج من بيته، فلماذا نزل عن ~~النظارة لغيره؟ ولماذا يتركهم يعبثون بحقوق أبنائه؟! # فقال جبل مقطبا: هذا سره وهو به أعلم. ~~- إن ما قيل عن اعتزاله لكبره وعجزه أقرب إلى المعقول. # فقال دعبس: إننا نتخبط بين الأقاويل، دعونا نسمع القصة إن كان ~~لها بقية. # فقال جبل: قلت له: «لم أحلم أن أقابلك في هذه الحياة!» فقال: «ها ~~أنت ذا تقابلني.» وحددت بصري؛ لأتبين وجهه المرتفع في الظلام فقال ~~لي: «لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام!» فقلت بذهول لرؤيته محاولة ~~رؤيتي له: «لكنك تراني في الظلام!» فقال: «إني أرى ms105 في الظلام منذ ~~اعتدت التجوال فيه قبل أن توجد الحارة.» فقلت بإعجاب: «الحمد لرب ~~السماوات على أنك ما زلت تتمتع بصحتك.» فقال: «أنت يا جبل ممن يركن ~~إليهم، وآي ذلك أنك هجرت النعيم غضبا لأسرتك المظلومة. وما أسرتك ~~إلا أسرتي، وهم لهم في وقفي حق يجب أن يأخذوه، ولهم كرامة يجب أن ~~تصان، وحياة يجب أن تكون جميلة.» فسألته في فورة حماس أضاءت ~~الظلام: «وكيف السبيل إلى ذلك؟» فقال: «بالقوة تهزمون البغي، ~~وتأخذون الحق، وتحيون الحياة الطيبة.» فهتفت من أعماق قلبي: «سنكون ~~أقوياء.» فقال: «وسيكون النجاح حليفكم.» # وترك صوت جبل وراءه صمتا كالحلم بدوا فيه جميعا ~~مسحورين. # كانوا يفكرون ويتبادلون النظرات، ثم يتجهون بأعينهم إلى حمدان ~~حتى خرج عن صمته قائلا: فلنتدبر هذه الحكاية بعقولنا ~~وقلوبنا! # فقال دعبس بقوة: إنها لا تبدو وهما من أوهام السطل وكل ما ~~تتضمنه حق. # فقال ضلمة بإيمان: لن تكون وهما إلا إذا كانت حقوقنا ~~وهما! # فتساءل حمدان في شيء من التردد: ألم تسأله عما يمنعه من إجراء ~~العدل بنفسه؟ أو عما جعله يعهد بالنظارة إلى قوم لا يحسنون القيام ~~على حقوق الناس؟ # فقال جبل بامتعاض: لم أسأله، ولم يكن بوسعي أن أسأله، أنت لم ~~تلقه في الخلاء والظلمة ولم تستشعر الرهبة في حضرته. ولو وقع لك ~~ذلك ما فكرت في مناقشته الحساب ولا داخلك الشك في أمره. # فهز حمدان رأسه فيما يشبه التسليم وقال: هذا كلام خليق ~~بالجبلاوي حقا، ولكن ما أخلقه بأن ينفذه بنفسه! # فصاح دعبس: انتظروا حتى تموتوا في هوانكم! # فتنحنح رضوان الشاعر وقال وهو ينظر بحذر في الوجوه: كلام جميل ~~ولكن فكروا فيما يجرنا إليه. # فقال حمدان بحزن: ذهبنا مرة نستجدى بعض حقنا فكان ما كان. # وإذا بعبدون الصغير يصيح: علام نخاف وليس هناك أسوأ مما نحن ~~فيه؟! # فقال حمدان كالمعتذر: لست أخاف على نفسي ولكني أخاف ~~عليكم. # فقال جبل بازدراء: سأذهب إلى الناظر وحدي. # فقال دعبس وهو يتزحزح مقتربا من مجلسه: ونحن معك، لا تنسوا أن ~~الجبلاوي وعده بالنجاح! # فقال ms106 جبل: سأذهب وحدي عندما أقرر الذهاب، ولكنني أريد أن أطمئن ~~إلى أنكم ستكونون ورائي وحدة متماسكة خليقة بمواجهة الشدة ~~والصمود لها! # ووثب عبدون واقفا في حماس وهتف: وراءك حتى الموت! # وانتقل حماس الغلام إلى دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس. وتساءل رضوان ~~الشاعر بشيء من المكر: إن كانت زوجة جبل تدري بما جاء زوجها من ~~أجله، فقص جبل عليهم كيف أنه أفضى بسره إلى البلقيطي، وكيف نصحه ~~الرجل بتقدير العواقب، وكيف أصر على العودة إلى حارته، وكيف ~~اختارت زوجه أن تسير معه إلى النهاية. # وعند ذاك قال حمدان بصوت أنبأ بأنه مع الآخرين: ومتى تذهب إلى ~~الناظر؟ # فأجاب جبل: عندما تنضج خطتي. # فقام حمدان وهو يقول: سأدبر لك مقاما في مسكني، إنك أعز ~~الأبناء، وهذه ليلة لها ما وراءها، ولعل الرباب ترويها غدا موصولة ~~بقصة أدهم، هلموا نتعاهد على الخير والشر! # عند ذاك تصاعد صوت حمودة الفتوة، العائد مع الفجر، وهو يغني ~~بلسان مخمور مترنح: # يا واد يا سكري تشرب تنجلي، # وتخش الحارة تتطوح تترمي، # وعاملي فنجري، # وتمز بجنبري. # فلم يؤخذوا بصوته إلا لحظة، ثم مدوا أيديهم ~~للتعاهد في حماس، وفي رجاء. # 38 # وعلمت الحارة بعودة جبل؛ رأته يسير بجرابه، ورأت زوجته وهي تسعى ~~إلى الجمالية لابتياع حوائجها، وتحدثوا عن مهنته الجديدة التي لم ~~يسبقه إليها أحد من أبناء الحارة. على أنه كان يعرض ألاعيبه ~~السحرية في الأحياء المجاورة دون حارته، وتجنب استعمال الثعابين في ~~ألاعيبه فلم يفطن أحد إلى أنه بها خبير. ومر ببيت الناظر مرات ~~وكأنما لم يطرقه في حياته وهو يكابد في أعماقه حنينا أليما إلى ~~أمه. ورآه الفتوات مثل: حمودة والليثي وبركات وأبو سريع فلم يصفعوه ~~كما يفعلون مع غيره من آل حمدان، ولكنهم عرضوا به وهزئوا بجرابه. ~~وصادفه مرة زقلط فحدجه بنظرة قاسية، ثم اعترض سبيله متسائلا: أين ~~كانت غيبتك؟ # فقال في حلم: في الأرض الواسعة ... # فقال الرجل متحرشا: إني فتوتك ومن حقي أن أسألك عما أريد وعليك ~~أن تجيب! ~~- أجبتك بما عندي. ~~- وماذا عاد بك؟ # فقال ms107 في هدوء: ما يعود بالإنسان إلى حارته. # فقال له بصوت نم عن وعيد: لو كنت في مكانك ما عدت! # وسار فجأة بقوة، فكاد يرتطم به لولا أن تنحى جبل عن سبيله ~~بسرعة، كاظما غيظه. وإذا بصوت بواب بيت الناظر يناديه، فالتفت جبل ~~نحوه دهشا، ثم مشى إليه، فالتقيا أمام البيت وتصافحا بحرارة. وجعل ~~الرجل يسأله عن أحواله، ثم أخبره بأن الهانم تود رؤيته. وكان جبل ~~يتوقع هذه الدعوة منذ ظهوره في الحارة، كان قلبه يحدثه بأنها آتية ~~لا ريب فيها. ومن ناحيته لم يكن بوسعه أن يزور البيت للحال التي ~~غادره عليها، وفضلا عن ذلك، فقد قرر ألا يطلب المقابلة حتى لا ~~يثير الشكوك حولها قبل أن تقع، سواء في نفس الناظر أم في نفوس ~~الفتوات، ولكنه ما كاد يدخل البيت حتى جرى الخبر في الحارة جميعا. ~~وألقى نظرة سريعة - عند مسيره إلى السلاملك - على الحديقة، على ~~أشجار الجميز والتوت العالية، وشجيرات الأزهار والورود التي تغطي ~~الأركان، وقد اختفى العبير التقليدي تحت قبضة الشتاء، وغشي الجو ~~نور هادئ وديع كالأصيل كأنه يقطر من السحاب الأبيض المنتشر، وصعد ~~السلم وهو يطرد عن قلبه بقوة أسراب الذكريات، ودخل البهو فرأى في ~~صدره الهانم وزوجها جالسين، منتظرين. # نظر إلى أمه فتلاقت نظرتاهما، وقامت المرأة لاستقباله في تأثر ~~شديد، فهوى على يديها يقبلهما، ولثمت جبينه في حنان، فاجتاحه في ~~موقفه شعور بالحب والسعادة، والتفت رأسه إلى الناظر فرآه جالسا في ~~عباءته يطالعهما بعينين باردتين، فمد له يده فقام نصف قومة ~~ليصافحه وسرعان ما جلس. وجرت عينا هدى على جبل في دهشة ممزوجة ~~بانزعاج، وهو يبدو بجسمه الفارع في جلباب خشن مشمر وسطه بحزام ~~غليظ، وفي قدميه مركوب شبه بال، وعلى شعره الغزير طاقية عتماء، ~~فتجلى في عينيها الرثاء، وتحدثت عيناها - من دون اللسان - فأبدت ~~حزنها على مظهره وعلى ما ارتضاه لنفسه من حياة، وكأنما كانت تطالع ~~أملا باهرا تهاوى إلى حطام. وأشارت له بالجلوس فجلس على مقعد ~~قريب منها، وجلست هي فيما يشبه الإعياء. ms108 # وأدرك ما يدور في نفسها فحدثها بصوت قوي عن حياته في سوق ~~المقطم، وعن مهنته، وزواجه. حدثها حديث الراضي عن تلك الحياة على ~~رغم خشونتها، والقانع بها؛ فامتعضت لقوله وقالت: لتكن حياتك ما ~~تكون، ولكن كيف لم تجعل من بيتي أول بيت تقصده لدى عودتك إلى ~~الحارة؟ # كاد يقول لها إنه ليس لعودته إلى الحارة من هدف إلا بيتها، ولكنه ~~أجل ذلك؛ لأن اللحظة لم تكن مناسبة، ولأنه لم يفق بعد من تأثر ~~اللقيا. وأجاب قائلا: كان بيتك أمنيتي، ولكني لم أجد الشجاعة ~~لاقتحامه بعد ما كان. # وإذا بالأفندي يسأله بصوت بارد: ولماذا عدت ما دام العيش قد طاب ~~لك في الخارج؟ # فندت عن الهانم نظرة عتاب نحو زوجها الذي تجاهلها. أما جبل ~~فقال باسما: لعلي عدت يا سيدي طامعا في لقياك! # فقالت هدى في عتاب: ولم تزرنا حتى دعوناك يا جاحد! # فقال جبل وهو يخفض رأسه: ثقي يا سيدتي بأنني كلما ذكرت الظروف ~~التي اضطرتني إلى مغادرة هذا البيت لعنتها من صميم قلبي. # فحدجه الأفندي بنظرة مريبة وهم بسؤاله عما يعني، ولكن هدى ~~سبقته قائلة: علمت بلا شك بعفونا عن آل حمدان إكراما لك. # وأدرك جبل أنه آن لهذا الموقف العائلي الطيب أن ينتهي كما قدر له ~~من أول الأمر، وأنه آن للكفاح أن يبدأ، فقال: الحق يا سيدتي أنهم ~~يعانون ذلا ألعن من الموت، وقد قتل منهم من قتل. # فقبض الأفندي بشدة على مسبحته وهتف بحدة: إنهم مجرمون، وقد نالوا ~~ما يستحقون. # فلوحت هدى بيدها في رجاء وقالت: فلننس الماضي كله. # فقال الأفندي بإصرار: ما كان يجوز أن يضيع دم قدرة ~~هدرا. # فقال له جبل بثبات: المجرمون حقا هم الفتوات. # فوقف الأفندي في عصبية ووجه الخطاب إلى زوجته قائلا في لوم: ~~أرأيت نتيجة إذعاني لك في دعوته إلى بيتنا؟ # فقال جبل بصوت أفصحت نبراته عما وراءه من عزم: سيدي، كان في نيتي ~~أن أجيء إليك على أي حال، ولعل الاعتراف بالجميل الذي أكنه نحو ~~البيت هو الذي جعلني ms109 أنتظر حتى أدعى إليه. # فرمقه الناظر بنظرة توجس وارتياب ثم سأله: ماذا تريد من ~~مجيئك؟ # فوقف جبل مواجها الناظر في شجاعة، وهو يدرك تماما أنه يفتح ~~بابا ستهب منه العواصف جامحة، ولكنه كان يستمد من مقابلة الخلاء ~~شجاعة لا تتزعزع. قال: جئت مطالبا بحقوق آل حمدان في الوقف وفي ~~الحياة الآمنة! # اسود وجه الأفندي من الغضب على حين فغرت الهانم فاها من اليأس، ~~وقال الرجل وهو يحدجه بنظرة محرقة: أتجرؤ حقا على معاودة هذا ~~الحديث؟ أنسيت أن المصائب تتابعت عليكم مذ جرؤ شيخكم المخرف على ~~التقدم بهذه المطالب الخرافية؟! أقسم على أنك جننت، ولست مطالبا ~~بتضييع وقتي مع المجانين. # وقالت هدى بصوت باك: جبل، كان في نيتي أن أدعوك أنت وزوجك ~~للإقامة معنا. # لكن جبل قال بصوت قوي: إنما رددت على مسامعك رغبة من لا ~~ترد له رغبة، وهو جدك وجدنا الجبلاوي! # نظر الأفندي إلى جبل بإمعان وتفرس وذهول. نهضت هدى جزعة ووضعت ~~كفها على منكب جبل وهي تتساءل: جبل، ماذا دهاك؟! # فقال جبل باسما: بخير يا سيدتي. # فقال الأفندي في ذهول: بخير؟! أنت بخير؟ ماذا حصل لعقلك؟ # فقال جبل بهدوء وسكينة: اسمع قصتي واحكم بنفسك. # وقص عليهما ما سبق أن قصه على آل حمدان. ولما فرغ من قصته ~~قال الأفندي وكان يتفرس في وجهه طوال الوقت بريبة: الواقف لم يغادر ~~بيته قط منذ اعتزل! # فقال جبل: لكني قابلته في الخلاء. # فسأله متهكما: ولماذا لم يطلعني أنا على رغباته؟ # فقال جبل: هذا سره وهو به أعلم. # فضحك الأفندي ضحكة حانقة وقال: إنك حاو بحق وجدارة، ولكنك لا ~~تقنع بألاعيب الحواة، وإنما تطمع في اللعب بالوقف كله! # فقال جبل دون أن يزايله هدوءه: علم الله أني ما جاوزت الحق، ~~فلنحتكم إلى الجبلاوي نفسه إن استطعت، أو إلى شروطه العشرة! # فانفجر غضب الأفندي؛ اربد وجهه وارتعشت أطرافه وصاح: أيها اللص ~~المحتال! لن تنجو من مصيرك الأسود ولو اعتصمت بقمة الجبل! # وهتفت هدى: يا للشقاء! ما كنت أتوقع أن تجيئني بهذه التعاسة كلها ms110 ~~يا جبل! # فتساءل جبل في عجب: أيحدث هذا كله لا لشيء إلا لأنني طالبت بحق ~~آلي المشروع؟! # فصرخ الأفندي بأعلى صوته: اخرس يا محتال، يا حشاش، يا حارة ~~حشاشين يا أولاد الكلب، اخرج من بيتي، وإن عدت إلى هذيانك قضيت على ~~نفسك وعلى أهلك بالذبح كالنعاج. # فقطب جبل غاضبا وصاح: احذر أن يحيق بك غضب الجبلاوي. # فهجم الأفندي على جبل ولكمه في صدره العريض بأقصى قوته. # ولكن جبل تلقاها بثبات وصبر، والتفت إلى الهانم قائلا: إنما ~~أكرمه إكراما لك. # ثم ولى لهما ظهره وذهب. # 39 # توقع آل حمدان شرا داهما. وخالفت تمر حنة الإجماع، فظنت أنه ~~ما دام جبل على رأس آل حمدان هذه المرة فلن تسمح الهانم بالقضاء ~~عليه. لكن جبل نفسه لم يؤمن بظن تمر حنة وأكد أنه إذا هدد ~~الوقف طامع فلن يقام وزن لجبل ولا لأحد من الناس ولو كان أقربهم ~~إلى الأفندي نفسه. وذكرهم جبل بوصية جدهم بأن يكونوا أقوياء وأن ~~يصمدوا للملمات. ومضى دعبس يقول: إن جبل كان يرفل في النعيم وإنه ~~نبذه مختارا إكراما لهم، فلا يصح أن يخذله أحد، وإن التذرع ~~بالقوة إذا لم ينفع، فلن يدفع بهم إلى أسوأ مما هم فيه بحال. والحق ~~أن آل حمدان استشعروا الخوف وتوترت منهم الأعصاب ولكنهم وجدوا في ~~اليأس قوة وعزيمة فكانوا يرددون المثل القائل «لطابت لاتنين ~~عور». # رضوان الشاعر وحده راح يقول متحسرا: «لو شاء الواقف لأعلن كلمة ~~العدل وقضى لنا بالحق ونجانا من هلاك مبين.» وقد غضب جبل لما بلغه ~~قوله، فقصده عابسا هائجا ثم هزه من منكبيه حتى كاد يقتلعه من ~~مجلسه وصاح به: «أهذا هو حال الشعراء يا رضوان؟! تروون حكايات ~~الأبطال وتغنون على الرباب، فإذا جد الجد تقهقرتم إلى الجحور ~~وأشعتم التردد والهزيمة؟! ألا لعنة الله على الجبناء!» والتفت إلى ~~الجالسين قائلا: «لم يكرم الجبلاوي حيا من أحياء هذه الحارة كما ~~أكرمكم، ولو لم يكن يعتبركم أسرته الخاصة ما لاقاني ولا كلمني، ~~ولكنه نور السبيل ووعد بالتأييد، ووالله لأكافحن ms111 ولو كنت ~~وحدي!» لكن بدا أنه لم يكن وحده. أيده كل رجل، وأيدته كل امرأة، ~~وانتظروا جميعا المحنة وكأنهم لا يبالون بالعواقب. # واحتل جبل مكان الزعامة في حيه بطريقة عفوية أملتها الأحداث ~~دون قصد منه أو تدبير، ودون ممانعة من حمدان الذي ارتاح إلى ~~تخليه عن موضع سيصير هدفا لهجوم لن يعرف مداه. ولم يقبع جبل في ~~الربع فخرج - مخالفا نصيحة حمدان - ليتجول كعادته. كان يتوقع ~~شرا عند كل خطوة ولكن أحدا من الفتوات لم يتعرض له بسوء، فعجب ~~لذلك غاية العجب، ولم يجد له من تفسير إلا أن يكون الأفندي قد كتم ~~أنباء المقابلة على أمل أن يسكت هو أيضا عن مطالبه فينتهى الأمر ~~وكأنه ما كان. وأشفق من أن ينتهي الأمر وكأنه ما كان. ورأى وراء ~~هذه السياسة وجه الهانم المحزون وأمومتها الصادقة. وخاف أن يثبت ~~حنانها أنه أقسى عليه من غلظة زوجها، ففكر طويلا فيما ينبغي أن ~~يفعل لينفض الرماد عن الجمر. # وجرت في الحارة أحداث غريبة. فذات يوم ترامت استغاثة امرأة من ~~بدروم، وتبين أن ثعبانا زحف بين قدميها فخرجت تجري إلى الطريق. ~~وتطوع رجال للتفتيش عن الثعبان فدخلوا مسكنها بعصيهم، وفتشوا عن ~~الثعبان حتى عثروا عليه، فانهالوا عليه ضربا حتى قتلوه، وطرحوه ~~على أرض الحارة فتلقفه الغلمان وراحوا يلعبون به مهللين. ولم يكن ~~الحادث بالغريب في الحارة ولكن لم تكد تمضي ساعة حتى ارتفعت صرخة ~~استغاثة ثانية من بيت في مطلع الحارة فيما يلي الجمالية. وما جثم ~~الليل حتى تعالت ضجة في ربع من ربوع حمدان، إذ رأى البعض ثعبانا ~~ولكنه اختفى قبل أن يلحق به أحد، وضاعت جهود القوم للعثور عليه، ~~وعند ذاك تطوع جبل نفسه لاستخراجه مستعينا بالخبرة التي اكتسبها ~~عند البلقيطي. وتحدث آل حمدان عن وقفة جبل عاريا في الحوش، وعن ~~لغته السرية التي خاطب بها الثعبان حتى جاء طائعا. وكادت تلك ~~الأحداث تنسى مع صباح اليوم التالي لولا أن تكرر وقوعها في بيوت ~~أناس من ذوي الشأن. فقد ذاع وملأ الأسماع ms112 أن ثعبانا لدغ حمودة ~~الفتوة وهو يقطع دهليز الربع الذي يقيم فيه، فصرخ الرجل على رغمه ~~حتى أدركه أصحابه وأسعفوه. هنا انقلب الحادث أحدوثة. وقال الناس في ~~الثعابين وأعادوا. # غير أن نشاط الثعابين العجيب لم يتوقف. فقد رأى بعض الصحاب في ~~غرزة الفتوة بركات ثعبانا بين عمد السقف، لاح نصف دقيقة ثم اختفى، ~~فهبوا مذعورين وتقوض المجلس. وغطت أخبار الثعابين على حكايات ~~الشعراء في المقاهي. وبدا أن نشاطها قد جاوز حدود الأدب، إذ ظهر ~~ثعبان ضخم في بيت حضرة الناظر. ومع أن خدم البيت الكثيرين انتشروا ~~في أركانه للتفتيش عن الثعبان المختفي إلا أنهم لم يقفوا له على ~~أثر. وركب الخوف الناظر والهانم حتى فكرت جديا في مغادرة البيت ~~إلى أن تطمئن إلى خلوه من الثعابين. وبينما البيت مقلوب رأسا ~~على عقب ترامى من بيت زقلط فتوة الحارة صراخ وضجة، وذهب البواب ~~ليستطلع الخبر ثم عاد ليخبر سيده بأن ثعبانا لدغ أحد أبناء زقلط ~~ثم اختفى؛ وتملك الخوف النفوس. وتتابعت الاستغاثات من الثعابين من ~~كل ربع فصممت الهانم على مغادرة الحارة. # وقال عم حسنين البواب: إن جبل حاو وللحواة خبرة باصطياد ~~الثعابين، وأكد أنه استخرج ثعبانا من أحد ربوع آل حمدان. وامتقع ~~لون الأفندي ولم ينبس، أما الهانم فأمرت البواب بأن يستدعي جبل. ~~ونظر البواب إلى سيده مستأذنا، فغمغم الأفندي بكلمات حانقة دون أن ~~يبين. وخيرته الهانم بين دعوة جبل وبين مغادرة البيت، فأذن للرجل ~~بالذهاب وهو ينتفض حنقا وغضبا وتجمع كثيرون فيما بين بيتي الناظر ~~والفتوة، وتوافد ذوو الشأن على بيت الناظر وفي مقدمتهم الفتوات: ~~زقلط وحمودة وبركات والليثي وأبو سريع. ولم يكن للمجتمعين من حديث ~~إلا الثعابين، فقال أبو سريع: لا بد أن شيئا في الجبل دفع ~~بالثعابين إلى بيوتنا! # فصاح زقلط وقد بدا وكأنه يقاتل نفسه؛ لأنه لا يجد من يقاتله: طول ~~عمرنا جيران للجبل وما حصل منه شيء. # كان زقلط ثائرا لما أصاب ابنه، وكان حمودة لا يزال يعرج من ~~إصابة ساقه، على حين تملك الخوف ms113 الجميع، فقالوا: إن بيوتهم لم تعد ~~صالحة للمبيت، وإن السكان تجمهروا في الحارة. # وجاء جبل حاملا جرابه الخالي، فحيا الجميع، ووقف أمام الناظر ~~والهانم في أدب وثقة. # ولم يستطع الناظر أن ينظر إليه، أما الهانم فقالت له: قيل لنا يا ~~جبل إنك تستطيع استخراج الثعابين من بيوتنا؟ # فقال جبل بهدوء: تعلمت ذلك فيما تعلمت يا صاحبة الفضل. ~~- دعوتك؛ لتطهر البيت من الثعابين. # فنظر جبل إلى الأفندي متسائلا: هل يأذن لي حضرة الناظر؟ # فغمغم الناظر وهو يداري حنقه وقهره: نعم. # وهنا تقدم الليثي بإيحاء خفي من زقلط وسأله: وبيوتنا وبيوت ~~الآخرين؟ # فقال جبل: إن خبرتي تحت أمر الجميع. # وارتفعت أصوات بالشكر، فأجال جبل عينيه الكبيرتين في الوجوه ~~مليا ثم قال: ولعلي في غير حاجة إلى تذكيركم بأن لكل شيء ثمنه ~~كما تجري المعاملات في حارتنا! # فتطلع إليه الفتوات في دهشة فقال: علام تدهشون؟ إنكم تحمون ~~الأحياء نظير الإتاوات، وحضرة الناظر يدير الوقف نظير التصرف في ~~ريعه! # والظاهر أن حرج الموقف لم يسمح للأعين بالإفصاح عما في الصدور، ~~غير أن زقلط سأله: ماذا تطلب نظير عملك؟ # فقال بهدوء: لن أطلب نقودا، ولكني أطلب كلمة شرف باحترام آل ~~حمدان في كرامتهم وحقهم في الوقف. # وساد الصمت، فبدا أن الجو يتنفس بالحقد المكتوم. وتضاعف قلق ~~الهانم على حين أخفى الناظر عينيه في الأرض. وعاد جبل يقول: لا ~~تظنوا أنني أتحداكم، الحق أنني أذكركم بما يمليه عليكم الحق والعدل ~~نحو إخوانكم المغلوبين على أمرهم. إن الخوف الذي أخرجكم من دياركم ~~ما هو إلا جرعة مما يتجرع إخوانكم كل يوم من أيام حياتهم ~~التعيسة. # التمعت في الأعين نظرات غضب سريعة كالبرق في السحاب، وسرعان ما ~~اختفت تحت غيم الكظم. غير أن أبو سريع صاح: أستطيع أن آتيكم بأحد ~~الرفاعية ولو نبيت خارج بيوتنا يومين أو ثلاثة أيام حتى يحضر من ~~قريته. # فتساءلت الهانم: كيف لحارة بأكملها أن تبيت خارج بيوتها يومين أو ~~ثلاثة؟ # وكان الأفندي يفكر بكل قواه مغالبا ما استطاع عواطف الغضب ~~والحقد التي تستعر ms114 في صدره، وإذا به يقول مخاطبا جبل: إني معطيك ~~كلمة الشرف التي تطلب، فابدأ عملك. # وذهل الفتوات، غير أن الموقف لم يسمح لهم بإعلان ما في نفوسهم، ~~وران على صدورهم هم قاتل. أما جبل فأمر الجميع بالابتعاد إلى ~~أقصى الحديقة فخلا له المكان والبيت. وتجرد من ثيابه فانقلب كيوم ~~التقطته الهانم من الحفرة المترعة بمياه الأمطار. ومضى ينتقل من ~~مكان إلى مكان، ومن حجرة إلى حجرة، وهو يصفر صفيرا خافتا تارة أو ~~يغمغم بكلام غير مبين. واقترب زقلط من الناظر وقال له: إنه هو الذي ~~بعث بالثعابين إلى بيوتنا. # فأشار الناظر إليه بالسكوت وتمتم: دعه يخرج ثعابينه. # وأذعن لجبل ثعبان كان مختفيا في المنور، وأخرج آخر من حجرة ~~إدارة الوقف، فلف الثعبانين على ذراعه، وظهر بهما أمام السلاملك ~~حيث أودعهما جرابه. وارتدى ملابسه ووقف ينتظر حتى جاء الجميع، فقال ~~موجها خطابه لهم: هلموا إلى بيوتكم؛ لأطهرها. # والتفت نحو الهانم وقال بصوت خافت: لولا تعاسة أهلي ما اشترطت ~~في خدمتك شرطا قط. # واقترب من الناظر فرفع يده تحية وقال بشجاعة: وعد الحر دين ~~عليه. # ومضى خارجا والجمع يسير وراءه صامتا. # 40 # وفق جبل في تطهير الحارة من الثعابين على مرأى من جميع أهلها. ~~وكان كلما أذعن له ثعبان تعالى الهتاف والزغاريد حتى باتت مهارته ~~حديث الحارة من البيت الكبير إلى الجمالية. ولما فرغ من عمله ومضى ~~إلى ربعه تجمع حوله الغلمان والشبان وراحوا يتغنون مصفقين: # جبل .. يا نصير المساكين # جبل .. يا قاهر الثعابين. # وتواصل الغناء والتصفيق حتى بعد ذهابه. غير أنه ~~كان لذلك رد فعل شديد في أنفس الفتوات، فما لبث أن خرج للمتظاهرين ~~حمودة والليثي وأبو سريع وبركات، فانهالوا عليهم لعنا وسبا ~~وصفعا وركلا حتى تفرقوا لائذين بالبيوت، فلم يبق في الطريق إلا ~~الكلاب والقطط والذباب. وتساءل الناس عن سر هذه الحملة: كيف يجزي ~~الفتوات صنيع جبل بالاعتداء على المتظاهرين من أجله؟ وهل يحافظ ~~الأفندي على وعده لجبل أو تكون حملة الفتوات بداية لحملة انتقام ~~عاتية؟ ودارت هذه الأسئلة برأس ms115 جبل، فدعا رجال حمدان إلى الربع ~~الذي يقيم فيه ليتدبروا الأمر معا. وكان زقلط مجتمعا في الوقت ~~ذاته بالناظر وحرمه، وكان يقول بإصرار والحنق يلتهمه: لن نبقي منهم ~~على أحد. # وبدا الارتياح في وجه الأفندي، غير أن الهانم تساءلت: وكلمة ~~الشرف التي أعطاها الناظر؟ # فعبس زقلط حتى انقلب وجهه أقبح من أي وجه آدمي وقال: الناس ~~يخضعون للقوة لا للشرف. # فقالت بامتعاض: سيقولون فينا ويعيدون. ~~- فليقولوا ما حلا لهم، متي سكتوا عنكم أو عنا؟ إن الغرز تضج كل ~~ليلة بالقفش والتنكيت علينا، ولكن إذا خرجنا إلى الطريق وقفوا ~~خاشعين، وهم يخشعون خوفا من النبوت لا إعجابا بالشرف. # وحدجها الأفندي بنظرة ممتعضة وقال: جبل هو الذي دبر مؤامرة ~~الثعابين ليملي علينا شروطه، كل أحد يعرف ذلك. فمن ذا الذي يطالب ~~باحترام كلمة أعطيت لمحتال نصاب مخاتل؟! # وقال زقلط محذرا ووجهه ما زال متشبثا بقبحه: تذكري يا هانم أنه ~~إذا نجح جبل في استخلاص حق آل حمدان في الوقف فلن يهدأ بال أحد في ~~الحارة حتى ينال حقه أيضا، وبذلك يضيع الوقف ونضيع جميعا. # وقبض الأفندي على المسبحة في يده بشدة حتى طقطقت حباتها وهتف ~~بزقلط: لا تبق على أحد منهم. # ودعي الفتوات إلى بيت زقلط ثم لحق بهم أعوانهم المقربون. وذاع ~~في الحارة أن أمرا خطيرا يدبر لآل حمدان، فامتلأت النوافذ ~~بالنساء وازدحم الطريق بالرجال. وكان جبل قد أعد خطته، فاحتشد ~~رجال حمدان في حوش الربع الأوسط مدججين بالنبابيت ومقاطف الطوب على ~~حين توزعت النساء في الحجرات وفوق السطح. وكان لكل أحد منهم عمله ~~المرسوم، غير أن أي خطأ في التنفيذ أو انقلاب في التدبير لم يكن ~~يعني إلا هلاكهم إلى الأبد. لذلك اتخذوا أماكنهم حول جبل وهم في ~~غاية من التوتر والجزع. ولم تغب حالهم عن فطنة جبل فمضى يذكرهم ~~بتأييد الواقف له ووعده للأقوياء بالنجاح، فوجد منهم قلوبا مصدقة، ~~بعضها عن إيمان، والبعض عن يأس. ومال الشاعر رضوان على أذن المعلم ~~حمدان وقال له: أخاف ألا تنجح خطتنا، والأوفق ms116 عندي أن نحكم إغلاق ~~البوابة ونضرب من السطح والنوافذ! # فهز حمدان منكبيه امتعاضا وقال: إذن نقضي على أنفسنا بالحصار ~~حتى نهلك جوعا! # وقصد حمدان جبل وسأله: أليس الأفضل أن نترك البوابة ~~مفتوحة؟ # فقال جبل: دعها كما هي وإلا شكوا في الأمر. # وكانت ريح باردة تهب بشدة باعثة عواء، وركضت السحب في السماء ~~كأنها مطاردة، فتساءلوا هل ينهال المطر؟ وترامت ضجة المتجمهرين في ~~الخارج حتى ابتلعت مواء القطط ونباح الكلاب. وهتفت تمر حنة محذرة: ~~«جاء الشياطين!» # وحقا غادر زقلط بيته وسط هالة من الفتوات، يتبعهم الأعوان، ~~ومقابضهم على نبابيتهم. ساروا على مهل حتى مدخل البيت الكبير، ثم ~~عرجوا نحو حي حمدان فقابلهم المتجمهرون بالتهليل والهتاف. وكان ~~المهللون الهاتفون أحزابا، منهم قلة تبتهج للعراك وتتسلى بمشاهدة ~~الدم المسفوك، ومنهم من يحقد على آل حمدان لإدلالهم بمكانة لم ~~يعترف لهم بها أحد. وأكثرهم حانق على الفتونة والبغي فهو يبطن ~~الكراهية ويظهر التأييد خوفا ونفاقا. ولم يلق زقلط إلى أحد ~~منهم بالا، ومضى في مسيره حتى وقف أمام ربع حمدان، وصاح: إن كان ~~فيكم رجل فليخرج إلي! # فجاءه صوت تمر حنة من وراء النافذة: أعطنا كلمة شرف جديدة حتى لا ~~يغدر بالخارج غادر! # فغضب زقلط لتعريضها بكلمة الشرف، وصاح: أليس عندكم من مجيب غير ~~هذه الزانية؟ # فصاحت تمر حنة: الله يرحم أمك يا زقلط! # وصرخ زقلط آمرا رجاله بالهجوم على البوابة. هجم على البوابة ~~رجال، ورمى آخرون النوافذ بالطوب حتى لا يجرؤ أحد على فتحها ~~واستعمالها في الدفاع. وتكتل الهاجمون على البوابة وراحوا يدفعونها ~~بمناكبهم بقوة وعزيمة. وواصلوا الدفع بشدة حتى أخذ الباب في ~~الاهتزاز. واشتدت عزيمتهم حتى ارتج الباب وتخلخل. وتراجعوا متحفزين ~~ثم اندفعوا نحوه بقوة وصكوه صكة واحدة فانفتح على مصراعيه. ~~وتراءى من خلال الدهليز الطويل الممتد وراء باب الحوش جبل ورجال ~~حمدان وقد رفع الجميع نبابيتهم. ولوح زقلط بيده في حركة فاضحة ~~وأطلق ضحكة هازئة، ثم اندفع إلى الدهليز ورجاله خلفه. # وما كادوا يتوسطون الدهليز حتى مادت أرضه بهم بغتة وهوت ms117 بمن ~~عليها إلى قاع حفرة عميقة. وفي سرعة مذهلة فتحت نوافذ الدور ~~على جانبي الدهليز وانصبت المياه من الأكواز والحلل والطشوت ~~والقرب. وتقدم رجال حمدان دون تردد ورموا الحفرة بمقاطف الطوب، ~~ولأول مرة سمعت الحارة الصراخ يصدر عن فتواتها، ورأت الدم يتفجر من ~~رأس زقلط والنبابيت تتخطف رءوس حمودة وبركات والليثي وأبو سريع وهم ~~يتخبطون في المياه المطينة. ورأى الأعوان ما حل بفتواتهم ~~فلاذوا بالفرار، وترك الفتوات لمصيرهم دون معين. واشتد انصباب ~~الماء، والأحجار، وتهاوت النبابيت بلا رحمة. وترامت إلى الناس ~~استغاثات ندت عن حناجر لم تألف طوال حياتها إلا السب والقذف. ~~وكان رضوان الشاعر يهتف بأعلى صوته: لا تبقوا منهم على ~~أحد. # واختلطت المياه المطينة بالدم، وكان حمودة أول الهالكين، وعلا ~~صراخ الليثي وأبو سريع، وتشبثت يدا زقلط بجدار الحفرة يريد أن يثب ~~وقد تجلى الحقد في عينيه، وراح يغالب الإعياء والخور، ويزفر أنات ~~كالخوار، فانهالت عليه النبابيت حتى تهاوى إلى الوراء وتراخت يداه ~~عن الجدار فسقط في الماء وفي كل راحة من راحتيه قبضة من طين! وساد ~~الصمت الحفرة. لم تند عنها حركة ولا صوت واصطبغ سطحها بالطين ~~والدم. ووقف رجال حمدان ينظرون وهم يلهثون. وتزاحم عند مدخل ~~الدهليز المتجمهرون وهم يرددون في الحفرة نظرات ذاهلة. وصاح رضوان ~~الشاعر: هذه عاقبة الظالمين. # وجرى الخبر في الحارة كالنار. وقال المتجمهرون إن جبل قد أهلك ~~الفتوات كما أهلك الثعابين! وهتف له الجميع بأصوات كالرعد. ولفحهم ~~الحماس فلم يبالوا بالريح الباردة. ونادوا به فتوة لحارة الجبلاوي. ~~وطالبوا بجثث الفتوات ليمثلوا بها. وصفقت الأيدي وراح قوم يرقصون. ~~ولم ين جبل عن التفكير لحظة. وكان كل شيء مدبرا في رأسه. فصاح ~~بأهله: هلموا الساعة إلى بيت الناظر. # 41 # في الدقائق التي سبقت خروج جبل وأهله من الربع تفجرت الأنفس عن ~~براكين حامية. # غادرت النسوة البيوت منضمات إلى الرجال. وهاجم الجميع بيوت ~~الفتوات فاعتدت الأيدي والأرجل على أهاليهم حتى فروا بأرواحهم وهم ~~يتحسسون أقفيتهم وخدودهم مصعدين التأوهات سافحين الدموع. أما ~~البيوت فقد نهب كل ms118 ما فيها من أثاث وطعام ولباس، وحطم كل قابل ~~للتحطيم من أخشابها وزجاجها حتى انقلبت خرابا يبابا. وانطلقت ~~الجموع الغاضبة نحو بيت الناظر؛ فتكتلت أمام بوابته المغلقة وراحت ~~تهتف وراء مناد منها بأصوات كالرعود: هاتوا الناظر ... ~~- وإن ما جاش ... # ثم يختمون الهتاف بالتهليل الساخر الهازئ. واتجه البعض إلى البيت ~~الكبير منادين جدهم الجبلاوي أن يخرج من عزلته؛ ليعالج ما فسد من ~~أمورهم وأمور حارتهم. وراح آخرون يدقون بوابة الناظر بأكفهم ~~ويدفعونها بمناكبهم محرضين المترددين المهيبين على ~~اقتحامها. # وفي تلك اللحظة الحرجة جاء جبل على رأس أهله نساء ورجالا، ~~يسيرون في قوة وعزم بما أحرزوا من فوز مبين. وأوسعت الجموع لهم، ~~وتعالى الهتاف والزغاريد حتى أشار جبل لهم بالسكوت فأخذت أصواتهم ~~تخف رويدا رويدا حتى ساد الصمت وعاد عواء الريح يصك الآذان ~~مرة أخرى. ونظر جبل في الوجوه المتطلعة إليه وقال: يا أهل حارتنا، ~~أحييكم وأشكركم. # فارتفعت الأصوات بالهتاف ثانية حتى رفع يده مطالبا بالسكوت، ثم ~~قال: لن يتم عملنا حتى تتفرقوا في هدوء. # فترامى إليه من حناجر شتى: نريد العدل يا سيد حارتنا. # فقال بصوت سمعه الجميع: اذهبوا في هدوء، ولسوف تتحقق إرادة ~~الواقف. # وتعالى الهتاف للواقف ولابنه جبل. ووقف جبل يحث بنظراته الجموع ~~على الذهاب. وكانوا يودون لو يبقون في أماكنهم ولكنهم لم يجدوا ~~بدا أمام نظراته من التفرق فأخذوا يذهبون واحدا في أثر واحد ~~حتى خلا المكان منهم. عند ذاك مضى جبل إلى باب الناظر وطرقه ~~صائحا: افتح يا عم حسنين. # فجاءه صوت الرجل المرتعد وهو يقول: الناس .. الناس. ~~- لا أحد هنا غيرنا. # وفتح الباب فدخل جبل، ودخل وراءه أهله. واخترقوا الممر المعروش ~~إلى السلاملك فرأوا الهانم واقفة أمام باب البهو في استسلام، على ~~حين بدا الأفندي على عتبة الباب، خافض الرأس شاحب الوجه كأنه ملثم ~~بكفن أبيض. وندت عن الأفواه لدى رؤيته دمدمة، فقالت هدى هانم ~~متأوهة: إني بحال سيئة يا جبل. # فأشار جبل نحو الأفندي بازدراء وقال: لو نجحت مكيدة هذا الرجل ~~الفاقد الشرف، لكنا الآن ms119 جميعا جثثا ممزقة. # فأجابت الهانم بتنهدة مسموعة دون كلام. فحدج جبل الناظر الخائر ~~بنظرة قاسية وقال: ها أنت ذا ترى نفسك ذليلا بلا حول ولا قوة، لا ~~فتوة يحميك، ولا شجاعة تؤيدك، ولا مروءة تشفع لك. ولو شئت أن أخلي ~~بينك وبين أهل حارتنا لمزقوك إربا ولداسوك بالأقدام. # ارتعدت فرائص الرجل وبدا وكأنه تقوض وضؤل، غير أن الهانم تقدمت ~~من جبل خطوة وقالت برجاء: لا أحب أن أسمع منك غير ما عهدت من طيب ~~الكلام، ونحن في حال عصيبة تستحق من مروءتك الرحمة في ~~المعاملة. # فقطب جبل ليداري تأثره وقال: لولا منزلتك عندي لجرت الأمور بغير ~~ما جرت به. ~~- لا أشك في ذلك يا جبل، إنك رجل لا يخيب عنده الرجاء. # فقال جبل متأسفا: ما كان أيسر أن يقوم العدل دون إراقة نقطة من ~~الدم! # فندت عن الأفندي حركة غامضة فضحت تخاذله وازداد انكماشا، ~~فقالت الهانم: قد كان ما كان، ولن تلقى منا إلا آذانا ~~مصغية! # وبدا أن الناظر يريد أن يخرج من صمته بأي ثمن، فقال بصوت ضعيف: ~~ثمة فرصة لإصلاح ما سلف من أخطاء. # أرهفت الآذان لسماع كلامه رغبة في الاطلاع على حال الجبار إذا ~~تخلى عنه جبروته، وكانوا يرمقونه بتشف قليل وإنكار وحب استطلاع ~~لا حد لهما. وتشجع الأفندي بتغلبه على الصمت فقال: تستطيع اليوم أن ~~تحتل مكانة زقلط عن جدارة. # فتجهم وجه جبل وقال بازدراء: ليست الفتونة مطلبي، فابحث ~~لحمايتك عن غيري، وما أريد إلا حقوق آل حمدان كاملة. ~~- هي لكم دون نقصان، ولك إدارة الوقف إن شئت. # فقالت هدى برجاء: كما كنت يا جبل من قبل. # وهنا صاح دعبس من بين آل حمدان: ولم لا يكون الوقف كله ~~لنا؟ # وسرت همهمة في آل حمدان حتى اصفر وجه الناظر وزوجه حتى الموت. ~~غير أن جبل قال بقوة غاضبة: أمرني الواقف باسترداد حقكم لا ~~باغتصاب حقوق الآخرين. # فتساءل دعبس: ومن أدراك أن الآخرين سيأخذون حقوقهم؟ # فصاح به جبل: لا شأن لي بذلك، وإنك لا تكره الظلم إلا ms120 إن وقع ~~عليك؟! # فقالت الهانم بتأثر: نعم الرجل الأمين أنت يا جبل! ولشد ما أرجو ~~أن تعود إلى بيتي. # فقال جبل بتصميم: سأقيم في ربوع آل حمدان. ~~- إنها لا تليق بمقامك. ~~- عندما يجري الخير بين أيدينا سنرفعها إلى مقام البيت الكبير ، ~~وتلك رغبة جدنا الجبلاوي! # ورفع الناظر عينيه في شيء من التردد إلى وجه جبل وقال: إن ما ~~بدر اليوم من أهل الحارة يهدد أمننا؟ # فقال جبل باحتقار: لا شأن لي بما بينك وبينهم. # وإذا بدعبس يقول: إذا احترمت عهدنا فلن يجرؤ أحد منهم على ~~تحديك! # فقال الناظر بحماس: سيسجل حقكم على رءوس الأشهاد! # وهنا قالت هدى برجاء: ستتناول يا جبل عشاءك معي الليلة، هذه رغبة ~~أم! # وفطن جبل إلى ما ترمي إليه من إعلان المودة بينه وبين بيت ~~الناظر، ولم يكن في وسعه أن ينبذ رغبتها، فقال: لك ما تشائين يا ~~سيدتي. # 42 # وابيضت الأيام التالية بأفراح آل حمدان أو آل جبل كما باتوا ~~يدعون؛ فتحت قهوتهم أبوابها، وتربع رضوان الشاعر على الأريكة يلعب ~~بأوتار الرباب، وجرت البوظة أنهارا، وانعقدت في سماء الحجرات سحب ~~الحشيش، ورقصت تمر حنة حتى انحل وسطها. ولم يبالوا بأن يكشفوا عن ~~قاتل قدرة، وصور لقاء الجبلاوي بجبل في هالات من نور الخيال. ~~وكانت تلك الأيام بالنسبة لجبل وشفيقة أطيب الأيام. وقد قال لها: ~~ما أجمل أن ندعو البلقيطي للإقامة معنا! # فقالت وهي تعاني متاعب المخاض الوشيك: نعم كي يستقبل حفيده ~~ببركته. # فقال الرجل ممتنا: أنت قدم السعد يا شفيقة، وستجد سيدة زوجا ~~كفؤا من آل حمدان. ~~- قل آل جبل كما يقولون، فإنك خير من عرف هذا الحي. # فقال باسما: بل أدهم خيرنا جميعا، كم تمنى حياة النعيم حيث لا ~~عمل للإنسان إلا الغناء، وسوف يتحقق لنا حلمه الكبير! # وتراءى دعبس وهو سكران يرقص في جمع من آل جبل، فلما رأى جبل ~~مقبلا لوح بنبوته جذلا وقال له: إنك لا تبغي الفتونة، سأكون أنا ~~الفتوة. # فصاح به ليسمع الجميع: لا فتونة في آل حمدان، ولكن ms121 ينبغي أن ~~يكونوا جميعا فتوات على من يطمع فيهم. # ومضى الرجل إلى القهوة فتبعه الجميع وهم يترنحون من السكر. وكان ~~جبل سعيدا فقال لهم: إنكم أحب أهل الحارة إلى جدكم، فأنتم سادة ~~الحارة دون منازع، ولذلك ينبغي أن يسود بينكم الحب والعدل ~~والاحترام، ولن ترتكب جريمة في حيكم أبدا. # وترامى الطبل والغناء من بيوت آل حمدان، وأشرقت أنوار الأفراح في ~~حيهم، على حين غرقت الحارة في ظلمتها المألوفة، وتجمع صغارها عند ~~مشارف حي آل حمدان يتفرجون من بعيد. وإذا برجال من أهل الحارة ~~يفدون على القهوة بوجوههم الكالحة. استقبلوا بالمجاملة ودعوا إلى ~~الجلوس وقدم لهم الشاي. وحدس جبل أنهم لم يجيئوا لخالص التهنئة. ~~وصدق حدسه إذ قال له زناتي وكان أكبرهم سنا: يا جبل، إننا أبناء ~~حارة واحدة، وجد واحد، وأنت اليوم سيد الحارة ورجلها الأقوى، ~~وأن يسود العدل الأحياء جميعا خير من أن يسود حي حمدان ~~وحده. # لم يتكلم جبل، وبدا الفتور في وجه آل جبل. ولكن الرجل قال بعزم: ~~بيدك أن تجري العدل في الحارة كلها. # لم يهتم جبل بأهل الحارة من أول الأمر، ولم يكن أحد من آله يهتم ~~بهم. بل إنهم شعروا بالاستعلاء عليهم حتى في أيام محنتهم. وقال جبل ~~برقة: وصاني جدي بأهلي. ~~- ولكنه جد الجميع يا جبل. # فقال حمدان: في هذا الكلام موضع للنظر. # وتفرس في الوجوه ليتابع أثر قوله، فرأى انقباضها يشتد فاستطرد: ~~أما علاقتنا به فقد أكدها بنفسه في لقاء الخلاء! # وبدا زناتي لحظة وكأنه يود أن يقول: «في هذا الكلام موضع للنظر» ~~ولكن غلبه الانكسار فقال مسائلا جبل: أيرضيك ما نحن فيه من فقر ~~وذل؟ # فقال جبل دون حماس: كلا، ولكن لا شأن لنا بذلك. # فتساءل الرجل في إصرار: وكيف لا يكون لكم شأن بذلك؟ # وساءل جبل نفسه بأي حق يكلمه ذلك الرجل على هذا النحو؟ لكنه لم ~~يغضب، وجد بنفسه جانبا يكاد أن يعطف على الرجل، غير أن جانبا آخر ~~منه استنكر أن يخوض متاعب جديدة من أجل الآخرين. ومن ms122 هم هؤلاء ~~الآخرون؟ وجاء الجواب على لسان دعبس حين صاح بالرجل: أنسيتم ما ~~كنتم تعاملوننا به يوم محنتنا؟ # فغض الرجل من بصره مليا ثم قال: من ذا الذي كان يستطيع أن ~~يجهر برأي أو يعلن عاطفة في أيام الفتوات؟ وهل كان الفتوات يعفون ~~عن أحد يعامل الناس بغير ما يرتضون؟ # فزم دعبس شفتيه في استعلاء واستنكار وقال: كنتم وما زلتم ~~تحسدوننا على مكانتنا في الحارة، ولعلكم سبقتم الفتوات إلى ~~ذلك! # فأحنى زناتي رأسه في قنوط وقال: سامحك الله يا دعبس! # فصاح دعبس دون رحمة: اشكروا رجلنا؛ لأنه لم يقبل أن يوجه لكم يد ~~الانتقام! # وتوزعت الأفكار المتضاربة جبل فلاذ بالصمت. أشفق من أن يمد يد ~~العون. ولم يرتح إلى الجهر بالرفض. ووجد الرجال أنفسهم حيال تأنيب ~~قارع من دعبس، ونظرات باردة تعكسها أعين الآخرين، وصمت لا أمل فيه ~~عند جبل، فنهضوا خائبين، وذهبوا من حيث أتوا. وصبر دعبس حتى اختفوا ~~ثم حرك قبضة يمناه في بذاءة وهتف: إلى حيث ألقت يا أولاد ~~الخنازير. # فصاح جبل: الشماتة ليست من شيم السادة! # 43 # كان يوما مشهودا يوم تسلم جبل حصة آله من الوقف. واتخذ في حوش ~~الربع - ربع النصر - مجلسه ودعا إليه آل حمدان. وأحصى ما في كل ~~أسرة من أنفس ووزع الأموال بالتساوي فيما بينهم، وحتى شخصه لم يخصه ~~بامتياز. ولعل حمدان لم يرتح إلى هذه العدالة كل الارتياح، ولكنه ~~عبر عن مشاعره بطريقة غير مباشرة فخاطب جبل قائلا: ليس العدل ~~أن تظلم نفسك يا جبل! # فقطب جبل قائلا: أخذت نصيب اثنين، أنا وشفيقة. ~~- ولكنك رئيس هذا الحي. # فقال جبل بصوت سمعه الجميع: ما ينبغي لرئيس القوم أن ~~يسرقهم. # وبدا دعبس وهو ينتظر نتيجة المحاورة في قلق، ثم قال: جبل غير ~~حمدان، وحمدان غير دعبس، ودعبس غير كعبلها! # فقال جبل معارضا في غضب: تريد أن تجعل من الأسرة الواحدة سادة ~~وخدما! # ولكن دعبس تشبث برأيه وقال: فينا صاحب القهوة والبائع الجوال ~~والمتسول، فكيف تسوي بين هؤلاء؟! وأنا كنت أول من خرج ms123 على الحصار ~~حتى تعرضت لمطاردة قدرة، وأول من لاقاك في غربتك، وأول من تحمس ~~لرأيك بعد ذلك والقوم مترددون! # اشتد الغضب بجبل فصاح به: مادح نفسه كذاب، والله إن أمثالك ~~ليستحقون الظلم الذي حاق بهم. # وأراد دعبس مواصلة الجدل، ولكنه تبين في عيني جبل غضبا من نار ~~فتراجع، وغادر المجلس دون أن ينبس. وقصد عند المساء غرزة عتريس ~~الأعمش، وجلس في حلقة الجالسين يدخن مجترا همومه. وأراد أن يتسلى ~~فدعا كعبلها إلى المقامرة، فلعبا السيجة، ولم تكد تمضي نصف ساعة ~~حتى خسر نصيبه من ريع الوقف! وضحك عتريس وهو يغير ماء الجوزة وقال: ~~يا سوء بختك يا دعبس! الفقر مكتوب عليك ولو على رغم إرادة ~~الواقف! # فغمغم دعبس بحقد وقد طير الخسران السطل من مخه: ليس بهذه ~~السهولة تضيع الثروات! # فأخذ عتريس نفسا من الجوزة؛ ليضبط كمية المياه بها ثم قال: ~~لكنها ضاعت يا ابن والدي! # كان كعبلها يسوي الأوراق المالية بعناية، ثم رفع يده بها؛ ~~ليدسها في صدره، لكن دعبس منعه بيد وأشار بالأخرى إشارة خاصة أن ~~يرد النقود! وقطب كعبلها وقال: لم تعد نقودك ولا حق لك ~~فيها! # فصاح دعبس: دع النقود يا ابن الزبالة! # ونظر عتريس نحوهما بقلق وقال: لا تتشاجرا في بيتي. # فصاح دعبس وهو يشد على يد كعبلها: لن يسرقني ابن الزانية! ~~- اترك يدي يا دعبس، أنا لم أسرقك. ~~- يعني ربحتها في تجارة؟ ~~- لماذا قامرت؟ # فلطمه بشدة وهو يقول: نقودي، قبل أن أكسر عظامك. # ونتش كعبلها يده فجأة؛ فثار غضب دعبس لحد الجنون وضربه بسبابته ~~في عينه اليمنى. # صرخ كعبلها صرخة عالية، وانتفض واقفا، ثم غطى عينيه بكفيه ~~تاركا الأوراق تتهاوى إلى حجر دعبس، وترنح من الألم، ثم سقط وراح ~~يتلوى ويئن أنينا موجعا. والتف حوله الجالسون، على حين جمع ~~دعبس النقود وأعادها إلى صدره. وإذا بعتريس يقترب منه قائلا في ~~هلع: صفيت عينه! # فارتاع دعبس مليا، ثم وقف فجأة وغادر المكان. # وقف جبل في حوش النصر في جمع من رجال آل حمدان، والغضب يتفجر ms124 من ~~عينيه وشدقيه، وجلس كعبلها القرفصاء وقد شد على عينه رباطا ~~محكما، على حين وقف دعبس يتلقى ثورة جبل في صمت وخذلان. وأراد ~~حمدان أن يهدئ من ثورة جبل، فقال بلين: سيرد دعبس النقود إلى ~~كعبلها. # فصاح جبل بأعلى صوته: فليرد إليه بصره أولا. # فبكى كعبلها وقال الشاعر رضوان متأوها: ليت في الإمكان رد ~~البصر. # فقال جبل وقد أظلم وجهه كالسماء الراعدة البارقة: ولكن في ~~الإمكان أن تؤخذ عين بعين! # وحملق دعبس في وجه جبل متوجسا، وأعطى حمدان النقود وهو يقول: ~~كنت فاقد العقل من الغضب، وما قصدت إيذاءه. # فتفرس جبل في وجهه بحنق طويلا، ثم قال بصوت رهيب: عين بعين ~~والبادئ أظلم. # تبودلت نظرات الحيرة. لم ير جبل أغضب منه اليوم. وقد برهنت ~~الأحداث على قوة غضبه، كغضبته يوم ركل بيت النعيم، وكغضبته يوم قتل ~~قدرة. حقا إنه لشديد الغضب، وإذا غضب لم يردعه عن هدفه رادع. ~~وهم حمدان بالكلام ولكنه بادره قائلا: إن الواقف لم يؤثركم بحبه ~~ليعتدي بعضكم على بعض، فإما حياة تقوم على النظام، وإما فوضى لن ~~تبقي منكم على أحد؛ لذلك أصر على تصفية عينك يا دعبس. # وركب الرعب دعبس فصاح: لن تمسني يد ولو قاتلتكم جميعا. # فانقض عليه جبل كالثور الهائج وضربه بجماع يده في وجهه ضربة ~~هائلة سقط على أثرها دون حراك. وأقامه وهو فاقد الوعي، واحتضنه من ~~الخلف شادا ذراعيه حول جسمه، والتفت نحو كعبلها قائلا بلهجة ~~آمرة: قم فخذ حقك. # وقام كعبلها ولكنه وقف مترددا، على حين تعالى الصراخ من مسكن ~~دعبس. وحدج جبل كعبلها بنظرة قاسية وصاح به: تقدم قبل أن أدفنك ~~حيا. # واتجه كعبلها نحو دعبس، وبسبابته ضرب عينه اليمنى حتى انفقأت ~~عينه على مرأى من الجميع. واشتد الصراخ من بيت دعبس، وبكى بعض ~~أصدقاء دعبس، مثل: عتريس وعلي فوانيس، فصاح بهم جبل: يا لكم من ~~جبناء وأشرار! والله ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم، وما ~~إن يأنس أحدكم في نفسه قوة حتى يبادر إلى الظلم والعدوان، وما ms125 ~~للشياطين المستترة في أعماقكم إلا الضرب بلا رحمة ولا هوادة، فإما ~~النظام وإما الهلاك. # وترك دعبس بين أيدي أصحابه وذهب. وكان لذلك الحادث في النفوس أثر ~~وأي أثر. كان جبل من قبل رئيسا محبوبا، وكان آله يظنونه فتوة لا ~~يريد أن يتخذ لنفسه اسم الفتونة أو شعارها، فأصبح من بعده مخوفا ~~مرهوبا، وتهامس أناس بقسوته وظلمه ولكن هؤلاء وجدوا دائما من ~~يرد عليهم قولهم ويذكر بالوجه الآخر لقسوته، وهو الرحمة بالمعتدى ~~عليهم، والرغبة الصادقة في إقامة نظام يضمن العدل والنظام والإخاء ~~في آل حمدان. ووجد هذا الرأي الأخير كل يوم ما يسنده في فعال الرجل ~~وأقواله حتى آنس إليه من استوحش، وآمن من خاف، ومال من جفا، وحرص ~~الجميع على النظام فلم يجاوز حدوده أحد. وسادت الاستقامة والأمانة ~~في أيامه، فلبث بينهم رمزا للعدالة والنظام، حتى غادر الدنيا دون ~~أن يحيد عن مسلكه قيد أنملة. ~~••• # هذه قصة جبل. # كان أول من ثار على الظلم في حارتنا. وأول من حظي بلقيا الواقف ~~بعد اعتزاله. وقد بلغ من القوة درجة لم ينازعه فيها منازع. ومع ذلك ~~تعفف عن الفتونة والبلطجة والإثراء عن سبيل الإتاوة وتجارة ~~المخدرات، ولبث بين آله مثالا للعدل والقوة والنظام. أجل لم ~~يهتم بالآخرين من أبناء حارتنا. ولعله كان يضمر لهم احتقارا ~~وازدراء كسائر أهله. لكنه لم يعتد على أحد منهم ولا تعرض له بسوء، ~~وضرب للجميع مثالا جديرا بالاحتذاء. # ولولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيب. # لكن آفة حارتنا النسيان. # | رفاعة # 44 # أوشك الفجر أن يطلع، وأوى إلى المضاجع كل حي في الحارة حتى ~~الفتوات والكلاب والقطط. واستقر الظلام بالأركان كأنه لن يبرح ~~أبدا. وفي رعاية الصمت الشامل فتح باب ربع النصر بحي آل جبل في ~~حذر شديد، فتسلل منه شبحان، سارا في سكون نحو البيت الكبير، ثم ~~تابعا سوره العالي إلى الخلاء. نقلا خطواتهما في حذر، وجعلا ~~يتلفتان وراءهما من حين إلى حين؛ ليطمئنا إلى أن أحدا لا يتبعهما، ~~وأوغلا في الخلاء مهتدين بنور ms126 النجوم المتناثرة، حتى تبينا صخرة ~~هند كقطعة من ظلام أشد كثافة مما حوله. كانا رجلا في أواسط العمر ~~وامرأة شابة حبلى، وكلاهما يحمل بقجة مكتظة. وعند الصخرة تنهدت ~~المرأة وقالت بإعياء: عم شافعي، تعبت. # فتوقف الرجل عن المسير وهو يقول في غيظ: استريحي، ربنا يتعب ~~المتعب! # وضعت المرأة البقجة على الأرض وجلست عليها مفرجة ما بين فخذيها ~~لتريح بطنها المنداحة، ووقف الرجل لحظة ينظر فيما حوله، ثم جلس على ~~بقجة أيضا. وهبت عليهما نسائم معبقة بأنفاس الفجر الرطيبة، لكن ~~المرأة لم تغفل عما يشغلها فتساءلت: أين سألد يا ترى؟ # فقال شافعي ساخطا: أي مكان يا عبدة خير من حارتنا ~~اللعينة. # ورفع عينيه إلى شبح الجبل الممتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ~~وقال: سنذهب إلى سوق المقطم؛ إليه قصد جبل أيام محنته، وسأفتح دكان ~~نجارة وأعمل كما كنت أعمل في الحارة، لي يدان تدران الذهب، ومعي ~~نقود للبدء لا بأس بها. # شدت المرأة خمارها حول رأسها ومنكبيها وقالت بحزن: سنعيش في غربة ~~كمن لا أهل له، ونحن من آل جبل أسياد الحارة! # فبصق الرجل متأففا وقال محنقا: أسياد الحارة؟! ما نحن إلا عبيد ~~أذلاء يا عبدة، ذهب جبل وعهده الحلو، وجاء زنفل، أجحمه الله، ~~فتوتنا وهو علينا لا لنا، يلتهم أرزاقنا ويفتك بمن يشكو. # لم تنكر عبدة شيئا من قوله. كأنها ما زالت تعيش في أيام المرارة ~~وليالي الأحزان، لكنها حين ضمنت الابتعاد عن مكاره الحارة؛ حن ~~قلبها إلى ذكرياتها الطيبة فقالت متحسرة: لا توجد حارة كحارتنا ~~لولا أشرارها، أين تجد بيتا كبيت جدنا؟ أو جيرانا كجيراننا؟ أين ~~تسمع حكايات أدهم وجبل وصخرة هند؟ ألا لعنة الله على ~~الأشرار! # فقال الرجل بصوت مرير: والنبابيت تهوى لأتفه سبب، وأصحاب الوجوه ~~المستكبرة يختالون بيننا كالقضاء والقدر! # وذكر زنفل اللعين وكيف أخذ بتلابيبه، وهزه بعنف حتى كاد يقتلع ~~ضلوعه، ثم مرغه في التراب أمام الخلق، لا لشيء إلا لأنه جعل مرة من ~~الوقف حديثه! وضرب الأرض بقدمه واستطرد قائلا: المجرم الملعون خطف ~~وليد ms127 سيدهم بياع لحمة الرأس، ثم لم يسمع عن الوليد بعد ذلك أبدا، ~~لم تأخذه رحمة بطفل في شهره الأول، وتتساءلين أين سألد، ستلدين بين ~~أناس لا يقتلون الأطفال. # فتنهدت عبدة وقالت برقة، كأنما لتخفف من مضمون حديثها: ليتك ~~رضيت بما رضي به الآخرون! # فقطب غاضبا وراء قناع الظلمة وقال: ماذا جنيت يا عبدة؟ لا شيء، ~~كنت أتساءل أين جبل، وعهد جبل؟ أين القوة العادلة؟ ماذا أرجع آل ~~جبل إلى الفاقة والذل؟ فحطم المجرم الملعون دكاني وضربني وكاد يفتك ~~بي لولا الجيران، ولو بقينا ببيتنا حتى تلدي لانقض على الوليد ~~كما فعل بوليد سيدهم. # فهزت رأسها في حزن وقالت: آه لو صبرت يا معلم شافعي! ألم ~~تسمعهم يقولون إن الجبلاوي لا بد أن يخرج يوما من عزلته لينقذ ~~أحفاده من الظلم والهوان؟ # فنفخ المعلم شافعي طويلا وقال بسخرية: هكذا يقولون! طالما ~~سمعتهم مذ كنت غلاما، لكن الحقيقة أن جدنا في البيت اعتزل، وأن ~~ناظر وقفه بريع الوقف استأثر، إلا ما يهبه للفتوات نظير حمايته. ~~وزنفل فتوة آل جبل يتسلم نصيبهم ليدفنه في بطنه، كأن جبل لم يظهر ~~في هذه الحارة، وكأنه لم يأخذ عين صديقه دعبس بعين المسكين ~~كعبلها. # وسكتت المرأة لتسبح في أمواج الظلام، سيطلع عليها الصباح بين قوم ~~غرباء؛ سيكون الغرباء جيرانها الجدد، وتستقبل أيديهم وليدها، وينمو ~~الوليد في أرض غريبة كغصن مقطوع من شجرة. وما كانت إلا قانعة في ~~آل جبل تحمل الطعام إلى زوجها في الدكان. وتجلس في الليل وراء ~~النافذة لتسمع رباب عم جواد الشاعر الضرير. ما أحلى الرباب وما ~~أحلى قصة جبل! ليلة التقى الجبلاوي في الظلام فقال له ألا تخف، ~~حياه بالعطف والتأييد حتى انتصر، وعاد إلى حارته مجبور الخاطر، ~~وما أحلى العودة بعد الاغتراب! # وكان شافعي يقلب وجهه في السماء، في النجوم الساهرة، ويرنو إلى ~~طلائع الضياء فوق الجبل كسحابة بيضاء في أفق سماء مكفهرة. وقال ~~محذرا: ينبغي أن نسير كي نبلغ السوق قبيل الشروق. ~~- ما زلت في حاجة إلى الراحة. ~~- الله يتعب ms128 المتعب! # ما أجمل الحياة لولا وجود زنفل! الحياة عامرة بالخيرات والهواء ~~النقي والسماء المرصعة بالنجوم والمشاعر الطيبة، ولكن فيها أيضا ~~ناظر الوقف؛ إيهاب، والفتوات؛ بيومي وجابر وحندوسة وخالد وبطيخة ~~وزنفل. وفي الإمكان أن يصير كل ربع كالبيت الكبير وأن ينقلب الأنين ~~ألحانا، ولكن المساكين ما زالوا يتمنون المحال كما تمناه أدهم من ~~قبل. ومن هم المساكين؟ إنهم أقفية متورمة من الصفع، وأدبار ~~ملتهبة من الركل، وأعين يرعاها الذباب، ورءوس يعشش فيها ~~القمل. ~~- لماذا نسينا الجبلاوي؟ # غمغمت المرأة: الله يعلم بحاله. # فصاح الرجل في حسرة وغضب: يا جبلاوي! # فردد الصدى صوته. وقام وهو يقول: توكلي على الله. # قامت عبدة، تناول كفها في يده، وسارا نحو الجنوب، نحو سوق ~~المقطم. # 45 # قالت عبدة بفرح تألق في عينيها وثغرها: ها هي ذي حارتنا، وها ~~نحن أولاء نعود إليها بعد غربة، فالحمد الله رب العالمين. # فابتسم عم شافعي وهو يجفف جبينه بكم عباءته وقال برزانة: حقا ~~ما أبهج العودة! # وكان رفاعة يصغي إلى والديه، ووجهه الصافي الجميل يعكس دهشة ~~ممزوجة بالحزن. فقال كالمحتج: وهل ينسى سوق المقطم ~~وجيرانه؟! # ابتسمت الأم وهي تحبك طرف الملاءة حول شعرها الذي وخطه ~~المشيب. أدركت أن الفتى يحن إلى مولده كما تحن هي إلى مولدها، وأنه ~~بما جبل عليه من رقة ومودة لا يستطيع أن يسلو الصداقات. ~~وأجابته: الأشياء الطيبة لا تنسى أبدا، ولكن هذه هي حارتك ~~الأصلية، هنا أهلك، سادة الحارة، ستحبهم وسيحبونك، ما أجمل حي آل ~~جبل بعد وفاة زنفل! # فهتف عم شافعي محذرا: لن يكون خنفس خيرا من زنفل. ~~- لكن خنفس لا يضمر لك عداوة. ~~- عداوات الفتوات تنشأ بسرعة نشوء الطين عقب المطر. # فقالت عبدة برجاء: لا تفكر هكذا يا معلم، عدنا لنعيش في سلام، ~~ستفتح الدكان وسيجيء الرزق. ولا تنس أنك عشت تحت سيطرة فتوة بسوق ~~المقطم، ففي كل مكان فتوة يخضع له الناس. # واصلت الأسرة مسيرها نحو الحارة، يتقدمها عم شافعي حاملا ~~جوالا، وتبعته عبدة ورفاعة حاملا بقجة ضخمة. وبدا رفاعة بقامته ~~الطويلة وعوده ms129 النحيل ووجهه الوضاء فتى جذاب المنظر ينضح بالوداعة ~~والرقة، غريبا في الأرض التي يسير فوقها. وتأملت عيناه ما حوله في ~~شغف حتى انجذبتا إلى البيت الكبير الذي يقف عند رأس الحارة ~~منفردا، ورءوس الأشجار تهتز من فوق سوره. رنا إليه طويلا ثم ~~تساءل: بيت جدنا ؟ # فقالت عبدة بابتهاج: نعم، أرأيت ما حدثتك عنه؟ فيه جدك، صاحب هذه ~~الأرض كلها وما عليها، الخير خيره والفضل فضله، ولولا عزلته لملأ ~~الحارة نورا. # وأكمل عم شافعي ساخرا: وباسمه ينهب ناظر الوقف إيهاب حارتنا، ~~ويعتدي الفتوات علينا. # تقدموا نحو الحارة محاذين للسور الجنوبي للبيت الكبير. لم ترتد ~~عينا رفاعة عن البيت المغلق. ثم تراءى لهم بيت ناظر الوقف إيهاب ~~وبوابه المقتعد أريكة عند بابه المفتوح. وفي مقابله قام بيت فتوة ~~الحارة بيومي الذي وقفت أمامه عربة كارو محملة بمقاطف الأرز وسلال ~~الفاكهة، وقد مضى الخدم يحملونها للداخل تباعا. وبدت الحارة ~~ملعبا للغلمان الحفاة، على حين افترشت أسر الأرض أو الحصر أمام ~~مداخل البيوت لينقوا الفول أو يخرطوا الملوخية. وتبودلت أحاديث ~~ونكات، وزجر ونهر، وتعالت ضحكات وصرخات. مالت أسرة عم شافعي إلى ~~حي آل جبل فصادفها في عرض الطريق شيخ ضرير، يتلمس طريقه بعصاه ~~على مهل، فأنزل عم شافعي الجوال من فوق ظهره ومضى نحوه منبسط ~~الأسارير، حتى وقف أمامه وهو يهتف: عم جواد الشاعر، السلام ~~عليكم! # توقف الشاعر وهو يرهف أذنيه في انتباه، ثم هز رأسه في حيرة ~~قائلا: وعليكم السلام! صوت غير غريب علي! ~~- أنسيت صاحبك شافعي النجار؟ # فتهلل وجه الرجل وصاح: عم شافعي ورب السموات! # وفتح ذراعيه فتعانق الرجلان بشوق وحنان حتى تطلعت إليهما أنظار ~~القريبين وحاكى عناقهما غلامان عابثان. وقال جواد وهو يشد على يد ~~صاحبه: هجرتنا عشرين عاما أو يزيد، يا له من عمر، وكيف ~~زوجك؟ # فقالت عبدة: بخير يا عم جواد سألت عنك العافية، وها هو ذا ابننا ~~رفاعة: قبل يد عمك الشاعر. # واقترب رفاعة من الشاعر مبتهجا فتناول يده فلثمها، وربت الرجل ~~كتفه، وتحسس رأسه في استطلاع، وقسمات ms130 وجهه، وقال: بديع بديع، ما ~~أشبهك بجدك! # فنور الثناء وجه عبدة، وضحك عم شافعي قائلا: لو رأيت جسده ~~النحيل ما قلت ذلك. ~~- حسبه ما أخذ، إن الجبلاوي لا يتكرر. ماذا يعمل الفتى؟ ~~- علمته النجارة، لكنه ابن وحيد مدلل، يمكث في دكاني قليلا ~~ويهيم على وجهه في الخلاء والجبل أكثر الوقت. # فقال الشاعر باسما: لا يستقر الرجل حتى يتزوج، وأين كنت يا معلم ~~شافعي؟ ~~- في سوق المقطم. # فضحك الرجل ضحكة عالية وقال: كما فعل جبل، لكنه عاد حاويا ~~وتعود نجارا كما ذهبت. على أي حال مات عدوك ولكن الخلف ~~كالسلف. # فقالت عبدة بسرعة: كلهم كذلك، وما نطمع في شيء إلا أن نعيش كما ~~يعيش المسالمون! # وعرف رجال شافعي فهرعوا إليه، ودار العناق وارتفعت الأصوات، وعاد ~~رفاعة يتفحص ما حوله باهتمام وشغف، وأنفاس قومه تتردد من حوله، ~~فتخفف كثيرا من وحشة القلب التي غشيته مذ فارق سوق المقطم. ومضت ~~عيناه في التجول حتى وقفتا عند نافذة في الربع الأول، تطل منها ~~فتاة راحت تحملق في وجهه باهتمام، فلما التقت عيناهما رفعت ناظريها ~~إلى الأفق. ولمح ذلك رجل من أصحاب والده فهمس قائلا: عيشة بنت ~~خنفس، نظرة إليها تسبب مذبحة! # فتورد وجه رفاعة وقالت أمه: ليس هو من هؤلاء الشبان، ولكنه يرى ~~حارته لأول مرة. # ومن الربع الأول خرج رجل في متانة الثور، يرفل في جلباب فضفاض، ~~وينطلق من فوق فيه شارب متحرش في وجه كثير الندوب والبقع فتهامس ~~الناس: «خنفس .. خنفس!» وأخذ جواد عم شافعي من يده واتجه به نحو ~~الربع وهو يقول: سلام الله على فتوة آل جبل، إليك أخانا المعلم ~~شافعي النجار، عاد إلى حارته بعد غربة عشرين عاما! # ألقى خنفس نظرة جامدة على وجه شافعي، متجاهلا يده الممدودة ~~مليا، ثم مد له يده دون أن يلين وجهه، ثم تمتم في برود: ~~أهلا. # وتأمله رفاعة بامتعاض، فهمست أمه في أذنه أن يذهب للسلام ~~عليه. # وذهب رفاعة متضايقا فمد له يده، وقال عم شافعي: ابني ~~رفاعة. # ونظر خنفس إلى رفاعة نظرة ms131 استنكار وازدراء، أولها الحاضرون ~~بأنها احتقار لرقته غير المألوفة في الحارة. وصافحه بعدم اكتراث ~~ثم التفت إلى أبيه متسائلا: ترى هل نسيت في غربتك سنة الحياة في ~~حارتنا؟ # فأدرك شافعي ما يرمي إليه، وقال مداريا ضيقه: نحن في الخدمة ~~دائما يا معلم. # فتفرس في وجهه بريبة وسأله: لماذا هاجرت من حارتك؟ # فصمت شافعي ريثما يجد جوابا مناسبا، فقال خنفس: هربا من ~~زنفل؟ # فقال جواد الشاعر مبادرا: لم يكن ذلك لخطأ لا يغتفر. # فقال خنفس لشافعي محذرا: لن تجد مني مهربا عند الغضب. # فقالت عبدة برجاء: ستجدنا يا معلم من أطيب الناس. # ومضى شافعي وأسرته وسط الأصحاب إلى دهليز ربع النصر؛ ليتسلم ~~مسكنا خاليا دله عليه عم جواد. وتراءت في نافذة مطلة على ~~الدهليز فتاة حسناء ذات جمال وقح، وقفت تمشط شعرها أمام زجاج ~~النافذة، فلما رأت القادمين تساءلت في دلال: من القادم كالعريس في ~~الزفة؟ # فتضاحك كثيرون، وقال رجل: جار لك جديد يا ياسمينة سيقيم في ~~الدهليز أمامك. # فهتفت ضاحكة: ربنا يزيد في الرجال! # ومرت عيناها بعبدة دون اكتراث، لكنها وقفت على رفاعة باهتمام ~~وإعجاب. ودهش رفاعة لنظرتها أكثر من دهشته لنظرة عيشة بنت خنفس. ~~وتبع والديه إلى باب المسكن المقابل لمسكن ياسمينة على الجانب ~~الآخر للدهليز، وصوت ياسمينة يغني: # آه من جماله يامه! # 46 # فتح عم شافعي دكان النجارة عند مدخل ربع النصر. ومع الصباح خرجت ~~عبدة تتسوق، ومضى عم شافعي وابنه رفاعة إلى الدكان. وجلسا على عتبة ~~الدكان ينتظران الرزق. وكان في حوزة الرجل مال يكفيه شهرا أو ~~يزيد فلم يطرقه القلق، فراح ينظر إلى الدهليز المسقوف بالمساكن، ~~المفضي إلى الحوش الكبير ويقول: هذا هو الدهليز المبارك الذي أغرق ~~فيه جبل أعداءنا. # فتأمله رفاعة بعينين حالمتين وثغر باسم، فعاد الرجل يقول: وفي ~~هذه البقعة أقام أدهم كوخه وحدثت الأحداث، وفيها بارك الجبلاوي ~~ابنه وعفا عنه. # فازداد الثغر الجميل ابتساما وأغرقت العينان في الحلم. الذكريات ~~الجميلة كلها ولدت في هذا المكان. لولا الزمن لبقيت آثار أقدام ~~الجبلاوي وأدهم، ولردد ms132 الهواء أنفاسهم. ومن هذه النوافذ انصبت ~~المياه على الفتوات في الحفرة، من نافذة ياسمينة انصبت المياه على ~~الأعداء. اليوم لا ينصب منها إلا نظرات مرعبة، ويعبث الزمان بكل ~~جليل، أما جبل فانتظر داخل الحوش بين رجال ضعفاء، لكنه ~~انتصر. ~~- انتصر جبل يا أبي ولكن ما جدوى النصر؟ # فتنهد الرجل قائلا: تعاهدنا على ألا نفكر في ذلك، أرأيت ~~خنفس؟ # وعلا صوت غنج مناديا: يا عم يا نجار. # فتبادل الأب وابنه نظرة إنكار، ونهض الأب رافعا رأسه فرأى ~~ياسمينة تطل من النافذة وضفيرتاها الطويلتان تتدليان وتتأرجحان، ~~فهتف: يا نعم. # فقالت بصوت متهالك من العبث: ابعث صبيك ليأخذ ترابيزة ~~لإصلاحها. # عاد الرجل إلى مجلسه وهو يقول لابنه: «توكل على الله». ووجد ~~رفاعة باب المسكن مفتوحا في انتظاره فغمغم قائلا: «إحم»، فأذنت ~~له بالدخول فدخل. وجدها في جلباب بني ذي كلفة بيضاء حول الطوق ~~وفوق نهضة النهدين، وحافية وعارية الساقين وجدها أيضا. ولبثت ~~صامتة مليا كأنما لتمتحن أثر منظرها في نفسه، فلما رأت صفاء ~~عينيه لا يتغير أشارت إلى ترابيزة صغيرة قائمة على ثلاث أرجل في ~~ركن الصالة وقالت: الرجل الرابعة تحت الكنبة، ركبها وحياتك وادهن ~~الترابيزة من جديد. # فقال بصوت ذي موقع عذب: في الخدمة يا ست. ~~- والثمن؟ ~~- سأسأل أبي. # فشهقت متسائلة: وأنت؟ ألا تعرف الثمن؟ ~~- هو الذي يخاطب فيه. # فتفرست في وجهه بقوة وسألته: ومن يصلحها؟ ~~- أنا، ولكن بإشرافه ومعاونته. # فضحكت دون مبالاة وقالت: بطيخة؛ أصغر فتواتنا دونك في السن، لكنه ~~يستطيع أن يدوخ زفة برمتها، وأنت لا تستطيع أن تركب رجل ترابيزة ~~بمفردك؟! # فقال رفاعة بصوت من يروم إنهاء الكلام: المهم أنها ستعود إليك ~~كأحسن ما يكون. # وتناول الرجل الرابعة من تحت الكنبة، وحمل الترابيزة على كتفه ~~واتجه نحو الباب قائلا: فتك بعافية. # ولما وضعها أمام أبيه في الدكان قال الرجل بامتعاض وهو يتفحص ~~الترابيزة: أقول الحق إني كنت أفضل أن يجيء أول رزق من ناحية ~~أنظف. # فقال رفاعة في سذاجة: ليست قذرة بحال يا أبي، لكنها وحيدة فيما ~~يبدو. ~~- ليس ms133 أخطر من امرأة وحيدة! ~~- لعلها في حاجة إلى هداية! # فقال عم شافعي ساخرا: حرفتنا النجارة لا الهداية، هات ~~الغرا. # وعند المساء ذهب عم شافعي ورفاعة إلى قهوة جبل. كان الشاعر جواد ~~متربعا على أريكته يحسو قهوته. وجلس شلضم صاحب القهوة عند المدخل، ~~على حين احتل خنفس مكان الصدارة وسط هالة من المعجبين. وقصد شافعي ~~وابنه إلى الفتوة ليؤديا إليه تحية الخضوع ثم اتخذا مكانا خاليا ~~جنب شلضم. وما لبث أن تناول عم شافعي الجوزة، وقدم لابنه قدح قرفة ~~بالبندق. وبدا جو القهوة ناعسا، تنعقد في سمائه سحب الدخان، ~~وتنتشر في هوائه الساكن روائح المعسل والنعناع والقرنفل. أما ~~الوجوه ذات الشوارب المستنفرة فلاحت شاحبة ثقيلة الأجفان، وتلاقى ~~السعال والنحنحة بالضحكات الغليظة والنكات الفاجرة، وترامى من بطن ~~الحارة هتاف غلمان يترنمون: # يا ولاد حارتنا .. توت توت # انتو نصارى .. ولا يهود # تاكلوا إيه .. ناكل عجوة # تشربوا إيه .. نشرب قهوة. # وكانت عند مدخل القهوة هرة تتربص، فانقضت نحو ~~أسفل أريكة، وندت وسوسة، ثم ظهرت راكضة نحو الحارة قابضة ~~بأسنانها على فأرة. ورد رفاعة عن فيه قدح القرنفل متقززا، ورفع ~~عينيه فوقعتا على خنفس وهو يبصق، وصاح خنفس مخاطبا الشاعر جواد: ~~متي تبدأ يا رأس الدواهي؟ # فابتسم جواد وهو يهز رأسه، ثم تناول الرباب، وبعث من أوتارها ~~أنغام الافتتاح. وبدأ بتحية للناظر إيهاب، فتحية ثانية لبيومي ~~فتوة الحارة، والثالثة توجهت إلى خليفة جبل الفتوة خنفس، ومضى ~~يقول: «وجلس أدهم في إدارة الوقف يستقبل مستأجري الأحكار الجدد، ~~وكان ينظر في الدفتر حينما جاءه صوت الرجل الأخير يقول معلنا عن ~~اسمه: إدريس الجبلاوي. # فرفع أدهم رأسه في فزع فرأى أخاه واقفا أمامه ...» # وواصل الشاعر الحكاية في جو من الإنصات، وتابعه رفاعة بشغف. هذا ~~هو الشاعر وهذه هي الحكايات. كم سمع أمه وهي تقول: «حارتنا حارة ~~الحكايات»! وحقا كانت هذه الحكايات جديرة بالحب. لعل فيها عزاء ~~عن ملاعب سوق المقطم وخلواته، وراحة لقلبه المحترق بهيام غامض، ~~غامض كهذا البيت الكبير المغلق، لا أثر فيه لحياة إلا رءوس أشجار ms134 ~~الجميز والتوت والنخيل. وأي دليل على حياة الجبلاوي إلا الأشجار ~~والحكايات؟ وأي دليل على أنه حفيده سوى الشبه الذي لمسه الشاعر ~~جواد بيديه؟ وكان الليل يتقدم، وعم شافعي يدخن جوزة ثالثة، واختفت ~~من الحارة نداءات الباعة وهتافات الغلمان، ولم يعد يبقى سوى أنغام ~~الرباب ودقة دربكة آتية من بعيد، وصراخ امرأة ينهال عليها زوجها ~~ضربا. أما أدهم فقد جره إدريس إلى مصيره؛ إلى الخلاء تتبعه أميمة ~~الباكية. كما خرجت أمي من الحارة وأنا في بطنها أضطرب. اللعنة على ~~الفتوات، وعلى القطط حين تلفظ الفئران أنفاسها بين أسنانها، وعلى ~~كل نظرة ساخرة أو ضحكة باردة، وعلى من يستقبل أخاه العائد بقوله: ~~لا مهرب مني عند الغضب، وعلى صانعي الرعب وخالقي النفاق. أما أدهم ~~فلم يبق له إلا الخلاء، وها هو ذا الشاعر يغني أغنية من أغاني ~~إدريس المخمور. ومال إلى أذن أبيه وقال: أريد أن أزور المقاهي ~~الأخرى. # فقال عم شافعي متعجبا: قهوتنا خير قهوة في الحارة. ~~- ماذا يقول الشعراء هنالك؟ ~~- الحكايات نفسها ولكنك تسمعها هنالك وكأنها غير ~~الحكايات. # وترامى التهامس إلى شلضم فمال نحو رفاعة قائلا: ليس أحد أكذب من ~~أهل حارتنا، والشعراء أكذب الكاذبين، ستسمع في القهوة التالية أن ~~جبل قال: إنه ابن الحارة، ووالله ما قال إلا أنه ابن حمدان. # فقال عم شافعي: الشاعر يريد إرضاء السامعين بأي ثمن. # فقال شلضم همسا: بل يريد إرضاء الفتوة! # وغادر الأب والابن القهوة عند منتصف الليل، وكانت الظلمة كثيفة ~~تكاد أن تتجسد، وهناك أصوات رجال كأنما تصدر عن لا شيء، وسيجارة ~~تتوهج في يد غير مرئية كأنها نجم تهاوى نحو الأرض. وتساءل الأب: ~~أعجبتك الحكاية؟ ~~- نعم، ما أجمل الحكايات! # فضحك الأب قائلا: عم جواد يحبك، ماذا قال لك في ~~الاستراحة؟ ~~- دعاني إلى زيارته في بيته. ~~- ما أسرع أن تحب، ولكنك صبي بطيء التعلم. # فقال معتذرا: لدي عمر كامل للنجارة، ولكن يهمني الآن أن أزور ~~المقاهي جميعا. # وتلمسا طريقهما إلى الدهليز فترامت إليهما من بيت ياسمينة ضجة ~~مخمورة، وصوت يغني: يا بو ms135 الطاقية الشبيكة قل مين شغلها لك، شبكت ~~قلبي إلهي ينشغل بالك. فهمس رفاعة في أذن أبيه: ليست وحيدة كما ~~ظننت. # فتنهد الأب قائلا: ما أكثر ما ضيعت من عمر في الخلوات! # وراحا يرقيان في السلم على مهل وحذر، وإذا برفاعة يقول: أبي، ~~سأزور عم جواد الشاعر . # 47 # طرق رفاعة باب جواد الشاعر بالربع الثالث بحي جبل. وكان يتصاعد ~~من الحوش سباب حاد تتبادله نسوة ممن اجتمعن للغسل والطهي؛ فأطل ~~من فوق درابزين الطرقة المستديرة المشرفة على فناء الربع. وكانت ~~المعركة الأساسية تدور بين امرأتين، وقفت أولاهما وراء طشت غسيل ~~تلوح بيدين مغطاتين برغوة الصابون، ووقفت الأخرى عند مدخل الدهليز ~~مشمرة عن ساعديها ترد السب بأفظع منه وترقص وسطها استهزاء. ~~أما النساء الأخريات فانقسمن إلى فرقتين، وتلاطمت الأصوات حتى ~~تجاوبت جدران الربع بالشتائم المقذعة والقذف العاهر. وسرعان ما جفل ~~مما يرى ويسمع فتحول عن موقفه إلى باب الشاعر متقززا. حتى ~~النساء، حتى القطط، ودعك من الفتوات. في كل يد مخلب وفي كل لسان ~~سم، وفي القلوب الخوف والضغائن. أما الهواء النقي ففي خلاء المقطم ~~أو في البيت الكبير حيث ينعم الواقف بالسلام وحده! وفتح الباب عن ~~وجه الضرير المستطلع، فحياه، فابتسمت أسارير الرجل، وأوسع له وهو ~~يقول: أهلا بابن أخي. # وتلقى رفاعة أول ما دخل شذى بخور نافذ كأنه أنفاس ملاك. ومضى ~~وراء الرجل إلى حجرة صغيرة مربعة، اصطفت بأضلاعها الشلت، ~~وانبسطت فوق أرضها حصيرة مزركشة، وبدا جوها خلف خصاص النوافذ ~~المغلقة في سمرة الأصيل، وقد زين سقفها حول الفانوس المدلى بصور ~~العصافير والحمام. تربع الشاعر على شلتة فجلس رفاعة إلى جانبه، ~~وقال الرجل: كنا نعد القهوة. # ونادى زوجته فجاءت امرأة حاملة صينية القهوة فقال جواد: تعالي ~~يا أم بخاطرها، هذا رفاعة ابن عم شافعي. # فجلست المرأة إلى جانب زوجها من الناحية الأخرى، وراحت تصب ~~القهوة في الفناجيل وهي تقول: أهلا بك يا بني. # بدت في منتصف الحلقة السادسة، مستقيمة العود، قوية البنية، تلفت ~~النظر إليها بعينين نافذتين ووشم فوق الذقن. ms136 وأشار جواد ناحية ~~الضيف وقال: إنه سميع يا أم بخاطرها، شغوف بالحكايات، وبمثله ~~يتحمس الشاعر ويرضى، أما الآخرون فسرعان ما يغلبهم نعاس المنزول ~~والحشيش. # فقالت المرأة بدعابة: حكاياتك جديدة عليه، معادة عليهم. # فقال الشاعر بغيظ: هذا صوت عفريت من عفاريتك .. (ثم موجها ~~الخطاب إلى رفاعة) .. الولية كودية زار. # فتطلع رفاعة نحو المرأة باهتمام، فالتقت أعينهما وهي تمد له يدها ~~بفنجان القهوة. كم كانت تجذبه دقة الزار في سوق المقطم! وكان قلبه ~~يتابعها راقصا، فيقف في الطريق رافعا رأسه نحو النوافذ، متطلعا ~~إلى البخور السابح في الفضاء والرءوس المترنحة. وسأله الشاعر: ألم ~~تعرف في غربتك شيئا عن حارتنا؟ ~~- حدثني أبي عنها كما حدثتني أمي، ولكن قلبي كان هنالك، فلم ~~أكترث كثيرا للوقف ومشاكله، وعجبت من كثرة ضحاياه، فملت إلى رأي ~~أمي في إيثارها الحب والسلام. # فتساءل جواد وهو يهز رأسه في حزن: وكيف يتسنى للحب والسلام أن ~~يعيشا بين الفقر ونبابيت الفتوات! # فلم يجبه رفاعة؛ لا لأنه لم يكن ثمة جواب، ولكن لأن عينيه رأتا ~~لأول مرة صورة غريبة فوق الجدار الأيمن للحجرة؛ صورة مرسومة ~~بالزيت على الجدار كالصور التي تزين جدران المقاهي، وتمثل رجلا ~~هائلا تبدو إلى جانبه ربوع الحارة ضئيلة كلعب الأطفال؛ فتساءل ~~الشاب: من صاحب هذه الصورة؟ # فأجابت أم بخاطرها: الجبلاوي. ~~- هل رآه أحد؟ # فقال جواد: كلا، لم يره أحد من جيلنا، حتى جبل لم يتبينه في ~~ظلمة الخلاء، ولكن المبيض رسمه على مثال ما يرد من أوصافه في ~~الحكايات. # فتساءل رفاعة متنهدا: لماذا أغلق أبوابه في وجه أحفاده؟ ~~- يقولون الكبر، من يدري كيف تمضي به الأيام! والله لو فتح ~~أبوابه ما بقي أحد من أهل حارتنا في داره القذرة. ~~- ألا تستطيع أن ... # ولكن أم بخاطرها قاطعته قائلة: لا تشغل به نفسك، فإن أهل حارتنا ~~إذا بدءوا بالكلام عن الواقف جرهم الكلام إلى الوقف ثم تقع ~~المصائب أشكالا وألوانا. # فهز رأسه في حيرة متسائلا: وكيف لا تشغل النفس بمثل هذا ~~الجد العزيز؟! ~~- لنفعل مثله، فإنه لا يشغل بنا ms137 نفسه. # فرفع رفاعة بصره إلى الصورة ثم قال: لكنه قابل جبل وكلمه. ~~- نعم، ولما مات جبل جاء زنفل ثم خنفس، وكأننا يا بدر لا رحنا ~~ولا جينا. # فضحك جواد وقال لامرأته: إن الحارة في حاجة إلى من يخلصها من ~~شياطينها كما تخلصين الممسوسين من عفاريتهم. # فابتسم رفاعة وقال: يا عمتي إن العفاريت حقا هم أولئك الناس، ~~لو رأيت كيف كانت مقابلة خنفس لأبي! ~~- لا شأن لي بأولئك، عفاريتي الآخرون يذعنون لي كما كانت ~~الثعابين تذعن لجبل، وعندي لهم جميع ما يحبون من بخور سوداني ~~وتعاويذ حبشية وأغان سلطانية. # فسألها رفاعة باهتمام: ومن أين أتتك هذه القدرة على ~~العفاريت؟ # فحدجته بنظرة حذرة وقالت: هي حرفتي كما أن النجارة حرفة أبيك، ~~جاءتني من وهاب المنن! # فأفرغ رفاعة ثمالة الفنجان في فيه وهم بالكلام، غير أن صوت عم ~~شافعي تصاعد من الحارة صائحا: يا رفاعة، يا ولد يا كسول. # فقام رفاعة إلى النافذة ففتحها وأطل منها حتى التقت عيناه بعيني ~~أبيه وهتف: أمهلني نصف ساعة يا أبي. # فرفع الرجل منكبيه فيما يشبه اليأس ورجع إلى دكانه. وعندما أخذ ~~رفاعة يغلق النافذة رأى عيشة في موقفها بالنافذة كما رآها أول مرة، ~~ترنو إليه باهتمام، خيل إليه أنها ابتسمت، أو أن عينيها تكلمتا، ~~وتردد لحظة، لكنه أغلق النافذة وعاد إلى مجلسه. وإذا بجواد يضحك ~~قائلا: أبوك يريد لك النجارة، ولكن فيم ترغب أنت؟ # فتفكر رفاعة مليا ثم قال: علي أن أكون نجارا كأبي، ولكني ~~أحب الحكايات، وهذه الأسرار حول العفاريت، فحدثيني عنها يا ~~عمتي. # فابتسمت المرأة وبدت كأنها سمحت بأن تهبه «قليلا» من علمها ~~فقالت: لكل إنسان عفريت هو سيده، ولكن ليس كل عفريت بشر يجب أن ~~يخرج. ~~- وكيف نميز بين هذا وذاك؟ ~~- عمله يدل عليه، أنت مثلا ولد طيب فما يستحق سيدك إلا الجميل، ~~وليس هكذا عفاريت بيومي وخنفس وبطيخة! # فقال ببراءة: وعفريت ياسمينة هل يجب أن يخرج؟ # فضحكت أم بخاطرها وقالت: جارتكم؟ لكن رجال جبل يريدونها كما ~~هي. # فقال باهتمام جدي: أريد أن ms138 أعرف هذه الأشياء فلا تبخلي ~~علي. # فقال جواد: من ذا الذي يبخل على الابن الطيب؟ # وقالت أم بخاطرها: جميل أن تلازمني كلما سمح الوقت، ولكن على شرط ~~ألا يغضب أبوك، وسيتساءل الناس: ما لهذا الولد الطيب والعفاريت؟! ~~ولكن اعلم أن لا داء للناس إلا العفاريت. # وكان رفاعة يستمع وهو يرنو إلى صورة الجبلاوي. # 48 # النجارة مهنته ومستقبله، لا مهرب منها فيما يبدو. إن تكن نفسه لا ~~ترتاح إليها فأي شيء ترتاح إليه نفسه؟ إنها أفضل من السعي الكادح ~~وراء عربات اليد، أو من حمل المقاطف والسلال. أما المهن الأخرى ~~كالبلطجة والفتونة فما أبغضها وأمقتها! أم بخاطرها أثارت خياله كما ~~لم يثره شيء من قبل اللهم إلا صورة الواقف المرسومة على جدار ~~الحجرة في بيت جواد الشاعر. وحض أباه يوما على رسم صورة مثلها ~~في بيتهم أو في الدكان، فقال له الرجل: نحن أولى بنفقاتها، وهي ~~خيال، وما قيمة الخيال؟ فما كان منه إلا أن قال له: بودي لو أراه! ~~فضحك الرجل ضحكة عالية، وقال له معاتبا: أليس الأفضل أن ترى ~~عملك؟! لن أعيش لك إلى الأبد، وعليك أن تتأهب ليوم تحمل فيه وحدك ~~أعباء أمك وزوجك وأطفالك. # لكنه لم يكن يفكر في شيء كما كان يفكر فيما تقول أو تفعل أم ~~بخاطرها. بدت له أحاديثها عن العفاريت غاية في الأهمية، ولم تزايل ~~وعيه حتى في الأوقات السعيدة التي تردد فيها على مقاهي الحارة ~~واحدة بعد أخرى. حتى الحكايات نفسها لم ترسب في نفسه كما رسبت ~~أحاديث أم بخاطرها. لكل إنسان عفريت هو سيده، وكما يكون السيد يكون ~~العبد .. هكذا تردد أم بخاطرها. وكم من ليلة قضاها في حضرة الست، ~~يتابع دقات الزار ويشهد ترويض العفاريت! ومن المرضى من يساق إلى ~~البيت في حال خمول وإعياء، ومنهم من يحمل مقيدا في الأغلال ~~اتقاء لشره. ويحرق البخور المناسب؛ إذ لكل حال بخورها، وتدق ~~الدقة المطلوبة؛ إذ لكل عفريت دقة يطلبها، ثم تحدث ~~الأعاجيب. # إذن عرفنا أن لكل عفريت دواءه، ولكن ما دواء ms139 ناظر الوقف ~~وفتواته؟! هؤلاء الأشرار يسخرون من الزار ولعله لم يخلق إلا لهم! ~~القتل هو الوسيلة إلى الخلاص منهم، أما العفريت فيستكين بالبخور ~~الزكي والنغمة الطيبة. كيف يؤخذ العفريت الشرير بالجميل الطيب؟! ~~ألا ما أجل نتعلمه من الزار والعفاريت! وقال لأم بخاطرها إنه ~~يرغب من أعماق قلبه في تلقي أسرار الزار، فسألته: أتطمع في المال ~~الكثير؟ فأجابها بأنه في تطهير الحارة يرغب لا في المال الكثير. ~~وضحكت المرأة قائلة: إنه أول رجل يرغب في هذا العمل، فماذا استهواه ~~فيه؟ فأكد قائلا: إن أحكم ما في عملك أنك تهزمين الشر بالطيب ~~الجميل. ولما مضت تبيح له أسرارها طاب نفسا. # وإعرابا عن مسرته كان يصعد إلى سطح الربع في نشوة الفجر ليشهد ~~يقظة النور، ولكن البيت الكبير يستأثر بلبه دون النجوم والسكون ~~وصياح الديكة، ويرنو إلى البيت الراقد بين الأشجار طويلا، ثم ~~يتساءل: أين أنت يا جدي؟ لماذا لا تظهر ولو لحظة! لماذا لا تخرج ~~ولو مرة؟ لماذا لا تتكلم ولو كلمة؟ ألا تدري أن كلمة منك تغير ~~حارتنا من حال إلى حال؟ أم يرضيك ما يجري بها؟ وما أجمل الأشجار ~~حول بيتك! إني أحبها لأنك تحبها، وأنظر إليها لألتقي نظراتك ~~المطبوعة عليها. # وكلما أفضى بخواطره إلى أبيه سمع عتابا وقال له: «وعملك يا ~~كسلان؟! إن أمثالك من الشبان يجوبون الأحياء سعيا وراء الرزق أو ~~يهزون الحارة إذا رفعوا النبابيت!» # ويوما كانت الأسرة مجتمعة عقب الغداء إذا بعبدة تقول لزوجها ~~باسمة: قل له يا معلم. # أدرك رفاعة أنه المقصود بالكلام، فنظر إلى أبيه مستطلعا لكن ~~الرجل خاطب زوجته قائلا: حدثيه أنت بما عندك أولا. # فنظرت عبدة إلى ابنها بإعجاب وقالت: خبر سعيد يا رفاعة، زارتني ~~ست زكية زوجة فتوتنا خنفس! ورددت لها الزيارة بطبيعة الحال ~~فاستقبلتني بحفاوة وقدمت إلي ابنتها عيشة، بنت جميلة كالقمر، ثم ~~زارتني مرة أخرى ومعها عيشة. # ولحظ عم شافعي ابنه بطرف خفي، وهو يرفع فنجال القهوة إلى فيه؛ ~~ليرى أثر الحكاية في نفسه، ثم هز رأسه هزة من ms140 قدر الصعوبة التي ~~تنتظره، وقال بتفخيم: هذا شرف لم يحظ بمثله بيت في حي آل جبل، ~~تصور أن زوجة خنفس وابنته تزوران بيتنا هذا! # رفع رفاعة عينيه إلى أمه حائرا فقالت بحماس: ما أفخم مسكنهم، ~~المقاعد الوثيرة، السجاد الفاخر، حتى الستائر تنسدل فوق النوافذ ~~والأبواب. # فقال رفاعة ممتعضا : كل هذا الخير من أموال آل جبل ~~المغتصبة! # فدارى عم شافعي ابتسامة وهو يقول: تعاهدنا على ألا نتكلم في ~~هذا الموضوع. # قالت عبدة باهتمام: فلنذكر فقط أن خنفس سيد آل جبل وأن صداقة ~~أهله دعاء مستجاب. # فقال رفاعة في ضجر: مباركة عليك هذه الصداقة! # فتبادلت الأم مع زوجها نظرة ذات معنى، قالت على أثرها: إن مجيء ~~عيشة مع أمها حدث له معنى! # فتساءل رفاعة وهو يشعر بانقباض: ما معناه يا أمي؟ # فضحك شافعي وهو يلوح بيده يائسا وقال مخاطبا عبدة: كان ينبغي ~~أن نقص عليه كيف تم زواجنا! # فهتف رفاعة بضيق: كلا! كلا يا أبي! ~~- ماذا تعني؟ وما لك تبدو كالعذراء؟ # وقالت عبدة بإغراء ورجاء: أنت الذي بيدك أن تدخلنا نظارة وقف آل ~~جبل، سيرحبون بك إذا تقدمت، حتى خنفس سيرحب بك؛ إذ لولا ثقة المرأة ~~في مكانتها عنده ما أقدمت على تلك الخطوة، أمامك جاه ستحسدك الحارة ~~عليه من أولها إلى آخرها. # وقال الأب ضاحكا: من يدري فلعلنا نراك يوما ناظرا لوقف جبل ~~أو ترى أنت أحد أبنائك فيه. ~~- أنت الذي تقول ذلك يا أبي؟! أنسيت لماذا هاجرت من الحارة منذ ~~عشرين عاما؟ # فرمش عم شافعي في شيء من الارتباك وقال: نحن نعيش اليوم كما يعيش ~~غيرنا، فلا يجوز أن نهمل انتهاز فرصة تجيء بنفسها إلينا. # وتمتم رفاعة، وكأنه يحادث نفسه: كيف أصهر إلى عفريت وأنا لا هم ~~لي اليوم إلا مطاردة العفاريت؟! # فصاح شافعي محتدا: ما طمعت يوما في أن أجعل منك أكثر من نجار، ~~ولكن الحظ يعرض عليك درجة مرموقة في حارتنا، ولكنك تريد أن تكون ~~كودية زار، يا للعار! أي عين أصابتك؟ قل إنك ستتزوجها ودعنا من ~~الهزل! ms141 ~~- لن أتزوجها يا أبي. # فقال شافعي دون مبالاة: سأزور خنفس؛ لأطلب القرب منه. # فهتف رفاعة بحرارة: لا تفعل يا أبي! # فسأله أبوه في جزع: خبرني ما شأنك يا ولد؟! # وتوسلت عبدة إلى زوجها قائلة: لا تشتد عليه، أنت أعلم ~~بحاله. ~~- يا سوء ما أعلم! حارتنا تعيرنا برقته. ~~- ترفق به حتى يفكر في الأمر. ~~- أقرانه آباء، والأرض تهتز عند وقع أقدامهم. # وحدجه بنظرة مغيظة ثم استطرد محتدا: لماذا يهرب الدم من وجهك؟ ~~إنك من صلب رجال! # وتنهد رفاعة. الصدر منقبض لحد البكاء. وشائج الأبوة يمزقها ~~الغضب. والبيت يقسو حينا فيرتد سجنا كئيبا. ومرادك ليس في هذا ~~المكان ولا بين هؤلاء الناس. وقال بصوت مبحوح: لا تعذبني يا ~~أبي. ~~- أنت الذي تعذبني، كما عذبتني منذ ولدت. # وأحنى رفاعة رأسه حتى اختفى وجهه عن والديه، وأخفض الرجل من صوته ~~وسكن ما استطاع غضبه، ثم سأله: هل تخاف الزواج؟ ألا تحب أن ~~تتزوج؟ صارحني بما في نفسك، أم أذهب إلى أم بخاطرها فلعلها تعرف ~~عنك ما لا نعرف! # فهتف بحدة: كلا! # وقام فجأة فغادر الحجرة. # 49 # ونزل عم شافعي ليفتح الدكان فلم يجد رفاعة هناك كما توقع. لكنه ~~لم يناد عليه وقال لنفسه: إنه من الحكمة أن يتظاهر بالبرود ~~لغيابه. ومضى النهار يزحف رويدا وضوء الشمس ينحسر عن أرض الحارة، ~~والنشارة تتكاثف حول قدمي شافعي دون أن يظهر رفاعة. وأتى المساء ~~فأغلق الرجل الدكان وهو في غاية من الضيق والغضب. وقصد كعادته قهوة ~~شلضم واتخذ مجلسه، ولما رأى جواد الشاعر قادما وحده تولاه العجب ~~وسأله: إذن أين رفاعة؟ # فأجابه الرجل وهو يتلمس طريقه إلى أريكته: لم أره منذ ~~أمس. # فقال شافعي بقلق: لم أره منذ تركنا بعد الغداء. # رفع جواد حاجبيه الأشيبين ثم تساءل وهو يتربع على الأريكة ويضع ~~الرباب إلى جانبه: هل وقع بينكما شيء؟ # ولم يجبه شافعي، وقام فجأة فغادر القهوة. وتعجب شلضم لقلق شافعي ~~وقال ساخرا: هذه طراوة لم تعرفها حارتنا مذ أقام إدريس كوخه في ~~الخلاء. كنت أتغيب في صغري ms142 عن الحارة أياما فلا يسأل عني أحد، ~~وعند عودتي يصيح بي أبي الله يرحمه: «ما الذي عاد بك يا ابن ~~اللئيمة؟» # فعلق خنفس على كلامه من صدر القهوة قائلا: أصله لم يكن على يقين ~~من أنك ابنه. # وضجت القهوة بالضحك، وهنأ كثيرون خنفس على جميل دعابته! أما عم ~~شافعي فمضى إلى بيته وسأل عبدة: هل عاد رفاعة؟ فاستحوذ القلق على ~~المرأة، وقالت: إنها كانت تظنه بالدكان كعادته. واشتد قلقها حين ~~أخبرها أنه لم يذهب كذلك إلى بيت جواد الشاعر، وراحت المرأة تتساءل ~~في قلق: إذن أين ذهب؟ # وترامى إليهما صوت ياسمينة وهي تزعق منادية على بياع تين، فنظرت ~~عبدة إلى شافعي نظرة مريبة، فهز الرجل رأسه برما وأطلق ضحكة ~~جافة مقتضبة ساخرة، ولكن المرأة قالت: فتاة مثلها تحل ~~العقد! # وذهب الرجل إلى بيت ياسمينة مدفوعا باليأس وحده. طرق الباب ~~ففتحت ياسمينة بنفسها، ولما عرفته تراجع رأسها في دهش مقرون بالظفر ~~وقالت: أنت؟! ياما تحت الساهي دواهي! # فغض الرجل بصره أمام شفافية قميصها وقال بانكسار: رفاعة ~~عندك؟ # فازدادت دهشة وقالت: رفاعة! لمه؟ # فعلا الرجل الارتباك؟ فأشارت إلى الداخل وهي تقول: ابحث عنه ~~بنفسك. # لكن الرجل استدار ليذهب فسألته ساخرة: هل أدركه البلوغ ~~اليوم؟ # وسمعها تخاطب شخصا في الداخل قائلة: في هذا الزمان الفتى يخشى ~~عليه أكثر من الفتاة. # ووجد عم شافعي عبدة تنتظره في الدهليز، فقالت له: سنذهب معا إلى ~~سوق المقطم. # فصاح الرجل بغضب: الله يتعبه، أهذا جزائي بعد يوم عمل ~~شاق؟! # واستقلا عربة كارو إلى سوق المقطم، وسألا عنه عند جيرانهما ~~الأقدمين، وعند المعارف فلم يعثرا له على أثر. أجل كان يتغيب ساعات ~~في العصاري أو الأصائل في الخلوات أو الجبل، ولكن لا يتصور أحد أن ~~يلبث حتى هذه الساعة من الليل في الخلاء. وعادا إلى الحارة كما ~~ذهبا ولكن على حال من الجزع أشد. ولاكت الألسن اختفاءه وبخاصة بعد ~~أن مضت عليه أيام. صار دعابة في القهوة وبيت ياسمينة وفي حي آل جبل ~~تندر الجميع بفزع والديه. ولعل ms143 أم بخاطرها وعم جواد كانا ~~الوحيدين اللذين شاركا والديه في حزنهما. وقال عم جواد: «أين ذهب ~~الفتى؟ ليس هو من أولئك الشبان، لو كان على شاكلتهم ما جزعنا!» ~~وصاح بطيخة مرة وهو سكران: «جدع تايه يا أولاد الحلال»، كأنما ~~ينادي على طفل تائه، فضحكت الحارة وراح الغلمان يرددونها. ومرضت ~~عبدة من الحزن. وعمل شافعي في دكانه بعقل شارد وعينين محمرتين ~~من الأرق. أما زكية زوجة خنفس فقد انقطعت عن زيارة عبدة وتجاهلتها ~~في الطريق. ويوما كان شافعي مكبا على نشر قطعة من الخشب إذ صاحت ~~به ياسمينة وهي عائدة من مشوار: عم شافعي .. انظر. # وجدها تشير إلى نهاية الحارة عند الخلاء، فغادر الدكان والمنشار ~~في يده؛ ليرى ما تشير إليه فرأى ابنه رفاعة يتقدم نحو الربع في ~~استحياء. وترك الرجل المنشار أمام الدكان وهرع نحو ابنه وهو يتفحصه ~~بدهشة، ثم قبض على عضديه هاتفا: رفاعة! أين كنت؟ ألا تدري ما يعني ~~غيابك لنا؟ لأمك المسكينة التي تكاد أن تموت جزعا؟ # ولم ينبس الشاب، ووضح للأب هزاله فسأله: هل كنت مريضا؟ # فأجاب في ارتباك: كلا، دعني أر أمي. # واقتربت ياسمينة منهما وسألت الشاب في ارتياب: ولكن أين ~~كنت؟ # فلم ينظر نحوها. وتجمع حوله الغلمان، فسار به أبوه إلى البيت. ~~وسرعان ما تبعهما عم جواد وأم بخاطرها. ولما رأته أمه وثبت من ~~الفراش وضمته إلى صدرها، وهي تقول بصوت ضعيف: سامحك الله .. كيف ~~هانت عليك أمك؟ # فتناول راحتها بين يديه وأجلسها على الفراش وجلس إلى جانبها وهو ~~يقول: إني آسف! # فرفع أبوه وجها متجهما نقيض الارتياح الساري في أعماقه ~~كالغمامة السوداء المظلة لوجه القمر وقال بعتاب: ليس الأمر إلا ~~أننا قصدنا إسعادك! # فتساءلت عبدة بعينين مغرورقتين: توهمت أننا نجبرك على ~~الزواج؟! # فقال بحزن: إني متعب. # فسأله أكثر من صوت: أين كنت؟ # فتنهد قائلا: ضقت بحياتي فذهبت إلى الخلاء، شعرت برغبة في ~~الوحدة والخلاء. ولم أكن أتركه إلا لشراء الطعام. # فضرب الأب جبهته بيده وصاح: ما هكذا يفعل العقلاء! # وإذا بأم بخاطرها تقول ms144 في إشفاق: دعوه، أنا خبيرة بهذه الأحوال، ~~ولا يصح أن يفرض على مثله شيء يأباه. # فقالت عبدة وهي تشد على يده: كانت سعادته أملنا، ولكن ما قدر ~~كان، كم ضمرت يا بني! # وتساءل عم شافعي في غيظ: دلوني على شيء كهذا حصل من قبل في ~~حارتنا! # فقالت أم بخاطرها في لوم: ليس حاله بالغريب علي يا عم شافعي، ~~صدقني، إنه شاب نادر المثال! # فغمغم عم شافعي في حزن: صرنا أحدوثة في الحارة. # فقالت أم بخاطرها غاضبة: ليس في الحارة كلها فتى مثله. # فقال عم شافعي: هذا موضع الأسى. # فصاحت أم بخاطرها: وحد الله يا رجل، أنت لا تدري ماذا تقول ولا ~~تفهم ما يقال. # 50 # أصبح للدكان منظر يوحي بالنشاط والنجاح. فعند طرف الطاولة وقف عم ~~شافعي ينشر الخشب، وعند طرفها الآخر قبض رفاعة على القدوم وراح يدق ~~المسامير، أما أسفل الطاولة فبدا إناء الغراء مغروسا في ركام ~~النشارة حتى منتصفه. وأسندت إلى الجدران ضلفات نوافذ ومصاريع ~~أبواب، يتوسطها صف عمودي من الصناديق الجديدة بلون الخشب الباهت ~~المصقول لا ينقصها إلا الدهان. وامتلأ الجو برائحة خشبية وأصوات ~~النشر والدق والحك وقرقرة الجوز يدخنها أربعة زبائن جلسوا عند ~~مدخل الدكان يتحادثون. وقال حجازي مخاطبا عم شافعي: سأجرب مهارتك ~~في هذه الكنبة، وإن شاء الله سيكون العمل القادم جهاز البنت (ثم ~~مخاطبا أصحابه) .. وأعود فأقول لكم: إننا نعيش في أيام لو عاد ~~إليها جبل لجن. # فهزوا رءوسهم في أسى وهم يدخنون، أما برهوم التربي فسأل عم ~~شافعي باسما: لماذا لا تريد أن تصنع لي تابوتا؟ أليس كل شيء ~~بثمنه؟ # فكف عم شافعي يده عن المنشار لحظة وقال ضاحكا: يفتح الله، ~~وجود التابوت في الدكان يهرب الزبائن. # فقال فرحات مؤمنا على قوله: صدقت، قطع الموت وسيرته. # فعاد حجازي يقول: عيبكم أنكم تخافون الموت أكثر مما ينبغي: لذلك ~~سيطر عليكم خنفس، وتسلطن بيومي، وصادر إيهاب أرزاقكم. ~~- وأنت ألا تخاف الموت مثلنا؟ # فبصق ثم قال: العيب عيبنا جميعا، كان جبل قويا، وبالقوة ~~والعنف استخلص لنا ms145 حقنا الذي أضاعه الجبن. # وإذا برفاعة يتوقف عن الدق فيخرج المسامير من فيه ويقول: أراد ~~جبل استخلاص حقنا بالحسنى، ولم يعمد إلى القوة إلا دفاعا عن ~~نفسه. # فضحك حجازي استهزاء وقال متسائلا: خبرني يا بني هل تستطيع دق ~~المسامير إلا بالقوة؟ # فقال رفاعة باهتمام جدي: ليس الإنسان كالخشب يا معلم . # وحدجه أبوه بنظرة فعاد إلى عمله. واستطرد حجازي قائلا: الحق أن ~~جبل كان فتوة من أشد الفتوات الذين عرفتهم حارتنا، وكم حث آل ~~جبل على الفتونة. # فقال فرحات مصححا: أراد منهم أن يكونوا فتوات على الحارة لا ~~على آل جبل. ~~- وما هم اليوم إلا فئران أو أرانب. # وتساءل عم شافعي وهو يجفف أنفه بظهر يده: وأي الألوان تفضل يا عم ~~حجازي؟ ~~- اختر لونا لا يتوسخ بسرعة، فهذا أضمن للنظافة. # وواصل حديثه للأصحاب فقال: ويوم فقأ دعبس عين كعبلها فقأ جبل ~~عينه، فبالجبروت أقام العدل! # وتنهد رفاعة بصوت مسموع وقال: لا يعوزنا الجبروت، كل ساعة من ~~نهار أو ليل نرى أناسا يضربون ويجرحون ويقتلون، حتى النساء ينشبن ~~الأظافر حتى تسيل الدماء، ولكن أين العدل؟ ألا ما أقبح هذا ~~كله! # ووجم الجميع لحظة ثم قال حنورة، وكان يتكلم لأول مرة: هذا المعلم ~~الصغير يحتقر حارتنا! إنه رقيق أكثر من اللازم وأنت السبب يا معلم ~~شافعي. ~~- أنا؟! ~~- نعم، إنه شاب مدلع. # والتفت حجازي نحو رفاعة وقال ضاحكا: خير من هذا أن تجد لنفسك ~~عروسا! # وتعالى الضحك، فقطب عم شافعي، وتورد وجه رفاعة، وعاد حجازي ~~يقول مؤكدا: القوة .. القوة، بغيرها لا يسود العدل! # فقال رفاعة بإصرار على رغم نظرات أبيه إليه: الحق أن حارتنا في ~~حاجة إلى الرحمة. # فضحك برهوم التربي قائلا: أتريد أن تخرب بيتي؟ # وضجوا بالضحك، وأعقب ذلك نوبات سعال، حتى قال حجازي وقد صارت ~~عيناه في لون الغرا: قديما ذهب جبل إلى الأفندي يسأله العدل ~~والرحمة، فأرسل إليه زقلط ورجاله، ولولا النبابيت - لا الرحمة - ~~لهلك جبل وآله. # وهتف عم شافعي محذرا: يا هوه! للحيطان آذان، ولو سمعوكم ما ~~وجدتم من يسمي ms146 عليكم. # فقال حنورة: صدق الرجل، ما أنتم إلا حشاشون لا خير فيكم، ولو ~~مر أمامكم الآن خنفس لسجدتم بين يديه. # ثم قال وهو يلتفت نحو رفاعة: لا تؤاخذنا يا بني، فليس على الحشاش ~~حرج، ألم تجرب الحشيش يا رفاعة؟ # فقال عم شافعي ضاحكا: لا يميل إلى مجالسه، وإن زاد على نفسين ~~لهث أو نام. # فقال فرحات: ما ألطف هذا الشاب، يظنه البعض كودية زار لملازمته ~~لأم بخاطرها، ويظنه آخرون شاعرا لتعلقه بالحكايات. # فقال حجازي ضاحكا: ويكره مجالس الحشيش كما يكره الزواج! # ونادى برهوم صبي القهوة ليأخذ الجوز، ثم قاموا مسلمين فانفض ~~المجلس. وترك عم شافعي المنشار لينظر إلى ابنه في عتاب، ثم قال: لا ~~تحشر نفسك في أحاديث أولئك الناس. # وجاء غلمان ليلعبوا أمام الدكان فدار رفاعة حول الطاولة حتى وقف ~~أمام أبيه، ثم تناول يده وتراجع به إلى ركن الدكان بعيدا عن ~~الآذان. بدا منفعلا قلقا لكن تطبقت شفتاه في تصميم، وشع من ~~عينيه نور عجيب حتى تساءلت عينا الرجل. وإذا برفاعة يقول: لن ~~أستطيع السكوت بعد اليوم. # فتضايق الأب. يا له من متعب هذا الابن العزيز؛ ينفق وقته الغالي ~~في بيت أم بخاطرها، ويخلو الساعات الطوال إلى نفسه عند صخرة هند، ~~وإذا مكث في الدكان ساعة أثار المشاكل بمناقشاته! ~~- هل تجد تعبا؟ # فقال بهدوء غريب حل محل القلق: لا يجوز أن أخفي عليك ما في ~~نفسي. ~~- ماذا عندك؟ # فاقترب منه أكثر وقال: أمس عقب خروجي من بيت الشاعر عند منتصف ~~الليل شعرت برغبة في الانطلاق فقصدت الخلاء، مشيت في الظلام حتى ~~تعبت، ثم اخترت مكانا أسفل سور البيت الكبير المشرف على الخلاء ~~فجلست مسندا ظهري إلى السور. # فبدا الاهتمام في عيني الرجل، وحثه بنظرة على متابعة الحديث ~~فقال: سمعت صوتا غريبا يتكلم، كأنما كان يحدث نفسه في الظلام، ~~فدهمني شعور مشرق بأنه صوت جدنا الجبلاوي. # فحملق الرجل في وجه ابنه وتمتم في ذهول: صوت الجبلاوي؟! ما الذي ~~حملك على هذا الظن؟ # فقال رفاعة بحرارة: ليس ظنا يا أبي، ms147 سيجيئك الدليل. وقد قمت ~~حال سماعي الصوت فاستدرت نحو البيت وتراجعت إلى الوراء؛ لأتمكن من ~~رؤيته ولكني لم أر إلا ظلاما. ~~- الحمد لله! ~~- صبرا يا أبي، سمعت الصوت وهو يقول: «أما جبل فقد قام بمهمته ~~وكان عند حسن الظن به، ولكن الأمور ارتدت إلى أقبح مما كانت ~~عليه»! # شعر شافعي بصدره يحترق وتفصد جبينه عرقا، وقال بصوت متهدج: ~~ما أكثر الذين جلسوا مجلسك تحت السور فلم يسمعوا شيئا. ~~- لكني أنا سمعت يا أبي. ~~- لعله أحد كان راقدا في الظلام! # فهز رأسه بعزم وقال: بل جاء الصوت من البيت! ~~- كيف عرفت هذا؟ ~~- هتفت قائلا: «يا جدي، جبل مات، وخلفه آخرون، فمد إلينا ~~يدك!» # فقال شافعي باضطراب: الله أسأل ألا يكون أحد سمعك. # فقال رفاعة بعينين مضيئتين: جدي سمعني، وجاءني صوته قائلا: ~~«ما أقبح أن يطالب شاب جده العجوز بالعمل، والابن الحبيب من ~~يعمل ...» فسألته: «وما حيلتي حيال أولئك الفتوات أنا الضعيف؟» ~~فأجابني: «الضعيف هو الغبي الذي لا يعرف سر قوته وأنا لا أحب ~~الأغبياء». # فتساءل عم شافعي في فزع: أتظن أن هذا الكلام دار بينك وبين ~~الجبلاوي؟ ~~- نعم ورب السموات! # فند عن الرجل أنين، وقال متوجعا: يا للأوهام خلاقة ~~المصائب! ~~- صدقني يا أبي، ليس فيما أقول شك. # فقال الرجل متحسرا: لا تقطع أملي في أن نجد فيه شكا. # فقال رفاعة بوجه يتألق نشوة كالنغمة الحلوة: وأعرف الآن ما يراد ~~مني. # فضرب الرجل جبينه بغيظ وصاح متسائلا: وهل أيضا يراد منك ~~شيء؟ ~~- نعم، إني ضعيف ولكني لست غبيا، والابن الحبيب من ~~يعمل! # فهتف شافعي وهو يشعر كأن المنشار ينشر صدره: سيكون عملك أسود، ~~وسوف تهلك وتجرنا معك إلى الهلاك! # فقال رفاعة باسما: إنهم لا يقتلون إلا من يتطلع إلى ~~الوقف! ~~- وهل تتطلع إلى شيء غير الوقف؟ # فقال رفاعة بصوت مليء بالثقة: كان أدهم ينشد الحياة الصافية ~~الغناء، كذلك جبل وهو لم يطالب بحقه في الوقف إلا سعيا وراء ~~الحياة الصافية الغناء، لكن غلب عليه الظن بأن هذه الحياة لن ~~تتيسر لأحد إلا ms148 إذا توزع الوقف على الجميع فنال كل حقه واستثمره ~~حتى يغنيه عن الكد فتخلص له الحياة الصافية الغناء، ولكن ما أتفه ~~الوقف إن أمكن بلوغ هذه الحياة بدونه! وهو أمر ممكن لمن يشاء، ~~وبوسعنا أن نغنى منذ الساعة! # فتنهد عم شافعي في شيء من الارتياح، وتساءل: هل قال لك جدك ~~ذلك؟ ~~- قال: إنه لا يحب الغباء، وقال: إن الغبي هو الذي لا يعرف سر ~~قوته، وإني آخر من يدعو إلى قتال في سبيل الوقف. الوقف لا شيء يا ~~أبي، وسعادة الحياة الغناء هي كل شيء، ولا يحول بيننا وبين ~~السعادة إلا العفاريت الكامنة في أعماقنا، ولم يكن عبثا أن أشغف ~~بطب العفاريت وأن أحسنه، لعلها إرادة رب السموات هي التي دفعتني ~~إليه. # ارتاح شافعي بعد عذاب، ولكن بعد أن استنفد العذاب قواه، فانحط ~~على منشاره، مادا ساقيه، مسندا ظهره إلى ضلفة نافذة منتظرة ~~دورها في الإصلاح، ثم ساءل ابنه في شيء من السخرية: وكيف لم نبلغ ~~الحياة الغناء وفينا أم بخاطرها من قبل أن تولد أنت؟ # فقال رفاعة بالصوت المليء بالثقة: لأنها تنتظر حتى يجيء إليها ~~المرضى الموسرون ولا تذهب بنفسها إلى المساكين. # فنظر عم شافعي في أركان دكانه وقال بارتياب: انظر إلى إقبال ~~الرزق علينا فماذا يخبئ لنا الغد من تحت رأسك؟ # فقال رفاعة بابتهاج: كل خير يا أبي، إن شفاء المرضى لن يقلق إلا ~~العفاريت. # وتوهج ضياء في الدكان منبعث من مرآة صوان قرب الباب، عاكسا شعاع ~~الشمس المائلة. # 51 # وانتقل القلق ليلا إلى بيت عم شافعي. ومع أن الحديث تناهى إلى ~~عبدة في إطار من الطمأنينة، ومع أنها لم تعلم سوى أن رفاعة سمع صوت ~~جده وهو يتكلم وأنه قرر بعد ذلك أن يزور المساكين ليطرد عنهم ~~العفاريت، إلا أن القلق اجتاح نفسها ولبثت تقلب وجوه العواقب. كان ~~رفاعة في الخارج، وكان في أقصى الحارة - بعيدا عن حي آل جبل - عرس ~~تترامى منه أصوات طبل وزمر وزغاريد. وأرادت المرأة أن تواجه ~~الحقيقة فقالت بحزن: رفاعة لا يكذب. ms149 # فقال شافعي بامتعاض: ولكن الأوهام قد تخدعه، كلنا عرضة ~~لذلك. ~~- وماذا ترى فيما سمع؟ ~~- كيف لي بأن أجزم؟! ~~- لا محال في الأمر ما دام جدنا حيا. ~~- الويل لنا لو عرف الخبر. # فقالت برجاء: فلنكتم الخبر ولنحمد الله على أنه ركز اهتمامه ~~بالنفوس لا بالوقف، وما دام لا يؤذي أحدا فلن يؤذيه أحد. # فقال شافعي بفتور: ما أكثر الذين يؤذون في حارتنا دون أن ~~يؤذوا أحدا! # واختفت أنغام العرس وراء ضجة انفجرت في الدهليز. وأطلا من ~~النافذة فرأيا الدهليز مزدحما بالرجال، وتبينا على ضوء مصباح في ~~يد أحدهم وجوه حجازي وبرهوم وفرحات وحنورة وآخرين، وكان كل لسان ~~يتكلم أو يصرخ فاختلطت الأصوات وعمت الضوضاء. وعلا صوت هاتفا: ~~«شرف آل جبل في الميزان، ولن نسمح لأحد بتلويثه». # وهمست عبدة في أذن زوجها وهي ترتعد: سر ابننا انكشف! # فتراجع عم شافعي عن النافذة متأوها وهو يقول: لم يكذبني قلبي ~~قط. # واندفع الرجل خارج بيته غير مبال بالخطر فتبعته زوجه على الأثر. ~~وشق الرجل في الزحام سبيلا متسائلا بصوت مرتفع: رفاعة .. أين ~~أنت يا رفاعة؟ # ولم ير الرجل ابنه في مجال ضوء المصباح، ولم يسمع صوته، ولكن ~~حجازي اقترب منه وسأله بصوت مرتفع ليسمعه على رغم الضوضاء: هل تاه ~~ابنك مرة أخرى؟ # وصاح به فرحات: تعال اسمع ما يقال وانظر كيف يعبث العابثون بآل ~~جبل على آخر الزمان! # فهتفت عبدة جزعا: وحدوا الله، والمسامح كريم. # فتعالت أصوات الغضب، يهتف بعضها: «هذه المرأة مجنونة!»، ويهتف ~~آخرون: «إنها لا تعرف معنى الشرف!» وامتلأ قلب شافعي رعبا وسأل ~~حجازي مستعطفا: أين الولد؟ # فشق حجازي سبيله حتى الباب وصاح بأعلى صوته: يا رفاعة .. تعال يا ~~ولد كلم عم شافعي. # فاختلط الأمر على عم شافعي الذي كان يظن ابنه مقبوضا عليه في ~~ركن الدهليز، وإذا برفاعة يظهر في مجال الضوء فيجذبه أبوه من ذراعه ~~ويتقهقر به إلى موقف عبدة. وسرعان ما تراءى فانوس في يد شلضم يسير ~~به بين يدي خنفس الذي تقبض وجهه حنقا وتجهما. واتجهت الأنظار ~~نحو ms150 الفتوة وساد الصمت. وتساءل خنفس بصوت غليظ: ماذا ~~وراءكم؟ # فأجابه أكثر من صوت في آن: ياسمينة لوثتنا! # فقال خنفس: فليتكلم الشاهد منكم! # فتقدم زيتونة - سائق عربة كارو - حتى وقف أمام خنفس وقال: منذ ~~قليل رأيتها خارجة من باب بيت بيومي الخلفي، تبعتها إلى هنا ثم ~~سألتها عما كانت تفعله في بيت الفتوة فتبين لي سكرها. كانت رائحة ~~الخمر تخرج من فيها فتملأ الدهليز، أفلتت مني وأغلقت على نفسها ~~الباب. والآن سلوا أنفسكم عما يمكن أن تفعله امرأة سكرانة في بيت ~~فتوة. # استرخت أعصاب شافعي وعبدة من ناحية، وتوترت أعصاب خنفس من ناحية ~~أخرى. أدرك الرجل أن فتونته تتعرض لامتحان قاس؛ فلو تهاون في ~~معاقبة ياسمينة سيفقد كرامته أمام آل جبل، ولو ترك الغاضبين ~~ليعتدوا عليها فسيدفع بنفسه إلى موقف التحدي أمام بيومي فتوة ~~الحارة كلها. ما العمل؟ وكان رجال جبل يتوافدون من الربوع، ~~ويحتشدون في الحوش، وفي الحارة أمام ربع النصر فازداد مركز خنفس ~~حرجا. وتتابعت الأصوات في غضب: اطردوها من حي آل جبل. ~~- يجب أن تجلد قبل طردها. ~~- اقتلوها قتلا. # وترامت صرخة ياسمينة التي كانت تنصت في الظلام وراء النافذة. ~~وأحدقت الأعين بخنفس لكن رفاعة سمع وهو يسأل أباه: أليس الأولى بهم ~~يا أبي أن يصبوا غضبهم على بيومي المعتدي؟ # وغضب كثيرون من بينهم زيتونة الذي أجابه قائلا: هي التي ذهبت ~~إلى بيته بنفسها. # وصاح به آخر: وإذا لم يكن عندك كرامة فمن الخير أن تسكت. # وزجره أبوه بنظرة، لكن رفاعة قال بإصرار: لم يفعل بيومي إلا ~~مثلما تفعلون. # فصرخ فيه زيتونة بجنون: هي من آل جبل؛ فليست للآخرين. ~~- هذا الولد سفيه وبلا كرامة. # فلكزه عم شافعي كي يسكت، على حين صاح برهوم: الكلمة الآن ~~للمعلم! # وغلى الغيظ في قلب خنفس حتى كاد أن يختنق. وصرخت ياسمينة صرخات ~~استغاثة. وانتشر الغضب فاتجهت الأنظار نحو بيت الفتاة وتوثب فيها ~~الهجوم. وتتابعت صرخات ياسمينة حتى تقطع قلب رفاعة ولم يعد في وسعه ~~الاحتمال، فأفلت من يد أبيه وشق طريقه إلى بيت ms151 ياسمينة وهتف برجاء: ~~رحمة بضعفها وذعرها. # فصاح به زيتونة: أنت مرة! # وناداه شافعي بحرارة لكنه لم يبال وأجاب زيتونة: الله يسامحك. ~~(ثم للجميع) ارحموها وافعلوا بي ما تشاءون، ألا تحرك الاستغاثات ~~قلوبكم؟! # فعاد زيتونة يصيح: لا تلتفتوا لهذا الرقيع. (ثم مخاطبا خنفس): ~~الكلمة كلمتك يا معلم! # فتساءل رفاعة: هل يرضيكم أن أتزوج منها؟ # فاختلط صراخ الغضب بصيحات الاستهزاء، وقال زيتونة: لا يهمنا إلا ~~أن تنال جزاءها. # فاستقتل رفاعة قائلا: سيكون العقاب من شأني أنا. ~~- بل هو من شأن الجميع. # ووجد خنفس في اقتراح رفاعة منقذا له من ورطته. لم يكن في قلبه ~~مقتنعا به، ولكن لم يكن عنده خير منه. وغالى في تجهمه مداريا ~~ضعفه، وقال: الولد ارتبط أمامنا بزواجها فله ما يطلب. # زاغ بصر زيتونة وأعماه الغضب فصاح: ضيع الجبن الشرف! # وإذا بقبضة خنفس تحطم أرنبة أنفه، فتراجع مولولا والدم يسيل من ~~منخريه بغزارة. وأدرك الجميع أن خنفس سيغطي على موقفه الضعيف ~~بإرهاب من يخالفه. وقلب عينيه في الوجوه التي كشف ضوء الفانوس ~~عن خوفها فلم تند من أحد منهم حركة عطف على محطم الأنف. بل وبخ ~~فرحات زيتونة قائلا: «عيبك في لسانك.» وقال برهوم لخنفس «لولاك ما ~~اهتدينا إلى حل!» وقال له حنورة: «زعلك بالدنيا يا معلم.» وأخذوا ~~في التفرق فلم يبق في النهاية إلا خنفس وشلضم وشافعي وعبدة ~~ورفاعة. ومضى عم شافعي إلى خنفس ليحييه فمد له يده ولكن الآخر ~~استشاط غضبا وضرب يده بظاهر كفه فتأوه الرجل مقهقرا. وهرع إليه ~~ابنه وزوجته على حين غادر خنفس الدهليز وهو يسب الرجال والنساء ~~وآل جبل بل وجبل نفسه. ونسي عم شافعي في ألمه الورطة التي عثر فيها ~~ابنه. ونقع الرجل يده في ماء ساخن وراحت عبدة تدلكها وهي تقول: ترى ~~هل أوغرت زكية صدر زوجها علينا؟! # فقال عم شافعي متوجعا: نسي الجبان أن ابننا الأحمق هو الذي ~~أنقذه من نبوت بيومي! # 52 # كان رفاعة معقد آمال والديه فشد ما خابت الآمال؛ بزواجه من ~~ياسمينة سينتهي الشاب إلى لا ms152 شيء، أما الأسرة فصارت مضغة للأفواه ~~ولما يتم الزواج. وبكت عبدة خفية حتى أضر بها البكاء، وتجهم وجه ~~شافعي إذ تجهمته الدنيا، لكنهما حيال الشاب انطويا على نفسيهما ~~وتجنبا المغاضبة. ولعل ياسمينة هونت من الخطب بسلوكها عقب ~~المظاهرة، إذ هرعت إلى بيت عم شافعي وجثت أمام الرجل وزوجه باكية ~~وسكبت على قدميهما بعض ما فاض به قلبها من الامتنان، ثم أعلنت في ~~حرارة وجد توبتها. ولم يكن من الممكن العدول عن الزواج بعد أن ~~ارتبط به الشاب جهارا أمام آل جبل، فسلم عم شافعي وزوجه بالأمر ~~ووطنا النفس على تقبله. وتنازع قلبي الوالدين رغبتان، واحدة ~~تود أن ترعى التقاليد في الاحتفال بعرس رفاعة وموكب زفته، ~~والأخرى ترى الاقتصار على حفل بيتي حتى لا يتعرض الموكب لسخرية آل ~~جبل الذين باتوا يعرضون بالزواج في كل ناد. وقالت عبدة في حسرة ~~معربة عن عواطفها المكبوتة: طالما منيت نفسي برؤية زفة رفاعة، ~~ابني الوحيد، وهي تجوب الأحياء! # فقال عم شافعي بامتعاض: لن يرضى بالاشتراك فيها أحد من آل ~~جبل. # فقطبت عبدة قائلة: العودة إلى سوق المقطم خير من البقاء بين ~~أناس لا يحبوننا! # فقال رفاعة وهو يمد ساقيه تحت النافذة المفتوحة متشمسا: لن ~~نغادر الحارة يا أمي. # فصاح شافعي بحدة: ليتنا لم نعد! (ثم مخاطبا ابنه) .. ألم تكن ~~حزينا يوم عدنا؟ # فابتسم رفاعة قائلا: اليوم غير الأمس. إذا ذهبنا فمن ذا الذي ~~يخلص آل جبل من العفاريت؟ # فقال شافعي محتدا: فلتركبهم العفاريت إلى الأبد! # ثم بعد تردد: أنت نفسك ستجيء إلى بيتنا ب... # وقاطعه رفاعة: لن أجيء إلى بيتنا بأحد، سأذهب أنا إلى المسكن ~~الآخر. # فهتفت الأم: لا يعني أبوك ذلك! ~~- لكني أعنيه يا أمي، ليس البيت الجديد بالبعيد، وفي وسعنا أن ~~نتصافح كل صباح من النافذة! # وعلى رغم أحزان عم شافعي قرر الاحتفال بيوم الزفاف ولو في أضيق ~~الحدود. أقام الزينات بالدهليز وفوق بابي المسكنين، وجاء بمغن ~~وطباخ. ودعا جميع المعارف والأصدقاء، ولكن لم يلب الدعوة إلا عم ~~جواد وأم بخاطرها وعم ms153 حجازي وأسرته وبعض الفقراء الذين حرصوا على ~~الطعام. وكان رفاعة أول فتى يتزوج بلا زفة. وانتقلت الأسرة عبر ~~الدهليز إلى بيت العروس. وغنى المطرب بفتور لقلة المدعوين. وفي ~~أثناء تناول الطعام أثنى جواد الشاعر على شهامة رفاعة وخلقه وقال: ~~إنه فتى ذكي حكيم صافي السريرة، ولكنه في حارة لا تقيم لغير ~~البلطجة والنبابيت وزنا. وإذا بغلمان يقفون أمام الربع ويغنون ~~معا: «يا رفاعة يا وش القملة مين قال لك تعمل دي العملة»، ويختمون ~~بالتهليل والعربدة. ونظر رفاعة في الأرض على حين اصفر وجه شافعي، ~~وغضب عم حجازي وقال: الكلاب أولاد الكلاب! # ولكن عم جواد قال: ما أكثر القاذورات في حارتنا ولكن الطيب لا ~~ينسى فيها أبدا. كم من فتوة استكبر فيها؟ لكنها لا تذكر بالجميل ~~إلا أدهم وجبل. # ثم حث المطرب على الغناء؛ ليغطي غناؤه على الأصوات المعربدة. ~~ومضى الحفل في مغالبة للوجوم حتى انصرف الجميع. ولم يبق في البيت ~~إلا رفاعة وياسمينة. بدت الفتاة في ثوب العرس آية في الجمال، وإلى ~~جانبها جلس رفاعة في جلباب حريري مهفهف، وعلى الرأس لاسة مزركشة، ~~وفي القدمين مركوب فاقع الاصفرار. جلسا على كنبة، يقابلها في ~~الناحية الأخرى الفراش المورد. وقد لاحت في مرآة الصوان صورة الطست ~~والإبريق تحت الفراش. والظاهر أنها كانت تتوقع من جانبه هجوما، أو ~~في الأقل تمهيدا للهجوم المنتظر، ولكنه لبث يردد البصر بين ~~الفانوس المدلى من السقف والحصيرة الملونة. # ولما طال الانتظار أرادت أن تبدد كثافة الصمت المخيم فقالت ~~برقة: لن أنسى فضلك؛ إني مدينة لك بحياتي. # فنظر نحوها في مودة، وقال بصوت من لا يود الرجوع إلى هذا ~~الحديث: كلنا مدينون بحياتنا لغيرنا. # ما أطيبه! ليلة الحادث أبى أن يبيح لها يديه تقبلهما، وهو الآن ~~لا يود تذكيره بالجميل الذي صنع. ليس كمثل طيبته إلا صبره. لكن فيم ~~يفكر يا ترى؟ هل ساءه أن تدفعه طيبته إلى الزواج من مثلها؟ ~~- لست شريرة بالدرجة التي يظنها الناس، أما هم فقد أحبوني ~~واحتقروني لشيء واحد. # فقال مواسيا: أعرف ذلك، ms154 ما أكثر الأخطاء بحارتنا! # فقالت بحنق: يفاخرون دائما بأنهم من صلب أدهم، وفي الوقت نفسه ~~يباهون بالكبائر! # فقال في يقين: ما دام التخلص من العفاريت ميسورا فما أقربنا من ~~السعادة! # ولم تدرك مرماه ولكنها استشعرت فجأة مدى السخرية التي تحيط بها ~~في مجلسها، فقالت ضاحكة: ما أعجبه من حديث في ليلة الزفاف ! # ورفعت رأسها في شيء من الكبرياء، فبدا أنها تناست حال الامتنان، ~~وأزاحت عن منكبيها الوشاح، ونظرت نحوه نظرة مفعمة بالدلال، فقال ~~برجاء: ستكونين أول من يسعد في حارتنا. # فقالت ياسمينة: حقا؟! عندي شراب! ~~- شربت قليلا مع العشاء، وفيه الكفاية. # فتفكرت قليلا في حيرة، ثم قالت: عندي حشيش طيب! ~~- جربته فوجدتني لا أطيقه. # فقالت في ارتياع: أبوك حشاش قارح، رأيته مرة خارجا من غرزة شلضم ~~وهو لا يميز بين الليل والنهار! # فابتسم دون أن ينبس، فردت عنه طرفها في انكسار، وتميزت غيظا، ~~وقامت فمضت حتى الباب ثم استدارت عائدة حتى وقفت تحت الفانوس. وشف ~~ثوبها الرقيق عن جسدها البارع. وجعلت تنظر في عينيه الهادئتين ~~حتى داخلها اليأس. وتساءلت: لماذا أنقذتني؟ ~~- لا أطيق أن يتعذب إنسان. # فغلبها الغيظ، وقالت في حدة: من أجل هذا تزوجتني، من أجل هذا ~~وحده؟! # فقال برجاء: لا تعودي إلى أيام الغضب! # فعضت شفتها فيما يشبه الندم، وقالت بصوت منخفض: ظننتك ~~أحببتني. # فقال في صدق وبساطة: إني أحبك يا ياسمينة. # فلاح التعجب في عينيها وغمغمت: حقا؟! ~~- نعم، ما من مخلوق في حارتنا إلا وأحبه! # فتنهدت في خيبة، ورمقته بريبة قائلة: فهمتك، ستبقى إلى جانبي ~~أشهرا ثم تطلقني. # فاتسعت عيناه وتمتم: لا تعودي إلى الأفكار الماضية! ~~- حيرتني! ماذا عندك لي؟ ~~- السعادة الحقيقية. # فقالت بامتعاض: عرفتها أحيانا من قبل أن أراك! ~~- لا سعادة بلا كرامة! # فقالت وهي تضحك على رغمها: ولكننا لا نسعد بالكرامة ~~وحدها. # فقال بصوت حزين: لم يعرف أحد من حينا السعادة ~~الحقيقية. # اتجهت بخطوات ثقيلة نحو الفراش، وجلست على حافته في فتور. ورنا ~~إليها بحنان وقال: إنك كجميع أهل حينا لا تفكرين إلا في الوقف ms155 ~~الضائع! # فلاح في وجهها السخط وقالت: ربنا يقدرني على حل ألغازك. ~~- ستحل نفسها بنفسها عندما تتخلصين من عفريتك. # فهتفت بحدة: إني راضية عن نفسي كما هي. # فقال رفاعة بأسى: هكذا يقول خنفس والآخرون! # ونفخت في ضيق وتساءلت: هل نتكلم على هذا النحو حتى ~~الصباح؟ ~~- نامي، أسعد الله أحلامك! # وتزحزحت إلى الوراء ثم استلقت على ظهرها، ورددت عينيها بين ~~الفراغ جنبها وبين عينيه، فقال: خذي راحتك، سأنام أنا على ~~الكنبة. # وانتابتها نوبة ضحك، لكنها لم تستسلم لها طويلا، وقالت ساخرة: ~~أخاف أن تزورنا أمك غدا؛ لتحذرك من الإفراط! # ونظرت نحوه لتتشفى برؤية الخجل في وجهه ولكنه طالعها بعينين ~~هادئتين صافيتين، وقال: أود أن أخلصك من عفريتك! # فصاحت غاضبة: دع أعمال النساء للنساء. # وأدارت وجهها للحائط. وكان صدرها يحترق غيظا وقلقا. وقام رفاعة ~~إلى الفانوس وأخفض ذبالته ثم نفخه فانطفأ وساد الظلام. # 53 # وشهدت الأيام التالية للزواج حركة دائبة في حياة رفاعة؛ انقطع ~~عن الدكان أو كاد، ولولا حب أبيه وعطفه لما وجد ما يمسك به حياته، ~~ومضى يدعو من يصادفه من آل جبل إلى أن يثق به كي يخلصه من عفريته، ~~فيحقق بذلك سعادة صافية لم يحلم بها من قبل. وتهامس آل جبل بأن ~~رفاعة بن شافعي قد خف عقله وأمسى من زمرة المجذوبين، وعلل البعض ~~ذلك بما عرف عنه من غرابة أطوار، كما علله آخرون بزواجه من امرأة ~~مثل ياسمينة. ودارت الأحاديث عن ذلك في القهوة والبيوت وحول عربات ~~اليد وفي الغرز. وشد ما دهشت أم بخاطرها حين مال رفاعة على أذنها ~~وقال برقته المعهودة: هلا سمحت لي بأن أطهرك؟ # فضربت المرأة صدرها بيدها وقالت: من أدراك بأن علي عفريتا ~~شريرا؟! أهذا هو رأيك عن المرأة التي أحبتك كابنها؟! # فقال جادا: أنا لا أعرض خدماتي إلا على الذين أحبهم وأحترمهم، ~~وأنت مصدر خير وبركة ولكنك لا تخلين من طمع يحملك على الاتجار ~~بالمرضى، فلو تخلصت من سيدك لوهبت الخير بلا ثمن! # ولم تتمالك المرأة نفسها من الضحك وهي تقول: أتود ms156 خراب بيتي؟! ~~الله يسامحك يا رفاعة. # وتناقل الناس حديث أم بخاطرها ضاحكين، حتى عم شافعي ضحك ضحكة بلا ~~مسرة. ولكن رفاعة قال له: أنت نفسك يا أبي في حاجة إلي، ومن البر ~~أن أبدأ بك. # فهز الرجل رأسه في كمد، وراح يدق المسامير بين يديه بقوة وشت ~~بانفعاله، ثم قال: ربنا يصبرني. # وحاول الشاب إقناعه فتساءل الرجل متألما: أما كفاك أن جعلتنا ~~أحدوثة الحي؟! # وانزوى رفاعة في ركن الدكان مكتئبا فرمقه الرجل بريبة وسأله: ~~أحقا دعوت زوجك إلى ما تدعونا إليه؟ # فقال بأسف: وهي مثلكم لا ترغب في السعادة. # ومضى رفاعة إلى غرزة شلضم في الخرابة وراء القهوة فوجد حول ~~المجمرة شلضم وحجازي وبرهوم وفرحات وحنورة وزيتونة. تطلعوا إليه ~~بغرابة وقال شلضم: أهلا بابن عم شافعي، ترى هل أقنعك الزواج ~~بفائدة الغرز؟! # فوضع رفاعة على الطبلية لفة كنافة وقال وهو يتخذ مجلسه: جئتكم ~~بهذه تحية للمجلس. # فقال شلضم وهو يدير الجوزة: مرحبا بالكرم. # لكن برهوم ضحك فجأة وقال بلا هوادة: وسوف يعرض علينا بعد ذلك أن ~~يقيم لنا حفلة زار ليطهرنا من العفاريت! # وهتف زيتونة حانقا بصوته الأخنف وهو يلتهمه بنظرة حاقدة: على ~~زوجتك عفريت اسمه بيومي فخلصها منه إن استطعت. # وبهت الرجال ووضح في وجوههم الحرج فقال زيتونة وهو يشير إلى أنفه ~~المحطم: بسببه فقدت أنفي. # وبدا أن رفاعة لم يغضب، فنظر فرحات نحوه بأسى وقال: أبوك رجل ~~طيب ونجار ماهر، ولكنك بسلوكك هذا تجر عليه المتاعب والسخرية. ~~لم يكد الرجل يفيق من زواجك حتى هجرت دكانه لتخلص الناس من ~~العفاريت! شفاك الله يا بني. ~~- لست مريضا ولكني أود لكم السعادة. # فشد زيتونة نفسا طويلا وهو يرمقه بقسوة ثم نفث الدخان ~~متسائلا: ومن أخبرك بأننا غير سعداء؟! # فقال الشاب: أراد جدنا لنا غير ما نحن عليه. # فقال فرحات ضاحكا: دع جدك في حاله، من أدراك أنه لم ~~ينسنا؟! # وحدجه زيتونة بنظرة حانقة حاقدة ولكن حجازي لكزه قائلا في ~~تحذير: ينبغي أن تحترم المجلس، فلا تفكر في الاعتداء! # وأراد الرجل ms157 أن يغير الجو فهز رأسه وأشار إلى أصحابه إشارة ~~خاصة فراحوا يغنون: # مركب حبيبي في الميه جاية، # راخية شعورها على المية. # وغادر المكان وبعضهم ينظر نحوه في رثاء. وعاد ~~إلى بيته بفؤاد كسير فاستقبلته ياسمينة بابتسامة هادئة. وكانت ~~تلومه أول الأمر على سلوكه الذي جعل منه - ومنها بالتالي - نادرة. ~~لكنها كفت عن لومه يائسة. وصبرت على تلك الحياة التي لم تدر على ~~أي وجه ستنتهي، بل وعاملته بلطف ورقة. ودق الباب، وإذا بالقادم ~~خنفس فتوة آل جبل. دخل الرجل دون استئذان فقام له رفاعة مرحبا ~~فقبض الفتوة على منكبه بيد شديدة كأنها فكا كلب غاضب. وسأله ~~دون مقدمات: ماذا قلت عن الواقف في غرزة شلضم؟ # ارتاعت ياسمينة حتى هرب دمها، لكن رفاعة قال بهدوء على الرغم من ~~أنه بدا كعصفور بين مخالب نسر: قلت: إن جدنا يود لنا ~~السعادة! # فهزه هزة عنيفة وسأله: من أدراك بذلك؟ ~~- ورد ذلك ضمن أقواله لجبل. # فازدادت يده شدة على منكبه وقال: إنه كلم جبل عن الوقف. # فقال رفاعة وقد أنهكه تحمل الألم: لا يعنيني الوقف في شيء. ~~السعادة التي لم أستطع أن أحققها بعد لأحد شيء غير الوقف، وغير ~~الخمر، وغير الحشيش. قلت ذلك في كل مكان بحي جبل، وسمعني الجميع ~~وأنا أقوله. # فهزه مرة أخرى وقال: كان أبوك عاصيا ثم تاب، احذر أن تعيد ~~سيرته وإلا هرستك كما تهرس البقة! # ودفعه فهوى على ظهره فوق الكنبة، ثم ذهب. وهرعت ياسمينة إليه ~~لتواسيه وتدلك منكبه الذي مال عليه رأسه من الوجع. وبدا في شبه ~~غيبوبة، وغمغم كأنما يحادث نفسه. ~~- إنه صوت جدي الذي سمعته. # ونظرت في وجهه بإشفاق وذعر، وتساءلت: هل ضاع عقله حقا؟! ولم ~~تعد عليه ما قال وساورها قلق لم تشعر به من قبل. ويوما غادر ~~الربع فاعترضت سبيله امرأة من غير آل جبل، وقالت له باستعطاف: صباح ~~الخير يا معلم رفاعة. # ودهش لرنة الاحترام في صوتها وللقب الذي قرنته باسمه فسألها: ~~ماذا تريدين؟ # فقالت بضراعة: لي ابن ممسوس أرجو أن تخلصه! ms158 # وكان كآل جبل جميعا يحتقر أهل الحارة، فاستنكف أن يضع نفسه في ~~خدمة المرأة فيضاعف من ازدراء آله له، فقال لها: ألا توجد كودية في ~~الحارة؟ # فقالت المرأة بصوت باك: بلي ولكني امرأة فقيرة. # ورق لها قلبه كما أسره لجوءها إليه هو الذي لم يلق من آله إلا ~~الهزء والاحتقار. ونظر إليها في تصميم وهو يقول: إني طوع ~~أمرك. # 54 # كانت ياسمينة تطل من النافذة على الحارة متسلية بالمنظر الجديد. ~~وكان في أسفل الربع غلمان يلعبون، وبائعة دوم تنادي، على حين أمسك ~~بطيخة بتلابيب رجل وراح يضرب وجهه بكفه والآخر يستعطفه دون جدوى. ~~وسألها رفاعة وهو جالس على الكنبة يقص أظافر قدميه: هل يعجبك ~~بيتنا الجديد؟ # فالتفتت نحوه قائلة: هنا تحتنا الحارة، أما هنالك فلم نكن نرى ~~إلا الدهليز المعتم. # فقال رفاعة بأسى: ليت الدهليز بقي لنا، إنه دهليز مبارك؛ إذ ~~فيه تقرر النصر لجبل على أعدائه، ولكن لم يكن في الإمكان مواصلة ~~الإقامة بين أناس يستهزئون بنا في كل خطوة. أما هنا فالفقراء ~~طيبون، والطيب هو السيد لا آل جبل. # فقالت ياسمينة باستهانة: وأنا كرهتهم مذ عزموا على طردي. # فسألها باسما: لماذا إذن تقولين للجيران إنك من آل جبل! # فضحكت ضحكة كشفت عن أسنانها اللؤلؤية وقالت في مباهاة: ليعلموا ~~أني فوقهم جميعا. # فوضع المقص على الكنبة وطرح ساقيه على الحصيرة وهو يقول: ~~ستكونين أجمل وأفضل عندما تقهرين الغرور. ليس آل جبل بخير حارتنا، ~~خير الناس أطيبهم، وكنت مخطئا مثلك فخصصت آل جبل باهتمامي، ولكن ~~السعادة لا يستحقها إلا من ينشدها مخلصا. انظري إلى الطيبين كيف ~~يقبلون علي وكيف يبرءون من العفاريت! # فقالت باحتجاج: لكن كل أحد هنا يعمل بأجر إلا أنت! ~~- لولاي ما وجد الفقراء من يشفيهم، إنهم يقدرون الشفاء لكنهم لا ~~يملكون ثمنه، وأنا ما عرفت الأصدقاء حتى عرفتهم. # وأمسكت عن الجدل بوجه ممتعض فقال رفاعة: آه لو تذعنين لي كما ~~يذعنون! إذن لخلصتك مما يعكر صفو الحياة. # فتساءلت غاضبة: أتجدني مزعجة لهذا الحد؟ ~~- من الناس من يعشق ms159 عفريتا وهو لا يدري. # فهتفت بحدة: ما أبغض هذا الحديث إلي! # فقال باسما: إنك من آل جبل، وكلهم أبى أن يسلم لدوائي، حتى أبي ~~نفسه! # وعندما دق الباب أدركا أن زبونا جديدا قد قدم فتهيأ رفاعة ~~لاستقباله. # والحق أن رفاعة لم يلق من عمره أسعد من هذه الأيام. كان يدعى ~~في الحي الجديد بالمعلم رفاعة، وكانوا يدعونه بها في إخلاص ومحبة. ~~وعرف بأنه يخلص من العفاريت ويهب الصحة والسعادة لوجه الله وحده. ~~وهذا سلوك نقي لم يعرف عن أحد قبله، فلذلك أحبه الفقراء كما لم ~~يحبوا أحدا قط. وطبيعي أن بطيخة فتوة الحي الجديد لم يحبه، لسلوكه ~~الطيب من ناحية، ولأنه لم يكن من القادرين على أداء أي إتاوة من ~~ناحية أخرى، ولكنه في الوقت نفسه لم يجد مسوغا للاعتداء عليه. ~~أما الذين برئوا على يديه فكان لكل منهم قصة يرددها. فأم داود ~~كانت إذا ركبتها النوبة العصبية عضت وليدها، وهي اليوم مثال للهدوء ~~والاتزان. وسنارة الذي لم يكن له من هواية إلا الشجار والنقار أصبح ~~وديعا حليما كأنه تحية سلام. وطلبة النشال تاب توبة صادقة ~~واشتغل صبي مبيض نحاس. وعويس تزوج بعد الذي كان. # واصطفى رفاعة من مرضاه أربعة وهم زكي وحسين وعلي وكريم، اصطفاهم ~~لصداقته فصاروا إخوة. لم يعرف أحد منهم الصداقة ولا الحب قبل أن ~~يعرفه. كان زكي برمجيا، وكان حسين مدمن أفيون لا يفيق، وعلي ~~يتدرب على الفتونة، وكريم قوادا، فانقلبوا رجالا ذوي قلوب ~~كبيرة. وكانوا يجتمعون عند صخرة هند حيث الخلاء والهواء النقي، ~~فيتبادلون أحاديث المودة والصفاء، ويتطلعون إلى طبيبهم بأعين تفيض ~~بالحب والإخلاص، ويحلمون جميعا بسعادة ستظل الحارة بأجنحتها ~~البيضاء. ويوما تساءل رفاعة وهم بمجلسهم ينظرون إلى حمرة الشفق في ~~هدوء المغيب: لماذا نحن سعداء؟ # فأجاب حسين بحماس: أنت .. أنت سر سعادتنا. # فابتسم ابتسامة شكر وقال: بل لأننا تخلصنا من العفاريت فتطهرنا ~~من الحقد والطمع والكراهية وسائر الشرور التي تفتك بأهل ~~حارتنا. # فقال علي مؤمنا على قوله: سعداء بالرغم من أننا فقراء ضعفاء لا ms160 ~~حظ لنا في الوقف أو الفتونة. # فهز رفاعة رأسه أسفا وقال: كم يتعذب الناس من أجل الوقف ~~الضائع والقوة العمياء فالعنوا معي الوقف والفتونة! # فاستبقوا إلى لعنهما، وتناول علي طوبة فرماها بأقصى قوته صوب ~~الجبل. وعاد رفاعة يقول: ومذ قال الشعراء إن الجبلاوي حث جبل على ~~أن يجعل من ربوع آل جبل بيوتا تضارع البيت الكبير في جلاله ~~وجماله، طمح الناس إلى قوة الجبلاوي وجاهه، وتناسوا مزاياه ~~الأخريات؛ لذلك لم يستطع جبل أن يغير النفوس بنيله حقهم في الوقف، ~~ولما رحل عن الدنيا انقلب الأقوياء مغتصبين والضعفاء حاقدين وأطبق ~~الشقاء على الجميع، أما أنا فأفتح أبواب السعادة بلا وقف ولا قوة ~~ولا جاه. # وهوى كريم بوجهه إليه فقبله، فمضى يقول: وغدا عندما يلمس ~~الأقوياء سعادة الضعفاء؛ سيدركون أن قوتهم وجاههم وأموالهم ~~المغتصبة لا شيء. # وصدرت عن الأصدقاء كلمات الثناء والحب، وحمل الهواء غناء راع في ~~أقصى الخلاء. # وتجلى في السماء نجم واحد. ونظر رفاعة في وجوه الأصحاب وقال: ~~ولكني لا أكفي وحدي لعلاج أهل حارتنا، آن لكم أن تعملوا بأنفسكم، ~~وأن تتعلموا الأسرار؛ لتخلصوا المرضى من العفاريت. # فبدت الغبطة في الوجوه وهتف زكي: ذلك أعز أمانينا. # فابتسم إليهم قائلا: ستكونون مفاتيح السعادة في حارتنا. # ولما عادوا إلى حيهم وجدوه يضيء بأنوار عرس في أحد الربوع. ~~ورأى كثيرون رفاعة فأقبلوا عليه مصافحين. وتغيظ بطيخة فقام من ~~مجلسه بالقهوة وهو يسب ويلعن، ويصفع هذا وذاك، ثم تحول إلى رفاعة ~~متسائلا في قحة: ماذا ترى في نفسك يا ولد؟ # فقال رفاعة برقة: صديق المساكين يا معلم. # فصاح الرجل: إذن امش كما يمشي المساكين لا كعريس الزفة، أنسيت ~~أنك طريد حي وزوج ياسمينة وكودية زار؟! # وبصق في تحرش. وتباعد الناس. وساد الوجوم. لكن زغاريد الفرح غطت ~~على كل شيء. # 55 # وقف بيومي فتوة الحارة وراء باب حديقته الخلفي الذي يفتح على ~~الخلاء. كان الليل في أوله وكان الرجل ينتظر وهو يتنصت. وعندما ~~طرق أصبع الباب بخفة فتح الباب؛ فتسللت إلى داخل الحديقة امرأة ~~كأنها ms161 بملاءتها ونقابها قطعة من الليل. تناول يديها وسار بها في ~~مماشي الحديقة متجنبا الاقتراب من البيت حتى بلغ المنظرة فدفع ~~الباب ودخل، وهي في أثره. وأشعل شمعة فأقامها على حافة نافذة، فبدت ~~المنظرة في شبه مغيب، والكنبات مصطفة بأضلعها، وفي الوسط صينية ~~كبيرة محملة بالجوزة ولوازمها في دائرة من الشلت. ونزعت المرأة ~~عنها ملاءتها والنقاب ، فضمها بيومي إليه بقوة نفذت إلى عظامها ~~حتى رمقته بنظرة استرحام. وتخلصت منه برشاقة فضحك ضحكة خافتة ~~وجلس على شلتة. وراح يعبث بأصبعه في رماد المجمرة حتى تكشف عن ~~جمر يومض. وجلست إلى جانبه وقبلت أذنه ثم أشارت إلى المجمرة وهي ~~تقول: كدت أنسى رائحته. # فراح يمطر خدها وعنقها بالقبل، ثم قال وهو يرمي قطعة في حجرها: ~~هذا الصنف لا يدخنه في حارتنا إلا الناظر والعبد لله! # وترامى من الحارة صوت معركة تحتدم، سب وارتطام عصي، وتحطم ~~زجاج، ووقع أقدام جارية، وصوات امرأة، ثم نباح كلب .. ولاح تساؤل ~~منزعج في عيني المرأة، ولكن الرجل راح يقطع الصنف في غير مبالاة، ~~فقالت المرأة: كم يشق علي المجيء! فلكي آمن العيون أسير من ~~الحارة إلى الجمالية، ومن الجمالية إلى الدراسة، ومن الدراسة ~~إلى الخلاء حتى بابك الخلفي. # فمال نحوها دون أن تكف أصابعه عن العمل وتشمم إبطها في تلذذ ~~وقال: لن أبالي أن أزورك في بيتك. # فابتسمت قائلة: لو فعلت ما تعرض لك أحد من الجبناء، حتى بطيخة ~~سيفرش لك الرمل، ثم يصبون غضبهم علي وحدي. # وعبثت بشاربه الغليظ وقالت في دعابة: لكنك تسللت إلى المنظرة في ~~بيتك خوفا من زوجتك. # فترك القطعة وطوقها بذراعه فضمها إليه بعنف حتى أنت، ثم همست: ~~اللهم احفظنا من عشق الفتوات! # فأطلقها وهو يرفع رأسه ويبرز صدره كالديك الرومي وقال: لا يوجد ~~إلا فتوة واحد، أما الآخرون فصبيانه. # فلاعبت شعر صدره المحسور عنه طوق جلبابه وقالت: فتوة على الناس ~~لا علي أنا. # فقرصها في صدرها بخفة وقال: أنت تاج رأس الفتوة. # ومد يده إلى ما وراء الصينية فتناول إبريقا وهو يقول: ms162 بوظة ~~عجيبة! # فقالت آسفة: لها رائحة قوية قد يشمها زوجي العزيز! # فتجرع من الإبريق حتى روي، ومضى يرص الحجر وهو يقول مقطبا: يا ~~له من زوج! لمحته مرات وهو يهيم على وجهه كالمجنون، أول كودية زار ~~من جنس الرجال في هذه الحارة العجيبة! # فتابعته وهو يدخن وقالت: إني مدينة له بحياتي، لذلك أتصبر على ~~معاشرته ، ولا ضرر منه؛ إذ ليس أيسر من خداعه. # وقدم إليها الجوزة فالتقمت فوهتها بشوق وشدت أنفاسا بشراهة ثم ~~زفرت الدخان مغمضة العينين ثملة الحواس. وراح بدوره يدخن، فيأخذ ~~أنفاسا متقطعة وبين كل نفس وآخر يتكلم قائلا: تتركينه .. يعبث .. ~~بك .. عبث .. الأطفال ... # فهزت منكبيها هازئة وقالت: لا عمل لزوجي في هذه الدنيا إلا ~~تخليص الفقراء من العفاريت! ~~- وأنت ألا تخلصينه من شيء؟ ~~- مظلومة وحياتك! نظرة واحدة إلى وجهه تغني عن الكلام. ~~- ولا مرة كل شهر! ~~- ولا كل سنة، إنه مشغول عن زوجته بعفاريت الناس! ~~- فلتركبه العفاريت! وأي فائدة يجنيها من وراء ذلك؟ # فهزت رأسها في حيرة وقالت: لا يجني شيئا، ولولا أبوه لهلكنا ~~جوعا، وهو يعتقد بأنه مكلف بإسعاد الفقراء وتطهيرهم. ~~- ومن الذي كلفه؟ ~~- يقول إن هذا ما يريده الواقف لأبنائه. # وتجلى الاهتمام في عيني بيومي الضيقتين فوضع الجوزة في الكوز ~~وسألها: أقال إن الواقف يريد ذلك؟ ~~- نعم. ~~- ومن أدراه بما يريد الواقف؟ # وشعرت المرأة بضيق وانزعاج، وخافت أن يفسد الجو، أو أن تحدث ~~أمور خطيرة، فقالت: هكذا يؤول أقواله التي يتغنى بها ~~الشعراء. # ومضى يرص حجرا جديدا وهو يقول: حارة بنت كلب، وحي آل جبل ~~أنجسها، فيهم ظهر أكبر دجال، وينشرون الأخبار الغريبة عن الوقف ~~والشروط العشرة، كأن الواقف جدهم وحدهم؛ وبالأمس جاء دجالهم جبل ~~بكذبة سرق بها الوقف، واليوم يؤول هذا المعتوه كلاما لا يقبل ~~التأويل، وسيزعم أنه سمعه من الجبلاوي نفسه. # فقالت بقلق: إنه لا ينشد سوى تخليص الفقراء من العفاريت. # فشخر الفتوة هازئا ثم تساءل: ومن يدرينا فلعل في الوقف ~~عفريتا! # ثم بصوت ارتفع لدرجة لا تتفق وسرية الاجتماع: الواقف ميت أو ms163 في ~~حكم ذلك يا أولاد الكلب. # وانزعجت ياسمينة، خافت أن تفلت الفرصة المتاحة وأن يتعكر الجو، ~~ومدت يدها إلى الفستان لتنزعه رويدا. وانبسطت أسارير الرجل بعد ~~تجهم، ورنا إليها بعينين متوثبتين. # 56 # بدا الناظر في عباءته ضئيلا. وكان الاهتمام بارزا في وجهه ~~الأبيض المستدير بروز الذبول الذي اعتور جفنيه والشيخوخة المبكرة ~~الواضحة في نظرة عينيه وفي التجاعيد المرسومة تحتهما من أثر ~~التهالك في الشهوات. أما وجه بيومي الممتلئ فلم يش بالارتياح ~~الباطني الذي سرى فيه نتيجة لقلق سيده؛ ذلك القلق الذي يدل على ~~خطورة الأنباء التي نقلها إليه، فيدل بالتالي على خطورة الدور الذي ~~يؤديه للناظر وللوقف. كان يقول للناظر: على رغمي أزعجك بهذه ~~الأخبار، ولكن لم يكن في وسعي أن أتصرف من دون الرجوع إليك في أمر ~~يتعلق بالوقف، ومن ناحية أخرى فهذا المشاغب المعتوه من آل جبل، ~~وعلينا عهد بألا يتعدى أحد منا على أحد منهم إلا بعد إذنك. # وتساءل الناظر إيهاب بوجه مكفهر: وهل زعم حقا أنه اتصل ~~بالواقف؟ ~~- تأكد لدي ذلك من أكثر من مصدر. إن مرضاه يؤمنون بذلك ولو ~~أنهم يتكتمون الأمر بحرص شديد. ~~- لعله مجنون، كما كان جبل دجالا، ولكن هذه الحارة القذرة تحب ~~المجانين والدجالين. ماذا يريد آل جبل بعدما نهبوا الوقف بلا حق؟ ~~لماذا لا يتصل الواقف بأحد غيرهم؟ لماذا لا يتصل بي وأنا أقرب ~~الناس إليه؟ إنه قعيد حجرته، ولا يفتح باب بيته إلا عندما تحمل ~~إليه حوائجه، لا يراه أحد ولا يرى هو إلا جاريته، ولكن ما أيسر أن ~~يقابله آل جبل أو أن يسمعوه! # فقال بيومي بحنق: لن يرتاح لهم بال حتى يستولوا على الوقف ~~كله. # فاصفر وجه الناظر غضبا، وتوثب لإصدار الأوامر، ولكنه تراجع ~~متسائلا: أقال عن الوقف شيئا، أم قصر نشاطه على إخراج ~~العفاريت؟ # فقال بيومي بحنق: مثل جبل كان نشاطه مقصورا على إخراج ~~الثعابين. # ثم في تهكم: ما للواقف والعفاريت؟! # فوقف إيهاب، وهو يقول بحدة: لا أريد أن تصيبني اللعنة التي أصابت ~~الأفندي. # ودعا بيومي جابر ms164 وحندوسة وخالد وبطيخة إلى غرزته وقال لهم: إن ~~عليهم أن يجدوا علاجا لجنون رفاعة بن شافعي النجار. # وتساءل بطيخة في انزعاج: أمن أجل هذا دعوتنا يا معلم؟ # فهز بيومي رأسه بالإيجاب فضرب بطيخة كفا على كف وهتف: يا ~~هوه! فتوات الحارة تجتمع من أجل مخلوق لا هو ذكر ولا هو ~~أنثى؟! # فرماه بيومي بنظرة ازدراء وقال : مارس نشاطه تحت سمعك وبصرك فلم ~~تدرك له خطرا، وطبعا لم تسمع عن مزاعمه عن الاتصال ~~بالواقف. # وتبادلوا نظرات نارية من خلال الدخان المنتشر وقال بطيخة بذهول: ~~ابن الهرمة! ما للواقف والعفاريت؟! هل كان جدنا كودية زار؟ # وشرعوا في الضحك ولكن سرعان ما عدلوا عنه لتجهم بيومي الذي ~~قال: أنت شمام يا بطيخة، الفتوة يسكر ويحشش ولكن لا يليق به ~~الشم! # فقال بطيخة مدافعا عن نفسه: يا معلم أنا في زفة عنتر كنت الهدف ~~لنبابيت عشرين رجلا، فغطى الدم وجهي وعنقي ولكن نبوتي لم يسقط من ~~يدي. # وهنا قال حندوسة في رجاء: فلندع له الأمر يعالجه بما يرى، وإلا ~~فقد هيبته، وليته يجد طريقة غير الاعتداء على المعتوه، فإن ~~الاعتداء على مثله مهين للفتوة! # ونامت الحارة ولا أحد يدري بما بيت في غرزة بيومي. وفي صباح ~~اليوم التالي غادر رفاعة الربع فرأى بطيخة في طريقه فحياه قائلا: ~~صباح الخير يا معلم بطيخة. # فرماه الرجل بنظرة مقت وصاح: صباح القطران يا ابن القديمة، عد ~~إلى بيتك ولا تخرج منه وإلا كسرت رأسك. # فتساءل رفاعة في دهش: ماذا أغضب فتوتنا؟ # فصاح مزمجرا: أنت تكلم الآن بطيخة لا الواقف، فاذهب بلا ~~تردد. # وهم رفاعة بالكلام فلطمه الفتوة لطمة دفعته إلى جدار الربع ~~مترنحا. ورأت امرأة الموقعة فصوتت حتى ملأ صواتها الحارة، ~~وتبعها نسوة أخريات. وارتفعت أصوات استغاثة من أجل رفاعة. وفي لمح ~~البصر جرى نحو المكان كثيرون، من بينهم زكي وعلي وحسين وكريم، ثم ~~جاء عم شافعي، كما جاء جواد الشاعر متلمسا طريقه بعصاه، وما لبث ~~أن ازدحم الموقع بمحبي رفاعة من الرجال والنساء. ودهش بطيخة الذي ms165 ~~لم يتوقع شيئا مما حدث، ورفع يده وهوى بها على وجه رفاعة، ~~فتلقاها هذا دون دفاع ولكن الواقفين تصايحوا في انزعاج، واعتراهم ~~انفعال شديد، فتوسل البعض إلى بطيخة أن يتركه، وعدد آخرون حسنات ~~رفاعة ومزاياه، وتساءل كثيرون عن أسباب الاعتداء، وتعالت احتجاجات، ~~فاستشاط بطيخة غضبا وصاح: أنسيتم من أكون؟! # والحق أن حب المتجمعين لرفاعة الذي دفعهم بغير وعي إلى التجمع هو ~~الذي شجعهم على الرد على إنذار بطيخة، فقال أحد الواقفين في الصف ~~الأول: فتوتنا وتاج رأسنا، وما جئنا إلا لنسألك العفو عن الرجل ~~الطيب. # وصاح رجل من وسط المظاهرة متشجعا بالزحام وبمكانه فيه: فتوتنا ~~على العين والرأس، ولكن ماذا فعل رفاعة؟ # وصاح ثالث في آخر المظاهرة مطمئنا إلى تواريه عن متناول عين ~~الفتوة: رفاعة بريء والويل لمن يمد له يدا بسوء! # وثار غضب بطيخة فرفع نبوته فوق رأسه وهو يصيح: يا نسوان، سأجعلكم ~~عبرة. # وإذا بصوات النساء يرتفع من الأركان حتى انقلب الحي مأتما، ~~وقذفت الأفواه الغاضبة بالإنذارات الدموية، وأخذ الطوب يتساقط أمام ~~بطيخة ليمنعه من التقدم. ووجد الرجل نفسه في مركز حرج لم يقع له ~~ولا في الكابوس. كان الموت أهون عليه من الاستنجاد بأحد من ~~الفتوات، وكان الهجوم يهدد بالقضاء عليه تحت وابل الطوب، وكان في ~~السكوت الإجهاز على فتونته. وتطاير الشرر من عينيه، واستمر تساقط ~~الطوب، وتمادى القوم في تحديهم، ولم يكن حدث شيء كهذا لأحد من ~~الفتوات من قبل. # واندفع رفاعة فجأة حتى وقف أمام بطيخة، ولوح للناس بيديه حتى ساد ~~السكوت، وهتف بصوت قوي: لم يخطئ فتوتنا وأنا الملوم! # لاحت نظرات الإنكار في الوجوه، ولكن أحدا لم ينبس بكلمة فقال ~~رفاعة: تفرقوا قبل أن تتعرضوا لغضبه. # وفهم الناس أنه يريد أن ينقذ كرامة الفتوة حلا للأزمة فتفرقوا، ~~وتبعهم آخرون وهم في حيرة من الأمر، ثم سارع الباقون بالتفرق خشية ~~أن ينفرد بطيخة بأحد منهم، فأقفر الحي. # 57 # اشتد التوتر بالحارة بعد تلك الواقعة. وكان أخوف ما يخاف الناظر ~~أن تعتقد الحارة بأن في تضامنها ms166 قوة تكفل لها الصمود أمام الفتوات؛ ~~لذلك وجب - في نظره - القضاء على رفاعة ومن تحدثهم أنفسهم بالوقوف ~~إلى جانبه، على أن يتم ذلك بالاتفاق مع خنفس فتوة آل جبل تجنبا ~~لنشوب عراك شامل في الحارة. وقال الناظر لبيومي: «ليس رفاعة ~~بالدرجة التي تظنها من الضعف، فوراءه محبون استطاعوا إنقاذه على ~~رغم أنف الفتوة، فماذا يكون من أمره لو تعلقت به الحارة كما تعلق ~~به حيه؟ هنالك سيدع العفاريت جانبا ويجاهر بأن الوقف غايته!» ~~وصب بيومي غضبه على بطيخة، فهزه من منكبيه بعنف وقال له: «تركنا ~~الأمر لك وحدك، فماذا فعلت يا شين الفتوات؟!» وعض بطيخة على ~~نواجذه بحنق وقال: «سأريحكم منه ولو بقتله!» فصاح به بيومي: «خير ~~ما تفعل أن تختفي من الحارة إلى الأبد!» # وأرسل إلى خنفس من يدعوه إلى مقابلته. ولكن عم شافعي اعترض سبيل ~~خنفس وهو في حال من الفزع لم تسبق له من قبل. وكان قد حاول إقناع ~~ابنه بالعودة إلى الدكان والإقلاع عن العمل الذي يجر عليه ~~المتاعب، ولكنه فشل في مسعاه وعاد خائبا. ولما علم باستدعاء خنفس ~~إلى مقابلة بيومي اعترض سبيله وقال له: «يا معلم خنفس، أنت فتوتنا ~~وحامينا، وإنهم يطلبونك لتتخلى عن رفاعة فلا تتخل عنه، تعهد ~~لهم بما يشاءون ولكن لا تتخل عنه، مرني فأهجر الحارة مصطحبا ~~إياه ولو بالقوة ولكن لا تتخل عنه!» فقال خنفس في حذر واحتياط: ~~«إني أعلم الناس بما يجب علي وبما تقتضيه مصالح آل جبل.» والحق ~~أن خنفس توجس خيفة من ناحية رفاعة منذ علم بوقعة بطيخة، وقال لنفسه ~~إنه هو الذي ينبغي له أن يحذر لا الناظر ولا بيومي. # ومضى إلى بيت بيومي فاجتمع به في المنظرة. وصارحه الفتوة بأنه ~~دعاه بصفته فتوة آل جبل؛ ليتفقا على رأي في مشكلة رفاعة. قال: لا ~~تستهن بشأنه فإن الأحداث تقطع بخطورة أثره. # ووافق خنفس على ذلك ولكنه قال برجاء: أرجو ألا يعتدى عليه ~~أمامي. # فقال بيومي: نحن رجال يا معلم، ومصالحنا واحدة، ولا نعتدي على ~~أحد في ms167 بيوتنا، وسيجيء هذا الولد الآن لأستجوبه على مسمع ~~منك. # وجاء رفاعة بوجهه المشرق فحيا الرجلين، وجلس حيث أشار له بيومي ~~أن يجلس على شلتة أمامهما. وتفرس بيومي في وجهه الجميل المطمئن ~~وهو يعجب كيف أمسى هذا الطفل الوديع مصدرا للقلاقل المفزعة. وسأله ~~بصوت غليظ: لماذا هجرت حيك وأهلك؟ # فقال ببساطة: لم يستجب لي منهم أحد! ~~- ماذا كنت تريد منهم؟ ~~- أن أخلصهم من العفاريت التي تفسد عليهم سعادتهم! # فوشى صوت بيومي بغيظه وهو يسأله: وهل أنت مسئول عن سعادة ~~الناس؟ # فقال رفاعة بصراحة وبراءة: نعم .. ما دمت قادرا على ~~تحقيقها. # فتجهم وجه بيومي وهو يقول: سمعوك وأنت تحتقر الجاه ~~والقوة؟ ~~- لكي أبرهن لهم على أن السعادة ليست فيما يتوهمون ولكن فيما ~~أفعل. # فتساءل خنفس غاضبا: أليس في ذلك تحقير لأصحاب القوة ~~والجاه؟ # فقال دون أن يضطرب لغضب الرجل: كلا يا معلم، ولكن فيه تنبيها ~~بأن السعادة غير ما يملكون من قوة وجاه. # وتفحصه بيومي بنظرة نافذة وهو يسأله: وسمعوك أيضا وأنت تؤكد ~~أن ذلك ما يريده لهم الواقف. # فتجلى الاهتمام في العينين الصافيتين وقال: هم يقولون ~~ذلك! ~~- وماذا تقول أنت؟ # فقال بعد تردد لأول مرة: على قدر فهمي أتكلم. # فقال خنفس متهكما: المصائب تجيء من العقل الزنخ. # وقال بيومي وهو يضيق عينيه: لكنهم يقولون إنك تعيد عليهم ما ~~سمعته من الجبلاوي نفسه! # فبدت الحيرة في عينيه، وتردد للمرة الثانية، ثم قال: هكذا فهمت ~~أقواله لأدهم ولجبل! # فصاح خنفس غاضبا: أقواله لجبل لا تحتمل التأويل. # واشتد الحنق ببيومي، وقال لنفسه: «كلكم كذابون، وجبل أول كذاب ~~فيكم يا لصوص!» وقال: أنت تقول إنك سمعت الجبلاوي، وتقول هذا ما ~~يريده الجبلاوي، وليس لأحد أن يتكلم باسم الجبلاوي إلا ناظر وقفه ~~ووريثه، ولو أراد الجبلاوي أن يقول شيئا لقاله له، هو الأمين على ~~وقفه ومنفذ شروطه العشرة. يا معتوه كيف تحقر القوة والجاه والثراء ~~باسم الجبلاوي وهي مزاياه وصفاته؟! # فنمت الأسارير الصافية عن ألم وقال: إني أخاطب أهل حارتنا لا ~~الجبلاوي، هم الذين تركبهم العفاريت، ms168 وهم الذين تعذبهم ~~المطالب. # فصاح به بيومي: ما أنت إلا عاجز عن القوة والجاه؛ فلذلك تلعنهما، ~~ولترفع مكانتك الحقيرة في نظر الأغبياء من أهل حارتنا فوق مكانة ~~السادة، وعندما تجدهم طوع يديك تنهب بهم القوة والجاه! # فاتسعت عينا رفاعة دهشة وتساؤلا: لا غاية لي إلا سعادة أهل ~~حارتنا. # فصاح بيومي: يا ابن الماكرة، أنت توهم الناس بأنهم مرضى، بأننا ~~جميعا مرضى، فلا صحيح غيرك في هذه الحارة! ~~- لماذا تكرهون السعادة وهي بين أيديكم؟ ~~- يا ابن الماكرة! ملعونة السعادة التي تجيء من مثلك! # فتساءل رفاعة متنهدا: لماذا يكرهني أناس وأنا ما كرهت أحدا ~~قط؟! # فصرخ فيه بيومي: لا تخدعنا بما تخدع به الأغبياء، وأقلع عن ~~خداعك، وافهم أن أمري لا يخالف، واحمد الله على أنك في بيتي وإلا ~~ما خرجت سالما. # وقف رفاعة يائسا، فحياهما وانصرف. وقال خنفس: دعه لي. # لكن بيومي قال: للمعتوه محبون كثيرون، ونحن لا نريد ~~مذبحة. # 58 # خرج رفاعة من بيت بيومي قاصدا بيته. كانت السماء متلفعة ~~بأردية الخريف وفي الجو نسيم معتدل. وازدحمت الحارة حول مقاطف ~~الليمون كأنما تحتفل بموسم التخليل، وترامت الأحاديث والضحكات، على ~~حين اشتبك غلمان في معركة يتقاذفون بالتراب. وتلقى رفاعة تحيات ~~كثيرين وأصابه رشاش تراب، فمضى إلى بيته وهو ينفضه عن كتفه ولاسته. ~~ووجد زكي وعلي وحسين وكريم في انتظاره فتعانقوا كما يتعانقون عند ~~كل لقاء، ثم قص عليهم - وعلى زوجته التي انضمت إلى المجلس - ما ~~دار بينه وبين بيومي وخنفس. تابعوه باهتمام وقلق، فلما فرغ من قصته ~~تجهمت الوجوه. وساءلت ياسمينة نفسها: ترى عم يتمخض هذا الموقف ~~الدقيق؟ وأليس هناك حل يقي الرجل الطيب من الهلاك دون أن يهدد ~~سعادتها؟ وبدا التساؤل في الأعين جميعا، أما رفاعة فأسند رأسه إلى ~~الحائط في شيء من الإعياء. وقالت ياسمينة: لا يجوز الاستهانة بأمر ~~بيومي. # وكان علي أحدهم طبعا فقال: لرفاعة أصدقاء هزموا بطيخة فاختفى ~~من الحارة. # فقالت ياسمينة مقطبة: بطيخة لا بيومي! إذا تحديتم بيومي فقل ~~عليكم السلام! # فالتفت حسين إلى رفاعة قائلا: ms169 فلنستمع أولا إلى المعلم! # فقال رفاعة وهو شبه مغمض العينين: لا تفكروا في العراك، فإن الذي ~~يشقى لإسعاد الناس لا يهون عليه سفك دمائهم. # وتهلل وجه ياسمينة. كانت تكره فكرة الترمل خشية أن تحدق بها ~~الأعين، فلا تجد منفذا إلى رجلها الرهيب، وقالت: خير ما تفعل أن ~~ترحم نفسك من ذلك العناء. # فقال زكي محتجا: لن نترك هذا العمل ولكن نترك الحارة. # فخفق قلب ياسمينة جزعا لتخيل البعد عن حارة رجلها، وقالت ~~بحدة: لن نعيش غرباء ضائعين بعيدا عن حارتنا. # وتركزت الأعين في وجه رفاعة فاعتدل رأسه رويدا وقال: لا أحب أن ~~أهجر حارتنا. # وهنا دق الباب دقات متتابعة في لهفة فذهبت ياسمينة تفتحه، وسمع ~~الجالسون صوتي عم شافعي وعبدة وهما يسألان عن ابنهما. وقام رفاعة ~~فتلقى والديه بالعناق. وجلسوا وشافعي وزوجته يلهثان، ووجهاهما ~~ينطقان بما يحملان من أنباء مزعجة. وسرعان ما قال الأب: يا بني، ~~تخلى عنك خنفس، فحياتك في خطر، وأخبرني أصحابي بأن أعوان الفتوات ~~يحومون حول بيتك. # وجففت عبدة عينين حمراوين وقالت: ليتنا ما عدنا إلى هذه الحارة ~~التي تباع فيها الأرواح بلا ثمن! # فقال علي متحمسا: لا تخافي يا سيدتي، فحينا كله أصدقاء ~~يحبوننا. # وقال رفاعة متأوها: ماذا فعلنا مما نستحق عليه العقاب؟! # فهتف عم شافعي جزعا: أنت من حي آل جبل المكروه لديهم، وكم توجس ~~قلبي خيفة منذ جاء ذكر الواقف على لسانك! # فقال رفاعة متعجبا: بالأمس حاربوا جبل لمطالبته بالوقف، واليوم ~~يحاربونني لاحتقاري الوقف! # فلوح شافعي بيده جزعا وقال: قل فيهم ما تشاء فلن يغير هذا منهم ~~شيئا، ولكن اعلم أنك هالك إن غادرت بيتك، ولست آمن عليك إن بقيت ~~فيه. # تسرب الخوف إلى قلب كريم أول ما تسرب لكنه داراه بإرادة قوية ~~وقال مخاطبا رفاعة: إنهم يتربصون لك في الخارج، وإذا لبثت هنا ~~فسيجيئون إليك. هؤلاء هم فتوات حارتنا كما عرفناهم، فلنهرب إلى ~~بيتي من فوق الأسطح وهناك نفكر فيما ينبغي عمله. # فصاح شافعي: ومن هناك تهربون من الحارة ليلا. # فتأوه رفاعة متسائلا: ms170 وأترك بنائي يتهدم؟ # فتوسلت إليه أمه باكية: افعل ما يشير به عليك وارحم أمك! # فقال الأب محتدا: واستأنف عملك فيما وراء الخلاء إذا ~~شئت. # وقام كريم في اهتمام وقال: فلنتدبر أمرنا، سيبقى المعلم شافعي ~~وحرمه قليلا ثم يذهبان إلى ربع النصر كأنهما راجعان بعد زيارة ~~عادية، وتخرج ست ياسمينة إلى الجمالية كأنما لتتسوق، وعند عودتها ~~تتسلل إلى مسكني وهذا أيسر لها من الهرب عبر الأسطح. # ارتاح شافعي إلى الخطة فقال كريم: لا ينبغي أن نضيع دقيقة سدى، ~~سأذهب لأستكشف الأسطح. # وغادر الحجرة. وقام شافعي آخذا رفاعة في يده. وأمرت عبدة ~~ياسمينة بأن تجمع الثياب في بقجة. # وأخذت ياسمينة في جمع الثياب القليلة بصدر مختنق وقلب مكلوم، ~~وثورة من الحنق في باطنها تتجمع. وأقبلت عبدة على ابنها تقبله ~~وترقيه بأعين باكية. ومضى رفاعة يفكر في حاله بقلب حزين. كم أحب ~~الناس بكل قلبه! وكم شقي لإسعادهم! وكيف يعاني من بغضائهم وهل ~~يسلم الجبلاوي بالفشل؟! ورجع كريم وهو يقول لرفاعة وصحبه: ~~اتبعوني. # وقالت عبدة وهي تفحم في البكاء: سنلحق بك ولو بعد حين. # وقال له شافعي وهو يضغط على مخارج الدمع: فلتصحبك السلامة يا ~~رفاعة. # عانق رفاعة والديه ثم التفت إلى ياسمينة قائلا: احبكي الملاءة ~~والبرقع كي لا يعرفك أحد. # ثم وهو يميل إلى أذنها: لا أطيق أن تمتد لك يد بسوء. # 59 # غادرت ياسمينة الربع ملتفة في السواد وكلمات عبدة تتردد في ~~أذنيها حين قالت لها وهي تودعها: «مع السلامة يا بنتي، ربنا يحفظك ~~ويصونك، رفاعة عهدتك، سأدعو لكما في النهار والليل.» كانت طلائع ~~الليل تزحف، وفوانيس المقاهي تشتعل، والغلمان يلعبون حول الأنوار ~~المنبعثة من مصابيح عربات اليد، على حين احتدم عراك القطط ~~والكلاب - كشأنه في ذلك الوقت من ~~اليوم - حول أكوام الزبالة. # مضت ياسمينة نحو الجمالية وليس في قلبها العاشق مكان للرحمة. لم ~~يساورها التردد ولكن ملأها الخوف فخيل إليها أن أعينا كثيرة ~~ترقبها. ولم تشعر بشيء من الاطمئنان حتى عرجت من الدراسة إلى ~~الخلاء، لكنها لم تجد الاطمئنان الحقيقي ms171 إلا في المنظرة بين يدي ~~بيومي. ولما نزعت النقاب عن وجهها تفحصها باهتمام وتساءل: ~~خائفة؟ # فأجابت وهي تلهث: نعم. ~~- كلا، الجبن ليس من صفاتك، خبريني ماذا وراءك؟ # قالت بصوت لا يكاد يسمع: هربوا من فوق الأسطح إلى بيت كريم، ~~وسيغادرون الحارة عند الفجر. # فغمغم بيومي ساخرا: عند الفجر يا أولاد الهرمة! ~~- أقنعوه بالذهاب، فلماذا لا تدعه يذهب؟ # فابتسم ساخرا وقال: قديما ذهب جبل ثم عاد، هذه الحشرات لا ~~تستحق الحياة. # فقالت وهي شاردة اللب: إنه ينكر الحياة، ولكنه لا يستحق ~~الموت. # فتقلص فوه اشمئزازا وقال: في الحارة كفايتها من ~~المجانين. # فنظرت إليه في استعطاف ثم غضت بصرها وهمست وكأنما تحدث نفسها: ~~أنقذني يوما من الهلاك. # فضحك في سخرية غليظة وقال: وها أنت ذي تسلمينه للهلاك، واحدة ~~بواحدة والبادي أظلم! # فشعرت بقلق موجع كالمرض، ورمقته بعتاب وهي تقول: فعلت ما فعلت؛ ~~لأنك أغلى من حياتي. # فربت خدها برقة وقال: سيخلو لنا الجو، وإذا ضايقتك الظروف فلك ~~في هذا البيت مكان. # فارتفعت روحها من هبوطها درجات وقالت: لو عرضوا علي بيت الواقف ~~من دونك ما قبلته. ~~- أنت بنت مخلصة. # وشكتها «مخلصة» فعاودها القلق الذي هو كالمرض. وتساءلت: ترى ~~هل يسخر منها الرجل؟ ولم يكن ثمة وقت لمزيد من الكلام فقامت وقام ~~ليودعها، حتى تسللت من الباب الخلفي. ووجدت زوجها وأصحابه في ~~انتظارها، فجلست إلى جانب زوجها وهي تقول لرفاعة: بيتنا مراقب، ~~ومن الحكمة أن أمك تركت المصباح مشتعلا وراء النافذة، وسيكون ~~الهرب ميسورا عند الفجر. # فقال لها زكي وهو يلحظ رفاعة في حزن: لكنه حزين، أليس المرضى في ~~كل مكان؟ وأليسوا هم في حاجة كذلك إلى الشفاء؟ # فقال رفاعة: تشتد الحاجة إلى الدواء حيث يستفحل المرض. # ونظرت ياسمينة نحوه في رثاء. وقالت لنفسها: إن من الظلم قتله. ~~وتمنت لو كان فيه جانب واحد يستحق العقاب. وذكرت أنه الوحيد في ~~هذه الدنيا الذي أحسن إليها وأن جزاءه على ذلك سيكون القتل. ولعنت ~~في سرها هذه الأفكار وقالت: ليفعل الخير من يجد في حياته ms172 الخير. ~~ولما رأته يبادلها النظر قالت كالمشفقة: حياتك أغلى من حارتنا ~~اللعينة. # فقال رفاعة باسما: هذا ما يقوله لسانك غير أني أقرأ الحزن في ~~عينيك! # وارتعدت. وقالت لنفسها: يا ويلي لو كانت قدرته على قراءة العين ~~كقدرته على إخراج العفاريت. وقالت له: ليس ما بي حزنا ولكنه الخوف ~~عليك! # وقام كريم وهو يقول: سأعد العشاء. # ورجع حاملا الطبلية فدعاهم إلى الجلوس فجلسوا حولها. وكان ~~العشاء مكونا من الخبز والجبن والمش والخيار والفجل، وثمة إبريق ~~من البوظة. وملأ كريم الأكواب وهو يقول: ليلتنا تحتاج إلى التدفئة ~~والتشجيع. # وشربوا، ثم قال رفاعة باسما: الخمر توقظ العفاريت ولكنها تنعش ~~من تخلص من عفريته. ونظر نحو ياسمينة إلى جانبه فأدركت مغزى ~~نظرته وقالت: ستخلصني من عفريتي غدا إن مد الله في ~~العمر. # فتهلل وجه رفاعة سرورا، وتبادل الأصدقاء التهاني، ومضوا ~~يتناولون العشاء. قطعت الأرغفة، وتلاقت الأيدي فوق الأطباق، ~~وبدوا وكأنهم تناسوا الموت المحيط بهم، وإذا برفاعة يقول: أراد ~~صاحب الوقف لأبنائه أن يكونوا مثله، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا مثل ~~العفاريت. إنهم أغبياء، وهو لا يحب الغباء كما قال لي. # فهز كريم رأسه أسفا، وبلع لقمته ثم قال: لو كان على شيء من ~~قوته الأولى لسارت الأمور كما يشاء. # فقال علي حانقا: لو .. لو .. لو، ماذا أفدنا من لو! علينا أن ~~نعمل. # فقال رفاعة بقوة: ما قصرنا قط، حاربنا العفاريت دون هوادة، وكلما ~~ترك عفريت فراغا ملأه الحب، وليس وراء ذلك من غاية. # فقال زكي متحسرا: ولو تركونا نعمل؛ لملأنا الحارة صحة وحبا ~~وسلاما. # فقال علي معترضا: إني أعجب كيف نفكر في الهرب على كثرة ما لنا ~~من أصدقاء! # فقال رفاعة باسما: إن عرق عفريتك ما زال لاصقا بجوفك، فلا ~~تنس أن غايتنا الشفاء لا القتل، ولخير للإنسان أن يقتل من أن ~~يقتل. # والتفت رفاعة إلى ياسمينة فجأة وقال: إنك لا تأكلين ولا ~~تصغين! # فتقلص قلبها خوفا، بيد أنها تغلبت على انفعالها وقالت: إني أعجب ~~لكم كيف تتحادثون في مرح كأنكم في عرس! ~~- ستألفين ms173 البهجة عندما تتخلصين من عفريتك غدا. # ثم نظر إلى إخوانه وقال: بعضكم يخجل من المسالمة، فنحن أبناء ~~حارة لا تحترم إلا الفتونة، ولكن الفتونة ليست مقصورة على الإرهاب، ~~فمصارعة العفاريت أشق عشرات المرات من الاعتداء على الضعفاء أو ~~منازلة الفتوات. # فهز علي رأسه أسفا وقال: وكان جزاء الإحسان هذا الموقف التعيس ~~الذي وجدنا أنفسنا فيه! # فقال رفاعة بيقين: لن تنتهي المعركة كما يتوهمون، ولسنا ضعفاء ~~كما يتصورون! إنما نقلنا المعركة من ميدان إلى ميدان، وميداننا ~~يتطلب شجاعة أسمى وقوة أشد. # وواصلوا العشاء وهم يفكرون فيما سمعوا. وبدا لأعينهم هادئا ~~مطمئنا قويا بقدر ما بدا جميلا وديعا. وفي فترة الصمت تجلى ~~صوت شاعر الحي وهو يحكي قائلا: «ومرة جلس أدهم في حارة الوطاويط ~~عند الظهر ليستريح فنعس. واستيقظ على حركة فرأى غلمانا يسرقون ~~عربته فنهض مهددا. ورآه غلام فنبه أقرانه بصفير ودفع العربة، ~~ليشغله بها عن مطاردتهم فاندلق الخيار على الأرض على حين تفرق ~~الغلمان مسرعين كالجراد. وغضب أدهم غضبا شديدا حتى قذف فوه ~~المهذب بسيل من أقذع الشتائم، ثم انكب على الأرض يجمع الخيار ~~الذي لوث بالطين. وتضاعف غضبه دون أن يجد له متنفسا فراح يقول ~~بتأثر وانفعال: «لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كانت ~~كبرياؤك أحب إليك من لحمك ودمك؟ وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت ~~تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما ~~شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار؟» وقبض على يد العربة وهم ~~بدفعها بعيدا عن الحارة اللعينة وإذا بصوت يقول متهكما: بكم ~~الخيار يا عم؟ # رأى إدريس واقفا يبتسم ابتسامة ساخرة ...» # وإذا بصوت امرأة يرتفع مغطيا على صوت الشاعر وهي تصرخ: «ولد ~~تائه يا أولاد الحلال»! # 60 # مضى الوقت والإخوان في سمر وياسمينة في عذاب. أراد حسين أن يلقي ~~على الحارة نظرة، ولكن كريم اعترضه لئلا يلمحه أحد فيشك في ~~الأمر. وتساءل زكي: ترى هل هاجموا بيت رفاعة؟ فقال رفاعة: إنهم لا ~~يسمعون إلا نواح الرباب وتهليل الغلمان. كانت الحارة تحيا حياتها ~~فليس ثمة ms174 ما يشي بجريمة تدبر. ودارت بياسمينة دوامة الفكر حتى ~~خافت أن تفضحها عيناها. وتمنت أن ينتهي عذابها على أي وجه وبأي ~~ثمن، وتمنت أن تملأ جوفها بالخمر حتى تذهل عما حولها. وقالت ~~لنفسها إنها ليست أول امرأة في حياة بيومي ولن تكون أخراهن، وإنه ~~حول أكوام الزبالة تكثر الكلاب الضالة، ولكن فلينته هذا العذاب ~~بأي ثمن. # وبتقدم الوقت أخذ الصمت يبتلع الضوضاء رويدا رويدا، فسكتت ~~أصوات الأطفال ونداءات الباعة، ولم يبق إلا نواح الرباب. ودهمتها ~~كراهية مفاجئة لهؤلاء الرجال، لا لشيء إلا لأنهم على نحو ما ~~يعذبونها. وتساءل كريم: هل أعد المجمرة؟ # فقال رفاعة بحزم: نحن في حاجة إلى وعينا! # ظننت أننا به نستعين على تحمل الوقت. ~~- أنت خائف أكثر مما ينبغي. # فنفى التهمة عن نفسه قائلا: يبدو أن لا داعي هناك للخوف! # أجل لم يقع حادث ولم يهاجم بيت رفاعة. وسكتت الأنغام وذهب ~~الشعراء. وترامت أصوات الأبواب وهي تغلق، وأحاديث العائدين إلى ~~البيوت، وضحكات وسعلات، ثم ساد الصمت. واستمر الانتظار والترقب حتى ~~صاح أول ديك. وقام زكي إلى النافذة ينظر إلى الطريق ثم التفت إليهم ~~قائلا: صمت وخلاء، الحارة كما كانت يوم طرد إليها إدريس. # فقال كريم: آن لنا أن نذهب. # وركب الجزع ياسمينة فتساءلت في نفسها: ماذا يكون من أمرها لو ~~تأخر بيومي عن موعده أو لو عدل عنه؟ وقام الرجال وكل يحمل بقجته. ~~وقال حسين: الوداع يا حارتنا الجهنمية! # سار علي في المقدمة. ودفع برقة رفاعة ياسمينة أمامه وتبعها ~~واضعا يده على منكبها كأنما يخشى أن يفقدها في الظلام، ثم جاء ~~كريم فحسين ثم زكي. تسللوا من باب الشقة واحدا في أثر آخر، ورقوا ~~في السلم مهتدين بالدرابزين في الظلمة الحالكة. وبدا السطح أرق ~~ظلمة على الرغم من أنه لم يبد في السماء نجم واحد. ونضحت سحابة ~~بنور القمر المتواري خلفها فسجلت لوحتها ركض السحب. # وقال علي: أسوار الأسطح شبه متلاصقة وسنساعد الست إن لزم ~~الأمر. # تتابعوا داخلين. ولما دخل زكي - وهو آخرهم - أحس حركة وراءه ~~فالتفت ms175 نحو باب السطح فرأى أربعة أشباح، فتساءل مذعورا: من ~~هناك؟ # تسمر الجميع والتفتوا. وجاء صوت بيومي وهو يقول: قفوا يا أولاد ~~الزنى. # وانتشر عن يمينه وعن يساره جابر وخالد وحندوسة. وندت عن ~~ياسمينة آهة. وأفلتت من يد رفاعة ثم جرت نحو باب السطح فلم يعترضها ~~أحد من الفتوات، حتى قال علي مخاطبا رفاعة في ذهول: خانتك ~~المرأة. # وفي لحظة أحاطوا بهم. وراح بيومي يتفحصهم عن قرب واحدا بعد آخر ~~متسائلا: أين كودية الزار؟ # حتى تبينه فقبض على منكبه بيد من حديد وهو يسأله متهكما: أين ~~أنت ذاهب يا نديم العفاريت؟ # فقال رفاعة في وجوم: ضايقكم وجودنا فآثرنا الرحيل. # فأطلق ضحكة قصيرة ساخرة ثم التفت إلى كريم وقال: وأنت هل أجدى ~~إخفاؤك لهم في بيتك؟ # فازدرد كريم ريقه الجاف وقال وفرائصه ترتعد: لم أكن أعلم بشيء ~~مما بينك وبينهم! # فلطمه بيده الأخرى على وجهه فسقط على الأرض، ولكن سرعان ما وثب ~~قائما وركض في رعب نحو سطح الربع الملاصق. وفجأة جرى وراءه حسين ~~وزكي. وانقض حندوسة على علي فركله في بطنه فتهاوى على الأرض وهو ~~يئن من أعماقه. وفي الوقت ذاته هم جابر وخالد باللحاق بالهاربين ~~ولكن بيومي قال باستهانة: لا خوف من هؤلاء فلن ينبس أحدهم بكلمة ~~وإلا هلك. # وقال رفاعة وقد انحنى رأسه نحو قبضة بيومي لشدة ضغطها: لم يفعلوا ~~شيئا يستحق العقاب. # فهوى بيومي بكفه على وجهه وهو يقول متهكما: خبرني ألم يسمعوا ~~الجبلاوي كما سمعته؟ # ثم دفعه أمامه وهو يقول: سر أمامي ولا تفتح فاك. # سار مستسلما للمقادير. هبط السلم المظلم محاذرا ووقع الأقدام ~~الثقيلة يتبعه. وغشيه الظلام والحيرة والشر الذي يتهدده فلم يكد ~~يفكر فيمن هرب ولا فيمن خان. وران عليه حزن شامل عميق فغطى حتى ~~على مخاوفه. وخيل إليه أن ذلك الظلام سيمسي صفة الدنيا الملازمة. ~~وانتهوا إلى الحارة فقطعوا الحي الذي لم يبق فيه مريض بفضله ~~وتقدمهم حندوسة نحو حي آل جبل فمروا تحت ربع النصر المغلق حتى ~~خيل إليه أنه يسمع تردد أنفاس ms176 والديه. وساءل نفسه لحظة عنهما، ~~فخيل إليه أنه يسمع نحيب عبدة في الليل الصامت، ولكن سرعان ما ~~استرده الظلام والحيرة والشر الذي يتهدده. وبدا حي آل جبل هياكل ~~أشباح عمالقة غارقة في الظلام، ما أشد الظلام وما أعمق النوم! أما ~~وقع أقدام الجلادين في الظلمة الحالكة وأطيط نعالهم فكأنه ضحكات ~~شياطين تعبث في الليل. ومضى حندوسة نحو الخلاء بحذاء سور البيت ~~الكبير فرفع رفاعة عينيه إلى البيت لكنه رآه مظلما كالسماء. ولاح ~~شبح في نهاية السور فتساءل حندوسة: المعلم خنفس؟ # فأجابه الرجل: نعم. # وانضم إلى الرجال دون كلام. وظلت عينا رفاعة مرفوعتين نحو ~~البيت. ترى هل يدري جده بحاله؟ إن كلمة منه تستطيع أن تنقذه من ~~مخالب هؤلاء الجبارين وترد عنه كيدهم، إنه قادر على أن يسمعهم صوته ~~كما أسمعه إياه في هذا المكان. وجبل وجد نفسه في مأزق مثل مأزقه ثم ~~نجا وانتصر. لكنه جاوز السور دون أن يسمع شيئا سوى وقع أقدام ~~الجبارين وتردد أنفاسهم. وأوغلوا في الخلاء فثقلت خطواتهم فوق ~~الرمال. وشعر رفاعة بالغربة في الخلاء وذكر أن المرأة خانته وأن ~~الأصحاب لاذوا بالفرار. أراد أن يلتفت إلى الوراء صوب البيت ولكن ~~يد بيومي دفعته في ظهره بغتة فسقط على وجهه. ورفع بيومي نبوته ~~وهتف: معلم خنفس؟ # فرفع الرجل نبوته قائلا: معك إلى النهاية يا معلم. # وتساءل رفاعة في يأس: لماذا تبغون قتلي؟ # فهوى بيومي بنبوته على رأسه بشدة فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف من ~~أعماقه: «يا جبلاوي»! # وفي اللحظة التالية كان نبوت خنفس يصيب عنقه، واستبقت ~~النبابيت. # وساد صمت لم تسمع خلاله إلا حشرجة. # وأخذت الأيدي تحفر الأرض بقوة في الظلام. # 61 # غادر القتلة المكان متجهين نحو الحارة، فسرعان ما ذابوا في ~~الظلام. وإذا بأربعة أشباح تنهض قائمة من موضع غير بعيد من موقع ~~الجريمة. وندت عنهم تنهدات وأصوات بكاء مكتوم حتى صاح أحدهم: يا ~~جبناء، أمسكتم بي وكتمتم أنفاسي فقتل دون دفاع. # فقال له آخر: لو أطعناك لهلكنا جميعا دون أن ننقذه. # فعاد علي يقول ms177 غاضبا: يا جبناء! ما أنتم إلا جبناء. # فقال كريم بصوت باك: لا تضيعوا الوقت في الكلام، أمامنا عمل ~~شاق يجب أن ننجزه قبل الصباح. # ورفع حسين رأسه إلى السماء يقلب فيها عينيه الدامعتين وتمتم ~~بجزع: الفجر قريب فلنسرع. # فهتف زكي متأوها: يا له من وقت قصير كالحلم لكننا فقدنا فيه ~~أعز من عرفنا في الحياة! # واتجه علي نحو موقع الجريمة وهو يصر على أسنانه مغمغما: يا ~~جبناء! # فمضوا خلفه، ثم جلسوا جميعا على ركبهم في هيئة نصف دائرة وراحوا ~~يتحسسون الأرض مفتشين. # وبغتة صرخ كريم كالملدوغ: هنا! # وتشمم يده وهو يقول: إن هذا هو دمه! # وفي الوقت ذاته صاح زكي: وهذا الموضع الهش مدفنه. # وتجمعوا حوله وأخذوا يزيلون الرمال براحاتهم. لم يكن في الأرض من ~~هو أتعس منهم، لضياع العزيز، ولموقف العجز الذي وقفوه عند مصرعه. ~~واعترت كريم لحظة جنون فقال في بلاهة: لعلنا نجده حيا! # فقال علي بازدراء ويداه لا تكفان عن العمل: اسمعوا أوهام ~~الجبناء! # وامتلأت خياشيمهم برائحة التراب والدم. وترامى من ناحية الجبل ~~عواء. وهتف علي بإشفاق: تمهلوا، فهذا جسده. # فانخلعت قلوبهم، ورقت أيديهم، وتلمسوا أطراف ثوبه بجزع، ثم ~~ارتفعت أصواتهم بالبكاء، وتعاونوا على استخلاص الجثة من الرمال ~~وقاموا بها في رفق، وكان صياح الديكة يترامى من الحارات والأزقة. ~~وحث البعض على الإسراع، ولكن لفتهم علي إلى وجوب ردم الحفرة، فخلع ~~كريم جلبابه وفرشه على الأرض فطرحوا الجثة عليه، وتعاونوا مرة ~~أخرى على ردم الحفرة. وخلع حسين جلبابه فغطى به الجثة ثم حملوها، ~~وساروا نحو باب النصر. وأخذ الظلام يخف فوق الجبل ويشف عن ~~السحاب، وتساقط الندى فوق الجباه والدموع. وكان حسين يدلهم على ~~طريق مقبرته حتى بلغوها. وانهمكوا في فتح القبر صامتين، والضياء ~~ينتشر رويدا، حتى تراءى للأعين الجثمان المسجى، وأيديهم الملطخة ~~بالدم، وأعينهم المحمرة من البكاء. وحملوا الجثة وهبطوا بها إلى ~~جوف القبر. وقفوا حولها خاشعين وهم يضغطون جفونهم ليزيلوا الدموع ~~التي تحول دون رؤيتها. وهمس كريم والعبرات تخنقه: كانت حياتك حلما ~~قصيرا، لكنها ملأت ms178 قلوبنا بالحب والنقاء. وما كنا نتصور أن ~~تغادرنا بهذه السرعة فضلا عن أن تقتل بيد أحد من الناس؛ أحد من ~~أبناء حارتنا الجاحدة التي داويتها وأحببتها؛ حارتنا التي أبت إلا ~~أن تقتل الحب والرحمة والشفاء ممثلة في شخصك فقضت على نفسها ~~باللعنة حتى آخر الزمن. # وتساءل زكي منتحبا: لماذا يذهب الطيبون؟! لماذا يبقى ~~المجرمون؟! # وتأوه حسين قائلا: لولا حبك الباقي في قلوبنا لمقتنا الناس ~~إلى الأبد! # عند ذاك قال علي: لن يرتاح لنا بال حتى نكفر عن جبننا. # وعندما غادروا المقبرة متجهين نحو الخلاء، كان النور يصبغ الآفاق ~~بمثل ذوب الورد الأحمر. # 62 # لم يعد أحد من الصحاب الأربعة يظهر في حارة الجبلاوي. وظن ذووهم ~~أنهم غادروا الحارة خفية وراء رفاعة اتقاء لتحرش الفتوات. وعاش ~~الرفاق في أطراف الخلاء في حال نفسية متوترة، يصارعون بكل قواهم ~~وطأة الألم وحز الندم. كان فراق رفاعة أشد من الذبح على قلوبهم، ~~وكان تخليهم عنه معذبا قاتلا. لم يبق لهم من أمل في الحياة ~~إلا أن يتحدوا موته بإحياء رسالته، وأن ينزلوا العقاب بقاتليه كما ~~صمم علي. أجل لم يكن في وسعهم العودة إلى الحارة، ولكن كان في ~~مأمولهم أن يقابلوا من يشاءون خارجها. وذات صباح استيقظ ربع النصر ~~على صوات عبدة؛ فهرع الجيران إليها يستطلعون الخبر فصاحت بصوت ~~مبحوح: قتل ابني رفاعة. # ووجم الجيران وتطلعوا إلى عم شافعي الذي كان يجفف عينيه فقال ~~الرجل: قتله الفتوات في الخلاء. # وعادت عبدة تنوح هاتفة: ابني الذي لم يؤذ أحدا في ~~دنياه. # فتساءل البعض: وهل علم بذلك فتوتنا خنفس؟ # فقال شافعي غاضبا: كان خنفس ضمن القاتلين. # وقالت عبدة باكية: وخانته ياسمينة فدلت بيومي عليه! # فلاح الاستنكار في الوجوه وقال صوت: لذلك فهي تقيم في بيته بعد ~~أن هجرته زوجته. # وانتشر الخبر في حي آل جبل، فجاء خنفس إلى بيت شافعي وصاح به: ~~أجننت يا رجل؟ ماذا قلت عني؟ # فوقف شافعي أمامه دون مبالاة وقال بشدة: إنك اشتركت في قتله وأنت ~~فتوته وحاميه! # فتظاهر خنفس بالغضب وصاح: ms179 أنت مجنون يا شافعي، لا تدري عما تقول ~~شيئا، ولن أبقى حتى لا أضطر إلى تأديبك. # وغادر الربع وهو يرغي ويزبد. وانتقل الخبر إلى حي رفاعة الذي ~~أقام فيه عقب مغادرته لحي آل جبل فذهل الناس له، وارتفعت الأصوات ~~بالسخط والبكاء، ولكن الفتوات خرجوا إلى الحارة يقطعونها ذهابا ~~وإيابا، النبابيت في أيديهم والشر يتقد في نظراتهم. ثم سرى نبأ ~~يقول: إن الرمال غربي صخرة هند وجدت ملطخة بدم رفاعة. وذهب عم ~~شافعي وخاصة أصحابه للبحث عن الجثة هنالك، ففتشوا وحفروا ولكنهم لم ~~يعثروا على شيء. ولغط الناس بالخبر وتبلبلت الأفكار وتوقع كثيرون ~~أن تحدث في الحارة أمور. وراح الناس في حي رفاعة يتساءلون: ماذا ~~فعل رفاعة حتى يقضى عليه بالقتل؟ وقال آل جبل: رفاعة قتل ~~وياسمينة مقيمة في بيت بيومي. وتسلل الفتوات بليل إلى المكان الذي ~~قتل فيه رفاعة، وحفروا مدفنه على ضوء مشعل، ولكنهم لم يعثروا ~~للجثة على أثر. وتساءل بيومي: هل أخذها شافعي؟ # ولكن خنفس أجابه: كلا، لم يعثر على شيء كما أخبرتني ~~العيون. # فضرب بيومي الأرض بقدمه وصاح: إنهم أصحابه، لقد أخطأنا بتركهم ~~يفلتون، وها هم أولاء يحاربوننا من وراء وراء. # وعند عودتهم مال خنفس على أذن بيومي وهمس قائلا: إن احتفاظ ~~المعلم بياسمينة لمما يسبب لنا المتاعب. # فقال بيومي ساخطا: بل اعترف أنك فتوة ضعيف في حيك! # وودعه خنفس ساخطا. واشتد التوتر بحيي جبل ورفاعة، وتكرر ~~اعتداء الفتوات على الساخطين. وساد الإرهاب في الحارة حتى كره ~~أهلها الخروج إليها إلا لضرورة. وفي ليلة من الليالي - وكان بيومي ~~في قهوة شلضم - تسلل أهل زوجته إلى بيته بقصد الاعتداء على ~~ياسمينة، فشعرت بهم، وفرت بجلبابها إلى الخلاء وهم يطاردونها. ~~وظلت تعدو في الظلام كالمجنونة، حتى بعد أن كف المطاردون عن ~~مطاردتها. وظلت تعدو حتى أوشكت أنفاسها أن تنقطع فاضطرت إلى التوقف ~~وهي تلهث بعنف وقد طرحت رأسها إلى الوراء وأغمضت عينيها. ولبثت ~~كذلك حتى استردت أنفاسها. ونظرت وراءها فلم تر شيئا، ولكنها ~~جفلت من فكرة العودة إلى الحارة ms180 ليلا. ونظرت أمامها فرأت عن بعد ~~نورا ضئيلا لعله ينبعث من كوخ فسارت نحوه آملة أن تجد عنده ~~مأوى يؤويها حتى الصباح. وطال بها المسير قبل أن تبلغه. وكان كما ~~ظنت كوخا، فاقتربت من بابه وهي تنادي أهله. وبغتة وجدت نفسها أمام ~~أصدقاء زوجها الحميمين: علي وزكي وحسين وكريم. # 63 # تسمرت ياسمينة بالأرض وهي تقلب في وجوههم بصرا زائغا. تراءوا ~~لها كجدار يعترض مطاردا في كابوس. كانوا يحدقون فيها باشمئزاز، ~~وبدا الاشمئزاز في عيني علي في إطار حديدي من القسوة. وهتفت بلا ~~وعي: إني بريئة، ورب السموات بريئة، ذهبت معكم حتى هاجمونا فهربت ~~كما هربتم! # وكلحت الوجوه. وتساءل علي حانقا: ومن أدراك بأننا ~~هربنا؟ # فقالت بصوت متهدج: لولا الهرب ما بقيتم على قيد الحياة؛ لكني ~~بريئة، وما فعلت شيئا إلا أني هربت! # فقال علي وهو يعض أسنانه: هربت إلى سيدك بيومي. ~~- أبدا، دعوني أذهب .. أنا بريئة. # فصاح بها علي: ستذهبين إلى جوف الأرض! # فهمت بالهرب لكنه وثب عليها فقبض على منكبيها بشدة فصرخت: ~~أعتقني إكراما له، فإنه لم يكن يحب القتل ولا القاتلين! # فقبض على عنقها بيديه، حتى قال كريم جزعا: انتظر حتى نفكر في ~~الأمر. # فصاح به: اصمتوا يا جبناء! # وشد على عنقها بكل ما يعتلج في صدره من حنق وحقد وألم وندم. ~~حاولت التخلص من قبضته عبثا، قبضت على ساعديه، ركلته، هزت ~~رأسها، كان كل مجهود عبثا ضائعا فخارت قواها، وجحظت عيناها، ثم ~~نفث أنفها دما، وارتج جسدها بعنف، وسكتت إلى الأبد، وتركها ~~فسقطت جثة تحت قدميه. # وفي صباح اليوم التالي وجدت جثة ياسمينة ملقاة أمام بيت بيومي. ~~وانتشر الخبر كغبار الخماسين فجرى الناس نساء ورجالا نحو بيت ~~الفتوة. وارتفعت الضوضاء، واختلطت التعليقات، ودارى الجميع مشاعرهم ~~الحقيقية. وفتح باب بيت بيومي، واندفع منه الرجل كالثور الهائج، ~~وراح يضرب بنبوته كل من يصادفه فركض الجميع في فزع، ولاذوا بالدور ~~والمقاهي، ووقف الرجل في الحارة الخالية يسب ويلعن ويهدد ويتوعد، ~~ويضرب الهواء والجدران وأديم الأرض. # وفي اليوم نفسه هجر عم ms181 شافعي وزوجته الحارة، وبدا أن أي أثر ~~لرفاعة قد اختفى. # ولكن ثمة أشياء كانت تذكر به على الدوام، كبيت عم شافعي بربع ~~النصر ودكان النجارة ومسكن رفاعة في الحي الذي أطلقوا عليه دار ~~الشفاء، ومصرعه غربي صخرة هند، وفوق كل أولئك أصحابه المخلصون ~~الذين واصلوا اتصالاتهم بمحبيه، ولقنوهم أسرار علمه بتخليص الأنفس ~~من العفاريت ليزاولوها في مداواة المرضى، اقتنعوا أنهم بذلك يعيدون ~~رفاعة إلى الحياة. أما علي فلم يكن ليهدأ له بال حتى يقضي على ~~المجرمين. وقد قال له حسين معاتبا: إنك لست من رفاعة في ~~شيء! # فقال علي بقوة: إني أعرف رفاعة أكثر مما تعرفونه، قضى حياته ~~القصيرة في قتال عنيف مع العفاريت. # فقال كريم: إنك تريد العودة إلى الفتونة وما كان أبغضها ~~إليه. # فهتف علي بحماس: كان فتوة ولا كل الفتوات ولكن خدعتكم ~~رقته. # وتوثب كل فريق للعمل على رأيه بإيمان صادق. وتناقلت الحارة قصة ~~رفاعة على حقيقتها التي كان الأكثرون يجهلونها، وتنوقل أيضا أن ~~جثته ظلت ملقاة في الخلاء حتى حملها الجبلاوي بنفسه فواراها التراب ~~في حديقته الغناء. وكادت الأحداث الخطيرة تتلاشى عند ذلك لولا أن ~~اختفى الفتوة حندوسة اختفاء مريبا. وإذا بجثته تكتشف ذات صباح ~~ملقاة مشوهة أمام بيت الناظر إيهاب. وتزلزل بيت الناظر كما تزلزل ~~بيت بيومي. ومرت بالحارة فترة رهيبة من الرعب. انصب الاعتداء ~~كالمطر على كل من له صلة أو شبهة صلة برفاعة أو بأحد من رجاله. ~~انهالت النبابيت على الرءوس، وهرست الأقدام البطون، وحفرت اللكمات ~~الصدور، وألهبت الأيدي الأقفية، حتى حبس نفسه في الدور من حبس، ~~وهجر الحارة من هجر، وقتل في الخلاء من استهان بالخطر، فضجت ~~الحارة بالصوات والعويل، وغشيها السواد والظلام، وفاحت منها رائحة ~~الدم. # ومن عجب أن ذلك كله لم يقض على عمل العاملين؛ فقد قتل الفتوة ~~خالد وهو خارج من بيت بيومي قبيل الفجر. واشتد خطر الإرهاب حتى بلغ ~~الجنون. لكن حارتنا استيقظت في الهزيع الأخير من الليل على حريق ~~هائل التهم بيت الفتوة جابر وأهلك أسرته. وصاح ms182 بيومي: إن مجانين ~~رفاعة منتشرون كالبق، والله ليقتلن ولو في بيوتهم! # ذاع في الحارة أن البيوت ستهاجم بليل فركب الفزع الناس حتى ~~جنوا. وخرجوا من الربوع في ثورة هوجاء يحملون العصي والمقاعد ~~وأغطية الحلل والسكاكين والقباقيب والطوب. وصمم بيومي على أن يضرب ~~قبل أن يستفحل الأمر فرفع نبوته وخرج من بيته في هالة من ~~الأعوان. # وظهر علي لأول مرة ومعه رجال أشداء على رأس الثائرين. وما إن رأى ~~بيومي قادما حتى أمر بقذف الطوب فأرسل الهائجون أسراب الطوب ~~كالجراد فانصبت على بيومي ورجاله وتفجرت الدماء. وهجم بيومي ~~بجنون وهو يصرخ كالوحش ولكن حجرا أصاب أعلى رأسه فتوقف على رغم ~~الغضب ورغم القوة ورغم الفتونة، ثم ترنح وسقط مقنعا بدمه؛ ~~وسرعان ما فر الأعوان، واكتسحت أمواج الغاضبين بيت الفتوة حتى ~~ترامت أصوات الكسر والتحطيم إلى مثوى الناظر في بيته. واستطار ~~الشر، وانقض العقاب على من بقي من الفتوات وأعوانهم، وخربت ~~بيوتهم، واستفحل الخطر، وأوشك أن يفلت الزمام. عند ذاك أرسل الناظر ~~في طلب علي فذهب علي لمقابلته. وكف رجال علي عن الانتقام والتخريب ~~انتظارا لما تسفر عنه المقابلة فهدأت الأحوال وسكنت ~~الخواطر. # وتمخضت المقابلة عن عهد جديد في الحارة. فقد اعترف بالرفاعيين ~~كحي جديد مثل حي آل جبل فيما له من حقوق وامتيازات، ونصب علي ~~ناظرا على وقفهم، بمعنى فتوة لهم، يتسلم نصيبهم في الوقف ويوزعه ~~عليهم على أساس المساواة الشاملة. وعاد إلى الحي الجديد جميع ~~المهاجرين الذين فروا من الحارة في فترات الإرهاب، وعلى رأسهم عم ~~شافعي وزوجته وزكي وحسين وكريم. وحظي رفاعة في موته بما لم يكن ~~ليحلم به في حياته من التكريم والإجلال والحب حتى سار قصة باهرة ~~يرددها كل لسان، وتتغنى بها الرباب، وبخاصة رفع الجبلاوي لجثته ~~ودفنها في حديقته الغناء. وقد أجمع الرفاعيون على ذلك، كما أجمعوا ~~على الولاء والتقديس لوالديه. لكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك فأصر ~~كريم وحسين وزكي على أن رسالة رفاعة يجب أن تقتصر على مداواة ~~المرضى واحتقار الجاه والقوة، فساروا ومن تبعهم ms183 في الحياة مساره، ~~وغالى منهم قوم فتجنبوا الزواج حبا في محاكاته واستعادة لسيرته. ~~أما علي فتمسك بكافة حقوقه في الوقف وتزوج ودعا إلى تجديد حي ~~رفاعة. وقال في ذلك: إن رفاعة لم يكره الوقف لذاته ولكن ليبرهن على ~~أن السعادة الحقة متاحة بدونه، وليقضي على الشرور التي يستثيرها ~~الطمع، فإذا وزع الريع بالعدل، ووجه للبناء والخير، فهو الخير ~~كل الخير. # وعلى أي حال استبشر الناس خيرا، واستقبلوا الحياة بوجوه مشرقة، ~~وقالوا بثقة واطمئنان إن اليوم خير من الأمس، وإن الغد خير من ~~اليوم. # فلماذا كانت آفة حارتنا النسيان؟! # | قاسم # 64 # لم يكد شيء يتغير في الحارة. الأقدام ما زالت عارية تطبع آثارها ~~الغليظة على التراب. والذباب ما زال يلهو بين الزبالة والأعين. ~~والوجوه ما زالت ذابلة مهزولة، والثياب مرقعة، والشتائم تتبادل ~~كالتحيات، والنفاق يصم الآذان. والبيت الكبير ما زال قابعا وراء ~~أسواره غارقا في الصمت والذكريات، وإلى اليمين بيت الناظر، وإلى ~~اليسار بيت الفتوة، ثم يجيء حي آل جبل، ويليه حي آل رفاعة في وسط ~~الحارة. أما بقية الحارة وهي الناحية المنحدرة إلى الجمالية فكانت ~~مقام من لا صفة لهم ولا نسب، أو الجرابيع كما كانوا يدعونهم، وهم ~~أتعس أهل الحارة وأضيعهم. # وفي هذا العهد ولي النظارة السيد رفعت، وكان كسابقيه من النظار. ~~وكان فتوتها لهيطة وهو رجل قصير دقيق لا يوحي مظهره بالقوة، لكنه ~~ينقلب عند المعركة لسانا من نار في سرعته وحدته وتدميره، وقد نال ~~الفتونة بعد سلسلة من المعارك سالت خلالها الدماء في جميع الأحياء. ~~أما فتوة آل جبل فكان يدعي جلطة، وما زال حيه معتدا بنفسه ~~مباهيا بقرابته للواقف وبأنه خير حي، وأن رجلهم جبل كان أول وآخر ~~من كلمه الجبلاوي وفضله، ولذلك قل أن أحبهم أحد. وكان حجاج ~~فتوة آل رفاعة، لكنه لم يحتذ مثال علي في نظارته، وإنما سار على ~~درب خنفس وجلطة وغيرهما من المغتصبين. كان يستأثر بالريع ويضرب ~~المتذمرين ويحث آله على اتباع سنة رفاعة في احتقار الجاه ~~والثراء! # وحتى الجرابيع كان ms184 لهم فتوتهم، ويدعى سوارس، لكنه لم يكن طبعا ~~بناظر وقف. على هذا النحو استقرت الأوضاع، وأكد حملة النبابيت ~~وشعراء الرباب أنه نظام عادل، جرت به شروط الواقف العشرة وسهر على ~~تنفيذه ورعايته الناظر والفتوات. # وفي حي الجرابيع عرف عم زكريا بياع البطاطة بالطيبة، وامتاز بين ~~الناس بقرابته البعيدة للمعلم سوارس فتوة الحي. كان يطوف بأحياء ~~الحارة سائقا عربته مناديا على البطاطة، وفي وسط العربة تقوم ~~الفرن نافثة دخانا معبقا برائحة شهية، تجذب غلمان رفاعة وجبل، ~~كما تجذب الغلمان بالجمالية والعطوف والدراسة وكفر الزغاري وبيت ~~القاضي. وكانت فترة غير قصيرة من حياة عم زكريا الزوجية قد مضت دون ~~أن يرزق بمولود، ولكن آنس وحشته في تلك الفترة صغير يتيم هو قاسم ~~- ابن شقيق زكريا - عقب وفاة والديه ولم يجد الرجل في الصغير عبئا ~~يئوده؛ إذ إن الحياة وخصوصا في هذا الحي من الحارة لم تكن تعلو ~~كثيرا عن حياة الكلاب والقطط والذباب التي تعثر على رزقها في ~~النفايات وأكوام الزبالة. وأحب زكريا قاسم كما كان يحب أباه من ~~قبل، ولما حملت زوجته عقب انضمام الصغير للأسرة تفاءل به خيرا ~~وازداد عليه عطفا، ولم يقل عطفه عندما رزق بابنه حسن. # ونشأ قاسم شبه وحيد، إذ كان اليوم يمضي وعمه بعيد عن الحارة ~~وزوجة عمه مشغولة بدارها ووليدها. ثم اتسع عالمه بنموه فأخذ يلعب ~~في حوش الربع أو في الحارة، وصادق أقرانه في حيه وحيي رفاعة ~~وجبل، وذهب إلى الخلاء فلعب حول صخرة هند، وشرق في الصحراء ~~وغرب، ورقي في الجبل. وكان يتطلع مع الصغار إلى البيت الكبير ~~مفاخرا بجده ومقام جده، ولكنه لم يكن يجد ما يقوله إذا تكلم البعض ~~عن جبل والبعض الآخر عن رفاعة، كما لم يكن يجد ما يفعله إذا انقلب ~~الكلام تشاتما وتماسكا وعراكا. # وكم نظر إلى بيت الناظر بدهش وإعجاب! وكم رمق الثمار فوق الأشجار ~~برغبة واشتهاء! ويوما رأى البواب ناعسا فتسلل إلى الحديقة بخفة، ~~دون أن يرى أحدا أو يراه أحد، وراح يقطع المماشي في بهجة ms185 وسرور، ~~ويلتقط ثمار الجوافة من فوق الحشائش ويأكلها بلذة، حتى وجد نفسه ~~أمام الفسقية، وعلقت عيناه بعمود الماء المتصاعد من النافورة؛ ~~استخفه الفرح فخلع جلبابه ونزل إلى الماء ومضى يخوض فيه ويضرب سطحه ~~بيديه ويدلك به جسده وقد ذهل عما حوله. وما يدري إلا وصوت حاد ~~يصيح بغضب: «يا عثمان يا ابن الكلب، تعال يا أعمى يا ابن الأعمى». ~~التفت رأسه نحو مصدر الصوت فرأى على السلاملك رجلا متلفعا ~~بعباءة حمراء، يشير نحوه بأصبعه المرتجف، والغضب يشتعل في وجهه، ~~فاندفع نحو حافة الفسقية وصعد إلى أرض الحديقة مرتكزا على مرفقيه، ~~وعند ذاك لمح البواب قادما مهرولا، فجرى نحو عريشة الياسمين ~~الملاصقة للسور، ناسيا جلبابه حيث خلعه، وركض نحو الباب، فمرق إلى ~~الحارة. عدا بكل قواه، ورآه أطفال فتبعوه مهللين، فنبحت كلاب، ثم ~~خرج عثمان البواب إلى الحارة وراح يجري وراءه حتى أدركه في منتصف ~~حيه، فقبض على ذراعه وتوقف وهو يلهث، وعلا صراخ قاسم حتى ملأ ~~الحي. وسرعان ما جاءت زوجة عمه حاملة وليدها، وخرج المعلم سوارس من ~~القهوة. دهشت زوجة عمه لمنظره، وأمسكت بيده وهي تقول للبواب: وحد ~~الله يا عم عثمان، أرعبت الولد، ماذا فعل؟ وأين جلبابه؟ # فصاح البواب في تكبر: رآه حضرة الناظر وهو يستحم في الفسقية. ~~هذا العفريت يجب جلده، دخل الملعون وأنا نائم، لماذا لا تريحوننا ~~من عفاريتكم؟! # فقالت المرأة برجاء: السماح يا عم عثمان، الولد يتيم، وحقك ~~علي! # واستنقذته من يده قائلة: سأضربه عنك، ولكن وحياة شيبتك إلا ما ~~أعدت له جلبابه الوحيد! # فلوح البواب بيده متسخطا وولاها ظهره راجعا وهو يقول: بسبب ~~هذه الحشرة لعنت وسببت، أولاد عفاريت وحارة بنت كلب! # وعادت المرأة إلى الربع، متوركة حسن، جارة قاسم من يده وهو ~~يشهق باكيا. # 65 # وقال عم زكريا لقاسم وهو يرمقه بإعجاب: لم تعد طفلا يا قاسم، ~~فأنت تقارب العاشرة وآن لك أن تعمل! # فالتمعت عينا قاسم السوداوان ابتهاجا وقال: طالما رجوتك أن ~~تأخذني معك يا عمي. # فضحك الرجل قائلا: كان غرضك اللعب ms186 لا العمل، أما اليوم فأنت ~~ولد عاقل وتستطيع أن تعاونني. # فهرع الغلام إلى العربة محاولا دفعها لكن عم زكريا منعه، وقالت ~~زوجة عمه: حاسب أن تنزلق البطاطة فنموت جوعا. # وقبض زكريا على يدي العربة وهو يقول له: سر أمام العربة وناد: ~~«بطاطة العمدة .. بطاطة الفرن». وخذ بالك من كل ما أقول أو أعمل، ~~وستصعد بالبطاطة إلى الزبائن بالأدوار العليا، وعلى العموم فتح ~~عينيك. # فقال قاسم وهو ينظر إلى العربة بحسرة: لكني قادر على ~~دفعها! # وساق الرجل العربة وهو يقول: افعل كما أمرتك ولا تكن عنيدا، كان ~~أبوك ألطف الناس. # انحدرت العربة نحو الجمالية وقاسم يصيح بصوت رفيع كالصفير: ~~«بطاطة العمدة، بطاطة الفرن». لم يكن كمثل فرحه شيء، وهو ينطلق إلى ~~الأحياء الغريبة ويعمل كالرجال. ولما بلغت العربة حارة الوطاويط ~~نظر قاسم فيما حوله وقال لعمه: هنا اعترض إدريس سبيل أدهم! # فهز زكريا رأسه بلا اكتراث، فعاد الغلام يقول ضاحكا: كان أدهم ~~يسوق عربته مثلك يا عمي. # ومضت العربة في تجوالها اليومي، من الحسين إلى بيت القاضي، ومن ~~بيت القاضي إلى الدراسة، وقاسم يتطلع بدهش إلى العابرين ~~والدكاكين والجوامع حتى انتهت إلى ميدان صغير قال العم: إنه سوق ~~المقطم، فتأمله الغلام بإعجاب وقال: أهذا سوق المقطم حقا؟! إلى ~~هنا هرب جبل، وهنا ولد رفاعة. # فقال زكريا بلا حماس: نعم، لا لنا في هذا ولا ذاك! # فقال قاسم: لكننا جميعا أولاد الجبلاوي، فلماذا لا نكون ~~مثلهم؟ # ضحك الرجل وقال ساخرا: على الأقل جميعنا في الفقر سواء! # ووجه الرجل عربته نحو أطراف السوق المشرفة على الخلاء، وبخاصة ~~نحو كوخ من الصفائح على هيئة دكان لبيع المسابح والبخور والأحجبة، ~~جلس أمامه على فروة عجوز ذو لحية بيضاء. # أوقف زكريا العربة أمام الكوخ وصافح العجوز بحرارة، فقال الرجل: ~~عندي اليوم كفايتي من البطاطة. # فجلس زكريا إلى جانبه وهو يقول: مجالستك خير عندي من ~~الربح. # ونظر العجوز نحو الغلام مستطلعا فصاح به زكريا: تعال يا قاسم ~~وقبل يد المعلم يحيى. # فاقترب الغلام من العجوز وتناول يده ms187 المعروقة فلثمها في أدب. ~~وراح يحيى يداعب قصة قاسم ويتأمل وجهه الوسيم ثم تساءل: من ~~الغلام يا زكريا؟ # فقال زكريا وهو يمد ساقيه في الشمس: ابن المرحوم أخي. # فأجلسه إلى جانبه على الفروة وهو يسأله: هل تذكر أباك يا ~~بني؟ # فهز قاسم رأسه قائلا: كلا يا عمي. ~~- كان أبوك صديقا لي، وكان لطيفا. # ورفع قاسم عينيه إلى البضائع يتأمل ألوانها، فمد يحيى يده إلى ~~رف قريب وتناول حجابا، ثم علقه بعنق الغلام وهو يقول: احتفظ به ~~فيحفظك من كل سوء. # وإذا بعم زكريا يقول لقاسم: المعلم يحيى كان من حارتنا، ومن حي ~~آل رفاعة. # فنظر قاسم إلى يحيى وتساءل: لماذا تركت حارتنا يا عمي؟ # فأجاب زكريا قائلا: غضب عليه فتوة آل رفاعة منذ عهد بعيد فآثر ~~الهجرة. # فقال قاسم بدهش: فعلت كما فعل عم شافعي والد رفاعة. # فضحك يحيى عن فم فارغ طويلا ثم قال: أعرفت ذلك يا غلام؟ ما ~~أعرف أولاد حارتنا بالحكايات، فما بالهم لا يعتبرون! # وجاء صبي قهوة حاملا صينية شاي فوضعها أمام يحيى ثم رجع وأخرج ~~يحيى من صدره لفافة صغيرة وجعل يفكها قائلا برضا: لدي شيء ~~ثمين، مفعوله أكيد حتى الصباح. # فقال زكريا باهتمام: دعنا نجربه. # فقال يحيى ضاحكا: ما سمعتك تقول لا قط. ~~- كيف أرفض النعمة يا يحيى؟! # وتقاسما القطعة، وراحا يلوكانها، وقاسم يتابعهما بشغف حتى أضحك ~~عمه. وأخذ العجوز يحسو الشاي، ويسأل قاسم: هل تحلم بالفتونة كأهل ~~حارتنا؟ # فقال قاسم مبتسما: نعم. # فقهقه زكريا وقال كالمعتذر: اعذره يا معلم يحيى فأنت تعلم أنه في ~~حارتنا إما أن يكون الرجل فتوة وإما أن يعد قفاه للصفع. # فقال يحيى متأوها: ليرحمك الله يا رفاعة، كيف نبت في حارتنا ~~الجهنمية؟! ~~- لذلك كانت نهايته كما تعلم. # فقال يحيى مقطبا: رفاعة لم يمت يوم مصرعه، ولكنه مات يوم انقلب ~~خليفته فتوة! # فسأله قاسم باهتمام: أين دفن يا عمي؟ أهله يقولون: إن جدنا دفنه ~~في حديقته، ويقول آل جبل: إن جثته ضاعت في الخلاء. # ثم صاح يحيى غاضبا: الملاعين ms188 الأشقياء، ما زالوا يحقدون عليه ~~حتى اليوم! # ثم مستدركا في تساؤل: خبرني يا قاسم هل تحب رفاعة؟ # فنظر الغلام نحو عمه في حذر ولكنه قال ببساطة: نعم يا عمي، أحبه ~~كثيرا. ~~- أيهما أحب إليك: أأن تكون مثله أم أن تكون فتوة؟ # فرفع إليه عينين تمتزج فيهما الحيرة والابتسام، وتحركت شفتاه ~~للكلام ولكنه لم ينبس، فقال زكريا مقهقها: فلتقنع مثلي ببيع ~~البطاطة! # وساد الصمت بينهم على حين قامت ضجة في السوق حول حمار طرح أرضا ~~فمال بالكارو المربوطة به، وأخذت الراكبات يثبن منها، أما السائق ~~فقد انهال على الحمار ضربا. ونهض زكريا وهو يقول: أمامنا مشوار ~~طويل، سلام عليكم يا معلم. # فقال يحيى: أحضر الغلام معك كلما جئت. # وصافح قاسم وهو يداعب قصته قائلا: ما أظرفك! # 66 # لم يكن في الخلاء من مكان يستظل به من وقدة الشمس الغاضبة إلا ~~صخرة هند. هنالك اقتعد قاسم الأرض ولا أنيس له إلا الغنم. بدا في ~~جلباب أزرق نظيف - نظيف بالقدر المتاح لراع - متلفع الرأس ~~بلاسة غليظة وقاية من الشمس، ومنتعلا مركوبا قديما باليا ~~تهتكت أطرافه. وكان يخلو إلى نفسه حينا ويراقب النعاج والخرفان ~~والمعز والجداء حينا آخر، وعصاه مطروحة إلى جانبه. ولاح المقطم من ~~مجلسه القريب عاليا ضخما متجهما، كأنه المخلوق الوحيد تحت القبة ~~الصافية الذي يتحدى غضبة الشمس في عناد وإصرار، كما ترامى الخلاء ~~حتى الآفاق مشمولا بصمت ثقيل وهواء ساخن. وكان إذا أضنته أفكاره ~~وأحلامه ونوازع شبابه الفائر سرح الطرف في الغنم ملاحظا لهوها ~~وعبثها، وتخاصمها وتواددها، ونشاطها وكسلها، وبخاصة البهم والحملان ~~منها التي تستدر عطفه ومحبته. وكانت أعينها الكحلاوات تعجبه ~~وتهز فؤاده بنظراتها كأنما تخاطبه، وكان بدوره يخاطبها فيقارن ~~بين ما تلقى في رعايته من عطف وما يلقى أولاد حارته تحت غطرسة ~~الفتوات من هوان. ولم تهمه نظرة الاستعلاء التي يلقيها أهل الحارة ~~على الرعاة؛ إذ آمن من بادئ الأمر بأن الراعي خير من البلطجي ~~والبرمجي والمتسول. وفضلا عن ذلك فقد أحب الخلاء والهواء النقي ~~وأنس إلى المقطم وصخرة هند ms189 وقبة السماء ذات الأطوار العجيبة. إلا ~~أن الرعي كان يقوده دائما إلى المعلم يحيى! وتساءل المعلم يحيى ~~أول ما رآه راعيا: من بائع بطاطة إلى راعي غنم؟! # فقال قاسم دون حرج: ولم لا يا معلم؟! إنه عمل يحسدني عليه ~~مئات من التعساء في حينا! ~~- ولماذا تركك عمك؟ ~~- ابن عمي حسن كبر وهو أحق بمرافقة عمي في تجواله، ورعي الغنم ~~خير من التسول! # ولم يكن يوم يمر دون أن يزور معلمه؛ كان يحبه ويسعد بأحاديثه، ~~ووجد فيه رجلا محيطا بأخبار حارته، حاضرها وماضيها، ويعرف ما ~~يتغنى به شعراء الرباب وأكثر، ويعرف أيضا ما يتجاهلونه أحيانا. ~~وكان يقول ليحيى: «إني أرعى أغناما من كل حي، عندي غنم لجبل وأخرى ~~لرفاعة وثالثة للموسرين من حينا، ومن عجب أنها جميعا ترعى في ~~إخاء لا ينعم بمثله أصحابها القساة من أولاد حارتنا!» وقال له ~~أيضا: «كان همام راعيا. ومن الذين يحتقرون الرعاة؟! إنهم ~~متسولون وعاطلون وتعساء، وهم في الوقت نفسه يحترمون الفتوات، وما ~~الفتوات إلا لصوص فجرة وسفاكو دماء! سامحكم الله يا أولاد ~~حارتنا!» ومرة قال له في دعابة: إني فقير قانع، لم تمتد يدي ~~بالأذى لإنسان، حتى غنمي لا تلقى مني إلا المودة، أفلا ترى أنني ~~مثل رفاعة؟ # فرمقه الرجل باستنكار وقال: رفاعة؟! أنت مثل رفاعة؟! رفاعة قضى ~~عمره في تخليص إخوانه من العفاريت كي تخلص لهم السعادة! # ثم ضحك العجوز واستدرك قائلا: وأنت شاب مولع بالنساء، ترصد ~~عند المغيب فتيات الخلاء! # فابتسم قاسم متسائلا: وهل في ذلك من عيب يا معلمي؟ ~~- أنت وشأنك، ولكن لا تقل إنك مثل رفاعة! # فتأمل قوله مليا ثم قال: وجبل ألم يكن كرفاعة من أبناء حارتنا ~~الطيبين؟ كان كذلك يا معلمي، وقد أحب وتزوج واستخلص حق آله في ~~الوقف ووزعه بالعدل. # فقال يحيى بحدة: لكنه جعل من الوقف غايته! # فتفكر الشاب قليلا ثم قال بصراحة: بل حسن المعاشرة والعدل ~~والنظام أيضا كانت غاياته. # فتساءل يحيى في استياء: إذن فأنت تفضل جبل على رفاعة؟ # فامتلأت العينان السوداوان بالحيرة، وتردد ms190 طويلا، ثم قال: ~~كلاهما كان رجلا طيبا، وما أقل الطيبين في حارتنا! أدهم وهمام ~~وجبل ورفاعة، أولئك هم كل حظنا من الطيبة، أما الفتوات فما ~~أكثرهم! # فقال يحيى في أسى: وأدهم مات كمدا، وهمام قتل، ورفاعة ~~قتل! # أولئك هم الطيبون حقا من أهل الحارة. سيرة عطرة ونهاية ~~مؤسفة. هكذا كان يناجي نفسه وهو جالس في ظل الصخرة الكبيرة. ~~وانبعثت من صدره رغبة حارة في أن يكون مثلهم. أما الفتوات فما أقبح ~~فعالهم. وداخله حزن غامض وساوره قلق. وقال لنفسه ليهدهد خاطره: كم ~~شهدت هذه الصخرة من أحداث وأناس، كغرام قدري وهند، ومقتل همام، ~~ولقاء جبل والجبلاوي، وحديث رفاعة وجده، ولكن أين الأحداث؟ وأين ~~الأناس؟ إن الذكرى الطيبة تبقى وهي أثمن من قطعان المعز والضأن! ~~وشهدت أيضا جدنا العظيم وهو يجوب هذه الآفاق وحده، يمتلك ما يشاء ~~ويرهب الأشقياء. ترى كيف حاله في عزلته؟ # هل ما زال يعقل أم خرف؟ وهل يذهب ويجيء أم أقعده الكبر؟ وهل يدري ~~بما يقع حوله أم عن كل شيء ذهل؟ وهل يذكر أحفاده أم نسي ~~نفسه؟ # وعند الأصيل نهض ثم تمطى متثائبا. وتناول عصاه وهو يصفر ~~صفيرا منغما، ثم لوح بعصاه ونعق بالغنم فمضت تتجمع وتتحرك ~~قافلتها نحو العمران. وبدأ يشعر بالجوع ولم يكن تناول في نهاره إلا ~~سردينة ورغيفا، ولكن عشاء طيبا ينتظره في بيت عمه. وحث السير ~~حتى بدا له أول ما بدا من بعيد البيت الكبير بأسواره العالية ~~ونوافذه المغلقة ورءوس أشجاره. ترى ما شكل الحديقة التي يتغنى بها ~~الشعراء والتي مات أدهم حسرة عليها؟ ولدى اقترابه من الحارة ترامت ~~إلى مسامعه الضوضاء. ومضى بحذاء السور الكبير إلى الداخل والمغيب ~~يضفي على الجو سمرته. وشق طريقه بين جماعات من الغلمان يلعبون ~~ويتقاذفون بالطين، وملأت أذنيه نداءات الباعة وأحاديث النساء ~~وسخريات الساخرين وشتائمهم، واستغاثات المجذوبين وجرس عربة الناظر، ~~على حين أفعم أنفه برائحة المعسل النافذة، والزبالة العطنة، ~~والتقلية المثيرة. وعرج إلى الربوع بحي آل جبل يعيد إليها أغنامها، ~~كذلك فعل بحي آل رفاعة، ms191 فلم يبق لديه إلا نعجة واحدة، تملكها ست ~~قمر، السيدة الوحيدة التي تملك مالا في حي الجرابيع. وكانت تقيم ~~في بيت مكون من دور واحد ذي حوش متوسط تتوسطه نخلة وفي ركنه ~~الأقصى شجرة جوافة. ودخل الحوش سائقا أمامه «نعمة»، فصادف في ~~طريقه الجارية سكينة بشعرها المفلفل الذي وخطه المشيب، فحياها ~~فردت تحيته بابتسامة وسألته بصوت نحاسي: كيف حال نعمة؟ # فأعرب لها عن إعجابه بالنعجة، وتركها لها، ومضى في سبيله، وإذا ~~بصاحبة البيت والنعجة تدخل الحوش عائدة من الحارة. بدت أمامه في ~~ملاءة لف حوت جسمها المليء، وطالعته من برقعها عينان سوداوان ~~ينديان بالحنان. تنحى جانبا وهو يغض بصره فقالت له برقة ~~مهذبة: مساء الخير. ~~- مساء الخير يا ستي. # وتمهلت المرأة في سيرها وهي تتفحص نعمة، ثم نظرت نحوه، وقالت: ~~نعمة تسمن يوما بعد يوم والفضل لك! # فقال متأثرا من نظرتها الحنونة قبل كلماتها الطيبة: الفضل ~~للمولى ولرعايتك. # والتفتت ست قمر نحو سكينة وقالت: أحضري له عشاء! # فرفع يديه بالشكر إلى رأسه وقال: خيرك سابق يا ستي. # وفاز بنظرة أخرى وهو يحييها مودعا، ثم ذهب. ذهب شديد التأثر ~~برقتها وعطفها، كحاله كلما أسعده الحظ بلقائها. وذلك عطف لم يعرف ~~مثله إلا فيما يسمع أحيانا عن عطف الأمهات الذي لم يجربه. ولو ~~امتد العمر بأمه لكانت اليوم في مثل عمر هذه السيدة الأربعينية. ~~وكم بدا هذا العطف عجيبا في حارته التي تتباهى بالقوة والعنف. ~~وليس أعجب منه إلا جمالها المحتشم وما ينفخه في روحه من بهجة ~~غامرة. ليست كذلك مغامرات الخلاء المحرقة، بجوعها الملتهب الأعمى ~~وشبعها الخامد المكتئب. # وهرول نحو دار عمه ملقيا عصاه على كتفه، لا يكاد يرى ما بين ~~يديه من شدة انفعاله. وجد أسرة عمه مجتمعة في الشرفة المطلة على ~~حوش الربع تنتظره. جلس مع ثلاثتهم حول الطبلية وقد أعد عليها ~~عشاء من طعمية وكراث وبطيخ. وكان حسن في السادسة عشرة من عمره، ~~طويل القامة، متين البناء حتى حلم عم زكريا بأن يراه يوما فتوة ~~الجرابيع. ولما انتهى ms192 العشاء رفعت المرأة الطبلية وغادر عم زكريا ~~الربع، ولبث الصديقان في الشرفة حتى ترامى إليهما صوت من الحوش ~~ينادي: يا قاسم. # فقام الشابان وقاسم يجيبه: نحن قادمان يا صادق. # وتلقاهما صادق ببشر متألق، وكان مقاربا لقاسم في سنه وطوله ~~ولكنه أنحل منه عودا. وكان يعمل مساعدا لمبيض النحاس في أول دكان ~~بحي الجرابيع فيما يلي الجمالية. مضى الأصدقاء إلى قهوة دنجل، ~~وطالعهم لدى دخولهم الشاعر طازة متربعا على أريكته في الصدر، على ~~حين جلس سوارس على كثب من مجلس دنجل عند المدخل، فاتجهوا نحو ~~الفتوة وصافحوه في خضوع على رغم ما يعتز به قاسم وحسن من قرابته. ~~واتخذوا مجلسهم على أريكة واحدة وسرعان ما جاء لهم صبي القهوة ~~بطلباتهم المألوفة. وكان قاسم مغرما بالجوزة والشاي المنعنع. وإذا ~~بسوارس يتفحص قاسم بنظرة ازدراء وتساءل بغلظة: ما لك يا ولد ~~متأنقا كالبنت؟ # فتورد وجه قاسم حياء وقال في نبرة المعتذر: ليس في النظافة ما ~~يعيب يا معلم! # فقطب في استياء وقال: لكنها في مثل سنك قلة أدب! # وساد الصمت في القهوة كأن روادها وأدواتها وجدرانها تنصت لكلمات ~~الفتوة. ولحظ صادق صاحبه بعطف لما يعلم عن رقة مشاعره. أما حسن ~~فأخفى وجهه في قدح الزنجبيل حتى لا يكتشف فيه الفتوة الغضب. وتناول ~~طازة الرباب، فانبعثت من أوتارها الأنغام، وتتابعت التحيات لرفعت ~~الناظر ولهيطة الفتوة وسوارس سيد الحي، ومضى الشاعر يقول: ~~«وخيل إلى أدهم أنه يسمع وقع أقدام؛ أقدام بطيئة وثقيلة استثارت ~~ذكريات غامضة كرائحة زكية مؤثرة تستعصي على الإدراك والتحديد. ~~حول وجهه نحو مدخل الكوخ فرأى الباب يفتح، ثم رآه يمتلئ بشيء ~~كجسم هائل؛ حملق في دهش، وأحد بصره في أمل يكتنفه يأس، وندت ~~عنه آهة عميقة، وغمغم متسائلا: أبي؟! # وخيل إليه أنه يسمع الصوت القديم وهو يقول: مساء الخير يا ~~أدهم. # فاغرورقت عيناه، وهم بالقيام فلم يستطع ووجد غبطة وبهجة لم ~~يجدهما منذ أكثر من عشرين عاما.» # 67 # قالت سكينة الجارية: انتظر يا قاسم، عندي شيء لك. # فوقف قاسم حيث ربط النعجة ms193 بجذع النخلة، وقف ينتظر الجارية التي ~~ذهبت إلى الداخل، وكان قلبه يخفق، وحدثته نفسه بأن الخير الذي وعد ~~به صوت الجارية إنما يجيء من خير أنبل في قلب صاحبة الدار. ووجد ~~تشوفا عميقا إلى أن يرى نظرتها أو يسمع صوتها؛ ليبرد بالبهجة ~~جسده الذي احترق في الخلاء طيلة النهار. وعادت سكينة بلفافة فأعطته ~~إياها وهي تقول: فطيرة بالهنا والشفا! # فتلقاها بيديه قائلا: اشكري عني السيدة الكريمة. # فجاءه صوتها من وراء النافذة وهي تقول برقة: الشكر للمولى يا ~~ابن الطيبين. # فرفع بالشكر يده من دون بصره ومضى. وردد قولها: «يا ابن الطيبين» ~~في سعادة مخدرة. لم يسمع راعي الغنم قولا كهذا من قبل. ومن ~~قائلته؟ السيدة المحترمة في حيه البائس! وألقى نظرة ودية على ~~الحارة المسربلة بالمغيب، وقال لنفسه: «على رغم تعاسة حارتنا فهي ~~لا تخلو من أشياء تستطيع إذا شاءت أن تبعث السعادة في القلوب ~~المتعبة!» وانتبه من حلمه منزعجا على صوت يصرخ: «نقودي .. نقودي ~~سرقت»! رأى رجلا معمما يهرول في جلباب أبيض فضفاض نحو داخل ~~الحارة قادما من أول حيهم. وتحولت الحارة نحو الرجل الصارخ، فجرى ~~نحوه الصغار، واشرأبت أعناق الباعة والجالسين بالأبواب، وأطلت ~~الرءوس من النوافذ، وارتفعت أوجه من تحت الأرض خلال كوات ~~البدرومات، وخرج رواد المقاهي، وأحيط بالرجل من كل ناحية. ورأى ~~قاسم رجلا قريبا منه، يحك ظهره بعود خشبي من طوق جلبابه، ويتابع ~~المنظر بعينين كليلتين، فسأله عن الرجل قائلا: من الرجل؟ # فأجاب ويده لا تمسك عن الحك: منجد كان يعمل في بيت ~~الناظر! # واتجه نحو الرجل سوارس؛ فتوة الجرابيع، وحجاج؛ فتوة آل رفاعة، ~~وجلطة؛ فتوة آل جبل، وسرعان ما أمروا الناس بالابتعاد فتراجعوا ~~خطوات بلا تردد. وقالت امرأة من نافذة ربع في حي آل رفاعة: عين ~~أصابت الرجل! # فقالت امرأة أخرى من نافذة بأول ربوع آل جبل: صدقت، ما من أحد ~~إلا وحسده على ربحه المنتظر من تنجيد فرش الناظر، اللهم اكفنا شر ~~العين. # فقالت امرأة ثالثة واقفة أمام باب بيت وهي تفلي رأس غلام: ms194 وكان ~~يا عيني يضحك وهو خارج من بيت الناظر، لم يكن يدري أنه سيصرخ ~~ويبكي، قطعت الفلوس وقرفها! # وكان الرجل يصيح بأعلى صوته: سرق كل ما كان معي من نقود، أجرة ~~عمل أسبوع، وأخرى كانت في جيبي، نقود البيت والدكان والأولاد، ~~عشرون جنيها وقروش، الله يخرب بيت أولاد الحرام! # وقال جلطة فتوة آل جبل: هس، الكل يسكت، اسكتوا يا غنم، سمعة ~~الحارة في الميزان، وأي عيب في النهاية سيلبس الفتوات؟! # فقال حجاج فتوة رفاعة: وربك لن يقع عيب، ولكن من أدرانا أنه فقد ~~نقوده في حارتنا؟ # فهتف المنجد بصوت مبحوح: علي الطلاق ما سرقت إلا في ~~حارتكم، تسلمتها من بواب حضرة الناظر، وتحسست صدري في آخر الحارة ~~فلم أجد لها أثرا. # وارتفعت الأصوات فصاح حجاج: اسكتوا يا مواشي! واسمع يا رجل، أين ~~عرفت أن نقودك ضاعت؟ # فأشار الرجل إلى آخر حي الجرابيع وقال: أمام دكان مبيض النحاس، ~~لكني والحق يقال لم يقترب مني أحد هناك. # فقال سوارس: إذن سرق قبل أن يدخل حينا! # فقال حجاج فتوة رفاعة: كنت في القهوة حين مروره فلم أر أحدا في ~~حينا يقترب منه. # فصاح جلطة بحنق: ليس في آل جبل لص، إنهم أسياد هذه ~~الحارة! # فأجابه حجاج غاضبا: حاسب يا معلم جلطة، عيب قولك أسياد ~~الحارة! ~~- لا ينكر ذلك إلا مكابر! # فصاح حجاج بصوت كالرعد: لا توقظ عفاريتي! ملعون دين قلة ~~الذوق. # فصاح جلطة بنفس القوة: ألف لعنة، ألف لعنة على قلة الذوق التي لا ~~توجد في حينا! # وهنا قال المنجد بصوت باك: يا رجال! نقودي فقدت في حارتكم، ~~كلكم أسياد على العين والرأس، لكن أين نقودي؟ يا خراب بيتك يا ~~فنجري! # فقال حجاج بتحد: عليكم بالتفتيش، فلنفتش كل جيب، كل رجل، كل ~~امرأة، كل ولد، كل ركن. # فقال جلطة بازدراء: فتشوا، وستسود وجوه غير وجوهنا! # فقال حجاج: خرج الرجل من بيت الناظر فمر أول ما مر بحي آل ~~جبل، فلنبدأ بالتفتيش في حي آل جبل! # فشخر جلطة وقال: لن يكون هذا وجلطة حي، ms195 يا حجاج اذكر من تكون ~~أنت ومن أكون أنا؟ ~~- يا جلطة، إن ندوب الطعنات في جسدي أكثر من شعره! ~~- أما أنا فلا مكان للشعر في جسدي! ~~- اللهم أبعدك يا شيطان! ~~- إلي يا شياطين الأرض جميعا! # وعاد فنجري يصيح: يا هوه، نقودي، ألا يسيئكم أن يقال: إني سرقت ~~في حارتكم؟! # وغضبت امرأة فصاحت به: غور يا وجه البومة، ستهلك الحارة ~~بسببك! # وإذا بصوت يتساءل: ولماذا لا تكون النقود قد سرقت في حي الجرابيع ~~وأكثرهم لصوص وشحاذون؟ # فصاح سوارس: لصوصنا لا يسرقون في حارتنا! ~~- ومن أدرانا بذلك؟ # فقال سوارس بعينين محمرتين من الغضب: لا حاجة بنا إلى مزيد من ~~قلة الأدب، سيكشف التفتيش عن اللص، وإلا فقولوا على حارتنا ~~السلام! # ونادى أكثر من صوت: ابدءوا بحي الجرابيع! # فصاح سوارس: أي خروج عن الترتيب الطبيعي للتفتيش سيلقى نبوتي في ~~وجهه. # ورفع سوارس نبوته فانحاز إليه رجاله، وفعل حجاج مثله، وتراجع ~~جلطة إلى حيه وفعل مثلهما، فلاذ المنجد بباب الربع وهو يبكي، ~~وكان الليل على وشك الهبوط. وتوقع الجميع أن تبدأ معركة دامية. ~~وإذا بقاسم يندفع إلى وسط الحارة، ويصيح بأعلى صوته: انتظروا، لن ~~يكشف الدم عن النقود المفقودة، وسيقال في الجمالية والدراسة ~~والعطوف إن داخل حارة الجبلاوي مسروقا ولو احتمى بناظرها ~~وفتواتها! # فتساءل أحد رجال جبل: ماذا يريد راعي الغنم؟ # فقال قاسم بسماحة: عندي حيلة ترد بها النقود إلى صاحبها دون ~~عراك! # فجرى المنجد نحوه هاتفا: «أنا في عرض دينك!» فقال قاسم يخاطب ~~الجميع: سترد النقود إلى صاحبها دون أن يفتضح أمر السارق. # وساد الصمت، وتركزت الأعين في قاسم باهتمام شديد، فعاد يقول: ~~فلننتظر حتى يستحكم الظلام وهو قريب. لن تضاء شمعة واحدة في ~~الحارة، ثم نسير جميعا من أول الحارة إلى آخرها كي لا تنحصر ~~الشبهة في حي دون آخر، وفي أثناء ذلك سيجد حائز النقود فرصة للتخلص ~~منها في الظلام من غير أن يفتضح أمره، فنعثر على النقود وتنجو ~~الحارة من شر العراك. # وشد المنجد على ذراع قاسم في ضراعة يائس ms196 وهتف: «نعم الحل! ~~اقبلوه جبرا لخاطري.» وصاح صوت: «حل معقول يا جدعان!» وصاح آخر: ~~«هذه فرصة للسارق كي ينجو وينجي الحارة.» وزغردت امرأة طويلا. ~~ونقل الناس أعينهم بين الفتوات الثلاثة وهم بين الرجاء والخوف. ~~وأبى أي فتوة أن يكون البادئ بإعلان القبول علوا واستكبارا، ~~فلبث أهل الحارة يتساءلون: هل يغلب العقل أو تتلاطم النبابيت وتسيل ~~الدماء. وإذا بصوت يعرفه الجميع يصيح: هوه! # فانجذبت الرءوس نحو مصدره، حيث وقف لهيطة فتوة الحارة غير بعيد ~~من بيته. وساد الصمت، وقد تعلقت بما سيقول القلوب جميعا. وقال ~~الرجل بازدراء: اقبلوا الحل يا غجر، لولا غباوتكم ما كان منقذكم ~~راعي غنم. # وسرت في القوم همهمة ارتياح، وتعالت زغاريد؛ فاشتد خفقان قلب ~~قاسم، ولحظ دار قمر وهو موقن بأن عينيها السوداوين تراقبانه من ~~وراء أحد الشباكين المطلين على الحارة، فداخله زهو سعيد، وشعر ~~بلذة فوز كبير لا عهد له به. وبدا الجميع وهم يترقبون الظلام، ~~فينظرون إلى السماء تارة وينظرون صوب الخلاء تارة أخرى، وتابعوا ~~هبوطه درجة فدرجة؛ ومضت المعالم تتوارى والوجوه تختفي والناس ~~ينقلبون أشباحا. أما الممران حول البيت الكبير المفضيان إلى ~~الخلاء فقد أغلقتهما الظلمة. ودبت الحركة بين الأشباح فمشوا نحو ~~البيت الكبير ثم قطعوا الحارة مهرولين حتى الجمالية، ثم تفرقوا ~~كل إلى حيه. عند ذاك صاح لهيطة بصوته الآمر: نوروا! # وكان أول ما لاح من نور في دار قمر بحي الجرابيع، ثم أضيئت ~~مصابيح عربات اليد، ثم كلوبات المقاهي، فعادت الحارة إلى الوجود. ~~وراح قوم يتفحصون الأرض على ضوء كلوب، حتى تعالى صوت قائلا: ها هي ~~ذي المحفظة! # وجري فنجري من فوره نحو الضوء فتناول المحفظة، وعد نقوده، ثم ~~هرول لا يلوي على شيء نحو الجمالية مخلفا وراءه ضجة عالية من ~~الضحكات والزغاريد. ووجد قاسم نفسه محط الأنظار، ومركز استقبال ~~للتهاني والمزاح، ومحور تعليقات شتى تساقطت عليه كالورد. وعندما ~~ذهب قاسم وحسن وصادق إلى قهوة الجرابيع ذلك المساء استقبله سوارس ~~بابتسامة ترحيب وقال: جوزة على الحساب لقاسم. # 68 # مورد الوجه، متألق النظرات، ms197 صافي القسمات، مبتهج القلب، دخل ~~حوش قمر ليأخذ النعجة وهو يقول: «يا ساتر.» وراح يفك رباط النعجة ~~في بئر السلم، وإذا بصرير باب الحريم يسمع، وهو يفتح وصوت الست ~~تقول: صباح الخير. # فقال بفؤاده ولسانه: صبحك المولى بالسعادة يا ستي. ~~- صنعت أمس خيرا كبيرا لحارتنا. # فقال وروحه ترقص طربا: الله هو الهادي. # فقالت في نغم وشى بإعجابها: علمتنا أن الحكمة أجل من ~~الفتونة. # وعطفك أجل من الحكمة، هكذا قال لنفسه، ثم قال لها: ربنا ~~يكرمك. # فنم صوتها عن ابتسامة وهي تقول: رأيناك ترعى أولاد الحارة كما ~~ترعى الغنم، صحبتك السلامة. # ذهب بنعمة، وكلما مر بربع انضم إلى قافلته ماعز أو ماعزة أو ~~جدي أو تيس. وكان يلقى بالترحاب، حتى الفتوات ردوا عليه تحياته ~~وكانوا يتجاهلونها من قبل. واخترق الممر الملاصق لسور البيت ~~الكبير وراء طابور طويل من الأغنام في طريقه إلى الخلاء. واستقبل ~~شمسا لافحة تتربع فوق الجبل، وجوا يزفر أنفاسا حارة في ~~الصباح المشرق. وتراءى عند سفح الجبل بعض الرعاة، ومر رجل مهلهل ~~الثياب ينفخ في ناي، وانطلقت في القبة الصافية حدآت مدومة. وفي ~~كل نسمة استنشق صفاء نقيا، وخال الجبل الضخم يحوي كنوزا من ~~الآمال الواعدة. وسرح الطرف في الخلاء بارتياح عجيب حتى استخفه ~~طرب جواد فراح يغني: # يا حلو يا زين يا صعيدي، # اسمك منجوش على إيدي. # وجالت عيناه بين صخرة قدري وهند وبين البقاع ~~التي جرت بها مصارع همام ورفاعة، ولقاء الجبلاوي وجبل! هنا الشمس ~~والجبل والرمال والمجد والحب والموت، وقلب يبزغ فيه الحب لكنه ~~يتساءل عن معنى هذا كله، ما مضى منه وما هو آت، عن الحارة ذات ~~الأحياء المتخاصمة والفتوات المتنابذين، عن الحكايات التي تروى في ~~كل مقهى على شكل. # وقبيل الظهيرة ساق أغنامه نحو سوق المقطم ثم مضى إلى كوخ المعلم ~~يحيى وجلس. وهتف به العجوز: ما هذا الذي يقال عما فعلت أمس ~~بحارتنا؟! # ودارى قاسم حياءه باحتساء الشاي، فعاد المعلم يقول: كان الأفضل ~~أن تتركهم يتطاحنون حتى يهلكوا جميعا. # فقال دون أن ms198 يرفع عينيه: ما تقول هذا إلا بلسانك. # فقال يحيى محذرا: تجنب المعجبين خشية أن تستفز ~~الفتوات. ~~- وهل يستفز الفتوات أمثالي؟ # فتنهد العجوز قائلا: ومن كان يتصور أن يغدر غادر برفاعة؟ # فقال قاسم بدهشة: وما وجه التشابه بين رفاعة العظيم وبيني ~~أنا؟ # وعندما هم بالعودة ودعه العجوز قائلا: احتفظ دائما ~~بحجابي. # وعند العصر كان يجلس في الظل الممدود وراء صخرة هند، وإذا به ~~يسمع صوت سكينة وهي تنادي: «نعمة » فوثب قائما ودار حول الصخرة ~~فرأى الجارية واقفة عند رأس النعجة تداعب ذقنها. حياها بابتسامة ~~فقالت بصوتها النحاسي: أنا ذاهبة في مشوار في الدراسة فمررت من ~~هنا اختصارا للطريق. # فقال قاسم: لكنه طريق شديد الحرارة. # فقالت ضاحكة: لذلك سأستريح قليلا في ظل الصخرة. # وجلسا متقاربين في الظل حيث ترك عصاه. وقالت سكينة: عندما شهدت ~~صنيعك بالأمس آمنت بأن أمك دعت لك من قلبها قبل وفاتها. # فتساءل مبتسما: وأنت ألا تدعين لي؟ # فقالت وهي تداري نظرة ماكرة: لمثلك يدعي ببنت الحلال! # فقال ضاحكا: ومن ذا الذي يرضى براعي غنم؟! ~~- الحظ يصنع العجائب، وأنت اليوم بمنزلة الفتوات من دون حاجة إلى ~~سفك دماء! ~~- أقسم إن لسانك أحلى من الشهد! # فرمقته بنظرة من عينيها الذابلتين وقالت: هل أدلك على طريق ~~عجيب؟ # فتولاه انفعال طارئ وهو يقول: نعم. # فقالت بصراحة زنجية: جرب بختك واخطب سيدة حينا! # وبدا كل شيء غير نفسه. وتساءل: من تعنين يا سكينة؟ ~~- لا تتجاهل ما أعني، فليس في حينا إلا سيدة واحدة. ~~- ست قمر؟! ~~- من دون غيرها؟ # فقال بصوت متهدج: كان زوجها من الأكابر، ولست إلا راعي ~~غنم! ~~- لكن الحظ إذا ضحك ضحك معه كل شيء حتى الفقر. # وتساءل وكأنما يسائل نفسه: ألا يغضبها طلبي؟ # قامت سكينة وهي تقول: لا يدري أحد متى ترضى النساء ومتى تغضب، ~~فتوكل على الله. # ثم وهي تمضي: فتك بعافية. # رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه كأنما دهمه نعاس. # 69 # حملق عم زكريا في وجه قاسم بذهول؛ ومثله فعلت زوجته، ومثلهما فعل ~~حسن، وهم يستريحون في الدهليز ms199 أمام شقتهم عقب العشاء. وقال العم: ~~قل كلاما غير هذا الكلام، عرفتك مثال العقل والكرامة على رغم ~~فقرك، وعلى رغم فقرنا، فماذا انتاب عقلك؟ # وتجلى في عيني زوجة عمه نهم الاستطلاع فقال قاسم: لدي ما ~~شجعني، فجاريتها هي التي فتحت لي الباب! ~~- جاريتها؟! # ندت الكلمة عن زوجة عمه وصرخت عيناها بطلب المزيد. أما العم ~~فانطلقت من فيه ضحكة مقتضبة أكدت حيرته، ثم قال في ارتياب: لعلك ~~أسأت فهمها! # فقال قاسم بهدوء يغطي به على انفعاله: كلا يا عمي. # فهتفت زوجة عمه: فهمت! إذا قالت الجارية فقد قالت السيدة! # وقال حسن مدفوعا بحبه لابن عمه الذي لا يخفى على أحد: وقاسم رجل ~~ولا كل الرجال! # فهز عم زكريا رأسه وغمغم: «بطاطة العمدة .. بطاطة الفرن». ثم ~~قال: لكنك لا تملك مليما. # فقالت زوجته: إنه يرعى نعجتها فهي لا تجهل ذلك .. (ثم وهي تضحك) ~~انذر يا قاسم ألا تذبح نعجة في حياتك إكراما لنعمة! # وقال حسن في تفكير: عم عويس البقال هو عم ست قمر، أغنى رجل في ~~حينا، سيكون نسيبنا، كما كان سوارس قريبنا، ما أجمل ذلك! # فقالت أمه: ست قمر على قرابة مع أمينة هانم حرم الناظر. كان ~~المرحوم زوجها قريبا للهانم. # فقال قاسم بقلق: هذا مما يزيد الأمر عسرا! # وإذا بعم زكريا يقول بحماس طارئ كأنما قدر ما يعود عليه من رفعة ~~بالنسب المرتقب: تكلم كما تكلمت يوم واقعة المنجد، إنك شجاع ~~حكيم، وسنذهب معا إلى السيدة؛ لنفاتحها في الأمر ثم نكلم عويس؛ إذ ~~إننا لو بدأنا بعويس لأرسلنا إلى مستشفى المجاذيب! # وجرت الأمور كما رسم عم زكريا؛ لذلك جلس عم عويس في حجرة ~~الاستقبال بدار قمر ينتظر مجيئها وهو يعبث بشاربه الغزير مداراة ~~لاضطراب خاطره. وجاءت قمر في ثوب محتشم مغطاة الرأس بمنديل بني ~~فصافحته بأدب وجلست وفي عينيها نظرة جمعت بين الهدوء والتصميم. قال ~~عويس: حيرتني يا بنتي! بالأمس رفضت يد عم مرسى وكيل أعمالي بحجة ~~أنه غير كفء لك، واليوم ترضين براعي غنم؟! # فأجابت ووجهها يتورد حياء: ms200 عمي، إنه رجل فقير حقا ولكن ليس ~~من أحد في حينا إلا ويشهد له ولأهله بالطيبة! # فقال عم عويس مقطبا: نعم ولكن على نحو ما نشهد لخادم بالأمانة ~~أو النظافة، والكفاءة في الزواج شيء آخر. # فقالت قمر بأدب: دلني يا عمى على رجل مهذب مثله في حارتنا، ~~دلني ولو على رجل واحد لا يباهي بعمل من أعمال البلطجة أو الخسة ~~أو الوحشية؟! # وكاد الرجل أن ينفجر غاضبا لولا تذكره بأنه لا يخاطب ابنة أخيه ~~فحسب ولكن المرأة التي تسهم في تجارته بمال غير قليل، لذلك قال ~~برجاء: قمر، لو شئت زوجتك من أي فتوة في الحارة، لهيطة نفسه يودك ~~لو قبلت أن تقاسميه مع زوجاته. ~~- لا أحب هؤلاء الفتوات! ولا هذا النوع من الرجال. كان أبي رجلا ~~طيبا مثلك، وكم قاسى من عنتهم حتى أورثني كراهتهم، أما قاسم فهو ~~رجل مهذب، لا ينقصه إلا المال وعندي منه الكفاية. # فتنهد عويس، ثم نظر إليها طويلا، ثم قال برجاء أخير: إني مبلغك ~~رسالة أمينة هانم حرم حضرة الناظر، قالت لي: قل لقمر أن تعقل، ~~وأنها مقدمة على غلطة ستجعل منا أحدوثة الحارة. # فقالت قمر بحدة: أنا لا تهمني أوامر الهانم، ويبدو للأسف أنها لا ~~تعرف من هم الذين تجعلهم فعالهم أحدوثة في الحارة. ~~- يا بنت أخي إنها تود لك الكرامة. ~~- يا عمي لا تصدق أنها تهتم بنا أو حتى تذكرنا، ومنذ وفاة ~~المرحوم من عشرة أعوام لم أجر لها على خاطر. # فتردد الرجل مليا في حرج ظاهر، ثم قال في تأفف: إنها تقول ~~أيضا: إنه ليس من العقل أن تتزوج امرأة من رجل غير كفء لها ~~وبخاصة إذا كان لظرف ما يتردد على بيتها! # فانطلقت قمر واقفة بوجه مصفر من الغضب وهتفت: قطع لسانها، لقد ~~ولدت ونشأت وتزوجت وترملت في هذه الحارة، الكل يعرفني، وسيرتي ~~كالعطر على كل لسان. ~~- طبعا يا بنتي طبعا! ليس الأمر إلا أنها تشير إلى ما قد ~~يقال. ~~- عمي، دعنا من الهانم فلا يجيء منها إلا وجع الدماغ، ms201 إني أخبرك ~~وأنت عمي بأنني قبلت الزواج من قاسم، وسيكون ذلك برضاك ~~وحضورك! # وصمت عويس متفكرا. لم يكن في الوسع منعها، ولا من الهين إغضابها ~~للحد الذي تسحب عنده أموالها من تجارته. وراح ينظر بين قدميه في ~~ارتباك وحزن. وفتح فاه ليقول شيئا ولكن لم تخرج منه غير غمغمة ~~مبهمة. ولبثت قمر تنظر إليه في ثبات وصبر. # 70 # وهب عم زكريا ابن أخيه بضعة جنيهات - اقترض أكثرها - ليصلح بها ~~شأنه قبل الزواج. وقال العم: لو كنت قادرا لغطيتك بالمال يا ~~قاسم، كان أبوك أخا كريما، ولا أنسى فضله علي يوم ~~زواجي. # وابتاع قاسم جلبابا، وثيابا داخلية، ولاسة مزركشة ومركوبا ~~فاقع الاصفرار، وعصا خيزران، وحق نشوق. وذهب في أعقاب الفجر إلى ~~الحمام، فاستسلم للبخار، وغاص في المغطس، ثم مضى إلى المدلك، ثم ~~استحم، ثم تبخر، ثم تمدد في الخلوة يحتسي الشاي ويحلم ~~بالهناء. # أما قمر فتكفلت بالفرح؛ أعدت سطح الدار لاستقبال المدعوات، ~~ودعت عالمة معروفة واستأجرت أمهر طاه في المنطقة. وأقيم في الحوش ~~سرادق للمدعوين والمطرب. وجاء أهل قاسم وأصحابه ورجال الحي وعلى ~~رأسهم المعلم سوارس. ودارت أقداح البوظة وعشرون جوزة حتى غامت ~~الكلوبات بالدخان وسطعت رائحة الحشيش المفتخر. وتجاوبت الأركان ~~بالزغاريد والتهليل والقهقهة. وراح عم زكريا يقول في فخفخة من دارت ~~الخمر برأسه: نحن أسرة كريمة أصلها عريق! # فكتم عم عويس غيظه وهو يجلس بين سوارس وزكريا وقال باقتضاب: ~~حسبكم قرابتكم للمعلم سوارس! # فصاح زكريا بقوة: المعلم سوارس ألف مرة! # فحيا التخت سوارس من فوره، حتى جاء الرجل بابتسامة ولوح بيده. ~~وكان الفتوة فيما مضى يضجر من تمسح زكريا بقرابته البعيدة منه، ~~ولكنه أخذ يغير من مشاعره منذ علم بزواج قاسم من قمر، بل قرر فيما ~~بينه وبين نفسه ألا يعتق قاسم من الإتاوة. وعاد زكريا يقول: وقاسم ~~شاب محبوب، من في حارتنا لا يحبه؟ # وكأنما قرأ شيئا من الاستياء في نظرة سوارس فأردف يقول: لولا ~~حكمته يوم السرقة ما وجدت رءوس رفاعة وجبل من يدفع عنها نبوت ~~فتوتنا سوارس! ms202 # وانبسطت أسارير سوارس وصدق عويس على قول زكريا قائلا: صدقت ~~ورب السموات والأرض. # وغنى المطرب: زمان الوصل قرب بالتهاني. # وازداد قاسم اضطرابا، ففطن صادق إلى حاله كشأنه دائما فقدم ~~إليه قدحا جديدا من الشراب وما زال به حتى أفرغه في جوفه حتى ~~الثمالة، وكانت الجوزة ما تزال في يده. وأفرط حسن في الشراب حتى ~~تراقصت تهاويل السرادق أمام عينيه. ولاحظ عم عويس ذلك فخاطب عم ~~زكريا قائلا: حسن يشرب أكثر مما يليق بسنه. # فوقف زكريا والقدح بيده وقال لابنه وكأنما ينصحه: يا حسن لا تشرب ~~هكذا! # وترجم «هكذا» بإفراغ القدح في جوفه في ضجة من الضحك والانبساط ~~فتلوى الغيظ في باطن عويس حتى قال لنفسه: «لولا حماقة ابنة أخي ~~لكلفك ما شربت الليلة جميع ما تملك!» # وعند منتصف الليل دعي قاسم للزفة، فقصد المدعوون قهوة دنجل، ~~وعلى رأسهم سوارس سيد الزفة وحاميها. كان الحي خارج الدار مكتظا ~~بالغلمان والمتسولين والقطط التي تجمعت تلبية لرائحة المطبخ. وجلس ~~قاسم بين حسن وصادق فحياهم دنجل قائلا لصبيه: يا ليلة الهنا، جوزة ~~دنجل يا ولد للجدعان. # ثم إن كل موسر قدم جوزة على حسابه للجميع. # أما صادق فأخرج من صدره بلبوعة في حجم البلية أدارها بين أصبعيه ~~تحت ضوء الكلوب وقال في أذن قاسم: معجونة بالهريسة ولها مفعول يا ~~سلام! # فتناولها قاسم وأودعها فاه باسما وقد احمرت عيناه السوداوان من ~~الشراب فعاد صادق يقول: # امضغ ثم استحلب! # وجاء المنشدون يتقدمهم حاملو المزامير والطبول، فوقف سوارس وقال ~~بصوت آمر: لنبدأ الزفة. # تقدم كعبورة الزفة، في جلباب على اللحم، يرقص حافيا ومركزا على ~~قمة رأسه نبوتا. وخلفه سار المنشدون، فسوارس، ثم موكب العريس بين ~~صاحبيه، وأحاط بالجميع حملة المشاعل. وراح المنشد يغني بصوت ~~مليح: # الأولة آه من عيني دي، # والتانية آه من إيدي دي، # والتالتة آه من رجلي دي، # أصل اللي شبكتني مع المحبوب عيني دي، # لما سلمت عليه سلمت بإيدي دي، # وادي اللي ودتني للمحبوب رجلي دي. # وتعالت الآهات من الأفواه المخمورة المخدرة ~~والموكب يشق ms203 طريقه إلى الجمالية، فبيت القاضي، فالحسين ثم ~~الدراسة، والليل ينطوي في غفلة من السعداء. وعادت الزفة كما ذهبت ~~في بهجة وانشراح فكانت أول زفة في الحارة تمر بسلام، فلا نبوت ~~ارتفع ولا دم سال. وبلغ الطرب من زكريا منتهاه فتناول عصاه وراح ~~يرقص. لعب بالعصا وتمايل في اختيال، وهز الرأس مرة والصدر أخرى ~~كما هز الوسط. وصور بحركاته المرنة هيئة القتال وهيئة الوصال. ثم ~~دار حول نفسه مؤذنا بحسن الختام بين التهليل والتصفيق. # عند ذاك انتقل قاسم إلى الحريم. رأى قمر جالسة عند ملتقى صفين من ~~المدعوات، فاتجه نحوها يخوض أمواجا من الزغاريد. وتناول يدها ~~فقامت، ثم سارا معا تتقدمهما راقصة كأنما تلقي عليهما الدرس ~~الأخير، حتى احتوتهما حجرة العرس. وبإغلاق باب الحجرة انفصلا ~~انفصالا كليا عن العالم الخارجي الذي سارع إليه الصمت عدا ~~تهامس خفيف أو وقع أقدام. وفي لمحة عين مر قاسم بالفراش الوردي ~~والأريكة الوثيرة والسجادة المنمنمة، أشياء لم تقع له في خيال، ثم ~~استقر بصره على المرأة التي جلست تنزع الزينة عن رأسها. بدت فخيمة ~~مليئة بضة مليحة ذات بهاء. كانت الجدران تنظر إليه متلألئة ~~بالضياء، وكان يرى كل شيء من خلال اضطراب وجيشان وهناء زاد عن ~~حده. اقترب منها بجلبابه الحريري وجسده ينفث حرارة خمرية ممزوجة ~~بسطول حتى وقف أمامها ينظر من عل وهي غاضة البصر فيما يشبه ~~الانتظار. وتناول وجهها بين راحتيه ثم هم بأن يقول شيئا لكنه ~~فيما بدا عدل. وانحنى حتى اضطربت خصلات شعرها تحت أنفاسه، ثم لثم ~~الجبين والخدين. # وسرت إلى أنفه رائحة بخور تسربت من عقب الباب، وترامى إلى سمعه ~~صوت سكينة وهي تتلو رقية مبهمة. # 71 # أيام وليال مرت في محبة ومودة وراحة بال، فما أعذب السعادة في ~~هذه الدنيا! لم يكن ليغادر الدار إلا استحياء أن يقال: إنه لا ~~يغادر - منذ تزوج - الدار. ارتوى قلبه من أفانين المسرة حتى ثمل، ~~وحظي بكل ما تمناه من الحنو والعطف والرعاية. كان يهوى النظافة ~~فرأى منظرا مهندما، ووجد جوا معبقا بالبخور، ms204 وامرأة لا ~~تطالعه إلا آخذة زينتها، مشرقة الوجه، بادية الود. وقالت له يوما ~~وهما جالسان جنبا إلى جنب في حجرة الجلوس: أراك كالحمل الوديع، لا ~~تطلب ولا تأمر ولا تزجر، وجميع ما في الدار ملك يديك! # فداعب خصلة من شعرها المصبوغ بالحناء وقال: بلغت حالا لا يطلب ~~عندها شيء! # فشدت على يده بقوة وقالت: حدثني قلبي من بادئ الأمر بأنك خير ~~الرجال في حينا لكنك لأدبك تبدو أحيانا كالغريب في دارك ، ألا ~~تدري أن ذلك يؤلمني؟ ~~- إنك تخاطبين رجلا نقله حظه السعيد من الرمال المحرقة إلى جنة ~~هذا البيت السعيد. # فتظاهرت بالجد وإن غلبها الابتسام وقالت: لا تظن أنك ستلقى راحة ~~في بيتي، ستحل اليوم أو غدا محل عمي في إدارة أملاكي، فهل تستثقل ~~ذلك يا ترى؟ # فضحك قائلا: إنه اللهو بالقياس إلى رعي الغنم. # وتولى إدارة أملاكها الموزعة بين حي الجرابيع والجمالية. وكانت ~~معاملة السكان الشرسين تتطلب لباقة لكن مرونته عالجت الأمور بخير ~~ما يمكن أن تعالج به. ولم يكن العمل يشغل من وقته إلا أياما كل ~~شهر، وفيما عدا ذلك وجد فراغا لم يألفه من قبل. ولعل أكبر نصر ~~أحرزه في حياته الجديدة كان اكتسابه لثقة عويس عم زوجته. أولاه من ~~بادئ الأمر احتراما وعناية، وتطوع لمعاونته في بعض أعماله، حتى ~~أنس الرجل إليه، وبادله ودا بود واحتراما باحترام. ولم يملك ~~الرجل إلا أن قال له يوما في صراحة: حقا إن بعض الظن إثم! ألا ~~تدري أنني كنت أظنك من برمجية حارتنا؟ وأنك ستستغل عاطفة ابنة أخي ~~لتبتز أموالها فتبعثرها في ملذاتك أو تتزوج بها امرأة أخرى؟! ~~ولكنك أثبت أنك رجل أمين حكيم، وأنها أحسنت الاختيار. # وفي قهوة دنجل كان صادق يضحك في سرور ويقول له: قدم لنا جوزة على ~~الحساب كما ينبغي للأعيان أمثالك! # وكان حسن يقول له: لماذا لا تذهب بنا إلى الحانة؟ # لكنه أجابهما جادا: لا مال لي إلا ما أستحقه نظير إدارة أملاك ~~زوجتي أو مقابل خدمات أؤديها لعم عويس. # فتعجب صادق ثم قال ms205 ناصحا: المرأة المحبة لعبة في يد ~~الرجل! # فقال قاسم غاضبا: إلا إذا كان الرجل محبا مثلها! # ثم وهو يحدجه بنظرة عتاب: أنت يا صادق كأهل حارتنا لا يرون في ~~الحب إلا وسيلة للاستغلال! # فابتسم صادق في حياء وقال كالمعتذر: هكذا يفكر الضعفاء! لست في ~~قوة حسن، ولا حتى في مثل قوتك أنت، فلا مطمع لي بحال في الفتونة، ~~وفي حارتنا إما أن تكون ضاربا، وإما أن تكون مضروبا! # فغير قاسم من حدة نبرته كأنما قبل عذره وقال: يا لها من حارة ~~عجيبة! صدقت يا صادق، إن حال حارتنا يبعث على الأسى! # فقال حسن باسما: آه لو كانت كما يشعر الناس نحوها في ~~الخارج! # فقال صادق مصدقا لقوله: يقولون حارة الجبلاوي! حارة الفتوات ~~المجدع! # فلاحت الكآبة في وجه قاسم، واختلس نظرة إلى مجلس سوارس في أول ~~القهوة ليطمئن إلى أنهم بمنجاة من سمعه، وقال: كأنهم لا يسمعون عن ~~تعاستنا! ~~- الناس يعبدون القوة، حتى ضحاياها! # فتفكر قاسم مليا ثم قال: العبرة بالقوة التي تصنع الخير، كقوة ~~جبل وقوة رفاعة، لا قوة البلطجية والمجرمين! # وكان الشاعر طازة يواصل حكايته قائلا: ~~«وهتف به أدهم: احمل أخاك! # فقال قدري بصوت كالأنين: لا أستطيع. ~~- إنك استطعت أن تقتله. ~~- لا أستطيع يا أبي. ~~- لا تقل «أبي» قاتل أخيه لا أب له، ولا أم له، ولا أخ ~~له. ~~- لا أستطيع. # فشد قبضته عليه وقال: على القاتل أن يحمل ضحيته.» # ثم تناول الشاعر الرباب وأخذ في الإنشاد. وعند ذاك قال صادق ~~مخاطبا قاسم: اليوم أنت تحيا الحياة التي كان بها يحلم ~~أدهم! # فبان الاحتجاج في وجه قاسم وقال: لكن يصادفني عند كل خطوة سبب من ~~أسباب الكدر وتنغيص الصفو، وأدهم لم يحلم بالفراغ والرزق الموفور ~~إلا باعتبارهما طريق السعادة الصافية. # ولاذ ثلاثتهم بالصمت مليا حتى قال حسن في براءة: هذه السعادة ~~الصافية لا يمكن أن توجد أبدا! ~~- فلاحت في عيني قاسم نظرة حالمة وقال: إلا إذا توافرت أسبابها ~~للجميع! # وفكر في الأمر، في أنه يحظى بالمال والفراغ، ولكن تعاسة ms206 الآخرين ~~تفسد عليه سعادته. وها هو ذا يؤدي الإتاوة لسوارس صاغرا. لذلك ~~يود أن يشغل بالعمل فراغه، كأنما ليهرب من نفسه، أو يهرب من حارته ~~القاسية. ولعل أدهم لو نال ما تمنى وهو على مثل حاله هذه لضاق ~~بالسعادة ذرعا، ولتاقت للعمل نفسه. # وفي تلك الأيام طرأت أعراض غريبة على قمر، فقالت سكينة: إنها ~~أعراض الوحم. ولم تكد قمر تصدق، كان أملها في الحبل حلما من ~~الأحلام، لذلك استخفها الفرح، وامتلأ قلب قاسم بالغبطة حتى أذاع ~~الخبر في كل ركن له فيه حبيب، فعلم به بيت عمه ودكان مبيض النحاس ~~وبقالة عم عويس وكوخ المعلم يحيى. وغالت قمر في العناية بنفسها حتى ~~قالت لقاسم بلهجة ذات معنى: ينبغي أن أتجنب أي مشقة. # فقال وهو يبتسم ابتسامة المدرك لما تعني: على سكينة أن تحمل عنك ~~أعباء البيت، وعلي أن أتجمل بالصبر! # فقبلته قائلة في جذل الأطفال: أود أن أقبل الأرض ~~شكرا! # وانطلق إلى الخلاء ليزور المعلم يحيى لكنه توقف عند صخرة هند، ~~فمضى إلى ظلها وجلس. ورأى على مرمى البصر راعيا يرعى غنما فامتلأ ~~قلبه بالعطف وتمنى لو يقول له: لا يسعد الإنسان بالفتونة وحدها، بل ~~لا يسعد الإنسان بالفتونة إطلاقا. لكن أليس الأجدر أن يقول ذلك ~~للفتوات من أمثال لهيطة وسوارس؟ ما أعطفه على أولاد حارته الذين ~~يحلمون بالسعادة عبثا ثم سرعان ما تلقي الأيام بأحلامهم مع ~~النفايات في أكوام الزبالة. لماذا لا ينعم بالسعادة المتاحة ويغمض ~~العين عما حوله؟ لعل هذا التساؤل حير يوما جبل كما حير يوما ~~آخر رفاعة. كان في وسعهما أن ينعما بالراحة ويخلدا إلى السكينة ~~والسلام، فما سر هذا العذاب الذي يطاردنا؟ كان يتأمل وهو ينظر إلى ~~السماء فوق الجبل، سماء صافية ما عدا قطعا صغيرة من السحب متفرقة ~~كأوراق الورد الأبيض. وخفض رأسه فيما يشبه الإعياء فوقع بصره على ~~شيء يتحرك، وضح أنها عقرب تسرع نحو جحر. ورفع عصاه بسرعة وهوى بها ~~عليها فهرسها. وتفرس فيها مليا بتقزز، ثم قام ليواصل ~~رحلته. # 72 # استقبل ms207 بيت قاسم حياة جديدة، شارك في فرحتها فقراء الحي، وسميت ~~إحسان كأمه التي لم يرها. وبمولدها ألف البيت ألوانا جديدة من ~~البكاء والقذارة والأرق، ولكنه ازداد بها غبطة ورضا. لكن لماذا ~~يبدو الأب أحيانا شارد اللب والنظرة كأن هموما تتناوبه؟ شد ما ~~ساورها لذلك القلق حتى سألته مرة: أليست الصحة على ما يرام؟ ~~- بلي. ~~- لكنك لست كعادتك! # فقال وهو يغض البصر: المولى أدرى بحالي. # تساءلت بعد تردد: هل بدا لك منا ما تكره؟ # فقال بقوة: ليس هناك أحب إلي منك ولا حتى العزيزة ~~الصغيرة! # فتنهدت قائلة: لعلها عين! # فقال باسما: لعلها! # فرقته وبخرته وهي تدعو له من صميم قلبها. واستيقظت ذات ليلة ~~على بكاء إحسان فلم تجده إلى جانبها. ظنت لأول وهلة أنه لم يرجع ~~بعد من سهرته في القهوة، ولكن لما كفت الصغيرة عن البكاء تنبهت ~~المرأة إلى أن الحارة غارقة في صمت عميق لا يستحكم بها عادة إلا ~~بعد إغلاق المقاهي بفترة غير قصيرة، فداخلها ارتياب، فقامت إلى ~~النافذة وأطلت منها فرأت ظلاما شاملا يلف حارة مستغرقة في النوم. ~~وعادت إلى الصغيرة التي عاودت البكاء فألقمتها ثديها، وراحت ~~تتساءل: عما أخره إلى هذا الوقت لأول مرة في حياتهما المشتركة. ~~ونامت إحسان فغادرت الفراش إلى النافذة مرة أخرى. ولما لم تسمع ~~نأمة، خرجت إلى الصالة فأيقظت سكينة. وجلست الجارية كالمسطولة، ثم ~~هبت واقفة في جزع، فأخبرتها سيدتها بما دفعها إلى الائتناس بها. ~~وقررت الجارية من فورها أن تذهب إلى عم زكريا لتسأل عن سيدها. ~~وساءلت قمر نفسها عما يبقيه في بيت عمه حتى هذا الوقت، فجاء الجواب ~~قاطعا للأمل، ولكنها مع ذلك لم تمنعها من الذهاب، ربما جريا وراء ~~غير المنتظر، أو في الأقل استعانة بالعم على حيرتها. ولما ذهبت ~~سكينة جعلت تتساءل مرة أخرى عما أخره: ألذلك سبب بما طرأ على ~~مزاجه من تغير؟ أله علاقة بنزهاته في الخلاء التي يقوم بها في ~~الأصائل والأماسي؟ # واستيقظ عم زكريا وحسن منزعجين على نداء سكينة. وقال حسن: إن ~~قاسم لم ms208 يشاركه سهرته الليلة. وسأل عم زكريا متى غادر ابن أخيه ~~بيته؟ فأجابت سكينة بأن ذلك كان قبيل العصر. وغادر ثلاثتهم الربع، ~~ومضى حسن إلى الربع المجاور ثم عاد ومعه صادق الذي قال في نبرة ~~قلقة: الفجر يوشك أن يطلع! ترى أين ذهب؟ # فقال حسن: لعل النوم غلبه عند الصخرة. # وأمر عم زكريا الجارية أن تعود إلى سيدتها؛ لتخبرها بأنهم ذاهبون ~~للبحث عنه في مظانه. ومضى ثلاثتهم صوب الخلاء. واستشعروا رطوبة ليل ~~الخريف فحبكوا اللاسات فوق رءوسهم. وساروا على هدى هلال آخر الشهر ~~وقد تجلى في رقعة مرصعة بالنجوم انحسرت عنها سماء متشحة بالسحب. ~~وصاح حسن بصوت شق الفضاء كالشهاب: «قاسم .. يا قاسم!» فارتد إليه ~~الصدى من جانب المقطم مكررا النداء. وحثوا السير حتى بلغوا صخرة ~~هند، فداروا حولها متفحصين المكان ولكنهم لم يعثروا له على أثر. ~~وتساءل عم زكريا بصوت غليظ: أين ذهب؟ لا هو من أهل المجون ولا من ~~ذوي العداوات! # فتمتم حسن في حيرة: ولا من سبب آخر يدعوه للهرب! # وتذكر صادق أن الخلاء لا يخلو من قطاع طرق فغاص قلبه في صدره ~~دون أن ينبس. وإذا بزكريا يتساءل في فتور: أيكون عند المعلم ~~يحيى؟ # وهتف الشابان معا فيما يشبه استغاثة يائس: المعلم يحيى؟! # لكن زكريا تساءل في نكد: وماذا دعاه للبقاء عنده؟ # ومضوا نحو أطراف الخلاء صامتين، تتناوبهم الأفكار السود. وترامى ~~إلى مسامعهم من بعيد صياح الديكة، لكن الظلام لم يخف لتكاثف السحب. ~~وند عن صادق صوت كالزفرة وهو يقول: «أين أنت يا قاسم!» وبدت ~~الرحلة عقيما لكنهم واصلوا السير حتى وقفوا أمام كوخ يحيى الغارق ~~في النوم. وتقدم زكريا يدق الباب بقبضته حتى جاءه صوت المعلم وهو ~~يتساءل: من بالباب؟ # وفتح الباب فبدا شبحه متوكئا على عصاه، فقال زكريا بأسف: عدم ~~المؤاخذة، جئنا نسأل عن قاسم. # فقال المعلم بهدوء: زيارة متوقعة! # فأحيا قوله نفوسهم لأول وهلة، لكن سرعان ما ارتد إليهم القلق ~~فتساءل زكريا: عندك أخبار عنه؟ ~~- هو نائم في الداخل! ~~- بخير؟ ~~- إن شاء الله! # ثم ms209 مردفا في بساطة مقصودة: هو الآن بخير، لكن بعض جيراني كانوا ~~قادمين من العطوف فعثروا عليه عند صخرة هند وهو مغمى عليه، فحملوه ~~إلي، فرششت على وجهه عطرا حتى أفاق، لكنه بدا متعبا فتركته ~~لينام، وما لبث أن استغرق في النوم. # فقال زكريا معاتبا: ليتك أبلغتنا الخبر! # فقال بالهدوء نفسه: جاءوا به عند منتصف الليل فلم أجد من أرسله ~~إليك! # فقال صادق في قلق: إنه مريض بلا شك. # فقال العجوز: سيصحو على أحسن حال. # فقال حسن: فلنوقظه لنطمئن عليه. # ولكن يحيى قال بحزم: بل علينا أن ننتظر حتى يستيقظ بنفسه. # 73 # كان جالسا في الفراش، مسند الظهر إلى وسادة، ساحبا الغطاء ~~عليه حتى أعلى الصدر، تعكس عيناه نظرة متفكرة. وكانت قمر متربعة ~~عند قدميه، حاملة على صدرها إحسان، وهذه تحرك يديها الصغيرتين دون ~~توقف، وتصدر أصواتا رقيقة غريبة لا يدري أحد عن سرها شيئا. ~~وتصاعد من مبخرة في وسط الحجرة خيط بخور، يتلوى، ثم ينكسر، ثم ~~ينتشر، نافثا أريجا كأنما يبوح بسر لطيف. ومد الرجل يده إلى ~~خوان قرب الفراش فتناول قدح كراوية، واحتسى منه قليلا قليلا، ثم ~~أعاده وليس به إلا ثمالة، والمرأة تناغي الطفلة وتداعبها، ولكن ~~نظراتها القلقة المسترقة إلى زوجها دلت على أن مناغاتها ومداعباتها ~~ليست إلا مداراة لمشاعرها. وأخيرا سألته: كيف أنت الآن؟ # فاتجه رأسه بحركة عفوية نحو باب الحجرة المغلق، ثم أعاده إليها، ~~وقال بهدوء: ليس ما بي مرض! # فتجلت في عينيها نظرة حائرة وقالت: يسرني أن أسمع هذا، ولكن ~~خبرني بالله عما بك! # فبدا كالمتردد قليلا، ثم قال: لا أدري! كلا فليس هذا ما ينبغي ~~أن يقال، إني أدري كل شيء، ولكن .. الحق إني أخشى أن تكون أيام ~~الراحة قد ولت. # وبكت إحسان فجأة، فألقمتها ثديها في عجلة، ثم نظرت إليه مستطلعة ~~في قلق، وتساءلت: لماذا؟ # تنهد، وأشار إلى صدره قائلا: لدي هنا سر كبير، أكبر من أن ~~أحمله وحدي! # فازدادت المرأة قلقا وقالت بلهفة: خبرني عنه يا قاسم. # اعتدل في جلسته قليلا، وعكست ms210 عيناه جدا وتصميما وقال: سأبوح ~~به لأول مرة. أنت أول شخص يسمعه، لكن ينبغي أن تصدقيني، فما أقول ~~إلا الحق. ليلة أمس حدث شيء عجيب، هنالك تحت صخرة هند، وأنا وحدي ~~في الليل والخلاء. # وازدرد ريقه وهي تستحثه بنظرة حارة، ثم قال: كنت جالسا أتابع ~~سير الهلال الذي سرعان ما وارته السحب، وساد الظلام حتى فكرت في ~~القيام، وإذا بصوت قريب يقول بغتة: «مساء الخير يا قاسم.» ~~فارتعدت من وقع المفاجأة التي لم يسبقها صوت أو حركة. ورفعت رأسي ~~فرأيت شبح رجل واقفا على بعد خطوة من مجلسي، لم أتبين وجهه ~~ولكني ميزت لاسته البيضاء والعباءة التي يتلفع بها، وقلت له وأنا ~~أداري غيظي: «مساء الخير! من أنت؟» فأجابني، ولكن بم تظنينه ~~أجاب؟ # فحركت قمر رأسها في جزع وقالت: تكلم فلم يعد لي صبر! ~~- قال لي: «أنا قنديل!» فعجبت لشأنه وقلت له: «لا تؤاخذني فأنا ~~...» فقاطعني قائلا: «أنا قنديل خادم الجبلاوي!» # وهتفت المرأة: ماذا قال الرجل؟! ~~- قال أنا قنديل خادم الجبلاوي. # وكان الثدي قد أفلت من ثغر إحسان في أثناء اضطراب الأم فتقلص ~~وجهها إيذانا بالبكاء ولكن المرأة أعادته إليها، ثم قالت بوجه ~~شاحب: قنديل خادم الواقف؟! لا يدري أحد عن خدم الواقف شيئا. حضرة ~~الناظر هو الذي يتولى بنفسه إعداد لوازم البيت الكبير، ثم يحملها ~~خدمه إلى البيت الكبير ليتسلمها بعض خدم الواقف في الحديقة. ~~- نعم، هذا ما تعرفه حارتنا، لكنه قال لي ذلك! ~~- وهل صدقته؟ ~~- وقفت من فوري، تأدبا من ناحية واستعدادا للدفاع عن نفسي إن ~~لزم الأمر من ناحية أخرى، وقلت له متسائلا: من أدراني أنك صادق ~~فيما تقول؟ فقال لي بهدوء مطمئن: «اتبعني إذا شئت حتى تراني وأنا ~~أدخل البيت الكبير.» فاطمأن قلبي، وقلت لنفسي فلأصدقه حتى يتبين لي ~~أمره، ولم أخف عنه فرحي بلقياه، وسألته عن جدنا، كيف حاله؟ وماذا ~~يفعل؟ # فقاطعه صوت قمر قائلا في ذهول: كل ذلك دار بينك وبينه؟! ~~- نعم، بالله أنصتي، قال لي: إن جدنا بخير. ولم يزد على ذلك ~~شيئا. ms211 فسألته: هل يدري بما يجري في حارتنا؟ فأجاب بأنه يعلم كل ~~شيء، وبأن المقيم في البيت الكبير يستطيع أن يطلع على كل صغيرة ~~وكبيرة مما يقع في حارتنا، وأنه لذلك أرسله إلي. ~~- إليك أنت؟! # فقطب قاسم فيما يشبه الاستياء وقال: هكذا قال. وند عني ما يفصح ~~عن دهشتي ولكنه لم يبال بي، وقال: «لعله اختارك لحكمتك يوم السرقة ~~ولأمانتك في بيتك. وهو يبلغك بأن جميع أولاد الحارة أحفاده على ~~السواء، وأن الوقف ميراثهم على قدم المساواة، وأن الفتونة شر يجب ~~أن يذهب، وأن الحارة يجب أن تصير امتدادا للبيت الكبير.» وساد ~~الصمت، وكأنما فقدت القدرة على النطق، ولمحت عيناي المتطلعتان إلى ~~هامته السحب وهي تنحسر عن الهلال في رقعة صافية، فسألت بأدب: ~~«ولماذا يبلغني ذلك؟» فأجاب: «لكي تحققه بنفسك!» ~~- أنت؟! # بذلك هتفت قمر، فقال قاسم بصوت متهدج: هكذا قال. وهممت بأن ~~أستوضحه، ولكنه حياني وذهب، فتبعته حتى خيل إلي أنني رأيته ~~يصعد إلى أعلى السور المشرف على الخلاء على سلم خارق الطول أو شيء ~~شبيه بذلك، فوقفت ذاهلا. ثم عدت إلى مكاني السابق وفي نيتي أن ~~أقصد المعلم يحيى، لكني غبت عن الوجود، ولم أعد إلى رشدي إلا في ~~كوخ المعلم. # وعاد الصمت يغشى الحجرة وقمر لا تحول عن وجهه عينيها ~~الذاهلتين. وتسلل النوم إلى أجفان إحسان، وهي ترضع فمال رأسها إلى ~~أسفل من فوق ساعد أمها فأرقدتها برفق على الفراش، وعادت تنظر إلى ~~زوجها بعين قلقة ووجه شاحب. وارتفع من الحارة صوت سوارس الأجش ~~وهو يسب رجلا، وصراخ الرجل وتأوهاته التي وشت بما ينهال عليه من ~~ضرب أو صفع، ثم صوت سوارس مرة أخرى وهو يبتعد منذرا متوعدا، وصوت ~~الرجل وهو يرتفع في نبرة حنق ويأس هاتفا: «يا جبلاوي!» وساءل قاسم ~~نفسه المرهقة بنظرات زوجته: ترى ماذا تظن بي؟ وحادثت المرأة ~~نفسها: إنه صادق، لم يكذبني قط، فلماذا يختلق هذه الحكاية؟ وهو ~~أمين لم يطمع في مالي مع ما في ذلك من أمان، فكيف يطمع في مال ~~الوقف على ms212 ما في ذلك من خطر؟! وترى هل ولت أيام الراحة حقا؟ ~~وقالت: أنا أول من أفضيت إليه بسرك؟ # فأحنى رأسه بالإيجاب، فعادت تقول: قاسم، حياتنا واحدة، وأنا لا ~~تهمني نفسي بقدر ما تهمني أنت، وسرك هذا شيء خطير، وعواقبه لا ~~تخفى عليك، ولكن أعمل ذاكرتك جيدا وخبرني أكان واقعا ما ~~رأيت أم لعله كان حلما؟ # فقال بتصميم وفي شيء من الامتعاض: كان واقعا ملموسا ولم يكن ~~حلما! ~~- وجدوك مغمى عليك؟! ~~- كان ذلك بعد اللقاء! # فقالت بإشفاق: ربما اختلط الأمر عليك! # فتنهد في عذاب لم تدر به وقال: لم يختلط شيء علي، كان اللقاء ~~واضحا كالنهار المشمس! # فترددت قليلا ثم تساءلت: من يدرينا أنه حقا خادم الواقف ~~ورسوله إليك؟ ولماذا لا يكون مسطولا من مساطيل حارتنا وما ~~أكثرهم؟! # فقال في نبرة عناد: رأيته وهو يصعد إلى سور البيت الكبير. # فتنهدت قائلة: ليس في حارتنا سلم يمكن أن يصل إلى نصف ارتفاع ~~السور! ~~- لكني رأيته! # بدت كفأر في مصيدة، لكنها أبت أن تستسلم. # فتساءلت: ألم تكن تعاطيت الكيف؟ # فتجهم وجهه حزنا وقال: أنت لا تصدقينني يا قمر وأنا لا أطالبك ~~بتصديقي. # فارتاعت المرأة وقالت: ليس بي شيء إلا أنني أخاف عليك، وأنت تعلم ~~ما أعني، أخاف عليك وعلى بيتنا وابنتنا وسعادتنا، وإني أسائل نفسي: ~~لماذا قصدك أنت بالذات؟ ولماذا لا يحقق إرادته بنفسه وهو صاحب ~~الوقف وسيد الجميع؟ # فتساءل بدوره: ولماذا قصد جبل ورفاعة؟ # اتسعت عيناها، وتقلص ركن فمها كالطفل الموشك على البكاء، وغضت ~~بصرها في جفول، فقال: أنت لا تصدقينني وأنا لا أطالبك ~~بتصديقي. # فأجهشت في البكاء، واسترسلت فيه كأنما لتهرب من أفكارها. فمال ~~قاسم نحوها، ثم مد يده إلى يدها فجذبها نحوه، وسألها في رقة: لماذا ~~تبكين؟ # فنظرت إليه خلال دموعها، وقالت وهي تشهق شهقات متقطعة: لأنني ~~أصدقك، نعم أصدقك، وأخشى أن تكون أيام الراحة قد ولت. # ثم في صوت خافت مشفق: ماذا أنت فاعل؟ # 74 # شحن جو الحجرة بالقلق والتوتر. بدا عم زكريا مفكرا مقطبا، ~~وراح عم عويس يعبث ms213 بشاربه، وكأن حسن كان يحادث نفسه، أما صادق فلم ~~يحول ناظريه عن وجه صديقه قاسم، على حين انزوت قمر في ركن حجرة ~~الاستقبال وهي تدعو الله أن يهدي الجميع إلى السداد والرشاد. وكانت ~~فناجيل القهوة قد فرغت وأخذت ذبابتان تحومان حولها، فنادت قمر ~~سكينة لتأخذ الصينية، فجاءت الجارية وحملتها ثم ذهبت وأغلقت الباب ~~وراءها كما كان. وقال عويس وهو ينفخ: يا له من سر يهد الأعصاب ~~هدا! # وعوى كلب في الحارة كأنما أصيب بطوبة أو عصا، وارتفع صوت بياع ~~ينادي مترنما بالبلح، وامرأة عجوز هتفت في أسى: «يا رب خلصنا من ~~عيشتنا!» والتفت زكريا إلى عويس قائلا: يا معلم عويس، إنك أكبرنا ~~مقاما وجاها، فصارحنا برأيك! # فنقل الرجل عينيه بين زكريا وقاسم وقال: أقول الحق إن قاسم رجل ~~ولا كل الرجال، ولكن حديثه أدار رأسي! # فقال صادق بعد توثب طويل للكلام: إنه رجل صادق، أتحدى أي مخلوق ~~أن يذكرنا بكذبة صدرت عنه، فهو عندي مصدق، وأقسم لكم على ذلك ~~بتربة أمي! # وقال حسن بحماس: وأنا كذلك. وسيجدني دائما إلى جانبه. # وابتسم قاسم لأول مرة في امتنان، وهو يرمق جسم ابن عمه القوي ~~بإعجاب، لكن زكريا ألقى على ابنه نظرة انتقاد وقال: ليس الأمر ~~لعبا، فكروا في حياتنا وسلامتنا. # فأمن عويس على قوله بإحناءة من رأسه وقال: صدقت، لم يسمع أحد ~~من قبل مثل ما سمعنا اليوم. # فقال قاسم: بل سمعوا مثله وأكثر عن جبل ورفاعة! # فدهش عويس وحدجه بإنكار متسائلا: أتظن أنك مثل جبل ~~ورفاعة؟ # وغض قاسم بصره متألما وقمر تراقبه بإشفاق، ثم قالت: عمي! من ~~يدري كيف تقع هذه الأمور؟! # فعاد الرجل يعبث بشاربه، وقال زكريا: وأي خير في أن يظن نفسه ~~كجبل أو رفاعة؟ قتل رفاعة شر قتلة، وكاد جبل أن يقتل لولا انضمام ~~أهله إليه، ومن لك أنت يا قاسم؟ أنسيت أنهم يدعون حينا بحي ~~الجرابيع، وأن أكثره ما بين متسول وتعيس؟ # فقال صادق بقوة: لا تنسوا أن الجبلاوي اختاره من دون الجميع بمن ~~فيهم الفتوات، ولا ms214 أظنه يتخلى عنه عند الشدة! # فقال زكريا ممتعضا: هكذا قيل عن رفاعة في أيامه، ولقد قتل رفاعة ~~على بعد أذرع من بيت الجبلاوي! # وقالت قمر محذرة: لا ترفعوا أصواتكم! # واسترق عويس إلى قاسم النظر وهو يفكر. ما أعجب ما يسمع وما يقال. ~~هذا الراعي الذي جعلت منه ابنة أخي سيدا! أقر له بالصدق ~~والأمانة، ولكن هل يكفي هذا ليجعل منه جبل أو رفاعة؟! وهل يجيء ~~الرجال الكبار بهذه البساطة؟ وماذا يحدث لو صدقت الأحلام ! وقال ~~عويس: يبدو أن قاسم لا يتأثر بتحذيراتنا، ترى ماذا يريد الفتى؟ هل ~~عز عليه أن يبقى حينا وحده الذي لا نصيب له في الوقف؟ أتريد يا ~~قاسم أن تكون فتوة وناظرا لحينا؟ # فبان الاحتداد في وجه قاسم وقال: لم يبلغني بذلك، وإنما قال: إن ~~جميع أولاد الحارة أحفاده، وإن الوقف لهم على قدم المساواة، وإن ~~الفتونة شر! # برق الحماس في عيني صادق وحسن، وذهل عويس، أما زكريا فتساءل: ~~أتعرف ماذا يعني هذا؟ # فقال عويس بغضب: قل له! ~~- أن تتحدى قوة الناظر ونبابيت لهيطة وجلطة وحجاج وسوارس! # فامتقع وجه قمر، أما قاسم فقال بهدوء كالحزن: هو ذلك! # فندت عن عويس ضحكة انعكس صداها استياء في وجوه قاسم وصادق ~~وحسن، ولم يحفل زكريا بذلك ومضى يقول: سيقضى علينا جميعا ~~بالهلاك، سنوطأ بالأقدام كالنمل، ولن يصدقك أحد. إنهم لم يصدقوا من ~~قابل الواقف ولا من سمع صوته وحاوره، فكيف يصدقون من أرسل إليه ~~خادما من خدمه؟ # وقال عويس بنبرة جديدة: دعونا مما تقول الحكايات، لم يشهد أحد ~~لقاء الجبلاوي وجبل، ولا الجبلاوي ورفاعة، تلك الأخبار تروى عادة ~~ولكن لم يشهدها أحد، غير أنها عادت بالخير على أصحابها، فصار لحي ~~آل جبل كيانه المحترم، كذلك حي آل رفاعة، ومن حق حينا أن يكون ~~مثلهما، لم لا؟ كلنا من صلب ذلك الرجل المعتكف في بيته الكبير، ~~ولكن علينا أن نأخذ الأمر بالحكمة والحذر، فاهتم يا قاسم بحيك، ~~دعك من الأحفاد والمساواة وما هو خير وما هو شر، ومن اليسير أن ms215 نضم ~~سوارس إلينا وهو قريبك، ويمكن الاتفاق معه على أن يترك لنا نصيبا ~~في الريع. # وقطب قاسم غاضبا، وقال: يا معلم عويس، أنت في واد ونحن في ~~واد. أنا لا أروم مساومة ولا نصيبا في الريع ولكني عقدت العزم ~~على تحقيق إرادة جدنا كما أبلغتها. # وتأوه زكريا قائلا: يا ساتر يا رب! # لم يزل قاسم مقطبا، ذكر أشجانه وخلواته وأحاديث معلمه يحيى، ~~وكيف جاءه الفرج على يد خادم لم يعرفه من قبل، وكيف تلوح الخطوب ~~في الأفق، وكيف أن زكريا لا يفكر إلا في السلامة وأن عويس لا يفكر ~~إلا في الريع، وكيف أن الحياة لن تطيب إلا بمواجهة الأفق المليء ~~بالخطوب. وتنهد قائلا: عمي، كان يجب أن أبدأ بمشاورتكم ولكني لن ~~أطالبكم بشيء! # فشد صادق على يده قائلا: إني معك. # وكور حسن قبضته قائلا: وأنا معك، في الخير والشر معك. # فقال زكريا في ضجر: لا تغتر بكلام العيال! عندما ترتفع النبابيت ~~تمتلئ الجحور بأمثالكم، وفي سبيل من تعرض نفسك للهلاك؟ ليس في ~~حارتنا إلا حيوان أو حشرة، ولديك من الأسباب ما يضمن لك حياة ~~رغيدة طيبة فاعقل وتمتع بحياتك. # وساءل قاسم نفسه: ماذا يقول الرجل؟ كأنما يستمع لبعض هواتف نفسه ~~عندما تقول له، ابنتك، زوجتك، بيتك، نفسك. لكنك اخترت كما ~~اختير جبل ورفاعة، فليكن جوابك كما كان جوابهما. قال: فكرت يا ~~عمي طويلا ثم اخترت سبيلي. # فضرب عويس كفا بكف وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله! # وقال عويس محذرا: سيقتلك الأقوياء ويهزأ بك الضعفاء! # وقلبت قمر عينيها بين عمها وبين عم زوجها في حيرة، مشفقة من ~~خذلان زوجها، وفي الوقت نفسه خائفة عليه عواقب التمادي في رأيه. ~~وقالت مخاطبة عمها: عمي، أنت سيد الأعيان، وبوسعك أن تؤيده ~~بنفوذك! # فسألها عويس مستهجنا: فيم تطمعين يا قمر؟ لك مال وابنة وزوج ~~فماذا يعنيك وزع الوقف على الجميع أم استأثر به الفتوات؟ إننا ~~نعد الطامح إلى الفتونة مجنونا، فما بالك بمن يطمح إلى نظارة ~~الحارة جميعا؟! # فهب قاسم واقفا في تألم ms216 شديد وقال: لست طامحا إلى شيء من ~~هذا، إنما أريد الخير الذي أراده جدنا. # فاسترضاه عويس بابتسامة متكلفة وقال: أين هو جدنا؟ فليخرج إلى ~~الحارة ولو محمولا على أعناق خدمه، ثم فليحقق شروط وقفه كما يشاء. ~~أتحسب أن أحدا في الحارة مهما بلغت قوته يستطيع إذا تكلم الواقف ~~أن يرفع نحوه عينا أو أصبعا؟ # وقال زكريا مكملا: وهل هو إذا وثب الفتوات لذبحنا سيحرك ~~ساكنا أو يكترث لما يصيبنا؟ # فقال قاسم في وجوم شديد : لن أطالب أحدا بتصديقي أو ~~بتأييدي. # فقام زكريا إليه ووضع يده على منكبه بعطف وقال: يا قاسم، أصابتك ~~عين، أنا أعلم بهذه الشرور. طالما تحدثوا عن عقلك وسعيد حظك، حتى ~~أصابتك العين. استعذ من الشيطان بالله، واعلم أنك اليوم من وجهاء ~~حينا وبوسعك إذا شئت أن تتاجر ببعض مال زوجتك فتحظى بالثراء ~~الوفير، فأقلع عما في رأسك وارض بما وهبك الله من خير ~~ونعمة. # فأطرق قاسم محزونا، ثم رفع رأسه إلى عمه، وقال بتصميم عجيب: لن ~~أقلع عما في رأسي ولو ملكت الوقف كله وحدي. # 75 # ماذا أنت فاعل؟ وحتام تفكر وتنتظر؟ وماذا تنتظر؟ وما دام القريب ~~لم يصدقك فمن ذا الذي يصدقك؟ وما فائدة الحزن؟ وما جدوى الانفراد ~~تحت صخرة هند؟ النجوم لا تجيب ولا الظلام، ولا يجيب القمر، كأنك ~~تأمل في لقيا الخادم مرة أخرى، ولكن أي جديد عنده ترتقب؟ وتجوس في ~~الظلام حول البقعة التي قيل إن جدك قابل فيها جبل، وتقف طويلا ~~وراء السور الكبير في الموضع الذي قيل إنه خاطب عنده رفاعة. لكن لا ~~شخصه رأيت ولا صوته سمعت ولا خادمه رجع. ماذا أنت فاعل؟ سيطاردك ~~هذا السؤال كما تطارد الشمس في الخلاء راعي الغنم، وسيقتلعك دواما ~~من راحة البال ومن طيبات النعم. وجبل كان مثلك وحيدا لكنه انتصر، ~~ورفاعة عرف سبيله ومضى فيه حتى قتل ثم انتصر؛ ماذا أنت ~~فاعل؟ # وقالت له قمر معاتبة: شد ما تهمل طفلتك الجميلة! تبكي فلا ~~ترحمها، وتلعب فلا تلاعبها! # فابتسم إلى الوجه الصغير مستروحا ms217 نسمة منه لسعير فكره، وغمغم: ~~ما ألطفها! ~~- حتى الساعة التي تجالسنا فيها تغيب عنا كأننا لم نعد من أهل ~~دنياك. # فاقترب منها على الكنبة التي تجمعهما ولثم خدها، ثم قبل وجه ~~الطفلة في أكثر من موضع وقال: ألا ترين أنني بحاجة إلى ~~عطفك؟ ~~- ولك قلبي كله بما فيه من عطف وحب ومودة، ولكن ينبغي أن ترحم ~~نفسك. # وناولته الطفلة فاحتضنها وراح يهدهدها برفق وحنان مصغيا إلى ~~أنغامها السماوية. وبغتة قال: إذا نصرني المولى فلن أحرم النساء من ~~ريع الوقف. # فقالت قمر بدهشة: لكن الوقف للذكور دون الإناث. # فرنا إلى العينين السوداوين في وجه الصغيرة وقال: قال جدي على ~~لسان خادمه: إن الوقف للجميع، والنساء نصف كيان حارتنا، ومن عجب أن ~~حارتنا لا تحترم النساء، ولكنها ستحترمهن يوم تحترم معاني العدالة ~~والرحمة. # وتجلى الحب والإشفاق في عيني قمر. وقالت لنفسها: إنه يذكر ~~النصر، فأين منا هذا النصر؟ وكم ودت أن تنصحه بما فيه الأمن ~~والسلامة ولكن خانتها شجاعتها. وساءلت نفسها عما يخبئ لهم الغد. ~~ترى أيكون لها حظ شفيقة زوجة جبل، أم تصاب بما أصيبت به عبدة أم ~~رفاعة؟! واقشعر بدنها فنظرت بعيدا حتى لا يقرأ في عينيها ما ~~يريبه. # وعندما جاءه صادق وحسن ليذهبوا جميعا إلى القهوة عرض عليهما أن ~~يزوروا المعلم يحيى ليقدمهما إليه. ولما بلغوا كوخه وجدوه يدخن ~~الجوزة ورائحة الحشيش الغنائية عابقة بالجو. وقدم إليه صاحبيه، ~~وجلسوا جميعا في دهليز الكوخ والبدر من كوة يلوح كأنه السعادة. ~~وكان يحيى ينظر إلى وجوه الثلاثة بعجب وكأنه يتساءل: أهؤلاء حقا ~~هم الذين سيقلبون الحارة رأسا على عقب؟! ومضى يعيد على مسامع قاسم ~~ما سبق أن ردده له، قال: احذر أن يعلم أحد بسرك قبل أن ~~تستعد. # ودارت الجوزة دورة مليحة، وكان ضوء القمر النافذ من الكوة يتوج ~~رأس قاسم وينطرح على الكتف من صادق، على حين توهجت جمرات الموقد في ~~ظلمة الدهليز. وتساءل قاسم: وكيف أستعد؟ # فضحك العجوز قائلا في دعابة: ليس من حق من اختاره الجبلاوي أن ~~يستعين ms218 برأي عجوز مثلي! # وأخلى الصمت لقرقرة الجوزة حتى قطعه العجوز قائلا: لديك عمك وعم ~~زوجتك؛ أما عمك فلا فائدة منه ولا ضرر، وأما الآخر فبوسعك أن تكسبه ~~إلى جانبك لو منيته بشيء! ~~- بماذا أمنيه؟ ~~- عده بنظارة الجرابيع! # فقال صادق بإخلاص: لن يميز أحد بشيء من ريع الوقف، هو ميراث ~~الجميع على قدم المساواة كما قال الجبلاوي. # فضحك يحيى قائلا: ما أعجب جدنا، كان قوة في جبل، ورحمة في ~~رفاعة، واليوم له شأن آخر! # فقال قاسم : إنه صاحب الوقف، ومن حقه أن يغير ويبدل في الشروط ~~العشرة! ~~- لكن مهمتك شاقة يا بني، إنها تخص الحارة كلها لا حيا من ~~الأحياء. ~~- هكذا أراد الواقف. # وسعل يحيى سعالا متواصلا تركه كالقتيل فتطوع حسن لخدمة الجوزة ~~محله. ومد الرجل ساقيه وهو يتنهد بعمق. ثم تساءل: ترى أتعمد ~~إلى القوة كجبل أم تؤثر الحب كرفاعة؟ # فجاست يد قاسم خلال لاسته، ثم قال: القوة عند الضرورة والحب في ~~جميع الأحوال. # فهز يحيى رأسه، وجعل يبتسم، ثم قال: لا عيب فيك إلا اهتمامك ~~بالوقف، سوف يسوقك ذلك إلى متاعب لا حصر لها. ~~- كيف يعيش الناس بغير الوقف؟ # فقال العجوز في مباهاة: كما عاش رفاعة. # فقال قاسم بجد وأدب: عاش بمعونة أبيه ومحبيه، وخلف أصدقاء لم ~~يستطع أحدهم أن يحذو حذوه، والحق أن حارتنا التعيسة في حاجة إلى ~~النظافة والكرامة. ~~- ألا يجيء ذلك إلا بالوقف؟ ~~- بلى يا معلم، بالوقف وبالقضاء على الفتونة، هنالك تتحقق ~~الكرامة التي أهداها جبل إلى حيه، والحب الذي دعا إليه رفاعة، بل ~~والسعادة التي حلم بها أدهم. # فضحك يحيى متسائلا: ماذا أبقيت لمن يجيء بعدك؟ # فتفكر مليا، ثم قال: إذا نصرني المولى فلن تجد الحارة حاجة إلى ~~أحد بعدي. # ودارت الجوزة كملاك في حلم، وغنى الماء في القنينة، وتثاءب ~~يحيى تثاؤب الانسجام، ثم تساءل: ماذا يبقى لأحدكم إذا وزع الريع ~~بالتساوي؟ # فقال صادق: إنما نريد الوقف لنستغله وبذلك تصير الحارة امتدادا ~~للبيت الكبير! ~~- وماذا أعددتم من عمل؟ # واختفى ضياء القمر وراء سحابة عابرة فساد ms219 الدهليز الظلام، ~~ولكن لم تمض دقيقة حتى انهل الضياء. ونظر يحيى إلى جسم حسن ~~المفتول وتساءل: هل يستطيع ابن عمك أن يهزم الفتوات؟ # وإذا بقاسم يقول: إني أفكر جادا في مشاورة محام شرعي! # فصاح يحيى: أي محام يقبل أن يتحدى الناظر رفعت وفتواته؟ # واختلط ذهول الكيف بوجوم الفكر. ورجع الأصدقاء الثلاثة فيما يشبه ~~القنوط. وعانى قاسم في خلواته مر العذاب، وركبه الهم والكدر حتى ~~قالت له قمر ذات يوم: ما ينبغي أن نهتم بسعادة الناس إلى حد إشقاء ~~أنفسنا! # فقال بحدة: ينبغي أن أكون عند حسن الظن الذي وضع في. ~~- ماذا أنت فاعل؟ لماذا لا تتزحزح عن حافة الهاوية؟ هاوية اليأس ~~المليئة بالصمت والركود، مقبرة الأحلام المغطاة بالرماد، ذئب ~~الذكريات الجميلة والأنغام المطربة، طارحة الغد في كفن ~~الأمس. # لكنه دعا يوما صادق وحسن إليه وقال لهما: آن لنا أن ~~نبدأ! # فتهلل وجهاهما وقال حسن: هات ما عندك. # فقال بصوت دبت فيه الحياة: انتهيت من تفكيري إلى قرار، وهو ~~أن ننشئ ناديا للرياضة البدنية! # وعقدت الدهشة لسانيهما فابتسم وهو يقول: سنجعله في حوش بيتي، ~~والرياضة هواية منتشرة في أكثر الأحياء. ~~- وما علاقة ذلك بعملنا؟ # وتساءل صادق بدوره: ناد لرفع الأثقال مثلا! ما علاقة ذلك ~~بالوقف؟! # فقال قاسم وعيناه تبرقان: سيجيء إلينا الشبان، حبا في القوة ~~واللعب، وسيقع الاختيار على من هم أهل للثقة والاستعداد. # فاتسعت الأعين، وهتف حسن: سنكون عصبة وأي عصبة! ~~- نعم، وسيجيء إلينا شبان من جبل وآخرون من رفاعة. # وشملتهم فرحة غناء، وبدا قاسم في مشيته وكأنه يرقص. # 76 # جلس قاسم لصق النافذة بحيث يشاهد الحارة في يوم العيد. وما أبهج ~~العيد في حارتنا! # لقد رش السقاءون الأرض بالقرب، وزينت أعناق الحمير وأذيالها ~~بالورود الاصطناعية، ورقص الفراغ بالألوان الفاقعة يرتديها الصغار ~~وتنطلق بها البالونات، وركزت في ~~عربات اليد الأعلام الصغيرة، واختلط الصياح والهتاف والتهليل ~~بأصوات الزمامير، وتمايلت العربات الكارو بالراقصات والراقصين، ~~وأغلقت الدكاكين واكتظت المقاهي والحانات والغرز. وعند كل ركن ~~بزغت البشاشة، وقال قائل: «كل عام وأنتم بخير». وجلس ms220 قاسم في ثوب ~~جديد وإحسان واقفة في حجره متأبطة راحتيه، تجوس بيديها الصغيرتين ~~في قسماته أو تنشب أظافرها في خديه. وارتفع صوت تحت النافذة ~~يغني: # أصل اللي شبكتني مع المحبوب عيني دي. # فذكر لتوه زفته السعيدة حتى رق قلبه. وهو رجل ~~يحب الغناء والطرب. وكم تمنى أدهم أن يتفرغ للغناء في الحديقة ~~الغناء. وماذا يغني الرجل في العيد؟ أصل اللي شبكتني مع المحبوب ~~عيني دي؟ صدق الرجل. فمنذ ارتفعت عيناه في الظلام إلى قنديل سلب ~~قلبه وعقله وإرادته. وها هو ذا حوش بيته يستحيل ناديا لتقوية ~~الأبدان وتطهير الأرواح. وهو مثلهم يرفع الأثقال ويتعلم التحطيب، ~~وصادق امتلأت عضلات ذراعيه كما امتلأت من قبل - بفضل عمله في تبييض ~~النحاس - عضلات ساقيه. أما حسن فيا له من مارد عملاق! والآخرون ما ~~أبهر حماستهم! وكان صادق حكيما يوم نصحه بدعوة المتعطلين ~~والمتسولين إلى ناديه، وسرعان ما تحمسوا لألعابه كما تحمسوا ~~لأقواله. أجل إنهم قلة ولكنهم لطموحهم إذا وزنوا بأضعاف أضعافهم ~~رجحوا بهم. وهتفت إحسان: «آد .. آد ..» فقبلها كثيرا، وكان طرف ~~جلبابه الجديد مبتلا تحتها. وترامى إليه من المطبخ دق الهاون ~~وصوتا قمر وسكينة ومواء القطة. ومرت عربة كارو تحت الشباك وهي تنشد ~~مصفقة: # الفاتحة للعسكري قلع الطربوش وعمل ولي. # وابتسم قاسم فتذكر ليلة غنى المعلم يحيى هذه ~~الأنشودة وهو في تمام السطول. آه لو تستقيم الأمور فلا يبقى لك إلا ~~الغناء يا حارتنا! غدا يمتلئ النادي بالأعوان الأقوياء والصادقين. ~~غدا أتحدى بهم الناظر والفتوات وجميع العقبات. كي لا يبقى في ~~الحارة إلا جد رحيم وأحفاد بررة، ويمحق الفقر والقذارة والتسول ~~والطغيان، وتختفي الحشرات والذباب والنبابيت، وتسود الطمأنينة في ~~ظل الحدائق والغناء. # واستيقظ من أحلامه على صوت قمر وهي تنهر سكينة في غضبة داهمة. ~~أنصت متعجبا ثم نادى زوجته، وسرعان ما فتح الباب وجاءت قمر وهي ~~تدفع الجارية أمامها وتقول: انظر إلى هذه المرأة! ولدت في بيتنا ~~كما ولدت أمها من قبل، ولا تتعفف عن التجسس علينا! # فنظر إلى سكينة بإنكار حتى هتفت بصوتها ms221 النحاسي: لست خائنة يا ~~سيدي ولكن ستي لا ترحم! # وقالت قمر وفي عينيها فزع أخفقت في مداراته: رأيتها تبتسم وتقول ~~لي: «سيجيء العيد القادم إن شاء الله وسيدي قاسم سيد الحارة كلها ~~كما كان جبل في حي حمدان!» .. سلها عما تعني بذلك؟ # وقطب قاسم مهتما، وسألها: ماذا تعنين يا سكينة؟ # فقالت الجارية بجرأة غير غريبة عليها: أعني ما قلت؛ لست خادمة ~~كالخادمات، أعمل اليوم هنا وغدا هناك؛ إني ربيبة هذا البيت، وما ~~كان يجوز أن يخفى عني سر. # فتبادل الرجل نظرة سريعة مع زوجته، وأشار إلى الطفلة فجاءت ~~وتلقتها منه، وأمر الجارية أن تجلس فجلست عند قدميه وهي تقول: ~~أيصح أن يعلم بسرك غرباء عن البيت وأظل أجهله أنا؟! ~~- أي سر تقصدين؟ # فقالت الجارية بنفس الجرأة: حديث قنديل إليك عند صخرة ~~هند! # ندت عن قمر آهة، ولكن قاسم أشار إلى الجارية أن تستمر فقالت: كما ~~حدث لجبل ورفاعة من قبل، لست دونهما يا سيدي. أنت سيد، حتى على ~~عهد الرعي كنت سيدا، وكنت الوسيط الذي جمع بينكما، ألا تذكر؟ كان ~~يجب أن أعلم قبل الآخرين، كيف تأمن الغرباء ولا تأمن جاريتك؟! ~~سامحكما الله، لكني أدعو لك بالنصر، نعم أدعو لك بالنصر على الناظر ~~والفتوات، من ذا الذي لا يدعو لك بذلك؟! # فصاحت قمر وهي تهدهد الطفلة بحركة عصبية: ما كان يجوز أن تتجسسي ~~علينا، وسيظل العيب لاصقا بذقنك. # فقالت سكينة في حرارة صادقة: لم أقصد التجسس وربي شهيد، ولكن نفذ ~~إلي من الباب كلام لم يسعني إلا متابعته، وما كان في وسع إنسان ~~أن يغلق أذنيه دونه، إن ما يقطع قلبي يا ستي هو أنك لا تطمئنين ~~إلي، لست خائنة، أنت آخر من أخون، ولحساب من أخونك؟ سامحك الله ~~يا ستي. # كان قاسم يتفحصها بعناية، بعينيه وبقلبه، فلما انتهت قال بهدوء: ~~أنت مخلصة يا سكينة، لا شك في إخلاصك. # فحدجته بنظرة مستطلعة مؤملة، وتمتمت: عشت يا سيدي، أنا والله ~~كذلك. # فقال بصوت خفيض: أنا أعرف المخلصين، ولن تنبت الخيانة في ms222 بيتي ~~كما نبتت في بيت أخي رفاعة. يا قمر .. هذه المرأة مخلصة مثلك فلا ~~تسيئي إليها بالظن، هي منا كما نحن منها، ولن أنسى أنها كانت رسول ~~السعادة إلي. # فقالت قمر بصوت نم عن بعض الارتياح: لكنها استرقت ~~السمع! # فقال قاسم باسما: لم تسترق السمع، ولكن الصوت نفذ إليها بمشيئة ~~المولى، كما سمع رفاعة صوت جده دون تدبير منه. مباركة أنت يا ~~سكينة! # فخطفت الجارية يده وانهالت عليها لثما وتقبيلا وهي تقول: روحي ~~فداؤك يا سيدي ، والله لتنتصرن على أعدائك وأعدائنا حتى تسود الحارة ~~كلها. ~~- ليست السيادة مطلبنا يا سكينة! # فبسطت يديها داعية: اللهم حقق مطالبه! ~~- آمين! # ثم نظر إليها باسما وهو يقول: وستكونين رسولي إذا احتجت إلى ~~رسول، وبذلك تشتركين في عملنا! # فتهلل وجه المرأة بشرا، ونطقت عيناها بالعزة، فأردف قائلا: إذا ~~أذنت الأقدار بأن يوزع الوقف كما نريد فلن تحرم منه امرأة، سيدة ~~كانت أم خادمة! # عقدت الدهشة لسان المرأة، فعاد يقول: قال الواقف: إن الوقف ~~للجميع، وأنت يا سكينة حفيدة الواقف مثل قمر سواء بسواء. # واكتسى وجه المرأة بالبهجة ورنت إلى سيدها بامتنان. وترامت من ~~الحارة أنغام مزمار راقصة. وصاح صائح: «لهيطة .. ألف مرة». فتحول ~~قاسم نحو الطريق فرأى موكب الفتوات وهم يخطرون على الجياد المزينة، ~~والناس تستقبلهم بالهتاف والإتاوات، ثم مضوا نحو الخلاء؛ ليتنافسوا ~~كعادتهم في الأعياد في مضمار السباق والتحطيب .. وما إن اختفى ~~موكبهم حتى ظهر عجرمة في الحارة وهو يترنح سكرا. ابتسم قاسم لدى ~~ظهور الشاب الذي يعد من أصدق شباب النادي، وتابعه بعينيه حتى ~~وقف في مركز الوسط من حي الجرابيع وصاح: أنا جدع! # فهبط عليه صوت ساخر من أول ربع في حي آل رفاعة قائلا: يا زين ~~الجرابيع! # فرفع عجرمة نحو النافذة عينين حمراوين وصاح بصوت مخمور: جاء ~~دورنا يا غجر! # والتف حوله غلمان وسكارى ومساطيل في ضجة عالية من الغناء ~~والزغاريد والطبل والزمر، وإذا بصوت يصيح: اسمعوا .. جاء دور ~~الجرابيع .. ألا تريدون أن تسمعوا؟! # فهتف عجرمة وهو يترنح: جد واحد للجميع، ms223 وقف واحد للجميع. ~~والسلام على الفتونة. # ثم غاب في الزحام. وسرعان ما وثب قاسم واقفا فتناول عباءته، ~~وغادر الحجرة مسرعا وهو يقول: الله يلعن الخمرة وزمانها! # 77 ~~- تجنبوا الظهور بين الناس وأنتم سكارى. # قال قاسم ذلك جادا مقطبا وهو جالس تحت صخرة هند يقلب عينيه في ~~وجوه أصحابه المقربين من أعضاء النادي: صادق وحسن وعجرمة وشعبان ~~وأبو فصادة وحمروش. كان الجبل يلوح من ورائهم شامخا وهو يتلقى ~~طلائع الليل الهابطة، ولم يكن في الخلاء إلا راعي غنم يقف معتمدا ~~على عصاه في أقصى الجنوب. وبدا عجرمة مطرقا أسيفا وهو يقول: ~~ليتني مت قبل ذلك. # فقال قاسم في فتور: من الأخطاء ما لا يجدي معه الاعتذار، المهم ~~عندي الآن أن أعرف مدى أثر هذيانك في أعدائنا! # قال صادق: من المؤكد أنه سمع على نطاق واسع. # وقال حسن متجهما: لمست ذلك بنفسي في قهوة جبل حيث دعاني صديق ~~من آل جبل إلى مجالسته، فسمعت رجلا يحكي بصوت مرتفع ما كان من ~~أمر عجرمة. أجل كان يحكي وهو يضحك هازئا، ولكني لا أستبعد أن تثير ~~حكايته ريبة في بعض النفوس، كما أخشى انتقالها من فم إلى فم حتى ~~تبلغ أحد الفتوات. # فقال عجرمة متنهدا: لا تبالغ يا حسن. # فقال صادق: المبالغة خير من التهاون وإلا أخذنا من حيث لا ~~نتوقع! # فقال عجرمة: أقسمنا ألا نخاف الموت! # فقال صادق محتدا: كما أقسمنا أن نحفظ السر! # فقال قاسم: وإذا هلكنا اليوم تبددت الآمال الكبار. # واشتد الوجوم مع الظلام الزاحف حتى عاد قاسم إلى الكلام قائلا: ~~ينبغي أن نتدبر الأمر. # فقال حسن: فلندبر أمرنا على افتراض أسوأ الاحتمالات. # فقال قاسم بصوت كئيب: هذا معناه القتال. # وتحركت الرءوس تتبادل النظرات في الظلام، ومن فوقها انبثقت ~~النجوم تباعا، وهب هواء يطوي في تضاعيفه بقايا من حر النهار ~~كالنوايا السيئة. ثم قال حمروش: سنقاتل حتى الموت. # فقال قاسم ممتعضا: ويستمر الحال كما كان! # فقال صادق: ما أسرع ما يقضون علينا! # فقال أبو فصادة مخاطبا قاسم: من حسن الحظ أن ms224 هناك أسباب قربى ~~تجمع بينك وبين سوارس، كما تجمع بين حرمك وحرم الناظر، وفضلا عن ~~هذا وذاك كان لهيطة من أصدقاء أبيك في شبابه. # فقال قاسم بفتور: ربما أجل هذا القضاء، ولكنه لن يمنع ~~وقوعه. # فسأل صادق برجاء: ألا تذكر أنك فكرت يوما في الالتجاء إلى محام ~~شرعي؟ ~~- وقيل لنا إنه لن يجرؤ محام على تحدي الناظر والفتوات. # فقال عجرمة محاولا التخفف من ذنبه: هناك محام في بيت القاضي ~~معروف بالجرأة. # ولكن صادق عاد يقول متراجعا: أخشى ما أخشاه أن نجهر بالعداوة عن ~~طريق القضية وتكون مخاوفنا من عواقب كلام عجرمة سابقة ~~لأوانها. # فقال عجرمة: فلنشاور المحامي في الأمر، ولنتفق معه على تأجيل رفع ~~الدعوى حتى تدفعنا الضرورة إلى ذلك، وسنجد من يواليها منا ولو من ~~خارج الحارة. # ووافق قاسم والآخرون على هذا الرأي كإجراء احتياطي. وقاموا من ~~فورهم فذهبوا إلى مكتب الشنافيري المحامي الشرعي ببيت القاضي. ~~وقابلهم الشيخ فشرح له قاسم قضيتهم، وأخبره عن نيتهم في تأجيل رفع ~~الدعوى إلى حين، على أن يستعد هو للأمر بدراسة الموضوع والتأهب ~~لاتخاذ الإجراءات كافة. وعلى خلاف ظن أكثرهم قبل المحامي القضية، ~~وقبض مقدم الأتعاب، فانصرفوا من لدنه مغتبطين. وتفرقوا، فعاد ~~الصحاب إلى الحارة ومضى قاسم إلى المعلم يحيى. وجالسه في دهليز ~~الكوخ يدخنان ويتبادلان الرأي. وبدا المعلم آسفا على ما وقع ووصى ~~قاسم باليقظة والحذر. # وعاد قاسم بعد ذلك إلى داره، ولما فتحت له قمر رأى في وجهها ما ~~أزعجه فسألها عما وراءها فقالت: أرسل حضرة الناظر في طلبك! # فخفق قلب قاسم، وتساءل: متى؟ ~~- آخر مرة منذ عشر دقائق! ~~- آخر مرة؟! ~~- أرسل إليك ثلاث مرات في ظرف ساعة. # واغرورقت عيناها وهي تتكلم، فقال: ليس هذا ما أنتظره منك. # فانتحبت قائلة: لا تذهب! # فقال وهو يتظاهر بالهدوء: الذهاب آمن من التخلف، ولا تنسي أن ~~هؤلاء اللصوص لا يعتدون على أحد في بيوتهم. # وبكت إحسان في الداخل فهرعت إليها سكينة، وقالت قمر: أجل ذهابك ~~حتى أقابل أمينة هانم. # فقال بحزم: هذا لا يليق ms225 بنا. سأذهب من فوري، ولا داعي للخوف فلا ~~أحد منهم يعرف عني شيئا. # فتشبثت به قائلة: دعاك أنت لا عجرمة، أخشى أن يكون بعضهم قد وشى ~~بك. # فتخلص منها برفق وهو يقول: قلت لك منذ اللحظة الأولى إن أيام ~~الراحة ولت، وجميعنا يعلم بأننا سنواجه الشر عاجلا أو آجلا، ~~فلا تجزعي هكذا، وابقي بخير حتى أرجع. # 78 # عاد البواب من داخل بيت الناظر وقال لقاسم في فتور وجفاء: ~~ادخل. # ومضى أمامه فتبعه قاسم باذلا جهده للسيطرة على مشاعره ، وسطعته ~~رائحة الحديقة الزكية دون أن يلتفت إليها، حتى وجد نفسه أمام مدخل ~~البهو. وتنحى البواب عن طريقه فدخل ثابت الجنان بدرجة لم يكتشفها ~~في نفسه من قبل. ونظر أمامه فرأى في أقصى البهو الناظر جالسا على ~~ديوان، وكان هناك شخصان، يجلس أحدهما على مقعد إلى يمين الناظر ~~والآخر إلى يساره، لكنه لم يتبينهما أو يعن بالالتفات إلى ~~أحدهما، واقترب من مجلس الناظر حتى وقف على بعد أذرع منه، فرفع يده ~~بالتحية وقال بأدب: مساء الخير يا حضرة الناظر. # ولمح دون قصد الجالس إلى يمينه فإذا به لهيطة، ولحظ الآخر لكن ~~عينيه حملقتا فيه بلا وعي منه، وتلقى صدمة كادت أن تهيضه. لم يكن ~~الرجل إلا الشيخ الشنافيري المحامي الشرعي! أدرك خطورة الموقف، إن ~~سره انكشف، إن المحامي النذل خان الأمانة، وإنه وقع. التحم في قلبه ~~اليأس بالغيظ والغضب. وعرف أنه لن ينجيه المكر أو الدهاء فصمم على ~~الصمود والتحدي. ولم يكن في الوسع أن يتراجع خطوة، فكان عليه أن ~~يتقدم أو يثبت على الأقل. وقد ذكر موقفه هذا فيما تبع من أيام، ~~وكان يؤرخ به مولد شخص جديد في ذاته لم يكن يتصور وجوده. وانتزعه ~~من دوامته صوت الناظر الجاف وهو يتساءل: أنت قاسم؟ # فأجاب بصوت طبيعي: نعم يا سيدي. # فسأله دون أن يأذن له بالجلوس: هل أدهشك وجود الأستاذ؟ # فأجاب بنفس النبرة: كلا يا سيدي. # فتساءل بازدراء: أأنت راعي الغنم؟ ~~- انقطعت عن رعي الغنم منذ أكثر من عامين. ~~- وماذا تعمل ms226 الآن؟ ~~- وكيلا لزوجتي في أملاكها. # فندت عن الناظر هزة رأس ساخرة، ثم أشار إلى المحامي آذنا له ~~بالكلام فقال الشيخ مخاطبا قاسم: لعلك تعجب من موقفي باعتباري ~~محاميك، ولكن لحضرة الناظر مكانة تعلو على هذه الاعتبارات جميعا. ~~وسيفسح تصرفي لك مجالا للتوبة وهو خير من التورط في عداوة كانت ~~ستؤدي بك إلى الهلاك. وقد أذن لي حضرة الناظر في أن أخبرك بأنني ~~تشفعت لك عنده بالعفو إذا أعلنت التوبة، فأرجو أن تقدر حسن ~~نيتي، وهاك مقدم الأتعاب أرده إليك. # فرمقه قاسم بنظرة قاسية وتساءل: لماذا لم تنصحني بالحق وأنا في ~~مكتبك؟ # فأخذ المحامي بجرأته، ولكن الناظر أسعفه بقوله: أنت هنا لتسأل ~~لا لتسأل! # ونهض المحامي مستأذنا بالانصراف، ثم مضى وهو يحبك جبته مداراة ~~لارتباكه. وعند ذاك تفحص الناظر قاسم بنظرة قاسية وقال بنبرة ~~كالسب: كيف سولت لك نفسك الشروع في رفع دعوى علي؟ # وجد نفسه محاصرا، فإما القتال وإما القتل، ولكنه لم يدر ماذا ~~يقول؟ فقال الآخر: انطق، خبرني عما وراءك، هل أنت مجنون؟ # فقال قاسم في وجوم: أنا عاقل بحمد الله. ~~- لا يبدو هذا مؤكدا، لماذا أقدمت على فعلتك المنكرة؟ لم تعد ~~فقيرا مذ رضيتك المجنونة زوجا لها، فماذا أردت من فعلتك؟ # فزمجر قاسم كأنما ليأمن الغضب وقال: لا أريد شيئا لنفسي. # فنظر الناظر نحو لهيطة كأنما يشهده على غرائب ما يسمع، ثم أعاد ~~عينيه إلى قاسم فيما يشبه الثورة، وصاح: إذن لماذا فعلت ما ~~فعلت؟! # فأجاب قاسم: ما أردت إلا العدل. # فضيق الرجل عينيه في حقد وتساءل: أتحسب أن علاقة زوجتك ~~بالهانم قادرة على حمايتك؟ # فغض بصره وهو يقول: كلا يا سيدي! ~~- هل أنت فتوة قادر على تحدي فتوات الحارة جميعا؟ ~~- كلا يا سيدي. # فصرخ الرجل: قل إنك مجنون وأرحني. ~~- أنا عاقل والحمد لله. ~~- لماذا شرعت في رفع دعوى علي؟ ~~- أردت العدل. ~~- لمن؟ # فارتسم التفكير في عينيه وهو يقول: للجميع. # فتفرس في وجهه مرتابا في عقله، وتساءل: وما شأنك أنت؟ # فقال قاسم وكأنه ثمل بشجاعته: بذلك تتحقق شروط ms227 الواقف! # فصرخ الناظر: أنت يا جربوع تتكلم عن شروط الواقف؟! # فقال قاسم بهدوء: إنه جدنا جميعا. # فهب الناظر واقفا في غضب وهوى بشعر منشته على وجه قاسم ~~بأقصى قوته وصاح: جدنا؟! ليس فيكم من يعرف أباه، ولكنكم تقولون ~~بكل وقاحة جدنا، يا لصوص يا جرابيع يا سفلة، إنما تتمادى في ~~وقاحتك استنادا إلى حماية هذا البيت لك ولزوجتك، ولكن كلب البيت ~~يفقد حمايته إذا عض يد المحسنين إليه. # ووقف لهيطة ليسكن من ثورة الناظر فقال: عد إلى مجلسك مطمئنا ~~فلا يصح أن تكدر صفوك ذبابة. # فجلس رفعت وشفتاه ترتعشان من الغضب، وصاح: حتى الجرابيع يطمعون ~~في الوقف ويقولون بكل وقاحة جدنا. # وعاد لهيطة إلى مجلسه وهو يقول: الظاهر أن ما تناقله الناس عن ~~الجرابيع صحيح، ومن سوء حظ حارتنا أنهم يسعون إلى الهلاك ~~بأقدامهم. # والتفت إلى قاسم وقال: كان أبوك من أعواني الأوائل فلا ترغمني ~~على قتلك. # فصاح الناظر: إنه يستحق ما هو أفظع من القتل جزاء فعلته، ولولا ~~الهانم لكان الساعة في الهالكين! # وواصل لهيطة استجواب قاسم قائلا: أصغ إلي يا بني، وخبرني ~~عمن وراءك؟ # فتساءل قاسم وهو ما زال يستشعر الألم عند موقع المنشة من وجهه: ~~من تقصد يا سيدي؟ ~~- من دفعك إلى رفع الدعوى؟ ~~- لا أحد سوى نفسي. ~~- كنت راعي غنم ثم ابتسم لك الحظ، ففيم تطمع أكثر من ~~ذلك؟ ~~- العدل، العدل يا معلم. # فصر الناظر على أسنانه وهتف: العدل؟! يا كلاب يا أراذل، هذه ~~كلمة السر عندكم إذا اعتزمتم النهب والسرقة. # ثم ملتفتا نحو لهيطة: قرره حتى يقر! # فعاد لهيطة يقول بصوت تتجمع في نبراته نذر الوعيد: خبرني عمن ~~وراءك! # فقال قاسم بتحد خفي: جدنا! ~~- جدنا؟! ~~- نعم، اطلع على شروط وقفه وستعلم أنه هو الذي دفعني. # وهب رفعت واقفا مرة أخرى وهو يصيح: أبعده عن وجهي .. ارمه ~~خارجا. # وقام لهيطة فأخذ قاسم من ذراعه، ومضى به نحو الباب، وشد على ~~ذراعه بقبضة من حديد تحملها الآخر متصبرا، ثم همس في أذنه: اعقل ~~إكراما لنفسك، ولا تضطرني ms228 إلى أن أشرب من دمك. # 79 # دخل قاسم داره فوجد بها زكريا وعويس وحسن وصادق وعجرمة وشعبان ~~وأبو فصادة وحمروش. تطلعوا إليه في إشفاق وصمت، ولما جلس إلى جانب ~~زوجته قال عويس: ألم أنصحك؟ # فقالت قمر في عتاب: مهلا يا عمي حتى يستريح. # فهتف الرجل: شر المتاعب ما تجيء صاحبها من نفسه! # وجعل زكريا يتفحص وجه قاسم بعناية ثم قال: أهانوك يا ابن أخي، ~~إني أعرفك كما أعرف نفسي، ما كان أغناك عن هذا كله! # وقال عويس: لولا أمينة هانم ما رجعت إلينا سالما. # وقلب قاسم عينيه في وجوه صحبه وقال: خاننا المحامي ~~اللئيم! # فتصلبت وجوههم، وتبادلوا النظرات في انزعاج، فسبقهم عويس إلى ~~الكلام قائلا: انفضوا بسلام، وليحمد كل منكم الله على ~~نجاته. # وسأله حسن: ما قولك يا ابن عمى؟ # فتفكر قاسم قليلا ثم قال: لا أخفي عنكم أن الموت يتهددنا، وأني ~~أعفي من معاونتي من يشاء. # فقال زكريا: فلينته الأمر عند هذا الحد. # فقال قاسم بهدوء وتصميم: لن أتخلى عن الأمر مهما تكن العواقب، ~~ولن أكون دون جبل أو رفاعة برا بجدي وأهل حارتنا. # فقام عويس غاضبا وغادر حجرة الجلوس وهو يقول: هذا الرجل مجنون، ~~وكان الله في عونك يا بنت أخي. # أما صادق فوثب إلى قاسم وقبل جبينه وهو يقول: رددت إلي روحي ~~بما قلت. # وقال حسن متحمسا: الناس في حارتنا يقتلون بسبب مليم، وبلا سبب، ~~فلماذا نخاف الموت عندما نجد له سببا حقا؟! # وارتفع صوت سوارس من الحارة مناديا زكريا فأطل الرجل من النافذة ~~ودعاه إلى الدخول، وما لبث أن دخل الحجرة وجلس وهو مقطب متجهم. ~~ثم نظر إلى قاسم وقال: لم أكن أدري أن في حينا فتوة سواي. # فقال زكريا مشفقا: ليس الأمر كما قيل لك. ~~- ما قيل لي أدهى وأمر! # فقال زكريا متأوها: عبث الشيطان بعقول أولادنا. # فقال سوارس بجفاء: أسمعني لهيطة كلاما ثقيلا بسبب ابن أخيك، ~~كنت أحسبه فتى عاقلا، فإذا بجنونه يفوق كل جنون. اسمعوا جيدا، ~~إذا تهاونت معكم جاء لهيطة ليؤدبكم بنفسه، ms229 ولكني لن أسمح لأحد بأن ~~يعرض كرامتي للمهانة، فالزموا حدودكم، والويل لمن تحدثه نفسه ~~بالعناد. # وراح سوارس يراقب أعوان قاسم فلم يسمح لأحد منهم بالاقتراب من ~~بيته، وفي سبيل ذلك أهان صادق ولكم أبو فصادة، وطلب إلى زكريا أن ~~ينصح قاسم بالتزام داره حتى تنسى الزوبعة؛ ووجد قاسم نفسه سجينا ~~في بيته، لا يزوره أحد سوى ابن عمه حسن. ولكن ما من قوة تستطيع أن ~~تسجن الأخبار في الحارة؛ فقد تسللت إلى حيي رفاعة وجبل همسات عما ~~يضطرب في حي الجرابيع، عن دعوى كادت أن ترفع على الناظر، وعن ~~مزاعم خاصة بالشروط العشرة، بل عن اتصال وقع بين قنديل خادم ~~الجبلاوي وبين قاسم. وثارت النفوس بشتى الانفعالات، وتطايرت التهم ~~والسخريات. وقال حسن يوما لقاسم: الحارة تتهامس بالخبر، وفي كل ~~غرزة لا حديث إلا عنك. # فرفع قاسم إليه وجها غائما بالهم والفكر كشأنه في الأيام ~~الأخيرة وقال: انقلبنا سجناء، والأيام تمر بلا عمل. # فقالت قمر بإشفاق: لا يطالب مخلوق بما فوق طاقة البشر. # وقال حسن: إخواننا على أشد ما يكون من الحماس. # فسأله قاسم: أحق أن آل جبل وآل رفاعة يرمونني بالكذب ~~والجنون؟! # فغض حسن بصره متألما وقال: الجبن أفسد الرجال! # فهز قاسم رأسه في حيرة وتساءل: لماذا يكذبني آل جبل وآل رفاعة ~~ومنهم من قابله الجبلاوي أو حادثه؟ لماذا يكذبونني وهم أولى الناس ~~بتصديقي وتأييدي؟! ~~- إن داء حارتنا الجبن ولذلك فهم ينافقون فتواتهم! # وارتفع من الطريق صوت سوارس كالخوار، وهو يسب ويلعن فأطلت ~~الأسرة من الشباك فرأوا سوارس ممسكا بتلابيب شعبان وهو يصرخ فيه: ~~ماذا جاء بك هنا يا ابن الزانية؟ # وعبثا حاول الشاب التخلص من قبضته، وإذا بسوارس يقبض على عنقه ~~بيسراه وينهال باليمني ضربا على وجهه ورأسه. وغضب قاسم غضبا ~~شديدا فتراجع عن الشباك وهرع نحو الباب غير مبال بتوسلات قمر. ~~وفي أقل من دقيقة كان يقف أمام سوارس ويقول له بحزم وتصميم: اتركه ~~يا معلم سوارس. # فلم يكف الرجل عن تكييل الضربات لفريسته وصاح بقاسم: احترم ~~نفسك ms230 وإلا أبكيت عليك عدوك! # وقبض قاسم على يده الضاربة وشد عليها بقوة هاتفا بغضب: لن ~~أدعك تقتله، وافعل ما تشاء. # وترك سوارس شعبان فانهار على الأرض في غيبوبة، وخطف مقطف تراب من ~~فوق رأس امرأة عابرة وألبسه رأس قاسم. وهم حسن بالوثوب عليه لولا ~~أن طوقه زكريا بذراعه في الوقت المناسب الذي وصل فيه. ورفع قاسم ~~المقطف عن رأسه فبدا وجهه كالمختنق وانسال التراب على رأسه وثوبه ~~حتى غطاه، وسرعان ما تملكته نوبة سعال. وصرخت قمر وصوتت سكينة، ~~وجاء عويس مهرولا، وانطلق النساء والرجال والصغار من الأبواب نحو ~~الموقعة فعلا اللغط والضوضاء. وكان زكريا يشد على ذراع ابنه حسن ~~بكل قواه وينظر في عينيه الجاحظتين بتوسل وتحذير. واقترب عويس من ~~سوارس قائلا: امسح العيب في وجهي أنا يا معلم سوارس. # وهتف أكثر من صوت: «شفاعة لله يا معلم!» .. حتى صرخ سوارس ~~قائلا: هذا قريب وذاك شفيع، وبين هذا وذاك ضاع سوارس وانقلب مرة ~~بعدما كان فتوة! # فصاح زكريا: أستغفر الله يا معلم، أنت سيدنا وتاج رأسنا. # ومضى سوارس إلى القهوة، فرفع رجال شعبان، وراح حسن ينفض التراب ~~عن وجه قاسم وثوبه، واستطاع المتجمعون - بعد اختفاء سوارس - أن ~~يعبروا عن أسفهم. # 80 # وفي مساء ذلك اليوم ضج أحد الربوع بحي الجرابيع بالصوات ينعى ~~ميتا. أطلقته حنجرة متهالكة وسرعان ما رددته عشرات الحناجر في ~~الربوع. وأطل قاسم من النافذة فسأل فطين بياع اللب فأجابه الرجل: ~~«تعيش أنت، شعبان مات!» وغادر الرجل داره فزعا فقصد ربع شعبان على ~~مبعدة ربعين من داره. وهنالك وجد الحوش مظلما ومكتظا بسكان ~~الشقق التحتانية الذين راحوا يتبادلون كلمات الرثاء والحزن والسخط، ~~على حين تجاوبت دهاليز الأدوار الفوقانية بالصوات. وسمع امرأة تقول ~~بعنف: لم يمت ولكن قتله سوارس. ~~- إلهي يخرب بيتك يا سوارس! # فاعترضت ثالثة تقول: ما قتله إلا قاسم! يفتري الأكاذيب ورجالنا ~~تقتل. # فانقبض قلب قاسم حزنا، وشق طريقه في الظلام حتى صعد إلى أول ~~دور حيث توجد شقة القتيل. ورأى على ضوء سراج مثبت في حائط ms231 الدهليز ~~أمام الشقة أصحابه حسن وصادق وعجرمة وأبو فصادة وحمروش وآخرين، ~~فأقبل صادق نحوه وهو يبكي فعانقه دون أن ينبس. وقال حسن وقد بدا ~~وجهه مروعا تحت الضوء الشاحب: لن يذهب دمه هدرا. # واقترب عجرمة من قاسم وهمس في أذنه: زوجته في حالة سيئة حتى ~~إنها حملتنا مقتله. # فهمس قاسم له: كان الله في عونها. # وقال حسن في نبرة انتقامية: القاتل لا بد أن يقتل. # فقال أبو فصادة بغيظ: من ذا الذي يشهد عليه في حارتنا؟ # فقال حسن: لكننا نستطيع أن نقتل كالآخرين. # فلكزه قاسم ليسكته وقال: من الحكمة ألا تسيروا في جنازته ولكننا ~~سنجتمع في القرافة. # واتجه قاسم نحو شقة الفقيد فاعترضه صادق ليمنعه ولكنه نحاه ~~جانبا ودخل. ونادى زوجته فجاءت متعجبة تطالعه بعينين دامعتين، ~~ثم تحجرت نظراتها وسألته: ماذا تريد؟ # فقال بحزن: جئت أعزيك. # فقالت بحدة: أنت قتلته، ما كان أغنانا عن الوقف، وأحوجنا إليه ~~هو! # فقال برقة: ربنا يصبرك، ويهلك المجرمين، ونحن أهلك كلما احتجت ~~إلى أهلك، ولن يضيع دمه. # رمقته شزرا واستدارت راجعة. وبرجوعها انفجر النواح والعويل، ~~فغادر المسكن كئيبا مغتما. # وعندما طلع الصباح رأى الناس سوارس جالسا عند مدخل قهوة دنجل ~~يقلب في المارين وجها مدموغا بالتحدي والإجرام. وحياه الناس ~~مضاعفين له التودد مداراة لسخطهم. وتجنبوا الاشتراك في العزاء ~~فلبثوا في دكاكينهم أو وراء عرباتهم أو فوق التراب. وخرج النعش ~~محمولا عند الضحى واقتصر المشيعون على الأهل والأقارب، ولكن قاسم ~~انضم إليهم غير مبال بنظرات الفتوة المحرقة. وغضب صهر القتيل فقال ~~لقاسم محتدا: تقتل القتيل وتمشي في جنازته؟! # فلاذ بالصمت والصبر حتى سأله آخر بخشونة: لماذا جئت؟ # فقال بإصرار: لأقاتل كما قاتل صديقي - رحمه الله - كان شجاعا، ~~ولستم كما كان، وتعرفون القاتل وتصبون غضبكم علي. # فوجم أكثرهم. وتجمهرت النساء وراء الرجال، حافيات يهرولن ~~بالسواد، يحثون التراب فوق رءوسهن ويلطمن الخدود. واخترقت الجنازة ~~الجمالية نحو باب النصر. ولما تمت مراسم الدفن تفرق المشيعون إلا ~~قاسم، فقد تباطأ في السير حتى تخلف عنهم، ورجع إلى القبر فوجد ms232 ~~أصحابه في الانتظار. واغرورقت عيناه بالدمع فأجهشوا جميعا ~~بالبكاء. وجفف عينيه براحته وقال: من يرد السلامة فليذهب. # فقال حمروش: لو كنا نريد السلامة ما وجدتنا حولك. # فقال وهو يطرح يده على شاهد القبر: عز علي فقده. كان شجاعا ~~متحمسا، وذهب غدرا ونحن في أشد الحاجة إليه. # فقال صادق: قتله فتوة غادر، وسوف يبقى منا بعض ليشهدوا مصرع آخر ~~فتوة في حارتنا. # فقال حمروش: ولكن لا ينبغي أن نضيع غدرا كما ضاع فقيدنا، ~~فكروا في الغد وكيف نحقق النصر؟! وكيف نجتمع لتبادل ~~الرأي؟ # فقال قاسم: لم يكن لي من أنيس في سجني إلا التفكير في هذا، ~~واهتديت إلى رأي، ليس باليسير ولكن لا محيد عنه. # فاستطلعوه متسائلين فأردف: اهجروا حارتنا، فليدبر كل شأنه ~~وليهاجر. سنهاجر كما هاجر جبل قديما وكما هاجر المعلم يحيى ~~بالأمس، ولنقم نادينا في مكان آمن بالخلاء حتى يشتد ساعدنا ~~ويكثر عددنا. # فهتف صادق: نعم الرأي. ~~- لن نطهر حارتنا من الفتونة إلا بالقوة، ولن نحقق شروط الواقف ~~إلا بالقوة، ولن يسود العدل والرحمة والسلام إلا بالقوة، وستكون ~~قوتنا أول قوة عادلة غير باغية. # استمعوا بقلوب واعية. وتطلعوا إلى قاسم، وإلى القبر وراء ظهره، ~~فخيل إليهم أن شعبان يشاركهم الاستماع ويباركه. وقال عجرمة ~~متأثرا: نعم فبالقوة تحل المشاكل، القوة العادلة غير الباغية، ~~كان شعبان يقصدك عندما اعترضه سوارس. لو كنا معه لاعترض الفتوة قوة ~~لا يسهل قهرها، لعنة الله على الخوف والتفرق. # استروح قاسم لأول مرة نسمة ارتياح وابتهاج فقال: لقد وضع جدنا ~~ثقته بين أيدينا وهو عن يقين يؤمن بأن في أبنائه من هم أهل ~~لحملها. # 81 # ورجع قاسم إلى بيته عند منتصف الليل، لكنه وجد قمر مستيقظة ~~تنتظره. وبالغت أكثر من عادتها في العناية به والحنو عليه، وكان ~~يؤلمه بقاؤها مستيقظة حتى تلك الساعة، ثم تبين له ذبول في عينيها ~~واحمرار يخلفه البكاء كما تخلف الشمس الشفق، فتساءل في كآبة: هل ~~كنت تبكين؟ # لم تجبه، كأنما شغلت عنه بكوب اللبن الدافئ الذي تعده له، فعاد ~~يقول: موت ms233 شعبان أحزننا جميعا - رحمه الله. # فبادرته قائلة: بكيت على شعبان قبل ذلك، لكنني كنت أبكي كلما ~~تذكرت اعتداء الرجل عليك، أنت آخر رجل يستحق أن يهال التراب على ~~رأسه ووجهه. # فقال محزونا: ما أخف هذا بالقياس إلى ما أصاب صاحبنا ~~المسكين! # فجلست إلى جانبه وهي تقدم له الكوب وتمتمت: وكم يضايقني ما يقال ~~عنك! # فابتسم متظاهرا بالاستهانة ورفع الكوب إلى فيه، فأردفت مغيظة: ~~إن جلطة يؤكد لآل جبل أنك طامع في الوقف لتستأثر به وحدك، وهكذا ~~يقول حجاج في آل رفاعة ، ويشيعان عنك أنك تنتقص من جبل ~~ورفاعة. # فقال دون أن يخفي ضيقه: أعرف ذلك، كما أعرف أنه لولاك لما كنت ~~حتى اليوم حيا. # فربتت كتفه بحنان. وإذا بها تتذكر الأيام الماضية لغير ما سبب؛ ~~أيام لم تكن لأحاديثهما نهاية ولا لسعادتهما غاية، وأفراح الليالي ~~المضيئة بعد مولد إحسان. هي اليوم لا تملك منه شيئا ولا يملك هو ~~من نفسه شيئا، حتى آلام المرض التي تنتابها أحيانا تخفيها عنه؛ ~~إنه لا يفكر في نفسه فكيف تشغله بنفسها؟ وهي تخجل أن تثقل عليه حتى ~~لا تعين أعداءه بغير قصد عليه. من ذا الذي يطمئنها عليه وأيام ~~العمر تولي كما ولت أيام الراحة؟ سامحك الله يا حارتنا. وعاد ~~قاسم يقول: لا يغيب عني الأمل ولو في الظلام، وما أكثر الأصدقاء ~~الصادقين وإن بدوت وحيدا! تحدى أحدهم سوارس، فمن كان يجرؤ على ~~ذلك من قبل، والآخرون مثله، والشجاعة أخطر ما يلزم حارتنا كي لا ~~تقضي العمر تحت الأقدام، فلا تنصحيني بالسلامة، إن الذي قتل، قتل ~~وهو في طريقه إلى داري، وأنت لا ترضين لزوجك بمذلة الجبن. # ابتسمت قمر وهي تسترد الكوب فارغا، وقالت: إن زوجات الفتوات ~~يزغردن عند المعارك وهي شر، فكيف أرضى بأن أكون دونهن ~~للخير؟ # وأدرك أن حزنها أخطر مما تبديه فربت خدها بحب وقال معزيا: أنت ~~كل شيء لي في دنياي، أنت خير رفيق في الحياة. # فابتسمت استدعاء للسكينة التي يجب أن تسبق النوم. # وعجب عم شنطح مبيض النحاس من ms234 اختفاء صادق، وكان سعى إليه في داره ~~فلم يجد له ولا لأحد من ذويه أثرا. وعبد الفتاح الفسخاني كذلك لم ~~يجد لعامله عجرمة أثرا في الحارة. ولم يعد أبو فصادة إلى مقلى ~~حمدون ولم ينذره بغيابه. وأين حمروش؟ قال حسونة الفران: إنه اختفى ~~كأن نيران الفرن التهمته. وآخرون ذهبوا بلا عودة. وانتشر الخبر في ~~حي الجرابيع وامتدت منه أصداء إلى بقية الحارة حتى قال الناس في ~~حيي جبل ورفاعة هازئين: إن الجرابيع يهاجرون وإن سوارس لن يجد مع ~~الأيام من يحصل منه الإتاوة. واستدعى سوارس زكريا إلى قهوة دنجل ~~وقال له منذرا: ابن أخيك خير من يدلنا على سر الهاربين. # فقال زكريا: يا معلم سوارس لا تظلمه، مضت أيام وأسابيع وأشهر ~~والرجل لا يغادر داره. # فقال الفتوة مزمجرا: ألاعيب أطفال، لكني استدعيتك لأحذرك مما قد ~~يصيب ابن أخيك. ~~- قاسم من دمك، ولا تشمت بنا العدو! ~~- هو عدو نفسه وعدوي، إنه يتوهم نفسه جبل هذا الزمان، وهذه ~~اللعنة هي أقرب سبيل إلى باب النصر. # فقال زكريا في جزع: حلمك يا معلم سوارس، نحن جميعا في ~~حمايتك! # ولما رجع زكريا إلى مسكنه صادف حسن راجعا من بيت قاسم فأفرغ فيه ~~الحنق الذي ملأه به سوارس، غير أن حسن قاطعه قائلا: صبرك يا أبي، ~~قمر مريضة، مريضة جدا يا أبي. # وعلمت الحارة بمرض قمر حتى بيت الناظر. ولازمها قاسم وهو في غاية ~~من الكآبة والحزن. وكان يهز رأسه في حيرة ويقول: في لحظة واحدة ~~ترقدين بلا حول! # فقالت المرأة بصوت ضعيف: كنت أخفي عنك حالي رحمة بقلبك المثقل ~~بالمتاعب. # فقال في حزن شديد: كان ينبغي أن أشاركك آلامك من أول ~~الأمر. # فانفرجت شفتاها الشاحبتان عن ابتسامة كالزهرة الذابلة في عود ~~ناضب، وقالت: ستعود الصحة إلى سابق عهدها. # بذلك دعا قلبه. لكن ما هذا الغيم يغشى العين؟ وما هذا الجفاف ~~يسري في الوجه؟ وما تلك القدرة على إخفاء الألم؟ ذلك كله من أجلك ~~أنت. يا إلهي احفظها برحمتك. وأبقها لي، واعطف على بكاء الطفلة ms235 ~~الذي لا ينقطع! ~~- سماحك معي جعلني لا أسامح نفسي. # فابتسمت مرة أخرى فيما يشبه العتاب. وجيء بأم سالم لتبخرها، ~~وأم عطية لتعد لها بعض المعاجين، وإبراهيم الحلاق ليحجنها، ولكن ~~أم إحسان استعصت فيما بدا على الشفاء. وقال لها قاسم: وددت لو ~~أفتديك من ألمك. # فأجابت بصوت واهن كالصمت: لا أصابك سوء. # ثم مردفة: ... يا أحب الناس إلى قلبي. # وقال لنفسه: «لمنظرها تسود الدنيا في عيني!»، وقالت هي: العاقل ~~مثلك آخر من يعز عليه العزاء. # وجاء زائرون وزائرات، ولكنه ضاق بالمكان ففر إلى سطح البيت. ~~كانت أصوات النساء ترتفع من نوافذ الربوع، واللعنات تختلط بنداءات ~~الباعة في الطريق، وبكاء طفل حسبه لأول وهلة صوت إحسان حتى رأى ~~صاحبه وهو يتمرغ في تراب سطح مجاور. وكان الظلام يهبط وئيدا، ~~وسرب من الحمام يعود إلى برجه، ونجمة وحيدة تومض في الأفق. وتساءل ~~عن معنى النظرة الغريبة التي تلوح في عيني قمر، كأنها لا ترى، وعن ~~اهتزازات جانب فمها غير الإرادية، وعن الزرقة التي تصبغ شفتيها، ~~وعن شعوره البالغ بالانقباض! ولبث ساعات ثم نزل، فقابل سكينة في ~~الصالة حاملة إحسان بين يديها فقالت له همسا: ادخل على مهل كي لا ~~توقظها. # واستلقى على الكنبة المواجهة للفراش في ضوء خافت ينبعث من مصباح ~~فوق أرضية الشباك. ولم يكن ثمة صوت في الحي إلا نواح الرباب، ثم ~~تلاه طاطا الشاعر قائلا: «فقال الجد بهدوء: رأيت أن أعطيك فرصة لم ~~تتح لأحد ممن في الخارج، وهي أن تعيش في هذا البيت، وأن تتزوج به، ~~وأن تبدأ حياة جديدة فيه. # فتتابعت دقات قلب همام في نشوة من الأفراح، وقال: الشكر لك على ~~نعمتك. ~~- إنك تستحقها. # واختلج نظر الشاب بين جده وبين السجادة، ثم تساءل في إشفاق: ~~وأسرتي؟ # فقال الجبلاوي في عتاب: قلت ما أريد بوضوح. # فقال همام باستعطاف: إنهم يستحقون رحمتك وعفوك!» # وندت عن النائمة حركة لا تخلو من عنف فوثب من فوق الكنبة ~~إليها. رأى في عينيها بريقا جديدا حل محل الغيم، فسألها عما ~~بها فهتفت بصوت ms236 قوي: إحسان! أين إحسان؟! # غادر الحجرة مسرعا، ثم عاد وفي أثره سكينة حاملة الصغيرة ~~النائمة. وأشارت قمر نحو إحسان فقربتها سكينة إليها حتى لثمت خدها، ~~على حين جلس قاسم على حافة الفراش. ومالت عيناها إليه، ثم همست: ما ~~بي أعظم! # فمال نحوها متسائلا: ماذا تعنين؟ ~~- آلمتك كثيرا ولكن ما بي أعظم. # فعض شفته ثم قال: قمر، أنا حزين لأني عاجز عن تخفيف ~~ألمك! # فقالت بإشفاق: أخاف عليك من بعدي. # فقال في حزن شديد: لا تتحدثي عني. ~~- قاسم، ارحل، الحق بأصحابك، سيقتلونك إن بقيت. ~~- نرحل معا. # فقالت بمشقة: ليس الطريق واحدا. ~~- لا تريدين أن ترحميني كما عودتني. ~~- آه، كان ذلك في الأيام الماضية! # وبدت كأنها تقاوم ضغطا شديدا فلوحت بيدها. واشتد ميله نحوها ~~حتى امتلأ بأنفاسها. وتلوت، وامتدت رقبتها كالمستغيثة، وانطلق ~~صدرها في عنف، وزفر حشرجة قاسية، فصاحت سكينة: أجلسها، تريد أن ~~تجلس. # فأحاطها بذراعيه ليجلسها ولكن ندت عنها شهقة كأنها وداع أبكم، ~~وانهار رأسها على صدره. وهرولت سكينة بالطفلة إلى الخارج. # ومن الخارج دوى صواتها يمزق الصمت. # 82 # وفي الصباح ازدحم بيت قاسم والطريق أمامه بالمعزين. إن لصلات ~~القربى في الحارة احتراما متأصلا لا تحظى بجزء منه شتى الفضائل ~~مجتمعة. فلم يكن بد من أن يجيء سوارس معزيا، وما أسرع أن أقبل ~~وراءه الجرابيع! ولم يكن بد من أن يجيء الناظر رفعت معزيا فتبعه ~~على الأثر لهيطة وجلطة وحجاج، وما أسرع أن أقبل وراءهم كل من هب ~~ودب، فانتظمت الجنازة جموعا غفيرة لم تشهد لها الحارة مثيلا من ~~قبل إلا في جنازات الفتوات. وتحلى قاسم بصبر الرجل الحكيم على رغم ~~آلامه الدفينة. وحتى في ساعة الدفن بكت جميع حواسه وجوارحه إلا ~~عينيه. وانصرف المعزون حتى لم يبق في المدفن إلا قاسم وزكريا ~~وعويس وحسن، وعند ذاك ربت زكريا عضد قاسم وقال بأسى: شد حيلك يا ~~ابن أخي، كان الله في عونك. # فانحنى عوده قليلا وهو يزفر من الأعماق، وغمغم: قلبي دفن في ~~التراب يا عمي. # فتقلص وجه حسن تأثرا، وساد ms237 صمت المدفن كأشد ما يكون الصمت. ~~وانتقل زكريا خطوة وهو يقول: آن لنا أن نذهب. # لكن قاسم تشبث بموقفه وهو يقول في استياء: ما الذي جاء ~~بهم؟ # ففطن زكريا إلى من يعني بقوله فقال: لهم الشكر على أي ~~حال. # فتشجع عويس قائلا: ابدأ معهم من جديد، فهذه الخطوة منهم تتطلب ~~منك خطوات، ومن حسن الحظ أن ما يقال عنك خارج حينا لا يؤخذ مأخذ ~~الجد! # فآثر أن يغوص في الصمت والحزن على مجادلته. وإذا بجماعة تقبل على ~~رأسها صادق وكأنما كانوا يرصدون اختفاء المعزين. كانوا كثرة ~~وليس فيهم غريب فعانقوا قاسم حتى دمعت عيناه. وقلب عويس عينيه ~~فيهم بامتعاض ولكن أحدا لم يأبه له، وقال صادق مخاطبا قاسم: لم ~~يعد ثمة ما يبقيك في الحارة. # لكن زكريا قال معترضا في حدة: ابنته وداره وأملاكه هناك. # وقال قاسم بلهجة ذات مغزى: كان بقائي في الحارة ضروريا ~~فبفضله ازددتهم مع الأيام عددا! # ونظر إلى الوجوه المتطلعة إليه كأنما يستشهد بكثرتها على صدق ~~قوله. فأكثرهم ممن أغراهم بالهجرة واللحاق بأصحابه حينما كان يتسلل ~~من داره كل ليلة عقب نوم الحارة فيقصد من يأنس فيهم مودة وحسن ~~استعداد للاقتناع بكلامه. وسأله عجرمة: هل يطول بنا ~~الانتظار؟ ~~- حتى يتجمع عندكم عدد كاف. # وانتحى به صادق جانبا فقبله وهمس له: قلبي يتقطع حزنا لك، ~~فإني أدرى الناس بقسوة فجيعتك. # فعاوده التأثر، وهمس: صدقت، ما أقسى الألم! # ورمقه بإشفاق ثم قال: عجل باللحاق بنا فإنك اليوم وحيد. ~~- كل شيء رهن بوقته. # وقال عويس بصوت مرتفع: ينبغي أن نعود. # وتعانق الصحاب مودعين، وعاد قاسم ورفاقه. ومضت الأيام وهو في ~~داره وحيد كئيب حتى خافت عليه سكينة عواقب الحزن. ولكنه واصل ~~جولاته الليلية الخفية بهمة لا تعرف الوهن. ومضى عدد المختفين في ~~النمو وأخذ الناس يتساءلون حيارى. واشتدت السخرية بحي الجرابيع ~~وفتوتهم في بقية الحارة، وقالوا: إن نوبة سوارس في الهرب ستجيء ~~اليوم أو غدا. وقال له عمه زكريا ذات يوم محذرا: هذه حال تدعو ~~إلى أشد القلق، وتخشى ms238 عواقبها. # ولكن لم يكن من الانتظار بد. وكانت أياما مليئة بالعمل والخطر، ~~وكانت إحسان البسمة الوحيدة في وجهه المتجهم. وكانت تتعلم الوقوف ~~معتمدة على أطراف المقاعد ثم تتطلع إليه بوجهها الصافي وتحدثه بلغة ~~العصافير والبلابل. وكان ينعم النظر في وجهها بحنان ويقول لنفسه: ~~ستكون طفلة جميلة ولكن الأهم عندي أن تكون كأمها طيبة وحنانا. ~~وسره أن تطالعه بعينيها السوداوين في وجه قمر المستدير لتظل ~~رمزا باقيا للعلاقة المحبوبة التي مزقها الدهر. وترى هل يمتد ~~به العمر حتى يراها عروسا في الحسان أو كتب عليها ألا تجني من ~~دار مولدها إلا أليم الذكريات؟ # ويوما طرق باب الدار طارق فذهبت سكينة تتساءل: من القادم؟ ~~فجاءها صوت يافع قائلا: افتحي يا سكينة. # فتحت الباب فرأت فتاة في الثانية عشرة أو تزيد، ملفوفة على غير ~~المألوف في ملاءة وعلى الوجه حجاب. دهشت سكينة وسألتها عما تريد، ~~ولكنها سارعت إلى حجرة قاسم وهي تقول بلهوجة: مساء الخير يا ~~عمي! # ونزعت النقاب فبدا وجه بدري قمحي بديع القسمات، يقطر خفة، ~~فقال قاسم متعجبا: أهلا بك، اجلسي، أهلا وسهلا. # قالت وهي تجلس على حافة الكنبة: أنا بدرية، وأرسلني إليك أخي ~~صادق. # فقال قاسم باهتمام: صادق! ~~- نعم. # ورنا إليها مستطلعا، ثم قال: ماذا دفعه إلى هذه ~~المخاطرة؟ # فقالت باهتمام زادها ملاحة: لا يمكن أن يعرفني أحد في ~~الملاءة. # وأدرك أن جسمها أكبر من سنها فهز رأسه كالمطمئن فأردفت في مزيد ~~من الاهتمام: إنه يقول لك أن غادر الحارة فورا، فإن لهيطة وجلطة ~~وحجاج وسوارس تآمروا على قتلك الليلة. # قطب كالمنزعج على حين شهقت سكينة، وسألها: كيف علم بذلك؟ ~~- أخبره المعلم يحيى. ~~- ولكن كيف عرف يحيى ذلك؟ ~~- أفشى سكران السر في حانة كان بها صديق للمعلم يحيى. هذا ما ~~قاله أخي. # وجعل ينظر إليها صامتا حتى قامت وأخذت تحبك الملاءة حول جسدها ~~الغض، فقام بدوره وهو يقول: أشكرك يا بدرية، تخفي جيدا، ~~وبلغي تحياتي إلى أخيك، واذهبي بسلام. # فأسدلت النقاب على وجهها وتساءلت: ماذا أقول له؟ # خبريه بأننا سنلتقي ms239 قبل الصباح. # فصافحته ثم ذهبت. # 83 # اصفر وجه سكينة ونطق بعينيها الذعر، وهتفت قائلة: فلنغادر ~~البيت دون إبطاء. # وتوثبت للتحرك فقال لها: لفي إحسان وأخفيها في شملتك واخرجي ~~كأنك ذاهبة لبعض شأنك ثم اقصدي مدفن المرحومة وانتظري ~~هنالك. ~~- وأنت يا سيدي؟! ~~- سألحق بك في الوقت المناسب. # فترددت عيناها بين الحيرة والجزع فقال بنبرة مطمئنة: سيذهب بكما ~~حسن إلى المكان الذي سنقيم فيه. # وفي ثوان تأهبت للرحيل فلثم إحسان مرات، ثم قالت له المرأة وهي ~~تمضي نحو الباب: استودعتك الحي الذي لا يموت. # ووقف وراء الخصاص يراقب الطريق فرأى الجارية وهي تسير نحو ~~الجمالية حتى غيبها المنعطف. وجعل قلبه يخفق وهو يرنو إلى ثنية ~~ذراعها حول الحمل الثمين. وأجال بصره في الحي فرأى رجالا من أعوان ~~الفتوات، بعضهم يجلس بقهوة دنجل والبعض يتسكع هنا وهناك، وتكاد ~~معالمهم تذوب في الظلام الزاحف. الدلائل تقطع بأنهم يتأهبون. ولكن ~~هل يتربصون به حتى يخرج لجولته الليلية إن كان سرها انكشف لهم؟ ~~أو سيطبقون على داره في آخر الليل؟ إنهم ينتشرون منذ الآن على سبيل ~~الحيطة أن يكون سر مؤامرتهم انكشف. وها هم أولاء يدبون في الظلام ~~كالحشرات تفوح من أنفاسهم رائحة الجريمة، فهل يلقى مصير جبل أو ~~مصير رفاعة؟ هكذا وجد رفاعة نفسه في ليلة من الليالي المظلمة. ~~وتوارى في داره بقلب مفعم بالنوايا الطيبة وأسفل الدار تدب أقدام ~~غليظة تنضح جلود أصحابها بشهوة الدم. متى تكفين عن سفك الدماء يا ~~حارتنا التعيسة؟ ومضى يتمشى في الحجرة ذهابا وجيئة حتى طرق الباب ~~وترامى إليه صوت حسن وهو يناديه. وجاء حسن بجسمه الضخم وعيناه ~~تعكسان نظرة قلقة، فقال: في الحي حركة غريبة .. مريبة! # فسأله دون اكتراث ظاهر لملاحظته: هل عاد عمي من تجواله؟ ~~- كلا، لكني أقول: إنه توجد في حينا حركة مريبة، انظر من شيش ~~الشباك! ~~- رأيت ما أزعجك وعرفت ما وراءه. حذرني صادق في الوقت المناسب ~~بإرسال أخته الصغيرة إلي، وإذا صدقت رسالته فالفتوات سيحاولون ~~قتلي الليلة، لذلك هربت إحسان مع سكينة وهما ينتظرانك ms240 في مدفن ~~المرحومة، فاذهب إليهما وسيروا جميعا إلى مقر إخواننا. ~~- وأنت؟ ~~- سوف أهرب بدوري وألحق بكم. # فقال حسن بعزم: لن أتركك وحدك! # فقال برجاء لم يخل من استياء: افعل ما قلت لك دون تردد، سأهرب ~~بالحيلة لا بالقوة، ولن تنفعني قوتك إذا ألجأتنا الظروف إلى ~~المقاومة، ولكن ذهابك سيحمي ابنتي، ويمكنك أن تضع بعض رجالنا على ~~رءوس الطرق من الجمالية حتى الجبل لعلهم يهبون إلى مساعدتي إن ~~احتجت لهم عند الهرب. # أذعن حسن لإرادته، فصافحه بقوة وقال: ليس كمثل عقلك شيء، فلعلك ~~أعددت للأمر عدته. # فأجابه بابتسامة مطمئنة، وذهب حسن بوجه عابس. ولم يمض طويل ~~وقت حتى جاء عم زكريا وهو يلهث، فأيقن أنه عائد من عند المعلم يحيى ~~بالخبر، فبادره قائلا: أرسل إلي صادق بالخبر. # فقال الرجل باضطراب ظاهر: علمت به منذ قليل لدى مروري بالمعلم ~~فخشيت ألا يكون بلغك. # فأجلسه قاسم وهو يقول كالمعتذر: اعف عما أسبب لك من ~~متاعب. ~~- كنت أتوقع هذا من زمن، ووجدت من سوارس تغيرا في المعاملة فرحت ~~أكذب نفسي، ورأيت اليوم الشياطين منتشرين كالجراد، وأنت وحيد ~~ويتعذر عليك الهرب. # فاشتد عوده في تصميم وهو يقول: سأحاول، وإذا فشلت فهناك في الجبل ~~رجال لا يغلبون. # فقال زكريا في ضجر: ما قيمة هذا كله بالنسبة لحياتك أو ~~طفلتك! # فقال قاسم معاتبا: إني أعجب كيف لم تكن على رأس أعواني! # فقال وكأنه لم يسمع قوله: تعال معي إلى سوارس نساومه ونتعهد له ~~بما يشاء! # فضحك قاسم ضحكة مقتضبة، سخرت من اقتراح عمه دون كلام. والتفت ~~زكريا إلى الشيش يطالع من خلاله الطريق فبدا مظلما مخيفا. وانتبه ~~على صوت قاسم وهو يتساءل: لماذا اختاروا الليلة بالذات؟ # فأجاب زكريا: أول أمس جهر رجل من جبل بأن قضيتك كانت لخير ~~الجميع، وقيل مثل ذلك عن رجل من رفاعة، فلعل ذلك ما دفعهم إلى ~~التعجيل. # فتهلل وجه قاسم وقال: أرأيت يا عمي؟ أنا عدو الناظر والفتوات ~~ولكني صديق حارتنا، وسيعلم الجميع ذلك. ~~- فكر الآن فيما ينتظرك. # فقال قاسم باهتمام: إليك ms241 خطتي، سأهرب عبر الأسطح حتى بيتك تاركا ~~مصباحي مضاء للتضليل. ~~- قد يراك أحد. ~~- لن أشرع في الهرب حتى تخلو الأسطح من السمار. ~~- وإذا سبقوا بالهجوم على دارك؟ ~~- لن يقع هذا حتى تنام الحارة. ~~- قد يبلغ بهم الاستهتار حدا لا تتصوره. # فقال باسما: في هذه الحال أموت، ومن ذا يدفع الأجل؟ # فرفع الرجل إليه وجها ينطق بالرجاء، لكنه طالع ابتسامة هادئة ~~ثابتة كأنها التصميم مجسدا فقال يائسا: قد يفتشون داري. ~~- من حسن الحظ أنهم لا يعلمون بتسرب مؤامرتهم إلينا، ولذلك ~~سأسبقهم إلى الهرب إن شاء الله. # وتبادلا نظرة طويلة، أفصح من الدمع، ثم تعانقا. ولما وجد نفسه ~~وحيدا تغلب على تأثره واقترب من النافذة يراقب الطريق. بدا الحي ~~في حياته المألوفة. فالصغار يلعبون حول مصابيح العربات، والقهوة ~~تعج بالسمار، والأسطح تضج بأحاديث النساء؛ وسعال المدخنين يتخلله ~~الفحش والسباب، ونواح الرباب يرتفع، وهذا سوارس رابض على عتبة ~~القهوة، ورسل الموت تحتل الأركان. يا سلالة الخيانة ويا لصوص ~~البشر، منذ أطلق إدريس ضحكته الباردة وأنتم تتوارثون الجريمة ~~وتغرقون الحارة في بحر من الظلمات؛ ألم يئن للطير الحبيس أن ~~ينطلق؟ # ومضى الوقت وئيدا ثقيلا، ولكنه حمل ليل السمار إلى غايته. صمتت ~~الأسطح، وخلا الطريق من العربات والصغار، وأقفرت المقاهي، وعلت إلى ~~حين أصوات الأشباح العائدة، ورجع من الجمالية السكارى وهم يهلوسون، ~~حتى الغرز أطفأت المجامر، ولم يبق في الظلام إلا ندامى الموت. ~~وقال لنفسه: «حان وقت العمل!» وسارع إلى السلم فرقاه إلى السطح. ~~ومضى إلى السور الفاصل بين سطحه والسطح الملاصق فعبره دون عناء ~~وهم بالجري، وإذا بشبح يعترضه قائلا: «قف!» فأدرك أن الأسطح ~~محتلة بالقتلة وأن حصاره أحكم مما قدر. واستدار ليرجع ولكن الآخر ~~وثب نحوه وأحاطه بذراعين قويتين؛ واستدعى قوته التي ضاعفها ~~الخوف، وفاجأه بضربة في بطنه ففك حصار ذراعيه، وثنى بركلة في ~~بطنه أيضا فسقط وهو يشهق ثم لم يقم. وجاءت سعلة مكتومة من السطح ~~الثالث أو الرابع جعلته يعدل عن التقدم فتراجع مضطربا إلى سطحه. ~~وقف عند السلم يتنصت فسمع ms242 وقع أقدام صاعدة! وتكتل الصاعدون أمام ~~باب شقته. وخبطوا الباب خبطة شديدة فانفتح وهو يكاد يقتلع، ثم ~~تدافعوا إلى الداخل. وهبط مسرعا دون أن يضيع ثانية حتى انتهى إلى ~~الحوش. وسارع إلى الباب. ولمح خارج الدار شبحا يتحرك فانقض عليه ~~قابضا على عنقه، ثم نطحه برأسه، وطعن بطنه بركبته، ودفعه فاستلقى ~~على ظهره دون حراك. واندفع نحو الجمالية وضربات قلبه تتلاحق. الآن ~~تبين لهم خلو الدار، ولعل بعضهم يصعد إلى السطح؛ ليعثر على صاحبهم ~~الملقى، ولعل الآخرين يهبطون في أعقابه. مر بربع عمه دون أن ~~يتوقف، ولما اقترب من نهاية الحارة أطلق ساقيه. وعند اتصال الحارة ~~بالجمالية وثب شبح في طريقه وصاح بصوت كالرعد لينبه الآخرين: «قف ~~يا ابن اللئيمة!» ورفع نبوته قبل أن يحيد قاسم عن طريقه. ولكن ~~شبحا آخر ظهر من زاوية المنعطف وضرب الشبح الأول بهراوته على رأسه ~~فهوى صارخا ثم قال لقاسم: فلنجر بكل ما فينا من قوة. # وانطلق قاسم وحسن يجريان في الظلام دون مبالاة بما قد يعترضهما ~~من حجر أو نقرة. # 84 # عند مدخل حارة الوطاويط انضم صادق إليهما، وعند نهايتها وجدوا ~~عجرمة وأبو فصادة وحمروش حول عربة كارو ذات أربع عجلات، ~~فاستقلوها مبادرين وانطلق الجواد بهم يلهبه سوط الحوذي. انطلقت ~~العربة بسرعة على رغم الظلام، محدثة في سكون الليل صوتا مزعجا ~~كالفرقعة المتواصلة، وهم يتلفتون إلى الوراء من خشية وتوجس. وقال ~~صادق جلبا للطمأنينة: سيجرون نحو باب النصر ظنا بأنك تلوذ ~~بالخلاء حول المقابر. # فقال قاسم بارتياب: لكنهم يعلمون أنكم لا تقيمون عند ~~المقابر. # غير أن سرعة العربة بدت حاسمة، وبفضلها غلب شعور بأنهم يبتعدون ~~حقا عن الخطر. وعاد قاسم يقول في شيء من الارتياح: أحسنتم ~~التنظيم والتدبير، وشكرا لك يا صادق فلولا تحذيرك لكنت الساعة في ~~الهالكين. # فشد صادق على يده في صمت. وتواصل اندفاع العربة حتى لاح سوق ~~المقطم على ضوء النجوم، يلفه الظلام والوحشة عدا نور مصباح ينبعث ~~من كوخ المعلم يحيى. وعن حذر أوقفوا العربة وسط الميدان، ثم تركوها ms243 ~~متجهين نحو الكوخ. وما لبث أن جاءهم صوت المعلم متسائلا عن ~~القادمين فأجابه قاسم، فارتفع صوته مرة أخرى بالحمد. وتعانق ~~الرجلان عناقا حارا، وقال له قاسم: إني مدين لك بالحياة. # فقال العجوز ضاحكا: إنها المصادفة وحدها؛ لكنها وقعت لتنقذ ~~رجلا هو أول من يستحق الحياة، أسرعوا إلى الجبل، فالجبل خير حصن ~~لكم. # وشد قاسم على يده، ونظر على ضوء المصباح إلى وجهه في مودة ~~وامتنان، فعاد العجوز يقول: اليوم أنت كرفاعة أو كجبل، وسوف أعود ~~إلى حارتنا عندما يقيض لك النصر. # ابتعدوا عن الكوخ شرقا يوغلون في الخلاء نحو الجبل، وتقدمهم ~~صادق إذ كان أخبرهم بالطريق. وكانت ثمة رقة تمازج الظلام مبشرة ~~بالفجر. والسماء تقطر ندى رطيبا. وترامى من بعيد صياح الديكة ~~كصرخة المخاض لمولد يوم جديد. وبلغوا السفح فساروا بحذائه نحو ~~الجنوب حتى عثروا على الممر الضيق الذي يصعد إلى مقامهم الجديد فوق ~~الجبل. وصعدوا وراء صادق في طابور فردا فردا لضيق الممشى. وقال ~~صادق لقاسم: أعددنا لك دارا وسط ديارنا، وفيها الآن تنام ~~إحسان. # فقال عجرمة: بيوتنا من الصفائح والخيش. # فقال حسن في مرح: ليست أسوأ كثيرا من بيوتنا في الحارة! # فقال قاسم: حسبنا ألا نجد بيننا ناظرا أو فتوة. # وهبطت إليهم أصوات فقال صادق: حارتنا الجديدة مستيقظة ~~تنتظرك. # ورفعوا الرءوس فرأوا خيوط الضياء الأولى تطارد فلول الظلام. وصاح ~~صادق بأعلى صوته: «هوه» فأطلت رءوس رجال ونساء، وتعالى الهتاف ~~والزغاريد، وانطلقت الحناجر تنشد: # يا محني ديل العصفورة. # فاستخف قاسم الابتهاج وقال بإكبار: ما ~~أكثرهم! # فقال صادق بفخار: حارة جديدة فوق الجبل، سكانها يتزايدون مع ~~الأيام، وقد انضم إلينا بإرشاد المعلم يحيى جميع المهاجرين من ~~حارتنا. # وقال حمروش: لا يتعبنا إلا أننا نسعى إلى أرزاقنا في الأحياء ~~البعيدة خشية أن يعثر علينا أحد من حارتنا. # ولما صعد قاسم إلى السطح تلقاه الرجال بالعناق، وصافحته ~~النساء، وارتفعت الأصوات بالتحيات والتهليل والتكبير، وكانت سكينة ~~بين المستقبلين فأخبرته بأن إحسان نائمة في الكوخ الذي أعد لهم ~~دارا. وساروا جميعا نحو الحارة الجديدة ms244 التي أقيمت على هيئة مربع ~~من الأكواخ فوق مسطح من الجبل، وهم يهللون وينشدون، وقد ابتهج ~~الأفق بالنور المتدفق كأنه بحيرة من الورد الأبيض. وهتف رجل: أهلا ~~بفتوتنا قاسم. # فتغير وجه قاسم وصاح مغضبا: ألا لعنة الله على الفتوات جميعا، ~~فلا سلام ولا أمان حيث يوجدون. # وتطلعت إليه الوجوه الجديدة فقال: سنرفع النبابيت كما رفعها جبل، ~~ولكن في سبيل الرحمة التي نادى بها رفاعة، ثم نستغل الوقف لخير ~~الجميع حتى نحقق حلم أدهم. هذه هي مهمتنا لا الفتونة. # ودفعه حسن برفق نحو الكوخ الذي أعد له وهو يقول مخاطبا ~~الجميع: مضى الليل دون أن يغمض له جفن فدعوه الآن ليأخذ بعض حقه من ~~الراحة. # استلقى قاسم على خيشة جنب ابنته وسرعان ما استغرق في النوم. ~~واستيقظ فيما بين الظهيرة والعصر برأس مثقل وجسد متعب. وجاءته ~~سكينة بإحسان فوضعها في حجره وراح يلثمها في حنان. وقدمت له المرأة ~~كوز ماء وهي تقول: هذا الماء يحمل إلينا من الحنفية العمومية كما ~~كانت تحمله زوجة جبل! # فابتسم الرجل، وكان يحب كل ما يربطه بذكريات جبل أو رفاعة. وألقى ~~نظرة على داره الجديدة فرأى جدرانا مغطاة بالخيش ولا شيء بعد ذلك، ~~فضم إحسان إلى صدره بحنان أكثر. ونهض قائما فأعطى سكينة ابنته ~~وغادر الكوخ؛ ليجد صادق وحسن في انتظاره، فجلس بينهما وهم يتبادلون ~~تحية الصباح. وألقى نظرة على الحارة فلم تقع عينه إلا على امرأة أو ~~طفل، فقال صادق موضحا: ذهب الرجال إلى السيدة وزينهم سعيا وراء ~~الأرزاق وتخلفنا نحن حتى نطمئن عليك. # وتابعت عيناه النسوة العاملات في الطهي أو الغسل أمام الأكواخ، ~~والأطفال اللاهين هنا وهناك، ثم تساءل: ترى هل هن راضيات؟ # فقال صادق: إنهن يحلمن بامتلاك الوقف والنعيم الذي تهنأ به أمينة ~~هانم حرم الناظر! # فابتسم ابتسامة عريضة ثم ردد بصره بينهما في بطء وتساءل: ماذا ~~يدور في رأسيكما عن الخطوة التالية؟ # فرفع حسن رأسه فوق منكبيه العريضين وقال: نحن على بينة مما ~~نريد. ~~- ولكن كيف؟ ~~- ننتهز غفلة ثم نهجم. # لكن صادق ms245 قال معترضا: بل نصبر حتى نضم إلينا أكبر عدد من أهل ~~حارتنا، ثم نهجم فنضمن النصر من ناحية وقلة الضحايا من ناحية ~~أخرى. # فهتف قاسم وأساريره تنبسط: أحسنت! # وشملتهم طمأنينة حالمة، وإذا بصوت يقول في استحياء: ~~الطعام! # فرفع قاسم عينيه فرأى بدرية حاملة إناء فول وأرغفة وهي ترنو إليه ~~بعينين باسمتين فما ملك إلا أن ابتسم قائلا: أهلا برسول الحياة ~~إلي! # فوضعت الإناء بين يديه وهي تقول: أطال الله عمرك! # وذهبت إلى كوخ صادق فيما يلي كوخه. وداخلت نفسه رقة ورضا فتناول ~~طعامه بشهية . وفي أثناء ذلك قال: لدي قدر من المال لا بأس به ~~سينفعنا عند الحاجة. # ثم مردفا بعد قليل: علينا أن نقتاد كل من نأنس فيه استعدادا ~~إلى مشاركتنا من أهل حارتنا، وما أكثر المظلومين الذين يتمنون لنا ~~النصر ولا يقعدهم إلا الخوف! # وما لبث أن ذهب الرجلان إلى حيث سبقهما الآخرون فوجد نفسه وحده. ~~وقام فمضى يتجول في المكان كأنما يتفقده. مر بأطفال لاعبين فلم ~~يلتفت إليه أحد منهم. أما النساء فكن يحيينه بالدعاء. واستوقفت ~~نظره عجوز بالغة في الكبر، ذات رأس مكلل بالبياض الناصع، وعينين ~~تغشاهما سحابة الهرم، وذقن متقلقل كأنها تزدرد لحييها، فاقترب منها ~~محييا فردت التحية بالدعاء فسألها: من أمي؟ # فأجابت بصوت كخشخشة الأوراق الجافة: أم حمروش. ~~- أهلا بأمنا جميعا، كيف هان عليك أن تهجري حارتنا؟ ~~- أطيب المكان ما يوجد فيه ابني. # ثم كالمستدركة: والبعد عن الفتوات غنيمة. # ثم تشجعت بابتسامته فقالت: رأيت رفاعة وأنا شابة! # فسألها باهتمام: حقا؟ ~~- نعم وحياتك، كان لطيفا جميلا، ولكن لم يجر لي في خاطر أنه ~~سيكون عنوان حي وحكاية من حكايات الرباب. # فسألها باهتمام متزايد: ألم تقصديه كالآخرين؟ ~~- كلا، لم يكن يدري بنا في حينا أحد، ولا كنا ندري بأنفسنا، ~~ولولاك ما جرى ذكر للجرابيع على لسان. # وتفحصها بغرابة. وتساءل: ترى كيف يكون جدنا اليوم؟! لكنه ظل ~~يبتسم لها برقة فدعت له طويلا حتى ذهب. وواصل المشي حتى وقف عند ~~رأس الممشى على حافة الجبل. ألقى نظرة ms246 على الخلاء أسفل ثم مد ~~البصر نحو الأفق. تراءت على البعد القباب والأسطح، كأنها ملامح ~~متباعدة في كائن واحد. وقال: إنه ما ينبغي أن تكون إلا شيئا ~~واحدا. وهذا الشيء ما أصغره من عل! فلا معنى للناظر رفعت ولا ~~للفتوة لهيطة. ولا فرق هنا بين رفعت وعمه زكريا. ومن العسير أن ~~تهتدي من موقفك إلى الحارة المثيرة للمتاعب، لولا بيت الواقف الذي ~~يبدو أنه يميز من أي موقع. بيت جدنا بسوره العجيب وأشجاره ~~العالية. لكنه طعن في السن وخفت خشيته كهذه الشمس المائلة نحو ~~الأفق. أين أنت؟ وكيف أنت؟ ولم تبدو وكأنك لم تعد أنت؟ ~~المزيفون لوصيتك على بعد أذرع من منزلك. وهؤلاء النسوة والصغار ~~المبعدون في الجبل أليسوا أقرب الناس إلى قلبك؟ ستعود إلى مكانتك ~~عندما تنفذ شروط وقفيتك دون اغتيال ناظر أو اعتداء فتوة، كعودة ~~الشمس غدا إلى كبد السماء. ولولاك ما كان لنا أب أو حارة أو وقف ~~أو أمل. # وأيقظه من تهويمته صوت عذب يقول: القهوة يا معلم قاسم. # التفت وراءه فرأى بدرية باسطة راحتها بالفنجال فتناوله قائلا: ~~لم التعب؟ ~~- تعبك راحة يا سيدي. # وترحم على قمر، وراح يحسو القهوة في رفق، وبين الحسوة والحسوة ~~تلتقي عيناهما في ابتسامة. ما ألذ القهوة عند طرف الجبل فوق ~~الخلاء! ~~- ما عمرك يا بدرية؟ # فثنت شفتيها داخل فيها ثم غمغمت: لا أدري. ~~- لكنك تدرين بما جاء بنا إلى الجبل؟ # فترددت في استحياء ثم قالت: أنت! ~~- أنا؟! ~~- تريد أن تضرب الناظر والفتوات وتجعل الوقف لنا، هذا ما يقول ~~أبي. # فابتسم. وانتبه إلى أنه أتى على ما في الفنجال لكنه سها عن رده، ~~فرده إليها وهو يقول: ليت عندي من الشكر بعض ما تستحقين. # فاستدارت باسمة موردة وجرت، فتمتم قائلا: تصحبك السلامة. # 85 # وكان وقت الأصيل هو وقت ~~التحطيب فينبري الرجال لممارسة التمرينات الشاقة بالنبابيت. ويبدأ ~~ذلك عقب عودتهم بنقود قليلة وطعام بسيط بعد يوم شاق كادح ~~ينقضي سعيا وراء الرزق، هكذا يعودون نساء ورجالا. وكان قاسم أول ~~المتبارين. وكم سره ms247 أن يرى حماسة رجاله وتوثبهم لليوم العصيب! ~~أشداء بين الرجال ولكنهم يكنون له من الحب ما لم تعرفه حارتهم ~~الممزقة بالبغضاء. وترتفع النبابيت وتتهاوى وتتلاقى في ارتطامات ~~شديدة، ويتفرج الغلمان ويقلدون، على حين تخلد النساء إلى الراحة أو ~~يعددن العشاء. وصف الأكواخ يمتد طولا بما ينضم إلى الحارة الجديدة ~~من رجال جدد. وأثبت صادق وحسن وأبو فصادة أنهم صيادون مهرة. كانوا ~~يرصدون رجالا من الحارة في مظانهم ولا يزالون بهم حتى يقنعوهم ~~بالانضمام إليهم، فيهجروا الحارة خفية وراء آمال لم تشتعل من قبل ~~في صدورهم . وكان صادق يقول لقاسم: لا أضمن مع هذا النشاط ألا يهتدي ~~أعداؤنا إلى مقرنا. # فيقول له: لا سبيل إلينا ~~إلا خلال الممر الضيق، وسيكون الهلاك نصيبهم إذا جاءوا منه. # وكانت إحسان هي سعادته الباقية، حين يلاعبها وحين يهدهدها وحين ~~يناغيها، لكنها لم تكن كذلك حين تذكره بالراحلة فتطبق عليه الوحشة ~~وتلفحه أنفاس الحنين. تلك التي خطفت من بين يديه في أول الطريق، ~~فتركته فريسة للوحشة كلما خلا إلى نفسه، وأحيانا للندم كما حدث ~~عند حافة الجبل يوم القهوة، أو يوم النظرة الرقيقة كنسمة ~~العصاري. # وذات ليلة حرن النوم أمام عينيه فوقع صيدا معذبا للوحشة ~~والأرق في ظلمة الكوخ، فقام من فراشه وانطلق خارجا. ومضى في ~~الساحة بين الأكواخ تحت النجوم الساهرة يستقبل هواء منعشا؛ هواء ~~الصيف عند منتصف الليل فوق الجبل. وإذا بصوت يناديه ثم تساءل ~~صاحبه: إلى أين أنت ذاهب في هذه الساعة من الليل؟ # فالتفت وراءه فرأى صادق وهو يقترب منه، فسأله: ألم تنم ~~بعد؟ ~~- لمحتك وأنا راقد أمام الكوخ، وأنت أطيب عندي من النوم. # وسارا جنبا إلى جنب حتى حافة الجبل. فوقفا هنالك وقاسم يقول: ~~الوحدة أحيانا لا تطاق. # فقال صادق ضاحكا: تبا لها في جميع الأحيان. # ومدا البصر نحو الأفق فبدت الدنيا سماء متلألئة فوق أرض غارقة ~~في الظلام. وعاد صادق يقول: أكثر رجالك أزواج أو ذوو أهل فهم لا ~~يعرفون الوحشة. # فتساءل قاسم كالمستنكر: ماذا تعني؟ ~~- مثلك لا يستغني عن ms248 امرأة. # واشتد الاحتجاج في صوته بقدر ما استشعر في قول الرجل من صدق، ~~فتساءل: أتزوج بعد قمر؟! # فقال الرجل بإيمان: لو استطاعت أن تسمعك صوتها لأعادت على ~~مسمعك رأيي. # واضطرب قاسم وجاش بالانفعال صدره، وقال وكأنه يخاطب نفسه: كأنها ~~الخيانة بعد الحب والرعاية! ~~- ما أغنى الأموات عن إخلاصنا! # ماذا يعني الرجل الطيب؟ يقرر الصدق أم يبرر الهوى؟ ولكن للحقيقة ~~طعما مرا في بعض الأحوال. وأنت نفسك لا تواجه نفسك بالصراحة ~~التي واجهت بها الأوضاع في حارتك. والذي سوى هذه الأمور في عالمك ~~هو الذي سوى هذه النجوم في السماء. والحق الذي لا مرية فيه أن ~~قلبك يخفق كما خفق أول مرة. وتنهد بصوت مسموع فقال صادق: أنت أول ~~من يحتاج إلى أنيس. # ولما رجع إلى كوخه لمح سكينة واقفة عند الباب فتطلعت إليه ~~كالمتسائلة وهي تقول بقلق: لمحتك خارجا حين كنت أظنك في عز ~~النوم! # فقال دون تمهيد لشدة ضغط أفكاره على رأسه: انظري إلى صادق كيف ~~يحضني على الزواج؟! # فقالت سكينة كأنما تتلقف فرصة من السماء: وددت أن أسبقه! ~~- أنت؟! ~~- نعم يا سيدي، شد ما يحز في قلبي أن أراك جالسا وحدك ~~مستسلما للوحشة والفكر. # فأشار بيده إلى الأكواخ النائمة وقال: جميع هؤلاء معي. ~~- نعم ولكن لا أحد لك في دارك وأنا عجوز، رجل فوق الأرض ~~ورجل في القبر. # وشعر بأن تلبثه دليل تقبل لما تريد، ولكنه مع ذلك لم يدخل إلى ~~كوخه وقال في نبرة رثاء: لن أجد زوجة مثلها! ~~- هذا حق، ولكن توجد بنات يبشرن بالسعد! # وتبادلا نظرة خلال الظلام، أردفت بهنيهة صمت، ثم تمتمت الجارية: ~~بدرية! ما ألطفها من فتاة! # فقال بدهشة تعدل خفقة قلبه: البنت الصغيرة؟! # فقالت وهي تداري ابتسامة ماكرة: ما أنضجها وهي تقدم الطعام أو ~~القهوة! # فتحول عنها وهو يقول: يا شيطانة! لعنة الله على سلالتك! # وكان للخبر رنة فرح في حارة الجبل جميعا؛ كاد صادق أن يرقص. ~~وزغردت أمه حتى أسمعت الخلاء، وانهالت التهاني على قاسم. واحتفلت ~~الحارة بالزفاف دون استدعاء لأحد ms249 من المحترفين، فرقصت نساء من ~~بينهن أم بدرية. وغنى أبو فصادة بصوت مليح: # أنا كنت صياد سمك # وصيد السمك غية. # وسارت الزفة حول الأكواخ مستضيئة بأنوار ~~السموات. وانتقلت سكينة بإحسان إلى كوخ حسن على حين خلا كوخ قاسم ~~للعروسين. # 86 # لذ له حقا أن يراقب - من مجلسه على الفروة أمام الكوخ - ~~بدرية وهي تعجن. هي صغيرة بلا جدال ولكن أي امرأة تفوقها في النشاط ~~وتدبير الشئون؟! وتمطت من جهد، وبظهر راحتها رفعت ما تهدل من ~~شعرها فوق الجبين، فبدت فاتنة غازية لسويداء القلب. ونم تورد ~~وجهها عن إحساسها بمتابعة عينيه حتى توقفت في دلال، فضحك بسرور ~~ومال نحوها فتناول ضفيرتها وقبلها مرارا ثم عاد إلى جلسته. وكان ~~سعيدا خالي البال كشأنه في الأويقات التي يعتزل فيها أصدقاءه ~~وأفكاره، وعلى بعد يسير مضت إحسان تتنقل من موضع إلى موضع على ~~مرمى النظر من سكينة الرابضة فوق حجر. وتعالت ضجة عند رأس الممر. ~~رأى صادق وحسن وبعض الأصدقاء قادمين نحوه حول رجل عرف فيه خردة ~~الزبال من حي رفاعة فوقف من فوره لاستقبالهم على حين زغردت نساء ~~كما يفعلن كلما انضم إلى الجبل رجل جديد من أهل الحارة. وعانقه ~~والرجل يقول: إني معكم، وجئت معي بنبوت! # فقال له هاشا باشا: أهلا بك يا خردة، نحن لا نفرق بين حي ~~وحي، فالحارة حارتنا، والوقف للجميع. # فضحك الرفاعي قائلا: يتساءلون عن مكانكم ويتوقعون من ناحيتكم ~~شرا، ولكن قلوبا كثيرة تتمنى لك النصر. # وألقى نظرة على ما حوله فشملت الأكواخ والناس ثم قال بإعجاب: كل ~~هؤلاء معك؟! # وقال صادق: جاء خردة بخبر مهم. # فحدجه قاسم بنظرة متسائلة فقال خردة: اليوم يتزوج سوارس للمرة ~~الخامسة. وستسير زفته هذه الليلة. # فقال حسن بحماس: هذه فرصة لا تتكرر للقضاء عليه. # وتحمس الرجال. وقال صادق: سنهجم يوما على الحارة، فكلما تخلصنا ~~من فتوة جاء الهجوم أيسر عناء وأضمن نتيجة. # وتفكر قاسم مليا ثم قال: سنهاجم الزفة. كما يفعل الفتوات، ولكن ~~اذكروا دائما أننا نهاجم للقضاء على الفتونة. # وقبيل منتصف ms250 الليل تجمع الرجال عند حافة الجبل، ثم مضوا يهبطون ~~رجلا رجلا وراء قاسم وأيديهم قابضة على نبابيتهم. كانت السماء ~~صافية، والبدر يحتل منها الكبد، ونوره يضفي على الدنيا وشي ~~الأحلام. وانتهوا إلى الخلاء فاتجهوا ناحية الشمال من وراء سوق ~~المقطم ثم ساروا بحذاء الجبل حتى لا يضلوا الطريق. ولما اقتربوا من ~~صخرة هند أقبل نحوهم شبح رجل كان يتحسس لهم الأخبار فقال لقاسم: ~~ستسير الزفة نحو باب النصر. # وتعجب قاسم قائلا: لكن زفاتنا تسير عادة نحو الجمالية. # فقال خردة: لعلهم يبتعدون عن الأماكن التي يظنون مقامكم قريبا ~~منها! # وفكر قاسم بسرعة ثم قال: سيذهب صادق وبعض الرجال إلى ما وراء ~~بوابة الفتوح، ويمضي عجرمة وآخرون إلى خلاء باب النصر، وسأنتظر أنا ~~وحسن وبقية الرجال وراء باب النصر، وعندما أدعوكم إلى الهجوم ~~اهجموا. # وبدأ الرجال ينقسمون جماعات، وقبل أن يهموا بالرحيل قال: ركزوا ~~الضرب على سوارس وأعوانه، أما الآخرون فسيكونون إخوانكم ~~غدا. # ومضت كل جماعة في طريقها وأوغل هو وحسن ومن معهما شمالا بحذاء ~~الجبل، ثم عدلوا إلى اليسار في طريق القرافة حتى كمنوا وراء ~~البوابة. وكان هو ورجاله يحاصرون الطريق، فصادق يتربص يمينا، ~~وعجرمة يتوثب يسارا، وهو يكمن وراء البوابة. وقال حسن: ستتجمع ~~الزفة في قهوة الفلكي. # فقال قاسم: علينا أن نهاجمها قبل الوصول إلى القهوة كي لا نعتدي ~~على قوم لا شأن لنا بهم. # ولبثوا في الظلام ينتظرون وقد توترت منهم الأعصاب. وبغتة قال ~~حسن: شد ما أذكر مقتل شعبان. # فقال قاسم: للفتوات ضحايا لا يحصيهم العد. # وأرسل صادق صفيرا وتبعه عجرمة فاشتدت عزيمتهم وقال حسن: إذا هلك ~~سوارس تسارع أهل حينا إلينا، وإذا جاء الآخرون للقضاء علينا ~~أهلكناهم في الممر. # هذه الأحلام مثل ضوء القمر. وما هي إلا ساعة حتى يتقرر النصر لهم ~~أو تتبخر الآمال مع أرواحهم المهدرة. وخيل له أنه يرى شبح ~~قنديل، وأنه يسمع نبرة قمر، وكأن دهرا مضى مذ كان يرعى الغنم. ~~وشدت قبضته على نبوته وقال لنفسه: لا يمكن أن ننهزم. وسمع حسن ms251 وهو ~~يسأله: ألا تسمع؟ # وأرهف السمع قليلا حتى التقط أصداء من أنغام فقال: استعدوا، ~~الزفة قادمة! # وأخذت الأصوات تقترب، وتتضح، ثم ترامى الزمر والطبل، وتعالت ~~الآهات، وأطبق التهليل. ثم على ضوء المشاعل بدت الزفة وهي تتقدم، ~~وتراءى سوارس للعين وسط هالة من الراقصين اللاعبين بالنبابيت. ~~وتساءل حسن: أصفر لعجرمة؟ # فقال قاسم بثبات: عندما تصل طليعة الزفة إلى وكالة الثوم. # واستمر تقدم الزفة، واشتد الرقص واللعب. وأخذ راقص بنشوة الرقص ~~فجعل يثب في الهواء ثم يدور أمام الزفة في سرعة رشيقة راسما ~~دائرة متموجة، والنبوت يدور مرتكزا على راحته المرفوعة فوق رأسه ~~كالمروحة، ومضى يتقدم خطوة عقب كل دورة حتى جاوز وكالة الثوم ~~والزفة من ورائه تتقدم في بطء شديد حتى بلغ رأسها الوكالة. عند ~~ذاك صفر حسن ثلاثا؛ فهبط عجرمة ورجاله من عطفة الطماعين وانقضوا ~~على مؤخرة الزفة تسبقهم نبابيتهم فاجتاح الاضطراب صفوفها وارتفع ~~صراخ الغضب والخوف. وصفر حسن ثلاثا مرة أخرى؛ فاندفع صادق ورجاله ~~من السماكين على وسط الزفة من الناحية الأخرى قبل أن تفيق من ~~الهجمة الأولى. وفي الحال هجم قاسم ورجاله من تحت البوابة على ~~مقدمة الزفة هجمة رجل واحد. # استرد سوارس ورجاله أنفاسهم من شرك المفاجأة فرفعوا النبابيت ~~واشتبكوا في معركة مريرة. وتطاير كثيرون من المسالمين فلاذوا ~~بالحواري والأزقة. واشتد ارتطام النبابيت. وسالت الدماء من ~~الأوجه والرءوس. وتحطمت كلوبات وتناثر الورد فطحنته الأقدام. ~~وانطلق الصوات من النوافذ وأغلقت المقاهي أبوابها. وضرب سوارس ~~بقسوة، وبخفة، فانطلق نبوته كالمجنون، مرة في هذه الناحية ومرة في ~~تلك. واشتد الضرب وتكاثف الحقد كقطع الليل. ووجد سوارس نفسه بغتة ~~أمام صادق فصرخ: يا ابن النجسة! # ووجه إليه ضربة فتلاقت مع ضربة وجهها صادق الذي ارتج وترنح. ورفع ~~سوارس نبوته وهوى به مرة أخرى عليه فتلقاه بنبوته المرتكز على ~~قبضته، غير أنه سقط على ركبتيه من شدة الصدمة. وهم بتوجيه الضربة ~~الثالثة والقاضية، لكنه لمح حسن منقضا عليه كالوحش لإنقاذ صاحبه ~~فتحول نحوه وهو يطفح بالغضب صائحا: وأنت أيضا يا ابن زكريا! ms252 يا ابن الزانية. # وأطلق نحوه ضربة هائلة، لو لم يتفاد منها بوثبة جانبية لهلك، ~~ثم طعن سوارس في أثناء وثوبه برأس نبوته فأصاب عنقه. عطلت الطعنة ~~سوارس لحظات عن تسديد الضربة التالية، فسيطر حسن على توازنه ووجه ~~ضربة شديدة بقوته الخارقة فأصابت جبهة سوارس، وفجرت نافورة من ~~الدم، وسرعان ما تراخت قبضته عن نبوته فهوى، وتراجع خطوات مترنحة، ~~ثم سقط على ظهره دون حراك، وعلا على أصوات النبابيت المتلاطمة صياح ~~رجل: سوارس قتل! # فأدركه عجرمة بضربة نبوت فوق أنفه فصرخ، وتراجع فعثر بطريح فسقط. ~~وقويت عزيمة رجال قاسم فاشتدت ضرباتهم، وتخاذل رجال سوارس، وهالتهم ~~كثرة الساقطين من رجالهم فتقهقروا، ثم أسلموا أرجلهم للفرار. وأخذ ~~رجال قاسم في التجمع حوله وهم يلهثون، البعض تسيل دماؤهم، والبعض ~~يحملون جرحاهم. ونظروا صوب الأرض على ضوء الفوانيس الصادر من ~~شراعات أبواب المقاهي أجسادا مطروحة، منها ما لقي حتفه، ومنها ما ~~راح في غيبوبة. ووقف حمروش فوق ظل سوارس وهتف: ليطمئن جثمانك يا شعبان! # فجذبه قاسم إلى جانبه وقال: يوم النصر قريب، يوم يلقى بقية ~~الفتوات نفس المصير، يوم نصبح سادة حارتنا وأصحاب وقفنا وأحفادا ~~بررة لجدنا. # وعند عودتهم إلى الجبل استقبلتهم النساء بالزغاريد، وجرت مع ~~الهواء أنباء النصر. وآوى قاسم إلى كوخه وبدرية تقول له: عليك ~~غبار كثير ودم، يجب أن تستحم قبل النوم. # ولما استلقى عقب الاستحمام تأوه من الألم. وأتت له بطعام وانتظرت ~~أن يجلس ليتناوله، ولكن استولت عليه حال بين اليقظة والمنام. وشعر ~~بارتياح كأنه السعادة ولكن شابه إحساس قلق كأنه الحزن، وقالت ~~بدرية: تناول طعامك. # فنظر إليها بعينين مثقلتين حالمتين وقال: ستشهدين النصر ~~قريبا يا قمر. # وانتبه إلى هفوة اللسان على أثر وقوعها، ورأى تغير وجه بدرية، ~~فجلس في فراشه الأرضي وقال في تودد وارتباك: ما أشهى طعامك! # لكنها نفرت من توادده متجهمة فتناول قطعة من الطعمية قائلا: جاء ~~دوري لأدعوك للطعام! # فولت عنه وجهها وتمتمت: كانت طاعنة في السن ولا جمال ~~لها! # فتقوضت قامته المنتصبة في كآبة كأنه تهدم ms253 وقال في عتاب وحزن ~~شديدين: لا تذكريها بسوء، فمثلها لا ينبغي أن يذكر إلا ~~بالرحمة. # فارتد إليه رأسها متوثبا لكنها رأت على صفحة وجهه حزنا ~~مخيما، فلاذت بالصمت. # 87 # رجع المغلوبون يركبهم الخزي. ابتعدوا ما استطاعوا عن الأنوار ~~المنبعثة من بيت سوارس حيث يتألق الجو ببهجة الفرح والطرب، وانحجز ~~كل رجل في ربعه. وإذا بالأنباء السود تنتشر كالحريق، فتعالى الصوات ~~في مساكن كثيرة وانطفأ العرس كأنما أهيل عليه التراب. انطلقت ~~الحناجر تنعى سوارس، ثم تنعى من قتل معه من رجاله. وامتد المصاب ~~فشمل رجالا من الرفاعية وآخرين من آل جبل ممن اشتركوا في الزفة. ~~ومن المجرم المعتدي؟ قاسم، قاسم الغنام، قاسم الذي كان ينبغي أن ~~يظل متسولا مدى عمره لولا قمر! وشهد رجل بأنه تبع عصابة قاسم في ~~عودتها حتى اهتدى إلى ملجئها فوق المقطم. وتساءل كثيرون: هل يعتصم ~~بالجبل حتي يقضي على رجال الحارة؟ واستيقظ النائمون وخرجوا إلى ~~الحارة والربوع تتجاوب بالصوات. وصرخ أحد رجال جبل في غضب: ~~اقتلوا الجرابيع. # لكن جلطة أوقفه صائحا: لا ذنب لهم، قتل فتوتهم، وعدد وافر من ~~رجالهم. ~~- أحرقوا المقطم! ~~- هاتوا جثة قاسم؛ لتأكلها الكلاب. ~~- علي الطلاق لأشربن من دمه. ~~- الجربوع اللئيم الجبان. ~~- يحسب أن الجبل سيحميه! ~~- لن يحميه إلا القبر. ~~- كان يأخذ المليم من يدي ويبوس التراب. ~~- ويظهر بيننا بمظهر اللطيف الودود ثم يغدر بنا فيقتل ~~الرجال. # وفي اليوم التالي: بدت الحارة في مأتم شامل. وفي اليوم الثاني: ~~اجتمع الفتوات في بيت الناظر رفعت الذي ركبه الغضب والحنق حتى قال ~~لهم في تهكم مر: لنحبس أنفسنا في حارتنا كي نأمن الموت. # وكان لهيطة أشدهم حرجا، لكنه أراد أن يهون من الخطب تخففا من ~~مسئوليته فقال: ما هي إلا معركة بين فتوة وبعض رجال حيه! # فقال جلطة معترضا: قتل من حينا رجل وجرح ثلاثة. # وقال حجاج: وقتل منا رجل. # فقال رفعت بمكر مخاطبا لهيطة: اللطمة لاصقة بسمعتك يا فتوة ~~الحارة! # فامتقع وجه الرجل غضبا وقال: راعي غنم! والله لقد هزلت! # ولم يخف الناظر قلقه ms254 فقال: راعي غنم؟! فليكن، لكنه أصبح ذا خطر. ~~استخففنا بهذيانه زمنا وأغمضنا عنه العين إكراما لزوجته فاستفحل ~~شره، وقد تمسكن حتى تمكن فقضى على فتوته وأعوانه، وهو الآن ~~معتصم بالجبل ولن تقف أطماعه عند حد. # وتبادلوا النظرات في غضب فواصل الناظر حديثه قائلا وهو يلوح ~~للناس بإغراء: هذه هي مصيبة حارتنا، لا ينبغي أن نتجاهل ذلك، إنه ~~يعد الناس بالوقف، ومع أن الوقف لا يكفي أصحابه إلا أن أحدا لا ~~يصدق ذلك، المتسولون لا يصدقون ذلك وما أكثرهم، حارتنا حارة ~~المتسولين! وهو يعد بالقضاء على الفتونة فيطرب لذلك الجبناء وما ~~أكثرهم! حارتنا حارة الجبناء، وستجدون أهلها دائما مع الغالب، ففي ~~القعود هلاكنا. # فهتف لهيطة: حوله مجموعة من الفئران وما أيسر إبادتهم! # فتساءل حجاج: لكنهم يعتصمون بالجبل؟! # فقال جلطة: نراقب الجبل حتى نجد إليهم منفذا. # فقال رفعت بتحريض: اعملوا ففي القعود كما قلت هلاكنا. # واشتد الغضب بلهيطة فقال للناظر بلهجة ذات مغزى: أتذكر يا سيدي ~~أنني دبرت قتله في حياة زوجته فعارضت الهانم. # فحول الناظر عينيه عن الأعين المحدقة وقال في شبه اعتذار: لن ~~يجدينا تذكر الأخطاء. # ثم مردفا بعد هنيهة صمت: وهذه العلاقات تراعى في حارتنا منذ ~~القدم! # وتعالت ضجة في الخارج غير مألوفة كأنما تنذر بشر مستجد، وكانت ~~الأعصاب متوترة، فنادى الناظر البواب وسأله عما هنالك فقال الرجل: ~~يقولون إن الغنام انضم إلى قاسم سائقا معه جميع أغنام ~~الحارة! # فوقف لهيطة ثائرا وهو يصيح: الكلب .. حارة كلاب، الويل ~~له! # وتساءل الناظر: من أي حي هذا الغنام؟ # فقال البواب: من حي الجرابيع، ويدعى زقلة. # 88 ~~- أهلا بك يا زقلة. # وعانقه قاسم فقال الغنام بحماس: لم أكن ضدك قط، وكان قلبي معك ~~دائما، ولولا الخوف لكنت بين أوائل المنضمين إليك، وما إن سمعت ~~بمقتل سوارس أجحمه الله حتى سارعت إليك سائقا أمامي أغنام ~~أعدائك! # وألقى قاسم نظرة على مجمع الأغنام في الساحة بين الأكواخ حيث ~~التف حولها النساء وارتفع ضوضاء الحبور، ثم ضحك قائلا: هي حلال ~~لنا لقاء ما نهبوا من ms255 أموالنا في الحارة. # وفي أثناء النهار انضم إلى قاسم أفراد من الحارة بكثرة لم تعهد ~~من قبل فاشتدت العزائم ورسخت الآمال. لكن قاسم استيقظ في الصباح ~~الباكر لليوم التالي على ضجة غريبة فغادر كوخه من فوره فرأى رجاله ~~قادمين نحو كوخه في عجلة واضطراب، وقال له صادق: جاءت الحارة ~~للانتقام وهم مجتمعون أسفل الممر. # وقال خردة: كنت أول ذاهب للعمل فرأيتهم وأنا على مبعدة خطوات من ~~الخلاء فرجعت مسرعا، وطاردني بعضهم فأصابوني بحجر في ظهري، وجعلت ~~أنادي صادق وحسن حتى جاء جماعة من إخواننا إلى رأس الممر فانتبهوا ~~إلى الخطر ورموا المهاجمين بالأحجار حتى تراجعوا. # ونظر قاسم نحو رأس الممر فرأى حسن وبعض الرجال واقفين عنده بأيد ~~قابضة على الأحجار فقال: نستطيع أن نصدهم هناك بعشرة رجال. # فقال حمروش: إن الصعود على هذه الحال انتحار فليصعدوا إذا ~~شاءوا. # وتجمع الرجال والنساء حول قاسم حتى خلت الأكواخ. جاء الرجال ~~بالنبابيت والنساء بمقاطف طوب أعدت لذلك اليوم. وانطلق أول شعاع ~~للشمس من سماء صافية. وتساءل قاسم: أما من مسلك آخر إلى ~~المدينة؟ # فقال صادق واجما: يوجد مسلك في الجنوب على مسيرة ساعتين في ~~الجبل. # وقال عجرمة: لا أظن أن لدينا من الماء ما يكفينا أكثر من ~~يومين. # فسرت فيهم همهمة قلق وبخاصة النساء فقال قاسم: لقد جاءوا ~~للانتقام لا للحصار، وإذا حاصرونا عمدنا إلى المسلك الآخر لفك ~~الحصار. # ومضى الرجل يفكر وهو يحافظ على هدوء وجهه الذي تتطلع إليه ~~الأبصار. لو حاصروهم لوجدوا أكبر المشقة في إحضار المياه من المسلك ~~الجنوبي. ولو هجم برجاله عليهم فهل يضمن الانتصار على رجال فيهم ~~لهيطة وجلطة وحجاج؟ وأي مصير يخبئه مغيب هذا اليوم لهم؟ ورجع إلى ~~كوخه ثم عاد قابضا على نبوته ثم سار إلى حسن ورجاله عند رأس ~~الممر، فقال له حسن: لا يجرؤ أحد منهم على الاقتراب. # ودنا قاسم من حافة الجبل فرأى أعداءه متجمعين على هيئة هلال في ~~الخلاء بعيدا عن مرمى الحجر. هاله عددهم لكنه لم يستطع أن يميز ~~الفتوات بينهم. ms256 ومد بصره خلال الفضاء حتى استقر على البيت الكبير، ~~بيت الجبلاوي، الغارق في صمته كأنه لا يبالي بصراع الأبناء من ~~أجله. ما أحوجهم إلى قوته الخارقة التي دانت لها هذه البقاع في ~~الزمن الخالي! ولعل القلق لم يكن ليساوره لولا ذكرى مصرع رفاعة على ~~كثب من بيت جده. ووجد دافعا من أعماقه يدعوه إلى أن يصيح بأعلى ~~صوته قائلا: «يا جبلاوي!»، كما يفعل أهل حارته في أحوال شتى، لكن ~~جذب سمعه أصوات النساء المقتربة فاستدار ناظرا حوله فرأى الرجال ~~منتشرين على حافة الجبل ينظرون إلى أعدائهم، والنساء متجهات إلى ~~المواقع نفسها فصاح بهن أن يرجعن، وشدد في الصياح لدى ترددهن، ~~وأمرهن بأن يعددن الطعام وأن يزاولن مألوف الأعمال، وما زال بهن ~~حتى صدعن بأمره. فاقترب منه صادق قائلا: أحسنت، فإن أخوف ما أخاف ~~علينا تأثير اسم لهيطة. # فقال حسن: ليس أمامنا إلا أن نضرب! # ولوح بنبوته مردفا: سيتعذر علينا التجوال سعيا وراء أرزاقنا ~~بعد أن عرفوا مكمننا، فليس أمامنا إلا أن نهجم. # فأدار قاسم رأسه مادا البصر نحو البيت الكبير وقال: بالصواب ~~نطقت، ما قولك يا صادق؟ ~~- ننتظر حتى يجيء الليل. # فقال حسن: سيضر بنا الانتظار، ولن ينفعنا الليل في ~~عراك. # وتساءل قاسم: ترى ما هي خطتهم؟ # فقال صادق: أن يجبرونا على النزول إليهم. # وتفكر قاسم مليا ثم قال: إذا قتل لهيطة ضمنا النصر. # وردد عينيه بين الرجلين ثم أردف: إذا سقط تقاتل جلطة وحجاج على ~~الفتونة. # ومضت الشمس في الارتفاع فتوهج الحصى وانتشرت نذر الحر. وتساءل ~~حسن: خبراني ما العمل؟ # فبدا تساؤله كالحصار ولكن لم يطل بأحد التردد، فقد انطلق صراخ ~~امرأة من ناحية الساحة، وتلته على الفور صرخات، وتميز الصوت وهو ~~يصيح: هوجمنا من الناحية الأخرى! # وارتد الرجال عن الحافة فانطلقوا نحو الساحة فيما يلي الجنوب. ~~أوصى قاسم المدافعين عن الممر بمزيد من الانتباه. أمر خردة أن يدعو ~~النساء القادرات إلى الانضمام إلى المدافعين عن الممر. جرى بين ~~صادق وحسن نحو الساحة حتى توسط رجاله. لاح للجميع لهيطة ms257 وهو يقود ~~عصابة كبيرة من الرجال قادمين من جنوب الجبل. قال قاسم بحنق: ~~شاغلنا برجاله حتى يقوم برحلته حول الجبل ثم يجيئنا من مسلك ~~الجنوب. # فصاح حسن وجسمه العملاق ينتفخ بالتوثب: جاء بقدميه إلى ~~موته! # فقال قاسم: يجب أن ننتصر وسننتصر. # وامتد رجاله من حوله كذراعين قويتين. ومضى القادمون يقتربون، ~~بنبابيت مرفوعة، كأنهم دغل من الأشواك. ودخلوا في مجال الأبصار ~~فقال صادق: ليس فيهم جلطة ولا حجاج! # وأدرك قاسم أن جلطة وحجاج على رأس المحاصرين أسفل الجبل، وحدس ~~أنهما سيهاجمان الممر مهما كلفهما ذلك من مشقة، لكنه لم يفض ~~بوساوسه إلى أحد. وتقدم خطوات وهو يلوح بنبوته فشد الرجال على ~~نبابيتهم. وجاء الصوت الغليظ، صوت لهيطة وهو يصيح: لن تدفنوا في ~~قبر يا أولاد الزواني. # واندفع قاسم مهاجما فاندفع حوله الرجال، وأقبل الآخرون كالصخور ~~المنقذفة حتى اصطكت النبابيت واختلطت الزمجرة وارتفع الزئير. وفي ~~الوقت ذاته انهال الطوب من المدافعات عن رأس الممر على هجوم من ~~أسفل الجبل بدأ. لكن كل رجل من رجال قاسم مع آخر من العدو اشتبك. ~~تضارب قاسم ودنجل بعنف ومكر. وهوى نبوت لهيطة على ترقوة حمروش ~~فانكسر. والتحم صادق وزينهم في هجمات متتابعة. ودك حسن بنبوته ~~الغضبان فسكت. وضرب لهيطة زقلة في رقبته فانقلب، وتمكن قاسم من ~~إصابة دنجل في أذنه فصرخ وتراجع ثم اندلق. وحمل زينهم على صادق ~~حملة شديدة لكن هذا بادره بطعنة في بطنه فخذلته يداه فثنى ~~بطعنة أخرى فجندله. وتغلب خردة على الحفناوي ولكن لهيطة شل ذراعه ~~قبل أن يهنأ بنصرته. ووجه حسن ضربة إلى لهيطة لكنه زاغ عنها برشاقة ~~ورفع نبوته ليهوي به على الشاب غير أن قاسم عاجله بضربة تلقاها ~~بنبوته، وجاء أبو فصادة كالريح ليقذفه بالضربة الثالثة لكن لهيطة ~~نطحه برأسه في أنفه فحطمه. بدا لهيطة كأنه قوة لا تغلب. # واشتد القتال. تلاطمت النبابيت بلا هوادة. واندفعت سيول الشتائم ~~واللعنات. وانبثقت الدماء تحت أشعة الشمس المحرقة. وتوالت الإصابات ~~فخر الرجال تباعا من الفريقين. واحترق لهيطة غضبا للمقاومة ~~المستبسلة التي ms258 لم يتوقعها فتضاعفت هجماته وضرباته وقسوته. ومن ~~الناحية الأخرى أمر قاسم حسن وعجرمة بأن يتحينا الفرصة للهجوم معه ~~على لهيطة حتى يهدموا الحصن الذي يلوذ به المهاجمون. وإذا بامرأة ~~من المدافعات عن الممر تجيء وهي تصرخ محذرة: إنهم يصعدون تحت ألواح ~~العجين! # ففزعت قلوب رجال الجبل، وصاح لهيطة: لن تدفنوا في قبر يا أولاد ~~الزواني! # فصاح قاسم في رجاله: انتصروا قبل أن يصعد المجرمون. # واندفع نحو لهيطة بجناحين من حسن وعجرمة، فاستقبله الفتوة بضربة ~~شديدة تلقاها بنبوته، وأراد عجرمة أن يعاجله بضربة ولكن العفش ~~أصاب ذقنه فانبطح على وجهه. ووثب حسن أمامه وهمه يتبادلان ضربتين، ~~ورمى حسن بنفسه عليه فالتحما في صراع مميت. وارتفع صراخ النساء ~~عند رأس الممر وأخذ بعضهن يلذن بالفرار، وتحرج الموقف. وسارع قاسم ~~بإرسال صادق وبضعة رجال إلى حافة الجبل، ثم انقض على لهيطة لكن ~~اعترضه زحلفة فاشتبكا في قتال عنيف. ودفع حسن لهيطة بكل قوته ~~فتراجع خطوة، فبصق على عينه وهو يهدر، ثم ركله فأصاب ركبته، وبسرعة ~~خاطفة هجم عليه متقوسا فنطح بطنه كأنه ثور غاضب فاختل توازن ~~الجبار ووقع على ظهره فبرك الآخر فوقه وأطبق بنبوته على رقبته ~~بكلتا يديه وضغط بكل قواه. وأقبل رجال للدفاع عن فتوتهم فتصدى لهم ~~قاسم وبعض رجاله. واصطكت قدما لهيطة، وجحظت عيناه، واحتقن بالدم ~~وجهه، وأخذ يختنق. وبغتة وثب حسن واقفا فوق غريمه الخائر القوة ~~وهوى على رأسه بنبوته بضربة شرسة حانقة فتحطمت جمجمته وانتهى. وصرخ ~~حسن بصوت كالرعد: لهيطة قتل، فتوتكم قتل، انظروا إلى ~~جثته! # وأحدث مقتل لهيطة غير المتوقع أثرا عنيفا، فاشتدت عزائم ووهنت ~~عزائم، واندفع الأمل واليأس في قتال مرير. وانضم حسن إلى قاسم في ~~صراعه فلم تخب له ضربة. وشهد الميدان رجالا تتوثب ثم تثب، ونبابيت ~~ترتفع ثم تنقض. وثار الغبار وانتشر ثم أطبق على المتعاركين كليل ~~دموي. وقذفت الصدور بجيشات وصيحات ولعنات وصرخات متأوهة وزمجرات ~~متوعدة. وبين كل آونة وأخرى يترنح رجل ثم يسقط، أو يتراجع ثم ~~يفر، وانتشر المنطرحون على الأرض والتمعت ms259 الدماء تحت أشعة ~~الشمس. # وانتحى قاسم جانبا فأرسل بصره نحو رأس الممر الذي أقلقه أمره ~~فرأى صادق ورجاله يصبون الطوب بالمقاطف في توتر شديد دل على اقتراب ~~الخطر المتصاعد. وسمع النساء. وبينهن زوجته، وهن يصرخن ~~كالمستغيثات. وشاهد بعض رجال صادق وهم يقبضون على النبابيت ~~استعدادا للقاء المصرين على الصعود تحت وابل الطوب. قدر خطورة ~~الأمر فمضى من فوره إلى جثة لهيطة التي ابتعد عنها القتال لتقهقر ~~رجال الحارة، وراح يسحبها وراءه نحو رأس الممر. ونادي حسن فجاءه ~~مسرعا فتعاونا على حمل الجثة، وسارا بها حتى أول الممر، وقذفا بها ~~معا فتهاوت ثم تدحرجت حتى وقفت تحت أرجل الصاعدين تحت الألواح. ~~ووقع اضطراب واضح. وجلجل صوت حجاج وهو يصرخ في غضب: اصعدوا، ~~تقدموا، الويل للمجرمين! # فصاح قاسم متهكما، في ضبط نفس عجيب: تقدموا، هذه جثة فتوتكم، ~~وورائي جثث رجالكم الآخرين، تقدموا فنحن في انتظاركم! # وأشار إلى الرجال والنساء فانهال الطوب كالمطر حتى توقفت طليعة ~~المهاجمين وأخذوا في التراجع البطيء على رغم دفع حجاج وجلطة لهم، ~~وترامت إلى قاسم همهمة تحرش واحتجاج وتذمر فصاح قاسم: يا جلطة، يا ~~حجاج، أقدما ولا تهربا! # فارتفع إليه صوت جلطة كأنه نبرة الكراهية وهو يصيح: انزلوا إن ~~كنتم رجالا! انزلوا يا نسوان يا أولاد العواهر! # وصاح حجاج وهو واقف وسط الموجة المرتدة من الرجال: لا عشت إن لم ~~أشرب من دمك يا أقذر من رعى الغنم! # فتناول قاسم حجرا وقذف به بكل قوته. وتواصل انهمار الأحجار. ~~وأسرعت الموجة المرتدة حتى أوشكت أن تنقلب جريا. وإذا بحسن يجيء ~~فيقول وهو يمسح عن جبهته دما سائلا: انتهى القتال، وفر الأحياء ~~منهم نحو الجنوب. # فهتف قاسم: ادع الرجال لنتبعهم! # لكن صادق قال له: إن الدم يسيل من أسنانك وذقنك! # فمسح فمه وذقنه براحته وبسطها فرآها حمراء قانية. وقال حسن بأسف: ~~قتل منا ثمانية، وأصيب الأحياء بجروح بالغة فلن يستطيعوا ~~حراكا. # ونظر إلى أسفل من خلال الأحجار المتهاوية فرأى أعداءه يركضون في ~~نهاية الممر. فقال صادق: لو أتموا رحلتهم ما ms260 وجدوا مقاتلا يصمد ~~لهم. # ثم لثم ذقن قاسم الدامي وأردف بامتنان: أنقذنا عقلك! # وأمر قاسم رجلين بالبقاء عند رأس الممر للحراسة، وأرسل آخرين في ~~أعقاب الهاربين لاستطلاع الأنباء، ثم عاد بين صادق وحسن وهم ينقلون ~~خطوات ثقالا في إعياء وكلال نحو الساحة التي لم يبق فوق أديمها ~~إلا جثث القتلى. كانت مذبحة وأي مذبحة! قتل من رجاله ثمانية ومن ~~أعدائه عشرة غير لهيطة. ولم يسلم من رجاله الأحياء أحد من كسر أو ~~جرح، وقد آووا إلى الأكواخ فأخذت النساء في تضميد جراحهم، على حين ~~ضجت أكواخ الضحايا بالبكاء والصوات. وجاءت بدرية في لهف ودعتهم إلى ~~الكوخ لتغسل جروحهم، ثم جاءت سكينة حاملة إحسان وهي تبكي بكاء ~~صارخا. وكانت الشمس تقذف بنيرانها من كبد السماء، والحدآت ~~والغربان تدور مدومة وهابطة في الفضاء، والجو يفوح برائحة الدم ~~والتراب. ولم تكف إحسان عن البكاء ولكن لم يعرها أحد التفاتا، ~~وحتى حسن العملاق بدا وكأنه يترنح. وتمتم صادق بصوت حزين: ليرحم ~~الله قتلانا! # فقال قاسم: ليرحم الله القتلى والأحياء على السواء. # وأخذت حسن صحوة ابتهاج طارئة فقال: سننتصر عما قريب فتودع حارتنا ~~عهد الدم والإرهاب. # فقال قاسم: سحقا لعهد الإرهاب والدم! # 89 # لم تشهد الحارة كارثة كهذه من قبل. رجع الرجال صامتين ذاهلين ~~ذابلين غاضين الأبصار كأنما شدت جفونهم إلى أديم الأرض. ووجدوا ~~أنباء الهزيمة قد سبقتهم إلى الحارة وأن الربوع ترتج باللطم ~~والعويل. وانتشر الخبر في الحارات والأزقة وباتت سمعة الحارة ~~الرهيبة أحدوثة تلوكها ألسنة التشفي. وتبين أن حي الجرابيع بأسره ~~قد غادر الحارة خوفا من الانتقام فخلت الدور والدكاكين، ولم يشك ~~أحد في أنهم سينضمون حتما إلى ابن حيهم المنتصر فيزداد بهم عددا ~~وقوة. وخيم الحزن على الحارة المكللة بالحداد، لكن أنفاس الحارة ~~قطرت حقدا ومقتا ورغبة في الانتقام. # وإذا برجال من جبل يتساءلون عن فتونة الحارة ولمن تكون؟ وإذا ~~بالسؤال نفسه يتردد على ألسنة في حي رفاعة، فانتشر سوء الظن انتشار ~~التراب في العاصفة. وعلم الناظر رفعت بما تهجس به الخواطر ms261 فدعا ~~حجاج وجلطة إلى مقابلته. وذهب الرجلان وحول كل منهما رجاله ~~الأشداء حتى غص بهم بهو الناظر، واحتل كل فريق جناحا من البهو، ~~فكأنه لم يعد يأمن الاختلاط بجيرانه، وقد أدرك الناظر مغزى ذلك ~~فازداد غما على غم، وقال: تعلمون أن كارثة حلت بنا، لكننا لم ~~نمت، ولم يقض علينا، ولم يزل في وسع سواعدنا أن تحقق لنا النصر ~~على شرط أن نحافظ على وحدتنا، وإلا فقولوا علينا السلام. # فقال رجل من جبل: ستكون الضربة الأخيرة لنا، وما شدة إلا وبعدها ~~الفرج. # وقال حجاج: لولا اعتصامهم بالجبل لهلكوا عن آخرهم. # وقال ثالث: لاقاهم لهيطة بعد رحلة طويلة شاقة تبرك بعدها ~~الجمال. # فقال الناظر بامتعاض: حدثوني عن وحدتكم ما شأنها؟ # فقال جلطة: نحن بفضل الله إخوان، وسنظل كذلك. ~~- هذا قولك، لكن مجيئكم بعددكم الوفير هذا ينم على الارتياب ~~الذي يفرق بين قلوبكم! # فقال حجاج: بل دعت إلى ذلك رغبة الجميع في الانتقام! # فوقف الناظر متوتر الأعصاب وقال مقلبا عينيه في الوجوه الكالحة: ~~كونوا صريحين، إنكم تنظرون بعضكم إلى بعض بعين، وتنظرون بالأخرى ~~إلى فتونة الحارة، إلى مكان لهيطة الخالي. ولن تعرف الحارة الأمان ~~ما دامت هذه الحال، وأخشى ما أخشاه أن تتدخل النبابيت في الأمر ~~فتهلكوا جميعا ويأكلكم قاسم لقمة سائغة! # فارتفعت أصوات كثيرة تقول في نفس واحد: نعوذ بالله من ~~ذلك. # فقال الناظر بصوت قوي واضح: لم يعد بالحارة إلا حيا جبل ~~ورفاعة، فليكن عليهما فتوتان، ولا ضرورة للفتوة الواحد، ولنتعاهد ~~على ذلك، ولنكن يدا واحدة على الخارجين. # وانقضت ثواني صمت رهيبة ثم رددت أصوات في فتور: نعم .. ~~نعم. # وقال جلطة: سنرضى بذلك على الرغم من أننا سادة الأحياء منذ ~~القدم. # فقال حجاج محتجا: ليكن القبول بلا من، لا سادة هنا ولا خدم ~~وبخاصة بعد ذهاب الجرابيع، ومن ذا ينكر أن رفاعة كان أنبل من عرفت ~~حارتنا؟ # فهتف جلطة محتدا حانقا: حجاج! أنا عارف قلبك. # وهم رفاعي بالكلام ولكن الناظر صرخ غاضبا: خبروني .. هل ~~عزمتم على أن تكونوا رجالا أو ms262 لا؟! إن أي نبأ يطير عن ضعفكم ~~سيعقبه زحف الجرابيع من الجبل كالذئاب. خبروني: هل تستطيعون أن ~~تقفوا صفا واحدا، أو أرى لنفسي وجهة أخرى؟ # فصاح أفراد من هنا ومن هناك: هس، عيب يا رجال، حارتنا على وشك أن ~~تفقد كل شيء. # وتطلعت إليه الوجوه في تسليم، فقال: ما زلتم متفوقين في العدد ~~والقوة، ولكن لا تهاجموا الجبل مرة أخرى. # وارتسم التساؤل على الوجوه فأردف قائلا: سنحبسهم فوق الجبل، ~~سنتربص لهم أمام المسلكين المفضيين للجبل، فإما يموتون جوعا، وإما ~~يضطرون إلى النزول إليكم فتقضون عليهم. # فقال جلطة: نعم الرأي ، به أشرت على لهيطة - رحمه الله - ولكنه ~~اعتد الحصار جبنا وأبى إلا أن يهاجم. # وقال حجاج: هو الرأي، ولكن ينبغي تأجيل تنفيذه حتى يرتاح ~~الرجال. # وطلب الناظر إليهم أن يتعاهدوا على الإخاء والتعاون، فتصافحوا ~~ورددوا الأقسام. وبدا لكل ذي عينين فيما تبع ذلك من أيام أن جلطة ~~وحجاج يشتدان في معاملة أتباعهما لتغطية آثار الهزيمة التي ~~لحقتهما. وأذاعا في الحارة أنه لولا حماقة لهيطة لقضي على قاسم ~~بلا مشقة، ولكن إصراره على صعود الجبل أنهك رجاله فذهب بقوتهم ~~وشجاعتهم، ولاقاهم عدوهم وهم على أسوأ حال. وصدق الناس ما قيل ~~لهم، ومن أبدى شيئا من الارتياب سب ولعن وضرب. أما فتونة ~~الحارة فلم يكن يسمح لأحد بالخوض فيها، على الأقل في الجهر، ولكن ~~كثيرين - من الرفاعية والجبلية على السواء - جعلوا يتساءلون في ~~الغرز عمن سيخلف لهيطة بعد النصر. # وتولد في الحارة على رغم التعاهد والأقسام جو خفي من الريبة، ~~فاحتاط كل فتوة لنفسه فلم يكن ينأى عن مركزه إلا وسط جماعة من ~~أعوانه. لكن الاستعداد ليوم الانتقام لم يتوقف لحظة واحدة. ~~واتفقوا فيما بينهم على أن يعسكر جلطة ورجاله أمام مسلك المقطم عند ~~السوق، وأن يعسكر حجاج ورجاله أمام مسلك القلعة. وسوف يلازمون ~~أماكنهم ولو بقوا عمرا، وستسرح النساء للبيع والشراء ويجئنهم ~~بالطعام. وعند مساء اليوم السابق ليوم الخروج تجمعوا في شتى الغرز، ~~وجاءوا بقدور البوظة والنبيذ، وراحوا يحششون ويسكرون حتى ساعة ms263 ~~متأخرة من الليل. وودع الأعوان حجاج أمام ربعه بحي رفاعة وهو في ~~نهاية من الانبساط والسلطنة. ودفع الباب ومضى في الدهليز وهو ~~يدندن: # الأولة آه ... # لكنه لم يتمها؛ انقض عليه شبح من ورائه، فسد ~~فاه بيد، وطعن بسكين قلبه بالأخرى. انتفض الجسم بقوة بين يديه فلم ~~يتركه خشية أن يحدث سقوطه صوتا. وأنامه برفق على الأرض لا حراك به ~~في الظلام الدامس. # 90 # استيقظت الحارة في باكر الصباح على ضجة صارخة مفزعة. فتحت ~~النوافذ وأطلت الرءوس، وسرعان ما اتجهت نحو الربع الذي يقيم فيه ~~حجاج فتوة آل رفاعة، حيث تجمهر جمع غفير واختلط اللغط بالصراخ ~~والعويل. وامتلأ دهليز الربع بالرجال والنساء، وكثر التساؤل ~~والتعليق، وأنذرت الأعين المحمرة بالبكاء بكل شر خطير. وهرع ~~إلى الربع الرفاعية من كل ربع ودار وجحر. وما لبث أن جاء جلطة ~~ورجاله فأوسع الناس لهم حتى انتهوا إلى الدهليز، وصاح جلطة: مصيبة ~~ولا كل المصائب، ليتني كنت فداك يا حجاج. # كف الباكون عن البكاء، والصارخون عن الصراخ، والحانقون عن ~~التساؤل، ولكنه لم يسمع كلمة مجاملة واحدة. فعاد يقول: مكيدة ~~دنيئة! ليس الغدر من شيم الفتوات، لكن قاسم راعي غنم متسول لا ~~فتوة، ولن يهنأ لي بال حتى أرمي بجثته إلى الكلاب. # وصاحت امرأة في حدة ملتاعة: مباركة عليك فتونة الحارة يا ~~جلطة. # وتقلصت سحنته بالغضب، فوجم القريبون منه وسرت الدمدمة فيما وراء ~~ذلك، وصاح بغلظة: فلتغلق النسوان أفواههن في هذا اليوم ~~الأغبر! # فعادت المرأة تقول: ليفهم كل ذي عقل! # وصوتت فهاج الصوات، وانتظر جلطة حتى هدأت العاصفة وقال: مكيدة ~~ماكرة دبرت بليل للإيقاع بيننا. # فهتفت امرأة أخرى: مكيدة؟! قاسم وجرابيعه في الجبل، وحجاج قتل ~~في حارته بين قومه وجيرانه الطامعين في الفتونة! # فصاح جلطة: مرة مجنونة، ومجنون كل من يتقبل ظنها، وإذا تماديتم ~~فسيقتل بعضنا بعضا كما دبر قاسم. # وإذا بقلة تهوي فتتحطم عند قدمي جلطة، فتراجع هو ورجاله وهو ~~يقول: عرف ابن الزانية كيف يفسد بيننا. # ومضى من توه نحو بيت الناظر. واشتد اللغط عقب ms264 ذهابه. وإذا برجلين ~~- رفاعي وجبلي- يتشابكان في شجار عنيف، وتبعتهما على الأثر ~~امرأتان. وتضارب غلمان من الحيين. واستعرت معارك قذف وسب من ~~النوافذ. وشاع الاضطراب في الحارة حتى تجمهر في كل حي رجاله ~~وارتفعت النبابيت. وخرج الناظر من بيته بين خدم ورجال، فسار حتى ~~توسط الحيين وصاح بأعلى صوته: اعقلوا .. الغضب سيعميكم عن عدوكم ~~الحقيقي، قاتل المعلم حجاج! # فصاح أحد الرفاعية: من أدراك بذلك؟ وأي جربوع يتجرأ على دخول ~~الحارة؟ # فصاح رفعت: كيف يقتلون حجاج اليوم وهم في أشد الحاجة ~~إليه؟ ~~- سل المجرمين ولا تسلنا نحن. ~~- الرفاعية لا يخضعون لفتوة من جبل! ~~- سيدفعون ثمن دمه غاليا. # فعاد الناظر يصيح: لا تطيعوا المكيدة وإلا رأيتم قاسم زاحفا ~~عليكم كالوباء. ~~- فليأت قاسم إذا شاء، ولكن لن يكون جلطة فتوة علينا. # فقال الناظر وهو يضرب كفا بكف: انتهينا وسيدركنا ~~الخراب. # فتعالت الأصوات: الخراب خير من جلطة. # وقذفت طوبة من حي رفاعة فاستقرت بين الرجال في حي جبل. وأجاب حي ~~جبل بالمثل. ورجع الناظر مسرعا. وإذا بالطوب ينهمر من الجانبين، ~~وسرعان ما اشتبك الحيان في معركة دامية. واشتد الضرب في قسوة ~~بالغة. وامتدت المعركة إلى بعض الأسطح حيث تبادل نساء من الحيين ~~قذف الطوب والحصى والتراب والأخشاب. وتواصل الاشتباك فترة طويلة ~~على الرغم من أن الرفاعية كانوا يقاتلون بغير فتوتهم، ولكن كثر ~~صرعاهم أمام ضربات جلطة التي لا تخيب. وإذا بأصوات نساء تنطلق من ~~النوافذ في ضوضاء غير متميزة ضاعت في ضوضاء المعركة. غير أن النساء ~~بدون وهن يشرن بأيديهن في فزع تارة نحو طرف الحارة الشرقي وطورا ~~نحو الطرف الآخر. والتفت أناس إلى حيث تشير النساء. رأوا قاسم أمام ~~البيت الكبير، يتقدم في عصبة من رجاله تسبقهم نبابيتهم. ورأوا في ~~الطرف الآخر حسن يتقدم في عصبة أخرى. ضج المكان بصيحات التحذير ~~وتتابعت الأحداث في سرعة خاطفة. أمسكت الأيدي عن الضرب كأنما شلت. ~~وبدافع عفوي تكتلوا وتداخلوا، الضارب منهم والمضروب، وانقسموا ~~فرقتين لمواجهة القادمين. وصاح جلطة بحنق: قلت إنها مكيدة فلم ~~تصدقوا! # استعدوا للقتال وهم ms265 من الجهد واليأس على أسوأ حال. لكن قاسم توقف ~~فجأة عن التقدم، ومثله فعل حسن كأنهما ينفذان خطة واحدة. وصاح ~~قاسم بأعلى صوته: لا نريد أذى لأحد، لا غالب ولا مغلوب، أبناء ~~حارة واحدة وجد واحد، والوقف للجميع. # فصاح جلطة: مكيدة جديدة! # فقال قاسم غاضبا: لا تدفعهم إلى القتال دفاعا عن فتونتك، دافع ~~عنها وحدك إذا شئت! # وصرخ جلطة: اهجموا! # وانقض على مجموعة قاسم. تبعه رجال. وانقض آخرون على حسن ~~ورجاله. تردد كثيرون، تسلل الجرحى إلى الربوع، وكذلك المنهكون، ثم ~~تبعهم المترددون؛ لم يبق إلا جلطة وعصابته. ولكنهم خاضوا معركة ~~شديدة على رغم ذلك واستماتوا في الدفاع. تضاربوا بالنبابيت والرءوس ~~والأقدام والأيدي. وركز جلطة هجومه على قاسم بحقد أعمى. تبادلا ~~ضربات عنيفة، ثم مضى قاسم يتلقى ضربات خصمه بنبوته في خفة وحذر، ~~لكن رجال قاسم أطبقوا بكثرتهم على عصابة جلطة حتى غابت تحت عشرات ~~النبابيت، وانقض حسن وصادق على جلطة وهو مشتبك مع قاسم، فضرب ~~صادق نبوته وهوى حسن بنبوته على رأسه، مرة وثانية وثالثة، فسقط ~~النبوت من يده واندفع يجري كالثور الذبيح ثم انكب على وجهه ~~كمصراع بوابة. # انتهت المعركة. سكتت أصوات النبابيت وصرخات الرجال. وقف ~~المنتصرون وهم يلهثون ويمسحون الدماء عن الوجوه والرءوس والمعاصم، ~~لكن ثغورهم افترت على رغم ذلك عن ابتسامة الفوز والسلام. كان ~~العويل يترامى من النوافذ، ورجال جلطة مبعثرين على الأرض، والشمس ~~ساطعة ترسل أشعة حامية. وخاطب صادق قاسم قائلا في ثقة وطمأنينة: ~~انتصرت، نصرك الله. إن جدنا لا يخطئ في اختياره، ولن تسمع حارتنا ~~العويل بعد اليوم. # فابتسم قاسم ابتسامة هادئة، ثم استدار في عزم موجها بصره نحو ~~بيت الناظر فاتجهت الرءوس إليه ... # 91 # سار قاسم على رأس رجاله إلى بيت الناظر فوجدوا الباب والنوافذ ~~مغلقة، والصمت والكآبة يخيمان عليه. وطرق حسن الباب بقوة، ولكن ~~أحدا لم يرد، وتجمع نفر من الرجال وراحوا يدفعون الباب بشدة حتى ~~انفتح على مصراعيه. ودخل الرجل، ورجاله وراءه. فلم يعثروا للبواب ~~على أثر ولا لأحد من الخدم. وتسارعوا ms266 إلى البهو، فبقية الحجرات، ثم ~~الأدوار الثلاثة، فتبين لهم أن الناظر وأهله وخدمه قد غادروا البيت ~~هاربين. والحق أن قاسم لم يأسف على ذلك؛ إذ كان في أعماقه راغبا ~~عن الفتك بالناظر إكراما لزوجته التي لولاها لقضي عليه من أول ~~الأمر، ولكن حسن والآخرين غضبوا غضبا شديدا لنجاة الرجل الذي ~~أذاق الحارة الفقر والهوان طوال عهده بها. # وهكذا تم النصر لقاسم وأصبح رجل الحارة دون منازع. وتولى شئون ~~النظارة إذ إنه كان لا بد للوقف من ناظر. وعاد الجرابيع إلى حيهم، ~~وعاد معهم كل من هاجر من الحارة خوفا من الفتوات وعلى رأسهم ~~المعلم يحيى. ومضت أربعون يوما في هدوء فالتأمت الجراح وسكنت ~~النفوس واطمأنت القلوب. # ويوما وقف قاسم أمام البيت الكبير ودعا إليه أهل الحارة رجالا ~~ونساء من جميع الأحياء فمضوا إليه في لهفة وتطلع وقلوبهم تخفق ~~بشتى الخواطر. واكتظ بهم المكان واختلط جرابيعهم بآل جبل وآل ~~رفاعة. وبدا قاسم باسما متواضعا رقيقا مهيبا معا فأشار إلى ~~أعلى، إلى البيت الكبير وقال: هنا يقيم الجبلاوي، جدنا جميعا، لا ~~تمييز في الانتساب إليه بين حي وحي، أو فرد وفرد، أو رجل ~~وامرأة. # تهللت الوجوه في دهشة وبشر وبخاصة وجوه الذين توقعوا أن يسمعوا ~~مقالة رجل ملك وانتصر. # وأردف قاسم قائلا: وحولكم وقفه، وسيكون لكم جميعا على السواء ~~كما وعد أدهم حين قال له: «سيكون الوقف لذريتك»، وعلينا أن نحسن ~~استغلاله حتى يكفي الجميع ويفيض، فنحيا كما تمنى أدهم أن يحيا، في ~~رزق موفور وطمأنينة شاملة وسعادة صافية غناء. # وتبادل الناس النظرات كأنهم في حلم. فواصل قاسم كلامه قائلا: ~~لقد ذهب الناظر إلى غير رجعة، واختفى الفتوات، لن يوجد في حارتنا ~~بعد اليوم فتوة، لن تؤدوا إتاوة لجبار، أو تخضعوا لعربيد متوحش، ~~فتمضي حياتكم في سلام ورحمة ومحبة. # وقلب عينيه في الوجوه المستبشرة وقال: وبيدكم أنتم ألا يعود ~~الحال كما كان. راقبوا ناظركم، فإذا خان اعزلوه، وإذا نزع أحدكم ~~إلى القوة اضربوه، وإذا ادعى فرد أو حي سيادة أدبوه. بهذا وحده ms267 ~~تضمنون ألا ينقلب الحال إلى ما كان، وربنا معكم. # في ذلك اليوم تعزى قوم عن موتاهم، وآخرون عن هزيمتهم، ونظر ~~الجميع إلى الغد كأنما ينظرون إلى بزوغ البدر في ليلة من ليالي ~~الربيع. ووزع قاسم الريع على الجميع بالعدل بعد الاحتفاظ بقدر ~~للتجديد والإنشاء. أجل كان نصيب الفرد ضئيلا ولكن إحساسه بالعدل ~~والكرامة فاق كل حد. ومضى عهده في تجديد وبناء وسلام. ولم تنعم ~~حارتنا قبله بمثل ما نعمت به في أيامه من الوحدة والألفة والسعادة. ~~أجل كان ثمة آحاد في آل جبل يضمرون غير ما يظهرون ويتهامسون فيما ~~بينهم : ~~«أنكون من جبل ويحكمنا جربوع من الجرابيع؟!» ومثلهم وجد في آل ~~رفاعة. بل لم يخل الجرابيع من نفر أخذتهم العزة والزهو. ولكن ~~صوتا لم يرتفع لتعكير الصفو في عهده. ورأى الجرابيع فيه طرازا من ~~الرجال لم يوجد مثله من قبل ولن يوجد مثله من بعد. جمع بين القوة ~~والرقة، والحكمة والبساطة، والمهابة والمحبة، والسيادة والتواضع، ~~والنظارة والأمانة، وإلى ذلك كله كان ظريفا بشوشا أنيقا، ~~وحشاشا يلذ مجلسه، وعشيرا تطيب مودته، فضلا عن ذوقه الجميل وحبه ~~الغناء والنكتة. لم يتغير من شأنه شيء اللهم إلا أنه توسع في حياته ~~الزوجية كأنما جرى فيها مجراه في تجديد الوقف وتنميته. فعلى حبه ~~بدرية تزوج حسناء من آل جبل وأخرى من آل رفاعة، وتعشق امرأة من ~~الجرابيع ثم تزوج منها أيضا. وقال أناس في ذلك: إنه يبحث عن شيء ~~افتقده مذ فقد زوجته الأولى قمر. وقال عمه زكريا: إنه يريد أن يوثق ~~أسبابه بأحياء الحارة جميعا. لكن حارتنا لم تكن بحاجة إلى تفسير ~~أو تعليل لما حدث، بل الحق إنها إذا كانت أعجبت به لأخلاقه مرة فقد ~~أعجبت به لحيويته وحبه النسوان مرات. وإن حب النسوان في حارتنا ~~مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون، ومنزلة تعدل في درجاتها الفتونة في ~~زمانها أو تزيد. # ومهما يكن من أمر فإن حارتنا لم تشعر قبله بالسيادة حقا، وبأن ~~أمرها قد آل إلى نفسها دون ناظر يستغل أو فتوة ms268 يستذل؛ ولا عرفت ~~قبله ما عرفت أيامه من الإخاء والمودة والسلام. # وقال كثيرون: إنه إذا كانت آفة حارتنا النسيان، فقد آن لها أن ~~تبرأ من هذه الآفة، وإنها ستبرأ منها إلى الأبد. # هكذا قالوا ... # هكذا قالوا: يا حارتنا! # | عرفة # 92 # المتأمل لحال حارتنا لا يصدق ما تقول الرباب في القهوات. من ~~جبل؟! ومن رفاعة؟! ومن قاسم؟! وأين الآثار التي تدل عليهم خارج ~~نطاق القهوات. أما العين فلا ترى إلا حارة غارقة في الظلمات ~~وربابا تتغنى بالأحلام. وكيف آل بنا الأمر إلى هذه الحال؟ أين ~~قاسم والحارة الواحدة والوقف المبذول لخير الجميع ؟ وماذا جاء بهذا ~~الناظر الجشع وهؤلاء الفتوات المجانين؟ ستسمع حول الجوزة الدائرة ~~في الغرز، بين الحسرات والضحكات، أن صادق خلف قاسم على النظارة ~~فسار سيرته. وأن قوما رأوا أن حسن أحق منه بالنظارة؛ لقرابته من ~~قاسم ولأنه الرجل الذي قتل الفتوات. وأنهم حرضوا حسن على رفع نبوته ~~الذي لا يقاوم فأبى أن يعود بالحارة إلى عهد الفتونة. لكن الحارة ~~كانت قد انقسمت على نفسها، ومضى أناس في آل جبل وآل رفاعة يجاهرون ~~بما كانوا يضمرون. # ولما رحل صادق عن الدنيا أسفرت الرغبات المكبوتة عن وجهها الشائه ~~ونظراتها العدوانية. واستيقظت النبابيت بعد رقاد، وسال الدم في كل ~~حي على حدة، وبين كل حي وآخر، حتى قتل الناظر نفسه في إحدى ~~المعارك. وأفلت الزمام ووئد الأمن والسلام، فلم يجد الناس بدا من ~~إعادة آخر ذرية الناظر رفعت إلى النظارة التي يتقاتل الطامعون ~~عليها. # هكذا عاد الناظر قدري إلى النظارة. وانقلبت الأحياء إلى عصبيتها ~~القديمة، وإذا كل حي يسيطر عليه فتوة، ثم دارت المعارك على فتونة ~~الحارة حتي فاز بها سعد الله، فاحتل بيت الفتوة وصار الفتوة الأول، ~~واستأثر يوسف بآل جبل، وعجاج بآل رفاعة، والسنطوري بآل قاسم. ووزع ~~الناظر الريع بالأمانة أول الأمر فاستمرت حركة التعمير والتجديد. ~~وسرعان ما لعب الطمع بقلب الناظر، والفتوات من بعده كما كان ~~المتوقع، فارتدوا إلى النظام القديم، أي أن الناظر يستأثر بنصف ~~الريع ويوزع نصفه ms269 الآخر على الفتوات الأربعة الذين استأثروا به من ~~دون المستحقين، ولم يقفوا عند ذلك بل جاوزوه بكل وقاحة إلى فرض ~~الإتاوات على أتباعهم المساكين. وتعطلت حركة الإنشاء حتى توقف ~~البناء في بيوت لم يشيد منها إلا نصفها أو ربعها. وبدا وكأن شيئا ~~من القديم لم يتغير إلا أن حي الجرابيع أصبح حي آل قاسم، يرأسه ~~فتوة كالفتوات الآخرين، وتقوم على جانبيه الربوع مكان الأكواخ، ~~والخرائب. # أما أهل الحارة فانقلبوا إلى ما كانوا عليه في الزمان الأسود، ~~بلا كرامة ولا سيادة، تنهكهم الفاقة وتتهددهم النبابيت وتنهال ~~عليهم الصفعات. وانتشرت القذارة والذباب والقمل ، وكثر المتسولون ~~والمشعوذون وذوو العاهات. ولم يعد جبل ورفاعة وقاسم إلا أسماء، ~~وأغاني ينشدها شعراء المقاهي المسطولون. وتباهى كل فريق برجله الذي ~~لم يبق منه شيء، وتنافسوا في ذلك إلى حد الشجار والعراك. وذاعت ~~شعارات المساطيل، فيقول أحدهم وهو داخل إلى الغرزة: «ما فيها ~~فائدة!» يعني الدنيا لا الغرزة. ويقول آخر: «هناك نهاية واحدة هي ~~الموت، فلنمت بيد الله خير من أن نموت بنبوت فتوة، وأحسن ما نفعل ~~سكرة أو تحشيشة!» وكانوا يتغنون بمواويل حزينة، ينسجونها من خيوط ~~الخيبة والفقر والذل، أو يترنمون بأغنيات فاحشة داعرة يقذفونها ~~في آذان النساء والرجال الباحثين عن السلوى والعزاء ولو في خرابة ~~مظلمة. وعندما يشتد الكرب بأحدهم يقول: «المكتوب مكتوب، لا جبل ~~أجدى ولا رفاعة ولا قاسم، حظنا من الدنيا الذباب ومن الآخرة ~~التراب.» # ومن عجب أن تبقى حارتنا بعد ذلك كله الأثيرة بين الحواري، يشير ~~إليها الرجل من جيراننا ويقول في إكبار: «حارة الجبلاوي!» ونقبع في ~~أركانها ساهمين واجمين كأننا بتنا قانعين بالذكريات العزيزة ~~الماضية، أو أننا نجتر الإصغاء إلى هاتف في أعماقنا يهمس بصوت ~~خافت: «ليس من المستحيل أن يقع في الغد ما وقع بالأمس، فتتحقق مرة ~~أخرى أحلام الرباب وتختفي من دنيانا الظلمات.» # 93 # في يوم من الأيام، قبيل العصر، رأت الحارة فتى غريبا قادما من ~~ناحية الخلاء، يتبعه آخر كالقزم. كان يرتدي جلبابا ترابي اللون ~~على اللحم، ويشد على ms270 وسطه حزاما شطر جلبابه شطرين انداح أعلاهما ~~وتدلى وامتلأ بأشياء فيه، وانتعل مركوبا باهتا متهتكا. أما رأسه ~~فبدا عاريا مشعث الشعر غزيره. وكان أسمر اللون، مستدير العينين، ~~حاد البصر، تلوح في محجريه نظرة قلقة نافذة، وفي حركاته ثقة ~~واعتداد. وقف قليلا أمام البيت الكبير ثم تقدم على مهل يتبعه ~~صاحبه. وتطلعت نحوه الأبصار وكأنما تتساءل: «غريب في حارتنا؟! يا ~~للوقاحة!» قرأ ذلك في أعين الباعة وأصحاب الدكاكين والجالسين في ~~القهوات والمطلات من النوافذ، بل في أعين الكلاب والقطط، حتى ~~خيل إليه أن الذباب نفسه سيتجنبه ازدراء واحتجاجا. والتفت ~~نحوه الغلمان في تحرش ، واقترب بعضهم منه، وأخذ الآخرون يملئون ~~النبال أو يبحثون في الأرض عن طوبة، فابتسم لهم متوددا، ودس يده ~~في عبه فأخرج شوية نعناع وراح يوزعه عليهم فأقبلوا نحوه فرحين، ~~ومضوا يمصون النعناع وهم يرمقونه بإعجاب. وقال لهم والابتسامة لا ~~تفارق وجهه: أما من بدروم خال للإيجار؟ هيا يا رجال، من يدلني ~~منكم عليه فله قرطاس نعناع. # وسألته امرأة كانت مقتعدة الأرض أمام أحد الربوع: يا ألف مصيبة ~~عليك، من أنت حتى تسكن في حارتنا؟ # فضحك الرجل وقال: محسوبك عرفة، من أولاد حارتكم كالآخرين، وهو ~~عائد بعد غيبة طويلة. # فدققت المرأة فيه النظر وتساءلت: ابن من يا روح أمك؟ # فبالغ في الضحك توددا وقال: خالدة الذكر جحشة، ألا تعرفينها يا ~~ست النساء؟ ~~- جحشة؟ نبين زين؟! ~~- بعينها ولحمها. # وقالت امرأة مستندة إلى جدار، كانت تتابع الحديث وهي تفلي رأس ~~غلام: كنت تتبع أمك في تلك الأيام وأنت غلام، ما زلت أذكرك، وتغير ~~كل شيء فيك إلا عينيك. # فقالت المرأة الأولى: أي والله، وأين أمك؟ ماتت! الله يرحمها، ~~ياما قعدت قدام مقطفها سائلة عن الغيب، أوشوش «الدكر» وترمي هي ~~بالودع وتتكلم، الله يرحمك يا جحشة! # فقال بارتياح: الله يطول عمرك، ستدلينني أنت على بدروم خال ~~بإذن الله. # فحدجته المرأة بنظر أعمش وسألته: وماذا عاد بك بعد الغيبة ~~الطويلة؟ # فقال محاكيا لهجة الحكماء: مصير الحي إلى حارته وأهله. # فأشارت المرأة إلى ربع ms271 في حي رفاعة وقالت: عندك هناك بدروم، خلا ~~مذ ماتت ساكنته حرقا الله يرحمها، ألا يخيفك ذلك؟ # فضحكت امرأة مطلة من نافذة وقالت: هذا رجل تخاف منه ~~العفاريت. # فرفع رأسه متظاهرا بالضحك والانبساط وقال: يا حارتنا يا حلوة، ~~ما أرق ظرف أهلك! الآن أعرف لماذا نصحتني أمي عند الوفاة بالعودة ~~إليك! # ثم نظر إلى المرأة القاعدة وقال: الموت حق علينا يا زبونة ~~المرحومة أمي، سواء جاء من حرق أو غرق أو عفريت أو نبوت. # وحياها ومضى نحو الربع الذي أشارت إليه. وأصبح محط أنظار ~~كثيرين، فقال رجل ساخرا: عرفنا أمه، فمن ذا يعرف أباه؟ # فقالت عجوز: ربنا أمر بالستر! # فقال ثالث: يمكنه أن يدعي أنه ابن رجل من جبل أو رفاعة أو ~~قاسم، كما يشاء أو تشاء مصلحته، الله يرحم أمه! # فهمس صاحبه في أذنه ساخطا: لماذا عدت بنا إلى هذه ~~الحارة؟ # فقال عرفة والابتسامة ما زالت في شفتيه: في كل مكان أسمع هذا ~~الكلام، وهذه حارتنا على أي حال، وهي الحارة الوحيدة التي يمكننا ~~الإقامة بها. حسبنا تخبطا في الأسواق ونوما في الخلاء والخرابات. ~~ثم إن هؤلاء الناس طيبون على رغم قذارة ألسنتهم، أغبياء على رغم ~~نبابيتهم، فهنا يسهل علينا كسب رزقنا، تذكر هذا يا حنش! # فهز حنش منكبيه الضيقين كأنما يقول: «الأمر لله». واعترضهما ~~رجل مسطول فسأل عرفة: ماذا نسميك؟ ~~- عرفة. ~~- ولقبك؟ ~~- عرفة بن جحشة! # فضج الواقفون بالضحك مسرورين بهوانه، فعاد المسطول يقول: طالما ~~سألنا أنفسنا في ذلك الزمان حينما حملت أمك: ترى من يكون أبوك؟ فهل ~~خبرتك بالحقيقة؟ # فقال عرفة مداريا ألمه بمزيد من الضحك: ماتت هي نفسها قبل أن ~~تعرفه! # ومضى وهم يضحكون. وسرى نبأ عودته في الأحياء. وقبل أن يتسلم ~~البدروم جاء صبي قهوة الرفاعية وقال له: المعلم عجاج فتوة حينا ~~يطلبك. # ذهب إلى القهوة على مبعدة قريبة من الربع. استرعى نظره أول ما ~~اقترب منها الصور المنقوشة على الجدار الأوسط فوق أريكة الشاعر. ~~كانت تبدأ من أسفل بصورة لعجاج ممتطيا جواده، وفوقها صورة للناظر ms272 ~~قدري بشاربه الفخيم وعباءته الأنيقة، ثم فوقهما صورة لجثة رفاعة ~~بين يدي الجبلاوي وهو يرفعها من الحفرة ليأخذها إلى بيته. تأمل ذلك ~~المنظر باهتمام ولكن بسرعة، ثم دخل القهوة فرأى عجاج يجلس على ~~أريكة تتوسط الجناح الأيمن، ومن حوله يجلس الأتباع ~~والأعوان. # مضى عرفة إليه حتى مثل بين يديه فرمقه الفتوة بنظرة ازدراء طويلة ~~كأنما ينومه بعينيه قبل أن ينقض عليه. وقال عرفة رافعا يديه إلى ~~رأسه: التحيات المباركات على فتوتنا، من نحتمي بحماه ونسعد ~~بجواره. # فلاحت السخرية في العينين الضيقتين وقال: كلام حلو يا ابن ~~القديمة، ولكنه عملة لا نعترف بها وحدها! # فقال عرفة باسما: ستجيء العملة الأخرى في أقرب وقت إن شاء ~~المولى. ~~- عندنا متسولون أكثر من الحاجة! # فقال عرفة بكبرياء ضاحك: لست متسولا يا معلم ولكني ساحر اعترفت ~~بفضله الملايين! # وتبادل الجلاس النظرات فقطب عجاج متسائلا: ماذا تعني يا ابن ~~المجنونة؟ # فدس عرفة يده في عبه وأخرج حقا صغيرا دقيقا في حجم النبقة ~~وتقدم في خضوع من المعلم ومد به يده فتناوله المعلم بعدم اكتراث، ~~وفتحه، فرأى مادة قاتمة، ثم رفع إليه عينيه متسائلا، فقال عرفة في ~~ثقة لا حد لها: قمحة منه على فنجال شاي قبل «لا مؤاخذة» بساعتين، ~~وبعدها فإما ترضى عن محسوبك عرفة، وإما تطرده من الحارة مشفوعا ~~باللعنات. # اشرأبت الأعناق باهتمام شديد لأول مرة، وحتى عجاج لم يستطع أن ~~يخفي اهتمامه، لكنه تساءل في استهانة مصطنعة: أهذا هو ~~سحرك؟ ~~- عندي أيضا البخور النادر، الوصفات العجيبة، الطب والدواء، ~~الأحجبة، ويعرف قدري حقا عند المرض والعقم والضعف. # فقال عجاج فيما يشبه الوعيد: الله .. الله .. فلنبشر ~~بالإتاوات! # فانقبض قلب عرفة، لكن وجهه زاد انبساطا وهو يقول: كل ما أملك ~~تحت أمرك يا معلم. # فضحك الفتوة بغتة وقال: لكنك لم تخبرنا من أبوك! # فقال دون أن يزايله المرح: لعلك به أعلم! # وضجت القهوة بالضحك. وتلاقت التعليقات الساخرة في شراريب الدخان ~~السابحة في الجو. ولما ابتعد عرفة عن القهوة قال لنفسه حانقا: «من ~~يدري من يكون أبوه حقا؟ ms273 ولا أنت يا عجاج، آه يا أولاد الكلب!» ~~وتفقد هو وحنش البدروم في ارتياح، ومضى يقول: أوسع مما كنت أتوقع، ~~مناسب جدا يا حنش، فهذه الحجرة صالحة للمقابلات، والتي بالداخل ~~للنوم، والأخيرة للعمل. # فسأله حنش بقلق: ترى في أي حجرة احترقت المرأة؟ # فضحك عرفة ضحكة عالية رنت بين الجدران الخالية وقال: أتخاف من ~~العفاريت يا حنش؟ إننا نتعامل معهم كما كان جبل يتعامل مع ~~الثعابين. # ونظر فيما حوله بارتياح وقال: ليس عندنا إلا نافذة واحدة في ~~الحجرة المطلة على الطريق، سنرى الطريق من تحت من خلال النافذة ذات ~~القضبان الحديدية، فلهذه المقبرة ميزة جليلة وهي أنها لا يمكن أن ~~تسرق. ~~- قد تنهب! ~~- قد! # ثم وهو يتنهد: كل ما عندي فيه فوائد للناس، لكني لم ألق في ~~حياتي إلا الإساءة. # فقال حنش: سيعوضك النجاح عن كل ما نالك من أذى، أو ما نال ~~المرحومة أمك من قبل. # 94 # في أوقات الفراغ كان يحلو له أن يجلس على كنبة قديمة؛ ليتفرج ~~على ما يجري من النافذة المطلة على أرض الحارة. جلس مسند الجبين ~~إلى قضبان النافذة فبدت الأرض على مستوى بصره بكل ما يدب عليها من ~~أقدام وعجلات وكلاب وقطط وحشرات وأطفال، أما الوجوه والصدور فلم ~~يكن ليراها إلا بتخفيض قامته ورفع رأسه. ووقف أمامه طفل عار وهو ~~يلعب بفأر ميت، ثم مر عجوز ضرير يحمل على يسراه صينية خشبية ~~حملت لبا وفولا وحلوى وذبابا ويتوكأ بيمناه على عصا غليظة، ~~وكان صوت عويل يترامى من شباك بدروم قريب، ومعركة تدور بين رجلين ~~حتى تدفق الدم من وجهيهما. وابتسم للطفل العاري وسأله برقة: ما ~~اسمك يا شاطر؟ # فأجاب: أونة. ~~- قصدك حسونة، هل يعجبك هذا الفأر الميت يا حسونة؟ ~~- فرماه به. ولولا أن حجزه قضيب لأصاب وجهه، وجرى الصغير كقارب ~~يتمايل. والتفت نحو حنش وكان يهوم عند قدميه وقال: في كل شبر من ~~هذه الحارة تجد دليلا على وجود الفتوات، ولكنك لن تجد دليلا ~~واحدا على وجود أناس مثل جبل أو رفاعة أو قاسم. ms274 # فقال حنش وهو يتثاءب: نحن نرى أمثال سعد الله ويوسف وعجاج ~~والسنطوري، ولكننا نسمع فقط عن أمثال: جبل ورفاعة وقاسم. ~~- لكنهم وجدوا، أليس كذلك؟ # فأشار حنش إلى أرض الحجرة بأصبعه وقال: ربعنا رفاعي، كل سكانه ~~رفاعية، أي رجال رفاعة الذي تؤكد الرباب كل مساء أنه عاش ومات في ~~سبيل الحب والسعادة، ومع ذلك فنحن نغير ريقنا كل صباح على سبابهم ~~ومشاجراتهم. هكذا هم نساء ورجالا. # فلوى عرفة شفتيه امتعاضا وقال: لكنهم وجدوا، أليس كذلك؟ # فواصل حنش كلامه قائلا: السباب أهون ما يقع في حي رفاعة، أما ~~المعارك فأجارك الله منها. أمس فقط فقد ساكن عينه. # وقف عرفة محتدا وقال: حارة عجيبة! الله يرحمك يا أمي، انظر ~~إلينا مثلا، الكل ينتفع بنا ولا أحد يحترمنا! ~~- إنهم لا يحترمون أحدا. # فصر على أسنانه وقال: إلا الفتوات! # فقال حنش ضاحكا: حسبك أنك الوحيد في هذه الحارة الذي يتعامل معه ~~الجميع من جبلية ورفاعية وقاسمية. ~~- عليهم اللعنة جميعا. # وصمت مليا وعيناه تلمعان في ضوء البدروم الخافت ثم قال: كل ~~واحد منهم يفاخر برجله بغباء وعمى، يفاخرون برجال لم يبق منهم ~~إلا أسماؤهم، ولا يحاولون قط أن يجاوزوا الفخر الكاذب بخطوة واحدة! ~~أولاد كلب جبناء. # وكان أول من قصده من زبائن امرأة من آل رفاعة، في الأسبوع الأول ~~من استقراره في مسكنه، وإذا بها تسأله بصوت خفيض: كيف يمكن التخلص ~~من امرأة دون أن يدري أحد؟ # فارتاع الرجل، ونظر إليها باستغراب، ثم قال: لست لذلك يا ستي، ~~إذا أردت أدوية للجسد أو للروح فأنا خادمك! # فتساءلت بإنكار: ألست ساحرا؟ # فقال بوضوح: في كل ما فيه فائدة للناس، أما القتل فله أناس ~~آخرون؟ ~~- لعلك خائف؟! لكننا سنكون شريكين سرهما واحد. # فقال برقة تطوي سخرية: لم يكن رفاعة كذلك! # فهتفت: رفاعة؟! عليه الرحمة، نحن في حارة لا تجدي فيها الرحمة، ~~ولو كانت تجدي ما هلك رفاعة نفسه! # وتركته يائسة، لكنه لم يندم. إن رفاعة نفسه - أول الطيبين - لم ~~يظفر بالسلامة في هذه الحارة، فكيف يأمل فيها من ms275 يبدأ عمله ~~بالجريمة؟! وأمه! كم لاقت من آلام دون أن تتعرض لأحد بأذى. فليكن ~~على خير صلة بالناس جميعا كما يجدر بكل تاجر لبق. ومضى يتردد على ~~جميع المقاهي فيجد في كل قهوة زبونا يعرفه. واستمع إلى قصص الرباب ~~في جميع الأحياء حتى اختلطت في رأسه وكان يدور بها ذلك الرأس. وكان ~~أول زبون جاءه من حي قاسم رجلا طاعنا في السن فقال له همسا وهو ~~يبتسم: سمعنا عن الهدية التي أتحفت بها عجاج فتوة رفاعة. # فتفرس في وجهه المجعد باسما، فقال الرجل: أتحفنا بما عندك ولا ~~تدهش، في وحياتك رمق! # وتبادلا ابتسامة كالسر، فقال العجوز متشجعا: أنت قاسمي، أليس ~~كذلك؟ هكذا يعتبرك أهل حينا. # فسأله عرفة ساخرا: هل يعرفون أبي عندكم؟! # فقال الرجل بجد واهتمام: القاسمي يعرف بسيماه! لذلك فأنت قاسمي. ~~نحن الذين رفعنا الحارة إلى قمة العدالة والسعادة، ولكنها وا أسفاه ~~حارة مشئومة. # ثم تذكر الرجل الغرض الذي جاء من أجله فقال برقة: الهدية من ~~فضلك. # وذهب الرجل وهو يقرب الحق من عينه العمشاء، وقد دبت في مشيته ~~المتهالكة صحوة نشاط وأمل. وكان آخر من زاره شخصا غير متوقع. كان ~~يجلس في حجرة الاستقبال على شلتة أمامها مبخرة تنفث دخانا رقيقا ~~ساحرا حين دخل عليه حنش بين يدي نوبي عجوز وهو يقول: عم يونس ~~بواب حضرة الناظر. # فانتفض عرفة واقفا ومد له يديه مرحبا وهو يقول: أهلا .. ~~أهلا، زارنا النبي .. تفضل يا مولانا! # جلسا متجاورين، وقال البواب بصراحة معهودة: الهانم، نظيرة هانم ~~حرم الناظر، تحلم أحلاما مزعجة سيئة حتى قل نومها. # بدا الاهتمام في عيني عرفة، ودق قلبه دقة الأمل والطموح، لكنه ~~قال ببساطة: حال عارضة تمر بسلام. ~~- لكن الهانم منزعجة وقد أرسلتني إليك لتجد لها شيئا ~~مناسبا. # شعر عرفة بسعادة وسيادة لم يعرفهما طوال حياة التشرد التي ألفها ~~في ظل أمه الراحلة وقال: الأفضل أن أحادثها بنفسي! # فقال البواب بحدة: محال! لن تجيء إليك ولن تدخل إليها! # وغالب عرفة اليأس مستميتا في الدفاع عن فرصته الذهبية فقال: ms276 ~~يلزمني منديلها أو شيء من طرفها! # وأحنى البواب رأسه المعمم وقام ليذهب. وعندما بلغا باب البدروم ~~تلكأ البواب قليلا، ثم مال على أذن عرفة قائلا في همس: سمعنا عن ~~هديتك لعجاج فتوة رفاعة! # ولما ذهب البواب بالهدية ضحك عرفة وحنش طويلا، وتساءل الأخير: ~~لمن أخذ الهدية يا ترى؟ لنفسه أم للناظر أم للهانم؟ # وهتف عرفة ساخرا: يا حارة الهدايا والنبابيت! # ومضى إلى النافذة ينظر إلى الحارة في الليل. بدا الجدار المواجه ~~لعينيه مفضضا بضوء القمر، وتعالت زفرات الصراصير، وارتفع صوت ~~الشاعر من قهوة الحي وهو يقول: ~~«وتساءل أدهم: متى تقر بأنه لم تعد تربطنا صلة؟ # فقال إدريس: لترحمنا السماء، ألست أخي؟ هذه رابطة ليس في الإمكان ~~فصمها. ~~- إدريس، كفاك ما فعلت بي! ~~- الحزن قبيح، ولكن كلينا مصاب، أنت فقدت همام وقدري وأنا فقدت ~~هند، أصبح للجبلاوي العظيم حفيدة عاهرة وحفيد قاتل! # فعلا صوت أدهم وهو يهدر: إذا لم يكن جزاؤك من جنس عملك فعلى ~~الدنيا العفاء!» # وتحول عرفة عن النافذة في سأم. متى تكف حارتنا عن حكي ~~الحكايات؟ ومتى يكون على الدنيا العفاء؟ وأمي رددت يوما هذا ~~القول: «إذا لم يكن الجزاء من جنس العمل فعلى الدنيا العفاء». أمي ~~المسكينة ساكنة الخلاء. لكن ماذا أفدت من الحكايات يا ~~حارتنا؟ # 95 # كان عرفة وحنش يعملان بهمة في حجرة البدروم الخلفية على ضوء ~~مصباح غازي مثبت في الجدار. لم تكن الحجرة تصلح للحياة العادية ~~لرطوبتها وظلامها ولموقعها آخر البدروم فجعل عرفة منها مقرا ~~لعمله. وبدت على أرضها وفي أركانها مجموعات من أوراق الأحجبة، ~~والأتربة والجير، ونباتات وتوابل، وحيوانات وحشرات مجففة كالفئران ~~والضفادع والعقارب، وأكوام من قطع الزجاج، وقوارير، ومياه في ~~صفائح، وسوائل غريبة ذات رائحة نفاذة، وفحم، وكانون، وقد ركبت على ~~الجدران رفوف حملت بأنواع شتى من الأوعية والآنية والأكياس. ~~وكان عرفة منهمكا في خلط بعض المواد وعجنها في وعاء من الفخار ~~كبير، وكان العرق يتصبب من جبينه فيجففه بكم جلبابه من حين لآخر. ~~هذا وحنش رابض عن كثب، يراقبه باهتمام، استعدادا ms277 لتلبية أي إشارة ~~تصدر منه، وكأنما أراد أن يعزيه أو يتودد إليه فقال: هذا التعب لا ~~يبذل جزءا منه أكبر عامل في هذه الحارة المنكودة، وفي سبيل أي ~~جزاء يبذل؟ ملاليم أو قرش على خير الفروض! # فقال عرفة بارتياح: رحم الله أمي! لا يعرف فضلها سواي، ويوم ~~سلمتني لذلك الساحر العجيب الذي يقرأ لك جميع ما يجول في خاطرك ~~تغيرت حياتي تغيرا كليا، فلولاها لكنت على خير ظن نشالا أو ~~متسولا. # فأصر حنش على أسفه قائلا: ملاليم! ~~- النقود تكثر بالصبر، لا تيئس من ذلك. ليست الفتونة هي السبيل ~~الوحيد إلى الثروة، ولا تنس المنزلة السامية التي أتمتع بها، فإن ~~من يقصدني إنما يعتمد كل الاعتماد علي ويضع سعادته أمانة بين ~~يدي، وليس هذا بالشيء القليل. ولا تنس أيضا لذة السحر نفسه؛ ~~لذة استخراج مادة مفيدة من مواد قذرة، لذة الشفاء حين يأتمر ~~بأمرك، وهنالك القوى المجهولة التي تتشوف للاتصال بها وامتلاكها إن ~~استطعت. # ونظر حنش إلى الكانون وقال منقطعا فجأة عن تيار صاحبه: الأوفق ~~أن أوقد الكانون في دهليز المنور وإلا اختنقنا. ~~- أوقده في جهنم، ولكن لا تخرجني عن أفكاري! إن أي مغفل ممن ~~يحسبون أنفسهم معلمين في هذه الحارة لا يستطيع أن يدرك خطورة ~~الأشياء التي تصنع في هذه الحجرة المعتمة القذرة ذات الروائح ~~الغريبة. أدركوا فائدة «الهدية» ولكن ليست الهدية كل شيء. إن ~~أعاجيب لا يحيط بها الخيال يمكن أن تخرج من هذه الحجرة. المجانين ~~لا يدركون قيمة عرفة الحقيقية، لعلهم يعرفونها يوما ما، وعند ذاك ~~يجب أن يترحموا على أمي لا أن يعرضوا بها كما يفعلون. ~~- وكان حنش قد قام نصف قومة فعاد يجلس القرفصاء وهو يقول ~~بامتعاض: كل هذا الجمال قد تطيح به عصا فتوة أحمق. # فقال عرفة بحدة: نحن لا نؤذي أحدا وندفع الإتاوة؛ فكيف نتعرض ~~للأذى يا ابن جلجل؟ # فضحك حنش قائلا: وما كان ذنب رفاعة؟ # فحدجه بنظرة غاضبة وقال: لماذا تقرفني بهذه الأفكار؟ ~~- أنت تأمل أن تثري وهنا لا يثري إلا الفتوات، وتأمل ms278 أن تصير ~~قويا وهنا لا يسمح بالقوة إلا للفتوات، فاعمل حسابك يا ~~أخ! # وصمت عرفة حتى يتأكد من حسن تقديره في الخلط بين المواد، ثم نظر ~~إلى حنش فرأى سحنته ما زالت محتفظة بصورة التحذير، فضحك قائلا: ~~حذرتني أمي من قبلك، شكرا يا حنش يا ابن جلجل، لكني عدت إلى ~~الحارة وفي رأسي خطة! ~~- يبدو أنه لم يعد يهمك إلا السحر. # فقال عرفة في جذل كالنشوة: السحر شيء عجيب حقا، لا حد لقوته، ~~ولا يدري أحد أين يقف، وقد تبدو النبابيت نفسها لمن يملكه لعب ~~أطفال، تعلم يا حنش ولا تكن غبيا، تصور لو كان جميع أولاد حارتنا ~~سحرة؟ ~~- لو كانوا جميعهم سحرة لماتوا جوعا! # فضحك عرفة ضحكة كشفت عن أسنان حادة وقال: لا تكن غبيا يا حنش ~~واسأل نفسك: ماذا كان يمكن أن يصنعوا! والله كانت الأعاجيب تخرج من ~~حارتنا في غزارة السباب والشتائم. ~~- نعم، على شرط ألا يموتوا جوعا قبل ذلك! ~~- نعم، ولن يموتوا ما داموا في غير ... # لكنه سكت قبل أن يتم قوله، ومضى يفكر في اهتمام حتى كفت يداه عن ~~العمل، ثم رجع يقول: شاعر آل قاسم يقول إن قاسم أراد استغلال الوقف ~~حتى يجد كل حاجته فيستغنى عن العمل ويفرغ للسعادة الغناء التي ~~حلم بها أدهم. ~~- ذلك قول قاسم! # فقال وعيناه تلمعان بشدة: ولكن الغناء ليس هو الهدف الأخير! تصور ~~أن يمضي العمر في فراغ وغناء؟ هو حلم جميل لكنه مضحك يا حنش، ~~الأجمل حقا أن نستغني عن العمل لنصنع الأعاجيب. # هز حنش رأسه الكبير - الذي يبدو منغرسا في جسده دون رقبة تذكر ~~- محتجا على حديث لا معنى له، ثم استرد لهجة العمل الجدية وهو ~~يقول: دعني الآن أوقد الكانون تحت المنور. ~~- افعل، وضع نفسك فوق اللهب فما تستحق إلا الحرق. # وغادر عرفة غرفة العمل بعد ساعة فمضى إلى الكنبة وجلس ينظر من ~~النافذة إلى الخارج. اقتحمت أذنيه ضجة الحياة بعد صمت؛ فتلاقت ~~فيهما نداءات الباعة وأحاديث النساء المتبادلة ونكات صارخة ~~ومختارات من الشتائم، تصاحب ms279 تيار الرائحين والغادين الذي لا ينقطع. ~~وإذا به يلاحظ أن شيئا جديدا اتخذ مكانه عند الجدار المواجه ~~لنافذته. قهوة متنقلة مكونة من قفص مغطى بملاءة قديمة صفت غليه ~~علب البن والشاي والقرفة، وموقد وكنكات وفناجيل وأكواب وملاعق، وقد ~~جلس عجوز على الأرض يروح على الموقد ليسخن ماء، على حين وقفت وراء ~~القفص فتاة في ربيع العمر وهي تنادي بصوت دافئ: «قهوة مزاج يا ~~جدع!» كانت القهوة تقع عند ملتقى القاسمية بالرفاعية، وبدا أن ~~أكثر زبائنها من أصحاب عربات اليد والمساكين. وجعل عرفة يطيل النظر ~~إلى الفتاة من بين القضبان. هذا الوجه الأسمر المتلفع بخمار ~~أسود ما ألطفه! وهذا الجلباب البني الغامق الذي يغطيها من العنق ~~حتى القدمين ويتجرجر منه طرف على الأرض إذا مشت بطلب أو عادت بقدح ~~فارغ، هذا الجلباب حشمة وأدب! وهذه القامة الرشيقة، والعينان ~~العسليتان ما أجملهما لولا احمرار أشفار يسراهما لرمد أو قذارة! هي ~~ابنة العجوز كما يشهد الوجهان، ويبدو أنه أنجبها في سن متأخرة ~~كما يقع كثيرا في حارتنا. ودون تردد صاح بها: يا شابة .. فنجال ~~شاي وحياتك. # فامتدت إليه عيناها، وبسرعة ملأت قدحا من إبريق مدفون حتى ~~منتصفه في الرماد، ومضت به إليه عبر الطريق فتسلمه وهو يقول ~~باسما: عاشت يدك، كم ثمنه؟ ~~- نكلة. ~~- غال! ولكن لا يغلو لك ثمن! # فقالت باحتجاج: في القهوة الكبيرة بتعريفة، وهو لا يمتاز عما في ~~يدك بشيء. # وذهبت دون انتظار لكلام، فراح يحسوه قبل أن يبرد ودون أن يحول ~~عينيه عنها. ما أسعد أن يملك فتاة بهذا الشباب! لا عيب فيها إلا ~~حمرة عينها وما أسهل أن يداويها، ولكن الأمر يحتاج إلى قدر من ~~النقود لم يوجد بعد. والبدروم جاهز وما على حنش إلا أن ينام في ~~الدهليز أو في حجرة الاستقبال إذا شاء على شرط أن يفليها من ~~البق أولا بأول. وانتبه على همهمة غريبة، ورأى الناس ينظرون نحو ~~أعلى الحارة ويقول البعض منهم: «السنطوري .. السنطوري» فنظر بميل ~~على قدر ما سمحت به القضبان له فرأى الفتوة ms280 قادما في هالة من ~~الأعوان. ولما مر بالقهوة المتنقلة وقع بصره على الفتاة فسأل ~~رجلا من رجاله: من الفتاة؟ ~~- عواطف بنت عم شكرون. # فلعب الرجل حاجبيه في ارتياح ومضى نحو حيه. وشعر عرفة بضيق ~~وقلق. لوح للفتاة بالقدح الفارغ فجاءته في خفة فأخذته وتناولت من ~~يده النكلة. وعند ذاك سألها وهو يشير بذقنه إلى الناحية التي ذهب ~~إليها السنطوري: ألم يضايقك شيء؟ # فقالت ضاحكة وهي تستدير لتذهب: سأستعين بك عند اللزوم، فهل ~~تعين؟ # فحزت في نفسه سخريتها؛ سخرية حزينة لا متحدية فتضاعف ضيقة. ~~وهنا سمع صوت حنش وهو يناديه فوثب إلى أرض الحجرة واندفع إلى ~~الداخل. # 96 # تكاثر زبائن عرفة مع الأيام، لكن قلبه لم يفرح بزبون كما فرح ~~بعواطف يوم رآها مقبلة عليه في حجرة الاستقبال. نسي مهابة المعلم ~~التي يرتديها أمام زبائنه فوقف مرحبا بها، ثم أجلسها على شلتة ~~أمامه وتربع في مجلسه والدنيا لا تسعه من السرور. حياها بنظرة ~~شاملة لكنها سرعان ما وقفت على عينها اليسرى التي كادت تختفي وراء ~~ورم ملتهب، فقال محتجا: أهملتها يا شابة، كانت حمراء منذ أول ~~يوم رأيتك. # فقالت كالمعتذرة: اكتفيت بغسلها بالماء الساخن، والمشغول بالعمل ~~مثلي ينسى. ~~- لا يجوز أن تنسي صحتك، وبخاصة إذا تعلق الأمر بعضو عزيز مثل ~~عينك الجميلة! # ابتسمت متأثرة بالثناء على حين كان هو يمد يده إلى رف خلفه ليجيء ~~بكوز، ثم أخرج منه لفافة صغيرة وقال وهو يشير إليها: صري ما ~~فيها في منديل، وحطيه فوق بخار ماء يغلي، ثم اربطيه على عينك ليلة ~~بعد أخرى حتى تعود عينك إلى جمال أختها. # تناولت اللفافة، وأخرجت كيسا من جيبها وهي تسأله بعينها اليمنى ~~عن الثمن. فقال ضاحكا: لا عليك من هذا، فنحن جيران وبيننا ~~صداقة! ~~- لكنك تدفع ثمن ما تشرب من شاي. # فقال متهربا: إني أدفع في الواقع لأبيك، هذا الرجل الوقور. كم ~~أود أن أعرفه، وكم أسفت على اضطراره للعمل حتى هذه السن ~~المتأخرة! # فقالت في مباهاة: لكن صحته جيدة، وهو يأبى أن يقعد في ms281 البيت، غير ~~أن طول عمره من دواعي حزنه في الحياة؛ إذ إنه كان ممن شهدوا ~~الأحداث على عهد قاسم. # فتجلى الاهتمام في وجه عرفة وسألها: حقا؟! أكان من ~~أعوانه؟ ~~- كلا، لكنه ذاق السعادة في أيامه وما زال يتحسر عليها. ~~- أريد أن أعرفه وأن أستمع إليه. # فبادرته قائلة: لا تجره إلى هذا الحديث، فإني أود أن ينساه إلى ~~الأبد حرصا على سلامته. كان مرة في خمارة يشارب بعض أصحابه، ولما ~~سكر وقف بينهم يطالب بأعلى صوته بأن تعود الحياة إلى ما كانت عليه ~~أيام قاسم، وما إن عاد إلى حارتنا حتى وجد السنطوري أمامه فانهال ~~عليه ضربا وصفعا ولم يتركه حتى أغمي عليه. # تفكر عرفة في امتعاض شديد ثم لحظ عواطف بمكر وقال: لا أمان لأحد ~~مع وجود هؤلاء الفتوات! # فرمقته بنظرة خاطفة كأنما تتساءل عما وراء مقصده الظاهر، وقالت: ~~صدقت، لا أمان لأحد معهم. # وتريث وهو يعض شفتيه كالمتردد، ثم قال: رأيت السنطوري وهو ~~ينظر إليك نظرة كلها وقاحة. # فدارت ابتسامة بحركة من رأسها إلى أسفل، وقالت: ربنا ~~يأخذه. # لكن عرفة تساءل في ارتياب: أليس مما يسر الفتاة أن يعجب بها فتوة ~~مثله؟ ~~- إنه زوج لأربع! # فغاص قلبه في أعماقه، وتساءل: وإذا كان عنده متسع؟ # فقالت بحدة: كرهته منذ اعتدى على أبي، وهكذا جميع الفتوات لا ~~قلوب لهم، يأخذون الإتاوة وكأنهم لاستكبارهم هم الذين ~~يعطون. # فانتعش بالارتياح وقال بحماس: أحسنت يا عواطف! كما أحسن قاسم من ~~قبل يوم قضى عليهم، لكنهم يعودون مثل بعض الدمامل الغامضة. ~~- لذلك يتحسر أبي على أيام قاسم. # فهز رأسه في غير اكتراث طارئ وقال: ويوجد غيره من يتحسرون على ~~أيام جبل ورفاعة، لكن الماضي لا يعود. # فقالت في استياء مليح: تقول ذلك؛ لأنك لم تشهد قاسم مثل ~~أبي. ~~- وهل شهدته أنت؟ ~~- أبي قال لي. ~~- وأمي قالت لي، ولكن ما جدوى ذلك؟ إنه لا يخلصنا من الفتوات، ~~وأمي نفسها كانت ضحية لهم، وها هم أولاء يعرضون بها بعد ~~موتها. ~~- حقا؟! # فقال بوجه متجهم كأنه قدح ماء ms282 صاف تعكر فجأة بإثارة رواسبه: ~~لذلك أخشى عليك يا عواطف. الفتوات يهددون الرزق والعرض والحب ~~والسلام. أصارحك بأنني اقتنعت منذ رأيت الوحش يتطلع إليك بوجوب ~~القضاء عليهم. # فقالت عواطف باهتمام: يقولون إنه في وصية جدنا الواقف ... ~~- أين جدنا؟! # فقالت ببساطة: في البيت الكبير. # فقال بهدوء وبوجه لا ينم عن السرور: نعم أبوك يحدث عن قاسم، ~~وقاسم حدث عن جدنا، هكذا نسمع، ولكنا لا نرى إلا قدري وسعد الله ~~وعجاج والسنطوري ويوسف. نحن في حاجة إلى قوة تخلصنا من العذاب، ~~فماذا تجدي الذكريات! # وانتبه إلى أن مجرى الحديث كاد يفسد عليه اللقاء، فقال وهو يعدل ~~عن السيكا إلى الصبا: الحارة في حاجة إلى قوة كما أنا في حاجة ~~إليك! # فحدجته بنظرة استنكار، فابتسم في جرأة بدت غير غريبة عن عينيه ~~الجارحتين، وقال بجدية؛ ليتحاشى غضبة متوثبة في حاجبيها: شابة ~~طيبة مجتهدة جميلة، تنسى في غمرة العمل عينها حتى تورمت، ثم ~~تجيئني وهي تظن أنها في حاجة إلي فتتضح لها الحقيقة، وهي أنني ~~أنا الذي في حاجة إليها. # قالت وهي تهم بالقيام: آن لي أن أنصرف. ~~- بغير غضب من فضلك، واذكري أنني لم أصرح بجديد، فلا شك في أنك ~~استشففت إعجابي بك طوال الأيام الماضية إذ إن نظراتي تذهب وتجيء ما ~~بين نافذتي وقهوتك. إن أعزب مثلي لا يمكن أن يعيش وحده إلى الأبد، ~~وإن بيته المشحون بالعمل في حاجة للرعاية، وإن أرباحه تفيض عن ~~حاجته فلا بد أن يشاركه فيها إنسان. # غادرت الحجرة. وقف في نهاية الدهليز ليودعها. وكأنها لم ترض أن ~~تذهب دون تحية فقالت: فتك بعافية. # ولبث مكانه وهو يترنم بصوت مهموس: # خدك المياس يا بدري، # واملأ لي الكاس من بدري، # أنت أحلى الناس في نظري. # ثم مضى في فتوة ونشاط إلى حجرة العمل فوجد حنش ~~منهمكا في واجباته، فسأله: ماذا عندك؟ # فعرض أمامه زجاجة وهو يقول: معبأة ومحكمة الإغلاق، لكن ينبغي أن ~~تجرب في الخلاء. # فتناولها عرفة وراح يمتحن سدادتها، ثم قال: نعم، في الخلاء وإلا ~~افتضح أمرنا. ms283 # فقال حنش بقلق: الرزق بدأ يجيء والحياة تبتسم، فلا تفرط فيما ~~وهبك الله من سعادة. # أخذ حنش يضيق بالحياة بعد أن حلت في عينيه. ابتسم عرفة عند ~~هذا الخاطر. ونظر إلى حنش مليا ثم قال: كانت أمك كما كانت ~~أمي. ~~- نعم، ولكنها توسلت إليك ألا تفكر في الانتقام. ~~- كان رأيك غير ما تبدي الآن! ~~- سنقتل قبل أن ننتقم. # فضحك عرفة وقال: لا أخفي عنك أنني كففت عن التفكير في الانتقام ~~من زمن. # فتهلل وجه حنش وهو يقول: هات الزجاجة لنفرغها يا أخي. # لكن عرفة شدد قبضته على الزجاجة وهو يقول: بل سنجربها حتى تبلغ ~~الكمال . # فقطب حنش في استياء احتجاجا على الهزء به، فأردف عرفة قائلا: ~~أنا أعني ما أقول يا حنش، ثق بأنني عدلت عن الانتقام، لا إذعانا ~~لتوسلات أمنا، وإنما لاقتناعي بوجوب القضاء على الفتوات بصرف ~~النظر عن انتقامنا. # فقال حنش محتدا: بسبب حبك لهذه الفتاة. # فضحك عرفة حتى بان حلقه وقال: حب الفتاة، حب الحياة، أسمه بما ~~تشاء .. كان قاسم على حق! ~~- ما لك أنت وقاسم؟! كان قاسم يحقق رغبة جده! # فمط بوزه وقال: من يدري؟! حارتنا تحكي الحكايات، أما نحن فنقوم ~~بأعمال حاسمة في هذه الحجرة لا شك فيها، وأين الأمان في حياتنا؟ ~~سيجيء عجاج غدا لينهب رزقنا، وإذا قدمت يدا للزواج من عواطف ~~اعترضني نبوت السنطوري، وهذا حال كل رجل في حارتنا حتى المتسول. ~~فما يكدر صفوي هو ما يكدر صفو حارتي، وما يؤمنني هو ما يؤمنها. ~~حقا ما أنا بفتوة، ولا برجل من رجال الجبلاوي، ولكني أملك ~~الأعاجيب في هذه الحجرة، ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم ~~مجتمعين. ورفع الزجاجة بيده متخذا هيئة المتوثب للقذف بها، ثم ~~أعادها إلى حنش قائلا: سنجربها الليلة بالجبل .. ابسط وجهك ~~واستعد حماسك. # وغادر حجرة العمل إلى النافذة، وتقرفص فوق الكنبة مرسلا ناظريه ~~إلى القهوة المتنقلة. وكان الليل يهبط رويدا، وصوتها يعلو مناديا ~~بالقهوة والشاي، وتجنبت النظر إلى نافذته فدل التجنب على خطوره ~~ببالها. وومض بالابتسام فمها ms284 مثل ذلك النجم. وابتسم عرفة، كيانه ~~كله ابتسم، وفاض من قلبه الرضا حتى أقسم ليمشطن شعره كل صباح. ~~وترامت من الجمالية ضجة أقوام يطاردون لصا، ثم انبعثت من القهوة ~~أنغام الرباب، وترامى صوت الشاعر مفتتحا ليلته بقوله: # الأولة آه .. سي قدري ناظرنا # والثانية آه .. سعد الله فتوتنا # والثالثة آه .. عجاج فتوة حتتنا. # فانتزع من حلمه بلا رحمة. وقال بملل وتمرد: ~~«ستبدأ الحكايات، متى تنتهي هذه الحكايات؟ وماذا أفاد الاستماع ~~إليها طوال الليالي؟ سيغني الشاعر وتستيقظ الغرز يا حارة ~~الحسرات!» # 97 # وطرأ على حياة عم شكرون اضطراب غامض. كان يتكلم أحيانا بصوت ~~مرتفع جدا كأنه يخطب فيقولون بعطف: «الكبر .. إنه ~~الكبر!» # وكان يغضب شديد الغضب لأتفه سبب أو لغير ما سبب فيقولون: ~~«الكبر»، وكان يصمت طويلا حتى حين تتطلب الحال الكلام فيقولون: ~~«الكبر!» وكان يقول أقوالا تعد في الحارة كفرا فيقولون في ~~إشفاق: «الكبر .. اللهم احفظنا!» وكان عرفة يراقبه كثيرا من خلال ~~القضبان في عطف واهتمام. ومضى يراقبه ذات يوم وهو يقول لنفسه: رجل ~~مهيب على رغم أسماله البالية وقذارته، وعلى صفحة وجهه الناحلة نقشت ~~النكسة التي عدت على الحارة عقب أيام قاسم؛ إذ إنه من سوء حظه أنه ~~عاصر قاسم، فنعم بأيام العدل والأمان، ونال نصيبه كاملا من ريع ~~الوقف، ورأى الأبنية تشيد باسم الوقف ثم تتوقف بأمر قدري. وبالجملة ~~هو رجل بائس طال به العمر أكثر مما ينبغي! ورأى عواطف قادمة بوجه ~~لا تشوبه شائبة بعد أن شفيت عينها فتحول عن الرجل إليها وهتف ~~باسما: الشاي يا أهل النظر! # وجاءته بالقدح فقال قبل أن يتناوله من يدها ليضمن بقاءها: مبارك ~~عليك الشفاء يا وردة حارتنا. # فقالت باسمة: الفضل لله ولك. # وتناول القدح متعمدا أن تمس أنامله أناملها، فرجعت ومرح مشيتها ~~ينبئ عن القبول والرضا. ما أجدر أن يخطو الخطوة الحاسمة! وهو رجل ~~لا تعوزه الجرأة، غير أنه يجب أن يعمل للسنطوري ألف حساب. الحق على ~~عم شكرون الذي جاء بفتاته إلى طريق السنطوري! لكنه مسكين أعياه ~~التجوال وراء عربته ms285 حتى عجز عن الاستمرار ففتح هذه القهوة ~~المشئومة. # وترامت من بعيد ضجة وهتاف فتطلعت الرءوس نحو الجمالية، وما لبث ~~أن ظهرت عربة كارو حملت النساء المغنيات المصفقات في وسطهن عروس ~~عائدة من الحمام، فجرى الغلمان نحو العربة مهللين وتعلقوا بأطرافها ~~وهي صاعدة نحو حي آل جبل، واضطرم الجو حينا بالزغاريد والتهاني ~~والهمسات الفاحشة. ووقف عم شكرون كالغاضب وصاح بصوت كالرعد: اضرب ~~.. اضرب! # فهرعت إليه عواطف وأجلسته وهي تربت ظهره في أسى وحنان. وتساءل ~~عرفة: ترى هل يحلم الرجل أو يهلوس؟ ما ألعن الكبر! كيف إذن يعيش ~~جدنا الجبلاوي؟ وجعل ينظر إلى الرجل حتى سكن ثم سأله برقة: يا عم ~~شكرون هل رأيت الجبلاوي؟ # فأجابه دون أن ينظر إليه: يا مغفل، ألا تدري أنه اعتكف في بيته ~~من قبل أيام جبل! # فضحك عرفة، كما ابتسمت عواطف، وقال بصوت باسم: ربنا يمد في عمرك ~~يا عم شكرون. # فصاح شكرون: دعاء كان له قيمة حقا عندما كان العمر له ~~قيمة. # وجاءته عواطف لتأخذ القدح فقالت له همسا: دعه في حاله، إنه لا ~~ينام من الليل ساعة! # فقال باهتمام حار: قلبي عندك يا عواطف. # ثم بسرعة قبل أن تهم بالسير: أود أن أحدثه في أمرنا. # فحذرته بأصبعها وذهبت. وراح يتسلى برؤية صغار يلعبون «وطي ~~البصلة». وبغتة ظهر السنطوري قادما من حي آل قاسم فتراجع رأسه عن ~~القضبان بحركة غريزية. ماذا جاء به؟ من حسن حظه أنه أقام في حي آل ~~رفاعة فأصبح له من عجاج حام؛ عجاج الغارق في «هداياه». اقترب ~~الفتوة حتى وقف أمام قهوة شكرون، وتفحص وجه عواطف وهو يقول: واحد ~~سادة. # لعلعت ضحكة امرأة في نافذة وتساءلت أخرى: أي شيء حمل فتوة قاسم ~~على طلب السادة من قهوة المتسولين؟! # بدا السنطوري غير مكترث لشيء. قدمت عواطف له الفنجال فتلوى قلب ~~عرفة في صدره. وانتظر الفتوة حتى تذهب حرارة المشروب وهو يبتسم إلى ~~الفتاة ابتسامة وقحة كشفت عن أسنانه المذهبة. وتوعده عرفة في نفسه ~~بضربه بجبل المقطم. ورشف السنطوري رشفة وقال: تسلم ms286 يدك ~~الجميلة. # وخافت أن تبتسم كما خافت أن تقطب على حين تطلع شكرون إليهما ~~بارتياع. ثم أعطاها الفتوة قطعة من ذات الخمسة القروش فدست يدها في ~~جيبها لإحضار الفكة ولكنه لم ينتظر ولم يبد أنه يطالب بشيء، وعاد ~~إلى قهوة القاسمية. وحارت عواطف في أمرها فقال لها عرفة بصوت ~~منخفض: لا تذهبي إليه. # فتساءلت: وباقي النقود؟ # فنهض عم شكرون على رغم ضعفه وأخذ الباقي وذهب إلى المقهى. وبعد ~~قليل عاد العجوز إلى مجلسه. وما لبث أن أغرق في الضحك حتى اقتربت ~~منه ابنته وقالت برجاء: كفاك ضحكا! # ونهض قائما مرة أخرى. وقف مستقبلا بيت الواقف في نهاية ~~الحارة، وصاح: يا جبلاوي .. يا جبلاوي! # والتفتت نحوه الأعين من النوافذ وأبواب الربوع والمقاهي ~~والبدرومات، وهرع نحوه الغلمان، حتى الكلاب رمقته بأعينها .. وعاد ~~شكرون يصيح: يا جبلاوي، حتى متى تلازم الصمت والاختفاء؟! وصاياك ~~مهملة وأموالك مضيعة، أنت في الواقع تسرق كما يسرق أحفادك يا ~~جبلاوي! # وهتف الصغار «هيه»، وقهقه كثيرون. أما العجوز فاستدرك صارخا: يا ~~جبلاوي ألا تسمعني؟ ألا تدري بما حل بنا؟ لماذا عاقبت إدريس وكان ~~خيرا ألف مرة من فتوات حارتنا؟! يا جبلاوي! # خرج عند ذلك السنطوري من المقهى وهو يصيح به: يا مخرف ~~احتشم. # فالتفت نحوه غاضبا وهتف: عليك اللعنة يا وغد الأوغاد! # همس كثيرون في إشفاق: «ضاع الرجل!» واتجه السنطوري نحوه وقد ~~أعماه الغضب وضربه على رأسه بقبضته. ترنح الرجل وكاد يهوي لولا أن ~~أدركته عواطف. ورآها السنطوري فرجع إلى مجلسه. # وقالت الفتاة باكية: لنعد إلى البيت يا أبي. # وانضم إليها عرفة في مساندته، ولكن العجوز حاول في ضعف أن ~~يبعدهما عنه. وثقلت أنفاسه على حين ساد الأقربين وجوم. وقالت امرأة ~~من نافذة: الحق عليك يا عواطف، فالأحسن أنه كان يبقى في ~~البيت. # فقالت عواطف وهي ما زالت تبكي: ما لي حيلة. # وراح شكرون يقول بصوت ضعيف: يا جبلاوي .. يا جبلاوي! # 98 # وقبيل الفجر شق صوات مولول السكون، ثم عرف الناس أن شكرون قد ~~مات. كانت حادثة غير غريبة ms287 على الحارة. وقالت بطانة السنطوري: ~~«الله يجحمه، عاش قليل الأدب، وقلة الأدب كانت السبب في موته.» ~~وقال عرفة لحنش: قتل شكرون، كما يقتل كثيرون في حارتنا، والقتلة ~~لا يبالون بإخفاء جرائمهم، ولا يتجرأ أحد على الشكوى أو يجد شاهدا ~~واحدا! # فقال حنش بتقزز: يا للمصيبة! لماذا جئنا إلى هنا؟! ~~- إنها حارتنا. ~~- أمنا غادرتها منكسرة الخاطر، حارة ملعونة هي ومن ~~عليها. # فقال بإصرار: لكنها حارتنا. ~~- كأننا نكفر عن ذنوب لم نجنها. ~~- التسليم هو أكبر الذنوب جميعا. # فقال حنش بيأس: خابت تجربة الزجاجة في الجبل! ~~- لكنها ستنجح في المرة القادمة. # ولما حمل نعش شكرون لم يكن وراءه إلا عواطف وعرفة، هكذا بدا ~~أمام الربع. وعجب الجميع من اشتراك عرفة الساحر في الجنازة، ~~وتهامسوا بجرأته العجيبة .. ذلك الساحر المجنون. # وكان الأعجب من ذلك أن السنطوري انضم إلى الجنازة عندما توسطت حي ~~آل قاسم. بأي جرأة وقحة فعل؟! لكنه فعل بلا حياء وقال لعواطف: ~~البقية في حياتك يا عواطف! # وأدرك عرفة أن الرجل يمهد بذلك لطلبه القادم. والمهم أن حال ~~الجنازة تغير في غمضة عين إذ تسارع إليها الجيران والمعارف الذين ~~منعهم الخوف حتى ملأت الطريق. وعاد السنطوري يقول: البقية في حياتك ~~يا عواطف! # فنظرت إليه في تحد وقالت: تقتل القتيل وتمشي في ~~جنازته؟! # فقال السنطوري بصوت سمعه كثيرون: قيل مثل هذا لقاسم من ~~قبل. # وتعالت أصوات كثيرة وهي تقول: وحدي الله، الآجال بيد الله ~~وحده! # فصاحت به عواطف: قتل أبي بضربة يدك! # فقال السنطوري: الله يسامحك يا عواطف، لو كنت ضربته ضربة حقيقية ~~لقتل في الحال، والحق إني ما ضربته ولكن هوشته والكل يشهدون ~~بذلك. # واستبقت الحناجر قائلة: هوشه! ما لمسته يده، والله ما لمسه، ~~وليأكل الدود عيوننا إن كنا كاذبين. # فهتفت عواطف: ربنا المنتقم! # فقال السنطوري بحلم ضرب مثلا عهدا طويلا: الله يسامحك يا ~~عواطف. # ومال عرفة على أذن عواطف وقال فيما يشبه الهمس: خلي الجنازة تسير ~~بسلام. # وما يدري عرفة إلا ورجل من أعوان السنطوري يدعى العضاض يهوي ~~بكفه على وجهه ms288 ويصيح به: يا ابن المهبولة، ما أدخلك أنت بينها وبين ~~المعلم؟! # التفت عرفة نحوه في ذهول فتلقى ضربة أشد من الأولى، وآخر صفعه، ~~وثالث بصق على وجهه، ورابع أخذ بتلابيبه، وخامس دفعه بقوة فسقط على ~~ظهره، وسادس قال له وهو يركله: ستدفن في القرافة إذا ذهبت ~~إليها. # لبث مطروحا على الأرض في ذهول، وتجمع، وقام في ألم غير يسير ~~وراح ينفض التراب عن جلبابه ووجهه. وكان جمع من الصغار قد التفوا ~~حوله وراحوا يهتفون: «العجل وقع .. هاتوا السكين» رجع إلى البدروم ~~وهو يعرج وقد جن جنون غضبه. ونظر حنش إليه بأسى وقال: قلت لك لا ~~تذهب! # فصرخ في حنق أهوج: اسكت، الويل لهم. # فقال له بلين وحزم معا: اصرف النظر عن هذه البنت وإلا فعلينا ~~السلام. # فصمت مليا وهو ينظر إلى الأرض مفكرا، ثم رفع وجها مكفهرا ~~بالإصرار المخيف وقال: ستراني متزوجا بها أقرب مما تتصور! ~~- هذا هو الجنون بعينه. ~~- وسوف يرأس عجاج الزفة. ~~- إنك تبلل ثيابك بالكحول وترمي بنفسك في النار. ~~- وسأعاود تجربة الزجاجة الليلة في الخلاء. # ولزم داره لا يبرحها أياما، ولكن صلته بعواطف لم تنقطع عن طريق ~~النافذة ذات القضبان. ثم قابلها خفية عقب انقضاء أيام الحداد في ~~دهليز ربعها وقال لها في صراحة: يحسن بنا أن نتزوج في ~~الحال. # ولم تفجأ الفتاة بطلبه ولكنها قالت في حزن: ستسبب موافقتي لك ~~من المتاعب ما لا تحتمل. # فقال بثقة: قبل عجاج أن يشرف حفلنا، ولذلك معنى لا يخفى ~~عليك. # واتخذت الخطوات في تكتم شديد حتى تم كل شيء. وعلمت الحارة دون ~~سابق إنذار أن عواطف ابنة شكرون تزوجت من عرفة الساحر، وانتقلت إلى ~~داره، وأن عجاج فتوة آل رفاعة قد شهد الزواج. ذهل كثيرون وتساءل ~~آخرون: كيف تم ذلك؟ كيف تجرأ عرفة عليه؟ وكيف أقنع عجاج بمباركته؟ ~~أما أهل الخبرة فقد قالوا: يا داهية دقي. # 99 # واجتمع السنطوري بأعوانه في قهوة آل قاسم، وعلم عجاج بذلك فاجتمع ~~بأعوانه في قهوة آل رفاعة. ودرت الحارة بالاجتماعين فتوتر جوها، ~~وسرعان ms289 ما خلا الموقع بين القاسمية والرفاعية من الباعة والمتسولين ~~والأطفال وأغلقت الدكاكين والنوافذ. وخرج السنطوري برجاله إلى ~~الحارة فخرج عجاج برجاله كذلك. واحتدم الشر حتى فاحت رائحته ~~الكريهة فلم يبق على اندلاع اللهيب إلا لمسة. وصاح رجل طيب من ~~فوق السطح: ماذا أغضب رجالنا؟ فكروا قبل أن تجري الدماء. # فصاح عجاج من خلال صمت الرهبة وهو ينظر إلى السنطوري: لسنا ~~غاضبين ولا داعي عندنا للغضب. # فقال السنطوري بغلظة: أنت خرجت على حدود الزمالة يا معلم، ولا ~~يمكن أن يقرك فتوة على ما فعلت. ~~- وما الذي فعلت؟ # فقال السنطوري وكأن الكلام يخرج من فمه وعينيه معا: حميت رجلا ~~وهو يتحداني. ~~- ما فعل الرجل إلا أن تزوج بنتا وحيدة بعد وفاة أبيها، وأنا ~~أشهد زواج كل رفاعي. # فقال السنطوري بازدراء: ما هو برفاعي، ولا يعرف أحد أباه، ولا هو ~~نفسه، وقد تكون أنت أباه وقد أكونه أنا، أو أي متسول في ~~الحارة. ~~- لكنه يقيم اليوم في حيي. ~~- ليس ذلك إلا لأنه وجد بدروما خاليا! ~~- ولو! # فصرخ السنطوري بصوت مدو: أعرفت أنك خرجت على حدود ~~الزمالة؟ # فصاح به عجاج: لا تصرخ يا معلم، الأمر لا يستوجب أن نتنافر ~~كالديوك! ~~- لعله يستوجب. # فقال عجاج بنبرة كأنها أمر بالاستعداد: اللهم طولك يا ~~روح! ~~- عجاج .. انتبه لنفسك! ~~- ملعون أبو القفا. ~~- ملعون أبوك! # وارتفعت النبابيت لولا أن أدركها صوت كالخوار يصيح بلهجة آمرة: ~~عيب يا رجال. # اتجهت الرءوس نحو مصدره، فرأوا المعلم سعد الله فتوة الحارة وهو ~~يشق طريقه بين الرفاعية حتى وقف في المنطقة بين الحيين وهو يقول: ~~نزلوا النبابيت. # فهبطت النبابيت كرءوس المصلين، ونظر سعد الله مرة إلى السنطوري ~~وأخرى إلى عجاج وقال: لا أحب الآن أن أسمع كلام أحد. تفرقوا بسلام، ~~مذبحة من أجل مرة؟ يا خسارة الرجولة! # تفرق الرجال في سكون، ورجع سعد الله صوب داره. # وكان عرفة وعواطف داخل البدروم لا يصدقان أن الليلة ستمر بسلام، ~~كانا يتابعان ما يدور في الخارج بقلبين واجفين ووجهين ممتقعين، ~~ولم يبتل لهما حلق حتى سمعا ms290 صوت سعد الله بنبرته الآمرة التي لا ~~ترد. تنهدت عواطف من الأعماق وقالت: ما أقسى هذه الحياة! # وأراد عرفة أن يبث في نفسها شيئا من الطمأنينة فقال وهو يشير ~~إلى رأسه: أنا أعمل بهذا، هكذا كان جبل، وهكذا كان قاسم الماكر ~~الداهية! # فازدردت ريقها بمشقة وقالت: ترى هل تدوم السلامة؟ # ضمها إلى صدره في مرح ظاهري وقال: ليت كل زوجين يسعدان ~~مثلنا. # فطرحت رأسها على كتفه ريثما تسترد أنفاسها وهمست قائلة: ترى هل ~~تنتهي المسألة عند ذلك؟ # فنفخ قائلا في صراحة: أي فتوة لا يؤمن جانبه. # فرفعت رأسها وهي تقول: أعرف ذلك، وبي جرح لن يلتئم حتى أراه ~~صريعا. # وعرف من تعني، ونظر في عينيها بتفكير وقال: الانتقام في مثل ~~حالتك واجب ولكنه لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة. # إن سلامتنا مهددة لا لأن السنطوري يود البطش بنا، ولكن لأن سلامة ~~حارتنا كلها مهددة ببطش الفتوات، ولو تغلبنا على السنطوري فمن يضمن ~~لنا ألا يتحرش بنا عجاج غدا أو يوسف بعد غد؟ فإما أمن للجميع وإما ~~لا أمن لأحد. # فابتسمت في فتور متسائلة: أتريد أن تكون كجبل أو رفاعة أو ~~قاسم؟ # فقبل شعر رأسها وهو يتشمم رائحته القرنفلية دون أن يجيب، فعادت ~~تقول: أولئك كلفوا بالعمل من قبل جدنا الواقف. # فقال بضجر: جدنا الواقف؟! كل مغلوب على أمره يصيح كما صاح ~~المرحوم أبوك: «يا جبلاوي!» ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون ~~جدهم وهم يعيشون حول بيته المغلق؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون ~~بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا؟ # فقالت ببساطة: إنه الكبر! # فقال بارتياب: لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر. ~~- يقال: إنه يوجد رجل في سوق المقطم جاوز المائة والخمسين من ~~العمر. ربك قادر على كل شيء. # فصمت مليا، ثم غمغم قائلا: كذلك السحر فهو قادر على كل ~~شيء! # فضحكت من غروره وهي تنقر بأصبعها على صدره وقالت: سحرك قادر على ~~مداواة العين. ~~- وعلى أشياء لا تحصى! # فتنهدت قائلة: يا لنا من مساطيل! نتسلى ms291 بالأحاديث كأننا لا ~~يتهددنا شيء! # لم يأبه لمقاطعتها فواصل حديثه قائلا: وقد يتمكن يوما من ~~القضاء على الفتوات أنفسهم، وتشييد المباني، وتوفير الرزق لأولاد ~~حارتنا كافة. # فتساءلت ضاحكة: هل يمكن أن يحدث ذلك قبل قيام القيامة؟ # فرقت عيناه الحادتان بنظرة حالمة وقال: آه لو كنا جميعا ~~سحرة! ~~- لو! # ثم أردفت قائلة: في زمن قصير حقق قاسم العدالة بغير ~~سحرك! ~~- وسرعان ما ولت. أما السحر فأثره لا يزول، لا تستخفي بالسحر ~~يا عسلية العينين. إنه لا يقل عن حبنا خطورة، ويخلق مثله حياة ~~جديدة، ولكنه لن يؤتى أثره الحق إلا إذا كان أكثرنا سحرة! # فتساءلت في دعابة: وكيف يتأتى ذلك؟ # ففكر طويلا قبل أن يجيب قائلا: إذا تحققت العدالة، إذا نفذت ~~شروط الواقف، إذا استغنى أكثرنا عن الكد وتوفروا على السحر. ~~- أتريدها حارة من السحرة! # وضحكت ضحكة لطيفة واستدركت قائلة: وما السبيل إلى تنفيذ الشروط ~~العشرة وجدنا قعيد الفراش، ويبدو أنه ما عاد بوسعه أن يكلف أحدا ~~من أحفاده بعمل! # فنظر إليها نظرة غريبة وتساءل: لماذا لا نذهب نحن إليه؟ # فضحكت مرة أخرى وقالت: هل تستطيع أن تدخل بيت الناظر؟ ~~- كلا، ولكن ربما استطعت دخول البيت الكبير. # فضربت يده وهي تقول: كفاك مزاحا حتى نطمئن على حياتنا ~~أولا! # فابتسم ابتسامة غامضة وقال: لو كنت أحب المزاح ما عدت إلى ~~حارتنا. # فأفزعها شيء في نبرته، فحدجته بدهشة وهتفت: أنت تعني ما ~~تقول. # فطالعها بنظرة صامتة فعادت تقول: تصور أن يقبضوا عليك في البيت ~~الكبير! # فقال بهدوء: ما العجب في وجود حفيد في بيت جده؟! ~~- قل إنك تمزح. رباه! ما لك تنظر جادا هكذا؟! شيء عجيب، لماذا ~~تريد أن تذهب إليه؟ ~~- ألا تستحق مقابلته المخاطرة؟ ~~- كلمة ندت عن لسانك فكيف انقلبت حقيقة مرعبة؟! # فربت راحتها ليهدئ خاطرها وقال: مذ عدت إلى حارتنا وأنا أفكر ~~وحدي في أشياء لا تخطر ببال. # فتساءلت بتوسل: لم لا نعيش في حالنا؟ ~~- يا ليت! إنهم لا يتركوننا نعيش في حالنا، ولا بد للإنسان من أن ~~يؤمن حياته. ~~- إذن ms292 نهرب من الحارة. # فقال بإصرار: لا أهرب وفي يدي السحر! # وجذبها برقة حتى ألصقها بنفسه، وجعل يربت منكبها وهو يهمس في ~~أذنها: سنجد للكلام فرصا كثيرة؛ أما الآن فليطمئن قلبك. # 100 # ترى جن الرجل أم أعماه الغرور؟ هكذا جعلت عواطف تتساءل وهي تراقب ~~عرفة في عمله وتفكيره. ومن ناحيتها هي لم يكن يكدر صفو أيامها ~~السعيدة إلا رغبتها في الانتقام من السنطوري قاتل أبيها، والانتقام ~~في الحارة تقليد مقدس من قديم الزمان. وحتى هذا التقليد المقدس ~~يمكن أن تتناساه ولو على مضض إكراما للحياة السعيدة التي وهبها ~~إياها الزواج. لكن عرفة كان يؤمن بأن الانتقام من السنطوري ما هو ~~إلا جزء من عمل كبير آلى على نفسه - كما خيل إليها - القيام به ~~ولم تفهمه. أيحسب أنه أحد الرجال الذين تتغنى بهم الرباب؟ لكن ~~الجبلاوي لم يعهد إليه بشيء، وهو لا يبدو كبير الثقة بالجبلاوي ولا ~~بما تحكي الرباب. ومن المؤكد أنه بات يعطي السحر من جهده ووقته ~~أضعاف أضعاف ما يتطلبه الرزق. وإذا فكر جاوز تفكيره شخصه وأسرته ~~إلى مسائل عامة لا يعنى بها أحد، كالحارة والفتونة والنظارة ~~والوقف والريع والسحر. وكان يحلم أحلاما عريضة عن السحر والمستقبل ~~مع أنه كان الرجل الوحيد في الحارة الذي لم يقبل على الحشيش لحاجة ~~عمله في الحجرة الخلفية إلى اليقظة والانتباه. # ولكن كل هذا هان إلى جانب رغبته الجنونية في التسلل إلى البيت ~~الكبير. ~~- لماذا يا رجلي؟ ~~- لأسأله المشورة فيما ينبغي أن تسير عليه الحارة. ~~- أنت تعلم بما ينبغي أن تسير عليه الحارة، وكلنا نعلم، فما ~~الضرورة إلى تعريض نفسك للهلاك؟ ~~- أريد معرفة شروط الوقف العشرة. ~~- ليست العبرة في المعرفة ولكن في العمل، فماذا تستطيع أن ~~تفعل؟ ~~- الحق إني أريد أن أطلع على الكتاب الذي طرد بسببه أدهم إن ~~صدقت الحكايات. ~~- وماذا يهمك في ذلك الكتاب؟ ~~- لا أدري ما الذي يجعلني أومن أنه كتاب سحر، وأعمال الجبلاوي في ~~الخلاء لا يفسرها إلا السحر لا العضلات والنبوت كما ~~يتصورون. ~~- وما الداعي إلى هذه المخاطر ms293 وأنت سعيد ورزقك موفور ~~بغيرها؟ ~~- لا تظني أن السنطوري نسينا .. كلما خرجت كدت أتعثر في نظرات ~~رجاله الحانقة. ~~- حسبك السحر ودع البيت الكبير جانبا. ~~- هناك الكتاب .. كتاب السحر الأول .. سر قوة الجبلاوي الذي ضن ~~به حتى على ابنه. ~~- قد لا يكون شيئا مما تتصور. وقد يكون، والأمر يستحق ~~المخاطرة. # وإذا به يخطو خطوة حاسمة في طريق الصراحة فقال لها: هكذا أنا يا ~~عواطف، ما العمل؟ لست إلا ابنا حقيرا لامرأة تعيسة وأب مجهول، ~~والكل يعرف هذا ويتندر به، ولكن لم يعد لي من هم في الدنيا إلا ~~البيت الكبير، وليس غريبا على مجهول الأب أن يتطلع بكل قوته إلى ~~جده. وحجرتي الخلفية علمتني ألا أومن بشيء إلا إذا رأيته بعيني ~~وجربته بيدي، فلا محيد عن الوصول إلى داخل البيت الكبير، وقد أجد ~~القوة التي أنشدها وقد لا أجد شيئا على الإطلاق، ولكني سأبلغ ~~برا هو على أي حال خير من الحيرة التي أكابدها. ولست أول من ~~اختار المتاعب في حارتنا، كان بوسع جبل أن يبقى في وظيفته عند ~~الناظر، وكان بوسع رفاعة أن يصير نجار الحارة الأول، وكان في وسع ~~قاسم أن يهنأ بقمر وأملاكها وأن يعيش عيشة الأعيان، ولكنهم اختاروا ~~الطريق الآخر. # فقال حنش بأسى: ما أكثر الذين يجرون نحو الهلاك بأرجلهم في ~~حارتنا! # فقال عرفة بحدة: قليل منهم من عنده لذلك أسباب وجيهة. # غير أن حنش لم يتخلف عن معاونة أخيه. تبعه كظله في الهزيع الأخير ~~من الليل إلى الخلاء. ولما يئست عواطف من مقاومته رفعت يديها ~~بالدعاء له. كانت ليلة مظلمة ظهر الهلال في أولها ساعة ثم اختفى. ~~سار الأخوان بلصق الجدران حتى بلغا السور الخلفي للبيت الكبير فيما ~~يلي الخلاء. وقال حنش همسا: كان رفاعة يقف في مكاننا عندما ترامى ~~إليه صوت الجبلاوي. # فقال عرفة وهو ينظر فيما حوله مدققا: هكذا تقول الرباب، وسوف ~~أعرف حقيقة كل شيء. # فأشار حنش إلى الخلاء وقال برهبة: وفي هذا الخلاء كلم الجبلاوي ~~بنفسه جبل وأرسل خادمه إلى قاسم. # فقال ms294 عرفة بامتعاض: # وفيه أيضا قتل رفاعة واغتصبت أمنا وضربت ولم يحرك جدك ~~ساكنا! # وحط حنش مقطفا به أدوات حفر على الأرض، ثم شرعا في حفر الأرض ~~تحت السور ورفع الأتربة بالمقطف. عملا بجد وعزم حتى امتلأ صدراهما ~~برائحة ترابية. وتبين أن حنش لم يكن دون عرفة حماسا، كأنما كانت ~~الرغبة نفسها تدفعه وإن غلبه الخوف. ولم يكن رأس عرفة يعلو فوق ~~الأرض إلا بشبر حين قال من جوف الحفرة: حسبنا هذا، الليلة. # ثم وثب إلى سطح الأرض معتمدا على راحتيه ثم قال: علينا أن نسد ~~الفوهة باللوح الخشبي ثم نغطيها بالتراب حتى لا ينكشف ~~أمرها. # ثم رجعا مسرعين والفجر في أعقابهما. كان يفكر في الغد؛ الغد ~~العجيب، حين يسير في البيت الكبير المجهول. ومن يدري فلعله يلقى ~~الجبلاوي ولعله يحادثه، فيستوضحه عما مضى وعما هو راهن وعن شروط ~~وقفه وسر كتابه. ذلك الحلم الذي لا يتحقق إلا بين سحابات الدخان ~~الذي تنفثه الجوز. ومن يدري فربما وجده وقد كبر وخرف وفقد ~~ذاكرته، أو مات من زمن بعيد دون أن يدري أحد إلا الناظر، ولن يقطع ~~في هذه الأمور إلا المغامرة. # وفي البدروم وجد عواطف لا تزال ساهرة تنتظر، فلما رأته حدجته ~~بنظرة عتاب ناعسة وغمغمت: كأنك راجع من مقبرة! # فقال بمرح يداري به قلقه: ما أحلاك! # وارتمى إلى جانبها، فقالت: لو كنت عندك شيئا لما استهنت ~~برأيي. # فقال مداعبا: ستغيرين رأيك عندما تشهدين ما يحدث ~~غدا. ~~- لي في السعادة فرصة وفي الهلاك ألف! # فضحك عرفة ثم قال: لو رأيت الأعين الحاقدة لأيقنت أن ما ننعم ~~به من سلام ما هو إلا خيال. # ومزق سكون الفجر صوات حاد، وتبعه عويل، فعبست عواطف وتمتمت: ~~فأل غير حسن! # فهز منكبيه باستهانة، ثم قال: لا تلوميني يا عواطف وأنت مسئولة ~~بعض الشيء عما أنا فيه. ~~- أنا؟! # فقال جادا: عدت إلى الحارة مدفوعا برغبة خفية إلى الانتقام ~~لأمي. ولما وقع الاعتداء على أبيك تأصلت تلك الرغبة في الانتقام ~~من جميع الفتوات، ولكن حبي لك أضاف ms295 إليها جديدا كاد يطمس على ~~الأصل، وهو أن أقضي على الفتوات لا للانتقام، ولكن ليهنأ الناس ~~بالحياة، وما قصدت بيت جدنا إلا لأحصل على سر قوته. # ورنت إليه بنظرة طويلة قرأ فيها بوضوح على ضوء الذبالة الإشفاق ~~الأليم من أن تفقده كما فقدت أباها، فابتسم إليها مشجعا متوددا، ~~وكان العويل يستفحل في الخارج. # 101 # شد حنش على يد عرفة مودعا والأخير في أعماق الحفرة. وانبطح ~~عرفة على وجهه وراح يزحف خلال الممر المعبق برائحة الأرض، وما زال ~~في زحفه حتى برز رأسه من أرض الحديقة داخل البيت الكبير، استقبل ~~أنفه شذا عجيبا كأنه خلاصة الخلاصات من الورد والياسمين والحناء ~~مذابة في ندى الفجر. أسكره الشذا على رغم شعوره البالغ بالخطورة، ~~ها هو ذا يتشمم الحديقة التي مات أدهم حسرة عليها. ما يبدو منها ~~إلا ظلام ضارب تحت الأنجم الساهرة. وعليها صمت رهيب يند عنه من ~~آن لآن هسيس الأوراق المستجيبة للنسائم. ووجد الأرض طرية رطيبة ~~فبيت في نيته أن يخلع نعليه عند تسلله إلى البيت كي لا يطبع على ~~الأرض آثاره. ترى أين ينام البواب والبستاني وغيرهما من سائر ~~الخدم؟ وزحف على أربع في حذر شديد أن يحدث صوتا متجها نحو ~~البناء الذي بدا شبح هيكله متربعا في الظلام. ولاقى في رحلته نحو ~~البيت من الارتياع ما لم يلاق في حياته على إيلافه خوض الظلمات ~~والمبيت في الخلاء والخرائب. # ومضى يزحف لصق الجدار حتى مست يده أولى درجات السلم المفضي إلى ~~السلاملك إن صدقت الرباب. هنا دفع الجبلاوي بإدريس ليطرده خارجا. ~~ذلك كان مصير إدريس جزاء تحديه لأمر أبيه، فما عسى أن يفعل ~~الجبلاوي بمن يقتحم عليه داره ليسرق سر قوته؟ ولكن مهلا فإن ~~أحدا لا يمكن أن يتوقع تسلل لص إلى البيت الذي ظل آمنا مدرعا ~~بمهابته طيلة الأعوام الماضية. دار زاحفا حول الدرابزين ثم أخذ ~~يرقى في الدرج على يديه وركبتيه حتى بسطة السلاملك. وخلع نعليه ~~وتأبطهما ثم زحف نحو الباب الجانبي الذي تقول الرباب إنه يفضي إلى ms296 ~~المخدع. # وبغتة سمع سعلة! سعلة قادمة من الحديقة. فلبد أسفل الباب مرسلا ~~ناظريه نحو الحديقة، فرأى شبحا يقترب من السلاملك. كتم أنفاسه ~~لأنه خيل إليه أن اضطراب قلبه سيسمع مدويا. وأخذ الشبح يقترب ~~ومضى يرقى في الدرج. لعله الجبلاوي نفسه. ولعله يضبطه متلبسا ~~بجريمته كما ضبط أدهم من قبل في الساعة نفسها على وجه التقريب. ~~وبلغ الشبح بسطة السلاملك على بعد ذراعين من مكمنه. لكنه مضى إلى ~~الجانب الآخر من السلاملك، ورقد على شيء يشبه الفراش! خف التوتر ~~مخلفا وراءه إعياء. ولعل الشبح لم يكن إلا خادما ذهب لقضاء حاجة ~~ثم عاد إلى مرقده وها هو ذا يعلو شخيره. استرد شيئا من جرأته ~~فرفع يده متحسسا موضع الأكرة حتى عثر عليها، وأدارها بهوادة، ~~ومضى يدفع الباب برفق حتى انفرج عن فتحة تسعه ثم زحف داخلا ورد ~~الباب وراءه. وجد نفسه في ظلمة حالكة، فأجال يده أمامه حتى مس ~~أولى درجات السلم، وجعل يصعد في خفة الهواء. # انتهى إلى ردهة طويلة مضاءة بمصباح في كوة الجدار. وكانت تنعطف ~~يمينا إلى الداخل، وتمتد يسارا بعرض البيت، ويتوسطها باب المخدع ~~مغلقا. عند ذاك المنعطف وقفت أميمة، ومن موقفه انطلق أدهم، وها هو ~~ذا ينطلق وراء الشيء نفسه. تراكمت على صدره الرهبة، فنادى إرادته ~~وجرأته، وكان من السخرية أن يرجع. قد يظهر خادم في أي لحظة، وقد ~~يفيق من جنونه على يد تقبض على كتفه، فما أجدره بأن يسرع! # سار على أطراف أصابعه نحو الباب. أدار المقبض اللامع فدار مع ~~يده، ودفع الباب فانفتح برفق، ثم تسلل رادا الباب وراءه. أسند ~~ظهره إلى الباب في ظلام لا يرى فيه شيئا، وتنفس بحذر وكأنما يضن ~~بأنفاسه. وعبثا حاول أن يرى شيئا. وبعد قليل شم رائحة بخور زكية ~~أفعمت قلبه قلقا وحزنا غريبا لم يدر له من سبب، ولم يعد يشك في ~~أنه في مخدع الجبلاوي. متى يألف الظلمة؟ وكيف يلم نفسه المبعثرة؟ ~~ومن وقف موقفه هذا من قبل؟ وكيف يشعر بأنه سينهار إلى الحضيض إذا ms297 ~~لم يستمسك بكل ما أوتي من قوة وعزم وجرأة؟! وتوعد نفسه بالهلاك إذا ~~لم يحسب لكل حركة حسابها الدقيق. وتذكر السحب في جريانها الذي يرسم ~~لها أشكالا غريبة بطريقة عفوية فيرسم جبلا كما يرسم قبرا. ومس ~~الجدار بأصبعه فاتخذ منه مرشدا وسار بحذائه متقوسا حتى لمس كتفه ~~مقعدا. # لكن حركة مفاجئة ندت من ركن الحجرة البعيد تصلبت لها شرايينه. ~~لبد وراء المقعد متجه العينين نحو الباب الذي دخل منه. وسمع وقع ~~أقدام خفيفة وحفيف ثوب. وتوقع أن يغمر الظلماء نور وأن يرى ~~الجبلاوي واقفا حياله. سيسجد عند قدميه مستعطفا ويقول له: إني ~~حفيدك، لا أب لي، ولا هدف إلا الخير ، فافعل بي ما تشاء. رأى على ~~رغم الظلمة شبحا يقترب من الباب. ورأى الباب وهو يفتح برفق ونور ~~الردهة الخارجية يتسرب إلى ما وراءه. وخرج الشبح تاركا الباب ~~مواربا واتجه يمنة فتبينه على ضوء المصباح الخارجي؛ امرأة عجوز ~~سوداء نحيلة الوجه طويلة بصورة لا يمكن أن تنسى. ترى أهي خادم؟ ~~وهل يمكن أن تكون هذه الحجرة من جناح الخدم؟ ونظر من جانب المقعد ~~إلى المكان ليراه على الضوء الباهت المتسلل من الباب، فميز أشباح ~~المقاعد والكنب، وتراءى له في الصدر رسم فراش كبير ذي عمد ~~وناموسية، يليه عند قدميه فراش صغير لعله هو الذي غادرته العجوز. ~~لن يكون هذا الفراش الفخم إلا للجبلاوي. إنه نائم الآن هناك غير ~~دار بجريمته. كم يود أن يلقي نظرة عليه ولو من بعيد لولا هذا ~~الباب الموارب الذي ينذر بعودة الذاهبة. # ونظر إلى يساره فلمح رسم باب الخلوة مغلقا على سره الرهيب. هكذا ~~تطلع إليه أدهم في القديم فله الرحمة. وزحف وراء المقاعد متناسيا ~~الجبلاوي نفسه حتى صار أسفل الباب الصغير. لم يستطع مقاومة الإغراء ~~فرفع يده حتى دس أصبعه في ثقب المفتاح ثم ضغط إلى أسفل جاذبا إياه ~~إليه فأطاع. وسرعان ما رده وقلبه يرتجف انفعالا وإحساسا بالفوز. ~~وإذا بالضوء الضئيل يختفي وتغرق الحجرة مرة أخرى في الظلام. وسمع ~~مرة أخرى كذلك وقع ms298 الأقدام الخفيفة، ثم طقطقة فراش وشت باستلقاء ~~العائدة، ثم ساد الصمت. وانتظر متصبرا حتى تنام العجوز. ومضى يمعن ~~النظر نحو الفراش الكبير ولكنه لم ير شيئا. واقتنع بأنه من ~~الجنون أن يحاول الاتصال بجده، إذ قبل ذلك ستستيقظ العجوز وتملأ ~~الدنيا صراخا ثم يكون الوداع. ولكن حسبه الكتاب الخطير بما يتضمن ~~من شروط الوقف وآيات السحر التي سيطر بها جده على الخلاء والناس في ~~زمانه الأول. إن أحدا قبله لم يتصور أن الكتاب كتاب سحر لأن أحدا ~~قبله لم يمارس السحر. # وعاد يرفع يده ويدس أصبعه ويجذب الباب، ثم تسلل زاحفا ورده ~~وراءه. وقف في حذر وهو يتنفس في عمق ليريح شيئا ما أعصابه ~~المرهقة. لماذا ضن الجبلاوي على أبنائه بسر كتابه؟ حتى أحبهم ~~إلى قلبه أدهم! هنالك سر بلا ريب وسينكشف السر بعد ثوان، بعد ~~إشعال شمعة. وقديما أشعل أدهم الشمعة، وها هو ذا مجهول الأب ~~يشعلها مرة أخرى في الموقف نفسه، وسوف تغني الرباب بهذا إلى ~~الأبد. أشعل الشمعة فرأى عينين تنظران إليه. على رغم ذهوله أدرك ~~أن العينين لعجوز أسود يرقد على فراش في مواجهة الداخل. وعلى رغم ~~ذهوله ورعبه تبين له أن العجوز يجاهد للخروج من الغيبوبة الفاصلة ~~بين النوم واليقظة التي ربما كان أحدثها صوت حك عود الثقاب، وبحركة ~~غير إرادية ولا شعورية انقض عليه فأطبق بيمناه على رقبته وشد بكل ~~قوة أعصابه. تحرك العجوز بعنف وقبض على يده فضربه بقدمه في بطنه ~~وضاعف من قوة الضغط على عنقه. وسقطت الشمعة من يسراه فانطفأت وساد ~~الظلام. وفي الظلام تحرك العجوز حركة أخيرة من أعماقه ثم همد لكن ~~يده المجنونة لم تكف عن الضغط حتى تراخت أصابعها. # وتراجع لاهثا حتى التصق ظهره بالباب. ومرت الثواني وهو في ~~جحيم من العذاب الصامت، وشعر بقواه تخور وبأن الزمن بات أثقل من ~~الذنوب. سيقع على الأرض أو فوق جثة ضحيته إذا لم يتغلب على ضعفه. ~~وناداه الهرب كقوة لا قبل له بها. لن يستطيع أن يتخطى الجثة إلى ~~الكتاب ms299 الأثري؛ الكتاب المشئوم. ولا شجاعة عنده ليشعل الشمعة من ~~جديد؛ العمى أحب إليه من ذلك. وشعر بألم في ساعديه لعله من أثر ~~أظافر الرجل عند المقاومة اليائسة. وارتعد جسده لتلك الفكرة. كانت ~~جريمة أدهم العصيان، أما جريمته هو فالقتل؛ قتل رجل لا يعرفه ~~ولا يعرف لمصرعه على يده سببا. وهو قد جاء سعيا وراء قوة يناضل ~~بها المجرمين فانقلب وهو لا يدري مجرما. واتجه رأسه في الظلام إلى ~~الركن الذي ظن الكتاب معلقا به. ودفع الباب ثم تسلل وهو يرده ~~وراءه. وزحف بحذاء الجدار إلى الباب. وتريث وراء المقعد الأخير. لا ~~يرى في هذا البيت إلا الخدم فأين سيده؟ ستحول هذه الجريمة بينهما ~~إلى الأبد. وشعر بالخيبة والفشل حتى أعمق أعماقه. # وفتح الباب برفق فأعشى النور عينيه وخيل إليه أنه ينقض عليه في ~~ضوضاء صاخبة ووميض صارخ. أغلق الباب ومضى على أطراف أصابعه. وهبط ~~السلم في ظلمة حالكة. وعبر السلاملك إلى الحديقة وقد قل من ~~الإعياء والحزن حذره. وإذا بالنائم في السلاملك يستيقظ متسائلا: ~~«من؟!» فلبد عرفة لصق الجدار أسفل السلاملك وقد أمده الفزع بقوة. ~~ونادى الصوت كرة أخرى فأجابت قطة بموائها. لبث في مكمنه وهو يخشى ~~أن يساق إلى جريمة جديدة. # ولما استقر الصمت زحف على أرض الحديقة الخلفية حتى السور، وراح ~~يتحسس موضع الثغرة حتى عثر عليها. ودخلها زحفا كما جاء، ولما بلغ ~~النهاية أو كاد ارتطم بقدم! وإذا بالقدم تركله في رأسه بسرعة فاقت ~~خاطره. # 102 # وثب على صاحب القدم فاشتبكا في صراع لم يدم طويلا، إذ ندت عن ~~الآخر صيحة غضب كشفت عن شخصه لعرفة فهتف في ذهول: حنش؟! # تعاونا على الخروج معا إلى سطح الأرض وقال حنش: طالت غيبتك ~~فدخلت لأتنسم الأخبار. # فقال عرفة وهو يتنفس بمشقة: أخطأت كعادتك ولكن هلم ~~بنا. # عادا إلى الحارة المستغرقة في النوم. ولما رأته عواطف هتفت: ~~اغتسل .. رباه .. ما هذا الدم يسيل من يدك وعنقك! # فارتعد لكنه لم يجب. ومضى ليغتسل وسرعان ما أغمي عليه. وأفاق بعد ~~قليل وبمساعدة ms300 عواطف وحنش. جلس على الكنبة بينهما وهو يشعر بأن ~~النوم بات أبعد عنه من الجبلاوي. ولم يعد يتحمل عبء سره وحده فقص ~~عليهما ما وقع له في رحلته العجيبة. وانتهى والأعين تحملق فيه برعب ~~ويأس. وهمست عواطف: كنت ضد الفكرة من أول الأمر. # غير أن حنش قصد أن يخفف من وقع الكارثة فقال: ليس في الإمكان ~~تجنب مثل هذه الجريمة! # فقال عرفة بحزن: لكنها أبشع من جرائم السنطوري وسائر ~~الفتوات! # فقال حنش: هيهات أن تتجه الظنون إليك. ~~- لكني قتلت عجوزا لا ذنب له، ومن يدري؟! فلعله الخادم الذي ~~أرسله الجبلاوي إلى قاسم! # وغشيتهم فترة صمت قاتمة كالسهاد المرير حتى قالت عواطف : ألا يحسن ~~بنا أن ننام؟ # فقال عرفة: ناما أنتما، أما أنا فلا نوم لي الليلة. # وانحط الصمت مرة أخرى فوق رءوسهم. وإذا بحنش يسأله: ألم تلمح ~~الجبلاوي أو تسمع صوته؟ # فهز رأسه في ضيق قائلا: كلا! ~~- لكنك رأيت في الظلام فراشه! ~~- كما نرى بيته! # فقال حنش في حسرة: ظننت غيابك انقضى في محادثته! ~~- ما أسهل الخيال خارج البيت! # فقالت عواطف بقلق: أنت تبدو كالمحموم، ومن الأفضل أن ~~تنام. ~~- ومن أين يجيء النوم؟ # لكنه شعر بصدق قولها فيما ينتابه من حرارة وذهول. وعاد حنش يقول ~~بحسرة: كنت على بعد ذراع من الوصية لكنك لم تنظر فيها! # وتقلص وجهه من الألم فقال حنش: يا لها من رحلة شاقة ~~وخاسرة! ~~- نعم! # ثم بنبرة جديدة حادة: لكنها علمتني أنه لا ينبغي أن نعتمد على ~~شيء سوى السحر الذي بين أيدينا! ألا ترى أنني غامرت برحلة جنونية ~~جريا وراء فكرة ربما كانت أبعد ما يكون عن ظني؟! ~~- نعم، لم يقل غيرك أحد إن كتابه المشهور كتاب سحر. # فقال عرفة وقد بدا أكثر من قبل أنه يكابد حال اضطراب في العقل ~~والنفس: تجربة الزجاجة ستنجح أقرب مما تتصور، وستكون جد نافعة ~~إذا احتجنا للدفاع عن النفس! # وأنذر الصمت المخيف بالعودة، فقال حنش: ليتك عرفت من السحر ما ~~يمكنك من الوصول إلى البيت الكبير وصاحبه دون ms301 تلك المغامرة! # فقال عرفة بحماس: السحر لا نهاية له، ليس بين يدي منه اليوم ~~إلا بعض الأدوية ومشروع زجاجة للدفاع أو الهجوم، أما ما يمكن أن ~~يوجد فلا يحيط به خيال. # فقالت عواطف في ضجر: ما كان ينبغي أن تفكر إطلاقا في تلك ~~المغامرة، جدنا من دنيا ونحن من دنيا أخرى، وما كنت لتفيد شيئا من ~~محادثته لو وقعت، ولعله نسي الوقف والنظار والفتوات والأحفاد ~~والحارة! # وغضب عرفة بلا سبب ظاهر، ولكن حالته الطارئة كانت تبرر كل غريب، ~~وقال بحدة: هذه الحارة المغرورة الجاهلة! ماذا تدري من الأمر؟ لا ~~شيء. ليس لديها إلا الحكايات والرباب، وهيهات أن تعمل بما تسمع. ~~ويظنون حارتهم قلب الدنيا، وما هي إلا مأوى البلطجية والمتسولين، ~~وكانت في البدء مرتعا قفرا للحشرات، حتى حل بها أكبر قاطع طريق ~~رهيب وهو جدكم الواقف! # وأجفل حنش، على حين بللت عواطف خرقة وهمت بوضعها على جبينه، ~~ولكنه أبعد يدها بحدة وقال: أنا عندي ما ليس عند أحد، ولا الجبلاوي ~~نفسه، عندي السحر، وهو يستطيع أن يحقق لحارتنا ما عجز عنه جبل ~~ورفاعة وقاسم مجتمعين. # قالت عواطف بتوسل: متى تنام؟ ~~- عندما تخمد النار المشتعلة في رأسي. # فتمتم حنش بإشفاق: أوشك الصبح أن يطلع. # فهتف عرفة: فليطلع، ولن يطلع حتى يقضي السحر على الفتوات، ويطهر ~~النفوس من عفاريتها، ويجلب من الخير ما يعجز الوقف عن جزء منه، ~~ويصير هو الغناء المنشود الذي كان أدهم يحلم به. # وتنهد من أعماقه، ثم طرح رأسه على الجدار في إعياء، فأملت ~~عواطف أن يجيء النوم عقب ذلك. وإذا بصوت يجلجل في السكون بقوة هزت ~~النفوس. وتبعته أصوات صراخ وعويل. وثب عرفة قائما وهو يقول برعب: ~~جثة الخادم اكتشفت! # فقالت عواطف من حلق جاف: من أدراك أن الأصوات قادمة من البيت ~~الكبير؟ # وجرى عرفة إلى الخارج فتبعاه على الأثر. وقفوا أمام الربع برءوس ~~متجهة نحو البيت الكبير. # كانت آخر الظلمة ترق وتشف عن أمارات الصباح. وفتحت نوافذ وأطلت ~~رءوس، واتجهت جميعا نحو البيت الكبير. وجاء رجل ms302 من أقصى الحارة ~~مهرولا نحو الجمالية فلما مر بهم سأله عرفة: ماذا جرى يا ~~عم؟ # فأجابه دون توقف: لله الأمر، من بعد العمر الطويل مات ~~الجبلاوي! # 103 # انقلب ثلاثتهم إلى البدروم، وعرفة لا تكاد قدماه تحملانه، ~~فانحط على الكنبة وهو يقول: الرجل الذي قتلته كان خادما أسود ~~تعيس المنظر، وكان نائما في الخلوة. # لم ينبس أحد منهما، ودفنا نظريهما في الأرض متحاشيين عينيه ~~الزائغتين، فقال بحدة: أراكما لا تصدقان! أقسم لكما إنني لم أقترب ~~من فراشه. # فتردد حنش مليا لكنه شعر بأن الكلام خير على أي حال من تركه ~~للصمت فقال بحذر: لعلك لم تتبين وجهه من شدة المفاجأة؟ # فهتف بيأس: أبدا ، أنت لم تكن معي! # فهمست عواطف بخوف: أخفت من صوتك. # وغادرهما مهرولا إلى الحجرة الخلفية، وقعد في الظلام وهو يرتجف ~~من الاضطراب. أي جنون دفعه إلى تلك الرحلة المشئومة؟! أجل كانت ~~رحلة مشئومة. إن الأرض تميد به وتنفث من جوفها الأحزان. ولم يعد ~~له من أمل إلا هذه الحجرة العجيبة. # وأشرق أول شعاع للشمس، فإذا الناس جميعا مجتمعون في الحارة حول ~~البيت. وتسربت الأخبار وشاعت، وبخاصة عقب زيارة الناظر للبيت زورة ~~قصيرة ثم عودته إلى بيته. وتناقل الناس أن لصوصا سطوا على البيت ~~الكبير من خلال نفق حفروه تحت السور الخلفي، فقتلوا خادما أمينا، ~~ولما علم الجبلاوي بالخبر تأثر تأثرا لم تحتمله صحته الواهية في ~~تلك الذروة من العمر ففاضت روحه. وثار الغضب بالنفوس حتى غطى دخانه ~~الأسود على الدموع والصراخ. وهتف عرفة لما بلغته الأنباء بزوجه ~~وحنش: ها هي ذي الأنباء تصدقني! # ثم ذكر من توه أنه على أي حال تسبب في موته، فلاذ بصمت الخجل ~~والألم. ولم تجد عواطف ما تقوله فغمغمت: فليرحمه الله! # وقال حنش: لم يمت ناقص عمر! # فقال عرفة بنبرة الرباب الحزينة: لكني أنا سبب موته! أنا من دون ~~أحفاده جميعا حتى الأشرار منهم وما أكثرهم! # فبكت عواطف وهي تقول: ذهبت بنفس لا تشوبها شائبة سوء. # وإذا بحنش يتساءل في قلق: ألا يمكن ms303 أن يستدل علينا؟ # فهتفت عواطف: فلنهرب! # فأشار إليها عرفة حانقا وهو يقول: وبذلك نقدم أسطع دليل على ~~جريمتنا! # وترامت من الطريق المحتشد أصوات متلاطمة: يجب قتل الجاني قبل ~~دفن الرجل! ~~- يا ألعن جيل في حارتنا، حتى كبار الأشرار احترموا هذا البيت ~~طيلة ماضينا، وحتى إدريس نفسه، علينا اللعنة إلى يوم ~~القيامة. ~~- ليس القتلة من حارتنا، من ذا يتصور ذلك؟! ~~- سوف يعرف كل شيء. ~~- علينا اللعنة إلى يوم القيامة. # واشتد اللطم والندب، حتى انهارت أعصاب حنش فقال: وكيف نبقى في ~~الحارة بعد اليوم؟! # واقترح آل جبل أن يدفن الجبلاوي في مقبرة جبل؛ لاعتقادهم من ~~ناحية أنهم أقرب نسبا إليه من الآخرين، ولأنهم كرهوا أن يدفن في ~~المقبرة التي تضم إدريس فيما تضم من رفات أسرة الواقف من ناحية ~~أخرى. وطالب آل رفاعة أن يدفن في القبر الذي دفن فيه رفاعة ~~بيديه! وقال آل قاسم: إن قاسم خير أحفاد الواقف وإن قبره هو أليق ~~قبر بجثمان الجد العظيم. وكادت أن تقع فتنة في الحارة ولما يدفن ~~الرجل. لكن الناظر قدري أعلن أن الجبلاوي سيدفن في المسجد الذي ~~أقيم في مكان حجرة الوقف القديمة بالبيت الكبير. ولاقى هذا الحل ~~ارتياحا عاما ملحوظا وإن أسف أهل الحارة على حرمانهم من مشاهدة ~~جنازة الجد كما حرموا من قبل من مشاهدة الرجل في حياته. وتهامس آل ~~رفاعة فرحين بأن الجبلاوي سيدفن في القبر الذي دفن فيه رفاعة ~~بيديه. لكن أحدا غيرهم لم يكن يصدق تلك الحكاية القديمة، وراحوا ~~يسخرون منهم حتى ثار عجاج فتوتهم وأوشك أن يلتحم في معركة ~~بالسنطوري. وعند ذاك تصدى سعد الله للجميع وصاح منذرا: سأكسر رأس ~~أي مكابر يحاول النيل من احترام هذا اليوم الحزين! # ولم يشهد الغسل إلا خدمه المقربون. وهم الذين كفنوه وأودعوه ~~نعشه. وحملوا النعش إلى البهو الكبير الذي شهد أخطر أحداث الأسرة ~~كعهده بالنظارة إلى أدهم وثورة إدريس عليه. ثم دعا للصلاة عليه ~~الناظر ورءوس جبل ورفاعة وقاسم. وورى بعد ذلك في قبره والشمس تميل ~~نحو الغروب. وفي ms304 المساء أم السرادق جميع أولاد الحارة. وذهب ~~إليه عرفة وحنش فيمن ذهب من آل رفاعة. وبدا وجه عرفة الذي لم يذق ~~طعم النوم منذ ارتكب جريمته كوجه ميت. ولم يكن للناس من حديث إلا ~~أمجاد الجبلاوي، قاهر الخلاء وسيد الرجال ورمز القوة والشجاعة، ~~صاحب الوقف والحارة والأب الأول للأجيال المتعاقبة. وبدا عرفة ~~حزينا ولكن ما كان يدور بنفسه لم يخطر لأحد على بال. ذلك الذي ~~اقتحم البيت غير مبال بجلاله. الذي لم يتأكد من وجود جده إلا عند ~~موته! الذي شذ عن الجميع ولوث يديه إلى الأبد. # وتساءل كيف يمكن التكفير عن هذه الجريمة؟ إن مآثر جبل ورفاعة ~~وقاسم مجتمعة لا تكفي . القضاء على الناظر والفتوات وإنقاذ الحارة ~~من شرورهم لا يكفي. تعريض النفس لكل مهلكة لا يكفي. تعليم كل فرد ~~السحر وفنونه وفوائده لا يكفي. شيء واحد يكفي، هو أن يبلغ من ~~السحر الدرجة التي تمكنه من إعادة الحياة إلى الجبلاوي! الجبلاوي ~~الذي قتله أسهل من رؤيته. فلتهبه الأيام القوة حتى يضمد الجرح ~~النازف في قلبه. وهؤلاء الفتوات ذوو الدموع الكاذبة. ولكن آه ثم ~~آه! لم يأثم أحدهم كما أثم. وكان الفتوات يجلسون واجمين، يركبهم ~~الخزي والهوان. ستقول الحواري: إن الجبلاوي قتل في بيته ومن حوله ~~الفتوات الكبار يحششون؛ لذلك تتوعد نظراتهم بالانتقام، الويل ~~والموت يطلان من عيونهم! # وعندما عاد عرفة إلى البدروم في آخر الليل جذب عواطف إليه وسألها ~~في استغاثة يائسة: عواطف، صارحيني برأيك، هل ترينني مجرما؟ # فقالت برقة: أنت رجل طيب، أنت أطيب من صادفت في حياتي، ولكنك ~~أتعسهم حظا! # فأغمض عينيه وهو يقول: لم يتجرع أحد قبلي الألم كما ~~تجرعته. ~~- نعم .. أعرف ذلك. # وقبلته بشفتين باردتين وهمست: أخشى أن تحل بنا اللعنة. # فحول عنها وجهه، وقال حنش: لست مطمئنا، سيكتشف أمرنا اليوم ~~أو غدا. لا أتصور أن يعرف كل شيء عن الجبلاوي، أصله، وقفه، سيرته ~~في أبنائه، اتصالاته بجبل ورفاعة وقاسم، وأن يجهل فقط ~~موته! # فنفخ عرفة في ضيق وسأله: هل عندك حل غير الهرب؟ ms305 # فلزم حنش الصمت، فعاد الآخر يقول: أما أنا فعندي خطة، غير أني ~~أود أن أطمئن إلى نفسي قبل الشروع في تنفيذها، إذ لا أستطيع أن ~~أعمل إن كنت مجرما. # فقال حنش بفتور: إنك بريء. # فقال بحدة: سأعمل يا حنش، لا تخف علينا، فإن الحارة ستشغل عن ~~الجريمة الكبرى بالأحداث، ستقع عجائب، وستكون ذروة العجائب أن تعود ~~الحياة إلى الجبلاوي. # تأوهت عواطف، أما حنش فقال مقطبا: هل جننت؟ # فقال بصوت المحموم: إن كلمة من جدنا كانت تدفع الطيبين من أحفاده ~~إلى العمل حتى الموت، موته أقوى من كلماته. إنه يوجب على الابن ~~الطيب أن يفعل كل شيء، أن يحل محله، أن يكونه، أفهمت ؟! # 104 # تأهب عرفة لمغادرة البدروم بعد أن سكت آخر صوت في الحارة. أوصلته ~~عواطف حتى الدهليز محمرة العينين من البكاء، وكانت تقول في تسليم ~~من لا حيلة له: فلتحرسك العناية. # أما حنش فتساءل في إصرار: لم لا أصحبك؟! # فقال عرفة: الهرب أيسر على واحد منه على اثنين. # فقال له ناصحا وهو يربت ظهره: لا تستعمل الزجاجة إلا عند ~~اليأس. # فأومأ برأسه موافقا وذهب. ألقى نظرة على الحارة الغارقة في ~~الظلام ثم مضى نحو الجمالية. ودار دورة كبيرة شملت حارة الوطاويط ~~والدراسة والخلاء فيما وراء البيت الكبير، حتى انتهى إلى سور بيت ~~سعد الله المشرف على الخلاء من ناحية الشمال. واتجه نحو موضع في ~~منتصف السور، وتحسس الأرض حتى عثر على حجر فأزاحه ثم غاص في الممر ~~الذي دأب على حفره - هو وحنش - ليلة بعد أخرى. زحف على بطنه حتى ~~نهايته، ثم عالج بيديه القشرة الرقيقة التي تسده ونفذ منها إلى ~~حديقة بيت الفتوة. كمن وراء السور وألقى نظرة على المكان فرأى في ~~البيت نافذة مغلقة تنضح بضوء خافت، أما الحديقة فقد غشيها النوم ~~والظلام إلا نور نافذة المنظرة الساهرة. ومن المنظرة ترامت بين ~~آونة وأخرى عربدات الساهرين وضحكاتهم الغليظة. استل من صدره ~~خنجرا ولبث متوثبا والوقت يمر أثقل من الهموم. لكن الغرزة ~~انفضت عقب وصوله بنصف ساعة. فتح ms306 بابها وخرج الرجال تباعا نحو ~~الباب الخارجي المفضي إلى الحارة والبواب يتقدم بفانوس في يده. ~~وأغلق الباب وعاد البواب متقدما سعد الله نحو السلاملك. تناول ~~عرفة من الأرض حجرا بيسراه، وتسلل متقوسا والخنجر بيمناه ثم كمن ~~وراء نخلة حتى هم سعد الله بارتقاء أول درجة من درجات السلم، ~~فانقض عليه وأغمد خنجره في ظهره فوق القلب. ندت عن الرجل صرخة ثم ~~تقوض بناؤه. # التفت البواب مذعورا لكن الحجر أصاب الفانوس فأطفأه وحطمه، ثم ~~جرى عرفة مسرعا جهة السور الذي جاء منه. وصرخ البواب صرخة مدوية. ~~وسرعان ما تدافعت أقدام وتلاطمت أصوات في الداخل وفي آخر الحديقة. ~~وعثر عرفة في جريه بقائم كأنه أصل شجرة مقطوعة، فسقط على وجهه وهو ~~يحس بألم يهرسه في ساقه وكوعه، لكنه تغلب على ألمه وقطع بقية ~~المسافة إلى النفق زحفا. وارتفعت الأصوات واشتد وقع الأقدام. رمى ~~بنفسه في النفق وزحف بسرعة حتى خرج إلى الخلاء، ونهض وهو يئن ثم ~~اندفع شرقا. # وقبل أن يدور مع سور البيت الكبير التفت وراءه فرأى أشباحا ~~تندفع نحوه وسمع صوتا يصيح: «من هنا؟!» فضاعف من سرعته على رغم ~~ألمه حتى بلغ نهاية السور الخلفي للبيت الكبير. وعندما عبر الفراغ ~~الذي يفصل بين البيت الكبير وبيت الناظر لمح أضواء كالمشاعل وسمع ~~ضجة فاندفع في الخلاء متسمتا سوق المقطم. وشعر بأن الألم ~~سيقهره عاجلا أو آجلا، وبأن أقدام المطاردين تقترب وأصواتهم ~~تتعالى صارخة في السكون «امسك .. حلق!» عند ذاك أخرج الزجاجة من ~~عبه، الزجاجة التي قضى الشهور في تجربتها. ثم توقف عن الجري ~~واستقبل القادمين بوجهه، وأحد بصره حتى تراءت له أشباحهم ثم قذف ~~الزجاجة عليهم. وما هي إلا ثانية حتى دوى انفجار لم تعرفه أذن من ~~قبل. وتتابعت صرخات وتأوهات. وواصل جريه وقد كفت الأقدام عن ~~مطاردته. وعند حافة الخلاء ارتمى على الأرض وهو يلهث ~~ويئن. # لبث في ألم وعجز وحيدا تحت النجوم. ونظر وراءه فلم ير إلا ~~ظلاما وصمتا. وجعل يمسح الدم السائل على ساقه بيده ثم جففها في ms307 ~~الرمال. وشعر بأنه ينبغي أن يذهب مهما كلفه الأمر، فقام معتمدا ~~على يديه، وسار متمهلا نحو الدراسة. وفي أول الدراسة رأى ~~شبحا قادما فنظر نحوه بحذر وخوف، ولكن القادم مر به دون أن يلتفت ~~إليه فتنهد في ارتياح. ومضى راجعا في نفس الدورة التي جاء بها. ~~ولما اقترب من حارة الجبلاوي ترامت إلى أذنه ضجة حارة غير مألوفة ~~في ذلك الهزيع من الليل. خليط من الأصوات الهادرة والبكاء والصرخات ~~الغاضبة ونذر شر تتطاير في الظلام. تردد مليا ثم تقدم ملتصقا ~~بالجدران. وألقى نظرة من عين واحدة عند ركن الحارة فرأى خلقا ~~كثيرا متجمعا في الآخر فيما بين بيتي الناظر وسعد الله على حين ~~بدا حي قاسم خاليا مظلما. وتسلل بحذاء الجدار حتى غيبه ~~الربع. # ارتمى بين عواطف وحنش، ثم كشف عن ساقه الدامية فارتاعت عواطف ~~وذهبت مسرعة لتعود بطبق القلة المملوء بالماء، وراحت تغسل الجرح ~~وهو يعض على أسنانه حتى لا تفلت منه صرخة ألم. وساعدها حنش وهو ~~يقول بقلق: الغضب يشتعل في الخارج كالنار. # فسأله عرفة بوجه متقبض: ماذا قالوا عن الانفجار؟ ~~- وصف الذين كانوا يطاردونك ما وقع فلم يصدقهم أحد، لكنهم وقفوا ~~ذاهلين أمام الجراح التي أصابت الوجوه والأعناق، وكادت حكاية ~~الانفجار تغطي على مقتل سعد الله! # فقال عرفة: قتل فتوة الحارة، وغدا يبدأ التناحر بين الفتوات ~~على مكانه! # ثم نظر إلى زوجته المنهمكة في تضميد جراحه برقة وقال: عهد ~~الفتوات موشك على الزوال، وأولهم قاتل أبيك! # لكنها لم تجب. وظلت عينا حنش تومضان في قلق. ثم أسند عرفة رأسه ~~إلى يده من شدة الألم. # 105 # في باكر الصباح طرق طارق باب البدروم، ولما فتحته عواطف رأت ~~أمامها عم يونس بواب بيت الناظر، فحيته برقة ودعته إلى الدخول ~~لكنه قال وهو ثابت في مكانه: حضرة الناظر يطلب عم عرفة إلى مقابلته ~~لاستشارة عاجلة! # ذهبت عواطف لإبلاغ عرفة دون أن تجد للدعوة العالية السرور الخليق ~~بها في غير الظروف التي تعانيها. # ومضت فترة قصيرة ثم جاء عرفة مرتديا خير ms308 ملابسه، جلبابا أبيض ~~ولاسة منقطة ومركوبا نظيفا، غير أنه كان يتوكأ على عصا لعرج ~~طارئ غير خاف، فرفع يده تحية وقال: تحت الأمر. # فسار البواب وهو يتبعه. وكانت الكآبة تغشى الحارة من أولها إلى ~~آخرها، فالأعين قلقة كأنما تتساءل في خوف عما سيجيء به الغد من ~~الكوارث، وأعوان الفتوات تجمعوا في المقاهي يتشاورون، على حين ~~تتابع العويل والنواح في بيت سعد الله. ودخل بيت الناظر وراء ~~البواب، فسارا في الممر المسقوف بعريشة الياسمين حتى بلغا ~~السلاملك. وتخيل أوجه الشبه بين هذا البيت والبيت الكبير فوجدها ~~كثيرة حتى ظن أن لا اختلاف إلا في الدرجة، وقال لنفسه بحنق: ~~«تقلدونه فيما ينفعكم لا فيما ينفع الناس ؟!» وسبقه البواب ليستأذن ~~له ثم عاد ليشير إليه بالدخول فمضى إلى البهو الكبير حيث رأى ~~الناظر قدري جالسا في انتظاره في أقصى المكان. وقف على بعد ذراع ~~منه وهو ينحني احتراما حتى تقوس ظهره. وبدا لعينيه من أول لمحة ~~طويل القامة قوي البنيان ممتلئ الوجه باللحم والدم، ولما ابتسم ~~إليه ردا على تحيته افتر فمه عن أسنان صفر قذرة لا تناسب بهاء ~~منظره بحال. وأشار إليه أن يجلس إلى جانبه على ديوانه، لكن عرفة ~~اتجه إلى أقرب مقعد وهو يقول: عفوا يا حضرة الناظر! # لكن الناظر أصر على دعوته فأشار إلى الديوان قائلا بلطف وأمر ~~معا: هنا .. اجلس هنا. # فلم يجد بدا من الجلوس إلى جانبه في أقصى الديوان وهو يقول ~~لنفسه: لا شك في أنها حالة سرية! وتأكد ظنه حينما رأى البواب ~~وهو يغلق باب البهو! ولبث صامتا في حال خضوع والناظر يرمقه بهدوء، ~~ثم قال الناظر في نبرة هادئة كالمناجاة: عرفة! لم قتلت سعد ~~الله؟ # تجمد البصر تحت البصر، وسابت المفاصل، ودار كل شيء، وانقلب ~~المستقبل ماضيا. ورأى الرجل ينظر إليه بعين الواثق فلم يشك في أنه ~~عرف كل شيء كالقضاء والقدر. ثم لم يمهله فقال بشيء من الحدة: لا ~~ترتعب! لماذا تقتلون إذا كنتم هكذا ترتعبون؟ تمالك مشاعرك لتستطيع ~~أن تجيبني، وخبرني صراحة ms309 لم قتلت سعد الله؟ # وكره الصمت فقال وهو لا يدري ما يقول: سيدي .. أنا! # فقال الناظر بحدة: يا ابن الحقيرة أحسبتني أهذي؟! أو أنني أتكلم ~~دون دليل؟ أجبني .. لماذا قتلته؟ # وهو يتمزق من الحيرة واليأس جالت عيناه في أرجاء البهو بحركة لا ~~معنى لها، فقال الناظر بصوت بارد كالموت: لا مهرب يا عرفة! وفي ~~الخارج أناس لو علموا بأمرك لمزقوك بأسنانهم ولشربوا دمك. # وكان النواح يشتد في بيت الفتوة، أما آماله فقد ووريت في ~~التراب. وفتح فمه دون أن يقول شيئا. # فقال الناظر بقسوة: الصمت مهرب في متناول اليد، سأدفع بك إلى ~~الوحوش في الخارج وأقول لهم هاكم قاتل سعد الله، وإن شئت أقول لهم ~~هاكم قاتل الجبلاوي! # هتف بصوت مبحوح: الجبلاوي؟! ~~- حافر الأنفاق وراء الأسوار الخلفية! نجوت في المرة الأولى ~~ووقعت في الأخرى، لكن لماذا تقتل يا عرفة؟ # وقال في يأس بلا قصد ولا معنى: بريء يا حضرة الناظر، أنا ~~بريء! # فقال في تهكم: إذا أعلنت تهمتك فلن يطالبني أحد بدليل. في ~~حارتنا الإشاعة حقيقة، والحقيقة حكم، والحكم هو الإعدام، ولكن ~~خبرني عما دفعك إلى اقتحام البيت الكبير؟ ثم قتل سعد ~~الله؟ # هذا الرجل يعرف كل شيء. كيف؟ لا يدري لكنه يعرف كل شيء. وإلا ~~فلماذا صب عليه اتهامه دون أهل الحارة جميعا؟ ~~- هل كنت تقصد السرقة؟ # غض بصره في يأس لكنه لم يتكلم فهتف الناظر في غضب: انطق يا ابن ~~الأفاعي! ~~- سيدي. ~~- لماذا تسعى إلى السرقة وأنت أفضل حالا من كثيرين؟ # فقال بنبرة الاعتراف اليائسة: النفس أمارة بالسوء! # ضحك الناظر بظفر، أما عرفة فساءل نفسه في حيرة: عما جعل الرجل ~~يؤجل الفتك به إلى الآن! بل لم لم يفض بسره إلى أحد الفتوات ~~بدلا من استدعائه على ذلك النحو الغريب؟ وتركه الناظر لنفسه كأنما ~~يعذبه، ثم قال: يا لك من رجل خطير! ~~- أنا رجل مسكين. ~~- أيعد في المساكين من يحوز سلاحا كسلاحك الذي هزئ ~~بالنبابيت؟ # لا يبكي ميت على فقد بصره. هذا الرجل هو الساحر حقا لا هو، ms310 ~~وجعل الناظر يتلذذ بيأسه مليا ثم قال: انضم أحد خدمي إلى ~~مطارديك، وكان متأخرا عنهم فلم يصبه سلاحك، ثم تبعك وحده في هدوء ~~فلم يشعرك بمطاردته الخفية، ثم عرفك عند الدراسة فلم يهاجمك ~~خوفا على نفسه من مفاجآتك، وسارع إلي فأخبرني. # فقال عرفة بلا وعي: ألا يمكن أن يخبر أحدا غيرك؟ # فقال مبتسما: إنه خادم أمين. # ثم بنبرة ذات معنى: الآن حدثني عن سلاحك. # أخذت الغيوم تتكشف لناظريه. الرجل يطمع فيما هو أثمن من حياته! ~~لكن يأسه كان محبطا. وأين المفر؟ قال بصوت منخفض: هو أبسط مما ~~يتصور الناس! # فقست نظرته وتجهم وجهه وقال: في وسعي أن أفتش بيتك الآن، لكنني ~~أتحاشى لفت الأنظار إليك، ألا تفهم؟ # وسكت مليا ثم أردف: لن تهلك ما دمت تطيعني! # كان يتكلم ونذر الوعيد تتطاير من عينيه، فقال عرفة وقد طفحت ~~باليأس روحه: ستجدني رهن مشيئتك. ~~- بدأت تفهم يا ساحر حارتنا، لو كان مقصدي قتلك، لكنت الساعة في ~~بطون الكلاب. # ثم تنحنح وواصل حديثه قائلا: دعنا من الجبلاوي وسعد الله وحدثني ~~عن سلاحك، ما هو؟ # فقال بدهاء: زجاجة سحرية! # فحدجه بنظرة ارتياب وقال: أفصح! # فقال وهو يسترد شيئا من الطمأنينة لأول مرة: لغة السحر لا ~~يتكلمها إلا أهلها. ~~- ألا تفصح حتى ولو وعدتك بالسلامة؟ # فضحك باطنه ولكنه قال بجد ظاهر: ما قلت إلا الحق. # فنظر الرجل إلى الأرض قليلا ثم رفع رأسه متسائلا: ألديك منها ~~كثير؟ ~~- ليس لدي منها شيء الساعة! # فعض الناظر على أسنانه هاتفا: يا ابن الأفاعي! # فقال عرفة ببساطة: فتش بيتي لترى صدقي بعينيك. ~~- أتستطيع أن تصنع مثلها؟ # فقال بثقة: بكل تأكيد. # فشبك ذراعيه على صدره من شدة الانفعال، وقال: أريد منها ~~كثيرا. # فقال عرفة: سيكون لك منها ما تشاء. # وتبادلا نظرة تفاهم لأول مرة، وإذا بعرفة يقول بجرأة: سيدي يريد ~~الاستغناء عن الفتوات الملاعين. # فومضت بعيني الرجل نظرة غريبة وسأله: صارحني بما دفعك إلى ~~اقتحام البيت الكبير؟ # فقال عرفة ببساطة: لا شيء إلا حب الاستطلاع، وقد ساءني مقتل ~~الخادم الأمين ms311 عن غير قصد مني. # فحدجه بنظرة ارتياب وقال: تسببت في موت الرجل الكبير! # فقال عرفة بحزن: شد ما يتقطع قلبي حزنا لذلك! # فهز الناظر منكبيه قائلا: ليتنا نحيا مثله! # يا لك من منافق أثيم! لا شيء يهمك إلا الوقف! وقال: أمد الله ~~في عمرك. # فعاد يسأله بارتياب: ألم تذهب إلا جريا وراء الاستطلاع؟ ~~- بلى. ~~- ولماذا قتلت سعد الله؟ # فقال بصراحة: لأني مثلك أود القضاء على جميع الفتوات. # فابتسم الرجل وقال: إنهم شر مستحكم! # لكنك في الحق تبغضهم لما يأخذون من أموال الوقف، لا ~~لشرهم. ~~- بالحق نطقت يا سيدي. # فقال بإغراء: ستثري فوق ما كنت تحلم. # فقال عرفة بمكر: ولا غاية لي إلا ذلك. # فقال الناظر بارتياح: لا ترهق نفسك بالعمل نظير الملاليم، تفرغ ~~لسحرك في حمايتي، وسيكون لك كل ما تشتهيه نفسك! # 106 # جلس ثلاثتهم على الكنبة، عرفة يقص ما حدث له وعواطف وحنش ~~يتابعانه بانتباه وانفعال وفزع، حتى ختم عرفة حديثه المثير بقوله: ~~لا اختيار لنا. إن جنازة سعد الله لم تخرج بعد، فإما القبول وإما ~~الإبادة. # فقالت عواطف: وإما الهرب. ~~- لا مهرب من عيونه التي تحيط بنا. ~~- لن نكون في كنفه آمنين. # تجاهل قولها كما يود أن يتجاهل أفكاره وتحول إلى حنش قائلا: ما ~~لك لا تتكلم؟ # فقال حنش بجد وحزن: عدنا إلى هذه الحارة يوم عدنا بآمال ~~بسيطة محدودة، أنت وحدك المسئول عن التغير الذي وقع بعد ذلك، عن ~~تعلقنا بالآمال الكبيرة، وكنت أعارض طموحك بادئ الأمر، ولكني ~~عاونتك دون تردد، وأخذت أقتنع بأرائك رويدا رويدا، حتى لم يعد لي ~~من أمل إلا أمل حارتنا في الخلاص والكمال. واليوم تفاجئنا بخطة ~~جديدة سنصبح بعدها آلة رهيبة لاستذلال حارتنا؛ آلة لا يمكن أن ~~تقاوم ولا أن تبيد وإن جاز أن يقاتل فتوة أو يقتل. # وقالت عواطف: ولا أمان لنا بعد ذلك، فقد ينال منك ما يريد ثم ~~يتخلص منك بحيلة كما يدبر الآن للفتوات. # كان مقتنعا في أعماقه بما يقولان ولا يكف عن التفكير فيه، ~~لكنه قال وكأنما ms312 يحاور نفسه: سأجعله دائما في حاجة إلى ~~سحري! # فقالت عواطف: ستكون على خير الأحوال فتوته الجديد. # فقال حنش مؤيدا: نعم، فتوة سلاحه زجاجة بدلا من النبوت، واذكر ~~مشاعره نحو الفتوات لتعرف ما ستكون عليه نحوك. # واحتد عرفة غضبا فقال: ما شاء الله، كأنني الطامع وأنتما ~~الزاهدان! إنما أنا الإيمان الذي أصبحتما به تؤمنان، وما سهرت ~~الليالي في الحجرة الخلفية وما عرضت نفسي للموت مرتين إلا لخير ~~حارتنا. فإذا كنتما ترفضان ما فرض علينا دون اختيار فأشيرا علي ~~ما يجب فعله. # ونظر إليهما بتحد غاضب فلم ينبس منهما أحد. وكان الألم يعتصره ~~والدنيا تبدو كابوسا خانقا لعينيه. ودهمه شعور غريب بأن ما ~~يعانيه ما هو إلا انتقام لتهجمه القاسي على جده، فازداد ألما ~~وحزنا. وهمست عواطف بتوسل يائس: الهرب! # فتساءل بحدة وحنق: وكيف الهرب؟! ~~- لا أدري! لكنه لن يكون أصعب عليك من التسلل إلى بيت ~~الجبلاوي! # فنفخ يائسا وقال بهدوء كالرثاء: الناظر الآن بانتظارنا، عيونه ~~حولنا، كيف ندبر الهرب؟ # وكان صمت، يا له من صمت، كصمت القبر الذي يضم الجبلاوي، فقال ~~بتشف: لا أريد أن أتحمل الهزيمة وحدي. # فتأوه حنش قائلا كالمعتذر: لا خيار لنا. # ثم بحرقة: قد يلد المستقبل فرصة للنجاة. # فقال عرفة بلب شارد: من يدري؟! # ومضى إلى الحجرة الخلفية وحنش في إثره. وأخذا يعبئان بعض ~~القوارير بقطع من الزجاج والرمل وغيرها. وإذا به يقول: ينبغي أن ~~نتفق على رموز للدلالة على خطوات أعمالنا السحرية. وأن نسجل صورها ~~في كراسة أمينة سرية حتى لا يتعرض جهدنا للضياع أو يكون موتي ~~نذير النهاية لهذه التجارب. ومن ناحية أخرى أرجو أن يكون لديك ~~الاستعداد لتعلم السحر، فما ندري شيئا عما يخبئه القدر ~~لنا! # وواصلا عملهما بهمة عالية. وحانت من عرفة التفاتة إلى صاحبه ~~فرآه متجهما فلم يخف عليه سره، لكنه قال مداراة للموقف الغريب: ~~ستقضي هذه القوارير على الفتوات! # فقال حنش فيما يشبه الهمس: لا لحسابنا ولا لحساب حارتنا. # فقال دون أن تكف يداه عن العمل: ماذا علمتك رباب الشاعر؟ وجد ms313 ~~في الماضي رجال أمثال جبل ورفاعة وقاسم، فماذا يمنع أن يجيء ~~أمثالهم في المستقبل؟ # فقال حنش متنهدا: كدت أحسبك في بعض الأوقات أحدهم. # فضحك عرفة ضحكة جافة مقتضبة وتساءل: وهل عدلت بك عن ذلك ~~هزيمتي؟ # فلم يجب، فعاد الآخر يقول: لن أكون مثلهم في ناحية واحدة على ~~الأقل، وهي أنهم كانوا ذوي أتباع من أولاد حارتنا، أما أنا فلا ~~يفهمني أحد. # ثم وهو يضحك: كان في وسع قاسم أن يكتسب تابعا قويا بكلمة ~~حلوة، أما أنا فتلزمني أعوام وأعوام حتى أستطيع أن أدرب رجلا ~~على عملي وأجعل منه تابعا. # وفرغ من تعبئة زجاجة فأحكم سدادتها وعرضها أمام ضوء المصباح في ~~إعجاب، ثم قال: هي اليوم ترعب الأفئدة وتدمي الوجوه بالجراح، وغدا ~~قد تقتل قتيلا، قلت لك: إنه ليس للسحر من نهاية! # 107 # من فتوة حارتنا؟ مضى الناس يتساءلون عنه مذ رقد سعد الله في ~~قبره. وأخذ كل فريق يزكي رجله. فآل جبل قالوا: إن يوسف أقوى فتوات ~~الحارة وأوثقهم نسبا بالجبلاوي. وقال آل رفاعة: إنهم حي أنبل من ~~عرفته الحارة في تاريخها، الرجل الذي دفنه الجبلاوي في بيته ~~وبيديه. وقال آل قاسم: إنهم هم الذين لم يستغلوا النصر لصالح ~~حيهم، ولكن لصالح الجميع فكانت الحارة على عهد رجلهم وحدة لا ~~تتجزأ يسودها العدل والأخوة. وكالعادة بدأت الخلافات همسا في ~~الغرز، ثم تطايرت في الجو فثار الغبار وتحفزت النفوس لشر المهالك ~~ولم يعد فتوة يسير بمفرده، وإذا سهر في قهوة أو غرزة أحاط به ~~الأتباع مدججين بالنبابيت. وراح كل شاعر يدعو بالرباب إلى فتوة ~~حيه. وتجهم أصحاب الدكاكين والباعة وكدر التشاؤم وجوههم. وتناسى ~~الناس موت الجبلاوي ومقتل سعد الله بما ركبهم من هم وتوجس الخوف، ~~وحق لأم نبوية بياعة النابت أن تقول بأعلى صوت: قطعت العيشة ~~ويا بخت من كان ~~الموت نصيبه. # وذات مساء ترامى صوت من فوق سطح بحي آل جبل وهو يصيح: يا أولاد ~~حارتنا، اسمعوا واجعلوا العقل حكما بيننا وبينكم، حي آل جبل أقدم ~~أحياء الحارة، وجبل أول ms314 رجالها الكرام، فلا مذلة لأحد إذا ارتضيتم ~~يوسف فتوة لحارتكم. # فتعالت أصوات الاستهزاء من حيي آل رفاعة وآل قاسم، مصحوبة ~~بقذائف السب واللعن، وما لبث أن تجمع الصغار أمام الربوع وراحوا ~~ينشدون: # يا يوسف يا وش القملة، # مين قالك تعمل دي العملة. # واشتدت القلوب غلظة وسوادا. ولم يؤجل وقوع ~~الكارثة إلا أن التناحر كان يقوم بين ثلاث قوى متضادة معا، وأنه ~~كان لا بد من أن يتحد حيان أو أن ينسحب من التنافس حي ~~مختارا. # ووقعت أحداث بعيدا عن الحارة ذاتها. فقد التقى بائعان في بيت ~~القاضي، أحدهما من آل جبل والآخر من آل قاسم، فاشتبكا في معركة ~~حامية فقد فيها القاسمي أسنانه والجبلي عينا. وفي حمام السلطان ~~نشبت معركة أخرى بين نسوة من آل جبل وآل رفاعة وآل قاسم وهن عرايا ~~في المغطس؛ فانغرست الأظافر في الخدود والأسنان في السواعد والبطون ~~والأيدي في الضفائر، وتتطايرت الأكواز وأحجار الحك وألياف التدليك ~~وقطع الصابون. # وانجلت المعركة عن إغماء امرأتين وإجهاض ثالثة وبض أجساد لا ~~حصر لها بالدم. وعند ظهيرة اليوم نفسه، عقب عودة المتعاركات تباعا ~~إلى الحارة، استؤنفت المعركة من جديد من فوق الأسطح، واستعمل فيها ~~الطوب والسباب الفاحش، وسرعان ما امتلأت سماء الحارة بالقذائف ~~وارتفع صراخها إلى السحاب. # وإذا برسول من قبل الناظر يتسلل خفية إلى يوسف فتوة آل جبل ~~ويدعوه إلى مقابلة الناظر. وحرص الفتوة على أن يقابل الناظر دون أن ~~يدري به أحد. واستقبله الناظر بلطف وطلب إليه أن يعمل على تهدئة ~~الخواطر في حيه وبخاصة أن ذلك الحي هو التالي موقعه لبيت الناظر. ~~وعندما صافحه مودعا قال له: إنه يتمنى أن يستقبله في المرة الآتية ~~وهو فتوة الحارة كلها! وخرج الرجل من بيت الناظر ثملا بتأييده ~~الصريح له، وآمن بأن الفتونة باتت في متناول يديه. وما لبث أن ألزم ~~حيه بالنظام. وتهامس الناس في حيه بما يدخره الغد لهم من سيادة ~~وجاه. وتسربت من حيهم الأنباء إلى بقية الحارة فهاجت ~~الخواطر. # ولم تمض أيام بعد ذلك حتى ms315 تقابل عجاج والسنطوري سرا فاتفقا ~~فيما بينهما على القضاء على يوسف من ناحية، ثم على الاقتراع على ~~الفتونة بعد النصر من ناحية أخرى. وعند فجر اليوم التالي تجمع ~~الرجال من آل قاسم وآل رفاعة فهاجموا حي آل جبل، فدارت معركة ~~شديدة، لكن يوسف وكثرة من أتباعه قتلوا وهرب الباقون، وأذعن آل ~~جبل للقوة يائسين. وحدد العصر لإجراء القرعة المتفق عليها. وعند ~~العصر هرع القاسمية والرفاعية رجالا ونساء إلى رأس الحارة أمام ~~البيت الكبير، وامتدت جموعهم جنوبا حتى بيت الناظر وشمالا حتى ~~بيت الفتوة الذي سيصبح ملكا للفائز بالقرعة. وجاء السنطوري ~~وعصابته كما جاء عجاج وعصابته فتبادلوا تحيات السلام والتعاهد. ~~وتعانق عجاج والسنطوري أمام الجميع، وقال عجاج بصوت سمعه جميع ~~المتطلعين: أنا وأنت أخوان، وسنبقى أخوين في جميع الأحوال. # فقال السنطوري بحماس: على الدوام يا سيد الجدعان! # وقف الحيان متقابلين، يفصل بينهما فراغ أمام مدخل البيت ~~الكبير. وجاء رجلان - أحدهما من آل قاسم والآخر من آل رفاعة - ~~بمقطف مليء بالقراطيس فوضعاه وسط الفراغ ثم تقهقر كل إلى قومه. ~~وأعلن على الجميع أن القادوم هو رمز عجاج وأن الساطور هو رمز ~~السنطوري، وأنه وضعت نماذج مصغرة منهما في القراطيس مناصفة. وجيء ~~بغلام ليأخذ - وهو معصوب العينين - من المقطف قرطاسا. مد الغلام ~~يده في صمت متوتر ثم استردها بقرطاس. فتحه وهو لا يزال معصوب ~~العينين وتناول ما فيه ورفع به يده فهتف القاسمية: الساطور .. ~~الساطور. # مد السنطوري إلى عجاج يده فتناولها الآخر وشد عليها باسما. ~~وتعالى هتاف حار: يعيش السنطوري فتوة حارتنا. # ومن صفوف الرفاعية تقدم رجل إلى السنطوري مفتوح الذراعين، ففتح ~~له السنطوري ذراعيه ليعانقه، لكن الآخر طعنه بسكين في قلبه بمنتهى ~~القوة والسرعة. سقط السنطوري على وجهه قتيلا. سيطر الذهول لحظة ثم ~~انفجر الصياح والوعيد والغضب. وتلاقى الحيان في معركة دامية ~~قاسية. لكن لم يكن هناك في القاسمية من يستطيع الوقوف أمام عجاج، ~~فسرعان ما نفذت إلى قلوبهم الهزيمة، وسقط من سقط، وجرى من جرى، ولم ~~يجئ المساء حتى كانت الفتونة ms316 قد تقررت لعجاج. وبينما ضج حي قاسم ~~بالعويل، انطلقت الزغاريد من حي رفاعة، وراحوا يرقصون في الطريق ~~حول فتوتهم - فتوة الحارة - عجاج. وإذا بصوت يرتفع فوق الزغاريد ~~صائحا: هس، اسمعوا! اسمعوا يا غنم! # تطلعوا في عجب إلى مصدر الصوت فرأوا يونس بواب الناظر يسير بين ~~يدي الناظر نفسه الذي جعل يتقدم في هالة من خدمه. مضى عجاج نحو ~~موكب الناظر وهو يقول: محسوبك عجاج فتوة الحارة وخادمكم! # حدجه الناظر بنظرة ازدراء وقال في الصمت الرهيب الذي غشي الحارة ~~جميعا: يا عجاج، لا أريد في الحارة فتوة ولا فتونة! # ذهل رجال آل رفاعة، وماتت على شفاههم بسمات الظفر والطرب، وتساءل ~~عجاج في دهشة: ماذا يقصد حضرة الناظر ؟! # فقال الناظر بقوة ووضوح: لا نريد فتونة ولا فتوة، دعوا الحارة ~~تعيش في أمان. # فهتف عجاج ساخرا: أمان؟! # فسدد الناظر نحوه نظرة قاسية، لكن الآخر تساءل في تحد: ومن ذا ~~يحميك أنت؟! # وإذا بالقوارير تنهال من أيدي الخدم على عجاج وأعوانه، ودوي ~~الانفجارات يزلزل الجدران، وشظايا الزجاج والرمال تصيب الوجوه ~~والأطراف وتفجر الدماء. وانقض الفزع على النفوس كما تنقض ~~الحدآت على الفراخ، فطاشت العقول وسابت المفاصل. وسقط عجاج وأعوانه ~~فأجهز الخدم عليهم. وتعالى الصوات في حي آل رفاعة، وزغاريد الشماتة ~~في حيي آل جبل وآل قاسم. وتوسط يونس الحارة داعيا الجميع إلى ~~الإنصات حتى ساد الصمت، ثم صاح قائلا: يا أولاد حارتنا، جاءكم ~~السعد والأمان بفضل حضرة الناظر أطال الله بقاءه، فلا فتوة يذلكم ~~أو يغتال أموالكم بعد اليوم. # وارتفعت أصوات الهتاف إلى السماء. # 108 # انتقل عرفة وأسرته بليل من بدروم حي الرفاعية إلى بيت الفتوة على ~~يمين البيت الكبير، بذلك أمر الناظر وليس لأمره رد. وجدوا أنفسهم ~~في مأوى كالحلم. وراحوا يطوفون بالحديقة الغناء والمنظرة ~~الأنيقة، والسلاملك، والبهو، إلى غرف النوم والجلوس والسفرة في ~~الدور الثاني والسطح وما يزدحم بجدرانه وأركانه من بيوت الدجاج ~~وبلاليص الأرانب وأعشاش الحمام. ارتدوا لأول مرة ملابس فاخرة ~~وتنفسوا هواء نقيا، وتشمموا روائح زكية. وراح عرفة يقول: صورة ms317 ~~صغرى من البيت الكبير ولكن بلا أسرار! # فتساءل حنش: وسحرك؟ ألا يعد من الأسرار؟ # ولاح الذهول في عيني عواطف وهي تقول: لا يحلم أحد بشيء ~~كهذا. # وتغير الثلاثة منظرا ولونا ورائحة. ولكن لم يكد المقام يستقر ~~بهم حتى جاءهم جمع من الرجال ومن النساء، قال أولهم: إنه البواب، ~~وثانيهم: الطاهي، وثالثهم: البستاني، ورابعهم مربي الطيور ~~والأخريات للدار، فعجب عرفة لهم وسألهم: من أذن لكم ~~بالمجيء؟ # فقال البواب إنابة عنهم: حضرة الناظر. # وسرعان ما دعي عرفة إلى مقابلة الناظر فذهب من فوره. ولما جلسا ~~جنبا إلى جنب فوق الإيوان بالبهو قال قدري: سنتقابل كثيرا يا ~~عرفة فلا يزعجك استدعائي لك. # الحق قد أقلقه المكان والمجلس والرجل لكنه قال ببشاشة: سيدي ~~الخير والبركة! ~~- سحرك أصل الخير كله، ترى هل أعجبتك الدار؟ # فقال عرفة في حياء: هي فوق الأحلام، وبخاصة أحلام قوم فقراء ~~مثلنا، واليوم جاءنا الخدم أشكالا وألوانا! # فتفرس الناظر في وجهه وهو يقول: هم من رجالي أرسلتهم إليك ~~ليخدموك وليحموك! ~~- يحمونني؟! # فقال قدري وهو يضحك: نعم، ألا تعلم أن الحارة لا حديث لها إلا ~~انتقالك إلى بيت الفتوة؟ ويقولون فيما بينهم: هو هو صاحب القوارير ~~السحرية. وأهل الفتوات موتورون كما تعلم، والآخرون يموتون حسدا؛ ~~لذلك كله فأنت في خطر محيط، ونصيحتي إليك ألا تأمن أحدا أو تسير ~~بمفردك أو تبتعد عن دارك! # تجهم وجهه. ما هو إلا سجين يحيط به الغضب والمقت. واستدرك قدري ~~قائلا: لكن لا تخف فإن رجالي حولك، واستمتع بالحياة ما شئت في ~~بيتك وفي بيتي. ماذا تخسر؟ وما وراء ذلك إلا الخلاء والخرائب؟ ولا ~~تنس أن أهل حارتنا يقولون: إن سعد الله قتل بالسلاح الذي قتل ~~به عجاج، وإن الوسيلة التي تسلل منها القاتل إلى بيت سعد الله هي ~~نفس الوسيلة التي تسلل منها إلى البيت الكبير من قبل، فقاتل عجاج ~~وسعد الله والجبلاوي شخص واحد هو عرفة الساحر. # فهتف عرفة متشنجا: هذه لعنة مسلطة على رأسي. # فقال الناظر في هدوء: لا تخف ما دمت في كنفي ms318 ومن حولك ~~خدمي. # أيها اللئيم الذي أوقعني في سجنه، ما أردت السحر إلا للقضاء عليك ~~لا لخدمتك، واليوم يمقتني من أحبهم وأود خلاصهم، ولعلي أقتل بيد ~~أحدهم. وقال برجاء: وزع أنصبة الفتوات على الناس يرضوا عنك ~~وعنا! # فضحك قدري هازئا ثم تساءل: ولم إذن كان القضاء على ~~الفتوات؟ # وأردف وهو يتفحصه بقسوة: إنك تتلمس سبيلا إلى رضاهم؟! دعك من ~~هذا، وتعود مثلي على مقت الآخرين لك، ولا تنس أن ملاذك الحق هو ~~رضاي عنك. # فقال في قنوط: كنت وما زلت في خدمتك! # ورفع الناظر رأسه نحو السقف كأنما يتسلى بتأمل زخارفه، ثم أعاد ~~رأسه إليه قائلا: أرجو ألا يلهيك متاع الحياة الجديدة عن ~~سحرك! # فهز رأسه بالإيجاب فقال الرجل: وأن تكثر ما استطعت من القوارير ~~السحرية! # فقال عرفة بحذر: لسنا بحاجة إلى أكثر مما لدينا منها. # فدارى الآخر حنقه بابتسامة وقال: أليس من الحكمة أن ندخر منها ~~عددا موفورا؟ # لم يجب. ودهمه يأس. وتساءل هل جاء دوره هكذا سريعا؟ وسأله بغتة: ~~سيدي الناظر، إذا كان مقامي يضايقك فاسمح لي بالذهاب إلى غير ~~عودة. # فتظاهر الرجل بالانزعاج وتساءل: ماذا قلت يا رجل؟ # فقال وهو يواجهه بنظرة صريحة: أنا أعلم أن حياتي رهن بحاجتك ~~إلي. # فضحك الرجل ضحكة لا مرح فيها ثم قال: لا تظنني أستهين بذكائك، ~~وأعترف لك بسلامة تفكيرك، لكن كيف توهمت أن حاجتي إليك تقف عند ~~القوارير؟ أليس في وسع سحرك أن يصنع أعاجيب أخرى؟ # لكن عرفة واصل حديثه الأول قائلا بجفاء: رجالك هم الذين أذاعوا ~~سر ما قدمت لك من خدمات، لست أشك في ذلك، لكن يجب أن تذكر كذلك أن ~~حياتك في حاجة إلي. # قطب الناظر متوعدا لكن عرفة قال دون تردد: أنت اليوم لا فتوة ~~لك، ولا قوة عندك إلا بالقوارير، وما لديك منها لا يغني عنك شيئا، ~~فإذا مت أنا اليوم تبعتني غدا أو بعد غد. # مال الناظر عليه كالوحش فجأة فطوق عنقه بيديه وشد عليه حتى ارتعد ~~جسمه. لكنه سرعان ما خفف من قبضتيه، ms319 ثم سحبهما، ثم ابتسم ابتسامة ~~مقيتة وقال: انظر ما كانت ستدفعني إليه سلاطة لسانك! بينما لا توجد ~~لدينا دواع للخصومة، وفي وسعنا أن نستمتع بالنصر وبالحياة في ~~سلام. # تنفس عرفة بعمق ليسترد روحه المذعورة، على حين واصل الآخر حديثه ~~قائلا: لا تخف على حياتك مني، فسأحرص عليها حرصي على الحياة ~~نفسها. تمتع بالدنيا ولا تنس سحرك الذي يجب أن نجني أزاهر ثماره، ~~واعلم بأن من يغدر منا بصاحبه فقد غدر بنفسه! # تجهم وجها عواطف وحنش وهو يعيد على مسامعهما ذلك الحديث في البيت ~~الجديد. وبدا أن ثلاثتهم تعوزهم الطمأنينة الحقة في ظل حياتهم ~~الجديدة. لكنهم تناسوا أسباب قلقهم عند العشاء حول مائدة حفلت بما ~~لذ وطاب من طعام شهي ونبيذ معتق. ولأول مرة ارتفع صوت عرفة وهو ~~يضحك واهتز جذع حنش وهو يقهقه. ومضيا في حياتهما كما شاءت ~~الظروف. كانا يعملان معا في حجرة وراء البهو أعداها للسحر. ودأب ~~عرفة على تسجيل الرموز التي اصطلحا عليها في كراسة لم يعلم بها ~~سواهما أحد. ومرة قال له حنش في أثناء العمل: يا لنا من ~~سجناء! # فقال له محذرا: اخفض من صوتك فإن للحيطان آذانا. # مد حنش بصره نحو الباب في حقد ثم عاد يقول فيما يشبه الهمس: ~~أليس من الممكن أن تصنع سلاحا جديدا نقضي به عليه من حيث لا ~~يدري؟ # فقال عرفة بامتعاض: لن يتاح لنا أن نجربه سرا بين هؤلاء الخدم، ~~فهو لن يخفى عليه شيء من أمورنا. وإذا قضينا عليه قضى علينا ~~الموتورون من أهل حارتنا قبل أن ندافع عن أنفسنا حيالهم! ~~- لماذا تعمل إذن بهذا الجد كله؟ # فتنهد قائلا: لأنه ليس لي إلا أن أعمل. # وكان يذهب عند الأصيل إلى بيت الناظر فيجالسه ويشاربه، ثم يعود ~~ليلا إلى داره فيجد أن حنش قد هيأ له في الحديقة أو المشربية ~~غرزة صغيرة فيحششان معا. ولم يكن معدودا في الحشاشين من قبل، ~~ولكن التيار جرفه. وطارده الملل. وحتى عواطف أخذت تتلقن تلك ~~الأشياء. كان عليهم أن ينسوا الملل والخوف ms320 واليأس وإحساسا محزنا ~~بالذنب، كما كان عليهم أن ينسوا آمال الماضي العريضة. وعلى رغم ذلك ~~فقد كان للرجلين عمل. # أما عواطف، فما كان لها من عمل. كانت تأكل حتى تتخم، وتنام حتى ~~تمل الرقاد، وتقضي الساعات الطويلة في الحديقة مستمتعة بشتى ~~ألوان جمالها. وذكرت أنها باتت تنعم بالحياة التي تحسر عليها ~~أدهم. ما أثقلها من حياة! وكيف تعد مطلبا تذهب النفس حسرات عليه! ~~لعلها كانت تكون كذلك لو لم تكن سجنا ولم يكن ما يحيط بها عداوة ~~وبغضاء. لكنها ستلبث سجنا مطوقا بالكراهية، ولا مهرب منه إلا حول ~~المجمرة! ومرة تأخر عرفة في بيت الناظر فخطر لها أن تنتظره في ~~الحديقة. وتقدمت قافلة الليل وراء حادي القمر وهي جالسة تصغي إلى ~~أنغام الغصون ونقيق الضفادع. # وانتبهت إلى صوت الباب وهو يفتح فاستعدت للقاء القادم، غير أن ~~حفيف ثوب قادما من ناحية البدروم لفت إليه سمعها، ثم رأت من ~~موقفها شبح خادمة على ضوء القمر مضت نحو الباب دون أن تدري بها. ~~وتقدم عرفة كالمترنح فانتحت الخادمة ناحية الجدار الممتد من ~~السلاملك فلحق بها، ثم رأتهما يلتحمان وقد أخفاهما ظل الجدار من ~~ضوء القمر. # 109 # انفجرت عواطف كما ينبغي لامرأة من حارة الجبلاوي. انقضت على ~~الكائن المتلاحم كاللبؤة فهوت بقبضتها على رأس عرفة فتراجع ذاهلا ~~مترنحا حتى اختل توازنه فوقع، ثم أنشبت أظافرها في عنق الخادمة ~~وانهالت على رأسها نطحا حتى مزق صراخها سكون الليل. وقام عرفة من ~~سقطته لكنه لم يجرؤ على الدنو من المعركة. وجاء حنش مهرولا وفي ~~أعقابه عدد من الخدم، فلما عرف الموقف على حقيقته صرف الخدم، وخلص ~~بين المرأتين بكياسة ولباقة حتى استطاع أن يعود بعواطف إلى البيت ~~وهي تقذف بسيل من السباب والشتائم واللعنات. ومضى عرفة مترنحا إلى ~~المشربية المطلة على الخلاء وارتمى على شلتته وحيدا في الغرزة، ثم ~~مد ساقيه وأسند رأسه إلى جدار وهو في شبه غيبوبة. ولحق به حنش بعد ~~فترة قصيرة فاتخذ مجلسه أمامه حول المجمرة صامتا، ورمقه بنظرة ~~سريعة ثم ms321 عاد ينظر إلى الأرض حتى قطع الصمت قائلا: كان لا بد ~~للفضيحة أن تقع. # فرفع إليه عينين خجلتين وقال ممعنا في الهرب: أشعل ~~النار! # ولبثا في المشربية حتى قبيل الصباح. وذهبت الخادمة فحلت محلها ~~أخرى. وبدا لعواطف أن ذلك الجو المحيط بها يغري بزلة بعد أخرى. ~~وأخذت تؤول كل حركة تصدر عن زوجها تأويلا سيئا يتناسب مع ~~ارتيابها حتى انقلبت الحياة جحيما. وفقدت العزاء الوحيد الذي كانت ~~تتسلى به في سجنها المليء بالمخاوف. فلا البيت بيتها ولا الزوج ~~زوجها. سجن بالنهار وماخور بالليل. وأين عرفة الذي أحبته؟ عرفة ~~الذي تحدى بالزواج منها السنطوري، والذي عرض نفسه للهلاك مرات في ~~سبيل الحارة حتى ظنته رجلا من رجال الرباب، ما هو اليوم إلا وغد، ~~مثل قدري ومثلما كان سعد الله. والحياة إلى جانبه عذاب مشتعل ~~وخوف مؤرق. # وعاد عرفة ليلة من بيت الناظر فلم يجد لعواطف أثرا. وشهد البواب ~~بأنه رآها تغادر البيت أول الليل ثم لم تعد. وتساءل عرفة ورائحة ~~الخمر تتطاير مع أنفاسه: أين ذهبت يا ترى؟ # فقال حنش بإشفاق: إن تكن في الحارة فهي عند جارتها القديمة أم ~~زنفل بائعة المفتقة. # فقال عرفة غاضبا: المرأة لا تؤخذ باللين، هذه حكمة أهل حارتنا، ~~فلأهملها حتى تعود بنفسها ذليلة! # لكنها لم ترجع، وانقضت عشرة أيام، فقرر عرفة أن يذهب ليلا إلى ~~أم زنفل متوخيا ألا يشعر بذهابه أحد. وفي الميعاد المضروب تسلل من ~~البيت متبوعا بحنش. وما كادا يقطعان خطوات حتى سمعا أقداما ~~تتبعهما فالتفتا وراءهما فرأيا خادمين من خدم البيت، فقال عرفة ~~لهما: ارجعا إلى البيت. # فأجابه أحدهما: نحن نحرسك بأمر حضرة الناظر. # تميز غيظا لكنه لم يعقب. وساروا نحو ربع قديم في حي قاسم، ~~وصعدوا إلى طابقه الأخير حيث توجد حجرة أم زنفل. طرق عرفة الباب ~~مرات حتى فتح عن عواطف نفسها بوجه يعلوه النعاس. تبينت وجهه على ~~ضوء مصباح صغير بيدها فقطبت متراجعة، فتبعها رادا وراءه الباب. ~~واستيقظت أم زنفل في ركن الحجرة وراحت تنظر بذهول نحو القادم. ms322 أما ~~عواطف فقالت بحدة: ماذا جاء بك؟ ماذا تريد؟ ارجع إلى بيتك المبارك ~~عليك. # وهمست أم زنفل بانزعاج وهي تحدق في وجهه: عرفة الساحر! # وقال عرفة لزوجته دون أن يلقي بالا إلى المرأة المنزعجة: اعقلي ~~وتعالي معي. # فقالت بالحدة نفسها: لن أعود إلى سجنك، ولن أفرط في راحة البال ~~التي أجدها في هذه الحجرة. ~~- لكنك زوجتي. # فارتفع صوتها وهي تقول: زوجاتك هناك بالخير والبركة! # وقالت أم زنفل في نبرة احتجاج: اتركها لنومها وعد في ~~الصباح. # فرماها بنظرة قاسية دون أن يوجه لها كلمة واحدة، ثم نظر إلى ~~زوجته قائلا: كل رجل وله زلة! # فهتفت: أنت نفسك زلة ولا كل الزلات. # فمال نحوها قليلا وقال محركا ألحان الرقة في أوتار صوته: ~~عواطف، أنا لا يمكن أن أستغني عنك. ~~- لكني أنا استغنيت! # فتساءل بامتعاض: تبيعينني لغلطة أفلتت وأنا سكران؟ # فهتفت بتشنج: لا تعتذر بالسكر، حياتك كلها أخطاء، وستحتاج إلى ~~عشرات الأعذار لتبررها، ولن أجني من ورائها إلا المتاعب ~~والعذاب. ~~- هي على أي حال أفضل من الحياة في هذه الحجرة! # فابتسمت ابتسامة مريرة ساخرة وتساءلت: من يدري؟ خبرني كيف ~~تركك السجانون لتجيء إلي؟ ~~- عواطف! # فقالت بإصرار: لن أعود إلى بيت لا عمل لي فيه إلا التثاؤب ~~ومعاشرة عشيقات زوجي الساحر العظيم. # وعبثا حاول أن يثنيها عن إصرارها. قابلت لينه بالعناد، وغضبه ~~بالغضب، وسبه بالسب، فارتد عنها يائسا، ثم غادر المكان متبوعا ~~بصاحبه والخادمين. وسأله حنش: ماذا أنت فاعل؟ # فقال بامتعاض وفتور: ما نفعله كل يوم. # وسأله قدري الناظر: هل من جديد عن زوجك؟ # فأجاب وهو يتخذ مجلسه إلى جانبه: عنيدة كالبغل - ربنا يحفظ ~~مقامك! # فقال الناظر باستهانة: لا تشغل بالك بامرأة عندك خير ~~منها! # وجعل يتفحص عرفة باهتمام، ثم سأله: هل تعرف امرأتك شيئا من ~~أسرار عملك؟ # فبادره عرفة بنظرة مريبة ثم قال: السحر لا يعرفه إلا ~~ساحر! ~~- أخشى أن ... ~~- لا تخش شيئا لا ظل له من الوجود. # وامتد الصمت ثواني، فعاد يقول في جزع: لن تمتد لها يد بسوء وأنا ~~على قيد ms323 الحياة! # فكظم الناظر غيظه، وابتسم، وأشار إلى الكأسين المترعتين داعيا ~~وهو يقول: من قال إن يدا ستمتد إليها بسوء؟! # 110 # ولما توثقت الألفة بين قدري وعرفة، جعل يدعوه إلى سهراته الخاصة ~~التي تبدأ عادة عند منتصف الليل. شهد عرفة سهرة عجيبة في البهو ~~الكبير، حفلت بكل ما لذ وطاب من مأكل ومشرب، ورقصت فيها نساء ~~جميلات وهن عرايا حتى كاد عرفة أن يجن من الشراب والمنظر. في تلك ~~السهرة رأى عرفة الناظر يعربد بلا حدود، مثل وحش مجنون. ودعاه إلى ~~سهرة في الحديقة، في خميلة يحدق بها مجرى ماء مضاء الوجه بنور ~~القمر. وكان بين أيديهما فاكهة ونبيذ، وأمامهما مليحتان: إحداهما ~~لخدمة المجمرة، والأخرى لخدمة الجوزة. وهب نسيم الليل يحمل عرف ~~الأزهار ونغم عود وأصواتا تغني: # يا عود قرنفل في الجنينة منعنع # يعجب الجدعان الحشاشة المجدع. # كانت ليلة بدرية يلوح قمرها مكتملا إذا مال غصن ~~التوت الريان مع النسيم، أو يبدو أعينا من الضياء خلال شبكة من ~~الأغصان والأوراق إذا رجع الغصن إلى مستقره. وسرت من يد المليحة ~~والجوزة نشوة إلى رأس عرفة فدار مع الأفلاك، وقال: رحم الله ~~أدهم. # فقال الناظر باسما: ورحم الله إدريس، ماذا ذكرك به؟ ~~- مجلسنا هذا! ~~- كان أدهم يحب الأحلام، ولا يعرف منها إلا ما أدخله الجبلاوي في ~~رأسه. # ثم وهو يضحك: الجبلاوي الذي أرحته أنت من عذاب الكبر! # انقبض قلب عرفة وانطفأت نشوته فغمغم محزونا: لم أقتل في حياتي ~~إلا فتوة مجرما. ~~- وخادم الجبلاوي؟ ~~- على رغمي قتلته. # فقال قدري هازئا: أنت جبان يا عرفة. # فهرب إلى القمر ينظر إليه خلال الغصون تاركا الغرزة لأنغام ~~العود. ثم جعل يسترق النظر إلى يد المليحة وهي ترص الحجر. وإذا ~~بالناظر يهتف به: أين أنت يا ابن المذهول؟! # فالتفت نحوه باسما وهو يسأل: أتسهر وحدك يا حضرة الناظر؟ ~~- لا أحد هنا يليق بمساهرتي. ~~- وحتى أنا لا سمير لي إلا حنش! # فقال قدري باستهانة: عند درجة من السطول لا يهمك أن تكون ~~وحدك. # تردد عرفة قليلا ثم تساءل: ألسنا ms324 في سجن يا حضرة الناظر؟ # فقال الآخر بحدة: ماذا تريد ما دمنا مطوقين بأناس ~~يمقتوننا؟! # وذكر كلمات عواطف وكيف فضلت مسكن أم زنفل على بيته، فقال ~~متنهدا: يا لها من لعنة! ~~- احذر أن تفسد علينا صفونا. # فتناول الجوزة وهو يقول: لتصف الحياة إلى الأبد. # فضحك قدري قائلا: إلى الأبد؟ حسبنا أن نضمن نفحة من نفحات ~~الشباب مدى عمرنا بفضل سحرك! # فملأ صدره من عبير الحديقة المتطيب بنداوة الليل العميق ثم قال: ~~من حسن الحظ أن عرفة لا يخلو من فوائد! # ترك الناظر الجوزة ليد المليحة وهو يزفر دخانا كثيفا بدا ~~مفضضا في ضوء القمر ثم قال بحسرة: لم يدركنا الهرم؟ ألذ الطعام ~~نأكله وأبهج الشراب نشربه وأطيب العيش نهنأ به، لكن المشيب يزحف في ~~أوانه لا يرده شيء كأنه الشمس أو القمر. ~~- لكن أقراص عرفة تحيل برودة الشيخوخة حرارة! ~~- ثمة شيء تقف أمامه عاجزا! ~~- ما هو يا سيدي؟ # بدا الناظر حزينا في ضوء القمر، وتساءل: ما أبغض الأشياء إلى ~~قلبك؟ # لعله السجن الذي وضع فيه، لعلها الكراهية المحدقة به، لعله الهدف ~~الذي تنكب عنه، لكنه قال: ضياع الشباب! ~~- كلا، لا خوف عليك من ذلك. ~~- كيف وزوجي غاضبة؟ ~~- سيجدن دائما سببا أو آخر للغضب. # واشتد هبوب النسيم مرة فارتفع حفيف الغصون وتوهجت الجمرات في ~~المجمرة. وتساءل قدري: لماذا نموت يا عرفة؟ # فرمقه بكآبة ولم ينبس فأردف الآخر: حتى الجبلاوي مات. # كأن إبرة انغرزت في قلبه، لكنه قال: كلنا أموات وأبناء ~~أموات. # فقال في ضجر: لست في حاجة إلى تذكيري بما قلت. ~~- ليطل عمرك يا سيدي. ~~- طال أو قصر فالنهاية هي تلك الحفرة التي تعشقها ~~الديدان. # فقال عرفة برقة: لا تدع الأفكار تكدر صفوك. ~~- إنها لا تفارقني. الموت .. الموت .. دائما الموت، يجيء في أي ~~لحظة، ولأتفه الأسباب، أو بلا سبب على الإطلاق، أين الجبلاوي؟ أين ~~الذين تتغنى بأعمالهم الرباب؟ هذا قضاء ما كان ينبغي أن ~~يكون. # ولحظه عرفة فرأى وجهه شاحبا وعينيه تنطقان بالفزع، فبدا التناقض ~~صارخا بين حاله وبين مجلسه، فداخله ms325 قلق وقال برقة: المهم أن ~~تكون الحياة كما ينبغي. # فلوح بيده غاضبا وقال بحدة نعت الصفو نعيا: الحياة كما ينبغي ~~وأحسن، لا ينقصها شيء، حتى الشباب تعيده الأقراص، ولكن ما جدوى ذلك ~~كله والموت يتبعنا كالظل؟ كيف أنساه وهو يذكرني بنفسه كل ~~ساعة؟ # سر لعذابه، لكنه سرعان ما سخر من مشاعره، وتابع يد الحسناء ~~بشوق وحنان، وتساءل في سره: من ذا يضمن لي أن أرى القمر ليلة ~~أخرى؟ ثم قال: لعلنا في حاجة إلى مزيد من الشراب! ~~- سنفيق في الصباح. # وجد نحوه ازدراء. وظن أن ثمة فرصة متاحة فأراد أن يخطفها فقال: ~~لولا حسد المحرومين من حولنا لتغير مذاق الحياة في أفواهنا! # فضحك الناظر ضحكة ساخرة وقال: قول بالعجائز أجدر! هبنا استطعنا ~~أن نرفع حياة أهل حارتنا إلى مستوى حياتنا فهل يقلع الموت عن ~~اصطيادنا؟ # فهز عرفة رأسه في تسليم حتى خفت حدة الرجل، ثم قال: الموت يكثر ~~حيث يكثر الفقر والتعاسة وسوء الحال. ~~- وحيث لا يوجد منها شيء يا أحمق. # فقال وهو يبتسم: نعم، لأنه معد مثل بعض الأمراض! # فضحك الناظر قائلا: هذا أغرب رأي تدافع به عن عجزك. # فقال متشجعا بضحكة: نحن لا ندري عنه شيئا فلعله أن يكون كذلك، ~~وإذا حسنت أحوال الناس قل شره؛ فازدادت الحياة قيمة وشعر كل سعيد ~~بضرورة مكافحته حرصا على الحياة السعيدة المتاحة. ~~- ولن يجدي ذلك فتيلا. ~~- بل سيجمع الناس السحرة ليتوفروا لمقاومة الموت، بل سيعمل ~~بالسحر كل قادر، هنالك يهدد الموت الموت. # وندت عن الناظر ضحكة عالية، ثم أغمض عينيه مستسلما للحلم. ~~وتناول عرفة الجوزة وشد نفسا طويلا حتى اشتعل الحجر. وعاد العود ~~بعد انقطاع يترنم وغنى الصوت الحنون «طول يا ليل» فقال قدري: أنت ~~حشاش يا عرفة لا ساحر. # فقال عرفة ببساطة: بذلك نقتل الموت. ~~- لم لا تعمل أنت وحدك؟ ~~- إني أعمل كل يوم، ولكن ما أعجزني وحدي أمامه! # واستمع الناظر إلى الغناء مليا دون حماس ثم سأله: آه لو تنجح ~~يا عرفة! أي شيء تفعله لو نجحت؟! # فقال وكأنما ms326 أفلت منه القول: أرد إلى الحياة الجبلاوي. # فلوى الرجل شفتيه بفتور وقال: هذا شأن يعنيك بصفتك قاتله! # فقطب عرفة متألما وغمغم بصوت غير مسموع: آه لو تنجح يا ~~عرفة! # 111 # وعند الفجر غادر عرفة بيت الناظر. كان من السطل في عالم مسحور ~~غائم المسموعات والمرئيات ولا تكاد تحمله قدماه. مضى ناحية بيته في ~~حارة غارقة في النوم مفروشة الأديم بضوء القمر. وعند منتصف ~~المسافة بين بيت الناظر وبيته - أمام باب البيت الكبير - اعترضه ~~شبح لم يدر من أين أتى، وقال له فيما يشبه الهمس: صباح الخير يا ~~معلم عرفة! # دهمه خوف لعله من المفاجأة انبعث، لكن تابعيه انقضا على الشبح ~~وأمسكا به. وتفرس فيه فوضح لعينيه على رغم ذهولهما أنه شبح امرأة ~~سوداء مرتدية جلبابا أسود يلفها من العنق حتى القدمين. أمر ~~خادميه أن يتركاها فتركاها ثم سألها: ما لك يا ولية؟ # فقالت بصوت أكد أنها سوداء: أريد أن أحدثك على انفراد. ~~- لمه؟ ~~- مكروبة تشكو إليك كربها! # فقال بضجر وهو يهم بالذهاب: الله يحنن عليك. # فقالت بضراعة نافذة: وحياة جدك الغالي إلا ما سمحت لي. # فحدجها بنظرة غاضبة لكنه لم يحول عن وجهها عينيه! تساءل: أين؟ ~~ومتى رأى ذلك الوجه؟! وإذا بقلبه يخفق خفقة أطارت السطل من رأسه. ~~هذا الوجه الذي رآه على عتبة حجرة الجبلاوي وهو مختف وراء المقعد ~~في الليلة المشئومة! وهذه هي خادمة الجبلاوي التي كانت تشاركه ~~حجرته! وركبه خوف تخلخلت له مفاصله فحملق في وجهها فزعا. وسأله ~~أحد الخادمين: نطردها؟ # فخاطبهما قائلا: اذهبا إلى باب البيت وانتظرا. # انتظر حتى ذهبا، فخلا لهما المكان أمام البيت الكبير، وراح يتفرس ~~في وجهها الأسود الناحل وجبينها الضيق العالي وذقنها المدبب ~~والتجاعيد المحدقة بفيها وجبينها. وقال يطمئن نفسه: إنها من المؤكد ~~لم تره تلك الليلة، ولكن أين كانت منذ وفاة الجبلاوي؟ وماذا جاء ~~بها؟! وسألها: نعم يا ستي؟ # فقالت بهدوء: لا شكوى لي، وإنما أردت أن أخلو إليك لأنفذ ~~وصية! ~~- أي وصية؟! # فمال رأسها نحوه قليلا وهي تقول: كنت خادمة ms327 الجبلاوي وقد مات ~~بين يدي! ~~- أنت؟! ~~- نعم أنا فصدقني. # ولم يكن في حاجة إلى دليل فسألها بصوت مضطرب: كيف مات ~~جدنا؟ # فقالت المرأة بنبرة حزينة: اشتد به التأثر عقب اكتشاف جثة ~~خادمه، وبغتة احتضر فسارعت إليه لأسند ظهره المختلج! ذلك الجبار ~~الذي دان له الخلاء! # زفر عرفة بصوت حار كدر سكون الليل، وانخفض رأسه في حزن كأنما ~~يداريه عن ضوء القمر، وإذا بالمرأة ترجع إلى حديثها الأول قائلة: ~~جئتك تنفيذا لوصيته. # فرفع رأسه إليها مرتعشا، متسائلا: ماذا عندك؟ تكلمي. # فقالت بصوت هادئ كنور القمر: قال لي قبل صعود السر الإلهي: ~~«اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض ~~عنه.» # فانتفض عرفة كالملدوغ وهتف بها: يا دجالة! ماذا تمكرين؟! ~~- سيدي، حفظتك العناية. ~~- خبريني أي لعبة تلعبين؟ # فقالت ببراءة: لا شيء غير ما قلت، والله شهيد. # فسألها بارتياب: ماذا تعرفين عن القاتل؟ ~~- لا أدري شيئا يا سيدي، منذ وفاة سيدي وأنا طريحة الفراش، وأول ~~ما فعلت بعد شفائي أن قصدتك. ~~- ماذا قال لك؟ ~~- اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض ~~عنه. # فقال عرفة بتحد: كاذبة! أنت تعرفين يا ماكرة أنني ... (ثم مغيرا ~~نبرته) كيف عرفت بمكاني؟! ~~- سألت عنك أول ما جئت، فقالوا لي: إنك عند الناظر فلبثت ~~أنتظر. ~~- ألم يقولوا لك إنني قاتل الجبلاوي؟! # فقالت بارتياع: ما قتل الجبلاوي أحد! وما كان في وسع أحد أن ~~يقتله. ~~- بل قتله الذي قتل خادمه. # فهتفت بغضب: كذب وافتراء، لقد مات الرجل بين يدي. # وجد عرفة رغبة في البكاء لكنه لم يسفح دمعة واحدة، ورنا إلى ~~المرأة بطرف منكسر، فقالت ببساطة: فوتك بعافية. # فسألها بصوت غليظ متحشرج كأنه صوت ضميره المعذب: أتقسمين على ~~أنك صادقة فيما قلت؟ # فقالت بوضوح: أقسم بربي وهو شهيد. # ومضت وألوان الفجر تخضب الأفق فأتبعها ناظريه حتى اختفت ثم ذهب. ~~وفي حجرة نومه سقط مغشيا عليه. وأفاق بعد دقائق فوجد نفسه متعبا ~~لحد الموت فنام، لكن نومه لم يستمر أكثر من ساعتين ثم أيقظه ms328 القلق ~~الباطني. ونادى حنش فجاءه الرجل، فقص عليه قصة المرأة والآخر ~~يحملق في وجهه كالمنزعج، فلما فرغ من قصته ضحك حنش قائلا: هنيئا ~~لك سطل الأمس. # فغضب عرفة وهتف به: لم يكن ما رأيت سطلا، ولكن حقيقة لا شك ~~فيها. # فقال حنش برجاء: نم، أنت في حاجة إلى نوم عميق. ~~- ألا تصدقني؟ ~~- كلا طبعا، وإذا نمت كما أود واستيقظت بعد حين فلن تعود إلى ~~هذه القصة. ~~- ولم لا تصدقني؟ # فضحك قائلا: كنت في النافذة وأنت تغادر بيت الناظر فرأيتك وأنت ~~تقطع عرض الحارة نحو بيتك. وقفت قليلا أمام باب البيت الكبير ثم ~~واصلت السير يتبعك خادماك! # فوثب عرفة واقفا وهو يقول بظفر: إلي بالخادمين. # فأشار حنش إليه محذرا ثم قال : كلا، وإلا شكا في عقلك. # فقال بإصرار: سأستشهد بهما على مسمع منك. # فقال حنش متوسلا: لم يبق لنا إلا شيء من الكرامة حيال الخدم ~~فلا تبدده. # فلاحت في عيني عرفة نظرة جنونية، وراح يقول ذاهلا: لست ~~مجنونا، وليس هو بالسطل! مات الجبلاوي وهو عني راض. # فقال حنش بعطف: فليكن، ولكن لا تدع أحدا من الخدم. ~~- إذا وقعت كارثة فستقع أول ما تقع فوق رأسك. # فقال بحلم: لا سمح الله، فلندع المرأة لتحدثنا بنفسها، أين ~~ذهبت؟ # فقطب متذكرا، ثم قال بإشفاق: نسيت أن أسألها عن مسكنها! ~~- لو كان حقيقة ما رأيت لما تركتها تذهب! # فهتف عرفة بإصرار: كان حقيقة، لست مجنونا، وقد مات الجبلاوي وهو ~~عني راض. # فقال حنش بعطف: لا تجهد نفسك فأنت في حاجة إلى الراحة. # واقترب منه فربت رأسه، وبحنو دفعه نحو الفراش، وما زال به حتى ~~أرقده. أغمض الرجل عينيه إعياء، وما لبث أن نام نوما ~~عميقا. # 112 # قال عرفة بهدوء وتصميم: قررت أن أهرب. # فدهش حنش دهشة فوق ما يطيق حتى توقفت يداه عن العمل. ونظر بحذر ~~فيما حوله، وعلى الرغم من أن حجرة العمل كانت مغلقة فإنه بدا ~~خائفا. ولم يكترث عرفة لدهشته، ولم تكف يداه عن العمل، وراح ~~يقول: هذا السجن لم يعد يمدني ms329 إلا بأفكار الموت، وكأن الطرب ~~والشراب والراقصات ليست إلا ألحان الموت، وكأنني أشم رائحة القبور ~~في أصص الأزهار. # فقال حنش بقلق: لكن الموت نفسه ينتظرنا في الحارة. ~~- سنهرب بعيدا عن الحارة. # ثم وهو ينظر في عيني حنش: وسنعود يوما لننتصر. ~~- إذا استطعنا الهرب! ~~- اطمأن لنا الأوغاد فلن يعجزنا الهرب. # وواصلا العمل مليا في صمت، ثم تساءل عرفة: أليس هذا ما كنت ~~تود؟! # فتمتم حنش في حياء: كدت أنسى .. ولكن خبرني ما الذي دعاك اليوم ~~إلى هذا القرار؟ # ابتسم عرفة وهو يقول: إن جدي أعلن رضاءه عني على رغم اقتحامي ~~بيته وقتلي خادمه. # فعاودت الدهشة وجه حنش وهو يتساءل: أتغامر بحياتك لحلم رأيته في ~~السطل؟ ~~- سمه بما تشاء، لكني واثق من أنه مات وهو عني راض. لم يغضبه ~~الاقتحام ولا القتل، لكن لو اطلع على حياتي الراهنة لما وسعته ~~الدنيا غضبا. # ثم بصوت خافت: لذلك نبهني بلطف إلى سابق رضاه! # فقال حنش وهو يهز رأسه عجبا: لم يكن من عادتك أن تتحدث عن ~~جدنا باحترام. ~~- كان ذلك في الزمان الأول وأنا كثير الارتياب، أما وقد مات فحق ~~للميت الاحترام. ~~- الله يرحمه. ~~- وهيهات أن أنسى أنني المتسبب في موته؛ لذلك فعلي أن أعيده ~~إلى الحياة إذا استطعت، وإن تيسر لي النجاح فلن نعرف ~~الموت. # فرمقه حنش بأسى وقال: لم يسعفك السحر حتى اليوم إلا بأقراص ~~منشطة وقارورة مهلكة! ~~- نحن نعرف من أين يبدأ السحر؟ لكن لا نستطيع أن نتخيل أين ~~ينتهي؟ # وأجال بصره في الحجرة قائلا: سنتلف كل شيء إلا الكراسة يا حنش، ~~فهي كنز للأسرار، وسأجعلها فوق صدري، ولن نجد الهرب عسيرا كما ~~تتوهم. # ومضى عرفة كعادته مساء إلى بيت الناظر. وقبيل الفجر عاد إلى ~~بيته. وجد حنش مستيقظا في انتظاره فلبثا في حجرة النوم ساعة حتى ~~يطمئنا إلى نوم الخدم. وتسللا معا إلى السلاملك في خفة وحذر. وكان ~~شخير الخادم النائم في شرفة السلاملك يتصاعد في انتظام، فهبطا ~~السلم، واتجها نحو الباب. ومال حنش إلى فراش البواب فرفع بيده ~~هراوة ms330 وهوى بها عليه لكنها أصابت جسما قطنيا فارغا وأحدثت ~~صوتا مزعجا في سكون الليل. ثبت لهما أن البواب ليس في فراشه. ~~وخافا أن يكون الصوت قد أيقظ أحدا فلبثا وراء الباب بقلب خافق. ~~ورفع عرفة المزلاج وفتح الباب على مهل ثم خرج وحنش في أثره. وردا ~~الباب وسارا لصق الجدران نحو ربع أم زنفل يخترقان ظلمة صامتة. ~~واعترضهما في منتصف الحارة كلب رابض فوقف مستطلعا، وجرى نحوهما ~~متشمما، وتبعهما خطوات ثم توقف وهو يتثاءب. ولما بلغا مدخل ~~الربع قال عرفة همسا: ستنتظرني هنا، وإذا رابك شيء فصفر لي ~~واهرب إلى سوق المقطم. # دخل عرفة الربع فاجتاز الدهليز إلى السلم ورقي فيه حتى غرفة أم ~~زنفل، ونقر على الباب حتى سمع صوت زوجته وهي تسأل عن الطارق فقال ~~بسرعة وحرارة: أنا عرفة، افتحي يا عواطف. # ففتحت الباب فطالعه وجهها الشاحب من أثر النوم على ضوء مصباح ~~صغير بيدها. قال مباشرة: اتبعيني، سنهرب معا. # وقفت تنظر إليه في ذهول على حين ظهرت وراء كتفها أم زنفل، فقال: ~~سنهرب من الحارة، سنعود كما كنا، أسرعي. # ترددت قليلا، ثم قالت بنبرة لم تخل من غيظ: ما الذي ذكرك ~~بي؟ # فقال بلهفة ولهوجة: دعي الملام لحينه فللدقيقة الآن ~~ثمنها! # وإذا بصفير حنش ينطلق وضجة تترامى فهتف في فزع: الكلاب! ضاعت ~~الفرصة يا عواطف. # وثب إلى رأس السلم فرأى في فناء الربع أضواء وأشباحا فارتد ~~يائسا، وقالت عواطف: ادخل. # فقالت أم زنفل بخشونة دفاعا عن نفسها: لا تدخل. ~~- وما فائدة الدخول؟ # وأشار إلى نافذة صغيرة بدهليز المسكن وسأل زوجته بسرعة: علام ~~تطل؟ ~~- المنور. # فاستخرج الكراسة من فوق صدره واندفع نحو النافذة منحيا عن ~~سبيله أم زنفل، ثم رمى بها. وغادر المسكن مسرعا فأغلق الباب ~~وراءه. وصعد درجات السلم القليلة المؤدية إلى السطح وثبا. أطل ~~من فوق السور على الحارة فرآها تعج بالأشباح والمشاعل. وترامت إلى ~~أذنيه ضجة الصاعدين إليه. وجرى إلى السور الملاصق للربع المجاور من ~~ناحية الجمالية فرأى أشباحا تسبقه إليه وراء حامل مشعل. ارتد ms331 إلى ~~السور الآخر الملاصق لأحد ربوع الرفاعية فرأى من خلال باب سطحه ~~أنوار مشاعل قادمة! وتملكه يأس خانق. وخيل إليه أنه سمع صراخ أم ~~زنفل. ترى هل اقتحموا مسكنها؟ هل قبضوا على عواطف؟ وإذا بصوت عند ~~باب السطح يصيح به: سلم نفسك يا عرفة! # وقف مستسلما دون أن ينبس بكلمة. لم يتقدم منه أحد لكن الصوت ~~قال: إذا رميت بزجاجة انهالت عليك الزجاجات! # فقال: لا شيء معي. # انقضوا عليه فطوقوه. ورأى بينهم يونس بواب الناظر الذي اقترب ~~منه وصاح به: يا مجرم .. يا لئيم .. يا كافرا بالنعمة. # وفي الحارة رأى رجلين يسوقان أمامهما عواطف فقال بتوسل حار: ~~دعوها فلا شأن لها بي. # لكن لطمة الموت هوت على صدغه فأسكتته. # 113 # أمام الناظر الغاضب وقف عرفة وعواطف مقيدي اليدين إلى ~~ظهريهما. انهال الناظر لطما على وجه عرفة حتى كلت يداه وصاح ~~به: كنت تنادمني وأنت مبيت الغدر يا ابن الزانية! # فقالت عواطف بأعين دامعة: ما جاءني إلا ليصالحني! ~~- فبصق الناظر على وجهها وصاح: اخرسي يا مجرمة. # فقال عرفة: إنها بريئة ولا ضلع لها في شيء. ~~- بل شريكتك في قتل الجبلاوي وسائر جرائمك. # ثم وهو يهدر: أردت الهرب وسأهربك من الدنيا كلها. # ونادى رجاله فجاءوا بجوالين. دفعوا عواطف؛ فسقطت على وجهها ~~فسرعان ما قيدوا قدميها وأدخلوها في الجوال وهي تصرخ ثم ربطوا ~~فوهته ربطا محكما. وصاح عرفة بانفعال جنوني: اقتلنا كما تشاء، ~~سيقتلك الحاقدون غدا. # فضحك الناظر ضحكة باردة وقال: عندي من القوارير ما يحمينا إلى ~~الأبد. # فصاح عرفة: حنش هرب، بكل الأسرار هرب، وسوف يعود يوما بقوة لا ~~تقاوم فيخلص الحارة من شرك. # فركله في بطنه فسقط يتلوى. وانقض عليه الرجال ففعلوا به ما ~~فعلوه بزوجته ثم حملوا الجوالين خارجا، ومضوا بهما نحو الخلاء. ~~وما لبثت عواطف أن أغمي عليها، ولكن بقي هو يعاني العذاب. إلى أين ~~يسيرون بهما؟ وماذا أعدوا لهما من ألوان الموت؟ أيقتلونهما ضربا ~~بالنبابيت؟ بالأحجار؟ بالنار؟ أم رميا من فوق الجبل؟ يا لهذه ~~الدقائق الأخيرة من الحياة ms332 المشحونة بأفظع الآلام! حتى السحر لا ~~يستطيع أن يجد لهذا المأزق الخانق مخرجا. إن رأسه المتورم من ~~لطمات الناظر يرقد أسفل الجوال فيكاد أن يختنق. ولم يعد له من أمل ~~في الراحة إلا بالموت. سيموت وتموت الآمال، وربما عاش طويلا ذو ~~القهقهة الباردة. وسيشمت به الذين ود لهم الخلاص. ولن يدري أحد ~~ماذا سيفعل حنش. والرجال الذين يحملونه إلى الموت صامتون، لا ~~تند عن أحدهم كلمة، فليس ثمة إلا الظلام، وليس وراء الظلام إلا ~~الموت، وخوفا من هذا الموت انطوى تحت جناح الناظر فخسر كل شيء ~~وجاء الموت. الموت الذي يقتل الحياة بالخوف حتى قبل أن يجيء. لو ~~رد إلى الحياة لصاح بكل رجل: لا تخف .. الخوف لا يمنع من الموت ~~ولكنه يمنع من الحياة. ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكم ~~الحياة ما دمتم تخافون الموت. # وقال رجل من القتلة: هنا! # فقال آخر من القتلة معترضا: هناك الأرض طرية. # ارتعد قلبه على الرغم من أنه لم يفهم للكلام معنى، لكنها كانت ~~لغة الموت على أي حال. واشتد به العذاب المتوقع حتى أوشك أن يصيح ~~بهم أن اقتلوني، ولكنه لم يفعل. وفجأة هوى الجوال إلى الأرض فشهق ~~وارتطم رأسه بالأرض فهصر الألم عنقه وعموده الفقري. وانتظر بعد ~~لحظة وأخرى انقضاض النبابيت أو ما هو أفظع. ولعن الحياة كلها من ~~أجل الشر حليف الموت. وسمع يونس وهو يقول: احفروا بسرعة حتى نعود ~~قبل الصبح. # لم يحفرون القبر قبل القتل؟ وخيل إليه أنه يحمل المقطم فوق ~~صدره. وسمع أنينا ما لبث أن ميز فيه نبرة عواطف فندت عن جسده ~~المقيد حركة عنيفة. ثم ملأت دقات الحفر أذنيه! فعجب من غلظة أكباد ~~الرجال. وإذا بيونس يقول: سيلقى بكما إلى قعر الحفرة ثم يهال ~~عليكما التراب دون أن يمسكما إنسان بسوء! # فصرخت عواطف على رغم إعيائها، وهتفت أعماقه بلغة لم يدرها أحد. ~~ورفعتهما أيد شديدة، ثم رمت بهما إلى قعر الحفرة، فانهال التراب، ~~وارتفع الغبار في الغسق. # 114 # انتشر خبر عرفة في الحارة. ms333 لم يعرف أحد أسباب مصرعه الحقيقية، ~~ولكن بالتخمين عرفوا أنه أغضب سيده فدفعه هذا إلى مصيره المحتوم. ~~وذاع حينا ما أن عرفة قتل بنفس السلاح السحري الذي قتل به سعد ~~الله والجبلاوي. وفرح الجميع لقتله على رغم مقتهم للناظر، وكثر ~~الشامتون من أهل الفتوات وأنصارهم، فرحوا لمقتل الرجل الذي قتل ~~جدهم المبارك وأعطى ناظرهم الظالم سلاحا رهيبا يستذلهم به إلى ~~الأبد! وبدا المستقبل قاتما أو أشد قتامة مما كان بعد أن تركزت ~~السلطة في يد واحدة قاسية، واختفى الأمل في أن ينشب بين الرجلين ~~نزاع فيفضي إلى إضعافهما معا ولجوء أحدهما إلى أهل الحارة. وبدا ~~أنه لم يبق لهم إلا الخضوع، وأن يعتبروا الوقف وشروطه وكلمات جبل ~~ورفاعة وقاسم أحلاما ضائعة قد تصلح ألحانا للرباب لا للمعاملة في ~~هذه الحياة. # ويوما اعترض رجل أم زنفل وهي ذاهبة إلى الدراسة فحياها ~~قائلا: مساء الخير يا أم زنفل. # فرمقته بنظرة متفحصة فما عتمت أن قالت بدهشة: حنش؟! # فاقترب منها باسما ثم سألها: ألم يترك المرحوم شيئا في مسكنك ~~ليلة القبض عليه؟ # فقالت بلهجة من يقصد دفع الشبهة عن نفسه: لم يترك شيئا! رأيته ~~يرمي بأوراق إلى المنور، فتسللت إليه في نهار اليوم التالي فعثرت ~~بين القاذورات على كراسة لا فايدة منها ولا عايدة فتركتها ~~ورجعت. # التمعت عينا حنش بنور عجيب وقال برجاء: مدي لي يدك حتى أعثر ~~على الكراسة. # فأجفلت العجوز وهي تهتف: ابعدوا عني، لولا رحمة ربنا لهلكت في ~~المرة الماضية. # فأودع يدها قطعة من النقود حتى سكن فزعها، وواعدها آخر الليل حين ~~تنام العيون. وفي الموعد المضروب تسلل بإرشادها إلى أسفل المنور. ~~وأشعل شمعة، وجلس القرفصاء بين أكوام الزبالة وراح يفتش على كراسة ~~عرفة. فرز الأكوام ورقة ورقة وخرقة خرقة، وتخللت أصابعه الرماد ~~والتراب وبقايا المعسل وفتات الأطعمة المنتنة، لكنه لم يعثر على ~~ضالته. وصعد إلى أم زنفل فقال لها بيأس غاضب: لم أجد شيئا. # فهتفت المرأة ساخطة: لا شأن لي بكم! إنكم تجيئون ثم تتبعكم ~~المصائب. ~~- حلمك يا أمي! ms334 ~~- لم تترك لنا الأيام حلما ولا عقلا، خبرني ماذا يهمك في تلك ~~الكراسة؟ # فتردد حنش قليلا ثم قال: إنها كراسة عرفة. ~~- عرفة! الله يسامحه. قتل الجبلاوي، ثم أعطى الناظر سحره ~~وذهب. # فقال حنش بحزن: كان من أولاد حارتنا الطيبين لكن الحظ خانه، كان ~~يريد لكم ما أراد جبل وعرفة وقاسم، بل وأحسن مما أرادوا. # فحدجته المرأة بنظرة ارتياب، ثم قالت بغية التخلص منه: لعل ~~الزبال أخذ الزبالة التي تركت الكراسة فيها، ففتش عنها في مستوقد ~~الصالحية. # وذهب حنش إلى مستوقد الصالحية وسأل عن زبال حارة الجبلاوي، ثم ~~سأله عن زبالة الحارة، فسأله الرجل: تبحث عن شيء ضائع! ما ~~هو؟ ~~- كراسة! # فلاحت في عين الزبال نظرة مريبة، لكنه قال وهو يشير إلى ركن ~~في الحجرة الملاصقة للحمام: أنت وحظك، فإما تجدها عندك وإما تكون ~~في النار. # ومضى حنش يفتش في الزبالة بصبر وأمل. لم يبق له من أمل في ~~الحياة إلا تلك الكراسة. هي أمله وأمل الحارة. قتل عرفة السيئ ~~الحظ مغلوبا على أمره، لم يترك وراءه إلا الشر وسوء السمعة، فهذه ~~الكراسة جديرة بإصلاح أخطائه والقضاء على أعدائه وبعث الآمال في ~~الحارة المتجهمة. وإذا بالزبال يسأله: ألم تعثر على مطلوبك؟ ~~- أمهلني ربنا يكرمك. # فهرش الرجل إبطيه متسائلا: ما أهمية الكراسة؟ # فقال حنش دفعا للقلق الذي انتابه: فيها حسابات المحل وستراها ~~بنفسك! # وواصل بحثه على رغم تزايد مخاوفه، حتى سمع صوتا غير غريب عنه ~~يقول: أين قدرة الفول يا متولي؟ # ارتعدت فرائصه لدى سماع صوت عم شنكل بياع الفول بالحارة. لم ~~يلتفت نحوه ولكنه تساءل في جزع: ترى هل لمحه الرجل؟ وهل يحسن به أن ~~يهرب؟ وزادت سرعة يديه في التفتيش حتى بدا كالأرنب الذي يحفر مأوى ~~له. # وعاد عم شنكل إلى الحارة ليقول لكل من يصادفه: إنه رأى حنش رفيق ~~عرفة في مستوقد الصالحية مكبا على التفتيش في الزبالة عن كراسة ~~كما أخبره الزبال. وما إن بلغ الخبر بيت الناظر حتى ذهبت قوة من ~~الخدم إلى المستوقد، ولكنها لم تجد ms335 لحنش أثرا. ولما سئل الزبال ~~قال: إنه ذهب لبعض شأنه، ولما عاد كان حنش قد ذهب، ولم يدر إن كان ~~عثر على ضالته أم لا. # ولا يدري أحد كيف أخذ الناس يتهامسون فيما بينهم بأن الكراسة ~~التي أخذها حنش ما هي إلا كراسة السحر التي أودعها عرفة أسرار ~~فنونه وأسلحته، وأنها ضاعت في أثناء محاولته الهرب فحملت في ~~الزبالة إلى مستوقد الصالحية حيث عثر عليها حنش. # وانتشرت الأخبار من غرزة إلى غرزة بأن حنش سيتم ما بدأه عرفة ثم ~~يعود إلى الحارة؛ لينتقم من الناظر شر انتقام. وأكدت الأقوال ~~والظنون أن الناظر وعد من يجيء بحنش حيا أو ميتا بمكافأة كبيرة ~~كما أعلن ذلك رجاله في المقاهي والغرز. فلم يعد أحد يشك في الدور ~~المنتظر أن يلعبه حنش في حياتهم. وارتفعت في الأنفس موجة استبشار ~~وتفاؤل قذفت بعيدا بزبد القنوط والخنوع. وامتلأت القلوب عطفا على ~~حنش في مهجره المجهول، بل امتد العطف إلى ذكرى عرفة نفسه. وتمنى ~~الناس لو يتعاونون مع حنش في موقفه من الناظر لعلهم يحرزون ~~بانتصاره عليه نصرا لهم ولحارتهم، وضمانا لحياة خير وعدالة ~~وسلام. وصمموا على التعاون ما وجدوا إليه سبيلا باعتباره السبيل ~~الوحيد إلى الخلاص، إذا كان من المسلم به أنه لا يمكن التغلب ~~على القوة السحرية التي يحوزها الناظر إلا بقوة مثلها مما قد ~~يعدها حنش. # ونمى إلى علم الناظر ما الناس يتهامسون به فأوحى إلى شعراء ~~المقاهي أن يتغنوا بقصة الجبلاوي، وبخاصة مقتله بيد عرفة، وكيف أن ~~الناظر اضطر إلى مهادنته ومصادقته خوفا من سحره حتى تمكن منه ~~فقتله انتقاما للجد الكبير. # ومن عجب أن تلقى الناس أكاذيب الرباب بفتور وسخرية، وبلغ بهم ~~العناد أن قالوا: «لا شأن لنا بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر ~~عرفة، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر.» # ويوما بعد يوم مضت حقيقة عرفة تتكشف للناس. لعلها تسربت من ربع ~~أم زنفل التي علمت بالكثير عنه من عواطف على عهد إقامتها عندها. ~~ولعلها جاءت عن طريق حنش ms336 نفسه فيما كان يعرض للبعض عند مقابلته في ~~الأماكن النائية. المهم أن الناس عرفوا الرجل، وما كان ينشده من ~~وراء سحره للحارة من حياة عجيبة كالأحلام الساحرة. ووقعت الحقيقة ~~من أنفسهم موقع العجب فأكبروا ذكراه ورفعوا اسمه حتى فوق أسماء جبل ~~ورفاعة وقاسم. وقال أناس: إنه لا يمكن أن يكون قاتل الجبلاوي كما ~~ظنوا. وقال آخرون: إنه رجل الحارة الأول والأخير ولو كان قاتل ~~الجبلاوي. وتنافسوا فيه حتى ادعاه كل حي لنفسه. # وحدث أن أخذ بعض الشبان من حارتنا يختفون تباعا، وقيل في تفسير ~~اختفائهم: إنهم اهتدوا إلى مكان حنش فانضموا إليه، وإنه يعلمهم ~~السحر استعدادا ليوم الخلاص الموعود. واستحوذ الخوف على الناظر ~~ورجاله، فبثوا العيون في الأركان، وفتشوا المساكن والدكاكين، ~~وفرضوا أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصي للنظرة ~~أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف ~~والحقد والإرهاب. لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر، ~~واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا: لا بد ~~للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرين في حارتنا مصرع الطغيان ~~ومشرق النور والعجائب. ms337