######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.BaqiMinZamanSaca.Hindawi37390524 #META# Tags: novels #META# ID: 37390524 #META# Title: الباقي من الزمن ساعة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباقي من الزمن ساعة‏ # الباقي من الزمن ساعة‏ # | الباقي من الزمن ساعة # | الباقي من الزمن ساعة # تأليف # نجيب محفوظ # | الباقي من الزمن ساعة # للصورة التذكارية تعود كلما نبض قلبها بالحنين. حجرة المعيشة تزدان ~~جدرانها الخضراء بثلاث لوحات في أطر مموهة بالذهب. البسملة في ~~الصدر، الشهادة الابتدائية القديمة بالجناح الأيمن، صورة الرحلة ~~التذكارية بالجناح الأيسر. نسيت أشياء وأشياء ولكنها لم تنس عام ~~1936 تاريخ الصورة، ففي ذلك التاريخ كتب الخلود للحظة زمانية من ~~تاريخ أسرتها وهي تمرح فوق كليم مفروش فوق الأعشاب بحديقة القناطر ~~الخيرية. في الوسط جلس حامد برهان رب الأسرة، ممدود الساقين، ممتلئا ~~بالعافية، بدينا، وسيم الوجه ذا سمرة عميقة، وإلى يمينه جلست هي - ~~سنية المهدي - متربعة مغطية حجرها وساقيها بشال عريض متألقة ~~الوجه بملامحها الدقيقة الصغيرة، أما إلى يساره فجلست كوثر البكرية، ~~بجمالها المتواضع ونظرتها الوديعة، يليها محمد في الجلسة كما يليها في ~~العمر، مثل أبيه في التكوين والشكل، تليه منيرة بجمالها الفائق ونظرتها ~~المتوهجة. كان الأب في الخمسين والأم في الأربعين والإخوة يناهزون ~~البلوغ، وكان الجميع يبتسمون، تحبو فوق وجوههم فرحة الرحلة والسلام، ~~وبين أيديهم تقوم قوارير المياه الغازية وأطباق ورقية ملئت ~~بالسندوتشات والموز والبرتقال، على حين نهضت في الخلفية هضبة متدرجة ~~معشوشبة وأشجار منثورة، تنطلق فيما وراءها منارات القناطر وجماعات من ~~المتنزهين. تجللتها - الصورة - عذوبة شاملة ولم يظهر فيها أثر ~~للزمن. غير أن الزمن لم يتوقف لحظة واحدة خارج الصورة، ومن ضمن ما قضى ~~به ألا يبقى في بيت الأسرة اليوم إلا مالكته سنية المهدي وكبرى ذريتها ~~كوثر. وهو بيت فسيح، مكون من دور واحد يعلو فوق الأرض بدرجات ~~خمس، وحديقته تمتد من جانبه الجنوبي، مساحتها نصف فدان، تغنت عهدا ~~بالازدهار، وكابدت عهودا من الاضمحلال والوحشة. وضخامة البيت والحديقة ~~أثر من آثار حلوان القديمة، الرخيصة النائية، المغموسة في السكينة ~~والتأمل، التياهة بمياهها المعدنية وحماماتها الكبريتية وحديقتها ~~اليابانية، مصحة الأعصاب المتوترة والمفاصل المتوعكة والصدور المتهرئة ~~والعزلة الغافية. وجميع الدور بشارع ابن حوقل متشابهة - ما عدا البيت ~~المواجه ms01 لبيت الأسرة الذي بيع في أثناء الحرب العظمى الثانية لتشيد ~~مكانه عمارة جديدة - ولكن بيت المهدية يتميز بطلائه الأخضر، وهو ~~طلاء أغلب حجراته ذوات الأسقف العالية، وهو لون أغطية المقاعد بحجرة ~~المعيشة، والإصرار عليه يعكس ولع المرأة به، ويشير أيضا إلى ولعها ~~بالبيت نفسه الذي وثقت بينهما محبة خلقت للأبناء والأحفاد مشكلة ~~تعذر حلها في حينها. ومشيد البيت أبوها عبد الله المهدي، وكان في ~~آخر أطوار حياته فلاحا من الملاك المتوسطين، ولما اجتاحه الروماتزم ~~نصح بالإقامة في حلوان مدينة الصحة والجفاف؛ فابتاع أرضا وأقام البيت ~~تاركا أرضه لابنه البكري، مهاجرا بزوجته ووليدته سنية، ووزع الرجل ~~أملاكه بالتراضي بين ابنه وابنته جاعلا البيت في حصتها فلعب دورا ذا ~~شأن في حياتها؛ إذ نوهت به الخاطبة وهي تزكي سنية عند أم حامد برهان ~~فكان ضمن مغريات اختيارها. لكن سنية كانت على درجة من الوسامة ~~المقبولة، ونالت أيضا الابتدائية، واعترف لها بالذكاء وبأنها كانت ~~خليقة بإتمام تعليمها لولا إصرار الأب على حجبها. وكم حزنت لقراره! وكم ~~سفحت من دموع احتجاجا عليه! ولذلك، فرغم مهمتها كربة بيت وأم، ~~واظبت على قراءة الصحف والمجلات ووسعت مداركها حتى بلغت درجة من ~~النضج غير معهودة سندت بها حدسها الروحي وأحلامها العجيبة. ولعلها كانت ~~المرأة الوحيدة في شارع ابن حوقل التي تمسك دفتر حسابات لميزانية ~~الأسرة، كما كانت ترسل أخاها بالخطابات المطولة، ربما رغبة في ~~التعبير وإثباتا لقدرتها عليه. وعلى حبها القديم العميق لزوجها حامد ~~برهان شعرت في أعماقها بتفوقها عليه، ذكاء وعقلا، فضلا عن أنه لم ~~يحصل إلا على الابتدائية وإن التحق بعد ذلك بمدرسة التلغراف وتخرج ~~فيها. يضاف إلى ذلك أنه لا يعرف عن سلسلته العائلية إلا جدا واحدا ~~ولا يكاد يعرف عنه أكثر من اسمه، أما هي فتعرف كثرة من الجدود وإن لم ~~تشر إليهم إلا إشارات عابرة وفي مناسبات نادرة. وكبر حظ جدها ~~لأبيها من الذكر بسبب نقطة التحول التي أحدثها في حياته عندما دخل ~~الإسلام بعدما كان قبطيا من صلب أقباط، وفي ذلك ms02 قالت سنية ذات يوم ~~لحامد برهان ضاحكة: تاريخي غير راكد. # وكان حامد برهان - مثل زوجه - محبا للفخر؛ فجرى وراء المتاح من ~~أسبابه في حياته البسيطة المتواضعة، ملحا على إثبات رجولته، ودون ~~إغفال للحقيقة الساطعة وهي أنها مالكة البيت، وأنها مدبرته الحكيمة، ~~وأنها مربية الأبناء الرشيدة الواعية، فضلا عن أنها خالقة الجو ~~السعيد الذي نعم به طويلا. ومن آي حبه للفخر أيضا حومانه ~~المصر حول الإنجاز السياسي الوحيد في حياته، وهو تحريضه على إضراب ~~الموظفين في مطلع ثورة 1919؛ فهو يرويه بتفاصيله كلما سنحت فرصة، علما ~~بأنه الفعل الوحيد في حياته السياسية التي لم يبق له منها سوى حب ~~قلبي عميق للوفد لا يتجلى بصورة عملية إلا في الظروف النادرة التي ~~يسمح فيها بإجراء انتخابات حرة بين الأحزاب. وكان زوجا مثاليا في ~~أكثر من ناحية، فهو مولع بزوجه وأبنائه، وهو فحل في الرجال، وهو بريء ~~من الأدواء التي تتطفل على ميزانية موظف صغير مثله؛ فلا يسكر ولا يدخن ~~ولا يفسق بعينيه، حتى سهرته يمضيها مع إخوانه في حجرة الاستقبال ~~شتاء أو الفراندا بقية العام، وهم من أهل حلوان مثله؛ جعفر إبراهيم ~~ناظر على المعاش، خليل الدرس وكيل أعمال الوجيه نعمان الرشيدي، حسن ~~علما مهندس مبان، راضي أبو العزم مدرس علوم. تنطوي لياليهم في السمر ~~ولعب الطاولة وحديث السياسة مرددين نغمة واحدة صادرة عن لحن ~~وفدي أصيل؛ فلا نزاع ولا خصام. وعرف حامد برهان بالنظافة والأناقة ~~والتدين السمح اليسير الذي يعبق به جو الأسرة. وجبر الله خاطر ~~الوالدين بمحمد ومنيرة فشقا طريقهما في التعليم بنجاح واعد، خاصة ~~منيرة التي اختصت بالذكاء والجمال معا، إلا أن كوثر تمخضت عن ~~مشكلة مثيرة للقلق، فهي لم تظهر ميلا للتعليم ولا توفيقا فيه، ~~وانجذبت بطبعها نحو التدين وشئون البيت، فاضطرت إلى ملازمة البيت بعد ~~سقوط عامين متتاليين في المرحلة الثانوية، يومها قالت سنية لحامد: ست ~~البيت غير مطلوبة في هذا الزمان. # وتذكر الرجل حظها المتواضع من الجمال فغلبه الأسى، ولكنه قال: ~~يوجد أيضا الحظ وهو لا قانون ms03 له ! # وكان للأسرة حياتها الاجتماعية المشتركة، تجد في الرحلة سرورها، فيوم ~~للحديقة اليابانية، ويوم للقناطر الخيرية، ويوم لدار الآثار، رغم ~~أنها كانت أيام أزمة عالمية طاحنة، غير أن الموظفين ذوي المرتبات ~~الثابتة وجدوا يسرا في ظل الكساد وهبوط الأسعار؛ فاقتلعت العاصفة ~~الهوجاء كل قائم، ولاذت الأعشاب بالأمان فمرحت وهزجت بالأغاني. وكان ~~حامد برهان يمضي بأسرته دون حجاب، غير مبال بالقيل والقال، فلم يمل ~~إلى التزمت أبدا، وكانت وراءه امرأة تحسن التربية، وتعطي مثالا ~~في أداء الفرائض والسلوك الطيب. وتمضي الأيام فلا يتقدم أحد لطلب يد ~~كوثر وهي الوحيدة التي لا غاية لها إلا الزواج. وتبسط سنية راحتيها ~~بالدعاء عقب كل صلاة، أو يتهلل وجهها بالبشر أحيانا وهي تقول لحامد: ~~رأيت حلما سيكون له شأن! # أو تكلف أم سيد بقراءة الفنجان وتصغي إلى تأويلاتها الوردية؛ ~~فينتعش حامد بالأمل يهدهد همه المطارد. وما يلبث أن ينسى همه إلى ~~حين وهو يتابع أنباء المظاهرات، والصراع حول دستور 1923، والسعي نحو ~~إيجاد وحدة قومية لمواجهة الموقف. ويتمخض الجهد والدم عن حدث غير ~~عادي فتعقد معاهدة 1936. ليلتها ثمل حامد برهان بالنصر وقال للسمار: ~~كلل جهاد الوفد أخيرا بالفوز المبين. ~~••• # أجل كان ثمة آراء معارضة رددها الأستاذ راضي أبو العزم مدرس ~~العلوم معتذرا بقوله «ناقل الكفر ليس بكافر.» وكانت وردت قبل ذلك على ~~لسان محمد ومنيرة نقلا عما يسمعان في المدرسة. غير أنه لم يكن لها أثر ~~يذكر في الأسرة؛ فسنية وفدية مثل زوجها ومحمد وفدي أيضا، حتى منيرة ~~تعد وفدية بلا حماس، أما كوثر فلا تهتم إلا بما يدور في باطنها. ~~أما في جلسة السمر فكان الوفد متسلطا دون شريك، فتساءل جعفر إبراهيم: ~~كيف يتوقعون نتيجة أفضل من هذه؟ # فقال حسن علما: المعاهدة ثمرة صراع مرير بين إمبراطورية طاغية من ~~ناحية وبلد أعزل من ناحية أخرى، فهي مشرفة لا ريب في ذلك. # فقال حامد برهان: على من لا يقتنع أن يزحف على العدو بجيشه! # فقال خليل الدرس وكيل أعمال الوجيه نعمان الرشيدي: انتهت أيام ~~اللعنات وسوف ms04 يحكم الوفد إلى الأبد! # ولكن بدا أن أيام اللعنات لا تريد أن تنتهي؛ فقد انفجر صراع جديد ~~بين الوفد والملك الجديد، حول المعركة من معركة موجهة نحو الفقر ~~والجهل والمرض إلى المعركة التقليدية حول الدستور والحكم الديمقراطي، ~~وإذا بالوفد يطرد والأقليات تلعب دورا ديمقراطيا زائفا كغطاء ~~متهتك للاستبداد الملكي. تبادل الأصدقاء نظرات أسى مشتعل بالغضب. ~~أملوا أن يغضب الشعب غضبة من غضباته الماضية، ولكنه آثر أن ينتقل من ~~مكانه العريق فوق خشبة المسرح إلى مقاعد المتفرجين، حتى تساءل حامد ~~برهان: من أين جاءنا هذا الحظ الأسود؟! # واسترقت سنية نظرة إلى كوثر وقالت لنفسها: مثل حظك تماما يا ~~ابنتي! # واكفهر جو العالم كله وتطاير منه الشرر، ثم انحسر قناعه الأصفر عن ~~حرب عالمية جديدة. وأكثر من صوت قال: إيطاليا في ليبيا على بعد شبر ~~منا! # وكان محمد قد التحق بكلية الحقوق، ومنيرة على وشك الالتحاق بالآداب، ~~أما كوثر فما زالت تنتظر. ومحمد - مثل أبيه - انصهر بهزيمة الوفد ~~وأنباء المعارك، وجذبت نظره ذات يوم لافتة مثبتة على قضبان شرفة شقة ~~بشارع سعفان مسجل عليها بالخط الفارسي «الإخوان المسلمون» فدعاه حب ~~الاستطلاع والتوتر إلى اقتحام الشقة. ومضى يختلف إليها من حين إلى حين، ~~وينوه بما يلقى عليه فيها بين أسرته، حتى قال له حامد برهان: حسبك، ~~إني غير مرتاح لذلك! # فدافع الشاب عن وجهة نظره دفاعا بريئا ولكن أباه قال: أنت وفدي، ~~وأي تجمع آخر ما هو إلا منافس للوفد! # فقال محمد بإصرار: إنها مفتوحة للجميع! # ولم يطرأ عليه في تلك الفترة من تغيير إلا أن أضاف إلى مجال اطلاعه ~~بعض الكتب الدينية، على أن كوثر استغرقتها العبادة أكثر منه وإن عكست ~~عيناها الوديعتان نظرة أسى دائم. وضاعف من حرج الأسرة أن منيرة - وهي ~~تشرئب للجامعة - تقدم لطلب يدها مدير عام بالسكة الحديد في الخامسة ~~والأربعين من عمره. لا شك أن «درجته» فتنت حامد برهان، ولكنه - مثل ~~سنية - توجع لحال كوثر. غير أنه لم يكن بد من عرض الموضوع على ~~منيرة التي أدهشتهم ms05 بقولها الحاسم: لا أوافق! # فقال لها محمد: يستحسن أن يسبق أي قرار بالتفكير المناسب. # فقالت بصراحة: لا داعي لذلك على الإطلاق. # وارتاح الوالدان في أعماقهما وإن تظاهرا بغير ذلك. ولم يكن القهر ~~يلعب دورا في الأسرة، وكان الأبناء يحظون بنعمة غير معهودة من الحرية ~~والصراحة. على أن منيرة لم ترفض الرجل لفارق السن فقط، فالحقيقة أنها ~~كانت واقعة في حب. لم يفطن أحد إلى حبها، ولا أمها التي ترى بروحها ~~أحيانا بالإضافة إلى عينيها، وكان حبها مشكلة. أحبت شابا من ~~حلوان تبين لها أنها تكبره بسبعة أعوام! كان طالبا بالمرحلة ~~الثانوية، كثير السقوط ولكنه ذو مظهر خادع. رأته أول ما رأته في ~~الحديقة اليابانية فاتسعت عيناه مرسلة دهشة ذاهلة باسمة تحية للحسن ~~الرائق، وجلس قبالتها في القطار أو لعله تعمد الجلوس قبالتها، وراح ~~يسترق النظر طيلة الطريق إلى القاهرة. كان ذا مظهر يكبر سنه بكثير، ~~مترامي الأبعاد مبادرا للرجولة قبل أوانها؛ فظنته موظفا أو طالبا ~~في القمة، وكان إلى ذلك فحل الملامح والصوت. وراح يتابعها بإصرار وشغف ~~حتى غزاها بلطف وثبات. وجد قلبا يخفق بنظرة متوثبة، متعطشة لأول قطرة ~~ماء كي تتفتح أكمامها وتنبثق ألوانها الضاحكة. هكذا تسلط على فؤادها ~~فاستسلمت للنداء المطرب حالمة بسعادة مشرقة. وعند لحظة فريدة يتصارع ~~فيها الحياء والمغامرة ردت آخر تحياته أمام تمثال بوذا الغافي في ~~سلام بالحديقة اليابانية، فقال متنهدا: أخيرا! .. سامحك ~~الله! # وفي ارتباكها سألته متلعثمة: ماذا تريد؟ # فقال بهدوء مغتصب: ليس عندي أكثر مما يدل عليه حالي. # فعضت على شفتيها لتئد ابتسامة خائنة، فقال برقة: ليس وراء الحب ~~شيء. # قالت لنفسها ما أصدقه! وتلاقيا مرات في الجنفواز على مبعدة يسيرة من ~~الجامعة ليزدادا ببعضهما تعارفا. كان ثمة تشابه بين أسرتيهما؛ فأبوه ~~ناظر مدرسة ابتدائي، له أخت متزوجة وأخ ضابط بالجيش، اسمه سليمان ~~بهجت. ولما عالنها بسنه وصفه المدرسي تلقت لطمة مباغتة لم ~~تتوقعها. كانت تشارف مرحلتها الجامعية بقسم اللغة الإنجليزية، وربما ~~توظفت وهو يلتحق بالجامعة؛ فأي مهزلة وأي خدعة! اضطرب ميزان عقلها ms06 ولكن ~~قلبها صمد صمود العاشقين، طرحا العواقب جانبا. ولاحظ سليمان وجومها ~~ولم تغب عنه أسبابه، فقال: في الحب لا أهمية للمشكلات السطحية. # فتساءلت بحيرة: أهي سطحية حقا؟ ~~- بلا شك، علينا أن نصر على حبنا حتى نتزوج. # فقالت بسرور خفي: إنك جاد ولي فيك كل الثقة، ولكني أسألك مهلة ~~للتفكير لصالح كلينا. # فقال بيقين: إني أعرف صالحي تماما (ثم ضاحكا) ولن أسمح لك ~~بالتراجع. # ولم تجد في أسرتها من تفضي إليه بسرها سوى أمها. اقتحمت غرفتها ~~الخضراء عقب صلاة العصر رادة الباب وراءها وجلست قائلة: إليك حكايتي ~~يا ماما ... # لما أدركت أنها حكاية خطوبة نور قلبها بالسرور، ولكنه سرعان ما ~~انطفأ لدى طرح المشكلة. وتفرست في وجهها فاستشفت ميلها الدفين وراء ~~قناع الحيرة فأدركها الجزع. قالت لنفسها إن حظ كوثر سيئ، أما جوهرة ~~الأسرة فلا يجوز أن يسوء لها حظ. قالت بثبات: مشروع فاشل ولا خير ~~فيه. # فرمقتها منيرة بنظرة كئيبة، فواصلت: الرجل الأكبر في السن مقبول ألف ~~مرة أكثر من المرأة الأكبر، حذار يا منيرة! ما هو إلا عبث صبي لا يوثق ~~به، وأنت رشيدة مثقفة. # فلاذت بالصمت الذي أدركت الأم معناه، فقالت بقلق: الناس يحبون ~~ليسعدوا لا ليجعلوا من حياتهم نادرة يتندر بها، لن يمنعك أحد مما ~~تريدين، أنت حرة تماما في اتخاذ قرارك، ولكني أحذرك؛ فالمرأة تمضي ~~إلى الشيخوخة أسرع من الرجل. # فتمتمت بغموض: أشكرك يا ماما! # فقالت برجاء: لا داعي للعجلة، فكري على مهل، دعي الأمر معلقا حتى ~~يئون أوان الزواج ثم انظري ماذا يبقى منه. # فقالت منيرة وهي مستغرقة بالحيرة: حل موفق يا ماما. ~~- عظيم، وليكن الأمر سرا حرصا على الكرامة! # ولكنها لم تعتد أن تخفي عن حامد برهان أمرا ذا بال؛ فأشركته في همها ~~قبل انتقاله إلى مجلس السمار. وفاق تأثره بالسر تأثرها؛ إذ كان ~~عاطفيا أكثر منها، أو كان دونها في ضبط النفس، قال بنبرة المتشكي: ~~أي حظ يا ابنتي! .. إنك درة التاج فلم تبتلين بهذه التجربة؟ # وتفكر مليا ثم قال: إنه مشروع فاشل، ms07 ولكنه خليق بأن يقوم عثرة ~~في سبيل من يطلب يدها! # ولم تر سنية حلما ذا معنى، وضربت تأويلات أم سيد للفنجان في ~~آفاق بعيدة عن الموضوع. أما سليمان بهجت فقد عدل عن رغبته الملحة ~~في إعلان الخطوبة، قانعا بعلاقة أقرب إلى الصداقة مورست في مودة ~~وتحفظ وصينت بالصبر الطويل. على أن سرا بهذه الخطورة لا يمكن أن ~~يبقى سرا طويلا؛ فما دام توجد رائحة نفاذة وجو ذو قابلية ~~لسريان الرائحة فلا بد للرائحة من أن تنتشر. انكشف في بيت سليمان بهجت ~~وقال له أخوه الضابط: أحسنت الاختيار. # وكثرة من زميلات منيرة بالكلية عرفنه، وزحف أخيرا على شارع ابن ~~حوقل فنوقش في مجلس السمار، وبذلك عرف القاصي والداني أن كريمة ~~حامد برهان الجميلة «محجوزة» فلم يتقدم أحد ليخطبها، مثلها مثل أختها ~~كوثر التي طال بها الانتظار وتقدم بها العمر. وكانت أيام حرب وبلاء، ~~واحتلت الوفيات الصفحات الأولى من الصحف ولكن على نطاق العالم، ~~والتهم الخراب العواصم الزاهرة، ودنا الخطر من مصر حتى ترددت أنفاسه ~~في القاهرة والإسكندرية، فقال حامد برهان: من راقب بلوى العالم هانت ~~عليه بلواه! # واختل ميزان المعيشة؛ فتوارت الأسعار القديمة إلى الأبد، وانهمرت ~~الثروات على أناس، فلم يبق في القعر إلا الموظفون، فتساءلت سنية: ما ~~جدوى إمساك دفتر لميزانية وهمية؟! # ولولا عودة الوفد للحكم عقب أزمة خطيرة وتقريره علاوة الغلاء لهلك ~~الموظفون. ولم يزعزع الحدث إيمان حامد برهان بوفديته، بل رقص ~~السمار فرحا وشماتة بالملك. وقالت منيرة: إنه شيء بشع لا ~~يصدق. # وقال محمد لأبيه: ما أفظع ما يقال! # فقال حامد برهان بثقة: كل قول جدير أن يتحطم على صخرة صلدة هي وطنية ~~مصطفى النحاس. # فهزت سنية رأسها باسمة وتمتمت: نطقت بالحق. # وتمضي الأحداث، ويميل مؤشر النصر إلى الناحية الأخرى، ويقال الوفد ~~كالعادة من الحكم، وبعد عامين يحال حامد برهان إلى المعاش لبلوغه ~~السن القانونية، شد ما انقبض صدره حتى ساوره شعور بأنه يموت قبل ~~الموت. لدى رجوعه إلى حلوان نازعا معطف الوظيفة لأول مرة اجتاحته ~~كآبة ثقيلة، ms08 وداخله إحساس بالخجل كأنما ارتكب إثما. قال لنفسه: ما ~~زلت في تمام الصحة والعافية. # ورسم لنفسه - وهو قابع في قطار حلوان - خطة يتحدى بها قرار الحكومة؛ ~~أن يستيقظ في ميعاده المبكر، أن يتمشى ما بين الصحراء والحديقة ~~اليابانية كل صباح مغترفا من هواء حلوان الجاف، أن يواظب على الارتواء ~~من المياه المعدنية، أن يعنى بحديقة البيت ما وسعته طاقته المالية ~~المحدودة. وتلقته سنية باسمة، دعت له بطول العمر، مطاردة أفكارا ~~كئيبة تطن في باطنها كالذباب. عطفت عليه، رأت وجومه وراء ضحكته ~~المفتعلة، قاسمته الانفعال بالزمن والخوف من المجهول، بالإضافة إلى ~~همومها كربة بيت تفعل المستحيل للاحتفاظ بالحد الأدنى في مواجهة حياة ~~يشتد عسرها في بطء وثبات. وحمدت الله على الفرج المنتظر بتخرج محمد ~~ثم منيرة. قالت في لحظة تأمل: أشعلوا الحرب وذهبوا، وعلينا أن ندفع ~~الثمن! # واستوعب الغذاء والكساء كل شيء، ولكن ألا يحتاج هذا البيت الكبير إلى ~~ترميم وطلاء؟ .. وهذه الحديقة التي عقمت أشجارها الباقية، وذبلت شجيرات ~~أزهارها، وشغلت الأرض الرملية أكثر سطحها ألا تحتاج إلى بعث؟ .. أين هي ~~من ذلك كله؟! وهي حتى متى تحمل أعباء البيت ولا معين لها إلا فتاة ~~منكسرة القلب، وخادم تماثلها في السن ضئيلة المهارة لا تحسن إلا ~~قراءة الفنجان ونادرا ما تصدق لها قراءة؟ ولكن الهموم تتداوى بالهموم ~~أحيانا؛ فقد اقتحم البيت هم في صورة فرح باسم. أجل أخيرا جاء رجل ~~يطلب يد كوثر! كان خليل الدرس - أحد السمار - وهو الخاطبة! وكان ~~العريس الوجيه نعمان الرشيدي الذي يعمل الرجل وكيلا لدائرته. قال خليل ~~الدرس لحامد برهان: رجل ولا كل الرجال. # ثم مبادرا قبل أن تلعب الآمال بقلب حامد: حقا لم يتعلم ولكن ما ~~حاجته إلى التعليم؟ وهو في الستين ولكنه يحظى بصحة ابن الثلاثين، له ~~أبناء ثلاثة ولكنهم موظفون ومتزوجون، يملك أرضا وعمارات وأموالا ~~سائلة، يقيم في فيلا أنيقة بشارع الزقازيق بمصر الجديدة، ولما ماتت ~~زوجه منذ عام غشيته وحدة لم يألفها، فضاق بها وغمرته كآبة ثقيلة حتى ~~اقترحت عليه فكرة الزواج ms09 فرحب بها بحماس فاق تقديري بكثير، فطلبت ~~إلى زوجتي أن تدعو ست سنية وكوثر لزيارة، ودعوته من ناحيتي، ويسرت له ~~رؤيتها في الحضور والانصراف فسر جدا وأمرني أن أتم السعي، وها ~~أنا أفي بما تعهدت به. # هكذا ذابت هموم الحياة اليومية واستأثر المشروع الجديد بالأفئدة. ~~أسكتوا الراديو في حجرة المعيشة، وأفضى حامد برهان بما لديه، ثم قال: ~~هذا هو العريس فما الرأي؟ # همت كوثر بالانسحاب ولكن حامد برهان أمسك بساعدها وجذبها إلى جانبه ~~بحنان قائلا: هنا مكانك. # فقال محمد ضاحكا: من حسن الحظ أن الحكومة لا تتدخل في هذه ~~الشئون. # وساءلت سنية نفسها لم يتعثر حظ ابنتيها فلا يعرف الطريق المألوف؟ ~~وقالت: لنترك الأمر لصاحبة الشأن! # فقال حامد برهان: طبعا طبعا .. ولكن لا بأس من إبداء الرأي مساعدة ~~لها، الرجل ثري، والمال زينة الحياة الدنيا! # وهم محمد بتكملة الآية ولكنه عدل عن ذلك. كان ينظر إلى بقاء أخته ~~في البيت الكبير بلا زواج ولا علم ولا عمل بقلق شديد. قال: فرصة لا ~~يصح الاستهانة بها. # فقالت منيرة: أوافق على رأي كوثر دون قيد أو شرط. # فقال لها أبوها: لم تقولي شيئا! # فقالت بإصرار: قلت كل شيء. # ونظر حامد برهان نحو سنية وهي متربعة فوق الكنبة فتمتمت: رجل مقبول ~~من بعض النواحي ولكني تمنيت لها حظا أفضل .. وهربت بوجهها من ~~نظرتهم فاستقرت عيناها على الصورة التذكارية. وقالت كوثر لنفسها إنهم ~~يميلون للموافقة. وهي أيضا مالت إليها منذ اللحظة الأولى؛ فهذا الرجل ~~هو أول رجل يتقدم، وهي تغوص في السادسة والعشرين تكتنفها أحوال تدعو ~~إلى اليأس، وهي تثير العطف حتى كرهته، وباتت تخجل من لقاء الزائرات. ~~ولما مسها أبوها برقة متسائلا: وأنت يا كوثر؟ # أحنت رأسها وغمغمت بصوت لم يسمع: موافقة. # وانتهت الجلسة بسلام ولكن ثمة شعور بالذنب طاردهم قاوموه بالشعارات ~~الطيبة. وعندما خلا حامد برهان بسنية عقب انصراف السمار قال: بارك ~~الجميع قرارنا. # نظرت إليه فهالها أن ترى عينيه دامعتين، لم تدهش لما تعلمه من ~~سخاء عينيه إذا مس وتر حميم ms10 في قلبه، أما هي فتبكي في الداخل. ~~وسألته بأسى: لم تبكي يا رجل؟ # فتنهد قائلا: من العجز وسوء الحظ. # عنى عجزه المالي وسوء حظ ابنته. وهو كان يرى أكثر مما يتصور من حوله. ~~لاحظ بقلب متغضن انزواء كوثر، أسى نظرتها، معاناتها للمراهقة، إغراقها ~~اليائس في العبادة، تطوعها لخدمة إخوتها في استسلام كامل، فدفعه ذلك ~~كله إلى مواجهة عجزه. ماذا فعل من أجلها؟ ماذا يملك من المغريات؟ وكم ~~قسا عليها أيام الدراسة مصرا على تحميلها ما يفوق طاقتها رغم أنه ~~كان مثلها في معاناة التعليم، وإلا لشق لنفسه طريقا آخر أبعث للآمال ~~له ولذريته. وسأل زوجته ومرشدته: ما العمل الآن؟ # استخرجت من الجملة القصيرة مضمونها الخفي فقالت: عندي مجوهرات لا ~~بأس بها! # فقال بذل: أحاول أن أقترض أيضا؟ # فقالت بضيق: لن تجد ضامنا، ولا ضرورة لذلك. # على أن السيد الوجيه نعمان الرشيدي جعل من العسر يسرا؛ نشط نشاطا ~~كبيرا فأهدى أثاث فيلته إلى أبنائه، وأعاد تأثيثها على أحدث طراز، وفي ~~مقابل ذلك اتفق على صداق ومؤخر صداق رمزيين. وارتاحت الأسرة في ~~الأعماق لذلك ولكن تجلى طفحه في الوجوه في صورة كبرياء جريح. لذلك ~~غالت الأم في تزويد كريمتها بالثياب أشكالا وألوانا، وأغدقت عليها ~~هدايا ثمينة؛ أساور ذهبية وقرطا ماسيا وساعة أثرية. وبدا الوجيه ~~حريصا على الوقت فتحدد يوم لكتب الكتاب في البيت الكبير شهده الأصدقاء ~~ولم يحضره أحد من أبناء الوجيه، معلنين بذلك مقاطعتهم التي تواصلت إلى ~~الأبد. ومضى الوجيه بعروسه في سيارته المرسيدس البيضاء مودعا ببسمات ~~متلألئة بالدموع كرمز للفرح والأسى معا. وعقب الزيارة الأولى التي ~~قامت بها الأسرة لفيلا شارع الزقازيق قال حامد برهان: كوثر سعيدة ~~والحمد لله. # كانت سعيدة حقا، وسرعان ما بادلت زوجها حبا بحب. كان حبا ~~حييا هادئا ولكن بالقياس إليها كان الحب كله. وما لبثت أن بشرتهم ~~بمقدم مخلوق مجهول من الغيب؛ فانغرست البشاشة في قلب سنية المهدي ~~طارحة ورودا وأزهارا. وأضفت التسريحة الجديدة على وجه كوثر أنوثة، ~~وأكسبها الزواق ملاحة، وأسبغت عليها الثياب الفاخرة ms11 جلالا وسؤددا ~~وإن لم تهمل يوما سجادة الصلاة. وأخفت عن أمها هموما صغيرة تسللت ~~إلى وجدانها من جراء محاولات مستميتة بذلها نعمان الرشيدي ليقنعها ~~باحتساء القليل من الويسكي، لاجئا إلى إصدار فتاوى شخصية لا أساس لها ~~بأن الشرب الشرعي حلال، حتى يئس فقنع بالمتاح. وما إن رفع حامد برهان ~~رأسه عن هم كوثر حتى ركز عينيه على العمارة الجديدة التي استوت قائمة ~~في مواجهة بيته. وبدأ الهدم ورمي الأساس من سنوات، وتوقف العمل وقتا ~~غير قصير لأسباب مجهولة، ثم استؤنف حتى اكتملت بقاعدتها الواسعة ~~وقامتها المديدة. أسف حامد لذلك غاية الأسف، وتحسر على زوال حديقة ~~البيت الأصلي وأن يقوم مقامها بناء فيحجب ما يحجب من منظر مأنوس ويمنع ~~ما يمنع من هواء طلق. وانقض على العمارة سكان جدد فاق عددهم ~~سكان «ابن حوقل» جميعا، لا يعرف بعضهم بعضا ولا يتحمسون لمعرفة أحد. ~~قال جعفر إبراهيم: هذا مصير بيوتنا الكبيرة القديمة! # فتساءل حامد برهان: ولكن ما حلوان إذا اغتصب هدوءها الأبدي؟! # وخيل إليه أن بوذا سينتبه من تأملاته العميقة محتجا ثم يرحل ~~وراء الهدوء إلى أعماق الصحراء. # ولم تكن العمارة بالهم الوحيد الذي طرأ؛ فقد تدفق طوفان في ميدان ~~السياسة دافعا بين يديه مظاهرات من الطلبة والعمال مطالبين باستقلال ~~حقيقي يكافئ ما بذلته مصر من تضحيات وخدمات في أثناء الحرب. وكالعادة ~~غلبت السياسة على السمر وانهمك حامد برهان الوفدي العريق في همومها، ~~وقال: لو بقي مصطفى النحاس في الحكم لطالب الإنجليز بجزاء تأييده لهم ~~في وقت الهزيمة. # غير أن همومه لم تحل بينه وبين رؤية ساكنة جديدة في الدور الرابع ~~من العمارة الجديدة. كان يتمشى في حديقته الموحشة مصارعا الفراغ ~~الجديد المهيمن على حياته فحانت منه التفاتة فرآها تتمشى في مطلع خريف. ~~لعلها تماثل سنية في العمر - في الخمسين - ولكنها رشيقة مزخرفة ذات ~~شعر ذهبي وعرق أجنبي. استقبل من ناحيتها تيارا مثيرا، هو الذي ~~لم يهتم بالنظر إلى امرأة منذ تزوج من سنية المهدي. عاش حياته زوجا ~~مثاليا لا يزهد ولا ms12 يتغير ولا يحلم حتى لفت الأنظار بطبعه العجيب. ~~ولا يذكر أحد من معارفه أنه سمعه يحدث عن عالم المرأة، حتى قال صاحبه ~~راضي أبو العزم مدرس العلوم: حامد متخصص في زوجته. # وبدا أن المرأة هيجت اهتمامات الجيران بفرنجتها وعصريتها ~~وملابسها، فانتشر من نافورتها الشادية رذاذ المعلومات. قيل إن أمها ~~إفرنجية - وإن لم يحدد الجنس - وإنها أرملة للمدعو حسن كمال الذي كان ~~مدرسا بمدرسة الفنون وعضو بعثة في الخارج. وقيل إن لها ابنة وحيدة ~~مترجمة بوزارة الخارجية، ثم صحح الخبر فيما بعد فقيل إنها ابنة ~~زوجها من زوجة سابقة متوفية وإن المرأة تبنتها لعقمها؛ فعد ذلك ~~حسنة تحسب لها. ثم عرف أن اسم المرأة - بعد إسلامها - ميرفت وأن ~~البنت اسمها ألفت. وكانت المرأة تسلي وحدتها بالمشي في شوارع حلوان ~~وزيارة الحديقة اليابانية، تمضي رشيقة براقة مثيرة داعية - دون ~~مبالاة - لشتى الظنون، باسمة متحدية، بخلاف ألفت المواظبة على عملها ~~والمتسمة بالجدية والحياد أيضا. وبالقياس إلى حامد برهان لم تكن ~~ميرفت مجرد امرأة مثيرة تسعى، ولكنها كانت غزوة اقتحمت حصنه المنيع، ~~ونارا أشعلت هشيم خياله، وسيلا جرف سده العالي. وعجب الرجل لحاله ~~مغمغما: أعوذ بالله. # وذكره ذلك بما جرى في الحرم الجامعي وفوق كوبري عباس من مظاهرات ~~وسفك دماء فقال: هذا يثبت أن الأرض تدور على قرن ثور! ~~- وعم البلاء عندما وهبته المرأة انتباهها ولم يعد ثمة شك في أنها ~~تشجعه! وذات يوم تلاقت أعينهما في نظرة آسرة فابتسمت إليه. تناثرت ~~إرادته وانفجرت غرائزه، وتمخض جسده البدين عن جنون أحمر. تناسى ~~واقعه وسنية وكوثر ومحمد ومنيرة فمضى وراءها إلى الحديقة اليابانية، ~~ولم يكن يدري شيئا عن الغزل ولا حتى عما يجب أن يقال فسلم نفسه في ~~براءة طفل، وتواعدا على اللقاء في القاهرة مختارا اليوم الذي يتسلم ~~فيه معاشه على سبيل الحذر. وبهذه العلاقة استوى في مقام الحيرة. أدرك ~~من أول وهلة أن «مصروفه» لا يسمح له بعلاقة غير مشروعة، فضلا عن أنهما ~~لا يجدان عشا مناسبا. وقالت له: إني سيدة محترمة! # فقال ms13 - وكانا يجلسان في محل باليرمو بالهرم - بصراحة مؤثرة: وأنا ~~كما ترين فقير! # فقالت بجرأة غريبة: لدي إيراد خاص لا بأس به. # فقال بسذاجة: ممكن أحتفظ بنصف معاشي إذا توظف ابني وابنتي في القريب ~~العاجل. # هكذا انحرف الحديث إلى «الشرع» وقذف بحامد برهان إلى حياة جديدة لم ~~تجر له في خاطر، ورجع إلى حلوان وهو يقول لنفسه: أدرك الآن معنى أن ~~يغلب إنسان على أمره! # أي قنبلة انفجرت في صدر سنية المهدي والزوج المستأنس المحب البكاء ~~يقف بين يديها حاني الظهر مغروز العينين في البساط القديم المنجرد وهو ~~يقول: إنه أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله! # استيقظت من كهفها على صدمة كهربائية مزلزلة: ماذا يقول الرجل ~~الممسوس؟ ~~- تزوجت، إنها محنة، ولكنك ستظلين الزوجة والأم! # إذن فأي شيء يمكن أن يحدث. ~~- إنك مجنون ولا شك! # وكعادته عند غلبة الانفعال دمعت عيناه. استمسكت هي بمظهرها الرزين ~~المجلل بذهول غامض. كرهت دموعه واحتقرتها وتردت بيقين في هاوية. ~~وثبت بها دفعة مباغتة لصفعه ولكنها لم تفعل. كظمت دوامتها بسلك ~~صلب. أمرت قلبها بأن ينكسر وحده وفي صمت جليل وبأن يتشرب أشنع الآلام ~~كما لو كانت ماء عذبا. قال بصوت رجل آخر: لن يفصل بيننا شيء. # عند ذاك هتفت به: لا ترني وجهك أبدا. # وتلقى محمد ومنيرة الخبر، فصاح محمد: يا خبر أسود! # أما منيرة فلم تنبس ثم أفحمت في البكاء. وقف قلباهما وراء أمهما ~~وأدانا أباهما دون قيد أو شرط. # وقالت منيرة لمحمد وهما في الفراندا وحيدين: أنا لا أفهم ~~شيئا! # فقال بامتعاض شديد: إنها مأساة ألقيت على بابا لتلقى بعد ذلك على ~~ماما ثم تطوقنا جميعا. # ودفع الزواج الجديد الزوجين إلى ضربين من الجنون؛ جنون صمت وكبرياء ~~غزا الأم، صممت على ممارسة حياتها اليومية وكأنها لا تبالي، بيد أنها ~~كانت مشتعلة القلب والعقل طيلة الوقت؛ فراحت ترى وراء الأحداث اليومية ~~- المسموعة والمقروءة - شبح مأساة كونية غامضة، وأن حماقة الإنسان ~~داء متأصل لن يشفى منه إلا بمتناقضات شتى كالعنف والحكمة والرحمة! ~~وبذهاب «العجوز ms14 المتصابي » أتيح لها فراغ لم تعهده من قبل فتعلق ~~اهتمامها بالبيت، وشعرت أكثر من أي وقت مضى بأنه ليس على ما يرام؛ إنه ~~يطعن في القدم دون رعاية ولا عناية، ها هي تتجول بين الحجرات ~~والحديقة، تنظر وتتفحص، بهتت الألوان، تقشرت الأركان، تشقق خشب ~~الأرضية وفقد مرونته، ذبلت الحديقة وملأتها الوحشة وتراكمت في أجزاء ~~منها الأوراق الجافة، وقالت: العين بصيرة واليد قصيرة. # وتابعها محمد مرة بعينيه ثم همس في أذن منيرة: إني قلق. # فهمست له بدورها: ليتها تروح عن نفسها ولو بالدموع؟ # أما حامد برهان فلم يبق له إلا أن يغمض عينيه ويصم أذنيه حيال ~~الماضي، وأن يرمي بنفسه في بحر العسل. انقلب إلى مراهق ذي رأس أبيض ~~وجسم مليء بعنفوان لا يدري من أين جاء. ووجد في ميرفت امرأة فائقة ~~المقدرة، متقنة لفنون من العشق لم يعرفها من قبل. وبادلته هياما ~~بهيام، ولولا دعمها المالي لحياتهما المشتركة ما أمكن لها دوام. وبمضي ~~الأيام انتقل مجلس السمار إلى الشقة الجديدة، وأضافوا إلى أحاديثهم ~~المألوفة موضوعات جديدة عن وصفات ناجعة لتجديد الشباب. وفي أثناء ذلك ~~ولد رشاد ابن كوثر، وتخرج محمد، ثم لحقت به منيرة، وهي أحداث خليقة ~~ببعث السرور الشامل ولكنها لم تحظ إلا بفرحات سريعة الزوال كانفراج ~~السحب عن شروق الشمس دقائق في يوم مطير عاصف. وزاد من تجهم ~~الجو اشتعال حرب فلسطين، فعلا صوت المعركة المبهم المشحون بالقلق ~~على معارك حامد برهان الجنسية الظافرة، وشد سنية المهدي من حال سيئة ~~إلى أخرى، كمن يفلت من قبضة صداع ليقع فريسة لروماتيزم، على حين تابعت ~~منيرة الأنباء من موقع وظيفتها الجديدة كمدرسة للغة الإنجليزية بمدرسة ~~البنات بالعباسية، أما محمد فوجد عملا في مكتب الأستاذ عبد القادر ~~قدري المحامي الوفدي المعروف، وكان موصولا بصداقته من عهد وفديته ~~الخالصة فلم ينقطع عنه بعد أن مازجت وفديته «إخوانية» متصاعدة. وبذل ~~محمد جهدا صادقا في عمله حاز به ثقة أستاذه، غير أن الحرب انتهت ~~بهزيمة العرب، ومقتل النقراشي، وإعلان حرب داخلية لا هوادة فيها ms15 ضد ~~الإخوان، فقبض على محمد فيمن قبض عليهم ضمن شعبة حلوان. وهز النبأ ~~الأسرة هزة فاقت أحزانها الخاصة والعامة. واستقبل البيت القديم ~~بحلوان الوجيه نعمان الرشيدي وكوثر، بل جاء حامد برهان نفسه. وتجاهلت ~~سنية زوجها تماما فتجنب إزعاجها ومضى يوجه حديثه إلى نعمان أو ~~منيرة. ولم يكن دون سنية قلقا حتى قال الوجيه نعمان: مؤكد أنه لم ~~يتورط في جريمة فلا خوف عليه. # فقالت منيرة: أخشى ألا يفرقوا بين البريء وغيره في حومة ~~الانتقام. # فقال حامد برهان: لم يرتح قلبي قط لانضمامه إلى الإخوان، وكلنا ~~مسلمون والحمد لله! # وشعر نعمان الرشيدي بأنه مطالب بأكثر من الكلام لعلاقته الوثيقة ~~بالمسئولين من جميع الأحزاب فقال: سأبذل ما في وسعي رغم أن الدفاع عن ~~إخواني في هذه الظروف تصرف مرعب! # كان حريصا على علاقاته الودية بجميع الأحزاب؛ لذلك ساءه أن يكون أخو ~~زوجته إخوانيا، فكيف يسعى بنفسه إلى الكشف عن هذه الحقيقة الفاضحة؟! ~~وجعلوا يواسون سنية باعتبارها المحور الأول للحزن، فقالت بأسى: ثقتي ~~بالله لا تتزعزع. # غير أن الحزن قطع قلبها فساء نومها، وكانت تنام إذا نامت وقلبها ~~مسهد، وتحلم بالعذاب. وجاءها خطاب من أخيها ينعى إليها بكريه الذي ~~استشهد في الحرب بعد أن ظن أنه مفقود، فسرعان ما سافرت إلى بني سويف ~~للعزاء. على أنه أفرج عن محمد بعد فترة غير قصيرة فرجع ذات يوم وألقى ~~بنفسه في حضن أمه. وتظاهر - رغم شحوبه ~~وذبوله - بالسرور مخفيا عن أمه ~~الأخبار المحزنة. ورجع إلى عمله بمكتب الأستاذ عبد القادر قدري ~~مصمما على الاجتهاد، ولما سأله الأستاذ: هل شبعت من ~~الإخوانية. # أجابه ضاحكا: العكس هو ما حصل! # فقال الأستاذ عبد القادر: افهم معنى الوفد قبل فوات الأوان، إنه ليس ~~حزبا ولكنه قاعدة الأساس المتماسك، هو بكل إيجاز «مصر». # فتساءل محمد: هل ندور على مدى العمر حول الاستقلال ~~والدستور؟! ~~- جدد ما تشاء ولكن فوق القاعدة المتماسكة، وإلا وجدت نفسك في عهد ~~ما قبل الأسر! # ولما انفرد محمد بأخته منيرة قالت له برثاء: شد ما هزلت! # فقال ms16 متجهما : لن تنزع من روحي آلام الضرب الذي انهمر على جسدي ~~كالمطر! # وأدركت سنية ذلك بحدسها، وبتأويل أحلامها، ولكنها صممت على الصبر ~~مع الحياة الجديدة. لفظت حامد برهان من ضميرها كما يبصق الإنسان حلوى ~~فضح الريق فسادها، ولكنه بقي جرحا مفتوحا ينعى الحب والوفاء. ~~وقالت إنها ستنسى تماما وتسلو، بل وتسعد، لو أمكنها ذات يوم أن تعيد ~~إلى البيت شبابه الغض. لديها نصف معاش «الخائن» ومرتب منيرة ومحمد، ~~ولكن الغلاء يمضي في سبيله في بطء وثبات، ثم إن لمحمد ومنيرة آمالهما ~~الخاصة! لم يبق لها إلا الحلم؛ هو الذي يرمم ويطلي ويبيع الأثاث ~~القديم ويشتري أثاثا جديدا، هو الذي يشذب الأعشاب، ويغذي الجذور، ~~ويسمد الأرض، ويغرس أشجار الورد. إنها تحلم وتناجي أرواح الأولياء ~~والجدود، وتقاوم في مجرى ذلك ذاكرتها التي تخون الإرادة فتقذف بشهاب ~~خاطف لذكرى جميلة ما كان ينبغي أن تبرق في الأفق، وتقول لنفسها: لا ~~تطمئني لشيء طيب. # وتغدق على منيرة تساؤلاتها القلقة، فتعلم أن بهجت سليمان توظف ~~بشهادة زراعية متوسطة في وزارة الزراعة، وأنهما ما زالا مقيمين على ~~العهد؛ فتغمغم لذاتها: الأمر لله! # أما محمد فهو آخذ في استرداد صحته وشق طريقه. لم تعد توجد شعب ~~إخوانية ولكن الدين أصبح على رأس مطالعاته، واكتسب عنه رؤية جديدة ~~مختلفة عن دين أسرته المتسم بالسماحة والبساطة. وقد استأذن أمه في ~~زيارة أبيه عقب الإفراج عنه فأمضى ساعة طويلة معه شهدتها ميرفت هانم ~~وآنسة ألفت. رأى ألفت لأول مرة بتمعن وعن قرب فتحرك قلبه البريء، ~~واصطحبها معه في عباءة خياله عند انصرافه. ورآها في القطار، بل وجالسها ~~فيه أحيانا وتبادلا الحديث. وتسلطت بعد ذلك على ذاكرته وخياله؛ فلزمته ~~في البيت والمكتب والمحكمة، على حين وهبته - في واقع الحياة - استجابة ~~طيبة. وخفق قلبه بسعادة الحب حتى تساءل بقلق: ولكن ماما؟! # وإذا بالحياة العامة تباغته بفرحة غير متوقعة فتستقيل الوزارة ~~ويبشر الأفق بانتخابات حرة. صرخ محمد: اللهم لا شماتة! # أما حامد برهان فرقص طربا. والتقى مع محمد في دائرة انتخابية ~~واحدة فهمس ms17 في أذن ابنه: الشكر لله على أنك ما زلت في الأعماق ~~وفديا. # فقال له محمد باسما: الإخوان معكم في هذه الانتخابات. # ورجع الوفد إلى الحكم فصعد حامد برهان إلى العرش من جديد وهو يقول: ~~الخلود ممكن في هذه الحياة. # وأقبلت أيام وردية فآمن الناس بأن أيام المحن قد ولت. وراحت ~~منيرة تفكر في مستقبلها من موقع حبها العتيد، كما ربط الحب بين محمد ~~وألفت فتعاهدا على الزواج والانتظار مع تأجيل إعلان الخطوبة لفرصة ~~طيبة. ثم تعثرت مفاوضات تعديل المعاهدة وتفشى القلق حتى جلجل صوت مصطفى ~~النحاس بإلغاء المعاهدة. وبلغ الحماس مداه في مجلس السمار بشقة ~~ميرفت هانم. وتذكر حامد برهان حماسه يوم عقدت المعاهدة على ضوء ~~حماسه الجديد لإلغائها فقال: من تكون عروسا في 1936 فكيف تصير في ~~1951؟! # فقال خليل الدرس: إنه زمن سريع وقلب! # فقال حامد برهان: لا يقدر على إلغائها إلا من قدر على عقدها، هو ~~الوفد دائما وأبدا! # وتتابع الفداء والعنف حتى اشتعلت النيران في جنبات القاهرة. قال حامد ~~برهان لميرفت: الويل للخونة! # فقالت وهي بعيدة عن مشاركته: حلوان بمأمن من ذلك. # ووقفت سنية فوق السطح تنظر صوب القاهرة من خلال منظار مكبر ربحه ~~محمد في صباه في نصيب سينما أوليمبيا وهي تردد بقلق بالغ: ارفع يا رب ~~غضبك ومقتك عنا! # ولما أربد وجه القاهرة بالغضب وأنذر بأوخم العواقب مضى محمد إلى ~~وزارة الخارجية فاصطحب ألفت إلى محطة باب اللوق قائلا: أخاف أن تنقطع ~~المواصلات! # رجعا قبل أن يقدرا مدى الخطر الحقيقي الزاحف لالتهام صفحة كاملة من ~~تاريخ دام. وهوى رد فعل عنيف كالصاعقة. وقال حامد برهان لسماره: ~~المجرمون يقهقهون! # غير أن القهقهة انقطعت حال ارتفاع صوت جديد في الصباح الباكر من 23 ~~يوليو 1952. تبادلت الأسرة النظرات حول مائدة الإفطار، وتكلم محمد ~~قائلا: فلنستبشر خيرا؛ فأي شيء خير مما كان. # وتساءلت منيرة: والإنجليز؟! # فقالت سنية: أمل مجهول خير من يأس راهن! # وتابع حامد برهان سيل الأخبار المتدفق بذهول. كان - كوفدي - يشارك ~~في الأحداث إيجابا أو سلبا عندما ms18 كانت الحلبة خالية للوفد وأعدائه، ~~أما هذه المرة فالقوة الفعالة غريبة وطارئة ومبهمة. ورأى العدو ~~التقليدي - الملك - يرحل إلى الأبد؛ فلم يدر أيعتبر ذلك نصرا أم ~~هزيمة، وهيمن عليه فتور فتوجس خيفة غامضة. ولما رأى ميرفت دامعة العين ~~لذهاب الملك تمتم بميكانيكية: هذا جزاء العبث! # فتساءلت ميرفت: ألا ترى أن السلطة آلت إلى رجل وضع نفسه فوق ~~القانون؟! # فقال وهو لا يصدق حرفا مما يقول: إنهم يعدون بتقديس ~~الدستور. # ومثل ميرفت بكت كوثر وهي تستمع إلى نبأ طرد الملك، واستشهد الوجيه ~~نعمان الرشيدي بالقرآن لأول مرة في حياته فقال: # إذا زلزلت الأرض زلزالها ... وقال الإنسان ~~ما لها ~~. # وتحمست منيرة للحركة بلا تحفظ وبتلقائية، وأيضا متأثرة بحماس ~~حبيبها سليمان بهجت الذي وضح أن أخاه ضمن الضباط الأحرار. ولحق بها ~~محمد عندما آمن بأن الحركة «إخوانية» بل قد دعا إلى بعث النشاط من ~~جديد في شعبة حلوان. ودعا حامد برهان ابنه محمد إلى مقابلة عاجلة وكان ~~على علم بما بينه وبين ألفت، وقال له: ابعد عن الإخوان، حسبك ما أصابك ~~نتيجة لانضمامك البريء إليهم! # فقال محمد بدهشة: كيف أهجرهم بعد أن توج كفاحهم بالفوز ~~المبين؟ # فقال الأب كاظما غيظه: ما هي إلا حركة بلا جذور شعبية فلا تعرض ~~نفسك لغضب الشعب كما تعرضت سابقا لغضب الحكومة! # فابتسم محمد ثقة وقال: الماضي مات قبل أن تمتد يد لقتله! # واعتبرت الأسرة أن لها في الحركة الجديدة عضوا، وأنها تتحول به من ~~أسرة مغمورة إلى أسرة حاكمة أو مشاركة في الحكم، واعتبرت منيرة أن ~~لها عضوين؛ أخاها وحبيبها، وانشرح صدر سنية وخيل إليها أن حلم ~~تجديد البيت سيتحقق في وقت قريب، وأن متاعب المعيشة ستخف يوما بعد ~~يوم، حتى أحزانها الخاصة ستذوب في النشوة الشاملة. وتطور محمد في ~~أحاديثه من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم؛ فبات يقول سنفعل كذا وكذا، ~~وتمنت ألفت أن يلمع كالآخرين وأن يذلل العقبات المعترضة لزواجها. ~~ودون أن تدري مضت تهتم بالسياسة وبالدين متخذة من محمد مرجعا ومرشدا؛ ~~حتى قال محمد ms19 لنفسه: إنها مختلفة تماما عن أمها التافهة. # وذات يوم سأل منيرة: كيف تتصورين موقف ماما مني إذا كاشفتها بعلاقتي ~~بألفت؟ # ففاجأته منيرة قائلة: أخبرتها رحمة بها! # فهتف: لكني لم أشعر بأي تغير من ناحيتها! ~~- ألا تعرف ماما؟! # وكانت سنية قد رأت ألفت مرارا من نافذة حجرة نومها الخضراء، ~~وكالعادة تنبأت بما سيحدث فوطنت النفس على التسليم به. وقالت إن حظها ~~على أي حال أحسن من حظ ملكة مصر الضائعة، وإنه من الحماقة أن تتحدى ~~أحداثا تحمل فوق جبينها طابع القدر. ولكن كيف يستعيد البيت شبابه؟ ~~سيمسي ذلك حلما لا يتحقق إلا بحلم ولا يبقى لها إلا أن تعبد الله. ~~وذات مساء راح حامد برهان يشرح خبايا الموقف السياسي لسماره قائلا: ~~ما الحركة إلا مؤامرة أمريكية للقضاء على الوفد! # وأراد أن يحلل رؤيته ولكن حماسه فتر فجأة، وصمت، وشحب لونه وتفصد ~~جبينه عرقا رغم برودة الجو، وطرح جسمه البدين على ظهر الفوتيل ~~الكموني؛ فسأله حسن علما المهندس بقلق: مالك؟ # حاول أن يبتسم فعجز، خانته قواه، لاح له وجه بوذا، ثم أسبل جفنيه. ~~وحملوه إلى فراشه، استدعت ميرفت طبيب الضاحية فشخص الحال بأنه هبوط ~~في القلب وأمره بالراحة التامة. انزعج الأهل والسمار، وذهبوا في ~~تفسير الحال مذاهب شتى، قالوا إنها الانفعال السياسي المستمر، وقالوا ~~إنه الزواج دون غيره، حتى قال جعفر إبراهيم: إنها مشيئة الله. # ولما عرف الخبر خارج شقة ميرفت عاده محمد ومنيرة وكوثر ونعمان ~~الرشيدي، وعادته أيضا سنية المهدي خاصة وأنه لم ينتزع من نفسها ~~تماما رغم كل شيء. أجل ضاق صدرها لدى اقتحامها لحصن ضرتها ولكنها ~~صافحت لأول مرة ميرفت وألفت، وانحنت فوقه متمتمة: شد حيلك! # ابتسم معلنا امتنانه، وتأزم الجو بتوتر خفي، وتضاربت شعارات ~~المجاملة مع الانفعالات العدوانية الباطنة. وعلمت ميرفت بأنه لن يخلو ~~يوم من أيامها من التنغيص لرؤية الوجوه التي لا تطيقها. وطال الرقاد، ~~وعرف أنه سيطول أكثر، بل عرف أن حامد برهان لن يرجع إلى سابق عهده ~~أبدا. وأصبح تمريضه عبئا على امرأة صاحبة مزاج ms20 كميرفت. ولم يفقد ~~المرض حامد برهان حساسيته فسرعان ما شعر بأنه غريب في مرقده، وضاق ~~بموقعه. ووجد في قهر المرض ما شجعه يوما على أن يهمس لمحمد ابنه: أريد ~~أن أرقد عندكم! # وفي الحال قال محمد على مسمع من ميرفت مخاطبا أباه: لو رقدت عندنا ~~لأعفيتنا من زيارات لا نهاية لها! # وأدركت ميرفت مغزى قوله فقالت مدارية ارتياحها: إني في خدمته مهما ~~طال الزمن! # فقال محمد بشجاعة رجل شارع في الزواج من ابنتها: هذا لا شك فيه .. ~~ولكن يوجد عندنا كثيرون وأنت وحيدة! # فقالت بلباقة وهي في الواقع تختم علاقتها بالرجل: إني راضية بما ~~يريحه! # ولم تعارض سنية، وخالط حزنها على حامد ارتياح لاعترافه بأنها رفيقة ~~المرض وأن بيتها هو المأوى. هكذا رجع حامد برهان إلى فراشه القديم ~~بالحجرة الخضراء فاستقر السلام في عينيه الجميلتين. ولم يكن بقي من ~~جسمه الهائل شيء يذكر، وتجسدت الشيخوخة في وجهه كأنما ألقيت عليه في ~~لحظة خاطفة. ونظر فيما حوله بسرور طارئ وقال بصوت متهدج: أوحشتموني ~~يا أولاد! # ولم يوجه كلمة إلى سنية قانعا بأن رجوعه يغني عن أي قول. والحق ~~أنه عندما جفت ينابيع شهوته لم يجد في قلبه سوى حبها القديم كالكنز ~~المدفون عندما تزاح عنه طبقة الأرض. وأن روحه - إذا حان الأجل - يجب ~~أن تصعد من هذا المكان العتيق المبارك المعبق بأطيب الذكريات. وجعلت ~~كوثر تنظر إليه طويلا ثم خانها صبرها فدمعت عيناها وقالت: تغيرت ~~كثيرا يا بابا! # فوجم الحاضرون ولكن حامد برهان ابتسم وقال بلسان مضي يثقل: وأنت ~~يا بنت ألم تصيري أما؟! # ولكنه سر الجميع بطمأنينته وأنسه بالمكان وأصحابه. وجاء يوم في ~~مطلع الربيع شديد الحرارة فقال: لم أستحم منذ عهد طويل! # فقالت منيرة بإشفاق: نرجع إلى الطبيب. # فقال بمرح: الإنسان طبيب نفسه! # وذهب إلى الحمام معتمدا على سنية ومحمد، وجرى الماء على جسده ~~فاجتاحته فرحة شخص اعتاد طيلة حياته النظافة والأناقة، وعاد إلى فراشه ~~سعيدا وهو يقول: الإنسان بلا صحة أقل من حشرة. # ولما جاء الليل لم ينم. ms21 تدهور بسرعة مذهلة حتى صار شحوبا مركبا ~~على هزال. وأرق الليل كله يتأوه وجسمه يكاد يتقصف. وجيء بالطبيب ~~فاحتج على الحمام بلا تحفظ، ولكنه حرر روشتة على أي حال، وعند ~~منتصف الليل، وأهله محدقون به، أسلم الروح دون جهد كأنما غلبه نعاس ~~مفاجئ ... ودل الحزن الشديد عليه على تعلق الجميع به، سنية فاق حزنها ~~كل تقدير. ولما لم يكن يملك مدفنا فقد دفن في مدفن آل المهدي ~~بالإمام. وأنكرت سنية حال المدفن التي آل إليها، ورأت أنه أصبح في حاجة ~~إلى تجديد كالبيت القديم، فانضاف ذلك إلى الهموم التي استأثرت بها في ~~الزمن الأخير. ولعل كوثر كانت أحزن الإخوة عليه لطبعها الذي يستجيب ~~للحزن بقوة غير عادية، ولأنها أحبت الرجل لدرجة العبادة حتى إنها غفرت ~~له زواجه من ميرفت قبل محمد ومنيرة بزمن غير قصير. وعند مطلع الصيف ~~رجع الموت لزيارة الأسرة فأخذ نعمان الرشيدي زوج كوثر متسمما ~~بالباولينا عقب تدهور الكلى، ولعل الموت أراحه من رعبه الذي لم يكف ~~عن مطاردته مذ جاءت الثورة. أجل لم تكد تمسه قوانين الإصلاح ~~الزراعي؛ إذ إن مصادر ثروته ترجع إلى العمارات والأموال السائلة، ولكنه ~~اعتقد بأن دوره حتم مؤجل، وأنه آت لا ريب فيه. وبكته كوثر بحرارة ~~وصدق ولكن سرعان ما أفاقت على تحرش أبنائه، فخف محمد إلى جانبها ~~بأخوته وخبرته كمحام ولكنها قالت له من أول يوم: أبعدني عن ~~التحديات فلا شيء في الدنيا يساوي الشقاء. # فقال بتصميم: حقك تأخذينه لآخر مليم. # فقالت بضراعة: حقي مكفول بالقانون، ولكنهم ينظرون بطمع إلى الفيلا، ~~وهي كبيرة ولا أطمئن فيها وحدي وأريد أن أعود إلى ماما في ~~حلوان! # ورجعت كوثر إلى حلوان حاضنة رشاد، وانهمك محمد في فرز إرثها هي ~~وابنها من الأرض والعمارات والأموال السائلة ثم انقطعت الصلة بآل ~~الرشيدي إلى الأبد. ورحبت الأسرة في باطنها الخفي بثروة كوثر. ~~وانبعثت في صدورهم آمال لما هو معروف عنها من طيبة واستكانة ~~فاعتبروها هدية مرسلة من السماء حاملة الفرج لأزماتهم المستعصية. ~~منيرة توغلت في العمر ms22 حتى قاربت الثلاثين وهي ملهوفة على الزواج، ومحمد ~~يشعر بأن عهد خطوبته طال أكثر مما ينبغي، حتى سنية تتوق بكل قواها ~~لتجديد البيت والمدفن. تربصوا جميعا بأيام الحداد، ولما خفت ~~الغيوم وواصل الراديو أغانيه تشجعت سنية فقالت في حياء مخاطبة كوثر: ~~حبيبتي ألا ترين معي أن البيت في حاجة إلى تجديد؟! # سرعان ما شعر محمد بالخطر يهدد مشاريعه فتبادل مع منيرة نظرة سريعة ~~جمعتهما في وجدان مشترك فقال: البيت لا يعيبه شيء وهو يستطيع أن ~~ينتظر. # فقالت سنية محتجة: إنه مأوانا على مدى العمر! # فقال بخبرة اكتسبها في المحكمة: نحن في حاجة إلى المعونة لا ~~البيت! # وأشار إلى منيرة وإلى ذاته ثم واصل ليخفف وقع كلامه: ولو على سبيل ~~القرض! # فسرعان ما انهزمت سنية أمام رغبة محمد ومنيرة مؤجلة أحلامها إلى ~~مستقبل مجهول، على حين تمتمت منيرة ضاحكة: ولو على سبيل ~~الاقتراض. # ولكن كوثر على طيبتها كانت متمرسة بواجبات ست البيت مذ عملت مساعدة ~~لأمها، وتعلمت منها مسك الدفاتر والحرص الحكيم وكراهة الإسراف، فكانت ~~طيبة وحكيمة. وقد شاركت في