######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.BaytSayyiSumca.Hindawi79157526 #META# Tags: novels #META# ID: 79157526 #META# Title: بيت سيئ السمعة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قبيل الرحيل‏ # حلم نصف الليل‏ # قوس قزح‏ # الصمت‏ # بيت سيئ السمعة‏ # القهوة الخالية‏ # كلمة في السر‏ # الخوف‏ # الرماد‏ # الختام‏ # سوق الكانتو‏ # وجها لوجه‏ # الهارب من الإعدام‏ # سائق القطار‏ # لونا بارك‏ # موجة حر‏ # عابرو السبيل‏ # يوم حافل‏ # قبيل الرحيل‏ # حلم نصف الليل‏ # قوس قزح‏ # الصمت‏ # بيت سيئ السمعة‏ # القهوة الخالية‏ # كلمة في السر‏ # الخوف‏ # الرماد‏ # الختام‏ # سوق الكانتو‏ # وجها لوجه‏ # الهارب من الإعدام‏ # سائق القطار‏ # لونا بارك‏ # موجة حر‏ # عابرو السبيل‏ # يوم حافل‏ # | بيت سيئ السمعة # | بيت سيئ السمعة # تأليف # نجيب محفوظ # | قبيل الرحيل # لم تبق إلا أيام معدودة قبيل الرحيل؛ لذلك بدت الإسكندرية لطيفة ~~جذابة كما ينبغي لها قبيل الرحيل. وهو لا يدري متى يراها مرة ~~أخرى؛ إذ إنه يمضي عطلته عادة عند الأهل في الريف، ولذلك فالذي ~~كان موطنا للوحشة والملل انقلب مبعثا للحنان والأشواق في نظرة ~~الوداع. حتى مجلسه المعتاد منذ أربع سنوات بقهوة سيدي جابر تجدد ~~للتو شبابه. وقال لنفسه وهو يدخن النارجيلة: هيهات أن يجد جوا ~~مناسبا لترطيب التبغ كجو الإسكندرية. أما النادل الذي جاء بالقهوة ~~فقد قال بأسف: ستوحشنا كثيرا يا بيه. # فابتسم إليه شاكرا، وعند ذلك دخلت امرأة. هي .. هي. التي تتردد على ~~القهوة من شهر لآخر، التي أطلق عليها امرأة سيدي جابر، التي تجاهلها ~~طوال أربعة أعوام، وكانت اختفت منذ أواخر الصيف. ها هي في فستان ~~شتوي، مطوقة الوجه بإشارب وردي، متلفعة بشال مرصع بالترتر، ~~ملابس توافق الخريف الزاحف وتلك السحب البيضاء التي أخفت قرص ~~الشمس، وطرحت لونها الهادئ الغامض على الشوارع شبه المقفرة. وجلست ~~إلى جانب الرومي صاحب القهوة، وتبادلا كالعادة قليلا من الكلام ~~وكثيرا من الصمت، يغشاهما جو حاد كأنهما رجلان، ومن رجال الأعمال ~~على الأرجح. وذاك كان شأنهما من زمان. ومرة همس النادل في أذنه: أليست ~~جميلة؟ # رأى عينين واسعتين مقتحمتين، ووجنتين ريانتين، وإغراء في هالة من ~~الثقة بالنفس والحنكة، فقال وقتذاك دون تردد: ليس الطراز الذي ~~يوافقني! # اليوم تبدو مغرية فحسب، كالإسكندرية قبيل الرحيل. وقال للنادل: ~~أربعة أعوام عشتها ms01 في الإسكندرية، ومع ذلك فلم أزر - ولو مرة واحدة - ~~لا حديقة الحيوان، ولا أنطونيادس، ولا الآثار الإغريقية الرومانية، ولا ~~هذه المرأة. # فابتسم النادل قائلا: وأسيوط لن تجد فيها شيئا. # وبعث إلى المرأة بنظرة بدائية، ولم يكن في القهوة إلا منهمكان في ~~النرد، فأجابته بعمق. فقال للنادل: أرني شطارتك. # انتقلت إلى جانبه، ثم تبعها النادل بزجاجة بيرة. وراح يؤكد لها أن ~~تعارفهما فرصة سعيدة حقا؛ فقالت بدلال بارد: أنت كشجرة ~~المانجو؟ # فرفع حاجبيه مستفهما؛ فقالت: تحتاج إلى خدمة طويلة وصبر. # فهرب من الاعتذار برفع قدحه هامسا «صحتك»، وقضما الزيتون الأخضر، ~~وهما يترامقان في صمت حتى قال: البيت على بعد دقائق. # فقالت بلا تلعثم: جنيهان! .. والآن من فضلك. # ودستهما في حقيبتها، وهما يغادران القهوة. وأثنت على الشقة الصغيرة ~~المهندمة؛ فأثنى بدوره على البواب صاحب الفضل. وجاء بطبق فاكهة، ووضعه ~~على خوان على كثب من الفراش. وسرعان ما تعانقا دون ما كلمة واحدة. ~~وامتلأ الصمت بتعابير غامضة، وهمسات من عالم آخر. واستحكم ظلام المغيب ~~في جو الحجرة المغلق. وارتجت مصاريع النوافذ بريح مباغتة، كما يقع ~~كثيرا في الخريف. وما لبث لحن المطر أن عزف فوق الجدران. ورفع إلى ~~النافذة القريبة نظرة محمومة، ثم همس مستسلما: جو متقلب لا أمان ~~له. # ولكنه استمتع بدفء وراحة عميقة. وانتبه إلى الظلمة الشديدة، فمد ~~يده إلى الأباجورة فأضاء مصباحها. ولحن المطر ما زال يعزف، ولكنه ~~خف جدا موحيا بالختام. ونظر إليها فرآها مغمضة العينين كالنائمة. ~~وهاله منظر جفنها الكبير كورقة وردة. ولاحت منه نظرة إلى المرآة ~~البيضاوية، فرأى صورة لشخصه تستحق الرثاء. وكف المطر عن العزف ~~تماما. وسألها: نائمة؟ # فأجابت دون أن تفتح عينيها: لا أنام قبل الفجر. # وقشر موزة ورشقها برفق بين شفتيها الغليظتين؛ فجلست نصف جلسة ~~وتسليا معا بالفاكهة. وقالت: قال الخواجا إنك مسافر بعد غد .. ولكن ~~ما اسمك؟ # وتذكر وهو يداري ابتسامة أنهما بدءا بالعناق قبل التعارف. قال إن ~~اسمه بركات، موظف منقول إلى أسيوط، فقالت وهي تمسح ظاهر يدها بباطن ~~قشرة الموز: اسمي ms02 دنيا. # فقال لنفسه: اسم غريب وجميل، ولكنه بلا شك زائف ككل شيء في الجلسة، ~~وشعر بالملل يسترده من الحلم حتى حسد المنهمكين في القهوة. وقصت ~~عن الماضي والمصير قصة فقال لنفسه: قصة واحدة .. لا جديد ألبتة! وسألته ~~عن شقته وأثاثها فأجاب: بعتها بكل ما فيها .. وبعد غد سيحل بها ~~آخر. # لم يعد بالحجرة إلا عبير الموز والفتور. ولولا الجنيهان لتقوض ~~المجلس. وفي ذروة من ضيقه رآها وهي تمد ذراعها إلى حقيبتها فوق ~~الكنبة، ثم رآها وهي تستخرج منها الجنيهين. لحظها بطرف متسائل، فإذا ~~بها تميل نحو الناحية الأخرى من الفراش؛ لتودع الورقتين في درج ~~التواليت. ونظرت إليه وهي تبتسم، فتلقى نظرتها بعين لم تفهم شيئا، ~~وسألها: لمه؟ # فقالت وهي تسبل جفنيها: نقودك ردت إليك. # استيقظ من الفتور، ولكنه لم يفهم شيئا، فقالت بدلال: أنت فاهم ~~ولكنك تتغابى، هذا كل ما في الأمر. # وأقسم لها أنه لا يتغابى أبدا، فقالت: لا لزوم للنقود في هذه ~~الحال. ~~- أية حال؟ # فطوقت عنقه بذراعها السمراء وهو يضطرب من الانفعال، وهمست في أذنه: ~~الرضا! .. فهكذا أفعل إذا رضيت نفسي. # وغرق في نشوة فرح لم يجربها من قبل حتى رقصت الجدران، ولكنه هتف ~~في شيء من الحياء: لا .. لا. # وكتمت احتجاجه بقبلة دسمة، فذاب اعتراضه في فرحة أشمل حتى ود أن ~~ينعم كل شيء بالأفراح. واندفع يعد المكان لسهرة طويلة سعيدة؛ فمضى ~~إلى الصالة ففتح الراديو، ونادى البواب فأمره بإحضار شراب وشواء، ثم ~~رجع إلى الحجرة وهو يقول: كم من مرة رأيتك في القهوة طوال أربعة ~~أعوام؟ .. ولكنني أحمق. ~~- والرحيل؟ # فهز رأسه بأسف، ثم تمتم: بعد غد؟ .. من يصدق هذا؟ .. ولكنني ~~أحمق. # واستلقى عند قدميها وهو يفرقع بأصابعه مع نغمة راقصة رددها الراديو. ~~واقتنع بأن الدنيا تتمتع بصحة تحسد عليها. وخطرت له فكرة جديدة فوثب ~~إلى الأرض وهو يتساءل: ما رأيك في نزهة ليلية؟ # ومضيا إلى ملهى صغير بشارع النبي دانيال. وتغلب بسهولة على حرص ~~مأثور عنه فأنفق بسخاء، وشربا كثيرا، ورقصا مع كل نغمة. وفي ms03 فترة ~~استراحة لاحظ أن شابا يرمق محبوبته باهتمام؛ فتكدر صفوه وتوثب ~~لمواجهة أي احتمال لا يروقه. وتقدم الشاب من دنيا وانحنى تحية، ثم ~~طلبها لرقصة مقبلة؛ فنفخ بركات غاضبا حتى همست في أذنه: هذا تقليد ~~مألوف لا ضرر منه. # فقال بغلظة: لا أحبه. # ثم حدج الشاب بنظرة حمراء، وقال له بخشونة: اذهب. # ولم يدر بماذا أجاب الشاب، ولكنهما التحما في عراك بسرعة ~~مذهلة. ولم يشعر بما تلقى من ضربات ولكنه أصاب خصمه في بطنه، فترنح ~~وكاد يسقط على ظهره لولا أن تلقاه النادل بين يديه. وأحدقت بهما الأعين ~~المخمورة في ذهول ووجوم. وتنقل مدير المحل بين الموائد مهدئا ~~للخواطر، ثم أشار إلى الأوركسترا فانطلق يعزف داعيا إلى رقصة جديدة. ~~وجعل بركات يلهث ودنيا تسوي له ربطة عنقه، وقد انخلع زرار الجاكتة ~~وتهتك الجانب الأيسر من أعلى القميص. أما اللكمة التي أصابت صدره فلم ~~تكن بذات بال، ورغم ذلك فلم يستأثر به الكدر أكثر من دقائق، وسرعان ما ~~عاوده الانسجام، وراح يشرب كما يحلو له، ورمقه البعض بحنق فمالت دنيا ~~على أذنه قائلة: نذهب يا عزيزي. # وغادرا الملهى وعشرات النظرات تصفعه بازدراء، ولكنه شد على ~~ذراعها بمرح وسعادة، وداخله إحساس قوي بالزهو والفخار، فقال لها: لا ~~تغتمي يا عزيزتي، هذه متاعب يسيرة، وكثيرا ما تحدث. # واستقلا ترام الرمل مع الجمهور المنصرف من السينما. ومد ذراعيه ~~حولها كالسياج ليدفع عنها غائلة الزحام، ولكن رغم ذلك ضايقها رجل عن ~~قصد أو عن غير قصد، ورماه بنظرة وعيد ولكن الآخر كان في واد آخر ~~فواصل مضايقاته. وانفجر فيه غاضبا من رأس دارت به الخمر. وتبادلا ~~كلمات غاية في القسوة، ثم تبادلا لطمات ولكمات بعنف قبل أن يفصل ~~الناس بينهما. وتدخل أولاد الحلال لمنع المضاعفات. ووجد في وجنته ~~اليسرى ألما، وسال الدم من زاوية شفته السفلى، وجعل يجفف الدم ~~بمنديله طيلة الطريق، ولكن الدم الغزير الذي خضب شارب خصمه عند ~~أسفل أنفه الملتهب خفف من شدة انفعاله. وعند مغادرة الترام لفحه هواء ~~منعش ثمل بعبير ms04 المطر، فارتفعت روحه، وقال: جرحي بسيط لكنه خسر أنفه ~~فيما أعتقد. # فتمتمت في ملق: كدت تقتله، الله يجازيك. # وندت عنه ضحكة، ثم قص عليها نوادر من معاركه في الزمان الأول قبل ~~أن تشكمه الوظيفة. وكان يروي ذلك بفخار واضح، ثم عاوده مرحه كأن شيئا ~~لم يكن، وهكذا رجعا إلى حجرتهما. ووجد الشراب والشواء على الخوان حيث ~~تركهما البواب، فقال: جميل جدا. ولكن ينقصنا الزهور، كان يلزمنا باقة ~~ورد ويا للأسف! # وغسلت له جرحه ودلكت وجنته وهو يغني: «ما تبطل الشقاوة وتيجي ~~عندنا»، وقالت له ضاحكة إن صوته لم يخلق للغناء؛ فقال إن المهم هو ~~السعادة فعند ذلك يغني أي شيء. ثم تحدث ببلاغة رقيقة عن الحب حتى ~~قال لها: ليس كمثله شيء. # ثم قال أيضا بعد أن قبلها بامتنان: لا بد من الرجوع إلى ~~الإسكندرية، سنلتقي كثيرا بالرغم من الرحيل. # وعندما ساد الصمت ارتفع زئير الهواء خارج النافذة، فقهقه بركات ~~قائلا: جو بلادك قلب ولكنه جو سعيد. # وعندما اختفى كل شيء في الظلمة اشتد زئير الهواء، وأكثر من مرة نضح ~~شيش النافذة بوميض البرق في موجات قصيرة متتابعة كالدغدغة، كشفت عن ~~معالم الحجرة الكاسية والعارية، ثم استكن الظلام كأكثف مما كان؛ ~~فتضاعف حنان الشاب واستمتاعه بالدفء والأمان. ووجد نفسه يتذكر جو ~~الساحل عندما يكفهر وتنتشر في تضاعيفه تحركات غامضة متوترة تنذر ~~بوشيك المطر. وما لبثت الأمطار أن انهلت فوق النافذة في عربدة صاخبة، ~~فقال لنفسه وهو يستزيد من متعة الأمان والهناء إن قيام الساعة نفسها ~~يطيب في أحضان الحب. # واستيقظ عند الضحى. # وفتح النافذة فدخل هواء بارد وتراءت السماء ملبدة بغيوم في لون ~~المغيب جامدة غير موحية. # وجلست هي على الكنبة في تراخ مشعثة الشعر، منتفخة العينين، فاترة ~~النظرة شبه عابسة كأنها لم تعرف اللعب. وخيل إليه أنها كبرت ~~أعواما فسرعان ما شعر بالكبر، وبأن كل شيء زائل. وتثاءبت طويلا ~~بصوت كالأنين، ثم قالت وكان أول ما نطقت به منذ استيقاظها: هذا أوان ~~الذهاب. # فتساءل: لم العجلة؟ # فتمتمت: انتهت الليلة ms05 ، ولدي عمل ومواعيد. # ثم رأى حركة لم يكن يتوقعها. رآها تميل نحو التواليت، ثم تفتح ~~الدرج وتسترد الجنيهين من مكانهما، ثم تعيدهما إلى حقيبتها، وقد تثاءبت ~~مرة أخرى. ما معنى هذا؟ .. وسألها في حيرة: أأنت في حاجة إلى ~~نقود؟ ~~- كلا، أخذت ما اتفقنا عليه فقط. # فتساءل في دهشة وكآبة: أي اتفاق يا عزيزتي؟ ~~- الاتفاق، نسيت؟ # فضحك ضحكة بلهاء، وقال: الظاهر أنك أنت التي تنسين! # ولم تعن بالرد، فقال بجزع: شيء عجيب، النقود لا تهمني، ولكنك ~~قلت أمس .. أنسيت حقا؟! # وقال لنفسه إما أنني مجنون وإما أنها مجنونة. ثم قال عابسا: ~~ما لك؟ ماذا جرى؟ خبريني من فضلك؟ # فابتسمت ابتسامة باردة وهي تتساءل: أتريد أن تأخذ دون أن ~~تعطي؟ ~~- قلت إنك لا تأخذين عندما ترضين! # فرمقته بنظرة غريبة، ثم قالت: أردت أن أهبك ليلة سعيدة، هذا كل ما ~~هنالك. # فسألها بصوت متهدج: مجرد حيلة من الحيل؟ ~~- ولكنها أسعدتك سعادة حقيقية. # فقال وغضبه يتراكم كزوبعة في الأفق: كذبة حقيرة. ~~- لا تزعل، كانت السعادة حقيقية، وأنا أستحق شكرك. # رماها بنظرة قاسية لم تر من وجهها إلا دمامة وحشية، وأصغى في رجفة ~~إلى حديث نفسه الثائرة التي تدعوه إلى خنقها حتى يتفجر دمها ~~الأسود، فنظرت إليه بقلق وحذر فصاح بها: شيطانة حقيرة. # فلم تنزع بصرها منه متوثبة للدفاع عند أول حركة فصاح: وحيلة فاشلة، ~~ألا تدركين ذلك؟ .. أود أن تدفعي حياتك ثمنا لها. # فلم تنبس وازدادت حذرا، فعاد يقول: وما فائدة ذلك يا مغفلة؟ لن ~~تستطيعي أن تكرريها مرتين. # اطمأنت الآن إلى أن موجة الجنون قد انحسرت عنه فيما بدا، وأنه ~~أخذ يسترد شيئا من هدوئه الخائب وإن رانت عليه كآبة ثقيلة، فقالت: ~~لكنها حيلة لا بأس بها قبيل الرحيل، أليس كذلك؟ # فقال بازدراء: قلت يا مغفلة إنك لن تستطيعي أن تكرريها ~~مرتين. # فتساءلت: ومن قال إننا سنلتقي مرة أخرى؟! # | حلم نصف الليل # أم عباس امرأة جميلة، عرفت في الحي بجمالها، ويتطلع إليها ~~أصحاب الأذواق كما يتطلع أهل الخلاء إلى عين ماء. وهي إلى ms06 ذلك تمتلك ~~عمارة قديمة من أربعة أدوار غير ثلاثة دكاكين أسفلها؛ ولذلك اعتدها ~~الأهالي، وكلهم فقراء، حلما موشى بالذهب. ويوم توفي زوجها بائع ~~المسابح والمباسم والأوراد كانت في حوالي الأربعين، وهي سن يعتبرها ~~الحي ذروة النضج، ومجلى البضاضة، وعطر الأنوثة. وكثيرون سعوا إلى ~~التزوج منها، ولكن القسمة دفعت بها إلى أحضان رجل لم يجر عند الظن على ~~بال. كان حسنين يملك عربة كارو ويؤجرها إلى الغير، في الثلاثين من ~~عمره، قوي الجسم، مرهوب الجانب، ومعدودا من فتوات الدرجة الثالثة. ~~ولم يكن أحد في الحي يحبه أو يعجب به، فازدادوا له مقتا، وعجبوا ~~كيف تقع امرأة كأم عباس في أحابيله، وقالوا بأسف والغضب والحسد يأكلان ~~قلوبهم: مسكينة أم عباس، ومسكين عباس! # وعباس ابنها من الزوج الراحل، في العشرين من عمره، طيب القلب جدا، ~~تلوح في عينيه الواسعتين نظرة صامتة، ولعلها ناطقة بلغة مجهولة، ~~يبتسم كالأطفال، ويطلق شاربه ولحيته ويحبهما. وهو أمي لم يحصل في ~~الكتاب حرفا؛ ولذلك فتح له أبوه دكانا من دكاكين العمارة لبيع ~~الحلوى والفول السوداني واللب، فكان يغدق على الأطفال بغير حساب. ~~ولما تزوجت أمه من حسنين غاب عن الحي أياما، ثم عاد وهو يقول لكل ~~من يلقاه: لا يصح أن يحل محل الأب رجل آخر. # ورفع رأسه نحو مسكن أمه وصاح بأعلى صوته: يا أم عباس .. الله ~~يسامحك. # وعندما ينقضي النهار يخلع جلبابه ويلبس بدلة زرقاء فاتحة اللون، فهو ~~يحب الألوان الفاتحة، ويمشط بعناية شاربه ولحيته، ويغطي رأسه بطربوش ~~متداعي الأركان، ويتناول عصاه الخيزران البرتقالية، ثم يغلق الدكان ~~وينطلق في سبيل طويل، ملقيا بتحياته يمنة ويسرة، يلوك في فيه قطعة من ~~السكر النبات، ويبتسم في سعادة رائعة، وأكثر الليل يرى هائما على ~~وجهه. ومذ تزوجت أمه من حسنين اتخذ من دكانه مسكنا، فلم تعارضه ~~أمه طويلا لعلمها بعناده، وكانت لا تخشى شيئا عليه وتقول: إن ~~ملائكة الله تحرسه. وسعى حسنين يوما إليه متوددا، ولكنه صاح في ~~وجهه: اذهب، أنا لا أعرفك. # فغضب الرجل قائلا: أنا عمك. # وحال ms07 أناس بينهما وهم يلاطفون الرجل، دفاعا عن الشاب المحبوب. وحزنت ~~أم عباس حتى دمعت عيناها الجميلتان. كانت تحب عباس؛ لأنه وحيدها ~~ولأن وجهه صورة من وجهها. أجل كان عباس جميلا، ولا يخفى جماله رغم ~~اللحية والشارب والطربوش المتداعي الذي يغطي ثلث وجهه. # ومن عجب أن حسنين ازداد بعد نعمة الزواج من أم عباس فظاظة ~~وانحرافا. واستفحل جانب الفتوة من ذاته؛ فاشترى الأعوان وأكثر من ~~العدوان، وكان يسكر حتى تلاطمه الجدران، وكان يغني إذا سكر بصوت تنفر ~~منه الخنافس، وكلما رأى عباس الرجل في حال من أحوال عربدته خرج من ~~دكانه إلى الطريق ورفع رأسه نحو مسكن أمه، وصاح بأعلى صوته: يا أم ~~عباس .. الله يسامحك. # ويوما ترامت حشرجة نبراته الصارخة من وراء الشيش إلى الطريق في هياج ~~وحشي: أنا سيد البيت .. أنا سيد الكل. # وتخيل الناس المرأة الجميلة تحت زوبعة الإهانات بأسف، المرأة ~~التي لم تعرف في ماضيها سوى الحب والتكريم. وتساءلوا عن سر ذلك الغضب! ~~وأجاب سكان العمارة بأن الإيراد هو سر الغضب، وأن الفتوة انتصر، ~~وأصبح المحصل الوحيد للإيجار. ولم تعد أم عباس تخرج كعادتها لزيارة ~~الجارات والتجول في التربيعة. لم يعد أحد يراها وهي تتبختر في الملاءة ~~اللف كالمحمل، وعيناها المكحولتان ترنوان بنظرة دسمة حول عروس ~~البرقع. # ولم يقنع حسنين باغتصاب دخل الأم، فمضى يوما إلى دكان عباس، ~~وهتف وهو يترنح من السكر حتى طير الأطفال عن ملعبهم: دلني على ~~مليم واحد ورثته عن أبيك؟ # وتعلقت عينا عباس بالأطفال، وكأنه لا يرى الرجل الآخر، فأنذره هذا ~~بسبابته صائحا: ادفع الإيجار أو فلتخل الدكان. # وسارع إليه بيومي اللبان ليهدئ من ثائرته، وتودد إليه بمعسول ~~الألفاظ حتى مضى به بعيدا، وحسنين يقول بلسان ملتو، ونثار ريقه يرش ~~وجه بيومي رشا: معتوه وبلطجي. # وعند المساء انطلق عباس إلى جولته الليلية، يجود حيثما ذهب ببسمات ~~رائقة وتحيات حارة في سعادة ملائكية. ودبر حسنين حملة إرهابية ~~جديدة ليحمل أم عباس على أن تبيع له العمارة بيعا صوريا. واشتد ~~الخلاف بينهما فضجت الحارة ms08 بصراخه وتهديداته. وشكت المرأة إلى الجارات ~~كربها. وتشاور بعض الطيبين في السعي لدى حسنين ليعدل عن مطالبه، ~~ولكن أحدا منهم لم يجرؤ على اتخاذ خطوة إيجابية خوفا من بطش الرجل، ~~وبخاصة أنه اعتدى في ذلك الوقت اعتداء وحشيا على رجل يدعى ~~«كرمللة» عندما ضبطه يوصل نقودا من أم عباس إلى ابنها. وارتفع نحيب ~~المرأة ذات ليلة عقب تعنيف شديد من الرجل، ثم علم أهل الحي أنه ~~ضربها ضربا شديدا، وأنها لن تطول مقاومتها. # وعند الفجر تعالى صراخ فمزق السكون تمزيقا. واستيقظ الناس ~~فزعين، وفتحت النوافذ، وهرع كثيرون إلى مصدر الصراخ، إلى القبو. ~~وعلى ضوء فانوس رأوا بيومي اللبان وهو واقف يرتجف. هو أول من يستيقظ ~~في الحي ليسرح بصفيحة اللبن، ولكن ماذا دهاه؟ ووجدوه يشير إلى مكان ~~في الأرض، فنظروا حيث يشير فرأوا حسنين سابحا في دمه، وقد تكومت ~~جثته أسفل جدار القبو. # واضطرب الحي اضطرابة عنيفة، وسرعان ما احتلته الشرطة والنيابة، ثم ~~اندفع التحقيق في جميع الجهات متعقبا كافة الشبهات. استدعي كرمللة ~~وهو آخر ضحية للقتيل، وأم عباس، وبعض سكان العمارة، وبيومي ~~اللبان نفسه. وعشرات وعشرات من خصوم الرجل الذين لا يحصيهم عد، ولكن ~~ثبتت براءتهم جميعا بصورة قاطعة. حتى عباس استدعوه للتحقيق، ولما سئل ~~عن المكان الذي كان فيه وقت ارتكاب الجريمة أجاب ببساطة: كنت مع ~~الخضر. # ولما أراد المحقق أن يعرف من هو الخضر، أجاب عباس بدهشة: ألا تعرف ~~سيدنا الخضر؟ # ولكن كثيرين كانوا يعرفون تجوال عباس خطوة فخطوة، وقد شهدوا نيابة ~~عنه. وهكذا بدت الجريمة لغزا لا يريد أن يحل. وعرف من التحقيق أن ~~حسنين قتل بآلة حادة هشمت مؤخر رأسه. والحق أن أحدا لم يأسف عليه، ~~ولكنهم تساءلوا كثيرا عن القاتل، وظلت الجريمة حكاية الحارة المثيرة ~~زمنا طويلا. # وظن أول الأمر أن عباس سيرجع إلى مسكن أمه، ولكنه رفض ~~ذلك بإباء. واعتصرت المحنة الأم فغرقت في الحزن، ولكن جمالها قاوم ~~المأساة، وخرج منها في النهاية متألقا كماضيه. وعادت تتبختر بين السكة ~~الجديدة والتربيعة، وعاد الإعجاب ms09 يحوطها كالهالة. # وإذا برجل يتقدم طالبا يدها. كان في الحقيقة شابا دون الثلاثين، ~~قصابا، أقرب ما يكون إلى الفقر ومن أهل الحي المجاور، جميل الصورة، ~~دمث الأخلاق، نظيف الذمة، وتساءل الناس هل تجازف المرأة بقبول ~~التجربة مرة أخرى؟ وقبلته المرأة بأسرع مما تخيل أحد. ومع أن بعض ~~الطيبين قالوا: إن الله قد عوضها خيرا إلا أن كثيرين تهامسوا ~~متسائلين: ترى ألهذا الرجل علاقة بالجريمة الغامضة؟ أما عباس فقال ~~كعادته: لا يصح أن يحل محل الأب رجل آخر. # وخرج وسط الطريق، ثم رفع رأسه إلى عش العروسين صائحا: يا أم ~~عباس .. الله يسامحك. # وبلغ التهامس المريب مسامع الحكومة فأجرت تحرياتها عن العريس - وكان ~~يدعى عبده - واستدعي لسؤاله هو وأم عباس، ولكن لم يثبت عليهما شيء، ~~وظل اللغز أخرس كما كان. وتجلت بالمعاشرة مزايا عبده القيمة؛ فقد وهب ~~المرأة حبا وعطفا ومعاملة كريمة. وعرض من بادئ الأمر صداقته على ~~عباس، ومع أن الشاب نهره قائلا دعني وشأني، إلا أنه حباه بعطفه ~~ورعايته، وحث أمه على مده بما هو في حاجة إليه من نقود. وأثبت في ~~الوقت نفسه أنه ذو عقل راجح، فقد اقترح على أم عباس أن تبيع حوشا ~~خلفيا للعمارة قائما على ناصيتين لتجدد العمارة بثمنه، وتبني دورا ~~جديدا. وأولته المرأة الثقة التي يستحقها فتجددت العمارة وارتفعت، ~~وازداد دخل أم عباس زيادة محسوسة، حتى أعجب به الناس، وقالوا رجل ~~ولا كل الرجال. وقال بيومي اللبان لعباس، وهذا يتناول عشاءه في دكانه ~~قبل الانطلاق إلى جولته الليلية: أنت لك قلب ملاك، فكيف تنفر من رجل ~~طيب كعم عبده؟ # فمضى عباس في تناول الزبادي، كأنه غير المقصود بالكلام، فتساءل ~~بيومي: ألا تحب من يحب الناس ويعمر الخرابات؟ # وأعاد عباس سلطانية الزبادي فارغة، ثم نظر في عيني بيومي قائلا: ~~الوحش .. ألم تره وهو يقطع اللحم في دكانه؟ # ووضح فيما تلا ذلك من زمن أن عبده بار كذلك بأهله؛ فكان كلما خلت ~~شقة في العمارة أسكنها أحد أقاربه. وكان يخفض الإيجار للفقراء منهم ~~بإذن من ms10 زوجته. وفي ذلك كله لم يجد أحد ما يؤاخذه عليه حتى جاء بأمه ~~وأختين له؛ ليقمن معه في شقته، فعند ذلك ردد البعض المثل القائل: «إن ~~كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله». والحق أن أم عباس لم ترتح لذلك، وهي قد ~~فوجئت بالأمر الواقع مفاجأة لم تستطع معها منعه، ولكنها أدركت أن ~~الزمام قد أفلت من يديها، وأنها لم تعد سيدة بيتها بحال بعد أن ~~اضطلعت حماتها بالمسئولية فشعرت بالضياع. # وإذا به يوما يخلي دكانين من دكاكين العمارة الثلاثة، ويهدم ~~الجدار القائم بينهما ليقيم دكانا كبيرا فخما، ثم انتقل إليه من ~~محله الصغير بالحي المجاور، وعلقت الخراف والعجول، وصار أكبر قصاب ~~في الحي كله. وافتتح المحل الجديد بتلاوة من مقرئ حسن الصوت، وحمد عبده ~~الله بصوت سمعه الكثيرون على ما فتح به عليه من مال حلال! # ولأول مرة اختلف الناس فيه، فمن قائل إنه مثال للأمانة والبر، ومن ~~قائل إنه حسنين آخر حريري الملمس. وشك أناس في ذمته وعض الحسد قلوب ~~الكثيرين. وتغير عبده بعض الشيء؛ فاختفت نظرته الوديعة وحلت محلها ~~نظرة جديدة مليئة بالثقة، وطعم دماثته المألوفة بقدر من الحزم والعزم ~~اقتضاهما مركزه المالي ومسئوليته كرجل أعمال. ولم يكتف باستعمال حزمه ~~وعزمه في التجارة فاستعملها في البيت أيضا كلما نشب نزاع بين أم عباس ~~وأهله، واستعملهما خاصة مع أم عباس. ولما كانت المرأة لم تعهده إلا ~~لطيفا مؤانسا، فقد كبر الأمر عليها وحزنت حزنا شديدا. وساءت الحال ~~بينها وبين أهله، وأصرت على استرداد ما ضاع من حقوقها في بيتها، حتى ~~قالت له يوما: أنا لا أريد أن يشاركني أحد في بيتي. # وإذا بالرجل يقول لها بصوت رهيب: لك ما تشائين فتفضلي ~~بالذهاب! # ولم تصدق المرأة أذنيها. ثم صاحت: هذا بيتي .. وعلى الآخرين أن ~~يتركوه. # ووقع اشتباك بالأيدي بين النساء، فهاله أن يعتدى على أمه، وانهال ~~على أم عباس ضربا، ثم دفعها خارج البيت. وجدت نفسها وحيدة في الطريق، ~~حتى آوتها أسرة فقيرة تمت بقربى بعيدة إلى زوجها الأول. وهز ms11 ~~الحادث النفوس هزا، وهرع عباس إلى ما تحت مأواها الجديد، وصاح بأعلى ~~صوته: يا أم عباس .. الله يسامحك. # ولم يدر الجيران ماذا يفعلون، فلم يكن من اليسير إغضاب الرجل بعد أن ~~كبر نفوذه وتعلقت به مصالح الكثيرين. وفكر البعض في رفع الخلاف إلى ~~ساحة القضاء، ولكنهم كانوا يتهامسون بذلك سرا خوفا على أنفسهم. ~~ولم يجهر بالسخرية منه إلا عباس حتى غضب عليه الرجل؛ فمنع عنه ~~مصروفه، وهو يقول بأعلى صوته: عبث السفهاء لا يجوز أن يمتد إلى ~~المال. # والتفت إلى كثيرين من أهل الحي الذين وقفوا يشاهدون النزاع، وقال ~~لهم: أي واحد منكم أحق بالنقود التي يعبث بها هذا الغلام ~~المعتوه. # ولكنهم كانوا يرمقون الدكان والخراف والعجول، ويتساءلون: وهذه ~~الأموال ما شأنها؟ أما عباس فلم يكترث لشيء وبدا كأنما يزداد سعادة ~~وسيادة، وكان ينطلق في الليل كأنه وارث الملكوت. وقال الناس: إن ~~أم عباس امرأة تعيسة الحظ، وإن قلبها الضعيف يدفعها دائما إلى ~~المهالك. وبينما كانت تعيش بفضل إحسان أسرة فقيرة، كان عبده يتضخم ~~ويشارك في كل نشاط مالي في الحي. وسعى بالصلح بينهما أناس طيبون حتى ~~أعادوا المرأة إلى بيتها. ولكنها عادت منكسرة النفس لا أمل لها في حياة ~~كريمة، ولم يسمح عبده بإعادة مصروف عباس إليه إلا بشرط أن يشاركه في ~~دكانه أحد أقربائه هو ليصون المال ويدير العمل. وأحب عبده الحياة ~~المريحة المترفة، فعقد اللاسة الشاهي الفاخرة فوق رأسه، وتلفح بالعباءة ~~من وبر الجمل، ولبس المركوب الملون من خان الخليلي، وتحلى بالخواتم ~~الذهبية، وسبقته رائحة المسك حيث ذهب فيقوم له الناس على الجانبين حتى ~~يختفي عن الأعين، فيتهامسوا: الله يرحم أيام زمان! # وعند الفجر تعالى صراخ فمزق السكون تمزيقا. واستيقظ الناس فزعين ~~وفتحت النوافذ، ثم هرع الجميع إلى القبو. رأوا بيومي اللبان وهو ~~يرتجف، فنظروا إلى حيث يشير فرأوا المعلم عبده مكوما ورأسه غائص في ~~بركة من الدم. وزلزل الحي زلزالا عنيفا. وأطبقت عليه الشرطة ~~والنيابة والمخبرون. واستدعي إلى التحقيق عدد لا حصر له من أهل الحي ms12 ، ~~ولكن لم يقع على أحدهم ظل شبهة من قريب أو بعيد، وقطعت الدلائل بأن ~~جريمة عبده ستلحق بجريمة حسنين. وقال أناس وهم يضربون كفا بكف: ما ~~أعجب هذا! # فقال آخرون: انتظروا حتى يظهر العريس الجديد. # ومضى عباس إلى دكان بيومي ليتناول عشاءه المعتاد قبل الانطلاق لجولته ~~الليلية. وجعل بيومي يرمقه بغرابة وهو يأكل الزبادي بأناة وسعادة، ~~وشاربه ولحيته يلتقيان حول فيه، ويبتعدان في حركات متتابعة. وتردد ~~بيومي قليلا، ثم قال: عباس! أنت أعجب شيء في حارتنا. # فابتسم عباس إليه بمودة؛ إذ كان أحب الناس إلى قلبه، فقال الآخر فيما ~~يشبه الهمس: كان عبده ما زال حيا عندما عثرت عليه في القبو. # فتحسس عباس شاربه عند امتداده فوق فيه ليتأكد من جفافه، فقال بيومي: ~~وقد نطق باسم قاتله قبل أن تصعد روحه. # فملأ عباس الملعقة بالزبادي، ورفعها إلى فيه وهو يركز فيها عينيه، ~~فقال بيومي: وهو بلا شك قاتل حسنين من قبل. # لاح في وجه عباس عناء من يستحضر خيالا لا يرام، فقال بيومي: وعند ~~التحقيق نسيت كل شيء، وتلك إرادة الله. # أتى عباس على آخر ما في السلطانية، وتأهب لمغادرة الدكان، فتساءل ~~بيومي: من أنت يا عباس؟ .. وماذا يقول لك سيدنا الخضر كل ~~ليلة؟ # | قوس قزح # اجتمعت الأسرة على هيئة مجلس للشورى. ذلك تقليد جميل متبع من زمن ~~بعيد بفضل حكمة الوالدين: حسن دهمان وهو من رجال التربية وعلم النفس، ~~والسيدة نظيرة وهي مفتشة كبيرة بوزارة الشئون، والغرض منه تربوي ~~لإشراك الأبناء في تحمل المسئولية وتفهم الحياة، فضلا عن أنه ~~يجعل من العقل المحرك الأول لسلوكهم. وقالت الأم: نحن نجتمع ~~لمناقشة مسألة «طاهر». # وطاهر هو الابن الأصغر، في المرحلة الثانوية، يحب ابنة زميل لأبيه ~~تقاربه في السن، ولما كانت أسرة الفتاة على وشك الانتقال إلى بلد عربي ~~لعدة سنوات، فقد أراد طاهر أن يخطب البنت قبل السفر، وقال سمير وهو ~~أكبر الأبناء وطالب بكلية الهندسة: أعتقد أن الخطبة بالنسبة لطاهر ~~سابقة لأوانها. # وقالت هدى، وهي طالبة بكلية الحقوق: طاهر متقلب ms13 في عواطفه، رأيي ~~التريث. # والتفت حسن دهمان بوجهه الجاد نحو طاهر، وقال: أود أن أسمع ~~رأيك. # وبوجه متجهم، وهو يركز بصره في تهاويل السجادة تجنبا لالتقاء ~~الأعين، قال طاهر: ما فائدة الكلام ما دام العقل سينتصر في ~~النهاية؟ # وطال الأخذ والرد، ثم أخذت الأصوات، وانتصر العقل كما تنبأ ~~طاهر، وقال الأب معلقا على النتيجة الحكيمة: هذا هو عين العقل. # هذه الجملة «إكليشيه» يختم به الرجل مناقشاته وتقريراته الموفقة. ~~ومنها يقف طاهر موقفا غير ودي؛ إذ إنه طالما عانى المتاعب باسم العقل. ~~ولكن العقل يلعب دورا خطيرا في حياة الأسرة كأنه معبود. بفضل توجيهه ~~ساد الأسرة نظام عجيب فهي ساعة دقيقة. البيت آية في الترتيب والأناقة ~~كأنه وجه ذو ملامح أبدية. سقوط عود كبريت، أو تزحزح مقعد عن موضعه، ~~أو ارتفاع في درجة صوت الراديو عن الحد المرسوم يعد من الحوادث ~~المزعجة التي تتطلب علاجا سريعا. أوقات الطعام والاستيقاظ والنوم ~~والعمل والراحة تخضع لدقة فلكية، ويقول حسن دهمان عن ذلك كله: هذا هو ~~عين العقل. # ولكل فرد في الأسرة دفتر توفير، ونوع من الكتب يلائمه، وحتى ~~الأغاني والبرامج الإذاعية والتليفزيونية تتقرر بعد تشاور ونقاش، ولدى ~~مواجهة أي مسألة هامة ينعقد مجلس الأسرة ويدلي كل برأيه، ويفحص ~~هذا الرأي بكل عناية ودقة سواء تعلق بنوع الدراسة، أم الحب، أم ~~الصداقة، أم السياسة. أجل، لا يفلت من هذا النظام شيء، ثم يقول حسن ~~دهمان بكل ارتياح: هذا هو عين العقل. # وعقارب الساعة آيات في الدقة إلا العقرب الصغير، فهو مصدر قلق ~~لوالديه. ~~- ألا تخجل من نفسك يا طاهر؟ # لكنه ينظر بغرابة إلى ما حوله. لا يريد أن يتحمس لشيء، ويحضر مجلس ~~الأسرة وهو كاره، ويتحفز للمعارضة بسبب وبلا سبب. نشاز في أوركسترا ~~العائلة. ويغالب ضحكة مريرة في أحايين كثيرة. وبلغ به الاستهتار مرة أن ~~اقتحم المطبخ، وتناول غداءه قبل موعده المحدد بنصف ساعة. # وقال له والده: ولكن هذا شذوذ لا مبرر له يا بني! # ولما لم يجد منه استجابة من أي نوع سأله ms14 : ألا زلت تفكر في ~~الخطبة؟ # فأجاب ببساطة: كلا، الجوع هذه المرة لا الحب. # ولما ذهب همست نظيرة هانم في أذن زوجها: آخر العنقود يا ~~عزيزي. # فتساءل الرجل مغضبا: هل نرضى بالهزيمة؟ ~~- كلا، ولكن الأمر يتطلب عناية مضاعفة. # وآمن طاهر بأن «هذا هو عين العقل» تطارده حيث ذهب. إنها تطوقه في ~~الظاهر والباطن. إنه غريق في نسيجها المحكم، حتى الحب والطرب والحزن. ~~وسمع لجريان الدم في أطرافه صوتا، فأيقن أن شيئا سيحدث. وشاركه ~~إحساسه من يعيشون حوله، ولكن في صمت متبادل. ويوما وهو في الفرندا ~~المطلة على الحديقة الصغيرة حدث شيء. كان موسم الامتحانات يقترب، وسمير ~~وهدى مكبان على المذاكرة. وكان الأب يكتب بحثا، والأم تقرأ مجلة ~~أمريكية. وبكى طاهر، كان في الفراندا يذاكر. وشعر بأن الحمل فاق ~~احتماله وأن الدنيا لا شيء. وترك الكتاب فوق الترابيزة وراح ينظر في ~~لا شيء، وحزن حزنا عميقا، ثم انصهرت الكآبة فذابت دموعا. وكتم ~~البكاء أول الأمر أن يسمعه أحد. ثم تدافعت الدموع بغزارة مذهلة، فنشج ~~ثم نحب. وغلبه ذلك فاستسلم للنحيب حتى هرع إليه الجميع. وقفوا ~~مبهوتين، وجاءت أمه بماء فغسلت وجهه، وظل يبكي بحركات بلا صوت وبلا ~~دموع. وأسند رأسه إلى صدر أمه؛ فتلقته بحنان، وهي تتساءل بقلق: ترى ~~هل جاوزت الحد «المعقول» في إظهار الحنان الذي يعتمل في صدرها؟ ثم ~~هدأ طاهر تماما، فجلس واجما ولم يبق من الانفعال الغريب إلا نظرة ~~حزينة بكل معاني الكلمة. وساد الصمت وارتسمت الأسئلة في الأعين القلقة. ~~وسألته أمه: ما لك يا طاهر؟ # أجاب دون أن ينظر إلى أحد: لا شيء. # ارتسمت الدهشة والاحتجاج مكان الأسئلة، وقال له سمير: خبرنا بما ~~يحزنك! # وقالت هدى بحرارة: يجب أن نعرف ذلك. # ولكن الأب أشار إليهما بالخروج فخرجا، ثم سأله برقة: ماذا بك يا ~~بني؟ ~~- قلت لا شيء! ~~- أيام الامتحانات أيام مرهقة للأعصاب؟ ~~- كلا .. كل شيء طيب. # وغادر الأب الحجرة ليمنح الأم فرصة أطيب، ولكن طاهر لم يقل شيئا. ~~ولم يكن يعرف أكثر مما قال؛ ولذلك لم يستخلص ms15 أحد منه جديدا لا في تلك ~~الليلة ولا في الأيام التالية. ونصحه والده بالتريض في الشوارع المحيطة ~~بمسكنهم ساعة كل يوم قبل أن يجلس للمذاكرة. واعتبر الحادث عرضا من ~~أعراض الإرهاق العصبي. ولم يعد أحد يذكره، ثم نسوه تماما. # ويوما قال حسن دهمان باهتمام: دعوت مديرنا الجديد إلى سهرة لطيفة في ~~حديقتنا الصغيرة. # وخاطبت الأم الأبناء قائلة: يجب أن نظهر بالمظهر اللائق، وأن تمكثوا ~~معنا قليلا ثم تنصرفوا للمذاكرة، وسيتوقف على لباقتكم نجاح ~~الحفلة. # وتساءل طاهر: أهو صديقك يا بابا؟ # فتفكر الرجل مليا، ثم قال: الصداقة نعمة كبيرة، وعلينا أن نستزيد ~~منها كلما وسعنا ذلك، والمدير العام مجرد زميل أكبر، ولكنه سيكون غدا ~~صديقا، والحياة الاجتماعية تطالبنا بواجبات نافعة لا بد ~~منها. # وقال طاهر لنفسه: هذا هو عين العقل. وكان المدير الجديد قصيرا ~~بدينا ضخم الوجه، والرأس أصلع، ويتكلم ببطء شديد. وأنعم طاهر فيه ~~النظر وهو يقاوم رغبة شريرة في الضحك. وأعجبه منظر أمه وهدى وهما في ~~كامل زينتهما، وتابع أحاديث أسرته الطلية بدهشة. وسمع والده يستشهد ~~بالشعر أكثر من مرة، وسمع أمه وهي تعلق على شكوى المدير من كثرة نسيانه ~~قائلة: تلك آية العبقرية يا سعادة البيه. # وانسحب سمير وهدى في الوقت المناسب، ولكن طاهر لم يبرح مجلسه، ورغم ~~إشارات أمه الخفية لم يبرح مجلسه، ولما لاحظ أبوه تطلعه إلى المدير قال ~~له: آن لك أن تذهب يا طاهر. # فتساءل طاهر: ألا أقول شعرا يا بابا؟ # وقطب الأب على حين سأله المدير: أأنت شاعر؟ ~~- كلا، ولكني أحفظ الشعر. ~~- إذن أسمعني لأعرف ذوقك. # فقال طاهر بانتصار: علو في الحياة وفي الممات. ~~- شعر مشهور. ~~- قيل لمناسبة شنق رجل! # فضحك المدير قائلا: شعر جميل. أما المناسبة فسيئة جدا! # عند ذاك ضحك طاهر. شعر بأن الحمل فاق احتماله، وأن الدنيا لا شيء ~~وراح ينظر في لا شيء. وحزن حزنا عميقا. ثم انفجر ضاحكا. وبادره أبوه ~~فأخذه من يده ومضى به خارجا. وعند نهاية السهرة ناقش الوالدان مشكلة ~~طاهر طويلا فاتفق رأياهما على أنها ms16 بحاجة إلى علاج حقيقي، ولكنهما ~~رأيا أن الأوفق تأجيل ذلك إلى ما بعد الامتحان. # ويوما ارتفع صوت هدى في البيت وهي تنادي في شبه استغاثة صائحة: ماما ~~.. تعالي انظري ماذا فعل طاهر! وهرع إلى حجرة الشاب كل من سمع ~~النداء. رأوا الحجرة في أغرب منظر. منظر لا يخطر على بال إنسان. حشية ~~السرير قد طرحت فوق المكتب، والكتب والأوراق قد صفت فوق خشب ~~السرير. والصوان انعكس وضعه فالتصق بابه بالجدار. وقلبت المقاعد على ~~ظهورها. وطويت السجادة الصغيرة ثم علقت بدوبارة بسلك المصباح ~~الكهربائي. وندت عن الأم صرخة رثاء، وهتف الأب: كارثة .. كارثة ~~وربي! # وسألوه جميعا عما فعل؟ وكان يقف وسط الحجرة هادئا وباسما، فلم ~~يزد عن أن تساءل بدوره: ولم لا؟ # وصاحت الأم: أنت تمزق قلبي. # فقال برقة: آسف على إزعاجكم. # فقال الأب بحسرة: غير معقول .. غير معقول. ~~- لم لا يا بابا؟ كنت أقوم بتجربة، ولو أمهلتموني لكان ذلك عين ~~العقل. # وغادر الحجرة إلى الفراندا، وتبعه والده، فوجده واقفا ينظر إلى ~~السماء باهتمام بالغ. ونظر الرجل حيث ينظر، فلم ير شيئا فازداد ~~انقباضا، ثم سأله برقة: أتعبت رقبتك، لم تنظر هكذا إلى ~~السماء؟ # وأهمله طاهر حتى كرر سؤاله مرتين، ثم قال بضجر: إني أحسدها على ما ~~تنعم به من حرية! # فقال الأب محذرا: لكنها مستقر أدق نظام في الوجود، النظام الذي ~~لا يخطئ. # فانزعج طاهر وخفض عينيه غاضبا. ~~- ألا تحب النظام يا طاهر؟ # فقال بحدة: لا أحب لشيء أن يتكرر مرتين. ~~- لكنها الفوضى يا بني. # فهتف الشاب: ما أجمل هذا! # وتشاور الوالدان فأجمعا على وجوب البدء في العلاج دون إبطاء، ولو ضاع ~~العام الدراسي. واتفقا على أن يستشيرا طبيبا باطنيا أول الأمر، على ~~أن يذهبا بعد ذلك إلى طبيب أعصاب إن نصح الباطني بذلك، ثم إلى طبيب ~~نفساني إن لزم الحال. # وكان الوالدان في الحديقة يستقبلان بعض الضيوف، وسمير وهدى يذاكران، ~~عندما سمع الجميع ضجة في الطريق وتدافع أقدام في الداخل وصراخ ~~الخادمين. # وتبين أن النار مشتعلة في الطابق العلوي ms17 . وانطلقوا جميعا إلى الطريق ~~وأحد الخادمين يحمل طاهر بين يديه. وجاءت المطافئ فأخمدت النار قبل أن ~~تستفحل. وقال طاهر في التحقيق ببساطة مذهلة: نعم، أنا الذي سكبت ~~البترول وأشعلت النيران. # ولما سئل عن السبب أجاب بالبساطة نفسها: لا أتذكر. # ثم لاذ بالصمت. # وانطلقت سيارة المستشفى. جلس طاهر مقيد اليدين والقدمين بين والديه، ~~على حين جلس أمامهم مندوب المستشفى: كم رأينا من حالات أشد من هذه، ثم ~~عاد أصحابها كأعقل ما يكون. # وأراد الأب أن يقول: «إن ذهاب العقل كارثة لا تعادلها كارثة.» ولكنه ~~لم ينبس، وساءل نفسه: «ما معنى هذا؟! وهل ثمة خطأ؟» كان بيته - وما زال - ~~معبدا للعقل وللنظام، فكيف تسلل إليه الفساد؟ وحز الألم في نفسه، ~~حتى تتابعت تأوهاته الباطنية، وحتى حسد زوجته على سخاء عينيه. ولحظ ~~الابن العزيز بطرف عينه فرآه قد أغمض عينيه، فعض على شفته. # وتطوع المندوب للتخفيف من كآبة الجو؛ فقال: المستشفى خير مكان له، ~~فلا تحزنا لذلك الإجراء الذي لا بد منه. # ولم تكن لدى حسن دهمان رغبة في الكلام، ولكنه أراد أن يجامل الرجل ~~بقدر ما يستطيع، فتمتم وهو من الحزن في غاية: صدقت يا سيدي، هذا هو عين ~~العقل. # | الصمت # ما أفظع هذه الحجرة! كميدان قتال. لا ترى العين في أي موضع منها ~~إلا سلاحا يقشعر منه البدن. وهو لا يعرف إلا المقص، ولكن المعرض حافل ~~بما يشبه السكاكين والخناجر والدبابيس من كافة الأشكال والأحجام. وثمة ~~أوعية ملوثة بالدم تحت الموائد المعدنية، وقطن وشاش، ورائحة أثيرية ~~نافذة كنذير من عالم مجهول، وثلاثة أطباء. الطبيب المولد، وطبيب ~~القلب، وطبيب التخدير، وممرضة بدينة لكنها في خفة النحلة ولا تمسك ~~عن الحركة. لم ير الأشياء إلا خطفا على حين تركزت عيناه فوق السرير ~~المرتفع، حيث ترقد زوجته مطحونة بالصراع، مرفوعة الساقين فوق حاجز قائم ~~في نهاية السرير، وقف وراءه المولد في معطفه الأبيض، لا يبدو منه إلا ~~نصفه، ويشي أعلى ذراعه بحركة يده المختفية. وراحت زوجته تقلب رأسها ~~يمنة ويسرة كاشفة كل مرة عن ms18 عارض من وجهها المنقبض من الألم، الذي ~~استقرت في صفحته زرقة مغبرة. آه .. حتام يطول الصراع؟ متى يجود ~~بالراحة الرحمن؟ ويد الطبيب لا تكف عن الحركة، وهو ينظر نحوه أكثر ~~الوقت، في بساطة واستهانة، ويبتسم ولا ينقطع عن الكلام: ما أعظم ~~الفارق بين صورتك الحقيقية وصورتك على الشاشة! # هز رأسه وهو ينتزع من شفتيه الجافتين ابتسامة مجاملة، واضطر في ذات ~~الوقت أن ينزع عينيه من الوجه المعذب؛ ليبادل الطبيب نظرة على سبيل ~~المجاملة أيضا. ~~- ما أبدع الفن! وفن التمثيل هو سيد الفنون في نظري، إنك تضحكني ~~من أعماق قلبي، لا أحد يضحكني هكذا ولا الأمريكيون أنفسهم، ودور ~~الباشكاتب في فيلمك الأخير دور عجيب حقا، تفوقت فيه على نفسك! # لاحت في عيني الطبيبين الآخرين ابتسامة، واسترقت الممرضة إليه ~~نظرة باسمة كذلك، تحية لدور الباشكاتب. ونظر الأستاذ صقر نحو زوجته على ~~أمل أن يكون الحديث قد لطف من كربها، ولكنه وجدها غارقة في دنياها ~~الخفية، فساءل نفسه متى ينتهي عذابها؟ ومتى يرحمه الطبيب فيتركه لنفسه؟ ~~وإذا بالطبيب يخاطبها قائلا: ساعديني، يجب أن تساعديني كما قلت لك ~~مرارا، شدي حيلك، وأريني شطارتك. # وهمست بصوت هو الأنين: لا قوة لدي. ~~- بل لديك قوة عظيمة، ولن تتم الولادة إلا بمساعدتك، افهمي ذلك ~~جيدا، أنا في انتظار صوتك! # استجمعت قواها الخائرة، تتابع الصراخ في قوة لا بأس بها، ولكنه ~~سرعان ما وهن فتقهقر إلى أنين مبحوح. وزادت يد الطبيب حركة، وعاد يقول: ~~والفيلم في جملته ممتاز أيضا، قرأت مرة في مجلة أنك تشترط، قبل ~~التعاقد على دور، أن تطلع على السيناريو؟ # انتزع عينيه من زوجته مرة أخرى، وقال: نعم. ~~- لكن ما معنى السيناريو؟ # يا للعذاب! ~~••• ~~- هو إعداد القصة للسينما. ~~- أنا أقرك على موقفك، يجب أن تقرأ السيناريو أولا؛ حتى تضمن ~~لموهبتك فيلما يناسبها. ~~- شكرا .. شكرا. # وتأوهت المرأة تأوهات متقطعة، فقال الطبيب معاتبا: لا .. لا، ليس ~~هذا ما أريد، الست هي التي تولد نفسها. # ومال الأستاذ صقر فوق أذنها هامسا: شيئا من التعب يا عزيزتي؛ كي ~~يجيء ms19 ربنا بالفرج. # فقال الدكتور ضاحكا: أطيعي كلام هذا الرجل المسئول، (ثم ملتفتا ~~نحوه) لم أعرف أنها كانت زميلة لك في المسرح إلا عن طريق إحدى المجلات، ~~أما أنا فلم أرك في المسرح، ولم أرها كذلك لأنني لست من رواد ~~المسرح. # ثم بعد هنيهة صمت: أنت لست معي! # فانتبه صقر قائلا وقد تكاثف عذابه: معك يا دكتور. ~~- خبرني ما أحب أدوارك إليك؟ # رباه إنها لا تجد قوة للطلق، ولكن ينبغي أن يكون الخطر بعيدا، ~~وإلا ما استرسل الدكتور الذي لا يرحم في استجوابه: ماذا قلت! أحب ~~الأدوار إليك؟! ~~- لعله دور العسكري! ~~- تعني فيلم حريقة بلا نار؟ .. لا .. لا. # وانفجر صراخ من الأعماق، تصاعد حارا مليئا، كأنما يقذف بفتات ~~الصدر والحلق. واستحثها الطبيب على المزيد، وهو يتركز في حركة يده ~~الآخذة في السرعة. وأعقب ذلك تأوه عريض مرتفع ما لبث أن هبط إلى درجة ~~الأنين ثم انداح في الصمت، ونقل صقر بصره من الوجه الأزرق المغبر إلى ~~الساقين إلى وجه الطبيب، وتساءل ترى أهو الختام المريح؟ واقترب طبيب ~~القلب فجس النبض، أما المولد فتراجع خطوة ثم خلع معطفه والقفاز، ~~ودار حول السرير، حتى وقف أمامه باسما. همس صقر: الحمد لله. ~~- الحمد لله دائما .. تعال. # ومضى إلى حجرة داخلية فتبعه، وهناك قال الطبيب: ضاعت الجولة هباء، ~~ولن يعاودها الطلق قبل أربع ساعات على الأقل. # ثم وهو يهز رأسه: وإذا لم تتيسر الولادة بحال طبيعية؛ فلا بد من ~~جراحة. ~~- جراحة؟! ~~- لم لا؟ القلب سليم، وليس بها أمراض، ألم أنصحك آخر مرة بتجنب ~~الحمل؟ # بهت صقر. ومضى إلى الصالون، فجلس بين أعضاء الأسرة التي تلقت ~~الخبر بانزعاج حقيقي. وذهبوا إلى حجرة الزوجة، فوجدوها تغط في نوم ~~عميق، فعادوا إلى مجلسهم. وضاق صقر بالجلسة وشعر بحاجة ملحة إلى ~~الحركة. استقل سيارته الدودج إلى قهوة الشمس، قهوة الزملاء، وإن لم ~~يأمل في العثور على أحدهم في تلك الساعة من الصباح. وعند مدخل القهوة ~~ناداه صوت قوي فمضى إلى صاحبه، وجلس إلى جانبه في الممر المكشوف تحت ~~سماء ms20 مجللة بسحب الخريف. تربع جميل الزيادي في مجلسه تحوطه هالة من ~~الفخامة مصدرها بدانته المتناسقة، وهو زميل قديم لصقر من عهد المدرسة ~~الابتدائية، أما اليوم فهو من الأعيان وعشاق المسرح. وكان صقر في ~~حاجة حقيقية إلى المشاركة الوجدانية فقال: اطلب لي فنجال قهوة؛ فإني في ~~حالة إغماء. # فطلب له القهوة وهو يتساءل: ما لك، كفى الله الشر؟ # وأعاد على سمعه ما قال الطبيب فلم يبد عليه أنه اهتز أقل اهتزاز ~~لكلمة «الجراحة»، وقال ببساطة: سليمة بإذن الله، والنساء يلدن من عهد ~~حواء، فلا تخف. ~~- المسكينة تتألم بدرجة فظيعة، ويقولون إن الجراحة خطيرة. # فتناول الرجل شوية فول سوداني من طبق فنجال ممتلئ، وهو يدعوه إلى ~~مشاركته، ثم قال: إشاعات يروجها الأطباء ليبرروا مطالبهم، المطالب هي ~~الخطيرة حقا. # وضحك لذكرى وردت للمناسبة، وقال قبل أن يفتح صقر فاه: عند مولد ابني ~~إسماعيل أتعلم ماذا حدث؟ # حنق صقر على مولد إسماعيل الذي اقتحم عليه عذابه، وأجل عزاءه ~~المأمول لوقت لا يعرف مداه! ~~- ولدته أمه في ثماني عشرة ساعة! جاءها الطلق الساعة السادسة صباحا ~~وأدركها الفرج عند منتصف الليل! أي عذاب تتخيله؟ ومع ذلك كله فقد ولدت ~~في البيت وبوساطة حكيمة لا دكتور ولا دياولو. # فهز صقر رأسه كأنما يتذوق عبرة حقيقية، ثم تساءل: لكن ماذا تعرف ~~عن جراحة الولادة؟ ~~- تهويش أطباء، هذا مدى علمي، هل عندها ضغط أو زلال أو سكر؟ ~~- كلا. ~~- إذن فهي لا شيء، وقد قالوا لنا عند مولد ابنتي عزيزة إنه لا بد من ~~جراحة! لماذا؟ الحكاية أن الولادة طالت أكثر من المتوقع فاستعانت ~~الحكيمة بدكتور؛ فنصح بنقلها إلى المستشفى لإجراء جراحة عاجلة، وقبل أن ~~يبتعد مترا عن بيتنا جاء الفرج. # تابعه بنظرة مغيظة وهو يطحن الفول السوداني بتلذذ عجيب، وإذا به يقول ~~مسترسلا في ذكرياته: الولادة العسيرة حقا كانت ولادة سوسن ابنة ~~أختي. # نظر صقر إلى الأرض؛ ليخفي كربه فواصل الآخر حديثه: كانت ضعيفة القلب، ~~وأجمعوا على إجراء جراحة، واستكتبوا زوجها إقرارا بالموافقة، وشقوا ~~بطن البنت. ~~- شقوا البطن؟ # فضحك ms21 جميل قائلا: هي الآن بفضل الله كمفتشات الرياضة ~~البدنية. # وخيل إليه أنه سيدخل في حديث ولادة أخرى؛ فقام إلى التليفون، وسأل ~~عن الحال فجاءه الجواب بأنها نائمة في هدوء تام. وعاد إلى مجلسه ~~كارها، فقال له جميل: يجب أن تعود إلى المسرح، أنا لا أحب السينما، ~~وإن شئت فاعمل في الاثنين، ولكن لا تنقطع للسينما. # فتمتم بفتور: أنا هجرت المسرح منذ أكثر من عشرين سنة! ~~- ولو! هذا رأي الأستاذ سمير عبد العليم أيضا، وعلى فكرة قابلته قبل ~~مجيئي إلى القهوة مباشرة وكان يسأل عنك، والظاهر أنه اتصل بك في ~~المنزل، حينما كنت في المستشفى. ~~- ماذا يريد؟ .. ألم يقل لك؟ ~~- أبدا، مطالبه لا تنتهي كما تعلم، ولكنه ظريف وابن حلال. # استقل سيارته إلى مجلة «كلام الناس»؛ حيث وجد صديقه الناقد سمير ~~عبد العليم يكاد أن يختفي وراء الأوراق المكدسة فوق مكتبه. تعانقا ~~وسمير يقول: بحثت عنك في كل مكان، أين كنت؟ # فجلس وهو يقول مرحبا بالفرصة التي واتته لإعلان أحزانه: كنت في ~~المستشفى، راضية في حالة ولادة. # هنأه بصوت خطابي، وهو ينكب على الأوراق باحثا عن شيء هام فيما ~~بدا، فقال صقر: ولادة خطيرة يخشى ألا تتم إلا بجراحة. # والظاهر أن سمير لم يسمعه لشدة انهماكه في البحث، غير أنه قال بمرح: ~~نحن نطالب بولي عهد للمسرح الكوميدي! # فرفع صقر صوته قائلا: ولادة خطيرة يخشى ألا تتم بلا بجراحة. # انتبه سمير إليه وقد كف عن البحث لحظة، فأعاد صقر على مسمعه أقوال ~~الطبيب، فقال الناقد: ربنا يكتب لها السلامة، الطب تقدم، وانقضى عهد ~~الجراحات الخطيرة. # ثم انهمك في البحث مرة أخرى، وهو يقول: أنا نفسي جئت إلى هذه الدنيا ~~بجراحة، وفي زمان كان الطب فيه كالطب عند قدماء المصريين، يا سلام على ~~الفنانين وأعصابهم المرهفة. # وندت عنه آهة ارتياح لعثوره على الأوراق التي كان يجد في البحث ~~عنها، وأخذ يرتبها بعناية، وهو يقول بنبرة جديدة دلت على أنه نسي ~~الحديث الأول تماما: اتفقت مع صوت العرب على برنامج جديد أسبوعي باسم ms22 ~~«أهل الفن» واخترت أن أبدأ بك. ~~- لكن يقولون إن جراحة الولادة خطيرة يا سمير؟ ~~- لا شيء خطير ألبتة، وستضحك غدا من قلقك هذا بملء فيك، المهم أن ~~هذا البرنامج يقتضي تسجيل مناظر من مسرحياتك القديمة، الأفلام أمرها ~~سهل ويمكن تسجيلها في أي وقت أو طبع نسخ جديدة من الفصول التي يتفق ~~عليها، ولكن المسرحيات كيف نسجلها، كيف نجمع الممثلين القدامى؟ ومن ~~يحل محل الذي مات منهم؟ .. هذه المشكلات ومثيلاتها تشغلني طيلة ~~الوقت. # أوشك أن يغضب، ولكنه استسخف نفسه، فانزوى في وحدة حالكة. # ما رأيك في هذا النظام؟ سأبدأ بمقدمة عنك ألقيها بنفسي، يعقب ذلك ~~حوار بيني وبينك، أنا أسأل وأنت تجيب، يتخلل ذلك مناظر من المسرحيات ~~ومواقف من الأفلام، ثم جلسة عائلية في بيتك، ولكن آه .. راضية ستكون ~~متوعكة ربنا يشفيها. ~~- آمين، ماذا تعرف عن جراحة الولادة؟ ~~- كل خير، لا تصدق الأطباء، الصعوبة الحقيقية في تسجيل المسرحيات ~~القديمة، اتصلت بكثيرين من الممثلين، ولكن هل لديك أصول ~~المسرحيات؟ # ولما لم ينبس قال سمير: أنت لست معي! ~~- معك، عندي الأصول، عن إذنك التليفون. # وكرر السؤال عنها فتلقى نفس الجواب، وأعاد السماعة مغمغما: يا رب. ~~وقال سمير: تعال لمقابلتي في الإذاعة مساء الأحد. ~~- ربنا يطمئني أولا. ~~- إن شاء الله، لا تكن خوافا هكذا، ألا ترى أنك تذكرني بدور ~~الباشكاتب الذي تفوقت فيه على نفسك! # عاد إلى قهوة الشمس فوجد أن مجلس الزملاء قد انعقد كشأنه ظهر كل ~~يوم. وصمم على ألا يعلن شكواه لأحد، فجاراهم في أحاديثهم بقلب غائب، ~~واشترك أحيانا في قهقهاتهم التي ترج القهوة في تلك الساعة من ~~النهار. وعند الواحدة قاموا ليتناولوا الغداء في المقطم، دعوه للذهاب ~~معهم فاعتذر فمضوا إلا واحدا هو حيدر الدرمللي، وهو زميل قديم عمل في ~~مسرحه ملقنا، ويشتغل اليوم مدير إنتاج في شركة سينمائية. ولم يدر ~~بالسبب الذي جعل حيدر يتخلف عنهم حتى قال هذا بقلق: ظهرت نتيجة تحليل ~~الدم، وهي ليست على ما يرام. # تذكر أنه شكا إليه مرضا ألم به منذ عشرين يوما ms23 في أحد ~~الاستديوهات، فقال له معتذرا: آه نسيت أن أسأل عن صحتك بسبب زياط ~~إخواننا وتهريجهم، آسف يا حيدر، أنا شخصيا في كرب عظيم. # واضطر حيدر إلى تأجيل الكلام عن تحليل الدم إلى حين، وسأله: لم ~~والعياذ بالله؟ # فحدثه عن حال زوجته حتى قال حيدر: أسأل الله لها السلامة، ولعل ~~الولادة تتم دون جراحة، ولكن خبرني ماذا تعلم عن زيادة كريات الدم ~~البيضاء؟ ~~- لا أدري، وعلى أي حال فالطب تقدم جدا، فوق ما تتصور، ولكن .. ~~ولكن أنا المسئول! ~~- أنت؟ ~~- نعم، كان يجب أن أحتاط، فلا أسمح بالحمل مهما تكن الظروف. # هز حيدر رأسه في امتعاض، وهو يتكلف الاهتمام بكلام الآخر تكلفا، ~~ولكنه لم ينبس بكلمة، فقال صقر: ولما وقع المحذور كان علي أن أجهضها ~~بأي ثمن، وهاك نتيجة الإهمال. # فتبسم حيدر وهو يجول في المكان بنظرة ذاهلة: دنيا! يعني أنا كان ~~مالي ومال الكريات البيضاء! ~~- على رأيك، وهل تدري ماذا تعني جراحة الولادة؟ شق البطن! ~~- ربنا لطيف بالعباد، وهل تدري أنت أن مرضي يجهله أطباؤنا ويقفون ~~حياله حيارى؟ ~~- لا تتشاءم، ربنا لطيف بالعباد كما تقول، وإلا فمن لأم تتعذب ~~هذا العذاب، وهي تهب الدنيا مولودا جديدا؟ # وأجهدهما الكلام فيما بدا فلاذا بالصمت، واندفن كل في ذاته، فاجتر ~~أحزانه وحده. ونظر صقر في الساعة ثم طلب القهوة الرابعة مذ غادر ~~المستشفى، وأشعل السيجارة العاشرة. وتساءل عما يخبئه له اليوم! وتجنب ~~صاحبه كما تجنبه صاحبه فقام بينهما سد. وقال صقر وكأنما يخاطب نفسه: ~~إني أعجب كيف أني أكرس حياتي لإضحاك الآخرين! # فتساءل حيدر بنبرة باردة: ألا يدفعون ثمن ذلك بسخاء؟ # ولم يناقشه رغم ما بدا له من إمكان ذلك. وعاد ينظر في الساعة، ~~ويتساءل عما يخبئه له اليوم. # وأغمض عينيه فشعر بشيء من الراحة، ولكن ضوضاء الطريق ضايقته كما لم ~~تضايقه من قبل، فود لو يغرق كل شيء في الصمت. # | بيت سيئ السمعة # كان منهمكا في عمله عندما استأذنت سيدة في مقابلته، وجلست وهي تقول: ~~صباح الخير يا أستاذ أحمد. # سيدة واضحة ms24 الكهولة، مقعرة الخدين من ذبول، بارزة الفم، تعكس ~~عيناها نظرة متعبة، وتضفي عليها ملابس الحداد تجهما وكآبة. وسرعان ~~ما أدرك من مطلع حديثها أنها قصدته بأمل أن يسهل لها الإجراءات الخاصة ~~بمعاشها. وهم بتحويلها إلى مدير المعاشات مشفوعة بتوصية غير أن لمحة ~~في نظرة عينيها المتعبتين استرعت انتباهه. خيل إليه أنها ترمقه ~~بنظرة خاصة تراوح بين الارتباك والخجل. ما سر ذلك يا ترى؟ هل تعرفه؟ ~~وفي الحال ومضت في ذاكرته ومضة أضاءت غياهب الماضي، فهتف في ذهول: ~~حضرتك؟ # قالت وهي تغض بصرها في حياء وتأثر: نعم، ومن حسن الحظ أني عرفت أن ~~حضرتك مراقب عام المستخدمين. # ولم يكن تذكر اسمها، ولكن وثب إلى ذهنه اسم التدليل الذي عرفت به ~~«ميمي». إن منظرها أكبر من عمرها. وعمرها لا يمكن أن يجاوز الخمسين. ~~ولعله من الذوق أن يختلق سببا لعدم معرفتها بالسرعة التي - لا شك - ~~توقعتها. قال: كنت مشغولا جدا، فنظرت إليك بعينين غائبتين فلم ~~أعرفك. # فابتسمت عن طاقم نضيد، وقالت: أنا تغيرت أيضا، الضغط ربنا يكفيك ~~شره، والحياة أنهكت أعصابي، لي بنتان متزوجتان، وثالثة في بعثة، ~~وعندما وصلنا إلى بر الأمان توفي المرحوم زوجي. # وتبادلا السؤال عن الأسرتين، فتردد ذكر من تزوج، ومن مات، ومن ~~يقيم في القاهرة، ومن انتقل إلى الأقاليم، وكان في أثناء ذلك يحاول أن ~~يستحضر صورة ميمي القديمة بصعوبة لا تكاد تقهر، فاحتج مرات على قسوة ~~العبث. وأخيرا كتب لها توصية إلى مدير المعاشات وانتهت ~~المقابلة. # عاد إلى مجلسه - بعد أن أوصلها إلى الباب - وهو يعيش في حلم، وبحث في ~~ضباب الحلم عن عام. أي عام يا ترى؟ 