######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.BaynQasrayn.Hindawi29179502 #META# Tags: novels #META# ID: 29179502 #META# Title: بين القصرين #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بين القصرين‏ # بين القصرين‏ # | بين القصرين # | بين القصرين # تأليف # نجيب محفوظ # | بين القصرين # 1 # عند منتصف الليل استيقظت، كما اعتادت أن تستيقظ في هذا الوقت من ~~كل ليلة بلا استعانة من منبه أو غيره، ولكن بإيحاء من الرغبة التي ~~تبيت عليها، فتواظب على إيقاظها في دقة وأمانة. وظلت لحظات على ~~شك من استيقاظها، فاختلطت عليها رؤى الأحلام وهمسات الإحساس، حتى ~~بادرها القلق الذي يلم بها قبل أن تفتح جفنيها من خشية أن يكون ~~النوم خانها، فهزت رأسها هزة خفيفة فتحت عينيها على ظلام ~~الحجرة الدامس. لم يكن ثمة علامة تستدل بها على الوقت؛ فالطريق ~~تحت حجرتها لا ينام حتى مطلع الفجر، والأصوات المتقطعة التي تترامى ~~إليها أول الليل من سمار المقاهي وأصحاب الحوانيت هي التي تترامى ~~عند منتصفه وإلى ما قبيل الفجر، فلا دليل تطمئن إليه إلا إحساسها ~~الباطن - كأنه عقرب ساعة واع - وما يشمل البيت من صمت ينم عن ~~أن بعلها لم يطرق بابه بعد، ولم تضرب طرف عصاه على درجات ~~سلمه. # هي العادة التي توقظها في هذه الساعة، عادة قديمة صاحبت شبابها ~~منذ مطلعه ولا تزال تستأثر بكهولتها، تلقنتها فيما تلقنت من ~~آداب الحياة الزوجية، أن تستيقظ في منتصف الليل لتنتظر بعلها حين ~~عودته من سهرته، فتقوم على خدمته حتى ينام. وجلست في الفراش بلا ~~تردد لتتغلب على إغراء النوم الدافئ وبسملت، ثم انزلقت من تحت ~~الغطاء إلى أرض الحجرة، ومضت تتلمس الطريق على هدي عمود السرير ~~وضلفة الشباك، حتى بلغت الباب ففتحته، فانساب إلى الداخل شعاع ~~خافت ينبعث من مصباح قائم على الكونصول في الصالة، فدلفت منه ~~وحملته وعادت به إلى الحجرة وهو يعكس على السقف من فوهة زجاجته ~~دائرة مهتزة من الضوء الشاحب تحف به حاشية من الظلال، ثم وضعته على ~~خوان قائم بإزاء الكنبة. وأضاء المصباح الحجرة، فبدت برقعتها ~~المربعة الواسعة، وجدرانها العالية، وسقفها بعمده الأفقية ~~المتوازية، إلا أنها لاحت كريمة الأثاث ببساطها الشيرازي، وفراشها ~~الكبير ذي العمد النحاسية الأربعة والصوان الضخم والكنبة الطويلة ~~المغطاة ms001 بسجاد صغير المقطع مختلف النقوش والألوان. واتجهت ~~المرأة إلى المرآة وألقت على صورتها نظرة، فرأت منديل رأسها البني ~~منكمشا متراجعا، وقد تشعثت خصلات من شعرها الكستنائي فوق ~~الجبين، فمدت أصابعها إلى عقدته، فحلتها وسوته على شعرها، ~~وعقدت طرفيه في أناة وعناية، ومسحت براحتيها على صفحتي وجهها ~~كأنما لتزيل عنه ما علق به من آثار النوم. كانت في الأربعين متوسطة ~~القامة، تبدو كالنحيفة، ولكن جسمها بض ممتلئ في حدوده الضيقة لطيف ~~التنسيق والتبويب. أما وجهها فمائل إلى الطول مرتفع الجبين دقيق ~~القسمات، ذو عينين صغيرتين جميلتين تلوح فيهما نظرة عسلية حالمة، ~~وأنف صغير دقيق يتسع قليلا عند فتحتيه، وفم رقيق الشفتين ينحدر ~~تحتهما ذقن مدبب، وبشرة قمحية صافية تلوح عند موضع الوجنة منها ~~شامة سوادها عميق نقي. وقد بدت وهي تتلفع بخمارها كالمتعجلة، ~~واتجهت صوب باب المشربية، ففتحته ودخلت، ثم وقفت في قفصها المغلق ~~تردد وجهها يمنة ويسرة ملقية نظراتها من الثقوب المستديرة الدقيقة ~~التي تملأ أضلافها المغلقة إلى الطريق. # كانت المشربية تقع أمام سبيل بين القصرين، ويلتقي تحتها شارعا ~~النحاسين الذي ينحدر إلى الجنوب، وبين القصرين الذي يصعد إلى ~~الشمال، فبدا الطريق إلى يسارها ضيقا ملتويا متلفعا بظلمة تكثف ~~في أعاليه، حيث تطل نوافذ البيوت النائمة، وتخف في أسافله بما ~~يلقى إليه من أضواء مصابيح عربات اليد وكلوبات المقاهي، وبعض ~~الحوانيت التي تواصل السهر حتى مطلع الفجر، وإلى يمينها التف ~~الطريق بالظلام، حيث يخلو من المقاهي، وحيث توجد المتاجر الكبيرة ~~التي تغلق أبوابها مبكرا، فلا يلفت النظر به إلا مآذن قلاوون ~~وبرقوق لاحت كأطياف من المردة ساهرة تحت ضوء النجوم الزاهرة. ~~منظر ألفته منها العينان ربع قرن من الزمان ولكنها لم تسأمه، ~~ولعلها لم تدر ما السأم طوال حياتها على رتابتها، وعلى العكس ~~وجدت فيه أنيسا لوحشتها، وأليفا لوحدتها عهدا طويلا عاشته، ~~وكأنه لا أنيس ولا أليف لها. كان ذلك قبل أن يأتي الأبناء إلى هذا ~~الوجود، فلم يكن يحوي هذا البيت الكبير - بفنائه الترب وبئره ~~العميقة وطابقيه وحجراته الواسعة ms002 العالية الأسقف - سواها، أكثر ~~النهار والليل. وكانت حين زواجها فتاة صغيرة دون الرابعة عشرة من ~~عمرها، فسرعان ما وجدت نفسها، عقب وفاة حماتها وسيدها الكبير، ربة ~~للبيت الكبير، تعاونها على أمره امرأة عجوز تغادرها عند جثوم ~~الليل؛ لتنام في حجرة الفرن بالفناء، تاركة إياها وحيدة في دنيا ~~الليل الحافلة بالأرواح والأشباح، تغفو ساعة، وتأرق أخرى، حتى يعود ~~الزوج العتيد من سهرة طويلة. # ولكي يطمئن قلبها اعتادت أن تطوف بالحجرات مصطحبة خادمتها مادة ~~يدها بالمصباح أمامها، فتلقي في أركانها نظرات متفحصة خائفة، ~~ثم تغلقها بإحكام، واحدة بعد أخرى، مبتدئة بالطابق الأول مثنية ~~بالطابق الأعلى، وهي تتلو ما تحفظ من سور القرآن دفعا للشياطين، ~~ثم تنتهي إلى حجرتها، فتغلق بابها، وتندس في الفراش، ولسانها لا ~~يمسك عن التلاوة، حتى يغلبها النوم، ولشد ما كانت تخاف الليل في ~~عهدها الأول بهذا البيت، فلم يغب عنها - هي التي عرفت عن عالم الجن ~~أضعاف ما تعرفه عن عالم الإنس - أنها لا تعيش وحدها في البيت ~~الكبير، وأن الشياطين لا يمكن أن تضل طويلا عن هذه الحجرات ~~القديمة الواسعة الخالية، ولعلها آوت إليها قبل أن تحمل هي إلى ~~البيت، بل قبل أن ترى نور الدنيا، فكم دب إلى أذنيها همساتهم! وكم ~~استيقظت على لفحات من أنفاسهم، وما من مغيث إلا أن تتلو الفاتحة ~~والصمدية، أو أن تهرع إلى المشربية، فتمد بصرها الزائغ من ثقوبها ~~إلى أنوار العربات والمقاهي، وترهف السمع لالتقاط ضحكة أو سعلة ~~تسترد بها أنفاسها. # ثم جاء الأبناء تباعا، ولكنهم كانوا أول عهدهم بالدنيا لحما ~~طريا، لا يبدد خوفا ولا يطمئن جانبا، وعلى العكس ضاعف من خوفها ~~بما أثار في نفسها المتهافتة من إشفاق عليهم وجزع أن يمسهم سوء، ~~فكانت تحويهم بذراعيها وتغمرهم بأنفاس العطف، وتحيطهم في اليقظة ~~والمنام بدرع من السور والأحجبة والرقى والتعاويذ، أما ~~الطمأنينة الحقة، فلم تكن لتذوقها حتى يعود الغائب من سهرته. ولم ~~يكن غريبا وهي منفردة بطفلها تنومه وتلاطفه، أن تضمه إلى صدرها ~~فجأة، ثم تتنصت في وجل وانزعاج، ms003 ثم يعلو صوتها هاتفة، وكأنها ~~تخاطب شخصا حاضرا: «أبعد عنا، ليس هذا مقامك، نحن قوم مسلمون ~~موحدون.» ثم تتلو الصمدية في عجلة ولهوجة. وعندما طالت بها معاشرة ~~الأرواح بتقدم الزمن تخففت من مخاوفها كثيرا، واطمأنت لدرجة ~~إلى دعاباتهم التي لم تجر عليها سوءا قط، فكانت إذا ترامى إليها ~~حس طائف منهم قالت في نبرات لا تخلو من دالة: «ألا تحترم عباد ~~الرحمن! الله بيننا وبينك، فاذهب عنا مكرما.» ولكنها لم تكن تعرف ~~الطمأنينة الحقة حتى يعود الغائب. أجل كان مجرد وجوده بالبيت - ~~صاحيا أو نائما - كفيلا ببث السلام في نفسها، فتحت الأبواب أم ~~أغلقت، اشتعل المصباح أم خمد. وقد خطر لها مرة، في العام الأول من ~~معاشرته، أن تعلن نوعا من الاعتراض المؤدب على سهره المتواصل، فما ~~كان منه إلا أن أمسك بأذنيها وقال لها بصوته الجهوري في لهجة ~~حازمة: «أنا رجل، الآمر الناهي، لا أقبل على سلوكي أية ملاحظة، وما ~~عليك إلا الطاعة، فحاذري أن تدفعيني إلى تأديبك.» فتعلمت من هذا ~~الدرس وغيره مما لحق به أنها تطيق كل شيء - حتى معاشرة العفاريت - ~~إلا أن يحمر لها عين الغضب، فعليها الطاعة بلا قيد ولا شرط، وقد ~~أطاعت وتفانت في الطاعة، حتى كرهت أن تلومه على سهره ولو في ~~سرها، ووقر في نفسها أن الرجولة الحقة والاستبداد والسهر إلى ما ~~بعد منتصف الليل صفات متلازمة لجوهر واحد، ثم انقلبت مع الأيام ~~تباهي بما يصدر عنه سواء ما يسرها أو يحزنها، وظلت على جميع ~~الأحوال الزوجة المحبة المطيعة المستسلمة. ولم تأسف يوما على ما ~~ارتضت لنفسها من السلامة والتسليم، وإنها لتستعيد ذكريات حياتها ~~في أي وقت تشاء، فلا يطالعها إلا الخير والغبطة، على حين تلوح لها ~~المخاوف والأحزان كالأشباح الخاوية، فلا تستحق إلا ابتسامة رثاء. ~~ألم تعاشر هذا الزوج بعلاته ربع قرن من الزمان، فجنت من ~~معاشرته أبناء هم قرة عينيها وبيتا مترعا بالخير والبركة وحياة ~~ناضجة سعيدة ... بلى، أما مخالطة العفاريت، فقد مرت كما تمر كل ليلة ~~بسلام، وما امتدت ms004 يد أحدهم إليها أو إلى أحد من أبنائها بسوء، ~~اللهم إلا ما هو بالمزاح والمداعبات أشبه، فلا وجه للشكوى، ولكن ~~الحمد كل الحمد لله الذي بكلامه اطمأن قلبها، وبرحمته استقامت ~~حياتها. # حتى ساعة الانتظار هذه، على ما تقطع عليها من لذيذ المنام وما ~~تستأديها من خدمة كانت خليقة بأن تنتهي بزوال النهار، أحبتها من ~~أعماق قلبها، ففضلا عن أنها استحالت جزءا لا يتجزأ من حياتها، ~~ومازجت الوفير من ذكرياتها، فإنها كانت ولم تزل الرمز الحي ~~لحدبها على بعلها وتفانيها في إسعاده، وإشعاره ليلة بعد أخرى ~~بهذا التفاني وذاك الحدب. لهذا امتلأت ارتياحا وهي واقفة في ~~المشربية، وراحت تنقل بصرها خلال ثقوبها مرة إلى سبيل بين القصرين، ~~ومرة إلى منعطف الخرنفش، وأخرى إلى بوابة حمام السلطان، ورابعة إلى ~~المآذن، أو تسرحه بين البيوت المتكأكئة على جانبي الطريق في غير ~~تناسق كأنها طابور من الجند في وقفة راحة تخفف فيها من قسوة ~~النظام. وابتسمت للمنظر الذي تحبه، هذا الطريق الذي تنام الطرق ~~والحواري والأزقة، ويبقى ساهرا حتى مطلع الفجر، فكم سلى أرقها ~~وآنس وحشتها، وبدد مخاوفها لا يغير الليل منه، إلا أن يغشى ما ~~يحيط به من أحياء بالصمت العميق فيهيئ لأصواته جوا تعلو فيه، ~~وتوضح كأنه الظلال التي تملأ أركان اللوحة، فتضفي على الصورة عمقا ~~وجلاء؛ لهذا ترن الضحكة فيه فكأنها تنطلق في حجرتها، ويسمع ~~الكلام العادي فتميزه كلمة كلمة، ويمتد السعال ويخشوشن، فيترامى ~~لها منه حتى خاتمته التي تشبه الأنين، ويرتفع صوت النادل وهو ~~ينادي: «تعميرة نادية» كهتاف المؤذن، فتقول لنفسها في سرور: «لله ~~هؤلاء الناس .. حتى هذه الساعة يطلبون مزيدا من التعميرة.» ثم ~~تذكر بهم زوجها الغائب فتقول: «ترى أين يكون سيدي الآن؟ .. وماذا ~~يفعل؟ .. فلتصحبه السلامة في الحل والترحال.» أجل قيل لها مرة إن ~~رجلا كالسيد أحمد عبد الجواد في يساره وقوته وجماله - مع سهره ~~المتواصل - لا يمكن أن تخلو حياته من نساء، يومها تسممت بالغيرة ~~وركبها حزن شديد، ولما لم تواتها شجاعتها على مشافهته بما قيل أفضت ms005 ~~بحزنها إلى أمها، فجعلت الأم تسكن خاطرها بما وسعها من حلو الكلام، ~~ثم قالت لها: «لقد تزوجك بعد أن طلق زوجته الأولى، وكان بوسعه أن ~~يستردها لو شاء، أو أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة، وقد كان أبوه ~~مزواجا، فاحمدي ربنا على أنه أبقاك زوجة وحيدة.» ولو أن حديث أمها ~~لم يجد مع حزنها وقت اشتداده، إلا أنها مع الأيام سلمت بما فيه ~~من حق ووجاهة، فليكن ما قيل حقا، فلعله من صفات الرجولة كالسهر ~~والاستبداد، وشر على أي حال خير من شرور كثيرة، وليس من الهين أن ~~تسمح لوسواس بأن يفسد عليها حياتها الطيبة المليئة بالهناء والرغد، ~~ثم لعل ما قيل بعد هذا كله أن يكون وهما أو كذبا. ووجدت أن ~~موقفها من الغيرة، شأنها حيال المتاعب التي تعترض سبيل حياتها، لا ~~يعدو التسليم بها كقضاء نافذ لا تملك حياله شيئا، فلم تهتد إلى ~~وسيلة في مقاومتها إلا أن تنادي الصبر، وتستعدي مناعتها الشخصية، ~~ملاذها الأوحد في مغالبة ما تكره، فانقلبت الغيرة وأسبابها، كطباع ~~زوجها الأخرى، وكمعاشرة العفاريت، مما تحتمل. # جعلت تنظر إلى الطريق، وتنصت إلى السمار حتى ترامى إليها وقع ~~سنابك جواد، فعطفت رأسها صوب النحاسين، فرأت «حنطورا» يقترب ~~وئيدا، ومصباحاه يسطعان في الظلام، فتنهدت في ارتياح وغمغمت: ~~«أخيرا ...» ها هو «حنطور» أحد أصدقائه يوصله بعد السهرة إلى باب ~~البيت الكبير، ثم يمضي كالعادة إلى الخرنفش، حاملا صاحبه ونفرا ~~من الأصدقاء الذين يقطنون هذا الحي. ووقف «الحنطور» أمام البيت، ~~وارتفع صوت زوجها، وهو يقول في نبرات ضاحكة: أستودعكم الله ~~... # وكانت تنصت إلى صوت زوجها وهو يودع أصحابه بشغف ودهشة، ولولا ~~أنها تسمعه كل ليلة في مثل هذه الساعة لأنكرته، فما عهدت منه - هي ~~وأبناؤها - إلا الحزم والوقار والتزمت، فمن أين له بهذه النبرات ~~الطروبة الضحوكة، التي تسيل بشاشة ورقة! وكأن صاحب «الحنطور» ~~أراد أن يمازحه فقال له: أما سمعت ماذا قال الجواد لنفسه بعد نزولك ~~من العربة؟ قال إنه من المؤسف أن أوصل هذا الرجل كل ليلة إلى بيته، ms006 ~~وهو لا يستحق أن يركب إلا حمارا. # وانفجر الرجال بالعربة ضاحكين، فانتظر السيد حتى عادوا إلى ~~السكون، ثم قال يجيبه: أما سمعت بماذا أجابته نفسه؟ قالت إذا لم ~~توصله أنت، فسيركب البك صاحبنا. # وضج الرجال ضاحكين مرة أخرى، ثم قال صاحب العربة: فلنؤجل الباقي ~~إلى سهرة الغد. # وتحركت العربة إلى شارع بين القصرين، واتجه السيد نحو الباب، ~~فغادرت المرأة المشربية إلى الحجرة، وتناولت المصباح ومضت إلى ~~الصالة، ومنها إلى الدهليز الخارجي حتى وقفت في رأس السلم. وترامت ~~إليها صفقة الباب الخارجي وهو يغلق، وانزلاق المزلاج، وتخيلته وهو ~~يقطع الفناء بقامته المديدة مستردا هيبته ووقاره، خالعا مزاحه ~~الذي لولا استراق السمع لظنته من مستحيل المستحيلات، ثم سمعت وقع ~~طرف عصاه على درجات السلم، فمدت يدها بالمصباح من فوق الدرابزين ~~لتنير له سبيله. # 2 # وانتهى الرجل إلى موقفها فراحت تقدمه رافعة المصباح، فتبعها وهو ~~يتمتم: مساء الخير يا أمينة. # فقالت بصوت خفيض ينم عن الأدب والخضوع: مساء الخير يا ~~سيدي. # وفي ثوان احتوتهما الحجرة، فاتجهت أمينة إلى الخوان لتضع ~~المصباح عليه، في حين علق السيد عصاه بحافة شباك السرير، وخلع ~~الطربوش ووضعه على الوسادة التي تتوسط الكنبة، ثم اقتربت المرأة ~~منه لتنزع عنه ملابسه، وبدا في وقفته طويل القامة، عريض المنكبين، ~~ضخم الجسم، ذا كرش كبيرة مكتنزة اشتملت عليها جميعا جبة وقفطان ~~في أناقة وبحبحة، دلتا على رفاهية ذوق وسخاء، ولم يكن شعره ~~الأسود المنبسط من مفرقه على صفحتي رأسه في عناية بالغة، وخاتمه ~~ذو الفص الماسي الكبير، وساعته الذهبية، إلا لتؤكد رفاهة ذوقه ~~وسخاءه. أما وجهه فمستطيل الهيئة مكتنز الأديم، قوي التعبير، واضح ~~الملامح، يدل في جملته على بروز الشخصية والجمال بعينيه الزرقاوين ~~الواسعتين، وأنفه الكبير الأشم المتناسق على كبره مع بسطة الوجه، ~~وفمه الواسع بشفتيه الممتلئتين، وشاربه الفاحم الغليظ المفتول ~~طرفاه بدقة لا مزيد عليها. ولما تدانت المرأة منه بسط ذراعيه، ~~فخلعت الجبة عنه وأطبقتها بعناية، ثم وضعتها على الكنبة، وعادت ~~إليه ففكت حزام القفطان ونزعته، وجعلت تدرجه بالعناية نفسها ms007 ~~لتضعه فوق الجبة، على حين تناول السيد جلبابه فارتداه، ثم طاقيته ~~البيضاء فلبسها، وتمطى وهو يتثاءب وجلس على الكنبة، ومد ساقيه ~~مسندا قذاله إلى الحائط. وانتهت المرأة من ترتيب ملابسه، فقعدت ~~عند قدميه الممدودتين، وراحت تخلع حذاءه وجوربيه، ولما كشف قدمه ~~اليمنى بدا أول عيب في هذا الجسم الهائل الجميل في خنصره الذي تآكل ~~من توالي الكشط بالموسى في موضع كاللو مزمن. وغادرت أمينة الحجرة ~~فغابت دقائق، ثم عادت بطست وإبريق، فوضعت الطست عند قدمي الرجل، ~~ووقفت والإبريق في يدها على أهبة الاستعداد، فاستوى السيد في ~~جلسته، ومد لها يديه، فصبت له الماء، فغسل وجهه ومسح على رأسه، ~~وتمضمض طويلا، ثم تناول المنشفة من فوق مسند الكنبة، ومضى يجفف ~~رأسه ووجهه ويديه، بينما حملت المرأة الطست، وذهبت به إلى الحمام. ~~كانت هذه الخدمة آخر ما تؤدي من خدمات في البيت الكبير، وقد واظبت ~~عليها ربع قرن من الزمان بهمة لا يعتريها الكلال، بل في سرور ~~وانشراح، وبنفس الحماس الذي يستفزها إلى النهوض بواجبات البيت ~~الأخرى من قبيل مطلع الشمس حتى مغيبها، فاستحقت من أجله أن يطلق ~~عليها جاراتها اسم «النحلة» لدأبها ونشاطها المتواصلين. # وعادت إلى الحجرة فأغلقت الباب، وسحبت من تحت السرير شلتة، ~~فوضعتها أمام الكنبة وتربعت عليها؛ إذ لم تكن ترى لنفسها الحق في ~~أن تجلس إلى جانبه تأدبا، ومضى الوقت وهي ملازمة الصمت، حتى ~~يدعوها إلى الكلام فتتكلم. وتراخى ظهر السيد إلى مسند الكنبة، وبدا ~~عقب سهرته الطويلة متعبا، فثقل جفناه اللذان جرى في أطرافهما ~~احمرار طارئ من أثر الشرب، وجعل يزفر أنفاسا ثقيلة مخمورة. ومع ~~أنه كان يعاقر الخمر كل ليلة إلى إفراط في الشرب حتى السكر، إلا ~~أنه لم يكن ليقرر العودة إلى بيته حتى تزايله سورة الخمر، ~~ويستعيد سيطرته على نفسه؛ حرصا منه على وقاره، والمظهر الذي يجب ~~أن يبدو به في بيته. وكانت زوجه الشخص الوحيد من آل بيته الذي ~~يلقاه في أعقاب سهرته، ولكنها لم تلمس من آثار الشرب إلا رائحته، ~~ولم تلاحظ ms008 على سلوكه شذوذا مريبا، إلا ما كان يبدو منه أول عهده ~~بزواجها وقد تناسته، وعلى العكس من المنتظر جنت من مصاحبتها له في ~~هذه الساعة إقبالا منه في الحديث، وتبسطا في فنونه قل أن تظفر ~~بمثله في أوقات إفاقته الكاملة. وإنها لتذكر كم ارتعبت يوم أدركت ~~أنه يعود من سهرته ثملا، واستدعت الخمر إلى ذهنها ما يقترن بها من ~~وحشية وجنون ومخالفة الدين وهي الأفظع، فتقززت نفسها وركبها ~~الذعر، وعانت لدى عودته كلما عاد آلاما لا قبل لها بها. وبمضي ~~الأيام والليالي ثبت لها أنه حين عودته من سهرته يكون ألطف منه في ~~جميع الأوقات، فيخفف من صرامته، وترق ملاحظته، ويسترسل في ~~الحديث، فاستأنست إليه واطمأنت وإن لم تنس أن تضرع إلى الله أن ~~يغفر له معصيته ويتوب عليه. وكم تمنت لو يتطبع بنفس اللين النسبي ~~وهو صاح منتبه، وكم عجبت لهذه المعصية التي ترقق حواشيه، وتحيرت ~~طويلا بين ما تجد نحوها من كراهية دينية موروثة وبين ما تجني منها ~~من راحة وسلام، ولكنها دفنت أفكارها في أعماق نفسها، ودارتها ~~مداراة من لا يطيق أن يعترف بها، ولو فيما بينه وبين نفسه. أما ~~السيد فكان أحرص ما يكون على وقاره وحزمه، وما يصدر عنه من لطف ~~فخلسة يصدر، وربما جرت على شفتيه ابتسامة عريضة - في جلسته هذه - ~~لذكرى طافت به من ذكريات سهرته السعيدة، فسرعان ما ينتبه إلى نفسه، ~~ويطبق شفتيه، ويسترق إلى زوجه نظرة، فيجدها كعادتها بين يديه خافضة ~~العينين، فيطمئن ويعود إلى ذكرياته. والحق أن سهرته لم تكن تنتهي ~~بعودته إلى بيته، ولكنها تواصل حياتها في ذكرياته، وفي قلبه الذي ~~يجذبها إليه بقوة نهم إلى مسرات الحياة لا يروى، وكأنه لا يزال ~~يرى مجلس الأنس تزينه النخبة المختارة من أصدقائه وأصفيائه، ~~ويتوسطه بدر من البدور التي تطلع في سماء حياته حينا من بعد حين، ~~وما برحت تطن في أذنيه الدعابات واللطائف والنكات التي تجود ~~قريحته بدررها إذا هزه السكر والطرب، وهذه الملح خاصة ~~يراجعها في عناية واهتمام ينضحان ms009 بالعجب والزهو ، ويتذكر أثرها ~~في النفوس وما لاقت من نجاح وابتهاج جعلاه الحبيب الأول لكل نفس، ~~ولا عجب؛ فإنه كثيرا ما يشعر بأن الدور الذي يلعبه في سهرته من ~~الخطورة كأنه أمل الحياة المنشودة، وكأن حياته العملية بجملتها ~~ضرورة يؤديها في سبيل الفوز بساعات مترعة بالشراب والضحك والغناء ~~والعشق يقضيها بين صحبه وخلصائه، وبين هذا وذاك تسجع في باطنه ~~أنغام حلوة لطيفة مما تردد في المجلس السعيد، فذهب معها وجاء ~~وهتف وراءها من أعماق قلبه: «آه ... الله أكبر.» هذا الغناء الذي ~~يحبه كما يحب الشراب والضحك والصحاب والبدور، فلا يطيق أن يخلو منه ~~مجلسه، ولا يأبه للشقة البعيدة يقطعها إلى أطراف القاهرة ليسمع ~~الحامولي أو عثمان أو المنيلاوي حيثما تكون مغانيهم، حتى آوت ~~أنغامهم إلى نفسه السخية كما تأوي البلابل إلى شجرة مورقة، ~~فاكتسب دراية بالنغم والمذاهب وتوج حجة في السمع والطرب، وكان ~~يحب الغناء بروحه وجسمه، أما روحه فتطرب وتغمرها الأريحية، وأما ~~جسمه فتهتاج حواسه وترقص أطرافه خاصة الرأس واليدين؛ ولهذا ~~احتفظت نفسه لبعض المقاطع الغنائية بذكريات روحية وجسدية لا تنسى، ~~مثل: «وليه بقى تلاويعك وهجرك» أو «يا ما بكره نعرف .. وبعده نشوف» ~~أو «اسمع بقى وتعالى لما أقول لك» وكان حسبه أن تهفو إليه نغمة ~~من هذه النغمات معانقة حواشيها من الذكريات كي تهيج موطن السكر من ~~نفسه، فيهز رأسه طربا وترف على شفتيه ابتسامة أشواق، ويفرقع ~~بأصابعه وقد يشدو مترنما إذا كان إلى نفسه خاليا. ومع هذا فلم ~~يكن الغناء هوى منفردا يجذبه لذاته فحسب، ولكنه كان زهرة في طاقة ~~يحلو بها وتحلو به، أهلا به ومرحبا بين الصديق الصافي والحبيب ~~الوفي والشراب المعتق والملحة العذبة، أما أن يصفو له وحده - كما ~~يتلقى في البيوت عن الفونوغراف - فهو جميل حبيب بلا شك، ولكنه ~~غاب عن جوه وبيئته وملابساته، وهيهات أن يقنع به القلب، إنه يتوق ~~إلى أن يفصل بين النغمة والنغمة بنكتة تهتز لها النفوس، وأن يسابق ~~الترديد بالنهل من كأس مترعة، ويرى أثر التطريب في وجه ms010 الصديق ~~وعين الحبيب، ثم يتعاونون جميعا على التهليل والتكبير. بيد أن ~~السهرة لم يقتصر أثرها على بعث الذكريات، فمن مزاياها أيضا أنها ~~تهيئه في أعقابها لأسلوب طيب من الحياة هو الذي تتلهف عليه ~~زوجه المطيعة المستسلمة حين تجد نفسها بين يدي رجل حلو المعشر ~~يتبسط معها في الحديث، ويفضي إليها بما في طويته على نحو يشعرها ~~ولو إلى حين بأنها ليست جارية فحسب، ولكنها شريكة حياته أيضا. ~~وهكذا راح يحدثها عن شئون البيت، فأنبأها بأنه أوصى بعض التجار من ~~معارفه على شراء خزين البيت من السمن والقمح والجبن، وجعل يحمل على ~~ارتفاع الأسعار واختفاء المواد الضرورية بسبب هذه الحرب التي تطحن ~~العالم منذ ثلاثة أعوام، وكعادته كلما ذكر الحرب اندفع يلعن الجنود ~~الأستراليين الذين ينتشرون في المدينة كالجراد، ويعيثون في الأرض ~~الفساد. والحق أنه كان يحنق على الأستراليين لسبب خاص به، وهو ~~أنهم بجبروتهم حالوا بينه وبين مجالي اللهو والطرب في الأزبكية، ~~فارتد عنها مغلوبا على أمره - إلا في القليل النادر من مختلس ~~الفرص - لأنه لم يكن يسعه أن يعرض نفسه للجنود الذين يسلبون ~~الناس متاعهم جهارا، ويتسلون بصب ألوان الاعتداء والإهانة ~~عليهم بغير رادع. ثم مضى يسأل عن حال «الأولاد» كما يدعوهم بلا ~~تفرقة بين كبيرهم الكاتب بمدرسة النحاسين، وصغيرهم التلميذ بمدرسة ~~خليل أغا، ثم تساءل بلهجة ذات معنى: وكمال؟! إياك وأن تتستري على ~~شيطنته! # فذكرت المرأة ابنها الصغير الذي تتستر عليه حقا فيما لا خطر له ~~من اللعب البريء، وإن كان السيد لا يعترف ببراءة أي لون من ألوان ~~اللعب واللهو، وقالت بصوتها الخاشع: إنه يلتزم أوامر أبيه. # وصمت السيد قليلا فبدا كالشارد، وعاد يقطف من ذكريات ليلته ~~السعيدة، ثم تراجع مؤشر ذاكرته إلى ما سبق سهرته من أحداث يومه، ~~فذكر فجأة أنه كان يوما حافلا، ولما كان في حال لا يستحب معها ~~كتمان شيء مما يطفو على سطح الوعي؛ فقد قال وكأنه يخاطب نفسه: يا ~~له من رجل كريم الأمير كمال الدين حسين! أما علمت بما فعل؟ ms011 .. أبى ~~أن يعتلي عرش أبيه المتوفى في ظل الإنجليز. # ومع أن المرأة علمت بوفاة السلطان حسين كامل أمس، إلا أنها كانت ~~تسمع اسم ابنه لأول مرة، ولم تجد ما تقول ولكنها - مدفوعة بعواطف ~~الإجلال للمتكلم - كانت تخاف ألا تعلق على كل كلمة يقولها بما ~~يرضيه، فقالت: رحم الله السلطان وأكرم ابنه. # فاستطرد السيد قائلا: وقبل العرش الأمير أحمد فؤاد أو السلطان ~~فؤاد كما سيدعى من الآن فصاعدا، وقد تم الاحتفال بتوليته اليوم، ~~فانتقل في موكبه من قصر البستان إلى سراي عابدين .. وسبحان من له ~~الدوام. # وأصغت أمينة إليه باهتمام وسرور، اهتمام يستثيره في نفسها أي نبأ ~~يجيء من العالم الخارجي الذي تكاد لا تعرف عنه شيئا، وسرور يبعثه ~~ما تجد في حديث بعلها معها عن هذه الشئون الخطيرة من لفتة عطف ~~تزدهيها، إلى ما في الحديث نفسه من ثقافة يلذ لها أن تعيدها على ~~مسمع من أبنائها، وخاصة فتاتيها اللتين تجهلان مثلها العالم ~~الخارجي جهلا تاما. ولم تجد لتجزيه عن كريم عطفه خيرا من أن ~~تردد على مسمعيه دعاء تعلم مقدما بمقدار ارتياحه إليه كما ترتاح ~~إليه هي من أعماقها، فقالت: ربنا قادر على أن يعيد إلينا أفندينا ~~عباس. # فهز الرجل رأسه وتمتم قائلا: متى؟ .. متى؟ .. علم هذا عند ربي ~~.. ما نقرأ في الجرائد إلا عن انتصارات الإنجليز، فهل ينتصرون ~~حقا أو ينتصر الألمان والترك في النهاية؟ اللهم استجب. # وأغمض الرجل عينيه إعياء، وتثاءب، ثم تمطى وهو يقول: أخرجي ~~المصباح إلى الصالة. # ونهضت المرأة قائمة وذهبت إلى الخوان، فتناولت المصباح ومضت إلى ~~الباب، وقبل أن تجوز العتبة سمعت السيد وهو يتجشأ فتمتمت: صحة ~~وعافية. # 3 # وفي هدوء الصباح الباكر، وذيول الفجر لا تزال ناشبة في أسهم ~~الضياء، تعالى صوت العجين من حجرة الفرن بالفناء في ضربات متتابعة ~~كدوي الطبل، وكانت أمينة قد غادرت الفراش قبل هذا بنحو نصف ساعة. ~~فتوضأت وصلت ثم نزلت إلى حجرة الفرن، فأيقظت أم حنفي - امرأة ~~في الأربعين خدمت وهي صبية بالبيت، وفارقته للزواج، ثم عادت ms012 إليه ~~بعد طلاق - وبينما نهضت الخادم لتعجن عكفت أمينة على إعداد الفطور. ~~وكان للبيت فناء متسع، في أقصاه إلى اليمين بئر سدت فوهتها بعارض ~~خشبي مذ دبت أقدام الصغار على الأرض، وما تبع هذا من إدخال مواسير ~~المياه، وفي أقصى اليسار على كثب من مدخل الحريم حجرتان كبيرتان ~~أقيمت الفرن في إحداهما، واستعملت بالتالي مطبخا، وأعدت الأخرى ~~مخزنا. وكان لحجرة الفرن على عزلتها علاقة بقلبها لا تهن، فلو ~~حسب الزمن الذي قضته بين جدرانها لكان عمرا، إلى ما تتزين به ~~الحجرة من مباهج المواسم عند حلولها حين تتطلع إليها القلوب الهاشة ~~لأفراح الحياة، وتتحلب الأفواه لألوان الطعام الشهية التي تقدمها ~~موسما بعد موسم كخشاف رمضان وقطائفه، وكعك عيد الفطر وفطائره، ~~وخروف عيد الأضحى الذي يسمن ويدلل، ثم يذبح على مشهد من الأبناء ~~فلا يعدم دمعة رثاء وسط بهجة شاملة، هنالك تبدو عين الفرن المقوسة ~~يلوح في أعماقها وهج النار كجذوة السرور المشتعلة في السرائر، ~~وكأنها زينة العيد وبشائره. وإذا كانت أمينة تشعر بأنها في أعلى ~~البيت سيدة بالنيابة وممثلة لسلطان لا تملك منه شيئا، فهي في هذا ~~المكان ملكة لا شريك لها في ملكها، فهذه الفرن تموت وتحيا بأمرها، ~~وهذا الوقود من فحم وحطب في الركن الأيمن يتوقف مصيره على كلمة ~~منها، والكانون الذي يحتل الركن المقابل تحت رفوف الحلل والأطباق ~~والصينية النحاسية ينام أو يزغرد بألسنة اللهب بإشارة منها. وهي ~~هنا الأم والزوجة والأستاذة والفنانة التي يترقب الجميع والثقة ~~ملء قلوبهم ما تقدم يداها، وآية ذلك أنها لا تفوز بإطراء سيدها إذا ~~تفضل بإطرائها إلا عن لون من الطعام أحكمت صنعه وطهيه، وأم حنفي ~~كانت اليد اليمنى في هذه المملكة الصغيرة، سواء تصدت للإدارة ~~والعمل أم تخلت عن مكانها لإحدى فتاتيها لتتمرس بفنها تحت ~~إشرافها، وهي امرأة بدينة في غير تنسيق ولا تفصيل، نما لحمها ~~نموا سخيا، فراعى في نموه السمنة فحسب وأهمل اعتبارات الجمال، ~~بيد أنها رضيت عنه كل الرضا؛ لأنها كانت تعد السمنة في ذاتها ~~الجمال كل ms013 الجمال. ولا عجب فقد كان كل عمل لها في البيت يكاد يعد ~~ثانويا بالقياس إلى واجبها الأول، وهو تسمين الأسرة - أو بالأحرى ~~إناثها - بما تعد لهن من «بلابيع» سحرية هي رقية الجمال وسره ~~المكنون، ومع أن أثر البلابيع لم يكن ناجعا دائما إلا أنه برهن ~~على جدارته في أكثر من مرة، فاستحق ما يناط به من آمال وأحلام. ~~فليس عجيبا بعد هذا أن تسمن أم حنفي، على أن سمنتها لم تقلل من ~~نشاطها، فما إن أيقظتها سيدتها حتى نهضت بنفس متفتحة للعمل، وخفت ~~إلى «ماجور» العجين. وتعالى صوت العجين الذي يؤدي وظيفة جرس المنبه ~~في هذا البيت، فترامى إلى الأبناء في الدور الأول، ثم تصاعد إلى ~~الأب في الدور الأعلى، منذرا الجميع بأن وقت الاستيقاظ قد أزف. ~~وتقلب السيد أحمد عبد الجواد على جنبيه ثم فتح عينيه، وسرعان ما ~~قطب حانقا على الصوت الذي أزعج منامه، ولكنه كظم حنقه؛ لأنه كان ~~يعلم أنه يجب أن يستيقظ، وتلقى أول إحساس يتلقاه عادة عقب استيقاظه ~~وهو ثقل الرأس، فقاومه بقوة إرادته وجلس في فراشه وإن كانت تغلبه ~~الرغبة في معاودة النوم. ولم تكن لياليه الصاخبة لتنسيه واجب ~~النهار؛ فهو يستيقظ في هذه الساعة الباكرة مهما تأخر به وقت النوم، ~~حتى يتسنى له الذهاب إلى متجره قبيل الثامنة، ثم له في القيلولة ~~فسحة من وقت يعتاض بها عما فاته من نوم، ويستعيد نشاطه للسهرة ~~الجديدة. لهذا كان وقت استيقاظه أسوأ أوقات يومه جميعا، يغادر ~~الفراش مترنحا من الإعياء والدوار. ويستقبل حياة عاطلة من حلو ~~الذكريات ولطيف المشاعر، وكأنها تستحيل دقا في الدماغ ~~والجفون. # وتوالت دقات العجين على رءوس النائمين بالدور الأول، فاستيقظ ~~فهمي، وكان استيقاظه يسيرا على رغم سهره عاكفا على كتب القانون، ~~فإذا استيقظ فأول إحساس يبادره صورة وجه مستدير تتوسط صفحته ~~العاجية عينان سوداوان، فيهمس باطنه قائلا: «مريم»، ولو أذعن ~~لسلطان الإغراء للبث تحت الغطاء طويلا، خاليا إلى الخيال الزائر ~~الذي جاء يصحبه بألطف الهوى، فيرنو إليه ما دعاه الشوق ويبادله ms014 ~~الحديث ويبوح له بأسرار وأسرار، ويتدانى إليه بجسارة لا تتأتى ~~في غير هذا الرقاد الدافئ في مطلع الصباح، ولكنه كعادته أجل ~~نجواه إلى صباح الجمعة، وجلس في فراشه، ثم مد بصره إلى أخيه النائم ~~في الفراش الذي يليه وهتف: ياسين ... ياسين ... اصح. # انقطع شخير الشاب، ونفخ فيما يشبه الضيق، وتمتم من أنفه: صاح ... ~~استيقظت قبلك. # فانتظر فهمي مبتسما حتى عاود الآخر شخيره، فصاح به: اصح ~~... # فتقلب ياسين في فراشه متذمرا فانحسر الغطاء عن جانب من جسمه ~~الذي يضاهي جسم والده ضخامة وبدانة، ثم فتح عينين محمرتين تلوح ~~فيهما نظرة غائبة ارتسمت فوقها تقطيبة تنطق بالتذمر: «أف ... كيف طلع ~~الصبح بهذه السرعة! ... لماذا لا ننام حتى نشبع ... النظام ... دائما ~~النظام ... كأننا عساكر.» ونهض معتمدا على يديه وركبتيه، وهو يحرك ~~رأسه لينفض عنه النعاس، فلاحت منه التفاتة إلى الفراش الثالث، حيث ~~يغط كمال في نومه الذي لن ينتزعه منه أحد قبل نصف ساعة فغبطه عليه ~~«يا له من غلام سعيد!» ولما أفاق قليلا تربع على الفراش وأسند ~~رأسه إلى يديه، ورغب في معابثة الخواطر اللذيذة التي تحلو بها ~~أحلام اليقظة، ولكنه كان يستيقظ - كأبيه - على حال من ثقل الرأس ~~تتعطل معها الأحلام، ولاحت لمخيلته زنوبة العوادة، فلم تترك في ~~حساسيته أثرا مما تترك في صحوه، وإن افترت شفتاه عن ~~ابتسامة. # وفي الحجرة المجاورة كانت خديجة قد غادرت الفراش دون حاجة إلى ~~منبه العجين. كانت أشبه الأسرة بأمها في نشاطها ويقظتها، أما عائشة ~~فتستيقظ عادة على الحركة التي تنبعث في السرير من نهوض شقيقتها ~~وانزلاقها إلى أرض الحجرة في عنف متعمد يجر وراءه جدلا وملاحاة ~~انقلبا مع التكرار نوعا من الدعابة الفظة، فإذا استيقظت وفزعت من ~~النقار لم تنهض، ولكنها تستسلم لحلم طويل من أحلام اليقظة ~~السعيدة قبل أن تغادر فراشها. # ثم دبت الحياة فشملت الدور الأول كله، فتحت النوافذ وتدفق النور ~~إلى الداخل، وعلى أثره هفا الهواء حاملا صلصلة عجلات سوارس وأصوات ~~العمال ونداء بائع البليلة، وتواصلت الحركة ما بين غرفتي النوم ms015 ~~والحمام وبدا ياسين في جلبابه الفضفاض بلحمه المتكتل، وفهمي بطوله ~~الفارع وقده النحيف، وكان - فيما عدا نحافته - صورة من أبيه. وهبطت ~~الفتاتان إلى الفناء؛ لتلحقا بأمهما في حجرة الفرن، وكان في ~~صورتيهما اختلاف قل أن يوجد مثله في الأسرة الواحدة، خديجة سمراء ~~وفي قسمات وجهها تنافر ملحوظ، وعائشة شقراء تشع هالة من حسن ~~ورواء. # ومع أن السيد أحمد كان في الدور الأعلى بمفرده إلا أن أمينة لم ~~تدعه في حاجة إلى إنسان. وجد على الخوان طبق فنجان مملوءا حلبة ~~ليغير ريقه عليها، وذهب إلى الحمام فتطاير إلى أنفه عرف البخور ~~الطيب، وألفى على الكرسي ثيابا نظيفة مرتبة في عناية، فاستحم ~~بالماء البارد كعادته كل صباح - عادة لا ينقطع عنها صيفا أو شتاء ~~- ثم عاد إلى حجرته مستجدا حيوية ونشاطا. ثم جاء بسجادة الصلاة ~~- وكانت مطوية على مسند الكنبة - فبسطها وأدى فريضة الصبح، صلى ~~بوجه خاشع، وهو غير الوجه البسام المشرق الذي يلقى به أصحابه، ~~وغير الوجه الحازم الصارم الذي يواجه به آل بيته، هذا وجه خافض ~~الجناح تقطر التقوى والحب والرجاء من قسماته المتراخية التي ألانها ~~التزلف والتودد والاستغفار. لم يكن يصلي صلاة آلية قوامها ~~التلاوة والقيام والسجود، ولكن صلاة عاطفة وشعور وإحساس يؤديها ~~بنفس الحماس الذي ينفضه على ألوان الحياة التي يتقلب فيها جميعا، ~~كما يعمل فيتفانى في عمله، ويصادق فيفرط في مودته، ويعشق فيذوب في ~~عشقه، ويسكر فيغرق في سكره، مخلصا صادقا في كل حال. هكذا كانت ~~الفريضة حجة روحية يطوف فيها برحاب المولى، حتى إذا انفتل من صلاته ~~تربع وبسط راحتيه، وراح يدعو الله أن يكلأه برعايته، ويغفر له ~~ويبارك في ذريته وتجارته. # وفرغت الأم من تجهيز الفطور، فتركت للفتاتين إعداد الصينية، ~~وطلعت إلى حجرة الإخوة، حيث وجدت كمالا ما زال يغط في نومه، ~~فأقبلت عليه باسمة وحطت راحتها على جبينه وتلت الفاتحة، وجعلت ~~تناديه وتهزه برفق، حتى فتح عينيه، ولم تدعه حتى فارق الفراش. ودخل ~~فهمي الحجرة، فلما رآها ابتسم إليها وحياها تحية الصباح، فردت ~~عليه ms016 قائلة ونظرة الحب تترقرق في عينيها: صباح النور يا نور ~~العين. # وبنفس الرقة صبحت على ياسين «ابن» زوجها، فرد عليها ~~بمودة خليقة بالمرأة التي تنزل من نفسه منزلة الأم الجديرة بهذا ~~الاسم. ولما عادت خديجة من حجرة الفرن تلقاها فهمي وياسين - وياسين ~~خاصة - بما يغمرانها به عادة من دعابة. وكانت مثار دعابة سواء ~~بصورتها المتنافرة أو بلسانها الحاد، رغم ما لها من نفوذ على ~~الأخوين بما تتعهد من شئونهما بمهارة فائقة يندر أن تجود ~~بمثلها عائشة التي تلوح وسط الأسرة كالرمز الجميل رواء وجاذبية ~~وعدم فائدة. وبادرها ياسين قائلا: كنا نتحدث عنك يا خديجة، وكنا ~~نقول إنه لو كان النساء جميعا على شاكلتك لارتاح الرجال من متاعب ~~القلوب. # فقالت على البداهة: ولو كان الرجال على شاكلتك لارتاحوا جميعا ~~من متاعب الرءوس. # عند ذلك هتفت الأم قائلة: أعد الفطور يا سادة. # 4 # كانت حجرة الطعام بالدور الأعلى حيث توجد حجرة نوم الوالدين، ~~وكان بنفس الدور غير هاتين الحجرتين أخرى للجلوس وأربع خالية إلا ~~من بعض أدوات اللعب التي يلهو بها كمال في أوقات فراغه. وكان ~~السماط قد أعد وصفت حوله الشلت، ثم جاء السيد فتصدره متربعا، ~~ودخل الإخوة الثلاثة تباعا فجلس ياسين إلى يمين أبيه، وفهمي إلى ~~يساره، وكمال قبالته. جلس الإخوة في أدب وخشوع، خافضي الرءوس ~~كأنهم في صلاة جامعة، يستوي في هذا كاتب مدرسة النحاسين وطالب ~~مدرسة الحقوق وتلميذ خليل أغا، فلم يكن أحد منهم ليجترئ على ~~التحديق في وجه أبيه. وأكثر من هذا كانوا يتجنبون في محضره تبادل ~~النظر أن يغلب أحدهم الابتسام لسبب أو لآخر، فيعرض نفسه لزجرة ~~مخيفة لا قبل له بها. ولم يكن يجمعهم بأبيهم إلا مجلس الفطور؛ ~~لأنهم يعودون إلى البيت عصرا بعد أن يكون السيد قد غادره إلى ~~دكانه عقب تناول الغداء والقيلولة، ثم لا يعود إليه إلا بعد منتصف ~~الليل، وكانت الجلسة على قصر مدتها شديدة الوطأة على نفوسهم بما ~~يلتزمون فيها من أدب عسكري إلى ما يركبهم من رهبة تضاعف من ms017 ~~حساسيتهم، وتجعلهم عرضة للهفوات بطول تفكيرهم في تحاميها، فضلا عن ~~أن الفطور نفسه يتم في جو يفسد عليهم تذوقه واستلذاذه، ولم يكن ~~غريبا أن يقطع السيد الفترة القصيرة التي تسبق مجيء الأم بصينية ~~الطعام في تفحص أبنائه بعين ناقدة، حتى إذا عثر على خلل ولو ~~تافها في هيئة أحدهم، أو بقعة في ثوبه انهال عليه نهرا وتأنيبا، ~~وربما سأل كمال بغلطة: «غسلت يديك؟» فإذا أجابه بالإيجاب قال له ~~آمرا: «أرنيهما» فيبسط الغلام كفيه، وهو يزدرد ريقه فرقا، ~~وبدلا من أن يشجعه على نظافته يقول له مهددا: «إذا نسيت مرة أن ~~تغسلهما قبل الأكل قطعتهما وأرحتك منهما.» أو يسأل فهمي قائلا: ~~«أيذاكر ابن الكلب دروسه أم لا؟» ويعرف فهمي بالبداهة من يعني ~~لأن «ابن الكلب» عند السيد كناية عن كمال، فيجيب بأنه يحفظ دروسه ~~جيدا. والحق أن شطارة الغلام - التي استوجب عليها حنق أبيه - لم ~~تقعد به عند الجد والاجتهاد كما يدل عليهما نجاحه وتفوقه، ولكن ~~السيد كان يطالب أبناءه بالطاعة العمياء الأمر الذي لا يطيقه غلام ~~اللعب أحب إليه من الطعام؛ ولهذا يعلق على إجابة فهمي قائلا ~~بامتعاض: «الأدب مفضل عن العلم.» ثم يلتفت إلى كمال ويستطرد بحدة: ~~«سامع يا بن الكلب!» # وجاءت الأم حاملة صينية الطعام الكبيرة فوضعتها فوق السماط ~~وتقهقرت إلى جدار الحجرة على كثب من خوان وضعت عليه «قلة»، ~~ووقفت متأهبة لتلبية أية إشارة. وكان يتوسط الصينية النحاسية ~~اللامعة طبق كبير بيضاوي امتلأ بالمدمس المقلي بالسمن والبيض، وفي ~~أحد طرفيها تراكمت الأرغفة الساخنة، وفي الطرف الآخر صفت أطباق ~~صغيرة بالجبن، والليمون والفلفل المخللين، والشطة والملح والفلفل ~~الأسود، فهاجت بطون الإخوة بشهوة الطعام، ولكنهم حافظوا على جمودهم ~~متجاهلين المنظر البهيج الذي أنزل عليهم كأنه لم يحرك فيهم ساكنا، ~~حتى مد السيد يده إلى رغيف فتناوله ثم شطره وهو يتمتم: «كلوا»، ~~فامتدت الأيدي إلى الأرغفة في ترتيب يتبع السن؛ ياسين ففهمي ثم ~~كمال، وأقبلوا على الطعام ملتزمين أدبهم وحياءهم. ومع أن السيد كان ~~يلتهم طعامه في وفرة وعجلة وكأن ms018 فكيه شطرا آلة قاطعة تعمل في ~~سرعة وبلا توقف، ومع أنه كان يجمع في لقمة كبيرة واحدة من شتى ~~الألوان المقدمة - الفول والبيض والجبن والفلفل والليمون المخللين ~~- ثم يأخذ في طحنها بقوة وسرعة وأصابعه تعد اللقمة التالية، إلا ~~أنهم كانوا يأكلون متمهلين في أناة بالرغم مما يحملهم تمهلهم من ~~صبر لا يتفق وطبيعتهم الحامية، فلم يكن ليغيب عن أحدهم ما قد ~~يتعرض له من ملاحظة شديدة أو نظرة قاسية إذا تهاون أو ضعف، فنسي ~~نفسه وغفل بالتالي عما يأخذها به من التأني والأدب. وكان كمال ~~أشدهم تبرما؛ لأنه كان أعظمهم تخوفا من أبيه، وإذا كان أكثر ما ~~يتعرض له أحد أخويه نهرة أو زجرة، فأقل ما يتعرض له هو ركلة أو ~~لكمة؛ فلذلك كان يتناول طعامه في حذر وضيق، مسترقا النظر بين ~~آونة وأخرى إلى المتبقي من الطعام الذي يتناقص سريعا، وكلما ~~تناقص اشتد قلقه، وانتظر في جزع أن يصدر عن أبيه ما يدل على فراغه ~~من طعامه فيخلو له الجو ليملأ بطنه. وعلى رغم سرعة أبيه في ~~الالتهام وضخامة لقمته وتشبعها بشتى الأصناف، كان يعلم بالتجربة أن ~~ما يتهدد الطعام - وما يتهدده هو بالتالي - من ناحية أخويه أشد ~~وأنكى؛ لأن السيد كان سريع الأكل سريع الشبع، أما أخواه فكانا ~~يبدآن المعركة حقا عقب جلاء السيد عن السفرة، ثم لا يتخليان ~~عنها حتى تخلو الأطباق من كل شيء شهي يؤكل؛ ولهذا فما كاد السيد ~~ينهض قائما ويفارق الحجرة حتى شمر عن ساعديه وهجم على الطبق ~~كالمجنون مستغلا يديه الاثنتين؛ يدا للطبق الكبير، ويدا ~~للأطباق الصغيرة، بيد أن اجتهاده بدا قليل الجدوى فيما انبعث من ~~نشاط الأخوين، فلجأ إلى الحيلة التي يستغيث بها كلما هدد سلامته ~~مهدد في مثل هذه الحال، وهي أن يعطس في الطبق عامدا متعمدا، ~~وعطس فتراجع الأخوان ونظرا إليه حانقين، ثم غادرا المائدة وهما ~~يغرقان في الضحك، فتحقق له حلم الصباح، وهو أن يجد نفسه وحيدا في ~~الميدان. # وعاد السيد إلى حجرته بعد أن غسل يديه، فلحقت ms019 به أمينة وبيدها ~~قدح مزجت به ثلاث بيضات نيئة بقليل من اللبن وقدمته له، فتجرعه ~~ثم جلس ليحسو قهوة الصبح، وهذا القدح الدسم خاتمة فطوره، وهو ~~«وصفة» من وصفات يداوم عليها بعد الوجبات أو فيما بينها - كزيت ~~السمك، والجوز واللوز والبندق المسكرة - رعاية لصحة بدنه الضخم، ~~وتعويضا له عما تستهلكه منه الأهواء، إلى اقتصاره على اللحوم ~~بأنواعها والأغذية المشهورة بدسمها، حتى ليعد الأكلة الخفيفة بل ~~والعادية «لعبا» و«تضييع وقت» لا يجملان بمثله. وقد وصف له ~~الحشيش كفاتح للشهية - إلى فوائده الأخرى - فجربه، ولكنه لم يألفه ~~وانصرف عنه غير آسف، وقد ساء به ظنه لما يورث من ذهول وقور مشبع ~~بالهدوء ميال للصمت مشعر بالانفراد ولو بين الصفوة من الأصدقاء، ~~فنفر من أعراضه تلك التي تتجافى مع سجيته المولعة بصبوات المرح ~~ونشوات الهياج ولذات الاندماج في النفوس ووثبات المزاح والقهقهة، ~~ولكيلا يفقد مزاياه الضرورية لفحول العشاق اعتاض عنه بنوع نفيس من ~~المنزول اشتهر به محمد العجمي بائع الكسكسي عند مطلع الصالحية ~~بالصاغة، وكان يعده خاصة لصفوة زبائنه من التجار والأعيان، ولم يكن ~~السيد من مدمني المنزول ولكنه كان يلم به بين حين وآخر كلما ~~استقبل هوى جديدا خاصة إذا كانت المعشوقة امرأة خبيرة بالرجال ~~وأحوالهم. فرغ السيد من حسو قهوته ثم نهض إلى المرآة وراح يرتدي ~~ملابسه التي قدمتها إليه أمينة قطعة قطعة، وألقى على صورة هندامه ~~نظرة متفحصة، ومشط شعره الأسود المرسل على صفحتي رأسه، ثم سوى ~~شاربه وفتله، وتفرس في هيئة وجهه ثم عطفه رويدا إلى اليمين ليرى ~~جانبه الأيسر، ثم إلى اليسار ليرى جانبه الأيمن، حتى إذا ارتاح إلى ~~منظره مد يده إلى زوجه فناولته زجاجة الكولونيا التي عبأها له عم ~~حسين الحلاق، فغسل يديه ووجهه ونضح صدر قفطانه ومنديله، ثم وضع ~~الطربوش على رأسه وأخذ عصاه وغادر الحجرة ناشرا بين يديه ومن خلفه ~~عرفا طيبا. ذلك العرف المقطر من شتى الأزهار يعرفه أهل البيت ~~جميعا، وإذا تنشقه أحدهم تمثل لعينيه السيد بوجهه الوقور ~~الحازم، فينبعث في قلبه ms020 - مع الحب - الإجلال والخوف. إلا أن ~~انتشاره في هذه الساعة من الصباح كان إيذانا بذهاب السيد، فالنفوس ~~تتلقاه بارتياح غير منكور على براءته، كارتياح الأسير إلى صليل ~~السلاسل وهي تنفك عن يديه وقدميه، ويعلم كل بأنه سيسترد حريته ~~عما قليل في الكلام والضحك والغناء والحركة دون ثمة خطر. وكان ~~ياسين وفهمي قد فرغا من ارتداء ملابسهما، أما كمال فقد هرع إلى ~~الحجرة عقب خروج أبيه مباشرة ليشبع رغبته في محاكاة حركاته التي ~~يختلس النظر إليها من زيق الباب الموارب، فوقف أمام المرآة ينظر ~~إلى صورته بإمعان وارتياح، ثم قال مخاطبا أمه بلهجة آمرة وهو ~~يغلظ نبرات صوته: «زجاجة الكولونيا يا أمينة.» وكان يعلم أنها لا ~~تلبي هذا النداء ولكنه جعل يمسح على وجهه وجاكيتته وبنطلونه القصير ~~بيديه كأنه يبلها بالكولونيا، ومع أن أمه كانت تغالب الضحك إلا أنه ~~ثابر على التظاهر بالجد والصرامة، وراح يستعرض وجهه في المرآة من ~~جانبه الأيمن إلى الأيسر، ثم مضى يسوي شاربه الوهمي ويفتل طرفيه، ~~ثم تحول عن المرآة وتجشأ، ونظر صوب أمه، ولما لم يجد منها إلا ~~الضحك قال لها محتجا: «لماذا لا تقولين لي صحة وعافية؟» فغمغمت ~~المرأة ضاحكة: «صحة وعافية يا سيدي.» هنالك غادر الحجرة مقلدا ~~مشية أبيه محركا يمناه كأنه يتوكأ على عصاه. # وبادرت الأم والفتاتان إلى المشربية، ووقفن وراء شباكها المطل ~~على النحاسين ليرين من ثقوبه رجال الأسرة في الطريق، وبدا السيد ~~وهو يسير في تؤدة ووقار يحف به الجلال والجمال رافعا يديه بالتحية ~~بين حين وآخر، وقد وقف له عم حسنين الحلاق والحاج درويش بائع ~~الفول والفولي اللبان وبيومي الشربتلي، فأتبعنه أعينا مترعة بالحب ~~والزهو، وتلاه فهمي في مشيته المتعجلة، ثم ياسين في جسم الثور ~~وأناقة الطاوس، وأخيرا ظهر كمال فلم يكد يخطو خطوتين حتى استدار ~~ورفع بصره إلى الشباك الذي يعلم أن أمه وشقيقتيه مستخفيات وراءه، ~~وابتسم، ثم واصل سيره متأبطا حقيبة كتبه منقبا في الأرض عن زلطة ~~ليركلها. # كانت هذه الساعة من أسعد أوقات الأم، بيد أن ms021 إشفاقها من شر ~~الأعين على رجالها لم يقف عند حد، فلم تكن تمسك عن تلاوة: # ومن شر حاسد إذا حسد # حتى يغيبوا عن عينيها. # 5 # وغادرت الأم المشربية وتبعتها خديجة، على حين تلكأت عائشة حتى ~~خلا لها الجو، فانتقلت إلى جانب المشربية المطل على بين القصرين ~~ومدت بصرها من ثقوب الشباك في اهتمام ولهفة. بدا من لمعة عينيها ~~وعضها على شفتيها أنها تنتظر. ولم يطل بها الانتظار فقد مرق من ~~عطفة الخرنفش ضابط بوليس شاب، ومضى مقبلا متمهلا في طريقه إلى ~~قسم الجمالية، عند ذلك غادرت الفتاة المشربية في عجلة إلى حجرة ~~الاستقبال، واتجهت إلى نافذتها الجانبية، وأدارت أكرتها ففرجت ~~مصراعيها عن زيق ووقفت وراءه وقلبها يبعث ضربات بالغة العنف من ~~العاطفة والخوف معا. ولما اقترب الضابط من البيت رفع عينيه في حذر ~~دون أن يرفع رأسه - فلم يكن أحد يرفع رأسه في مصر وقتذاك - فأضاءت ~~أساريره بنور ابتسامة متوارية انعكست على وجه الفتاة إشراقة موردة ~~بالحياء فتنهدت ... ثم أغلقت النافذة وهي تشد عليها بعصبية - كأنها ~~تخفي آثار جريمة دامية - وتراجعت عنها مغمضة العينين من شدة ~~الانفعال، فأسلمت نفسها إلى مقعد، وأسندت رأسها إلى يدها وساحت في ~~جو مشاعرها اللانهائي. لم تكن سعادة خالصة ولم يكن خوفا خالصا، ~~كان قلبها موزعا بين هذا وتلك فهما يتجاذبانه بلا رحمة، إذا ~~استنامت إلى نشوة الفرح وسحره قرعت قلبها مطرقة الخوف محذرة موعدة، ~~فلا تدري أيجمل بها أن تقلع عن مغامرتها أم تتمادى في مطاوعة ~~قلبها، كلا الحب والخوف شديد، ولبثت في تهويمها كثيرا أو ~~قليلا، فاستكنت هواتف الخوف والتأنيب، ومضت تنعم بسكرة الحلم في ~~ظل سلام، وذكرت - كما يلذ لها أن تذكر دائما - كيف كانت تنفض ~~الستارة المسدلة على النافذة يوما فلاحت منها نظرة إلى الطريق ~~من النافذة التي فتحت نصف فتحة لطرد الغبار، فوقعت عليه وهو يتطلع ~~إلى وجهها في دهشة مقرونة بالإعجاب، فتراجعت فيما يشبه الذعر، ~~ولكنه لم يذهب قبل أن يترك في مخيلتها أثرا باقيا من منظر نجمته ~~الذهبية ms022 وشريطه الأحمر، منظر يخلب اللب ويسرق الخيال، فظل يتخايل ~~لعينيها طويلا، وفي نفس الساعة من اليوم التالي - والأيام التالية ~~- راحت تقف وراء الخصاص دون أن يراها، ولمست في فرحة ظافرة كيف ~~يتطلع بعينيه إلى النافذة المغلقة باهتمام وتشوق، ثم كيف أخذ ~~يستبين شبحها وراء الخصاص فتشع أساريره ضياء البهجة، وقلبها ~~المشبوب - الذي يتمطى مستيقظا لأول مرة - ينتظر هذه اللحظة في ~~لهفة ويذوقها في سعادة ويودعها فيما يشبه الحلم، حتى دار الشهر ~~وعاد يوم التنفيض مرة أخرى، فانبرت إلى الستارة تنفضها وراء ~~النافذة المواربة متعمدة - هذه المرة - أن ترى، وهكذا يوما بعد ~~يوم، وشهرا بعد شهر، حتى غلب التعطش للمزيد من الحب الخوف الجاثم، ~~فخطت خطوة - جنونية - وفرجت مصراعي النافذة، ووقفت وراءها وقلبها ~~يبعث ضربات بالغة العنف من العاطفة والخوف معا، كأنها تعلن حبها ~~له، بل كانت كمن يقذف بنفسه من علو ساحق ليتقي نارا مستعرة ~~تحيط به. ~~••• # استكنت عواطف الخوف والتأنيب ومضت تنعم بسكرة الحلم في ظل سلام، ~~ثم أفاقت من حلمها، وصممت على أن تتحامى الخوف الذي ينغص عليها ~~صفوها فجعلت تقول لنفسها استدرارا للطمأنينة: «لم تزلزل الأرض ومر ~~كل شيء بسلام، لم يرني أحد ولن يراني أحد، ثم إني لم أقترف إثما!» ~~ونهضت قائمة، ولكي توهم نفسها يخلو البال ترنمت - وهي تغادر الحجرة ~~- بصوت عذب: «يا أبو الشريط الأحمر يا للي أسرتني ارحم ذلي.» ~~ورددتها مرة ومرة حتى جاءها صوت أختها خديجة من حجرة الطعام وهي ~~تزعق في تهكم: يا ست منيرة يا مهدية، تفضلي، أعدت لك خادمتك ~~السفرة. # وأثابها صوت أختها إلى نفسها تماما فيما يشبه الرجة، فهوت من ~~عالم المثال إلى عالم الواقع مرتعبة بعض الشيء لسبب غير ظاهر - ما ~~دام كل شيء قد مر بسلام كما قالت لنفسها - ولكن اعتراض صوت أختها - ~~بالذات - لغنائها وخواطرها أرعبها، ربما لأن خديجة كانت تقف منها ~~موقف المنتقد، بيد أنها طاردت هذا القلق الطارئ وأجابتها بضحكة ~~مقتضبة، ثم جرت إلى حجرة الطعام فوجدت السماط معدا حقا وأمها ~~مقبلة بالصينية. ms023 وقالت لها خديجة بحدة حال دخولها: تتلكئين بعيدا ~~حتى أعد كل شيء وحدي ... كفاية لنا الغناء. # ومع أنها كانت تتلطف معها في الحديث تفاديا من حدة لسانها، إلا ~~أن إصرار الأخرى على قرصها بلسانها كلما سنحت فرصة جعلها تتعلق ~~أحيانا بإغاظتها، فقالت مصطنعة الجد: ألم نتفق على تقسيم العمل ~~بيننا في البيت؟ فعليك هذا الواجب وعلي الغناء. # فنظرت خديجة إلى أمها وقالت متهكمة وهي تعني الأخرى: يمكن ناوية ~~تكون عالمة! # ولم تغضب عائشة، وبالعكس قالت باهتمام مصطنع أيضا: وما له! ... ~~أنا صوتي كالكروان. # ومع أن قولها السابق لم يستثر غيظها؛ لأنه كان بين الدعابة إلا ~~أن كلامها الأخير استثاره؛ لأنه كان واضح الحق، ولأنها تنفس عليها ~~جمال صوتها فيما تنفس عليها من مزايا، فقالت في تهجم: اسمعي يا ست ~~هانم ... هذا بيت رجل شريف لا يعيب بناته أن تكون أصواتهن كصوت ~~الحمير، ولكن يعيبهن أن يكن كالصورة لا فائدة منهن ولا نفع. ~~- لو كان صوتك جميلا كصوتي ما قلت هذا! ~~- طبعا! ... كنت تغنين وأرد عليك، تقولين يا بو الشريط الأحمر يا ~~للي ... فأقول لك أسرتني ارحم ذلي، ونترك للست (مشيرة إلى أمها) ~~الكنس والمسح والطبخ. # وكانت الأم - التي ألفت هذا النقار - قد اتخذت مجلسها، فقالت ~~برجاء: أمسكا بالله، واجلسا لنأكل فطورنا بسلام. # وأقبلتا على السماط وجلستا وخديجة تقول: أنت يا نينة لا تصلحين ~~لتربية أحد. # فتمتمت الأم في هدوء: سامحك الله، سأترك لك أمر التربية على ~~ألا تنسي نفسك ... (ثم مدت يدها إلى الطبق) بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # كانت خديجة في العشرين من عمرها، فهي كبرى إخوتها فيما عدا ياسين ~~- أخاها من الأب - الذي ناهز عامه الواحد والعشرين، وكانت قوية ~~ممتلئة - والفضل لأم حنفي - مع ميل إلى القصر، أما وجهها فقد قبس ~~من قسمات الوالدين على نهج لم يراع فيه الانسجام، ورثت عن أمها ~~عينيها الصغيرتين الجميلتين، وعن أبيها أنفه العظيم، أو صورة مصغرة ~~منه، ولكن ليس إلى القدر الذي يغتفر له، ومهما يكن من شأن هذا ~~الأنف في وجه ms024 الأب الذي يناسبه ويكسبه جلالا ملحوظا، فقد لعب في ~~وجه الفتاة دورا مختلفا. # أما عائشة فكانت في السادسة عشرة من ربيعها، صورة من بديع الحسن، ~~رشيقة القد والقوام - وإن عد هذا في محيط أسرتها من العيوب المتروك ~~علاجها لأم حنفي - ووجه بدري تزينه بشرة بيضاء مشربة بحمرة، وعينان ~~زرقاوان أحسنت اختيارهما من الأب مع أنف الأم الصغير، إلى شعر ذهبي ~~دللها به قانون الوراثة فخصها به وحدها من ميراث جدتها لأبيها. ~~وطبيعي أن تدرك خديجة ما يقوم بينها وبين شقيقتها من فوارق، ولم ~~تكن براعتها الفائقة في التدبير المنزلي والتطريز ولا نشاطها ~~الدائب الذي لا يكل ولا يمل بمغنيين عنها شيئا، فوجدت على الغالب ~~نحوها غيرة لم تراع إخفاءها مما حمل الفتاة الحسناء على البرم بها ~~في كثير من الأحايين. ولكن من سوء الحظ أن هذه الغيرة الطبيعية لم ~~تترك رواسب سوداء في النفس، وكفاها أن تروح عن حدتها بسخرية اللسان ~~وسلاطته. وأكثر من هذا أن كانت الفتاة رغم مشكلتها الطبيعية أما ~~بالفطرة عامرة القلب بالحنو نحو الأسرة التي لا تعفي أفرادها من ~~مرارة تهكمها، فلم تكن غيرتها إلا نوبات تطول أو تقصر، ولكنها لم ~~تنحرف بسجيتها إلى الحقد أو البغضاء، بيد أن دأبها على السخرية ~~- الذي اقتصر في الأسرة على الدعابة - خلق منها فيما وراء ذلك من ~~الجيران والمعارف عيابة من الدرجة الأولى، لا تقع عيناها من ~~الناس إلا على مناقصهم كعقرب البوصلة المنجذب إلى القطب أبدا، ~~وإذا توارت المناقص تمحلت في الكشف عنها وتكبيرها، ثم راحت تطلق ~~على ضحاياها أوصافا تناسب عيوبهم كادت تغلب عليهم في محيط أسرتها، ~~فهذه حرم المرحوم شوكت أقدم صديقة لوالديها تدعوها «المدفع الرشاش» ~~لتناثر ريقها أثناء الحديث، وهذه الست أم مريم جارتهم بالبيت ~~الملاصق لبيتهم تسميها «لله يا أسيادي» لاستعارتها بعض الأدوات ~~المنزلية من بيتهم بين حين وآخر، كما تدعو شيخ كتاب بين القصرين ~~«شر ما خلق» لترديده هذه الآية ضمن سورتها كثيرا بحكم وظيفته مع ~~قبح وجهه، وبائع الفول «الأقرع» لصلعه، واللبان ms025 «الأعور» لضعف ~~بصره، إلى تسميات مخففة بعض الشيء خصت بها أسرتها، فأمها «لمؤذن» ~~لتبكيرها في الاستيقاظ، وفهمي «عمود السرير» لنحافته، وعائشة ~~«البوصة» للسبب نفسه، وياسين «بمبة كشر» لسمنته وأناقته. ولم تكن ~~سلاطة لسانها من وحي السخرية فحسب، فالحق أنها لم تخل من قسوة ~~على من عدا أهلها من الخلق، وهكذا اتسم نقدها للناس بالعنف، وتجافى ~~عن التسامح والعفو، كما غلب عليها عدم الاكتراث للأحزان التي تلم ~~بالناس يوما بعد يوم، وتبدت هذه الغلظة في البيت في معاملة أم ~~حنفي معاملة لا تلقاها من أحد سواها، بل في معاملة الحيوان الأليف ~~كالقطط التي تحظى من عائشة بإعزاز يفوق الوصف. وكانت معاملتها لأم ~~حنفي مثار خلاف بينها وبين أمها؛ فالأم تعامل الخدم كما تعامل أهل ~~بيتها سواء بسواء، وكان ظنها بالناس أنهم ملائكة فلم تدر كيف تسيء ~~الظن بأحد، على حين دأبت خديجة على سوء الظن بالمرأة تمشيا مع ~~طبيعتها التي تسيء الظن بالناس جميعا، ولم تخف تخوفها من بياتها ~~غير بعيد من غرفة الخزين فقالت لأمها: «من أين تجيئها هذه السمنة ~~المفرطة؟! ... من الوصفات التي تصنعها؟! كلنا نتعاطى وصفاتها فلا ~~نسمن سمنتها، ولكنه السمن والعسل اللذان تطفح منهما بغير حساب، ~~ونحن نيام.» # لكن الأم دافعت عن أم حنفي ما وسعها الدفاع، ولما ضاقت بإلحاح ~~ابنتها قالت: «فلتأكل ما تشاء، الخير كثير، وبطنها له حد لا يتعداه ~~فلن نجوع على أي حال.» ولم يعجبها قولها وراحت تفحص صفائح السمن ~~وبلاليص العسل كل صباح وأم حنفي ترى هذا باسمة؛ لأنها كانت تحب ~~الأسرة كلها إكراما لستها الطيبة. وعلى النقيض من هذا كان حنان ~~الفتاة حيال أهلها جميعا، فلم يكن يهدأ لها بال إذا أصابت أحدهم ~~وعكة، ولما مرض كمال بالحصبة أبت إلا أن تشاركه فراشه، حتى عائشة ~~نفسها لم تكن تطيق أن يلم بها أهون سوء، فلم يكن مثل قلبها لا في ~~بروده ولا في رحمته. # وباتخاذها مجلسها من السماط تناست ما نشب بينها وبين عائشة من ~~نقار، وأقبلت على الفول والبيض بشهية ms026 كانت مضرب الأمثال في الأسرة. ~~وكان للطعام بينهن - إلى فائدته الغذائية - غاية جمالية عليا ~~بصفته الدعامة الطبيعية للسمنة، فكن يتناولنه في تؤدة واهتمام، ~~ويبالغن في سحقه وطحنه، فإذا شبعن لم يمسكن ولكن يستزدن منه حتى ~~يمتلئن، على تفاوت لطاقاتهن، فكانت الأم أسرعهن إلى الانتهاء، ~~تليها عائشة، ثم تنفرد خديجة ببقايا المائدة، فلا تتخلى عنها إلا ~~وهي أطباق مغسولة. ولم تكن نحافة عائشة لتتناسب مع اجتهادها في ~~الأكل فضلا عن عصيانها لسحر البلابيع، مما دعا خديجة للسخرية منها ~~والقول بأن المكر السيئ هو الذي يجعلها تربة غير صالحة للبذور ~~الطيبة التي تلقى فيها، كما كان يطيب لها أن تعلل نحافتها بضعف ~~دينها، فتقول لها: «كلنا نصوم رمضان إلا أنت، تتظاهرين بالصوم، ~~وتندسين في حجرة الخزين كالفأرة وتملئين بطنك بالجوز واللوز ~~والبندق، ثم تفطرين معنا بنهم يحسدك عليه الصائمون، ولكن الله لا ~~يبارك لك.» وكانت ساعة الفطور من الأوقات النادرة التي يختلين فيها ~~إلى أنفسهن، فكانت أخلق الأوقات بالمكاشفة ونفض السرائر خاصة في ~~الأمور التي يدعو إلى كتمانها عادة الحياء البالغ الذي تتسم به ~~مجالس الأسرة الحاوية للجنسين. وكان لدى خديجة ما تقوله رغم ~~انهماكها في الأكل، فقالت بصوت هادئ يختلف كل اختلاف عن الصوت ~~الذي كانت تزعق به منذ حين قصير: نينة ... حلمت حلما ~~غريبا. # فقالت الأم قبل أن تزدرد لقمتها مبالغة في إكرام ابنتها ~~المخيفة: خير يا بنتي إن شاء الله. # فقالت خديجة باهتمام مضاعف: رأيت كأني أمشي على سور سطح، ربما ~~كان سطح بيتنا أو غيره، وإذا بشخص مجهول يدفعني فأهوي ~~صارخة. # وأمسكت أمينة عن تناول طعامها في اهتمام جدي فلازمت الفتاة ~~الصمت قليلا لتستأثر بأكبر قدر من الاهتمام حتى تمتمت الأم: ~~اللهم اجعله خيرا. # وقالت عائشة وهي تغالب ابتسامة: لم أكن أنا الشخص المجهول الذي ~~دفعك ... أليس كذلك؟! # وخافت خديجة أن يفسد الجو بالمزاح، فصاحت بها: إنه حلم وليس ~~لعبا فكفي عن هذرك ... (ثم مخاطبة أمها) هويت صارخة، ولكني لم أرتطم ~~بالأرض كما توقعت بل وقعت على جواد، ms027 حملني وطار. # وتنهدت أمينة في ارتياح كأنما أدركت ما وراء الحلم واطمأنت ~~إليه، وعادت إلى طعامها مبتسمة، ثم قالت: من يدري يا خديجة؟ ... ~~لعله العريس! # لم يكن يباح الكلام عن «العريس» إلا في هذه الجلسة، وفي إيجاز ~~بالإشارة أشبه، ووجب قلب الفتاة الذي لم يكربه شيء كما أكربه أمر ~~الزواج، وكانت على إيمان بالحلم وتأويله، بحيث وجدت لكلام أمها ~~سرورا عميقا، بيد أنها أرادت أن تداري حياءها بالسخرية ~~كعادتها - ولو من نفسها - فقالت: أتظنين الجواد عريسا؟ ... لن يكون ~~عريسي إلا حمارا. # فضحكت عائشة حتى تطاير نثار الطعام من فيها، ثم خافت أن تسيء ~~خديجة فهم ضحكتها فقالت: لشد ما تظلمين نفسك يا خديجة! ... ما ~~فيك من شيء يعاب. # فحدجتها خديجة بنظرة تنم عن الحذر والشك على حين راحت الأم ~~تقول: أنت فتاة نادرة المثال، من يضارعك في مهارتك أو نشاطك؟ ... ~~وروحك الخفيفة ووجهك اللطيف؟ ماذا تريدين أكثر من هذا؟ # فمست الفتاة بسبابتها أرنبة أنفسها وتساءلت ضاحكة: ألا يسد ~~هذا طريق الأزواج؟ # فقالت الأم مبتسمة: كلام فارغ ... ما زلت صغيرة يا بنية. # وتضايقت لذكر الصغر لأنها لم تكن تعد نفسها صغيرة بالقياس إلى سن ~~الزواج، وخاطبت أمها قائلة: لقد تزوجت يا نينة وأنت دون الرابعة ~~عشرة. # فقالت الأم التي لم تكن في الحق دون ابنتها قلقا: لا يتقدم أمر ~~أو يتأخر إلا بإذن الله. # وقالت عائشة في صدق: ربنا يفرحنا بك قريبا يا خديجة. # فلحظتها خديجة بريبة وذكرت كيف طلبت إحدى جاراتهم يدها لابنها، ~~فرفض الأب أن يزوج الصغرى قبل الكبرى، وتساءلت: أتودين حقا أن ~~أتزوج أم تتمنين أن يخلو لك السبيل فتتزوجي؟! # فقالت عائشة ضاحكة: الاثنين معا. # 6 # ولما فرغن من الفطور قالت الأم: عليك يا عائشة الغسيل اليوم، ~~وعلى خديجة تنظيف البيت، ثم تلحقان بي في حجرة الفرن. # كانت أمينة توزع بينهما العمل عقب الفطور مباشرة، ومع أنهما ~~ترضيان بحكمها، وترضى به عائشة بلا مناقشة، إلا أن خديجة تكلف ~~بتوجيه الملاحظات على سبيل الاستعلاء أو على سبيل المشاكسة؛ فلهذا ms028 ~~قالت: أنزل لك عن التنظيف إذا كنت تستثقلين الغسيل، أما ~~التمحك بالغسيل للبقاء في الحمام حتى ينتهي العمل في المطبخ ~~فعذر مرفوض مقدما. # وتجاهلت الفتاة ملحوظتها ومضت إلى الحمام، وهي تدندن فقالت ~~خديجة متهكمة: يا بختك بالحمام يرن فيه الصوت كما يرن في نفير ~~الفونوغراف، فغني وسمعي الجيران. # وغادرت الأم الحجرة إلى الدهليز، ثم إلى السلم ورقته إلى ~~السطح لتجول فوقه جولتها الصباحية قبل أن تنزل إلى حجرة الفرن. لم ~~يكن التشاحن بين الفتاتين بالجديد عليها بعد أن انقلب مع الأيام ~~عادة مألوفة في غير الأوقات التي يوجد فيها الأب في البيت، أو التي ~~يطيب فيها السمر بين أفراد الأسرة، وجعلت تعالجه بالرجاء والدعابة ~~والرقة البالغة، وهي السياسة الوحيدة التي تنتهجها إزاء ~~أبنائها؛ لأنها صادرة عن طبع لا يطيق سواها، أما ما تقتضيه ~~التربية أحيانا من الحزم فشيء لم تعرفه، ربما تمنته دون أن تقدر ~~عليه، وربما حاولت تجربته فغلبها التأثر والضعف، وكأنها لا تحتمل ~~أن يقوم بينها وبين أبنائها غير أسباب المودة والحب، تاركة للأب - ~~أو لشخصيته التي تسيطر من بعيد - تقويم المعوج وإلزام كل حدوده. ~~لهذا لم يضعف النقار السخيف من إعجابها بفتاتيها ورضائها عنهما، ~~حتى عائشة المولعة لحد الهوس بالغناء والوقوف أمام المرآة، لم تكن ~~دون خديجة مهارة وتدبيرا بالرغم من تكاسلها. وكان هذا حريا بأن ~~يمد لها في أوقات الراحة لولا ما طبعت عليه من وسوسة بالداء أشبه؛ ~~فهي تأبى إلا أن تشرف على كل صغيرة وكبيرة بالبيت. وإذا فرغت ~~الفتاتان من عملهما نشطت هي بالمكنسة في يد والمنفضة في يد، وراحت ~~تتفقد الحجرات والصالات والدهاليز، متفحصة الأركان والجدران ~~والستائر وسائر العفش، عسى أن تزيل نقطة غبار منسية، واجدة لذة ~~وارتياحا كأنما تزيل قذى من عينيها، ومن وسوستها تلك أنها كانت ~~تفحص الثياب المعدة للغسيل قبل غسلها، فإذا عثرت على قطعة منها قد ~~خرقت قذارتها المألوف لم تترك صاحبها دون أن تتلطف في تنبيهه إلى ~~واجبه، من كمال الذي يناهز العاشرة إلى ياسين الذي كان ذا ms029 ذوقين ~~متناقضين في العناية بنفسه يتجليان في تأنقه المفرط في مظهره من ~~البدلة والطربوش والقميص ورباط الرقبة والحذاء، وإهماله المعيب ~~لثيابه الداخلية. ومن الطبيعي ألا تغفل هذه العناية الشاملة ~~السطح وسكانه من الحمام والدجاج، بل كانت ساعة السطح حافلة بالحب ~~والسرور، فيها من أغراض العمل ما فيها إلى ما تجده من فرحة اللهو ~~والمرح. ولا عجب فالسطح هو الدنيا الجديدة التي لم يكن للبيت ~~الكبير بها عهد قبل انضمامها إليه، خلقته بروحها خلقا جديدا على ~~حين ظل البيت محافظا على الهيئة التي شيد عليها منذ عهد سحيق. ~~هذه الأقفاص المثبتة في بعض جدرانه العالية يهدل عليها الحمام من ~~وضعها، وهذه الأكواخ الخشبية يقوقئ الدجاج في مسارحها من تركيبها، ~~وكم يملكها الفرح وهي ترمي الحب أو تضع على الأرض آنية السقيا، ~~فيستبق إليها الدجاج وراء ديكها، وتنهال مناقيرها على الحب في ~~سرعة وانتظام كإبر آلة الخياطة، مخلفة في الأرض التربة بعد حين ~~ثغرات دقيقات كآثار الرذاذ. وكم ينشرح صدرها إذ تنظر فتراها رانية ~~إليها بأعين دقيقة صافية، مستطلعة متسائلة، ناقة مقوقئة، في مودة ~~متبادلة ينز لها قلبها الحنون. أحبت الدجاج والحمام كما تحب ~~مخلوقات الله جميعا، فهي تناغيها مناغاة رقيقة تحسب أنها تفهمها ~~وتتأثر لها، ذلك أن خيالها يخلع الحياة الشاعرة العاقلة على ~~الحيوان، وأحيانا الجماد نفسه. وعندها بمنزلة اليقين أن هذه ~~الكائنات تسبح بحمد ربها وتتصل بعالم الروح بأسباب، فعالمها ~~بأرضه وسمائه، حيوانه ونباته، عالم حي عاقل. ثم لا تقتصر مزاياه ~~على نعمة الحياة فيكملها بالعبادة. لم يكن غريبا بعد هذا أن ~~تكثر معاتيقها من الديوك والدجاج معتلة بسبب أو آخر، هذه لأنها ~~معمرة وتلك لأنها بياضة وهذا لأنها تستيقظ على صياحه، ولعلها لو ~~تركت وشأنها ما ارتضت أن تعمل سكينها في رقابها، وإذا دعتها ~~الظروف إلى الذبح تخيرت الدجاج أو الحمام فيما يشبه الضيق، ثم ~~تسقيها وتترحم عليها وتبسمل وتستغفر، وتذبحها وعزاؤها أنها تستمتع ~~بحق منحه الله المنان وأوسع به على عباده. أما أعجب ما في ~~السطح فكان نصفه ms030 الجنوبي المشرف على النحاسين؛ حيث غرست يداها في ~~الأعوام الخالية حديقة فريدة لا نظير لها في أسطح الحي كله ~~التي تغطى عادة بطبقة من قاذورات الدواجن، بدأت أول ما بدأت ~~بعدد قليل من أصص القرنفل والورد، وراحت تستكثر منها عاما بعد ~~عام حتى نضدت صفوفا بحذاء أجنحة السور ونمت نموا بهيجا، وخطر ~~لخيالها أن تقيم فوق حديقتها سقيفة، فاستدعت نجارا فأقامها، ثم ~~غرست شجرتي ياسمين ولبلاب ثم أنشبت سيقانها في السقيفة وحول ~~قوائمها، فاستطالت وانتشرت حتى استحال المكان بستانا معروشا ذا ~~سماء خضراء ينبثق منها الياسمين ويتضوع في أرجائها عرف طيب ساحر. ~~هذا السطح بسكانه من الدجاج والحمام، وبستانه المعروش، هو دنياها ~~الجميلة المحبوبة، وملهاها الأثير في هذا العالم الكبير الذي لا ~~تعرف عنه شيئا، وكشأنها في مثل هذه الساعة مضت تتعهده برعايتها ~~فكنسته، وسقت زرعه، وأطعمت الدجاج والحمام، ثم تملت طويلا المنظر ~~المحيط بها بثغر باسم وعينين حالمتين، ثم ذهبت إلى نهاية البستان ~~ووقفت وراء السيقان الملتفة المتشابكة تمد بصرها من ثغراتها إلى ما ~~يليها من فضاء لا تحده حدود. # كم تروعها المآذن التي تنطلق انطلاقا ذا إيحاء عميق، تارة عن ~~قرب حتى لترى مصابيحها وهلالها في وضوح كمآذن قلاوون وبرقوق، ~~وتارة عن بعد غير بعيد فتبدو لها جملة بلا تفصيل كمآذن الحسين ~~والغوري والأزهر، وثالثة من أفق سحيق فتتراءى أطيافا كمآذن ~~القلعة والرفاعي، وتقلب وجهها فيها بولاء وافتتان، وحب وإيمان، ~~وشكر ورجاء، وتحلق روحها فوق ذراها أقرب ما تكون إلى السماء، ثم ~~تستقر منها العينان على مئذنة الحسين، أحبها - لحب صاحبها - إلى ~~نفسها، فتنفض نظرتها حنانا وأشواقا، مشوبة بحزن يطوف بها كلما ~~ذكرت حرمانها من زيارة ابن بنت رسول الله وهي على مسير دقائق من ~~مثواه. وتنهدت نهدة مسموعة، استردتها من استغراقها فتابت إلى ~~نفسها، وراحت تتسلى بالنظر إلى الأسطح والطرقات فلم تزايلها ~~الأشواق، ثم استدبرت السور وقد فاض بها التطلع إلى المجهول، ~~المجهول بالقياس إلى الناس جميعا وهو عالم الغيب، والمجهول ~~بالقياس إليها وحدها وهو القاهرة. بل ms031 الأحياء المتاخمة التي تترامى ~~إليها أصواتها. ترى ما هذه الدنيا التي لم تر منها إلا المآذن ~~والأسطح القريبة؟! ربع قرن من الزمان خلا وهي حبيسة هذا البيت لا ~~تفارقه إلا مرات متباعدة لزيارة أمها بالخرنفش، وعند كل زيارة ~~يصطحبها السيد في حنطور؛ لأنه كان لا يحتمل أن تقع عين على حرمه ~~سواء وحدها أو بصحبته، لم تكن ساخطة ولا متذمرة، إنها أبعد ما تكون ~~عن هذا. بيد أنها ما تكاد تنفذ ببصرها من ثغرات الياسمين ~~واللبلاب إلى الفضاء والمآذن والأسطح، حتى تعلو شفتيها الرقيقتين ~~ابتسامة حنان وأحلام. ترى أين تقع مدرسة الحقوق حيث يجلس فهمي في ~~هذه اللحظة؟ وأين مدرسة خليل أغا التي يؤكد كمال أنها على مسير ~~دقيقة من الحسين؟ ... وقبل أن تغادر السطح بسطت كفيها ودعت ربها ~~قائلة: «اللهم أسألك الرعاية لسيدي وأبنائي، وأمي وياسين، والناس ~~جميعا مسلمين ونصارى، حتى الإنجليز يا ربي وأن تخرجهم من ديارنا ~~إكراما لفهمي الذي لا يحبهم.» # 7 # عندما بلغ السيد أحمد عبد الجواد دكانه الذي يقع أمام جامع برقوق ~~بالنحاسين كان جميل الحمزاوي وكيله قد فتحه وهيأه للعمل، فحياه ~~السيد تحية رقيقة وهو يبتسم ابتسامة وضيئة واتجه إلى مكتبه. وكان ~~الحمزاوي في الخمسين من عمره، أنفق منها ثلاثين عاما في هذا ~~الدكان، وكيلا لمنشئه الحاج عبد الجواد، ثم وكيلا للسيد بعد وفاة ~~أبيه، وظل على الوفاء للسيد بداع من العمل والحب معا؛ فهو ~~يجله ويحبه كما يجله ويحبه جميع من يتصل به بسبب من أسباب ~~العمل أو الصداقة. والحق لم يكن السيد مرهوبا مخوفا إلا بين ~~أهله، أما بين سائر الناس من أصدقاء ومعارف وعملاء فهو شخص آخر، له ~~حظه الموفور من المهابة والاحترام، ولكنه شخصية محبوبة قبل كل شيء، ~~ومحبوبة لظرفها قبل أي من سجاياها الحميدة الكثيرة، فلا الناس ~~يعرفون السيد الذي يقيم في بيته، ولا أهل البيت يعرفون السيد الذي ~~يعيش بين الناس. وكان دكانه متوسط الحجم، مكدسة رفوفه وجنباته ~~بجوالات البن والأرز والنقل والصابون، وعند ركنه الأيسر في قبالة ms032 ~~المدخل يقوم مكتب السيد بدفاتره وأوراقه وتليفونه، وإلى اليمين من ~~مجلسه تقوم الخزانة الخضراء داخل الجدار يوحي منظرها بالصلابة ~~ويذكر لونها بالأوراق المالية. وفي منتصف الجدار فوق المكتب على ~~إطار من الأبنوس نقشت بداخله البسملة مموهة بالذهب. ولم تكن عجلة ~~الدكان تدور قبل الضحى. فجعل السيد يراجع حسابات اليوم السابق ~~بمثابرة ورثها عن أبيه وحافظ عليها بحيويته الموفورة، على حين وقف ~~الحمزاوي عند المدخل شابكا ذراعيه على صدره مواصلا تلاوة ما تيسر ~~له من الآيات في صوت باطني غير مسموع دلت عليه حركة شفتيه ~~المستمرة، ووسوسة خافتة تند من آن لآن عن أحرف السين والصاد، ولم ~~يتوقف عن تلاوته حتى جاء شيخ ضرير رتبه السيد للقراءة كل صباح. ~~وكان السيد يرفع رأسه من الدفتر في فترات متباعدة فيستمع إلى ~~التلاوة، أو يمد بصره إلى الطريق حيث لا ينقطع تيار المارة وعربات ~~اليد والكارو، وسوارس التي تكاد تترنح من كبرها وثقلها، والباعة ~~المغنون وهم يترنمون بطقاطيق الطماطم والملوخية والبامية كل على ~~مذهبه، ولم تكن الضوضاء لتحول بينه وبين تركيز ذهنه بعدما اعتادها ~~وألفها أكثر من ثلاثين عاما، فاستنام إليها حتى ليزعجه سكوتها. ثم ~~جاء زبون فشغل الحمزاوي به، وأقبل نفر من أصحاب السيد وجيرانه من ~~التجار ممن يحبون أن يقضوا معه وقتا طيبا، ولو لزمن وجيز ~~يتبادلون فيه التحية ويغيرون ريقهم - على حد تعبيرهم - على دعابة ~~من دعاباته أو نكتة من نكاته، الأمر الذي جعله يفاخر بنفسه كمحدث ~~فائق البراعة، لا يخلو حديثه من لمعات غير مقطوعة الصلة بالثقافة ~~العامة التي اكتسبها، لا من التعليم حيث توقف فيه دون الابتدائية، ~~ولكن من قراءة الصحف ومصادقة نخبة من الأعيان والموظفين والمحامين ~~الذين أهله لمخالطتهم - مخالطة الند للند - حضور بديهته ولطفه ~~وظرفه ومنزلته كتاجر موفور الرزق، فاستجد لنفسه عقلية غير ~~العقلية التجارية المحدودة ضاعف من اعتزازه بها ما حباه أولئك ~~الممتازون من حب واحترام وتكريم، ولما قال له أحدهم مرة في صدق ~~وإخلاص: «لو أتيح لك يا سيد أحمد أن تدرس القانون لكنت ms033 محاميا ~~مفوها نادر المثال.» نفخ قوله في خيلائه الذي يحسن مداراته بظرفه ~~وتواضعه وحلو معاشرته. ولم يطل بأحد من الوافدين الجلوس فذهبوا ~~تباعا، وتزايدت حركة العمل بالدكان، ثم فجأة دخل رجل مهرولا ~~كأنما دفعته يد قوية، ووقف في منتصف الدكان وهو يضيق عينيه ~~الضيقتين ليحد بصره، وسددهما صوب مكتب السيد، ومع أنه لم يكن ~~يفصله عنه أكثر من ثلاثة أمتار، إلا أنه أجهده في معاينته بلا ~~طائل، ثم هتف متسائلا: السيد أحمد عبد الجواد موجود؟ # فقال السيد باسما: أهلا وسهلا بالشيخ متولي عبد الصمد، ~~تفضل، حلت البركة ... # وعطف الرجل رأسه فصادف اقتراب الحمزاوي منه ليسلم عليه، ولكنه لم ~~ينتبه ليده الممدودة وعطس على غير انتظار، فتراجع الحمزاوي وهو ~~يخرج منديله وقد التقت في صفحة وجهه ابتسامة وتقطيبة، واندفع الشيخ ~~إلى المكتب وهو يتمتم: «الحمد لله رب العالمين»، ثم رفع طرف عباءته ~~ومسح به على وجهه، وجلس على الكرسي الذي قدمه السيد له، وبدا الشيخ ~~في صحة يحسد عليها على سنه التي جاوزت الخامسة والسبعين، ولولا ~~عيناه الكليلتان الملتهبتا الأشفار، وفوه المندثر، ما وجد ما ~~يشكوه، وكان يتلفع بعباءة بالية ناصلة وإن أمكنه أن يستبدل بها ~~خيرا منها بما يجود به المحسنون، ولكنه استمسك بها؛ لأنه - فيما ~~يقول - رأى الحسين في منامه وهو يباركه فبث فيها خيرا لا يبلى، ~~وكان إلى كراماته في قراءة الغيب والدعوات الشافية وعمل الأحجبة ~~معروفا بالصراحة والظرف، وبه متسع للدعابة والمزاح مما زاد من ~~قدره عند السيد خاصة، ومع أنه كان من سكان الحي، إلا أنه لم يثقل ~~على أحد من مريديه بالزيارات، وربما توالت الأشهر وهو غائب لا ~~يعلم له مكان، فإذا ألم بزيارة بعد انقطاع لاقى ترحابا ~~وأشواقا وهدايا. وقد أشار السيد إلى وكيله ليعد للشيخ الهدية ~~المعتادة من الأرز والبن والصابون، ثم قال للشيخ مرحبا: أوحشتنا ~~يا شيخ متولي ... منذ عاشوراء لم نستمتع برؤيتك. # فقال الرجل ببساطة وبغير مبالاة: أغيب كما يحلو لي، وأحضر كما ~~يحلو لي، ولا أسأل عن السبب. # فابتسم السيد ms034 الذي ألف أسلوبه وتمتم قائلا: إذا غبت أنت فإن ~~بركتك لا تغيب. # فلم يبد على الشيخ أنه تأثر لإطرائه، وعلى العكس حرك رأسه ~~حركة تدل على نفاد الصبر وقال بخشونة: ألم أنبه عليك أكثر من مرة ~~بألا تفاتحني بالحديث، وأن تلزم الصمت حتى أتكلم أنا؟! # فقال السيد وبه رغبة في التحكك به: معذرة يا شيخ عبد الصمد، لئن ~~كنت نسيت تنبيهك، فعذري أني أنسيته لطول غيابك. # فضرب الشيخ كفا بكف وهتف: عذر أقبح من ذنب ... (ثم منذرا ~~بسبابته) إذا تماديت في مخالفتي امتنعت عن قبول هديتك! # فأطبق السيد شفتيه باسطا راحتيه استسلاما حاملا نفسه على ~~الصمت هذه المرة، فتريث الشيخ متولي ليتأكد من دخوله طاعته، وتنحنح ~~ثم قال: ابدأ بالصلاة على سيد الخلق الحبيب. # فقال السيد من الأعماق: عليه الصلاة والسلام. ~~- وأثن على أبيك بما هو أهله، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه ~~فسيح جناته، كأني به متخذا مجلسك هذا، لا فارق بين الأب وابنه إلا ~~أن الراحل حافظ على العمامة، واستبدلت بها هذا الطربوش ... # فتمتم السيد مبتسما: فليغفر الله لنا. # فتثاءب الشيخ حتى دمعت عيناه، ثم استطرد قائلا: وأدعو الله أن ~~يمن على أبنائك بالفلاح والتقوى؛ ياسين وخديجة وفهمي وعائشة ~~وكمال وأمهم آمين. # ووقع نطق الشيخ باسمي خديجة وعائشة من أذني السيد موقعا ~~غريبا على الرغم من كونه هو الذي أفضى إليه باسميهما منذ عهد ~~طويل ليكتب لهما حجابين، وليست أول مرة ينطق الشيخ باسميهما، ولا ~~آخر مرة، ولكن لم يكن يتردد اسم واحدة من حريمه بعيدا عن الحجرات ~~- ولو على لسان الشيخ متولي - حتى يقع من نفسه موقعا غريبا ينكره ~~ولو إلى حين. بيد أنه غمغم قائلا: آمين يا رب العالمين. # فتنهد الشيخ قائلا: ثم أسأل الله المنان أن يعيد إلينا ~~أفندينا عباس مؤيدا بجيش من جيوش الخليفة لا يعرف له أول من ~~آخر. ~~- نسأله وليس شيء عليه بكثير. # فعلا صوت الشيخ وهو يقول غاضبا: وأن يمنى الإنجليز وأعوانهم ~~بهزيمة منكرة فلا تقوم لهم بعدها قائمة. ~~- ربنا يأخذهم جميعا. ms035 # فحرك الشيخ رأسه في أسى، وقال بحسرة: كنت بالأمس سائرا في ~~الموسكي، فاعترض سبيلي جنديان أستراليان، وطالباني بما معي فما ~~كان مني إلا أن نفضت لهما جيوبي، وأخرجت الشيء الوحيد الذي كان معي ~~وهو كوز ذرة فتناوله أحدهما وركله كالكرة، وخطف الآخر عمامتي وحل ~~الشال ومزقه ورمى به في وجهي. # وتابعه السيد وهو يغالب ابتسامة تراوده، فما لبث أن داراها ~~بالمبالغة في إظهار استيائه صائحا في استنكار: قاتلهم الله ~~وأهلكهم. # فأتم الرجل حديثه قائلا: رفعت يدي إلى السماء، وصحت: يا جبار ~~مزق أمتهم كما مزقوا شال عمامتي. ~~- دعوة مستجابة بإذن الله. # ومال الشيخ إلى الوراء وأغمض عينيه ليستريح قليلا، ولبث على ~~حاله والسيد يتفرس في وجهه مبتسما، ثم فتح عينيه وخاطب السيد ~~بصوت هادئ ونبرات جديدة تنذر بموضوع جديد، قائلا: يا لك من ~~رجل شهم جميل المروءة يا أحمد يا بن عبد الجواد! # فابتسم السيد في رضا وقال بصوت خفيض: أستغفر الله يا شيخ عبد ~~الصمد ... # فبادره الشيخ قائلا: لا تتعجل، إن مثلي لا يلقي الثناء إلا ~~تمهيدا لقول الحق، على سبيل التشجيع يا بن عبد الجواد. # فلاح الاهتمام والحذر في عيني السيد وتمتم قائلا: ربنا يلطف ~~بنا. # فأشار إليه بسبابته العجراء، وتساءل فيما يشبه الوعيد: ماذا ~~تقول، وأنت المؤمن الورع، في ولعك بالنساء؟! # كان السيد معتادا لصراحته فلم ينزعج لانقضاضه، وضحك ضحكة ~~مقتضبة، ثم قال: ما علي من ذاك، ألا يحدث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن ~~حبه للطيب والنساء؟ # فقطب الشيخ ومط بوزه محتجا على منطق السيد الذي لم يعجبه، ~~وقال: الحلال غير الحرام يا بن عبد الجواد، والزواج غير الجري وراء ~~الفاجرات. # فمد السيد بصره للاشيء وقال بلهجة جدية: ما ارتضت نفسي يوما أن ~~تعتدي على عرض أو كرامة قط، والحمد لله على ذلك. # فضرب الشيخ ركبتيه بيديه وقال بغرابة وباستنكار: عذر ضعيف لا ~~ينتحله إلا ضعيف، والفسق لعنة ولو يكن بفاجرة، كان أبوك رحمه الله ~~مولعا بالنساء، فتزوج عشرين مرة فلماذا لا تنتهج سبيله وتتنكب ms036 ~~طريق المعاصي؟! # فضحك السيد ضحكة عالية وقال: أأنت ولي من أولياء الله أم مأذون ~~شرعي؟! كان أبي شبه عقيم فأكثر من التزوج، وبالرغم من أنه لم ~~ينجب سواي، إلا أن عقاره تبدد بيني وبين زوجات أربع مات عنهن، إلى ~~ما ضاع على النفقات الشرعية في حياته، أما أنا فأب لثلاثة ذكور ~~وأنثيين، وما يجوز لي أن أنزلق إلى الإكثار من الزوجات فأبدد ما ~~يسر الله علينا من رزق، ولا تنس يا شيخ متولي أن غواني اليوم هن ~~جواري الأمس، واللاتي أحلهن الله بالبيع والشراء، والله من قبل ~~ومن بعد غفور رحيم. # فتأوه الشيخ وقال وهو يهز نصفه الأعلى يمنة ويسرة: ما ~~أبرعكم يا بني آدم في تحسين الشر! والله يا بن عبد الجواد لولا حبي ~~لك ما باليت أن تحدثني وأنت قاعد على فاجرة ... # فبسط السيد راحتيه وقال باسما: اللهم استجب. # فنفخ الشيخ متبرما وهتف قائلا: لولا مزاحك لكنت أكمل ~~الناس. ~~- الكمال لله وحده. # فالتفت إليه وهو يشير بيده كأنه يقول «فلندع هذا جانبا»، ثم ~~ساءله بلهجة المحقق الذي ضيق عليه الخناق: والخمر؟ ... ماذا تقول ~~فيها؟! # وسرعان ما فترت روح السيد ولاح في عينيه الضيق ولزم الصمت ~~مليا، وآنس الشيخ من صمته تسليما فصاح بظفر: أليست حراما لا ~~يقارفه من يحرص على طاعة الله ومحبته؟ # فبادره السيد قائلا في حماس من يدفع بلاء محققا: لشد ما أحرص ~~على طاعة الله ومحبته! ~~- باللسان أم بالعمل؟! # ومع أن الجواب كان حاضرا إلا أنه تمهل متفكرا قبل أن ينطق به. ~~لم يكن من عادته أن يشغل نفسه بالتفكير الذاتي أو التأمل الباطني. ~~شأنه في ذلك شأن الذين لا يكادون يخلون إلى أنفسهم، ففكره لا يعمل ~~حتى يبعثه إلى العمل شيء خارجي، رجل أو امرأة أو سبب من أسباب ~~حياته العملية، وقد استسلم لتيار حياته الزاخر مستغرقا فيه ~~بكليته، فلم ير من نفسه إلا صورتها المنعكسة على سطح التيار، ثم ~~لم يتراخ توثبه للحياة مع تقدم العمر؛ لأنه بلغ الخامسة ~~والأربعين ولم يزل يتمتع ms037 بحيوية فياضة مشبوبة لا يتأثر بها إلا ~~الشاب اليافع؛ لذلك جمعت حياته شتى المتناقضات التي تراوح بين ~~العبادة والفساد، وحازت جميعا رضاه على تناقضها دون أن يدعم هذا ~~التناقض بسند من فلسفة ذاتية أو تدبير مما يصطنع الناس من ألوان ~~الرياء، ولكنه كان يصدر في سلوكه عن طبيعته الخاصة بقلب طيب ~~وسريرة نقية وإخلاص في كل ما يفعل، فلم تعصف بصدره عواصف الحيرة، ~~وبات قرير العين. وكان إيمانه عميقا، أجل كان إيمانا موروثا لا ~~دخل للاجتهاد فيه، بيد أن رقة مشاعره ولطافة وجدانه وإخلاصه ~~أضفت عليه إحساسا رهيفا ساميا نأى به عن أن يكون تقليدا أعمى، ~~أو طقوسا مبعثها الرغبة أو الرهبة فحسب، وبالجملة كان أبرز ما ~~يتميز به إيمانه بالحب الخصب النقي. بهذا الإيمان الخصب النقي ~~أقبل يؤدي فرائض الله جميعا، من صلاة وصيام وزكاة في حب ~~ويسر وسرور، إلى سريرة صافية وقلب عامر بحب الناس، ونفس تسخو ~~بالمروءة والنجدة جعلت منه صديقا عزيزا يستبق القوم إلى الري من ~~منهله العذب، وبتلك الحيوية الفياضة المشبوبة فتح صدره لمسرات ~~الحياة ولذائذها، يهش للمأكل الفاخر، ويطرب للشراب المعتق، ويهيم ~~بالوجه القسيم، فينهل منها جميعا في مرح وبهجة وولع، غير مثقل ~~الضمير بإحساس خطيئة أو وسواس قلق، فهو يمارس حقا منحته إياه ~~الحياة، وكأنما لا تعارض بين حق الحياة على قلبه وحق الله على ~~ضميره، فلم يشعر في ساعة من حياته بأنه بعيد عن الله أو عرضة ~~لنقمته، وآخاه في السلام. أكان شخصين منفصلين في شخصية واحدة؟! ... ~~أم كان اعتقاده في السماحة الإلهية بحيث لا يصدق أنها تحرم هاتيك ~~المسرات حقا، وحتى في حال تحريمها فهي حرية بأن تعفو عن المذنبين ~~ما لم يؤذوا أحدا؟! الأرجح أنه كان يتلقى الحياة بقلبه وإحساسه ~~دون ثمة تفكير وتأمل، وجد بنفسه غرائز قوية؛ يطمح بعضها لله فراضها ~~بالعبادة، ويتحفز بعضها الآخر للذات فأرواها باللهو، وخلطها ~~بنفسه جميعا آمنا مطمئنا، دون أن يشق على نفسه بالتوفيق بينها. ~~لم يكن يضطر إلى تبريرها بفكره إلا تحت ضغط ms038 انتقاد كالذي جابهه ~~الشيخ متولي عبد الصمد، وفي هذه الحال يجد نفسه أضيق بالتفكير منه ~~بالتهمة نفسها، لا لأنه يهون عليه أن يكون متهما أمام الله، ولكن ~~لأنه لا يصدق أبدا أنه متهم، أو أن الله يغضبه حقا أن يلهو ~~لهوا لا يصيب أحدا بأذى، أما التفكير فكان يتعبه من ناحية ~~ويكشف عن تفاهة علمه بدينه من ناحية أخرى؛ لذلك تجهم للسؤال ~~الذي ألقاه الرجل عليه متحديا وهو: «باللسان أم بالعمل؟» وأجابه ~~بلهجة لا يخفى فيها الضيق: باللسان والعمل معا، بالصلاة والصيام ~~والزكاة، بذكر الله قائما وقاعدا، وما علي بعد ذلك إذا روحت ~~عن نفسي بشيء من اللهو الذي لا يؤذي أحدا أو يغفل فريضة، وهل حرم ~~محرم إلا لهذا أو ذاك؟ # فرفع الشيخ حاجبيه وأغمض عينيه معلنا عن عدم اقتناعه ثم تمتم: ~~يا له من دفاع في سبيل الباطل! # وتحول السيد فجأة من الضيق إلى المرح كعادته فقال بأريحية: ~~الله غفور رحيم يا شيخ عبد الصمد، إني لا أتصوره عز وجل غاضبا أو ~~متجهما أبدا، حتى انتقامه رحمة خافية، وإني أقدم بين يديه الحب ~~والطاعة والبر، والحسنة بعشر أمثالها. ~~- أما في حساب الحسنات فأنت رابح. # فأشار السيد إلى جميل الحمزاوي ليأتي بهدية الشيخ وهو يقول ~~مسرورا: حسبنا الله ونعم الوكيل. # وجاءه الوكيل باللفة فأخذها السيد وقدمها إلى الشيخ وهو يقول ~~ضاحكا: في صحتك. # فتناولها الشيخ وهو يقول: رزقك الله رزقا واسعا وغفر ~~لك. # فغمغم السيد «آمين»، ثم سأله باسما: ألم تكن يوما من أهل ذلك ~~يا سيدنا الشيخ؟ # فضحك الشيخ قائلا: سامحك الله، أنت رجل كريم طيب القلب، وبهذه ~~المناسبة أحذركم من التمادي في الكرم؛ فإنه لا يتفق وما يطالب به ~~التاجر من القصد. # فتساءل السيد دهشا: أتغريني باسترداد الهدية؟ # فنهض الرجل وهو يقول: هديتي لا تجاوز القصد، فابدأ بغيرها يا بن ~~عبد الجواد، والسلام عليكم ورحمة الله. # وغادر الشيخ الدكان مهرولا وغاب عن الأنظار، ولبث السيد مفكرا، ~~ومضى يدير في نفسه ما ثار من جدل بينه وبين الشيخ، ms039 ثم بسط راحتيه ~~في ضراعة وتمتم : «اللهم اغفر لي ما تقدم وما تأخر من ذنب، ~~اللهم إنك أنت الغفور الرحيم.» # 8 # عند العصر غادر كمال مدرسة خليل أغا يضطرب في تيار زاخر من ~~التلاميذ الذين يسدون الطريق بزحمتهم، ثم يأخذون في التفرق، بعضهم ~~إلى الدراسة، وبعضهم إلى السكة الجديدة، وآخرون إلى طريق الحسين، ~~على حين تتحلق جماعات منهم حول الباعة المتجولين الذين يعترضون ~~تياراتهم عند رءوس الطرقات المتفرقة عن المدرسة بما تحمل سلالهم من ~~اللب والفول السوداني والدوم والحلوى، وإلى هذا فلا يخلو الطريق في ~~هذه الساعة من معارك تنشب هنا وهناك بين تلاميذ اضطروا إلى كتمان ~~خلافاتهم في أثناء النهار تفاديا من العقوبات المدرسية. وكانت ~~المرات التي سيق فيها إلى الاشتباك في معركة نادرة جدا، ولعلها ~~لم تعد المرتين طوال العامين اللذين قضاهما في المدرسة، لا ~~لندرة خلافاته التي لم تكن نادرة في الواقع ولا لكراهية للعراك، ~~فقد أورثه اضطراره إلى تجنبه أسفا عميقا، ولكن لتقدم الكثرة ~~الغالبة من التلاميذ عليه في السن مما جعله هو وقلة من أترابه ~~غرباء في المدرسة يتعثرون في بنطلوناتهم القصيرة بين تلاميذ ~~طعنوا فيما بعد الخامسة عشرة، وكثيرون منهم ناهزوا العشرين، فشقوا ~~طريقهم في صلف وكبرياء وقد طرت شواربهم. من هؤلاء من كان يتعرض له ~~في فناء المدرسة بلا سبب، فيخطف الكتاب من يده ويقذفه بعيدا ~~كالكرة، أو من يسلبه قطعة من الحلوى فيدسها في فمه بغير استئذان ~~مواصلا ما كان فيه من حديث، فلم تكن الرغبة في العراك لتنقصه، ~~ولكنه كظمها تقديرا للعواقب، وما لباها حتى دعاه إليها أحد أقرانه ~~الصغار، فوجد الهجوم عليه متنفسا لعواطفه الثائرة المكبوتة ~~واسترداده لثقته بقوته ونفسه. وليس العراك أو العجز عنه بأسوأ ما ~~لاقى من وقاحة المعتدين، فإلى هذا ما كان يترامى إلى أذنيه، سواء ~~كان المقصود به أم غيره، من الشتائم والسباب، منه ما فطن لمعناه ~~فحذره، ومنه ما جهله فردده في البيت بحسن نية، فأثار به عاصفة من ~~الثورة والفزع اتصلت أنباؤها في صورة ms040 شكوى لضابط المدرسة الذي كان ~~صديقا لأبيه ، ولكن سوء الحظ وحده هو الذي قضى بأن يكون أحد غريميه ~~في المعركتين الوحيدتين اللتين خاضهما من أسرة فتوات معروفة ~~بالدراسة، فلما كان عصر اليوم التالي للمعركة، وجد الغلام في ~~انتظاره عند باب المدرسة عصابة من الشبان مدججين بالعصي في هالة من ~~شر مستطير، ولما أشار إليه غريمه ليدل عليه تنبه لحركته وأدرك ما ~~يتربص به من خطر، فتراجع هاربا إلى المدرسة وهو يستغيث بالضابط، ~~وعبثا حاول الرجل أن يصرف العصابة عن مقصدها، وأغلظوا له القول ~~حتى اضطر إلى استدعاء شرطي ليوصل الغلام إلى داره، وزار الضابط ~~السيد في دكانه وأنبأه بما يتهدد ابنه من شر ناصحا إياه بمعالجة ~~الأمر بالحلم والكياسة، ولجأ السيد إلى بعض معارفه من تجار الدراسة ~~فمضوا إلى بيت الفتوات مستشفعين له، وهنالك استعان السيد بما عرف ~~عنه من سماحة نفس ورقة شمائل، حتى ألان عريكتهم فأصدروا عن ~~الغلام عفوهم، بل وتعهدوا بحمايته كأحد أبنائهم، ولم ينته اليوم ~~حتى بعث السيد بمن يحمل إليهم نفحة من هداياه، ونجا كمال من عصي ~~الفتوات، ولكنه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ لأن عصا أبيه ~~فعلت بقدميه ما لم تكن لتفعله عشرات العصي. # غادر الغلام المدرسة، ومع أنه كان لرنين الجرس المؤذن بانتهاء ~~اليوم الدراسي فرحة في نفسه لا تعادلها فرحة في تلك الأيام، إلا أن ~~نسائم الحرية التي نشقها خارج بوابة المدرسة بصدر رحب لم تمح ~~أصداء الدرس الأخير الحبيب - درس الديانة - من قلبه. وقد قرأ عليهم ~~الشيخ ذلك اليوم سورة «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» ~~وشرحها لهم، فتركز فيه بوعيه، ورفع أصبعه أكثر من مرة سائلا عما ~~أغلق عليه، ولما كان الأستاذ يعطف عليه لإقباله على الاستماع ~~لدرسه باهتمام بارز، إلى حفظه للسور حفظا جيدا، فقد أوسع صدره ~~لأسئلته بحال يندر أن يحظى بها أحد التلاميذ، وراح الشيخ يحدثه عن ~~الجن وطوائفهم، وعن المسلمين منهم خاصة الذين سيظفرون بالجنة في ~~النهاية أسوة بإخوانهم من البشر، وحفظ الغلام عن ms041 ظهر قلب كل كلمة ~~نطق بها، ولم يزل يديرها في نفسه حتى هذه اللحظة التي يعبر فيها ~~الطريق قاصدا دكان البسبوسة على الجانب الآخر، فإلى شغفه بالديانة ~~كان يعلم أنه لا يتلقاها لنفسه فحسب، وأن عليه أن يعيد ما وعى منها ~~في البيت على أمه - كما اعتاد أن يفعل مذ كان في الكتاب - فيلقي ~~إليها بمعلوماته وتستعيد هي على ضوئها ما عندها من معلومات عرفتها ~~عن أبيها الذي كان شيخا أزهريا، ويتذاكران معارفهما طويلا ثم ~~يحفظها الجديد من السور التي لم يسبق لها حفظها. وانتهى إلى دكان ~~البسبوسة فمد يده الصغيرة بالملاليم التي احتفظ بها منذ الصباح، ثم ~~تناول القطعة في ارتياح شامل لا يشعر به إلا في مثل هذا الموقف ~~اللذيذ، مما جعله يحلم كثيرا بأن يكون يوما صاحب دكان حلوى ~~ليأكلها لا ليبيعها، ثم واصل سيره في شارع الحسين وهو يقضم منها ~~مسرورا مترنما. نسي وقتذاك أنه كان سجينا النهار كله، وأنه كان ~~محروما من الحركة فضلا عن اللعب والمرح، وأنه كان عرضة في أية ~~لحظة لعصا المدرس المسلطة على الرءوس، بيد أنه رغم هذا كله لم ~~يكره المدرسة كراهية مطلقة؛ لأنه كان يظفر بين جدرانها بأسباب من ~~التقدير والتشجيع - بسبب تفوقه الذي يرجع كثير من الفضل فيه إلى ~~شقيقه فهمي - لا يحظى بعشر معشارها عند أبيه. ومر في طريقه بدكان ~~ماتوسيان لبيع السجائر، فوقف كعادته كل يوم في مثل هذه الساعة تحت ~~لافتتها يصعد عينيه الصغيرتين إلى الإعلان الملون الذي يصور امرأة ~~مضطجعة على ديوان وبين شفتيها القرمزيتين سيجارة يتطاير منها خيط ~~دخان متعرج، معتمدة بساعدها على حافة نافذة يلوح وراء ستارتها ~~المنحسرة منظر يجمع بين حقل نخيل ومجرى من مجريات النيل، وكان ~~يدعوها فيما بينه وبين نفسه «أبلة عائشة» لما بين الاثنتين من شبه ~~يتمثل في الشعر الذهبي والعينين الزرقاوين، ومع أنه كان يناهز ~~العاشرة إلا أن إعجابه بصاحبة الصورة فاق كل تقدير، فكم تخيلها ~~متمتعة بالحياة في أبهج مظاهرها، وكم تخيل نفسه وهو يقاسمها ~~حياتها ms042 الرغيدة بين حجرة ناعمة، ومنظر ريفي متاح لها - لهما - أرضه ~~ونخيله وماؤه وسماؤه، يسبح في الوادي الأخضر أو يعبر النهر في ~~قارب بدا في نهاية الصورة كالطيف، أو يهز النخيل فيساقط عليه ~~الرطب، أو يجلس بين يدي الحسناء طامح الطرف إلى عينيها الحالمتين. ~~على أنه لم يكن جميلا كأخويه، ولعله كان أشبه الأسرة بأخته خديجة، ~~فمثلها قد جمع في وجهه بين عيني أمه الصغيرتين وأنف أبيه الضخم ~~ولكن بكامل هيئته لا مهذبا بعض التهذيب كما ورثته خديجة، إلى رأس ~~كبير يبرز عند الجبهة بروزا واضحا، جعل عينيه تبدوان غائرتين ~~أكثر مما هما في الواقع، وكان من سوء الحظ أن نبه إلى غرابة صورته ~~بحال مثيرة للسخرية حين دعاه أحد الرفاق بأبي «رأسين»، فأهاج غضبه ~~وأورطه في إحدى المعركتين اللتين خاضهما، ولم يسكن خاطره الانتقام ~~فشكا في البيت حزنه إلى أمه التي تكدرت لكدره، وراحت تعزيه ~~مؤكدة له أن كبر الرأس من كبر العقل، وأن النبي عليه السلام كان ~~كبير الرأس، وأنه ليس وراء التشابه بين الرسول وبينه من مطمع ~~لطامع. ولما انتزع نفسه من صورة المدخنة واصل سيره رانيا هذه ~~المرة إلى جامع الحسين الذي قضت نشأته بأن يكون لقلبه مثار أخيلة ~~وعواطف لا تنضب. ومع أن المكانة التي نزلها الحسين من نفسه - تبعا ~~لمنزلته من نفس أمه خاصة والأسرة عامة - كانت وليدة قرابته من ~~النبي، إلا أن معرفته للنبي وسيرته لم تكن شفيعا إلى معرفته ~~بالحسين وسيرته، وما تهفو نفسه دائما إليه من استعادة هذه السيرة ~~والتزود منها بأنبل القصص وأعمق الإيمان، حتى لقد وجدت منه على ~~مر القرون مستمعا مشغوفا ومحبا مؤمنا وأسيفا بكاء، فلم ~~يهون من بلواه إلا ما قيل من أن رأس الشهيد بعد فصله عن جسده ~~الطاهر لم يرض من الأرض مسكنا إلا في مصر، فجاءها طاهرا مسبحا ~~ثم ثوى حيث يقوم ضريحه. وكم وقف حيال الضريح حالما مفكرا، يود لو ~~ينفذ ببصره إلى الأعماق ليطلع على الوجه الجميل الذي أكدت له أمه ~~أنه قاوم ms043 غير الدهر بسره الإلهي، فاحتفظ بنضارته ورونقه حيث يضيء ~~ظلمة المثوى بنور غرته، ولما لم يجد إلى تحقيق أمنيته سبيلا قنع ~~بمناجاته في وقفات طويلة، مفصحا عن حبه، شاكيا إليه متاعبه ~~الناشئة من تصوراته عن العفاريت، وخوفه من تهديد أبيه مستنجدا ~~به على الامتحانات التي تلاحقه كل ثلاثة أشهر، ثم خاتما مناجاته ~~عادة بالتوسل إليه أن يكرمه بالزيارة في منامه. ومع أن عادة مروره ~~بالجامع صباحا ومساء خففت بعض الشيء من شدة تأثره به، إلا أنه ~~لم تكن تقع عليه عيناه حتى يقرأ له الفاتحة، ولو تكرر ذلك منه مرات ~~في اليوم الواحد، أجل لم تستطع العادة أن تقتلع من صدره بهجة ~~الأحلام، فلم يزل لمنظر الجدران السامقة تجاوبها مع قلبه، ولم يزل ~~لمئذنته العالية نداء ما أسرع أن تلبيه نفسه. قطع طريق الحسين، وهو ~~يقرأ الفاتحة، ثم انعطف إلى خان جعفر، ومنها اتجه إلى بيت القاضي، ~~ولكنه بدلا من أن يمضي إلى البيت مخترقا النحاسين عبر الميدان ~~إلى درب قرمز على وحشته وإثارته لمخاوفه ليتفادى من المرور بدكان ~~أبيه. كان يرتعد فرقا من أبيه ولا يتصور أنه يخاف العفريت لو طلع ~~له أكثر منه إذا زعق به غاضبا، وضاعف من كربه أنه لم يقتنع يوما ~~بالأوامر الصارمة التي يلاحقه بها للحيلولة بينه وبين ما تصبو إليه ~~نفسه من اللعب والمراح، فلو أنه أذعن لمشيئته مخلصا لقضى وقت ~~فراغه كله متربعا مكتوف اليدين لذلك لم يسعه أن يطيع تلك المشيئة ~~الجبارة العاتية، واختلس اللهو من وراء ظهره كلما حلا له، في البيت ~~أو في الطريق، وظل الرجل على جهل بأمره إلا أن يبلغه منه شيء ~~بوشاية من أهل البيت إذا ضاقوا بغلوه وإفراطه. من ذلك أنه جاء ~~يوما بسلم وارتقاه إلى عرش اللبلاب والياسمين فوق السطوح، ورأته ~~أمه وهو على تلك الحال بين السماء والأرض فصرخت فزعة حتى أجبرته ~~على النزول، ثم غلب إشفاقها من مغبة لعبة خطيرة كتلك على خوفها ~~عليه من شدة أبيه، فصرحت للسيد بما كان منه، ms044 وسرعان ما دعا به ~~وأمره أن يمد قدميه وانهال عليهما بعصاه غير مبال بصراخه الذي ملأ ~~البيت، وغادر الغلام الحجرة وهو يظلع ليجد إخوته في الصالة وهم ~~يغالبون ضحكهم إلا خديجة التي حملته بين يديها هامسة في أذنه: ~~«تستاهل ... كيف تعلو اللبلاب وتناطح السماء! أحسبت نفسك زبلن؟!» على ~~أنه فيما عدا الألعاب الخطرة كانت أمه تتستر عليه وتبيح له ما يشاء ~~من اللعب البريء. ولشد ما يعجب كلما ذكر كيف كان هذا الأب نفسه ~~ظريفا لطيفا معه على عهد طفولته القريبة، وكيف كان يتسلى ~~بمداعبته وكيف كان ينفحه من آن لآخر بألوان شتى من الحلوى، وكيف ~~هون عليه يوم الختان - على فظاعته - فملأ حجره بالشوكولاتة ~~والملبس وشمله بعطفه ورعايته، ثم ما أسرع أن تغير كل شيء فتبدل ~~عطفه صرامة، ومناغاته زعقا، ومداعباته ضربا، حتى الختان نفسه ~~اتخذه أداة لإرهابه حتى اختلط عليه الأمر ردحا من الزمن، فظن أنه ~~من الممكن حقا أن يلحقوا ما تبقى له بما ذهب! وليس الخوف وحده ~~الذي شعر به نحو أبيه فإجلاله له لم يكن دون خوفه منه، كان يعجب ~~بمظهره العظيم القوي، ومهابته التي تعنو لها الهام، وأناقة ملبسه، ~~وما يعتقده فيه من قدرة على كل شيء، ولعل حديث الأم عن سيدها هو ~~الذي هوله عنده، فلم يتصور أنه يوجد في الدنيا رجل يضارعه في قوته ~~أو إجلاله أو ثروته. أما عن الحب فقد كان كل من في البيت يحب الرجل ~~لحد العبادة، فانسرب حبه إلى قلبه الصغير بإيحاء البيئة، بيد ~~أنه ظل جوهرة مكنونة في حق مغلق من الخوف والرعب. مضى يقترب من ~~قبو درب قرمز المظلم الذي تتخذه العفاريت مسرحا لألعابها الليلية، ~~والذي آثره لنفسه طريقا عن المرور بدكان أبيه، وعندما دخل في جوفه ~~راح يقرأ «قل هو الله أحد» بصوت مرتفع رن في الظلمة تحت السقف ~~المنحني، وسبقته عيناه إلى فوهة القبو البعيدة حيث يشع نور الطريق، ~~ثم حث خطاه وهو يردد السورة لطرد من تحدثه نفسه بالظهور من ~~العفاريت، فالعفاريت ms045 لا سبيل لها على من يدرع بآيات الله، أما ~~أبوه فلن يدرأ غضبه عنه إذا ثار أن يتلو كتاب الله كله. وخرج من ~~القبو إلى الشطر الآخر من الدرب، وعند نهايته طالعه سبيل بين ~~القصرين ومدخل حمام السلطان، ثم لاحت لعينيه مشربيات بيته بلونها ~~الأخضر القاتم، والباب الكبير بمطرقته البرنزية، فافتر ثغره عن ~~ابتسامة فرح لما يدخره له هذا المكان من أفانين المرح، فعما ~~قليل يهرع الغلمان إليه من جميع البيوت المجاورة إلى فناء الدار ~~الواسع، الذي يحوي عدة حجرات تتوسطها الفرن فيكون لعب ولهو وبطاطة. ~~وفي تلك اللحظة رأى سوارس وهي تقطع الطريق على مهل متجهة إلى بين ~~القصرين، فوثب قلبه وشاع فيه سرور ماكر، وما لبث أن دس حقيبة كتبه ~~تحت إبطه الأيسر، وجرى وراءها حتى أدركها ثم وثب إلى سلمها الخلفي، ~~ولكن الكمساري لم يتركه في سروره طويلا، فجاءه يطالبه بثمن ~~التذكرة وهو يرمقه بنظرة تنم عن ريبة وتحد، فقال له متوددا ~~إنه سيغادرها حالما تقف؛ لأنه لا يسعه النزول وهي سائرة، فتحول ~~الرجل عنه إلى السائق، وهتف به أن يوقف العربة وهو يزمجر غاضبا، ~~فانتهز الغلام فرصة تحوله عنه وشب على أمشاط قدميه وصفعه، ثم ~~وثب إلى الأرض وانطلق هاربا وشتائم الكمساري تلاحقه أشد من ~~الأحجار المطينة! ... لم تكن خطة مدبرة، ولا هي من مختار شطارته، ~~ولكنه رأى غلاما يفعلها في الصباح فراقت له، ثم وجدها سانحة ~~لإعادتها بنفسه ففعل. # 9 # واجتمعت الأسرة - ما عدا الأب - قبيل المغيب فيما يعرف بينها ~~بمجلس القهوة، وكانت الصالة بالدور الأول مكانه المختار حيث تحيط ~~بها حجرات نوم الإخوة والاستقبال ورابعة صغيرة أعدت للدرس، وقد ~~فرشت الصالة بالحصر الملونة وقامت في أركانها الكنبات ذوات ~~المساند والوسائد، وتدلى من سقفها فانوس كبير يشعله مصباح غازي ~~في مثل حجمه. وكانت الأم تجلس على كنبة وسيطة وبين يديها مدفأة ~~كبيرة دفنت كنجة القهوة حتى النصف في جمرتها التي يعلوها الرماد، ~~وإلى يمينها خوان وضعت عليه صينية صفراء صفت عليها الفناجين، يجلس ~~الأبناء حيالها ms046 سواء من يؤذن له باحتساء القهوة معها كياسين وفهمي، ~~أو من لا يؤذن له بحكم التقاليد والآداب فيقنع بالسمر كالشقيقتين ~~وكمال. تلك ساعة محببة إلى النفوس يستأنسون فيها إلى رابطتهم ~~العائلية وينعمون بلذة السمر، وينضوون جميعا تحت جناح الأمومة في ~~حب صاف ومودة شاملة. وبدت في جلساتهم راحة الفراغ وتحرره ~~فكانوا بين متربع ومضطجع، وبينما جعلت خديجة وعائشة تستحثان ~~الشاربين على الفراغ من شربهم لتقرآ لهم الطالع في فناجينهم، راح ~~ياسين يتحدث حينا ويقرأ في قصة اليتيمتين من مجموعة مسامرات ~~الشعب حينا آخر. كان من عادة الشاب أن يهب بعض فراغه لمطالعة ~~القصص والأشعار، لا لإحساسه بنقص تعليمه - فالابتدائية وقتذاك لم ~~تكن مطلبا صغيرا - ولكن غراما بالتسلية وولعا بالشعر والأساليب ~~الجزلة. وقد بدا بجسمه المكتنز في جلبابه الفضفاض كقربة هائلة إلا ~~أن مظهره لم يتعارض - بحكم الزمن - مع قسامة في وجهه الأسمر ~~الممتلئ بعينيه السوداوين الجذابتين وحاجبيه المقرونين وشفتيه ~~الشهوانيتين، ونم بجملته - رغم حداثة سنه الذي لا يجاوز الواحدة ~~والعشرين - على رجولة مفعمة بالفحولة. ولبد كمال لصقه ليلتقط ما ~~يرمي إليه بين آونة وأخرى من نوادر القصص، وهو لا يكف عن الاستزادة ~~منها غير مكترث لما يحدثه إلحاحه على أخيه من الضيق كي يشبع ~~أشواقا تشتعل بخياله في مثل هذه الساعة من كل يوم، ولكن ما أسرع ~~أن يشغل عنه ياسين بالحديث أو بالاستغراق في المطالعة متفضلا عليه ~~بين حين وآخر - كلما اشتد إلحاحه بكلمات مقتضبة إن وجد بها ~~الجواب على بعض أسئلته، فما أحرى أن تستثير أسئلة جديدة لا جواب ~~لها عنده، ثم لا يفتأ يرمق أخاه وهو آخذ في المطالعة التي تبيح له ~~مفتاح العالم السحري بعين الحسد والحزن، فكم حز في نفسه عجزه عن ~~قراءة القصة بنفسه، وكم أحزنه أن يجدها بين يديه بحيث يقلبها كيف ~~شاء دون أن يسعه حل رموزها، فالولوج منها إلى دنيا الرؤى والأحلام، ~~فقد وجد في هذا الجانب من ياسين مثارا لخياله هيأ له من ألوان ~~المسرة ما هيأ، وهيج من أسباب ms047 الظمأ وعذابه ما هيج. وكثيرا ما كان ~~يرفع عينيه إلى أخيه ويسأله في لهفة: «وماذا حدث بعد ذلك؟» فينفخ ~~الشاب قائلا: «لا تضيق علي بأسئلتك ولا تتعجل حظك، فإن لم أقص ~~عليك اليوم فغدا.» ولم يكن يحزنه شيء كاستنظاره للغد حتى اقترنت ~~لفظة الغد في ذهنه بالحسرة، ولم يكن نادرا أن يتحول إلى أمه بعد ~~تفرق المجلس وبه أمل أن تقص عليه ما «حدث بعد ذلك»، ولكن المرأة ~~كانت تجهل قصة اليتيمتين وغيرها مما يقرأ ياسين، إلا أنها يعز ~~عليها أن ترده خائبا فتروي له ما تحفظ من حكايات اللصوص ~~والعفاريت، فيروغ خياله إليها رويدا ظافرا بزاد من العزاء. في ~~مجلس القهوة ذاك لم يكن عجيبا أن يشعر بأنه ضائع مهمل بين أهله، ~~لا يكاد يلتفت إليه أحد، وأنهم مشغولون عنه بأحاديثهم التي لا ~~تنتهي. فلم يتورع عن الاختلاق في سبيل الاستئثار باهتمامهم ولو ~~إلى حين، ولذلك رمى بنفسه في مجرى الحديث معترضا تياره بجرأة، ~~وقال بلهجة حادة فجائية كانطلاق القذيفة كأنما تذكر أمرا خطيرا ~~بغتة: يا له من منظر لا ينسى الذي رأيته اليوم وأنا عائد! ... رأيت ~~غلاما يثب إلى سلم سوارس ثم صفع الكمساري وركض بأكبر سرعة، فما ~~كان من الرجل إلا أن عدا وراءه حتى أدركه ثم ركله في بطنه بكل قوته ~~... # وقلب عينيه في الوجوه ليرى أثر حديثه، فلم يجد ثمة اهتماما ~~ولمس إعراضا عن خبره المثير وتصميما على مواصلة الحديث، بل رأى ~~يد عائشة تمتد إلى ذقن أمه وتحولها عنه بعد أن همت بالإصغاء ~~إليه، ولمح إلى هذا ابتسامة هازئة ترتسم على شفتي ياسين الذي لم ~~يرفع رأسه عن الكتاب، فركبه العناد وقال بصوت مرتفع: وسقط الغلام ~~يتلوى وازدحم حوله الناس، فإذا به قد فارق الحياة ... # وأبعدت الأم الفنجان عن فمها وهتفت: يا ولداه! ... أتقول إنه ~~مات؟ # وسر باهتمامها وركز قوته فيها كما يركز المهاجم اليائس قوته في ~~نقطة ضعيفة من سور منيع، فقال: أجل مات، ورأيت بعيني دمه وهو يسيل ~~بغزارة. # وحدجه فهمي بنظرة ms048 ساخرة كأنها تقول له: «إني أذكر لك أكثر من قصة ~~من هذا النوع» وقال متسائلا في تهكم: قلت إن الكمساري ركله في ~~بطنه؟ ... فمن أين سال الدم؟! # وانطفأت شعلة الظفر التي تلألأت في عينيه مذ جذب أمه إليه، وحل ~~محلها سهوم الارتباك والحنق، ولكن أسعفه الخيال فاستردت نظرة عينيه ~~حيويتها وقال: لما ركله في بطنه سقط على وجهه فشج رأسه! # وهنا قال ياسين دون أن يرفع عينيه عن اليتيمتين: أو أن الدم سال ~~من فيه؛ فالدم قد يسيل من الفم دون حاجة إلى جرح ظاهري، هنالك ~~أكثر من تفسير لخبرك المكذوب - كالعادة - فلا تخف ... # واحتج كمال على تكذيب أخيه وراح يحلف بأغلظ الأيمان على صدقه، ~~ولكن احتجاجه ضاع في ضجة من الضحك جمعت الغليظ والرفيع من حناجر ~~الرجال والنساء في هارموني واحدة، وتحركت طبيعة خديجة الساخرة ~~فقالت: ما أكثر ضحاياك، لو صدقت فيما تروي من أخبار لما أبقيت على ~~أحد من أهل النحاسين حيا ... ماذا تقول لربنا لو حاسبك على أخبارك ~~هذه؟! # ووجد في خديجة مهاجما يقدر عليه، وكعادته كلما ارتطم بسخريتها ~~راح يعرض بأنفها قائلا: أقول له إن الحق على منخور أختي! # فقالت الفتاة وهي تضحك: من بعض ما عندكم، ألسنا في البلوى ~~سواء! # وهنا قال ياسين مرة أخرى: صدقت يا أختاه. # وتحولت إليه متحفزة للانقضاض فبادرها قائلا: هل أغضبتك! ... ~~لماذا! ... ليس إلا أنني جاهرت بالموافقة على رأيك ... # فقالت له حانقة: اذكر عيوبك قبل أن تعرض بعيوب الناس. # فرفع حاجبيه متظاهرا بالحيرة ثم تمتم: والله إن أكبر عيب ليهون ~~إلى جانب هذا الأنف. # وتظاهر فهمي بالاستنكار ثم تساءل في نبرات وشت بانضمامه إلى ~~المهاجمين: ماذا قلت يا أخي، أهو أنف أم جريمة؟ # ولما كان فهمي لا يشترك في مثل هذا النضال إلا نادرا، فقد رحب ~~ياسين بقوله في حماس وقال: هي الاثنان معا، فكر في المسئولية ~~الجنائية التي سيتحملها من يقدم هذه العروس إلى عريسها ~~المنكود! # وقهقه كمال ضاحكا بصوت كالصفير المتقطع ولم ترتح الأم إلى وقوع ~~ابنتها بين ms049 كثرة من المهاجمين، فأرادت أن ترجع الحديث إلى أصله ~~وقالت بهدوء: خرج بكم الكلام الفارغ عن موضوع الحديث، كان حديثا ~~عن السيد كمال أصدق في أخباره أم لم يصدق، ولكن أظن أنه لا داعي ~~إلى الشك في صدقه بعد أن حلف ... أجل كمال لا يحلف كذبا ~~أبدا. # وباخ سرور الغلام الانتقامي لتوه، ومع أن إخوته واصلوا المزاح ~~حينا آخر إلا أنه انقطع عنهم بروحه، متبادلا مع أمه نظرة ذات ~~معنى، ثم خاليا بنفسه متفكرا في قلق وكدر. كان يدرك خطورة الحلف ~~الكاذب فيما يثير من سخط الله وأوليائه، ويعز عليه جدا أن يحلف ~~كذبا بالحسين خاصة لولهه به، ولكنه كثيرا ما وجد نفسه في مأزق ~~حرج - كما وجد اليوم - لا مخرج منه في نظره إلا بالحلف الكاذب، ~~فينساق وهو لا يدري إلى التورط فيه. بيد أنه لم يكن ينجو، خاصة ~~إذا ذكر بجريرته، من الهم والقلق، ويود لو يقتلع الماضي السيئ من ~~جذوره، وأن يبدأ صفحة جديدة نظيفة، وذكر الحسين، وموقفه عند أصل ~~مئذنته حيث تتراءى وكأن هامتها تتصل بالسماء، وسأله في ضراعة أن ~~يعفو عن زلته وهو يشعر بغضاضة من اجترأ على حبيب بإساءة لا تغتفر. ~~وغرق في توسلاته مليا ثم أخذ يفيق إلى ما حوله ويفتح أذنيه إلى ~~ما يدور من حديث فيه المعاد وفيه الجديد، وقليل منه ما يسترعي ~~انتباهه، ولكنه لا يكاد يخلو من ترديد ذكريات منتزعة من ماضي ~~الأسرة البعيد أو القريب، وأنباء مما يجري عن مسرات الجيران ~~وأحزانهم، ومواقف حرجة للأخوين أمام أبيهما الجبار، تنبري خديجة ~~إلى استعادة وصفها وتحليلها على سبيل الفكاهة أو الشماتة، ومن هذه ~~وتلك نمت للغلام معرفة تبلورت في مخيلته على صورة غريبة تأثر ~~تكوينها غاية التأثر بما تجاذب طرفيه من روح خديجة التهجمية ~~العيابة، وروح أمه السمحة العفوة. وانتبه أخيرا إلى فهمي وهو يقول ~~مخاطبا ياسين: إن هجوم هندنبرج الأخير شديد الخطورة، ولا يبعد أن ~~يكون الهجوم الفاصل في هذه الحرب. # وكان ياسين يعطف على آمال أخيه، ولكن في ms050 هدوء متسم بقلة ~~الاكتراث، تمنى مثله أن ينتصر الألمان وبالتالي الترك، وأن تسترد ~~الخلافة سابق عزتها، وأن يعود عباس ومحمد فريد إلى الوطن، ولكن ~~أمنية من هذه الأماني لم تكن لتشغل قلبه في غير أوقات الحديث عنها، ~~وقد قال وهو يهز رأسه: مضى أربع سنوات ونحن نردد هذا ~~الكلام. # فقال فهمي برجاء وإشفاق: لكل حرب نهاية، ولا بد أن تنتهي هذه ~~الحرب، ولا أظن الألمان ينهزمون! ~~- هذا ما ندعو الله أن يتحقق، ولكن ماذا يكون رأيك لو وجدنا ~~الألمان كما يصفهم الإنجليز؟! # ولما كانت المعارضة تشعل حدته، فقد علا صوته وهو يقول: المهم أن ~~نتخلص من كابوس الإنجليز، وأن تعود الخلافة إلى سابق عظمتها، فنجد ~~طريقنا ممهدا ... # وتدخلت خديجة في الحديث متسائلة: ولماذا تحبون الألمان وهم الذين ~~أرسلوا زبلن ليلقي قنابله علينا! # وراح فهمي يؤكد - كعادته - أن الألمان قصدوا الإنجليز بقنابلهم ~~لا المصريين، فانتقل الحديث إلى مناطيد زبلن، وما يقال عن ضخامتها ~~وسرعتها وخطورتها، حتى استوى ياسين في جلسته ونهض إلى حجرته ليرتدي ~~ملابسه تمهيدا لمغادرة البيت إلى سهرته المعتادة، وعاد بعد فترة ~~وجيزة وقد تهيأ وأخذ زينته، فتراءى أنيق الملبس، جميل المظهر، ~~وبدا بجسمه الضخم وفحولته الناضجة وشاربه النابت أكبر من سنه ~~كثيرا، ثم حياهم وانصرف وشيعه كمال بنظرة تنم عما يغبطه عليه ~~من التمتع بحريته في انطلاق ساحر، فلم يغب عنه أن أخاه لم يعد ~~يحاسب - منذ تعيينه كاتبا بمدرسة النحاسين - على ذهابه أو إيابه، ~~وأنه يسهر كما يشاء ويعود حين يشاء، ما أجمل هذا وأسعده، وكم يكون ~~إنسانا سعيدا لو ذهب وجاء كما يحب، ومد سهرته إلى حين يشاء، وقصر ~~القراءة - حين تتم له أداتها - على الروايات والأشعار، ثم سأل أمه ~~فجأة: أيمكنني إذا وظفت أن أسهر في الخارج كياسين؟ # وابتسمت الأم قائلة: ليس السهر في الخارج بالغاية التي يصح أن ~~تحلم بها من الآن! # فصاح محتجا: ولكن أبي يسهر، وياسين يسهر كذلك. # فرفعت الأم حاجبيها ارتباكا وتمتمت: شد حيلك أولا حتى تصير ~~رجلا ثم موظفا، ووقتها ms051 يفرجها ربنا! # ولكن كمال بدا متعجلا فتساءل: ولماذا لا أتوظف بالابتدائية ~~بعد ثلاثة أعوام؟ # وصاحت خديجة في سخرية: تتوظف دون الرابعة عشرة! ... وماذا تصنع إذا ~~بلت على نفسك في الوظيفة؟! # وقبل أن يعلن ثورته على أخته قال له فهمي بازدراء: يا لك من ~~حمار! ... لماذا لا تفكر في دخول الحقوق مثلي؟ ... إن ظروف ياسين ~~القاهرة هي التي جعلته يأخذ الابتدائية في العشرين من عمره، ~~ولولاها لأتم تعليمه ... ألا تدري كيف تتمنى يا كسول! # 10 # عندما صعد فهمي وكمال إلى سطح البيت كانت الشمس على وشك ~~الاختفاء، فلاحت قرصا أبيض مسالما تولت عنه حيويته وبردت ~~حرارته وانطفأ توهجه، وقد بدا بستان السطح المسقوف باللبلاب ~~والياسمين في ظلمة وانية، ولكن الشاب والغلام مضيا إلى شطر السطح ~~الآخر، حيث لا يحجب فلول النور حجاب، ثم مالا إلى السور الملاصق ~~لسور السطح المجاور، سطح الجيران. وكان فهمي يرقى بكمال إلى هذا ~~الوضع كل مغيب بحجة مراجعة دروسه في الهواء الطلق على الرغم من أن ~~جو نوفمبر أخذ يميل إلى البرودة في هذه الساعة من اليوم، وأوقف ~~الغلام بحيث جعل ظهره إلى السور، ووقف هو لقاءه، بحيث أمكنه أن يمد ~~بصره إلى سطح الجيران الملاصق دون تلفت كلما بدا به. وهناك بين ~~حبال الغسيل لاحت فتاة - شابة في العشرين أو نحو ذلك - وقد انهمكت ~~في جمع قطع الثياب الجافة وتكديسها في سلة كبيرة. ومع أن كمال راح ~~يتكلم بصوت مرتفع كعادته إلا أنها واصلت عملها وكأنها لم تنتبه ~~إلى مجيء الطارئين. أمل كان يجيء به دواما في مثل هذه الساعة لعله ~~يفوز منها بنظرة إذا اتفق ودعاها إلى السطح بعض شأنها، ولم يكن ~~تحقيقه يسيرا كما دل تورد وجهه الناطق بفرط سروره، وخفقان قلبه ~~المتتابع ببهجة مفاجئة، فجعل ينصت إلى أخيه الصغير بعقل تائه ~~وعينين أقلقهما استراق النظر، وهي تتراءى تارة وتحتجب أخرى، أو ~~يبدو بعضها ويغيب بعضها، كيفما اتفق موقفها من الثياب والملاءات ~~المنشورة ... كانت فتاة متوسطة القامة صافية البشرة مع ميل إلى ~~البياض، ms052 سوداء العينين، تنطق مقلتاها بنظرة تفيض حياة وخفة ~~وحرارة ، إلا أن جمالها وعاطفته المتوثبة وإحساسه بالظفر لرؤيتها لم ~~تستطع أن تمحو القلق الذي يدب وراء قلبه - وانيا حين حضورها، ثم ~~قويا إذا خلا إلى نفسه - لجرأتها على التعرض لعينيه كأنه ليس ~~بالرجل الذي ينبغي أن تتوارى فتاة مثلها عن عينيه، أو كأنها فتاة ~~لا تبالي التعرض للرجال، وطالما ساءل نفسه ما بالها لا تفزع مولية ~~كخديجة أو عائشة لو وجدت إحداهما نفسها في مثل موقفها! أي روح عجيب ~~يشذ بها عن التقاليد المرعية والآداب المقدسة! وألا يكون أهدأ ~~جانبا لو بدا منها ذاك الاحتشام المفتقد، ولو على حساب سروره الذي ~~يفوق الوصف برؤيتها؟! ... بيد أنه دأب على انتحال الأعذار لها من ~~قدم الجوار ووحدة النشأة، وربما الوداد أيضا. ثم لا يفتأ وراء ~~نفسه يحاورها ويجادلها حتى تشجع وترضى. ولما لم يكن جريئا كجرأتها ~~فقد جعل يختلس من الأسطح المجاورة النظر ليطمئن إلى خلوها من ~~الرقيب؛ لأنه لم يكن مما يغض الطرف عنه أن يجرح شاب في الثامنة ~~عشرة حرمة الجيران، وخاصة من كان منهم في طيبة جارهم السيد محمد ~~رضوان؛ ولهذا أقلقه دائما شعوره بخطورة فعلته، وخوفه من أن يترامى ~~نبؤها إلى أبيه فتكون الطامة، ولكن استهانة الحب بالمخاوف عجب قديم ~~فلم يقدر شيء منها على إفساد نشوته، أو انتزاعه من حلم ساعته، فمضى ~~يراقبها وهي تبدو أو تختفي حتى خلا ما بينه وبينها، وباتت تواجهه ~~ويداها الصغيرتان ترتفعان وتنخفضان وأصابعها تنقبض وتنبسط على مهل ~~وتؤدة، كأنها تتعمد إطالة عملها، وحدس قلبه ذاك التعمد وهو بين ~~الشك والتمني ولكنه لم يقتصد في الانطلاق مع فرحته إلى أبعد الآفاق ~~حتى استحال باطنه رقصا وأنغاما، ومع أنها لم ترفع عينيها إليه ~~قط إلا أن هيئتها وتورد وجنتيها وتحاميها النظر إليه نمت ~~جميعا عن شدة إحساسها بوجوده أو انعكاس وجوده على إحساسها. وبدت ~~في هدوئها وصمتها موفورة الرزانة كأنها ليست هي هي التي تشيع الفرح ~~والبهجة في بيته إذا زارت شقيقتيه، أو ليست ms053 هي هي التي يعلو صوتها ~~في جنبات الدار وترن ضحكاتها، هنالك يقبع وراء باب حجرته وكتابه في ~~يده استعدادا للتظاهر بالاستذكار إذا طرقه طارق، ويروح يستقبل ~~بوعيه المركز أنغامها الناطقة والضاحكة بعد استخلاصها من أصوات ~~الآخرين الملابسة لها التي لا يكاد يشعر بها كأنما وعيه مغناطيس ~~يجذب إليه الصلب وحده من بين أخلاط شتى، وربما لحظ بعضا منها وهو ~~يعبر الصالة، وربما التقت عيناهما في لمحة خاطفة ولكنها كافية ~~لإسكاره وإذهاله كأنه تلقى بها رسالة خطيرة دار رأسه بخطورتها، ~~وملأ بنظراته المسترقة من وجهها عينيه وروحه، فعلى الرغم من أنها ~~كانت مسترقة خاطفة إلا أنها مستأثرة بروحه وإحساسه، فكانت شديدة ~~النفاذ والقوة تأتي النظرة منها بما لا يستطيعه النظر الطويل ~~والسبر العميق، كأنها انبثاق البرق الذي يتوهج لحظة قصيرة، فتضيء ~~شرارته الرحاب وتخطف الأبصار، وثمل قلبه بسرور مسكر عجيب، ولكنه لم ~~يخل - كحاله أبدا - من ظل أسى يتبعه كما تتبع رياح الخمسين مشرق ~~الربيع؛ لأنه لم يكن يكف عن التفكير في الأربعة الأعوام التي يتم ~~تعليمه فيها، والتي لا يدري كم من يد قد تمتد في أثنائها إلى ~~الثمرة الناضجة لتقطفها. ولو كان جو البيت غير هذا الجو الخانق ~~الذي تشد على عنقه قبضة أبيه الحديدية، لأمكنه أن يلتمس إلى سلام ~~قلبه أقصر السبل، ولكنه خاف دائما أن ينفس عن آماله فيعرضها ~~لزجرة من أبيه قاسية تطيرها وتبددها. وتساءل وهو يمد بصره فوق رأس ~~أخيه: ترى أي أفكار تدور برأسها؟ ألا يشغله حقا إلا ما تجمع من ~~قطع الملابس؟ ... ألم تشعر بعد بما يجذبه إلى موقفه هذا مساء بعد ~~مساء؟ ... وكيف يلقى قلبها هذه الخطى الجريئة من ناحيته؟ ... وتخيل ~~نفسه متخطيا سور السطوح إلى مكانها في الظلام، وتخيلها على أطوار ~~شتى تارة تنتظره على ميعاد، وتارة تباغت بمقدمه حتى تهم بالفرار، ~~ثم تصور ما يكون بعد ذلك وما يند عنه من بوح وشكوى وعتاب، ثم ما ~~قد يستتبعه هذا أو ذاك من عناق وقبل، بيد أنها كانت محض تخيلات ~~وأوهام، ms054 وكان أدرى الناس - بما جبل عليه من دين وآداب - ببطلانها ~~ومحالها. وبدا الموقف صامتا إلا أنه كان صمتا مكهربا يكاد ينطق ~~بغير لسان، وحتى كمال لاحت في عينيه الصغيرتين نظرة حائرة كأنه ~~يسائل نفسه عن معنى هذا الجد الغريب، الذي يثير استطلاعه على غير ~~جدوى، ثم نفد صبره فرفع صوته قائلا: لقد حفظت الكلمات، ألا ~~تسمعها لي؟ # وأفاق فهمي على صوته، فتناول الكراسة منه ومضى يسأله عن معاني ~~الكلمات والآخر يجيب حتى وقعت عيناه على كلمة عزيزة وجد بينها وبين ~~ما كان فيه سببا، وأي سبب فرفع صوته عمدا وهو يسأله عن معناها ~~قائلا: قلب؟ # وأجاب الغلام وتهجى والآخر يتلمس أثر موقع الكلمة من وجهها، ثم ~~رفع صوته مرة أخرى متسائلا: حب؟ # وارتبك كمال قليلا ثم قال بصوت يدل على الاعتراض: ليست هذه ~~الكلمة في الكراسة ... # قال فهمي باسما: ولكني ذكرتها لك مرارا، وكان يجب أن ~~تحفظها! # وقطب الغلام كأنه يشد قوس حاجبيه لاصطياد الكلمة الهاربة، ولكن ~~أخاه لم ينتظر نتيجة محاولته وواصل امتحانه بنفس الصوت المرتفع ~~قائلا: زواج. # وخيل إليه عند ذاك أنه لمح على شفتيها شبه ابتسامة، فتوالت ضربات ~~قلبه في سرعة وحرارة، وملأه شعور بالظفر؛ لأنه أمكنه أخيرا أن ~~ينقل إليها شحنة من الكهرباء التي تستعر في صدره، بيد أنه تساءل ~~لماذا يا ترى لم تفصح عن تأثرها إلا عند هذه الكلمة، ألأنها ~~استنكرت سابقتها أم أن الأخيرة كانت أول ما وعت أذناها؟! ... وما ~~يدري إلا وكمال يقول محتجا بعد أن أعياه التذكر: هذه الكلمات ~~صعبة جدا ... # وآمن قلبه بقولة أخيه البريئة، وذكر على ضوئها حاله ففترت فورة ~~سروره أو كادت، وهم بالكلام ولكنه رآها انحنت على السلة ثم ~~حملتها واتجهت نحو السور الملاصق لسطح بيته، ووضعتها عليه وراحت ~~تضغط الغسيل براحتيها، قريبة من موقفه لا يفصلها عنه إلا ذراعان، ~~ولو شاءت لاختارت موضعا آخر من السور ولكن كأنها تعمدت أن تتصدى ~~له وجها لوجه، فبدت في هجومها جريئة لحد أخافه وأربكه، وإن عاود ~~قلبه الخفقان السريع ms055 الحار، حتى شعر بأن الحياة تبيح له من كنوزها ~~لونا جديدا لم يدره، لطيفا بهيجا مفعما حيوية وأفراحا، ~~ولكن وقفتها القريبة لم تطل فما لبثت أن رفعت السلة بين يديها، ~~واستدارت مولية صوب باب السطح حتى مرقت منه وغابت عن ناظريه، وجعل ~~ينظر إلى الباب مليا دون مبالاة بأخيه الذي عاود التشكي من صعوبة ~~الكلمة، ثم شعر برغبة في الانفراد لتملي ما استجد من تجارب ~~الهوى، فقلب عينيه في الفضاء في تظاهر بالدهشة كأنما يتنبه إلى ~~الظلمة الزاحفة في الأفق لأول مرة، وتمتم قائلا: آن لنا أن نعود ~~... # 11 # وكان كمال يستذكر دروسه في الصالة تاركا حجرة الاستذكار لفهمي ~~وحده؛ ليكون غير بعيد عن مجلس أمه وأختيه. وكان ذلك المجلس ~~امتدادا لمجلس القهوة، إلا أنه يقتصر على النسوة وحديثهن الخاص ~~الذي يجدن فيه على تفاهته متعة لا تدانيها متعة، وقد جلسن ~~كعادتهن متلاصقات كأنهن جسم واحد ذو رءوس ثلاثة في حين تربع ~~كمال على كنبة أخرى قبالتهن فاتحا كتابه في حجره يقرأ فيه حينا، ~~ويغمض عينيه ليحفظ عن ظهر قلب حينا آخر، ويتسلى بين هذا وذاك ~~بالنظر إليهن والإصغاء لحديثهن. ولم يكن فهمي يوافق على استذكاره ~~لدروسه بعيدا عن مراقبته إلا على كره، ولكن تفوق الغلام في ~~المدرسة شفع له في اختيار المكان الذي يحب أن يستذكر فيه. والحق ~~كان اجتهاده فضيلته الوحيدة التي تحمد له، ولولا شقاوته لاستحق ~~عليها تشجيع أبيه نفسه، ولكنه على اجتهاده وتفوقه كانت تلم به ~~ساعات ملل فيضيق بالعمل والنظام، حتى ليغبط أمه وأختيه على خلو ~~بالهن وما يحظين به من راحة وسلام، وربما تمنى فيما بينه وبين ~~نفسه لو كان حظ الذكور في هذه الدنيا كحظ النساء، إلا أنها كانت ~~ساعات عابرة فلم تستطع أن تنسيه ما يتمتع به من مزايا دعته في ~~أحايين كثيرة إلى التطاول عليهن بالفخر والمباهاة لداع ولغير ما ~~داع، فلم يكن من النادر أن يسألهن وفي صوته رنة التحدي: «من منكن ~~تعرف عاصمة الكاب؟» أو «ما معنى شاب بالإنجليزية؟» ms056 فيجد من عائشة ~~صمتا لطيفا على حين تقر له خديجة بجهلها ثم تعرض به قائلة: ~~«ليس لهذه الطلاسم إلا من كان له رأس كرأسك!» أما أمه فتقول له في ~~إيمان ساذج: «لو علمتني هذه الأشياء كما تعلمني الديانة لما قصرت ~~فيها دونك.» ذلك أن أمه - على استكانتها ورقتها - كانت شديدة ~~الاعتزاز بثقافتها الشعبية المتوارثة عن أجيال متعاقبة منذ القدم، ~~ولم تكن تظن أنها بحاجة إلى مزيد من العلم أو أنه استجد من العلم ~~ما يستحق أن يضاف إلى ما لديها من معارف دينية وتاريخية وطبية، ~~وضاعف من إيمانها بها أنها تلقته عن أبيها أو في بيته الذي نشأت ~~فيه، وكان الأب شيخا من العلماء الذين فضلهم الله - لحفظهم القرآن ~~- على العالمين. فلم يكن معقولا أن تعدل بعلمه علما ولو لم تجهر ~~برأيها إيثارا للسلامة؛ ولهذا كثيرا ما أساءت الظن ببعض ما يقال ~~للأبناء في المدارس، ووجدت ثمة حيرة شديدة سواء في تفسيره أو في ~~السماح بتلقينه للناشئين، بيد أنها لم تعثر باختلاف يذكر بين ما ~~يقال للغلام في المدرسة عن أمور الدين وبين ما لديها منها، ولما ~~كان الدرس المدرسي لا يكاد يتسع إلا لقراءة السور وتفسيرها، وتبين ~~المبادئ الدينية الأولية، فقد وجدت متسعا لقص ما عندها من أساطير ~~لا تنفصل في اعتقادها عن حقيقة الدين وجوهره، بل لعلها رأت فيها ~~دائما حقيقة الدين وجوهره، وجلها معجزات وكرامات عن النبي ~~والصحابة والأولياء، وتعاويذ شتى للوقاية من العفاريت والزواحف ~~والأمراض فصدقها الغلام وآمن بها؛ لأنها صادرة عن أمه من ناحية، ~~ولأنها جديدة في موضوعها فلم تتعارض مع معارفه الدينية المدرسية من ~~ناحية أخرى. وفضلا عن هذا وذاك فلم تكن عقلية مدرس الديانة - كما ~~تتكشف في تبسطه في الحديث أحيانا - لتختلف عن عقلية أمه كثيرا أو ~~قليلا، ثم أنه شغف بالأساطير شغفا لم يظفر بمثله في الدروس ~~الجافة، فكان درس أمه من أسعد ساعات اليوم وأحفلها بالمتعة ~~والخيال. أما فيما عدا الدين فلم يكن النزاع نادرا إذا تهيأت ~~أسبابه، من ذلك أنهما ms057 اختلفا مرة عن الأرض، وهل هي تدور حول نفسها ~~في الفضاء أو تنهض على رأس ثور، ولما وجدت من الغلام إصرارا ~~تراجعت متظاهرة بالتسليم، ولكنها تسللت إلى حجرة فهمي وسألته عن ~~حقيقة الثور الذي يحمل الأرض، وهل ما زال على عهده بحملها. ورأى ~~الشاب أن يترفق بها ويجيبها باللغة التي تحبها، فقال لها إن الأرض ~~مرفوعة بقدرة الله وحكمته. وعادت المرأة قانعة بهذا الجواب الذي ~~سرها، وإن لم يمح من مخيلتها ذاك الثور الكبير. على أن كمال لم ~~يؤثر هذا المجلس لاستذكاره رغبة منه في الفخر بعلمه أو حبا في ~~النزاع الفكري، كان في الحق يحب بكل قلبه ألا يفارقهن ولو في وقت ~~عمله، وكان يجد لمرآهن سرورا لا يعادله سرور؛ فهذه الأم يحبها ~~أكثر من أي شيء في الدنيا ولا يحتمل تصور الوجود بدونها لحظة ~~واحدة، وهذه خديجة وهي تلعب في حياته دور أم أخرى رغم سلاطة لسانها ~~ووخز مزاحها، وهذه عائشة التي وإن لم تتحمس يوما لخدمة إنسان إلا ~~أنها أحبته حبا عظيما، فبادلها حبا بحب حتى كان لا يشرب ~~جرعة الماء من القلة، إلا إذا دعاها للشرب قبله ليضع شفتيه موضع ~~شفتيها المبتل بريقها. ومضت الجلسة كما تمضي كل ليلة حتى قاربت ~~الساعة الثامنة، فقامت الفتاتان وودعتا أمهما وذهبتا إلى حجرة ~~نومهما، وعند ذاك عجل الغلام بقراءة درسه حتى فرغ منه، ثم تناول ~~كتاب الديانة وانتقل إلى جانب أمه على الكنبة المقابلة له وهو يقول ~~لها بصوت ينم عن الإغراء: استمعنا اليوم إلى تفسير سورة عظيمة ~~ستعجبك جدا. # فاستوت المرأة في جلستها وهي تقول باحترام وإجلال: كلام ربنا ~~عظيم كله. # وسره اهتمامها وهزه شعور بالغبطة والعزة لا يجده إلا حين هذا ~~الدرس الأخير من اليوم. أجل كان يجد في هذا الدرس الديني أكثر من ~~سبب للسعادة، فإنه يقوم في أثناء نصفه على الأقل بدور المدرس، ~~ويحاول ما استطاع أن يستعيد ما يعلق بذاكرته من هيئة مدرسه وحركاته ~~وما يتمثله فيه من إحساس بالاستعلاء والقوة، وإنه يستمتع في ms058 نصفه ~~الآخر بما تلقيه عليه أمه من ذكريات وأساطير، وإنه يستأثر وحده في ~~شطريه بأمه دون شريك. ونظر كمال في الكتاب فيما يشبه الإدلال ثم ~~قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا # حتى أتم السورة، ولاح في عيني ~~الأم التردد والحيرة؛ إذ كانت تحذره من التفوه باسمي العفريت ~~والجن درءا لشرور تذكر بعضها على سبيل التخويف، وتمسك عن البعض ~~إشفاقا ومبالغة في الحيطة، فلم تدر كيف تتصرف وهو يتلو أحد ~~الاسمين الخطيرين في سورة شريفة، بل لم تدر كيف تحول بينه وبين ~~حفظها، أو ماذا تفعل لو دعاها كالمعتاد إلى حفظها معه. وقرأ الغلام ~~في وجهها هذه الحيرة فداخله سرور ماكر، وجعل يبدأ ويعيد ضاغطا على ~~مخارج الاسم الخطير وهو يلحظ حيرتها متوقعا أن تفصح أخيرا عن ~~إشفاقها في لون من ألوان الاعتذار، ولكنها على شديد حيرتها لاذت ~~بالصمت فمضى يعيد عليها التفسير كما سمعه حتى قال: ها أنت ترين ~~أن من الجن من استمع إلى القرآن وآمن به، فلعل سكان بيتنا من هؤلاء ~~الجن المسلمين، وإلا ما أبقوا علينا طوال هذا العمر. # فقالت المرأة في شيء من الضيق: لعلهم ... ولكن من الجائز أن يكون ~~بينهم غيرهم، فيحسن بنا ألا نردد أسماءهم! ~~- لا خوف من ترديد الاسم ... هكذا قال مدرسنا. # فحدجته المرأة بنظرة عتاب وقالت: المدرس لا يعرف كل شيء! ~~- وإن كان الاسم ضمن آية شريفة؟ # وشعرت حيال تساؤله بقهر ولكنها لم تجد بدا من أن تقول: كلام ~~ربنا بركة كله. # واقتنع كمال بهذا القدر، ثم واصل حديثه عن التفسير قائلا: ويقول ~~شيخنا أيضا إن أجسامهم من نار! # وبلغ بها القلق غايته فاستعاذت بالله وبسملت عدة مرات، أما كمال ~~فاستطرد قائلا: وسألت الشيخ: هل يدخل المسلمون منهم الجنة؟ فقال: ~~نعم، فسألته مرة أخرى: كيف يدخلونها بأجسام من نار؟ فأجابني بحدة ~~قائلا: إن الله قادر على كل شيء ... ~~- جلت قدرته. # فرنا ms059 إليها باهتمام ثم تساءل: وإذا التقينا بهم في الجنة ألا ~~تحرقنا نارهم؟! # فابتسمت المرأة وقالت في ثقة وإيمان: ليس فيها أذى أو ~~خوف. # وسرح الغلام بعينيه حالما وإذا به يسأل مغيرا مجرى الحديث ~~فجأة: أنرى الله في الآخرة بأعيننا؟ # قالت المرأة بنفس الثقة والإيمان: هذا حق لا ريب فيه. # فلاحت في نظرته الحالمة أشواق كما تلوح في الغلس بتأثير الضياء، ~~وساءل نفسه: متى يرى الله، وفي أي صورة يتبدى؟ وإذا به يسأل أمه ~~مغيرا مجرى الحديث فجأة مرة أخرى: أيخاف أبي الله؟! # فتولتها الدهشة وقالت في إنكار: يا له من سؤال غريب! ... أبوك رجل ~~مؤمن يا بني، والمؤمن يخاف ربه. # فهز رأسه في حيرة وقال بصوت خفيض: لا أتصور أن أبي يخاف ~~شيئا. # فهتفت المرأة في عتاب: سامحك الله ... سامحك الله ... # واعتذر عن قوله بابتسامة رقيقة، ثم دعاها إلى حفظ السورة ~~الجديدة، وراحا يتلوانها آية آية ويعيدان. ولما استفرغا جهدهما نهض ~~الغلام ليذهب إلى حجرة النوم فتبعته، حتى اندس تحت الغطاء على ~~فراشه الصغير، ثم وضعت راحتها على جبينه وتلت آية الكرسي، وانحنت ~~فوقه وطبعت قبلة على خده، فأحاط عنقها بذراعه ورد بقبلة طويلة ~~صادرة من أعماق قلبه الصغير. وكانت تلقى دائما صعوبة في التخلص ~~منه عند توديعه مساء؛ لأنه كان يبذل كل حيلته ليستبقيها إلى جانبه ~~أطول مدة ممكنة إن لم يفز باستبقائها، حتى يغيب في نومه وهو بين ~~ذراعيها، ولم يجد وسيلة لبلوغ غايته خيرا من أن يطلب إليها أن ~~تتلو على رأسه - إذا ختمت آية الكرسي - سورة ثانية ثم ثالثة، حتى ~~إذا آنس منها ابتسامة اعتذار توسل إليها معتلا بخوفه من وحدته في ~~الحجرة، أو بما يتراءى له به من أحلام مزعجة لا تدفعها إلا تلاوة ~~طويلة للسور الشريفة، وربما تمادى في تشبثه بها إلى حد تصنع ~~المرض، غير واجد في تحايله هذا جورا، بل رآه عن يقين ممارسة ~~منقوصة لحق من حقوقه المقدسة التي هضمت أفظع الهضم يوم فصل عن ~~أمه ظلما وعدوانا، وجيء به إلى ms060 هذا الفراش المفرد بحجرة أخويه. ~~كم يذكر مع الحسرة عهدا غير بعيد من ماضيه حين مضجعهما كان ~~واحدا، وحين ينام متوسدا ذراعها وهي تسكب في أذنه بصوتها الرقيق ~~قصص الأنبياء والأولياء، وحين النوم يغشاه قبل رجوع أبيه من سهرته، ~~وينحسر عنه بعد نهوض الرجل إلى الحمام، فلم يكن يرى مع أمه ثالثا، ~~وكانت الدنيا له بلا شريك. ثم بقضاء أعمى لم يدر له حكمة فرقوا ~~بينهما، وتطلع إليها ليرى أثر نفيه في نفسها فما عجب إلا بتشجيعها ~~الموحي بموافقتها وتهنئتها له قائلة: «الآن صرت رجلا فمن حقك أن ~~يفرد لك فراش خاص.» من قال إنه يسره أن يكون رجلا، أو أنه يطمح ~~إلى أن يفرد له فراش خاص؟! ومع أنه بلل أول وسادة خاصة له بدمعه، ~~ومع أنه أنذر أمه بأنه لن يعفو عنها مدى الحياة، إلا أنه لم يجرؤ ~~على التسلل إلى مضجعه القديم؛ لأنه كان يعلم أن وراء تلك الحركة ~~الجائرة الغادرة تجثم إرادة أبيه التي لا ترد، ولشد ما حزن حتى ~~رسبت عكارة الحزن في أحلامه، ولشد ما حنق على أمه - لا لأنه لم ~~يسعه أن يحنق على أبيه فحسب - ولكن لأنها كانت آخر من يتصور أن ~~يخيب عنده الأمل، بيد أنها عرفت كيف تسترضيه وترده إلى الصفاء ~~رويدا ودأبت على ألا تفارقه بادئ الأمر حتى يوافيه النوم، ~~وجعلت تقول له: «لم نفترق كما تزعم، ألست ترانا معا؟ وسنبقى ~~دائما معا، لن يفرق بيننا إلا النوم الذي كان يفرق بيننا ونحن في ~~فراش واحد.» والآن لم تعد تطفو على شعوره حسرة مما تخلف عن تلك ~~الذكرى، واستنام إلى حياته الجديدة، بيد أنه لم يكن يدعها تذهب ~~حتى يستنفد الحيل لاستبقائها إلى جانبه أطول مدة ممكنة، وقد قبض ~~على راحتها في حرص شديد كما يقبض الطفل على لعبته بين أطفال ~~يتخاطفونها. وراحت هي تتلو الآيات على رأسه حتى غافله الكرى، ~~فودعته بابتسامة رقيقة وغادرت الحجرة، واتجهت إلى الحجرة التالية ~~ففتحت بابها بخفة، ونظرت صوب فراش لاح شبحه في ms061 جانبها الأيمن ~~وتساءلت في رقة: «نمتما؟» فجاءها صوت خديجة وهي تقول: كيف ~~يتأتى لي النوم وشخير ست عائشة يملأ علي الحجرة؟! # ثم سمع صوت عائشة وهي تقول في نبرات ناعسة: ما سمع أحد لي ~~شخيرا قط، ولكنها لا تدعني أنام بثرثرتها المتواصلة. # فقالت الأم في عتاب: أين وصيتي لكما بأن تكفا عن هذركما وقت ~~النوم! # وردت الباب وسارت إلى حجرة الاستذكار، فطرقت بابها بخفة ثم ~~فتحته وأدخلت رأسها وهي تقول باسمة: أفي حاجة إلى خدمة يا سيدي ~~الصغير؟ # فرفع فهمي رأسه عن الكتاب وشكرها مشرق الوجه بابتسامة لطيفة، ~~فردت الباب وابتعدت عنه، وهي تدعو لفتاها بالفلاح وطول العمر، ~~ثم عبرت الصالة إلى الدهليز الخارجي، وارتقت السلم إلى الدور ~~الأعلى، حيث توجد حجرة نوم السيد وصوتها يسبقها تاليا ~~الآيات. # 12 # لما غادر ياسين البيت كان يدري بطبيعة الحال وجهته التي يقصد ~~مساء بعد مساء، ولكنه بدا - كعادته دائما إذا مشى في الطريق - ~~وكأنه لا وجهة له. كان شأنه إذا سار أن يسير متمهلا في هوادة ~~ورفق، مختالا في عجب وزهو، كأنه لا يغفل لحظة واحدة عن أنه صاحب ~~هذا الجسم العظيم، وهذا الوجه الفائض حيوية وفحولة، وهذه الملابس ~~الأنيقة الآخذة حظها - وأكثر - من العناية، إلى منشة عاجية لا ~~تفارق يده صيفا أو شتاء، وطربوش طويل مائل يمنة حتى يكاد يمس ~~حاجبه، ومن عادته أيضا إذا سار أنه كان يرفع عينيه - دون رأسه - ~~مستطلعا ما وراء النوافذ لعل وعسى، فلم يكن يقطع طريقا حتى يشعر ~~في نهايته بما يشبه الدوار من كثرة تحريك عينيه، إذ كان ولعه ~~بالتهام النسوة اللاتي يصادفنه داء لا شفاء منه، فهو يتفحصهن ~~مقبلات ويتبع عينيه أرادفهن مدبرات، ويظل في قلقه كثور هائج حتى ~~ينسى نفسه فلا يعود يتدبر مداراة مقاصده، الأمر الذي تنبه له مع ~~الزمن عم حسنين الحلاق والحاج درويش بائع الفول والفولي اللبان، ~~وبيومي الشربتلي، وأبو سريع صاحب المقلى وغيرهم، فمنهم من حمله ~~محمل الدعابة ومنهم من أخذه مأخذ الانتقاد لولا أن الجيرة ومنزلة ~~السيد ms062 أحمد عبد الجواد شفعتا له بالإغفاء والتسامح. كانت حيويته من ~~العنف بحيث ملكت عليه فراغه كله، فلم تدع له وقتا يستريح فيه من ~~استفزازها، وشعر دائما بألسنتها تلهب حواسه ووجدانه، وكأنها عفريت ~~يركبه ويوجهه حيث يشاء، بيد أنه عفريت لم يخفه أو يضق به، ولم ~~يود الخلاص منه، بل لعله رام منه المزيد، ولكن سرعان ما توارى ~~عفريته واستحال ملاكا لطيفا حين اقترب الشاب من دكان أبيه، هناك ~~أغضى طرفه واستقامت مشيته، وتحلى بأدب وحياء، وحث خطاه لا يلوي ~~على شيء، ولما مر بباب الدكان التفت إلى داخله فرأى خلقا كثيرين، ~~ولكنه التقى بعيني أبيه وهو جالس وراء مكتبه فانحنى في إجلال ~~رافعا يده إلى رأسه في أدب، فرد الرجل تحيته مبتسما، ثم استأنف ~~مسيره مسرورا بهذه الابتسامة كأنما حظي بنعمة نادرة المثال. ~~والحق أن عنف أبيه المعهود، ولو أنه اعتوره تغير ملموس منذ أن ~~انخرط الفتى في سلك موظفي الدولة، إلا أنه لم يزل في نظره نوعا من ~~العنف الملطف بالكياسة، فلم يزايل الموظف خوفه القديم الذي ملأ ~~قلبه وهو تلميذ، ولم يفارقه شعوره بأنه ابن وأن الآخر الأب، وما ~~فتئ يتضاءل بمحضره على ضخامته كأنما يستحيل عصفورة يرعشها وقع ~~الحصاة. وما إن ابتعد عن دكان أبيه وصار بمنجى من عينيه حتى استرد ~~خيلاءه وعادت عيناه إلى الذبذبة غير مفرقة بين الهوانم وبائعات ~~الدوم أو البرتقال؛ إذ كان العفريت الذي يركبه مولعا بالنساء ~~كافة، متواضعا يستوي عنده الرفيع والوضيع منهن؛ فبائعات الدوم ~~والبرتقال - على سبيل المثال - وإن شابهن الأرض التي يقتعدنها ~~لونا وقذارة لا يخلين أحيانا من ميزة حسن، كثديين ناهدين أو ~~عينين مكحولتين. وماذا يروم غير هذا؟! ... ثم اتجه صوب الصاغة ومنها ~~إلى الغورية، ومال إلى قهوة سي علي على ناصية الصنادقية، وكانت شبه ~~دكان متوسطة الحجم يفتح بابها على الصنادقية وتطل بكوة ذات قضبان ~~على الغورية، وقد اصطف بأركانها الأرائك. واتخذ مجلسه على أريكة ~~تحت الكوة - مجلسه المختار منذ أسابيع - وطلب الشاي. جلس بحيث يوجه ~~بصره في ms063 يسر ودون إثارة ظن إلى الكوة، ومنها يصعده كلما يشاء إلى ~~نافذة صغيرة في بيت على الجانب الآخر للطريق، لعلها كانت الوحيدة ~~بين النوافذ المغلقة التي لم يعن بإحكام إغلاق خصاصها، ولا عجب فقد ~~كانت تابعة لمسكن زبيدة «العالمة»، ولم تكن «العالمة» مطمحه فدون ~~هذا مراحل من المجون عليه أن يجتازها في صبر وأناة، ولكنه راح ~~يرصد ظهور زنوبة العوادة ربيبة «العالمة» ونجمة تختها اللامعة، ~~وكانت فترة توظفه بالحكومة عهدا حافلا بالذكريات جاءه بعد طول ~~تقشف إجباري عاناه محاذرا في ظل أبيه الرهيب، فانطلق من ثمة ~~كالشلال يتحدر في مهاوي الأزبكية على ما لاقى من مضايقات الجنود ~~الذين قذفتهم عجلة الحرب إلى القاهرة، ثم ظهر في الميدان ~~الأستراليون فاضطر إلى التخلي عن مغاني العبث فرارا من وحشيتهم، ~~وضاقت به السبل فمضى يتقلب في أزقة حية كالمجنون، وأقصى ما يطمع ~~فيه من لذة بائعة برتقال أو غجرية ممن يقرأن الطالع، حتى رأى يوما ~~زنوبة فتبعها مذهولا إلى موطنها، ثم تعرض لها مرة بعد مرة ولا ~~يكاد يظفر منها بما يبل صدره. كانت امرأة وكل امرأة عنده رغيبة، ~~بيد أنها كانت إلى هذا ذات حسن فهوسته، وليس الحب لديه إلا تلك ~~الشهوة العمياء أو هذه الشهوة المبصرة وهي أسمى ما عرف من ألوانه، ~~وجعل يمد بصره خلال القضبان إلى النافذة الخالية في جزع وقلق ~~أنسياه نفسه، فحسا الشاي الساخن دون أن ينتبه إلى سخونته إلا وهو ~~يزدرده وراح ينفخ متألما، ثم أعاد القدح إلى الصينية الصفراء ~~مسترقا النظر إلى السمار الذين أزعجته أصواتهم المرتفعة كأنما ~~هي المسئولة عن لسعته، أو أنها السبب في عدم ظهور زنوبة بالنافذة ... ~~«ترى أين الملعونة؟ ... أتتعمد الاختفاء! ... من المحقق أنها تعلم ~~بوجودي هنا ... ولعلها رأتني قادما ... فإذا اصطنعت التدلل إلى ~~النهاية ألحقت هذا اليوم بأيامي المحرقة.» وعاود استراق النظر إلى ~~الجلوس ليرى هل يلاحظه أحد منهم، ولكنه وجدهم جميعا منهمكين في ~~أحاديثهم التي لا تنتهي، فداخله ارتياح وأرجع بصره إلى الهدف ~~المرموق، بيد أنه اعترضت تيار أفكاره ms064 ذكريات عن متاعب اليوم ~~التي صادفته في المدرسة؛ إذ شك الناظر في أمانة متعهد اللحوم ~~فقام بتحقيق اشترك هو فيه بوصفه كاتب المدرسة، ثم بدا منه شيء من ~~التراخي في عمله حمل الناظر على نهره مما نغص عليه صفوه بقية ~~اليوم، وجعله يفكر في أن يشكو الناظر إلى أبيه - وهما صديقان ~~قديمان - لولا خوفه أن يجد أباه أشد عليه من الناظر ... «اطرح عنك ~~هذه الأفكار السخيفة .. انتهينا من المدرسة والناظر عليهما اللعنة ~~... حسبي الآن ما ألاقي من القارحة بنت القارحة التي تبخل علينا ~~بنظرة.» وإذا بأحلام عارية تنثال على خياله، أحلام كثيرا ما تمثل ~~على مسرح أوهامه وهو يرنو إلى امرأة أو يستعيد ذكراها، تخلقها ~~عاطفة هوجاء تنزع عن الأجساد أغطيتها وتجلوها عارية كما خلقها الله ~~غير مستثنية جسده هو، ثم تمضي في فنون من العبث لا عاصم لها، ولكنه ~~ما كاد يستنيم إلى هذه الأحلام حتى انتبه على صوت حوذي وهو يصيح ~~على حماره «يس»، فرمى ببصره ناحية الصوت فرأى عربة كارو تقف أمام ~~بيت العالمة. وتساءل: ترى أجاءت العربة لتحمل أفراد التخت إلى فرح ~~من الأفراح؟ ... ونادى صبي القهوة ودفع إليه الحساب متأهبا لمغادرة ~~المكان في أية لحظة إذا دعا داع. ومضت فترة انتظار وترقب ثم ~~فتح باب البيت وبرزت امرأة من نسوة التخت وهي تجر رجلا أعمى ~~مرتديا جلبابا ومعطفا وعوينات سوداء ومتأبطا القانون، وصعدت ~~المرأة إلى العربة وتناولت القانون ثم أخذت بيد الأعمى، وأعانه ~~الحوذي من ناحية أخرى حتى لحق بالمرأة، وجلسا متجاورين في مقدمة ~~العربة، وتبعتهما على الأثر امرأة ثانية تحمل دفا ثم ثالثة ~~متأبطة صرة، وقد تبدين في ملاءاتهن اللف سافرات، كاسيات - بدلا من ~~البراقع - بأقنعة من زواق فاقع الألوان جعلهن بعرائس المولد أشبه. ~~ثم ما هذا؟ ... رأى ببصر شيق وقلب خافق العود وهو يبرز من الباب ~~في جرابه الأحمر ... وأخيرا بدت زنوبة وقد انحسر طرف ملاءتها عند ~~أعلى الرأس عن منديل قرمزي ذي أهداب منمنمة. لمعت تحته عينان ~~سوداوان ضاحكتان تنفث نظرتهما لعبا ms065 وشيطنة. واقتربت من العربة ~~ومدت يدها بالعود فتناولته امرأة، ثم رفعت قدما إلى أعلى العجلة ~~فاشرأب ياسين بعنقه وهو يزدرد ريقه، فلمح ثنية الجورب معقودة ~~فوق الركبة على أديم بدا منه صفاء عذب خلال أهداب فستان برتقالي ... ~~«آه لو تغوص بي الأريكة في الأرض مترا ... رباه ... إن وجهها أسمر، ~~ولكن لحمها المكنون أبيض ... أو شديد الميل للبياض ... فكيف يكون ~~الورك! ... وكيف يكون البطن! ... البطن يا هوه ...» وثبتت زنوبة راحتيها ~~على سطح العربة وتحاملت عليها، حتى حطت ركبتيها على حافة العربة، ~~ثم مضت تتحرك رويدا على أربع ... «يا لطيف ... يا لطيف، آه لو كنت على ~~باب البيت ... أو حتى في دكان محمد الطرابيشي ... انظر إلى ابن الكلب ~~كيف يحملق في الطابية بعينيه ... ما أجدر أن يسمي نفسه منذ اليوم ~~محمد الفاتح ... يا لطيف ... يا منقذ ...» وأخذ ظهرها يستقيم حتى نهضت ~~واقفة على سطح العربة، وفتحت الملاءة وقبضت على طرفيها وجعلت ~~تهزها بيديها هزات متتابعات كأنها طائر يخفق بجناحيه، ثم لفتها ~~حول جسمها لفة محكمة وشت بدقائق تقاطيعه وتفاصيله، وأبرزت - خاصة ~~- عجيزة مدملجة رقراقة، ثم جلست عند مؤخرة العربة فتكور ردفها ~~تحت الضغط متبلورا ذات اليمين وذات اليسار، فنعم الوسادة ... ونهض ~~ياسين وغادر القهوة فوجد العربة قد تحركت فتبعها متمهلا وهو ~~يلهث، ويصر على أسنانه من شدة الانفعال. وراحت العربة تسير سيرتها ~~المتمهلة المتمايلة والنسوة على سطحها يتأرجحن معها يمنة ويسرة، ~~فركز الشاب عينيه في وسادة العوادة، يذهب معها ويجيء حتى خالها ~~بعد حين ترقص. وكانت الظلمة قد بدأت تغشى الطريق الضيق، وأخذت كثرة ~~من الدكاكين تغلق أبوابها، إلا أن غالبية المارة كانت من جمهور ~~العاملين العائدين إلى بيوتهم منهوكي القوى، فوجد ياسين بين الظلمة ~~والجمهور المتعب متسعا لإنعام النظر والأحلام في أمن ودعة ... ~~«اللهم لا تجعل لهذا الطريق من نهاية، ولا لهذه الحركة الراقصة من ~~ختام ... يا لها من عجيزة سلطانية جمعت بين العجرفة واللطف يكاد ~~البائس مثلي يحس بطراوتها وشدتها معا بالنظر المجرد ... وهذا المفرق ~~العجيب الذي يشطرها تكاد تنطق ms066 الملاءة عنده ... وما خفي كان أعظم .. ~~إني أدرك الآن لماذا يصلي بعض الناس ركعتين قبل أن يبني بعروسه ... ~~أليست هذه قبة؟ ... بلى وتحت القبة شيخ ... وإني لمجذوب من مجاذيب هذا ~~الشيخ ... يا هوه ... يا عدوي ...» وتنحنح والعربة تقترب من بوابة ~~المتولي، فالتفتت زنوبة وراءها ورأته. ثم خيل إليه وهي تعيد رأسها ~~أنه لمح على شفتيها بشير ابتسامة، فدق قلبه في عنف وسرت في وجدانه ~~سكرة سرور ملتهب، ومرقت العربة من بوابة المتولي ثم مالت إلى ~~اليسار، وهناك اضطر الشاب إلى التوقف عن متابعتها؛ لأنه رأى عن ~~كثب معالم زينات وأنوار وجمهورا مهللا، فتراجع قليلا وبصره لا ~~يفارق العوادة، وجعل يراقبها بنهم وهي تنزل على الأرض، وهي ترمي ~~ناحيته بنظرة عابثة، ثم وهي تتجه إلى بيت العروس حتى واراها ~~الباب في ضجة من الزغاريد. وتنهد تنهدة حامية، ولفته حيرة حانقة ~~فبدا قلقا كأنه لا يدري أي وجهة يقصد ... «لعنة الله على ~~الأستراليين! ... أين أنت يا أزبكية لأبثك همي وأشجاني، وأتزود منك ~~بشيء من الصبر.» ثم دار على عقبيه وهو يتمتم «إلى العزاء الباقي ~~.. إلى كستاكي.» وما كاد ينطق باسم البدال اليوناني حتى تندى ~~رأسه حنينا إلى حميا الشراب .. كانت المرأة والخمر في حياته ~~متلازمتين متكاملتين، ففي مجلس المرأة عاقر الخمر لأول مرة، ثم ~~صارت بحكم العادة من مقومات لذته وبواعثها، بيد أنه لم يتح لهما ~~- المرأة والخمر - أن يتلازما دائما، وخلت ليال كثيرات من ~~النساء، فلم يجد بدا من أن يخفف لوعته بالشراب، ولكرور الأيام ~~واستحكام العادة بات وكأنه المولع بالخمر لذاتها. وعاد من نفس ~~الطريق الذي جاء منه، وقصد بدالة كستاكي عند رأس السكة الجديدة ~~- حانوت كبير ظاهره بدالة وباطنه حانة يفصل بينهما باب صغير - ووقف ~~عند مدخلها مختلطا بالزبائن ريثما يتفحص الطريق أن يكون أبوه هنا ~~أو هناك، ثم اتجه صوب الباب الصغير الداخلي، ولكن ما كاد يتقدم ~~خطوة حتى لمح في طريقه رجلا واقفا أمام الميزان والخواجة كستاكي ~~نفسه يزن له لفة كبيرة، فانجذب رأسه إليه بلا إرادة، ms067 وسرعان ما ~~اكفهر وجهه وسرت في بدنه رجفة قاسية تقبض لها قلبه خوفا ~~واشمئزازا. لم يكن في مظهر الرجل ما يسبغ هذه العواطف العدائية. ~~كان في الحلقة السادسة، مرتديا جلبابا فضفاضا وعمامة، وقد ~~ابيض شاربه وعلاه الكبر والوداعة، إلا أن ياسين واصل سيره ~~مضطربا كأنما يفر قبل أن تقع عليه عينا الرجل، ودفع باب الحانة ~~بشيء من القوة ثم دخل تكاد تميد به الأرض ... # 13 # ارتمى على أول مقعد صادفه غير بعيد من الباب، وقد بدا خائر ~~القوى ساهما، ثم دعا النادل وطلب دورق كونياك بنبرات نمت على ~~نفاد صبره. وكانت الحانة بالحجرة أشبه، تدلى من سقفها فانوس كبير، ~~وصفت بجنباتها موائد خشبية وكراسي خيزران جلس إليها نفر من أهل ~~البلد والعمال والأفندية، وتوسط المكان تحت الفانوس مباشرة مجموعة ~~من أصص القرنفل. من عجيب أنه لم ينس الرجل، وأنه عرفه من النظرة ~~الأولى، متى رآه آخر مرة؟ ... لا يستطيع أن يجزم، ولكن من المحقق أنه ~~لم تقع عليه عيناه في مدى اثنتي عشرة سنة، إلا مرتين إحداهما التي ~~زلزلته الآن. وقد تغير الرجل ما في ذلك من شك فغدا شيخا هادئا ~~وقورا! ... ألا سحق الله المصادفة العمياء التي ألقت به في سبيله. ~~والتوت شفتاه تقززا وامتعاضا وشعر بمرارة الهوان تجري في ~~ريقه. يا له من هوان مذل ما يكاد يفيق من دواره القديم بالعناء ~~والعناد، حتى ترده إليه ذكرى من الذكريات المعتمة أو مصادفة لعينة ~~كالتي حدثت اليوم فينقلب ذليلا منكسرا ... ضائعا. وعلى رغمه حملقت ~~عيناه في الماضي البغيض، بقوة الهياج المثار في رأسه وقلبه، ~~فانشق الظلام عن أشباح شائهة طالما ناوشته كرموز للعذاب ~~والكراهية، فميز من بينها دكان فاكهة يقوم على رأس عطفة قصر ~~الشوق، وطالعته صورة غامضة المعالم، هي صورته وهو صبي، فرآه وهو ~~يحث خطواته المتقاربة إلى ذلك الدكان حيث استقبله ذلك الرجل، ثم ~~حمله قرطاسا مليئا بالبرتقال والتفاح، فتناوله مسرورا وعاد به ~~إلى المرأة التي بعثته وانتظرت، إلى أمه دون غيرها وا أسفاه! ~~وانعكست الذكرى على ms068 جبينه عبوسة حنق وضيق، ثم استعادت مخيلته صورة ~~الرجل فتساءل جزعا: ترى أكان يعرفه لو وقعت عليه عيناه؟ ... أكان ~~يذكر فيه الصبي الصغير الذي عرفه قديما ابنا لتلك المرأة؟ ... ~~وقرصته قشعريرة فزع فتخاذل جسمه البادن الفارع وتضاءل في حسه ~~حتى استحال لا شيء، وجيء عند ذاك بالدورق والقدح فصب ونهل في ~~نهم وعصبية متعجلا حظ الشاربين من الانتعاش والنسيان، ولكن فجأة ~~تراءى له من أعماق الماضي وجه أمه، فلم يتمالك من أن يبصق. أيهما ~~يلعن: الحظ الذي جعلها أمه أم جمالها الذي شغف كثيرين حبا وأحاطه ~~بالكوارث؟! ... والحق أنه لم يكن بوسعه أن يغير أمرا مما قدر ~~عليه، ولم يكن بوسعه إلا أن يذعن للقضاء الذي هرس عزة نفسه، أفليس ~~من الظلم أن يكفر بعد ذلك عن حكم القضاء كأنه هو الجاني الأثيم؟! ~~... ولم يدر لم استحق اللعنة، فالأطفال الذين استقبلوا الدنيا في ~~حضانة أمهات مطلقات مثله غير قليلين، وعلى خلاف أكثرهم وجد من أمه ~~حنانا غير مشوب وحبا لا يعرف الحدود وتدليلا سابغا لا تشكمه ~~رقابة أب، فتمتع بطفولة سعيدة قوامها الحب واللين والدماثة. ~~ولا تزال ذاكرته تحتفظ بالكثير من ذكريات البيت القديم بقصر الشوق، ~~كسطحه الذي يشرف على أسطح لا عداد لها ويرى مآذن وقبابا من ~~نواحيه الأربع، ومشربيته التي تطل على الجمالية حيث تمر ليلة بعد ~~أخرى مواكب الزفاف تضيئها الشموع ويكتنفها الفتوات، فينجلي ~~أكثرها عن معارك تشتجر فيها النبابيت وتسيل الدماء. في ذاك البيت ~~أحب أمه حبا لا مزيد عليه وفيه شاعت في قلبه الريبة الغامضة، ~~وفيه رمى إلى صدره بالبذور الأولى لنفور غريب - نفور ابن من أمه - ~~التي قدر لها أن تنمو وتستفحل حتى انقلبت مع الزمن كراهية كالداء ~~العضال، وكثيرا ما قال لنفسه إنه ربما كان في وسع الإرادة القوية ~~أن تتيح لنا أكثر من مستقبل واحد، ولكننا لن يكون لنا - مهما ~~أوتينا من إرادة - إلا ماض واحد لا مفر منه ولا مهرب. والآن ~~يتساءل - كما تساءل من قبل كثيرا - متى فطن إلى أن ms069 أمه لم تكن ~~الشخص الوحيد في حياته؟! ... بعيد جدا أن يعرف هذا على وجه اليقين، ~~وما يذكر إلا أنه في فترة ما من طفولته وعت حواسه شخصا جديدا ~~كان يطرأ على البيت من حين لآخر، ولعله - ياسين - كان يتطلع إليه ~~بغرابة وشيء من الخوف، ولعل الآخر بذل ما في وسعه لإيناسه ~~وإرضائه، إنه يحملق في الماضي على استكراه ونفور شديدين، ولكنه ~~وجد المقاومة لا تجدي، كأنما ذاك الماضي دمل يود لو يتجاهله على ~~حين لا تمسك يده عن جسه من آن لآخر. ثم إن هناك أمورا لا يمكن أن ~~تنسى ... ففي مكان ما ووقت بين النور والظلمة، وتحت أعلى نافذة أو ~~باب مطعم بمثلثات من الزجاج الأزرق والأحمر ... في ذاك المكان يذكر ~~أنه اطلع فجأة - في ظروف فرضها النسيان - على ذلك الشخص الطارئ ~~وهو كأنه يفترس أمه، فما تمالك أن صرخ من أعماق قلبه وولول باكيا ~~حتى أقبلت المرأة عليه في اضطراب باد وراحت تطيب خاطره وتسكن ~~ثائره، وانقطعت من شدة الامتعاض عند ذاك سلسلة خواطره فقلب ~~عينيه فيما حوله واجما، ثم صب من الدورق في القدح وشرب، وقد ~~لمح وهو يعيد القدح إلى موضعه نقطة من سائل منداحة فوق طرف ~~جاكيتته، فظنها خمرا وأخرج منديله وأنشأ يدلكها، ثم خطر له ~~خاطر فتفحص ظاهر القدح فرأى قطرات من الماء عالقة بأسفله، فرجح ~~عنده أن ما سقط على سترته ماء لا خمر واسترد طمأنينته ... ولكن أي ~~طمأنينة خادعة! لقد رجعت عيناه إلى مرآة الماضي البغيض. لا يذكر ~~متى وقعت الواقعة السالفة، ولا كم كان عمره حين وقوعها، ولكنه يذكر ~~بلا ريب أن الشخص المفترس لم ينقطع عن البيت القديم، وأنه كثيرا ~~ما تودد إليه بما لذ وطاب من ألوان الفاكهة، ثم كان يراه بعد ذلك ~~في دكان الفاكهة عند رأس العطفة إذا استصحبته أمه معها في مشوار، ~~وبسذاجة الأطفال كان يلفت نظرها إليه، فكانت تجذبه في عنف بعيدا ~~عنه وتمنعه من الإيماء إليه، حتى تعلم أن يتجاهله وهو في صحبتها ~~بالطريق، ms070 وازداد الشخص في نظره إبهاما وغموضا، ثم حذرته من أن ~~يعود إلى ذكره أمام خال عجوز كان وقتذاك على قيد الحياة، ويزورهم ~~من حين لآخر فاتبع تحذيرها وما يزداد إلا حيرة. ولم يقنع الحظ ~~منه بذاك القدر، فكانت أمه - إذا غاب الرجل عن البيت أياما - يكون ~~مبعوثا إليه ليدعوه إلى أن يحضر «الليلة»! وكان الرجل يستقبله ~~بلطف ويملأ قرطاسا من التفاح والموز، ويحمله موافقته أو ~~اعتذاره كيفما اتفق. ثم بلغ به الحال أنه إذا اشتاق إلى لذيذ ~~الفاكهة استأذن أمه في أن يذهب إلى الرجل ليدعوه «الليلة»، ذكر هذا ~~وجبينه يندى خزيا ثم نفخ في قهر، ثم صب وجرع. ورويدا انبعثت ~~الحميا في دمه، وبدأت تلعب دورها الساحر في معاونته على حمل ~~متاعبه ... «قلت ألف مرة إنه يجب أن أدع الماضي مدفونا في قبره ... لا ~~فائدة ... لا أم لي وحسبي امرأة أبي الرقيقة الطيبة ... كل شيء طيب ما ~~عدا ذكرى قديمة بيدي أن أميتها ... ترى لم أجاري إلحافها علي ~~فأبعثها من قبرها حينا بعد حين! ... لم؟! ... سوء الطالع وحده الذي ~~رمى بالرجل في طريقي اليوم ولكن مصيره أن يموت يوما ... أود أن ~~يموت كثيرون ... لم يكن الرجل الوحيد ...» بيد أن خياله الثائر واصل ~~إسراءه في ظلمات الماضي رغم مقاومته النظرية، ولكن على حال أخف ~~توترا. أجل لم يعد في تلك القصة بالذات من بقية طويلة، ولعلها - ~~هذه البقية - تمتاز بما يضيئها من نور نسبي بعد عبور طور الطفولة ~~المعتم. كان هذا في السنوات القلائل التي سبقت انتقاله إلى حضانة ~~أبيه، وقد وجدت أمه الشجاعة لتصارحه بأن ذاك «الفكهاني» يتردد ~~عليها طلبا ليدها، وأنها مترددة في قبوله، وأنها غالبا سترفض ~~إكراما له! ترى أصدق ما قيل له؟ ... هيهات أن يستوثق من تفاصيل ~~ذكرياته، ولكنه كان بلا ريب يشرئب للإدراك والفهم، ويعاني نوعا من ~~الريبة الغامضة التي تتكشف للقلب دون العقل، ويكابد ألوانا من ~~القلق أطار عن هامته حمامة السلام، فتهيأت في نفسه تربة لتلقي ~~بذرة النفور التي صارت مع الأيام إلى ms071 ما صارت إليه. ثم انتقل في ~~التاسعة من عمره إلى حضانة أبيه الذي لم يكن رآه إلا مرات معدودة ~~تحاميا للاحتكاك بأمه. انتقل إليه غلاما على الفطرة لم يتلقن ~~من مبادئ العلم كلمة واحدة، ومضى يكفر عن سيئات التدليل الذي غلته ~~به أمه فتلقى التعليم بنفس كارهة وإرادة خائرة، ولولا شدة ~~السيد وطيبة جو البيت الجديد ما دفع إلى النجاح في الابتدائية بعد ~~أن نيف على التاسعة عشرة من عمره. وبنمو عمره وإدراكه حقائق ~~الأشياء، استعرض حياته الماضية في بيت أمه وقلبها على وجوهها ~~ملقيا عليها من خبرته الجديدة أنوارا فاضحة، فتكشفت له الحقائق ~~ببشاعتها ومرارتها، وكلما تقدم في الحياة خطوة بدا له الماضي ~~سلاحا مسموما منغرسا في صميم نفسه وكرامته، وقد دأب أبوه بادئ ~~الأمر على أن يسأله عن حياته في بيت أمه، ولكنه على حداثة سنه، ~~تحاشى نبش الذكريات المحزنة وغلب كبرياءه الجريح على الرغبة في ~~استثارة اهتمام أبيه، وحب الثرثرة الذي يستهوي أمثاله من الغلمان، ~~ولزم الصمت حتى ترامى إليه نبأ غريب عن زواج أمه من تاجر فحم ~~بالمبيضة فبكى الغلام طويلا، واشتد ضغط السخط على صدره حتى فضفض، ~~فانطلق يحدث أباه عن «الفكهاني» الذي زعمت يوما أنها رفضت الزواج ~~منه إكراما له! ... وانقطعت صلته بها من ذاك العهد - منذ إحدى عشرة ~~سنة - فلم يعد يدري عنها شيئا إلا ما ينقله إليه أبوه من حين ~~لآخر كطلاقها من الفحام بعد انقضاء عامين على زواجها منه، ثم ~~زواجها من باشجاويش في العام التالي لطلاقها، ثم طلاقها مرة أخرى ~~بعد حوالي عامين إلخ ... إلخ ... وفي فترة قطيعتها الطويلة سعت المرأة ~~كثيرا إلى رؤيته، فكانت ترسل إلى أبيه من يستأذنه في السماح له ~~بالذهاب إليها، ولكن ياسين صد عن دعوتها بإباء ونفور شديدين ~~رغم نصح أبيه له بالتسامح والعفو. والحق أنه وجد عليها موجدة ~~حامية نابعة من صميم قلب جريح، فأغلق دونها باب العفو والغفران، ~~وأقام وراءه متاريس حنق وكراهية مؤمنا إلى هذا بأنه لم يظلمها، ~~ولكن أنزلها بحيث أنزلتها ms072 فعالها ... «امرأة. أجل ما هي إلا امرأة ... ~~وكل امرأة لعنة قذرة ... لا تدري امرأة ما العفة إلا حين تنتفي أسباب ~~الزنا ... حتى امرأة أبي الطيبة، الله وحده يعلم ماذا كان يمكن أن ~~تكون لولا أبي!» وقطع عليه أفكاره صوت رجل علا قائلا: «الخمر كلها ~~فوائد، ومن يقل غير هذا أقطع رأسه ... الحشيش والمنزول والأفيون ~~كثيرة الضرر ... أما الخمر فكلها فوائد ...» فتساءل صاحبه: «وما ~~فوائدها؟» فقال الرجل مستنكرا: «وما فوائدها! ما أعجب سؤالك! ... ~~كلها فوائد كما قلت ... وأنت تعلم هذا وتؤمن به ...» فقال صاحبه: «ولكن ~~الحشيش والأفيون والمنزول مفيدة كذلك، فيجب أن تعلم هذا وتؤمن به ... ~~الناس جميعا يقولون هذا فهل تخالف الإجماع؟!» وتريث الرجل قليلا، ~~ثم قال: «كلها مفيدة إذن، الكل، الخمر والحشيش والأفيون والمنزول ~~وما يستجد!» فعاد صاحبه يقول بلهجة تنم عن ظفر: «ولكن الخمر ~~حرام!» فقال الرجل محتدا: «وهل ضاقت السبل! زك ... حج ... أطعم ~~المساكين ... أبواب التكفير واسعة والحسنة بعشر أمثالها ...» # وابتسم ياسين في شيء من الارتياح، أجل أمكنه أخيرا أن يبتسم في ~~شيء من الارتياح: «لتذهب إلى الجحيم، ولتأخذ الماضي معها ... لست عن ~~شيء مسئولا ... كل إنسان ملوث في هذه الحياة ومن يزح الستار ير ~~عجبا ... شيء واحد يهمني جدا هو عقارها، دكان الحمزاوي وربع ~~الغورية والبيت القديم بقصر الشوق ... وإني أعد أمام الله إذا ورثته ~~كاملا يوما أن أترحم عليها بلا أسف ... آه ... زنوبة ... كدت أنساك ~~وما أنسانيك إلا الشيطان. امرأة عذبتني وامرأة ألتمس عندها ~~العزاء ... آه يا زنوبة ما علمت قبل اليوم أن باطنك بهذا اللون ~~الرائق ... أف ينبغي أن أمحو الفكر من رأسي ... الحق أن أمي كالضرس ~~الثائر، لا يسكن حتى ينخلع ...» # 14 # جلس السيد أحمد عبد الجواد وراء مكتبه بالدكان تعبث أنامل يسراه ~~بشاربه الأنيق كشأنه كلما جرفه تيار خواطره، ويرنو إلى لا شيء ~~بوجه تنم معالمه عن ارتياح ورضا. إنه يرضيه بلا ريب أن ~~يشعر بما يكنه له الناس من حب ومودة، ولو عرض له من حبهم دليل ~~كل يوم لأوجد له ms073 كل يوم سرورا مشرقا لا يبليه التكرار، وقد ~~أتاه اليوم دليل جديد بسبب اضطراره إلى التخلف ليلة الأمس عن ~~شهود حفلة أنس دعاه إليها أحد الأصدقاء، فما استقر به مجلسه ~~بالدكان هذا الصباح، حتى وافاه الداعي وبعض الإخوان من المدعوين، ~~وأوسعوه عتابا لتخلفه وحملوه تبعة ما ضاع عليهم من بهجة ~~وطرب، ثم قالوا - فيما قالوا - إنهم لم يضحكوا من قلوبهم كما ~~تعودوا أن يضحكوا معه، ولم يجدوا للشراب لذته التي يجدون في ~~منادمته، وأن مجلسهم خلا - على حد تعبيرهم - من روحه. وها هو ~~يستعيد أقوالهم في سرور وزهو لطفا كثيرا مما لاقى من حدة ~~الملام من ناحيتهم وحرارة الاعتذار من ناحيته، بيد أنه لم يخل من ~~تأنيب ضمير حريص بطبعه على إرضاء الخلان، بدار إلى النهل من ~~موارد الصداقة والمودة في إخلاص وإيثار، فكاد يكدر صفوه لولا ما ~~أشاعت ثورة الأحباب الناطقة بحبهم في نفسه من أريحية الرضا والعجب، ~~أجل طالما كان الحب الذي يجذبه إلى الناس ويجذبهم إليه معينا ~~لقلبه يغدق عليه ما يشاء من فرح بهيج وزهو بريء وكأنه خلق ~~للصداقة قبل كل شيء. وثمة آية أخرى على هذا الحب - والأصدق أن يقال ~~إنه حب من نوع آخر - تجلت له ضحى اليوم حين ألمت به أم علي ~~الخاطبة، وقالت له بعد حديث دارت فيه حول غرضها ما شاء لها ~~الدوران: «ألا تعلم أن ست نفوسة أرملة الحاج علي الدسوقي تملك ~~سبعة دكاكين في المغربلين؟» وابتسم السيد، وفطن بالغريزة إلى ما ~~تومئ إليه المرأة، وحدثه قلبه بأنها ليست خاطبة فحسب هذه المرة، ~~ولكنها رسول موصى بالكتمان، ألم يخيل إليه في أكثر من مناسبة أن ~~الست نفوسة تكاد تعلن عن ودها أثناء ترددها على دكانه لابتياع ~~حوائجها؟ ... بيد أنه أراد استدراج المرأة ولو على سبيل التفكه ~~فقال باهتمام ظاهري: «عليك باختيار زوج صالح لها، فما أعز ~~المطلوب!» وظنت أم علي أنها بلغت الغاية فقالت: «قد اخترتك من ~~دون الرجال. فما قولك؟» وضحك السيد ضحكة مجلجلة وشت بسروره وثقته ~~بنفسه، ولكنه ms074 قال بلهجة قاطعة: «لقد تزوجت مرتين، أخفقت في ~~الأولى ووفقني الله في الأخرى ، ولن أبطر بنعمة الله.» والحق أنه ~~طالما تغلب على مغريات الزواج على كثرة ما تهيأ له من فرص ~~مواتية، بقوة إرادة لا تنثني، وكأنه لم ينس مثل أبيه الذي ~~انزلق إلى زيجات متلاحقة بلا وعي، بددت ثروته وجرت عليه ~~المتاعب، ولم تبق له هو - عقبه الوحيد - إلا على شيء من المال ~~لا يغني، ثم إنه من ربحه ودخله في بسطة من العيش هيأت لأسرته هناء ~~ورغدا، وأتاحت له ما يشاء للإنفاق في مسراته وملاهيه فكيف يقدم ~~على ما يخل بهذا الوضع البديع المتناسق الذي يكفل له الكرامة ~~والحرية؟! أجل لم يجمع السيد ثروة، لا لقصور في وسائلها عن تجميعها ~~ولكن لما طبع عليه من جود جعل إنفاقها والاستمتاع بآثارها المعنى ~~الوحيد لها الذي يؤمن به، إلى إيمان عميق بالله، وفضائله ملأ ~~نفسه طمأنينة وثقة، وآمنه من الخوف الذي يساور كثيرين عن أرزاقهم ~~ومستقبلهم. على أن صده عن مغريات الزواج لم يمنعه من السرور ~~والزهو كلما رامته فرصة طيبة، وبالتالي لم يستطع أن يتناسى أن سيدة ~~جميلة كالست نفوسة توده بعلا لها. وغلبت هذه الذكرى على خواطره ~~فراح يراقب وكيله والزبائن بعينين غائبتين وأسارير حالمة باسمة، ~~وذكر - باسما أيضا - ما قال له صاحب من صحبه صباح اليوم وهو ~~يعابثه معرضا بأناقته وتعطره: «حسبك. حسبك يا عجوز! ...» ~~عجوز؟! ... إنه في الخامسة والأربعين حقا، ولكن ما قول العاذل في ~~هذه القوة العارمة والصحة الدافقة والشعر السبط اللامع السواد! لم ~~يهن إحساسه بالشباب ولا تراخى، وكأن فتوته ما تزداد مع الأيام ~~إلا قوة، إلى أن مزاياه لم تكن لتغيب عنه، بل كان على تواضعه ~~وسماحة نفسه شديد الشعور بها، منطويا في أعماقه على زهو وعجب، ~~يحب الثناء حبا جما، وكأنه بتواضعه ولطفه يستزيد منه ويحث ~~الرفاق بمكر حسن عليه، ولكن مع أن ثقته بنفسه بلغت حد الاعتقاد ~~بأنه خير الرجال قوة وبهاء وظرفا وكياسة، إلا أنه لم يثقل أبدا ~~على أحد ms075 من الناس؛ لأن تواضعه كان طبعا وسجية كذلك، ولأنه نبع من ~~فطرة تسيل بشاشة وإخلاصا وحبا. والحق أنه كان ينزع بفطرته إلى ~~أن يحب كما يحب، ولا يمسك عن نشدان المزيد من الحب، فاتجهت ~~طبيعته بوحي من غريزته الظامئة للحب إلى الإخلاص والوفاء والصفاء ~~والتواضع، تلك السجايا التي تجذب الحب والرضا كما تجذب الزهور ~~الفراش، ومن هنا استوى أن يقال إن تواضعه كياسة أو طبيعة، والأصح ~~أن يقال إنه طبيعة تستمد كياستها من وحي الغريزة، لا تدبير الإرادة ~~فتجلت طبعا بسيطا لا تكلف فيه ولا تعمل؛ ولذلك كان ~~السكوت عن فضائله ومواراة مزاياه بل والتندر بعيوبه وهناته ~~التماسا للعطف والحب أحب إليه من نشرها والمباهاة بها اللذين ~~يجران عادة إلى الاستفزاز والحسد، وهي كياسة سديدة دفعت ~~المحبين إلى التنويه بما يغضي عنه حكمة وحياء، وأذاعت سجاياه على ~~نحو لم يكن ليقدر عليه بنفسه دون التضحية بأجمل جوانب شخصيته، ~~وبما يحظى من جاذبية وحب لا تشوبهما شائبة. وبهذا الوحي الغريزي ~~نفسه استهدى حتى في جانب حياته الماجن، في مجالس أنسه وطربه، فلم ~~يتخل فيها - مهما لعب الشراب برأسه - عن لباقته وكياسته، ولو شاء ~~بما أوتي من خفة الروح وحضور البديهة، وحلاوة الفكاهة وحدة ~~السخرية، لاكتسح السمار بلا عناء، ولكنه كان يدير مجلس الأنس ~~بمهارة وأريحية تفسح المجال لكل سامر، ويشجع أهل الدعابة وإن ~~خالفهم التوفيق بضحكاته المجلجلة، إلى حرصه الشديد على ألا يخلف ~~مزاحه في نفس جرحا، فإن اضطره الموقف إلى الحملة على قرين داوى ~~عواقب حملته بتشجيعه والتودد إليه، ولو بالسخرية من نفسه. فلا ~~ينفض المجلس إلا وقد حظي كل سامر من أطايب ذكرياته بما يشرح ~~الصدر ويستأثر الفؤاد. على أن كياسته الفطرية أو فطرته الكيسة لم ~~تقتصر آثارها الطيبة على حياته الضاحكة فحسب، ولكنها امتدت إلى ~~جوانب هامة من حياته الاجتماعية، فأعلنت عن نفسها أروع إعلان في ~~كرمه المأثور - سواء ما يتجلى منه في الولائم التي يدعو إليها من ~~حين لآخر في البيت الكبير، أو في الهبات التي ينفح ms076 بها المحتاجين ~~ممن يتصلون بعمله أو بشخصه - وفي شهامته ومروءته ونجدته التي ~~فرضت له على أصدقائه ومعارفه نوعا من الوصاية المشربة بالحب ~~والوفاء يفيئون إليها إذا دعت الضرورة إلى المشورة أو الشفاعة أو ~~الخدمة فيما يعرض لهم من هموم العمل والمال، أو شئون المسائل ~~الشخصية والعائلية كالخطبة والزواج والطلاق، أجل ارتضى لنفسه وظائف ~~يؤديها بلا أجر - غير الحب - فكان سمسارا ومأذونا ومحكما، ثم ~~وجد دائما في أدائها - على مشقته - حياة مليئة بالبهجة والغبطة. ~~مثل هذا الرجل الذي تجود نفسه بفضائل اجتماعية كثيرة، ثم يطويها ~~كأن في نشرها أذى وأي أذى، مثل هذا الرجل يكون خليقا - إذا خلا ~~إلى خواطره وانقشع عنه الحياء الذي يتولاه حيال الناس - بأن ~~يتملى مزاياه طويلا ويستسلم لزهوه وعجبه. لذلك راح يستعيد عتاب ~~أصدقائه المحبين ودعوة أم علي الخاطبة بلذة وسرور وانشراح ~~تعانقت في قلبه عن نشوة خالصة، حتى تطفلت على خلوته لذعة أسف ~~فمضى يحدث نفسه ... «نفوسة هانم سيدة ذات مزايا لا يستهان بها ... ~~يتمناها كثيرون ولكنها رغبت في أنا ... بيد أنني لن أتزوج، هذا ~~أمر مفروغ منه، وليست هي بالمرأة التي تقبل أن تعاشر رجلا بغير ~~زواج ... هذا أنا وهذه هي فكيف يمكن أن نلتقي! ... ولو صادفتني في غير ~~هذه الأيام التي سد فيها الأستراليون علينا المنافذ لهان الأمر، ~~ولكنها تصدت لنا ونحن في حاجة إليها فوا أسفاه.» # وقطع عليه أفكاره وقوف حنطور أمام مدخل الدكان فمد بصره ~~مستطلعا، فرأى العربة وهي تميل ناحية الدكان تحت ضغط امرأة هائلة ~~مضت تغادرها في بطء شديد على قدر ما تسمح طيات لحمها وشحمها، ~~وقد سبقتها إلى الأرض جارية سوداء فمدت لها يدها لتعتمد عليها في ~~أثناء نزولها. وكالمحمل وقفت مليا وهي تتنهد كأنها تستجم من عناء ~~النزول، وكالمحمل راحت تتمايل وتخطر إلى ناحية الدكان، بينما علا ~~صوت الجارية في لهجة شبه خطابية لتعلن عن مولاتها: وسع يا جدع ~~أنت وهو للست زبيدة ملكة العوالم. # وندت عن الست زبيدة ضحكة مسجوعة وقالت تخاطب الجارية بلهجة ~~تنم عن ms077 زجر كاذب: الله يسامحك يا جلجل ... ملكة العوالم مرة ~~واحدة! ... هلا عرفت فضيلة التواضع! # وهرع إليها جميل الحمزاوي مفتر الثغر عن ابتسامة عريضة وهو ~~يقول: أهلا وسهلا، كان حقا علينا أن نفرش الأرض بالرمل. # ونهض السيد وهو يتفحصها بنظرة تنم عن دهشة وتفكير، ثم قال ~~متمما تحية وكيله: بل بالحناء والورد، ولكن ما حيلتنا والحظ ~~يقبل إذا أقبل غير مسبوق ببشير؟ # ورأى السيد وكيله وهو يتجه إلى كرسي ليأتي به، فسبقه إليه بخطوة ~~واسعة بدت كالوثبة، فتنحى الرجل جانبا وهو يداري ابتسامة، وقدم ~~السيد لها الكرسي بنفسه وهو يومئ براحته مرحبا، كأنه يقول لها: ~~«تفضلي» بيد أن راحته انبسطت - ربما بلا شعور منه - لآخر طاقتها ~~وانفرج ما بين أصابعه حتى صارت يده كالمروحة، ولعله تأثر في ~~بسطها بما تركه في خياله منظر العجيزة الهائلة التي ستملأ مقعد ~~الكرسي، وتفيض عن جوانبه حتما. وشكرته المرأة بابتسامة من وجهها ~~الذي أسفر حسنه بغير حجاب، وجلست وهي تشع بزواقها وحليها نورا، ~~ثم التفتت إلى جاريتها وخاطبتها قائلة وهي تعني بالخطاب غيرها: ألم ~~أقل لك يا جلجل إنه ليس ثمة ما يدعونا للتخبط هنا وهناك ~~لابتياع حوائجنا وعندنا هذا الدكان الفاخر؟ # فأمنت الجارية على قول سيدتها قائلة: صدقت كعادتك يا سلطانة، ~~لماذا نذهب بعيدا وعندنا السيد الكريم أحمد عبد الجواد! # فتراجع رأس الست كأنما هالها ما صرحت به جلجل، وألقت عليها ~~نظرة استنكار ثم رددت عينيها بين السيد والجارية لتشهده على ~~استنكارها، وقالت وهي تداري ابتسامة: وا خجلتاه! ... حدثتك عن ~~الدكان يا جلجل لا عن السيد أحمد! # وشعر فؤاد السيد الذكي بالجو الودي الذي ينفثه حديث المرأة، ~~فاندمج فيه بغريزته المتوثبة وتمتم باسما: الدكان والسيد أحمد ~~شيء واحد يا سلطانة. # فرفعت حاجبيها في دلال وقالت بعناد لطيف: ولكنا نريد الدكان ~~لا السيد أحمد. # وبدا أن السيد أحمد لم يكن الشخص الوحيد الذي شعر بالجو الطيب ~~الذي خلقته السلطانة؛ فهذا جميل الحمزاوي يراوح بين مساومة الزبائن ~~واستراق النظر إلى ما تيسر من جسم العالمة، وهؤلاء ms078 الزبائن جعلوا ~~يجيلون أبصارهم بين البضائع لتمر في الذهاب والإياب بالست، بل بدا ~~أن الزيارة المباركة قد لفتت بعض الأنظار في الطريق، فرأى السيد أن ~~يقترب من السلطانة وأن يولي الباب والقوم ظهره العريض ليحول بينها ~~وبين تطفل المتطفلين، بيد أن هذا لم ينسه ما كان فيه من ~~أسباب الحديث، فقال يصل منه ما انقطع: قضى الله جلت حكمته أن ~~يكون الجماد أحيانا أسعد حظا من الإنسان. # فقالت بلهجة ذات معنى: أراك تغالي، لن يكون الجماد أسعد حظا ~~من الإنسان، ولكنه كثيرا ما يكون أجل فائدة. # فثقبها السيد بعينيه الزرقاوين، وقال متظاهرا بالدهشة: أجل ~~فائدة! ... (ثم مشيرا إلى الأرض) ... هذا الدكان! # فوهبته ضحكة قصيرة عذبة، ولكنها قالت بلهجة لا تخلو من خشونة ~~مدبرة: أريد سكرا وبنا وأرزا، فهل يغني الإنسان فيها عن ~~الدكان شيئا! ... (وبنبرات اختلط فيها عدم الاكتراث بالدلال) ... ثم ~~إن الرجال أكثر من الهم على القلب. # وكان السيد قد تفتحت له من الطمع أبواب، وشعر بأنه مقبل على ~~شيء أجل خطرا من البيع والشراء، فقال محتجا: ليست كل الرجال ~~سواء يا سلطانة، فمن قال لك إن الإنسان لا يغني عن الأرز والسكر ~~والبن شيئا؟! الإنسان حقا من تجدين فيه الغذاء والحلاوة ~~والكيف! # فساءلته ضاحكة: إنسان أم مطبخ هذا؟ # فقال السيد بلهجة تدل على الظفر: لو نظرت من قريب لوجدت تشابها ~~عجيبا بين الرجل والمطبخ ... كلاهما حياة للبطون! # وغضت المرأة بصرها مليا، وانتظر السيد أن ترفعه إليه موسوما ~~بابتسامتها المشرقة، ولكنها واجهته بنظرة رزينة فأحس لتوه ~~أنها غيرت «السياسة»، أو لعلها لم ترتح كل الارتياح لانزلاقها، ~~فعدلت عنه ثم سمعها تقول في هدوء: أفادك الله! ... ولكن حسبنا اليوم ~~الأرز والبن والسكر. # وتحول السيد عنها متظاهرا بالجد ودعا إليه وكيله، ثم وصاه ~~بصوت مرتفع بطلبات الست، فأوحى مظهره بأنه قرر هو أيضا العدول ~~عن «التودد» والعودة إلى «العمل»، ولكنها لم تكن إلا مناورة استعاد ~~على أثرها ابتسامته الهجومية وتمتم مخاطبا السلطانة: الدكان ~~وصاحبه تحت أمرك! # وكان للمناورة أثرها فقالت المرأة ms079 في دعابة: أريد الدكان وتأبى ~~إلا أن تجود بنفسك! ~~- نفسي بلا ريب خير من دكاني، أو خير ما في دكاني. # فأشرق وجهها بابتسامة ماكرة وهي تقول: هذا يخالف ما سمعناه عن ~~جودة بضاعتك! # فقهقه السيد قائلا: ما حاجتك إلى السكر وفي لسانك هذه الحلاوة ~~كلها؟! # وأعقب هذه المعركة الكلامية فترة سكون بدا فيها كلاهما راضيا عن ~~نفسه، ثم فتحت العالمة حقيبتها وأخرجت مرآة صغيرة ذات مقبض فضي، ~~وراحت تنظر في صورتها فمضى السيد إلى مكتبه، ووقف مستندا إلى ~~حافته وهو يتفرس في وجهها باهتمام. والحق لقد حدثه قلبه حين وقعت ~~عليها عيناه بأنها جادت بالزيارة لأمور غير الشراء والبيع، ثم جاء ~~حديثها باستجاباته الحارة مؤكدا لظنه، فلم يعد أمامه إلا أن يقرر ~~من الآن هل يوصلها بتاريخه أو يودعها الوداع الأخير. ولم يكن يراها ~~لأول مرة؛ فقد رآها مرات في أفراح بعض الأصدقاء، وعرف عن الرواة أن ~~السيد خليل البنان اتخذها خليلة دهرا حتى انفصلا منذ عهد غير ~~بعيد، ولعل هذا ما جعلها تستبضع من دكان جديد! ... وهي موفورة الحسن ~~وإن لم تعد منزلتها كعالمة المرتبة الثانية بين العوالم، بيد ~~أن المرأة تهمه أكثر من العالمة، وإنها لشهية لطيفة وبها من طيات ~~اللحم والدهن ما يدفئ المقرور في زمهرير الشتاء الذي غدا على ~~الأبواب، واعترض أفكاره مجيء الحمزاوي حاملا ثلاث لفات، فتناولتها ~~الجارية، ودست الست يدها في الحقيبة لتخرج النقود فيما بدا، ولكن ~~السيد أشار إليها محذرا وهو يقول: يا له من عيب! # وتظاهرت المرأة بالدهشة وقالت: أي عيب يا سي السيد! ... ليس في ~~الحق عيب. ~~- هذه زيارة ميمونة يحق علينا أن نحييها بما هي أهله من الإكرام، ~~وهيهات أن نوفيها حقها. # وكانت قد نهضت وهو يتكلم فلم تبد مقاومة جدية لكرمه، ~~ولكنها قالت: ولكن كرمك هذا سيجعلني أتردد مرة ومرتين قبل أن ~~أقصدك مرة أخرى. # فقهقه السيد قائلا: لا تخافي، إني أكرم الزبون في المرة الأولى، ~~ثم أعوض خسارتي في المرات اللاحقة ولو بالسرقة! هذا شعارنا نحن ~~التجار! # فابتسمت ms080 الست، ومدت له يدها قائلة: الكريم مثلك يسرق ولا ~~يسرق ... أشكرك يا سيد أحمد. # فقال من كل قلبه: العفو يا سلطانة. # ووقف ينظر إليها وهي تتبختر صوب الباب، حتى صعدت إلى العربة ~~واتخذت مجلسها، وجلست جلجل على المقعد الصغير قبالتها، وتحركت ~~العربة بحملها النفيس، ثم غابت عن ناظريه. هنالك قال الحمزاوي وهو ~~يقلب صفحة من دفتر الحساب: كيف يمكن أن يسدد هذا الحساب؟! # فألقى السيد على وكيله نظرة باسمة، وقال: اكتب مكان الأرقام ~~«بضائع أتلفها الهوى». # ثم غمغم وهو يمضي إلى مكتبه: «الله جميل يحب الجمال.» # 15 # وحين المساء أغلق السيد الدكان، وغادره تحف به المهابة ~~ويتضوع منه عرف طيب، ثم مضى صوب الصاغة، ومنها إلى الغورية حتى ~~قهوة سي علي، فلحظ في مروره بها بيت العالمة وما يكتنفه، فرأى ~~الدكاكين التي تمتد على جانبيه لا تزال مفتوحة وتيار السابلة في ~~تدفقه، فواصل السير إلى بيت أحد الأصدقاء حيث قضى ساعة ثم ~~استأذن عائدا إلى الغورية وقد غشيتها ظلمة فانقلبت كالمقفرة، وجعل ~~يقترب من البيت آمنا مطمئنا، ثم طرق الباب وانتظر وهو يدقق ~~النظر فيما حوله، ولم يكن ثمة نور إلا ما ترامى من كوة بقهوة سي ~~علي، ومصباح غازي على عربة يد عند منعطف السكة الجديدة. وفتح ~~الباب وبدا شبح خادم صغيرة فبادرها متسائلا بصوت قوي غير متردد ~~ليوحي بما يود من الصدق والثقة: الست زبيدة موجودة؟ # فرفعت إليه الخادم رأسها وسألته بدورها في تحفظ أملته عليها ~~ظروف وظيفتها: من أنت يا سيدي؟ # فقال بصوته القوي: شخص يروم الاتفاق معها على إحياء ليلة. # وغابت الخادم دقائق ثم عادت وهي تقول: «تفضل»، وأوسعت له فدخل ~~ورقي وراءها في سلم متقارب الدرجات انتهى به إلى دهليز، ثم فتحت ~~له بابا في مواجهته انتقل منه إلى حجرة مظلمة، فظل واقفا على ~~كثب من المدخل وهو ينصت إلى أقدام الخادم وهي تجري، ثم وهي تعود ~~حاملة مصباحا، وتتبعها بعينيه وهي تضعه على خوان، وتجيء بكرسي ~~إلى وسط الحجرة وتقف عليه لتشعل المصباح الكبير ms081 المدلى من ~~السقف، ثم تعيد الكرسي إلى موضعه وتحمل المصباح الصغير، وتغادر ~~الحجرة قائلة في أدب: «تفضل بالجلوس يا سيدي.» واتجه السيد إلى ~~كنبة في صدر الحجرة وجلس في ثقة وهدوء دلا على اعتياد هذا ~~الموقف وأمثاله، وطمأنينة إلى الخروج منه بما يرضي ويطيب، ثم خلع ~~الطربوش وحطه على نمرقة تتوسط الكنبة ومد ساقيه في ارتياح. ~~رأى حجرة متوسطة الحجم نضدت بجنباتها الكنبات والمقاعد، وفرشت ~~أرضها بسجادة فارسية وقام حيال كل كنبة من كنباتها الثلاث الكبرى ~~خوان مطعم بالصدف، وقد أسدلت الستائر على نافذتيها وبابها، فحبست ~~في جوها شذا بخور سر به متسليا بالنظر إلى فراشة راحت ترف ~~على المصباح في نشاط عصبي، وانتظر بعض وقت جاءت في أثنائه ~~الخادم بالقهوة، حتى ترامى إلى أذنيه وقع شبشب منغوم ذي دقات ~~مدغدغة، فتنبهت أعصابه، وحدق إلى الباب الذي سرعان ما امتلأ فراغه ~~بالجسم المفصل الهائل، وقد لف لفة شهوانية في فستان أزرق، وما ~~كادت عينا المرأة تقعان عليه حتى توقفت دهشة وهتفت: بسم الله ~~الرحمن الرحيم ... أنت! # فجرى بصره على جسمها في عجلة ونهم كما يجري الفأر على جوال أرز ~~ليجد لنفسه منفذا، وقال بإعجاب: باسم الله ما شاء الله! # فواصلت تقدمها بعد التوقف باسمة، وهي تقول في خوف مصطنع: ~~عينك! ... أعوذ بالله! # فنهض السيد مستقبلا يدها الممدودة بترحاب، وتشمم شذا البخور ~~بأنفه العظيم وقال: أتخافين الحسد وعندك هذا البخور؟! # فاستخلصت يدها من يده وتراجعت إلى كنبة جانبية، وجلست وهي تقول: ~~بخوري خير وبركة، إنه أخلاط من أنواع شتى بعضها عربي وبعضها هندي ~~أؤلف بينها بنفسي، فهو جدير بأن يخلص الجسد من ألف عفريت وعفريت ~~... # فعادو السيد الجلوس قائلا وهو يلوح بيديه في يأس: إلا جسدي! ... ~~بجسدي عفاريت من نوع آخر لا يجدي معها البخور، الأمر أجل ~~وأخطر. # فضربت المرأة صدرا ناهضا كالقربة وهتفت: ولكني أحيي حفلات ~~أفراح لا حفلات زار! # فقال السيد برجاء: سنرى إن كان لدائي عندكم شفاء! # وساد الصمت قليلا فجعلت السلطانة تنظر إليه فيما يشبه التفكير، ~~وكأنما ms082 تستخبره عن سر حضوره، وهل جاء حقا للاتفاق على إحياء ليلة ~~كما قال للخادم ؟ ... وغلبتها الرغبة في الاستطلاع فسألته: فرح أم ~~ختان؟ # فقال السيد باسما: لك ما تشائين! ~~- عندك مختون أم عروس؟ ~~- عندي كل شيء. # فأنذرته بنظرة كأنما تقول له: «كم أنت متعب!» ثم تمتمت في ~~تهكم: نحن في خدمتك على أي حال. # فرفع السيد يديه إلى قمة رأسه في هيئة تنم عن الشكر، وقال ~~بوقار يناقض نواياه: عظم الله قدرك ... بيد أنني ما زلت مصرا ~~على أن أترك لك الاختيار! # فتنهدت في غيظ بالدعابة أشبه وقالت: إني أفضل أفراح العرائس ~~بطبيعة الحال! ~~- ولكني رجل متزوج ولا حاجة بي إلى زفة من جديد! # فصاحت به: يا لك من رجل مهذار ... إذن فليكن ختانا. ~~- ليكن ... # وتساءلت وهي تحاذر: وليدك؟ # فقال ببساطة وهو يفتل شاربه: أنا! # فأطلقت السلطانة ضحكة مائعة، وقررت العدول عن التفكير في مسألة ~~إحياء الليلة التي خمنت خبيئتها، وهتفت به: يا لك من رجل قارح، ~~لو طالتك يدي لقصمت ظهرك. # فنهض السيد وأقبل عليها قائلا: لا أحرمتك رغبة قط. # وجلس جانبها فهمت بضربه، ولكنها ترددت ثم أمسكت، فسألها بقلق: ~~لماذا لم تتكرمي بضربي؟ # فهزت رأسها وقالت ساخرة: أخاف أن أنقض وضوئي. # فتساءل في لهفة: أأطمع في أن نصلي معا؟! # واستغفر الله في سره عقب النطق بدعابته مباشرة؛ لأن هذره وإن ~~كان لا يقف به في سكرة المجون عند حد إلا أن قلبه لم يكن ليطمئن ~~ويواصل ابتهاجه حتى يستغفر في باطنه صادقا مما يعبث به لسانه ~~مازحا. أما المرأة فتساءلت في دلال ساخر: أتعني، يا صاحب ~~الفضيلة، الصلاة التي هي خير من النوم؟ ~~- بل الصلاة التي هي والنوم سواء. # ولم تتمالك إلا أن تقول ضاحكة: يا لك من رجل مظهره الوقار ~~والتقوى وباطنه الخلاعة والفجور، الآن صدقت حقا ما قيل لي ~~عنك. # واستوى السيد في جلسته في اهتمام وتساءل: وماذا قيل؟! .. اللهم ~~اكفنا شر القيل والقال. ~~- قالوا لي إنك زير نساء وعبد شراب. # فتنهد بصوت مسموع يذيع به ارتياحه ms083 وقال: حسبته ذما والعياذ ~~بالله. ~~- ألم أقل لك إنك قارح فاجر؟! ~~- هي الشهادة لي بأني حزت القبول إن شاء الله. # فرفعت المرأة رأسها في غطرسة وقالت: بعدك! ... لست كمن عرفت من ~~النساء ... إن زبيدة معروفة ولا فخر بعزة النفس ودقة ~~الاختيار. # فبسط السيد راحتيه على صدره ونظر إليها في تحد مشرب باللطف، ~~وقال بطمأنينة: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. ~~- من أين لك بهذه الثقة وأنت لم تختن بعد بشهادتك؟ # فقهقه السيد طويلا حتى قال: لا تصدقي يا ختونة ... وإن كنت في شك ~~... # ولكمته في منكبه قبل أن يتم جملته فأمسك، ثم أغرقا في الضحك ~~معا، وسر بمشاركتها إياه في ضحكه، وحدس وراء ذاك - بعد ما جرى ~~بينهما من تلميح وتصريح - لونا من الجهر بالرضا ثبتته في وعيه ~~بسمة دلال سالت بطرفها المكحول، وراح يفكر في أن يحيي هذا الدلال ~~بتحية تليق به لولا أن قالت له محذرة: لا تحملني على مضاعفة سوء ~~الظن بك. # فأعاده قولها إلى تذكر ما رددته عن القيل والقال، وسألها ~~باهتمام: من الذي حدثك عني؟ # فقالت باقتضاب وهي تلحظه بنظرة اتهام: جليلة! # وفجأه الاسم كأنه عاذل يطرق مجلسهما، فابتسم ابتسامة دلت على ~~حرجه. جليلة، تلك العالمة المشهورة التي عشقها دهرا حتى فصل ~~بينهما الشبع، ثم عاشا وما زالا على مودة متبادلة على البعد، ~~بيد أنه كخبير بالنساء لم ير بدا من أن يقول في لهجة ~~صادقة: لعنة الله على وجهها وصوتها معا! ... (ثم متهربا) ... دعينا ~~من هذا كله ولنتكلم في الجد. # فتساءلت متهكمة: ألا تستحق جليلة كلمة أرق وألطف؟ ... أم هذا شأنك ~~عند ذكر من قطعتهن من النساء؟ # وداخل السيد شيء من الحرج إلا أنه ذاب في موجة الزهو الجنسي ~~التي أثارها في نفسه حديث عشيقة جديدة عن عشيقة ولت، وأخذ ~~مليا بنشوة ظفر حلوة ثم قال بلباقة معهودة: لا يسعني وأنا بمحضر ~~من هذا البهاء أن أغادره إلى ذكريات طويت ونسيت. # وبالرغم من أن السلطانة حافظت على نظرتها التهكمية، إلا أنها ~~استجابت للثناء كما ms084 بدا في رفع حاجبيها ومداراتها لابتسامة خفيفة ~~اندست إلى شفتيها، ولكنها خاطبته بازدراء قائلة : لسان تاجر يسخو ~~بالحلاوة حتى ينال غرضه. ~~- لنا الجنة نحن التجار بما يظلمنا الناس. # وهزت كتفيها استهانة، ثم سألته في اهتمام غير خاف: متى ~~رافقتها؟ # فلوح السيد بذراعه كأنه يقول: «ما أبعده من زمن!» ثم تمتم: منذ ~~أزمان وأزمان! # فضحكت في تهكم وقالت بنبرات تنم عن التشفي: في أيام الشباب ~~الذي مضى! # فرنا السيد إليها معاتبا، ثم قال: بودي أن أمص من لسانك ~~الأذى. # ولكنها واصلت حديثها بنفس اللهجة قائلة: أخذتك لحما وتركتك ~~عظاما. # فأومأ إليها بسبابته محذرا، وقال: إني من صلب رجال يتزوجون في ~~الستين. ~~- بدافع العشق أم بدافع الخرف؟! # فقهقه السيد قائلا: يا ولية اتقي الله، ودعينا نتكلم في ~~الجد. ~~- الجد؟! ... أتعني إحياء الليلة التي جئت تتفق عليها؟ ~~- أعني إحياء العمر كله. ~~- كله أم نصفه؟! ~~- ربنا يقدرنا على ما فيه الخير. ~~- ربنا يقدرنا على الطيب. # واستغفر الله في سره مقدما ثم تساءل: نقرأ الفاتحة؟ # ولكنها نهضت بغتة متجاهلة دعوته وهتفت متظاهرة بالجزع: رباه ... ~~سرقني الوقت ولدي الليلة عمل هام. # ونهض السيد بدوره، ومد يده فتناول يدها ثم بسط راحتها المخضبة ~~بالحناء، ورنا إليها بشوق وافتتان، وأصر على احتفاظه بها رغم ~~جذبها إياها مرة ومرتين، حتى قرصته في أصبعه ورفعت يدها إلى شاربه، ~~وصاحت به مهددة: دعني أو تخرج من بيتي بفردة شارب واحدة. # ورأى ساعدها قريبا من فيه، فزهد في النقاش وقرب منه شفتيه ~~رويدا، حتى غاصتا في لحمه الطري، فتطاير منه إلى أنفه رائحة ~~قرنفلية ذات طعم حلو، ثم تنهد مغمغما: إلى الغد؟! # فتخلصت من يده مقاومة من ناحيته هذه المرة، وحدقت إليه طويلا ~~ثم ابتسمت وتمتمت: # عصفوري يا امه عصفوري # لألعب وأوري له أموري # وجعلت تردد: «عصفوري يا امه» مرات وهي تودعه، وغادر السيد ~~الحجرة وهو يردد مطلع الأغنية بصوت منخفض ملؤه الوقار والرزانة ~~كأنما يستخبر الألفاظ عما وراءها من معان. # 16 # كان ما يطلق عليه بهو الحفلات ببيت العالمة زبيدة يتوسط ms085 الدار ~~كالصالة، أو كأن الصالة بالفعل استجدت لها أغراض أخرى. ولعل أهم ~~أغراضه أنها كانت تقوم فيه - هي وجوقتها - بالتجارب الغنائية وحفظ ~~الأغاني الجديدة، وقد اختارته لبعده عن الطريق العام بما يفصل ~~بينهما من حجرات النوم والاستقبال. وجعله اتساعه - إلى هذا - ~~صالحا لإحياء الحفلات الخاصة التي تتراوح عادة بين الزار ~~والغناء، والتي تدعو إليها الخاصة من أصدقائها ومعارفهم ~~المقربين. ولم يكن الباعث على هذه الحفلات أريحية كرم فحسب - إن ~~كان ثمة كرم على الإطلاق فإنه غالبا ما ينهض بأعبائها الأصدقاء ~~أنفسهم - ولكنها رمت من ورائها إلى الإكثار من الأصدقاء الممتازين ~~الخليقين بأن يدعوها لإحياء الحفلات أو يقوموا لها بالدعاية ~~النافعة في الأوساط التي يتقلبون فيها، ومن بينهم - إلى هذا كله ~~- تنتقي الخليل بعد الخليل. وجاء دور السيد أحمد عبد الجواد ليشرف ~~البهو السعيد محاطا بالخاصة من معارفه. والحق أنه تبدى عن نشاط ~~جم عقب المقابلة الجريئة التي تمت بينه وبين زبيدة في بيتها، ~~فسرعان ما حمل رسله كريم الهدايا من النقل والحلوى والهدايا ... ~~إلى مدفأة أوصى على صنعها ونقشها وطليها بالفضة لتكون - جميعا - ~~عربونا للمودة المقبلة، ففي لقاء هذا دعته السلطانة، تاركة له ~~الخيار في دعوة من يشاء من أصدقائه، إلى حفلة تعارف تكريما للحب ~~الجديد - ولشد ما كان البهو موسوما بطابع بلدي جذاب بكنباته ~~المتلاصقة المزركشة الناعمة الموحية بالنفاسة والخلاعة، الممتدة ~~على الجانبين حتى الصدر، حيث يقوم ديوان الست تكتنفه الشلت ~~والوسائد المعدة للجوقة، أما أرضه المستطيلة فمفروشة بسجاد متعدد ~~الألوان والشكول، وعلى كنصول يتوسط الجناح الأيمن - كالشامة رواء ~~وصفاء - أوقدت الشموع منغرسة في الفنايير، غير مصباح ضخم ~~يتدلى من قمة منور يتوسط سقف الحجرة ذي منافذ على سطح الدار ~~تفتح في الليالي الدافئة وتغلق بأضلاف زجاجية في ليالي ~~البرد. # جلست زبيدة متربعة على الديوان وإلى يمينها زنوبة العوادة ~~ربيبتها، وإلى يسارها عبده عازف القانون الضرير، واستوت النسوة ~~جلوسا عن يمين وشمال ما بين ممسكة بالدف، أو ماسحة على الدربكة أو ~~عابثة بالصنج. وآثرت السلطانة السيد أحمد بأول مجلس ms086 في الجناح ~~الأيمن، واتخذ الباقون من صحبه مجالسهم بلا كلفة كأنهم أصحاب ~~الدار، ولا عجب فلم يكن الجو بالجديد عليهم، ولا السلطانة بالتي ~~يرونها لأول مرة، وقدم السيد أحمد أصحابه إلى العالمة مبتدئا ~~بالسيد علي بائع الدقيق، فضحكت زبيدة قائلة: ليس السيد علي بالغريب ~~فقد أحييت فرح كريمته في العام الماضي ... # ثم ثنى بالسيد تاجر النحاس، ولما رماه أحدهم بأنه من رواد بمبة ~~كشر بادر الرجل قائلا: وجئت تائبا يا ست. # وتتابع التعارف حتى تم، ثم جاءت الجارية جلجل بأقداح الشراب ~~ودارت على المدعوين، ومضت النفوس تستشعر حيوية مشبعة بالأريحية ~~والمرح، وبدا السيد عريس الحفلة بلا منازع، بهذا دعاه الأصدقاء، ~~وبهذا شعر في أعماقه، وقد وجد لذلك بادئ الأمر لونا من الارتباك ~~قل أن يلم به، فداراه بالإسراف في الضحك والمرح، حتى إذا أخذ ~~في الشراب زايله بلا عناء، فاستعاد طمأنينته واندمج في الطرب بكل ~~قلبه. وجعل كلما لج به الشوق - والأشواق في مغاني الطرب تثار - يمد ~~بصره إلى سلطانة المجلس بنهم فيتلكأ ناظره عند طيات جسمها ~~المكتنز، فطاب قلبا بما أفاء عليه الحظ من نعمة، وهنأ نفسه على ~~ما يترقبها من لذيذ المسرات، هذه الليلة والليالي الأخريات: «عند ~~الامتحان يكرم المرء أو يهان. هذا التصريح الذي تحديتها به، ~~يجب أن أكون عند كلمتي، أية امرأة هي يا ترى، وأي مدى مداها، ~~سأعرف الحقيقة في الساعة المناسبة ثم ألبس لكل حال لبوسها؛ لكي ~~تضمن الانتصار على غريم ينبغي أن تفترض فيه الغاية من المناعة ~~والبأس. لن أحيد عن شعاري القديم وهو أن أجعل من لذتي أنا مطلبا ~~ثانويا، ومن لذتها هي الهدف والنهاية، وبذلك تتحقق لذتي على ~~أكمل وجه.» ومع أن السيد لم يخبر من ألوان الحب - على وفرة ~~مغامراته - إلا الحب العضوي وحب اللحم والدم، إلا أنه تدرج في ~~اعتناقه إلى أرق صوره وأنقاها، فلم يكن حيوانا بحتا ولكنه إلى ~~حيوانيته وهب لطافة إحساس ورهافة شعور وولع مغلغل بالغناء والطرب، ~~فسما بالشهوة إلى أسمى ما يمكن أن تسمو إليه ms087 في مجالها العضوي. ~~بهذه البواعث العضوية وحدها تزوج أول مرة ثم ثاني مرة، أجل أثرت ~~عاطفته الزوجية - بكرور الأيام - بعناصر جديدة هادئة من المودة ~~والألفة، ولكنها ظلت في جوهرها جسدية شهوانية، ولما كانت عاطفة من ~~هذا النوع - خاصة إذا أوتيت قوة متجددة وحيوية دافقة - لا يمكن ~~أن تستنيم إلى لون واحد، فقد انطلق في مذاهب العشق والهوى كالثور ~~الهائج، كلما دعته صبوة استجاب لها في نشوة وحماس. لم ير في أية ~~امرأة إلا جسدا، ولكنه لم يكن يحني هامته لهذا الجسد حتى يجده ~~خليقا حقا بأن يرى ويلمس ويشم ويذاق ويسمع، شهوة نعم ولكنها ~~ليست وحشية ولا عمياء، بل هذبتها صنعة، ووجهها فن فاتخذت لها ~~من الطرب والفكاهة والبشاشة جوا وإطارا. فلم يكن أشبه بشهوته من ~~جسمه، فهو مثلها في الضخامة والقوة اللتين توحيان بالقسوة ~~والوحشية، ولكنه - مثلها أيضا - فيما ينطوي عليه في أعماقه من ~~لطف ورقة ومودة على ما يتسربل به أحيانا متعمدا من ~~الصرامة والشدة؛ ولذلك فلم يتركز خياله النشيط - وهو يلتهم ~~السلطانة بنظراته - في المضاجعة ونحوها، ولكنه تاه - إلى هذا - في ~~أفانين من أحلام اللهو واللعب والغناء والسمر. وأحست زبيدة ~~بحرارة عينيه فقالت تخاطبه وهي تقلب عينيها في وجوه المدعوين ~~بعجب ودلال: حسبك يا عريس، هلا استحييت حيال رفاقك! # فقال السيد متعجبا: وما انتفاعي بالحياء حيال قنطار من اللحم ~~والدهن! # فأطلقت العالمة ضحكة رنانة، وتساءلت في غاية من الانبساط: كيف ~~ترون صاحبكم؟ # فقالوا في نفس واحد: معذور! # وهنا حرك عازف القانون الضرير رأسه يمنة ويسرة، وقد تدلت ~~شفته السفلى وتمتم: قد أعذر من أنذر. # ومع أن حكمته لاقت ترحيبا إلا أن الست التفتت نحوه كالغاضبة ~~ولكزته في صدره هاتفة: اسكت أنت وسد فاك الذي يبلع المحيط. # وتلقى الضرير الضربة ضاحكا ثم فتح فاه كأنما ليتكلم، ولكنه ~~أغلقه مرة أخرى مؤثرا السلامة فوجهت المرأة رأسها صوب السيد، ~~وقالت بلهجة تنم عن الوعيد: هذا جزاء من يجاوز حده. # فقال السيد متظاهرا بالانزعاج: ولكنني جئت لأتعلم قلة ~~الأدب. # فدقت المرأة ms088 صدرها بيدها وصاحت: يا خبر! ... أسمعتم ~~قوله؟! # فقال أكثر من واحد منهم في وقت واحد : إنه خير ما سمعنا حتى ~~الآن. # وأضاف إلى هذا أحد الرفقاء قائلا: بل عليك بضربه إذا جاوز حدود ~~قلة الأدب. # وقال آخر مؤمنا على قوله: الزمي طاعته ما قل أدبه. # فتساءلت المرأة وهي ترفع حاجبيها لتعلن عن دهشة لا أثر لها في ~~نفسها: لحد هذا تحبون قلة الأدب! # فتنهد السيد قائلا: ربنا يديمها علينا. # فما كان من العالمة إلا أن تناولت الدف وهي تقول: سأسمعكم شيئا ~~أفضل. # ونقرت عليه فيما يشبه العبث، ولكن علا النقر في حومة اللغو ~~كالنذير حتى أسكته، وداعب الآذان متوددا فبدل القوم حالا بعد ~~حال، تحفز أفراد الجوقة للعمل، وفرغ السادة الكئوس ثم مدوا رءوسهم ~~نحو السلطانة، وساد المكان صمت يكاد ينطق من شدة التهيؤ للطرب، ~~وأومأت العالمة إلى الجوقة فانطلقت تعزف بشرف عثمان بك، وراحت ~~الرءوس تذهب مع الأنغام وتجيء، وسلم السيد نفسه لرنين القانون ~~الذي جعل يلذع قلبه فيشعل فيه أصداء الأنغام المختلفة من عهد ~~طويل حافل بليالي الطرب كأنها ذرات نفط تساقط على جمر مكنون، ~~أجل كان القانون أحب آلات الطرب إلى نفسه ~~- لا لمهارة العقاد وحدها - ولكن لسر مستلهم من طبيعة أوتاره، ومع أنه كان يعلم أنه يستمع ~~إلى العقاد أو سي عبده إلا أن قلبه العاشق دارى بعشقه ما قصر دونه ~~الفن. وما إن فرغت الجوقة من عزف البشرف حتى انطلقت العالمة تنشد ~~«والذي أسكر من عذب اللمى» فلحقت بها الجوقة في حماس، وكان أجمل ما ~~يطرب فيها صوتان متجاوبان؛ أحدهما غليظ عريض للعازف الضرير، والآخر ~~رقيق يندى بالطفولة لزنوبة العوادة، فجاش صدر السيد بالانفعال ~~فابتدر الكأس الذي بين يديه فأفرغه في جوفه واندفع يشارك في ~~إنشاد التوشيح، وقد وشت نبرات صوته - عند مطلع الغناء - بشرق في ~~حلقه لاندفاعه إلى الإنشاد قبل أن يتم بلع ريقه، وما لبث أن تشجع ~~بقية الرفاق فحذوا حذوه، وسرعان ما انقلب البهو جوقة تنشد عن صوت ~~واحد. ولما ختم التوشيح ms089 تهيأت روح السيد - بحكم العادة - لاستماع ~~التقاسيم والليالي ولكن العالمة ذيلت الختام بضحكة من ضحكاتها ~~الرنانة معلنة عن سرورها وعجبها، ومضت تهنئ أفراد الجوقة ~~المستجدين مداعبة وتسألهم عن الدور الذي يودون سماعه، وانزعج السيد ~~في باطنه ومرت به لحظة كدر امتحن فيها ولعه بالغناء امتحانا ~~قاسيا لم يفطن إليه كثيرون ممن حوله، ولكنه أدرك في اللحظة ~~التالية أن زبيدة ليست كفئا لتقاسيم الليالي شأن جميع العوالم بما ~~فيهن «بمبة كشر» نفسها، فتمنى لو تختار المرأة طقطوقة خفيفة مما ~~تغني للسيدات في الأفراح، مفضلا هذا على محاولة غناء دور من ~~أدوار الفحول ستعجز حتما عن إجادة ترجيعه، وصمم على أن يتفادى ~~من المتاعب التي تخافها أذنه بأن يقترح أغنية خفيفة تناسب حنجرة ~~الست فقال: ما رأيكم في عصفوري يا امه؟ # وحدجها بنظرة ذات معنى كأنما ليثير في نفسها إيحاء هذه الطقطوقة ~~التي توجت بها حوار تعارفهما في حجرة الاستقبال منذ أيام قلائل، ~~ولكن جاء صوت من أقصى البهو يصيح ساخرا: الأولى أن تطلبها من ~~أمك! # وسرعان ما ضاع الاقتراح فيما تفجر من قهقهات أفسدت على السيد ~~خطته، وقبل أن يكرر المحاولة طلب نفر «يا مسلمين يا اهل الله» ~~وطلب آخرون «سلامتك يا قلبي»، ولكن زبيدة التي تحاشت أن ترضي فئة ~~على حساب أخرى أعلنت أنها ستغنيهم «على روحي أنا الجاني» ~~فاستقبلت بترحاب حار. ولم يجد السيد بدا من توطين النفس على ~~الانبساط مستعينا بالشراب، وبأحلام ليلته الواعدة، فتألق ثغره ~~بابتسامة وضيئة أدرك بها ركب النشاوى بلا كدر، بل وجد عطفا على ~~رغبة المرأة في محاكاة الفحول إرضاء لمستمعيها الراسخين في ~~السماع، وإن لم يخل حالها من غرور تألفه الغواني. وفيما تتهيأ ~~الجوقة للغناء نهض أحد الرفاق وهتف بحماس: دعوا الدف للسيد أحمد ~~فهو به خبير! # فهزت زبيدة رأسها عجبا وتساءلت: حقا؟! # فحرك السيد أصابعه في سرعة ورشاقة كأنما يعرض عليها مثالا من ~~صنعته، فقالت زبيدة باسمة: فيم العجب وأنت تلميذ جليلة! # وضحك السادة في غير ما تحفظ، وتواصل الضحك حتى علا ms090 صوت السيد ~~الفار، وهو يسأل السلطانة قائلا: وماذا تنوين أن تعلميه ~~أنت؟ # فقالت بلهجة ذات معنى: سأعلمه القانون ... ألا يروقك هذا؟ # فقال السيد باستعطاف: علميني الهنك إن شئت. # وحث كثيرون السيد على الانضمام إلى التخت وأخذ الدف، فما كان ~~منه إلا أن نهض وخلع الجبة، فبدا بطوله وعرضه في القفطان الكموني ~~كجواد يقف مستوفزا على رجليه الخلفيتين، ثم شمر عن ساعديه ومضى ~~إلى الديوان ليتخذ مجلسه إلى جانب الست، ولكي تفسح له قامت نصف ~~قومة متزحزحة إلى اليسار، فانحسر الفستان الأحمر عن ساق لحيمة ~~مرتوية بيضاء مشربة بلون وردي من أثر الحف والنتف محلى أسفلها ~~بخلخال ذهبي أعيا ضمها ذراعيه، ورأى بعضهم ذاك المنظر فصاح بصوت ~~كالرعد: تحيا الخلافة! # وكان السيد يغمز ثديي المرأة بعينيه فهتف وراءه: قل يحيا الصدر ~~الأعظم. # فصاحت العالمة محذرة: خفضوا أصواتكم أو يبيتنا الإنجليز في ~~السجن. # فهتف السيد الذي لعبت الخمر برأسه: أذهب معك مؤبدا مع ~~الشغل. # وعلا أكثر من صوت يقول: لا عاش من يترككما تذهبان ~~وحدكما. # وأرادت المرأة أن تحسم النزاع الذي أثاره منظر ساقها، فمدت ~~يدها بالدف إلى السيد وهي تقول: أرني شطارتك. # وتناول السيد الدف، ومسح عليه براحته مبتسما، وبدأت أصابعه تنقر ~~عليه في مهارة على حين انطلقت آلات الطرب عازفة، ثم غنت زبيدة ~~وهي ترنو إلى الأعين المحدقة إليها: # على روحي أنا الجاني # وخلي في الهوى رماني # ووجد السيد نفسه في موقف عجيب، تهفو إليه أنفاس السلطانة بين ~~اللفتة واللفتة فتلتقي بإشعاعات الخمر المتطايرة من يافوخه بين ~~الحسوة والحسوة، فما أسرع أن غابت عن وعيه أصداء الحامولي وعثمان ~~والمنيلاوي، وعاش في لحظته الراهنة قانعا سعيدا، ثم سرى إليه من ~~نبرات صوتها ما حرك أوتار قلبه، فاستعر نشاطه ولعب بالدف لعبا لا ~~يدانيه المحترفون، وما بلغت المرأة في الغناء قولها: «أمانة يا ~~رايح يمه تبوس لي الحلو من فمه.» حتى كان من النشوة في سكرة ~~عاتية ملهمة مدغدغة محرقة، ولحق به الرفاق أو سبقوه إذ بلغت ~~الخمر بالضرب نهايته ونثرت الشهوات ms091 نثرا، فتركتهم كأدواح راقصة ~~في حومة عاصفة هوجاء. # ورويدا رويدا شارف الدور الختام، وراحت زبيدة تختمه مرددة نفس ~~المطلع الذي افتتحت به وهو: «على روحي أنا الجاني.» ولكن بروح يوحي ~~بالدعة والتذكير والوداع ثم النهاية، وغابت الأنغام كما تغيب طيارة ~~بحبيب وراء الأفق. ومع أن الختام قوبل بعاصفة من التهليل ~~والتصفيق إلا أنه سرعان ما ساد القاعة صمت دل على همود أنفس أعياها ~~الجهد والانفعال، ومضت فترة لم يسمع فيها إلا سعلة أو نحنحة أو حكة ~~عود ثقاب أو كلمة لا تستحق المراجعة، وقال لسان الحال للمدعوين: ~~«تفضلوا بسلام.» فلاحت من بعضهم نظرات إلى قطع الثياب التي تخففوا ~~منها في فورة الطرب فوضعوها وراءهم على مساند، ولكن البعض الآخر ~~ممن تعلقت نفوسهم بحلاوة السهرة أبوا أن يغادروها حتى يرشفوا ~~آخر قطرة متاحة من الرحيق، فصاح أحدهم: لا نبرح حتى نزف السلطانة ~~إلى السيد أحمد. # وقوبل الاقتراح بترحاب وتأييد، على حين أغرق السيد والعالمة في ~~الضحك غير مصدقين، وما يدريان إلا ونفر من الصحاب يحيطون بهما ~~وينهضونهما ثم يشيرون إلى الجوقة لتشرع في النشيد السعيد. # وقفا جنبا لجنب، هي كالمحمل وهو كالجمل، عملاقين ملطفين بالحسن، ~~ثم تأبطت في دلال ذراعه وأشارت إلى المحدقين بهما ليفسحوا ~~الطريق. ونقرت الدفافة على الدف فانطلقت الجوقة وكثرة من المدعوين ~~يرددون نشيد الزفة «انظر بعينك يا جميل.» ومضى العروسان في خطو ~~وئيد يتبختران طربا وسكرا، فلم تتمالك زنوبة مع هذا المنظر إلا ~~أن تمسك عن اللعب بأوتار العود ريثما تطلق زغرودة مجلجلة طويلة ~~النفس لو تجسمت لبدت لسانا متعرجا من لهب يشق الفضاء كالشهاب. ~~وتسابق الأصدقاء يزجون التهاني تباعا: بالرفاء والبنين. ~~- ذرية صالحة من الراقصات والمغنيات. # وصاح به أحدهم محذرا: لا تؤجل عمل اليوم إلى غد. # ولم تزل الجوقة تواصل الإنشاد، والأصدقاء يلوحون بأيديهم مودعين، ~~حتى توارى السيد والمرأة وراء الباب المفضي إلى داخل الدار. # 17 # كان السيد أحمد جالسا إلى مكتبه بالدكان، حين دخل ياسين على غير ~~انتظار، ولم تكن زيارة غير منتظرة فحسب، ولكنها ms092 كانت قبل كل شيء ~~غير مألوفة؛ إذ لم يكن من الطبيعي أن يزور الفتى أباه في دكانه على ~~حين يتحاشاه على قدر استطاعته في بيته، وإلى هذا بدا شارد اللب ~~ساهم النظرة ... وأقبل على أبيه مكتفيا برفع يده إلى رأسه بطريقة ~~آلية دون أن يلتزم ما يلتزم عادة بمحضره من أدب بالغ وخضوع ~~كأنما نسي نفسه، ثم قال بلهجة نمت عن شديد تأثره: السلام عليكم ~~يا أبي، جئت لأحدثك في أمر هام. # ورفع السيد إليه عينيه متسائلا وقد ساوره قلق استعان على إخفائه ~~بقوة إرادته، ثم قال بهدوء: خير إن شاء الله! # وجاء جميل الحمزاوي بكرسي وهو يرحب بمقدمه، فأمره والده بالجلوس ~~فقرب الشاب الكرسي من مكان أبيه وجلس، وبدا لحظات كالمتردد، ثم زفر ~~ثائرا بتردد وقال بنبرات متهدجة وفي اقتضاب مؤثر: المسألة أن ~~أمي شارعة في الزواج! # ومع أن السيد توقع خبرا سيئا إلا أن خياله لم يجنح في جولته ~~التشاؤمية إلى تلك الناحية التي أودعها ركنا مهجورا من ماضيه؛ ~~لذلك لقيت منه المفاجأة صيدا غافلا، وسرعان ما قطب كما يقطب كلما ~~عرض له عارض من ذكريات زوجه الأولى، وتولاه لذلك ضيق، ثم انزعاج ~~لما يمس ابنه مباشرة في صميم كرامته، وكشأن السائلين الذين يلقون ~~السؤال لا ليعرفوا جديدا ولكن ليلتمسوا منفذا للنجاة من الواقع ~~وهم يائسون، أو ليهيئوا لأنفسهم مهلة للتروي وتمالك الأعصاب، ~~وسأله: ومن أدراك بهذا؟ ~~- قريبها الشيخ حمدي، زارني اليوم بمدرسة النحاسين، وألقى ~~علي الخبر مؤكدا بأنه سيتم في ظرف شهر. # الخبر حق لا ريب فيه، وما هو بالأول من نوعه في حياتها، ولن يكون ~~الأخير إذا اتخذ الماضي مقياسا للمستقبل، ولكن أي ذنب جناه هذا ~~الشاب ليلقى هذا الجزاء الصارم المتجدد الأذى؟! ووجد الرجل نحو ~~ابنه رثاء وعطفا، وعز عليه أن يقف من آلامه موقف العجز وهو الذي ~~يقصده الناس في الملمات، وتساءل فيما بينه وبين نفسه ماذا تكون ~~حاله لو كان هو المبتلى بهذه الأم! ... فانقبض صدره وتضاعف رثاؤه ~~وعطفه نحو ابنه، ثم شعر ms093 برغبة تدفعه إلى السؤال عن ذلك الزوج ~~المنتظر ولكنه لم يستسلم لها؛ إما لأنه أشفق من أن تزيد جرح ابنه ~~عمقا واتساعا، وإما لأنه أنكرها على نفسه لما آنس بها من حب ~~استطلاع لا يليق بالمأساة الراهنة، موجه إلى المرأة التي كانت ~~زوجا له، بيد أن ياسين قال منفعلا من تلقاء نفسه وكأنه يجيب ~~خاطرته: وممن تتزوج! ... من شخص يدعى يعقوب زينهم صاحب مخبز في ~~الدراسة ... في الثلاثين من عمره! # واشتد انفعاله وتهدج صوته، وهو ينطق العبارة الأخيرة كأنما يلفظ ~~شظية، فانتقل إحساسه إلى أبيه تقززا واشمئزازا، وجعل يردد في ~~سره: في الثلاثين من عمره ... يا له من عمل فاضح! ... إنه فسق في ثياب ~~زواج ... غضب الرجل لغضب ابنه، وغضب لحساب نفسه هو كما اعتاد أن يغضب ~~كلما ترامى إليه نبأ من مباذلها، كأنما يتجدد شعوره بتبعته في ~~اعتبارها يوما زوجا له، أو كأنما يعز عليه - ولو بعد كرور ذاك ~~الزمن الطويل - أنها أفلتت من تأديبه والإذعان لسنته! وإنه ليذكر ~~أيام معاشرته لها - على قصرها - كما يذكر الإنسان حمى هاضته، ~~وربما كان مغاليا في تصوره، ولكن رجلا في مثل اعتداده بنفسه ~~جدير بأن يرى في مجرد الرغبة عن الإذعان لمشيئته جريمة لا تغتفر ~~وهزيمة قتالة. ثم إنها كانت - ولعلها لا تزال - جميلة مترعة أنوثة ~~وجاذبية، فنعم بمعاشرتها أشهرا حتى بدا منها شيء من المقاومة ~~لإرادته التي نزع إلى فرضها على المتصلين به من آله، ولم تر بأسا ~~في الاستمتاع بالحرية ولو بالقدر الذي يتيح لها زيارة أبيها من آن ~~لآن، فغضب السيد وحاول منعها بالزجر أولا ثم بالضرب المبرح ~~أخيرا، فما كان من المرأة المدللة إلا أن فرت إلى والديها! وأعمى ~~الغضب الرجل المتعجرف فظن أن خير سبيل إلى تأديبها وإرجاع عقلها ~~إلى رأسها هو أن يطلقها إلى حين - إلى حين طبعا لأنه شديد التعلق ~~بها - فطلقها، وتظاهر بإهمالها أياما وأسابيع وهو ينتظر آملا أن ~~يجيئه وسيط خير من آلها، فلما لم يطرق بابه أحد داس كبرياءه وبعث ~~هو من ms094 يجس النبض تمهيدا للصلح، فعاد الرسول يقول إنهم يرحبون به ~~على شرط ألا يسجنها أو يضربها ! ... ولكنه كان ينتظر موافقته بلا ~~قيد ولا شرط، فثار غضبه ثورة عاتية وأقسم فيما بينه وبين نفسه ~~ألا يضمهما رباط إلى الأبد. هكذا ذهب كلاهما إلى حال سبيله، ~~وهكذا قضي على ياسين أن يولد بعيدا عن أبيه، وأن يلقى من حياته ~~في بيت أمه ما لقي من ضروب المذلة والألم. # ومع أن المرأة تزوجت أكثر من مرة، ومع أن الزواج كان - في نظر ~~ابنها - أشرف سقطاتها، إلا أن هذا الزواج الجديد المتوقع بدا أفظع ~~من سوابقه وأمعن في الإيلام؛ لأن المرأة استوت على الأربعين من ~~ناحية، ولأن ياسين اكتمل شابا مدركا بوسعه إذا شاء أن يدفع عن ~~كرامته الإساءة والهوان من ناحية أخرى، فقد جاوز إذن موقفه القديم ~~الذي ألزمته إياه حداثة سنه، حين كان يتلقى الأنباء المثيرة عن ~~أمه بالدهش والانزعاج والبكاء إلى موقف جديد بدا فيه أمام نفسه ~~رجلا مسئولا، لا يصح له أن يلقى الإساءة مكتوف اليدين. دارت ~~هذه الخواطر بذهن السيد، وقدر خطورتها بقلق، ولكنه صمم على ~~التهوين من شأنها ما وسعته الحيلة ابتعادا بابنه الأكبر عن ~~المتاعب، فهز منكبيه العريضين متظاهرا بالاستهانة، وقال: ألم ~~نتعاهد على اعتبارها كشيء لم يكن؟! # فقال ياسين في حزن وقنوط: ولكنها شيء كائن يا أبي! ... ومهما يكن ~~من أمر تعاهدنا فلن تزال أمي إلى ما شاء الله، سواء في نظري أم في ~~نظر الناس جميعا ... لا مفر ولا خلاص. # ونفخ الشاب من الأعماق، ورنا إلى أبيه بعينيه السوداوين ~~الجميلتين - اللتين ورثهما عنها - في استغاثة صارخة وكأنه يقول ~~له: «إنك أبي الجبار القادر فمد لي يدك.» فبلغ التأثر بالسيد غايته ~~ولكنه واصل تظاهره بالهدوء المقرون بالاستهانة قائلا: لا أنكر ~~عليك تألمك، ولكني أنكر عليك أن تغالي فيه، كذلك يطيب لي أن ~~أعذرك على غضبك ولكن قليلا من العقل حري بأن يردك بلا عناء، سائل ~~نفسك في هدوء ماذا عليك من زواجها؟ ... امرأة تتزوج، كما تتزوج ms095 ~~النساء كل يوم وكل ساعة، وليست هي بالتي تحاسب على مثل هذا ~~الزواج لما سلف من سلوكها، بل لعلها خليقة بأن تشكر عليه، وكما ~~قلت لك مرارا لن يرتاح لك بال حتى تسقطها من حسابك كأنها لم تكن، ~~فافعل بالله وأرح نفسك، وتعز - مهما يكن من أمر القيل والقال - ~~بأن الزواج علاقة مشروعة ... شريفة. # قال السيد هذا بلسانه فحسب - إذ كان يناقض كل المناقضة ما طبع ~~عليه من غيرة متطرفة فيما يتصل بالآداب المطلقة للأسرة - ولكنه ~~قاله بحرارة كالصدق، منشؤها ما مارسه من لباقة أهلته لأن يكون ~~الحكم الحكيم ووسيط الخير الذي لا يعجزه فض نزاع بين الناس، ومع ~~أن كلامه لم يضع هباء - حيث إنه من المستحيل أن يضيع كلام للسيد ~~هباء حيال أحد من أبنائه - إلا أن غضب الفتى كان أعمق من أن يتبخر ~~بنفخة واحدة، فوقع منه موقع قدح بارد من إبريق بالماء المغلي، ~~وما لبث أن خاطب أباه قائلا: هو علاقة مشروعة حقا يا أبي، ~~ولكنها تبدو أحيانا أبعد ما تكون عن الشرع، إني أسائل نفسي عما ~~يدفع هذا الرجل إلى الزواج منها؟! # وبالرغم من خطورة الحال قال السيد لنفسه في شيء من السخرية ~~«أولى بك أن تسأل عما يدفعها هي!» وقبل أن يحاور ابنه واصل ~~ياسين حديثه قائلا: إنه الطمع ... ولا شيء غيره! ~~- أو لعلها رغبة صادقة في الزواج منها. # ولكن الشاب هاج ثائره وهتف في حنق وألم معا: بل الطمع ~~وحده. # وبالرغم من خطورة الموقف لم تخف على السيد حدة اللهجة التي ~~خاطبه بها ابنه، بل لم يخل الرجل من ضيق إلى تقديره لحاله وحزنه ~~أن يعود إلى توكيد قوله السابق، فلما لم يفعل استطرد قائلا في ~~هدوء نسبي: إن ما يدفعه إلى الزواج من امرأة تكبره بعشرة أعوام ~~هو الطمع في مالها وعقارها. # وجد السيد في تحول النقاش إلى هذه النقطة فائدة لم تغب عن ~~ألمعيته؛ فهو ينزع الفتى من تركيز تفكيره في أمور أشد حساسية ~~وأبعث للألم، وبحسبه أنه يصرفه عن النظر ms096 فيما يدفع أمه إلى الزواج ~~إلى ما يدفع الرجل، وإلى هذا كله لم يخف عليه ما في رأي ابنه من ~~وجاهة فيما يتعلق بالزوج، فسرعان ما اقتنع به، وشاركه مخاوفه فيه. ~~أجل إن هنية - أم ياسين - غنية لدرجة لا بأس بها، وقد سلمت لها ~~ثروتها من العقار على ما خاضت من تجاريب الزواج والهوى، بيد أنها ~~كانت فيما مضى شابة حسناء ذات سحر وسلطان، يخاف منها ولا يخاف ~~عليها، أما الآن فبعيد عن الاحتمال أن تملك نفسها - فضلا عن أنفس ~~الآخرين - ما ملكت، وإذن فثروتها خليقة بأن تبدد في معركة ~~الغرام التي لم تعد من رماتها، وإنه لحرام وأي حرام أن يخرج ياسين ~~من جحيم هذه المأساة جريح الكرامة وصفر اليدين. وقال السيد يخاطب ~~ابنه وكأنه يحاور نفسه ويستلهمها الرأي: أراك على حق يا بني ~~فيما تقول، إن امرأة في سنها صيد يسير خليق بأن يغري الطماعين من ~~البشر، فما عسى أن نفعل؟ أنتلمس سبيلا إلى ذاك الرجل لنحمله على ~~العدول عن مغامراته؟! ... إن الحملة عليه بالوعيد والتهديد سلوك لا ~~ترتضيه آدابنا وما عرفنا به بين الناس، كذلك التوسل إليه بالرجاء ~~والاقتناع مهانة لا تهضمها كرامتنا ... فلم يبق أمامنا إلا المرأة ~~نفسها! ... ولست أجهل ما حفرت بينك وبينها من قطيعة كانت بها - ولا تزال - ~~خليقة، بل الحق أني لا أرتاح إلى أن تصل ما انقطع بينك ~~وبينها لولا ما استجد من أعذار قهرية، فللضرورة أحكام، ومهما يشق ~~عليك الرجوع فهو رجوع إلى أمك، ومن يدري فلعل ظهورك المفاجئ في ~~أفقها يردها إلى شيء من الصواب. # وبدا ياسين أمام أبيه كالوسيط أمام المنوم المغناطيسي في اللحظات ~~التي تسبق ما يوحي به إليه، ذاهلا صامتا، فوشى حاله بنفاذ تأثير ~~الرجل إلى نفسه، أو لعله دل على أنه لم يفاجأ بهذا الاقتراح، وأنه ~~يحتمل أن يكون مما دار بنفسه قبل مجيئه، بيد أنه تمتم قائلا: ~~أليس ثمة حل أوفق؟ # فقال السيد بقوة ووضوح: أراه أوفق الحلول. # فقال ياسين وكأنه يحادث نفسه: كيف أرجع ms097 إليها؟! ... كيف أزج بنفسي ~~في ماض فررت منه، وليس أحب إلي من أن يبتر من حياتي بترا! ... ~~لا أم لي ... لا أم لي. # ولكن بالرغم من ظاهر قوله شعر السيد بأنه وفق إلى جذبه إلى ~~رأيه فقال بلباقة: هذا حق، ولكن لا أظن أن ظهورك أمامها فجأة بعد ~~ذاك الغياب الطويل يمضي بلا أثر، لعلها إذا رأتك بين يديها ~~شابا ناضجا أن تتحرك أمومتها فتجفل مما عساه يسيء إلى كرامتك ~~وتعدل عن سيرتها ... من يدري؟! # فطامن ياسين رأسه غارقا في أفكاره، غير مبال بما دل عليه من ~~ضيق ويأس، كان يرتعد خوفا من وقوع الفضيحة، ولعل هذا كان أفظع ما ~~يكربه، ولكن خوفه على ضياع الثروة التي ينتظر أن يرثها يوما لم ~~يكن دون ذلك، وما عسى أن يفعل؟! ... مهما يقلب أوجه الرأي فلن يجد ~~حلا أوفق مما ارتأى أبوه، بل إن صدور الرأي عن أبيه ألبسه في ~~نظره - على تقلقل حاله - وجاهة وأعفاه هو من هموم كثيرة، ليكن ... ~~هكذا قال في نفسه، ثم قال مخاطبا أباه: كما ترى يا أبي. # 18 # لما بلغت به قدماه طريق الجمالية انقبض صدره حتى شعر بأنه يختنق. ~~لقد غاب عنه أحد عشر عاما، أحد عشر عاما تصرمت فلم ينازعه ~~القلب إليه مرة واحدة، أو ترف عليه ذكرى من ذكرياته إلا في هالة ~~قاتمة مقبضة نسج وشيها من مادة الكابوس، والحق أنه لم يكن غادره ~~ولكن واتته فرصة ففر منه فرارا، ثم ولاه ظهره غاضبا يائسا، ~~ثم تجنبه بكل قوة نفسه فلم يعرفه بعد ذلك كغاية في نفسه أو ~~معبرا إلى سواه من الأحياء، بيد أنه هو الحي كما عهده في طفولته ~~وصباه، لم يتغير منه شيء، ما زال ضيقا تكاد تسده عربة يد إذا ~~اعترضت سبيله، وها هي بيوته تكاد تتماس مشربياتها، ودكاكينه ~~الصغيرة في تلاصقها وزحمتها والطنين الصادر عنها كخلايا النحل، ~~وأرضه التربة بفجواتها المفعمة وحلا، وغلمانه الذين يغشون ~~جوانبه ويطبعون على أديمه آثار أقدامهم الحافية، وسابلته الذين لا ~~ينقطع لهم تيار، ms098 ومقلى عم حسن ومطعم عم سليمان، كل أولئك باق كما ~~عهده فتكاد ترف على شفتيه ابتسامة حنان يريد ثغر طفولته أن يفتر ~~عنها لولا مرارة الماضي وسقم الحاضر. # وتراءت لعينيه عطفة قصر الشوق فخفق قلبه بقوة حتى كاد يصم أذنيه، ~~ثم لاحت على رأس منعطفها الأيمن سلال البرتقال والتفاح منضدة على ~~الطوار أمام دكان الفاكهة، فعض على شفتيه وغض طرفه في خزي. ~~الماضي ملطخ بالعار، مدفون الرأس في الطين من الخجل، دائم الجأر ~~بالشكوى من الخزي والألم، ولكنه كله في كفة وهذا الدكان في كفة ~~وحده، بل إنه يرجح به؛ إذ إنه رمزه الحي الباقي على الزمن. جمعت في ~~صاحبه وسلاله وفاكهته وموقعه وذكرياته الخزي متبجحا والألم ناطقا ~~بالهزيمة مولولة. وإذا كان الماضي أحداثا وذكريات هي بطبعها عرضة ~~للتخلخل أو النسيان، فهذا الدكان يقوم شاهدا مجسما يكشف مخلخله ~~ويستحضر منسيه. وكان كلما تقدم من المنعطف خطوة تقهقر عن الحاضر ~~خطوات طاويا الزمن على رغم إرادته، وكأنه يرى في الدكان «غلاما» ~~يرفع رأسه إلى صاحبها، ويقول: «نينة تطلب منك أن تحضر الليلة.» أو ~~كأنه يراه وهو عائد بقرطاس الفاكهة ضاحك الأسارير، أو وهو يلفت نظر ~~أمه في الطريق إلى الرجل، فتجذبه من ذراعه بعيدا أن يلفت إليهما ~~الأنظار، أو وهو ينشج باكيا أمام منظر الافتراس الوحشي الذي يخلقه ~~خلقا جديدا - كلما ورد على ذهنه - على ضوء تجاربه الراهنة ~~فينقلب البشاعة نفسها، طفقت الصور الملتهبة تطارده وهو يجد في ~~الفرار منها، ولكنه ما إن يتملص من قبضة إحداها حتى يقع في قبضة ~~الأخرى، مطاردة عنيفة وحشية أثارت في أعماقه بركان الحنق والحقد، ~~فواصل السير إلى غايته وهو على أسوأ حال «كيف أمرق إلى العطفة وعلى ~~رأسها هذا الدكان ... وهذا الرجل؟ ... أتراه بموقفه القديم منه؟ ... لن ~~ألتفت نحوه، أي قوة ماكرة تغريني بالنظر، أيعرفني إذا التقت ~~عينانا؟! ... إذا بدا منه أنه عرفني قتلته، ولكن كيف له أن يعرفني؟ ... ~~لا هو ولا أحد من الحي، أحد عشر عاما، تركته غلاما وأعود إليه ~~ثورا ذا ms099 قرنين! ثم لا تواتينا القوة على إبادة الحشرات السامة ~~التي لا تنفك تلدغنا ...» # ومال إلى العطفة مسرعا بعض الشيء، متخيلا القوم وهم يستطلعونه ~~بأنظارهم متسائلين: «أين ومتى رأينا هذا الوجه؟!» ورقي في الطريق ~~المتصاعد في غير استواء، جامعا عزمه على نفض الغبار الخانق عن ~~وجهه ورأسه ولو إلى حين، وتشجيعا لعزمه فر بنفسه بعيدا وراح ~~يتأمل ما حوله ويحدث نفسه قائلا: «لا تضق بالطريق المتعب فكم ~~كنت تفرح به صغيرا وأنت تتزحلق على منحدره فوق لوح من الخشب!» ~~بيد أنه عاد يقول حين تراءى له جدار البيت: «إلى أين أسير؟! ... ~~إلى أمي! ... يا للعجب! لا أصدق، كيف ألقاها وكيف تلقاني! ... وددت ~~لو ...» ومال يمينا إلى عطفة مسدودة، ثم اتجه إلى أول باب في ~~جانبها الأيسر، هو البيت القديم بلا أدنى شك، قطع الطريق إليه كما ~~كان يقطعه وهو صغير، بلا تردد أو تساؤل وكأنه ما تركه إلا أمس ~~القريب، ولكنه اقتحم بابه هذه المرة باضطراب غير معهود، ورقي في ~~الدرج بخطوات ثقيلة بطيئة، وبالرغم من قلقه وجد نفسه يتفحصه ~~باهتمام مطابقا بينه وبين صورته المحفوظة في خياله، فألفاه أضيق ~~قليلا مما في ذاكرته وقد تآكلت بعض جوانبه، وتهدمت أجزاء صغيرة ~~من أطراف درجاته المطلة على بئر السلم، وسرعان ما حجبت الذكريات ~~الحاضر كله. ومر وهو على تلك الحال بالدورين المأجورين حتى انتهى ~~إلى الدور الأخير، ووقف لحظات يتنصت وصدره يعلو وينخفض، ثم هز ~~منكبيه كالمستهين ونقر على الباب، وبعد دقيقة أو نحوها فتح الباب ~~عن وجه خادم متوسطة العمر ما إن تبينت فيه رجلا غريبا، حتى توارت ~~وراء الباب وهي تسأله في أدب عما يريد. وثارت أعصابه فجأة وبلا ~~داع معقول لما بدا من الخادم من جهل بشخصه، فدخل بأقدام ثابتة ~~واتجه نحو حجرة الاستقبال وهو يقول بلهجة آمرة: قولي لستك ياسين ~~هنا. ~~«ترى ماذا تظن الخادم بي؟» ... والتفت وراءه فوجدها مسرعة إلى ~~الداخل؛ إما لأن لهجته الآمرة غلبتها على أمرها، وإما ... وعض على ~~شفتيه وهو يمرق إلى داخل الحجرة، ms100 إنها حجرة الضيوف كما قدر بلا ~~وعي في لهوجته وحدته، ولكن ذاكرته كانت تعرف أركان البيت بلا دليل، ~~ولو وجد في ظرف غير الظرف لطاف مسترجعا ذكرياته من الحمام الذي ~~كان يحمل إليه وهو يبكي إلى المشربية التي كان ينظر من وراء ~~ثقوبها إلى موكب الزفة مساء بعد مساء. ترى أأثاث الحجرة الراهن ~~هو أثاث الماضي البعيد؟ إنه لا يذكر من الأثاث القديم إلا مرآة ~~طويلة ثبتت في حوض مذهب تنبثق من ثغرات في سطحه ورود صناعية ~~مختلفة الألوان، وتركز في زاويتيه المتباعدتين فنايير تتدلى من ~~أعناقها أهلة بلورية طالما ولع بالعبث بها والنظر خلالها إلى ~~المكان، فيلوح في حلل غريبة يذكر إغراءها وإن غاب عنه منظرها، ~~ولكن لا داعي للتساؤل فأثاث اليوم غير أثاث الأمس، لا لجدته فحسب، ~~ولكن لأن حجرة امرأة مزواج خليقة بأن تتغير أو تتجدد، كما تغير ~~أبوه، وتاجر الفحم، والباشجاويش. وركبه توتر وضيق فأدرك أنه لم ~~يطرق باب البيت القديم فحسب، ولكنه نكأ جرحا متورما وغاص في ~~قيحه. ولم يطل انتظاره، ولعله جاء أقصر مما يتصور؛ إذ ابتدر أذنيه ~~وقع أقدام متتابعة متدافعة، وصوت يتردد محاورا نفسه بكلام علا ~~جرسه ولم يستبن ألفاظه، ثم أحس بها - وهو لم يزل مولي الباب ظهره ~~- وضلفة الباب المغلقة تطقطق تحت صدمة منكبها، ثم جاءه هتافها وهي ~~تقول بأنفاس مبهورة: ياسين! ... ابني! ... كيف أصدق عيني؟! ... ربي ... ~~صار رجلا! # وتدافع الدم إلى وجهه المكتنز، واستدار نحوها في ارتباك وهو لا ~~يدري كيف يلقاها ولا كيف يكون اللقاء، ولكن المرأة أعفته من تدبير ~~أمره فهرعت إليه واحتوته بذراعيها، وضمته إليها بشدة عصبية ~~وراحت تقبل صدره - وهو غاية ما وسع شفتاها أن تبلغاه من جسمه ~~المنتصب - ثم اختنقت نبراتها واغرورقت عيناها، فدفنت وجهها في صدره ~~مستسلمة مليا ريثما تسترد أنفاسها. لم يكن حتى تلك اللحظة قد ~~أتى حركة أو نطق بكلمة، ومع أنه شعر شعورا عميقا أليما بأن ~~جموده أشد من أن يحتمل إلا أنه لم يبدر منه ما ينم عن حياة، ms101 أي ~~حياة، فلازم جموده وخرسه، بيد أنه كان متأثرا غاية التأثر وإن ~~لم يتضح له نوع التأثر بادئ الأمر بحال يطمئن إليها، ولكنه على ~~حرارة استقبالها لم يجد رغبة للارتماء في حضنها أو تقبيلها، لعله ~~لم يستطع أن ينزع الذكريات المحزنة الناشبة في نفسه كمرض مزمن ~~رافقه منذ الصبا، ومع أنه وجه إرادته بعزم وتصميم إلى إخلاء ~~المسرح من الماضي في اللحظة الراهنة ليملك فكره وحكمته، إلا أن ~~الماضي المطرود انعكس على صفحة قلبه ظلالا قاتمة كذبابة نشت عن ~~الفم بعد أن خلفت وراءها جرثومة تسري، فأدرك في ذاك الموقف الرهيب ~~أكثر مما أدرك في ماضيه كله، الحقيقة المحزنة التي طالما أدمت ~~فؤاده، وهي أن أمه قد اقتلعت من صدره. ورفعت المرأة رأسها إليه ~~كأنها تدعوه إلى تقريب وجهه فلم يستطع الإباء وأدنى وجهه منها، ~~فقبلته في خديه وجبينه، التقت أثناء العناق عيناهما، فلثم جبينها ~~تأثرا بارتباكه وحيائه لا لعاطفة أخرى، ثم سمعها تغمغم: قالت لي ~~ياسين هنا، قلت ياسين! من يكون هذا؟! ولكن من يكون غيره؟ ليس لي ~~إلا ياسين واحد، ذاك الذي حرم بيتي على نفسه وحرم نفسه علي، ~~فماذا حدث؟ وكيف استجيب الدعاء آخر الدهر؟! وجئت عدوا كالمجنونة ~~لا أصدق أذني، وها أنت، أنت دون غيرك والحمد لله، تركتني غلاما ~~وعدت إلي رجلا، كم قتلني الشوق إليك وأنت لا تحس لي ~~وجودا! # وأخذته من ذراعه إلى الكنبة فمضى معها وهو يسائل نفسه: متى ~~تنحسر هذه الموجة الطاغية من الاستقبال الحار حتى يتبين الطريق إلى ~~هدفه؟ وجعل يسترق إليها النظر في استطلاع مقرون بالدهشة والقلق ... ~~كأنها لم تتغير إلا أن يكون جسمها قد زاد امتلاء، ولكنه لا يزال ~~محافظا على حسن تقطيعه، أما الوجه القمحي المستدير والعينان ~~السوداوان المكحولتان فعلى سابق عهدهما تقريبا من القسامة ~~البارعة. ولم يرتح إلى ما رآه على صفحة الوجه والعنق من زواق كأنه ~~كان ينتظر أن تغير أعوام القطيعة من دأبها القديم على العناية ~~بنفسها، وولعها بالتبرج لداع ولغير ما داع أي حتى ms102 في تلك الأوقات ~~التي تخلو فيها إلى نفسها. وجلسا جنبا إلى جنب وهي تحدق إلى ~~وجهه بحنان تارة وتقيس طوله وعرضه بعينين معجبتين تارة أخرى، ثم ~~تمتمت بصوت متهدج: آه يا ربي لا أكاد أصدق عيني، أنا في حلم، هذا ~~ياسين! أي عمر ذهب هباء، كم دعوتك ورجوتك، وبعثت إليك الرسول تلو ~~الرسول، ماذا أقول؟ ... دعني أسألك كيف قسا قلبك علي لهذا الحد؟ ... ~~كيف أعرضت عن دعواتي الحارة؟ كيف تصاممت عن نداء قلبي المكروب؟ ... ~~كيف ... كيف؟ ... كيف نسيت أن لك أما منزوية هنا؟ # ووقف انتباهه عند الجملة الأخيرة فوجدها غريبة تدعو إلى السخرية ~~والرثاء معا، وكأنها أفلتت منها في ذهول الانفعال، أجل يوجد شيء ~~وأشياء تذكره صباح مساء بأن له أما، ولكن أي شيء وأي ~~أشياء؟! # ورفع إليها عينيه في حيرة دون أن ينبس، فالتقت عيناهما لحظة، ~~وابتدرته المرأة قائلة في لهفة: لماذا لا تتكلم؟ # فخرج ياسين من حيرته بتنهدة مسموعة ثم قال وكأنه لم يجد بدا ~~مما قال: ذكرتك كثيرا، ولكن آلامي كانت أفظع من أن تطاق. # وقبل أن يتم كلامه كان النور الذي ينبعث من نظرتها قد خمد، ~~واحتلت الحدقتين غمامة خيبة وفتور ساقتها رياح تهب من جوف الماضي ~~الأسيف، فلم تعد تطيق التحديق في عينيه وخفضت جفنيها وهي تقول ~~بلهجة حزينة: ظننتك برئت من أحزان الماضي، وإنها، علم الله، لا ~~تستحق بعض ما أوليتها من غضب حملك على هجري أحد عشر عاما. # وعجب لعتابها عجبا أحنقه، واستنكره استنكارا ذر على غضبه ~~المكتوم فلفلا، فانفعل انفعالا لولا القصد الذي جاء من أجله لثار ~~بركانه، أتعني المرأة حقا ما تقول؟ أهان عليها ما فعلت لهذا ~~الحد؟ أم تظن به الجهل بما كان؟! بيد أنه ضبط أعصابه بقوة إرادته ~~التي لم تغفل عن هدفها، وقال: تقولين إنها لا تستحق غضبي؟ ... أراها ~~تستحق الغضب كل الغضب وأكثر. # فتركت ظهرها يسقط على مسند الكنبة كشيء تهدم، ورمته بنظرة بين ~~العتاب والاستعطاف قائلة: ما وجه العيب في أن تتزوج امرأة بعد ~~طلاقها؟ # فشعر ms103 بنيران الغضب تتأجج في عروقه، وإن لم تبد منها آثار إلا في ~~انطباق شفتيه ثم التصاقهما، لا زالت تتكلم ببساطة كأنها مقتنعة ~~على يقين ببراءتها! ... وتتساءل عن وجه العيب في أن تتزوج «امرأة» ~~بعد طلاقها، حسن، لا عيب في أن تتزوج «امرأة» بعد طلاقها، أما أن ~~تكون المرأة أمه فهذا شيء آخر، شيء آخر جدا، وأي زواج الذي ~~تعنيه؟! ... إنه زواج وطلاق، ثم زواج وطلاق، ثم زواج وطلاق؟ ... هناك ~~ما هو أدهى وأمر، ذلك «الفكهاني»! ... أيذكرها به؟ ... أيصفعها بما ~~في نفسه من مر ذكرياته؟ أيصارحها بأنه لم يعد جاهلا كما تظن؟ ~~وأرغمته حدة الذكريات على الخروج عن اعتداله هذه المرة، فقال ~~بامتعاض شديد: زواج وطلاق، زواج وطلاق، هذه أمور شائنة لم تكن ~~لتليق بك، ولشد ما مزقت نياط قلبي بلا رحمة. # فشبكت ذراعيها على صدرها في استسلام اليائس وقالت بإشفاق حزين: ~~إنه سوء الحظ ولا شيء غيره، إني سيئة الحظ، هذا كل ما ~~هنالك. # فبادرها قائلا، وقد تقلصت أساريره وانتفخ لغده، فلفظ الكلمات ~~كأنما يلفظ مستخبثا تعافه النفس: لا تحاولي أن تبرئي ساحتك فما ~~يزيدني هذا إلا ألما على ألم، من الخير أن نسدل على آلامنا ~~ستارا يخفيها ما دمنا لا نستطيع أن نمحوها من الوجود ~~محوا. # ولاذت بالصمت على كره والقلب يشفق إشفاقا شديدا من هائج ~~الذكريات على طيب اللقاء، وما بعثه في نفسها من آمال، وجعلت تلحظه ~~بقلق كأنما تستخبره عما يطوي عليه صدره، فلما ثقل عليها صمته قالت ~~متشكية: لا تلح في تعذيبي وأنت وحيدي. # ووقع الكلام من نفسه موقعا غريبا كأنما يكشف له لأول مرة، ~~بيد أنه وجد فيه باعثا جديدا للهياج والتوتر، إنه ابنها حقا، ~~وإنها أمه الوحيدة كذلك، ولكن كم رجلا! ... وأشاح عنها بوجهه ليخفي ~~ما ارتسم على صفحته من آي التقزز والغضب، ثم أغمض عينيه فرارا من ~~ذكريات مناظر بشعة، عند ذاك سمعها تقول برقة وتوسل: دعني ~~أعتقد بأن سعادتي الراهنة حقيقة لا وهم، أجل حقيقة لا وهم، وبأنك ~~جئتني منفضا عن قلبك ms104 أحزان الماضي كله إلى الأبد. # فنظر إليها نظرة طويلة مركزة وشت بخطورة أفكاره إلى حين، ولم يكن ~~شيء في تلك اللحظة يستطيع أن يعدل به عن النفاذ إلى غرضه ولو ~~بتأجيله، فقال بصوت يدل على أن ألفاظه التي يتفوه بها أقل بكثير ~~من المعاني التي يوحي بها: هذا يتوقف عليك أنت، فإن شئت كان لك ~~ما تحبين. # فتجلت في عيني المرأة نظرة قلق نمت عما تعاني من إيحاء الخوف ~~وقالت: إني أرغب في مودتك من أعماق قلبي، وطالما تمنيتها، وكم سعيت ~~إليها فرددتني بلا رحمة. # ولكنه كان مشغولا عن كلامها الحار بما يضطرب في ذهنه، فقال: ~~بيدك ما تتمنين، بيدك أنت وحدك، إذا جعلت من الحكمة ~~رائدك. # فتساءلت المرأة في انزعاج: ماذا تعني؟ # فأحنقه تجاهلها وقال بتذمر: مضمون كلامي واضح، هو أن تعدلي عما ~~لو صح ما بلغني عنه لكان فيه الضربة القاضية علي! # فاتسعت عيناها وتجهم وجهها في يأس غير خاف، وتمتمت وهي لا ~~تدري: ماذا تعني؟ # بيد أنه ظنها تصر على التجاهل فقال بغيظ: أعني أن تلغي مشروع ~~الزواج الجديد، وألا تسمحي لنفسك بمعاودة التفكير في شيء من هذا ~~القبيل، لم أعد طفلا، وليس بصبري متسع لطعنة جديدة. # أطرقت في حزن بالغ، ولازمت الإطراق كأنما أخذتها سنة من ~~النوم، ثم رفعت رأسها في بطء فلاح الحزن في وجهها أعمق مما قدر، ~~ثم قالت بصوت ضعيف وكأنها تخاطب نفسها: إذن جئت من أجل ~~هذا! # ودون تفكير فيما يقول قال: نعم! # فوقع جوابه كطلقة نارية فإذا بكل شيء حوله يتغير ويتبدل سريعا، ~~ويكفهر الجو. وقد استرجع فيما بعد - وهو خال إلى نفسه - ما دار ~~من حديث بينه وبين أمه في هذه المقابلة، فأقر أقواله جميعا حتى ~~بلغ هذا الجواب الأخير، فتردد حياله لا يدري أأخطأ أم أصاب، وظل ~~على تردده طويلا. أما المرأة فقد غمغمت وهي تنظر فيما أمامها: ~~لشد ما أتمنى أن أكذب أذني. # وأدرك أنه تعجل بعد فوات الفرصة، وسخط على نفسه حانقا، ثم صب ~~سخطه على ما ms105 حوله، فاندفع قائلا بلا وعي مداريا خطأه بما هو أمعن ~~في الخطأ: إنك تفعلين ما تشائين دون تقدير للعواقب، وكنت أنا ~~دائما الضحية التي تتلقى الإساءة بلا ذنب جنته، وقد ظننت العمر ~~رادك إلى شيء من العقل، فما أعجب إلا لقائل يقول إنك شارعة ~~في الزواج من جديد! ... يا لها من فضيحة تتجدد كل بضعة أعوام كأن ~~لا نهاية لها! # من شدة اليأس راحت تصغي إليه فيما يشبه اللامبالاة، ثم قالت ~~بأسى: أنت ضحية، وأنا ضحية، كلانا ضحية لما يوسوس به إليك أبوك ~~وتلك المرأة التي تعيش في كنفها! # وعجب لهذا الانحراف في مجرى الحديث الذي بدا له مضحكا، بيد ~~أنه لم يضحك، ولعله ازداد غضبا وهو يقول: ما دخل أبي وزوجه في هذا ~~الشأن! ... لا تتملصي من فعالك بإلقاء التهم في وجوه ~~الأبرياء. # فهتفت بصوت يشبه الأنين: ما رأيت ابنا أقسى منك! ... أهذا خطابك ~~لي بعد فراق أحد عشر عاما! # فلوح بيده في احتجاج غاضب وقال بحدة وسخط: الأم الخاطئة ~~خليقة بأن تلد ابنا قاسيا. ~~- لست خاطئة ... لست خاطئة ... ولكنك قاس غليظ القلب كأبيك. # فنفخ في ملل وصاح بها: رجعنا إلى أبي! ... حسبنا ما نحن فيه ... ~~اتقي الله وتراجعي عن الفضيحة الجديدة ... أريد أن أمنع هذه الفضيحة ~~بأي ثمن. # ومن شدة اليأس والحزن خرج صوتها متلفعا بالبرودة وهي تقول: ~~وماذا يهمك منها؟ # فصاح في دهش: كيف لا تهمني فضيحة أمي؟! # فقالت في حزن مشوب بما تيسر من التهكم: أنت في الحق لا تعدني ~~أما لك. ~~- ماذا تعنين؟ # فغمغمت في يأس متجاهلة تساؤله: ما دمت قد خلعتني من نفسك فيجدر ~~بك أن تدعني وشأني. # فهتف غاضبا: حسبي ما كان، لن أسمح لك بتلويث سمعتي من ~~جديد. # فقالت وهي تزدرد مرارة ريقها: لا شيء هنالك مما يلوث السمعة، ~~والله شهيد. # فسألها مستنكرا: أتصرين على هذا الزواج؟! # فصمتت مليا، مطرقة محزونة غارقة في اليأس، ثم ندت عنها تنهدة ~~عميقة، ثم قالت بصوت لا يكاد يسمع: قضي الأمر، وكتب العقد، ولم ~~يعد بوسعي ms106 منعه! # فانتفض ياسين قائما وقد تصلب جسمه البدين، وعلت وجهه صفرة ~~وركز بصره في رأسها المطرق وهو يغلي غضبا، ثم صاح بها بصوت ~~كالزئير: يا لك من امرأة ... مجرمة! # فغمغمت بصوت مغموس يدل على الاستسلام المطلق: سامحك ~~الله. # عند ذاك خطر له أن يلطمها بما يعرف - مما تظن أنه يجهله - من ~~ماضي سيرتها، بحديث «الفكهاني» الأسود، قذيفة يصبها على رأسها بغتة ~~فتنثره إربا ويثأر بها أفظع الثأر، وتوهج في عينيه بريق مخيف ~~تطاير من تحت جبهة عابسة مكفهرة تجمعت في أخاديدها نذر الشر ~~والوعيد، وفغر فاه ليطلق قذيفته، ولكن لسانه لم يتحرك، التصق بسقف ~~حلقه كأنما جذبه إليه مخه الذي لم يعمه العناء عن البلاء، ومرت ~~اللحظة الرهيبة في سرعة الزلزال الخاطف الذي يشعر فيه الإنسان ~~بأنفاس الموت تتردد على وجهه لحظات، ثم يعود كل شيء إلى مستقره، ~~وزفر وهو كظيم، وتراجع غير آسف وجبينه يسح عرقا باردا. وقد ذكر ~~موقفه هذا - فيما بعد - فيما ذكر من مواقف هذه المقابلة الغريبة ~~فارتاح لتراجعه كل الارتياح، وإن عجب له أشد العجب، وكان أعجب ما ~~عجبه شعوره بأنه إنما تراجع رحمة بنفسه لا رحمة بها، وكأنه تستر ~~على كرامته لا على كرامتها، وإن لم يكن ثمة ما يجهله من ~~الأمر! # وأفرغ غضبه في كفيه فجعل يضرب واحدة على الأخرى ويقول: مجرمة! ~~... فضيحة مجسمة! ... كم سأضحك من غبائي كلما أذكر أنني أملت خيرا من ~~هذه الزيارة! ... (ثم بلهجة تهكمية) إني أعجب كيف طمعت بعد هذا في ~~مودتي؟! # فجاءه صوتها وهو يقول في انكسار وحسرة: منتني نفسي أن نعيش ~~على مودة رغم كل شيء! ... وبعثت زيارتك المفاجئة في قلبي آمالا حارة ~~خيل إلي معها أني أستطيع أن أهبك أسمى ما في قلبي من حب ... بلا ~~كدر. # وابتعد عنها متقهقرا كأنما يفر من لين كلامها الذي لم يعد شيء ~~يؤرث غضبه مثلما يؤرثه. وشعر حانقا يائسا بأنه لم تعد ثمة ~~فائدة من بقائه في هذا الجو الكريه، فقال وهو يستدير ليأخذ سمته ~~إلى الخارج: وددت ms107 لو أستطيع قتلك. # فغضت بصرها وقالت في حزن بالغ: لو فعلت لأرحتني من ~~حياتي. # وبلغ به الضيق النهاية فألقى عليها نظرة أخيرة مظلمة بالمقت، ثم ~~غادر المكان وأرض الحجرة ترتج تحت وقع قدميه. وعندما انتهى إلى ~~الطريق، وأخذ يثوب إلى نفسه، ذكر لأول مرة أنه نسي حديث العقار ~~والمال فلم يطرقه بكلمة واحدة، أنسيه كأنما لم يكن هو الباعث ~~الأول لهذه الزيارة! # 19 # فتحت الست أمينة الباب وأدخلت رأسها وهي تقول برقتها المعهودة: ~~أفي حاجة إلى خدمة يا سيدي الصغير؟ # فجاءها صوت فهمي قائلا: تعالي يا نينة، خمس دقائق فقط. # فدخلت المرأة مسرورة بتلبية الدعوة، فرأته واقفا أمام مكتبه ~~يلوح في وجهه الجد والاهتمام، فأخذها من يدها إلى كنبة غير بعيدة ~~من الباب وأجلسها، ثم جلس إلى جانبها وهو يتساءل: ناموا ~~جميعا؟ # وأدركت المرأة أنها لم تدع لتقديم خدمة عابرة، وإلا ما كان هذا ~~الاهتمام وهذه الخلوة، فانتقل الاهتمام بسرعة إلى نفسها المطواعة ~~للإيحاء، وقالت تجيبه: ذهبت خديجة وعائشة إلى حجرتهما في ميعاد كل ~~ليلة، أما كمال فقد تركته الآن في فراشه. # كان فهمي يترقب هذه اللحظة منذ آوى إلى حجرة المذاكرة عند أول ~~المساء، فلم يستطع كعادته تركيز انتباهه في الكتاب الذي بين يديه، ~~وجعل يتابع بين آونة وأخرى، أحاديث أمه وشقيقتيه في جزع لا يدري ~~متى ينتهين، ثم إلى أمه وكمال وهما يحفظان معا جملة من سورة عم. ~~حتى ساد الصمت ثم جاءت أمه لتحييه تحية المساء، فدعاها إليه وقد ~~تناهى به توتر الانتظار. ومع أن أمه بدت كالحمامة الوديعة، ومع أنه ~~لم يشعر حيالها قط بتحفظ أو خوف، إلا أنه وجد عسرا في التعبير عما ~~يريد الإفصاح عنه، فعلاه ارتباك الحياء، ومضت فترة صمت ليست ~~بالقصيرة قبل أن يقول مختلج الجفنين: دعوتك يا نينة لأشاورك في ~~أمر يهمني جدا. # واشتد الاهتمام بالمرأة حتى تمثله قلبها الرقيق خوفا أو شبيها ~~بالخوف وقالت: إني مصغية إليك يا بني. # فتنفس تنفسا عميقا ليخفف عن أعصابه وقال: ما رأيك فيما لو ms108 ... ~~أعني أليس من الممكن أن ... # وتوقف مترددا، ثم غير لهجته قائلا برقة وتردد وارتباك: ليس ~~لي من أفضي إليه بدخيلة نفسي إلا أنت. ~~- طبعا طبعا يا بني. # فقال متشجعا عما قبل: ما رأيك إذا اقترحت عليك أن تخطبي لي مريم ~~بنت جارنا السيد محمد رضوان؟ # وتلقت أمينة كلماته بدهشة أولا، فأجابته أول ما أجابت بابتسامة ~~تدل على الحيرة أكثر من الفرح، ثم انقشع الخوف الذي قبص صدرها ~~حينا وهي تترقب إفصاحه عما يريد، ثم اتسعت ابتسامتها وأشرقت ~~معلنة عن سرور صاف، وترددت لحظات لا تدري ماذا تقول، ثم اندفعت ~~قائلة: أهذه رغبتك حقا؟ ... سأقول لك رأيي صراحة ... إن يوما أمضي ~~فيه لأخطب لك بنت الحلال لهو أسعد أيام حياتي. # فتورد وجه الشاب وقال بامتنان: شكرا لك يا أماه. # ورنت الأم إليه ببسمة لطيفة، وقالت برجاء: يا له من يوم سعيد! ~~لقد تعبت كثيرا وصبرت كثيرا، وليس بالكثير على الله أن يجزيني ~~على تعبي وصبري بمثل هذا اليوم المرجى، بل بأيام مثله كثيرة ليقر ~~عيني بك وبأختيك خديجة وعائشة ... # وغابت عيناها في رؤى الأحلام السعيدة، حتى بدا لها ما أيقظها ~~فجأة فتراجع رأسها في قلق كقطة أقبل نحوها كلب، وتمتمت في إشفاق: ~~ولكن ... أبوك؟! # وابتسم فهمي ممتعضا وقال: من أجل هذا دعوتك للمشاورة. # ففكرت المرأة قليلا ثم قالت وكأنها تخاطب نفسها: لا أدري ماذا ~~يكون موقفه من هذا الرجاء؟ أبوك شخص غريب، غير الناس جميعا، وقد ~~يرى جريمة فيما يراه الغير شيئا عاديا. # فقطب فهمي قائلا: ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب أو ~~الاعتراض. ~~- هذا رأيي! ~~- وغني عن البيان أن الزواج سيؤجل حتى أتم دراستي وأجد ~~لنفسي عملا. ~~- طبعا ... طبعا. ~~- فيم يكون الاعتراض إذن؟! # فنظرت إليه نظرة كأنما تقول له: «ومن ذا يحاسب أباك إذا أراد أن ~~ينبذ المنطق جانبا؟» هي التي لم تعرف حياله إلا الطاعة العمياء ~~أصاب أم أخطأ، عدل أم ظلم، بيد أنها قالت: أرجو أن يبارك رجاءك ~~بالقبول. # فقال الشاب بحماس: لقد تزوج أبي وهو في ms109 سني هذه، ولست أقصد شيئا ~~من هذا، ولكني سأنتظر حتى يكون الزواج طبيعيا لا اعتراض عليه من ~~أي ناحية. ~~- ربنا يحقق رجاءنا. # وسكنا إلى الصمت مليا وهما يتبادلان النظرات، مجتمعين في فكرة ~~واحدة وهما عن بداهة يدريان إذ كان كلاهما يفهم صاحبه خير فهم، ~~ويقرأ ما يدور بخاطره في غير ما عسر، ثم قال فهمي مفصحا عما ~~يشغلهما معا: بقي أن نفكر فيمن يفاتحه بالموضوع! # وابتسمت المرأة ابتسامة أفقدها التفكير والقلق روحها، وأدركت أن ~~ابنها الأريب يذكرها بالواجب الذي لا يستطيع أن يؤديه أحد سواها ~~بالأسرة، ولم تعترض على هذا لأنه لا سبيل غيره، إلا أنها قبلته على ~~كره كما تقبل أمورا كثيرة وهي تسأل الله حسن العاقبة، وقالت ~~برقة وعطف: ومن غيري يفاتحه؟ ... ربنا معنا. ~~- إني آسف ... لو كان بوسعي أن أحدثه لفعلت. ~~- سأحدثه، وسيوافق بإذن الله، مريم فتاة جميلة، مؤدبة، من أسرة ~~كريمة. # وسكتت لحظة ثم استدركت متسائلة كأنما خطر لها الخاطر لأول مرة: ~~ولكن أليست هي في مثل سنك أو تزيد؟! # فقال الفتى جزعا: لا يهمني هذا بتاتا! # فقالت مبتسمة: على بركة الله، ربنا معنا ... (ثم وهي تنهض) أدعك ~~الآن لعناية المولى، وإلى الغد ... ومالت نحوه فقبلته، ثم غادرت ~~الحجرة وأغلقت الباب وراءها، ولكن كم أدهشها أن ترى كمال جالسا ~~على الكنبة مكبا على كراسة بين يديه فهتفت به: ما الذي عاد بك ~~إلى هنا؟ # فنهض الغلام مبتسما في ارتباك وقال: تذكرت أني نسيت كراسة ~~الإنجليزي فعدت لآخذها، ثم بدا لي أن أستعيد الكلمات مرة ~~أخيرة. # وذهبت معه مرة أخرى إلى حجرة النوم، ولم تتركه حتى تمدد تحت ~~الغطاء، ولكنه لم ينم. وكان النوم أعجز من أن يغلب اليقظة الماكرة ~~التي تنبعث في شعوره، فلم يلبث أن وثب من السرير، ومضى إلى سمعه ~~وقع أقدام أمه، وهي ترقى السلم إلى الدور الأعلى، ثم فتح الباب ~~وجرى إلى حجرة شقيقتيه، ودفع بابها ودخل دون أن يغلقه ليوسع ~~للمصباح المعلق بالصالة منفذا يضيء منه جانبا من الظلمة الغاشية ~~في ms110 الداخل، وهرع إلى الفراش وهو يهمس: «أبلة خديجة!» فجلست الفتاة ~~في الفراش دهشة، فوثب إلى جانبها وهو يلهث من الانفعال، وكأنه لم ~~يقنع بمستمعة واحدة ليستودعها السر الذي أطار النوم من عينيه، ~~فمد يده إلى جسم عائشة وهزه، ولكن الفتاة كانت قد تنبهت إلى ~~القادم، وأزاحت عنها الغطاء ثم رفعت رأسها بين الاستطلاع والاحتجاج ~~متسائلة: ماذا جاء بك الآن؟ # لم يأبه للهجة الاحتجاج؛ لأنه كان على يقين من أن كلمة واحدة ~~يشير بها إلى سره خليقة بأن تقلبهما رأسا على عقب، وقفز لهذا ~~قلبه بهجة وسرورا، ثم قال هامسا كأنه يحاذر أن يسمعه رابع: عندي ~~سر غريب. # فسألته خديجة: أي سر هذا؟! ... هات ما عندك وأرنا شطارتك. # ولم يعد باستطاعته الكتمان، فقال: أخي فهمي يريد أن يخطب ~~مريم. # عند ذاك جلست عائشة في الفراش بدورها في حركة آلية سريعة، كأنما ~~التصريح رشة ماء بارد ألقيت في وجه وسنان، وتقاربت الأشباح ~~الثلاثة في شكل هرمي كما بدا على الضوء الخافت النافذ إلى الحجرة ~~والمنعكس على أرضها فيما يلي الباب المفتوح على هيئة متوازي ~~الأضلاع، مذبذب الأطراف تبعا لذبذبة ذبالة المصباح الذي تعرض - ~~بترك الباب مفتوحا - إلى تيار وإن نسم من خصاص النافذة إلى الصالة ~~في لطف همسات تذيع سرا، ثم تساءلت خديجة في اهتمام: كيف عرفت ~~هذا؟ ~~- تركت فراشي لأحضر كراسة الإنجليزي، وعند باب أخي جاءني صوته ~~وهو يتكلم فلبدت في الكنبة ... ثم أعاد على مسمعيهما ما تسرب إليه من ~~وراء الباب الموارب، وهما تنصتان إليه في اهتمام ملك عليهما ~~الأنفاس حتى فرغ من حديثه، وهنا تساءلت عائشة كأن بها حاجة إلى ~~المزيد من الاقتناع: أتصدقين هذا؟ # فقالت خديجة بصوت كأنه ينبعث من تليفون بمدينة بعيدة: أتتصورين ~~أن يخترع هذا (مشيرة إلى كمال) حكاية طويلة عريضة كهذه؟ ~~- لك حق (ثم ضاحكة لتخفف من حدة اهتمامها) اختلاق موت غلام في ~~الطريق شيء، أما هذه الحكاية فشيء آخر. # فتساءلت خديجة دون أن تلقي بالا إلى احتجاج كمال الذي اعترض على ~~التعريض به: كيف ms111 وقع هذا يا ترى؟! # فضحكت عائشة قائلة: ألم أقل لك مرة إني أشك في أن اللبلاب هو ~~الذي يدعو فهمي إلى السطح كل يوم؟! ~~- إنه اللبلاب الآخر الذي التف حول ساقه هو. # فترنمت عائشة بصوت خفيض: لا ملام عليك يا عيوني في حبه. # فنهرتها خديجة قائلة: هس ... ليس هذا وقت الغناء ... مريم في العشرين ~~وفهمي في الثامنة عشرة ... كيف توافق نينة على هذا؟! ~~- نينة؟! ... نينة حمامة وديعة لا تدري كيف تقول لا، ولكن صبرا، ~~أليس من الحق أن أقول إن مريم جميلة وطيبة؟ ... ثم إن بيتنا هو البيت ~~الوحيد في الحي الذي لم يعرف الأفراح بعد. # كانت خديجة - كعائشة - تحب مريم، ولكن الحب لم يستطع أبدا أن ~~يخفي عن عينيها مواضع الانتقاد في المحبوب أيا كان شأنه، فلم يكن ~~يعجزها - عند الضرورة - الوقوف عند مواضع الانتقاد فحسب، ولما كانت ~~سيرة الزواج تثير مخاوفها الكامنة، وغيرتها، فقد انقلبت على ~~صديقتها دون مشقة، وأبى قلبها أن يقبلها زوجة لأخيها، ومضت تقول: ~~مجنونة أنت؟! ... مريم جميلة ولكنها دون فهمي بمراحل بعيدة ... فهمي يا ~~حمارة طالب بالعالي، وسيكون قاضيا يوما ما، فهل تتصورين مريم ~~زوجا لقاض كبير المقام؟! ... إنها مثلنا على أكثر تقدير، بل هي ~~دوننا في أكثر من ناحية ولن تتزوج إحدانا بقاض! # وتساءلت عائشة في نفسها: «من قال القاضي أحسن من الضابط!» ثم ~~سألتها محتجة: لم لا؟! # فواصلت الأخرى حديثها دون اهتمام باعتراضها: يستطيع فهمي أن ~~يتزوج بفتاة أجمل من مريم مائة مرة، وفي نفس الوقت تكون متعلمة ~~وغنية وبنت بك أو حتى باشا، فلماذا يتسرع بخطبة مريم؟! ... ما هي إلا ~~أمية طويلة اللسان، أنت لا تعرفينها كما أعرفها. # وأدركت عائشة أن مريم انقلبت في نظر خديجة إلى جملة من العيوب ~~والنقائص، بيد أنها لم تتمالك نفسها - حيال وصفها بطول اللسان ~~تلك الصفة التي لخديجة منها أكبر نصيب - من أن تبتسم مستترة ~~بالظلمة، وتحاشت إثارتها فقالت بتسليم: لندع الأمر لله. # فقالت خديجة بثقة وإيمان: الأمر لله في السماء ولأبي في الأرض، ~~وسوف ms112 نرى ماذا يكون رأيه غدا ... (ثم موجهة الخطاب إلى كمال) آن ~~لك أن تعود إلى سريرك بسلام. # عاد كمال إلى حجرته وهو يقول لنفسه: «لم يبق إلا ياسين، وسأخبره ~~غدا.» # 20 # جلست خديجة وعائشة القرفصاء متواجهتين لصق الضلفة المغلقة من باب ~~حجرة الوالدين بالدور الأعلى وهما تكتمان أنفاسهما في حذر وتمدان ~~آذانهما إلى الداخل في اهتمام وتلقف. كان الوقت قبيل العصر بقليل، ~~وكان السيد قد نهض من قيلولته فتوضأ وجلس كعادته يحتسي القهوة ~~منتظرا الأذان ليصلي قبل عودته إلى الدكان، فتوقعت الأختان أن ~~تفاتح الأم أباهما في الأمر الذي أنبأهما عنه كمال؛ إذ لم يكن أنسب ~~لذلك الغرض من هذا الوقت. وتناهى إليهما من الداخل صوت أبيهما ~~الجهوري، وهو يتحدث عن أمور البيت العادية، فأنصتتا في جزع وترقب ~~وهما تتبادلان النظر متسائلتين حتى سمعتا أخيرا الأم وهي تقول في ~~أدب بالغ ولهجة خاشعة: سيدي، إذا أذنت لي حدثتك عن شأن رجاني ~~فهمي أن أبلغك إياه. # عند ذاك أومأت عائشة بذقنها إلى الداخل، كأنها تقول: «هذا هو ~~الحديث» على حين راحت خديجة تتخيل حال أمها، وهي تتهيأ للكلام ~~الخطير فرق قلبها لها وعضت على شفتها في إشفاق شديد، ثم جاءهما ~~صوت السيد وهو يتساءل: ماذا يريد؟ # وساد الصمت قليلا، أو طويلا بالقياس إلى اللتين تسترقان السمع، ~~ثم قالت المرأة برقة: فهمي يا سيدي شاب طيب، حاز رضاك بجده ~~وتفوقه وأدبه، حماه الله من شر الأعين، ولعله بلغني رجاءه ~~إدلالا بمنزلته عند والده ... # فقال الأب بلهجة تخيلتاه معها راضيا: ماذا يريد؟ ... ~~تكلمي. # ومال رأساهما نحو الباب وكل منهما تحملق في الأخرى، ولا تكاد ~~تراها، فجاءهما الصوت المتهافت وهو يقول: سيدي يعرف جارنا الطيب ~~السيد محمد رضوان؟ ~~- طبعا. ~~- رجل فاضل مثل سيدي وأسرة كريمة وجيران ولا كل الجيران. ~~- نعم. # واستطردت بعد تردد: فهمي يسأل يا سيدي هل يجيز له والده أن ... ~~يخطب مريم كريمة جارنا الطيب لتبقى على ذمته حتى يصير أهلا ~~للزواج؟ # وهنا علا صوت السيد وقد غلظت نبراته بالغضب والاستنكار: يخطب؟! ms113 ... ~~ماذا تقولين يا ولية؟ ... هذا الغلام! ... ما شاء الله ... أعيدي على ~~سمعي ما قلت. # فقالت الأم بصوت متهدج وقد تخيلتها خديجة وهي تنكمش في ذعر: ~~ليس إلا أنه يتساءل، مجرد تساؤل يا سيدي والأمر لك. # فقال الصوت المتفجر بالغضب: لا عهد لي ولا له بهذا التدلل ~~المائع، ولا أدري ما الذي أتلف تلميذا حتى يتمادى في مطالبه إلى ~~هذا الحد؟ ... ولكن أما مثلك خليقة بأن تفسد أبناءها، فلو كنت ~~أما كما ينبغي لما جسر على مفاتحتك بمثل هذا الهذر ~~الوقح. # ركب الفتاتين خوف ووجوم خالطهما في قلب خديجة ارتياح، ثم سمعا ~~صوت الأم المتهدج المستخذي وهي تقول: لا تجشم نفسك مشقة الغضب يا ~~سيدي، كل شيء يهون إلا غضبك، ما قصدت من ناحيتي إساءة قط، ولا ~~تخيلها ابني وهو يحملني رغبته ببراءة، ولكنه رجاني بحسن نية ~~فرأيت أن أعرض الأمر عليك، وما دام هذا هو رأيك فسأبلغه إياه، ~~وسيذعن له بكل خضوع كما يذعن لأمرك دائما. ~~- سيذعن أراد أم لم يرد، ولكني أريد أن أقول لك إنك أم ضعيفة ~~لا يرجى منها خير. ~~- إني أتعهدهم بما توصي به. ~~- خبريني عما دعاه إلى التفكير في هذا الرجاء؟ # وأرهفت الفتاتان السمع في اهتمام وانزعاج، وقد فاجأهما هذا ~~السؤال الذي لم تتوقعاه، ولكنهما لم تسمعا لأمهما جوابا وتصورتاها ~~وهي ترمش في ارتباك وخوف، فعطف قلباهما في إشفاق شديد: ماذا ~~أخرسك؟ ... خبريني هل رآها؟ ~~- كلا يا سيدي، إن ابني لا يرفع عينيه إلى جارة ولا إلى ~~غيرها. ~~- كيف رغب في خطبتها دون أن يراها؟ ... ما كنت أحسب أن لي أبناء ~~يسترقون النظر إلى حرمات الجيران! ~~- معاذ الله يا سيدي معاذ الله ... إن ابني إذا سار في الطريق لا ~~يلتفت يمنة ولا يسرة، وهو في البيت لا يكاد يغادر حجرته إلا ~~لضرورة. ~~- ما الذي دعاه إلى طلابها إذن؟ ~~- لعله يا سيدي سمع شقيقتيه وهما تتحدثان عنها. # وسرت في بدن الفتاتين رعدة شديدة ففغرتا ثغريهما في فزع وهما ~~تنصتان. ~~- ومتى كانت شقيقتاه خاطبتين! ... يا سبحان الله ms114 أينبغي أن أهجر ~~دكاني وعملي وأقبع في البيت لأضبطه وأدفع عنه الفساد! # فهتفت الأم في نبرات باكية: بيتك أشرف البيوت، بالله يا سيدي ~~إلا ما هونت عليك الغضب، انتهى الأمر وكأن ما كان لم يكن. # فصاح الرجل بصوت ملؤه الوعيد: قولي له أن يتأدب ويستحي ويلزم ~~حدوده، وإن من الخير أن يتفرغ لدروسه. # وسمعت الفتاتان حركة في الداخل فقامتا في حذر وابتعدتا عن الباب ~~على أطراف أصابعهما. # رأت الست أمينة أن تغادر الحجرة كشأنها إذا ند عنها عفوا ما ~~يثير غضبه، فلا تعود إليها بعد ذلك إلا إذا دعاها، إذ علمتها ~~التجربة أن مكثها بين يديه حال الغضب ثم سعيها إلى تسكينه برقيق ~~الكلام لا يزيد النار إلا استعارا. ووجد السيد نفسه وحيدا ~~فزايلته آثار الغضب المحسوسة التي تثور عادة في عينيه وبشرة وجهه ~~وحركات يديه وكلامه، ولكن بقي الغضب في أعماق صدره كالعكارة في قعر ~~القدر. # من المحقق أنه كان يغضب في البيت لأتفه الأسباب لا اتباعا لخطته ~~الموضوعة في سياسة بيته فحسب، ولكن مدفوعا كذلك بحدة طبعه التي لا ~~تشكمها بين آله فرملة الكياسة التي يتقن استعمالها خارج البيت، ~~وربما ترويحا عما يعاني بين الناس كثيرا من ضبط النفس والتسامح ~~واللطف، ومراعاة الخاطر، واكتساب القلوب بأي ثمن، وليس بالنادر أن ~~يتضح له أنه استسلم للغضب في غير موجب، ولكنه حتى في تلك الحال لا ~~يندم على ما فرط منه لاعتقاده بأن غضبته للتافه من الأمر عسية بأن ~~تمنع وقوع الخطير منه مما يستحق الغضب عن جدارة، بيد أنه لم يعد ~~ما بلغه عن فهمي ذلك اليوم هفوة تافهة، بل رأى فيها نزوة قبيحة لا ~~يجوز أن تعتلج في نفس تلميذ من آل بيته، وما كان يتصور أن تتسرب ~~«العواطف» إلى بنيان البيت الذي يحرص على أن يشب في جو من النقاء ~~الصارم والطهارة المنقشعة. ثم جاءت صلاة العصر فرصة طيبة لرياضة ~~النفس خرج منها أهدأ قلبا وأروح بالا، فوسعه أن يتربع على ~~سجادة الصلاة ويبسط راحتيه ويسأل الله ms115 أن يبارك له في ذريته ~~وماله، وأن يدعو خاصة لفخر أبنائه بالهدى والرشاد والتوفيق. فلما ~~أن غادر البيت كان تجهمه مظاهرة يراد بها التخويف لا أكثر. وفي ~~الدكان التقى ببعض الأصدقاء فقص عليهم «نادرة اليوم» لا كفاجعة؛ ~~لأنه يكره أن يلقى أحدا بالفاجعات، ولكن كدعابة سخيفة، فعلقوا ~~عليها بما حلا لهم من المزاح، فلم يلبث أن شاركهم مزاحهم، فغادروه ~~وهو يقهقه في غير تحفظ ... بدت له «النادرة» في الدكان على غير ما ~~بدت في حجرته بالبيت، وأمكنه أن يضحك منها، بل وأن يعطف عليها، حتى ~~قال لنفسه أخيرا باسما راضيا: «من شابه أباه فما ظلم.» # 21 # حين مرق كمال من باب البيت كان المساء يزحف في خطوات حاسمة ~~غاشيا الطرقات والأزقة والمآذن والقباب، ولعله لم يعدل بسروره ~~بهذه الخرجة المفاجئة التي قل أن تتاح له في مثل ذاك الوقت ~~المتأخر إلا زهوه بالرسالة الشفوية التي حمله إياها فهمي، فلم ~~يغب عنه أنه عهد بها إليه وحده دون غيره، في جو من السرية ~~والتكتم الأمر الذي أضفى عليها - وعليه بالتالي - أهمية خاصة أحسها ~~قلبه الصغير ورقص لها طربا وفخارا. وتساءل في عجب عما زلزل فهمي ~~حتى ركبته حال من القلق والحزن بدا في لباسها القاتم شخصا غريبا ~~لم يره ولم يسمعه من قبل، هو مثال وحده، إن أباه يثور كالبركان ~~لأتفه الأسباب، وإن ياسين على حلاوة حديثه قابل للالتهاب، حتى ~~خديجة وعائشة لا تخلوان من نوبات عفرتة، هو مثال وحده، ضحكه ابتسام ~~وغضبه تقطيب، وهدوءه عميق على صدق عواطفه وأصالة حماسه، فلم يذكر ~~أنه رآه على الحال التي رآه عليها اليوم. لن ينسى كيف خلا إليه في ~~حجرة المذاكرة، بصر زائغ ونفس مضطرب، وصوت متهدج، ولا كيف خاطبه ~~لأول مرة في حياته بلهجة توسل حارة عجب لها أشد العجب، حتى ~~استوجب حفظ الرسالة التي حملها أن تكرر عليه مرات ومرات، وقد أدرك ~~من فحوى الرسالة نفسها أن للأمر صلة وثيقة بالحديث الغريب الذي ~~استرق السمع إليه من وراء الباب، والذي نقله ms116 إلى شقيقتيه فأثار ~~بينهما جدلا ونزاعا، وبالجملة أنه يتعلق بمريم، تلك الفتاة التي ~~كثيرا ما تعابثه ويعابثها، ويأنس إليها حينا ويضجر منها حينا ~~آخر، دون أن يعرف لها هذه الخطورة التي أحاطت بهدوء أخيه وسلامته، ~~مريم؟! ... لماذا استطاعت دون سائر البشر أن تفعل هذا كله بأخيه ~~العزيز الرائع! ووجد في الجو غموضا، كذاك الغموض الذي يكتنف حياة ~~الأرواح والأشباح، والذي طالما استثار حب استطلاعه وخوفه، فتوثب ~~قلبه للنفاذ إلى مكنون سره في تطلع وحيرة، ولكن حيرته لم تصرفه ~~عن تسميع الرسالة لنفسه، كما سمعها لأخيه من قبل، حتى يضمن ألا ~~يضيع منه حرف واحد من مضمونها، فمر تحت بيت آل رضوان وهو ~~يستعيدها، ثم مال إلى أول عطفة تليه حيث يوجد باب البيت. لم يكن ~~البيت بالغريب عنه، فطالما تسلل إلى فنائه الصغير حيث تنزوي في ~~ركن منه عربة يد مندثرة العجلات كان يركبها مستعينا بخياله على ~~إصلاح عجلاتها وتحريكها حيث شاء، وطالما تردد بين حجراته بغير ~~استئذان، فقوبل بالترحيب والمداعبة من ربة البيت وابنتها اللتين ~~يعدهما «على حداثة سنه» صديقتين قديمتين، فكان يألف البيت ~~بحجراته الثلاث التي تتوسطها صالة صغيرة وضعت بها ماكينة خياطة ~~وراء النافذة التي تطل على حمام السلطان مباشرة، كما يألف بيته ~~بحجراته الواسعة، وبصالته الكبيرة حيث يجتمع مجلس القهوة مساء بعد ~~مساء. وإلى هذا خلفت بعض متعلقات البيت أثرا في نفسه استجابت له ~~عهدا طويلا من صباه، كعش يمامة في أعلى المشربية المتصلة بحجرة ~~مريم الذي تبدو حافته فوق ركن المشربية الملتصق بالجدار كقطع من ~~محيط دائرة يشتبك حوله القش والريش، ويلوح منه أحيانا ذيل اليمامة ~~الأم أو منقارها كيفما اتفق وضعها فيتطلع إليه تتنازعه رغبتان؛ ~~إحداهما - وهي المنبعثة من نفسه - تدعوه إلى العبث به واختطاف ~~الصغار، والأخرى - وهي المكتسبة عن أمه - توقفه عند حد التطلع ~~والعطف والمشاركة الخيالية في حياة اليمامة وأسرتها، وكصورة ~~للسفيرة عزيزة معلقة بحجرة مريم أيضا زاهية الألوان، رقراقة ~~البشرة، وسيمة القسمات، فاقت بجمالها الحسناء التي تطالعه صورتها ~~عصر كل يوم ms117 بدكان ماتوسيان، فكان يديم النظر إليها متسائلا عن ~~«حكايتها»، فتقص عليه مريم من أنبائها ما تعلم وما لا تعلم بزلاقة ~~لسان تستهويه وتستأثره، لم يكن البيت بالغريب عليه إذن، فشق سبيله ~~إلى الصالة دون أن يشعر به أحد، وألقى على أولى الحجرات نظرة عابرة ~~فلمح السيد محمد رضوان راقدا في فراشه كما اعتاد أن يراه منذ ~~سنوات. كان يعلم أن الشيخ مريض، وقد سمع عنه كثيرا أنه مشلول، حتى ~~سأل أمه مرة عن معنى الشلل ... فجزعت وراحت تستعيذ بالله من شر الاسم ~~الذي نطق به فانكمش متراجعا، ومنذ ذاك اليوم والسيد يستثير رثاءه ~~واستطلاعه المقرون بالخوف، ثم مر بالحجرة التالية فرأى أم مريم ~~واقفة أمام المرآة، وبيدها ما يشبه العجين تمطه فوق خدها وعنقها ~~وتجذبه جذبات سريعة متتابعة، ثم تتحسس موضعه من بشرتها بأناملها ~~لتعرف مسه، وتطمئن إلى نعومته. ومع أنها كانت فوق الأربعين إلا ~~أنها كانت بارعة الحسن كابنتها، شغوفة بالضحك والدعابة، فما تلقاه ~~حتى تقبل عليه في مرح فتقبله ثم تسأله فيما يشبه نفاد الصبر: ~~«متى تبلغ رشدك لأتزوجك؟» فيعلوه الحياء والارتباك وإن استلذ ~~مداعباتها وود الإكثار منها. وكم أثارت فضوله هذه العملية التي ~~تعكف عليها من حين لآخر أمام المرآة، وقد سأل أمه عنها مرة فنهرته ~~- والنهر أقصى ما تمارس من ضروب التأديب - مؤنبة إياه على سؤاله ~~عما لا يعنيه، بيد أن أم مريم أكبر سماحة ورقة فلما لحظته ~~مرة يرمقها بدهشة أوقفته على مقعد أمامها، ولزقت بأنامله ما حسبه ~~أول الأمر عجينة وبسطت له صفحة وجهها، وقالت ضاحكة: «اشتغل وأرني ~~شطارتك.» فمضى يقلد حركاتها حتى أثبت لها شطارته بخفة غبطته ~~عليها، ولكنه لم يقنع بلذة التجربة فسألها: «لماذا تفعلين هذا؟» ~~فقهقهت: «هلا انتظرت عشرة أعوام أخرى حتى تعرف بنفسك؟! ولكن لا ~~داعي للانتظار أليست البشرة الناعمة أحسن من الخشنة؟ ... هذه هي؟ ...» ~~وقد مر ببابها بخفة حتى لا يشعرها بنفسه؛ لأن رسالته كانت أخطر من ~~أن تسمح له بمقابلة أحد إلا مريم وحدها في الحجرة الأخيرة متربعة ms118 ~~على فراشها تقزقز لبا وبين يديها طبق فنجان قد امتلأ بالقشر، ~~فلما رأته قالت بدهشة: كمال! ... (كادت تسأله عما جاء به في هذه ~~الساعة، ولكنها عدلت عما همت به أن تخيفه أو تخجله) شرفت البيت ~~... تعال اجلس إلى جانبي. # فمد لها يده بالسلام، ثم فك أزرار حذائه ذي الرقبة الطويلة ~~وخلعه، ووثب إلى الفراش في جلباب مقلم وطاقية زرقاء منمنمة بخطوط ~~حمراء، وضحكت مريم ضحكاتها الرقيقة ودست في يده شوية لب وهي ~~تقول: قزقز يا عصفور وحرك أسنانك اللؤلئية ... أتذكر يوم عضضت ~~معصمي وأنا أدغدغك ... هكذا ... ومدت يدها صوب إبطه ولكنه - بحركة ~~عكسية - شبك ذراعيه على صدره ليحمي إبطيه، وندت عنه ضحكة عصبية ~~كما لو كانت أناملها دغدغته بالفعل، ثم هتف بها: في عرضك يا أبلة ~~مريم. # فأمسكت عنه وهي تتعجب من خوفه قائلة: لماذا يقشعر بدنك من ~~الدغدغة؟! انظر كيف لا أبالي بها. # وراحت تدغدغ نفسها باستهانة وهي ترميه بنظرة ازدراء، فلم يملك ~~أن قال لها متحديا: دعيني أدغدغك أنا وسنرى! # فما كان منها إلا أن رفعت ذراعيها فوق رأسها، فغرس أصابعه تحت ~~إبطيها، وراح يدغدغهما بما وسعه من خفة وسرعة، مثبتا عينيه في ~~عينيها السوداوين الجميلتين ليتلقف أول بادرة تضعضع عنها، حتى ~~اضطر أن يسترد يديه متنهدا في يأس وخجل، فشيعته بضحكة رقيقة ~~ساخرة وقالت: أرأيت أيها الرجل الصغير العاجز! ... لا تزعم أنك رجل ~~بعد اليوم (ثم بلهجة من تذكر أمرا هاما بغتة) ... يا داهيتي! ... ~~نسيت أن تقبلني! ... ألم أنبه عليك مرارا بأن تكون تحية لقائنا ~~قبلة؟! وأدنت وجهها منه فمد شفتيه ولثم خدها، ثم رأى فتاتا من ~~اللب المتسرب من زاوية فيه قد التصق بخدها، فأزاله بأنامله في ~~حياء، أما مريم فتناولت ذقنه بأنامل يمناها وقبلت شفتيه مرة ~~ومرة، ثم سألته فيما يشبه الإعجاب: كيف استطعت أن تفلت من بين ~~أيديهم في هذه الساعة؟! ... لعل تيزة تبحث عنك الآن في كل حجرات ~~البيت. # آه .. لقد استنام إلى الحديث واللعب، حتى أوشك أن ينسى الرسالة ~~التي جاء من ms119 أجلها، ولكن تساؤلها ذكره بمهمته فرنا إليها بعين ~~أخرى، العين التي تود أن تنقب في ذاتها عن السر الذي زلزل أخاه ~~الرزين الطيب، إلا أن تشوفه تهافت حيال شعوره بأنه يحمل أنباء ~~غير سارة، فقال بوجوم: فهمي الذي أرسلني. # ارتسمت في عينيها نظرة جديدة تفيض جدا، وتفرست في وجهه باهتمام ~~لترى ما وراءه فشعر بأن الجو قد تغير كأنما انتقل من فصل إلى فصل، ~~ثم سمعها تسأل بصوت خافت: لمه؟! # فقال لها بصراحة دلت على أنه لم يقدر خطورة الأنباء التي يحملها ~~رغم شعوره الفطري بخطورتها: قال لي بلغها تحياتي وقل لها إنه ~~استأذن والده في خطبتها، ولكنه لم يوافق على أن يعلن خطبته وهو ~~تلميذ، وطلب إليه أن ينتظر حتى يتم دراسته. # كانت تحدق إلى وجهه باهتمام شديد، فلما بلغ السكوت خفضت عينيها ~~دون أن تنبس بكلمة، فغشيت الجلسة صمتة واجمة ضاق بها قلبه الصغير، ~~وتلهف على كشفها مهما كلفه الأمر، فقال: إنه يؤكد لك أن الرفض ~~جاء على رغمه، وأنه يتعجل السنين حتى يحقق ما يتمنى. # ولما لم يجد لكلامه أثرا في إخراجها من غشاوة الصمت ازداد تلهفه ~~على إعادتها إلى ما كانت عليه من بهجة ومرح، فقال بإغراء: هل ~~أحدثك عما دار بين فهمي وبين نينة من حديث عنك؟ # فتساءلت بلهجة بين الاكتراث وعدمه: ماذا قال وماذا قالت؟ # فانشرح صدره بهذا النجاح الجزئي، وقص عليها ما ترامى إليه من ~~حديث من وراء الباب حتى أتى عليه، فخيل إليه أنها تتنهد ثم قالت ~~بتبرم: إن والدك رجل شديد مخيف، الكل يعرفه هكذا. # فقال وهو لا يدري: نعم ... أبي كذلك. # ورفع رأسه إليها في خوف وحذر، ولكنه وجدها كالغائبة فسألها ~~متذكرا ما وصاه به أخوه: ماذا أقول له؟ # فضحكت من أنفها وهي تهز كتفيها، وهمت بالكلام، ولكنها أمسكت ~~متفكرة مليا، ثم قالت وقد التمعت في عينيها نظرة ماكرة: قل له ~~إنها لا تدري ماذا تفعل لو تقدم لها خاطب في أثناء هذه المدة ~~الطويلة من الانتظار! # وعني كمال بحفظ ms120 الرسالة الجديدة أكثر مما عني بفهمها، وسرعان ما ~~شعر بأن مهمته قد انتهت فأودع بقية اللب جيب جلبابه ومد لها يده ~~بالسلام، ثم انزلق إلى أرض الحجرة، ومضى خارجا. # 22 # بدت عائشة وهي تنظر في المرآة شديدة الإعجاب بنفسها، دون الأسرة ~~اللامعة، بل أي فتاة في الحي كله تتحلى بمثل هذه الخصلات الذهبية ~~وهاتين العينين الزرقاوين؟! إن ياسين يتغزل بها جهارا، وفهمي لا ~~يخلو إذا تحدث إليها لأمر أو لآخر من نظرات تنم عن الإعجاب، ~~حتى كمال الصغير لا يحلو له الشراب من قلة إلا من الموضع المبتل ~~بريقها، وهذه أمها تدللها فتدعوها «قمر» وإن لم تخف قلقها نحو ~~نحافتها ورقتها الأمر الذي جعلها تحث أم حنفي على تركيب وصفة ~~لتسمينها. أما عائشة نفسها فلعلها كانت أعرف الجميع بحسنها البارع ~~كما تدل عليه عنايتها الشديدة به واستئناسها إليه، على أن هذه ~~العناية المفرطة لم تمر بخديجة دون تعليق، بل مؤاخذة وتقريع، لا ~~لأنها تستنيم إلى الإهمال فالحق أن خديجة هي الوريثة الأولى لأمها ~~في الواقع بالنظافة والأناقة، ولكن لأنها رأت الفتاة تستقبل النهار ~~عادة بتمشيط شعرها وإصلاح هندامها، حتى قبل القيام بواجبات المنزل ~~كأنها لا تطيق أن يبقى جمالها ساعة من العمر غير محاط بالعناية ~~والرعاية، ولكن لم تكن العناية بالجمال وحدها هي الباعث على هذا ~~التجمل الباكر، فعند ذهاب الرجال - كل إلى عمله - تأوي إلى ~~حجرة الاستقبال وتفرج بين ضلفتي الشباك المطل على بين القصرين ~~زيقا رقيقا، فتقف وراءه مادة بصرها إلى الطريق يعلوها قلق ~~الانتظار واضطراب الخوف. هكذا وقفت ذاك الصباح فظل طرفها حائرا ما ~~بين حمام السلطان وسبيل بين القصرين، وفؤادها الفتي يواصل خفقاته ~~حتى تراءى عن بعد «المنتظر» وهو ينعطف قادما من الخرنفش خاطرا ~~في بدلته العسكرية والنجمتان تلمعان على كتفه، وجعل كلما اقترب من ~~البيت يرفع في حذر عينيه دون رأسه، حتى تدانى من البيت فهفت في ~~أساريره ابتسامة خفيفة آية في الخفة - تدرك بالقلب أكثر مما تدرك ~~بالحواس - كأنها الهلال في ليلته الأولى، ثم ms121 اختفى تحت المشربية ~~فاستدارت في عجلة لتتابع مشاهدته من النافذة الأخرى المطلة على ~~النحاسين، فما راعها إلا أن ترى خديجة منتصبة على الكنبة بين ~~النافذتين ملقية بنظرها إلى الطريق من فوق رأسها! فرت منها آهة، ~~واتسعت عيناها في رعب فاضح، فتسمرت في موقفها ... متى وكيف جاءت! ~~كيف علت الكنبة دون أن تشعر بها؟! ... وماذا رأت؟! ... متى وكيف وماذا؟ ~~أما خديجة فقد ثبتت بصرها عليها، وهي تضيق عينيها رويدا صامتة، ~~مطيلة الصمت كأنما لتطيل تعذيبها، ثم تمالكت عائشة بعض نفسها فخفضت ~~عينيها في جهد شديد ومالت نحو الفراش متظاهرة - عبثا - بضبط ~~الأعصاب وهي تغمغم: أرعبتني يا شيخة! # لم تبد خديجة اكتراثا، ظلت بموقفها على الكنبة وعيناها إلى ~~الطريق خلل الزيق ... ثم تمتمت ساخرة: أرعبتك؟! ... اسم الله عليك! ... ~~أصلي بعبع! # وعضت عائشة على نواجذها في غيظ وحنق ويأس بعد أن تراجعت ~~قليلا إلى مأمن من عينيها، إلا أنها قالت بصوت هادئ: رأيتك فجأة ~~فوق رأسي دون أن أشعر بدخولك، لماذا تسترقين الخطو؟ # فوثبت خديجة إلى الأرض، ثم جلست على الكنبة في استرخاء ساخر ~~وهي تقول: آسفة يا أختي، في المرة القادمة سأعلق جرسا في عنقي ~~مثل عربة المطافئ لتنتبهي إلى حضوري فلا ترتعبي. # فقالت عائشة في ضيق والرعب لم يفارقها: لا لزوم لتعليق الجرس، ~~حسبك أن تسيري كالناس الذين خلقهم ربنا. # فقالت الأخرى بنفس اللهجة الساخرة، وهي ترميها بنظرة ذات معنى: ~~ربنا يعلم أني أسير كالناس الذين خلقهم، ولكن الظاهر أنك إذا وقفت ~~وراء النافذة - أقصد وراء هذا الزيق - استغرقت فيما أمامك، بحيث ~~تفقدين الوعي بما حولك فلا تبقين كالناس الذين خلقهم ربنا. # فنفخت عائشة مغمغمة: هكذا أنت دائما. # وعادت خديجة إلى الصمت قليلا، ثم حولت عينيها عن فريستها ورفعت ~~حاجبيها كأنما تفكر في مشكل عسير، ثم تظاهرت بالسرور كأنما اهتدت ~~للحل الموفق، وقالت مخاطبة نفسها هذه المرة دون أن تنظر إلى ~~الأخرى: إذن لهذا فهي تغني كثيرا «يا بو الشريط الأحمر ياللي ~~أسرتني ترحم ذلي!» .. وكم حسبته بسلامة نيتي غناء بريئا ms122 لمجرد ~~التسلية! # وخفق قلب الفتاة خفقة قاسية، وقع المحذور ولم يعد ينفع التعلق ~~بأوهام الأماني الكاذبة، وركبها اضطراب زلزل أركان نفسها ، فكادت ~~تشرق بالبكاء، إلا أن اليأس نفسه دفعها إلى الاستماتة في الذود عن ~~نفسها، فهتفت بصوت طمس اضطراب نبراته معانيه: ما هذا الكلام غير ~~المفهوم؟! # ولكن لم يبد على خديجة أنها سمعت كلامها، فواصلت مخاطبة نفسها ~~قائلة: ولهذا أيضا تتزين في الصباح الباكر! طالما ساءلت نفسي ~~أيعقل أن تتبرج بنت قبل الكنس والتنفيض؟! ولكن أي كنس وأي تنفيض يا ~~خديجة يا مسكينة، يا من ستعيشين بلهاء، وتموتين بلهاء، اكنسي أنت ~~ونفضي أنت، ولا تتزيني لا قبل العمل ولا حتى بعده، ولماذا تتزينين ~~يا تعيسة؟! انظري من زيق الشباك من اليوم إلى الغد، فإن اعتنى بك ~~عسكري دورية أقطع ذراعي! # فهتفت عائشة في اضطراب وعصبية: حرام عليك ... حرام. ~~- لها حق يا خديجة، هذه فنون لا تستطيعين فهمها بعقلك المظلم، ~~عيون زرق، وشعر من سبائك الذهب، شريط أحمر ونجمة لامعة، شيء مفهوم ~~ومعقول. ~~- خديجة، أنت مخطئة، كنت أنظر إلى الطريق فحسب، لا لأرى أحدا ~~ولا ليراني أحد. فالتفتت خديجة إليها كأنما تنتبه إلى اعتراضها ~~لأول مرة، وتساءلت كالمعتذرة: هل تخاطبينني يا شوشو؟! لا مؤاخذة ~~إني أفكر في بعض الأمور الهامة، فأجلي حديثك إلى حين ... وعادت ~~تهز رأسها في تفكير وتخاطب نفسها قائلة: شيء مفهوم ومعقول، ولكن ~~ما ذنبك أنت يا سيد أحمد عبد الجواد؟ أسفي عليك يا سيد يا شريف يا ~~كريم، تعال شوف حريمك يا سيدي وتاج راسي! # وقف شعر الفتاة عند سماع اسم أبيها، فدار رأسها، ورد على ذهنها ~~قول السيد لأمها وهو يحمل على رغبة فهمي في خطبة مريم: «أخبريني هل ~~رآها؟!» ... «ما كنت أحسب أن لي أبناء يسترقون النظر إلى حرمات ~~الجيران.» هذا رأيه في الابن فكيف يكون في البنت! وهتفت بصوت ~~مخنوق النبرات: خديجة ... لا يليق هذا ... أنت مخطئة ... أنت ~~مخطئة. # ولكن خديجة تابعت حديثها دون التفات إليها: ترى أهذا هو ~~الحب؟! يمكن! ألم يقولوا عنه: ms123 «الحب كبش في قلبي ... قربت أروح منه ~~طوكر.» # ترى أين طوكر هذه؟! لعلها في النحاسين، بل لعلها في بيت السيد ~~أحمد عبد الجواد. ~~- لم أعد أحتمل كلامك، ارحميني من لسانك، رباه ... لماذا لا ~~تصدقينني؟! ~~- تدبري أمرك يا خديجة ليس ما نحن فيه لعبا، وأنت الأخت الكبرى، ~~والواجب هو الواجب مهما بدا مرا، يجب أن يعلم أولو الشأن، هل ~~تفضين بالسر إلى والدك؟! الحق أني لا أدري كيف أخاطبه في مثل هذا ~~السر الخطير، ياسين؟! ولكنه كعدمه وغاية ما يرجى منه أن يترنم ~~بكلام غير مفهوم، فهمي؟ ولكنه يعطف بدوره على الشعر الذهبي أصل ~~البلوى كلها، أظن من الأفضل أن أخبر نينة، وأترك لها التصرف بما ~~ترى. # وندت عنها حركة كأنها تهم بالقيام، فهرعت عائشة إليها كدجاجة ~~مذبوحة، وأمسكت بكتفيها صائحة بصدر يعلو وينخفض: ماذا ~~تريدين؟ # فتساءلت خديجة: أتهددينني؟! # همت عائشة بالكلام فخنقتها العبرات بغتة، وهينمت بكلام مزقه ~~البكاء شر ممزق، وجعلت خديجة تحدق إليها صامتة متفكرة، ثم زايل ~~أساريرها عبث السخرية حتى تجهم وجهها وهي تصغي في غير ارتياح إلى ~~نشيج الفتاة، ثم قالت بلهجة جدية لأول مرة: لقد أخطأت يا ~~عائشة. # وأمسكت ووجهها يشتد تجهمه، وكأن أنفها ازداد بروزا، وبدا عليها ~~التأثر واضحا فاستطردت قائلة: يجب أن تقري بخطئك، خبريني كيف سولت ~~لك نفسك هذا العبث يا مجنونة؟ # فغمغمت عائشة وهي تجفف عينيها: أنت تسيئين الظن بي. # فنفخت خديجة مقطبة كأنما ضاقت بهذه المكابرة الضائعة، بيد أنها ~~عدلت نهائيا عن نية الاعتداء أو حتى المعابثة، إنها تعرف دائما ~~أين ومتى تقف فلا تجاوز الحد، وقد أشبعت السخرية ميولها العدوانية ~~القاسية، فقنعت بها كما تقنع بها عادة، ولكن بقيت لديها ميول من ~~نوع آخر - أبعد ما تكون عن العدوان والقسوة - لم تشبع بعد، ميول ~~تنبعث من عاطفة الأخت الكبرى، بل من عاطفة أمومة لا يخطئها فيها ~~أحد من الأسرة مهما اشتدت حملتها عليه، أو حملته عليها، وتحت تأثير ~~الرغبة في إشباع هذه الميول الودية قالت: لا تكابري، لقد رأيت كل ms124 ~~شيء بعيني، لست الآن أهزل ولكني أريد أن أصارحك بأنك أخطأت خطأ ~~كبيرا، هذا عبث لم يعرفه هذا البيت في الماضي ، ولا يود أن يعرفه ~~في حاضره أو مستقبله، إنه الطيش وحده الذي أوقعك فيه، أصغي إلي ~~واعقلي نصيحتي، لا تعودي إلى هذا أبدا، لا يخفى شيء وإن طال ~~كتمانه، فتصوري ماذا يكون من أمرنا جميعا لو لمحك أحد في ~~الطريق، أو أحد من الجيران، وأنت أدرى بألسنة الناس، تصوري ماذا ~~يكون لو نمى الخبر إلى أبي والعياذ بالله! # فنكست عائشة رأسها تاركة الصمت يعبر عن اعترافها، وقد تضرج وجهها ~~بحمرة الخجل، ذلك الدم الذي ينزفه الضمير في الداخل إذا جرحته ~~خطيئة، وعند ذاك تنهدت خديجة قائلة: حذار، حذار، فاهمة؟ ... (ثم نسمت ~~عليها نسمة سخرية، فغيرت لهجتها شيئا ما) ألم يرك؟ فماذا يقعده عن ~~أن يتقدم لك مثل الرجال الشرفاء؟ وقتها نقول لك مع ألف سلامة، بل ~~في ستين داهية يا ستي. # استردت عائشة أنفاسها، فافتر ثغرها عن ابتسامة لاحت كلمعة اليقظة ~~الأولى في العين عقب غيبوبة طويلة، وكأن خديجة عز عليها - برؤية ~~هذه الابتسامة - أن تفلت الفتاة من قبضتها بعد أن نعمت بامتلاكها ~~فترة طويلة، فصاحت بها: لا تظني أنك بلغت بر الأمان، إن لساني لا ~~يسكت إذا لم تحسني مشاغلته. # فتساءلت الأخرى في ارتياح: ماذا تعنين؟ ~~- لا تتركيه وحده حتى لا تعاوده نزعة الشر، ألهيه بشيء من ~~الحلوى ليشغل بها عنك، علبة ملبس مثلا من شنجرلي. ~~- لك ما تشتهين وأكثر. # وساد الصمت فشغلت كلتاهما بأفكارها. على أن قلب خديجة كان - كما ~~كان من بادئ الأمر - مرتعا لضروب من المشاعر متباينة ... غيرة وحنق ~~وإشفاق وحنان. # 23 # كانت ست أمينة مشغولة بإعداد أدوات القهوة استعدادا لجلسة العصر ~~التقليدية، فجاءتها أم حنفي مهرولة، يبشر لمعان عينيها بأنباء ~~سارة، ثم قالت بلهجة موحية: ستي ثلاث سيدات غريبات يرغبن في ~~زيارتك. # أخلت الأم يديها من كل شيء، وانتصبت قامتها في عجلة دلت ~~على تأثير الخبر في نفسها، وحدجت الخادم بنظرة اهتمام شديدة، كأنه ms125 ~~من المحتمل أن تكون الزائرات من البيت المالك أو من السماء نفسها، ~~ثم تمتمت استزادة من التوكيد: غريبات؟! # فقالت أم حنفي بلهجة تنم عن فرحة الظفر: نعم يا ستي، طرقن ~~الباب ففتحت لهن، فقلن لي: «أليس هذا بيت السيد أحمد عبد الجواد؟» ~~فقلت لهن: «بلى.» فقلن: «الهوانم فوق؟» فقلت: «نعم.» فقلن: «نريد ~~أن نتشرف بالزيارة.» فسألتهن: «أقول من الزائرات؟» فقالت لي ~~إحداهن ضاحكة: «دعي هذا لنا، وما على الرسول إلا البلاغ.» فجئتك ~~يا ستي طائرة وأنا أقول لنفسي: «يا رب حقق لنا الأحلام.» # فقالت الأم بعجلة دون أن يزايل الاهتمام عينيها: ادعيهن إلى ~~حجرة الاستقبال ... أسرعي. # ولبثت دون حراك ثواني مستغرقة في خواطرها الجديدة، في الحلم ~~السعيد الذي تفتحت لها دنياه الغناء فجأة، وإن بدا شغلها الشاغل ~~طول الأعوام الأخيرة، ثم أفاقت إلى نفسها فنادت خديجة بلهجة لا ~~تحتمل التأجيل، فجاءت الفتاة على الأثر، وما إن التقت عيناهما حتى ~~غلبها الابتسام، وقالت وهي لا تملك نفسها من الفرح: ثلاث سيدات ~~غريبات في حجرة الاستقبال ... ارتدي خير ملابسك ... واستعدي. ولما تورد ~~وجه خديجة تورد وجهها أيضا كأنما انتقلت إليه عدوى الحياء، ثم ~~غادرت الصالة إلى حجرتها في الدور الأعلى لتستعد بدورها لاستقبال ~~الزائرات، وجعلت خديجة تنظر إلى الباب حيث اختفت أمها، غائبة ~~الطرف، وقلبها يخفق لحد الألم متسائلة: «ما وراء هذه الزيارة؟» ثم ~~نزعت نفسها من موقفها، وسرعان ما استرد عقلها نشاطه الفائق، فنادت ~~كمال الذي جاءها من حجرة فهمي فبادرته قائلة: اذهب إلى أبلة مريم ~~وقل لها إن خديجة تقرئك السلام، وترجوك أن ترسلي لها معي علبة ~~البودرة والكحل والأحمر. # وتلقف الغلام الأمر وهو يعدو إلى الخارج، أما خديجة فأسرعت إلى ~~حجرتها، ومضت تخلع جلبابها وهي تقول لعائشة التي لحظتها بعين ~~متسائلة: اختاري لي أحسن فستان ... أحسن فستان بلا استثناء. # فتساءلت عائشة: ما الداعي إلى هذا الاهتمام؟ ... زائرة؟! ~~من؟! # فقالت خديجة بصوت خافت: ثلاث سيدات ... (ثم وهي تضغط على مخارج ~~اللفظ) غريبات. # فتراجع رأس عائشة في دهش، ثم اتسعت عيناها ms126 الجميلتان سرورا، ~~وهتفت: آه ... هل يفهم من هذا أن ... يا له من خبر! ~~- لا تتسرعي في الحكم .. فمن يدري عما هناك. # فاتجهت عائشة نحو صوان الملابس لتنتقي الفستان المناسب وهي تقول ~~ضاحكة: في الجو شيء ... إن الفرح يشم كالروائح الزكية. # فضحكت خديجة لتخفي اضطرابها، واقتربت من المرآة ونظرت إلى صورتها ~~بإمعان، ثم أخفت أنفها براحتها وقالت بتهكم: لا بأس بوجهي الآن، ~~وجه مقبول (ثم رافعة راحتها) ... أما على هذه الحال فربنا وحده ~~المنجي! # فقالت عائشة ضاحكة وهي تساعدها في نفس الوقت على ارتداء فستان ~~أبيض موشى بأزهار بنفسجية: لا تغمطي نفسك ... ألا يسلم شيء من ~~لسانك! ... ليست العروس أنفا فحسب، هناك العينان والشعر الطويل، ~~والدم الخفيف! # فلوت خديجة بوزها قائلة: الناس لا ترى إلا العيوب. ~~- هذا صحيح بالقياس إلى من على شاكلتك من الناس، ولكن ليس كل ~~الناس على شاكلتك والحمد لله. ~~- سوف أجيبك حين أفرغ لك! # فربتت الأخرى على خاصرتها وهي تسوي الفستان قائلة: ولا تنسي ~~هذا الجسم البض الممتلئ ... يا له من جسم! # فضحكت خديجة في سرور وقالت: لو كان العريس أعمى ما عملت حسابا ~~لشيء ... وإني أرضى به في تلك الحال، ولو كان شيخا من شيوخ ~~الأزهر. ~~- وماذا يعيب شيوخ الأزهر! ... أليس منهم من خيراته ~~كالبحر؟! # ولما فرغتا من الفستان ندت عن عائشة نغمة تأفف فسألتها خديجة: ~~ماذا بك؟ # فقالت بتذمر: ليس في بيتنا كله نقطة بودرة أو كحل أو أحمر كأن ~~ليس به نساء! ~~- من الأفضل أن تبلغي هذا الاحتجاج لوالدنا. ~~- أليست نينة سيدة ومن حقها أن تتزين؟ ~~- إنها جميلة هكذا بلا زينة! ~~- وحضرتك؟ هل تلقين الزائرات هكذا؟ # فقالت خديجة ضاحكة: أرسلت كمال إلى مريم ليعود بالبودرة والكحل ~~والأحمر، وهل وجهي وجه أقابل به الخاطبات عاطلا؟! # ولما كان الوقت لا يحتمل تبديد دقيقة بلا عمل، فقد نزعت خديجة ~~منديل رأسها وأخذت تحل ضفيرتيها الغليظتين الطويلتين، على حين جاءت ~~عائشة بالمشط وراحت تمشط شعرها المسترسل وهي تقول: يا له من شعر ~~سبط طويل ... ما رأيك؟ سأجدله في ms127 ضفيرة واحدة، ألا يكون ذلك ~~أروع؟ ~~- بل ضفيرتين ... ولكن خبريني هل أبقي الجراب في قدمي أو أدخل ~~عليهن عارية الساقين؟ ~~- إن الوقت شتاء يستوجب لبس الجراب، ولكني أخشى إذا أبقيته أن ~~يحسبن بساقك أو قدميك عيبا تتعمدين إخفاءه! ~~- صدقت، إن المحكمة أرحم من الحجرة التي تنتظرني الآن. ~~- قوي قلبك، ربنا يوعدنا. # وهنا دخل الحجرة كمال مسرعا وهو يلهث، فقدم إلى أخته أدوات ~~الزينة وهو يقول: قطعت السلم والطريق جريا. # فقالت له خديجة باسمة: عفارم، عفارم ... ماذا قالت لك مريم؟ ~~- سألتني هل عندنا ضيوف؟ ... ومن هن؟ فأجبتها بأني لا أدري ... فتجلت ~~في عيني خديجة نظرة اهتمام وهي تسأله: وهل قنعت بهذه ~~الإجابة؟ ~~- حلفتني بالحسين أن أصرح لها بما عندي، فحلفت لها بأنه ليس عندي ~~غير ما قلت. # فضحكت عائشة قائلة ويداها لا تكفان عن العمل: ستخمن ما ~~هنالك. # فقالت خديجة وهي تذر البودرة على وجهها: إنها بنت هرمة، وهيهات ~~أن يفوتها شيء، وأراهنك على أنها سوف تزورنا غدا على الأكثر ~~لإجراء تحقيق شامل. # ولم يشأ كمال أن يغادر الحجرة كما كان المنتظر، أو لعله لم يستطع ~~مغادرتها تحت إغراء المشهد الذي يمثل أمام عينيه، والذي يراه لأول ~~مرة في حياته فلم يسبق له أن رأى وجه أخته وهو يلقى هذا التغير ~~الذي استحال معه وجها جديدا، البشرة تبيض والوجنتان تتوردان ~~والعينان تصطبغ أشفارهما بسواد لطيف يرسم لهما حدودا جذابة، ~~ويضفي على حدقتيهما صفاء بهيجا، وجه جديد هش له قلبه فطرب ~~هاتفا: أنت يا أبلة الآن كالعروس التي يشتريها بابا في مولد ~~النبي. # فضحكت الفتاتان وسألته خديجة: هل أعجبك الآن؟ # فاقترب منها مسرعا ومد يده صوب أرنبة أنفها وهو يقول: لو تزول ~~هذه! # فتفادت من يده، ثم قالت لأختها: أخرجي هذا النمام. # فقبضت عائشة على يده وجذبته إلى الخارج رغم مقاومته حتى أخرجته ~~وأغلقت الباب، ثم عادت إلى استئناف عملها الجميل، فواصلتا نشاطهما ~~في صمت وجد. ومع أنه كان من المتفق عليه في الأسرة أن تقتصر ~~مقابلة الخاطبات على خديجة وحدها، إلا ms128 أن الفتاة قالت لعائشة على ~~سبيل المكر: ينبغي أن تتأهبي أنت أيضا لاستقبال الزائرات. # فقالت عائشة بمثل مكر أختها: لن يكون هذا قبل أن تزفي إلى ~~عريسك! # ثم استدركت قائلة قبل أن تتكلم خديجة: أما الآن فكيف للنجوم أن ~~تطلع مع القمر؟! # فرمتها أختها بنظرة مستريبة وتساءلت: من يكون القمر؟ # فقالت عائشة ضاحكة: طبعا أنا! # فلكزتها بكوعها، ثم تنهدت قائلة: لو تعيرينني أنفك كما أعارتني ~~مريم علبة بودرتها! ~~- تناسي أنفك ولو الليلة على الأقل، إن الأنف - كالدمل - يضخم ~~بالدأب على التفكير فيه! # أوشكتا عند ذاك على الفراغ من عملية التجميل، فتراخى انتباه ~~خديجة عن التركيز في مظهرها، واتجه في رهبة إلى موقف الامتحان ~~الذي ينتظرها، فشعرت بخوف لم تشعر بمثله من قبل، لا بالقياس إلى ~~جدته فحسب، ولكن - قبل كل شيء - بالقياس إلى خطورة عواقبه، وما ~~لبثت أن قالت متشكية: أية جلسة هذه التي قضي علي بها! ... تصوري ~~نفسك في مكاني، بين نسوة غريبات لا تدرين أي خلق خلقهن، ولا أي ~~أصل أصلهن، وهل جئن بنية صادقة أو لمجرد الفرجة والتسلية، وماذا ~~يكون من أمري لو كن عيابات شتامات (ثم ضاحكة ضحكة مقتضبة) مثلي ~~مثلا ... هه؟ وماذا بوسعي إلا أن أجلس بينهن في أدب واستسلام ~~أتلقى نظراتهن من اليمين والشمال، ومن الأمام والخلف، وأصدع بأمرهن ~~بلا أدنى تردد، إذا طلبن قياما قمت، أو مشيا مشيت أو كلاما ~~تكلمت، حتى لا يفوتهن شيء من جلوسي وقيامي وصمتي وكلامي وأعضائي ~~وقسماتي، وعلينا بعد هذه «البهدلة» كلها أن نتودد إليهن ونطري ~~لطفهن، وكرمهن، ثم لا ندري بعد ذلك أنفوز بالرضا أو نفوز بالغضب، ~~أف ... أف ... ملعون الذي أرسلهن! # فعاجلتها عائشة قائلة بلهجة ذات معنى: بعد الشر عنه! # فقالت خديجة ضاحكة أيضا: لا تدعي له حتى نتأكد أنه من نصيبنا ... ~~آه يا ربي كم أن قلبي يدق! # فتراجعت عائشة خطوة عن مرمى كوعها وقالت: صبرك ... ستجدين في ~~المستقبل فرصا كثيرة للانتقام من مجلس اليوم الرهيب، فكم سيصلين ~~من نار لسانك وأنت ست البيت ... ولعلهن ms129 يذكرن امتحان اليوم وهن يقلن ~~لأنفسهن يا ليت الذي جرى ما كان! # وقنعت خديجة بالابتسام. لم يكن في الوقت متسع لرد الهجوم ، ولم ~~تجد في الهجوم - الذي تجد فيه عادة سرورا شافيا - لذة على ~~الإطلاق لغلبة الرهبة على نفسها وحيرتها بين الخوف والرجاء، ولما ~~فرغتا من مهمتهما وقفت تلقي على صورتها نظرة شاملة، وعائشة - إلى ~~الوراء خطوتين - تردد نظرها بعناية بين الصورة والأصل، وجعلت ~~خديجة تتمتم: أحسنت يداك، منظر حسن أليس كذلك؟ ... هذه خديجة حقا ... ~~لا بأس بأنفي الآن ... جلت حكمتك يا رب، بقليل من الجهد صار كل ~~شيء مقبولا، فلماذا (ثم مستدركة بسرعة) أستغفر الله العظيم، لك في ~~كل شيء حكمة. # وتراجعت خطوات وهي تفحص صورتها بعناية، ثم قرأت الفاتحة في سرها، ~~والتفتت نحو عائشة قائلة: ادعي لي يا بنت. # وغادرت الحجرة. # 24 # اكتسب مجلس القهوة بحلول الشتاء ميزة جديدة تمثلت في المدفأة ~~الكبيرة التي توسطت الصالة فتكأكأت حولها الأسرة، الذكور في ~~معاطفهم والنساء ملتفات بخماراتهن، فهيأ لهم المجلس إلى لذة الشراب ~~وحلو السمر متعة الدفء. وقد بدا فهمي - على حزنه الصامت الطويل في ~~الأيام الأخيرة - كمن يتحفز لمواجهة أهله بخبر هام، ولم يكن تردده ~~وطول تفكيره إلا دليلا على خطورة الخبر وأهميته، بيد أنه انتهى ~~من تفكيره وتردده إلى التصميم على إبلاغه ملقيا عبئه بعد ذلك على ~~والديه والأقدار؛ فلذلك قال: عندي خبر هام لكم فاسمعوا ... # فتطلعت إليه الأعين باهتمام لم يشذ عنه أحد؛ لأن ما عرف به ~~الشاب من اتزان، جعل الجميع ينتظرون خبرا هاما حقا كما قال، ~~أما فهمي فاستطرد قائلا: الخبر هو أن حسن أفندي إبراهيم ضابط قسم ~~الجمالية - وهو من معارفي كما تعلمون - قابلني ورجاني أن أبلغ ~~والدي رغبته في خطبة عائشة! # وأحدث الخبر - كما قدر فهمي من قبل ما دعاه إلى التردد وطول ~~التفكير - آثارا جد متباينة، فتطلعت الأم إليه باهتمام شديد، على ~~حين صفر ياسين وهو يرمق عائشة بنظرة مداعبة ويهز رأسه، وخفضت ~~الفتاة الصغيرة رأسها حياء ولتخفي وجهها من الأعين أن ms130 تفضحها ~~أساريرها، فتعلن للناظرين ما يضطرب في قلبها الخافق، أما خديجة فقد ~~تلقت الخبر بدهشة بادئ الأمر لم تلبث أن انقلبت خوفا وتشاؤما ~~لم تدر لهما سببا واضحا، ولكنها كانت كتلميذ يتوقع بين آونة ~~وأخرى ظهور نتيجة الامتحان، إذا تناهى إليه نجاح زميل له بلغته ~~النتيجة من مصدر خاص، وتساءلت الأم في ارتباك لا يتناسب ومناسبة ~~الفرح الراهنة: أهذا كل ما قال؟ # فقال فهمي وهو يتحاشى النظر ناحية خديجة: بدأني بقوله إنه يود أن ~~يتشرف بطلب يد شقيقتي الصغرى. ~~- وماذا قلت له؟ ~~- شكرت له حسن ظنه بطبيعة الحال. # لم تطرح عليه السؤال تلو السؤال في رغبة استطلاع شيء تود ~~معرفته، ولكن لتداري ارتباكها، وتنتزع من المفاجأة مهلة للتروي، ثم ~~راحت تتساءل ترى هل لهذا الطلب علاقة بالزائرات اللاتي جئنها منذ ~~أيام؟! وذكرت عند ذاك كيف قالت إحداهن - قبل ظهور خديجة - وهي ~~بمعرض الحديث عن أسرة السيد أحمد إنهن سمعن أن للسيد كريمتين، ~~فأدركت وقتها أنهن جئن لرؤية الفتاتين، ولكنها تصامت عن الإشارة، ~~وقد انتسبت الزائرات إلى أسرة تاجر بالدرب الأحمر - غير والد ~~الضابط الذي قال فهمي عنه مرة إنه موظف بوزارة الأشغال - ولكن هذا ~~لا ينفي نفيا قاطعا العلاقة بين الأسرتين؛ لأنه المألوف أن تبعث ~~الأسر بخاطبات من بعض فروعها دون الأصل على سبيل الحرص، وكم ودت ~~أن تسأل فهمي عن هذه النقطة بالذات، وكأنها أشفقت من أن يجيء ~~الجواب مصداقا لمخاوفها فيقضي على آمال ابنتها الكبرى، ويسيمها ~~خيبة جديدة، بيد أن خديجة نابت عن أمها - اتفاقا - بطرح ما ~~يعتلج في صدرها خارجا حين دارت هبوطها بضحكة فاترة وقالت ~~متسائلة: لعله هو الذي بعث بالزائرات اللاتي زرننا منذ ~~أيام. # ولكن فهمي بادر قائلا: كلا، فقد قال لي إنه سيرسل أمه إلينا في ~~حالة الموافقة على طلبه. # ولكنه بخلاف لهجته الموحية بالصدق، لم يكن صادقا فيما قال، فقد ~~فهم من حديث الضابط أن السيدات اللاتي زرن والدته قريباته، بيد ~~أنه أشفق من إيلام شقيقته الكبرى التي كان - على حبه عائشة ~~واقتناعه ms131 بجدارة صديقة الضابط - يعطف عليها عطفا أخويا، ويألم ~~أشد الألم لسوء حظها، ولعله كان لما مني به هو من خيبة أثر قوي في ~~البلوغ بهذا العطف ذروته. وضحك ياسين ضحكة غليظة وقال بجذل ~~صبياني: يبدو أننا سنجمع قريبا بين فرحتين. # فهتفت الأم في فرح صادق: ربنا يسمع منك. ~~- هل تخاطبين أبي نيابة عني؟ # ند عنه السؤال وهو مشغول بمسألة الخطبة عما عداها، ولكنه - عقب ~~النطق به - وقع من أذنيه موقعا غريبا، فكأنه ألقي عليه من ~~حافظة ذكرياته لا من طرف لسانه، أو كأنه حين ألقي على سمعه لم يقف ~~عند أذنيه، ولكنه غاص إلى أعماقه ثم طفا عالقا به ما علق من ~~ذكرياته، وللحال ذكر سؤالا مماثلا لهذا السؤال توجه به إلى أمه ~~في ظروف مشابهة فانقبض قلبه، وهاجت آلامه، وعاوده إحساسه بالظلم ~~الذي وأد أمله، وجعل يقول لنفسه كما قال لها مرارا في الأيام ~~الأخيرة؛ كم كان يكون سعيدا بيومه مستبشرا بغده راضيا عن الحياة ~~كلها، لولا إرادة أبيه القاسية، وانتزعته الذكرى من الاهتمام بشئون ~~غيره، فاستسلم للحزن الذي يقرض شغاف قلبه، أما الأم ففكرت مليا ~~ثم تساءلت: ألا يحسن بنا أن نفكر فيما عسى أن أجيب أباك إذا سألني ~~عما دعا الضابط إلى طلب عائشة بالذات، ولماذا لم يطلب يد خديجة، ما ~~دام لم ير هذه ولا تلك؟ # وانتبهت الفتاتان إلى ملاحظة أمهما معا، ولعلهما ذكرتا موقفهما ~~وراء النافذة في وقت واحد، بيد أن خديجة تلقت الذكرى بامتعاض ~~ضاعف من امتعاضها الراهن، واحتج قلبها على الحظ الأعمى الذي يأبى ~~إلا أن يجزي النزق والاستهتار بالإحسان، أما عائشة فقد اعترضت تيار ~~سرورها ملاحظة أمها، كما تعترض الحلق - وهو نشوان بازدراد أكلة ~~لذيذة شهية - شوكة حادة مدسوسة في الطعام، وسرعان ما امتص الخوف ~~حرارة الفرح التي كان ينتفض بها روحها. فهمي وحده الذي ثار على قول ~~أمه، لا دفاعا كما بدا عن عائشة - فإنه ما كان يجيز الدفاع عن ~~عائشة تحت سمع خديجة في هذه النقطة الحساسة بالذات - ولكن غضبا ms132 ~~لحزنه الكظيم الذي لم يسعه الجهر بالدفاع عنه حيال أبيه، فقال ~~محتدا يخاطب أباه في شخص أمه، وهو لا يدري: هذا تعسف ظالم لا ~~مبرر له من عقل أو حكمة، ألا يعرف الرجال أشياء كثيرة عن نساء ~~مخدرات عن طريق الفضليات من قريباتهم اللاتي لا يقصدن بحديثهن إلا ~~الجمع بين رجل وامرأة في الحلال. # ولكن الأم لم تقصد باعتراضها إلا تواريا وراء أبيه، حتى تجد ~~مخرجا من المأزق الذي وجدت فيه نفسها بين عائشة وخديجة. فلما ~~صارحها فهمي باحتجاجه لم تجد بدا من مصارحته بما يدور: ألا ترى ~~أنه من الأفضل أن ننتظر حتى يأتينا نبأ الزائرات؟! # ولم تعد خديجة تطيق الصمت مدفوعة بكبريائها التي أبت عليها إلا ~~أن تعلن عدم المبالاة بالأمر كله، بالرغم مما يصطرع داخلها من ~~القلق والتشاؤم فقالت: هذا شيء وذاك شيء آخر، وليس ثمة داع لتأجيل ~~هذا من أجل ذاك. # فقالت الأم بهدوء مؤثر: كلنا متفقون على تأجيل زواج عائشة حتى ~~تتزوج خديجة. # ولم يسع عائشة إلا أن تقول برقة وتسليم: هذا أمر مفروغ ~~منه. # امتلأ صدر خديجة حنقا لدى سماع النبرات الرقيقة التي تتكلم، ~~ولعل رقتها نفسها كانت أشد ما أحنقها، ربما لأنها أوحت بعطف أبته ~~كل الإباء، أو لأنها ودت لو تعلن الفتاة معارضتها صريحة لتتيح لها ~~فرصة لمهاجمتها بما يشفي حنقها على حين قام ذاك العطف الكاذب ~~البغيض درعا يدفع عنها الأذى، ويضاعف من حنق المتربص المتحفز، ~~وأخيرا لم يسعها إلا أن تقول بلهجة لم تخل من حدة: لا أوافق على ~~أن هذا أمر مفروغ منه، فليس من العدل أن يحملكم حظ عاثر على كسر حظ ~~سعيد! # وتنبه فهمي إلى ما ينطوي عليه كلام خديجة من حزن غاضب بالرغم ~~من ظاهره الموحي بالإيثار، فانتزع نفسه من قبضة أحزانه الشخصية ~~نادما على ما صدر منه من قول في غضبته مما قد تحسبه خديجة ميلا ~~صريحا منه إلى قضية أختها، فقال موجها خطابه إليها: إن مفاتحة ~~بابا عن رغبة حسن أفندي لا تعني التسليم ms133 بتقديم زواج عائشة على ~~زواجك، وما علينا من بأس إذا نلنا موافقته على الخطبة، أن نؤجل ~~إعلانها للوقت المناسب! # ولم يكن ياسين مقتنعا بوجاهة الرأي الذي يحتم تقديم زواج على ~~زواج، ولكنه لم يجد الشجاعة الكافية للإفصاح عن رأيه، إلا أنه ~~روح عنه بكلام يفهم منه من يشاء ما يشاء، فقال: الزواج مصير كل ~~حي، ومن لم تتزوج اليوم فستتزوج غدا. # وهنا انطلق صوت كمال الرفيع - الذي كان يتابع الحديث باهتمام - ~~متسائلا على غير انتظار: نينة ... لماذا كان الزواج مصير كل ~~حي؟ # ولكنها لم تعن بالالتفات إليه، فلم يحدث تساؤله من أثر إلا ~~عند ياسين الذي قعقع بضحكة غليظة دون أن ينبس بكلمة، على حين ~~قالت الأم: أعلم أن كل فتاة ستتزوج اليوم أو غدا، ولكن هناك ~~اعتبارات لا ينبغي إغفالها. # وعاد كمال يسألها: وهل ستتزوجين أنت أيضا يا نينة؟ # وضج الجميع ضحكا فخفف هذا من حدة التوتر، وانتهز ياسين هذه ~~الفرصة السانحة فتشجع قائلا: اعرضي الأمر على أبي؛ فالكلمة ~~كلمته على أي حال. # وقالت خديجة بإصرار غريب: لا بد من هذا ... لا بد من هذا. # كانت تعني ما تقول؛ لأنها من ناحية تعلم باستحالة إخفاء مثل هذا ~~الأمر عن أبيها، ولأنها من ناحية أخرى تعتقد بأن والدها لا يمكن ~~أن يقبل تقديم زواج عائشة عليها، ولأنها - إلى هذا وذاك - ما زالت ~~تصر على التظاهر باللامبالاة، ومع أنها لم تكن تعلم بما بين الضابط ~~والزائرات من سبب ... إلا أن القلق والتشاؤم اللذين شعرت بهما من ~~بادئ الأمر لم يتخليا عنها لحظة واحدة. # 25 # مع أن السيدة أمينة جربت في حياتها أكثر من سبب من الأسباب التي ~~تكدر الصفو، إلا أنها لم تكن قديمة عهد بنوع طارئ من هذه ~~الأسباب، امتاز بطابع خاص به، إذ بدا في ذاته - على خلاف سوابقه ~~- مما يجمع الناس على اعتباره من أسس السعادة الجوهرية في الدنيا، ~~ومع هذا انقلب في بيتها، بل في قلبها خاصة، باعثا هاما من بواعث ~~القلق والكدر، وكم كانت صادقة وهي ms134 تسائل نفسها: من كان يظن أن مقدم ~~عريس، الأمر الذي تتلهف النفوس على استقباله، يجر علينا هذا التعب ~~كله! ... ولكن هكذا جرى الحال، فتنازع قلبها أكثر من رأي دون أن ~~تطمئن إلى واحد منها، رأت حينا أن الموافقة على زواج عائشة قبل ~~خديجة كفيلة أن تقضي على مستقبل ابنتها الكبرى، ورأت حينا آخر أن ~~الإلحاح في معارضة الأقدار موقف شديد الخطورة قد يعود على الفتاتين ~~بأوخم العواقب، وإلى هذا وذاك شق عليها كثيرا أن توصد الباب في ~~وجه عريس رائع كالضابط الشاب ليس من اليسير أن يجود الحظ بمثله مرة ~~أخرى، ولكن ما عسى أن يكون حال خديجة إذا تمت الموافقة، وما عسى أن ~~يكون حظها ومستقبلها؟! ... لم تدر لنفسها مستقرا، خاصة وأن ما ~~طبعت عليه من سلبية شاملة جعلها أعجز من أن تجد حلا موفقا ~~لمشكل من المشاكل؛ ولهذا وجدت راحة وهي تتحفز لإلقاء العبء كله ~~على عاتق السيد، بل وجدت هذه الراحة بالرغم مما يخامرها من خوف ~~كلما أقدمت على مفاتحته بأمر ترتاب في حسن تقبله له، وقد انتظرت ~~حتى فرغ من احتساء قهوته، ثم قالت بصوتها المهموس الناطق بالأدب ~~والخضوع: سيدي ... حدثني فهمي قال إن صديقا له رجاه أن يعرض عليك ~~رغبته في خطبة عائشة. # سددت العينان الزرقاوان نظرة اهتمام ودهشة من فوق الكنبة إلى ~~حيث تجلس المرأة على شلتة غير بعيدة من قدميه، كأنما يقول لها: ~~«كيف تحدثينني عن عائشة وأنا في انتظار أخبار عن خديجة بعد ما كان ~~من نبأ الزائرات الثلاث؟» ... ثم تساءل ليستوثق مما سمع: ~~عائشة؟ ~~- نعم يا سيدي. # ونظر السيد أمامه في ضيق، ثم قال وكأنه يحدث نفسه: قررت من ~~زمن بعيد أن هذا سابق لأوانه. # فقالت المرأة في عجلة أن يظن بها معارضة لرأيه: إني أعلم رأيك ~~يا سيدي، ولكن يجب علي أن أطلعك على كل شيء يدور بيننا. # تفحصها الرجل ببصر حاد كأنه يسبر ما في قولها من صدق وإخلاص، ~~ولكن لمعت عيناه بخاطر طارئ حال بينه وبين تفحصها، فتساءل ms135 في ~~اهتمام وقلق: ترى ألهذا علاقة بالسيدات اللاتي زرنك؟ # أجل، علمت بهذه العلاقة وهي منفردة بفهمي، وقد اقترح عليها الشاب ~~أن تخفي أمرها عن والده عند مفاتحته بالخبر، فوعدته بالتفكير في ~~المسألة طويلا، وترددت بين قبولها ورفضها، ثم مالت أخيرا إلى ~~كتمانهما كما اقترح فهمي، ولكنها حين جوبهت بسؤال السيد وهي تشعر ~~بنظرة عينيه كضوء الشمس الوهاج تشتتت عزيمتها، وتبدد رأيها، فقالت ~~بلا تردد: نعم يا سيدي، علم فهمي أنهن قريبات صديقه. # فعبس السيد غاضبا، وكعهده إذا غضب امتلأت صفحة وجهه البيضاء ~~بالدم، وتطاير الشرر من عينيه، من يستهن بخديجة فكأنما استهان ~~بشخصه، ومن يمس كرامتها فكأنما طعنه في صميم كرامته، ولكنه لم يدر ~~كيف يعلن غضبه إلا عن طريق صوته الذي علا وغلظ، وهو يتساءل بحنق ~~وازدراء: من هو هذا الصديق؟ # فقالت وهي تجد للنطق بالاسم قلقا لا تدري له من سبب: حسن ~~إبراهيم ضابط قسم الجمالية. # فقال السيد متسائلا في انفعال: قلت إنك أدخلت خديجة وحدها ~~على السيدات؟! ~~- نعم يا سيدي. ~~- هل زرنك مرة أخرى؟ ~~- كلا يا سيدي، وإلا كنت أخبرتك. # فسألها منتهرا كأنما هي المسئولة عن هذه الغرابة: أرسل قريباته ~~فرأين خديجة، وإذا به يطلب عائشة! ... ما معنى هذا؟! # فازدردت الأم ريقها الذي جف بين الأخذ والرد، وتمتمت: في مثل ~~هذا الحال لا تدخل الخاطبات البيت المقصود، إلا بعد أن يزرن كثيرا ~~من بيوت الجيران متحريات عما يهمهن، وبالفعل قد أشرن في حديثهن معي ~~إلى أنهن سمعن بأن للسيد كريمتين، ولعل تقديم واحدة دون الأخرى ~~... # أرادت أن تقول: «لعل تقديم واحدة دون الأخرى وكد لديهن ما سمعن ~~عن جمال الصغرى.» ولكنها أمسكت خوفا من مضاعفة غضبه من ناحية، ~~وإشفاقا من الجهر بهذه الحقيقة التي ترتبط في ذهنها بألوان ~~قاتمة من القلق والأسى من ناحية أخرى، فأمسكت مكتفية بإتمام ~~الحديث بإشارة من يدها كأنما تقول: «إلخ إلخ.» # وحدج السيد إليها بنظر حاد حتى غضت الطرف استخذاء، وانقلب ~~إلى حال من الامتعاض والحزن كثفت الغضب في صدره، فمضى يقرع ms136 ~~أضلعه يروم متنفسا أو ينشد صحبة، ثم صاح بصوت عاصف: عرفنا كل ~~شيء، ها هو ذا عريس يتقدم طالبا يد ابنتك، فأسمعيني رأيك؟ # شعرت بسؤاله يستدرجها إلى حفرة لا قرار لها، فقالت بلا تردد ~~وهي تبسط راحتيها في تسليم: رأيي رأيك يا سيدي ولا رأي لي ~~غيره. # فصاح في زمجرة: لو كان الأمر كما تقولين ما فاتحتني في ~~الأمر. # فقالت في لهجة ملهوجة وإشفاق: ما حدثتك يا سيدي إلا لأخبرك عما ~~جد في الأمر؛ لأن واجبي يقضي علي بأن أطلعك على كل ما يتصل ببيتك ~~من قريب أو بعيد ... # فهز رأسه في حنق قائلا: من يدري. إي والله من يدري ... ما أنت ~~إلا امرأة، وكل امرأة ناقصة عقل، والزواج خاصة يفتنكن عن الرشاد، ~~فلعلك ... # فقاطعته بصوت متهدج: سيدي أعوذ بالله مما تظن بي، إن خديجة ~~ابنتي ومن لحمي ودمي كما هي ابنتك ... وإن حظها ليفتت كبدي، أما ~~عائشة فما تزال في أول ربيعها ولن يضيرها أن تنتظر حتى يأخذ الله ~~بيد شقيقتها. # فراح يمسح براحته على شاربه الغليظ بحركة عصبية حتى توقف فجأة، ~~كأنما تذكر أمرا وتساءل: هل علمت خديجة؟ ~~- نعم يا سيدي. # فلوح بيده غاضبا وهو يصيح: كيف يطلب هذا الضابط يد عائشة بالرغم ~~من أن أحدا لم يرها؟! # فقالت بحرارة وقلبها يرتجف: قلت يا سيدي لعلهن سمعن ~~عنها. ~~- ولكنه يعمل في قسم الجمالية أي في حينا، وكأنه من أهله. # فقالت الأم في تأثر شديد: إن عين رجل لم تقع على إحدى ابنتي منذ ~~انقطاعهما عن المدرسة في سن الطفولة. # فضرب كفا بكف وصاح بها: مهلا ... مهلا ... هل حسبتني أشك في ~~هذا يا ولية؟! لو شككت فيه ما أشبعني القتل! # إنما أتحدث عما يجري في عقول بعض الناس ممن لا يعرفوننا، «إن عين ~~رجل لم تقع على إحدى ابنتي» ... ما شاء الله، وهل كنت تريدين أن تقع ~~عين رجل عليهما؟! ... يا لك من مجنونة مهذارة، إني أردد ما قد ~~تشيع به ألسنة السفهاء من الناس، أجل ... إنه ضابط الحي، ms137 يسير في ~~شوارعنا صباح مساء، فلا يبعد أن يقوم عند البعض ظن احتمال رؤيته ~~لإحدى الفتاتين إذا علموا بزواجه منها ... لا أحب، لا أريد أن أعطي ~~ابنتي لأحد ليثير الشبهات حول سمعتي، بل لن تنتقل ابنتي إلى بيت ~~رجل إلا إذا ثبت لدي أن دافعه الأول إلى الزواج منها هو رغبته ~~الخالصة في مصاهرتي أنا ... أنا ... أنا ... «لم تقع عين رجل على إحدى ~~ابنتي» ... مبارك ... مبارك يا ست أمينة. # وأصغت الأم دون أن تنبس بكلمة، فساد الصمت الحجرة، ثم نهض الرجل ~~فآذنها نهوضه بأنه سيشرع في ارتداء ملابسه استعدادا للعودة إلى ~~الدكان فبادرت بالقيام، ونزع السيد ذراعيه من الجلباب ورفعه ~~ليخلعه، ولكنه توقف قبل أن تجاوز طاقة الجلباب ذقنه، وقال ~~والجلباب مكوم فوق منكبه كلبدة الأسد: ألم يقدر سي فهمي خطورة ~~الطلب الذي تقدم به صديقه؟ ... (ثم محركا رأسه في أسف) يحسدني الناس ~~على إنجاب ثلاثة ذكور، والحق أني لم أنجب إلا إناثا ... خمس ~~إناث. # 26 # على أثر مغادرة السيد للبيت ذاع رأيه في خطبة عائشة، ومع أنه ~~قوبل بتسليم عام - تسليم من لا حيلة لهم سوى التسليم - إلا أنه ~~كان متباين الصدى في النفوس، أسف فهمي للخبر، وساءه أن تفقد عائشة ~~زوجا صالحا مثل صديقه حسن إبراهيم، أجل كان قبل أن يبت أبوه في ~~الأمر مترددا بين التحمس للعريس المتقدم وبين العطف على موقف ~~خديجة الدقيق، فلما أن قضي الأمر واستراح جانبه المشفق على خديجة ~~أسف جانبه الآخر الراغب في سعادة عائشة، وأمكنه أن يجهر برأيه ~~فقال: لا شك أن مستقبل خديجة يهمنا جميعا، ولكنني لا أوافق على ~~الإصرار على حرمان عائشة من الفرص الحسنة التي تتاح لها، الحظ غيب ~~لا يعلمه إلا الله، ولعل الله يدخر للمتأخر حظا أوفر من ~~المتقدم. # ولعل خديجة كانت أشد الجميع شعورا بالحرج لوقوفها للمرة الثانية ~~عثرة في سبيل أختها، لم تكن تفكر في الحرج وهي تحت المطرقة، ولكن ~~حين نما إليها رأي أبيها الحاسم، وتقهقر الخطر الذي يتهددها، ~~زايلها الحنق والألم وحل ms138 محلهما شعور أليم بالخجل والحرج، ومع أن ~~حديث فهمي لم يترك في نفسها أثرا حسنا؛ لأنها طمعت في أعماقها أن ~~تجد من الجميع حماسا لرأي أبيها وأن تبقى هي الوحيدة المعارضة له، ~~إلا أنها قالت معلقة عليه: صدق فهمي فيما قال، وكان هذا رأيي ~~دائما. # فعاد ياسين يؤكد رأيه السابق قائلا: الزواج مصير كل حي ... لا ~~تخافوا ... ولا تجزعوا. # قنع هذه المرة بالكلام العام على ولعه بعائشة وشدة استيائه لما ~~حاق بها من ظلم، ولكنه خاف أن يعلن رأيه صراحة أن تسيء خديجة فهمه ~~أو تظن أن ثمة علاقة بين هذا الرأي وبين ما ينشب بينهما كثيرا من ~~نقار بريء، وإلى هذا وذاك كان إحساسه الباطني بأنه نصف أخ فقط ~~يقعده عند مواجهة الخطير من شئون الأسرة الحساسة عن إبداء الرأي ~~الخليق بجرح أحد من أفرادها ... ولم تكن عائشة قد نبست بكلمة فقسرت ~~نفسها على الكلام قسرا أن يشي صمتها بآلامها التي صممت على ~~إخفائها، والتظاهر بعدم الاكتراث لها مهما سامها ذلك من عذاب ~~وتوتر، بل أجمعت على إعلان الارتياح مجاراة لجو البيت الذي لا ~~يعترف للعواطف بحق من حقوقها ... والذي تدارى فيه أهواء القلوب ~~بأقنعة الزهد والرياء، فقالت: لا يصح أن أتزوج قبل خديجة، والخير ~~كل الخير فيما يرى أبي (ثم مبتسمة) ... لماذا تتعجلون الزواج؟ ... ومن ~~أدراكم بأننا سنحظى في بيوت الأزواج بحياة سعيدة كالتي نحظى بها ~~في بيت أبينا؟! # ولما تواصل الحديث كشأنه كل مساء حول المدفأة لم تمسك عن ~~الاشتراك فيه بما وسعها قوله بالرغم من شرود ذهنها وتشتت نفسها، ~~وكم في الواقع شابهت الدجاجة المذبوحة التي تندفع مبسوطة الجناحين ~~- كأنما تنتفض حيوية ونشاطا - على حين يتدفق الدم من عنقها ~~مستصفيا آخر قطرات الحياة. # على أنها توقعت هذه النتيجة قبل عرض الأمر على أبيها، أن لا ثمة ~~غامض داعب أحلامها كما يداعبنا الأمل في كسب النمرة الأولى في ~~اليانصيب الكبير ... وقد تطوعت أول الأمر للمعارضة في زواجها مدفوعة ~~بأريحية الظفر والسعادة، وبالعطف على شقيقتها السيئة الحظ، الآن ms139 ~~خمدت الأريحية ونضب العطف، فلم يبق إلا الامتعاض والسخط واليأس، ~~ليس لها من الأمر شيء. هذه إرادة الأب ولا معقب لها، وما عليها إلا ~~الإذعان والاستسلام، بل عليها أكثر من هذا الرضا والارتياح؛ لأن ~~محض الوجوم ذنب لا يغتفر، أما الاحتجاج فإثم لا يطيقه أدبها ~~وحياؤها. أفاقت من سكرة السعادة الغامرة التي انتشت بها يوما ~~وليلة على يأس مظلم، ما أكثف الظلمة تجيء عقب النور الباهر، في ~~تلك الحال لا يقتصر الألم على الظلمة الراهنة، ولكنه يضاعف مرات ~~ومرات بالحسرة على النور الذاهب، وتسائل نفسها إذا كان ثمة نور ~~أمكن أن يضيء مليا فلماذا لم يواصل الضياء، لماذا لا يخبو، لماذا ~~خبا، فتكون حسرة جديدة تنضم إلى بقية الحسرات التي ينسجها الحزن ~~حول قلبها منتزعا إياها من ذكريات الماضي وواقع الحال وأحلام ~~المستقبل، وعلى إغراقها في التفكير في هذا كله وحضوره - تبعا لذلك ~~- في شعورها، فإنها تعود تتساءل وكأنها تتساءل لأول مرة، وكأن ~~الحقيقة المرة ترتطم بشعورها للمرة الأولى: هل حقا خبا ~~النور؟! # هل تمزقت الأسباب بينها وبين الشاب الذي ملأ قلبها ~~وخيالها؟! # سؤال جديد رغم تكراره، وصدمة جديدة رغم نفاذها إلى العظام، ذلك ~~أن الحسرة الكاوية لا تنفك يتنازعها اليأس المستقر في الأعماق ~~والآمال المتطايرة في الهواء كلما تطاير منها شعاع الأمل المتطاير، ~~ثم تعود فتستقر في الأعماق، ثم تطفو مرة أخرى، وثالثة، حتى تأوي ~~إلى مستقرها - وقد ودعت النفس آخر آمالها - فلا تغادره إلى ~~الأبد، انتهى كأنه لم يكن، لا سبيل إليه أبدا، ما أهون الأمر ~~عليهم، عالجوه كما يعالجون أمور يومهم العادية مثل ماذا نأكل غدا، ~~أو حلمت ليلة أمس حلما غريبا، أو رائحة الياسمين تملأ جو السطح، ~~كلمة من هنا ... كلمة من هناك ... واقتراح يعلن ورأي يبسط في هدوء وحلم ~~غريبين، ثم تعزية باسمة، وتشجيع كأنه الدعابة، ثم تغير الحديث ~~وتشعب، انتهى كل شيء، وأدرج في التاريخ الذي تنزل عليه الأسرة ~~النسيان. أين قلبها من هذا كله؟! ... لا قلب لها، لا يتصور وجوده ~~أحد، لا وجود ms140 له في الواقع، ما أشد غربتها! ضائعة مفقودة، ليسوا ~~منها وليست منهم، وحيدة منبوذة مقطوعة الصلات، ولكن كيف تنسى أن ~~كلمة واحدة لو جاد بها لسان أبيها، كانت تكفي لتغيير وجه الدنيا ~~وخلقها خلقا جديدا؟! ... كلمة واحدة لا أكثر، لا تزيد عن لفظة ~~«نعم» ثم تحدث المعجزة، لم تكن لتكلفه إلا عشر ما تكلف من جهد ~~في المناقشة الطويلة التي انتهت إلى الرفض، ولكن لم تجر بذاك ~~مشيئته، وارتضى لها هذا العذاب كله. ومع أنها كانت متألمة حانقة ~~ساخطة إلا أن ألمها وحنقها وسخطها وقفت عند شخص أبيها وارتدت عنه ~~خائبة ارتداد الوحش الهائج إذا اعترضه مروضه الذي يحبه ويخافه، ~~لم يسعها أن تحمل عليه، ولو في أعماق سريرتها، وظل قلبها على ~~ولائه وحبه فلم تضمر له إلا الإخلاص والوفاء كأنه إله لا يجوز أن ~~تقابل قضاءه إلا بالتسليم والحب والوفاء. # شدت الصغيرة ذاك المساء حبل اليأس حول عنقها الرقيق، فآمن ~~قلبها المتفتح بأنه نضب وأجدب إلى الأبد، وضاعف من توتر أعصابها ~~الدور الذي صممت على أن تمثله بينهم، دور البشر واللامبالاة وما ~~سامته نفسها من المشاركة في سمرهم، حتى ناءت هامتها الذهبية بحمله، ~~وانقلبت الأصوات في أذنيها وقرا، فما جاء وقت الانسحاب إلى حجرة ~~النوم، حتى مضت في إعياء كالمرضى، وهناك في أمن من ظلمة الحجرة ~~تجهم وجهها لأول مرة، وعكس صورة صادقة من قلبها. # بيد أنه لحق بها رقيب - خديجة - أيقنت من بادئ الأمر أن ~~تصنعها لن يجدي معها شيئا، وقد تحامت في المجلس نظراتها، أما ~~الآن - إذ جلست إليها - فلا مهرب منها ولا مفر. وتوقعت أن تهجم ~~الفتاة على الموضوع بعنادها المعروف، وانتظرت تسلل صوتها إلى ~~أذنيها بين لحظة وأخرى، ورحب قلبها بالحديث، لا لأنه سيبعث رجاء ~~جديدا، ولكن لأنها أملت وراء الاعتذار والحرج اللذين ستعلنهما ~~الفتاة صادقة حتما شيئا من العزاء. ولم يطل الانتظار فما لبث أن ~~جاءها الصوت يشق الظلمة قائلا: عائشة، إن حزينة آسفة، ولكن علم ~~الله لا حيلة لي، وكم وددت لو تواتيني ms141 الشجاعة فأرجو أبي أن يعدل ~~عن رأيه. # وتساءلت عما وراء هذا الكلام من صدق أو رياء منفعلة بثورة حنق، ~~ثارت بها لدى سماع النبرات الأسيفة مباشرة، ولكنها اضطرت إلى ~~العودة إلى استعارة النبرات التي ظلت تتحدث بها في مجلس أمها، ~~فقالت: فيم الحزن والأسف، ما أخطأ أبي وما ظلم ولا داعي ~~للعجلة! ~~- هذه ثاني مرة يؤجل زواجك بسببي. ~~- لست آسفة مطلقا. # فقالت خديجة بلهجة ذات مغزى: ولكن هذه المرة غير المرة ~~الأولى. # أدركت الفتاة ما وراء هذه الكلمات بسرعة البرق، فخفق قلبها خفقان ~~اللوعة والحسرة، وبكى وجدا وحبا، ذلك الحب الكامن يثار بالإشارة ~~تجيئه من الخارج عفوا أو قصدا كما يثار الجرح أو الدمل باللمس ~~والشك، وهمت بالكلام ولكنها أمسكت مضطرة؛ لأن أنفاسها لم تسعفها ~~فخافت أن تفضحها نبراتها، وعند ذاك تنهدت خديجة قائلة: لهذا ~~تجدينني في غاية الحزن والأسف، ولكن ربنا كريم، وما شدة إلا وبعدها ~~الفرج، فعسى أن ينتظر ويصبر ويكون من نصيبك بالرغم مما بدا. # وهتفت جوارحها: «يا ليت.» # أما لسانها فقال: سيان عندي، الأمر أبسط مما تظنين. ~~- أرجو أن يكون كذلك ... إني جد حزينة وآسفة يا عائشة. # وفتح الباب فجأة وبدا شبح كمال في الشعاع الخافت الذي تسلل من ~~فرجة الباب، فصاحت به خديجة في ضيق: لماذا جئت؟ وماذا تريد؟ # فقال الغلام بصوت يشي باحتجاجه على سوء مقابلتها له: لا تنهريني ~~... وأفسحي لي. # ووثب إلى الفراش وركع بينهما، ثم دس يدا إلى واحدة ويدا إلى ~~الأخرى، وراح يدغدغهما ليهيئ لحديثه جوا طيبا غير الجو الذي ~~أنذرت به نهرة خديجة، ولكنهما نترتا يديه وقالتا بصوتين ~~متتابعتين: آن لك أن تنام، فاذهب ونم. # ولكنه هتف في غيظ: لن أذهب حتى أعرف ما جئت أسأل عنه! ~~- عم تسأل في هذه الساعة من الليل؟ # فقال مغيرا لهجته حتى يستجيبا له: أريد أن أعرف هل تتركان بيتنا ~~إذا تزوجتما؟ # فصاحت به خديجة: انتظر حتى يجيء الزواج! # فتساءل في عناد: ولكن ما هو الزواج؟ ~~- كيف أجيبك وأنا لم أتزوج ... اذهب ونم الله ms142 لا يسيئك. ~~- لن أذهب حتى أعرف. ~~- يا حبيبي توكل على الله وفارقنا. # قال بصوت حزين: أريد أن أعرف هل تغادران البيت إذا ~~تزوجتما؟ # فقالت في ضجر: نعم يا سيدي ... ماذا تريد أيضا؟ # فقال في جزع: إذن لا تتزوجا ... هذا ما أريد. ~~- سمعا وطاعة. # فعاد يقول في احتجاج ثائر: أنا لا أطيق أن تذهبا بعيدا عنا، ~~وسأدعو الله ألا يزوجكما. # فهتفت: من فمك لباب السما ... عال ... عال ... ربنا يكرمك. تفضل فارقنا ~~مع السلامة. # 27 # سرى في البيت شعور بأنه يستقبل من حياته المرهقة بالتزمت يوم ~~راحة يستطيع - إذا شاء - أن يستروح فيه نسمة من الحرية البريئة في ~~أمن من الرقيب. فظن كمال أنه غدا في حل من أن يقطع اليوم كله في ~~اللعب داخل البيت أو خارجه، وتساءلت خديجة وعائشة ألا يمكن أن ~~تنسلا مساء إلى بيت مريم لقضاء ساعة في لهو ومرح؟ لم تجئ هذه ~~الراحة نتيجة لانقضاء شهور الشتاء الكالح، وحلول بشائر الربيع ~~ملوحة بالدفء والبشاشة؛ إذ ليس من شأن الربيع أن يهب هذه الأسرة ~~حرية يحرمها إياها الشتاء، ولكنها جاءت نتيجة طبيعية لسفر السيد ~~أحمد إلى بورسعيد في مهمة تجارية تدعوه كل عدة أعوام إلى السفر ~~يوما أو بعض يوم، واتفق أن سافر الرجل صباح الجمعة فجمعت العطلة ~~الرسمية بين أفراد الأسرة ... وتجاوبت رغباتهم الظمأى إلى الحرية في ~~الجو الطليق الآمن الذي خلقه على غير انتظار رحيل الأب عن القاهرة ~~كلها، بيد أن الأم وقفت من رغبة الفتاتين وجماح الغلام وقفة ~~المتردد؛ لأنها كانت تحرص على أن تواظب الأسرة على سيرتها ~~المألوفة، وأن تلتزم - في غياب الأب - الحدود التي تلتزمها في ~~حضوره خوفا من مخالفته أكثر منها اقتناعا بوجاهة شدته وصرامته، ~~ولكنها ما تدري إلا وياسين يقول لها: لا تعارضي بالله ... إننا نحيا ~~حياة لا يحياها أحد من الناس، بل أريد أن أقول شيئا جديدا ... ~~لماذا لا تروحين عن نفسك أنت؟! ... ما رأيكم في هذا ~~الاقتراح؟! # وتطلعت إليه الأعين في دهشة ولكن أحدا لم ينبس بكلمة، ولعلهم ~~- كأمهم ms143 التي رمته بنظرة تأنيب - لم يحملوا قوله محمل الجد، إلا ~~أنه استطرد قائلا: لماذا تنظرين إلي هكذا؟! ... لم أخطئ في ~~البخاري، وليس ثمة جريمة والحمد لله ، ما هو إلا مشوار قصير ترجعين ~~منه وقد ألقيت نظرة على جزء صغير من الحي الذي عشت فيه أربعين ~~عاما دون أن تري منه شيئا. # فتنهدت المرأة متمتمة: سامحك الله. # فقهقه الشاب قائلا: علام يسامحني؟ ... هل اقترفت ذنبا لا يغتفر؟ ~~والله لو كنت مكانك لمضيت من توي إلى سيدنا الحسين .. سيدنا ~~الحسين ألا تسمعين؟ حبيبك الذي تهيمين به على البعد وهو قريب، ~~قومي إنه يدعوك إليه. # وخفق قلبها خفقانا لاحت آثاره في احمرار وجهها، فخفضت رأسها ~~لتخفي تأثرها الشديد، انجذب قلبها إلى الدعاء بقوة تفجرت في نفسها ~~فجأة على غير انتظار لا منها ولا من أحد ممن حولها حتى ياسين ~~نفسه، كأنها زلزال قد وقع بأرض لم تعرف الزلازل، فلم تدر كيف ~~استجاب قلبها للنداء، ولا كيف تطلع بصرها إلى ما وراء الحدود ~~المحرمة، ولا كيف تراءت المغامرة ممكنة، بل مغرية، بل طاغية، أجل ~~بدت زيارة الحسين عذرا قويا - له صفة القداسة - للطفرة اليسارية ~~التي نزعت إليها إرادتها، ولكنها لم تكن وحدها التي تمخضت عنها ~~نفسها إذ لبت دعاءها في الأعماق تيارات حبيسة متلهفة على ~~الانطلاق كما تلبي الغرائز المتعطشة للقتال نداء الدعاء إلى الحرب ~~بحجة الدفاع عن الحرية والسلام. ولم تدر كيف تعلن استسلامها ~~الخطير، ولكنها نظرت إلى ياسين وسألته بصوت متهدج: زيارة الحسين ~~منية قلبي وحياتي ... ولكن ... أبوك؟ # فضحك ياسين قائلا: أبي في طريقه إلى بورسعيد، ولن يعود قبل ضحى ~~الغد، وبوسعك - زيادة في الحيطة - أن تستعيري ملاءة أم حنفي اللف، ~~حتى إذا اتفق أن رآك أحد وأنت تغادرين البيت أو وأنت تعودين ~~إليه ظنك زائرة. # ورددت عينيها بين الأبناء في خجل وتهيب كأنها تنشد المزيد ~~من التشجيع، فتحمست خديجة وعائشة للاقتراح، وكأنهما تعبران ~~بحماسهما عن رغبتهما الحبيسة في الانطلاق، وفرحتهما بزيارة مريم ~~التي باتت - بعد هذا الانقلاب - في حكم المقرر، وهتف ms144 كمال من أعماق ~~قلبه: سأذهب معك يا نينة لأدلك على الطريق. # وحدجها فهمي بنظرة عطف أثاره في نفسه ما طالعه في وجهها البريء ~~من سرور حائر كسرور الطفل إذا مني بلعبة جديدة، فقال لها في ~~تشجيع واستهانة: ألقي نظرة على الدنيا، لا عليك من هذا، فإني ~~أخاف أن تنسي المشي من طول لزومك للبيت! # وفي فورة الحماس جرت خديجة إلى أم حنفي ثم عادت بملاءتها، ~~وتزاحمت الأصوات بالضحك والتعليق، فغدا اليوم عيدا سعيدا لا عهد ~~لأحد به، واشترك الجميع - وهم لا يدرون - في الثورة على إرادة ~~الأب الغائب. والتفت الست أمينة في الملاءة وأسدلت البرقع الأسود ~~على وجهها، ثم نظرت في المرآة فلم تتمالك من أن تضحك طويلا حتى ~~اهتز جذعها، وارتدى كمال بدلته وطربوشه وسبقها إلى فناء البيت، ~~ولكنها لم تتبعه، ركبها شعور الرهبة الذي يلازم المواقف الفاصلة، ~~فرفعت عينيها إلى فهمي وتساءلت: ما رأيكم، هل أذهب حقا؟ # فصاح بها ياسين: توكلي على الله. # وتقدمت منها خديجة ووضعت يدها على منكبها، ودفعتها برفق وهي ~~تقول: الفاتحة أمانة. # ولم تزل تدفعها حتى أوصلتها إلى السلم، ثم رفعت يدها فنزلت ~~المرأة والجميع في أعقابها ... ووجدت أم حنفي في انتظارها، فألقت ~~الخادم على سيدتها - أو بالحري على الملاءة الملتفة بها - نظرة ~~فاحصة، ثم هزت رأسها هزة انتقادية، وتقدمت منها وأعادت لف الملاءة ~~حول جسمها وعلمتها كيف تمسك بطرفها في الوضع المناسب، فانقادت ~~لها سيدتها التي كانت ترتدي الملاءة اللف لأول مرة، وعند ذاك ~~ارتسمت ملامح قامتها وقدها في تفصيل وسيم، تخفيه عادة جلابيبها ~~الفضفاضة، فألقت خديجة عليها نظرة إعجاب باسمة، وغمزت بعينها ~~لعائشة وأغرقتا في الضحك. # ولاقت وهي تعبر عتبة الباب الخارجي إلى الطريق لحظة دقيقة جف لها ~~ريقها، فضاع السرور في نوبة القلق ووطأة الإحساس بالذنب، وتحركت في ~~بطء وهي قابضة على يد كمال بحال عصبية، وبدت مشيتها مضطربة ~~مخلخلة كأنها عاجزة عن مبادئ المشي الأولية، إلى ما اعتراها من ~~حياء شديد، وهي تتعرض لأعين الناس الذين عرفتهم من عهد بعيد ms145 ~~من وراء خصاص المشربية - عم حسنين الحلاق ودرويش بائع الفول ~~والفولي اللبان، وبيومي الشربتلي وأبو سريع صاحب المقلى - حتى ~~توهمت أنهم سيعرفونها كما تعرفهم - أو لأنها تعرفهم - ووجدت مشقة ~~في تثبيت حقيقة بديهية في رأسها، وهي أن عينا منهم لم تقع عليها ~~مدى الحياة، وعلى تلك الحال عبرا الطريق إلى درب قرمز؛ لأنه وإن ~~يكن أقصر الطرق إلى جامع الحسين إلا أنه كان لا يمر - كطريق ~~النحاسين - بدكان السيد فضلا عن خلوه من الدكاكين وانقطاع المارة ~~عنه إلا فيما ندر، وتوقفت لحظة قبل أن توغل فيه، والتفتت صوب ~~المشربية فرأت شبحي ابنتيها وراء ضلفة منها، بينما رفعت ضلفة ~~أخرى عن وجهي ياسين وفهمي الباسمين، فاستمدت من منظرهما شجاعة ~~استعانت بها على ارتباكها، ثم جدت في السير - هي وغلامها - ~~يقطعان الدرب المقفر في شيء من الطمأنينة، لم يغب عنها القلق ولا ~~الإحساس بالذنب، ولكنهما تراجعا إلى حاشية الشعور الذي احتلت ~~مركزه عاطفة استطلاع حماسية نحو الدنيا التي يتراءى لها درب من ~~دروبها، وميدان من ميادينها وغرائب من مبانيها وعديد من أناسها، ~~ووجدت سرورا ساذجا لمشاركة الأحياء في الحركة والانطلاق، سرور ~~من قضت ربع قرن سجينة الجدران ما عدا زيارات معدودات لأمها في ~~الخرنفش - بضع مرات في العام - تقوم بها داخل حنطور بصحبة السيد ~~فلا تسعفها الشجاعة حتى لاستراق النظر إلى الطريق ... وجعلت تسأل ~~كمال عما يصادفهما في طريقهما من مشاهد وأبنية وأماكن، والغلام ~~يحدثها في إسهاب مزهوا بدور المرشد الذي يقوم به، فهذا قبو قرمز ~~المشهور الذي يجب - قبل الدخول فيه - تلاوة الفاتحة، وقاية من ~~العفاريت التي تسكنه، وهذا ميدان بيت القاضي بأشجاره الباسقة، وكان ~~يسميه ميدان «ذقن الباشا» مطلقا عليه اسم الزهر الذي يعلو أشجاره، ~~أو يسميه أحيانا أخرى «ميدان شنجرلي» ساحبا عليه اسم بائع ~~الشوكولاتة التركي، أما هذا البناء الكبير فهو قسم الجمالية، ومع ~~أن الغلام لم يجد به ما يستحق اهتمامه سوى السيف المدلى من وسط ~~الديدبان إلا أن الأم ألقت عليه نظرة مليئة بحب الاستطلاع الخليق ~~بمكان ms146 يقيم به الرجل الذي سعى إلى طلب يد عائشة، حتى بلغا مدرسة ~~خان جعفر الأولية، التي قضى بها عاما قبل التحاقه بمدرسة خليل أغا ~~الابتدائية، فأشار إلى شرفتها الأثرية وهو يقول: «في هذه الشرفة ~~كان الشيخ مهدي يلصق وجوهنا بالجدار لأقل هفوة، ويركلنا بحذائه ~~خمسا أو ستا أو عشرا كما يحلو له.» ثم أومأ إلى دكان يقع تحت ~~الشرفة مباشرة، وقال بلهجة لم يغب عنها مغزاها وهو يتوقف عن ~~السير: «وهذا عم صادق بائع الحلوى.» ثم لم يقبل التزحزح عن موضعه ~~حتى أخذ قرشا وابتاع به ملبنا أحمر، انعطفا بعد ذلك إلى طريق خان ~~جعفر فلاح لهما عن بعد جانب من المنظر الخارجي لجامع الحسين، ~~يتوسطه شباك عظيم الرقعة محلى بالزخارف العربية، وتعلوه فوق ~~سور السطح شرفات متراصة كأسنة الرماح، فتساءلت والبشر يسجع في ~~صدرها: «سيدنا الحسين؟» ولما أجابها بالإيجاب مضت تقارن بين المنظر ~~الذي تقترب منه - وقد حثت خطاها لأول مرة مذ غادرت البيت - وبين ~~الصورة التي خلقها خيالها له مستعينا في خلقه بنماذج من الجوامع ~~التي في متناول بصرها كجامع قلاوون وبرقوق، فوجدت الحقيقة دون ~~الخيال؛ لأنها كانت تنفخ في الصورة طولا وعرضا على قدر يناسب ~~منزلة صاحب الجامع من نفسها، بيد أن هذا الاختلاف بين الحقيقة ~~والخيال لم يكن ليؤثر شيئا في فرحة اللقاء التي ثملت بها جوانحها. ~~ودارا حول الجامع حتى الباب الأخضر ودخلا في زحمة الداخلات. ولما ~~وطئت قدما المرأة أرض المسجد شعرت بأن بدنها يذوب رقة وعطفا ~~وحنانا، وأنها تستحيل روحا طائرا يرفرف بجناحيه في سماء يسطع ~~بجنباتها عرف النبوة والوحي، فاغرورقت عيناها بالدمع الذي أسعفها ~~للترويح عن جيشان صدرها وحرارة حبها وإيمانها وأريحية امتنانها ~~وفرحها، وراحت تلتهم المكان بأعين شيقة مستطلعة جدرانه وسقفه ~~وعمده وأبسطته ونجفه ومنبره ومحاريبه، وإلى جانبها كان كمال ينظر ~~إلى هذه الأشياء من ناحية أخرى خاصة به ترى أن الجامع يكون مزارا ~~للناس في النهار والهزيع الأول من الليل، وبيتا من بعد ذلك لصاحبه ~~الشهيد يذهب فيه ويجيء مستعملا ms147 ما فيه من أثاث على نحو ما يستعمل ~~المالك ملكه، فيطوف بأرجائه، ويصلي في المحراب ويرتقي المنبر، ~~ويعلو النوافذ ليشرف على حيه المحيط، وكم تمنى حالما لو ~~ينسونه في الجامع بعد أن يغلق أبوابه، فيمكنه أن يلقى الحسين ~~وجها لوجه، وأن يمضي في حضرته ليلة كاملة حتى الصباح، وتخيل ما ~~يخلق به أن يقدمه له عند اللقاء من آي الحب والخضوع، وما يجدر به ~~أن يلقيه عند قدميه من أمانيه ورغباته، وما يرجوه بعد ذلك عنده من ~~العطف والبركة، تخيل نفسه وهو يقترب منه خافض الرأس، فيسأله ~~الشهيد برقة: «من أنت؟» فيجيبه وهو يقبل يده: «كمال أحمد عبد ~~الجواد.» ويسأله عن عمله، فيقول له: «تلميذ - ولن ينسى التنويه ~~بتفوقه - بمدرسة خليل أغا.» ويسأله عما جاء به في هذه الساعة من ~~الليل، فيجيبه بأنه حب آل البيت عامة والحسين خاصة، فيبسم إليه ~~عطفا، ويدعوه إلى مرافقته في تجواله الليلي، وعند ذاك يبوح له ~~بأمانيه جملة قائلا: «اضمن لي أن ألعب كما أشاء داخل البيت ~~وخارجه، وأن تبقى عائشة وخديجة في بيتنا إلى الأبد، وأن تغير طبع ~~أبي، وأن تمد في عمر أمي إلى ما لا نهاية، وأن آخذ من المصروف قدر ~~كفايتي، وأن ندخل الجنة جميعا بغير حساب» ... هذا وتيار الزائرات ~~الزاحف في بطء يدفعهما رويدا حتى وجدا نفسيهما في مثوى الضريح، ~~طالما تلهفت أشواقها على زيارة هذا المثوى كما تتلهف على حلم ~~يستحيل تحقيقه في هذه الدنيا، ها هي تقف بين أركانه، بل ها هي لصق ~~جدران الضريح نفسه، تشرف نفسها عليه خلال الدموع، وتود لو تتريث ~~لتتملى مذاق السعادة لولا شدة ضغط الزحام، ومدت يدها إلى ~~الجدران الخشبية، واقتدى كمال بها، ثم قرآ الفاتحة، ومسحت بالجدران ~~وقبلتها ولسانها لا يني عن الدعاء والتوسل، ودت لو تقف طويلا أو ~~تجلس في ركن من الأركان لتعيد النظر والتأمل ثم لتعيد الطواف، ~~ولكن خادم المسجد وقف للجميع بالمرصاد، لا يسمح لواحدة بالتلكؤ ~~ويحث المتباطئات، ويلوح منذرا بعصاه الطويلة، وهو يدعو الجميع إلى ms148 ~~إتمام الزيارة قبل حلول ميعاد صلاة الجمعة، ارتوت من المنهل العذب ~~ولكنها لم تطفئ ظمأها، وهيهات أن يروى لها ظمأ، لقد هاج الطواف ~~حنينها، فتفجرت عيونه وسال وزخر ولن يزال ينشد المزيد من القرب ~~والابتهاج، ولما وجدت نفسها مرغمة على مغادرة المسجد انتزعت نفسها ~~منه انتزاعا، وأودعته قلبها وهي توليه ظهرها، ثم مضت حسرى ~~يعذبها شعورها بأنها تودعه الوداع الأخير، بيد أن ما طبعت عليه ~~من قناعة واستسلام آخذها على ما استسلمت له من الحزن، فردها إلى ~~تملي ما ظفرت به من سعادة طارت بها هواجس الفراق، ودعاها كمال ~~إلى مشاهدة مدرسته، فمضيا إليها في نهاية شارع الحسين، ووقفا عندها ~~مليا، ولما أرادت الرجوع من حيث أتت أنذره ذكر العودة بانتهاء ~~الرحلة السعيدة مع أمه، التي لم يحلم بمثلها من قبل، فأبى التفريط ~~فيها واستمات في الدفاع عنها، فاقترح عليها أن يسيرا في السكة ~~الجديدة حتى الغورية، ولكي يقضي على المقاومة التي بدت في صورة ~~تقطيبة باسمة من وراء البرقع حلفها بالحسين فتنهدت، واستسلمت ~~ليده الصغيرة، ومضيا يشقان طريقهما في زحمة شديدة وبين تيارات ~~متلاطمة من السائرين في جميع الجهات مما لم تجد عشر معشاره في ~~الطريق الهادئ الذي جاءت منه فعلاها الارتباك، وأخذت تفقد نفسها في ~~اضطراب شامل، ولم تلبث أن شكت إليه ما تلقى من عناء وإعياء، ولكن ~~تهالكه على إتمام الرحلة السعيدة جعله يصم أذنيه عن شكاتها، ~~ويشجعها على مواصلة السير ويلهيها عن متاعبها بلفت نظرها إلى ~~الدكاكين والعربات والمارة، وهما يقتربان في بطء شديد صوب ~~منعطف الغورية، وعند ذاك المنعطف لاح لناظريه دكان فطائر فسال ~~لعابه وثبتت عيناه عليها لا تتحولان، وراح يفكر في وسيلة لإقناع ~~أمه بالدخول إلى الدكان وابتياع فطيرة، وبلغا الدكان وهو لا يزال ~~يفكر، ولكنه ما يدري إلا وأمه تفلت من يده فالتفت نحوها متسائلا، ~~فرآها وهي تسقط على وجهها وقد ندت عنها آهة عميقة، واتسعت عيناه في ~~ذهول ورعب دون أن يبدي حراكا، ولكنه على ذهوله ورعبه رأى بجانب ~~عينه - في ms149 نفس الوقت تقريبا - سيارة تفرمل محدثة صوتا عنيفا، ~~ومرسلة وراءها ذيلا من الدخان والغبار، فكادت تدوس الملقاة لولا ~~أن انحرفت عنها مقدار شبر، وتعالى صياح وحدثت ضجة وهرع الناس ~~إلى المكان من جميع نواحي الطريق كما تهرع الصبية إلى صفارة ~~الحاوي، فضربوا حولها حلقة غليظة بدت أعينا مستطلعة ورءوسا ~~مشرئبة وألسنة تهتف بكلام اختلطت أسئلته بأجوبته، وأفاق كمال ~~من الصدمة بعض الشيء فراح يردد عينيه بين أمه الملقاة عند قدميه ~~وبين الناس في حال ناطقة بالخوف والاستغاثة، ثم ارتمى على ركبتيه ~~إلى جانبها ووضع كفه على منكبها، وناداها بصوت تفتتت نبراته ~~بحرارة الرجاء ولكنها لم تستجب له، فرفع رأسه مقلبا عينيه في وجوه ~~الناس، ثم صرخ باكيا في نحيب حار علا على الضجة التي تكتنفه، ~~حتى كاد يسكتها وتطوع البعض لمواساته بكلمات لا معنى لها، ~~وانحنى آخرون فوق أمه مستطلعين بنظرات كمنت وراءها رغبتان؛ تنشد ~~إحداهما السلامة للضحية، وتنزع الأخرى - في حال اليأس من السلامة - ~~إلى أن ترى الموت - ذلك الحتم المؤجل - وهو يطرق بابا غير بابهم، ~~وينتزع روحا غير روحهم كأنهم يودون أن يقوموا بشبه بروفا آمنة ~~لأخطر دور قضي عليهم جميعا أن يختموا الحياة بلعبه، وصاح أحدهم ~~قائلا: «صدمها باب السيارة الأيسر في ظهرها.» وقال السائق الذي ~~غادر السيارة ووقف مختنقا بجو الاتهام الذي يطبق عليه: «لقد ~~انحرفت عن الطوار بغتة، فلم أستطع أن أتفادى من صدمها، ولكني فرملت ~~بسرعة فجاءت الصدمة خفيفة، ولولا رعاية الله لدستها» ... وجاء صوت ~~من المحدقين إليها قائلا: «ما زالت تتنفس ... أغمي عليها فقط.» ~~وعاد السائق يقول وقد لمح الشرطي قادما يترنح سيفه بجنبه ~~الأيسر: «إنها صدمة خفيفة ... لم تتمكن منها أبدا. إنها بخير ... بخير ~~يا جماعة والله ...» ثم انتصبت قامة أول رجل تقدم لفحصها وقال ~~كأنما يلقي خطبة: «ابتعدوا لا تمنعوا الهواء ... فتحت عينيها ... بخير ~~... بخير والحمد لله! ...» كان يتكلم بابتهاج لا يخلو من زهو كأنه هو ~~الذي رد إليها الحياة، ثم تحول إلى كمال الذي غلبه بكاء عصبي، ~~فاسترسل فيه في ms150 انفعال لم تجد معه مواساة المواسين، تحول إليه ~~وربت على خده بحنان وقال له: «حسبك يا بني ... أمك بخير ... انتظر ~~... هلم ساعدني على إقامتها» ... ولكن كمال لم يمسك عن البكاء حتى ~~رأى أمه تتحرك، فمال نحوها ووضع يسراها على كتفه، وعاون الرجل على ~~إقامتها حتى أمكن بجهد شديد أن تقف بينهما في إعياء وخور، وقد ~~سقطت عنها الملاءة التي امتدت بعض الأيدي لتعيدها إلى موضعها - ~~بقدر الإمكان - حول كتفيها، ثم قدم لها الفطائري الذي وقعت ~~الحادثة أمام دكانه مقعدا فأقعدوها عليه وجاءها بقدح من الماء، ~~فتجرعت جرعة سال نصفها على عنقها وصدرها، فمسحت بيدها على صدرها ~~بحركة عكسية وهي تزفر زفرة عميقة. وجعلت تردد أنفاسا مضطربة ~~بصعوبة وتنظر في وجوه المحدقين بها في ذهول وهي تتساءل: «ماذا ~~جرى؟ ... ماذا جرى؟ ... رباه، لماذا تبكي يا كمال؟!» وعند ذاك اقترب ~~الشرطي منها وسألها: «هل بك سوء يا سيدتي؟ وهل تستطيعين السير إلى ~~القسم؟» فصدم اسم «القسم» عقلها فرجها من الأعماق، وهتفت بفزع: ~~«لماذا أذهب إلى القسم؟ ... لا أذهب إلى القسم أبدا.» فقال لها ~~الشرطي: «لقد صدمتك السيارة فأوقعتك، فإذا كان بك سوء وجب أن ~~تذهبي أنت وهذا السائق إلى القسم لتحرير المحضر.» ولكنها قالت وهي ~~تلهث: «كلا ... كلا ... لن أذهب ... أنا بخير.» فقال لها الشرطي: «توكدي ~~مما تقولين، انهضي وامشي لنرى إن كان أصابك سوء.» ولم تتردد عن ~~النهوض - مدفوعة بالفزع الذي أثاره ذكر القسم - فنهضت وأصلحت ~~ملاءتها، ثم سارت تحت الأعين المستطلعة، وكمال إلى جانبها ينفض عن ~~الملاءة ما علق بها من تراب، ثم قالت للشرطي وهي ترجو أن تنتهي هذه ~~الحال المؤلمة بأي ثمن: «إني بخير (ثم مشيرة إلى السائق) ... دعوه ... ~~لا شيء بي.» لم تعد تشعر بخور فيما ركبها من خوف، هالها منظر ~~الناس المحدقين بها، خاصة الشرطي الذي يتقدمهم، وارتعدت تحت وقع ~~النظرات المصوبة نحوها من كل مكان متحدية باستهانة بالغة ~~تاريخا طويلا من التستر والتخفي، فتخايلت لعينيها فوق هذا ~~الجمع صورة السيد وكأنها تتفرس في وجهها بعينين ms151 باردتين ~~متحجرتين منذرتين بما لا تطيق تصوره من الشر، فلم تأل أن قبضت ~~على يد الغلام واتجهت به صوب الصاغة، فلم يعترض سبيلها أحد وما ~~غيبهما منعطف الطريق، حتى شهقت من الأعماق وخاطبت كمال، وكأنما ~~تخاطب نفسها: «يا ربي ماذا حدث؟ ماذا رأيت يا كمال؟ كأنه حلم ~~مفزع، خيل إلي أني أهوي من عل إلى هاوية مظلمة، وأن الأرض تدور ~~تحت قدمي، ثم غبت عن كل شيء حتى فتحت عيني على ذاك المنظر المخيف، ~~رباه ... هل أراد حقا أن يذهب بي إلى القسم؟! يا لطيف يا رب ... يا ~~منجي يا رب، متى نبلغ بيتنا؟! بكيت كثيرا يا كمال لا عدمت عينيك ~~أبدا ... جفف عينيك بهذا المنديل حتى تغسل وجهك في البيت ... ~~آه.» # وتوقفت عن السير بعد أن أوشكا أن يطويا طريق الصاغة، واعتمدت ~~بيدها على منكب الغلام وقد تقلص وجهها، فرفع كمال وجهه إليها ~~منزعجا وسألها: ماذا بك؟ # فأغمضت عينيها وهي تقول بصوت ضعيف: إني تعبة، تعبة جدا، لا ~~تكاد تحملني قدماي، ادع أول عربة تصادفك يا كمال. # ونظر كمال فيما حوله فلم ير إلا عربة كارو واقفة عند باب مستشفى ~~قلاوون فنادى الحوذي الذي بادر إلى سوق العربة، حتى وقف بها ~~أمامهما، واقتربت الأم منها متكئة على كتف كمال ثم صعدت إلى سطحها ~~بمعاونته، واعتمادا على منكب الحوذي الذي وطأه لها، حتى تربعت وهي ~~تتنهد في إعياء شديد، وجلس كمال إلى جانبها ثم وثب الحوذي إلى ~~المقدمة، ونخس الحمار بقبضة سوطه فمشى مشيته الوئيدة والعربة ~~تترنح وراءه مطقطقة ... وتأوهت المرأة متمتمة: «ما أشد ألمي، ~~عظام كتفي تتفكك.» هذا وكمال يرمقها في جزع وقلق ... ومرت العربة ~~في طريقها بدكان السيد دون أن يعيراها التفاتا، ومضى كمال يتطلع ~~إلى الأمام حتى لاحت لعينيه مشربيات البيت ... لم يعد يذكر من ~~الرحلة السعيدة إلا نهايتها المحزنة. # 28 # فتحت أم حنفي الباب فأذهلها أن ترى سيدتها متربعة على عربة كارو، ~~وقد ظنت لأول وهلة أنه ربما يكون قد خطر لها أن تختم رحلتها ~~بجولة ms152 في العربة على سبيل اللهو، فلاحت على وجهها ابتسامة ولكن ~~إلى لحظة قصيرة؛ إذ ما لبثت أن رأت عيني كمال المحمرتين من ~~البكاء فارتدت عيناها إلى سيدتها في انزعاج، واستطاعت هذه المرة ~~أن تلمس ما تعاني من إعياء وألم، فندت عنها آهة وهرعت إلى العربة ~~هاتفة: «ستي ما لك، بعد الشر عنك.» فقال الحوذي: «تعب بسيط إن شاء ~~الله، عاونيني على إنزالها.» وتلقتها المرأة بين ذراعيها، وسارت ~~بها إلى الداخل وتبعهما كمال واجما محزونا، وكانت خديجة وعائشة ~~قد غادرتا المطبخ وانتظرتا في الفناء، وكلتاهما تفكر في دعابة تلقى ~~بها القادمين فما راعهما إلا أن تطلع عليهما أم حنفي من الدهليز ~~الخارجي، وهي تكاد تحمل الأم حملا فندت عنهما صرخة، وهرعتا إليها ~~فزعتين وهما تهتفان: نينة ... نينة ... ما لك! # وتعاونوا جميعا على حملها، ولم تكف خديجة في أثناء ذلك عن أن ~~تسأل كمال عما حدث، حتى اضطر الغلام إلى أن يغمغم في خوف بالغ: ~~سيارة! ~~- سيارة! # هكذا هتفت الفتاتان معا مرددتين الاسم الذي وقع من نفسيهما ~~موقعا مفزعا فاق الاحتمال. فولولت خديجة هاتفة: «يا خبر أسود ... ~~بعد الشر عنك يا نينة.» أما عائشة فانعقد لسانها وأفحمت في البكاء، ~~ولم تكن الأم غائبة عن الوجود، وإن كانت من الإعياء في نهاية ~~فهمست على إعيائها رغبة في تسكين اضطرابهما: إني بخير، لم يحدث ~~سوء، ما بي إلا تعب. # وتناهت الضجة إلى ياسين وفهمي، فخرجا إلى رأس السلم وأطلا من ~~فوق الدرابزين، وما لبثا أن نزلا مهرولين منزعجين وهما يتساءلان ~~عما حدث، ولم تملك خديجة إلا أن تشير إلى كمال ليجيب بنفسه مشفقة ~~من ترديد الاسم الرهيب، فاتجه الشابان إلى الغلام الذي عاد ~~يغمغم بحزن وارتباك: سيارة! # ثم انتحب باكيا وتحول الشابان عنه مؤجلين ما يلح عليهما من ~~أسئلة إلى حين، وحملا الأم إلى حجرة الفتاتين وأجلساها على ~~الكنبة، ثم سألها فهمي قلقا معذبا: خبريني عما بك يا نينة، ~~أريد أن أعرف كل شيء. # ولكنها مالت برأسها إلى الوراء ولم تنبس بكلمة ريثما تسترد ms153 ~~أنفاسها على حين علا بكاء خديجة وعائشة وأم حنفي وكمال، حتى فقد ~~فهمي أعصابه فثار بهن ونهرهن حتى أمسكن، ثم جذب كمال إليه ~~ليستجوبه عما يريد، كيف وقع الحادث؟ وماذا فعل الناس بالسائق؟ وهل ~~أخذوكما إلى القسم؟ وكيف كان حال الأم في أثناء ذلك كله؟ هذا وكمال ~~يجيبه على أسئلته بلا تردد وفي إسهاب، وعن أكثر التفاصيل، وكانت ~~الأم تتابع الحديث بالرغم من وهنها، فلما سكت الغلام استجمعت ~~قواها وقالت: إني بخير يا فهمي، لا تزعج نفسك، كانوا يريدون أن ~~أذهب إلى القسم فرفضت، ثم واصلت السير حتى نهاية الصاغة، وهناك ~~خارت قواي فجأة، لا تنزعج، سأسترد قواي بعد راحة قصيرة. # إلا أن ياسين عانى - إلى انزعاجه للحادث - حرجا شديدا؛ لأنه ~~كان المسئول الأول عن الرحلة المشئومة - بهذا وصفت بعد الحادث - ~~فاقترح عليهم أن يستدعوا طبيبا، وغادر الحجرة لتنفيذ اقتراحه دون ~~انتظار لمعرفة رأي الآخرين، وارتعدت الأم لذكر الطبيب كما ارتعدت ~~من قبل لذكر القسم، فرجت فهمي أن يلحق بأخيه، وأن يثنيه عن عزمه ~~مؤكدة له بأنها ستبرأ دون حاجة إلى طبيب، ولكن الشاب رفض الإذعان ~~لرجائها مبينا لها أوجه الفائدة المنوطة بمجيئه، وفي أثناء ذلك ~~تعاونت الفتاتان على نزع الملاءة عنها، وجاءتها أم حنفي بقدح ماء، ~~ثم أحاطوا بها جميعا، وهم يتفحصون بقلق وجهها الذي علاه ~~الشحوب، ويسألونها مرارا وتكرارا عما تجد، وهي تحاول ما استطاعت ~~أن تتظاهر بالهدوء أو تقنع بأن تقول إذا ألح عليها الألم: «ثمة ~~ألم خفيف في كتفي اليمنى»، ثم تستدرك قائلة: «ولكن لم يكن من داع ~~لاستدعاء طبيب.» والحق أنها لم ترتح لاستدعائه أبدا؛ لأنها من ~~ناحية لم تلق طبيبا قط - لا لحصانة صحتها فحسب - ولكن لأنها ~~نجحت دائما في مداواة ما يلم بها من توعك أو انحراف بطبها الخاص، ~~فلم تؤمن بالطب الرسمي، إلى أنه اقترن في ذهنها بالحوادث الخطيرة ~~والخطوب الفادحة، ومن ناحية أخرى فقد شعرت بأن استدعاء الطبيب من ~~شأنه أن يهول الأمر الذي تود له الستر والطي قبل عودة السيد ms154 ... ولم ~~تأل أن أفصحت لأبنائها من مخاوفها، ولكنهم لم يهتموا في تلك ~~اللحظة الدقيقة إلا بشيء واحد، هو سلامتها. # ولم يغب ياسين أكثر من ربع ساعة؛ لأن عيادة الطبيب كانت في ~~ميدان بيت القاضي، ثم عاد يتقدم الرجل الذي أدخل إلى الأم حال ~~حضوره، وأخليت الغرفة فلم يبق بها معه إلا ياسين وفهمي، وسأل ~~الطبيب الأم عما تشكو فأشارت إلى كتفها اليمنى، وقالت وهي تزدرد ~~ريقها الذي جف من الخوف: أشعر هنا بألم. # وعلى هدي إشارتها، إلى ما حدثه به ياسين في الطريق عن الحادث ~~جملة، تقدم لفحصها، وطال وقت الفحص في شعور الشابين المنتظرين في ~~الداخل، وشعور المنتظرات وراء الباب مرهفات السمع خافقات القلب، ~~وتحول الطبيب عن المصابة إلى ياسين قائلا: كسر في الترقوة ~~اليمنى، هذا كل ما هنالك. # وأحدثت «لفظة» الكسر ارتياعا في الداخل والخارج، وعجب الجميع ~~لقوله «هذا كل ما هنالك» كأن وراء الكسر شيئا يتسع له احتمالهم، ~~على أنهم وجدوا في ذات التعبير، واللهجة التي ألقى بها ما يغري ~~بالطمأنينة، فتساءل فهمي وهو بين الخوف والأمل: وهل هو شيء ~~خطير؟ ~~- كلا البتة، سأعيد العظم إلى سابق موضعه وأشده، ولكن عليها ~~أن تنام بضع ليال وهي قاعدة مسندة الظهر إلى وسادة؛ لأنه سيتعذر ~~عليها أن تنام على الظهر أو الجنبين، وسوف يجبر الكسر وتعود إلى ما ~~كانت عليه في ظرف أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر، لا داعي للخوف ~~مطلقا ... والآن دعوني أعمل. # ومهما يكن من أمر فقد استروحوا نسمة سلام بعد أن جفت منهم ~~الحناجر، وبدا هذا الأثر واضحا بين الجماعة خارج الحجرة فتمتمت ~~خديجة: فلتحل بها بركة سيدنا الحسين الذي ما خرجت إلا ~~لزيارته. # وكأنما تذكر كمال بقولها أمرا هاما أنسيه طويلا، فقال ~~بدهشة: كيف أمكن أن يقع لها هذا الحادث بعد تبركها بزيارة سيدنا ~~الحسين؟ # ولكن أم حنفي قالت ببساطة: ومن أدرانا بما كان يحدث لها - ~~والعياذ بالله - لو لم تتبرك بزيارة سيدها وسيدنا؟ # ولم تكن عائشة قد أفاقت من أثر الصدمة، فضاق صدرها بالحديث، ms155 ~~وهتفت برجاء حار: آه يا ربي متى ينتهي كل شيء كأنه لم يكن! # وعادت خديجة تقول بأسف وحسرة: ما الذي ذهب بها إلى الغورية؟! لو ~~رجعت بعد الزيارة إلى البيت مباشرة لما حدث لها الذي حدث! # فدق قلب كمال خوفا وانزعاجا، وتجسم ذنبه لعينيه جريمة نكراء، ~~ولكنه حاول التملص من الشبهات، فقال بلهجة تنم عن لوم: أرادت ~~أن تتمشى في الطريق وعبثا حاولت أن أثنيها عن إرادتها. # فحدجته خديجة بنظرة اتهام وهمت بالرد عليه، ولكنها أمسكت ~~إشفاقا وعطفا على وجهه الذي علاه الاصفرار، ثم قالت لنفسها: ~~«حسبنا ما نحن فيه الآن.» # وفتح الباب وغادر الطبيب الحجرة، وهو يقول للشابين اللذين ~~تبعاه: ينبغي أن أعودها يوما بعد يوم حتى يجبر الكسر، وكما قلت ~~لكما لا داعي للخوف مطلقا. # واقتحم الجميع الحجرة فرأوا أمهم قاعدة في الفراش، مسندة الظهر ~~إلى وسادة مكسورة وراءها، ولم يكن ثمة تغيير إلا ارتفاع في كتف ~~الفستان فوق منكبها الأيمن وشى بالرباط الذي تحته، فهرعوا إليها ~~وهتفوا: الحمد لله. # وكم اشتد بها الألم والطبيب يعالج الكسر، فأنت أنينا ~~متواصلا، ولولا ما طبعت عليه من حياء لصرخت عاليا، ولكن زايلها ~~الآن الألم، أو هكذا بدا، وشعرت براحة نسبية وسكينة، بيد أن ~~زوال حدة الألم مكنت لعقلها من استئناف نشاطه، فاستطاعت أن تفكر ~~في الموقف من مختلف نواحيه، وما لبث أن ركبها الخوف، فقالت متسائلة ~~وهي تردد بينهم بصرا زائغا: ما عسى أن أقول لأبيكم إذا ~~رجع؟ # اعترض هذا السؤال - ساخرا متحديا - نسمات الطمأنينة التي سكنوا ~~إليها كما تعترض الصخور الناتئة سبيل سفينة آمنة، على أنه لم يجئ ~~مفاجأة لوعيهم، بل لعله اندس في زحمة المشاعر الأليمة التي ورت بها ~~قلوبهم لدى ارتطامها بالخبر، ولكنه ضاع في زحمتها، فتأجل حسابه ~~إلى حين، الآن قد عاد ليحتل الصدارة من نفوسهم، فلم يجدوا مهربا ~~من مواجهته، ورأوا بحق أن أشد عليهم وعلى أمهم من الإصابة التي ~~خرجت منها وشيكة الشفاء. وشعرت الأم - للصمت الذي قوبل به سؤالها - ~~بعزلة المذنب إذا تخلى ms156 عنه رفاقه حين انكشاف تهمته، فتمتمت ~~بنبرات شاكية: سيعلم حتما بالحادث، وسيعلم أكثر من هذا بخروجي ~~الذي أدى إليه. # ومع أن أم حنفي لم تكن دون أفراد الأسرة قلقا ولا أقل إدراكا ~~لخطورة الموقف، إلا أنها أرادت أن تقول كلمة طيبة، تلطيفا للجو من ~~ناحية، ولأنها كانت تشعر من ناحية أخرى بأن الواجب يقضي عليها - ~~كخادم الأسرة القديمة الأمينة - بألا تلوذ عند الشدائد بالصمت أن ~~يظن بها عدم اكتراث، فقالت وهي أدرى ببعد قولها عن الواقع: إذا علم ~~سيدي بما وقع لك فلن يسعه إلا أن يتناسى هفوتك حامدا الله على ~~نجاتك. # وقوبل قولها بالإهمال الذي يستحقه عند قوم لا تخفى عليهم من ~~حقيقة الموقف خافية، إلا أن كمال آمن به، وقال متحمسا وكأنه يتم ~~كلام أم حنفي: خصوصا إذا قلنا له إن خروجنا كان لزيارة سيدنا ~~الحسين. # ورددت المرأة عينيها الخابيتين بين ياسين وفهمي وتساءلت: ما ~~عسى أن أقول له؟ # فقال ياسين الذي هاضته شدة مسئوليته: أي شيطان أضلني حين نصحت ~~لك بالخروج، كلمة جرت على لساني وليتها ما جرت، ولكن هكذا شاءت ~~الأقدار لترمي بنا في هذا المأزق الأليم، على أنني أقول لك بأننا ~~سنجد ما نقوله، وأيا كان الأمر فلا ينبغي أن تشغلي فكرك بما ~~سيكون. دعي الأمر لله، وحسبك ما قاسيت في يومك من آلام ~~ومخاوف. # تكلم ياسين بحماس وعطف معا، فصب سخطه على نفسه، وعطف على الأم ~~عطف المتألم لحالها، ومع أن كلامه لم يقدم ولم يؤخر، إلا أنه روح ~~عن شعوره الضيق بالحرج، وأفصح به في نفس الوقت عما عساه يدور في ~~عقول بعض - أو كل - من يقفون إلى جانبه، فأغناهم عن الإفصاح عنه ~~بأنفسهم؛ إذ إن التجربة علمته بأنه أحيانا ما يكون السبيل خير ~~السبيل للدفاع عن النفس هو في الهجوم عليها، وأن الاعتراف بالذنب ~~يغري بالصفح بقدر ما يغري الدفاع عنه بالغضب، وكان أخوف ما يخاف ~~أن تنتهز خديجة الفرصة السانحة لتحمله جهارا مسئولية ما أدت إليه ~~مشورته، وتتخذها سبيلا إلى مهاجمته، ms157 فسبقها إلى غرضها قاطعا ~~عليها الطريق، ولم يكذب ظنه فالحق أن خديجة كانت على وشك أن تطالبه ~~- بصفته المسئول الأول عما وقع - بأن يجد لهم مخرجا، فلما ألقى ~~خطابه استحيت من مهاجمته خاصة وأنها لا تهاجمه عادة إلا على سبيل ~~النقار لا الكراهة، بذلك تحسن موقفه بعض الشيء ولكن الموقف العام ~~بقي على سوئه، وظل كذلك حتى خرجت خديجة من صمتها قائلة: لماذا لا ~~ندعي أنها سقطت على السلم؟ # فتطلعت إليها أمها بوجه يتلهف على النجاة من أي سبيل، ~~وقلبته بين فهمي وياسين وقد لاحت بعينيها لمعة أمل، بيد أن ~~فهمي تساءل في حيرة: والطبيب؟ ... سيعودها يوما بعد يوم، وسيقابل ~~أبي بالضرورة. # ولكن ياسين أبى أن يغلق الباب الذي تسللت منه نسمة أمل حرية ~~بأن تستنقذه من آلامه ومخاوفه، فقال: نتفق مع الطبيب على ما ينبغي ~~أن يقال لأبي؟ # وتبودلت النظرات بين التصديق والتكذيب، ثم شاع في الوجوه البشر ~~للإحساس المشترك بالنجاة، وتغير الجو القاتم إلى جو بهيج كما ~~تبدو وسط السحاب المكفهر فجوة زرقاء على غير انتظار فتنداح ~~بمعجزة عجيبة، حتى تشمل القبة السماوية في دقائق معدودات ثم تضيء ~~الشمس، قال ياسين وهو يتنهد: نجونا والحمد لله. # فقالت خديجة بعد أن استعادت في الجو الجديد نشاطها المألوف: بل ~~نجوت أنت يا صاحب المشورة. # فقهقه ياسين حتى اهتز جسمه الضخم وقال: أجل نجوت من عقرب لسانك، ~~طالما توقعت أن تمتد إلي بين حين وآخر لتلسعني. ~~- ولكنها هي التي أنقذتك، ومن أجل الورد يسقى العليق. # كادوا ينسون في فرحة النجاة أن أمهم طريحة الفراش مكسورة ~~الترقوة، ولكنها هي نفسها كادت أن تنسى. # 29 # فتحت عينيها فوقع بصرها على خديجة وعائشة جالستين على الفراش عند ~~قدميها رانيتين إليها بعينين يتنازعهما الخوف والرجاء، فتنهدت ثم ~~التفتت صوب النافذة، فرأت خصاصها ينضح بضوء الضحى فتمتمت ~~كالمستغربة: نمت طويلا. # فقالت عائشة: ساعات معدودة بعد أن طلع عليك الفجر دون أن يغمض ~~لك جفن ... يا لها من ليلة لن أنساها مهما امتد بي العمر. # وعاودتها ذكريات ms158 الليلة الماضية من الأرق والألم، فنطقت عيناها ~~بالرثاء - لنفسها وللفتاتين اللتين سهرتا إلى جانبها طول الليل ~~يبادلانها الألم والأرق - وتحركت شفتاها، وهي تستعيذ بالله ~~بصوت غير مسموع ثم همست قائلة فيما يشبه الحياء: شد ما ~~أتعبتكما! # فقالت خديجة بلهجة توحي بالدعابة: تعبك راحة، ولكن إياك وأن ~~تعودي إلى إرعابنا ... (ثم بنبرات غلبها التأثر) كيف هاجمك ذاك ~~الألم المخيف؟! ... لقد حسبتك استغرقت في النوم، وأنت على أحسن حال، ~~واستلقيت لأنام بدوري، وإذا بي أستيقظ على أنينك، ثم لم تمسكي عن ~~آه ... آه حتى مطلع الفجر. # وتهلل وجه عائشة بالتفاؤل وهي تقول: على أي حال أبشري، لقد ~~أخبرت فهمي عن حالك حين سألني عن صحتك في الصباح، فقال لي إن الألم ~~الذي انتابك دليل على أن العظم المكسور كان آخذا في ~~الالتئام. # وجذبها اسم فهمي من لجة أفكارها فتساءلت: ذهبوا بسلامة ~~الله؟ # فقالت خديجة: طبعا، كانوا يودون محادثتك ليطمئنوا عليك ~~بأنفسهم، ولكني لم أسمح لأحد بأن يوقظك من النوم الذي لم تدخليه ~~حتى شيبتنا. # فتنهدت الأم في استسلام: الحمد لله على كل حال، ربنا يجعل ~~العواقب سليمة ... في أي وقت نحن الآن؟ # فقالت خديجة: كلها ساعة ويؤذن الظهر. # ودعاها تأخر الوقت إلى أن تخفض عينيها متفكرة، ثم رفعتهما فإذا ~~بهما تعكسان نظرة قلق، وتمتمت: لعله الآن في الطريق إلى ~~البيت. # وأدركتا من تعني، ومع أنهما شعرتا بدبيب الخوف في قلبيهما، إلا ~~أن عائشة قالت بثقة: أهلا به وسهلا، لا داعي للقلق، اتفقنا على ~~ما ينبغي أن يقال وانتهى الأمر. # ولكن اقتراب عودته أشاع في نفسها المهزولة القلق فتساءلت: ترى ~~هل يمكن التستر على ما وقع؟ # فقالت خديجة بصوت ارتفعت حدته بنسبة قلقها المتزايد: ولم لا؟ ... ~~سنخبره بما تم الاتفاق عليه فيمر الأمر بسلام. # تمنت في تلك الساعة لو بقي ياسين وفهمي إلى جانبها ليشجعاها، ~~تقول خديجة «سنخبره بما تم الاتفاق عليه فيمر الأمر بسلام» ولكن هل ~~يظل ما وقع سرا مغلقا إلى الأبد ... ألا تجد الحقيقة فرجة تنفذ ~~منها إلى الرجل؟ ... كم ms159 تخاف الكذب بقدر ما تخاف الحقيقة، ولا تدري ~~أي مصير يتربص بها، ورددت عينيها بعطف بين الفتاتين وفتحت ~~فاها لتتكلم حين دخلت أم حنفي مهرولة، وهي تقول بصوت مهموس ~~كأنها تخاف أن يسمع خارج الحجرة: سيدي جاء يا ستي. # وخفقت قلوبهن في اضطراب، وجلت الفتاتان عن الفراش في وثبة ~~واحدة، ثم وقفتا حيال أمهما يتبادلن جميعا النظر صامتات، حتى ~~غمغمت الأم: لا تتكلما أنتما؛ فإني أخاف عليكما مغبة مخادعته، ~~اتركا لي القول والله المستعان. # وساد صمت مشحون بالتوتر كالصمت الذي يركب أطفالا في الظلام إذا ~~قرع آذانهم وقع أقدام من يظنونهم عفاريت يجوسون في الخارج، حتى ~~ترامى إليهن وقع أقدام السيد على السلم، وهي تقترب فأزاحت الأم ~~كابوس الصمت بمشقة وغمغمت: إذا تركناه صعد إلى حجرته لم يجد ~~أحدا؟! # ثم التفتت صوب أم حنفي قائلة: أخبريه بأنني هنا، مريضة، ولا ~~تزيدي. # وازدردت ريقها الجاف، أما الفتاتان فمرقتا من الحجرة مستبقتين ~~وغادرتاها وحيدة، ووجدت نفسها وكأنها في عزلة عن العالم كله ~~فاستسلمت للمقادير، وكثيرا ما يبدو هذا الاستسلام في سلوكها - ~~الأعزل من كل سلاح - كأسلوب من أساليب الشجاعة السلبية، واستجمعت ~~فكرها لتتذكر ما يجب قوله بيد أن الشك في سلامة تدبيرها لم ~~يزايلها قط، وكمن في أعماق شعورها معلنا عن ذاته بحال من القلق ~~والتوتر وتبدد الثقة وجاءها وقع طرف عصاه على أرض الصالة، ~~فغمغمت: «رحمتك يا رب وعونك»، ثم تطلع بصرها إلى الباب حتى ~~اعترضه جسمه الطويل العريض، ورأته وهو يدخل مقتربا ملقيا عليها ~~نظرة متفحصة من عينيه الواسعتين حتى وقف في منتصف الحجرة، وهو ~~يتساءل بصوت خالته رقيقا على غير عادته: ما لك؟ # فقالت وهي تغض بصرها: حمدا لله على سلامتك يا سيدي، بخير ما ~~دمت بخير. ~~- لكن أم حنفي قالت لي إنك مريضة. # فأشارت بيسراها إلى كتفها اليمنى، وقالت: أصيب كتفي يا سيدي لا ~~أراك الله سوءا. # فتساءل الرجل وهو يتفرس في كتفها باهتمام وقلق: ماذا ~~أصابه؟ # حم الأمر، وجاءت الدقيقة الفاصلة، ما عليها إلا أن تتكلم، أن ms160 ~~تنطق بكذبة النجاة، فتمر الأزمة بسلام وتستزيد من العطف المتاح، ~~ورفعت عينيها وهي تتوثب، فالتقت عيناها بعينيه، أو بالأحرى عيناها ~~في عينيه، فاشتد وجيب قلبها، وتتابع بلا رحمة ، هناك تبخر ما جمعته ~~في رأسها من رأي، وانتثر ما كتلته في إرادتها من عزم، ورمشت عيناها ~~في اضطراب وذهول، ثم رنت إليه بطرف حائر دون أن تنبس بكلمة، وعجب ~~السيد لاضطرابها فتعجلها متسائلا: ماذا حدث يا أمينة؟! # لا تدري ماذا تقول، كأنه ليس لديها ما تقوله ولكن بات في حكم ~~اليقين أنه لم يعد بوسعها أن تكذب، أفلتت الفرصة دون أن تدري كيف، ~~ولو أنها أعادت المحاولة لخرجت من صدرها مبتورة مكشوفة، كانت كمن ~~يسير وهو منوم تنويما مغناطيسيا على حبل إذا دعي إلى إعادة ~~مخاطرته وهو صاح، وكلما مرت الثواني غاصت في الارتباك والهزيمة ~~حتى أشفت على اليأس. ~~- لماذا لا تتكلمين؟ # ها هي لهجته بدأت تنم عن نفاد صبر، ولا يبعد أن تقعقع قريبا ~~بالغضب، رباه لشد ما هي في حاجة إلى العون، أي شيطان أغواها بتلك ~~الخرجة المشئومة. ~~- عجبا ألا تريدين أن تتكلمي؟! # وبات السكوت فوق طاقتها فتمتمت بصوت متهدج مدفوعة باليأس ~~والقهر: أخطأت خطأ كبيرا يا سيدي ... صدمتني سيارة. # واتسعت عينا السيد دهشة، ولاح فيهما انزعاج مقرون بالإنكار ... ~~وكأنه بات يشك في صحة قواها العقلية، ولم تعد المرأة تحتمل التردد ~~وصممت على أن تبوح باعترافها كاملا مهما تكن العواقب، كمن يقدم ~~- مغامرا بحياته - على إجراء عملية جراحية خطيرة ليتخلص من آلام ~~داء لا قبل له به، وتضاعف عند ذاك شعورها بفداحة الذنب وخطورة ~~الاعتراف، فدمعت عيناها وقالت بصوت لم تعن بإخفاء نبراته ~~الباكية إما لأنه غلبها على صوتها، أو لأنها أرادت أن تبذل محاولة ~~يائسة لاستدرار العطف: ظننت أن سيدنا الحسين يدعوني إلى زيارته ~~فلبيت ... ذهبت للزيارة ... وفي طريق العودة صدمتني سيارة ... قضاء ~~الله يا سيدي ... ولقد نهضت من سقطتي دون معاونة أحد (قالت العبارة ~~الأخيرة بوضوح) ولم أشعر بادئ الأمر بأي ألم فحسبتني بخير وواصلت ~~السير، حتى ms161 عدت إلى البيت، وهنا تحرك الألم فأحضروا لي الطبيب، ~~ففحص كتفي وقرر أن به كسرا، ووعد بأن يعودني يوما بعد يوم حتى ~~يجبر الكسر، لقد أخطأت خطأ كبيرا يا سيدي، وجوزيت عليه بما أستحق ~~... والله غفور رحيم. # أنصت السيد إليها صامتا جامدا، لم تتحول عنها عيناه، ولم ~~يبد في وجهه أثر مما يعتلج في صدره على حين نكست هي رأسها في ~~تخشع بحال من ينتظر النطق بالحكم، وطال الصمت واشتد، وشاعت في ~~جوه المنقبض نذر الخوف والوعيد، وتحيرت من أمره لا تدري عن أي ~~قضاء يتمخض، ولا إلى أي مصير يقذف بها، حتى جاءها صوته وهو ~~يقول في هدوء غريب: وماذا قال الطبيب؟ ... هل ثمة خطر على ~~الكسر؟ # فالتفت رأسها صوبه بذهول ... أجل توقعت كل شيء إلا أن يجود بهذا ~~القول اللطيف، ولولا رهبة الموقف لاستعادته لتتوكد من صحة ما ~~سمعت، وغلبها التأثر فطفرت من عينيها دمعتان غزيرتان، فشدت على ~~شفتيها أن تفحم في البكاء، ثم غمغمت في ذل وانكسار: قال الطبيب ~~إنه لا داعي للخوف مطلقا، نجاك الله من كل سوء يا سيدي. # ووقف الرجل بعض الوقت وهو يقاوم رغبة تدعوه إلى المزيد من ~~السؤال حتى تغلب عليها، فتحول عن موقفه ليغادر الحجرة وهو ~~يقول: الزمي فراشك، حتى يأخذ الله بيدك. # 30 # هرعت خديجة وعائشة إلى الحجرة بعد ذهاب والدهما، ووقفتا حيال ~~أمهما تنظران إليها بعينين مستطلعتين تنطق نظراتهما بالاهتمام ~~والقلق، ثم لاحظتا احمرار عينيها من أثر البكاء، فوجمتا وتساءلت ~~خديجة وقد استشعر قلبها الخوف والتشاؤم: خير إن شاء الله؟ # فلم تعد الأم أن قالت باقتضاب وهي ترمش بعينيها ارتباكا: ~~اعترفت له بالحقيقة. ~~- الحقيقة! # فقالت باستسلام: لم يسعني إلا الاعتراف، فما كان من الممكن أن ~~يخفى الأمر عليه إلى الأبد، وحسنا فعلت. # فدقت خديجة صدرها بيدها وهتفت: يا نهارنا الأسود. # على حين بهتت عائشة فحملقت في وجه أمها دون أن تنبس بكلمة، ولكن ~~الأم ابتسمت فيما يشبه الزهو المقرون بالحياء، وتورد وجهها الشاحب ~~وهي تستعيد ذكرى العطف الذي شملها ms162 به حين لم تكن تتوقع منه إلا ~~غضبا كاسحا يعصف بها وبمستقبلها ... أجل شعرت بزهو وحياء وهي ~~تتهيأ للحديث عن عطف السيد عليها في محنتها، وكيف نسي غضبه فيما ~~اعتراه من تأثر وإشفاق، ثم غمغمت بصوت لا يكاد يسمع: كان بي ~~رحيما أطال الله عمره، أنصت إلى قصتي صامتا، ثم سألني عن رأي ~~الطبيب في خطورة الكسر، وغادرني وهو يشير علي أن ألزم الفراش حتى ~~يأخذ الله بيدي. # وتبادلت الفتاتان النظرات في دهشة وعدم تصديق، ولكن زايلهما ~~الخوف سريعا فتنهدتا في ارتياح عميق وأضاء وجهاهما بالبشر، ~~وهتفت خديجة: أرأيت بركة الحسين؟ # وقالت عائشة بخيلاء: لكل شيء حدود حتى غضب بابا، ما كان يسعه أن ~~يغضب وهو يراها على هذه الحال، الآن عرفنا قيمتها عنده ... (ثم ~~مخاطبة أمها في دعابة) يا لك من أم محظوظة، هنيئا لك التكريم ~~والعطف! # فعاود وجه الأم التورد وقالت بتلعثم وحياء: أطال الله عمره ... ~~(ثم متنهدة) والحمد لله على النجاة! # وتذكرت أمرا فالتفتت إلى خديجة وقالت باهتمام: يجب أن تلحقي ~~به؛ لأنه سيحتاج إلى خدمتك حتما. # وشعرت الفتاة - لما يركبها في محضر أبيها من الارتباك والاضطراب ~~- كأنها وقعت في شرك فقالت محتدة: ولماذا لا تذهب عائشة؟! # ولكن الأم قالت في عتاب: أنت أقدر على خدمته، لا تتلكئي يا شابة؛ ~~إذ ربما يكون في حاجة إليك الآن. # وكانت تعلم أن احتجاجها لن يغني عنها شيئا، كما لا يغني عنها ~~عادة كلما دعيت إلى أداء واجب ترى الأم أنها أقدر عليه من أختها، ~~ولكنها أصرت على إعلانه كما تصر عادة على إعلانه في أمثاله من ~~المواقف، مدفوعة بأعصابها السريعة الالتهاب، وجريا مع نزعتها ~~العدوانية التي تجد من لسانها أطوع أداة وأحدها، ثم لتحمل أمها ~~على إعادة القول بأنها «أقدر على كيت وكيت من عائشة» كإقرار من ~~أمها وإنذار لشقيقتها وعزاء لها هي نفسها، والحق أنه لو حدث أن ~~عهدت بواجب من هذه الواجبات «الخطيرة» لعائشة دونها لثارت ثورة ~~أشد ولحالت بينها وبينه، ما دامت تجد - في أعماق قلبها ms163 - أن القيام ~~بهذه الواجبات حق من حقوقها وامتياز لها كامرأة جديرة بالمكانة ~~التالية لأمها في البيت، ولكنها أبت في الوقت نفسه أن تعترف ~~جهارا بأنها تمارس - بالقيام بها - حقا من حقوقها، ولكن واجبا ~~ثقيلا تقبله مضطرة، حتى تدعى إليه - إذا دعيت - في حرج من ~~الداعي، ولتحتج عليه - إذا احتجت - في غضب يروح عن نفسها، ~~ولتسمع بالمناسبة التعليق الذي تود، ثم ليحسب لها بعد ذلك كله ~~جميلا تستحق من أجله الشكر! ... ولذلك غادرت الحجرة، وهي تقول: في ~~كل مأزق تنادين خديجة، كأنه لا يوجد أمامك غير خديجة، ماذا ~~تصنعين لو لم أكن موجودة! # ولكن خيلاءها تخلى عنها بمجرد مغادرتها للحجرة، وحلت محله رهبة ~~واضطراب، فعجبت كيف يتأتى لها أن تمثل بين يدي الرجل، وكيف تقوم ~~على خدمته، وماذا تلقى منه إذا تلجلجت أو أبطأت أو أخطأت؟! على أن ~~السيد كان قد خلع ملابسه وارتدى جلبابه بنفسه، ولما وقفت بالباب ~~تسأله عما هو في حاجة إليه أمرها بأن تصنع له فنجان قهوة، فبادرت ~~تعدها ثم قدمتها له خافضة العينين خفيفة الخطى من الخوف ~~والحياء ... ورجعت إلى الصالة فمكثت بها لتكون رهن إشارته إذا دعاها، ~~فلم يفارقها إحساس الرهبة حتى تساءلت كيف يا ترى يمكنها أن تواصل ~~خدمته طوال الساعات التي يقضيها في البيت يوما بعد يوم حتى تنقضي ~~الأسابيع الثلاثة؟! ... وبدا لها الأمر شاقا حقا وأدركت لأول ~~مرة خطورة الفراغ الذي تسده أمها في البيت فدعت لها بالشفاء؛ ~~حبا فيها من ناحية ورحمة بنفسها من ناحية أخرى. # ومن سوء حظها أن السيد شعر برغبة في الراحة عقب تعب السفر، فلم ~~يذهب إلى الدكان كما كانت تأمل، واضطرت تبعا لذلك أن تبقى في ~~الصالة كالسجينة، وفي أثناء ذلك صعدت عائشة إلى الدور الأعلى، ~~وتسللت إلى الصالة حيث تجلس أختها دون أن تحدث صوتا لتريها نفسها ~~وتغمز لها بعينها على سبيل التنديد بحالها، ثم تعود إلى أمها ~~تاركة إياها وهي تغلي من الغيظ إذ كان مما يحنقها أشد الحنق أن ~~يعابثها أحد بالمزاح، وإن ms164 لذ لها هي أن تعابث الجميع، ولم تسترد ~~حريتها - إلى حين طبعا - إلا عندما أسلم السيد جنبه للنوم، فطارت ~~إلى أمها، وأنشأت تحدثها عما قدمت لأبيها من خدمات حقيقية ~~ووهمية، وتصف لها ما قرأت في عينيه من آي العطف والتقدير لخدماتها! ~~... ولم تنس أن تعرج على عائشة، فتنهال عليها بالزجر والتوبيخ على ما ~~بدا منها من تصرف صبياني، ثم عادت إلى الأب بعد استيقاظه فقدمت له ~~الغداء، ولما فرغ الرجل من غدائه جلس يراجع بعض الأوراق وقتا غير ~~قصير، ثم دعاها إليه وطلب إليها أن تبعث له بياسين وفهمي بمجرد ~~رجوعهما إلى البيت. # وقلقت الأم للطلب وخافت أن يكون قد حز في نفس الرجل غضب مكظوم، ~~وأنه يروم الآن - في الشابين - متنفسا عن غضبه، ولما جاء ياسين ~~وفهمي وعلما بما كان، ثم بلغا أمر أبيهما بمقابلته دار بخاطرهما ~~ما دار بخاطر المرأة من قبل، وذهبا إلى حجرته وهما يتوجسان خيفة، ~~ولكن الرجل خيب ظنونهما فقد لاقاهما بهدوء غير معهود، وسألهما عن ~~الحادث وظروفه وتقرير الطبيب، فحدثاه طويلا بما يعلمان وهو يصغي ~~إليهما باهتمام، وفي النهاية سألهما: أكنتما في البيت حين ~~خروجها؟ # ومع أن هذا السؤال كان متوقعا من بادئ الأمر إلا أنه وقع من ~~نفسيهما - بعد الهدوء العجيب غير المنتظر - موقع الانزعاج، فخافا ~~أن يكون مقدمة لتغيير طبقة النغمة التي ارتاحا إليها ارتياح ~~النجاة، ولم يسعهما الكلام فلاذا بالصمت ... بيد أن السيد لم يلحف ~~في السؤال، وكأنه لم يعبأ بسماع الجواب الذي استنتجه مقدما، أو ~~لعله أراد أن يسجل عليهما الخطأ بلا اكتراث بإقرارهما به ... ولم يزد ~~بعد ذلك على أن يشير إلى باب الحجرة آذنا لهما بالانصراف، وعندما ~~مضيا إلى الخارج سمعاه يقول مخاطبا نفسه: ما دام الله لم يرزقني ~~رجالا فليهبني الصبر. # ومع أن الظواهر دلت على أن الحادث قد هز نفس السيد حتى غير ~~المألوف من سلوكه تغيرا دهش له الجميع، إلا أنه لم يستطع أن يثني ~~إرادته عن قضاء سهرته الليلية التقليدية! ... فما جاء المساء حتى ms165 ~~ارتدى ملابسه وغادر حجرته ناشرا بين يديه شذا طيبا، إلا أنه مر ~~في طريقه إلى الخارج بحجرة الأم وسأل عنها فدعت له طويلا ممتنة ~~شاكرة ... لم تر في ذهابه إلى سهرته - وهي طريحة الفراش - تجافيا ~~للعطف، ولعلها وجدت في مروره بها وسؤاله عنها تكريما فاق ما ~~كانت تنتظر، بل أليس مجرد امتناعه عن صب غضبه عليها منة لم تكن ~~تحلم بها؟ ... وكان الإخوة - قبل مبارحته حجرته - قد تساءلوا: «ترى ~~هل يعدل الليلة عن سهرته؟» ولكن الأم أجابت قائلة: «ولماذا يبقى ~~بعد أن علم أن الحال مطمئنة؟!» ولعلها تمنت فيما بينها وبين نفسها ~~لو يتم نعمته عليها فيعدل عن سهرته، كما يليق بزوج أصيبت زوجه بما ~~أصيبت هي به، ولكنها كانت أدرى بطبعه فسبقته بانتحال العذر له حتى ~~إذا انطلق إلى سهرته كما تتوقع أمكنها - مداراة لموقفها - أن تسوغ ~~انطلاقه بالعذر الذي انتحلت لا بقلة الاكتراث، ولكن خديجة قالت: ~~«كيف يطيق السهر وهو يراك على هذه الحال؟» فأجابها ياسين: «لا عليه ~~إذا فعل ما دام قد اطمأن عليها، حزن الرجال غير حزن النساء، وذهاب ~~الرجل إلى سهرته لا يتنافى مع حزنه، بل لعل التفريج عن نفسه واجب ~~عليه ليتسنى له مواصلة حياته الشاقة.» ولم يكن ياسين يدافع عن أبيه ~~بقدر ما كان يدافع عن رغبته في الانطلاق التي بدأت تتحرك في ~~أعماقه، إلا أن مكره لم يجز على خديجة فسألته: «هل تطيق أنت ~~مثلا أن تسهر في قهوتك الليلة؟» فبادرها قائلا وهو يلعنها في ~~سره: «طبعا لا، ولكن أنا شيء وبابا شيء آخر!» # ولما فارق السيد الحجرة عاودها الشعور بالراحة الذي يعقب النجاة ~~من خطر محقق، فتألق محياها بابتسامة وقالت: لعله رأى أن جزائي ~~كفاف ذنبي فعفا عني، عفا الله عنه وعنا جميعا. # فضرب ياسين كفا بكف وهو يقول محتجا: إن رجالا غيورين مثله، ~~منهم أصدقاء له، لا يرون بأسا في السماح لنسائهم بالخروج كلما ~~دعت ضرورة أو مجاملة، فما باله يقيم لكن من البيت سجنا ~~مؤبدا؟ # فلحظته خديجة بهزء وسألته: ms166 لم لم تلق بدفاعك هذا وأنت بين ~~يديه؟! # فانقلب الشاب مقهقها حتى ارتجت كرشه ثم أجابها قائلا: يلزمني ~~مثل أنفك أولا كي أدافع به عن نفسي عند الضرورة. # وتتابعت أيام الرقاد، فلم يعاودها الألم الذي هصرها أول ليلة، ~~وإن تهدد جذعها وكتفها الوجع لأقل حركة تأتيها، ثم تقدمت نحو ~~الشفاء بخطوات سريعة بفضل بنيتها القوية وحيويتها الدافقة التي ~~تكره بطبعها السكون والقعود مما جعل الإذعان لأوامر الطبيب مهمة ~~شاقة غطى عذابها على آلام الكسر إبان احتدامها، ولعلها لولا تشدد ~~الأبناء في مراقبتها لخرقت وصايا الطبيب ونهضت عجلى لأمورها ... على ~~أن رقادها لم يمنعها من نشر الرقابة على شئون البيت من فراشها، ~~ومراجعة الفتاتين بدقة متعبة فيما يعهد إليهما به ... خاصة عن ~~دقائق الواجبات التي تخاف عليها الإهمال أو النسيان، فتسأل وتلح في ~~السؤال: «هل نفضت أعلى الستائر؟ ... وخصاص الشبابيك؟ ... هل بخرت ~~الحمام لأبيك؟ .. هل سقيت اللبلاب والياسمين؟» الأمر الذي أحنق ~~خديجة مرة فقالت لها: «اعلمي أنك إذا كنت تعنين بالبيت قيراطا، ~~فإني أعنى به أربعة وعشرين» ... وإلى هذا كله أورثها تخليها الإجباري ~~عن مركزها المرموق شعورا معقدا عانت منه كثيرا، فربما تساءلت ~~ترى ألم يفقد البيت - أو أحد من أهله - بتخليها عنه شيئا من نظامه ~~أو راحته؟! وأيهما يا ترى أحب إليها، أن يبقى كل شيء كما كان بفضل ~~فتاتيها - غرس يديها - أم أن يختل شيء من توازنه يكون خليقا أن ~~يذكر الجميع بالفراغ الذي خلفته وراءها؟! وهب السيد بالذات استشعر ~~هذا الفراغ، فهل يكون ذاك مدعاة لتقديره لأهميتها أو لسخطه على ~~ذنبها الذي جر هذا كله؟! تحيرت المرأة طويلا بين عاطفتها ~~المستحيية نحو نفسها وعاطفتها الصريحة نحو فتاتيها، ولكن المحقق ~~أنه لو اختل شيء من النظام لأحدث لها كربا شديدا، كما أنه لو ~~حافظ على كماله كأن لم يطرأ نقص لما خلت من ضيق. # أما الواقع فهو أن فراغها لم يسده أحد، وأثبت البيت أنه أكبر من ~~الفتاتين على نشاطهما وإخلاصهما ... ولم تسر الأم لهذا لا في الظاهر ~~ولا ms167 في الباطن، توارى شعورها نحو ذاتها، ودافعت عن خديجة وعائشة ~~دفاعا حارا صادقا، ثم ركبها الجزع والألم فلم تعد تطيق صبرا ~~على انزوائها. # 31 # وفي فجر اليوم الموعود الذي انتظرته طويلا هبت من الفراش في ~~خفة صبيانية من الفرح كأنها ملك يعود إلى عرشه بعد نفي ... ونزلت إلى ~~حجرة الفرن متداركة عادتها التي انقطعت عنها ثلاثة أسابيع، فنادت ~~أم حنفي، واستيقظت المرأة وهي لا تصدق أذنيها، ثم نهضت إلى سيدتها ~~فعانقتها ودعت لها، ثم باشرتا عمل الصباح في سرور لا يوصف، وعند ~~شروق أول شعاع للشمس صعدت إلى الدور الأول، فتلقاها الأبناء ~~بالتهاني والقبل، ثم مضت إلى حيث ينام كمال فأيقظته، وما فتح ~~الغلام عينيه حتى بهت دهشة وفرحا، ثم تعلق بعنقها ولكنها بادرت ~~إلى التخلص من ذراعيه برقة وهي تقول: ألا تخاف أن ترد كتفي إلى ~~ما كانت عليه؟ # فأمطرها قبلا ثم ضحك متسائلا في خبث: متى يا عزيزتي نخرج معا ~~مرة أخرى؟! # فأجابته بلهجة لا تخلو من عتاب باسم: عندما يهديك الله فلا ~~تسوقني رغم إرادتي إلى الطريق الذي كدت أهلك فيه! # وأدرك أنها تشير إلى عناده الذي كان السبب المباشر فيما وقع لها، ~~فضحك ملء فيه ضحك مذنب واتته النجاة بعد أن ظل ذنبه معلقا فوق ~~رأسه ثلاثة أسابيع، أجل لشد ما خاف أن يجر التحقيق الذي باشره ~~إخوته إلى معرفة الجاني المستتر، وقد أوشكت الريبة التي سلطتها ~~عليه خديجة حينا وياسين حينا آخر تكشفه في الركن المنزوي فيه ~~لولا صمود أمه في الدفاع عنه، وتصديها لتحمل مسئولية الحادث وحدها، ~~فلما انتقل التحقيق إلى يدي والده تناهى به الخوف، وتوقع بين لحظة ~~وأخرى أن يدعى إلى مقابلته، هذا إلى عذابه - طوال الأسابيع ~~الثلاثة - وهو يرى أمه المحبوبة طريحة الفراش، شديدة العناء، عاجزة ~~عن الاستلقاء والنهوض معا ... الآن مضى الحادث، ومضت في أثره ~~عقابيله، وانتهى التحقيق، وعادت أمه توقظه في الصباح، وسوف تنيمه ~~في المساء، رجع كل شيء إلى أصله، ونشر الأمان ألويته، فحق له أن ~~يضحك ملء ms168 فيه، وأن يهنئ ضميره على الراحة المتاحة. # وغادرت الأم الحجرة فصعدت إلى الدور الأعلى، ولما تدانت من باب ~~حجرة السيد ترامى إليها صوته وهو يردد في صلاته: «سبحان ربي ~~العظيم » فخفق قلبها، ووقفت على قيد خطوة من الباب كالمترددة، ثم ~~وجدت نفسها تتساءل: «أتدخل لتصبح أو الأجدر أن تعد مائدة الفطور ~~أولا؟» لا على سبيل التساؤل حقا ولكن فرارا مما شاع في نفسها ~~من الخوف والخجل، أو كليهما معا، كما يقع للإنسان أحيانا أن يخلق ~~مشكلة وهمية يلوذ بها من مشكلة راهنة يشق عليه فضها ... ومضت إلى ~~حجرة المائدة فأقبلت على العمل بعناية مضاعفة، إلا أن قلقها تزايد، ~~فلم تنتفع بمهلة التأجيل التي اقتنصتها، ولم تجدها راحة كما أملت ~~ولكن محنة انتظار أشد عناء من الموقف الذي نكصت عن مواجهته ... وعجبت ~~كيف جفلت من دخول «حجرتها» كأنها كانت تهم بدخولها لأول مرة، خاصة ~~وأن السيد لم ينقطع عن زيارتها يوما بعد يوم في أثناء رقادها، ~~ولكن الحق أن برءها رفع عنها الحماية التي ضربها حولها المرض، ~~فشعرت بأنها ستلقاه بمفردها لأول مرة مذ كشفت خطيئتها ... ولما جاء ~~الأبناء تباعا خفت وحشتها قليلا، وما لبث أن دخل السيد الحجرة في ~~جلبابه الفضفاض، ولكن لم يبد في وجهه أثر لدى رؤيتها، وقال بهدوء ~~وهو يتجه إلى مكانه في المائدة: جئت؟ (ثم مخاطبا الأبناء وهو يتخذ ~~مجلسه) ... اجلسوا. # وأخذوا في تناول فطورهم على حين وقفت هي بمكانها المعتاد، ومع أن ~~الخوف تناهى بها حال دخوله إلا أنها مضت تسترد أنفاسها بعد ذلك، أي ~~بعد أن تم أول لقاء بعد الشفاء ومر بسلام، وشعرت عند ذاك بأنها لن ~~تجد مشقة في الانفراد به في حجرته عما قليل ... وانفضت المائدة فعاد ~~السيد إلى حجرته، ولحقت به بعد دقائق حاملة صينية القهوة التي ~~وضعتها على الخوان، وتنحت جانبا في انتظار فراغه من احتسائها ~~لتساعده على ارتداء ملابسه. وحسا السيد قهوته في صمت عميق، لا ذاك ~~الصمت الذي يقع عفوا أو كالراحة عقب التعب أو كغطاء لصدر ms169 فارغ ~~من شئون الحديث، ولكنه صمت صامت مسربل بالتعمد، ولم تكن تعدم أملا ~~- ولو ضعيفا - في أن يتعطف عليها بكلمة رقيقة، أو في الأقل أن ~~يلم بشأن من شئون حديثه المعتاد في مثل هذه الساعة من الصباح، ~~فحيرها صمته المتعمد وعادت تسائل نفسها: ترى ألا يزال بنفسه شيء؟ ~~وأخذ القلق ينشب إبره في قلبها مرة أخرى، على أن الصمت الغليظ لم ~~يمتد طويلا ... كان الرجل يفكر في سرعة وتركيز لم يذق معهما ~~طعما، لا ذاك التفكير الذي ينبعث من وحي الساعة، ولكن آخر عنيدا ~~قديما لم يزايل نفسه طوال الأيام المنقضية ... وأخيرا تساءل دون أن ~~يرفع رأسه عن فنجان القهوة الفارغ: استرددت صحتك؟ # فقالت أمينة بصوت خفيض: الحمد لله يا سيدي. # فاستطرد الرجل قائلا بمرارة: إني أعجب - وهيهات أن ينتهي لي عجب ~~- كيف أقدمت على فعلتك! # فدق قلبها بعنف وأطرقت في وجوم ... لم تكن تطيق غضبه وهي تدافع ~~عن خطأ ارتكبه غيرها، فكيف بها الآن وهي المذنبة! ... وعقل الخوف ~~لسانها ولكنه بانتظار الجواب، فواصل حديثه متسائلا في استنكار: ~~أكنت مخدوعا بك طوال هذه السنين وأنا لا أدري؟! # عند ذاك بسطت راحتيها في جزع وألم وهمست بأنفاس مضطربة: أعوذ ~~بالله يا سيدي، إن خطئي كبير حقا ولكني لا أستحق هذا ~~القول. # ولكن الرجل واصل حديثه بهدوئه الرهيب الذي يهون إلى جانبه الزعيق ~~قائلا: كيف اقترفت هذا الخطأ الكبير! ... ألأني ابتعدت عن البلد ~~يوما واحدا؟! # فقالت بصوت متهدج وشت نبراته بالرجفة التي ملكت جسمها: أخطأت ~~يا سيدي، وعندك العفو، كانت نفسي تتوق إلى زيارة سيدنا الحسين، ~~وحسبت أن زيارته المباركة تشفع لي في الخروج، ولو مرة ~~واحدة. # فهز رأسه في شيء من الحدة كأنما يقول: «لا فائدة ترجى من ~~الجدال» ثم رفع إليها عينيه متجهما ساخطا وقال بلهجة لا تقبل ~~المراجعة: ليس عندي إلا كلمة واحدة! غادري بيتي بلا توان. # هوى أمره على رأسها كالضربة القاضية، فبهتت لا تنبس بكلمة ولا ~~تستطيع حراكا، طالما توقعت في أشد أوقات محنتها - وهي تنتظر عودته ms170 ~~من رحلة بورسعيد - ألوانا من المخاوف، كأن يصب عليها غضبه أو ~~يصمها بزعيقه وسبابه، حتى الضرب لم تستبعده، أما الطرد من البيت ~~فلم يزعج لها خاطرا، لا لشيء إلا أنها سكنت إلى معاشرته خمسة ~~وعشرين عاما، فلم تتصور أن ثمة سببا يمكن أن يفرق بينهما أو ~~ينتزعها من البيت الذي صارت جزءا منه لا يتجزأ ... أما السيد فقد ~~تخلص - بكلمته الأخيرة - من عب فكر دوخ دماغه طوال الأسابيع ~~الثلاثة المنقضية .. وقد بدأ الصراع في اللحظة التي اعترفت فيها ~~المرأة بخطئها باكية وهي طريحة الفراش، لم يصدق أذنيه لأول وهلة، ~~ثم أخذ يفيق إلى نفسه وإلى الحقيقة البغيضة التي تطالعه متحدية ~~كبرياءه وصلفه، بيد أنه أجل حنقه ريثما يرى ما أصابها، أو أنه ~~- وهو الأصدق - لم يسعه أن يفكر فيما تحدى كبرياءه وصلفه لما ~~اعتراه من قلق عميق بلغ حد الخوف والجزع على المرأة التي يألفها، ~~ويعجب بمزاياها فعطف عليها عطفا أنساه خطأها، وسأل الله لها ~~السلامة، انكمش جبروته حيال الخطر المحدق بها، واستيقظ ما تنطوي ~~عليه نفسه من حنان موفور، فعاد - يومذاك - إلى حجرته محزونا ~~مكتئبا وإن لم يفصح وجهه .. إلا أنه مضى يستعيد طمأنينته وهو ~~يراها تتماثل للشفاء بخطى سريعة ثابتة، ومضى بالتالي يعيد النظر ~~إلى الحادث كله - أسبابه ونتائجه - بعين جديدة، أو بالأحرى بالعين ~~القديمة التي اعتاد أن ينظر بها في بيته، فكان من سوء حظ - حظ الأم ~~طبعا - أن يعيد النظر في هدوء وهو خال إلى نفسه، وأن يقتنع بأنه ~~إذا غلب العفو ولبى نداء العطف - وهو ما نزعت إليه نفسه - فقد ~~أضاع هيبته وكرامته وتاريخه وتقاليده جميعا، فأفلت منه الزمام ~~وانتثر عقد الأسرة التي يأبى إلا أن يسوسها بالحزم والصرامة، ~~وبالجملة لن يكون في تلك الحال أحمد عبد الجواد ولكن شخصا آخر لن ~~يرتضي أن يكونه أبدا ... أجل كان من سوء الحظ أن يعيد النظر في ~~هدوء وهو خال إلى نفسه؛ إذ لو أتيح له أن ينفس عن غضبه حين ~~اعترافها لانفثأ حنقه، ومر الحادث دون ms171 أن يسحب وراءه عواقب خطيرة، ~~ولكنه لم يسعه الغضب في وقته كما لم يكن مما يرضي كبرياءه أن يعلن ~~غضبه عقب شفائها - بعد هدوء دام ثلاثة أسابيع - إذ إن هذا الغضب ~~يكون أقرب إلى الزجر المتعمد منه إلى الغضب الحقيقي، ولما كانت ~~حساسيته الغضبية تستعر عادة من طبع وتعمد معا، ولما كان الجانب ~~الطبيعي منها لم يجد متنفسا في حينه، فقد وجب على الجانب المتعمد ~~- وقد أتيحت له فرصة من الهدوء لمعاودة التفكير - أن يجد وسيلة ~~فعالة لتحقيق ذاته على صورة تتناسب وخطورة الذنب، وهكذا انقلب ~~الخطر الذي تهدد حياتها حينا، والذي أمنها من غضبه بما أثار من ~~عطفه أداة عقاب بعيدة المدى بما أتاح له من وقت للتدبير والتفكير ~~... ونهض مقطبا فولاها ظهره مستقبلا ملابسه على الكنبة ثم قال ~~بجفاء: سأرتدي ملابسي بنفسي. # كانت لم تزل متسمرة في مكانها ذاهلة عما حولها فأفاقت على ~~صوته، وسرعان ما أدركت من قوله ووقفته أنه يأمرها بالانصراف، ~~فاتجهت نحو الباب في خطى لا وقع لها، وقبل أن تجاوزه أدركها صوته ~~وهو يقول: لا أحب أن أجدك هنا إذا عدت ظهرا. # 32 # خارت قواها في الصالة فارتمت على طرف كنبة وكلماته القاسية ~~الحاسمة تتردد في باطنها، ليس الرجل هازلا، ومتى كان هازلا؟! ولم ~~تستطع مبارحة مكانها - على رغبتها في الفرار - أن يثير نزولها قبل ~~مغادرته البيت على خلاف المألوف ريبة الأبناء الذين لا تحب لهم أن ~~يستقبلوا يومهم، أو يذهبوا إلى أعمالهم متجرعين خبر طردها، وثمة ~~إحساس آخر - لعله الحياء - أقعدها عن أن تلقاهم في ذل المطرود، ~~وقررت أن تبقى حيث هي حتى يغادر البيت، أو أن تأوي إلى حجرة ~~المائدة وهو الأفضل حتى لا تقع عليها عيناه إذا مضى إلى الخارج، ~~فتسللت إلى الحجرة كسيرة الفؤاد، وقعدت على شلتة ساهمة واجمة. ~~ترى ماذا يعني؟ أيطردها إلى حين أم إلى الأبد؟ إنها لا تصدق أنه ~~ينوي تطليقها، هو أكرم من هذا وأنبل، أجل إنه غضوب جبار ولكن من ~~الإسراف في التشاؤم أن تغيب ms172 عنها آي شهامته ومروءته ورحمته. وهل ~~تنسى كيف حزن لحالها حين الرقاد؟ ... وكيف عادها يوما بعد يوم ~~مستفسرا عن صحتها؟ ... مثل هذا الرجل لا يهون عليه أن يخرب بيتا، ~~أو يكسر قلبا، أو ينزع أما من بين أبنائها. وجعلت تدير هذه ~~الأفكار في رأسها كأنما لتدخل بها بعض الطمأنينة إلى نفسها ~~المزعزعة، وألحت في هذا إلحاحا إن دل على شيء فعلى أن ~~الطمأنينة لا تريد أن تستقر بنفسها كبعض المرضى الذين يزيدون ~~تغنيا بقوتهم كلما زادوا إحساسا بضعفهم؛ إذ كانت لا تدري ماذا ~~تصنع بحياتها، أو ماذا يمكن أن تغني الحياة لها لو خاب الرجاء ونفذ ~~المحذور. وترامى إلى أذنيها وقع عصاه على أرض الصالة، وهو يمضي ~~خارجا فأطار أفكارها وأنصتت باهتمام تتابعه حتى غاب، وشعرت عند ~~ذاك بألم جارح لحالها، وسخط على الإرادة المتحجرة التي لم ترع ~~لضعفها حقا، ثم نهضت فيما يشبه الإعياء وغادرت الحجرة لتنزل إلى ~~الدور الأول فجاءتها عند رأس السلم أصوات الأبناء وهم ينزلون ~~تباعا، فمدت رأسها من فوق الدرابزين، فلمحت فهمي وكمال وهما ~~يتبعان ياسين إلى الباب المفضي إلى الفناء، هنالك غمزت خطرة من ~~الحنان قلبها فأذهلته، وعجبت لنفسها كيف تركتهما يذهبان دون أن ~~تودعهما، أليست قد تحرم عليها رؤيتهما ... أياما أو أسابيع؟ وربما ~~لا تراهما مدى العمر إلا لماما كالغرباء؟ ... وعاودها غمز الحنان ~~متتابعا وهي بموقفها من السلم لا تريم، بيد أن قلبها - على ~~امتلائه - كبر عليه أن يصدق أن يكون هذا المصير الأسود نصيبها ~~المقدور؛ لإيمانها اللانهائي بالله الذي حفظها في وحدتها الغابرة ~~من العفاريت نفسها، ولثقتها برجلها التي تأبى أن تنهار، ولأنها لم ~~يصبها في حياتها الماضية شر خطير خليق بأن يسلبها الطمأنينة إلى ~~الحياة الوادعة، فمالت نفسها إلى اعتبار محنتها تجربة قاسية ~~ستمر بها دون أن تنشب فيها، ووجدت خديجة وعائشة مشتبكتين في ~~جدال كعادتهما، ولكنهما نزعتا عما كانتا فيه حين رأتا وجومها، ~~ونظرة عينيها الخابية، ولعلهما خافتا أن تكون قد برحت الفراش قبل ~~أن تسترد كامل صحتها، فسألتها خديجة ms173 في قلق: ماذا بك يا ~~نينة؟ ~~- لا أدري والله ماذا أقول ... إني ذاهبة. # ومع أن العبارة الأخيرة جاءت مقتضبة غير محدودة الهدف، إلا أنها ~~اكتسبت من نظرتها اليائسة ونبراتها الشاكية معنى حالكا ريعتا له ~~فهتفتا معا: إلى أين؟! # فقالت بانكسار وهي تشفق سلفا من وقع كلامها من أذنيهما بل ~~ومن أذنيها هي نفسها: إلى أمي. # فهرعتا إليها مذعورتين وهما تقولان: ماذا تقولين؟ ... لا تعيدي ~~هذا القول ... ماذا جرى؟! # وجدت في فزع فتاتيها عزاء ولكنه كشأنه في مثل هذا الموقف فجر ~~أشجانها، فقالت بصوت متهدج وهي تمانع دموعها: لم ينس شيئا ~~ولم يعف (رددت هذا بأسى دل على عمق حزنها) ... كان يضمر لي الغضب ~~ويؤجله ريثما أبرأ، ثم قال لي غادري بيتي بلا توان ... وقال لي ~~أيضا: لا أحب أن أجدك هنا إذا عدت ظهرا (ثم بلهجة تنم عن عتاب ~~أسيف وخيبة أمل) سمعا وطاعة ... سمعا وطاعة. # فصاحت خديجة بحال عصبية: لا أصدق، لا أصدق، قولي قولا آخر ... ~~ماذا جرى للدنيا؟! # وصاحت عائشة بصوت متهدج: لن يكون هذا أبدا، أهانت عليه سعادتنا ~~جميعا لهذا الحد؟! # وعادت خديجة تتساءل في حدة وحنق: ماذا يقصد ... ماذا يقصد يا ~~نينة؟! ~~- لا أدري، هذا قوله بلا زيادة ولا نقصان. # اكتفت أول وهلة بهذا القول، ولعلها رغبت بالاقتصار عليه أن ~~تستزيد من عطفهما وتتعزى بجزعهما، ولكن غلبها الإشفاق من ناحية ~~والرغبة في طمأنة نفسها من ناحية أخرى، فاستطردت قائلة: لا أظنه ~~يقصد أكثر من إبعادي عنكم أياما عقابا لي على ما فرط مني. # فتساءلت عائشة محتجة: أما كفاه ما وقع لك؟! # فتنهدت الأم محزونة وغمغمت قائلة: الأمر لله ... يجب الآن أن ~~أذهب. # ولكن خديجة اعترضت سبيلها وهي تقول بصوت مختنق بالبكاء: لن ندعك ~~تذهبين، لا تتركي بيتك، فلا أظنه يصر على غضبه إذا عاد ووجدك ~~بيننا. # وقالت عائشة برجاء: انتظري حتى يعود فهمي وياسين، ولن يرضى أبي ~~أن ينتزعك من بيننا جميعا. # ولكنها قالت فيما يشبه التحذير: ليس من الحكمة في شيء أن نتحدى ~~غضبه، فمثله ms174 من يلين بالطاعة ويشتد بالعصيان. # وهمتا بالاعتراض مرة أخرى ولكنها أسكتتهما بإشارة من يدها، ~~واستطردت قائلة: لا جدوى من الكلام، لا بد من الذهاب، سأجمع ثيابي ~~وأرحل، لا تجزعا، لن يطول افتراقنا، وسنجتمع مرة أخرى إن شاء ~~الله. # وانتقلت المرأة إلى حجرتها بالدور الثاني والفتاتان في أعقابها ~~وهما تبكيان كالأطفال، وأخذت تخرج ملابسها من الصوان، حتى أمسكت ~~خديجة بيدها وسألتها بانفعال: ماذا تفعلين؟ # وشعرت الأم بدموعها تغالبها فامتنعت عن الكلام أن تفضحها ~~نبراتها، أو تستسلم للبكاء الذي صممت على مقاومته ما دامت بمرأى ~~من ابنتيها، فأشارت بيدها كأنها تقول: «الحال يوجب أن أجمع ~~ملابسي.» # ولكن خديجة قالت بحدة: لن تأخذي معك إلا تغييرة واحدة ... واحدة ~~فقط. # فندت عنها تنهدة، ودت تلك اللحظة لو يكون الأمر كله حلما ~~مزعجا، ثم قالت: أخاف أن تثور ثائرته إذا رأى ملابسي ~~بمكانها! ~~- سنحفظها عندنا. # وجمعت عائشة الثياب إلا تغييرة واحدة كما اقترحت أختها، فأذعنت ~~الأم لهما في ارتياح عميق كأن بقاء ملابسها في البيت مما يثبت ~~لها حقا في العودة إليه، ثم جاءت ببقجة وصرت فيها الملابس التي ~~سمح لها بها، وجلست على الكنبة لتلبس جوربها وحذاءها والفتاتان ~~حيالها تنظران في حزن ذاهل، حتى رق قلبها لهما فقالت متكلفة ~~الهدوء: سيعود كل شيء إلى أصله، تشجعا حتى لا تستفزا غضبه، ~~إني أعهد إليكما بالبيت وآله، ولي كل الثقة في كفاءتكما، ولا شك ~~عندي في أنك ستجدين من عائشة كل معاونة، قما بما كنا نقوم به معا ~~كما لو كنت معكما، كلتاكما شابة خليقة بأن تفتح بيتا ~~وتعمره. # ونهضت إلى ملاءتها فارتدتها، وأسدلت على وجهها البرقع الأبيض في ~~تمهل متعمد لتؤجل، ما استطاعت، اللحظة الأخيرة المعذبة ~~المحيرة، ووقفن حيال بعض لا يدرين كيف تكون الخطوة التالية. لم ~~يسعفها صوتها على النطق بكلمة الوداع، ولم توات إحداهما الشجاعة ~~على الارتماء في حضنها كما تود، ومرت الثواني محملة بالعذاب ~~والقلق، بيد أن المرأة المتجلدة خافت أن يخونها تجلدها، ~~فخطت خطوة نحوهما ومالت إليهما، فقبلتهما بالتتابع وهي تهمس: ms175 ~~تشجعا، ربنا معنا جميعا. # هنالك تعلقتا بها وأفحمتا في البكاء. # وقد غادرت الأم البيت بعينين ذارفتين تراءى الطريق خلال ~~دمعهما وهو يتميع. # 33 # طرقت باب البيت القديم وهي تفكر - بألم وحياء معا - فيما ~~سيحدثه مجيئها مغضوبا عليها من الانزعاج والكدر، وكان الباب يفتح ~~على عطفة مسدودة متفرعة من شارع الخرنفش تنتهي بزاوية أقيمت بها ~~الصلاة عهدا طويلا، ثم هجرت من أعوام لقدمها ولكن بقيت آثارها ~~المتهدمة لتذكرها - كلما زارت أمها - بطفولتها حين كانت تنتظر ~~ببابها أباها حتى يفرغ من صلاته ويعود إليها، وحين تمد رأسها ~~داخلها في أويقات الصلاة لتلهو بمنظر الركع السجود، أو حين تتفرج ~~على بعض أهل الطرق الذين كانوا يجتمعون فيما يليها من العطفة، ~~فيضيئون المصابيح ويفرشون الحصر وينشدون الأذكار. ولما فتح الباب ~~أطل منه رأس جارية سوداء في العقد الخامس، ما إن رأت القادمة حتى ~~تهلل وجهها وهتفت مرحبة بها، ثم تنحت جانبا لتوسع لها ~~فدخلت أمينة، ولبثت الخادم بموقفها كأنها تنتظر دخول قادم آخر، ~~فأدركت أمينة ما تعنيه وقفتها، فهمست بامتعاض: أغلقي الباب يا ~~صديقة. # فتساءلت الجارية بدهشة: ألم يأت السيد معك؟ # فهزت رأسها بالنفي متجاهلة دهشتها ومضت - عابرة فناء البيت ~~الذي تتصدره حجرة الفرن وتقع البئر في ركنه الأيسر - إلى سلم ~~ضيق فرقيته إلى الدور الأول والأخير. ثم اجتازت دهليزا إلى حجرة ~~أمها ودخلت، رأت أمها متربعة على كنبة في صدر الحجرة الصغيرة قابضة ~~بكلتا راحتيها على مسبحة طويلة متدلية في حجرها، متجهة العينين صوب ~~الباب في تطلع أثاره بلا ريب طرق الباب ثم وقع القدمين ~~المقتربتين، ولما تدانت أمينة منها تساءلت: من؟ # وافتر ثغرها وهي تتساءل عن ابتسامة خفيفة تنم عن البشر ~~والترحاب، كأنما حدست هوية القادم، فأجابتها أمينة قائلة بصوت ~~منخفض من الانقباض والحزن: أنا أمينة يا أمي. # فألقت العجوز بساقيها إلى الأرض وتحسست بقدميها موضع الشبشب، ~~حتى عثرت عليه فدستهما فيه، ووقفت باسطة ذراعيها منتظرة في شوق، ~~فرمت أمينة بالبقجة إلى طرف الكنبة، وانطوت بين ذراعي أمها وهي ~~تقبل جبينها وخديها ms176 والأخرى تلثم ما يتفق وقوع شفتيها عليه من ~~الرأس والخد والعنق، ولما انتهى العناق ربتت العجوز على ظهرها ~~بحنان، ثم لبثت بموقفها متطلعة صوب الباب، وعلى شفتيها ابتسامة ~~تعلن عن ترحيب جديد ، كما فعلت صديقة من قبل، فأدركت أمينة للمرة ~~الثانية ما تعنيه هذه الوقفة، وقالت بامتعاض واستسلام: جئت وحدي ~~يا أمي. # فتحول الرأس إليها كالمتسائل، وتمتمت المرأة: وحدك؟! ... (ثم ~~مبتسمة ابتسامة متكلفة لتطرد ما انتابها من قلق) سبحان الذي لا ~~يتغير! # وتراجعت إلى الكنبة فجلست وهي تتساءل بلهجة أفصحت هذه المرة عن ~~قلقها: كيف الحال؟ ... لماذا لم يحضر معك كعادته؟ # فجلست أمينة إلى جانبها وهي تقول بلهجة التلميذ الذي يعترف ~~برداءة إجاباته في الامتحان: إنه غاضب علي يا أمي. # ورمشت الأم واجمة، ثم تمتمت بنبرات حزينة: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، قلبي لا يكذبني أبدا، وقد انقبض وأنت تقولين لي: ~~«جئت وحدي يا أمي» ترى ماذا هيج غضبه على ملاك كريم مثلك لم يحظ ~~رجل به قبله؟! ... خبريني يا بنتي. # فقالت أمينة متنهدة: زرت سيدنا الحسين في أثناء سفره إلى ~~بورسعيد. # فتفكرت الأم في حزن وكآبة ثم تساءلت: وكيف علم بأمر ~~الزيارة؟ # حرصت أمينة من بادئ الأمر على ألا تشير إلى حادث السيارة رحمة ~~بالعجوز من ناحية، وتخففا من المسئولية من ناحية أخرى؛ ولهذا ~~أجابتها بما أعدته سلفا لهذا السؤال قائلة: لعل أحدا رآني فوشى ~~بي عنده. # فقالت العجوز بحدة: لا يعرفك أحد من البشر إلا من اختلط بك داخل ~~بيتك، ألم تشكي في أحد؟ ... هذه المرأة أم حنفي؟! أو ابنه من المرأة ~~الأخرى؟ # فبادرتها أمينة قائلة بثقة ويقين: لعل جارة رأتني فأخبرت زوجها ~~بحسن نية، فأعاد الرجل الخبر على مسمع السيد غير مقدر لخطورة ~~عواقبه، ظني ما تشائين إلا الشك في أحد من أهل بيتي. # فهزت العجوز رأسها في حيرة وشك وأنشأت تقول: طول عمرك سليمة ~~الطوية، الله وحده هو المطلع وهو الكفيل برد كيد الكائد، ولكن ~~زوجك؟ ... الرجل العاقل ... الداخل على الخمسين ... ألم يجد وسيلة ~~لإعلان غضبه ms177 إلا طرد عشيرة العمر من بين أولاده؟! ... سبحانك يا رب ... ~~الناس تكبر تعقل ونحن نكبر نتهور، هل من الكفر أن تزور امرأة فاضلة ~~سيدنا الحسين! ألا يسمح أصدقاؤه، وهم لا يقلون عنه غيرة ورجولة، ~~لزوجاتهم بالخروج لمختلف الأغراض؟! ... أبوك نفسه الذي كان شيخا من ~~حملة كتاب الله كان يأذن لي في الذهاب إلى بيوت الجيران للتفرج على ~~المحمل. # وغلب الصمت والكآبة مليا، حتى التفتت العجوز ناحية ابنتها ~~وعلى شفتيها ابتسامة عتاب حائرة، ثم تساءلت: أي شيء أغراك ~~بعصيانه بعد ذاك العمر الطويل من الطاعة العمياء؟! ... لشد ما يحيرني ~~هذا ... إذ مهما يكن من حمية طبعه، فهو زوجك ومن السلامة الحرص على ~~طاعته من أجل راحتك وسعادة الأولاد، أليس كذلك يا ابنتي؟ ... أعجب ~~شيء أنني لم أجدك يوما في حاجة إلى نصح ناصح! # فندت عن أمينة ابتسامة ارتسمت على زاوية ثغرها على صورة انحراف ~~خفيف من الارتباك والحياء، وغمغمت: تحكم الشيطان! ~~- عليه لعنة الله، أيزل اللعين قدميك بعد خمسة وعشرين عاما ~~من الوئام والسلام! ... ولكنه هو الذي أخرج أبانا آدم وأمنا حواء من ~~الجنة! .. لشد ما يحزنني يا ابنتي، ولكنها سحابة صيف ثم تنقشع ~~ويعود كل شيء إلى أصله ... (ثم وهي كأنها تحادث نفسها) ماذا كان عليه ~~لو استوصى بالحلم؟! ... ولكنه رجل، ولن يخلو رجل من عيوب تخفي عين ~~الشمس ... (ثم بلهجة ترحيب وسرور متكلفة) اخلعي ملابسك واستريحي، ~~لا تجزعي، ماذا يضيرك من قضاء عطلة قصيرة مع أمك في الحجرة التي ~~ولدت فيها؟! # فجرى بصرها في غير اكتراث على الفراش القديم الذي حال لون عمده، ~~والسجادة البالية التي انجرد وبرها ونسلت أطرافها، وإن بقيت رسوم ~~ورودها حافظة لحمرتها وخضرتها، ولكن صدرها - لما ران عليه من فرقة ~~الأحباب - لم يكن مهيأ لتلقي موجات الذكريات، فلم تهج دعوة أمها ~~في قلبها الحنان الذي تهيجه عادة ذكريات متباعدة لهذه الحجرة، وهي ~~قريرة العين، ولم يسعها إلا أن تتنهد قائلة: ما بي إلا قلق على ~~الأولاد يا أمي. ~~- إنهم في رعاية الله، ولن يطول بعدك ms178 عنهم بإذن الرحمن ~~الرحيم. # وقامت أمينة لتخلع ملاءتها على حين انسحبت صديقة - حزينة أسيفة ~~لما سمعت - من موقفها عند مدخل الحجرة الذي لزمته أثناء الحديث، ثم ~~عادت المرأة إلى مجلسها جنب أمها ، وما لبثتا أن قلبتا الحديث ظهرا ~~لبطن وهما تبدآن وتعيدان، وكأن في تقابلهما جنبا لجنب ما يدعو إلى ~~تأمل قوانين الوراثة العجيبة وقانون الزمن الصارم، كأنهما شخص واحد ~~وصورته المنعكسة في مرآة المستقبل، أو نفس الشخص وصورته المنعكسة ~~في مرآة الماضي وبين الأصل والصورة على الحالين ما يشير إلى ~~الصراع الرهيب الناشب بين قوانين الوراثة التي تعمل على التشابه ~~والبقاء من ناحية وبين قانون الزمن الذي يدفع إلى التغير والنهاية ~~من ناحية أخرى، ذاك الصراع الذي ينجلي عادة عن سلسلة من الهزائم ~~تلحق تباعا بقوانين الوراثة حتى يغدو قصاراها أن تؤدي وظيفة ~~متواضعة في نطاق قانون الزمن الصارم. في نطاق ذاك القانون استحالت ~~الأم العجوز جسما نحيلا، ووجها ذابلا وعينين لا تبصران إلى ~~تطورات باطنية لا تنالها الحواس، حتى لم يبق لها من بهجة الحياة ~~إلا ما يدعونه بجمال الشيخوخة أي السمت الهادئ والوقار المكتسب ~~الحزين والرأس المرصع بالبياض، بيد أنها كنت تنحدر من جيل معمر ~~عرف بصلابة المقاومة، فلم يكن طعنها فيما بعد الخامسة والسبعين ~~بمقعدها عن أن تنهض في الصباح كعادتها منذ نصف قرن فتتحسس سبيلها ~~- بدون إرشاد الجارية - إلى الحمام فتتوضأ، ثم تعود إلى حجرتها ~~فتصلي، أما بقية النهار فتقطعها في التسبيح والتأمل الصامت الذي لا ~~يدري به أحد طالما كانت الجارية مشغولة بأعمال البيت، أو مستأنسة ~~إلى حديث المرأة إذا فرغت لمجالستها، حتى الصفات التي تلازم عادة ~~وفرة النشاط للعمل وحدة الحماس للحياة لم تزايلها بحال، مثال هذا ~~شدة محاسبتها للجارية على كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بالمصروفات، ~~وتنظيف البيت وترتيبه وتلكؤها إذا تلكأت في مهمة، وتأخرها إذا ~~تأخرت في مشوار، ولم يكن بالنادر أن تحلفها على المصحف لتطمئن ~~إلى صحة تقاريرها عن غسل الحمام والأواني وتنفيض النوافذ، دقة ~~بالوسوسة أشبه، ومن الجائز أن ms179 تكون مثابرتها عليها استمرارا ~~لعادة تأصلت في صدر الشباب، كما أنه من الجائز أن تكون نكسة مما ~~يعتري الشيخوخة، ويلحق بطباعها المتطرفة استمساكها بالبقاء في ~~بيتها في شبه وحدة كاملة بعد وفاة بعلها، ثم إصرارها على البقاء ~~فيه حتى بعد فقدانها لبصرها، متصامتة عن دعوات السيد المتكررة لها ~~بالانتقال إلى بيته لتعيش في رعاية ابنتها وأحفادها، مما عرضها ~~لتهمة الخرف وجعل السيد يعرض عن دعوتها نهائيا، ولكن الحق أنها ~~كرهت هجر بيتها لتعلقها الشديد به، ولتحاميها ما عسى أن تلقى في ~~البيت الجديد من إهمال غير مقصود أو ما يستوجبه وجودها من إلقاء ~~أعباء جديدة على عاتق ابنتها المثقل بالواجبات، ولنفورها من الزج ~~بنفسها في بيت اشتهر صاحبه بين آله بالشراسة والغضب أن تنزلق وهي ~~لا تدري إلى ملاحظاته الأمر الذي تشفق من عواقبه على سعادة ابنتها، ~~وأخيرا لما تنطوي عليه في قرارة نفسها من حياء وكبرياء حببا ~~إليها الحياة في البيت الذي تملك معتمدة - بعد الله - على المعاش ~~الذي تركه لها زوجها الراحل، على أن ثمة أسبابا أخرى لإصرارها على ~~البقاء في بيتها لا يمكن تبريرها برهافة الحساسية أو سداد البصيرة، ~~كخوفها - إذا أخلت البيت - من أن تجد نفسها مضطرة إلى اختيار أمر ~~من اثنين؛ فإما أن تسمح للغرباء بأن يسكنوه، وهو أعز شيء لديها بعد ~~ابنتها وأحفادها، وإما أن تتركه مهجورا فتتخذه العفاريت ملعبا ~~بعد أن ظل طوال عمره مقاما لشيخ من حملة كتاب الله هو زوجها، إلا ~~أن انتقالها إلى بيت السيد كان خليقا بأن يخلق لها مشاكل معقدة لا ~~تفض في نظرها بميسور الحلول؛ لأنها ما انفكت تسائل نفسها وقتذاك ~~أتقبل ضيافته بدون مقابل، وهو ما لا ترتاح إليه بحال، أم تنزل له ~~عن معاشها لقاء إقامتها في بيته وهو ما يقلق غريزتها في الامتلاك ~~التي أضحت - مع الكبر - عنصرا جوهريا من عناصر «وسوستها» ~~العامة؟! # بل قد توهمت أحيانا عند إلحاحه عليها في الانتقال إلى بيته أنه ~~يضمر نية استغلالية نحو معاشها وبيتها الذي سيخلو بعد ms180 انتقالها، ~~ففزعت إلى الرفض لحد العناد الأعمى، ولما نزل السيد عند إرادتها ~~قالت له بارتياح: «لا تؤاخذني بإصراري يا ابني، ربنا يكرمك بما ~~أوليتني من عطف، ألا ترى أنه لا يسعني أن أهجر بيتي؟ ... وما أجدرك ~~أن تجاري عجوزا مثلي على علاتها بيد أني أستحلفك بالله إلا ~~ما سمحت لأمينة والأولاد بزيارتي الحين بعد الحين بعد أن أمسى ~~خروجي من البيت متعذرا.» وهكذا بقيت في بيتها كما أرادت متمتعة ~~بسيادتها وحريتها، وكثير من عادات الماضي العزيز. وإذا كان بعض هذه ~~العادات، كالمغالاة الشاذة في الاهتمام بشئون البيت والمال، مما ~~يتنافر مع هدوء الشيخوخة الحكيمة وتسامحها، وبالتالي مما يبدو ~~كعارض من أعراض الهرم الانتكاسية، فثمة عادة أخرى مما حافظت عليه ~~جديرة بأن تزين الشباب، وبأن تضفي على الشيخوخة جلالا، تلك هي ~~العبادة. كانت ولم تزل مطمح حياتها ومشرق آمالها وسعادتها، رضعتها ~~صغيرة في كنف أب شيخ من شيوخ الدين، وتغلغلت في أعماقها بزواجها ~~من شيخ آخر لم يكن دون أبيها ورعا وتقوى. وظلت تمارس بحب وإخلاص ~~غير مفرقة في إخلاصها بين ما هو دين حقا وما هو خرافة خالصة، حتى ~~عرفت بين جاراتها بالشيخة المباركة. صديقة الجارية وحدها التي ~~عرفتها بخيرها وشرها، فربما قالت لها على أثر مشادة مما ينشب ~~بينهما: «يا ستي أليست العبادة أولى بوقتك من الشجار والنقار على ~~التافه من الأمور؟!» فتجيبها محتدة: «يا لئيمة إنك لا توصيني ~~بالعبادة حبا فيها، ولكن كي يخلو لك مجال العبث والإهمال ~~والقذارة والسلب والنهب، إن الله يأمر بالنظافة والأمانة، فمراقبتك ~~ومحاسبتك عبادة وثواب!» ولأن الدين قد شغل من حياتها تلك المكانة ~~العالية، فقد سما أبوها ومن بعده زوجها إلى مكانة رفيعة من نفسها ~~فوق ما كان لهما بحكم القرابة، وطالما غبطتهما على ما شرفا به من ~~حيازة كلمات الله ورسوله في صدريهما، ولعلها ذكرت هذا حين خاطبت ~~أمينة مواسية ومشجعة فقالت: ما أراد السيد بإخراجك من بيتك إلا ~~إعلان غضبه على مخالفتك لأمره، ولكنه لن يجاوز حدود التأديب، أجل ~~لن يحيق ms181 سوء بمن كان لها أب كأبيك أو جد كجدك. # وابتل صدر أمينة بذكر أبيها وجدها كما يبتل صدر المنقطع به ~~الطريق في الظلمات، إذا ترامى إليه صوت الغفير وهو يهتف: «هوه» ~~فآمن قلبها بقول أمها لا لتلهفها على الطمأنينة فحسب، ولكن ~~لإيمانها قبل كل شيء ببركة الشيخين الراحلين، فلم تكن إلا صورة ~~من أمها في جسمها وإيمانها وجل طباعها. وانثالت على وجدانها في ~~تلك اللحظة ذكريات أبيها الذي أفعم قلبها وليدة بالحب والإيمان، ~~فدعت الله أن ينتشلها من ورطتها إكراما لبركته. وعادت العجوز إلى ~~مواساتها، فقالت وعلى شفتيها الجافتين ابتسامة رقيقة: إن الله ~~يرعاك دائما برحمته، اذكري عهد الوباء لا أرجعه الله، وكيف ~~نجاك الله من شره فقضى أخواتك ولم يمسك سوء! # غلبها الابتسام على كآبتها فابتسمت، وتفرست في غبش من الماضي كاد ~~يمحوه النسيان فوضحت - بعض الوضوح - من خليط الذكريات صورة أحيت في ~~نفسها أصداء من عهد الرعب، وهي صبية تحجل خارج أبواب غلقت على ~~أخوات مستلقيات على أسرة المرض والموت، وهي وراء النافذة تنظر ~~إلى سيل من النعوش لا ينقطع والناس تفر من طريقها، أو وهي تسمع ~~إلى جماهير من الشعب التقت في ذعرها ويأسها برجل من رجال الدين - ~~كما كان يتفق لأبيها - وراحت تجأر بالشكوى، وترسل الدعوات إلى رب ~~السماء، وعلى رغم استفحال الشر وهلاك أخواتها جميعا، فقد أفلتت من ~~براثن الوباء سالمة آمنة، لم يكدر صفوها إلا عصير الليمون ~~والبصل الذي كانت تجبر على تجرعه مرة أو مرتين في اليوم. ~~واستطردت الأم بصوت نمت رقته وحنانه على الاسترسال في الأحلام ~~كأنما قد ردها التذكر إلى العهد الخالي، فاستعادت حياته ~~وذكرياته - العزيزة الغالية لاقترانها بالشباب - خالصة من شوائب ~~الألم المنسي، فقالت: ولم يقنع حظك السعيد بإنقاذك من الوباء، لكنه ~~أبقاك وحيدة الأسرة، وكل ما لها في الدنيا من أمل وعزاء وسعادة، ~~فترعرعت في صميم قلوبنا. # لم تعد أمينة ترى الحجرة - بعد هذا الخطاب - كما كانت تراها ~~قبله، بعثت جدة الشباب في كل شيء، في الجدران والسجادة والسرير، ms182 في ~~أمها وفيها هي نفسها، ورد أبوها إلى الحياة واتخذ مجلسه المعهود، ~~وعادت تصغي إلى مناغاة الحب والتدليل، وتحلم بقصص الأنبياء ~~والمعجزات، وتستعيد نوادر السابقين من الصحابة والكفار إلى عرابي ~~باشا والإنجليز ، بعثت الحياة الماضية بأحلامها السحرية وآمالها ~~الواعدة، وسعادتها المرجوة، ثم قالت العجوز بلهجة من يقرر ~~النتيجة النهائية لما مهد به من مقدمات منطقية: أليس الله حافظك ~~وراعيك؟! # بيد أن القول نفسه تضمن عزاء موحيا ذكرها بحالها ~~الراهنة، فاستيقظت من حلم الماضي السعيد عائدة إلى كآبتها، كما ~~يعود السالي إلى اجترار أحزانه بكلمة مواساة تلقى إليه بحسن نية، ~~ولبثت إلى جانب أمها في حال من الفراغ الصارم لم تعهدها إلا حين ~~مرضها، فأنكرتها وضاقت بها، ولم يشغل حديثها المتواصل مع أمها ~~إلا نصف انتباهها على حين بقي النصف الآخر مرعى للضيق والقلق، ~~ولما جاءت صديقة ظهرا بصينية الغداء، قالت لها العجوز بقصد تسلية ~~ابنتها أولا: «جاءك رقيب ليكشف عن سرقاتك؟» ولكن أمينة لم يكن ~~يهمها وقتذاك أن تسرق المرأة أو تلتزم الأمانة، ولم ترد الجارية ~~على سيدتها إكراما للضيفة من ناحية ولأنها من ناحية أخرى ألفت ~~مرارة سيدتها وحلاوتها، فلم يعد لها غناء عن الاثنتين. وباستدارة ~~النهار اشتد تعلق فكرها ببيتها وتهالك عليه؛ لأنه في ذلك الوقت ~~يعود السيد إلى البيت للغداء والقيلولة، ثم يرجع الأبناء تباعا ~~عقب خروج الرجل إلى الدكان، فرأت، بخيالها الذي استمد من الألم ~~والحنين قوة خارقة، البيت وآله كأنهم شهود. رأت السيد وهو يخلع ~~جبته وقفطانه دون مساعدتها التي تخاف أن يكون قد ألف الاستغناء ~~عنها منذ رقادها الطويل، وحاولت أن تقرأ ما يدور وراء جبينه من ~~أفكار ونوايا، هل يستشعر الفراغ الذي خلفته وراءها، وكيف كان ~~إحساسه حين لم يجد لها من أثر في البيت، ألم يرد لها ذكر على ~~لسانه لسبب أو لآخر؟ ... وها هم الأبناء عائدون وها هم يهرعون إلى ~~الصالة بعد طول اشتياق إلى مجلس القهوة، فيلقون مجلسها شاغرا، ~~ويسألون عنها فتجيبهم نظرات أختيهم المتجهمة الدامعة، ترى كيف ~~يتلقى فهمي ms183 الخبر، وهل يدرك كمال - وهنا خفق قلبها خفقة جارحة - ~~معنى غيابها؟ أيتشاورون طويلا؟ ... ماذا ينتظرون؟ ... لعلهم في ~~الطريق يستبقون إليها ... يجب أن يكونوا في الطريق، أم يكون قد أصدر ~~أمرا بعدم زيارتها ؟ يجب أن يكونوا في الخرنفش ... سترى عما ~~قليل. ~~- أتحدثينني يا أمينة؟ # بهذا السؤال قاطعت العجوز خيالها، فانتبهت إليها في دهشة ~~ممزوجة بالحياء؛ إذ فطنت إلى أن كلمات - من حديثها الباطن مع ~~نفسها - قد تسللت في غفلة منها إلى طرف لسانها محدثة الحس الذي ~~التقطته أذن أمها المرهفة، فلم تر بدا من أن تجيبها قائلة: ~~إني أتساءل يا أمي ألا يجيء الأولاد لزيارتي؟ ~~- أظنهم جاءوا! # قالت العجوز وهي ترهف السمع مادة رأسها إلى الأمام، فأنصتت ~~أمينة صامتة، فترامى إليها صوت مطرقة الباب، وهي ترسل ضربات سريعة ~~متلاحقة كأنها صوت يبعث في لهفة بصرخات استغاثة حارة، فعرفت وراء ~~هذه الضربات العصبية قبضة كمال الصغيرة كما كانت تعرفها وهي تدق ~~عليها باب حجرة الفرن، وسرعان ما هرعت إلى رأس السلم، وهي تنادي ~~صديقة لتفتح الباب، ثم أطلت من فوق الدرابزين، فرأت الغلام وهو يثب ~~فوق درجات السلم، وفي أثره فهمي وياسين، وتعلق كمال بعنقها فعاقها ~~قليلا عن عناق الآخرين، ثم دخلوا الحجرة وهم، من جيشان النفس ~~وتبلبل الخاطر، يتكلمون في وقت واحد لا يبالي أحدهم ما يقول ~~الآخرون، ولما رأوا الجدة واقفة مبسوطة الذراعين مشرقة الوجه ~~بابتسامة ترحاب مفعمة بالحب أمسكوا عن الكلام إلى حين، وأقبلوا ~~عليها تباعا فساد صمت نسبي تخللته همسات القبل المتبادلة، ~~وأخيرا هتف ياسين بصوت ينم عن الاحتجاج والحزن: نحن الآن لا ~~بيت لنا، ولن يكون لنا بيت حتى تعودي إليه. # وآوى كمال إلى حجرها كالهارب، وهو يقول مفصحا لأول مرة عن نيته ~~التي طوى صدره عليها في البيت وفي الطريق: سأبقى هنا مع نينة ... ولن ~~أعود معكما. # أما فهمي فقد رنا إليها طويلا صامتا، كشأنه إذا أراد أن يحدثها ~~بالنظر، فوجدت في نظرته الصامتة خير معبر عما يعتلج في صدريهما ~~معا. هذا الحبيب الذي لا يفوق ms184 حبه لها إلا حبها له، والذي يندر أن ~~يشير في أحاديثه معها إلى عواطفه، ولكن تشي به خطرات نفسه وكلماته ~~وفعاله، وقد قرأ الفتى في عينيها نظرة تدل على الألم والخجل، فاشتد ~~تأثره وقال بحزن وتألم: نحن الذين اقترحنا عليك الخروج، وشجعناك ~~عليه، ولكن ها أنت وحدك تتلقين العقاب. # فابتسمت الأم في ارتباك وقالت: لست طفلة يا فهمي، وما كان ينبغي ~~لي أن أفعل. # فتأثر ياسين لهذا الحوار المتبادل، واشتد كربه لفرط إحساسه ~~بالحرج بصفته صاحب الاقتراح المشئوم، وتردد طويلا بين معاودة ~~الاعتذار عن اقتراحه، على مسمع من الجدة أن تعاتبه أو تضمر له ~~حنقا، وبين السكوت على ما به من رغبة في التنفيس عن تحرجه، ثم ~~خرج من تردده بأن ترجم كلام فهمي إلى لغة أخرى قائلا: أجل، نحن ~~المذنبون وأنت المتهمة (ثم ضاغطا على مخارج الكلمات كأنما يضغط ~~على عناد أبيه وصلابته) ولكنك ستعودين وسوف تنقشع السحابة التي ~~تظلنا جميعا. # ولفت كمال وجهها إليه من ذقنها، وانهال عليها بسيل من الأسئلة، ~~عن معنى مغادرتها البيت، وكم تطول إقامتها في بيت جدته. وعما يحدث ~~لو عادت معهم، وغير ذلك من الأسئلة التي لم يسمع عنها جوابا ~~واحدا حقيقا بأن يسكن خاطره الذي لم ينفع في تسكينه عزمه على أن ~~يبقى مع أمه حيث هي، ذلك العزم الذي كان أول من يرتاب في قدرته على ~~تحقيقه، وتغيرت وجهة الحديث بعد أن فرغ كل منهم من التعبير عن ~~عواطفه، فأخذوا يعالجون الموقف معالجة جدية؛ لأنه - كما قال فهمي ~~- «لا يجدي التكلم فيما كان، ولكن ينبغي أن نتساءل عما سيكون.» وقد ~~أجابه ياسين على تساؤله قائلا: «إن رجلا كأبينا لا يرضى بأن يمر ~~بحادث كخروج أمنا مرا كريما، فلم يكن بد من أن يعلن غضبه ~~بطريقة لا يسهل نسيانها، ولكنه لن يجاوز حدود ما فعل.» بدا هذا ~~الرأي مقنعا لما صادف من ارتياح النفوس إليه، فقال فهمي مفصحا عن ~~اقتناعه ومرجوه معا: «والدليل على صحة رأيك أنه لم يقدم على فعل ~~شيء ms185 آخر، ومثله لا يؤجل عزمه لو صحت نيته عليه.» وتكلموا كثيرا عن ~~«قلب» أبيهم، فاتفقت كلمتهم على أنه قلب خير رغم ثورته وحدته، وأن ~~أبعد شيء عن تصورهم هو أن يقدم على عمل من شأنه أن يسيء إلى السمعة ~~أو يؤذي أحدا، وعند ذاك قالت الجدة على سبيل الدعابة وهي تعلم ~~باستحالة ما تدعو إليه: لو كنتم رجالا حقا لالتمستم الوسيلة إلى ~~قلب أبيكم ليتحول عن عناده. # فتبادل ياسين وفهمي نظرات ساخرة من هذه «الرجولة» المزعومة التي ~~تذوب لدى ذكر أبيهم، وخافت الأم من ناحيتها أن يتطور الحديث بين ~~الشابين والجدة إلى ذكر حادث السيارة، فأفهمتهما بالإشارة - وهي ~~تردد يدها بين كتفها وأمها - أنها أخفت عنها الأمر، ثم قالت تخاطب ~~أمها وكأنها تنبري للدفاع عن رجولة الشابين: لا أحب أن يتعرض ~~أحدهما لغضبه، فلنتركه لنفسه حتى يعفو. # وهنا تساءل كمال: ومتى يعفو؟ # فأشارت الأم بسبابتها إلى فوق وهي تغمغم: «ربنا عنده العفو.» ~~وكالمألوف في مثل هذه الحال دار الحديث حول نفسه، فأعاد كل ما سبق ~~له قوله بنفس الألفاظ أو بألفاظ جديدة من إيثار متواصل للظنون ~~الوردية، فطال الحديث دون أن يستجد به جديد، حتى خيم الظلام ووجب ~~الرحيل. وحين وجب الرحيل وغشيت كآبته القلوب كالضباب شغل به الفكر ~~عن الكلام فساد سكون كالسكون الذي يسبق العاصفة، اللهم إلا كلمات ~~لا يراد بها إلا التخفيف من وطأة الصمت، أو التهرب من الاعتراف ~~بجثوم الوداع، وكأن كلا منهم يلقي تبعة إعلانه على عاتق غيره ~~رحمة بالجانب الآخر، هنالك حدس قلب العجوز ما تضطرم به النفوس ~~حولها، فرمشت عيناها المظلمتان ولعبت أصابعها بحبات السبحة في ~~عجلة ولهوجة، ومضت بها دقائق بدت على قصرها كاتمة للأنفاس ~~كاللحظات التي يترقب فيها الحالم في كابوس سقطة من علو شاهق، حتى ~~جاءها صوت ياسين، وهو يقول: «أظن آن لنا أن نذهب، وسنعود لنأخذك ~~معنا قريبا إن شاء الله.» وتسمعت العجوز لترى كيف تتهدج نبرات ~~ابنتها عند الكلام، ولكنها لم تسمع كلاما بل سمعت حركة دالة على ms186 ~~نهوض الجلوس، وأصوات قبل وهمهمة توديع، واحتجاج كمال على انتزاعه ~~بالقوة فبكاءه، ثم جاء دورها في التسليم في جو مشبع بالحزن ~~والفتور، وأخيرا أخذت الأقدام تبتعد تاركة إياها في وحدة ~~وشجن. # وعادت قدما أمينة الخفيفتان فمضت العجوز تتنصت في قلق، حتى ~~هتفت بها: أتبكين؟! يا لك من عبيطة! كأنك لا تطيقين أن تبيتي ~~ليلتين في حضن أمك! # 34 # بدت خديجة وعائشة أضيق الجميع بغياب الأم، فإلى حزنهما الذي ~~يشاركهما فيه الإخوة تحملتا وحدهما أعباء البيت وخدمة الأب، بيد ~~أن أعباء البيت لم تكن لتنوء بهما، أما خدمة الأب فهي التي عملتا ~~لها ألف حساب ونزعت عائشة إلى الهرب من منطقة أبيها معتلة بأن ~~خديجة سبق لها أن تدربت على خدمته في أثناء رقاد الأم، فوجدت خديجة ~~نفسها مرغمة على العودة إلى تلك المواقف الدقيقة الرهيبة التي ~~تكابدها وهي على كثب من السيد، أو وهي تقضي له حاجة من حاجاته. ~~ومنذ الساعة الأولى لذهاب الأم قالت خديجة: «ينبغي ألا تطول هذه ~~الحال، إن الحياة بدونها في هذا البيت عناء لا يطاق.» فأمنت ~~عائشة على قولها، ولكنها لم تجد من حيلة في وسعها غير الدموع ~~فذرفتها، وانتظرت عودة إخوتها من بيت الجدة حتى جاءوا وقبل أن تلفظ ~~كلمة مما يدور في نفسها، راحوا يحدثون عن حال أمهم في ~~«منفاها» فوقع الحديث من نفسها موقع الغرابة والاستنكار؛ لأنها ~~كانت تسمع عن قوم غرباء لا يتاح لها لقاؤهم، فغلبها الانفعال ~~وقالت بحدة: إذا قنع كل منا بالسكوت والانتظار، فربما تلاحقت ~~الأيام والأسابيع وهي مبتعدة عن بيتها حتى يضنيها الحزن، أجل إن ~~مخاطبة بابا في هذا الشأن مهمة شاقة، ولكنها ليست أشق من السكوت ~~الذي لا يليق بنا، ينبغي أن نجد طريقة ... ينبغي أن نتكلم. # ومع أن صيغة «نتكلم» التي ختمت بها جملتها جاءت شاملة لجميع ~~الحاضرين، إلا أنه قصد بها - كما فهم بالبداهة - شخص أو شخصان شعر ~~كلاهما لدى سماعها بارتباك لم تخف بواعثه على أحد، بيد أن ~~خديجة واصلت حديثها قائلة: لم تكن ms187 مهمة مخاطبته فيما يعرض من أمور ~~بأيسر على نينة مما هي علينا، ومع ذلك لم تكن تتردد عن مخاطبته ~~إكراما لأي واحد منا، فمن الإنصاف أن نتحمل نفس التضحية من أجل ~~خاطرها. # تبادل ياسين وفهمي نظرة فضحت إحساسهما بالخناق الذي أخذ يضيق ~~حولهما سريعا، ولكن واحدا منهما لم يجرؤ على فتح فيه أن ينتهي ~~به الكلام إلى أن يقع عليه الاختيار ليكون كبش الفداء، فاستسلما ~~لانتظار ما يجيء به النقاش كما يستسلم الفأر للهرة. وتركت خديجة ~~التعميم إلى التخصيص، فالتفتت إلى ياسين قائلة: أنت أخونا الأكبر، ~~وإلى هذا فأنت موظف، أي رجل كامل، فأنت أجدرنا بالقيام بهذا ~~الواجب. # ملأ ياسين صدره بالهواء، ثم نفخ وهو يعبث بأنامله في ارتباك ~~ظاهر وتمتم قائلا: والدنا رجل ناري الغضب لا يقبل مراجعة لرأيه، ~~وأنا من ناحيتي لم أعد غلاما، بل صرت رجلا وموظفا كما تقولين، ~~وأخوف ما أخاف أن ينفجر في غاضبا، فيفلت مني زمام نفسي ويثور ~~غضبي بدوره! # وغلبهم الابتسام على أعصابهم المتوترة وأنفسهم المحزونة ~~فابتسموا، وأوشكت عائشة أن تضحك فأخفت وجهها في كفيها، ولعل حالهم ~~المتوترة نفسها مما هيأهم لقبول الابتسام كمسكن وقتي للتوتر والألم ~~كما يحدث للنفوس أحيانا عند اشتداد الحزن من الاستسلام للطرب ~~لأتفه الأسباب على سبيل التخفيف عن حال بأضدادها، ذلك أنهم عدوا ~~قوله نوعا من الدعابة الجديرة بالضحك والسخرية، وكان هو أول من ~~يعلم بعجزه التام عن مجرد التفكير في الغضب أو المقاومة حيال ~~والده، وأول من يعلم أنه قال ما قال فرارا من مواجهة أبيه واتقاء ~~لسخطه، فلما رأى هزءهم لم يسعه إلا أن يبتسم بدوره وهو يهز ~~منكبيه كأنما يقول لهم «دعوني وشأني.» فهمي وحده بدا متحفظا في ~~ابتسامه لشعوره بأن القرعة ستصيبه قبل أن تغيب ابتسامته، وصدق ~~شعوره إذ أعرضت خديجة عن ياسين في ازدراء ويأس، وخاطبته قائلة ~~برجاء وإشفاق: فهمي ... أنت رجلنا! # فرفع حاجبيه في ارتباك متطلعا إليها بنظرة كأنما يقول لها: ~~«أنت أدرى بالعواقب!» حقا كان يتمتع بمزايا لا يتمتع ببعضها أحد ms188 ~~في الأسرة؛ فهو طالب بمدرسة الحقوق، وهو أكبرهم عقلا وأنفذهم ~~رأيا، وله من ضبط النفس في المواقف الحرجة ما يدل على الشجاعة ~~والرجولة، ولكنه سرعان ما يفقد جملة مزاياه إذا مثل بين يدي أبيه، ~~فلا يعرف غير الطاعة العمياء. وبدا وكأنه لا يدري ماذا يقول فحثته ~~على الكلام بإيماءة من رأسها فقال متحيرا: هل ترينه يقبل رجائي؟ ... ~~كلا ... ولكنه سينهرني قائلا: «لا تتدخل فيما لا يعنيك.» هذا إذا ~~لم يثر غضبه، فيوجه إلي كلاما أشد وأقسى! # وارتاح ياسين إلى هذا الكلام «الحكيم» الذي وجد فيه دفاعا عن ~~موقفه أيضا، فقال وكأنه يكمل رأي أخيه: وربما جر تدخلنا إلى ~~محاسبتنا من جديد على موقفنا يوم خروجها، فنفتح على أنفسنا فتحة لا ~~ندري كيف نسدها! # فالتفتت الفتاة نحوه مغيظة محنقة وقالت بمرارة وسخرية: لا منك ~~ولا كفاية شرك! # فقال فهمي الذي استمد من غريزة «حب البقاء» قوة جديدة للدفاع عن ~~نفسه: فلنفكر في الأمر بعناية شاملة ... لا أظنه يقبل لي أو ~~لياسين رجاء ما دام يعتبرنا شريكين في الخطأ، وعليه فالقضية خاسرة ~~إذا تقدم أحدنا للدفاع عنها، أما إذا حدثته واحدة منكما فلعلها ~~تنجح في استعطافه أو لعلها تجد - على أسوأ الظنون - إعراضا هادئا ~~لا يبلغ حد العنف، فلماذا لا تحدثه إحداكما؟ ... أنت مثلا يا ~~خديجة؟! # فانقبض قلب الفتاة التي وقعت في الشرك، وحدجت ياسين لا فهمي ~~بنظرة غيظ وهي تقول: ظننت هذه المهمة أخلق بالرجال! # فقال فهمي مواصلا هجومه السلمي: العكس هو الصحيح ما دمنا ~~نتوخى نجاح المسعى، ولا تنسي أنكما لم تتعرضا لغضبه طول ~~حياتكما، إلا في النادر الذي لا يقاس عليه، فهو يألف الرفق بكما ~~كما يألف البطش بنا! # فأطرقت خديجة متفكرة في قلق غير خاف، وكأنها خافت إن طال صمتها ~~أن تشتد عليها الحملة، فتستقر المهمة الخطيرة في قرعتها، فرفعت ~~رأسها قائلة: إذا كان الأمر كما تقول، فعائشة أخلق مني ~~بالكلام! ~~- أنا! ... لمه؟! # نطقت بها عائشة في فزع من وجد نفسه في مرمى الخطر بعد أن اطمأن ~~طويلا ms189 إلى موقف المتفرج الذي ليس له من الأمر شيء، خاصة وأنها - ~~لحداثة سنها وغلبة إحساس الطفولة المدللة عليها - لم تكن تندب ~~لشيء هام فضلا عن أخطر مهمة يمكن أن تعرض لأحد منهم، إلا أن ~~خديجة نفسها لم تجد فكرة واضحة لتبرير اقتراحها بيد أنها أصرت ~~عليه في عناد مشبع بالمرارة والتهكم، فقالت تجيب شقيقتها: لأنه ~~ينبغي الانتفاع بصفرة شعرك وزرقة عينيك في إنجاح مسعانا! ~~- وما دخل شعري وعيني في مواجهة أبي؟! # لم تكن خديجة تهتم في تلك اللحظة بالإقناع بقدر ما تهالكت على ~~إيجاد مخرج لها، ولو بتحويل الأذهان إلى أمور هي بالمعابثة أشبه ~~تمهيدا للتقهقر، فالفرار من أسلم السبل الممكنة كمن يقع في مأزق ~~حرج، وتعوزه الحجة في الدفاع عنه، فيلجأ إلى المزاح ليمهد لنفسه ~~مفرا في ضجة من السرور بدلا من الشماتة والازدراء؛ لذلك قالت: ~~أعرف لهما تأثيرا ساحرا في كل من يتصل بك، ياسين ... فهمي ... حتى ~~كمال، فلماذا لا يكون لهما نفس التأثير عند أبي؟ # فتورد وجه عائشة وقالت بانزعاج: كيف أخاطبه في هذا الشأن، وأنا ~~لا تقع علي عيناه حتى يطير ما في رأسي؟! # عند ذاك - وبعد أن تهربوا تباعا من المهمة الخطيرة - لم يعد ~~يشعر أحد منهم بتهديد مباشر، ولكن النجاة لم تعفهم من إحساس ~~بالذنب، بل لعلها كانت أول دافع إليه، حيث إن الإنسان يركز تفكيره ~~في النجاة عند الخطر، حتى إذا ظفر بالنجاة عاد ضميره يناوشه، ~~كالجسم الذي يستنفد حيويته كلها في العضو المريض، حتى إذا ما استرد ~~صحته توزعت حيويته بالتساوي على الأعضاء التي أهملت إلى حين، وكأن ~~خديجة أرادت أن تتخفف من هذا الإحساس، فقالت: ما دمنا نعجز جميعا ~~عن مخاطبة بابا فلنستعن بجارتنا ست أم مريم. # وما إن نطقت باسم «مريم» حتى لحظت فهمي بحركة عكسية، فالتقت ~~عيناهما لحظة قصيرة في نظرة لم يرتح الشاب لإيحائها، فأشاح عنها ~~بوجهه متظاهرا بعدم الاكتراث، ذلك أن اسم مريم لم يجر على لسان ~~أمام فهمي منذ نبذت فكرة خطبتها، إما مراعاة لعواطفه، وإما ms190 لأن ~~مريم اكتسبت معنى جديدا بعد اعترافه بحبها سلكها في زمرة ~~المحرمات التي لا تتسامح تقاليد البيت بلوكها علانية حيال صاحب ~~الشأن، وبالرغم من أن مريم نفسها لم تنقطع عن زيارة الأسرة ~~متظاهرة بجهل ما دار بشأنها وراء الأبواب ... ولم تفت ياسين لحظة ~~الارتباك المتبادل بين فهمي وخديجة، فأراد أن يغطي على أثرها ~~المحتمل بتوجيه الانتباه إلى وجهة جديدة، فوضع يده على كتف كمال، ~~وقال بلهجة بين التهكم والتحريض: هذا رجلنا الحق، هو وحده الذي ~~يستطيع أن يرجو والده ليعيد إليه أمه! # لم يحمل كلامه محمل الجد أحد، وأولهم كمال نفسه، بيد أن قول ~~ياسين وثب إلى ذاكرته في اليوم التالي، وهو يقطع ميدان بيت القاضي ~~عائدا من المدرسة، بعد نهار مضى أكثره في التفكير في أمه ~~المنفية، فتوقف عن السير صوب درب قرمز، والتفت إلى طريق النحاسين ~~مترددا وقلبه المحزون يتابع خفقاته في كآبة وتألم، ثم غير ~~طريقه متجها نحو النحاسين في خطوات متباطئة، دون أن يجمع عزمه ~~على رأي، يسوقه العذاب الذي يعاني لفقد أمه، ويرجعه الخوف الذي ~~يركبه لمجرد ذكر أبيه، فضلا عن مخاطبته أو التوسل إليه، لم يكن ~~يتصور أنه يستطيع أن يقف بين يديه محدثا في هذا الأمر، ولم تغب ~~عن شعوره المخاوف العسية بأن تحيق به لو فعل. ولم يصمم على شيء ~~إلا أنه رغم هذا كله واصل السير البطيء، حتى لاح لعينيه باب ~~الدكان كأنما ينزع إلى إرضاء قلبه المعذب، ولو إرضاء عميقا - ~~كالحدأة التي تحوم حول خاطف صغارها دون أن تجد الشجاعة على مهاجمته ~~- وتدانى من الباب حتى وقف على بعد أمتار منه، وطال الوقوف وهو لا ~~يتقدم ولا يتأخر، ولا يستقر على رأي، وفجأة خرج من الدكان رجل وهو ~~يقهقه عاليا، وإذا بأبيه يتبعه حتى عتبة الباب مودعا، وهو يغرق ~~في الضحك كذلك، فأذهلته المفاجأة، فتسمر في مكانه مستشرفا وجه ~~أبيه الضاحك الطليق في إنكار ودهشة لا توصفان، لم يصدق عينيه، ~~وخيل إليه أن شخصية جديدة قد حلت في جسم أبيه، ms191 أو أن هذا الرجل ~~الضاحك - على ما به من شبه بأبيه - شخص آخر يراه لأول مرة، شخص ~~يضحك، ويغرق في الضحك، وينطلق البشر من وجهه كما ينطلق الضوء من ~~الشمس، واستدار السيد ليدخل فوقع بصره على الغلام المتطلع إليه ~~بذهول، فأخذته الدهشة لموقفه وهيئته على حين استردت أساريره بسرعة ~~مظهر الجد والرزانة، ثم سأله وهو يتفرس في وجهه: ماذا جاء ~~بك؟! # وللحال دبت في أعماق الغلام غريزة الدفاع عن النفس - رغم ذهوله ~~- فتقدم من أبيه، ومد يده الصغيرة إلى يده، وتطامن عليها حتى لثمها ~~في أدب وخشوع دون أن ينبس بكلمة، فسأله السيد مرة أخرى: أتريد ~~شيئا؟! # فازدرد كمال ريقه وهو لا يجد ما يتلفظ به إلا أن يقول مؤثرا ~~السلامة «إنه لا يريد شيئا وإنه كان في طريقه إلى البيت» ولكن ~~السيد استبطأه فلاح في وجهه الضيق وقال بخشونة: لا تقف كالصنم وقل ~~ماذا تريد. # ونفذت خشونة الصوت إلى قلبه فارتعد، وانعقد لسانه فكأن الكلام قد ~~التزق بسقف حلقه، فازداد الأب ضيقا وهتف بحدة: تكلم ... هل فقدت ~~النطق؟! # وتجمعت قوته كلها في إرادة واحدة، وهي أن يخرج من صمته بأي ~~ثمن اتقاء لغضب أبيه، ففتح فاه قائلا كيفما اتفق له: كنت عائدا ~~من المدرسة إلى البيت ... ~~- وماذا أوقفك هنا كالمعتوه؟! ~~- رأيت ... رأيت حضرتك فأردت أن أقبل يدك! # فتجلت في عيني السيد نظرة استرابة، وقال بجفاء وتهكم: أهذا ~~كل ما هنالك! ... أوحشتك لهذا الحد! ألم تستطع أن تنتظر إلى الصباح ~~لتقبل يدي إذا أردت؟! اسمع ... إياك وأن تكون قد عملت عملة في ~~المدرسة ... سأعرف كل شيء ... فقال كمال بسرعة واضطراب: لم أعمل شيئا ~~وحياة ربنا. # فقال الرجل بنفاد صبر: إذن تفضل ... ضيعت وقتي بلا مناسبة ... غر ~~من وجهي. # فغادر كمال موقفه لا يكاد يرى موضع قدمه من الاضطراب، وتحرك ~~السيد عن مكانه ليدخل، ولكن عاودت الغلام الحياة بمجرد تحول عيني ~~أبيه عن عينيه، وصاح بلا شعور قبل أن يغيب الرجل وتضيع الفرصة: ~~رجع نينة الله يخليك. # وأطلق ساقيه للريح. # 35 ms192 # كان السيد يحتسي قهوة العصر في حجرته حين دخلت خديجة، وقالت ~~بصوت كاد من التخشع لا يسمع: جارتنا ست أم مريم تريد مقابلة ~~حضرتك. # فتساءل السيد متعجبا: حرم السيد محمد رضوان؟ ماذا تريد؟ # فقالت خديجة: لا أعرف يا بابا. # فأمرها بإدخالها وهو يمسك عن التعجب. ومع أن مجيء بعض الفضليات ~~من الجارات لمقابلته، لشأن يتعلق بتجارته أو لصلح يسعى به بينهن ~~وبين أزواجهن من أصدقائه، لم يكن مع ندرته بالجديد عليه إلا أنه ~~استبعد أن يكون ما دعا هذه السيدة إلى مقابلته واحد من هذه ~~الأسباب. وخطرت على ذهنه، وهو يتساءل، مريم وما دار عن خطبتها بينه ~~وبين زوجه، ولكن أي علاقة ثمة بين هذا السر الذي لا يمكن أن ~~يتعدى دائرة أسرته وبين هذه الزيارة؟! ثم ذكر السيد محمد رضوان ~~لاحتمال أن تكون الزيارة لسبب يمت إليه بيد أنه كان ولم يزل ~~مجرد جار، لا تربطه به إلا صلة الجيرة التي لم ترتفع يوما لمرتبة ~~الصداقة، فاقتصر تزاورهما قديما على المناسبات الضرورية، حتى شل ~~الرجل فعاده مرات، ثم لم يعد يطرق بابه إلا في الأعياد. على أن ست ~~أم مريم ليست بالغريبة عليه، فإنه ليذكر أنها قصدت دكانه مرة ~~لابتياع بعض الحوائج، وهناك عرفته بنفسها استرعاء لاهتمامه، فبذل ~~لها من كرمه ما رآه جديرا بحسن الجوار، ومرة أخرى التقى بها عند ~~باب بيته إذ صادف خروجه قدومها للزيارة مصطحبة كريمتها، وعند ذاك ~~أدهشته بجسارتها حين حيته قائلة: «مساء الخير يا سي السيد.» أجل ~~علمه اختلاطه بالأصدقاء أن بينهم من يتسامح فيما يتشدد هو فيه ~~متطرفا من التزام الآداب المتوارثة للأسرة، فلا يرون بأسا من أن ~~تخرج نساؤهم للزيارة أو للاستبضاع، ولا يجدون حرجا في توجيه تحية ~~بريئة كالتي وجهتها أم مريم إليه، ولم يكن - رغم حنبليته - بالذي ~~يطعن فيما يرتضون لأنفسهم ولنسائهم، بل لم يكن يسيء الظن حتى ببعض ~~الأعيان من أصدقائه الذين يصطحبون زوجاتهم وبناتهم في العربات ~~للتنزه في الخلوات أو لغشيان الملاهي البريئة مكتفيا في مثل هذه ms193 ~~الحال بترديد قوله: «لكم دينكم ولي دين.» أي إنه لا ينزع إلى تطبيق ~~آرائه على الناس تطبيقا أعمى، إلى أنه يحسن التمييز حقا بين ما ~~هو خير وما هو شر، إلا أنه لا يفتح صدره لكل «ما هو خير» ضالعا في ~~ذلك مع طبيعته التقليدية الصارمة، حتى إنه عد زيارة زوجه للحسين ~~جريمة قضى فيها بأقسى عقوبة أصدرها في حياته الزوجية الثانية؛ ~~ولهذا كله لاقت تحية أم مريم له من نفسه دهشة مقرونة بما يشبه ~~الانزعاج دون أن يسيء بأخلاقها الظن. وسمع خارج باب الحجرة نحنحة ~~فأدرك أن القادمة تنذره بالدخول، ثم دخلت ملتفة في ملاءتها، مستورة ~~الوجه ببرقع أسود تتوسط عروسه الذهبية عينين مكحولتين دعجاوين ~~وتدانت منه بجسم جسيم لحيم مترنح الأرداف، فنهض السيد لاستقبالها ~~وهو يمد يده قائلا: أهلا وسهلا، شرفت البيت وأهله. # فمدت له يدها بعد أن لفتها في طرف الملاءة أن تنقض وضوءه، وقالت: ~~ربنا يشرف قدرك يا سي السيد. # ودعاها للجلوس فجلست، ثم جلس وهو يسألها مجاملة: كيف حال السيد ~~محمد؟ # فقالت متنهدة بصوت مسموع كأن السؤال حرك أشجانها: الحمد لله ~~الذي لا يحمد على مكروه سواه، ربنا يلطف بنا جميعا. # فهز السيد رأسه كالآسف وتمتم: ربنا يأخذ بيده ويمنحه الصبر ~~والعافية. # وأعقب حديث المجاملات صمت قصير، فأخذت السيدة تتهيأ للحديث ~~الجدي الذي جاءت من أجله كما يتهيأ المطرب للغناء بعد الفراغ من ~~عزف المقدمة الموسيقية على حين غض السيد بصره تحشما تاركا على ~~شفتيه ابتسامة لتعلن ترحيبه بالحديث المنتظر: يا سيد أحمد، أنت في المروءة مثل يضرب في الحي كله، فلن ~~يخيب رجاء لمن يقصدك مستشفعا مروءتك. # فتمتم السيد بصوت حيي وهو يتساءل في نفسه: «ترى ما وراء هذا ~~كله؟!»: أستغفر الله. ~~- المسألة أنني جئت الساعة لأزور أختي ست أم فهمي، فما هالني إلا ~~أن أعلم بأنها ليست موجودة في بيتها وأنك غاضب عليها! # وأمسكت المرأة لتسبر أثر كلامها ولتسمع رأي السيد فيه، ولكنه لاذ ~~بالصمت كأنه لا يجد ما يقوله، ومع أنه شعر ms194 بعدم ارتياح إلى فتح ~~هذا الموضوع، إلا أن ابتسامة الترحيب ظلت معلقة بشفتيه. ~~- هل توجد ست أكمل من ست أم فهمي؟! ست العقل والحياء، جارة عشرين ~~عاما وأكثر، لم نسمع خلالها منها إلا ما يسر الخاطر، فما عسى يمكن ~~أن تجني مما تستحق عليه غضب رجل عادل مثلك؟! # فثابر السيد على صمته متجاهلا تساؤلها، ثم دارت برأسه خواطر ~~زادت من عدم ارتياحه ... ترى أجاءت زيارة المرأة للبيت اتفاقا أم ~~أنها استدعيت بتدبير مدبر؟! خديجة؟ عائشة؟ أمينة نفسها؟ إنهم لا ~~يملون الدفاع عن أمهم، هل ينسى كيف تجرأ كمال على الصراخ في وجهه ~~مطالبا بعودة أمه، الأمر الذي عرضه فيما بعد لعلقة ساخنة تطاير ~~بخارها من يافوخه؟! ~~- يا لها من سيدة طيبة لا تستأهل عقابا ... ويا لك من سيد كريم لا ~~يليق به العنف، ولكنه الشيطان اللعين أخزاه الله وما أجدر نبلك ~~بإفساد كيده. # وشعر عند ذاك بأن الصمت غدا أثقل من أن يحتمل مجاملة للزائرة، ~~فتمتم قائلا باقتضاب متعمد: ربنا يصلح الحال. # فقالت أم مريم بحماس متشجعة بما أصابت من نجاح في استدراجه إلى ~~الكلام: لشد ما يعز علي أن تترك جارتنا الطيبة بيتها بعد ذاك ~~العمر الطويل من الستر والكرامة. ~~- ستعود المياه إلى مجاريها، ولكن لكل شيء ميعاد. ~~- أنت أخي، بل أعز من الأخ، ولن أزيد على هذا كلمة واحدة! # جد جديد من الأمر لم يغب عن وعيه اليقظ، فسجله كما يسجل ~~المرصد الزلزال البعيد مهما تدق حركته. خيل إليه وهي تقول: «أنت ~~أخي» أن صوتها رق وعذب، فلما قالت: «بل أعز من الأخ» جهر الصوت ~~بحنان دافئ نشر في الجو المحتشم نفحة طيبة، فتعجب وتساءل، ولم يعد ~~يطيق غض بصره على الشك، فرفعه مستأنيا .. واسترق إلى وجهها النظر ~~- فوجدها - على غير ما توقع - تتطلع إليه بعينيها الدعجاوين، فجاش ~~صدره وخفض بصره مستعجلا بين الدهشة والحرج، ثم قال مواصلا الحديث ~~كي يغطي على تأثره: أشكرك على ما أوليتني من أخوة. # وعاد يتساءل ترى أكانت تتطلع إليه هكذا طوال الحديث ms195 أم صادف رفع ~~بصره إليها تطلعها إليه؟ وما القول في أنها لم تغض بصرها عند ~~التقاء العينين؟ ولكنه سرعان ما هزأ بأفكاره قائلا لنفسه إن ولعه ~~بالنساء وخبرته بمعاشرتهن أرهفا حاسة سوء الظن بهن عنده، وإن ~~الحقيقة بلا ريب أبعد ما تكون عن تصوره، أو لعل المرأة من النساء ~~اللاتي يفضن الحنان طبعا وسجية فيظنه من لا يعرفهن غزلا وما هو ~~بالغزل، ولكي يتحقق من صدق رأيه - لأنه لم تزل ثمة حاجة إلى ~~التحقيق - رفع بصره مرة أخرى، فما هاله إلا أن يراها رانية إليه، ~~فتشجع هذه المرة وثبت عليها عينيه قليلا، فلم تزل ترنو إليه ~~باستسلام جسور حتى غض بصره في حيرة شاملة، وعند ذاك لاحقه صوتها ~~الناعم وهو يقول: سأرى بعد هذا الرجاء ما إذا كنت حقا أثيرة ~~عندك. # أثيرة؟! لو قيلت هذه الكلمة في غير هذا الجو المشبع بالحساسية ~~المكهرب بالشك والحيرة، لمرت دون أن تترك أثرا، أما الآن؟! ~~وعاود النظر في غير قليل من الحرج، فقرأ في عينيها بعض المعاني ~~التي عابثت ظنونه، هل صدق إحساسه؟ وهل يمكن هذا حال استشفاعها ~~لزوجه؟ ولكن كيف يعجب من كان في مثل خبرته بالنساء؟ سيدة لعوب ذات ~~بعل مشلول. وسرت في وجدانه وثبات بهيجة ملأته حرارة وزهوا، ولكن ~~متى نشأت هذه العاطفة؟ أهي قديمة وكانت تتحين الفرص؟ ألم تزر ~~دكانه مرة فلم يند عنها ما يريب ... ولكن الدكان ليس بالمكان الذي ~~تطمئن مثلها إليه في بث هوى مكتم غير مسبوق بتمهيد، كما فعلت ~~زبيدة العالمة، أم هي عاطفة بنت ساعتها وجدت مع الفرصة السانحة في ~~الغرفة الخالية؟ لو صح هذا فهي «زبيدة» أخرى في لباس سيدة مصونة، ~~وليس غريبا أن يجهل أمرها - وهو العليم ببنات الهوى - ما دام يحرص ~~الحرص كله على احترام الجيران احتراما مثاليا، وأيا كان الأمر ~~فكيف يجيبها؟ «أنت آثر عندي مما تظنين؟» قول جميل ولكنها حرية ~~بأن ترى فيه تحية استجابة لدعائها، كلا إنه لا يريد هذا، إنه ~~يأباه كل الإباء، لا لأنه لم يشبع ms196 بعد من زبيدة، ولكن لأنه لا يقبل ~~بحال أن يحيد عن مبادئه في تقديس الأعراض عامة، وما يمس الأصدقاء ~~والجيران منها خاصة. لهذا لم تسود صفحته نقطة واحدة يمكن أن يخزى ~~بها أمام صديق أو جار أو أحد من الأطهار على إفراطه في العشق ~~والصبوات، ولم يزل دأبه أن يخاف الله في لهوه كما يخافه في جده فلا ~~يبيح لنفسه إلا ما يراه مباحا أو في حدود الهفوات. لا يعني هذا ~~أنه أوتي إرادة خارقة تعصمه من الأهواء، ولكنه لهج بالهوى ~~المبذول، وصان طرفه عن الحرمات، حتى إنه لم يتعمد النظر إلى وجه ~~امرأة من حيه طوال عمره، على أنه مما يذكر له أنه صد مرة عن هوى ~~متاح رحمة بأحد معارفه؛ إذ جاءه يوما رسول يدعوه إلى لقاء أخت ذاك ~~الرجل - أرملة نصف - في ليلة سماها، فتلقى السيد الدعوة صامتا، ~~وصرف الرسول متلطفا كعادته ثم قاطع الطريق الذي يوجد به البيت ~~أعواما متواصلة. ولعل أم مريم كانت أول تجربة - عرضت لمبادئه - ~~يكابدها بعينيه، ومع أنها أعجبته إلا أنه لم يستجب لنوازع الهوى، ~~وغلب صوت الحكمة والوقار، صائنا سمعته التي يتحدث بها الناس عن ~~موطن المؤاخذة، كأن هذه السمعة الطيبة آثر عنده من اقتناص لذة ~~مواتية، متعزيا في نفس الوقت بما يتاح له من حين لآخر من غراميات ~~مأمونة العواقب. وهذه الروح الراعية للعهد المخلصة للإخوان، لا ~~تزايله حتى في مغاني اللهو والشهوات، فلم يؤخذ عليه أبدا أنه سطا ~~على محظية صاحب أو طمح بطرف إلى خليلة صديق، مؤثرا الصداقة على ~~الأهواء؛ لأنه كما اعتاد أن يقول: «الصديق ود دائم والعشيقة هوى ~~عابر.» ولهذا قنع بانتقاء خليلاته ممن يجدهن بلا خليل، أو ينتظر ~~حتى تنقطع علاقة فينهض لانتهاز فرصته، وأحيانا يستأذن الخليل ~~القديم قبل أن يتودد إلى من كانت خليلته، مواصلا العشق في سرور ~~لا يشوبه الندم، ولا تكدر صفوه إحن النفوس. بمعنى آخر أنه نجح في ~~التوفيق بين «الحيوان» المتهالك على اللذات وبين «الإنسان» المتطلع ~~إلى المبادئ العالية توفيقا ms197 ائتلافيا يجمعهما في وحدة منسجمة لا ~~يطغى أحد طرفيها على الآخر، ويستقل كل منهما بحياته الخاصة في ~~يسر وارتياح، كما وفق من قبل في الجمع بين التدين والغواية في ~~وحدة خالية من الإحساس بالذنب والكبت معا، غير أنه لم يكن يصدر ~~في وفائه عن إخلاص مجرد للأخلاق، ولكن - إلى هذا أو قبل هذا - عن ~~رغبته التليدة في أن يظل حائزا للحب متمتعا بالسمعة العطرة، إلى ~~أن غزواته المظفرة في العشق هونت عليه الإعراض عن الحب الموسوم ~~بالخيانة أو النذالة، وفضلا عن هذا وذاك، فإنه لم يعرف الحب ~~الحقيقي الذي كان خليقا بأن يدفعه إلى إحدى اثنتين؛ فإما الإذعان ~~للعاطفة القوية دون مبالاة بالمبادئ، وإما الوقوع في أزمة عاطفية ~~خلقية حادة لم يقدر عليه الاكتواء بنارها. فلم يكن يرى في أم مريم ~~إلا صنفا لذيذا من الطعام لن يضيره - إذا هدده تناوله بسوء الهضم ~~- أن يعدل عنه إلى غيره من الأصناف المأمونة الشهية التي تحفل بها ~~المائدة؛ لذلك أجابها برقة قائلا: شفاعتك مقبولة إن شاء الله ~~وستسمعين ما يسرك عما قريب. # فقامت المرأة وهي تقول: ربنا يكرمك يا سي السيد. # ومدت له يدا بضة فمد لها يده وهو يغض بصره، فخيل إليه - وهي ~~تسلم - أنها ضغطت قليلا على يده، وجعل يتساءل أهذه طريقتها ~~المعتادة في التسليم أم أنها تعمدت الضغط على يده، وحاول أن ~~يتذكر كيفية تسليمها عند استقبالها، ولكن الذاكرة لم تسعفه، وقضى ~~أكثر الوقت الذي سبق عودته إلى الدكان، وهو يفكر في المرأة؛ ~~حديثها، ولينها، وتسليمها. # 36 ~~- تيزة حرم المرحوم شوكت تريد مقابلة حضرتك. # رمى السيد خديجة بنظرة حمراء، وصاح بها: لماذا؟! # ولكن أعلنت نبراته الغاضبة ونظراته الثائرة على أنه لم يقصد ~~الوقوف عند مدلول «لماذا»، وكأنه أراد أن يقول لها: «لم أكد أفرغ ~~من وسيط الأمس، حتى جئتني بوسيط جديد اليوم، من قال لك إن هذه ~~الحيل تجوز علي؟ ... كيف تجسرين أنت وإخوتك على المكر بي؟» # واصفر وجه خديجة وهي تقول بصوت متهدج: لا أدري ~~والله. # فحرك رأسه ms198 حركة كأنها تقول لها: «بل تدرين وأدري أنا أيضا، ~~ولن يجرك مكرك إلا إلى أوخم العواقب» ثم قال ساخطا: خليها ~~تتفضل، لن أشرب قهوتي براحة بال بعد الآن، أصل حجرتي محكمة وقضاة ~~وشهود، وهذه هي الراحة التي أجدها في بيتي، لعنة الله عليكم ~~أجمعين! # اختفت خديجة قبل أن يتم كلامه كما يختفي الفأر إذا قرعت سمعه ~~قرقعة، وظل السيد لحظات متجهما حانقا، حتى خطرت على ذهنه صورة ~~خديجة، وهي تنسحب خائفة، فعثرت قدمها بقبقابه وكاد رأسها يصطدم ~~بالباب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة إشفاق مسحت غضبته المتعسفة، ~~وقطرت على صدره عطفا، يا لهم من أطفال يأبون أن ينسوا أمهم ولو ~~دقيقة واحدة، واتجه بصره إلى الباب وهو يتهيأ لاستقبال الزائرة ~~بوجه انبسطت أساريره كأنه لم يصب غضبه منذ ثوان على فكرة ~~زيارتها، ولكن لم يكن له حيلة فيما يركبه من غضب - وهو في بيته - ~~لأتفه الأسباب، أو بلا سبب على الإطلاق، وفضلا عن هذا كله كان ~~للقادمة منزلة خاصة، لا يرتقي إليها أحد من النساء اللاتي يترددن ~~على البيت من حين لآخر، حرم المرحوم شوكت، والمرحوم شوكت من قبل، ~~أسرة ارتبطت مع أسرته بآصرة الود الخالص من عهد الجدود، كان للراحل ~~منزلة الأب من نفسه، ولم تزل أرملته عنده - وعند أسرته بالتبعية - ~~بمنزلة الأم، هي التي خطبت له أمينة بنفسها، وتلقت أبناءه بيديها ~~وهم يستقبلون نور الدنيا، وإلى هذا كله فآل شوكت أناس صداقتهم شرف، ~~لا لأصلهم التركي فحسب، ولكن لمرتبتهم الاجتماعية وعقاراتهم ~~الكثيرة ما بين الحمزاوي وبين الصورين، فإذا كان السيد من أوساط ~~الطبقة الوسطى فهم من أهل القمة فيها بلا جدال. ولعل الأمومة التي ~~تشعر بها المرأة له، ويشعر بها لها هي التي جعلته يقف من شفاعتها ~~المنتظرة موقف التهيب والحرج، فليست هي بالتي تلتزم الاحترام في ~~مخاطبته، ولا بالتي تتعب في استعطافه، فضلا عما عرفت به من ~~صراحة جارحة لها مبرراتها من شيخوختها ومكانتها معا، أجل ليست ~~هي ... # وأمسك عن أفكاره لدى سماعه وقع خطواتها، ثم نهض وهو ms199 يقول بترحيب: ~~أهلا وسهلا، زارنا النبي. # اقتربت منه سيدة طاعنة في السن، تدب على مظلة وهي ترفع إليه ~~وجها ناصع البياض، كثير التجاعيد، لم يكد يحجب منه شيئا برقعها ~~الأبيض الشفاف، وتلقت تحيته بابتسامة جلت عن أسنانها الذهبية، ~~وسلمت، ثم اتخذت مجلسها إلى جانبه بلا كلفة وهي تقول: من يعش ~~ير، حتى أنت يا زين الرجال! ... وحتى هذا البيت تحدث فيه هذه الأمور ~~التي لا يطيب التحدث عنها! ... شخت ورب الحسين وبادرك الخرف ~~... # واسترسلت في الكلام مطلقة العنان للسانها يقول ويعيد غير تاركة ~~للسيد من فرصة لمقاطعتها أو التعقيب عليها، حدثته كيف جاءت ~~للزيارة، وكيف اكتشفت غياب زوجه: «ظننت بادئ الأمر أنها خرجت في ~~زيارة، فدققت صدري بيدي دهشة وقلت ماذا حدث للدنيا؟! ... وكيف سمح ~~لها السيد بالخروج مستهينا بالشرائع الإلهية والقوانين البشرية ~~والفرمانات العثمانية! ...» بيد أنها سرعان ما عرفت الحقيقة كلها: ~~«فثبت إلى رشدي، وقلت الحمد لله الدنيا بخير، هذا حقا هو السيد، ~~وهذا أقل ما ينتظر منه.» ثم غيرت لهجتها الساخرة وراحت تؤنبه ~~على قسوته، ولم تقتصد في الرثاء لزوجه التي تعدها آخر امرأة تستحق ~~عقابا، وجعلت كلما هم بمقاطعتها تصيح به: «هس، ولا كلمة ... دع ~~حديثك الحلو الذي تحسن تنميقه فلن أخدع به، إني أريد عملا صالحا ~~لا مزوقا.» وصارحته بأنه يغالي في المحافظة على أسرته مغالاة ~~خرقت المألوف، وأنه يجمل به أن يأخذ نفسه بشيء من الهوادة والرفق، ~~استمع السيد إليها طويلا، ولما سمحت له بالكلام - بعد أن أعياها ~~الكلام - شرح لها وجهة نظره المعروفة ولم يمنعه دفاعها الحار ولا ~~مكانتها عنده من أن يؤكد لها بأن سياسته مع أسرته عقيدة لا ~~يتحول عنها، وإن وعدها في النهاية - كما وعد أم مريم من قبل - ~~خيرا، وظن أن آن للجلسة أن تنفض ولكنه ما يدري إلا وهي تقول: ~~غياب أمينة هانم مفاجأة غير سارة لي؛ لأني كنت أريدها لأمر ~~هام جدا، ولأن الخروج لم يعد بالمهمة اليسيرة على صحتي، ولا ~~أدري الآن إن كان يحسن بي أن ms200 أتكلم فيما أردت الكلام فيه أم أنتظر ~~عودتها! # فقال السيد مبتسما: كلنا تحت أمرك. ~~- وددت لو كانت هي أول من يسمعني، وإن كنت لم تترك لها من الأمر ~~شيئا، ولكن لئن فاتني هذا فعزائي أني أهيئ لها فرصة سعيدة ~~للعودة. # فاحتار السيد في فهم حديثها، وحدج إليها متسائلا: ما وراء ~~هذا؟ # فقالت وهي تنكت السجادة بسن مظلتها: لا أطيل عليك، لقد وقع ~~اختياري على عائشة لتكون زوجا لخليل ابني. # ودهش السيد دهش من أخذ على غرة من حيث لم يتوقع فركبه الارتباك، ~~بل الانزعاج، لبواعث غير خافية، أدرك من أول وهلة أن تصميمه القديم ~~على ألا يزوج الصغرى حتى تتزوج الكبرى، سيرتطم هذه المرة برغبة ~~عزيزة لا يسعه إهمالها ... رغبة عالنته بها من لا تجهل تصميمه ذاك ~~مما دل على أنها ترفضه سلفا، وتأبى أن تنزل عند حكمه. ~~- ما لك صامتا كأنك لم تسمعني؟! # وابتسم السيد ارتباكا وحياء، ثم قال على سبيل الملاحظة ~~والمجاملة ريثما يقلب الأمر على وجوهه: هذا شرف عظيم ~~لنا. # فرمته السيدة بنظرة كأنما تقول له: «ابحث لك عن طريقة أخرى غير ~~معسول الكلام» وقالت بلهجة هجومية: لا حاجة بي إلى الضحك علي ~~بأجوف الكلام، لن أرضى بغير الموافقة التامة، لقد ندبني خليل ~~لاختيار زوجة له، فقلت له عندي عروس هي خير ما يمكن أن تظفر به، ~~فسر لاختياري ولم يعدل بمصاهرتك شيئا ... فهل جاء زمن تقابل فيه ~~مثل هذه الرغبة، مني أنا، بالصمت والتهرب؟! الله ... الله. # إلام يقع في هذه المشكلة المعقدة التي لا يمكن أن يخرج منها دون ~~أن يصيب إحدى ابنتيه بصدمة قاسية؟! ... ونظر إليها كما يستجدي عطفها ~~على موقفه، وغمغم: ليس الأمر كما تتصورين، رغبتك فوق العين والرأس، ~~ولكن ... ~~- آه من لكن! ... لا تقل إنك قررت ألا تزوج الصغرى حتى تتزوج ~~الكبرى، من أنت حتى تقرر هذا أو ذاك؟ ... دع ما لله لله وهو أرحم ~~الراحمين. إن شئت ضربت لك عشرات الأمثال عن أخوات صغار تزوجن قبل ~~الكبار، فلم يحل زواجهن دون زواج ms201 أخواتهن بأحسن الأزواج، وخديجة ~~شابة ممتازة ولن تعدم زوجا صالحا عندما يشاء الله ... إلام تقف ~~حائلا بين عائشة وبين حظها؟ ... أليست هي الأخرى جديرة بعطفك ~~ورحمتك؟! # قال لنفسه: إذا كانت خديجة شابة ممتازة، فلماذا لا تختارينها؟! ... ~~وهم بإحراجها كما أحرجته ولكنه خاف أن ترميه بإجابة تتضمن ~~إساءة - ولو بحسن نية - لخديجة وبالتالي له هو، وقال بصوت ملؤه ~~الجد والاهتمام: ليس إلا أنني أشفق على خديجة. # فقالت بحدة كأنما هي المطالبة لا هو: كل يوم تقع أمور كهذه دون ~~أن تربك أحدا، إن الله يكره من عبده العناد والمكابرة، اقبل رجائي ~~وتوكل على الله، لا ترفض يدي، فإني ما مددتها إلى أحد ~~قبلك. # فدارى السيد انفعاله بابتسامة وقال: هذا شرف عظيم كما قلت لك ~~منذ لحظة ... فقط أمهليني قليلا ريثما أراجع نفسي وأرتب أموري، ~~وستجدين رأيي عند حسن ظنك إن شاء الله. # فقالت بلهجة من يجهز على الحديث: لا يجوز أن آخذ من وقتك أكثر ~~مما أخذت، ثم إنه كلما طال الأخذ والرد خيل إلي أنك لا تتقبل ~~رغبتي بقبول حسن، ومثلي من تطمع إذا قالت لك أريد أن تبادرها بنعم ~~دون لت وعجن، فلن أزيد عما قلت إلا كلمة واحدة: خليل ابني وابنك ~~وعائشة بنتك وبنتي. # وقامت فقام السيد ليودعها، لم يكن يتوقع إلا كلمة توديع وتحية، ~~ولكنها أبت إلا أن تذكره بوصاياها جملة. كأنما خافت أن يفوته شيء ~~منها فأعادتها تفصيلا، وما يدري - أو تدري - إلا وهي ترجع لتأييد ~~بعض آرائها وتوكيد البعض الآخر، ثم غلبها تداعي الأفكار فاسترسلت ~~فيه بلا ممانعة، حتى أعادت على مسمعه جل ما قالت عن الخطبة، وإلى ~~هذا كله لم تشأ أن تنهي ذاك الحديث دون أن تودع حديث الأم المبعدة ~~بكلمة أو كلمتين أو ثلاث، وإذا بتداعي الأفكار يغلبها مرة أخرى ~~فتسترسل فيه، حتى كاد الرجل يفقد أعصابه، ثم أوشك أن يضحك في ~~النهاية وهي تقول له: «لا يجوز أن آخذ منك أكثر مما أخذت.» وأوصلها ~~إلى الباب مشفقا في كل خطوة من ms202 أن تتوقف عن المسير وتشتبك في ~~الكلام كرة أخرى، ثم عاد أخيرا إلى مجلسه وهو يتنفس من الأعماق. ~~عاد مغتما مكتئبا، قلب رقيق، أرق مما يظن الكثيرون، بل أرق مما ~~ينبغي، فكيف يصدق هذا من لا يرونه إلا مكشرا أو صاخبا أو ~~ضاحكا ساخرا! ... إن مسة حزن تلذع فلذة من كبده خليقة بأن تنغص ~~العيش كله، وتطين وجه الحياة في عينيه، ولكم يسعده أن يجود ~~بكل غال في سبيل إسعاد فتاتيه، سواء هذه التي يرى في وجهها الجميل ~~وجه أمه، أو تلك التي لم تصب من الحسن إلا لونا شاحبا، كلتاهما ~~من نبض قلبه وعصارة روحه، بيد أن الزوج الذي تقدمه حرم المرحوم ~~شوكت لقية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، فتى في الخامسة ~~والعشرين، ذو دخل شهري لا يقل عن الثلاثين جنيها، حقا أنه ~~ككثير من الأعيان لا عمل له، وحقا أن حظه من التعليم ضئيل لا ~~يتعدى معرفة القراءة والكتابة، ولكنه يتصف بجملة من خلال أبيه في ~~الطيبة وكرم الأخلاق، ما عسى أن يفعل؟ ... يجب أن يحسم أمره؛ لأنه لم ~~يألف التردد ولا الشورى، ولا يقبل أن يبدو أمام أهله - ولو لحظة ~~قصيرة - كمن لا رأي قاطعا له، ألا يشاور خاصته المقربين؟ إنه لا ~~يرى غضاضة في مشاورتهم كلما جد أمر، والواقع أن سمرهم يبدأ عادة ~~بمناقشة الهموم والمشاكل قبل أن تطير بهم الخمر إلى الدنيا التي لا ~~تعترف بالهموم والمشاكل، ولكنه قدر ما يستبد في باطنه برأيه فلا ~~يحيد عنه؛ فهو من الذين يلتمسون في الشورى ما يؤيد رأيهم لا ما ~~يعدل بهم عنه، ولكنها حتى في هذه الحال عزاء ومتنفس، ولما ضاق ~~الرجل بأفكاره هتف قائلا: من يصدق أن ما بي من هم لا يحتمل ما ~~هو إلا نتيجة لخير أكرمني به الله؟! # 37 # لم يكن لأمينة من عمل في أيام منفاها إلا الجلوس إلى جانب أمها ~~والاسترسال في الحديث، في كل ما يخطر على البال من أحاديث تجاذبها ~~الماضي البعيد والماضي القريب والحاضر، ما ms203 بين الذكريات العزيزة ~~والمأساة الراهنة، ولولا عذاب الفراق وشبح الطلاق لاطمأنت إلى ~~حياتها الجديدة كعطلة للاستجمام من عناء الواجبات أو كرحلة خيالية ~~في عالم الذكريات. بيد أن مرور الأيام دون وقوع الشيء الذي تخاف ~~وما بلغها من شفاعة أم مريم وحرم المرحوم شوكت لدى السيد، كل أولئك ~~ثبت قلبها وروح عن نفسها، إلا أن زيارات الأبناء المسائية التي ~~لم تنقطع يوما واحدا طلت جوى صدرها بنفحات أمل متجددة. ومع أن ~~الزمن الذي يتغيبونه عنها في البيت الجديد لم يزد كثيرا عن ~~نظيره في البيت القديم - في كلتا الحالتين لم تكن تجتمع بهم إلا ~~حين فراغهم في جلسة المساء - إلا أنها باتت تشتاق إليهم اشتياق ~~المغترب في بلد بعيد إلى أحباب فرق الدهر بينه وبينهم، اشتياق ~~من حرم عليه تنفس جوهم والعيش بين ذكرياتهم، والإشراف على مواطن ~~جدهم ولهوهم، كأن الجسم كلما قطع في طريق الفراق قيراطا كابده ~~القلب أميالا، ودأبت العجوز على أن تقول لها كلما وجدت منها صمتا ~~أو آنست في حديثها الشرود: الصبر يا أمينة، إني أرثي لحالك، الأم ~~غريبة ما ابتعدت عن أبنائها، غريبة ولو حلت في البيت الذي ولدت ~~فيه. # أجل إنها غريبة، كأنه ليس البيت الذي لم تعرف حياتها الأولى سواه ~~موطنا، وكأنها ليست الأم التي لم تكن تطيق البعد عنها لحظة واحدة، ~~لم يعد «بيتها» ما هو إلا منفى تنتظر بين جدرانه على لهف العفو من ~~السماء. وجاء العفو بعد طول انتظار، حمله الأبناء ذات مساء، دخلوا ~~عليها وفي أعينهم لمعة كسنا البرق خفق لها فؤادها خفقة اهتز لها ~~الصدر كله، حتى أشفقت من أن تكون ذهبت في تأويلها إلى أبعد مما ~~تحتمل، ولكن كمال جرى نحوها وتعلق بعنقها، ثم هتف بها وهو لا ~~يتمالك نفسه من الفرح: البسي ملاءتك وهيا بنا. # وقهقه ياسين قائلا: جاء الفرج (ثم هو وفهمي معا) دعانا أبي ~~وقال لنا: اذهبا، فعودا بأمكما. # وغضت بصرها لتداري فرحتها الغامرة. ما أعجزها عن كتمان ما ~~يضطرب في نفسها من شتى العواطف، ms204 كأن وجهها مرآة شديدة الحساسية لا ~~تترك كبيرة ولا صغيرة مما في أعماقها إلا سجلته، لشد ما ودت ~~أن تتلقى النبأ السعيد بهدوء خليق بأمومتها، ولكن الفرح ~~استخفها فضحكت أساريرها ونطقت بابتهاج صبياني، وفي نفس الوقت ~~تولاها حياء لم تدر له سببا، وطال جمودها في مكانها، فنفد صبر ~~كمال فشدها من يدها راميا بثقله إلى الوراء، حتى طاوعته ناهضة، ~~ووقفت قليلا في ارتباك غريب، وما تدري إلا وهي تلتفت إلى أمها ~~متسائلة: أذهب يا أمي؟ # بدا السؤال الذي ند عنها - في نغمة الارتباك والحياء - غريبا، ~~فابتسم فهمي وياسين، ودهش كمال وحده فيما يشبه الانزعاج، وراح ~~يؤكد لها نبأ العفو الذي جاءوا به، أما الجدة فقد شعرت بشعورها ~~كله، وحدست باطنها فرق قلبها، وتحاشت أن تظهر الإنكار لسؤالها ولو ~~بابتسامة خفيفة، وقالت بلهجة جدية: إلى بيتك مصحوبة بسلامة ~~الله. # فذهبت أمينة لترتدي ملاءتها وتصر ثيابها وكمال في أعقابها، وهنا ~~خاطبت الجدة الشابين متسائلة بلهجة انتقادية خففتها بابتسامة ~~رقيقة: أما كان الأخلق بأبيكما أن يأتي بنفسه؟! # فأجابها فهمي كالمعتذر قائلا: أنت أدرى يا جدتي بطبع ~~أبينا. # على حين قال ياسين ضاحكا: فلنحمد الله على ما كان! # فهمهمت الجدة بأصوات غير مفهومة ثم تنهدت قائلة كأنما ترد على ~~همهمتها: على أي حال السيد أحمد رجل ولا كل الرجال. # وغادروا البيت ودعاء الجدة لهم بالبركة يتردد في آذانهم، ~~وقطعوا الطريق لأول مرة في حياتهم، حتى بدا المنظر في أعينهم ~~بالغا في غرابته، فتبادل فهمي وياسين نظرات باسمة. وتذكر كمال ~~يوم سار - كما يسير الآن - ممسكا بيد أمه يقودها من عطفة إلى ~~عطفة، ثم ما تلا ذلك من آلام ومخاوف لا يحيط بها الكابوس نفسه، ~~فتعجب طويلا، بيد أنه تناسى سريعا أحزان الماضي في فرحة ~~الساعة، ووجد من نفسه ميلا للدعابة، فقال لأمه ضاحكا: تعالي نخطف ~~أرجلنا إلى سيدنا الحسين! # فضحك ياسين بلهجة ذات معنى: رضي الله عنه، إنه شهيد يحب ~~الشهداء. # ولاحت لهم المشربية وشبحان يتحركان وراء خصاصها فهفا قلب الأم ~~إليهما في حنو ms205 واشتياق، ثم وجدت وراء الباب أم حنفي في ~~استقبالها، فغمرت يدي سيدتها بالقبل، والتقت في فناء الدار بخديجة ~~وعائشة اللتين تعلقتا بها كالأطفال، ورقوا السلم في مظاهرة صاخبة، ~~ونشوة من الفرح مطربة، حتى استقروا جميعا في حجرتها، فتبادروا إلى ~~نزع ملابسها - رمز الفراق البغيض - وهم يضجون بالضحك، فلما جلست ~~بينهم كانت تلهث من الانفعال والتأثر، وأراد كمال أن يعبر عن فرحه ~~بها، فلم يجد خيرا من أن يقول لها: هذا اليوم أعز عندي من المحمل ~~نفسه! # واجتمع شمل الأسرة لأول مرة منذ زمن غير يسير في مجلس القهوة، ~~فعادوا إلى السمر في جو من المسرة ضاعف من بهجته ما سبقه من أيام ~~فراق وكآبة تزداد لذة اليوم الدفيء يجيء في أعقاب أسبوع من ~~الزمهرير، ولم تنس الأم - التي استيقظت غرائزها رغم فرحة اللقيا - ~~أن تسأل الفتاتين عن شئون البيت متدرجة من حجرة الفرن حتى اللبلاب ~~والياسمين، كما سألت كثيرا عن الأب، وكم سرها أن تعلم أنه لم ~~يسمح لأحد بمعاونته عند خلع ملابسه أو عند ارتدائها، فمهما يكن من ~~أمر الراحة التي تهيأت له في غيابها، فثمة تغيير قد طرأ على نظام ~~حياته حمله بلا ريب عناء سيزول بعودتها، عودتها التي تكفل له - ~~وحدها - الحياة التي يألفها ويرتاح إليها! الشيء الوحيد الذي لم ~~يخطر لأمينة على بال أن تكون بعض القلوب السعيدة بعودتها قد وجدت ~~في هذه العودة بالذات مبررا لاجترار الحزن والأسى! ولكن هكذا كان، ~~فهذه القلوب التي شغلت بحزن الأم عن أحزانها عادت إلى التفكير في ~~أشجانها بعد أن اطمأنت على سلامة الأم كالمغص الشديد الطارئ ننسى ~~به رمدا مزمنا حتى إذا ذهب عادتنا آلام الجفون، عاد فهمي يقول ~~لنفسه: «لكل حزن - فيما يبدو - نهاية، هذه أمي قد رفع عنها الهم، ~~ولكن حزني يبدو كأن لا نهاية له.» ورجعت عائشة إلى أفكارها التي لا ~~يطلع على سرها أحد، تتراءى لها الأحلام وتلم بها الذكريات، وإن عدت ~~بالقياس إلى أخيها أهدأ حالا، وأسرع إلى النسيان خطوة، ولكن أمينة ~~لم ms206 تكن تقرأ الأفكار فلم ينغص عليها صفوها منغص، ولما آوت إلى ~~حجرتها ليلا تبين لها أن النوم لا يجد متسعا في نفسها التي ~~أفعمها الفرح فلم تذقه إلا لماما، حتى انتصف الليل، فغادرت ~~الفراش إلى المشربية تنتظر كعهدها مسرحة البصر من خصاص النوافذ إلى ~~الطريق الساهر، حتى جاءت العربة تتهادى حاملة بعلها إلى بيته، خفق ~~قلبها بشدة، وتورد وجهها حياء وارتباكا، كأنها ستلقاه لأول مرة، ~~وكأنها لم تفكر طويلا في هذه اللحظة ... لحظة اللقاء المنتظر، كيف ~~تقابله؟ كيف يعاملها بعد هذه الغيبة الطويلة؟ ... ما عسى أن تقول له ~~أو يقول لها؟ لو يسعها أن تتصنع النوم! ولكنها لا تجيد التمثيل ~~قط، ولا تطيق أن يدخل عليها وهي مستلقية، بل لا يسعها أن تهمل ~~واجب الخروج إلى السلم بالمصباح لتضيء له، وأكثر من هذا كله أنها ~~بعد ظفرها بالعودة، وزوال السخط عنها - شاعت أريحية الرضا في ~~قلبها، فعفت عما سلف، بل وحملت نفسها الذنب كله، حتى رأت بعلها - ~~بالرغم من أنه لم يعن بالذهاب إلى بيت أمها لمصالحتها - حقيقا ~~بالاسترضاء، فتناولت المصباح ومضت إلى السلم، ومدت ذراعها من فوق ~~الدرابزين، ووقفت تتابع وقع القدمين المقتربتين بفؤاد خافق حتى صعد ~~إليها، لقيته برأس مطأطأ فلم تر وجهه عند اللقاء، ولم تدر أي تغير ~~طرأ عليه حين مرآها، حتى سمعته يقول لها بلهجة طبيعية لا أثر ~~فيها من الماضي القريب الأسيف: مساء الخير. # فغمغمت: مساء الخير يا سيدي. # وذهب إلى الحجرة وهي في أثره رافعة يدها بالمصباح، وبدأ يخلع ~~ملابسه صامتا، فتقدمت منه لمعاونته، وباشرت عملها وقلبها يردد ~~أنفاس الراحة. ومع أنها ذكرت صباح القطيعة المشئوم حين نهض لارتداء ~~ملابسه، وقال لها بجفاء: «سأرتدي ملابسي بنفسي.» إلا أن ذكراه خطرت ~~عارية عن أحاسيس الألم واليأس التي غشيتها وقتذاك، وشعرت وهي ~~تتعهده بهذه الخدمة التي لم يسمح بها لسواها بأنها تسترد أعز ما ~~تملك في الوجود. واتخذ مجلسه على الكنبة فتربعت على الشلتة عند ~~قدميه دون أن ينبس أحدهما بكلمة، وكانت تتوقع أن يشيع ms207 «الماضي ~~الأسيف» بكلمة، نصيحة أو تحذير أو ما شابه ذلك، وعملت لذلك ألف ~~حساب، ولكنه سألها ببساطة: كيف حال أمك؟ # فأجابته وهي تتنهد بارتياح: بخير يا سيدي وتهديك التحية ~~والدعاء. # ومضت فترة صمت أخرى قبل أن يقول فيما يشبه عدم الاكتراث: حرم ~~المرحوم شوكت فاتحتني برغبتها في اختيار عائشة زوجا لخليل. # فرفعت إليه أمينة عينيها في دهشة ناطقة بأثر المفاجأة، ولكنه ~~هز كتفيه استهانة، وكأنما خاف أن تدلي برأي يتفق أن يكون موافقا ~~لقراره الذي لم يعلم به أحد، فتقوم عندها شبهة ظن بأنه أخذ برأيها ~~فسبق قائلا: فكرت في الأمر طويلا، فانتهى بي التفكير إلى ~~الموافقة، لا أريد أن أعترض حظ البنت أكثر مما فعلت، ولله الأمر من ~~قبل ومن بعد. # 38 # تلقت عائشة البشرى بفرح جدير بفتاة تستشرف حلم الزواج منذ ~~الصبا الباكر لا يشغلها عنه شاغل، وكادت لا تصدق أذنيها حين زف ~~إليها الخبر، هل حقا وافق أبوها؟ هل بات الزواج حقيقة قريبة لا ~~حلما ذا دعابات قاسية؟ ... لم يكن قد فات على الخيبة التي منيت بها ~~إلا قرابة أشهر ثلاثة، ومع أن وقعها في نفسها كان شديدا قاسيا، ~~إلا أنه مضى يخف ويهون مع الأيام، حتى أمسى ذكرى شاحبة تستثير - ~~إذا استثيرت - حزنا رقيقا غير ذي خطورة، كل شيء في هذا البيت ~~يخضع خضوعا أعمى لإرادة عليا ذات سيطرة لا حد لها هي بالسيطرة ~~الدينية أشبه، حتى الحب نفسه - بين جدرانه - يسترق خطاه إلى القلوب ~~في حياء وتردد وعدم ثقة بالنفس، فلا يتمتع بما يتمتع به عادة من ~~سطوة واستبداد، إذ لا استبداد هنا إلا لتلك الإرادة العليا؛ ولذلك ~~فعندما قال الأب: «لا» استقر قوله في أعماق نفسها، وآمنت الفتاة ~~إيمانا راسخا أن كل شيء قد انتهى حقا، لا مهرب ولا مراجعة ولا ~~رجاء بنافع، كأن «لا» هذه حركة كونية كاختلاف الليل والنهار، غير ~~مجد أي اعتراض عليها، ولا محيد عن اتخاذ موقف موافق لها، وعمل ~~هذا الإيمان من ناحيته - بشعور وبغير شعور منها - على إنهاء ms208 كل ~~شيء فانتهى. على أنها تساءلت فيما بينها وبين نفسها: إذا كانت ~~الموافقة على زواجها قد تمت، ولما ينقض على الرفض السابق ثلاثة ~~أشهر، فلم تكن من نصيب الشاب الذي هفا الفؤاد إليه؟ ... ألا ينطوي ~~حظها السعيد نفسه - تبعا لذلك - على معاكسة غير مفهومة؟ بيد أنه ~~تساؤل ظل في طي الكتمان، لم يطلع عليه أحد ولا أمها نفسها؛ لأن ~~إعلان الفرح بالعريس - كشخصية معنوية فحسب - عد استهتارا يجافي ~~الحياء، فما بالك بإظهار الرغبة في رجل بالذات! ولكن بالرغم من هذا ~~كله، وبالرغم من أن العريس الجديد كان مجهولا لديها إلا فيما ~~حدثت عنه أمه في جملة حديثها عن أسرتها، فقد سعدت بالبشرى أيما ~~سعادة، ووجدت عواطفها الظامئة قطبا تنجذب إليه في هيمانها، كأن ~~حبها نوع من «القابلية» أكثر منه تعلقا برجل بالذات، فإذا ~~استبعد رجل وحل محله آخر ظفرت قابليتها بما يشبعها، ومضى كل شيء في ~~سبيله، وقد يكون رجل آثر عندها من آخر، ولكن ليس إلى الحد الذي ~~يفسد معه طعم الحياة، أو يدفع إلى التمرد والعصيان، ولما طابت ~~نفسا ورف قلبها رفيف الغبطة انبعث منها نحو أختها - كشأنها في ~~مثل هذه الحال - عطف ورحمة غير مشوبين، فودت لو أنها سبقتها إلى ~~الزواج، وقالت لها بين الاعتذار والتشجيع: وددت لو تقدمتني إلى بيت ~~الزوجية! ... ولكنها القسمة والنصيب، وكل آت قريب. # ولكن خديجة - التي تضيق عند الهزيمة بعزاء العطف - تلقت قولها ~~بامتعاض شديد لم يخف عليها. وقبل ذلك اعتذرت لها أمها قائلة ~~برقتها وحيائها المعهودين: تمنينا جميعا أن يكون دورك السابق، ~~وعملنا على هذا أكثر من مرة، ولكن لعل عنادنا فيما ليس لنا فيه من ~~حيلة هو الذي عاق حظك إلى اليوم، فلندع الأمور تسير كما يشاء الله، ~~وكل تأخيرة فيها خيرة. # ووجدت من ياسين وفهمي نفس العطف يبديانه تارة بالكلام المباشر، ~~ويصدران عنه تارة أخرى فيما يحيطانها به من مجاملة حلت - ولو ~~إلى حين - محل المزاح القارص الذي كان مألوفا بينها وبينهما أو ~~بينها وبين ياسين خاصة، الحق أنه ms209 لم يعدل حزنها على سوء حظها إلا ~~نرفزتها من العطف الشائع في جوها لا لنفور من العطف مركب في ~~طبعها، ولكن لأن مثلها مثل المصاب بالأنفلونزا يضار بالتعرض للهواء ~~الطلق الذي ينعشه عادة وهو صحيح، فما كانت تأبه لعطف تعلم أنه بديل ~~غير مجد لأمل ضائع، ولعلها ارتابت - إلى هذا كله - في البواعث ~~التي تدفعهم إلى إغداق العطف عليها، ألم تكن أمها الواسطة دائما ~~بين الخاطبات وبين أبيها؟ فمن يدريها أنها كانت تقوم بالوساطة أداء ~~لواجب ربة البيت، لا سعيا وراء رغبة خفية في تزويج عائشة؟! ~~أوليس فهمي هو الذي حمل رسالة ضابط قسم الجمالية؟ ... ألم يكن ~~بوسعه أن يعدل به عن رأيه من وراء وراء؟! # أوليس ياسين ... ولكن بأي وجه تلوم ياسين وقد خانها من هو ~~أقرب منه إليها؟ ... فأي عطف هذا؟! بل أي رياء وأي كذب! لذلك برمت ~~بالعطف، وذكرت به الإساءة لا الإحسان، فامتلأت حنقا وامتعاضا ~~ولكنها طوتهما في الأعماق أن تظهر بمظهر الكاره لسعادة أختها، أو ~~تعرض نفسها - هكذا صور لها سوء ظنها - لشماتة الشامتين، على ~~أنه لم يكن لها محيد عن كتمان عواطفها؛ لأن الكتمان في هذه الأسرة ~~- خاصة فيما يتعلق بالعواطف - عادة متأصلة وضرورة أخلاقية طبعت ~~عليه في ظل الإرهاب الأبوي، وبين الحنق والامتعاض من ناحية، ~~والكتمان والتظاهر بالرضا من ناحية أخرى لاقت من حياتها عذابا ~~متصلا وجهدا مطردا. وأبوها؟! ماذا عدل به عن رأيه القديم؟! ~~أهانت عليه بعد إعزاز؟! هل نفد صبره في انتظار زواجها فقرر ~~التضحية بها وتركها للأقدار؟! لشد ما تعجب لتخليهم عنها كأنها شيء ~~لا يكون، نسيت في ثورتها مواقفهم السابقة في الدفاع عنها، فلم تذكر ~~إلا «خيانتهم» الأخيرة، على أن غضبتها العامة هذه لم تكن شيئا ~~بالقياس إلى ما تجمع في صدرها نحو عائشة من مشاعر الغيرة والحنق! ~~كرهت سعادتها، وكرهت أكثر مداراتها لهذه السعادة، وكرهت جمالها ~~الذي بدا في عينيها أداة تنكيل وتعذيب كما يبدو البدر الساطع في ~~عين المطارد، ثم كرهت الحياة التي لم تعد تدخر لها ms210 إلا اليأس، ~~وتتابعت الأيام لتزيدها حزنا على حزن بما حملت إلى البيت من هدايا ~~العريس ونفحاته، وبما نشرت في الجو كله من بواعث الغبطة والفرح، ~~فوجدت نفسها في غربة موحشة تتوالد فيها الأشجان كما تتوالد ~~الحشرات في البركة الآسنة، ثم شرع السيد في تجهيز العروس فاستأثر ~~حديث الجهاز بجلسات الأسرة المسائية، تعرض عليها أنواع من الأثاث ~~والثياب فتطري شيئا وتعرض عن شيء، توازن بين لون ولون، في ~~اهتمام نسوا فيه الشقيقة الكبرى، وما يجب لها من عزاء ومجاملة، ~~وحتى هي نفسها اضطرت - مجاراة لما تتظاهر به من رضا - إلى ~~المشاركة في نشاطهم وحماسهم ومناقشاتهم التي لا تنتهي، بيد أن ~~هذا الموقف العاطفي المعقد، الذي يبدو لعين الغريب عن الأسرة ~~كنذير شر لا تحمد عواقبه، تغير فجأة حين اتجه التفكير إلى ~~تفصيل ثياب العروس؛ وبالتالي حين تعلقت الأبصار بخديجة، وتركز فيها ~~الاهتمام كله والأمل كله. وقد توقعت هذا الواجب كأمر لا مفر منه، ~~يحنقها قبوله أشد الحنق ولا يسعها رفضه وإلا فضحت خبيئتها، ولكنها ~~حين تطلعت إليها الأبصار، فأوصتها أمها بأختها خيرا، ورنت إليها ~~شقيقتها بعين ملؤها الحياء والرجاء، وقال فهمي لعائشة على مسمع ~~منها: «لن تكوني عروسا حقا حتى تحيك لك خديجة ثياب العرس.» ~~وقال ياسين معلقا على قوله: «صدقت ... هذه الحقيقة فوق الجدل.» حين ~~حدث هذا كله فتر حنقها وعقل ثورتها الحياء، فطفت عواطفها الطيبة ~~المطمورة، كما يستخرج الماء العذب الأخضر من البذور الكامنة تحت ~~الطين، ولم ترتب في بواعث هذا الاهتمام كما ارتابت من قبل في ~~بواعث العطف «الزائف» لشعورها بصدقه من ناحية، ولأنه اتجه إلى ~~براعتها التي لا شك فيها من ناحية أخرى. فكأنه اعتراف جامع ~~بأهميتها وخطورة شأنها، وبأن هذه السعادة - التي أبت أن تكون من ~~نصيبها - لن تستكمل عناصرها حتى تسهم هي فيها، فاستقبلت العمل ~~الجديد بنفس تخففت إلى أقصى حد ممكن من انفعالاتها السوداء، ~~إن الانفعالات السوداء تلم بأنفس هذه الأسرة كما تلم بغالبية ~~البشر، ولكنها لا تظفر منها بقلب أسود فترسب فيه وتستقر. ms211 منهم من ~~قابليته للغضب كقابلية الكحول للاشتعال، ولكن سرعان ما يسكت عنهم ~~الغضب فتصفو نفوسهم وتعفو قلوبهم كأيام من شتاء مصر يطلخم ~~سحابها حتى تمطر رذاذا، وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى تنقشع ~~السحب عن زرقة صافية وشمس ضاحكة. لا يعني هذا أن خديجة نسيت ~~أحزانها ولكن السماحة صفتها من الضغينة والحقد، ويوما فيوما لم ~~تعد تعتب على عائشة، ولا على أحد من أهلها بقدر ما عتبت على ~~بختها، حتى نصبته في النهاية هدفا لامتعاضها وتذمرها، ذلك البخت ~~الذي قتر عليها في الحسن وأجل زواجها حتى جاوزت العشرين، ~~وكدر غدها بالقلق والمخاوف، واستسلمت أخيرا - كأمها - للمقادير. ~~عجز جانبها الحامي الموروث عن أبيها، كما عجز جانبها المعقد ~~المكتسب من موقفها حيال بيئتها، عن معالجة حظها العاثر، فوجدت ~~السلامة في أن تلوذ بالجانب السلمي الموروث عن أمها فاستسلمت ~~للمقادير؛ كالقائد الذي تعييه الحيل عن بلوغ الهدف فيختار موقعا ~~ذا حصانة طبيعية ليثبت فيه فلوله، أو يدعو إلى الصلح والسلام. ~~وراحت تشكو بثها في الصلاة ومناجاة الرحمن، والحق أنها كانت - منذ ~~صباها - تجاري أمها في تدينها ومحافظتها على الفرائض بمثابرة دلت ~~على يقظة عاطفتها الدينية، لا كعائشة التي تلم بالعبادة في نوبات ~~حماسية متباعدة، ولا تطيق المداومة عليها، وطالما تعجبت خديجة - ~~وهي بمعرض المقارنة بين حظها وبين حظ أختها - من سوء الجزاء الذي ~~تثاب على إخلاصها، وحسن الجزاء الذي تثاب به الأخرى على تهاونها ... ~~«إني أحافظ على الصلاة أما هي فلم تطق المحافظة عليها يومين ~~متتاليين، وإني أصوم رمضان كله وأما هي فتصوم يوما أو يومين، ثم ~~تتظاهر بالصوم على حين تنسل خفية إلى المخزن، فتملأ بطنها بالنقل ~~حتى إذا أطلق مدفع الإفطار هرعت إلى المائدة قبل الصائمين!» ... وحتى ~~من ناحية الجمال لم تسلم لعائشة بدون قيد ولا شرط، نعم إنها لم ~~تجهر برأيها لأحد، بل لعلها تؤثر كثيرا أن تهاجم نفسها بنفسها ~~لتقطع الطريق على المتحفزين، ولكنها كانت تطيل النظر إلى وجهها في ~~المرآة، وتناجي نفسها قائلة: «عائشة جميلة بلا ms212 شك ولكنها نحيلة، ~~السمانة نصف الجمال، أنا سمينة، واكتناز وجهي يكاد يغطي على كبر ~~أنفي، لم يبق إلا أن يشد بختي حيله.» على أنها فقدت ثقتها بنفسها ~~في الأزمة الأخيرة، ومع أنها عاودت كثيرا تلك المناجاة عن الجمال ~~والسمانة والبخت، إلا أنها عاودتها هذه المرة لتذري - أمام نفسها - ~~إحساسها المقلق بعدم الثقة كما نلجأ أحيانا إلى المنطق؛ لنستمد ~~منه الطمأنينة على أمور - كالصحة والمرض والسعادة والشقاء والحب ~~والكراهية - لا تمت إلى المنطق بسبب. # ولم تنس أمينة - رغم كثرة مشاغلها كأم العروس - خديجة، أو أن ~~فرحها للعروس كان يذكرها بحزنها على أختها، كما تذكرنا الراحة التي ~~نحظى بها بفعل مخدر بالألم الذي سيعاودنا بعد حين، وكأن زواج عائشة ~~قد أثار مخاوفها القديمة عن خديجة، فأرسلت - التماسا للطمأنينة من ~~أي سبيل - أم حنفي إلى الشيخ رءوف بالباب الأخضر حاملة منديل ~~خديجة ليقرأ طالعها. وعادت المرأة بنوع من البشرى فقالت لسيدتها ~~إن الشيخ قال لها: «ستحملين إلي رطلين من السكر عما قريب.» ~~ومع أنها لم تكن أول بشرى من هذا النوع تزف إليها عن خديجة، ~~إلا أنها أملتها خيرا، ورحبت بها كمسكن للقلق الذي لا ~~يزايلها. # 39 ~~«ألم يئن الأوان يا بنت المركوب؟! ذبت يا مسلمين، ذبت كالصابونة ~~ولم يبق منها إلا رغوة، هي تعلم بهذا ولا تريد أن تفتح النافذة، ~~تدللي ... تدللي يا بنت المركوب، ألم نتفق على هذا الميعاد؟ ولكن ~~لك حق ... فردة ثدي من صدرك تكفي لخراب مالطة ... وفردة تالية تطير مخ ~~هندنبرج، عندك كنز، ربنا يلطف بي، ربنا يلطف بي وبكل مسكين مثلي ~~يؤرقه الثدي الناهد والعجيزة المدملجة والعين المكحولة، العين ~~المكحولة في الآخر، إذ رب ضريرة ريا الروادف كاعب الثديين خير ~~ألف مرة من عجفاء مسحاء مكحولة العينين، يا بنت العالمة وجارة ~~التربيعة ... تلك لقنتك أصول الدلال وهذه تمدك بأسرار الجمال؛ لهذا ~~ينهد ثدياك من كثرة من عبث بهما من العشاق، اتفقنا على الميعاد ~~لست أحلم، افتحي النافذة، افتحي يا بنت المركوب، افتحي يا أجمل من ~~اقشعرت لها ms213 سرتي، ومص الشفة ورضع الحلمة، لأنتظرن حتى مطلع ~~الفجر، ستجدينني طوع بنانك، إن أردت أن أكون مؤخر عربة الكارو التي ~~تتأرجحين عليه أكنه، إن أردت أن أكون الحمار الذي يجر العربة ~~أكنه، يا وقعتك يا ياسين، يا خراب بيتك يا بن عبد الجواد، يا ~~شماتة الأستراليين فيك ... يا أنا يا طريد الأزبكية وحبيس الجمالية، ~~الحرب يا هوه، شنها غليوم في أوروبا، ورحت ضحيتها أنا في النحاسين، ~~افتحي النافذة يا روح أمك، افتحي يا روحي أنا ...» هكذا جعل ياسين ~~يحادث نفسه وهو جالس على الأريكة بقهوة سي علي، وعيناه تتطلعان ~~إلى بيت زبيدة العالمة خلل الكوة المطلة على الغورية، كلما شكه ~~الجزع غرق في أحلامه وخواطره، فترفه جزعه وتهيج أشواقه معا، كبعض ~~المنومات الطبية التي تعالج الأرق وتتعب القلب، كان قد تقدم خطوة ~~موفقة في مغازلة زنوبة العوادة مغازلة خرج بها من دور التحضير - ~~ملازمة قهوة سي علي مساء، والنظر والسير وراء عربة الكارو ~~والابتسام وفتل الشارب وتلعيب الحاجب - إلى دور المفاوضة والتأهب ~~للعمل. حدث ذلك في عطفة التربيعة الطويلة الضيقة المسقوفة بالخيش ~~الملتوية ذات الدكاكين الصغيرة المتلاصقة على الجانبين كخلايا ~~النحل. ولم تكن التربيعة بالجديدة عليه، كيف وهي سوق النسوان من ~~جميع الطبقات يتقاطرن عليها لابتياع ما خف حمله وجلت فوائده من ~~مختلف صنوف العطارة ذوات البهجة والجمال والنفع، فهي هدفه كلما خلا ~~طريقه من هدف يجذبه إليه، وهي مراحه صباح الجمعة يقطعها متمهلا - ~~بحكم الزحمة والرغبة معا - من طرف إلى طرف كأنما يستعرض الدكاكين ~~لانتقاء حاجة، وهو في الحقيقة يتصفح الوجوه والأجسام وما تنحسر عنه ~~البراقع وما تضيق به الملاءات، ما يرى جملة وما يرى تفصيلا، ما ~~يسطع هنا وهناك من روائح زكية، ما يند من حين لآخر من أصوات أو ~~يوسوس من ضحكات، ملتزما عادة حدود الأدب لغلبة العناصر الطيبة ~~على الزائرات، قانعا بالمشاهدة والموازنة والنقد، لاقطا من ~~المرئيات صورا ممتازة يزين بها متحف ذاكرته، فلا يفوق سعادته إذا ~~ظفر بلون بشرة صاف لم يره من قبل، أو ms214 بلحظ عين لم يتعرض لمثله، أو ~~لثدي عجيب في نهوده، أو لعجيزة خرقت المألوف في ضخامتها أو حسن ~~تكوينها، فيرجع مرة وهو يقول: «فاز بالسبق اليوم نهد الست التي ~~كانت واقفة أمام الدكان الفلاني.» أو «هذا يوم الكفل الرابي رقم 5» ~~أو «يا لها من حقيبة ويا لها من حقيبة ... هذا يوم الحقائب المشرقة.» ~~إذ تأدى به مزاجه إلى التهالك على جسم المرأة متجاهلا شخصيتها، ~~ثم إلى تركيز العناية في أجزاء من الجسم متجاهلا جملته، وكأنه في ~~هذا كله ينعش آماله ويجددها أبدا كرجل لا يقدم على النسوان ~~غاية في دنياه عند الفرص المحتملة المدخرة ليوم أو لغد، إلى ما ~~يسنح له في هذه الجولات الجنسية من صيد طيب في أحوال نادرة، ففي ~~ذات أصيل - وهو بمجلسه تحت الكوة بقهوة سي علي - رأى العوادة ~~تغادر البيت بمفردها، فنهض من توه وتبعها، ومالت إلى عطفة ~~التربيعة فمال وراءها، ثم وقفت أمام دكان فوقف إلى جانبها، وانتظرت ~~حتى يفرغ العطار من بعض الزبائن، فانتظر ولم تلتفت ناحيته، فاستدل ~~بذاك «التجاهل» على أنها فطنت لوجوده - كما لا بد أن تكون حدست ~~متابعته لها من بادئ الأمر - فهمس قريبا من أذنها «مساء الخير»، ~~فواصلت النظر إلى الأمام إلا أنه لمح بجانب فيها انحراف ابتسامة ~~ردا لتحيته، أو مكافأة له على طول متابعته لها مساء بعد مساء، ~~فتنهد تنهد الراحة والظفر مطمئنا إلى جني ثمرة صبره، فسال لعاب ~~شهوته كما يتحلب ريق الجائع النهم إذا تطايرت إلى أنفه رائحة ~~الشواء الذي يهيأ له. ورأى عن حكمة أن يتظاهر بأنهما جاءا معا، ~~فأدى ثمن مشترياتها من الحناء والمغات عن طيب خاطر خليق برجل يؤمن ~~بأنه - بأداء هذا الواجب اللذيذ - يكتسب حقا ألذ وأمتع، غير ~~مكترث لما بدا منها من الميل إلى الإكثار من المشتريات حين ~~اطمأنت إلى أنه سيدفع الثمن. وفي طريق العودة قال لها بعجلة من ~~يخاف وشك انتهاء الطريق: «يا ست الحسن والجمال قضيت العمر كما ~~تشهدين وراءك، وجزاء المحب اللقاء فقط؟» فلحظته بنظرة شيطنة ms215 ~~متسائلة في تهكم «اللقاء فقط؟» فكاد يضحك بروحه وجسمه كحاله إذا ~~أخذته نشوة فرح، ولكنه بادر إلى إحكام إغلاق فيه أن يحدث ضجة تلفت ~~الأنظار، وأجابها هامسا: «اللقاء ولوازمه!» فقالت بلهجة انتقادية: ~~«الواحد منكم يطلب بكل بساطة «اللقاء » ... كلمة صغيرة ... ولكنه يعني ~~بها عملا ضخما لا ينال عند بعض الناس إلا بالسؤال والشفاعة ~~وقراءة الفاتحة والمهر والجهاز والمأذون، أليس كذلك يا حضرة ~~الأفندي الذي يضاهي الجمل طولا وعرضا؟!» فتورد وجهه فيما يشبه ~~الارتباك، وقال: «يا له من تأديب مهما يكن من قسوته فإنه من شفتيك ~~كالشهد، أليس هكذا العشق يا ست الحسن مذ خلق الله الأرض ومن ~~عليها؟» فقالت وهي ترفع حاجبيها حتى حاذيا طرف عروس البرقع، فبدت ~~كيعسوب باسط جناحيه «ومن أدراني بالعشق يا جملي؟ ... لست إلا عوادة، ~~ترى هل للعشق لوازم أيضا؟» فقال وهو يغالب الضحك: «هي ولوازم ~~اللقاء شيء واحد.» «بلا زيادة ولا نقصان؟» «بلا زيادة ولا نقصان.» ~~«لا واحدة طالعة ولا واحدة نازلة؟!» «لا واحدة طالعة ولا واحدة ~~نازلة.» «لعلها التي يسمونها الزنا؟!» «بلحمه وعظمه!» فندت عنها ~~ضحكة قالت: «اتفقنا ... انتظر حيث تنتظر كل مساء بقهوة سي علي، ~~وعندما أفتح النافذة قم إلى البيت.» انتظر مساء ومساء ومساء، مساء ~~خرجت مع الجوقة على الكارو، ومساء ذهبت مع العالمة في حنطور، ومساء ~~لم يبد على البيت أثر للحياة، وها هو ينتظر وقد أعيا أعصاب رأسه ~~طول النظر إلى الشباك. ومر موهن من الليل، فأغلقت الدكاكين ~~وأقفر الطريق وشمل الغورية ظلام، ووجد - كما يقع له كثيرا - في ~~إقفار الطريق وإظلامه مثارا غريبا لمكمن الشهوة في جسده، فازداد ~~جزعا على جزع. بيد أنه لكل شيء نهاية حتى الانتظار الذي يبدو ~~وكأن لا نهاية له، فترامى إليه من ناحية الشباك الغارق في الظلمة ~~طقطقة نفخت في حواسه روح أمل جديد، كما تنبعث روح الأمل في نفس ~~التائه في القطب إذا ترامى إلى سمعه أزيز الطيارة التي يحدس أنها ~~جاءت للبحث عنه بين الثلوج، ولاحت فرجة يشع منها ضوء، ثم تنور ms216 ~~شبح العوادة وسط الفرجة، فقام من فوره وغادر القهوة عابرا الطريق ~~إلى بيت العالمة، ودفع الباب دون أن يطرقه، فانفتح كأن يدا رفعت ~~مزلاجه، فمرق إلى الداخل ليجد نفسه في ظلمة دامسة لم يهتد معها ~~إلى موقع السلم ، فلزم موقفه ليأمن الاصطدام أو العثار ووثب إلى ~~رأسه سؤال لا يخلو من قلق: ترى أدعته زنوبة على غير علم من ~~العالمة؟ وهل تبيح لها العالمة الاجتماع بعشاقها في بيتها؟ ولكنه ~~أبرز لسانه استهانة؛ لأن رادعا لم يكن ليثنيه عن مغامرة، ولأن ضبط ~~عاشق في بيت تقوم جدرانه على مهج العاشقين ليس مما تحاذر عواقبه. ~~وانقطع عن التفكير حين لاح لعينيه ضوء شاحب يهبط من أعلى، ثم لمحه ~~يترنح على الجدران التي وضحت رويدا، فتبين موقفه على بعد ذراع من ~~أولى درجات السلم عن يمينه، وما عتم أن رأى زنوبة قادمة وبيدها ~~مصباح، فمضى نحوها في سكرة من الشوق، وضغط في حنان على ساعدها ~~امتنانا ورغبة، حتى ضحكت ضحكة رقيقة أوحت على رقتها بأنها لا ~~تحاذر، وتساءلت بمكر: طال انتظارك؟ # فمس سوالفه بأنامله وهو يقول بصوت شاك: شاب شعري الله يسامحك ~~(ثم بصوت خافت) الست هنا؟ # فحاكت صوته الخافت على سبيل المزاح، وقالت: نعم ... في خلوة مع ~~رفيق قد الدنيا. ~~- ألا تغضب إذا علمت بحضوري في هذه الساعة؟ # فاستدارت وهي تهز منكبيها استهانة ورقيت الدرج وهي تقول: وهل ~~أنسب من هذه الساعة لحضور عاشق مثلك؟ ~~- إذن لا ترى بأسا في اجتماعنا ببيتها؟ # فحركت رأسها حركة راقصة وقالت: لعلها ترى كل البأس في عدم ~~اجتماعنا! ~~- عاشت ... عاشت. # فاستطردت في لهجة تنم عن الفخر قائلة: لست عوادة فحسب، أنا ~~بنت أختها، وهي لا تضن علي بغال ... تقدم بسلام. # ولما بلغا الدهليز جاءهما من الداخل صوت غناء لطيف يصاحبه عود ~~ودف، فأنصت ياسين قليلا ثم تساءل: خلوة أم حفلة؟ # فهمست في أذنه: خلوة وحفلة معا، عشيق السلطانة رجل صاحب طرب ~~ومزاح، لا يطيق أن يخلو مجلسه ساعة من العود والدف والكأس والضحك ... ~~وعقبى لك. # ومالت ms217 إلى باب ففتحته ودخلت وهو وراءها، ووضعت المصباح على ~~كنصول، ثم وقفت أمام المرآة لتلقي نظرة فاحصة على صورتها، فتناسى ~~ياسين زبيدة وعشيقها الطروب، وسدد عينيه المنهومتين إلى الجسم ~~المشتهى، الذي بدا لناظريه متجردا عن الملاءة لأول مرة ، سددهما ~~بقوة وتركيز وحركهما في أناة وتلذذ من فوق لتحت ومن تحت لفوق، ~~ولكنه قبل أن ينفذ نية من عشرات النوايا التي اعتلجت في صدره، ~~قالت زنوبة كأنما تصل ما انقطع من حديثها: رجل لا نظير له في لطفه ~~وطربه، أما كرمه فحدث عنه من اليوم إلى الغد ... هكذا يكون العشاق ~~وإلا فلا. # لم يغب عنه ما في إشارتها إلى «كرم» عشيق العالمة من معان، ومع ~~أنه سلم من بادئ الأمر بأن غرامه الجديد سيفرض عليه ضرائب باهظة ~~إلا أن تلميحها - الذي بدا له مبتذلا - ضايقه، فلم يسعه إلا أن ~~يقول مدفوعا بغريزة الدفاع عن النفس: لعله رجل واسع ~~الثراء! # فقالت وكأنها تجيبه على مناورته: الثراء شيء والكرم شيء آخر ... ~~رب ثري بخيل. # فتساءل لا عن رغبة في المعرفة، ولكن تفاديا من الصمت الذي خاف ~~أن يفضح استياءه: ترى من يكون هذا الرجل الكريم؟ # فقالت وهي تدير عجلة المصباح لترفع فتيلته: إنه من حينا ولا بد ~~أنك تسمع عنه ... السيد أحمد عبد الجواد ... ~~- من؟! # فالتفتت نحوه دهشة لترى ما أفزعه، فألفته متصلب القامة جاحظ ~~العينين، فسألته مستنكرة: ما لك؟ # كان تلقي الاسم الذي نطقت به كأنه مطرقة هوت بعنف على يافوخه، ~~فند عنه التساؤل في نبرات صارخة من الفزع وهو لا يدري، وغاب عما ~~حوله لحظات مليئة بالذهول، ثم تراءى له وجه زنوبة في حالة من ~~الدهشة والإنكار، فخاف افتضاح أمره وركز إرادته كلها في الدفاع عن ~~موقفه، فعمد إلى التمثيل يداري به فزعه، فضرب كفا بكف كأنما لا ~~يصدق ما قيل عن الرجل لظنه الوقار به، وتمتم مستغربا: السيد أحمد ~~عبد الجواد! ... صاحب دكان النحاسين؟ # فحدجته بنظرة انتقاد مر لإزعاجها بلا سبب، وسألته مستهزئة: ~~نعم هو ... فلماذا استصرخك كأنك عذراء تفض ms218 بكارتها؟ # فضحك ضحكة آلية، وقال كالداهش وهو يحمد الله في سره على أنه لم ~~يذكر لها اسمه كاملا يوم التعارف: من يصدق عن هذا الرجل الوقور ~~الورع؟! # فرمته بنظرة ارتياب، ثم قالت ساخرة: أهذا ما أفزعك حقا؟ ... ولا ~~شيء غيره؟! أظننته من المعصومين؟ ... وماذا عليه من هذا؟ ... هل يكمل ~~الرجل إلا بالعشق؟! # وقال بلهجة المعتذر: صدقت ... لا شيء يستحق الدهش في هذه الدنيا ~~(ثم ضاحكا في عصبية) تصوري هذا الرجل الوقور وهو يطارح السلطانة ~~الغرام ويشرب الخمر ويطرب للغناء! # فقالت وكأنها تكمل حديثه بنفس لهجتها الساخرة: ويلعب بالدف بيد ~~ولا يد عيوشة الدفافة، وينثر النكات كالدرر فيقتل من حوله ضحكا، ~~وليس عجبا - بعد هذا كله - أن يرى في دكانه مثالا للجد والوقار ... ~~فالجد جد واللهو لهو، وساعة لربك وساعة لقلبك. # يلعب بالدف بيد ولا يد عيوشة الدفافة! ... ينثر النكات فيقتل من ~~حوله ضحكا! ... من عسى أن يكون هذا الرجل؟! # أبوه السيد أحمد عبد الجواد؟! الصارم الجبار الرهيب التقي ~~الورع؟! الذي يقتل من حوله رعبا؟! # كيف يصدق ما سمعت أذناه؟! كيف، كيف؟! ... ألا يكون ثمة تشابه في ~~الأسماء وأن لا علاقة بين أبيه وبين هذا العاشق الدفاف؟! ولكن ~~زنوبة وافقت على أنه صاحب دكان «النحاسين»، وليس في النحاسين من ~~دكان تحمل هذا الاسم إلا دكان أبيه! ... رباه هل ما سمعه حقيقة أو ~~أنه يهذي؟! لشد ما يود أن يطلع على الحقيقة بنفسه، أن يرى بعينيه ~~دون وسيط، رغبة تملكته لحظتئذ فبدا تحقيقها كأخطر شيء في الحياة ~~ولم يستطع لها مقاومة، فابتسم إلى الفتاة وهو يهز رأسه هزة حكيم ~~كأنما يقول: «يا لها من أيام كلها عجائب!» ثم سألها بلهجة من يدفعه ~~حب الاستطلاع وحده: ألا أستطيع أن أراه من حيث لا يراني؟ # فقالت معترضة: أمرك عجيب، وما الداعي إلى هذا التجسس؟! # فقال برجاء: منظر يستحق المشاهدة فلا حرمتني منه! # فضحكت باستهانة وقالت: عقل طفل في جسم جمل، أليس كذلك يا جملي؟ ~~... ولكن لا عاش من خيب لك رجاء ... انزو في الدهليز ms219 وسأدخل عليهما ~~بطبق من الفاكهة تاركة الباب مفتوحا حتى أرجع. # وغادرت الحجرة، فتبعها على الأثر بفؤاد خافق وانزوى في ركن من ~~الدهليز المظلم على حين تابعت العوادة سيرها إلى المطبخ، وبعد ~~قليل عادت حاملة طبقا من العنب، فاتجهت إلى الباب الذي ينبعث ~~منه الغناء فنقرت عليه، وانتظرت دقيقة ثم دفعته ودخلت دون أن ~~تغلقه وراءها، هناك بدا مجلس الطرب في صدر الحجرة تتوسطه زبيدة ~~محتضنة العود، وهي تلعب بالأوتار بأناملها وتغني: «يا مسلمين يا ~~أهل الله» وعلى كثب منها جلس «أبوه» دون غيره - وقد اشتد خفقان ~~قلبه لدى رؤيته - متجردا من جبته مشمرا عن ساعديه، راعشا ~~الدف بين يديه، متطلعا إلى العالمة بوجه يقطر بشاشة وبشرا. لم ~~يلبث الباب مفتوحا إلا ريثما رجعت زنوبة، دقيقة أو دقيقتين، ولكنه ~~رأى فيهما منظرا عجبا، حياة غامضة، قصة طويلة عريضة، استيقظ في ~~أعقابها كالذي يستيقظ من نوم طويل عميق على قلقلة زلزال عنيف، ~~رأى في دقيقتين عمرا كاملا ملخصا في صورة، كمن يرى في حلم هنيهة ~~صورة جامعة لأحداث شتى يستغرق وقوعها في عالم الحقيقة أعواما ~~طويلة، رأى أباه حقا، أباه دون غيره من البشر، ولكن لا كما ~~تعود أن يراه، فلم يسبق له أن رآه متجردا من جبته في جلسة مريحة ~~منسابة مع سجيتها، ولا رأى شعره الفاحم ثائر الأطراف، كأنما جاء ~~يعدو حاسر الرأس، ولا رأى ساقه العارية كما لاحت على حافة الديوان ~~تحت ذيل القفطان المنحسر، ولا رأى - إي والله - الدف بين يديه يرعش ~~باعثا شخشخته الراقصة المتقطع بالنقر الرشيق، ولا رأى - ولعله ~~أعجب ما رأى - هذا الوجه الضاحك المتألق الريان بالود والصفاء الذي ~~أذهله كما ذهل كمال من قبل حين رآه يضحك أمام الدكان يوم قصده ~~مدفوعا برغبته في الإفراج عن أمه، رأى هذا كله في دقيقتين، ولما ~~أغلقت زنوبة الباب وعادت إلى حجرتها، لبث بموقفه يستمع إلى الغناء ~~وشخشخة الدف برأس دائر، نفس الصوت الذي استمع إليه حال دخوله ~~البيت، ولكن أي تغير اعتور الأثر الذي ينطبع منه ms220 على نفسه، أي ~~معان وصور جديدة ينقلها الآن إلى وجدانه كرنين جرس المدرسة يهش له ~~الطفل إذا سمعه وهو غريب عنها، وينقلب في أذنيه نذيرا لمتاعب جمة ~~إذا سمعه وهو ضمن تلاميذها، ونقرت زنوبة على الحجرة كأنما تدعوه ~~ليلحق بها، فأفاق من غيبوبته ومضى إليها وهو يحاول أن يتمالك نفسه ~~كي لا يبدو أمامها مضطربا أو ذاهلا، فدخل وعلى شفتيه ابتسامة ~~عريضة. ~~- هل أنساك نفسك ما رأيت؟ # فقال بلهجة تشي بالرضا والارتياح: منظر نادر، وغناء بديع. ~~- أتحب أن نفعل مثلهما؟ ~~- في ليلتنا الأولى؟! ... كلا ... لا أحب أن أخلط بك شيئا آخر ولو ~~كان الغناء نفسه! # ولئن تكلف بادئ الأمر الحديث ليبدو أمامها - وأمام نفسه على ~~السواء - هادئا طبيعيا، فقد انتهى إلى الانهماك فيه بلا تكلف، ~~ثم إلى استرداد حاله الطبيعية بأسرع مما قدر، كالذي يتصنع هيئة ~~الباكي في مأتم فينخرط في البكاء. على أنه ربما عاودته الدهشة ~~فجأة فيقول لنفسه: «أعجب بها من حال لم تخطر لي على بال من قبل، ~~أنا هنا مع زنوبة وأبي في الحجرة القريبة مع زبيدة، كلانا في بيت ~~واحد!» ولكنه سرعان ما يهز كتفيه، ويستطرد في حديثه مع نفسه ~~«كيف أحمل نفسي مشقة العجب لوقوع شيء باعتباره بعيدا عن التصديق ~~ما دمت ألمسه واقعا! إنه هناك فمن السخف أن أتساءل ذاهلا: هل ~~يمكن تصديق هذا؟ فلأصدق ولا أتعجب ... وماذا عليه من هذا!» ولم يشعر ~~إلى تفكيره بارتياح فحسب، ولكنه فرح فرحة فاقت كل تقدير، لا لأنه ~~كان بحاجة إلى مشجع ليواصل حياته الشهوية، ولكن لأنه - كأكثرية ~~الغارقين في الشهوات المحرمة - يستأنس إلى الشبيه، فكيف إن وجده في ~~شخص أبيه - القدوة التقليدية - الذي طالما أزعجه، بشعور وبلا ~~شعور منه، أن يجد نفسه وإياه على طرفي نقيض تناسى كل شيء إلا ~~فرحته، كأنها أعز ما ظفر به في حياته، وشعر نحو أبيه بحب وإعجاب ~~جديدين - غير الحب والإعجاب اللذين اكتسبهما قديما تحت ستار ~~كثيف من الإجلال والخوف. حب وإعجاب ينبعان من أعماق النفس ~~ويختلطان بجذورها الأولى، ms221 بل كأنهما وحب الذات والإعجاب بها شيء ~~واحد، لم يعد الرجل بعيدا عزيز المنال مغلق الأبواب ولكن دانيا ~~قريبا، قطعة من نفسه وقلبه، أبا وابنا، روحا واحدا، ليس الرجل ~~الذي يرعش الدف في الداخل السيد أحمد عبد الجواد ، ولكنه ياسين ~~نفسه، كما يكون وكما يجب أن يكون، وكما ينبغي أن يكون، لا يفرق ~~بينهما إلا اعتبارات ثانوية من العمر والتجربة: «هنيئا لك يا ~~والدي، اليوم اكتشفتك، اليوم عيد ميلادك في نفسي، يا له من يوم ~~ويا لك من أب! لم أكن قبل الليلة إلا يتيما، اشرب واطرب والعب ~~بالدف لعبا، ولا يد عيوشة الدفافة، إني فخور بك، هل تغني أيضا ~~يا ترى؟» ~~- ألا يغني السيد عبد الجواد أحيانا؟ ~~- ألا زال فكرك مشغولا به؟! يا ويل الناس من الناس! ... بل يغني ~~أحيانا يا جملي ... يشترك في الهنك إذا سكر. ~~- وكيف صوته؟ ~~- غليظ جميل كعنقه. ~~«إلى هذا الأصل ترجع الأصوات التي تغني في بيتنا، الجميع يغنون، ~~أسرة عريقة في الطرب، ليتني أسمعك ولو مرة، لا أحفظ لك في ذاكرتي ~~إلا الزعق والنهر، غنوتك الوحيدة المشهورة بيننا «يا ولد - يا ثور ~~- يا بن الكلب» أريد أن أسمع منك «الوداد في الملاح صدف» أو «حبيت ~~يا جميل» كيف تسكر يا أبي؟ كيف تعربد؟ ينبغي أن أعرف لأحتذي مثالك ~~وأحيي تقاليدك، كيف تعشق؟ كيف تعانق؟» # وانتبه إلى زنوبة فرآها أمام المرآة وهي تسوي أهداب شعرها ~~بأناملها، وقد لاح إبطها من فرجة الفستان أملس ناصعا، يتصل منحدره ~~بأصل نهد كقرصة العجين، فسرت في بدنه سكرة الهياج وانقض ~~عليها كأنه فيل ينقض على غزال. # 40 # وقفت ثلاث سيارات تطوع بتقديمها بعض الأصدقاء أمام بيت السيد ~~أحمد في انتظار العروس وحاشيتها لحملهن إلى بيت آل شوكت ~~بالسكرية، كان الوقت أصيلا، وقد انحسرت أشعة شمس الصيف المائلة ~~عن الطريق، واستقرت على البيوت المواجهة لبيت العروس. ولم تكن ~~ثمة مظاهر تدل على عرس، اللهم إلا الورود التي ازينت بها أولى ~~السيارات الثلاث، فلفتت أنظار أصحاب الدكاكين القريبة وكثير من ~~المارة، ms222 ومن قبل ذلك اليوم تمت الخطبة ووردت الهدايا، ونقل الجهاز ~~وعقد القران، فلم تنطلق من البيت زغرودة أو تعلق ببابه زينة، أو ~~تشي بما يدور داخله علامة من علامات الأفراح المألوفة التي تفاخر ~~الأسر بإعلانها في أمثال هذه المناسبات ، وتتعلل بسوانحها لتفصح ~~عن مكنون حنينها للمسرة بالغناء والرقص والزغاريد، تم كل شيء في ~~صمت وهدوء فلم يدر به إلا الأقارب والأصدقاء وخاصة الجيران، وأبى ~~السيد أن يتزحزح عن تزمته، أو أن يسمح لأحد من آل بيته بأن ~~يتزحزح عنه ولو ساعة واحدة، وفي ظل هذا الجو الصامت غادرت العروس ~~والمدعوات البيت رغم احتجاج أم حنفي على الخرجة الصامتة، فمرقت ~~عائشة إلى السيارة في سرعة خاطفة كأنما تخاف أن يشتعل فستان العرس ~~أو قناعه الحرير الأبيض الموشى بالفل والياسمين تحت نظرات ~~المتطلعين، وتبعتها خديجة ومريم وبعض الفتيات، واستقلت الأم وبعض ~~النسوة من الأهل والجارات السيارتين الأخريين، على حين اتخذ كمال ~~مجلسه إلى جانب سائق سيارة العروس. ورغبت الأم في أن يمضي الركب ~~إلى السكرية عن طريق الحسين لتلقي نظرة جديدة على مقامه الذي كلفها ~~الشوق إليه قبل ذلك غاليا، ولتستوهب صاحب المقام البركة لعروسها ~~الحسناء، فاخترقت السيارات الطرق التي قطعتها هي ذلك اليوم مع ~~كمال، ثم مالت إلى الغورية عند المنعطف الذي كادت تلقى فيه حتفها، ~~حتى وقفت بهن عند بوابة المتولي أمام مدخل السكرية الذي يضيق عن ~~دخول السيارات، وترجلن جميعا ودخلن العطفة فطالعتهن معالم ~~الزينات، وهرع إليهن غلمان الحارة هاتفين، وتعالت الزغاريد من بيت ~~آل شوكت، أول بيت إلى يمين الداخل - حيث ازدحمت نوافذه برءوس ~~المطلات المزغردات، ووقف عند مدخله العريس خليل شوكت وشقيقه ~~إبراهيم شوكت وياسين وفهمي، وتقدم خليل مبتسما من العروس، ~~ومنحها ساعده فارتبكت ولم تبد حراكا حتى بادرت مريم إلى يدها ~~فشبكتها بساعده، ثم سار بها إلى الداخل مارا بحذاء الفناء ~~المزدحم والورد والملبس ينهال على أقدامها، وعلى أقدام من تبعنها ~~من حاشية العروس، حتى واراهن باب الحريم، ومع أن قران عائشة بخليل ~~تم قبل ذلك ms223 اليوم بشهر أو أكثر، إلا أن منظر اشتباكهما وسيرهما ~~معا لاقى من ياسين وفهمي - والأخير خاصة - دهشة مقرونة بالحياء، ~~وشعورا بالإنكار أشبه، كأن جو أسرتهما لا يهضم حتى طقوس حفلات ~~الزفاف المشروعة، وبدا هذا الأثر بصورة أوضح عند كمال الذي جعل ~~يجذب أمه من يدها في انزعاج وهو يشير إلى العروسين اللذين يتقدمان ~~الجميع على السلم، كأنه يستعديها على دفع شر فظيع، وخطر للشابين أن ~~يسترقا النظر إلى وجه أبيهما ليريا أي أثر تركه ذاك المنظر الفريد، ~~فشملا المكان بنظرة سريعة ولكنهما لم يقفا له على أثر، لم يوجد ~~عند المدخل، ولا فيما يلي هذا من فناء البيت الذي اصطفت به ~~الأرائك والمقاعد وأقيمت في صدره منصة الغناء. والواقع أن السيد ~~خلا إلى نفر من خاصة أصدقائه بمنظرة الفناء، فلم يفارقها مذ حل ~~بالبيت مصمما على ألا يفارقها حتى ختام الليلة مبتعدا بنفسه عن ~~«الجمهور» الصاخب خارجها، لم يكن أشد إحراجا لنفسه من الظهور بين ~~آله في ليلة زفاف؛ إذ لا يرضى أن ينشر فوقهم رقابته في يوم خالص ~~السرور، ولا يطيق من ناحية أخرى أن يشهد عن كثب انطلاقهم مع ~~دواعي الفرح، وفضلا عن هذا وذاك لم يكن أكره لديه من أن يرى - ~~بينهم - على غير ما عهدوا من وقار صارم، ولو كان الأمر بيده لتم ~~الزفاف في صمت شامل ولكن حرم المرحوم شوكت وقفت من اقتراحه في ~~هذا الشأن موقف معارض لا تلين صلابته، وأبت إلا أن تحييها ليلة ~~حافلة، فاتفقت على إحيائها مع العالمة جليلة والمغني صابر، وبدا ~~كمال لفرط ابتهاجه بما أتيح له من حرية وسرور كأنه عريس الليلة، ~~وكان أحد أفراد قلائل أبيح لهم التنقل كيفما شاءوا بين الحريم في ~~الداخل وبين مجلس الطرب في فناء الدار، لبث طويلا مع أمه بين ~~النساء منقلا طرفه بين زيناتهن وحليهن مصغيا إلى دعاباتهن ~~وأحاديثهن التي يستأثر الزواج بخلاصتها، أو منصتا معهن إلى ~~العالمة جليلة التي تصدرت البهو كالمحمل ضخامة وزينة، وراحت تنشد ~~الطقاطيق وتعاقر الشراب جهارا، فاستأنس ms224 إلى الجو الضاحك لغرابته ~~وجاذبيته - والأهم من هذا كله - لوجود عائشة على حال من التبرج لم ~~يحلم بها من قبل، وشجعته أمه على البقاء ليظل تحت رعايتها، بيد ~~أنها عدلت عن موقفها بعد حين، واضطرت إلى أن تحثه همسا على ~~الانتقال إلى مجلس أخويه لأمور لم تتوقع حدوثها. من ذلك ما بدا من ~~اهتمامه بعائشة، بفستانها حينا وبزواقها حينا آخر، فخيف منه على ~~هندامها، أو ما بدر منه من ملاحظات صبيانية صريحة نحو بعض ~~السيدات، كما هتف بأمه مرة وهو يشير إلى امرأة من آل العريس ~~قائلا: «انظري يا نينة إلى أنف هذه الست ... أليس أكبر من أنف أبلة ~~خديجة؟» أو ما فاجأ به الجميع وجليلة تغني من الاشتراك مع التخت في ~~ترديد «يمامة حلوة ... ومنين أجيبها» حتى دعته العالمة إلى الجلوس ~~بين أفراد تختها، وبهذا وغيره جذب الأنظار إليه، فأخذت المدعوات في ~~مداعبته، ولكن أمه لم ترتح إلى الضجة التي أثارها، وآثرت على كره ~~منها - إشفاقا على البعض من عبثه وإشفاقا عليه من أعين المعجبات ~~- أن تحمله على مغادرة المكان، انضم إلى مجلس الرجال، وتردد بين ~~الصفوف، ثم وقف بين فهمي وياسين حتى ختم صابر دور «بس ليه تعشق يا ~~جميل»، واستأنف تجواله حتى مر بالمنظرة، فأغراه حب الاستطلاع ~~بالنظر إلى داخلها، فمد رأسه وما يدري إلا وعيناه تلتقيان بعيني ~~والده، فتسمر في مكانه وعجز عن استردادهما، ورآه أحد أصدقاء أبيه - ~~السيد محمد عفت - فناداه فلم يجد بدا من تلبية النداء ليتفادى من ~~إغضاب أبيه، فتدانى من الرجل على كره وخوف، حتى وقف أمامه منتصب ~~القامة مضموم الذراعين إلى جانبيه كأنه عسكري في طابور، وصافحه ~~الرجل قائلا: ما شاء الله ... في أي سنة يا عم؟ ~~- سنة ثالثة رابع. ~~- عال ... عال ... سمعت صابر؟ # ومع أنه كان يجيب على أسئلة محمد عفت، إلا أنه راعى من بادئ ~~الأمر أن تكون إجاباته بحيث ترضي أباه ... فلم يدر كيف يجيب على ~~السؤال الأخير، أو أنه تردد قبل أن يعد الإجابة ولكن الرجل بادره ms225 ~~متلطفا: ألا تحب الغناء؟ # فقال الغلام بتوكيد: كلا. # وبدا من بعض الحاضرين ما يدل على أنهم سيعلقون على هذه الإجابة - ~~آخر ما ينتظر من شخص ينتمي إلى عبد الجواد - مازحين، ولكن السيد ~~حذرهم بعينيه فأمسكوا، أما السيد محمد عفت فعاد يسأله: ألا تحب ~~أن تسمع شيئا؟ # فقال كمال وهو يلحظ أباه: القرآن الشريف. # فتعالت أصوات الاستحسان وسمح للغلام بالانصراف، فلم يتأت له أن ~~يسمع ما قيل عنه وراء ظهره حين قهقه السيد الفار قائلا: إن صح هذا ~~فالغلام ابن زنا. # فضحك السيد أحمد عبد الجواد، وقال وهو يشير إلى حيث كان يقف ~~كمال: هل رأيتم أمكر من ابن الكلب يدعي التقوى أمامي! ... رجعت مرة ~~إلى البيت فترامى صوته وهو يغني: «يا طير يا للي على ~~الشجر.» # فقال السيد علي: آه لو رأيته وهو ينصت بين أخويه إلى صابر وشفتاه ~~تتحركان مع الغناء في انسجام تام ولا انسجام أحمد عبد الجواد ~~نفسه. # على حين خاطب محمد عفت السيد أحمد متسائلا: المهم أن تخبرنا هل ~~أعجبك صوته في دور «يا طير يا للي على الشجر»؟ # فضحك السيد قائلا وهو يشير إلى نفسه: ذاك الشبل من هذا ~~الأسد. # فهتف الفار قائلا: الله يرحم اللبؤة الكبيرة التي ~~أنجبتكم. # غادر كمال المنظرة إلى الحارة وكأنه يفيق من كابوس، ووقف بين ~~الغلمان الذين ازدحم بهم الطريق، وما لبث أن استعاد ارتياحه، ~~فتمشى مزهوا بملابسه الجديدة، مغتبطا بحريته التي جعلت من ~~المكان كله - فيما عدا المنظرة المخيفة - مجالا مباحا لقدميه دون ~~معترض أو رقيب، فأي ليلة هذه في الزمان! شيء واحد جعل ينغص عليه ~~صفوه كلما خطر على فؤاده هو انتقال عائشة إلى هذا البيت الذي باتوا ~~يدعونه ب «بيتها» هذا الانتقال الذي نفذ على رغمه دون أن يستطيع ~~أحد إقناعه بوجاهته أو فائدته، تساءل طويلا كيف سمح أبوه به وهو ~~الذي لا يسمح لظل امرأة من آله بأن يلوح وراء خصاص النافذة، فتلقى ~~الجواب ضحكا عاليا، وساءل أمه في عتاب كيف تفرط في عائشة لحد ~~النزول ms226 عنها للغير، فأجابته بأنه سيكبر يوما ويأخذ مثلها من بيت ~~أبيها فتشيع إليه بالزغاريد، وسأل عائشة هل يسرها حقا أن ~~تهجرهم، فأجابت أن لا، ولكن الجهاز حمل إلى بيت الرجل الغريب ~~ولحقت به عائشة التي لا يطيب له الري إلا من موقع شفتيها، حقا ~~أن الفرح الراهن ينسي أشياء ما كان يتصور أنه ينساها لحظة، ولكن ~~خاطرة الأسى تغشى فؤاده الجذل، كما تغشى السحابة الصغيرة وجه القمر ~~في ليلة صافية السماء، ومن عجب أن سروره بالغناء في تلك الليلة ~~فاق أي سرور عداه، كاللعب مع الغلمان أو مشاهدة النساء والرجال في ~~مرحهم المطلق، أو حتى عيش السراي والألمظية على مائدة العشاء، ولئن ~~أدهش اهتمامه الجدي بسماع جليلة وصابر - الذي لا يتفق مع سنه - كل ~~من لاحظه من النساء والرجال، فلم يدهش أحدا من أسرته التي تعرف ~~سوابقه في الغناء مع معلمته عائشة كما تعرف حسن صوته الذي تعده ~~أحسن أصواتها بعد عائشة، وإن كان صوت الأب - الذي لا يسمعونه إلا ~~مزمجرا - أحسنها جميعا، وقد استمع كمال طويلا إلى جليلة وصابر ~~ولكنه على غير المنتظر وجد غناء الرجل وعزف تخته أحب إلى قلبه وآخذ ~~لنفسه، فرسخت منه في ذاكرته جمل غنائية مثل «تعشق ليه ... علشان كده» ~~جمل يرددها بعد ليلة الزفاف طويلا في سقيفة اللبلاب والياسمين ~~فوق سطح بيتهم، وشاركت أمينة وخديجة كمال في بعض ما أتيح له من ~~أسباب السرور والحرية، فلم يسبق لهما - مثله - أن شهدتا ليلة كتلك ~~الليلة، بما حفلت من أنس وطرب ومرح، وأبهج أمينة خاصة ما لاقت من ~~الرعاية والمجاملة بصفتها أم العروس، هي التي لم تنعم في حياتها ~~برعاية أو مجاملة، حتى خديجة اختفى همها في أنوار الفرح كما تختفي ~~الظلمة عند إشراق الصباح، نسيت أحزانها بين الضحكات الناعمة ~~والأنغام العذبة والأحاديث الطلية، وازدادت لها نسيانا بفضل حزن ~~جديد خالص الطوية منشؤه شعورها بفراق عائشة الوشيك، شعور أثمر ~~حبا وعطفا خالصين، فتوارت الأحزان القديمة أمام الحزن الجديد ~~كما تتوارى الأحقاد أمام الأريحية، أو كما يقع ms227 لشخص حيال آخر يحب ~~منه جانبا، ويكره جانبا أن تتوارى - ساعة الفراق مثلا - ~~الكراهية لجانب أمام الحزن على الجانب الآخر، هذا إلى ما شاع في ~~نفسها من ثقة حين تبدت في زينة أضفت على جسمها ووجهها سواء لفت ~~إليها أنظار بعض النساء فلهجن بالثناء عليها ثناء ملأها أملا ~~وأحلاما عاشت بها زمنا رغدا. # وجلس ياسين وفهمي جنبا لجنب يراوحان بين السمر والسماع، وجلس ~~خليل شوكت - العريس - ينضم إليهما بين ساعة وأخرى كلما وجد فرجة ~~بين أشغال ليلته الشاقة الممتعة، وبالرغم من الجو المشبع بالبهجة ~~والطرب انطوى ياسين على قلق، فارتسمت في عينيه نظرة شرود مزمنة، ~~وراح يسائل نفسه بين حين وآخر ترى هل يتاح له أن يروي ظمأه ولو ~~بكأس أو بكأسين؟ لذلك مال مرة على أذن خليل شوكت، وكان صديقا ~~للأخوين وهمس قائلا: أدركني قبل أن تضيع الليلة. # فقال له الشاب وهو يغمز له بعينه مطمئنا: أفردت مائدة في حجرة ~~خاصة لأمثالك من الأصدقاء. # عند ذاك اطمأن باله وعاودته حيويته للسمر والدعابة والسماع، لم ~~يكن في نيته أن يسكر، ففي مثل هذا المكان الحافل بالأهل والمعارف ~~يعد القليل من الخمر فوزا كبيرا، خاصة وأن والده وإن انزوى في ~~المنظرة - غير بعيد - فلم يكن وقوفه على أسرار حياته يزحزحه عن ~~مكانته التقليدية من نفسه، لم يزل قائما بحصنه الحصين من المهابة ~~والإجلال، ولم يزل هو بموقف الطاعة والعبودية، حتى السر الذي اطلع ~~عليه خفية لم يفكر في البوح به لإنسان ولا لفهمي نفسه أقرب ~~المقربين إليه، لهذا كله قنع من بادئ الأمر بكأس أو بكأسين يتملق ~~بهما رغبته الجامحة، ويتهيأ بهما لتذوق المرح والسمر والطرب، ~~وغيرها من المسرات التي لم يعد لها عنده طعم بغير شراب. فهمي - ~~بخلاف ياسين - لم يجد، أو لم يطمئن إلى أنه سيجد ريا لظمئه، ثار ~~شجنه من حيث لا ينتظر عند مجيء العروس، ذهب مع العريس وياسين ~~لاستقبالها بقلب خلي فوقع بصره على مريم وهي تسير وراء العروس ~~مباشرة ومتألقة الثغر بابتسامة تحية للمكان كله، ms228 لاهية بالزغاريد ~~والورود عنه، وقد شف قناعها الحريري عن ديباجة وجهها الصافي، ~~فأتبعها نظره بقلب خافق حتى واراها باب الحريم، ثم عاد إلى مجلسه ~~مزلزل النفس كأنه قارب تعرض بغتة لإعصار، بيد أنه كان قبل ~~رؤيتها هادئ النفس لاهيا بشجون السمر شأن السالي الناسي، والحق ~~تمر به أوقات، فيجد نفسه على هذه الحال من السلو والنسيان كأن قلبه ~~يستجم من العناء، ولكن ما إن تخطر خطرة أو تهفو ذكرى، أو يجري ~~اسمها على لسان، أو ... أو، حتى يخفق فؤاده ألما، ويفرز الحسرة تلو ~~الحسرة، كالضرس المسوس الملتهب تجيء عليه فترة فيسكن ألمه حتى ~~إذا هرس لقمة أو مس جسما صلبا انفجر به الألم، وهناك يقرع ~~الحب أضلعه من الداخل كأنما يروم متنفسا، صائحا بأعلى صوته أنه ~~لا يزال حبيسا لم يطلق سراحه العزاء أو النسيان. طالما تمنى لو ~~يعمى عنها الراغبون حتى يستوي على قدميه رجلا حر التصرف في تقرير ~~مصيره. وقرب أمنيته كر الأيام والأسابيع والأشهر، دون أن يتقدم لها ~~خاطب، ولكنه لم ينعم بالطمأنينة الحقة، ولم يزل عرضة للقلق والخوف ~~يتناوبانه الحين بعد الحين ينغصان صفوه، ويكدران أحلامه، ويخلقان ~~له ضروبا من الألم والغيرة إن تكن وهمية فليست دون الواقع - فيما ~~لو تحققت - ضراوة وقساوة، حتى بات التمني نفسه وتأخر وقوع البلاء ~~من بواعث تجدد القلق والخوف؛ وبالتالي الألم والغيرة فود كلما ~~اشتد به العذاب أن يقع البلاء ليلقى نصيبه من الحزن دفعة واحدة، ~~لعله بعد ذلك يبلغ باليأس ما لم يبلغ بالأماني العابثة من الراحة ~~والسلام، ولكنه لم يستسلم للشجن في مجلس طرب تكتنفه أنظار الأصدقاء ~~والأقرباء، إلا أنه كان تلقى من منظر مريم، وهي تسير وراء أخته ~~«أثرا» لا يمكن أن يمضي بلا رد فعل محسوس، ولما لم يسعه أن ~~يجتر به أحزانه وأن يجلو المستور من نفسه، فقد استهلكه - بطريقة ~~عكسية - بالإغراق في الحديث والضحك والتظاهر بالغبطة والسعادة، على ~~أنه كان كلما خلا إلى نفسه، ولو لحظات شعر في أعماقه بعزلة ~~قلبية عما حوله، وأدرك ms229 مع مرور الوقت أن رؤيته مريم، وهي تخطر في ~~معية العروس قد هيجت حبه كما تهيج ضوضاء مفاجئة مهموما ذا ~~قابلية للأرق، وأنه لن ينعم على الأقل هذه الليلة بصدر مستقر، وإن ~~شيئا مما يدور حوله لن يستطيع أن ينتزع من مخيلته صورتها أو ~~الابتسامة التي حيت بها جو الاستقبال الحار المشبع بالزغاريد ~~والورود، ابتسامة عذبة صافية وشت بقلب خلي متشوق للهدوء والسرور، ~~ابتسامة لا يوحي رواؤها بأنه يمكن أن ترتسم على موضعها من الشفتين ~~تقلصات الألم، فحز منظرها قلبه وكاشفه بأنه يكابد الألم منفردا ~~ويحمل متاعبه وحده، ولكن ألا يقهقه هو الآن عاليا، يحرك رأسه مع ~~الأنغام كالمنبسط الطروب؟ ... ألا يجوز أن يخدع الناظر بحاله ويظن به ~~ما ظن هو بها؟ ... وجد في تفكيره شيئا من العزاء ولكن ليس أوكد من ~~عزاء المصاب بالتيفود حين يسائل نفسه: «ألا يحتمل أن أشفى كما يشفى ~~فلان الذي أصيب به قبلي؟» وما لبث أن ذكر رسالتها التي عاد بها ~~كمال إليه منذ أشهر وهي: قل له إنها لا تدري ماذا تفعل لو تقدم ~~لها خاطب أثناء هذه المدة الطويلة من الانتظار ... وتساءل كما تساءل ~~عشرات المرات من قبل: هل ثمة عاطفة وراء هذه الكلمات؟ ... أجل لا ~~يستطيع إنسان مهما بلغ به التعنت أن يؤاخذها على كلمة منها، بل ~~لا يستطيع أن يتجاهل ما تتضمنه من عقل وحكمة، ولكن هذا نفسه ما ~~أشعره بالعجز حيالها، وما أحنقه بالتالي عليها؛ إذ يندر أن يرضي ~~العقل والحكمة طموح عاطفة لا تعرف بطبعها الحدود، وعاد إلى الحاضر، ~~إلى مجلس الطرب، إلى الحب الهائج. ليست رؤيته لها وحدها التي ~~رجته هذه الرجة العنيفة، فلعل ذلك لأنه رآها لأول مرة، في مكان ~~جديد - فناء بيت آل شوكت - بعيدا عن داره التي لم يرها خارج ~~نطاقها من قبل، كان وجودها الدائم في المقام القديم قد سلكها في ~~آلية العادة اليومية على حين بعث ظهورها المفاجئ في المكان ~~الجديد - ذاك الظهور الذي خلقها في عينيه خلقا جديدا - حياة ~~جديدة في ms230 وجدانه، أيقظت الحياة الأصلية الكامنة، ثم تعاونتا معا ~~على إحداث هذه الرجة العنيفة، ولعل ذلك أيضا لأن وجودها بعيدا ~~عن بيته وما يقترن به من تقاليد صارمة أقامت بينه وبينها سدا من ~~اليأس، وجودها في جو من الحرية والانطلاق ، وعلى حال لم يعهدها من ~~التبرج والحركة، وجودها في بيئة الزفاف وما توحي به من خواطر الحب ~~والوصال، كل أولئك أطلقها من قمقمها إلى حيث يراها القلب أملا غير ~~عسير، وكأنما تقول له: «انظر أين تراني الآن، ما هي إلا خطوة أخرى ~~فتجدني بين ذراعيك.» ولكن ما لبث هذا الأمل أن ارتطم بالواقع ~~الشائك مسهما في إحداث الرجة العنيفة، ولعل ذلك أيضا لأن رؤيتها ~~والمكان الجديد زادتها رسوخا في نفسه وتغلغلا في حياته - ونشوبها ~~في ذكرياته، فإن الصور تتعمق في أنفسنا باندماجها في مختلف ~~الأماكن التي تمتد إليها تجاربنا، وكما اقترنت مريم قديما بسطح ~~البيت وبستان اللبلاب والياسمين وكمال وتسميع الكلمات الإنجليزية ~~ومجلس القهوة وحديثه مع أمه في حجرة المذاكرة والرسالة التي عاد ~~بها كمال، فستقترن منذ الليلة بالسكرية وفناء آل شوكت ومجلس الطرب ~~وغناء صابر وزفاف عائشة، وغير ذلك مما ينثال على سمعه وبصره وكافة ~~حواسه، ومثل هذه العملية ... لا يمكن أن تتم دون أن تشارك في إحداث ~~الرجة العنيفة التي دوخته ... وحدث في فترة الاستراحة أن ترامى صوت ~~العالمة إلى مجلس الرجال من النوافذ المطلة على الفناء وهي تغني ~~«حبيبي غاب»، فنشط إلى السماع باهتمام شديد وجمع حواسه كلها في ~~النغمات، لا لأن صوت جليلة أعجبه ولكن لظنه أن مريم تنصت إليها في ~~تلك اللحظة؛ لأن الجملة الغنائية تخاطب أذنيهما في وقت واحد ~~معا؛ لأنها ألفت بينهما على حال واحدة من الإنصات وربما من ~~الإحساس، لأنها خلقت لهما موعدا يلتقيان فيه بروحيهما، وحمله هذا ~~كله على احترام الصوت وحب النغمات كي يجتمع بها في إحساس واحد. ~~وحاول طويلا أن ينفذ إلى نفسها بالرجوع إلى نفسه، أن يتلمس ~~ذبذبات تأثرها بمتابعة ذبذبات تأثره، ليعيش في ذاتها لحظات بلا ~~حجاب على ms231 بعد المسافة وكثافة الجدران، وحاول إلى هذا أن يستخبر ~~الجمل الغنائية عن آثارها في النفس المحبوبة، ماذا تركت في قلبها ~~جملة «حبيبي غاب» أو «بقى له زمان ما بعتش جواب»، ترى هل غابت في ~~لجج الذكريات؟ ... أو لم تنحسر موجة منه عن وجهه؟ ... ألم ينقبض قلبها ~~لشكة ألم أو لحزة حسرة؟ أم لها سادرا طوال الوقت لا يجد في النغمة ~~إلا فرحة الطرب؟ ... وتصورها وهي تهب انتباهها للنغم سافرة متبرجة ~~الحيوية أو وثغرها يفتر عن ابتسامة كتلك التي لمحها على شفتيها عند ~~مجيئها، فآلمته لأنه توسم فيها رمز السلو والنسيان، أو وهي تحادث ~~إحدى أختيه كما يحلو لها كثيرا وهو ما يحسدهما عليه على حين لا ~~تجدان فيه الأمر الذي يدهشه لحد الانزعاج إلا حديثا عاديا كسائر ~~الأحاديث التي تشتبكان فيها مع غيرها من فتيات الجيران، أجل طالما ~~عجب لموقف أختيه منها، لا لأنهما لا تكترثان لها فالحق أنهما ~~تحبانها، ولكن لأنهما تحبانها كما تحبان غيرها من فتيات الجيران ~~كأنها مجرد «فتاة» من فتيات الجيران، وكيف تلقيانها بترحيب عادي ~~دون أن يضطرب لهما نفس كما يلقى هو أي فتاة عابرة أو أيا من ~~أقرانه طلبة مدرسة الحقوق، وكيف تتحدثان عنها فتقولان «مريم قالت ~~أو مريم فعلت»، وتنطقان بالاسم كما تنطقان بأي اسم ... أم حنفي مثلا ~~كأنه ليس الاسم الذي لم ينطق به على مسمع من غيره إلا مرة أو ~~مرتين، وهو يعجب لموقعه من أذنه أو كأنه ليس الاسم الذي لا ينطق به ~~في وحدته إلا كما ينطق بالأسماء المبجلة المنقوشة في خياله بتهاويل ~~الأحلام التي لا ينطق بأحدها حتى يردف «رضي الله عنه» أو «عليه ~~السلام» ... وكيف إذن عطل الاسم - بل الشخص نفسه - عندهما من سحره ~~وقدسيته؟! وعندما انتهت جليلة من الأغنية تعالى الهتاف والتصفيق، ~~فركز فيه انتباهه باهتمام لم تحظ الأغنية نفسها بمثله؛ لأن حنجرة ~~مريم ويديها اشتركت فيه، وتمنى لو كان بوسعه أن يميز صوتها من تلك ~~الأصوات، وأن يفرز تصفيقها من ذلك التصفيق، ولكن لم يكن ms232 ذلك بأسهل ~~من تمييز صوت موجة بالذات من هدير الأمواج المتلاطمة على الشاطئ، ~~على أنه وهب حبه للهتاف كله والتصفيق كله بلا تمييز كالأم التي ~~يترامى إلى سمعها أصوات التلاميذ من المدرسة التي يتبعها ابنها، ~~فتدعو لهم جميعا بالبركة والسلامة. # لم يكن أشبه بفهمي في عزلته الباطنية - وإن اختلفت الأسباب - من ~~أبيه الذي لزم المنظرة بين نفر من خاصة خلانه، حتى الأصدقاء ~~الذين لم يطيقوا التوقر، والغناء يجلجل في الخارج، انفضوا من ~~حوله وتفرقوا بين المستمعين يطربون ويلهون، فلم يبق معه إلا ~~النفر الذين مجلسه أحب إليهم من اللهو نفسه، فلبثوا جميعا في ~~رزانة غير معهودة كأنما يؤدون واجبا أو يشهدون مأتما، هذا ما ~~قدروه من قبل، حين دعاهم السيد إلى ليلة الزفاف، لما خبروه من ~~طبيعته المزدوجة التي عرف بجانب منها بين أصدقائه، وبالجانب الآخر ~~بين آل بيته، ولم يفتهم وجه من وجوه التناقض بين مجلسهم الوقور ~~هذا الذي يحتفلون فيه ب «ليلة زفاف» وبين مجالسهم المسائية ~~المعربدة التي لا يحتفلون فيها بشيء! وما عتموا أن جعلوا من ~~توقرهم موضوعا للمزاح الخفيف الهادئ، فما إن علا صوت السيد عفت ~~مرة وهو يضحك، حتى بادره السيد الفار واضعا سبابته على شفتيه ~~كأنما يأمره بخفض صوته وهمس في أذنه محذرا زاجرا: نحن في فرح يا ~~رجل! ... ومرة أخرى وكان الصمت قد غلبهم مليا، فإذا بالسيد علي ~~يقلب عينيه في وجوههم، ثم يقول رافعا يده إلى رأسه كالشاكر: «شكر ~~الله سعيكم.» وعند ذاك دعاهم السيد إلى اللحاق بصحبه في الخارج، ~~ومشاركتهم لهوهم ولكن السيد عفت خاطبه بلهجة تنم عن شديد العتاب ~~قائلا: نتركك في مثل هذه الليلة؟! وهل يعرف الصديق إلا عند ~~الضيق؟! فما تمالك السيد أن ضحك قائلا: ما هي إلا عدة ليالي زفاف ~~أخرى حتى يتوب الله علينا جميعا ... على أن ليلة الزفاف تضمنت في ~~نظر السيد أحمد معاني أخرى غير التوقر الإجباري في مجلس أنس وطرب، ~~معاني تخصه وحده كأب ذي طبيعة خرقت المألوف من الطبائع، فلم يزل ~~يجد ms233 لفكرة زواج كريمته إحساسا غريبا لا يرتاح إليه، وإن لم يقره ~~عقله أو دينه. لا يعني هذا أنه ود ألا تتزوج كريمتاه، فالحق أنه ~~كسائر الآباء جميعا رجا الستر لفتاتيه، ولكن لعله تمنى كثيرا ~~لو لم يكن الزواج الوسيلة الوحيدة لهذا «الستر»، ولعله تمنى لو ~~كان الله قد خلق البنات على طبيعة لا تحتم الزواج، أو لعله تمنى في ~~الأقل لو لم يكن أنجب إناثا قط، أما وتلك أمان لم تتحقق ولا ~~سبيل إلى تحقيقها، فلم يكن بد من أن يرجو الزواج لفتاتيه، ولو ~~كما يرجو الإنسان أحيانا - ليأسه من دوام العمر - ميتة شريفة أو ~~ميتة مريحة! طالما أفصح عن نفوره هذا بسبل متباينة سواء عن شعور ~~أو لا شعور، فربما حدث بعض خلصائه قائلا: «تسألني عن إنجاب ~~الإناث؟ إنه شر لا حيلة لنا فيه، ولكن الشكر إلى الله واجب على ~~أي حال. لا يعني هذا أني لا أحب ابنتي، فالحق أني أحبهما كما أحب ~~ياسين وفهمي وكمال سواء بسواء، ولكن كيف يطمئن خاطري وأنا أعلم ~~بأني سأحملهما يوما إلى رجل غريب مهما يبدو لي من مظاهر، فالله ~~وحده المطلع على باطنه؟ ... ما حيلة البنت الضعيفة حيال رجل غريب وهي ~~بعيدة عن رعاية أبيها؟ ... وكيف يكون مصيرها لو طلقها يوما وقد ~~مات أبوها فلجأت إلى بيت أخيها لتعيش عيشة المنبوذين؟! لست أخاف ~~على أحد من أبنائي؛ لأنه مهما يحدث لأيهم من أمر، فهو رجل قادر ~~على أن يواجه الحياة، أما البنت ... اللهم احفظنا!» أو يقول فيما ~~يشبه الصراحة: «البنت مشكلة حقا ... ألا ترى أنا لا نألو أن ~~نؤدبها ونهذبها ونحفظها ونصونها؟ ... ولكن ألا ترى أنا بعد هذا كله ~~نحملها بأنفسنا إلى رجل غريب ليفعل بها ما يشاء ... الحمد لله الذي ~~لا يحمد على مكروه سواه ...» وتجسم هذا الإحساس القلق الغريب في ~~النظرة الانتقادية التي والى بها خليل شوكت «العريس» نظرة متعسفة ~~عيابة أبت أن ترجع قبل أن تظفر بعيب يرضي تعنتها، كأنه ليس من ~~آل شوكت الذين ألفت بينه وبينهم ms234 أسباب المودة والولاء من قديم ~~الزمان، أو كأنه ليس الشاب الذي شهد له كل من رآه بالرجولة ~~والجمال والوجاهة، لم يسعه أن ينكر مزية من مزاياه، ولكنه وقف ~~طويلا عند وجهه الريان ونظرة عينيه الهادئة الثقيلة الموحية ~~بالكسل، فطاب له أن يستدل بهما على ما تركه الفراغ في حياته من ~~حيوانية قائلا لنفسه: «ما هو إلا ثور يعيش ليأكل وينام!» لم يكن ~~اعترافه بمزاياه أولا ثم فحصه عن أي عيب ليلصقه به أخيرا إلا ~~منطقا عاطفيا يعكس ما يكمن في نفسه من رغبة في تزويج الفتاة ~~ونفوره من فكرة الزواج، فالاعتراف مهد إلى تحقيق الزواج والفحص ~~عن العيوب نفس عن العاطفة العدائية كمدمن الأفيون الذي تستذله ~~لذته وترعبه خطورته، فينشده بكل سبيل وهو يلعنه، بيد أنه تناسى ~~مشاعره الغريبة وهو بين أصدقائه الحميمين يتسلى بالحديث حينا، ~~وبالسماع من بعيد حينا آخر، ففتح صدره للرضا والغبطة ودعا لفتاته ~~بالسعادة والحياة المطمئنة، حتى نظرته الانتقادية لخليل شوكت ~~استحالت إحساسا ساخرا غير مشوب بالحنق. # وعندما دعي المدعوون إلى الموائد افترق فهمي وياسين لأول مرة، ~~فقاد خليل شوكت الأخير إلى المائدة الخاصة، حيث بذل الشراب بغير ~~حساب، ولكن ياسين بدا حذرا مقدرا للعواقب، فأعلن قناعته بكأسين ~~وقاوم بشجاعة - أو بجبن - تيار الشراب المتدفق، حتى إذا ما لسعته ~~النشوة الأولى فهيجت ذكرياته عن لذة النشوات، ووهنت إرادته فرغب ~~في الاستزادة من النشوة إلى القدر الذي لا يخرجه عن حدود الأمان ~~فتناول كأسا ثالثة، ثم فر بنفسه عن المائدة، إلا أنه - على سبيل ~~الاحتياط، أو لأنه لم يزل عينا في الجنة وعينا في النار - أخفى ~~زجاجة مملوءة حتى النصف في مكان خفي للرجوع إليها عند الضرورة ~~القصوى، وعادوا إلى مجلسهم بأرواح جديدة راقصة انطلق منها إلى ~~الجو المحيط سرور محرر من القيود. # وفي الحريم كان السكر قد بلغ بالعالمة جليلة حد السلطنة، وإذا ~~بها تقلب عينيها في وجوه المدعوات، وتتساءل: من منكن حرم السيد ~~أحمد عبد الجواد؟ # فجذب تساؤلها الأنظار وأثار اهتماما شاملا، حتى غلب الحياء ms235 ~~أمينة فلم تنبس بكلمة، وجعلت تحملق في وجه العالمة بحيرة وإنكار، ~~ولما أعادت العالمة التساؤل تطوعت حرم المرحوم شوكت بالإشارة إلى ~~أمينة، وهي تقول: ها هي حرم السيد أحمد ففيم يا ترى ~~التساؤل؟ # فتفحصتها العالمة بعينين ثاقبتين، ثم أطلقت ضحكة رنانة، ~~وقالت بلهجة تنم عن الرضا: حسناء وحق بيت الله، إن ذوق السيد لا ~~يجارى. # وبدت أمينة كالعذراء المتعثرة في حيائها، بيد أن الحياء لم يكن ~~كل ما تعانيه، ساءلت نفسها في حيرة وانزعاج عما يعنيه حديث ~~العالمة عن حرم «السيد أحمد عبد الجواد» وعن إطرائها ذوق السيد ~~بلهجة لا يدعيها لنفسه إلا الخبير به، وشاركتها شعورها عائشة ~~وخديجة التي رددت عينيها بين العالمة وبين بعض الفتيات من ~~صديقاتها كأنما تسائلهن عن رأيهن في «هذه المرأة السكيرة»، ولكن ~~جليلة لم تأبه لما أثاره كلامها من انزعاج، فحولت عينيها إلى ~~العروس وتفحصتها كما تفحصت أمها من قبل، ثم أرعشت حاجبيها وهي ~~تقول بإعجاب: قمر ورسول الله، أنت بنت أبيك حقا، ومن ير هاتين ~~العينين يذكر من توه عينيه ... (ثم مقهقهة) أراكن تتساءلن من أين ~~لهذه المرأة معرفة السيدة أحمد؟! ... إني أعرفه من قبل أن تعرفه زوجه ~~نفسها، إنه ربيب حينا وقرين صباي، وكان والدانا صديقين، أم ~~تحسبين العالمة لا أب لها؟ ... كان أبي شيخ كتاب من أهل البركة ... ~~ما رأيك يا زينة الستات؟! # وجهت السؤال الأخير إلى أمينة، فدفعها الخوف وما طبعت عليه من ~~لين وتودد إلى أن تجيبها - وهي تقاوم ما ركبها من ارتباك - ~~قائلة: رحمه الله، كلنا أبناء حواء وآدم. # فجعلت جليلة تحرك رأسها يمنة ويسرة، وهي تضيق عينيها كأنما ~~بلغ تأثرها بالذكرى وموعظتها نهايته، أو لعل رأسها السكران وجد في ~~هذه الحركة رياضة التذ بها، ثم استطردت قائلة: وكان رجلا ~~غيورا، ولكني نشأت بفطرتي لعوبا لا أبالي كأنما رضعت الغنج في ~~المهد، كنت أضحك الضحكة في الدور الأعلى، فتضطرب لها جوانح الرجال ~~في الشارع، فما يبلغه صوتي حتى ينهال علي ضربا ويرميني بشر ~~الصفات، ولكن ما حيلة التأديب ms236 فيمن قدرت عليها فنون العشق والطرب ~~والدلال؟! ... ضاع التأديب هباء، ومضى الرجل إلى الجنة ونعيمها، ~~وقضي علي بأن أتخذ مما رماني به من شر الصفات شعارا لي في ~~الحياة ... هي الدنيا ... ربنا يطعمكن خيرها ويكفيكن شرها ... ولا حرمنا ~~الله جميعا من الرجال سواء في الحلال أو في الحرام. # وعزف الضحك في جنبات الحجرة، حتى غطى على تأوهات الدهش التي ~~ندت هنا وهناك، ولعل ما استثاره قبل أي شيء آخر هو وجه التناقض ~~بين الدعاء الإباحي الأخير وبين ما سبقه من عبارات توحي - في ~~ظاهرها على الأقل - بالجد والتأسي، أو بين ما تقنعت به المرأة من ~~ستار الجد والرزانة، وما جهرت به أخيرا من مزاح مكشوف، حتى أمينة ~~نفسها - وعلى رغم ارتباكها - ما تمالكت أن ابتسمت وإن نكست وجهها ~~لتواري ابتسامتها، على أن النساء كن يستجبن - في مثل هذا المجلس - ~~لدعابات مهرجات العوالم، ويرحبن بمزاحهن وإن خدش الحياء أحيانا ~~كأنما ينفسن به على طول تزمتهن، وواصلت العالمة السكرانة حديثها ~~قائلة: وكان، جعل الله الجنة مثواه، سليم الطوية، وآي ذلك أنه ~~جاءني يوما برجل طيب مثله، وأراد أن يزوجني منه (وكركرت ضاحكة) ~~... أي زواج يا عمر؟! وماذا بقي للزوج بعد ما كان مما كان! ... وقلت ~~لنفسي: انفضحت يا جليلة وواقعتك كحل ... # وأمسكت مليا لتستزيد من التشويق، أو لتتمتع أكثر بصمت الانتباه ~~المركز فيها الذي لا تحظى بمثله حين الغناء نفسه، ثم عادت تقول: ~~ولكن الله سلم فأدركتني النجاة قبل الفضيحة المتوقعة بأيام؛ إذ ~~هربت مع المرحوم حسونة البغل تاجر المنزول، وكان للمرحوم أخ عواد ~~عند العالمة نيزك فعلمني العود، ثم طاب له صوتي فعلمني الغناء، ~~وأخذ بيدي حتى ضمني إلى تخت نيزك التي حللت محلها بعد وفاتها، ~~ومارست الغناء دهرا عرفت فيه من العشاق مائة و... (وقطبت وهي تتذكر ~~بقية العدد ثم التفتت إلى الدفافة، وسألتها): وكم يا فينو؟ # فبادرتها الدفافة قائلة: وخمسة في عين من لا يصلي على ~~النبي. # وتعالى الضحك مرة أخرى، فجعلت بعض المشغوفات بالحديث يسكتن ~~الضاحكات ليصفو الجو ms237 للعالمة، ولكنها نهضت بغتة واتجهت نحو باب ~~الحجرة غير ملقية بالا إلى اللاتي تساءلن عن وجهتها دون أن يحظين ~~بجواب، ولكن أحدا لم يلح عليها في السؤال لما اشتهرت به عند الناس ~~من أنها صاحبة نزوة إذا نادتها لبت دون مراجعة، وهبطت السلم إلى ~~باب الحريم ثم مرقت منه إلى فناء الدار، ولما جذب ظهورها المفاجئ ~~بعض الأنظار القريبة تلبثت بمكانها لتتيح لنفسها أن ترى من ~~الجميع، فتستمتع بما يحدثه منظرها فيهم من اهتمام طمعت في أن ~~تتحدى به صابرا وهو في ذروة التطريب، وتحققت رغبتها إذ سرت عدوى ~~الالتفات نحوها - كالتثاؤب - من فرد إلى فرد، وتردد اسمها على ~~الألسن، ثم شعر صابر نفسه - رغم انهماكه في الغناء - بالفجوة ~~الفجائية التي فصلت بينه وبين جمهوره، فمد بصره إلى الهدف الذي ~~استشرفته الأعين، حتى استقر على العالمة وهي تنظر إليه من بعيد ~~برأس مائل إلى الوراء من سلطنة السكر والخيلاء، فاضطر إلى ~~الإمساك عن الغناء وأشار إلى تخته فتوقف عن العزف، ثم رفع يديه ~~إلى رأسه تحية لها! ... كان صابر خبيرا بنزوات جليلة - وعلى خلاف ~~الكثيرين - عالما بطيبة قلبها، ومقدرا في الوقت نفسه لخطر ~~معاندتها، فأظهر لها التودد بلا تحفظ، ونجحت حيلته فانطلقت أسارير ~~المرأة بالبشر، وهتفت به: «واصل غناءك يا سي صابر فما جئت إلا ~~لسماعه.» فصفق المدعوون وعادوا إلى صابر مهللين على حين اقترب منها ~~إبراهيم شوكت شقيق العريس الأكبر، وسألها بلطف عن حاجتها فذكرت ~~بسؤاله السبب الحقيقي الذي دعاها إلى المجيء، وسألته بدورها بصوت ~~ترامى إلى الكثيرين ومنهم - وهو الأهم - ياسين وفهمي: ما لي لا أرى ~~السيد أحمد عبد الجواد؟! ... أين يختبئ الرجل؟ # فأخذ إبراهيم شوكت بيدها وسار بها إلى المنظرة باسما، على حين ~~تبادل فهمي وياسين نظرة ملئت دهشا واستغرابا، وشيعاهما بعينين ~~متسائلتين حتى واراهما الباب، ولم يكن السيد دون ابنيه دهشا لدى ~~رؤيتها مقبلة نحوه تخطر فحدجها بنظرة انزعاج وتساؤل، بينما تبادل ~~صحبه نظرات باسمة ذات معان، وشملت جليلة الجميع بنظرة عابرة ~~قائلة: مساء الأنس يا ms238 رجال. # وركزت عينيها في السيد، فما تمالكت أن أغربت في الضحك وهي تتساءل ~~ساخرة: هل أخافك مجيئي يا سيد أحمد؟! # فأشار السيد إلى الخارج محذرا، وهو يقول لها جادا: اعقلي يا ~~جليلة، ماذا حملك على المجيء إلى هنا تحت أنظار الناس ~~جميعا؟! # فقالت كالمعتذرة وإن لم تزايلها بسمة ساخرة: عز علي ألا أهنئك ~~على زواج كريمتك! # فقال السيد في ضيق: لك الشكر يا ستي، ولكن أما فكرت فيما يثيره ~~مجيئك لدى من يشهده من ظنون؟ # فضربت جليلة كفا بكف وقالت فيما يشبه العتاب: هذا أحسن ما عندك ~~لي من استقبال! ... (ثم موجهة الخطاب إلى صحبه) أشهدكم يا رجال على ~~الرجل الذي لم يكن يبتل صدره حتى يغرز فردة شاربه في سرتي، انظروا ~~إليه كيف لا يطيق الآن رؤيتي. # فلوح السيد لها بيده كأنما يقول لها: «لا تزيدي الطين بلة.» وقال ~~برجاء: علم الله ما بي استياء لرؤيتك ولكنه الحرج كما ترين. # هنا قال السيد علي كأنما ليذكرها بما لا ينبغي لها أن تنساه: لقد ~~عشتما حبيبين وافترقتما صديقين، وليس بينكما ثأر، ولكن أهله فوق ~~وأبناءه في الخارج. # فقالت متمادية في إغاظة السيد: لماذا تتظاهر بالتقوى بين أهلك ~~وأنت بركة فسق! # فرماها بنظرة احتجاج قائلا: جليلة! ... لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. ~~- جليلة أم زبيدة يا ولي الله؟! ~~- حسبي الله ونعم الوكيل. # فأرعشت له حاجبيها كما أرعشتهما لعائشة من قبل، ولكن على سبيل ~~التهكم لا الإعجاب هذه المرة، وقالت بصوت هادئ جاد كالقاضي ينطق ~~بالحكم: سيان عندي أن تعشق زبيدة أم غيرها من النساء، ولكن يؤسفني ~~ورأس أمي أن تتمرغ في التراب بعد أن غرقت حتى أذنيك (مشيرة إلى ~~نفسها) في القشدة ... # عند ذاك نهض السيد محمد عفت - وكان من أقرب المقربين إليها - وقد ~~خاف أن يتمادى بها السكر إلى ما لا تحمد عقباه، فتناول يدها ~~وجذبها برفق صوب الباب هامسا في أذنها: حلفتك بالحسين إلا ما ~~رجعت إلى مستمعاتك المنتظرات على نار. # فطاوعته بعد ممانعة ولكنها التفتت نحو السيد وهي ms239 تبتعد رويدا ~~وقالت: لا تنس أن تبلغ تحياتي إلى القارحة، ونصيحتي إليك - بحق ~~الأخوة - أن تغتسل بعدها بالكحول لأن عرقها مصاص للدماء. # شيعها السيد بنظرة ساخطة وهو يلعن الحظ الذي قضى بأن ينكشف ~~أمام كثيرين - خاصة أهله - ممن عرفوه مثالا للجد والرزانة، أجل ~~لم يزل ثمة أمل في ألا يبلغ الحادث أحدا من آله ولكنه أمل ~~ضعيف، ولم يزل ثمة رجاء في ألا يفهموه إذا بلغهم - بما طبعوا ~~عليه من براءة - على حقيقته، ولكنه رجاء غير مضمون لأكثر من سبب، ~~بيد أنه على أسوأ الفروض لا يحق له أن يجزع؛ لأن خضوعهم له من ~~ناحية وسيطرته عليهم من ناحية أخرى أثبت من أن يزعزعهما مزعزع، ~~ولا هذه الفضيحة نفسها، وفضلا عن هذا فإن احتمال انكشاف أمره لدى ~~أحد من أبنائه أو لديهم جميعا لم يكن عنده يوما بالفرض المستحيل، ~~ولكنه لم يقلق لذاك أكثر مما ينبغي؛ لثقته بقوته ولأنه لم يعتمد في ~~تربيتهم على القدوة والإقناع، فيخاف انحرافهم عن الجادة تبعا ~~لما قد يظهر لهم من انحرافه عنها، ولأنه استبعد أن يطلعوا على ~~شيء من أمره قبل أن يبلغوا أشدهم أي حين لا يهمه كثيرا أن ينكشف ~~لهم سره، ولكن شيئا من هذا لم يستطع أن يلطف من أسفه على ما وقع. ~~حقا لم يخل من سرور ومن تيه جنسي؛ إذ إن مجيء امرأة كجليلة ~~بنفسها إلى مجلسه لتهنئه أو لتعابثه أو حتى لتتهكم بعشقه الجديد ~~«حادث» له مغزاه الهام في الأوساط التي تشهد لياليه، وظاهرة لها ~~دلالتها البعيدة لرجل مثله لا يعدل بالهوى والطرب والأنس شيئا، ~~ولكن كم كانت تكون سعادته صافية لو وقع الحادث الجميل بعيدا عن ~~هذه البيئة العائلية! # أما ياسين وفهمي فلم تتحول عيناهما عن باب المنظرة منذ ولجته ~~جليلة، حتى خرجت منه مصحوبة بالسيد محمد عفت. دهش فهمي دهشة بكرا ~~دار لها رأسه كياسين حين سمع زنوبة وهي تجيبه قائلة: «إنه من حينا ~~ولا بد أنك تسمع عنه ... السيد أحمد عبد الجواد ...» على حين ركب ms240 ياسين ~~حب استطلاع نهم، فأدرك - في سعادة أيقظت في قلبه نشوة الإعجاب ~~والمشاركة الوجدانية التي شعر بها نحو أبيه في حجرة زنوبة - أن ~~جليلة مغامرة أخرى في حياة أبيه، التي بات يؤمن بأنها سلسلة ذهبية ~~من المغامرات، وأن الرجل فاق كل ما تصوره خياله عنه، ولبث فهمي ~~يأمل ويرجو أن يعلم بين حين وآخر بأن العالمة إنما أرادت مقابلة ~~والده لسبب أو لآخر يتعلق بدعوتها إلى إحياء فرح عائشة، حتى جاء ~~خليل شوكت وأخبرهما ضاحكا بأن جليلة «تداعب السيد»، وبأنها «تتودد ~~إليه تودد الصديق للصديق» وعند ذاك لم يطق ياسين صبرا على كتمان ~~ما عنده من سر، ووثبت نشوة الشراب به إلى الإدلاء بمعلوماته، ~~فانتظر حتى غادر خليل ثم مال على أذن أخيه قائلا، وهو يغالب ضحكه: ~~«كتمت عنك أشياء تحرجت من البوح بها في حينها، أما وقد رأيت ما ~~رأيت وسمعت ما سمعت، فسأبوح لك بها» ومضى يقص عليه ما سمع وما رأى ~~في بيت زبيدة العالمة، وفهمي يقاطعه من آونة لأخرى قائلا في ~~ذهول: «لا تقل هذا ...» «هل فقدت وعيك؟» «كيف تريدني على أن أصدقك» ~~حتى أتى الشاب على قصته بكل تفاصيلها. لم يكن فهمي، بما نشأ عليه ~~من عقيدة ومثالية، على استعداد لفهم - بله هضم - السيرة الخفية ~~التي تنكشف له لأول مرة خاصة وأن والده نفسه كان من أركان عقيدته ~~ودعائم مثاليته، ولعل ثمة وجها من التشابه بين شعوره وهو يعاني ~~هذا الكشف لأول وهلة وبين شعور الجنين - إن صدق الخيال - وهو ~~ينتقل من مستقر الرحم إلى مضطرب الحياة، ولعله لو كان قيل له إن ~~جامع قلاوون انعكس وضعه فصارت المئذنة أسفل بنائه والضريح عاليه، ~~أو كان قيل له إن محمد فريد خان رسالة مصطفى كامل وباع نفسه ~~للإنجليز لما كان هذا أو ذاك بأدعى إلى إنكاره وانزعاجه. «أبي يذهب ~~إلى بيت زبيدة ليشرب ويغني ويضرب الدف! ... أبي يذعن لمداعبة جليلة ~~وتوددها! ... أبي يقترف السكر والزنا، كيف اجتمعت الثلاث! ... إذن ~~هو غير الأب الذي عرفته في البيت ms241 مثالا للورع والقوة! ... أيهما ~~الصحيح؟ ... كأني أسمعه الآن وهو يردد: الله أكبر ... الله أكبر، فكيف ~~ترديده للغناء! ... حياة تمثيل ورياء! ولكنه صادق، صادق إذا رفع رأسه ~~للدعاء، صادق إذا غضب ... أيكون أبي رذيلة أم يكون الفسق فضيلة؟! ~~...» ~~- ذهلت؟! ... ذهلت أنا أيضا عندما نطقت زنوبة باسمه، ولكن سرعان ~~ما استسخفت نفسي، وسألتها: ماذا عليه من هذا؟! ... كفر! هكذا الرجال ~~جميعا أو هكذا يجب أن يكونوا. ~~«هذا القول جدير بياسين حقا ... ياسين شيء وأبي شيء آخر ... ياسين! ~~... ما ياسين؟! ... ولكن كيف يحق لي أن أردد هذا الآن وأبي، أبي نفسه، ~~لا يختلف عنه في شيء إن لم يفقه تدهورا ... كلا ليس تدهورا ... ~~ثمة أمر أجهله ... أبي لا يخطئ ... غير قابل للخطأ، فوق الشبهات ... ~~وعلى أي حال فوق الاحتقار.» ~~- ما زلت ذاهلا؟! ~~- لا أتصور شيئا مما قلت! ~~- لماذا؟ ... اضحك وافهم الدنيا، يغني وماذا في الغناء من عيب؟ ~~ويسكر وصدقني أن السكر ألذ من الأكل، ويعشق والعشق كان ملهاة ~~الخلفاء، اقرأ ديوان الحماسة والأخبار التي بهامشه، ليس على أبينا ~~حرج، اهتف معي ليحي السيد أحمد عبد الجواد، ليحي أبونا، سأتركك ~~لحظة ريثما أزور - لهذه المناسبة - الزجاجة التي أخفيتها تحت ~~الكرسي. # بعودة العالمة إلى التخت شاع في الحريم نبأ مقابلتها للسيد أحمد ~~عبد الجواد، فانتقل من لسان إلى لسان حتى تناهى إلى الأم وخديجة ~~وعائشة، ومع أنهن كن يسمعن شيئا كهذا لأول مرة إلا أن سيدات ~~كثيرات - ممن بين بعولهن وبين السيد سبب من أسباب المودة - ~~تلقين النبأ في غير ما دهش، وغمزن بأعينهن باسمات شأن الذي ~~يعرف أكثر مما يقال، ولكن واحدة منهن لم تسول لها نفسها الخوض في ~~الموضوع، إما لأن الخوض فيه جهارا أمر لا يجمل بهن أمام كريماتهن، ~~وإما لأن دواعي المجاملة أملت عليهن بأن يمسكن عنه حيال أمينة ~~وكريمتيها، غير أن حرم المرحوم شوكت قالت لأمينة مداعبة: «حذار يا ~~أمينة هانم؛ فالظاهر أن عين جليلة زاغت إلى السيد أحمد!» فابتسمت ~~أمينة متظاهرة بعدم الاكتراث ودم الحياء والارتباك يخضب وجهها، ~~لأول ms242 مرة تلمس دليلا محسوسا على ما قام بنفسها قديما من شكوك، ~~ومع أنها ألفت الصبر والتسليم بما قدر عليها، إلا أن ارتطامها ~~بدليل محسوس حز في قلبها، فأحست عذابا لا عهد لها به، وجرحا ~~داميا في صميم كبريائها، وأرادت امرأة أن تعلق على قول حرم ~~المرحوم شوكت بكلمة مجاملة تليق بأم العروس، فقالت: «من يكن له وجه ~~كوجه ست أم فهمي قسامة، فلا يحق لها أن تخشى زيغان عين زوجها إلى ~~امرأة أخرى!» فاهتزت جوانحها للثناء وعاودتها ابتسامتها الحيية، ~~ووجدت - على أي حال - بعض العزاء عما تعانيه من ألم صامت، إلا أنه ~~لما بدأت جليلة أغنية جديدة فملأ صوتها مسمعيها ثار بها غضب مفاجئ، ~~وشعرت ثواني بأن زمام نفسها سيفلت من قبضتها، ولكنها سرعان ما ~~كظمته بقوة خليقة بامرأة لم تعترف لنفسها قط بحق الغضب. هذا على ~~حين تلقت خديجة وعائشة النبأ بدهش فتبادلتا نظرة حائرة، وتساءلتا ~~بعينيهما عما يعنيه الأمر كله، بيد أن دهشهما لم يقترن بانزعاج ~~كما حدث لفهمي ولا بألم كما حدث لأمهما، ولعلهما وجدتا في قيام ~~امرأة كجليلة من تختها وتكبدها مشقة النزول إلى مجلس أبيهما لتحيته ~~ومحادثته شيئا مثيرا للإعجاب حقا، ثم شعرت خديجة برغبة غريزية ~~في استطلاع وجه أمها، فاسترقت إليها النظر، ومع أنها رأتها تبتسم ~~إلا أنها فطنت من أول وهلة إلى أنها تكابد ألما وارتباكا ينغصان ~~عليها صفوها، وأحست بضيق وما لبثت أن حنقت على العالمة وحرم ~~المرحوم شوكت والمجلس كله. # ولما أزفت ساعة الزفة نسي كل همه. أسابيع مضت فشهور وصورة ~~عائشة في ثوب الزفاف لا تبرح الأذهان. ~~••• # بدت الغورية متلفعة بالظلام والصمت حينما غادرت الأسرة بيت ~~العروس عائدة إلى النحاسين. سار السيد أحمد في المقدمة وحده، ~~وتبعه على بعد أمتار فهمي وياسين الذي أفرغ ما في وسعه كيما يتمالك ~~نفسه، ويتحكم في مشيته أن يخونه وعيه الزائغ من فرط الشراب، ثم ~~جاءت في المؤخرة أمينة وخديجة وكمال وأم حنفي، انضم كمال إلى ~~القافلة على رغمه، فلولا الحادي الذي يتقدمها لوجد ms243 سبيلا إلى ~~عصيان يد والدته، وانقلب راجعا إلى حيث غادروا عائشة، وجعل لهذا ~~يتلفت بين خطوة وأخرى صوب بوابة المتولي؛ ليودع أسيفا محزونا ~~آخر ما لاح من مظاهر الفرح، ذلك المصباح المضيء الذي رقي عامل في ~~سلم خشبي إليه ؛ ليقتلعه من مربطه فوق مدخل السكرية، لشد ما يقطع ~~قلبه أن ينظر إلى أسرته، فيجدها قد تخلت عن أحب أفرادها إليه بعد ~~أمه، ورفع بصره إلى والدته وسألها هامسا: متى تعود أبلة عائشة ~~إلينا؟ # فأجابته بمثل صوته: لا تكرر هذا وادع لها بالسعادة، ستزورنا ~~كثيرا ونزورها كثيرا. # فهمس مرة أخرى محنقا: ضحكتم علي! # فأشارت بيدها إلى الأمام، في اتجاه السيد الذي كادت تبتلعه ~~الظلمة ومطت شفتيها هامسة «هس»، ولكنه كان مشغولا باستحضار صور ~~مما مر به في بيت العرس إلى مخيلته، رأى أنها متناهية في غرابتها، ~~وفيما بعثته في نفسه من حيرة، فجذب يدها إليه ليبتعد بها عن خديجة ~~وأم حنفي، ثم همس متسائلا، وهو يشير إلى الوراء: أما علمت بما ~~يدور هنالك؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- نظرت من ثقب الباب. # فانقبض قلب الأم جزعا؛ لأنها حدست أي باب يعني، ولكنها سألته ~~مكذبة نفسها: أي باب؟ ~~- باب غرفة العروس! # فقالت المرأة بانزعاج: يا له من عيب أن ينظر الإنسان من ثقوب ~~الأبواب! # فهمس من فوره: ما رأيته أعيب! ~~- اخرس. ~~- رأيت أبلة عائشة وسي خليل يجلسان على الشيزلنج ... وهو ... # فلكزته في كتفه بشدة حتى أمسك ثم همست في أذنه: يجب أن تخجل مما ~~تقول، لو سمعك أبوك لقتلك. # ولكنه قال بإصرار وبلهجة من يشعر بأنه يكشف لها عن حقيقة لا يمكن ~~أن تتصور هي وقوعها: كان يتناول ذقنها بيده ويقبلها. # ولكزته مرة أخرى بقسوة لم يعهدها من قبل، فأدرك أنه أخطأ حقا ~~وهو لا يدري وسكت خائفا، ولكنه عندما كانا يقطعان فناء البيت ~~المظلم متأخرين عن بقية الأسرة - وقد تخلفت عنهما أم حنفي لتسك ~~الباب وتضببه وتترسه - ألح عليه ما يكابد من حيرة ورغبة في ~~الاستطلاع، فخرج من صمته وخوفه وسألها برجاء: لماذا يقبلها ms244 يا ~~نينة؟ # فقالت له بحزم: إذا عدت إلى هذا أخبرت والدك! # 41 # آوى ياسين إلى حجرة النوم، وهو على حال من السكر شديدة، ما كاد ~~يخلو إلى فهمي ويأمن الرقباء - سرعان ما غط كمال في نومه عقب ~~وضع رأسه على المخدة مباشرة - حتى جمحت به رغبة في العربدة كرد ~~فعل للجهد العصبي الذي بذله طوال السهرة، خاصة في طريق العودة، ~~كيما يضبط نفسه ويسيطر على سلوكه، ولكنه وجد الحجرة أضيق من أن ~~تتسع لعربدته فمال إلى التنفيس عن صدره بالكلام، فنظر نحو فهمي وهو ~~ينزع ملابسه وقال ساخرا: قارن بين خيبتنا وبين براعة أبينا! ... ~~حقا إنه لرجل. # وعلى رغم ما حرك هذا الكلام من ألم فهمي وحيرته، إلا أنه قنع ~~بأن يقول وهو يرسم على شفتيه الممتعضتين شبه ابتسامة: البركة فيك ~~فأنت نعم الخلف. ~~- أيحزنك أن يكون والدنا من كبار القناصة؟ ~~- وددت لو تمتد يد التغيير إلى صورته الماثلة في نفسي. # فقال ياسين وهو يفرك راحتيه في سرور: الصورة الحقيقية أبهى ~~وأمتع، أعظم به من أب هو المثل الأعلى، آه لو رأيته وهو قابض على ~~الدف والكأس بين يديه تزهر! عفارم ... عفارم يا سيد أحمد! # فتساءل فهمي في حيرة: وحزمه وتقواه؟! # فقطب ياسين ليركز فكره في المسألة، ولكنه وجد نفسه في حال الجمع ~~بين الأضداد أروح لها من التوفيق بينها، فقال مدفوعا بالإعجاب ~~وحده: ليس ثمة مشكلة على الإطلاق، عقلك الرعديد وحده الذي يخلق ~~المشكلة من العدم، أبي حازم ومؤمن ويحب النسوان، شيء بسيط واضح 1 + ~~1 = 2، ولعلي أشبه الناس به على وجه التقريب؛ لأني مؤمن وأحب ~~النسوان وإن قل نصيبي من الحزم، أنت نفسك مؤمن وحازم وتحب ~~النسوان، ولكن بينا تحقق إيمانك وحزمك إذا بك تنكص عن الثالثة (ثم ~~ضاحكا) والثالثة هي الثابتة! # لعله نسي عند آخر كلامه باعث الإعجاب الذي دفعه إلى الاسترسال ~~فيه، فجاء قوله دفاعا عن أبيه في الظاهر فقط، أما في الحقيقة فلم ~~يكن إلا تعبيرا عن شعور وهاج هاج به دمه المخمور، عن شهوة ms245 ~~جامحة ركبته عقب اختفاء الرقباء الذين يحذرهم، شهوة أثارها خيال ~~مكهرب بالشراب، فرغب جسده في الحب رغبة جنونية عجزت إرادته عن ~~شكمها أو ملاطفتها، ولكن أين يجد مطلبه؟ هل يتسع له الوقت؟! ... ~~زنوبة؟! ... ماذا يحول بينه وبينها؟! ... طريق قصير، ضجعة قصيرة، ثم ~~يعود فينام نوما عميقا هادئا، هش للأخيلة المغرية هشاشة شخص لا ~~عقل له يراجعه، فاندفع إلى تحقيقها بلا تردد، وما لبث أن قال ~~لأخيه: الجو حار، سأصعد إلى السطح لأتنسم هواء الليل ~~الرطيب. # وغادر الحجرة إلى الدهليز الخارجي، ومضى يهبط متلمسا طريقه في ~~ظلمة غاشية، محاذرا غاية الحذر أن يند عنه صوت. ترى كيف يستطيع ~~الوصول إلى زنوبة في هذه الساعة من الليل؟ هل يطرق الباب؟ ومن عسى ~~أن يجيء لفتحه؟ وبم يجيبه إذا سأله عن مقصده؟ وإذا لم يستيقظ أحد ~~لفتح الباب؟ أو إذا جاء الخفير ليراقبه بتطفله المعروف؟ عامت هذه ~~الخواطر على سطح مخه كالفقاقيع، ثم انداحت غارقة في تيار الخمر ~~الجارف فلم يتجهم لها كعوائق ينبغي تقدير عواقبها، ولكنه ابتسم لها ~~كدعابات مما قد يؤنس وحشة مغامرته، ثم جاوزها خياله طائرا إلى ~~حجرة زنوبة المطلة على مفرق الغورية والصنادقية، فتخيلها في قميص ~~النوم الأبيض الشفاف، الذي يتقوس مطاوعا فوق النهدين وحول ~~الردفين، وتنحسر حاشيته عن ساقين مدملجتين خمريتين، فجن جنونه ~~وود لو يثب فوق الدرجات لولا الظلمة الغاشية. خرج - بخروجه إلى ~~الفناء - إلى ظلمة أخف قليلا بما نفضته النجوم عليها من أضواء ~~خافتة، بيد أنها بدت لعينيه اللتين كابدتا ظلمة السلم طويلا ~~نورا أو كالنور. وعند خطا خطوتين متجها إلى الباب الخارجي في آخر ~~الفناء جذب عينيه نور ضئيل ينبعث من سراج على وضم أمام حجرة ~~الفرن، فألقى عليه نظرة لا تخلو من استغراب حتى عثر قريبا منه على ~~جسم منطرح على الأرض فتنوره على ضوء السراج، فعرف أم حنفي التي ~~بدت وكأنها استحبت النوم في الهواء الطلق فرارا من جو حجرة الفرن ~~الخانق. وهم بمواصلة السير ولكن ثمة شيء استوقفه، فعطف رأسه مرة ~~أخرى ms246 صوب النائمة، فأمكنه أن يتبينها من موقفه، الذي لم يفصله عنها ~~إلا بضعة أمتار، بوضوح غير منتظر، رآها مستلقية على ظهرها ثانية ~~ساقها اليمنى التي رسمت في الهواء بحافة الجلباب الملتصقة بالركبة ~~هرما قائما، وكشفت في نفس الوقت عن فخذها اليسرى التي لاحت عارية ~~فيما يلي الركبة، ثم غرقت في ظلمة الفرجة التي انحسر عنها الجلباب ~~بين الساق القائمة والأخرى الممدودة، ومع أن إحساسه بضيق الوقت ~~ووجوب البدار إلى غايته لم يهن، إلا أنه لم يسترد بصره عن الجسم ~~الملقى غير بعيد منه، أو لعله لم يستطع استرداده وانساق وهو لا ~~يدري إلى تفرسه بإمعان بدا في يقظة عينيه المحمرتين، وانفراج ~~شفتيه الممتلئتين، فاستحالت يقظة العين - وهي تتفحص الجسم اللحيم ~~الذي شغل فراغا كبيرا كأنه جاموسة مسمنة - رغبة مريبة، حتى استقر ~~البصر على الفرجة المعتمة ما بين الساق القائمة والساق الممدودة، ~~ثم تحول التيار المضطرم في شرايينه من التطلع صوب باب الخروج إلى ~~حجرة الفرن، وكأنه يكتشف لأول مرة المرأة التي خالطها أعواما ~~طويلة بغير مبالاة. على أن أم حنفي لم تحظ بسمة واحدة من سمات ~~الحسن، وبدا وجهها الجهم أكبر من سنها الحقيقية التي لم تكد تجاوز ~~الأربعين، حتى اكتنازها باللحم والدهن كان - لتنافره وسوء تنسيقه - ~~بالانتفاخ الغليظ أشبه؛ ولذلك وربما أيضا لطول انزوائها في حجرة ~~الفرن، وقديم معاشرته لها التي بدأت مع صباه، لم يلتفت إليها قط. ~~بيد أنه كان وقتذاك على حال من الهيجان فقد معها أية قدرة على ~~التمييز فأعمته الشهوة، وأي شهوة؟ شهوة مولعة بالمرأة لذاتها لا ~~لمعانيها ولا لألوانها، تعشق الحسن ولا تعزف عن القبح، والكل عندها ~~في «الأزمات» سواء كالكلب يلتهم بلا تردد ما يصادفه في القمامة، ~~عند ذاك بدت له مغامرته الأولى - زنوبة - محفوفة بالمتاعب مجهولة ~~بالعواقب، ولم يعد «الوصول إليها في هذه الساعة من الليل، وطرق ~~الباب، وما يقول لفاتحه والخفير» دعابات يبسم لها، ولكن عوائق ~~حقا يجدر به أن يتفادى منها. تقدم في خفة وحذر فاغرا فاه، ~~ذاهلا عن كل ms247 شيء إلا قنطار اللحم المنطرح عند قدميه الذي بدا ~~لعينيه النهمتين وكأنه أخذ أهبته لاستقباله، حتى توقف بين الساق ~~القائمة والأخرى الممدودة، ثم انحنى عليها قليلا قليلا بلا وعي ~~تقريبا، وبإغراء شديد من الداخل والخارج معا، وما يدري إلا وهو ~~ينبطح فوقها . لعله لم يتعمد الذهاب إلى هذا الحد دفعة واحدة، ولعله ~~هم بشيء من التمهيد كان لا ينبغي أن يسبق الحركة العنيفة الأخيرة، ~~ولكن الجسم الذي انبطح عليه اضطرب اضطرابة فزع شديدة، وندت عنه ~~صرخة مدوية - سبقت يده التي رامت كتمها - فمزقت السكون الشامل ~~ولطمت مخه لطمة قوية ردت إليه وعيه، فأطبق راحته على فمها، وهو ~~يهمس في أذنها بقلق وخوف بالغين: أنا ياسين، أنا ياسين يا أم ~~حنفي، لا تخافي. # وطفق يكرر قوله حتى اطمأن إلى وعيها إياه فاسترد راحته، ولكن ~~المرأة - التي لم تمسك عن المقاومة قط - تمكنت أخيرا من تنحيته ~~عنها، فاستوت جالسة وهي تلهث من الجهد والانفعال، ثم سألته بصوت ~~أزعجه أيما إزعاج: ماذا تريد يا سي ياسين؟ # فقال لها بلهجة هامسة ملؤها الرجاء: لا ترفعي صوتك هكذا، قلت ~~لك لا تخافي، ليس ثمة ما يدعو إلى الخوف بتاتا. # فعادت تسأله بجفاء وإن خفضت من صوتها قليلا: ماذا جاء ~~بك؟ # فجعل يربت على يدها متوددا وهو يتنهد في شبه ارتياح لم يخل ~~من عصبية كأنما رأى في خفضها لصوتها أمارة مشجعة وقال لها: ماذا ~~أغضبك؟ لم أرد بك سوءا (مبتسما ابتسامة وشت بها نبراته) هلمي إلى ~~حجرة الفرن. # فقالت المرأة بصوت مضطرب، ولكنه ذو دلالة حازمة: كلا يا ~~سيدي، اذهب إلى حجرتك، اذهب، الله يلعن الشيطان. # لم تزن أم حنفي كلماتها بميزان، ولكنها ندت عنها كما اقتضى ~~الحال. لعلها لم تعبر أصدق التعبير عن رغباتها، ولكنها عبرت تماما ~~وبغير شعور منها عن شدة المفاجأة، مفاجأة لم تسبق يوما بتمهيد من ~~أي نوع كان، التي انقضت عليها في نومها كما تنقض الحدأة على ~~الفرخ، فصدت الشاب وزجرته بلا أدنى تفكير حقيقي في الصد أو الزجر، ~~بيد ms248 أنه أساء فهمها فامتلأ حنقا وثارت برأسه الخواطر ... «ما ~~العمل مع بنت الكلب هذه! لا يمكن أن أتراجع بعد أن كشفت نفسي، ~~وتماديت إلى حد الفضيحة، لا بد مما أريد ولو لجأت إلى القوة.» ~~وفكر بعجلة في أنجع وسيلة للتغلب على ما تراءى له من مقاومة، ~~ولكنه - قبل أن يتخذ قرارا - سمع حركة غريبة، لعلها أقدام، آتية ~~من باب السلم، فوثب قائما وهو من الفزع في نهايته، مزدردا ~~شهوته كما يزدرد اللص فص الماس المسروق إذا بوغت في مكمنه، واستدار ~~صوب الباب ليعاين ما هنالك، فرأى والده وهو يجتاز العتبة مادا ~~ذراعه بالمصباح. تسمر في مكانه مختطف الدم مستسلما ذاهلا ~~يائسا. أدرك من توه أن صرخة أم حنفي لم تضع هباء، وأن النافذة ~~الخلفية لحجرة الأب كانت له بالمرصاد، ولكن ما جدوى الإدراك ~~المتأخر؟ ... لقد وقع في فخ القضاء والقدر. وجعل السيد يتفرس في وجهه ~~بقسوة صامتا، مطيلا الصمت، وهو ينتفض غضبا، ودون أن يحول عنه ~~عينيه القاسيتين أشار بيده إلى الباب يأمره بالدخول، ومع أن ~~الاختفاء كان أحب إليه في تلك اللحظة من الحياة نفسها، إلا أنه من ~~الخوف والارتباك لم يستطع أن يحرك ساكنا، فضاق صدر الأب ولاحت في ~~عبوسته بوادر الانفجار، ثم زمجر صائحا وعيناه - اللتان انعكس ~~عليهما ضوء المصباح المرتعش بارتعاش اليد القابضة عليه - ترسلان ~~شررا: اطلع يا مجرم يا بن الكلب. # فما ازداد إلا استمساكا بجموده حتى هجم عليه السيد، فقبض على ~~ذراعه بيمناه وشد عليها بغلظة، ثم جذبه بشدة نحو الباب، فاندفع ~~بقوة الجذبة الخارقة، فكاد يقع على وجهه، وتمالك توازنه وهو يلتفت ~~وراءه فزعا، وفر بنفسه وثبا لا يبالي ظلمة. # 42 # علم بفضيحة ياسين شخصان - غير أبيه وأم حنفي - هما ست أمينة ~~وفهمي، سمعا صرخة أم حنفي، فشاهدا من نافذتيهما ما دار بين الشاب ~~وبين السيد، ثم حدسا ما هنالك دون حاجة إلى كبير ذكاء، على أن ~~السيد كاشف زوجه بزلة ابنه، وسألها مدققا عما تعلم من أخلاق «أم ~~حنفي»، فدافعت أمينة عن ms249 خادمتها بما علمت من طبيعتها واستقامتها، ~~وذكرت السيد بأنه لولا «صرختها» ما درى أحد بما كان. فقضى الرجل ~~ساعة وهو يسب ويلعن، سب ياسين، وسب نفسه؛ لأنه «ما كان ينبغي أن ~~ينجب أطفالا ليكدروا صفوه بأهوائهم الشريرة»، واستفاض به الغضب ~~فسب البيت وأهله جميعا! ... وظلت أمينة صامتة كما واصلت صمتها فيما ~~بعد كأنما لم تدر شيئا، كذلك تجاهل فهمي الأمر كله، تظاهر ~~بالاستغراق في النوم حين عاد أخوه إلى الحجرة لاهثا عقب الموقعة ~~الخاسرة، ولم يبد منه فيما بعد ما ينم عن علمه بشيء، كره أن يعلم ~~الآخر بوقوفه على ما نزل به من ذل ومهانة إكراما لاحترام ~~يكنه له بصفته أخاه الأكبر، احترام لم يذهبه كل ما تكشف له من ~~استهتاره ومجونه، أو ما تقدم هو به عليه من علم وثقافة، أو ما ~~يبدو من ياسين نفسه من عدم مبالاة بإلزام أحد من إخوته باحترامه ~~بما يعابثهم من مزاح ودعابة، أجل لم يزل يكن له احتراما لعل ~~حرصه على الإبقاء عليه راجع إلى ما يأخذ به نفسه من تأدب وجد ~~ورزانة أكسبته مظهرا أكبر من سنه، بيد أن خديجة لم يفتها أن ~~تلاحظ - غداة الواقعة - أن ياسين لم يتناول فطوره على مائدة أبيه، ~~فسألته باستغراب عن المانع، فأجابها بأنه لم يهضم عشاء الفرح، ~~وشعرت الفتاة - بسوء ظنها الطبيعي المرهف - بأنه ثمة علة لتخلفه ~~غير عسر الهضم، فساءلت أمها ولكنها لم تجد جوابا شافيا، ثم رجع ~~كمال من حجرة الطعام وهو يتساءل أيضا، لا بدافع من حب الاستطلاع ~~أو الأسف، ولكن أملا أن يجد في الجواب ما يبشره بفترة أخرى ~~يخلو الميدان فيها من منافس خطير كياسين، وكاد الأمر ينسى لولا ~~أن ياسين غادر البيت مساء من غير أن يشترك في مجلس القهوة ~~المعهود، ومع أنه اعتذر لفهمي والأم بارتباطه بميعاد إلا أن خديجة ~~قالت بصراحة: «في الأمر شيء، لست عبيطة ... أقطع ذراعي إن لم يكن ~~ياسين متغيرا.» وعند ذاك اضطرت الأم أن تعلن غضب السيد على ~~ياسين لسبب لم ms250 تعلمه ... وانقضت ساعة وهم يخمنون السبب، حتى أمينة ~~وفهمي اشتركا مع الآخرين مداراة للواقع. وظل ياسين على تجنبه ~~لمائدة أبيه حتى دعي ذات صباح إلى مقابلته قبل الفطور. لم تفجأه ~~الدعوة، وإن أزعجته رغم ذلك، فكم توقعها يوما بعد يوم لاستيثاقه ~~من أن أباه لا يمكن أن يقنع من زلته بتلك الجذبة العنيفة التي ~~كادت أن تلقيه على وجهه، وأنه لا بد عائد إليها بطريق أو بآخر، ~~ولعله توقع أيضا معاملة لن تليق بحال بموظف مثله مما حمله ~~حينا على التفكير في مغادرة البيت إلى حين أو إلى الأبد. أجل لا ~~يجمل بأبيه - أبيه كما عرفه في بيت زبيدة خاصة - أن يلقى زلته ~~بهذا العنت كله، كما لا يجمل به هو أن يعرض نفسه لمعاملة لا ~~تليق برجولته، فالأكرم له أن يفارقه، ولكن إلى أين؟ ... ليس إلا أن ~~يعيش عيشة مستقلة بمفرده، ولن يعجزه هذا، بيد أنه قلب ~~الأمر على مختلف وجوهه، قدر النفقات، وتساءل عما يبقى له بعدها ~~لملاذه، لقهوة سي علي وحانة كستاكي وزنوبة. هنالك فتر حماسه حتى ~~انطفأ كما تنطفئ شعلة سراج تعرضت لهبة هواء عنيفة، وراح يقول لنفسه ~~وهو شاعر بخداعه: «لو طاوعت الشيطان وهجرت البيت لأحدثت تقليدا ~~خبيثا لا يليق بأسرتنا، مهما يقل أبي أو يفعل فهو أبي، وهيهات أن ~~تضام حيال تأديبه.» ثم قال بصراحته التي يصطنعها إذا غلبته روح ~~الدعابة: «شيئا من التواضع يا ياسين بك، دعنا من الكرامة وحياة ~~أمك، أيهما أحب إليك كرامة سيادتك أو كونياك كستاكي وسرة زنوبة!» ~~هكذا عدل عن التفكير في مغادرة البيت ولبث ينتظر الدعوة المتوقعة ~~حتى وقعت فجمع نفسه ومضى كارها متوجسا، دخل الحجرة خافض الرأس ~~خفيف القدم، ووقف بعيدا عن مجلس أبيه من غير أن يجرؤ على التسليم ~~عليه وانتظر. وألقى السيد عليه نظرة طويلة ثم هز رأسه ~~كالمتعجب وهو يقول: ما شاء الله! ... طول وعرض، شارب وقفا، إذا رآك ~~الرائي في الطريق قال لنفسه بإعجاب نعم الرجل ونعم الابن، ~~فليت القائل يجيء إلى البيت ms251 ليراك على حقيقتك! # ازداد الشاب ارتباكا وحياء ولكنه لم ينبس بكلمة، ومضى السيد ~~يتفحصه بسخط، ثم قال باقتضاب وبلهجة جافة آمرة: قررت أن ~~تتزوج! # ودهش ياسين دهشة لم يكد يصدق معها أذنيه، كان يتوقع سبا ~~ولعنا فحسب، ولكن لم يخطر له على بال أنه سيسمع قرارا خطيرا ~~يغير مجرى حياته كله، فما تمالك أن رفع عينيه إلى وجه أبيه حتى ~~إذا ما التقتا بعينيه الزرقاوين الحادتين خفضهما متورد الوجه ~~لائذا بالصمت، وفطن السيد إلى أن ابنه بوغت بهذا القرار «السعيد» ~~بدلا من المعاملة الفظة التي كان يتوقعها، فثار حنقه على ~~الظروف التي أملت عليه أن يلقاه بجانب دمث خليق بتكذيب ظنه بجبروته ~~المعروف، فبث حنقه في نبرات صوته، وهو يقول عابسا: الوقت ضيق ~~وأريد أن أسمع جوابك. # ما دام الرجل قد قرر أن يزوجه، فهو يأبى إلا أن يسمع جوابا ~~واحدا، ولا مانع من أن يسمعه الجواب الذي يريد، لا طاعة لأمره ~~فحسب، ولكن تلبية لرغبته هو أيضا. أجل ما كاد والده يعلنه بقراره ~~حتى انطلق خياله يصور له «عروسا» حسناء، امرأة تكون ملك يمينه ~~ورهن إشارته حين يشاء، فأبهج الخيال قلبه حتى أوشك أن يفضحه صوته ~~وهو يقول: الرأي رأيك يا بابا. ~~- تريد أن تتزوج أم لا؟ ... انطق. # فقال الشاب بحذر من يرغب الزواج وهو غير مستعد له ماليا: ما ~~دامت هذه هي إرادتك فإني موافق على العين والرأس. # فخفف السيد من خشونة لهجته وهو يقول: سأطلب لك كريمة صديقي ~~السيد محمد عفت تاجر الأقمشة بالحمزاوي، لقية ظفرها برقبة ثور ~~مثلك. # فابتسم ياسين ابتسامة خفيفة وقال مداهنا: ولكني بفضلك أصير ~~كفئا لها. # فرمقه بنظرة حادة كأنما لينفذ بها إلى أعماق مداهنته وقال: ~~من يسمع كلامك لا يتصور فعالك يا منافق ... اغرب عن وجهي. # وهم ياسين بالتحرك ولكنه أوقفه بإشارة من يده، ثم تساءل ~~مستدركا كأنما عرض التساؤل له اتفاقا: أظنك حوشت المهر؟ # لم يحر جوابا وعلاه الارتباك، فاغتاظ السيد وتساءل مستنكرا: ~~ولكنك عشت رغم توظفك في كفالتي كما كنت ms252 تعيش وأنت تلميذ، فماذا ~~صنعت بمرتبك؟ # فلم يزد على أن حرك شفتيه دون أن ينبس، فحرك الأب رأسه ~~ممتعضا، وذكر قوله له منذ عام ونصف، وهو يوصيه لمناسبة توظفه: ~~«لو طالبتك الآن بأن تتعهد بنفقات نفسك بوصفك رجلا مسئولا ما ~~خرقت المألوف بين الآباء والأبناء، ولكني لن أطالبك بمليم واحد كي ~~أهيئ لك فرصة لاقتصاد مقدار من المال تجده بين يديك إذا دعت ~~الحاجة إليه.» ودل ذلك التصرف من جانبه على ثقته بابنه، والحق أنه ~~لم يتصور أن يجنح أحد من أبنائه - بعدما نال من تأديبه وتهذيبه ~~الصارمين - إلى هوى من الأهواء الجامحة التي تبدد المال، لم ~~يتصور أن ينقلب ابنه «الصغير» سكيرا ماجنا؛ فالخمر والنساء ~~التي يراها في حياته هو لونا من اللهو لا يمس رجولة ولا يؤذي إنما ~~تنقلب إذا «لوثت» أحدا من أبنائه جريمة لا تغتفر؛ ولذلك فإن ~~زلة الشاب التي كشفها في فناء البيت طمأنته بقدر ما أغضبته؛ لأن ~~أم حنفي في نظره لا يمكن أن تغري شابا إن لم يكن تحمل ما فاق ~~طاقته من الاستقامة والعفة ... أجل لم يشك في براءة ابنه، بيد ~~أنه ذكر ما لاحظه كثيرا من ولعه بالأناقة، وتخيره النفيس من ~~البدل والقمصان وأربطة الرقبة، وكيف لم يرتح إلى ذلك وحذره ~~الإسراف ولكن تحذيرا هينا، إما لأنه لم ير في الأناقة جريمة، ~~وإما لأن تشبه ابنه به وتكراره لصورة من صور سلوكه - الذي لا يرى ~~بأسا في أن يكرره أبناؤه - حركا في صدره العطف والتسامح، ولكن ~~كيف كانت نتيجة ذلك التسامح؟ هي ما وضح له الآن من تبذيره نقوده في ~~التافه من الكماليات. ونفخ الرجل مغيظا محنقا، وقال له محتدا: ~~اغرب عن وجهي ... # غادر ياسين الحجرة مغضوبا عليه بسبب تبذيره لا بسبب زلته كما ~~توقع وهو ذاهب إلى الحجرة، تبذيره الذي لم يكربه من قبل فسلم ~~إليه نفسه بلا تفكير ولا تدبر، ينفق ما في جيبه حتى يفرغ غارقا ~~في ساعته، متعاميا عما يسمونه «المستقبل» كأنه شيء لا وجود له، ~~ومع ms253 أنه غادر الحجرة مرتبكا وجلا لنهرة أبيه، إلا أنه لم يخل من ~~ارتياح عميق؛ إذ أدرك أن تلك النهرة لا تعني طرده فحسب، ولكن ~~أيضا أن السيد سيتكفل بنفقات زواجه، ومضى كالطفل الذي يضيق أبوه ~~بإلحاحه في طلب قرش، فينقده إياه ويدفعه خارجا ، فينسى شدة ~~الدفعة في فرحة الظفر. ولبث الأب ساخطا وراح يردد: «يا له من ~~حيوان، جسم طويل عريض ولكن بلا مخ!» أغضبه إسرافه كأنه لا يتخذ هو ~~من الإسراف شعارا في الحياة - ولكنه لا يرى بأسا في إسرافه كسائر ~~أهوائه - ما دام لا يفقره وينسيه واجباته أو يدهور شخصيته، ولكن ~~كيف يضمن أن يصمد أمامه ياسين؟ ... فلم يكن يحرم عليه ما يحل لنفسه ~~من استبداد وأنانية فحسب، ولكن شفقا عليه وإن دل شفقه هذا على ~~ثقة بالنفس وعدم ثقة بالآخر لا يخلوان من غرور. وزايله الغضب ~~كعادته بنفس السرعة التي ركبه بها، فصفت نفسه وانبسطت أساريره، ~~وأخذت الأمور تتبدى له بوجه جديد لطيف مسماح ... «تريد أن ~~تتشبه بأبيك يا تور ... إذن لا تأخذ جانبا وتهمل الجوانب الأخرى، ~~كن أحمد عبد الجواد كله إن استطعت أو فالزم حدودك، أحسبتني حقا ~~سخطت على تبذيرك لأني كنت أرجو أن أزوجك بنقودك؟! خسئت ... إنما ~~رجوت أن أجدك مقتصدا كي أزوجك بنقودي على وفرة النقود لديك، هذا ~~هو الرجاء الذي خيبت. وهل حسبتني لم أفكر في اختيار زوجة لك إلا ~~بعد ضبطك متلبسا بالزنا، وأي زنا ... زنا حقير كحقارة ذوقك وذوق ~~أمك؟! كلا يا بغل، إني أفكر في سعادتك منذ توظفت، كيف لا وأنت ~~أول من جعلني أبا ... وأنت شريكي في العذاب الذي أصلتنا إياه أمك ~~اللعينة؟! ... ثم أليس من حقي أن أفرح بك خصوصا وأنه علي أن أنتظر ~~طويلا حتى أفرح بالثور الآخر أخيك أسير العشق، ويا ترى من يعيش؟!» ~~في اللحظة التالية استرجع ذكرى ذات سبب وثيق بموقفه الراهن ذكر ~~كيف قص على السيد محمد عفت «جريمة» ياسين، وما كان من زجره وجذبه ~~تلك الجذبة التي كادت تلقيه على وجهه، ms254 وهو بصدد طلب يد كريمته ~~للشاب - الواقع أن الموافقة على ذلك تمت بين الرجلين من قبل ~~مفاتحة ياسين - وكيف قال له الرجل: «ألا ترى أنه يجمل بك أن تغير ~~من معاملتك لابنك كلما قارب سن الرشد، خاصة إذا توظف وصار رجلا ~~مسئولا (ثم ضاحكا) الظاهر أنك من الآباء الذين لا يرتدعون حتى ~~يجهر أبناؤهم بالثورة عليهم.» وكيف أجابه بثقة قائلا: «هيهات أن ~~تتعرض الرابطة بيني وبين أبنائي لتغير الزمن.» صدرت عنه ~~الإجابة الأخيرة بمباهاة وثقة لا حد لها، على أنه اعترض له بعد ~~ذلك أن معاملته تتغير في الواقع بتغير الأحوال، وإن عمل من ~~جانبه على ألا يفطن أحد إلى نية التغيير الباطنة، ثم قال: ~~«الحق أني لا أقبل أن أمد يدي الآن على ياسين ولا حتى على فهمي، ~~والحق أني جذبت ياسين تلك الجذبة تحت تأثير غضب ثائر، ومن غير أن ~~أقدر المدى الذي ذهبت إليه.» ثم استطرد قائلا وهو يكر إلى ~~فترة من الماضي البعيد: «كان أبي رحمة الله عليه يلتزم في تربيتي ~~شدة تهون إلى جانبها شدتي مع أبنائي، ولكنه سرعان ما غير من ~~معاملته لي منذ أن دعاني إلى معاونته في الدكان، ثم استحالت ~~معاملته صداقة أبوية منذ تزوجت أم ياسين، وقد بلغ بي الاعتزاز ~~بالنفس أن عارضت في زواجه الأخير لكبره من ناحية، وحداثة سن العروس ~~من ناحية أخرى، فلم يزد على أن قال لي: أتعارضني يا ثور ... وما ~~دخلك في هذا الشأن؟ إني أقدر منك على إرضاء أية امرأة.» فما تمالكت ~~أن ضحكت وطيبت خاطره معتذرا.» ذكر هذا كله فورد على ذهنه المثل ~~القاتل «إذا كبر ابنك آخه» فشعر - ربما لأول مرة في حياته - ~~بتعقد مهمة الأبوة كما لم يشعر به من قبل. في نفس الأسبوع ~~أذاعت الأم خطبة ياسين في مجلس القهوة، كان فهمي قد علم بها عن ~~طريق ياسين نفسه، أما خديجة فما تمالكت أن ربطت بين الخطبة وبين ما ~~عرف من قبل عن غضب الأب على ياسين ظنا منها أن الغضب ms255 إنما وقع ~~نتيجة لرغبة ياسين في الزواج قياسا على ما كان بين الأب وفهمي ~~للسبب نفسه، فصرحت برأيها كالمتسائلة، فقال ياسين ضاحكا وهو ~~يخطف من الأم نظرة لا تخلو من حياء وارتباك: الحق أن ثمة علاقة ~~قوية بين الغضب وبين الخطبة. # فقالت خديجة متظاهرة بالاستنكار على سبيل السخرية والمزاح: بابا ~~معذور في غضبه؛ لأن حضرتك لا يمكن أن تشرفه أمام صديق كبير مثل ~~السيد محمد عفت. # فجاراها ياسين في سخريتها قائلا: وسوف يزداد موقف أبي حرجا إذا ~~ما علم السيد الكبير المذكور بأن للعريس أختا مثل حضرتك! # عند ذاك تساءل كمال: هل سيتركنا ياسين كما تركتنا أبلة ~~عائشة؟ # فقالت له أمه باسمة: كلا، ولكن ستنضم إلى بيتنا أخت جديدة هي ~~العروس. # ارتاح كمال إلى هذه الإجابة التي لم يكن يتوقعها، ارتاح إلى ~~بقاء «راويته» الذي يمتعه بحكاياته ونوادره ومؤانسته، ولكنه عاد ~~يتساءل لماذا لم تبق عائشة أيضا؟ فأجابته أمه بأن العادة قضت بأن ~~العروس تنتقل إلى بيت العريس وليس العكس، لم يدر من سن هذه ~~العادة، وكم تمنى لو كان العكس هو المتبع، ولو يضحي بياسين ~~ولطائفه. بيد أنه لم يستطع أن يجهر برغبته فأفصح عنها بنظرة ~~ناطقة رنا بها إلى أمه. فهمي وحده الذي أثار الخبر أشجانه، لا ~~لأنه لم يشارك ياسين فرحته، ولكن لأن سيرة الزواج غدا شأنها أن ~~توقظ عاطفته وتستثير حزنه كما تستثير سيرة النصر حزن أم فقدت ~~ابنها في موقعة ظافرة. # 43 # تحرك الحنطور مقلا الأم وخديجة وكمال في طريقه إلى ~~السكرية. أيكون زواج عائشة إيذانا بعهد جديد من الحرية؟ ~~أيقدر لهم أخيرا أن يطلعوا على نور الدنيا من حين لآخر، وأن ~~يتنفسوا هواءها الطليق؟! بيد أن أمينة لم تستسلم للتفاؤل أو ~~تسبق الحوادث، فالذي حرم عليها زيارة أمها فيما ندر قادر على أن ~~يحرم عليها زيارة ابنتها كذلك. ولم تنس أنه مضت أيام كثيرة على ~~زواج الفتاة زارها خلالها الأب وياسين وفهمي وحتى أم حنفي دون أن ~~يؤذن لها هي بزيارتها أو تواتيها شجاعتها ms256 على الاستئذان للزيارة، ~~تحرزت من تذكيره بأن لها ابنة في السكرية يجب أن تراها، ولازمت ~~الصمت وإن لم تبرح صورة الصغيرة مخيلتها، على أنه لما ضاق صدرها ~~بآلام التصبر استجمعت إرادتها وسألته: إن شاء الله يكون سيدي ~~عازما على زيارة عائشة قريبا لنطمئن عليها ؟ # فطن السيد إلى ما وراء السؤال من رغبة خفية فحنق عليها، لا ~~لأنه كان قرر أن يحول بينها وبين زيارة عائشة، ولكن لأنه ود - ~~كشأنه في مثل هذه الحالة - أن يصدر السماح منه منحة غير مسبوقة ~~بطلب أن تقوم بنفسها شبهة بأن طلبها ذو أثر في استصدار السماح، ~~فكره أن تسعى إلى تذكيره بهذا السؤال الماكر، ومن قبل فكر في ~~الأمر بضيق، فأحنقه أن يجده ضرورة لا محيص منها، ولذلك هتف بها ~~حانقا: عائشة في بيت زوجها ولا حاجة بها إلى أحد منا، على أنني ~~زرتها كما زارها أخواها، فماذا يقلقك عليها؟! # غاص قلبها في صدرها وجف ريقها يأسا وقهرا، أما السيد فقد ~~تعمد أن يلزم الصمت كأنه انتهى من الأمر كله معاقبة لها على ما ~~عده مكرا منها لا يغتفر، ثم أهملها طوال الوقت وهو يختلس النظر ~~إلى ما غشي أساريرها من كمد، حتى حان وقت انصرافه إلى عمله، فقال ~~لها بجفاء واقتضاب: اذهبي غدا إلى زيارتها! # تدافع دم الانشراح إلى الوجه الذي لا تخفى بصفحته خافية، فبدت في ~~سرور الطفل فما عتم أن عاوده حنقه، فصاح بها: لن تريها بعد ذلك إلا ~~إذا سمح لها زوجها بزيارتنا! # فلم تعلق على قوله بكلمة، ولكنها لم تنس عهدا حملته وهي ~~تشاور خديجة في مفاتحته، فقالت بعد تردد وإشفاق: هل يسمح سيدي بأن ~~آخذ معي خديجة؟ # فهز رأسه كأنما يقول: «ما شاء الله ... ما شاء الله»، ثم قال لها ~~محتدا: طبعا ... طبعا! ... ما دمت قد قبلت أن أزوج ابنتي، فيجب ~~أن تنضم أسرتي إلى أبناء الشوارع! ... خذيها، ربنا يأخذكم ~~جميعا. # تم لها فوق ما تطمع من السرور فلم تلق بالا إلى الدعاء ~~الأخير الذي ألفت سماعه ... وأكثر ms257 - في أوقات غضبه أو تظاهره بالغضب ~~على السواء - كانت تعلم بأنه من طرف لسانه وأنه أبعد ما يكون من ~~قلبه، مثله كمثل القطة تبدو حين تحمل صغارها، وكأنها تلتهمها. ~~تحقق الرجاء وانطلقت العربة بهم في طريقها إلى السكرية. بدا ~~كمال، لزيارة عائشة وخروجه بصحبة أمه وأخته وركوبه الحنطور، أوفر ~~الثلاثة سرورا، وكأنه لم يستطع كتمان فرحه، أو أنه رغب في إعلانه ~~على الملأ، أو لعله أراد لفت الأنظار إلى شخصه وهو يتخذ مجلسه في ~~الحنطور بين أمه وأخته، فما اقتربت العربة من دكان عم حسنين ~~الحلاق حتى وقف بغتة هاتفا: «يا عم حسنين ... انظر!» فنظر الرجل ~~إليه، ولما لم يجده وحده غض بصره في عجلة مبتسما، فذابت الأم ~~خجلا وارتباكا، وجذبته من طرف جاكتته أن يعيد الكرة أمام ~~الدكاكين التالية، وراحت تؤنبه على فعلته «الجنونية». بدا بيت ~~السكرية - وليس كذلك بدا في حلة الأنوار ليلة الفرح - عتيقا ~~هرما ولكن دل عتقه نفسه فضلا عن ضخامة بنيانه ونفاسة أثاثه على ~~السؤدد والجاه، فآل شوكت أسرة «قديمة»، وإن لم يبق لهم من عزة ~~القدم - خاصة بعد توزيع الثروة بالتوارث والاستكبار على التعليم - ~~إلا الاسم، وقد أقامت العروس بالدور الثاني على حين نزلت حرم ~~المرحوم شوكت - ومعها ابنها الأكبر إبراهيم - الدور الأول لعجزها ~~مع الكبر عن ارتقاء السلم، فبقي دور ثالث شاغرا لم يسعهم أن ~~يشغلوه وأبوا أن يسكنوه. ولما أدخلوا شقة عائشة هم كمال، ~~منطلقا مع سجيته كما لو كان في بيته، يجوس خلالها كي يعثر بنفسه ~~على أخته مستمتعا بلذة المفاجأة التي تخيلها، وهو يرقى في ~~السلم ولكن أمه لم تدعه يفلت من يدها رغم مقاومته، وما يدري إلا ~~والخادم تقودهم إلى حجرة الاستقبال، ثم تتركهم وحدهم! شعر بأنهم ~~يعاملون معاملة «الغرباء» أو «الضيوف» فانقبض صدره، وانكسرت نفسه ~~وجعل يردد في جزع: «أين عائشة؟ ... لماذا نبقى هنا؟» فلا يسمع إلا ~~كلمة «هس» وتحذيرا من منعه من الزيارة مرة أخرى إذا علا صوته! ~~... ولكنه سرعان ما زايله الألم حين جاءت عائشة مهرولة ms258 مشرقة الوجه ~~بابتسامة غطى سناها على أضواء حلتها الزاهية وزينتها الباهرة، ~~فجرى نحوها وتعلق بعنقها، فتبودل التسليم بينها وبين أمها ~~وأختها وهو على ذلك الوضع! بدت عائشة سعيدة كل السعادة بنفسها، ~~وبحياتها الجديدة، وبزيارة أهلها، حدثتهم عن زيارات أبيها وياسين ~~وفهمي، وكيف غلبها الشوق إليهم على خوفها من أبيها فواتتها الجرأة ~~على أن ترجوه السماح لهم بزيارتها! ... قالت: «لا أدري كيف طاوعني ~~لساني حتى تكلمت! لعل مظهره الجديد الذي لم يتراء لي به من قبل هو ~~الذي شجعني، بدا لطيفا وديعا باسما، إي والله باسما، على ~~أنني ترددت رغم ذلك طويلا، خفت أن ينقلب فجأة فينتهرني، ثم ~~توكلت على الله ونطقت!» فسألتها أمها عن رده كيف كان، فقالت: ~~«قال لي باقتضاب: إن شاء الله، ثم استطرد مسرعا بلهجة جدية ~~تنم عن تحذير: ولكن لا تظني المسألة لعبا فكل شيء بحساب. فخفق ~~قلبي، ورحت أدعو له طويلا توددا واسترضاء!» ثم رجعت إلى الوراء ~~قليلا، فوصفت حالها عندما قيل لها: «السيد الكبير في حجرة ~~الاستقبال.» قالت: «ركضت إلى الحمام فغسلت وجهي لأزيل كل أثر ~~للمساحيق، حتى تساءل سي خليل عما يدعو إلى ذلك كله، ولكني قلت له: ~~أدركني، لا أستطيع أن ألقاه بفستان صيفي يكشف عن ذراعي! ولم ~~أبرح موضعي حتى تلفعت بشال كشميري!» ثم قالت: «ولما علمت نينة ... ~~(ضاحكة) أعني نينة الجديدة ... لما قص عليها سي خليل ما جرى ضحكت ~~وقالت له: إني أعرف السيد أحمد تمام المعرفة ... هو هذا وأكثر (ثم ~~ملتفتة إلي) ولكن اعلمي يا شوشو أنك لم تعودي من آل عبد الجواد، ~~أنت الآن شوكتية فلا تبالي الآخرين ...» أصاب منظرها البهيج وحديثها ~~من نفوسهم موضع الحب والإعجاب، فحملق كمال فيها كما فعل في ليلة ~~الزفاف، وتساءل محتجا: «لماذا لم تكوني تبدين هكذا وأنت في ~~بيتنا؟!» فأجابته على الفور ضاحكة: «لم أكن وقت ذاك شوكتية.» حتى ~~خديجة رمقتها بعين الحب. انقطعت بزواج الفتاة دواعي الملاحاة التي ~~كانت تنشب بينهما بسبب الاختلاط، ومن ناحية أخرى لم يبق من ~~الإحساس بالحنق ms259 الذي ركبها عند السماح بزواج الفتاة قبلها، إلا أثر ~~باهت حملته «بختها» من دون الفتاة، فلم يعد ينطوي قلبها إلا على ~~الحب والشوق، لشد ما تفتقدها كلما آنست من نفسها حاجة إلى أنيس ~~تفضي إليه بذات نفسها. ثم تحدثت عائشة عن البيت الجديد، عن ~~المشربية التي تطل على بوابة المتولي، والمآذن التي تنطلق عن قرب، ~~وتيار السابلة الذي لا ينقطع. كل شيء حولها يذكرها بالبيت ~~القديم، وما يكتنفه من سبل وأبنية، فلا اختلاف فيما عدا الأسماء ~~وبعض المعالم الثانوية «ولكن على فكرة البوابة العظيمة لا نظير ~~لها عندكم (ثم بشيء من الفتور) وإن كان المحمل لا يمر تحتها كما ~~أخبرني سي خليل!» وواصلت حديثها: «تحت المشربية مباشرة مجلس يضم ~~ثلاثة لا يفارقونه قبل جثوم الليل؛ شحاذ كسيح وبائع مراكيب وضارب ~~رمل، أولئك جيراني الجدد، إلا أن ضارب الرمل أسعدهم حظا، لا ~~تسألوا عن أفواج النساء والرجال الذين يجلسون القرفصاء أمامه ~~مستخبرين عن طوالعهم، كم وددت لو كانت مشربيتي أوطأ كيما أسمع ما ~~يقول لهم، وألذ منظر، منظر سوارس القادمة من الدرب الأحمر إذا ~~تقابلت مع عربة حجارة قادمة من الغورية، فضاق عنهما مدخل البوابة، ~~وركب كل سائق رأسه متحديا الآخر أن يتراجع ليفسح السبيل، يبدأ ~~الكلام لينا بعض اللين فيحتد، ثم يخشوشن، ثم تهدر الحناجر بالسباب ~~والشتائم، وتجيء في أثناء ذلك عربات كارو وعربات يد، فيغص بها ~~الطريق، ولا يدري أحد كيف يعود الحال إلى ما كان عليه، هنالك أقف ~~وراء الخصاص أكاتم الضحك، وأتأمل الوجوه والمناظر.» وما أشبه فناء ~~البيت الجديد بفناء بيتهم، حجرة الفرن والمخزن وحماتها سيدة ~~الفناء، والجارية سويدان «لا أجد لي عملا فلا أذكر المطبخ حتى ~~تحمل إلي صينية الطعام.» وعند ذاك لم تتمالك خديجة نفسها من أن ~~تضحك قائلة: «نلت ما طالما تمنيته!» لم يجد كمال في الحديث شيئا ~~ذا بال، إلا أنه أحس في نغمته العامة بما يوحي «باستقرار» ~~المتحدثة، فداخله الانزعاج وسألها: ألن تعودي إلينا؟ # فملأ الحجرة صوت يقول: لن تعود إليكم يا ms260 سي كمال. # وإذا بخليل شوكت يدخل ضاحكا وهو يرفل بجسمه الربعة في جلباب ~~حرير أبيض. كان ذا وجه بيضاوي ممتلئ، أبيض البشرة في عينيه ~~جحوظ خفيف وفي شفتيه غلظة، أما رأسه الكبير فينتهي بجبين ضيق ~~يفترق عند قمته شعر أسود كثيف يشبه في لونه وتسريحته شعر السيد، ~~تلوح في عينيه نظرة طيبة وخمول، لعلها أثر للراحة والفراغ والرضا، ~~انحنى على يد الأم ليقبلها، فجذبتها بسرعة في خجل وارتباك، وهي ~~تتمتم شاكرة ثم سلم على خديجة وكمال وجلس وكأنه - على حد تعبير ~~كمال فيما بعد - واحد منهم. وانتهز الغلام فرصة تشاغل العريس ~~بتحديثهم، وتفرس في وجهه طويلا، ذاك الوجه الغريب أصلا الذي ~~برز في محيط حياتهم ليحتل مكانا مرموقا يؤهله لأن يكون أقرب ~~الأقرباء، أو بالأحرى أن يكون قرينا لوجه عائشة، كلما خطر هذا على ~~باله جر وراءه ذاك كما يجر الأبيض الأسود. تفرس فيه طويلا ~~وهو يردد في نفسه قوله الممتلئ ثقة: «لن تعود إليكم يا سي كمال.» ~~فوجد نحوه إنكارا ونفورا وحقدا، وكادت تتمكن من قلبه لولا أن ~~قام الرجل فجأة ومضى إلى الخارج، ثم عاد حاملا صينية فضية ملئت ~~حلوى من مختلف الألوان، فقدم له باسما - وإن كشف افترار ثغره عن ~~سنتين ركبت إحداهما الأخرى - نخبة من أشهى الأصناف، وجاءت حرم ~~المرحوم شوكت معتمدة على ذراع رجل استدلوا بمشابهته بخليل على ~~أنه أخوه الأكبر، ثم وكد استدلالهم تقديم الأرملة بقولها: ~~«إبراهيم ابني ... ألم تعرفوه بعد؟!» وعندما لاحظت ارتباك أمينة ~~وخديجة حال التسليم، قالت باسمة: «نحن كالأسرة الواحدة من قديم ~~الزمان، ولكن بعضنا يرى البعض الآخر الساعة لأول مرة ... لا بأس!» ~~فطنت أمينة إلى أن المرأة تشجعها وتهون عليها الأمر فابتسمت، ~~ولكن ساورها شيء من القلق، وتساءلت: ترى هل يوافق السيد على ~~مقابلتهما لهذا الرجل - وإن عد عضوا جديدا في الأسرة كخليل ~~سواء بسواء - بغير نقاب؟ ... وهل تكاشفه بالمقابلة أو تتحاشى ذكرها ~~إيثارا للسلامة؟ # كان إبراهيم وخليل أشبه بالتوءمين لولا فارق السن، على أن ~~اختلافهما بدا أقل من القليل ms261 بالقياس إلى اختلاف عمريهما، والحق ~~أنه لولا قصر شعر إبراهيم ولولا شاربه المفتول، لما كان ثمة ما ~~يميزه عن خليل، كأنه لم يبلغ الأربعين، أو كأن شبابه ومظهره لا ~~يتأثران بكرور الأعوام؛ لذلك ذكرت أمينة ما حدثها به السيد مرة ~~عن المرحوم شوكت من أنه «كان يبدو أقل من عمره الحقيقي بعشرين ~~عاما أو يزيد.» أو قوله عنه: «إنه رغم طيبته ونبله كان كالحيوان ~~لا يسمح لفكره أبدا بأن ينغص عليه صفوه!» أليس عجيبا أن يبدو ~~إبراهيم في الثلاثين مع أنه تزوج في صدر شبابه وأنجب طفلين، ثم ~~ماتت زوجه وطفلاه؟! ولكنه مرق من تجربته القاسية سالما لم يمس، ~~ثم عاود الحياة مع أمه في خمول ودعة وفراغ، شأن آل شوكت جميعا، ~~راق خديجة أن تسترق النظر، كلما أمنت أعين الرقباء إلى الشقيقين، ~~إلى أوجه الشبه العجيبة بينهما، بيضاوية الوجه وامتلائه، جحوظ ~~العينين الواسعتين، البدانة، الخمول، فحرك كل أولئك السخرية ~~الكامنة في نفسها حتى ضحكت أفكارها، ومضت تدخر في ذاكرتها من ~~الصور ما تعود إليه إذا ضمها مجلس القهوة، ومالت جريا على ~~سنتها في التهكم إلى العبث والإضحاك، وإلى هذا فكرت باهتمام ~~في اختيار اسم وصفي عياب لهما على مثال الأسماء الوصفية التي ~~تطلقها على ضحاياها من الناس، أو بالأحرى أسوة بأمهما التي تطلق ~~عليها «المدفع الرشاش» لتناثر ريقها عند الحديث. واسترقت مرة نظرة ~~إلى إبراهيم فما راعها إلا أن تلتقي عيناها بعينيه الواسعتين، وهما ~~تتفرسان في وجهها باهتمام من تحت حاجبيه الكثيفين، فغضت بصرها ~~في حياء وارتباك، وتساءلت في خوف المريب عما عسى أن يظنه بنظرتها، ~~ثم وجدت نفسها تفكر بقلق في منظرها، وما يمكن أن يتركه في نفسه ~~من أثر. ترى أيسخر من أنفها كما سخرت من بدانته وخموله؟! ... ~~واستغرقها التأمل والقلق. # سئم كمال الجلسة التي وإن تكن جمعته بعائشة، إلا أنها جمعته بها ~~على نحو ما تجمع بين الضيوف، فلم تحقق - عدا ما منحت من حلوى - ~~شيئا من رغابه، فانتقل إلى جوار العروس، وأبدى لها إشارة فهمت ms262 ~~منها أنه يريد أن يخلو بها فقامت وأخذته من يده، وغادرا الحجرة، ~~ظنته قانعا بمجالستها في الصالة، ولكنه جذبها من يدها إلى حجرة ~~النوم، ورد الباب وراءهما حتى ارتج. انطلقت أساريره ولمعت عيناه، ~~وتطلع إليها طويلا، ثم تصفح الحجرة ركنا ركنا وهو يتشمم ~~رائحة الأثاث الجديد مازجها أريج زكي لعله بقية مما انتشر من أيدي ~~المتطيبين وصدورهم، ثم رنا إلى الفراش الوثير، إلى النمرقتين ~~الورديتين المتجاورتين على الغطاء فوق الوسائد، وسألها: «ما ~~هما؟» فأجابته: «وسادتان صغيرتان.» فسألها: «أتتوسدينهما؟» قالت ~~باسمة: «كلاهما للزينة فقط.» فأشار إلى الفراش متسائلا: «أين ~~تنامين؟» فأجابت باسمة أيضا: «في الداخل.» فسألها كأنه متوكد ~~من أنه ينام معها: «وسي خليل؟» فأجابت وهي تقرص خده برقة: «في ~~الخارج ...» عند ذاك التفت صوب «الشيزلنج» بغرابة، وسار إليه وجلس، ~~ودعاها إلى الجلوس جنبه فجلست، وما لبث أن غاب في الذكريات غاضا ~~بصره ليخفي نظرة مريبة وصمها بالريبة اشتداد أمه بالحملة عليه مساء ~~ليلة الزفاف، وهو يسر إليها بما رأى من ثقب الباب، راودته نفسه ~~على أن يبوح لها بسره، أن يسألها عنه، تحت ضغط إغراء لا يخلو من ~~قسوة، ولكن الخجل الناجم عن الشعور بالريبة عقله، فشكم رغبته على ~~رغمه، ثم رفع إليها عينين صافيتين وابتسم إليها، فابتسمت إليه ~~ومالت نحوه فقبلته، ثم نهضت قائلة وملء وجهها ابتسامة حلوة: ~~لأملأن جيوبك بالشوكولاتة. # 44 # تصايح الغلمان المتجمهرون أمام باب البيت وعلى طوار سبيل بين ~~القصرين مهللين، تميز صوت كمال وهو يهتف: «هلت سيارة العروس» ~~ورددها ثلاثا فخرج ياسين - وهو في كامل زينته وأبهته - من بين ~~الجماعة الواقفة عند مدخل الفناء، ومضى إلى الطريق فوقف أمام الباب ~~متجها صوب النحاسين، فرأى موكب العروس وهو يتقدم على مهل ~~كأنه يتبختر. في تلك الساعة الحافلة بالسعادة والرهبة، وعلى رغم ~~الأعين المحملقة فيه من داخل البيت وخارجه ومن فوق ومن تحت، بدا ~~ثابتا غير هياب مفعما رجولة وفحولة، لعل مما أيده في ~~ثباته إحساسه بأنه محط الأنظار، فغالب بشجاعة ما يخفق بين جوانحه ~~من اضطراب ms263 أن يبدو للناظرين في حال تخجل منها الرجولة، ولعله أيضا ~~علم بأن أباه منكمش في مؤخرة الجماعة المنتظرة عند مدخل الفناء - ~~التي تضم آل العروسين من الذكور - بحيث لا تمتد إليه عيناه، ~~فوسعه أن يتمالك نفسه وهو يرنو إلى السيارة الموشاة بالورود التي ~~تحمل إليه عروسه بل زوجه منذ أكثر من شهر، وإن لم تقع عيناه عليها ~~بعد، أو الأمل الذي صاغه بأحلامه الظامئة لسعادة لا تقنع بما دون ~~الدوام. وتوقفت السيارة أمام البيت على رأس ذيل طويل من ~~السيارات، فأخذ أهبته للاستقبال السعيد، وقد استجدت عنده الرغبة ~~في أن يستشف النقاب الحريري ليرى وجه عروسه لأول مرة، ثم فتح باب ~~السيارة وترجلت جارية سوداء في الأربعين قوية البنية، لماعة ~~البشرة نجلاء العينين، فاستدل بما يلوح على حركاتها من الثقة ~~والإدلال على أنها الجارية التي تقرر إلحاقها بخدمة العروس في ~~بيتها الجديد، تنحت جانبا ووقفت منتصبة القامة كالديدبان، ثم ~~خاطبته بصوت كرنين النحاس، وهي تبتسم عن أسنان ناصعة البياض ~~قائلة: تفضل خذ عروسك. # فتقدم ياسين من باب السيارة، ومال إلى الداخل قليلا، فرأى ~~العروس في حلتها البيضاء بين غادتين على حين استقبله عرف طيب ~~مفتنة للجوارح، فتاه في جو الحسن منبهرا، ومد لها ذراعه لا يكاد ~~يرى شيئا كما يكل بصر طالع نورا ساطعا، وعقل الحياء ~~العروس فلم تبد حراكا، فتطوعت التي إلى يمينها، فتناولت يدها ~~وطرحتها على ذراعه هامسة بنبرة ضاحكة: تشجعي يا زينب. # دخلا جنبا لجنب وهي من الحياء تحول بينه وبينها بمروحة كبيرة ~~من ريش النعام وارت بها رأسها وعنقها، فقطعا الفناء بين صفين من ~~المنتظرين يتبعهما المدعوات من آلها اللواتي تعالت زغاريدهن ~~كأنهن لا يبالين السيد أحمد وقيامه على ذراع منهن، هكذا لعلعت ~~الزغاريد في البيت الصامت لأول مرة وعلى مسمع من سيده الجبار، ~~فلعلها وقعت من آذان أهله موقع الدهشة، بيد أنها دهشة مزجت ~~بالفرح، ولم تخل من شماتة بريئة مرحة روحت بها القلوب عن ~~قرار الحظر الصارم الذي قضى بألا تكون زغاريد ولا غناء ms264 ولا لهو، ~~وبأن تمضي ليلة زفاف الابن البكر كما تمضي غيرها من الليالي. ~~وتبادلت أمينة وخديجة وعائشة النظرات متسائلات باسمات وتكأكأن ~~على خصاص نافذة مطلة على الفناء؛ ليشهدن أثر الزغاريد في نفس ~~السيد فرأينه يحادث السيد محمد عفت ضاحكا، فتمتمت أمينة ~~قائلة: «لن يسعه الليلة إلا أن يضحك مهما يبدو مما لا يروقه!» ~~وانتهزت أم حنفي الفرصة السانحة، فاندست بين المزغردات كالبرميل، ~~وأطلقت زغرودة قوية مجلجلة غطت على الزغاريد كلها، وعوضت ~~بها ما ضيعت - في ظل الإرهاب - من فرص المرح والمسرة على عهد ~~خطبتي عائشة وياسين، وأقبلت على سيداتها الثلاث وهي تزغرد حتى ~~استغرقن في الضحك، ثم قالت لهن: «زغردن ولو مرة في العمر ... ~~إنه لن يدري الليلة من المزغرد!» رجع ياسين بعد إيصال العروس إلى ~~باب الحريم، فالتقى بفهمي الذي لاحت على شفتيه ابتسامة موحية ~~بالحرج والإشفاق لعلها أثر مما خلفته في نفسه هذه الضجة البهيجة ~~«المحرمة»، وكان يخالس أباه النظر ثم يرده إلى وجه أخيه ضاحكا ~~ضحكة مقتضبة مغضوضة، فما كان من ياسين إلا أن قال له بلهجة لا ~~تخلو من استياء: أي استنكار في أن نحيي ليلة الزفاف بالفرح ~~والزغاريد؟! ... وماذا كان عليه لو وافق على استدعاء عالمة أو ~~مغن؟! # تلك كانت رغبة الأسرة التي لم تجد إلى الإفصاح عنها من سبيل إلا ~~أن تحرض ياسين على الاستشفاع بالسيد محمد عفت على أبيه، ولكن ~~السيد اعتذر وأبى إلا أن تكون ليلة زفاف صامتة، وأن تقتصر ~~مسراتها على العشاء الفاخر. وعاد ياسين يقول آسفا: لن أجد من ~~تزفني هذه الليلة التي لن تتكرر أبد الدهر! ... سأدخل حجرة ~~العروس غير مشيع بالأناشيد والدفوف كأنني راقص يهز جذعه دون ~~إيقاع. # ثم لاحت في عينيه ابتسامة مرحة ماكرة، فقال: الذي لا شك فيه أن ~~أبانا لا يطيق «العوالم» إلا في بيوتهن! # مكث كمال في الدور الأعلى الذي أعد لجلوس المدعوات ساعة، ثم ~~نزل باحثا عن ياسين في الدور الأول الذي هيئ لاستقبال ~~المدعوين، ولكنه وجده في فناء البيت يتفقد المطبخ المتنقل ms265 ~~الذي أقامه الطاهي، فأقبل نحوه مسرورا إدلالا بأداء المهمة التي ~~عهد بها إليه، وقال له: فعلت كما أمرتني فتبعت العروس حتى حجرتها ~~وتفحصتها بعد أن حسرت النقاب عن وجهها ... # فانتحى به جانبا وهو يسأله باسما: هه؟ ... كيف عودها؟ ~~- في عود أبلة خديجة. # ضاحكا: في هذه الناحية لا بأس؟ ... أتعجبك كعائشة؟ ~~- كلا ... أبلة عيشة أجمل كثيرا! ~~- يخرب بيتك أتريد أن تقول إنها كخديجة؟ ~~- كلا إنها أجمل من أبلة خديجة. ~~- كثيرا؟! # فهز رأسه مفكرا فسأله الشاب بلهفة: حدثني عما أعجبك ~~فيها؟ ~~- أنفها صغير كأنف نينة ... وعيناها كعيني نينة أيضا. ~~- ثم؟ ~~- لونها أبيض، وشعرها أسود، ورائحتها حلوة جدا. ~~- نحمده ... ربنا يبشرك بخير. # وخيل إليه أن الغلام يغالب رغبة في معاودة الكلام، فسأله في ~~شيء من القلق: هات ما عندك ولا تخف! # فقال كمال وهو يغض بصره: رأيتها تخرج منديلا ثم ~~تتمخط! # والتوت شفتاه تقززا كأنما كبر عليه أن تند الفعلة عن عروس في ~~ريق فتنتها، فما تمالك ياسين أن ضحك قائلا: لحد هنا عال، ربنا ~~يجعل العواقب سليمة! # ألقى نظرة كئيبة على الفناء الخالي إلا من الطاهي وصبيانه، وبعض ~~الأولاد والبنات، فتخيل ما كان ينبغي أن يوجد من معالم الزينة ~~وسرادق الطرب ومجلس المدعوين، من قضى بهذا؟ ... أبوه! ... الرجل الذي ~~يفوح عرقه بالمجون والعربدة والطرب ... أعجب به من رجل يحل ~~لنفسه اللهو الحرام، ويحرم على بيته اللهو الحلال، وراح يتخيل ~~مجلس السيد كما رآه في حجرة زبيدة بين الكأس والعود، فما يدري إلا ~~وقد وثبت إلى ذهنه فكرة غريبة لم تخطر له من قبل على شدة وضوحها ~~فيما رأى، تلك هي التشابه بين طبيعتي أبيه وأمه! طبيعة واحدة في ~~شهوانيتها وجريها وراء اللذة في استهتار لا يقيم وزنا للتقاليد، ~~ولعل أمه لو كانت رجلا لما قصرت عن أبيه في اللهج بالشراب والطرب ~~أيضا! لذلك انقطع ما بينهما - أبيه وأمه - سريعا، فما كان لمثله ~~أن يطيق مثلها، وما كان لمثلها أن تطيق مثله، بل ما كانت الحياة ~~الزوجية لتستقيم له لولا وقوعه على زوجته ms266 الراهنة! ثم ضاحكا ضحكة ~~لم يتح لها روعه من هذه «الفكرة الغريبة» روحا من السرور «عرفت ~~الآن من أكون، لست إلا ابن هذين الشهوانيين، وما كان لي أن أكون ~~غير ما كنت!» في اللحظة التالية تساءل: ترى ألم يخطئه الصواب عند ~~إغفال دعوة أمه إلى زفافه؟! تساءل رغم إصراره على الاعتقاد بأنه لم ~~يتنكب عن الصواب، لعل أباه رام إراحة ضميره حينما قال له قبل ليلة ~~الزفاف بعدة ليال: «أرى أن تبلغ أمك، ولك إن شئت أن تدعوها ~~إلى شهود زفافك.» ذاك قوله بلسانه لا بقلبه فيما يعتقد، فما ~~يتصور أن يرضى أبوه له بأن يذهب إلى حيث يقيم ذلك الرجل الحقير ~~الذي اتخذته أمه زوجا لها من بعد أزواج كثيرين، وأن يتودد إليها ~~على مرأى منه بأن يدعوها إلى شهود زفافه، لا كان الزفاف، ولا كانت ~~أي سعادة في هذه الدنيا إن حملته يوما على أن يصل ما انقطع بينه ~~وبين تلك المرأة ... تلك الفضيحة ... تلك الذكرى المخزية! وما كان منه ~~إلا أن أجاب أباه وقتذاك قائلا: «لو كان لي أم حقا لكانت أول من ~~أدعو إلى زفافي!» انتبه فجأة إلى الأولاد والبنات وهم يرنون إليه، ~~ويتهامسون فخص البنات بنظرة وسألهن بصوت جهوري ضاحك: «هل تحلمن ~~بالزواج من الآن يا بنات؟» واتجه نحو باب الحريم وهو يذكر قول ~~خديجة الساخر له بالأمس: «إياك وأن تستسلم غدا للحياء بين ~~المدعوين وإلا عرفوا الحقيقة المرة، وهي أن أباك الذي زوجك ~~ونقد مهرك وجملة تكاليف ليلتك، ولكن تحرك بلا توقف، تنقل بين ~~حجرات المدعوين، ضاحك هذا وكلم ذاك، اطلع وانزل، تفقد ~~المطبخ، اهتف وازعق، لعلك توهم الناس بأنك حقا رجل الليلة ~~وسيدها!» فمضى ضاحكا، وفي نيته أن يمتثل النصيحة الساخرة، فخطر ~~بين المدعوين بجسمه الطويل الجسيم في أناقة بديعة ووسامة ~~جذابة، وشباب ريق، ذهب وجاء، ونزل وطلع، وإن لم يفعل شيئا، بيد ~~أن الحركة نفضت عن نفسه طوارئ الفكر، فصفت نفسه لمفاتن الليلة. ~~ولما خطرت العروس على قلبه سرت في بدنه قشعريرة ms267 بهيمية، ثم ذكر آخر ~~ليلة قضاها عند زنوبة العوادة منذ شهر، كيف أنبأها بزواجه الوشيك ~~وهو يودعها وكيف هتفت به بلهجة اصطنعت الغيظ: «يا بن الكلب! ... ~~كتمت الخبر حتى نلت وطرك! ... (المركب اللي تودي أحسن من اللي ~~تجيب) ... مع ألف شبشب يا بن المركوب.» لم يعد لزنوبة من أثر في ~~نفسه، ولا لغيرها، أسدل الستار على هذا الجانب من حياته إلى الأبد، ~~ربما عاود الشراب فما يظن أن تموت رغبته فيه، أما النساء فلم ~~يتصور أن تزيغ عيناه إلى امرأة عابرة وبين يديه حسناء طوع بنانه، ~~عروسه لذة متجددة، ري للظمأ الوحشي الذي طالما قلقل كيانه، ثم ~~راح يتمثل حياته المقبلة، الليلة، والليالي الآتيات، الشهر ~~والعام، فالعمر كله، ووجهه يسطع بهجة ناطقة لحظها فهمي بعين مليئة ~~بحب الاستطلاع والغبطة الهادئة وغير قليل من الأسى، وجاء كمال ~~الذي كان يتراءى في أي مكان فجأة، وخاطب ياسين والبشر يتألق ~~في وجهه قائلا: الطاهي قال لي إن الحلوى تزيد على حاجة المدعوين ~~والمدعوات، وإنه سيتبقى منها مقدار وفير. # 45 # زاد مجلس القهوة وجها جديدا بانضمام زينب إليه، وجها زكاه ~~بريق الشباب وفرحة العرس، وفيما عدا هذا، وفيما عدا فرش الحجرات ~~الثلاث المجاورة لحجرة الوالدين في الدور الأعلى بجهاز العروس، فلم ~~يحدث زواج ياسين تغييرا يذكر في النظام العام للبيت، سواء من ~~الناحية السياسية التي ظلت خاضعة بكل معاني الكلمة لسلطان السيد ~~وإرادته، أو من الناحية الإدارية الداخلية التي ظلت وحدة تابعة ~~لهيمنة الأم كما كان الحال قبل الزواج. التغيير الجوهري حقا كان ~~الذي طرأ على النفوس، ودار مع الخواطر، فدقت رؤيته على الحواس، ~~إذ لم يكن من اليسير أن تشغل زينب مكانة الزوجة للابن البكر، وأن ~~يجمعهما وبقية أفراد الأسرة بيت واحد من دون أن يطرأ على العواطف ~~والمشاعر تطور ذو شأن، رمقتها الأم بنظرة امتزج فيها الرجاء ~~بالحذر، هذه الفتاة التي قضي عليها بأن تعاشرها دهرا طويلا ربما ~~امتد حتى نهاية العمر، أي إنسان تكون؟ ماذا تخبئ وراء ابتسامتها ~~الرقيقة؟ بالجملة استقبلتها ms268 كما يستقبل مالك البيت ساكنا جديدا، ~~فيؤمله ويحاذره، أما خديجة فعلى رغم المجاملات التي تبودلت ~~بينهما، جعلت تسدد نحوها عينين نافذتين مفطورتين على السخرية ~~وسوء الظن، منقبة عن العيوب والمآخذ بحرص ساخط لم يلق من ~~انضمامها إلى البيت، وفوزها بالزواج من أخيها إلا ضيقا خفيا، ~~فلما اعتكفت الفتاة في حجراتها الأيام الأولى من الزواج ساءلت ~~خديجة أمها وهما في حجرة الفرن: «ترى هل حجرة الفرن مكان غير لائق ~~«بها»؟» ومع أن الأم وجدت في تهجمها ترويحا عن حيرة ظنونها، إلا ~~أنها اتخذت موقف الدفاع عن الفتاة، وأجابتها قائلة: «صبرك، لم تزل ~~عروسا في بدء عهدها الجديد!» فتساءلت الأخرى بلهجة تشي ~~بالاستنكار: «ومن ذا الذي قضى بأن نكون خدما للعرائس؟!» فسألتها ~~أمها وكأنما تطرح السؤال على نفسها هي: «أتفضلين أن تستقل ~~بمطبخها؟» فهتفت خديجة معترضة: «لو كان المال مال أبيها لا مال ~~أبي لجاز هذا! ولكني أعني أنها يجب أن تعمل معنا.» على أنه لما ~~قررت زينب، بعد انقضاء أسبوع على الزواج، أن تحمل بعض الأعباء ~~في حجرة الفرن لم يرحب قلب خديجة بهذه الخطوة التعاونية، ومضت ~~تلاحظ عمل العروس بدقة انتقادية، وتقول لأمها: «لم تجئ لتعاونك، ~~ولكن لتمارس ما لعلها تدعيه لنفسها من حق.» أو تقول ساخرة: ~~«طالما سمعنا عن آل عفت أنهم من الصفوة، وأنهم يأكلون ما لا يأكل ~~الناس ... فهل وجدت في طهيها شيئا عجيبا لم نسمع به؟!» بيد أن ~~زينب اقترحت يوما أن تصنع «الشركسية» باعتبارها الصنف الأثير على ~~مائدة أبيها - وهي المرة الأولى لدخول الشركسية في بيت السيد - ~~فحازت لدى تناولها إعجابا شاملا بلغ أقصاه عند ياسين، حتى إن ~~الأم نفسها لم تبرأ من لسعة غيرة، أما خديجة فجن جنونها، وجعلت ~~تهزأ بالصنف قائلة: «قالوا شركسية قلنا يعيش المعلم يتعلم، ولكن ~~ماذا رأينا؟ أرزا وصلصة في هيئة بوليتيكا، طعمها لا هنا ولا ~~هناك. كالعروس تزف إلى عريسها في حلة خلابة وحلي لألاء، حتى إذا ~~نزعت عنها ثياب العرس بدت فتاة عادية من نفس الخلطة المعروفة من ms269 ~~قبل أي اللحم والعظم والدم!» ثم ما كاد يمضي على الزواج أسبوعان، ~~حتى قالت على مسمع من أمها وفهمي وكمال إن العروس وإن كانت بيضاء ~~البشرة، وذات حظ «معتدل» من الجمال، إلا أن دمها ثقيل كالشركسية ~~سواء بسواء، قالت هذا في نفس الوقت الذي أكبت فيه على استظهار ~~دقائق صنع الشركسية بحذقها المعترف به! على أن ثمة أحاديث صدرت عن ~~زينب بحسن نية - في الأقل لأن وقت سوء النية لم يئن بعد - فأثارت ~~الخواطر وألقت عليها ظلا من الشك، إذ طاب لها كلما تهيأت مناسبة ~~أن تنوه بأصلها التركي وإن التزمت الأدب واللطف، كما لذ لها أن ~~تروي لهم بعض ما شاهدت من رحلات في حنطور والدها، وبصحبته إلى ~~الملاهي البريئة والحدائق، فوقع الحديث كله من نفس الأم موقعا ~~أدهشها إلى حد الانزعاج. عجبت لتلك الحياة التي تسمع عنها لأول ~~مرة، وأنكرتها، واستنكرت فيما بينها وبين نفسها هذه الحرية ~~الغريبة استنكارا جاوز كل تقدير، إلى أن المباهاة بالأصل التركي ~~- وإن لطفت بالأدب والبراءة - ساءتها كثيرا؛ لأنها كانت - على ~~تخشعها وانطوائها - شديدة الاعتزاز بأبيها وبعلها، فترى أنها ~~بهما في مكانة لا تداني، إلا أنها كظمت ما قام بنفسها، فلم تلق ~~زينب منها إلا اهتمام الإصغاء وابتسامة المجاملة، ولولا حرص الأم ~~الشديد على السلام لانفجرت خديجة حنقا ولساءت العاقبة، على أنها ~~نفست عن غيظها بطرق ملتوية ليس من شأنها أن تعكر صفو السلام ~~كتعليقها على أنباء الرحلات مثلا - وهي التي لم يسعها أن تجهر ~~فيها برأيها - بالمبالغة في إظهار الدهشة، أو بالهتاف وهي تحملق في ~~وجه محدثتها «يا خبر!» أو بأن تضرب براحتها على صدرها وهي تقول: ~~«ويراك السابلة وأنت تمشين في الحديقة!» أو بقولها: «ما كنت ~~أتصور إمكان هذا يا ربي!» وغير ذلك من العبارات التي وإن لم تفصح ~~ألفاظها عن إساءة، إلا أن لهجتها الممطوطة التمثيلية تضمنت ~~أكثر من معنى كلهجة الزجر التي يصطنعها الأب وهو يتلو القرآن ~~مصليا إذا ما أنس من ابنه غير البعيد عنه إخلالا بالنظام أو ms270 ~~الأدب وعز عليه لزجره صراحة أن يخرج من الصلاة؛ لذلك لم تكن ~~تخلو إلى ياسين حتى تبادره مروحة عن غيظها الذي عز عليها ~~المتنفس: «يا سلام يا سلام على عروسك النزهية.» فيقول لها ضاحكا: ~~«هذه هي الموضة التركية التي تسمو على إدراكك!» فتذكرها صفة ~~«التركية» بالمباهاة الثقيلة على قلبها، فتقول: «على فكرة، ست ~~الدار تباهي كثيرا بأصلها التركي، لماذا؟ ... لأن جد جد جد جد جدها ~~تركي! ... حذار يا أخي، فإن خاتمة التركيات الجنون.» ولكنه يقول لها ~~مجاريا سخريتها: «الجنون أحب إلي من وجه أنفه يجنن ذا الذوق ~~السليم!» تراءى لأعين المتنبئين النقار المتوقع بين خديجة ~~وزينب في أفق الأسرة، فنبهها فهمي إلى ضبط لسانها أن يبلغ الفتاة ~~شيء من هذرها، وأشار محذرا إشارة خفية إلى كمال الذي دأب على ~~التنقل بينهم وبين العروس تنقل الفراشة - حاملة اللقاح - بين ~~الأزهار! ولكن غاب عنه - كما غاب عن الأسرة جميعا - أن القدر كان ~~يعمل من جانبه على الحيلولة بين الفتاتين، إذ زارت البيت حرم ~~المرحوم شوكت وعائشة زيارة لم يحلم أحد من قبل بأن تتوج ~~بالنهاية التي توجت بها، قالت العجوز تخاطب الأم على مسمع من ~~خديجة: يا أمينة هانم جئتك اليوم خاصة لأخطب خديجة لابني ~~إبراهيم ... # فرحة بلا تمهيد وإن طال انتظارها حتى شق؛ فلذلك سجع صوت المرأة ~~في أذني الأم سجعا جميلا، حتى إنها لم تذكر أن قولا - قبله - ~~بل صدرها بندى الطمأنينة والسلام كما بله، فكاد يستخفها ~~الفرح وهي تقول بصوت متهدج: ليس لي في خديجة أكثر مما لك، هي ~~ابنتك ولتجدن في حماك أضعاف ما تجد في بيت أبيها من ~~السعادة. # استرسل الحديث السعيد إلا أن خديجة جعلت تغيب عنه فيما يشبه ~~الذهول، خفضت عينيها في حياء وارتباك، وقد زايلها روح السخرية ~~التي طالما توهجت في حدقتيها، فشملتها وداعة غير معهودة ثم جرت ~~مع تيار خواطرها، جاء الطلب مفاجأة، وأي مفاجأة، فكما بدا عسيرا ~~في غيابه بدا غير مصدق في حدوثه، حتى لقد غشيت فرحتها موجة ~~ثقيلة من الذهول ms271 ... «لأخطب خديجة لابني إبراهيم» ... ماذا دهاه؟ ... إنه ~~على خموله الذي أثار هزءها حسن المحيا وجيه في الرجال، فماذا ~~دهاه؟! ~~- ومن حسن الطالع أن يجمع بين الأختين في بيت واحد. # صوت حرم المرحوم شوكت يؤكد الحقيقة ويزكي وجوهها ... ليس ثمة ~~شك ... إبراهيم مثل خليل مالا وجاها، فأي حظ ادخرته لها ~~الأقدار. لشد ما أسفت على أن عائشة سبقتها إلى الزواج؛ إذ لم تكن ~~تدري أن زواج عائشة هو الذي قدر له أن يفتح لها أبواب الحظ ~~المغلقة. ~~- ما أجمل أن تكون السلفة هي الشقيقة، فيزول سبب جوهري من ~~أسباب وجع الدماغ في الأسر (ثم ضاحكة) فلا تبقى إلا حماتها وأظن ~~أمرها هينا! ~~- إن تكن سلفتها هي شقيقتها، فحماتها هي أمها بلا نقصان. # لم تزل الأمان تتجاملان. لقد أحبت العجوز وهي تزف إليها ~~البشرى بقدر ما أبغضتها يوم خطبت عائشة! يجب أن تعلم مريم بالخبر ~~اليوم، لا تطيق أن تؤجله إلى الغد، لا تدري ما الدافع إلى هذه ~~الرغبة الملحة، لعله قول مريم لها غداة خطبت عائشة: «ماذا كان ~~عليهم لو أنهم انتظروا حتى تتم خطبتك أنت!» فأغراها وقتذاك سوء ~~ظنها المطبوع باتهام براءته الظاهرة. ولما انصرفت أسرة شوكت قال ~~ياسين بقصد التحرش والدعابة: الحق أني مذ رأيت إبراهيم شوكت قلت ~~لنفسي: ما أجدر هذا الرجل الثور الذي لا يبدو أنه يفرق بين ~~الأبيض والأسود أن يقع اختياره يوما على زوجة مثل خديجة. # فابتسمت خديجة ابتسامة خفيفة، ولم تنبس بكلمة، فهتف بدهشة: هل ~~عرفت الأدب والحياء أخيرا! # بيد أن وجهه نطق وهو يمازحها بالرضا والغبطة، فلم يعكر ~~صفوهم إلا حين تساءل كمال في قلق: أتتركنا خديجة أيضا؟ # فقالت الأم تعزيه وتعزي نفسها: ليست السكرية ~~بعيدة. # على أن كمال لم يستطع أن يدلي بما عنده في حرية كاملة، إلا حين ~~انفرد بأمه ليلا، فتربع قبالتها على الكنبة، وسألها بصوت ينم ~~عن الاحتجاج واللوم: ماذا جرى لعقلك يا نينة؟ ... أتفرطين في ~~خديجة كما فرطت في عائشة؟ # فأفهمته أنها لم تفرط فيهما، ولكنها ترضى بما ms272 يسعدهما. فقال ~~محذرا كأنما ينبهها إلى شيء فاتها ويوشك أن يفوتها مرة أخرى: ~~ستذهب هي الأخرى، ربما ظننت أنها ستعود كما ظننت بعائشة، ولكنها لن ~~تعود، وستزورك إذا زارتك كالضيفة، فما إن تشرب القهوة حتى تقول ~~لك السلام عليكم، إني أقولها في صراحة إنها لن تعود . # ثم محذرا وواعظا في آن: ستجدين نفسك وحدك بلا رفيق، من ~~يعينك على الكنس والتنفيض؟ ... من يعينك في حجرة الفرن؟ من ~~يجالسنا في جلسة المساء؟ ... من يضحكنا؟ ... لن تجدي إلا أم حنفي ~~التي سيخلو لها الميدان لسرقة طعامنا كله. # فأفهمته مرة أخرى أن السعادة لن تكون بلا ثمن، فقال محتجا: ~~ومن أدراك أن في الزواج سعادة؟! أؤكد لك أنه لا سعادة مطلقا ~~في الزواج، كيف يحظى أحد بالسعادة بعيدا عن نينة؟ # ومردفا بحماس: ثم إنها لا ترغب في الزواج كما لم ترغب فيه ~~عائشة من قبل ... لقد صارحتني بذلك ذات ليلة في فراشها! # ولكنها قالت له إنه لا بد للفتاة من أن تتزوج، فلم يتمالك من ~~أن يقول: من قال بأنه لا بد للفتاة من أن تذهب إلى بيوت الغرباء! ... ~~ثم ماذا تفعلين لو أجلسها الآخر على الشيزلنج وتناول ذقنها هي ~~الأخرى و... # عند ذاك زجرته وأمرته بألا يتكلم فيما لا يعنيه، فضرب ~~كفا بكف وهو يقول منذرا: أنت حرة ... وسترين! # في تلك الليلة لم يغمض لأمينة من يقظة الفرح جفن كأنها السماء ~~المقمرة لا تغشاها الظلماء، فظلت مستيقظة حتى جاء السيد بعد ~~منتصف الليل، ثم زفت إليه البشرى، فتلقاها بغبطة أطارت عن ~~رأسه الخمار، بالرغم مما في هذا الرأس من نظريات غريبة عن زواج ~~البنات، إلا أنه تجهم بغتة متسائلا: هل أتيح لإبراهيم أن ~~يراها؟! # ساءلت المرأة نفسها ألا يمكن أن يدوم ابتهاجه - ونادرا ما ~~يعلنه - أكثر من نصف دقيقة؟ ... وتمتمت في قلق: أمه ... # فقاطعها محتدا: هل أتيح لإبراهيم أن يراها؟! # فقالت وقد ولى عنها السرور لأول مرة في تلك الليلة: دخل علينا ~~مرة في شقة عائشة باعتباره فردا من الأسرة، فلم أر ms273 في ذلك من ~~بأس. # فتساءل مزمجرا: ولكني لم أعلم بذلك. # كل شيء ينذر بالشر، ترى هل يهوي على مستقبل الفتاة بضربة قاضية؟ ~~... على رغمها اغرورقت عيناها بالدمع، وما تدري إلا وهي تقول مستهينة ~~بغضبته المكفهرة: سيدي، حياة خديجة وديعة بين يديك، هيهات أن ~~يبتسم لها الحظ مرتين. # فرماها بنظرة قاسية وراح يهدر مدمدما مهينما مهمهما كأنما ~~رده الغضب إلى حالة من حالات التعبير بالأصوات التي مر بها ~~أسلافه الأولون، ولكنه لم يزد على ذاك شيئا، لعله أضمر الموافقة ~~من أول الأمر، ولكنه أبى أن يسلم بها قبل أن يسجل سخطه - كالسياسي ~~الذي يهاجم خصمه وإن اقتنع بالغاية التي يستهدفها - ذودا عن ~~مبادئه. # 46 # مضى شهر العسل وياسين متفرغ بكليته لحياته الزوجية الجديدة، لا ~~يصرفه عنها عمل في النهار حيث وافق زواجه أواسط العطلة الصيفية، ~~ولا سهر بالليل خارج البيت؛ لأنه لم يكن يغادره إلا للضرورة القصوى ~~كابتياع زجاجة كونياك مثلا، وفيما عدا هذا لم يجد لنفسه عملا أو ~~معنى أو صفة خارج نطاق الزوجية، فاندلق عليها بقوة وحماس وتفاؤل ~~خليقة برجل ظن أنه ينفذ الخطوات الأولى في برنامج ضخم من المتعة ~~الجسدية سيمتد يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ~~ولكنه أدرك في الثلث الأخير من الشهر أن تفاؤله لا بد أن يكون ~~مبالغا فيه على نحو ما أو أن خللا لا يدري كنهه قد طرأ على ~~حياته. كان يعاني في حيرة بالغة ولأول مرة في حياته ذاك المرض ~~المتوطن في نفس الإنسان الملل. لم يعرفه من قبل عند زنوبة، ولا ~~حتى عند بائعة الدوم؛ لأنه لم يملك هذه أو تلك كما يملك زينب الآن ~~بيمينه، ويحوزها تحت سقف بيته، فأي فتور يتبخر من هذه «الملكية» ~~الآمنة المطمئنة ... الملكية ذات الظاهر الخلاب المغري لدرجة ~~الموت، والباطن الرزين الثقيل لحد اللامبالاة أو التقزز كأنها ~~الشوكولاتة المزيفة التي تهدى في أول إبريل بقشرة من الحلو وحشو ~~من الثوم. وأي مأساة في أن تندمج نشوة القلب والجسد في آلية ~~العادة المنظمة ms274 العاقلة الباردة المتكررة القاتلة للشعور والجدة، ~~كأنها رؤية روحانية رفيقة تجسدت في صلاة لفظية ترددها ~~الذاكرة بلا وعي! ... وراح الفتى يتساءل عما دهى ثورته، عما هدى ~~شياطينه، عن ذاك الشبع وأين جاء، عن تلك الفتنة أين ذهبت، أين ~~ياسين وأين زينب، أين الأحلام، أهذا شأن الزواج أم شأنه هو، وكيف ~~إذا تتابعت الشهور في أعقاب الشهور! ليس أنه لم يعد له رغبة فيها، ~~ولكنها لم تعد رغبة الصائم في لذيذ المأكل، هاله أن يدركها الهدوء ~~حيث انتظر لها الازدهار، وضاعف من حيرته أنه لم يبد على الفتاة ~~عارض من عوارض رد الفعل، أو بالأحرى أنها تزيد حيوية ورغبة، ~~فحينما يظن أن النوم بات واجبا بعد طول التعب، لا يدري إلا وساقها ~~تطرح على ساقه، كأنما طرحت عفوا، حتى قال لنفسه: «يا عجبا ... ~~أحلامي عن الزواج تحققت عندها هي!» إلى هذا كله وجد في عناقها ~~نوعا من الاحتشام، وإن طاب له أول الأمر أنه جعله يهيم آخرا في ~~وديان الذكريات التي ظن أنه ودعها إلى الأبد، طغت على رأسه من ~~الأعماق «زنوبة» وأخريات، كما تطفو ودائع البحر عند هدوء العاصفة ~~لا لشر يبيت، فالحق أنه مرق إلى عش الزوجية عامر القلب بالنية ~~الحسنة، ولكن للموازنة والمقارنة والتأمل، وليقتنع أخيرا بأن ~~«العروس» ليست المفتاح السحري لدنيا المرأة، ليس يدري كيف يخلص ~~حقا للنوايا الحسنة التي فرش بها طريق الزواج، يبدو جانب - على ~~الأقل - من أحلامه الساذجة عسير التحقيق، وهو ظنه بأنه سيستغني ~~بأحضان زوجه عن العالم الخارجي، وأنه سيلبد بكنفها العمر كله، ذاك ~~حلم من أحلام الشهوة في سذاجتها، وسيجد من الآن فصاعدا أن ~~الانقطاع عن عالمه وعاداته مما يشق عليه وليس ثمة ضرورة تدعو إليه، ~~وأنه ينبغي أن يتلمس وسيلة أو أخرى - الوقت بعد الوقت - ليحسن ~~الهرب من نفسه وأفكاره وخيبته، حتى المغني المجيد إذا طال في ~~تقاسيم الليالي، انبعث في نفس السامع الشوق إلى الدخول في الدور، ~~ثم إنه في الانطلاق من محبسه فرصة للاختلاط بالأصحاب المتزوجين، ~~لعله يظفر عندهم ms275 بأجوبة مسكنة للأسئلة الحيرى التي تلح عليه، ~~ولن يتأتى له من وراء ذلك الدواء الشافي لكل داء ... وكيف يؤمن من ~~بعد اليوم بوجود دواء شاف لكل داء؟! يحسن به من الآن ألا يرسم ~~برامج بعيدة المدى، لا تلبث أن تنهار ساخرة من قدرته على التخييل. ~~ليقنع من تنسيق حياته بالخطوة تلو الخطوة حتى يرى أين يرسو، ~~وليبدأ بتنفيذ اقتراح اقترحته هي - زوجه - عليه بأن يخرجا ~~معا. # ما تدري الأسرة ذات مساء إلا وياسين وزوجه يغادران البيت من دون ~~أن يطلعا أحدا على مقصدهما، بالرغم من أنهما قضيا معهم سهرة ~~المساء. بدا الخروج بالنظر إلى وقته المتأخر من ناحية، وإلى وقوعه ~~في بيت السيد من ناحية أخرى حادثا غريبا أثار شتى الظنون، فما ~~عتمت خديجة أن استدعت نور جارية العروس، وسألتها عما تعلم عن خروج ~~سيدتها، فأجابت الجارية بصوتها الرنان في بساطة متناهية: ذهبا يا ~~ستي إلى كشكش بك. # فهتفت خديجة وأمها في نفس واحد: كشكش بك! # ليس الاسم غريبا عليهم، اقتحم ذكره الدور، وتغنى بأغانيه كل ~~من هب ودب، ولكنه على ذلك يبدو بعيدا كأبطال الخرافات، أو ~~كزبلن إبليس السماء. أن يذهب ياسين بزوجه إليه أمر مختلف جدا ~~ليس دونه أن يقال ذهبا إلى محكمة الجنايات. رددت الأم عينيها ~~بين خديجة وفهمي، وتساءلت فيما يشبه الخوف: متى يعودان؟ # فأجابها فهمي وابتسامة لا معنى لها تفغم على شفتيه: بعد منتصف ~~الليل، وربما قبيل الفجر. # صرفت الأم الجارية، وانتظرت حتى غاب وقع أقدامها، ثم قالت في ~~لهوجة وانفعال: ماذا دهى ياسين؟! كان جالسا بيننا في كامل عقله ... ~~ألم يعد يعمل حسابا لأبيه؟ # فقالت خديجة في حنق: ياسين أعقل من أن يدبر رحلة كهذه، ليست ~~قلة العقل عيبه ولكن به خنوع لا يليق بالرجال، أقطع ذراعي إن لم ~~تكن هي التي حرضته. # فقال فهمي مدفوعا برغبة في تلطيف الجو المتوتر، وإن نفر بطبعه ~~الموروث من جرأة أخيه: ياسين ذو ميل قديم إلى الملاهي. # فضاعف دفاعه من حنق خديجة التي اندفعت قائلة: لسنا بصدد ms276 الحديث ~~عن ياسين وميوله، له أن يحب الملاهي كما يحلو له، أو أن يواصل ~~السهر في الخارج حتى مطلع الفجر كلما شاء، ولكن اصطحاب زوجه المصون ~~معه فكرة لا يمكن أن تصدر عن ذاته، فلعلها جاءته عن إيحاء عجز عن ~~مقاومته خصوصا وأنه يبدو مستكينا بين يديها كالقطة الأليفة، ثم ~~إنها فيما أرى لا تتورع عن رغبة كهذه. ألم تسمعها وهي تروي قصص ~~الرحلات التي شاهدتها بصحبة والدها؟! لولا إيحاؤها ما أخذها معه ~~إلى كشكش بك - يا للفضيحة! - في هذه الأيام السود التي ينجحر فيها ~~الرجال في البيوت كالفيران رعبا من الأستراليين. # لم يقف التعليق على الحادث عند حد لما أثاره في النفوس - سواء ~~المهاجمة أو المدافعة أو المحايدة - من امتعاض، كمال وحده تابع ~~النقاش المحتدم في صمت يقظ، من دون أن يفطن إلى السر الذي جعل ~~من كشكش بك جريمة نكراء استوجبت ذاك النقاش كله وذاك الكرب كله، ~~أليس كشكش هذا صاحب التمثال الصغير الذي يباع في الأسواق بجسم ~~متوثب في دعابة ووجه ضاحك ذي لحية عريضة وجبة فضفاضة ~~وعمامة مقلوظة؟ أليس هو من تنسب إليه الأغاني المرحة التي استظهر ~~بعضا منها ينشده مع صديقه فؤاد بن جميل الحمزاوي وكيل أبيه؟ فبأي ~~شر يتهمون هذه الشخصية اللطيفة التي ارتبطت في خياله بالفكاهة ~~والمرح؟ ... لعل مصدر هذا الكدر إلى اصطحاب ياسين لزوجه لا إلى كشكش ~~بك نفسه، فإن كان ذلك كذلك، فهو يتفق معهم في الانزعاج من جرأة ~~ياسين، خصوصا وأن زيارة أمه للحسين، وما أعقبها من أحداث لا يمكن ~~أن تبرح مخيلته، أجل كان الأجدر بياسين أن يذهب وحده، أو أن يأخذه ~~«هو» إن كان يريد رفيقا، لا سيما وأنه في عطلة الصيف فضلا عن ~~نجاحه المتفوق في المدرسة، وما يدري إلا وهو يقول متأثرا بأفكاره: ~~ألم يكن من الأفضل أن يأخذني أنا؟! # اندس تساؤله في الحديث كما تندس نغمة غربية مقتبسة في لحن ~~شرقي صميم، فقالت خديجة: من الآن فصاعدا يحق علينا أن نعذرك في ~~قلة عقلك! # فندت ms277 عن فهمي ضحكة قائلا: ابن الوز عوام. # بيد أن المثل رن في أذنيه رنينا جافيا، وكد أثره السيئ ~~تحديق أمه وخديجة في عينيه باستغراب، فانتبه إلى خطئه غير ~~المقصود، وتداركه قائلا وقد دخله امتعاض وخجل: أخو الوز عوام! ... ~~هذا ما قصدت أقوله. # دل الحديث في جملته على تحامل خديجة على زينب من ناحية، وخوف ~~الأم من العواقب من ناحية أخرى، بيد أن أمينة لم تعلن ما في ~~نفسها كله. في تلك الليلة عرفت في نفسها أمورا لم تكن تعرفها من ~~قبل. أجل كثيرا ما وجدت نحو زينب إنكارا وضيقا، ولكنه لم يبلغ ~~أن يكون نفورا أو كراهية، فعزته إلى خيلاء الفتاة بداع وبغير ~~داع، ولكن هالها اليوم أن تخرق الآداب والتقاليد، وأن تحل لنفسها ~~ما لا يحل - في نظرها هي - إلا للرجال، عابت هذا السلوك بعين ~~امرأة قضت عمرها حبيسة وراء الجدران، امرأة دفعت صحتها وسلامتها ~~ثمنا لزيارة بريئة لزين آل البيت لا لكشكش بك، فمازج انتقادها ~~الصامت شعور طافح بالمرارة والغيظ، وكأن منطقها غدا يردد فيما ~~بينها وبين نفسها «إما أن تنال الأخرى الجزاء، أو فلتذهب الحياة ~~هباء.» هكذا تلوث بالحنق والموجدة - في الشهر الأول من معاشرته ~~لامرأة جديدة - القلب الطاهر الورع الذي لم يعرف طوال حياته ~~المحفوفة بالجد والصرامة والتعب إلا الطاعة والعفو والصفاء. ولما ~~آوت إلى حجرتها لم تدر إن كانت تود - كما دعت بلسانها أمام ~~أبنائها - أن يستر الله على «جناية» ياسين، أم أنها ترجو أن ينال ~~أو بالأحرى أن تنال زوجه جزاءها من الزجر والتأديب؟ بدت تلك الليلة ~~وكأنها لا يعنيها من أمر الدنيا جميعا إلا أن تصان تقاليد الأسرة ~~من كل عبث، وأن يدفع عنها ما يتحرش بها من عدوان، بدت غيورا على ~~الآداب إلى حد القسوة، فطمرت عواطفها الرقيقة المألوفة في الأعماق ~~باسم الإخلاص والفضيلة والدين، متعللة بها، فرارا من ضميرها ~~المتألم كالحلم الذي ينفس عن غرائز مكبوتة باسم الحرية، أو غيرها ~~من المبادئ السامية. جاء السيد وهي على تلك الحال من التصميم ms278 إلا ~~أن منظره بث الخوف في حناياها فانعقد لسانها، راحت تتابع حديثه ~~وتجيب عن أسئلته بذهن شارد وفؤاد خافق لا تدري كيف تنفس عما ~~احتدم بخاطرها، وكلما مر الوقت واقترب ميعاد النوم ألحت عليها ~~رغبة عصبية في الكلام، كم ودت لو تتكشف الحقيقة بنفسها كأن ~~يجيء ياسين وزوجه مثلا قبل إخلاد أبيه إلى النوم، فيتنبه السيد ~~بنفسه إلى فعلته النكراء، فيجبه العروس الرعناء برأيه في سلوكها ~~بغير تدخل منها هي - الأم - لا شك أنه يحزنها بقدر ما يريحها ... ~~انتظرت طويلا في لهفة وقلق أن يطرق الباب الكبير، انتظرت دقيقة ~~بعد أخرى حتى تثاءب السيد وقال لها بصوت متراخ: أطفئي ~~المصباح. # حاقت بها الهزيمة فانحلت عقدة لسانها، فقالت بصوت خافت ~~مضطرب كأنها تناجي نفسها: تأخر الوقت ولما يعد ياسين ~~وزوجه! # فحملق السيد في وجهها وتساءل في عجب: وزوجه؟ ... أين ذهبا؟ # ازدردت المرأة ريقها وقد ركبها الخوف، من السيد ومن نفسها ~~معا، ولكن لم تجد بدا من أن تقول: سمعت الجارية تقول إنهما ~~ذهبا إلى كشكش بك! ~~- كشكش! # عزف الصوت عاليا في شراسة وتطاير الشرر من العينين اللتين ~~ألهبهما الكحول، وراح يطرح عليها السؤال تلو السؤال مزمجرا ~~مدمدما حتى طار النوم عن رأسه، فأبى أن يزايل مجلسه حتى يعود ~~«الضالان»، فانتظر وهو يغلي من الحنق، ولما كان غضبه ينعكس على ~~نفسها رعبا، فقد ارتعبت كما لو كانت هي المذنبة، ثم غصت بالندم ~~على ما بدر منها، ندم عاجلها مبادرا عقب البوح بسرها مباشرة، ~~كأنها لم تبح إلا كي تندم، فلم تكن لتبخل بغال مهما غلا ساعتئذ ~~لو تستطيع أن تصلح خطأها، وقست على نفسها بلا تحفظ فاتهمتها ~~بالوقيعة والشر، ألم يكن الأجدر بها أن تتستر عليهما على أن ~~تنبههما إلى خطئهما غدا إن كانت تريد الإصلاح حقا لا ~~الانتقام؟ .. ولكنها أذعنت لعاطفة شريرة، عن عمد وسوء نية، فهيأت ~~للفتى وعروسه نكدا لم يدر لهما بخلد، وجرت على نفسها ندما بات ~~يحرق نفسها المعذبة حرقا بلا رحمة، وراحت تدعو الله - خجلى من ~~ذكره ms279 - أن يلطف بهم جميعا، مضى الوقت تقرع دقائقه قلبها بالألم، ~~حتى انتبهت على صوت السيد وهو يقول متهكما بمرارة: جاء سي ~~كشكش. # فأرهفت السمع وهي تتطلع بناظريها إلى النافذة المفتوحة ~~المطلة على الفناء، فترامى إليها صرير الباب الكبير وهو يغلق، ~~وقام السيد وغادر الحجرة، فقامت بطريقة آلية ولكنها تسمرت في ~~مكانها جبنا وخزيا، وضربات قلبها تتدافع حتى سمعت صوته الجهير ~~وهو يخاطب القادمين قائلا: «اتبعاني إلى حجرتي.» فتناهى بها الخوف ~~فتسللت من الحجرة هاربة ... عاد السيد إلى مجلسه يتبعه على الأثر ~~ياسين وزينب، فحدج الفتاة بنظرة عميقة متجاهلا ياسين ثم قال ~~بحزم وإن نقى نبراته من الغلظة والجفاء: أصغي إلي يا بنية ~~جيدا، أبوك أخي أو أوثق صلة ومودة، فأنت ابنتي كخديجة وعائشة ~~على السواء، ما قصدت أبدا أن أكدر صفوك، ولكن ثمة أمور أعد ~~السكوت عنها جريمة لا تغتفر، من ذلك أن تبقى فتاة مثلك خارج ~~بيتها حتى هذه الساعة من الليل، لا تحسبي أن في وجود زوجك معك ~~عذرا عن هذا السلوك الشاذ، فإن الزوج الذي يستهين بكرامته على هذا ~~النحو غير خليق بأن يقيل من العثرات التي هو للأسف أول دافع ~~إليها، ولما كنت على يقين من براءتك، أو بالأحرى من أنه لا ذنب لك ~~إلا أنك جاريته على هواه فرجائي إليك أن تعاونيني على إصلاح ~~أمره بألا تستسلمي إلى غواياته مرة أخرى. # وجمت الفتاة واستحوذ عليها الذهول، وعلى أنها كانت تحظى في كنف ~~أبيها بقسط من الحرية إلا أنها لم تجد من نفسها شجاعة على مناقشة ~~الرجل بله معارضته، كأن إقامتها في بيته شهرا أعدت شخصيتها بعدوى ~~الخضوع لإرادته التي يفرق حيالها كل حي في البيت. احتج ~~باطنها بأن أباها نفسه استساغ أكثر من مرة أن يصطحبها إلى السينما، ~~وأنه لا يحق له منعها من شيء سمح به زوجها، إلى اقتناعها بأنها لم ~~تخرق أدبا أو تهتك حرمة، قال باطنها هذا وأكثر، بيد أنها لم ~~تستطع أن تنطق بكلمة واحدة حيال عينيه الملزمتين بالطاعة ~~والاحترام وأنفه ms280 الكبير الذي بدا - وهو يرفع رأسه - كأنه مسدس ~~مصوب نحوها، فانكتم حديثها الباطني تحت مظهر من الرضا والأدب، ~~كما تنكتم الأمواج الصوتية في جهاز الاستقبال بالمذياع بإغلاق ~~مفتاحه، ثم ما تدري إلا وهو يسألها، وكأنه يتمادى في تحديه لها: ~~ألك اعتراض على قولي؟ # فهزت رأسها بالنفي، ورسمت شفتاها حرف «لا» دون أن تنطق به، ~~فقال لها: اتفقنا، تفضلي إلى حجرتك بسلام. # غادرت الحجرة شاحبة الوجه، فالتفت السيد صوب ياسين الذي أخفى ~~عينيه في الأرض، ثم قال وهو يهز رأسه في أسف شديد: الأمر جد خطير ~~ولكن ما حيلتي؟! ... لم تعد طفلا وإلا لكسرت رأسك، ولكنك وا أسفاه ~~رجل وموظف وزوج أيضا، وإن كنت لا تتورع عن العبث برباط الزوجية، ~~فما عسى أن أصنع بك؟ أهذه نهاية تربيتي لك؟ ... (ثم بصوت أذهب في ~~التأسف) ماذا دهاك؟ ... أين الرجولة؟ ... أين الكرامة؟ ... يعز علي ~~والله أن أصدق ما وقع. # لم يرفع ياسين رأسه ولم يتكلم، فظن صمته خوفا وشعورا بالخطأ - ~~إذ لم يتصور أن يكون ما به سكر - ولكنه لم يجد في ذاك عزاء، بدا ~~الخطأ أفظع من أن يترك بلا علاج حاسم، فإذا لم يكن من سبيل إلى ~~العلاج القديم - العصا - فلا أقل من الحزم، وإلا انتثر سلك الأسرة ~~جميعا، قال: ألم تعلم بأني أحرم على زوجي الخروج ولو لزيارة ~~الحسين؟ كيف إذن سولت لك نفسك أن تأخذ زوجك إلى ملهى داعر لتسهر ~~فيه إلى ما بعد منتصف الليل؟! ... يا أحمق أنت تدفع بنفسك وبزوجك إلى ~~الهاوية فأي شيطان ركبك؟ # وجد ياسين في الصمت آمن ملاذ أن تفضحه نبراته، أو أن يسترسل في ~~الحديث بطلاقة مريبة تنم في النهاية على سكره، لا سيما وأن خياله ~~أصر على التسلل - هازئا بالموقف الخطير - من الحجرة فانطلق ~~إلى آفاق بعيدة بدت لرأسه الثمل راقصة تارة ومترنحة أخرى، ولم ~~يستطع صوت أبيه على ما ابتعث في نفسه من الرهبة أن يسكت الأنغام ~~التي غناها المهرجون في المسرح، فكانت تثب إلى ذهنه - على رغمه - ~~بين لحظة وأخرى ms281 كالأشباح في ليل المرعوب هامسة: # أبيع هدومي عشان بوسة # من خدك القشدة يا ملبن # يا حلوة زي البسبوسة # يا مهلبية كمان واحسن. # تغيب تحت تأثير الخوف ثم تطفر راجعة، ولكن أباه ضاق بالصمت، فصاح ~~به غاضبا: انطق، حدثني عن رأيك، فإني مصمم على ألا يمر الحادث ~~بسلام ! # خاف عاقبة الصمت، فخرج عنه متهيبا مضطربا، ثم قال وهو يبذل ~~قصارى جهده ليتمالك نفسه: كان والدها يعاملها بشيء من التسامح ... ~~(ثم متعجلا) ولكني أقر بأني أخطأت. # فصاح السيد مغضبا ومتجاهلا الجملة الأخيرة: لم تعد في بيت ~~أبيها، عليها أن تحترم آداب الأسرة التي صارت عضوا فيها، أنت ~~زوجها وسيدها وبيدك وحدك أن تصورها في أي صورة تشاء، خبرني عن ~~المسئول عن ذهابها معك أنت أم هي؟ # شعر على سكره بالفخ المنصوب له، ولكن الخوف دفعه إلى التواري ~~فغمغم: لما علمت بنيتي في الخروج توسلت إلي أن أصطحبها ~~... # فضرب السيد كفا بكف وهو يقول: أي رجل في الرجال أنت؟ ... كان ~~الجواب الخليق بها لطمة! ... إنه لا يفسد النساء إلا الرجال، وليس كل ~~الرجال جديرا بالقيام على النساء ... ثم محتدا: وتذهب بها إلى ~~مكان ترقص فيه النساء نصف عرايا؟ # تخايلت لعينيه الصور التي أفسدها تعرض أبيه له على رأس السلم، ~~وعادت الأنغام تتجاوب في رأسه «أبيع هدومي ...» ولكن ما يدري إلا ~~والرجل يقول متوعدا: لهذا البيت قانون أنت تعرفه فوطن نفسك ~~على احترامه ما رغبت في البقاء فيه. # 47 # قامت عائشة بتزيين خديجة خير قيام بهمة لا تجارى، ومهارة ~~فائقة كأن التزيين خير مهمة تؤديها في الحياة على أكمل الوجوه، ~~فبدت خديجة عروسا حقا تأخذ أهبتها للانتقال إلى بيت العريس، وإن ~~ادعت - جريا على عادتها في التقليل من شأن الخدمات التي يؤديها ~~لها الغير - أن أكبر الفضل في إظهارها بالمظهر اللائق إنما يعود ~~إلى سمانتها هي قبل كل شيء! على أن «جمالها» لم يعد مثار وساوسها ~~مذ طلب يدها رجل اتفق له أن رآها بعينيه، بيد أن جميع مظاهر ~~السعادة التي أحاطت بها لم ms282 تستطع أن تمحو من نفسها خفقات الحنين ~~الذي دب في أعماقها لوشك البين، حنين خليق بفتاة مثلها لم يخفق ~~قلبها بحب شيء في الوجود كحبها لآلها وبيتها جميعا من الوالدين ~~المعبودين إلى الدجاج واللبلاب والياسمين، حتى الزواج نفسه الذي ~~طالما تحرقت في انتظاره بجزع الملهوف، لم يكن ليهون عليها ~~مرارة الفراق، من قبل أن تطلب يدها بدت كاللاهية عن حب البيت ~~وإعزازه، وربما غلب عليها الضجر في مضطرب الحياة فوارى عواطفها ~~العميقة الصادقة؛ لأن الحب كالصحة، يهون في الوصال ويعز عند ~~الفراق، فلما أن اطمأنت على مستقبلها أبى قلبها أن ينتقل من ~~حياة إلى حياة دون جزع شديد، كأنما يكفر عن إثم أو يضن ~~بغال، تطلع كمال إليها صامتا، لم يعد يتساءل هل تعودين، بعد ~~أن عرف أن التي تتزوج لا تعود إلا أنه خاطب شقيقتيه مغمغما: ~~«سوف أزوركما كثيرا عقب الخروج من المدرسة.» فرحبتا به معا، ~~بيد أنه لم تعد تغرر به الآمال الكاذبة، كثيرا ما زار عائشة ~~فلم يظفر بعائشته القديمة. يجد مكانها أخرى متبرجة تلقاه ~~بتودد بالغ يشعره بالغربة، ثم لا يكاد يخلو إليها حتى يدركهما ~~زوجها الذي لا يغادر البيت قانعا من ألوان التسلية بسجائره ~~وغليونه وعود يعبث بأوتاره بين حين وآخر، لن تكون خديجة خيرا من ~~عائشة، فليس من رفيق في البيت إلا زينب، وهي لا تتودد إليه كما ~~يجب إلا بمشهد من أمه، كأنما تتودد إليها هي، فإذا غابت الأم ~~تجاهلته كأنه لا يكون! ومع أن زينب لم تشعر بأنها ستفقد عزيزا ~~بذهاب خديجة، إلا أنها استنكرت الجو الرزين الصامت الذي يغشى يوم ~~الزفاف، فتعللت بذلك لتفصح عما تكنه لروح السيد المسيطرة من حنق ~~وغيظ، فراحت تقول متهكمة: «ما رأينا بيتا يحرم فيه الحلال كبيتكم ~~هذا ... حكم!» غير أنها لم تشأ أن تودع خديجة من غير كلمة مجاملة، ~~فنوهت كثيرا بمقدرتها، وأنها «ست بيت» خليقة بأن يهنأ عليها ~~بعلها، فأمنت عائشة على قولها وأردفت قائلة: لا عيب فيها إلا ~~لسانها! ... ألم تجربيه يا زينب؟ ms283 # فما تمالكت أن ضحكت قائلة: لم أجربه والحمد لله، ولكني سمعته ~~وغيري يجربه. # وتعالى الضحك، وخديجة أولى الضاحكات، حتى رأين الأم ترهف السمع ~~بغتة، هاتفة: «هس» فأمسكن مرة واحدة، فترامى إليهن صوات من الخارج، ~~فصاحت خديجة من فورها منزعجة: مات السيد رضوان! # كانت مريم وأمها قد اعتذرتا من عدم شهود الزفاف؛ لاشتداد المرض ~~على السيد محمد رضوان، فلم يكن غريبا أن تستدل خديجة بالصوات على ~~موت الرجل، وغادرت الأم الحجرة مهرولة فغابت دقائق، ثم عادت وهي ~~تقول بأسف شديد: مات الشيخ محمد رضوان حقا ... يا له من موقف ~~حرج! # فقالت زينب: عذرنا واضح كالشمس، لم يعد في وسعنا تأجيل الزفاف أو ~~منع العريس من الاحتفال بليلته في بيته وهو بحمد الله بعيد، أما ~~أنتم فهل تطالبون بأعمق من هذا الصمت البليغ؟! # لكن خديجة شردت في خواطر أخرى انقبض لها قلبها خوفا، فتطيرت من ~~النبأ المحزن، وغمغمت كأنها تخاطب نفسها: يا لطيف يا رب. # فقرأت الأم أفكارها فانقبض صدرها بدورها، ولكنها أبت أن تستكين ~~لهذا الشعور الطارئ أو أن تترك ابنتها تستكين له، فقالت باستهانة ~~متصنعة: لا شأن لنا بقضاء الله؛ فالحياة والموت بيده، والتشاؤم من ~~عند الشيطان. # انضم ياسين وفهمي إلى المجتمعات بحجرة العروس، بعد أن فرغا من ~~ارتداء ملابسهما، فأخبرا الأم بأن السيد ناب عن الأسرة - بالنظر ~~إلى ضيق الوقت - في تقديم واجب العزاء إلى آل السيد رضوان، ثم حدج ~~ياسين إلى خديجة، وقال ضاحكا: أبى السيد رضوان أن يبقى في الدنيا ~~بعد رحيلك عن جواره. # فردت عليه بابتسامة شاحبة غاب عنه ما وراءها، فمضى يتفحصها ~~بعناية وهو يهز رأسه متظاهرا بالرضا، ثم قال متنهدا: صدق من قال ~~«لبس البوصة تبقى عروسة.» # فقطبت معلنة عدم استعدادها لمجاراته، ثم نهرته قائلة: اسكت، ~~إني متطيرة من موت السيد رضوان في يوم زفافي. # فقال ضاحكا: لا أدري أيكما جنى على صاحبه؟ # ثم وهو يواصل الضحك: لا خوف عليك من موت الرجل، لا تشغلي فكرك ~~به، ولكني أخاف عليك من لسانك فهو الأحق ms284 بأن تتطيري منه، ونصيحتي ~~التي لا أمل ترديدها أن تنقعيه في شراب مشبع بالسكر حتى ~~يحلو، ويصلح لمخاطبة العريس. # عند ذلك قال فهمي متلطفا: مهما يكن من أمر السيد رضوان، فيوم ~~زفافك لم يخل من بركة طال انتظار الأرض لها: ألم تعلمي بأن ~~الهدنة قد أعلنت؟ # فهتف ياسين : كدت أنسى هذا! ليس زفافك المعجزة الوحيدة في يومنا ~~هذا، حصل ما لم يحصل منذ أعوام فانتهت الحرب وسلم غليوم. # فتساءلت الأم: هل يذهب الغلاء والأستراليون؟! # فقال ياسين ضاحكا: طبعا ... طبعا ... الغلاء والأستراليون ولسان ~~خديجة هانم. # لاح التفكير في عيني فهمي، ثم قال وكأنه يخاطب نفسه: غلب ~~الألمان! ... من كان يتصور هذا؟! ... لا أمل بعد اليوم في أن يعود ~~عباس أو محمد فريد، كذلك آمال الخلافة قد ضاعت، لا يزال نجم ~~الإنجليز في صعود، ونجمنا في أفول فله الأمر. # فقال ياسين: اثنان كسبا الحرب هما الإنجليز والسلطان فؤاد، فلا ~~أولئك كانوا يحلمون بالقضاء على الألمان، ولا هذا كان يحلم ~~بالعرش. # وسكت لحظة ثم استطرد ضاحكا: وثالث لا يقل حظه عن السابقين هو ~~عروستنا التي ما كانت تحلم بالعريس. # فرمته خديجة بنظرة وعيد وقالت: تأبى أن أغادر البيت من غير أن ~~ألدغك. # فتراجع وهو يقول: من الخير أن أطلب الهدنة، فلست أعظم شأنا من ~~غليوم أو هندنبرج. # ثم نظر إلى فهمي الذي لاح في وجهه التفكير بحال لا يتفق مع ~~المناسبة السعيدة، فقال له: اطرح السياسة وراء ظهرك، وتهيأ للطرب ~~ولذيذ المآكل والمشارب. # ومع أن خديجة تناوبتها أفكار كثيرة، وخطرت على قلبها أحلام ~~وأحلام، إلا أن ذكرى قريبة - من ذكريات الصباح فحسب - ألحت عليها ~~من شدة تأثرها بها، حتى كادت تحجب غيرها من الشجون، تلك دعوة ~~أبيها لها على انفراد لمناسبة اليوم الذي يعد مبدأ حياة جديدة في ~~حياتها، قابلها بلطف ورحمة كانا بلسما شافيا من وعكة الحياء ~~والرهبة التي اعترتها حتى تعثرت في مشيتها، ثم قال لها برقة ~~وقعت من نفسها موقعا غريبا لا عهد لها به: ربنا يسدد خطاك ويهيئ ~~لك ms285 التوفيق وراحة البال، وما من نصيحة تسدى إليك خير من أن أقول: ~~اقتدي بأمك في كل كبيرة وصغيرة. # وأعطاها يده فقبلتها ثم غادرت الحجرة لا تكاد ترى ما بين يديها ~~من الانفعال والتأثر، وجعلت تردد طول الوقت «كم أنه لطيف رقيق ~~رحيم!» ثم تذكر بقلب ملؤه السعادة قوله : «اقتدي بأمك في كل كبيرة ~~وصغيرة.» وتقول لأمها التي أصغت إليها بوجه متورد وعينين ~~مرتعشتين: «ألا يعني هذا أنه يراك القدوة الصالحة للزوجة ~~الصالحة؟ (ثم ضاحكة) يا لك من امرأة سعيدة الحظ! ولكن من عسى أن ~~يصدق هذا كله؟ كأني كنت في حلم سعيد! أين كان يدخر هذا العطف ~~الجميل؟!» ثم دعت له طويلا حتى اغرورقت عيناها بالدموع. # وجاءت أم حنفي تعلنهم بوصول السيارات. # 48 # خلا مجلس القهوة من وجه خديجة كما خلا من وجه عائشة من قبل، على ~~أن خديجة تركت فراغا لم يسد فكأنها استلت روحه وسلبته حيويته، ~~وحرمته مزايا لا يستهان بها من الفكاهة والمرح والنقار، أو كما ~~قال ياسين لنفسه: «كانت في مجلسنا كالملح في الطعام، ليس الملح في ~~ذاته لذيذا ولكن ما لذة الطعام من دونه؟» بيد أنه لم يجهر برأيه ~~مجاملة لزوجه؛ إذ إنه لم يزل - على خيبة أمله في الزواج التي لم ~~يعد لها من دواء في البيت - يشفق من جرح مشاعرها على الأقل كي لا ~~تسيء الظن بسهره المتواصل ليلة بعد أخرى في «القهوة» كما يزعم لها. ~~ولئن كان مزاحه يفوق جده، إن كان ثمة جد، إلا أنه فقد النديم الذي ~~طالما طارحه الدعابة، وهيأ له دواعيها، فلم يبق له إلا أن ~~يقنع بالقليل في هذه الجلسة التقليدية، ها هو يتربع على ~~الكنبة، يحسو القهوة، ويمد بصره إلى الكنبة المقابلة له، فيرى الأم ~~وزوجه وكمال مستغرقين في أحاديث لا طائل تحتها، ولعله يتعجب ~~للمرة المائة من رزانة زينب المعتمة، فيذكر ما رمتها به خديجة من ~~«ثقل الدم» ويسلم بوجهة نظرها! ... ثم يفتح ديوان الحماسة أو غادة ~~كربلاء ويقرأ، أو يقص على كمال شيئا مما ms286 قرأ، ويلتفت إلى يمينه ~~فيرى فهمي متوثبا للحديث، عن أي شيء يا ترى، محمد فريد، مصطفى ~~كامل؟ ... لا يدري، ولكنه سيتكلم بلا ريب، بل يبدو اليوم منذ عودته ~~من المدرسة كالسماء المنذرة بالمطر، هل ينكشه؟ ... كلا، لا حاجة به ~~إلى ذلك، ها هو يستقبله باهتمام شديد، ويحدجه بنظرة موحية ناطقة ~~ثم يسأله: ألم تبلغك أنباء جديدة؟ # يسأله هو عن أنباء جديدة! عندي أنباء لا عد لها ... الزواج أكبر ~~خدعة، الزوجة تنقلب بعد أشهر شربة زيت خروع، لا تحزن على ما فاتك ~~من مريم أيها السياسي الغر، أتريد أنباء أخرى؟! لدي منها الكثير ~~لكنها على وجه اليقين لا تهمك ألبته، ثم إن الشجاعة تخونني إذا ~~سولت لي نفسي إذاعتها على مسمع من زوجي، وما يدري إلا وهو ~~يستشهد - في سره طبعا - بقول الشريف: # عندي رسائل شوق لست أذكرها # لولا «الرقيب» لقد بلغتها فاك # ثم تساءل بدوره: أي أنباء جديدة تعني؟ # فقال فهمي باهتمام شديد: ذاع بين الطلبة نبأ عجيب كان حديثنا ~~اليوم كله، وهو أن وفدا مصريا مكونا من سعد زغلول باشا وعبد ~~العزيز فهمي بك وعلي شعراوي باشا توجه أمس إلى دار الحماية، ~~وقابل نائب الملك للمطالبة برفع الحماية وإعلان الاستقلال. # ورفع ياسين حاجبيه في اهتمام ولاحت في عينيه نظرة شك مقرونة ~~بالدهشة. لم يكن اسم سعد زغلول بالجديد عليه، وإن لم يجد وراء ~~الاسم في نفسه شيئا ذا بال، اللهم إلا ذكريات غامضة اقترنت بحوادث ~~أتى عليها النسيان من زمن، دون أن تترك في قلبه - الذي لا يكاد ~~يعبأ بالأمور العامة - أثرا عاطفيا يدل عليها ولو من بعيد، إلا ~~أن الاسمين الآخرين كانا يقعان في أذنه لأول مرة، بيد أن غرابة ~~الأسماء ليست شيئا يذكر إلى جانب الحركة التي قام بها أصحابها إن ~~صح ما يقول فهمي؛ إذ كيف يتصور أن يطالب الإنجليز غداة انتصارهم ~~على الألمان والخلافة باستقلال مصر؟! وسأله: ماذا تعرف عن هؤلاء ~~السادة؟ # فقال فهمي بلهجة لا تخلو من امتعاض خليق بمن يود لو كان هؤلاء ms287 ~~السادة من أعضاء الحزب الوطني: سعد زغلول وكيل الجمعية التشريعية، ~~وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي عضوان بها، الحق أني لا أعرف شيئا ~~عن الأخيرين، أما سعد فأكاد أكون عنه فكرة لا بأس بها مما ترامى ~~إلي عن كثيرين من زملائي الطلبة الوطنيين الذين يختلفون فيه ~~كثيرا، منهم من يعده ذنبا من أذناب الإنجليز، ولا شيء أكثر ~~من هذا، ومنهم من يقر له بمزايا عظيمة جديرة بأن ترفعه إلى مصاف ~~رجال الحزب الوطني أنفسهم. ومهما يكن من شأن فالخطوة التي أقدم ~~عليها مع زميليه - ويقال إنه كان الداعي إليها كذلك - عمل مجيد ~~لعله لا يوجد الآن من ينهض به مثله بعد نفي المبرزين من ~~الوطنيين، وعلى رأسهم زعيمهم محمد فريد. # بدا ياسين جادا أن يظن به الآخر استهانة بحماسه، وردد قائلا ~~وكأنه يسائل نفسه: المطالبة برفع الحماية وإعلان الاستقلال! ~~- وسمعنا أيضا أنهم طالبوا بالسفر إلى لندن للسعي إلى ~~الاستقلال، وأنهم لهذا القصد قابلوا السير «ريجنالد ونجت» نائب ~~الملك! # لم يستطع ياسين أن يواصل مداراة حيرته، فأعلنها بأساريره وهو ~~يسأله بصوت مرتفع بعض الشيء: الاستقلال! ... أتعني هذا حقا؟ ... ~~ماذا تعني؟ # فقال فهمي بلهجة عصبية: أعني إخراج الإنجليز من مصر، أو الجلاء ~~كما عبر عنه مصطفى كامل ودعا إليه. # يا له من أمل! .. لم يكن السعي إلى حديث السياسة من طبعه ولكنه ~~يقبل دعوة فهمي كلما دعا إليه اتقاء لتكديره، وطلبا لنوع طريف ~~من التسلية، وربما ثار اهتمامه بين الحين والحين، وإن لم يبلغ درجة ~~الحماس، بل ربما شاركه أمانيه بطريقة سلبية هادئة، ولكنه أثبت ~~طوال حياته أنه قليل الاكتراث بهذا الجانب من الحياة العامة، كأنه ~~لا غاية له وراء التنعم بطيبات الحياة ولذاتها؛ لذلك لم يجد في ~~نفسه استعدادا للأخذ بهذه الأقوال مأخذ الجد، وتساءل مرة أخرى: ~~هل يقع هذا في حدود الإمكان حقا؟ # فقال فهمي بحماس لا يخلو من لوم: لا يأس مع الحياة يا ~~أخي! # فأثارت هذه الجملة في نفسه ما تثيره أمثالها من ميل إلى ~~السخرية، بيد أنه تساءل ms288 متظاهرا بالجد: وكيف لنا بأن ~~نخرجهم؟ # ففكر فهمي قليلا ثم قال عابسا: لهذا طلب سعد وزميلاه السفر ~~إلى لندن! # تابعت الأم الحديث باهتمام مركزة فيه وعيها كله كي تفهم أقصى ~~ما يسعها فهمه منه، كدأبها كلما ثار حديث في الشئون العامة البعيدة ~~كل البعد عن اللغو المنزلي، تلك الأمور تشوقها، وتدعي القدرة ~~على فهمها، ولا تتردد إذا سنحت فرصة عن المشاركة فيها غير ~~مبالية بما تحدثه آراؤها في أحايين كثيرة من الاستهانة المشربة ~~بالعطف، ولكن لم يكن شيء ليحطم مجاديفها أو يصدها عن الاهتمام بهذه ~~الشئون «الكبيرة» التي يبدو أنها تتبعها مدفوعة بنفس البواعث التي ~~تدفعها إلى التعلق بدروس كمال الدينية، أو مناقشة ما يلقي ~~عليها من معلوماته الجغرافية والتاريخية على ضوء معارفها الدينية ~~أو الأسطورية، وقد أكسبها هذا الجد شيئا من الإلمام بما يقال عن ~~مصطفى كامل ومحمد فريد وأفندينا المبعد، أولئك الرجال الذين ~~ضاعف من حبها لهم إخلاصهم للخلافة الأمر الذي قربهم في نظرها - ~~كشخص يقدر الرجال بحسب منازلهم الدينية - من مراتب الأولياء ~~الذين تهيم بهم، ولما أن ذكر فهمي أن سعدا وزميليه يطلبان السفر ~~إلى «لندن» خرجت عن صمتها فجأة متسائلة: أي بلاد الله لندن ~~هذه؟ # فبادرها كمال باللهجة المنغومة التي يسمع بها التلاميذ ~~دروسهم: لندن عاصمة بريطانيا العظمى، وباريس عاصمة فرنسا، والكاب ~~وعاصمتها الكاب. # ثم مال على أذنها هامسا «لندن بلاد الإنجليز»، فتولت الأم ~~الدهشة وقالت مخاطبة فهمي: يذهبون إلى بلاد الإنجليز ليطالبوهم ~~بأن يخرجوا من مصر؟! ... ليس هذا من الذوق في شيء ... كيف تزورني في ~~بيتي وأنت تضمر طردي من بيتك؟! # أضجرت مقاطعتها الشاب، فنظر إليها باسما معاتبا في آن، ~~ولكنها ظنت أنها بسبيل إقناعه، فأردفت قائلة: وكيف يطلبون ~~إخراجهم من ديارنا بعد إقامة طالت هذا الدهر كله؟! لقد ولدنا ~~وولدتم وهم في بلادنا فهل من «الإنسانية» أن نتصدى لهم بعد ذاك ~~العمر الطويل من العشرة والجيرة لنقول لهم بصريح العبارة - وفي ~~بلادهم أيضا - اخرجوا؟! # ابتسم فهمي كاليائس على حين قهقه ياسين، أما زينب فقالت ms289 جادة: ~~كيف تواتيهم الجرأة على أن يقولوا لهم هذا في بلادهم! ... هب ~~الإنجليز قتلوهم هناك، فمن ذا يدري بهم؟ ... ألم يجعل جنودهم المشي ~~في الشوارع البعيدة من المخاطرات غير المأمونة؟ ... فكيف بمن تحدثه ~~نفسه باقتحام ديارهم؟! # ود ياسين لو يسترسل مع المرأتين في حديثهما الساذج إرواء ~~لعواطفه الظامئة إلى المزاح، ولكنه لمس ضجر فهمي فأشفق من إغضابه، ~~فتحول إليه مواصلا ما انقطع من الحديث وهو يقول: في كلامهما حق ~~لم تحسنا التعبير عنه، خبرني يا أخي ما عسى أن يصنع سعد حيال ~~دولة تعد الآن سيدة العالم بلا منازع؟ # فوافقت الأم على قوله بإيماءة من رأسها كأن الحديث كان موجها ~~إليها، وراحت تقول: كان عرابي باشا أعظم الرجال وأشجعهم، لا يقاس ~~به سعد ولا غيره، وكان فارسا وكان مقاتلا، فماذا لقي من الإنجليز ~~يا ولداه؟ أسروه ثم نفوه إلى بلاد وراء الشمس ... # فلم يتمالك فهمي من أن يقول لها بلهجة جمعت بين الرجاء والضيق: ~~نينة! ... هلا تركتنا نتحدث؟! # فابتسمت فيما يشبه الحياء مشفقة كل الإشفاق من إغضابه، فغيرت ~~لهجتها الحماسية كأنما هي بتغيير لهجتها تعلن تغير رأيها كله، ~~ثم قالت برقة واعتذار: يا سيدي لكل مجتهد نصيب، فليذهبوا في ~~رعاية الله، وعسى أن يحظوا بعطف الملكة الكبيرة ... # فما يدري الشاب إلا وهو يسألها في غرابة: أي ملكة ~~تقصدين؟ ~~- الملكة فيكتوريا يا بني، أليس هذا اسمها؟ ... طالما سمعت أبي وهو ~~يتحدث عنها، هي التي أمرت بنفي عرابي، ولكنها أعجبت بشجاعته ~~كثيرا فيما قيل. # فقال ياسين ساخرا: إذا كانت قد نفت عرابي الفارس، فهي أجدر أن ~~تنفي سعدا العجوز! # فقالت الأم: مهما يكن من أمرها فهي لم تزل امرأة يحمل صدرها ولا ~~شك قلبا رقيقا، فإذا أحسنوا مخاطبتها وعرفوا كيف يتوددون إليها ~~جبرت بخاطرهم. # وجد ياسين سرورا كبيرا في منطق الأم التي جعلت تتحدث عن ~~الملكة التاريخية كما لو كانت تتحدث عن أم مريم أو غيرها من ~~الجارات، ولم يعد يرغب في مجاراة فهمي، فسألها بإغراء: خبرينا ~~عما يحسن أن يقولوه لها؟ ms290 # فاعتدلت المرأة في جلستها مسرورة بهذا السؤال الذي أقر لها ~~بالجدارة «السياسية»، ومضت تفكر باهتمام لاح في تقارب حاجبيها ~~في صيغة مناسبة لأول «مفاوضة»، بيد أن فهمي لم يمهلها حتى تتم ~~تفكيرها، فقال لها باقتضاب واستياء: الملكة فيكتوريا ماتت من زمن ~~بعيد، لا تتعبي نفسك بلا طائل! # انتبه ياسين عند ذاك إلى غاشية المساء الزاحفة من خلال خصاص ~~النوافذ، فأدرك أنه آن له أن يودع المجلس ليمضي إلى سهرته، ولما ~~كان يعلم حق العلم بأن ظمأ فهمي إلى الحديث لم يرو بعد، فقد رغب ~~في أن يقدم له اعتذاره عن ذهابه في صورة تأييد من نوع ما للنبأ ~~الذي أخذ بلبه، فقال له وهو ينهض: إنهم رجال يدركون بلا شك ~~خطورة ما أقدموا عليه، فعلهم أعدوا له الوسيلة الناجحة، ~~فلندع لهم بالتوفيق. # وغادر المجلس وهو يشير إلى زينب لتلحق به فتجهز له ملابسه، ~~فشيعه فهمي بنظرة لا تخلو من غضب، غضب من لم يظفر بمشاركة ~~وجدانية تتجاوب مع نفسه المتأججة، لشد ما تثير أحاديث ~~الوطنية أكبر الأحلام في نفسه، في دنياها الساحرة تتراءى لعينيه ~~دنيا جديدة، ووطن جديد وبيت جديد، وأهل جدد، ينتفضون جميعا حيوية ~~وحماسة، ولكن ما إن يفيق على هذا الجو الخانق من الفتور والسذاجة ~~وعدم المبالاة، حتى تشب بين أضلعه نار الحسرة والألم، فتروم في ~~قهرها متنفسا - أيا ما كان - تنطلق منه إلى السماء، ود في تلك ~~اللحظة بكل قوته لو ينطوي الليل في غمضة عين؛ ليجد نفسه مرة ~~أخرى في مجمع الطلاب من إخوانه، فيروي ظمأه إلى الحماس والحرية، ~~ويسمو في وقدة حماسهم إلى ذلك العالم الكبير من الأحلام والمجد، ~~لقد تساءل ياسين عن ماذا يصنع سعد حيال بلد تعد اليوم بحق سيدة ~~العالم، وهو نفسه لا يدري على وجه التحقيق ماذا سيصنع سعد، ولا ~~يدري ماذا يمكن أن يصنع، ولكنه يشعر بكل ما في قلبه من قوة بأن ثمة ~~ما يجب عمله، ربما لم يجده ماثلا في عالم الواقع، ولكنه يشعر به ~~كامنا في قلبه ms291 ودمه، فما أجدره أن يبرز إلى ضوء الحياة والواقع، ~~أو فلتمض الحياة عبثا من العبث وباطلا من الأباطيل. # 49 # بدا الطريق أمام دكان السيد أحمد - كعادته - مكتظا بالسابلة ~~والمركبات، ورواد الدكاكين المتراصة على الجانبين، إلا أن ~~هامته ازدانت بشفافية مقطرة من جو نوفمبر اللطيف الذي حجبت ~~شمسه وراء سحائب رقاق لاحت رقاعها ناصعة البياض فوق مآذن قلاوون ~~وبرقوق، كأنها بحيرات من نور، لم يكن شيء في السماء ولا في الأرض ~~قد خرق المألوف مما اعتاد السيد أن يراه كل يوم، ولكن نفس الرجل، ~~والأنفس الموصولة بنفسه، وربما أنفس الناس جميعا تعرضت لموجة ~~عاتية من الانفعال والشعور خرجت بها عن طورها أو كادت، حتى قال ~~السيد إنه لم تمر به أيام كهذه الأيام، اجتمع الناس فيها حول نبأ ~~واحد، وخفقت قلوبهم بإحساس واحد. فهمي الذي يلوذ بالصمت بين يديه ~~ما لم يبدأه هو بالحديث نقل إليه في إسهاب ما اتصل بعلمه عن ~~مقابلة سعد لنائب الملك، وفي مساء اليوم نفسه، وفي مجلس الطرب، ~~أكد نفر من الصحاب أن الخبر حقيقة لا يرتقي إليها الشك، وفي ~~دكانه حدث أكثر من مرة أن خاض زبائن لا تربط بينهم صلة تعارف ~~سابق في حديث المقابلة، بل ما يدري هذا الصباح إلا والشيخ متولي ~~عبد الصمد يقتحم عليه الدكان بعد غيبة طويلة، فلم يقنع بتلاوة ~~الآيات وأخذ نصيبه من السكر والصابون، وأبى إلا أن يعلن نبأ ~~الزيارة بلهجة من يزف البشرى لأول مرة، ولما سأله السيد ~~- مداعبا - عما يظن أن تكون نتيجة الزيارة، أجاب الشيخ: «محال! ... ~~محال أن يخرج الإنجليز من مصر، أتحسبهم مجانين كي يجلوا عن البلد ~~بلا قتال! ... لا بد من قتال، ولا قتال لنا، فلا سبيل إلى إخراجهم، ~~فلعل رجالنا يوفقون ولو إلى إبعاد الأستراليين حتى يعود الأمن إلى ~~سابق عهده، والسلام!» أيام أنباء ومشاعر فياضة صادفت في السيد ~~رجلا ذا قابلية شديدة لعدوى الأشواق الوطنية والسياسية، فبات ~~على حال من الانتظار والتوقع، جعلته يقبل بانفعال على قراءة ~~الجرائد التي بدت في ms292 الأغلب وكأنها تصدر في بلد غريب لا انفعال ~~فيه ولا توثب، واستقبال الأصدقاء بنظرة استطلاع تتلهف عما ~~وراءهم من جديد، وعلى تلك الحال استقبل السيد محمد عفت حين دخل ~~الدكان مهرولا، لم تكن نظرة القادم الحادة ولا حركته النشيطة مما ~~يوحي بأنه مجرد زائر قد عرج إلى الدكان لاحتساء قهوة أو رواية ~~ملحة، فوجد السيد في مظهره ما تجاوب مع نفسه القلقة المشوقة، ~~فبادره قائلا والآخر يشق طريقه بين الزبائن الذين قام جميل ~~الحمزاوي على قضاء حوائجهم: صباحنا ناد، ماذا وراءك يا ~~سبع؟ # اتخذ السيد محمد عفت مجلسه لصق المكتب، وهو يبتسم ابتسامة وشت ~~بالعجب كأن قول السيد «ماذا وراءك»، وهو نفس السؤال الذي ~~يتكرر كلما لاقى أحدا من صحبه، إقرار بأهميته في هذه الأيام ~~البالغة في أهميتها بالنظر لما يربطه ببعض الشخصيات المصرية الهامة ~~من صلات القربى. كان السيد عفت دائما همزة الوصل بين جماعته ~~الأصلية المكونة من تجار وبين من انضم إليها بمضي الزمن من ~~موظفين ممتازين ومحامين، وإن تفرد السيد أحمد بمنزلة الإعزاز ~~الأولى بفضل شخصيته وسجاياه، غير أن صلة القربى هذه التي لم تفقد ~~شيئا من خطورتها قط لدى أصدقائه التجار الذين يتطلعون إلى ~~الموظفين وذوي الألقاب بنظرة ملؤها الإكبار، صلة القربى هذه قد ~~زادت خطورة في هذه الأيام التي بات فيها «الخبر الجديد» أهم من ~~الماء والغذاء! ... بسط السيد عفت صحيفة كانت مطوية بيمينه ثم ~~قال: خطوة جديدة ... لم أعد ناقل أنباء فحسب، ولكني بت رسولا أحمل ~~إليك وإلى غيرك من الأكرمين هذا التوكيل السعيد. # وأعطاه الصحيفة وهو يغمغم مبتسما: «اقرأ» فتناولها السيد ~~وقرأ: # نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات سعد زغلول باشا ~~وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي بك ومحمد علي علوبة بك وعبد ~~اللطيف المكباتي ومحمد محمود باشا وأحمد لطفي السيد بك، ولهم أن ~~يضموا إليهم من يختارون، في أن يسعوا بالطرق السلمية ~~المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلا في استقلال مصر استقلالا ~~تاما. # فتهلل وجه السيد وهو يتلو أسماء أعضاء الوفد ms293 المصري الذين سمع ~~بهم فيما سمع من أنباء الحياة الوطنية التي ترددها الألسن، ~~وتساءل: ماذا تعني هذه الورقة؟ # فقال الرجل بحماس: ألا ترى هذه الإمضاءات؟ ... وقع تحتها ~~بإمضائك، وادع جميل الحمزاوي ليوقع بإمضائه أيضا. هذا توكيل من ~~التوكيلات التي طبعها الوفد ليوقعها الشعب، فيتخذ بها صفة الوكالة ~~عن الأمة المصرية ... أمسك السيد بالقلم ووقع بإمضائه في سرور ~~تجلى في تألق عينيه الزرقاوين، وهو يبتسم ابتسامة رقيقة نمت ~~عن شعوره بالسعادة والخيلاء؛ إذ يوكل عن نفسه سعدا وزملاءه، ~~أولئك الرجال الذين ملكوا النفوس على حداثة شهرتهم، حيث حركوا ~~منها أهواء عميقة مكبوتة كالدواء الجديد يستأثر بأفكار المرضى ~~بداء قديم استعصى علاجه، بالرغم من استعماله لأول مرة، ودعا ~~الحمزاوي فوقع بإمضائه كذلك، ثم التفت إلى صاحبه وهو يقول ~~باهتمام شديد: المسألة جد فيما يبدو! # فضرب الرجل حافة المكتب بقبضة يده، ثم قال: غاية الجد، كل شيء ~~يسير بقوة وتصميم، أما علمت بما دعا إلى طبع هذه التوكيلات؟ قيل ~~إن «الرجل» الإنجليزي تساءل عن الصفة التي كلمه بها سعد وزميلاه ~~في صباح 13 نوفمبر الماضي، فما كان من الوفد إلا أن عمد إلى هذه ~~التوكيلات ليثبت أنه يتكلم باسم الأمة. # فقال السيد بتأثر: لو كان محمد فريد بيننا ما عدا هذا. ~~- لقد انضم إلى الوفد من رجال الحزب الوطني محمد علي علوبة بك، ~~وعبد اللطيف المكباتي. # ثم هز منكبيه لينفض عنهما الماضي كله، ثم قال: كلنا نذكر سعدا ~~بما كان يثير من ضجة عظيمة على عهد توليه لنظارة المعارف ثم ~~الحقانية، ما زلت أذكر ترحيب اللواء به منذ ترشيحه للوزارة، وإن لم ~~أنس حملاته عليه بعد ذلك، بل لا أنكر أنني ملت مع انتقاد ~~المنتقدين له؛ لشدة تعلقي بالمغفور له مصطفى كامل، ولكن سعد ~~أثبت دائما أنه جدير بإعجاب المعجبين، أما حركته الأخيرة فهي ~~خليقة بأن تحله من القلوب في أعز مكان. ~~- صدقت ... حركة مباركة، لندع الله أن يتولاها ~~بتوفيقه. # ثم باهتمام: ترى أيؤذن لهم في السفر؟ ... وماذا تراهم فاعلين إذا ~~سافروا؟ # طوى ms294 السيد محمد عفت التوكيل، ثم نهض وهو يقول: ما الغد ~~ببعيد. # في طريقهما إلى باب الدكان غلبت روح الدعابة السيد، فهمس في أذن ~~صاحبه: كأني لشدة سروري بهذا التوكيل الوطني ثمل يعل الكأس ~~الثامنة بين فخذي زبيدة! # فحرك محمد عفت رأسه في تأثر كأن الصورة التي جسمها خياله ~~عند ذكر الكأس وزبيدة قد أسكرته، وغمغم: ياما بكرة نسمع. # ثم غادر الدكان والسيد في أعقابه مبتسما: وبعده نشوف! # ثم عاد إلى مكتبه وأثر المزاح منبسط في أساريره، وانفعال الحماس ~~في قلبه لا يخمد، شأنه في كل ما يعرض له من مهام الحياة بعيدا عن ~~داره، فهو يجد الجد كله كلما دعا الداعي إلى الجد، ولكنه لا ~~يتردد عن تلطيف جوه بالمزاح والدعابة كلما لاحت له صادرا في ~~ذاك عن طبع لا يملك معه حيلة، وإن بدا ذا قدرة عجيبة على التوفيق ~~بينهما، فلا جده بقاهر مزاحه، ولا مزاحه بمفسد جده، ولما كانت ~~دعابته ليست ترفا مما يدور على هامش الحياة، ولكن ضرورة تتوزعها ~~كالجد سواء بسواء، فلم يسعه يوما الاقتصار على الجد الخالص أو ~~تركيز همته فيه، وبالتالي قنع دائما من «وطنيته» بالعاطفة ~~والمشاركة الوجدانية دون الإقدام على عمل يغير وجه الحياة الذي ~~آنس إليه، فلا يرضى عنه بديلا؛ لذلك لم يدر له بخلد أن ينضم إلى ~~لجنة من لجان الحزب الوطني على شدة تعلقه بمبادئه، ولا حتى أن يجشم ~~نفسه شهود اجتماع من اجتماعاته، أليس في ذلك إهدار لوقته ~~«الثمين»؟ ليس الوطن في حاجة إليه على حين يتلهف هو على كل دقيقة ~~منه لينفقها في أسرته أو تجارته، أو على الخصوص في لهوه بين ~~الأحباب والخلان؟! ليكن إذن وقته خالصا لحياته، وللوطن ما يشاء ~~من قلبه وعواطفه، بل ماله كلما تيسر، إذ لم يكن يضن به إذا وجب ~~التبرع لغرض من الأغراض، وإلى ذلك فلم يشعر مطلقا بأنه مقصر في ~~واجبه على نحو ما، وعلى العكس عرف بين صحبه بالوطنية، إما لأن ~~قلوبهم لم تسخ بعواطفها كما سخا قلبه، وإما ms295 لأن الذين سخت قلوبهم ~~لم يذهبوا إلى حد التبرع بالمال مثله، فتميز بوطنيته، وعرف هو ~~ذلك فأضافه إلى بقية مزاياه التي يباهي بها سرا في أعماق قلبه، ~~ولم يتصور أن الوطنية يمكن أن تطالبه بأكثر مما يجود به، ذاك ~~القلب المولع بالغرام والطرب والمزاح لم يضق - على ازدحامه - ~~بالعاطفة القومية، وهي وإن قنعت بالقلب مجالا لحيويتها، إلا أنها ~~كانت قوية عميقة تشغل النفس وتهمها، لم تجئه عرضا ولكن نشأت مع ~~صباه فيما تلقته أذناه من أحاديث البطولة التي رواها السلف عن ~~عرابي، ثم اتقدت جذوتها بمقالات اللواء وخطبه، وكم كان منظرا ~~فريدا - أهاج التأثر والضحك معا - يوم رئي وهو يبكي كالأطفال ~~عند وفاة مصطفى كامل، تأثر صحبه لأن أحدا منهم لم يسلم من وعكة ~~حزن، ثم أغرقوا في الضحك في مجلس الطرب الليلي حين تذكروا المنظر؛ ~~إذ لم يكن من اليسير أن يرى «رب الضحك» وهو يجهش بالبكاء! اليوم، ~~بعد سني الحرب الخامدة، بعد موت الزعيم الشاب ونفي خليفته، بعد ~~انقطاع الأمل من عودة أفندينا، بعد هزيمة تركيا، وانتصار الإنجليز، ~~بعد هذا كله، أو بالرغم من هذا كله، تسري أنباء عجيبة حاملة حقائق ~~كالأساطير ... مواجهة الرجل الإنجليزي بمطالب الاستقلال، إمضاء ~~التوكيلات الوطنية، التساؤل عن الخطوة التالية، قلوب تنفض عن ~~جوهرها الغبار، أنفس تشرق بالآمال، ماذا وراء هذا كله؟! ... إن ~~خياله السلمي الذي ألف الاستكانة يتساءل دون جدوى، وإنه يتعجل ~~الليل ليهرع إلى مجلس الطرب، حيث باتت الأحاديث السياسية «مزة» ~~الشراب والطرب، فائتلفت مع جملة المغريات التي تجذب حنانه إلى ~~سهرته كزبيدة، وحب الإخوان والشراب والطرب، وإنه لتبدو في ذلك الجو ~~الخلاب عذبة الروح، لطيفة التناول، تغني القلوب بشتى عواطف الحماس ~~والحب من دون أن تستأديه ما لا طاقة له به! ... وإنه ليفكر في هذا ~~كله إذ اقترب منه جميل الحمزاوي وهو يقول: أما سمعت عن الاسم ~~الجديد الذي أطلق على بيت سعد باشا؟ ... إنهم يدعونه «بيت ~~الأمة». # ومال الرجل نحوه ليفضي إليه كيف نما إليه الخبر. # 50 # في نفس الوقت ms296 الذي شغل فيه الوطن بالمطالبة بحريته كان ياسين ~~دائبا بحزم وعزم على الاستئثار بحريته هو كذلك، فإن انطلاقه إلى ~~سهراته الليلية - بعد امتناع موسوم بالاستقامة فيما أعقب الزواج من ~~أسابيع - لم يفز به بلا نضال، ثمة حقيقة كثيرا ما رددها لنفسه ~~كاعتذار عن سلوكه الجديد، هي أنه لم يكن يتصور - وهو في سكرة ~~حلم الزواج - أنه سيرتد إلى حياة التسكع بين القهوة وحانة ~~كستاكي، اعتقد مخلصا أنه ودع ذاك إلى الأبد مضمرا لحياته ~~الزوجية أحسن النيات، حتى دهمته الخيبة المستعصية في الزواج كله، ~~فجزعت أعصابه عن تحمل الملل أو الحياة الفارغة كما دعاها، وفزع ~~بكل قوة نفسه المدللة الحساسة إلى الترفيه والتسلية والنسيان، ~~إلى القهوة والحانة، لا كحياة لهو عابرة كما ظنها في الماضي ~~والزواج أمل مدخر، ولكن كحياة هي كل ما تبقى له من متعة بعد أن ~~غدا الزواج خيبة مريرة، كالذي تشرده الآمال عن وطنه فيرده الإخفاق ~~إليه تائبا، بيد أن زينب التي عهدت عنده التودد الحار ~~والتملق النهم، بل الإعزاز الذي بلغ به يوما أن ذهب بها إلى ~~مسرح كشكش بك مستهينا بالسياج المسلح من التقاليد الصارمة الذي ~~يضربه أبوه حول الأسرة ... زينب هذه كابدت من انصرافه عنها إلى منتصف ~~الليل ليلة بعد أخرى، وعودته ثملا يترنح، صدمة عز عليها ~~احتمالها، فما تمالكت أن كاشفته بأحزانها، وكان يعلم بداهة أن ~~طفرة مفاجئة في حياته الزوجية لا يمكن أن تمر بسلام، فتوقع من ~~بادئ الأمر المعارضة على أي لون جاءت، عتابا أو خصاما وأعد ~~العدة المناسبة ليحسم موقفه بقول أبيه له ليلة ضبطه راجعا من ~~كشكش بك «إنه لا يفسد النساء إلا الرجال، وليس كل الرجال جديرا ~~بالقيام على النساء.» فما تشكت حتى قال لها: «لا داعي للحزن يا ~~عزيزة، منذ القدم والبيوت للنساء والدنيا للرجال، هكذا الرجال ~~جميعا، والزوج المخلص يحافظ على أمانته وهو بعيد عن زوجته كما ~~يحافظ عليها وهو بين يديها، ثم إنني أتزود من السهرة ترويحا عن ~~النفس وبهجة يجعلان من حياتنا متعة كاملة.» ms297 ولما عرضت بسكره ~~محتجة بأنها «تخاف على صحته»، ضحك وقال بنفس اللهجة الجامعة بين ~~الرقة والحزم: «كل الرجال يسكرون، إن صحتي تتحسن بالسكر (ثم ~~ضاحكا مرة أخرى) سلي أبي أو أباك!» إلا أنها همت بالاسترسال في ~~مناقشته جريا وراء أمل كاذب، فشد حبل الحزم متشجعا بملله الذي ~~هون عليه ما لم يكن يهون من إغضابها، فراح ينوه بما للرجال من ~~حق مطلق في أن يفعلوا ما يشاءون، وما على النساء من واجب الطاعة ~~والتزام الحدود «انظري إلى امرأة أبي، هل رأيتها اعترضت يوما على ~~تصرف لأبي؟ ... على ذاك فهما زوجان سعيدان وأسرة مطمئنة، ينبغي ألا ~~نعود إلى هذا الموضوع.» لعله لو كان ترك إلى شعوره وحده ما اصطنع ~~في خطابها ما اصطنع من سياسة، فإن خيبته في الزواج جعلته يجد نحوها ~~أحيانا ما يشبه الرغبة في الانتقام، وأحيانا أخرى نوعا من ~~الكراهية المتقطعة، وإن لم يكف عن الرغبة فيها بين هذا وذاك، ولكنه ~~راعى عواطفها إكراما - أو خوفا - من أبيه الذي علم بعظيم تعلقه ~~بأبيها السيد محمد عفت. والحق لم يكن يكربه شيء كإشفاقه من أن ~~تشكوه إلى أبيها، فيشكوه هذا بدوره إلى أبيه، حتى لقد صمم ~~جادا، إذا وقع شيء مما يحاذر، أن يستقل بمسكن مهما تكن العواقب، ~~ولكن مخاوفه لم تتحقق، أثبتت الفتاة رغم حزنها أنها امرأة «عاقلة» ~~كأنها من طراز امرأة أبيه نفسها، قدرت موضعها حق قدره ونزلت عند ~~حكم الواقع، مطمئنة - لبعلها - بما يردده دائما من إخلاصه وبراءة ~~سهراته، قانعة من الألم والحزن ببثها في دائرة الأسرة الضيقة - ~~مجلس القهوة - من دون أن تظفر بتأييد جدي، وكيف لها بذاك في بيئة ~~ترى الخضوع للرجال دينا وعقيدة، بل لعل الست أمينة استنكرت ~~شكواها، وسخطت على ما تطمح إليه من استئثار غريب ببعلها؛ لأنها ~~لم يكن يسعها أن تتصور النساء إلا على مثالها هي، ولا الرجال إلا ~~على مثال زوجها، فلم تر في استمتاع ياسين بحريته عجبا، ولكن شكوى ~~زوجه بدت هي العجب. فهمي وحده قدر أحزانها فتطوع ms298 لترديدها على ~~مسمع من ياسين، ولو أنه أيقن من بادئ الأمر أنه يدافع عن قضية ~~خاسرة، ولعل ما شجعه على ذاك كان كثرة تلاقيهما في قهوة أحمد عبده ~~بخان الخليلي، تلك القهوة التي تقع تحت سطح الأرض، كأنها كهف منحوت ~~في جوف جبل، مسقوفة بربوع الحي العتيق، منعزلة عن العالم بحجراتها ~~الضيقة المتقابلة، وباحتها التي تتوسطها نافورة صامتة، ومصابيحها ~~التي توقد ليل نهار، وجوها الهادئ الحالم الرطيب. كان ياسين قد ~~مال إلى هذه القهوة لدنوها من حانة كستاكي من ناحية، ولاضطراره ~~إلى هجر قهوة سي علي بالغورية بعد قطع زنوبة من ناحية أخرى، ثم ~~لما خصت به القهوة الجديدة من طابع أثري صادف هوى من نفسه ~~الميالة للشعر، أما فهمي فلم يعرف طريق المقاهي لخلل طرأ على ~~سلوكه كطالب مجتهد، ولكن تلبية لنداء تلك الأيام الذي دعا الطلبة ~~وغيرهم إلى التجمع والتشاور، فاختار ونفر من زملائه قهوة أحمد ~~عبده - لنفس ميزاتها الأثرية التي جعلتها بمأمن من العيون - ~~للاجتماع مساء بعد مساء للحديث والتشاور والتنبؤ وانتظار الحوادث، ~~كثيرا ما التقى الأخوان في حجرة من الحجرات الصغيرة، ولو لحين ~~قليل أي حتى يصل زملاء فهمي أو يأزف ميعاد ياسين للانتقال إلى حانة ~~كستاكي، وفي مرة من هذه المرات أشار فهمي إلى كدر زينب مبديا ~~دهشته لسلوك أخيه الذي لا يتفق مع حياة زوجية ناشئة. ضحك ياسين ~~ضحكة رجل يرى لنفسه الحق، كل الحق، في أن يضحك من سذاجة الآخر ~~الذي ارتضى أن يخاطبه بلسان الناصح فيما يجهله، بيد أنه لم يشأ ~~أن يبرر سلوكه مباشرة مؤثرا أن ينفس عن صدره بما يعن له من قول، ~~قال مخاطبا الشاب: رغبت يوما في الزواج من مريم، ولست أشك في أنك ~~حزنت جد الحزن لموقف أبيك الذي منع تلك الرغبة من أن تتحقق ... أقول ~~لك، وأنا أدرى بما أقول، إنك لو علمت وقتذاك بما يخفي الزواج وراء ~~سطحه لحمدت الله على الفشل. # دهش فهمي لحد الانزعاج؛ لأنه لم يتوقع أن يباغت في أول جملة ~~يخاطب ms299 بها بألفاظ تجمع بين «مريم» و«الزواج» و«الرغبة»، أفكار ~~لعبت على مسرح صدره أدوارا لا تنسى ولا تمحى آثارها، فلعله بالغ ~~في إظهار دهشته ليخفي ما أثارت الذكريات في نفسه من الشجن والتأثر، ~~ولعله لذلك لم يستطع أن ينبس بكلمة، فتابع ياسين حديثه وهو يلوح ~~بيده سأما ومللا قائلا: ما كنت أتصور أن ينجلي الزواج عن هذا ~~الخواء، إنه في الحق لا يعدو أن يكون حلما كاذبا، وقاسيا ككل ~~شيء خبيث الخداع! # بدا له قوله عسير الهضم، مثيرا للريب كما يخلق بشاب تتدفق ~~ينابيع حياته الوجدانية نحو هدف واحد لا يتمثل له إلا في صورة ~~«زوجة» وتحت مقولة «الزواج»، فعز عليه أن يتناول أخوه المستهتر ~~مقولته المقدسة بهذه المرارة الساخرة، وتمتم في دهشة بالغة: ولكن ~~زوجك سيدة ... كاملة! # فهتف ياسين ساخرا: سيدة كاملة! هو ذاك، أليست كريمة رجل فاضل؟ ... ~~وربيبة أسرة كريمة؟ ... جميلة ... مهذبة ... ولكن لا أدري أي شيطان موكل ~~بالحياة الزوجية يجعل من جميع المزايا السالفة أعراضا تافهة لا ~~يلقى إليها ببال تحت ضغط الملل المسقم، كأنها بعض ما نغدق على ~~الفقر من صفات النبل والسعادة كلما تراءى لنا أن نعزي فقيرا عن ~~فقره. # فقال فهمي ببساطة وصدق: لا أفهم حرفا مما تقول. ~~- انتظر حتى تعرف بنفسك. ~~- لماذا إذن يصر الناس على الزواج منذ بدء الخليقة؟ ~~- لأن الزواج - كالموت - لا ينفع معه التحذير ولا الحذر. # ثم مستطردا وكأنه يخاطب نفسه: لشد ما عبث بي الخيال فسما بي إلى ~~عوالم تفوق مباهجها الأحلام، وطالما ساءلت نفسي: هل يجمعني حقا ~~بيت واحد بغادة حسناء إلى الأبد؟ يا له من حلم! ... ولكني أؤكد بأنه ~~ليست ثمة مصيبة أفدح من أن يجمعك بيت واحد بحسناء إلى ~~الأبد. # وغمغم فهمي في حيرة رجل يعز عليه - فيما يكابد من أشواق الشباب ~~- تصور الملل: لعله بدت لعينك أشياء وراء الظاهر الذي لا ~~يعاب! # فقال ياسين وهو يضحك بمرارة: لا أشكو إلا الظاهر الذي لا يعاب! ~~... شكواي في الحق منصبة على الجمال نفسه! ... هو ... هو الذي مللت لحد ms300 ~~السقم، كاللفظ الجديد يبهرك معناه لأول مرة ثم لا تزال تردده ~~وتستعمله حتى يستوي عندك وألفاظ مثل «الكلب» و«الدودة» و«الدرس» ~~وسائر الأشياء المبتذلة، يفقد جدته وحلاوته، وربما نسيت معناه ~~نفسه، فغدا مجرد لفظ غريب لا معنى له ولا وجه لاستعماله، ولعله لو ~~عثر عليه الغير في إنشائك أخذهم العجب لبراعتك على حين يأخذك العجب ~~لغفلتهم، ولا تسل عما في ملل الجمال من فجيعة؛ إذ إنه يبدو مللا ~~بلا عذر مقبول، وبالتالي قضاء محتوما ... فيتعذر التفادي من يأس ~~ليس له من قرار، لا تعجب لقولي، إني عاذرك لأنك تنظر من بعيد، ~~والجمال كالسراب لا يرى إلا من بعيد. # على مرارة اللهجة شك فهمي في حقيقة بواعثها، إذ إنه مال من بادئ ~~الأمر إلى اتهام أخيه - لا الطبيعة البشرية - لما عرفه عنه من ~~انحراف السلوك، ألا يجوز أن ترد شكواه في الحق إلى ما لهج به من ~~مجون في حياته السابقة على الزواج؟! ... أصر على هذا الظن إصرار رجل ~~يأبى أن يفجع في أعز آماله، ولما كان ياسين لا يهتم بآراء أخيه ~~بقدر ما يهتم بالإفصاح عما في صدره هو، فقد واصل حديثه وهو يبتسم ~~لأول مرة ابتسامة وضيئة: أصبحت أدرك موقف أبي حق الإدراك! ... وأفهم ~~ما جعل منه ذاك الرجل العربيد الراكض وراء العشق أبدا! ... كيف كان ~~يتأتى له أن يصبر على طعام واحد ربع قرن من الزمان، وقد قتلني ~~الملل بعد خمسة أشهر؟! # فقال فهمي وقد قلق لإقحام أبيه في الحديث: حتى على افتراض أن ~~شكواك صادرة عن تعاسة مركبة في الطبيعة البشرية، فالحل الذي تبشر ~~به ... (هم بأن يقول: بعيد عن الطبيعة السوية، ثم عدل عنه ليكون ~~أكثر منطقية، فقال) بعيد عن الدين. # فقال ياسين الذي كان يقنع من الدين بالإيمان، دون اكتراث جدي ~~لأوامره ونواهيه: الدين يؤيد رأيي، وآي ذلك أنه سمح بالزواج من ~~أربع غير الجواري اللاتي كانت تكتظ بهن قصور الخلفاء والأغنياء؛ ~~فقد فطن إذن إلى أن الجمال نفسه - إذا ابتذلته العادة والألفة - مل ~~وأسقم وقتل. ms301 # فقال فهمي باسما: كان لنا جد يمسي مع زوجة ويصبح مع أخرى، ~~فلعلك أن تكون وريثه ... # فتمتم ياسين متنهدا: لعلي ... # على أن ياسين - حتى ذاك الوقت - لم يكن أقدم على تحقيق حلم من ~~أحلامه المتمردة، حتى إنه رجع إلى القهوة فالحانة، ولكنه تردد قبل ~~أن يخطو الخطوة الأخيرة ، قبل أن ينزلق إلى زنوبة أو إلى غيرها. وما ~~الذي جعله يفكر ويتردد؟ ... ربما لم يخل من إحساس بالمسئولية ~~حيال الحياة الزوجية، وربما لم ينج من تهيب لرأي الدين في «الزوج ~~الفاسق»، الذي توكد لديه أنه غير رأيه في «الشاب الفاسق»، وربما ~~أيضا أن خيبة أقوى أمل تردد في جوانبه صدت نفسه عن لذات الدنيا ~~حتى يفيق، على أن واحدة من أولاء لم تكن لتقيم في سبيله عائقا ~~جديا خليقا بأن يقف مجرى حياته، إلا أنه وجد إغراء لا يصمت في ~~سيرة أبيه التي استحوذت عليه، وما بدا من زوجه من «حكمة» قرنتها في ~~ذهنه بامرأة أبيه، فينشط خياله إلى رسم تخطيط لحياتها المستقبلة ~~معه على مثال حياة الست أمينة مع أبيه، أجل تمنى كثيرا لو تطمئن ~~زينب إلى الحياة التي تقدر عليها، كما تطمئن امرأة أبيه إلى ~~حياتها، فيثب هو مثل وثبات أبيه الموفقة ليعود آخر الليل فيحظى ~~ببيت هادئ وزوجة مستنيمة. بذاك - وبذاك وحده - تراءت له الحياة ~~الزوجية محتملة، بل أثيرة ذات مزايا تفتقد. «فيم تطمح أية امرأة ~~وراء البيت الزوجي والارتواء الجنسي؟! ... لا شيء! ... إنهن حيوانات ~~أليفة كالحيوانات الأليفة ينبغي أن يعاملن، أجل لا يجوز للحيوانات ~~الأليفة أن تتطفل على حياتنا الخاصة، وإنما عليها أن تنتظر في ~~البيت حتى نفرغ لمداعبتها، أن أكون زوجا خالصا للحياة الزوجية هو ~~الموت، منظر واحد وصوت واحد وطعم واحد لا تزال تتكرر وتتكرر ... ~~حتى تنقلب الحركة والجمود سيين، والصوت والصمت توءمين، كلا ~~كلا، ما لهذا تزوجت ... إن قيل إنها بيضاء، ألست ذا مآرب في ~~السمراء، بل والسوداء ... وإن قيل إنها مدملجة فما عزائي عن النحيلة ~~والجسيمة، أو إنها مهذبة سليلة نبل وكرم، فهل ms302 عطلت من المزايا ~~ربيبة العربات الكارو؟! ... إلى الأمام ... إلى الأمام ... # 51 # كان السيد مكبا على دفاتره حين طرقت عتبة الدكان حذاء ذات ~~كعب عال، فرفع عينيه باهتمام غريزي، فرأى امرأة تشتمل الملاءة ~~اللف منها على جسم لحيم، وتنحسر حافة البرقع الأسود عن جبين ناصع ~~وعينين مكحولتين، فابتسمت أساريره في ترحاب طال تشوقه إليه، وعرف ~~من توه الست أم مريم، أو حرم المرحوم رضوان كما صارت تدعى أخيرا، ~~ولما كان جميل الحمزاوي مشغولا ببعض الزبائن، فقد دعاها للجلوس ~~على كثب من مكتبه، فأقبلت المرأة تخطر وجلست على المقعد الصغير ~~الذي فاضت عنه أعطافها وهي تلقي إليه بتحية الصباح، ومع أن التحية ~~من ناحيتها والترحاب من ناحيته جريا على النحو المعهود الذي يتكرر ~~كلما جاءته «زبونة» تستحق التكريم، فإن الجو الذي غشي ركن الدكان ~~من حول المكتب شحن بكهرباء تعوزها البراءة، لاحت أمارات لها في ~~الجفنين المسبلين حياء حول عروس البرقع من ناحية، والنظرة المتربصة ~~فوق سفحي الأنف العظيم من ناحية أخرى، كهرباء خفية صامتة إلا أن ~~نورها الكامن كان متحفزا في انتظار لمسة كي يسطع ويشعشع ويستعر ~~نارا ... كأنه كان ينتظر هذه الزيارة التي انجابت عن آمال مهموسة ~~وأحلام مكبوتة، ولكن لأن وفاة السيد محمد رضوان أثارت منه فكرا ~~وهيجت رغبات كما يهيج انطواء الشتاء شتى آمال الشباب في الطبيعة ~~والأحياء، زال بموته الشجا الذي اعترض إحساسه بالمروءة، فأمكنه أن ~~يذكر نفسه بأن المرحوم لم يكن إلا جارا - لا صديقا - ورحل، كما ~~أمكن شعوره بجمال هذه المرأة الذي أعرض عنه قديما حفاظا على ~~كرامته أن يعبر عن ذاته ويطالب بنصيبه من المتعة والحياة، إلا أن ~~عاطفته نحو زبيدة، كان أدركها العطب كالفاكهة في نهاية موسمها، ~~فلاقت المرأة منه - على خلاف الزيارة السابقة - ذكرا متوثبا ~~وعاشقا متحررا ... على أن خاطرة ثقيلة - أن تكون الزيارة بريئة - ~~مرت به، ولكنه نفاها عن نفسه بقوة، مستشهدا بما بدا منها في ~~الزيارة القديمة من رقيق الإشارات وبديع الريب، مؤكدا ظنونه بهذه ~~الزيارة نفسها التي ليس ثمة ms303 ما يوجبها إن لم يكن مثل ما يدور ~~بنفسه، ثم صمم أخيرا على أن يتلمس سبيله كخبير قديم ... فقال ~~لها برقة باسما: خطوة عزيزة! # فقالت في شيء من الارتباك: الله يكرمك، كنت راجعة إلى البيت ~~فمررت بالدكان فتراءى لي أن آخذ لوازم الشهر بنفسي. # فطن إلى «اعتذارها» عن المجيء ولكنه أبى أن يصدقه، فأن يتراءى ~~لها أن تأخذ لوازم الشهر بنفسها ليس شيئا إن لم يكن وراءه دافع، ~~لا سيما وأنها تدري بالبداهة والغريزة أن مجيئها بعد «مقدمات» ~~الزيارة القديمة خليق بأن يثير في نفسه الريب، وأن يبدو لعينيه ~~«تمحكا» غير خافي الدلالة، فزادته مبادرتها إلى الاعتذار ثقة ~~وقال: فرصة طيبة لأحييك ولأكون في خدمتك. # فشكرته في اقتضاب أصغى إليه بنصف انتباه؛ إذ شغل بالتفكير في ~~الكلمة التالية، لعله كان من الطبيعي أن يعرج على ذكر الزوج ~~الراحل مترحما، ولكنه تحاشى هذا الخاطر أن يفسد عليه الجو كله، ثم ~~تساءل: هل يهاجم أو يمسك حتى يستدرجها إلى الهجوم؟ لكل طريقة ~~لذاتها ... بيد أنه لم يشأ أن ينسى أن مجيئها وحده خطوة كبيرة من ~~جانبها تستحق حسن الاستقبال من جانبه، فاستطرد قائلا، وكأنه ~~يتمم حديثه الأول: بل فرصة طيبة كي أراك! # تحرك الجفنان والحاجبان حركة، ربما دلت على الحياء أو الارتباك ~~أو كليهما معا، ولكنها فضحت قبل كل شيء فطنتها إلى ما وراء ~~مجاملته الظاهرة من معان خفية، على أنه رأى في حيائها استجابة ~~لشعورها الباطني الذي دفعها إلى زيارته أكثر منه استجابة لقوله، ~~فازداد اطمئنانا إلى تخمينه الأول، وراح يؤكد ما عناه في نغمة ~~رقيقة قائلا: أجل فرصة طيبة كي أراك. # عند ذاك قالت بلهجة تنم عن عتاب حبيس: لا أظن أنك تعد رؤيتي ~~فرصة طيبة! # فوقعت لهجة العتاب من صدره موقع الرضا والسرور، لكنه قال ~~كالمحتج: صدق من قال إن بعض الظن إثم. # فهزت رأسها هزة كأنما تقول له: «هيهات أن يؤثر في مثل ~~هذا الكلام.» وقالت: ليس ظنا فحسب، إني أعني ما أقول، إنك رجل ~~لا يعوزك الفهم، ms304 وأنا كذلك وإن توهمت غيره ... فلا يجوز لأحدنا أن ~~يحاول خدع صاحبه. # ومع أن صدور هذا الكلام عن امرأة لم يمض على وفاة زوجها شهران ~~أثار في نفسه شعورا بالسخرية والمرارة، فإنه تطوع لانتحال ~~الأعذار لها - الأمر الذي لم يكن ليفكر فيه في ظروف أخرى - ~~قائلا لنفسه: ما أحرى صبرها على مرضه الطويل بأن يشفع لها. ثم ~~تخلص من شعوره الطارئ بقوة، وقال متصنعا الأسى: غاضبة علي؟! ~~يا له من حظ سيئ لا أستحقه! # فقالت في شيء من الاندفاع ربما كان الباعث عليه ضيق المكان ~~والزمان عن ملاعبات الأخذ والرد: قلت لنفسي وأنا في الطريق إليك: ~~«ما ينبغي أن تذهبي» .. فلا يحق لي الآن أن ألوم إلا نفسي! ~~- بعض هذا الغضب يا ست! ... إني أسائل نفسي عما جنيت؟! # فتساءلت بلهجة ذات معنى: ما عسى أن تصنع إذا حييت إنسانا ~~بتحية فلم يرد بمثلها ولا حتى بأسوأ منها؟! # فأدرك من توه أنها تشير إلى ما بدا منها في الزيارة القديمة ~~من تودد قابله بالصمت، ولكنه تجاهل الإشارة ... وقال مجاراة ~~لأسلوبها الرمزي: لعلها لم تبلغ سمعه لسبب أو لآخر. ~~- إنه قوي السمع والحواس جميعا. # فجرت على فمه ابتسامة عجب لم يتمالكها، قال بلهجة المذنب إذا ~~أنشأ يعترف: لعله لم يردها حياء أو تقوى. # فقالت بصراحة أعجبته وهزت فؤاده: أما الحياء فلا حياء له، ~~وأما سائر الأعذار فمن أين للقلوب الصادقة أن تباليها؟! # فندت عنه ضحكة ما لبث أن اختزلها وهو يسترق النظر إلى جميل ~~الحمزاوي الذي بدا منهمكا في العمل بين نفر من الزبائن، ثم قال: ~~لا أحب أن أعود إلى الملابسات التي قست علي وقتذاك، على أنه لا ~~يجوز لي أن أيئس ما دام ثمة ندم وتوبة وعفو! # فتساءلت في إنكار: من يدرينا بالندم؟ # فقال بلهجة حارة برع في تجويدها عاما بعد عام: تجرعته ~~طويلا والله شهيد! ~~- والتوبة؟ # فقال وهو يثقبها بنظرة متوهجة: أن ترد التحية بعشر ~~أمثالها؟! # فتساءلت في دلال: ومن أدراك بأن ثمة عفوا؟ # فقال بلباقة: أليس العفو من ms305 شيم الكرام؟ # ثم في نشوة مسكرة: العفو كثيرا ما يكون كلمة السر لولوج ~~الجنة. # ثم وهو يرنو إلى ابتسامة عذبة لاحت في عينيها: الجنة التي ~~أعنيها تقع عند ملتقى بين القصرين بالنحاسين، ومن جميل التوفيق ~~أن بابها يفتح على عطفة جانبية بعيدا عن أعين الرقباء، وأن لا ~~حارس لها ! # وفطن إلى أن حارس الجنة السماوية سمي «المرحوم» الذي كان حارسا ~~للجنة الأرضية التي يتلمس طريقه إليها، فشاب خاطره ضيق وخاف أن ~~تكون المرأة قد فطنت إلى نفس الحقيقة الساخرة، ولكنه وجدها ~~مهومة فيما يشبه الحلم، فتنهد وهو يستغفر الله في سره. وكان ~~جميل الحمزاوي قد فرغ من زبائنه، فأقبل على السيدة ليقضي حوائجها، ~~فسنحت للسيد فرصة للتأمل، فراح يذكر كيف رغب ابنه فهمي يوما في ~~خطبة مريم ابنة هذه المرأة، ثم كيف ألهمه الله الرفض، وقد اعتقد ~~وقتذاك أنه إنما ينفذ مشيئة حرمه فحسب، فلم يدر له بخلد أنه ~~جنب ابنه شر مأساة ينكب بها زوج، وهل يمكن أن تنهج فتاة إلا ~~على مثال أمها؟ ... وأي أم؟ ... امرأة خطيرة! ... قد تكون جوهرة ثمينة ~~عند أمثاله من الصيادين، ولكنها في البيوت مأساة دامية، ترى أي ~~طريق سلكت طوال الأعوام التي عاشها زوجها ميتا حيا؟ ... كل ~~القرائن تشير إلى طريق واحد، ولعل كثيرين من الجيران يعرفون، بل ~~لعله لو كان في بيته من يحسن ملاحظة هذه الأمور لما خفي عليه ~~شيء، ولما بقيت زوجه على الولاء لها والإيمان بها حتى هذه الساعة، ~~وعاودته رغبة - استحوذت عليه أول مرة عقب الزيارة المريبة ~~القديمة، ولم يجد عندئذ سبيلا آمنا إلى تحقيقها دون إثارة الريب ~~- وهي أن يحول بين المرأة المستهترة وبين بيته الطاهر، الآن يرى ~~الظرف مهيأ - لاتصاله المنتظر بها - لتحقيق رغبته، وذلك بأن ~~يوحي لها بقطع أسبابها بزوجه رويدا منتحلا ما يعن له من ~~أعذار حقيقة ببلوغ الهدف دون مساس بكرامتها، هذه المرأة التي ~~باتت أقرب ما تكون إلى فؤاده وأبعد ما تكون عن احترامه في لحظة ~~واحدة! ولما انتهى الحمزاوي من إعداد ms306 حوائجها نهضت مادة يدها ~~إلى السيد، فسلم باسما وهو يقول بصوت خافت: إلى اللقاء. # فغمغمت وهي تهم بالانصراف: نحن في الانتظار. # غادرته أوفر سعادة، نشوان بالظفر والعجب، ولكنها خلقت له أيضا ~~هما لم يكن، هما جديرا بأن يحتل مكانا بارزا من مشاغله ~~اليومية، سوف يتساءل من الآن فصاعدا عن آمن السبل للانسحاب من بيت ~~زبيدة بنفس الاهتمام الذي يتساءل به عما فعلت السلطة العسكرية، ~~وعما يبيت الإنجليز، وعما ينوي سعد، أجل جد جديد من السعادة ~~يجر وراءه - كالعادة - ذيلا من الفكر. لولا حرصه الشديد على حب ~~الناس له، ذلك الحب الذي يحظى منه بأسعد سعاداته، لهان عليه هجر ~~العالمة بعد أن بلي حبه وذوت أزاهره وأغرقه الشبع في مستنقع آسن، ~~ولكنه يشفق دائما من أن يترك وراءه قلبا حانقا أو نفسا حاقدة، ~~وكم يود كلما ضيق الملل أنفاسه لو يبدؤه الحبيب بالهجر من ناحيته، ~~فيكون مهجورا بدل أن يكون هاجرا، وكم يود أن تنتهي علاقته ~~بزبيدة كما انتهت أخوات لها من قبل، بكدر عابر تغسله هدايا ~~الوداع المنتقاة، ثم يستحيل إلى صداقة وطيدة، فهل تتقبل زبيدة - ~~التي يظن أنها ليست دونه شبعا - اعتذاره بقبول حسن؟ وهل يطمع في ~~أن تغفر له هداياه ما اعتزم من هجر؟ ... هل تثبت أنها امرأة كبيرة ~~القلب سخية النفس كزميلتها جليلة مثلا؟ هذا ما ينبغي أن يفكر ~~فيه طويلا، وأن يهيئ له أنجع الذرائع. وتنهد تنهدة طويلة ~~كأنما يشكو ما جعل الحب فانيا لا يدوم ليكفي القلب متاعب الأهواء، ~~ثم شرد به الخيال طاويا النهار، فتراءى له وهو يدب في الظلماء ~~متلمسا سبيله إلى البيت الموعود، والمرأة تنتظر بيدها ~~سراج. # 52 ~~«أعلنت إنجلترا حمايتها من تلقاء نفسها دون أن تطلبها أو تقبلها ~~الأمة المصرية، فهي حماية باطلة لا وجود لها قانونا، بل هي ضرورة ~~من ضرورات الحرب تنتهي بنهايتها ...» # كان فهمي يملي الكلمات، كلمة كلمة، في أناة وبصوت واضح ~~النبرات والأم وياسين وزينب يتابعون باهتمام درس الإملاء الجديد ~~الذي انكب كمال على كتابته، مركزا وعيه ms307 في ألفاظه من دون ~~أن يفقه معنى كلمة مما كتب صوابا أو خطأ. لم يكن غريبا أن يلقي ~~فهمي على شقيقه الصغير درسا في الإملاء أو غيرها في جلسة القهوة، ~~ولكن موضوع الإملاء بدا جديدا حتى للأم وزينب، أما ياسين فنظر إلى ~~أخيه مبتسما، وقال: أرى هذه المعاني قد ملكت عليك نفسك ... فلم يفتح ~~الله عليك بإملاء لهذا الغلام المسكين إلا خطبة سياسية وطنية ~~ينفتح لها المغلق من أبواب السجون. # فبادر فهمي إلى تصحيح رأي أخيه قائلا: هي من خطبة سعد أمام ~~سلاطين الاحتلال في جمعية الاقتصاد والتشريع. # فتساءل ياسين باهتمام ودهشة: وكيف كان ردهم عليه؟ # فقال فهمي بانفعال: لم يجئ ردهم بعد، والكل يتساءل عنه في حيرة ~~وقلق، إنها غضبة مزمجرة في وجه أسد لم يؤثر عنه الحلم أو ~~العدل. # ثم وهو يتنهد مغيظا محنقا: كان لا بد من غضبة بعد أن منع ~~الوفد من السفر، وبعد أن استقال رشدي باشا من الوزارة، فخيب ~~السلطان المأمول بقبول استقالته. # ثم مضى إلى حجرته مسرعا، وعاد وهو يبسط ورقة مطوية وقدمها إلى ~~أخيه وهو يقول: ليست الخطبة كل ما عندي، اقرأ هذا المنشور الذي ~~يوزع سرا متضمنا رسالة الوفد إلى السلطان. # فتناول ياسين المنشور وراح يقرأ: # يا صاحب العظمة ... # يتشرف الموقعون على هذا أعضاء الوفد المصري أن يرفعوا إلى ~~مقام عظمتكم بالنيابة عن الأمة ما يلي: # لما اتفق المحاربون على أن يجعلوا مبادئ الحرية والعدل أساسا ~~للصلح، وأعلنوا أن الشعوب التي غيرت الحرب مركزها يؤخذ رأيها في ~~حكم نفسها أخذنا على عاتقنا السعي في استقلال بلادنا والدفاع عن ~~قضيتها أمام مؤتمر السلام ما دام أن الحق للأقوى قد زال من ميدان ~~السياسة، وما دامت بلادنا قد أصبحت بزوال السيادة التركية حرة من ~~كل حق عليها؛ لأن الحماية التي أعلنها الإنجليز بلا اتفاق بينهم ~~وبين الأمة المصرية باطلة، ولم تكن في الواقع إلا ضرورة حربية تزول ~~بزوال الحرب، اعتمادا على هذه الظروف، وعلى أن مصر غرمت كل ما ~~قدرت عليه من المغارم ms308 في صف القائلين بحق حرية الأمم الصغرى، لا ~~يكون لدى مؤتمر السلام ما يمنع من الاعتراف بحريتنا السياسية جريا ~~على المبادئ التي أسس عليها. # عرضنا رغبتنا في السفر على رئيس وزرائكم صاحب الدولة حسين رشدي ~~باشا، فوعد بمساعدتنا على السفر وثوقا منه بأننا إنما نعبر عن ~~رأي الأمة كافة ... فلما لم يسمح لنا بالسفر وحبسنا داخل حدود ~~بلادنا بقوة الاستبداد لا بقوة القانون، وحيل بيننا وبين الدفاع عن ~~قضية هذه الأمة الأسيفة، ولما لم يستطع دولته أن يحتمل مسئولية ~~البقاء في منصبه، في حين أن الشعب يصادر في مشيئته، استقال هو ~~وزميله صاحب المعالي عدلي يكن باشا استقالة نهائية قوبلت من ~~الشعب بتكريم شخصيهما والاعتراف بصدق وطنيتهما. # ولقد كان الناس يظنون أنه كان لهما في وقفتهما الشريفة دفاعا ~~عن الحرية عضد قوي من نفحات عظمتكم؛ لذلك لم يكن ليتوقع أحد في ~~مصر أن يكون آخر حل لمسألة سفر الوفد قبول استقالة الوزيرين؛ لأن ~~في ذلك متابعة للطامعين في إذلالنا وتمكينا للعقبة التي ألقيت في ~~سبيل الإدلاء بحجة الأمة إلى المؤتمر، وإيذانا بالرضا بحكم ~~الأجنبي علينا إلى الأبد. # قد نعلم أن عظمتكم ربما كنتم مضطرين لاعتبارات عائلية أن ~~تقبلوا عرش أبيكم العظيم الذي خلا بانتقال أخيكم المغفور له ~~السلطان حسين، ولكن الأمة من جهة أخرى كانت تعتقد أن قبولكم لهذا ~~العرش في زمن الحماية الوقتية الباطلة رعاية لتلك الظروف العائلية، ~~ليس من شأنه أن يصرفكم عن العمل لاستقلال بلادكم، غير أن حل ~~المسألة بقبول استقالة الوزيرين اللذين أظهرا احترامهما لإرادة ~~الأمة لا يمكن أن يتفق مع ما جبلتم عليه من حب الخير لبلادكم، ~~والاعتداد بمشيئة شعبكم؛ لذلك عجب الناس من مستشاريكم كيف أنهم لم ~~يلتفتوا إلى الأمة في هذا الظرف العصيب، وهي إنما تطلب منكم ~~- يا أرشد أبناء محررها الكبير محمد علي - أن تكونوا لها العون الأول ~~على نيل استقلالها، مهما كلفكم ذلك، فإن همتكم أرفع من أن ~~تحددها الظروف. كيف فات مستشاريكم أن عبارة استقالة رشدي باشا لا ~~تسمح لرجل ms309 مصري ذي كرامة وطنية أن يخلفه في مركزه؟! ... كيف فاتهم ~~أن وزارة تؤلف على برنامج مضاد لمشيئة الشعب مقضي عليها ~~بالفشل؟! # عفوا مولانا قد تكون مداخلتنا في هذا الأمر وفي غير هذا الظرف ~~غير لائقة ... ولكن الأمر قد جل الآن عن أن يراعى فيه أي اعتبار ~~غير منفعة الوطن الذي أنت خادمه الأمين. إن لمولانا أكبر مقام في ~~البلاد فعليه أكبر مسئولية عنها، وفيه أكبر رجاء لها، وإننا لا ~~نكذبه النصيحة إذا تضرعنا إليه أن يتعرف رأي أمته قبل أن يتخذ ~~قرارا نهائيا في أمر الأزمة الحالية، فإننا نؤكد لسدته ~~العلية أنه لم يبق أحد في رعاياه من أقصى البلاد إلى أقصاها ~~إلا وهو يطلب الاستقلال، فالحيلولة بين الأمة وبين طلبتها مسئولية ~~لم يتحر مستشارو مولانا أمرها بالدقة الواجبة؛ لذلك دفعنا واجب ~~خدمة بلادنا وإخلاصنا لمولانا أن نرفع لسدته شعور أمته التي هي ~~الآن أشد ما تكون رجاء في استقلالها، وأخوف ما تكون من أن تلعب ~~به أيدي حزب الاستعمار، والتي تطلب إليه بحقها عليه أن يغضب ~~لغضبها، ويقف في صفها، فتنال بذلك غرضها ... وإنه على ذلك قدير ~~... # رفع ياسين رأسه عن المنشور وفي عينيه ذهول، وفي قلبه نبض جديد من ~~التأثر، بيد أنه هز رأسه قائلا: يا له من خطاب! ... لا أحسبني ~~أستطيع أن أوجه مثله إلى ناظر مدرستي دون أن ينالني العقاب ~~الرادع! # فرفع فهمي منكبيه استهانة، وقال: الأمر قد جل الآن عن أن ~~يراعى فيه أي اعتبار غير منفعة الوطن! # ردد العبارة عن ظهر قلب كما وردت في المنشور، فلم يتمالك ~~ياسين أن يقول ضاحكا: أحفظت المنشور! ... ولكني لا أعجب لهذا، كأنك ~~كنت تترصد طول حياتك لمثل هذه الحركة كي تلقي إليها بكل قلبك، ~~ولعلي لا أخلو من مثل شعورك وآمالك، ولكني لا أقرك على الاحتفاظ ~~بهذا المنشور ... خصوصا بعد استقالة الوزارة، وتحرش الأحكام ~~العرفية! # فقال فهمي في فخار: إني لا أحتفظ بها فحسب، ولكني أقوم بتوزيعها ~~ما سمح الجهد! # فاتسعت عينا ياسين في قلق وهم بالكلام ms310 ... ولكن الأم كانت ~~أسبق إليه منه، فقالت بانزعاج: لا أكاد أصدق أذني، كيف تعرض ~~نفسك للشر وأنت سيد العقلاء؟! # لم يدر فهمي كيف يجيبها، ولكنه شعر بما جره عليه تهوره من ~~حرج، لم يكن أشفق عليه من محادثتها في هذا الأمر، كانت السماء أقرب ~~إليه من إقناعها بأن تعريض نفسه للخطر في سبيل الوطن واجب ما دام ~~الوطن كله لا يساوي في نظرها قلامة ظفر، بل قد بدا له أن إخراج ~~الإنجليز من مصر أيسر من حملها على الاقتناع بوجوب إخراجهم، أو ~~إغرائها ببغضهم، فما إن يدور الحديث حول ذلك حتى تقول ببساطة: ~~«لماذا تكرههم يا بني! ... أليسوا أناسا مثلنا لهم أبناء وأمهات؟!» ~~فيقول لها بحدة: «ولكنهم يحتلون بلادنا!» ... وتحس بحدة الغضب في ~~نبراته فتلوذ بالصمت وهي تداري نظرة إشفاق لو نطقت لقالت له: «لا ~~عليك من هذا» ... ومرة قال لها وقد ضاق بمنطقها: «لا حياة لقوم إذا ~~حكمهم أجنبي.» فقالت له في استغراب: «ولكنا لا نزال أحياء رغم ~~أنهم يحكموننا من زمن بعيد، وقد أنجبتكم جميعا في ظل حكمهم! ... ~~إنهم يا بني لا يقتلون ولا يتعرضون للمساجد، ولا تزال أمة محمد ~~بخير!» فقال الشاب يائسا: «لو كان سيدنا محمد حيا ما رضي أن ~~يحكمه الإنجليز.» فقالت بلهجة الحكيم: «هذا حق، ولكن أين نحن من ~~الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ... كان الله يعينه بملائكته ...» فهتف ~~بها حانقا: «سيعمل سعد زغلول ما كانت الملائكة تعمله.» ولكنها ~~هتفت وهي ترفع ذراعيها كأنما تدفع بلاء لا دافع له: «لا تقل هذا يا ~~بني، استغفر ربك، اللهم رحمتك وغفرانك!» ... هذه هي، فكيف يجيبها ~~الآن وقد استشعرت في توزيع المنشور خطرا يتهدده؟ ... لم يسعه إلا أن ~~يركن إلى الكذب، فقال متصنعا الاستهانة: ما أردت إلا المزاح فلا ~~تنزعجي للاشيء. # فعادت المرأة تقول بنبرات تنم عن ضراعة: هذا ما أومن به يا ~~بني، هيهات أن يخيب ظني في أرشد الراشدين، ما لنا نحن وهذه الأمور! ~~إذا رأى باشواتنا أن يخرج الإنجليز من مصر، فليخرجوهم ~~بأنفسهم. # بدا كمال ms311 طوال الحديث وكأنه يحاول أن يتذكر أمرا ذا بال، فما ~~بلغ الحديث تلك النقطة حتى صاح: مدرس العربي قال لنا بالأمس إن ~~الأمم تستقل بعزائم أبنائها! # فهتفت الأم ساخطة: لعله قصد بخطابه كبار التلاميذ، ألم تحدثني ~~يوما بأن عندكم تلاميذ قد طرت شواربهم؟ # فتساءل كمال بسذاجة: وأخي فهمي أليس تلميذا كبيرا؟ # فقالت الأم بحدة على غير مألوفها: كلا ليس أخوك كبيرا، إني ~~أعجب لذلك المدرس كيف سولت له نفسه أن يتحدث إليكم في غير ~~الدرس! ... إذا شاء أن يكون وطنيا فليوجه هذا الكلام إلى أبنائه ~~في البيت لا إلى أبناء الناس! # كاد الحديث يحمس ويستمر، لولا أن سنحت كلمة عابرة فغيرت مجراه، ~~أرادت زينب أن تتودد إلى الأم بتأييدها في دفاعها، فحملت على ~~مدرس العربي ونعتته بأنه «مجاور حقير عملت الحكومة منه رجلا ذا ~~شأن في غفلة من الزمان» ... ولكن ما إن سمعت الأم هذه الإهانة ~~توجه إلى «المجاور»، حتى أفاقت من انفعالها، وأبت أن تسكت عنها ~~رغم أنها قيلت تأييدا لها، مدفوعة بكل ما تنطوي عليه نفسها من ~~إجلال لذكرى أبيها، فتحولت إلى زينب وقالت بهدوء: أنت يا ابنتي ~~تحقرين أشرف ما فيه، الشيوخ خلفاء الرسل، إنما يلام الرجل على ~~خروجه عن حدود وظيفته الشريفة، ألا ليته قنع بأن يكون مجاورا ~~وشيخا! # ولم يفت ياسين سر تحول الأم المفاجئ، فبادر بالتدخل ~~ليمحو الأثر الذي تركه دفاع زوجته البريء. # 53 ~~- انظر إلى الطريق، انظر إلى الناس، من يقول بعد هذا إن الكارثة ~~لم تقع؟! # ولكن السيد أحمد لم يكن في حاجة إلى مزيد من النظر، الناس ~~يتساءلون، ويرجفون، وأصحابه يخوضون في الحديث خوضا حارا تجاوبت ~~فيه الحسرة مع الحزن مع الغضب، إلى أن الخبر قد تردد على ألسنة ~~كافة من مر به من الأصدقاء والزبائن، أجمع الكل على أن سعد زغلول ~~وصفوة أصحابه قد اعتقلوا وسيقوا إلى مكان مجهول في القاهرة أو ~~خارجها، قال السيد محمد عفت وهو محتقن الوجه بدم الحنق: لا تشكوا ~~في صحة الخبر، فإن لأخبار السوء ms312 رائحة تزكم الأنوف ... ألم يكن هذا ~~متوقعا بعد خطاب الوفد للسلطان؟ ... أو بعد رده على الإنذار ~~البريطاني بذلك الخطاب الجبار إلى الوزارة الإنجليزية؟! # فقال السيد بوجوم شديد: يعتقلون الباشوات الكبار! ... يا له من ~~حدث مخيف، ترى ما عسى أن يصنعوا بهم؟ ~~- الله وحده يعلم، البلد يختنق في ظل الحكم العرفي. # ودخل عليهم السيد إبراهيم الفار تاجر النحاس مهرولا وهو يهتف ~~لاهثا: أما سمعتم بآخر الأنباء؟! ... مالطة! # وضرب يدا بيد وراح يقول: النفي إلى مالطة، لم يعد أحد منهم ~~بيننا، نفوا سعدا وأصحابه إلى جزيرة مالطة. # وهتف الجميع في نفس واحد: نفوهم! # أثار «النفي» في نفوسهم ما خامرهم منذ الصبا من ذكريات قديمة ~~أسيفة عن عرابي باشا ونهايته، فتساءلوا وهم لا يملكون قلوبهم من ~~الجزع: أيجري نفس المصير على سعد زغلول وصحبه؟ ... أينقطع حقا ما ~~بينهم وبين الوطن إلى الأبد؟ ... أتموت هذه الآمال الكبار وهي لا ~~تزال في مهد الإزهار؟ ... وشعر السيد بحزن لم يشعر بمثله من قبل، ~~حزن ثقيل غليظ شاع في صدره كما يشيع الغثيان، فعانى تحت وطأته ~~خمودا وهمودا واختناقا، وجعلوا يتبادلون نظرات ساهمة واجمة، ~~ناطقة بغير لسان، صارخة بلا صوت، ثائرة بلا صخب، وفي الريق مرارة ~~واحدة، ثم جاء في أثر الفار صاحب وثان وثالث مرددين نفس النبأ، ~~آملين في أن يجدوا عند الآخرين مسكنا لما يستعر في نفوسهم، فلا ~~يظفرون إلا بالحزن الصامت والوجوم الكئيب والثوران الكظيم. ~~- هل تضيع الآمال اليوم كما ضاعت بالأمس؟ # فلم يحر أحد جوابا، ولبث المتسائل يقلب عينيه في الوجوه ~~دون جدوى، لا جواب تأوي إليه النفس من مضطربها، وإن أبت أن تسلم ~~جهارا بما يميتها خوفا، نفي سعد ... هذا حق، ولكن هل يعود سعد ولو ~~بعد حين؟ ... وكيف يعود سعد؟ ... أية قوة تعيده؟ لن يعود سعد، فأين ~~تذهب هذه الآمال العراض؟ لقد انبثقت من الأمل الجديد حياة حارة ~~عميقة يأبى استحواذها عليهم أن يسلمهم لليأس، ولكنهم لا يدرون كيف ~~يعللون النفس ببعثها من جديد. ~~- ولكن أليس ثمة أمل في أن يكون ms313 الخبر شائعة كاذبة؟ # لم يعر أحد القائل التفاتا في حين لم يحفل هو بهذا التجاهل؛ ~~لأنه لم يقصد بقوله في الحق إلا تلمس مهرب - ولو وهميا - من ~~اليأس الخانق. ~~- أسره الإنجليز ... ومن ذا يغالب الإنجليز! ~~- رجل ولا كل الرجال، بعث لحظة من الحياة باهرة، ومضى. ~~- كالحلم ... وسوف ينسى فلا يبقى منه إلا ما يبقى من حلم عند ~~الضحى. # وهتف هاتف بصوت أبحه الألم: الله موجود. # فهتفوا بصوت واحد: نعم ... وهو أرحم الراحمين. # ذكر اسم الله فكان كالقطب الممغطس، جذب إليه شواردهم وجمع ~~أفكارهم التي شتتها اليأس. وفي مساء ذلك اليوم - ولأول مرة منذ ~~ربع قرن أو يزيد - بدا مجلس الإخوان مجافيا للهو والطرب يغشاه ~~الوجوم، وتتجه أحاديثه جميعا إلى الزعيم المنفي. قهرهم الحزن، ~~وإن يكن وجد بينهم من تنازعه الحزن والرغبة في الشراب مثلا، فقد ~~غلب الأولى على الثانية احتراما للشعور العام ومجاراة للموقف، ~~بيد أنه لما طال بهم مطال الحديث حتى استنفدوا أغراضه لاذوا ~~بما يشبه الصمت، وما لبث أن ركبهم قلق خفي وشى بحكة الإدمان ~~التي تئن في أعماقهم، فبدوا وكأنهم ينتظرون إشارة الجسور الذي ~~يتقدم الصفوف، ولكن السيد محمد عفت قال فجأة: آن لنا أن نعود إلى ~~بيوتنا. # لم يكن يعني ما يقول، ولكن كأنما أراد أن ينذرهم بأنهم إذا تركوا ~~الوقت يمضي كما مضى، فلن يبقى أمامهم إلا أن يعودوا إلى بيوتهم، ~~وكانت المعاشرة الطويلة لقنتهم دقيق التفاهم بالإشارة، فتشجع ~~علي عبد الرحيم بائع الدقيق بهذا الإنذار الخفي، وقال: أنعود إلى ~~البيت دون كأس تخفف من بلوى هذا اليوم! # فأحدث قوله في النفوس ما يحدثه الجراح في أهل المريض إذا خرج ~~عليهم من حجرة الجراحة وهو يقول: «الحمد لله ... نجحت العملية»، إلا ~~أن الذي تنازعه الحزن والرغبة في الشراب قال فيما يشبه الاحتجاج ~~متسترا على ما أثلج صدره من ارتياح: نشرب في مثل هذا ~~اليوم؟! # فحدجه السيد أحمد بنظرة ذات معنى، ثم قال متهكما: دعهم ~~يشربون وحدهم، وهلم بنا إلى الخارج يا بن ... الكلب. # ندت عنهم ms314 ضحكات لأول مرة، ثم جاءوا بالقوارير، وكأنما أراد ~~السيد أن يعتذر عن السلوك فقال: إن اللهو لا يغير ما بقلوب ~~الرجال! # فأمنوا على قوله، كانت أول ليلة يترددون طويلا قبل ~~الاستجابة إلى نداء الصبوات، وما لبث السيد أن قال متأثرا بمنظر ~~القوارير: إنما ثار سعد لإسعاد المصريين لا لتعذيبهم، فلا تخجلوا ~~عند الحزن عليه من معاقرة الشراب. # لم يكن الحزن يمنعه من المزاح، بيد أن الليلة لم تهنأ بصفاء ~~خال من الكدر، حتى وصفها السيد فيما بعد بأنها «ليلة مريضة تداووا ~~فيها بجرعات من الخمر!» # استقبلت الأسرة مجلسها التقليدي في جو من الوجوم لم تعهده من ~~قبل، انطلق فهمي في حديث ثوري طويل والدموع في عينيه، واستمع ~~ياسين آسفا حزينا، وودت الأم أن تبدد الكآبة أو تخفف ~~البلوى، ولكنها أشفقت من انقلاب غرضها عليها، ثم ما لبثت عدوى ~~الحزن أن انتقلت إليها فرق قلبها للشيخ العجوز الذي انتزعوه من ~~بيته وزوجته إلى منفى بعيد، قال ياسين: أمر محزن، رجالنا جميعا، ~~عباس ومحمد فريد وسعد زغلول ... مشردون بعيدا عن الوطن. # فقال فهمي بانفعال شديد: يا لهم من أوغاد هؤلاء الإنجليز! ... ~~نخاطبهم باللغة التي كانوا يستعطفون بها الناس في محنتهم، فيجيبون ~~بالإنذارات العسكرية والنفي والتشريد. # لم تطق الأم أن ترى ابنها منفعلا على تلك الحال، فنسيت مأساة ~~الزعيم، وقالت برقة واستعطاف: ارحم نفسك يا بني، ربنا يلطف ~~بنا! # ولكن هذه اللهجة الرقيقة زادته هياجا، فصاح دون أن يلتفت إليها: ~~إذا لم نقابل الإرهاب بالغضب الذي يستحقه، فلا عاش الوطن بعد ~~اليوم، لا يجوز أن تنعم البلاد بالسلام وزعيمها الذي قدم نفسه ~~فدية لها يعاني عذاب الأسر! # فقال ياسين متفكرا: من حسن الحظ أن الباسل باشا بين ~~المنفيين، إنه شيخ قبيلة مرهوبة الجانب، ولا أظن رجاله يسكتون ~~على نفيه. # فقال فهمي بحدة: والآخرون؟ أليس وراءهم رجال أيضا؟ ... إنها ~~ليست قضية قبيلة ولكنها قضية الأمة كلها. # جرى الحديث بلا توقف، وما يزداد إلا حدة وعنفا، ولكن ~~المرأتين لاذتا بالصمت إشفاقا ورهبة، لم تستطع زينب ms315 أن تدرك ~~بواعث هذه الثورة العاطفية فلم تفهم لها معنى، نفي سعد ورجاله ~~معه، ومن المؤكد أنهم لو عاشوا كما يعيش «عباد الله» ما فكر أحد في ~~نفيهم، ولكنهم لم يريدوا ذلك، أرادوا أمورا خطيرة مرادها وخيم ~~العواقب، دون ثمة ضرورة تدعو إليها، ومهما يكن من أمرهم، فماذا ~~يبعث فهمي على هذا الغضب الجنوني كأن سعدا أبوه أو أخوه؟! بل ماذا ~~بعث ياسين - وهو الرجل الذي لا يأوي إلى فراشه إلا مترنحا من ~~السكر - على هذا الأسف؟! أيحزن حقا من كان مثله على نفي سعد أو ~~غيره من الناس؟! كأن حياتها في حاجة إلى مزيد من التنغيص، حتى ~~يعكر فهمي عليها صفو الجلسة القصيرة بهذه الثورة التي لا معنى لها. ~~جعلت تفكر في هذا كله وهي تلحظ زوجها من آن لآخر متعجبة ساخطة، ~~ولسان حالها يقول له: «إن كنت صادقا حقا في حزنك فلا تذهب هذا ~~المساء - هذا المساء فقط إلى الحانة!» ولكنها لم تنبس بكلمة، كانت ~~أحكم من أن تلقي بأفكارها الباردة في هذا التيار الناري، في هذه ~~الناحية الأخيرة شابهتها الأم التي سريعا ما تفقد شجاعتها حيال ~~الغضب وإن هان؛ لذلك لاذت بالصمت وانطوت على ضيق شديد وهي تتابع ~~مشفقة الحديث الثائر الهائج، ولكنها كانت أعظم من زوج ياسين ~~إدراكا لبواعث هذه العواصف، فإن رأسها لم يخل من ذكرى عرابي كما ~~أن قلبها لم يخل من أسف على أفندينا، أجل لم تكن كلمة «المنفى» ~~عاطلة من المعاني في نفسها، بل لعلها خلت من الأمل الجدير بأن ~~يداعب شخصا كفهمي، فقد اقترنت في ذهنها - كما اقترنت في ذهن زوجها ~~وأصحابه - باليأس من العودة، وإلا فأين أفندينا؟ ... ومن أجدر منه ~~بالعودة إلى وطنه؟ ... ولكن أيظل فهمي على حزنه ما امتد النفي بسعد. ~~ترى أي نحس في هذه الأيام يأبى إلا أن يبيتهم بنبأ ويصبحهم ~~بنبأ، حتى زلزل أمنهم وكدر صفوهم؟! كم تتمنى أن يعود السلام إلى ~~ربوعه، وأن تطيب هذه الجلسة كما طابت العمر كله، وأن تنبسط أسارير ~~فهمي ويلذ ms316 الحديث، كم تتمنى ... ~~- مالطة! ... هذه هي مالطة! # هكذا صاح كمال فجأة وهو يرفع رأسه عن خريطة البحر الأبيض، وقد ~~ثبت أصبعه على رسم الجزيرة، ونظر إلى أخيه بظفر وسرور كأنما ~~عثر على سعد زغلول نفسه، ولكنه وجد منه وجها متجهما كالحا، لا ~~استجاب إلى ندائه ولا أعاره أدنى اهتمام، فباخ الغلام وأعاد بصره ~~إلى رسم الجزيرة في ارتباك وحياء، ومضى يتأمله طويلا وهو يقيس ~~ببصره المسافة بينه وبين الإسكندرية، وبينه وبين القاهرة، ويتخيل ~~صورة مالطة الحقيقية ما شاء له الخيال، ومنظر أولئك الرجال الذين ~~يتحدثون عنهم وهم مسوقون إليها. ولما كان قد سمع فهمي وهو يقول ~~عن سعد إن الإنجليز انتزعوه على أسنة الرماح، فإنه لم يسعه أن ~~يتصوره إلا محمولا على أسنة الرماح، لا متألما أو صارخا كما ~~يتوقع في مثل تلك الحال، ولكن «ثابتا كالطود» كما وصفه أخوه ~~أيضا في مرحلة أخرى من الحديث، وكم ود لو يستطيع أن يسائل أخاه ~~عن كنه ذلك الرجل الساحر العجيب الذي يثبت على أسنة الرماح ~~كالطود، ولكنه حيال ثورة الغضب التي التهمت سلام المجلس كله أجل ~~تحقيق رغبته إلى فرصة أنسب، وأخيرا ضاق فهمي بمجلسه بعد أن أيقن ~~أن ما بصدره من عاطفة أكبر من أن تروح عنها محادثة أخيه في هذا ~~المكان الذي يقف من شعوره موقف المتفرج إن لم يكن موقف الإنكار، ~~نازعته نفسه إلى الاجتماع بإخوانه في قهوة أحمد عبده، حيث يظفر ~~بقلوب تستجيب لقلبه، ونفوس تسابقه إلى الإعراب عما يضطرم في ~~قراراتها من الإحساس والرأي، هناك يسمع أصداء الغضب المتقد في ~~قلبه، ويستأنس بإيحاءاته الجسورة الملتهبة في جو باهر من ~~التعطش إلى الحرية الكاملة، مال إلى أذن ياسين وهمس: إلى قهوة ~~أحمد عبده. # فتنفس ياسين من الأعماق؛ لأنه كان بدأ يتساءل - وهو من الحرج ~~في غايته - عن وسيلة لبقة ينسحب بها من المجلس، ليمضي إلى ~~سهرته، دون أن يزيد من غضب فهمي اشتعالا، لم يكن ما به من أسف ~~تصنعا، أو لم يكن تصنعا كله، هز النبأ ms317 الخطير قلبه، ولكنه لو ~~ترك إلى نفسه لتناساه بغير جهد كبير، ولما فرض على أعصابه ما فرض ~~من تكلف مجاراة لفهمي، ومجاملة له، واحتراما لغضبه الذي لم يسبق ~~له أن رآه على مثله من قبل، غادر الحجرة وهو يقول لنفسه: «حسبي ~~اليوم ما بذلت من جهد في سبيل الحركة الوطنية، فإن لبدني علي ~~حقا.» # 54 # على ضربات العجن المتصاعدة من حجرة الفرن فتح فهمي عينيه، كانت ~~الحجرة مغلقة النوافذ، في شبه ظلام إلا ما لاح من نور باهت وراء ~~خصاص النوافذ، ترامى إلى أذنيه همس أنفاس كمال المترددة، فعطف ~~رأسه إلى فراشه القريب، ثم انثالت عليه ذكريات الحياة، هذا صباح ~~جديد، إنه يستيقظ من نوم عميق سلمه إلى تعب شمل النفس والجسم، ~~وإنه لا يدري إن كان يستيقظ صباح الغد بهذا الفراش أم لا يستيقظ ~~أبدا، لا يدري ولا أحد يدري، فالموت يجوب شوارع القاهرة طولا ~~وعرضا، ويرقص في أركانها، يا للعجب، ها هي أمه تعجن كعهدها منذ ~~قديم، وها هو كمال يغط في نومه ويتقلب في أحلامه، وذاك ياسين يدل ~~وقع قدميه فوق سقف الحجرة، على أنه انتزع نفسه من الفراش، أما أبوه ~~فلعله الآن منتصب القامة تحت ماء الدش البارد، وها هو نور الصباح ~~ذو البهاء والحياء تستأذن طلائعه في رقة بالغة، كل شيء يواصل ~~حياته المعهودة كأن شيئا لم يحدث، كأن مصر لم تنقلب رأسا على ~~عقب، كأن الرصاص لا يعزف باحثا عن الصدور والرءوس ... كأن الدم ~~الزكي لا يخضب الأرض والجدران. وأغمض الشاب عينيه وهو يتنهد ~~مبتسما إلى تيار مشاعره الزاخر بما يحمل في موجاته المتلاحقة من ~~حماس وأمل وحزن وإيمان. حقا لقد حيي في الأيام الأربعة ~~المنطوية حياة عريضة لم يكن له بها عهد من قبل، أو أنه لم يعرفها ~~إلا أطيافا في أحلام اليقظة، حياة طاهرة رفيعة، حياة تجود ~~بنفسها عن طيب خاطر في سبيل شيء باهر أثمن منها وأجل، تتعرض ~~للموت بلا مبالاة، وتستقبله بعناد، وتهجم عليه باستهانة، وإذا ~~أفلتت مخالبه مرة عادت ms318 إليه كرة أخرى متنكبة عن ذكر العواقب ~~جانبا، شاخصة طوال الوقت إلى نور رائع عنه لا تحيد، مدفوعة ~~بقوة لا قبل لها بها، مسلمة مصيرها لله وهي تشعر به محيطا ~~بها كالهواء يغمرها من كل جانب. هانت الحياة كوسيلة حتى لم تعد ~~تزن ذرة، وجلت كغاية حتى وسعت السموات والأرض، تآخى الموت ~~والحياة فكانا يدا واحدة في خدمة أمل واحد، هذه تؤيده بالجهاد ~~وذاك يؤيده بالفداء، لو أن الانفجار الرهيب لم يقع لمات غما ~~وكمدا، فما كان يحتمل أن تواصل الحياة سيرها الهادئ الوئيد على ~~أطلال الرجال والآمال، كان لا بد من انفجار ينفس عن صدر الوطن ~~وصدره كالزلزال الذي ينفس عن أبخرة باطن الأرض المتجمعة، فلما ~~وقعت الواقعة وجدته على ميعاد، فألقى بنفسه في خضمها ... متى حدث ~~هذا؟ ... وكيف حدث؟ ... كان راكبا ترام الجيزة في طريقه إلى مدرسة ~~الحقوق، فوجد نفسه بين شرذمة من الطلاب يتناقشون ملوحين ~~بقبضاتهم: نفي سعد وهو يعبر عن قلوبنا، فإما أن يعود سعد ليواصل ~~جهاده، وإما أن ننفى معه، وانضم الراكبون من الأهالي إليهم في ~~الحديث والوعيد حتى الكمساري أهمل عمله ووقف ينصت ويتكلم، يا ~~لها من ساعة! ... فيها أشرق بنفسه الأمل من جديد بعد ليلة من الحزن ~~واليأس قاتمة، فأيقن أن هذه النار المتقدة لن تبرد، ولما أقبلوا ~~على فناء المدرسة وجدوه مكتظا صاخبا مرعدا فسبقتهم قلوبهم ~~إليه، ثم هرعوا إلى زملائهم تحدثهم نفوسهم بحدث وشيك، وما لبث ~~أن انبرى أحدهم مناديا بالإضراب! ... شيء جديد لم يسمع من قبل، ~~بيد أنهم هتفوا بالإضراب، وهم يتأبطون كتب القانون، وجاءهم ~~ناظرهم المستر والتون في لطف غير معهود، ونصحهم بالدخول إلى ~~الفصول، فكان الجواب أن صعد شاب منهم إلى أعلى السلم المفضي إلى ~~حجرة السكرتير، وراح يخطب بحماسة فائقة، فلم يسع الناظر إلا ~~الانسحاب. وأنصت إلى الخطيب بمجامع روحه وعيناه شاخصتان إلى عينيه، ~~وقلبه يتابع دقاته في سرعة ونشاط، ثم ود لو يصعد إلى موقفه فيفيض ~~من معين قلبه المستعر، ولكنه لم يكن ذا استعداد قوي ms319 للخطابة، فقنع ~~بأن يردد غيره هواتف نفسه، وتابع الخطيب بانتباه حماسي حتى وقف ~~عند مقطع من خطابه، فصاح مع زملائه جميعا في نفس واحد: «يحيا ~~الاستقلال» ثم تابع الإنصات باهتمام بث الهتاف فيه حيوية جديدة، ~~حتى انتهى الخطيب إلى مقطع ثان، فهتف مع الهاتفين: «لتسقط ~~الحماية»، ووالى الإصغاء بجسم متصلب من الانفعال ، وهو يعض على ~~أسنانه ليحبس الدمع الذي زفره جيشان نفسه، حتى إذا بلغ الخطيب ~~المقطع الثالث هتف مع الهاتفين: «يحيا سعد»، هتاف جديد، وكل شيء ~~جديدا بدا ذلك اليوم، بيد أنه هتاف مطرب رجعه قلبه من ~~الأعماق، وظل يردده مع دقاته المتتابعة، كأنه صدى للسانه، بل ~~هتاف لسانه كان صدى لقلبه، فإنه ليذكر كيف ردد قلبه هذا الهتاف ~~في صمت مكظوم طوال الليلة السابقة للانفجار التي باتها مغموما ~~محسورا، كانت عواطفه المكبوتة، حبه وحماسه وطموحه وتطلعه إلى ~~المثل الأعلى، وأحلامه تائهة مبعثرة حتى انطلق صوت سعد مدويا، ~~فانجذبت طائرة إليه كما ينجذب الحمام السابح في الفضاء إلى صفير ~~صاحبه، ثم ما يدرون إلا والمستر إيموس نائب المستشار القضائي ~~البريطاني لوزارة الحقانية يشق طريقه بين جموعهم، فقابلوه بهتاف ~~واحد: «لتسقط الحماية ... لتسقط الحماية.» فتلقاهم الرجل ببرود لم ~~يخرق به حد اللطف، ونصحهم بالعودة إلى دروسهم داعيا إياهم إلى ~~ترك السياسة لآبائهم، هناك تصدى له أحدهم قائلا: إن آباءنا قد ~~سجنوا، ولن ندرس القانون في بلد يداس فيه القانون. # وتعالى الهتاف من أعماق القلوب كهزيم الرعد، فانسحب الرجل ~~مسرعا. ود الشاب مرة ثانية لو كان هو القائل، لشد ما تنثال ~~المعاني على روحه، ولكن يسبقه السابقون إلى إعلانها، فيشتد حماسه، ~~ويتعزى بأن فيما ينتظره عوضا عما يفوته، وجرت الأمور سراعا، ~~دعا الداعي إلى الخروج، فخرجوا متظاهرين، وتوجهوا إلى مدرسة ~~المهندسخانة، فسرعان ما انضمت إليهم، ثم إلى الزراعة، فهرع ~~طلبتها إليهم هاتفين كأنهم على ميعاد، ثم إلى الطب فالتجارة، وما ~~بلغوا ميدان السيدة زينب، حتى انتظمتهم مظاهرة كبيرة انضمت إليها ~~جموع الأهالي، وتعالى الهتاف لمصر والاستقلال وسعد، وكلما تقدموا ~~خطوة ازدادوا ms320 حماسة وثقة وإيمانا بما يلقون في كل مكان من ~~مشاركة تلقائية واستجابة بديهية، وما يصادفون من نفوس ~~متحفزة تصدعت بالغضب حتى وجدت في مظاهرتهم المتنفس. تساءل - ~~ودهشته لحدوث المظاهرة تكاد تغلب انفعاله بالتظاهر نفسه - «كيف حدث ~~هذا كله؟!» لم تكن مضت إلا بضع ساعات على الصباح الذي شهد قنوطه ~~وانهزامه، ها هو الآن، قبيل الظهر، يشترك في مظاهرة ثائرة ~~يكاشفه فيها كل قلب بأنه صدى لقلبه، ويردد هتافه، ويناشده ~~بإيمان لا يتزعزع أن يسير إلى النهاية، فأي سرور سروره، وأي ~~حماس حماسه! ... لقد انطلقت روحه في سماء من الأمل لا تحدها ~~الآفاق، نادمة على ما اعتورها من قنوط، خجلة بما رمت به الأبرياء ~~من ظنون، وفي ميدان السيدة زينب بدا له منظر جديد من مناظر ذاك ~~اليوم العجيب. رأى مع الرائين جماعات من فرسان البوليس، وعلى ~~رأسها مفتش إنجليزي تتقدم ساحبة وراءها ذيولا من الغبار، ~~والأرض تضطرب تحت وقع السنابك، إنه ليذكر كيف مد بصره نحوهم ~~في ذهول من لم يسبق له أن وجد نفسه عرضة لمثل ذلك الخطر الداهم، ~~وتلفت فيما حوله فرأى وجوها يلمع في محاجرها الحماس والغضب، ~~فتنهد في عصبية ولوح بيده هاتفا، أحاط الفرسان بجموعهم ولم ~~يعد يرى من الخضم الهائل الذي يضطرب فيه إلا رقعة محدودة يغرق بين ~~رءوسها المشرئبة، ثم ترامى إليهم أن البوليس اعتقل طلابا كثيرين ~~ممن تصدوا لمخالفته، أو كانوا على رأس المظاهرة، فللمرة الثالثة ~~ذلك اليوم تمنى، وكان تمنيه أن يكون بين المعتقلين، ولكن من ~~دون أن يخرج من الدائرة التي يتحرك فيها بجهد جهيد. # على أن ذاك اليوم كان يوم سلام بالقياس إلى اليوم الذي تلاه، ~~بدا يوم الاثنين منذ مطلع الصباح يوم إضراب شامل اشتركت فيه جميع ~~المدارس بأعلامها، وحشود من الأهالي لا يحيط بها الحصر، بعثت مصر ~~بلدا جديدا يبكر إلى الاحتشاد في الميادين للحرب بغضب طال ~~كتمانه، وألقى هو بنفسه بين الجموع في نشوة فرح وحماس كأنه تائه ~~ضال عثر على أهله بعد فراق طويل، وسارت المظاهرة ms321 مسيرا مشهودا ~~مارة بدور المعتمدين السياسيين، معلنة احتجاجها بمختلف اللغات، ~~حتى بلغت شارع الدواوين، وهناك سرت بين الجموع موجة اضطراب عنيفة، ~~وصاح صائحهم: «الإنجليز!» وما لبث أن فرقع الرصاص مغطيا على أصوات ~~الهاتفين، فسقط أول القتلى، وواصل قوم تقدمهم في حماس جنوني، ~~وتسمر آخرون، وتفرق كثيرون يلوذون بالبيوت والمقاهي، وكان هو ~~ضمن الآخرين، اندس وراء باب وقلبه يبعث ضربات فزعة، متناسيا كل ~~شيء إلا حياته، ولبث على ذلك زمنا لا يدريه، حتى شمل السكون ~~الدنيا جميعها فمد رأسه، ثم قدمه، ومضى إلى حال سبيله غير مصدق ~~بالنجاة، وعاد إلى بيته فيما يشبه الذهول، وفي وحدته الحزينة ~~تمنى لو كان من الذاهبين أو في الأقل من الثابتين، وفي وقدة ~~الحساب العسير وعد ضميره الفظ بالتكفير، ومن حسن الحظ أن بدا ميدان ~~التكفير متسعا وقريبا. # وجاء الثلاثاء والأربعاء فكانا كالأحد والاثنين، أيام متشابهات ~~في أفراحها وأحزانها، مظاهرات فهتاف فرصاص فضحايا، ألقى بنفسه في ~~خضمها جميعا يندفع بحماس، ويسمو إلى آفاق بعيدة من الإحساس ~~النبيل، ويضطرب بالحياة ويعضه ندم على النجاة! ثم ضاعف من ~~حماسه وأمله انتشار روح الغضب والثورة، فما لبث أن أضرب عمال ~~الترام وسائقو السيارات والكناسون، فبدت العاصمة حزينة غاضبة ~~موحشة. وترامت الأخبار حاملة البشرى بقرب إضراب المحامين ~~والموظفين. إن قلب البلاد يخفق حيا ثائرا ولن تذهب الدماء ~~هدرا، ولن ينسى المنفيون في منفاهم، لقد زلزلت اليقظة الواعية ~~أرض وادي النيل. # تقلب الفتى في فراشه فاسترد وعيه من لجة الذكريات، وجعل ~~يتابع دقات العجن مرة أخرى مقلبا ناظريه في أركان الحجرة ~~التي أخذت تستبين على النور المشرق رويدا وراء النوافذ المغلقة. ~~أمه تعجن! ولن تزال تعجن صباحا بعد صباح، هيهات أن يشغلها حدث عن ~~التفكير في إعداد الموائد وغسل الثياب وتنظيف الأثاث، إن كبار ~~الحادثات لا يعطل صغار الأعمال، وسيتسع صدر المجتمع دائما ~~للجليل والتافه من الأمور، فيرحب بها جنبا إلى جنب، ولكن مهلا، ~~ليست أم على هامش الحياة هي التي أنجبته والأبناء وقود الثورة، ~~وهي التي تغذيه والغذاء وقود ms322 الأبناء، الحق أن ليس ثمة شيء تافه ~~في الحياة ... ولكن ألا يجيء يوم يهز فيه الحادث الكبير المصريين ~~جميعا، فلا تتفرق عنده القلوب كما تفرقت في مجلس القهوة منذ ~~خمسة أيام؟ ألا ما أبعد هذا اليوم! ثم جرت على شفتيه ابتسامة إذ ~~وثب إلى ذهنه هذا السؤال: «ما عسى أن يصنع والده إذا علم ب «جهاده» ~~المتواصل يوما بعد يوم؟ ماذا يصنع أبوه الجبار المستبد، وماذا ~~تصنع أمه الرقيقة الحنون؟» ابتسم في حيرة وهو يعلم أن المتاعب ~~التي قد تعترضه في تلك الحال ليست دون المتاعب التي قد تعترضه إذا ~~نمى سره إلى السلطة العسكرية نفسها. ثم أزاح الغطاء عن صدره وجلس ~~في الفراش وهو يغمغم: «سيان أن أحيا أو أن أموت، الإيمان أقوى من ~~الموت، والموت أشرف من الذل، فهنيئا لنا الأمل الذي هانت إلى ~~جانبه الحياة، أهلا بصباح جديد من الحرية، وليقض الله ~~بما هو قاض.» # 55 # لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأن الثورة لم تغير ولو وجها ~~من وجوه حياته، حتى كمال نفسه عرض لحريته التي تمتع بها طويلا ~~في ذهابه إلى المدرسة وإيابه منها طارئ ثقيل ضاق به كل الضيق، وإن ~~لم يستطع له دفعا، ذلك أن الأم أمرت أم حنفي بأن تتبعه في ذهابه ~~إلى المدرسة وعند إيابه منها، وألا تتخلى عنه بحال كي تعود به ~~إلى البيت إذا صادفتها مظاهرة دون أن تدع له فرصة للتلكؤ، أو ~~مطاوعة نزوات الطيش، دار رأس الأم بأنباء المظاهرات والاضطرابات، ~~وارتج قلبها لحوادث الاعتداء الوحشي على الطلبة، فعانت من ذاك ~~الزمن أياما كالحات ملأتها هلعا وجزعا، فودت لو تستبقي ~~ابنيها إلى جانبها حتى تثوب الأمور إلى مستقرها، ولكنها لم تجد إلى ~~تحقيق مرادها من سبيل خصوصا بعد أن وعد فهمي - وهو من ثقتها في ~~«عقله» لا تتزعزع - أنه لا يشترك في الإضراب بتاتا، وبعد أن رفض ~~الأب فكرة استبقاء كمال في البيت لعلمه بأن المدرسة تحول بين صغار ~~التلاميذ وبين الاشتراك في الإضراب. سلمت الأم بذهاب الأخوين إلى ms323 ~~المدرسة على كره منها، ولكنها فرضت على كمال رقابة أم حنفي وهي ~~تقول له: «لو كان بوسعي أن أخرج كما أشاء لتبعتك بنفسي.» وقد ~~عارضها كمال بما وسعه من قوة لأنه أدرك بالبداهة أن هذه الرقابة ~~التي لن تخفي عن أمه خافية من شئونه؛ ستقضي قضاء مبرما على كل ~~ما يتمتع به في الطريق من ألوان العبث والشطارة، وأنها ستلحق ~~هذه الفترة القصيرة السعيدة من يومه بالسجنين اللذين يتردد ~~بينهما؛ البيت والمدرسة، إلى هذا امتعضت نفسه أشد الامتعاض من ~~السير في الطريق مصطحبا هذه المرأة التي ستلفت الأنظار حتما ~~ببدانتها المفرطة ومشيتها المتهالكة، ولكنه لم يسعه إلا أن يذعن ~~لرقابتها سيما بعد أن أمره أبوه بقبولها، قصارى ما استطاعه ~~تنفيسا عن صدره أنه كان ينتهرها كلما تدانت منه، وأنه حتم عليها ~~أن تتأخر عنه مسيرة أمتار. على تلك الحال مضيا إلى مدرسة خليل ~~أغا صباح الخميس وهو خامس أيام المظاهرات في القاهرة، ولما بلغا ~~باب المدرسة اقتربت أم حنفي من البواب، وسألته تنفيذا للأمر ~~اليومي الذي تلقته في البيت: هل يوجد تلاميذ في المدرسة؟ # فأجابها الرجل بغير اكتراث: منهم من يدخل، ومنهم من يذهب، ~~والناظر لا يتعرض لأحد! # كانت هذه الإجابة مفاجأة سيئة لكمال، كان مهيأ النفس لسماع ~~الإجابة التي باتت مألوفة منذ يوم الاثنين وهي «التلاميذ ~~مضربون»، فيعودان إلى البيت حيث يمضي سحابة النهار في حرية حببت ~~إلى قلبه الثورة من بعيد، ونازعته نفسه إلى الهرب تفاديا من عواقب ~~الإجابة الجديدة، فخاطب البواب قائلا: أنا ممن ~~يذهبون. # وابتعد عن المدرسة والمرأة في أثره، بيد أنها سألته: لماذا لا ~~يدخل مع الداخلين؟ فرجاها مترددا لأول مرة في حياته أن تقول ~~لأمه إن التلاميذ مضربون، وزيادة في الرجاء والتودد دعا لها - ~~وهما يمران بجامع الحسين - بطول العمر والسعادة، إلا أن أم حنفي ~~لم تستطع إلا أن تصارح الأم بالحقيقة كما سمعتها فأنبته الأم ~~على كسله، وأمرت المرأة بأن تعود به إلى المدرسة، فغادرا البيت وهو ~~يسلقها بلسان حاد راميا إياها بالخيانة ms324 والغدر، لم يجد في ~~المدرسة إلا لداته ... ذوي الأسنان الصغيرة، أما من عداهم، وهم ~~الأغلبية الساحقة، فكانوا مضربين، وألفى في فصله، الذي كان يتوافر ~~له من صغار التلاميذ ما لم يتوافر لغيره من الفصول، نحوا من ثلث ~~التلاميذ، بيد أن المدرس أمرهم أن يراجعوا دروسهم السابقة، ~~وانكب هو على تصحيح بعض الكراسات، فتركهم في شبه إضراب في ~~الواقع. فتح كمال كتابا متظاهرا بالقراءة دون أن يعيره أدنى ~~انتباه؛ فقد ساءه البقاء في المدرسة بلا عمل؛ فلا هو مع المضربين ~~ولا هو في البيت يتمتع بالفراغ الذي جادت به هذه الأيام العجيبة ~~بلا حسبان. ضاق بالمدرسة كما لم يضق من قبل، وهفا خياله إلى أولئك ~~المضربين في الخارج بدهشة واستطلاع، كثيرا ما تساءل عن حقيقة ~~أمرهم، أهم كما تدعي أمه «متهورون» لا يرحمون أنفسهم ولا ~~أهليهم، ملقين بأرواحهم إلى التهلكة، أم هم، كما يصفهم فهمي، أبطال ~~فدائيون يجاهدون عدو الله وعدوهم؟! وكثيرا ما مال إلى رأي أمه ~~لحنقه على التلاميذ الكبار - فئة المضربين - الذين خلفوا في نفسه ~~ونفوس أضرابه من التلاميذ الصغار أسوأ الآثار بما ينالهم على ~~أيديهم من غلظة واستكبار، وهم يتحدونهم في فناء المدرسة بضخامة ~~أجسامهم وقحة شواربهم، بيد أنه لن يستسلم إلى هذا الرأي كل ~~الاستسلام، طالما كان لقول فهمي من الإقناع في نفسه ما لا قبل له ~~بالاستهانة به، لن يسعه أن يسلبهم ما يضفيه عليهم من ضروب البطولة، ~~حتى ود لو يطلع من مكان آمن على معاركهم الدامية، قامت قيامة ~~الدنيا ما في ذلك من شك، أو فلماذا يضرب المصريون وينطلقون جماعات ~~إلى الاشتباك بالجنود؟! وأي جنود؟! الإنجليز؟ الإنجليز الذين كان ~~يكفي ذكر اسمهم لإخلاء الطرقات! ... ماذا حدث للدنيا وللناس؟! ... ذاك ~~صراع عجيب قضى عنفه بأن تنقش عناصره الجوهرية في نفس الغلام ~~بلا وعي أو قصد، فتغدو أسماء: سعد زغلول، الإنجليز، الطلبة، ~~الشهداء، المنشورات، المظاهرات، من القوى المؤثرة الموحية في ~~أعماقه، وإن وقف من معانيها موقف المستطلع الحائر. وضاعف من حيرته ~~أن آله استجابوا للحوادث استجابة ms325 متباينة وأحيانا متناقضة، ~~فبينا يجد فهمي ثائرا يحمل على الإنجليز بحنق قاتل، ويحن إلى ~~سعد حنينا يفجر الدمع، إذا بياسين يناقش الأخبار في اهتمام ~~رصين مشوب بأسف هادئ لا يمنعه من مواصلة حياته المعتادة بين ~~السمر والضحك وتلاوة الأشعار والقصص، ثم السهر حتى منتصف الليل، ~~أما أمه فلا تكف عن دعاء الله أن ينشر السلام ويعيد الأمان، ~~ويصفي قلوب المصريين والإنجليز جميعا، والأدهى من كل أولئك زينب ~~زوجة أخيه التي أفزعتها الأحداث، فلم تجد من تصب عليه غضبها إلا ~~سعد زغلول نفسه متهمة إياه بأنه سبب هذا الشر كله، وأنه «لو عاش ~~كما يعيش عباد الله في دعة وسلام ما تعرض له أحد بسوء، ولا ~~اشتعلت تلك النيران.» لذلك كان حماس الغلام يستعر لفكرة الصراع ~~نفسه، وحزنه يفيض بفكرة الموت في ذاته، دون أن يكون لنفسه معنى ~~واضحا لما يدور حوله من بعيد أو قريب، وكم أسف يوم دعا تلاميذ ~~خليل أغا إلى الإضراب - لأول مرة - فسنحت له فرصة ليشهد مظاهرة عن ~~كثب، أو يشترك فيها، ولو في فناء المدرسة، ولكن الناظر بادر إلى ~~حجز صغار التلاميذ في فصولهم، فأفلتت الفرصة ووجد نفسه وراء ~~الجدران ينصت إلى الهتافات العالية في دهشة ممزوجة بسرور خفي، ~~لعل مبعثه الفوضى التي نشبت في كل شيء فعصفت بالروتين اليومي ~~الثقيل بلا رحمة. أفلتت ذلك اليوم فرصة الاشتراك في مظاهرة كما ~~ضاعت اليوم فرصة الاستمتاع بالفراغ في البيت، وسيبقى مغلولا في ~~هذه الجلسة المملة ينظر في الكتاب بعينين لا تريان شيئا، ~~ويسترق لمسات مع رفيقه على القمطر في حذر وخوف حتى يدرك ~~نهاية النهار الطويل، ولكن ثمة شيء استرعى انتباهه فجأة، قد يكون ~~صوتا غريبا بعيدا أو وشا في الأذن، ولكي يستوثق من حاسته نظر ~~فيما حوله، فرأى رءوس التلاميذ مرفوعة، وأعينهم تتبادل النظرات، ثم ~~تتجه معا صوب النوافذ المطلة على الطريق، إنه حقيقة وليس وهما ~~ما استرعى انتباههم، إنها أصوات مندمجة في صوت ضخم غير متمايز ~~تسمع لبعدها كهدير الأمواج من بعيد، الآن وقد ms326 أخذت تشتد يمكن أن ~~تسمى ضوضاء، بل ضوضاء تقترب، وسرت في الفصل حركة وتعالى الهمس، ~~ثم ارتفع صوت قائلا: «مظاهرة!» فخفق قلب الغلام، وعلت عينيه لمعة ~~تجمع بين السرور والاضطراب، وجعلت الضوضاء تقترب وتقترب، حتى وضحت ~~هتافا يرعد ويزمجر في جميع الجهات المحيطة بالمدرسة، وعادت تقرع ~~أذنيه الأسماء التي ملأت ذهنه طوال الأيام الماضية؛ سعد ... ~~الاستقلال ... الحماية، وتدانى الهتاف وعلا حتى أطبق على فناء ~~المدرسة نفسها، فوجمت قلوب التلاميذ، وأيقنوا أن الطوفان لا بد ~~مغرقهم، ولكنهم قابلوا ذلك بسرور صبياني تنكب عن تقدير ~~العواقب في حمية نزوعه إلى الفوضى والانطلاق، ثم ترامى إليهم وقع ~~أقدام مقبلة في سرعة وصخب، ثم فتح الباب على مصراعيه تحت وقع ~~صدمة عنيفة، واندفعت إلى الحجرة جماعات من الطلبة والأزهريين كما ~~تندفع المياه من فوهة الخزان وهم يصيحون: «إضراب ... إضراب ... لا ~~ينبغي أن يبقى أحد.» وفي لحظات وجد نفسه غائصا في موج مصطخب ~~يدفعه أمامه دفعا يعطل كل مقاومة وهو من الاضطراب في غاية، ~~تحرك في بطء شديد تحرك حبوب البن في فوهة الطاحونة، لا يدري ~~أين تقع عيناه، ولا يرى من الدنيا إلا أجساما متلاصقة في ضجة ~~تصك الآذان، حتى استدل بظهور السماء فوق رأسه على بلوغ الطريق، ~~واشتد الضغط عليه حتى كادت تكتم أنفاسه فصرخ صراخا حادا عاليا ~~متواصلا من شدة الفزع، وما يدري إلا ويد تقبض على ذراعه وتجذبه ~~بقوة وهي تشق بين الناس طريقا حتى ألصقته بجدار على الطوار، فراح ~~يلهث ويتلمس فيما حوله منجى حتى عثر على دكان حمدان بائع ~~البسبوسة، وقد أنزل بابها الحديدي إلى ما فوق العتبة بقليل، فهرع ~~إليه ودخل زحفا على ركبتيه، ولما قام في الداخل رأى عم حمدان الذي ~~كان يعرفه حق المعرفة وامرأتين، وبعض صغار التلاميذ، فأسند ظهره ~~إلى جدار القائمة التي تحمل الصواني وصدره يعلو وينخفض بلا توان. ~~وسمع عم حمدان وهو يقول: أزهريون، طلبة، عمال، أهال ... جميع ~~الطرقات المؤدية إلى الحسين مكتظة بالبشر ... ما كنت أحسب قبل ~~اليوم أن الأرض تستطيع أن ms327 تحمل كل هؤلاء البشر. # إحدى المرأتين بدهشة: كيف يصرون على التظاهر بعد ما كان من ~~إطلاق النار عليهم؟ # المرأة الأخرى بحسرة: ربنا الهادي، كلهم أبناء ناس يا ~~ولداه. # فقال عم حمدان: لم نر شيئا كهذا من قبل، ربنا يحميهم. # تفجر الهتاف في الحناجر يزلزل الجو زلزالا، حينا عن قرب كأنه ~~يدوي في الدكان ، وحينا عن بعد في ضوضاء شديدة غير متمايز كهزيم ~~الريح، وتواصل بلا انقطاع، في حركة بطيئة مستمرة دل عليها ~~تفاوت درجات الشدة والارتفاع بين الأمواج القادمة والذاهبة، ~~وكلما ظن أنه انقطع جاء غيره، حتى بدا وكأن لا نهاية له. تركزت ~~حياة كمال في أذنيه وهو يرهف السمع في اضطراب وقلق، بيد أنه ~~لما تتابع الوقت دون وقوع مكروه استرد أنفاسه، ومضى يعاوده الشعور ~~بالطمأنينة، ثم وسعه أخيرا أن يفكر فيما يدور حوله كطارئ لا ~~يلبث أن يزول، فتساءل متى يجد نفسه في البيت ليروي لأمه ما وقع له؟ ~~«اقتحمت علينا الفصول مظاهرة لا أول لها ولا آخر، وما أدري إلا ~~وتيارها الزاخر يحيط بي ويجرفني إلى الشارع، وهتفت مع من هتف: ~~ليحي سعد، لتسقط الحماية، ليحي الاستقلال. وما زلت أنتقل من ~~طريق إلى طريق حتى هجم الإنجليز علينا، وأطلقوا الرصاص.» ستفزع ~~عند ذاك لحد البكاء ولا تكاد تصدق أنه حي يرزق، وستتلو آيات ~~كثيرة وهي ترتجف. «ومرت رصاصة جنب رأسي ما زال عزيفها يطن في ~~أذني، وتخبط الناس كالمجانين، وكدت أهلك مع الهالكين لولا أن جذبني ~~رجل إلى دكان ...» # انقطع حبل أحلامه على صياح عال غير منتظم، ووقع أقدام ~~متدافعة في اضطراب، فخفق قلبه ونظر في وجوه من حوله، فرآهم ~~محملقين في الباب كمن يتوقع ضربة على أم رأسه، واقترب عم حمدان من ~~الباب، وانحنى حتى نظر من الفرجة في أسفله، ثم تراجع وأنزله حتى ~~ألصقه بالأرض بسرعة وهو يتمتم في اضطراب: الإنجليز! # وصاح كثيرون في الخارج: «الإنجليز ... الإنجليز» ونادى آخرون: ~~«الثبات ... الثبات» وهتف غيرهم: «نموت ويحيا الوطن» ... ثم سمع الغلام ~~لأول مرة في حياته الصغيرة طلقات ms328 الرصاص عن بعد قريب فعرفها ~~بالبداهة وارتعدت أوصاله، وما إن ندت عن المرأتين صرخة، حتى أفحم ~~في البكاء، وجعل عم حمدان يقول بصوت متهدج: «وحدوا الله ... ~~وحدوا الله» ولكن الغلام شعر بالخوف، باردا كالموت، يزحف على ~~جسمه كله من قدميه إلى رأسه. وتوالت الطلقات، وصكت الآذان صلصلة ~~عجلات وصهيل خيل، تتابعت الأصوات والحركات في سرعة فائقة ~~تلاحقها زمجرات وصراخ وأنين، فترة اعتراك خاطفة بدت للقابعين وراء ~~الباب دهرا في حضرة الموت ... ثم حل صمت مخيف كالإغماء الذي يعقب ~~تبريح الألم، تساءل كمال بصوت متهدج مبحوح: ذهبوا؟! # فوضع عم حمدان سبابته على فيه وهو يغمغم: «هس» ... وتلا آية ~~الكرسي، فتلا كمال في سره - إذ خانته قدرته على الكلام - «قل هو ~~الله أحد» لعلها تطرد الإنجليز كما تطرد العفاريت في الظلام. على ~~أن الباب لم يفتح إلا عند الظهر، فانطلق الغلام إلى الطريق المقفر ~~ثم أطلق للريح ساقيه، وفيما هو يمر بالسلم الهابط إلى قهوة أحمد ~~عبده لمح شخصا صاعدا عرف فيه أخاه فهمي، فهرع إليه كغريق عثرت ~~يده على أداة النجاة، وقبض على ذراعه، فالتفت الشاب نحوه فزعا، ~~ولما عرفه هتف به: كمال؟! أين كنت في أثناء الضرب؟ # ولاحظ الغلام أن صوت أخيه مبحوح مطموس المخارج، بيد أنه أجابه ~~بقوله: كنت في دكان عم حمدان، وسمعت الرصاص وكل شيء. # فقال له بعجلته ولهوجته: اذهب إلى البيت ولا تقل لأحد إنك ~~قابلتني ... سامع؟ # فسأله الغلام بارتباك: ألا تعود معي؟! # فقال باللهجة نفسها: كلا ... ليس الآن ... سأعود في موعدي المعتاد، ~~لا تنس أنك لم تقابلني قط. # ودفعه حتى لا يدع له فرصة للمناقشة، فاندفع الغلام راكضا، حتى ~~بلغ منعطف خان جعفر، فرأى شبحا واقفا وسط الطريق يشير إلى الأرض، ~~ويخاطب نفرا من الرجال، فنظر حيث يشير فرأى بقعا حمراء ملبسة ~~بالتراب، وسمعه يقول بلهجة رثائية: هذا الدم الزكي يستصرخنا إلى ~~مواصلة الجهاد، وقد شاء الله أن يسفك في رحاب سيد الشهداء لنصل في ~~الاستشهاد حاضرنا بماضينا، والله معنا. # وأحس فزعا يركبه، فاسترد بصره ms329 من الأرض الدامية وانطلق يعدو ~~كالمجنون. # 56 # كانت أمينة تتلمس طريقها إلى باب الحجرة خلال ظلمة السحر، في ~~حذر وتمهل أن توقظ السيد، حين ترامى إلى أذنيها لغط غريب صاعدا ~~من الطريق يطن طنين النحل. لم يكن يطرق أذنيها في هذه الساعة التي ~~اعتادت أن تستيقظ فيها إلا صلصلة عجلات عربات الدبش، وسعال العمال ~~المبكرين، وهتاف رجل يحلو له عند مرجعه من صلاة الفجر أن يردد ~~في الصمت الشامل صائحا بين حين وآخر: «وحدوه»، أما هذا اللغط ~~الغريب فلم تسمعه من قبل، وحارت في تفسيره فتطلعت إلى معرفة ~~مصدره، فمضت بخطواتها الخفيفة إلى نافذة بالصالة مطلة على ~~الطريق، ثم رفعت خصاصها، وأخرجت رأسها، فوجدت في الخارج ظلمة ~~مختلطة عند الأفق ببشائر ضياء، ولكن ليس إلى الحد الذي تستطيع معه ~~رؤية ما يجري تحتها، بيد أن اللغط ازداد ارتفاعا، وازداد في ~~الوقت نفسه غموضا، حتى تبينت فيه أصواتا آدمية مجهولة النسب. ~~دارت عيناها في الظلام الذي أخذت تألفه شيئا ما فرأت تحت سبيل بين ~~القصرين وما يليه من تقاطع النحاسين مع درب قرمز أشباحا آدمية ~~غير واضحة المعالم، وأشياء على هيئة أهرام صغيرات، وأخرى كأنها ~~الأشجار القصار، فارتدت في حيرة ونزلت قاصدة حجرة فهمي وكمال، ~~ثم ترددت، أتوقظه ليرى ما هنالك ويحل لها تلك الألغاز أم تؤجل ~~ذلك إلى حين استيقاظه؟! ثم أبت أن تزعجه طاوية رغبتها، حتى موعد ~~استيقاظه عند مطلع الشمس الوشيك، ثم صلت، ثم عادت مدفوعة بحب ~~الاستطلاع إلى النافذة، فأطلت منها. بدأ وشي الشروق ناشبا في ~~غلالة السحر، وأضواء الصباح تسيل من ذرى المآذن والقباب، فأمكنها ~~أن ترى الطريق في كثير من الوضوح، وفتشت عيناها عن الأشباح التي ~~راعتها في الظلام، فتبينت حقيقتها وندت عنها آهة فزع، وارتدت ~~مهرولة إلى حجرة فهمي، فأيقظته بلا احتراس فانتفض الشاب جالسا في ~~فراشه وهو يتساءل منزعجا: ما لك يا أماه؟ # فقالت وهي تلهث: الإنجليز يملئون الطريق تحت بيتنا. # هب الشاب من فراشه واثبا إلى النافذة، ورمى ببصره فرأى تحت ~~سبيل ms330 بين القصرين معسكرا صغيرا يشرف على رءوس الطرق التي ~~تتفرع عنده، يتكون من عدد من الخيام، وثلاثة لوريات وشراذم ~~متفرقة من الجند، وفيما يلي الخيام أقيمت البنادق أربعا أربعا، ~~كل مجموعة تتساند رءوسها وتفترق قواعدها على هيئة هرم، وقد وقف ~~الحراس كالتماثيل أمام الخيام، وتبعثر الآخرون وهم يتراطنون ~~ويتضاحكون، ورمى الشاب ببصره ناحية النحاسين ، فرأى معسكرا ثانيا ~~عند تقاطع النحاسين بالصاغة، كما رأى في الناحية الأخرى من بين ~~القصرين معسكرا ثالثا عند منعطف الخرنفش، ابتدره خاطر أهوج لأول ~~وهلة أن هؤلاء الجنود قد جاءوا للقبض عليه! ... ولكنه ما لبث أن ~~استسخفه معتذرا عنه بقومته المزعجة من النوم الذي لم يكد يفيق ~~منه، وبهذا الإحساس بالمطاردة الذي لم يفارقه مذ شبت الثورة، ثم ~~وضحت له الحقيقة رويدا، وهي أن الحي الذي أتعب السلطة المحتلة ~~بمظاهراته المتواصلة قد احتل احتلالا عسكريا. لبث ينظر خلال ~~الخصاص متفحصا الجنود والخيام والبنادق واللوريات، وقلبه يخفق ~~في رهبة وحزن وحنق، حتى تحول عن النافذة شاحب اللون وهو يتمتم ~~مخاطبا أمه: إنهم الإنجليز كما تقولين، جاءوا للإرهاب ومنع ~~المظاهرات في منابتها. # وجعل يقطع الحجرة ذهابا وإيابا وهو يقول في سره حانقا: «هيهات ~~... هيهات» حتى سمع أمه تقول: سأوقظ والدك لأخبره بالأمر. # قالتها المرأة كآخر ما عندها من حيلة، كأن السيد - الذي يحل لها ~~جميع مشكلات حياتها - كفيل أيضا بأن يجد حلا لهذا المشكل يبلغ ~~به بر الأمان، ولكن الشاب قال لها بأسى: دعيه حتى يستيقظ في ~~وقته. # فتساءلت المرأة في رهبة: ماذا نفعل يا بني وهم مرابطون أمام مدخل ~~بيتنا؟ # فهز فهمي رأسه في حيرة قائلا: ماذا نفعل؟! (ثم بلهجة أكثر ~~ثقة) لا داعي للخوف، ليس إلا أنهم يرهبون المتظاهرين. # قالت وهي تزدرد ريقا جافا: أخاف أن يعتدوا على الآمنين في ~~بيوتهم. # ففكر قليلا في قولها ثم تمتم: كلا لو كان الاعتداء على ~~البيوت مقصدهم ما وقفوا ساكنين حتى الآن. # لم يكن مطمئنا إلى قوله كل الاطمئنان، ولكنه وجده أوفق ما ~~يقال، وعادت أمه تسائله: وحتى متى ms331 يقيمون بيننا؟! # بطرف شارد أجابها: من يدري؟! ... إنهم ناصبون الخيام فلن يرحلوا ~~سريعا. # تنبه إلى أنها تسأله كما لو كان قائد القوات العسكرية، فنظر ~~إليها في عطف وهو يداري بسمة ساخرة فرجت ما بين شفتيه ~~الممتقعتين، وفكر لحظة في مداعبتها ولكن كآبة الموقف صدت ~~نفسه، فعاوده الجد كما يقع له أحيانا إذا روى ياسين له «نادرة» من ~~نوادر والده تدعوه بطبيعتها إلى الضحك، ولكن يصده عنه القلق الذي ~~يعتريه كلما اطلع على جانب من شخصية أبيه الخفية، وسمعا وقع ~~أقدام تهرول نحوهما، ثم اقتحم الحجرة ياسين تتبعه زينب على الأثر، ~~وصاح الشاب الذي بدا منتفخ العينين مشعث الشعر: أرأيتم ~~الإنجليز؟ # وهتفت زينب: أنا التي سمعتهم ثم أطللت من النافذة فرأيتهم وأيقظت ~~سي ياسين. # وواصل ياسين الحديث قائلا: لقد نقرت على باب والدي حتى استيقظ ~~وأخبرته، ولما رآهم بنفسه أمر بألا يغادر البيت أحد وألا ~~يرفع مزلاج البيت، ولكن ماذا هم فاعلون؟ ... وما عسى أن نصنع؟ ... ~~ألا توجد في البلد حكومة تحمينا؟ # فقال له فهمي: لا أظنهم يتعرضون لغير المتظاهرين. ~~- ولكن حتى متى نظل محبوسين في بيوتنا؟! ... إن البيوت ملأى ~~بالنساء والأطفال، فكيف يعسكرون تحتها؟ # فغمغم فهمي في ضيق: سيجري علينا ما يجري على غيرنا، فلنصبر ~~ولننتظر. # وهتفت زينب في عصبية ظاهرة: لم نعد نسمع أو نرى إلا الرعب ~~والحزن، ربنا على أولاد الحرام. # عند ذاك فتح كمال عينيه فرددهما دهشا في المجتمعين في حجرته ~~على غير انتظار، ثم جلس في فراشه وتطلع إلى أمه بعينين ~~متسائلتين، فاقتربت من فراشه وربتت بيدها الباردة على رأسه ~~الكبير، ثم قرأت بصوت مهموس وعقل شارد الفاتحة، فسألها الغلام: ~~ماذا جاء بكم إلى هنا؟ # رأت أن تبلغه الخبر في أحسن صورة ممكنة، فقالت برقة: لن تذهب ~~اليوم إلى المدرسة. # فتساءل بابتهاج: بسبب المظاهرات؟ # فقال فهمي في شيء من الحدة: الإنجليز يسدون الطريق! # شعر كمال بأنه أدرك سر تجمعهم، فقلب عينيه في الوجوه مذهولا، ثم ~~وثب إلى النافذة ونظر من خصاصها طويلا، ثم عاد وهو يقول ms332 باضطراب: ~~البنادق أربع أربع. # ونظر إلى فهمي كالمستغيث، وتمتم في خوف: سيقتلوننا؟ ~~- لن يقتلوا أحدا، جاءوا لمطاردة المتظاهرين. # ومضت فترة صمت قصيرة، وإذا بالغلام يقول وكأنه يخاطب نفسه: ما ~~أجمل وجوههم! # فسأله فهمي ساخرا: هل أعجبوك حقا؟ # فقال كمال بسذاجة: جدا، كنت أتخيلهم كالشياطين. # فقال فهمي بمرارة: من يدري، لعلك لو رأيت الشياطين أعجبك ~~منظرهم! # لم يرفع مزلاج الباب في ذلك اليوم، ولم تفتح نافذة من النوافذ ~~المطلة على الطريق، ولو لتغيير الهواء وإدخال الشمس، ولأول مرة ~~تبسط السيد أحمد في الحديث على مائدة الإفطار، فقال بلهجة العليم ~~الخبير إن الإنجليز يتشددون في منع المظاهرات، وإنهم لهذا ~~احتلوا الأحياء التي تكثر بها المظاهرات، وإنه رأى أن يمكثوا ~~يومهم في البيت حتى تتضح الأمور. استطاع الرجل أن يتكلم بثقة ~~وأن يحافظ على مظهره المعهود من الجلال، وألا يدع منفذا لأحد ~~يتسرب منه إلى القلق الذي تفشى في باطنه مذ هب من فراشه على ~~نقر ياسين، ولأول مرة كذلك جسر فهمي على مناقشة رأي أبيه، فقال ~~بأدب: ولكن يا والدي قد تظنني المدرسة إذا مكثت في البيت من ~~المضربين! # لم يكن السيد يعلم شيئا طبعا عن اشتراك ابنه في المظاهرات ~~فقال: للضرورة أحكام، أخوك موظف وموقفه أدق من موقفك، ولكن العذر ~~واضح. # لم تواته شجاعته على مراجعة أبيه خشية أن يغضبه من ناحية، ولأنه ~~- من ناحية أخرى - وجد في أمره بمنع مغادرة البيت عذرا يبرر به ~~أمام ضميره امتناعه عن الخروج إلى الطريق المحتل بالجنود المتعطشين ~~إلى دماء أمثاله من الطلبة. انفضت المائدة فأوى السيد إلى حجرته، ~~وما لبثت الأم وزينب أن اشتغلتا بواجباتهما اليومية، ولما كان ~~اليوم مشمسا، وهو يوم من أيام مارس الأخيرة التي تكتنز في أعطافها ~~نسائم دافئة من أنفاس الربيع، فقد صعد الإخوة الثلاثة إلى السطح، ~~وجلسوا تحت عرش اللبلاب والياسمين. ووجد كمال في خص الدجاج تسلية ~~وأي تسلية، فانتقل إليها، وراح يبذر للدجاج الحب، ويطاردها ~~مسرورا بدجدجتها، ويلتقط ما يعثر عليه من البيض في حين راح ~~الأخوان ms333 يتحدثان بالأنباء المثيرة التي تناقلتها الألسنة عن الثورة ~~المستعرة في جنبات الوادي من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه. تكلم ~~فهمي عما يعلم من قطع السكك الحديد والتلغرافات والتليفونات، وقيام ~~المظاهرات في شتى المديريات والمعارك التي تنشب بين الإنجليز ~~والثوار والمذابح والشهداء والجنازات الوطنية التي تشيع فيها ~~النعوش بالعشرات، والعاصمة المضربة طلبتها وعمالها ومحاموها، والتي ~~لم يعد بها من وسيلة للمواصلات إلا العربات الكارو، ثم قال الشاب ~~بحرارة: هذه الثورة حقا ... فليقتلوا ما شاءت لهم وحشيتهم فلن ~~يزيدنا الموت إلا حياة. # فقال ياسين وهو يهز رأسه عجبا: ما كنت أتصور أن في شعبنا هذه ~~الروح المكافحة. # فقال فهمي وكأنه نسي كيف أشفى على اليأس قبيل نشوب الثورة، حتى ~~فاجأته بزلزالها وبهرته بنورها: بل إنه ممتلئ بروح الكفاح الخالد ~~التي تشتعل في جسده الممتد من أسوان إلى البحر الأبيض، استثارها ~~الإنجليز حتى ثارت، ولن تخمد إلى الأبد. # فقال ياسين وعلى شفتيه ابتسامة: حتى النساء خرجن في ~~مظاهرة. # فتمثل فهمي أبياتا من قصيدة حافظ في مظاهرة السيدات: # خرج الغواني يحتجج # ن ورحت أرقب جمعهنه # فإذا بهن تخذن من # سود الثياب شعارهنه # فطلعن مثل كواكب # يسطعن في وسط الدجنة # وأخذن يجتزن الطريق # ودار سعد قصدهنه. # فاهتزت نفس ياسين وقال ضاحكا: ما كان أجدرني أنا ~~بحفظها. # وفكر فهمي في خاطر طارئ، ثم تساءل بحزن: ترى أترامت أنباء ~~ثورتنا إلى سعد في منفاه؟ ... أعلم الشيخ الكبير بأن تضحيته لم تذهب ~~هباء أم تراه غارقا في يأس المنفى؟ # 57 # لبثوا على السطح حتى الضحى، وراق للأخوين أن يراقبا المعسكر ~~البريطاني الصغير، فرأيا نفرا من الجنود قد أقاموا مطبخا وراحوا ~~يعدون الغداء، وتفرق كثيرون ما بين مدخل درب قرمز والنحاسين ~~وبين القصرين في خلاء من المارة، وبين حين وآخر كان يتجمع ~~كثيرون في طابور على نداء النفير، ثم يأخذون بنادقهم ويركبون أحد ~~اللوريات الذي ينطلق بهم صوب بيت القاضي مما دل على قيام ~~مظاهرات في الأحياء القريبة، وكان فهمي يراقب تجمعهم وذهابهم ~~بقلب خافق وخيال متقد. # وأخيرا غادر ms334 الأخوان السطح تاركين كمال يلهو كيف شاء وحده، ~~وأويا إلى حجرة المذاكرة، فأقبل فهمي على كتبه يراجع ما فاته في ~~الأيام المنقضية، وتناول ياسين «ديوان الحماسة» و«غادة كربلاء»، ~~وخرج إلى الصالة يستعين بهما على قتل الوقت الذي توافر وراء جدران ~~سجنه كما يتوافر الماء وراء السدود، كانت الروايات - بوليسية ~~وغيرها - أشد استحواذا على قلبه من الشعر، ولكنه أحب الشعر ~~كذلك، وعرفه من أيسر سبله، يفهم ما يسهل فهمه، ويقنع من الصعب ~~بموسيقاه، فندر أن يلجأ إلى الهامش المشحون بالشروح، وربما حفظ ~~البيت وترنم به، وهو لا يفقه من معناه إلا أقله، أو يتصور له ~~معنى لا يمت إلى حقيقته بسبب، أو لا يدرك له معنى على الإطلاق، ~~ولكن رغم هذا كله رسب في عقله من صوره وألفاظه ما يعد ثروة يتيه ~~بها مثله، حتى دأب على استغلالها لمناسبة ولغير مناسبة وهو الأكثر، ~~فإذا عرض له يوما أن يكتب رسالة تهيأ لها تهيؤ الكتاب، ~~وأقحم عليها من الألفاظ الرنانة ما يعلق بحافظته، وضمنها ما ~~فتح الله به عليه من مأثور الشعر حتى عرف بين معارفه بالبلاغة، لا ~~لأنه كان بليغا حقا، ولكن لقصورهم عن مجاراته وارتياعهم حيال ~~غريب محفوظاته. قبل اليوم لم يعهد مثل هذا الفراغ الطويل الذي قضي ~~عليه بأن يكابده ساعة فساعة محروما من أسباب الحركة والتسلية، ~~وربما كانت القراءة خليقة بأن تسعفه على تحمله لو كان به صبر ~~عليها، ولكنه اعتاد أن يلم بها في رفق، وفي الأوقات القصيرة التي ~~تسبق خروجه إلى سهرته اليومية دون غيرها، وحتى في تلك الأوقات لم ~~يكن يجد بأسا في أن يقطع القراءة بالمشاركة في أحاديث مجلس ~~القهوة، أو يطالع قليلا، ثم يدعو كمال ليروي له ما قرأ مستلذا ~~بإقبال الغلام على الإصغاء بذاك الشغف المأثور عن الأطفال ~~والغلمان. إذن لم يكن الشعر ولا الرواية بالتي تستطيع أن تؤنس ~~وحشته يوما كيومه هذا، وقد قرأ أبياتا من الشعر، وفصولا من ~~«غادة كربلاء»، ومضى يتجرع الملل قطرة فقطرة، لاعنا الإنجليز من ~~أعماق قلبه، ms335 ضجرا برما ضيق الصدر، حتى حان وقت الغداء، ~~جمعتهم المائدة مرة أخرى، وقدمت لهم الأم حساء ودجاجات محمرة ~~وأرزا، وأتمت أطباقها - التي حرمت من الخضر بسبب الحصار ~~المضروب حول البيت - بجبن وزيتون ومش، وأحضرت عسلا أسود بدلا ~~من الحلوى، ولكن لم يأكل بشهوة إلا كمال، أما السيد والأخوان فلم ~~يسعدوا بقابلية قوية للطعام لقبوعهم يومهم بلا عمل ولا حركة، ~~بيد أن الطعام هيأ لهم فرصة للهروب من الفراغ بالنوم، وعلى ~~الخصوص السيد وياسين اللذان كان يسعهما الظفر بالنوم وقتما شاءا ~~وكيفما أحبا. وغادر ياسين فراشه قبيل المغرب، فنزل إلى الدور ~~التحتاني لشهود جلسة القهوة، ولكنها كانت جلسة قصيرة إذ إن الأم لم ~~يسعها أن تترك السيد وحده طويلا، فودعتهم وطلعت إليه، ولبث ~~ياسين وزينب وفهمي وكمال يتسامرون في جو يغلب عليه الفتور، حتى ~~استأذن فهمي ومضى إلى حجرة المذاكرة، ثم دعا إليه كمال فغودر ~~الزوجان منفردين. «ما عسى أن أصنع من الآن إلى ما بعد منتصف ~~الليل؟» ... أزعجه هذا السؤال الذي ألح عليه طويلا، وبدا له اليوم ~~كئيبا ذميما منتزعا بالقوة الغشوم من مجرى الزمان الذي ~~يتدفق في الخارج حافلا بالمسرات، كما ينتزع الغصن من الشجرة ~~فيستحيل حطبا. لولا الحصار العسكري لكان الآن بمجلسه المحبوب ~~بقهوة أحمد عبده، يحسو الشاي الأخضر، ويسامر معارفه من روادها، ~~ويمتع النفس بجوها العتيق الذي يستهوي شعوره بمقدمه، ويستأثر خياله ~~بحجراته المطمورة تحت أنقاض التاريخ. قهوة أحمد عبده أحب المقاهي ~~إلى قلبه، ولولا الغرض - والغرض مرض كما يقولون - ما اختار غيرها، ~~ولكنه الغرض الذي جذبه فيما مضى إلى الكلوب المصري لقربه من مقام ~~بائعة الدوم، وهو نفسه الذي أغراه بالانتقال بعد ذلك إلى قهوة سي ~~علي بالغورية لوقوعها أمام بيت زنوبة العوادة؛ فهو يبدل ~~المقاهي تبعا لغرضه، بل إنه يبدل من تعرض له صداقتهم فيها ~~تبعا له، ففيما وراء الغرض لا مقهى ولا أصدقاء له، أين الكلوب ~~المصري وأصحابه؟ ... أين قهوة سي علي ومعارفها؟ ... من حياته ذهبوا، ~~ولعله لو صادفه أحدهم تجاهله أو تهرب منه، ms336 والدور الآن على قهوة ~~أحمد عبده وسمارها، والله وحده يعلم ما يخبئه الغد من مقاه ~~وأصدقاء. على أنه لم يكن يمكث بقهوة أحمد عبده طويلا، فسرعان ما ~~يسترق الخطى إلى بقالة كستاكي، أو بالأحرى إلى حانته السرية ليحظى ~~بالقارورة الحمراء، أو «العادة» كما يحلو له أن يدعوها ... أين منه ~~«العادة» هذا المساء الكالح؟! وسرت في بدنه، لتذكر حانة كستاكي، ~~رعدة شهوة، ثم ما لبث أن لاحت في عينيه نظرة سأم عميقة، وتململ ~~تململ السجين. بدا البقاء في البيت حسرة طويلة زاد من حدة ألمها ~~ما طاف بمخيلته من صور الهناء وذكريات النشوة المقترنة بالحانة ~~والقارورة، فعذبته الأحلام وضاعفت من وجده، وقد جرت حنينه ~~الملهوف على موسيقى الخمر الباطنية، ولعبها بالرأس ذلك اللعب ~~المدغدغ الحار السار السائل بهجة وأفراحا، فلم يدرك قبل ذاك ~~المساء أنه أعجز من أن يصبر على هجر الشراب يوما واحدا، ولم يحزن ~~لما بدا له من ضعفه وعبوديته، ولا لام نفسه على إسرافها الذي جر ~~عليه التعاسة لأهون الأسباب، كان أبعد ما يكون عن لوم نفسه أو ~~السخط عليها، ولم يذكر من بواعث ألمه إلا الحصار الذي شنه ~~الإنجليز حول البيت، وأنه يحترق ظمأ ومورد النشوات غير بعيد، ثم ~~لاحت منه التفاتة إلى زينب، فوجدها تتفرس في وجهه بنظرة كأنما ~~تقول له حانقة: «ما لك شاردا، ما لك واجما، أليس لوجودي أي أثر ~~في التسرية عنك!» ... أدرك معناها كله في لحظة خاطفة التقت فيها ~~عيناهما، ولكنه لم يستجب لعتابها الحانق الحزين، وبالعكس لعله ~~أحنقه وأثار ثائرته، أجل لم يحقد على شيء كما حقد على اضطراره ~~للبقاء معها طوال الليل، بلا رغبة، ولا مسرة، وحتى محروما من ~~النشوة التي يستعين بها على تحمل حياته الزوجية. جعل يسترق إليها ~~النظر، ويتساءل في غرابة: أليست هي هي! ... أليست هي التي خلبت لبي ~~ليلة الزفاف؟! ... أليست هي التي شغفتني هياما ليالي وأسابيع؟! فما ~~لها لا تحرك في ساكنا! ... أي شيء طرأ عليها! ما لي أتململ برما ~~وسأما، فلا أجد من حسنها ms337 وأدبها ما يغريني عن سكرة تأجلت! ومال - ~~كما فعل مرات من قبل - إلى رميها بالنقص فيما برعت فيه زنوبة ~~ومثيلاتها من ضروب الخدمة والشطارة، والحق أن زينب كانت أولى ~~تجاربه في المعاشرة الدائمة. فلم تطل به معاشرة العوادة ولا ~~بائعة الدوم، ولم يكن تعلقه بإحداهما بمانعه من التنقل إذا ~~سنحت دواعيه، وقد ذكر لحظات حيرته هذه وأفكاره عنها بعد كرور أعوام ~~طوال، فعرف من نفسه ومن الحياة عامة ما لم يجر له في خاطر. ~~وانتبه على تساؤلها: لعلك غير مرتاح إلى البقاء في البيت؟! # لم يكن على حال يطيق معها حتى العتاب، فوقع تساؤلها التهكمي من ~~نفسه موقع الضربة الطائشة من الدمل، فاندفع قائلا بصراحة مؤلمة ~~وإصرار: بلى. # ومع أنها تحامت النقار من بادئ الأمر إلا أن لهجته آذتها أشد ~~إيذاء، فقالت بحدة: لا ذنب لي في هذا، أليس عجيبا ألا تطيق التخلف ~~عن سهرتك ولو ليلة واحدة. فقال متسخطا: دليني على شيء واحد يجعل ~~البيت محتملا. # فقامت غاضبة وهي تقول في نبرات منذرة بالبكاء: سأخلي لك ~~المكان لعله يطيب لك! # وولت كالهاربة وهو يتبعها بصرا جامدا، ثم قال لنفسه: «يا لها ~~من حمقاء لا تدري أن القدرة الإلهية وحدها هي التي تبقي عليها في ~~بيتي.» ومع أن الشجار نفس عن حنقه قليلا، إلا أنه كان يفضل ~~ألا يقع حتى لا يضاعف من كآبة فراغه، ولم يكن يعجز عن استرضائها لو ~~أراده، ولكن عقله الفتور الذي ران على مشاعره جميعا. غير أنه لم ~~تمض دقائق حتى شمله هدوء نسبي فرن صدى عباراته القاسية التي ~~وجهها إليها في أذنيه فأقر بقسوتها، وبأنه لم يكن ثمة ما يدعو ~~إليها، وداخله شبه ندم، لا لعثوره فجأة على ثمالة حب لها في زوايا ~~قلبه، ولكن لحرصه على ألا يشذ في معاملتها عن حد الأدب - ~~ربما إكراما لأبيها أو خوفا من أبيه - حتى في فترة الانتقال ~~العصيبة التي أخذ على نفسه فيها إخضاعها لسياسته بالصلابة والحزم، ~~واعتذر عن إسرافها بالغضب، ولم يكن الغضب بالانفعال المستغرب ms338 في ~~هذه الأسرة، فما يركبهم الحلم إلا حين قيام الأب بينهم مستأثرا ~~لنفسه من دونهم بكافة حقوق الغضب. # بيد أن غضبهم كالبرق سريع الاشتعال سريع الانطفاء، ثم يردون ~~إلى ألوان من الأسف والندم. إلى هذا كله خص ياسين بالمكابرة، فلم ~~يدفعه أسفه إلى مصالحة زوجه، بل قال لنفسه: «هي التي استثارت غضبي ~~... ألم يكن بوسعها أن تخاطبني بلهجة أرق!» إنه يحب دائما أن ~~تتحلى بالصبر والحلم والعفو كيما ينطلق على هواه مطمئنا إلى ~~خطوطه الخلفية. اشتد ضيقه بسجنه بعد غضبها وانسحابها، فغادر المكان ~~إلى السطح. وجد الجو لطيفا والليل ساجيا والظلمة شاملة، إلا أنها ~~كثيفة تحت عرش اللبلاب والياسمين، رقيقة في نصف السطح الآخر ~~المسقوف بقبة السماء المرصعة بلآلئ النجوم. وراح يقطع السطح ذهابا ~~وجيئة ما بين السور المطل على بيت مريم، ونهاية حديقة اللبلاب ~~المشرفة على قلاوون، مستسلما لخيالات شتى، وفيما هو يسير الهوينا ~~عند مدخل السقيفة تسلل إلى أذنيه حفيف، أو لعله همس، بل أنفاس ~~تتردد بين لحظة وأخرى، فحملق في الظلام متعجبا وهتف متسائلا: من ~~هنا؟ # فجاءه صوت يعرفه حق المعرفة، وهو يقول في نبرات نحاسية: أنا نور ~~يا سيدي. # تذكر من توه أن نور جارية زوجه تأوي ليلا إلى حجرة خشبية ~~لصق خص الدجاج تحوي بعض الكراكيب، نظر صوب السطح حتى ميز شبحها ~~القائم على بعد خطوة منه كأنه قطعة من الليل تكاثفت وتجمدت، ثم ~~تراءى له بياض عينيها الناصع كدائرتين مرسومتين بالطباشير على ~~صورة حالكة السواد، واصل سيره دون أن ينبس وصورتها ترتسم في مخيلته ~~بطريقة تلقائية، سوداء في الأربعين متينة البنيان، غليظة الأطراف، ~~ناهضة الصدر، عبلة الأرداف، ذات وجه لامع، وعينين براقتين، ~~وشفتين ممتلئتين. فيها قوة وخشونة وغرابة، أو هكذا بدت له مذ طرأت ~~على بيته. وفجأة، وعلى حين غرة، تفجرت في صدره نية الاعتداء كما ~~تنفجر بعض المفرقعات بلا سابق إنذار، ولكن قوية مسيطرة كأنما تركز ~~فيها هدف حياته، فملكته كما ملكته على عتبة باب الفناء حيال ~~أم حنفي ليلة زفاف عائشة، انبعثت ms339 في وجدانه الخامد حياة فوارة، ~~وانتشر القلق في دمه حتى تكهرب، وحل محل الملل والسأم اهتمام ~~حار ثائر جنوني، كل أولئك في لمح البصر، ودب النشاط في مشيته ~~وفكره وخياله، وكف وهو لا يدري عن قطع السطح من أوله إلى آخره ~~مقصرا خط ذهابه وإيابه إلى الثلثين، ثم إلى النصف، وكلما مر بها ~~اضطرب جسمه برغبة عارمة. جارية سوداء؟ ... خادم؟ ... وإن كانت، له ~~سوابق غير منكورة، ليس حتما أن تقع بغيته على طراز زنوبة، ميزة ~~حسن واحدة تغني كما أغنت عينا بائعة الدوم المكحولتان بحارة ~~الوطاويط اللتان شفعتا لنتن إبطيها وتلبد الطين على ساقيها. بل ~~الدمامة نفسها - ما دامت قد ركبت على امرأة - اعتذار مقبول عند ~~شهوته العمياء، كما تطلع إليها عند أم حنفي أو عند ضاربة رمل عوراء ~~خلا بها وراء بوابة النصر، نور على أية حال ذات جسم مكتنز صلب، ~~يوحى - لا شك - ملمسه بالفتوة والصراع، إلى أنها جارية سوداء تعد ~~بطرافة في الوصال، وجدة في التجربة، وتحقيق للمأثور عن بنات جنسها ~~من بعث الحرارة والدفء. وبدا الجو من حوله مهيئا آمنا مظلما، ~~فاستحرت رغبته، وتوثبت أعصابه، واسترسل قلبه في دقات متتابعة، ~~فرمى بنظرة ثاقبة موضعها، ومال في سيره إليها بحيث «يتفق» له أن ~~يحتك بها على نحو ما حين مروره بها مؤجلا الجهر برغبته، حتى ~~يتاح له جس النبض في جو من الحذر أن تكون - كأم حنفي - بلهاء، ~~فتتجاوب أركان البيت بفضيحة جديدة، تقدم في خطوات وئيدة ~~محملقا صوبها، يود بكل ما اضطرم في صدره من شهوة لو تنفذ كلمات ~~عينيه - رغم الظلمة الفاشية - إلى نفسها، حتى اقترب منها فاختلطت ~~دقات قلبه، ثم حاذاها فمس كوعه أعلى جسمها، ولكنه واصل سيره ~~كأن ما وقع كان عفوا، غير أن رعدة سرت في بدنه عند لمس الموضع ~~الذي لم يتحقق من هويته في الغيبوبة التي تاه فيها عالمه، فلم ~~يبق منه عند الإفاقة النسبية في نهاية السطح إلا مس طري غزير ~~الحنان، وما ند عن صاحبته من تراجع بريء ms340 أيد ما رجحه من عدم ~~ارتيابها في أمره، فاستدار مصمما على إعادة الكرة. أعاد نحوها ~~ثانية ذراعه، حتى مس كوعه إحدى ثدييها - لم يخطئه إحساسه هذه ~~المرة - ثم لم يسحبه كما كان ينتظر من شخص يدعي أنه ضل السبيل، ~~بل تركه يصافح الثدي الأخرى مصافحة رقيقة لا تبالي دفع الريب، ~~ومضى وهو يقول لنفسه ستدرك غايتي بلا شك، بل لعلها أدركتها فند ~~عنها ما يوحي بأنها أرادت أن تنتحي جانبا ولكنها أبطأت، أو بوغتت ~~فذهلت، على أي حال لم تتقيني باليد، ولم تحرك ساكنا. فلن تصرخ ~~فجأة كما فعلت بنت المركوب، لنجرب مرة ثالثة. عاد هذه المرة ~~متعجلا جزعا، فتثاقل حيالها، ثم مد كوعه إلى الصدر الناهد كقربة ~~صغيرة منتفخة، ثم حرك ذراعه حركة ناطقة بالتردد والريبة معا، ~~وهم بمواصلة السير مدفوعا برغبة في الفرار، لولا أن وجد منها ~~استسلاما أو بلادة أغرقت ثمالة وعيه في تيار من الجنون، فتوقف ~~متسائلا بصوت خرج من بخار الشهوة منصهرا متهدجا: أهذه أنت يا ~~نور؟! # فقالت الجارية وهي تتقهقر وهو يتبعها كي لا تفلت منه، حتى التصق ~~ظهرها بالحائط وأوشك هو أن يلتصق بها: نعم يا سيدي. # أراد أن يقول أي كلام يعن له، حتى يتمكن من الجهر بما يضطرب ~~في أعماقه كالملاكم الذي يلوح بقبضته في الهواء متحينا الفرصة ~~ليضرب ضربته القاضية، فسألها وأنفاسه تترامى على جبينها: لم لم ~~تذهبي إلى حجرتك؟ # فقالت الجارية التي تعثرت في نطاق حصاره: كنت أشم الهواء ~~قليلا. # وكأنما غلب النهم تردده، فمد راحته إلى خاصرتها، ثم جذبها ~~برفق إلى صدره وهي تبدي ممانعة تحول بينه وبين ما يريد، ثم همس ~~في أذنها وهو يلصق خده بخدها: هلمي إلى الحجرة. # فتمتمت في ارتباك: عيب يا سيدي. # رنت نبراتها النحاسية في الصمت رنينا أزعجه، لم تكن تعمدت ~~أن ترفع صوتها، ولكنها - فيما بدا - لا يتأتى لها الهمس أو أن من ~~طبع همسها الرنين، ولو في أخفض درجاته، على أنه سرعان ما زايله ~~الانزعاج لتوقد شهوته من ناحية، ولخلو ms341 لهجتها من الاحتجاج الذي ~~يستوحيه مدلول عبارتها، فجذبها بيده وهو يغمغم: تعالي يا ~~حلوة. # فسلست ليده، ربما عن رضا وربما عن طاعة، وهو يغمر خدها وصفحة ~~عنقها بقبلاته مترنحا من شدة الانفعال، وفي نشوة السرور جعل يقول: ~~ماذا غيبك عني طول هذه الأشهر! # فأجابته بلهجتها العادية الخالية من أي احتجاج: عيب يا ~~سيدي. # فقال وهو يبتسم: ما أرق ممانعتك، زيديني منها! # ولكنها أبدت شيئا من المقاومة عند مدخل الحجرة قائلة: عيب يا ~~سيدي ... (ثم كالمحذرة) الحجرة ملأى بالبق. # فدفعها وهو يهمس في قفاها: أنام على العقارب من أجلك يا ~~نور. # جارية، هكذا بدت بأدق ما تحمل هذه الكلمة من معان، وقفت ~~مستسلمة بين يديه في الظلام، فوضع شفتيه على شفتيها، وقبلها ~~بحرقة وتشوق وهي ساكنة مستسلمة كأنها تشاهد منظرا لا دور لها ~~فيه، حتى قال لها بانفعال: «قبليني»، ثم أعاد لصق شفتيه بشفتيها ~~وقبل فقبلته! ثم طلب إليها أن تجلس فرددت قولها: «عيب يا ~~سيدي» الذي بدا مضحكا من ابتذاله على وتيرة واحدة، فأجلسها بنفسه ~~فاستجابت بلا ممانعة، وما لبث أن وجد لذة جديدة في ترددها بين ~~السلبية والإذعان، فجد في طلب المزيد منه، وتتابعت الممانعة ~~اللفظية والإذعان الفعلي فنسي الزمن، ثم خيل إليه أن الظلام من ~~حوله يتحرك، أو أن مخلوقات غريبة في طياته تتراقص، ربما الجهد ~~أصابه من طول ما لبث إن كان طال لبثه، فإنه على وجه اليقين لا يدري ~~كم لبث، أو لعلها التيارات المتوقدة المتلاطمة في رأسه تولد من ~~ارتطامها في بصره أنوار وهمية، ولكن مهلا، إن جدران الحجرة ~~تتماوج، ناضحة بضوء خافت ذابت فيه الظلمة الداجنة ذوبانا يهتك ~~الأسرار، ورفع رأسه محملقا، فرأى نورا خافتا يتسلل من شقوق ~~الجدار الخشبي مقتحما عليه خلوته، ثم ارتفع صوت زوجه في الخارج ~~وهي تنادي الجارية قائلة: نمت يا نور؟! ... نور ... ألم تري سي ~~ياسين؟ # فانتفض قلبه فزعا ووثب قائما، واندفع على عجل ولهفة يتخطف ~~ثيابه ويرتديها وهو يتفحص الحجرة ببصر زائغ لعله يجد مخبأ بين ~~كراكيبها، ولكن ms342 نظرة واحدة آيسته من الاختفاء على حين صك أذنيه وقع ~~شبشب يقترب، فلم تتمالك الجارية من أن تقول بصوت باك: أنت السبب ~~يا سيدي، ماذا أفعل الآن؟! # فلكزها في كتفها بقسوة حتى أمسكت، وحدق في الباب بفزع ~~ويأس وهو يتقهقر - بدافع لا شعوري - إلى الركن البعيد عن المدخل ~~حتى التصق بالجدار، وتجمد في موقفه يترقب. تتابع النداء ولا ~~مجيب، ثم انفتح الباب ولاحت ذراع زينب يتقدمها مصباح وهي تهتف: ~~نور ... نور. # فلم يسع الجارية إلا أن تخرج من صمتها مغمغمة بصوت شاحب ~~حزين: نعم يا ستي. # فقالت زينب بصوت ينم عن الحنق والتعنيف: ما أسرع أن تنامي يا ~~شيخة! ألم تري سي ياسين؟ ... سيدي الكبير أرسل في طلبه، فبحثت عنه في ~~الدور التحتاني والفناء، وها أنا لا أجده فوق السطح، هل ~~رأيته؟ # وما أتمت كلامها حتى كان رأسها قد برز داخل الحجرة، وهو يطل ~~على الجارية المرتبكة في جلستها باستغراب، ثم بحركة غريزية ~~التفتت إلى يمينها، فوقع بصرها على زوجها الملتصق بالحائط بجسم ~~ضخم كأنما ترهل وتخاذل من الخزي والهوان، التقت عيناهما لحظة ~~قبل أن يغض بصره، ومرت لحظة أخرى في صمت قاتل، ثم ندت عن الفتاة ~~صرخة كالعواء، وتراجعت وهي تهتف ضاربة صدرها بيسراها: يا فضيحتك ~~السوداء! ... أنت! ... أنت! # وجعلت ترتجف كما بدا من ارتجاف المصباح بيدها، وارتعاش ضوئه ~~المنعكس على الجدار المواجه للباب، ثم ولت هاربة وعويلها يمزق ~~الصمت. قال ياسين لنفسه وهو يزدرد ريقه: «انفضحت وما كان كان.» ~~ولبث بموقفه ذاهلا عما حوله حتى انتبه إلى نفسه، فغادر الحجرة ~~إلى السطح دون أن يخطر له أن يتجاوزه. لم يدر ماذا يصنع ولا إلى ~~أي مدى تذاع الفضيحة، أتنحصر في شقته أم تنتقل إلى الشقة الأخرى؟ ~~... ثم راح يوبخ نفسه على ذهوله وضعفه اللذين منعاه من أن يلحق بها ~~كي يحصر الفضيحة في أضيق حدود، ثم تساءل وهو في أشد حالات الضيق ~~كيف يتلقى هذه الفضيحة؟ هل يسعفه الحزم هنا أيضا؟ ربما لو لم ~~يتسرب نبؤها إلى أبيه. ms343 وسمع حركة آتية من ناحية الحجرة المشئومة، ~~فالتفت نحوها فرأى شبح الجارية يغادرها وبيده لفة كبيرة، ثم هرولت ~~نحو باب السطح ومرقت منه، هز كتفيه استهانة، وفيما هو يتحسس صدره ~~بيده أدرك أنه نسي أن يرتدي الفانلة، فعاد إلى الحجرة ~~مسرعا. # 58 # في الصباح الباكر طرق الباب، وكان الطارق شيخ الحارة، فقابل ~~السيد أحمد وأخبره بأنه مكلف من لدن السلطات بإبلاغ سكان الأحياء ~~المحتلة بأن الإنجليز لن يتعرضوا إلا للمتظاهرين، وأن عليه أن ~~يفتح دكانه، وعلى التلميذ أن يذهب إلى مدرسته، والموظف إلى وظيفته، ~~وحذره من حجز التلاميذ أن يظنوا من المضربين لافتا نظره إلى ~~الأوامر المشددة بمنع المظاهرات والإضراب، بذلك استرد البيت ~~نشاطه الذي يستقبل به الصباح. وتنفس رجاله الصعداء لإطلاق ~~سراحهم بعد حبس البارحة، واستروحت النفوس شيئا من الطمأنينة ~~والسلام. قال ياسين لنفسه تعقيبا على زورة شيخ الحارة: «الأحوال ~~خارج البيت تتحسن، أما داخله فهي طين ووحل.» أجل قضت أكثرية أهل ~~البيت ليلة نكراء أحاطت بها الفضيحة، ومزق أوصالها النكد، زينب ~~لم يستطع الصبر الذي تغلق به صدرها على حزنها وتذمرها أن يصمد ~~للمنظر المروع الذي رأته عيناها في حجرة جاريتها، فتفجر صدرها ~~قاذفا بشواظه كل سبيل، تعمدت تعمدا أن يقرع عويلها آذان ~~السيد، فجاءها مهرولا متسائلا ... وكانت الفضيحة ... قصت عليه كل ~~شيء متشجعة بانفعالها الجنوني الذي لعلها لولاه ما واتتها ~~شجاعتها على مواجهته بما قصت لما باتت تجد نحوه من تهيب لم ~~تجد مثله حيال أحد من الناس، انتقمت بذاك لكرامتها الذبيحة، ~~وللصبر الذي تجرعته حينا مختارة، وحملت عليه في أكثر الأحايين: ~~«جارية! خادمة! في سن أمه! وفي بيتي! ماذا عساه أن يفعل في الخارج ~~إذن؟» لم تكن تبكي غيرة، أو لعل الغيرة توارت إلى حين وراء حجب ~~كثيفة من التقزز والغضب، كما تتوارى النار وراء سحب الدخان، ~~وكأنما غدت تؤثر الموت على أن تبقى معه تحت سقف واحد، ولو يوما ~~واحدا بعد ما كان، أجل هجرت مخدعها فقضت الليل في حجرة الاستقبال ~~يقظى أكثره تهذي هذيان ms344 المحمومين، ونائمة أقله نوما ثقيلا ~~مريضا مزعجا. أصبحت وهي مصممة على هجر البيت. لعل هذا التصميم ~~وحده الذي وجدت فيه مسكنا لأوجاعها. ماذا بوسع حميها نفسه أن ~~يفعل؟ ... لن يستطيع أن يمنع المنكر بعد أن وقع، ولن يسعه مهما يكن ~~جبروته أن ينزل بزوجها العقاب الذي يستحقه حتى يستشفي صدرها، أقصى ~~ما يراه أن يزجره ، أن يصب عليه غضبه، وسينصت - الفاسق - خافض ~~الرأس كي يواصل فيما بعد سيرته الخبيثة! ... هيهات. لقد رجاها السيد ~~أن تدع الأمر بين يديه، ونصحها طويلا بأن تعرض عن زلته مستوصية ~~بصبر الفضليات من مثيلاتها، ولكنها لم تعد تحتمل الصبر أو العفو. ~~جارية سوداء فوق الأربعين! ... كلا، ستهجره هذه المرة بلا تردد، ~~ستفضي إلى أبيها ببثها كله، وستبقى في كنفه حتى يثوب إلى رشده، ~~فإذا جاءها بعد ذلك نادما، وغير من سلوكه أو فلتذهب هذه الحياة ~~كلها - بخيرها وشرها - إلى الشيطان، أخطأ ياسين حين ظنها قد طوت ~~صدرها على كربها عقلا وحكمة، الحق أنه غلبها الجزع من بادئ الأمر، ~~فبثت همها إلى أمها، ولكن الأم أثبتت أنها امرأة حكيمة، فلم تدع ~~الشكوى تتسرب إلى الأب، وأوصت ابنتها بالصبر قائلة: إن الرجال ~~يسهرون - كوالدها مثلا - وإنهم أيضا يشربون، وإنه حسبها أن ~~بيتها عامر بالخير، وأن زوجها يعود إليها مهما سهر ومهما سكر. ~~أصغت الفتاة إلى النصيحة على مضض، وجاهدت نفسها أيما جهاد ~~متجملة بالصبر، ولم تأل أن تحمل نفسها على الرضا بالواقع ~~والقناعة من أحلامها العريضة بما سمحت به الحقيقة، خصوصا وقد دب ~~الجنين في بطنها مبشرا بالأمومة المرموقة. ربما كمن التذمر ~~في أعماقها بيد أنها راضت نفسها على التسليم متأسية بأمها ~~تارة، وطورا بامرأة سيدها الكبير، ثم لم يخل الحال من ريبة ~~تختلج في صدرها بين حين وآخر عما يمكن أن يفعل زوجها في سهراته ~~الخمرية، وحدث أن أفضت إلى أمها بمخاوفها، بل لم تخف عنها ما لحق ~~بالرجل من فتور في عواطفه، ولكن الأم الحكيمة أفهمتها أن ذاك ~~الفتور ليس حتما نتيجة لما يقع في ms345 خاطرها، إنه «شيء طبيعي» وإن ~~الرجال جميعا لديه سواء، وأنها سوف تقتنع به بنفسها كلما تقدمت ~~بها تجارب العمر .. على أنه لو صدقت وساوسها فماذا تراها فاعلة؟ ... ~~هل ترضى بهجر بيتها؛ لأن زوجها يلم بغيرها من النساء؟ ... كلا، ~~وألف مرة كلا، لو تخلت امرأة عن مكانها لسبب كهذا لأقفرت ~~البيوت من الفضليات، والرجل قد يطمح طرفه إلى امرأة أو أخرى، ~~ولكنه يعود دائما إلى بيته ما دامت زوجه خليقة بأن تبقى عنده ~~المرجع الأخير والمأوى الثابت، والعاقبة للصابرات. ومضت تذكرها ~~بالمطلقات بلا ذنب واللائي يشركهن في أزواجهن أخريات، أليس طيش ~~زوجها - إن صح - خطبا أخف من سلوك أولئك؟! ثم إنه لم يجاوز ~~الثانية والعشرين من عمره، ومصيره يعقل فيثوب إلى بيته، ويشغل ~~بذريته عن الدنيا جميعا، ومعنى هذا أنه ينبغي لها الصبر، حتى لو ~~صدقت وساوسها فما بالها والوساوس لم تصدق؟! رددت المرأة هذا، وغيره ~~مما يجري مجراه، حتى سلس جماح الفتاة، وآمنت بالصبر، وراضت نفسها ~~عليه. بيد أن واقعة السطح قضت على كل ما وطنت النفس عليه ~~بضربة قاضية، فانهار البنيان جميعا كأن لم يكن. # ومع أن السيد لم يفطن إلى هذه الحقيقة المؤسفة، فظن الفتاة قد ~~امتثلت لنصيحته، إلا أن غضبته كانت أشد من أن تمر بسلام، وقد أحسنت ~~الجارية صنعا بفرارها، أما ياسين فلم يبرح السطح، لبث يفكر ~~منزعجا في العاصفة التي تتربص به، حتى ترامى إلى أذنيه صوت أبيه ~~وهو يناديه بنبرات كفرقعة السياط فدق قلبه، ولكنه لم يجب ولم ~~يستجب، وتسمر يائسا في مكانه، وما يدري إلا والرجل يقتحم عليه ~~السطح، ثم يقف مدمدما لحظات، وهو يتفحص المكان حتى يعثر على ~~شبحه، فيتجه إليه ويقف على كثب منه شابكا ذراعيه على صدره ~~مصوبا نحوه رأسا متصلبا متعجرفا، ملتزما الصمت ومطيله كي ~~يطيل له به العذاب والإرهاب، كأنما أراد بصمته أن يعبر له عما ~~يجد نحوه مما يعيي الألفاظ حمله، أو أنه أراد أن يرمز به إلى ما ~~كان يود أن يؤدبه به من مبرح الركل ms346 واللكم، فمنعه منه استواؤه ~~رجلا وزوجا، ثم لم يعد يستطيع مع الصمت صبرا، فانهال عليه سبا ~~وتعنيفا وهو ينتفض غضبا وهياجا: «أنت تتحداني تحت سمعي وبصري! ~~... فلتذهب أنت وخزيك إلى جهنم ... دنست بيتي يا وغد، هيهات أن ~~يتطهر هذا البيت ما دمت فيه ... كان لك قبل الزواج عذر واه، فأي ~~عذر لك الآن؟!» ... «لو أصاب كلامي حيوانا لأدبه، ولكنه ينصب ~~على حجر .. إن بيتا يضمك خليق بأن تستنزل عليه اللعنات» ... نفس ~~عن صدره المستعر بكلمات كالرصاص المنصهر، وياسين بين يديه ساكن ~~صامت خافض الرأس كأنه يوشك أن يذوب في الظلام، حتى أجهد الرجل ~~الزعق فولاه ظهره وغادر المكان وهو يلعنه ويلعن أباه وأمه، ومضى ~~إلى حجرته يفور بالغضب فورا. في ثورة الغضب رأى زلة ياسين ~~جريمة تستحق الإبادة، وفي ثورة الغضب لم يعد يذكر أن ماضيه كله ~~صورة مطولة متكررة من زلة ياسين، وأنه لا يزال دائبا على سلوكه، ~~وقد انتصف به العقد الخامس وشب أبناؤه، فصار منهم الأزواج ~~والزوجات. لا لأنه في ثورة الغضب ينسى حقا، ولكن لأنه يحل لنفسه ~~ما لا يحل لأحد من ذويه، له أن يفعل ما يشاء، وعليهم التزام ~~الحدود التي يريدهم على أن يلتزموها، فلعل غضبه على ما في ذنب ~~ياسين من «تحد» لإرادته، و«استهانة» بوجوده، و«تشويه» للصورة ~~التي يحب أن يتصوره بها أبناؤه، كان أضعاف غضبه على الذنب ~~نفسه، على أن غضبه - كما هي عادته - لم يستمر طويلا، ما لبث أن ~~خبا لظاه وخمد توقده، فعاوده الهدوء رويدا وإن شاب مظهره - ~~مظهره فقط - الوجوم والأسى، عند ذاك أمكنه أن ينظر إلى «جريمة» ~~ياسين من أكثر من زاوية واحدة، أمكنه أن يتأملها بعقل مستقر، ~~فانجلى له قتامها عن مواضع شتى ساخرة تسلى بها عن وحدته ~~الاضطرارية. أول ما ابتدر ذهنه أن يلتمس للمذنب عذرا، لا حبا في ~~التسامح؛ فإنه يكره التسامح في بيته، ولكن ليتخذ من ذاك العذر ~~المرجى «مبررا» لخروجه عن إرادته، كأنما يقول لنفسه: «إن ابني ~~لم يشق عصا الطاعة ... هيهات، ولكن ms347 عذره كيت وكيت» ... ولكن هل يلتمس ~~له العذر عند شبابه باعتباره عهد طيش ونزق؟ ... كلا، إن الشباب عذر ~~عن الذنب، وليس عذرا عن خروجه على إرادته، وإلا لجاز لفهمي بل ~~لكمال أن يتماديا في الاستهانة بتعاليمه، ليلتمس العذر إذن عند ~~رجولته، هذه الرجولة التي تحل له أن يستقل بنفسه عن إرادته، ولو ~~شيئا ما، وتعفيه هو - السيد - من تحمل مسئولية فعاله، كأنما ~~يقول لنفسه: «إنه لم يخرج على إرادتي، هيهات، ولكنه بلغ السن التي ~~لا يعد فيها ذنبه خروجا على إرادتي» ... وغني عن القول أنه يأبى أن ~~يعترف أمامه بهذا الحق، ولن يعفو عنه ولو تجاسر على المطالبة به، ~~بل إنه لا يعترف له به فيما بينه وبين نفسه إلا في حال الوقوع في ~~معصية تستوجب مبررا للخروج على إرادته، ولم ينس حتى في تلك ~~الحال أن يذكر نفسه - التماسا للمزيد من الطمأنينة - بأنه ~~أدبه تأديبا غليظا نادرا قل من يستبيحه من الآباء، فقوبل ~~بخضوع كامل قليل من يتحمله من الأبناء ... وعرج خاطره إلى زينب ~~متفكرا ولكنه لم يجد نحوها أي عطف، لقد واساها إكراما لأبيها ~~العزيز الحبيب، ولكنه لا يظن أن الفتاة جديرة بأبيها حقا. ما كان ~~يخلق بزوجة كريمة أن تفضح زوجها - مهما تكن الظروف - على النحو ~~الذي فضحت به ياسين! ... لشد ما أعولت! ... لشد ما صرخت! ... ماذا كان ~~يصنع هو - السيد - لو أن أمينة فجأته يوما بمثل هذا التصرف؟! ... ~~ولكن أين هي من أمينة؟! ... ثم كيف قصت عليه ما رأت دون حياء! ... ~~أف! ... أف! لو لم تكن هذه الفتاة كريمة محمد عفت لحق لياسين أن ~~يؤدبها، بل لما رضي هو أن تمر هذه الواقعة دون عقاب زاجر، لقد ~~أخطأ ياسين ولكنها أخطأت خطأ أكبر. ثم عاد إلى ياسين سريعا فراح ~~يفكر - بباطن مبتسم - في الطبيعة الواحدة التي تجمع بينهما، تلك ~~الطبيعة الموروثة عن الجد بلا ريب، ومن يدري لعلها تضطرم الآن في ~~صدر فهمي تحت قناع التهذيب والاستقامة، بل ألا يذكر كيف عاد يوما ~~إلى البيت على ms348 غير انتظار، فترامى إلى سمعه صوت كمال وهو يغني ~~«يا طير يا للي على الشجر»؟! ... تأخر لحظتذاك وراء الباب - لا ليتظاهر ~~بأنه وصل بعد انتهاء الغناء فحسب - ولكن ليتابع الصوت متذوقا ~~معدنه، سابرا طول نفسه، حتى إذا ما ختم الغلام النغمة صفق الباب ~~بقوة وهو يسعل، ومضى إلى الداخل طاويا صدره على ابتهاج لم يفطن ~~إليه أحد، كم يلذه أن يرى نفسه مترعرعة من جديد في حياة أبنائه ~~على الأقل في ساعات الهدوء والصفاء، ولكن رويدا ... إن لياسين طبيعة ~~خاصة به لا يشركه هو فيها، أو أنه لا تجمع بينهما طبيعة واحدة إذا ~~روعي المعنى الدقيق لهذه الكلمة، ياسين حيوان أعمى ... ينقض مرة على ~~أم حنفي، ويضبط أخرى مع نور، يتمرغ في التراب دون مبالاة، وما ~~هكذا هو! أجل إنه يدرك مقدار الضيق الذي ألم بياسين لاضطراره إلى ~~قضاء الليلة في شبه سجن، يدرك لأنه كابده هو أيضا كئيبا محزونا ~~كمن فقد عزيزا، ولكن هبه كان يتنزه في بستان السطح - كما فعل ~~الفتى - فصادف جارية - ولنفترض أنها تكون ملبية لذوقه - أكان يقدم ~~على المغامرة؟ ... كلا. مؤكد كلا، ولكن أي وازع كان يشكمه؟ ... ~~لعله المكان؟ الأسرة! ولعله العمر الرشيد. آه، لقد تضايق عند ورود ~~الوازع الأخير على ذهنه، وخيل إليه أنه يغبط ياسين على ريق ~~شبابه وجنون زلته معا! ... مهما يكن من أمر فالطبيعتان مختلفتان، ~~لم يكن السيد - كابنه - مغرما بالمرأة بلا قيد ولا شرط، امتازت ~~شهوته دائما بالرفاهية وحداها الانتخاب الرفيع، بل أثرت في ~~ميزاتها ميزات اجتماعية ضمت إلى الميزات الطبيعية المألوفة، كان ~~مغرما بالجمال الأنثوي في لحمه وتبختره وأناقته، فلم تخل جليلة ~~أو زبيدة أو أم مريم وعشرات غيرهن من ميزة أو أكثر من هذه الميزات، ~~وفضلا عن هذا كله فلم يكن مزاجه ليصفو ويطيب إلا بالمنظر البهيج، ~~وبالمجلس الأنيس، وما يتبعهما من شراب وسمر وغناء، فلا يكاد يمضي ~~طويل وقت على عشيقة جديدة حتى تفطن إلى هواه، فتهيئ له ما تهفو ~~إليه نفسه من جو عذب يعبق فيه ms349 الورود والبخور والمسك، وكما كان ~~يعشق الجمال مجردا كان يعشقه كذلك في هالاته الاجتماعية اللألاءة. ~~تجذبه المكانة المرموقة والصيت البعيد، ويلذ له أن ينوه خاصته ~~بعشقه ومعشوقاته، إلا فيما ندر من أحوال توجب التستر والكتمان ~~كحال أم مريم، على أن هذا الحب «الاجتماعي» لم يكن ليفرض عليه ~~تضحية بالجمال؛ فالجمال والصيت - في هذا المجال - يسيران جنبا ~~لجنب كالشيء وظله، وغالبا ما يكون الجمال اليد الساحرة التي ~~تشق السبيل إلى الصيت والمكانة المرموقة، وقد عشق أشهر عوالم ~~عصره، فلم تخيب إحداهن نزوعه إلى الجمال وولعه بالحسن. هذا ما ~~جعله يذكر نزوات ياسين بازدراء وهو يردد مستنكرا: «أم حنفي! ~~نور! ... يا له من حيوان.» إنه بريء من هذا الشذوذ، بيد أنه ليس في ~~حاجة إلى أن يتساءل طويلا عن مصدره، فإنه لم ينس بعد ذلك المرأة ~~التي أنجبت ياسين، فأودعته طبيعتها المولعة بالقذارة، إنه مسئول عن ~~قوة شهوته، أما هي فمسئولة عن نوع هذه الشهوة النزاعة إلى ~~الحضيض. وقد عاوده في الصباح التفكير «الجدي» في المسألة، فكاد ~~يدعو الزوجين إليه كي يصفي ما بينهما - وما بينه وبين كليهما - ~~من حساب، ولكن أرجأ ذلك إلى متسع من الوقت أنسب من الصباح، ولما ~~ساءل فهمي ياسين عما دعاه إلى التخلف عن المائدة، أجابه ~~مقتضبا: «شيء تافه سوف أحدثك عنه فيما بعد.» وظل فهمي جاهلا سر ~~غضب أبيه على أخيه، حتى علم باختفاء الجارية نور، فحدس الأمر كله. ~~شهد الصباح الأسرة على غير مألوفها، فقد غادر ياسين البيت مبكرا، ~~ولزمت زينب حجرتها، ثم غادر الرجال البيت واجفين متحاشين أن يرفعوا ~~بصرا صوب الجنود، والأم من وراء خصاص المشربية تدعو الله أن يقيهم ~~من كل سوء. ولم تشأ أمينة أن تقحم نفسها في «واقعة» السطح، فنزلت ~~إلى حجرة الفرن وانتظرت بين حين وآخر أن تلحق بها زينب كالعادة. ~~لم تكن تقرها على غضبتها لكرامتها، فعدتها تدليلا أثار ~~استياءها، وجعلت تتساءل: «كيف تدعي لنفسها من الحقوق ما لم ~~تدعه امرأة قط؟» # لا ريب أن ياسين قد أخطأ، ms350 فدنس البيت الطاهر، ولكنه أخطأ في حق ~~أبيه وحرمته لا في حقها هي ... ألست ملاكا بالقياس إلى هذه الفتاة؟! ~~... ولكن لما طال بها الانتظار لم تعد تستطيع تجاهلها، وأقنعت نفسها ~~بوجوب الذهاب إليها مواسية، فصعدت إلى شقتها ونادتها، ثم دخلت ~~الحجرة فلم تعثر لها على أثر، ومضت من حجرة إلى حجرة وهي تنادي ~~حتى فتشت البيت ركنا ركنا، ثم ضربت كفا بكف وهي تقول: ~~«رباه ... هل ارتضت زينب أن تهجر بيتها؟!» # 59 # لم تنج أمينة سحابة النهار من قلق، فإن احتمال تعرض الجنود ~~لأحد من رجالها في ذهابه أو إيابه لم يكد يفارق رأسها. وكان ~~فهمي أول العائدين، فتخففت لدى رؤيته من بعض آثار قلقها، ولكنها ~~رأته متجهما، فسألته: ماذا بك يا بني؟ # فهتف فهمي متأففا: أكره أن أرى هؤلاء الجنود. # فقالت المرأة بإشفاق: لا تبد لهم الكراهية، إن كنت تحبني لا ~~تفعل. # ولكنه لم يفعل بغير استعطافها، لم يتجاسر على أن يتحداهم ولو ~~بالنظر وهو يتلمس سبيله تحت رحمتهم، تحاشى أن ينحرف بصره إلى ~~أحدهم، ومضى إلى البيت متسائلا في سخرية عما كانوا يفعلونه لو ~~أنهم علموا بأنه راجع من مظاهرة اشتبكت مع جنودهم في شبه معركة، أو ~~أنه وزع في مطلع اليوم عشرات المنشورات التي تحرض على قتالهم. ~~جلس يستعرض ما لاقاه في يومه مستحضرا أقله كما وقع، وأكثره كما ~~كان يتمنى أن يكون. هكذا كان رأيه أن يعمل نهارا، وأن يحلم ~~مساء. تحدوه في الحالين أسمى العواطف وأفظعها، حب قومه من ناحية ~~والرغبة في التقتيل والإبادة من ناحية أخرى، أحلام يسكر بها وقتا ~~يطول أو يقصر، ثم يفيق منها على حسرة لاستحالتها وفتور لسخافة ~~تصوراتها، أحلام تنسج لحمتها وسداها من معارك يتقدم صفوفها كجان ~~دارك، واستيلاء على سلاح العدو، ثم الهجوم عليه، هزيمة الإنجليز، ~~خطبة خالدة في ميدان الأوبرا، اضطرار الإنجليز إلى إعلان استقلال ~~مصر، عودة سعد من المنفى ظافرا، لقاء بينه وبين الزعيم وكلمة ~~الزعيم، مريم بين شهود الافتتاح التاريخي. أجل كانت أحلامه تتوج ~~دائما بصورة ms351 مريم رغم انزوائها - طوال تلك الأيام - في ركن قصي ~~من قلبه الذي شغلته الشواغل كما ينزوي القمر وراء السحب إبان ~~العاصفة. وما يدري إلا وأمه تقول له وهي تشد المنديل حول رأسها في ~~ارتباك: ذهبت زينب إلى بيت أبيها غضبانة. # آه ... كاد ينسى ما ألم بأخيه وأسرته في الصباح، الآن تأكد ~~إليه ما حدسه حين علم باختفاء الجارية نور، وتحاشى عيني أمه ~~حياء أن تقرأ ما يدور بخلده، خصوصا وأنه أيقن باطلاعها على ~~جلية الأمر، ولم يستبعد أن تفطن إلى إدراكه له، أو في الأقل أن ~~ترجحه، فلم يدر ما يقول لا سيما أنه لم يعتد في محادثتها أن يبدي ~~خلاف ما يبطن، ولم يكن أبغض لديه من أن يقوم المكر مقام الصراحة ~~بينهما، فقنع بأن يتمتم قائلا: ربنا يصلح الحال. # لم تنبس أمينة بكلمة كأن اختفاء زينب من التفاهة بحيث تكفي جملة ~~إخبارية وأخرى دعائية في معالجته، وما لبث فهمي أن دارى ابتسامة ~~كادت تفضح تحفظه؛ إذ أدرك أن أمه تكابد مثل شعوره وأنها تعاني ~~ارتباكا لعجزها الفطري عن التمثيل، لم تكن تحسن الكذب، وحتى إذا ~~اضطرت إليه أحيانا كشفتها طبيعة لا تستقر على بساطتها الأقنعة، ~~على أن ارتباكهما لم يطل، فما هي إلا دقائق حتى رأيا ياسين مقبلا ~~نحوهما. خيل إليهما أنه يطالعهما بوجه لا يقدر المتاعب التي ~~تترصد في البيت، وإن لم يعلم بعد بمدى ما بلغته، ولم يدهش فهمي ~~لذلك كثيرا لما يعلمه من استهانته بالمتاعب التي تنوء بغيره من ~~الناس، ولكن الحقيقة أن ياسين غلبه شعور باهر بأنه اجتاز مغامرة ~~ظافرة أنسته إلى حين جل متاعبه. كان في طريقه إلى باب البيت حين ~~اعترض سبيله جندي، كأنما انشقت عنه الأرض، فارتعدت مفاصله وتوقع ~~شرا لا قبل له به، أو في الأقل إهانة جارحة على مرأى من أصحاب ~~الحوانيت والمارة، ولكنه لم يتردد في الدفاع عن نفسه، فقال ~~برقة وتودد مخاطبا الجندي كأنما يستأذنه في المرور: من فضلك ~~يا سيدي. # ولكن الجندي طلب عود ثقاب وهو ms352 يبتسم - أجل يبتسم - فذهل ياسين ~~لابتسامته، حتى استعصى عليه أن يفهم مراده حتى أعاده، لم يكن ~~يتصور أن جنديا إنجليزيا يبتسم على هذا النحو، أو - إذا كان ~~الجنود الإنجليز يبتسمون كسائر البشر - أن يبتسم له أحدهم فيما ~~يشبه الأدب، فاستخفه سرور أربكه، حتى لبث جامدا لحظات لا ~~يحير جوابا، ولا يبدي حراكا، ثم توثب بكل ما فيه من قوة ~~لأداء هذه الخدمة البسيطة لذاك الجندي العظيم المبتسم، ولما كان ~~غير مدخن فلا يحمل ثقابا، فقد بادر إلى الحاج درويش بائع الفول ~~وابتاع علبة ثقاب، وهرع إلى الجندي مادا له يده بها، فتناولها ~~الجندي وهو يقول: أشكرك. # لم يكن أفاق من أثر الابتسامة السحرية، فجاء الشكر كقدح البيرة ~~الذي يعل به من استوفى طاقته من الوسكي، ملأه الامتنان والزهو، ~~تورد وجهه المكتنز، وضحكت أساريره وكأن عبارة «ثانك يو»، نيشان ~~سام تقلده على الملأ، إلا أنها ضمنت له أن يذهب ويجيء أمام ~~المعسكر آمنا، وما كاد الرجل يبدي أول حركة للذهاب، حتى قال له ~~متوددا من أعماق فؤاده: حظ سعيد يا سيدي. # ومضى إلى البيت كالمترنح من الفرح. أي حظ سعيد ظفر به هو! ~~... إنجليزي - لا أسترالي ولا هندي - وابتسم له وشكره! ... إنجليزي أي ~~رجل يتمثل في خياله كأنموذج لكمال الجنس البشري، ربما أبغضه كما ~~يبغضه المصريون جميعا، ولكنه في قرارة نفسه يحترمه ويجله، حتى ~~ليخيل إليه كثيرا أنه من طينة غير طينة البشر، هذا الرجل ابتسم ~~له وشكره! .. وقد أجابه إجابات صحيحة مقلدا ما وسعته مرونة ~~شدقيه طريقة النطق الإنجليزية، فنجح نجاحا باهرا استحق عليه ~~الشكر ... كيف يصدق ما ينسب إليهم من الأعمال الوحشية؟! لماذا نفوا ~~سعد زغلول إذا كانوا على هذا الظرف كله؟! غير أن حماسه فتر بمجرد ~~أن وقع بصره على الست أمينة وفهمي، واستطاع أن يقرأ نظرتهما، ~~وسرعان ما اتصل ما كان انقطع من حين من حبل همومه، انتبه إلى أنه ~~يواجه مرة أخرى المشكلة التي هرب منها مع الصباح الباكر. تساءل ~~وهو يشير بأصبعه إلى فوق: لماذا ms353 لا تجلس معكما؟ ألا تزال ~~غضبانة؟ # فتبادلت أمينة مع فهمي نظرة، ثم تمتمت بارتباك: ذهبت إلى ~~أبيها. # فرفع حاجبيه دهشة أو انزعاجا، ثم سألها: لماذا تركتها ~~تذهب؟ # فقالت أمينة وهي تتنهد: تسللت دون أن يشعر بها أحد. # شعر بأنه يجب أن يقول قولا يرضي كرامته أمام أخيه وأمه، فقال ~~باستهانة: إلى حيث ... # وقرر فهمي أن يقاوم رغبته في اللواذ بالصمت كي يوهم أخاه بأنه ~~لم يطلع على سره؛ وبالتالي أن ينفي شبهة إذاعته هذا السر عن أمه، ~~فسأله ببساطة: ما الذي دعا إلى هذا النكد؟! # فحدجه ياسين بنظرة متفحصة، ثم لوح بيده الغليظة وهو يمط ~~بوزه كأنما يقول له: «ليس ثمة ما يدعو إلى النكد.» ثم قال: بنات ~~اليوم لم تعد بهن طاقة على حسن المعاشرة. # ثم ناظرا إلى ست أمينة: أين هن ستات الأمس؟! # نكست أمينة رأسها حياء في الظاهر، وفي الحق لتداري ابتسامة ~~لم تستطع مغالبتها حينما ربط ذهنها بين الصورة التي يتخذها ياسين ~~الآن، صورة المتأمل الواعظ المجني عليه، والصورة التي ضبط بها ~~مساء أمس فوق السطح. على أن انزعاج ياسين كان أعظم بكثير من القدر ~~الذي سمح له الموقف بأن يتظاهر به، فإنه على فداحة الخيبة التي ~~مني بها في حياته الزوجية لم يفكر لحظة في قطع هذه الحياة، وجد ~~فيها ملاذا مستقرا ورعاية إلى ما بشرت به من أبوة وشيكة ~~رحب بها أيما ترحيب، تمنى دائما أن تبقى وراء ظهره ليعود ~~إليها من شتى جولاته، كما يعود الرحالة في نهاية العام إلى وطنه، ~~ولم يغب عنه ما سيجره عليه ذهاب زوجته من نزاع جديد بينه ~~وبين أبيه وبين السيد عفت، إلى ما يلابس هذا كله من فضيحة ستفوح ~~رائحتها حتى تزكم الأنوف ... بنت الكلب! ... لشد ما كان مصمما ~~على أن يستدرجها إلى الاعتراف بأنها أخطأت خطأ أكبر من خطئه، بل ~~لعله اقتنع بذلك لدرجة تقرب من اليقين، فأقسم ليحملنها على ~~الاعتذار وليأخذن نفسه بتأديبها بمختلف الوسائل، ولكنها ذهبت ... ~~قلبت خططه رأسا على عقب ... وضعته في ms354 مأزق غير يسير. بنت الكلب! ... ~~وانتزع من تيار أفكاره على صوت صراخ يمزق الصمت المحيط ~~بالبيت، فالتفت صوب فهمي وأمه، فوجدهما يرهفان السمع باهتمام ~~وقلق، وتواصل الصراخ فأدركوا بسهولة أنه صادر عن امرأة، ولكن ~~تساءلت أعينهم عن الناحية التي يترامى منها، وعن سببه: أنعي ميت ~~أم عراك أم استغاثة؟ وراحت أمينة تستعيذ بالله من الشرور جميعا، ~~حتى قال فهمي: إنه قريب ... لعله في طريق بيتنا. # ونهض فجأة مقطبا جبينه وهو يتساءل: ألا يكون الإنجليز قد ~~هاجموا امرأة مارة بالطريق؟ # وهرع إلى المشربية والآخران في أثره، بيد أن الصراخ انقطع غير ~~تارك وراءه دليلا على الناحية التي ترامى منها، فرمى ثلاثتهم ~~بأنظارهم خلال الخصاص يتفحصون الطريق، فاستقرت على امرأة لفتت ~~الأنظار بوقفتها الغريبة وسط الطريق، وبمن أحاط بها من المارة ~~وأصحاب الحوانيت، على أنهم عرفوها لأول وهلة وهتفوا معا: أم ~~حنفي. # وتساءلت أمينة التي كانت أرسلتها لتعود بكمال من المدرسة: ما لي ~~لا أرى كمال معها؟! وماذا يوقفها هكذا كالجماد! كمال ... رباه ... أين ~~كمال؟ # ثم مدفوعة بشعور غريزي: هي التي كانت تصرخ ... عرفت الآن صوتها ... ~~أين كمال؟ ... أغيثوني. # لم ينبس فهمي ولا ياسين بكلمة. استغرقهما فحص الطريق عامة ~~والمعسكر الإنجليزي خاصة، حيث رأوا أنظار المتجمعين - وفي ~~مقدمتهم أم حنفي - تتجه، لم يكن ثمة شك لديهما في أن أم حنفي ~~هي التي صرخت، حتى جمعت الناس حولها، بل شعرا بالبداهة أنها كانت ~~تستغيث؛ لأن ثمة خطرا تهدد كمال، ثم تركزت مخاوفها في ~~الإنجليز، ولكن أي خطر هو؟ ... وأين كمال؟ ... ماذا حدث للغلام؟ إن ~~الأم لا تكف عن الاستغاثة بدورها، وهما لا يدريان كيف يسكنان ~~خاطرها، لعلهما في حاجة إلى من يسكن خاطرهما ... أين كمال؟ ... إن ~~الجنود ما بين جالس وواقف وماض لطيته، كل مشغول بشأنه كأن ~~شيئا لم يقع، وكأن أحدا من الناس لم يتجمع. وهتف ياسين بغتة ~~وهو يلكز فهمي في كتفه: ألا ترى هؤلاء الجنود الواقفين على هيئة ~~دائرة تحت سبيل بين القصرين؟ ... إن كمال يقف بينهم ... انظر. # فلم تملك ms355 الأم أن صرخت قائلة: كمال بين الجنود ... ها هو يا ربي ... ~~رباه ... أغيثوني. # أربعة جنود عمالقة وقفوا على هيئة دائرة متشابكي الأذرع، وقد ~~مرت عينا فهمي أكثر من مرة دون أن تعثرا على ضالتهما. في هذه ~~المرة لمح كمال واقفا وسط الدائرة كما لاح من فرجة انشقت عنها ~~ساقا الجندي الذي يوليهم ظهره، خيل إليه أنهم سيتقاذفونه بأرجلهم ~~كالكرة حتى يقضوا عليه، أنساه خوفه على أخيه نفسه، فاستدار قائلا ~~بنبرات مضطربة: سأذهب إليه مهما تكن العواقب. # ولكن يد ياسين قبضت على منكبه وهو يقول بصوت حازم «قف» ... ثم ~~خاطب الأم بصوت هادئ باسم قائلا: لا تخافي ... لو أنهم أرادوا أن ~~يصيبوه بسوء ما ترددوا ... انظري إليه ألا يبدو منهمكا في حديث ~~طويل؟! ثم ما هذا الشيء الأحمر الذي بيده؟! أراهن على أنها قطعة ~~من الشوكولاتة! ... هدئي روعك ... إنهم يتسلون به (ومتنهدا) شد ~~ما أفزعنا على لا شيء. # سكن روع ياسين، وما لبث أن تذكر مغامرته السعيدة مع الجندي، فلم ~~يستبعد أن يوجد له من زملائه نظائر في لطفه ورقته، ثم رأى أن ~~يدعم قوله ويثبته في فؤاد الأم الملتاع، فأشار إلى أم حنفي التي لم ~~تزل في موقفها قائلا: ألا تريان أن أم حنفي لم تكف عن الصراخ ~~إلا حين لم تجد داعيا له. ها هم الناس ينفضون من حولها تعلوهم ~~الطمأنينة. # فغمغمت أمينة بصوت مرتعش: لن يطمئن قلبي حتى يعود إلي. # وتركزت أعينهم في الغلام، أو فيما يلوح منه بين آونة وأخرى، ~~غير أن الجنود استردوا أذرعهم المتشابكة، وضموا سيقانهم ~~المنفرجة كأنما اطمأنوا إلى عدول كمال عن التفكير في الهرب، فبدا ~~الغلام بكامل هيئته، بدا باسما يتكلم كما استدلوا عليه من حركة ~~شفتيه، وإشارات يديه التي استعان بها على الإفصاح عن أفكاره، فدل ~~التفاهم بينه وبينهم على أنهم يستطيعون إلى حد ما استعمال اللغة ~~المصرية، ولكن ماذا يقول لهم أو ماذا يقولون له؟ ... هذا ما لم يستطع ~~أحد أن يخمنه، بيد أنهم ثابوا إلى رشدهم، حتى الأم نفسها ~~استطاعت ms356 أخيرا أن تشاهد المنظر العجيب الذي يمثل تحت ناظريها ~~بدهشة ممزوجة بقلق صامت دون عويل أو استغاثة، على حين جعل ~~ياسين يضحك قائلا: الظاهر أننا غالينا في التشاؤم حينما ظننا أن ~~احتلال هؤلاء الجنود لحينا سيكون مصدر متاعب لنا لا تنتهي. # ومع أن فهمي بدا ممتنا لسلوك الجنود مع كمال، إلا أنه لم يرتح ~~إلى ملاحظة ياسين، فقال دون أن تتحول عيناه عن الغلام: ربما اختلفت ~~معاملتهم للرجال أو النساء عن معاملتهم للأطفال. لا تغل في ~~تفاؤلك. # وكاد ياسين يندفع متحدثا عن مغامرته السعيدة، ولكنه أدرك ~~لسانه في اللحظة المناسبة، فأمسك تفاديا من إثارة أخيه، ثم قال ~~على سبيل الملاطفة والتودد: ربنا يخلصنا منهم على خير. # وتساءلت أمينة في لهفة: ألم يئن لهم أن يدعوه مشكورين؟ # ولكن بدا على دائرة كمال أن ثمة جديدا ينتظر، فقد تراجع أحد ~~الجنود الأربعة إلى خيمة قريبة، ثم عاد بعد قليل بكرسي خشبي ~~فوضعه أمام كمال، وما لبث الغلام أن وثب إلى الكرسي فوقف منتصب ~~القامة مشدود الذراعين إلى أسفل، كأنما ينتظمه طابور القسم ~~المخصوص، وقد انحدر طربوشه إلى قذاله - دون شعور منه في الغالب ~~- كاشفا عن مقدم رأسه الكبير البارز. ما خطبه؟ ماذا وراء هذه ~~الوقفة؟ لم يطل بأحد التساؤل إذ سرعان ما علا صوته الرفيع وهو ~~ينشد: # يا عزيز عيني # بدي أروح بلدي # يا عزيز عيني # السلطة خدت ولدي # غناها مقطعا مقطعا بصوته اللطيف والجنود يتطلعون إليه، ~~فاغري الأفواه ضاحكي الأسارير تلاحق أكفهم ترديده بالتصفيق، وكان ~~أحدهم قد تأثر بما أدركه من بعض معاني الأغنية، فراح يهتف: ~~«أروح بلدي ... أروح بلدي» ... فتشجع كمال بما حظي من سرور ~~سامعيه وأقبل يجود من إنشاده، ويحسن من ترنمه، ويعلي من صوته، ~~حتى ختمت الأغنية بين التصفيق والاستحسان الذي شاركت فيه الأسرة من ~~وراء الخصاص بقلوب ملؤها السرور والإشفاق. أجل شاركت الأسرة في ~~الاستحسان بعد أن شاركت - بقلوبها أيضا - في الغناء، تتبعوه ~~بإشفاق وقلق، دعوا له بالسلامة والإجادة، خافوا عليه الزلل أو ~~النشاز كأنما يغني بالإنابة ms357 عنهم جميعا، أو كأنما هم الذين يغنون ~~من حنجرته، وكأن كرامتهم - أفرادا ومجموعة - أمست متعلقة بنجاح ~~الغناء، نسيت أمينة في لجة هذا الشعور مخاوفها، حتى فهمي لم يكن ~~يفكر في أثناء ذلك إلا في الغناء، وما يرجو له من نجاح، فلما انتهى ~~بخير تنهدوا من الأعماق، وودوا أن يبادر كمال إلى العودة قبل أن ~~يطرأ طارئ يفسد عليهم مسك هذا الختام. والظاهر أن الحفلة آذنت ~~بانتهاء فقد قفز كمال إلى الأرض، فسلم على الجنود فردا فردا، ~~ورفع يده محييا، ثم انطلق يعدو صوب البيت، فهرولت الأسرة من ~~المشربية إلى الصالة لتكون في استقباله. أقبل عليها لاهثا مورد ~~الوجه، مبتل الجبين، تنطق عيناه وأساريره وحركات أعضائه المرسلة ~~بلا اتزان أو غاية بالفرح والفوز. أترع قلبه الصغير سعادة ~~غامرة، ما كان بوسعه إلا أن يعلن عنها بكل سبيل، ويدعو الآخرين إلى ~~الاشتراك فيها كالفيضان الزاخر يضيق عنه النهر، فيغمر الحقول ~~والوديان، وكانت نظرة واحدة تلقى بروية كافية لأن تريه مغامرته ~~معكوسة على صفحات الوجوه ... ولكن الفرح أعماه فهتف بهم: عندي خبر لن ~~تصدقوه ولن تتصوروه. # فقهقه ياسين متسائلا في سخرية: أي خبر يا عزيز عيني؟! # كشفت هذه الجملة الغشاوة عن عينيه كأنها نور شعشع فجأة في ~~الظلام، فرأى الوجوه على ضوئها مفصحة ناطقة، بيد أن علمه برؤيتهم ~~لمغامرته عوضه عما ضاع من فرصة إدهاشهم بحديثه العجيب، فأغرق ~~في الضحك وهو يضرب ركبتيه بكفيه، ثم قال وهو يغالب الضحك: ~~أرأيتموني حقا؟! # عند ذاك جاء صوت أم حنفي وهي تقول بنبرات متشكية: كان الأفضل ~~أن يروا تعاستي! ... علام هذا الفرح كله بعد أن سيبت مفاصلي؟ ... ~~حادثة أخرى كهذه والله يرحمني. # لم تكن خلعت ملاءتها كزكيبة فحم منتفخة، يعلو وجهها الشحوب ~~والإعياء، وتلوح في عينيها نظرة استسلام غريبة، فسألتها أمينة: ~~ماذا حدث؟ ... ماذا دعاك إلى الصراخ؟ ... لقد لطف الله بنا فلم نشهد ~~شيئا مفزعا. # فأسندت أم حنفي ظهرها إلى ضلفة الباب، وأخذت تقول: حدث ما لن ~~أنساه يا ستي ... كنا عائدين وإذا بشيطان من هؤلاء ms358 الجنود يقفز ~~أمامنا، ويشير إلى سيدي كمال ليذهب إليه، ففزع سيدي وجرى إلى درب ~~قرمز، ولكن جنديا آخر اعترض سبيله، فانحرف إلى بين القصرين وهو ~~يصرخ، فغاص قلبي من الخوف، وجعلت أستغيث بأعلى صوتي، وعيناي لا ~~تفارقانه وهو يجري من جندي إلى جندي حتى أحاطوا به ... كدت أموت من ~~شدة الخوف وزاغ بصري، فلم أعد أرى شيئا، وما أدري إلا والناس قد ~~اجتمعوا حولي، ولكني لم أكف عن الصراخ، حتى قال لي عم حسنين ~~الحلاق: «ربنا يكفيه شر أولاد الحرام. وحدي الله .. إنهم يلاطفونه ~~...» آه يا ستي لقد حضرنا سيدنا الحسين ودفع عنا الشر. # فقال كمال معترضا: لم أصرخ أبدا. # فضربت أم حنفي صدرها بكفها قائلة: لقد ثقب صراخك أذني حتى ~~جننتني. # فقال بصوت منخفض كالمعتذر: ظننتهم يريدون قتلي، ولكن أحدهم جعل ~~يصفر لي ويربت كتفي، ثم أعطاني (وهنا جس جيبه) شوكولاتة، فذهب عني ~~الخوف ... # زايل أمينة السرور، لعله كان سرورا زائفا متعجلا، الحقيقة ~~التي يجب ألا تغيب عنها هي أن الفزع ركب كمال دقائق، وأنه يجب أن ~~تدعو ربها طويلا كي ينجيه من عواقبه، لم تكن ترى في الفزع مجرد ~~شعور عابر، كلا ... إنه شعور شاذ تكتنفه هالة غامضة تأوي إليها ~~العفاريت، كما تأوي الخفافيش إلى الظلام، فإذا أحاط بشخص - خصوصا ~~الصغار - مسه بضر سيئ العاقبة؛ لذلك فهو يستوجب في نظرها ~~مزيدا من العناية والحيطة، تلاوة من القرآن كانت أم بخورا أم ~~حجابا، قالت بحزن: أفزعوك! قاتلهم الله. # وقرأ ياسين ما يدور في خاطرها ... فقال مداعبا: الشوكولاتة رقية ~~ناجعة للفزع ... (ومخاطبا كمال) هل دار الحديث بالعربي؟ # رحب كمال بالسؤال؛ لأنه فتح له مرة أخرى أبواب الخيال ~~والمغامرة، منتشلا إياه من مضايقات الواقع، فقال وقد استعادت ~~أساريره انبساطها: كلموني بعربي غريب! ... ليتك سمعته بنفسك. # وراح يحاكي طريقتهم في الكلام حتى ضحك الجميع، حتى أمه ابتسمت ... ~~فعاد ياسين يسأله وكان يغبطه: ماذا قالوا لك؟ ~~- كلاما كثيرا! ... ما اسمك؟ أين بيتك؟ أتحب الإنجليز؟! # فهمي ساخرا: وبم أجبتهم على هذا السؤال الفريد؟! # فرمق ms359 أخاه كالمتردد ... ولكن ياسين أجاب عنه قائلا: طبعا قال ~~إنه يحبهم ... ماذا كنت تريد أن يقول؟ # على أن كمال استطرد يقول متحمسا: ولكني قلت لهم أيضا أن ~~يعيدوا سعد باشا. # فلم يتمالك فهمي أن ضحك عاليا ... وسأله: حقا! وماذا قالوا ~~لك؟ # فقال كمال مستردا ارتياحه بضحك أخيه: أمسك أحدهم بأذني، وقال ~~لي: «سعد باشا نو ...» # فعاد ياسين يتساءل: وماذا قالوا أيضا؟ # فقال كمال ببراءة: سألوني ... ألا يوجد بنات في بيتنا؟ # فتبودلت نظرة جدية بينهم لأول مرة منذ قدم كمال، ثم سأله فهمي ~~باهتمام: وماذا قلت لهم؟ ~~- قلت لهم إن أبلة عائشة وأبلة خديجة تزوجتا، ولكنهم لم يفهموا ~~كلامي، فقلت ليس في البيت إلا نينة، فسألوني عن معنى نينة، ~~فقلت! # رمى فهمي أخاه ياسين بنظرة كأنما يقول: «أرأيت كيف أن سوء ظني ~~في محله!» ثم ساخرا: لم يعطوه الشوكولاتة لوجه الله. # فابتسم ياسين ابتسامة باهتة، وغمغم قائلا: ليس ثمة ما يدعو ~~إلى القلق. # وأبى أن يترك هذه السحابة تغشى مجلسهم، فسأل كمال: وكيف دعوك إلى ~~الغناء؟ # فقال كمال ضاحكا: في أثناء الحديث انطلق أحدهم يغني بصوت ~~منخفض، فاستأذنتهم في أن أسمعهم صوتي ... # فقهقه ياسين قائلا: يا لك من فتى جريء! ... ألم يعاودك الخوف ~~وأنت بين أرجلهم؟ # فقال كمال في مباهاة: أبدا ... (ثم بتأثر) ما أجملهم! ... لم أر ~~أجمل منهم من قبل. عيون زرق ... وشعر من ذهب ... وبشرة ناصعة البياض ... ~~كأنهم أبلة عائشة! # وجرى فجأة إلى حجرة المذاكرة ورفع رأسه إلى صورة لسعد زغلول ~~ثبتت في الجدار إلى جانب صورة الخديو ومصطفى كامل ومحمد فريد ... ثم ~~عاد وهو يقول: إنهم أجمل من سعد باشا كثيرا. # فهز فهمي رأسه كالآسف وقال: يا لك من خائن ...! اشتروك بقطعة ~~من الشوكولاتة ... لست صغيرا ليغفر لك هذا القول، من مدرستك من ~~يستشهد كل يوم، خيبة الله عليك. # وكانت أم حنفي قد أحضرت الموقد والكنجة والفناجين وعلبة البن ... ~~وأخذت أمينة تهيئ القهوة للجلسة التقليدية، عاد كل شيء إلى أصله ~~إلا ياسين فقد عاود التفكير في زوجه الغاضبة، ms360 على حين انتحى كمال ~~جانبا وأخرج الشوكولاتة من جيبه، وراح ينزع عنها الغلاف المورد ~~اللامع، بدا أن تعنيف فهمي ضاع في الهواء؛ إذ لم يكن في قلبه ~~وقتذاك إلا الرضا والحب. # 60 # تعقدت مشكلة ياسين الزوجية، فبلغت درجة من الخطورة لم ~~يتوقعها أحد، وما يدري السيد أحمد إلا ومحمد عفت قادم عليه في ~~الدكان في اليوم التالي لالتجاء زينب إلى بيته. ثم قال قبل أن ~~يسترد يده التي شد عليها السيد بالسلام: يا سيد أحمد ... جئتك برجاء ~~... يجب أن تطلق زينب اليوم قبل الغد إن أمكن. # بهت السيد، أجل قد ساءه سلوك ياسين أكبر إساءة، ولكنه لم يتصور ~~أن يبعث رجلا فاضلا كالسيد محمد عفت إلى المطالبة بالطلاق، لم ~~يتصور أن تدعو هذه «الهفوات» إلى الطلاق مطلقا، بل لم يجر له ~~على بال أن تجيء المطالبة بالطلاق من ناحية الزوجة أبدا، فخيل ~~إليه أن الدنيا انقلبت رأسا على عقب، وأبى أن يصدق أن محدثه ~~جاد في طلبه، فقال بلهجته اللطيفة التي طالما استأسرت قلوب ~~أصدقائه: ليت الإخوان كانوا معنا ليشهدوا عليك وأنت تقذفني بهذه ~~اللهجة القاسية! ... أصغ إلي ... باسم صداقتنا أمنعك من أن تجري ~~للطلاق ذكرا على لسانك. # ثم تفرس في وجهه ليسبر أثر كلامه فيه، ولكنه وجده متجهما ~~كالحا ينذر بالشر والتصميم، فبدأ يستشعر الخطورة والتشاؤم ... دعاه ~~إلى الجلوس فجلس، وما تزداد صورته إلا ظلاما، وإنه يعرفه حق ~~المعرفة، عنيد شديد المراس إذا ركبه الغضب كفر بالمودة والمجاملة، ~~فتمزقت على سنان حدته أسباب القربى والعطف جميعا، قال السيد: ~~وحد الله ... ولنتحدث في هدوء. # فقال محمد عفت وكأنه يقبس لهجته من نار الغضب الذي توهج به ~~خداه: صداقتنا في حرز، فلندعها جانبا ... ابنك ياسين لا يعاشر، ~~تحققت من هذا بعد أن عرفت كل شيء، كم تصبرت المسكينة! ... حضنت ~~همومها طويلا، أخفت عني كل شيء، ثم بثتها جملة حين تصدع صدرها ... ~~يسهر طول الليل ويعود مع الفجر وهو يتلاطم مع الجدران سكرا، ~~أهانها ولفظها، ثم ماذا كانت عقبى صبرها الطويل؟! أن ms361 تضبطه في ~~بيتها مع خادمتها! (وبصق على الأرض) ... جارية سوداء! ... بنتي لم ~~تخلق لهذا ... كلا ورب السموات، أنت أعرف الناس بمنزلتها عندي، ~~كلا ... ورب السموات، لا كنت محمد عفت إذا سكت على هذا. # قصة معادة، ولكن ثمة جديدا صدمه حتى زلزله هو قوله إن ياسين ~~«يعود مع الفجر وهو يتلاطم مع الجدران سكرا!» ... أعرف طريق ~~الحانة أيضا؟! ... متى؟ ... كيف! ... آه ليس في الوقت متسع للتفكير أو ~~الانزعاج، ليخفف انفعاله كله. الساعة تتطلب هدوءا وضبطا ~~للنفس، يجب أن يملك الموقف ليتفادى استفحال الشر ... قال بنبرات ~~أسيفة: إن ما يحزنك يحزنني أضعافا، ومن سوء الحظ أن سوءة من ~~السوءات التي حدثتني عنها لم تتصل لي بعلم أو تجر لي على بال، ~~اللهم إلا الحادثة الأخيرة وقد أدبته عليها تأديبا لا يستبيحه ~~لنفسه أب غيري، ما عسى أن أصنع؟ ... لقد أخذته بالتأديب العنيف منذ ~~كان صبيا، ولكن وراء إرادتنا دنيا وشياطين تهزأ من تصميمنا، ~~وتفسد علينا نوايانا الطيبة. # قال محمد عفت وهو يتحاشى عيني السيد بالنظر إلى المكتب: لم أجئ ~~لأوجه إليك لوما أو أحملك تقصيرا، أنت كأب مثال يحتذى ولا ~~يجارى ... ولكن هذا لن يغير من الحقيقة المحزنة، وهي أن ياسين كان ~~غير ما أردت له أن يكون، وأنه بحالته الراهنة لا يصلح للحياة ~~الزوجية. # فقال السيد في عتاب: رويدك يا سيد محمد! # فقال الرجل مستدركا ولكن مصمما على رأيه: على أي حال لن يصلح ~~زوجا لابنتي، سيجد من تقبله على علاته ولكن غيرها، لم تخلق ~~ابنتي لهذا ... أنت أدرى الناس بمنزلتها عندي. # أدنى السيد رأسه من رأس الرجل، وقال بصوت منخفض ... وكأنما يداري ~~ابتسامة: ليس ياسين بين الأزواج بنادرة، فكم منهم من يسكر ويعربد ~~ويعمل البدع! # فقطب محمد عفت لينفي عن نفسه شبهة الاستجابة لهذا الكلام الموحي ~~بالدعابة ... وقال بجفاء: إن كنت تشير إلى جماعتنا أو إلي أنا ~~خاصة، فالحق أني أسكر وأعربد، وأعشق، ولكني ... بل نحن جميعا، لا ~~نوحل في القاذورات! ... جارية سوداء! ... أهذه التي قضي على ابنتي بأن ~~تتخذها ms362 ضرة؟! ... كلا ... كلا ورب السموات ... لن تكون له ولن يكون ~~لها. # أدرك السيد أحمد أن محمد عفت - ربما كابنته سواء بسواء - مستعد ~~لأن يعفو عن أمور كثيرة، إلا أن يخلط ياسين بين كريمته وبين ~~جاريتها السوداء، إنه يعرفه تركيا في عناد البغل، ثم ورد على ~~ذهنه قول صديقه إبراهيم الفار يوم كاشفه بنيته في خطبة زينب ~~لابنه ياسين، فقد قال له: «أصيلة بنت أصيل، محمد أخونا وحبيبنا، ~~ابنته ابنتنا، ولكن هل فكرت رويدا في منزلة الفتاة من نفس أبيها ... ~~هل فكرت في أن محمد عفت لا يتسامح من ذرة غبار إذا مست لها ~~ظفرا؟!» ... لكنه رغم هذا كله تعذر عليه أن يقيس الأمور بغير ~~مقياسه، وكان يفاخر دائما بأن محمد عفت على فظاعة غضبه إذا غضب، ~~لم يحتد عليه ولو مرة واحدة طوال معاشرتهما المديدة! ... قال ~~متسائلا: رويدك، ألا ترى أن مبادئنا واحدة وإن اختلفت التفاصيل؟ ~~جارية سوداء أو عالمة ... أليست كلتاهما امرأة؟! # فانتفخت أوداج محمد عفت وضرب حافة المكتب بقبضته ... وانفجر ~~قائلا: أنت لا تعني ما تقول! الخادمة خادمة والسيدة سيدة، لماذا ~~لا تعشق الخادمات إذن؟! لم يشابه ياسين أباه، إني آسف لكون ابنتي ~~حبلى، كم أكره أن يكون لي حفيد تجري في دمه القذارة! # وخزته الجملة الأخيرة فغضب، ولكنه استطاع أن يغلق قلبه على غضبه ~~بقوة حلمه الذي يحبو به أصدقاءه وأحبابه، حلم بين الأصدقاء لا ~~يعادله في قوته إلا غضبه بين آله ... ثم قال بهدوء: أقترح عليك أن ~~تؤجل الحديث إلى وقت آخر. # فقال محمد عفت محتدا: أرجو أن تحقق رجائي الساعة! # آه ... لقد بلغ به الامتعاض حدا لم يكن الطلاق نفسه معه بالحل ~~المستكره، ولكنه كان يشفق على صداقة العمر من ناحية، وتعز عليه ~~الهزيمة من ناحية أخرى، أليس هو الرجل الذي يتشفع به الناس ~~ليفض الخصومات وليصل ما انقطع من المودات والزيجات؟! ... فكيف ~~تحل به الهزيمة وهو يدافع عن ابنه فيرضى بحكم الطلاق؟! ... أين ~~حلمه؟ ... أين كياسته؟ ... أين لباقته؟ ~~- لقد أصهرت إليك لأوثق أسباب الصداقة ms363 بيننا ... فكيف أقبل أن ~~أعرضها للوهن؟ # فقال الرجل بإنكار: صداقتنا في حرز! ... لسنا أطفالا، ولكن كرامتي ~~لا يمكن أن تمس. # فقال السيد برقة: ماذا عسى أن يقول الناس عن زيجة انقطعت ~~ولما تتم عامها الأول؟ # فقال محمد عفت بعجرفة: لن يرجع عاقل العيب إلى ابنتي. # آه ... مرة أخرى! ... ولكنه تلقاها بنفس الحلم، بدا وكأن استياءه ~~لعجزه عن التوفيق قد غطى استياءه من تهور الرجل الغاضب، فلم ~~يهتم بالرصاص المنطلق عليه اهتمامه بتبرير إخفاقه ... راح يعزي ~~نفسه بأن الطلاق بيده هو وحده، إذا شاء منحه وإذا شاء منعه، محمد ~~عفت يعلم ذلك حق العلم؛ لذلك جاء يستوهبه إياه باسم الصداقة التي ~~لا شفيع له غيرها، فإذا قال لا فلا راد لكلمته، وسترجع الفتاة ~~إلى ابنه طوعا أو كرها ... ولكن تمسي الصداقة القديمة في خبر كان، ~~أما إذا قال نعم فسيقع الطلاق، ولكن تصان الصداقة ويعترف له ~~بالجميل، وليس من العسير أن يتذرع بكل أولئك في المستقبل لوصل ما ~~انقطع، وإذن فالطلاق وإن يكن هزيمة إلا أنه هزيمة مؤقتة تتضمن ~~تسامحا ونبلا غير منكورين، وقد تنقلب فوزا بعد حين. وما إن ~~اطمأن إلى سلامة موقفه ولو بعض الشيء، حتى شعر بالرغبة في ~~معاتبته على ما فرط في حقه ... فقال بلهجة ذات معنى: لن يكون ~~الطلاق إلا بموافقتي ... أليس كذلك؟ ... بيد أنني لن أنبذ رجاءك ما ~~دمت مصرا عليه، إكراما لك، إكراما للصداقة التي لم ترع لها ~~حقا في مخاطبتي. # فتنهد محمد عفت ... إما ارتياحا للنهاية المنشودة أو احتجاجا ~~على عتاب صديقه أو للاثنين معا، ثم قال بلهجة قاطعة خلت من ~~حدة الغضب لأول مرة: قلت ألف مرة إن صداقتنا في حرز! ... إنك لم ~~تسئ إلي قط، على العكس من ذلك فإنك تكرمني بتحقيق رجائي وإن ~~كرهته. # فردد السيد قوله محزونا: نعم ... وإن كرهته. # ثار حنقه حالما غاب الرجل عن ناظريه. انفجر الغيظ المكبوت، ~~فالتهم نفسه ومحمد عفت وياسين، ياسين خاصة، ثم تساءل: ترى هل يمكن ~~أن تبقى الصداقة في حرز حقا فلا ms364 يصيبها رشاش الحوادث المتوقعة؟ ~~... آه، لم يكن ليضن بنفيس في سبيل صون حياته عن مثل هذه الهزة ~~القاسية ... لكنه العناد التركي، لكنه الشيطان، بل لكنه ياسين، أجل ~~ياسين دون غيره ... قال له بغضب وازدراء: كدرت صفو ود لم تكن ~~الأيام لتكدره ولو اجتمعت له. # ثم قال له بعد أن أعاد على مسمعيه حديث محمد عفت : خيبت أملي ~~فيك فحسبي الله ونعم الوكيل، ربيتك وأدبتك ورعيتك ... ثم انجلى ~~تعبي كله عن ماذا؟ ... سكير صعلوك تسول له نفسه الاعتداء على ~~أحقر الخادمات في بيت الزوجية، لا حول ولا قوة إلا بالله، ما كنت ~~أتصور أن يخرج من حضانتي ابن على هذه الصورة، فالأمر لله من قبل ~~ومن بعد، ما عسى أن أصنع بك؟ ... لو كنت قاصرا لكسرت دماغك، ولكن ~~لتكسرنها الأيام، ها أنت تنال جزاءك الحق، فتتبرأ منك الأسرة ~~الكريمة وتبيعك بأبخس الأثمان! # لعله وجد نحوه بعض الرثاء، بيد أن سخطه غلب، ثم استحال شعوره ~~كله ازدراء، لم يعد يملأ عينيه رغم فتوته وجماله وضخامته، يوحل ~~في القذارة كما قال محمد عفت قاتله الله، ويعجز عن كبح جماح امرأة، ~~ما أصغره، سرعان ما لحقت به الهزيمة التي لم ينج هو نفسه من ~~هوانها من جراء طيشه. ما أحقره، ليسكر ويعربد وليعشق تحت شرط أن ~~يظل السيد المطاع، أما أن ينهزم على تلك الصورة المخزية فما أحقره، ~~لم يشابه أباه كما قال أيضا محمد عفت قاتله الله، إني أفعل ما ~~أشاء ولكني أظل السيد أحمد وكفى، حكمة رائعة تلك التي ألهمتني أن ~~أنشئ الأولاد على مثال فريد للاستقامة والطهارة، فإنه لمما يشق أن ~~ينهجوا نهجي ويحظوا في نفس الوقت بالكرامة والاستقرار، ولكن وا ~~أسفاه ضاع جهدي هباء مع ابن هنية! ~~- وهل وافقت يا أبي؟ # تردد صوت ياسين كالحشرجة ... فأجابه بخشونة قائلا: نعم، إبقاء ~~على صداقة قديمة، ولأنه أوفق حل في الوقت الحاضر على ~~الأقل. # جعلت يد ياسين تنقبض وتنبسط في حركة آلية عصبية، كأنما كانت ~~تشفط الدم من وجهه حتى انقلب شديد الشحوب، ms365 شعر بهوان لم يشعر ~~بمثله إلا فيما كابد من سلوك أمه، حموه يطالب بالطلاق! ... أو بمعنى ~~آخر زينب تطالب بالطلاق، أو على الأقل توافق عليه! ... أيهما الرجل ~~وأيتهما المرأة؟! ليس عجيبا أن ينبذ الإنسان حذاء أما أن ينبذ ~~حذاء صاحبه! كيف رضي أبوه له بهذا الخزي الذي لم يسمع بمثله من ~~قبل؟! ... حدج أباه بنظرة حادة وإن عكست ما يعتلج في صدره من ~~أنات الاستغاثة، ثم قال بلهجة حرص الحرص كله على أن ينقيها من ~~أي أثر للاحتجاج أو الاعتراض، كأنما يريد بها أن يذكره بما عسى ~~أن يكون أنسب: ثمة طريقة لمعالجة الزوج الناشز. # شعر السيد بشعور ابنه فأدركه التأثر؛ ولذلك لم يبخل عليه ببعض ~~ما يدور في نفسه ... فقال له: أعلم ذلك ... ولكني اخترت أن نكون من ~~الكرماء. محمد عفت عقل تركي حجري، ولكن قلبه من ذهب، هذه الخطوة ~~ليست الأخيرة، ليست النهاية، لم أغفل مصلحتك وإن كنت لا تستأهل ~~خيرا، دعني أتصرف كما أشاء. # كما تشاء! ... من ذا يرد لك مشيئة؟! تزوجني وتطلقني ... ~~تحييني وتميتني، لست هنا، خديجة عائشة فهمي ياسين ... الكل واحد، ~~الكل لا شيء، أنت كل شيء ... كلا ... لكل شيء حد، لم أعد طفلا، رجلا ~~مثلك سواء بسواء، أنا الذي أقرر مصيري، أطلق أو أودعها بيت ~~الطاعة، تراب حذائي بمحمد عفت وزينب وصداقتكما. ~~- ما لك لا تتكلم؟ # فقال دون تردد: أمرك يا أبي ... # أي عيشة وأي بيت وأي أب، زجر وتأديب ونصائح، ازجر نفسك ... أدب ~~نفسك ... انصح نفسك، أنسيت زبيدة؟ ... وجليلة؟ ... والغناء والشراب؟ ثم ~~تطالعنا بعمامة شيخ الإسلام وسيف أمير المؤمنين، لم أعد طفلا، ~~اعتن بالقصر ودعني وشأني، تزوج ... أمرك يا افندم ... طلق ... ~~أمرك يا افندم ... ملعون أبوك. # 61 # خفت حدة المظاهرات شيئا ما في حي الحسين بعد احتلال الجنود ~~الإنجليز له، فأمكن للسيد أحمد أن يستأنف ممارسة عادة قديمة انقطع ~~عنها مضطرا إلى حين، أمكنه أن يصطحب أبناءه إلى مسجد الحسين ~~لتأدية صلاة الجمعة ... عادة قديمة دأب عليها منذ عهد بعيد ... كان ~~يدعو ابنه ms366 إليها حالما يبلغ صباه؛ ليوجه قلبه إلى العبادة ~~مبكرا، مستوهبا من ورائها البركة لنفسه ولأبنائه وللأسرة ~~جميعا. ربما كانت أمينة وحدها التي لا ترتاح إلى تحرك القافلة ~~في نهاية كل أسبوع حاملة رجالها، ثلاثة رجال كالجمال طولا وعرضا ~~إلى فتوتهم وإشراقهم، كانت تتبعهم ناظريها من خصاص المشربية، ~~فيخيل إليها أنهم ملتقى الأنظار، فتجزع وتدعو الله أن يقيهم شر ~~العين، وما ملكت يوما أن أفضت بمخاوفها إلى السيد، فبدا وكأنه ~~تأثر لتحذيرها حينا، بيد أنه لم يستسلم للخوف طويلا وقال ~~لها: «إن بركة الفريضة التي نذهب لتأديتها حقيقة بأن تحفظنا من كل ~~شر.» # وكان فهمي يلبي دعوة الجمعة ببشاشة قلب أولع بتأدية الفرائض ~~منذ الصغر، مطيعا في ذلك - قبل إرادة أبيه - عاطفة دينية صادقة. ~~تمتاز إلى صدقها بقدر من الاستنارة لا بأس به، استمده مما ~~اطلع عليه من آراء محمد عبده وتلاميذه ... لذلك كان الوحيد في ~~الأسرة الذي يقف من إيمانها بالتعاويذ والرقى والأحجبة وكرامات ~~الأولياء موقف المتشكك، وإن أبت عليه دماثة خلقه أن يجهر ~~بتشككه أو يعلن استهانته، بل كان يتقبل حجاب الشيخ متولي عبد ~~الصمد الذي يجيء به أبوه بين حين وآخر برضا ظاهري. أما ياسين ~~فكان يلبي دعوة أبيه؛ لأنه لم يكن من تلبيتها بد، لعله لو ترك ~~لشأنه ما فكر يوما في أن يدس جسمه الضخم في زحمة المصلين، لا ~~عن تزعزع في العقيدة، ولكن استهانة وتكاسلا ... لذا كان ليوم ~~الجمعة عنده هم يكابده مع مطلع الصباح، فإن حان وقت الذهاب إلى ~~الجامع ارتدى بدلته في شيء من التذمر، ثم يسير وراء أبيه ~~كالأسير، ولكن كلما اقترب من الجامع خطوة تخفف من تذمره ~~رويدا، حتى يدخل الجامع منشرح الصدر، فيؤدي الصلاة ويدعو الله أن ~~يغفر له ويعفو عن ذنوبه، دون أن يسأله التوبة كأنما يشفق في ~~أعماقه أن يستجاب دعاؤه، فينقلب زاهدا في اللذات التي يحبها ~~حبا لا يرى للحياة بدونه معنى. كان يعلم علم اليقين أن التوبة ~~واجبة، وأن مغفرة لن تكتب له بدونها، ولكنه كان ms367 يرجو أن تجيء في ~~الوقت «المناسب» حتى لا يخسر الدارين؛ ولذا كان على تكاسله ~~وتذمره يحمد في النهاية الظروف التي تدفعه إلى تأدية فريضة ~~هامة كفريضة الجمعة يمكن - عند الحساب - أن تمحو بعضا من ~~سيئاته وتخفف من أوزاره، خصوصا وأنه لا يكاد يؤدي غيرها ~~فريضة. # أما كمال فلم توجه إليه الدعوة إلا حديثا، مذ جاوز العاشرة ، ~~فنهض إلى تلبيتها في زهو وخيلاء وفرح، شعر شعورا غامضا بأنها ~~تتضمن اعترافا بشخصه، وأنها تمنحه مساواة من نوع ما مع فهمي ~~وياسين وأبيه نفسه، ثم سره على وجه الخصوص أن يسير في ركاب أبيه ~~آمنا أي دون أن يتوقع من ناحيته شرا، وأن يقف في الجامع إلى ~~جانبه على قدم المساواة مؤتمين جميعا بإمام واحد. بيد أنه ~~كان يستغرق في صلاته اليومية - في البيت - استغراقا لا يظفر بمثله ~~في صلاة الجمعة بالنظر إلى ما يعتريه من ارتباك لقيامه وسط خلق لا ~~يحيط بهم حصر، ولإشفاقه من أن تند عنه هفوة فتلتقطها إحدى حواس ~~أبيه، إلى أن شدة شعوره بالحسين - الذي يحبه أكثر من نفسه - وهو ~~في مسجده كانت تحول بينه وبين التوجه الخالص لله كما ينبغي ~~للمصلي. # هكذا رآهم طريق النحاسين مرة أخرى وهم يحتثون الخطى إلى بيت ~~القاضي، السيد في المقدمة وياسين وفهمي وكمال وراءه صفا، حتى ~~اتخذوا مجالسهم في الجامع، وراحوا ينصتون إلى خطبة الجمعة بين ~~رءوس مشرئبة إلى المنبر في صمت شامل، لم يكن السيد على شدة ~~إنصاته يكف عن الدعاء الباطني، وتوجه قلبه إلى ياسين خاصة، كأنما ~~رآه بعدما لحق به من عثار الحظ أحق بالرحمة، فدعا الله طويلا أن ~~يصلح من شأنه ويقوم ما اعوج من أمره ويعوضه عما فقد خيرا ~~... على أن الخطبة جبهته بمعاصيه، أخلت ما بينه وبينها، فطالعها ~~وجها لوجه في هالة مرعدة من صوت الواعظ الجهوري الرنان الناقد، ~~حتى خيل إليه أنه يعنيه بالذات، وأنه يشد على أذنه صارخا فيها ~~بأعلى صوته، وأنه لا يستبعد أن يخاطبه باسمه قائلا: «يا أحمد ~~ازدجر ... تطهر من ms368 الفسق والخمر وتب إلى الله ربك.» فألم ~~به قلق وضيق كما ألما به يوم ناقشه الشيخ متولي عبد الصمد ~~الحساب، وهو ما يقع له كثيرا عند سماع الخطبة، فيسترسل في طلب ~~الغفران والعفو والرحمة، ولكنه - كابنه ياسين - لم يكن يطلب ~~التوبة، وإن طلبها فبلسانه دون قلبه، يقول بلسانه: «اللهم التوبة» ~~على حين يقتصر قلبه على طلب الغفران والعفو والرحمة كأنهما آلتان ~~موسيقيتان تعزفان معا في أوركسترا واحد، فتصدر عنهما نغمتان ~~مختلفتان؛ لأنه لم يتصور أن يرى الحياة بغير العين التي يراها ~~بها، ولا أن تبدو له بغير الوجه الذي تبدو به، فإذا ألح عليه ~~القلق والضيق المستوليان عليه نهض للدفاع عن نفسه ... ولكنه يلقي ~~دفاعه في صورة دعاء واستغفار فيقول: «اللهم إنك أعلم بقلبي ~~وإيماني وحبي، اللهم زدني استمساكا بتأدية فرائضك، وقدرة على صنع ~~الخير، اللهم إن الحسنة بعشر أمثالها، اللهم إنك أنت الغفور ~~الرحيم» ... وبهذا الدعاء تعاوده الطمأنينة رويدا. # لم تكن لياسين مثل هذه المقدرة على التوفيق، أو أنه لم يشعر قط ~~بحاجة إليها، لم تكن موضع تفكيره يوما، يهيم بالحياة كما يشتهي ~~ويؤمن بالله كما يؤمن بوجوده هو، ثم يستسلم للتيار دون مقاومة أو ~~ممانعة. قرعت أذنيه كلمات الواعظ، فتحرك صوته الباطني سائلا ~~الرحمة والمغفرة بطريقة آلية وفي طمأنينة شاملة، دون أن يستشعر ~~خطورة حقيقية، إن الله أرحم من أن يحرق مسلما مثله بهفوات عابرة ~~لا تؤذي أحدا من عباده، ثم هنالك التوبة! ... ستأتي «يوما» فتمحو ~~ما قبلها، واسترق نظره إلى أبيه وتساءل وهو يعض على شفتيه كأنما ~~يكتم ضحكة نافرة مما عسى أن يدور بخاطره، وهو ينصت بهذا الاهتمام ~~البادي إلى الخطبة؟ ... أهو يعاني العذاب كل صلاة جمعة أم تراه ينافق ~~ويخادع؟ ... كلا ... لا هذا ولا ذاك ... إنه مثله - ياسين - يؤمن برحمة ~~الله الواسعة، لو أن الأمر بالخطورة التي يصفه بها الواعظ لاختار ~~أبوه إحدى السبيلين، استرق إليه نظرة أخرى، فرآه كالجواد الكريم ~~الجميل بين القاعدين المتطلعين إلى المنبر، شعر نحوه بإعجاب وحب ~~خالصين، لم يعد للحنق ms369 أثر في نفسه، ومع أن الغضب بلغ به مداه يوم ~~الطلاق، حتى بث همه إلى فهمي قائلا: «لقد خرب أبوك بيتي، وجعلني ~~أضحوكة بين الناس.» إلا أنه تناسى الآن حنقه كما تناسى الطلاق ~~والفضيحة وكل شيء، ثم هذا الواعظ نفسه ليس خيرا من أبيه ... بل هو ~~على وجه اليقين أمعن في الضلال، حدثه عنه مرة أحد الأصحاب في ~~قهوة أحمد عبده فقال: «إنه يؤمن بشيئين ... بالله في السماء ~~وبالغلمان في الأرض، إنه من طراز حساس ترف عينه وهو في ~~الحسين إذا تأوه غلام في القلعة.» بيد أنه لم يحقد عليه لذاك، ~~وعلى العكس وجد فيه كما وجد في أبيه ما يجد الجندي في الخنادق ~~المحفورة في الخطوط الأمامية التي على العدو أن يقتحمها قبل أن يصل ~~إليه. # ثم دعا الداعي إلى الصلاة، فقام الرجال قومة واحدة، وقفوا ~~صفوفا متراصة ملأت صحن الجامع الكبير، صار المسجد أجسادا ~~ونفوسا، ذكر كمال احتشادها مشهد المحمل في النحاسين. واتصلت ~~الأزياء في خطوط طويلة متوازية وحدتها البدل والجبب ~~والجلاليب، ثم انقلب الجمع جسما واحدا تصدر عنه حركة واحدة ~~مستشرفا قبلة واحدة، وترددت التلاوات الهامسة في همهمة ~~شاملة، حتى أذن بالسلام ... عند ذاك انتثر سلك النظام، استردت ~~الحرية أنفاسها، نهض كل لوجهته، منهم من قصد الضريح للزيارة، ~~ومنهم من اتجه نحو الأبواب للخروج، ومنهم من تلبث للحديث أو ~~تريث حتى يخف الزحام ... فاختلطت تياراتهم أيما انتشار، أزفت ~~الساعة السعيدة التي مني كمال بها ... ساعة الزيارة ولثم الجدران ~~وقراءة الفاتحة أصالة عن نفسه وإنابة عن أمه كما وعدها، بدأ يتحرك ~~ببطء في ركاب أبيه ... وما يدري إلا وشاب أزهري يبرز من الزحمة ~~فجأة، فيعترض سبيلهم في حركة عنيفة لافتة للأنظار، ثم بسط ذراعيه ~~لينحي الناس جانبا، ومضى يتقهقر أمامهم وهو يتفحص ياسين بنظرات ~~ثاقبة مريبة وقد عبس وجهه، وتطايرت نذر الغضب من صفحته ~~المكفهرة. عجب السيد له، فجعل يردد بصره بينه وبين ياسين، على ~~حين بدا ياسين أشد عجبا، فراح بدوره يردد بصره بينه وبين أبيه ~~متسائلا، ms370 ثم انتبه أناس إلى المشهد فركزوا فيه أنظارهم ~~مترقبين في دهشة واستطلاع، وعند ذاك لم يتمالك السيد أن خاطبه ~~متسائلا في استياء: ما لك يا أخي تنظر إلينا هكذا؟! # فأشار الأزهري إلى ياسين وصاح بصوت كالرعد: جاسوس! # نفذت الكلمة إلى صدر الأسرة كالرصاص، فدار رأسها وحملقت أعينها، ~~وجمدت في أماكنها، على حين جرت التهمة على الألسن ، فرددتها في ~~فزع وحنق، وأخذ الناس يتجمعون حولهم وأذرعهم تشتبك في حذر ~~لتحصرهم في دائرة ما لها من منفذ، وكان السيد أول من ثاب إلى ~~وعيه، ومع أنه لم يفهم شيئا مما يدور حوله ... إلا أنه أدرك خطورة ~~الصمت والانكماش، فهتف بالشاب غاضبا: ماذا تقول يا سيدنا الشيخ؟ ... ~~أي جاسوس تعني؟! # ولكن الشاب لم يأبه للسيد، فأشار مرة أخرى إلى ياسين وصاح: حذار ~~أيها الناس، هذا الشاب الخائن جاسوس من جواسيس الإنجليز، اندس ~~بينكم ليتسقط الأنباء ثم ينقلها إلى سادته المجرمين. # ركب الغضب السيد، فتقدم من الشاب خطوة، وصاح به غير متمالك ~~نفسه: أنت تهرف بما لا تعرف، فإما أن تكون مجرما أو مجنونا. ~~هذا الشاب ابني لا خائن ولا جاسوس، كلنا وطنيون وهذا الحي يعرفنا ~~كما نعرف أنفسنا. # فهز الشيخ منكبيه استهانة، وصاح بصوته الخطابي: جاسوس إنجليزي ~~حقير، رأيته بعيني رأسي مرارا وهو يناجي الإنجليز عند بين ~~القصرين، عندي شهود على ذلك، ولن يجرؤ على تكذيبي ... إني أتحداه ... ~~ليسقط الخائن. # وتجاوبت في أركان الجامع دمدمة غاضبة، تعالى الهتاف هنا وهناك ~~«ليسقط الجاسوس»، وصاح غيرهم «فليؤدب الخائن». ولاحت في أعين ~~القريبين نذر الوعيد تترصد بادرة أو إشارة كي تنقض على ~~الفريسة، لعله لم يؤخر إقدامها إلا منظر السيد المؤثر الذي وقف ~~لصق ابنه كأنما يتلقى عنه ما يتهدده من أذى، ودموع كمال الذي ~~أغرق في الانتحاب، أما ياسين فقد وقف بين السيد وفهمي فاقد الوعي ~~من الاضطراب والوجل، وجعل يقول بصوت متهدج لم يسمعه أحد: لست ~~جاسوسا ... لست جاسوسا ... الله على صدق قولي شهيد. # ولكن الغضب بلغ بالناس مداه، فتجمهروا حول الدائرة المحصورة، وهم ms371 ~~يتدافعون بالمناكب، ويتوعدون «الجاسوس» شرا، على أن صوتا من ~~وسط الزحام ارتفع هاتفا: تمهلوا يا سادة ... هذا ياسين أفندي كاتب ~~مدرسة النحاسين ... فانطلقت أصوات كالهدير: مدرسة النحاسين أو ~~الحدادين فليؤدب الخائن. # وكان رجل يشق طريقه بين الأجسام بصعوبة، ولكن بعزم لا يقهر. ~~فما بلغ الصف الأمامي حتى رفع يديه وهو يزعق: «اسمعوا ... اسمعوا.» ~~ولما هدأت الأصوات قليلا قال وهو يومئ إلى السيد أحمد: هذا السيد ~~أحمد عبد الجواد من أهل النحاسين المعروفين ... ولا يمكن أن يضم ~~بيته جاسوسا، فتريثوا حتى تنجلي الحقيقة. # ولكن الأزهري صرخ حانقا: لا شأن لي بالسيد أحمد أو السيد محمد، ~~هذا الشاب جاسوس مهما يكن من أمر أبيه، رأيته يضاحك الجلادين ~~الذين زحموا القبور بأبنائكم. # وما عتم أن صاح أناس لا حصر لهم: ليضرب بالأحذية. # وسرت في المتجمهرين حركة عنيفة، فأقبل متحمسون من كل صوب ~~ملوحين بالأحذية والمراكيب، حتى شعر ياسين بالانهيار واليأس. ~~دارت عيناه فيما حوله فلم تقعا إلا على وجه متحرش يفور بالغضب ~~والبغضاء، والتصق السيد وفهمي بجانب ياسين بحركة غريزية كأنما ~~ليدفعا عنه الأذى أو ليقاسماه إياه، وهما على حال من اليأس والقهر ~~لم تكن دون ما يأخذ بخناقه، على حين انقلب انتحاب كمال صراخا كاد ~~يغطي على أصوات الثائرين. كان الأزهري أول المهاجمين، فرمى بنفسه ~~على ياسين قابضا على بنيقة قميصه، ثم جذبه بعنف لينتزعه من ~~المأوى الذي لاذ به بين أبيه وأخيه، حتى لا تخطئه الأحذية، ولكن ~~ياسين قبض على معصميه مقاوما، ودخل السيد بينهما، ورأى فهمي أباه ~~في الموقف المثير لأول مرة في حياته ... فاستفزه غضب شديد أذهله عما ~~يحدق بهم من خطر، دفع الأزهري في صدره دفعة قوية ردته إلى الوراء، ~~فصاح به متوعدا: حذار أن تتقدم خطوة واحدة! # فصرخ الأزهري، وقد جن جنونه: أدبوهم جميعا. # عند ذاك علا صوت قوي يقول بلهجة آمرة: انتظر يا سيدنا الشيخ ... ~~انتظروا جميعا. # فاتجهت الأنظار إلى الصوت، فإذا بأفندي شاب يبرز من بين الجموع ~~إلى الدائرة المحصورة يتبعه ثلاثة في مثل سنه ms372 وزيه، تقدموا في ~~خطوات ثابتة توحي بالثقة والعزم، حتى وقفوا بين الشيخ وبين ~~المتهم وذويه، تهامس كثيرون متسائلين: «بوليس ... بوليس؟» بيد أن ~~التساؤل انقطع حينما مد الأزهري يده إلى يد قائد الجماعة، وشد ~~عليها بحرارة. ثم سأل الأفندي الأزهري بنبرات حاسمة: أين هذا ~~الجاسوس؟ # فأشار الشيخ إلى ياسين بازدراء وتقزز، فالتفت الشاب إليه، ~~وثبت عليه عينيه متفحصا إياه بدقة وقسوة، وقبل أن ينبس بكلمة ~~تقدم فهمي خطوة إلى الأمام كأنما ليسترعي انتباهه فلمحه الآخر ... ~~وسرعان ما اتسعت عيناه دهشة وإنكارا، فغمغم قائلا: أنت ~~... # فابتسم ابتسامة شاحبة، وقال بلهجة لا تخلو من تهكم: هذا ~~الجاسوس أخي! # فالتفت الشاب إلى الأزهري متسائلا: أأنت متأكد مما ~~تقول؟ # فبادره فهمي قائلا: ربما صدق في قوله ... إنه رآه يحادث الإنجليز ~~ولكن أساء التفسير أيما إساءة، إن الإنجليز معسكرون أمام بيتنا، ~~وهم يتعرضون لنا في الذهاب والإياب، فنتورط أحيانا في ~~محادثتهم على كره .. هذا كل ما هنالك. # وهم الأزهري بالكلام، ولكن الشاب أسكته بإشارة من يده، ثم ~~خاطب الجمع قائلا وهو يضع يده على منكب فهمي: هذا الشاب من ~~الأصدقاء المجاهدين، كلانا يعمل في لجنة واحدة، فكلامه عندي مصدق ~~... أخلوا سبيلهم. # لم ينبس أحد بكلمة، انسحب الأزهري بلا تردد ومضى الناس يتفرقون، ~~صافح الشاب فهمي، ثم ذهب يتبعه رفاقه، ربت فهمي على رأس كمال حتى ~~كف عن البكاء، ساد الصمت فأخذ كل يضمد جراحه، انتبه السيد ~~إلى وجوه نفر من معارفه قد أحاطوا به وراحوا يواسونه، ويعتذرون ~~إليه عن الخطأ الكبير الذي وقع فيه الأزهري، ومن ضل به من الناس، ~~ويؤكدون له أنهم لم يألوا جهدا في الدفاع عنه فشكرهم، وإن كان ~~لا يدري متى جاءوا ولا كيف دافعوا عنه، وعدل عن الزيارة لما استحوذ ~~عليه من انفعال، فاتجه صوب الباب مطبق الفم، متجهم الوجه، وتبعه ~~الأبناء في صمت ثقيل. # 62 # في الطريق استرد أنفاسه، فداخله ارتياح لابتعاده عن الناس ~~الذين شاركوا في «الحادث» ولو بمجرد الرؤية. كره وقتذاك كل شيء ~~وراءه وقذفه باللعنات، لم يكد ms373 يرى من الطريق الذي يسير فيه شيئا، ~~فتبادل التحية مرتين مع اثنين من معارفه على نحو مقتضب متكلف لم ~~يعهد فيه من قبل، تركز شعوره في ذاته - ذاته الجريحة - وسرعان ~~ما فار بالغضب ... كان أحب إلي أن تنتهي الحياة من أن أقف ذلك ~~الموقف المزري، كالأسير بين طغمة من اللئام، وهذا المجاور ~~المقمل مدعي الوطنية الجوعان تهجم علي بكل وقاحة. لم يرع لي ~~حرمة سن أو مهابة، لم أخلق لهذا، ليس «أنا» الذي يهان بتلك ~~الكيفية، وبين أبنائي ... لا تعجب ... أبناؤك هم أصل البلوى ... هذا ~~الثور ابن المرة لن يعفيك من متاعبه أبدا. فقس الفضائح في بيتي، ~~وأوقع بيني وبين أعز الأصدقاء، ثم توج عامنا بالطلاق ... لم يكفه ~~هذا كله، كلا. ابن هنية لا بد أن يسامر الإنجليز جهارا كي أدفع ~~أنا الثمن للسفلة المتهجمين، اذهب بهم إليها كي يكمل متحف عشاقها ~~بالإنجليز والأستراليين. ~~- يبدو لي أنني لن أخلص العمر من متاعبك؟ # ندت عنه هذه الجملة بحدة، بيد أنه قاوم رغبته في تأديبه؛ ~~لأنه رغم غضبه قدر حاله الذي يرثى لها، رآه ذاهلا شاحبا ~~متوعكا، فلم تطاوعه نفسه في الهجوم عليه، حسبه الآن ما حاق به، ~~ليس وحده الذي يتحفه بالمتاعب، هنالك البطل، ولكن فلنؤجل همه حتى ~~نفيق من متاعب الثور، ثور في البيت، في الحانة ... ثور أمام أم حنفي ~~ونور، أما في المعركة فهو رطل خرع لا فائدة منه ولا عائدة، يا ~~أولاد الكلب! الله يقطع الأولاد والخلف والبيوت، آه ... لماذا تسوقني ~~قدماي إلى البيت؟! ... لم لا أتناول لقمتي بعيدا عن الجو ~~المسموم؟! ستولول هي الأخرى إذا علمت بالخبر، لست في حاجة إلى ~~مزيد من القرف، إلى الدهان ... سأجد حتما صديقا أقص عليه ~~رزيتي، وأشكو إليه همي ... كلا ... لدي متاعب أخرى لا تقبل ~~التأجيل أكثر من هذا. البطل، مصيبة جديدة يجب أن نجد لها علاجا، ~~إلى الغداء المسموم، ولولي ... ولولي ... ولولي ... ملعون أبوك ~~أنت الأخرى. # لم يكد فهمي يغير ملابسه حتى دعي إلى مقابلة والده، فلم يملك ~~ياسين على ms374 خموده وكربه إلا أن يغمغم قائلا: جاء دورك ... # فتساءل فهمي متجاهلا المعنى الكامن وراء ملاحظة أخيه: ماذا ~~تعني؟ # فضحك ياسين - أجل وسعه أخيرا أن يضحك - وقال: انتهى دور الخونة، ~~وجاء دور المجاهدين! # لشد ما تمنى أن تغيب النعوت التي نعته بها صديقه في الجامع ~~وراء ضجة الثورة وذهول الانفعال، ولكنها لم تغب، ها هو ياسين ~~يرددها، ولا شك أن أباه يدعوه من أجل مناقشتها. تنهد فهمي من ~~الأعماق ثم ذهب. وجد السيد متربعا على الكنبة يعبث بحبات سبحته، ~~وفي عينيه نظرة تنم عن تفكير كئيب، فحياه بأدب جم ووقف على بعد ~~مترين من الكنبة في خضوع وامتثال، ورد الرجل تحيته بحركة خفيفة ~~من رأسه تدل على الضيق أكثر مما تدل على التحية، وكأنما تقول له: ~~«إني أرد تحيتك مرغما كما تقضي اللياقة، ولكن أدبك الزائف هذا لم ~~يعد ينطلي علي.» ثم حدجه بنظرة متجهمة ينبعث منها شعاع ~~الارتباك كأنه مصباح كشاف يفتش عن مختبئ بالظلام، وقال بحزم: ~~دعوتك لأعرف كل شيء، أريد أن أعرف كل شيء، ماذا قصد في لجنة ~~واحدة؟ صارحني بكل شيء دون تردد. # ومع أن فهمي اعتاد في الأسابيع الأخيرة أن يواجه أخطارا شتى، ~~حتى الطلقات النارية ألف أزيزها، إلا أنه لاقى تحقيق أبيه بقلب ~~ما قبل الثورة، ركبته الرهبة وشعر بأنه لا شيء، وتركز تفكيره في ~~تحاشي غضبه ونشدان النجاة، فقال برقة وأدب: الأمر بسيط جدا ~~يا بابا، لعل صديقي بالغ في قوله كي ينتشلنا من ورطتنا. # فقال السيد وقد نفد صبره: الأمر بسيط جدا ... عال ... ولكن أي أمر ~~هو؟ ... لا تخف عني أي شيء. # وكان فهمي يقلب الأمر على مختلف وجوهه في سرعة خاطفة ليختار ~~ما يصح قوله، وتؤمن مغبته ... قال: سماها لجنة وهي لا تعدو أن تكون ~~جماعة من الأصدقاء يتحدثون كلما اجتمعوا في الشئون ~~الوطنية. # فهتف السيد مغيظا محنقا: ألهذا استحققت لقب المجاهد؟! # نطق صوت الرجل بالاستنكار العنيف، كأنما عز عليه أن يحاول ابنه ~~اللعب به .. وارتسم الوعيد في تجعدات عبوسته. فسارع فهمي ms375 - دفاعا ~~عن النفس - إلى الاعتراف بشيء ذي بال ليقنع أباه بأنه امتثل ~~لأمره كالمتهم الذي يتطوع بالاعتراف طمعا في الرأفة ... قال فيما ~~يشبه الحياء: يحدث أحيانا أن نقوم بتوزيع بعض النداءات الحاثة ~~على الوطنية ... # فتساءل السيد بانزعاج: المنشورات! ... هل تعني المنشورات؟! # ولكن فهمي هز رأسه سلبا، خاف أن يعترف بهذا الاسم الذي يقرن في ~~البلاغات الرسمية بأقصى العقوبات، وقال بعد أن وجد صيغة مقبولة ~~تخفف من خطورة اعترافه: ليست إلا نداءات تحث على حب ~~الوطن. # ترك الرجل السبحة تسقط من يده إلى حجره، وراح يضرب كفا على كف، ~~ويقول وهو لا يتمالك نفسه من الانزعاج: أنت من موزعي المنشورات! ... ~~أنت! # زاغ بصر السيد من شدة الانزعاج والغضب: موزع منشورات! ... من ~~الأصدقاء المجاهدين! ... كلانا يعمل في لجنة واحدة! ... هل بلغ ~~الطوفان مرقده؟! ... طالما راعه فهمي بأدبه وبره وذكائه، لولا أن ~~الثناء في نظره مفسدة، وأن الفظاظة تهذيب وتقويم لأوسعه ثناء، كيف ~~انجلى هذا كله عن موزع منشورات ... مجاهد ... كلانا يعمل في لجنة ~~واحدة؟! ... إنه لا يحتقر المجاهدين، هو أبعد ما يكون عن ذلك، طالما ~~تابع أنباءهم بحماس، ودعا لهم عقب كل صلاة بالتوفيق، طالما ملأته ~~أخبار الإضراب والتخريب والمعارك أملا وإعجابا، ولكن الأمر يختلف ~~كل الاختلاف إذا صدر عمل من هذه الأعمال عن ابن من أبنائه، كأنهم ~~جنس قام بذاته خارج نطاق التاريخ، هو وحده الذي يرسم لهم الحدود لا ~~الثورة ولا الزمن ولا الناس، الثورة وأعمالها فضائل لا شك فيها ما ~~دامت بعيدة عن بيته ... فإذا طرقت بابه، وإذا تهددت أمنه وسلامه ~~وحياة أبنائه، تغير طعمها ولونها ومغزاها، انقلبت هوسا وجنونا ~~وعقوقا وقلة أدب، فلتشتعل الثورة في الخارج، وليشارك فيها هو ~~بقلبه كله، وليبذل لها ما في وسعه من مال ... وقد فعل، ولكن البيت له ~~وحده دون شريك، ومن تحدثه نفسه - فيه - بالاشتراك في الثورة فهو ~~ثائر عليه هو لا على الإنجليز، إنه يترحم ليل نهار على الشهداء، ~~ويعجب كل الإعجاب بالشجاعة التي يتذرع بها آلهم فيما يروي ~~الرواة، ولكنه ms376 لن يسمح لابن من أبنائه بأن ينضم إلى الشهداء، ولا ~~تطيب نفسه بهذه الشجاعة التي يتذرع بها آلهم، فكيف سولت نفس ~~فهمي له بالإقدام على هذه الخطوة الجنونية؟ ... كيف ارتضى - وهو خير ~~أبنائه - أن يعرض نفسه إلى الهلاك المبين؟ ... انزعج الرجل ~~انزعاجا لم يشعر بمثله من قبل، فاق انزعاجه في مأزق الجامع نفسه، ~~فلم يتمالك أن يسأله بصرامة ووعيد كأنه أحد مفتشي البوليس ~~الإنجليزي: ألا تعلم ما جزاء الذي يضبط وهو يوزع ~~منشورات؟! # رغم خطورة الموقف وما يقتضيه من تركيز فكره فيه، أيقظ السؤال ~~ذكرى قريبة اهتزت لها نفسه، ذكرى هذا السؤال نفسه بنصه ومعناه، ~~حينما طرحه عليه الرئيس الأعلى للجنة الطلبة التنفيذية - بين جملة ~~أسئلة أخرى - وهو بصدد اختياره عضوا فيها، ثم ذكر بالتالي كيف ~~أجابه وقتذاك بعزم وحماس: «كلنا فداء للوطن»، وقارن بين الظرفين ~~اللذين ألقي فيهما السؤال الواحد، فاعتراه شعور بالسخرية، بيد ~~أنه أجاب والده برقة وبصوت يوحي بالتهوين: إني أقوم بالتوزيع ~~بين الأصدقاء من الزملاء فقط، ولا شأن لي بالتوزيع العام ... فليس ~~ثمة مخاطرة أو خطر ... # فهتف السيد بغلظة، وكأنه يداري خوفه على ابنه بحدة الغضب: إن ~~الله لا يكتب السلامة لمن يعرض نفسه للهلاك، وقد أمرنا سبحانه ~~بألا نعرض أنفسنا للتهلكة ... # ود الرجل أن يستشهد بالآية التي تترجم هذا المعنى، ولكنه لم يكن ~~يحفظ من القرآن إلا السور القصيرة التي يتلوها في صلواته، فخاف أن ~~يسهو عن لفظ أو يحرفه، فيحمل نفسه وزرا لا يغتفر، فاكتفى ~~بترديد المعنى وكرره حتى بلغ مداه، ولكنه ما يدري إلا وفهمي يقول ~~بلهجته المهذبة: ولكن الله يحث المؤمنين على الجهاد كذلك يا ~~بابا. # ساءل فهمي نفسه فيما بعد متعجبا كيف واتته شجاعته على مجابهة ~~السيد بهذا القول الذي فضح ما داراه من استمساك برأيه! ... لعله ~~احتمى بالقرآن فوقف وراء معنى من معانيه مطمئنا إلى أن أباه ~~سيحجم في تلك الحال عن مهاجمته، وقد بوغت السيد مباغتة شديدة ~~بجرأة ابنه وحجته معا، ولكنه لم يستسلم للغضب؛ لأن الغضب ربما ~~أسكت ms377 فهمي ولكنه لن يسكت حجته، فتناسى جرأته إلى حين ريثما يقرع ~~حجته بحجة مثلها من القرآن نفسه، حتى تتم الهداية للابن الضال، ~~وله بعد ذلك أن يعود إلى محاسبته كيفما شاء، وفتح الله عليه فقال: ~~ذاك كان جهادا في سبيل الله. # اعتبر فهمي جواب أبيه قبولا للمناقشة والمحاجة، فتشجع مرة ~~أخرى قائلا: جهادنا في سبيل الله كذلك ، كل جهاد شريف فهو في سبيل ~~الله. # آمن السيد بقوله في قلبه، ولكن هذا الإيمان نفسه وما خلفه من ~~شعور بالضعف أمام محدثه، هو ما جعله يرتد إلى غضبه دون إبطاء ... ~~بيد أنه لم يكن غضبا لكبريائه فحسب، ولكن أيضا لإشفاقه من أن ~~يتمادى الشاب في غيه حتى يودي بنفسه، فكف عن الجدل وتساءل ~~مستنكرا: أحسبتني قد دعوتك لتناقشني! # انتبه فهمي إلى ما تنطوي عليه كلمات أبيه من نذير، فضاعت أحلامه ~~وانعقد لسانه ... أما السيد أحمد فعاد يقول بحدة: لا جهاد في ~~سبيل الله إلا ما أريد به وجه الله وحده - أي الجهاد الديني - لا ~~جدال في هذا! ... والآن أريد أن أعرف ألا يزال أمري مطاعا؟ # فبادره الشاب قائلا: بكل تأكيد يا بابا ... ~~- إذن اقطع كل صلة بينك وبين الثورة ... ولو اقتصر دورك على توزيع ~~المنشورات على خاصة أصدقائك! # إن قوة في الوجود لا يمكن أن تحول بينه وبين واجبه الوطني! لن ~~يتراجع مطلقا ولو خطوة واحدة، انتهى زمان ذلك إلى غير رجعة، إن ~~هذه الحياة الحارة الباهرة التي تنبعث من أعماق قلبه وتضيء ~~جوانب نفسه لا يمكن أن تغيض، وهيهات أن يغيضها هو بيده، كل هذا ~~حق لا شك فيه، ولكن لماذا لا يلتمس وسيلة إلى إرضاء أبيه وتحامي ~~غضبه؟! ... إنه لا يستطيع أن يتحداه ولا أن يجهر بمخالفة أمره ... ~~أجل استطاع أن يثور على الإنجليز، وأن يتحدى رصاصهم كل يوم ~~تقريبا، ولكن الإنجليز عدو مخيف وبغيض معا، أما أبوه فرجل ~~مخيف ومحبوب، وهو يعبده بقدر ما يخافه فلن يهون عليه أن يصدمه ~~بعصيان، وثمة إحساس آخر لا سبيل إلى تجاهله هو ms378 أن وراء الثورة على ~~الإنجليز مثالية نبيلة، أما وراء التمرد على أبيه فليس إلا الخزي ~~والتعاسة، وماذا يدعو إلى هذا كله؟! ... لماذا لا يعده بالطاعة ثم ~~يفعل ما يشاء؟! ... لم يكن الكذب في هذا البيت بالرذيلة المخزية، ولم ~~يكن في وسع أحد منهم أن يتمتع بالسلامة في ظل الأب دون حماية من ~~الكذب، وهم يجاهرون به فيما بينهم وبين أنفسهم، بل ويتفقون عليه ~~في الموقف الحرج، وهل كان في نية الأم يوم تسللت في غيبة السيد ~~إلى زيارة الحسين أن تعترف بفعلتها؟ وهل كان في وسع ياسين أن يسكر، ~~وهو أن يحب مريم، وكمال أن يتعفرت بين خان جعفر والخرنفش بلا ~~حماية من الكذب؟! ... ليس الكذب مما يتورع عنه أحد منهم، ولو ~~أنهم التزموا الصدق مع أبيهم ما ذاقوا للحياة طعما؛ لهذا كله ~~قال بهدوء: أمرك مطاع يا بابا. # وأعقب هذا التصريح صمت تنفس فيه كلاهما من الراحة، فظن فهمي ~~أن استجوابه قد انتهى بسلام، وظن السيد أحمد أنه انتشل ابنه من ~~الهاوية، وبينما كان فهمي ينتظر أن يؤذن له بالانصراف، قام الأب ~~فجأة واتجه إلى صوان الملابس، ففتحه ودس يده فيه والشاب يراقبه ~~بعينين لا تدركان شيئا، ثم عاد إلى مجلسه حاملا القرآن، ونظر ~~إلى فهمي مليا، ثم مد يده بالكتاب إليه وهو يقول: أقسم لي على ~~هذا الكتاب ... # وتراجع فهمي بحركة عكسية ندت عنه قبل أن يتدبر أمره، كأنما ~~يفر من لسان لهب امتد إليه فجأة، وتسمر في موقفه وهو يحملق في ~~وجه أبيه مرتبكا مذعورا يائسا، فلبث السيد مادا يده بالكتاب، ~~وهو ينظر إليه في غرابة وإنكار، ثم احمر وجهه كأنه يلتهب وانبعث ~~من عينيه بريق مخيف، وتساءل في ذهول وكأنه لا يصدق عينيه: ألا ~~تريد أن تقسم؟! # ولكن لسان فهمي انعقد، فلم ينبس بكلمة ولم يبد حراكا، فتساءل ~~الرجل بصوت هادئ تخللته رعشة متهدجة أنذرت بما يفور تحته من ~~غضب مستعر كما ينذر البرق بقعقعة الرعد: أكنت تكذب علي؟ # لم يطرأ على فهمي تغير إلا أنه ms379 غض بصره فرارا من عيني أبيه، ~~ووضع السيد الكتاب على الكنبة، ثم انفجر صائحا بصوت مدو خاله ~~فهمي كفوفا تهوي على خديه: أنت تكذب علي يا بن الكلب! ... أنا لا ~~أسمح لمخلوق بأن يضحك على ذقني، ماذا تظن بي وماذا تظن بنفسك! ... ~~أنت حشرة خبيثة مجرمة، بنت كلب خدعت بظاهرها طويلا، لن أنقلب ~~امرأة على آخر الزمن ، سامع؟! لن أنقلب امرأة على آخر الزمن، ~~حيرتموني يا أولاد الكلب وجعلتموني أضحوكة الناس، أنا أسلمك ~~بنفسي إلى البوليس، فاهم؟! بنفسي يا بن الكلب، الكلمة هنا كلمتي ~~أنا، أنا أنا أنا ... (ثم متناولا الكتاب مرة أخرى) أقسم ... آمرك ~~بأن تقسم. # بدا فهمي وكأنه في غيبوبة، كانت عيناه مثبتتين على بعض الصور ~~الغريبة المنقوشة على السجادة الفارسية دون أن تريا شيئا، وكأن ~~تلك النقوش قد انطبعت بإدامة النظر على صفحة عقله، فاستحال شتيتا ~~من الفوضى والخواء، وكلما مرت ثانية أمعن في الصمت واليأس، لم ~~يبق له إلا أن يلوذ بهذه المقاومة السلبية اليائسة، ونهض السيد ~~والكتاب في يده فاقترب خطوة منه، ثم زعق: أتوهمت أنك رجل؟ ... ~~أتوهمت أنك تستطيع أن تفعل ما تشاء؟! ... لو أشاء أضربك حتى أكسر ~~رأسك. # لم يملك فهمي عند ذاك إلا أن يبكي، لا خوفا من التهديد، فما كان ~~يبالي في موقفه وتأثره بأي أذى يصيبه، ولكن تنفيسا عن قهره، ~~وترويحا عن الصراع الناشب في صدره، ثم جعل يعض على شفتيه ليكتم ~~البكاء، ثم اعتراه الخجل لما ركبه من ضعف، بيد أنه وسعه أخيرا ~~أن يتكلم لشدة تأثره من ناحية، ومداراة لخجله من ناحية أخرى، ~~فاسترسل قائلا في ضراعة ورجاء: سامحني يا بابا، أمرك مطاع فوق ~~العين والرأس ولكني لا أستطيع، لا أستطيع، إننا نعمل يدا واحدة ~~فلا أرضى ولا ترضى لي أن أنكص وأتخلف على إخواني، هيهات أن تطيب لي ~~الحياة إن فعلت، ليس ثمة خطر وراء ما نعمل، غيرنا يقوم بأعمال أجل ~~كالاشتراك في المظاهرات، وقد استشهد منهم كثيرون، لست خيرا منهم، ~~إن الجنازات تشيع بالعشرات معا، ولا ms380 هتاف فيها إلا للوطن، حتى أهل ~~الضحايا يهتفون ولا يبكون، فما حياتي؟ ... وما حياة أي إنسان؟ ... لا ~~تغضب يا بابا وفكر فيما أقول ... وأكرر على مسمعك بأنه ليس ثمة ~~خطر وراء عملنا السلمي الصغير! # وغلبه الانفعال فلم يعد يستطيع مواجهة أبيه، ففر من الحجرة ~~هاربا. كاد يصطدم وراء الباب بياسين وكمال اللذين وقفا ينصتان، ~~وقد ارتسم على وجهيهما الارتياع. # 63 # كان ياسين ماضيا إلى قهوة أحمد عبده حينما التقى في بيت القاضي ~~بأحد أقرباء أمه، فأقبل الرجل نحوه باهتمام، ثم صافحه وهو يقول: ~~كنت ذاهبا إلى البيت لمقابلتك .. حدس ياسين وراء كلامه أنباء عن ~~أمه التي أورثته الهموم، فأحس ضيقا وتساءل بفتور: خير إن شاء ~~الله؟ # فقال الرجل باهتمام غير عادي: والدتك مريضة، مريضة جدا في ~~الواقع، أصابها المرض منذ شهر أو أكثر، ولكني لم أعلم به إلا في ~~هذا الأسبوع، وقد ظنوه بادئ الأمر حالة عصبية، فسكتوا عنه حتى ~~استفحل، ثم تبين بعد فحص الأطباء أنه ملاريا شديدة. # دهش ياسين للخبر الذي لم يكن يتوقعه، كأنه يتوقع حديثا عن ~~طلاق أو زواج أو شجار وما شاكل ذلك، أما المرض فلم يقع له في ~~حسبان، تساءل وهو لا يكاد يتبين مشاعره من شدة اعتلاجها: وكيف ~~حالها الآن؟ # قال الرجل بصراحة لم يخف مغزاها على ياسين: حالها خطيرة! ... ~~امتد العلاج دون أن يبشر بأدنى تقدم، وبالأحرى ازدادت الحال ~~سوءا، وقد أرسلتني إليك كي أصارحك بأنها تشعر بدنو أجلها، وأنها ~~ترجو أن تراك دون تأخير. # ثم بلهجة ذات معنى: يجب أن تذهب إليها بلا تردد، هذه نصيحة ~~ورجاء، والله غفور رحيم. # لعل كلام الرجل لم يخل من مبالغة أراد بها دفعه إلى الذهاب، ~~ولكنه ليس اختلاقا كله، فليذهب ولو بدافع الواجب وحده، ها هو ~~يخترق مرة جديدة منحنى الطريق المفضي إلى الجمالية بين بيت المال ~~وحارة الوطاويط، إلى يمينه عطفة التيه حيث تلبد بائعة الدوم في ~~ذكريات الظلام المرتعشة وإلى الأمام طريق الآلام، سيرى عما قليل ~~دكان الفاكهة، فيغض البصر ويتسلل كاللص ms381 الهارب، كلما ظن أنه لن ~~يعود إليه عادت به تعاسته، ما من قوة كانت تستطيع أن تعيده إليها ~~... إلا الموت! ... الموت! ... ترى هل حمت النهاية حقا؟! ... قلبي ~~يخفق، ألما؟ ... حزنا؟ ... لا أدري إلا أني خائف، إذا ذهبت فلن أعود ~~إلى هذا المكان مرة أخرى ... سيغشى النسيان سالف الذكريات ... ثم ترد ~~إلي البقية الباقية من أملاكي، ولكني خائف ... وحانق على هذه ~~الأفكار الخبيثة، اللهم احفظنا. # حتى إذا حظيت بعيشة أرغد وبال أصفى، فلن ينجو قلبي من الآلام، ~~حين الموت سأودع أما بقلب ابن ... أم وابن أليس كذلك؟ ... لست ~~إلا معذبا، لا وحشا ولا حجرا، بيد أن الموت زائر جديد ~~علي لم أشهد محضره من قبل، وددت لو كانت النهاية بغيره، سنموت ~~جميعا ... حقا؟! يجب ألا أستسلم للخوف، إن أنباء الموت لا تنقطع ~~عنا ليل نهار في هذه الأيام، في شارع الدواوين والمدارس والأزهر، ~~وهنالك في أسيوط كل يوم ضحايا، حتى المسكين الفولي اللبان فقد ~~ابنه أمس، ما عسى أن يصنع أهل الشهداء؟ ... أيقضون العمر بكاء؟ ... ~~إنهم يبكون ثم ينسون وهذا هو الموت، أف ... يخيل إلي أنه ليس ~~ثمة مفر من المتاعب الآن، ورائي في البيت فهمي وعناده وأمامي أمي ~~فما أبغض الحياة! وإذا كان الأمر مكيدة ووجدتها في خير وعافية؟! ~~... ستدفع الثمن غاليا ... يقينا لتدفعن الثمن ... لست لعبة أو ~~أضحوكة، لن تجد «الابن» إلا حين الموت، ترى ماذا بقي لي من ثروة؟ ... ~~وإذا دخلت البيت ألتقي بذلك «الرجل» هنالك؟ ... لا أدري كيف أقابله ~~... ستلتقي عينانا في لحظة رهيبة، الويل له، أتجاهله أو أطرده هذا ~~هو الحل، هنالك ألوان من العنف لا تخطر له ببال، ولكن ستجمعنا ~~الجنازة حتما ... وهذا مضحك، تصور أن يسير وراء النعش أقدم الأزواج ~~وأحدثهم وبينهما الابن دامع العينين ... حتم وقتذاك أن تدمع عيناي ... ~~أليس كذلك؟ ... لن يكون في وسعي أن أطرده من الجنازة، فتلاحقني ~~الفضيحة حتى اللحظة الأخيرة ... ثم تدفن، أجل تدفن وينتهي كل شيء، ~~ولكني خائف ومتألم ومحزون، إن الله وملائكته يصلون على ... هذه هي ~~الدكان ms382 المجرمة ... وهذا هو ... لن يعرفني، هيهات، إننا نتنكر بالعمر، ~~يا عم ... أمي تقول لك ... # فتحت له الخادم الباب - نفس الخادم التي استقبلته منذ عام ~~فأنكرته - فتطلعت إليه كالمتسائلة لحظة، وسرعان ما غلبت نظرة ~~التساؤل وراء لمعة كأنما تقول له: «آه ... أنت الذي تنتظر»، ثم ~~أفسحت له وهي تومئ إلى حجرة على يمين الداخل قائلة: تفضل يا سيدي ~~... لا يوجد أحد. # جذبت العبارة الأخيرة انتباهه بقوة، كأنما جاءته جوابا شافيا ~~لبعض حيرته، فأدرك أن أمه أخلت له الطريق. اتجه إلى الحجرة، ~~وتنحنح، ثم دخل، وقعت عيناه على عيني أمه وهما ترفعان إليه من ~~فراش على يسار الداخل، عينين حجبت صفاءهما المعهود غشاوة باهتة، ~~فلاحت نظرتهما الواهنة كأنما تتطلع إليه من بعيد، وبالرغم من ~~ذبولهما وما أوحى به انطفاؤهما من عدم الاكتراث لشيء، فقد ثبتتا ~~على وجهه ثبوت العرفان، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة خفيفة وشت ~~بظفر وارتياح وامتنان، لم يكن يبدو منها إلا وجهها؛ إذ اشتملت ~~ببطانية حتى الذقن، وجه أدركه من التغير فوق ما أدرك العينين، جف ~~بعد اكتناز واستطال بعد استدارة وشحب بعد تورد وشف جلده ~~الرقيق عن عظام الفك والوجنتين البارزة، فبدا صورة للرثاء والفناء، ~~وقف ذاهلا منكرا، كأنه لا يصدق أن ثمة قوة في الوجود تجرؤ على ~~هذا العبث القاسي، فقبض قلبه فزعا كأنه يرى الموت نفسه، تخلت ~~عنه كأنما ارتد طفلا وافتقد أباه أيما افتقاد، ثم دفعه تأثر ~~لا يقاوم إلى الفراش، حتى انحنى فوقها مغمغما في نبرات أسيفة: لا ~~بأس عليك ... كيف حالك؟ # ملأه شعور صادق بالرحمة غابت في حرارته آلامه المزمنة كما تغيب ~~- في أحوال نادرة - ظاهرة مرضية ميئوس منها، كالشلل، عند هجوم ~~فزع هائل مفاجئ ... كأنه يلقى أم طفولته التي أحبها قبل أن تواريها ~~عن قلبه الآلام، فتشبث - وعيناه مرسلتان إلى الوجه الفاني - بهذا ~~الشعور المستجد الذي رده أعواما طويلة إلى الوراء - إلى ما وراء ~~الألم - كما يتشبث المريض المتهالك بصحوة طارئة يخاف عليها ~~إحساسا باطنيا بوشك الزوال، تشبث به بشدة خليقة برجل يقدر ms383 ~~القوى المضادة التي تتهدده، وإن دل تشبثه نفسه على أن آلامه لم ~~تزل تضطرم في أعماق الأعماق منذرة إياه بما يترصده من حزن إذا هو ~~تهاون، فخلط بشعوره الصافي ما يفسده من مشاعر أخرى، وأخرجت المرأة ~~من تحت الغطاء يدا ممصوصة معروقة، اكتست بشرتها الجافة بمزيج ~~من سواد باهت وزرقة، كأنها يد محنطة منذ آلاف السنين، ~~فتناولها بين يديه بتأثر شديد، وعند ذاك سمع صوتها الضعيف ~~المبحوح وهو يجيبه قائلا: كما ترى، صرت خيالا. # فغمغم: ربنا يدركك برحمته، ويردك إلى خير مما كنت. # فندت عن رأسها المعصوب بخمار أبيض حركة دعائية، كأنما تقول: ~~«ربنا يسمع منك»، وأشارت إليه أن يجلس، فجلس على الفراش، ثم ~~استرسلت - بقوة جديدة استمدتها من محضره - تقول: في أول الأمر ~~كانت تنتابني رعشة غريبة، فحسبتها طارئا عصبيا، نصحوني بالطواف ~~ببيوت الله وبالتبخر فزرت الحسين والسيدة، وتبخرت بأنواع شتى ~~من البخور الهندي والسوداني والعربي، ولكن لم تكن الحال تزداد إلا ~~سوءا ... أحيانا كانت تملكني رجفة متواصلة لا تدعني حتى أكون قد ~~أشفيت على الهلاك، وتمر بي أوقات أجد جسمي باردا كالثلج، وأوقات ~~أخرى تمتد النار في جسدي، حتى أصرخ من شدة الحرارة أخيرا صمم س... ~~(أمسكت عن النطق بالفاعل منتبهة في اللحظة الأخيرة إلى الخطأ الذي ~~كانت ستقع فيه). أخيرا استحضرت الطبيب، ولكن لم يتقدم بي العلاج ~~خطوة واحدة نحو الصحة إن لم يكن تأخر خطوات، لم تعد ثمة فائدة ~~ترجى. # فقال ياسين وهو يضغط برقة على راحتها: لا تيئسي من رحمة ~~الله، إن رحمته واسعة. # فافتر ثغرها الممتقع عن ابتسامة ضعيفة وقالت: يسرني أن ~~أسمع هذا، يسرني أن أسمعه منك أنت قبل الناس جميعا، أنت عندي أغلى ~~من الدنيا ومن عليها، صدقت إن رحمة الله واسعة، طالما ساءني الحظ، ~~لا أنكر الهفوات والأخطاء، العصمة لله وحده. # آنس - جزعا - من حديثها ميلا إلى ما يشبه الاعتراف، فانقبض ~~صدره وجفل جفولا حادا من أن تردد على مسمعيه أمورا لا ~~يطيقها، ولو على سبيل الندم والتكفير. فتوترت أعصابه حتى ms384 أوشكت ~~أن تبدل حالا بعد حال، قال بتوسل: لا تتعبي نفسك ~~بالكلام. # رفعت إليه عينيها باسمة وهي تقول: مجيئك رد إلي الروح، دعني ~~أقل لك إني لم أقصد في حياتي سوءا بإنسان، كنت أنشد كسائر الخلق ~~راحة البال فيعاندني الحظ العاثر، لم أسئ إلى أحد ولكن كثيرين ~~أساءوا إلي. # شعر بأن رجاءه أن تمضي الساعة بسلام سيخيب ... وأن عاطفته الصافية ~~تعاني أزمة من التنغيص، فقال بلهجة التوسل السالفة: دعي الناس ~~بخيرهم وشرهم، صحتك الآن أهم من أي شيء آخر ... فربتت على يده ~~باستعطاف كأنما تسأله أن يترفق بها، ثم همست: فاتتني ~~أشياء، لم أؤد إلى الله حقه، وددت لو طال عمري حتى أستدرك بعض ما ~~فاتني، بيد أن قلبي كان دائما مفعما بالإيمان والله ~~شهيد. # فقال وكأنه يدفع عن نفسه وعنها معا: القلب هو كل شيء، هو عند ~~الله فوق الصوم والصلاة. # فشدت على يده بامتنان، ثم غيرت مجرى الحديث قائلة بترحاب: ~~وعدت إلي أخيرا، لم أجرؤ على دعوتك حتى انتهى بي المرض إلى ما ~~ترى، داخلني شعور بأنني أودع الحياة، فلم أطق أن أفارقها قبل أن ~~أملأ عيني منك، فأرسلت إليك وبي من الخوف من رفضك أكثر مما بي من ~~خوف الموت نفسه، ولكنك رحمت أمك وأقبلت تودعها، فلك الشكر ودعاء ~~أرجو الله أن يتقبله. # اشتد التأثر ولكنه لم يدر كيف يعبر عن شعوره، تثاقلت ~~الكلمات الحنونة في فيه متعثرة فيما يشبه الحياء أو الغرابة ~~حالما أراد توجيهها إلى المرأة التي ألف مجافاتها ونبذها، بيد ~~أنه وجد في يده أداة تعبير طيعة حساسة، فضغط على راحتها ~~مغمغما: ربنا يكتب لك السلامة. # وجعلت تدور حول المعنى الذي أفصحت عنه جملتها الأخيرة، مرددة ~~نفس الألفاظ تارة أو مستبدلة بها غيرها مما يدل على نفس ~~معناها طورا آخر، وراحت تفصل الحديث بازدراد ريقها بجهد ~~ملحوظ، أو بالصمت القصير ريثما تسترد أنفاسها، مما دعاه مرات إلى ~~أن يرجوها بالكف عن الحديث، ولكنها كانت تبتسم لمقاطعته، ثم ~~تعود إلى مواصلة الحديث، حتى توقفت وقد ms385 لاح في وجهها اهتمام طارئ ~~كلما تذكرت شيئا ذا بال ... وقالت: تزوجت؟ # فرفع حاجبيه في شيء من الضيق وتورد وجهه، ولكنها أخطأت فهمه، ~~فبادرته كالمعتذرة: لا عتاب ... حقا كنت أود أن أرى عروسك وذريتك، ~~ولكن بحسبي أن تكون سعيدا. # فما ملك أن قال باقتضاب: لست متزوجا، طلقت منذ شهر ~~تقريبا. # لأول مرة لاحت آي الانتباه في عينيها، لو كان في الإمكان أن ~~يلتمعا لالتمعا ... ولكن انبعث منهما شبه ضوء كالضوء الحالم الذي ~~تنضح به ستارة كثيفة، وتمتمت: طلقت يا بني! ما أحزنني! # فابتدرها قائلا: لا تحزني، لست حزينا ولا آسفا (ثم باسما) ~~أخذت الشر وراحت. # ولكنها تساءلت بنفس اللهجة: من الذي اختارها لك ... هو أم ~~هي؟! # فقال بلهجة نمت عن رغبته في قفل باب هذا الحديث: اختارها ~~الله، كل شيء قسمة ونصيب! ~~- أعلم هذا، ولكن من الذي اختارها لك؟ امرأة أبيك؟ ~~- كلا أبي الذي اختارها، ولا غبار على اختياره فهي من أسرة ~~كريمة ... ولكنها القسمة والنصيب كما قلت. # فقالت ببرود: القسمة والنصيب واختيار أبيك ... هذه هي! # ثم بعد وقفة قصيرة: حبلى؟ ~~- نعم. # وهي تتنهد: الله ينكد عيشة أبيك! # تعمد ألا يعقب عليها، كما يمتنع عن حك قرحة تأكله لعلها ~~تسكن ... فشملهما صمت، وأغمضت المرأة عينيها كأنما أنهكها التعب، ~~بيد أنها فتحتهما هنيهة، فابتسمت إليه وهي تسأله بصوت رقيق لا ~~أثر فيه لانفعال: ترى هل يمكن أن تنسى الماضي؟ # فغض بصره منتفضا وهو يشعر برغبة في الهرب لا تقاوم، ثم قال ~~برجاء: لا تعودي إلى ذكراه، فليذهب إلى غير رجعة. # لعل قلبه لم يعن ما يقول، ولكن لسانه قال ما ينبغي أن يقال ... ~~أو لعل ذلك القول كان تعبيرا صادقا عن شعوره لحظتذاك، تلك اللحظة ~~التي استغرقه فيها بكليته الموقف المحيط به، ولعل قوله: ~~«فليذهب إلى غير رجعة.» قد وقع من مسمعه - ومن قلبه - موقعا ~~غريبا خلف وراءه قلقا، ولكنه أبى أن يجعله موضوعا لتأمله، ~~فر من ذلك فرارا، وتشبث بعاطفته الصافية التي عقد العزم على ~~التشبت بها من بادئ الأمر. ms386 أما أمه فعادت تسأله: وهل تحب أمك كما ~~كنت تحبها في الزمن السعيد؟ # فقال وهو يربت على راحتها: أحبها وأدعو لها بالسلامة. # سرعان ما وجد العزاء عن قلقه وجهاده الباطني فيما انطبع على ~~وجهها الذاوي من روح السلام والارتياح العميق، ثم شعر براحتها تضغط ~~على يده كأنما تبثه ما يكنه صدرها من امتنان، وتبادلا نظرة ~~طويلة هادئة باسمة حالمة أشاعت في الحجرة جوا من الطمأنينة ~~والمودة والحزن، لم يعد يبدو منها ما يدل على رغبتها في الحديث، ~~أو لعل الجهد حال بينها وبين هذه الرغبة، ثم تراخت جفونها رويدا ~~حتى انطبقت، جعل ينظر إليها كالمتسائل ولكن لم تند عنه حركة، ثم ~~انفرجت شفتاها قليلا، وانبعث منهما شخير خفيف متقطع. اعتدل في ~~جلسته وهو يتوسم وجهها، ثم أغمض عينيه قليلا ريثما يستحضر صورة ~~الوجه الآخر الذي طالعته به منذ عام، فانقبض صدره، وعاوده شعور ~~الخوف الذي طارده طوال الطريق، ترى هل يتاح له أن يرى ذلك الوجه ~~مرة أخرى؟ وبأي قلب يلقاه إن عاد؟! لا يدري، لا يحب أن يتصور ~~المضمر في علم الغيب، يود أن يقف عقله عن الحركة، وأن يتبع الحوادث ~~لا أن يسبقها، وأحاط به شعور الخوف والقلق، عجبا! لقد ركبته رغبة ~~في الهرب وهو ينصت إلى حديثها حتى خيل إليه أنه ارتاح إلى نومها ~~كل الارتياح، ولكنه ما كاد ينفرد بنفسه حتى هاجمه الخوف ... خوف لم ~~يدرك له سببا فتمنى لو تصحو من سباتها وتعود إلى الحديث، حتام ~~ينتظر ... هبها استغرقت في النوم حتى الصباح! ... لن يسعه أن يبقى ~~طويلا فريسة للخوف والقلق هكذا، يجب أن يضع حدا لآلامه ... غدا ~~أو بعد غد تكون تهنئة أو تعزية ... تهنئة أو تعزية؟! أيهما أحب إلى ~~نفسه؟! يجب أن يقف عن الحركة، تهنئة كانت أم تعزية لا ينبغي أن ~~أسبق الحوادث، غاية ما يمكن قوله لو قدر علينا أن نفترق الآن ~~لافترقنا صديقين، تكون خير نهاية لأسوأ حياة، أما إذا مد الله ~~في عمرها ... # سرح طرفه وهو شارد، فوقع على ms387 مرآة الصوان - في الجهة المقابلة - ~~التي عكست صورة الفراش، فرأى جسم أمه مطروحا تحت البطانية كما رأى ~~نفسه يكاد يحجب نصفها الأعلى إلا يدها التي أخرجتها عند استقباله، ~~فحملها برفق وأدخلها تحت الغطاء، ثم ثبته حول عنقها بعناية، عاد ~~ينظر إلى المرآة، فخطر له هذا الخاطر! ربما عكست هذه المرآة غدا ~~فراشا خاليا عاريا! ... ليست حياتها - حياة أي إنسان ... لم لا؟ - ~~بأرسخ دواما من هذه الصور الوهمية! ... فاشتد به شعور الخوف وهمس ~~لنفسه: «يجب أن أضع حدا لآلامي ... يجب أن أذهب.» بيد أن بصره ~~تحرك تاركا المرآة، فالتقى بخوان وضعت عليه نارجيلة التف ~~خرطومها حول عنقها كالثعبان، فثبت عليها في دهشة وإنكار سرعان ما ~~حل مكانهما شعور هائج بالتقزز والغضب، ذلك الرجل! هو بلا ريب صاحب ~~هذه النارجيلة ... تخيله متربعا على الكنبة القائمة بين الفراش ~~والخوان، وقد اندلق على النارجيلة يشهق ويزفر متلذذا، وأمه تروح ~~له على الجمرات ... آه ترى أين هو الآن، في مكان بالبيت أم في ~~الخارج؟ هل رآه من حيث لم يره؟ ... لم يعد يحتمل البقاء مع النارجيلة ~~أكثر مما بقي، فألقى نظرة على وجه أمه التي وجدها مستغرقة في ~~النوم، ثم زايل مجلسه بخفة وسار إلى الباب، ولما التقى ~~بالخادمة في الردهة الخارجية قال لها: ستك نامت، سأعود غدا ~~صباحا. # والتفت إليها مرة أخرى وهو يغادر الباب الخارجي قائلا: غدا ~~صباحا. # كأنما ينبه الرجل نفسه إلى موعد حضوره ليختفي من وجهه، مضى إلى ~~حانة كستاكي رأسا. شرب كعادته، ولكنه لم يطب بالشراب نفسا. ~~أعياه أن يطرد عن قلبه الخوف والقلق. ومع أن أحلام الثروة وراحة ~~البال لم تغب عن ذهنه، إلا أنها لم تستطع أن تمحو عن مخيلته صورة ~~المرض وخواطر الفناء. ولما عاد إلى البيت عند منتصف الليل وجد ~~امرأة أبيه في انتظاره بالدور الأول، فنظر إليها متعجبا، ثم تساءل ~~خافق القلب: أمي؟! # فأحنت أمينة رأسها، وقالت بصوت خافت: جاءنا رسول من قصر الشوق ~~قبل مجيئك بساعة. العمر الطويل لك يا ابني. # 64 # تطورت العلاقة ms388 بين كمال والجنود البريطانيين إلى صداقة ~~متبادلة، وقد حاولت الأسرة أن تتذرع بمأساة ياسين في جامع الحسين ~~لتقنع الغلام بقطع علاقته مع أصدقائه، ولكنه أجابهم بأنه «صغير»، ~~أصغر من أن يتهم بالجاسوسية، ولكي يتفادى من منعهم إياه بالقوة كان ~~يمضي إلى المعسكر رأسا بعد عودته من المدرسة تاركا حقيبة كتبه مع ~~أم حنفي، فلم تكن ثمة وسيلة إلى منعه إلا باستعمال القوة، الأمر ~~الذي لم يروا له موجبا، لا سيما وأنه يمرح في المعسكر تحت أعينهم ~~متقبلا في كل موضع بالترحيب والتكريم، حتى فهمي نفسه أغضى عنه، ~~ولم يكن يجد بأسا في التسلي بمشاهدته وهو يتنقل بين الجنود ~~«كقرد يلهو في غابة من الوحوش». ~~- قولوا لسيدي الكبير. # هكذا اقترحت أم حنفي مرة وهي تشكو تجرؤ الجنود عليها - بسبب ~~الصداقة اللعينة - ومحاكاة بعضهم لمشيتها بطريقة «يستحقون عليها ~~قطع رقبتهم»، ولكن أحدا لم يأخذ اقتراحها مأخذ الجد، لا رحمة ~~بالغلام فحسب، ولكن رحمة بهم هم أنفسهم، خشية أن يجر التحقيق إلى ~~معرفة تسترهم الطويل على هذه الصداقة، فتركوا الغلام وشأنه، ~~ولعلهم لم يخلوا من رجاء في أن يقوم الشعور الطيب المتبادل بين ~~الغلام والجنود حائلا بينهم وبين ما يحتمل أن يتعرضوا له من ~~عبث وأذى في الذهاب والإياب! أسعد ساعات يومه كانت تلك التي يدخل ~~فيها المعسكر، لم يكن جميع الجنود «أصدقاء» بالمعنى المفهوم من هذه ~~الكلمة، ولكن لم يعد أحد منهم يجهل شخصه، كان يصافح الأصدقاء، ~~ويشد على أيديهم بحرارة على حين يكتفي برفع يده، تحية للآخرين، ~~وربما صادف مجيئه قيام أحد الأصدقاء بنوبة الحراسة، فيقبل الغلام ~~عليه هاشا باشا، وهو يمد يده فما يروعه إلا أن يلقى منه جمودا ~~غريبا مثيرا كأنما يتجاهله، أو كأنما تحول إلى صنم، فلا يدرك أن ~~ليس في الأمر تجاهل أو غضب، إلا من إغراق الآخرين في الضحك. ولم ~~يكن من النادر أن يباغت وهو بين الأصدقاء بصفير الإنذار، هنالك ~~يهرعون إلى الخيام، ثم يعودون بعد قليل وقد ارتدوا ملابسهم ~~وخوذاتهم وحملوا بنادقهم، ويتحرك لوري ms389 من موقفه وراء سبيل بين ~~القصرين إلى وسط الطريق، فيمضون إليه ويقفزون إلى داخله حتى يكتظ ~~بهم، بات يدرك من المنظر الذي أمامه أن مظاهرة قامت في جهة ما، ~~وأن الجنود ذاهبون لتفريقها، وأن قتالا سينشب بينهم وبين ~~المتظاهرين، ولكن لم يكن يهمه في تلك الأوقات، إلا أن يتفقد ~~الأصدقاء ببصره، حتى يعثر عليهم في زحمة اللوري، وأن يملأ منهم ~~عينيه كأنما يودعهم، وأن يبسط كفيه واللوري يبتعد بهم صوب ~~النحاسين داعيا لهم بالسلامة ثم تاليا الفاتحة! ... على أنه لم ~~يكن يقضي في المعسكر أكثر من نصف ساعة كل أصيل وهو أقصى ما وسعه ~~أن يتغيبه عن البيت عقب عودته من المدرسة، نصف ساعة لم تكد تغفو ~~فيها حاسة من حواسه دقيقة واحدة، يدور حول الخيام، يسير بين ~~اللوريات مستطلعا قطعها قطعة قطعة، يقف حيال أهرام البنادق ~~طويلا متفحصا أجزاءها جزءا جزءا، خاصة فوهة الماسورة التي يكمن ~~فيها الموت ... يقف على بعد لا يسمح له بتجاوزه ونفسه ذاهبة حسرات ~~على اللعب بها، أو على الأقل لمسها، ولما كانت زيارته توافق ميعاد ~~الشاي فكان يمضي مع أصدقائه إلى المطبخ القائم عند مدخل درب قرمز، ~~ويأخذ مكانه في نهاية طابور «الشاي» كما يدعونه، ثم يعود وراءهم ~~حاملا قدح شاي باللبن وقطعة من الشوكولاتة، فيجلسون على سور ~~السبيل يحتسون شرابهم، وينشد الجنود أغاني جماعية وهو ينصت لهم ~~باهتمام منتظرا دوره في الغناء. تركت حياة المعسكر في نفسه أثرا ~~عميقا بث في خياله وأحلامه يقظة شاملة، أثرا نقش على صفحة قلبه ~~إلى جانب الآثار التي نقشتها حكايات أمينة عن عالم الغيب ~~والأساطير، وقصص ياسين الذي جذب روحه إلى دنياها الساحرة، والأطياف ~~والرؤى التي تتخايل له في أحلام اليقظة وراء أغصان الياسمين ~~واللبلاب وأصص الزهور - فوق السطح - عن حياة النمل والعصافير ~~والدجاج. من ثم أنشأ عند سور السطح الملاصق لسطح بيت مريم معسكرا ~~كامل العدة والعدد، أقام خيامه بالمناديل والأقلام، وأسلحته بعيدان ~~الخشب، ولورياته من القباقيب وجنوده من نوى التمر. وعلى كثب من ~~المعسكر مثل ms390 المتظاهرين بالحصى. يبدأ التمثيل عادة بنشر النوى ~~جماعات بعضها في الخيام، وعند مداخلها وبعضها حول البنادق غير أربع ~~بينها حصاة (تمثله هو) ينتحون جانبا، يأخذ في محاكاة الغناء ~~الإنجليزي، ثم يجيء دور الحصاة لتغني «زوروني كل سنة مرة» أو «يا ~~عزيز عيني»، ينتقل إلى الحصى فينضده صفوفا ويهتف: «يحيا الوطن ... ~~تسقط الحماية ... يحيا سعد.» يعود إلى المعسكر مصفرا، فتنتظم النوى ~~صفوفا كذلك، وعلى رأس كل صف تمرة، ثم يدفع قبقابا وهو ينفخ ~~محاكيا أزيز اللوري، ويضع النوى على سطح القبقاب، ثم يدفعه مرة ~~أخرى صوب الحصى، فتنشب المعركة وتسقط الضحايا من الجانبين! ... ولم ~~يكن يسمح لعواطفه الشخصية بأن تؤثر في سير المعركة، على الأقل في ~~بدئها ووسطها، كانت تتحكم فيه رغبة واحدة، هي أن يجعلها معركة ~~«صادقة مشوقة» يتنازعها الدفع والجذب من الجانبين، وتتعادل ~~الإصابات، فتظل النتيجة مجهولة والاحتمال متأرجحا بين الطرفين ~~على أن المعركة لا تلبث طويلا حتى تستوجب نهاية تنتهي إليها، ~~هنالك يجد نفسه في موقف حائر، أي جانب ينتصر؟ ... في جانب أصدقاؤه ~~الأربعة، وعلى رأسهم جوليون، وفى الجانب الآخر مصريون يخفق معهم ~~قلب فهمي! ... في اللحظة الأخيرة يقرر النصر للمتظاهرين، فينسحب ~~اللوري بقلة من الجنود بينهم الأصدقاء الأربعة، وإن كان قد ختم ~~المعركة مرة بصلح شريف احتفل به المتحاربون من الطرفين بالغناء ~~حول مائدة حفلت بأقداح الشاي، ومختلف ألوان الحلوى! ... وكان جوليون ~~أعز أصدقائه، امتاز إلى جماله بدماثة الخلق، فضلا عن براعته ~~النسبية في التكلم بالعربية، وهو الذي جعل دعوته إلى الشاي حقا ~~ثانيا كما بدا أشد الجنود تأثرا بغنائه، حتى كان يدعوه كل يوم ~~تقريبا إلى غناء «يا عزيز عيني» فيتابعه باهتمام ثم يغمغم في ~~تشوق وحنين: أروح بلدي ... أروح بلدي! # وآنس كمال منه هذه الروح، فازداد له ألفة واطمئنانا، حتى قال ~~له مرة جادا وكأنما يدله على مخرج من كربه: أرجعوا سعد باشا ~~وعودوا إلى بلادكم! # ولكن جوليون لم يلق اقتراحه بالارتياح الذي كان ينتظر، وعلى ~~العكس طلب إليه - كما فعل من قبل في ظرف ms391 مشابه - ألا يعود إلى ~~ذكر سعد باشا قائلا: «سعد باشا ... نو»، وهكذا فشل - على حد تعبير ~~ياسين - أول مفاوض مصري! ... ما يدري يوما إلا وأحد «الأصدقاء» ~~يقدم له صورة كاريكاتورية رسمها له، فنظر كمال إليها بدهشة ~~وانزعاج وهو يقول لنفسه «صورتي؟! ليست هذه صورتي!» ولكنه شعر في ~~قرارة نفسه بأنها صورته دون غيره ولو على وجه ما، ثم رفع عينيه ~~للواقفين، فألفاهم يضحكون، فأدرك أنها نوع من المزاح، وأن عليه أن ~~يتقبله بسرور، فجاراهم في ضحكهم مداريا بالضحك خجله، ولما اطلع ~~عليها فهمي تفرس هذا فيها بدهشة، ثم قال: رباه ... لم تترك عيبا ~~إلا أبرزته! ... الجسم النحيف الصغير، الرقبة الطويلة الهزيلة، الأنف ~~الكبير، الرأس الضخم، العينان الصغيرتان ... ثم ضاحكا: الشيء الوحيد ~~الذي يبدو أن «صديقك» يضمر نحوه إعجابا هو بدلتك الأنيقة ~~المهندمة، ولا فضل لك في ذلك، وإنما الفضل لنينة التي لا تترك ~~شيئا في البيت إلا هندمته! # ورمى إليه بطرف شامت، ثم قال: بان السر الذي حببك إليهم! ... ~~إنهم يتسلون بالضحك على شكلك وأناقتك المفرطة، يعني بالعربي لست ~~إلا «قره جوز» في نظرهم ... ماذا كسبت من وراء خيانتك؟! ولكن كلام ~~فهمي لم يحدث أثرا؛ لأن الغلام كان يدرك مدى عداوته للإنجليز، ~~فظنها مناورة يراد بها التفرقة بينه وبينهم! ... وجاء يوما ~~المعسكر كعادته، فرأى جوليون عند أقصى جدار السبيل يتطلع ~~باهتمام إلى العطفة التي يفتح عليها بيت المرحوم السيد محمد ~~رضوان، فمضى نحوه، ولكنه رآه يلوح بيده محدثا إشارات غامضة لم ~~يفقه لها معنى، بيد أنه توقف عن التقدم ملبيا إحساسا غريزيا ~~خفي عنه معناه، ثم أغراه حب الاستطلاع بأن يدور حول الخيام ~~المنصوبة أمام واجهة السبيل متسللا إلى ما وراء جوليون، وأن يمد ~~بصره إلى الهدف الذي يتطلع إليه، هنالك رأى كوة في جناح بيت آل ~~رضوان الذي يسد العطفة القصيرة يلوح منها وجه مريم واضحا باسما ~~مستجيبا! وقف يردد النظر بين الجندي وبين الفتاة في ذهول كأنما ~~يأبى أن يصدق عينيه، كيف اقترفت مريم الظهور في الكوة؟! ... كيف ms392 ~~تصدت لجوليون على هذا النحو الفاضح؟! هو يلوح بيديه وهي ~~تبتسم! ... أجل ها هي الابتسامة لا تزال مطبوعة على شفتيها! ... وها ~~هما عيناها يستغرقهما النظر إليه، حتى إنها لم تفطن بعد إلى وجوده ~~هو! وندت عنه حركة لفتت إليه جوليون، فما كاد يطلع على موقفه، حتى ~~أغرق في الضحك وهو يرطن، على حين تراجعت مريم بسرعة خاطفة في ~~ذعر بين. راح يتطلع إلى الجندي في ذهول وقد زاده فرار مريم ~~ريبة على ريبة، وإن بدا له الأمر كله غموضا في غموض، سأله جوليون ~~متوددا: تعرفها؟ # فأحنى رأسه بالإيجاب ولم ينبس. غاب جوليون دقائق، ثم عاد حاملا ~~لفافة كبيرة قدمها إلى كمال قائلا وهو يشير إلى بيت مريم: اذهب ~~بها إليها. # ولكن كمال تراجع جافلا وهو يهز رأسه يمنة ويسرة في عناد. لم ~~تبرح تلك الحادثة مخيلته، ومع أنه شعر بخطورتها من بادئ الأمر، إلا ~~أنه لم يدرك مدى الخطورة على حقيقتها إلا حين قص القصة في مجلس ~~القهوة مساء. استوت أمينة في جلستها وهي تتباعد، وقد ظل فنجان ~~القهوة معلقا بين أصبعيها لا هي تقربه من فيها، ولا هي تضعه ~~على الصينية، على حين غادر فهمي وياسين الكنبة المواجهة لمجلس الأم ~~مهرولين إلى الكنبة التي تجلس عليها هي وكمال، وجعلا يحدقان إليه ~~باهتمام ودهش وانزعاج فاق كل ما توقع. قالت أمينة وهي تزدرد ~~ريقها: أرأيت هذا حقا! ... ألم تخدعك عيناك؟! # وتأفف فهمي: مريم؟! مريم؟! أمتأكد أنت مما تقول؟! # وتساءل ياسين: أكان يشير إليها وكانت تبتسم إليه؟! ... أرأيتها ~~تبتسم حقا؟! # وأعادت أمينة الفنجان إلى الصينية، فأسندت رأسها إلى راحتها ~~قائلة بلهجة تنم عن الوعيد: كمال! الكذب في مثل هذا الأمر ~~جريمة لا يغفرها الله ... راجع نفسك يا ابني ... ألم تعد الحق في ~~شيء؟! # وحلف كمال بأغلظ الأيمان، فقال فهمي بيأس ومرارة: إنه لا يكذب، ~~ليس في وسع عاقل أن يتهمه بالكذب فيما قال، ألا تدركون أن اختراع ~~مثل هذه القصة هو أبعد ما يكون عن تصور واحد في سنه؟! # فتساءلت الأم ms393 بصوت حزين: وكيف يسعني أن أصدقه! # فقال فهمي وكأنه يحدث نفسه: أجل كيف يمكن تصديقه! ... (ثم بصوت ~~حاد) ولكنه وقع ... وقع! # وقعت الكلمة الأخيرة من نفسه موقع الخنجر، كررها وكأنما يكرر ~~الطعن متعمدا، حقا شغلته عن مريم الشواغل، فلم تعد ذكراها تلوح ~~إلا في حاشية أحلام يقظته، ولكن الطعنة التي أصابت سمعتها نفذت ~~إليها خلال قلبه. إنه ذاهل ... ذاهل ... ذاهل، لا يدري إن كان نسي أم ~~لم ينس، يحب أم يكره، يغضب للكرامة أم للغيرة ... ورقة شجر جافة ~~في مهب زوبعة متناوحة. ~~- كيف يسعني أن أصدقه؟ ... طالما كانت ثقتي في مريم كثقتي في خديجة ~~أو عائشة، أمها من الفضليات، أبوها طيب الله ثراه كان من الأكرمين ~~... جيران العمر ونعم الجيران. # قال ياسين - الذي بدا طول الوقت مستغرقا بالتفكير - بلهجة لم ~~تخل من سخرية: علام تعجبون؟ ... منذ القدم والله يخلق من صلب ~~الأبرار أشرارا. فقالت أمينة محتجة كأنما تأبى أن تصدق أنها ~~خدعت طوال ذلك الدهر: يشهد الله أني لم ألاحظ عليها ما يسوء ~~قط. # فقال ياسين بحذر: ولا أحد منا، حتى خديجة العيابة الكبرى، بل ~~خدع بها من هو أفطن منك ومني! # فهتف فهمي متألما: من أين لي أن أطلع على الغيب؟! إنه أمر يشق ~~تصوره. # وحنق على ياسين لدرجة الغليان، ثم بدا له الخلق جميعا بغضاء، ~~الإنجليز والمصريون على السواء ... الرجال والنساء - والنساء خاصة - ~~إنه يختنق ... هفت نفسه إلى الاختفاء ليتنشق في وحدته نسمة راحة، ~~بيد أنه لم يبرح مكانه كأنما شد إليه بحبال غلاظ. # اتجه ياسين إلى كمال متسائلا: متى رأتك؟ ~~- عندما التفت إلي جوليون. ~~- ثم فرت من النافذة؟ ~~- نعم. ~~- هل رأت أنك رأيتها؟ ~~- التقت عينانا لحظة. # ياسين ساخرا: مسكينة! ... إنها دون شك تتخيل الآن مجلسنا هذا ~~وحديثنا ذا الشجون! ~~- إنجليزي! # هتف فهمي وهو يضرب كفا على كف: بنت السيد محمد رضوان! # فغمغمت أمينة متنهدة، وهي تهز رأسها عجبا. # فقال ياسين متفكرا: مغازلة إنجليزي ليست بالمسألة الهينة على ~~فتاة، هذه درجة من الفساد لا يمكن أن تظهر طفرة ms394 ... # فسأله فهمي: ماذا تعني؟ ~~- أعني أنه لا بد أن تسبقها درجات من الفساد! # فقالت أمينة برجاء: أستحلفكم بالله أن تمسكوا عن هذا ~~الحديث. # فواصل ياسين حديثه، كأنه لم يسمع رجاءها، قائلا: مريم بنت سيدة ~~لها في التبرج فنون بشهادتكن أنت وخديجة وعائشة! # فهتفت أمينة بصوت ملؤه العتاب والزجر: ياسين! # فقال ياسين كالمتراجع: أريد أن أقول إننا أسرة تعيش في حق ~~مغلق لا تكاد تعلم شيئا عما يدور حولها، قصارى جهدنا أن نتصور ~~الناس على مثالنا، اختلطت بنا مريم أعواما طوالا، ولكننا لم ~~نعرفها على حقيقتها، حتى كشفها لنا آخر من ينشد عنده كشف ~~الحقائق! # وربت على رأس كمال ضاحكا، ولكن أمينة عادت تقول بتوسل حار: ~~أستحلفكم بالله أن تغيروا مجرى الحديث. # ابتسم ياسين ولم ينبس، فأطبق الصمت. لم يعد فهمي يتحمل البقاء ~~بينهم، فاستجاب إلى الصوت الباطني الذي يستصرخه ملهوفا على الفرار ~~... بعيدا عن الأنظار والأسماع، هنالك يستطيع أن يخلو إلى نفسه، أن ~~يعيد إليها الحديث من ألفه إلى يائه، كلمة كلمة، عبارة عبارة، ~~جملة جملة؛ ليفهمه ويتفهمه، ثم ينظر أين يكون موضعه. # 65 # كان الليل قد جاوز منتصفه عندما غادر السيد أحمد عبد الجواد بيت ~~أم مريم متلفعا بظلمة العطفة المسدودة. بدا الحي كله - كما أمسى ~~يبدو مع الهزيع الأول من الليل مذ عسكر الإنجليز فيه - غارقا في ~~النوم متدثرا بالظلام، لا مقهى يسمر، ولا بائع يسرح، ولا دكان ~~يسهر، ولا مار يدب، فلم يكن فيه أثر للحياة أو النور إلا ما ~~انبعث من المعسكر، ومع أن أحدا من الجنود لم يتعرض له بسوء في ~~الذهاب أو الإياب، إلا أنه لم يكن يخلو قط في قلق وتوجس كلما ~~اقترب من المعسكر في طريقه إلى البيت، خاصة وأنه يعود - آخر الليل ~~- على حال من الإعياء والاسترخاء والذهول، يشق معها مجرد ~~التفكير في السير الآمن المطمئن، انحدر إلى طريق النحاسين، ثم ~~انعطف يمنة متجها إلى البيت وهو يختلس النظر إلى الديدبان، حتى ~~دخل أشد مناطق الطريق خطورة ... تلك التي ينتشر فيها ms395 النور المنبعث ~~من قلب المعسكر، هنالك عاوده الإحساس الذي يخامره كلما دخلها، ~~وهو أنه هدف يسير لأي صائد، فحث خطاه ليخرج منها إلى الظلام ~~المفضي إلى مدخل بيته، ولكنه ما كاد يخطو خطوة، حتى صك أذنيه صوت ~~أجش غليظ، يزعق وراءه راطنا، فأدرك على جهله رطانته - من عنف ~~اللهجة واقتضابها - أنه رماه بأمر لا يقبل المناقشة، فتوقف عن ~~السير، والتفت وراءه مرتاعا فرأى جنديا - غير الديدبان - يتجه ~~نحوه بقوة شاكي السلاح، ماذا جد حتى دعا إلى هذه المعاملة؟ ... ~~أيكون الرجل ثملا؟ أم لعله أذعن لنزوة اعتداء طارئة؟ أم هو يبتغي ~~السلب والنهب؟ جعل يرقب اقترابه بقلب خافق وحلق جاف، وقد طار ~~الخمار من رأسه. وقف الجندي على بعد خطوة منه ثم وجه إليه ~~بلهجة آمرة كلاما سريعا قصيرا - لم يفهم منه بطبيعة الحال ~~كلمة واحدة - وهو يشير بيده الخالية صوب شارع بين القصرين، فحملق ~~السيد في وجهه بيأس واستعطاف، وهو يعاني مرارة العجز عن التفاهم ~~معه كي يقنعه ببراءته مما يتهمه به، أو كي يعرف على الأقل ما يريد، ~~ثم خطر له أنه قصد بإشارته إلى بين القصرين أن يأمره بالابتعاد ~~ظنا منه أنه غريب، فراح يشير إلى بيته بدوره ليفهمه أنه من ~~سكانه، وأنه عائد إليه، ولكن الجندي تجاهل حركته وهو يدمدم، ثم ~~أصر على إشارته وهو يهز رأسه في نفس الاتجاه، كأنما يحثه على ~~الذهاب، ثم بدا أنه ضاق به فقبض على منكبه وأداره بقوة، فدفعه في ~~ظهره، فوجد السيد نفسه يتحرك متجها نحو بين القصرين والآخر وراءه، ~~فاستسلم - ومفاصله تكاد تسيب - إلى المقادير، جاوز في مسيره ~~المجهول المعسكر، ثم سبيل بين القصرين، وهناك اختفى آخر أثر للضوء ~~المنبعث من المعسكر، فخاض أمواج الظلام الدامس والصمت الثقيل، لا ~~منظر يرى إلا أشباح البيوت، ولا صوت يسمع إلا وقع القدمين ~~الغليظتين اللتين تتبعانه في نظام ميكانيكي كأنهما يعدان ~~الدقائق الباقية له في الحياة، ولعلها ثوان، أجل كان يتوقع في ~~أية لحظة أن ينقض عليه بخبطة تهوي به إلى النهاية، ms396 فمضى ~~يترقبها بعينين محملقتين في الظلام، وفم مطبق من الجزع، ~~وحرقوة تتحرك حركة عصبية من آن لآن كلما ازدرد ريقه الجاف ~~الملتهب، حتى بوغت بوميض يجذب بصره إلى أسفل، فكاد يصرخ كالأطفال ~~من الهلع، وقد تهاوى قلبه ولكنه تبينه دائرة من الضوء تذهب ~~وتجيء، فأدرك أنها شعاع من بطارية أضاءها سائقه ليتعرف على ~~طريقه خلال الظلمات. استرد أنفاسه بعد أن تخفف من الذعر المباغت، ~~ولكنه لم يستشعر نسمة راحة حتى تلقفه خوفه الأول، خوف الموت ~~الذي يساق إليه، فعاد يترقب حتفه بين لحظة وأخرى، كأنه غريق ~~توهم في تخبطه أنه يرى تمساحا يتوثب لمهاجمته، ثم تبين له ~~أن ما رأى أعشاب طافية، ولكن فرحته للنجاة من الخطر الوهمي لم تكد ~~تتنفس حتى اختنقت تحت ضغط الخطر الحقيقي المحيط به، إلى أين يسوقه؟ ~~لو يستطيع أن يراطنه فيسأله! يبدو أنه سيواصل سوقه حتى يدفع به إلى ~~قرافة باب النصر، لا أثر لإنسان ولا لحيوان، أين الغفير؟ وحيد تحت ~~رحمة من لا يرحم، متى كان مثل هذا العذاب ... هل يذكر؟ الكابوس ... أجل ~~إنه الكابوس. كابده أكثر من مرة خلال نوم مريض، إن ظلمة الكابوس ~~نفسها لا تخلو أحيانا من بارقة أمل قد يشرق بنفس النائم إحساس ~~حنون بأن ما يعانيه حلم لا حقيقة، وبأنه سينجو من شره الآن أو ~~بعد حين، هيهات أن يجود الدهر بمثل ذلك الأمل، إنه صاح لا نائم، ~~وهذا الجندي الشاكي السلاح حقيقة لا خيال، وهذا الطريق الذي يشهد ~~ذله وأسره شيء ملموس مخيف لا وهم، عذابه حقيقة لا سبيل إلى الشك ~~فيها، إن أقل حركة ممانعة تند عنه خليقة بأن تطيح رأسه ... لا ~~سبيل إلى الشك في هذا أيضا. قالت له أم مريم وهي تودعه: «إلى ~~الغد» الغد؟! هل يطلع ذلك الغد؟! سل القدمين الثقيلتين اللتين ~~ترجان الأرض وراء ظهرك ... سل البندقية ذات السونكي الحاد المدبب، ~~قالت له أيضا وهي تمازحه: «تكاد رائحة الخمر المتطايرة من فيك أن ~~تسكرني.» الآن طارت الخمر وطار عقله، ولت ساعة الصبوة، ms397 منذ دقائق ~~معدودة ... كانت الصبوة كل شيء في الحياة. الآن العذاب هو كل شيء ... ~~وليس بين هذا وذاك إلا دقائق معدودة، دقائق معدودة؟! ... عندما بلغ ~~منعطف الخرنفش جذب عينيه شعاع يومض في الظلام، فلحظ الطريق، فرأى ~~بطارية تتحرك في يد جندي آخر يسوق بين يديه أشباحا لم ~~يتبين عددهم! ... تساءل ترى هل صدرت إلى الجنود أوامر بالقبض على ~~من يصادفون من الرجال ليلا؟! ... وإلى أين يسوقونهم؟ ... وأي عقاب ~~سيقضون به عليهم؟ تساءل طويلا وهو من الدهش والانزعاج في نهاية، ~~بيد أن رؤيته للضحايا الجدد أدخلت على قلبه شيئا من العزاء ~~والارتياح، لم يعد على الأقل وحيدا كما كان يظن، وجد في بلواه ~~أندادا يؤنسون وحشته ويشاركونه المصير، كان يتقدم قافلتهم ~~بمسافة قصيرة، فراح ينصت إلى وقع أقدامهم مستأنسا إليها كما ~~يستأنس الضال في مفازة إلى أصوات آدمية ترامت إليه مع الريح، ~~ولم تكن أمنية أعز على نفسه آنئذ من أن يلحقوا به لينضم إلى ~~جماعتهم، سواء كانوا معارف أو غرباء، لتخفق قلوبهم معا وهم ~~يحثون الخطى نحو المصير المجهول. هؤلاء الرجال أبرياء وهو بريء ~~ففيم القبض عليهم؟ فيم القبض عليه هو مثلا؟ لا هو من الثوار ~~ولا من المشتغلين بالسياسة، ولا حتى من الشبان فهل يطلعون على ~~الأفئدة ويحاسبون على المشاعر؟ ... أو تراهم يعتقلون أفراد الشعب بعد ~~أن فرغوا من اعتقال الزعماء! لو كان يعرف الإنجليزية فيسأل آسره؟ ... ~~أين فهمي ليحادثه نيابة عنه؟ ... وخزه الألم والحنين، أين فهمي ~~وياسين وكمال وخديجة وعائشة وأمهم؟ هل يمكن أن تتصور أسرته ما آل ~~إليه حاله من هوان، وهي التي لم تره إلا جبارا عزيزا جليلا؟ ~~هل تتصور أن جنديا دفعه بعنف، حتى أوشك أن يطرحه أرضا وأن ~~يسوقه كما تساق السائمة؟ وجد لذكر آله ألما وحنينا، فكادت تدمع ~~عيناه. كان يمر في طريقه بأشباح بيوت ودكاكين يعرف أصحابها، ~~ومقاه كان يوما - خاصة عهد الصبا والشباب - من سمارها، فأحزنه ~~أن يمضي بها أسيرا دون أن تنهض لنجدته، أو حتى ترثي لحاله، شعر ~~حقا بأن ms398 أحزن صنوف الهوان ما حاق به في حيه، ثم رفع عينيه إلى ~~السماء باعثا بفكره إلى الله المطلع على قلبه، بعث إليه بفكره دون ~~أن يجري له ذكرا على لسانه، ولو همسا مستحييا من أن ينطق ~~باسمه، وجسمه لم يتطهر من أنفاس الشراب وعرق الغرام، وما لبث أن ~~تضاعف خوفه من أن يباعد دنسه بينه وبين النجاة، أو أن يلقى ~~مصيرا كفاء لما سلف من استهتاره، فغشي صدره تطير وكآبة، وأشفى على ~~اليأس، حينما شارف سوق الليمون ترامى إلى الصمت الذي لا يؤنسه إلا ~~وقع أقدام أصوات مبهمة، فأرهف محملقا في الظلام - وهو يتقدم ~~بين الخوف والرجاء - فتناهت إلى أذنيه لجة لم يدر إن كان مصدرها ~~إنسان أو حيوان، غير أنه تبين بعد قليل لغطا، فلم يتمالك أن قال ~~لنفسه في لهفة: «أصوات آدمية!» ومال مع الطريق، فلاحت لعينيه ~~أضواء متحركة حسبها بادئ الأمر بطاريات جديدة، ولكنها وضحت ~~مشاعل رأى على نورها جانبا من بوابة الفتوح يقف تحته جنود ~~بريطانيون، ثم تراءى له جنود من البوليس المصري رد منظرهم إلى صدره ~~الدماء، سأعرف ما يراد بي، لم يبق إلا مسيرة خطوات، ماذا دعا إلى ~~تجمهر الجنود الإنجليز والمصريين عند البوابة؟ لماذا يسوقون ~~الأهالي من شتى أنحاء الحي؟ عما قليل أعرف كل شيء، كل شيء؟ فلأستعذ ~~بالله ولأسلم إليه أمري، سأذكر هذه الساعة الرهيبة مدى العمر إن ~~كان في العمر بقية، الرصاص ... المشنقة ... دنشواي ... أأنضم إلى سجل ~~الشهداء؟ أأصبح نبأ من أنباء الثورة يتناقله محمد عفت وعلي عبد ~~الرحيم وإبراهيم الفار، كما كنا نتناقل الأخبار في سهرات المساء؟ ~~تصور السهرة ومكانك شاغر؟ رحمة الله عليك ... كان وكان ... لشد ما ~~يبكونك، وسيتذكرونك طويلا، ثم تنسى، ما أشد اضطراب قلبي، سلم ~~أمرك للذي خلقك، اللهم حوالينا ولا علينا. ما إن اقترب من موقف ~~الجنود حتى اتجهت الأنظار إليه باردة قاسية متوعدة، فغاص قلبه في ~~الأعماق مخلفا وراءه في الأضلع ألما حادا، ترى هل آن له أن ~~يتوقف؟ تثاقلت قدماه ولفه التردد والحيرة. ~~- ادخل. ms399 # هتف بها شرطي وهو يشير إلى داخل البوابة، فنظر السيد إليه نظرة ~~ناطقة بالتساؤل والاستعطاف والاستغاثة، ثم مر بين الجنود لا يكاد ~~يرى ما بين يديه من شدة الفزع، ويود لو يغطي رأسه بذراعيه استجابة ~~لغريزة الخوف التي تستصرخه. هنالك تحت قبة البوابة رأى منظرا عرفه ~~بما يراد به بغير حاجة إلى سؤال، رأى حفرة عميقة كالخندق تعترض ~~الطريق، كما رأى جمهورا من الأهالي يعملون بلا توقف، وتحت إشراف ~~الشرطة لسد الحفرة بأن يحملوا الأتربة في مقاطف ويفرغونها فيها، ~~الكل يعمل بهمة وسرعة، والأعين تسترق النظر في خوف إلى الجنود ~~الإنجليز الذين رابطوا عند مدخل البوابة. اقترب منه شرطي ورمى ~~إليه بمقطف وهو يقول بصوت غليظ ينم عن وعيد: افعل كما يفعل ~~الآخرون ... ثم همسا: أسرع حتى لا يصيبك أذى. # كانت هذه الجملة أول تعبير «إنساني» يلقاه في رحلته المخيفة، ~~فسرت في صدره سرى النسمة في حلق المختنق، انحنى على المقطف، ~~فتناوله من علاقته وهو يسأل الشرطي همسا: هل يطلق سراحنا إذا تم ~~العمل؟ # فأجابه بنفس الصوت: إن شاء الله. # تنهد من الأعماق، راودته نفسه على البكاء، شعر بأنه يولد من ~~جديد .. رفع بيسراه الجبة من طرفها، ودسه في حزام القفطان كي لا ~~تعوقه عن العمل، ومضى بالمقطف إلى طوار البوابة، حيث تراكمت ~~الأتربة فوضعه بين قدميه، وراح يملأ كفيه بالتراب ويفرغها في ~~المقطف، حتى امتلأ ثم حمله بيده، وذهب إلى الحفرة فأفرغه فيها وعاد ~~إلى الطوار، واصل العمل بين جماعات من الناس ضمت الأفندية ~~والمعممين، الهرمين والشبان، يعملون جميعا بهمة عالية مستمدة من ~~رغبتهم في الحياة، وإنه ليملأ مقطفه إذ لكزه كوع فالتفت إلى مصدره، ~~فرأى صديقا يدعى غنيم حميدو صاحب معصرة زيوت بالجمالية ممن يلمون ~~بمجالس لهوه بين حين وآخر، ففرح به فرحة عظمى كما فرح به الآخر، ~~وسرعان ما تهامسا: أنت وقعت أيضا! ~~- قبلك ... وصلت قبيل منتصف الليل، ورأيتك وأنت تتسلم مقطفك، ~~فجعلت في ذهابي وإيابي أتبع طريقا يميل إليك رويدا رويدا حتى ~~جاورتك. ~~- أهلا .. أهلا، أليس ms400 ثمة أحد من أصدقائنا؟! ~~- لم أعثر على غيرك. ~~- قال لي الشرطي أنهم سيطلقون سراحنا حالما نتم العمل. ~~- قيل لي ذلك أيضا، ربنا يسمع منك. ~~- سيبوا ركبي الله يخرب بيوتهم. ~~- لم تعد لي ركب على ما أظن! # وتبادلا ابتسامة مقتضبة. ~~- ما أصل هذه الحفرة؟ ~~- يقال إن فتوات الحسينية حفروها أول الليل؛ ليمنعوا مسير ~~اللوريات، ويقال أيضا أن لوريا وقع فيها! ~~- إن صح هذا فقل علينا السلام! # وعندما تجاورا مرة ثانية عند كوم الأتربة كانا قد ألفا الموقف ~~بعض الشيء، فعاودتهما الروح، حتى إنهما لم يتمالكا أن ابتسما وهما ~~يملآن مقطفيهما بالتراب كعمال البناء، فهمس غنيم: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل على أولاد الكلب. # فهمس السيد باسما: أرجو أن يعطونا أجرا مناسبا! ~~- أين قبض عليك؟ ~~- أمام البيت. ~~- طبعا! ~~- وأنت؟ ~~- كنت بالعا منزولة، ولكني أفقت تماما، الإنجليز أقوى من ~~الكوكايين! ~~- أقوى من القيء نفسه! # مضى الرجال يذهبون ويجيئون عجلين ما بين طوار الأتربة والحفرة ~~على ضوء المشاعل، أثاروا التراب، حتى انتشر في فراغ القبة خالقا ~~جوا خانقا، فعلاهم البهر، وتصبب العرق من جبهاتهم، واغبرت ~~وجوههم وتتابع من انتشاق الغبار سعالهم، فكأنهم أشباح انشقت ~~عنهم الحفرة. على أي حال لم يعد وحده، هذا الصديق وهؤلاء الرجال من ~~حيه، جنود البوليس المصريون معهم بقلوبهم، آي ذلك أنهم جردوا من ~~سلاحهم ... لم يعد السيف ذو الغمد المعدني يتدلدل من أحزمتهم، اصبر ... ~~اصبر لعل هذه الغمة أن تنكشف، هل كنت تتصور أنك ستعمل حتى مطلع ~~الصبح وربما حتى الضحى، شد حيلك، ليس ثمة أنك ستحمل التراب، ~~وتسخر في سد الحفرة؟ لا تريد الحفرة أن تمتلئ، لا فائدة ترجى من ~~الشكوى، ولمن تشكو؟ جسمك قوي صلب العود يستطيع أن يتحمل رغم سكرة ~~الليلة وعبثها، كم الساعة الآن؟ ليس من الحيطة أن تنظر فيها، لو لم ~~يقع لي هذا لكنت الآن مستلقيا على الفراش منعما بلذيذ المنام، ~~كنت أستطيع أن أغسل رأسي ووجهي، وأشرب شربة روية من القلة المعطرة ~~بالزهر، هنيئا لنا هذه المشاركة في جحيم الثورة، لم لا؟ البلد ms401 ~~ثائر ... كل يوم ... كل ساعة ضحايا وشهداء، بيد أن قراءة الصحف ~~وتناقل الأخبار شيء أما حمل التراب تحت تهديد البنادق فشيء آخر، ~~هنيئا لكم أيها النائمون في أسرتكم، اللهم احفظنا، لست لها ... ~~لست لها، اللهم اهزم المشركين بقوتك، نحن ضعفاء .. لست لها، هل ~~يتصور فهمي أي خطر يتهدده؟ إنه يستذكر دروسه الآن غير عالم بما ~~يحيق بأبيه، قال لي: «لا » لأول مرة في حياته، قالها بدموعه ولكن ~~سيان عندي. المعنى واحد، لم أقل لأمه، لن أقول لها، أأكشف لها عن ~~عجزي؟ أأستعين بضعفها بعد أن أخفقت بقوتي؟ كلا .. لتبق جاهلة ~~بكل شيء، يقول إنه لا يعرض نفسه للخطر، حقا؟ اللهم استجب، لولا ~~هذا ما رحمته أبدا، اللهم احفظه، اللهم احفظنا جميعا من شر هذه ~~الأيام، كم الساعة الآن؟ إن طلع علينا الصباح أمنا القتل، لن ~~يقتلونا أمام الخلق. الصباح؟ ~~- بصقت على الأرض كي أتخلص من الغبار اللازق بسقف حلقي، فرماني ~~أحد الأبالسة بنظرة وقف لها شعر رأسي! ~~- لا تبصق، تشبه بي، لقد بلعت من التراب قدرا يكفي لسد هذه ~~الحفرة! ~~- لعل زبيدة دعت عليك! ~~- لعلها ... ~~- ألم يكن سد حفرتها أطيب من سد هذه الحفرة؟ ~~- بل أشق! # تبادلا ابتسامة سريعة، ثم قال غنيم متنهدا: انقصم ظهري يا ~~هوه! ~~- مثلك، عزاؤنا أننا نشارك المجاهدين بعض آلامهم. ~~- ما رأيك أن أرمي بالمقطف في وجه الجنود وأهتف بأعلى صوتي «يحيا ~~سعد»؟! ~~- اشتغلت المنزولة من جديد؟ ~~- يا للخسارة! .. كانت قطعة «قد فص العين» حركتها بالشاي مرة ~~ومرتين وثلاثا، ثم ذهبت إلى الطمبكشية أسمع الشيخ علي محمود في ~~بيت الحمزاوي، وعدت قبيل منتصف الليل، وأنا أقول لنفسي «الولية ~~الآن تنتظرك لا أفلح من خيب لها رجاء» حين طلع ابن القرد وساقني ~~من قفاي. ~~- ربنا يعوض عليك. ~~- آمين. # جاء الجنود برجال آخرين بعضهم من ناحية الحسينية، والبعض الآخر ~~من ناحية النحاسين، وسرعان ما انضموا إلى «العمال». ألقى على ~~المكان نظرة فوجده ازدحم بالجمهور أو كاد، وقد انتشروا حول الحفرة ~~في جميع الجهات، يذهبون إلى الطوار ويرجعون إليها ms402 في حركة لا ~~تنقطع، وأنوار المشاعل تضيء منهم وجوها لاهثة نال منها الإعياء ~~والذل والخوف كل منال. الكثرة بركة وأمان، لن يذبحوا هذا الجمع ~~الغفير من الناس، لن يأخذوا البريء بالمذنب، ترى أين المذنبون؟ أين ~~هؤلاء الفتوات؟ هل يعلمون الآن أن إخوانا لهم وقعوا في الحفرة ~~التي حفروا؟! قاتلهم الله، هل حسبوا أن حفر حفرة سيعيد سعدا، أو ~~يخرج الإنجليز من مصر! لأنقطعن عن السهر إن كتب الله لي عمرا ~~جديدا، أنقطع عن السهر؟ لم يعد السهر بمأمون، كيف يكون طعم ~~الحياة، لا طعم للحياة في ظل الثورة، الثورة .. أي جندي يقبض عليك ~~.. تحمل التراب بكفيك، فهمي يقول لك لا! متى تعود الدنيا إلى ~~أصلها؟ صداع؟ .. بل صداع وغثيان، دقائق من الراحة .. لا أطمع في ~~مزيد! بهيجة في سابع نومة، أمينة تنتظر كما تنتظر «ولية» غنيم، ~~هيهات أن يخطر لكم ما حاق بأبيكم، رباه إن التراب يملأ أنفي ~~وعيني، يا سيدنا الحسين، امتلئي .. امتلئي .. أما كفاك هذا التراب ~~كله؟! يا بن بنت رسول الله، غزوة الخندق .. هكذا دعاها سيدنا ~~الواعظ، كان عليه الصلاة والسلام يعمل مع العاملين، ويرفع التراب ~~بيديه .. كافرون وكافرون لماذا ينتصر كافرو اليوم! فساد الزمن .. ~~فساد الزمن ... فسادي أنا، هل يعسكرون أمام البيت حتى تنتهي ~~الثورة؟ ~~- ألم تسمع الديكة؟ # أرهف السيد أذنيه ثم غمغم: الديكة تصيح! الفجر؟ ~~- نعم .. ولكنها لن تمتلئ قبل الصباح. ~~- الصباح! ~~- المهم أني محصور، محصور جدا. # اتجه ذهن السيد إلى أسفل، فشعر بأنه محصور أيضا، وبأن جانبا ~~من آلامه يعود بلا شك إلى ذلك، وسرعان ما اشتد ضغط المثانة عليه ~~كأنما هيجها تفكيره فيها، قال: وأنا كذلك. ~~- والعمل؟ ~~- ما باليد حيلة! ~~- انظر هناك إلى ابن القرد الذي وقف يبول أمام دكان على ~~الزجاج! ~~- آه! ~~- إخراج شوية بول أهم الآن عندي من إخراج الإنجليز من مصر ~~كلها. ~~- إخراج الإنجليز من مصر كلها؟! ليخرجوا أولا من ~~النحاسين. ~~- رباه .. انظر .. لا يزال الجنود يأتون بالناس! # رأى السيد جماعة جديدة تشق طريقها صوب الحفرة. # 66 # استيقظ السيد أحمد ms403 من نومه حوالي العصر، وكان نبأ واقعته قد ذاع ~~في الأهل والأصدقاء، فوفدوا على البيت واجتمعوا به مهنئين ~~بالسلامة، فراح يقص القصة ويعيدها بأسلوب لم يخل - رغم جدية ~~الأمر - من فكاهة وتهويل حتى أثار شتى التعليقات. كانت أمينة أول ~~من سمع القصة، ألقاها عليها وهو مشتت النفس خائر القوى، لا يكاد ~~يصدق حقا أنه نجا، فتلقت وحدها الجانب المفجع خالصا، وما ~~كادت تغادره نائما حتى استرسلت في البكاء، وجعلت تدعو الله أن ~~يرعى أسرتها بعنايته ورحمته، ودعت الله طويلا حتى كل لسانها، ~~ولكنه حينما وجد نفسه محوطا بأصدقائه، خاصة المقربين منهم أمثال ~~إبراهيم الفار وعلي عبد الرحيم ومحمد عفت، استرد الكثير من روحه ~~المعنوية، فتعذر عليه أن يغفل الجانب الفكاهي من الحادث، حتى غلب ~~على ما عداه، فانتهى الحديث إلى نوع من المزاح، كأنما كان يقص ~~عليهم مغامرة من مغامراته. وبينما حفل الدور الأعلى بالزائرين، ~~اجتمع شمل الأسرة بالدور التحتاني فيما عدا الأم التي شغلت مع أم ~~حنفي بتهيئة القهوة والأشربة، شهدت الصالة من جديد اجتماع ياسين ~~وفهمي وكمال وخديجة وعائشة في مجلس الأم التقليدي، وقد انضم إليهم ~~خليل شوكت وإبراهيم شوكت سحابة النهار، ولكنهما صعدا إلى حجرة الأب ~~عقب استيقاظه بقليل فخلا الجو للإخوة، وكان الحزن الذي غشيهم طوال ~~النهار على ما أصاب والدهم قد زايلهم بعودة الطمأنينة إلى نفوسهم، ~~فنبضت قلوبهم بالعواطف الأخوية، وتوثبوا للسمر والمرح كعهدهم في ~~الأيام الخوالي. على أن الطمأنينة لم تستقر بنفوسهم حتى رأوا ~~والدهم بأعينهم، أقبلوا عليه واحدا في إثر واحد، فقبلوا يده ~~ودعوا له بطول العمر والسلامة، ثم غادروا الحجرة في نظام وأدب ~~عسكريين. ومع أن السيد اكتفى بمد يده لياسين وفهمي وكمال ~~بالتتابع دون أن ينبس بكلمة، إلا أنه ابتسم إلى خديجة وعائشة، ~~وسألهما في رقة عن الحال والصحة، رقة لم تحظيا بها إلا بعد ~~زواجهما، وكان كمال يلاحظها بدهشة مقرونة بسرور كأنما هو الذي ~~يحظى بها. والحق أن كمال كان أسعد الجميع بزيارات شقيقتيه كلما ~~هلت .. كان ينعم في أثنائها ms404 بسعادة عميقة لا يعكر عليه صفوها ~~إلا التفكير في النهاية المتوقعة، ودائما كان يجيء النذير بهذه ~~النهاية من أحد الرجلين - إبراهيم أو خليل - إذا تمطى أو تثاءب، ثم ~~قال: «آن لنا أن نذهب» أمر مطاع لا يرد، لم تتكرم إحدى ~~شقيقتيه - ولو مرة واحدة - بأن تجيبه قائلة مثلا: «اذهب أنت ~~وسألحق بك غدا!» بيد أنه بمرور الزمن اعتاد الصلة العجيبة التي ~~تربط بين شقيقتيه وزوجيهما، وسلم بحكمها وقنع بالزيارة القصيرة ~~تجيء بين الحين والحين، فيسعد بها دون طمع في مزيد. وبالرغم من ~~هذا فلم يكن يتمالك أحيانا إذا رآهما مقبلتين من أن يقول ~~متمنيا: «لو تعودان إلى البيت، فتقيما فيه كما كنتما!» فتبادره ~~أمه قائلة: «ربنا يكفيهما شر تمنياتك الطيبة!» بيد أن أعجب ما ~~صادفه في حياتهما الزوجية كان ذلك التغير الذي طرأ على البطن .. ~~وما صاحبه من أعراض بدت تارة مرعبة كالمرض، وطورا غريبة ~~كالأساطير، وفدت على حافظته ألفاظ جديدة كالحبل والوحم، وما اكتنف ~~الأخير من قيء وتوعك والتهام لحبات الطين الجافة .. ثم ما شأن ~~بطن عائشة؟ .. متى يقف عن النمو الذي جعله كالقربة المنفوخة؟ وهذا ~~بطن خديجة بدا - فيما يبدو - يخطو نفس الخطوات، وإذا كانت عائشة ~~ذات البشرة العاجية والشعر الذهبي قد وحمت على الطين، فعلى أي ~~شيء توحم خديجة؟! غير أن خديجة لم تحقق مخاوفه، فتوحمت على ~~المخلل، حتى استثارت منه أسئلة لا حصر لها لم يظفر أحدها بجواب ~~مقنع! .. وتقول أمه إن بطن عائشة - وبطن خديجة بالتالي - سيتمخض ~~عن طفل صغير سوف يكون قرة عينه .. ولكن أين يقيم هذا الطفل، وكيف ~~يعيش، وهل يسمع ويرى، وماذا يسمع وماذا يرى، وكيف وجد، ومن أين ~~جاء؟! .. على أن هذه الأسئلة لم تهمل، ظفر عنها بأجوبة جديرة ~~حقا بأن تلحق بمعارفه عن الأولياء والعفاريت والرقى والتعاويذ، ~~وغير ذلك من المواد التي تزخر بها دائرة معارف أمه .. لذلك سأل ~~عائشة مستطلعا باهتمام: متى يخرج الطفل؟ # فأجابته ضاحكة: اصبر لم يبق إلا قليل. # فتساءل ياسين: أظنك في الشهر التاسع؟ # فأجابته: نعم ms405 ولو أن حماتي تصر على أني في الثامن! # فقالت خديجة بحدة: أصل حماتك تصر دائما على أن يكون لها رأي ~~مخالف، هذا كل ما هنالك! # ولما كان الجميع على علم بما ينشب كثيرا بين خديجة وحماتها من ~~نزاع، فقد تبادلوا النظرات ثم ضحكوا. # وقالت عائشة: أود أن أقترح عليكم أن تنتقلوا إلى بيتنا، فتبقوا ~~معنا حتى يجلو الإنجليز عن شارعكم. # فقالت خديجة بحماس: أجل، لم لا؟ إن البيت كبير، وستنزلون على ~~الرحب والسعة، فيقيم بابا ونينة عند عائشة؛ لأنها في الدور الأوسط، ~~وتقيمون أنتم عندي. # رحب كمال بالاقتراح، فتساءل بلهجة تنم عن التحريض: من يقول ~~لبابا؟ # ولكن فهمي قال وهو يهز منكبيه: إنكما تعلمان حق العلم أن بابا ~~لا يمكن أن يوافق. # فقالت خديجة بأسف: ولكنه يحب السهر، فيكون عرضة لتحرش الجنود، ~~يا لهم من مجرمين! ساقوه في الظلام وحملوه التراب! ... آه، رأسي ~~يدور كلما تصورت هذا. # فقالت عائشة: كنت أنتظر دوري لتقبيل يده وأنا أتفحص جسمه جزءا ~~جزءا لأطمئن عليه، كان قلبي يدق ... وعيناي تغالبان الدمع ... لعنة ~~الله على الكلاب أولاد الكلاب! # فابتسم ياسين ... وقال لعائشة محذرا وهو يلحظ كمال غامزا بعينه: ~~لا تسبي الإنجليز هكذا فإن لهم بيننا أصدقاء! # فقال فهمي متهكما: لعله مما يسر له بابا أن يعلم أن الجندي ~~الذي يقبض عليه ليلا ما هو إلا صديق من أصدقاء كمال. # فابتسمت عائشة إلى كمال متسائلة: ألا تزال تحبهم بعد ما كان ~~منهم؟ # فغمغم كمال وقد تورد وجهه حياء وارتباكا: لو عرفوا أنه أبي ~~ما تعرضوا له بسوء! # فما تمالك ياسين إلا أن يضحك ضحكة عالية، حتى أنه غطى فمه ~~بيده، وهو ينظر في حذر إلى السقف، كأنما خاف أن يترامى صوت ضحكته ~~إلى الدور الأعلى ... ثم قال ساخرا: الأحرى بك أن تقول: إنهم لو عرفوا أنك مصري ما صبوا العذاب على ~~مصر والمصريين، ولكنهم لا يعرفون! # فقالت خديجة بلهجة لاذعة: دع هذا الكلام لغيرك أنت! ... أتنكر أنك ~~من أصدقائهم كذلك؟! # ثم مخاطبة كمال بلهجة لاذعة: أتواتيك ms406 الشجاعة بعد ما عرف عن ~~صداقتك لهم على أن تصلي الجمعة في سيدنا الحسين؟ # ففطن ياسين إلى مرمى هجومها، وقال مظهرا الأسف: يحق لك أن ~~تتطاولي علي ما دمت قد تزوجت، فاكتسبت بعض حقوق الآدميين ~~... ~~- ألم يكن لي هذا الحق من قبل؟! ~~- الله يرحم أيام زمان! ... ولكنه الزواج يعيد إلى البائسات ~~الروح! ... اسجدي شكرا للأولياء ... ولتعاويذ وأقراص أم حنفي. # فقالت خديجة وهي تغالب ضحكة: يحق لك أن تتهجم على الناس ~~بالحق وبالباطل بعد أن ورثت المرحومة، وصرت في عداد ~~الملاك. # فقالت عائشة بفرح صبياني كأنما لم تدر من الأمر شيئا: أخي في ~~عداد الملاك! ... ما أجمل أن أسمع هذا! ... أأنت غني حقا يا سي ~~ياسين؟! # فقالت خديجة: دعيني أعد لك أملاكه، اسمعي يا ستي: دكان الحمزاوي ~~وربع الغورية وبيت قصر الشوق ... # فقال ياسين وهو يهز رأسه مغمضا عينيه: ومن شر حاسد إذا حسد ~~... # فتابعت خديجة حديثها دون مبالاة بمقاطعته: وما خفي من الحلي ~~والنقود المخبأة أعظم ... # فهتف ياسين في أسف صادق: اختفت كلها وحياتك، سرقت، سرقها ابن ~~الكلب، جعلت أبي يسأله عما إذا كانت تركت حليا أو نقودا، فقال ~~اللص: «ابحثوا بأنفسكم، علم الله أني كنت أنفق عليها في أثناء ~~مرضها من جيبي الخاص» ... اسمعوا يا هوه ... جيبه الخاص ابن ~~الغسالة! # فقالت عائشة بتأثر: يا ولداه! ... مريضة طريحة الفراش تحت رحمة ~~رجل طامع في مالها! ... لا صديق ولا حبيب، غادرت الدنيا من دون أن ~~يحزن عليها أحد. # فتساءل ياسين: من دون أن يحزن عليها أحد؟! # فأشارت خديجة من خلال باب موارب إلى ملابس ياسين المعلقة ~~بالمشجب، وقالت محتجة احتجاجا ساخرا: وهذا البابيون الأسود؟! ... ~~أليس آية على الحزن؟! # فقال ياسين جادا: لقد حزنت عليها حقا، ربنا يرحمها ويغفر ~~لها، ألم نكن تصافينا في آخر لقاء؟ الله يرحمها ويغفر لها ~~ولنا. # فخفضت خديجة رأسها قليلا رافعة حاجبيها، ثم نظرت إليه من ~~أعلى، كمن ينظر من فوق نظارته وهي تقول: إحم ... إحم ... اسمعوا سيدنا ~~الواعظ (ثم وهي ترميه بنظرة شك) ولكن لم يبد ms407 عليك فيما أظن حزن ~~شديد؟! # فرماها بنظرة مغيظة قائلا: ما قصرت في واجبي نحوها والحمد ~~لله، أقمت لها مأتما استمر ثلاث ليال، وكل جمعة أزور القرافة ~~محملا بالرياحين والفواكه ... أم تريديني ألطم وأعول وأحثو التراب ~~على رأسي! إن للرجال حزنا غير حزن النساء. # فهزت رأسها كأنما تقول: «أفدتني أفادك الله»، ثم قالت متنهدة: ~~آه من حزن الرجال! ... ولكن خبرني وحياتي عندك ألم يخفف الدكان ~~والربع والبيت من لوعة الحزن؟! # فقال متأففا: صدق من قال: إن قبح اللسان من قبح الوجه. ~~- من قائل هذا؟ # أجابها باسما: حماتك! # فضحكت عائشة، وضحك فهمي وهو يسأل خديجة: ألم تتحسن العلاقات ~~بينكما؟ # فأجابته عائشة بالنيابة عنها قائلة: سوف يتحسن ما بين الإنجليز ~~والمصريين قبل أن يتحسن ما بينهما ... # فقالت خديجة بحنق لأول مرة: امرأة قوية، ربنا عليها، والله أنا ~~بريئة ومظلومة. # فقال ياسين متهكما: نصدقك يا أختي بلا قسم، هذا شيء نشهد به ~~أمام الله في يوم العذاب! # فعاد فهمي يسأل عائشة: وأنت كيف حالك معها؟ # فقالت عائشة وهي تلحظ خديجة بإشفاق: على ما يرام. # فهتفت خديجة: آه من أختك عائشة ... تعرف كيف تسوس وتطأطئ الرأس ... ~~اتفوخص. # فقال ياسين متصنعا الجد: على أي حال، فلحماتك الرحمة ولك ~~صادق التهنئة! # فقالت بسخرية: التهنئة الحقة لك أنت قريبا إن شاء الله حين تزف ~~إلى عروسك الثانية! ... أليس كذلك؟ # فما تمالك إلا أن ضحك، ثم قال: ربنا يسمع منك. # فتساءلت عائشة باهتمام: حقا؟ # ففكر قليلا ... ثم قال في شيء من الجد: المؤمن لا يلدغ من جحر ~~مرتين، ولكن من يعلم بما يأتي به الغد؟! ربما ثانية وثالثة ورابعة ~~... # فهتفت خديجة: هذا ما أتوقعه، الله يرحم جدك! # فضحكوا جميعا حتى كمال، ثم عادت عائشة تقول بصوت أسيف: مسكينة ~~زينب! ... كانت فتاة لطيفة وطيبة ... ~~- كانت! ... وكانت حمقاء أيضا، أبوها - مثل أبي - لا يطاق، لو ~~رضيت بمعاشرتي كما أحب ما فرطت فيها أبدا. ~~- لا تعترف بهذا، حافظ على كرامتك، لا تشمت بك خديجة. # قال باستهانة: نالت الجزاء الذي تستحقه، فلينقعها أبوها ms408 ويشرب ~~ماءها. # فغمغمت عائشة: ولكنها حبلى يا ولداه! ... أترضى لوليدك بأن ينمو ~~بعيدا عن رعايتك حتى تسترده غلاما؟! # آه، أصابت مقتلا، ينمو في حضانة أمه كما نما أبوه من قبل، ربما ~~كابد تعاسة كتعاسته أو أشد .. ربما نمت معه كراهية لأمه أو ~~لأبيه، تعاسة على أي حال. قال عابسا: ليكن حظه كحظ أبيه، ما باليد ~~حيلة! # وساد الصمت قليلا حتى سأل كمال خديجة: وأنت يا أبلة متى يخرج ~~الطفل؟ # فأجابته ضاحكة وهي تتحسس بطنها: إنه لا يزال في سنة ~~أولى. # فعاد يقول لها ببراءة وهو يتفرس في وجهها: نحفت جدا يا أبلة، ~~وصار وجهك قبيحا! # ضحكوا جميعا وهم يغطون أفواههم بأيديهم، ضحكوا حتى شعر كمال ~~بالحياء والارتباك، أما خديجة التي لم يكن الاستياء من كمال مما ~~تستطيعه، فقد مالت إلى أن تجاري التيار، فقالت ضاحكة: أعترف لكم ~~بأني خسرت في أيام الوحم كل اللحم الذي تعبت أم حنفي أعواما في ~~جمعه ولمه، نحفت وبرز أنفي، وغارت عيناي، وخيل إلي أن ~~«الرجل» يقلب عينيه مفتشا عبثا عن العروس التي زفوها ~~إليه؟ # ثم ضحكوا ثانية حين قال ياسين: الحق أن زوجك مظلوم؛ لأنه على ~~غباوته البادية وسيم الطلعة، فسبحان من جمع الشامي على ~~المغربي. # تجاهلته خديجة، وخاطبت فهمي قائلة وهي تومئ إلى عائشة: كلاهما - ~~زوجي وزوجها - في الغباء سواء! لا يكادان يبرحان البيت ليل نهار، ~~لا هم ولا عمل، أما زوجها فوقته كله ضائع بين التدخين وعزف العود، ~~كأنه شحاذ من الشحاذين الذين يمرون على البيوت في الأعياد، وأما ~~زوجي فلا تراه إلا مستلقيا يدخن ويثرثر، حتى يدوخ دماغي. # فقالت عائشة كالمعتذرة: الأعيان لا يعملون! # فقالت خديجة هازئة: العفو! ... يحق لك أن تدافعي عن هذه الحياة، ~~الحق أن الله لم يجمع بين متشابهين كما جمع بينكما، كلاكما في ~~الكسل والدعة والخمول شخص واحد، والنبي يا سي فهمي يمر اليوم كله ~~وهو يدخن ويعزف، وهي تزوق نفسها وتذهب وتجيء أمام المرآة. # تساءل ياسين: لم لا ما دامت ترى منظرا حسنا؟! # وقبل أن تفتح ms409 خديجة فاها سألها مستعجلا: خبريني يا أختاه ماذا ~~تصنعين لو جاء وليدك شبيها بك؟ # كانت شبعت من مهاجمته فأجابته جادة: سيجيء بإذن الله شبيها ~~بأبيه أو جده أو جدته أو خالته، أما ... (ثم ضاحكة) أما إذا أبى إلا ~~أن يجيء شبيها بأمه، فالنفي يكون أحق به من سعد باشا! # ولكن كمال قال بلهجة خبير عليم: الإنجليز لا يهمهم الجمال يا ~~آبلا ، إنهم يعجبون كثيرا برأسي وأنفي. # فضربت خديجة صدرها بيدها هاتفة: يدعون صداقتك وهم يعبثون بك! ... ~~ربنا يسلط عليهم زبلن من جديد. # ورمت عائشة فهمي بنظرة رقيقة وهي تقول: كم يسر دعاؤك بعض ~~الناس. # فابتسم فهمي مغمغما: كيف أسر ولهم في بيتنا أصدقاء ~~مغفلون؟ ~~- يا خسارة تربيتك له. ~~- من الناس من لا تنفع فيه التربية. # فتساءل كمال محتجا: ألم أرج جوليون أن يعيد سعد باشا؟ # فقالت خديجة ضاحكة: في المرة القادمة حلفه برأسك الذي يعجب ~~به. # شعر فهمي أكثر من مرة بأن من حوله يسعون كلما بدت فرصة إلى ~~استدراجه إلى الحديث والتسلية، بيد أن ذلك لم يجد شيئا في ~~التخفيف من الإحساس بالغربة الذي غشيه طوال الوقت. هو إحساس كثيرا ~~ما يفصله عن آله وهو بينهم، فيشعر بالغربة أو الوحدة رغم زحمة ~~المجلس، ينفرد بقلبه وحزنه وحماسه بين أناس لاهين ضاحكين، حتى نفي ~~سعد يتخذون منه دعابة إذا لزم الأمر ... اختلس منهم النظرات تباعا ~~فوجدهم راضين، عائشة ... هانئة وإن تكن تعبت قليلا بسبب الحمل، ~~ولكنها سعيدة بكل شيء حتى بتعبها، خديجة ... متوثبة ضاحكة، ياسين ... ~~صحة وعافية وغبطة، من من هؤلاء يكترث لحوادث هذه الأيام! من ~~منهم يهمه بقي سعد أم نفي، جلا الإنجليز أم مكثوا! إنه غريب، أو ~~غريب على الأقل بين هؤلاء. ومع أن هذا الإحساس كان يلقى منه عادة ~~نفسا مسماحة، فإنه لم يلق هذه المرة إلا حنقا وامتعاضا، ربما ~~كان ذلك لما عاناه في الأيام الأخيرة. كثيرا ما توقع أن يسمع عن ~~زواج مريم، كان ذلك همه وكربه، بيد أنه سلم به سلفا تسليم ~~اليأس، وكاد ms410 يألفه بكرور الأيام، إلا أن حبه نفسه تراجع عن بؤرة ~~شعوره الذي شغلته الشواغل الكبرى، حتى وقعت واقعة جوليون فزلزل ~~زلزالا. تغازل إنجليزيا لا مطمع لها في الزواج منه فأي معنى ~~تتضمنه هذه المغازلة؟ هل تصدر إلا عن متهتكة؟ مريم متهتكة؟ وفيم ~~كانت أحلامه الماضية؟ ولم يكن يخلو بكمال حتى يدعوه إلى إعادة ~~القصة من جديد محتما عليه أن يصف التفاصيل بدقة، كيف لاحظ ما ~~يدور، وأين كان موقف الجندي، وأين كان موقفه هو، وهل هو متأكد من ~~أن مريم نفسها التي كانت في الكوة؟ وأنها كانت تنظر حقا إلى ~~الجندي؟ وهل رآها تبتسم إليه، وهل وهل وهل، ثم يسأله وهو يعض على ~~أسنانه كأنما يهرس الشقاء الذي يعذبه: وهل تراجعت في خوف حين وقعت ~~عيناها عليك؟ ثم يمضي متخيلا المواقف والمناظر، موقفا موقفا، ~~ومنظرا منظرا، ويتخيل الابتسامة طويلا حتى كأنه يرى الشفتين ~~المفترتين كما رآهما يوم زفاف عائشة، وصاحبتهما تتبع العروس في ~~فناء بيت آل شوكت. ~~- يبدو أن نينة لن تجالسنا اليوم. # قالته عائشة بصوت يدل على الأسف. # فقالت خديجة: الزوار يملئون البيت. # ياسين ضاحكا: أخاف أن يشتبه الجنود في كثرة القادمين، فيظنوا أن ~~اجتماعا سياسيا ينعقد في بيتنا. # خديجة في مباهاة: إن أصدقاء بابا يحجبون عين الشمس. # فقالت عائشة: رأيت السيد محمد عفت نفسه على رأس القادمين. # فأمنت خديجة على قولها قائلة: كان صديقا حميما لبابا من قبل ~~أن نرى نور الدنيا. # فقال ياسين وهو يهز رأسه: اتهمني بابا ظلما بأنني قطعت ما ~~بينهما. ~~- ألا يفرق الطلاق بين أعز الأصدقاء؟! # ياسين باسما: إلا أصدقاء أبيك! # عائشة بفخار: من ذا تطاوعه نفسه على مخاصمة بابا؟ والله ما في ~~الدنيا كلها نظير له ... ثم وهي تتنهد: كلما تصورت ما وقع له أمس شاب ~~شعر رأسي. # أخيرا ضاقت خديجة بوجوم فهمي، فعزمت على أن تعالجه بطريقة ~~مباشرة بعد أن أخفقت - فيما رأت - الطرق غير المباشرة، فالتفتت ~~إليه متسائلة: أرأيت يا أخي كيف أن ربنا أكرمك يوم لم يأذن بتحقيق ~~رغبتك نحو ms411 ... مريم؟! # نظر فهمي إليها بين الدهشة والحياء، سرعان ما تركزت فيه الأبصار، ~~حتى كمال تطلع إليه باهتمام، وساد صمت نم عمقه عن شعور مكبوت طال ~~في الصدر تجاهله أو إخفاؤه، حتى أفصحت عنه خديجة بجرأة، فتطلعوا ~~إلى الشاب في صمت المنتظر للجواب، كأنما هو نفسه الذي طرح السؤال، ~~غير أن ياسين رأى أن ينهي الصمت قبل أن يستفحل فيبعث على الألم ، ~~فقال متظاهرا بالسرور: أصل أخيك ولي، والله يحب أولياءه. # وكان فهمي يكابد حرجا وحياء، فقال باقتضاب: هذه مسألة قديمة ~~عفاها النسيان. # فقالت عائشة بلهجة المعتذر: لم يكن سي فهمي وحده الذي خدع بها، ~~كلنا خدعنا بها. # فقالت خديجة مدافعة عن نفسها - بأقصى ما في وسعها - تهمة ~~الغفلة: على أي حال أنا لم أقتنع لحظة واحدة فيما مضى، حتى مع ~~اعتقادي ببراءتها، بأنها جديرة به. # فعاد فهمي يقول متظاهرا بالاستهانة: هذه مسألة قديمة عفاها ~~النسيان، إنجليزي ... مصري ... سيان، دعونا من هذا كله. # وجد ياسين نفسه تعاود التفكير في «مسألة» مريم ... مريم؟! ... لم يكن ~~ينظر إليها فيما مضى - إن مرت في مجال بصره - إلا عابرا، ثم ~~زاده زهدا فيها تعلق فهمي بها، حتى ذاعت فضيحتها في الأسرة ... هناك ~~ثار اهتمامه، تساءل طويلا أي فتاة هي؟ ود لو ملأ عينيه منها، ~~تمنى لو كان سبر الفتاة التي استرعت تشوق «إنجليزي» ... إنجليزي جاء ~~الحي مقاتلا لا مغازلا، لم يبد سخطه عليها إلا مجاراة للحديث ~~كلما تناولها، أما في الباطن فقد أطربه غاية الطرب وجود «مفضوحة» ~~جريئة مثلها على كثب منه، فلا يفصله عنها إلا جدار، شاع في صدره ~~العريض المكتنز ذاك الطرب البهيمي الذي يدعوه إلى الصيد، وإن وقف - ~~إكراما لحزن فهمي الذي يحبه - عند حد الشعور واللذة السلبية ~~المجردة، لم يعد في الحي من يستثير اهتمامه كمريم. ~~- آن أوان الذهاب. # قالت خديجة ذلك وهي تنهض على حين ترامى إليهم صوتا إبراهيم وخليل ~~وهما يتحدثان قادمين من الردهة الخارجية. قام الجميع، من يتمطى ~~ومن يحبك ملابسه، إلا كمال فقد لزم مجلسه وهو يتطلع ms412 إلى باب الصالة ~~بحزن وقلب خافق. # 67 # جلس السيد أحمد إلى مكتبه، مكبا على دفاتره، يزاول عمله اليومي ~~الذي يتناسى به - ولو إلى حين - همومه الشخصية والهموم العامة التي ~~تتطاير بها الأنباء الدامية. غدا يحب الدكان حبه مجالس الأنس ~~والطرب؛ لأنه على الحالين يظفر بما ينتزعه من جحيم الفكر، إلا أن ~~جو الدكان حافل بالمساومة والبيع والشراء والربح، وغير ذلك من شئون ~~الحياة العادية، حياة كل يوم، فلا تخلو من أن تبعث في نفسه شيئا ~~من الثقة الموحية بإمكان عودة كل شيء إلى أصله، إلى حالته الأولى ~~من الاستقرار والسلام. السلام؟ أين ذهب ومتى يأذن بالعودة؟! ... حتى ~~في هذا الدكان تجري أحاديث الدماء همسا مفجعا، لم يعد الزبائن ~~يقنعون بالمساومة والشراء، فما تألو ألسنتهم أن تردد الأنباء، ~~وتندب الأحداث، فوق زكائب الأرز والبن سمع عن معركة بولاق، ومذابح ~~أسيوط، والجنازات التي تشيع فيها النعوش بالعشرات، والشاب الذي ~~انتزع من العدو مدفعا رشاشا أراد أن يدخل به الأزهر، لولا أن ~~سبقته المنية، فانغرست في جسمه عشرات المقذوفات، هذه الأنباء ~~وغيرها مما يصطبغ بلونها القاني تقرع أذنيه بين حين وآخر في ~~المكان الذي يلوذ به ناشدا النسيان. ما أتعس الحياة في ظل الموت، ~~هلا عجلت الثورة بتحقيق غايتها من قبل أن يمتد أذاها إليه أو ~~إلى أحد من ذويه! ... إنه لا يبخل بمال، ولا يضن بعاطفة، أما بذل ~~الحياة فأمر آخر، أي عذاب صبه الله على العباد فهانت النفوس ~~وجرت الدماء! لم تعد الثورة «فرجة» حماسية، إنها تهدد أمنه في ~~الذهاب والإياب، وتتوعد ابنه «العاصي». فتر حماسه لها، هي دون ~~غايتها، يحلم بالاستقلال وبعودة سعد، ولكن دون ثورة أو دماء أو ~~ذعر، يهتف مع الهاتفين ويتحمس مع المتحمسين، ولكن عقله يقاوم ~~التيار متعلقا بالحياة، فمكث وحده في المجرى كأصل شجرة اقتلعت ~~العواصف أغصانها، لن يوهن شيء، وإن جل، من حبه للحياة، فلتبق له ~~إلى آخر العمر، وليؤمن فهمي إيمانه لتبقى له حياته إلى آخر العمر ~~كذلك، فهمي العاق الذي رمى بنفسه إلى ms413 التيار بلا حزام نجاة ~~... ~~- هل السيد أحمد موجود؟ # سمع السيد صوت السائل وهو يشعر باندفاع شخص داخل الدكان، كأنه ~~مقذوف آدمي، فرفع رأسه عن مكتبه فرأى الشيخ متولي عبد الصمد ~~يتوسط المكان رامشا بعينيه الملتهبتين مدققا النظر - عبثا - ~~صوب المكتب، فهش قلبه وابتسمت أساريره، ثم هتف بالقادم: تفضل يا ~~شيخ متولي، حلت البركة. # فلاح الاطمئنان في وجه الشيخ، وتقدم يهتز أعلاه ما بين الوراء ~~والأمام كأنه راكب جملا، فمال السيد فوق مكتبه، ومد يده حتى التقت ~~بيد الرجل وشد عليها متمتما «الكرسي على يمينك، تفضل بالجلوس.» ~~فأسند الشيخ متولي عصاه إلى المكتب، وجلس على الكرسي، ثم اعتمد ~~بيديه على ركبتيه وهو يقول: الله يحفظك ويصونك. # فقال السيد من قلبه: ما أطيب دعاءك وما أحوجني إليه! # ثم ملتفتا صوب جميل الحمزاوي الذي كان يزن أرزا لزبون: لا ~~تنس أن تهيئ لفة سيدنا الشيخ. # فجاء صوت جميل الحمزاوي قائلا: من ذا الذي ينسى سيدنا ~~الشيخ! # فبسط الشيخ راحتيه، ورفع رأسه وهو يحرك شفتيه بالدعاء في هينمة ~~لم يسمع منها إلا وسوسة متقطعة، ثم عاد إلى وضعه الأول، فصمت لحظة، ~~ثم قال بلهجة الافتتاح: أبدأ بالصلاة على نور الهدى. # فقال السيد بحرارة: عليه أزكى الصلاة والسلام. ~~- وأثني بالترحم على أبيك طيب الذكر. ~~- رحمه الله رحمة واسعة. ~~- ثم أسأل الله أن يقر عينيك بأسرتك وذريتك، وذرية ذريتك، وذرية ~~ذرية ذريتك. ~~- آمين. # متنهدا: وأدعوه أن يعيد إلينا أفندينا عباس ومحمد فريد وسعد ~~زغلول. ~~- اللهم استجب. ~~- وأن يخرب بيت الإنجليز بما أثموا وبما يأثمون. ~~- سبحان المنتقم الجبار. # عند ذاك تنحنح الشيخ، ومسح على وجهه بكفه، ثم قال: أما بعد فقد ~~رأيتك في منامي تلوح بيديك، فما فتحت عيني حتى صح عزمي على ~~زيارتك. # فابتسم السيد ابتسامة لا تخلو من حزن، وقال: لا أعجب لذلك، فإني ~~في مسيس الحاجة إلى بركتك، زادك الله بركة على بركة. # فمال وجه الشيخ نحو السيد في عطف وتساءل: أحق ما بلغني عن حادث ~~بوابة الفتوح؟ # فأجاب السيد مبتسما: نعم ... من أبلغك ms414 يا ترى؟ ~~- كنت مارا بمعصرة حميدو غنيم، فاستوقفني وقال لي: «ألم يبلغك ~~ما فعل الإنجليز بحبيبك السيد أحمد وبي؟» فاستوضحته منزعجا فقص ~~علي العجب العجاب ... قص عليه السيد الحادث بتفاصيله، لم يكن يمل ~~ترديده، ولعله قصه في الأيام القلائل الأخيرة عشرات ~~المرات. # وأصغى الشيخ وهو يتلو همسا آية الكرسي: أفزعت يا بني؟ كيف كان ~~فزعك ... خبرني ... لا حول ولا قوة إلا بالله ... ولكن هل قنعت ~~بالسلامة؟ ... أنسيت أن الفزع لا يمضي إلى حال سبيله؟ ... صليت طويلا ~~وسألت الله النجاة! هذا جميل ولكن يلزمك حجاب. ~~- كيف لا! # يزيدنا بركة يا شيخ متولي ... والأولاد وأمهم، ألم يدركهم ~~الفزع؟ ~~- طبعا ... قلوب ضعيفة لا عهد لها بالقسوة والإرهاب، الحجاب ... ~~الحجاب ... وفيه الشفاء. ~~- أنت الخير والبركة يا شيخ متولي ... لقد نجاني الله من شر ~~كبير، ولكن ثمة شر لا يزال يتهددني ويقض مضجعي. # مال وجه الشيخ نحو السيد في عطف مرة أخرى وتساءل: ماذا بك يا ~~بني عفا الله عنك؟ # فرنا السيد إليه بطرف واجم وغمغم في ضجر: ابني فهمي ... # فرفع الشيخ حاجبيه الأشيبين متسائلا أو منزعجا، ثم قال ~~برجاء: محفوظ بإذن الرحمن. # فهز السيد رأسه بأسى، وقال: عقني لأول مرة والأمر لله ~~... # فبسط الشيخ متولي ذراعيه أمامه كأنما يتقي بهما البلاء، وهتف: ~~معاذ الله، فهمي ابني، وأنا أعلم علم اليقين أنه طبع على ~~البر. # فقال السيد أحمد متسخطا: يأبى حضرته إلا أن يفعل كما يفعل ~~الشبان في هذه الأيام الدامية. # فقال الشيخ في دهش واستنكار: أنت أب حازم ما في ذلك شك، ما كنت ~~أتصور أن ابنا من أبنائك يجرؤ على أن يرد لك أمرا. # حز هذا القول في قلبه، حتى أدماه وضاق به صدره، ثم وجد من نفسه ~~نزوعا إلى التهوين من عصيان ابنه ليدفع عن شخصه تهمة الضعف أمام ~~الشيخ وأمام نفسه معا، فقال: لم يجرؤ على هذا صراحة طبعا، ولكني ~~دعوته إلى أن يحلف على المصحف بألا يشترك في أي عمل من أعمال ~~الثورة فبكى، بكى من دون أن يجسر على ms415 قول لا، ما عسى أن أصنع؟ لا ~~أستطيع أن أحبسه في البيت، ولا يسعني أن أراقبه في المدرسة، وأخاف ~~أن يكون تيار هذه الأيام أقوى من أن يقاومه شاب مثله، ماذا أصنع؟ ... ~~أأهدده بالضرب؟ ... أضربه؟ ... لكن ما عسى أن يجدي التهديد مع شخص لا ~~يبالي تعريض نفسه للموت! # فمسح الشيخ على وجهه، وتساءل بقلق: وهل ألقى بنفسه في ~~المظاهرات؟ # فقال السيد وهو يهز منكبيه العريضين: كلا ولكنه يوزع ~~المنشورات، لما ضيقت عليه زعم أنه يكتفي بالتوزيع على خاصة ~~أصدقائه. ~~- ما له ولهذه الأعمال! ... إنه الوديع ابن الوديع، ولهذه الأعمال ~~رجال من صنف آخر، ألم يعرف أن الإنجليز وحوش لا تتطرق الرحمة إلى ~~قلوبهم الغليظة؟ ... وأنهم يتغذون صباح مساء بدماء المصريين ~~المساكين؟ ... كلمه بالحسنى، عظه، بين له النور من الظلام، قل له ~~إنك أبوه وإنك تحبه وتخاف عليه، أما أنا فسأعمل من ناحيتي على ~~إعداد حجاب من نوع خاص، وأدعو له في صلاتي، وخاصة صلاة الفجر، ~~والله المستعان من قبل ومن بعد. # قال السيد بحزن: إن أنباء القتلى تتواتر كل ساعة معلنة آي ~~التحذير لمن يعتبر، فما الذي أصاب عقله؟ لقد ضاع ابن الفولي اللبان ~~في غمضة عين، فشهد مأتمه معي وعزى والده المسكين، كان الشاب ~~يوزع سلاطين اللبن الزبادي، فصادف في طريقه مظاهرة، فأغراه ~~القضاء بالاشتراك فيها بلا وعي، وما هي إلا ساعة أو نحوها، حتى خر ~~صريعا في ساحة الأزهر، لا حول ولا قوة إلا بالله ... إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، لما تأخر عن ميعاد عودته قلق أبوه، فمضى إلى زبائنه ~~يسأل عنه، قال له بعضهم إنه جاءهم بالزبادي وذهب، وقال آخرون إنه ~~لم يمر عليهم كعادته، حتى بلغ حمروشا بائع الكنافة، فوجد عنده ~~الصينية وما تبقى من السلاطين التي لم توزع، وأخبره الرجل بأنه ~~تركها عنده واشترك في مظاهرة المساء، فجن جنون المسكين وقصد من ~~توه قسم الجمالية، فوجهوه إلى قصر العيني، وهناك عثر على ابنه ~~في المشرحة، لقد علم بالقصة بحذافيرها كما قصها علينا الفولي ~~ونحن في ms416 بيته نعزيه، علم كيف فقد الشاب وكأن لم يوجد، ولمس حزن ~~أبيه المبرح، وسمع صوات أهله، هلك المسكين فلم يعد سعد ولم يخرج ~~الإنجليز، لو كان حجرا لعقل، ولكنه خير أبنائي فلله الحمد ~~والشكر. # فقال الشيخ متولي بصوت أسيف: أعرف ذلك الشاب المسكين، إنه أكبر ~~أبناء الفولي، أليس كذلك؟ ... كان جده مكاريا، وكنت أكتري حماره ~~للذهاب إلى سيدي أبي السعود، إن للفولي أربعة أولاد، ولكن الفقيد ~~كان أحبهم إلى قلبه. # هنا اشترك جميل الحمزاوي لأول مرة في الحديث قائلا: أيامنا هذه ~~مجنونة وقد تلفت عقول الناس حتى صغارها، بالأمس قال ابني فؤاد لأمه ~~إنه ود لو يشترك في مظاهرة! # فقال السيد بقلق: يعملها الصغار ويقع فيها الكبار! ... ابنك فؤاد ~~صديق ابني كمال وكلاهما في مدرسة واحدة، ألا تحدثه نفسه ... ألا ~~تحدثهما نفسهما مرة بأن يسيرا في مظاهرة! ... هه؟ ... ما من عجيبة ~~تعد الآن عجيبة! # فقال الحمزاوي وقد ندم على ما فرط منه: ليس إلى هذا الحد يا سي ~~السيد، على أني أدبته بلا رحمة على تمنياته الساذجة، إن سي كمال ~~لا يخرج إلا مصحوبا بأم حنفي حفظه الله ورعاه. # ساد الصمت فلم يعد يسمع في الدكان إلا خشخشة الورقة التي يلف ~~فيها الحمزاوي هدية الشيخ متولي عبد الصمد، ثم تنهد الشيخ وقال: ~~فهمي ولد عاقل، لا ينبغي أن يمكن الإنجليز من نفسه العزيزة، ~~الإنجليز! ... حسبي الله ... ألم تسمع بما فعلوا في العزيزية ~~والبدرشين؟ # كان السيد على حال من القلق لم يجد معها رغبة صادقة في ~~التساؤل، إلا أنه لم يتوقع جديدا فوق ما يقرع سمعه هذه الأيام، ~~فاكتفى بأن يرفع حاجبيه متظاهرا بالاهتمام، فأنشأ الشيخ يقول: ~~كنت أول أمس في زيارة الحسيب النسيب شداد بك عبد الحميد بسرايه ~~العامرة بالعباسية، دعاني إلى الغداء والعشاء فأتحفته بأحجبة له ~~ولآل بيته، وهناك حدثني بحديث العزيزية والبدرشين. # سكت الشيخ قليلا، فتساءل السيد أحمد: تاجر الأقطان ~~المعروف؟ ~~- شداد بك عبد الحميد أكبر تاجر قطن، لعلك عرفت ابنه عبد الحميد ~~بك شداد؛ فقد كان يوما ms417 على صلة وثيقة بالسيد محمد عفت؟ # فقال السيد ببطء ليملي لنفسه في التذكير: أذكر أني رأيته مرة في ~~مجلس السيد محمد عفت قبل نشوب الحرب، ثم سمعت عن إبعاده عن القطر ~~عقب عزل أفندينا، أما من جديد عنه؟ # فقال الشيخ متولي بلهجة سريعة عابرة، كأنما يضع كلامه بين ~~قوسين؛ ليعود إلى حديثه الأول: لا يزال مبعدا عن البلاد، وهو ~~يقيم في بلاد فرنسا ومعه زوجه وأولاده، لشد ما يخاف شداد بك ~~أن يموت قبل أن يرى ابنه في هذه الدنيا. # وسكت مرة أخرى، ثم مضى يهز رأسه يمنة ويسرة، ويقول بصوت منغوم، ~~كأنما ينشد مطلع توشيح نبوي: بعد انتصاف الليل بساعتين أو ثلاث ~~والناس نيام، حاصر البلدتين بضع مئات من الجنود البريطانيين ~~مدججين بالسلاح ... # انتبه السيد انتباهة قاسية ... حاصروا البلدتين والناس نيام؟ ... ~~أليس أولئك المحاصرون من جنس هؤلاء الذين يعسكرون أمام البيت؟ ... ~~بدءوا بالاعتداء علي فأي خطوة تالية يضمرون؟! # ضرب الشيخ على ركبتيه كأنما إنشاده ينوع من الإيقاع، ثم ~~استطرد قائلا: واقتحموا على العمدتين داريهما فأمروهما بتسليم ~~السلاح، ثم مرقوا إلى الحريم، فنهبوا الحلي، وأهانوا النساء ~~وجروهن من شعورهن إلى الخارج وهن يولولن ويستغثن وما من مغيث، ~~عطفك اللهم على المستضعفين من عبادك. # دار العمدتين! ... العمدة شخصية حكومية أليس كذلك؟ ... لست عمدة ولا ~~داري بدار عمدية، ما أنا إلا رجل كسائر الناس، ما عسى أن يصنعوا ~~بأمثالنا؟ تصور أمينة مجرورة من شعرها، أيقضى علي بأن أتمنى ~~الجنون! ... الجنون؟ # واصل الشيخ حديثه وهو يهز رأسه قائلا: وأجبروا العمدتين على أن ~~يدلوهما على بيوت مشايخ البلدتين وأعيانهما، ثم اقتحموا البيوت ~~محطمين الأبواب، نهبوا كل ثمين، اعتدوا على النساء اعتداء ~~إجراميا بعد أن قتلوا اللاتي حاولن الدفاع عن أنفسهن، وضربوا ~~الرجال ضربا مبرحا، ثم غادروهما بعد أن لم يبقوا فيهما على ثمين ~~لم يسلب، أو عرض لم يثلم. # ليذهب كل ثمين إلى الجحيم ... «أو عرض لم يثلم» ... أين رحمة الله؟ ~~... أين انتقامه؟ ... الطوفان ... نوح ... مصطفى كامل. تصور! ... كيف يمكن ~~أن تبقى معه بعد ms418 ذلك تحت سقف واحد! أي ذنب جنت! ... وهو بأي ~~وجه؟! # ضرب الشيخ بيده ثلاثا على ركبتيه، ثم عاد إلى الحديث وقد تهدج ~~صوته، فصار بالنواح أشبه، قال: وأضرموا النار في البلدتين ~~مستعينين بما على أسقف الدور من حطب وقش، وبما صبوا عليها من ~~بترول، استيقظت القرى في فزع رهيب وفر أهلوها عن بيوتهم ~~كالمجانين، وعلا الصراخ والأنين، وامتدت ألسنة اللهب في كل مكان، ~~حتى استحالت البلدتان شعلة من النيران. # هتف السيد بلا وعي: يا رب السموات والأرض! # فمضى الشيخ قائلا: وضرب الجنود نطاقا حول البلدتين ~~المشتعلتين من بعيد يتربصون بالأهالي البؤساء الذين انطلقوا ~~هائمين على وجوههم تتبعهم الأغنام والكلاب والقطط، يرومون سبيلا ~~للنجاة من النار، فما إن بلغوا مواقف الجنود حتى انهال هؤلاء على ~~الذكور ضربا وركلا، ثم حجزوا النساء ليسلبوا حليهن ويهتكوا ~~أعراضهن، فإذا قاومت إحداهن قتلت، وإذا ندت عن زوج أو أب أو ~~أخ حركة دفاع رمي بالرصاص. # ثم التفت الشيخ متولي إلى السيد الذاهل، وضرب كفا على كف وهو ~~يهتف: وساقوا بقية الضحايا إلى معسكر قريب، وهنالك أجبروهم على ~~التوقيع على مكتوب يتضمن اعترافهم بجرائم لم يرتكبوها، وإقرارا ~~بأن ما أنزله الإنجليز بهم جزاء حق على ما فعلوا، هذا ما حصل يا ~~سيد أحمد للعزيزية والبدرشين، هذا مثل من أمثلة التنكيل التي ~~نسامها بلا رحمة ولا شفقة، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد. # وساد صمت كئيب أليم خلا فيه كل إلى أفكاره وتخيلاته، حتى ~~قطعه جميل الحمزاوي وهو يهتف متأوها: ربنا موجود. # فهتف السيد مؤمنا على قوله: نعم! (ومشيرا إلى الجهات الأربع) ~~في كل مكان. # وخاطب الشيخ متولي السيد قائلا: قل لفهمي إن الشيخ متولي ينصحه ~~بالابتعاد عن موارد التهلكة، قل له سلم إلى الله ربك؛ فهو القادر ~~وحده على إهلاك الإنجليز كما أهلك من قبلهم ممن شقوا عصا ~~طاعته. # ثم مال الشيخ نحو عصاه ليتناولها، فأشار السيد إلى جميل ~~الحمزاوي، فجاءه بالهدية ووضعها في يده، ثم ساعده على النهوض. صافح ~~الشيخ الرجلين ومضى وهو يقول: # غلبت ~~الروم * في ms419 أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون ~~... صدق الله ~~العظيم. # 68 # عند الغلس، ونور الصباح يولد رويدا من ظلمة الفجر، طرقت خادم من ~~السكرية بيت السيد، فأخبرت أمينة بأن عائشة قد جاءها المخاض. كانت ~~أمينة في حجرة الفرن، فعهدت بالعمل إلى أم حنفي وهرعت إلى باب ~~السلم. بدا على أم حنفي الاستياء ربما لأول مرة في تاريخ خدمتها ~~الطويل بهذا البيت، أما كان يحق لها أن تشهد ولادة عائشة؟ لها كل ~~الحق ... كأمينة سواء بسواء، فتحت عائشة عينيها في حجرها، كل ابن في ~~هذا البيت له أمان؛ أمينة وأم حنفي، كيف يحال بينها وبين ابنتها ~~في هذه الساعة الرهيبة! ... هل تذكرين ولادتك؟ ... وربع الطمبكشية، كان ~~المعلم في الخارج كعادته وكانت وحيدة بعد منتصف الليل، وجدت في أم ~~حسنية صديقة وقابلة معا! ... ترى أين أم حسنية الآن؟ ... ألا زالت على ~~قيد الحياة؟ ثم جاء حنفي بعد تأوهات الألم، ذهب بين تأوهات الألم ~~أيضا، وهو في المهد، لو عاش لكان ابن عشرين الآن! ... سيدتي الصغيرة ~~تتألم وأنا هنا أهيئ الطعام. امتلأ قلب أمينة بفرح موصول بإشفاق، ~~هو الإحساس الذي خفق به قلبها أول مرة يوم استقبلت التجربة ~~بنفسها. ها هي عائشة تتأهب لاستقبال أول مولود تستهل به ~~أمومتها، كما استهلت هي أمومتها بخديجة، هكذا تمتد الحياة التي ~~انبثقت منها إلى غير نهاية، ومضت إلى الأب فزفت إليه البشرى ~~بنبرات رقيقة مهذبة، مبالغة هذه المرة في حيائها وتهذيبها أن ~~يستشف وراء صوتها رغبتها الحارة في الانطلاق إلى ابنتها غير أن ~~السيد تلقى الخبر في هدوء، ثم أمرها بالذهاب دون إبطاء! ... راحت ~~ترتدي ملابسها على عجل، وقد شعرت بأن المزايا التي تكسبها امرأة ~~ضعيفة مثلها بإنجاب الأطفال خليقة بصنع المعجزات أحيانا، وعلم ~~الإخوة بالخبر عند استيقاظهم عقب ذهاب الأم بقليل. علت وجوههم ~~ابتسامة، وتبادلوا نظرة متسائلة. عائشة أم! أليس ذلك غريبا؟ ما ~~وجه الغرابة فيه. كانت نينة أصغر منها يوم ولدت خديجة، هل ذهبت ~~نينة لتخرج الطفل بيديها؟ ابتسامتان. هذا نذير لي، عما قليل ms420 تلد ~~بنت الكلب أيضا ... من تعني؟! زينب. آه لو سمعك بابا. عائشة أم، ~~وأنا أب، وأنا خال وعم، ستكون أنت أيضا عما وخالا يا سي كمال، ~~يجب أن أتخلف اليوم عن المدرسة لأذهب إلى آبلا عائشة. جميل ~~جدا، استأذن بابا إن استطعت على المائدة! ... أوووه. نحن في حاجة ~~إلى مزيد من المواليد لنسد العجز الذي أوقعه الإنجليز بنا ... لو ~~تخلفت عن المدرسة ما حدث شيء غير عادي، ثلاثة أرباع التلاميذ ~~مضربون أكثر من شهر. قل هذا لبابا وسيقتنع حتما بحجتك، فيضربك ~~بطبق الفول في وجهك. أوووه. مولود جديد، بعد ساعة أو ساعتين يصير ~~بابا جدا ونينة جدة ونحن أخوالا. شيء خطير، كم مولودا يا ترى ~~يرى نور الدنيا في هذه اللحظة؟ ... وكم إنسانا يغيب عنه هذا النور ~~في هذه اللحظة؟ ... يجب أن نبلغ جدتي. أستطيع أن أذهب إلى الخرنفش ~~لإبلاغها إذا تخلفت عن المدرسة! قلنا لك لا شأن لنا بمدرستك، قل ~~لبابا وسيرحب بفكرتك. أوووه. لعل عائشة تتألم الآن. مسكينة ~~المحبوبة، إن الطلق لا يلين للشعر الذهبي والأعين الزرق، ربنا ~~يقومها بالسلامة، عند ذاك نشرب المغات، ونشعل الشموع، ذكر أم أنثى؟ ~~... أيهما تفضل؟ ... الذكر طبعا، ربما بدأت بأنثى كأمها. لم لا ~~تبدأ بذكر كأبيها؟ ها ها، عندما يحين ميعاد انصراف المدرسة يكون ~~الطفل قد خرج، فلن أتمكن من مشاهدة خروجه. أتريد أن تراه وهو ~~يخرج؟ طبعا. أجل هذه الرغبة حتى يكون المولود ابنك أنت! ... كان ~~كمال أشد الجميع تأثرا بالخبر، شغل به عقلا وقلبا وخيالا، ~~لولا شعوره برقابة ضابط المدرسة عليه، وأنه يحصي حركاته وسكناته، ~~ليبلغها أول فأول إلى أبيه لما كان في وسعه أن يقاوم الإغراء ~~الذي يناديه للذهاب إلى السكرية. ومكث في المدرسة جسدا بلا روح، ~~هامت روحه في السكرية تتساءل عن القادم الجديد الذي ترقب مقدمه ~~أشهرا، وهو يمني النفس بالاطلاع على سره المكنون. شهد مرة ولادة ~~قطة وهو دون السادسة؛ إذ استرعت انتباهه بموائها الحاد، فهرع ~~إليها تحت عرش اللبلاب فوق السطح، فوجدها تتلوى ألما وقد ms421 جحظت ~~عيناها، ثم رأى جسمها يتصدع عن فلذة ملتهبة، فتراجع متقززا وهو ~~يصرخ بأعلى صوته. طافت هذه الذكرى بمخيلته وألحت عليه حتى عاوده ~~تقززه القديم، وانتشرت حوله مضجرة مقلقة كالضباب. غير أنه لم ~~يستسلم للخوف، أبي أن يتصور أن ثمة علاقة بين القطة وعائشة إلا ما ~~يكون بين الحيوان والإنسان وهو - في إيمانه - أبعد مما بين الأرض ~~والسماء، ولكن ماذا يحدث في السكرية إذن؟ ... ماذا طرأ على عائشة من ~~غرائب الأمور؟ ... ثمة أسئلة حيارى لا تنعم بجواب ... ما كاد يغادر ~~المدرسة عصرا، حتى اندفع يقطع الطريق عدوا إلى ~~السكرية. # دخل فناء بيت آل شوكت وهو يلهث، ومضى إلى باب الحريم، فلاحت منه ~~التفاتة إلى المنظرة، فما يدري إلا وعيناه تلتقيان بعيني والده ~~الذي جلس شابكا راحتيه على مقبض عصاه القائمة بين رجليه. تسمر ~~في مكانه جامدا محملقا كأنما نوم تنويما مغناطيسيا، لم ~~يطرف ولم يبد حراكا، ركبه شعور بالذنب لا يدريه، فلبث يترقب ~~انقضاض العقاب عليه وبرودة الخوف تسري في أطرافه، حتى اشتبك السيد ~~أحمد في حديث مع شخص يجلس إلى جانبه، فالتفت نحوه، فاسترد كمال ~~عينيه وهو يزدرد ريقه، عند ذلك لمح في داخل المنظرة إبراهيم ~~شوكت وياسين وفهمي قبل أن يفر إلى الداخل، رقي في السلم وثبا، ~~حتى انتهى إلى دور عائشة، فدفع بابا مواربا، ودخل فالتقى بخليل ~~شوكت زوج أخته واقفا في الصالة، ورأى باب حجرة النوم مغلقا، وقد ~~ترامى من ورائه إلى سمعه أصوات تتحادث ميز منها أمه وحرم المرحوم ~~شوكت، وصوتا ثالثا لا يعرفه، سلم على زوج أخته، ثم سأله وهو ~~يتطلع إليه بطرف باسم: آبلا عائشة ولدت؟ # فرفع الرجل سبابته إلى شفتيه محذرا، وهو يقول: هس. # أدرك كمال أنه لم يرحب بالسؤال، بل أنه لم يرحب بمقدمه كسالف ~~عادته، فخجل وعانى قلقا لم يدر له سببا، وأراد أن يتقدم من ~~الباب المغلق، ولكن صوت خليل أوقفه، وهو يهتف باقتضاب ينم عن ~~الضجر: لا. # فتحول نحوه متسائلا، ولكن الرجل قال له في عجلة ولهوجة: انزل ms422 ~~يا شاطر والعب تحت. # انكسرت نفس الغلام، فتقهقر متثاقلا بائخا، وقد عز عليه أن يجزى ~~على عذاب انتظاره طوال اليوم هذا الجزاء البخس، ولما بلغ عتبة ~~الصالة صك أذنيه صوت غريب آت من الحجرة المغلقة، بدأ رفيعا ~~حادا عاليا، ثم غلظ وترهل حتى بح، وانتهى بحشرجة طويلة قاسية، ~~ثم غاب لحظة مقدارها تردد النفس المقطوع، ثم بعث آهة عميقة شاكية، ~~بدا له غريبا أول الأمر، كأنه لم يعرف صاحبه، ولكن نبرة من نبراته ~~المعذبة تميزت وسط الحدة والغلظة والحشرجة، فوشت بهوية مصدره، ~~صوت عائشة بلا ريب، أو هو عائشة مذابة منصهرة، ثم تأكد من ظنه ~~عند تردد الآهة العميقة الشاكية، فارتعشت جوارحه، وخيل إليه أنه ~~يراها تتلوى على حال من الألم دعت إلى مخيلته بصورة القطة ~~القديمة، وعطف رأسه صوب خليل، فألفاه يقبض راحته ويبسطها وهو ~~يتمتم: «يا لطيف يا رب»، فخيل إليه مرة أخرى أن جسم عائشة ينقبض ~~وينبسط مثل راحة الرجل، لم يعد يملك من نفسه شيئا، فركض إلى ~~الخارج مفحما في البكاء، وعندما انتهى إلى باب الحريم استرعى سمعه ~~وقع أقدام هابطة وراءه، فرفع رأسه فرأى الجارية سويدان نازلة على ~~عجل، فمرت به دون أن تنتبه إليه حتى وقفت على عتبة باب الحريم، ثم ~~نادت سيدها إبراهيم فجاء الرجل مسرعا، فقالت له: «الحمد لله يا ~~سيدي.» لم تزد على ذلك شيئا، ولم تنتظر حتى تسمع ما يقول، ولكنها ~~دارت على عقبيها، وهرعت إلى السلم، فرقيت فيه دون تردد، رجع ~~إبراهيم إلى المنظرة متهلل الوجه، فلبث كمال وحده لا يدري ما يفعل، ~~ولكن لم تمض دقيقة حتى عاد إبراهيم يتبعه السيد أحمد فياسين، ثم ~~فهمي، فتنحى الغلام جانبا حتى مروا، ثم صعد في أعقابهم خافق ~~القلب، وقابل خليل الآتين أمام مدخل الشقة، فسمع أباه وهو يقول له: ~~الحمد لله على السلامة ... # فغمغم خليل في وجوم: الحمد لله على كافة الأحوال! # فسأله السيد باهتمام: ما لك؟ # فقال بصوت منخفض: إني ذاهب لاستدعاء الطبيب. # فتساءل السيد قلقا: المولود؟ # فأجابه وهو ms423 يهز رأسه سلبا: عائشة! ... ليست على ما يرام، سأجيء ~~بالطبيب حالا. # وذهب مخلفا وراءه وجوما وقلقا واضحين، ثم دعاهم إبراهيم شوكت ~~إلى حجرة الاستقبال، فمضوا إليها صامتين، وجاءت حرم المرحوم شوكت ~~بعد قليل، فسلمت وهي تبتسم لتدخل الطمأنينة إلى قلوبهم، ثم جلست ~~وهي تقول: قاست المسكينة طويلا حتى أنهكت قواها، ولكنها حال عارضة ~~وستزول وشيكا، إني واثقة مما أقول، ولكن ابني بدا اليوم خوافا ~~على غير عادته، على أنه لا ضرر البته من مجيء الطبيب (ثم مناجية ~~نفسها بصوت خفيض) الطبيب ربنا، وربنا هو الطبيب ... # لم يعد السيد يطيق ما يلتزم به عادة من وقار وبرود أمام أبنائه، ~~فسألها في قلق غير خاف: ماذا بها؟ ... ألا أستطيع أن ~~أراها؟ # فابتسمت المرأة وقالت: ستراها عما قريب وهي بخير وعافية، الحق ~~على ابني المجنون هو الذي أزعجكم بغير موجب. # كان وراء الصدر العريض القوي والوقار الحازم المهيب قلب يتعذب ~~أشد العذاب، كان وراء العينين الواجمتين الرزينتين دمع متجمد ... ~~ماذا دهم الصغيرة؟ الطبيب؟! لماذا تحول العجوز بيني وبينها؟! ~~ابتسامة رقيقة أو كلمة حنونة مني أنا، مني أنا خاصة، حقيقة بأن ~~تخفف من آلامها، زواج وزوج وألم، لم تذق في بيتي مرارة الألم قط، ~~العزيزة الجميلة الصغيرة رحمتك اللهم، فسد طعم الحياة، إنه ليفسد ~~لأهون أذى يتهددهم، فهمي ... أراه واجما متألما ... هل أدرك معنى ~~الألم؟ ... من أين له أن يعرف قلب الأم! العجوز مطمئنة وواثقة مما ~~تقول، ابنها أزعجنا بغير موجب، اللهم استجب، أنت أعلم بحالي بأن ~~تنجيها كما نجيتني من الإنجليز، قلبي لا يطيق هذا العذاب، عند الله ~~الرحمة، وهو قادر على حفظ أبنائي من كل سوء، لا طعم للحياة بغير ~~ذلك، لا طعم للسرور والطرب واللهو إذا انغرست في جنبي شوكة حادة، ~~قلبي يدعو لهم بالسلامة؛ لأنه قلب أب، ولأنه لا تطيب المسرات إلا ~~لخلي، هل ألقى سمار الليل بقلب سعيد؟ ... أحب إذا ضحكت أن تنطلق ~~الضحكة من أعماق قلبي صافية، القلب القلق كالوتر المختل، حسبي ~~فهمي، إنه يلح علي كوجع الأسنان، ms424 ما أبغض الألم، دنيا بلا ألم، ~~لا شيء على الله بكثير، دنيا بلا ألم ولو تكون قصيرة، دنيا تقر ~~فيها عيني بهم جميعا، هنالك أضحك وأغني وألهو، يا أرحم الراحمين، ~~عائشة يا أرحم الراحمين! # بعد غيبة ثلث ساعة عاد خليل مصحوبا بالطبيب، فدخلا الحجرة من ~~فورهما، ثم أغلق الباب وراءهما، وعلم السيد بمقدمهما فقام واتجه ~~إلى باب حجرة الاستقبال، ووقف على العتبة قليلا وهو يمد البصر إلى ~~الباب المغلق، ثم عاد إلى مجلسه فجلس. قالت حرم المرحوم شوكت: ~~لتعلمن صدق رأيي حالما يتكلم الطبيب. # فغمغم السيد وهو يرفع رأسه إلى أعلى: عنده العفو. # عما قليل يعرف الحقيقة، فيمرق من ضباب الشك مهما تكن العواقب. ~~إن قلبه يخفق خفقانا سريعا متواصلا، فليصبر، لم يبق إلا قليل. ~~إن إيمانه بالله قوي عميق، لا يتزعزع فليسلم إليه أمره، سيخرج ~~الطبيب طال مكثه في الداخل أم قصر، وعند ذاك يسأله عما وراءه، ~~الطبيب؟ ... لم يفكر في ذلك من قبل، طبيب عند نفساء؟! ... مع الرحم ~~وجها لوجه، أليس كذلك؟ ولكنه طبيب! ... ما الحيلة؟! المهم أن ربنا ~~يأخذ بيدها فلنسأله السلامة، وجد السيد إلى قلقه حياء وامتعاضا. ~~واستمر الفحص زهاء ثلث ساعة ثم فتح الباب، فنهض السيد ومضى من ~~توه إلى الصالة، وتبعه الأبناء حتى تجمعوا حول الطبيب. كان الطبيب ~~من معارف السيد، فصافحه باسما، ثم قال: بخير وعافية. # ثم في شيء من الجد: جاءوا بي للوالدة، ولكني وجدت أن التي في ~~حاجة إلى العناية حقا هي المولودة. # تنفس السيد بارتياح لأول مرة منذ حوالي الساعة، فتساءل ووجهه ~~يشرق بابتسامة لطيفة: أأطمئن إذن على عهدتك؟ # فقال الطبيب وهو يتظاهر بالدهش: نعم، ولكن ألا تهمك ~~حفيدتك؟! # فقال السيد باسما: لا عهد لي بعد بواجبات الجد. # وتساءل خليل: أليس ثمة أمل في حياتها؟ # فقال الرجل وهو يزوي ما بين حاجبيه: الأعمار بيد الله، ولكني ~~وجدت قلبها ضعيفا، من المحتمل أن تموت الليلة، وإذا مرت الليلة ~~بسلام جازت الخطر الماثل، ولكني لا أظن أنها تعمر طويلا، في ~~تقديري أنه ms425 لا يمكن أن يمتد بها العمر إلى ما بعد العشرين، ولكن من ~~يعلم؟ الأعمار بيد الله وحده ... # ولما ذهب الطبيب إلى طيته التفت خليل نحو أمه وعلى شفتيه ابتسامة ~~خفيفة تنم عن أسف، وقال: كان في نيتي أن أسميها نعيمة باسمك ~~... # فقالت المرأة وهي تلوح بيدها مؤنبة: الطبيب نفسه قال: إن ~~الأعمار بيد الله، أفتكون أنت أضعف إيمانا منه، سمها نعيمة، يجب ~~أن تسميها نعيمة إكراما لي، وسيكون عمرها بإذن الله مديدا كعمر ~~جدتها! # كان السيد يحادث نفسه: دعا الأحمق الطبيب ليطلع على زوجه بغير ~~موجب، بغير موجب! ... يا له من أحمق. ولم يستطع أن يكتم غيظه، فقال ~~وهو يداريه بلهجة رقيقة: حقا الخوف يفقد الرجال حسن الروية، أما ~~كان يجمل بك أن تفكر قليلا قبل أن تبادر إلى إحضار رجل غريب ليرى ~~زوجك بملء عينيه؟! # لم يجب خليل، ولكنه نظر فيمن حوله، وقال بجد: لا يجوز أن تعلم ~~عائشة بما قال الطبيب. # 69 ~~- ماذا في الطريق؟ # تساءل السيد أحمد وهو ينهض في عجلة من وراء مكتبه، فذهب صوب باب ~~الدكان يتبعه جميل الحمزاوي وبعض الزبائن. لم يكن طريق النحاسين ~~طريقا هادئا، كان أبعد ما يكون عن الهدوء، صوته الجهير لا يخفت ~~من الفجر إلى ما قبيل الفجر، حناجر عالية هتافة بنداءات ~~الباعة، ومساومات الشارين، ودعوات المجذوبين، ودعابات السابلة، ~~يتحادثون وكأنهم يخطبون، حتى أخص الشئون تترامى إلى جوانبه، وتطير ~~حتى مآذنه، إلى ضوضاء شاملة تصدر عن صليل سوارس حينا وطقطقة ~~الكارو حينا آخر، لم يكن طريقا هادئا بحال، ولكن تعالت ضجة ~~فجائية وفدت من بعيد في بادئ الأمر كهدير الأمواج، ثم غلظت واشتدت ~~حتى صارت بعزيف الريح أشبه، وقد لفت الحي كله قريبه وبعيده، بدت ~~غربية شاذة، حتى في هذا الطريق الصاخب، ظنها السيد أحمد مظاهرة ~~ثائرة كما ينبغي لرجل عاش في تلك الأيام، ولكن جلجلت في طياتها ~~زغاريد مبشرة بالأفراح، فمضى الرجل متسائلا إلى الباب، ولم يكد ~~يبلغه حتى اصطدم بشيخ الحارة الذي أقبل مندفعا وهو يهتف بوجه طفر ms426 ~~منه البشر: أبلغك الخبر؟ # فقال السيد وعيناه تلمعان تفاؤلا من قبل أن يسمع شيئا: كلا ... ~~ماذا وراءك؟ # قال الرجل بحماس: سعد باشا أفرج عنه ... # فما تمالك السيد أن تساءل صائحا: حقا؟! # فقال شيخ الحارة بيقين: أذاع أللنبي الساعة بيانا بهذه البشرى ~~... # في اللحظة التالية كانا يتعانقان، واشتد التأثر بالسيد أحمد، ~~فاغرورقت عيناه، ثم قال وهو يضحك مداراة لتأثره: كان العهد به ~~دائما أن يذيع الإنذارات لا البشريات، فماذا غيره ابن ~~الهرمة؟! # فقال شيخ الحارة: سبحان الذي لا يتغير ... # وصافح السيد، ثم غادر الدكان وهو يصيح: «الله أكبر، الله أكبر، ~~النصر للمؤمنين!» # وقف السيد على عتبة الدكان مقلبا عينيه في أنحاء الطريق بقلب ~~ارتد إلى براءة الطفولة وبهجتها، طالع أثر الخبر السعيد في كل ~~مكان ... في الدكاكين التي سدت مداخلها بأصحابها وزبائنها وهم ~~يتبادلون التهاني، في النوافذ التي تزاحمت فيها الأحداث، وانطلقت ~~الزغاريد من وراء خصاصها، في المظاهرات التي تألفت ارتجالا ما بين ~~النحاسين والصاغة وبيت القاضي هاتفة قلوبها لسعد، وسعد وسعد ثم ~~سعد، في المآذن التي اعتلى المؤذنون شرفاتها يشكرون، ويدعون ~~ويهتفون، في العربات الكارو التي تجمعت بالعشرات حاملة المئات من ~~النسوة المتلفعات بالملاءات اللف، وهن يرقصن ويرددن الأغاني ~~الوطنية، لم يعد يرى إلا آدميين أو بالأحرى هاتفين، اختفت الأرض ~~وتوارت الجدران، وتعالى الهتاف لسعد في كل مكان، كأنما الجو قد ~~انقلب أسطوانة هائلة تدور بلا توقف مرددة اسمه. وجرى نبأ فوق ~~الرءوس الحاشدة أن الإنجليز يجمعون معسكراتهم القائمة عند مفترق ~~الطرق تأهبا للرحيل إلى العباسية، فاستمر الحماس وحمست النشوات. ~~لم ير السيد أحمد منظرا كهذا من قبل، فراح يقلب عينين ~~متألقتين وفؤاده يخفق وثبا، وباطنه يردد مع النسوة الراقصات: «يا ~~حسين ... حملة وانشالت!» حتى أدنى جميل الحمزاوي رأسه من أذنه ~~قائلا: الدكاكين توزع الشربات وترفع الأعلام. # فقال له بحماس: اصنع كما يصنعون وأكثر، أرني همتك! # ثم بصوت متهدج: علق صورة سعد تحت البسملة. # فنظر إليه جميل الحمزاوي كالمتردد، ثم قال محذرا: هذا موضع ترى ~~فيه الصورة من الخارج، ألا ms427 يحسن بنا أن نتريث حتى تستتب ~~الأمور؟ # فقال السيد باستهانة: مضى عهد الخوف والدماء إلى غير رجعة، ألا ~~ترى أن المظاهرات تمر تحت أعين الإنجليز دون أن يتعرضوا لها ~~بسوء؟ علق الصورة وتوكل على الله. # غار عهد الخوف والدماء، أليس كذلك؟ سعد حر طليق، ولعله في ~~طريقه الآن إلى أوروبا، لم يعد بيننا وبين الاستقلال إلا خطوة أو ~~كلمة، مظاهرات الزغاريد بدلا من مظاهرات الرصاص، الأحياء منا قوم ~~سعداء، اخترقوا النيران وخرجوا سالمين، رحمة الله على الشهداء، ~~فهمي؟! نجا من خطر لم يقدره، نجا والحمد لله والشكر لله، أجل ~~نجا فهمي، ماذا تنتظر؟ ... صل إلى الله ربك. # لما اجتمعت الأسرة مساء وشت الحناجر المبحوحة بيوم مليء ~~بالهتاف. كان مساء سعيدا، نمت عن سعادته الأعين والثغور ~~والحركة والكلام حتى أمينة نهل قلبها من نخب السعادة المبذول ~~مشاركة للأبناء، واستبشارا بعودة السلام وفرحا بالإفراج عن ~~سعد. ~~- من المشربية رأيت ما لم تر عين من قبل، هل قامت القيامة ونصب ~~الميزان؟! وأولئك النساء هل جنن؟! لا يزال صدى ترديدهن يرن في ~~أذني: «يا حسين ... حملة وانشالت.» # قال ياسين ضاحكا وهو يعبث بشعر كمال: تحية شيعوا بها الإنجليز ~~الراحلين كما يشيع الضيف الثقيل بكسر القلة وراءه! # نظر إليه كمال من دون أن ينبس، على حين عادت أمينة تتساءل: أرضي ~~الله عنا أخيرا؟ # فأجابها ياسين قائلا: بلا ريب (ثم مخاطبا فهمي) ماذا ~~تظن؟ # قال فهمي الذي بدا في فرح الأطفال: لو لم يسلم الإنجليز بمطالبنا ~~لما أفرجوا عن سعد، سوف يسافر إلى أوروبا، ثم يعود بالاستقلال، هذا ~~ما يؤكده الجميع، ومهما يكن من أمر، فسيبقى يوم 7 أبريل سنة 1919 ~~رمزا لانتصار الثورة. # فعاد ياسين يقول: يا له من يوم! اشترك الموظفون في المظاهرات ~~علانية، ما كنت أظن أن بي هذه القدرة العظيمة على السير المتواصل ~~والهتاف العالي! # فضحك فهمي قائلا: وددت لو رأيتك وأنت تهتف متحمسا، ياسين ~~يتظاهر ويتحمس ويهتف! ... يا له من منظر فريد! # يوم عجيب في الأيام حقا، اكتسحه سيله الزاخر، فحمله ms428 بين أمواجه ~~العاتية كوريقة لا وزن لها حتى طار به كل مطار، لا يكاد يصدق ~~أنه ثاب إلى رشده، وأنه آوى إلى برج المراقبة الهادئ يشاهد من ~~منظاره الحوادث في هدوء وعدم اكتراث! ... جعل يستحضر الحال التي ~~تلبسته في المظاهرات على ضوء ملاحظة فهمي، حتى قال بغرابة: ~~الواحد منا ينسى نفسه وهو بين الناس نسيانا غريبا، فكأنه يبعث ~~شخصا جديدا. # سأله فهمي باهتمام: أكنت تشعر بحماس صادق؟ ~~- هتفت لسعد حتى بح صوتي، واغرورقت عيناي مرة أو مرتين. ~~- كيف اشتركت في المظاهرة؟ ~~- بلغنا نبأ الإفراج عن سعد ونحن في المدرسة، ففرحت فرحا عظيما ~~حقا، أكنت تتوقع غير هذا؟ ... وإذا بالمدرسين يقترحون الانضمام ~~إلى المظاهرة الكبيرة في الخارج، فلم أجد من نفسي ميلا إلى ~~مجاراتهم، وفكرت في التسلل إلى البيت، غير أني اضطررت إلى السير ~~معهم، حتى تسنح لي فرصة للزيغان، ماذا حصل بعد ذلك! وجدت نفسي ~~في بحر متلاطم من الناس، وجو مكهرب من الحماس، فما ملكت أن ذهلت ~~عن نفسي، واندمجت في التيار كأشد ما يكون المرء - صدقني في هذا - ~~حماسا وأملا! # فهز فهمي رأسه وهو يغمغم: شيء عجيب. # ضحك ياسين عاليا، ثم قال: أحسبتني فاقد الوطنية؟! المسألة أني ~~لا أحب الزياط والعنف، ولا أجد حرجا في التوفيق بين حب الوطن وحب ~~السلامة. ~~- وإذا شق التوفيق بينهما؟ # فقال مبتسما، ولكن دون تردد: قدمت حب السلامة! نفسي أولا ... ~~ألا يستطيع الوطن أن يسعد إلا بالتهام حياتي؟! يفتح الله، أنا لا ~~أفرط في حياتي، ولكني سأحب الوطن ما دمت «حيا». # قالت أمينة: هذا عين العقل (ثم متطلعة إلى فهمي) هل عند سيدي رأي ~~آخر؟ # قال فهمي بهدوء: كلا طبعا، إنه عين العقل كما قلت. # ولم يرض كمال أن يبقى بمعزل عن الحديث، لا سيما أنه كان ~~مقتنعا بأنه لعب في يومه دورا خطيرا حقا فقال: وأضربنا نحن ~~كذلك، ولكن الناظر قال لنا: إننا ما زلنا صغارا، وإننا إذا خرجنا ~~من المدرسة داستنا الأقدام، ثم سمح لنا بالتظاهر في فناء المدرسة، ~~فتجمعنا فيه ms429 وهتفنا (هنا هتف عاليا: يحيا سعد) طويلا جدا، ثم ~~لم نعد إلى الفصول؛ لأن المدرسين كانوا قد غادروا المدرسة منضمين ~~إلى المتظاهرين في الخارج! # رماه ياسين بنظرة ساخرة وقال: ولكن أصدقاءك ذهبوا! ~~- في داهية. # ندت عنه هذه العبارة بلا تفكير وهي أبعد ما تكون عن حقيقة ~~شعوره؛ لأن الحال تقتضيها من ناحية، ولأنه أراد أن يداري بها ~~هزيمته أمام سخرية ياسين من ناحية أخرى، أما قلبه فكان يكابد ~~دهشة وغمزا، لم ينس كيف وقف لدى عودته من المدرسة في المكان ~~المهجور الذي كان يحتله المعسكر يقلب عينيه في أرجائه في صمت ~~أليم وعيناه مغرورقتان. سوف يمضي وقت طويل قبل أن ينسي مجلس الشاي ~~على طوار سبيل بين القصرين والإعجاب الذي كان يحظى به غناؤه، ~~والمودة التي كان يلقاها من الجنود خاصة جوليون، والصداقة التي ~~ربطته بالسادة المتفوقين الذين يعلون في اعتقاده على سائر البشر! ~~قالت أمينة: سعد باشا رجل سعيد الحظ، الدنيا كلها تهتف باسمه، ولا ~~أفندينا في زمانه ... رجل مؤمن بلا ريب؛ لأن الله لا ينصر إلا ~~المؤمنين. نصره على الإنجليز الذين غلبوا زبلن نفسه، أي فوز وراء ~~هذا؟! ... لقد ولد الرجل في ليلة القدر. # سألها فهمي باسما: أتحبينه؟ ~~- أحبه ما دمت تحبه. # بسط فهمي راحتيه، ورفع حاجبيه مستنكرا، ثم قال: لا يعني هذا ~~شيئا! # فتنهدت فيما يشبه الارتباك، ثم قالت: كنت كلما بلغني نبأ أسيف ~~تقطع قلبي حزنا، وقلت لنفسي: «يا ترى أكان يقع هذا لو لم يقم ~~سعد قومته؟!» على أن رجلا يجمع الكل على حبه لا بد أن الله يحبه ~~كذلك. # ثم متنهدة بصوت مسموع: أسفي على الهالكين، كم أما تبكي الآن ~~بحرارة؟ ... كم أما لم تزدها فرحة اليوم إلا حسرة على حسرة. # قال لها فهمي، وهو يغمز ياسين بطرفه: الأم الوطنية حقا تزغرد ~~لاستشهاد ابنها. # فوضعت أصبعيها في أذنيها، وهتفت: اللهم إني أشهدك على ما يقول ~~سيدي الصغير! ... أم تزغرد لاستشهاد ابنها! أين؟! على هذه الأرض؟ ولا ~~تحت الأرض في عالم الشياطين! # قهقه فهمي عاليا ms430 ومضى يفكر مليا، ثم قال وعيناه تلمعان ~~باسمتين: نينة! سأبوح لك بسر خطير آن له أن يذاع. لقد اشتركت ~~في المظاهرات وقابلت الموت وجها لوجه! # سهمت إليه غير مصدقة، ثم قالت وعلى شفتيها ابتسامة باهتة: أنت؟! ~~... محال ... إنك من لحمي ودمي وقلبك من قلبي، لست كالآخرين ... # فقال بيقين وهو يبتسم إليها: أقسم لك على ذلك بالله ~~العظيم. # اختفت الابتسامة واتسعت العينان في ذهول، ثم رددت بصرها بينه ~~وبين ياسين الذي حدجه بدوره بنظرة متسائلة، ثم غمغمت وهي تزدرد ~~ريقها: رباه! ... كيف أصدق أذني! # ثم بعد أن هزت رأسها في حيرة أليمة: أنت! # كان يتوقع انزعاجها، ولكن ليس - بالنظر لمجيء اعترافه بعد زوال ~~الخطر - إلى الحد الذي بدا عليها، فبادرها قائلا: ذاك تاريخ مضى ~~وانتهى، لا داعي الآن للانزعاج. # فقالت بإصرار ونرفزة: صه ... أنت لا تحب أمك، سامحك الله. # فضحك فهمي في شيء من الارتباك. قال كمال لأمه وهو يبتسم بمكر: ~~أتذكرين يوم دكان البسبوسة وضرب النار؟ رأيته وأنا عائد في الطريق ~~المقفر، فنبه علي بألا أخبر أحدا بأني رأيته. # ثم نظر إلى فهمي وسأله باهتمام وتشوق: قص علينا يا سي فهمي ما ~~لقيت في المظاهرات، كيف كانت تقع المعارك؟ وكيف يصرع القتلى؟ ألم ~~تطلق النار قط؟ # فتدخل ياسين في الحديث قائلا للأم: ذاك تاريخ مضى وانتهى، ~~اشكري الله على نجاته، هذا أولى بك من الانزعاج. # سألته بجفاء: أكنت تعلم بذلك؟ # فبادرها قائلا: لا وحياة تربة أمي (ثم مستدركا) وديني وأيماني ~~وربي. # ثم نهض من مجلسه منتقلا إلى جوارها، فوضع يده على منكبيها، وقال ~~برقة: أتطمئنين حين كان ينبغي الانزعاج، وتنزعجين حين ينبغي ~~الاطمئنان! وحدي الله، زال الخطر وعاد السلام، ها هو فهمي بين ~~يديك ... (وضاحكا) ابتداء من الغد سنقطع القاهرة طولا وعرضا، ~~ليلا ونهارا، بلا خوف أو قلق. # وقال فهمي جادا: نينة، رجائي إليك ألا تكدري صفونا بحزن ~~لا موجب له. # تنهدت ... فتحت فاها لتتكلم، ولكنها حركت شفتيها دون أن ~~تنبس، ابتسمت ابتسامة شاحبة لتعلن استجابتها لرجائه، ثم نكست ~~وجهها ms431 لتخفي عينيها المغرورقتين. # 70 # بات فهمي تلك الليلة وهو عاقد العزم على استرضاء أبيه مهما ~~كلفه الأمر، وفي صباح اليوم التالي صمم على تنفيذ عزمه دون ~~تردد. ومع أنه لم يضمر لأبيه - طول فترة العصيان - أي إحساس بالغضب ~~أو التحدي، فإن ضميره كابد شعورا بالذنب ناء به قلبه الحساس ~~المشرب بالطاعة والولاء. حقا لم يتحده بلسانه، ولكنه خالف ~~إرادته بالفعل، بل خالفها مرارا وتكرارا، فضلا عن امتناعه عن ~~القسم يوم دعاه إليه في حجرته، وإعلانه بالبكاء تمسكه برأيه رغم ~~إرادة الرجل، كل أولئك أحله - على حسن نيته - موقفا عاقا شريرا ~~لا يرضاه لنفسه ولا يحتمله. ولم يكن سعى إلى استرضائه من قبل خشية ~~أن ينكأ الجرح دون أن يسعه أن يلأمه؛ لأنه قدر أن يدعوه السيد إلى ~~القسم تكفيرا عما بدر منه، فيضطر مرة أخرى إلى الامتناع، مؤكدا ~~عصيانه من حيث أراد أن يعتذر عنه. الحال اليوم غيرها بالأمس، انتشى ~~قلبه بالسرور والظفر، الوطن كله ثمل بخمر السعادة والفوز، فلا يطيق ~~أن يقوم بينه وبين أبيه حجاب من سوء الظن ولو لحظة واحدة، ~~الاسترضاء، فالعفو الذي يهفو إليه، ثم السعادة الحقة التي لا ~~تشوبها شائبة. دخل حجرة أبيه قبيل ميعاد الفطور بربع ساعة، فوجده ~~يطوي سجادة الصلاة مغمغما بالدعاء، لمحه الرجل بلا ريب ولكنه ~~تجاهله، فمضى إلى الكنبة دون أن يلتفت صوبه وجلس. عند ذاك تراءى ~~فهمي بموقفه عند الباب ملفوفا بالارتباك والحياء، فحدجه بنظرة ~~جافة مستنكرة، كأنما تتساءل: «من هذا الواقف وماذا جاء به؟!» ~~فتغلب فهمي على ارتباكه، وتقدم من مجلس أبيه في خطى خفيفة، حتى ~~انحنى على يده، فتناولها ولثمها باحترام لا حد له، وصمت مليا ~~ثم قال بصوت لا يكاد يسمع: صباح الخير يا بابا. # واصل التحديق فيه صامتا، كأنه لم يسمع تحيته حتى غض الشاب بصره ~~ارتباكا، وغمغم في نبرات نمت عن اليأس: إني آسف. # صمت وإصرار على الصمت. ~~- آسف جدا، لم أذق طعم السكينة منذ ... # وجد أن الكلام كان يستدرجه إلى ذكر ما ود من ms432 كل قلبه أن يتحاشاه ~~فأمسك، وما يدري إلا والسيد يسأله بجفاء وتبرم: وماذا ~~تريد؟ # رحب بإقلاعه عن الصمت أيما ترحيب، فتنهد بارتياح كأنه لم ~~يستشعر جفاءه، وقال برجاء: أريد أن تكون راضيا عني. # قال السيد بضجر: غر من وجهي. # فقال فهمي وهو يشعر بقبضة اليأس تتراخى قليلا عن عنقه: عندما ~~أنال رضاك. # تساءل السيد متحولا فجأة إلى التهكم: رضاي! ... لم لا؟ ... هل ~~فعلت لا سمح الله ما يستوجب السخط؟! # رحب بالتهكم أضعاف ترحيبه بالإقلاع عن الصمت، التهكم عند ~~أبيه أول خطوة نحو الصفح، غضبه الحقيقي صفع أو لكم أو ركل أو سب، ~~أو كل أولئك جميعا، التهكم أول بشير بالتحول، انتهز الفرصة ~~وتكلم، تكلم كما ينبغي لرجل قد يعمل في المحاماة غدا أو بعد غد، ~~هذه فرصتك! وتكلم، الاستجابة لنداء الوطن لا تعد عصيانا لإرادة ~~حضرتك، لم أفعل شيئا يحسب بين الأعمال الوطنية حقا، توزيع ~~منشورات على الأصدقاء ... وما توزيع المنشورات على الأصدقاء؟ أين أنا ~~ممن بذلوا الحياة رخيصة؟ فهمت من كلام حضرتك أنك تخاف على حياتي، ~~لا لأنك تستنكر حقا الواجبات الوطنية، فقمت بشيء من الواجب، ~~وأنا مطمئن إلى أني - في الواقع - لا أخالف لك إرادة ... إلخ ... ~~إلخ. ~~- علم الله أنه لم يخطر ببالي قط أن أعصي لك أمرا. # قال السيد بحدة: كلام فارغ، تتظاهر بالطاعة الآن؛ لأنه لم يعد ~~ثمة داع إلى العصيان، لم لم تطلب رضاي قبل اليوم؟ # قال فهمي بحزن: كانت الدنيا في دم وكرب، وكنت من الحزن في شغل ~~شاغل. ~~- شغلك عن طلب رضاي؟! # قال بحرارة: شغلني عن نفسي لا عن طلب رضاك. # ثم بصوت منخفض: لن أستطيع أن أعيش بغير رضاك. # قطب السيد، لا غضبا كما تظاهر، ولكن ليخفي الأثر اللطيف الذي ~~بعثه كلام الشاب في نفسه. هكذا يكون الكلام وإلا فلا، يجيد صناعة ~~الكلام حقا، هذه هي البلاغة أليس كذلك؟ سأعيد أقواله على مسامع ~~الأصدقاء الليلة لأمتحن أثره في نفوسهم، ترى ما عسى أن يقولوا؟ ~~الولد سر أبيه ... هذا ما ينبغي أن يقال، ms433 قديما قيل لي إنني لو ~~أتممت مراحل التعليم لكنت أبلغ المحامين، إني أبلغ الناس بغير ~~التعليم والمحاماة، الحديث اليومي كالقانون سواء بسواء في الكشف عن ~~موهبة البلاغة، كم من محام أو موظف كبير ينكمش في المجلس أمامي ~~كالعصفور! ولا فهمي نفسه بمستطيع أن يسد مكاني يوما ما، سيقولون ~~لي وهم يضحكون حقا الولد سر أبيه، امتناعه عن القسم لا يزال يحز ~~في نفسي، لكن أليس من دواعي الفخر لي أنه اشترك في الثورة ولو من ~~بعيد؟ ليته اشترك في الأعمال الكبيرة ما دام الله قد كتب له العمر ~~حتى اليوم، سأقول من الآن فصاعدا إنه خاض غمار الثورة، أتظنون أنه ~~اكتفى بتوزيع المنشورات كما كان يؤكد لي؟ لقد رمى ابن الكلب ~~بنفسه في التيار الدامي، يا سيد أحمد ينبغي أن نشهد لابنك بالوطنية ~~والشجاعة ... لم نشأ أن نقول لك هذا في إبان الخطر، أما وقد استقر ~~السلام فلا حرج من قوله ... أتنكر أنت شعورك الوطني؟ ... ألم يثن عليك ~~جامعو التبرعات من مندوبي الوفد ... والله لو كنت شابا لفعلت ما لم ~~يفعله ابنك، ولكنه عصاني! عصى لسانك وأطاع قلبك! الآن ما عسى أن ~~أفعل؟ يريد قلبي أن يهبه العفو، ولكني أخاف أن يستهين ~~بمخالفتي! ~~- وأنا لن أستطيع أن أنسى أنك خالفت إرادتي، أحسبت أن الخطبة ~~الفارغة التي صبحتني بها على غيار الريق يمكن أن تؤثر ~~في؟! # هم فهمي بالكلام، ولكن أمه دخلت في تلك اللحظة وهي تقول: ~~الفطور جاهز يا سيدي. # وقد دهشت لوجود فهمي على غير انتظار، فرددت عينيها بينهما، ~~وتلكأت قليلا لعلها تسمع شيئا مما يدور، ولكنها رأت في الصمت - ~~الذي خافت أن يكون مجيئها باعثه - ما دعاها إلى مغادرة الحجرة على ~~عجل. نهض السيد للانتقال إلى حجرة المائدة، فتنحى فهمي جانبا، ~~وقد علاه حزن شديد لم يخف أثره عن عيني الرجل، فتردد لحظات ثم ~~قال أخيرا بصوت سلمي: أريد مستقبلا ألا تصر على حماقتك وأنت ~~تخاطبني ... # وسار فتبعه الشاب ممتنا باسم الأسارير، ثم سمعه يقول متهكما ~~وهما يقطعان ms434 الصالة: أظنك حاسب نفسك على رأس الذين أفرجوا عن ~~سعد! # غادر فهمي البيت قرير العين، فمضى من توه إلى الأزهر، حيث ~~اجتمع بزملائه أعضاء لجنة الطلبة العليا للنظر في تنظيم المظاهرات ~~السلمية الكبرى التي سمحت السلطة بقيامها للإعراب عن ابتهاج الشعب، ~~والتي تقرر أن يشترك فيها ممثلو الأمة بكافة طبقاتها، دام الاجتماع ~~وقتا غير قصير، ثم تفرق المجتمعون كل إلى وجهته، فركب الشاب ~~إلى ميدان المحطة بعد أن عرف الدور الذي عهد به إليه، وهو الإشراف ~~على تجمعات طلبة المدارس الثانوية. لئن كان يعد ما يعهد عادة ~~إليه - بالقياس إلى غيره، من الأدوار الثانوية، إلا أنه كان يقوم ~~به بدقة وعناية وغبطة، كأنما هو أسعد ما يحظى به في حياته، غير ~~أنه لم يكن يخلو في جهاده من تعاسة خفيفة لم يعلم بها أحد سواه، ~~منشؤها ما اقتنع به من أنه دون الكثيرين من أقرانه جرأة وإقداما ~~... أجل لم ينكص عن مظاهرة من المظاهرات التي دعت إليها اللجنة، ~~ولكنه كان يفقد جنانه عند ظهور اللوريات المحملة بالجنود، وخاصة ~~عند إطلاق الرصاص وتساقط الضحايا ... فمرة لاذ بمقهى وهو يرتعد، ~~ومرة أخرى جرى على وجهه شوطا بعيدا حتى وجد نفسه في قرافة ~~المجاورين، أين هو من حامل اللواء في مظاهرة بولاق، أو مذبحة بولاق ~~كما غدت تسمى، الذي استشهد ويداه قابضتان على اللواء، وقدماه ~~ثابتتان في الطليعة، وحنجرته تهتف بالثبات؟! أين هو من أقران ذلك ~~الشهيد الذين تبادروا إلى اللواء ليرفعوه فسقطوا فوقه، وقد تقلدت ~~صدورهم نياشين الرصاص؟! أين هو من ذلك الشهيد الذي انتزع المدفع ~~الرشاش من أيدي الجنود في الأزهر؟! أين هو من هؤلاء جميعا وغيرهم ~~ممن تطير الأنباء بآي بطولتهم واستشهادهم؟! كانت أعمال البطولة ~~تتراءى لعينيه رائعة باهرة، تخطف الأبصار، وطالما أنصت إلى نداء ~~باطني يهيب به إلى الإقدام والتأسي بالأبطال، ولكن كانت تخذله ~~أعصابه في اللحظة الحاسمة، فما إن تنحسر موجة المعركة حتى يجد نفسه ~~في المؤخرة إن لم يكن مختبئا أو هاربا، ثم يعود إلى التصميم ~~على ms435 مضاعفة البذل والكفاح والتماسك بضمير معذب وقلب حائر ~~ورغبة في الكمال لا تحد، متعزيا أحيانا بقوله: «ما أنا إلا ~~محارب أعزل، ولئن فاتني الرائع من أعمال البطولة، فحسبي أنني لم ~~أتردد مرة واحدة عن الإلقاء بنفسي في أتون المعركة.» في طريقه ~~إلى ميدان المحطة جعل يراقب الطرق والمركبات، كان الجميع ~~يتوجهون - فيما بدا - وجهته، طلبة وعمالا وموظفين وأهلين ~~راكبين وراجلين، تظلهم جميعا طمأنينة خليقة بقوم ذاهبين إلى ~~مظاهرة سلمية مصرح بها، إنه مثلهم، يشعر بشعورهم، لا كعهده ~~القديم حين كان يلتمس طريقه إلى موعد المظاهرة بنفس ثائرة، وقلب ~~تثقل ضرباته كلما تخايل لعينيه شبح الهلاك. ذاك عهد مضى، اليوم ~~يمضي مطمئن الجانب باسم الثغر ... انتهى الجهاد! خرج منه سليما ~~لا عليه ولا له. ولا له؟! ليته عانى شيئا مما تعرض له الآلاف ~~كالسجن أو الضرب أو إصابة غير مميتة! أليس من المحزن أن تكون ~~السلامة المطلقة جزاء من أوتي قلبا كقلبه وحماسا كحماسه! كطالب ~~مجتهد لم يتح له أن يظفر بأية شهادة ... أتنكر سرورك بالنجاة؟ ~~أكنت تفضل أن تكون من الشهداء؟ كلا، أكنت تتمنى لو كنت من ~~المصابين غير الهالكين؟ نعم، كان ذلك في وسعك، فلم نكصت؟ لم تكن ~~تضمن أن تقع الإصابة غير مميتة، أو أن يكون السجن عابرا، أنت لا ~~تكره النجاة الراهنة، ولكنك تتمنى لو كان أصابك شيء دون أن ~~يغير من هذه النهاية الجميلة، ينبغي إذا جاهدت مرة أخرى أن ~~أطلع على الغيب! أمضي إلى المظاهرة السلمية بقلب مطمئن ~~وضمير قلق - بلغ الميدان زهاء الواحدة بعد الظهر، قبل الميعاد ~~المحدد لقيام المظاهرة بساعتين، فاتخذ مكانه في الموضع الذي ~~حدد له! باب المحطة. لم يكن بالميدان إلا المشرفون وجماعات ~~متفرقة من شتى الطوائف، وكان الجو معتدلا إلا أن شمس أبريل ~~صبت على من تعرض لأشعتها لظى، ولم يطل الانتظار، فأخذت ~~الجموع تتوافد على الميدان من مختلف الطرق المفضية إليه، ومضت كل ~~جماعة صوب عملها، بذلك شرع فهمي في عمله بلذة وفخار، بالرغم من ~~بساطة العمل الذي لم ms436 يعد أن يكون ترتيبا للمدارس كل وراء ~~علمها، إلا أنه ملأ نفسه زهوا وخيلاء، سيما وأنه كان يشرف على ~~طلبة كثيرين ممن يكبرونه سنا، حتى بدت التسعة عشر عاما التي ~~يجرها وراءه ذيلا قصيرا في زحمة التلاميذ الذين ناهز كثير ~~منهم الثانية والعشرين والرابعة والعشرين، وفتلت شواربهم، ولاحظ ~~أعينا ترمقه باهتمام وشفاها تتهامس عليه كما سمع اسمه - مقرونا ~~بصفته الشعبية - يجري على بعض الألسن «فهمي أحمد عبد الجواد مندوب ~~اللجنة العليا»، فحرك أوتار قلبه حتى أطبق شفتيه دون أن تند ~~عنهما بسمة حياء، أو ارتباك من «مهابته». أجل ينبغي أن يحافظ على ~~منظر مندوب اللجنة العليا، على الجد والصرامة الخليقتين بالرعيل ~~الأول من شباب المجاهدين، كي ينفسح المجال لأخيلة المتطلعين لحدس ~~ما يخفي وراءه من أعمال البطولة والكفاح، فلتتحقق تلك الأعمال ~~الخارقة، التي عجز عن تحقيقها في الواقع في أخيلتهم، لن تفتر له ~~رغبة في المزيد منها، وإن وخز قلبه إحساسه الحاد بالحقيقة العارية. ~~موزع منشورات وجندي من جنود المؤخرة! هذا هو بلا زيادة، اليوم يوكل ~~به قيادة المدارس الثانوية فيواجه زعامة كبيرة. ترى هل يقدر ~~الآخرون عمله أكثر مما يقدره هو؟! لشد ما يحبونه بالاحترام ~~والمحبة، لم يعقد اجتماع إلا وكان له فيه رأي مسموع، والخطابة؟ ~~ليس من الضروري أن تكون خطيبا ... أليس كذلك؟ ليس محالا أن تكون ~~عظيما وأنت غير خطيب، ولكن أي خسارة ستمنى بها يوم تمثل اللجنة ~~العليا بين يدي الزعيم، فيستبق الخطباء وتلوذ أنت بالصمت. كلا ~~لن ألوذ بالصمت، سوف أتكلم، سأطلق لقلبي العنان أجاد أم لم يجد، ~~متى تقف بين يدي سعد؟ متى تراه لأول مرة فتملأ منه عينيك؟ إن قلبي ~~يخفق، وعيناي تحنان للدموع، سيكون يوما عظيما، ستخرج مصر كلها ~~لاستقباله، لن يكون يومنا هذا إلى ذلك إلا كقطرة إلى البحر، رباه! ~~امتلأ الميدان، امتلأت الشوارع المفضية إليه. عباس، نوبار، ~~الفجالة، لم تسبق كهذه مظاهرة، مائة ألف، طرابيش، عمائم، طلبة ... ~~عمال ... موظفون ... الشيوخ والقساوسة، القضاة ... من كان يتصور هذا، ~~لا يبالون الشمس ... هذه ms437 مصر، لم لم أدع بابا؟ صدق ياسين ... الواحد ~~منا ينسى بين الناس نفسه، يعلو على نفسه، أين همومي الشخصية؟ ... لا ~~شيء، لشد ما يخفق قلبي، سأتحدث عن هذا طويلا الليلة وما بعدها. ~~ترى هل ترتعد نينة مرة أخرى؟ منظر جليل تخشع له القلوب وتطمئن، ~~أريد أن ألمس أثره في وجوه الشياطين! ها هي ثكناتهم تشرف على ~~الميدان، الراية اللعينة ترفرف، هناك رءوس في النوافذ ... فيم ~~تتهامس؟! الديدبان تمثال لا يرى شيئا، لم تقض رشاشاتكم على ~~الثورة، افقهوا هذا، سترون عما قريب سعد في هذا الميدان عائدا ~~مظفرا، تنفونه بالسلاح ونعيده بغير سلاح، سوف ترون قبل الجلاء. ~~تحرك الموكب العظيم فتدفقت موجاته تباعا مرددة الهتافات ~~الوطنية، بدت مصر مظاهرة واحدة، بل رجلا واحدا، بل هتافا ~~واحدا. تتابعت طوابير الطوائف طويلا، طويلا جدا، حتى ~~خيل إليه أن الطلائع ستشارف عابدين قبل أن يتزحزح هو وجماعته ~~عن موضعهم أمام باب المحطة، أول مظاهرة تسير دون أن تقطع المدافع ~~الرشاشة الطريق عليها، لا رصاص من ناحية، ولا زلط من الناحية ~~الأخرى، وافتر ثغره عن ابتسامة، رأى الجماعة التي تعسكر أمامه ~~مباشرة تتحرك، فدار على عقبيه كي يواجه مظاهرته «الخاصة»، ~~ورفع يديه فسرت في الصفوف حركة تأهب وتوثب، ثم هتف بأعلى صوته ~~وهو يسير مقهقرا. واصل مهمة القيادة والهتاف حتى مدخل شارع نوبار، ~~ثم تخلى عن الثانية لغيره ممن أحاطوا به مترصدين دورهم ~~بأفواه قلقة متحركة، كأنما قد جاءها المخاض والطلق، فلا تستريح ~~حتى تقذف بهتافاتها، دار على عقبيه مرة أخرى سائرا بوجهه، ~~يشرئب بعنقه تارة ليشاهد ما تقدم من جسم المظاهرة التي لم يعد ~~يرى لها أولا، ويتلفت يمنة ويسرة تارة أخرى؛ ليرى من اكتظت ~~بهم الأرصفة والنوافذ والشرفات والأسطح من جموع المشاهدين الذين ~~جعلوا يرددون الهتافات. امتلأت نفسه بمنظر الألوف الحاشدة قوة ~~إلى قوة، وطمأنينة على طمأنينة، كأنها دروع منصوبة حواليه، قوة ~~متماسكة لا ينفذ منها الرصاص، إن قوات البوليس تتعهد النظام ~~بعد أن أعياها الطعان والهجوم، إن منظر هؤلاء الرجال الذاهبين ~~الجائين ms438 على صهوات جيادهم، كأنهم حراس تابعون للمظاهرة قائمون على ~~خدمتها، لأبلغ دليل على انتصار الثورة، الحكمدار؟! أليس هذا هو رسل ~~بك ... بلى هو إنه يعرفه حق المعرفة، وهذا وكيل الحكمدار يخب وراءه ~~ملقيا على الأفق نظرة جامدة مترفعة كأنما تحتج احتجاجا صامتا ~~على السلام الذي احتضن المظاهرة، ما اسمه؟ هل يمكن أن ينسى الاسم ~~الذي ملأ الأسماع في الأيام السود الدامية؟! أوله جيم أليس كذلك؟ ~~جا ... جو ... جي ... يأبى أن يستجيب إلى الذاكرة، جوليون! أوه كيف ~~تسلل هذا الاسم البغيض إلى وعيه؟! هوى عليه كالتراب فأطفأ حماسه، ~~كيف لنا أن نلبي نداء الحماس والظفر ما دام القلب ميتا! قلب ميت؟! ~~لم يكن ميتا منذ دقيقة، لا تستسلم للحزن، لا تدع قلبك يبتعد عن ~~المظاهرة، ألم تعاهد نفسك على النسيان؟ بل إنك نسيت بالفعل، ~~مريم ... من هي؟! ذلك التاريخ القديم؟! نحن نعيش للمستقبل لا للماضي ~~... جيز ... مستر جيز ... مستر جيز ... هذا هو اسم وكيل الحكمدار لعنة الله ~~عليه، عد إلى الهتاف كي تنفض عن نفسك هذا الغبار الطارئ. مضت ~~«مظاهرته» تقترب رويدا من حديقة الأزبكية التي لاحت أشجارها ~~الباسقة فوق الأعلام المنتشرة بطول الطريق، على حين بدا ميدان ~~الأوبرا من بعيد رءوسا متلاصقة، كأنها تنبت من جسد واحد ملأ ~~الأرض طولا وعرضا. كان يهتف بقوة وحماس، والجمهور يردد هتافه ~~بصوت ملأ الجو كهزيم الرعد. ولما شارفوا سور الحديقة دوت - على ~~حين بغتة - فرقعة حادة فشلت حنجرته، وتلفت فيما حواليه ~~متسائلا في انزعاج، صوت معهود كثيرا ما صك أذنيه في الشهر ~~المنصرم، وكثيرا ما تردد صداه في ذاكرته في هدأة الليل، بيد ~~أنه لم يستطع أن يألفه، فما يكاد يدوي حتى يخطف دمه، ويوقف قلبه ~~عن الخفقان. ~~- رصاص؟! ~~- غير معقول، ألم يصرحوا بالمظاهرة؟ ~~- أسقطت من حسابك الغدر؟ ~~- ولكن لا أرى جنودا؟! ~~- حديقة الأزبكية معسكر هائل مكتظ بهم. ~~- لعلها فرقعة عجلة سيارة. ~~- لعلها. # أرهف أذنيه لما يدور حوله من دون أن يثوب إلى السكينة، وما هي ~~إلا لحظات حتى دوت فرقعة ثانية ... آه ms439 ... لم يعد ثمة شك، رصاصة ~~كسابقتها، أين ترى استقرت؟ أليس يوم سلام؟! شعر بحركة اضطراب تسري ~~بين المتظاهرين وافدة من الأمام، كالموجة الثقيلة التي تدفعها إلى ~~الشاطئ باخرة تمخر وسط النهر، ثم تراجع الألوف، وانتشروا باعثين ~~في كل ناحية دفعات جامحة جنونية من الاضطراب والارتباك والارتطام، ~~تعلوها صيحات مفزعة من الغضب والخوف، وسرعان ما انتثرت الصفوف ~~المتناسقة، وانهد البنيان المشيد. تلاحقت جملة من الطلقات ~~الحادة، فتعالى صراخ الغضب وأنين الألم. ماج بحر الخلق وهاج ~~وتدافعت موجاته إلى جميع المنافذ لا تبقي على شيء في طريقها ولا ~~تذر. اهرب، ما من الهرب بد، إن لم يقتلك الرصاص قتلتك الأذرع ~~والأقدام. هم بالهرب أو بالتراجع، أو حتى التحول عن موقفه، ~~ولكنه لم يفعل شيئا، ما وقوفك وقد تشتت الجمع؟! في خلاء أنت، ~~اهرب ... صدرت عن ذراعيه وساقيه حركة بطيئة وانية متراخية. ما أشد ~~الضوضاء، ولكن بم علا صراخها؟ هل تذكر؟ ما أسرع ما تفلت منك ~~الذكريات. ماذا تريد؟ أن تهتف؟ أي هتاف؟ أو نداء فحسب ... من؟ ما؟ في ~~باطنك يتكلم، هل تسمع؟ هل ترى؟ ولكن أين؟ لا شيء، لا شيء، ظلام في ~~ظلام، حركة لطيفة تطرد بانتظام كدقات الساعة ينساب معها القلب ~~... تصاحبها وشوشة. باب الحديقة، أليس كذلك؟ يتحرك حركة تموجية ~~سائلة، يذوب رويدا، الشجرة السامقة ترقص في هوادة، السماء ... ~~السماء؟ منبسطة عالية. لا شيء إلا السماء هادئة باسمة يقطر منها ~~السلام. # 71 # سمع السيد أحمد عبد الجواد وقع أقدام على مدخل الدكان، فرفع رأسه ~~عن مكتبه، فرأى ثلاثة شبان يتقدمون نحوه تعلوهم سيماء الجد ~~والرزانة، حتى وقفوا لصق مكتبه وهم يقولون: السلام عليكم ورحمة ~~الله ... # فنهض السيد قائلا بأدبه المعهود: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته (ثم مشيرا إلى الكراسي) تفضلوا. # ولكنهم لم يلبوا الإشارة شاكرين، وقال أوسطهم: حضرتك السيد ~~أحمد عبد الجواد؟ # فقال السيد باسما وإن لاح في عينيه التساؤل: نعم يا ~~سيدي. # ماذا يريدون يا ترى؟ الشراء مستبعد ... ما للشراء والمشية العسكرية ~~التي جاءوا عليها! ما للشراء واللهجة الجدية التي ms440 يتكلمون بها! ~~ثم الساعة جاوزت السابعة مساء. ألا يرون الحمزاوي، وهو يرفع ~~الزكائب إلى الرفوف إيذانا بإغلاق الدكان؟ أيكونون من جامعي ~~التبرعات، لكن سعد قد أفرج عنه وانتهت الثورة، وأنا لم أعد ~~صالحا الآن إلا للسهرة! يا هؤلاء اعلموا أني لم أغسل رأسي ووجهي ~~بالكولونيا، وأمشط شعري وشاربي وأحبك جبتي وقفطاني كي ألقى ~~وجوهكم! ماذا تريدون؟ غير أنه خيل إليه وهو يرنو إلى محدثه أن ~~وجهه ليس غريبا عليه، رآه من قبل؟ أين؟ متى؟ تذكر، من المؤكد ~~أنه لا يراه لأول مرة، آه ... قال باسما وقد شاع الارتياح في وجهه: ~~أليس حضرتك الشاب النبيل الذي تقدم لإنقاذنا في الوقت المناسب ~~يوم حمل الناس علينا في مسجد الحسين رضي الله عنه؟ # فقال الشاب بصوت خفيض: بلى يا سيدي. # صدق ظني، يقول البلهاء: إن الخمر تضعف الذاكرة؟ لكن ما بالهم ~~ينظرون إلي هكذا؟ انظر، انظر؟ هذه النظرات لا تنبئ عن خير، ~~اللهم اجعله خيرا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قلبي ينقبض ~~لأمر ما، جاءوا لأمر يتعلق ب... ~~- فهمي؟! جئتم تريدونه ... لعلكم؟! # نكس الشاب عينيه، ثم قال بصوت متهدج: مهمتنا شاقة يا سيدي، ~~ولكنها فرض واجب، ربنا يلهمك الصبر! # مال السيد فجأة إلى الأمام معتمدا على حافة المكتب، وهتف: ~~الصبر؟ علام! ... فهمي؟! # قال الشاب بحزن بالغ: يؤسفنا أن ننعى إليك أخانا المجاهد فهمي ~~أحمد. # صاح بلهجة منكرة، وإن لاحت في عينيه نظرة قاطعة بالتصديق ~~واليأس: فهمي؟ ~~- استشهد في مظاهرة اليوم. # وقال الذي إلى يمينه: انتقل إلى جوار الأبرار وطنيا نبيلا، ~~وشهيدا كريما ... # تلقى كلماتهم بأذن أصمها الشقاء على حين ختم الصمت شفتيه، ~~واسترسلت عيناه في نظرة شاردة غائبة. مضت هنيهة خيم الصمت فيها ~~عليهم أجمعين، حتى جميل الحمزاوي تسمر تحت الرفوف ذاهلا يمد إلى ~~الرجل بصرا ملؤه الجزع، أخيرا عاد الشاب يغمغم: لشد ما أحزننا ~~فقده، ولكن ليس لنا إلا أن نتلقى قضاء الله بصبر المؤمنين، وإنك ~~لمن المؤمنين يا سيدي. # إنهم يعزونك، لا يعلم هذا الشاب أنك أول من يحسن إلقاء التعازي ms441 ~~في مثل هذا الموقف! ... ماذا تعني هي للقلب المصاب؟ لا شيء! من أين ~~للكلام أن يطفئ النار؟ ... مهلا ... ألم تخطر الرزية بقلبك قبل أن ~~يتكلم قائلهم؟ بلى ... تخايل لعيني شبح الموت، الآن والموت حقيقة ~~تلقى إلى سمعك تأبى أن تصدق، أو تخونك شجاعتك فلا تريد أن تصدق، ~~كيف أصدق أن فهمي مات حقا، كيف تصدق أن فهمي الذي كان يطلب رضاك ~~من ساعات فتثاقلت عنه، فهمي الذي تركنا هذا الصباح ممتلئا صحة ~~وعافية وأملا وسرورا، مات ... مات! لن أراه بعد اليوم لا في البيت ~~ولا في أي مكان من ظهر الأرض؟ كيف يكون البيت من غيره؟ كيف أكون ~~أبا بعده؟ أين تذهب الآمال المعقودة عليه؟ لم يعد ثمة أمل إلا في ~~الصبر ... الصبر؟ آه ... هل تشعر بوخز الألم الحاد؟ هذا هو الألم حقا ~~... كنت تخدع أحيانا فتزعم أنك متألم، كلا، لم تتألم قبل اليوم، ~~هذا هو الألم حقا. ~~- سيدي، شد حيلك وسلم أمرك إلى الله. # رفع السيد رأسه إلى الشاب، ثم قال بصوت مريض: ظننت عهد القتل قد ~~انتهى. # فقال الشاب بنبرات غاضبة: كانت مظاهرة اليوم سلمية، وقد أذنت ~~بها السلطات، فاشترك فيها صفوة الرجال من شتى الهيئات، وسارت أول ~~الأمر في أمان، حتى بلغ منتصفها حديقة الأزبكية، وما ندري إلا ~~والرصاص ينهال علينا من وراء السور بلا سبب، لم يتعرض أحد ~~للجنود لا بخير ولا بشر، حتى الهتاف بالإنجليزية امتنعنا عنه ~~تفاديا من الاستفزاز، ولكن مسهم جنون القتل فجأة، فعمدوا إلى ~~بنادقهم وأطلقوا النار، وقد انعقد الإجماع على توجيه احتجاج شديد ~~إلى دار الحماية، بل قيل: إن أللنبي سوف يعلن أسفه عما بدر من ~~الجنود. # قال السيد بنفس اللهجة المريضة: ولكنه لن يرد حياة إلى ميت ~~... ~~- وا أسفاه! # قال السيد بتفجع: لم يشترك في المظاهرات الخطرة، هذه أول ~~مظاهرة ينضم إليها! # تبادل الشبان نظرة ذات معنى، فلم ينبس أحدهم بكلمة ... وكأنما ضاق ~~السيد بالحصار المضروب حوله، فقال وهو يزفر: الأمر لصاحب الأمر، ~~أين أجده الآن؟ # قال الشاب: في قصر ms442 العيني (ثم وهو يشير إلى السيد متمهلا لما ~~رآه يتعجل الذهاب) ستشيع جنازته مع ثلاثة عشر شهيدا من إخواننا ~~في تمام الساعة الثالثة من مساء الغد. # هتف السيد في جزع: ألا يترك لي تشييع جنازته من بيته! # فقال الشاب بقوة: بل تشيع جنازته مع إخوانه في احتفال ~~شعبي. # ثم برجاء: القصر محاصر الآن بقوات من البوليس، ولا بأس من ~~الانتظار ما دمنا نحرص على تمكين أهالي الشهداء من توديعهم قبل ~~تشييع الجنازة، لا يليق أن يشيع فهمي في جنازة عادية كمن قضوا ~~في بيوتهم. # ثم مد له يده مودعا، وهو يقول: اصبر وما صبرك إلا ~~بالله. # وصافحه الآخران مكررين له العزاء، ثم ذهبوا جميعا ... أسند رأسه ~~إلى راحته وهو يغمض عينيه، فجاءه صوت جميل الحمزاوي وهو يعزيه ~~بنبرات باكية، ولكنه بدا ضيق الصدر بالتعزية، ولم يعد يحتمل ~~البقاء، فزايل موضعه يسير بخطى بطيئة ثقيلة، حتى غادر الدكان، ~~ينبغي أن يخرج من حيرته، فإنه لا يدري حتى كيف يحزن، يود لو ~~يخلو إلى نفسه ولكن أين؟ سينقلب البيت جحيما بعد دقيقة أو ~~دقيقتين، وسيلحق به الأصدقاء فلا يدعون له فرصة للتفكير ... متى ~~يتأمل الخسارة التي مني بها ... متى يتهيأ له أن يغيب فيها عن ~~الدنيا جميعا؟ يبدو هذا بعيدا ... ولكنه آت لا ريب فيه، وهذا ~~قصارى ما يجد من عزاء في راهنه ... أجل سيأتي وقت يخلو فيه إلى ~~نفسه، ويفرغ إلى حزنه بكل كيانه، هنالك يمعن النظر في موقفه على ~~ضوء الماضي والحاضر والمستقبل، أطوار حياته كلها من طفولته وصباه ~~إلى ريق شبابه، ما أثار من آمال، وما خلف من ذكريات مطلقا لدموعه ~~العنان، حتى يستنفدها عن آخرها، حقا أن أمامه فسحة من الوقت يحسد ~~عليها فلا داعي للجزع، انظر إلى ذكرى الملاحاة التي نشبت بينهما ~~عقب صلاة الجمعة، أو ذكرى ما دار بينهما هذا الصباح من استعطاف ~~وعتاب، كم يستغرقان من وقته تأملا وتذكرا وشجنا؟ كم يستهلكان من ~~قلبه؟ كم يهيجان دموعه؟ كيف يجزع؟ الأيام تدخر له كل هذه السعادة؟ ms443 ~~رفع رأسه المثقل بالفكر، فلاحت لعينيه المظلمتين مشربيات ~~البيت، فذكر أمينة لأول مرة حتى أوشكت أن تخونه قدماه ... ما عسى أن ~~يقول لها؟ كيف تتلقى الخبر؟ الضعيفة الرقيقة التي تبكي لمصرع ~~عصفور! أتذكر كيف هملت دموعها لمقتل ابن الفولي اللبان؟ ماذا تصنع ~~لمقتل فهمي؟ ... مقتل فهمي! ... أهذه هي نهايتك حقا يا بني؟ ... يا بني ~~العزيز التعيس! ... أمينة ... ابننا قتل، فهمي قتل ... يا له ... أتأمر ~~بمنع الصوات كما أمرت بمنع الزغاريد من قبل؟ ... أم تصوت بنفسك أم ~~تدعو النائحات؟! ... لعلها تتوسط الآن مجلس القهوة بين ياسين وكمال ~~متسائلة عما أخر فهمي، سوف يتأخر طويلا، لن تريه أبدا ... ولا ~~جثته، ولا نعشه، يا للقسوة، سأراه أنا في القصر أما أنت فلن ~~تريه، لن أسمح بهذا ... قسوة أم رحمة؟ ما الفائدة؟ ... وجد نفسه أمام ~~البيت، فامتدت يده إلى المطرقة، ثم تذكر أن المفتاح في جيبه، ~~فأخرجه وفتح الباب، ثم دخل ... ترامى عند ذاك إلى سمعه صوت كمال وهو ~~يغني بعذوبة: # زوروني كل سنة مرة # حرام الهجر بالمرة ms444