ميزانية البيت منذ أول يوم لها فيه؛ مما يسر ~~العسر وأضفى على البيت سلاما. ولم تغب عنها أزمة محمد ومنيرة، فمالت ~~إلى إسداء المعونة ووعدت بها. وحدث أن جاءتها خاطبة عقب وفاة زوجها ~~بثلاثة شهور بعريس محترم يماثلها في السن فانقبض صدر محمد ومنيرة، وقال ~~محمد بنبرة الناصح: علينا أن نتأكد من إخلاصه. # ولكن من حسن حظهما أن كوثر أعلنت زهدها في الزواج مرة أخرى، واهبة ~~نفسها لرشاد الذي يملأ دنياها، ومتشجعة بطبع هادئ يوشك أن يكون ~~برودا. وعلى أي حال فبفضلها أمكن أن تتزوج منيرة من بهجت سليمان، وأن ~~يتزوج محمد من ألفت. تزوجت منيرة بعد أن صار حبها حكاية واختارت عشها ~~شقة جديدة بالعباسية على مقربة من مدرستها، أما محمد فزف في شقة ~~بعمارة نصف جديدة بباب اللوق ليكون على مقربة من المكتب من ناحية ~~وليمارس نشاطه السياسي في مجاله المركزي. وخلا البيت القديم لسنية ~~وكوثر ورشاد وأم سيد. ms23 ورثت كوثر لنظرة أمها المتطلعة وأشواقها ~~الدفينة فأمرت بطلاء الحجرات بالزيت وتنظيف الحديقة وشراء بعض أصص ~~القرنفل، ورغم أن ذلك لم يحقق من الحلم عشره إلا أن سنية سعدت به ولم ~~تيئس من هطول الرحمة ذات يوم، خاصة عندما يكبر رشاد الوسيم ويدعو ~~الأصدقاء للزيارة كما كان يفعل جده حامد برهان. وفي سكرة الفوز الطارئة ~~أشارت بحياء شديد إلى المدفن، ولكن كوثر قالت: ماما .. إني أتشاءم من ~~هذه السيرة! # فلم تلح، وأسفت، وقالت لنفسها «ما هو إلا البيت الباقي.» غير أن ~~قلبها فاض بالشكر. فلو أنها لقيت الحياة وحيدة بعد زواج منيرة ومحمد ~~لاضطرت إلى استجداء أبنائها، ولتجهمتها الحياة كما تتجهمها الأحلام؛ ~~فالحمد لله على أي حال. وسعدت سنية أيضا لتوفيق منيرة ومحمد في ~~زواجهما كما استشعر ذلك قلبها في زياراتها لباب اللوق والعباسية. قالت ~~يوما لكوثر: بهجت أثبت إخلاصه بصبره الطويل ولكني غير مطمئنة لربيبة ~~ميرفت! # فقالت كوثر بهدوء: محمد يعرف كيف يتصرف. # وبرزت منيرة في عملها التربوي أكثر بعد أن شملتها سكينة الحب، ودعا ~~الأستاذ عبد القادر قدري «محمد» إلى مشاركته في مكتبه بعدما اعتقل ~~أكثر من مرة لوفديته. قال يوما لمحمد: الوفدية أصبحت تهمة فانظر ~~وتأمل! # وكاد محمد أن يجزع وهو ينتظر أن تسفر الثورة عن وجهها فتعلن حكم ~~الإسلام ليحتل هو مكانته المشروعة. ولم يكن طموحه شخصيا فقط، فقد ~~ملكته التجربة الدينية التي انساق إليها قديما هاويا وبمحض ~~المصادفة، فبات يحلم بحكم الإسلام كأنه غاية من الغايات. وأنجب محمد ~~شفيق وسهام، كما أنجبت منيرة أمين وعلي وتورد الأفق. وإذا بأزمة ~~تعترض سبيل الثورة، وصراع عنيف يقوم بين رئيسها الأول ورئيسها الثاني، ~~وبين شد كادت تصفى به الثورة وجذب رجعت به إلى قواعدها انقض ~~طوفان الإخوان! وبدلا من أن يجد محمد نفسه على رأس مؤسسة أو وزارة ~~ألقي به في أعماق سجن رهيب. وبالرغم من أنه لم تثبت عليه تهمة إلا ~~أنه قضى في الاعتقال عامين، وخرج منه بعين واحدة وساق عرجاء. وهرع ~~الجميع إلى شقة باب ms24 اللوق، واجتمعت للمرة الرابعة سنية وميرفت حتى قالت ~~سنية لنفسها «قضي علي ألا أراها إلا عند حلول المصائب!» وضمت محمد ~~إلى صدرها وهي تبكي وهتفت: عند الله الحساب يا ابني! # وتقنع محمد بوجه جديد خبر الموت والعذاب، ولكنه تجلد أمام ~~الأعين، وقال: إني أحسن حظا ممن أهلكتهم المشانق أو غيبتهم ~~السجون إلى الأبد. # وحاول أن يبتسم ثم قال بإصرار حقيقي: بقي لي إيمان لا ~~يتزعزع. # وكان إصراره أقوى من صوته. الآن عرف الحياة والناس كما عرف الوحشية ~~والعذاب. واستمد من أهله قوة أشعل بها شمعة في عالم يموج بالظلام. ~~وحانت منه التفاتة إلى ألفت فقبض على يدها ورفعها كأنما يقدمها إلى ~~الجمهور في حفل عام وقال: إليكم أفضل زوجة على وجه الأرض! # أجل، لقد صمدت في المحنة؛ قامت بواجبها كمترجمة وربة بيت، وحضنت ~~شفيق وسهام بالرعاية متحدية النبذ والتحقيق والرزق المحدود. أثبتت أنها ~~أقوى مما توقع محمد أو تصورت ميرفت، وأقامت على حب الزوج الغائب ~~بتفان، وتحمست أكثر لمبدئه، ولما رجع شبحا محطما غمرته بالحب ~~والحنان راشقة في سمائه السوداء نجمة ماسية. وكانت كوثر تزورها ~~كثيرا طيلة العامين، وعرضت عليها معونة ولكن ألفت اعتذرت شاكرة وإن ~~قبلت الهدايا لشفيق وسهام. في تلك الأيام الحزينة قالت كوثر لأمها: ~~ألفت هدية نادرة المثال. # فأحبتها سنية - ربما لأول مرة - وقالت: الشكر لله على أنها لم ~~تعجن بطينة أمها. # ولم يكن تعريضها لميرفت من أجل مأساة الماضي وحدها ولكن لرعونتها - ~~عقب وفاة حامد برهان - التي صارت حديث حلوان؛ برزت كامرأة متصابية في ~~الخامسة والخمسين، متبهرجة، تنطلق بمفردها إلى الحديقة اليابانية أو ~~السينما كأنما تعرض نفسها على الرائح والجائي. وجرى الهمس عن علاقة ~~جديدة تتخلق بينها وبين حسن علما مهندس المباني - أحد سمار مجلس ~~المرحوم حامد برهان - ولما شاع ما يقال وملأ الأسماع تحولت العلاقة إلى ~~خطوبة، وطلق المهندس امرأته، ولكن الزواج تأجل إكراما لزوج ألفت ~~السجين، وإن مورس بالفعل بصفة غير رسمية، وكانت كوثر تعلم بما ~~يعلمه الناس جميعا ولكنها قالت: ألفت معدن آخر ms25 والحمد لله! # وأخفي الخبر عن محمد فأمضى فترة نقاهة قصيرة ثم رجع إلى مكتبه بعين ~~واحدة وأخرى زجاجية وقلب متوثب للعمل. وغشي المحاكم وهو يعرج متأبطا ~~حقيبته بذراع متوكئا بالأخرى على عصا غليظة. وانهمك في عمله انهماك ~~مؤمن معذب يحلم بطوفان نوح من جديد. ومضت سنية في معاشرة آلامها ~~التي لا شفاء منها، وأحلامها المعاندة المستعصية، مستوصية بالهدوء ~~والصبر والرنو من حين إلى حين إلى الصورة التذكارية. ولكي تعفيها ~~كوثر من بعض متاعبها استخدمت امرأة جديدة «أم جابر» كطاهية بعد أن ~~اقتربت أم سيد - مثل أمها - من الستين، ولكي تستثمر جل وقتها في ~~رعاية رشاد الذي ألحقته بروضة الأطفال سابقا ابني خاله شفيق وسهام ~~وابني خالته أمين وعلي. هكذا بدأ جيل الأحفاد، أبناء العشق والآلام، ~~والوطن تتجاذبه عوامل الصراع الخفية من ناحية وأحداث البطولات من ~~ناحية أخرى. وعرفت منيرة زوجها أكثر وأكثر، زوجا عاشقا وفحلا ~~عملاقا، وساذجا فيما يتعلق بالثقافة أو الحياة العامة، ولم يخدعها ~~اهتمامه المباغت بالسياسة عقب اكتشافه أخاه ضمن الضباط الأحرار، ~~وابتسمت في باطنها لأحاديثه عن الثورة ورجالها، ولحملته على الماضي ~~ومخازيه، ومرة قال لمنيرة مفاخرا: نحن نعتبر من الأسرة المالكة ~~الجديدة. # فضحكت قائلة: على مهلك يا أمير! # رغم حماسها للثورة منذ ساعتها الأولى، والتي لم تتغير تغيرا يذكر ~~بمأساة أخيها التي هزتها من الأعماق. على أن قلقا ساورها مذ طعنت ~~فيما بعد الثلاثين. إنها تمضي وحدها مخلفة وراءها زوجها يزداد تألقا ~~وفحولة، وجعلت تطارد كلمات أمها القديمة كلما نبضت في خواطرها. واحتل ~~سليمان بهجت مركزا ممتازا بقسم الخبرة بالزراعة بدفعة قوية من أخيه، ~~وبدلا من أن يزيد من إسهامه في ميزانية البيت ابتاع سيارة بالتقسيط ~~رغم التحاق أمين وعلي بالروضة وارتفاع الأسعار ببطء ماكر. وذات مساء ~~انفجرت قنبلة تأميم قناة السويس مبشرة بميلاد زعيم جديد. ليلتها ~~قال بهجت لمنيرة: سمعت من مخضرم أن استقبال جمال في عودته إلى القاهرة ~~فاق استقبال سعد زغلول حين رجوعه من المنفى! # فوافقته منيرة رغم أنها لا تكاد تعرف عن سعد ms26 شيئا يذكر. ولم يستطع ~~محمد أن يتذوق المغامرة بفمه المليء بالمرارة. واتفقت ألفت معه قائلة: ~~معاملة إنسانية شريفة خير من بناء هرم. # فقال محمد: النبي عليه الصلاة والسلام أنشأ دولة إنسانية ولم ~~يشيد هرما. # واستمع البيت القديم في حلوان إلى النبأ العظيم. لم تفهم أم سيد ولا ~~أم جابر شيئا، وتوقفت كوثر عن تعليم رشاد دقيقة ثم واصلت عملها بحماس، ~~أما سنية التي لم تشغلها آلامها وأحلامها عن قراءة الجريدة والاستماع ~~إلى الراديو فقد خفق قلبها، واقتنعت - رغم مأساة محمد - بأن زعيما ~~جديدا يتخذ موضعه في لوحة الزعماء الذين أحبتهم كما أحبهم زوجها ~~الراحل. وسكر البلد بالنصر والعظمة، وانطلقت من صوت العرب زعامة ~~عربية جديدة، وتضاربت الأنباء، واستفحلت الشائعات، حتى تجسدت الحقيقة ~~في صورة عدوان ثلاثي، ومرحت طائرات العدو في سماء القاهرة ليلا ~~ونهارا، تمطر قنابلها على المطارات والمواقع العسكرية. ومع أن ~~الدبابات لاذت بأفنية العمائر إلا أن انتصارات وطنية ملأت الجو ~~كالعاصفة وتمزق الناس بين الحماس والترقب. وتابع محمد وألفت الإذاعات ~~الأجنبية حتى قال الرجل: انتهت حركة المجرمين، ولكن ما أفدح ~~الثمن! # وقالت سنية لكوثر: أذني سعيدة وقلبي كئيب! # فقالت كوثر مدفوعة بالخوف الذي ركبها: البلد خرب يا ماما. # فأشارت سنية إلى فوق متمتمة: لكنه موجود. # وآنست منيرة من سليمان بهجت ذعرا كأنه فأر مطارد. ودعا ربه قائلا ~~بحرارة: اللهم لا تشمت بنا الأعداء! # وكانا يستمعان إلى صوت أمريكا بوجوم، ويغوصان في هوة خطوة فخطوة. ~~ولكن هبت رياح شرقية وغربية فتناغمتا معا لأول مرة. احتجت أمريكا ~~بجدية وصرامة. وتتابعت الإنذارات الروسية كالصواريخ حتى أجبر الغزاة ~~على تصفية نصرهم بأنفسهم في إذلال لا نظير له في التاريخ. وتجلى نصر ~~عجيب كما تتجلى فتاة الساحر من الصندوق - بعد غرز سيوفه فيه من جميع ~~النواحي أمام المشاهدين - وهي تبسم في مرح وأمان وثقة! وسرعان ما آمن ~~الحي والجماد بأن الزعيم حقق ظفرا كالمعجزة وبأنه عملاق بين أقزام. ~~وصادر أموال الإنجليز والفرنسيين، ضاربا للمضطهدين مثلا أعلى، واهبا ~~للعرب زعامة جبارة، وانتفخ بالتالي كل ms27 مواطن نافضا عن كاهله ذل ~~العصور، وأوى الخصوم إلى الجحور ولا مطمع لهم أكثر من النسيان. ودخل ~~الأحفاد المرحلة الابتدائية وهم يتغنون بالزعامة والنصر. سبحوا في ~~بحيرة ناصرية صافية متطلعين إلى صورته الشامخة بانبهار وحب؛ ذلك ~~البطل الذي بدأ به تاريخ مصر في أعقاب جاهلية ترامى ظلامها آلاف ~~السنين. أجل حفلت المدارس الجديدة بمنغصات - كالكثرة العددية وندرة ~~المدرسين المؤهلين وقصور البرامج - ولكن التلاميذ الجدد لم يشعروا ~~بها، فعاناه أولياء الأمور وحدهم. أما كوثر فحلت المشكلة بمالها ~~فكلفت الأستاذ جعفر إبراهيم - ناظر مدرسة على المعاش ومن سمار ~~المرحوم حامد برهان - بإعطاء رشاد دروسا خصوصية في العربية والجغرافيا ~~والتاريخ، كما كلفت الأستاذ راضي أبو العزم - من السمار أيضا - ~~بإعطائه دروسا في العلوم والرياضة. وانتزع محمد وألفت من وقتهما ~~المشحون بالعمل ساعات لمساعدة شفيق وسهام، على حين نهضت منيرة بعبء ~~التدريس لأمين وعلي وحدها. وامتعضت مدام ميرفت من الحال من ناحية أخرى، ~~فقالت لألفت: كيف ترضين لشفيق وسهام بالجلوس جنبا إلى جنب مع أبناء ~~البوابين والخدم؟! # فقالت ألفت: مدارس اللغات والمدارس الخاصة باهظة التكاليف. # واستاء محمد لأسباب أخرى وهو يراجع كتب التاريخ والتربية الوطنية ~~فضرب كفا بكف وقال لألفت: إنهم يحشون عقول الأولاد بالأكاذيب! # وتضاعف استياؤه وهو يشاهد حماس شفيق وسهام وتغنيهما بالزعيم على ~~مسمع منه، وهو لا يملك إزاءهما أية مراجعة، حرصا على سلامتهما، ~~وسلامته أيضا أن يرددا أقواله في المدرسة فيحدث ما لا تحمد عقباه؛ من ~~أجل ذلك أخفى عنهما سر عوره وعرجه، وراح يغمغم: نحن في زمن القهر ~~والصمت! # ونشأ رشاد وسيما، ذا طول ورشاقة، أنيقا، مغرما بأمه وجدته، مغرما ~~بالسباحة، مع اعتدال في تحصيل العلم حتى ساواه أبناء خاله وخالته. ~~وأحبته جدته أكثر من شفيق وسهام وأمين وعلي، لقربه من القلب والعين، ~~ولأفضال أمه المحبوبة، ولأنها عقدت به تحقيق آمالها في تجديد البيت ~~والمدفن. أجل بدا لعيني جدته - مثل شفيق وسهام وأمين وعلي - كأنه ~~مخلوق بلا جذور، وكأنه لا يتنفس في جو بيتها القديم. من ذلك أنه سمع ~~مرة ms28 اسم سعد زغلول يتردد في حديث فسأل أمه ببراءة: سعد زغلول حي يا ~~ماما؟ # وانزعجت سنية رغم أنها بررت جهله بشتى الأعذار. ومن ذلك أيضا بروده ~~إزاء أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وولعه بعبد الحليم حافظ والأغاني ~~الإفرنجية، وتساءلت كيف دهمه هذا التمرد على تقاليد أسرته وذوقها؟! ~~وأخيرا قالت بتسليم: إنهم مزعجون ولكن لكل جيل شأنه! # ومن شدة حبها لرشاد قالت أيضا: التنوع له جماله أيضا! # أما شفيق فكان أشبه الأحفاد بحامد برهان، فاق والده محمد في ذلك، ~~وكان ذا صوت مقبول يحاكي به الأغاني الخفيفة، وبشر اجتهاده بحياة ~~مدرسية ناجحة، وكان يغالي في عواطفه حتى يضيق به أبوه أحيانا، ~~ويحول بينه وبين محاولة التسلط على أخته سهام. وكانت سهام صورة من ~~عمتها منيرة في جمالها البراق وذكائها اللامع فسر محمد بذلك سرورا ~~لا مزيد عليه. وأما ابنا منيرة فقد عرف أمين بالاجتهاد كما عرف علي ~~بالعناد، واتفقا معا في طول غير عادي، حتى قال سليمان بهجت: هكذا كان ~~والدي. # واعتاد محمد ومنيرة - وأفراد أسرتيهما - أن يتناولوا الغداء كل جمعة ~~في البيت القديم مع سنية وكوثر ورشاد. توثقت الصلات بين الصغار، ووضح ~~الخلاف بجلاء بينهم وبين آبائهم. وسعدت سنية بالزيارة الدورية سعادة ~~خففت من وطأة آلامها الدفينة وأحلامها الملحة. وبإزاء تعنت ~~أحلامها تحول اهتمامها مؤقتا إلى ذاتها، ند ذلك عنها دون شعور أو ~~تخطيط ولكنها انساقت إليه خطوة بعد خطوة، كأنما قررت أن تصون نفسها ~~من شوائب الزمن؛ مرة لا تعجبها أسنانها فتمضي إلى طبيب الأسنان للتنظيف ~~أو الحشو أو الوقاية، ومرة تتوعك عيناها وهي تقرأ فتذهب إلى طبيب ~~العيون فيعد لها نظارة طبية. وعلى حين أن كوثر تتوارى في زهد وتكبر ~~قبل الأوان وتتعبد في حماس فإن سنية - على تدينها وتقواها - ضاقت بأول ~~شعرة بيضاء تحبو وسط شعرها الفاحم، كرهت منظر الشيب ووجدته متنافرا مع ~~ما تحظى به من صحة جيدة. وفي الحال أحيت تقليدا كانت أمها تتبعه في ~~حياتها وهو صبغ شعر رأسها بالحناء فتحل الحمرة الداكنة المتفردة ms29 محل ~~السواد التليد والبياض الوليد. وترى كوثر وهي ترمقها باسمة فتقول بوقار ~~متغلبة على حيائها: إنها وصية جدتك يا بنت! # وهي فخور بنفسها، بذكائها واطلاعها الدائب، وتضع نفسها في موضع أعلى ~~من محمد ومنيرة المتعلمين في إدراك أبعاد الحياة المعاصرة، بالإضافة ~~إلى موهبة الحلم والحدس التي لم ينعم الله عليهما بشيء منها، ولكنها ~~كانت تكره الشيخوخة ومظاهرها وترنو إلى شباب دائم مازجة ذلك بحب ~~صاف للحياة ولله خالق كل شيء. وفي لقاءات الجمعة لمست تطلع محمد ~~ومنيرة لإعداد أبنائهما للطب أو الهندسة فخامرها قلق من ناحية حبيبها ~~رشاد وما يستطيع أن يحققه لمستقبله. وتملت جمال سهام بنت محمد فرأت ~~أنه سيكون هدفا يدور حوله رشاد وأمين وعلي، وأنه سيثير متاعب عاطفية ~~في أسرتها الممتحنة بعواطفها دائما وأبدا؛ فسألت الله السلامة، ~~وعزت نفسها متنبئة بأن صاحب القسمة والنصيب سيفور بها قبل أن يقع ~~أحد أقربائها في حبها. وفي حماية العلاقة الأسرية نشبت مناقشات ~~صريحة بين محمد وسليمان بهجت، تبدأ عادة عندما يذهب الأحفاد للعب في ~~الحديقة أو للمشي في شوارع حلوان الهادئة المترعة بالنقاء والجفاف. ~~يقول محمد متأسفا: حتى أمام الابن لا يأمن الأب أن يفضي بذات ~~نفسه! # فيقول سليمان ومنيرة تضحك منه في سرها: ملايين الفقراء لا يعرفون ~~الخوف، إنه عهد الفقراء! # فيقول محمد: خير من ذلك أن يكون عهد الفقراء والأغنياء على السواء ~~فالله خالق الجميع ومدبر لكل عملا صالحا يرضاه! # ومضت الزعامة الجديدة تتوطد وتعلو من سماء إلى سماء حتى وحد سحرها ~~المتطاير ما بين مصر وسوريا في وحدة باهرة. تجسدت القومية العربية ~~كحقيقة زاحفة مثلما تتجسد في الخيال كحقيقة تاريخية. وعبده ~~الأحباب، وسلم به الأعداء مقرين بأنه ليس ابنا للمصادفات أو ~~المؤامرات الأجنبية ولكنه ابن القدر المنذور لتغيير مجرى التاريخ. ~~وانقلبت الرعية إلى نسور ودناصير، وتعملقت الدولة الجديدة، وألقت ~~السماء بلسما ليداوي جرح أمة تمرغت في التراب قرونا تحت أقدام القهر ~~والعدوان. وما مضى وقت يذكر في تاريخ الأمم حتى انتبه السعداء على ~~جعجعة نيزك داهم على ms30 الوحدة فيفتتها في لحظة مهداة للأحزان. أي رد ~~فعل عنيف هز الناس المتزاحمين حول الراديو في شتى المواقع! قال كل ~~إنسان ما يشتهي، وانتفضت من جديد أصوات الشماتة والسخرية. وتلقى ~~الزعيم الضربة بغضب، ثم ردها بعنف نحو مرمى جديد فانفجرت القرارات ~~الاشتراكية، وحقق الفقراء نصرا تاريخيا من خلال معركة لم يقتربوا ~~خطوة من ميدانها. وقال الأستاذ عبد القادر قدري لمحمد: لم يعد للمحاماة ~~وزن! ~~- كان الرجل في الأربعينيات عضوا بمجلس النواب، وعين في ~~الخمسينيات عضوا بمجلس الشيوخ، وكان خطيبا ذا شأن وبرلمانيا ~~ممتازا، وهو اليوم يبدو شاحبا هرما دائم الامتعاض، معدا حقيبته ~~لأي اعتقال محتمل. وأدرك محمد أبعاد الموقف فأفضى به لألفت، ثم قال: ~~ستزداد الحياة عسرا. # واهتمت كوثر لأول مرة بما يجري حولها. لم تمسها الإقرارات في شيء ~~ولكنها شعرت بأن فوهة المدفع مسددة نحو القلعة التي تنتمي إليها، وسألت ~~أمها: ماذا يخبئ لنا الغد؟ # فقالت سنية: المخبأ في الغد مكتوب قبل أن تخلق السماوات ~~والأرض! # فقالت كوثر بإشفاق: إني أفكر في رشاد، وفيك أيضا يا ماما! # فقالت بهدوء: إنه رحمن رحيم! # وكانت تسائل نفسها هل يدركهم المد؟ قالت لنفسها إن قراراته - الزعيم ~~- تجيء في صالح الفقراء الذين لا يملكون فلا خوف على محمد ولا منيرة. ~~أما كوثر فالأمر مختلف، وكذلك رشاد، فهما يملكان أرضا وأنصبة في ~~عمارات، وأموالا سائلة. وقالت كوثر بقلق: العهد الذي فعل بأخي محمد ما ~~فعل لا يعف عن كبيرة! # وراحت سنية تفكر، أما أحلامها عن البيت والمدفن فقد تراجعت خطوات. ~~وفي أحد لقاءات الجمعية قال محمد لكوثر: اسحبي نقودك من البنك ~~واحفظيها تحت يدك قبل أن يشمها الوحش. # فقالت كوثر بتلقائية: قد يسرقها لص عادي! # فقال لها: ابتاعي بها ذهبا وسجاجيد! # عند ذاك نظرت كوثر نحو زوج أختها سليمان بهجت كأنما تستطلع رأي ~~الجهات الرسمية فقال: خير الأمور الوسط. # ومالت لرأيه داعية الله أن يحفظ مال رشاد. وفي طريق عودتهم بسيارة ~~سليمان بهجت الفيات قال محمد: لا أمان لأحد! # قالت منيرة لنفسها تجنبا لإغضابه:90٪ ms31 من الشعب ثملون بالأمل. وعاد ~~محمد يقول: ما هي إلا قرصنة، وإلا فلماذا يعيشون عيشة الملوك؟! # فقال سليمان بهجت: حتى في روسيا يعيشون كذلك! # فقال محمد: رحم الله ابن الخطاب! # وتجلت رؤيا سنية فرأت البيت القديم يضيء بجدة زاهية؛ رممت ~~أركانه، وتجددت أبوابه وسلاليمه، ووافاه أثاث جديد، أما غرف النوم ~~فحافظت على شرقيتها، ولكن العصرية شملت حجرات الاستقبال والسفرة، ~~وبعثت الحديقة من جديد فاخضرت أرضها وانتشرت فوقها أشجار البرتقال ~~والليمون والمانجو ودوائر الأزهار والورود، أما سورها الطويل فغطي ~~تماما بالياسمين، ولمحت حامد برهان يقوم بعمل البستاني مستردا صحته ~~وبدانته؛ سعدت جدا، ولكنها سألت البستاني بعتاب: لم لم تزرع شجرة ~~حناء؟! # ولم تبح بحلمها لكوثر أن تتوهم أنها تذكرها بأحلامها في وقت غير ~~مناسب. وسرعان ما نسيت الحلم تماما عندما أذاع الراديو نبأ ثورة اليمن ~~وموقف مصر منها. وفي أول لقاء عقب الحدث دار النقاش حوله بعد الغداء، ~~قال محمد ساخرا: أصبحنا أوصياء على ثورات العالم! # فقال سليمان بهجت: ما هي إلا نزهة تحل بعدها اليمن مكان ~~سوريا. # فقال محمد بعناد: ما زالت أغلبية الشعب حفاة! ~~- لا تنكر أنكم كنتم أول من شارك في الثورة على الإمام! ~~- اشتراك الفدائيين بطولة، أما الدولة فمسألة مختلفة تماما. # فسأل سليمان سنية مداعبا: ورأي أمنا الحكيم؟ # ولكن سنية قالت باقتضاب: صدري لا ينشرح للحرب! # فقال محمد متهكما ومعلقا على اشتراك الجيش المصري في الحرب: كأنه ~~قرار إسرائيل! # وسرعان ما شغلت سنية بأمر آخر؛ جعلت تقارن بين منيرة وسليمان بقلق، ~~لم يتجلى الكبر في وجه منيرة بسرعة؟! .. لم يزداد زوجها فتوة ~~وشبابا؟! ما زال بينها وبين الأربعين بضع سنوات ولكن سحر جمالها ~~ينطفئ بمعدل غير طبيعي، ولعلها ليست على ما يرام. إن قلبها لا يخطئ، ~~حياتها تدعو للسرور بعكس ما يبدو؛ أمين وعلي يطويان المرحلة الابتدائية ~~بنجاح، زوجها نال في عمله أضعاف أضعاف ما يستحق، هي نفسها ستعين ~~ناظرة دون نقل إلى الأقاليم بفضل أخي زوجها، ولكن فارق السن بينها وبين ~~زوجها يتسع بسرعة غير معقولة ms32 ولا مقبولة. محمد نفسه ألف عوره ~~وعرجه وتراجع رزقه، وها هو يمضي في حماية إيمان لا يتزعزع، وزوجته ~~سعيدة. والتقت عينا منيرة بعيني أمها فقرأت صفحة طويلة وخيل إليها ~~أن سرها انكشف. هل تفضح عيناها مخاوفها الباطنة؟! الحق أنها استشعرت ~~تغيرا غير حميد في قلب سليمان وسلوكه معها. قالت مرة لنفسها وهي ~~وحيدة: لم أتزوج رجلا واحدا ولكن جملة رجال في رجل. # واستعاذت بثقافتها فقالت أيضا: لعل هذا ما يئول إليه الحب! # وتذكرت كلمات ومواقف تهادت إليها على مدى العمر من علم النفس ~~والروايات والمسرحيات والأفلام، على أنها كرهت أن تفتح أمها ذلك الباب. ~~وإذا بسليمان يقول مغيرا مجرى الحديث: أخيرا قررنا إدخال التليفزيون ~~في بيتنا! # كانت منيرة من رأيها التريث حتى يعرف أثره على الأولاد، وتبعتها في ~~ذلك كوثر ومحمد، غير أن سليمان قال لها: لا يمكن أن نعيش خارج ~~زماننا. # وكانت أيضا في قرارة نفسها مقتنعة بقوله؛ فسرعان ما سلمت. وما إن ~~ذهب الزوار حتى قال رشاد لأمه: تلفزيون يا ماما! # ولحق بهما كذلك محمد. وفاقت فرحة الأحفاد بالتلفزيون كل تصور؛ فقد ~~جاءهم إلى مجلسهم بنجومهم المحبوبين، والعالم كله، فضلا عن زعيمهم ~~المقدس الذي عاشرهم ليلة بعد أخرى. ولما رأت سنية التلفزيون تذكرت يوم ~~دخل الراديو لأول مرة في بيتها، كانت أمها ما تزال على قيد الحياة ~~فقالت: اقتربت القيامة يا أولاد! # وكان هدوء حلوان في تلك الأيام البعيدة شاملا وعميقا حتى ليستمع ~~فيه الإنسان إلى خواطره، لا كهذه الأيام التي مضى يتكدر فيها صفوه ~~بإقامة العمائر بل والمصانع. وكانت هي في غاية من السعادة وصفاء البال ~~رغم أن الوطن لم يعرف الراحة أبدا. ويجيء الزمن كل يوم بجديد، وتكثر ~~مسراته وأحزانه، ويتمزق القلب في معاناة الحنين بين الماضي والحاضر. ~~وأخشى ما تخشاه أن يجيء الأجل قبل أن يتحقق الأمل. ولما انتهى إرسال ~~التليفزيون لأول مرة قالت لكوثر: سيزورنا العالم كل ليلة بكل ما ~~فيه! # فابتسمت كوثر ثم نظرت إلى رشاد قائلة: لا يلهينك شيء عن المذاكرة ~~يا ms33 حبيبي. # ولكن عصر التلفزيون كان قد بدأ، وثار في صدور الأحفاد صراع بين ~~الواجب والتلفزيون. # كان لمحمد مكتبة، وكذلك منيرة، وأقبل شفيق وسهام، وأمين وعلي، على ~~كتب الأطفال وغيرها إقبالا يبشر بالخير، وسوف يزداد ولا شك بدخولهم ~~المرحلة الثانوية في العام القادم، غير أن التلفزيون أثبت أنه منافس ~~خطير فالتهم نصف وقت القراءة في أول جولة، ومضى يهدد النصف الآخر. ~~وفي ذلك الوقت ناهزوا البلوغ فلفتهم حيرة مشرقة متحدية، وانطلقوا ~~في العطلة الصيفية مع الصحاب إلى الميادين والحدائق ودور السينما، ~~واحتدمت المناقشات، وطالب كل فرد منهم باستقلاله الذاتي، فلم يتفقوا ~~على شيء قدر اتفاقهم على القبوع ليلا أمام صندوق الدنيا الجديد ~~بمتنوعاته التي لا نهاية لها، وضيافته الكريمة التي تمتد من الأصيل إلى ~~ما بعد منتصف الليل. في ذلك المعترك الجديد اعتقد رشاد أنه رجل البيت ~~القديم، وأخذ يعرف أشياء عن ثروته المحفوظة ويستفحل أمره إزاء ضعف أمه ~~وحب جدته له. ورأته كوثر اتفاقا ذات جمعة وهو يغتصب قبلة من سهام في ~~ناحية من الحديقة. ورجعت سهام منسحبة من ملعب الأحفاد إلى مجلس الجدة ~~والآباء شاردة اللب. وخافت كوثر أن تشكو سهام إلى والديها ما ند عن ~~رشاد ولكن الأزمة مرت بسلام. ولما خلت كوثر إلى أمها بعد ذهاب الزوار ~~أفضت إليها بالسر فابتسمت سنية متمتمة: لعب بريء! # فقالت كوثر: سهام أنضج من سنها، وعلى منيرة أن تفتح عينيها! # وتفكرت قليلا ثم سألت أمها: أينبغي أن أحذره؟ # فكان جواب سنية أن نادت رشاد، أجلسته لصقها في حنان وقالت مقتحمة ~~الموضوع مباشرة كعادتها: قالت لي العصفورة إنك معجب ببنت خالك ~~سهام؟ # فتورد وجهه ولكنه قال بجرأة ناظرا صوب أمه: إني أعرف هذه ~~العصفورة! ~~- ماذا تريد منها؟ # فقال بجرأة أكثر: أن أتزوج منها يوما ما. # فابتسمت سنية ولكن كوثر قالت: الاختيار الصحيح ما يقع في الوقت ~~المناسب. # ولكنه تجاهل أمه وقال لجدته: افعلي شيئا يا ستي! # وفي الجمعة التالية غابت عن المناقشة المحتدمة متحينة فرصة لإعلان ~~طلبها. كانت المناقشة تدور حول «نزهة» ms34 اليمن التي انقلبت إلى متاهة ~~دموية متعطشة لدماء الأبطال وأموال الفقراء. قال محمد: أسمعت ما ~~يقال عن أغنية أم كلثوم «أسيبك للزمن»؟ .. يقال إن الأصل هو «أسيبك ~~لليمن»! # فقال سليمان بازدراء: اشمتوا كيف شئتم بدماء الأبطال! # فتساءل محمد جادا: أيرضى عاقل بذلك وعلى حدوده عدو ~~كإسرائيل؟ # قال سليمان وقد بات يحلم بوكالة وزارة الزراعة: إننا أقوى قوة ضاربة ~~في الشرق الأوسط. ~~- بفضل الملحدين! ~~- نحن نأخذ منهم السلاح والعدالة ولا شأن لنا بإلحادهم. # ونفد صبر سنية فقالت بصوت جهير مخاطبة محمد: هدئ روعك وأعطني سهام ~~لرشاد! # لم يفهم محمد مضمون الطلب لأول وهلة، ولما أدركه تناسى انفعاله وقال ~~بسرور خفي: الله .. الله .. ما زالوا أطفالا! # فقالت سنية: ولكني جادة تماما، ورشاد هدية! ~~- وسهام هدية أيضا ولكن إعلان خطوبة الآن أمر يدعو للضحك! ~~- هل ترفض؟ ~~- أبدا .. لنقرأ الفاتحة .. ليكن حجزا حتى يجيء الوقت المناسب .. ~~وعلي أن أشاور البنت أيضا! # وتمت الموافقة وتم الحجز. واستمد رشاد من حبه الناشئ همة أكبر في ~~العمل ولكن السباحة ظلت حائزة لاهتمامه الأول. وكان جل أصحابه من ~~الرياضيين فكان في السياسة والدين معتدلا، ورغم شعوره بالثراء والأصل ~~إلا أنه كان لطيفا سمحا محبا للناس تياها في الوقت نفسه بقوته ~~الجسدية وحسن منظره. وأمل أن ييسر له «الحجز» إشباع حبه في حدود ~~البراءة، ولكن سهام - مع ميلها إليه - لم تشجعه، وكفت - مرحبة ~~بنصيحة أمها - عن مشاركة الأحفاد في ملعب الحديقة، منضمة إلى مجلس ~~جدتها، تتابع أحاديث السياسة بفتور، وتستاء لأقل إشارة تسيء إلى ~~الزعيم. ولم تكن صفحة بيضاء فقد انسربت إلى أذنيها معلومات محرمة ~~من زميلات في المدرسة أو في البيت سرعان ما ربطت بينها وبين ما تسمع من ~~تلميحات في التلفزيون. ولما كانت علاقتها بأمها علاقة صداقة فقد تجرأت ~~على أن تروي لها بعض النوادر، التي لا تخلو من مغزى جنسي؛ حتى نصحتها ~~ألفت بالتدقيق أكثر في اختيار صاحباتها. وبسبب من ذلك قالت ألفت لمنيرة ~~ذات يوم: هذا التلفزيون يهيئ للبنت الصغيرة معلومات لا تتاح عادة إلا ms35 ~~لشابة ناضجة! # فأدركت منيرة ما تعنيه ولكنها تساءلت: أليس هذا أفضل؟ ~~- في الخير نعم، ولكن ليس في الشر! # فتفكرت منيرة قليلا ثم قالت: لعله أفضل أيضا! # فقالت ألفت باسمة: إنك ناظرة ومربية ولكن محمدا له رأي ~~آخر! ~~- لا خير في بناء يقوم على الجهل! # ثم وهي تتنهد: مشكلة أمين وعلي أنهما يفقدان متعة القراءة يوما بعد ~~يوم! # فتساءلت ألفت: أكان الأفضل ألا ندخل التلفزيون في حياتنا؟ ~~- لا جدوى من قرار يتخذ ضد تيار الحياة، المسألة هي كيف يمضي ~~التطور بأكبر فائدة وأقل خسارة .. الواقع أننا نسيء إليهم بالمدرسة ~~أكثر من التلفزيون ألف مرة! ~~- هذا حق، وحتى في السياسة لا وزن لوعيهم السياسي، إنهم يؤمنون ~~بالزعيم وبأي كلمة ينطق بها ولا شيء قبل ذلك أو بعده! # فقالت منيرة بارتياح خفي: بداية لا بأس بها في مثل سنهم. # كانت مثل ابنيها ناصرية لحما ودما، وكانت سعيدة بذلك. ليتها تسعد ~~في حياتها الحميمة كما تسعد في حياتها العامة. وإن يكن الفتور آفة ~~حتمية تقرض جذور الحب، وإن يكن أثره قد تجلى في حب سليمان لها فلم ~~لا يحدث المثل في حبها له؟! لم تصر على مكابدة حب ذلك الرجل الذي لا ~~تعد مثالبه؟ ولم يقف عذابها عند هذا الحد وإنما بات يطاردها إحساس ~~وحشي بأنها موشكة على فقده. وكانت سنية المهدي مستسلمة لخواطرها ~~الحزينة عن منيرة عندما فاجأها محمد بزيارة عند أصيل يوم أحد فتوجس ~~قلبها خيفة. سبقها إلى حجرة نومها الخضراء وجلس أمامها يرنو إليها كمن ~~يتهيأ لإلقاء ما عنده ثم قال: ماما، بلغني من مصدر فوق الشك أن سليمان ~~بهجت متزوج من الراقصة زاهية! # اختلجت عيناها وراء نظارتها وساد صمت ثقيل. كانت مرتدية روبا ~~بنيا ثقيلا، متلفعة بشال قطيفة أزرق، اتقاء لبرد قارس. ولما طال ~~الصمت قال: تأكدت من الخبر تماما! # ساءلت نفسها هل تتوارث المآسي؟ وكيف يقع هذا لدرة الأسرة؟! وتملصت ~~من صمتها قائلة: الأخبار السيئة لا تكذب. # وساءلت نفسها ألا يخلو أحد في أسرتي من عاهة؟! قالت: الأمر لله، ms36 ~~استمر ... ~~- يجب أن تعرف! ~~- إني خير من يبلغ الأخبار السيئة .. وبعد؟! ~~- ستطالب بالطلاق، ولكني ضد ذلك إلى الأبد! ~~- أوافقك، ما هي إلا نزوة طارئة، ولكن يلزمنا طاقة خيالية ~~لإقناعها! ~~- فليكن! # وسرعان ما استدعت منيرة، وعلى طريقتها في مواجهة المصائب قالت: عندي ~~خبر سيئ يا منيرة! # كان كالموت يفجر الإحساس بالمفاجأة رغم التسليم بمجيئه الحتمي. لم ~~يجد جديد إلا الجهر بالوساوس المعذبة الخفية. لكنها اصفرت غضبا ~~وارتسمت في قسماتها صورة صارمة. قالت: أمر يثير التقزز! # ثم بحسم: الطلاق! # غطت سنية وجهها براحتيها متفكرة ثم تمتمت برجاء: على ~~مهلك! ~~- لا مجال للتمهل أو التفكير! ~~- التسرع في قرار مصيري غير مقبول. ~~- لكنه الحل الوحيد يا ماما! # فقالت متنهدة: لا أراه كذلك! ~~- لا مفر منه. ~~- حدث لي ما يحدث لك ولكنني لم أفكر فيه! ~~- ذاك زمان مضى، والملابسات جد مختلفة؛ فأنا ناظرة مدرسة فكيف ألقى ~~الرجال والنساء وهم يعلمون أنني زوجة لها ضرة راقصة! ~~- ما هي إلا نزوة، فكري بالبيت والأولاد والمستقبل. # وائتمروا جميعا على معارضتها وإقناعها بالصبر. والعجيب أن سليمان ~~بهجت صمد للعاصفة ببلادة وثقة، معتزا بحقه المطلق في الزواج، ~~متناسيا عهد حبه القديم. وقال: علينا أن نتسامح مع أمور يتكرر وقوعها ~~كل طلعة شمس. # فقالت له بحدة: افعل ما تشاء ولكن خلصني! # فقال متظاهرا بالانزعاج: معاذ الله! إنك الأصل والأم ~~والأبناء. # فهتفت بحنق: هل عملت حسابا للأولاد قبل أن تفعل فعلتك؟ # فقال بمسكنة: إني أمر بمحنة وأنت عقل كبير ولكني لن أفرط في ~~بيتي! # وجدت نفسها وحيدة مع فكرتها، وفضلا عن ذلك فلم يكن الطلاق بيدها، ~~وأخيرا قال لها محمد: رجائي أن تؤجلي البت في الموضوع شهرا! # فمنحها حلا تداري به هزيمتها. وسافر سليمان بهجت إلى المغرب لحضور ~~مؤتمر زراعي على مستوى البلاد العربية. ولما رجع إلى العباسية وجد ~~منيرة قد جعلت من حجرة مكتبها مكتبة وحجرة نوم فأضافت إلى ركن منها ~~كنبة تتحول إلى فراش عند اللزوم فاطمأن إلى أنها عدلت عن التشبث ~~بالطلاق وإن قررت أن تنفذه في الواقع. وشعر ms37 في أعماقه بارتياح خفي ~~فانطلق من أريحية مباغتة يقول: أنت أنت، وكما كنت مذ ربط بيننا ~~الحب. # كرهت محادثته كما كرهت النظر إليه. كانت تعاني أتعس لحظات حياتها؛ ~~اندفن حبها تحت ركام من الحنق والغيرة والإحساس الأليم بالغدر، وغرقت ~~في حوار طويل مع نفسها المحمومة؛ إنها تستحق أضعاف ما حاق بها جزاء ~~حبها لرجل تافه. قد تعذر على حبها في سن باكرة ولكنها نضجت فلم ~~تتلاش الغشاوة عن عينيها، بل نضج الحب أيضا وتفاقم خطره. واغتفر ~~الحب عيوبه، فقبله رغم أنه ما هو إلا حيوان جميل، بلا عقل ولا روح، ~~يحركه الطمع والمنفعة الرخيصة. وما حبها إلا شهادة ضدها، ملأ القلب دون ~~أن تزحمه قطرة واحدة من الاحترام. هل يصح أن تهيمن على حياتنا قوة ~~عمياء لا معقولة تزري بما حصلناه من ثقافة وحضارة؟! إنه مخجل بقدر ما ~~هو حقيقة واقعة؛ على ذاك فعقابي دون ما أستحق، وغمغمت بعذاب: غجرية، ~~لا ناظرة ولا مربية! # فلتقتلع من الآن فصاعدا جذور الحب من قلبها الضال، ولتكن مثل أمها ~~في الكبرياء فلا ترضى بمنافسة امرأة دونها. وقد قرأت لها أم سيد ~~الفنجان وقالت وهي تقرب عينيها الضعيفتين من جوفه: بعد الشدة يجيء ~~الفرج. # واقترحت حيلا من السحر والرقى وزيارة بعض الأضرحة المشهود لها ~~بالفاعلية فابتسمت بمرارة ولم تنبس. وقالت لنفسها: لا دواء للغدر إلا ~~الرفض. # على أي حال برئت من مطاردة القلق الوحشية، وتحررت من إلزام نفسها ما ~~لا يلزم - تشبثا بذيول جمالها - من رجيم قاس وزينة مبالغ فيها. ~~الآن تستطيع أن تهب نفسها خالصة لعملها الجاد وابنيها الواعدين، ~~متأسية بأخيها محمد في صبره وعزيمته وإيمانه. أما أمين وعلي فعلى ~~دهشتهما لم يدركا أبعاد المأساة. كانت علاقتهما بأبيهما ودية وسطحية ~~بخلاف أمهما المربية والمرشدة والصديقة. وقال أمين لعلي: بابا ~~أخطأ. # فقال علي: وأساء لماما! # وكلما ظهرت زاهية في التلفزيون تفرسا فيها باهتمام وفضول وحنق. ~~وقال أمين لنفسه: بابا يتزوج للمرة الثانية أما أنا ففقدت سهام إلى ~~الأبد: # لماذا؟ إنه ليس دون رشاد رواء، ms38 وأطول منه، وأذكى ، ولكن الآخر غني. ~~ولعله لم يحب سهام كما أحبها رشاد ولكنه لعن رشاد وسهام والجميع. وقال ~~لأمه: الثورة معتدلة أكثر مما ينبغي يا ماما! # فدهشت منيرة وسألته: أتريدها شيوعية؟! # فتساءل: وما الشيوعية؟ # فترددت قليلا ثم قالت: هي الإلحاد! # فوجم. واعترف فيما بينه وبين نفسه بأن سهام أهون من أن يخسر بسببها ~~دينه. وكانت منيرة تعرف عنه أكثر مما يظن فأحزنها أن تكابد - هي ~~وابنها - مرضا واحدا، فأوشكت أن تنهزم أمام دمعة محتدمة. وقالت له ~~بغموض: ما نتصوره ونحن صغار يتغير ونحن كبار! # أما علي فكان يهيم ببلوغه في واد غريب؛ عشق بطريقة عشوائية ميرفت ~~هانم حماة خاله محمد. رآها عن قرب في بيت خاله وهي تزور ألفت مصحوبة ~~بزوجها الأخير الأستاذ حسن علما. لم يكترث لسنها الزاحف نحو الستين ~~ولكن بهرته أناقتها وصوتها العذب وشعرها الذهبي وبشرتها المنيرة. سرعان ~~ما عشقها انفراديا، وكانت أول امرأة من لحم ودم تحل في قلبه ~~المشغوف بكواكب التلفزيون. وقد نفخته بالغرور عندما قالت له وهي ~~تصافحه: إنك في طول رجلين معا. # واستوعبت المرحلة الثانوية جميع الأحفاد؛ التحق شفيق بن محمد وأمين ~~وعلي بالقسم العلمي، على حين التحقت سهام ورشاد بالقسم الأدبي. وبدأ ~~رشاد يتكلم عن المستقبل متأثرا بما يقال في مجلسه مع أصدقائه ~~الرياضيين. حلم بحياة الأعيان ولكن صده عن حلمه قول الزعيم «من لا ~~يعمل لا يأكل!» وهو زعيم قادر، وفي وسعه أن يحرم الأعيان الكسالى ~~من لقمة العيش؛ فقال لأمه يوما: أزرع أرضي وأربي العجول! # فقالت كوثر: إذن اتجه إلى كلية الزراعة. # وفكر وفكر ثم قال: الكلية الحربية أفضل! # فتذكرت كوثر ويلات الحروب وقالت: لا، لا تلق بنفسك إلى ~~التهلكة! # فقال وهو يرنو إلى جدته: الأعمار بيد الله وحده. # لو تيسرت له حياة الأعيان لتزوج من سهام عند الانتهاء من الثانوية ~~العامة؛ ليسكت هذا الجوع الضاري الذي يغرز في جوانحه خناجر ~~مبللة بالشهد. وفي تلك الأيام خسر الاجتماع الأسبوعي للأسرة حرارة ~~الشباب. ولم يعد يشهده إلا محمد ومنيرة وألفت، ms39 ومع أن اختفاء سليمان ~~بهجت لم يدهش أحدا إلا أنه لم ينقطع تماما، كذلك سهام كانت تجيء في ~~أغلب المرات، ولكن أين شفيق، أين أمين، أين علي؟! وتسأل سنية المهدي ~~فيكون الجواب إنهم في رحلة، سينما، مع أصحاب. ~~- ألا يبادلونني الأشواق؟ # فتقول منيرة: إنهم يحبونك يا ماما ولكن سرقتهم الدنيا! # غزت صداقة جديدة صدر شفيق ممثلة في عزيز صفوت، زميل المدرسة، ~~لأب بسيط موظف في محل تجاري، متقشف الحياة والمظهر، لكنه متنوع ~~الحديث، ويعكس حديثه دأبه على غشيان دار الكتب؛ فأثار حماس شفيق، بل ~~وسهام أيضا. وكانت ألفت تتابع حديثه أحيانا فقالت لشفيق: صديقك لا ~~يعجبه شيء! # وقال له أبوه محمد: إني لا أحب هذا النوع من البشر، ولا أحب ~~الاختلاط، ولكني أنصح ولا أفرض وصايتي، والعاقل من لا يسلم برأي حتى ~~يمتحنه. # وكان موقف محمد من العهد قد عرف مع الزمن لشفيق وسهام، كما عرف ~~لأمين وعلي، فاستطاع الرجل أن يقول لشفيق أخيرا: الإسلام هو الدعامة ~~والهدف. # فقال شفيق: وإني لمسلم يا بابا ولكني ناصري أيضا! # ولم يكن عزيز صفوت ضد الناصرية ولكنه لم يكن ناصريا بالدرجة التي ~~يرضى عنها شفيق أو سهام. أما إذا انفرد أحدهما بالآخر في مقهى فكان ~~حديث المرأة يستقطب جل الاهتمام. كانا يطاردان النساء بأعين جاحظة، ~~ويقول عزيز: حينا بولاق حي شعبي وبه فرص لا بأس بها! # فيقول شفيق: إنها أزمة لا حل لها. # فيقول عزيز متهكما ببنطلونه القديم وقميصه الرمادي الرخيص: ~~تلزمنا سيارة أو شقة خصوصية! # ويطير خيال شفيق مستحضرا وجوه ~~النساء بعمارة باب اللوق ويظل فريسة للسياط والجمرات. وقد لمح مرة ~~أمين ابن عمته في ميدان التحرير وهو ماض مع بنت تقاربه في السن نحو ~~محل دندورمة فأتبعه ناظريه في حسد. وكان أمين سعيدا جدا بصاحبته ~~التي بدت إلى جانب طوله قصيرة. وكانت سمراء مسمسمة رشيقة. انتبه ~~إليها كجارة، وحام حولها في محطة الترام يوما بعد يوم حتى شجعته ~~بابتسامة فتعارفا، وتقابلا، وتبادلا القبل كلما تيسر ذلك، فصارا ~~حبيبين. وعرف أنها هند ms40 رشوان، ابنة ميكانيكي في ورشة لإصلاح السيارات، ~~في المرحلة الثانوية مثله، وكبرى بنات أربع ثلاثتهن في المرحلة ~~الابتدائية. ولم يغتبط بالمعلومات ولكنه تجاوزها فلم تفتر همته، وكان ~~يتنفس في جو يستبق فيه «الخاصة» في اكتشاف جذور شعبية لهم وقاية من ~~العواصف. أما علي فنعم وحده - وفي سرية تامة - بحب ميرفت هانم، ~~وعلم بأنها كانت زوجة أيضا لجده حامد برهان فلم يثنه ذلك عن حبه، ~~فاختزنه ضمن هواياته كالتلفزيون والولع بالخلوات. وشجعتهما علاقتهما ~~الحميمة بمنيرة على مواجهة الحياة فهي تشاركهما في روح العصر بخلاف ~~خالتهما كوثر وخالهما محمد اللذين أطلا عليهما من نافذة زمن ماض ~~مجهول. إنهم أبناء اليوم والغد ولا ماضي لهم، وهم رعايا دولة عظمى ~~مهيمنة على العرب وأفريقيا، حليفة لدولة عظمى، ومتحدية لدولة عظمى ~~أخرى! انحصرت مشكلتهم الملحة في الجنس وهي ستحل بطريقة ما في ~~حينها. وارتفع صوت في الراديو ينعى أثرا من آثار الماضي، جهله الجيل ~~الجديد، وعرفته قلة كرمز للخيانة؛ نعى الراديو مصطفى النحاس. لم يترك ~~الخبر أي أثر في الأحفاد، اتسعت عينا كوثر ومنيرة لحظات ثم شغلت كل ~~بما بين يديها، وكانت سنية تتمشى ما بين حجرة المعيشة والفراندا في جو ~~أغسطس الحار، فسرعان ما أسلمت نفسها إلى أقرب مقعد، وشخصت بعينيها إلى ~~الحديقة المهملة في تأثر شديد، ثم غمغمت: آه .. لكل أجل كتاب .. إلى ~~رحمة الله ورضوانه. # وتلقت من ذكرياتها الحميمة حزنا هادئا عميقا. أما محمد فقد نبض ~~عرق قديم في هيكله المتجدد فرأى الماضي والحاضر والمستقبل في لوحة ~~رمادية تقطر أسى ورحمة. وكان ساعتها يجالس الأستاذ عبد القادر قدري في ~~حجرته، فرآه يطرح جسمه على مسند كرسيه، ويطوق رأسه براحتيه ويصمت ~~طويلا، ثم يردد بخشوع: # ألا يا نفس أجملي جزعا # إن الذي تحذرين قد وقعا. # ثم نظر إلى محمد بعينين مربدتين وقال: مات آخر الزعماء. # فلاذ بالصمت مشاركا في تأثره فقال عبد القادر: سيشيع غدا في ~~جنازة لا تليق بمقام راقصة درجة رابعة! # ولكن الجنازة كانت انفجارا بركانيا غير مسبوق بإنذار. شاهدها محمد ms41 ~~من شرفة المكتب بشارع صبري أبو علم فذهل ولم يصدق عينيه. وتساءل: ~~كيف حصلت هذه الأسطورة؟! # أي طوفان من جموع بلا نهاية! أي هتافات تتطاير بشواظ القلوب! أي دموع ~~تترقرق في الأعين! أي حزن يغشى الشيوخ والشباب، أجل والشباب أيضا! ~~وتساءل محمد: من أين جاء هؤلاء الشبان؟ # كيف فرضت هذه الزعامة نفسها على القلوب ساعة الوداع بعد أن توارت عن ~~السمع والبصر وغطتها أيدي الرقباء برداء النسيان؟ أما زال للوفد مريدون ~~بهذا العدد؟ هل انضم إليهم كل محب للحرية ومحروم منها؟! اضطربت ~~الجموع في أسى حميم عميق شامل وكأنما تنعى الدنيا والأمل الوحيد. ~~ولمح محمد الأستاذ عبد القادر قدري تلاطمه الأمواج وراء النعش وهو ~~يلوح بيديه بحماس يفوق سنه، ولم يكن يتصور أنه يراه لآخر مرة، ~~فقد اعتقل مساء اليوم نفسه فيمن اعتقل من المشيعين المتحمسين، وقضى ~~في الاعتقال عامين ثم توفي عقب الإفراج عنه بيومين. واختصت الجنازة ~~بحديث طويل في الجمعة التالية في اجتماع الأسرة، غير أن محمد كان يدخر ~~خبرا لا يقل عنها إثارة فقال مخاطبا منيرة: زوجك يبني فيلا في ~~المعادي! # فتجلت في عيني منيرة نظرة إنكار، على حين تساءلت سنية: من أين له ~~المال؟ # فقال محمد وهو يغمز بعينه الباقية: إنه يؤجر شققا مفروشة ~~استأجرها وهي خالية - بفضل أخيه - من عمارات الحراسة! # ونقل وجهه بين الوجوه ثم واصل: إنه يستأجر الشقة خالية وتتعهد ~~الراقصة بفرشها؛ فهما شريكان! # فقالت منيرة بازدراء: ما ننال منه مليما فوق نصف مرتبه. # فقال محمد: ويقال إن زوجته على علاقة مع المخابرات! # وانتبهوا ذات يوم والجيش يجلجل في شوارع القاهرة. تابعت منيرة وأمين ~~وعلي منظره المهيب من شرفة شقتهم بالعباسية. ورآه شفيق وعزيز صفوت ~~بميدان التحرير. وسرعان ما ذاع وملأ الأسماع أن الجيش ذاهب إلى سيناء ~~ليمنع تهديد إسرائيل لسوريا. وفي الحال تجسدت الحرب كحقيقة وشيكة ~~الوقوع في أخيلة الناس. وفي البيت القديم بحلوان نظرت كوثر نحو رشاد ~~كأنما تطالبه بالعدول عن نيته في الالتحاق بالكلية الحربية، وتساءلت: ~~ما هذه الحروب؟ .. كأنها ms42 أعياد موسمية! # ووجمت سنية، تذكرت حلما رأته ولم تحدث به أحدا؛ رأت القبر ~~مفتوحا والأجداث داخله متراصة، وأنها كانت تنادي شخصا ما ليسده ~~ولكن صوتها لم يسمع. همت بالإشارة إلى الحلم ولو إشارة غامضة ~~ولكنها عدلت وأوت إلى الصمت. أما كوثر فرجعت تقول: حلوان اليوم بها ~~مصانع حربية! # ففكرت سنية ببيتها القديم وتساءلت: هل يتحمل بيتنا الانفجارات ~~القريبة؟ # ثم واصلت بشيء من الثقة: ولكن الرئيس يعرف ما يصنع. # وفي شقة باب اللوق دار حديث الحرب بحضور محمد وألفت وشفيق وسهام ~~وعزيز صفوت. تساءلت ألفت: ماذا يعني إغلاق المضايق وانسحاب الجيش ~~الدولي؟ # فقال محمد بسخرية: يعني أن سفن إسرائيل كانت تمر في أمان منذ عشر ~~سنوات أو منذ النصر المزعوم! # ولكن عزيز صفوت أجابها متجاهلا سخرية محمد: إنها الحرب يا ~~سيدتي! # فتساءل محمد: وجيشنا موحول في اليمن؟! # فقال عزيز صفوت: نحن أقوى قوة في الشرق الأوسط، والرئيس لا شك يعرف ~~لقدمه قبل الخطو موضعها. # فكظم الرجل غيظه، على حين قالت سهام: كلماته مليئة بالثقة ~~والقوة! # ظن محمد لحظة أنها تصف حديث عزيز صفوت ولكنه سرعان ما أدرك أنها ~~تعني زعيمها، ثم لعن الثلاثة في سره. وفي العباسية لاحظ أمين قلق أمه ~~فقال لها: نحن أقوياء يا ماما. # فقالت منيرة: إني مؤمنة بذلك وهو ما يقلقني، ليست إسرائيل بمشكلة، ~~ولكننا إذا اخترقنا حدودها فسنجد أنفسنا وجها لوجه مع الولايات ~~المتحدة! # فقال علي: معنا الاتحاد السوفيتي! # فتساءلت: أتظنه يقدم على دمار العالم من أجلنا؟! # فقال علي بإصرار: ولا الولايات المتحدة تقدم على دماره من أجل ~~إسرائيل! # فاعترفت منيرة قائلة: الحق أني في غاية القلق! # وجاء سليمان بهجت في زيارة طوارئ. كان يزورهم من حين لآخر وظلت ~~علاقته بابنيه ودية وسلبية معا، أما منيرة فكانت تعامله معاملة ~~رسمية. استمع لخواطرهم عن الحرب ثم قال بنبرة العالم ببواطن ~~الأمور: لا داعي للقلق ألبتة، وفي اعتقادي أنه لن تقوم حرب. # ثم بعد هنيهة صمت: ولكن مبالغة في الحيطة أود أن تقيموا معنا هذه ~~الأيام في الزمالك ms43 فهي آمن من العباسية! # فقالت منيرة بهدوء وبرود: لك الشكر، لكننا لا ننوي هجر مسكننا ولا ~~نجد ضرورة لذلك. # فلم يضايقها بإلحاحه، ولعله لم يتوقع قبولا من الأصل، وقال: روح ~~البلد عالية جدا! # فسأله أمين: ألسنا أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط؟ # فأجاب بيقين: هذا مفروغ منه، ولكني لا أتوقع حربا على ~~الإطلاق! # وقضي الأمر. في الساعة التاسعة من صباح الاثنين 5 يونيو 1967 دوت ~~صفارة الإنذار وقضي الأمر. بدا كل شيء هادئا في القاهرة عدا جموع ~~تجمهرت حول الراديو تتلقى أنباء عن انتصارات وطنية خارقة! وتابعت ~~منيرة الأنباء فازدادت قلقا، وساءلت نفسها: ما لنا لا نسمع عن ~~هجوم؟! # ومرق محمد وألفت إلى محطة لندن وصوت أمريكا فدهمتهما أخبار أخرى، ~~وتساءلت ألفت: ماذا يجري؟ .. أتصدق هذا؟! # فقال محمد وعواطف متضاربة تتنازع قلبه: أصدقه تماما، ما هو إلا ~~بناء من الورق يقوم على الكفر والفساد! # وأخيرا أعلن عن بيان سيذيعه الرئيس على الشعب. استقر الكبار في ~~البيوت وانتشر الشباب في الشوارع والمقاهي. انتظر الجميع - ملهوفين - ~~البيان متوترين بانفعالات محتدمة. منقبة أعينهم في الظلمات عن ~~بارقة أمل؛ أليس ثمة رابطة وثيقة بين لسان الرئيس والأمل؟ أجل إنه لا ~~ينطق إلا مرسلا باقات من الآمال المنعشة. لكنه - ذلك المساء - ~~طالعهم بوجه جديد، وصوت جديد، وروح جديدة. اندثر رجل وحل ~~محله رجل آخر؛ رجل آخر يحدث عن نكسة، يشهر إفلاسا، يندب حظا، ~~يحني قامته العملاقة لواقع صارم عار عن الأحلام والأمجاد، ويلتمس ~~مخرجا بائسا في التنحي، مخليا مكانه الشامخ المتهدم لخليفة ~~أراد له أن يرث تركته المثقلة باللامعقول والعار. خرقت الحقيقة ~~الوحشية القلوب الملتاعة وتردت بأصحابها إلى قاع الهاوية؛ فاندفعت ~~دموع من الأعماق الجريحة إلى الأبصار الزائغة؛ بكت سنية وكوثر أيضا ~~بكت، بكت ألفت وسهام على حين تحجرت عين محمد، أما منيرة فغشيها بكاء ~~طويل. واندفع شفيق وأمين وعلي وعزيز في طوفان الجموع الصاخبة الغاضبة ~~المحتجة يخوضون ظلاما دامسا، يتحدى صراخهم أزيز الطيارات وطلقات ~~المدافع المضادة، وتطالب بالتنحي عن التنحي. وتتابعت أيام محمومة ~~جنونية ms44 مليئة بالانفعالات والتحرشات والاعتقالات والانتحار . وبقي ~~الرئيس وانتحر القائد، وفرغ الناس من متابعة الأحداث السياسية ليفتحوا ~~قلوبهم لهلوسة تاريخية فريدة وليشاركوا بلذة جنونية معذبة في ~~حفلة زار عصرية شاملة. ماذا حصل؟ كيف حصل؟ لماذا حصل؟ وأمطرت السماء ~~شائعات، وسخريات، ونكاتا، ونوادر، ودموعا. وتفشت أعراض مرض مجهول، ~~فبدا وكأنه لا شفاء منه. وشهد اجتماع الأسرة جميع الأجيال كالماضي ~~البعيد. بدا الكبار محزونين والصغار حيارى مبهوتين. وحزنت سنية لنفسها ~~كما حزنت لأولادها وأحفادها، تذكرت حلمها الكئيب، تذكرت حامد برهان ~~وجهاده الصغير الذي عاش تياها به، استرقت إلى محمد نظرة إشفاق، ~~رنت إلى الأحفاد بشوق وعطف، وأصغت إلى صوت خفي تردد في أعماقها ~~يطالبها بأن تيئس تماما من تجديد بيتها وحديقته. من يفكر في هذا ~~الترف وهو في جوف النيران المؤججة؟ وتمتمت: يا لها من أحزان! # فقال محمد ممتعضا: المسألة أننا نسينا الله فنسينا ~~الله. # فقال سليمان بهجت وهو قاعد جسدا بلا روح: ما هي إلا مكيدة ~~أمريكية! # فهتف محمد: لا عذر عن الغفلة والحماقة! # ثم تنهد في غيظ: وتخرج الجموع للتمسك به بدلا من المطالبة ~~بمحاكمته؟ # ونظر صوب ابنه شفيق متسائلا: ماذا دفعك للاشتراك مع الجموع؟ # فأجاب شفيق بوجوم: لا أدري بالضبط، ربما خيل إلي أن الحياة لا ~~يمكن أن تمضي بدونه! # وقال أمين: قلنا إن هدف العدو إقصاؤه فتمسكنا به تحديا لقرار ~~العدو. # فضحك محمد بجفاء ساخرا: وهل يطمع العدو فيمن هو خير منه؟! # وصمت لحظات ثم واصل: أعترف لكم بأنني سررت أيضا لبقائه، أجل، ~~يجب أن يبقى على رأس الخراب الذي تسبب فيه، ليعاني معنا، وليتحمل ~~مسئولية إصلاحه، هذا خير من الهرب إلى الخارج والتمتع بحياة أصحاب ~~الملايين! # صمت شفيق وسهام وأمين وعلي ورشاد كأن الأمر لم يعد يعنيهم، أو أن ~~«ناصريتهم» غرقت في مستنقع من الحيرة. تخبطوا في الظلام صامتين. ~~أما سليمان بهجت فتردد طويلا قبل أن يقول: ثمة كلام عن تكوين جديد ~~للجيش على أسس جديدة! # فأطلق محمد ضحكاته الجافة ثانية وقال: ما نحن اليوم إلا إقليم تابع ms45 ~~للاتحاد السوفيتي، لم تنتصر إسرائيل والولايات المتحدة فقط ولكن ~~الاتحاد السوفيتي انتصر أيضا، أذنابه يقولون اليوم بكل قحة إن ~~الاشتراكية أهم من سيناء! # وغمغمت سنية في أسى: لنا الله. # وتساءلت سهام: أينتهي الوضع على هذه الحال؟ # فخيل إلى سليمان بهجت أنه مطالب بإجابة فقال: كلا طبعا! سنجد ~~أيضا فرصة لإعادة النظر في شئوننا، ثمة عوامل فساد كانت تنخر في ~~عظامنا، يقال إن الرئيس نفسه كان ضحية من ضحاياها! # فقال محمد حانقا: قال إنه مسئول عن كل شيء، لعله أول صدق ينطق به ~~في حياته! # ففقد سليمان بهجت بعض أعصابه وقال: أعداء النظام شامتون كأن المصيبة ~~حلت بوطن آخر! # فلوح محمد بيده محتجا وقال: إنهم محزنون لا شامتون، لقد بذل ~~الجيل الماضي ما استطاع حتى وقت للاحتلال البريطاني وقتا، ثم جاء ~~الأبطال يحلمون بإنشاء إمبراطورية فانتهى سعيهم باستيراد احتلال جديد ~~مارسته أصغر وأحدث دولة في العالم، هي النتيجة الحتمية للجهل والغرور ~~والفساد والاستبداد، واليوم تفصح الوجوه فلن ترى توازنا واستقرارا ~~إلا عند الشيوعيين! ~~- لسنا شيوعيين على أي حال. ~~- ولكنكم ذيول لهم، لو صدقتم في قتال إسرائيل عشر صدقكم في قتال ~~المسلمين لكتب لكم النصر. # فقال سليمان بضيق: الشعب الكادح يعرف بغريزته كيف يهتدي إلى ~~رجله! # فجاوز محمد حلمه قائلا: لا تحدثني عن الشعب الكادح، وحدثني عن ~~الشقق المفروشة! # اصفر وجه سليمان وأفصحت عيناه عما ينذر بإفساد اللقاء كله، غير أن ~~سنية قالت بصوت مسموع: لا .. لا أسمح بهذا، نحن هنا أسرة ولا مكان ~~بيننا لمعركة! # وعلت الكآبة المجلس والمأدبة، ولم ير سليمان بهجت بعدها في البيت ~~القديم، لا بسبب نزاعه مع محمد فقط، ولكن لأن التحقيقات أدانت فيمن ~~أدانت زوجته «زاهية» مثبتة استغلالها لنفوذها المستمد من المخابرات ~~لإثراء غير مشروع؛ فقضي عليها بالسجن خمس سنوات. وأصابت ضربات ~~التطهير أخا سليمان الضابط؛ فقضي عليه بالسجن أيضا، ووجد سليمان نفسه ~~وحيدا ضعيفا بلا سند، مطاردا بسوء السمعة؛ مما اضطره إلى تقديم ~~استقالته. وفي ذلك الوقت فرغ من بناء فيلا المعادي، فأقام بها وحده ms46 ~~منتظرا عودة زاهية. وأنعش أمل قلب سنية الجريح فتصورت أن الأحداث ~~تمهد لعودة العلاقة بين سليمان ومنيرة إلى سابق عهدها، ولكن منيرة ~~قالت لأمها بصدق: لقد انتهيت منه تماما! # ولم يختلف هو عنها في ذلك فوهبت منيرة حياتها كلها للعمل ولابنيها. ~~وقد ترقت مفتشة وازدادت جدية في حياتها، وإذا بها تحج بصحبة محمد ~~ذات عام، وتواظب بعد ذلك على الفرائض مثل كوثر منتمية إلى أسلوب ~~أمها في التدين لا أسلوب محمد، محافظة في الوقت نفسه على ~~«ناصريتها» ملبية نداء العاطفة في ذلك أكثر من العقل، ورافضة التخلي ~~عنه في سوء حظه، قالت: ما هو إلا ضحية للاستعمار العالمي! # وسارعت إليها الكهولة مثل كوثر وأكثر ولكنها - من حسن الحظ - لم ~~تلحظ تغير وجهها الجميل كما لاحظه الآخرون، كما أنها لم تعد تستعمل أي ~~أداة من أدوات الزينة. ووقعت مظاهرات الطلبة مفاجأة لها كما كانت ~~مفاجأة لكثيرين. إنها أول تحد داخلي يواجه الزعيم من أخلص أبناء ~~قبيلته. تردد الهتاف بسقوطه، وتطايرت في الجو السخريات المسجوعة. وتاقت ~~الأنفس لحكم الشعب ولمعرفة الماضي على حقيقته. وجدت منيرة نفسها ممزقة، ~~ففي جانب يتظاهر أبناؤها، وفي الجانب الآخر يقف زعيمها. وعجبت لموقف ~~أمين وعلي كما عجبت لموقف شفيق وسهام. وسألت وهي تقلب عينيها في ~~وجهي ابنيها: أليس هو الرجل الذي ثرتم لإبقائه؟ # فقال أمين مرددا ما أفعم رأسه: يجب أن يكون الدور الأول ~~للشعب! ~~- أتريد رجلا آخر؟ # فهز منكبيه قائلا: لا يوجد رجل آخر! # وتساءل علي في حيرة: ما جدوى التحقيق؟! # فسألت بإلحاح: أترومون تصفية الناصرية؟ # فأجاب أمين: لسنا رافضين ولكننا غير راضين! ~~- إنكم محيرون! # فقال علي ضاحكا: نحن حيارى! # وكانت الجامعة تستقبلهم واحدا بعد آخر. اثنان منهما نالا ما أرادا ~~فالتحق رشاد بالكلية الحربية رغم معارضة كوثر، والتحقت سهام بكلية ~~الآداب مستهدفة قسم اللغة الإنجليزية. أما شفيق وأمين فقد أرادا الطب ~~ولكن التنسيق حولهما إلى الهندسة، وأراد علي الهندسة فمضى إلى كلية ~~العلوم. وفي الجامعة دهمهم جو فائر بالبلبلة، صاخب بالأصوات الجهيرة ~~المتضاربة. الدين .. الدين ms47 .. الدين، ما انتصرت إسرائيل إلا بالتوراة؛ ~~فالحرب يجب أن تكون بالقرآن. الماركسية .. الماركسية .. الماركسية، هي ~~التي تقتلع مجتمعا متهرئا من جذوره الخرافية لتشيد فوق أنقاضه ~~مجتمعا علميا عصريا، العلم .. العلم .. العلم .. ما انتصرت ~~إسرائيل إلا بالتكنولوجيا، وأملنا الحقيقي في العلم والتكنولوجيا. ~~الديمقراطية .. الديمقراطية .. الديمقراطية، فما خسف بنا الأرض إلا ~~الاستبداد. الناصرية .. الناصرية .. الناصرية، وما عليها إلا أن ~~تخلص لمبادئها حتى نخلص لها. دوامة لا تسكن ولا تهدأ، والقلوب ~~ثقيلة، والأنفس مريرة، والأفق متجهم، والشهوات مكبوتة، وأحلام اليقظة ~~مرهقة. وقال شفيق لأبيه ذات مساء: نحن جيل من الضحايا، إني أصدق من ~~يقول ذلك! # فسأله محمد: ضحايا لمن؟ ~~- لجميع من سبقنا. # فتغيظ محمد وسأله: ماذا تعرف عن مصر ما قبل الثورة؟ ~~- دعنا من هذا وخبرني كيف أريد أن أكون طبيبا فتأمرني الحكومة أن ~~أكون مهندسا؟ # فقال محمد بامتعاض: اعرف وطنك، إليك مكتبتي فهي تحت أمرك! # وعرف شفيق صديقه عزيز صفوت أكثر فأدرك أنه ماركسي. لم يفطن لذلك من ~~قبل لقلة معلوماته من ناحية ولتركيز عزيز على نقد أوضاع شتى دون كشف ~~النقاب عن هويته من ناحية أخرى. يلاحظ الآن أن الهزيمة لم تنل منه ~~عشر معشار ما نالت من الآخرين فتذكر قول أبيه عن «توازن ~~الشيوعيين»، ونظر إلى عزيز صفوت نظرة غريبة وسأله وهما يسيران بلا هدف ~~وسط المدينة: لعلك ممن يفضلون الاشتراكية على سيناء؟! # فارتسمت ابتسامة في وجه عزيز الشاحب وقال: التوجه نحو الاشتراكية هو ~~المكسب الحقيقي لثورة يوليو. # فقال شفيق وهو يرمقه باستغراب: أنت ماركسي! # وراح الشاب يتحدث عن الهدم والبناء من جديد ففتنت الفوضى خيال شفيق ~~واستجابت لها نفسه الحائرة، غير أن عزيز انقض على المقدسات بسخرية ~~فاجرة لم يتوقعها شفيق فأحدثت عنده رد فعل مفاجئا رغم خفة تدينه. ~~وبدافع من العناد والغضب والرغبة في الجدل والاحتجاج على التطرف عارض ~~آراء صاحبه وكأنه صاحب موقف، بالرغم من أنه لم يعرف من المواقف إلا ~~الناصرية التي زعزعت الهزيمة أركانها. ولما شبع من الجدل قال: إني في ~~حاجة شديدة إلى امرأة! ms48 # فقال عزيز ضاحكا: توجد فرصة حسنة. # اعترف له بأنه يحوز صديقة، وأن لها أختا قد يجد فيها مطلبه. وزاده ~~بهما علما فقال إنها من بنات المدارس، وإن أمهما أرملة فقيرة تتعيش ~~من شراء الفاكهة نصف الفاسدة بأبخس الأثمان وتبيعها للفقراء، وإنها لم ~~تضن على ابنتيها بالتعليم ولكن الفتاتين اعتمدتا على نفسيهما في ~~الاستمرار فيه بلا موافقة أو رفض من ناحية الأم. قال عزيز صفوت: لي ~~حجرة مفروشة فوق السطح، والتكاليف معقولة. # وذهب به ذات يوم إلى سطح البيت بعطفة بهان ببولاق. اخترق حواري ~~كئيبة لم يألفها من قبل، ولم يتنفس بارتياح إلا فوق السطح، ومد ~~بصره جنوبا متجاوزا بضعة أسطح فرأى النيل يجري في شموخه ورأى شاطئه ~~الآخر المجلل بالأشجار والقصور والعمائر في الزمالك. ومضى به عزيز ~~إلى الحجرة المفروشة فدهمه منظرها بالوحشة! طولها أربعة أمتار وعرضها ~~متران، على يسار الداخل كنبة وفي الجدار المواجه للداخل كوة وثمة مسمار ~~مغروز في الجدار الأيمن وأرضها مغطاة ببلاط معصراني أغبر اللون. وجم ~~شفيق ولكن الآخر لم يلق إليه بالا، وما لبثت أن جاءت زكية محمدين في ~~بنطلون رمادي وقميص أزرق كاشف عن أعلى الصدر مفروقة الشعر مقبولة ~~القسمات والهيئة مفصلة الحمولات. تم التعارف والرضى، ولدى ذهاب عزيز ~~أحبها حب الجائع المحروم. تحدثت بطلاقة وعفوية كأنها في بيتها فخامره ~~شيء من الأسف ولكنه ضمها إلى قلبه بقوة واستماتة. وتواصلت العلاقة ~~بترحيب وسعادة من ناحيته كأنما بلغ بها أقصى ما يتمنى. وحفظ لعزيز صفوت ~~جميله، ولكن ذلك لم يمنعه من معاندته كلما تهجم على الإسلام، أجل وجد ~~نفسه يدافع عن الإسلام كأنه من تياره. ولاحظ أمرا أزعجه؛ قرأ أحيانا ~~في عيني أخته سهام إعجابا بآراء عزيز صفوت. انفرد بها ذات مساء ~~وسألها: لعلك لا تدرين أنه ماركسي؟ # فحدجته بنظرة محايدة ولم تجد ما تقوله فسألها: أتحبذين آراءه ~~الشيوعية؟ # فقالت بعد تردد: المسألة أنها جديدة ومثيرة! ~~- هل فرغت من الناصرية؟ ~~- لا أظن. ~~- هل هان عليك الإسلام؟ # فتفكرت قليلا ثم قالت: غير معقول. # فقال وكأنما يصف ms49 نفسه: إنك لا تدرين لنفسك رأسا من رجلين! # وثمة مفاجأة أخرى كانت ترصد فرصتها، فما كاد رشاد يخطر في بزته ~~الرسمية كطالب في الكلية الحربية حتى صارح أمه وجدته قائلا: آن لي ~~أن أعلن خطبتي لسهام. # وتحمست كوثر لذلك بدافع لم تتبينه بل تمنت أن يتم الزواج في أقرب ~~وقت، ورحبت بذلك سنية أيضا فحدثت به محمد وألفت. غير أن ألفت ~~عندما فاتحت سهام في الموضوع قالت الفتاة: آسفة! # فاستقطبت أنظار ألفت ومحمد وشفيق، وسألتها ألفت: أتريدين مزيدا من ~~التأجيل؟ # فقالت بصراحة: لا أريدها على الإطلاق! # ذهل الجميع وتبادلوا نظرات مستنكرة، وقال محمد: ولكنك كنت موافقة ~~طوال الوقت! # فقالت بهدوء وتصميم: الأمر كله كان عبثا، ثم تبين لي أنني لا يمكن ~~أن أوافق! # هتفت ألفت: رشاد شاب ممتاز وغني ووسيم وابن عمتك، فكري بما ~~سيحدثه الرفض! # فقالت بتصميم أشد: أي شيء أهون من الكذب في مصير حياة. # فقال محمد متأوها: إني رجل مؤمن، والمؤمن يؤمن بالزواج أيضا، ~~ولو كان لي مال لزوجت شفيق وهو رجل، فكيف بالأنثى؟! # فقالت بصوت متهدج: لا أريد يا بابا! # غلبه الإشفاق. تنهد قائلا: الأمر لله، سأسلم بما أكره، ولكني ~~حزين، على نفسي وعليك، على الأيام، كل ما حاق بنا، لقد ماتت جاذبية ~~الأرض وتطايرت الأشياء في الفضاء! # وبطبيعته التي تؤثر المواجهة سافر إلى حلوان. جلس في حجرة المعيشة ~~بين أمه وكوثر ورشاد وقال: إني حزين يحمل رسالة حزينة! # وصب عليهم الحقيقة واضعا نفسه تحت شلالها كأنه ضحية - مثلهم - من ~~ضحاياها. وقال: لم يعد لنا من سلطان على أولادنا! # جفت حيوية أرواحهم. تلقى كل منهم لطمة داهمة. ولم يعلق أحد ~~بكلمة فتفشى الفتور حتى ذهب محمد. وسرعان ما بكت كوثر وهي تقول: ابني ~~خير شباب الأسرة! # فقالت لها سنية: سيغنيك بمن هي خير منها. # أما رشاد فمضى من توه إلى شقة باب اللوق، فأخلى ما بينه وبين سهام، ~~وسألها: ماذا غيرك بعد أن سمحت لي بأن أحبك وأعقد بك ~~آمالي؟ # فقالت سهام بصوت خافت: أعترف بخطئي ms50 وأسفي، إنك شاب رائع، ولكن لا ~~حيلة لي ... # فازداد تعاسة وسألها: أيوجد شخص آخر؟ # فأجابت بوضوح: كلا. # فصمت قليلا ثم قال: إذا كان الأمر كذلك فلم لا نجرب ~~حظنا؟ # فقالت بحزن: آسفة، انس الموضوع كله وسامحني إن أمكن! # وانفرد محمد بألفت وسألها: هل يوجد شخص آخر؟ # فقالت: أبدا، إنها لا تخفي عني سرا. # فهتف الرجل: هذا أدهى وأمر. # ولكن كان ثمة «آخر»، غير أن سهام لم تشر إليه لأنه لم يعترف بعد، ~~وقد تكون واهمة. فمما لا شك فيه أن ميلا خفيا دفعها باستمرار نحو ~~عزيز صفوت! إنه يراسلها بنظرات خاصة أبلغ من أي لسان. مضى زحفه وئيدا ~~متواصلا حتى تفتح قلبها للحب، وعند ذاك فقط عرفت أنه شيء آخر غير ~~الميل الذي وجدته ذات يوم نحو رشاد. وكان رشاد أقوى جسما وأجمل صورة ~~إلى وزنه المالي المعترف به. عزيز نحيل شاحب الوجه ذو ملامح شعبية ~~ومظهر فقير ولكن سحرها نور يشع من عينيه، وجدة أفكاره وحيوية ~~روحه وذكاؤه البين. والحق أن عزيز ومض في رأس ألفت دقيقة ولكنها ~~سرعان ما استبعدته كفرض يتعذر قبوله .. كان يزور شفيق كثيرا، ويرى ~~سهام كثيرا، وفكرة حجب ابنتها لم تخطر لها ببال، وكانت هي تجالسهم ~~أحيانا وكذلك محمد. ثم ألم يسلم محمد نفسه بضرورة إلحاقها ~~بالجامعة؟ قنع بضرب المثل الإسلامي لهم في حياته اليومية وحثهم على ~~تأدية الفرائض وما يتسع له وقتهم من ثقافة دينية، مسلما بعد ذلك ~~أمره لله. لعل أمين - ابن منيرة - كان الأوحد في الأسرة الذي شمت ~~برشاد في محنته لسابق شغفه بسهام. وظن أن فرصة طيبة تسنح له من جديد ~~فعبر فوق علاقته بهند رشوان وأكثر من التردد على مسكن خاله محمد، ~~وراح يتودد إلى سهام، ولكنه شعر منذ أول خطوة بأنها لا تشجعه ألبتة ~~فلم يتماد في تجربته وقال لنفسه ساخطا: ستكون صورة طبق الأصل من ~~ميرفت هانم! # وندم على شروعه في خيانة هند رشوان فكفر عن زلته بالتأكيد على ~~إظهار حبه لها وتعلقه بها. وبالفعل دخل طورا ms51 جديدا من علاقته اتسم ~~بالحرارة والجدية. ومضى يفكر في المستقبل، وفي العقبات التي تعترض طريق ~~الزواج مثل اختلاف مستوى الأسرتين، والانتظار الطويل الذي لا مفر منه، ~~وتكاليف الزواج التي لا مفر منها أيضا. وعند ذاك تذكر ما يقال عن ~~ثراء أبيه، ولكنه لم ينس «زاهية» التي ينتظر خروجها من السجن، والتي ~~يقال إنها شريكته بل إنها القوة الحقيقة وراء استثماراته. بالإضافة إلى ~~ذلك فإن نفوذ عمه انتهى إلى الأبد بدخوله السجن. أما عن دخل أسرته ~~الخاصة فإنه بالكاد ييسر لها معيشة عادية أبعد ما تكون عن الترف. وكم ~~ود أن يخلو بهند رشوان لعله يروح عن أعصابه بطريقة فعالة وآمنة، ~~ولكن أقصى ما أتيح له أن يختلس القبلات واللمسات في شوارع العباسية ~~الجانبية. ولم يخل في حياته العامة من عاطفية أيضا فكان أقل الأحفاد ~~تمردا على الناصرية، وأعجب بأمه لتمسكها بها، وربما من أجل ذلك شعر ~~بمأساة أمه الخاصة أكثر من أخيه علي، وآنست منيرة منه ذلك فاختارته ~~بخيالها، وأيضا عقب رجوعها من الحج شاركها في الاهتمام بدينه ~~متبعا أسلوبها متحاشيا أسلوب خاله محمد. ولاحظ خاله محمد رجوعه إلى ~~ناصريته فقال له: إني لا أفهمك يا أمين! # فقال أمين: معذرة، لا أستطيع أن أنسى الخلاص من النظام الملكي، ~~الإصلاح الزراعي، تمصير الاقتصاد، والتأميم، التعليم المجاني، مكاسب ~~العمال والفلاحين، فلا الهزيمة ولا الفساد ولا الاستبداد سينسيني ~~ذلك! # رغم ذلك لم يعد حماسه بالحماس الذي كان لكنه كان شيئا ما بخلاف أخيه ~~علي؛ علي خسر كل شيء وخسر نفسه أيضا. طحنته الخيبة، جفت ينابيع ~~أحلامه، حدس طنين العداوة حتى في الخلوات وفي الليالي القمرية. وكما ~~صمم قديما ألا يقتني قطة عقب فجيعته بموت قطة محبوبة فقد عاهد الله ~~على تجنب المذاهب والزعامات عقب الهزيمة مصمما على الرفض وحده. ~~وحزنت منيرة على حاله فسألته مرة: ماذا تحلم عن المستقبل؟ # فقال بعصبية: ليتني أجد عملا في بلد أفضل! # فسألته بعتاب: وتهجر وطنك؟ # فقال بوضوح وتأكيد: في ألف داهية! # فقالت محتجة: ليس في أسرتنا تفكير ms52 من هذا النوع! # فقال ساخرا : لنا في السجن عم وزوجة أب! # وفي تلك الأيام توفي الأستاذ حسن علما آخر أزواج ميرفت هانم. اشترك ~~علي في تشييع جنازته وخياله يحوم حول أرملته. خفق قلبه المحروم ونشط ~~خياله الذي لم تبرحه المرأة مذ غزته في بيت خاله. وتبلورت وراء إرادته ~~اندفاعة متربصة مغامرة. ولأنه يعيش تحت مظلة من الاستهتار فقد اكتسب ~~سلوكه جرأة غير معهودة. راح يعد الأيام حتى وافى يوم الأربعين، ثم سافر ~~يوم الجمعة التالي إلى حلوان مساء اتقاء للأعين. ودق جرس الشقة التي ~~اتخذ جده حامد برهان منها عشا لعشقه وزواجه. وعرفته ميرفت هانم من ~~أول نظرة في بنطلونه الأزرق وقميصه الأبيض المفتوح الطاقة لاستقبال ~~نسمات الربيع. دهشت ولكنها رحبت به قائلة: أهلا! # فتبعها إلى حجرة الاستقبال وهو من الانفعال لا يرى. وجلس قائلا: جئت ~~لأعزيك ولو متأخرا ... # فشكرته وهي تتفرس في وجهه بارتياب. كانت ترتدي فستانا أسود يكشف عن ~~ذراعيها وأكثر ساقيها، ولم يمنعها الحداد من العناية بشعرها ووجهها ~~فشع منها ذاك النور الباهر. ربما بدت أصغر من سنها ولكن العين لا ~~تخطئ كهولتها خاصة كراميش الفم وما تحت العينين، ولكنه كان ينشد هذه ~~الصورة دون غيرها. وتذكرت هي نظراته التي استوعبتها في أكثر من زيارة ~~لبيت ألفت فلم تشك في أن وراء الزيارة ما وراءها. أيمكن ذلك حقا؟! ~~وما عسى أن تصنع به؟ ودل ترحيبها به وتقديمها القهوة على أنها تترك ~~الباب مواربا حتى ترى ما يجيء به الغيب. وكان من ناحيته عازما على ~~ألا يتجاوز التمهيد، فنظر إلى الصالون المموه بالطلاء الذهبي وقال: ~~ما أجمل ذوقك! # فقالت باسمة: إنه يشبه طاقم مامتك. # وكان لمح على الجدار صورة المرحوم مكللة بغلالة سوداء فلم يدر ماذا ~~يقول. ولم تشأ المرأة أن تزيد من حرجه فسألته: هل زرت جدتك؟ # فأجاب مرتبكا: كلا. ~~- لعل أحدا لمحك؟ ~~- كلا .. نور الطريق لا يسمح بذلك. ~~- إني أشكرك على أي حال. # عند ذاك قام وهو يتساءل: هل تسمحين لي بالزيارة عند سنوح ~~الفرصة؟ # فقالت ms53 باسمة: إنه بيتك بغير استئذان ... # رجع من حلوان وهو يقول لنفسه إنها ذكية ولا مانع لديها. وشغل ~~بعد ذلك بامتحان آخر العام في الكلية، ثم استقبل عطلته الصيفية. وبلا ~~تردد كرر الزيارة بجرأته المقتحمة، وجلس وهو يقول: منعني الامتحان من ~~زيارتك! # كأن الزيارة واجب غير قابل للمناقشة. وسألها وهو يلاحقها بنظرات ~~محمومة: وحدك دائما؟ # فأجابت بأسى: تقريبا! # وأفصحت نظراته عن رغبته بقوة لا يفي بها كلام. وقال لنفسه إنها ~~تفهمني وتنتظر. وقال أيضا لو كذب ظني فلن أخسر من الدنيا أكثر مما ~~خسرت. ولما جاءته بقدح ليمون مد يده فقبض على ساعدها؛ حدجته بنظرة ~~متسائلة وهي مقطبة فشدها إليه بقوة ثم أحاطها بذراعيه. وسألته ~~كالمحتجة: أأنت في وعيك؟ # فأجاب وهو ينهض بطوله الفارع: لم أفقده كله بعد. # هكذا شرعت ميرفت هانم في غرامها الأخير. وسجلت تلك الليلة أول كلمة ~~في صفحته الموردة، وحقق به علي حلما قديما يائسا، أما ميرفت فقدمت ~~على مذبحه ولعها العارم بالحياة والشباب. والعجب أنه سعد مثلما سعدت ~~وأكثر، والأعجب أن سيطرتها عليه فاقت سيطرته عليها، فوفقت دائما إلى ~~نفخه بالخيلاء والأريحية والجنون حتى باتت المستقر الوحيد في الدنيا ~~الذي يجد فيه ذاته وشفاءه وخلوده. وكانت سهام في نفس الوقت يتفتح لها ~~طريق آخر. امتعضت نفسها المتطلعة عندما علمت باضطرار عزيز صفوت إلى ~~الانقطاع عن الدراسة بعد الثانوية العامة ليرتزق من مراسلة بعض الجرائد ~~العربية. وكان عزيز قد يئس تماما من جذب شفيق إلى فكره، بل إنه - وهو ~~بسبيل إقناعه - دفعه وهو لا يدري إلى حضن الدين فلحق بأبيه. ولكنه حقق ~~نجاحا عفويا مع سهام وهو ما لم يركز عليه من أول الأمر. عند ذاك ~~انساق إليها بعقله وقلبه معا فباتت غاية حياته. وزارها في الكلية ~~ودعاها إلى لقاءات قاصرة عليهما دون شفيق، فلما وافقت تلقى من الحياة ~~بركة صافية. وناقشها برفق كمبتدئة ولكنه لم يصبر مع عواطفه المتأججة ~~فقال لها: إني أحبك، من قديم، ربما من أول يوم! ~~- وجد في صمتها المحفوف بالرضى استجابة أخطر ms54 من استجابتها العقلية، ~~ولعلها كانت الاستجابة الصادقة الأصلية القائمة على أساس مكين حقا. ~~قالت له: إني آسفة لانقطاعك عن الدراسة. # فتساءل باستهانة: هل تعطيك الجامعة شيئا يعتبر الحرمان منه ~~خسارة؟ # ثم ضغط على راحتها بحنان وقال: لن أنقطع عن الثقافة أبدا. # وتساءل عما يدور برأسها من هموم المستقبل فرآه في ضوء ساطع، وصارحها ~~بما رأى كالشهادة الجامعية وطبقة الأسرة والفقر، فقالت: لا يهمني هذا ~~كله! # فقال لها: إنها مشكلات حقيقية ولكن في العالم الذي يؤمن بها، فإذا ~~كفرنا بهذا العالم فلا وجود ثمة لها. # وتحمست بدافع حبها لتقويض ذلك العالم المغضوب عليه، ولكنها ترنحت ~~على الحافة وهي تشعر بحاجتها إلى المزيد من القوة لتحقق واقعا جديدا. ~~ومع أن جو أسرتها عودها على الصدق والصراحة إلا أنها أسدلت على ~~أسرارها الجديدة ستارا لما تعرفه جيدا عن أبيها، بل وأخيها الذي انضم ~~إلى الأب من خلال عناده الجدلي قبل أي شيء آخر، وقالت لنفسها: فلنؤجل ~~المعارك إلى حينها! # ولكنها لم تستطع أن تعرف خواطرها عن «المستقبل» فسألت عزيز يوما ~~وهما جالسان في الجنفواز: ألديك صورة واضحة عن المستقبل؟ # فقال بهدوء لم يخل من امتعاض: عندما تكفين عن الاكتراث بهذه ~~الشواغل أعرف أنك وصلت! # فصممت على أن تحوز ثقته مهما جشمها ذلك من متاعب. وكان يجد في ~~زينات محمدين - أخت زكية صديقة شفيق - مفرجا عن توترات شبابه لينعم ~~بصفاء الحب مع سهام، غير أن زينات فاجأته ذات يوم قائلة: سأتزوج من ~~تاجر ليبي وأسافر معه إلى ليبيا. # فقال لها قبل أن يفيق من المفاجأة: سيتاجر بك هناك! # فقالت دون مبالاة: أربح لي أن أكون سلعة هناك. # واختفت من حياته مخلفة أعصابه في مهب الريح. واستأثر شفيق وزكية ~~بحجرة السطح. والتحقت زكية بكلية التجارة، وتوثقت العلاقة بينهما ~~ملتحمة بالألفة وشيء من الاحترام حتى قال له عزيز صفوت: لم تعد علاقة ~~عابرة، على الأقل من ناحيتك. # فابتسم شفيق وتساءل: ألا تخشى أن تلحق بأختها ذات يوم؟ ~~- فرض محتمل. # فقال شفيق متنهدا: نحن نتدهور مثل مرافقنا ms55 العامة! ~~- إنهم يستعدون للحرب! # فسأله باهتمام: هل نقدم حقا على هذه المغامرة؟ # ضحك عزيز ضحكة غامضة ثم قال بيقين كأنه أحد أعضاء هيئة أركان الحرب: ~~في اللحظة الأولى سوف ينقض الطيران الإسرائيلي على مرافق الماء ~~والكهرباء والمواصلات تاركا مهمة تصفية النظام للملايين من سكان ~~القاهرة! # فتساءل شفيق بقنوط: إذن لماذا ننفق الآلاف من الملايين؟ ~~- لا حيلة لنا في ذلك! ~~- والحل؟ # فقال عزيز باسما: الحل في الداخل! # فقال شفيق بمرارة: الحق أن مصر محتلة بالروس قبل ~~الإسرائيليين! # فقطب عزيز قائلا: الإسرائيليون يأخذون، أما الروس فيعطون ولولاهم ~~لانتهى كل شيء! # صمت شفيق بفم ملئ بالمرارة، ثم قال وكأنما يخاطب نفسه: تكون كارثة ~~لو لحقت زكية بأختها! # وسبقهم رشاد نعمان الرشيدي - ابن كوثر - إلى خوض الحياة العملية ~~وألحق بسلاح المدفعية. ولما بلغ سن الرشد تسلم تركته حائزا درجة من ~~الثراء لا بأس بها. وقالت له كوثر: دعني أخطب لك! # فقال ضاحكا: لا أتزوج على الطريقة القديمة. # فقالت بلهفة: تزوج بالطريقة التي ترضيك. # لم يكن جرحه قد اندمل تماما فقال: صبرك، ليس في الجبهة ~~عرائس. # وأفزعتها كلمة «الجبهة» التي علمت بها لأول مرة ونظرت صوب سنية فقال ~~لها: الجميع هناك، والأعمار بيد الله. # فتساءلت كوثر في كآبة: والاستنزاف والردع؟! # فقالت سنية: قلبي يحدثني بخير والله حارسه. # تظاهرت بالشجاعة لتبثها في روح كوثر ولكن حناياها درت إشفاقا على ~~الحفيد الذي تحبه أكثر من الجميع. وصدقت نيتها على تلاوة آية الكرسي ~~عقب صلاة العشاء، ليلة بعد أخرى، لتحل به ورفاقه بركتها. وكم ~~انتظرت بلوغه سن الرشد لتفضي إليه بآمالها عن البيت والحديقة والمدفن! ~~وها هو يبلغه وهو في الجبهة، فكيف يطاوعها لسانها على الكلام؟! دائما ~~وأبدا يعترضها الشوك وهي تقطف الوردة. بل هي أسرة لا يهادنها سوء الحظ ~~أبدا؛ كوثر، منيرة، محمد، رشاد، وسهام، وقبل هؤلاء تطل من أفق ~~الذكريات مأساة حامد برهان، فمتى تدركنا العناية الإلهية؟! والعجيب بعد ~~ذلك أن تولي شخصها كل عناية ورعاية كأنما تتحدى الشيخوخة الزاحفة. إنها ~~تتردد على عيادات الأطباء في ms56 مواعيد منتظمة، تروي عطشها من مياه حلوان ~~المعدنية، تملأ رئتيها بالهواء الجاف المنعش، وتطارد الشيب بالحناء ~~متوجة رأسها دائما بهذا اللون الأرجواني المهيب، وإذا لمحت على شفاه ~~الأبناء ابتسامة قالت: علينا أن نعد أنفسنا للصلاة ونحن على خير ~~حال! # وكم من مرة تنتقد فيها إهمال كوثر ومحمد ومنيرة الذي جعل من رءوسهم ~~مرتعا للشيب يجول فيه ويصول دون معارض. وقالت لها أم سيد ذات مساء ~~وهي راجعة من السوق: رأيت في العتمة سي علي ابن ست منيرة داخلا عمارة ~~ست ميرفت! # فقطبت ثم قالت: لعله يزور زميلا له. # ثم مخاطبة نفسها: لم يفكر في زيارة جدته! # وشكته إلى منيرة في لقاء الجمعة، وسألته منيرة بعد العشاء في شقتهما ~~بالعباسية: أذهبت أول أمس حقا إلى عمارة ميرفت هانم بحلوان؟ # انحشر قلبه في حلقه وظن أنه انفضح، غير أن منيرة أنقذته وهي لا تدري ~~فواصلت: لا تهمني الزيارة في ذاتها؛ فلعلك زرت صديقا، ولكن أما كان ~~الواجب أن تمر بجدتك؟ عليك أن تزورها لتخفف من حزنها! # فازدرد ريقه قائلا: لم يتسع الوقت! # ثم بصراحة خشنة: والبيت القديم ممل! # فقالت بعتاب: لك جدة مدهشة لا تمل! # فلاذ بالصمت مستوصيا بمزيد من الحذر. ولما رجع رشاد لقضاء عطلته ~~الدورية أثارت القاهرة انفعاله؛ هذه المدينة الخالدة التي تعيش بمعزل ~~عن الزمان! وصمم من بادئ الأمر على ألا يشير بحرف إلى حياة الجبهة ~~الحقيقية. وبعد العناق قال: ليست الجبهة كما تتصورون، ما هي إلا ~~مبالغات وأوهام! # احتفظ بمعاناته في سرية مقدسة، كما دفن زلازل الانفجارات في أعماق ~~ذاته، ومرارة الهزيمة الموروثة عن غيرهم، والمسئولية التي تنوء ~~بمناكبهم عما حدث وعما يحدث وعما سيحدث؛ لذلك قذفت به الجبهة في أعماق ~~هموم عامة عاش أكثر عمره في هامشها، ولكن شد ما تبدو القاهرة لا ~~مبالية معربدة متمردة! وقال لأمه دون تمهيد: ماما، إني أفكر جادا في ~~الزواج! # فهتفت كوثر: ما أسعدني بسماع ذلك! # وقالت سنية بمرح: رأيت ولا شك ما غير فكرك! # فقال بغموض: في المرة القادمة تتضح ms57 الأمور! # الحق أنه في ليالي المعاناة وردت عليه فكرة الزواج كإلهام مشرق. ~~ووثبت إلى إرادته عندما رأى أخت زميل له في القاهرة. ولم يكن حبا من ~~أول نظرة، وجدها مقبولة وكفى، ولم يكن برئ تماما من سهام. وأنفق ~~العطلة في التسكع مع الزملاء، وزار خاله وخالته أيضا، وهناك صارحهم ~~بما أخفاه عن أمه وجدته. وجد منيرة ملهوفة على المصير أكثر من الجميع ~~ولكنه لم يرو لها ظمأ. وقال رشاد بعتاب: القاهرة مشغولة ~~بذاتها! # فسأله علي: ماذا تتوقع غير ذلك؟ # وقالت منيرة في حيرة: الناس إما يحاربون أو يسالمون أما نحن فقد ~~اخترعنا حالا جديدة غير مسبوقة بنظير! # وفي بيت خاله محمد ارتفعت درجة الغليان درجات أكثر. هو أيضا ثمل ~~بالأسى عندما رأى سهام وهاجت شجونه. ولما عاملته برقة وأدب وتحفظ كأن ~~لم يكن بينهما شيء حزن أكثر. وقالت له: نتمنى لك السلامة. # فلم يحدث له أي سرور. أما خاله محمد فقد لخص الموقف من وجهة نظره ~~قائلا: إنه يضحي كل يوم بأرواح بريئة ليداري بها عاره! # فسأله: هل عندك حل يا خالي؟ # فقال محمد: ولا حل غيره. اسمه الحل الإسلامي! # وشعر لأول مرة بأن شفيق منحاز إلى رؤية والده فأدرك مدى التغير ~~الزاحف على آله في غيبته عنهم ما بين الكلية والجبهة. لكنه لم يحرز مدى ~~الانقلاب الذي حل بسهام. إنها الآن مؤمنة بالثورة المطلقة. أجل لعب ~~قلبها الدور الأول في ذلك، كما لعب العناد الجدلي دوره في انقلاب شفيق، ~~ولكن النتيجة واحدة. وكانت تخوض عاصفة عنيفة وتشعر في الوقت ذاته ~~بأنها ليست إلا بداية. وما تدري إلا وعزيز صفوت يقول لها: إني أدعوك ~~إلى حجرتي بدلا من التسكع! # وجمت، وتورد وجهها الجميل، وتمتمت: حجرتك! # فقال بعجلة: سحبت اقتراحي! # تساءلت عما يعنيه انسحابه؟ ارتاحت له كقرار ولكنها انسحقت تحت وطأة ~~القلق؛ دائما تلهث وراءه فحتى متى؟! # أما هو فقال بهدوء وحنان: ما زلت أنت أنت، سهام كريمة المربية ~~الفاضلة منيرة وحامد برهان. # فقالت بعصبية: كلا، لا تسئ بي الظن، ولكن ms58 هذا لا يعني ... # وتوقفت عن الكلام، فقال: هذا يعني أنك لم تتخطي المرحلة ~~بعد. # فتساءلت: لم العجلة؟ لا توجد في طريقنا عقبة حقيقية! # فتساءل باسما: ولم الصبر؟! # ها هو يحاصرها في ركن مستندا إلى امتلاكه قلبها حتى جذوره. ولدى ~~اللقاء التالي تصرف تصرفا غاية في الشذوذ ولكن بطمأنينة وثقة ~~كاملتين. مضى بها نحو طريق جديد ولما سألته عن وجهته أجاب: نحن ~~ذاهبان إلى بولاق! # انساقت معه كالمنومة شاعرة بأنها تعبر حدود وطنها مهاجرة إلى ~~الأبد. ونبض قلبه بالصدق وأعذب النوايا فتخيل أنهما جسد واحد ووعي ~~واحد. ولما دخلا الحجرة شبه العارية استرق إليها نظرة متفحصة وقال: ~~دون مقامك بما لا يقال. # فنظرت من الكوة صوب النيل وهي ترفع منكبيها استهانة، فقال لنفسه إن ~~هذه الحجرة ذات التاريخ الطويل في سوء السمعة تستقبل - لأول مرة - ~~صدقا وأصالة. ورغم تظاهرها بالثبات انتفض داخلها بتيارات متضاربة. ~~وكانت رغبتها لا تقل عن رغبته ولكنها لم تطاوعه بدافع رغبتها، أو لم ~~تطاوعه بدافع رغبتها وحدها، وأقنعت نفسها بأنها لا تستسلم ولكنها تثب ~~إلى قمة فريدة، غير أنها شعرت من ناحية أخرى بأنها تتردى إلى قعر ~~هاوية من الأسى الدائم. وحدست بغريزة ما أنه - على عنفه الظاهر - في ~~حاجة إلى حنانها، وبأنها ستفتقد الحنان إلى الأبد. ووهبت الكثير دون أن ~~تنال ذرة من عطاء لاضطرام عقلها، أما هو فمسح على وجهه في ارتياح ~~وتمتم: بكل بساطة، هذا هو الزواج! # فامتعضت لهذا القرار المحفوف باليأس ولكنها ابتسمت، فسألها: كيف ~~تشعرين؟ # فأجابت وهي تلثم خده: بالسعادة. ~~- أعترف بأنك حظي من الحياة. # فقالت برجاء: لعلك لا تستسلم للحنق بعد الآن! # فتفكر قليلا ثم قال: إنه الوجه الآخر للحب العميق! # هكذا ولدت من جديد في عالم جديد، تمادت في التوغل فيه بكل قوة، لا ~~اختيار لها، فإما الثورية وإما الضياع؛ إنها تنفصل نهائيا عن أبيها ~~وأمها وأخيها، وتعايشهم اليوم كفرد من طابور خامس. واستعرضت رحلتها ~~الطويلة ما بين رشاد وعزيز فبدت خيالية، وأن كل خطوة تخطوها ينهدم ما ~~وراءها فينقلب ms59 هاوية لا تسمح بالتراجع قيد أنملة. وغمغمت لنفسها: يوجد ~~أيضا حزن عميق. # متى يتأتى لها أن تنشر أسرارها دون مبالاة؟! وضاعفت من اجتهادها ~~الدراسي لهفة على الاستقلال. ولم يجد جديد بالنسبة لمشروع رشاد عن ~~الزواج، ولم يحضر في ميعاد إجازته الدورية. بدلا من ذلك بلغتهم أنباء ~~رسمية بأنه يعالج في مستشفى الجيش من إصابة غير خطيرة. هرعت إليه ~~كوثر وسنية وهما على حال من الفزع لا توصف. وعرفا أن ثمة شظية أصابت ~~ترقوته اليمنى تحتاج إلى اعتكاف قصير. وكانت إصابة كوثر أفدح من ~~إصابته رغم أن حاله دعت إلى الاطمئنان التام. وقالت له كوثر: لن ترجع ~~إلى الجبهة فيما أعتقد. # فضحك قائلا: سأرجع حال شفائي. # ثم وهو يربت على ظهر كفها: نحن نقترب من هدنة! # ولكن كوثر آمنت بأنها أيام حروب وفواجع. وقالت: كنا نستعد ~~للزواج؟ # فقال ضاحكا: تبين لي أن فتاتي مخطوبة! # فقالت بضيق: ما أكثرهن لمن يشاء! # فقال مداعبا: تتكلمين باعتداد الخاطبة مع أنك لا تبرحين البيت إلا ~~عند الملمات! # وكان أمين ابن منيرة أول من افتتح عصر الشرعية في جيله على غير توقع ~~من أحد. وجد هند رشوان تواصل نجاحها في كلية التجارة بهمة عالية ~~فصارحته بأنها تود أن يخطبها وأنها باتت تضيق بسرية علاقتهما. وكان ~~يحبها فوافقها على رأيها. واقتحم حجرة مكتبة أمه التي تقرأ فيها بعض ~~الوقت كل مساء وجلس قبالتها؛ نظرت إليه متسائلة، فقال: أريد أن ~~أخطب! # دهشت منيرة وطالبته بمزيد من الإيضاح، فقال ببساطة: هند رشوان ~~جارتنا. # أدرك دون جهد أنها لم تسر، وكان يتوقع ذلك، ولكنه كان واثقا من ~~حكمتها أيضا، أما أبوه فقد كتبت عليه الموافقة دون تردد بحكم المثل ~~الذي ضربه! وسألته منيرة: أواثق أنت من نفسك؟ ~~- بكل يقين يا ماما، إنها فتاة ممتازة. # فأخفت معركتها الباطنية وقالت: على خيرة الله. # فقال ضاحكا: أيضا في كل أسرة يجب أن يوجد 50٪ من العمال ~~والفلاحين! # فقالت مفصحة بعض الشيء عن موقفها الباطني: ولكن الرئيس نفسه زوج ~~بناته من الطبقة العالية! # ورغم شتى ms60 التعليقات كانت الخطبة أول حدث سار في جو الأسرة. وقيل ~~إنها خطبة تحمل طابع زمانها الغريب في كل شيء. وشهدت الأسرة جميعا ~~حفل الخطبة البسيط في شقة الأسطى المتواضعة وفي مقدمتها سليمان بهجت. ~~وتأثر رشاد بالطقوس ففاض قلبه بالحنين، أما سهام فشعرت بوطأة سرها أكثر ~~من أي وقت مضى. وتساءل علي في نفسه لم لم تدع ميرفت حبيبتي؟! أما ~~شفيق فتذكر زكية محمدين مقرا بأنها لا تقل في شيء عن هند رشوان ~~ولكنها تنتمي إلى طائفة المنبوذين! وأدركت منيرة من سياق الحديث مع أم ~~هند أنها تحلم بزواج قريب عقب التخرج؛ فساورها قلق وتساءلت متى يصبح ~~أمين قادرا على الزواج حقا؟! وهذه الهموم تتضخم في ضمائر أصحابها ~~حتى تحاكي الأفلاك في دورانها، ولكنها تذوب وتختفي إذا اصطخبت موجة ~~عاتية. وانصبت هذه الموجة دون نذير وبلا مقدمات مثل زلزال؛ فذات مساء ~~تغير وجه الإرسال التلفزيوني فاقتصر على إذاعة القرآن الكريم، ولفت ~~الحيرة الناس من كل جانب؛ قال البعض: هذا لا يكون إلا لموت عظيم في ~~الدولة. ~~- أو موت أحد ضيوفنا العرب! ~~- غير مستبعد أن يكون الملك حسين قد قتل! # وإذا بأنور السادات ينعى إلى الأمة العربية أعظم الرجال جمال عبد ~~الناصر. قذف نائب الرئيس المستحيل في وجوه الناس باعتباره ممكنا؛ ~~وتطايرت الأفئدة في الصدور وحل عالم خرافي محل العالم القديم. متى ~~وكيف ولماذا؟ وهل هذا ممكن؟ ولم لا يكون ممكنا؟ ما تصور أحد أنه ~~سيشهد موته، ما تصور أنه يجوز أن يموت. ثمانية عشر عاما مضت وهو يصول ~~ويجول في كل صدر، ممتط لكل منكب، منتشر في كل وعي، خفاق وراء كل ~~قلب، هو الحظ والرزق، والأمان والخوف، والأمل واليأس، الصديق والعدو، ~~القوة والضعف، الأمس واليوم والغد، السلام والحرب، النصر والهزيمة، ~~فماذا يبقى للناس إذا تلاشت فجأة هذه العواطف؟! غشيت الكآبة البيت ~~القديم؛ أجهشت كوثر في البكاء بلا منطق واضح إلا أن تقدم احترامها ~~المشوب بالرهبة والخوف أمام حضور الموت المتجسد لعينيها. وسرعان ما ~~بكت أم سيد وأم جابر، وصمتت سنية ms61 طويلا ثم اغرورقت عيناها قائلة : لا ~~دائم إلا وجهه! # وسمع محمد بالخبر لأول مرة وهو ماض في طريقه إلى باب اللوق. قابله ~~زميله فهمس في أذنه. لم يصدقه، وخشي أن يكون وراءه شرك لجر الأعداء ~~إلى المعتقل؛ فقال لزميله بحدة: لا تردد ما ليس لك به علم! # فقال الرجل بيقين: أمام تلفزيون المقهى شاهدت وسمعت! ~~- هرول إلى شقته فوجد ألفت وشفيق وسهام حول التلفزيون، ولا تخلو عين ~~من أثر دموع، قال وهو يجلس: البقية في حياتكم. # جلس واضعا حقيبته على حجره مسندا عصاه إلى خوان وأغمض عينيه. ~~وانقضت دقائق قبل أن يفيق من ذهوله. ولما أفاق من ذهوله شعر بأنه ~~يولد في عالم جديد؛ شعر بالقيود تنحل من حول عنقه ويديه وقدميه، ~~شعر بأن وزنه يخف وأن نسائم الأمان تهفو إلى وجدانه؛ وسرعان ما اجتاحه ~~ارتياح عميق، وملأه حبور قوي لا حيلة له فيه فأخفاه خلف جفنيه ~~المسدلين. وتمادى به الحبور فاستغفر الله في سره وخاف أن يفلت منه ~~الزمام فيغشى عليه. وقد بكت ألفت لاقتحام حقيقة الموت لقلبها بقوة لم ~~تعهدها من قبل. وبكى شفيق وسهام من أجل المعاشرة الوجدانية القديمة ~~التي لم تتبخر كلها. وتساءلت سهام: من كان يتصور ذلك؟ # فأجاب محمد: لقد أنسانا كل شيء حتى القدر. # فتساءل شفيق: من يخلفه يا ترى؟ # فقال محمد بازدراء: ليس في الإمكان أسوأ مما كان! # أما في العباسية فقد ملك الحزن منيرة وأمين بقوة لا تبشر بعزاء ~~قريب، على حين لبث علي فريسة للذهول حتى تمتم بمرارة ساخرة: هذه هي ~~التنحية التي لا رجوع عنها! # وعاش عزيز صفوت تلك الأيام أكثر وقته في الشوارع والمقاهي. صاحبته ~~سهام وقتا منها غير قصير. وقال لها بثقة: عهد السادات قصير أما ~~المستقبل فلرجالنا! # وخاض خضم الحزن الشامل، وشهد الجنازة، وسمع التلقين المذاع فتخيل ~~القبر كنهاية لا مفر منها، كزنزانة غارقة في الظلام، وتصور الضجعة ~~المنفردة المعزولة عن المجد والخاشعة فوق حفنة من تراب. وسرعان ما دهمه ~~وارد لم يجر له في بال متمثلا ms62 في سيل من النكات! تأمل ذلك ~~وتعجب. # فقالت سهام: أعداؤه كثيرون أيضا. # ولكن بدا الأمر أوسع من ذلك. وقال لها: إنه رمز للحب والخوف فهو حقيق ~~بأن يثير عواطف متناقضة! # أجل، ليس الحزن وحده ما يحرك الناس؛ إنه حزن ظاهر وفرح خفي ورعب ~~كامن تتناغم جميعا في لحن جنوني. الموت يعلن على الملأ أنه يأخذ عبد ~~الناصر نفسه فأشعر كل إنسان بقربه الشديد فقاسمه موته وهو لا يدري. قال ~~لسهام: الناس تبكي أنفسها أولا! # فقالت سهام: اعتاد الناس أن يروه وحده فوق خشبة المسرح، اليوم المسرح ~~خال، وليس أمام الفراغ إلا الضياع والذعر! ~~- أوافقك تماما، فيما مضى أراد أن يتنحى فاستبقوه فيما يشبه ~~الثورة، ها هو الموت يفلته من قبضتهم اليائسة، ويطالبهم بحمل أمانة لم ~~يعتادوا حملها، فراحوا في يأسهم يبكون وينكتون. # ويمضي الوقت ويأخذ الطوفان في الانحسار، وما تلبث الدراما أن تحفل ~~بالأحداث يجر بعضها بعضا. وتتأزم الأمور وتتعقد ولكنها تنتهي ~~بنهاية غير متوقعة فينتصر الرئيس الجديد على أعدائه انتصارا مبينا. ~~وبالانتصار تلوح بشائر زعامة جديدة، ومولد شعبية جديدة متعطشة ~~للانتصار ومتطلعة للأمان، وتبدأ دورة جديدة للبحث عن مخرج من الأزمات ~~المتراكمة. وكان رشاد قد رجع إلى الجبهة في كامل عافيته، وبدا أنه ~~انهمك في العمل لدرجة أنسته إلى حين مشروع زواجه ولكن كوثر لم تنس. ~~وأدركتها هموم جديدة باعتلال كبدها فتبدت للناظر أضعف من أمها - ~~الماضية فيما بعد الستين - مع محافظتها على صحتها ورونقها، ومصارعتها ~~للكبر مصارعة لا هوادة فيها. وفي أواخر الخريف أمطرت السماء مطرا ~~غزيرا فرشح سقف الصالة وانداحت بقع بالجدران على حين تسللت قطرات ~~من ركن حجرة المعيشة. عند ذاك تشجعت سنية قائلة: لا مفر من إصلاح ~~السطح! # وأذعنت كوثر لمشيئة أمها دون تردد. وجاءتهما أم جابر الطاهية بقريب ~~لها، أزال الطبقة المتهرئة وثبت مكانها طبقة من الأسمنت. # وتساءلت الأم: ألا نعيد طلاء الصالة وحجرة المعيشة؟ # ولكن كوثر - وكانت مدخراتها تنفد باستمرار - أجابت: فلنؤجل ~~ذلك! # فقالت سنية وهي تداري هزيمتها بابتسامة: سيجيء الفرج على يد ms63 الرئيس ~~الجديد. # فقالت كوثر بوجوم : ولكن رشاد غارق في الجبهة يا ماما! ~~- الرئيس مشغول بالداخل، جاد في البحث عن حل سلمي، وعلاقته بالعرب ~~تتحسن يوما بعد يوم. # وفي شقة باب اللوق استعاد محمد شخصيته المفقودة؛ مضى يتكلم بعد ~~عكوف طويل على المناجاة الباطنية، وتمت لقاءات كثيرة بينه وبين ~~أصدقائه القدامى. وقال له أحدهم مرة في مكتبه: الرئيس الجديد ~~صديق. # فقال محمد بحذر: ليكن اعتمادنا على أنفسنا! ~~- العدالة تزحف حتى شملت الإقطاعيين أنفسهم. # فراح يذكرهم بتجربة الماضي الخائبة، ووافقه على ذلك شفيق. أما ~~سهام فأساءت الظن بالعهد الجديد منذ تم النصر لرئيسه، لا ترديدا ~~لأقوال صفوت فقط، ولكن لأنها بلغت الغاية في تطورها الجديد، حتى الدين ~~اقتلع من قلبها. واشتد شعورها بالغربة في أسرتها، وشعرت بتهديد خفي ~~يحدق بأمنها وهي بينهم حتى قالت لنفسها مرة: هذه الشقة لا ينقصها إلا ~~مؤذن كي تصير مسجدا. # وقد آنست من أحد مدرسيها ميلا نحوها حتى كاشفها يوما برغبته في ~~الزواج منها. وذعرت بشدة، وأخبرته بأنها «محجوزة»، مشفقة في الوقت نفسه ~~من ترامي الخبر على أهلها؛ لذلك فكلما ذكر للزواج سيرة كانت تقول على ~~سبيل الاحتياط للمستقبل: لن أفكر في ذلك حتى أكمل دراستي! # وتبلورت في عقلها خطة للمستقبل وهي أن تتزوج من عزيز ولو اضطرت إلى ~~إبلاغ والديها من بعيد، بالمراسلة! وزادتها الأيام ثقة في حبيبها ~~ومعرفة بجوانب حسنة فيه. فهو يحبها بصدق لا تخطئه غريزتها، وهو جاد ~~كل الجد في تمسكه بمبدئه، وحتى غضبه على أعدائه مبطن برومانسية ~~موهوبة لإنسانية لم توجد بعد. ثم إنه إنسان، يتذوق الشعر والموسيقى ~~ويحب الكلاب. ولكن شد ما حقد على الرئيس الجديد! وقال لها مرة: إنه ~~مقلب لم يجر لنا في خاطر، وهو دائب على مغازلة الرجعية العربية ~~والغربية! # وضاعف من قلق سهام أن رؤيتها السياسية الجديدة لم تعد سرا مصونا، ~~فمن الانسياق في الأحاديث المتبادلة بينها وبين زميلاتها في قسم اللغة ~~الإنجليزية أفلتت تعليقات شتى تنم عن حقيقتها، فضلا عن أن واحدة منهن ~~على الأقل لمحتها ms64 في الجيزة بصحبة عزيز صفوت . أما أسرة منيرة بالعباسية ~~فقد مضت حياتها فيما يشبه الهدوء. أجل أثار مشاعرها نبأ خروج زاهية ~~من السجن، حتى تساءل علي ساخرا: ألا يقضي الواجب بزيارة فيلا ~~المعادي للتهنئة؟! # ولكن منيرة كانت شفيت تماما من سليمان بهجت، وسلمت أيضا بفقد ~~عبد الناصر فاستغرقها تماما عملها الرسمي ونشاطها الخاص في مكتبتها. ~~وتبدت في وقار كهولة بشعرها الأبيض وجمالها الذابل كأنما تماثل ~~أمها في العمر أو تزيد عليها. ولم تلق بالا لعتاب أمها وهي ~~تسألها: ما الذي يجعلك تبقين على هذا الشيب المبكر؟! # وسعد أمين وهند بخطبتهما وهما بعيدان عن موعد المشكلات، وغرق علي ~~في بحر العسل الذي يستحلبه في أحضان ميرفت. غير أن «ناصرية» منيرة ~~وأمين انتبهت منزعجة وهي في سبات الحداد على همسات تتردد أحيانا ~~بالنقد لعصر الزعيم الراحل، قالت على مسمع من أمين: يا لها من ~~وقاحة! # فقال أمين بامتعاض: لا عجب فنحن نسير في طريق جديد! # ولكن ما المخرج من المشكلة الأساسية المتجسدة في الجبهة؟! أجل ثمة ~~شعور بالأمان وسيادة القانون، وثمة غزل للديمقراطية، ولكن الجو راكد ~~والغد محجوب بغمامة قاتمة. ونفد صبر الأعصاب فانفجرت مظاهرات في ~~الجامعة، وبلغت درجة من الخطورة قبل أن تتلاشى في السكينة من جديد. ~~واختلفت المواقف بين الأحفاد؛ فاشترك في المظاهرات أمين وسهام بدافعين ~~مختلفين متقاربين، واشترك علي بلا دافع على الإطلاق، أما شفيق فانسحب ~~إلى قاعدة المتفرجين. ورجع ذات مساء - في أثناء الاضطرابات - إلى أسرته ~~بباب اللوق مضطربا شاحب اللون، جلس مع أسرته في حجرة المعيشة ثم قال ~~بتأثر بالغ: عزيز صفوت قتل! # وإذا بصرخة تفر من فم سهام ممزقة بالألم وهي تصيح: لا! # سرعان ما تحولت مشاعر الأسرة من النبأ المحزن لتتركز في فتاتها ~~الجميلة. وغلبها الحزن فانهارت تماما غير مبالية بالنظرات المستطلعة ~~وما وراءها. هكذا تكشفت لهم الحقيقة، وفي ظرف يدعو للأناة والصبر. ~~ونهضت ألفت فاحتوت سهام ومضت بها إلى حجرتها، ولبث محمد وشفيق يتبادلان ~~النظر في ذهول ووجوم. واكفهر وجه محمد وبلغ به القهر ms65 منتهاه فقال ~~لابنه بجفاء: إنك المسئول الأول! # انكمش شفيق أمام انفعال أبيه وقال بصوت ضعيف: ليس ذنبي ... # ثم وهو يستميت في دفع التهمة عنه: جرى كل شيء تحت أعينكم! # فصاح محمد: لم يكن لرأيي وزن أمامكم، وحيال زمانكم ... # فقال شفيق برجاء: حلمك يا بابا، كان يمكن أن يحدث أي شيء في الخارج، ~~وكيف نعيش خارج زماننا؟! # فقال محمد بحنق: أعرف ما يقال، سمعته مرارا وتكرارا، ما هي إلا ~~لعنة وباء! # ثم حدج ابنه بنظرة متفحصة كأنما يحقق معه وسأله: معروف أنه انقطع عن ~~الدراسة فماذا دسه بين المتظاهرين من الطلبة؟ ~~- لعله ذهب كصحفي! ~~- بل ذهب للتحريض كشيوعي! ~~- ربما، لست مسئولا عنه. # فقال الرجل بحنق: لست آسفا عليه، ولكني آسف على نفسي! # أما ألفت فقد غسلت وجه سهام بالكولونيا ووهبتها من الحنو فوق ما ~~تملك. وقالت: ليتك تسلطت على أعصابك! # فقالت وهي لا تكف عن البكاء: لا يهمني! ~~- تمالكي عواطفك، أرجوك! # ولكن قلبها كان يتقطع إربا، والحزن يزحف مهيبا قاسيا منذرا ~~بالخلود، وخرابة قاحلة تقترب لتكون لها منفى أبديا، لم يبق إلا ~~قلب يخفق وحده كقرار نغمة يفتقد جوابه على الدوام. وفي صباح اليوم ~~التالي لم يشر أحد بكلمة إلى «حادث» الأمس. انتشر السر مثل شعاع ~~الشمس في الصيف ولكن تجاهلته الأعين فلم تره. ومضت أيام قبل أن يخلو ~~إليها أبوها فيسألها: كيف حالك؟ # فحركت شفتيها دون أن تنبس. عند ذاك قال بحنان لم تتوقعه: لا بأس من ~~المعاناة فهي حال الدنيا، وعلينا أن نرضى بقضاء الله دون قيد أو ~~شرط. # وربت على يدها وواصل: كنت يوما مثلك سعيدا بآمال لا تحصى، وفي ~~بضع ساعات تقوض عالمي ففقدت عينا وساقا ونصف رزقي على الأقل، ~~ولكنني لم أنهزم ولا ماتت ثقتي بالله، ومن يعتز بالإيمان لا يذل ~~بالهوان، وربنا معك يا ابنتي! # انحسر ستار الغربة أمام دفقة سلام أبويه، ولكن سرعان ما جثم الظلام ~~كرة أخرى. الحقيقة الثابتة أنها غريبة تماما في أسرتها، غربة لا ~~يداويها الحنان أو الحب؛ إنهم يتعاملون مع ms66 «أخرى» لم يعد لها وجود ، وما ~~هم في الحق إلا أعداؤها. أكان أبوها يخاطبها بهذا الأسلوب لو علم بما ~~خسرته من جسدها وروحها؟! المسألة في نظره تنحصر في حبها لشاب يرفضه ~~هو لعقيدته وعدم كفاءته لها، ولعله سر بالقدر الذي أزاحه من طريقه ~~مؤملا في الوقت نفسه أن يهبها الحظ من هو خير منه. إنها في واد ~~وأباها في واد آخر، ولا إنقاذ لها إلا أن تهاجر بطريقة ما من هذا ~~البيت الذي تقطعت بينها وبينه الأسباب. وهل بقي لها من عزاء إلا في ~~ثوريتها وهي الإرث الحقيقي لحبيبها؟! وستظل بين حاضر مشتعل ومستقبل ~~غامض تحت تهديد دائم بالحرج والفضيحة. ولم يشر محمد بكلمة واحدة إلى ~~مأساة ابنته في البيت القديم. وأصبحت منيرة محتكرة الصوت المعارض ~~الوحيد في جلسة الجمعة. قال لها محمد: إنه عهد أمان بعد خوف، وقانون ~~بعد فوضى! # فقالت منيرة ساخرة: تجلت وحشيته في قمع المظاهرات! # فتقبض قلب محمد وقال بفتور لم يلحظه أحد: حال استثنائية، ~~والموقف يتطلب الحزم! ~~- دائما يدور الكلام عن الموقف، والحقيقة أنه لن يجرؤ على خوض ~~حرب! # وكان محمد في أعماقه يؤمن بذلك. وتساءلت كوثر: لماذا تريدين الحرب؟ ~~.. سيجند ابناك بعد عامين على الأكثر. ~~- لا أريد الحرب ولكني أريد أن أقول إنهم يتخذون منها عذرا ~~لوحشيتهم! # فقالت سنية: لندع له بالتوفيق. # فقالت منيرة بامتعاض: صدقوني إنه لن يقنع بتصفية السلبيات الماضية ~~ولكنه سيلحق بها الإيجابيات أيضا. # فقال محمد باسما: قولي ما شئت فالحق أنه لا وجه للمقارنة بين ما ~~كان وما هو كائن. # وإذا بكوثر تقول: أتمنى أن أسمع خبرا واحدا هو أن الحرب انتهت، وأن ~~رشاد راجع ليتزوج! # وعاودت محمد ذكرى مأساته فعجب كيف فضلت سهام عزيز صفوت على رشاد؟! ~~وقال لنفسه: لا تفسير لذلك إلا سوء حظي! # ولكن حظا أسوأ من حظه بما لا يقاس انقشع في لحظة أبدية كأنه ~~سحابة صيف. ارتفع صوت راسخ النبرات في الراديو يزف إلى الشعب نبأ ~~عبور قواته المسلحة للقنال. أهي الحرب من جديد؟! هل ms67 تمخض الجو ~~الراكد المؤذن بنوم طويل عن صاعقة تقتلع الأعصاب من جذورها؟ هل ~~يتطاير المستحيل ويتلاشى كأنه وهم ماكر؟! هتفت كوثر بجزع: ~~ابني! # وتساءلت سنية المهدي في ذهول: حرب؟! .. ما بالها تتكرر ~~كالصلاة؟! # وقالت لها كوثر بصوت متهدج: لم يكن خوفي لغير ما سبب! # فغمغمت سنية: إنه رحمن رحيم! # ولم يصدق أحد من أسرة محمد الخبر، أو لم يصدق ما يقال عن النصر. ~~تذكروا ما ذاع وملأ الأسماع أيام 5 يونيو. وتساءل محمد بحيرة: لماذا ~~نتطوع بالانتحار؟! # وقالت سهام لنفسها إن يكن انتحارا حقا فسيجيء بالشفاء لبعض ~~أوجاعها. أجل فلن يخلص البلد من الرجعية إلا هزيمة ساحقة، وربما ~~انفجرت في أعقاب ذلك القوى الشعبية المطحونة. وكالعادة لجأ محمد وألفت ~~إلى محطة لندن وصوت أمريكا. تضاربت الأخبار بادئ الأمر ثم تأكد النبأ ~~المذهل؛ تجلى النصر في هالة سحرية كمعجزة باهرة تحلق فوق الخيال ~~والتاريخ. اندثرت شخصية صفراء مهزولة وحلت محلها شخصية تضطرم ~~بالعافية والثقة، تلاشت روح فاسدة مكفنة في الهزيمة وخلقت روح ~~جديدة تختال بالحبور والإلهام، تبخر يأس الهزيمة وذل القهر وانكسار ~~القلب وهزجت الأنفس بسكرة التناغم مع الذات والحياة والكون. ~~- انتشل الرجل مصر من الفناء، وانتشل العرب ... # سهام منيت بالهزيمة وحدها؛ قتل عزيز صفوت من جديد وانتصر العدو ~~ووئد الأمل وابتسم المستقبل للرجعية المصرية التي تحرر سيناء، ولم ~~تعد هي إلا فتاة ضائعة، منبوذة، مهددة بالفضيحة. ولم تخل منيرة من ~~سرور، كذلك أمين، ولكنه سرور أفسدته الغيرة، وكدره الحنق، وتساءلت ~~بحيرة: كيف انهزم الأصل وانتصر الظل؟! # ثم عزت نفسها قائلة: لكنه جمال الذي خلق هذا الجيش وجهزه! # وتشبث أمين بهذا القول كأنه طوق النجاة. حتى علي هزت نشوة نفسه ~~الرافضة ولكنه سرعان ما استردته هموم طارئة بسبب مرض ميرفت هانم. ~~قهرها روماتزم مفصلي ومتاعب في الجهاز الهضمي وفساد في الأسنان ~~اقتضى خلعها. انطفأ ولعها بالحياة وعجزت عن الحب واجتاحتها طفرة من ~~الشيخوخة، فراح يمضي وقت زيارته إلى جانب فراشها مفعم القلب بالرثاء ~~والأسف والقرف. وفي قمة النصر حدثت الثغرة، وكانت ms68 مفاجأة غير سارة ~~ولكنها لم تخدش المعالم الأساسية للصورة، غير أنها لم تخل من رد فعل ~~شامت عند منيرة وأمين، أما سهام فقالت بجرأة على مسمع من والديها ~~وأخيها: إنها هزيمة أشنع من 5 يونيو! # فقطب محمد وقال بجفاء: هذا ما يردده زملاء لي من الشيوعيين، حذار ~~يا سهام، إنك تحيرينني! # فقالت بإصرار: إني حرة في رأيي! # فهتف بها: حرة نعم ولكنك مسلمة أيضا! # فقالت لنفسها: «لست مسلمة!» وقالت أيضا دون أن يدري بها أحد: إني ~~أختنق في هذا البيت! # وتوقف القتال، وتنفست الكائنات المتوترة، وتم البعث فلا رجوع عنه. ~~غير أن البيت القديم لم يسلم، أو لم يسلم تماما. وكان محمد أول من ~~علم بالخبر؛ إذ زاره في مكتبه صديق من ضباط المدفعية، وقال له: ابن ~~أختك رشاد أصيب في الثغرة، ونجا بأعجوبة! # قرأ محمد في وجه صاحبه أنه لم يدل بكل ما عنده فحدجه بنظرة واجمة ~~متسائلة: اقتضى الأمر جراحة لبتر الرجلين! # تجلى الحزن في عين محمد الباقية فقال الآخر: نحن على أي حال في عصر ~~الأطراف الصناعية. # وغادره وهو يقول: إنه بطل! # شعر محمد بثقل المهمة، وأبلغ منيرة أولا ثم اتفقا على الذهاب معا ~~إلى حلوان. وجدا كوثر على حال شديدة من القلق، بخلاف سنية التي بدت ~~رصينة جامدة، حتى قال محمد لنفسه: «لعلها رأت حلما منذرا». وسبقته ~~منيرة فقالت لكوثر: الحرب انتهت، ورشاد نجا والحمد لله ... # فهتفت وهي تنظر نحوهما بارتياب: حقا؟! # فألقى محمد بنفسه في الاعتراف قائلا: تعرض لإصابة، إنه بطل، ولكنه ~~نجا ... # فهتفت: قلبي لا يكذب. # فقال: أجريت له جراحة ناجحة! # حلت بالبيت الحقيقة والحزن. واستقبلت القلوب أسى دائما ولكنه ~~مبطن بالحمد. وامتزج الدمع بالفرح عندما رجع رشاد إلى البيت ~~محمولا. أجلس من أول يوم على كرسي طبي ذي عجلتين ولكنه أبدى ~~روحا عالية. لم يكن الأمر محض تمثيل ولكنه - أيضا - الشعور بالنجاة ~~من هلاك محقق كان مصير رهط من أقرانه طالت به عشرتهم في الكلية ~~والخندق والحرب. وقلب عينيه الجميلتين في الوجوه المحدقة ms69 به. سنية ~~.. كوثر .. منيرة .. محمد .. شفيق .. سهام .. أمين .. علي .. سليمان ~~بهجت، وقال ضاحكا: ها قد اجتمعتم مرة أخرى! # وأشار إلى أمه قائلا: هذه السيدة لا تريد أن تحمد الله! # ونظر إلى سهام وقال وهو يضحك من جديد: نجوت من مصير لا ~~يسر! # فاحمر وجهها الجميل حرجا وقالت: إني فخور بك. # فقال بحرارة: لتكن آخر الحروب! # سر برجوعه إلى البيت سرورا عميقا فتمتع بالدفء والحب. واستهان ~~ساعات بمصابه. غير أنه كان يشرد أحيانا وهو ينظر إلى المتبقي من جسده ~~الفارع فيذكر نشاطه وتقلبه بين الأماكن المحبوبة مختالا بشبابه ~~وجماله فيهزج قلبه بالأشجان الخفية. ولم يكن يستسلم للحزن، كان يدفعه ~~ويطارده ويقول لنفسه: عش في الواقع وإنه لغني بإمكانات لا حصر ~~لها! # ولما قالت له جدته مرة: إني راضية إذعانا للمشيئة الإلهية. # فتفكر مليا ثم قال لنفسه ناشدا الراحة المطلقة: لا بأس لمن أبى ~~الاستسلام للعدو أن يستسلم للقدر! # وقررت سنية أن تصوم رجب وشعبان ورمضان بالإضافة إلى يومي الاثنين ~~والخميس من كل أسبوع. أما كوثر فأوقفت نفسها على رعايته. وملأ هو وقته ~~بألوان التسلية، يدفع كرسيه إلى الفراندا في الأجواء المناسبة، يتابع ~~الراديو، التلفزيون، يستقبل أصدقاء النادي الرياضي في مساء معين؛ فأحيا ~~ذكرى اجتماعات السمر التي ولع بها جده حامد برهان. ولم يجد في أمه ~~محدثة شائقة بخلاف جدته التي لا ينفد مدخرها من ذكريات الماضي ~~وغرائب الأحلام وعجائب عالمي الغيب والشهادة إلى مناقشاتها الواعية عن ~~الدنيا وأحوالها. وتسأل كوثر أمها وهما منفردتان: كيف يصنع إذا وجد ~~نفسه وحيدا ذات يوم؟ # فتقول سنية بإيمانها الراسخ: لن يجد نفسه وحيدا أبدا! # ولأول مرة في حياته يغازل القراءة وتغازله، ومن عجب أنه انساق إليها ~~بيسر وشغف، وتخلق في أعماقه ميل جديد نحو الدين؛ فاقتنى من مراجعه ما ~~شاء، وهيمن عليه الاطلاع الديني بقوة مضت تزداد يوما بعد يوم، وحام ~~حول الأسئلة المحيرة فتطلع إلى عالم الثقافة والأشواق بحماس لم يخطر ~~له ببال من قبل. حتى الكتابة حلم بتجربتها حتى قال لنفسه من فوق ms70 ~~كرسيه الطبي: ما أضيق الوقت وأقصر العمر ! # وفي أحد أيام الجمع سأل خاله محمد: أينبغي أن يفقد الإنسان نصف ~~جسمه ليهتدي إلى نفسه؟ # فسأله محمد عما يعنيه فأجاب: فتح لي العجز الأبواب المغلقة. # وراح يحدثه عن شغفه الجديد بالثقافة وفي مقدمتها الدين فسر محمد ~~ورفع عكازته بيمناه قائلا: طوبى لما يهبنا خصوبة الروح! # فقال رشاد: ويخطر لي أحيانا أن أكتب. # فهتف محمد: الله أكبر! # إنها رغبة مبهمة لم تتبلور في هدف محدد، ولكنه دخل في دين الإسلام ~~بالنية والعمل معا. صلى وعزم على الصيام والزكاة ومضى يقرأ القرآن ~~والبخاري ويزداد تقبلا لقدره ورضا عنه. وهو سعيد باشتراكه في النصر ~~والتضحية والبطولة، وهيهات أن تنغص عليه صفوه الكوابيس التي تنتاب ~~نومه أحيانا أو صور الشهداء التي تلم بخياله أحيانا أخرى. ويتساءل: ~~لم تعذر على الإنسان أن يعيش حياة سعيدة في هذه الدنيا؟! # ثم تساءل في حيرة: هل أجد عروسا ترضى بي زوجا؟! # وصاحب ذلك ميل المؤشر من الشرق إلى الغرب وانبثاق دعوة مصرة إلى ~~الانفتاح، مع تفجر حملة ضارية على الزعيم الراحل فاضت بها الكتب ~~والصحف والمجلات، وبرز في ميدانها المفتوح أعداء وأصدقاء ومحايدون ~~فصارت انتقاما وتشفيا ويقظة واعترافا وتقربا. ووقف جيل الأحفاد ~~منها موقف الدهش والبلبلة، يستوي في ذلك من أقام على ناصريته مثل أمين ~~أو من وافقه مثل سهام، أو من رفض كل شيء مثل علي، أو من آوى إلى عقيدة ~~جديدة مثل شفيق. ~~- ألم يعبدوه بالأمس؟ ~~- ألم يكن القائد والزعيم والمعلم والملهم؟ ~~- أي نفاق وأي خسة وأي جبن! ~~- جيل يستحق التصفية. ~~- من نصدق؟! ~~- أنصدق ما يقال الآن؟! ~~- ليس بلدا ولكنه مرحاض عمومي! ~~- ولم تمر الحملة في لقاء الجمعة دون إثارة؛ لم يعد رشاد يبعث على ~~الرثاء، فقد بات عادة، وعبر هو الأزمة بشجاعة وتطور بها إلى ما هو ~~أفضل؛ لذلك أفصح محمد عن سعادته بالانقضاض على العصر الناصري؛ قال: ~~ليعلم من لم يكن يعلم، ولينتبه من فقد وعيه! # فتساءلت منيرة: هل ننسى القضاء على النظام الملكي، والجلاء، والإصلاح ms71 ~~الزراعي، والتأميم، وتمصير الاقتصاد، والقومية العربية؟! # فقال محمد متهكما: سيعترف له المستقبل بفضل واحد باعتباره منشئ ~~الإمبراطورية الإسرائيلية! # فسألته منيرة بمرارة: أتدري ما يقول الشباب؟ ~~- إنك تقصدين الناصريين وحلفاءهم من الملاحدة، أما غالبية الشباب ~~فبخير وعافية، وهي تعرف سبيلها كما تعرف ربها. # واشترك رشاد في الحديث قائلا: لكل عهد إيجابياته وسلبياته، ومهمة ~~الأحرار أن يؤيدوا الإيجابيات ويحاربوا السلبيات. # فقالت سنية: # فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره # صدق الله العظيم. # فقالت منيرة بازدراء: لا يعلو صوت على النفاق، هذه هي ~~مأساتنا! # فقال محمد بحدة: عرفنا المشانق ولم نعرف النفاق قط! # فقالت منيرة متهكمة: اعرفوا أيضا الانفتاح. # فتساءلت سنية: ماله الانفتاح؟ .. حتى روسيا أخذت به. ~~- ولكنه سيعني عندنا الغلاء والخراب. # وعند تلك النقطة غير محمد شراعه قائلا: نحن نوافق عليه ضمن خطة ~~الإنتاج. # فتساءلت منيرة: وهل توافق على ذلك الصقور المتحفزة؟ وجرت خواطر ~~سنية في أسى؛ إنهم يتحدثون عن كل شيء، ألا يذكر أحدهم البيت القديم ~~بكلمة طيبة؟! وإن يكن هذا هو حظ البيت فمن عسى أن يذكر المدفن؟! وثمة ~~نظرة عطف تحبو فوق الشاب العاجز متضمنة توسلاتها الصامتة. البيت يوغل ~~في القدم، أثاثه يبهت ويتهرأ، حديقته تحتضر، أيليق هذا بمقام ~~البطل؟! وقال رشاد: الحق أن الغلاء يزحف بقوة، إليكم تجربة مارستها ~~بنفسي، منذ عام وأشهر عرضت علي فيلا بالمعادي بستة آلاف جنيه، ~~علمت أمس أن صاحبها رفض بيعها بخمسة وعشرين ألفا من الجنيهات! # فقالت منيرة: ما يقال عن الأراضي لا يصدقه العقل. # فقال محمد: وخلو الرجل أصبح خرافة! # فقال رشاد: أفكر أحيانا في تجديد هذا البيت! # فهتفت سنية وقد أشرق صدرها بنور ربها: خيرا ما تفعل يا رشاد، مساحة ~~الحجرة من حجراته أوسع من مساحة فيلا حديثة، ولا تنس الحديقة ~~المهجورة التي يمكن أن تتحول إلى جنة! # وساءل محمد نفسه هل يجدد رشاد البيت لوجه الله أو يسجل التكاليف ~~كيلا يهضم حق أمه عندما يئول البيت - بعد عمر طويل - إلى الورثة؟ لم ~~يتحمس للفكرة ولم ms72 يعلق، وتبادل مع منيرة نظرة ذات معنى دلت على ~~تناغم وساوسهما. أما رشاد ففاجأ الضيوف بقوله: سأفكر يوما في ~~الزواج! # اتجهت صوبه الأعين. وسعدوا في الحقيقة بالخبر الذي كانوا منه في شك، ~~ولم تتمالك كوثر أن هتفت: دعنا نبحث لك عن عروس لائقة! # فقال بجدية: صبرك، كل شيء رهن بوقته. # ورسخ الغلاء منذرا بالتعملق، وانتشر العرب في الأحياء كالماء ~~والهواء. جاء الغلاء بالوحشية، أما العرب فجاءوا بالكرم تياهين ~~بموقفهم القومي في البترول ولكنهم نفخوا في الغلاء من حيث لا يقصدون. ~~حتى أم جابر الطاهية طالبت بمضاعفة راتبها لمواجهة الغلاء فتحققت ~~مشيئتها في الحال، غير أنها ذهبت ذات يوم ولم تعد، وعلم أنها سافرت ~~بصحبة ابنها النجار إلى السعودية لتعمل طاهية بأجر خيالي. عند ذاك ~~أنذرتهم الحياة بعناء جديد. أجل طالما أثبتت سنية مهارتها الفائقة في ~~الطهي ولكنها بلغت من الكبر ما لا يجوز معه الاضطلاع بمهمة الطهي ~~الشاقة رغم تمتعها بصحة جيدة يغبطها عليها من يماثلونها في السن. ~~ورغم أن رعايتها لصحتها لم تهن وإن كفت عن صبغ رأسها بالحناء منذ ~~رجع رشاد إلى بيته محمولا على أيدي الرجال. تركت الشيب يرعى رأسها بلا ~~حسيب قانعة بإخفائه تحت منديل محكم وتلفيعة بيضاء. ولم تر كوثر ~~مفرا من القيام بالمهمة رغم اعتلال كبدها وهزالها وتوسطها الحلقة ~~المفضية للستين، مستعينة في التجهيز بأمها وأم سيد. وجدوا في البحث ~~عن طاهية حتى وافقت - أم عبده - على منحهم نصف يوم بثلاثين جنيها ~~شهريا. والتهمت ميزانية الطعام قدرا لا يستهان له، يزداد مع الأيام ~~دون توقف، حتى توارت سنية بمعاشها خجلا وأدركت أنها تعيش عالة على ~~كوثر وابنها. لذلك لم تتردد كوثر أن تقول لرشاد وهي منفردة به: ها أنت ~~تفكر في تجديد البيت والحديقة، كن حكيما، الأسعار ترتفع كما ترى، ~~والبيت - بعد عمر طويل - لن يئول لنا إلا ربعه، الحذر واجب؛ فإيرادك ~~ثابت وقيمته تقل يوما بعد يوم. # فقال متمهلا: لا تنسي أننا نقيم فيه، وأنني حبيسه، ويلزمني مناخ ~~طيب. # فقالت متنهدة: كما تشاء ms73 ولكن عليك بالحكمة والحذر! # فاجأهم سليمان بهجت بطلاق منيرة مدعيا في الوقت نفسه أنه يحررها ~~من قيد يعيق حرية إرادتها ويهدر سعادتها دون مقابل حقيقي. ولم يخدع ~~محمد بالطلاء، وكان بحكم مهنته ونشاطه السياسي ذا قدرة على النفاذ ~~إلى الأسرار، فقال لمنيرة: المسألة أنه وزوجه يعملان في الاستيراد، وهي ~~كما نعلم مركز القوة والعقل المدبر؛ فحملته على الطلاق لتستأثر بثمرة ~~عملها! # فقالت منيرة بعتاب: هذا ما أردته من أول يوم. # فهز رأسه آسفا وقال: فيلا المعادي تعتبر اليوم قصر استقبال ~~لأغنياء العرب، يختلط فيه اللهو بالعمل، إني أرثي لأمين وعلي ~~لانتسابهما إليه! # فقالت بامتعاض: حدثني عن موقف الدولة من هذا الفساد! ~~- لا جدوى من الشكوى، سليمان وزاهية ما هما إلا قردان في حديقة ملأى ~~بالقرود، جن الناس، فقدوا وعيهم، يحومون حول العرب، الذين فوق ~~يتعهرون والذين تحت يشحذون! # وتبادلا نظرة متجهمة ثم سألها: كيف تواجهين الحياة؟ # فأجابت بوجوم: كلما مر شهر تساءلت ترى هل نحافظ على مستوى معيشتنا ~~الشهر القادم؟ ~~- مثلك تماما، لنا أولاد، من الخطر أن يهبطوا عن حد معين من ~~الحرمان، لنحمد الله على أنهم وصلوا إلى المرحلة النهائية! # فقالت متهكمة: ثم تبدأ مرحلة من المشكلات الجديدة، يا لهم من جيل ~~محاصر سيئ الطالع، ألم يكن الأجدر بالعرب أن ينشلونا من وهدتنا بدلا ~~من أن يجعلوا منا حقلا للتسول والدعارة؟! # وكأن علي كان يحاورهما عن بعد وهو يقذف بنواياه المتقدة نحو ~~الوجود؛ يلعن وطنه ومواطنيه ويتربص باللحظة المناسبة التي يهجره فيها ~~إلى الأبد. وذات صباح نعت إليه أمه ميرفت هانم حماة خاله محمد! لم تفطن ~~أمه بطبيعة الحال إلى هزته الباطنية. وقال لنفسه يعزيها: ماتت في ~~الواقع منذ أشهر. # المرأة التي وهبته حبا بهيميا غريبا خارقا للمألوف داوى بها ~~جهازه العصبي المختل، خبر معها راحة متجددة، وأنانية متسلطة، وخيلاء ~~معربدة، وحبا غير مألوف يتحدى الأكليشيهات الشعرية الجارية، انتشله ~~من مخالب أزمته، وفي الوقت نفسه رسخ رؤيته المتمردة. وقال متهكما: ~~خير ما فعلت! # وهز منكبيه قائلا: أخي أمين أسعدنا ms74 حظا! # وكان أمين سعيدا حقا، يحب بنتا ممتازة وتحبه، ولكنه باقترابه من ~~نهاية المرحلة التعليمية الأخيرة رأى عن قرب مستقبله المعقد بالمشكلات. ~~على أنه سره أن يسمع هند وهي تردد: لا مشكلة بلا حل! # فقال لها مغالبا همومه: ومعنا الحب، وفيه ما يكفي! # وكانت هند بخلافه لا تكترث للسياسة ولا الأحاديث العامة. أجل كانت ~~متفوقة كطالبة، ينحصر اهتمامها في دراستها وشئونها الخاصة ومستقبلها، ~~وتعنى في الوقت نفسه بإتقان شئون البيت كأنها امتداد لدراستها، كما ~~كان حبها لأمين أقوى عاطفة في حياتها. ولم يكن لها من الدين - كالسياسة ~~- إلا قشور، ولكن الدين تسلل إليها - على غير شعور منها - عن طريق ~~الأخلاق؛ لذلك اعتدها أمين - وهو يتنفس مناخا ينضح بالفضائح - لقية لا ~~توزن بمال. أما شفيق بن محمد فقد تمادى في توثيق علاقته بزكية ~~محمدين حتى أحبها. وبهبوط الحب عليه انسربت إلى أعماقه الهموم والفكر. ~~ومن قبل ذلك لم يخل ضميره من قلق. كان يداوم على الاتصال بها ويجتر ~~وساوس القلق والمحاسبة. ولما أحبها قال لنفسه: لا يدري أحد أين يجد ~~قلبه مستقره! # وكان التفاهم بينه وبين أبيه حميما راسخا، كابن وأب، وكمؤمنين في ~~عقيدة واحدة. وجد في نفسه الشجاعة الكافية كي يعترف لأبيه بعلاقته ~~بزكية محمدين غير مخف عليه سرا من أسرار حياتها. أصغى محمد إليه ~~كاظما انفعالاته تشجيعا له ورحمة به. وختم شفيق اعترافه بقوله: أخطأت ~~الفتاة ولها عذر كما أخطأت ولي عذري أيضا! # فهز محمد رأسه نفيا وقال: كلا، كان بوسعها أن تحافظ على شرفها ~~وكان بوسعك أن تصبر. # حدس الجواب من قبل فتساءل: وإذا تاب كلانا؟ # فقال محمد وهو يتفحصه بعناية: التوبة أمل الخاطئين! # فتردد لحظات ثم تساءل: أعني أتوافق عند ذاك على زواجنا؟! # وجد نفسه محاصرا وتجرع خيبة أمل مريرة. واستسلم لانفعاله فقال: ~~اختيار سيئ لن يعفي من عواقب وخيمة! ~~- ظننته ينقذ نفسين ضالتين! ~~- لا ضمان لذلك! # ثم بامتعاض كالأنين: أي حظ سيئ! لم نفق بعد من تجربة سهام المريرة، ~~وها أنت في نفس الطريق الوعرة! # فقال ms75 شفيق بأسى: حسبتك ستبارك قراري! # هام في وادي الخيبة طويلا. وراجع نفسه وانفعالاته. ثم تنهد ~~قائلا: سمعت رأيي ولكن إذا أصررت على رغبتك فلن أعارض. # ونقل شفيق صورة مما دار بينه وبين أبيه إلى زكية في ألطف أسلوب ~~ممكن. تابعته بانتباه وعمق. لم تكن في مثل براءته بعد أن طحنتها الحياة ~~من رأسها إلى قدميها. كفرت بكل شيء إلا ذاتها، والمال؛ ذلك الساحر ~~الذي قدمت له نفسها قربانا. ولم تكن تبني أي خيال على تخرجها القريب، ~~وقد أنضجتها الحياة أكثر من أساتذتها أنفسهم الذين يتاجرون أيضا ~~بطريقتهم الأكاديمية الخاصة. أيغريها هذا الشاب بالزواج؟ وما قيمة ~~الزواج منه؟ وما الداعي إلى تحمل احتقار أهله؟! ثم إنها لا تحبه كما ~~يتصور. إنهم يصدقون أي كلام يند عن جسد المرأة. وإن لم تنكر أنه ~~أوثق الزبائن علاقة بها وأقربهم مودة إلى نفسها. ولم ترتح لإذلاله وهو ~~يعرض عليها الزواج، ولا عن قوله «الإقلاع عن الحياة الفاسدة!» أين هم ~~المحترمون؟ ولما سألها عن رأيها أجابت بوضوح: غير موافقة! # تساءل بذهول: حقا؟! ~~- لا تغضب، فكر قليلا وستقتنع بأنك غير أهل للزواج! # فتساءل بإنكار: أنا؟! # فقالت باسمة: وأنا أيضا! # واختفت من حياته كوهم؛ وكاد يجن. وبالتحري المحموم عرف أنها ~~اهتدت أخيرا إلى الطريق العربي، وأنها وثبت وثبة موفقة إلى شقة ~~مفروشة آخذة معها أمها الكادحة. طارت من قفص الحياة اليومية كما طارت ~~أختها من قبل، وارتفعت فوق تطلعات طبقته. وكان محمد يلاحظه بقلق، ~~ويعجب لصمته. وذات يوم سأله: ماذا فعلت يا بني؟ # فأجابه بإيجاز: اقتنعت برأيك! # لم يصدقه الرجل الخبير ولكنه تنهد بارتياح قائلا: فليحفظنا الله ~~بعنايته. ~~- ولكن الزواج ضرورة لأمثالي فما العمل؟ # ارتبك محمد وشعر بالقهر، ثم قال محتدا: ما أجدر أن نوجه هذا ~~السؤال إلى وزير التخطيط أو إلى المجموعة الاقتصادية! # وبعد فترة صمت تمتم: لنضع ثقتنا في الله سبحانه! # وتخرج شفيق وابن عمته أمين، على حين انتقل علي وسهام وهند رضوان إلى ~~السنة النهائية. وجند شفيق وأمين. ووجد علي فرصة للسفر إلى ~~الخارج ms76 ضمن رحلات الطلبة الموسمية. سافر ولكن أحدا لم يره بعد ذلك. ~~وأرسل - من ألمانيا - خطابا إلى أمه يخبرها فيه بأنه وجد عملا - ~~كعامل - في مصنع، وأنه لدراسته العلمية اعتبر عاملا فنيا، وأنه ~~ينوي إتمام دراسته عندما يتقن اللغة الألمانية، وعلى أي حال فلن يرجع ~~إلى مصر أبدا. أعادت منيرة قراءة الخطاب بعينين دامعتين وقالت ~~لنفسها: عثرة جديدة تضاف إلى سوء حظي! # وبتكليف منها أبلغ محمد الخبر إلى سليمان بهجت. وسر الرجل به ~~قائلا: أحسن صنعا! # ثم واصل ضاحكا: سأعثر عليه في إحدى رحلاتي لأبارك خطوته! # فتساءل محمد: أما كان الأوفق به أن يصبر عاما حتى يحوز ~~شهادته؟ ~~- هرب من التجنيد، وله حق! # وتلقى البيت القديم الخبر بهدوء نسبي؛ إذ لم يعد تهزه الأنباء ~~السيئة. غير أن سنية قالت: لك الله يا منيرة! # فقالت كوثر: حظها أفضل من حظي! # فقالت سنية بعتاب: ابنك جدير بالإعجاب لا الرثاء. # رغم أنه لم يحقق إلا بعضا من آمالها؛ أجل سدت الثقوب، وسنفرت ~~الأرضية، وطليت الجدران فشعت رونقا، ونجدت المراتب والأغطية ~~والمقاعد والكنب، واتفق مع بستاني على تنظيف أرض الحديقة، وغرس ياسمين ~~ولبلاب أسفل الأسوار لتكسو الخضرة الأسياخ الصدئة، وتشديب البقية ~~الباقية من النخيل والبلح. سرت كثيرا وسعدت، ولكن أين هذه الحديقة ~~الفقيرة من الجنة الموعودة؟! وخفف من فتورها وضاعف من امتنانها ما ~~تطلع عليه يوما بعد يوم مما ينفق على البيت. رشاد ينفق بسخاء ~~كأنه رب البيت تاركا المعاش لنثرياتها. كيف كانت تمضي الحياة لولا يده ~~المبسوطة؟! وكأنما كانت تشاركه أفراحه في سياحته اليومية بين الكتاب ~~والراديو والتلفزيون، وسهرته الأسبوعية مع زواره وسماع ضحكته المترعة ~~بالسرور. وها هو يحلم بالزواج والكتابة وينتظر مزيدا من الضياء. وآمن ~~رشاد بأنه حقق حلم جدته المحبوبة. وكم سره أن يجد منها استجابة ~~قلبية لأحلامه! فهي - بخلاف أمه - تشجعه على الكتابة وتقول له: عرفت ~~الحرب والسلام، ماذا تريد أكثر من ذلك؟ # وهي الوحيدة في الأسرة التي تتفق معه على حب زعيمي الثورة، السلف ~~والخلف معا، وتقول: لكل منهما مزاياه ms77 وأياديه، أما الأخطاء فسبحان من ~~له الكمال وحده! # وقال يوما لزوار الجمعة من أهله: تبدون أحيانا كأنكم فقدتم الأمل، ~~أنا وجدتي لا نفقد الأمل أبدا! # فقالت منيرة بمرارة: عربدة الغلاء أنستنا النصر! # ثم تساءلت متنهدة: وأين علي؟! # وحمل محمد على الزعيم الراحل كعادته وقال: كل ما نعاني من شر فمن ~~صنع يديه ... # فتساءلت منيرة: وأخطاء الانفتاح أهي من صنع يديه أيضا؟! # فقال بإيجاز: إني راض عن الرئيس الحالي باعتباره التمهيد لدولة ~~الإسلام! # وساءل رشاد نفسه «متى تنفرج الأزمة؟» وعقب ذهاب الزوار زارت سنية - كالعادة - صورة القناطر التذكارية. ساق كرسيه مقتربا منها ورنا إلى ~~الشباب المخصب للصورة وسألها مداعبا: تحنين للشباب يا جدتي؟! # فقالت بشرود: إني أنظر وأتساءل من كان يتصور؟! # وخطرت له فكرة مشرقة فقال: ليست الحرب هي التجربة الوحيدة في حياتي ~~ولكن أيضا هذه الصورة ذات المصائر العجيبة! # فتمتمت: فكرة! # ورجعا إلى مجلسهما وآخر شعاع للشمس يتقلص مودعا حجرة المعيشة. ~~وتذكر إشارات خاطفة كانت تصدر عنها في أحوال نادرة عن جدودها، لم ~~يهتم بها أحد قانعين جميعا بمعرفة جدهم صاحب البيت والأرض. غير أن ~~رغبة جديدة في معرفة كل ما يمكن معرفته غزته بسحر جديد فقال لها: ~~أود أن تحدثيني عمن عرفت من جدود يا جدتي. # فانبسط وجهها وسألته: أتريد أن تكتب عنهم أيضا؟ ~~- إن استحقوا ذلك! ~~- إنهم يستحقون وزيادة! # ودارى وراء ابتسامة عدم تصديقه وهو العليم بحساسيتها ونظرتها ~~الخاصة للأمور. قال: إني شديد الرغبة في الاستماع. # تبدت مستجيبة متحمسة، واندفعت تروي قصة جدودها كأنما كانت تنتظر ~~هذا الإذن منذ دهر طويل. # قالت: أقدم جد سمعت عنه كان يدعى فرج، من الصعيد الجواني، وكان ~~قويا، رزقه يأتيه من قوته، ولكنه يقبل الهدايا ولا يغتصب؛ فأحبه ~~الجيران بقدر ما هابوه، وكان وزوجته يؤاخيان الأرواح ويعرفان ~~الغيب. # دهش رشاد! ودهش أكثر لما طالعه في وجهها من الجدية، وما تمالك أن ضحك ~~قائلا: هذا يعني أنه كان قاطع طريق! # فهتفت محتجة: لو كان كذلك ما حدثني عنه أحد بكلمة! ~~- لكن هذه الأوصاف ms78 ...؟! ~~- بهذه العقلية يا حبيبي يعتبر حكامنا الأجلاء قطاع طرق! ~~- تعتبرينه إذن من الحكام؟ ~~- في بيئته، لم لا؟! # وتظاهر بالتسليم ليشجعها على الاستمرار، فقال: لا يخلو رأيك من وجاهة ~~يا جدتي. # فمضت بثقة: وبلغ المائة ولكن قدمه زلت وهو في قمة العمر. # فاشتد انتباهه، ولكنها بدت كأنما تريد أن تعبر فوق تلك النقطة، ~~فقال بتوسل: الحقيقة يا جدتي وإلا فما جدوى الحديث؟! # فابتسمت في حياء وقالت بصوت خافت: يقال إنه أغرى بنتا في الخامسة ~~عشرة! # فكتم ضحكة كادت تفلت منه، وهمس: شيء يفوق الخيال! ~~- إنها زلة ولا شك، ولكنه كان فحلا! ~~- وماذا فعل أهل البنت؟ ~~- لا علم لي بذلك، ولكنه مات بعدها بقليل بغدرة جمل عضه. # الحق أن جدته التي استوت أمام عينيه كمثال للرصانة والقوة والثقافة، ~~الحق أنها تملك جانبا خفيا أشبه بالأسطورة يحتار الإنسان في تقييمه. ~~وإذا بها تسأله: ما رأيك؟ ~~- رجل عظيم حقا ولكنني أخشى أن يسيء إلى سمعتنا في نظر الناس ~~العاديين! ~~- ألم تصادفك أحداث مسيئة للسمعة أكثر من زلة رجل في ~~المائة؟! # فقهقه عاليا ثم قال: استمري يا جدتي. # فواصلت والنشوة تورد وجنتيها الذابلتين: الجد التالي يدعى غزال، ~~الشهير بحرك؛ إذ فرض عليه رزقه التنقل المتواصل بين قرية وأخرى سعيا ~~وراء الصيد والبيع، لم يعاشر أسرته إلا لماما، فلم ينعم بالعلاقات ~~الحميمة، كأنه مطارد؛ ولذلك وهنت علاقته بالغيب والأرواح، ولم يعرف ~~الاستقرار، ولا الرفاهية، وشغل مسيرته بالغناء متشكيا من الزمان، حتى ~~عثر على جثته ذات يوم ملقاة في مصرف، ولم يستدل على قاتله؛ فقيل إنه ~~إنسان وقيل إنه حيوان وقيل إنه عفريت! # ووهبت دقيقة صمت للرثاء الذي تجلى في عينيها ثم قالت: من شدة حزني ~~عرفت سر مصرعه! # فتساءل رشاد: كيف يا جدتي؟ ~~- بالحلم المضيء، رأيت بدويا قاطع طريق وهو يخنقه ليسلبه ماله، ثم ~~جاء ذئب فنهش بطنه، وشهد الواقعة من أولها عفريت ساحر هو الذي رمى به ~~في المصرف! # وتبادلا نظرة طويلة حتى سألته: ما رأيك؟ # فتساءل بارتباك: أيستحق غزال أن يؤرخ له أيضا؟ # فقالت ms79 بجدية أدهشته: كيف لا؟ وهل قدر لمصري أن يلي مكانة أسمى ~~من مكانته في زمنه؟ عاش مكافحا ومات شهيدا! # فقال مجاملا: كلامك كله حكمة يا جدتي. # فقالت بعتاب: حذار من السخرية، إني أنضج عقل في هذه الأسرة المبعثرة ~~بين النزوات وسوء الحظ! ~~- ثقي من جديتي واستمري! # فقالت باسمة: ثم جاء فرج، فرج الثاني المتسمي باسم جده، نهض لحمل ~~الأعباء بعد مصرع أبيه، فعدل عن حياة التجوال عملا بنصيحة أمه، فاختار ~~عملا بين بين، يقوم على الحركة ولكن في القرية والسوق، يسرح بالأغنام ~~ويبيع اللبن، فنعم بحياة مستقرة عادية وعشق الله والنساء، وقرر ذات ~~يوم أن يفجر قنبلة في بيئته العائلية الساكنة! ~~- قنبلة؟! ~~- أشهر إسلامه وتسمى باسم محمد المهدي! # فتساءل رشاد: كيف دخل جدنا الإسلام؟ ~~- أعلن أن النبي عليه الصلاة والسلام زاره في المنام وعرض عليه ~~الإسلام فقبله دون تردد، أما أهله فأكدوا أنه عشق فلاحة ~~مسلمة! ~~- ورأيك أنت يا جدتي؟ ~~- سيرته بعد ذلك شهدت له بالصدق، وقد نذر بكريه للأزهر، وهو الشيخ ~~عبد الله المهدي أبي وجدك! ~~- هذا جدنا المعروف! ~~- لعل الوحيدة التي تذكره هي كوثر أمك، وقد عمل أول حياته مدرسا، ~~وكان أيضا يرتل القرآن بصوت عذب، ثم اشترى أرضا وتفرغ لزراعتها ~~فعرف بمهارته كما عرف بورعه، ولما اجتاحه الروماتيزم انتقل إلى حلوان ~~وشيد هذا البيت وكان قطعة من الجنة! # تأثر رشاد بأريحية جدته ونشوتها أكثر مما تأثر بسير الجدود أنفسهم. ~~ولم تكن تبلورت لديه فكرة عن نوعية الكتابة التي سيختارها ولا عن ضرورة ~~- أو عدم ضرورة - اشتراك الأجداد فيها. غير أن نشوة جدته أضفت على ~~الرجال الغابرين سحرا خاصا نفخ فيهم ضياء في مواقعهم الموغلة في ~~الزمان؛ فأجل قراره إلى حينه. وفكر من جديد في بعث الحديقة وتحقيق ~~حلم جدته الملح. # وقال لأمه: ليتني فكرت في شراء هذا البيت قبل الانفتاح! # فقرأت كوثر أفكاره وقالت: ما فات فات، تذكر ما سبق أن قلته .. ولا ~~تنس الغلاء الذي لا يريد أن يقف عند حد .. ويحسن بك أن تفكر في ms80 شيء ~~واحد هو الزواج! ~~- تمنيت لو أتزوج هنا ولو نظير أجر أدفعه للمستحقين! # فقالت كوثر باهتمام: عندي فكرة أحسن، أن تبيع الأرض، وتكتفي ~~بالعمارة، وبثمن الأرض تشتري شقة في إحدى عمارات التمليك التي تقام في ~~حلوان وتواجه أيضا تكاليف الزواج. ~~- ونترك جدتي وحدها؟ # فبادرته: إني باقية معها لآخر العمر، المهم متى تشرع في ~~الزواج؟ # فضحك قائلا: أريني همتك! # فهتفت متهللة: وكلف بذلك أيضا جميع أصدقائك! # وتخرجت سهام وهند رشوان في عام واحد، أما هند فانتظرت خطاب التعيين ~~الذي لن يصل قبل عام، وأما سهام فقررت تقديم رسالة ماجستير طامحة إلى ~~وظيفة معيدة اعتمادا على تفوقها البين. وأنهى شفيق وأمين مدة ~~التجنيد؛ فألحق الأول مهندسا بشركة الملاحة، والثاني مهندسا بشركة ~~الصناعات الكيماوية. وهمست ألفت في أذن سهام بأن محاميا في قضايا ~~الحكومة يسعى لخطبتها فارتعدت وقالت: لن أفكر في ذلك حتى أحصل على ~~الماجستير. # فاعترضت ألفت قائلة: ولكن ... # غير أنها قاطعتها قائلة: لي أمل كبير في بعثة إلى إنجلترا. ~~- والعمر؟! ~~- لا أهمية لذلك! # وعلم محمد برأيها فقال لها بحدة: إنك غير محتملة. # فقالت ملاينة: لي خطة يا بابا. # فصاح: خطة كالقطران! # واشتد غضبه فقال لها: لم يؤذني أحد في حياتي - باستثناء عبد الناصر ~~- مثلما آذيتني! # وحلمت سهام بالبعثة كملاذ أخير، تلوذ به بمبدئها وجرمها الخفي، وهما ~~إرثها عن حبيبها الذي تلاشى في غمضة عين. وجو أسرتها كان ينذرها ~~دائما بالتهديد والخوف حتى تمنت هجره وشارفت مقته. وخيل إليها ~~أن أباها - وشفيق أيضا - يرمقانها بعين الريبة. وإن يكن في ذلك شك فما ~~لا شك فيه أنهما لا يباركان موقفها من الحياة. وكل يوم فهما يزدادان ~~إسلاما فيزدادان خطرا وتزداد هي غربة. وأمها لا أمل فيها؛ فهي محبة ~~لأبيها لدرجة العبادة ومؤمنة ببطولته، وهي في الوقت نفسه - على رقتها ~~- غير موافقة أيضا على موقفها. فكيف إذا انكشف سرها وأعلنت خسائرها! ~~وجمعت المشكلات بين شفيق وابن عمته أمين. سأله شفيق: ما قيمة ~~المرتب؟ # فأجاب أمين ببساطة: لا شيء. ~~- ويهمني جدا أن أتزوج. ~~- أنا عندي ms81 خطيبتي ولا أدري كيف أتزوج! ~~- بنات الهوى ارتفعت أسهمهن في بورصة العرب لدرجة خيالية! ~~- نحن محاصرون من جميع الجهات! ~~- وقد تيئس خطيبتك فترحب بأي قادر. # فقال أمين بثقة: ليست من هذا النوع. ~~- لو أني مكانك لكتبت كتابي لأروح عن نفسي تاركا المستقبل ~~للمستقبل! # وحليت الفكرة لأمين ولكنه راح يقلبها على شتى جوانبها قبل أن ~~يندفع إليها كالمجنون. ووجد بابا لم يطرقه فقرر أن يطرقه. وقرر أن ~~يطرقه سرا فأخفى عزمه حتى عن أمه المحبوبة. ذهب إلى فيلا المعادي ~~لمقابلة أبيه سليمان بهجت. إنه يزوره من حين لآخر زيارات بريئة، وفي ~~كل مرة يخيل إليه أن الفيلا تزداد تألقا وترفا. وكالعادة لقيه ~~أبوه برقة معهودة. وسأله عن مامته وجدته وسائر أفراد الأسرة. وحضرت ~~زاهية المقابلة؛ فهي لا تترك الابن يخلو إلى أبيه أبدا. ولم يجد أمين ~~بدا من عرض قضيته على مسمع منها. قال: إني خاطب كما تعلم يا بابا ~~وأريد أن أتزوج! # لم ينظر نحو زاهية ولكنه شعر بأنها ماجت بالانفعالات. وتساءل الأب ~~ببلاهة: وماذا يمنعك؟ # فضحك محرجا وقال: أنت أدرى يا بابا. # هز الرجل رأسه وقال: طالما أفهمت الجميع أنني لا أملك إلا جدران ~~هذه الفيلا! # فتساءل برجاء: ولو على سبيل القرض؟ # فقال سليمان بهجت بأسى: ليس لدي إلا الحزن والأسف. # وتدخلت زاهية في الحديث قائلة: يا باشمهندس، أنتم أغنياء ولست في ~~حاجة إلى قرض. # فتحول إليها كارها ومتسائلا: أفندم؟ ~~- هل لديك فكرة عن ثمن بيتكم القديم بحلوان؟ # لم ينبس، فقالت: ألف شركة أجنبية مستعدة أن تشتريه بمليون، ~~سامعني؟! # ثم وهي تضحك: أرأيت أنكم من أصحاب الملايين؟! .. أنا مستعدة أن ~~أبيعه لكم في يوم! # وغادر أمين فيلا المعادي خائب المسعى ولكن الملايين تتطاير من ~~خياله معيدة خلق الدنيا من جديد. أجل إن البيت ملك جدته، وهي نفسها ~~تعيش بمعاش لا جدوى منه في هذا الزمن. البيع يغنيها ويغني أولادها ~~وأحفادها. وحتى متى ينتظر أبناؤها؟! كوثر ومحمد ومنيرة يدنون من الستين ~~ويعانون حياة متقشفة. جدته في الثمانين، وهو يحبها، أو ms82 لا يكرهها، ~~وصحتها أحسن من صحة كوثر ومنيرة أمه، وثمة حل متاح يعد الجميع ~~بالسعادة. وهو خير على أي حال من رصد موتها باعتباره مفتاح الفرج ~~للجميع. وبشر بفكرته لدى أمه وخاله محمد وابن خاله شفيق وبنت خاله ~~سهام. قال: وتنزل لكل مستحق عن حقه فتعفى التركة من الضرائب ويبقى لها ~~ما يجعلها من الأغنياء إلى آخر العمر. # وطابت الفكرة لمن يغالبون وحش الغلاء. وقد خطرت لمنيرة كما خطرت ~~لمحمد من قبل ولكنهما أشفقا من إعلانها رحمة بأمهما، عاشقة البيت، ~~والحالمة أبدا بإعادة الشباب إليه. وما الضرورة في تكدير صفو امرأة ~~محبوبة، في الثمانين من عمرها؟! ولكنهما غلبا على أمرهما إزاء حماس ~~الأبناء المرهقين بالأزمة، وقال محمد: ليكن في علمكم بأننا - أنا ~~ومنيرة - لن نكون البادئين بفتح الموضوع. # ولم تحمل سهام للمشكلة كلها هما وقالت لنفسها: فليأكل بعضهم ~~بعضا! # وانضم أمين وشفيق إلى لقاء الجمعة التالي فأحدث حضورهما دهشة، وقالت ~~سنية: حسن أن تتذكرا بين الحين والحين أن لكما جدة! # فانقبض قلبا محمد ومنيرة، على حين تربص شفيق وأمين بالفرصة المناسبة. ~~وجرى الحديث بعيدا عن النيات المضمرة، آخذا في مجراه زواج رشاد في ~~المقدمة، ثم كالعادة احتلت السياسة مكانها الدائم المرموق. قال رشاد: ~~النصر لم يبشر حتى الآن بسلام دائم. # فقالت منيرة بلا تركيز حقيقي: بل ثمة إشارات في الصحف إلى احتمال ~~حرب خامسة! # فقالت كوثر بمرارة: كأنها مباريات الكرة الدورية! # مضى الحديث في درجة حرارة منخفضة على غير عادة والضمائر مضطرمة ~~بالمهمة الثقيلة التي جاءوا من أجلها. وساد صمت غير طبيعي. وتبادل ~~أمين وشفيق نظرة متضمنة دعوة بالتقدم. واخترق أمين جدار الحرج فقال ~~لجدته: معنا كلام يستحق أن يسمع! # فرمقته بنظرة بريئة باسمة، فقال: تعلمين طبعا بمتاعب الناس في هذه ~~الأيام، خاصة الشباب الذي يبحثون لأنفسهم عن مستقر. # فقالت سنية بحنان: قلبي معكم، والله لن ينسى عبده! # فقال شفيق: ولكن يوجد حل يا جدتي. ~~- يسرني أن أسمع ذلك. ~~- الحل بيديك أنت! # فدهشت سنية وتساءلت في حيرة: أنا؟! # فقال أمين: ms83 إنك تملكين مليونا من الجنيهات! # قلبت المرأة عينيها في الوجوه ضاحكة وقالت: مليون! ما أملك إلا معاش ~~جدكم الذي تتناقص قيمته كل طلعة شمس! # فقال شفيق: هذا البيت القديم يساوي اليوم مليونا بالكمال ~~والتمام! # تراجع جذعها حتى التصق بمسند الكنبة ذات الغطاء الأخضر كأنما تلقت ~~ضربة، وتمتمت بصوت مبحوح: البيت القديم! # وراحت كالمستغيثة تنقل بصرها من رشاد إلى محمد إلى منيرة ثم تساءلت ~~بحدة: فيم تفكرون؟! # شعر محمد بأنه ينبغي أن يشترك في الحديث ليصد عنه أي مضاعفات، فقال ~~برقة: ماما، معذرة، إنهم متأزمون، ويروحون عن أنفسهم ~~بالشكوى! # فقالت بوجه متجهم: إني متألمة. # فقال بنبرة ملاطفة: معاذ الله، امنحينا بعض الصبر، لا بأس من شرح ~~الفكرة، وأنت في النهاية صاحبة الحق المطلق في القبول أو الرفض، علم ~~الله أنني كاره للحديث، ولكن هل يجوز أن نتجاهل أنات ~~أبنائنا؟! # فقالت سنية بامتعاض شديد: سأصغي إليك وأنا كارهة! # فقال مستعينا بمهارته المهنية: عم تمخض تفكير الأولاد؟ يقولون إن ~~الشركات الأجنبية تشتري الأراضي بأسعار خيالية، ويؤمنون بأنه يمكن أن ~~نبيع بيتنا بمليون، لا عليك بعد ذلك أن تشتري شقة أو فيلا صغيرة ~~مناسبة وأن تستثمري بقية المال في مشروعات تدر أرباحا محترمة، في ~~الوقت نفسه تمدين الأحفاد بما يمكنهم من تأسيس حياتهم وتحقيق آمالهم، ~~خاصة وأن معاشك لا خير فيه، وانتفاعك بالبيت قاصر على الإقامة ~~المجانية، هذه هي الفكرة، وهي تستحق المناقشة، ولن يحملك أحد على قرار ~~تأبينه. # اشتد التأثر بسنية لحد أنها لم تستوعب حديث محمد، غاية ما أدركته ~~أنهم ائتمروا معا للانقضاض على البيت الذي لا تتصور للحياة معنى خارج ~~جدرانه. قالت: ضقتم بحياتي والله لا يحب ذلك! # فهتفت منيرة: ماما، كيف هان عليك أن تقولي ذلك؟ .. نحن نحبك أكثر ~~مما نحب أنفسنا! ~~- عندما رأيتكم داخلين ملكني شعور غريب! # فضحك محمد مداريا مرارته وقال: لا .. اطردي هذا الشعور من ~~فضلك! ~~- وهذا تأويل حلم رأيته الليلة الماضية! ~~- تأويله خير ولا يمكن أن يكون إلا خيرا! # فقالت بحزم: إذن فلنغير الحديث. # ولكن أمين ms84 تساءل: ألا يحزنك ألمنا يا جدتي؟ # فقالت بانفعال: كيف لا، إنكم تعيشون في خواطري وأحلامي وإن تجاهلتم ~~وجودي لا فرق بين من يقيم منكم في القاهرة أو في ألمانيا. ~~- إنك جدتنا المحبوبة في جميع الأحوال. # فلم تستجب لقوله وقالت: توجد فرص كثيرة فيما نقرأ ونسمع. # فقال لها شفيق: أعطينا مثلا. ~~- البلاد العربية، أيضا ممكن أن يبدأ أمين حياة الزوجية في شقة ~~العباسية. # فقال أمين: أي زوجين يودان الاستقلال بمسكن. # وقال شفيق: والبلاد العربية ليست تحت طلب الطالب! # فقالت بحرارة: فكروا ولكن بعيدا عن هذا البيت! # فقال أمين: يبدو أنك لم تفهمي الموضوع يا جدتي. # فقالت بعناد: لا حاجة بي إلى ذلك، ولن يمس البيت وأنا حية! # ونظرت فيما أمامها وقالت بتعاسة لا تحل بها إلا في الملمات: لم يبق ~~في العمر إلا قليل، اتركوني في سلام حتى يستردني الله الرحيم! # فقالت منيرة بعصبية: ولا كلمة أخرى في الموضوع، ومعذرة يا ~~ماما! # ولما غادروا البيت أسبلت المرأة جفنيها في إعياء وغمغمت لنفسها: ~~الله يرحمه ويغفر له! # ودون دافع واضح قررت أن تمضي صباح الغد في الحديقة اليابانية قبل أن ~~ينطوي الخريف ويهل الشتاء. لم تعد في نشاطها الأول، وكثير من الذكريات ~~تتلاشى، وكثير من الأحلام تتراءى ولا تخلو من كوابيس. ثم إنها تغيب ~~كامرأة وتتجسد في صورة ورقة مالية يحوم حولها الجشع. ومضت على مهل حتى ~~وقفت أمام الصورة التذكارية وهمست: أنت الدليل الحي على أن السعادة ~~حقيقة لا خيال. # وقالت كوثر لرشاد: اشرع في بيع الأرض وحسبك ما رأيت وسمعت! # فهز رأسه موافقا وقال: لكني لن أضن على الحديقة ببعض ~~المال. ~~- لا أدري معنى لذلك! # فقال برقة: جدتي تحبني أكثر من الجميع وعلي أن أبادلها حبا ~~بحب! # أما الراجعون إلى القاهرة فقد جمعهم الديزل وهم في غاية من ~~الانفعالات المتضاربة؛ قال أمين: ما كنت أتصور أنها تملك هذه الطاقة ~~الكبيرة من العناد! # فقال شفيق: لا تريد أن تفهم ولا أن تتفاهم! ~~- لا أريد أن أعمر حتى أبلغ تلك الحال. # فقالت ms85 منيرة بحدة: تذكرا أنكما تتحدثان عن أمنا ! # واختلطت الهموم الشخصية بالهموم العامة، وآمن كثيرون بأنها هم واحد ~~ذو أسماء متعددة، ألا يكون الحل في السلام، في الديمقراطية، في ~~الشريعة الإسلامية؟! المهم ألا يكون حلا سبق أن جرب وأسهم في تجميع ~~الثمار المرة الراهنة. ليكن السلام ولكن ما باله يتدلل ويتعذر؟ ولكن ~~الديمقراطية، ها هي الأفكار تتحاور وتتصارع، وتتطور من منابر إلى ~~أحزاب صريحة، بل ها هو الوفد يتعملق كمارد حطم قمقمه، وتهتز الأرض ~~وتنشق عن قرارات انضباط تعيد المارد إلى قمقمه، ولكن الأحزاب الأخرى ~~تتكون، وحتى اليسار يكرس له حزب شرعي لأول مرة. وينادي كل حزب ~~بتطبيق الشريعة الإسلامية ويشترك اليسار في النداء، ويشعر محمد بأنه لم ~~يكن في يوم من الأيام أقرب إلى هدفه مما هو اليوم. ومع ذلك قال بأسى: ~~حتى الشيوعيون لهم حزب أما نحن فلا حزب لنا! # وارتفعت الأصوات المعارضة، ولكن الأسعار ارتفعت أكثر، وامتلأت ~~الأسواق بالسلع المستوردة، استهلاكية وكمالية، وتحدث المرهقون عن ~~طبقة جديدة من أصحاب الملايين، كالوباء، يعرف بآثاره وعواقبه ولا ~~ترى مكروباته بالعين المجردة. وإذا بالسماء تمطر دهشة أنست كل ذي ~~هم همه؛ دهشة أسطورية لم يتصورها خيال من قبل، دهشة تتميز بخواص ~~الخوارق وسجايا المعجزات ونشوة الأساطير؛ عندما عرف وأعلن أن أنور ~~السادات سيهبط في أرض إسرائيل! وتجمع كثيرون من سكان الأرض أمام ~~التلفزيون ليشاهدوا بأعينهم كيف تتحدى الإرادة البشرية مجرى التاريخ ~~لتحوله عن مساره الحتمي عنوة وبلا سلاح. وتجلى اللقاء بين أعداء ~~الأمس، تصافحت الأيدي، تبولدت الضحكات، والخطب، والصلوات، وتدفق ماء ~~عذب من شقوق صخر صلد لتصب في مجرى مليء بالحصا. واستأثرت الزيارة ~~العجيبة بحديث الجمعة في البيت القديم. # قال عنها رشاد: كأنها غزو القمر. # وتجلى الفتور في وجهي محمد ومنيرة، أخيرا وجدا ما يتفقان فيه. ~~قال محمد: هذه هي الثغرة التي لا انسداد لها! # وقالت منيرة: إنه استسلام لا سلام! # فتساءلت كوثر ببرود: أتريدون حربا بلا نهاية؟! # وبدت سنية مطمئنة وسعيدة وإن خفق قلبها طيلة الوقت حبا وعطفا على ~~رشاد. ms86 ونظرت صوب محمد وسألته: ما رأي شفيق ؟ ~~- إنه مسلم مثلي تماما. ~~- إني مسلمة قبلك بربع قرن، وماذا عن سهام؟ # فقال بسخرية: متفقة معنا لأول مرة! ~~- وألفت؟ ~~- أظنها مثلك يا ماما! # فالتفتت نحو منيرة قائلة: وأمين على رأيك؟ طبعا، أخيرا ~~اتفقوا! # ورجعت بعينيها إلى محمد وقالت: إنك رجل تغوص بين الناس، اصدقني ~~بربك ما رأيهم؟ # فمط بوزه ممتعضا وقال: الشعب مع السلام بلا عقل! # فقالت سنية: رأيت استقبالهم للرئيس عند عودته فلم أدهش يا ابني، كان ~~الاستقبال مبايعة لشخصه من جديد ومباركة لخطوته، هم الذين يموتون عند ~~الحرب ويجوعون عند اللاسلم واللاحرب، ورأيهم رأي الفطرة السليمة بعيدا ~~عن شرك المذاهب. # فقال محمد بصلابة: الجهاد لا يعتل بالعلل، والحق كالشمس! ~~- كل شيء مشروع في سبيل الدفاع عن النفس! # فقالت منيرة: يبدو يا ماما أننا خسرنا العرب. # فقال محمد: دمغونا بالخيانة ولهم حق. # فسألته باهتمام: ماذا يقول الناس عن ذلك؟ ~~- إنهم حانقون على العرب، نسوا التاريخ قديمه وحديثه، ومهما قيل عن ~~أخطائهم فأياديهم لا يمكن أن تنسى. # فقالت سنية: أوافقك على ذلك، ولكن الصواب يتوارى عند احتدام ~~الخصام! ~~- بدأ أناس يقولون ما لنا وللعرب، لسنا عربا، هكذا تبدأ فترة ~~مأساوية في تاريخنا الحافل بالمآسي! # فقالت بهدوء: الصواب يتوارى عند احتدام الخصام ولكنه لا يفنى ~~أبدا. # فقالت منيرة بازدراء: ليس أمامه اختيار؛ فإما يدور في فلك الولايات ~~المتحدة وإما الموت جوعا! # ولكن العجوز كانت متفائلة، بل عادت تحلم بتجديد شباب البيت والحديقة، ~~والمدفن أيضا. # وفي ذلك الوقت عهد رشاد إلى خاله محمد بمهمة بيع الأرض وشراء شقة له ~~في حلوان فقام بالمهمة على خير وجه، واشترى له شقة جديدة في عمارة ~~للتمليك في شارع الأمين غير بعيد من شارع ابن حوقل. أما مهمة البحث عن ~~زوجة فقد تعثرت رغم كثرة الباحثين. ولدى كل فشل كانت كوثر تثور غاضبة ~~وتقول: لولاه ما كان نصر ولا سلام! # وأخيرا أحرزت منيرة أول توفيق مع مدرسة في دائرتها التعليمية. ~~كانت أرملة لمدرس، في الثلاثين من عمرها - تكبر رشاد ms87 بعامين - ~~وأما لغلام في العاشرة، تدعى سميحة ، وقد شرطت أن يقيم ابنها معها. ~~واستمعت كوثر للمواصفات والشروط بفتور، ولكنها سرعان ما غيرت رأيها ~~عندما زارت سميحة في عين شمس ببيت والدها، فأقرت لها بالوسامة وقوة ~~الخلق. ودعيت للغداء مع منيرة في البيت القديم - نظرا لظروف رشاد - ~~فتم التعارف، والارتياح من جانب رشاد، فقال عقب انصرافها: نعمة من ~~الله. # وتنبأت له جدته بالتوفيق والذرية. ونشطت كوثر وسميحة مع معونة محمد ~~لتجهيز الشقة الجديدة وكان من المتفق عليه أن يقوم رشاد بالأعباء ~~المالية. وفي نفس الوقت اتفق رشاد - بوساطة محمد أيضا - مع مقاول ~~حدائق، لزراعة الحديقة بشجيرات الورد والأزهار كالفل والقرنفل ~~والنرجس والحناء والنسرين وأشجار النخيل والكافور والسرو والحوار ~~والأكاسيا. واستعادت روح العجوز مرحها فشعشع رأسها بالآمال وقالت: ما ~~دام أمكن هذا فكل شيء ممكن. # وتم زواج رشاد في وقار وهدوء يناسبان حاله. وتذكرت سهام طريقها الأول ~~فغشيتها كآبة عابرة وضاعفت من ساعات عملها بعزيمة ثابتة. العمل وحده ~~يضمد جراحها ويفتح لها الأبواب. ولم تيئس من الرسو في مرفأ آمن ما ~~دامت تهيمن على صياغة مستقبلها. كانت وما زالت مطمئنة إلى جمالها ~~الفريد ولو أن الجمال لا يعفي من عثرات الحظ - وهل ينسى مثل عمتها ~~منيرة - وكان ينتابها حنين إلى الحب والجنس أيضا، وتسرها مداعبات ~~المعجبين وما أكثرهم، فتقول لنفسها أحيانا: في مكان ما يوجد رجل ~~مناسب واسع الإدراك. # والتحمت رويدا رويدا بشبان وشابات ينتمون إلى رؤيتها السياسية، ~~فأترعت حياتها بالأنس والخطر معا، وقالت لنفسها: لكل كأس عليه أن ~~يشربها حتى الثمالة! # ولما يئس أمين من جدته كما يئس من أبيه من قبل قرر أن يكتب كتابه. ~~وحظيت الفكرة بارتياح أهل خطيبته فضلا عن هند رشوان نفسها. بذلك وجد ~~الفرص للترويح عن أعصابه وخف ضغط الحياة عليه. وكان - وابن خاله شفيق ~~- يتابعان الإعلانات عن الوظائف المطلوبة في البلاد العربية. وسأل ابن ~~خاله: ألا يعرقل موقف العرب الأخير مساعينا؟ # فقال الآخر: علينا أن نجرب. # وفعلت هند رشوان مثلهما في متابعة الإعلانات، فقالت منيرة ms88 لأمين: ~~ممكن أخلي لك غرفة في شقتنا تجهز للنوم. # فتساءل: والمهر؟ # فلم تحر جوابا، فقال: المهندس على أي حال مطلوب وسنعثر على حل ~~بطريقة ما في الخارج أو في إحدى شركات الانفتاح. # وظن محمد أنه وجد حلا لمشكلة شفيق حينما علم بأن لأحد تجار الحديد ~~- وهو زميل له في الإخوانية - ابنة في سن الزواج. وقال لشفيق: سيتكفل ~~أبوها بكل شيء، حتى المسكن، قانعا منا بشيء رمزي. # فرحب شفيق ترحيب المستغيث ولكن أفراحه انطفأت لدى رؤيتها، فهي لم ~~تكن عاطلة من الجمال فقط ولكنها كانت أيضا صورة طبق الأصل من ~~أبيها؛ فتراجع وهو يقول لنفسه: كأنما أتزوج من الرجل نفسه! # وتضايق أبوه وقال له: مال وأخلاق ودين، كن من أهل الباطن! # فأشار شفيق إلى أمه ألفت وقال ضاحكا: بل أكون مثلك من أهل الظاهر ~~والباطن معا! # فتنهد محمد قائلا في غيظ: احتار دليلي! # وكان يتسكع في ميدان طلعت حرب عندما دهمه منظر مثير. رأى صديقته ~~القديمة زكية محمدين خارجة من أحد الحوانيت، ماضية نحو سيارة شيفروليه ~~زرقاء منتظرة. تراءيا فتوقفا عن الحركة وتهلل وجهاهما بابتسامة، ثم ~~تصافحا. دعته إلى الركوب إلى جانبها وانطلقت بالسيارة. لم تعد الطالبة ~~المنحرفة ولكن أصبحت امرأة تخطر في هالة ذات مغزى دسم؛ غانية تبرق ~~بالجاه المستورد، لعل عريكتها قد لانت عقب انقطاع السيل العربي؛ وغلى ~~ماء الشباب المحبوس في عروقه فتبخرت التقوى ولو إلى حين. قالت وهي تتجه ~~نحو المنيل: لم تزرني في شقتي الجديدة! # وكشخص يقيم في جلبة محطة باب اللوق سحره الهدوء الوافد مع نسائم ~~النيل، كما فتنته الديكورات والمرايا والتحف. وبلغت دهشته غايتها عندما ~~رأى أم زكية - وقد رآها قديما وهي تسرح بالفاكهة الفاسدة - مقبلة ~~لتحيته في روب مزركش وخمار أرجواني وشبشب مستورد، بيدها مسبحة من ~~القهرمان، وطيلة الوقت عانى من القلق كما عانى من الشهوة المضرمة. ~~سلم بالهزيمة في اللقاء الأول؛ إذ كانت المقاومة فوق طاقته. لم يلمس ~~كأس الكونياك، هذا ما استطاعه، ولما انقصفت مخالب الوحش الناشبة في ~~صدره حل في ms89 ثقوبها الانقباض كالصديد. وسألته ضاحكة: أتذكر مشروعك ~~القديم؟ # فأجاب بذهول بدافع الحرج: طبعا. # ولم تعلق بحرف. ترى أتريد زوجا حقا؟ ولأي غرض؟ وفي الحال تذكر ~~سليمان بهجت - زوج عمته السابق - وزاهية، وما يتردد على الألسنة. وغادر ~~الشقة بقلب ثقيل وهو يرجو ألا يضطر إلى العودة إليها مرة ~~أخرى. # وكمثل حظوظهم تعثرت مفاوضات السلام حتى أوشك أن يقنط أنصارها ويشمت ~~أعداؤها، ثم ولدت ولادة عسيرة في كامب ديفيد، فانبسطت بحيرات الرضا ~~كما انفجرت براكين الغضب. وكالعادة اجتمعت الأسرة في حلوان عدا الأحفاد ~~منضما إليهم رشاد الذي انتقل إلى شقته الجديدة بشارع الأمين. وكان ~~المطر يجيء قليلا ويذهب قليلا ولا ينقطع، والسماء ملبدة الغيوم تضفي ~~على الضاحية جوا كالمغيب الدائم. وكان العمل قد بدأ في الحديقة ولكنه ~~لم يتواصل كالمتوقع؛ بسبب غياب العمال المتكرر، أما في ذلك اليوم فقد ~~توقف بسبب المطر. نظر محمد إلى أرض الحديقة التي تبدت كهدف متخلف من ~~غارة جوية وقال: ستكون أجمل حديقة في حلوان. # فقالت سنية بجزع: إني أعد الساعات والدقائق ولكني أدعو لرشاد من صميم ~~قلبي! # فقالت كوثر: ها هو السلام فمتى الرخاء؟! # فقال محمد متهكما: ما هو إلا كارثة، ولا نجاة إلا ~~بالإسلام! # فابتسمت سنية قائلة: دائما تنذروننا بالكوارث ولكن الله يخيب ~~الظنون .. وجعجع الرعد فارتجفت كوثر، وقالت منيرة: أخشى أن يتعذر علينا ~~الرجوع. # وجعلت سنية تسترق إليهم النظرات فتمتلئ بالشجن. هزلوا وشاخوا قبل ~~الأوان، حتى محمد رغم الإصرار المحفور في صفحة وجهه الذي يذكرها ~~بحامد برهان. ماذا جرى لهم؟ لم ينعم أحد منهم بفرحة صافية أبدا، ولا ~~أحد من أبنائهم؛ شفيق، سهام، أمين، علي، الجميع سواء. الوحيد الذي عرف ~~نفسه مستقرا هو رشاد ولكن بأي تضحية فادحة! والبيت هل يتجدد حقا؟ ~~وهذه الأرض المطينة متى تستوي حديقة غناء؟ إنها في خيالها فردوس، ~~وأما في الواقع فأرض تخددها الحفر، وتحدق بها أكوام الطين، متى ~~تنبسط؟ .. متى تجيء المشاتل؟ متى ينقطع المطر؟ متى يواظف العمال؟ وعقب ~~تناول الغداء انهل المطر أكثر وأرعدت السماء وهبطت السحب ms90 المعتمة في ~~تموجات عنيفة. قال محمد: علينا أن نذهب حال توقف المطر. # فقالت سنية: ما أجمل أن تبيتوا ليلتكم عندنا! # فسألها محمد مداعبا: ما آخر أخبار أحلامك؟ # فقالت بفتور: إني أحلم الآن وأنا يقظانة! # فقالت منيرة ضاحكة: كرامة جديدة يا ماما! # وحست سنية آخر رشفة في فنجان القهوة ثم نادت أم سيد وأعطتها ~~الفنجان قائلة: اقرئي هذا وأسمعيني ما يقول. # فتساءل محمد ضاحكا: أما زلت تصدقينها يا ماما؟ ~~- إنها مثل أجهزة الإعلام ولكن لا غنى عنها! # وقربت المرأة الفنجان من عينيها الذابلتين، وتفحصته مليا، ثم ~~قالت بنفس الثقة التي تتحدث بها منذ نيف ونصف قرن: أمامك سكة ليست ~~بالقصيرة، فيها عقبات، ولكن انظري (مقربة الفنجان من سنية) .. هناك ~~تنتظرك السلامة. # وهزم الرعد فكاد الفنجان يسقط من يد العجوز، ولكن محمد ضحك سائلا: ~~ومتى يا أم سيد تزول العقبات؟ # وكانت سنية المهدي تصعد بصرها وتصوبه ما بين السماء والحديقة، ~~فتطوعت بالإجابة قائلة: عندما يتوقف الرعد! ms91