1925. عام مليء بالأحداث ~~التاريخية، ولكن ميمي كانت أهم من تلك الأحداث جميعا، ميمي وبيتها ~~العجيب، ومنشية البكري القديمة الراقدة في صحراء البنديرة، شارع ~~الملواني، والبيوت الصغيرة ذات الدور أو الاثنين تصطف على جانبيه. ~~ومن أعالي الأبواب الخارجية تتدلى مصابيح للإضاءة ليلا. كل بيت ينطوي ~~على نفسه كالسر. النساء عورة، والحب حرام، والزواج إجراء من اختصاص ~~الرجال، والعروس آخر من ms25 يعلم. غير أن بيت آل حلاوة خرق العقل ~~والمعقول، وقام وحده ككلمة متحدية. عرف بالبيت السيئ السمعة، وأحيط ~~بسياج من الرهبة. ومجرد جريانه على لسان صبي أو بنت كان جريرة يستحق من ~~أجلها الزجر. وضربت حوله المقاطعة كأنه وباء. وحتى اليوم لا يذكر ~~إلا مصحوبا بسوء الظن، وبذلك تحدد في التاريخ. آه .. كيف كان ~~ذلك؟ # كانت ربة البيت - وهي زوج لموظف كبير - امرأة متبرجة. تتبدى في ~~الطريق في كامل زينتها، عارضة حسنا رائقا رغم بلوغها الخمسين، وهي ~~السن التي انتهت عندها ميمي. وكانت أول امرأة في الحي ترى سافرة، فلا ~~برقع أبيض ولا أسود. وقد تصطحب معها بناتها الأربع فتمضي بهن سافرات ~~كذلك، آخذات زينتهن، وهو ما لم يسمح به لبنت قبل خطبتها. وكن يذهبن ~~مرة في الأسبوع - مع الزوج أو دونه - إلى سينما كوزموجراف، وقد يسهرن ~~في مسرح من المسارح، فلا يرجعن قبل الواحدة صباحا. أي امرأة وأي رجل ~~وأي بنات! والأدهى من ذلك كله أنه كان للأسرة يوم زيارة تستقبل فيه بعض ~~الأسر بكامل هيئتها، فيختلط الجنسان بلا حرج. وكان شبان الحي يسيرون ~~جماعات تحت حجرة الاستقبال المتلألئة بالأنوار، يصغون إلى الضحكات ~~المتصاعدة، وعزف البيان والغناء، وكلما ظهر في النافذة طربوش تبادلوا ~~الغمزات والنكات، وذهبوا في التأويل كل مذهب، وتخيلوا أعجب المواقف. ~~لذلك كله لم يكن غريبا أن يذكر بيت حلاوة مقرونا بلفظة «دعارة» دون ~~مناقشة. وكانت الأسرة على علم بآراء الجيران ومشاعرهم، ولكنها لم تكترث ~~لذلك أدنى اكتراث، وترفعت الهانم عن الجميع، وسارت في طريقها شامخة ~~الأنف، كأنها من سلالة غير سلالة الحي جميعه. # وكانت ميمي ترى كثيرا في الطريق أو في دكان الحلوى. ترى وحيدة ~~وكانت صغرى البنات وفي الخامسة عشرة، وكانت جميلة كأخواتها وأمها، وإن ~~لم يعد يذكر من آي ملاحتها إلا شعرها الأسود المتجمع في ضفيرتين ~~ريانتين، وعينين خضراوين، وغمازة في الذقن. وكان يسترق إليها نظرات ~~دهشة متسائلة مليئة بحب الاستطلاع، ولم تخل أول الأمر من ازدراء ~~وسخرية، ثم حل محلها إعجاب وافتتان، فكان ms26 يقول لنفسه محزونا: ~~يا للخسارة! وشغف بها وكان يكبرها بعام أو اثنين، واحتفظ بسره لنفسه ~~قطعا للألسنة، وكان البعض يغازلها طمعا فيها باعتبارها صيدا سهلا، ~~ولكنه لم يكن عرف الاستغلال قلبه. وذات مساء وهبته نظرة على غير ~~انتظار. كانا واقفين بدكان الحلوى فوهبته نظرة غير قصيرة أثملته؛ فترنح ~~بعيدا عن تيار الزمان وأفعمت قلبه بهجة ظافرة. فاض قلبه بسعادة ~~مشرقة اقتلعت منه الوساوس، فلم يعد يشترك في الأحاديث البهيمية عن ~~البيت السيئ السمعة. وآمن بأن شعور قلبه الأصيل أخطر من جميع ما يقال. ~~وفي ليالي رمضان راح يلاعبها من بعيد بكبريت الهوا، فيشعله في الطريق ~~فتشعله بدورها في النافذة. وتواعدا على اللقاء عند صحراء البنديرة. ~~ووجد نفسه عند اللقاء مرتبكا حقا، ولكنها بادلته التحية دون تلعثم ~~وبشجاعة ردت إليه روحه الضائعة. وقالت: أنت في البدلة أرشق مما تظهر في ~~الجلباب، وأنا أحب الرشاقة. # وكل كلمة جادت بها كانت كشفا جديدا وجرأة مذهلة. وكانا صغيرين ~~جدا بالقياس إلى خلفية الصحراء المترامية وراءهما، ورغم ذلك قال في ~~حذر: قد يرانا أحد! # فتساءلت: مثل من؟ ~~- من الأهل أو الجيران. # فهزت منكبيها استهانة، وهواء الصيف المنعش يهفو بضفيرتيها، ثم سألته: ~~ما رأيك في حديقة الحيوان؟ # وامتنع عن تقبيلها تأدبا رغم سنوح الفرص. وأعطته رقم التليفون ~~ليتفقا في الوقت المناسب، ولعله ما يزال مسجلا في دفتر المذكرات ~~القديم. وسألته: هل نذهب إلى الحديقة معا؟ # فقال برجاء: نلتقي هناك ونفترق هناك! # وتلاقيا عند باب الحديقة، وكان يوم سعيدا. سارا من ممشى إلى ممشى ~~بيدين مشتبكتين. واستمد من مسها تيارا من الحرارة والبهجة والرضا، ~~وسألها كأنما ليطمئن عليها: ماذا قلت لماما؟ # فأجابت ببساطة: قلت إني ذاهبة إلى حديقة الحيوان. # فتساءل أحمد ذاهلا: وحدك؟ # فهزت رأسها نفيا، وقالت بالبساطة نفسها: معك. # فضحك معلنا عدم تصديقه، ولما وجدها جادة جدا سألها: وهل ~~وافقت؟ ~~- نعم، ولكن دون حماس. # لم يدر كيف يصدق هذا كله. أما هي فاستطردت: قالت لي: ابتعدي عن ~~هذا الولد؛ إنه كالآخرين، وأهله كبقية الجيران. # وشعر بأنه ms27 مطارد. ووقف طرفه الحائر عند رأس نعامة سارحة في الفضاء من ~~فوق الحاجز الحديدي. # ثم قال بقلق: إذن هي تعلم أننا هنا معا! ~~- وراهنتني على أنك ستخيب رجائي. ~~- كيف؟ ~~- من أدراني؟ # بل هي تدري، ولكنها تظاهرت بالاهتمام بالقرود، ثم وقفت فوق قنطرة ~~تتأمل الماء المسقوف بأوراق الشجر، واقترحت أن يعدوا حتى الجبلاية، ~~ولكنه شد على يدها قائلا: خبريني! # فنظرت في عينيه بجرأة، وقالت: أنت لا تصدق أنها تعرف أننا هنا، ~~ولكنك تعلم بزواج أخيك الأكبر من ثلاث في وقت واحد! # فاحمر وجهه وقال: هو حر. ~~- لا تغضب من فضلك، فغضبك يؤكد ظنها، هل عرفت الآن ما سألت ~~عنه؟ # وداخله حزن. الواقع فاق ما تخيله، إنهما من عالمين بعيدين. ورغم ذلك ~~ازداد بها هياما. # ثم تساءل بصوت منخفض: وكيف وافقت على هذا اللقاء؟ ~~- لم لا؟ هو عيب؟! # ولم ينبس، فسألته بسخرية خفيفة: ولم وافقت عليه أنت؟ # فلم ينبس أيضا فسألته: أيجب أن نفترق؟ # فاستعطفها بحرارة لتعود إلى الرضا، وقال معتذرا: لا تغضبي، أنا أخطئ ~~كثيرا، وعذري أني أقابل بنتا لأول مرة! # فرمقته بتوجس وتساءلت: وماذا تظن بي أنا؟ # فبادرها تجنبا للمضاعفات: كل خير، أنا .. أنا أحبك يا ميمي. # وابتسمت ومضت به إلى أريكة تمتد أمامها هضبة معشوشبة، تناثرت في ~~جنباتها مجموعات من البشر، فجلسا جانبا إلى جنب صامتين، حتى قطعت ~~الصمت قائلة: حدثني عن مستقبلك. # وتحدث عن مستقبل مشرق من خلال كلية الحقوق، وإن يكن أوشك أن يختم ~~حياته مراقبا للمستخدمين، لا مستشارا في النقض كما حلم. فقالت: هذا ~~جميل حقا، ولكن ماذا عني أنا؟ # ووجد نفسه في القفص كالحيوانات التي تحيط به من كل جانب، فقال في ~~اقتضاب شديد حددته الرهبة: الزواج. # فابتسمت وهي تحول وجهها عنه مادة بصرها إلى قمة الهضبة الخضراء، ~~وقد غابت عن مسمعه ضجة الأصوات الآدمية والحيوانية. ثم قالت، وهي ما ~~تزال تنظر إلى بعيد: ولكن أمامنا أعواما طويلة! .. كيف؟ # فقال وهو يتلمس متنفسا: لا بد من الانتظار حتى أنتهي من ~~الدراسة. ~~- سأنتظر بكل سرور، ولكني ms28 في حاجة إلى شيء يبرر انتظاري أمام ~~الآخرين، أي شيء، ارتباط من أي نوع! # تخيل طلبه الارتباط ببنت من البيت السيئ السمعة بتعاسة ورعب، ~~وانعقد لسانه فلم ينطق. ~~- ماذا قلت؟ ~~- من العسير حقا أن أطلب ذلك الآن. ~~- ألا تقدم على هذه الخطوة من أجلي؟ # فتنهد بصوت مسموع، وهو يشعر بأنه جرى مرحلة طويلة من التاريخ دون ~~توقف، فقالت بحدة: أنت لا تريد، ليس عندك الشجاعة الكافية، أبيتنا ~~مخيف إلى هذه الدرجة؟ ~~- لا .. الأمر وما فيه ... ~~- لا تكذب، أنا أعرف كل شيء، وماما لم تخطئ، وشارعنا كله سخافة في ~~سخافة، ونحن أشرف من الجميع، يجب أن تعرف ذلك. # فهتف متألما: إنك تسيئين بي الظن، أنا في حاجة .. أرجو أن تقدري ~~موقفي، أعطيني ... ~~- لا داعي لهذا الارتباك كله، لتنس كل ما قيل، كله سخيف من أوله إلى ~~آخره. ~~- لكنني أحبك، ليكن الأمر سرا بيننا حتى ... ~~- نحن لا نحب السر! ~~- حتى أقف على قدمي. ~~- لن تقف على قدميك أبدا. # ثم وهي تكاد تمزق منديلها الصغير من الانفعال: أعوذ بالله! أنا لا ~~أحترم أحدا في شارعنا! .. بلا استثناء .. بلا استثناء. # هكذا انفصلا إلى الأبد. # وكان يستقبل سيل الذكريات وهو ينظر إلى الكرسي الذي طالعته منه ~~بوجه لم يحفظ من ماضيه إلا أضعف الأثر. أرملة أضناها التعب والحداد، ~~ولكنها معتزة بانتصارات حقيقية. وحومت حوله الذكريات كأسراب من ~~البنفسج. تذكر كيف تزوجت بنات البيت السيئ السمعة واحدة بعد أخرى رغم ~~ما سمع مرارا وتكرارا بأنهن بنات لم يخلقن للزواج، ولن يسعى إلى ~~الزواج منهن أحد. وكلما جاءه نبأ عن توفيقهن في زواجهن ذهل واختلت ~~موازينه! # ومضى إلى بيته بعد ميعاد انتهاء العمل الرسمي، فتغدى ونام ليستعد ~~لسهرة في الأوبرا دعي إليها هو وزوجته وبناته الثلاث. وكان الداعي ~~زميلا لكبرى بناته الموظفة في إدارة الترجمة بالوزارة، وقد قبل ~~الدعوة رغم أن الداعي لم يرتبط بكريمته بأي ارتباط بعد! وعند المساء ~~خلا إلى نفسه في حجرة مكتبه، على حين نشطت الزوجة والبنات للاستعداد ~~لسهرة الباليه المنتظرة، عما قليل ms29 يتبدين في صورة كاملة الزينة ~~والأناقة، ثم يتقدمنه تحت الأضواء والأنظار ترمقهن بإعجاب! ولم يكن ~~غريبا أن يستخرج دفتر مذكراته القديم من الدرج الخاص بالأوراق الثمينة ~~كعقد ملكية الأرض وبوليصة التأمين. وكان اعتاد على عهد المراهقة - وهو ~~عهد كان يحلم فيه بعرش الزجل! - أن يسجل أحداثه العاطفية والاجتماعية ~~يوما بعد يوم. وفر صفحاته ليرجع إلى عام 1925، وما حواليه حتى رقم ~~التليفون وجده. وبدافع لم يعرف كنهه امتدت يده إلى قرص التليفون ~~فأدارت الرقم القديم. وجاءه صوت: آلو. # فسأله وهو يبتسم في عبث: بيت حلاوة؟ # فأجاب الصوت بخشونة: لا يا سيدي .. هنا محل الطمبلي لبيع ~~الخيش. # | القهوة الخالية # قال محمد الرشيدي بنبرة أرعشها الحزن والانفعال: إلى رحمة الله ~~الرحيم، إلى جوار ربك الكريم يا زاهية يا رفيقة عمري، إلى رحمة ~~الله. # وانتحب باكيا، وهو ينحني فوق الجثة المسجاة على الفراش، معتمدا ~~بيمناه على الوسادة من شدة الإعياء، حتى رحمته الخادم العجوز، فربتت ~~على يده برقة، ثم أخذته منها إلى حجرة الجلوس، فأسلم نفسه إلى مقعد ~~كبير وهو يتنهد بصوت مسموع. ومد ساقيه وهو يتأوه ثم غمغم: أنا الآن ~~وحدي، بلا رفيق، لم تركتني يا زاهية؟ وبعد عشرة أربعين عاما! لم ~~سبقتني يا زاهية؟ # وعزته الخادم بعبارات محفوظة غير أن منظر شيخ في التسعين، وهو يبكي ~~منظر محزن حقا، وقد التمعت أخاديد خديه وحفر أنفه بالدموع، فغادرت ~~الخادم الحجرة وهي تجهش في البكاء. وأغمض عينيه اللتين لم يبق في ~~أشفارهما إلا آحاد من الرموش، وراح يقول: منذ أربعين عاما تزوجتك وأنت ~~في العشرين، ربيتك على يدي، وكنا سعداء جدا برغم فارق العمر، وكنت ~~خير رفيق، يا طيبة، يا إنسانة، فإلى رحمة الله. # وكان ذا صحة جيدة إذا قيس بعمره، طويلا نحيلا، واختفى أديم وجهه ~~تماما تحت التجاعيد والأخاديد، وبرزت عظامه وتحددت كأنها جمجمة، وفي ~~عينيه غارت نظرة تحت غشاوة باهتة لا تنعكس عليها مرئيات هذا العالم. ~~وأم الجنازة خلق كثيرون لم يكن فيهم واحد من أصحابه أو معارفه. ~~جاءوا يعزون ابنه أو ms30 إكراما لزوج ابنته الموظف بإحدى السفارات في ~~الخارج. أما هو فلم يبق من أصحابه على قيد الحياة أحد. وجعل يستقبل ~~الوجوه التي لا يعرفها، ويتساءل أين رعيل المربين الأول، أين الساسة ~~الحقيقيون على عهد مصطفى وفريد؟ # وعندما انفض المأتم حوالي منتصف الليل، سأله ابنه صابر: ماذا نويت ~~أن تفعل يا أبي؟ # وقالت له زوجة ابنه: ولا يجوز أن تبقى هنا وحدك. # أدرك الشيخ ما يقصدان فتشكى قائلا: كانت زاهية كل شيء لي، كانت ~~عقلي ويدي. # فقال صابر: بيتي هو بيتك، وستحل بحلولك بنا البركة. وستجيء خادمتك ~~مباركة لخدمتك. # أجل لا يمكن أن يقيم في هذا المسكن وحده. ورغم ما يبدي ابنه وزوجته ~~من شعور طيب، فهو يؤمن بأنه - بانتقاله - سيفقد الكثير من حريته ~~وسيادته، ولكن ما الحيلة؟ وكان في شبابه ورجولته وكهولته شخصا صلبا، ~~وما زال يحتفظ بوقاره ومهابته، وكم خرج من أجيال من المربين ~~والشخصيات الفذة، ولكن ما الحيلة؟ وبطرف واجم شهد الرجل تصفية مسكنه. ~~رأى أركانه وهي تتقوض كما رأى احتضار زوجته من قبل فلم يبقوا إلا ~~على ملابسه وفراشه وصوان كتبه التي لم يعد يمد لها يدا، وبعض التحف، ~~وصور لأعضاء الأسرة، ولبعض الرجال كمصطفى كامل، ومحمد فريد، والمويلحي، ~~وحافظ إبراهيم، وعبد الحي حلمي. وغادر بيته إلى مصر الجديدة في سيارة ~~ابنه، وهنالك أعدت حجرة لنومه وتأهبت مباركة العجوز لخدمته. وقال له ~~ابنه: نحن جميعا رهن إشارتك. # وابتسمت منيرة زوجة صابر ابتسامة ترحاب. روح طيبة حقا ولكنه لا بيت ~~له، ذلك كان الشعور الذي اجتاحه. وجلس على مقعده الكبير يبادلها ~~النظرات فيما يشبه الحياء. وقال لنفسه لعله لو كانت سميرة ابنته في مصر ~~لوجد في بيتها أنسا ألصق بالقلب. وظهر توتو عند عتبة الباب. ردد ~~عينيه بين أبويه، ثم جرى حتى لبد بين ساقي والده. ونظر إلى جده بتأمل ~~فابتسم الشيخ قائلا: أهلا توتو .. تعال. # ونادرا ما كان توتو يزور جده مع والده. وأحبه الشيخ كثيرا ولم ~~يقتصد في مداعبته كلما وسعه ذلك، ولكن توتو كان حادا ms31 في مداعباته، ~~فهو يحب الوثب على من يداعبه، ويهدد عينيه وأنفه بأظافره فسرعان ما ~~تجنبه الشيخ بلطف مؤثرا أن يحبه من بعيد. وأشار توتو إلى طربوش جده ~~الطويل وقال: رأسك! # يعني أن يخلع طربوشه؛ ليرى صلعته البرتقالية المستطيلة المنحدرة التي ~~جذبت انتباهه وتساؤله من أول نظرة، ولما لم تتحقق رغبته راح يشير إلى ~~أخاديد الوجه وحفر الأنف، وتتابعت أسئلته رغم محاولات والده لإسكاته. ~~وقال الشيخ لنفسه إن الطفل العزيز لن يعتقه من المتاعب، وإنه سيحتاج ~~إلى حماية، ولكن أين زاهية؟ وساعته ومنشته وسجائره كيف يحفظهما من ~~عبثه؟ وحاول توتو أن يذهب إلى جده ليحقق رغائبه بنفسه، ولكن والده أمسك ~~به ودعا خادمته، فحملته إلى الخارج، وهو يصرخ محتجا. وقال صابر: إني ~~أفرغ من عملي مساء، ثم أذهب إلى النادي أنا ومنيرة، فهل تأتي ~~معنا؟ # فقال الشيخ: لا تشغل نفسك بي، ودع الأمور تجري على طبيعتها. # وذهب صابر ومنيرة، فرحب بالوحدة ليستجم، ولكن الوحدة ثقلت عليه ~~بأسرع مما تصور. وألقى نظرة غير مكترثة على الحجرة ثم طوقته ~~الوحشة. متى يعتاد المكان الجديد؟ ومتى يعتاد الحياة بلا زاهية؟ أربعون ~~عاما لم تخل يوما من زاهية. منذ زفت إليه في الحلمية ورقصت ~~أمامها الصرافية. والبيت بفضل يدها ينعم بنظام ونظافة وعبير بخور ~~زكي. وما قيمة رمضان والأعياد بدونها؟ وخلت الجنازة من أجيال وأجيال من ~~تلاميذه؛ فهل لم يعد يذكره أحد؟ # ولم يكن كذلك حال الأصدقاء الذين ذهبوا. ولكنهم ذهبوا وكأنما يراهم ~~فردا فردا كيوم احتشدت بهم جنازة مصطفى كامل. ورغم أنه لم يعرف ~~الأمراض الخطيرة قط، فقد امتحنت المسكينة بالدنج والتيفود والأنفلونزا ~~وأخيرا ماتت بالقلب، وتركته متعلقا بالحياة كما كان دائما. وقام إلى ~~نافذة، فرأى منها بستانا كبيرا يتوسط مربعا من العمارات مكان ~~الجامع الكبير الذي كان يطالعه من نافذة حجرته بالمنيرة. ولفحته نسمة ~~هواء جافة دافئة. وعجب للصمت المريح، ولكنه أكد له وحدته. ويوم احتل ~~الإنجليز القاهرة ظفر بجواد ضال، ولكن والده خشي العاقبة فضربه ومضى ~~بالجواد ليلا إلى الخليج ثم أطلقه ms32 ، وكانت المدينة ترتجف من الخوف ~~والحزن. ورجع إلى مجلسه، فرأى عند أسفل المقعد قطة صغيرة بيضاء ناصعة ~~البياض، غزيرة الشعر وفي جبينها خصلة سوداء، فآنس في نظرة عينيها ~~الرماديتين استعدادا للتفاهم. وزاهية طالما عطفت على القطط، وارتاح ~~إلى نظرتها ثم تابعها وهي تدور حول رجل المقعد، وربت على ظهرها ~~فتمسحت بقدمه وعند ذاك ابتسم. ومسح على ظهرها فاستجابت لراحته، وخفق ~~ظهرها صعودا وهبوطا، فبشر ذلك بمودة. وابتسم مرة أخرى عن أنياب بانت ~~أصولها الطحلبية، وشملت القطة حركة متموجة من المرح. وتزحزحت قليلا ~~إلى اليسار ليوسع لها مكانا، ولكن صوت توتو المتهدج بالجري ارتفع، ~~وهو يقتحم الحجرة صائحا: قطتي. # فقال الشيخ مسلما: ها هي قطتك. # وسأله متوددا عن اسمها فقال بحدة: نرجس. # وقبض بشدة على قفاها ثم جرى بها خارجا، والشيخ يهتف به مستعطفا: ~~حاسب .. حاسب. # وإذا به قد ذهل! عجب ماذا حصل؟ وتبين أن شيئا أصاب جبينه، وقطب ~~مستاء، فارتفعت ضحكة توتو عند الباب، وهو يلتقط الكرة الصغيرة المرتدة. ~~وتحسس الشيخ النظارة ليطمئن عليها ثم نادى مباركة فجاءت بسرعة، وحملت ~~الطفل مبتعدة به قبل أن يعيد رمي الكرة. وقال الشيخ: هذا الطفل العزيز ~~مزعج وقاس، من للقطة المسكينة؟! # منذ خمس سنوات فقدت سميرة ابنته طفلا في سن توتو، فعزاها باكيا ~~وهو يقول: كان الأجدر أن أموت أنا. # وخيل إليه وهو في المأتم أن الأعين ترمق شيخوخته بدهشة، مستحضرة ~~التناقض الصارخ بين بقائه هو وذهاب حفيده في الثالثة. وليلتها قال ~~لزاهية ممتعضا: طول العمر لعنة. # ولكن ما أرقها إذ قالت له: كلنا فداك .. أنت الخير والبركة. # وعند الأصيل عاد صابر من عمله، فقال لأبيه: ما دمت لا تريد أن تذهب ~~معنا إلى النادي، فاختر مقهى في مصر الجديدة، مقاهي مدينتنا جميلة ~~وقريبة من البيت. # قد يكون هذا هو المعقول، ولكنه يحب قهوة ماتاتيا. إنها مجلسه المختار ~~طيلة دهر طويل. ومضى إلى محطة الأوتوبيس، وهو يسير إذا سار وئيدا، ~~ولكن بقامة مرتفعة، ويستعمل العصا ولكنه لا يتوكأ عليها، وكثيرون هم ~~الذين يتطلعون ms33 إليه في دهشة مقرونة بإعجاب. واتخذ مجلسه بالقهوة تحت ~~البواكي، وهو يقول لنفسه فيما يشبه المداعبة: ما بال القهوة خالية! ولم ~~تكن القهوة خالية. ولا كان بها من الترابيزات الخالية إلا عدد محدود. ~~ولكنها خلت من الأصحاب والمعارف. ومن عادته أن يرنو إلى الكراسي التي ~~حملت قديما الأعزاء الراحلين، فيتخيل وجوههم وحركاتهم، والمناقشات ~~حول أخبار المقطم، ومباريات النرد الحامية، والسياسة. قضى الله أن ~~يشيعهم واحدا بعد آخر وأن يبكيهم جميعا. وجاء زمن لم يجد فيه من ~~رفيق سوى واحد هو علي باشا مهران. وهذا الكرسي كان مجلسه. يجلس عليه ~~قصيرا نحيلا مكوما فوق عصاه، وحافة طربوشه تماس حاجبيه الأشيبين ~~النافرين، ويرمقه بنظرة هشة شبه دامعة من نظارة كحلية، ثم يتساءل: ~~من منا يا ترى سيسبق صاحبه؟ # ثم يغرق في الضحك، وكانت يداه قد استوطنتها رعشة الكبر رغم أنه كان ~~يصغره بعامين. ولما مات في الخامسة والثمانين حزن عليه طويلا، ومن ~~بعده خلت الدنيا وخلت القهوة. وها هي العتبة الخضراء تدور كعادتها أمام ~~عينيه الكليلتين، ولكنها ميدان جديد. وماتاتيا نفسها لم يبق من أصلها ~~إلا الموضع، ولكن أين صاحبها الرومي الودود، وأين النادل ذو الشوارب ~~البلقانية؟ والكراسي المتينة البنيان، والترابيزات الرخامية الناصعة، ~~والمرايا المصقولة، والبوفيه العامر بالمشروبات والنراجيل أين؟ وفي ~~ليلة شم النسيم من عام 1930 أحيل إلى المعاش. وسهر ليلتها في مسرح ~~الأزبكية هو ومجموعة من الأصدقاء حيث جلجل صوت الطرب، أما النهار فقد ~~قضوه في القناطر الخيرية محتفلين بوداعه، وألقى الشيخ إبراهيم زناتي ~~قصيدة. وليلتها شرب من الكونياك حتى ثمل، وهو يطرب للصوت المنشد «يا ~~عشرة الماضي الجميل». ولما نام آخر الليل حلم بأنه يلعب في الجنة. ~~ودعا له إبراهيم زناتي مفتش اللغة العربية بمائة عام من العمر المديد ~~في قصيدته. والدعوة يبدو أنها ستستجاب. ولكن القهوة خالية، والشيخ ~~زناتي نفسه رحل وهو ما يزال في الخدمة. واقترب النادل منه ليأخذ ~~الصينية، ولكنه تراجع كالمعتذر. فذكره بفنجال القهوة المنسي الذي لم ~~يمسه. # وعندما رجع إلى البيت وجده راقدا في ms34 السكون ، وصاحبه لم يعد من ~~النادي. ووجد عشاءه من الزبادي على خوان. وغير ملابسه في بطء وجهد ودون ~~معاونة أحد. وجلس لتناول العشاء فتذكر نرجس. لو تشاركه القطة الصغيرة ~~عشاءه؟ ما ألطف أن يوثق علاقته بها فهي ستكون أنيسه الحقيقي في هذا ~~البيت المشغول بنفسه. لعلها في موضع ما بالصالة. ومال نحو الباب ~~قليلا، وهتف: «بس .. بس». وقام فمضى إلى الخارج، وصاح: «نرجس، بس .. ~~بس ...» فجاءه النواء من وراء الباب التالي لحجرته، حيث ينام توتو ~~وخادمته. وتفكر قليلا ثم اقترب من الباب ففتحه برفق، فمرقت منه نرجس ~~رافعة ذيلها الدسم كالعلم. # ارتاح الشيخ فعاد نحو حجرته وهي تتبعه، ولكن صرخة توتو دوت غاضبة. ~~وقال الشيخ لنفسه باسما: إن الصغير لم يكن استغرق في النوم. وجاء توتو ~~جريا فانقض على القطة، ثم قبض على قفاها بشدة. وربت جده على رأسه ~~قائلا برقة: خفف يدك يا توتو. # ولكن الآخر ضاعف ضغطه حتى خيل إلى الشيخ أن نرجس ستختنق، فقال ~~برجاء: اذهب أنت، وسأحملها إلى فراشك. # ولكن توتو لم يسمع له؛ فمال الشيخ نحوه وخلصها من يده، وهو يقول: ~~سأطعمها ثم أعيدها إليك. # اندفع توتو غاضبا، ثم دفع جده في ركبته. ترنح الشيخ، ثم تراجع خطوة ~~مضطربة، ثم تهاوى فكاد يسقط على الأرض لولا أن تلقاه الجدار، والقطة ~~لم تزل فوق ساعده. ولبث في هذا الوضع المائل، لم يستطع أن يقيم نفسه، ~~ودار رأسه قليلا، وضغط على الأرض بقدمه، وعلى الجدار بكتفه لينهض ~~ولكنه عجز، وزحفت القطة فوق ساعده حتى استقرت على كتفه المرتفع، ورغم ~~دوار رأسه الخفيف أدرك مدى الخطر الذي يتهدد عظامه بالكسر. وصاح بما ~~تبقى لديه من قوة «يا مباركة». وكان توتو يصرخ وينذر توثبه بهجمة ~~جديدة. ويئس الشيخ من إنقاذ نفسه. ازداد خورا ولم يستطع تكرير النداء. ~~وتحفز توتو للوثوب إلى ملاذ القطة فاندفع بكل قوته، ولكن يد خادمته ~~أحاطت بوسطه، وقد اندفعت من الحجرة بعينين ذاهلتين من أثر النوم. ثم ~~جاءت مباركة أخيرا بعد أن أيقظها الزياط، فجرت ms35 نحو سيدها مستعيذة ~~بالله. واحتضنته من خلف وأقامته برفق وهو يتأوه حتى وقف كالتمثال دون ~~حراك، على حين وثبت نرجس إلى الأرض وفرت إلى حجرته. وبصعوبة شديدة ~~رجع الشيخ إلى مقعده الكبير معتمدا على ذراع مباركة. ومضت فترة وهو ~~صامت والمرأة لا تكف عن السؤال عن صحته. وأشار لها بيده يطمئنها، ثم ~~أسند رأسه إلى ظهر الكرسي ومد ساقيه متنهدا. وأغمض عينيه ~~ليستجم. # وفي الحال تذكر حفلة تأبين راسخة في الروح. رجع من المنصة بعد أن ~~ألقى كلمة طيبة، ثم جلس إلى جانب صديقه، ومال الصديق نحوه وسكب في أذنه ~~ثناء جميلا. لكن من كان ذلك الصديق؟ آه! .. إنه واثق من أنه سيتذكره، ~~وكم أنه مذهل أنه نسيه. قال كلمة لا يمكن أن تنسى كذلك. سوف يتذكرها ~~حتما. ودوى التصفيق والهتاف، وارتفع نواء القطط، وبكت كل عين حتى ~~الأطفال ترامى صراخها. ومال الصديق نحوه مرة أخرى وقال. وتأكد من أنه ~~سيظفر بالذكريات جميعا. # وسرعان ما استغرق في النوم. # | كلمة في السر # فؤاد أبو كبير موظف قديم أوشك أن يستوفي مدة خدمته، وهو مثل حسن ~~للموظف، مثال في اتزانه فهو محترم حقا، ودءوب على العمل، فهو حمار ~~شغل، ولم تزايله هذه الصفة يوما منذ التحق بالخدمة بالكفاءة وهو ابن ~~عشرين. وقد انطبع بالروتين حتى تغلغل في روحه وسرى في سلوكه، حتى ~~السلوك غير الرسمي، فهو يرجع إلى بيته كل يوم حوالي الثالثة، يتغدى ~~وينام حتى الخامسة، ثم يمضي إلى القهوة حوالي السادسة فيدخن النارجيلة، ~~ويتكلم في الكادر والسياسة، ثم يلعب النرد، وأخيرا يعود إلى بيته عند ~~الحادية عشرة فيتعشى خفيفا، ويصلي ثم ينام. # وهو زوج منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما، وزوجه التي تزوجها عن قرابة ~~وحب تقاربه في السن، وقد أنجب منها خمس بنات وولدا واحدا تخرج منذ ~~أعوام طبيبا، والجميع متمتعون بنعمة الحياة الزوجية الموفقة. # ولتوفيقه في الوظيفة؛ إذ حاز رضا الرؤساء وبلغ الدرجة الثالثة ~~الإدارية، فضلا عن توفيقه في الذرية، كان يخاف العين، ويتقي شرها ~~بالدعاء والصلاة، ولكنه ms36 كان بصفة عامة رجلا سعيدا، وحتى ما أصابه من ~~ضغط لم يستطع أن يفسد عليه حياته، وإن فرض عليه مضايقات في العلاج ~~وحرمانا من بعض الأطعمة الشهية. # وذات يوم شعر بنشاط غريب طارئ. نشاط غريب كأيام زمان. رباه .. نشاط ~~غريب انقطع العهد به من سنين، كأيام زمان تماما، فما الذي حدث؟ ~~وابتسم الرجل وهو يهز رأسه، ابتسم عن طاقم نضيد وهز رأسا أبيض ~~ناصعا، وعابثه النشاط في أويقات متفرقة وبخاصة عند اليقظة الباكرة، ~~وإذن فهي وثبة حقيقية لا وهم، وابتسم الرجل وأوشك أن يضحك عاليا. ولم ~~تستطع خبرته الحكومية أن تمده برأي في المسألة، وقال لنفسه: إن هذا أمر ~~غير معقول، وغير مصدق، ألم ينقض العمر؟ # ونتيجة لذلك وجد نفسه تتابع الموظفات باهتمام لم يؤثر عنها من قبل. ~~نظرة جديدة غير نظرة الأبوة السابقة، وكأنه كان يراهن لأول مرة، وخلال ~~أسبوع رأى فيهن ما لم ير طيلة عام أو أعوام، ومجرد مرور إحداهن في ~~مجال بصره أصبح كافيا لقلقلة حواسه وزلزلة قلبه، فراح يقول لنفسه في ~~ذهول: اللهم لطفك ورحمتك، ماذا جرى؟ # وخطر له وهو متربع على الكنبة قبل النوم أن يتناول زوجته بنظرة. كانت ~~الولية تستمع إلى الراديو بغير اهتمام، وجسمها مدفون في جلباب بيتي ~~فضفاض، ومنديل رأسها معقود بإهمال سمح لخصلات بيضاء مشعثة أن تبرز فوق ~~الحاجب والأذن بصورة تستحق الرثاء، وفي عينيها استكنت نظرة خاملة لا ~~تنشد إلا السلامة، ووشى شدقاها بالفراغ، إلى أن الآلام الروماتزمية ~~المتقطعة قد طبعت على وجهها علامات ثابتة كالذعر. رمقها بيأس ثم رفع ~~عينيه إلى صورة تذكارية من شهر العسل، صورة نصفية لهما ملونة، تمثلهما ~~جنبا إلى جنب في احتشام محبب لا كعرسان هذه الأيام، آه .. فوزية ~~كانت جميلة حقا، وكم كان هو بدينا فخما! وقال لها دون تمهيد وبلهجة ~~لم تخل من احتجاج: قلت لك مائة مرة: ركبي طاقم أسنان! # وضحت في عينيها دهشة تنبئ بالحقيقة التي لا يجهلها، وهي أنه لم يطلب ~~منها ذلك ولا مرة واحدة، وغمغمت والدهشة لم ms37 تفارقها : طاقم ~~أسنان! # وحقيقة أخرى لا يجهلها أيضا، وهي أن الأيام قصرت علاقتهما على ~~الزمالة والصداقة منذ بضع سنين، فكيف يمكن لهذا الوضع أن يتغير فجأة؟ ~~وكانت تجلس على نفس الكنبة على بعد ذراع منه، وفيما بين أوقات ~~الاستماع إلى الراديو تتلو آية الكرسي بصوت خافت، وبعض الصور القصار ~~التي تقيم بها صلواتها الخمس. ولفه إحساس بالغربة، ولكن قلقه الطارئ ~~العجيب كان أقوى من الغربة؛ فقال: قلت ذلك مائة مرة! وما لك تهملين ~~نفسك إلى هذه الدرجة؟! # فأوقفت التلاوة لتقول له: أمرك عجيب. # يا له من موقف! لعنة الله على المرض، وعلى الجنون! لكنك تسب الجنون ~~بلسانك فقط. هذا واضح. يا لها من مهزلة! ومد ذراعه على مسند الكنبة ~~إلى ما وراء ظهرها، ثم ربت على قفاها ضاحكا؛ فهزت رأسها متمتمة: ~~أمرك عجيب. # فهمس بعد جهد غير يسير: كأيام زمان! # فانكمشت المرأة، تزحزحت حتى طرف الكنبة، وهي تغمغم: يا عيب ~~الشوم! # ولما رآها مقوسة على خجلها أدرك مدى سخفه. وواصل اكتشافاته في ~~الوزارة والطريق والقهوة حتى احترقت عيناه. وارتدت الأعوام الماضية ~~بحرارتها الاستوائية. وهام على وجهه في مظان الهوى في الحدائق وحفلات ~~السينما الصباحية، وراح يقول لنفسه: ما أعجب هذا! .. وما أبهجه! وشعر ~~بأنه مطارد وأنه يوشك أن يضبط متلبسا، وأنه لا يستطيع أن ينسى عمرا ~~كاملا من الوقار والاستقامة وحسن السمعة. ولكنه لم يتوقف، بل ولم يعد ~~يقنع بالمغامرات النظرية، وذكر أبناءه وأحفاده. وتوهم أي فضيحة ~~كان يرعش أطرافه ويثلجها. وهل يمكن أن تعالج الأمور بالصبر؟ وما جدوى ~~الصبر وهو من صلب فلاح تزوج في الحلقة السابعة! وما جدواه وهو يشم ~~أريج الحب في كل مكان! وما عسى أن يفعل؟ وبعد تردد ثقيل فاتح أحد ~~أقرانه في القهوة بمتاعبه، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ ضحك الرجل وقال: ~~الظاهر أنك بحكم العمر انقلبت للإيمان بالخرافات. # فقال بحدة: ولكن ما أخبرتك به حقيقة لا شك فيها! # فرفع الرجل يديه بالدعاء قائلا: اللهم بارك في عقل فؤاد أبو ~~كبير! # كلا، لا فائدة ترجى ms38 من هؤلاء الفانين! وعاد يتساءل عما عسى أن ~~يفعل؟ ست آمنة. وثب الاسم من الظلمات كالشهاب. ست آمنة جارته القديمة ~~بروض الفرج قبل أن ينتقل بأسرته إلى المسكن الحالي بالسيدة. وهي صاحبة ~~الشقة التحتانية، أرملة، وقد حاولت كثيرا أن تصادق زوجته، ولكن فوزية ~~لم تستخف ظلها. ولعلها في الأربعين أو فوق ذلك بقليل، ولا تخلو من ~~وسامة، أما تأنقها المبالغ فيه فيقطع بحبها الحياة! وفي عهد الجوار ~~سنحت بينهما وقائع، ولكنه حسمها باستقامته؛ فوئدت ولم يعلم بها أحد. ~~كانت تحييه عند خروجه إذا تصادف وجودها في النافذة وما أكثر المصادفات. ~~وأكثر من مرة وهو راجع كان يراها من خلال الباب المفتوح، وهي تخطر في ~~قميص بيتي! ورغم ارتياحه الباطني الذي كان باعثه الزهو لا الرغبة؛ فإنه ~~لم يشجعها قط، زاهدا ومشفقا في الوقت نفسه من فضيحة تهز مكانته ~~المرموقة في أسرته وفي العمارة. ومرة تعرضت له أمام شقتها فحيته، ثم ~~قالت: تسمح دقيقة واحدة يا فؤاد أفندي؟ # وارتبك الرجل بشكل واضح، فقالت: لدي مشكلة أود أن أعرضها ~~عليك. # وقع في لخمة دلت على ذهوله، ثم قال بجهد: تفضلي بزيارتنا، وستجدينني ~~تحت أمرك. # ومن وقتها تجاهلته تجاهلا كاملا، وكان ذلك قبيل انتقاله إلى ~~السيدة الذي مضى عليه ما يقارب العام. اليوم تدور أفكاره حول ست آمنة، ~~ويستعيد ذكرياتها بحرارة بلغت حد الهوس. انصهرت تلك الأفكار ~~والذكريات في رأسه وهو ماض إلى روض الفرج. أجل بلغ مسكنه القديم في ~~الوقت الذي كان ينتظر فيه أن يكون في القهوة. وضغط على جرس الباب، ~~وقلبه يغوص في الأعماق. وكم ذهلت ست آمنة عندما رأته أمامها، كآخر شيء ~~كانت تتوقعه. ~~- فؤاد أفندي! # حرك رأسه بالإيجاب دون أن ينبس. ~~- خير إن شاء الله! # ثم تنحت عن الباب وهي تدعوه إلى الدخول. وجد نفسه في حجرة استقبال ~~صغيرة معبقة بعبير ورد في زهرية، على قائم معدني طويل في الركن. وغابت ~~عنه وقتا، ثم عادت آخذة زينتها ملتفة في روب أبيض يذكر بفستان ~~العرس. ولم تقتصد في إعلان ms39 اهتمامها بالزيارة مرددة: خير إن شاء الله! ~~فطار من دماغه جميع ما أعده من قول، ولكنه شعر بأنه مطالب بتفسير ~~حضوره، فقال: كنت مارا من هنا فقلت يجب أن أزور ست آمنة. # ابتسمت المرأة وهي تتمتم: خطوة عزيزة! ثم وهي تضحك: ولكنك لم تكن تحب ~~زيارتنا! # فاحمر وجهه وقال كالمعتذر: الواقع أن الظروف ... # وتوقف لا يدري ماذا يقول، ثم ابتسم ابتسامة دلت على أنه يسترد ~~توازنه، وقال: قلت مرة: إن لديك مشكلة. # فضحكت المرأة ضحكة عالية. وتبادلا نظرات باسمة فواتته شجاعة عظيمة؛ ~~فنهض ليجلس إلى جانبها على كنبة واحدة. ومد يده إلى يدها، ولكنها ~~سحبتها برقة وهي تقول: الظاهر أنك لم تفهمني على حقيقتي يا فؤاد ~~أفندي. # لهجة جادة صدمت قلبه فانكمش. وعادت تقول: لست كما تتصور، أنت قلت ~~لنفسك آمنة أرملة، وقد دعتني مرة إلى شقتها، لا بد أن تكون ... # وهتف بحماس يغطي به فتوره وفشله: معاذ الله .. معاذ الله. # فحدجته بنظرة جريئة، وسألته: إذن ماذا تريد؟ # آه .. لم يتوقع هذا. خاب سعيك حقا؟ ~~- يجب أن تعلم أنني امرأة شريفة، وتصرف بعد ذلك كما يحلو ~~لك! # رجع وهو يقول لنفسه: إن الأمر ليس بالبساطة التي حلم بها. ومع ذلك ~~فقد شدت على يده وهي تودعه، وأعربت له عن مشاعر طيبة جدا. وقالت إنها ~~تنتظر زيارة أخرى، بل وثالثة ورابعة! واضح جدا ما تريد. وحن بكل قواه ~~إلى عبير الورد، ثم اعترف بأنه فقد عقله. ووجد فوزية تعاني أزمة من ~~أزمات مرضها، فتضاعف همه. وتذكر الأبناء والأحفاد فتكدر لحد ~~المرارة. وتوكد لديه أنه لن يستطيع مواصلة الحياة في هذه ~~الدوامة. # وفي خلال شهر من الزيارة الغريبة، تزوج فؤاد أبو كبير من ست آمنة في ~~تكتم تام. # ولم يستطع بعد ذلك أن يواجه أسرته بالحقيقة، فكتب إلى ابنه الدكتور ~~خطابا مسهبا أشبه بالاعتراف، مؤكدا فيه أنه لن يتخلى عن واجباته نحو ~~أمه. وأقام في مسكن آمنة في بيته القديم، وتوقع أن يتصل به ابنه أو ~~إحدى بناته، ولكن شيئا من هذا ms40 لم يحدث، حتى خيل إليه أنه انتقل إلى ~~عالم آخر، وجعل يتخيل وقع المفاجأة في أسرته بذهول، ولكنه طرح كل شيء ~~جانبا وسلم نفسه للحب. # وبعد مرور ستة أشهر كتب فؤاد أبو كبير خطابا آخر إلى ابنه الدكتور، ~~أخبره فيه بأنه مريض ودعاه إلى مقابلته. وهال الدكتور أن يجد أباه طريح ~~الفراش، هيكلا عظميا مكسوا بجلد ذابل، ونظرة الموت تطل من ~~محجريه. هاله المنظر حقا فبهت، ولما رآه أبوه اغرورقت عيناه فانكب ~~الشاب على يده المعروقة التي ضرب لونها إلى السواد يقبلها ويبكي. ~~وجلست آمنة صامتة طيلة العناق والبكاء، ثم قالت: زاره ثلاثة ~~أطباء. # ولكن الرجل قال: أريد أن أرقد هناك. # فقالت المرأة وهي تحول وجهها جانبا: علم الله أني لم أقصر في ~~خدمته، ولكن المهم هو راحته، فإذا شاء ذهب. # عاد فؤاد أبو كبير إلى فراشه القديم هيكلا عظميا مكسوا بجلد ~~ذابل، ونظرة الموت تطل من محجريه. وأحاطت به أسرته، ولكنه استغرق في ~~النوم أكثر الوقت. وفي لحظات اليقظة كان ينقل بينهم عينيه صامتا أو ~~ينادي اسما بلسان ثقيل وصوت شخص آخر. ولم يتحسن ولكنه دخل طورا ~~جديدا يتسم بالغرابة. ومرة فتح عينيه، وكان ابنه جالسا بجوار الفراش ~~وحده، فتساءل باهتمام: ماذا حدث؟ # فسأله الشاب عن حاله فتأوه قائلا: الظاهر أني ضعيف جدا .. ولكني ~~لا أدري. # فسأله بقلق: لا تدري ماذا؟ ~~- ماذا؟! نعم ماذا؟ ولكن لم؟ هذه هي النقطة. # وساد الصمت مليا، ثم استدرك قائلا: لذلك لا أستطيع أن أقطع برأي، ~~شقي أم سعيد؟ # وأشار إليه كأنما سيفضي إليه بسر لا يريد أن يطلع عليه أحد، فقرب ~~الشاب وجهه منه فقال: عرفت كل شيء، كل شيء، حتى الهدف الحقيقي. # ثم بدرجة أدنى من الانخفاض: ورغم التصميم على عدم النسيان نسيت، ~~حقائق مذهلة ولكن ما هي؟ # وألح ابنه عليه أن يستريح، ولكنه عاد يقول: حقائق هائلة مذهلة، ~~ولكنها ضاعت جميعا. # وأغمض عينيه إعياء، ثم غمغم: كم أود أن أتذكر، ولو قليلا كي أموت ~~مطمئنا! # | الخوف # في تلك الفترة من أوائل ms41 القرن كان أهل الفرغانة أتعس الأحياء. كانت ~~عطفتهم تقع بين حارة دعبس من ناحية وحارة الحلوجي من ناحية أخرى، وكانت ~~الحارتان متنافستين متعاديتين، لا يهدأ بينهما نزاع، وقد عرف ~~سكانهما بالشراسة والغلظة والعدوان، وتسليتهم الأولى كانت العبث ~~بالقوانين والناس. # وعلى عهد جعران فتوة الحلوجي، والأعور فتوة دعبس، اشتدت بين الحارتين ~~العداوة، وسالت الدماء، وتعدد نشوب المعارك في الطرقات والجبل. # وتساءل أهل الفرغانة في جزع: وما ذنبنا ونحن لا من دعبس ولا من ~~الحلوجي؟ ذلك أنه ما إن تنشب معركة في أي مكان حتى يعصف بهم الذعر؛ ~~فيتوارى كل بما يملك أو بنفسه وراء الأبواب، ولم يكن من النادر أن ~~يشتبك الخصمان فوق أرض الفرغانة نفسها، وهناك ينعق غراب الخراب فتنقلب ~~العربات وتتحطم السلاسل وينفجر الصوات، ويصاب الأبرياء بلا حساب حتى ~~أمست الحياة في العطفة شرا لا يطاق، وفاقت خسائرهم أصحاب النزاع ~~أنفسهم، وكره الحياة منهم حتى السعداء. ويوما استغاثوا برجال الدين ~~فبذل هؤلاء أطيب ما عندهم من مسعى، حتى اتفق العدوان على تجنيب ~~الفرغانة ويلات معاركهم. وكان يوم عظيم أرخت به الفرغانة لطمأنينتها، ~~ولكن أية طمأنينة؟ .. لقد كلفتهم ما يطيقون وما لا يطيقون من حسن ~~السلوك، وطيب المجاملة، والحرص على الحياد في المعاملة حتى ضاعت في ذلك ~~أموال، وابتذلت كرامات. وكلما فاض بهم الهم فأوشكوا على التمرد ذكروا ~~الزمان الأول بمآسيه، فازدردوا الألم صابرين، ولكنهم رغم ذلك كله نعموا ~~بفترة سلام نسبي لم يعرفوها من قبل. # حتى نزلت إلى الحارة نعيمة بنت عم الليثي بياع الكبدة. # فعندما ضعف بصر العجوز، حتى لم يعد يفرق بين النكلة والمليم اصطحب ~~معه نعيمة لتعاونه في عمله. نزلت إلى العطفة وهي في مطلع سن الزواج، ~~وتصدت للمعاملة في جلباب غطاها من العنق إلى الكعبين، ولكنه وشى بقوام ~~معتدل، ونمت التصاقاته العفوية بأجزاء الجسد عن بضاضة، إلى امتياز ~~الوجه باستدارة ريانة في لون الدوم الرائق، وعينين لوزيتين في لون ~~الشهد المصفى تعبث في نظرتهما حيوية شباب مستجيبة في سذاجة للإعجاب. ~~ورمقتها عيون الشباب باهتمام، وانجذبوا ms42 إلى فرن الكبدة القائمة فوق ~~عربة اليد كما ينجذب الذباب إلى السكر. وما لبث أن قرأ عم الليثي ~~العجوز الفاتحة مع شاب بياع بطاطة يدعى الحملي. وانتظر الناس ~~الأفراح ولكنهم عندما اجتمعوا مساء يوم بقهوة التوتة - وقد سميت ~~كذلك لوقوعها تحت أفرع شجرة توت - قرءوا الكدر واضحا في وجه الرجل ~~الذابل. وسأله صاحب القهوة: ما لك يا ليثي كفى الله الشر؟ # فأجاب العجوز متنهدا: المنحوس يجد العظم في الكبدة! # تطلعت إليه الرءوس من فوق الجوز وأقداح القرفة والشاي، فقال باقتضاب ~~ذي معنى: نعيمة! ~~- ما لها؟ .. حصل من الحملي عيب؟ # فهز الرجل رأسه المعمم بلاسة منقطة، وقال: لا دخل للحملي في همي، ~~ولكن قابلني الأعور فتوة دعبس بلطف غريب، ثم قال لي: إنه يطلب القرب ~~في نعيمة! # تجلى الاهتمام في الأعين مشوبا بانزعاج، ثم سأله سائق كارو: وماذا ~~قلت له؟ ~~- ارتبكت .. وبكل صعوبة قلت: إن فاتحتها مقروءة مع الحملي، فصاح: ~~الأعور يجيئك بنفسه تقول له الحملي؟! الحقيقة أنا انذعرت. ~~- ثم؟ # فامتلأت غضون وجهه بالقرف وهو يقول: مددت يدي، وأنا لا أدري وقرأت ~~معه الفاتحة! ~~- وفاتحة الحملي؟ ~~- قابلته، واعترفت له بوكستي فحزن الولد الطيب، ولكنه لم يتكلم ثم ~~ذهب. # تبادلوا النظرات في صمت ارتفعت في رحابه قرقرة الجوز، فقرر صاحب ~~القهوة أن يخفف عن العجوز الألم، فقال بأريحية: لا لوم عليك، أي واحد ~~منا في مكانك يتصرف كما تصرفت، صل على الهادي وهون عليك. # فضرب العجوز حجره بقبضته هاتفا: ولكن المصيبة لم تقف عند هذا ~~الحد! # فتساءل صاحب القهوة ذاهلا: وهل يوجد ما هو شر من ذلك؟ ~~- بعد فاتحة الأعور بساعتين، وجدت جعران فتوة الحلوجي أمامي! ~~- يا ساتر يا رب، وماذا أراد؟ ~~- نعيمة أيضا! # وضرب صاحب القهوة كفا بكف، ثم رفع رأسه إلى سقف القهوة يخاطب ~~السماء، فقال العجوز: اعترض سبيلي كالقضاء والقدر، لم أدر ماذا أقول ~~ولا كيف أتصرف، ثم اضطررت أن أعترف له بفاتحة الأعور. ~~- يا أرض احفظي ما عليك. ~~- قال لي: يا مخرف .. يا أعمى .. أقول لك جعران تقول ms43 لي الأعور؟ ~~الحقيقة أنا انذعرت .. ومددت يدي، وأنا لا أدري وقرأت ~~الفاتحة! ~~- وفاتحة الأعور؟ # فقال العجوز في انهيار تام: هذه هي المصيبة، فأغيثوني. # وسرعان ما أدركوا أن المصيبة إنما هي مصيبة الفرغانة، وأن الخراب عاد ~~يهدد عطفتهم. وبحثوا جميعا عن حل حتى قال مقرئ أعمى: لا يمكن أن ~~تتزوج من الاثنين فهذا محال، ولا يمكن أن تتزوج من واحد دون الآخر، ~~فهذا هو الموت. # ثم خلع العمامة وحك رأسه طويلا دون أن يوفق إلى اقتراح حل، فقال ~~بياع الترمس: فلتتزوج سرا من الحملي. # فقال كثيرون في وقت واحد: ولا أبو زيد الهلالي نفسه يمكن أن يتزوجها ~~الآن. # ولما أجهد التفكير رءوسهم عبثا، قال المقرئ: ادعوا معي: يا كريم ~~الألطاف نجنا مما نخاف. # وانتبه الناس في الصباح على حركة غريبة في وكالة مهجورة بالعطفة .. ~~رأوا جماعة من البنائين والنجارين والعمال يعملون بهمة في الوكالة ~~ليعدوها لحياة جديدة. وثبتت فوق المدخل لافتة كبيرة بعنوان «نقطة ~~الفرغانة». وجاء عساكر وضابط فشغلوا المكان الجديد، وتجمهر الناس أمام ~~النقطة، فقال لهم عسكري عجوز: الحكمدارية غضبانة .. ولا بد أن تنتهي ~~الفتونة! # وقال البعض: إن الله قد استجاب لدعائهم. ولكن الطمأنينة لم تدخل ~~قلوبهم. كل ما أحاط بهم أقنعهم بأن الفتونة أقوى من الحكومة. لم يروا ~~طوال حياتهم شرطيا يتحدى فتوة على حين أن الفتوات يتحدون القانون في ~~كل ساعة من نهار أو من ليل. ولم ينس أحد كيف أن مأمور قسم الظاهر ~~استعان يوما بجعران فتوة الحلوجي على تاجر مخدرات يوناني متمتع ~~بالحماية الفرنسية، عندما علم المأمور بأن اليوناني يهدده بالقتل! كيف ~~يتأتى بعد ذلك لهذه النقطة البوليسية الصغيرة أن تقضي على ~~الفتونة؟ # وخرج الضابط الشاب بنجمتيه المذهبتين وشريطه الأحمر، وجلس على كرسي ~~خيزران جنب مدخل النقطة، ثم أرسل شرطيا إلى قهوة التوتة ليأتي له ~~بنارجيلة. كان في الخامسة والعشرين. رشيق القوام، غليظ القسمات، ليس ~~فيه ما يلفت النظر سوى رأس كبير مفلفل الشعر كأنه كتلة صوانية مصفحة. ~~نظر إلى المتجمهرين وقال ببساطة غريبة: محسوبكم عثمان ms44 الجلالي .. لا ~~تخافوا .. الحكومة معكم. # فتوددوا إليه بابتسامة بلهاء، ولم ينبس أحد بكلمة، فعاد يقول وهو ~~يتناول خرطوم النارجيلة: عيب أن يعيش الرجال كالنسوان، لا تمكنوا ~~أحدا منكم. # ولما لم يجد بادرة تشجيع واحدة، قال بشيء من الحدة دل على نفاد ~~صبره: ومن يتستر على مجرم سأعامله كمجرم. # ورمشت أعينهم في ارتباك ثم تفرقوا تباعا، كل يلوذ بالسلامة. وتجول ~~الضابط في الحي مستطلعا يتبعه بعض العساكر. طاف بدعبس كما طاف ~~بالحلوجي. وطوقته الأبصار حيثما ذهب، من النوافذ والمقاهي والأركان، ~~ارتطمت به نظرات التوجس والسخرية والحنق. ومر بالأعور فتجاهله، ومر ~~بجعران فتجاهله، ثم أطلق ضحكة مجلجلة. ولبث عثمان هادئا طيلة ~~الوقت. # وأدرك الجميع أنه يستعرض هيبة الحكومة، فعزم جعران على أن يدهمه ~~بالرد الحاسم. وعند أصيل اليوم نفسه نشب عراك دام بين الحلوجي ودعبس ~~في خلاء الدراسة، انتشرت أنباؤه كاللهب في وكالة خشب. وارتعد قلب ~~الليثي الضعيف، وسابت مفاصل الفرغانة. ونصح كثيرون الأب بأن يزوج ابنته ~~من جعران فهو الأقوى على أي حال، وخراب أهون من خراب. # وفي صباح اليوم التالي ظهر الضابط في الحارة مرتديا جلبابا كسائر ~~أهل العطفة! لم يصدق الناس أعينهم أول الأمر، ولكن هويته تأكدت بصوته ~~المعروف حين ارتفع قائلا: من كان يخشى البدلة فقد خلعتها، والآن ~~فليأت إلي الفتوات إن كانوا حقا رجالا! # وابتعد عن النقطة وحده دون أن يسمح لعسكري واحد بأن يتبعه، ولكن تبعه ~~الذاهلون من الرجال والنساء والصبية. ومضى إلى الحلوجي بثبات لم يعرف ~~عن أحد قبله، حتى وقف أمام قهوة بندق حيث يوجد جعران بين صحبه وتابعيه. ~~وقال عثمان بهدوء، ولكن بوجه تتطاير من عبوسته النذر: أمس تحديتم ~~الحكومة، ها أنا بينكم وحدي أطالب بنصيبي من التحدي، فالجدع منكم ~~يتقدم؟ # ورقص شاب يدعى عنبة ببطنه في وقاحة مزرية، وهو على بعد أذرع من ~~الضابط، فمال هذا نحوه بغتة، ولكمه في بطنه لكمة شديدة سقط على أثرها ~~بلا حراك. وذهل الجميع لجرأة لم يتوقعها أحد على حين تراجع المتفرجون ~~عن منطقة الزلازل. واستقرت ms45 الأبصار على جعران وهو متربع على أريكة ~~متلفعا بعباءته. ولأول مرة نظر جعران في وجه الضابط عثمان، ثم قال: ~~أنت غدرت بصاحب لي بلا سبب. # فصاح عثمان: استحق التأديب فأدبته، وسيأتي دورك في الحال. # قال جعران بوجه مشوه بالندوب: أنت شباب .. اذهب من أجل خاطر ~~أهلك! # فصاح عثمان: قم إن كنت رجلا وتقدم. # ولم يتحرك جعران استهزاء؛ فاقترب عثمان منه خطوات، وسرعان ما تكتل ~~الأعوان حول رجلهم وأمامه، فقال الضابط ساخرا: أرأيت أنك تختبئ وراء ~~جدار من الأنذال؟ # وهتف جعران في رجاله: ابعدوا. # فتفرقوا بسرعة كالحمام في أعقاب طلقة. ووثب جعران إلى الأرض، وكان ~~ربعة مدمج الجسد، غليظ الرقبة، ثم تساءل: أين عساكركم؟ # فقال الضابط بحنق: سأضربكم بالطريقة التي تضربون بها الناس. # وبمفاجأة صاعقة لطم جعران لطمة مهينة، فصرخ هذا من الغضب وانقض عليه، ~~فاشتبكا في صراع مميت. تلك كانت لحظة مذهلة لم تنسها الحارة حتى اليوم، ~~كالصراع الذي يروى عن الفيل والنمر. وكانت فاصلة في تاريخها كله، ~~فتغير مجراه إلى الأبد. وقرأ كل فتوة من أعوان جعران بل ومن رجال ~~الأعور مصيره فيها. # وأراد جعران بكل وحشية في دمه أن يعصر عثمان بين ذراعيه الحديديتين، ~~ولكن الضابط اعتمد على خفة الحركة واللكمات، وهو فن لم يعرفه جعران ~~أبدا. وأصابت اللكمات فكي عدوه وصدره وبطنه وأنفه المعوج؛ فصرخ في ~~جنون الغضب: ملعون الجحيم إن لم أشرب من دمك! # وصاح الرجال الذين منعتهم تقاليدهم من الاشتراك في المعركة: الموت .. ~~الموت .. يا معلم. # وارتفع الصياح والصراخ والصوات. وتجمهر الحي كله تحت القبو الفاصل ~~بين الحلوجي والفرغانة. ووقفت نعيمة ترتجف من الانفعال، قابضة على يد ~~أبيها بعصبية، وهي تصف له ما يقع مما عجزت عيناه الكليلتان عن ~~رؤيته. # ودار رأس جعران بالضربات المنهالة؛ فبطؤت حركته، وتراخت ذراعاه، ~~وشخصت عيناه إلى الغيب، وهتفت نعيمة بفرح: وقع الوحش على ~~ركبتيه. # أجل قد وقع. ثم سجد حتى انغرز رأسه في التراب فتقوس كالدب، ثم تهاوى ~~على جنبه. وارتفعت عشرات النبابيت فهتف عثمان وهو من التعب في ms46 نهاية : ~~يا نسوان! # فتراجعوا خجلين وبعضهم يصيح في وجهه: قريبا سيقرءون على روحك ~~الفاتحة. # وجعل الضابط يتجول في الأحياء بجلبابه البلدي، وأسطورته الغريبة تفرش ~~له الرمل حيث ذهب. وكلما صادف فتوة كبيرا أو صغيرا اعترض سبيله، ~~وطالبه بأن يقول على مسمع من الناس «أنا مرة.» فإن تردد انقض عليه ~~وسوى به الأرض. وفي كل يوم كانت له معارك يخوضها متحديا ويخرج منها ~~منتصرا. ولم تمض أشهر قلائل حتى رحل الفتوات عن دعبس والحلوجي، فلم ~~يبق إلا الشيوخ والنساء والصغار، أو من غض الطرف وتبرأ من الفتونة. ~~وشعر الضعفاء بأنهم يولدون من جديد، ورمقوا الضابط بعين الإكبار ~~والمحبة. # ومرض عم الليثي وفقد بصره تماما فقعد في فراشه، وسرحت نعيمة بعربة ~~الكبدة وحدها. وازدادت مع الأيام ملاحة ونضجا إلى ما كسبت من صيت؛ ~~لتنافس جعران والأعور عليها في الماضي القريب. وبين لحظة وأخرى انتظرت ~~العطفة أن تزف إلى عريس مناسب. وإذا بصبي القهوة «حندس» يهمس ذات ~~ليلة للساهرين: أرأيتم كيف ينظر الضابط إلى نعيمة؟ # ولم يكن أحد لاحظ شيئا، فعاد يقول: إنه يأكلها بعينيه. # ومضى كل يتابع نعيمة من زاويته، انتبهوا إلى أنها تعسكر بعربتها ~~عند الجدار المقابل للنقطة، وأن عثمان يسترق إليها النظرات باهتمام لا ~~يخفى على راء، وأن عينيه ترتادان مواضع الحسن في وجهها وجسدها، وأن ~~نعيمة تلون نبراتها - عند النداء - بالدلال. وفي لفتاتها وسكناتها عند ~~المعاملة جرت مناورات الأنوثة المتصدية لرجل يستحق الاهتمام. وقال قائل ~~منهم في سهرة تالية: هو يأكلها، وهي تود أن تؤكل. # فتمتم صاحب القهوة: وعم الليثي المسكين؟ # فقال بياع الترمس: من يدري؟ .. ربما طلب من العجوز القرب! # فقال المقرئ الأعمى: ليس شيء على الله بكثير. # ولكن نطقت أعينهم بمدى يأسهم. وقال شاب: هو أقوى من جعران والأعور ~~معا، ويا ويل من يقول بم! # ووقفت نعيمة في ضوء القمر، وهي تراجع حساب اليوم وتغني: # أنا قبله # كنت هبلة # ولكن تجنبها الشبان حبا في السلامة، وقالوا لا تغني بنت هكذا إلا ~~للعشق! # ولم تمض ليال حتى عاد ms47 حندس يقول: كل شيء وضح، رأيتهما أمس عند خلاء ~~شبرا. # فصاح به صاحب القهوة: اتق الله! ~~- الحمد لله، كانت واقفة أمام العربة، وكان الضابط يأكل الكبدة ~~كالوحش. # فقال المقرئ: شيء طبيعي، كما يحدث للجميع. # فهتف حندس: ولكن عند خلاء شبرا، ألا تسمع يا سيدنا؟ وترحمت على عم ~~الليثي. # ونفذ الحزن إلى الأعماق. ثم قال صاحب القهوة: أبوها عاجز، ولكنه شرف ~~الحارة كلها. # فقال بياع الترمس: الحارة أعجز من أن تدافع عن شرفها. # وتجهمت الوجوه بالخزي، وعجبوا كيف يجيء ذلك من الرجل الذي وهبهم ~~السلام، ولم يذوقوا للزنجبيل ولا للتبغ طعما. وتساءل شاب: ~~والعمل؟ # فقال المقرئ الأعمى: قل «أنا مرة!» # وانتبهت نعيمة إلى الصمت الذي يطوقها والازدراء، وجعلت تتودد إلى هذا ~~وذاك لتختبر شكوكها فارتطمت بجدار من الحنق. ولم تخش اعتداء عليها ~~وفتوة الفتوات قائم بمجلسه أمام النقطة، ولكنها عانت وحدة غريبة. ورفعت ~~رأسها في استكبار، ولكن نظرة عينيها العسليتين خلت من الروح كورقة ~~ذابلة. ولأقل احتكاك عابر كانت تنفجر غاضبة وتمسك بالتلابيب، وتسب ~~وتلعن وتصيح في وجه ضحيتها: أنا أشرف من أمك. وتربع الضابط على الكرسي ~~الخيزران يدخن النارجيلة، ويمد ساقيه حتى منتصف الطريق، وقد امتلأ ~~جسمه، وانتفخ كرشه، وتجلت في عينيه نظرة متعالية، ولكن خمد حماسه حتى ~~بدا أن نعيمة نفسها لم تعد توقظ مشاعره، والذين لم ينسوا فضله رغم كل ~~شيء تنهدوا قائلين: المكتوب .. مكتوب! # ولم تعد نعيمة تمكث في العطفة إلا أقصر وقت ممكن، ثم تسرح في الأحياء ~~ولا تعود إلا مع الليل. ولأنها ممتعضة دائما مكفهرة ومتوثبة للشجار ~~دائما، فقد قست ملامحها، وبردت نظرتها، وطبعت بطابع الجفاف؛ فركضت ~~الشيخوخة نحوها بلا رحمة. # وحتى سحرها الذي أطاح برأس الضابط قد بطل، أو هذا ما بدا للأعين ~~المستطلعة، فتهامست به أركان التوتة. # وفي لحظات الصمت ترتفع قرقرة النارجيلة في العطفة الخابية الضوء ~~كسلسلة من الضحكات الساخرة. # | الرماد # حسن السماوي شخص يثير الحنق. ولا يشذ عن هذا الرأي فيه أحد في ~~إدارة الحسابات بشركتنا. وهو قصير القامة كصبي، ولكنه ms48 عريض الصدر ~~كمصارع، ولونه أسمر داكن مشوب بصفرة، ومن عينيه الصغيرتين تطل نظرة غير ~~مأمونة، وفضلا عن ذلك فهو قريب المدير العام. وطبيعي أن نشعر بأنه ~~عين علينا، وألا نرتاح إليه لخشونة طبعه، وأن نضيق به لتمتعه بكافة ~~أنواع المكافآت التشجيعية بلا جدارة، غير أنه يحظى بالمجاملات في خير ~~أحوالها. وكان مولعا بسحر الكاتبة على الآلة الكاتبة. ظريف جدا أن ~~ترى جلفا وهو يحب، أن يجود وجهه المنفر بابتسامة رقيقة، أن يرق صوته ~~الغليظ وهو يهمس لها بكتابة ميزان الصرف اليومي. وكنا نتابع ذلك ~~باهتمام ما بعده اهتمام. ومع أننا تمنينا أن يعذبه الحب لعله يهذبه إلا ~~أننا أشفقنا من أن يفوز حقا بسحر، الجميلة الرقيقة الواعدة بكل خير ~~في مجالي الأنوثة والعمل. وثمة لحظات لا يكون بينهما حديث مما يمليه ~~العمل، فيسترق إليها نظرات حمراء من فوق استمارات الصرف، وقد يتصبب ~~عرقا، أو ينال منه الإعياء فيرتد عنها بنظرة خامدة. ويوما همس جاري ~~في أذني بنبرة ذات مغزى: آه، لو رأيت سحر وهي تبتسم خفية؟ # خطفت نظرة من سحر وهي عاكفة على الآلة الكاتبة، وأصابعها المخضوبة ~~الأظافر تعزف عليها بنشاط، ثم قلت متأسفا: نعمة لا يستحقها! # فهز رأسه نفيا وقال: ليس هذا، ولكنه برهان! # وعجبت. برهان موظف جديد التحق بالخدمة منذ أسبوعين فقط، شاب ممتاز ~~حقا، ولكن كيف أحرز هذا النجاح في هذه الفترة القصيرة؟! ورحت ~~أراقبهما في لحظات الفراغ حتى لمحت ابتسامة يتبادلانها، لا شك في ~~معناها. وتوقعت أحداثا، وانتقل الخبر في سرية تامة من شخص لآخر حتى ~~استقر عند رئيسنا الكهل الذي يدنو من سن المعاش. ولم يعد الأمر تسلية، ~~فحسن السماوي ليس جلفا فقط، ولا قريبا للمدير فحسب، ولكنه أيضا من ~~أقاصي الصعيد، من أرض عرفت بأنها ترتوي بدماء البشر، فذهبنا في ~~التخمين كل مذهب. # ومرة اهتزت الإدارة بصوت حسن السماوي، وهو يرتفع بحدة كأسنان المنشار ~~قائلا: الحكاية أن عقلك ليس في رأسك! # واتجهت صوبه الأنظار من جميع الأركان، فإذا به متحفزا فوق مقعده ~~يرمي بنظرة ms49 حاقدة برهان الواقف أمام مكتبه. # وقال الأخير بصوت المعتذر: هفوة لا خطورة لها، والاستمارة لم ترسل ~~بعد إلى المراجعة. # فصاح السماوي: هفوة أو جريمة هذا تقديري أنا لا أنت، الحقيقة أن عقلك ~~ليس في رأسك! # ورمى بالاستمارة بصورة تدعو إلى الاستفزاز، ثم صاح بالشاب وهو راجع ~~إلى مكتبه: هنا شركة لا تكية! # اصفر وجه برهان من التأثر، ومضى يعيد تحرير الاستمارة، لكن أثر ~~الهجمة الحاقدة انعكس على سحر بدرجة أشد فيما خيل إلي، وضح تماما ~~أن سرعتها المألوفة في الكتابة تعثرت، وأنها تمعن النظر في الكلمات ~~ولكنها لا تقرأ شيئا. ووضح كذلك أن السماوي رأى شيئا رابه أو حطم ~~آماله. ولعله ضبطه قبيل انفجاره بثوان فهو لا يكتم انفعالا، ولكن هل ~~يظن أنه بالغ مراده بالقوة؟! وأخذ يطاردها في الطريق كما قال الرواة. ~~ورئي وهو يحادثها في محطة الأوتوبيس. ولم ندر بطبيعة الحال كيف ينتهي ~~عناده؟ وتعلقنا جميعا بأمل واحد آمنا بأن به وحده تتحقق العدالة ~~الإلهية في إدارتنا. وقال جاري: ألم تعلم؟ لقد قابل عمها، وهو ولي ~~أمرها ليطلب يدها. # سألته بلهفة: والنتيجة؟ ~~- الاعتذار. # ثم مستدركا بفرحة غير خافية: فشل في البيت بعد فشل في ~~الطريق؟ # وبات غرام السماوي مشكلة إدارتنا. وزاد طبعه سوءا على سوء. عامل ~~برهان معاملة شاذة اتسمت بالاستفزاز والتحدي والتربص، حتى آمن الشاب ~~بأنه لا مستقبل له في شركتنا. أما معاملته لسحر فجرت على أسلوب مضطرب ~~مذبذب، فتارة يعاملها بفظاظة ويغلظ لها في القول، وتارة يستميلها ~~برقة وعطف، ثم يعود إلى الأولى، ولا يستقر بحال على حال. وكلما زاملت ~~الصبر أحرقه الحقد، وخنقه اليأس. وقال مرة دون مناسبة أذكرها: عندنا ~~تعامل المرأة كالحيوان؛ ولذلك يقال عنا إننا خير من يفهم ~~النساء. # ولم تسكت سحر، فقالت بسخرية: هذا عندكم! # وضحكنا جميعا حتى هو ابتسم ابتسامة صفراء، ولكنه عاد يقول: صدقوني ~~إننا نعاملها بما تستحق. # وعرف أن برهان يسعى إلى الانتقال إلى شركة أخرى، وأنه من غير ~~المستبعد أن تمضي سحر في أثره. وذات صباح لاحظنا أن ms50 برهان لم يحضر. ~~ومضى النهار دون أن نتلقى بلاغا باعتذاره كالمتبع. وكذلك مضى اليوم ~~الثاني. وفي اليوم الثالث جاءتنا رسالة تنبئنا بوجوده في المستشفى ~~للعلاج حيث وقع عليه اعتداء أثيم، وزرناه جميعا. وجدناه في جناح ~~الجراحة مجبس الذراع والساق، ملفوفا بالأربطة البيضاء لا يبدو منه إلا ~~عينان خابيتان. وسرعان ما أمرنا بمغادرة الحجرة، فلبثنا مع شقيقه في ~~الاستراحة وقد تملكنا شعور بالرهبة والخطورة. # ولم يكن أدلى بأقواله بعد، ولكن شقيقه أخبرنا بأن مجهولين اعتدوا ~~عليه بالعصي وهو راجع إلى بيته ليلا، ثم لاذوا بالفرار دون أن يتعرف ~~على شخصياتهم أحد. والراجح أنهم كانوا من حملة الجلابيب، وأن ~~الاعتداء والهرب كانا مفاجأة صاعقة، وأن الظلام كان كثيفا آخر الليل، ~~هكذا قرر الشهود القلائل. ومع أن أفكارنا تلاقت عند ظن واحد إلا أن ~~أحدا لم يجهر به بسبب وجود حسن السماوي بيننا. وقد علق على ما سمع ~~قائلا: هذه حال من الفوضى لم يسمع عنها من قبل. # ثم سأل شقيق برهان: أله أعداء؟ # فنفى الرجل أنه يعرف له أعداء، وأمل في مزيد من الوضوح عندما يستطيع ~~برهان أن يدلي بأقواله. وعدنا جميعا واجمين، وقد احمرت من البكاء عينا ~~سحر. # ولما أدلى برهان بأقواله استدعي حسن السماوي إلى التحقيق. وبدا أنه ~~استبشع التهمة بكل قوة. واستمرت التحريات طويلا، ولكنها لم تسفر عن ~~شيء. وكان على برهان أن يبقى في المستشفى طيلة شهرين أو أكثر. وسألني ~~جاري ممتعضا: ما جدوى هذه الحياة؟ # وحل بإدارتنا وجوم كئيب مشحون بالسخط الصامت، أكده باستمرار وجود سحر ~~بيننا. وبطريقة أو بأخرى أعلنت وجوهنا وألوان سلوكنا عن باطننا. ولم ~~نخرج في معاملته عن حد الأدب والمجاملة، ولكن تجهم أرواحنا حاصره ~~بغضب بشري رهيب. ونزل عن كبريائه، فجعل يباسطنا في الحديث أو يضاحكنا ~~لأوهى مناسبة كأنما ليسبر مدى ظنونه ومخاوفه، فكنا نجاريه في تكلف، ~~وسرعان ما يسيطر الصمت. ولم يعد يتحملنا فهتف مرة دون مناسبة ظاهرة: ~~أنا لا أخشى أحدا، ولكنكم مخطئون! # وتساءل رئيسنا في دهشة: ماذا تقصد يا سيد ms51 حسن ؟ # فقال بعصبية: أنت تعلم وهم يعلمون، ولكني لا أخشى أحدا! # وتضاعف حنقنا عليه، وتمنى بعضنا أن يراه جثة هامدة. وبدوره قاطعنا، ~~ولكنه كان إذا اشتبك معنا في حديث بسبب العمل تحدانا بجده أو بسخريته. ~~وبمرور الوقت بدا كأنه قدر على تجاهل عواطفنا. بل وعاد إلى التقرب من ~~سحر بالابتسامة الكريهة أو الكلمة، رغم أنها كانت تتصدى له في نفور ~~متصلب كالديك المتحفز. ونجح في امتلاك زمام نفسه، وجرت حياته بصورة ~~طبيعية شهدت له بقوة الأعصاب. وأخبرني جاري - نقلا عن سحر نفسها - أنه ~~قال لها إنه بريء مما تظن، وإن نقطة ضعفه الوحيدة أنه يحبها، وأنه مصمم ~~على أن يتزوج منها! والظاهر أنه لم يظفر بأية استجابة إذ صبحنا يوما ~~بأن سألنا: هل قرأتم الحكاية؟ # وراح يقرأ في الجريدة نبأ حادثة وقعت في المنيرة؛ إذ قتل شاب جارته ~~بعد أن يئس من حبها! وكنا قرأنا الخبر، ولكن إعادته على أسماعنا بلهجته ~~الصعيدية المتشفية أثارتنا إلى أبعد الحدود. أدركنا أن إفلاته من ~~التهمة زاده على عكس المتوقع فجورا، وأنه من طبيعة شرسة لا تقف عند ~~حد. ماذا يقصد بتلاوته؟ ومتى تدركه العدالة التي لا نتصور أن تهمل ~~أحدا من الطغاة؟ وقلت معلقا على الحادثة: أهلك الفتاة وأهلك ~~نفسه. # وقال رئيسنا الكهل: إني أعجب كيف يزهق إنسان روحا بشريا؟ # فأجاب السماوي متهكما: ذلك أنك لم تعرف الحب! # واستقرت إلى سحر نظرة فرأيتها منكبة على العمل، ولكن بوجه مكفهر. ~~وكأني أدركت للصواعق والزلازل والبراكين معنى جديدا لأول مرة. ورفع ~~الغطاء عن وجه زميلنا برهان معلنا عن منظر لا ينسى. تحطم عرنين ~~الأنف، واختفت قطعة من شفته السفلى عند الثنيتين. وتركت الخياطة الطبية ~~بوجنته اليسرى طابعا كأثر الاحتراق. وفي كلمة ضاع بها شبابه كأن لم ~~يكن. وعاد إلى عمله محطم النفس، فملأ قلوبنا بالشجن. وما عتم أن غادرنا ~~إلى عمل آخر. ولبث حسن مصرا على هدفه لا يثنيه عنه صد أو يأس. ~~وكثيرا ما كانت سحر تضيق بملاطفاته حتى صاحت به مرة وهي تتسلم ms52 منه ~~رسائل ومذكرات: لا تحدثني هكذا من فضلك! # والتفتنا نحوهما بوجوه غير متسامحة، فتراجع قائلا: آسف، أنت لا ~~تفهمين قصدي. # فمضت عنه وهي تقول بتحد: أنا لا أخشاك .. لا أخشى شيئا! # ولكن شيئا لم يكن ليصرفه عن التعلق بها، وتساءلنا بقلق هل نفاجأ بما ~~ليس في الحسبان؟ وناقشنا الموضوع حول مائدة الغداء بمنزل رئيسنا الكهل. ~~سألت: هل يقدم على قتل الفتاة؟ # فأجاب جاري: إنه لا يتورع عن شيء. # وإذا بزميل يقول: أخشى أن ينتهي بها النضال إلى القبول! ~~- القبول؟ ~~- لم لا! إنه لا يريد أن ينهزم، والمرأة كما يقولون لغز. # وسألت رئيسنا عن رأيه فأجاب: إني أومن بالله، ويتجدد إيماني به عند ~~كل صلاة. # فسألته: وهذه الفوضى؟ # فكان جوابه أن ابتسم دون أن ينبس، ثم قدم لي تفاحة! # وبدا حسن السماوي فيما تلا ذلك من أيام هادئا، أو راضيا، أو ~~مستسلما، كأنما قد انتهى من نضاله إلى خاتمة. ويوما قال لنا: حضراتكم ~~مدعوون لحفل خطوبتي. # ودق قلبي. ولا شك أن سؤالا واحدا محيرا دار برءوس الجميع. ~~وجعلنا نختلس النظرات إلى سحر، ونعاني حزنا كاليأس من مصير الإنسان. ~~والتفت السماوي نحو سحر أيضا، وابتسم، ثم هز رأسه كالمتسائل، ~~فابتسمت بدورها وقالت: بكل سرور ولكن أرجو أن تدعو برهان أيضا ليوصلني ~~عند نهاية الحفل إلى البيت. # وتنهدت قلوبنا في ارتياح عميق. # واختلست منه نظرة بعد أن تحولت عنه الأعين، فرأيت الوجه الأسمر ~~الداكن يقطر يأسا كالموت. # | الختام # علام يسري - مراقب عام الوزارة - في غاية من السعادة. استدعاه ~~الوزير، وقال له: اتخذ فورا إجراءات تعيينك وكيلا مساعدا ~~للوزارة. # وقام من مجلسه أمام مكتب الوزير، فانحنى امتنانا ورأسه يدور من ~~الذهول، ثم قال: ما أعجزني عن الشكر! ولكن أرجو أن أكون عند حسن الظن ~~بي. # فقال الوزير: أنت رجل كفء، أما سمعتك الطيبة فحقيقة أجمع الناس ~~عليها. # ووجد علام يسري نفسه في غاية من السعادة، فامتلأ حبا لكل شيء، ~~ورضى عن كل شيء. وكانت له ابنة وحيدة في العشرين من عمرها ومن ~~خريجات الجزويت، ms53 وقد تقدم لخطبتها أخيرا قاض شاب، وبذلك وضح ~~تماما أن رسالته في الحياة تتم على أكمل وجه يحلم به إنسان. وجاءه ~~مدير مكتبه بأوراق العرض، ثم قال عندما هم بمغادرة الحجرة: عبد ~~الفتاح حمام ما زال يلح في طلب المقابلة. # فقطب المراقب العام قائلا: وقتي ضيق كما ترى، اسأله عما يريد، وإن ~~كان لديه طلب فحوله إلى جهة الاختصاص. ~~- ولكنه يلح في طلب المقابلة دون ذكر أسباب، وقد طردته أكثر من مرة ~~من مكتبي، ولكنه يعود بإصرار، ويكرر أن لديه ما يقوله لسيادتك ~~شخصيا. # واضطر إلى أن يحدد له وقتا للمقابلة وهو كاره. وجاء عبد الفتاح ~~حمام يسير في خطوات متهيبة وهو غاض البصر، وانحنى بإجلال وهو يقول: ~~صبحك الله بالسعادة يا سيادة المراقب. # ولفت نظر المراقب بقصر قامته، وبروز صدره بروزا غير طبيعي، ولونه ~~الشاحب، وشعر رأسه الأسود الغزير. وسأله وهو يداري غيظه: لماذا تصر ~~على تضييع وقتي؟ # وتهيأ عبد الفتاح للكلام فأضاع ثواني بارتباكه، فهتف المراقب العام: ~~متى تجود يا ترى بالكلام؟ # فاشتد ارتباك الشاب كما تجلى في احمرار وجهه، وقال بعجلة واندفاع ~~كأنه يقذف بنفسه في الماء في أول تدريب يخوضه: أنا موظف ملفات الخدمة ~~بالمستخدمين، وقد رجعت إلى ملف سعادتك لمناسبة إعداد البيان التمهيدي ~~للتعيين الجديد، مبارك يا فندم، الموقف أنساني ما كان يجب أن أبدأ ~~به. # وازدرد ريقه متوقفا عن الكلام، فتساءل المراقب العام: ألهذا تطلب ~~مقابلتي؟ ~~- كلا يا فندم، ولكني بالرجوع إلى ملف سيادتك اطلعت على شهادة ~~الميلاد. # آه. شهادة الميلاد! وانتزعه الماضي من حاضره بجذبة واحدة قاسية، ~~ولكنه لم يصدق. وتساءل ببرود: نعم؟ ~~- اطلعت عليها، فوجدت بها شيئا غير طبيعي. # إذن هو ذلك! لا يمكن أن يصدق. ولكنه حقيقي كجثة مطمورة اكتشفت فجأة. ~~وقاوم من خلال شعور بالإعدام، فتساءل: ماذا تقصد؟ # فقال عبد الفتاح بشيء من الهدوء الأول مرة: يوجد «تحوير» في ~~الشهادة. ~~- لا أفهم! لعله تصحيح أو شيء من هذا القبيل؟ ~~- من يدقق النظر لا يشك أنه ... # وخرقت أذنه الكلمة غير المنطوقة. ms54 وشعر بيأس كالموت. أما الآخر فقال: ~~رأيت أن أرجع إلى سيادتك قبل أن أكتب مذكرة عن الموضوع لمدير ~~المستخدمين. # على أي حال يجب ألا ينهار أمام خصمه. لقد قضى عليه ولكنه يجب أن ~~يتماسك وأن يتجلد فمن يدري؟ واكتظ قلبه بالكراهية، ولكن ما الحيلة؟ ~~واليوم موعد اجتماع لجنة الميزانية، ويجب أن يبدو كل شيء طبيعيا. ~~وسأله: هل دققت النظر؟ ~~- نعم، كان يمكن أن أكتفي بمراجعة صحيفة الأحوال، ولكني إخلاصا مني ~~لعملي أراجع الوثائق الأصلية، ولا أدري كيف وقع بصري على ... # آه، إنه لا يدري كيف! وفاض قلبه باليأس والكراهية، لولا الترقية ~~المنتظرة لرقدت الشهادة في أمان حتى نهاية الرحلة الوشيكة، على أي حال ~~لا يجوز أن ينهار أمام عيني خصمه. # وسأله: وبعد؟ ~~- قلت أرجع أولا إلى سيادة المراقب العام. ~~- إني أشكر لك تصرفك، ولو أن ... # ودق جرس التليفون فإذا بوكيل الوزارة يطلبه؛ فنهض منزعجا خشية أن ~~يخونه صفاء الذهن الضروري للمقابلة. وقال من خلال عالم مقوض الأركان: ~~اسمع يا بني، أنا الآن مشغول جدا فلنؤجل الحديث. وعندي لجنة ميزانية ~~بعد الظهر فموعدنا الغد، إن أقوالك غريبة وغير مفهومة لي ألبتة فلنؤجل ~~مناقشتها إلى غد. # وفي الطريق إلى مكتب الوكيل غاب تماما عما حوله. وتطلع إلى الأمام ~~بنظرة ذاهلة منقبا عن القوة المدمرة الساخرة. متى يغمض له جفن؟ وتمنى ~~أن يتغيب عن لجنة الميزانية ليصفي حسابه مع معذبه، ولكنه جفل من مجرد ~~التفكير في ذلك. إنه اعتراف خطير سيعجل بالقضاء عليه. ولكن هل انتهى ~~حقا؟ # وغادر الوزارة عقب مقابلة الوكيل. استقل سيارته الأوبل التي يسوقها ~~بنفسه، وعند خروجه من باب الوزارة لمح عبد الفتاح حمام واقفا أمام محل ~~صغير لبيع الفول يتناول سندويتش. التقت عيناهما لحظة ريثما انعطف إلى ~~الطريق، وقد خفق قلبه في رعب حقيقي، ثم اشتعل بالكراهية، لعله ينتظره! ~~لعله مجرم محترف! لقد انتهى حقا. # وفي البيت كان حديث الأفراح يتردد في أكثر الأوقات. عن العريس والحفل ~~يتكلمون، عن الحلي والملابس والجهاز لا ينقطع الحديث. ومنى سعيدة جدا ~~ومثلها ms55 أمها ، وسرعان ما ينخرط في همومهم الممتعة ويدلي برأيه في كل ~~شيء. ولكنه حصن نفسه هذه المرة بقوله: الظاهر أني متوعك اليوم، ~~أعفوني من الكلام ومن الطعام. # بذلك حصن نفسه ضد الأعين المتفحصة، وشرب كوبا من البرتقال ثم آوى ~~إلى فراشه. وسعادة منى المتجلية لم تبرح مخيلته فعذبته عذابا أليما. ~~وقال لنفسه بأنه لن يسمح لقوة بالغدر بهذه السعادة. واستعرض في لحظات ~~حياة طويلة، طابعها الجد والأمانة والاستقامة. # علام يسري مثال طيب حقا في وسط ملعون. وذلك الخطأ الذي ارتكبه ~~منذ خمسة وثلاثين عاما ينفجر على غير انتظار كلغم منسي. وقد ارتكبه ~~ليقبل في المعهد، وحتى لا تضيع آماله هباء. لم يكن مغامرا ولا ~~مستهترا بالمبادئ، ولكن اغتاله الضعف والأمل. كان موقفا رهيبا عندما ~~قدم أوراقه. فنظرة مدققة من عين المسجل كانت كفيلة بنبذه من المجتمع. ~~وآمن بأن جريمته قد دفنت في الملف إلى الأبد، ولكنه لم ينس أنه ~~سيغتال الحكومة في عامين من مدة خدمته. ولم يرحه ما قدم من عمل مجد ~~واستقامة، فعزم على طلب الإحالة على المعاش عندما يحل موعده الحقيقي ~~الذي لا يعلم به أحد سواه. أجل طالما ذكر نفسه بذلك، ولعل مرض القلب ~~الذي انتابه منذ أعوام كان نتيجة لحدة شعوره بالشوكة الخفية المنغرزة ~~في ضميره، وقد تسلل عبد الفتاح حمام إلى حجرته ليقوض بنيانه بلطمة ~~واحدة، وجعل يتطلع إلى فراغ الغرفة منقبا في ذهول عن القوة المدمرة ~~الساخرة! # وذهب إلى مكتبه مبكرا في اليوم التالي، ثم استدعى الشاب إلى ~~مقابلته، وبمجرد أن رآه وهو يقترب من مكتبه في أدب كاذب، وثبت في باطنه ~~رغبة جنونية في الانقضاض على رقبته الغائرة بين كتفيه وخنقه. غير أنه ~~رمقه بنظرة طبيعية هادئة، كأنما لم يؤرقه ليلة كاملة وقال: لنعد إلى ~~حديثك الغريب، الحق أنه يهمني أن أعرف كل شيء. # وجلس عبد الفتاح في خضوع، وأعاد على مسمعه خلاصة ما قاله أمس، فسأله: ~~ألا يجوز أن تكون واهما؟ # فأجاب بهدوء معذب: الواقع أنني لم أصدق عيني بادئ الأمر، ms56 دققت ~~النظر طويلا، ولكي أقطع الشك باليقين، رجعت إلى شهادة المعاملة الخاصة ~~بالإعفاء من التجنيد، فتأكد لدي أن ثمة فارقا في العمر بين الشهادتين ~~مقداره عامان. # وساد صمت أليم. غض المراقب عينيه في استسلام نهائي، وهو يتأذى ~~بنظرة خصمه على صفحة وجهه. إنه يطالبه بثمن السكوت. وعندما ينطق الصمت ~~بما يضمره سيتردى في هوة الجريمة، وهو في كامل وعيه بما يصنع هذه ~~المرة. سيخطو الخطوة الأولى في طريق قذرة لا نهاية لها. أجل لا نهاية ~~لها. وأسر لا قرار له. آه! أما من وسيلة لدفنه؟! وسأله: وبعد؟ # ارتبك الشاب قليلا، ثم قال: قلت يجب أن أخبر سيادتك أولا. ~~- وثانيا؟ # إنه ينظر في الأرض؛ ليخفي انفعالاته الشريرة. إنه لا يريد أن يموت ~~ولا أن يختفي كشبح! ~~- ألا تريد أن تتكلم؟ # ولما لم يسمع منه جوابا سأله بصوت غريب في نبرته: ماذا تريد؟ # وبصوت ضعيف أجاب: لا شيء إلا ما يرضيك، لم أقصد إلا أن أؤدي خدمة لك، ~~أنت رجل نبيل، وسأترك أمري لتقديرك. ~~- تكلم أرجوك. ~~- أنا آسف جدا لموقفي هذا، ولكنها .. ولكنها فرصتي الوحيدة. ~~- وهي؟ # قال بضبط نفس أكثر: يا سيادة المراقب أنت أدرى. # قال وهو يشعر بذل لم يشعر بمثله من قبل: ما ترتيبك في ~~الأقدمية؟ ~~- لا أمل لي في ترقية بالأقدمية، علي أن أنتظر خمس سنوات. ~~- وإذن؟ # فقال بجرأة أوضح: هنالك أكثر من طريق. # فقال المراقب بلا وعي تقريبا: هذا يورطني في تصرفات طالما عففت ~~عنها. # وتبادلا نظرة انكسر لها قلب الرجل. تألم بلا حدود. إنه يسخر من ~~تعففه ومن حياته جميعا. # ولم يعد يطيق رؤيته فقام مادا له يده. تصافحا ثم غادر الشاب الحجرة ~~دون أن ينال وعدا صريحا، ولكنه بدا مطمئنا كل الاطمئنان. وارتمى على ~~مقعده وهو يقول لنفسه إني مريض. ما بي هو مرض بكل معانى الكلمة. وعندما ~~غادر الوزارة بسيارته لمح عبد الفتاح بموقف الأمس أمام محل الفول. ~~وانعطف بالسيارة دون أن ينظر نحوه. غدا سيتبعه كظله وسيقع هو تحت ~~رحمته. ودفع السيارة نحو أطراف ms57 المدينة بلا هدف، وكان تلفن إلى ~~أسرته بأنه لن يعود قبل المساء. يجب أن يخلو إلى نفسه، وأن يبت في ~~أمره بلا تردد ودون إبطاء. أيسقط في الهاوية أم لا؟ هل يسلم نفسه ~~أسيرا مدى العمر أو يرى حلا آخر؟ وكان ينطلق بسرعة غير عادية، ~~ويحاور الشاب طوال الوقت. أتحسب أنك ملكت كل شيء؟ أنا أقول لا فما أنت ~~صانع؟ أجل نحن في الخلاء حقا، كورنيش النيل، ألا تحب هذا المنظر ~~الخلاب؟ لعلك خائف، أرأيت؟ كان ينبغي أن أكون أنا الخائف لا أنت أليس ~~كذلك؟ لا .. لن يفيدك الصراخ. مت كحشرة. وشدت قبضته على عجلة ~~القيادة بقوة فظيعة. ستطرح هنا وحيدا بلا أدنى أمل. ولكن ما أسخف ~~التخيلات! سيلقاك عبد الفتاح غدا ليسمع رأيك الأخير. وزاد من السرعة ~~في شبه خلاء تام. رأيك الأخير. بالقبول مع الأسر أو الرفض مع الفضيحة. ~~وفي الحالين لا يمكن أن تنسى كرامتك. ومن غير الله يمكن أن ينتشلك من ~~مأزقك الخانق؟ ودعا ربه طويلا حتى اغرورقت عيناه. ~~••• # ووقع حادث أسيف في طريق الكورنيش! # وقال المحزونون: جرى القضاء عليه، وهو يترقب سعادتين: ترقيته وزواج ~~كريمته. # | سوق الكانتو # غاص حسونة في سوق الكانتو متأبطا لفافة كبيرة من الورق. كانت شمس ~~الصيف الحامية تلهب الجموع الحاشدة، وقد اصطفت على الجانبين عشرات من ~~عربات اليد مثقلة بالملابس والأوعية والأواني والأدوات القديمة. قصد ~~حسونة عربة رمضان، ولكن منعه من الوصول إليها سياج من الجلابيب ~~والملاءات اللف، ولم يجد صياحه في اختراق هدير صاخب من أصوات ~~النداءات والمساومة والسب. ورصده حتى التفت ناحيته، فصرخ بأعلى صوته: ~~يا معلم رمضان! # انتبه الرجل إلى مصدر الصوت؛ فلوح له حسونة بذراعه صائحا: معي ~~هدية! # وشق رمضان طريقه إليه بجهد قاس حتى بلغه، ثم سأله: بيع أم ~~شراء؟ # فضحك حسونة عن أنياب كالأسياخ، وقال: ربنا لا يقطع لنا عادة. ~~- ما معك؟ ~~- جاكتة. # وضح الاهتمام في وجه رمضان، فتناول اللفافة ثم استخرج الجاكتة ~~ليتفحصها. جاكتة رمادية في حالة جيدة كبيرة الحجم حتى لتصلح معطفا ~~لحسونة. ms58 وسأله بلهجة ذات معنى: من أين؟ # فأجابه وهو يغمز بعين حمراء: اطمئن. # ودس رمضان في يده ورقة من ذات الخمسة والعشرين، وهم بالرجوع، ~~ولكن حسونة تعلق بذراعه وهو يقول: عملي ليس نزهة، ليس نزهة. # وبعد دفع وجذب رمى له بخمسة قروش بحركة نهائية قاطعة، ثم شق طريقه ~~مرة أخرى إلى عربته. # وجال حسونة في أطراف السوق فابتاع أربع سجائر، ورغيفا، ولحمة رأس، ~~ثم مضى إلى جدار المرحاض العمومي فجلس في ظله، وراح يدخن سيجارة ~~بهدوء مؤجلا الأكل إلى حين. شنكل! تخيل وجهه القاسي ورأسه المشوه ~~بالندوب. وارتعد جسمه الضئيل. لو شك في لحظة واحدة انتهيت. # وتناول طعامه، ولكن وجه شنكل سد حلقه. # وفي الليل لبد عند المنور يتنصت. وسمع صوت شنكل وهو يسأل بغلظة: أين ~~الجاكتة يا ولية؟ # فأجابت المرأة: لم تلمسها يدي. ~~- زارك أحد؟ ~~- أبدا. ~~- خرجت؟ ~~- أبدا. ~~- عفريت أخذها؟ ~~- ربنا يعلم. # وترامت إليه دمدمة عراك فارتعد في مكمنه. ~~- يا مجنون .. يا وحش. ~~- تعضينني يا كلبة؟ ~~- يعني أموت وأنا ساكتة؟ .. ما قيمة جاكتة؟ ~~- يا خرابي، فيها ما يساوي تعب عمر يا مجرمة. # ابتعد حسونة عن المنور، وهو يغمغم في ذهول: «تعب عمر!» انتقل من سطح ~~الربع الذي يسكنه شنكل إلى السطح الملاصق له قاصدا غرفته الخشبية. تعب ~~العمر؟! ولكن كيف! لقد فتش الجيوب جيبا جيبا فلم يعثر على شيء! ~~البطانة. أجل البطانة. ولكن كيف كان له أن يتخيل ذلك؟! يجب أن يعثر ~~على رمضان بأي ثمن. ولكن هل يرتاب شنكل في أمره؟ هل يتصور أن خروفا ~~يجرؤ على اقتحام عرين الأسد؟ إن عمره يعد بالدقائق إذا لم يحصل على ~~تعب العمر، ويرحل عن البلد. # وغادر ربعه للبحث عن رمضان. وجد سوق الكانتو خاليا إلا من شعاع ~~خافت ينبعث من مصباح عمومي في أقصى طرفه الشمالي. ولم يعثر له على أثر ~~في قهوة الجوهري، ولا في مجلسه بسوق الخضار، ولا في غرزة أم الغلام. ~~أتراه يعد النقود في بيته؟ ولما لم يكن يدري أين مسكنه فقد رجع إلى سوق ~~الكانتو عازما ms59 على قضاء الليل فوق الطوار، ليكون أول مستقبل له في ~~الصباح. # وجلس القرفصاء أقرب ما يكون إلى المصباح. ضيعت ثروة يا حسونة الكلب. ~~ولكن من كان يصدق أن شنكل يترك ثروة في باطن جاكتة مسروقة؟ وسمع وقع ~~أقدام تقترب، فنظر نحو الظلام فرأى شبحا قادما. وعندما دخل القادم ~~مجال الشعاع وضحت معالمه بعض الشيء فإذا به شنكل! ملأه الرعب فانتتر ~~واقفا بلا وعي، فعرفه الرجل ورماه بنظرة سمرت قدميه في موضعه: ~~حسونة! # فقال بصوت متهدج: نعم يا معلم. ~~- ما لك مكوما كالزبالة! ~~- رأسي ثقيل، فقلت أنام في الهواء. # وصفعه كأنما يجود عليه بإحسان، وسار في طريقه. لم يصدق عينيه، وتبعه ~~بنظره حتى اختفى وهو لا يصدق عينيه، كلا، إنه لا يشك فيه؛ وإلا ما أعلن ~~عطفه بتلك الصفعة! ما أعمى الخوف! أليس هذا بطريقه الذي يخترقه كل ليلة ~~إلى سوق الخضار؟ وتنهد في إعياء ثم تداعى على الأرض. # واستيقظ مبكرا والحياة تدب في السوق. وما لبث أن رأى رمضان قادما ~~يدفع عربته، هرع إليه بلا تدبير وقال بلا تمهيد: معلم رمضان، أين ~~الجاكتة؟ # رمقه الرجل بازدراء وهو يتمتم: «يا فتاح يا عليم.» لما كرر الآخر ~~سؤاله بلهفة أحد سأله: لم تسأل عن شيء لا يخصك؟ ~~- الجاكتة يا رمضان؟ ~~- عليك عفريت اسمه جاكتة؟! بعتها. ~~- بعتها! يا خبر أسود، بعتها يا رمضان؟ لمن؟ # أجاب بارتياب: عطية الحلواني. ~~- يا خبر أسود يا رمضان. # وضاق به فزعق: انطق! # سأله بعينين مجنونتين: ماذا وجدت فيها؟ # فصفعه إعرابا عن حسرته، وهو يسأله بكراهية: ماذا كان فيها؟ ~~- تعب عمر! ~~- عمر من؟ ~~- شنكل. # ارتعد الرجل فهتف: شنكل! .. تبيع لي مصيبة! ~~- ولكن مصيبة بيعها أكبر. ~~- صحيح إنك نحس. ~~- البطانة يا رمضان. # فكر رمضان يائسا، ثم قال متنهدا: لا فائدة من النواح، انتظر ~~الليل حتى يرجع الحلواني من حلوان. # وقطع الكلام عندما رأى زبونا واقفا ينتظر لم يدر متى ولا كيف جاء! ~~وتفحص حسونة الزبون باهتمام وقلق ثم ابتعد. # وعند المساء ذهبا معا إلى قهوة الجوهري، فوجدا عطية الحلواني ~~منهمكا ms60 في عشرة دومينو. فصافحه رمضان وقدم له حسونة، ثم اشتركا في ~~اللعب. وغادروا القهوة معا لإتمام السهرة في حجرة الحلواني، فمشوا ~~جنبا إلى جنب في شارع الموسكي في شبه ظلام تتخلله أنوار متباعدة ~~خافتة. وجعلا يحاوران الشاب بجهد متكلف، وهما يفكران في شيء واحد، ودون ~~مناسبة قال رمضان: إن شاء الله تكون الجاكتة موفقة. # فقال الحلواني وهو يتثاءب: طبعا، ولكنها تحتاج إلى تضييق، (ثم وهو ~~يلكزه ضاحكا) وتغيير لون، سلمتها أمس إلى عبدون الرفاء. # وماتت رغبتهما في مصاحبته، ولكنهما لم يجدا بدا من الذهاب. وغادروا ~~الحجرة قبيل الفجر، وهما يترنحان فقال حسونة متأوها: فاز عبدون بتعب ~~العمر. # فهتف به: سنرى، أنت من يوم مولدك نحس. ~~- أنا في حاجة إلى النقود لأهرب. # فقبض على قفاه وهو يسأله: وأنا؟ سيظنني شريكك. # فتخلص من يده قائلا: إنه لا يدري شيئا عن علاقتنا. # وفي الصباح ذهبا معا إلى دكان عبدون الرفاء وهو يتأهب للعمل، ~~وعانقه رمضان معانقة الخلان، ثم جلس ثلاثتهم على أريكة في نهاية ~~الدكان التي كانت أشبه بدهليز ضيق غائص في الجدار. # ومال رمضان على أذن عبدون، رغم أنه لم يكن معهم رابع وهمس: لا أحب أن ~~أشغلك عن عملك في ساعة الصبح، ولكنا جئنا بخصوص الجاكتة التي سلمها ~~لك عطية الحلواني. # فسأله عبدون بدهشة: ما لها؟ ~~- هل قمت بالمطلوب لها؟ ~~- لم أمسها بعد. # تنهد رمضان وحسونة بارتياح، وقال رمضان: تلزمنا بعض الوقت، دقائق لا ~~أكثر. # فقال الرجل بقلق: حد الله! .. إنها أمانة. ~~- عيب يا عبدون، ستكون عندك بعد دقائق. # نظر إليه بارتياب، وردد عينيه بين الرجلين، وابتسم ابتسامة خبير، ثم ~~نهض إلى كومة من الملابس المعلقة في الجدار، ففرها بسرعة حتى استقرت ~~يده على الجاكتة الرمادية فنزعها، وراح يتحسسها باهتمام حتى استكنت ~~يده فوق أسفل البطانة. وحدج رمضان بنظرة ساخرة، فقال الرجل: أحببت أن ~~نقوم بشغلنا بعيدا عنك. # هز عبدون منكبيه استهانة، ورمى الطريق بنظرة حذرة، ثم رجع إلى ~~الأريكة ويده تفك البطانة بخفة، ثم استخرج رزمة من الأوراق المالية. ~~ند ms61 عن حسونة صوت كالشهقة، وقلق رمضان في مجلسه، أما عبدون فبدا نهما ~~مصمما، وقال رمضان بلهفة: فلنقتسمها بسرعة قبل أن يجيء أحد. # عند ذاك اختفى النور الهادئ الوارد من الطريق، ولكنهم لم ينتبهوا ~~لذلك. وارتفع صوت كالخوار يقول بقسوة: عفارم عليكم. # تحولت الرءوس في فزع نحو الباب. وجدوا أمامهم شنكل. شنكل بكل ما ~~أوتي من طول وعرض وكريه منظر يسد الباب سدا. صاح عبدون: أنا عبد ~~المأمور، ولا دخل لي في شيء! # وصاح رمضان: علي الطلاق ما أعرف صاحبها! # وخرس حسونة فلم ينطق. ودخل الرجل على مهل، حتى تناول الرزمة من يد ~~عبدون المرتجفة. والتفت نحو حسونة قائلا: هل ظننت أن عيني غفلت عنك ~~دقيقة واحدة؟ # فتح الرجل فاه، ولكن شنكل لطمه بيد كالمطرقة؛ فاندلق من ركن الأريكة ~~فوق الأرض وهو يتأوه وكأنه يتقايأ. وقال له بهدوء مخيف: اختف إن كنت ~~تحب الحياة. # واستدار ليغادر المكان ولكن صفارة انطلقت. وطوق باب الدكان في ثوان ~~بالمخبرين. # ودخل الضابط شاهرا مسدسه، وهو يقول بلهجة آمرة: كل واحد في ~~مكانه. # وانقض عليهم المخبرون قبل أن يفيقوا من ذهولهم. وقال الضابط يخاطب ~~شنكل: أتعبتنا أسبوعا كاملا، الله يتعبك. # وعند الظهر وقفت سيارة مرسيدس أمام القسم، وغادرها رجل ربعة بدين ذو ~~لغد هائل. قابل ضابط المباحث فصافحه، ثم جلس وهو يقول: جئت بناء على ~~إشارتك. # فقال الضابط: قبض على سارق جاكتتك، ووجدت نقودك كاملة لم تمس، ~~وسوف تتسلمها في الوقت المناسب، ولكن ينبغي أن نبقى لإتمام بعض ~~الإجراءات. # رمق الوجيه على سيف الضابط بنظرة امتنان، وتمتم: همة عظيمة ~~حقا! # فقال الضابط بلهجة ساخرة، وهو يتفحصه بنظرة ذات معنى: أرجو أن تكون ~~في موضعها. # وقلق الوجيه وتأكدت ظنون طالما ساورته، ولكنه كان شديد الحذر، وعليه ~~أن يستزيد من هذا الحذر مستقبلا. واستطرد الضابط قائلا بلهجته ~~الساخرة: مبارك عليك. المال الحلال لا يضيع! # | وجها لوجه # في أقصى مكان بالحديقة جلسا شبه منفردين. وطيلة الوقت تبادلا نظرة ~~مفعمة بالتطلع والهناء، وهما يحسوان الليمونادة: ستكون سهرة طيبة ~~بسينما ركس. ms62 ~~- والفيلم عن قصة غرامية مشهورة، فهو يناسبنا جدا. # ابتسمت لتعليقه. وكان الفانوس الأنيق يبعث ضوءا هادئا، فأضفى ~~عليهما غموضا فاتنا. وسطعت رائحة الياسمين المطل من ثغرات التكعيبة ~~المطوقة للحديقة الصغيرة، ولم يكن بطرفها الآخر إلا زوجان مثلهما ~~غارقان في التهامس. ونسمة لطيفة مشحونة برطوبة أغسطس ترددت من آن ~~لآن. # وقال حامد: كالحلم، كثيرا ما قلت ذلك لنفسي. ~~- هو كذلك، لكنه حلم جميل. # منذ رآها في رأس البر في يوليو الماضي وهو يردد ذلك. بعد اختفاء خمسة ~~عشر عاما رآها عند اللسان ساعة القيلولة. التقت عيناهما في نظرة تذكر ~~وعرفان. وابتسما بلا خطة. تقدم منها مادا يده فصافحته. أتذكرين مصر ~~الجديدة؟ نعم .. شارع الزقازيق. منذ ذلك الوقت لم أرك. # بلى، متزوجة وخارج القاهرة أكثر الوقت. وتقابلا في الصباح التالي، ~~فعلم أنها مطلقة من عام، وأن ابنها الوحيد قد ضم إلى حضانة أبيه. ~~وغادرا المصيف في يومين متعاقبين، وهما على تفاهم وميعاد. ~~- ها نحن الآن نفكر فيما كان يجب أن نفكر فيه منذ خمسة عشر ~~عاما! # فابتسمت سهام قائلة: القسمة والنصيب. ~~- وكنت أراك كل يوم تقريبا. ~~- أذكر ذلك. ~~- وكنت معجبا بك. ~~- ولكنك .. أعني لم تفصح بأي وسيلة عن ذلك الإعجاب. # قال بنبرة المعتذر: كنت وقتذاك مترجما صغيرا بالخارجية، ومرشحا ~~لبعثة. ~~- والعواطف أكانت محرمة على صغار المترجمين؟ # فضحك ضحكة مقتضبة، ثم قال: ليس من السهل التحدث عن خيال ~~الشباب! ~~- أما أنا فقد انتظرت حتى ضقت بالصمت. ~~- وبلغت أنا الأربعين ولم أتزوج. # بعد تردد وهي تبتسم: لماذا؟ .. مجرد سؤال لا يتضمن أي اعتراض بطبيعة ~~الحال. ~~- سرقني الوقت، كثيرون يمضون هكذا. # اتجهت عيناها لحظات إلى العاشقين في الطرف الآخر للحديقة. ناضجة ~~تماما، وهو من حسن الحظ يفضل ناضجات نصف العمر. ~~- وعندما قابلتك بعد خمسة عشر عاما من الاختفاء، وجدتك مطلقة ~~وحزينة لحرمانك من ابنك، فتذكرت بقوة غير متوقعة أنني بلغت الأربعين ~~دون زواج، وقلت لنفسي: لعل هذا اللقاء قد تم ليصحح أكثر من خطأ. # وترامت نشرة أخبار الثامنة والنصف من مقهى بالسوق وراء محل بيجل، ms63 ~~فاقتحمت مجلسهما الهادئ المعبق بالياسمين. وتساءل حامد: هل الحرب حقا ~~وشيكة الوقوع؟ # فقالت باستهانة: هكذا يقولون منذ أن تولى هتلر الحكم. ~~- صدقت، المهم أن نتزوج في أقرب وقت ممكن. # عكست عيناها نظرتين متعاقبتين، الأولى مشرقة والأخرى غامضة دارتها ~~بابتسامة، فقال: لا شك أنك فكرت في ابنك. ~~- أنت تقرؤني جيدا، ولكني على الحالين لن أراه إلا نادرا. ~~- يمكن الاتفاق على ذلك مع زوجك. ~~- لن يذعن، إنها العداوة العمياء. # طالعها بنظرة إنكار فاستطردت: أكثر أعوام المعاشرة احترقت بنار ~~العداوة. واستمرت بفضل تعلقي بابني، حتى أدركني اليأس. ~~- سينسى الرجل العداوة مع الزمن. ~~- ليس هو بالرجل الذي ينسى. ~~- أمر مؤسف حقا. ~~- المهم أن تفكر طويلا قبل ... ~~- فكرت طويلا ثم اخترتك عن اقتناع وحب. # قالت برضى: الواقع أني أشعر بغربة شديدة في بيت أختي، بالرغم من أن ~~حالتي المالية لا بأس بها. ~~- إني أدرك ذلك يا عزيزتي، لكن أتسمعين؟ هل حقا ستقع الحرب؟ # ابتسمت ابتسامة دارت بها ضيقها بقطع تيار الحديث الأول، وقالت: لم ~~تعد الأقوال تنطلي علي. ~~- الحالة أحرج مما تظنين. ~~- أهي تزعجك لهذا الحد؟ ~~- إيطاليا رابضة في ليبيا. # رنت إليه بنظرة هادئة، فاستطرد: وهي رابضة أيضا في الحبشة، أتدركين ~~معنى ذلك؟ ~~- ولكن الإنجليز ... ~~- الإنجليز، إما أنهم ضعفاء كما يؤكد موسوليني، وإما أنهم أقوياء ~~كما يدعون. وفي الحالين سنتعرض لأهوال الغزو. ~~- أنت منزعج كما لو أن الحرب ستعلن عليك أنت! بالله خبرني لماذا ترى ~~أن يتم الأمر في أقرب وقت ممكن؟ ~~- آه .. نعم يجب أن يتم الزواج في أقرب فرصة؛ لأنني عرضة للنقل إلى ~~الخارج في أول حركة قادمة. ~~- عندك فكرة عن المكان المحتمل أن تنقل إليه؟ ~~- فرنسا، تصوري أن يمضي شهر العسل في باريس! ~~- يا له من خيال! ولو أن ابني سيبقى في كفر الشيخ. ~~- سوف ترينه يوما وهو رجل كامل، أما إذا قامت الحرب ... ~~- لن يتم النقل، هذا كل ما هنالك. ~~- لن يمكن التكهن بشيء. ~~- سنبقى هنا غالبا وليس في هذا ما يضير. ~~- آه، يا عزيزتي! هل تدركين معنى ضرب بلد كبلدنا ms64 بقنابل ~~الطيارات؟ ~~- لماذا يضربوننا؟ لسنا أعداء لأحد. ~~- سوف يتداعى كل قائم للخراب. ~~- لا أصدق هذا. ~~- لماذا؟ ~~- قلبي مطمئن في صدري. ~~- ما أجمل أن يطمئن إنسان في هذه الظروف! # ضحكت في رقة بالغة، وسألته: هل عرفتني في رأس البر من النظرة ~~الأولى؟ ~~- طبعا. ~~- إذن لم أتغير كثيرا؟ ~~- أنت أجمل مما كنت إن يكن ذلك ممكنا. ~~- لا تبالغ، ألم تترك سن المبالغات؟ ~~- الحب لا يعترف بالزمن. ~~- أنا لم أسافر إلى الخارج من قبل. ~~- باريس عروس الدنيا، صدقيني. ~~- فرنسيتي ليست على ما أود، ربما التحقت بمعهد مناسب. ~~- أما إذا قامت الحرب ونحن في باريس؟ ~~- الحرب أيضا! ~~- لتقم الآن إذا كانت تنوي ذلك. ~~- في باريس يمكن أن نرحل إلى بلد محايد كسويسرا. ~~- كل شيء يتوقف على ما يصيب وطننا هنا. ~~- أنا مطمئنة كما قلت لك، ولكن لماذا تقوم الحروب؟ ~~- العداوات، الألمان يستعدون لهذا اليوم منذ أكثر من عشرين ~~سنة. ~~- عشرون سنة! إذن كيف يمكن أن تنسى عداوة؟ # وهو يضحك: الناس لا ينسون العداوات، ولكن من حسن الحظ أنهم يتزوجون ~~رغم ذلك! # غادرا الحديقة وهي تتأبط ذراعه، وشقا سبيلهما بين الموائد في محل ~~بيجل الداخلي حتى انتهيا إلى شارع سليمان. ورغم الحرارة المرتفعة جرت ~~نسمة الليل، وومضت في السماء مئات النجوم فوق هامات العمارات الشاهقة. ~~واقتربا في طريقهما من قهوة ليموند. كان يقف عند مدخلها ماسح أحذية ~~مائلا إلى الجدار في تراخ، يقبض بيد على صندوقه ويعبث بالأخرى بشارب ~~ثائر غليظ كأن شعيراته قدت من أسلاك حديدية. ربعة مليء، يرتدي ~~فوق جلبابه سترة محلاة ببطاقة خضراء تحمل اسم القهوة بأحرف بيضاء. ~~وظهر عند رأس عطفة جانبية ملاصقة لجدار القهوة رجلان مجلببان. نادى ~~أحدهما ماسح الأحذية قائلا: يا عم .. من فضلك. # استقام الرجل في وقفته، ثم اتجه نحو الرجلين اللذين وقفا داخل ~~العطفة بعيدا عن أنوار الشارع. وبلغ ماسح الأحذية موقف الرجلين عندما ~~كان حامد وسهام يسيران بحذائه. وبغتة رفع الرجل الذي ناداه يده بهراوة ~~إلى أقصى الذراع، ثم هوى بها بكل قوة فوق رأسه. صرخ ms65 الرجل متراجعا إلى ~~الشارع، وقد سقط الصندوق من يده. وتشبثت سهام بذراع حامد وهي ترتعد. ~~وفي نفس الوقت رفع الرجل الآخر يده بهراوته، وهوى بها فوق رأس الرجل ~~المترنح، فوقع على ركبتيه متأوها: آه .. انجدوني. # تتابعت الضربات من الرجلين بسرعة في قسوة وعنف وإصرار، حتى تهشم ~~الرأس وغرق في بحيرة من دماء. وحملقت سهام في المنظر الدموي بلا إرادة ~~ثم شهقت وتداعت مغمى عليها؛ فتلقاها حامد بين ذراعيه. وارتفع ~~الصياح، وهرع الناس إلى المكان من جميع الجهات، وهب الجالسون على ~~الطوار من رواد القهوة وقوفا يتطلعون، ثم قدم شرطي جريا وهو ~~يصفر. # لم يجر القاتلان، لم يحاولا الهرب قط، وظل كلاهما قابضا على ~~هراوته الملطخة بالدماء، وعيناهما تعكسان نظرات وحشية متحجرة. وقال ~~أكبرهما: نحن تحت أمر الشاويش، ولكن حذار أن يقترب منكم أحد. # حمل حامد سهام بين ذراعيه ومضى بها إلى مشرب عصير قريب من القهوة. ~~أجلسها على مقعد في أقصى المحل، وراح يربت على خديها برفق، وسأله صاحب ~~المحل: أطلب الإسعاف؟ # فأجاب وهو يبلل منديله بالماء: انتظر لحظة من فضلك، ربما أفاقت دون ~~حاجة إلى مساعدة. # وجعل يمسح بالمنديل المبلل وجهها وعنقها حتى عجن البودرة بالأحمر ~~بالكحل، هذا والضجة في الخارج تتزايد، وسباب يتبادل بلا حساب. وفتحت ~~سهام عينيها، رنت بهما إلى وجهه في ذهول. وقلبتهما في الوجوه بدهشة، ~~ثم غمغمت: أنا تعبانة. # فقال لها وهو يواصل مسح وجهها ليزيل عنه الأصباغ تماما: سآتيك بكوب ~~عصير. # شربت قليلا فيما يشبه التقزز، وغمغمت مرة أخرى: منظر فظيع لا يمكن ~~أن ينسى. ~~- سينسى كل شيء حتما. ~~- ووقع الضربات على الرأس .. آه. ~~- شدي حيلك، يجب أن نذهب. # وإذا بصرخة تفلت منها، وهي تشير إلى قميصه بعصبية منذعرة. نظر في ~~مرآة فرأى رشاشا من الدم قد لوث أعلى قميصه فتقلص وجهه، ورأى مثله ~~فوق صفحة حقيبتها البيضاء وثنية شالها. بل منديله للمرة الرابعة وراح ~~يزيل آثار الدم عن القميص والحقيبة والشال، فهتفت: هل لوثني ~~أيضا؟ ~~- لم يعد هناك شيء، انظري بنفسك. # عاودتها الرعدة، ms66 فقال بجزع: لا شيء خطير ألبتة، لسنا أطفالا على أي ~~حال. ~~- لا تترك نقطة واحدة. ~~- طبعا .. طبعا. استريحي واهدئي. # أغمضت عينيها في إعياء واستسلام، ورجع أناس من مكان الحادث إلى ~~مقاعدهم، وهم يتبادلون التعليقات، فسأل صاحب المحل الذي لم يستطع ~~مغادرته: كيف حال جاد الله؟ ~~- مات وشبع موتا. ~~- مسكين، لكنه رجل طيب ولا أعداء له؟ ~~- القاتلان ليسا من البلد، صعيديان من أبنوب. ~~- ما له وأبنوب؟ .. عرفته هنا منذ عشرين عاما. ~~- ثأر قديم، هذا مؤكد. # وقال رجل بلهجة تلخيصية: لعله جاء من بلده هاربا، ثم عثروا عليه ~~فانتهى عمره الليلة، حكاية لم تعد تدهش أحدا. # | الهارب من الإعدام # غزا الجيش الألماني الأراضي البولندية ... # انطلق الخبر من راديو مثبت في كوة بجدار الحجرة الوحيدة القائمة ~~في الخرابة، وترامى خارج الأسوار في أرض الخفير الواسعة، وصاح دحروج ~~بحدة: هس .. اسمع أنت وهي. # سكت عن الزياط الولد وأخواته الثلاث. ولما رأوا الجد في وجه أبيهم ~~تسللوا بين أكوام الخردة وإطارات السيارات وقطع الغيار إلى الطرف ~~القصي من الخرابة، وهناك واصلوا لعبهم في أمان. وتوقفت آمنة عن نشر ~~الغسيل رافعة رأسها فوق الحبل ما بين قضيب بنافذة الحجرة وسقف لوري ~~قديم، وصاحت بزوجها محتجة: أفزعت العيال، ملعون الراديو ~~وأخباره! # تجاهلها دحروج في غير ما غضب، وأخذ النفس الأخير من عقب سيجارة ~~ممسك بأنمليه، ثم قال: إذن هي الحرب! # أدرك سلامة أن الكلام موجه إليه، فرفع رأسه عن عجلة كان يعالج ~~إطارها، وحدج الرجل بعينين تلتمعان وسط لحية سوداء غزيرة تكتنف الوجه ~~وتسترسل حتى الرقبة، ثم قال باستهانة: نعم، أخيرا صدقوا. # وانتهز سلامة فرصة تحول رأس دحروج نحو الصوت، فاسترق إلى المرأة ~~نظرة استقرت فوق وجهها المشرئب ثم انحدرت إلى جسمها الممشوق الريان ~~الصدر. ولمحته المرأة قبل أن يستردها كأنما توقعتها وسرعان ما ولته ~~ظهرها. انحنى الرجل فوق العجلة وهو يقول لنفسه: ما أفظع الحرب في ~~حرارة أغسطس! ما أفظع الحرارة! والتفت دحروج نحوه وهو يقول: طالما ~~تنبئوا بأنها ستخرب العالم، ماذا عنا نحن؟ # أجاب السني ms67 باسما : نحن بعيدون، فليأكل بعضهم بعضا. # وضع رجلا على رجل، وهو يجلس على صفيحة مقلوبة، ونظر إلى بعيد نظرة ~~حالمة، ثم قال: سمعنا الأعاجيب عن الحرب الماضية. # فقالت آمنة ضاحكة: أصلك عجوز! # فضحك دحروج عن أسنان سود قائلا بسخرية: أنت لا تهتمين إلا ~~ببطنك. # وقال سلامة، وكان رغم تجاوزه الشباب يصغر صاحبه بعشر سنوات على ~~الأقل: حقا سمعنا الأعاجيب. ~~- الأسيوطي من هو؟ كان قبل الحرب شيالا. # ورجع العيال ناسين الوعيد فرجعت الضوضاء، وجرى محمود ابن السابعة - ~~وهو البكري - وهن في ذيله فرمقه أبوه بإعجاب وصاح به: ولد يا محمود شد ~~حيلك، الحرب قامت. # وعند الأصيل جلس دحروج وسلامة على خيشة متجاورين خارج سور الخرابة. ~~ترامت أمامهما الصحراء حتى سفح الجبل، منطفئة الرمال تحت الظل، وانداحت ~~في السماء الصافية صفرة باهتة هي بقية أنفاس القيظ المختنقة. وثمة شعاع ~~وان من الشمس المائلة يتسلق هامة الجبل في عجلة، على أن الصحراء ~~تزفر هواء منعشا باقتراب المساء. وراح دحروج يعد القروش والسني مسند ~~الرأس إلى جدار السور سارح البصر في الأفق. وجاءت آمنة بالشاي، وجرى ~~العيال إلى الخلاء حفاة نصف عرايا. ورشف دحروج قليلا من الشاي ~~الساخن وهو يقول: قلبي يحدثني يا سلامة بأن الشغل سيضحك عاليا. ~~- ليصدق قلبك يا أبا محمود. ~~- ليتني أستطيع أن أعتمد عليك. ~~- صديقك .. وأسير شهامتك .. ولكن لا يمكن أن أبرح الخرابة. # تفكر دحروج قليلا، ثم تساءل: هل يعرفك أحد في المدينة الكبيرة خلف ~~هذه اللحية؟ ~~- إنهم يعرفون الجن. ~~- وهل ينقضي عمرك في الخرابة؟ ~~- هي خير من حبل المشنقة يا أبا محمود. # أطلق دحروج ضحكة عالية، ثم قال: يحق لي أن أضحك كلما تذكرت حكاية ~~هربك من بين حارسين. ~~- خير الهرب ما وقع حيث لا ينتظر. # فقالت آمنة وهي واقفة مستقبلة الخلاء، وقد انحسر شالها عن نصف رأسها ~~الفاحم: وانعدم الرجل بلا دية! # فقال سلامة بنبرة غاضبة: كان قاتلا ابن قاتل، وقد تقدم به العمر ~~حتى خفت أن يسبقني الموت إليه، ولم يكن يكف الأهل عن مطالبتي ~~بالثأر. # فقهقه ms68 دحروج عاليا، ثم قال: وهربت والأوراق محمولة إلى ~~المفتي. # شد سلامة على ذراعه بامتنان قائلا: ووجدت نفسي ضائعا، فقلت ليس ~~لي إلا دحروج صديق صباي فأويتني يا شهم الرجال. ~~- نحن رجال يا سلامة. ~~- على أي حال فالمخزن هنا في حاجة إلى رجل، وإني رجله. # وقطع حديثهم ظهور جنازة في الأفق قادمة من ناحية العمران. مضت ~~تتقدم نحو الطريق المحاذي لسور الخرابة الغربي المفضي في نهايته إلى ~~قرافة الخفير. ووضح النعش مسجى بغطاء من الحرير الأبيض، فتمتمت آمنة: ~~شابة صغيرة يا حسرة عليها. # فقال سلامة: المكان هنا جميل وآمن، فلا عيب فيه إلا أنه في طريق ~~القرافة. # فتساءل دحروج وهو يضحك: أليس طريقنا جميعا؟ # لم يطرأ على الخلاء تغير يذكر مذ أعلنت الحرب. ظل ملعبا للشمس ~~من الشروق إلى الغروب، ومعبرا للنعوش، ومعسكرا للصمت. وأطلقت زمارات ~~إنذار في تجارب غارات وهمية. وارتفعت أهمية الراديو القديم الباهت إلى ~~القمة، حتى بات في وسع دحروج أن يحصي القنابل المتبادلة بين سيجفريد ~~وماجينو. وكلما استقبلت حواس سلامة صوتا منغوما أو حركة لاعبة أو ~~نظرة ولو غير مقصودة احترق باطنه بنار شرهة، وغضب في ذات الوقت على ~~نفسه بلا رحمة. وقال دحروج في ضجر: الحال لم تتغير، فأين ما سمعنا عن ~~الحرب؟ ~~- صبرك، ألا تذكر ما قال عميلك اليهودي؟ # نظر دحروج نحو أكوام الحديد التي ملأ بها المكان عملا بنصيحة عميله، ~~ثم قال: فلتسرع الأيام. ~~- فلتسرع، ولتلتهم خمسة عشر عاما من الزمن. ~~- خمسة عشر عاما؟ ~~- في آخرها تسقط عني العقوبة. ~~- يا له من عمر! سوف نكون على حافة حرب ثالثة. # وراح يغني بصوت محشرج غريب «يا بهية خبريني»، ثم هتف: معلم دحروج .. ~~لن يبقى من أهلي أحد إلا النساء. # وقال: إن آمنة تلعب بعقله وهي لا تدري، أو وهي تدري، وأنه سيدخل ~~الجحيم قبل أن يدركه الموت. ولم تكن الحرب تهمه في شيء، ولكنه سمع ~~بين فواصل من الأغاني أنباء اجتياح هولندا وبلجيكا وسقوط باريس. ~~وتتابعت أمام العين طوابير اللاجئين، وامتلأ الفراغ بالتنهدات والدموع، ~~ثم ms69 إذا بإيطاليا تعلن الحرب. وقال دحروج بقلق: ها هي تدق ~~الأبواب. # فقال سلامة بعدم اكتراث: لا علينا ولا لنا. # وتمتمت آمنة وهي تتابع لعب العيال العرايا حول برميل مليء بالماء: ~~ربنا كبير. # ولأول مرة انطلقت زمارة إنذار بغارة حقيقية. استيقظ دحروج وأسرته، ~~كما استيقظ سلامة في مرقده باللوري. وأعلنت آمنة عن خوفها على العيال، ~~وقالت: إن المخبأ بعيد، فقال دحروج: ابقي في الحجرة؛ فلن يضربوا الخلاء ~~أو القرافة. # ورفع سلامة رأسه نحو البدر الذي يحدق فيهم بهدوئه الأبدي، ثم قال: لا ~~أرى إلا أنوارا مجنونة. # ومن نافذة اللوري مد بصره إلى الحجرة المغلقة. قائمة لصق السور على ~~يسار المدخل بسقف مائل نحو الباب وجدار لا لون له، مطلية بضوء القمر، ~~طاوية جوانحها على قلوب مفعمة بالقلق، ككوخ مهجور، فتخيل أنه جن ~~الليل والخلاء. والغارة تنقض فتهدم كل قائم في المدينة، وتطيح بالقانون ~~والمفتي والقاضي والسجان وحبل المشنقة. ويتفجر باطن الأرض، وتجتاح كل ~~شيء حتى الشهامة تختنق أنفاسها. وينهض من بين الأنقاض رجل عار وامرأة ~~ممزقة الثياب وقد قتل الرقباء. # وتلاحقت الغارات ليلة بعد أخرى. غارات صامتة كالخلاء أو تتخللها ~~مدافع مضادة. واعتاد دحروج في أثناء الغارة أن يذهب إلى سلامة في ~~اللوري؛ ليشاهد السماء ويتحادثا: ليست الغارات كما سمعنا. ~~- الطليان ليسوا كالألمان. # وضحك دحروج، وقبض على لحية سلامة قائلا: أنت مغالط عزرائيل في ~~عمرك. ~~- نعم، كان ينبغي أن أكون في القبر منذ عام ونصف عام على ~~الأقل. ~~- ولذلك فأنت لا تخاف الموت؟ ~~- بل أخافه منذ أن شممت رائحته، وهم يحملونه إلى المفتي. ~~- تصور كيف كان يكون شكلك الآن؟ ~~- أحمد الله الذي أمهلني، حتى أرى الأنوار الكاشفة والمدافع ~~المضادة. # ودب نشاط جديد في الخرابة، ثم تضخم بحال لم يحلم بها دحروج من ~~قبل. ومضى يغيب عن المكان ساعات كل يوم، ثم استغرقت الأعمال الخارجية ~~نهاره كله. وعمل سلامة في الخرابة بكل همة كحارس وكخزان. وفي أوقات ~~الفراغ يجلس على إطار من المطاط مسند الظهر إلى رفرف اللوري الخلفي، ~~يدخن سيجارة أو ms70 يمشط لحيته، وعيناه الحادتان تذعنان في مطاوعة متزايدة ~~لرغباته الجامحة. وقال: إنها تتجاهل عينيه، ولكنها شديدة الإحساس ~~بهما طوال الوقت، وإن نظرته الثاقبة تسيطر على حركاتها وسكناتها ~~كأنما تلعب بهما بخيط خفي. ونظر إلى السماء يتابع حدأة تجول جولة ~~الوداع عند الأصيل، ثم نظر أمامه فرآها واقفة على مبعدة أمتار منه تجاه ~~الصنبور الذي تدفق منه الماء إلى صفيحة، وقال: كان يوما شديد ~~الحرارة. # هزت رأسها بالإيجاب، ونظرت إلى عينيه المحدقتين، ثم غضت بصرها ~~وهي تداري ابتسامة. اكتسحت الابتسامة وازع الشهامة في صدره فاجتاحه ~~إعصار. وتنهد بصوت مسموع، فزجرت المرأة محمود الذي جذب أخته من ~~ضفيرتها عند الباب. وسألته: أعد لك الشاي؟ # فقال بنبرة تمردت على سيطرته: من المنتظر أن يسافر قريبا إلى ~~الشرقية. # ورجع دحروج مع المساء. بدا متعبا معفرا، ولكن النجاح تألق في ~~عينيه. وضحك عاليا، وهو يقول لسلامة: يا ولد العم، ليست الحرب كما ~~يقولون، الحرب نعمة كبرى. # وأعطى آمنة لفافة لحم كبيرة قائلا: أسرعي، لم أذق اليوم لقمة ~~واحدة. # ومن داخل الحجرة وهو يغير ملابسه ارتفع صوته: سأسافر غدا إلى ~~الشرقية. # غاب يومين وعند أصيل اليوم الثالث انتظره سلامة فوق الخيشة خارج ~~السور. جلس هادئا ثقيل الجفنين، يتخلل لحيته بأصابعه، يحصي الحدأ ~~المتخلفة ويبادل الخلاء فتورا واستسلاما. وترامى إليه من الداخل صوت ~~آمنة، وهي تنهر العيال بصوت هزه المرح فرنا إلى ذيل الشمس الآخذة في ~~الانحسار عن قمة الجبل، وقال: إن الليل لن يلبث أن يجثم. ولفته صوت من ~~الغرب فرأى تاكسي قادما حتى وقف عند نهاية السور، ثم غادره دحروج. ~~اقترب الرجل وهو يضرب الأرض بقدم ثقيلة ثابتة ورأسه مرفوع. استقبله ~~واقفا فتصافحا، ثم لكمه الرجل في صدره، وهو يضحك قائلا: سلامة يا بن ~~زينب، الإنجليز رجال. # رمقه مستطلعا، فاستطرد الآخر في مباهاة: وأصلهم من الصعيد! # فدعا له بالمزيد من التوفيق. ودخل الرجل الخرابة صائحا بفرح ~~كالأطفال: ولد يا محمود. # وراح يغني «سلم علي» وهو يفرقع بأصابعه راقصا. # وعوت الزمارة قبيل الفجر، فمضى دحروج وسلامة ms71 إلى الخلاء خارج السور ~~كما تعودا أن يفعلا أخيرا. # وقال دحروج: لم تعد الزمارة تخيف أحدا. # انسابت الصحراء تحت ضوء القمر مرتعا للأحلام. وضحك دحروج طويلا حتى ~~سأله سلامة عما يضحكه، فأجاب وهو يومئ بكوعه إلى الحجرة: شهدت هذه ~~الليلة عمك دحروج كما كانت تشهده ليالي الشباب! # وحل صمت قصير مسقوفا بأنوار الكشافات، ثم عاد دحروج يقول بلهجة ~~جادة وأخوية معا: سلامة، ليس اليوم كالأمس، سيجيء كثيرون من العملاء ~~الجدد، أخشى عليك. # سأله سلامة واجما: هل ينبغي أن أذهب؟ ~~- نعم، سأهربك إلى فلسطين، وستعمل هناك لحسابي، ما رأيك؟ ~~- الرأي رأيك. # قال بثقة: كل شيء مرسوم يا ابن زينب. # وفجأة، ارتجت الأرض بزلزال، ودوى انفجار شل خفقان القلب. شد دحروج ~~على ساعد سلامة بعصبية: ما هذا؟ # أجاب سلامة ووجهه يشحب في ضوء القمر: قنبلة! .. أسرع إلى ~~الحجرة. # وارتفعت صرخة آمنة، فصاح بها دحروج: مكانك .. مكانك يا آمنة. # وإذا بالضرب يتتابع بلا توقف. جرى الرجلان نحو الخرابة. وفي اللحظة ~~التالية ندت صرخة عن دحروج، ثم سقط على وجهه. هتف سلامة: معلم! # وانحنى فوقه ليساعده على القيام، ولكنه لم يستطع شيئا. وانطرح ~~فوقه بلا إرادة. وانغرزت جبهته في الرمال، وهبطت الأرض. وارتفع جناح ~~الصحراء صوب السماء. وشيء كثيف حجب وجه القمر. ~~- ماذا بك يا دحروج؟ # ونادى صوت، ثم ابتلع الظلام كل صوت وكل لون. # وأراد سلامة أن يقول لصاحبه: سامحني لقد غلبني النوم. # ولكنه لم ينبس بكلمة واحدة. # | سائق القطار # كل شيء يجري إلى الوراء. الصفصاف وأعمدة البرق تجري بسرعة فائقة، أما ~~الأسلاك فتسبح بلا توقف هابطة صاعدة. وعلى مدى البصر تغمر الشمس غير ~~المرئية الحقول والجداول وقطعان البقر والجاموس وأبناء الأرض. ود أن ~~يستسلم لتيار المناظر، ولكن حناجر الجيران المزعجة أبت عليه ذلك. ما ~~بالهم محتدين! لماذا يغطي صخبهم على صوت الديزل! وحول عينيه إلى ~~الداخل فرأى إلى يمينه رجلا بدينا ذكرته هيئته بدب، وعلى المقعد ~~المزدوج أمامه جلس رجل له وجه صقر وامرأة حسناء تابعت حديثهما الصاخب ~~بضيق وحرج واضحين. وقال ms72 الصقر مخاطبا الدب بحدة وانفعال: لا تحاول ~~عبثا! # واشتد بريق عينيه الجاحظتين، وتجمع في ركني فيه زبد أبيض، وسرت ~~تقلصات عصبية في شاربه المقوس كهلال مقلوب، وبدت الحسناء وادعة كحمامة، ~~ولكنها في خلال المناقشة الحامية هجرت فوق الرف، ثم تطوعت لتلطيف الجو، ~~فخاطبت الصقر قائلة بصوت ناعم: أعطه فرصة .. اسمع رأيه. # فصاح بها: لا تتدخلي .. أنا هو أنا. # تراجعت بجمالها ونعومتها ويأسها. وفي أثناء ذلك التقت عيناها بعيني ~~الغريب الجالس إلى جوار النافذة، وكأنما آلمها أن تعامل أمامه كطفلة. ~~وبقدر ما أسف الغريب لحالها بقدر ما بهره جمال عينيها وهما ينفذان في ~~عينيه. وقال الدب في هدوء نسبي، ولكن بصوت ذي رنين منفر: على أي حال ~~فالناس للناس. ~~- هراء! أنا أتعامل مع جميع أنواع الحيوان، أما ذلك الإنسان ... # ولوى بوزه بازدراء لا حد له فسأله الآخر: هل علمت بما جرى له في ~~الفترة الأخيرة؟ ~~- أنا أعرف أقصر طريق بين نقطتين. ~~- سنجد في النهاية أن يدك اليمنى تضرب اليسرى. # فلوح بيده غاضبا وهو يقول: إننا لا نتردد عن بتر اليد أو الساق ~~عند الضرورة! # آه .. لا سبيل إلى الاستمتاع بالمناظر الخلابة في الخارج. ومهما ~~تتجاهل المعركة السخيفة التي انحصرت في مجالها فسوف تلاحقك كضربات ~~المطرقة. لن تنسى الزبد المقرف وحتى رنوة العين الصافية لن تدعك في ~~سلام! وللحال تأكد أن احتدام المعركة لن ينقطع كدوي عجلات الديزل ~~المتواصل في روتين مسقم، وليس ثمة مقعد خال في العربة يمكن الهروب ~~إليه. # وطرح رأسه على مسند المقعد وأغمض عينيه. وكأن الله استجاب لدعاء ~~خفي، فأخذت المناقشة تستهلك نفسها بنفسها، فخفتت الأصوات ثم حل صمت ~~عجيب مريح، وقد خلا كل إلى تياره. بديع كحلم. واللعنة على الرجل ~~العنيد وعلى كل خصام. وفتح عينيه ربع فتحة مسترقا نظرة من الوجه ~~الرائق، فرآه منبسطا قد زايله الحرج والخجل وشعور المذلة. وعلى حين ~~راح الدب يشخر انهمك الصقر في مطالعة جريدة، وتجلت في عيني الحسناء ~~نظرة هادئة كأول إشراقة للصباح، متمادية في الحلم لا تنظر إلى شيء ms73 ~~بالذات . وفتح عينيه نصف فتحة فالتفتت عيناها إليه مستجيبة فيما بدا ~~لإحساس خفي. وقال لها - في باطنه - كم أحب منظرك، فحولت عنه عينيها في ~~شبه رضى حتى عجب لقوته السحرية. وانتبه إلى ما حوله أقصى انتباه، ولما ~~اطمأن إلى غفلة الصقر ونوم الدب ملأ عينيه منها بنهم، فرأى فيما رأى ~~خاتم الزواج في يسراها المستكنة على يمناها فوق بطنها. وما لبث الصقر ~~أن نحى الجريدة جانبا، ومال برأسه إلى الوراء، ثم استغرق في النوم. ~~وتولاه شعور بالأمان عجيب كأن الدنيا قد خلت بعد نوم الرجلين خلوا ~~تاما. وانبعثت من أعماقه جسارة واستهانة، فواصل حديثه الباطني بعينيه ~~إلى أبعد مدى. وقامت المرأة وهي تبتسم ابتسامة لا ترى عادة إلا ~~بالقلب، ومضت نحو مدخل العربة. وباندفاع لا روية فيه قام ثم تبعها على ~~الأثر. ولم يكن بالمدخل أحد سواها، ولم تدخل دورة المياه كما توقع، ~~ولكنها وقفت وراء الباب المحكم الإغلاق رانية إلى الحقول، ولما سمعت ~~وقع قدميه التفتت نحوه عفوا، فانتهز الفرصة وحياها بهزة قصيرة من ~~رأسه. أعادت رأسها إلى موضعه الأول دون رد ودون اعتراض كذلك، فقال ~~متشجعا: لاحظت بأسف شديد التنافر الواضح بين طبعك الهادئ والجلسة ~~المزعجة. # وافقت على رأيه بمزيد من الصمت الراضي، فضحك ضحكة قصيرة خافتة وهو ~~يهمس: الوقوف هنا أجمل. # عند ذاك تمتمت: أظننا أزعجناك أكثر مما يحتمل. # ولشعوره بقصر الفرصة المتاحة سألها: حضرتك من القاهرة؟ # هزت رأسها بالنفي. وبعد وقفة قصيرة قالت: من طنطا، وحضرتك؟ # هزه السؤال الإيجابي حتى الأعماق، فقال دون تردد: أنا من القاهرة، ~~أيمكن أن أعرف عنوانك؟ ~~- لا فائدة، نحن نقيم في العزبة. ~~- ربما سافرت إلى القاهرة، فخذي رقم التليفون. ~~- لا فائدة. # وبعد أن ألقى نظرة على الباب المغلق، قال بحرارة: إن ما بي هو الجنون ~~بعينه، لا يمكن أن نسلم بالفراق دون مقاومة، أنت تفهمين ذلك؟ ~~- نعم. # ارتفعت حرارة حماسه إلى القمة، وهو يقول: يخيل إلي أنك غير ~~سعيدة. ~~- نعم، جميع ما حولي مرعب مقزز، أود أن أطير بعيدا. ~~- إذن طيري. ms74 # حدجته بنظرة متسائلة تروم أملا، فقال: نغادر الديزل في ~~دمنهور. ~~- أهرب! ~~- نعم، لا وقت للتردد. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- دعي الباقي لي. ~~- ربما استيقظ قبل ذلك، هو أو الآخر. ~~- سوف يظنك بدورة المياه. ~~- ولكن ... ~~- لا لكن، سنحاول، هي فرصتنا على أي حال. ~~- لكن لا أحد منا يعرف الآخر. ~~- ما عرفناه حتى الآن أهم بكثير مما لم نعرفه بعد. # وفتح الباب قيراطا لينظر إلى داخل العربة، ولما وجد كل شيء هادئا ~~أغلقه، ثم نظر في الساعة، وقال: لدينا دقائق قبل دمنهور، سآتي بحقيبتي ~~الصغيرة. # ورجع بعينين ملتمعتين ووجه شديد الإصرار، فقال بقلق: القطار لم يهدئ ~~من سرعته. # فنظر في الساعة مرة أخرى وقال: لعلي أخطأت في التقدير. # العكس حصل؛ إذ زادت سرعة الديزل زيادة محسوسة غير متوقعة، وما لبثت ~~المرأة أن هتفت: انظر! # مشيرة إلى محطة دمنهور وهي تجري بسرعة فائقة إلى الوراء ككل شيء في ~~الخارج: كيف لم يقف في محطة دمنهور؟ # وإذا بباب العربة يفتح، ورجل يندفع منه نحو باب العربة التالية، ~~وهو يصيح بأعلى صوته: السائق جن! .. وسيهلكنا جميعا. # استدارت المرأة في ذهول، وتبادلت مع الرجل نظرة حائرة، وترك الرجل ~~حقيبته ثم فتح باب العربة ناظرا إلى الداخل، فرأى جميع الركاب واقفين ~~في حال من الاضطراب والذعر لا توصف. وقد فتحت النوافذ جميعا، واختلطت ~~الأصوات وارتفعت في هلوسة، ورأى الصقر وهو يصرخ غاضبا، وفي ذات الوقت ~~ينظر حواليه باحثا - فيما أعتقد - عن المرأة، فأراد أن يحذرها، ولكنه ~~سرعان ما نسي ذلك، واندفع نحو الداخل سائلا عما هنالك فلم يسمع ~~صوته، فشق سبيله بعسر شديد نحو العربة التالية صائحا: أين المفتش؟ ~~.. أين رجال القطار؟! # ومد يده ليفتح الباب فانفتح قبل أن يلمسه، وهرول إلى الداخل رجل ~~صائحا: السائق اعتدى على مساعده، وقذف به خارج حجرته! # فسأله بأعلى صوته: قبضوا عليه؟ ~~- أغلق بابه دونهم، ودفع القاطرة إلى آخر سرعة. # وارتطم الصياح بالصوات. ورغم الضجة المدوية سمع صوتا يقول: ستنفجر ~~القاطرة أو يقع اصطدام قاتل. ~~- والعمل؟ ~~- سيهلك الجميع. # اندفع من الباب مخترقا البوفيه ms75 إلى المدخل المتصل بحجرة السائق ~~المغلقة، فرأى المفتش ورجال القطار ونفرا من الركاب، وسمع أحدهم يسأل: ~~ما العمل؟ # فأجاب المفتش: نحن نفكر في كل شيء. ~~- وهل ثمة أمل؟ # تجاهل المفتش السؤال، ثم رفع يده داعيا الجميع إلى السكوت فأطبق ~~الصمت، ثم راح يطرق الباب المغلق بيده هاتفا: عبد الغفار أصغ ~~إلي. # فجاء من الداخل صوت كالرعد: لا تحاول عبثا. # فصاح المفتش: يجب أن تسمع لنا .. لا شأن للناس بمشاكلك ~~الخاصة. ~~- أنا هو أنا. ~~- عبد الغفار .. ما ذنب الناس؟ معك رجال ونساء وأطفال .. كلهم ~~أبرياء. ~~- هراء! ~~- ارجع إلى عقلك قبل فوات الفرصة. ~~- هراء! ~~- تذكر ربك، ألا تخشى لقاءه؟ ~~- هراء! # ارتفعت درجات الذعر إلى غير حد، وتفشى الاضطراب في كل موضع. ~~وبذلت محاولات يائسة لدفع الباب أو تحطيمه، ولكنها سرعان ما توقفت ~~عندما هدد السائق بتفجير القاطرة. وأغمي على كثرة من النساء وبعض ~~الرجال. وفقد شاب أعصابه فرمى بنفسه من إحدى النوافذ مودعا الحياة ~~بعواء ظل صداه يتردد طويلا. ونشبت معارك غريبة لم يعن أحد بفضها ~~أو معرفة بواعثها. # واقترب الرجل من كبير المفتشين، وزعق به: أليس هنالك من حيلة؟ # فأجاب الرجل بصوت لا يقل عنه درجة واحدة: جربنا كل حيلة. ~~- أيعني هذا أن نفنى جميعا لا لسبب إلا ... # وشعر بذراعين تطوقانه من خلف قبل أن يتم جملته، فالتفت في ذعر واضح، ~~فرأى المرأة تطالعه بوجه مخطوف وبصر زائغ؛ فصاح بها بغيظ لم يحاول ~~إخفاءه: تشددي .. لا وقت لهذا. # فقالت بصوت مخنوق: أين أنت؟ جن زوجي فخنق أخي، ثم راح يضرب رأسه في ~~الجدار. # قال بضيق، وكأنه لم يسمع شيئا: نحن نجري بسرعة جنونية نحو ~~الفناء. # ارتمت بين يديه مغمى عليها فقطب في حنق، ثم مضى يجررها إلى ركن ~~المكان، فأنامها على الأرض بسرعة آلية باردة. ولما عاد إلى المفتش وجده ~~يصرخ ويشد شاربه ويبكي. ودق الرجل الباب بقبضتين مجنونتين هاتفا: ~~يا عبد الغفار .. يا عبد الغفار. # فجاءته الإجابة كطوبة: أنا لا أعرفك. ~~- ولكنك ستقتلني. ~~- هذا شأني، ولا علاقة له بك. ~~- أنا ms76 لم أسئ إليك، لا أنا ولا الآخرون. ~~- لكنكم ركبتم قطاري. ~~- قل قولا معقولا. ~~- أنتم المجانين. ~~- أليس لك أبناء؟ ~~- كلا. ~~- ألا تحب الحياة؟ ~~- كلا. ~~- أليس في قلبك رحمة؟ ~~- كلا. ~~- خبرني ما ذنبنا؟ ~~- أنتم تحبون الديزل؟ ~~- اطلب ما تشاء. ~~- ها أنا آخذ ما أريد بغير طلب. # وبصق المفتش على الباب صارخا: يا عبد الغفار، يا مجرم، يا وضيع، يا ~~غادر، يا وحش. # وقرر الرجل أن يمضي إلى نافذة؛ ليرمي بنفسه منها وليكن ما يكون. ~~وهو يتحول عن موقفه وقعت عيناه على المرأة المستلقية في غيبوبة، فقال ~~ما أسعدها في غيبوبتها. ووجد الركاب متكتلين يسدون المنافذ. توحدوا ~~في ذهول ورعب وارتجاف. عبثا حاول أن ينفذ من بينهم. ولما يئس رمى ~~بنفسه عليهم، وسرعان ما تلقته الأيدي بالضرب، فانهال عليهم بدوره ضربا ~~حتى لفهم الجنون جميعا. وإذا بالواقعة تقع، وقعت الصدمة المتوقعة ~~كأنها ارتطام كوني. اندفع الناس بقوة جهنمية فحطمت الرءوس، وطحنت ~~الجدران الأجساد. صرخ الرجل بأعلى حنجرته، ورأى النجوم تتهاوى من حوله ~~وصرخته تدور في فراغ أحمر. # فتح عينيه ودوي صرخته يجعجع في أذنه. # آه .. إنه لا يصدق. اعتدل في جلسته وهو يظن صرخته قد مزقت ~~الآذان. ولبث هنيهة لا يجرؤ على النظر إلى أحد. ثم أخذ يسترق النظر في ~~حذر شديد، فلم ير أحدا شاعرا له بوجود. تنهد من الأعماق. وما لبث ~~أن تنبه إلى استمرار النقاش الحاد بين الصقر والدب. # ورأى المرأة نصف مغمضة العينين غارقة في الضجر. اللعنة .. اللعنة. ~~وكان الصقر يتحدى صاحبه قائلا: دعك من ضرب الأمثال العقيمة، لا تضيع ~~وقتي سدى، أنت تعلم أن أنا هو أنا. # | لونا بارك # تحرك ببطء في طابور طويل طاويا تذكرة الدخول في يده. تذكرة ~~أهداها إليه أبوه، وكانت في الأصل ضمن الهدايا التي توزع باسم مدير ~~لونا بارك. تحرك في عالم غريب مكتظ بالبشر، فتلقت حواسه في ~~وقت واحد فيضا لا نهاية له من الأصوات والأضواء والروائح العطرية ~~والعرق وضغط الأجساد. ومضى يتزحزح خطوة فخطوة في المدخل الممتد على ~~هيئة بوق؛ حتى ms77 خرج من فوهته وقد زهقت منه الأنفاس. وجد نفسه في ساحة ~~يطوف بها نسيم رقيق وتطوق بجناحيها أشجار متوسطة مغروسة في أصص كبيرة، ~~فاتجه نحو طريق ضيقة تقوم على جانبيها دكاكين الأطعمة، فأفضت به إلى ~~الملعب الكبير. في الفرج الذي جاء بعد الضيق شعر بأنه ولد من جديد، ~~وهكذا بدأ رحلته. وصمم على تجربة كل لعبة؛ فإنه لم يتكبد مشقة ~~المجيء ليبقى متفرجا. وصادفه مربع الأراجيح، وكان أكثر رواده من ~~الأطفال، ولكنه لم يخل من مغامر شاب، وإذا به يتخذ موقفه في ~~القارب الحديدي قابضا بيديه على العمودين، ويدفعه بحركة ذاتية فيصعد ~~به، ويهبط محييا ذكريات جميلة. وغادرها وهو راض عن نفسه تماما، ~~فابتاع بسكويتة دندرمة ومضى في رحلته. # وللحال جذب انتباهه فرقعة وهتاف، وصوت الداعي «جرب قوة عضلاتك»، ~~ورأى مدفع القوة يندفع فوق القضيبين الصاعدين نحو الهدف، وقد ازدحم ~~وراء الحاجز المتفرجون والمنتظرون لدورهم. # توثبت عضلاته للنضال. وسرعان ما اتخذ مكانه بين المنتظرين، وهو ~~يبتسم في ثقة. ولما جاء دوره تقدم من قاعدة المدفع وتناول مقبضه ~~الصلب، وراح يدفعه دفعات قصيرة ليختبر ثقله وسرعته، فينطلق إلى مدى ~~قريب صاعدا ثم يتقهقر هابطا، فيتلقاه من مقبضه مرة أخرى، ثم شد على ~~عضلاته ودفعه بأقصى قوته فاندفع طاويا القضيبين بسرعة، حتى ارتطم ~~بالهدف الفولاذي، وفرقعت الكبسولة في مقدمته. تحول عن موقفه والهتاف ~~يدوي، ولكنه ذاب في زحمة أكبر كما ذاب الهتاف في ضوضاء حلقت فوق ~~المكان كله. وشق سبيلا مبهور العينين بأضواء المصابيح الملونة ~~المتدلية من غصون الشجر، حتى استقر أمام كشك لبيع البيرة المثلجة. ~~ومال برأسه إلى الوراء وهو يرفع القدح، فرأى القمر في الأفق منخفضا عن ~~البالونات المنطلقة من صاري الملعب، ولا تميز لنوره في وهج الأضواء ~~الساطعة، ولا عبرة لجلاله في الضوضاء المكتسحة الصاخبة. شرب حتى ارتوى. ~~واستمع قليلا إلى أغنية تنهال من مكبر صوت، وهو ينظر من بعيد إلى ~~مضمار السيارات المكهربة. # ومضى إلى المضمار بنشاط متجدد. استقل سيارة فبدأ الرحلة المكهربة. ~~اندفعت السيارة بقوتها الذاتية، ولم ms78 يكن عليه إلا أن يوجهها بعجلة ~~القيادة، متفاديا إذا شاء السيارات التي تجول حوله كالكواكب. ووقعت ~~ارتطامات عن قصد أو عن عجز، فاستمتع بالهجوم وبالهروب على السواء، حتى ~~رأى سيارة تحمل فتاة قد تكالبت عليها السيارات ناطحة، والفتاة لا تني ~~تضحك. عند ذاك دب فيه حماس جديد فاستجد لجولته معنى، وطارد سيارة ~~الفتاة والشرر يتطاير من عجلات سيارته. وبدا عسيرا أن يستخلصها لنفسه ~~من المتنافسين، ولكنه احتك بها مرة، والتحم بها أخرى في عناد فدارا ~~معا حول أنفسهما حتى ألقت به سيارة متحدية بعيدا. وكان عليه أن ~~يدور دورة كبيرة قبل أن يتمكن من استرداد ما فقده غير أن الجرس رن ~~معلنا انتهاء الدورة. ورأى الفتاة تغادر سيارتها فغادر سيارته. تبعها ~~محاذرا حتى يبعد عن مجال الأعين التي توقع تجسسها عليه، ثم أخذ ~~يقترب منها. سمعت وقع أقدامه، فنظرت وراءها لحظة فداخلته طمأنينة إلى ~~النجاح. وأبطأت عند سياج مطرز بالياسمين والبنفسج يحيط بمطعم كباب ~~مترام في الهواء الطلق ففغمتهما رائحة الشواء الدسمة ممتزجة بعبير ~~الأزهار. همس: أنت سائقة ماهرة! # فابتسمت، فقال لنفسه إنها جاءت لذلك. وقدم لها ذراعه فترددت ~~قليلا ثم تأبطتها. ودعاها إلى قدحين من البيرة. اسمي حسن، واسمي سعاد. ~~ودمعت الأعين والشراب البارد ينساب إلى الأعماق. وسكب مكبر الصوت ألف ~~ليلة، أما القمر فقد ارتفع فوق الصاري نائيا بنفسه عن برج الأضواء ~~وصخب الهاتفين. ~~- ليلة بديعة ولكن أجمل ما فيها هو أنت. ~~- أنت ظريف جدا. ~~- هل يعجبك القطار؟ ~~- ولو أنه مرعب أحيانا. # جلسا جنبا إلى جنب في المقعد الأخير من العربة الأخيرة، ولحظ ~~ابتسامتها وهو يختار المكان المنعزل فتوترت أعصابه، وتناول يدها في يده ~~والقطار يتحرك. سار القطار على مهل حتى اعترضته هضبة فاندفع صاعدا، ~~وضاعف اندفاعه وهو يهبط. وجرى بسرعة فوق متتابعات من المرتفعات ~~والمنخفضات فطوقها بذراعه. ودار حول منعطف في تمهل ماكر، وراح يرتقي ~~جبلا في صمت ينذر بالخطر، ثم انحط من عل كأنما يهوي في فراغ وارتفع ~~الصراخ. شد على خاصرتها فمال رأسها على ذراعه، ms79 فطبع على شفتيها قبلة ~~طويلة. لم يكد ينتبه بعد ذلك إلى معاكسات القطار حتى رجع إلى المحطة. ~~وقال لها ومشروعات الليل تتواكب في رأسه: خير ما نفعل الآن أن نستريح ~~في مشرب. # وتبادلا «صحتك» مرة أخرى، وتحرك دبيب النشوة في قلبه. ونظر في مرآة ~~مكللة بورد من البلاستيك فوق الطاولة، فأعجبه شاربه الأسود وخداه ~~الموردان. وحدثها عن الليل فأحنت رأسها بالإيجاب، ولما غنى الصوت ~~الملائكي سألها: تحبين الغناء؟ # فأجابت بحماس: والرقص. ~~- وأي لعبة تودين؟ ~~- الحظ. # وجدا حلقة الحظ كثيرة الزحام، فبلغا سياجها بعد مشقة. وتناول كل ~~منهما حلقاته الخشبية الخفيفة، وهو يتفحص الأهداف المنشورة في تقارب ~~معجز للصائد. سددا نحوها الحلقات فطاشت جميعها، وابتاعا مجموعة ثانية ~~وثالثة من الحلقات، وهو يحلم طيلة الوقت بعلبة فضية لا يدري شيئا عما ~~بداخلها، على حين ركزت هي على زجاجة فلير دامور. وبعد الجهد والبذل ~~أصاب زجاجة نبيذ، وكسبت هي عروسا عارية. وذهبا وهو يفض سدادة ~~الزجاجة، ثم تناول منها شربة بعد أخرى. وركبا في أثناء ذلك الساقية، ~~فارتفعت بهما إلى جبين القمر، ثم رقصا فوق سطح الغربال، ودارت الخمر ~~برأسه فأفرط في مداعبتها، حتى همست في أذنه: حذار أن تلفت لنا ~~الأنظار. # فقرصها في ساعدها البض، فقالت بشيء من الحدة: لا. # وانتزعت منه الزجاجة فأحكمت سدها، ووضعتها في الصندوق الكرتوني ~~لصق العروس. واستقلا تروللي غابة الأشباح فالقارب المتزحلق، ثم ~~وجدا نفسيهما أمام وادي التيه المعروف بحجرة جحا. هتف بسرور: عز ~~المطلوب. # لكنها قالت بفتور: لا أحبها، سنتيه في سراديبها؛ حتى نفقد ~~الصبر. # فتناول يدها ضاحكا ثم دخلا. قطعا أمتارا في مدخل مربع ينتهي بسد في ~~الأمام، وعن اليمين وعن اليسار نفقان يستديران إلى الداخل. ولاحظت ~~تردده بين النفقين، فقالت محتجة: من أولها حيرة! # فمال إلى اليمين قائلا: «لنكن من أهل اليمين.» سارا في نفق مستقيم ~~مضاء بفانوس يتدلى من السقف، فانتهيا إلى حجرة مستطيلة بها منفذان غير ~~المنفذ الذي دخلا منه، ووجدا بها بضعة أفراد وكان أحدهم يقول: هلكت من ~~التعب. # فصاح آخر: ms80 الظاهر أننا لن نخرج إلى سطح الأرض مرة أخرى. # اتجه بها نحو المنفذ الأيمن، فسارا في ممر بدأ ضيقا، ثم أخذ في ~~الاتساع حتى اعترضته ثلاثة أبواب. # قلب عينيه بينها، فقرأ على أوسطها بالقلم الرصاص «ادخل من هنا ~~فإنه مجرب»، فتمتم: دعابة ماكرة لأحد اللاعبين، على اللاعب هنا أن ~~يعتمد على نفسه. ~~- لم تختار بابا دون آخر؟ ~~- العبرة بالتجربة. ~~- ولكن سنبدد وقت الفسحة. ~~- أليست حجرة جحا ضمن الفسحة؟ # مرقا من الباب الأيمن إلى ممر قصير، أوصلهما إلى ميدان مسقوف تتعدد ~~الأبواب على محيط دائرته، وتكتظ ساحته بالنساء والرجال. قهقه البعض ~~وعبست وجوه في نرفزة حقيقية. وقال رجل: لو أن أحدنا أصابه مكروه فهل ~~يترك حتى يموت؟ ~~- لم لا يوجد مندوبون عن الإدارة لتقديم المساعدة عند ~~الضرورة؟ ~~- هل ننادي أحد المسئولين؟ ~~- نادى كثيرون ولا مجيب. # دخل حسن من أحد الأبواب، فتخبطا طويلا من حجرة إلى ممر، ومن ~~ممر إلى سرداب، ومن سرداب إلى نفق، وتيار الحائرين يصادفهم في شتى ~~الاتجاهات. ولم ينقطع لحظة واحدة عن الضحك أو الغضب أو التعليقات. ~~وتوقفت سعاد وهي تقول في رجاء: لنرجع. # فضحك قائلا: ماذا يعني الرجوع أو ماذا يعني التقدم؟ .. نحن نسير ~~فحسب. ~~- ألا تذكر من أين أتيت؟ ~~- كلا. ~~- وطبعا لا تدري أين تذهب! ~~- هذا واضح. # وهي تتنهد: تعبت وضجرت. ~~- نحن معا وفي هذا ما يكفي. ~~- ألا تسمع أصوات الغيظ؟ ~~- وأصوات الضحك؟ ~~- سنتخبط حتى موعد الإغلاق. # سر اللعبة لا يمكن أن يعرف في أول جولة، فليس أمامنا إلا أن ~~نجرب حظنا. # واستأنفا السير والتخبط، وتجربة أبواب لا حصر لها، وأنفاق وسراديب لا ~~تنتهي. واشتكت أصابع قدميها، فحذرته من الاضطرار إلى حملها بين ~~ذراعيه. وزادت جزعا عندما رأت رجلا قد اقتعد الأرض يائسا، في انتظار ~~أن ينتشله رجل من الإدارة عند موعد الإغلاق. وطال بهما اللف ~~والدوران والتخبط حتى تجهم الوقت، ثم دفعا بابا بحركة روتينية ~~ميكانيكية، فإذا بباب الخروج يطالعهما. قام الباب على مبعدة ثلاثة ~~أمتار بهيجا رقيقا مضيئا محبوبا، وتبدت ساحة لونابارك من خلاله ms81 ~~سابحة في الأنوار والأنغام. غادرا حجرة جحا وهما يتصببان عرقا، فذهبا ~~إلى حديقة مشرب الجعة وطلبا بيرة. وضعت صندوق العروس على كرسي جنب ~~حقيبتها، وسلتت قدميها من الحذاء، وراحت تقبض أصابع قدميها المخضبة، ~~وتبسطها وهي تلحظه بعتاب. وبمجرد أن استقر الشراب في بطنه دار رأسه، ~~وتفاعل النبيذ والبيرة بحال غير ودية. # قالت: أنت عنيد أكثر مما ظننت. ~~- هكذا يجب أن تكون الفسحة في لونابارك. ~~- توجد ألعاب لطيفة وأخرى سخيفة. ~~- الأفضل أن نجربها جميعا. # انتعشت بالشراب فطلب قدحين جديدين، وهو يقول: لم تبق إلا لعبة ~~الموتوسيكل. # قطبت متسائلة: تقصد لعبة الموت؟ ~~- لم تسمى بلعبة الموت، رغم أنه لا يموت بها أحد؟! ~~- لا يسرني أن أرى راكب الموتوسيكل الذي يبدأ دورانه فوق الأرض، ثم ~~ينتهي وهو يدور حول السقف! ~~- هي اللعبة الوحيدة التي لم نشترك فيها بعد. ~~- لا .. لا. ~~- لم لا؟ ألا ترين أنها أشد إثارة من جميع سابقاتها؟ ~~- لن تتحملها أعصابي، ولا معنى لها. ~~- بغيرها ستظل فسحتنا ناقصة. ~~- فلتبق ناقصة؛ فهذا أفضل. ~~- ما دمنا قد جئنا فعلينا أن نجرب كل لعبة. ~~- لا تجعلني أندم على معرفتك. # أذعنت إزاء عناده وهي متبرمة. وشربا للمرة الثالثة، ثم دست قدميها ~~في الحذاء وتأبطت ذراعه مرة أخرى. سارا على مهل اضطراري فوق سيقان ~~مسترخية من الجهد. ثقل رأسه بالخمار، وعاود الألم أصابع قدميها. ~~والزياط من حولهما يشتد، وأفواج جديدة من الناس تقدم رغم انتصاف ~~الليل. # وتوسط القمر السماء، سماء صافية إلا من سحائب رقيقة متباعدة عبرت ~~سطحه كأنفاس حارة في جو رطيب. # وترامى إليهما أزيز الموتوسيكل وهما يقتربان من زحمة المنتظرين أمام ~~الباب. ضغطت ذراعه قائلة: كم إنك عنيد! # فقال وهو يهز رأسه: المؤسف حقا أن الفسحة ستنتهي. # وأدار نحوها وجهه بشوق وحنان، ثم داعب ملتقى حاجبيها بإبهامه ليزيل ~~عنه تقطيبة منعقدة، ولم يكف حتى منحته ابتسامة غير سعيدة. # | موجة حر # المدينة الكبيرة تنفض النعاس في صمت السحر. وقبيل الشروق تخضب ~~الأفق بحمرة قانية. وقطرت السماء الباهتة زمتة فسطعت أنفاس دافئة. ~~استند عسكري الدورية بجسر ms82 الجلاء إلى جذع شجرة، رافعا رأسه إلى الأفق ~~عبر النيل وبصق، ثم تمتم: يوم نكد حتى قبل أن تشرق الشمس! # وذابت الحمرة القانية في وهج الشمس، وانهالت الأشعة على الكائنات. ~~وسعى فوق الأرض باعة وعمال، وسرعان ما التمعت الحياة بقطرات العرق، ~~وأكثر من صوت قال: يا له من يوم! # واشترى أحمد علبة البلمونت، ثم مال إلى التليفون على طاولة الدكان ~~فأدار القرص: نادرة؟ .. صباح الخير. ~~- ... ~~- كلا، لم أذهب إلى المصلحة بعد، أنا أكلمك من دكان ~~السجائر. ~~- ... ~~- فعلا، والطريق أشد حرارة، ولكنه جو مناسب لنزهة مسائية على ~~شاطئ النيل؟ ~~- ... ~~- حسن، السابعة مساء عند جسر الجلاء. # ارتفعت الشمس وسط هالة ناصعة قاسية. واستكن الهواء في كينونة ثقيلة ~~متخلفة، وقرص الذباب الخدود في بلاده، وتكتل كالسخام فوق صناديق ~~القمامة. ونشرت الجماهير المتدفقة نحو محطة الباص الجرائد فوق الرءوس. ~~وقال رجل: الفول يغلي في بطني! # فأجابه الآخر: إذن فكيف تكون الظهيرة؟ # وخلف المحطة مباشرة تبدت جباه العمال العاكفة على صف الحروف من ~~نوافذ بدروم المطبعة، وترامت أصوات الآلات بلا انقطاع. # وشابت القبة الباهتة صفرة كئيبة ضاربة في حواشيها إلى الاحمرار. ~~ونزت الأرض رطوبة ساخنة، أما الهواء فاختنق برائحة كريهة كأنما يتنفس ~~دخانا. وفي إدارة الحسابات أغلقوا النوافذ، ورشوا الأرض الخشبية ~~الكالحة بالماء، وأضاءوا مصباحا واحدا، واستعملت الأضابير في ~~التهوية، واتبعت نصيحة مجرب باحتساء الشاي الساخن. وقال المراجع ~~الكهل: صدقوني لم تعرف البلاد حرا كهذا الحر. ~~- مؤكد أن الحرارة جاوزت الأربعين. ~~- أو الخمسين، نحن نحترق في الواقع. # ورفع المدير عينيه المظلمتين من هبوط القلب، وقلب في الوجوه نظرة ~~خابية حاقدة، وقال: ستعود الإدارة بعد الظهر لإنجاز الميزانية. # أطبق الصمت فلم يناقشه أحد. وهمس كاتب: الحقود وجد فرصة ~~للانتقام. ~~- صبرك، لن يمتد به الأجل حتى منتصف النهار. # وفي الميدان ارتطم مقدم تاكسي بمؤخرة آخر عند إشارة المرور. وغادر ~~السائق المتقدم مكانه ليعاين أثر الارتطام. مال فوق الفانوس الخلفي ~~يسبقه شعر صدره المتلبد البارز بين شقي قميصه، وهو يجفف جبينه بكمه، ثم ~~رمى السائق الآخر الذي لحق ms83 به بنظرة ملتهبة، فتمتم الآخر: وقف التاكسي ~~فجأة فلم ... # فقاطعه بحدة: حطمت الفانوس. # فراح يجفف وجهه بمنديل ضارب إلى السواد، وهو يقول: التواءة بسيطة ليس ~~إلا. # صاح به مطاردا بلسعة الشمس: أنت أعمى! # وتماسكا بشدة ثم انهالت اللكمات، وجاء عسكري المرور جريا وهو يسب ~~ويلعن. # وتربعت الشمس في كبد السماء كرة من نار تقذف حمما. وانتشرت ~~الصفرة الكئيبة الضاربة إلى الاحمرار لطخات متفرقة في الأديم الضاري. ~~ونفثت الأرض أطنانا من الحرارة اللافحة المركزة بالبخار، وانطلقت ~~الباصات مائلة إلى الجانب الأيمن من ثقل حمولتها، وتلاصقت الأجساد ~~البشرية حتى انصهرت في جسد واحد هائل متعدد الألوان والتقطيبات، متوحد ~~العناء والعذاب، واستقرت في الأعين المتطلعة إلى الطريق نظرة خاملة، ~~مستسلمة، متقززة، متألمة، متصبرة. ~~- العرق يتجمع ويهبط في خطوط كالحشرات، ثم يستقر في الحذاء. ~~- يوم من أيام الجحيم. ~~- إذن كيف يعيش الناس في السعودية؟ # ولسبب ما انفجر السائق في غضب قاذفا بسيل من اللعنات الفاحشة، فصكت ~~آذان السيدات والأوانس وكأنهن لم يسمعن ألبتة، وواصلن وجومهن بلا ~~مبالاة. # وأخذ مرسي صاحبه إلى قهوة وبار آسيا، وهو يقول: لن تعرف حقيقة اليوم ~~إلا من جرائد الغد، كم تظن درجة الحرارة؟ ~~- في الظل؟ # ضحك مرسي عاليا، وهو يصفق مناديا الجرسون، ثم قال: هاك طريقتي ~~المقتبسة عن الإنجليز الذين يعيشون في المناطق الاستوائية، أن أشرب حتى ~~تلطسني الخمر، هناك لن أفرق بين ديسمبر وبين أغسطس. # وقنع عساف وزوجه من الغذاء بأكلة جبن وبطيخ. وتجرد من ملابسه ثم ~~استلقى - كما ولدته أمه - فوق الكنبة، وفعلت حرمه مثله فوق الفراش. على ~~ذلك لم يهنأ بالنوم لتسرب العرق المالح من جفنيه، وانحداره أحيانا إلى ~~فيه الفاغر. استيقظ مرات ليجفف وجهه ثم يستغرق في النوم، ولكنه صحا ~~أخيرا على ضوضاء وزياط منزعجا حقا. نهض متسخطا فجفف جسده ~~بالفوطة، ومضى إلى الشيش لينظر ماذا يجرى، فرأى الغلمان يلعبون الكرة ~~في الطريق تحت قذائف الشمس. وخلف الهدف مباشرة نام سائقو الكارو على ~~الطوار في ظل الجدران. لعن النسل والتناسل، ثم رجع إلى الكنبة يبتسم ms84 ~~ساخرا : يلزمنا جهاز تكييف هوا. # فتردد شخير زوجه عاليا. # وانداحت الصفرة الضاربة إلى الحمرة، وانبثقت منها إشعاعات تحمل رسائل ~~من الكآبة والضجر. وتصاعد التثاؤب والتأوه. ونفد صبر ست عليات زوج ~~بياع الثلج، فوضعت ربع لوح ثلج فوق رأسها، ثم مسحت به عنقها، ثم ~~أرسته فوق صدرها طويلا، ولم تمض ساعة حتى ظهرت عليها أعراض ~~الحمى. # وأمام قهوة الحرية سقط عبد الرحيم القاضي المصاب بضغط الدم على ~~جنبه، وصدرت عنه تموجات تشنجية، وانكمش جانب فيه وسالت منه رغوة، ثم ~~فاضت روحه. # وحتى العصر لم يطرأ تغير يذكر. خف توهج النهار قليلا، وبهتت ~~الصفرة الكئيبة المنداحة في السماء، ومالت الشمس ولكنها ظلت تصب ~~النيران صبا. وانعقدت الرطوبة حول الأجساد مادة لزجة ذات كثافة ~~ملموسة. ومع أن الشعر هو أحب القراءات إلى حسن الزفتاوي إلا أنه قال ~~بفتور: كلمات .. كلمات، لا توحي بشيء، أين ذهب الشعر؟ # فأجابه صديقه حمدي مغمض العينين ملصقا زجاجة الاسباتس بجبينه: عبثا ~~تبحث عن شيء له قيمة في هذا اليوم. ~~- حتى الحب مات! ~~- وحتى الجنس فقد نكهته الحيوانية الحريفة! # وصادف عسكري الدورية بحي الطبلية عربة خيار يدفعها صاحبها في تراخ ~~فثار غضبه، ثم انقض على العربة فنزع مقبضيها من يد البياع، ورفعها ~~إلى أقصى ذراعه حتى اندلق الخيار على الأرض وصاح: ألف مرة قلنا ممنوع ~~مرور العربات! # وصرخ البياع وتجمهر الناس. وانتبه العسكري المنقول حديثا من قسم ~~قصر النيل إلى قسم الجمالية إلى أن التعليمات المطبقة على منطقة قصر ~~النيل لا تنطبق على حي الطبلية، فشعر بحرج مركزه، ولكنه أبى أن ينهزم ~~أو أن يعترف بخطئه؛ فصاح مستزيدا من الغضب: كيف تسب الدين يا جاحد؟! ~~.. تسب الدين؟! # وأقسم الرجل بالطلاق ولكن أكثر من قسم بالطلاق ترامت من الأركان ~~والنوافذ. وتابع الحادثة بفتور الواقفون حول مشرب السوبيا، يلهثون ~~ويشربون ويتصببون عرقا، والذباب يتلاطم فوق رءوسهم. # واستقرت أشعة الشمس المائلة فوق الجانب الغربي لعمارة النجمة ~~بجاردن سيتي حيث يقيم إبراهيم سمهان المستشار. واستيقظ المستشار من ~~قيلولته ليجد نفسه غارقا في بحيرة ms85 من العرق. هز رأسه في ذهول، ونظر ~~طويلا إلى صورة جسده المنطبعة فوق الفراش. كيف حدث هذا؟ وماذا يصنع ~~إذن جهاز التكييف؟ انزلق إلى الأرض وهو يترنح في جلبابه الفضفاض، ومضى ~~إلى الجهاز، فتبين أنه متوقف. فسد الجهاز أم انقطعت الكهرباء؟ وأدار ~~المفتاح الكهربائي فوجد الكهرباء منقطعة. لا شك أنها انقطعت بسبب ~~ارتفاع الحرارة. وهذا يعني أن الفريجيدير أيضا متعطلة، في هذا اليوم ~~الملعون. وهو وحيد في القاهرة بينا تصيف الأسرة في الإسكندرية، ولولا ~~اجتماع مجلس إدارة المؤسسة المنتدب إليها لما جرى عليه هذا الحظ التعس، ~~وذهب إلى الحمام وفتح الفريجيدير ليبل ريقه الجاف ولو بشربة فاترة، ~~ولكنه رأى صرصورا لابدا في عنق القارورة الوحيدة التي ملأها بنفسه ~~قبل النوم. تحول عنها غاضبا عابسا إلى صنبور الماء وفتحه، ولكنه لم ~~يقطر نقطة واحدة. رباه .. غاض الماء من الأدوار العالية كما يحدث ~~كثيرا في الأيام القائظة. أي جنون؟! ضائع في صحراء. كم إنه ظمآن، ~~وكم إنه متلهف على دش بارد! وغادر شقته في الدور الثامن إلى الطرقة ~~الخارجية. المصعد متوقف طبعا، كل شيء متوقف خرب في هذا اليوم الجهنمي. ~~ونظر من فوق الدرابزين وصاح بأعلى صوته: عم محمد .. عم محمد. # لا مجيب. وكرر النداء دون جدوى. رباه ما العمل؟! ظمآن وحران ولا ~~بد أن يذهب إلى المرحاض أيضا. وإذا به يرى خادم الشقة التالية له ~~وهو يصعد خطوة فخطوة، ينوء بحمل صفيحة مملوءة بالماء. وأنزل الخادم ~~الصفيحة على أرض الطرقة حتى يسترد أنفاسه. وقف شاحب الوجه بصدر يعلو ~~وينخفض. ونظر المستشار ناحيته، فتبادلا نظرة طويلة وهما صامتان. وضمن ~~المستشار نظرته رجاء مستحيلا، فتجاهله الخادم وأرخى جفنيه زائغا مما ~~قطع بأنه تلقى الرسالة ورفضها. له حق فليس في الإمكان أن يكرر عمله ~~الفدائي مرتين، ولكن ما العمل؟ ونظر المستشار إلى الماء المترجرج في ~~الصفيحة الناصعة فازدرد ريقه الجاف بصعوبة، ثم همس وهو يبتسم متوددا: ~~تسمح لي بملء كوب؟ # فقال الخادم باستحياء: تفضل يا بيه. # وهرع إلى الداخل ثم رجع بكوب فملأه، وصبه ms86 في جوفه دفعة واحدة. ~~وجعل يستشعر الماء وهو يرشح من مسامه، ثم تمتم: ماء دافئ. ~~- ينصب من الحنفية كالنار. # وتذكر مطالبه الضرورية الأخرى، فاستأذن في ملء الكوب مرة أخرى، فأذن ~~له الخادم بتسليم لا حيلة فيه. ورجع إلى الشقة، وهو يقول ساخطا: «بلد ~~غير مستعد للحر مع أن ثلاثة أرباع عامه صيف!» # وتوارت الشمس في المغيب وراء ستار دموي، ولكن الجو لم يتحرر من ~~قمقمه المنصهر. وأذاع الراديو أنباء الموجة وتفسيراتها الفلكية، ~~والدرجة الثامنة والأربعين التي بلغتها في الظل. ورقدت المدينة في همود ~~تحت العذاب الأغبر. وانتظر أحمد عند جسر الجلاء حتى وافته إليه نادرة ~~في فستان رمادي عارية الذراعين والساقين. ~~- ماذا فعلت اليوم؟ # فأجابت وهي ترعش راحتها المبسوطة في استفظاع: أوه .. يوم لن ~~ينسى. # ذهبا إلى مجلسهما المعهود بالكورنيش، ولكن الشاطئ كان مكتظا بالبشر ~~لا موضع فيه لإنسان. اقترح أن يمضيا سهرة في سينما مكشوفة، ثم يعودا ~~إلى النيل بعد منتصف الليل. ولما رجعا لم يكن الشاطئ قد خلا ولكن كان ~~ثمة موضع. وافترشا الحشائش بعد أن أزالا عنها قشر الفول ومزقا من ~~الورق، ولم يكن في الجو نسمة واحدة. ~~- مات الهواء؟ # فأجاب بضيق: شيء أثمن منه مات فينا. ~~- لن نحتمل يوما آخر كاليوم. # ومضى المكان يخلو بسرعة نسبية حتى وجدا نفسيهما منفردين أخيرا. ~~ولف ذراعه حولها فشعر في جنبه بسخونة، وفغمت أنفه رائحة عرق فاتر. ~~وانعكست أضواء الفوانيس على ماء ساكن راكد لا يلعب ولا يبهج: إذن متى ~~تنكسر حدة الحرارة؟ ~~- آه .. متى؟ # وخيل إليه أن حرارة الحب تزدرد حرارة الجو بسرعة لم يتوقعها، ~~غير أن قدما ثقيلة دقت الأرض في الظلام الصامت. ومن الظلمة المضاعفة ~~التي تلقيها شجرة وارفة مر شبح العسكري في ضوء المصباح. تعلق به ~~رأساهما، ثم همست: لا يوجد أحد غيرنا. # فشبك راحتيه حول ركبته، وغمغم حانقا: يوجد الحر. ~~- لا تعط له فرصة للتحرش. # مر العسكري أمامهما وهو يرميهما من عل بنظرة غامضة. ابتعد حتى ~~أوشك أن يختفي ولكنه توقف، وتنحنح. ثم استدار راجعا ms87 حتى وقف على ~~مبعدة مترين أو ثلاثة. لبث واقفا في عناد كأنه الحر دون أن ينبس. ~~توقعا أن يقترب أكثر أو أن يتكلم ولكنه لم يفعل. ولكزته بكوعها ~~هامسة: «هيا». قاما معا، وألقيا نظرة أخيرة على الماء الراكد، ثم ~~ذهبا. # وشيء غريب كريه زحم الجو، ذو رائحة مريضة وشخصية مبهمة، وقد انعقد ~~حول مصابيح الطريق كالضباب، وانتشر تحت النجوم فتراءت خابية. وتحرك ~~العسكري ببطء شديد وبصق، ثم تمتم: قلنا: إنه يوم نكد، حتى قبل أن ~~تشرق الشمس! # | عابرو السبيل # اندمج الشارع الكبير في حياة هؤلاء الناس، شارع قصر النيل، ما بين ~~السابعة والثامنة صباحا، يقطعونه ثم يتفرقون إلى أماكن أعمالهم. ~~وتتكرر الرحلة في نظام فلكي على مر الأعوام. بدأها كثيرون وهم في ~~ريعان الشباب والفتوة، وواصلوها حتى أدركتهم الشيخوخة وتخايلت لأعينهم ~~النهاية. ومنهم من ينقطع دون سبب معروف للآخرين؛ إذ إنهم يترافقون في ~~الطريق ولكنهم لا يتعارفون. والعين تلقي نظرة عابرة فلا تكاد ترى، ~~كأن الآخر شجرة مغروزة في الطوار، وربما استيقظت لسبب ما، فترى بدهشة ~~العوالم الغريبة الماضية في سبيلها، كل عالم وحدة من الأسرار والأفراح ~~والأتراح لا تدري شيئا عن الآخرين، ولا تجد وقتا للتعرف إلى ذاتها، ~~وتجهل كل الجهل مصيرها، عند ذاك تتفجر الألسنة في غزارة، ولكن تشح ~~الأجوبة حتى الإرهاق، وتشمخ السماء بصفحتها - الصافية أو الملبدة ~~تبعا للفصول - فلا تشفي غليلا ولا تبدد حيرة. # ثابر على تلك الرحلة ثلاثة أشخاص، رجلين مصريين وامرأة إفرنجية. ~~بدأها الرجلان حوالي عام 1925، ثم ظهرت المرأة بعد ذلك ببضعة أعوام، ~~وكانوا في ذلك شابين وشابة. وكان أحدهما طويلا نحيلا يتميز بعينين ~~حادتين، وسمرة غامقة، وحركات عصبية. أما الآخر فكان معتدل الطول والقد، ~~هادئ الطبع. وبدت الفتاة متعة للبصر بعينيها الزرقاوين، وشعرها الفاحم، ~~وبشرتها الحليبية، وجسمها الرشيق. وكانت - كذلك الشاب الطويل - يسيران ~~في اتجاه ميدان الأوبرا، أما الشاب الآخر فيتجه نحو ميدان سليمان ~~باشا، ويتقابلون عادة في منتصف الطريق أو نحو ذلك، ولم يترك أحدهما ~~فرصة للقاء إلا ويملأ من الفتاة عينيه، ms88 المعتدل يرمقها بحياء وبلا غاية ~~إلا إبهاج الروح والحواس، أما الآخر فيلتهمهما بنظرة حادة، ليست نظرة ~~ولكنها كلام وفعل وعربدة. ورئي مرة وهو يحييها وهي تتجنبه مبتعدة عنه ~~مسرعة؛ ذلك أنها كانت فيما بدا فتاة جادة نشيطة تنطلق بجدية وعزم ~~العاملات، لا تكاد تنظر إلى غير الطريق، وإذا التقت عينها بعين الشاب ~~المعتدل فبالقدر الذي يحتمه حب الاستطلاع أو ملابسات المشي في حدها ~~الأدنى. وجعل الشاب المعتدل يسترق النظر إلى الآخر بامتعاض، ويتابع ~~مناوراته بحنق وإشفاق متوقعا أن يراه ذات صباح والجميلة تتأبط ~~ذراعه. وبقدر ما كان يلعن قحته بقدر ما كان يعجب بها على نحو خفي، ~~ويتمنى في أعماقه بعضا منها، وأحزنه جدا أن يتفق اتجاههما في ~~الطريق على خلاف اتجاهه. ومضت الكواكب الثلاثة في مداراتها دون أدنى ~~تغير في علاقتها المشتركة، أما عن كل في ذاته فقد تتابع ظهور خواتيم ~~الزواج في أيديهم، سبق المعتدل، وتبعه في نهاية العام الطويل، وأخيرا ~~لحقت بهما الحسناء. ورغم ذلك فلم يقل الشغف بها كثيرا، وإن بدا أن ~~الطويل قد تخلى بصفة شبه نهائية عن أحلام المغامرة. ولم يتغير شيء ~~مما بين الثلاثة عندما قامت الحرب العالمية الثانية، وإن تكن الدنيا قد ~~اندفعت بجنون نحو التغيرات الفادحة. زخرفت الصحف بعناوين المعارك ~~الحمراء، وتناقل المارة الأنباء المثيرة، وظهر الإنجليز المدنيون ~~والعسكريون بكثرة حتى في تلك الساعة المبكرة، وفتح ثلاثة بارات في ~~الشارع العتيد، وانتقلت عدوى التغيير إلى الفتاة نفسها أسوة بالدنيا من ~~حولها، فثقلت مشيتها وشحب لونها، ثم تكور بطنها، وانداح تحت الفستان ~~التقليدي المسترسل بلا حزام، أجل لقد حبلت العروس الفاتنة. وتفحصها ~~الطويل بعين صقر وبشيء من الغيظ متذكرا امرأته، ولكن امتلأت عيناه ~~بالعطف والشرود الغامض. وحبلت المرأة مرة ثانية قبيل انتهاء الحرب، ~~وثالثة أيام حرب فلسطين، ولعل أحدا من الثلاثة لم يكن يفطن حقا ~~إلى الزمن إلا عندما يقع بصره على الآخر. امتلأ عود الحسناء وتوارى في ~~الذاكرة القد الرشيق الممشوق، وأحدقت بالعينين الزرقاوين أنصاف دوائر ~~خفيفة لم تعد تخفى، واستقرت ms89 بهما نظرة رزينة، رزانة الإعياء لا ~~رزانة الدلال والصدود التي عرفاها قديما. واشتد نحول الرجل الطويل، ~~وجرى المشيب في سوالفه وشاربه، وبرزت عظام وجنتيه، ومع أن المعتدل لم ~~ير من تغير ذاته سوى شعيرات بيضاء، إلا أنه لم يشك في مدى تغيره ~~الحقيقي كلما نظر إلى رفيقه، فانطوى صدره على توتر غامض كأنه صدى ~~بعيد جدا لما يقع حوله في التاريخ والطريق. واستمر دوران الكواكب ~~الثلاثة خلال أحداث جديدة، فقد نشب في القتال قتال مرير، واندلع حريق ~~القاهرة، ثم انفجرت ثورة يوليو. تزلزل المجتمع من جذوره وانهار البنيان ~~المتداعي، وأخذ نظام جديد في التبلور، وإذا بالاعتداء الثلاثي يعترض ~~الطريق كثور أعمى. وفي أتون حرب العدوان قدر لأولئك الثلاثة أن ~~يجتمعوا في مكان واحد لأول مرة. فقد انطلقت زمارة الإنذار، وفرقعت ~~المدافع وهم يسيرون أمام مشرب لاجيون. لجأ ثلاثتهم إلى المشرب باندفاع ~~عفوي، فوجدوا به خادما واحدا يغسل أرضيته، ومائدة واحدة صالحة ~~لاستقبالهم في أقصاه. شقوا سبيلهم إليها خلال قوائم من الكراسي ~~المتراصة فوق بعضها، ثم وقفوا مترددين قلقين، ثم جلسوا - بدعوة من ~~الخادم - حول المائدة المنفردة. وكلما ترامى انفجار تبادلوا نظرة باهتة ~~دون أن ينبس أحدهم بكلمة، وكان الطويل أجرأهم على خرق جدار الصمت، ~~فقال: ولا أيام الحرب العالمية. # فقال الآخر بحنق: المجرمون! .. سرعان ما نسوا هوانهم تحت أقدام ~~هتلر! # وتواصل التعليق دون أن تشترك المرأة فيه، ثم خف الضرب درجات، فعاد ~~الطويل يقول: لا مدعاة للخوف فهم يضربون الأهداف. # وحدجته المرأة بنظرة جائعة للتصديق، فابتسم إليها. تبدت عن قرب ~~معتلية ذروة النضج الأنثوي وإن شارف حسنها الوداع. وقال الطويل مدفوعا ~~بأريحية طارئة: خير ما نفعل أن نتناسى ما يقع في الخارج. # ثم وهو يبتسم عن طاقم نضيد: نحن نتقابل كل صباح منذ زمن بعيد جدا ~~كالحلم. # تفكر الآخر مليا، ثم قال: منذ عام 1925. # فالتفت الطويل نحو المدام، وقال: المدام ظهرت بعد ذلك؟ # انتزعت نفسها من التركيز المفعم بالقلق في الخارج، وهزت رأسها ~~بالإيجاب. ~~- عمر طويل مر دون أن نتبادل ms90 كلمة واحدة. # وضحك ثم استطرد: لذلك لا أعجب لخصام أمتين أو ثلاث. # وساءلت المرأة نفسها بتوتر: متى ينتهي الضرب؟ # فقال بلهجة ودية جدا: لا تخافي يا مدام، سينتهي الضرب عاجلا، ~~ويذهب كل منا إلى طريقه، ولكني أود أن أنتهز هذه الفرصة لأحقق فكرة ~~جميلة خطرت لي الآن فقط. # نظر إليه المعتدل مستطلعا في غير حماس، على حين نظرت المرأة في ساعة ~~يدها. ~~- سوف أحال على المعاش بعد شهر واحد، أي إنني سأنقطع عن رؤيتكما بعد ~~تلك العشرة الطويلة العزيزة. # فقال الآخر: وأنا أيضا سأحال إلى المعاش في نهاية هذا ~~العام. ~~- هذا أدعى إلى تحقيق الفكرة، وهي أن نحتفل بذكرى لقائنا الطويل على ~~مدى أكثر من ثلاثين عاما! # وقلب وجهه بينهما في حماس، وقد أخذ الهدوء يخيم في الخارج رويدا، ~~وإن لم تطلق بعد زمارة الأمان، ثم قال: أود أن أدعوكما إلى عشاء ~~بسيط بمطعم كريسنتم بالهرم، ما رأيك يا أستاذ؟ # فقال الآخر بنبرة سلبية: بكل سرور إن سمح الوقت. ~~- ستقبل الدعوة حتما خصوصا إذا قبلتها المدام، ما رأيك يا ~~مدام؟ # انتزعت المدام نفسها من قلقها مرة أخرى، وتمتمت: لكن ... ~~- لا لكن ألبتة، إنه سلوك لا عيب فيه عندكم، ودعوتي واضحة البراءة، ~~ورفضها غير إنساني. # ابتسمت ابتسامة خفيفة اعتدها الرجل قبولا، فبادر يقول: شكرا، سنتفق ~~على الميعاد في صباح قريب. # اتفقوا على الميعاد صباح اليوم الثالث لوقف القتال. وتقابلوا في ~~ميدان التحرير، ثم استقلوا تاكسي إلى كريسنتم فبلغوه قبيل الغروب. وفي ~~أثناء ذلك تم التعارف بينهم، فقدم الطويل نفسه قائلا: «علي بركة، ~~مترجم»، وقال الآخر: «سيد عزت، مدير حسابات»، وقالت المدام: «مدام ~~ماتياس، خياطة في ماي ستار». وجلسوا في حجرة خاصة يحجبها عن بقية ~~المحل باب موارب يقوم خلفه برافان. وأوصى علي بركة على عشاء حمام وكبد، ~~وأمر بكونياك، ونظر إلى سيد عزت ورفع كأسه قائلا: لنشرب نخب شباب عام ~~1925، أما أنت يا مدام فما زلت شابة. # فقالت ضاحكة: لا .. لا. لا فائدة من الكذب، أنت تعرف وهو ~~يعرف. # وما كادت ms91 الكئوس تفرغ حتى طلب غيرها وهو يقول: لا ترفضا، دعونا نشرب، ~~لن نسكر على أي حال، وهي ليلة العمر. # ومضت الألفة تحل محل التحفظ، ويشيع الدفء بتأثير الكونياك ولباقة علي ~~بركة وحيويته. وراح يقول: كان يجب أن نكون أصدقاء حميمين، يتبادلون ~~المودة والأسرار، ولكن فات الوقت للأسف، فلم يبق لنا إلا أن نذكر ~~شيئا من الأمور الجوهرية جدا لتمام التعارف، أسعد حادث في حياتنا ~~مثلا، أو أبقاه أثرا في نفوسنا؟ # رحب سيد عزت بالاقتراح لا لشيء؛ إلا لأنه يجد ما يقول، فقال: لعل ~~أسعد حادث صادفني هو نجاح ابني الأكبر في الثقافة العامة بعد ما يشبه ~~اليأس. # ونظر الرجل إلى المدام مستطلعا كأنما كانت هي الهدف الحقيقي ~~لاقتراحه، فابتسمت قائلة: زواج ابنتي الكبرى، ولكن الحادث الذي لا ~~أنساه هو وفاة زوجي منذ أربعة أعوام. # كاد التهلل للخبر يفلت من أساريره، لولا أن تداركه بتقطيبة مصطنعة، ~~ثم هز رأسه في رثاء. وانتهز فرصة الصمت الذي تلا ذلك، فطلب الكونياك ~~لثالث مرة، ثم ضحك مفتتحا صفحة جديدة، وقال: أحداثي أنا لا تخلو من ~~غرابة، فأسعدها كان وفاة قريب آلت إلي تركته، وأتعسها جاءني منك أنت ~~يا مدام. ~~- أنا! ~~- أجل، وأنت تعرفين السبب. # فقالت متشجعة بفعل الكونياك الخفي: تعني مطارداتك لي في ~~الشارع؟ ~~- أعني إعراضك عني حتى قبل الزواج. ~~- يا عزيزي، أنت لم تكن جادا. ~~- كيف عرفت؟ ~~- أنا أفهم، أنت لم تكن جادا. # وقال سيد عزت وهو يفرغ ثمالة كأسه: أنا موافق. ~~- أنت أيضا! هل اختفت نواياي الطيبة إلى ذلك الحد؟ ~~- لم تكن هناك أية نية طيبة! ~~- وأنت؟ كنت تأكلها أكلا وتأكل نفسك. # فقال سيد عزت بتسليم: لا أنكر ذلك! # ضحك الرجل في شماتة أمام مدام ماتياس، فقالت: لا أصدق. ~~- لماذا؟ # وجاء العشاء مع جديد من الكونياك، فأقبلوا على الطعام والسؤال معلق ~~والاهتمام به يعمق إلى غير نهاية، وقالت مدام ماتياس وقد احمرت ~~أذناها من الشراب: لي معك حكاية. ~~- أنا؟! ~~- كنت تنظر بقوة، كل صباح، قلت لنفسي: حتما سيكلمني يوما ~~ما! ~~- حسبتك لم ms92 تلحظي شيئا ألبتة! ~~- هه! قلت ستكلمني، وما أخره إلا أنه مؤدب أكثر من اللازم على خلاف ~~... # قاطعها علي بركة بضحكة عالية هاتفا: على خلاف الآخر قليل ~~الأدب! # وهي تضحك أيضا: لا .. لا .. معذرة .. (ثم ملتفتة نحو سيد) واعتبرت ~~المسألة مفروغا منها لدرجة أنني فاتحت ماما في الموضوع، ولكنها رفضت ~~بشدة فكرة زواجي من مصري. # صاح سيد عزت الذي أفقدته لذة الحديث لذة الطعام: الزواج؟ ~~- نعم .. وبسببك زعلت من ماما، فأقمت مدة عند خالتي. # ابتسم سيد في ارتباكه حياء وسرورا كما كان ينبغي أن يفعل عام 1930، ~~وإذا بعلي بركة يلكزه في ذراعه قائلا: ضيعت علي فرصة دون أن تنتفع ~~بها، صدق من قال: إن رجال الحسابات معقدون إلى النهاية. # تمتم سيد عزت: لم أكن أعرف، كنت يا مدام جادة جدا بصورة غير ~~مشجعة. ~~- هكذا نصحتني زميلة لي في ذلك الوقت بماي ستار، كانت يهودية مولودة ~~في مصر، قالت لي: إن المصريين يعشقون المرأة اللعوب، ولكنهم لا ~~يتزوجون إلا المتحفظة. # صاح علي بركة بفم مكتظ بالحمام: نعم النصائح اليهودية! # فخاطبت المدام سيد عزت قائلة: لكنك لم تتكلم، حتى لم تحاول ~~الكلام. # قال بارتياب: كنت دائما أخاف من الإفرنج. ~~- تخاف؟ ~~- نعم، شيء قال لي إنك مستحيل لأنك إفرنجية، وكلما فكرت في الكلام ~~عقد الخوف لساني. # علي بركة، وهو يضحك في تهكم: مفهوم .. مفهوم .. اللائحة المالية لا ~~تسمح بحب بين مصري وإفرنجية! ~~- وكان مرتبي محدودا، وكانت فكرتي عن الحب أنه باهظ ~~التكاليف! # قالت المدام وهي تهز منكبيها: انتظرت حتى خجلت من نفسي، ثم كان أن ~~تعرف بي مسيو ماتياس. # فقال علي بركة معاتبا: انتظرت الصامت، وصددت المتكلم الفصيح! # انتهى العشاء ولكن الشراب لم ينته. وتجلت آثاره في الخدود والأعين ~~والألسن، وارتفع الضحك. # وهتف علي بركة بنبرة الظافر باقتراح سعيد: عندي فكرة! # فنظرا إليه مستطلعين، فقال: لنرقص! # قال سيد عزت: لا أعرف الرقص. # وقالت المدام: ولا توجد موسيقى. # قال: «لا يهم»، وقدم لها ساعده فقامت ملبية، وأحاط خاصرتها ~~بذراعه وراحا يرقصان. وإذا به يضمها إليه ms93 حتى التصقا تماما. حاولت أن ~~تتخلص منه عبثا. وتساءل سيد عزت في ذهول: أي رقص هذا؟! # وقالت المدام في إعياء: من فضلك .. عن إذنك. # تمادى الرجل في فعله، وانعقدت في عينيه نظرة مخيفة؛ فصاح سيد عزت: خذ ~~بالك .. المدام تعبانة! # فقال بحدة: نحن هنا لا يدري بنا أحد! ~~- ابعد .. دعني. # وقام سيد عزت. وبقيامه تأكد من أنه ثمل حقا. وضع يده على كتف الكهل ~~الطويل، وقال برجاء: علي بيه، اعقل، لا تفضحنا! # فصاح به وهو يزيح يده بحركة من كتفه: اعقل أنت، سيأتي دورك يا ~~غبي. # وتأوهت المرأة متألمة؛ فهتف سيد بغضب: دعها .. أقول لك دعها .. ألا ~~تفهم؟ # وأمسك بذراعيه محاولا فكهما. جذبهما بأقصى ما استطاع من قوة. انضغطت ~~المرأة بينهما حتى استشعر بضاضتها. تراجع خطوة وهو يضاعف من قوة جذبه، ~~وقد لفحه خجل آثم. وصاح علي بركة بجنون: ابعد وإلا ... ~~- ستوقعنا في فضيحة. # وهتفت المدام: سأصرخ .. أقول لك إني سأصرخ! # ودار سيد عزت حولهما حتى وقف وراءه فقبض على عنقه، وشده منه بلا رحمة ~~حتى كاد أن يختنق، فتراجع إلى الوراء كالمتهاوي. وترنحت المدام، ثم ~~انحطت فوق الكرسي مغمضة العينين. ولم يعد يسمع إلا لهاثهم. خلا كل إلى ~~نفسه يضمد جروح روحه. المدام كالنائمة، وعلي بركة مائل إلى الجدار، ~~وسيد متقلص الوجه من الغثيان. وقال علي بركة بحقد: لن أدفع حساب ~~أحد! # مدت المدام يدها إلى حقيبتها، ولكن سيد عزت أمسك بها بحنو، وهو يقول ~~له: لن يدفع لنا أحد. # ورجعوا إلى الصمت والإعياء. ثم خطرت لسيد فكرة فنادى الجرسون، وقال ~~له: «كأسان من فضلك»، وقبل أن يختفي الرجل وراء البرافان قال له علي ~~بركة: «ثلاثة من فضلك». وشربوا هذه المرة وكأنهم يتداوون، في صمت وبلا ~~مرح. وراح علي بركة يقطع الحجرة ذهابا وجيئة. ثم غادر الحجرة فغاب ~~دقائق، ثم عاد بوجه مغسول وأسارير هادئة. ونقل بصره بينهما، ثم قال: ~~دفعت الحساب، كله. # فاحتج سيد عزت قائلا: لا. ~~- دفع وانتهى الأمر. # ثم بنبرة أرق: لننس ما كان، هذا خير ms94 ما نفعل. # وابتسم فيما يشبه الاعتذار. واقترب من سيد قائلا: «هات رأسك»، ولثم ~~جبينه قبل أن يفطن الآخر إلى ما يريد، وتحول إلى المدام مغمضا: «وهاتي ~~رأسك»، ثم لثم جبينها دون مقاومة من ناحيتها، وقال ووجهه لم يزل في ~~مستوى وجهها: آسف يا مدام .. الصلح خير! # وفجأة لثم فاها. ثم استقام متراجعا وهو يقول: قبلة الصلح، وتحية ~~للحلم القديم، حلم تراءى لي قبل موت سعد زغلول! # على ذلك غادروا المحل. وأمسك بيسراها داعيا الآخر للإمساك بيمناها، ~~وسار ثلاثتهم في جو مائل للبرودة. والقمر متوار وراء سحابة مفضضة. ~~وتراءى الخلاء في ظلام حتى الأنوار المتباعدة الباهتة فوق المقطم كعقد ~~من النجوم. وضحك الرجل وقال: فلنتذكر أغنية جميلة يعرفها ثلاثتنا ~~لنغنيها معا؟ # | يوم حافل # - لا! # قالها بحدة وهو يقطب، ثم رشف رشفة من قدح الشاي، وركز عينيه في ~~القدح ليتجنب عيني زوجته، ولكنها قالت محتجة: كنت متوقعة هذا ~~الرد! ~~- حسن، لم لم تعفي نفسك منه؟ ~~- لأن المرأة مسكينة حقا. # قال وهو يهز رأسه هزة الخبير بالعالم والناس: شياطين ~~خبثاء. ~~- اقرأ العريضة؛ لعلك تقتنع بأنها مظلومة حقا. ~~- قلت شياطين خبثاء. ~~- أنت تعلم أن زوجها وهب الوزارة عمره كله، فلأسرته حق في المساعدة ~~التي يجيزها القانون. ~~- وهب الوزارة عمره! .. اعلمي أن تسعين في المائة من موظفي الحكومة ~~نباتات طفيلية تتغذى بدون وجه حق. ~~- متى تغير بالله من طبعك؟ # رمقها بنظرة باسمة باردة لا يمكن أن تنبت أملا، فحل صمت غير قصير، ~~ثم سألها بنبرة جديدة وهو يقوم عن المائدة: كيف حال الولد؟ # فلم تجب احتجاجا، ولما كرر السؤال قالت باستياء: نام ليلة أمس ~~نوما هادئا، ولكن الحرارة ما زالت مرتفعة. # واستقل سيارته وهو يأمر السائق قائلا: «جروبي». انطلقت السيارة ~~تقطع الكورنيش مخلفة وراءها المعادي. وفتح الجريدة فتصفح العناوين ~~الكبيرة بسرعة، حتى استقر بصره فوق صفحة الوفيات. طالع أسماء ~~الراحلين أما الأقارب فسكرتيره الخاص يتولى أمرهم. متى يطالعك اسم علي ~~كامل بالخط العريض؟ سوف تشيع جنازته بكل إجلال وتؤدى له جميع ~~الواجبات ولكن متى؟ ذلك ms95 الرجل العنيد المصاب بتصلب الشرايين. وهو ~~يعاندك ويتوهم أنه يحافظ على كرامته، وكأنه لا يخشى قوتك التي يعمل لها ~~كل إنسان ألف حساب، فمتى؟ كما قرأت يوما اسم حسن سويلم. في مثل هذه ~~الجلسة، في نفس السيارة، في نفس الطريق. يومها بدأت بالنظر في صفحة ~~الوفيات فكان اسمه أول ما وقع عليه بصرك. البقاء لله .. حسن سويلم .. ~~مراقب عام الإيرادات. متى يا علي كامل؟ ~~- انظر أمامك! # صاح بالسائق بعنف؛ فحول الرجل عينيه بسرعة عن أسراب حمام تطير فوق ~~سطح النيل كسحابة بيضاء. واكفهر وجهه لحظات، ثم انبسطت صفحته رويدا. ~~آخر مشاحنة جرت بينك وبين المرحوم حسن قبل وفاته بشهر. يا حسن بك، أنا ~~الذي يقرر متى يجب تقديم مشروع الميزانية. ولكن ذلك من صميم اختصاصي يا ~~كريم بك. آه .. لا تضطرني إلى سحب العمل من يديك .. أنت تعرفني جيدا. ~~إذن اسمح لي أن أحتج على هذه المعاملة، فلست أنا بالموظف الصغير. لو ~~امتد به الأجل لكان اليوم منافسك الأول دون منازع. ولكن الجسم الفاسد ~~لا يخلو من دمامل. ها هو علي كامل ذو الشرايين المتصلبة، ماذا ~~يريد؟ # وقفت السيارة أمام جروبي، فغادرها ثم دخل المحل. أجال بصره في أنحاء ~~المكان حتى رأى الأستاذ علي فمضى إليه، ثم صافحه بحرارة قائلا: صباح ~~الخير، تهاني على مقالتك الأخيرة. ~~- أعجبتك حقا؟ # كرر إعجابه وهو يجلس. وطلب قهوة وهو يبتسم ابتسامة ذات معنى، فقال ~~الأستاذ: الظاهر أنك وفقت؟ # دس يده في جيبه الداخلي، فأخرج مظروفا سلمه للأستاذ، وهو يقول: ~~قنبلة العام! ~~- حقا؟ ~~- سوف تنفجر تحت أقدام نسيم البحيري المأفون المغرور. ~~- أنت متأكد من صحتها؟ ~~- وثائق لا يرتقي إليها شك. ~~- لا أريد أن أعرض الجريدة لقضية خاسرة! ~~- الله يعلم كم كلفني الحصول عليها من حيلة ومال. ~~- إن لم تقض على البحيري؛ فستقضي علي! ~~- ستقضي على البحيري وحده. # تبادلا نظرة طويلة، ثم قال كريم: سيكون نصرا للجريدة. ~~- ولك أنت. # ضحك كريم ضحكة أضخم بكثير من جسمه النحيل الدقيق، فتمتم الصحفي ~~باسما: أنت رجل جبار حقا! ~~- أنت ms96 رجل مستقيم ونظيف، فلا يهمني أن أرمى بعد ذلك بالقسوة. # وقرأ في عيني الصحفي نظرة لم يفهمها تماما، فقال: أنت أيضا ~~تكرهه. ~~- سأنشر الوثائق للمصلحة العامة، ولا دخل لعواطفي في ذلك. ~~- حسن، وأنا أخدم المصلحة العامة بطريقتي كذلك. # وقام مادا له يده فصافحه، وهو يسأله عن صحة ابنه، فقال وهو يمضي ~~عنه: لا بأس به، ولكن الحرارة ما زالت مرتفعة، شكرا لسؤالك ~~عنه. # استقل سيارته إلى مكتب الأستاذ يوسف عبد الرحمن المحامي الذي ~~استقبله بترحاب وهو يقول: مبارك يا كريم بك، قرأت اسمك أمس بين ~~المرشحين. ~~- شكرا يا عزيزي، خبرني عن جلسة أمس. ~~- تأجيل لتقديم مذكرات. ~~- وماذا عن مركزنا؟ ~~- عال جدا، أنا مطمئن كل الاطمئنان. ~~- إذن سيركع فهيم الدسوقي؟ ~~- أجل، ولكن ثمة جديد. ~~- ما هو؟ # قال المحامي بصوت أخفض درجة: تلويح بالصلح! ~~- صلح! # لفظها كذبابة، فقال المحامي: سوف تحترم شروطك بطبيعة الحال. ~~- ولو! ~~- وهو على أي حال ابن عمك. ~~- هذا مبرر للعداوة. ~~- أهذا هو رأيك الأخير؟ ~~- حتى النهاية. # وذهب إلى مكتبه بالوزارة، ثم طلب في التليفون رقما. ~~- آلو .. علي؟ .. صباح الخير. ~~- ... ~~- عندي لك خبر مهم جدا. ~~- ... ~~- اقرأ غدا صحيفة الكوكب. ~~- ... ~~- نسيم البحيري قضي عليه إلى الأبد. # وضحك طويلا حتى ارتجت لضحكه أركان الحجرة الكبيرة الصامتة. ~~واستقبل مدير مكتبه الذي عرض عليه البريد وبعض الموضوعات العاجلة. وجاء ~~على أثره علي كامل فتبادلا الآراء في مسائل شتى، ووجهاهما يعكسان ~~برودا سافرا. وعندما وقف علي كامل استعدادا للذهاب سأله كريم بدافع ~~شيطاني مباغت: كيف الصحة؟ # فأجاب الآخر فيما يشبه التحدي: لم تكن شراييني في وقت من الأوقات ~~خيرا مما هي الآن. # عنيد، مكابر، كذاب. وجهك الشاحب المتغضن يفضحك. وعما قليل ~~ستعتذر عن تخلفك الاضطراري عن اجتماعات المساء. علي كامل، البحيري، ~~الدسوقي، وعشرات غيرهم. كائنات نخرها السوس فلم يبق منها إلا على ~~عناد وحقد. أنت بحاجة إلى مدفع سريع الطلقات لتطهر منهم الحياة. وسوف ~~تنتصر كما انتصرت دوما. حياتك سلسلة من المعارك متوجة بالانتصار. في ~~ذلك متعتك وكرامتك في الحكومة أو النادي أو القرية. ms97 منذ نشأتك الأولى ~~وأنت مناضل كأنك تعيش في حلبة ملاكمة. النضال هو روح الحياة وسرها، ~~أما القيم المعسولة الخرعة فهي آفات الحياة. والرجال يضمرون لك ~~إعجابا لا حد له، وإن رددت ألسنتهم خلاف ذلك فعن خوف أو حسد. حتى ~~الوزير نفسه استدعاه يوما وقال له: يا سيد كريم، لماذا تثير الزوابع ~~دائما؟ # فتساءل بأدب واعتزاز معا: سيدي الوزير، هل أنا رجل صالح ~~للعمل؟ ~~- لم أطعن في ذلك أبدا. ~~- ونظافتي؟ ~~- على خير ما يرجى. ~~- وعند الخلاف مع الآخرين، أين تجد سيادتكم الحق؟ ~~- ولكنك تغالي في العنف، حتى لينقلب الوضع، فكأن الحق مع ~~خصمك. ~~- هكذا خلقني الله! # فقال الرجل بنبرة لم تخل من ضجر: حتى العنف في الحق يجب أن يقف عند ~~حد. # وعند الظهر رأس اللجنة المالية. وتفانى في العمل كعادته فلم يبال ~~بالوقت. ومرت ساعتان عقب وقت الغداء وهو يختلس من حين لآخر النظر إلى ~~الوجوه المتعبة المتألمة، ويتربص بكلمة تذمر أو شكوى. وفي صدره لعبت ~~عواطف ماكرة كشقاوة الأطفال. ولما أشبع طاقته في العمل والتعذيب فض ~~الجلسة. واتصل بزوجته بالتليفون فسألها عن الولد: لا بأس به، ولكني ~~استدعيت الطبيب لأن الحرارة لا تريد أن تنخفض. ~~- بخير إن شاء الله، لن أعود قبل العاشرة مساء؛ بسبب العمل. # وفكر في مسألة مرض الأطفال وهو يتناول غداءه بالنادي. قال: إن ~~الأطفال ما كان يجب أن يمرضوا على الإطلاق. المرض - إذا لم يكن منه ~~بد - فهو ظاهرة تطرأ على الجهاز البشري عقب طعونه في السن، أما ~~الطفل فلا يمرض إلا لخلل في الكون. وقد كان - هو - سليما عند الزواج، ~~كما كانت كذلك درية زوجته، وولد رمزي آية في الصحة والجمال، فما ~~معنى المرض إذن؟ # ومضى إلى حجرة التليفون فانبسطت أساريره لأول مرة. لأول مرة سرت ~~ابتسامة في غضون الوجه الصارم الكالح: آلو .. هنومة؟ .. كيف الحال؟ ~~- ... ~~- عال، هذا يعني أنه لن يعود اليوم؟ ~~- ... ~~- إذن نتقابل في السابعة؟ ~~- ... ~~- اعملي حسابك على ساعتين على الأقل، إلى اللقاء يا محبوبة. # واستقل السيارة وهو يقول للسائق: «بار الأنجلو». ms98 سيمكث هنالك ساعة ~~ثم يمضي إلى هنومة. امرأة مثالية في غرامياتها، وزوجها البدين يتوهم ~~أن البدانة يمكن أن تجعل من رجل زوجا موفقا. وهو يجيء إلى بار ~~الأنجلو، فينهمك في لعب الطاولة مقامرا بمبالغ ضخمة، ومرة قاوم إغراء ~~غريبا بصفعه على قفاه. أما البحيري فموعده الغد. سوف يصعق عند مطالعة ~~الجريدة، وإذا انتحر فسيثبت بانتحاره أن سوء ظنه به لم يكن صوابا ~~على طول الخط. واضطر السائق إلى ركن السيارة في آخر الطريق عند أول ~~موضع خال فغادر السيارة؛ ليتم طريقه مشيا على الأقدام. سار فوق ~~الطوار بجسمه النحيل الدقيق يطالع الدنيا بوجه صارم شبه متقزز. ومر ~~بمحل لبيع التحف اليابانية، فدخله دون سابق تفكير لابتياع هدية ~~لهنومة. اختار شبشبا مناسبا تماما للاستعمال في مسكنهما السري ~~بالهرم. وواصل مسيره نحو البار. وعند أول منعطف قبل المقهى، وعقب ~~نزوله من الطوار مباشرة، وجد نفسه مدفوعا نحو غلام يبول؛ فتراجع بسرعة ~~هاتفا: «يا ولد يا كلب.» كان الغلام يبول في علانية استعراضية، ~~وشقاوة وشت بسروره بما يفعل. وقد انطلق البول متلألئا تحت أشعة ~~الشمس في هيئة قوس، والغلام يدفعه بحركاته الذاتية إلى أقصى مدى ~~يستطيعه. تراجع كريم بك في شبه فزع فزلت قدمه، فهوى على ظهره فارتطم ~~مؤخر رأسه بحافة الطوار. ذعر الغلام فولى هاربا. ووقف المارة ~~القريبون؛ ليشاهدوا الحدث الغريب، وهم بين الرثاء والابتسام، ولكن كريم ~~بك استلقى في إغماء لا شك فيه. وهرع إليه بعض ذوي النجدة ليسعفوه. ~~وارتفع من بينهم صوت هاتفا: يا لطف الله ... الرجل جثة هامدة! ms99