######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.BidayaWaNihaya.Hindawi81514680 #META# Tags: novels #META# ID: 81514680 #META# Title: بداية ونهاية #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بداية ونهاية‏ # بداية ونهاية‏ # | بداية ونهاية # | بداية ونهاية # تأليف # نجيب محفوظ # | بداية ونهاية # 1 # ألقى الضابط نظرة كئيبة على الردهة الطويلة التي تفتح عليها ~~فصول السنتين الثالثة والرابعة، وقد شمل المدرسة - التوفيقية ~~- سكون عميق، ثم مضى إلى فصل من فصول السنة الثالثة، ونقر ~~على الباب مستأذنا، ودخل متجها صوب المدرس وأسر في أذنه ~~بضع كلمات، فسدد المدرس بصره صوب تلميذ يجلس في الصف الثاني ~~وناداه قائلا: حسنين كامل علي. # فقام التلميذ وهو يردد بين المدرس والضابط نظرة مليئة ~~بالترقب والقلق، وغمغم: أفندم؟ # فقال المدرس: اذهب مع حضرة الضابط. # فخرج التلميذ عن قمطره، وتبع الضابط الذي غادر الفصل في ~~خطوات بطيئة. ولم يطمئن قلبه لهذه الدعوة، وراح يسائل نفسه: ~~ترى أجاءت بسبب المظاهرات الأخيرة؟ وكان قد اشترك في المظاهرات، ~~وهتف مع الهاتفين: «ليسقط تصريح هور» و«ليسقط هور ابن الثور»، ~~وقد ظن أنه نجا من الرصاص والعصي والعقوبات المدرسية ~~جميعا، فهل كان مغاليا في ظنه؟ وسار وراء الضابط في ~~الردهة الطويلة متفكرا، يتوقع بين لحظة وأخرى أن ~~يجبهه بما عنده من تهم، ولكن قطع عليه تفكيره وقوف الرجل ~~حيال فصل من فصول السنة الرابعة ودخوله مستأذنا، ثم بلغ ~~مسمعه صوت المدرس وهو ينادي قائلا: حسين كامل علي. # شقيقه أيضا؟! ولكن كيف يمكن أن توجه إليه تهمة من هذه ~~التهم، وهو لا يشترك في المظاهرات بتاتا؟! وعاد الضابط يتبعه ~~الفتى واجما، وما إن وقعت عيناه على شقيقه حتى غمغم في دهشة: ~~وأنت؟! .. ماذا حدث؟! # وتبادلا نظرة حائرة، ثم تبعا الضابط الذي مضى متسمتا ~~حجرة الناظر. وسأله حسين في لهجة رقيقة مؤدبة: ما الذي أوجب ~~استدعاءنا من الفصل؟ # فأجاب الضابط بعد تردد قائلا: ستقابلان حضرة الناظر. # وقطعوا بقية الردهة دون أن ينبس أحدهم بكلمة، وكان ~~الشقيقان متشابهين لدرجة كبيرة؛ فكلاهما له هذا الوجه ~~المستطيل، وعينان عسليتان واسعتان، وبشرة سمراء ضاربة إلى ~~العمق، إلا أن حسين في التاسعة عشرة، يكبر أخاه بعامين ودونه ~~طولا، على حين يمتاز حسنين بدقة في قسمات وجهه أكسبته وضاءة ~~ووسامة ms001 . ومضى قلقهما يتزايد وهما يقتربان من حجرة الناظر، ~~وتخايل لعينيهما منظره الصارم في رهبة وخوف، وزرر الضابط ~~سترته، ونقر على الباب، ثم دفعه برقة ودخل وهو يومئ إليهما أن ~~يتبعاه. ودخلا وهما ينظران إلى الرجل وقد انكب على مكتبه في ~~صدر الحجرة يقرأ رسالة بعناية دون أن يرفع بصره نحو القادمين ~~كأنه لم يشعر بحضورهم. وحياه الضابط بأدب جم وقال: التلميذان ~~حسين كامل علي، وحسنين كامل علي. # فرفع الناظر رأسه وهو يطوي الرسالة بيديه، وأطفأ عقب ~~سيجارة في النافضة، وجعل يردد بصره بينهما، ثم تساءل: في أي ~~سنة أنتما؟ # فقال حسين بصوت متهدج: رابعة رابع. # وقال حسنين: ثالثة ثالث. # فنظر الرجل إليهما مليا ثم قال: أرجو أن تكونا رجلين كما ~~ينبغي. لقد توفي والدكما كما أبلغني أخوكما الأكبر، والبقية في ~~حياتكما. # ووجما في ذهول وانزعاج، وهتف حسنين وهو لا يدري قائلا: ~~توفي أبي! .. مستحيل! # وغمغم حسين وكأنه يحدث نفسه: كيف؟! لقد تركناه منذ ساعتين في ~~صحة جيدة وهو يتأهب للخروج إلى الوزارة. # فصمت الناظر قليلا ثم سألهما برقة: ماذا يعمل أخوكما ~~الأكبر؟ # فقال حسين بعقل غائب: لا شيء. # فتساءل الرجل: أليس لكما أخ آخر موظف، أو شيء من هذا ~~القبيل؟ # فهز حسين رأسه قائلا: كلا. # فقال الرجل: أرجو أن تتحملا الصدمة بقلوب الرجال، واذهبا ~~الآن إلى البيت، كان الله في عونكما. # 2 # وغادرا المدرسة إلى شارع شبرا يلتمسان طريقهما خلل الدموع. ~~وكان حسنين أسرعهما إلى البكاء، فأراد حسين أن ينهره في حال ~~عصبية، ولكن أفحمه البكاء، واختنق صوته، فلم ينبس بكلمة. وعبرا ~~الطريق إلى الجانب الآخر، وحثا خطواتهما قاصدين عطفة نصر الله ~~على مسيرة دقائق من المدرسة. وتساءل حسنين وهو ينظر إلى شقيقه ~~كالمستغيث: كيف مات؟ # فهز حسين رأسه واجما وتمتم: لا أدري. لا أستطيع أن أتصور. ~~لقد تناول فطوره معنا، وتركناه في صحة جيدة. لا أدري كيف وقع ~~هذا. # وحاول حسنين أن يتذكر الصباح القريب بتفاصيله؛ فذكر أنه رأى ~~أباه أول ما رآه وهو عائد من المرافق، فحياه كعادته ms002 قائلا : ~~«صباح الخير يا بابا» فأجابه مبتسما: «صباح الخير، ألم يستيقظ ~~أخوك؟» واجتمعوا بعد ذلك حول المائدة، فدعا الرجل الأم إلى ~~مشاركتهم الطعام فاعتذرت بأن نفسها مصدودة، فتذمر الرجل ~~قائلا: «إذا جلست معنا انفتحت نفسك» ولكنها أصرت على ~~الاعتذار، فقال بعدم اكتراث وهو يقشر بيضة: «على كيفك.» لا يذكر ~~أنه سمعه يتكلم بعد ذلك، اللهم إلا نحنحة مقتضبة. وكان آخر ~~ما رآه منه ظهره وهو يدخل حجرته مجففا يديه في منشفته. ثم ~~انتهى، انتهى، أبشع بها من كلمة! واسترق إلى حسين نظرة ~~مروعة فوجده محزونا واجما كأنما كبر وشاخ، وعاد إلى ~~ذكرياته وهو يكابد لوعة حارة: لا أصدق أنه مات، لا أستطيع ~~أن أصدق. ما هذا الموت؟ لا أستطيع أن أصدقه. انتهى؟ لو كنت ~~أعلم أن هذا آخر ما بقي لنا من عمره ما غادرت البيت. من أين ~~لي أن أعلم؟ أيموت الإنسان وهو يأكل ويضحك؟ لا أصدق. لا أستطيع ~~أن أصدق. وانتبه على أخيه وهو يجذبه من ذراعه إلى عطفة نصر الله ~~التي كاد يفوتها في ذهوله. وسارا في طريقها الضيق تصطف على ~~جانبيه البيوت القديمة، والحوانيت الصغيرة إلى ما يعترضها من ~~عربات الغاز والخضر والفاكهة. وسبقهما البصر إلى عمارتهما ذات ~~الأدوار الثلاثة، والفناء المستطيل الترب، ثم ترامى إلى ~~أذنيهما الصوات، فتبينا صوتي أمهما وأختهما الكبرى، ~~وهزهما حتى الأعماق فأجهشا في البكاء، وجريا لا يلويان على ~~شيء، وارتقيا السلم مهرولين إلى الدور الثاني، فوجدا باب ~~الشقة مفتوحا فتدافعا إلى الداخل، وقطعا الصالة إلى حجرة ~~الأب في نهايتها، ثم دخلا وهما يلهثان. وثبتت عيناهما على ~~الفراش وقد وشى الغطاء بالجسم الممدد تحته، ثم اقتربا من ~~حافته وارتميا عليها وأغرقا في نشيج حار. وكفت الأم والأخت ~~عن الصوات على حين غادرت الحجرة امرأتان غريبتان. وأرادت الأم ~~أن تتركهما ينفسان عن صدرهما فتماسكت واقفة في جلبابها ~~الأسود، وقد احمرت عيناها وانتفخ خداها وأنفها، أما الأخت ~~فقد ارتمت على كنبة وأخفت وجهها في مسندها، وراح جسمها ينتفض ~~من البكاء، وكان حسين يبكي ولسانه ms003 يتلو بطريقة آلية بعض السور ~~الصغيرة؛ استنزالا للرحمة. وكان حسنين يبكي في جو من الخوف ~~والذهول والإنكار. وقف حيال الموت محتجا ثائرا، ولكن في نفس ~~الوقت خائفا يائسا، «ليس هذا بأبي. لا يمكن أن يسمع أبي هذا ~~البكاء كله دون أن يتحرك، رباه لماذا يجمد هكذا؟ إنهم يبكون ~~ولكن في تسليم من لا حيلة له. لم أكن لأتصور هذا، ولا أتصوره. ~~ألم أره يمشي في هذه الحجرة منذ ساعتين؟ ليس هذا أبي. وليست هذه ~~حياة.» وبدأ الانتظار وكأن لا نهاية له، فاقتربت الأم من ~~الشابين ومالت نحوهما قائلة: حسبكما. قم يا حسين خذ أخاك ~~خارجا. # وأعادت القول حتى قام حسين وأنهض أخاه، ولكنهما لم يغادرا ~~الحجرة، وقفا يلقيان على الجدث المسجى نظرة طويلة غائمة ~~بالدموع. ولم يستطع حسين أن يقاوم رغبة حارة غامضة، فانحنى على ~~الجثمان، وكشف الغطاء عن وجهه دون مبالاة بالحركة التي بدرت من ~~أمه، فطالعه الوجه الغريب موسوما بميسم الفناء، تشوبه زرقة ~~مروعة، ويرين على صفحته سكون غير دنيوي، في عمق العدم ولا ~~نهائيته، فسرت رجفة في أوصاله. لم يكن أحد منهما قد رأى ~~ميتا قبل هذه المرة، فركبهما الخوف والأسى. ونفذ إلى ~~أعماقهما حزن قهار إلى حيث لم تنفذ عاطفة من قبل. ومال حسين ~~نحو الميت، ولثم جبينه فعاودته الرجفة. ومال حسنين نحوه كذلك، ~~ولثم جبينه في شبه غيبوبة. وأعادت الأم الغطاء على الرأس ~~الفاني، وحالت بينهما وبين الفراش، ثم قالت لهما بلهجة حازمة: ~~اخرجا. # فتراجعا خطوتين، وتولى حسنين عناد طارئ فتوقف، وتشجع به ~~حسين فتوقف كذلك. وجال بصرهما بالحجرة فيما يشبه الذهول، ~~وكأنهما كانا يتوقعان تغيرا شاملا لا يدريانه، ولكنهما ~~وجداها كالعهد بها لم يتغير منها شيء. هذا الفراش على يمين ~~الداخل، والصوان في الصدر يليه المشجب، وإلى اليسار الكنبة ~~التي ارتمت عليها الأخت، وقد أسند إلى حافتها عود انغرست ~~ريشته بين أوتاره، وثبتت عيناهما على العود في دهشة ممزوجة ~~بالحزن. طالما لعبت أنامل الراحل بهذه الأوتار، وطالما التف ~~حولها الأصدقاء مطربين يستعيدون ويعيد، فما ms004 أعجب ما بين الطرب ~~والحزن من خيط رقيق، أرق من هذا الوتر. ثم مر بصرهما ~~الحائر بساعة الراحل على خوان غير بعيد من الفراش، لا تزال تدور ~~باعثة دقاتها الهامسة، ولعل الراحل قرأ فيها آخر تاريخ له في ~~الدنيا، وأول عهدهما باليتم. وهذا قميصه على المشجب وقد لاحت ~~آثار عرقه ببنيقته، فرنوا إليها بحنان عميق، وقد بدا ~~لهما في تلك اللحظة أن عرق الإنسان أشد ثباتا من حياته ~~العظيمة. ولبثت الأم تنظر إليهما في صمت. لم تجر لها خواطرهما ~~على بال، ولكنها كانت تدرك من هول الكارثة ما لم يدر لهما ~~بخلد. وندت من حسنين تنهيدة حارة لفتت إليه شقيقه، فوضع ~~يده على كتفه وهمس في أذنه: هلم بنا. # وألقى الشابان نظرة أخيرة على الجثمان المسجى وهما يعتقدان ~~- بحكم العادة المتوارثة - أن عيني أبيهما تريانهما رغم ~~الموت، فلم يولياه ظهرهما؛ أن يسيء إعراضهما إلى شعوره، ~~وبعثا إليه بتحية قلبية، وتقهقرا إلى الباب ثم غادرا الحجرة. ~~ولاحت من حسنين نظرة إلى أخيه فطالع في وجهه حزنا عميقا ~~مؤثرا، فخفق قلبه وأحس نحوه بالعطف، كما أحس بحاجته الشديدة ~~إلى عطفه. # 3 # وغادر الشقيقان الشقة إلى باب العمارة حيث اصطفت بعض ~~الكراسي، فوجدا أخاهما الأكبر - حسن - جالسا في صمت وكآبة. ~~وجلسا إلى جانبه يشاركانه صمته وكآبته. لم يكن لديهما فكرة ~~عما ينبغي عمله، أما حسن فكان ذا تجارب كثيرة. وكان يشبه ~~أخويه إلى حد كبير، بيد أنه اختلف عنهما في نظرة عينيه التي ~~تنم عن جرأة واستهتار، فضلا عن أن طريقته في ترجيل شعره ~~الكثيف المنفوخ، ولبس البدلة، دلت على عنايته بنفسه من ناحية، ~~وعلى قدر غير قليل من الابتذال من ناحية أخرى. كان حسن يعلم بما ~~ينبغي عمله، ولكنه لم يبد حراكا لأنه كان ينتظر مقدم شخص ~~هام. وقد سأله حسين بتأثر: كيف مات والدنا؟ # فأجاب قائلا وهو يقطب: مات فجأة فأذهلنا جميعا. كان يرتدي ~~ملابسه وكنت جالسا في الصالة، فما أدري إلا ووالدتنا تناديني ~~بفزع، فهرعت إلى الحجرة، فوجدته ملقى على ms005 الكنبة وصدره ~~يعلو وينخفض. وجعل يومئ في ألم إلى صدره وقلبه، فحملناه إلى ~~الفراش، وقدمنا له كوب ماء ولكنه لم يستطع أن يشرب. ثم غادرت ~~الحجرة مسرعا لاستدعاء طبيب، ولكني لم أكد أبلغ الفناء حتى ~~صك مسامعي صوات حاد فعدت فزعا، ووجدت أن كل شيء ~~انتهى. # ورأى وجهي شقيقيه يتقلصان من الألم فازداد وجهه كآبة. كان ~~يشعر بحرج شديد جعله يتوجس خيفة من شقيقيه أن يظنا ~~بحزنه الظنون. كانا يعلمان بطبيعة الحال بما كان يقع بينه وبين ~~والديه من شقاق وملاحاة بسبب حياته المضطربة المستهترة، فخاف ~~أن يحسباه دونهما حزنا وأسفا. والحق أنه يجد لوعة الحزن ~~والأسى. والحق أنه لم يبغض أباه قط على رغم ما كان. وإذا لم ~~يكن حزنه كحزنهما فمرجع هذا إلى تقدمه عنهما في السن - كان في ~~الخامسة والعشرين - وإلى تمرسه بالحياة حلوها ومرها، ~~ومرها على الأكثر، الأمر الذي يلطف عادة من مرارة الموت. ~~حقا كان قلبه يحدثه بأنه لن يجد بعد اليوم من يصرخ في ~~وجهه قائلا: «لا أستطيع أن أعول رجلا خائبا مثلك إلى الأبد، ~~فما دمت قد نبذت الحياة المدرسية، فشق سبيلك بنفسك ولا تلق ~~بنفسك علي.» حقا لن يجد من يقول له هذا بعد اليوم، ولكنه لن ~~يجد كذلك من يئويه إذا ضاقت به السبل، وكثيرا ما تضيق به حتى ~~لا يوجد بها منفذ لأمل. إنه أعظم إدراكا لحقيقة الكارثة التي ~~وقعت من هذين الطفلين الكبيرين، فكيف تنقصه دواعي الحزن ~~والأسف؟! واختلس من الوجهين المحزونين نظرة سريعة من عينيه ~~البراقتين، ثم عض شفتيه. كان يحبهما على رغم الظروف التي ~~تدعوه إلى الحقد عليهما، وفي مقدمتها جميعا نجاح حياتهما ~~المدرسية وتمتعهما بعطف أبيه. ولكنه لم يكن يرى في المدرسة ~~ميزة يحسد عليها أحد، ومن ناحية أخرى كان مقتنعا بأن أباه ~~يحبه كشقيقيه وإن ران على حبه السخط والغضب، وأهم من هذا ~~كله أن الشعور برابطة الأسرة كان ولا يزال قويا في آل ~~كامل بفضل الأم قبل كل شيء. # وعند الضحى أقبل عليهم رجل ms006 وامرأة في ثياب ريفية، فعرفوا ~~فيهما خالتهم وزوجها عم فرج سليمان، وقد عزاهم الرجل وشاركهم ~~جلستهم، على حين هرولت الخالة إلى الداخل وهي تصرخ «يا خراب ~~بيتك يا اختي» فدوت العبارة في آذانهم دويا مفجعا وعاود ~~الشابين البكاء. وراح عم فرج سليمان يحادث حسن بينما خلا ~~الشقيقان إلى نفسيهما في صمت طويل، والتقت أفكارهما وهما لا ~~يدريان في مصير أبيهما بعد الموت. وكان حسين راسخ العقيدة عن ~~وراثة وبعض العلم، فلم يداخله شك في النهاية، وسأل الله بقلبه ~~أن يلقى أباه في ذلك اليوم البعيد، وهما على أحسن حال من رضوان ~~الله. وأما حسنين فكان في حيرة من كرب الموت لا يدع للعقل ~~راحة للتأمل والتفكر. وكان يسلم بالإيمان تسليما وراثيا ~~لا شأن فيه للفكر، وقد حملته أمه يوما على أداء الفرائض ~~فأداها دون وعي، ثم هجرها في شيء من التردد دون تكذيب أو ~~زيغ. ولم تتسلط العقيدة على فكره. ولم تشغل باله كثيرا، ~~ولكنه لم يجد نفسه خارجا على حقائقها قط. وقد دفعه الموت إلى ~~التفكير ولكنه لم يطل به، وسرعان ما عاوده التسليم تؤيده هذه ~~المرة عاطفة حادة: «هل الموت هو النهاية؟ ألا يبقى من أبي إلا ~~التراب ولا شيء من وراء هذا؟ معاذ الله. لن يكون هذا. إن كلام ~~الله لا يكذب.» ولبث حسن وحده لا يشغله شيء من هذه الأفكار، ولم ~~يستطع الموت نفسه أن يدعوها إلى رأسه، كأنه كان وثنيا ~~بالفطرة. والحقيقة أنه لم يتأثر بأي نوع من التربية أو ~~التهذيب. كان ابن الشارع كما كان يدعوه أبوه في ساعات الغضب. ~~وقد طبع على العبث فلم يعد قلبه تربة صالحة لبذور العقيدة، ~~وما انفك يتخذ منها مادة لمزاحه ودعابته، وحتى الأثر الخفيف ~~الذي علق بقلبه من وحي أمه ضاع في خضم الحياة التي اكتوى ~~بنارها. لذلك تاه به الفكر في وديان بعيدة عن الأبدية، ~~تتركز حول هذه الحياة، وحظه وحظ أسرته منها. بيد أنه لم يطل ~~به المكث مع شقيقيه وزوج خالته؛ فقد تراءى عن ms007 بعد رجل يهرول ~~قادما، ما إن وقع بصر حسن عليه حتى قال بارتياح كأنه كان ~~ينتظره: فريد أفندي محمد! # وكان القادم يجفف جبينه بمنديل على رغم لطافة الجو الخريفي، ~~ولكنه كان بدينا مفرطا في البدانة، ذا كرش عظيمة، ووجه ~~مستدير مكتنز لاحت فيه قسماته دقيقة صغيرة، على أن بدانته ~~وكهولته وأناقته أيضا أضفت عليه وقارا مما يعتز به موظفو ~~الحكومة، والكتبة منهم خاصة. وعلقت به أعين الأخوة برجاء ~~يستحقه من كان جارا مثله، وصديقا قديما لأبيهم، وأقبل ~~الرجل عليهم معزيا. ثم خاطب حسن قائلا: طلبت إجازة اليوم من ~~الوزارة. هلم بنا إلى ديوان المرحوم لصرف الدفنة، ثم لابتياع ~~اللوازم الضرورية. # وجعل يسأل عما كان وصاه به قبل ذهابه إلى الوزارة من ~~إجراءات تستدعيها الوفاة، ثم تأبط ذراعه وذهبا معا. # 4 # وعند اقتراب موعد الجنازة بلغ الاضطراب بحسنين مداه، اضطراب ~~من نوع جديد، كان يشغله عن الحزن نفسه. كان يرجو لأبيه جنازة ~~رائعة تليق بمقامه وبمكانته هو، التي يحب أن يظهر بها أمام ~~الناس. لم يكن أخواه ليكترثا كثيرا لهذا الأمر، أما هو فكان ~~يعد إخفاق الجنازة كارثة كالموت نفسه؛ غضبا لأبيه الذي يحبه، ~~ولنفسه هو. وقلب عينيه فيمن تجمع من المشيعين فلم ير أحدا ~~يملأ العين إلا جارهم الكريم فريد أفندي محمد، أما زوج خالته ~~فكان في حكم العمال، وليس عم جابر سليمان البقال بخير منه، ~~والحلاق أدهى وأمر، ونفر غيرهم غيابهم أشرف من حضورهم. وانقبض ~~صدره وغشيه كدر عميق. ولكنه كان قليل الصبر، فما وافت ~~الساعة الرابعة حتى تدفقت جماعات الموظفين حتى سدوا ~~عطفة نصر الله سدا. وردت إليه الروح فعاد إلى حزنه خالصا من ~~القلق. ثم حدث ما لم يدر له في حسبان، فجاءت سيارة فخمة تنطق ~~بالعز والجاه، ووقفت على بعد يسير من البيت وغادرها ساع ففتح ~~بابها، ثم نزل منها رجل ينم مظهره على الألقاب والرتب. وتقدم ~~بجسمه الطويل العريض الذي عقدت عليه الخمسون هالة من وقار ~~فهرع إليه الإخوة بأدب، واندس بينهم فريد أفندي محمد ms008 ليحظى ~~باستقبال الشخصية الممتازة التي ينبغي أن يقدرها - كموظف - ~~أكثر من سواه، وتساءل القادم في صوت منخفض: أليس هذا بيت ~~المرحوم كامل أفندي علي؟ # فبادره فريد أفندي قائلا باحترام: بلى يا سعادة البك. # ولم يجدوا ما يقدمونه له إلا كرسيا خيزرانا على قارعة ~~الطريق، فشعروا بحرج غير قليل. وكان حسنين قد امتلأ ارتياحا ~~لمقدمه، ولكنه وجد ضيقا لسؤاله عن بيت المرحوم؛ مما دل على ~~أنه لم يكن يعرف البيت، واقترب من أخيه حسن يسأله: من يكون هذا ~~الرجل؟ # فقال حسن: أحمد بك يسري، مفتش عظيم بالداخلية، وصديق حميم ~~للمرحوم. # فسأله بغرابة: لماذا سأل عن البيت كأنه لا يعرفه؟ # فحدجه حسن بنظرة غريبة وقال: كان والدنا كثير التردد على ~~بيته، أما هو .. إنه رجل عظيم كما ترى! # وصمت الشاب لحظة ثم استدرك قائلا: كان المرحوم يحبه ويعده ~~أعز صديق. # وتناسى حسنين هذا، ولم يشأ أن يفسد على نفسه زهوها، وود ~~لو يراه - ذلك المفتش - المشيعون جميعا. ثم حلت اللحظة ~~المفجعة، فخرج النعش من البيت وعلا الصوات من الشرفة ~~والنوافذ. انتظمت الجنازة بالمشيعين جميعا يتقدمهم النعش. ~~وعلقت أعين الشقيقين بالنعش في ذهول وإنكار، وتساقط دمعهما ~~طوال الطريق. وبلغوا المسجد فأخذوا في توديع المشيعين وشكرهم. ~~وأظهر البعض استعدادا لمرافقة النعش حتى مستقره الأخير، ولكن ~~حسنين همس في أذن أخيه الأكبر قائلا: لا تسمح لأحد بالذهاب ~~مهما كلفك الأمر. # كان حريصا على ألا تقع عين على القبر؛ حفظا لكرامة الأسرة. ~~ووفقوا إلى صرف المشيعين، وركبوا سيارة الموتى وليس في ركابهم ~~إلا عم فرج سليمان، وفريد أفندي محمد الذي أبى الرجوع إباء لم ~~ينفع فيه الرجاء. وانطلقت السيارة بهم إلى باب النصر، ووقفت بهم ~~ناحية قامت بها القبور في العراء ثم ووري جثمان كامل أفندي في ~~قبر غير بعيد من الطريق الملتوي الذي يشق المدافن كأنه من قبور ~~الصدقة. ووقف حسنين غارقا في الحزن والبكاء، ولكنه على حزنه كان ~~يسترق النظرات إلى محمد أفندي فريد في خجل واستياء «لو علم ~~التلاميذ بالوفاة لجاءوا معزين، ولرافقني ms009 بعضهم حتما إلى ~~هذا القبر. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. لا مقبرة ~~ولا يحزنون. لماذا لم يبن والدنا مقبرة تليق بأسرتنا؟!» # 5 # انتصف الليل أو كاد، وخلت الشقة إلا من أهلها. وآوت ~~الأسرة إلى الصالة ومعهم الخالة وزوجها. وراحت الأم تعيد قصة ~~الوفاة للمرة العشرين في ذاك اليوم الحزين، وأنصت إليها حسين ~~وحسنين باهتمام، على حين وجم حسن متفكرا. # وتحدث حسنين عن أحمد بك يسري متحاشيا مسألة جهله للبيت؛ ~~لوجود خالته وزوجها من ناحية، ولأنه لم يكن يحب أن يذكرها من ~~ناحية أخرى. وكان شعور العطف نحو والده يملأ عليه نفسه، فجعل ~~يرنو إلى باب حجرته المغلقة بطرف حزين، ويتخيل فراشه ~~الخالي بإنكار وأسف، ثم نظرت الأم إلى الأبناء وقالت: قوموا ~~للنوم. # وأذعنوا لمشيئتها بلا اعتراض بعد يوم شاق أليم، ومضوا إلى ~~حجرتهم. وكان بالحجرة ثلاثة أسرة صغيرة فأخلوا واحدا لزوج ~~خالتهم الذي لحق بهم على الأثر، وشارك حسنين حسين في فراشه. ~~ولكنهم لم يستسلموا للنوم، أو تأبى النوم عليهم، فراحوا ~~يتحدثون عن أبيهم بحزن وحنان، ويذكرون أيامه الأخيرة، وميتته ~~المفاجئة. ثم قال حسين: كانت جنازته تليق بمقامه حقا. # فقال عم فرج سليمان مؤمنا على قوله: كان رحمه الله رحمة ~~واسعة رجلا عظيما، فلا عجب أن تكون جنازته عظيمة مثله. ولقد ~~امتلأت عطفة نصر الله بالمشيعين من البيت إلى شارع شبرا. # ولم يرتح حسنين لصوت الرجل، وكان يشعر لوجوده بضيق، ثم ذكر ~~حانقا أنه رأى القبر العاري، فقال: العجيب أن والدنا وقد أفنى ~~مالا كثيرا لم يفكر في بناء مقبرة تليق بالأسرة. # فعاد الصوت الذي لم يرتح إليه يقول: وهل كان يظن أنه سيهلك في ~~مثل هذه السن؟ إن والدك في الخمسين. وعندنا في الريف كثيرون ~~يتزوجون للمرة الثانية أو الثالثة في هذه السن. # وصمت الرجل مليا ثم استدرك قائلا: ولا تنس أن والدك قد ~~هاجر مع جدته من دمياط إلى القاهرة، وهو في مثل سنك يا سي ~~حسنين، فلستم من أهل القاهرة الذين يتوارثون المقابر جيلا ms010 بعد ~~جيل. # فقال حسنين بامتعاض: حقا لسنا من أهل القاهرة، وإن كانت ~~أسبابنا بآلنا في دمياط قد انقطعت. # وذكر في حزن أنه لا يعرف لنفسه أقارب غير خالته هذه، وسيبقى ~~هذا القبر المغمور في العراء رمزا لضياعهم المخجل في هذه ~~المدينة الكبيرة، وازداد ضيقا بوجود هذا الرجل الذي احتل ~~فراشه. فآثر الصمت حتى يقطع عليه سبيل الكلام. وساد الصمت حتى ~~رنق النوم بأجفانهم. وفي الصالة لم تبارح الأم وأختها وابنتها ~~مجلسهن، ولم يتعبن من الحديث عن الفقيد العزيز. وكان الشعور ~~بالفاجعة هنا أعمق من الحجرة الأخرى. وقد ارتسمت أماراته على ~~وجه الأم النحيل البيضاوي وعينيها الملتهبتين. وكانت بأنفها ~~القصير الغليظ وذقنها المدبب وجسمها النحيل القصير؛ توحي بأنها ~~وهبت الأسرة خير ما فيها، فلم يبق من حيويتها إلا نظرة قوية ~~تنم عن الصبر والعزم. # وكان التغير الطارئ عليها من العمق بحيث يتعذر تصور ما ~~كانت عليه أيام شبابها، إلا أن ابنتها نفيسة كانت تعيد حياتها ~~وصورتها بدقة كبيرة، كان لها هذا الوجه البيضاوي النحيل ~~والأنف القصير الغليظ والذقن المدبب، إلى شحوب في البشرة، ~~واحديداب قليل في أعلى الظهر، فلم تكن تختلف عن أمها إلا في ~~طولها المماثل لطول شقيقها حسنين. كانت بعيدة عن الوسامة وأدنى ~~إلى الدمامة، وكان من سوء الحظ أن خلقت على مثال أمها، على ~~حين ورث الإخوة خلقة أبيهم. وكان الحزن قد أتى عليها فبدت في ~~صورة بشعة واستغرقت فكرها ذكريات والدها الحبيب. أما الأم ~~فعلى حزنها الشديد دارت برأسها خواطر أخرى. كان يداخلها نحو ~~أختها شعور بعدم الارتياح. ولم تستطع أن تنسى أنها كانت تنغص ~~عليها حياتها، وأنها كان يحلو لها كثيرا أن تقارن بين حظيهما ~~فتقول: إن أختها تزوجت من موظف، أما زوجها هي فعامل في ~~محلج قطن، وإن أختها تقيم في القاهرة، وهي مقضي عليها بالحياة ~~في الريف، وإن أبناء أختها تلاميذ وأبناءها هي لا حظ لهم إلا ~~حظ العمال، وإن كرار أختها لا ينضب معينه، أما بيتها فلا ~~يعرف السعة إلا في المواسم. لعلها ms011 لا تجد الآن ما تحسدها عليه. ~~وامتلأت نفسها امتعاضا إلى ما بها من حزن. إنها تدرك من هول ~~الكارثة ما لا يدركه أحد. انتهى زوجها، وإنها لتتلفت يمنة ~~ويسرة فلا تجد أحدا تعرفه إلا هذه الأخت التي لا يعقد بها ~~رجاء. لا قريب ولا نسيب. ولم يخلف الراحل شيئا. وهيهات أن ~~تأمل في معاش مناسب وقد كان مرتبه كله يستنفد في ضرورات ~~الأسرة. وقد وجدت في محفظته جنيهين وسبعين قرشا هي كل ما تملك ~~من نقود حتى تنتظم الأمور. ورنا بصرها إلى حجرة الأبناء في ~~سهوم. اثنان في المدرسة، معفيان من المصاريف حقا، ولكن هيهات ~~أن يغني هذا عنهما شيئا. أما الثالث ففي حكم الصعاليك! ~~وتنهدت من الأعماق، ثم حولت عينيها إلى نفيسة فتقطع ~~قلبها ألما. فتاة في الثالثة والعشرين من العمر بلا مال ولا ~~جمال ولا أب. وهذه هي الأسرة التي باتت مسئولة عنها بلا معين. ~~بيد أنها لم تكن من النساء اللاتي يفضضن همومهن بالدموع. وأن ~~حياتها الماضية وإن أمست حلما سعيدا موليا إلا أنها لم ~~تكن يسيرة، خصوصا في مطلعها حين كان المرحوم موظفا صغيرا ذا ~~جنيهات معدودات، وقد علمتها الصبر والجلد والكفاح. كانت ~~دائما قوية، وكانت محور البيت الأول، بل كانت على الأرجح تقوم ~~بدور الأب، على حين كان المرحوم أدنى إلى حنان الأمهات وضعفهن. ~~والأبناء أنفسهم مثال حي على التباين بين الأب والأم، فكان حسن ~~شاهدا تعيسا على رخاوة الأب وتدليله، وكان حسين وحسنين شاهدين ~~على حزم الأم وحسن تربيتها. أجل كانت أرملة قوية، ولكنها لم ~~تمتلك في تلك اللحظة من الليل إلا اجترار الحزن والقلق. # 6 # في مساء اليوم التالي لم يبق في الدار أحد غير أهلها، وقد ~~كوم أثاث حجرة الراحل في ركن منها وأغلق بابها. واجتمع ~~الأبناء حول أمهم وهم يشعرون بأنه آن لهم أن يسمعوا لها. وكانت ~~الأم تعلم بأنه ينبغي لها أن تتكلم. ولم يختلط عليها الأمر ~~فيما يجب قوله؛ فقد كانت فكرت فأطالت التفكير، ولعله لم يكن ~~يحيرها شيء ms012 مثل هذا التناقض بين ظاهرها الدال على الحزم ~~والقوة، وباطنها الذي يندى رحمة وعطفا على أسرتها البائسة. ~~وخفضت عينيها متحامية النظرات المصوبة نحوها وقالت: ~~مصيبتنا فادحة، ليس لنا إلا الله، والله لا ينسى عباده. # لم يكن بوسعها أن تتساءل «ما عسى أن نفعل؟» وهيهات أن تنتظر ~~جوابا من أحد من المحيطين بها، حتى كبيرهم حسن. وليس في الدنيا ~~أحد تستطيع أن تلقي إليه بهذه الاستغاثة فتشركه في بعض ~~همها. # شعرت بالخلاء يكتنفها، ولكن أبت أن تستسلم لليأس، واستدركت ~~تقول: ليس لنا من قريب نعتمد عليه، وقد رحل العزيز الغالي دون ~~أن يترك شيئا إلا معاشه، ولا شك أنه دون المرتب الذي كان لا ~~يكاد يكفينا. فالحياة تبدو كالحة الوجه، ولكن الله لا ينسى ~~عباده. وكم من أسرة مثلنا صبرت حتى أخذ الله بيدها فشقت ~~طريقها إلى بر الأمان. # واختنق صوت نفيسة بالبكاء وهي تقول: لا أحد يموت جوعا في هذه ~~الدنيا، وسيأخذ الله بيدنا، أما المصيبة التي تجل عن ~~العزاء فهو موته هو. أسفي عليك يا بابا. # ولم تحدث هذه الدموع أثرا عميقا؛ لأن كلام الأم أنذر ~~بأمور خطيرة استأثرت بجل اهتمامهم، فثبتت أعينهم على أمهم ~~التي عادت تقول: لا يجوز إذن أن نيئس من رحمة الله، ولكن ينبغي أن ~~نعرف رأسنا من قدمنا وإلا هلكنا، وأن نوطن نفوسنا على ~~تحمل ما قدر لنا من حظ بصبر وكرامة، وربنا معنا. # وأحست بأن معين الكلام العام قد نفد، وأنه ينبغي أن ~~تخاطب الأبناء، كل بما يعنيه، ورأت عن حكمة أن تبدأ بمن هو ~~أقل خطورة، تمهد به لمن هو أشد خطورة، فنظرت صوب حسين ~~وحسنين، وقالت بصوت هادئ أن تكشف عما لحق قلبها من تأثر: ~~لن يكون في الإمكان إعطاؤكما أي مصروف يومي، ومن حسن الحظ أن ~~المصروف ينفق عادة في وجوه تافهة. # وجوه تافهة! اشتراك نادي الكرة، السينما، الروايات، أهذه ~~وجوه تافهة؟! وقد تلقى حسين الحكم في وجوم، وتاه عقله ~~متخيلا الحياة بلا مصروف، ولكن دون أن ينبس بكلمة. أما ms013 حسنين ~~فقد انقض الحكم عليه كالصاعقة، وسرعان ما قال معترضا، وبلا وعي ~~تقريبا: كل المصروف؟! ولا مليم؟! # فحدجته أمه بنظرة طويلة ثم قالت بحزم: ولا مليم. # أحزنها اعتراضه، ولكنها رحبت به لأنه أتاح لها أن تؤكد ~~قولها بما لا يدع سبيلا إلى الشك فيه، ولكي يسمعه شخص آخر ~~تخشى متاعبه أكثر من شقيقيه. وفتح حسنين شفتيه، وهمهم دون أن ~~يبين، ثم قال بصوت منخفض: سنكون التلميذين الوحيدين اللذين تخلو ~~جيوبهما من مصروف. # فقالت أمه بحدة: إنك واهم، المصائب كثيرة، والتلاميذ المصابون ~~لا حصر لهم .. ولو أنك فتشت جيوب التلاميذ جميعا لوجدت ~~أكثرها فارغا. وهبكما الوحيدين الفقيرين فما في هذا من عيب، ~~ولست المسئولة عما وقع. # ولاذ حسنين بالصمت متذكرا أنه يخاطب أمه. كان دائما يجد ~~عند أبيه من التسامح ما لا يجده عندها، وكان الرجل يحبه كثيرا ~~فلم ينزل من نفسه هذه المنزلة إلا ابنته نفيسة. أما الأم فلم ~~تكن تتخلى عن حزمها قط. ولما فرغت من الرد على اعتراضه ~~استطردت قائلة: كذلك أحذركما من ترك نصيبكما من الغداء ~~المدرسي كما تفعلان عادة. # وكان الشقيقان يقنعان من غدائهما المدرسي بلقمات معدودات ~~كي يتناولا وجبتهما الرئيسية في البيت. وكان التلاميذ الذين ~~يأكلون في المدرسة حتى الشبع موضع غمز عادة. فتساءل حسنين ~~برقة: لماذا لا نأكل في بيتنا كعادتنا؟ # فقالت الأم بامتعاض: من يدري؛ فلعله لن يتاح للبيت الطعام ~~الذي تحب! # وارتسمت على شفتي حسن - الذي أصغى إلى الحديث كله في صمت ~~عميق - شبه ابتسامة، أخفاها بتقطيبة مصطنعة، ولكنها لم ~~تخف على الأم، فصمتت على أن تواجهه بالحقيقة - إن كان حقا ~~في حاجة لذلك - بعد هذا التمهيد الطويل. فتساءلت بلهجة حزينة: ~~وأنت يا حسن؟! # هذا أكبر الأبناء، أول من أيقظ أمومتها، الحبيب الأول! ولكنه ~~دليل ملموس على أن الأمومة قد تتأثر بأمور لا تمت للفطرة ~~بسبب. لا يعني هذا بطبيعة الحال أنها كرهته. إنها أبعد ما يكون ~~عن هذا. ولكنها أسقطته من حسابها؛ فتوارى من مرموق آمالها في ~~حسرة بالغة. انزوى في ms014 ركن مظلم، ولم يعد حبه يتحرك في ~~فؤادها إلا مصحوبا بالأسف والحزن وقاتم الذكريات. وقد كان ولا ~~يزال المشكلة المستعصية لهذه الأسرة. كان في البدء ضحية لفقر ~~أبيه وتدليله، فلم يبعث به إلى المدرسة إلا في سن متأخرة. ~~وسرعان ما ظهر تمرده على الحياة المدرسية، وتكرر هروبه من ~~المدرسة، وتوالى سقوطه عاما بعد عام، حتى انقطع عنها ولم يجاوز ~~السنة الثالثة. واستحال ما بينه وبين أبيه إلى نقار وشجار، ثم إلى ~~ما يشبه العداوة الحقة، فكان يطرده أحيانا من البيت فيقضي ~~أياما متسكعا ثم يعود إلى البيت، وقد اكتسب شرورا جديدة من ~~مخادنة الأشقياء والغوص في الإثم والإدمان وهو دون العشرين. ولما ~~بلغ اليأس من أبيه مداه ألحقه بحانوت بقال، فمكث به شهرا ثم ~~طرده صاحبه بعد معركة كاد يذهب الحانوت ضحية لها. ثم عمل في ~~شركة سيارات وطرد منها إثر عراك أيضا. ولم يعد يأبه لا بغضب ~~أبيه ولا بحزم أمه، ففرض نفسه على البيت فرضا، يلقى سخطهم ~~باستهانة أو بدعابة أو بشجار، ولكنه لا يتزحزح ولا يبحث جادا عن ~~عمل. وبدا وكأنه لا يعمل للمستقبل حسابا، وظل سادرا ~~مستهترا حتى فاجأه موت الأب. إنه يدرك خطورة الحال؛ فهو ~~الوحيد الذي عرف مرتب أبيه، وقدر على وجه التقريب معاشه. وفهم ~~ما تعني الأم بتساؤلها «وأنت يا حسن؟» «أنت تقولين إن الله لا ~~ينسى عباده، وأنا عبد من عباده. فلننظر كيف يذكرنا. لماذا أخذ ~~والدنا؟ ولماذا يعلن عن حكمته على حساب أمثالنا من الضحايا؟» ~~ولكنه طالعها بابتسامة مؤدبة، وشعور ممتلئ عطفا وتقديرا ~~للمسئولية، ثم قال: إني أدرك كل شيء. # فقالت المرأة في ضيق متسائلة: ما عسى أن يجدي الإدراك ~~وحده؟ ~~- لا بد من عمل شيء. # فقالت في انفعال: هذا ما نسمعه كثيرا. ~~- الآن تغير الحال. ~~- أليس ثمة أمل أن تتغير أنت؟! # فقال حسن في نبرات قوية: مثلي لا يضيع في الحياة؛ إني أستطيع ~~أن أشق سبيلي. والفرص كثيرة، والأسلحة في يدي لا حصر لها، أصغي ~~إلي يا أماه؛ لن أطالبك ms015 بغير المأوى واللقمة! # هذا أسلوبه ! يبدأ وكأنه يسلم بكل شيء، ثم ينتهي وكأنه يطالب ~~بحقوق جديدة. المأوى واللقمة، وماذا يبقى بعد ذلك؟! ورمقته ~~باستياء وقالت: إن حالنا لا يحتمل هذا الهذر. ~~- الهذر؟! ~~- أجل، نحن في حاجة إلى من يطعمنا فكيف نهيئ لك اللقمة؟! ~~لماذا تضطرني إلى مصارحتك بهذا؟ # فابتسم ابتسامة باهتة وقال: أعني إلى حين. حتى تفرج. لن يضيق ~~البيت بي، أم تريدين أن تطرديني؟! وسوف ألتقط رزقي ما وجدت إليه ~~سبيلا. ولكن هبي أياما انقضت دون أن أجد عملا، فلا أحسبك ~~ترضين أن أموت جوعا. وعلى أية حال سأقاسمك رغيفك حتى أجد ~~عملا! # وتنهدت في يأس. إنها حيال مشكلة حقا ولا تدري ماذا تفعل. ~~وأخوف ما تخاف أن يستسلم لحياة البطالة والكسل والتسكع، ~~خاصة إذا فتر تأثره بموت أبيه، فقالت برجاء: أرجو أن تبحث ~~بجد وإخلاص عن عمل. # فقال بلهجة تنم عن الصدق: أعدك بهذا، وأقسم لك بقبر ~~والدنا. # وأثار قسمه عاصفة حزن في الصدور لموقعه الأليم، وهزتهم ~~«قبر والدنا» هزة عنيفة، فأجهشت نفيسة في البكاء، وغاص قلب حسنين ~~في صدره، على حين رمق حسين أخاه بنظرة حيرة وعتاب، ولبثت الأم ~~صامتة مليا تكابد جرحا عميقا، ولكنها لم تنس - حتى في ~~هذه اللحظة - أنها لم تفرغ بعد من قول ما تريد قوله، فرددت ~~عينيها اللتين انتفخ جفناهما واحمرت أشفارهما بين أبنائها ثم ~~قالت: أما نفيسة فتحسن الخياطة. وهي تخيط كثيرا لجارتنا ~~محبة ومجاملة، ولست أرى بأسا في أن تتقاضى على تعبها ~~مكافأة. # وهتف حسن بحماس: عين الصواب. # ولكن حسنين صاح بغضب وقد اصفر وجهه غضبا: خياطة؟! # فأجابه حسن معترضا: ما عيب إلا العيب، فلتكن. # فقال حسنين بحدة: لن تكون أختي خياطة، كلا، ولن أكون أخا ~~لخياطة. # وقطبت الأم في غضب وصاحت به: أنت ثور، تأكل وتنام، ولا تدري ~~عن الدنيا شيئا، وهيهات أن يفهم عقلك الغبي حقيقة ~~حالنا! # وفتح فاه ليعترض ولكنها صاحت به: اخرس. # فنفخ دون أن ينبس بكلمة. ورأت الأم أنها فرغت من معارضته؛ ~~فالتفتت إلى حسين، ms016 فالتقت عيناهما برهة قصيرة، ثم خفض الفتى ~~عينيه وتمتم على مضض: إذا لم يكن من هذا بد فالأمر ~~لله! # فقالت الأم بتأثر: ما عيب إلا العيب كما يقول حسن. لست أحب ~~لأحد منكم المهانة، ولكن للضرورة أحكام، ولا حيلة لي. # وساد صمت مؤلم. وكان حسين أشبه الأبناء بأخلاق أمه في ~~صبرها، وعقلها، وإخلاصها للأسرة. وقد تألم كثيرا لمصير أخته، ~~ولكنه استسخف الاعتراض على اقتراح أوحت به الضرورة. وشعر في ~~ألمه بأنه تعلم في هذين اليومين ما لم يتعلم في حياته ~~كلها. أما نفيسة فسكتت مغلوبة على أمرها. ولم تكن تسمع ~~الاقتراح لأول مرة؛ فقد أقنعتها أمها بضرورته ووجاهته معا. ~~وكانت الخياطة هوايتها وملهاتها، فلم يبق إلا أن توطن ~~النفس لقبول الأجر. لهذا كله تضاعف حزنها على أبيها الذي لم ~~تعد بعده شيئا. ثم قطع حسن الصمت قائلا بلهجة تنم عن ~~الحسرة: من المؤسف حقا أن المرحوم أبى على نفيسة أن تواصل ~~تعلمها في المدرسة. تصوروا لو كانت أختنا مدرسة ~~الآن! # وحدجوه بغرابة، فأدرك أنه تورط فيما يشبه الدعابة وهو لا ~~يدري. أفلم يكن الأولى به أن يعرف للتعليم قيمته، فيواصل ~~حياته المدرسية؟! وقطب مغيظا وقال: التعليم ينفع أمثالها ممن ~~لا حيلة لهم. # 7 # وفي صباح اليوم التالي مضت الأم إلى وزارة المعارف مصطحبة ~~معها حسن أكبر الأبناء. ولما علم هناك أنها أرملة المرحوم ~~كامل علي أفندي أظهر كثير من زملائه استعدادهم لأن يكونوا في ~~خدمتها، وطلبت المرأة صرف المستحق من مرتبه فدلها بعضهم ~~على إجراءات إثبات الوراثة. وسألت عن معاشه فذهب معها أحد ~~الزملاء إلى إدارة المستخدمين. وتبين أن المرحوم خدم الحكومة ~~حوالي الثلاثين عاما فبلغ مرتبه 17 جنيها، واستحق معاشا ~~قدره خمسة جنيهات لورثته، لم تكن المرأة تتصور هذا، ولا كانت ~~تعلم شيئا عن نصيب الحكومة من معاش المتوفى، ولكن الذي ~~أفزعها حقا هو ما قيل عن الإجراءات الطويلة التي تسبق صرف ~~المعاش، والتي تستغرق أشهرا طوالا. هالها الأمر فلم تملك أن ~~قالت: وكيف يتيسر لنا الانتظار طوال فترة ms017 الانتظار؟ # وقال حسن مسوغا قلق أمه: نحن لا نملك إلا هذا المعاش ~~المنتظر! # وندم حسن على قوله عقب إلقائه مباشرة لأنه بدا غريبا من شخص ~~في مثل طوله ورجولته، ولكن الموظف قال دون أن يلقي بالا إلى ~~هذا: أعدك يا سيدتي بألا نضيع دقيقة واحدة بلا عمل. أما ~~إجراءات وزارة المالية فلا حيلة لنا فيها. # ما جدوى هذا الكلام الطيب؟ ولكن أية فائدة تنتظرها من ~~التذمر والشكوى؟! وغادرا الوزارة في شبه ظلام من القلق واليأس. ~~وهتفت المرأة: كيف نلقى الحياة هذه الأشهر؟! وكيف نعيش بخمسة ~~جنيهات بعد ذلك؟! # وخفض الشاب بصره في وجوم وضيق، ولاح لعيني المرأة ~~المكدودتين بصيص من نور فقالت: سأزور أحمد بك يسري. إنه مفتش ~~عظيم نافذ الكلمة، وكان صديقا عزيزا لأبيك. # فقال حسن بأمل: رأي حسن، إن الكلمة منه تغير إجراءات ~~الحكومة. # فنظرت إليه باهتمام وقالت: لا تضيع وقتك معي. لعلك تدرك ~~حالنا على حقيقتها فاذهب وابحث لك عن عمل مهما كلفك ~~الأمر. # وعادت إلى شبرا بمفردها، ولبثت في البيت حتى العصر، ثم قصدت ~~شارع طاهر أو حي الأعيان كما يسمونه. وكان يقع شمال عطفة نصر ~~الله بثلاث محطات، متفرعا من الطريق العام. تقوم على جانبيه ~~الفيلات الأنيقة والعمارات الحديثة. واسترشدت ببعض السابلة حتى ~~استدلت على فيلا البك. وكان بناء جميلا مكونا من دورين ~~تحيط به حديقة مونقة. وذكرت للبواب صفتها «حرم المرحوم كامل ~~أفندي علي»، فعاد إليها مسرعا وقادها إلى بهو استقبال فاخر ~~موصل بفراندة كبيرة، ثم أخبرها أن البك قادم بعد ارتداء ~~ملابسه. وخيل إليها أن فترة الانتظار قد طالت، ولكنها لبثت ~~بمكانها دون أن ترفع النقاب الأسود عن وجهها. وقد شغلت بأفكارها ~~المضطربة عن رؤية المنظر النفيس الذي يكتنفها. بيد أنها كانت ~~كبيرة الرجاء في هذا الصديق العظيم. طالما ذكره المرحوم أمامها ~~بالحب والفخار، وطالما لمست بنفسها أنعم هذه الصداقة في أقفاص ~~العنب والمانجو تهدى إليهم في المواسم، وكان المرحوم يقضي أكثر ~~سهراته في هذه الفيلا، وربما في هذا الموضع منها حيث تجلس ms018 الآن - ~~وقد ألقت على ما حولها نظرة حزينة - يلعب بأوتار عوده، ويسمر ~~هزيعا طويلا من الليل. فليس بعيدا أن تغادر هذه الفيلا مجبورة ~~الخاطر، وإنها لمغرقة في أفكارها إذ فتح الباب الداخلي للبهو ~~وجاء البك بجسمه الطويل العريض، وشاربه المفتول بعناية بالغة، ~~فقامت المرأة في أدب، وسلم عليها البك وهو يقول برقة: ~~تفضلي يا ست بالجلوس، شرفتنا. رحمة الله على زوجك، كان صديقا ~~عزيزا أحزنني فقده، وسوف يحزنني طوال العمر. # فاستبشرت المرأة خيرا بهذا اللقاء، وشكرت له عطفه، وراح البك ~~يحدثها عن الفقيد حتى اغرورقت عيناها بالدموع، وزادها الموقف ~~استفاضة فلم تحاول منعها مدفوعة برغبة غريزية في استثارة ~~عطفه. ثم ساد الصمت حينا فأدركت رغم حزنها واضطرابها أن شارب ~~البك وسوالفه مصبوغة، وأنه يغالي في العناية بمظهره، إلى ما ~~تطيب به من رائحة زكية عميقة الأثر. ولما تكرم بسؤالها عن ~~طلبتها قالت: جئت مستشفعة بسعادتك؛ لاستعجال صرف معاش المرحوم. ~~قالوا لي يا سعادة البك إن إجراءات صرفه تستنفذ أشهرا. # فتفكر الرجل مليا، ثم قال: لن أدخر وسيلة في سبيل ذلك، ~~وسأقابل وكيل المالية بنفسي. # فأثلج صدرها ارتياحا، وشكرته، ثم ترددت لحظات وقالت: الحال ~~يا بك تستدعي السرعة، والله المطلع. # فقال الرجل باهتمام: طبعا، طبعا. إني فاهم كل شيء. هل أنت ~~في حاجة إلى مساعدة؟! # يا له من سؤال! إنها لا تملك إلا جنيهين هما ما تبقيا من ~~المبلغ الذي وجدته بمحفظة المرحوم، ولن تجد سواهما حتى يصرف ~~لها ما يستحق من مرتبه حتى تاريخ الوفاة. ولكن كيف تفصح له عن ~~هذه الحقيقة؟ لم تتعرض لمثل هذا الموقف من قبل، وإنه لموقف ~~يستوجب أن يألفه المرء حتى يخرج منه بطائل، وعقل الحياء ~~لسانها فسكتت قليلا ثم قالت بصوت منخفض: أحمد الله على ~~الستر. بوسعي أن أنتظر قليلا. # وارتاح البك للجواب. لقد انزلق إلى السؤال متأثرا بالحياء ~~والذوق، ولم يكن ارتياحه لبخل مركب في طبعه، ولا لأنه ~~يكره أن يمد يد المساعدة إلى أرملة صديقه، ولكن لأنه كان ~~على ثرائه لا يكاد ms019 يبقي على شيء؛ لكثرة نفقاته على نفسه وأفراد ~~أسرته. كان يضايقه أن يأخذ بيد هذه الأسرة حتى تبلغ بر ~~السلامة. ولكنه كان على استعداد للبذل لو سألته المرأة إياه. ~~وقد غاب عن المرأة أن زوجها لم يكن صديقا للبك بالمعنى الذي ~~يفهمه البك من الصداقة. ولعله كان صديقا من أصدقاء الدرجة ~~الثالثة. كان يحبه، ويقربه، ويود سمره وفنه دون أن ~~يعده ندا له، أو صديقا كسائر البكوات والباشوات. ولكن نيته ~~صدقت على السعي لخدمة هذه المرأة حتى يصرف لها المعاش؛ إكراما ~~لذكرى الراحل، وتفاديا من التورط في مساعدتها، ونهضت ~~المرأة مستأذنة في الانصراف فودعها بالاحترام. ولما خلصت ~~إلى الطريق تنهدت في أمل، ولكنها قالت لنفسها في شبه ندم: «لو ~~أوتيت قدرا من الشجاعة لما ضيعت على نفسي معونة أنا في ~~أمس الحاجة إليها.» # 8 # وخلا حسين وحسنين لنفسيهما أول مرة بعد الوفاة. كانت نفيسة في ~~المطبخ والأم في وزارة المعارف سعيا وراء همومها الجديدة، وحسن ~~لا يعلم بمكانه إلا الله، وكان حسين متربعا على فراشه، والآخر ~~جالسا إلى مكتب المذاكرة بركن الحجرة، يرعش بين أصابعه قلما في ~~نرفزة ويقول: يبدو أن الحياة لم تعد تطاق. # وانتظر أن يتكلم حسين، ولكنه تجاهل ملاحظته فرفع إليه بصره في ~~حنق. كان حسنين آخر عنقود الأسرة، فلم يكن غريبا أن يبحث ~~لمشكلاته عن حلول عند الآخرين. وضاق صدره بصمت أخيه فسأل: ما ~~رأيك؟ # فتساءل حسين متجاهلا: فيمه؟ ~~- فيما قالت! أتحسب حقا أن حالنا بهذا السوء؟ # فهز منكبيه قائلا: ولماذا تكذبنا؟ # فتألقت عينا الفتى ببريق أمل، وقال: كي تكسر من حدتنا، ~~كي نخاف ونتئد. وليس هذا عجيبا؛ فالشدة مركبة في طبعها، ~~ولولا المرحوم والدنا ما عرفنا المرح! # فقال حسين بحزن: ليتنا ما عرفناه قط! ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول ليتنا ما عرفنا التدلل أبدا؛ إذن لهانت الحياة ~~الجديدة المقضي علينا بها! # فقال حسنين وقد ساوره الخوف: إذن فأنت تصدق ما قالت! أحقا ~~لم يترك والدنا شيئا؟ ألا يسد المعاش نفقاتنا؟ # فتنهد حسين قائلا: إني مؤمن بكل كلمة ms020 نطقت بها. هذه هي ~~الحقيقة. # فتساءل حسنين في جزع: كيف نطيق هذه الحياة؟ # فارتسمت على شفتي حسين ابتسامة حزينة. كان يشارك أخاه حزنه ~~وقلقه، ولكنه رأى من الحكمة أن يقف منه موقف المعارضة فقال: ~~كما يطيقها الكثيرون. أم حسبت الناس جميعا يحظون بأب كريم ~~ورزق موفور؟! ومع ذلك فهم يعيشون ولا ينتحرون. # فامتلأ حسنين غيظا، وهو يحدق في وجه أخيه، وهتف به: لشد ~~ما يحنقني برودك. # فقال حسين مبتسما: لو جاريتك في عواطفك لركبك اليأس ~~وأجهشت باكيا. # فقال حسنين بسخط: إن من يستسلم للأقدار يشجعها على التمادي ~~في طغيانها! # فابتسم الآخر ابتسامة ساخرة وقال في شبه دعابة: هلم نثر ~~عليها، دعنا نهتف لتسقط الأقدار كما هتفنا: ليسقط هور. ~~- ألم تفدنا ليسقط هور؟! ~~- هيهات أن تفيدنا الأخرى! # وقطب حسنين في كدر وتساءل: من لنا الآن؟ # فابتسم حسين ابتسامة عريضة فرطحت أنفه الذي بدا في تلك ~~اللحظة شبيها بأنف أمه الغليظ، وقال باقتضاب: الله! # وزاد الجواب من حنقه! إنه لا يشك في هذا، ولكنه لا يقنع به. ~~الله للجميع حقا، ولكن كم في الدنيا من جائع ومصاب! لم يتنكر ~~يوما لعقيدته ولكنه يتلهف في خوفه على سبيل محسوس للطمأنينة. ~~وتوهم أن أخاه يحرجه ليتخلص منه فتشبث بعناده وقال: لقد ~~شاء أن يأخذ والدنا ويتركنا بلا معين! # فقال حسين وكأنه يمعن في إثارته: هو المعين. # فانفجر حسنين قائلا: إن هدوءك الكاذب لا يجوز علي، أأنت ~~مطمئن حقا؟! # فأصغى حسين إليه في امتعاض وألم، ثم قال ولعله كان يداري ~~عواطفه: المؤمن لا تخونه طمأنينته. ~~- إني مؤمن وقلق معا. # فقال حسين في غير إيمان بما يقول: هذا من ضعف الإيمان. # فقال حسنين بحنق: أوه، ليكن، إني أعرف تلاميذ يجاهرون ~~بالشك! ~~- أعلم هذا. ~~- هم أذكياء ومطلعون. ~~- أتحب أن تفعل مثلهم؟ # فقال في خوف: كلا، لست من هواة الاطلاع. أنت نفسك تقرأ ~~كثيرا؟ # فقال حسين مبتسما: هذا حق ولكني لم أنتزع الله من قلبي. ~~والحق أننا نغالي في تحميل الله مسئولية مصائبنا الكثيرة. ألا ~~ترى أن الله ms021 إذا كان مسئولا عن موت والدنا فليس مسئولا بحال ~~عن قلة المعاش الذي تركه. # وشعر حسنين أن تطور الحديث نأى به عن مخاوفه الحقيقية ~~فقال بضيق: دعنا من هذا وخبرني كيف نعيش بلا مصروف؟ أي بلا ~~سينما ولا كرة. والأدهى من هذا كله أني كنت شارعا في تعلم ~~الملاكمة! # فقطب حسين قائلا: تحام ما يؤلم أمنا، إذا لم يكن في وسعنا ~~أن نساعدها فلا أقل من أن نريحها من منغصات لا داعي لها. ~~واذكر أنها وحيدة فلا أعمام لنا ولا أخوال! ~~- لا أعمام ولا أخوال! كان هذا يهون لو لم تصبح أختنا خياطة! ~~رباه ما عسى أن يقول الناس عنا؟! # وضاق صدر حسنين، وغلبه الحزن، ووقعت لفظة «خياطة» من نفسه ~~موقعا مؤلما، فقال بغضب: نستطيع أن نعيش دون مبالاة بما يقول ~~الناس. # وأراد أن يقطع الحديث فنهض قائما وغادر الحجرة. # 9 # شعرا بحرج وهما يدخلان فناء المدرسة لأول مرة بعد الوفاة. لن ~~يستطيعا مواصلة الحياة الأولى، وسيتغير كل شيء، وهيهات أن تخفى ~~خافية على أعين التلاميذ. وكانا يعانيان من هذا شعورا مؤلما ~~وإن تباينت درجة ألمهما. ولم يكن قد علم بالوفاة إلا قليل ~~فسرعان ما ذاع الخبر بين الأصدقاء، وأقبلوا عليهما معزين. وقال ~~أحدهم محذرا: يجمل بذويكما أن يحسنا اختيار الوصي ~~عليكما؛ فإنني لم أدرك حقيقة الفاجعة بموت أبي حتى ابتليت ~~بوصاية عمي! # الوصي! وتظاهر حسين بالإصغاء إلى نفر يتحدثون عن المظاهرات ~~الأخيرة، والمساعي المبذولة لضم الصفوف، ولكنه سمع حسنين وهو ~~يجيب صاحبه قائلا: نحن مطمئنون إلى الوصي كل الاطمئنان. # فقال محدثه: إني أغبطكما على حظكما، بيد أن الأمر يتوقف ~~على نوع التركة، فإذا كانت أراض زراعية تيسرت سبل الخداع، وإذا ~~كانت عقارا ضاقت السبل على الوصي بعض الشيء، أو هذا ما تقول ~~أمي. # فقال حسنين بهدوء: من حسن الحظ أن تركتنا عقار! # وأصغى إليه حسين في غيظ. لم يحنقه الكذب فحسب ولكنه أشفق من ~~عواقبه. «كيف نواجه الحال الجديدة إذا ظن بنا الإخوان اليسار؟ ~~ماذا نفعل وماذا نقول؟ إنه ms022 يكذب بلا مبالاة. سحقا له!» وصوب ~~عينيه نحو أخيه محذرا، فتحاشاه الفتى في تذمر. ثم تساءل ~~تلميذ كيف مات والدهما، فأجاب حسنين في تأثر قائلا: قيل لنا ~~إنه مات فجأة. ومن عجب أنه لما رآني خارجا إلى المدرسة صباح ~~اليوم الذي توفي فيه، وقبل أن يتوفى بساعة واحدة، وضع يده على ~~منكبي ورنا إلي في حنان، وقال لي بلا داع ظاهر «مع السلامة .. ~~مع السلامة!» # فمن كان يدريني أنه يودعني؟! # لم يكن شيء من هذا قد حصل، ولا يدري كيف قاله، والأعجب من هذا ~~كله أنه قاله بتأثر صادق كما لو كان وقع حقا. وقد نطق به ~~ارتجالا مدفوعا برغبة غامضة في تبجيل والده. وعجب حسين لوصفه ~~ثم دهش لتأثره، فكاد يغلبه الابتسام، ونحى وجهه جانبا فرأى ~~عن بعد قريب رئيس فرقة كرة القدم، فأراد أن ينفس عن ضيقه ~~بمواجهة الحقائق، فمضى إليه وحياه ثم قال: أرجو أن تعفيني ~~وأخي من الاشتراك في نادي شبرا. # ولاحت الدهشة في وجه الرئيس، وأزعجه الطلب، خاصة فيما يتعلق ~~بحسنين - جناح الفريق الأيمن - فقال معترضا: لعل أمرا ~~ضايقكما! # فقال حسين بتأثر: توفي والدنا! # فوجم الرئيس مليا، ثم عزاه برقة، وصمت لحظات ثم قال: ~~ألا ترى أن هذا لا يدعو إلى حرمان النادي من عضوين بارعين ~~مثلكما؟ # فقال حسين بلهجة خاطفة: إن الحداد يقضي بهذا! # فقال الفتى بإشفاق: إن الحداد لا يتعارض مع الرياضة! # فقال حسين باشا: إن ظروفنا تقضي بهذا. إني آسف! # ثم حياه مرة أخرى وغادره متحاميا النظر إلى عينيه، ~~وانضم إلى أصدقائه، ووجدهم يتحدثون في السياسة، وكان أحدهم ~~يقول: رحمة الله على شهداء الآداب، والزراعة، ودار العلوم! # فقال آخر: لا بد من التضحية؛ فالدم هو اللغة الوحيدة التي ~~يفهمها الإنجليز. # فقال ثالث: لم يضع الدم الطاهر عبثا، ألم تسمعوا عن ~~الدعوة إلى الاتحاد؟ ~~- وهذه التيمس تلمح إلى المفاوضة. # ودق الجرس فاتجهوا إلى الفصول وهم يتناقشون. # 10 # قطعا فناء البيت في صمت حاملين كتبهما، ثم قال حسنين وهما ~~يرتقيان السلم: عما قليل يبدأ ms023 فريق نادي شبرا في التمرين ~~استعدادا للمباراة القادمة! # فلاذ حسين بالصمت. وجعل يتخيل الملعب واللاعبين، فكأنه يسمع ~~الرئيس وهو ينبئ الآخرين بانفصالهما؛ «لظروف الأسرة الجديدة!» ~~لا لعب ولا مسرة ولا رحمة من شكوى حسنين المتواصلة. وطرقا ~~الباب ثم دخلا. وتسمرت أقدامهما وراء الباب لمنظر غريب لم ~~يتوقعاه. رأيا أثاث البيت مكوما في اضطراب شامل، وقد ~~رصت المقاعد فوق الكنبات ولفت الأبسطة وفكت الدواليب، ~~ولاحت الأم ونفيسة مشمرتين يعلوهما التراب ويتصببان عرقا ~~على لطافة الجو. وهتف حسنين: ماذا حصل؟ # فقالت الأم: سنترك الشقة. ~~- إلى أين؟! ~~- إلى الدور التحتاني، سنتبادل السكن مع صاحبة البيت. # شقة أرضية بمستوى التراب، لا شرفة لها، ونوافذها مطلة على ~~عطفة جانبية تكاد تبدو منها رءوس المارة، وطبعا محرومة من ~~الشمس والهواء، وتساءل حسنين في امتعاض ولو أنه كان يعرف الجواب ~~مقدما: لماذا؟! # فقالت الأم بصوت واضح: لأن إيجارها 150 قرشا! # فقال الشاب متذمرا: فرق الإيجار أقل من 50 قرشا لا يتناسب ~~مع الفرق بين الشقتين! # فسألته الأم ساخطة: هل تتعهد بدفع هذا الفرق ~~التافه؟ ~~- لماذا رضينا إذن بأن تشتغل نفيسة خياطة؟ # فالتهمته الأم بنظرة من نار وصاحت به: كي نأكل، كيلا ~~تموتوا جوعا! # وحافظ حسين على طلاقة وجهه أن يفتضح امتعاضه وسأل أمه بلهجة ~~لا أثر فيها للاعتراض: متى تم هذا يا أماه؟ # فقالت المرأة وهي تمسح جبينها بكم ثوبها الأسود: عرضت الأمر ~~على صاحبة البيت غير مخفية شيئا من حالنا، فأظهرت روحا ~~طيبا، ووافقت بلا تردد. # فقال حسنين في استياء: لو كانت ذات روح طيب حقا لنزلت عن ~~فرق الإيجار مع إبقائنا في شقتنا! # فقالت الأم في حدة: للناس أعمال أخرى غير العناية ~~برفاهيتك! ~~- وكيف ننام ليلتنا؟ # فقالت نفيسة بصوت كسير دل على أنها لم تفق بعد من صدمة ~~الوفاة: سننام في الشقة الجديدة. # وخرج في تلك اللحظة حسن من حجرة المرحوم، حاملا بين يديه ~~المشجب، وهي آخر ما بقي من الأثاث في الحجرات وقال بسرعة: ~~كفاكم نقارا وهلموا نرفع الأثاث إلى الدور التحتاني؛ فليس ~~بيننا ms024 وبين الليل إلا ساعتان. وأراد أن يضرب لهم مثلا عمليا، ~~فرفع كنبة من جانب وخاطب حسين قائلا: ارفع. # وفتحت نفيسة الباب على مصراعيه وسار الشقيقان بحملهما ~~الثقيل، وجعل حسين يتساءل وهو يهبط في السلم بحذر: ترى هل ~~يراهما أحد من أسرة فريد أفندي محمد جارهم الكريم بالدور الثالث؟! ~~«ليس الفراق شر ما في الموت، إن الفراق حزن المطمئن! ~~متاعبنا تتلاحق بحيث لا تدع لنا وقتا للتفكير في الحزن. لشد ما ~~نتغير وتتدهور، ولكن ينبغي أن نصبر أو في الأقل أن نتظاهر ~~بالصبر. أكبر جريمة في نظري أن نضاعف بجزعنا شقاء أمنا. ~~سأخاطب حسنين بحزم أكثر!» ثم تبعتهما الأم والأخت تحملان ما ~~تقدران على حمله من قطع الأثاث. ولم يستطع حسنين أن يقف ~~متفرجا فانضم للعاملين. وما زالت الأسرة في نزول وصعود، ~~والأثاث يتحول من فوق لتحت. وكانت صاحبة البيت قد أخلت الشقة ~~وجمع أثاثها في الفناء إلى جانب الحمالين الذين وقفوا ينتظرون ~~دورهم في العمل. وكانت الأسرة جميعا - الصامت منهم والساخط - ~~سواء في الحزن والألم. ولم يكن وجه الأم مما تسهل قراءته، ~~أما نفيسة فابتلت عيناها بالدموع. واشتغل حسن بهمة كأنه ~~يتملق بجهده أمه فلا تلحف في تأنيبه على تعطله، وكان ~~أقل الأخوة تأثرا للتغير الذي قلب الأسرة كما ينبغي لرجل ذاق ~~التشريد وألف التسكع، وهمس حسنين في أذن حسين وهو يلهث من ~~الجهد: ألا ترى أن خسارتنا بموت أبينا لا تعوض ~~أبدا؟! # وانسابت من عينيه دمعتان. # 11 # غادر حسن البيت مبكرا، عقب خروج شقيقيه للمدرسة. لم يكن ثمة ~~داع ضروري لهذا الخروج المبكر، ولكنه أراد أن يتفادى من ~~الاصطدام بوالدته أن يصبحها بنقار هي في غنى عنه، بما تكابد من ~~تغير الزمن، وتجهم الحظ. انطلق من عطفة نصر الله بلا غاية ~~ولا أمل. «ابحث عن عمل! لا تفتأ تردد على مسمعي هذه الجملة. ~~أين يوجد هذا العمل؟ صبي بقال؟! هذا معناه الإسعاف ثم ~~البوليس.» ولكنه لم يكن يائسا للحد الذي توجبه حاله. كان ~~كبير الثقة بنفسه، وكان في طبعه ms025 تفاؤل لا يدري من أين يأتيه. ~~ولكنه لم يستطع أن يتجاهل دقة موقفه وراح يخاطب نفسه قائلا «يا ~~أبا علي، مات الوالد رحمه الله ففقدت الركن الذي كنت تأوي إليه، ~~حقا كنت تلتقط رزقك بالشجار والنقار، وتتحمل في سبيله السب ~~واللعن، ولكنه كان على أي حال رزقا مضمونا. هذه البدلة التي ~~تجعل منك أفنديا لا بأس به، من نقوده رحمة الله عليه. أجل أبى ~~أن يبتاعها لك بادئ الأمر، ولكنك هددته بأن تمشي في الطرق ~~باللباس والفانلة، وأن تقتحم عليه مجلسه بقصر أحمد بك يسري شبه ~~عار، فأذعن على مضض وكلف الخياط بأن يفصلها لك. الآن لو ~~مشيت عاريا بلا لباس ولا فانلة، فلن تجد من يسأل عن صحتك إلا ~~الشرطي!» كانت البدلة حسنة وإن لم تخل من بقع باهتة عند ثنية ~~الركبة. وكان يربط رقبته ببابيون، فبدا القميص في حال لا يحسد ~~عليها. وكان شعره أعجب ما فيه؛ فقد تركه حتى غزر واسترسل، ~~وتصاعد في جعودة جعلت منه رأسا مستقلا فوق الرأس الأصلي. ~~أما وجهه فكان حسن كشقيقيه إلى جسم طويل مفتول العضلات عريض ~~العظام. سار متفكرا فيما خاطب به نفسه، ثم واتته ثقته بنفسه ~~فجأة فقال: «يا سيدي، لا تسمح للهم بأن يركبك؛ فما يجوز أن يركب ~~إلا البهائم من عباد الله. سوف تعيش طويلا وتلقى الحياة بخيرها ~~وشرها. لم أسمع عن إنسان مات جوعا. الأغذية تسد الطرق سدا. ~~ولست طماعا فما تريد إلا اللقمة والسترة، وكم كأس من ~~الكونياك، وكم نفس من الحشيش، وكم امرأة من النساء، وكل أولئك ~~متوفرة بكثرة، أكثر من الهم على القلب. توكل على الله ولا تحمل ~~هما.» ولم يكن خلو الجيب؛ فقد أشرف على جنازة أبيه، وخرج منها ~~بأربعين قرشا لم يعلم بها أحد، وقد تساءل ألم يكن الأخلق به أن ~~يعطيها لوالدته؟ «كلا لو نزلت عنها ما أفادت أمي منها نفعا ~~مذكورا، ولكن ضياعها يضرني ضررا لا شك فيه. لا أدري متى ~~يتاح لي الحصول على مثلها!» وأخذت قهوة الجمال تلوح ms026 لعينيه ~~الحادتين فحث خطاه حتى انتهى إليها. هي قهوة صغيرة لم تؤت ~~من ميزة إلا وجودها على الطريق العام. ولم يوجد بها في هذه الساعة ~~المبكرة إلا زبونان جلسا إلى مائدة على الطوار يتشمسان ~~ويحتسيان القهوة، على حين قبع في ركن بالداخل شبان ثلاثة يدل ~~مظهرهم ونظرات أعينهم الحائرة على الفراغ واليأس، فلم يكن عجيبا ~~أن يقصدهم الشاب وينضم إلى مجلسهم، وما لبث أن طلب أحدهم ~~الورق فتهيئوا للعب الكومي. وكان كل منهم يمني نفسه بأن ~~يربح رزق يومه - خمسة قروش فوق الكفاية - من رفقائه. بيد أن حسن ~~كثيرا ما يكون الصائد؛ لمهارته من ناحية ولخفة يده وعينيه من ~~ناحية أخرى. لهذا قال أحدهم قبل البدء في اللعب: لا نريد ~~غشا. # فقال حسن: طبعا. # فقال الشاب: فلنقرأ الفاتحة. # وقرءوا الفاتحة جميعا بصوت مسموع، ولعل حسن تعلم حفظها ~~حول هذه المائدة، ثم لعبوا مقدار ساعة فربح أحدهم دورا، وربح حسن ~~دورين، كان صافي ربحه أربعة قروش ونصفا بعد خصم نصف قرش ثمن ~~فنجان القهوة، واقترح بعضهم أن يمدوا وقت اللعب، ولكن دخل ~~القهوة شاب ما إن رآه حسن حتى نهض قائما، وأقبل نحوه في ~~احترام وسرور وهو يقول: صباح الخير يا أستاذ علي صبري. # فمد له القادم يده في حركة تشي بشعوره بقدر ذاته، وقال: ~~صباح الخير. # وجلسا إلى مائدة متقابلين، واجتاحت نفس حسن موجة كرم عاتية ~~فنادى النادل وطلب للأستاذ علي صبري قهوة، ثم قال الأستاذ للنادل ~~قبل أن يذهب: ونارجيلة. # وغاص قلب حسن في صدره أن يلزم بدفع ثمن النارجيلة أيضا، ~~فيضيع عليه ما ربح باللعب والحظ واليد والعين. ولكنه سرعان ما ~~تناسى قلقه ليفرغ إلى استطلاع وجه الأستاذ. وكان علي صبري في ~~منتصف عقده الثالث، متوسط القامة نحيل العود، صغير القسمات، ~~أما شعره فأشبه ما يكون بشعر حسن، إلى سوالف تزحف حتى منتصف ~~خده، وكان مظهره بوجه عام يدل على سوء الحال، ولكنه يغطيه ~~بنفخة كاذبة وغرور غير محدود. قال حسن بأسف وهو يستطلع وجهه: ~~لم نسمع صوتك ms027 من زمان! # وكان أذاع مرات من المحطات الأهلية، وبدا وكأن الحظ يبتسم ~~له ، فلما ألغيت المحطات الأهلية وأنشئت محطة الإذاعة ~~الرسمية حيل بينه وبين إحياء الحفلات، وضاعت مساعيه وراء هذا ~~الأمل هباء. وكان حسن أحد أفراد تخته المعطل، وطبيعي أن ~~العمل لم يكن يدر عليه أكثر من قروش في الحفلة، ولكنه كان ~~يحبه ويؤثره على العمل الجدي الذي لم يصادف فيه توفيقا على ~~مشقته و«حقارته!» وقال الأستاذ: سأبدأ نشاطا جديدا عما ~~قريب. # فخفق قلب حسن وقال برجاء: نحن رجالك، وفي الخدمة ~~دائما. # فهز الأستاذ رأسه في رضا؛ لأنه لم يكن يشعر بالعزة إلا إذا ~~خاطبه أحد أفراد تخته المتسكعين، خصوصا حسن، ذلك الشرس ~~الجبار، الذي ينقلب بين يديه وديعا متملقا، ثم قال: طبعا. ~~إنك تردد ترديدا حسنا، وصوتك لا بأس به. # فانطلقت أسارير حسن في بشر وقال: ولقد حفظت كثيرا من ~~الطقاطيق. ~~- مثل ماذا؟! ~~- اللي حبك، ظالمني ليه، لما انكويت بالنار. # فهز الأستاذ منكبيه استهانة وقال: إن محك الفن الدور ~~والليالي. ماذا يسمع الآن في الراديو؟ لا شيء. هذا زعيق فارغ ~~وليس بغناء، ولو كانت المحطة تراعي وجه الفن وحده لكنت المذيع ~~الأول بعد أم كلثوم وعبد الوهاب. وعبد الوهاب نفسه يخاف كثيرا أن ~~تخونه حنجرته فتراه يتحامى النفس الطويل، ويشطره أجزاء ~~قصيرة متواريا وراء ما يسميه بالتجديد، ثم يغطي ضعفه بضجيج ~~الآلات. إليك كيف غنى «يا ليل» في الحفلة الأخيرة. # وتنحنح ثم راح يغني يا ليل مقلدا عبد الوهاب. وجاء النادل ~~بالنارجيلة والقهوة وهو يغني فتناول الخرطوم دون أن يمسك عن ~~الغناء حتى انتهى، وحينذاك هتف رفاق حسن «الله .. الله»، فأخذ ~~نفسا من النارجيلة دون أن يلتفت إليهم، ثم قال لحسن همسا: هذا ~~إعجاب بالصوت لا بالفن. اسمع هذه الليالي في نفس واحد كما كان ~~ينبغي أن تغنى. # وأنشد بصوت ملأ القهوة الصغيرة حتى رفع صاحب القهوة رأسه عن ~~صندوق الماركات، وأسارير وجهه تراوح بين الابتسام والاعتراض. ~~وانتهى الأستاذ علي صبري، وعاد إلى النارجيلة وفي نيته أن يشكر ~~في ms028 هذه المرة للرفاق استحسانهم إذا أبدوه، ولكن ساد الصمت ~~فلم يسمع إلا قرقرة الماء في قنينة النارجيلة، وقطب الأستاذ ~~وقال في ثقة: هذه أصول الفن. # فقال حسن بحماس: لا شك في هذا. # فقال بلهجة الناصح: مرن صوتك، لا تكف عن التمرين. أكثر ~~من الليالي. ولا تن عن مص السكر النبات. ~~- يا سلام! ~~- مفيد جدا، ويا حبذا لو استيقظت حين الفجر وأذنت للصلاة؛ ~~فهو خير مران للحنجرة، وهو ما كان يفعله سلامة حجازي. # فضحك حسن وقال: ولكني أنام عادة قبيل الفجر. ~~- إذن قبل النوم. ~~- في مسجد؟! ~~- المهم الأذان نفسه في هذه الساعة المبكرة. في مسجد، في حانة، ~~كيفما اتفق! ~~- وإذا كان الإنسان من غير مؤاخذة سكران أو مسطولا؟ ~~- يكون أفضل. فما تستطيعه وأنت غائب عن وعيك تستطيع أضعافه ~~وأنت صاح. ~~- ينبغي أن نتقابل كثيرا حتى يفتح الله علينا. # ثم التفت صوب الرفاق الثلاثة وسألهم: ماذا كنتم ~~تفعلون؟ ~~- كنا نلعب الكومي. # فقال الأستاذ علي صبري باهتمام: هلم نجرب حظنا. # ونهض الرفاق وأقبلوا نحوهما بلا تردد، ثم تحلقوا المائدة ~~والطمع يلعب بقلوبهم جميعا، بيد أن حسن كان قلقا مشفقا من ~~مغبة هذا اللعب. «ما عسى أن أصنع مع ابن القديمة هذا؟ إذا كسبت ~~أغضبته، وإذا خسرت ضاع اليوم هدرا؟!» # 12 ~~- لا أدفع مليما واحدا أكثر من الثلاثة الجنيهات. # قالها تاجر الأثاث وهو يلقي نظرة على فراش المرحوم. ولم تعد ~~تجدي مساومة الأم. وكانت قد أجمعت على بيع الفراش ولوازمه لما ~~يثيره وجوده من الأحزان، ولأنها باتت في مسيس الحاجة إلى ~~نقود، وكانت ترجو له ثمنا أكثر من هذا لعله يسد بعض عوزها ~~الملح إلى النقود، ولكنها لم تجد بدا من الإذعان، فقالت ~~للتاجر: غلبتنا سامحك الله، ولكنني مضطرة للقبول. # ودفع الرجل إليها بالجنيهات الثلاثة، وهو يشهد الله أنه ~~المغلوب، ثم أمر تابعين بحمل الفراش. # واجتمعت الأسرة في الصالة تلقي نظرة الوداع على فراش فقيدها ~~المحبوب. وتمثل الراحل لهم فكأنهم يرونه رؤية العين، وغلب ~~الحزن نفيسة فأجهشت في البكاء، وأطبقت الأم شفتيها كاتمة ~~آلامها. ms029 كانت تحرم على نفسها البكاء أمام أبنائها؛ أن تعاودهم ~~حدة الحزن، لم يكن لهم من أحد يعتمد عليه سواها، فوجب أن ~~تظهر بمظهر الرجولة. ولو وجد هذا الشخص للاذت بالدموع كسائر ~~النساء، ولكن لم يكن لها محيد عن التصبر والتجلد. وفضلا عن ~~هذا كله فلم تواتها فرصة للتنفيس عن حزنها بما جبهها من ~~هموم العيش وأثقاله، ووجدت نفسها في الغالب مضطرة إلى تناسي ~~أحزان القلب لتناضل ما يتهدد أسرتها من الضراء. «يحز في ~~نفسي ألا أجد فراغا للحزن عليك يا سيدي وفقيدي. ولكن ما الحيلة؟ ~~حتى الحزن نفسه محرم على أمثالنا من الفقراء.» ولم يكن حسنين ~~يتصور أن يفرطوا في مخلفات أبيه، ولكنه لم يفكر في ~~الاعتراض. والواقع أن حال الأسرة لم تعد تخفى على أحد. ومضى ~~التاجر بالفراش وأغلق الباب فساد الوجوم حينا، وأرادت الأم ~~أن تبدد سحابة الحزن التي أظلتهم فقالت مخاطبة حسين وحسنين: ~~هيا إلى حجرتكما للمذاكرة. # وقبل أن تبدأ حركة قالت نفيسة بانفعال: لن أسمح لمخلوق بأن ~~يمس ثياب أبي. # فقال حسن مؤمنا على قولها: وما من فائدة ترجى من ~~بيعها. # وساد الصمت حينا، ثم قال حسن مستدركا وكأنه يواصل حديثه: ~~وفضلا عن هذا فلن ينقضي وقت طويل حتى تشتد حاجتنا إلى ~~الملابس! # فتساءلت نفيسة في ارتياع: أيمكن أن تستعملوا ملابس أبي؟! # ولم يجرؤ أحد على الاعتراض، ولكن الرقة مست قلب الأم ~~فقالت: ما في ذلك من ذنب، وليس فيه ما يسيء إلى المرحوم، بل لعله ~~مما يطيب ثراه، ولكني سأحتفظ بها بنفسي حتى تمس الحاجة ~~إليها حقا. # وتشجع حسن بقولها فقال في ارتياح: نطقت عن حكمة، وإني ~~أذكرك بأني الوحيد الذي لا أكاد اختلف طولا أو عرضا عن ~~المرحوم أبي. # وتناسى الشقيقان الحزن الذي ران على صدريهما فقال حسنين ~~محتجا: إني وإن كنت أطول منك قليلا إلا أنه يمكن مد ~~ثنية البنطلون! # وقال حسين بلهجة ذات معنى: أو ثنيها مرة أخرى. # فقالت الأم في ضيق: لا داعي للنزاع. توجد أكثر من بدلة في حال ~~لا ms030 بأس بها، وسأوزعها تبعا للحاجة لها. # ثم بلغ المسامع طرق على الباب فقطع عليهم الحديث، وخفت نفيسة ~~إليه ففتحته، فدخلت خادم فريد أفندي محمد حاملة سلة مغطاة ~~بغطاء أبيض وضعتها على السفرة وهي تقول: ستي تسلم عليك يا ~~ستي، وتقول إن هذا فطير القرافة. # فحملتها الأم السلام والشكر، وذهبت الخادم من حيث أتت، ~~واقترب حسن من السلة وحسر عنها الغطاء، فبدت الفطائر بألوانها ~~الوردية، وطار عرفها الشهي إلى الأنوف، ولم يكن تهيأ للأسرة ~~طوال الأسبوعين المنصرمين طعام شهي؛ لما أخذت به الأم ~~نفسها من الحذر والتقتير. ولاحت الرغبة في أعين الأخوة، ولكن ~~الأم كانت تتجهم لها الخواطر، والحقيقة أن تلك الأيام لم تكن ~~تضمر لها خيرا، وحتى خيرها لم يخل من نكد، وبدا التفكير في ~~تجاعيد وجهها وهي تقول: هدية مشكورة، ولكن الواجب أن نهدي ما ~~يماثلها عقب العودة من القرافة، فما العمل؟! # وجد الإخوة خيبة، وأراد حسين أن يخفف عن أمه فقال: فلنعد ~~الهدية إلى أصحابها شاكرين! # فقالت الأم في حيرة: يعد مثل هذا العمل معيبا، لا أثر ~~للمودة فيه. # فقال حسن متحمسا لقول أمه: بل يعد سلوكا عدائيا. # وتناول فطيرة، وشمها ثم قال باستهانة: لا تحملوا هما. إنما ~~ترد هذه الهدايا في أوقاتها، فإذا مات فريد أفندي بعد عمر طويل ~~أهدينا إلى أسرته سلة فطائر، ولن يعجزنا صنعه وقتئذ بإذن ~~الله. # وراح يلتهم الفطيرة. وتبادل الشقيقان نظرة ثم مدا يديهما إلى ~~السلة، حتى نفيسة سمعت تمطقهم فلم تعد تقاوم. # 13 # جلست نفيسة على الكنبة في الحجرة التي تنام فيها مع أمها، ~~مكبة على ماكينة الخياطة، وقد نثرت على أرض الحجرة قصاصات من ~~الأقمشة. كانت الأم في المطبخ، والشقيقان في المدرسة، أما حسن ~~فحيث لا يدري أحد. وقد باتت الفتاة تضمر لشقيقها الأكبر مر ~~اللوم، فلو أنه وجد لنفسه عملا لما وجدت نفسها في الوضع التي هي ~~فيه. لا يؤمن أحد بأنه جاد - كما يقول - في البحث عن عمل، ولكنه ~~يغيب النهار ونصف الليل، ثم يعود كما خرج صفر ms031 اليدين، ولم تعد ~~الأيام تطالعهم إلا بما يسوء؛ فاليوم اضطرت الأم إلى ~~الاستغناء عن الخادم الصغيرة لتوفر أجرتها فأصبح عليها هي ~~واجبان يوميا؛ أن تبتاع حوائج البيت من الطريق لتسد الفراغ ~~الذي تركته الخادم، وأن تعكف سحابة يومها بعد ذلك على ماكينة ~~الخياطة. وقد مهدت لها الأم سبيل العمل بنفسها منذ يومين، ~~فقالت لصاحبة البيت التي جاءت بقطعة من القماش لتفصيلها: هل عندك ~~مانع من مكافأة نفيسة على عملها؟ # فقالت المرأة بلا تردد: أبدا يا ست أم حسن. هذا حق وعدل. ~~وهيهات أن نوفي ما علينا من دين لست نفيسة. # ما زال سمعها يرجع هاتين الجملتين. وما تذكر أنها وجدت ~~نفسها في مثل هذا الموقف طوال عمرها. لقد تصاعد الدم إلى وجهها ~~الشاحب فكاد ينضح به، وشعرت بأنها تهوي من عل، وأنها أمست ~~فتاة أخرى. ليس بين الكرامة والضعة إلا كلمة. كانت فتاة ~~محترمة فانقلبت خياطة. وأعجب شيء أنه لم يستجد جديد بالنسبة ~~إلى العمل نفسه، فطالما خاطت ثياب صاحبة البيت، وامرأة فريد ~~أفندي وابنتها وغيرهن من الجيران. فالخياطة هوايتها، ولها فيها ~~من البراعة ما يجعلها قبلة الجيران والصديقات، لشد ما تغير ~~شعورها. أحست بالخزي والهوان والضعة، وتضاعف حزنها على ~~أبيها، فبكته بكاء حارا، وبكت نفسها فيه. مات الفقيد ~~المحبوب فمات بموته أعز ما فيها. # كانت تخيط منقبضة الصدر، لا ضاحكة الثغر ولا مترنمة ~~كعادتها فيما ولى من أيام. وكانت تنتظر حضور صاحبة البيت بين ~~آونة وأخرى؛ لتفصل لها بعض ثياب داخلية بعثت بها إليها هذا ~~الصباح. أجل بعثت بها هذا الصباح فحسب، عقب حديث أمها بيومين، ~~مما جعلها تظن أنها أرسلتها على سبيل الإحسان! وقد أفضت ~~بأفكارها إلى أمها فانتهرتها قائلة: لا تسلطي هذه الأوهام ~~على نفسك وإلا خاب مسعانا جميعا. # ولم تكن تجرؤ على معارضة أمها إلى ما باتت تكنه لها من ~~الرثاء في هذه الأيام الأخيرة. «ما أغباني! هل حسبتها راضية عن ~~حالي؟ إنها تكابد حيرة قاتلة، وهي أحقنا بالعطف. إن التعاسة ~~تنفذ في لحمنا كما تنفذ ms032 هذه الإبرة في قطعة القماش. ما كان ~~أبي ليسمح بشيء من هذا، ولكن أين هو؟ إن حزني عليه يتضاعف يوما ~~بعد يوم، لا للضر الذي مسنا بعده فحسب، ولكن لأن هذا ~~الضر نزل بمن يحبهم ويحب لهم الخير. إني آلم لألمه، لا ~~بد أنه يتألم لنا، لشد ما كان يحبني، كأنه يحدس ما يرصدني ~~من شقاء. اضحكي؛ ما أحب ضحكتك إلى نفسي! هكذا كان يقول لي ~~كلما تعالت ضحكتي الرنانة، وكان يقول لي أيضا الخفة أنفس من ~~الجمال، كأنه يعزيني على دمامتي. لله ما ألطفه وما أعذبه! لم يكن ~~مثله أحد في الرجال. مات، مات! لن أنسى ما حييت إيماءته إلى ~~صدره، وهو ملقى على الكنبة: أبي يستغيث ولا مغيث. لتندك ~~الجبال على الأرض. حياة بغيضة مفجعة لا خير فيها. أبي ميت وأنا ~~خياطة، عما قليل تجيء صاحبة البيت لا ضيفة كما كانت ولكن ~~زبونة. كيف ألقاها؟ بأي عين تنظر إلي؟ حسبي، حسبي، داخ ~~رأسي.» وسمعت أمها تخاطب شخصا في الصالة فكفت يدها عن ~~الماكينة وأرهفت السمع، فقرع أذنيها صوت تاجر الأثاث وهو ~~آخذ في مساوماته التي لا تنتهي، وأمها تحاوره بصوت ملؤه ~~الإشفاق واللوم. «ليست أمي بلهاء، وما كانت لتغلب في مثل ~~هذا الموقف، ولكنها الحاجة القاسية التي تركبها، متى يصرف لنا ~~المعاش؟ لا أدري، ولا أحمد يسري يدري. هيهات أن يكفينا المعاش، ~~خمسة جنيهات؟! كارثة. جاء الرجل ليحمل المرآة الكبيرة بحجرة ~~الاستقبال ولما يمض أسبوعان على بيع الفراش العزيز. وسيأتي ~~غدا وبعد غد حتى يترك الشقة أرضا عارية. لماذا خلقنا أسرى ~~أذلاء للغذاء والكساء والمسكن؟ هذا سر متاعبنا.» وخفت إلى ~~باب الحجرة، ففتحته ورأت التاجر ومعاونيه يحملون المرآة ~~الطويلة إلى الخارج وقد فتح باب حجرة الاستقبال على مصراعيه، ~~ووقفت أمها على عتبتها. وكان الرجل الذي يحمل مؤخرة المرآة ~~قصيرا فحملت المرآة في وضع مائل ورأت سطحها ينعكس عليه ركن ~~سقف الصالة متأرجحا بحركة الرجلين، كأنما سرى بأوصال البيت ~~زلزال. وذكرت وهي لا تدري نعش أبيها. واشتد انقباض صدرها ms033 وهي ~~تلقي نظرة الوداع على المرآة التي عاشرتها منذ رأت النور. وعادت ~~إلى مجلسها ، «ينبغي أن تكون المرآة آخر ما أحزن عليه. لن تعكس ~~لي وجها أسر به. الخفة أنفس من الجمال! هذا قولك يا أبي وحدك، ~~ولولاي ما قلته أبدا. لا جمال ولا مال ولا أب. كان يوجد قلبان ~~يساورهما القلق على مستقبلي، مات أحدهما، وشغلت الهموم الآخر. ~~وحيدة، وحيدة، وحيدة، في يأسي وألمي، ثلاثة وعشرون عاما! ما أبشع ~~هذا، لم يأت الزوج بالأمس والدنيا دنيا، فكيف يأتي اليوم أو ~~غدا؟! وهبه جاء راضيا بالزواج من خياطة فما عسى أن يقوم ~~بنفقات الزواج؟ لماذا أفكر في هذا؟ لا فائدة، لا فائدة. سوف ~~أظل هكذا ما حييت.» # ودق الباب، ثم جاءت صاحبة البيت متهللة كعادتها، ~~واحتضنتها وقبلتها. ثم جلستا جنبا إلى جنب، وتحدثت ~~المرأة برقة ومودة، ولعلها حرصت على الرقة والمودة أكثر ~~من ذي قبل. وتظاهرت نفيسة بالرضا والارتياح تداري بهما ~~ارتباكها وخجلها، ولكن من المؤكد أن مبالغة المرأة في إظهار ~~مودتها آلمها وآذاها، وضاعف من ارتباكها وخجلها. وقد جربت ~~المرأة الفستان الذي انتهت نفيسة من خيطه، وقاست الثياب ~~الداخلية، ثم جلست لصقها وغمرت يدها بنقود فضية وهي ~~تقول: هيهات أن نوفي دينك السابق. # ومكثت معها ردحا من الزمن ثم ودعتها وانصرفت. وبسطت ~~نفيسة يدها فرأت قطعتين من ذوات العشرة القروش. وثبتت عيناها ~~عليهما وصدرها جياش وقلبها خافق. ثم قهرها الحياء والهوان ~~«شيء مؤلم، ولكن لا ينبغي أن أفكر في هذا، ما جدوى وجع ~~الدماغ؟ روضي نفسك على قبول ما لا بد منه. هذه حياتي ولا ~~حياة لي غيرها ...» وجاءت الأم وهي لا تزال تنظر إلى النقود، ~~فأخذتها من يدها وسألتها: أجرة الثياب كلها أم الفستان ~~وحده؟ # فغمغمت الفتاة: لا أدري. # فقالت الأم وهي تزدرد ريقها بصعوبة: أجرة حسنة على أية ~~حال. # وتحاشت الأم أن ينم وجهها على شيء مما يقوم في ~~نفسها. # 14 # ومضت أسابيع، وكان الليل قد أرخى سدوله وشملت الشقة كآبة ~~وما يشبه الصمت. وكان الشقيقان يجلسان ms034 إلى المكتب متقابلين، ~~منهمكين في المذاكرة، على حين جلست الأم ونفسية في الصالة في ~~شبه ظلام قانعتين من النور - على سبيل الاقتصاد - بما ينبعث من ~~حجرة الأبناء، وتناجتا في صوت منخفض شأنهما كل مساء، وكانت ~~هموم العيش أكثر ما يستأثر بحديثهما. لم تزل الحاجة همهما ~~الأكبر، وما انفك الخوف يقض مضجع الأم، ويجعلها ترمق ~~المستقبل بقلق وحزن عميقين. بيد أن العادة كانت تحدث ~~أثرها الملطف في تهوين الخطب وإساغته، فلم يعد التقشف في ~~الغذاء مزعجا كما كان بادئ الأمر، وأخذت نفسية تألف مهنتها ~~الجديدة، وتتطلع إلى زبائن جدد، في شيء من الانكسار وكثير من ~~الرجاء. حتى الشقيقان، تعودا أن يجعلا من غذاء المدرسة ~~وجبتهما الرئيسية، وأن يبيتا بلا عشاء في صبر وجلد. كانت ~~العادة تحدث أثرها، وكان حزم الأم يسيطر على ضبط أعصاب الأسرة ~~المنكوبة. وفي ذاك المساء جاء فريد أفندي محمد وزوجه يزوران ~~الأسرة، فاستقبلتهما الأم ونفسية بترحاب وقاداهما إلى حجرة ~~الاستقبال. # وكان فريد أفندي يرتدي جلبابا ومعطفا، أما حرمه فقد ~~التفت بالروب، وكأنهما في شقتهما بغير ما كلفة. وجلس ~~الرجل على الكنبة ليفسح المجال لجسمه المكتنز، وراح يحدث ~~حديثه الودود في لطف وإيناس. وكانت زوجه - ست أم بهية - ~~بدينة مثله مع ميل إلى القصر، إلا أنها كانت تعد أجمل ~~امرأة في العمارة؛ لبياض بشرتها وزرقة عينيها، وقد قالت تخاطب ~~أم حسن متسائلة في لهجة تنم عن العتاب: لماذا تلزمان البيت ~~هكذا؟ لماذا لا تروحان عن نفسكما بزيارتنا كما كنتما ~~تفعلان؟ # فقالت الأم: هجم برد الشتاء وما إن يأتي المساء حتى يركبنا ~~الكسل. أما نهارنا فلا يخلو ساعة من هموم البيت. # فقال فريد أفندي: نحن أسرة واحدة، وينبغي أن نمضي جل ~~فراغنا معا. # كان فريد أفندي ممن لا يبرحون بيوتهم بغير داع قهار، ويرى ~~طيلة فراغه متربعا على الكنبة ومن حوله زوجه، وبهية ابنته، ~~وسالم ابنه الصغير، يسمرون، ويمصون القصب أو يشوون أبا فروة. ~~وكانت الأم تكن مودة صادقة لعطفه ومروءته، ولا تنسى له ما ~~تجشم من تعب يوم ms035 وفاة زوجها. وفضلا عن هذا كله فقد أقرضها ~~بعض المال لحين صرف المعاش، ولم يكن يني عن الذهاب إلى وزارة ~~المالية للاستعلام والاستعجال. بيد أنه كان موظفا تافه الشأن، ~~وهو ما غاب عن تقدير المرأة. ولم يرق إلى الدرجة السادسة إلا ~~حديثا على بلوغه الخمسين. وكانت جيرته للأسرة ترجع إلى عهد ~~بعيد. وتوثقت أواصر الصداقة بينهما لطيب معشرهما، وقرب ~~أسباب المعيشة بين الأسرتين. وكانت حياة لا بأس بها، ولا تخلو ~~من ألوان الترفيه. ثم نعمت أسرة كامل أفندي برفاهية جديدة حين ~~رقي المرحوم إلى الدرجة السادسة قبل وفاته بخمسة أعوام. واستقبل ~~فريد أفندي عهدا جديدا منذ عامين، فورث بيتا بالسيدة زينب، ~~يدر إيجاره عشرة جنيهات شهريا، وبلغ به دخله ثمانية ~~وعشرين جنيها، مما يعد ثروة في عام 1933. وبات فريد أفندي ~~سيد عطفة نصر الله، وزاد ترهلا على ترهل، ولولا حرص زوجه ~~على الاقتصاد لمواجهة مستقبل فتاتهما وابنهما الصغير؛ لنفذ ~~الرجل ما أراده يوما من الانتقال إلى شقة بشارع شبرا. # وتنقل بهم الحديث من واد لواد، ثم قال فريد أفندي مفصحا ~~عن رغبة لعلها كانت أول ما بعثه إلى هذه الزيارة: يا ست أم ~~حسن، إني قاصدك في رجاء. # فقالت الأم: مر يا سيدي. ~~- ابني سالم، وهو في السنة الثالثة الابتدائية، ضعيف في ~~الإنجليزي والحساب. وقد رأيت على سبيل الاقتصاد - لأن المدرسين ~~طماعون كما تعلمين - أن أعهد إلى حسين وحسنين بالقيام بهذه ~~المهمة، ساعة كل يوم، أو يوما بعد يوم، هذا رجائي يا ست أم ~~حسن. # وأدركت المرأة أن الرجل يهيئ سبيلا غير ماس بالكرامة ~~لنفح ابنيها بمصروف شهري يرفه عنهما، هذا واضح كالنهار، ~~ويتفق مع ما طبع الرجل عليه من دماثة ورقة، وقالت برقة ~~وحياء: إن حسين وحسنين ابناك، وهما طوع أمرك! # فقال الرجل بسرور: فليسعفاني بسرعة إذن، وليبدآ يوم ~~الجمعة القادم. # وعادوا إلى حديثهم الطويل، ثم غادر الرجل وزوجه الشقة حوالي ~~التاسعة. وهرعت نفيسة إلى حجرة أخويها حاملة خبرا سارا ~~لأول مرة منذ عهد ليس بالقصير، وقالت بمرح وقد ms036 استردت شيئا من ~~طبيعتها الأولى: مفاجأة! # فرفعا رأسيهما إليها في استطلاع فقالت: فريد أفندي راغب في ~~اختيار مدرس لسالم. ~~- وما شأننا في ذلك؟ ~~- منكما؟ ~~- لأي مادة؟ ~~- الإنجليزي. # فصاح حسنين: أنا طبعا! # فقالت مبتسمة: والحساب أيضا. # فقال حسين وهو يتنهد: أنا. # فقالت في مكر: يريدكما معا، وطبعا بالمجان! # فهتفا معا في سرور وقد أدركا ما وراء كلامها: طبعا! # 15 # لم يكن ثمة ما يدعو إلى ارتداء البدلة في ذهابهما إلى شقة في ~~نفس العمارة، فارتديا معطفيهما على البيجامتين، وإلى هذا كانت ~~أمهما تحرم عليهما ارتداء البدلة - أن يبليها طول الاستعمال ~~- إلا للضرورة القصوى. وكان الضحى بسام الشمس، فلطفت ~~حرارتها من برودة الجو. وارتقيا السلم يملؤهما السرور والأمل. ~~ومرا في صعودهما بباب شقتهما القديمة فألقيا عليها نظرة ~~صامتة، وانتهيا إلى الشقة العليا فوجدا الباب مواربا، ووقفا ~~لحظات مترددين، ثم اقترب حسنين من الباب ورفع يده ينقر عليه، ~~ولكن يده جمدت في الهواء ورنت عيناه إلى الداخل على رغمه. رأى ~~فتاة مولية الباب ظهرها ومنحنية على شيء بين يديها - لعلها ~~تبحث في درج من أدراج البوفيه - وقد برز ردفاها اللطيفان، ~~وانحسر الفستان عن ساقيها وباطن ركبتيها، ساقان مدمجتان يكسوهما ~~بياض ضاحك، تكاد العين تحس طراوتهما. وثبتت عيناه على ~~المنظر فلم يبد حراكا. وعجب حسين لموقفه فدنا منه في اهتمام ~~وألقى ببصره من فوق كتفه، وهو يشرئب بعنقه فغمرته دهشة، ولكن ~~سرعان ما ارتد عن فرجة الباب كالهارب، وجذب أخاه من ذراعه وهو ~~يرميه بنظرة حادة؛ كأنما يقول له «أمجنون أنت؟» ولبثا حينا ~~وقد ركبهما ما يشبه الشعور بالذنب، وكأن المنظر ذر في ~~شقوق صدريهما الشطة. ومال حسنين على أذن حسين وهمس: بهية. # فغمغم الآخر متظاهرا بعدم الاكتراث: لعلها. # فتردد حسنين وفي عينيه بسمة شيطانية ثم قال: ألا نسرق نظرة ~~أخرى؟ # فلكزه في كتفه ونحاه جانبا، ثم اقترب من الباب وطرقه، ~~وسمعا وقع أقدام آتية، وفتح الباب عن وجه جميل، مستدير ~~ممتلئ أبيض، مشوب بشحوب خفيف، تزينه عينان زرقاوان صافيتان. ~~وما إن رأت القادمين ms037 حتى تراجعت في خفر. ثم جاء من بعيد ~~صوت فريد أفندي وهو يهتف: تفضلا يا حضرتي الأستاذين ~~الكبيرين! # ودخلا إلى الصالة - حجرة السفرة أيضا - فرأيا فريد أفندي ~~جالسا على كنبة في مواجهة البوفيه، في جلباب فضفاض، جعل منه ~~كهيئة المنطاد. وسلما عليه وهو يتصفح وجهيهما باهتمام ~~وترحيب، ثم نادى سالم، فجاء الغلام ووقف في حياء وارتباك، فقال ~~فريد أفندي: سلم على أستاذيك. أنت تعرفهما طبعا، ولكنهما من ~~الآن فصاعدا شخصان جديدان. هما أستاذاك، فتأدب في محضرهما ~~كما تتأدب أمام معلميك. # فاقترب منهما الغلام في أدب وهو يغالب ابتسامة حيال ~~الشابين اللذين لم يألف احترامهما بعد، وأشار الأب إلى حجرة ~~إلى يسار الداخل وقال: حجرة الاستقبال أوفق حجرة المدرس، وبها ~~الشرفة إذا أراد أحدكما أن يتشمس. # ومضى الأستاذان إلى الحجرة يستقبلهما التلميذ، وبادر الغلام ~~إلى الشرفة ففتح بابها، ثم أغلق باب الحجرة. وكانا يدخلان الشقة ~~لأول مرة؛ لأنه لم يكن لفريد أفندي ابن في سنهما فتدعوهما ~~صداقته إلى التردد عليها. ووجدا حجرة الاستقبال بمنزلة حجرتهما ~~بوجه عام؛ فهي مكونة من طاقم قديم ذي كنبتين أفرنجيتين ~~وستة كراسي، ومرآة كبيرة ذات حوض مذهب يحوي وردا اصطناعيا، ~~بيد أن حجرتهما بقيت على قدمها وبيعت مرآتها، أما هذه ~~فيبدو أن يد النجاد قد جددت حشوها وكساءها. وجلس حسين ~~على كنبة فجاء سالم بكرسي وجلس قبالته واضعا بينهما خوانا ~~صفت عليه الكتب والكراسات، على حين خرج حسنين إلى الشرفة في ~~انتظار دوره. وجعل حسين يتصفح كراسات الغلام وكتبه، ثم قال له: ~~سأعيد الدروس من الأول شارحا ما يغمض عليك؛ على أن نبدأ في الدرس ~~التالي بتسميع ما تم شرحه. # وبدأ الدرس في اهتمام جدي. # ووقف حسنين في الشرفة مرتفقا حافتها كما كان يفعل أيام كان ~~لهم شرفة. وكان المنظر الذي أثاره لا يزال ناشبا في مخيلته؛ ~~الساقان البديعتان، والوجه البدري ذو العينين الزرقاوين، نظرة ~~هادئة رزينة توحي بالثبات لا بالخفة، جمال يبهر وإن شابه ~~شيء من ثقل الدم، ولكنه لم يترك أثرا سيئا في نفسه، ms038 لا يزال ~~دمه يتدفق حارا في عروقه، وقلبه يخفق بنشوة المنظر، ورأسه لا ~~يمسك عن خلق الصور والأحلام. هذه أسطح البيوت المحدقة به، وهذه ~~عطفة نصر الله في أسفل، وهؤلاء خلق كثيرون ذاهبون آيبون، كل ~~أولئك يلوح وراء غلالة حمراء نشرها خياله المحتقن الدم، متى ~~تعود السكينة إلى نفسه؟ إنه يذكر بهية. كان يرها كثيرا وهي ~~صغيرة تحجل في فناء العمارة، ولكنها اختفت منذ الثانية ~~عشرة، وانقطعت عن المدرسة أيضا قبل أن تلتحق بالمدرسة الثانوية. ~~ولعلها في الخامسة عشرة، ولكن كان كأنه يراها لأول مرة؛ «إني ~~بحاجة إلى مثل هذه الفتاة؛ نذهب إلى السينما معا، ونلعب معا، ~~ونتحدث كثيرا. وما من بأس في أن أقبلها وأعانقها. ليس في ~~حياتي وجه جميل يجذبني إليه، وحسبي ما صادقت من فتيان ~~المدرسة ونادي شبرا. أريد فتاة، أريد هذه الفتاة. في أوربا ~~وأمريكا ينشأ الفتيان والفتيات معا كما نرى في السينما. هذه هي ~~الحياة، أما هذه فما إن رأتنا حتى توارت عن الباب كأننا وحوش ~~نروم التهامها. وكان أجدادنا يقتنون الجواري، لو نشأت في ~~بيت مليء بالجواري، لعرفت حياة أخرى على رغم أمي ~~وإنذاراتها ولكماتها. حتى الخادمة الصغيرة طردت لفقرنا. ماذا ~~يخبئ لنا المستقل؟ أظن أكبر ذنب يؤخذ به في الآخرة هو أن ~~نترك هذه الدنيا دون أن نستمتع بحلاوتها. أجمل منظر حقا هو بطن ~~ركبتها، في وسطه عضلة رقيقة مشدودة تشف بشرتها عن زرقة ~~العروق. لو انحسر الفستان قليلا لرأيت مطلع الفخذ! أجمل منظر ~~في الدنيا منظر امرأة تخلع ثيابها. أجمل من المرأة العارية نفسها، ~~يقولون إن مدرس التاريخ زير نساء. متى أجد نفسي رجلا حرا؟! ~~عندنا غدا حصة تاريخ ويجب أن أحفظ هذه الليلة القبائل ~~الجرمانية. # فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء ~~، هذا أمرك يا رب، ولكن هذا البلد لم ~~يعد يحترم الإسلام.» وتابع أحلامه في نشاط، حتى ترامى إليه ~~صوت حسين يدعوه إلى درس الإنجليزي فغادر موقفه. # وعند انصرافهما بدت لهما الفتاة جالسة في الحجرة المقابلة ~~لحجرتهما، أما حسين فقد غض ms039 بصره في وقاره المعهود، وأما ~~هو فقد رنا إليها بنظرة قوية فخفضت عينيها في حياء. # 16 ~~- كم تظن أن يكون أجرنا؟ # فقال حسين متظاهرا بعدم الاكتراث: لا تكن شحاذا ~~ثقيلا. # فقال حسنين بأمل: نحن ندرس لسالم يوما بعد يوم، وقد مضى ~~زمن لا بأس به، فلعله ينقدنا أجرنا أول الشهر، نينة لا تستبعد ~~أن يعطي كلا منا نصف جنيه، وهو مصروف عال! ستعود أيام الكرة ~~والسينما وشيكولاتة المقصف في الفسحة. # كانا يرتقيان السلم وقد غاب نهار الشتاء القصير في ظلمة ~~المساء المبكرة. وطرقا الباب كعادتهما وانتظرا أن يجيء من ~~يفتحه، وهما يطويان في صدريهما أملا يتجدد مساء بعد مساء دون ~~أن يتحقق. وجاءت الخادم وقادتهما إلى حجرة الاستقبال. كانت ~~الصالة خالية والضوء ينبعث من حجرة نوم الوالدين في نهاية ~~الصالة، فسار حسنين وهو يلحظ المكان بجانب عينيه دون جدوى، ثم جاء ~~سالم وأغلق وراءه الباب، وجلس أمام حسين وبدأ الدرس، وشعر حسنين ~~بخيبة وملل. وكان أحضر معه كتابا يذاكره حتى يجيء موعد درسه ~~فراح ينظر فيه بعينين غائبتين. وجعل يرفع بصره إلى الباب المغلق ~~بحنق شديد، ثم تساءل بمكر: ألا يحسن بنا أن نغلق الشرفة اتقاء ~~للبرد ونفتح الباب؟ # وهم سالم بالنهوض، ولكن حسين أشار له بالجلوس وقال: أغلق ~~الشرفة إذا أردت على أن يبقى باب الحجرة مغلقا. # ورمقه بنظرة ذات معنى، فتلقاها حسنين باستياء مكتوم. وضاق ~~بمجلسه فقام إلى الشرفة متناسيا أنه كان يقترح إغلاقها منذ ~~لحظات. ووجد حيال الظلمة كآبة مثل تلك السحب التي كانت ~~مرنقة بصفحة السماء تزيد الظلمة عمقا ووحشة، لم يكن بالآفاق ~~نجم واحد، ولاحت أضواء المصابيح خافتة تحت غاشية من الضباب، ~~وخيم على الكون سكون ثقيل وبرودة صامتة، كأنما كتمت أنفاسه، ~~«حنبلي، حنبلي. يجب أن يكون رجلا وقورا قبل الأوان. ولا يبدو ~~أنه يريد أن يعاونني، من يدري لعلها لو كانت لها أخت ~~لتغير سلوكه، إنه كأمه جاد صارم. ينبغي أن أفض هذه ~~المشكلة بالحل الموفق» وراح يتفكر باهتمام حتى سمع صوت ~~سالم يناديه ms040 فغادر موقفه إلى الحجرة. وقال له الغلام: تفضل ~~شايا. # ورأى قدحين من الشاي على الخوان فتناول أحدهما ، وقد خفف ~~منظر الشاي من توتر أعصابه، وقبل مضي دقيقة سمعا صرير الأكرة ~~فنظرا صوب الباب ففتح قليلا وبدت بهية! كانت تحمل السكرية ~~فأعطتها لسالم وهي تقول: خذ هذه؛ فربما لم يكف ما بالشاي من ~~سكر. # كانت ترتدي فستانا بنيا تكاد تمس أهدابه أعلى القدم فأضفى ~~طوله على قامتها المائلة للقصر ملاحة. وحملق الشقيقان في ~~وجهها وهي لا تحول عينيها عن الغلام. ثم غض حسين بصره ~~ولما يفق من وقع المفاجأة، بينما ظل حسنين يحملق في ~~وجهها كأنه عجز عن استرداد بصره. ورأى الغلام يجيء بالسكرية، ~~وأخذت الفتاة ترد الباب فملأ الجزع قلبه الخافق، وعز عليه أن ~~تختفي وهو غارق في ذهوله وجموده، وطفرت من أعماقه رغبة في ~~الإفصاح لا تقاوم، فقال بعجلة: شكرا، الشاي به ~~الكفاية! # وتحولت عيناها إليه في ارتباك، ثم اختفت دون أن تنبس بكلمة، ~~ولعل عينيها نمتا عن ابتسامة مكتومة. وتحاشى النظر صوب ~~أخيه فحصر بصره في قدح الشاي، «مفاجأة لم أكن أنتظرها، حلم سعيد. ~~على الرغم من الباب المغلق!» ورشف رشفة كبيرة من السائل الساخن ~~فلسعت لسانه وسقف حلقه، وجعلته ينفخ في جزع. ولكن سخونة ~~الشاي لم تغيبه طويلا عما يعاني من إغراء؛ «جسم لدن، ~~عينان جذابتان. هيهات أن يخفي هذا الفستان الطويل ما انطبع في ~~حسي من صورة الساقين، وبطن الركبة خاصة؛ لا الفستان ولا الباب ~~ولا الظلام. أعظم واجب في هذه الدنيا أن تلاعب فتاة جميلة ~~تحبها، إني أعجب كيف أن فتاة يمنعها الحياء من التحديق في ~~وجه حبيبها تستطيع يوما أن تنزع ثيابها بين يديه دون مبالاة! ~~هذا التطور خاصة خليق بأن يبعث بهيج الأمل في موات النفوس. ~~أو لعلها العادة؟! يجوز. هذه العادة التي جعلتنا نألف المبيت ~~على الطوى! كيف يحق لي أن أفكر في الحب على ما نكابد من قساوة ~~الحياة! شكرا، الشاي به الكفاية! أحسنت بشكرها صنعا! لا يحب ~~طبعي الجبن والتردد، ms041 وبذلك يمكن أن أقتنص فرص الحب وسط برودة ~~الفقر. الفقر! لو كان رجلا لقتلته! ولكنه امرأة، تقتلنا ونحن ~~راضون. ترى هل يتألم أبي لحالنا؟ ترى ما هيئته الآن؟ لهفي عليك ~~يا أبي! حقا الحياة أكذوبة ضخمة، ولكنها جاءت بنفسها ~~بالسكرية! جاءت لي أنا في الواقع. أريد أن أكون شارلمان عصري. لو ~~عدت يوما إلى عطفة نصر الله محاطا بعظمة فروسيته لألقت ~~بنفسها علي من الشرفة ...» وما يدري إلا وحسين يقول له: ~~دورك. # اللغة الإنجليزية! وحل محل أخيه، وألقى درسا ممتلئا ~~عطفا وحبا للغلام الذي يجري في عروقه الدم الذي يجري في ~~عروقها؛ ذلك الدم الذي استشفه في بطن ركبتها، وانتهى بعد ~~زمن لم يدرك له طولا، ثم غادرا الشقة معا إلى السلم المظلم. ~~ولم يعد يطيق صبرا فقال: كان ظهورها اليوم مفاجأة ~~بديعة! # فقال حسين بلهجة تنم عن الانتقاد: حاذر لا تكن وقحا. هذا ~~بيت محترم! ~~- ماذا فعلت فأستحق هذا التأنيب؟ ~~- لا تفعل شيئا تندم على فعله إذا كان فريد أفندي معنا. # وغلبه السرور فقال وكأنه يناجي نفسه: جاءت بنفسها! لله ما ~~ألطفها! ~~- ليس في هذا ما يعيب. ~~- ترى أكلفها أبوها بإحضار السكرية؟ # فقال حسين بملل: من أدراني بذلك! ~~- أم جاءت من تلقاء نفسها؟ ~~- ليكن هذا أو ذاك. ~~- وإذا كان من تلقاء نفسها، فهل جاءت تحت بصر والديها؟ # فلم يجبه الآخر، وإن ظل منتبها لما يقول في اهتمام ~~شديد، فعاد حسنين يتساءل: أو جاءت خفية؟! # فهتف حسين: خفية؟! # فضغط الشاب على ذراع أخيه، وقال وهما يغادران آخر درجات ~~السلم: ألا يقولون «من القلب للقلب رسول»؟! # 17 # جئت الآن وحدي، وسيجيء حسين بعدي، حتى لا يضيع وقتنا بلا ~~ضرورة! # فقال سالم بأدب: هذا أفضل. # واتخذ كلاهما مجلسه، ولكن حسنين قال قبل أن يبدأ درسه: ~~الأوفق أن تغلق الشرفة وتفتح الباب. # ونهض سالم فحقق رغبة أستاذه، ورأى الصالة مظلمة صامتة، ~~ولكن لم يفتر أمله، فلا يزال في الوقت متسع للشاي، ثم ~~للسكرية، وأراد سالم أن يتودد إلى مدرسه بأن يفضي إليه ~~بما ms042 في نفسه فقال: بابا وماما عند ستي. # فخفق قلبه بعنف، ونظر إلى الغلام طويلا، ثم سأله: متى ~~ذهبا ؟ ~~- بعد العصر. # وساوره القلق أن تكون قد ذهبت معهما فتساءل: وكيف تبقى وحدك في ~~البيت؟ # فقال الغلام: معي أبلة بهية. # وابترد صدره بلذة الارتياح والأمل: «الشاي والسكر. السكر ~~خاصة، بل السكرية. سأتحقق اليوم مما إذا كانت تتعمد الظهور ~~أمامي!» وأمر الغلام أن يطالع وبدأ الدرس، وأصغى إليه دقائق ~~ثم مضى يغيب عنه؛ «هل أطلب شايا؟ قلة ذوق! ولكن إذا تأخر الشاي ~~فلا بد من طلبه، إني مضطرب أكثر مما ينبغي. إننا وحيدان في ~~الشقة أنا وهي. لا يخدش هذه الوحدة سالم أو الخادم الصغير، فنحن ~~وحيدان. فلأنعم طويلا بهذه الوحدة الخيالية. لو كانت الدنيا ~~بسيطة كبساطتها الحلوة الأولى لقمت إليها وأخذتها بين ~~ذراعي، وسألتها باطمئنان كامل أن تكشف لي عن ساقيها، ما الذي ~~يجعلني أحجم عن رغبة كهذه؟ هذا سخف الدنيا الذي قتل أبي وأنزل ~~بنا ما نحن فيه.» وانتبه إلى سالم وهو يسأله عن معنى كلمة فذكر ~~له معناها، وأمره أن يواصل المطالعة. وقبل أن يغيب عنه صوت ~~الغلام سمع وقع أقدام تقترب فاتجه بصره ناحية الباب المفتوح، ~~ثم رأى صينية الشاي تتقدم حاملها، ووقع بصره على الساعدين ~~اللتين تحملانها فخفق قلبه خفقة عنيفة، ونهض قائما كمن به ~~مس، وجاءه صوت رقيق وهو يخطر نحو الباب يقول بصوت كالهمس: ~~سالم. # فظهر حيالها وهو يتفحصها بنظرة عارمة ثم همس: ألف ~~شكر. # وتورد الوجه الأبيض المائل للشحوب، ولعله لم يتوقع ظهوره، ~~ثم غضت بصرها في ارتباك، ومد حسنين يده فتناول الصينية، ~~فأطبقت يده اليمنى على أصابع يسراها، وسرى مسها في يده، ~~وذراعه، وجسمه، وروحه، في أقل من الثانية. ولم تقف به جرأته عند ~~حد فضغط على أصابعها ضغطة غير خافية، فاستخلصت يدها في ~~استياء، وفي وجهها عبوسة، وتحولت عن الباب في حدة الغضب. وعاد ~~إلى الخوان بالصينية شديد التأثر، ثم جلس على مقعده وهو يقول ~~للغلام في ارتباك: استمر. ~~«ترى هل تعجلت الأمر ms043 قبل أن ينضج؟ ما أقل صبري! هكذا أنا ~~دائما، يا لها من عبوسة! عبست وتولت. إن يكن حياء فهو عز ~~المنى، وإن يكن حنقا فلعله الختام. هيهات أن أتراجع! هيهات أن ~~يطيب لي التردد أبدا، لماذا جاءت بنفسها؟ لماذا لم تكلف ~~الخادم بحمل الصينية؟ جاءت لي أنا. هذا واضح، لا داعي للخوف.» وكان ~~ينتبه إلى سالم في أويقات متقطعة، ويلقي عليه بعض الأسئلة، ~~ثم يغيب عنه في قلق يراوح بين الإشفاق والسرور. ولما أن انتهى ~~الدرس خطرت له فكرة فصمم على تنفيذها دون تردد. ونهض ~~قائما، وغادر سالم الحجرة ليوسع له الطريق فأخرج منديله من جيب ~~معطفه وتركه على المقعد، ثم غادر الشقة، ولكنه لم يبرح مكانه بعد ~~إغلاق الباب؛ وقف يرهف السمع إلى خطوات الغلام حتى ضاعت، ~~وتريث لحظة ثم نقر على الباب. وانتظر وقلبه يثب وثبا من شدة ~~الخفقان. «إذا جاءت الخادم ضاع تدبيري هباء، ولكن من المحتمل أن ~~تأتي هي، أمري لله.» وأضاء نور الصالة وسمع وقع أقدام قادمة ~~ثم فتح الباب. هي، ولم يبال ما ارتسم على وجهها من آي الدهشة، ~~ولم يضيع وقته سدى فتساءل في رقة وإشفاق: أخاف أن أكون ~~أغضبتك! # فتراجعت خطوة دون أن تفتح فاها، فقال بعجلة: لا أطيق أن ~~تغضبي أبدا. # فغمغمت في استنكار كأنها لا تحتمل أن يوجه إليها خطابا: ~~لا، لا، لا، هذا كثير! # ولم يستطع أن يتكلم؛ لأن سالم ظهر على عتبة الغرفة اليسرى وهو ~~يتساءل: جاءت ماما؟ # فقال حسنين بصوت مرتفع: نسيت منديلي في الحجرة! # وجرى سالم إلى الحجرة، وسارعت الفتاة بالعودة إلى الداخل، ثم ~~جاءه الغلام بالمنديل فتناوله، ومضى وقد نسي أن يشكره. # 18 # ورفع حسين رأسه عن المكتب وتفحصه بدهشة ثم سأله: ما ~~لك؟ # فضحك حسنين ضحكة قصيرة دون أن يجيب، فسأله الآخر بلهجة ذات ~~معنى: أأعطيت درسك؟ # فارتمى حسنين على فراشه وتساءل: هل أبدو متغيرا؟ ~~- بلا ريب. # فتنهد الشاب قائلا: يحق لي أن أحمد الله على أن أمنا ~~تجلس فيما يشبه الظلام. ~~- ماذا حدث؟ ms044 # هل يخبره بما حدث؟ ولكن هل يلقى منه إلا زجرا؟ قال: لم يحدث ~~شيء؟ ~~- واضطرابك؟! إنك إذا اضطربت توتر أنفك كالحمار. # قال حسين ذلك، ثم تساءل في نفسه هل يتوتر أنف الحمار حقا؟ ~~كيف أختار هذا التشبيه؟ ولكن الآخر تضاحك قائلا: هيجان شعور، هذا ~~كل ما هنالك. ~~- وبعد؟ ~~- ولا قبل! # فقال حسين بجد واهتمام: أريد أن أعرف مقصدك. ~~- لا أفهم ما تقول. ~~- لا تتجاهل ما أعني، أنت تفهم كل شيء. لماذا لا تتركها ~~وشأنها؟ ألا تخاف أن يفطن فريد أفندي إلى عبثك أو يبلغه أمرك ~~عن طريق الفتاة نفسها؟ سترمي بنا إلى مركز حرج. # فقال حسنين مبتسما: والله يا أخي، لو وضعوا الشمس في يميني ~~والقمر في يساري على أن أتركها ما تركتها أو أهلك دونها. # فضحك حسين على رغمه، ثم قال وهو يستعيد مظهر الجد والرزانة: ~~ماذا تريد منها؟ # يا له من سؤال! يبدو غاية في البساطة، ولكن من له بأن يجيب ~~عليه، ولم يكن طرح على نفسه هذا السؤال فلم يدر له جوابا. كان ~~اندفاعه بوحي من عواطفه وغرائزه دون حاجة إلى تفكير. ثم قال في ~~حيرة: في مثل حالتي لا تفريق بين الباعث والغاية. ~~- لا أفهم ما تقول. ~~- ولا أنا بفاهم! ~~- إذن دعها وشأنها كما قلت لك. ~~- لن أزال وراءها حتى ... # فتفحصه حسين بنظرة كئيبة، وتمتم متسائلا: حتى ~~ماذا؟ ~~- حتى تقع كما وقعت. ~~- ثم؟! # فقال الشاب الحائر: حسبي هذا! # فهز حسين رأسه في حدة وقال: أنت مخطئ. إنها فتاة ~~مهذبة، ومن أسرة طيبة، ولن ترضى عن سلوكك. ~~- هي ما قلت وأكثر، ولكني لن أتخلى عن أملي. # وقام إلى المكتب فأخذ كتبه، وكراساته، وعاد إلى الفراش، ثم ~~وضعها على حافة النافذة المغلقة التي تلي فراشه مباشرة، وجلس ~~متربعا حيالها كأنه جالس إلى مكتب، فسأله حسين متعجبا: لم ~~لا تجلس إلى المكتب؟ ~~- أريد أن أتربع لأدفئ ساقي. # وكان يفكر في أمر ذي بال، ففتح كراسة، واقتطع منها صفحة ~~وأمسك بالقلم وراح يعمل ذهنه في اهتمام ووجد واضطراب؛ «سأكتب ~~لها ms045 كلمة، لن تتاح لي فرصة لمخاطبتها فلا حيلة لي إلا هذه، ~~ولكن ماذا أكتب؟» وركز فكره مستعينا بالسكون الذي يغشى ~~الحجرة لا يخدشه شيء إلا خشخشة أوراق الكراسة إذا قلبها حسين، ~~ولكن أخذت أذناه تستبين صوت راديو يتسلل من النافذة المغلقة ~~وانيا من بيت من بيوت العطفة، وقطب متظاهرا بالضجر، ولكنه ~~ارتاح إلى سماعه هربا من حيرة أفكاره. وأصغى إلى «عادت ليالي ~~الهنا» فسلم سريعا بمجامع نفسه وجاش صدره بالحنان وندى ~~بالعطف، وهفا قلبه نشوة للحب والحياة. وغمرته موجة حماس ~~فامتلأ نشاطا وتمنى لو ينطلق إلى الخلاء متلفعا بالظلماء. ~~وجعل يغيب عن النغم رويدا بعد أن فتح لروحه أبواب جنة عامرة ~~بالأحلام والرؤى. «يجب أن أكتب كلمتين. جملتين فحسب، حتى لا ~~أسود إلا ورقة صغيرة إذا رميت بها عند قدميها لم يستبنها ~~أحد.» وحرك القلم كاتبا: عزيزتي بهية، إني آسف جدا لأني ~~أغضبتك. «أليس الأفضل أن أقول: لا تغضبي يا عزيزتي؟ .. سيان. ~~ثم ماذا؟ ينبغي أن أعترف لها بحبي، أريد جملة غير مبتذلة. ~~اللهم عونك.» وقطع حسين عليه تفكيره متسائلا: ماذا تكتب؟ ~~- موضوع إنشاء. ~~- ما هو؟ # فقال بلا تردد: أثر الموسيقى في نهضة الأمم. # عزيزتي بهية، إني آسف جدا لأني أغضبتك، أيحق لك الغضب ~~لأني أحبك؟ «يكفي هذا؛ فخير الكلام ما قل ودل. كلا، لا يكفي. ~~النغمة ناقصة، استشهد ببيت من الشعر. كلا، فهذا يثير الضحك ~~عادة. وضحكة واحدة خليقة بأن تفوت علي الغرض. جملة أخرى ~~مؤثرة. يا رب يا معين!» ووثبت إلى ذهنه عبارة لا بأس بها، فشرع ~~يكتب: والله ما فعلت ما فعلت ... ولكن حسين قاطعه مرة أخرى قائلا: ~~هل انتهيت من نقط الموضوع؟ # فانزعج حسنين وقال في غيظ مكتوم: تقريبا .. عن إذنك لحظة ~~واحدة! # وعاد إلى الخطاب في تصميم من يريد الفراغ منه، فكتب: والله ما ~~فعلت ما فعلت إلا لأني أحبك، وسأحبك ما حييت، ولا حياة لي إلا ~~برضاك عني. # وأعاد قراءتها بعناية، ثم تنهد في ارتياح عميق، وطواها ~~وثنى طرفيها ثم أودعها جيبه. «سأنتهز فرصة ms046 اقترابها من الباب، ~~أو مروري بها في الصالة، ثم أرمي بها إليها، وليكن ما ~~يكون.» # 19 # وجدت نفيسة نفسها في حجرة متوسطة الحجم، قامت على جانبيها ~~كنبتان كبيرتان وبضعة مقاعد، أما أرضها ففرشت ببساط أسيوطي، ~~وفي جدارها المواجه لمدخلها شرفة تطل من الدور الرابع على ~~شارع شبرا. كان الأثاث قديما والظاهر أن الحجرة كانت معدة ~~لجلوس الأسرة في أوقات الفراغ، كما يمكن أن يستدل عليه من وجود ~~الراديو بداخلها على كثب من الباب. وقد لاحظت الفتاة مذ وطئت ~~قدماها الشقة أنها على قدر وافر من الجاه يبدو في الصالة الصغرى ~~التي أثثت كمدخل للبيت، والصالة الكبرى الفاخرة المعدة ~~للسفرة، فحق لها أن تصدق صاحبة بيتهم بعطفة نصر الله حين قالت ~~لها: «جئت لك بزبونة ملآنة، عروس ومن أسرة كريمة، فأرجو أن تخيطي ~~ثيابها بما تستحق من عناية علها تفتح لك مغلق الأبواب.» ~~وكانت نفيسة مضطربة لدخولها بيتا غريبا للعمل أول مرة. وجلست ~~على مقعد قريب من الباب تنتظر. وكانت ترتدي ثوب الحداد وقد أرسلت ~~شعرها الأسود في ضفيرة قصيرة، فبدا وجهها العاطل من الزواق ~~والحسن شاحبا بائسا، «بيت غريب وأناس غرباء. خطوة جديدة في ~~سبيل المهنة. لست إلا خياطة، ليست كرامتي التي تعز علي، ~~ولكن كرامتك أنت يا أبي.» ولم يطل بها الانتظار إذ جاءت الحجرة ~~فتاة في العشرين على حسن ورشاقة، فقامت تستقبلها، وسلمت ~~عليها القادمة وهي تلقي نظرة متفحصة ثم قالت: أهلا وسهلا. ~~حضرتك الست نفيسة التي أرسلتك ست زينب؟ # فقالت الفتاة في حياء: نعم يا هانم، وحضرتك العروس؟ # فأومأت بالإيجاب مبتسمة، ثم جلستا، وهي تقول: ست زينب تثني ~~عليك جميل الثناء. وإني أتوسم فيك الخير. # فابتسمت نفيسة ابتسامة باهتة، وانفرجت شفتاها دون أن تنبس ~~بكلمة. «لعلها قالت إني خياطة ماهرة، هذا حسن. أمدح أم ذم؟ ~~لا أدري. ترى هل قصت عليك نبأ أسرتنا؟ كان أبي كأبيك. وكنت ~~سيدة مثلك، وطالما انتظرت العريس، ولكنه لم يأت. ولن يأتي.» ~~وسألت العروس في رقة وهي تعلم الجواب: لماذا ترتدين ~~السواد؟ ms047 # فأجابتها في حزن: توفي والدي منذ شهرين، وكان رحمه الله ~~موظفا في وزارة المعارف. ~~- حدثتنا بذلك ست زينب، البقية في حياتك. ~~- حياتك البقية. نحن من بنها، وخالتي تقيم هناك مع زوجها الذي ~~يملك محلجا للقطن. # ودخلت عند ذاك خادم حاملة بقجة، فوضعتها إلى جانب سيدتها ~~وذهبت، وحلت العروس عقدتها فانحسرت عن كوم من الحرائر مختلفة ~~ألوانها، وأدركت نفيسة من النظرة الأولى أنها أقمشة للثياب ~~الداخلية. ولعلها أرسلت بالفساتين إلى خياطة كبيرة، وارتاحت ~~لهذا لأنها كانت تشفق من أن تعرض سمعتها لتجربة شاقة لا ~~قبل لها بها، عمل في حدود طاقتها وربح مضمون، وقامت إلى مجلس ~~العروس وراحت تتفحص الأقمشة وتتحسسها قائلة: مبارك عليك، يا ~~له من حرير نفيس. # فافتر ثغر العروس عن ابتسامة سعيدة وقالت: نبدأ الآن ~~بالقياس، وعلى فكرة أعندك مانع من مباشرة العمل هنا في بيتنا؟ ~~عندنا ما تحتاجين إليه من الأدوات كلها، وليس ثمة أطفال في ~~البيت، وفضلا عن هذا كله فبيتنا غير بعيد من عطفتكم، ~~فتستطيعين الحضور كل يوم في غير مشقة. # ولم تر نفسية بدا من أن تقول: لك ما تشائين يا هانم. # وقامت الفتاة ووقفت أمامها، وجعلت نفيسة تقيس الأقمشة عليها، ~~امتلأ أنفها الغليظ برائحة الحرير الجديد، وشعرت لمسه وهو ~~ينزلق بين أصابعها بإحساس غريب، فيه اشتهاء وفيه ألم. بيد أنها ~~أحست كذلك، حيال استسلام الفتاة، وما تعقده على مهارة يديها ~~من رجاء بنوع من السيادة. فكأنها ظفرت بأمل في العزاء، ولكن ~~سرعان ما فتر واخلف وراءه يأسا قاتما «عروس وحرير، أحقا ~~أخيط هذه الثياب لهذه العروس؟ كلا هذه الثياب الداخلية تهيأ ~~للعريس قبل العروس! ستداعب أنامله أهدابها الناعمة ومادتها ~~اللطيفة، إني أشارك في هذا الزواج، وسأشارك في زيجات كثيرة دون ~~أن أتزوج، قانعة من هذا كله بأحلامي المحرقة. يا لها من فتاة ~~مليحة وسعيدة، تكاد السعادة تتوهج في عينيها! اليوم تجهز ~~الحرير، وغدا تنتظر الحبيب، وتتنسم أنفاس الأمومة الحارة تهفو ~~عليها من أفق وردي. طالما حلمت بهذا وأبي يقول لي إن الخفة ~~أنفس ms048 من الجمال، ثم بلغت الثالثة والعشرين بين الإشفاق ~~والرجاء، وبموته مات الرجاء. لماذا خلقت هكذا دميمة؟ لماذا لم ~~أخلق كإخوتي الذكور؟ ما أجمل حسنين، وحسين، حتى حسن، إني ميتة ~~كأبي، وهو في باب النصر وأنا في شبرا» وسمعت العروس تسألها: ~~أتحبين أن تتسلمي بعض أجرك مقدما؟ # فقالت بعجلة: لا داعي لذلك مطلقا. # ثم عضها الندم على ما قالت فتضاعف حزنها ويأسها. وسمعت ~~أطيط حذاء يقترب فرفعت رأسها نحو الباب فرأت شابا يدخل الحجرة ~~هاشا، وأقبل على العروس فالتحمت يداهما، وتبادلا ابتسامة ~~سعيدة، ثم سألها: أين والدتك؟ ~~- في حجرتها. # ثم التفتت إلى نفسية، وقالت تقدم لها الشاب: حسان ~~خطيبي. # ثم عطفت رأسها إليه قائلة: ست نفيسة الخياطة. # 20 # وغادرت بيت العروس قبيل الأصيل متعبة. وكانت عطفة نصر الله ~~تبعد عن البيت محطتين فشقت طريقها بين السابلة على مهل وتراخ، ~~وأنعشها الهواء البارد فحثت خطاها. ووجدت ذكريات مما مر ~~بها في بيت العروس تنثال على مخيلتها في لذة وألم معا؛ كانت ~~تجلس على كنبة وقد جلس الخطيبان على الكنبة المقابلة. كانا ~~ملتصقين، وكانا يتحدثان في صوت مسموع حينا، وينخفض حينا ~~فيصير مناجاة وهمسا. وكم ودت وقتذاك أن ترفع رأسها عن الماكينة ~~إليهما، ولكنها خافت وعقلها الحياء أن تلتقي عيناهما بعينيها. ~~ومرة رفعت عينيها من تحت رأسها المنحني فوقع نظرها على ~~ساقين ملتصقتين، ثم انتبهت على العروس وهي تضربه على يده ~~قائلة في لهجة تنم على الدلال والوعيد: حذار! # استغرقها الخيال حتى كادت تصطدم بالمارة ثم دخلها إحساس ~~نهم بالتحرق إلى الحب. لم تحظ طوال حياتها بقلب يحبها ~~ويعطف عليها، ولم تجد من متنفس عن توتر أعصابها إلا في الضحك ~~والسخرية من نفسها وأخواتها والناس، فاشتهرت بالعبث الضاحك الذي ~~تتوارى خلفه مرارة في الأعماق. ولم تكن لها حيلة في إحساسها؛ ~~فالواقع أن غريزتها الأنثوية كانت الشيء الوحيد بها الذي سلم ~~من النقص والضعف، واستوى ناضجا حارا، فلم يخل صدرها من عذاب ~~سجين، وقفت له تربيتها وكرامتها وأسرتها بالمرصاد، ولكن ~~منظرا كالذي رأته اليوم ms049 ببيت العروس كان خليقا بأن يهزها هزة ~~عنيفة قاسية. ولما تخايلت لعينيها عطفة نصر الله، عابثها ~~أمل جديد داعبها كثيرا في الأيام الأخيرة. هنالك بقالة عم جابر ~~سلمان التي تقع قبل عمارتهم بقليل، أو هناك سلمان جابر سلمان، ~~ابن عم جابر وصبيه. ولقد اعتادت التردد على البقالة بعد طرد ~~الخادمة لابتياع ما يلزمها، فعرفت الفتى معرفة أخذت تزداد ~~بكرور الأيام. واستحضرت صورة الفتى بقامته الطويلة المائلة ~~للامتلاء ووجهه البيضاوي الأسمر، وعينيه الضيقتين، وتساءلت ترى ~~هل حقا يبدي نحوها اهتماما أو أنها واهمة؟ خيل إليها ~~كثيرا أنه يبتسم إليها في تردد، ولعله لم يستطع أن ينسى بعد ~~أنها كريمة كامل أفندي علي، وكانت على جفوة طلعتها تحظى بمظهر ~~الفتيات المحترمات، أما سلمان فما هو إلا ابن بقال بسيط، ولا ~~تعلو منزلته في دكان أبيه عن صبي. وكانت تعلم بهذا كله، ولكن لم ~~يكن بوسعها أن تنفر من إنسان أيا كان، إذا أبدى نحوها ميلا، ~~لا يسعها إلا أن تحب من يحبها. بيد أنها ردت فجأة إلى ~~فتور وامتعاض وأطبق عليها شبح اليأس القديم؟ وكان قلبها يقول ~~لها: لا تغرري بنفسك ولا تسمحي لكواذب الأمل أن تعبث بعقلك. ~~ارتضي اليأس، واقنعي منه بالراحة وهي السلوى الوحيدة لفتاة ~~مثلك؛ لا مال ولا جمال ولا أب لها. ولكنها كانت تعلم أنها لن ~~تطيع قلبها أو - على الأصح - صوت مخاوفها. وكانت تزداد ~~استسلاما كلما قربت من عطفة نصر الله، وعاودها الأمل والحنان. ~~الله قادر على كل شيء. وكما يقضي عليها بالأحزان، يهب إذا شاء ~~الأمل والعزاء، ما لي من رجاء سواه. ولن يخيب عنده رجاء، لم ~~أجن ذنبا أستحق عليه الهوان، ولم تجن أسرتنا ذنبا، فلا بد ~~أن تنكشف هذه الغمة. لكن من سلمان؟ هل يرضى به حسنين؟ إنهم ~~جميعا ذوو كبرياء، ولا أظن الفقر بغالب على كبريائهم. وحسن ~~ليس له من الأمر شيء، حسن! ليته يغير من طبعه وينتشلنا مما ~~نحن فيه؛ لا معاش أبي ولا عملي بكافيين، فماذا صنع هو؟ لن يرضى ~~أحد ms050 بسلمان ولن يأتي من هو خير منه. ومن أدراني أنه يفكر ~~في حقا؟! ومالت إلى العطفة تسبقها عيناها إلى بقالة عم جابر ~~سلمان حتى بلغتها. وخطر لها أن تمضي إليها لتبتاع شيئا، ~~أي شيء، ومضت إليه دون تردد. كان عم جابر سلمان العجوز ~~جالسا إلى مكتبه الصغير، عاكفا على دفتر حسابات، بينما وقف ابنه ~~الشاب سلمان جابر وراء الطاولة التي تعترض مدخل الدكان. وانتبه ~~الفتى إليها حال وقوفها أمامه فنظر إليها متهلل الوجه، وقد ~~لمعت عيناه الضيقتان؛ كانت قسماته تشي بالغباء والحيوانية ~~والجبن، وكان شاربه الصغير الشيء الوحيد الذي يمكن أن ~~يتصف بالجمال في وجهه. وأبى إلا أن يبادرها بالكلام فقال: أي ~~خدمة يا ست نفيسة؟ # فقالت الفتاة وهي ترمش ارتباكا: حلاوة طحينية بقرش. # فتناول السكين وقطع لها قطعة وافية، ثم قشط قطعة صغيرة وهو ~~يقول بصوت منخفض: هذه الزيادة إكراما لك يا ست نفيسة. # ولف الحلاوة في ورقة وقدمها لها، ثم أخذ القرش وهو يلحظ أباه ~~بطرف خفي، ولما وجده مكبا على الدفتر، تشجع وقال همسا: ~~سأحتفظ بقرشك بركة! # فابتسمت ابتسامة خفيفة وذهبت. ابتسمت عمدا كأنها تشجعه ~~وترحب به، وقد كلفها هذا جهدا كبيرا، «لم يعد يقنع بلغة ~~العيون فتكلم، وحسنا فعل.» وعلى رغم ضآلة شأنها ومنظره اهتز ~~قلبها سرورا، وجاش صدرها بالانفعال. وكانت تخيلت هذا الموقف ~~- قبل أن يحدث - وهي عاكفة على عملها ببيت العروس؛ فلم يفترق ~~الواقع عن الخيال إلا قليلا. تخيلت نفسها واقفة أمامه ~~لتبتاع الحلاوة فجعل يلتهمها بعينيه، ثم قال لها وهو يتناول ~~القرش «أنت أحلى من الحلاوة.» حقا لم يقل هذا، ولكنه قال قولا ~~يضاهيه. وتنهدت بارتياح، ثم طار خيالها إلى ذكريات عشاقها ~~الغابرين! كان أولهم وزيرا، وقد رأته في صفحة من مجلة المصور ثم ~~راحت تنسج حول صورته وشيا من أحلامها حتى أنجبت له غلاما ~~فريدا، وكان فريد أفندي محمد نفسه العاشق الثاني، وبسببه خاصمت ~~في الخيال زوجه وأسرته. أما سلمان فهو أسوأهم حالا، ولكنه ~~العاشق الوحيد الحقيقي. ولما بلغت منتصف الفناء خافت ms051 أن ~~تلومها أمها على قضاء النهار خارج البيت فضاق صدرها، وقالت ~~كأنما ترد عليها: كفي عن لومك؛ فما عدت أحمل أكثر مما ~~بي. # وعلا صوتها ورن في بئر السلم فنظرت فيما حولها بحذر، وكتمت ~~بأصابعها ضحكة كادت تفلت من شفتيها! # 21 # غادر حسنين شقة فريد أفندي محمد، وأغلق الباب وراءه. كان من ~~الكآبة في غاية، واتجه نحو السلم طاويا صدره على اليأس والقهر، ~~ولكنه توقف ويده على الدرابزين، ودفع رأسه متتبعا حفيف ثوب. ~~فرأى طرف فستان أو معطف، وقد عبر صاحبه بسطة السلم الأخيرة ~~المفضية إلى سطح العمارة. من؟! من عسى أن يرتدي هذا اللون ~~الأحمر من سكان العمارة الذين يعرفهم حق المعرفة؟ ودق قلبه ~~بعنف وشعر بقوة تدفعه إلى الأعلى، فألقى على الباب المغلق ~~نظرة حذرة، وأنصت في انتباه وقلق، ثم تحول عن موقعه، وقطع ~~الردهة أمام الشقة على أطراف مشطه متجها صوب السلم ~~الأخير الصاعد إلى السطح: لعلها هي. لم يعد يراها منذ ألقى ~~برسالته المطوية تحت قدميها، لا في الحجرة ولا في الصالة. اختفت ~~غاضبة ولا شك غير عابئة برسالته وعواطفه، ولم تعد ساعات الدرس ~~بعدها إلا عذابا وضجرا. وقد ارتقى السلم دون أن يحدث صوتا ~~حتى بلغ البسطة الأخيرة فرأى شعاع الشمس المائلة للغروب في مستوى ~~عينيه، ونسمت على جبينه موجات لطيفة من الهواء، وألقى على ~~السطح نظرة شاملة ما بين سوره المطل على عطفة نصر الله، ~~والسور الخلفي فلم يجد أثرا لإنسان، ولم يكن به من قائم إلا ~~حجرتان خشبيتان للدجاج، إحداهما في مواجهة باب السطح، والأخرى في ~~ركن السطح عند طرف السور الخلفي، وهي الخاصة بأسرة فريد أفندي، ~~واقترب من الحجرة البعيدة في سكون ووقف قريبا من بابها مرهف ~~السمع، ولم يسمع بادئ الأمر إلا قوقأة الدجاج، ثم سمع ~~صوتا يدعو الدجاج «ك ك ك ك» فلم يستطع أن يتبين حقيقة صاحبه، ~~وخاف أن تكون الأم التي بالداخل فتراجع خطوة مضطربا، وهم ~~بالهروب، ولكن فتح الباب وبدت على عتبته بهية في معطف أحمر. ~~واتسعت ms052 عيناها الزرقاوان دهشة، وثبت بصرها عليه في ذهول، ثم ~~تضرج وجهها بحمرة شديدة كأن صفحته استحالت رقعة من مخمل ~~المعطف. ولكن لم يدم هذا إلا لحظات، ثم تمالكت نفسها فجازت ~~العتبة وأغلقت الباب، وابتعدت عن موقفه متجهة إلى الباب. ولم ~~يسمح لها بالإفلات فوثب خطوتين ووقف معترضا سبيلها، فحدجته ~~بنظرة غضبى، واستقام رأسها في حدة وقالت مستنكرة: هذا ~~كثير! # فقال الشاب بجرأة ورقة معا: دائما غضبى! إني أعجب ~~لحظي فما أجد منك غير الغضب! فلاح في وجهها الضجر، وقالت ~~باستياء: دعني أمر من فضلك. # فبسط ذراعيه وكأنه يريد سد الفراغ كله وقال: هذه فرصة لم ~~يكن بوسعي أن أحلم بها، فلا يمكن أن أدعها تفلت من يدي. ويحق ~~لي أن أستبقيك بعض الوقت بعد اختفائك المتعمد الذي عذبني ~~أشد العذاب، لماذا تختفين؟ أو دعيني أسألك ماذا وجدت ~~برسالتي؟ # فقطبت في استياء وقالت بحدة: أتذكر هذه الورقة! يا لها من ~~جرأة غير محمودة لا أوافق عليها! # وكان يرنو إليها بين الأمل والخوف؛ «هل أصدق هذا الغضب ~~الظاهر؟ قلبي يحدثني بأنه مبالغ فيه، لعله عرض من أعراض ~~الحياء. إنه كذلك حتما؛ لو أرادت أن تشق طريقها ما وسعني ~~منعها، لا أريد أن أصدق. ولكن لماذا أصرت على الاختفاء؟» وقال ~~باستعطاف: جرأة حملت عليها بعد أن أعياني الصبر! # فهزت رأسها متبرمة وتمتمت: الصبر! لا تعبث بهذه ~~الألفاظ، ودعني أذهب من فضلك. # فقال في صدق وحرارة: ما قلت إلا الصدق، والصدق وحده كان ~~محرضي على كتابة رسالتي الصغيرة، فكل ما بها صدق. وإنه ~~ليسوءني كل الإساءة ألا تلقى عواطفي منك إلا الغضب ~~والنفور! # وازدرد ريقه وهو يلهث، ثم استدرك قائلا بصوت متهدج: ~~أجل، إني أحبك. # وأدارت وجهها جانبا وهي لا تزال مقطبة كما بدا من انقباض ~~حاجبها وزمة شفتيها، ولكنها لاذت بالصمت قليلا - مما بعث فيه ~~روحا جديدا من الأمل - ثم قالت بصوت بدا ألطف موقعا مما ~~سبقه: دعني أذهب، ألا تخشى أن يقتحم السطح علينا أحد؟! # رباه! ألم يعد يضايقها شيء إلا أن ms053 يقتحم السطح عليهما ~~أحد؟! وتمشت في جوارحه نشوة سرور، فقال بحماس وعيناه ~~العسليتان تضيئان بنور بهيج: دعيني أفصح لك عن شعوري؛ إني ~~أحبك، أحبك أكثر من الحياة نفسها، بل ليس في الحياة من خير ~~إلا أني أحبك. هذا ما كتبته، وما أقوله وما أعيده. صدقيني ~~ولا تلزمي السكوت فما أطيق هذا السكوت. # فعطفت وجهها نحوه فطالع في صفحته النقية الرزانة والجد، ~~ولكن خيل إليه أنه يرى نوعا من التأثر لعلها بالغت في ~~كتمانه. ثم سمعها تقول بصوت منخفض كالهمس: حسبك! هلا تركتني أذهب؟! # تأبى أن تجلو هذه القناع! لشد ما تستكين لحيائها! وتنهد ~~بصوت مسموع وتمتم: لا أريد أن أعود لعذابي بغير نفحة أمل، لقد ~~فتحت لك صدري وأريتك قلبي، ولا أطمع في أكثر من كلمة طيبة ~~ترد إلي روحي. # ولكنها بدت أعجز من أن تقول هذه الكلمة، واشتدت عليها وطأة ~~الارتباك فندت عنها هذه العبارة: رباه! كيف أغادر هذا ~~المكان! # فغلبه التأثر، ولكن زاده التعلق بالأمل عنادا وإلحاحا فقال ~~بحرارة: لا تجزعي هكذا؛ إني أحبك، ألا يثير هذا الاعتراف في نفسك ~~إلا الضيق؟! لن أعود يائسا إلى العذاب، لن ... لن. ~~- وبعده؟! # وتفحص وجهها المورد في سمرة المغيب الهادئة فاستفزته ~~عاطفة هيام جامحة، فشعر بأن الهلاك أهون من التراجع، وقال ~~باستعطاف منبعث من الأعماق: كلمة واحدة! إذا لم تستطيعي فإيماءة ~~... وإذا تعذر هذا فحسبي صمت أستشف منه الرضا! # فتحركت شفتاها دون أن تنبس، ثم التصقتا، ثم عطفت عنه ~~وجهها وقد اشتد تورده عمقا. ووثب قلبه في صدره من حرارة ~~النشوة، وهتف في طمع متزايد: أهذا الصمت الذي أريده؟! إني أحبك، ~~وأعاهدك أن أكون لك حتى الموت. # ومال وجهها إلى الوراء أكثر دون أن تخرج عن صمتها المحبوب، ~~فسرت في جسده هزة سرور طاغية حتى سكر بصره، وما يدري إلا ~~وهو يهفو إليها، ولكنها تراجعت في جفول كمن يستيقظ من حلم ~~عميق على هزة عنيفة، وتفادت منه فيما يشبه الوثب، ثم ولت ~~مسرعة. وتسمر في مكانه مرسلا وراءها بصرا هائما حنونا ms054 ~~حتى غيبها الباب. وتنهد من القلب وأطلق بصره بعيدا في ~~سمرة المغيب، والأفق أطياف وشيات، فأحس بروحه تذوب في الكون ~~وتفنى في بهائه. ثم تحرك في بطء مخمورا متوهجا حتى شارف ~~الباب، ولكنه شعر وهو يمر بالحجرة الخشبية الأخرى بشيء يجذب ~~إحساسه فلاحت منه التفاتة إلى يساره، فرأى أخاه حسين واقفا وراء ~~جدار الحجرة. # 22 # وقال بدهشة: حسين! # وسرعان ما لاحظ تغير لونه. كان الشاب غاضبا مكفهر الوجه، ~~وكان يبذل غاية جهده ليضبط أعصابه، ويتمالك نفسه. وتساءل حسنين ~~عما جاء به إلى السطح، ورجح أن يكون - حين صعد لإعطاء درسه - ~~لمحه وهو يرتقي السلم محاذرا إلى السطح فشك في الأمر وتبعه! ~~هذا هو التفسير المعقول. بيد أن التواري وراء الجدران لاستراق ~~النظر والسمع ليس من شيمه! ولم يدر له بخلد أن يسأله عما ~~جعله يقف هذا الموقف، وعلى العكس من هذا تولاه الحياء والارتباك، ~~ولم يكن الآخر - على تغيره - بأقل منه حياء وارتباكا. لعله ~~أراد أن يداري حياءه وارتباكه بالتمادي في الغضب فقال: رأيت ~~أمورا ساءتني كثيرا. كيف تطارد الفتاة هذه المطاردة الوقحة؟! ~~هذا سلوك شائن لا يليق بجار يحترم واجبات الجيرة! # ووجد حسنين في لهجة أخيه القاسية ما أنقذه من حيائه وارتباكه ~~فقال عابسا: ما أتيت منكرا! ولعلك سمعت ما قلت! # فأغضى حسين عن ملاحظته الأخيرة، وقال بحدة أشد: وهل من منكر ~~وراء اعتراضك لسبيلها على هذا النحو غير اللائق؟! ~~- لا أحسبها تعده كذلك! # فقال حسين: ستخبر أباها. ~~- لن تخبره! # فتناهى الحنق بحسين وقال بحدة: لشد ما خفت أن تتهجم ~~عليها، ولو فعلت لأدبتك تأديبا قاسيا! # ودهش حسنين لهذا الوعيد المتأخر، فكاد يطيح الغضب برأسه، ~~ووثبت كلمات شديدة إلى طرف لسانه ولكنه نجح بأعجوبة في القبض ~~عليها، وصمت مليا حتى ذهبت عنه وقدة الغضب ثم قال: ما كان ~~لك أن تخاف حدوث شيء كهذا. # فتفكر حسين قليلا ثم قال متراجعا: يسرني على أية حال أن ~~أسمع هذا القول. وإذا حق لي أن أنصحك فنصيحتي إليك أن تلزم ~~دائما جادة ms055 الشرف. # فقال الآخر ببرود: لست في حاجة إلى مثل هذه النصيحة. # وغادر موقفه فتبعه حسين، ونزلا معا دون أن ينبس أحدهما بكلمة. ~~ولم يذهب حسين إلى شقة فريد أفندي، ولاحظ حسنين هذا دون تعليق. ~~أما الأم فقالت لحسين متسائلة: ما الذي عاد بك سريعا؟ # فقال حسين: لم يحفظ سالم درسه السابق، وسأعود إليه غدا. # وذهبا إلى حجرتهما فجلس حسين إلى كرسيه من المكتب، ومضى حسنين ~~إلى النافذة ففتحها وجلس على حافة الفراش. «أسوأ نهاية لأحسن ~~بداية، ما أحمقه! كيف سولت له نفسه التجسس علي، أفسد ~~علي شاعرية الموقف السعيد. كلا، لا يمكن أن يفسدها شيء، سيزول ~~كل شيء وتبقى هي وضيئة سعيدة باهرة. هيهات أن أنسى لحظة الصمت ~~الناطق! قالت كل شيء دون أن تنبس بكلمة.» ~~- أغلق النافذة، هل أنت مجنون؟! # أفزعته صيحة أخيه، ثم ركبه الحنق والعناد فقال: الجو محتمل ~~ولطيف. # فصاح به حسين: أغلق النافذة بلا مكابرة. # فحملته لهجة أخيه على التمادي في العناد فقال: انتقل إلى ~~الكرسي الآخر تبتعد عن تيار الهواء، إن كان ثمة ~~تيار! # فنفخ حسين متغيظا وقام إلى النافذة فأغلقها بشدة، ~~ففرقعت في السكون طقطقة مزعجة وتحطم لوح من الزجاج. وساد ~~صمت ورعب، وسرعان ما أعماه الغضب فلطم حسنين صارخا: أنت ~~السبب! # وجن جنون حسنين فضربه بقبضة يده في رأسه، ثم اشتبكا في ~~عراك. وما لبثت الأم ونفيسة أن هرولتا إلى الداخل، وبحضور ~~الأم كف كلاهما وهو يدمدم ويهينم. ووقفت الأم حيالهما ~~تردد بينهما بصرا غاضبا، ثم استقرت عيناها على الزجاج ~~المحطم، وتساءلت في هدوء ينذر بالعاصفة: ما خطبكما؟ # فقال حسنين بعجلة ولهوجة: كان يغلق النافذة بقوة فتحطم ~~الزجاج ثم لطمني. # وقال حسين بصوت متهدج: فتح النافذة في هذا الجو البارد، ~~فطلبت إليه أن يغلقها، فأبى بوقاحة، فقمت لأغلقها بنفسي وحصل ~~ما حصل. # فزفرت الأم قائلة: رحماك يا ربي، ألا يكفيني ما بي! # وقبضت بيديها على منكبيهما وجذبتهما إلى وسط الحجرة، وصاحت في ~~وجه حسين قائلة: ألا تخجل من نفسك وأنت في سن الرجال. ms056 # ودفعته في صدره بقبضة يدها مرتين، ثم لطمته، وانقضت على ~~حسنين الذي تراجع وهو يصيح: هو البادئ بالضرب، وهو الذي حطم ~~الزجاج. # ولكنها هوت بكفها على فمه، ثم كيلت له الضربات على رأسه ~~ووجهه؛ حتى حالت بينهما نفيسة، وصاحت المرأة: حذار أن أسمع ~~لأحدكما صوتا، أما النافذة فستبقى مكسورة حتى تصلحاها ~~بنفسكما. # وغادرت الحجرة منكفئة الوجه تملؤها تعاسة لا حد لها. ~~ولبثت نفيسة بينهما برهة محزونة ثم تمتمت: زمن العراك انتهى. ~~أنتما رجلان الآن! # ثم خاطبت حسين مبتسمة: ضقت بالهواء لحظة فماذا أنت فاعل ~~الآن وقد فتحتها إلى الأبد؟! ألصقا جريدة مكان الزجاج وإلا ~~فعليه العوض فيكما. # ولما لم تجد لقولها الأثر الذي انتظرت غادرت الحجرة. وعاد ~~حسين إلى كرسيه صامتا على حين ارتمى حسنين على الفراش منفعلا. ~~كثيرا ما ينتهي الشجار بينهما بتدخل الأم على هذا النحو. ولم ~~تكن حياتهما تخلو من ملاحاة وشجار على صداقتهما الوطيدة، ~~وصحبتهما التي لا غنى لأحدهما عنها. وكانت الغيرة كثيرا ما ~~تعكر عليهما صفوهما، ولكنهما ظلا رغم هذا صديقين يتبادلان ~~الأخوة والحب ولا يستغني أحدهما عن صاحبه. وكان حسين أعقل ~~الأخوين وحسنين أقواهما، فكان الأول يقوم بمهمة الإرشاد والتوجيه ~~فيما يعرض لهما من مشكلات يتعلق أغلبها باللعب والمسائل ~~الاقتصادية الصغيرة، وكان الآخر يحمل عبء الدفاع الأكبر فيما ~~يشتجر بينهما وبين الآخرين من عراك، خصوصا وأنهما كانا ~~يتفاديان من الاستعانة بحسن إذا اشتد الخصم عليهما أن يتحول ~~النزاع من عراك بين تلاميذ متخاصمين إلى معركة حقيقية دامية ~~وخيمة العواقب، بيد أنه أصبح من النادر جدا أن يتشاجرا في ~~الأعوام الأخيرة، وندر بالتالي أن تؤدبهما الأم بالضرب، ~~وقد سبقت المعركة الأخيرة بفترة سلام طويلة كادت تقارب العام. ~~ومهما يكن من أمر فلم يكن أثر الخصام ليحول بينهما أكثر من ~~يوم، ثم يبدأ المعتدي بمخاطبة أخيه في شيء قليل من الارتباك، ~~ولا يلبثان أن يتناسيا العراك كأنه لم يكن. شخص آخر كان يعاني ~~من شجارهما أكثر مما يعانيان؛ هي الأم، فكان يترك في نفسها ~~ألما عميقا ms057 ونكدا متغلغلا. ولم تجد من وسيلة لتأديبهما خيرا ~~من الضرب؛ لعله يصلح ما أفسد الأب بتدليله لهما. ولم يكن ~~أبغض لنفسها من أن يشذ أحد أبنائها عن حدوده، أو أن يبدر منه ~~ما يعد افتئاتا على رابطة الأسرة المقدسة. وكان لها من ~~حسن عبرة بذل الحياة أهون عليها من أن تتكرر. وحسن نفسه لم ~~ينج من لكماتها ولكن بعد فوات الأوان وضياع الفرصة. وكانت لا ~~تفتأ تلوم نفسها وأباه على تلفه، ويعذبها أشد العذاب أنه ~~كان ضحية للتهاون والفقر، ومر شطر من الليل والشقيقان صامتان ~~جامدان، واشتد السكون بعد أن آوت الأم ونفيسة إلى حجرتهما. ~~ثم بدأ حسين يطالع في الكتاب محاولا أن يركز انتباهه ~~المشتت، وراح حسنين يراقبه اختلاسا وهو يتساءل ترى ماذا يجد ~~نحوه؟ وكان يحظى بذكريات جميلة خليقة بأن تعزيه عما ~~أصابه، وبأن تثيبه إلى طمأنينته. وسرعان ما رفت على شفتيه ~~ابتسامة. «كل شيء حسن، لاذت بالصمت، ومعناه أنها تحبني، حقا؟! ~~لشد ما يشوقني أن أسمعها قولا تتحرك به الشفتان الشهيتان. ~~رويدك! كل آت قريب، الصمت بداية، أما النهاية ...» ولاحت منه ~~التفاتة نحو أخيه فعاوده الابتسام؛ «ما كان ضرني لو أغلقت ~~النافذة؟! يبدو أنه لا يستطيع متابعة القراءة. لو وهب مثل ~~حظي السعيد لما أعياه النسيان!» وداخله نحوه شيء من ~~العطف. # 23 # عادت نفيسة إلى عطفة نصر الله عند الغروب، كعادتها في هذه الأيام ~~الأخيرة. وكان يبدو عليها أنها أخذت تعير نفسها اهتماما ~~وعناية، وهو ما أهملته طويلا؛ حدادا على وفاة والدها، ~~فكحلت عينيها وصبغت خديها وشفتيها بحمرة خفيفة؛ شيء ~~خير من لا شيء، بل إن دأبه على التودد إليها ومغازلتها خلق ~~بها بعض الثقة بنفسها، والطمأنينة والأمل. ولم تعد تذكر أنه ~~ابن بقال وأنها ابنة موظف؛ فاهتمامه بها أنزله من نفسها منزلة ~~أثيرة رفعته فوق مقام أفضل الناس في نظرها، وانساقت إلى تشجيعه ~~بدافع من عواطفها المشبوبة المكبوتة، ويأسها الخانق، والرغبة في ~~الحياة التي لا تموت إلا بالموت. وبات مع الأيام صورة مألوفة، بل ~~محبوبة، أنبتت ms058 لها في جدب الحياة زهرة مترعة بالأمل، فلم ~~تعد تستقبل يومها بعين خابية لا تنتظر جديدا. وها هي تنقل ~~خطاها في عطفة نصر الله بعد نهار حافل بالعمل، فيهزها سرور ~~حار دافق يسري من القلب، وينتشر مع دمها في الأعصاب والأعضاء، ~~قال لها مرة: «تريدين حلاوة؟ ما الحلاوة إلا أنت!» وغزا قوله ~~نفسها فابتسمت في بهجة ومرح، وقد حدثتها نفسها أن تقول له ~~«لا تكذب، لست من الحلاوة في شيء!» ولكنها أمسكت في حيرة ~~وشك، وذكرت نفسها بقول القائل «لكل فولة كيال» من يدري؛ ~~فلعلها ليست بالقبح الذي تظن! وجعلت تطوي الطريق وعيناها على ~~الدكان حتى وقفت أمامه وجها لوجه. ولاح السرور في وجه سلمان ~~فقال: أهلا وسهلا، كنت أتساءل متى تأتين؟ # ورمت بنظرة إلى مقعد الأب فوجدته خاليا، ثم لمحته يصلي ~~وراء العمود القائم وسط الدكان محملا بالعلب والبطرمانات ~~فداخلتها طمأنينة وقالت في دلال: ولماذا تتساءل؟ # فضيق عينيه الضيقتين وقال مبتسما: حزري! اسألي قلبي. # فرفعت حاجبيها المزججين وقالت: أسأل قلبك؟ ماذا وراءك يا ~~قلبه؟! # فقال الشاب همسا: يقول قلبي أنه يسر لرؤياك وينتظره على ~~لهفة! ~~- حقا؟! # فاستدرك في جد أكثر من ذي قبل: ويقول أيضا إنه يرغب في ~~أن يلقاك الآن في الشارع ليفضي إليك بأشياء هامة. # والتفت صوب أبيه فسمعه يقرأ التحيات فقال لها بعجلة: في وسعي ~~أن أغيب عن الدكان دقائق، فاسبقيني إلى الشارع العام! # ونظرت إليه في اضطراب وحيرة. وجدت في نفسها رغبة إلى ~~ملاقاته، ولكنها أبت أن تذعن دون ممانعة من جانبها وإلحاح ~~من جانبه، فقالت: أخاف أن أتأخر. # فقال بجزع وهو يومئ صوب أبيه محذرا: دقائق معدودات. ~~اسبقيني قبل أن يختم الرجل صلاته. # ولم تجد في الوقت متسعا للتمنع والدلال فتحولت عن ~~موقفها وقلبها يدق، ثم اتجهت بعد لحظة تردد إلى شارع شبرا. ~~ركبها الاضطراب والقلق والخوف، ولكنها أمعنت في السير دون ~~أن تفكر في العدول. خطوة جديدة هون من وقعها طول ما حلمت ~~بها. وما لبثت أن تغلبت على الخوف فارغة للأمل الحلو ms059 الذي ~~يتخايل لعينيها في نهاية الطريق. ولما انتهت إلى الشارع نظرت ~~وراءها فرأته يحث خطاه وقد ارتدى جاكتته على جلبابه، فمالت إلى ~~اليمين وأوسعت خطاها مبتعدة عن حيها. ولحق بها مهرولا ~~فقال بسرور: استأذنت من أبي دقائق. # وألقت على زيه نظرة لم يخف عنه معناها فقال كالمعتذر: لا ~~يمكن أن أرتدي البدلة إلا ساعات العطلة! # وكان يبدو فرحا مسرورا، لم تكن عينه العاشقة من العمى بحيث ~~تراها جميلة، ولكنه كان من أبيه المستبد في ضيق وحرمان. ~~فرحب بهذه الفرصة التي تتيح له الممكن من الحب، فتى في مثل ~~حالها من اليأس والدمامة والعجز، ووجد فيها - مهما تكن - أنثى ~~تنتسب للجنس المحبوب العزيز المنال. وخاف أن تمضي الدقائق دون ~~أن يقول ما يريد قوله، فقال بعجلة: الدكان يغلق عادة عقب ~~ظهر الجمعة، فقابليني عصر الجمعة ومن ثم نذهب معا إلى روض ~~الفرج. # فقالت باستنكار: نذهب معا؟! هذه طريقة لا أرضاها. ~~- ماذا علينا لو فعلنا؟ ~~- لست من أولئك الفتيات! ~~- حاشاي أن أظن بك السوء. ولكن ينبغي أن نجد مكانا آمنا ~~للحديث. ~~- أخاف أن يرانا أحد من إخوتي. ~~- من السهل أن نتفادى هذا! # فهزت رأسها وقالت في حيرة: لا أحب هذه الحياة المليئة ~~بالمخاوف. ~~- ولكن ينبغي أن نتقابل. # فتفكرت مليا ثم تساءلت: لماذا؟ # فنظر إليها في دهشة ثم قال: كي .. كي نتقابل! # فقالت بقلق: لا .. لا .. لست لهذا! ~~- أليس لدينا ما نقوله؟ ~~- لا أدري. ~~- لدي الكثير. ~~- فما هو؟ ~~- ستعلمينه في حينه؛ ليس لدي الآن متسع من الوقت. # فساورها الشك حينا ثم قالت وقد تورد وجهها: قلت لك إني ~~لست من أولئك الفتيات! # فقال الشاب بلهجة تنم عن الأسف: يا سلام يا ست نفيسة! أنا ~~رجل سوق وأفهم الناس! # فداخلها الارتياح، وإن تساءلت لماذا لا يقول الكلمة التي ~~تتلهف على سماعها ويريح قلبها؟ وعاد وهو يسأل: هل نتقابل إذن ~~يوم الجمعة القادم؟ # فترددت قليلا ثم غمغمت: إن شاء الله. # وعادت إلى البيت كثيرة الفكر. هذا بدء الحب الذي طالما ~~تلهفت عليه، نفض قلبها الغبار ms060 عن جوهره، ودبت فيه حياة ~~مفعمة بالنشوة والحرارة والأمل. كل هذا حق، بيد أنها قلقة ~~متحيرة لا تدري شيئا عما يمكن أن يتمخض عنه ، ولا عما يمكن ~~أن يقابل به نبؤه في أسرتها! # 24 # انتهى حسنين إلى باب السطح، ثم تنهد بصوت مسموع ليبلغها ~~صوته، ولكنها تجاهلته وسارت متمهلة صوب الحجرة الخشبية، ~~فتنحنح، ثم اندفع نحوها بجسارة والشمس تلقي عليها أشعة الوداع، ~~فدارت على عقبيها وطالعته بوجه كتوم يأبى أن يعلن عن ~~غضب أو رضا، ثم تمتمت: أما لهذا من آخر؟ # فضحك ضحكة قصيرة وقال: إنك تؤدبينني أدبا لن أنساه. # فقالت وهي تحافظ على سكون وجهها: ليتك تزدجر. # ففرقع بإصبعه وهتف: هيهات! # ثم تنهد بصوت مسموع وكان يتطاير من الفرح لما آنسه من ~~رغبتها في محادثته. ~~- هيهات أن أنثني عن حبك. # فتورد وجهها، وعبست قائلة: لا تردد هذه الكلمة. # فقال بعناد وهدوء وتوكيد: أحبك! ~~- أتروم إغاظتي؟ ~~- لا أروم إلا حبك. # فقالت بحدة: سأصم أذني. # فرفع صوته قليلا قائلا: أحبك، أحبك، أحبك! # فلاذت بالصمت، وجعل يلتهم وجهها بعينيه في شوق وانجذاب، حتى ~~لم تعد تحتمل وقع نظراته فولته ظهرها مبتعدة، ولكن اندفع ~~وراءها فالتفتت نحوه مقطبة، وقالت: أرجو أن تدعني ~~وتذهب. # فقال بدهشة: لا محل لهذا القول الآن. مضى زمنه وبات قديما، ~~نحن الآن في «أحبك»! ~~- وماذا تريد؟ ~~- أن أحبك! # وهمت بانتهاره؛ فغلبها الابتسام الذي أعياها كتمانه، ثم ~~ضحكت ضحكة مقتضبة مكتومة، خرجت من أنفها نفخة لطيفة، ولم تملك ~~أن خفضت رأسها في حياء. وهزته هذه الحركة فهاجت صبوته ~~وأقبل نحوها متشجعا طامعا، ومد يده ليمسك يدها، ولكنها ~~تراجعت فيما يشبه الرعب، وخاطبته بلهجة جادة لا تترك ~~ريبة في جديتها: لا تمسني! # فغاضت ابتسامة الظفر في شفتيه، ولكنها لم تباله واستطردت ~~قائلة بنفس اللهجة الجدية: لا تحاول أن تمسني أبدا، لا أسمح ~~بهذا ولا أتصوره! # فوجم قليلا ثم قال بدهشة: إني آسف، ما قصدت سوءا، إني ~~أحبك بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى صحيح. # فقالت وهي تنظر إلى قدميها، وقد ms061 نم مظهرها على شعورها بخطورة ~~ما تقدم على قوله: إني شاكرة لك هذا، ولكن ليس «أنا» الذي أملك ~~الرد عليه! # ووقع قولها من نفسه موقع المفاجأة والدهشة. كان يجري وراء ~~عاطفته مستغرقا فيها دون أن يفكر فيما عداها. كان يحب ولا يرى ~~إلا الحب، فأعاده قولها إلى رشاده، وفهم ما فاته فهمه، ~~وأدرك أن الأمر جد لا لهو ولعب. ولم يأسف على هذا، بل زاد ~~سرورا، ولكن غشيته غاشية خوف وقلق لم تخف عليه دواعيها. ~~وخرج من حيرته بأن قال: إني أدرك وجاهة رأيك، وأوافق عليه، ولكن ~~ليس هذا كل شيء. إني أسأل قلبك أولا؟ # ولانت ملامحها، ولكنها لم تفقد السيطرة على إرادتها، فقالت: ~~أرجو ألا تستدرجني لحديث لا أحبه! ~~- لا تحبينه! # ولم تكن تعني ما قالت بالضبط، ولكنها لم تر بدا من أن ~~تغمغم قائلة بصوت ضعيف: أجل ... # فقال حسنين بارتياع: هذه طعنة دامية في قلبي! # فقالت بحيرة وارتباك وحياء: لا أحب أن أسلك سلوكا أو أقول ~~قولا يستوجب الإخفاء! # فلم يملك أن ابتسم قائلا: ولكن هذه ضرورة لا بد منها، وما ~~فيها من عيب! # فلم ترتح لقوله ولا لابتسامته، واشتد تورد وجهها، فقالت ~~بشيء من الحدة: كلا! لا أحب المداعبات ولا الغزل! ~~- ولكني أحبك حبا صادقا. ~~- أف، لا تقسرني على سماع ما لا أطيق سماعه! # فتساءل مبتسما: هل أقتل نفسي؟ # فابتسمت أفكارها دون أن يبدو شيء على وجهها وقالت: لا داعي ~~مطلقا لقتل نفسك، لقد قلت ما عندي! # وأعادته العبارة الأخيرة إلى حيرته وخوفه، فقال بعد تردد: ~~لست إلا شابا في السابعة عشرة، وتلميذا بالسنة الثالثة ~~الثانوية، فكيف أفتح هذا الحديث؟ # فنحت عنه وجهها قائلة ببرود: انتظر حتى تصير رجلا! # فقال في دهشة ممزوجة بالاستنكار: بهية! # فقالت في هدوء: ما من سبيل إلا هذا. # وشعر بغيظ، وضاق بما تلقاه به من حزم، ولكنه أحس في الوقت ~~نفسه بحبها يغلبه على أمره ويطيح بخوفه وقلقه، فقال ~~باستسلام: لك ما تشائين. سأحدث من بيدهم الأمر. # فرفعت إليه عينيها لحظة ثم ms062 خفضتهما، وبدت حينا كأنها ~~تهم بالكلام، ولكن غلبها الصمت فقال: سأحدث فريد ~~أفندي. ~~- أنت! ~~- نعم. # فلاح في وجهها الاعتراض دون أن تنبس، فتساءل: هل من الضروري ~~أن تقوم أمي بهذه المهمة؟ # فترددت قليلا ثم قالت بصعوبة ووجهها يتضرج بالاحمرار: ~~أظن هذا! # وضاق صدره بهذا القول الصريح الذي يساوره الاعتراف في قلقه. ~~تخايلت لعينيه صورة أمه الحزينة وهي قابعة في الصالة التي لا ~~يضاء مصباحها توفيرا للنفقات، فاضطرب صدره، وقال بصوت ~~منخفض: سأحدثه وأقنعه بمفاتحة أمي في الأمر. # فتساءلت الفتاة في دهشة: ولماذا لا تحادثها بنفسك؟! # أوشك أن يقول «لا أستطيع» ولكنه أطبق فاه، ثم قال متجاهلا ~~سؤالها: لشد ما أخاف أن يسخر مني، أو أن يعترض على استبقائك في ~~الانتظار حتى أتم مرحلة التعليم الطويلة. # وقالت بصبر نافد وبلا وعي تقريبا: سيوافق على الانتظار ما ~~دمت أوافق عليه! # وعضت على شفتيها في حياء وألم، فتطلع إليها في لهفة ~~وشغف، ومد إليها ذراعيه وقلبه يضطرم اضطراما، ولكنها تراجعت ~~عنه، مقطبة لتخفي تأثرها، وتمتمت: كلا، كلا، أنسيت ما قلت ~~لك؟! # 25 # كان الشقيقان يجلسان حول المكتب كعادتهما كل مساء. وكان حسنين ~~يعتمد وجهه بيده غائبا في أفكاره، تنم نظراته وقضمه لأظافره ~~من آن لآخر على قلقه وتوتر أعصابه. وحسين نفسه لم يبد عليه ~~أنه يجني ثمرة تذكر من نظره في كتاب مفتوح أمامه، وكان يختلس ~~من وجه أخيه نظرات متقطعة فلا يتمالك نفسه من التبسم، ~~وعواطف شتى تتناوب قلبه، وضاق بالصمت فقال بلهجة ذات معنى: ~~طالت المفاوضات! # فانتبه إليه حسنين في فزع ثم تنهد قائلا: مرت ساعة، بل ~~أكثر، ترى ماذا هناك؟ # فقال حسين ساخرا: انقلبت الآية؛ فالمتبع أن يذهب آل الشاب ~~لطلب يد الفتاة، ولكن في حالتك يجيء والد الفتاة لطلب يد ~~الفتى! # فقال حسنين بنرفزة وحنق: يحق لك أن تسخر مني فلا خوف عليك. ~~ترى ماذا يقال الآن في حجرة الاستقبال؟ ماذا تقول أمي؟! # فقال حسين في هدوء: عما قليل ستعلم بكل شيء! ~~- أتظنها ترفض رجاء رجل كفريد أفندي؟ ~~- من ms063 يدري؟ الذي أعلمه علم اليقين أننا سنخسر - في حالة الرفض - ~~مرتبنا الشهري الذي لم نحلم به! # فرماه حسنين بطرف حائر ثم تساءل: إلام يطول هذا الانتظار ~~الموجع! # وعادا إلى الصمت، وكانا قلبا المسألة على جميع وجوهها، وطال ~~حديثهما عنها في أوقات متقطعة منذ أفضى حسنين إلى شقيقه بما ~~كان من حديث بينه وبين فريد أفندي محمد. وقد رحب الرجل بطلب ~~الشاب ترحيبا وقع من نفسه موقع الدهشة، فلم يكن ينتظره، ولم ~~يكن ينتظر بعضه، ثم وعد بمخاطبة الأم وتذليل أية عقبة مهما ~~تكن خطورتها! ولمح حسين - تفسيرا لهذا - إلى أزمة الزواج من ~~ناحية، وطيبة فريد أفندي وحبه المأثور لأسرتهم من ناحية أخرى. ~~ولم يبق الآن إلا أن ينتظرا النتيجة الوشيكة الظهور! وجعل قلق ~~حسنين يتزايد بمرور الوقت؛ «بعد دقائق أعلم كل شيء، هل تكون ~~بهية لي أو أدفن هذا الأمل الوليد؟ لا سبيل إليها إلا بهذا، إني ~~أريدها ولا غنى لي عنها، ترى فيم تفكر هي في هذه اللحظة؟ ألا ~~يتوزعها القلق على مصيرنا؟ إنها تحبني بلا ريب. حسبي هذا من ~~الدنيا جميعا. تبا له! إنه يطالع في هدوء، ويستمتع بمراقبة ~~المعركة من بعيد، لا حب ولا قلق، لشد ما تسومنا هذه العاطفة ~~الطاغية من عناء! من قال إنها تقيم في القلب؟ الأرجح أنها تعشش ~~في العقل؟! وهذا سر الجنون!» واستيقظ على صوت حسين وهو يقول: ~~إنهما خارجان! # وأرهف حسنين السمع فبلغه ما يتبادل الرجل وزوجه وأمه من ~~عبارات المجاملة المألوفة. ومضوا إلى الباب الخارجي، إلا نفيسة ~~قد جاءت إلى باب الحجرة، ووقفت تنظر إلى أخيها بغرابة ثم قالت: ~~يا ما تحت السواهي دواهي! أتريد حقا أن تتزوج؟! # وغمغم حسين: أول الغيث قطر! # وانتقل حسنين مدفوعا بغريزة الدفاع عن النفس من كرسيه إلى ~~فراشه في أقصى الحجرة لصق النافذة التي حل ورق الصحف محل ~~زجاجها المفقود. ثم سمعوا وقع أقدام الأم وهي قادمة، ودخلت تسير ~~في خطى ثقيلة صلبة القسمات جامدة النظرة، وبحثت عيناها عن ~~حسنين حتى استقرت عليه في ms064 آخر الحجرة، ولبثت تنظر إليه حينا ~~ثم مضت إلى الكرسي الذي تركه وجلست عليه في شبه إعياء. وساد ~~الصمت مليا فلم يجرؤ أحد على خرقه حتى نظرت المرأة إلى ~~حسين وسألته في هدوء: ألا تدري فيم كان يحادثني فريد أفندي ~~وزوجه؟ # فارتبك الشاب الذي لم يكن يتوقع استجوابا، وظن أنه بالنسبة ~~للمسألة كلها من المتفرجين، فلم يحر جوابا، حتى قالت له ~~الأم بخشونة: أجب. # فتحول بصره صوب حسنين في حيرة واستغاثة، فاقتنعت الأم بهذا ~~الحركة وسألته: متى علمت؟ # فقال في إشفاق: أول أمس! ~~- ولماذا أخفيت عني؟ # فلاذ بالصمت لاعنا أخاه وحظه اللذين أورطاه في المسئولية بلا ~~ذنب جناه، وتنهدت عند ذاك وقالت بأسى: الأمر لله؛ فإن شقائي ~~بكما فاق ما ألاقي من زماني الأسود! # وكانت نفيسة تكره جو الشقاق بطبعها، فأرادت أن تلطف من ~~حدته. ولا يعني هذا أنها كانت تشجع أخاها على رغبته، ~~ولعلها كانت أشد غضبا من أمها، بل إنها عدت الأمر كله ~~تدبيرا دنيئا لاختطاف شقيقها، ولكنها رغبت صادقة في ~~تحامي نزاع لم يعد يجدي، فقالت مخاطبة أمها: لا تهيجي ~~دمك؛ ما كان كان، فارحمونا من وجع الدماغ. # فانتهرتها أمها بحدة قائلة: اخرسي! # والتفتت إلى حسنين قائلة بازدراء: لعلك ملهوف على معرفة ما ~~انتهى إليه مسعاك الذي دبرته بليل ... # وهزت رأسها في أسى ثم قالت: لك قلب تحسد عليه؛ فإنه يستطيع ~~رغم فجيعتنا وتعاستنا أن يعشق، وأن يستهين بنا جميعا في سبيل ~~سعادته، والحق أني ذهلت حين حدثني فريد أفندي عن آمالك ~~الواسعة، وهيامك العجيب، ولكني حدثته بدوري عن كفاحنا ~~وتعاستنا، حدثته عن أثاثنا الذي نبيعه قطعة قطعة لنحصل على ~~الضروري من القوت، وعن شقاء أختك التي تمتهن الخياطة وتقطع ~~النهار بين هذا البيت وذاك، ثم صارحته بأن أحدا من أبنائي لن ~~يتزوج حتى ينهض بأسرته المنهارة. # وسكتت المرأة وعيناها لا تتحولان عن وجهه وهو خافض العينين ~~تعلوه كآبة وقنوط، ثم استطردت قائلة بحزن: ومهما يكن من أمر ~~فلا يسعني إلا أن أشكر لك عطفك وإنسانيتك! # وقامت ms065 المرأة وغادرت الحجرة لا تكاد ترى ما بين يديها من ~~الغضب والحزن، وخلفت وراءها صمتا ثقيلا، وبلغ التأثر من ~~نفيسة فتناست غضبها الدفين، واقتربت من حسنين وقالت متظاهرة ~~بالمرح: نينة لم تقل كل شيء. وأؤكد لك أن ثمة ما يدعو حقا ~~لحزنك، وما كان بوسعها إلا أن تبقي على صداقة فريد أفندي ~~ومودته، ومن ذا يستطيع أن ينسى جميله ومروءته؟! قالت له أنها ~~تعد موافقته على طلبك شرفا كبيرا، بيد أنها ذكرت له حالنا ~~الذي يعرفه حق المعرفة، وسألته أن ينتظر حتى تنهض أسرتنا من ~~عثرتها، مكتفيا بكلمتها على أن تعلن الخطبة في حينها إذ أنت ~~رجل مسئول. وقالت له أيضا إنه يسعدها أن تختار بهية زوجا ~~لابنها، فلا داعي للحزن على الإطلاق. # ونظرت الفتاة إلى وجه أخيها والإشراق يعاوده فدخلها غيظ ~~مفاجئ، ولكنها أحسنت كتمانه وقالت بلهجة لم تخل من حدة: ~~اعذر نينة؛ فهي مسكينة حزينة، ومما يعزيها ولا شك أن نشاركها ~~همومها، أما إذا وجدت منا ... ما علينا، لا أحب أن أعود إلى هذا، ~~وحسبي أن أقول لك إن الأمور ستسير كما تحب (ثم ضاحكة) لعنة ~~الله عليك وعلى الحب معا! # 26 # قال سلمان جابر سلمان: فلا يداخلك شك في هذا. سنتزوج كما قلت ~~لك، وهذا عهد مني أمام الله. # فأنصتت نفيسة باهتمام وقلبها يتابع ضرباته، لم يعد جديدا ~~أن تسير متأبطة ذراعه في شارع من الشوارع المتفرعة عن شارع ~~شبرا؛ حيث يغلب الظلام على جنباتها، ويقل المارة. وكان يبدو ~~لها دائما، على دمامته وحقارته، فتى رائعا؛ لحرارة عاطفته ~~وشدة انكبابه عليها، وكانت لهذا تحبه من أعماقها، بل باتت ~~مجنونة به. # واعتقدت أنه الحبيب الأول والأخير. ليس لها سواه، ولن يكون لها ~~سواه، فتعلقت به بقوة الأمل، وبقوة اليأس! وأحبته بأعصابها ~~ولحمها ودمها، ووجدت فيه غرائزها المشبوبة العارمة أداة نجاة ~~تنتشلها من الأعماق. # كان أول رجل بعث فيها الثقة، وطمأنها إلى أنها امرأة ~~كبقية النساء. وكان إذا قال لها «أحبك» تخلق خلقا جديدا، ~~فترى الدنيا - على كثافة الظلام ms066 المحيط - نورا وبهاء، بيد أنها ~~لم تقنع بكلمات الحب، تلهفت إلى شيء آخر ليس دون الحب ~~منزلة، أو لعلهما شيء واحد في نظرها، فلم تفتأ تستدرجه ~~حتى قال ما قال ثم تشجعت بالظلمة وتساءلت: وماذا أنت ~~فاعل؟! # فقال بلا تردد: كان من الطبيعي أن أعلن أبي برأيي، ثم نذهب ~~معا إلى والدتك لنطلب يدك، أليس كذلك؟ ~~- أظن هذا. # فتنهد بصوت مسموع وقال: يا ليت! هذا أمل بعيد المنال في ~~الوقت الراهن. # فانقبض قلبها وتساءلت في انزعاج: لماذا؟ # فقال بغيظ: أبي! .. لعنة الله عليه. رجل عجوز أحمق عنيد، ~~ويطمع أن يزوجني من ابنة جيران التوني البقال عند تقاطع شبرا ~~بشارع الوليد. ولست في حاجة إلى أن أقول لك إنني لم أوافق، ولن ~~أوافق، ولكنني لا أستطيع أن أقترح عليه الزواج من أخرى في ~~الوقت الحاضر، وإلا كان جزائي الطرد. # وأحست جفافا في حلقها، ورمقته بازدراء، ثم تساءلت في ~~قلق: والعمل؟! ~~- نصبر، ثم نصبر. ولن تحولني قوة في الأرض عن غايتي، بيد ~~أنه يجب أن نأخذ حذرنا أن يفطن الرجل إلى علاقتنا. ~~- وإلام نصبر؟ # فتردد في حيرة ثم تمتم: حتى يموت! # فهتفت بانزعاج: يموت؟! هبنا متنا قبله! # فضحك ضحكة جافة في ارتباك وقال: دعي هذا لي وللزمن، لم تضق ~~بنا الحيل بعد! # كلام عائم لا يروي غلة؛ «لا أستطيع أن أقول له أني أخاف أن ~~يتقدم لي أحد في أثناء الانتظار لطلب يدي. هذه حجة وجيهة في ~~يد غيري ممن يحظين بقسط من الجمال أو المال. أما أنا فمن ~~عسى أن يتقدم لي في هذه الأيام التي لا يتزوج فيها أحد! رضيت ~~بالهم، ولكن الهم لا يرضى بي، ابن بقال! إن البدلة تبدو على جسمه ~~قلقة نابية.» وشعرت بيد القهر تقبض على عنقها. وزادها الخوف ~~تعلقا به فلو وزن في هذه اللحظة بالدنيا كلها لرجح بها في ~~قلبها. إنها لا تدري على وجه الوضوح كيف يمكن أن تتزوج منه حتى ~~ولو ذلل ما يعترضه من عقبات، فإن أمها لا تستطيع أن تقدم ms067 ~~لها شيئا، فضلا عن أن الأسرة باتت لا تستغني عن القروش التي ~~تربحها لها، ولكنها تريده، تريده من الأعماق، وبأي ثمن. ~~وتجهم وجهها، وفتحت فاها لتتكلم، ولكن لاحت منها التفاتة ~~إلى شبح قادم فجمد الدم في عروقها. وشهقت شهقة فزعة وكادت ~~تطلق ساقيها هاربة لولا أن مر القادم تحت المصباح فتنور ~~وجهه وتنهدت تنهد الأمان بعد الرعب، وعجب سلمان لشأنها ~~فسألها: ما لك؟ # فقالت وهي تلهث: حسبته أخي حسن! # وانتهز الشاب الفرصة ليفصح عن رغبة طال احتضانه لها، فقال: ~~لن نأمن الخوف ما دمنا نخبط على وجوهنا في هذه الطرق. أصغي ~~إلي، لماذا لا نذهب إلى بيتنا فنمكث فيه قليلا بعيدا عن ~~الأنظار؟ # فصاحت به في دهشة: بيتك؟! ~~- نعم. أبي يقضي مساء الجمعة حتى منتصف الليل عند شيخ الطريقة ~~الشاذلية، وأمي في الزقازيق عند أختي التي جاءها المخاض اليوم، ~~وليس في البيت أحد! # فقالت في ذهول وقلبها يدق بعنف: كيف أذهب معك إلى بيتك؟ ~~أجننت يا هذا؟! # فقال بضراعة حارة: إني ألتمس مكانا آمنا، بيتي آمن ~~ودعوتي بريئة، أريد أن أخلو إليك في أمان؛ فنعالج همومنا في ~~روية بعيدا عن المخاوف والعيون ... # كان يتكلم وكانت تصغي مقطبة، وكانت تتخيل على رغمها البيت ~~الخالي في قلق وخوف، وحاولت أن تطمس خياله بالتمادي في الغضب، ~~ولكنه ظل قائما في رأسها، وقالت في حدة: ليس في بيتك ... # فقال الشاب باستعطاف وهو يشد على راحتها: لم لا؟! ظننتك ~~ترحبين بدعوتي، أليس لك ثقة في؟ أليس لك ثقة في نفسك؟ ~~أريد أن نخلو لذاتنا، وأن نتحدث، وأن أطلعك على مدى حبي ~~وآمالي وخططي. ليس فيما أدعوك إليه من عيب ولن يدري بنا ~~أحد. # فهزت رأسها في عناد وقلبها يوالي ضرباته الشديدة، ودت لو ~~تستطيع أن تخلو إلى نفسها لتتفكر طويلا، وشعرت برغبة في ~~الهروب. ولكنها لم تبد حراكا، وسارت إلى جانبه وراحتها في ~~يده وعبثا حاولت أن تبعد خيالها عن البيت الخالي المنتظر، ثم ~~جاءت لحظة فشعرت بأن باطنها ينقلب رأسا على عقب وأنها تغوص ms068 ~~في أعماق ما لها من قرار. وازدادت اضطرابا وقلقا فقالت في ضيق: ~~ليس في بيتك! # فشد على يدها بيد مرتجفة وقال: بل في بيتي، فكري قليلا، ~~ماذا تخافين؟ إني أحبك وأنت تحبينني، ونريد أن نتحدث عن ~~حبنا ومستقبلنا في أمن من العيون. هذه فرصة وهيهات أن نجد ~~البيت خاليا مرة أخرى. إني أعجب لترددك ... # وإنها تشاركه عجبه من ناحية أخرى. إنها تتردد حقا، ولو ~~أرادت أن ترفض رفضا حاسما لما أعياها البيان، ولكنها يبدو أنها ~~تدأب على الرفض المتردد الذي لا يحكم إغلاق الباب. إنها في ~~الغالب خائفة وخجلة، ولكن لم تعد تستطيع تجاهل الانقلاب الذي ~~حدث في باطنها. وفاضت نفسها بالقلق والاضطراب والتوتر، ثم قالت ~~بصوت ضعيف: الأفضل أن نواصل المشي ... # فجذبها بإغراء وهو يقول: قد تنشق الأرض في أي موضع وفي ~~أي لحظة عن أخيك حسن! # فوجدت نفسها تجاريه في تخوفه قائلة في استسلام: إني أخاف ~~هذا! # فقال وهو يتنهد في ارتياح، زافرا من صدره شواظا من نار: ~~لنذهب إلى البيت! # فقاومت يده في وهن وهي تقول: كلا، لن أذهب. ~~- دقائق معدودات، عطفتنا معتمة ولن يرانا أحد. # وسار بها وهي تتبعه في تثاقل قائلة: كلا. # وكان قلبها يدق يكاد تصدع له الضلوع. # 27 # وفتح الباب بمفتاح معه وهمس في أذنها «تفضلي» فقالت بتوسل: ~~لنعد. # فدفعها برقة وهو يقول: لابد أن تشرفي البيت. # ودخل وراءها وأغلق الباب فوجدت نفسها في ظلام دامس، وارتفع ~~وجهها إلى السقف في انتظار النور، ولكنها شعرت بيده تتحسس ~~منكبيها فسرت بها قشعريرة وهمست في خوف: النور. # فقال معتذرا: مصباح الصالة تالف. # فقالت بضيق: أشعل أي مصباح نستضيء بنوره. # فأحاط خاصرتها بذراعه وجذبها معه وهو يقول: إني أعرف الطريق ~~إلى حجرتي. # وحاولت أن تتملص من ذراعه، ولكنه شد على خاصرتها فلم يتخل ~~عنها وسار بها ببطء وجنباهما ملتصقان، فجثم على صدرها ضيق ~~خانق، وجعلت تتساءل في نفسها: «ماذا فعلت بنفسي؟» ثم أخذت ~~تألف الظلمة رويدا، فلاحت لها في الظلام أشباح كراسي ~~وصوان وأشياء أخرى لم ms069 تتبينها، وقطعا الصالة في بطء وحذر، ~~ثم مد يده الأخرى ففتح بابا مزق صريره الصمت المخيف، ~~ودفعها أمامه من خاصرتيها ثم رد الباب بقدمه، وسرعان ما ~~تخلصت من يده بحدة: أشعل المصباح؛ فقد ضقت ~~بالظلمة. # فجاءها صوته يقول برقة وحذر في لهفة تنم عن الاعتذار: ~~آسف يا ستي؛ فإن شقة عمي ملاصقة لشقتنا، ولا آمن إذا رأوا ~~نورا بها أن يطرق أحد منهم بابنا! # فسألته في دهشة واستنكار: هل نبقى في الظلام؟ # فقال متوددا: في نورك الكفاية. # فقالت في توسل: دعني أخرج. # فتلمس يدها في الظلام حتى عثر بها ورفعها إلى فمه، ~~فقبلها مرة مرة ثم قال بصوت مضطرب: بل تجلسين لتستريحي، ~~وستألفين الظلمة فلا تزعجك. # ومال نحوها - فيما يشبه الانقضاض - فرفعها بين يديه، وسار بها ~~إلى نهاية الحجرة وأجلسها على كنبة، وجلس لصقها، وهي ~~مستسلمة من شدة الاضطراب والذهول، ثم قال: دعينا من الأخذ ~~والرد، ينبغي أن نجلس في هدوء وأن نتحدث. لقد تجشمنا مشقة ~~كبيرة في سبيل المجيء إلى هنا، وسيان أن نمكث في الظلام أو ~~النور، ليس هذا بذي بال ولا يصح أن يكدر صفونا. # وتناول ساعدها وأمطره قبلات من شفتيه الغليظتين، وهي ~~ترتجف وتحاول عبثا أن تجمع شتات أفكارها. ثم تزحزحت بعيدا عن ~~جنبه الملتصق بها لتسترد أنفاسها فمال نحوها، ولكنها حالت ~~دونه بيديها، وهي تقول لاهثة: دعني وحدي، إني متعبة. # فاسترد أنفاسه وقال ضاحكا: تشجعي. ما لك خايفة مرتجفة! .. ~~أنت في بيتك، في بيت زوجك. # وكانت نبضات قلبها تدق في أذنيها وتقرع رأسها، فتنفست ~~من الأعماق، وشعرت بيده تتناول يدها فهمت بجذبها ولكنها عدلت ~~عنه، وكأنها استسخفت نفسها، فأبقاها بين يديه، وقال بصوت ~~تغيرت نبراته: كل شيء هادئ ولطيف، إني أرى جمالك رغم هذه ~~الظلمة. # فقالت بلا وعي تقريبا: لست جميلة. # فدلك يدها براحتيه وقال: دعي تقدير هذا لي، إني لا أجن ~~للاشيء ... # وساد الصمت مليا فتركز انتباهها وهي لا تدري في راحتها ~~التي تلتهمها كفاه، وسرت فيها دغدغة بثت في ساعديها ~~وذراعيها وصدرها تخديرا، ms070 فاقشعر بدنها وهمست: حسبك ... # فقال بصوت متهدج: أعطيني شفتيك أقبلهما، سأقبلهما ~~كثيرا مائة قبلة أو ألفا، سأقبلهما حتى أموت. # واندلق عليها وقبل شفتيها قبلة طويلة شرهة حتى مال رأسها ~~إلى مسند الكنبة ثم أمطرها قبلا نهمة حامية، ورفع وجهه عن ~~وجهها أنملة وهمس: قبليني، أريد أن أشعر بشفتيك تأكلان ~~شفتي .. هه. # وكانت بحال من الإعياء لم تدع لها قدرة على العصيان، فرفعت ~~وجهها قليلا وقبلته، ثم غمغمت: لم نجئ هنا لهذا ... ~~- إذن لماذا؟ ~~- لنجلس ونتحدث! # فأطبق شفتيه على شفتيها، ثم عطف وجهه فجعل يده على فيها وهمس ~~في أذنها: هذا أفضل، لقد تكلمنا كثيرا، وأعيد عليك أنك زوجي، ~~زوجي ولو ناصبتني الدنيا العداء. هي مسألة وقت لن يطول ~~... # لعله يظن أنها جزعة متعجلة، فلتدعه في وهمه، ولعل ~~الانتظار أوفق لحال أسرتها التي لا ترحب بزواجها الآن، ولا ~~تستطيع أن تعد العدة له. ليس في الانتظار ضرر ولكنها لن تعلن ~~عما في ضميرها، وعاد سلمان يقول: مسألة وقت، ولكن ما أحوجنا في ~~فترة الانتظار إلى الترفيه. # ومد يسراه وراء ظهرها، ويمناه حول صدرها، فشعر بثدييها تحت ~~ساعده ناهدين صلبين، فغلا دمه وضمها إليه بوحشية، وانهمرت ~~أنفاسه على خدها وعنقها. وعاودها الذهول والتخدير، والرغبة ~~والخوف، وامتزج في صدرها القلق واللذة واليأس، ثم اشتدت الظلمة، ~~ظلمة عميقة غريبة، كأنما تنشر أجنحتها على فضاء لا نهائي، ~~فلا مكان ولا زمان. ~~••• # قالت لها أمها: تأخرت أكثر من كل يوم. # فقالت واجمة: أردت أن أنتهي من عملي، وقد انتهيت. # ثم وضعت في يد الأم خمسة وسبعين قرشا واستطردت قائلة: أعطوني ~~الحساب كله وسأحتفظ لنفسي ببقية الجنيه. # وسكتت الأم فمضت الفتاة إلى حجرتها وأخذت تخلع ملابسها، ~~وفي السكون الشامل ترامى إليها صوت حسنين وهو يطالع، فترك في ~~نفسها أثرا عجيبا، لم تدر إن كان خوفا أم حزنا ~~خالصا. # 28 ~~- بهية ولطافة المغيب هم شيء واحد في نفسي. # قالها وهو يومئ إلى الشمس الغاربة، رانيا إلى وجهها الأبيض ~~البدري، وقد افتر ثغرها عن در، فقالت: لن تفتأ تتبعني ms071 إلى ~~هنا حتى يرانا أحد! # فقال حسنين بزهو: إني خطيبك، ولي الحق في كل شيء! ~~- لا حق لك على الإطلاق! # فضحك من قلب جذل ضحكة من لا يصدق قولها ، وملأ عينيه ~~العاشقتين من منظرها، كانت ملتفة في معطفها الأحمر، ينحسر جيبه ~~في أعلى الصدر عن فستان رمادي، وتنهدل على ظهره ضفيرتان ~~مكتنزتان. وكان عمق حمرته يضفي على بشرتها البيضاء وعينيها ~~الزرقاوين نقاء وبهاء. «هي ميالة إلى القصر، فلو التصقت بها ~~لمس مفرق شعرها ذقني، ولكنها بضة ريانة، فتبا للمعطف ~~الذي يخفي قسمات هذا الجسم وثناياه، حريصة محافظة، تعجبني ~~بقدر ما تغيظني!» وقال متعجبا: لا حق لي على ~~الإطلاق! # فقالت في هدوء ينم عن القوة: طبعا. # أتعني ما تقول حقا؟! يا لها من جميلة! لقد سما بها هذا السطح ~~عن الدنيا وجعل من آفاق السماء إطارا لصورتها. وما من شيء ~~يشابهها كهذا الإطار في هدوئه وحشمته وتنائيه. تقول نفيسة عنها ~~إنها ثقيلة الدم، وما هي بالخفيفة، ولكن هيهات أن يقلل هذا ~~من قيمتها. إنه يحبها بعقله وجسمه، أو لعل إحساسه غالب عما ~~عداه! أتعني حقا ألا حق له؟! عجبا، لقد حسب أن الخطبة ~~ستملكه حقوقا وحقوقا! قال بدهشة: يخيل إلي في بعض ~~الأحيان أنه لا قلب لك! # فتورد وجهها، وخفضت عينيها في حياء، ثم رفعتهما قائلة ~~في خشونة: ما دليل القلب عندك؟ # فقال في حماس: أن تصرحي لي بأنك تحبينني ... وأن ... ~~- وأن ... ~~- وأن نتبادل قبلة ... # فقالت بحدة: إذن حقا لا قلب لي. ~~- يا عجبا ألا تحبينني يا بهية! # فلاذت بالصمت في ارتباك وضيق. ~~- ألا تحبينني؟ # فتنهدت قائلة: إذن لماذا تم ما تم؟! # فابتل صدره المحترق وهتف برجاء: أحب أن أسمعها ~~بأذني ... ~~- لا تكلفني ما لا أطيق! # فتنهد بدوره في شبه يأس، ثم قال بلين: إن أعياك الكلام، ~~فلن تعييك قبلة. ~~- يا خبر أسود ... ~~- يا خبر وردي كالشهد! من غير هذه القبلة أموت كمدا. ~~- إذن فليرحمك الله! ~~- لا تطيقينها أيضا؟! لن تكلفك شيئا. ابقي كما أنت ثم ~~أتقدم خطوة وأضع شفتي على ms072 شفتيك فتكون الحياة التي ما ~~بعدها حياة ... ~~- أو الفراق الذي ليس بعده تلاق! ~~- بهية! ~~- أفندم! ~~- أنت لا تعنين ما تقولين ... ~~- أعني ما أقول تماما. ~~- ولكنها قبلة وليست جريمة! ~~- جريمة في نظري. ~~- ما سمعت هذا قبل الآن. # فتفكرت قليلا ثم تمتمت: ولكني سمعته كثيرا. ~~- أين؟ # فعاودها التفكير، وترددت مليا، ثم قالت بصراحة وسذاجة: ~~ألم تقرأ ما تنشره الصباح عن فتيات مهجورات لاستهتارهن؟ ألا تسمع ~~الراديو؟ # ففغر فاه، وندت عنه ضحكة، ثم صاح: من يقول إن القبلة ~~استهتار؟ ألم تقرئي ما قال المنفلوطي في القبلة وهو الشيخ ~~المعمم؟ إنك تحرمين على نفسك ما أحل الحب الطاهر لنا. ~~الصباح؟ .. الراديو؟ .. كلام فارغ! # فرمقته بريبة وحذر وقالت: لا تضحك مني، هو الحق، قالت ~~أمي لي مرة «إن الفتاة التي تتشبه بالعشاق كما يظهرون في ~~السينما فتاة ساقطة خائبة الأمل ...» # بنت الكلب! .. أهي التي قالت لك هذا؟ القصيرة الماكرة، أفسدتها ~~علي وأفسدت حياتنا. إن الغيظ يقتلني. ماذا أفدت من الخطبة ~~التي تجرعت بسببها تقريعا ولوما مرا؟! لا شيء، فتاتي ~~عنيدة مجنونة، السبب أمها بنت الكلب «حمالة الحطب» وتساءل ~~في يأس: أتأخذين نفسك بهذا التقشف حقا؟ ~~- طبعا. ~~- إذن هو حب اسمي فحسب؟ ~~- ليكن. # وتفحصها بنظرة طويلة فرآها ثابتة عنيدة قوية. وجرى بصره ~~مع عنقها الرقيق، وتخيل أصله المتواري تحت الفستان، ~~والمنكبين، والصدر الناهد، فركبته عاطفة جامحة حارة، وأفلت ~~زمامه من يده، فانقض عليها وهو يسدد ثغره صوب شفتيها. ولم ~~تكن تتوقع انقضاضه فتقهقرت فزعة، وتلقته براحتيها ثم ~~هتفت به لاهثة: حسنين، إياك ... # لمح في عينها غضبا يتقد فخمدت حدته، وارتد خجلا ~~مرتبكا، فغمغمت: احذر أن أغير رأيي فيك ... # ثم استدركت في جزع: أظن آن لك أن تعود ... # ودارى ارتباكه بضحكة قصيرة وتمتم: على شرط ألا تكوني ~~غاضبة؟ # فسكتت هنيهة قبل أن تقول بلهجة رقيقة: وعلى شرط ألا تعود ~~لهذا مرة أخرى. # وتحول في خطوات ثقيلة، يلوح في مظهره الارتباك واليأس، ~~فرق قلبها له وقالت وهي لا تدري: إن سعادتي في أن أصون لك ~~... # وكأنما تنبهت إلى ms073 نفسها فعضت على شفتيها ولم تنبس ~~بكلمة. # 29 # وجاء عيد الأضحى فجذب أفكار الأسرة وعواطفها إلى واد واحد ~~تلتقي فيه ذكريات الأمس واليوم، واجتمعت الأسرة ليلة الوقفة في ~~الصالة حتى حسن كان بينهم، واستعرت في الصدور رغبة كظيمة في ~~الاحتفال بالعيد. وطافت برءوسهم ذكريات الأعياد الماضية في حنين ~~دافق لم تعلن عنه ألسنتهم، كان الخروف - في مثل هذه الليل - ~~بمربطه في شرفة شقتهم الأولى يشرئب بعنقه بين قضبانه ~~ثائجا، مذيعا بثؤاجه في عطفة نصر الله احتفال الأسرة بالعيد. ~~ولم يكن الشقيقان ليفارقاه، فهما إما يعلفانه ويسقيانه، أو ~~يناطحانه أو يحلمان بالغد القريب في أمل وفرح. # وفي الصباح وعقب ذبح الضحية يبدأ سباق إلى شي اللحوم ~~والتهامها، والأم مشغولة بهذا وبتوزيع الصدقات على بعض الفقراء؛ ~~كالكناس، وصبي الفران، وغيرهما، أما الأب فيتناول فطوره ~~من الشواء على السفرة ثم يأوي إلى حجرته في انبساط فيضم عوده ~~إلى صدره ويمضي في مداعبة أوتاره. وهناك - غير هذا - العيدية ~~والملابس الجديدة ونزهة الصباح في الخلوات، وفسحة الليل في ~~السينما، وما بين هذا وذاك من ألوان الحلوى واللعب والمفرقعات. وها ~~هي الأسرة مجتمعة ولكن بلا أب. وإنهم لينظرون فيما حولهم فلا ~~يجدون بشيرا بمقدم العيد ولا أملا في بهجته، ثم يسترقون ~~النظر إلى أمهم المتلفعة بالسواد بأعين مستطلعة وألسنة ~~قلقة مشفقة. كلا، لا عيد ولا بشيرا به. وتساءل حسنين في سره ~~«ترى هل يمكن أن يمضي العيد كما كان يمضي غيره من الأيام؟!» ~~وقال حسين لنفسه: «لا عيد، إني أعلم ذلك، انتهى، انتهى.» حسن وحده ~~كان أدناهم إلى التفاؤل. ولعل كثرة تغيبه عن البيت جعلته ~~بمنأى بعض الشيء عن نوع الحياة التي يحياها أهله. وكان إلى ~~هذا - شأنه شأن بقية الأخوة - يعد أمه قادرة على كل شيء، ~~وكثيرا ما يتعزى عن كسله وتلفه فيقول لنفسه «لديهم المعاش ~~وأرباح نفيسة!» وقد اعتاد دائما إذا رجع إلى البيت أن يخلو إلى ~~نفيسة فيسألها: «كيف الحال؟» فكانت تجيبه بالشكوى المرة، ~~ولكن قلبها لم يكن يطاوعها على تجاهل يده إذا ms074 مدها لها ~~طامعا في بضعة قروش. كان متفائلا رغم ما يحدق به من تجهم، ~~ومنته نفسه بنصيب هائل من اللحم يعوض عليه أياما طوالا ~~انقضت دون أن يذوق للحم طعما ، وضاق بالجو الكئيب الصامت، فمال ~~على أذن نفيسة وسألها همسا: ماذا أعددتم للعيد؟! # وفطنت الأم إلى همسه فعاجلته متسائلة: ماذا أعددت ~~للعيد يا رجل الأسرة؟ # فضحك قائلا: لنا أم نحسد عليها! خفيفة الروح وبنت نكتة ~~ولطيفة، ماذا أقول يا أماه؟ لم يأمر الله بالرزق بعد، وحسبكم ~~أني كفيتكم شري فلم آكل لقمة في بيتكم منذ وفاة أبي إلا مرات ~~معدودات. # وكانت يئست من نصحه ولومه معا فتنهدت صامتة، وتشجع ~~حسنين بفتح باب الكلام فتساءل: ماذا سنأكل في العيد؟ # فتطوع حسن بالإجابة قائلا: لحما طبعا، هذا أمر ربنا، لا ~~حيلة لنا فيه! # وندت عن نفيسة ضحكة، ولكنها لم تسترسل خشية أن تتهم ~~بتشجيعه، وقالت الأم بحزن: هذا أمر ربنا حقا، ولكن كيف لنا ~~بتحقيقه؟ # فقال حسن في ملق بارع: نحققه بفضلك أنت. أنت الخير والبركة، ~~أنت الحزم والتدبير، ثم إنك أعظم طاهية في العالم، كيف يمضي ~~العيد دون أن نشبع من المشوي والمسلوق، والمحمر والكفتة، ~~والكستليتة والممبار والموزة؟ سفرة الست أم حسن، أنعم بها ~~وأكرم. # وسرى في الجو القاتم نسيم مرح لطيف، وجرت على فم الأم ~~الجاف بسمة خفيفة، ولكنها قالت بأسف: طاهية ماهرة، ولكنها ~~مقطوعة اليدين! # ونظرت نفيسة إلى أمها نظرة ذات معنى ثم قالت لإخوتها: ~~اسمعوا، علمنا أن فريد أفندي سيهدي إلينا نصف خروف! # وتطلعت إليها الأبصار في دهشة ووجوم، ولم يعد في وسع ~~المرأة السكوت فقصت عليهم كيف حادثها فريد أفندي في الأمر ~~بلباقة، وكيف رفضت شاكرة فتأثر الرجل لحد الغضب، وذكرها ~~بأنهم أسرة واحدة ... إلخ. وكانت تلوح في عيني حسين نظرة كئيبة، ~~وبدا حسنين وهو يزدرد ريقه بصعوبة، أما حسن فقال: يا له من ~~رجل فاضل وفي! # فهتف حسنين في ضيق وألم: مستحيل .. لن يقع هذا. # فبادره حسن قائلا: ليس في الأمر ما يمس الكرامة، إن هي ms075 إلا ~~تقاليد مرعية، وليس فريد أفندي بالرجل الغريب ... # وخافت نفيسة أن يفضي تصريحها إلى فتنة فقالت: لا داعي ~~للنزاع، فإذا أبيتم قبول الهدية فلنشتر بضعة أرطال من ~~الضأن. # فتساءل حسن في حدة: كم رطلا؟ ~~- ما يسعنا شراؤه، عشرة أرطال مثلا! # فصاح حسن في انزعاج: عشرة أرطال على أربعة أيام! إياكم أن ~~ترفضوا الهدية؛ النبي قبل الهدية يا هوه! أم تريدون أن تغضبوا ~~أسرة تود مصاهرتكم! # فصاح به حسنين: هذه شحاذة! # فقال حسن بيقين: كلا، الشحاذة شيء آخر، اسألني أنا عنه. ~~أما هذه فهدية، هدية، هدية! # وتكلم حسين لأول مرة فقال: هدية من النوع الذي كنا نهديه ~~في الأعياد إلى الكناس وصبي الفران ... # وغضب حسن؛ لأنه كان يطمع أن يضم حسين إلى رأيه أو أن يبقى على ~~الحياد في الأقل، وقال محتدا: لا تخلط بين الهدية والصدقة، ~~إذا أعطيت الكناس فهي صدقة، أما إذا أعطيت صديقا فهي ~~هدية. # وكان حسنين يعلم بأن مناقشة حسن هذر غير مجد فخفض عينيه ~~وقال في حياء وألم: الواجب أن يكون المهدي هو الخطيب لا ~~الخطيبة. # فقال حسن ساخرا: هذا إذا كان هو الذي طلب يد الخطيبة، أما ~~إذا كانت هي التي طلبت يده ... ~~- حسن! ~~- أرحنا من الفلسفة التي لا تشبع من جوع، لا عيب في قبول ~~هذه الهدية، كانت هدايا أحمد بك يسري تحمل إلينا في المواسم، على ~~فكرة ما باله قد نسينا هذا العام ابن الكلب؟! # هذا رجل غير وفي، فريد أفندي رجل الوفاء حقا. من حسن الخلق ~~أن نقبل هديته، ثق بأنه إذا كان في القبول ما يمس الكرامة ~~لكنت أول الرافضين. # فقال حسين بكآبة: تصور ماذا يقولون عنا! ~~- تصور الشواء وأنت تقلبه على النار والرائحة الشهية تملأ ~~البيت. # والتفت حسنين إلى أمه وسألها: علام نويت؟! ~~- فقالت المرأة دون أن تنظر إليه: لم يسعني إلا القبول ~~... # وساد الصمت لا لأن أحدا لم يجرؤ على الاحتجاج فحسب، ولكن ~~لأن هذا القبول أنقذهم من النزاع القائم في صدورهم بين غضبة ~~ضمائرهم ورغبتهم في الاستمتاع ببهجة ms076 العيد ولذائذه. وهم إلى هذا ~~كله كانوا يؤمنون بأمهم إيمانا كبيرا، كأنها لا يمكن أن ~~تخطئ، فإذا كانت قد ارتضت قبول الهدية فلا ضير من قبولها. هذا ~~ما قالوه لأنفسهم ، أو هذا ما قاله لنفسه الحائر منهم لينجو من ~~حيرته. وكانت الأم أسوأ حالا منهم، ولم تجد من عزاء إلا في ~~هذه الحقيقة؛ وهي أن فريد أفندي اضطرها إلى القبول بإلحاحه، ~~وحرارة صداقته، وقد رحبت بإثارة نفيسة للموضوع؛ لعلها تجد في ~~قبول الأبناء عزاء، فلما أنست من الابنين المهمين معارضة ~~تضاعف ألمها وصرحت بالحقيقة فيما يشبه الاعتراف بالذنب، ~~وضاعف من آلامها أنهم باتوا لا يشبعون إلا في الأعياد شأن ~~المساكين الذين كانوا يقصدونهم فيمن يقصدون من أهل الخير، انحدار ~~يعقبه انحدار ولا تدري أين يقف. أما حسن فقد اطمأن، ولم ير ~~بأسا من أن يتفلسف فقال بلهجة الوعظ: قبل النبي مرة هدية ~~أهداها إليه يهودي فهل يكون فريد أفندي شرا من اليهود؟! # فتساءل حسين في دهشة: من قال هذا؟ ~~- التاريخ! ~~- أي تاريخ! # فصاح به حسن: أحسبت أنهم يقولون لك كل شيء في ~~المدرسة؟ # فقال حسنين بحدة: حدثنا عن التاريخ الذي تعلمه ~~الشوارع! # فتظاهر حسن بالغضب وقال: قسما برب العزة، لولا أنك سبب هذه ~~الهدية لكسرت رأسك. # ثم استدرك قائلا: وعلى هذا كله كان الواجب يقضي بأن يهدوا ~~إلينا خروفا كاملا لا نصف خروف (ثم ملتفتا إلى نفيسة) احذري ~~أن تقبلي الهدية إلا إذا كان فيها نصف الكبد أيضا. # 30 # وقفا متقابلين ينتظران الترام، هي في معطفها القديم الذي ~~تود أن تستبدل به أحسن منه ولو نصف عمر، وهو في البذلة التي ~~تبدو عليه قلقة جافية. وكان يلوح في وجهه التردد، والرغبة ~~المعذبة في الإفصاح عن شيء يثقل عليه الإفصاح عنه، ثم خاف أن ~~يجيء الترام قبل أن يتكلم فقال في ارتباك: نفيسة، يخجلني ~~جدا أن أصرح لك بأمر. # فتساءلت الفتاة: ماذا بك؟ # فقال همسا: أمرني أبي أن أصحبه اليوم إلى حضرة شيخ الشاذلية ~~فرفضت حتى أثرت غضبه. # وشعرت بخوف لم ms077 تدر كنهه، لعل ذكر أبيه الذي ~~هيجه، وتوقعت خبرا غير سار، فرمقته بعين متسائلة دون ~~أن تنبس، فقال بصوته الهامس: ثار غضبه لعنادي وحرمني أجرة ~~يومي! # وحلت الدهشة محل الخوف وسألته : أليس معك نقود؟ ~~- كلا، أبي رجل جبار، ربنا يأخذه. # فقالت لنفسها «آمين» ثم تمتمت: معي بعض النقود. # فسكت لحظات في قلق ثم سألها في خجل: هل تدفعين ثمن ~~التذكرتين أمام الجالسين؟ # وفطنت إلى ما يريد، فرقت له، وفتحت حقيبتها وتناولت ~~شلنا وأعطته إياه، فأخذه وهو يلحظ الواقفين بحذر ثم قال: ~~شكرا لك، سأرده إليك في اللقاء الآتي. # ثم قال مستطردا بعد تردد: أو خذي إذا شئت به حلاوة أو ~~جبنا. # فتساءلت مدفوعة بغريزة الحرص: ألا تخاف أن يلاحظ أبوك أنني لا ~~أدفع ثمن ما آخذه؟ # فضحك قائلا: إنه لا يرى أبعد من موضع قدميه. # وجاء ترام روض الفرج فصعدا إليه وجلسا متجاورين «كيف أبذر ~~نقودي على هذا النحو؟ البيت في شديد الحاجة إلى كل مليم مما ~~أجني من عملي الطويل. أمي لا تفتأ تبيع قطع الأثاث، حتى أخي حسن ~~أحق بهذا الشلن من هذا المفلس. ماذا أفعل بنفسي؟ إني أبعثر ~~نقودا أخرى لابتياع البودرة والأحمر، أواه! إنه ليس رجلا، لو ~~كان رجلا لما تعلق بأبيه هذا التعلق المضحك، ولما خافه ~~هذا الخوف، حرمه الرجل يوميته كما يحرم الطفل مصروفه. بيد ~~أني أحبه وأريده، إني له نفسا وجسدا، ليس لي سواه! من أين لي ~~هذه النفس التي تسيمني هذا كله؟!» وسمعته يهمس في أذنيها: ~~من المؤسف حقا أن أمي عادت من بلدة أختي فلم يعد البيت ~~خاليا. # ليست بحاجة إلى من يذكرها بهذا، فهي تعلمه حق العلم، بيد ~~أنها سرت في أعماقها بفتحه هذا الباب، ودبت في جسمها ~~يقظة، فنشط خيالها وتذكرت الظلمة الشاملة والأصوات الهامسة، ~~تذكرت هذا في حرارة مشوبة بخوف، ولم تشأ أن تعلق على قوله ~~فتجاهلته عن حياء، وتورد وجهها الذي جعله الزواق مثيرا ~~للنظر؛ أمي عادت، وأبي لا يرضى! متى ينتهي هذا كله؟! متى تملكه ~~بلا ms078 خوف، وبشرع الله؟ آه ثم آه، لشد ما يركبها الخوف أحيانا ~~فتود الموت نفسه والراحة من الحياة جميعا. وعاد صوته ~~الهامس يقول: ولكني سأخلق الفرص بنفسي، لا بد أن تعاد الفرصة ، ~~وأن يخلو البيت. # فقالت بصوت بارد: لا .. لا .. لا داعي لهذا. ~~- الله يسامحك، أنسيت؟ أنسيت حقا؟! لا يجوز أن نموت في فترة ~~الانتظار، لا أحب الانتظار ... # أليس الانتظار خيرا مما فعلت بنفسها؟ بلى، كلا، بلى، كلا، بلى ~~بلى، كلا كلا، بلى بلى بلى، كلا كلا كلا. وتنهدت في حيرة، ~~وعاودها شعور اليأس الذي ألفته، ولكنها قالت: لا أحب ~~الانتظار مثلك، ولكني لا أحب هذا أيضا. # فقال بمكر: كاذبة، تحبينه وتحبينه، هل نسيت ...؟ ~~محال. ~~- لا أذكر شيئا. ~~- لن أنسى ما حييت! أنت غاية في الحرارة والحياة، كأن ~~حرارتك لا تزال تلفحني. ~~- هس، أنت مجنون ولا شك! ~~- مهما يكن من أمر فسنجد حتما طرقات خالية مظلمة. ~~- حذار، بصرك ضعيف كأبيك، وقد تحسب الطريق خاليا والشرطي ~~أمامك! ~~- البركة في عينيك أنت. # ثم قال متنهدا بعد لحظة صمت: متى يتاح لنا ~~الزواج؟! # فآلمها تساؤله وأغاظها، وأخجلها في الوقت نفسه، ولازمها ~~فتور ووجوم بقية الطريق. # 31 # انتصف الليل ولم يكد يبقى في قهوة الجمال إلا نفر قليل، ~~وكان حسن يجلس إلى مائدة خالية بعد أن فارقها أصحابه تاركين ~~في جيبه ما استطاع أن يظفر به من قروشهم. كان يجلس كالمتفكر ~~ملقيا على المقهى نظرة جامدة من عينيه المتعبتين؛ هذا صاحب ~~القهوة وقد أخذ يراجع حساب اليوم مكوما الماركات في طبق صاج ~~كبير، على حين وقف النادل مستندا إلى إحدى ضلف الباب، واضعا ~~إحدى يديه في جيب المريلة يعبث بالقروش؛ فيتصاعد وسواسها في ~~إغراء شهي «رحمك الله يا أبي، ألا تعلم بأني تعبت كثيرا بعد ~~موتك؟ كان نزاعنا لا يهدأ، وكنت أشعر أحيانا بأني أمقتك، ولكن ~~أين أيامك؟ فيما عدا أيام العيد لم أتناول لقمة في بيتنا، وماذا ~~يأكلون؟ الفول غذائي الوحيد، فول، فول! الحمير تجد شيئا من ~~التنويع.» لماذا لا يبحث جادا عن عمل؟ ms079 جرب حظه مرتين فانتهى ~~في كل مرة بمعركة كادت تودي به إلى السجن؛ كلا ليست هذه ~~الأعمال التافهة بمبتغاه، ولا يزال يؤثر عليها حياة التسكع ~~والمقامرة الحقيرة، الواقع أنه يتعيش من السرقة ، إنه ورفاقه ~~يعلمون ذلك حق العلم؛ إنهم يتصيدون الزبائن الأغراب ~~ويوهمونهم بأنهم يلاعبونهم على حين أنهم يسرقونهم! حياة شاقة ~~محفوفة بالمخاطر في سبيل قروش، كيف يستنيم إلى هذه الحياة! لم ~~يكن لا سعيدا ولا راضيا، وكأنه كان ينتظر معجزة تنشله من ~~وهدته إلى حلم من الأحلام! كانت حياته ضارية كالمخدر ~~المهلك، اعتاد أن يعيش بلا عمل حقيقي، حائزا - رغم هذا - مركزا ~~مرموقا مرجعه الرهبة والخوف، فلم يحتمل أن يبدأ من جديد صانعا ~~بسيطا أو عاملا مطيعا، ولم يكن يغيب عنه مدى حاجة أمه إلى ~~جده، ولا تزال تطن في أذنيه شكاتها المكروبة، تطارده كلما ~~أفاق إلى نفسه. إنه يحب أمه ويحب أسرته، ولكنه ينتظر، ~~وينتظر، دون أن يحرك ساكنا. لا أزال في البداية، عمل حيواني ~~طويل بقروش. حماقة خير منها. ~~- مساء الخير يا سي حسن. # ورفع رأسه منفتلا من سحابات أفكاره، فرأى الأستاذ علي صبري ~~يجلس قبالته في هدوء وكبرياء؛ فاهتز صدره فرحا وهتف به: ~~مساء الخير يا أستاذ. # ونادى الأستاذ النادل، وطلب نارجيلة ثم التفت إلى حسن وقال دون ~~تريث: قررت أن نعمل معا! أعني أن أضمك إلى تختي. # واتسعت عينا حسن ولاح فيهما بريق خاطف؛ إن التخت هو العمل ~~الوحيد الذي يحبه، لا لميل فني مركب في طبعه، ولكن لأنه ~~يسير ولذيذ، وينسم جوه عادة بأريج الخمر والمخدرات والنساء. ~~ومع أن أمله في علي صبري كان دائما محدودا، إلا أنه كان يراه ~~شيئا خيرا من لا شيء، ولعله عتبة لما بعده، أجل من يدري؟ ~~قال: حقا يا أستاذ؟ ~~- بدون شك. ~~- هل نعمل في صالة أو قهوة؟ # فتخلل الأستاذ شعره الثائر بأصابعه الطويلة النحيلة وقال: ~~سترسي إلى هذا يوما قريبا. وربما غزونا الراديو نفسه. ~~ولكننا سنقتصر بادئ الأمر على الأفراح ... # وسرعان ما خمد الحماس، ولو كان علي ms080 صبري شخصا لا يعقد به رجاء ~~ولو ضئيلا لصعقه بضربة تجعل عاليه سافله. لقد عمل معه بالفعل ~~في بعض الحفلات العائلية نظير ريال والعشاء، وما كان هذا ليحدث ~~إلا مرات في العام ، فما الجديد في هذا؟! وشعر بأن وراء هذه ~~الدعوة أمر وداعبه أمل جديد، فتظاهر بالسرور وقال: ستحتل ~~المكانة التي تليق بك يوما بلا شك؛ أنت لك بحة ليست لعبد ~~الوهاب نفسه. # فانبسطت أسارير وجهه، ثم سأله: ماذا تختار من آلات التخت؟ كنت ~~حدثتني عن المرحوم والدك كعواد بارع؟ ~~- لم أتعلم آلة على الإطلاق. ~~- ولا الدف؟ # فقال حسن بقلق: سبق أن جربتني كسنيد، وأظنني أنفع ~~«سنيدا». # فهز الأستاذ رأسه قائلا: كما تشاء، هل تحفظ أدوارا ~~كثيرة؟ ~~- مواويل وأدوار وطقاطيق. ~~- أحب أن أسمعك منفردا. # وشعر حسن في أعماقه بسخرية؛ نفخة كذابة وامتحان لحساب أمل ~~ضعيف! ولكنه كان مصمما على مجاراته إلى النهاية. كان يحلم ~~بأن يغني لحسابه الخاص يوما ولو في المقاهي البلدية. وانتظر ~~حتى جاء النادل بالنارجيلة واستمتع الأستاذ بالأنفاس الأولى، ~~وتنحنح ثم سأل الأستاذ: ما رأيك في موال: يا عيني ليه ~~بتبكي؟ ~~- عال. # وراح حسن ينشد الموال في صوت غير مرتفع، مجيدا ما ~~وسعته الإجادة، والآخر يذهب معه برأسه ويجيء، متظاهرا ~~بالاستغراق، حتى انتهى حسن، فقال: هذا فوق الكفاية بالنسبة ~~لسنيد، أحب أن أسمعك في الهنك أيضا، هل تحفظ «في البعد يا ما ~~كنت أنوح؟» # فتنحنح الشاب مرة أخرى وقد حميت حنجرته، واشتعل حماسه ~~واندفع يغني الدور حتى أتى عليه، فقال الأستاذ: عال، عال، هل تعرف ~~أصول النغم؛ السيكا والبياتي والحجاز وغيرها؟ # وكان لا يداخله شك في جهل الأستاذ بهذه الأصول فقال بجرأة ~~ندر أن توجد في غيره: طبعا. ~~- أسمعني ليالي رست. # فأنشد بعض الليالي كيفما اتفق، فهز علي صبري رأسه قائلا: ~~برافو .. هات أخرى نهاوند. # وانطلق يغني وهو يغالب سخريته القلقة في صدره، والآخر ~~يتابعه باهتمام ظاهري، ثم لاح في وجهه التفكر فجأة وبدا ~~كأنه يريد الإفصاح عن شيء هام. وكان حسن ينتظر هذه اللحظة ~~بغريزته فتساءل ms081 متحيرا ترى هل يريد أن يندبني إلى معركة؟ ماذا ~~يريد على وجه التحقيق؟ وقال الأستاذ: صوتك حسن، بيد أن العمل ~~في التخت يتطلب مهارة أخرى؛ ينبغي أن نتفاهم تماما، وعلى سبيل ~~المثال أقول لك إنك يجب أن تأخذ بقسط وافر من أساليب ~~الدعاية. ~~- الدعاية؟ ~~- نعم، كأن تنوه بفني في المناسبات، أن تسعى لإغراء ~~البعض بطلبي لإحياء الأفراح، ولك جزاء طبعا، أن تكون في حفلة ~~يحييها مغن ما، فتعلن نقدك لصوته، وتقول لمن حولك آه لو كان ~~علي صبري في مكان هذا المغني، وهكذا. # فابتسم حسن قائلا: هذا هين، وأكثر منه. # فقال علي صبري بعد فترة تفكر: ثم إنك شاب قوي وجريء، ~~وينبغي أن تستغل مواهبك إلى أقصى حد، ولكن دعني أسألك سؤالا ~~قبل كل شيء: أي المخدرات أحب إليك؟ # ما الذي يدعوه إلى هذا التحقيق؟ أيريد أن ينفحه بهدية؟ إنه ~~يجيد قبول الهدايا، أما الجود بها فهذه عادة لم يمارسها، أم ~~يرمي إلى إشراكه في عمل هام؟ ودق قلبه لهذا الخاطر، طالما حلم ~~بتجارة المخدرات، على أنه آثر الحرص والحذر فقال بمكر: أظن أن ~~المخدرات تؤذي الحنجرة. # فضحك علي صبري، ثم انطلق يغني من الليالي ما شاء في صوت كالرعد ~~وفي نفس طويل قوي، ثم تساءل: ما رأيك في هذا؟ ~~- لم أسمع له مثيلا! # فقال ساخرا: هذا نتيجة خمسة عشر عاما من تعاطي الحشيش ~~والأفيون والمنزول، منها خمسة أعوام أدمنت فيها الكوكايين. ~~- يا سلام! ~~- المخدرات دم الغناء، وما من مغن يستحق هذا الاسم إلا ~~وقد تعاطى من المخدرات مثلما التهم من الملوخية والفول ~~المدمس. # فضحك حسن وقال بلهجة تنم عن التسليم: هذا لو تيسرت. ~~- صدقت، وهذا ما خمنته؛ إنك لا تكره المخدرات، ولكنك لا ~~تستطيعها، وإذن فاعلم أنه من اليسر أن تجعل الأنهار خمورا ~~والجبال حشيشا، إنك جريء قوي، ولكني لا أخفي عليك بأني خفت ~~كثيرا. ~~- خفت ماذا؟ # فضحك علي صبري ضحكة قصيرة كشفت عن أسنانه الصفر وقال: أكره ~~الناس إلي من يقول «أخلاقي لا تسمح لي بكيت وكيت» أو ms082 من ~~يقول «اتق الله» أو من يتساءل في خوف «والبوليس؟!» فهل أنت ~~أحد هؤلاء؟ # فقال حسن مبتسما وهو يشعره بأن صبره الطويل يوشك أن يظفر ~~بحسن الجزاء: إني أعيش في هذه الدنيا على افتراض أنه لا يوجد ~~بها أخلاق ولا رب ولا بوليس. # فضحك علي صبري بقوة زلزلت القهوة كغنائه وقال: فلنقض ~~بقية الليل في بيتي؛ فما زال في الحديث بقية. # ولبث حسن متفكرا دون أن تخونه ثقته بنفسه لحظة واحدة، كان ~~قليل الثقة في محدثه، ولكنه لم يكن يائسا منه كل اليأس. ~~كان يشعر في أعماقه بأن ثمة انتظارا طويلا لا يزال أمامه قبل ~~أن تثبت الأرض القلقة تحت قدميه. # 32 # كانت الأم ونفيسة جالستين بالصالة، قانعتين من النور بما ~~يشع من حجرة الإخوة حين زارتهما صديقتهما صاحبة البيت، ورحبا ~~بها ترحيبا يليق بأياديها البيض على نفيسة، وجلست المرأة بينهما ~~على الكنبة، وأبت حتى أن يضيئا مصباح الصالة. وجعلت هي والأم ~~تتسليان بالحديث على حين ذهبت نفيسة إلى المطبخ لإعداد القهوة، ~~وكانت الأم تنتظر دائما من وراء زيارة صديقتها عملا مريحا ~~لنفيسة، وقل أن خيبت لها رجاء، لم يكن عقلها يخلو أبدا من ~~هموم العيش، خاصة بعد أن استدار العام واقتربت العطلة ~~المدرسية، وبات من المتوقع قريبا أن يضاف إلى واجباتها واجب ~~جديد هو تغذية ابنيها بدلا من المدرسة، كانت تشكو إلى صاحبتها ~~ما عانت من حياتها في الأشهر المنقضية والمرأة تواسيها ~~وتشجعها، حتى عادت نفيسة بالقهوة. وأرادت المرأة أن تعلن عما ~~دعاها إلى هذه الزيارة فقالت وهي تبتسم ابتسامة حلوة تنم عن ~~طيبة قلبها: جئتك بعروس جديدة. # فضحكت نفيسة ضحكة سرور وقالت: يحق لي أن أطلق على نفسي ~~خياطة العرائس! ~~- أسأل الله أن تعدي ثياب عرسك بنفسك قريبا. # فتمتمت الأم قائلة: آمين. # وأمنت نفيسة على الدعاء بقلبها، على ما أثار في نفسها من ~~قاتم الذكريات «متى يمكن أن أكون عروسا؟ ليس قبل أن يموت عم ~~جابر سلمان، يا للسخرية! أمل كلفني نفسي وجسدي، هل يدور هذا ~~لأمي في ms083 خلد؟ إنها تحسب أن هموم المعيشة أكبر الرزايا، ~~يا لها من جاهلة بائسة!» وتساءلت الأم: من تكون الزبونة ~~الجديدة؟ ~~- العروس الجديدة هي كريمة عم جبران التوني البقال. # وتنبهت حواس نفيسة لهذا الاسم الذي لا يمكن أن تنساه، ~~فدق قلبها بعنف وقالت متسائلة: دكانه عند تقاطع شارعي شبرا ~~والوليد؟ ~~- بالضبط. # وضحكت الأم قائلة: أصبحت جوالة يا نفيسة كشيخ ~~الحارة. # فضحكت الفتاة ضحكة آلية وقالت لنفسها «هي دون غيرها.» هي ~~الفتاة التي كان عم جابر سلمان يرغب في أن يزوجها لسلمان كما ~~قال لها الفتى، فلتتزوج ولترفع عن صدرها كابوس ذكراه، ~~وتساءلت الأم: وهل جبران التوني هذا غني؟ ~~- على جانب من اليسار لا بأس به. ~~- ومن العريس؟ # فضحكت المرأة وقالت: إنه أقرب مما تصورين؛ هو سلمان ابن عم ~~جابر سلمان البقال. ~~- سلمان! # ندت عن نفيسة كالصرخة، فالتفتت المرأتان صوبها في دهشة، ~~وظنت الضيفة أنه كبر على الفتاة أن يحظى بمثل هذه العروس ~~شاب تافه كسلمان فقالت: نعم سلمان، والظاهر أن عم جبران لم ~~يمانع لصداقته لعم جابر سلمان. وربك يعطي الأرزاق بلا ~~حساب. # أدركت رغم هول الصدمة أنها كادت تفضح نفسها فتماسكت في ~~جهد شديد. لقد انفجرت الصرخة في صدرها بلا وعي وانطلقت من ~~فيها دامية، ولم تعد تستطيع أن تتابع حديث المرأتين، وشعرت ~~بأنها تموت موتا سريعا منقضا، وساعدتها الظلمة في إخفاء ~~معالم وجهها فشدت على أصابعها حتى لا تصرخ مرة أخرى، ماذا ~~قالت المرأة! ليس ما بها كابوس أو جنون، إنه حقيقة بلا ريب؛ ~~سلمان جابر سلمان، دون غيره، وعاودتها ذكرى مخاوف قديمة كانت ~~تنتابها من حين لآخر في ساعات انفرادها، مخاوف غامضة أحيانا ~~كقلق ينشب أظافره في صدرها، أو واضحة أحيانا أخرى تتبدى في ~~صورة بشعة يقشعر لها البدن. وخالت في ذهولها لحظة أن ما ~~بها ليس إلا حالة مرعبة من هذه الحالات، ولكن لم تكن إلا لحظة ~~واحدة، ثم عاودها هذا الشعور الثقيل الرهيب بأنها تموت؛ لقد ~~ذاقت قساوة الدنيا مع أسرتها جميعا، ولكنها لم تصدق أنها ~~قاسية ms084 إلى هذا الحد، وعضت على شفتيها وهي لا تدري كيف تقاوم ~~هذا الانحلال والتهدم، الساريين في روحها وجسدها؛ ما هي ~~بخيبة الحب، هي خيبة الحياة كلها، ولكن يجب أن تتمالك نفسها، ~~وعسى أن تدعوها الضيفة إلى الحديث لأية مناسبة فلا يصح أن ~~ترتعش نبرات صوتها، أو تحتنق من شدة التأثر. ولعله من الخير ~~أن تلوذ بالفرار إلى حين، ولم تن عن تحقيق نيتها فتناولت قدح ~~القهوة ومضت إلى المطبخ، هنالك زفرت من الأعماق، وشدت بيديها ~~على ضفيرتيها القصيرتين بشدة وهي تحملق في سقف المطبخ الملوث ~~بالهباب، وقد عشش العنكبوت بأركانه، ولبثت في جمود كالذاهلة، ~~ولم يكن أملا، ولكن خدعة، كذبة مفزعة، ضربة قاضية، سرقة، ~~لطخة، جرحا لا يندمل، وحلا، لقد انتهت، انتهت بلا أدنى ريب! ~~لا يمكن أن تتخيل أمها هذا، أما حسين وحسنين فهيهات! رباه كيف ~~استطاع خداعها إلى هذا الحد؟ كانا معا يوم الجمعة الماضي فأي ~~مجرم هذا وأي إجرام؟! ماذا يجدي الغضب أو الحقد، أو الكراهية؟ ~~شعرت نحوه بالكراهية تقتل أي أثر للخير في النفس. ما أشد ~~حاجتها إلى التفكير والتدبر! إنها تتلهف على مكان قصي خال ~~ينأى بها عن هذا المحيط الذي باتت تضمر له البغض أشد البغض، ~~مكان تستطيع أن تسأل فيه نفسها كيف هوت بمثل هذه السهولة، ~~وبمثل هذه السرعة، وبمثل هذا الهوان. ~~- نفيسة! # بلغ نداء أمها مسامعها فانتفضت في ذعر، ثم حنقت عليها ~~حنقا شديدا كأنه المقت، ولم تأت حراكا، فأعادت الأم ~~النداء فذهبت وهي تعض على نواجذها، ووجدت الضيفة متأهبة ~~للذهاب وأمها تودعها عند الباب الخارجي، وقالت لها وهي ~~تسلم عليها: تعالي إلي بعد غد فنذهب معا إلى بيت ~~العروس. # فأومأت برأسها بدلالة الإيجاب دون أن تنبس، ولما أغلق الباب ~~قالت الأم: سلمان! والله ما يستاهل هذا الحظ. # فشعرت بخنجر ينغرس في شغاف قلبها، ولم تعلق بكلمة. وضاق ~~صدرها بالمكان والجو وأيقنت بأنها أعجز من أن تتحمل المكث ~~إلى جانب أمها، وخطر لها خاطر كلسان من لهب انشق عنه صدرها، ~~فمضت بقدم ms085 ثابتة إلى حجرتها، ثم عادت وقد ارتدت معطفها ~~فسألتها أمها بدهشة: أذاهبة إلى الخارج؟ # فقالت وهي تتوجه صوب الباب: نعم سأشتري شيئا للعشاء، ~~وربما ذهبت إلى شقة فريد أفندي ساعة. # 33 # ومالت نحو فناء البيت وأنفاسها تتردد في ثقل وصعوبة، كانت ~~السماء صافية مرصعة بالنجوم، والجو بارد بعض الشيء ~~تتخلله نسمات لطيفة من طلائع الربيع، وسارت إلى الباب الخارجي ~~ثم عرجت غير هيابة إلى دكان عم جابر، كان الرجل العجوز ~~عاكفا على مراجعة الحساب الختامي لليوم، على حين وقف سلمان ~~مرتفقا الطاولة ناظرا فيما بين يديه في شرود. واقتربت منه وهي ~~تلقي عليه نظرة حادة ملتهبة، فرفع إليها عينيه الصغيرتين ~~ولم تلبث أن لاحت فيهما نظرة جفول وارتباك ثم قال ببلاهة: أي ~~خدمة يا ست نفيسة؟ # فقالت بعزم وثبات: الحق بي في الحال. # فأومأ لها بالإيجاب وهو يتظاهر بأنه يقدم لها شيئا من ~~الدكان، ومضت إلى الشارع ووقفت تنتظر عند رأس عطفة نصر الله، ~~وهي تتفحص ما حولها بعناية وحذر، وطابت نفسها بما فعلت؛ فما ~~كان في وسعها أن تصبر دون حراك حتى مطلع الصباح، وجعلت تنظر ~~داخل العطفة حتى رأته قادما بجلبابه وجاكتته مسرعا في خطاه ~~الملهوجة؛ حقير تافه، شيء تعافه النفس، مخادع مخاتل كذاب، ~~ما أحقر هذا! ماذا هي فاعلة به؟ أترتمي على قدميه باكية ~~مستعطفة! هل تضرع إليه أن يظل لها وحدها؟ بدا أن هذا كله ~~شيء فظيع مستنكر، وعلى هذا فقد وشى بمشاعر عميقة صادقة لا ~~تدري كيف تفصح عن نفسها، فقبل ساعة واحدة كانت تعده رجلها ~~وتعد نفسها امرأته، والهلاك أهون من أن تنفصم هذه العروة ~~بين يديها، كانت شيئا وليست الآن شيئا على الإطلاق، عدم مخيف ~~ويأس قاتل، واقترب منها في حذر وغمغم دون أن يلتفت إليها: ~~خير؟ # وأثار صوته حنقها، ولكنها كظمت نفسها وقالت وهي تسير: ~~اتبعني إلى شارع الألفي. # ومضت إلى الشارع الجانبي بعيدا عن الأعين المستطلعة، ثم ~~أبطأت الخطو حتى لحق بها، وبادرته قائلة وقد نفد صبرها: ~~أليس عندك ما تريد ms086 إخباري به؟ # فتساءل متجاهلا في قلق وخوف: عم تسألين؟ # فغاظها لدرجة الجنون وقالت بحدة مخيفة: ألا تدري حقا عما ~~أسأل؟! هات ما عندك وكفاك خداعا! # فتنهد في تسليم وغمغم في خوف: تقصدين مسألة ~~الزواج . # فقالت في سخرية مريرة: أظن هذا، ألا تراها مسألة تستحق ~~السؤال؟ # فقال بصوت شاك: أبي؟ # فصاحت بحدة وجسمها ينتفض غضبا وهياجا: أبي، أبي، أرجل ~~أنت أم امرأة؟ # فقال بذل وخنوع وتسليم: رجل، ولكن كعدمه! ~~- يعني امرأة! ~~- سامحك الله، لا أسمع إلا نهرا وتقريعا سواء منك أو منه، ~~ماذا أصنع؟ # ورمته بنظرة حامية وصدرها يستعر حنقا وغيظا، امرأة، ~~جبان، حقير، كيف أحبته، كيف هانت عليها نفسها فسلمت له! ~~إن سعيها إليه، وتعلقها اليائس به، وحرصها الذليل على ~~استرجاعه، هي شر ما تسيمها الدنيا من بؤس وعذاب، وصاحت به: يا ~~لك من شاك باك حقير! كيف سولت لك نفسك الغدر بعدما كان، كيف ~~أخفيت عني الأمر؟ أجب ... # فنفخ قائلا: مضى أبي إلى هدفه على رغمي، غير مقيم لرأيي ~~وزنا حتى وجدت نفسي بين أمرين لا ثالث لهما؛ فإما النزول عند ~~إرادته، وإما الموت جوعا. ~~- لماذا لا تبحث عن عمل في غير دكان أبيك؟ # فتمتم في نبرات يائسة: لا أستطيع، لا أستطيع. # فاحتدم الغيظ في صدرها وقالت: يا لك من جبان حقير! ألا تعرف ~~ماذا يعني هذا بالنسبة إلي؟ # فقال بلهجة تقطر أسفا وحزنا: أعرف وا أسفاه! الله وحده يعلم ~~بحزني وأسفي. # فألقت عليه نظرة حامية وقد أثارتها لهجته الأسيفة لحد ~~الكراهية القاتلة، وقالت بصوت مرتعش: حزين وآسف، يا لك من ~~مسكين! وماذا تظنني صانعة بحزنك وأسفك؟ إن الحزن وحده لا ~~يصلح الخطأ، فماذا تظنني صانعة بحزنك؟ لقد أوقعتني في ورطة ~~قاتلة، فلا يجوز أن تدعني وحدي وتهرب: ألا تفهم هذا؟ # وبدا وكأن الحيرة تمسك بلسانه، ونظر صوبها في خوف دون أن ~~يحير جوابا. وأثارها صمته كما أثارها تظاهره - كانت متأكدة ~~من هذا - بالأسف، فقالت بحدة: ما عسى أن أصنع؟ # فازدرد ريقه وقال بصوت متقطع منخفض: وا أسفاه! .. إني ms087 أدرك ~~حرج موقفك .. لشد ما يؤلمني هذا .. ولكن ... أعني ... ما عسى أن ~~أصنع أنا؟ # فقالت بحقد وهي تكظم عواطفها الثائرة: ارفض هذا الزواج، لا ~~نجاة لي إلا بهذا. # فقال بعجلة ضاعفت حنقها: أرفضه؟ .. فات الوقت. ~~- يجب أن ترفضه؛ لم يفت الوقت بعد، يجب أن تفكر في، لا ~~نجاة لي إلا بأن ترفضه. # وقال بلهجة اليائس وهو يشعر بالخوف: ليس في وسعي هذا. # وتولاها القنوط، ولم يوح لها الشخص الخائر الماثل أمامها ~~بأقل رجاء، وصاحت بانفعال: كان في وسعك أن تفعل ما فعلت. ~~وكان بوسعك أن تقبل الزواج من هذه الفتاة، ولكن ليس بوسعك أن ~~تصلح الخطأ، ليس بوسعك أن تمد يدا لإنقاذي. ~~- ما أشد ضيقي! إن أسفي لا حد له. ~~- ماذا يفيدني هذا الأسف؟ # ولما وجدته صامتا صرخت في وجهه: ما يفيدني أسفك؟ # فغمغم: ماذا عسى أن أصنع؟ # وركبها شيطان الغضب واليأس فالتفتت نحوه، وانقضت عليه ~~بسرعة البرق وأمسكت بتلابيبه وهي لا تدري ماذا تفعل، وصاحت في ~~وجهه: أتسألني عما تصنع! هل حسبتني لعبة تلهو بها حين تشاء ~~وتحطمها حين تشاء؟! # فقال وهو يحاول عبثا أن يخلص سترته من يديها: نفيسة، ~~اعقلي، نحن في شارع ... # فصاحت به وقد فقدت وعيها: جبان، سافل، وغد، غادر ... # وسحبت يدها بسرعة وهوت بقبضتها على وجهه بقسوة جنونية، مرة، ~~وأخرى، حتى رأت الدم يسيل من أنفه، وجعلت تلهث وصدرها يضطرب ~~في عنف وعدم انتظام، وتحسس سلمان أنفه بيده وبسطها أمام ~~ناظريه في صمت، ثم أخرج منديله من جيبه ووضعه على فمه وأنفه. ~~وبدا هادئا ساكنا على غير ما كانت تنتظر، شعر بادئ الأمر ~~بخوف، ثم حل محل الخوف ارتياح غريب كأنه جاز منطقة الخطر، ~~ولم يعد ثمة ما يخافه. انفرجت الأزمة، وزال الخطر، وسقط ما ~~كان لها من شبه حق عليه بعد هذا الدم المسفوح، وقال في هدوء ~~وصبر: سامحك الله يا نفيسة، أنا عاذرك. # وهيجها حديثه فجأة فعاودها الجنون، وانقضت عليه مرة ~~أخرى بدافع غريزي، ثم أمسكت بتلابيبه كشيء يريد الإفلات وتأبى ~~عليه - بكل ms088 قواها - أن يفلت، وركبه الذعر فانحل تماسكه، ونتش ~~سترته فجأة فخلصها من يدها وتراجع صارخا: إياك وأن تلمسيني، ~~ابعدي عني، ابعدي لا حق لك علي. # وهجمت عليه، ولكنه دفعها في صدرها وصاح بها في هياج أحدثه ~~الذعر: لا تلمسيني، لم أجبرك على شيء، لقد ذهبت معي إلى البيت ~~راضية، لا تلمسيني وإلا ناديت الشرطي! # وواصل تراجعه حتى ابتعد عنها مسافة غير قصيرة ثم دار على ~~عقبيه ومضى مهرولا كأنه يفر فرارا. # وتسمرت في مكانها وجسمها ينتفض انتفاضا؛ فقدت سلطان ~~الإرادة على جسدها وروحها وعواطفها، وبدا لها الأمر كحلم، أو ~~هذيان مرض، أو حال لا تمت بصلة إلى عالم الحقيقة؛ هذا ~~شارع وهذه شجرة وهذا مصباح وهؤلاء بعض السابلة، أشياء هذه أم ~~أشباح؟! إنها لا تدري، بدا كل شيء بعيدا عن الواقع والحقيقة. ~~ولعلها لم تثب إلى وعيها إلا حين انفجرت باكية بدموع حارة ~~ملتهبة صاعدة من أعماق صدرها. # 34 # كان سلمان يمسح الطاولة حين رأى ظل شخص ينعكس عليها؛ فرفع ~~رأسه فرأى حسن واقفا حياله، وسرت في جسده قشعريرة رعب ~~فكأن صاعقة انقضت على رأسه، وكان حسن يقف بقامته الطويلة، ~~منفوش الشعر، وقد حال لون بدلته من كثرة الاستعمال، ينبعث من ~~عينيه نور حاد ينم عن العنف والجرأة، وقال سلمان لنفسه: «إني ~~هالك، إذا كانت نفيسة قد أفضت إليه بسرها فساعتي قد دنت ولا ~~شك.» ونظر إليه كما ينظر الفأر إلى القط دون أن ينبس، وقال ~~حسن بصوت مرتفع رن في أذنيه رنينا مؤلما مخيفا: السلام ~~عليكم. # ورد جابر سلمان من وراء مكتبه قائلا: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته. كيف حالك يا سي حسن؟ # وذهل سلمان في خوف عن رد التحية، وقال لنفسه: «ما هذه بتحية؛ ~~هي نذير، رباه كيف تعرضت لفتاة لها مثل هذا الأخ؟!» # وقال حسن: الحمد لله. لقد جئتكم لأحدثكم في أمر هام جدا ~~... # إنه يعلم بهذا الأمر، وعما قليل يعلم أبوه بالفضيحة؛ ها هو ~~الشيطان يقترب، لقد رفع طرف الطاولة ومرق إلى الدكان، لا ~~يفصله عن ms089 قبضة يده شبر! أية حماقة جعلته يعتدي على نفيسة؟ ليته ~~يمهله حتى يرفض الزواج ويصلح خطأه، ومال حسن على المكتب ~~معتمدا حافته بكلتا يديه، وردد بصره بين الأب والابن، ~~وسلمان مطرق في توقع مروع للضربة المتجمعة، وقال حسن: ~~علمت أن زواج سلمان قريب؟ # فقال عم جابر: إن شاء الله، العقبى لك. ~~- وليلة الفرح؟ ~~- قريبا جدا إن شاء الله. ~~- فنقر حسن بإصبعه على المكتب وقال بجرأة: نحن جيران يا عم ~~جابر، وأحسبني خير من يحيي هذه الليلة! # واتسعت عينا سلمان الصغيرتان؛ إنه لا يصدق أذنيه، ألهذا ~~الغرض جاء؟ كيف غاب عنه أن نفيسة تفضل الموت نفسه على البوح ~~بسرها لهذا الأخ الجبار! وندت عنه ضحكة، وأردفها بأخرى ثم ~~انفجر ضاحكا ضحكا عصبيا لم يتمالك معه نفسه حتى التفت حسن ~~وأبوه نحوه في دهشة وإنكار، وسرعان ما أمسك. ثم خاطب حسن قائلا ~~في أريحية وسرور: لا كانت الليلة إن لم تحيها أنت. # وابتسم حسن في رضا، وخاف الأب عواقب هذا الوعد الأحمق، فقال: ~~على العين والرأس يا سي حسن، لا يمكن أن يوجد مانع من ناحيتنا، ~~ولكنني أخشى أن يكون لوالد العروس رأي آخر. # فرمقه حسن بريبة ثم قال: الرأي رأي والد العريس. # فقال عم جابر برقة: أنت من نفضل يا سي حسن، ولكن أمهلني ~~حتى أشاور عم جبران التوني. # فتفكر حسن مليا، وقد أخذ دم الغيظ يجري في عروقه، ثم قال ~~بلهجة ذات معنى: شكرا لك يا عم جابر، ولكني أحب أن أذكرك ~~بالفوائد التي تقترن بإحيائي ليلة الفرح، وأهم هذه الفوائد في ~~نظري أن شخصا مهما بلغ من القوة والشر لن تحدثه نفسه ~~بالاعتداء على الحفلة كما يحدث كثيرا. # فلاح الاهتمام في وجه الرجل العجوز، وأدرك بسهولة ما وراء ~~هذا الكلام الطيب من الوعيد، ونظر في وجه الشاب المخيف ~~مبتسما، وتساءل في لين ورقة وابنه يتابعه فاغرا فاه: لا ~~تخلو ليلة من حفلة فرح تمر بأمن وسلام. # فضحك حسن ضحكة غريبة وقال: يوجد كثيرون لا هم لهم إلا الشر ~~والاعتداء، ms090 وهم يتصيدون الأفراح عادة للنهب والاعتداء ... # فقال العجوز بحذر: كان هذا في الزمن الغابر، أما الآن ~~فلعلهم يخافون الشرطة. # فقال حسن وهو يهز رأسه مبتسما: إنهم لا يحسبون للشرطة ~~حسابا، وينتهون من عدوانهم عادة قبل حضور الشرطة، وما أيسر ~~عملهم الذي يتوجه بادئ الأمر إلى تحطيم المصابيح، فإذا انقلب ~~الفرح ظلاما وركب الخوف النفوس أتم المدعوون عملهم وهم ~~يتخبطون في الظلام لا يدرون أين تقع أرجلهم، فتنهار الزينات ~~وتنقلب المقاعد ويندلق الطعام، وتسرق الملابس، ويصاب أهل ~~العروسين بجروح خطيرة. وإذا انجابت موجة الشر يجد القوم ~~أنفسهم أشد حاجة إلى رجال الإسعاف منهم إلى رجال الشرطة، وأين ~~الفاعل؟ مجهول! وإذا أرشد إليه أحد عرض نفسه لخطر أكبر ~~يحول القضية من محكمة الجنح إلى محكمة الجنايات، وأعطني عقلك؛ ~~ما جدوى العقاب على فرض نزوله بالجاني بعد ضياع الأنفس ~~والأموال؟ # وأنصت عم جابر بانتباه، وفي تشاؤم ثقيل، وشعر بعجزه حيال ~~الشر الماثل أمامه الذي يعرف من سيرته ما يعرف الجميع، ولم يدر ~~كيف يدفعه؛ فتعزى قائلا إنه على أية حال يحسن الغناء لدرجة ~~لا بأس بها، وابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال: مهما يكن من ~~أمر هؤلاء الأشرار فلن تسول لهم نفوسهم الاعتداء علينا وأنت ~~مطرب ليلتنا! # فابتسم حسن في ارتياح وقال: إنك رجل كريم يا عم جابر، ولعل ~~الأيام تسعدني بإحياء فرحك أنت إذا نويت الزواج مرة ~~أخرى. # فضحك سلمان ضحكة من ينعم بلذة النجاة بعد الخطر المحقق، ~~أما الأب فابتسم ابتسامة صفراء وغمغم: عفا الله عنك ... # وسعل حسن سعالا مصطنعا، وقال بلهجة جديدة ودون تلعثم: لا ~~أحب أن أطيل عليك. آن لي أن أذهب شاكرا بعد قبض مقدم ~~الأتعاب. # فقال العجوز بجزع: الآن؟! ~~- خير البر عاجله؛ لست إلا مغنيا متواضعا لا تتعدى أتعابه - ~~هو وتخته - الخمسة جنيهات، وأقنع الآن بجنيه واحد. # وصمت الرجل متحيرا حينا، ثم قال لنفسه: «الأمر لله من قبل ~~ومن بعد.» وفتح درج المكتب وتناول جنيها ووضعه على المكتب فأخذه ~~حسن وذهب وهو يقول: ربنا يتم بالخير. # 35 # جاء ms091 الترام فركبت نفيسة وتبعتها على الأثر صاحبة البيت، ~~أرادت المرأة أن تصحبها إلى بيت عم جبران التوني لتقدمها ~~إلى آله بنفسها، وقد أخذت نفيسة زينتها، وصنعت من وجهها خير ~~ما يمكن أن يصنع منه، وارتدت أحسن ما عندها من الثياب، ولم ~~يكن يغيب عن شعورها لحظة واحدة ما في رحلتها من غرابة. وقد ~~قالت لنفسها كثيرا إنه من الجنون أن تذهب إلى هذا البيت، ولكنها ~~لم تدر كيف تنبذ هذه الفرصة السعيدة التي فرحت بها أمها ~~أيما فرح. والحق الذي لا مرية فيه أن حديثها لنفسها هذا لم ~~يعبر عن حقيقة رغباتها، أو أنه دارى هذه الرغبات مداراة لم ~~تخف عنها، كانت تود رؤية العروس مهما كلفها هذا من عناء، ~~وكانت رغبتها من القوة والتغلغل بحيث لا يمكن مقاومتها. ~~وليس يمكن القول بأنها كانت تريد أن تقيس جمالها بجمالها؛ فهي ~~تعلم بالبداهة أنها - العروس - أجمل منها، وليس في هذا من جديد، ~~ولكن على رغم وضوح هذه الحقيقة ظلت رغبتها في رؤية الفتاة ~~مشتعلة لا تقاوم، وكأن رباطا وثيقا يصل أسبابها ~~بأسبابها، ويقرن مصيرها بمصيرها، ولم تكن أفاقت من أثر الصدمة ~~العنيفة التي هرست نفسها وجسدها هرسا، ولكن انقضاء أيام أخمد ~~الثورة الهائجة، في ظاهرها على الأقل، وأحل محلها مرارة ~~سامة ويأسا مميتا، وشعورا معذبا بالوحشة، كأنها غريبة ~~بين أهلها، شاذة عن المخلوقات، إلى إحساس بالظلم طاغ بعث في ~~نفسها رغبتين متناقضتين تناوبتاها تناوبا متواصلا؛ رغبة في ~~التمرد والجموح، ورغبة في الاستزادة من الظلم والتعذيب حتى الموت، ~~وقد ركبت الترام وهي على هذه الحال، وتلهفت على اللقاء القريب ~~وهاتان الرغبتان المتناقضتان تتعاورانها. وغادرتا الترام بعد ~~محطات أربع، واتجهتا إلى شارع الوليد، ثم مالتا إلى عمارة ~~كبيرة تقوم في أسفلها بقالة عم جبران التوني، وصعدتا إلى الدور ~~الثاني، ودخلتا شقة به، واستقبلتهما سيدة في الخمسين متوسطة ~~القامة مفرطة في السمنة، بيضاء البشرة، فدخلن جميعا حجرة ~~الاستقبال، وما إن استقر بهم المجلس حتى قالت الست زينب - صاحبة ~~بيت نفيسة: هذه ست نفيسة، وستشهدين ms092 لها بالمهارة والذوق. # فقالت السيدة: حدثتنا ست زينب عنك كثيرا، أهلا ~~وسهلا. # وآلمها الثناء كأنه سب وهجاء، وأغاظها وأحنقها لسبب لا ~~تدريه، وتزعزعت ثقتها في أعصابها أن يفلت زمامها من يدها. ~~أما السيدة فمالت نحو باب الحجرة ونادت بصوت مرتفع «عديلة» ~~ودق قلب نفيسة، ورجحت أنها تنادي العروس وخيل إليها ~~أنها تسمع سلمان وهو يهتف بهذا الاسم، وخالته يضمها إلى صدره ~~وقد أذهلته حرارة العاطفة وراح يقول لها بصوته المتهدج ~~«عديلة، أحبك، أحبك أكثر من الدنيا والآخرة معا»، فهذا قوله ~~عادة إذا أذهلته حرارة الإحساس. وهو قول كاذب أو هكذا كان ~~بالنسبة إليها، والغالب أن الدنيا كذبة كبيرة. وتوجه ~~رأسها نحو الباب، متألمة قانطة حانقة، وعندما سمعت وقع ~~أقدام آتية داخلها إحساس آخر بالخوف فودت لو كان بوسعها ~~أن تختفي، ولعله كان إحساسا عارضا سطحيا. وجاءت فتاة في ~~مقتبل العمر، متوسطة القامة كأمها بيضاء البشر، بيضاوية ~~الوجه، كبيرة القسمات، ولكن في تناسق حسن، بيد أنها سمينة ~~لحد الإفراط. وتساءلت نفيسة في نفسها كيف تصير إذن إذا تزوجت! ~~واضطربت في أعماقها ضحكة ساخرة متوترة، لم يتح لها التنفس. ~~وذهب عنها الخوف العارض، وشعرت باضطراب عصبي بذلت جهدا ~~شديدا للتغلب عليه، وتم التعارف وتبادل السلام دون أن تنبس؛ ~~خشية أن تخونها نبرات صوتها. ولدغتها الغيرة فمزقت قلبها ~~شر ممزق؛ هذه التي سلبت رجلها، رجلها دون غيرها بعد ما ~~كان، فلا توجد امرأة لها مثل ما لها عليه من حقوق، فكيف تكون هذه ~~الجاموسة عروسة، وتكون هي الخياطة التي تعد لها ثياب ~~العروس؟! من أجل هذا تستحق الدنيا أن تكون طعمة للنيران، ولن ~~تكون أحمى من النيران التي تلتهم قلبها. رباه! كيف تستطيع ~~العمل بهذه الأعصاب المريضة؟! وغادرت المرأتان الحجرة تاركتين ~~الفتاتين معا. وجاءت خادم بالأقمشة ووضعتها إلى جانب نفيسة على ~~الكنبة، فوجدت مهربا من أفكارها وراحت تتفحصها باهتمام ~~ظاهري، وعيناها المنكستان تسترقان النظر إلى قدمي العروس، ~~وسألتها العروس قائلة: هل سبق أن خطت ثياب عرائس؟ # ورفعت إليها عينيها فيما يشبه الدهشة، كأنها ms093 لم تكن تتوقع أن ~~توجه إليها خطابا وقالت باستهانة: كثيرا جدا ... ~~- أظن هذا يجعل العمل يسيرا عليك. ~~- لا أجد فيه أثرا لصعوبة. # كانت إجابتها تعبيرا عن إحساس بالتمرد والثورة، يتجمع في ~~أعماقها لم تعبأ معه بالحقيقة والواقع، وصمتت العروس هنيهة، ثم ~~عادت تسألها قائلة: هل تسكنين في عمارة ست زينب؟ # فقالت مدفوعة بالإحساس نفسه: نعم، منذ أعوام طويلة. كان ~~المرحوم أبي موظفا بوزارة المعارف. ~~- أخبرتنا بهذا ست زينب، ألا تعرفين أن بقالة العريس قريبة ~~من عمارتكم؟ # ووجدت شكة دامية في قلبها، وخفضت عينيها أن ترى الأخرى ~~ما ارتسم فيهما، ثم تمتمت: تعنين عم جابر سلمان؟ ~~- هو نفسه. العريس ابنه، ألا تعرفونه؟ ~~«أعرفه أكثر منك! لن تعرفيه مثلي قبل أشهر، وستجدينه حيوانا ~~وغدا.» قالت: نعرفه حق المعرفة. ألم تريه؟ ~~- قابلته هنا مرة واحدة. # وسألتها بدافع لم تستطع مغالبته: هل أعجبك؟ # فضحكت ضحكة كرهتها على إثر سماعها أضعافا، وقالت: كانت ~~الحجرة مزدحمة بالمدعوين، وأنت تعرفين هذا الموقف ~~طبعا! # فقالت بلهجة باردة: لست أعرفه. # فضحكت العروس قائلة: دعيني أسألك أنت التي تعرفينه حق ~~المعرفة، ما رأيك فيه؟ # ودهمها السؤال، لم تكن تتوقعه! وانهارت القوة التي تغالب ~~بها أعصابها، انهارت بغتة كأنما انفجرت فيها قنبلة خفية، ~~واجتاحتها موجة طاغية من التمرد والجموح والجنون، فقالت بصوت ~~غريب: ليس هو من النوع الذي يعجبني. # وغاضت آثار الضحكة في عيني العروس، واتسعت عيناها في دهشة ~~وإنكار، وجعلت تنظر إلى نفيسة لحظة ساهمة واجمة، كأنها لا تصدق ~~أذنيها، ثم تساءلت بغرابة: حقا؟! ترى ما النوع الذي ~~يعجبك؟ # فقالت ببرود دون أن تفارقها هذه الروح الجنونية: دعك من هذا، ~~المهم أن يعجبك أنت، أليس كذلك؟ # فقالت ولما تفق من دهشتها: أظن هذا. ~~- مبارك عليك. # ولكن الفتاة لم تقبل أن ينتهي الحديث عند هذا الحد؛ أفاقت من ~~دهشتها وكبر عليها قول الأخرى فثار بها الغيظ، وقالت متسائلة ~~في تهكم: وزبوناتك الأخريات من العرائس ألم يكن أزواجهن من ~~النوع الذي يعجبك؟ # وأدركت نفيسة ما في قولها من التهكم والتحدي، فتمادت بها ms094 ~~روح الشر التي ركبتها واندفعت قائلة وكأنها تلقي عبئا ~~ثقيلا عن كاهلها: جميعهم جديرون بالإعجاب حقا؛ فهم موظفون ~~محترمون! # فاستنكرت العروس هذه الوقاحة التي لم تكن تتوقعها، وتساءلت ~~بغضب: ألا يكون الإنسان محترما إلا إذا كان موظفا؟ # فقالت نفيسة بصوت مرتعش النبرات أعياها التحكم فيه: أعتقد ~~هذا. # فصرخت العروس قائلة: وإذا كان خياطة؟ # فقالت نفيسة بحقد وغضب: لا علي أن أكون خياطة، إخوتي طلبة ~~مثقفون، وكان أبي موظفا محترما. ~~- حقا لا يستاهل الرحمة كل المساكين ما دام يوجد بينهم ~~من هو في قلة أدبك! ~~- لا يدهشني هذا السباب من ابنة بقال. # فهبت العروس واقفة وهي تنتفض غضبا وصاحت: يا مجرمة، يا ~~قليلة الأدب، اغربي عن وجهي قبل أن أدعو الخدم ليرموك ~~خارجا. # ونهضت نفيسة فاقدة الوعي، وتناولت بقجة الأقمشة، وقذفتها في ~~وجهها فانتشرت الحرائر على كتفي العروس وتحت قدميها، وتلوت ~~على الأرض في ألوانها الزاهية، ثم غادرت الحجرة مهرولة وصراخ ~~الفتاة ينطلق وراءها بأقذع أنواع السباب، وتركت الشقة في لهوجة ~~الفرار. وتراخت أعصابها المتوترة وداخلها ارتياح غريب، وكاد ~~يغلبها الضحك. ولكن هذا لم يدم طويلا فسرعان ما انقلبت ~~واجمة متفكرة، وبدا لها سلوكها على حقيقته. «ما هذا الذي فعلت؟ ~~سيقولون كل شيء لست زينب، وستقول هذه بدورها كل شيء لأمي، ~~لا بد أن تغضب أمي، وستحزن كثيرا على الربح الذي أضعت ~~بحماقتي. ولكنني أقول لها إن العروس خاطبتني بعجرفة، ~~وأهانتني بلا سبب حتى ثرت لكرامتي، وإذا لم تقبل عذري أبث ~~شكواي بصوت مرتفع ليبلغ مسمع حسنين، فيغضب لغضبي ويثور ~~لكرامتنا، وينتهي كل شيء. هذا حسن! ولكن كيف اندفعت إلى هذا! ~~أي جنون! لم يكن في نيتي شيء من هذا فكيف حدث؟ وضاع عمل ~~مربح، ولكن لا داعي للأسف، لدي عمل لا بأس به في هذا الشارع ~~نفسه، لست آسفة على ما وقع.» وانتهت إلى شارع شبرا ولم يعد ~~يرى من شعاع الشمس إلا أثر خفيف في أعلى الدور. وسارت على ~~الطوار في اتجاه المحطة، فمرت في طريقها بجراج لإصلاح ~~السيارات، ms095 وكانت غائبة عما حولها في تيار أفكارها، فما تدري ~~إلا وشخص يعترض سبيلها وهو يقول «أهلا وسهلا.» ورفعت رأسها ~~فرأت شابا ذا بنطلون وقميص خاكيين، مشمرا عن ساعديه، ~~يدل مظهره على أنه من عمال الجراج، فألقت عليه نظرة شذراء ~~وتنحت عن موقفه، ولكنه اعترض سبيلها مرة أخرى وقال: حلمك يا ~~ست هانم، انظري إلى يسارك، هذه السيارة ملك العبد لله، وهي على ~~قدمها تستطيع أن تحملنا إلى أي مكان شئت، محسوبك محمد الفل، ~~صاحب هذا الجراج ولا فخر! # فصاحت به: ابعد وإلا ناديت العسكري. # فضحك الشاب وقال: لا داعي لذلك؛ أنا أحب النسوان، ولا أحب ~~العساكر. # 36 # في الأسابيع التالية أدى الشقيقان امتحان النقل في ختام العام ~~الدراسي، وكلل اجتهادهما بالنجاح فانتقل حسين إلى السنة ~~الخامسة، وحسنين إلى السنة الرابعة. كانا يعلمان أنه لا بد ~~لهما من النجاح، وأن حال الأسرة لم يعد يحتمل العثرات، ~~فواصلا العمل بعزيمة صادقة، وجاءت النتيجة كما يحبان. وبدأت ~~العطلة الصيفية التي تمتد حوالي الخمسة الأشهر، فاستجدت ~~متاعب جديدة للأم تتعلق بغذاء الشابين، وكانت الأم ~~وابنتها تقنعان بأبسط الطعام، وتعتمدان في الغالب على ما تجلبان ~~من السوق من طعام جاهز؛ اقتصادا لنفقات اللحم والسمن والوقود، ~~فوجدت المرأة نفسها مضطرة إلى تعديل هذا النظام القاسي مهما ~~كلفها الأمر من عناء وتدبير. وهكذا لم يسر أحد بالنجاح ~~إلا قليلا، وبدت الحياة وكأنها تزداد مع الأيام تجهما ~~وتطالعهم بعبوس بعد عبوس. وفي ذات مساء جاء حسن بعد انقطاع دام ~~ثلاثة أسابيع متواصلة، وأقبل على أسرته ضاحكا، كعادته، وكثيرا ~~ما يداري بضحكه حرجه وارتباكه، وقال: مساء الخير يا أمي، مساء ~~الخير يا أولاد، أوحشتموني كثيرا. # ورد إخوته التحية وهم يرمقونه بدهشة، أما أمه فلبثت تنظر ~~فيما بين يديها معلنة على سخطها بالصمت والتجاهل. بيد أنها ~~عدلت عما كانت تلقاه به من التعنيف والحساب، أو الحث على ~~العمل؛ هيهات أن يجدي الكلام بعد ما كان! وألح عليها الحزن ~~الذي يغشى نفسها كلما فكرت في أمره أو وقعت عليه عيناها. حتى ms096 ~~السؤال عن غيابه الطويل لم يخطر لها على بال، وإنها لتعلم سلفا ~~بما أعد - طبعا - من جواب؛ سيقول بصوت مؤثر إنه يختفي حتى ~~يوفر عليها نفقة إطعامه وإيوائه، وإنه لا يني البحث عن عمل ... ~~إلخ. أما إخوته فالحق أنهم سروا برؤيته بعد اختفائه الطويل؛ ~~كانوا يحبونه كما كان يحبهم، وسألته نفيسة: حمدا لله على ~~السلامة، أين كنت طوال هذه الأسابيع؟ # وخلع الشاب سترته وطرحها على المكتب، ثم جلس على الفراش ~~وقال باسما: أكل العيش يحب التعب! (ثم ملتفتا إلى أمه) أبشري ~~يا ست أم حسن، أخذت تفرج! # فرفعت الأم رأسها ونظرت صوبه بريبة واهتمام معا، ثم تمتمت ~~في شيء من الأمل: حقا؟! # فضحك سرورا بإثارته لاهتمامها بعد ما لاقى من تجاهلها وقال: ~~سبق أن أخبرتكم بأن الأستاذ صبري ضمني إلى تخته. # فتنهدت الأم في جزع وقالت: لا أعتقد أن هذا عمل ~~جدي. ~~- لقد دعي الأستاذ منذ أسبوع إلى إحياء ليلة فرح ببولاق، وذهبت ~~معه لقاء ريال غير العشاء طبعا. إني أعلم أنه مبلغ تافه، ولكن ~~الرزق دأبه التمنع بادئ الأمر. # فقالت الأم في ضيق: أتوسل إليك للمرة الألف أن تبحث لك عن ~~عمل جدي لخير نفسك، إن لم يكن لخيرنا نحن، ما عسى أن أقول يا ~~حسن؟ ألا تعلم بأننا لا نكاد نشبع أبدا؟ # وخفض عينيه في ارتباك، كان حب أسرته العاطفة الشريفة ~~الوحيدة التي يخفق بها قلبه، ولعلها الأثر الوحيد الذي تركته ~~أمه في خلقه، وغمغم قائلا: صبرك، لم أفرغ كلامي بعد. # وهنا قاطعه حسنين قائلا: أتظن أن علي صبري هذا يمكن أن ~~يكون يوما مغنيا حقا؟ # فرفع حسن حاجبيه الكثيفين في إنكار، وأراد أن يزيل أثر حديث ~~أمه فقال في مرح: سفخص على هذا البلد الذي لا يقدر! الأستاذ ~~صبري فنان كبير. إن «يا ليل» منه شفاء ودواء. هل سمعته وهو ~~ينتقل من البياتي إلى الحجاز، ثم يعود إلى البياتي؟ لم يفعل هذا ~~إلا الحمولي، وسلامة حجازي مرة أو مرتين. أما محمد عبد الوهاب ~~فإذا خرج من البياتي ms097 فقل أن يعود إليه إلا في حفلة تالية. وليس ~~يعيبه أنه أحيا ليلة بجنيهات معدودات؛ فلا يزال في أول الطريق، ~~والتاريخ يحدثنا بأن من كبار الفنانين من أحيا أولى لياليه ~~لقاء بضعة أرغفة! # وضحك إخوته لهذره، أما الأم فتنهدت قائلة: سلمت أمرك ~~لله! # فألقى عليها نظرة من عل وقال: لندع حديث الفن جانبا، ~~المهم أن تعلمي أني سأحيي حفلة عرس غدا. ~~- في تخت علي صبري؟ ~~- وحدي! سأحييها بنفسي! # ونظرت الأم نحوه بإنكار، وسألته نفيسة: أأصبحت مطربا ~~حقا؟ ~~- يحدث أحيانا أن يختار أحد أفراد التخت من المشهود لهم ~~لإحياء حفلة كمطرب؛ خطوة لها ما بعدها! # وسألته أمه بلهجة لا تخلو من تهكم: ومن الذي دعاك لإحياء ~~ليلته؟! ~~- عم جابر سلمان لإحياء زفاف ابنه سلمان. # وخفضت نفيسة عينيها وقد خبا حماسها، وران على نفسها كدر ~~خانق. # ودهشت الأم وخاطبت حسن متسائلة وهي تومئ إلى نفيسة: بعدما ~~حدث؟! # فضحك حسن قائلا: تم الاتفاق بيننا قبل معركة ست نفيسة في بيت ~~العروس، ولم يجرؤ الرجل على خرقه! # وساد الصمت قليلا، والأعين تحدق فيه في غير تصديق، كان في ~~صوته حلاوة، ولكن ليس للدرجة التي تجعل منه مطربا. وأخيرا ~~سألته أمه في حيرة: أحقا ما تقول؟ ~~- نعم ورحمة أبي. ~~- أجر؟! ~~- خمسة جنيهات، لك منها جنيه كامل. # وسكت حتى تغلغل أثر كلامه في النفوس، ثم ردد عينيه بين ~~شقيقيه وتساءل: ما رأيكما في أن تعملا معي سنيدين في التخت، ~~وكلاكما ذو صوت لا بأس به؟! # وانفجر الشقيقان ضاحكين، وواصلا ضحكهما، حتى قال: يا لكما من ~~غبيين! هذه فرصة نادرة للاشتراك في البوفيه الحافل بما لذ ~~وطاب من المآكل والمشارب. # ولم يكف الشابان عن الضحك في استهزاء، ولكن تمثل لعينيهما ~~منظر المائدة، وقد صفت عليها الأطباق، وراح خيالهما يثب من ~~طبق إلى طبق، في عجلة وبلا رحمة، حتى صاحت به نفيسة بحدة وغيظ: ~~أتريد أن تجعل من شقيقيك متسولين في بيوت البقالين؟ # فقهقه الشاب قائلا لأخته: إني أدرك سر تغيظك يا ست نفيسة؛ ~~فإن اعتداءك على العروس ms098 حرمك حق الدعوة إلى هذه الليلة، ~~ولكن ما ذنب هذين المسكينين؟! ليس الأمر لهوا ولعبا، ولكن ~~طيورا ولحوما، وفطائر وخضرا، وفاكهة وحلوى ... ففكرا ثم ~~فكرا. # ولم يجد لدعوته من صدى فهز منكبيه استهانة ولم يعد ~~الكرة. كان حسن النية وأراد لأخويه خيرا، ولكن حماقتهما ~~ضيعت عليهما هذا الخير؛ هكذا قال لنفيسة في أسف. ولم يشاركه ~~الشقيقان أسفه، ولكن نفسيهما اهتزتا في حنان لذكر الطيور ~~واللحوم، والفطائر والخضر، والفواكه والحلوى، ونشط خيالهما في ~~حسرة وألم زاد من شدتهما اقتراب وقت العشاء الذي يندر أن ~~تعترف به أمهما. لم يكن للأسرة عشاء عادة، وكانوا يتحامون أن ~~يجهروا بالجوع؛ أن يضاعفوا من تعاسة أمهم وسخطها، فلاذ ~~الشابان بالتخيل دون أن ينبس أحدهما بكلمة، على حين عكفت ~~نفيسة على أفكارها، وهي أبعد ما تكون عن لذة الطعام ولذة الحياة ~~عامة. ردها حديث حسن إلى أشجانها ويأسها ومخاوفها، وتساءلت ~~في دهشة: أحقا يحيي حسن - شقيقها - ليلة الزفاف؟! # 37 # وحوالي التاسعة من صباح اليوم التالي لليلة الزفاف، كان حسن يسير ~~في ميدان الخازندار، متجها إلى كلوت بك، حيث دعاه الأستاذ صبري ~~إلى مقابلته، وكان متعبا عقب سهرة الأمس التي لا زالت ذكرياتها ~~تدور برأسه، كانت ليلة! وكان جريئا ليس كمثل جرأته شيء، وقد ~~شق طريقه في السرادق الذي أقيم على سطح بيت عم جابر سلمان ~~بقدمين ثابتتين حتى بلغ المنصة بين أيد تصفق وحناجر تهتف ~~للمغني الجديد، ورد تحياتهم برزانة وجلس وسط تخته المكون ~~من عواد وقانونجي وكمانجي، عملوا معه كعازفين وسنيدة معا، ثم ~~غنى «قد ما أحبك زعلان منك». وما لبث أن لمس بنفسه الفتور الذي ~~استحوذ على الجميع، ولكنه واصل الغناء دون مبالاة، وأكثر من ~~الشراب، وعند بدء الوصلة الثانية تصايح كثيرون يطلبون «في الليل ~~لما خلى» ولم يكن يحفظها، فغنى «بستان جمالك»، وسرعان ما انقطعت ~~الأسباب بين المدعوين والمطرب؛ هذا يذبح صوته بغناء لا غناء ~~فيه، وأولئك يشربون ويضحكون، ثم بلغ الحرج غايته حين وقف سكران ~~مترنحا، وقال بلسان ثقيل موجها خطابه للمطرب: ms099 والله لو لم ~~تكن فتوة لقلت لك اسكت. # وعرفه حسن؛ كان حدادا في أول عطفة نصر الله، وتوعده ~~شرا، ولكنه واصل غناءه «والله زمان زمان والله، والله زمان زمان ~~والله»، ذكر هذا ضاحكا وهو يحث خطاه ثم قال لنفسه: «ما كان ~~كان. لا داعي للأسف ما دمت قد انتزعت الخمسة جنيهات.» وليس هذا ~~فحسب، وهل يمكن أن ينسى البوفيه؟ لشد ما أبلى فيه بلاء ~~حسنا، وقد بلغ القمة حين ازدرد حمامة بعظامها. لم يكن ~~أكلا، ولكن كان التهاما وخطفا، وسلبا وعراكا، وبلغت المعركة ~~ذروتها حين فرغت صحيفة اللحم البقري فما كان منه إلا أن قبض على ~~يد المدعو الذي يليه واستصفى ما فيها من شرائح. أما حسن ~~الختام فكان عقب انتهاء الحفلة وقد التف حوله أفراد التخت ~~يطالبونه بأجورهم فقال لهم ببساطة: أليس حسبكم ما التهمتم من ~~طعام؟ ~~- والأجرة؟! # فقال بوحشية: خذوها بالقوة إن استطعتم! # وانفصلوا عنه ساخطين غاضبين يائسين. شيء واحد أسف له أشد ~~الأسف؛ هو أن أسرته لم تشاركه طعامه الشهي، أمه ونفيسة وحسين ~~وحسنين. وكان بوده أن يعطي أمه فوق ما أعطى، ولكن تشرده ~~الطويل علمه الحرص. على الأقل ما دامت هذه الحال. وها هو يقصد ~~كلوت بك، بل درب طياب بالذات حيث ينتظره علي صبري الذي مناه ~~بضروب من العيش توافق مزاجه وتلهب حماسه. وكان علي صبري قد ~~أخبره بأنه ينتظره في قهوة وسط الدرب أمام بيت زينب الخنفاء، ~~فارتقى السلم المفضي إلى الدرب، وحث خطاه بين بيوت مغلقة لم ~~تستيقظ بعد، وجد الدرب كالمقفر حتى المقاهي الصغيرة كان عمالها ~~ينفضون عنها رماد سهرة الأمس. وبلغ وسط الدرب ورأى الأستاذ علي ~~صبري جالسا أمام باب القهوة، فاتجه إليه وسلم وجلس على كرسي ~~إلى جانبه. لم تعد قهوة كما كانت يوما ما، ولكنها باتت مشروع ~~قهوة جديدة إذا صدق ظنه؛ فبعض العمال يعكفون على تبييض الجدران ~~وإعدادها للحال الجديدة، قال علي صبري مزهوا: هنا حيث تراني ~~جالسا سنبدأ حياة جديدة. # فتولت حسن الدهشة لأنه لم يكن سمع ms100 عن هذا المشروع على كثرة ما ~~سمع عن مشاريعه، وتساءل: والتخت والأفراح؟ # فبصق الأستاذ بصقة أصابت جدران بيت زينب الخنفاء أمامهما - ~~وكان لا يزال مغلقا - ثم قال: سيعمل التخت في هذه القهوة، أما ~~الأفراح فربنا يجعلها مآتم! انتهى زمان الأفراح، ولا نسمع الآن إلا ~~عن «حفل عائلي اقتصر على آل العروسين»، والراديو احتكرته أم كلثوم ~~وعبد الوهاب، وشرذمة من المطربين المختصين بالنشاز، ~~وهيهات أن يكون لنا عيش في هذا البلد! # فقال حسن متظاهرا بالاستياء: صدقت يا أستاذ (وسكت لحظة ثم ~~تساءل) ولكن ماذا يفعل التخت هنا؟ # فمد الأستاذ ساقيه فبلغتا منتصف الطريق الضيق، وقال ~~مشيرا إلى القهوة التي يعدها العمال: إليك قهوة بالنهار، ~~وحانة بالليل، وسيرقص فيها نسوان الست زينب الخنفاء - وهي على ~~فكرة شريكتي - وبين ساعة وأخرى أغني، مجال العمل واسع، والرزق ~~مضمون، ولكن عليك بحفظ أغاني عبد الوهاب يا حلو! ~~- لا أكاد أحفظ منها شيئا! ~~- لا بد مما ليس منه بد. وطقاطيق أم كلثوم أيضا، هذا حكم ~~الزمان! # فقال حسن ضاحكا: ربنا معنا. # فقال علي صبري باطمئنان: إني متفائل خيرا، هذا المكان ~~مبارك، وهو أصل ثروة محمد العربي نفسه. # وتساءل حسن من أين للأستاذ الثروة التي يبدأ بها هذه الحياة ~~الجديدة؟ زينب الخنفاء؟! هي فوق الأربعين على أحسن الفروض، وليس ~~بها من جمال فيما عدا جسمها البقري، ولكنها لقية وذات ساعدين ~~مثقلتين بالذهب، لا داعي للحسد ما دام سيحظى بنصيبه من هذه ~~الثروة! فرجت، ولعل ليالي التسكع والجوع قد غارت إلى غير ~~رجعة، ثم سمع الأستاذ يقول: ولكن عملك كسنيد ثانوي بالقياس ~~إلى ما ينتظر منك! ~~- وماذا ينتظر مني؟ # ألقى سؤاله بثقة وزهو كأنه عالم حقا بما ينتظر منه، فقال ~~الأستاذ: إنك أدرى الناس بهذه الأحياء؛ ففي كل متر مربع ~~بلطجي أو برمجي أو سكير عربيد، فمن لهؤلاء؟ أنت! وهناك ~~المخدرات، وتجارتها فن هائل يتطلب مهارة وقوة وجرأة فمن ~~لها؟ أنت! # وابتسم حسن ابتسامة عريضة، ظلت مرتسمة على شفتيه طويلا، ~~وداخله سرور وحماس وفخار، هذه هي الحياة حقا، ms101 حياة تدب ~~تحت مهاوي النبابيت ومساقط الكراسي، وفي دهاليز الغرز، حيث السماء ~~ذهب والأرض أشواك، والطريق مشارب شتى يفضي بعضها إلى اللذة ~~والعزة وبعضها إلى السجن والموت؛ فها هنا وطنه ومراحه، وما هو ~~بالغريب في هذا الدرب المتعرج المتلاطم الشرفات، حيث تختلط ~~آهات الدلال بعواء العربدة، وأريج البخور بعرف الخمور، ~~وسباب المتعاركين بقيء المخمورين، إلى غناء وعزف وقصف. بوسعه ~~أن يقضي بين أحضانه أعمارا دون ملل، يأكل ويشرب ويربح، ويسكر ~~ويحشش ويغني. وأشرق وجهه بنور الأمل، وألقى على ما حوله ~~نظرة؛ كان السكون يتبدد تحت وقع أقدام القادمين؛ فهذه ضحكات ~~ممطوطة، وأرداف متأرجحة، ونظرات فاجرة عارمة. وفتحت الأبواب ~~وأحرق البخور، وصفت المقاعد، وطقطقت ضحكة ولعلعت أخرى ... ~~صباح الخير! # 38 # قال حسنين بتأثر: شكرا للصيف! # فتساءلت في حياء وهي تدري ما يعني: لماذا تشكر الصيف؟ ~~- لأنه جردك من معطفك السميك، فتبديت في فستان حلو ~~يجلو محاسنك ومفاتنك! # فتورد وجهها، وقطبت تداري لمعة السرور الذي يبعثها ~~الثناء، وقالت: ألم أنهك عن هذا؟! لا تفتأ تتمادى فيما ~~يضايقني! # وأصغى إليها وعلى شفتيه ابتسامة حائرة، وعيناه تلتهمان ~~جسمها البض بارتياح؛ فستان مؤدب محتشم، ولكنه على تحفظه ~~يكشف عن الساعدين، وأسفل الساقين، والعنق الرقيق الشفاف، ~~ويشي بقسمات الجسم اللدن المدملج. ثم علق بصره بالمشربية ~~الدقيقة المكورة فوق الصدر، صورتها الخياطة حقا لثديين ~~ناهدين يكادان لشدة نهوضهما يطيران، لولا ما يمسكهما من صدر ~~أبيض صاف، تخيل أنه يدغدغهما بأنامله فانبعث في جسده ~~قشعريرة الرغبة، وتخيل أنه يشد عليهما وأنهما يقاومان ~~الشد بصلابتهما فازدرد ريقه في ظمأ. ولكنها لا تريد ولا ~~تتسامح، وتصر على عنادها بغير هوادة، وكان يظنها تلين مع ~~الزمن ولم يعد ثمة أمل وقال بحزن: بهية، إنك تتكلمين ~~بقسوة شأن من لم يذق قلبه الحب. # ولاحت في عينيها نظرة اعتراض وقالت: إني أنكر الحب الذي ~~تريد، وإنك تسيء فهمي عمدا. ~~- ولكن الحب واحد لا يتجزأ. # فقالت بإصرار وحدة: كلا، كلا، لا أوافقك على هذا ~~الرأي. # فتنهد في قهر وألقى بنظره إلى الأفق البعيد، كانت ms102 الشمس قد ~~توارت مخلفة وراءها هالة حمراء مترامية، أقصاها حمرة ~~دامية، تخف عند الوسط كأنها تقطر من ورد مصفى، ثم تشحب عند ~~أطرافها الدانية حتى تبتلعها زرقة عميقة صافية، تنمنمها هنا ~~وهناك سحائب رقاق كتنهدات وانية، وارتد بصره إلى وجهها ~~وقال برجاء: إني أحبك، وإني خطيبك، وما أريد إلا أن يحظى حبنا ~~بحقه من الحياة البريئة. # فتجلت في عينيها الحيرة، وبدت حينها وكأنها تتعذب، ثم ~~قالت: لا أستطيع ولا أريد. # فابتسم ابتسامة لا معنى لها وقال: إنك تدفعيني إلى أحضان ~~وحشة غريبة لا أطيقها. إني أتحرق إلى أن أطبع قبلة على ~~شفتيك وأن أضمك إلى قلبي، هذا حقي وحق حبنا. ~~- كلا، كلا إنك تخيفني. ~~- ألا تحبينني؟ ~~- لا تسأل عما تعلم. ~~- إني أعجب! ألا تودين حقا أن تنطبع شفتاي على ~~شفتيك؟ # فنفخت في غيظ قائلة: يسرك بلا شك أن تغيظني! ~~- وأن تستنيمي إلى دقات قلبي، وذراعاي تشدان على ~~خاصرتك؟ # فأعرضت عنه عابسة فقال في ضيق: إذا لم يكن هذا هو الحب فما ~~هو؟ # فغمغمت في توسل: كما كنا طوال العهد الماضي. ~~- لقاء وحديث واحتراق؟! ~~- لقاء وحديث فحسب. ~~- تكذبين على نفسك. ~~- سامحك الله. ~~- أو تحبين بلا قلب! ~~- سامحك الله. # فضرب الأرض مغيظا محنقا، وجعل يذهب ويجيء أمامها في حيرة ~~وعبوس، فبدا في وجهها القلق وقالت: أعتقد أنك تناسيت طلباتك ~~المزعجة وطبت نفسا بحياتنا الوديعة اللطيفة، فما الذي ينزع ~~بك اليوم إلى إلحاحك المخيف القديم؟ كن طفلا مهذبا وأمسك ~~عن الإلحاح والطمع، الحب الحقيقي لا يعرف هذا العبث. # فهز رأسه في قهر ويأس وعجب؛ وما أدراها بالحب الحقيقي؟! ~~أي لغز؟! أتحبه حقا؟ لا يسعه أن يشك في هذا، ولكنه حب ~~لا يفهمه، أو أنه لا يستطيع فهمها هي، يا لها من شابة رزينة ~~هادئة؛ عينان زرقاوان صافيتان، ليس فيهما ذرة من شيطنة أو ~~خفة، ولا حرارة، باردتان. ومن عجب أن يكون هذا الجسم ~~الفتان لصاحبة هاتين العينين الهادئتين الباردتين. إن نار ~~الحب لا تروى بالماء، ولكن بنار مثلها أو أشد منها. وهكذا ~~يمضي ms103 اليوم كما مضى الأمس وكما يمضي الغد، بلا أمل! وكثيرا ما ~~يبدو له أن حديث الحب يزعجها ويقلقها، وأنها لا تسترد ~~طمأنينتها حتى يثوبا إلى الصمت، أو إلى حديث آمالهما البعيدة، ~~وهي لا تمل الحديث عن هذه الآمال، وبه تنسى نفسها والزمان ~~والمكان، فتشع عيناها نورا بهيجا، وتتدفق في أطرافها حيوية ~~جديدة. وفي هذه الساعة يحبها بمجامع قلبه، بيد أنه حب لا يخلو ~~من تكدر، أو من غيظ وحنق في بعض الأحيان، وينقلب متسائلا ~~لماذا لا ينشرح صدرها أيضا بالحب نفسه؟ لماذا تخافه وتجفل من ~~ذكره وإشارته؟ وإلام يبقى هذا الحجاب قائما بينه وبينها؟! ~~وتفرس في وجهها طويلا فيما يشبه الحنق، ثم تساءل: هل أكابد ~~هذا الحرمان إلى الأبد؟ # وابتسمت - على رغمها - وقد زادت الابتسامة من حقده وقالت: ليس ~~إلى الأبد. # وشعر برجفة في قلبه، ورنا إليها لا يحول عنها عينيه، ثم ~~قال باقتضاب: الزواج؟! # فخفضت عينيها حتى لم يعد يرى إلا جفنين منسدلين وخدين ~~موردين، وحينذاك شبت بنفسه رغبة في الانتقام والإيذاء، ولو ~~باللسان، فقال: وإذا تم الزواج بذلت لي ما تتمنعين عنه بنفس ~~راضية، أليس كذلك؟ تهبينني شفتيك وصدرك وجسدك، وتنزعين عنك ثوبك ~~فتبدين عارية كالبلور. # ولكنها كانت قد غادرته كأنها تفر وحثت خطاها نحو باب السطح. ~~وكانت الكلمات تقذف من فيه بحرارة وحنق وتشف. # 39 # أصبحت قهوة علي صبري ملهى صغيرا بما تحفل به من غناء ورقص ~~وخمر، وقد ركبت على هامتها لافتة كبيرة سطر عليها بالخط ~~العريض «علي صبري». وأقيمت في نهايتها من الداخل منصة للتخت، ~~ونضدت الموائد والكراسي على الجانبين، وبحذاء مدخلها. وكان ~~الأستاذ علي صبري قد انتهى من الوصلة الأولى، وآنس الجلوس ~~بكئوسهم وسمرهم، حين جاء زنجي - طويل رشيق مفتول العضلات ~~يتطاير الشرر من عينيه - فوقف على عتبة القهوة وصاح بصوت وقح ~~مرتفع: أين صاحب القهوة؟ # فجاءه الأستاذ علي صبري مداريا دهشته بابتسامة باهتة، ~~وتساءل: أفندم؟ # فقال الزنجي بتحد: سمعت أن لديك أقذر خمر توجد في هذه ~~الناحية، ولما كانت الخمر الجيدة لم تعد ms104 تؤثر في، فقد ~~قصدتك لأسكر. # وأزاحه عن سبيله بحركة غليظة، واتجه صوب مائدة يجلس إليها ~~نفر من الأفندية فألقى عليهم نظرة وحشية، وقال بلهجة آمرة: ~~أخلوا هذه المائدة! # ولم يسع الأفندية إلا أن ينهضوا صامتين وغادروا القهوة، ~~فجلس الزنجي على كرسي وطرح ساقيه على كرسي آخر، وهو ~~يتفرس في الوجوه بتحد وقحة، واقترب صبي القهوة من ~~الأستاذ علي صبري، وهمس في أذنه قائلا: محروس الزنجي، فتوة رهيب ~~يعرفه الحي كله. # فسأله الأستاذ بقلق: ترى هل يمكث طويلا! ~~- إنه يرتاد ما يشاء من القهوات فيأكل ويشرب، دون أن يجرؤ أحد ~~على مطالبته بثمن شيء مما يلتهمه، ولعله جاء ليعرفك بنفسه، ~~أو لعل ... # وتردد الغلام قليلا، فحثه الأستاذ قائلا: ~~تكلم. ~~- لعل أحد أصحاب المقاهي في الدرب اتفق معه على تخريب ~~قهوتنا! # واختلس علي صبري نظرة من الزنجي فرآه كالنائم، آمنا ~~مطمئنا كأنه في بيته، وقد أخلى الزبائن الموائد القريبة ~~منه، فانقبض قلبه خوفا وإشفاقا، ثم تراجع في سكون إلى منصة ~~التخت حيث يجلس حسن مع بقية الأفراد، وأومأ إليه، ثم انتحى به وراء ~~المقصف، وأسر إليه ما قال الغلام ثم سأله: ألا يحسن بنا أن ~~نستدعي المعلمة زينب الخنفاء لتعالج هذه المصيبة ~~بحكمتها؟ # فقال حسن وهو يتفحص عن بعد الزنجي محروس: لا أوافق على أن ~~تستغيث بامرأة. لن تجدي هذه السياسة في هذا الدرب؛ دع الأمر ~~لي. ~~- يقولون إنه فتوة شديد البأس. # فابتسم حسن قائلا: هذا ما يقال عني أيضا، ولكن أهل الدرب لا ~~يعلمون، دع الأمر لي. # وخطر له خاطر فقال لنفسه ساخرا: «ليست أمي وحدها التي تكابد ~~من حياتها المر في سبيل العيش!» ثم قال للأستاذ: ستكون معركة ~~شديدة، لكن هيهات أن يكون لنا عيش هنا بلا معركة ظافرة! ~~- وإذا لم تكن ظافرة! ~~- اعتمد على الله وعلي. # لن يفر من المعركة مهما تكن النتيجة، وهل من سبيل إلى رفع ~~مكانته عند الأستاذ وفي الحي كله إذا تفادى من هذه المعركة؟ ~~ولعل علي صبري على حق في تخوفه؛ فالقهوة قهوته والمال ms105 ماله، ~~ولكن مستقبله هو يتوقف على نتيجة هذه المعركة، وفي سبيل هذا ~~فليذهب علي صبري نفسه إلى الجحيم، ولا ينبغي أن ينسى إلى هذا ~~كله فتيات زينب الخنفاء؛ فما من سبيل إليهن إلا بنصر إن ~~آجلا أو عاجلا، فحظه في الحياة، وربما حظ أسرته المنهارة ~~- خطرت له هذه الخاطرة كالمعنى المتداعي - يتوقفان على خوض ~~المعركة. # وتحرك الزنجي محروس وهو يتمطى ويتجشأ، ثم صاح بوحشية: أين ~~الكونياك القذر الذي حدثونا عنه كثيرا؟! # وغادر حسن موقفه في ثبات وهدوء، واقترب من الزنجي بخطو ~~وئيد حتى وقف أمامه، ثم قال بهدوء: سلام عليكم! # فرفع الزنجي عينيه الملتهبتين صوبه في تكبر، وتفحص جسمه ~~الصلب، وعينيه البراقتين بريبة وشر، ثم عبس في حنق فاستحال ~~وجهه هيئة غير آدمية وصاح به: وعليك وعلى أمك اللعنة، ماذا ~~تريد؟ # وحافظ حسن على هدوئه الظاهري، وقال بنبرات واضحة: سمعتك تهتف ~~طالبا كونياك، فرأيت من واجبي أن أخبرك أن الدفع هنا ~~مقدم. # فسحب محروس ساقيه من الكرسي أمامه، وأغرق في ضحك طويل مفتعل، ~~وهو يضرب على ركبته من شدة الانفعال، ثم أخذ يهدئ من انفعاله ~~حتى ذهب عنه الضحك، ورمى ببصر هازئ إلى الشاب، وتساءل ساخرا: ~~حامي القهوة؟ هه! # فقال حسن بهدوء: وأحب أن أقول لك أيضا إن هذه المعاملة ~~خاصة بالزبائن غير المحترمين. # ومرت ثوان، وفي أثنائها كان الزبائن القريبون يتدافعون إلى ~~خارج القهوة، وامتلأ الطريق فيما يلي مدخل القهوة بالمارة ~~والنسوة من كل لون وسن، على حين نشط عمال المقصف إلى إخفاء ~~القوارير وما يخافون عليه التلف من الأكواب والآلات الموسيقية ~~وغيرها، وجمد محروس وعلى شفتيه الغليظتين بسمة هازئة، ثم دفع ~~قدمه بغتة بقوة فأصابت ساق حسن اليسرى فمال مترنحا إلى ~~الوراء، كان يراقبه بيقظة وحذر، بيد أنه ركز انتباهه في يديه ~~متوقعا أن يقذفه بشيء أو يشهر عليه خنجرا، فلم يتنبه إلى ~~قذيفة قدمه حتى كانت منقضة عليه، فانكمش متماسكا، وتفادى ~~بهذا من السقوط، ولكنه مال إلى الوراء مترنحا وهو يعض على ~~نواجذه ليتغلب على الألم الذي ms106 بعث جنون الغضب في دمه، ولم ~~يدعه الزنجي ثانية واحدة فوثب عليه كمن يثب إلى الماء، ~~وخاف حسن أن يؤخذ فريسة سهلة فأمسك عن مقاومة الميل إلى الوراء ~~وقفز إلى الخلف بسرعة عجيبة فاصطدم بجدار القهوة زائغا من ~~خصمه الجبار ، ولم يسمح له الزنجي بثانية يتمالك فيها توازنه ~~فانقض عليه موجها ضربة إلى بطنه فحال الآخر دونها بيديه، ~~ولكنها كانت ضربة خادعة قصد بها محروس أن يكشف خصمه عن عنقه، ~~وبسرعة البرق قبض بيدين حديديتين على رقبته، وضغط بوحشية ~~ليكتم أنفاسه. وبدا للجميع أن المعركة في حكم المنتهية، ودارت ~~الأرض بعلي صبري، وابيضت وجوه رجال التخت والعمال، وتبادلوا ~~نظرات زائغة لا تخلو من دعوة إلى العمل. ولكن أحدا منهم لم ~~يحرك ساكنا، أما الفتيات فشرعن في الصوات استقبالا للجثة ~~التي ستقع. وتأكد حسن بعد تمكن خصمه من عنقه - وفي بدء ~~غيبوبته - بأنه لا قبل له بفك الحصار القاتل، وأنه مائت لا ~~محالة إذا توانى، فعض على نواجذه وشد على عضلات رقبته ~~ليركز فيها قوته، ثم ثنى ساقه اليمنى وطعن أسفل بطن خصمه ~~بركبته بكل ما تبقى فيه من قوة، وشعر في اللحظة التالية بتراخي ~~قبضة الزنجي حول رقبته، فاستطاع أن يتنفس وهو يرتجف حقدا ~~وحنقا، ثم ثناها بطعنة أخرى، حدث هذا كله في نصف الدقيقة ~~الأولى لمحاولة كتم أنفاسه، وانفك الحصار، وتراجع محروس بوجه ~~تنعقد في عبوسته الضغينة، وعينين تغشى نظراتهما الحمراء ~~سحابة ذهول قاتمة، ولم يضع حسن وقتا مطمئنا إلى سيطرته على ~~الموقف، فانقض على خصمه الذي بذل مجهودا جبارا للتغلب على ~~ألمه ونطحه بجبهته بقوة خارقة في رأسه مرة أخرى، فكان ~~لاصطدامهما طقطقة تقشعر لها الأبدان، دون أن يثنيه عن هدفه ما ~~كال له الآخر من لكمات مزلزلة، وتفجر الدم من رأس محروس، ~~وسال على وجهه كأنه لهب ينبعث من قطران، وبدا وكأنه يترنح من ~~دوار، وتغلب حسن على آلام ساقه وعنقه وصدره، ووجه لعنق ~~خصمه المكشوف ضربة من حافة كفه - كالسكين - فشهق الزنجي ~~وسقط على الأرض غائبا ms107 عن الوجود! وقف حسن عند رأس خصمه وصدره ~~يعلو وينخفض، تهزه نشوة الظفر، وتهرس عظامه آلام قاسية أخذ ~~صراخها الباطني يتعالى بعد زوال الخطر. ولعله لو غابت الأعين ~~لارتضى أن يرتمي إلى جانب خصمه، ولكن أقام ظهره الأبصار ~~المتطلعة إليه ، فتجلد وتماسك، وانثال على أذنيه صراخ وغوغاء ~~وضجيج، وشعر بحركة غريبة تسري في القهوة كلها، ثم أحس بيد ~~توضع على كتفه ورأى الأستاذ علي صبري يبتسم إليه بوجه تعلوه ~~صفرة الموت، وسمعه يهمس في أذنه: تعال معي أقدم لك كأسا من ~~الكونياك. # فسار معه دون أن ينبس، وجلس على كرسيه على منصة التخت، وجاء ~~الرجل بكأس مترعة فتجرعها، وطلب أخرى فأحضرها له، ثم قال ~~بإشفاق: لشد ما تعبت! # فغمغم حسن بثقة: كانت معركة لا بد منها. # وجاء النادل يقول ضاحكا: أطلق الناس عليك لقب «الروسي» لأنك ~~صرعته برأسك! # وشعر حسن برغبة في تحاشي الأنظار، فقال لعلي صبري: دعنا نمح ~~أثر المعركة، فابدأ الوصلة الثانية. # 40 # استعاد حسن توازنه بفضل قوته وحيويته واعتياده العراك ~~يوما بعد يوم، وكان الليل قد جاوز منتصفه بساعة أو أكثر، ~~وأخذت قهوة «علي صبري» تلفظ آخر المترنحين من روادها. ~~وأطفئت الأنوار الخارجية في الدرب فساده شبه ظلام، ومضت ~~البيوت تغلق أبوابها مفتتحة سهراتها الداخلية التي لا تنتهي ~~عادة قبل الفجر، على حين مر شرطيان يهزان الأرض بوقع ~~أقدامهما الثقيلة، وكان حسن يجلس على كثب من علي صبري في نهاية ~~القهوة يعلقان على إيراد الليلة حين قصدهما غلام يعمل نادلا ~~ببيت زينب الخنفاء، فحياهما ثم مال على أذن حسن وهمس باسما: ~~بعضهم يريدك. # وسمع علي صبري ما همس به الغلام فلاح الاهتمام في وجهه ~~وتمتم: امرأة؟! # فقال حسن بعدم اكتراث: أظن هذا. ~~- ألا تفضل مثلي الحب الطياري؟ # فابتسم حسن ابتسامة ذات معنى وقال: لكنه حب لا نفع فيه، ~~انتظر وسنرى. # وودع الأستاذ وقام، ثم تبع الغلام إلى البيت الذي يواجه ~~القهوة، وطرق الغلام الباب ففتح عن شق في حذر، فمرق منه ~~الغلام وتبعه حسن، ثم أغلق الباب، ms108 ووجد حسن نفسه في مدخل البيت ~~وقد انتثرت على الكنبات بأركانه فتيات، انتحت كل برجل ~~تشاربه وتداعبه، وعلى كرسي في الصدر جلس رجل ضرير ينفخ في ~~الناي، على حين اتخذت المعلمة زينب الخنفاء مجلسها على أريكة ~~عالية ملتفعة بملاءتها السوداء، وعلى وجهها برقع ذو عروس ~~ذهبية كبيرة تخفي به أنفها المتآكل، وألقى حسن على الحاضرين ~~نظرة متفحصة فلم ير فتاة خالية، ولكن الغلام مال إلى ~~الستار المسدل على مدخل السلم وأزاحه ودخل، فتبعه، وارتقيا ~~الأدراج معا في سكون حتى تساءل حسن: من هي؟ ~~- الست سناء. # وذكرها لتوه، امرأة عرفت بسمرتها العميقة، وشعرها الجعد، ~~وجسمها المكتنز، واشتهرت بشفتين غليظتين، وعينين دعجاوين، ~~وكانت تجلس سحابة النهار على كرسي عند مدخل البيت، واضعة ساقها ~~على ركبتها كاشفة عن فخذها حتى السروال الحريري الأبيض، وانتهيا ~~إلى الدور الثاني، وسارا في دهليز طويل يفضي إلى صالة صغيرة ~~تحدق بها أبواب ثلاثة، ومضى الغلام إلى الباب الأوسط وطرقه ~~ثلاثا، فجاء صوت له رنين النحاس يهتف: ادخل. # ودفع الغلام الباب قليلا وتنحى جانبا، فتقدم حسن إلى ~~الداخل، وقبل أن يرد الباب وراءه شعر بيد الغلام تربت ظهره، ~~فالتفت صوبه، فضحك الغلام وقال وهو يبتعد: اقرأ لنا ~~الفاتحة. # وأغلق الباب فوجد نفسه في ظلام دامس. وحدثته نفسه أن ~~يتحسس وضع الزر الكهربائي ليضيء الحجرة، ولكن سرعان ما عدل ~~عن خاطره، ووقف مستندا إلى الباب منتظرا أن تألف عيناه الظلام، ~~وساد صمت شامل حينا، ثم مضت أذناه تلقطان حس أنفاس تتردد، ~~فأصغى إليها مبتسما، وتوقع قولا أو فعلا ولكن لم يحدث شيء، ~~واتجه على مهل إلى يساره متسمتا الأنفاس المترددة، حتى ~~مست ركبته شيئا صلبا، جسه بيده، فأدرك أنه حافة فراش ~~خشبي، ووقف ينظر إلى أسفل بعينين براقتين حتى شفت الظلمة ~~الشاملة عن كتلة مظلمة ممتدة لا تبين لها معالم، وهوى ~~بإبهامه رويدا رويدا حتى انغرست أنملته في لحم طري ثم ~~انبعثت تحت أصبعه رجفة، وندت عن الظلمة ضحكة مكتومة ... ~~••• # ثم أضاء النور وأخذ يرتدي ثيابه، وأخرج من جيبه ms109 نصف ريال ~~ووضعه على الفراش والمرأة تراقبه بعينين ضاحكتين، ثم وثبت إلى ~~أرض الحجرة وسارت بجسمها العاري إلى صوان ففتحته، وعادت بورقة ~~من ذات الخمسين قرشا، وحطتها فوق نصف الريال دون أن تنبس ~~بكلمة، فتساءل ضاحكا: أهو الباقي؟ # فقالت بهدوء: أجرك ! # وأتم ارتداء ثيابه في هدوء متظاهرا بعدم الاكتراث، ضابطا ~~عواطفه؛ حتي لا ينم وجهه عن فرحه، ثم تناول النقود ودسها ~~في جيبه، وسألته وهي ترمقه بنظرة عميقة: ترافق؟ # فقال مستعينا بالكذب: لي رفيقة! # فتساءلت في اهتمام بدا في لمعة عينيها: في هذا ~~الدرب؟ ~~- في الآخر. ~~-إفرنجية؟ ~~-بنت عرب! # وساد السكون دقيقة، ثم سألته: ألا تزال لك فيها رغبة؟ # فلم يشأ أن يجيب بلا أو نعم، قانعا بابتسامة ذات معنى؛ ~~فسألته ضاحكة: أين تقطن؟ ~~- شبرا. ~~- ما أبعدها عن مكان عملك! هل ثمة ما يضطرك إلى المبيت ~~هناك؟ ~~- كلا ... ~~- مسكني قريب في عطفة جندب بكلوت بك، تعرفها؟ ~~- سوف أعرفها من الآن فصاعدا. # 41 # كانت الشمس تميل إلى الغروب؛ حين غادرت نفيسة بيت إحدى زبائنها ~~بشارع الوليد، وكان يلوح في وجهها الضيق، وهي حال لا تفارقها ~~إذا خلت إلى نفسها، ولكن زادها تعاسة أنها لا تجني من عملها إلا ~~مبالغ زهيدة تبتلعها حاجة أسرتها الشديدة، فلا تكاد تبقي لها ~~على شيء، وكانت إلى هذا تبدو في مظهر جديد ينم عن تغير ذي ~~بال، فتزينت في فستان برتقالي مزخرف بأزهار البنفسج أعلن ~~عن جسمها الطويل النحيل، وأخذت زينتها في غير تحفظ. وسارت ~~وشارع الوليد حتى انتهت إلى شارع شبرا، وانعطفت مع الطوار وهي ~~ترمي ببصرها إلى الجراج عن بعد، فدبت في قلبها يقظة وحيوية، ~~وأعادها منظر الجراج - وصاحبه محمد الفل - إلى ذكريات صراع ~~عنيف نشب في نفسها في غير ما رحمة ولا هوادة طوال الأسابيع ~~الماضية، وجعلت تقدم رجلا وتؤخر أخرى، حتى توقفت عن ~~السير تماما، وعقل الخوف قدميها، ومع أنها كانت قد انتهت من ~~ترددها المعذب إلى نهاية، إلا أن الخوف ركبها وهي تخطو ~~الخطوات الأخيرة؛ «ألا يحسن بي أن أستزيد من ms110 التفكير؟ كلا، كلا، ~~لن أجني من التفكير إلا وجع الدماغ. سيعترض سبيلي كما يفعل كل ~~مساء، لا أستطيع أن أنكر أنني ابتسمت لدعاباته، فماذا بعد هذا، ~~فات أوان التراجع. وهو لا يخفي دواعيه ولا مقاصده، ولست ~~أجهلها، إني أدرك كل شيء، أدرك لماذا يدعوني إلى سيارته، لا ~~يحاول خداعي كما فعل غيره؛ فالأمر واضح، فهل أقدم على هذا؟ ~~لماذا يتعلق بي؟ لست جميلة، وهيهات أن يغير هذا الزواق من ~~الحقيقة شيئا! ولكن الدمامة نفسها سلعة لا بأس بها في سوق ~~الخلاعة، وعشاق اللذة - أو بعضهم - لا يرعوون عن مطلب! هذه ~~هي الحقيقة، الزواج أمره مختلف، أما اللذة فلا اختلاف عليها. ~~هل أدع نفسي تهوي! ولماذا أمنعها؟ لن أخسر جديدا، ليس ثمة ~~ما أخاف عليه، ولكن ألا يحسن أن أمد لنفسي حبل التفكير؟» ~~وعاودتها ذكريات اليأس الذي أمرت غصصه ريقها، وكيف لم ~~يعد ثمة أمل على الإطلاق، على أن الأمر لم يكن مجرد يأس ~~فحسب؛ فهناك هذه الرغبة المشبوبة التي تشتعل في دمها، ولا ~~حيلة لها فيها، وكلما استنامت إلى قبضة اليأس شكتها في ~~الأعماق كشوكة مستعرة، هذه الرغبة وحدها تأبى عليها أن تعتزل ~~الحياة وتتواري، حتى كرهتها فيما تكره من حياتها. بيد أنها ~~لم تعترف بها أمام شعورها، وأنكرتها، وقالت لنفسها إنها ترضى ~~«الهوان» في سبيل النقود التي تمس حاجة أسرتها إليها. ولم تكن ~~في هذا كاذبة؛ فإنه حق لا شك فيه، ولكنها صارحت نفسها ~~بحقيقة وتجاهلت الأخرى، وسرها - إن كان ثمة سرور - أن ~~تبدو لعينيها شهيدة، وضحية لليأس والفقر، وبرز الفتى عند ذاك ~~من الجراج، ووقف يحدث بعض العمال فخفق قلبها، ولم تتحول عنه ~~عيناها، وأدركت بغريزتها أنها لن تتراجع، فسلمت - على البعد ~~- وهو موليها ظهره، سلمت تسليما نهائيا، وانتهى في تلك ~~اللحظة الصراع العنيف المحزن الذي نشب في قلبها منذ أسابيع، ~~وزفرت في يأس وحرارة وغادرت موقفها، واقتربت منه في خطوات ~~وئيدة متجاهلة إياه، حتى أحست به يعترض سبيلها قليلا ~~بجرأته المألوفة: الصخر نفسه يلين يا ست، هاك ms111 السيارة عند منعطف ~~الطريق تنتظرك منذ أجيال. # ثم سار إلى جانبها متشجعا بابتسامتها وهو يقول: كفاك ~~تدللا، لو كان لي صبر أيوب لنفد. # ما ألذ الغزل ولو كذب، حال مخزية ولكنها ترد إليها ~~اعتبارها وكرامتها كأنثى مهيضة الجناح؛ «ليته يدري من أنا ، ~~ومن كان أبي!» ثم سمعته يقول بلهجة تنم عن وعيد: هاك ~~السيارة فإذا لم تصعدي إليها رفعتك بذراعي أمام الرائح ~~والغادي. # وكانا بلغا موقف السيارة في العطفة الثانية، فقبض على يدها وفتح ~~بالأخرى باب السيارة، وازدردت ريقها واندفعت إلى الداخل في ~~حركة عصبية، وجلست، فأغلق الباب وراءها، ودار حول السيارة ودخل ~~من الباب الآخر وهي لا تكاد تدري به، ومالت إلى الوراء لتباعد ~~بين وجهها وبين النافذة المشرفة على الطريق، ثم غشيتها ~~غرابة؛ بدا لها كل شيء غريبا خياليا لا يمت للواقع بسبب؛ ~~الطريق الذي تتساقط عليه ظلمات المساء وأشباح المارة، والسيارة ~~الهرمة المتهلهلة، ونفسها، وأصوات الناس، ودوي عجلات الترام، ~~واستعدت إرادتها بقوة لتعود إلى وعيها، واسترقت نحوه نظرة ~~وهو جالس أمام عجلة القيادة بقوام فارع، ووجه معروق صلب، ~~ووجنتين بارزتين وأنف ضخم صخري، وفم عريض كفم البولدج، ~~فأعادها منظره إلى عالم الحقيقة، والوعي والأعصاب، والدم والخوف. ~~واستخرج الرجل قارورة تحت مقعده وفض سدادتها ثم نظر فيما ~~حوله في شيء من الحذر، ورفع فوهتها إلى فيه، وأفرغ في جوفه ~~جرعات غزيرة، والتفت إليها بوجه متقلص العضلات وسألها: ألا ~~تشربين قليلا من النبيذ؟ # فقالت بعجلة واضطراب: كلا، لا أتعاطى الخمر. # فرفع حاجبيه دهشة وهو يمصمص، وأعاد القارورة إلى موضعها، ~~وبدأت السيارة تتحرك وهو يقول: من الحكمة أن أشرب الآن حتى إذا ~~بلغنا مقصدنا بلغته في سلطنة. # وانطلقت السيارة مقرقرة تشق سبيلها بسرعة مستهترة، وعجبت ~~نفيسة من جرأته، وبدا لها قويا جسورا، وفي الوقت نفسه غير ~~أهل للثقة أو الشرف، ولكن ما حاجتها إلى الرجل الشريف؟ لم ~~تعد أهلا له، ولم يعد ضالتها، ولا تخاف شيئا في الوجود ~~بقدر ما تخافه على نفسها. وسمعته يقول ضاحكا في زهو: ما ~~أطول ms112 نفسك في التدلل! ولكن طالما قلت لنفسي: مصير الحلو أن ~~يقع! وها هو قد وقع. # ورحبت بالكلام لتهرب من أفكارها واضطرابها، فارتسمت على ~~شفتيها ابتسامة وتساءلت: ومن أدراك أني وقعت؟! # فضحك ضحكة وقال: سنرى ما يكون في صحراء ألماظة. # وتساءلت في قلق : صحراء ألماظة؟! هل نغيب طويلا؟ ~~- حتى منتصف الليل! # فتملكها فزع شديد تراءى لها خلاله وجه أمها وشقيقيها، ~~وقالت بلهجة المستصرخ: يا خبر أسود، يجب أن أعود إلى البيت قبل ~~العشاء! أوقف السيارة بربك. # فقال بدهشة وفتور: حقا؟! لا تخافي، سنعود قبل العشاء، ولكن ~~ماذا تخافين؟ ~~- أهلي. # فلحظها بارتياب ساخر وسألها بلهجة ذات معنى: أهلك! ألا ~~يعلمون؟! # ووخزها قوله حتى خرم قلبها كالطعنة الحادة؛ أهلها يعلمون؟ ~~ماذا يظن بها؟! واندفعت تقول: كيف يعلم أهلي! إخوتي طلبة ~~بالجامعة، وكان أبي موظفا. # وهز رأسه متظاهرا بالتصديق، وقال لنفسه ساخرا: «لا أم غسالة ~~إلا أمي، ولا إخوة صعاليك إلا إخوتي، الأمر لله!» وضاعف من سرعة ~~السيارة؛ ليبلغ هدفه في أقصر وقت، ومضى، يستشعر حميا النبيذ ~~وطاب نفسا وسألها: ما اسمك؟ ~~- نفيسة. # ولم يعجبه الاسم فسألها: لماذا لم تنتقي اسما أرشق ~~منه؟ # ولم تفهم قصده، وأساءت فهمه فقالت باستياء: إنه ~~يعجبني! ~~- عاشت الأسماء يا ست نفيسة، لا مؤاخذة. # وأخيرا مالت السيارة إلى الطريق الصحراوي تغوص في ظلمة ~~شاملة، ولاحت المدينة عن بعد في أنوارها الموصوصة كأنها مارد ~~جبار ذو أعين نارية لا حصر لها، وأخذ يهدئ من سرعة ~~السيارة حتى أوقفها، وأطفأ مصابيحها، وبغتة مد ذراعه حول ~~خصرها وجذبها نحوه بعنف لم تتوقعه، فاندلقت عليه متأوهة، ~~ففغر فاه العريض وأطبق على فمها حتى منتصف ذقنها، وضمها إلى ~~صدره بوحشية وأنفاسه تتردد في أنفه في نخير محشرج، فشعرت ~~بادئ الأمر بألم وقلق، ثم مضت آلامها تغيب في ظلمة باطنية ~~غريبة، كما غاب شبحاهما في الظلمة المحيطة الشاملة، وآمنت بأنها ~~مدينة للظلام بالشيء الكثير؛ فقد شجعها، وفي الوقت نفسه أخفى ~~عيوبها، وبذلت قصارى جهدها - مدفوعة بحافز فطري - لإرضائه، ~~ولعلها وجدت بادئ الأمر حياء إلى ما ms113 تجد من قلق وخوف، ولكن ~~سرعان ما شملتها حرارة جنونية تذيب الخوف والقلق ~~والحياء. # ثم قال لها بإغراء: ألا يحسن بنا أن ننتظر تمرة ~~أخرى؟ # فقالت بضراعة وهي تجفف العرق المتصبب من جبينها: لا أستطيع، ~~أرجو أن نعود في الحال. # وتناول القارورة وأروى ظمأه بجرعات متتابعة، ثم انطلق ~~بالسيارة بوجه جامد، وظل صامتا حتى بلغا ميدان المحطة، وقال ~~بغلظة: توجد ثمرة دانية، ألا نعود؟ # فقالت برجاء وجزع: كلا، كلا .. لا أستطيع. # وقطب ساخطا فجأة، وقال بفظاظة لم تتوقعها: الله يقرفك، ~~هذه رحلة لا تستأهل البترول الذي احترق. # ووقع قوله من نفسها موقع السوط، فانعقد لسانها، وأفعم ~~فؤادها خيبة ومرارة وخجلا، ونظرت نحوه في ذهول، ولكنه لم ~~يلتفت إليها، ودفع السيارة صامتا ساخطا إلى شبرا؛ عسى أن تكون ~~رغبته في المزيد عذرا، ولكن أما كان يجمل به أن يترفق بها، ~~أو في الأقل أن يمسح خشونته بكلمة رقيقة؟ وواصل انطلاقه صامتا، ~~ثم عرج إلى شارع جانبي لينزلها في أمن من الأعين، وأوقف ~~السيارة إلى جانب الطوار. وتساءلت وهي تغادر موضعها عما تفعل ~~إذا سمى لها موعدا آخر، أتقبل رغم إهانته، أم ترفض على رغمها؟ ~~وجابهتها حيرة لم تستعد لها، بيد أنه مد لها يده بنصف ~~ريال وهو يقول: هذا يكفي لمرة واحدة. # ولما رأى جمودها ترك القطعة الفضية عند قدميها، وانطلق ~~بالسيارة مخلفا وراءه ذيلا من دخان خانق، وقرقرة مزمجرة. ~~وركبها جنون غضب أعمى، فتسمرت في موقفها وجسمها ينتفض. ~~واتصل انتفاضها وهي تعض على نواجذها، ثم مضت تزفر في عجلة ~~كأنما تنفس عن صدرها أن ينفجر، لم يتكلف موعدا آخر، مرة ~~عابرة! كأنني ... رباه! مرة عابرة، ثم يرمي لي بنصف ريال! وخطر لها ~~خاطر فباخ غضبها وخمد، وحل محله خجل وخيبة، أجل، ألا يجوز ~~أنها لم ترق له ولم تعجبه؟! هذا محتمل، هذا مرجح، هذا ~~مؤكد. وأمضها شعور أليم بالحزن والقهر، ثم تنبهت لموقفها ~~من الطوار فهمت بمغادرته، ولكنها ذكرت القطعة الملقاة عند ~~قدميها فنظرت إليها بغرابة دون أن تدري ما ms114 هي فاعلة، ثم ~~ذكرت لتوها القطعة ذات الخمسة قروش التي اقترضها سلمان منها ~~يوما على محطة الترام، ثم يوم قادها إلى مسكنه، والظلام الدامس ~~وشجارها معه في الطريق، وتغزل أبيها بخفة دمها، ثم عاد ~~انتباهها إلى القطعة الفضية تحت عينيها، فرنت إليها طويلا دون ~~أن تتحول عنها، أي شيء ثمة يدعوها إلى تركها؟! # 42 # وفي ذات ليلة زار حسن الأسرة زيارة غير متوقعة بعد انقطاع ~~غير قصير، وكانت الأسرة مجتمعة بحجرة الإخوة التي تتخذ منها ~~مجلسا مختارا في شهور الصيف. جاء هذه المرة وبيده قفة ~~فوضعها وراء الباب، وأقبل عليهم مسلما ضاحكا فاستقبلوه ~~بترحاب كالعادة، أعلنه الإخوة في غير تحفظ، أما الأم ~~فرمقت القفة بنظرة متسائلة وغمغمت ساخرة «إيش جاب الغراب ~~لأمه؟» فقال ضاحكا وهو يتخذ مجلسه بينهم: لا تتعجلي، الصبر ~~طيب. # بيد أنهم لم يلقوا بالا لقفته، ولم يكن من عادتهم أن ينتظروا ~~خيرا منه، قالت له نفيسة: لا نراك إلا كالزائر! ~~- أخوك سائح في أرض الله الواسعة، يلتقط رزقه في جهد ~~ومشقة، ولكن لا تعجبي إذا لم تريني إلا زائرا؛ فقد وجدت لنفسي ~~مسكنا ! # وتطلعت إليه الأبصار في اهتمام وسألته أمه: هل هداك الله ~~أخيرا ووجدت عملا؟ ~~- تخت علي صبري ولا شيء غيره، ولكن الله فتح عليه ~~وعلينا. # فقالت الأم بامتعاض: لا يدخل عقلي بحال أن هذا عمل ~~بالمعنى الصحيح. # فقال حسن مستنكرا: لم لا يا أماه؟! إني في التخت أغني، ~~بينما في المهن الأخرى أتشاجر كما تعلمين. # وسأله حسين: وهل وجدت لنفسك مسكنا حقا؟ .. أين؟ # فسكت مليا ثم سأله: ولماذا تريد أن تعرف؟ ~~- كي نزورك بدورنا! ~~- كلا، ليس مسكني معدا للزيارة، وليس هو خاصا بي إذ ~~يقطنه أفراد التخت جميعا، دعونا من هذا وخبروني متى أكلتم اللحم ~~آخر مرة؟ # فقال حسين ساخرا: الحق أنا نسينا، دعني أتذكر قليلا .. ~~تتخايل لعيني شريحة لحم في ظلام الذكريات، ولكن لا أدري أين ولا ~~متى. # وضحك حسين قائلا: نحن أسرة فلسفية على مذهب المعري. # فتساءل حسن: ومن يكون المعري هذا؟ .. أحد ms115 أجدادنا؟ ~~- كان فيلسوفا رحيما، ومن آي رحمته أنه امتنع عن أكل اللحوم ~~رحمة بالحيوان! ~~- إني أدرك الآن لماذا تفتح الحكومة المدراس، إنها تفعل ذلك كي ~~تبغض لكم اللحوم فتأكلها دون منافس. # ونهض حسن وذهب إلى حيث ترك القفة، وعاد بها، ووضعها أمام أمه ، ~~ثم نزع عنها غطاء من الورق فبدت تحته فخذ خروف مكتنز تتصل ~~على سطحها حمرة اللحم ببياض الدهن، وإلى جانبها علبة من الصفيح ~~متوسطة الحجم، وصاح حسنين: لا أصدق عيني، وما هذا داخل ~~العلبة؟ ~~- سمن! # ودبت في الإخوة حيوية ولمعت أعينهم، وسرت عدوى الفرح ~~إلى قلب الأم فابتسمت وتمتمت: ضمنا للغد غداء فاخرا! # وهتف أكثر من صوت: بل عشاء فاخرا، الساعة. ~~- متى ينتهي طهيه؟ ~~- ننتظر حتي الفجر. # ونهضت نفيسة فحملت القفة، وسبقت أمها إلى المطبخ. # وكفت الأم عن المعارضة وقامت أيضا، فغادرت الحجرة وهي ~~تومئ إلى حسن أن يتبعها فتبعها على الأثر مبتسما ابتسامة ~~ذات معنى، فانتبذت به ركنا في الصالة وسألته بلهفة: هل ~~تيسرت سبل الرزق حقا؟ ~~- بعض الشيء! لا أدري ما يأتي به الغد. ~~- هل أطمئن إلى أنك ستمد لنا يد المعونة؟ ~~- كلما واتاني الرزق، أرجو هذا. # وصمتت لحظة ثم سألته: أين تقطن؟ # وكان يعلم أنها تفهمه فهما لا يجدي معه الكذب، فقال: عطفة ~~جندب بكلوت بك رقم 17. # فسألته بعد تردد: امرأة؟ # فضحك ضحكة قصيرة وقال: نعم. ~~- زواج؟ # فضحك مرة أخرى وتمتم: كلا. # ولم ير في الظلام ما ارتسم على وجهها من أمارات الامتعاض، ~~ولكنها كانت قد يئست منه من زمن بعيد، فأعفت نفسها من لومه ~~أو نصحه، بيد أنها سألته باهتمام وحرارة: أليس رزقا ~~شريفا؟ # فقال بلهجة مطمئنة وتوكيد: بلى، لا تشكي في هذا، إننا ~~نحيي أفراحا كثيرة، ونغني في المقاهي والصالات. # 43 # وانقضى عام آخر، وواصلت الحياة سيرها لا تلوي على شيء، ومضى ~~كل فرد من أفراد الأسرة في سبيله بما يلقى من خير وشر! ولو ~~أتيح للأب أن يعود إلى الحياة لأزعجته الدهشة لما طرأ من ~~تغير على أسرته؛ شمل الأرواح والأجساد ms116 والصحة ونظرات ~~الأعين، ولكن كان حتما سيعرفهم، سيعرف أن المرأة هي زوجه وأن ~~الأبناء أبناؤه، أما الذي كان ينكره ولا يعرفه مهما أجهد ~~ذاكرته فهو البيت؛ اختفى الأثاث أو كاد، فلم يبق بحجرة ~~الاستقبال إلا كنبة وبساط باهت ناحل، كان مفروشا بحجرة نوم ~~الأم ، ثم وضعوه بحجرة الاستقبال بعد بيع سجادتها، واقتصرت غرفة ~~الأم على كنبتين تستعملان نهارا للجلوس وليلا للنوم، وخلت ~~الصالة - حجرة السفرة قديما - فبيع البوفيه والمائدة والكراسي، ~~وانتهى بهم الحال إلى تناول طعامهم على صينية مقتعدين الأرض، بل ~~بيع فراش حسن، ولولا الضرورة القصوى لبيع الفراشان الباقيان! ~~كانت حياة شاقة عسيرة، ولولا حزم الأم وحسن تدبيرها، لما ~~نهض المعاش، وكسب نفيسة القليل بضرورة المسكن والمأكل. أما حسن ~~فلم تتعد معونته لأسرته زيارات متباعدة كانت للأسرة بمثابة ~~المواسم، يطيب لها فيها الطعام والأمل، وربما ابتاع لأمه من ~~آن لآخر جلبابا أو منديلا أو بعض الثياب الداخلية، وفيما عدا ~~هذه الأويقات فلم يكن يراه أو يسمع به أحد. وكان يعتذر لأمه ~~بمشاق الكفاح وقلة الرزق، ولم يكن في اعتذاره غلو ~~دائما، والحق أنه وجد الحياة أشق مما كان يتصور، كان يغني ~~في تخت علي صبري، وينبري للعراك إذا دعا الداعي، ويتجر ~~بالمخدرات في حدود ضيقة، وفي حوزته امرأة لا بأس بجمالها ~~ونقودها، ولكن ظل كسبه دون ما كان يحلم به بكثير، فضلا ~~عما أوجبته حياته عليه من الإنفاق السخي ليظفر بقلوب ~~أعوانه، وليظهر بالمظهر اللائق به، وكان النزاع بين ضروريات حياته ~~وأنانيته من ناحية، وحبه لأسرته من ناحية أخرى لا يهدأ بنفسه؛ ~~يتغلب ذاك حينا، ويتغلب هذا في أغلب الأحيان، يمسك يده ~~مستسلما لتيار حياته الجارف، ثم يجود بما في طوقه، ويتمنى ~~كثيرا لو يرد أسرته إلى سابق عهدها بالحياة، ثم ينسى أسرته في ~~خضم مغامراته، ثم يعود إلى تذكرها في ندم وألم، وهكذا إلى ~~غير نهاية. ومهما يكن من أمره فلم تجد فيه الأسرة الرجل الذي ~~يقيل عثرتها أو يأخذ بيدها، وإن تنسمت في زياراته نسائم ~~الترفيه والراحة. ms117 الأم وحدها كانت عصب حياة الأسرة، وفي سبيل ~~الأسرة انهد حيلها وهرمت في عامين، كما لم تهرم خلال نصف قرن ~~من الزمان، فنحلت وهزلت حتى استحالت جلدا وعظاما، بيد ~~أنها لم تسلم للمحنة، ولم تعرف الشكوى، ولم تتخل عن سجاياها ~~الجوهرية من الصبر والحزم والقوة. وكانت تعمل النهار كله، تطبخ ~~وتغسل، وتكنس وتمسح، وترتق وترفو، وترعى ابنيها خاصة؛ تراقب ~~لهوهما، وتحثهما على العمل، وتفض نزاعهما التافه، وتكبح ~~من نزواتهما، خصوصا طفلها المتقلب حسنين. وبين هذا وذاك تعكف ~~على التفكير في الحاضر والمستقبل، وتجتر كثيرا من الآلام التي ~~تبعثها في نفسها ابنتها نفيسة في تجوالها الدائم بين بيت وبيت، ~~تعمل كثيرا وتربح قليلا، وتواصل سعيها في مشقة ويأس، لشد ~~ما تتجرع غصص الألم في سكون متجملة بصبر لا يهن، لائذة ~~بإيمان لا يتزعزع، متشبثة بأهداب أمل لا بد أن يتحقق وإن طال ~~انتظاره. وبفضلها عرف الشقيقان سبيلهما، فلم يحد أيهما عن ~~جادته، وأمكنهما - على ما يكتنفهما من تقشف وحرمان - أن ~~يواصلا اجتهادهما في مثابرة تدعو للإعجاب. وكان حسنين يعد ما ~~يلقاه من ظروف العيش أهون مما يجد في حبه من حرمان، ولكن ~~فتاته لم تكن دون أمه عنادا، فأرغمته على الرضا بحب ظاهر ~~متقشف لا يستسيغه طبعه الحامي، وأوشكت الحياة الخاصة أن ~~تلهي الشقيقين عما انتاب حياة الوطن في تلك الفترة من ~~التطورات الهامة. والحق أن حسين لم يبد اهتماما يستحق الذكر ~~بالسياسة العامة، ولعل حسنين كان أكثر اهتماما بالسياسة من ~~أخيه، ولكن ليس إلى القدر الذي يجعل منه تلميذا سياسيا، واقتصر ~~اهتمامه في الغالب على النقاش الحزبي أو الاشتراك في ~~المظاهرات السلمية، وكانت الأم أيضا الحائل بين ابنيها وبين ~~الاشتراك في الحياة السياسية، فلم تكن لتفقه حرفا في السياسة، ~~واستغرقت الأسرة مشاعرها فلم تترك نصيبا للوطنية، ولما ذاعت ~~الأخبار المحزنة عن ضحايا المظاهرات من الطلبة أصابها الفزع، ~~وراحت تقول مخاطبة الشابين: قتلوا يا ولداه! فهل تغني عنهم ~~السياسية أو المظاهرات؟! فجعوا أهليهم وخربوا بيوتهم وضاعوا ~~هباء. # وقال لها حسنين منفسا ms118 عن شعور مكبوت لتخلفه عن ~~الثائرين: إن الأوطان تحيا بموت الأبطال. # فرمته بنظرة صارمة فخفض عينيه، وقد عدل عن مواصلة حديثه ~~الحماسي. ثم جدت أحداث فتكونت الجبهة الوطنية، وشرع في ~~المفاوضات، وانتهت المفاوضات إلى الاتفاق، وسرى في البلد ارتياح ~~عام، وحينذاك عاد حسنين إلى حديثه، وكان أجرأ على أمه من أخيه، ~~فقال لها يوما: أرأيت أن الأرواح التي زهقت لم تذهب ~~تضحياتها عبثا؟ # ولم تغضب هذه المرة لشعورها بأن الخطر قد زال، وحل محله ~~السلام، ولكنها لم تنثن عن رأيها فقالت: هيهات أن يعوض شيء ~~عن هلاك روح شابة. # فقال حسنين ضاحكا: لقد عشت يا أماه نصف قرن في ظل الاحتلال؛ ~~فلندع الله أن يمد لنا في عمرك نصف قرن آخر في كنف ~~الاستقلال! # فقالت الأم ممتعضة: احتلال، استقلال، لا أدري أي فرق ~~بينهما! خير لنا أن ندعو الله أن يكشف عنا الغمة، وأن يبدلنا ~~من عسرنا يسرا. # فقال حسنين بحماس وإيمان: لو لم يكن الاحتلال لما تركت أسرتنا ~~بعد موت أبي بلا معين! (ثم مخاطبا حسين) أليس كذلك؟ # فقال حسين بأمل: أعتقد هذا! # ورددت الأم نظرها بينهما في شك كثير، لم تكن تحفل بهذه ~~الأحاديث العامة التي تساق إليها أحيانا من حيث لا تدري، أمر ~~واحد يهمها، وتنسى من أجله الدنيا وما فيها؛ هو أن تبلغ بهذين ~~الشابين اللذين تحبهما أكثر من الحياة نفسها بر الأمان، ~~وأن تراهما رجلين ناجحين سعيدين قد أمنا شر الحياة، وآوت ~~الأسرة منهما إلى ركن ركين. # 44 # وفي نهاية العام حصل حسين على البكالوريا، وقد ذاقت الأسرة في ~~فترة الانتظار السابقة لظهور النتيجة مرارة الإشفاق والشك. ولم ~~يكن أحد يجرؤ على أن يتكهن بما يجد فيما لو أخفق حسين ~~وحرم من المجانية، ولم تكن الأم تتصور أن ينتهي صبرها ~~هذه النهاية، ولا أن تنكشف آمالها عن مثل هذا القنوط. وعندما ~~تناول حسين الجريدة من البائع وأجرى بصره الزائغ في صفحاتها ~~باحثا عن نمرته، التف به أخوه وأخته وأمه بقلوب خافقة، ينبض ~~في أعماقها الأمل ms119 ويظلها الخوف والعذاب! فانطبعت اللحظة ~~الرهيبة على نفوسهم إلى الأبد. ثم كان يوم سعيد، أول يوم ~~سعيد منذ عامين كئيبين، فطابت النفوس، ولهجت الألسن بالشكر ~~لله، وراحوا يفصحون عن سعادتهم بالحديث اللطيف حينا، وبالصمت ~~المطمئن الباسم حينا آخر، ثم وجدوا أنفسهم يطرقون باب ~~المستقبل، ويفكرون في الغد القريب والبعيد معا، فنسوا ~~سعادتهم وهم لا يشعرون، وتخايلت لأعينهم مرة أخرى الصعاب ~~التي تكتنف حياتهم، فحل التفكير وهمومه محل السعادة ~~الصافية العابرة، وعرف حسين حقيقة جديدة في حياته، وهي أن ~~السعادة قصيرة الأجل، وأنها لا تعمر في النفس طويلا كالحزن أو ~~الحسرة. ولم يكن التفكير في مستقبله بالأمر الجديد عليه؛ كان ~~بطبيعة الحال ذا آمال وأحلام، ولكن الحقائق لم تكن لتغيب عنه ~~كذلك، وكأنه أراد أن يستدرجهم إلى إعلان آرائهم فتساءل: ماذا ~~لديكم عن الخطوة التالية؟ # وكان للأم رغبة، فهي تود أن تنتهي الحال التي يكابدونها ~~بأي ثمن. وكانت تعلم - وقد خلا البيت مما يمكن الانتفاع بثمن ~~بيعه - أنهم لن يستطيعوا مواصلة هذه الحياة بعد الآن. بيد أنها ~~لم ترتح إلى إملاء رغبتها عليه، ونفرت من التحكم في ~~مستقبله كما تتحكم في حياته، أجل لم يعد طفلا، فإذا وافق على ~~رأيها مختارا فبها وإلا فليقض في أمر نفسه بما هو قاض، ~~وليمدوا هم في حبال التصبر والتجلد، بل والجوع حتى يأمر الله ~~بالفرج؛ لذلك قالت باقتضاب: فلنتدبر الأمر طويلا. # ولكن حسنين كان يفكر بسرعة مدفوعا بعواطفه كعادته، وكانت ~~أنانيته تتوارى خلف ما يظنه الصالح العام، فقال: لم تعد ~~الحياة تطاق، غذاؤنا سيئ ونحن في حكم الجياع، وثيابنا ~~متداعية ممزقة أو مرفوة، وبيتنا عار، لا يصح أن نطيل أمد ~~العذاب، لا سبيل إلا أن نبدأ حياتنا العملية. # وكان حسين يفهم أخاه خير الفهم، فأدرك لتوه ما يرمي إليه، ~~وكان مقتنعا بما يريد أن يذهب إليه، ولكن ساءه مكره فتغيظ ~~عليه وقال: لماذا تقول «نبدأ»؟ لماذا تستعمل صيغة الجمع بينما ~~الأمر يتعلق بي وحدي؟ # وأدرك حسنين أن أخاه نفذ كعادته إلى ما وراء كلامه ms120 فقال ~~بإشفاق: إني أقرر مبدأ عاما يجوز عليك اليوم وعلي ~~غدا. ~~- تعني أنه يجب أن أجد وظيفة؟ # فزاغ عن الجواب الصريح وتساءل: ما رأيك أنت؟ # فالتفت حسين صوب أمه وسألها مبتسما: ما رأيك يا ~~أماه؟ # وأثرت ابتسامته في نفسها تأثيرا عميقا، وأدركت أنه يضع ~~مصيره بين يديها، وأنه يحملها وحدها مسئولية مستقبله، ولكنها ~~لن تقضي عليه بما لا يحب، لن تفعل ولو ذاقوا الهوان أربع سنوات ~~أخرى. إنه الوحيد الذي يذعن لمشيئتها بلا تردد أو تذمر؛ فهل ~~يكون جزاؤه الفداء؟! وقالت الأم بوضوح: رأيي رأيك يا ~~حسين. # فابتسم حسين ابتسامة غامضة، وقال مدفوعا برغبة عابثة في ~~مضايقة حسنين: أرى أن أكمل مرحلة التعليم العالي. # فقالت نفيسة بسرور: أحسنت! # وقال حسنين بعد تردد: أمامنا أربعة أعوام عجاف ~~أخرى. # فقال حسين مبتسما: عام واحد فحسب ثم تتوظف أنت في نهايته ~~إن شاء الله! # فضحك حسنين مغلوبا على أمره، وقال بلهجة المعتذر: لعلك تظن ~~أنني أريدك على أن تتوظف لتتيح لي فرصة أكمل فيها تعليمي ~~العالي في هدوء وطمأنينة، ولكن الحقيقة أنني أود أن أرحم ~~أسرتنا مما تعانيه، وفضلا عن هذا وذاك فإذا كان على أحدنا أن ~~يضحي بذاته - إذا اعتبرنا التوظف بالبكالوريا تضحية - فأنت ~~الذي يجب أن تبذل هذه التضحية، لا لأني أريد لك ما لا أريد لنفسي؛ ~~ولكن لأن أسرتنا تستطيع أن تنتفع بتضحيتك الآن، على حين يجب أن ~~تنتظر عاما آخر حتى يمكنها الانتفاع بتضحيتي أنا. # فضحك حسين قائلا: منطق زائف! إني أعلم علم اليقين أنك لن ترضى ~~بالتضحية لا العام القادم ولا الذي بعده. # وقالت الأم حسما للجدل: افعل ما تشاء يا حسين، ولا اعتراض ~~لنا. # فابتسم إليها في صفاء وقال: لم أعن مما قلت حرفا واحدا، ~~ولكني أردت أن يعرف حسنين أني أحسن فهمه، ولست ألومه أيضا ~~على تفكيره؛ فله عذره، ينبغي أن يضحي أحدنا ويرضى بالتوظف ~~الآن، وهذا هو واجبي أنا؛ أنا أخوه الأكبر، وأنا صاحب البكالوريا. ~~إني أدرك الحال على حقيقتها، وأعلم أنه من القسوة الشريرة ms121 أن ~~أفكر في تكملة تعليمي، فلأرض بحظي، ولندع الله جميعا أن ~~يوفقنا إلى ما نريد. # وقرأ الارتياح في أعينهم جميعا، رغم ما تنطق به ألسنتهم من ~~عبارات الأسف، فداخله شعور طيب بالسرور والارتياح على حزنه ~~وأسفه؛ «أسرتنا كادت تنسى معاني الارتياح والطمأنينة، ها أنا ~~أعيد إلى نفوسها بعض هذه المعاني، علام آسف! مدرس أو كاتب ~~سيان، لو كنا نقتصد في أحلامنا، أو كنا نستلهم الواقع في خلق ~~هذه الأحلام، لما ذقنا طعم الأسف أو الخيبة.» # 45 # وقالت الأم: لدينا أحمد بك يسري، صديق المرحوم والدكم، وهو ~~يستطيع أن يوظفك في غمضة عين. # وتفكرت الأم مليا ثم واصلت حديثها قائلة: لن أستطيع ~~الذهاب إليه بنفسي؛ لأن معطفي لم يعد لائقا للظهور أمام ~~الناس المحترمين، فامض إليه أنت، وخذ معك أخاك تتشجع به، وما ~~عليكما إلا أن تقولا للبواب إنكما ابنا المرحوم كامل أفندي ~~علي. # وذهب الشقيقان عصرا إلى شارع طاهر، وقصدا بيت البك وطلبا ~~مقابلته كما أوصتهما أمهما، فغاب البواب دقائق ثم جاء ~~ليدعوهما إلى حجرة الاستقبال. ودخلا يسيران في ممشى الحديقة ~~الوسط وهما ينظران إلى شتى الأزهار التي كست الأرض بألوان ~~بهيجة بدهشة، ثم صعدا إلى السلاملك، ثم إلى بهو الاستقبال ~~الكبير، واتخذا مجلسهما بارتباك على كثب من الباب بالموضع الذي ~~اختارته أمهما قبل ذلك بعامين، وجري بصرهما سريعا على ~~البساط الغزير الذي يغطي أرض الحجرة الواسعة، والمقاعد الكثيرة ~~الأنيقة، والطنافس والوسائد، والستائر التي تنهض على الجدران ~~كالعمالقة، والنجفة المتدلية في هالة لألاءة من سقف عال ~~انتشرت بجوانبه المصابيح الكهربائية. وأشار حسنين إلى النجفة ~~وقال بسذاجة: مثل نجفة سيدنا الحسين! # وكان حسين يفكر في أمور أخرى فقال: نعم، دعنا من النجفة، ما ~~عسى أن نقول؟ .. ينبغي أن تساعدنا بلسانك! # فقال حسنين هازئا: أتظن أنك ستحادث شيطانا؟ .. تكلم ~~بشجاعة، وسأتكلم أنا أيضا، ملعون أبوه! # وندت عنه اللعنة - لا لحنق - ولكن ليشجع أخاه، وليتشجع ~~هو نفسه، وألقى نظرة ذاهلة على ما يحيط به من آي الثراء ثم ~~تساءل بصوت منخفض: هل يثير ms122 موت رجل كأحمد بك حزنا في نفوس ~~ورثته؟ # فقال حسين بنصف وعي: أما كنا نحزن لوفاة والدنا لو كان ~~غنيا؟ # فقطب الشاب متفكرا ثم قال: أعتقد هذا، ولكن لعل الحزن ~~أنواع ودرجات. آه، لماذا لم يكن أبونا غنيا؟ ~~- هذه مسألة أخرى. ~~- ولكنها كل شيء، خبرني كيف صار هذا البك غنيا؟ ~~- لعله وجد نفسه غنيا. # فالتمعت عينا حسنين العسليتان، وقال: يجب أن نكون جميعا ~~أغنياء. ~~- وإذا لم يكن هذا؟! ~~- إذن يجب أن نكون جميعا فقراء. ~~- وإذا لم يكن هذا؟! # فقال بحنق: إذن نثور ونقتل ونسرق ... # فابتسم حسين قائلا: هذا ما نفعله من آلاف السنين. ~~- يعز علي أن أتصور أن تمضي حياتنا في عناء وقذارة إلى ~~الموت. # فقال حسين مبتسما: لا قدر الله. # وقبل أن يفتح حسنين فمه سمعا وقع أقدام آتية من الفراندا، ثم ~~دخل البك بجسمه الطويل العريض في بدلة بيضاء حريرية، وسلم ~~عليهما مرحبا وهو يتفرس في وجهيهما بعينين ضاحكتين، ثم ~~سألهما وهو يجلس: أهلا بابني الحبيب المرحوم، كيف حال ~~والدتكما؟ # فشكرا له بلسان واحد، وقد نسي حسنين في طيب اللقاء حنقه، على ~~حين عاود حسين ارتباكه. وتوجس أحمد بك خيفة من هذا اللقاء ~~الذي لا بد أن يسفر عن بذل وعطاء، وكان يسلم سلفا بأنه ~~لن يستطيع أن يرفض لهما رجاء إذا سألاه. والحق أنه لم يكن ~~بخيلا، بل كان جوادا ولكن لا عن طيب خاطر؛ كان يجود في برم ~~وضيق دون أن يستطيع أن يقول «لا»، وتغلب حسين على ارتباكه وقال ~~بصوت رقيق مؤدب، تغني نبراته عن ألفاظ الرجاء والضراعة. ~~- حصلت يا بك على البكالوريا، وظروف أسرتنا تضطرني إلى البحث ~~عن وظيفة؛ لذلك رأت والدتي أن ترسلني إلى سعادتك؛ لما لنا ~~جميعا فيك من عظيم الرجاء. # فجعل البك يعبث بشاربه الغزير المصبوغ، ثم قال: وظيفة؟! باب ~~الحكومة ضيق في أيامنا هذه، ولكني سأبذل ما في وسعي يا بني، لا ~~أعتقد أني سأجد لك وظيفة في الداخلية، ولكني صديق لوكيل المعارف، ~~وكذلك وكيل الحربية، جهز طلب استخدام، وسأكتب ms123 لك توصية ~~قوية. # وشكرا له كرم أخلاقه ثم سلما وغادرا الفيلا، وألقى حسنين ~~على الفيلا نظرة توديع وهما يبتعدان عنها، وعاد ببصره إلى وجه ~~أخيه فوجده راضيا حالما، فسأل نفسه في دهشة: ترى هل يفرح الآن ~~بما عده بالأمس تضحية؟ ثم قال: أيقنت الآن فحسب، وبعد أن ~~تنسمت عبير الحياة الحقة في هذه الفيلا، أنه من الظلم أن نعد ~~أنفسنا بين الأحياء. # وكان حسين مشغولا بالتفكير في طلب الاستخدام والتوصية القوية، ~~فلم يعن بالرد على أخيه، فقال حسنين حانقا: إني أعجب لما ~~تتحلى به من رضا وهدوء! ولكنه تظاهر لا يمكن أن ~~يخدعني. # فغمغم حسين مبتسما: وما جدوى الحنق؟ لن نغير الدنيا! ~~- يجب أن تتغير! من حقنا ولا شك أن ننعم بالسكن النظيف، ~~والمأكل الصحي، والمركز المرموق. ولكني أراجع حياتنا جملة فلا أجد ~~بها خيرا أبدا. # فحدجه حسين بنظرة غريبة لم يفهم معناها وقال له: ولكنك ~~تتمتع بالحب، وستكمل تعليمك، أليس هذا خيرا؟ # ونظر إليه ثم نظر في ما أمامه؛ ترى ماذا يعني؟ وشعر بعدم ~~ارتياح، وتضاعف ضيقه. ثم روح عن صدره متسائلا: ألم يكلفك ~~هذا التضحية بنفسك؟ إن لنا حقوقا بديهية، ولا يجوز أن يضيع ~~شيء منها، فأين نحن من هذا؟ .. كيف نعيش؟ .. ماذا تكابد أمنا؟ ~~.. أين أخونا حسن؟ .. كيف انقلبت أختنا خياطة؟ # وقطب حسين وقد تنغص عليه صفوه، وتناسى جوهر الموضوع ووقف ~~عند الصفة الأخيرة حانقا، وصاح في أخيه بلهجة تنم على العتاب: ~~خياطة! # فقال حسنين في هياج وانفعال: نعم خياطة، هل تكره هذا حقا؟ ~~أتتمنى حقا لو كانت تزوجت كأمثالها من الفتيات؟! كذب. لو ~~كانت تزوجت، بل لو لم تكن خياطة لاضطر كلانا إلى الانقطاع ~~عن المدرسة والبحث عن مهنة حقيرة، هذه هي الحقيقة. # واشتد الغضب بحسين، لا لأنه لا يسلم بما قال أخوه، ولكن لأنه ~~يسلم به في أعماقه، ولأنه ما كان يرحب بزواج الفتاة وسعادتها؛ ~~«إننا نأكل بعضنا بعضا، ينبغي أن نسر بتهريج حسن وعبثه، ما ~~دام يجيئنا كل شهر بفخذ خروف! وينبغي أن نسر ms124 بأختنا الخياطة ~~ما دامت تعد لنا لقمتنا الجافة، وهذا الشاب المتذمر ينبغي أن ~~يسر بانقطاعي عن التعليم، ما دام سيتم تعليمه هو! يأكل بعضنا ~~البعض؛ أي وحشية! أي حياة! لعلي لا أجد إلا عزاء واحدا وهو أن ~~قوة أكبر منا جميعا تطحننا طحنا وتلتهمنا التهاما، وأننا ~~نصمد ونقاتل.» وتركز تفكيره في الخاطر الأخير، فيما سماه ~~العزاء الوحيد، فسكنت نفسه، وسكت عنه الغضب، وقال وكأنه ~~يخاطب نفسه: نحن لا يأكل بعضنا البعض! لا تقل هذا (لم تكن هذه ~~العبارة من قول شقيقه، ولكنه لم يفطن لهذا) ... لا تقل هذا أبدا، ~~نحن أسرة بائسة، ولنا نظائر وأشباه لا يحيط بهم حصر، وواجب ~~كل واحد منا أن يجود بما يقدر عليه من البذل والتضحية! # ثم طلب إلى أخيه في حزم أن يمسك عن الجدل، وكانا بلغا محطة ~~الترام. # 46 # وتبين لحسين أن الوظيفة - أو التضحية التي رضي ببذلها عن ~~طيب خاطر- لم تكن منالا يسيرا؛ فقد انصرمت ثلاثة أشهر وهو ~~يتردد في هم ويأس ما بين فيلا أحمد بك يسري ووزارتي المعارف ~~والحربية، وأخيرا أخبره البيك أنه أمكن إلحاقه بوظيفة كاتب ~~بمدرسة طنطا الثانوية، وحثه على تقديم نفسه للقومسيون ~~والاستعداد للسفر لتسلم عمله في أول أكتوبر. وسر الفتى، ~~وسرت الأسرة، ولكنه سرور لم يكن خالصا، وشابته مرارة! كانت ~~الأم تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر كي تنتشل الأسرة من وهدتها، ~~وتبدلها حالا بعد حال! فجاء السفر مخيبا لهذا الرجاء، ~~وتحيرت الأم بين فرحها وحسرتها، وأيقنت أن الوظيفة لن ~~ترفه عن الأسرة إلا قليلا، وأن خيراتها ستتبدد ما بين ~~طنطا والقاهرة، وإلى هذا كله فقد لاح في أفق الأسرة شبح فراق ~~جديد لم تألفه، فتوجعت قلوبها، وعجبت الأم لهذا الحظ الذي ~~يأبى أن يمنحها ابتسامة إلا تحت عبوسة متجهمة، والذي يمد ~~يد النوى بينها وبين الابن الوحيد الذي لا يخلق لها المتاعب! كانت ~~ترى في حسين صورة من نفسها الهادئة الصابرة، وكانت تجد عنده من ~~الأنس والراحة ما لا تظفر به عند غيره. أجل لم يكن ms125 أحب الجميع ~~إلى قلبها؛ إذ كان حسنين الطفل المشاكس الذي يحظى بهذه المنزلة، ~~ولكنه بدا لعينيها وقتذاك كأنفس ما تملك في حياتها. ووقع ~~الفراق من نفس حسين موقعا سيئا، وحزن له حزن رجل لم يبتعد عن ~~بيته يوما واحدا في حياته، وضاعف أثره في نفسه تعلقه الشديد ~~بأمه وإخوته، وما كان يأمل من الترفيه عنهم بوجوده بينهم. وكان ~~يقول لنفسه كثيرا «سأعيد نفيسة إلى بيتها سيدة محترمة حال ~~تسلمي أول مرتب من الحكومة.» ولكنه رأى حلمه يتبدد، وغدا ~~يذهب إلى بعيد مخلفا أسرته المحبوبة وراءه على حال ليست أفضل ~~كثيرا مما كانت عليه، ولعل هذا ما جعله يمضي إلى أحمد بك يسري ~~مستشفعا بنفوذه على إبقائه في القاهرة، ولكن البيك - وكان ضاق ~~به - أخبره بأن رغبته بعيدة عن التحقيق في الوقت الحاضر، ثم ~~اعترضته مشكلة جديدة تتعلق بالنقود التي يجب أن تتوافر له ~~ليقيم بها أسباب معيشته في طنطا حتى يتسلم أول مرتب له في ~~نهاية الشهر؛ من أين له بهذه النقود؟ واتجه نحو أخته نفيسة، ~~ولكن الفتاة كانت تنزل لأمها عن جل أرباحها المحدودة، ولا ~~تكاد تبقي لنفسها على شيء إلا ما يلزم لكسائها، وإلى هذا فما ~~تبقى من أثاث البيت لا يفي ثمنه - إذا بيع جميعه - بمطلبه، ~~فلم يجد من ملاذ أمامه إلا أخاه حسن. وخاطب أمه فيما تراءى له ~~فوافقت عليه، ولم يداخلها شك في نجدة ابنها الأكبر إذا وسعه ~~ذلك، وأطلعته على عنوان أخيه لأول مرة، فمضى من توه إلى شارع ~~كلوت بك، وراح يبحث عن عطفة جندف، وكان غادر البيت كبير الأمل، ~~ثم تسلل القلق إلى نفسه رويدا رويدا حتى تساءل في النهاية ترى ~~هل يعطيني حسن ما أريده حقا؟! وإذا لم يفعل فهل تضيع الوظيفة من ~~أجل بضعة جنيهات لا يجدها؟! ثم اهتدى إلى عطفة جندف وهو على حال ~~من التشاؤم مؤلمة، ووجدها عطفة ضيقة متعرجة، تقوم على جانبيها ~~بيوت متداعية، وتسطع في هوائها الفاسد رائحة السمك المقلي، ~~وتكتظ بالمارة وعربات اليد، وتتجاوب في ms126 جوها نداءات الباعة ~~تتخللها شتائم ونحنحات محشرجة وبصقات غليظة، ثم تأخذ أرضها ~~المغطاة بالأتربة ونفايات الخضر، وروث الدواب في الصعود ~~تدريجيا حتى خيل إليه في النهاية أنها مقامة على سفح تل. ~~ومضى الشاب إلى البيت رقم 17، وهو بيت قديم من دورين يلفت ~~الأنظار بضيقه، فكأنه عمود ضخم، وقد جلست غير بعيد من مدخله ~~بائعة دوم ولب وفول سوداني؛ فدخل كالمتردد وارتقى سلما ~~حلزونيا بغير درابزين، وقد زكمت أنفه رائحة نتنة صاعدة من ~~بئر السلم، حتى انتهى إلى الدور الثاني وطرق الباب، كانت الساعة ~~حوالي الحادية عشرة صباحا، وكان أخوف ما يخافه ألا يجد أخاه في ~~الشقة، وزاد من خوفه أن أحدا لم يلب الطارق، وعاود الطرق ~~بشدة ويأس حتى كلت يداه، ثم وقف يائسا لا يدري ماذا يصنع، ~~وقبل أن يتحول عن موقفه جاءه صوت غليظ من الداخل يهتف بحنق: ~~من ابن الكلب الذي يطرق الباب في هذه الساعة المبكرة؟! # ودق قلبه بسرور، وقال يجيب الصوت الذي عرفه حق المعرفة: ~~أنا حسين يا حسن. # وقال الصوت بدهشة: «حسين»، ثم سمع خشخشة المزلاج وهو يرفع، ~~وفتح الباب فرأى أخاه بشعر هائج مشعث، وعينين محمرتين ~~منتفختين، فمد له يده، وهو يهتف بدهشة: حسين! .. أهلا وسهلا ~~ادخل، خيرا إن شاء الله، ماذا وراءك؟ # فدخل حسين في شيء من الارتباك، وسرعان ما تطاير إلى أنفه ~~عرف بخور طيب، بدا عذبا مريحا عقب رائحة السلم، ووجد ~~نفسه في دهليز شبه مظلم تكتنفه حجرتان؛ واحدة إلى يمين الداخل ~~والأخرى في مواجهته، وإلى اليسار المرافق، وابتسم حسين إلى أخيه ~~وقال كالمعتذر: هل أتيت مبكرا؟ .. الساعة الحادية عشرة! # فتثاءب حسن طويلا ثم قال ضاحكا: إني أستيقظ عادة حوالي العصر، ~~المغنون ليلهم نهار ونهارهم ليل، ولكن خبرني قبل كل شيء ~~كيف حالكم؟ ~~- بخير والحمد لله .. وكيف أنت؟ # فقال وهو يسير به إلى الحجرة التي إلى يمينه: نحمده. # دخلا حجرة صغيرة تكاد تقسم مناصفة بين فراش وصوان، ~~بينهما إلى الجدار الداخلي كنبة علقت فوقها على الحائط صورة ~~كبيرة تجمع بين ms127 حسن وامرأة لحيمة عميقة السمرة، قد اعتمدت ~~منكبه بساعديها المشتبكتين، فثبتت عينا حسين عليها في دهشة ~~لفتت نظر أخيه، فتساءل ضاحكا: ماذا يدور برأسك؟ # فسأله حسين بسذاجة: هل تزوجت يا أخي؟ # فأجلسه على الكنبة، ووثب إلى الفراش وتربع عليه وهو يقول: ~~تقريبا. ~~- خطبت؟ ~~- الثالثة. ~~- الثالثة؟! ~~- أعني الفرض الثالث! # فرفع الشاب إليه عينين داهشتين في وجوم ثم ابتسم ابتسامة ~~آلية على الرغم منه، ولاح في وجهه ما يشبه الحياء فضحك حسن ~~عاليا، وقال باستهانة: هي زوجة في كل شيء، إلا العقد. # فسأله حسين في خوف: ألست وحدك الآن؟ # فحنى رأسه دلالة الإيجاب، ثم تثاءب بصوت مرتفع كالنهيق، ثم ~~قال محذرا: طبعا لن تخبر أحدا! ~~- طبعا. # فضحك حسن وقال: لا أحب إيذاء مشاعرهم، هذا كل ما هنالك، ~~وبهذه المناسبة ألم تجرب النساء؟ # فهز الشاب رأسه سلبا في حياء، فسأله مستطردا: ~~وحسنين؟ # فارتج قلبه في خوف وألم لم يدر لهما سببا، ثم قال: ولا ~~حسنين. # فتفكر حسن مليا ثم قال: هذا أفضل بالنسبة لكما .. (ثم ~~ضاحكا) إذا نويت الزواج يوما فاقصدني أزودك بنصائح ~~عظيمة. # فقال حسين بهدوء: لست أفكر في الزواج كما تعلم. ~~- أمن الممكن أن يتزوج حسنين قبلك؟ # فخفق قلبه، ولكنه قال بهدوء: هذا مؤكد لأنه مرتبط بوعد ~~قديم. # فقال حسن بتأثر: على أية حال إذا انتهى حسنين من دراسته فليس ~~ثمة عائق. آه، على فكرة، ماذا جد من أنباء الوظيفة التي تبحث ~~عنها؟ # وسر حسين بما هيأ له من فرصة يلج بها موضوعه فقال: لقد ~~جئتك لأخبرك بأنني تعينت كاتبا بمدرسة طنطا الثانوية، وبأنني ~~سأتسلم عملي في أول أكتوبر. # فقال حسن بدهشة: هل تسافر إلى طنطا؟ وما الفائدة التي تجنيها ~~أمك إذا فتحت بيتا جديدا في طنطا؟ ~~- فائدة قليلة، ولكن ما الحيلة؟ ~~- هذا سوء حظ قارح، وهذه هي نتيجة المدرسة! # فابتسم حسين يغالب ارتباكه، ولم أطراف شجاعته وقال: سأسافر ~~في نهاية سبتمبر، وأنت تعلم أن الحكومة تصرف المرتبات ~~مؤخرا! # وأدرك حسن ما يعنيه قبل أن يتم كلامه، فتفكر دون أن يبدو ms128 ~~على وجهه شيء مما يدور في نفسه، ثم سأله: وما المرتب الذي ~~تنتظره؟ ~~- سبعة جنيهات. ~~- يا خيبتها يوم أرسلتك إلى المدرسة! .. وطبعا لا تملك من ~~نفقات السفر ومعيشة شهر أكتوبر مليما؟ # فابتسم حسين في تسليم وهو يعجب لما شعر به نحو أخيه - في هذ ~~الموقف - من الارتباك والحياء؛ كأنه يسأل رجلا غريبا، وجعل حسن ~~ينظر إليه صامتا وعقله لا يني عن التفكير؛ «جاء حسين في ظرف ~~غير مناسب، إني أنتظر نقودا لا أدري متى تأتي، ولكن يدي الآن ~~فارغة، مصفاة لا يبقى فيها شيء، تبا لها! لا يمكن أن أصارحك ~~بالحقيقة، لتقم القيامة قبل ذلك! إنه في حاجة ملحة إلى ~~النقود، ولا بد أن يحصل عليها، مستقبل الأسرة يتوقف على هذه ~~الجنيهات، وليست في الواقع بالكثير، ثمن أوقيات حشيش، وينفق ~~مثلها أي فتى أرعن في أسبوع بدرب طياب؛ سناء مفلسة ~~أيضا، لم أعد أبقي لها على شيء! ولكن لا بد أن أعينه، كيف؟ ~~لماذا لم يحضر إلا اليوم؟ إلام تبقى أسرتنا شوكة في جنبي؟!» وظل ~~ينظر إلى أخيه صامتا حتى امتلأ حسين قلقا وخوفا. ثم غادر حسن ~~الفراش فجأة، وذهب إلى الصوان ففتح درجا وعكف عليه دقائق ثم ~~عاد إلى مجلسه ومد يده إلى أخيه فإذا فيها أربع أساور ~~ذهبية، وقال بسرعة: خذ هذه الأساور، وبعها في الحال وانتفع ~~بثمنها. # وجمدت يد حسين فلم تتحرك، واتسعت عيناه انزعاجا وإنكارا، ~~وهتف وهو لا يدري: ما هذا؟! .. أساور من هذه؟ # فقال حسن ببساطة وقد ضايقه انزعاج الآخر: أساور سناء، ~~امرأتي! ~~- وبأي حق آخذها؟ ~~- إن أخاك يعطيك إياها، لا شأن لك بصاحبتها. # واشتد انزعاجه وتساءل في امتعاض كيف يعيش أخوه؟ ثم تمتم: لست ~~مرتاحا إلى أخذها، أما من سبيل آخر؟ # وحنق حسن على هذا «التعفف» فقال بجفاء: إذا كنت حنبليا ~~حقا فما عليك إلا أن ترفضها، وليس عندي غيرها! # فرمقه بارتياب، ولكنه قرأ في وجهه الصدق فأحس بضيق وقهر؛ ~~«أساور امرأة! .. وأي امرأة! .. محال. شيء لا يصدق، ولا ~~يمكن أن يدور لي بخلد، ms129 ولم أعلم - ولو في كابوس - بأنه وقع لي! ~~كيف يمكن أن أحترم نفسي بعد ذلك؟! أرفض؟ والعمل؟! ليس لديه نقود ~~أخرى، ينبغي أن أصدقه. ولكن محال أيضا أن أضيع الوظيفة، وما ~~عسى أن أصنع لو أفلتت الفرصة؟ كلا، لا يمكن أن أرفض، لا يمكن أن ~~أقبل . لا يمكن أن أرفض، لا يمكن أن أقبل! أرفض، أقبل، أرفض، أرفض، ~~أقبل، أقبل! شيء واحد يستحق اللعنة؛ هو الحياة، الحياة والحظ ~~.. والوالدان اللذان أتيا بنا إلى هذه الدنيا، كان يلعب بأوتار ~~العود ولا يبالي شيئا! سحقا لي، كيف أفكر؟ هيهات أن تذهب من ~~مخيلتي صورة جثمانه، رحمة الله عليه، ليس الذنب ذنبه. كالدجاج ~~نلتقط رزقنا بين القاذورات! حجرة الدجاج على السطح ملتقى حسنين ~~وبهية. شيء تشمئز منه النفس؛ فلأرفض. ولكن لا حياة إلا ~~بالإذعان، لن يدري أحد! ولكني سأذكره ما حييت، وسأخجل منه ما ~~حييت! إنه ينتظر الجواب؛ فإما الإذعان وإما الموت! فلآخذها ~~كدين ثم أقضيه عند الميسرة! إنك تخادع نفسك، بل إني صادق ~~ولأقضين ديني! ارفض أو لا تزعم بعد الآن أنك رجل شريف، إني ~~جائع، شريف وجائع، ولن أرفض. تبا للحياة! إني أدرك الآن ماذا ~~ساق أخي إلى هذا الوكر؛ أسرة ضائعة وحياة قاسية، يجب أن أبت ~~في الأمر وإلا تفجر رأسي كالدجاج.» ~~- ماذا قلت؟ # ورفع عينيه في ذهول وقد أثر فيه صوته تأثيرا مخيفا، ~~وكانت الأساور ما تزال في يده، فخفض عينيه وقال بخجل: إني أشكر ~~لك كرمك، وأقبله على العين والرأس، وأرجو أن تعده دينا ~~أقضيه عند الميسرة بإذن الله. ~~- اقبله هدية إذا شئت، ولا تنس أن تخبر أمك بأنني اقترضت ~~النقود من الأستاذ علي صبري ... # وأثار ذكر أمه ألما حادا في نفسه فوجد امتعاضا، وتضاعف ~~هذا الامتعاض وهو يتناول الأساور ويدسها في جيبه، ثم قال: ~~يؤسفني أنني أزعجتك، وأظن أنه ينبغي أن أذهب كي تواصل ~~نومك. # فمد حسن له يده بالسلام، وضغط على يده باسما، ثم قال: مع ~~سلامة الله، بلغ تحياتي للجميع، وقل لأمك بأني سأزورها ~~قريبا. ms130 # وغادر الشقة شاعرا بغرابة وإنكار، وهبط السلم الذي لا ~~درابزين له في حذر، ولكنه لم يتنبه للرائحة النتنة من شدة ~~إغراقه في تيار أفكاره. # 47 # كانوا يجلسون بحجرة الإخوة التي ستصبح من الآن فصاعدا حجرة ~~حسنين وحده. ورنت نفيسة إلى حسين فغمر الألم قلبها وهتفت: ~~رباه! هذه آخر ليلة تجمعنا معا! # وأحست الأم بطعنة تصيب فؤادها الذي علمه الدهر من الصبر ~~فنونا، ولكنها ابتسمت، أو رسمت ابتسامة على شفتيها الجافتين، ~~وقالت بعطف: حسين رجل كامل، وسيعرف كيف يعيش وحده دون ارتباك ~~أو اضطراب، وإني مطمئنة كل الاطمئنان إلى أنه لن ينسانا، ~~فسيذكرنا دائما كما سنتذكره دائما. وهذه هي الحياة يا عبيطة، ~~ومصير كل أسرة إلى التفرق السعيد - على ما به من حزن - حيث ~~ينهض كل بدوره الجديد. # وكان حسين يعرف أمه جيدا فأدرك أنها تداري حزنها بالحكمة ~~والحزم كعادتها دائما، فصمم على أن يعالج وحشة قلبه بالحزم ~~كذلك، لقد بكى مرة كالأطفال، ولكنه لن يبكي مرة أخرى، وتمتم ~~مقلدا أمه في ابتسامتها: سوف نلتقي في الإجازات، ولعلي ~~أنقل يوما إلى القاهرة. # فقال حسنين بأمل: لا بد أن يحدث هذا يوما ما. # وكان حسنين يجد كآبة وحزنا، لم يفترق عن شقيقه مذ رأى نور ~~الدنيا، فلم يدر كيف يلقى الحياة بدونه، وكان شقيقه وصديقه ~~معا، أجل كثيرا ما نشب النزاع بينهما، وبلغ الشجار أحيانا، ~~ولكن لم يكن لأحدهما غنى عن الآخر، لو كانت بهية أقل عنادا ~~لما شكا الوحدة قط، بيد أنه بوسعه أن يتعزى عن الفراق ~~بالرسائل، يحبرها له من آن لآن فتصل ما ينقطع بينهما من أسباب ~~العشرة والحديث، ولعله يستطيع أن يسافر إليه في العطلة؛ ترى هل ~~يمكنه أن يجري عليه راتبا شهريا؟ خمسون قرشا أو ثلاثون، ~~خصوصا وهو يعلم بأن راتب الدروس الخصوصية ينقطع بانتهاء السنة ~~المدرسية! ليت شجاعته تؤاتيه الآن فيحدثه بأمانيه! .. ولكن ~~صبرا، وليؤجل هذا إلى فرصة أوفق. # وكانت الأم تواصل التفكير بلا توقف، لقد وفقت إلى ~~الظهور بالمظهر الذي تحب أن تظهر به، أو ms131 الذي اعتادت أن تظهر ~~به، ولكنها كانت تعاني ألما عميقا بلغت شدته ذروتها عند ~~هذا المساء، كانت تكابد تأنيبا خفيا لشعورها بأنها تؤثر ~~حسنين بأكبر حبها، والآن ماذا ترى؟ .. ترى الأخ الوديع يضحي ~~بمستقبله، ويرمي بنفسه بين أحضان النوى في سبيل الأسرة، بل في ~~سبيل حسنين بالذات ، وضاعف من آلامها أنها كانت ترى الواجب ~~يحتم عليها خوض حديث أبعد ما يكون عن العواطف، حديث إن دل ~~ظاهره على الحدب على الفتى المسافر فباطنه يرمي إلى الدفاع عن ~~الأسرة قبل كل شيء! وجعلت تؤجله وهو يلح عليها حتى اقتنعت ~~بأنها إذا لم تسقه الآن فقد تفلت منها الفرصة إلى الأبد، ~~ونظرت إلى حسين بإشفاق وحنان - وكان يرتب ثيابه في حقيبة ~~أبيه - وقالت: إنك رجل عاقل، وهذا ما يجعلني جديرة بالاطمئنان، ~~ولست أطمع في شيء أكثر من أن تواصل سيرتك الحميدة في بلدك ~~الجديد، وأن تحذر صحبة السوء. # فابتسم حسين قائلا: اطمئني كل الاطمئنان يا أماه. # على عبارة «صحبة السوء» استدعت إلى مخيلته صورة عطفة جندب ~~والبيت الذي لا درابزين له، والأساور الذهبية، فشعر بفتور أغاض ~~الإشراق الذي رسمته الابتسامة على وجهه؛ فانحنى على الحقيبة ~~ليواري وجومه عن الأعين، أما الأم فاستطردت قائلة باهتمام: ~~ولا تنس أسرتك، حقا ليس ثمة حاجة إلى تنبيهك لهذا، ولكنني ~~أحب أن أذكرك بأننا سنظل في حاجة إلى رعايتك حتى يتوظف ~~حسنين وتتزوج نفيسة! ~~- ما توظفت إلا لهذا. # وسرت في نفس نفيسة قشعريرة رعب، ونفذت كلمة «تتزوج» إلى ~~أعماقها وخالتها تنبش ما استتر من خبيئتها، ألا يزال هذا ~~الأمل يداعب أمها؟ .. ألا تدري أن الموت أحب إليها منه؟ ~~ونظرت إلى وجه حسين بغرابة، إنه لا يدري، وهيهات أن يخطر لهم هذا ~~على بال، هيهات هيهات! وغابت الحجرة عن عينيها فخيل إليها ~~أنها تراهم وقد أحدقوا بها في ثورة جنونية، وقد جحظت أعينهم ~~ملتهبة بنار الغضب، ثم انقضوا عليها كالوحوش. وهزت رأسها ~~لتطرد عنها أشباح هذه الأوهام المرعبة، فعادت إلى حاضرها، ولكن ~~سرعان ما وجدت نفسها تتذكر على ms132 الرغم منها ساعات ضعفها؛ تلك ~~الساعات التي تذهل فيها عما يدفعها إلى تسليم نفسها من دواعي ~~اليأس والفقر، هنالك تنسى كل شيء لا الرغبة المحرومة الجائعة ~~فتمثل بنفسها أفظع تمثيل، تذكرت ساعات الضعف هذه وهي بينهم ~~صامتة فعلاها خجل أليم، وخوف لا قبل لها به، وعادت تردد ~~بصرها بين أمها وشقيقيها بغرابة؛ ما يزال أمامها فرصة للتراجع، ~~لا لرأب الصدع طبعا؛ فقد ولى أوانه، ولكن ... رباه! لا تدري ~~ماذا تقول، ما الفائدة؟ أي أمل قد بقي لها في الحياة؟ لقد قضي ~~عليها بأن تقضي على نفسها ... # واصلت الأم حديثها قائلة: انظر ماذا يلزمك من نقود كي تنهض ~~بضرورات المعيشة، وأرسل إلينا الفائض من مرتبك، لا بد من هذا يا ~~حسين لأنه لم يعد يبقى لدينا ما يستحق البيع. ~~- سأبذل قصارى جهدي. # وتبدد أمل حسنين - أو كاد - من الفوز براتب شهري من أخيه ~~بعد أن طالبت الأم بالفائض من مرتبه، أجل، لا يبعد أن تحس ~~الأسرة بشيء من الترفيه، ولكنه لن يروي جفاف يده، خاصة في ~~العطلة الصيفية الطويلة، ترى هل تطالبه أمه إذا وظف يوما ~~ما بما تطالب به حسين؟ غير معقول! إذا انتهى هو من دراسته ~~فستتخفف أمه من أثقل واجبات الأسرة، ويسعه وقتذاك أن يتزوج ~~وأن يعنى بأمر نفسه، إن نفيسة وحسين يتصديان للزوبعة في ~~إبانها، وقد وجد نحوهما عطفا ورثاء دون أن يمنعه هذا من ~~الفرح بحظه. # ولم تفرغ الأم من الإفصاح عما يدور بنفسها كله، فودت لو ~~تحذره من أن يستدرجه أحد إلى الزواج، ولم تكن تجهل أن كثيرا من ~~الآباء والأمهات يتصيدون العزاب أمثاله في غربتهم بسهولة، ~~ولكنها لم تدر كيف توجه إليه هذا التحذير وعن يمينه أخوه ~~الأصغر قد خطب وتهيأ للزواج وهو ما يزال تلميذا! عدلت عن ~~رغبتها كارهة، ولكن مطمئنة في الوقت نفسه إلى رجاحة عقله ~~وحسن تقديره، وتحدثوا طويلا ما شاء لهم الحديث، ثم جاء فريد ~~أفندي محمد وأسرته لتوديع حسين، واستقبلوهم كما يستقبلونهم عادة ~~بالترحيب والسرور؛ فليس ثمة أحد إلا ms133 ويقدر مودتهم وكرمهم ~~وحسن جيرتهم. أجل، لعله طرأ على بعض النفوس تغير باطني منذ ~~تمت خطبة حسنين لبهية غير الرسمية؛ فالأم مثلا آمنت ~~بأنهم رموا شباكهم حول الفتى قبل أن ينهض، وأنهم راموا ~~باستئثارهم أشد آمالها تألقا، أما نفيسة فلم يكن بوسعها أن ~~تحب شخصا يطمح إلى امتلاك حسنين خاصة، ولكن هذه المشاعر ~~الصامتة لم تكن لتؤثر في رابطة الود والإخاء التي تجمع بين ~~الأسرتين، ولم يكن من الهين أن تنسى الأم أيادي فريد أفندي ~~ومروءته. وقد سر حسين بزيارة التوديع سرورا كبيرا، ووجد نحو ~~الأسرة التي يحبها - الأب والأم والفتاة وتلميذه السابق - ~~امتنانا عميقا، وجرى الحديث بين ذكريات الماضي وآمال الحاضر ~~لطيفا صادقا؛ مباركة عليك الوظيفة، تسافر مصحوبا بالسلامة، ~~ستترك وراءك وحشة، لقد خسر سالم أستاذا لا يعوض ... إلخ، وبهية ~~نفسها على حيائها وتحفظها قالت برقة: «تعود بالسلامة قريبا إن ~~شاء الله!» فشكر لها تلطفها بلسانه وقلبه «فتاة حسناء حقا، ~~مهذبة محتشمة، وحسنين شاب رائع، وسيكون زوجا رائعا، ترى ألم ~~يقبل هذا الثغر؟ طالما شكا تحصنها متذمرا، فيا لها من ~~فتاة نادرة حقا، سأسافر غدا وتمسون صورا وذكريات، ~~وستجتمعون كاجتماعكم هذا، وربما لا تذكرونني إلا قليلا، أو لا ~~تذكرونني بتاتا، ولكن كيف أكون؟ وأين؟ وهل أملك مع وحدتي إلا أن ~~أذكركم؟ كلما اشتد الدهر ازددت قوة وصبرا، ولأظلن هكذا ~~إلى الأبد!» # 48 # غاب وجه حسنين في زحمة المودعين، وتراجع سقف محطة مصر الهرمي ~~حتى بدا من الداخل مظلما، كل شيء يتراجع بسرعة متزايدة؛ ~~وداعا يا مصر! وعاد حسين برأسه إلى الداخل واعتدل في جلسته، وهو ~~يغمض عينيه ليخفي دمعة رقيقة غالبت إرادته طويلا ورمش ~~سريعا لينفض نداها عن أهدابه. وكان إلى يساره أفندي يتصفح ~~جريدة على حين جلس قبالته قرويان يتجاذبان الحديث، ومع ~~أن العربة كانت نصف ممتلئة إلا أن ضجة الراكبين كادت تعلو ~~على صلصلة عجلات القطار، وذكر في حزن مرطب بسرور أنه رأى ~~دمعة في عيني حسنين، أجل، لقد تجلدا وهما يتحادثان على طوار ~~المحطة، ولكن حين ms134 تحرك القطار وأخذ الفتى يلوح له بيده ~~اغرورقت عيناه بالدموع، وفي البيت كانت نفيسة تبكي صراحة حتى ~~التهبت عيناها! لشد ما يذكر وجهها - الذي حرمه الله نعمة الحسن - بعطف ورثاء وحنان. أما أمه - وقد ابتسم على رغمه - ~~فقد ضمته إلى صدرها وقبلت خديه، ولعلها تفعل هذا لأول ~~مرة ، أو في الأقل فهو لا يذكر أنها قبلته قبل هذه المرة! لشد ~~ما تأخذ نفسها بالحزم حيالهم، هذا طبعها، ولكن هيهات أن يطمس ~~حنانها العميق! ولم تشأ أن تبكي وهي تودعه إذ إنها تتشاءم من ~~دموع التوديع، ولكنه قرأ في تقلص جفنيها نذيرا بالبكاء لا ~~يلبث أن يستفيض دموعا إذا واراه الباب عن عينيها، وقال لنفسه ~~لعلها بكت طويلا، لا تزال تبكي، وشعر لهذا بكآبة وحزن. ولم ~~يكن رآها تبكي قبل وفاة والده فاشتد تأثره؛ «يا لها من امرأة ~~عظيمة! شاء الله أن يبتلي أسرتنا بمصيبة قاصمة، ولكن سبق لطفه ~~فقدر أن تكون هذه المرأة أمنا؛ ماذا يكون مصيرنا لولاها؟ كيف ~~غذتنا وكستنا؟ كيف سيطرت على توجيهنا؟ كيف نهضت بضرورات ~~أسرتنا في هذه الظروف القاسية؟ يا لها من معجزة تحير العقول، حتى ~~حسن أخي ففي ظني أنه لولا المرحوم أبي لأمكن أن تجعل منه رجلا ~~غير الرجل! آه ... لأقتصدن في الكلام عن حسن؛ لولاه ما عرفت ~~سبيلي إلى وظيفتي، نقوده هي كل مالي حتى آخر الشهر؛ الأساور؟ يا ~~للذكرى! انس، ينبغي أن أنسى كي أعيش، سأقضي الدين يوما وأسدل ~~الستار على أسوأ الذكريات.» وأرسل بصره من النافذة فارا من ~~أفكاره، فرأى الحقول تترامى حتى الأفق، والخضرة يانعة ناضرة ~~بهيجة، تميل رءوسها مع الهواء في موجات متصلة، وهنا وهناك ~~فلاحون وثيران تلوح كالدمى تكاد تبتلعها الأرض، وسوائم ~~ترعى، وفوق هذا كله سماء الخريف متلفعة ببياض شاحب ينحسر في ~~أكثر من موضع عن بحيرات من زرقة صافية. ومر القطار بجدول ~~صاف ذابت أشعة الشمس على سطحه زئبقا يبهر الأعين، ورأى أسلاك ~~البرق في أمواجها المتواصلة تشملها حركة منتظمة كأنها تسبح في ~~الفضاء على وقع ms135 طقطقة القاطرة الرتيبة، ثم مد بصره كرة ~~أخرى إلى الأرض المنبسطة، الصامتة الصابرة، الخيرة، فذكر دون ~~وعي أمه! كهذه الأرض الخضراء صبرا وجودا، والدهر يحرثها ~~بسنانه! لم يعد بوسعها أن تقوم بزيارة محترمة لأنها لا تجد ~~الثياب اللائقة! وتغيمت عيناه فغابت عن ناظريه بهجة المنظر، ~~ودعا الله أن يرزقه حتى يرفه عن أمه المتصبرة وأسرته ~~المتجلدة؛ «يا للعجب! إن مصر تأكل بنيها بلا رحمة. ومع هذا ~~يقال عنا إننا شعب راض، هذا لعمري منتهى البؤس، أجل غاية البؤس ~~أن تكون بائسا وراضيا، هو الموت نفسه! لولا الفقر لواصلت ~~تعليمي هل في ذلك من شك؟ الجاه والحظ والمهن المحترمة في ~~بلدنا هذا وراثية، لست حاقدا، ولكني حزين؛ حزين على نفسي وعلى ~~الملايين، لست فردا ولكنني أمة مظلومة، وهذا ما يولد في ~~روح المقاومة ويعزيني بنوع من السعادة لا أدري كيف أسميه، ~~كلا لست حاقدا ولا يائسا أيضا، وإذا كانت فرصة التعليم العالي ~~قد أفلتت من يدي، فلن تفلت من يد حسنين، وربما وجدت نفيسة ~~الزوج المناسب، سوف ترد الروح إلى أسرتنا فنذكر أيامنا السود ~~بالفخار.» ولاحت منه التفاتة إلى يساره فوجد الأفندي الذي كان ~~يتصفح الجريدة قد طواها ونظر إليه نظرة من ضاق بالوحدة والصمت، ~~وكأنه كان ينتظر هذه الالتفاتة العارضة فقال بلا داع ولا تمهيد ~~وهو يلوح له بالجريدة المطوية: لولا الطلبة ما ائتلف ~~الزعماء، من كان يتصور أن يجلس صدقي مع النحاس على مائدة ~~واحدة؟ # ورحب حسين بالحديث ليريح رأسه من أفكاره وقال: هذا حق يا ~~سيدي. ~~- ومن كان يصدق أن يعترف الإنجليز بأن مصر دولة مستقلة ~~ذات سيادة، وأن ينزلوا عن التحفظات الأربعة؟ .. أتظن أن تلغى ~~الامتيازات حقا؟ ~~- أعتقد هذا. # فقال الرجل بسرور: سيحكم النحاس إلى الأبد، انتهى عهد ~~الانقلابات، حضرتك وفدي؟ ~~- نعم. ~~- قرأت هذا في سماحة وجهك، الوطني هو الوفدي، وما الأحرار ~~الدستوريون إلا إنجليز بطرابيش، بصرف النظر عما يقال عن ~~الائتلاف وفوائده. ~~- هذا حق لا شك فيه. ~~- حضرتك مسافر إلى الإسكندرية؟ ~~- إلى طنطا فقط. ~~- شي الله ms136 يا سيدي يا بدوي، لقد عشت في طنطا أعواما. # ولاح الاهتمام في وجه حسين فسأل: إني موظف جديد، فهلا دللتني ~~على فندق معتدل الأسعار، يصلح للإقامة؟ # فجعل الرجل يدعك ذقنه بيده متفكرا ثم قال: عليك بفندق ~~بريطانيا بشارع الأمير فاروق لصاحبه ميشيل قسطندي. # يمكن أن تقيم في حجرة نظير جنيه ونصف شهريا. # ثم تحدثا طويلا عن الإقامة في الفنادق، وسكنى الشقق ~~والمفاضلة بينهما. # 49 # كانت حجرته بالفندق صغيرة، ذات فراش لشخص واحد وصوان ~~ومقعد خشبي ومشجب، وكان جوها يشي بالرطوبة الكامنة؛ إذ كان ~~بها نافذة واحدة تفتح على عطفة جانبية ضيقة ويحول بينها وبين ~~الفضاء جدار بيت قديم، فلم تجد الشمس سبيلا إليها. وكان يوجد ~~بالفندق حجرات تطل على شارع الأمير فاروق، ولكنها مرتفعة ~~الإيجار، فعدل عنها إلى هذه الحجرة البسيطة قائلا لنفسه: «من ~~العدل أن أعيش كما يعيشون في عطفة نصر الله.» وكان أول ما فعل ~~أن فتح النافذة وأطل منها مدفوعا بحب الاستطلاع، فوقع بصره ~~على عطفة حقيرة، تقوم على جانبيها بيوت قديمة، فعجب للفارق ~~الكبير بينها وبين الشارع الذي تتفرع منه، ثم رأى جدار البيت ~~الذي يحجب عنه الفضاء فداخله ضيق وأيقن بأنه لن يظفر في وحدته ~~بتسلية. وتحول عن النافذة إلى مرآة الصوان فطالع صورته في ~~هيئة غريبة؛ بدا وجهه طويلا وقسماته شائهة إلى ما تناثر على ~~صفحتها الباهتة من إفرازات الذباب، فتضاحك وقال مخاطبا صورته: ~~«إني أجمل منك بفضل الله ورحمته.» ثم مضى يخلع ثيابه، وارتدى ~~جلبابه، ورتب ملابسه القليلة في الصوان الذي بدا على صغره ~~فارغا، والواقع أنه لم يكن يملك غير بدلة وجلبابين وملابس داخلية ~~من نسختين، وجميعها قديمة عملت بها يد الرفو والترقيع، وعلي سبيل ~~الاطمئنان دس يده في جيب الجاكتة وأخرج رزمة الجنيهات، وعدها ~~ثم أعادها إلى مكانها وقد عاودته ذكرياته الأليمة، ثم ذهب إلى ~~الفراش وتربع عليه. لا يدري ماذا يفعل في بقية النهار، ولما لم ~~يجد أحدا يحادثه ولا عملا يعمله فقد استسلم بكليته إلى ~~التأملات والأحلام. وشعر بالوحدة ms137 والدهشة، وأدرك أنه سيعاني مر ~~العناء من فراغه، أجل إنه يحب القراءة، ولكن حتى إذا أمكنه ~~ابتياع ما يريده من الكتب فسيظل لديه من الفراغ ما يضيق به، لم ~~يألف الحياة في هذا الصمت الثقيل، وشعر في وحدته الصامتة بأنه ~~شيء ضائع تافه لا يحفل به أحد ولا يأبه له أحد؛ أين صوت حسنين ~~الحاد العصبي الذي لا يفتأ يضج بالضحك أو بالشكوى، أين صوت ~~نفيسة الرفيع وتعليقاتها اليومية الساخرة على الجيران والحوادث، ~~ولكنه لم يشأ الاستسلام لشعوره، وآثر أن يبحث شئون ميزانيته التي ~~سينظم معيشته على أساسها، مرتبه سبعة جنيهات، مبلغ لا بأس به ~~في ذاته، لولا ما يحدق به من ظروف. منه أجرة سكن 150 قرشا، و200 ~~قرش للأكل لا يجوز له أن يتعداها بحال، فول للفطور، وطبق ~~خضر باللحم وأرز ورغيف للغداء، وحلاوة طحينية أو جبن ~~للعشاء، وإذا دعا الأمر أقلع عن العشاء كما اعتادوا أن يفعلوا ~~طوال العامين المنصرمين، ومهما يكن من أمر فلن يسمح لمعدته بأن ~~تكون مصدرا للمتاعب والارتباك، إنه أعظم من هذا، وبوسعه أن ~~يقرر هذه الحقيقة الآن، وهو في مأمن من معارضة حسنين، وأن تحمل ~~المضايقة في سبيل الحياة التي يرضى فيها عن نفسه لألذ من شهوة ~~الطعام. ثم 200 قرش لأمه، وهو قدر زهيد، وكان بوده لو ~~يضاعفه ولكن لا حيلة له؛ فلم يبق لنفقاته النثرية وكسائه إلا ~~150 قرشا، فيما عدا الضرائب التي تخصم عادة من المرتب. ثم ~~تساءل فيما يشبه الحيرة؛ ألا يمكنه أن يقتصد ولو مبلغا قليلا ~~في صندوق التوفير؟! إنه لا يطيق الحياة بلا اقتصاد من أي قدر ~~كان، ولا يظن أن إنسانا احتضنته أم كأمه يستطيع أن يمارس ~~الحياة بلا اقتصاد. والحق أن أمه بين النساء كألمانيا بين ~~الدول، قادرة على الاستفادة من كل شيء، ولو كان زبالة! كانت ~~ترقع البنطلون حتى إذا بلغ اليأس قلبته، فإذا أدركه اليأس مرة ~~أخرى قصت أطرافه وجعلت منه سروالا داخليا، ثم تصنع من بعضه ~~طاقية وتستعمل بقيته ممسحة، ولا ms138 يلفظه البيت إلا فتيتا. لا ~~بد من الاقتصاد مهما كلفه الأمر، وإن قسوة الحياة التي عضتهم ~~بلا رحمة لحرية بأن تجعل من الاقتصاد عقيدة لهم، وعندما بلغ ~~هذا الحد من التفكير تداعت إلى نفسه مشاعر الخوف التي كانت ~~تعذب أسرته بسبب وبلا سبب، والتي لم يكن من باعث لها إلا ~~الفقر، أجل كانوا في خوف دائم من أن تزيد النفقات الضرورية على ~~الإيراد المحدود؛ كأن يتعرض أحدهم للمرض، أو يجد من ناحية ~~المدرسة طلب، أو تتعطل نفيسة عن الكسب ردحا من الزمن، أو أو أو ~~... مما لا يقف عند حد، أواه! لشد ما يشعر بغمز الألم في صميم ~~قلبه وهو يجتر هذه الذكريات! ومن خلالها يتراءى لعينيه وجه أمه ~~المعروق الجاف كمثال حي للصبر والألم، أحب الوجوه إلى ~~قلبه على بؤسه ودمامته، ومن عجب أن نفذت إلى نفسه - وقتذاك - ~~نسمة مطلولة بغتة لشعوره بأنه بات قادرا على التخفيف عنها مما ~~يثقل كاهلها، أجل إنه من الغد موظف من موظفي الدولة، وبعد ~~أعوام قصيرة أو طويلة يصبح حسنين موظفا أيضا من درجة أعلى، ~~وسيفاخر هو مدى الحياة بأنه قنع بشهادة متوسطة لييسر لأخيه ~~الحصول على شهادة عليا، ترى هل يذكر حسنين هذه العبر؟ إنه ~~يبدو مشغولا بأمر نفسه عما عداها، ذكي بلا ريب، ومجتهد، بيد ~~أنه ... آه فليمسك عن نقده في غربته؛ فما أشد حنينه إليه! وما ~~أكبر شوقه حتى إلى عناده وملاحاته! ومزق الصمت صفير قطار قطع ~~عليه أفكاره وخفق قلبه، وكان الفندق غير بعيد من المحطة، فلم ~~يكن بد من أن تذكره القطر بين آن وآن بالقاهرة وأهلها، ~~وعاودته ذكريات الوداع فنهشت قلبه حتى سح حنينا دافقا، ثم ~~غشيت قلبه سحابة مظلمة من الوحشة والكآبة، فقال لنفسه ~~يصبرها ويعزيها: لعلها ضريبة اليوم الأول للفراق، ثم يهون ~~الأمر رويدا رويدا، وتحير ماذا يفعل؛ هل يقضي سحابة اليوم في ~~هذه الحجرة أو ينطلق إلى الخارج ليجول جولة في المدينة الجديدة، ~~ثم خطر له خاطر هبط على نفسه كما تهبط أداة النجاة ms139 على ~~المتخبط بين الأمواج، وهو أن يكتب رسالة لأخيه، وجاء بخطاب ~~وبدأ يكتب بلا توان، فوصف رحلته والفندق وصاحبه قسطندي، وحجرته ~~وأشواقه، ثم حمله تحياته إلى أمه ونفيسة، ثم توقف متسائلا ~~هل يهدي تحية إلى بهية؟ هل يذكرها بالاسم، أو يصفها بخطيبة أخيه ~~أو يقنع بتحية عامة لأسرة فريد أفندي؟ ثم آثر الأخير بعد ~~تردد طال أكثر مما ينبغي. # 50 # وغادر حجرته في الصباح الباكر، ولكنه وجد الخواجا ميشيل ~~قسطندي جالسا إلى مكتبه البالي عند أسفل السلم، وقد سأله ~~الرجل عما إذا كان يحتفظ بشيء ثمين في حجرته، فابتسم حسين على ~~رغمه، وقال له: «الأشياء الثمينة في جيبي!» وانطلق إلى الطريق، ثم ~~قصد إلى مطعم فول في نهايته كان عرف موقعه في أثناء جولته أمس ~~بالمدينة، وتناول فطوره، ولفت نظره بصفة خاصة سلطة حمص لم ~~يعرف لها نظيرا في القاهرة، وتمشى في المدينة حتى التاسعة ثم ذهب ~~إلى المدرسة الثانوية؛ ليقدم نفسه إلى الباشكاتب ويتسلم عمله ~~رسميا. وقد اهتزت نفسه لمرأى المدرسة، وعاودته ذكريات ~~قريبة حية لاحت في عينيه كالحلم، وعرف البواب بشخصيته، فمضى به ~~إلى حجرة الباشكاتب، وطلب إليه أن ينتظر حتى يحضر الرجل عما ~~قليل. وجلس حسين على كرسي قريبا من المكتب، وجعل ينظر خلل الباب ~~المفتوح إلى فناء المدرسة في جو يثقل عليه الصمت. بعد أسبوع ~~يبدأ العام الدراسي وتمتلئ هذه المدرسة بحياة حارة. وذكر كيف ~~كان - منذ أشهر- يقضي أسعد أوقاته بالمدرسة في مثل هذا الفناء، ~~وكيف كان يمتلئ خشوعا حيال أي موظف من موظفيها. إنه الآن أحد ~~هؤلاء الموظفين، بيد أنه لم يستسلم للزهو، إن التلميذ حلم، ~~أما الموظف فحقيقة، التلميذ مشروع مستشار أو وزير أما ~~الموظف فدرجة ثامنة لا أكثر. ولم يطل به الانتظار؛ فما عتم أن ~~صكت أذنيه سعلة غليظة ونحنحة عميقة ثم أزيز بصقة، ورأى ~~على الأثر رجلا يقتحم الحجرة مهرولا، قصير القامة، رقيق الجسم، ~~كروي الوجه، أعمش العينين، تعلوه صلعة ناصعة البياض، وقد قبض ~~على طربوشه بيد وراح يجفف صلعته بمنديل باليد ms140 الأخرى، وما إن ~~وقعت عيناه على الشاب حتى صاح به: بسم الله الرحمن الرحيم، كيف ~~طلعت هنا؟ هل بت ليلتك في حجرتي؟ تلميذ مستجد؟! # فوقف حسين مرتبكا وقال: أنا يا بيك الكاتب الجديد حسين كامل ~~علي. # فقهقه الرجل ضاحكا، ولكن أدركه السعال وعاودته النحنحة، ~~فامتلأ فمه مرة أخرى ونظر حوله في حيرة، ثم جرى إلى الخارج، ~~وغاب نصف دقيقة، ثم عاد أحسن حالا وهو يقول كالمعتذر: لعن الله ~~البرد، أصاب به كل مطلع فصل من فصول السنة، فتجدني في حيرة ~~دائمة ما بين فصول السنة وفصول المدرسة، لا مؤاخذة يا حسين أفندي، ~~السلام عليكم أولا. # فمد حسين يده مبتسما وهو يرد تحيته بأحسن منها، ثم جلس ~~الرجل إلى مكتبه ودعاه إلى الجلوس فجلس، وأنشأ الباشكاتب يقول: ~~اسمي حسان حسان حسان، العادة في أسرتنا أن يتسمى الابن الأكبر ~~باسم أبيه، ألم تسمع بأسرة حسان بالبحيرة؟ كلا؟! كلا، كلا يا سيدي، ~~الله الغني، التلاميذ الكلاب يدعونني بحسان أس 3. # فضحك حسين ملء قلبه، ولكن الرجل حدجه بنظرة انتقاد من بصره ~~الأعمش، وقال: علام تضحك؟ ألم تتخلص بعد من عقلية التلاميذ؟ ~~وبهذه المناسبة أقول لك إني رجل عصبي جدا، ولكن قلبي طيب، ~~وكثيرا ما ألعن أبا أحسن واحد، بلا قصد سيئ ومع الاحترام ~~الكلي للشخص الملعون! فافهمني ولا تنس أني في سن والدك! # فقال حسين في ارتباك شديد: لن يحصل بيننا ما يثير الغضب إن ~~شاء الله. ~~- إن شاء الله، أحببت أن أعرفك بنفسي، هذا كل ما هنالك، إني ~~ألعن نفسي كثيرا، اللعن مريح في أحايين لا حصر لها، ولولاه ~~لمات كثيرون كمدا! ستعلم عما قريب معنى العمل في مدرسة، (ثم ~~متنهدا) وصل الكتاب الخاص بتعيينك من الوزارة (وبحث عنه في ~~أوراقه حتى وجده) وهو الرقيم 1175 بتاريخ 26 من سبتمبر 1936، وقد ~~جئتنا ونحن في أشد الحاجة إليك، وستبدأ الآن في مراجعة كشوف ~~الأسماء والمصروفات، لقد تزوج الكاتب السابق من كريمة مفتش ~~بالوزارة، فنقله فجأة إلى القاهرة، حضرتك متزوج يا حسين ~~أفندي؟ # فقال حسين ms141 مبتسما: كنت تلميذا حتى الربيع الماضي! ~~- وهل تظن أن التلمذة مانعة من الزواج؟ لقد تزوجت وأنا ~~تلميذ بالثانوي، وهذه أيضا من عادات أسرتنا كتسمية الابن الأكبر ~~باسم أبيه، وكان لنا عادات أخرى عظيمة، أبطلها صدقي باشا لا ~~سامحه الله. # فنظر حسين متسائلا، فاستدرك الرجل في حزن قائلا: والدي حسان ~~بك وفدي كبير، وأحد أعضاء الهيئة الوفدية، وقد طالبه صدقي ~~باشا أثناء حكمه المشئوم بالانفصال عن الوفد، ولما أبى كما ينتظر ~~منه حرمه معونة بنك التسليف في عز الأزمة، فبيعت الأرض وضاعت ~~الثروة. # فقال حسين: ولكن النحاس عاد إلى الوزارة؟ ~~- ولكن الأرض ضاعت، والأدهى من هذا كله أن صدقي انضم إلى ~~الوطنيين، وقد خطب أول هذا العام في مستقبليه بدسوق، فبلغهم ~~تحيات «زعيمي النحاس» يا خسارتك يا حسان حسان حسان! # فتظاهر حسين بالتأثر وغمغم: ربنا يعوضكم عن خسارتكم ~~خيرا. # فهز الرجل رأسه، وسكت دقيقة، ثم قال: حظك سعيد إذ عينت في ~~المدرسة بعد أن ولى عهد الإضراب، كادوا يحرقون بنا المدرسة أثناء ~~المظاهرات الأخيرة، لعن الله المظاهرات والطلبة وصدقي باشا، أين ~~تقيم يا حسين أفندي؟ ~~- في فندق بريطانيا. ~~- فندق؟! خيبك الله! معذرة، أعني سامحك الله، الفنادق مقام ~~غير صالح للإقامة الطويلة، ويجب أن تبحث فورا عن شقة ~~صغيرة. ~~- ولكني لم أحمل معي أثاثا؟ # فتفكر حسان أفندي وهو يقرض أظافره باهتمام طارئ، ثم قال: فرش ~~حجرة لن يكلفك كثيرا، ويمكن أن تؤدي ثمنه مقسطا بضمانتي ~~إذا شئت. # وعاود التفكير وهو يتفرس وجه الشاب واستطرد: توجد شقة مكونة ~~من حجرتين على سطح البيت الذي أقيم فيه، لن تزيد أجرتها عن ~~جنيه واحد، فما رأيك؟ # ثار اهتمام حسين لأول مرة بعد سماع قيمة الإيجار فقال: ~~سأفكر في الأمر جديا. ~~- الأمر واضح مثل 1 + 1 = 2، والآن هلم إلى العمل؛ فإن ~~الأوراق أكوام مذ تزوج ابن القديمة ونقل إلى القاهرة. # 51 # وقرر حسين أفندي أن يبقى في الفندق حتى يتسلم مرتبه أول الشهر ~~الجديد، وأخذ يقتنع بمرور الأيام بوجوب الانتقال إلى شقة خاصة ~~يتهيأ له فيها ms142 الشعور بالاستقرار والطمأنينة على وجه أفضل، ~~وكان حسان أفندي دائبا على تزيين فضائل الإقامة في شقة له، حتى ~~هل الشهر الجديد، فابتاع له فراشا وصوانا صغيرا ومقعدا ~~بحوالي الجنيهين تم الاتفاق على أدائها على أربعة أقساط بضمان ~~حسان أفندي، ولما كان إيجار الشقة جنيها فلم تزد نفقاته شيئا، ~~وكانت الشقة الجديدة تشغل نصف سطح البيت الذي يقيم حسان أفندي ~~بطبقته الوسطى، وكانت مكونة من حجرتين غير المرافق. فأغلق ~~الشاب حجرة لعدم الحاجة إليها وفرش الأخرى بالأثاث الجديد وكان ~~للحجرة نافذة تطل على شارع ولي الله - حيث يوجد مدخل البيت - ~~وينسرح أمامها الفضاء بلا عائق لارتفاعها عما حولها، فشعر ~~الفتى - بعد ضيق - براحة الفضاء وطلاقة الجو، وسر لذلك كثيرا، ~~وكان يوم انتقاله إلى الشقة الجديدة يوما سعيدا حقا، إذ إنه ~~وجد نفسه - لأول مرة في حياته - صاحب بيت وأثاث مرتب. ولم ~~يكن نسي ذلك الإحساس اللطيف بالارتياح والسرور الذي انبعث في ~~نفسه وهو يتسلم مرتبه صباح ذلك اليوم، ولا كيف دارى ابتسامة ~~انطلقت من قلبه إلى شفتيه؛ حياء أن يطلع الصراف على ~~فرحه، ولكن هذا السرور كله لا يعد شيئا إلى السرور الذي ~~امتلأ به قلبه وهو يبعث بالجنيهين إلى أمه، كانت لحظة عظيمة عرف ~~أثناءها أن صبره الطويل لم يذهب سدى، وما كاد يستقر به المقام ~~حتى زاره حسان أفندي مهنئا وقال له: «لن تكون غريبا ما دمت ~~بيننا» فشكر له فضله وحفظ له في نفسه من الامتنان ما هو خليق ~~بقلبه الشكور، وغفر له ما يلقى منه في المدرسة من حدة الطبع ~~وسوء التصرف، والارتباك في العمل، والحق أنه قد ألف هوسه، ~~متعزيا بطيبة قلبه وخفة روحه، ولم يرض حسان أفندي أن يتركه ~~منفردا، ودعاه إلى قضاء سهرته بشرفة شقته، فذهب معه مغتبطا، ~~وجلسا معا وحسان أفندي يقول: يبدو لي أنك لا تحب المقاهي، فاجعل ~~من هذه الشرفة ناديك الليلي. # وكانت الشرفة مهيأة للجلسة الطيبة ففي جانبها الأيمن ~~كرسيان من القش، بينهما خوان وفي الجانب الآخر شلتة كبيرة تقوم ms143 ~~وراءها وسادة، وعلى خوان في ركن من الشرفة وضعت صينية صفت بها ~~قلتان وإبريق، وقد عام على الماء المجتمع في وسطها الليمون ~~البنزهير، وراح حسان أفندي يتحدث بلا توقف تقريبا وكيفما اتفق، ~~وقد بدا في جلبابه الفضفاض أصغر منه في البدلة فلم يكن شيئا ~~يذكر، أو كان لسانا فحسب. ورحب حسين بالجلسة لما عاناه من ~~الفراغ في الأسابيع الماضية، فلم يكن يدري ماذا يفعل بالوقت، ولم ~~تنفع القراءة في تزجية فراغه، إلا قليلا، لا لأنه كان يضيق بها، ~~ولكن لأن نقوده لم تسعفه بشراء ما يحب من الكتب فاكتفى مضطرا ~~بكتاب غير الجريدة اليومية، وجرب الاختلاف إلى المقهى، ولكنه ~~لم يهش له، وخاف أن يجره إلى بعثرة نقوده المعدودة فيما لا ~~يجدي، وكان بطبعه حريصا؛ لهذا كله رحب بدعوة حسان أفندي ~~وصدقت نيته على أن يجعل منها تسلية محبوبة مهما كلفه هذا. ~~وتأدى الحديث إلى الشقة الجديدة فقال حسان أفندي: لا يهمك تنظيف ~~شقتك؛ فقد أمرت الخادم بأن يتعهدها بالتنظيف كل صباح، وسوف ~~أوصي غسالة تعرفها «الجماعة» بأن تذهب إليك كل يوم ~~جمعة. # فشكر حسين صنيعه في حياء وتأثر، ولكنه تضايق بعض المضايقة ~~لأنه كان يستطيع أن ينظف حجرته بنفسه، ولأن قيام الخادم بهذه ~~الخدمة اليومية يوجب عليه أن ينفحه ببعض النقود بين آن وآخر، ~~الأمر الذي لا يمكن أن يتقبله بارتياح، وضحك حسان أفندي بسرور ~~ثم قال: أما مفاجأة المفاجآت التي أعدها لك فهي النرد .. هل ~~تجيد لعبها؟ # فقال حسين بسرور: بعض الإجادة. # فغادر الرجل الشرفة في حماس ثم عاد بالنرد ووضعها على ~~الخوان، وهو يقول بفخار صبياني: أنا بحمد الله خير من يلعبها ~~بالوجه البحري، وربما بالقبلي أيضا. # سر حسين حقا بهذه التسلية التي لم يكن يتوقعها وتساءل: عادة ~~أم حبس؟ # فقال حسان أفندي بثقة: اختر لنفسك ما تشاء؛ إنك على ~~الحالين لمغلوب. # وبدآ يلعبان. وقد اتضح لحسين أن حسان أفندي يرش وجه المستمع ~~إليه عن قرب برذاذ ريقه إذا حادثه؛ فأمل أن يلهيه اللعب عن ~~الكلام، ولكنه ms144 كان يواصل اللعب والكلام معا، وكان اللعب نفسه ~~يهيئ له فرصا لا تنتهي للثرثرة، فكان يعلق على أية نقلة ~~للقطع مزهوا بلعبه ساخرا من لعب الشاب، ثم صاح به بعد أن ~~غلبه أول عشرة: العن سوء الحظ الذي رمى بك بين يدي، وهيهات ~~أن تذوق الفوز ما دمت حيا. # وعاودا اللعب بحماس وتحفز، وانهمك فيه حسين انهماكا ~~شديدا ؛ فلم يفق حتى طرق سمعه صوت أقدام خفيفة تقترب من ~~الشرفة، والتفت نحو الباب بحركة عكسية، فرأى فتاة تحمل بين ~~يديها صينية شاي، وسرعان ما استرد بصره في حياء، وارتبك لأنه ~~أدرك من أول نظرة أن الفتاة لا يمكن أن تكون خادمة، وأحس ~~بشخصها إحساسا غامضا، وهو ينحني قليلا ليضع الصينية على كرسي ~~خيزران، ثم به وهو يذهب مبتعدا، ولم يكن بصره قد ارتد عنها ~~فارغا، أجل، علقت به صورة وجه ممتلئ يميل إلى البياض، وعينين ~~سوداوين - أو لعلهما عسليتان؟ - ذواتي نظرة مليحة. ولبث في ~~ارتباكه مورد الوجه على حين أمسك حسان أفندي عن ثرثرته بغتة، ~~ثم عاد يقول بصوت منخفض: هذه ابنتي إحسان، لم أر بأسا في أن ~~تقدم لنا الشاي ما دمت أعدك كأحد أبنائي. # وحرك حسين شفتيه كأنه يتكلم، ولكنه لم ينبس بكلمة، وقال حسان ~~أفندي وهو يصب الشاي في القدحين: البنت في البيت نعمة كبرى، ~~لقد تزوج أخواتها؛ واحدة في القاهرة، واثنتان في دمنهور ولم ~~يبق غيرها! # تمتم حسين في ارتباك: ربنا يفرحك بها. # ومضيا يحتسيان الشاي في صمت، وأخذ الارتباك يذهب عن حسين ~~مخلفا وراءه شعورا بالحرج، لم يدر له سببا واضحا، أو لعله ~~تهرب من السبب وتجاهله. ووجد إلى هذا أنه لا يزال متأثرا بما ~~علق في مخيلته من صورة الفتاة على غموضها، تأثرا يعرفه في نفسه ~~حيال أية فتاة، ولا دلالة خاصة له سوى أنه انفعال مكتوب على ~~كل شاب بصفة عامة، وكل شاب بكر بصفة خاصة، ولعل انبعاثه هذه ~~المرة في بيت - لا في الطريق ولا في الترام - هو الذي أشاعه في ~~جو من ms145 الحيرة والبهجة والعمق. وكان حتما أن يفكر في أمور أخرى ~~بعيدة عنه بعد القاهرة، فتساوره مشاعر خوف وحذر، ولبث حسان ~~أفندي يراقبه صامتا، ثم ضاق بالصمت فقال: اشرب شايك وتأهب ~~للعشرة الآتية، وقعت في مخالبي ولا نجاة لك. # 52 # كانت على درجة من الحسن تسوغ تأثره، وقد صدق ظنه فيما ~~تلا من أيام وأسابيع فرآها في الطريق بصحبة أمها ، ولمحها في ~~البيت أكثر من مرة، ومن حسن الحظ أنها لم ترث من هيئة أبيها ~~إلا خديه المنتفخين، ولكنهما جعلا لها طابعا خاصا، ولم ~~يقبحا وجهها، وأدرك بسهولة أن شقة حسان أفندي باتت تجذبه إليها ~~بقوة لا يبررها نشدان التسلية وحده. وكان يمتلئ شبابا ~~وحيوية، فكأن قلبه كان ينتظر أول طارق، وسرعان ما ترعرعت ~~بين جنبيه عاطفة يضطرم فيها الميل والرغبة والإعجاب، فرامها ~~أنسا لوحشته وريا لظمئه، ولكن لم تغب عنه دقة موقفه لحظة ~~واحدة من بادئ الأمر، فلم يكن يغفل عن متاعبه، ولم يدر له بخلد ~~أن يتراخى في القيام بواجبه، بيد أنه لم يعالج أمره بالحزم، ~~وكان هذا فوق طاقته، وكان عليه أن يختار بين الإغضاء من ناحية ~~وبين الانزواء في حياة جافة موحشة لا نسمة فيها ولا أمل. ~~واشتدت به الحيرة، وفكر مرارا في العودة إلى الفندق منتحلا ~~عذرا من الأعذار، ولكنه لم يفعل، ثم وجد نفسه يسلم للأقدار، ~~تاركا لها الأمر كله تقضي فيه بقضائها. وتواصلت الأيام دون أن ~~يجد جديد، وكان نادرا ما يرى الفتاة، ولكنها لم تغب عن ~~خاطره قط، أما حسان أفندي فلم يخرج عن مألوف ثرثرته، وتجاهل ~~الأمر كله. وفي أثناء ذلك لم تنقطع عنه أخبار أسرته بفضل رسائل ~~حسنين التي لا تترك كبيرة ولا صغيرة، فكأنه يواصل حياته بينهم، ~~ويشاركهم عواطفهم جميعا. وقد أخبره بأن أمه قررت أن ترصد ~~النقود التي يرسلها لضرورات الكساء وحده، وأنه ظفر منها بجاكتة ~~جديدة يرتديها مع البنطلون القديم، وأنها ابتاعت لنفسها روبا ~~ترتديه فوق فساتينها الخفيفة فيكسبها دفئا تستغني به عن ~~الملابس الصوفية، وكان من نتائج ms146 ذلك - رصد نقوده لضرورات الكساء - ~~أنهم لم يستطيعوا الانتفاع بها في تحسين حالهم الغذائية التي ~~ظلت على ما يعلم من التفاهة والسوء. وحدثه عن نفيسة فقال إنها ~~تظفر من آن لآن بتقدم يسير وأن الأم لم تعد تستولي على جل ~~كسبها كما كانت تفعل قبل ورود نقوده، فتوفر لديها مال قليل ~~تنفقه على ثيابها، كي تظهر أمام الناس بالمظهر اللائق بهم، أما ~~حسن فيبدو أن حياته الجديدة تستأثر به استئثارا شغله عنهم، أو ~~لعله ظن بعد توظفه - حسين - أنهم لم يعودوا بحاجة إليه، ~~فانقطع عنهم انقطاعا كليا. وواصل موافاته بأنباء استعداده ~~لامتحان البكالوريا في نهاية العام قائلا إنه يستبسل في مذاكرته ~~لأنه يعلم ما يعنيه سقوطه. وفي آخر رسالة وردت منه تودد إلى ~~أخيه توددا كبيرا، ثم سأله في ختامها هل يطمع أن يمده بثمن ~~بنطلون منجما على أشهر ثلاثة؛ نظرا لأن الجاكتة الجديدة قد ~~فقدت بهاءها فوق البنطلون القديم الناحل؟ ووقف حسين عند هذا ~~الرجاء متفكرا، لا يدري إن كان يستطيع أن يحقق له رغبته دون ~~مساس بالقدر الذي يودعه صندوق التوفير. لكن فيم يفكر وهو يعلم ~~بأنه لن يخيب لحسنين رجاء؟ ربما كان بوسعه أن يزجره لو لم ~~يفرق بينهما هذا البعاد، ولكن البعاد رقق قلبه، وجعل حنينه ~~إلى أهله قوة لا تقاوم. أجل إنه حريص لا يرحب بتاتا ببعثرة ~~النقود، لكن حرصه يتخلى عنه بلا عناء كبير إذا كان البذل ~~لأهله. لن يضيره التقتير على نفسه ثلاثة أشهر كثيرا في سبيل ~~إرضاء حسنين. إنه يعرفه حق المعرفة، ويعلم بأنه يعد ما يقدم ~~له من خير واجبا على الآخرين، فإذا لم يسعفه بالبنطلون نسي في ~~حنقه صنيع الجاكتة. ووجد إلى هذا شعورا غريبا يدفعه إلى أن ~~يغمر بجميله الفتى الذي يؤمن بأنه سيكون له مستقبل باهر غدا. ~~لقد ضحى بمستقبله في سبيله، وينبغي أن تكون التضحية كاملة. ~~وعاوده ذلك الشعور السعيد الحزين بأنه الضحية الصابرة على ~~الأقدار التي تجهمت لهم، وأنه الدرع الذي يتلقى الضربات دون ~~أن يتحطم، ms147 إنه عزاء يستمد منه قوة وسرورا، ويضفي على حياته ~~معنى خلقيا باهرا. # ثم حدث ما لم يقع له في حسبان - هكذا قال لنفسه وإن لم يكن ~~صادقا - إذ كان يوما يجالس حسان أفندي ويتنازعان الحديث ~~كالعادة، فسأله الرجل: ألم تفكر في الزواج؟ # فاضطرب الشاب، وشعر بما يشبه الذعر، ثم غمغم قائلا: ~~كلا. # فرفع الرجل حاجبيه مستنكرا وقال: وفيم تفكر إذن؟ ولماذا ~~تعيش؟ هل تظن للرجل من غاية، خاصة إذا اطمأن جانبه ~~بالوظيفة، سوى الزواج؟ # وتردد حسين قليلا ثم قال: علي واجبات خليقة بالتقديم ~~عما عداها. # ثم صارحه بما يكتنف أسرته من متاعب مستعينا بالمبالغة ~~أحيانا، حتى يقوي مركزه حياله. وأصغى الرجل إليه باهتمام ~~حتى انتهى من قصته، ولكنه لم يبد عليه الاقتناع، ولم يكن على ~~استعداد للاقتناع ما يحول بينه وبين أمانيه، ثم هز رأسه ~~الأصلع باستهانة وقال: أراك تبالغ في تقدير خطورة الحال، ~~حسبك الصبر حتى يحصل أخوك على البكالوريا، ثم تكون في حل من ~~التحرر من مسئوليتك، وعليه هو أن يتوظف بدوره، النحاس باشا ~~نفسه تزوج، فهل ترى نفسك أكبر مسئولية منه؟! # فضحك حسين في ارتباك وقال: ولكن أخي مصمم على استكمال ~~تعليمه. # فعاد الرجل يقول هازئا: اسمع؛ إذا كانت لك أهداف في الحياة ~~كإعادة دستور سنة 1923 مثلا فالأخلق بك أن تؤجل زواجك، ولكن ~~دستور سنة 1923 قد عاد والحمد لله، فلماذا لا تتزوج؟ يجب أن تتزوج ~~في نهاية هذا العام حال توظف أخيك، أما إذا أصر على تكملة ~~تعليمه ووافقت والدتك على هذا فلا يحق لها أن تعارض في ~~زواجك، أجل، لا يحق لها أن تدلل واحدا على حساب حرمان ~~الآخر من حقه الأول في الحياة. # ووجد حسين حديث الرجل مؤثرا أكثر منه مقنعا، ولكنه لم يشأ ~~أن يقطع بالرفض؛ أن تنفصم ما بينه وبين الرجل من أسباب المودة، ~~فقال: أعتقد أنه من الممكن أن أحقق آمالي دون أن أقضي على ~~آمال أخي. # وكان حديث الزواج يدور دون هدف معين في الظاهر، ولكن ~~التفاهم الصامت عن ms148 الهدف كان تاما بينهما، وسبقت إليه إشارات ~~فيما ينشأ بينهما من أحاديث كل مساء، وكأن حسين لم يشأ أن ~~يقنع بهذا القدر من التفاهم فقال في حياء شديد: وأظن آنسة ~~إحسان لم تعد أولى خطى الشباب. # فضحك الرجل عاليا وقال: إحسان صغيرة طبعا، ولكن الزواج لم ~~يخلق للكبار. # لم يتقدم الموقف عن هذا الحد فيما تلا ذلك من أيام، حتى اقترح ~~حسان أفندي أن يقدمه لبعض أقاربه في حفل عائلي فلم يسع ~~حسين إلا القبول، وخجل أن يظهر أمام الأقارب بمظهره الذي لا ~~يسر حبيبا، وركبه فجأة ما يشبه الجنون - هكذا وصفه فيما بعد ~~- ففصل بدلة جديدة على أقساط، وابتاع حذاء وطربوشا مدفوعا ~~إلى هذا كله بعواطفه ونزوته الطارئة حتى إذا جاء أول الشهر أدرك ~~أنه من المستحيل أن يرسل النقود إلى أمه، وأرسل بدلا منها ~~خطاب اعتذار كاذب يقول فيه إن مرضا ألم به، وإنه أنفق في ~~العلاج ما ناءت به ماهيته المحدودة. وقد كتب الرسالة بيد باردة ~~ونفس منقبضة، مقتنعا في أعماقه بأنه هوى من خطأ إلى خطأ، ~~وأن تعاقب الأخطاء قد أفقده اتزان التفكير وسداد الرأي ~~فلم يحسن حتى اختلاق العذر. # 53 # ثم كان يوم الخميس، وكان حسين مستلقيا على فراشه يقرأ جريدة ~~الصباح التي يحتفظ بها عادة لوقت العصر، فسمع دقا على الباب ~~فظنه خادم حسان أفندي، ومضى إلى الباب وفتحه وإذا به يرى أمه ~~أمامه. أجل، أمه دون غيرها، ففغر فاه دهشة، ثم أخذ يدها بين ~~يديه هاتفا: أماه! .. في طنطا؟! لا أكاد أصدق عيني! # وشد على يدها، ثم قبل خديها أو تبادلا بالأحرى قبلتين، ~~وفي طريقهما إلى حجرته سألها بدهشة: لماذا لم يخبرني حسنين ~~بحضورك كي أنتظرك في المحطة؟ # فجلست المرأة على الكرسي الذي قدمه لها وهي تقول مبتسمة: ~~لم أجد صعوبة تذكر في الاهتداء إلى مسكنك؛ إن الاهتداء إلى ~~مسكن في شبرا أشق من هذا بكثير. وقد اقترح حسنين علي أن ~~أنتظر حتى يخبرك عن حضوري برسالة خاصة، ولكني لم أجد داعيا ~~لإزعاجك ms149 وأنت مريض، كما لم أحتمل البقاء في القاهرة وأنا أعلم ~~أنك هنا وحيد ومريض. # مريض! أيقظته هذه الكلمة من نشوة اللقاء، فشعر بالخوف يقبض ~~قلبه، ولكنه قاوم الخوف بقوة الخوف نفسه، فضحك وقال: يؤسفني ~~أنني أزعجتك يا أماه، ولكني ما كنت أطمع في هذه النتيجة ~~السارة، وهي حضورك بنفسك! # وجعلت تتفحصه بعناية، بوجه ينم عن إشفاق ورحمة ثم قالت: ~~ماذا بك يا بني؟ .. كيف حالك؟ .. حدثني عن مرضك؟! # وداخله ارتباك بذل قصاراه كي لا تلوح أماراته في وجهه. ~~وكان واثقا من أن مظهره لا يشي بمرض، بل لم يكن يخفى عليه أن ~~صحته تقدمت تقدما ملموسا منذ توظفه؛ لتحسن حالته ~~الغذائية بصفة عامة، قال ببساطة: لا شيء ذا بال، أصبت بنزلة ~~معوية حادة، ولكنها لم تلازمني أكثر من يوم وبعض يوم ~~... # فقالت وعيناها لا تتحولان عنه: لشد ما انزعجنا جميعا! ~~خصوصا وأنك طمأنتنا على صحتك في خطابك الأسبق ... # ثم استدركت بعد وقفة قصيرة: وتوهمنا في الأمر خطورة، ~~والعياذ بالله؛ لما رأينا من اضطرارك قطع نقود هذا الشهر ~~عنا. # وشعر بمثل شكة الإبرة في نفسه، وقال بعجلة مبتسما ~~ابتسامة باهتة: اضطررت إلى استدعاء طبيب وشراء أدوية، ~~فأنفقت أكثر من جنيهين، وأنت تعلمين أنه ليس لدى احتياطي ~~للطوارئ! ~~- لا عليك من هذا؛ إني مسرورة لأني وجدتك في صحة جيدة، ويحسن ~~بك أن تبعث برسالة في الحال إلى أخيك لتطمئنه هو ونفيسة اللذين ~~تركتهما في أشد حالات القلق. # ثم ألقت نظرة متفحصة على حجرته، فعلق بصرها بالبدلة الجديدة ~~على المشجب في خوف وقلق، وتهيأ عقله لاختلاق كذبة جديدة، ~~ولكنها قالت: حجرتك نظيفة وأثاثها جيد، هلم أرني ~~شقتك. # فضحك حسين قائلا: ليست شقتي إلا هذه الحجرة، وتوجد حجرة أخرى ~~مغلقة؛ لعدم الحاجة إليها. ~~- كأنك تستأجر حجرة بإيجار شقة! ألم يكن الفندق أفضل؟ ~~- على العكس؛ فإن إيجارها ينقص عن الفندق خمسين قرشا. ~~- أخبرتنا بأنك لم تحتج إلى خادم أفلا يتعبك ~~تنظيفها؟ ~~- كلا، هذا علي هين كما تعلمين! # فابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: يبدو لي أنك مرتاح ms150 ومسرور يا ~~بني؛ ولذا فأنا سعيدة. # وخيل إليه أن الأزمة قد مرت بسلام، فقال بارتياح صادق: ~~أنا السعيد يا أماه، وسأستأثر بك شهرا كاملا. # فما تمالكت أن ضحكت وقالت: بل هذه الليلة فحسب؛ ليس لي مكان ~~أنام فيه، وسأكلفك أكثر مما تحتمل ما دمت تجيء بطعامك من ~~السوق. # وقبل أن يتكلم دق الباب فقام إليه، وسمعت الأم صوتا يقول ~~بلهجة ريفية: «سيدي حسان يسأل عما أخرك اليوم.» ثم سمعت ~~حسين يعتذر بحضور والدته من القاهرة، وأغلق الباب وعاد الشاب ~~إلى مجلسه من الفراش، فوجد أمه تنظر إليه بعينين متسائلتين فقال: ~~خادم جاري حسان أفندي باشكاتب المدرسة. # وكانت تعلم من رسائله أنه الرجل الذي أقنعه بالانتقال إلى ~~الشقة، وعاونه على ذلك بضمانته لأثاثه الجديد فقالت: يبدو لي من ~~قول الخادم أنك تمضي عنده فراغك. # وتوهم لحظة أنها مطلعة على سره كله، فقال دون أن ينظر ~~إليها، وهو يشعر بلسعة الخوف تجري في لعابه وتعترض زوره: كثيرا ~~ما أفعل، إنه رجل طيب، وهو إلى هذا رئيسي، وقد وجدت في صحبته ما ~~أغناني عن المقاهي و«مفاسدها» .. لا بد للإنسان من تسلية يزجي ~~بها فراغه. # ثم قامت الأم إلى الحمام فغسلت وجهها، وخلعت معطفها فتناوله ~~حسين، ونفض عنه الغبار بفرشاته، وهو يدعو الله أن تمر الزيارة ~~بسلام، أجل، قد تولاه القلق وخاف على سره الافتضاح، واضطرب ~~لوجودها في موطن هذا السر، فلعن الظروف السخيفة التي أجبرته ~~على منع النقود عنها. وعادت المرأة إلى مجلسها وأخذت تسائله عن ~~أحواله وحياته، ولكن لم يمتد حبل الحديث طويلا لأن الباب ~~دق مرة أخرى، فذهب حسين ليفتحه فيما يشبه الحنق، وكان القادم ~~هو الخادم نفسه، وقد قال بصوت بلغ مسمعيها: الست الكبيرة ترغب في ~~أن تحيي الست والدتك. # ونهضت الأم مسرعة وخرجت إلى الردهة وقالت للخادم: لا يوجد ~~مكان هنا لاستقبالها، سأزورها بنفسي. # وذهب الخادم فعاد إلى الحجرة وحسين يقول: لا داعي لهذه ~~الزيارة، ولا يجوز أن نفترق دقيقة واحدة في المدة القصيرة التي ~~تمكثينها هنا. # فتنهدت قائلة: ms151 مجاملات لا بد منها، ولا يخفى عليك أنه ~~يهمني أن أجامل أسرة رئيسك. # وعاودا حديثهما ردحا من الزمن حتى خفت حدة النور، وأقبل ~~الأصيل فنهضت الأم لترتدي معطفها قائلة: «آن لي أن أزور حرم ~~جارك.» وراقبها الفتى بعينين كئيبتين حتى غادرت الشقة، ثم ~~تنهد من الأعماق وتساءل: «ترى هل يساورها شك؟ .. كيف تنتهي ~~هذه الرحلة؟!» # 54 # ولبث وحده مغتما قلقا، وتزايد قلقه بمرور الوقت، ثم لم ~~يعد يشك في افتضاح سره، ثم تساءل مدافعا عن نفسه: فيم ~~هذا الوهم كله؟! عسى أن يمر كل شيء في سلام، لا يمكن أن ~~يلمحوا إلى شيء، هذا مؤكد، ولكن هل تغيب عنها الحقيقة إذا رأت ~~إحسان؟ وتنبه إلى زحف الظلام، فقام وأشعل المصباح الغازي، ثم ~~سمع الباب يدق فدق قلبه معه في عنف، ومضى إليه ففتحه، فدخلت ~~أمه وهي تقول: لا أظنني غبت كثيرا. # وعادا إلى الحجرة، فوقف هو مستندا إلى حافة النافذة، وراحت هي ~~تخلع معطفها وحذاءها في صمت، وجعل يقول لنفسه: «وراء هذا الوجه ~~شيء، بل أشياء! إني أعرف هذا، أراهن على أنها لم تتجشم السفر ~~لتطمئن على صحتي، ليست أمي بالأم الضعيفة، إنها حنونة حقا، ~~ولكنها قوية، ما في هذا من شك، ما أفظع! هذا الصمت! متى ينقطع؟» ~~وسألها متظاهرا بعدم الاكتراث: كيف وجدتهم؟ # فارتقت فراشه وتربعت عليه ثم قالت باقتضاب: لا أدري لماذا ~~لم يرتح قلبي إليهم! # إنه يدري لماذا، برح الخفاء، ووقع المحذور! وقال: الحق أن حسان ~~أفندي رجل طيب. ~~- ربما. لم أقابله بطبيعة الحال. # لن يسألها عما لم ترتح إليه منهم، فليتجاهل المسألة، ولن ~~يطول هذا طويلا على أية حال. ووجدها تنظر إلى يديها اللتين ~~شبكتهما على حجرها. إنها تفكر فيما ينبغي قوله، لشد ما ~~أخطأ! ما كان ينبغي أن يستسلم لإغراء الظروف التي انتهت بمنع ~~إرسال نقوده هذا الشهر، كيف ضل عائل الأسرة؟! ورأى أمه ترنو ~~إليه بطرف واجم ثم تقول: أما وقد اطمأننت عليك فلا أظن أن ~~يخجلني أن أصارحك بأن منع النقود عنا قد ms152 أخافني. اعذرني يا ~~بني إذا اعترفت لك بأنه ساورني بعض الظن بأن يكون المرض ~~مجرد اعتذار! # فصاح وهو لا يدري: أماه! ~~- معذرة يا بني إن بعض الظن إثم، ولكني كنت أفكر طويلا ~~فيما يمكن أن يلقى شاب وحيد في بلد غريب. أجل، إني أومن ~~بعقلك، ولكن الشيطان شاطر! فخفت أن يكون أضلك، ولا تسل عن ~~حزني وأنت تعلم بأني أعتمد بعد الله عليك. أخوك حسن لم يعد منا، ~~ونفيسة فتاة تعيسة الحظ، وحسنين تلميذ وسيظل تلميذا طويلا، ~~وأنت أدرى به! وإنا لنشقى ونجوع في مغالبة حظنا، وقد خسرنا ~~نصيبك من المعاش وسنخسر عما قريب نصيب أخيك منه. # فقال حسين بانفعال: لست في حاجة إلى من يذكرني بهذا يا ~~أماه، لقد أخطأت .. اضطررت إلى منع النقود اضطرارا لا حيلة ~~لي فيه. إني جد حزين يا أماه. # فقالت برقة وكأنها تحدث نفسها: أنا الحزينة .. # ثم استطردت بعد لحظة صمت: أنا حزينة لأني أبدو كثيرا وكأني ~~أحول بين أبنائي وبين سعادتهم! # فقال بقلق: لشد ما تظلمين نفسك! أنت أم رحيمة كأحسن ما ~~تكون الأم رحمة. ~~- يسرني أنك تفهمني يا بني. # وتنهدت وهي تنظر في عينيه ثم قالت: لا يقلقني شيء في حياتي ~~كما يقلقني مستقبل أختك نفسية، أود لو أغمض عيني ثم ~~أفتحهما فأجدها في بيت زوجها، ولكن كيف؟! لسنا نملك لتجهيزها ~~مليما، وأخوف ما أخاف أن أموت قبل أن أطمئن عليها، أنتم ~~رجال، أما هي فمن الولايا اللاتي لا نصير لهن. # فصاح حسين مستنكرا: لن تكون بلا نصير ونحن على قيد ~~الحياة. # فتنهدت مرة أخرى قائلة: مد الله في أعماركم، ولكن الفتاة ~~لا تضمن سعادتها في بيت أخيها المتزوج! # ولاحت في عينيه نظرة ذات معنى، إنه يفهم ما يقال، إذا كانت ~~الفتاة لا تضمن سعادتها في بيت أخيها المتزوج، وما دام حسنين في ~~حكم المتزوجين، فلا يجوز له أن يتزوج! منطق معقول! ورحيم أيضا! ~~بيد أنه ينطوي على حكم بالإعدام، ما عسى أن يقول؟ لم يعد يخاف ~~أن تنهال عليه ضربا كما ms153 كانت تفعل أحيانا، ولكنه لن يتخذ من ~~هذا الأمان مسوغا لإغضابها، وعلى العكس سيتخذ منها دافعا ~~بريئا للمبالغة في إكرامها وقال بهدوء: اطمئني يا أماه! أرجو ~~ألا تجد نفيسة نفسها يوما في هذا المأزق! # فهزت رأسها هزة كأنها تقول له لندع المداراة جانبا ~~ولنتكاشف، ثم قالت: الحق لقد ألحت علي بعض الخواطر فلم أجد ~~فرجة إلا في أن أسافر إليك، على مشقة السفر وكثرة ~~النفقات. # فابتسم قائلا بلا وعي تقريبا: إذن لم تحضري كي تطمئني على ~~صحتي! # وندم في اللحظة التالية على إفلات هذا القول منه، ولكنها ~~ابتسمت إليه حزينة وقالت: أصغ إلي يا حسين، أترغب في أن ~~تتزوج؟ # فتظاهر بالانزعاج؛ ليخفي اضطرابه وقال: إني أعجب لما يدعوك ~~إلى هذا الظن! ~~- ليس أحب إلي من أن أراكم أزواجا سعداء، ولكن هل ترغب في ~~أن تعجل بالزواج حتى قبل أن تنهض أسرتك من كبوتها؟ ~~- لم أفكر في هذا مطلقا. ~~- ألا يضايقك تطفلي هذا؟ ~~- مطلقا! ~~- وإذا اقترحت عليك أن تؤجل التفكير في الزواج، ألا تجد في ~~اقتراحي ظلما؟ ~~- هو عين العدل والرحمة. # فخفضت عينيها قائلة في حزن: ليس شقائي الحق فيما نزل بنا، ~~ولكن فيما أراه واجبا مما يبدو لعين المتعجل قسوة ~~وأنانية. ~~- لست هذا المتعجل على أية حال! # فترددت لحظة ثم قالت: إن ما أراه من حسن تقبلك لكلامي ~~يشجعني على أن أنصحك بأن تترك هذه الشقة، وتعود إلى حجرتك ~~بالفندق. # برح الخفاء! وأصيب بذهول، ثم غمغم متسائلا: الفندق؟! # فقالت بحزم: أنت لا تدري من أمر الناس شيئا، ولعل جيرانك ~~أناس طيبون، ولكنهم لا يحفلون إلا بمصلحتهم، وإذا حافظت على ~~جيرتهم كرهتنا وأنت لا تدري! # 55 # ولم يعودا إلى هذا الحديث مرة أخرى؛ فلم تكن الثرثرة من طبعها ~~شأن الكثيرات من النساء. وقد قضيا صباح الجمعة في سعادة ~~شاملة؛ حينا في البيت، ثم انطلقا في المدينة لزيارة السيد البدوي، ~~ولكنها صممت على الذهاب إلى المحطة مع الضحى، فلم يسعه إلا ~~الإذعان لها مرغما، وذهبا معا وقطع لها تذكرة، وفي أثناء ~~انتظار ms154 القطار قال لها: سأبقى في البيت حتى نهاية الشهر؛ لأني ~~دفعت الإيجار كما تعلمين. # فكان جوابها أن دعت له بالتوفيق والسداد، ثم جاء القطار ~~فودعته وصعدت إلى عربة من عربات الدرجة الثالثة، وانحسرت بين ~~جمع حافل من القرويات والقرويين. وغشيته كآبة ثقيلة، لأنه ~~كان يقف منها موقف التوديع لأول مرة في حياته، فغمز القطار ~~الذاهب قلبه غمزة قوية، ولأنه عز عليه أن يراها منزوية في ~~العربة الحقيرة وسط البؤس والبائسين، وعاد إلى البيت كثير الهم ~~والفكر؛ «أنا الملوم! إني أدفع ثمن حماقتي، أي شيطان يخصني ~~بعنايته؟ هذه هي المرة الثانية، الخيبة تلاحقني دائما، لا مفر.» ~~وجاءه خادم حسان أفندي يدعو والدته إلى الغداء، فأخبره بأنها ~~سافرت إلى القاهرة. وجاءه مرة أخرى في المساء يدعوه إلى السهرة ~~المعتادة فلم يسعه إلا الذهاب. # وجلسا حول خوان النرد في الحجرة بعد أن أحكم الشتاء إغلاق ~~الشرفة، وسأله حسان أفندي: كيف عادت والدتك بهذه السرعة؟ # فأجاب حسين مبتسما: لا يمكن أن يستغني عنها بيتنا أكثر من ~~يوم. ~~- تجيء الخميس وتذهب الجمعة؟! رحلة لا تستحق مشقة ~~القطار! ~~- ولكنها حققت لها ما تريد، فاطمأنت علي وتبركت ~~بزيارة السيد ... # وأشار الرجل إلى داخل الشقة قائلا: قالوا لي إنها ست طيبة ~~جدا. ~~- بعض ما عندكم. # فتساءل الرجل وهو يرمش بعينيه العمشاوين. ~~- كنا نود لو زارتنا قبل الرحيل! ~~- كانت متعجلة، وقد حاولت أن أؤخر سفرها إلى العصر، ولكنها ~~اعتذرت بحاجة بيتنا إليها. # فقال الرجل بأسف: وأعددنا لها غداء طيبا، فاخترت لها بنفسي ~~ثلاث دجاجات مسمنة. # فابتسم حسين في ارتباك وتمتم: بالهنا والشفا لكم. # وضحك الرجل، ثم فتح علبة النرد، ولكنه بدلا من أن يشرع في ~~إعداد القطع للعب سأله باهتمام: ألم تفاتحها بما «اتفقنا» ~~عليه؟ # فشعر حسين بحرج، ولكنه قال: كلا. ~~- لمه؟ ~~- إنها تعدني رجل بيتها، فكيف أفاتحها بهذا؟ # فتناول الرجل زهر النرد في قبضته وهزه ورماه، ثم قال: أنت ~~رجل خواف، كانت أمك خليقة بأن تفرح لهذا النبأ. ~~- إنه خليق بالفرح إذا جاء في حينه. # فضحك الرجل ضحكة ms155 عالية ثم قال ببطء: لي فلسفتي الخاصة في ~~الحياة؛ ألق بنفسك في عبابها ولا تخش شيئا، هل سمعت عن شخص ~~واحد بمصر مات جوعا؟ # فقال حسين مبتسما: أصل شعبنا اعتاد الجوع! # فضحك حسان أفندي واستطرد قائلا: كل الناس يعيشون، أغمض عينيك ~~ثم افتحهما تجد الصغير كبيرا، والتلميذ موظفا، والأعزب ~~متزوجا، ولا تجد خاسرا إلا من كان خوافا مثلك. هذه هي ~~الحياة. # خواف؟! وضايقته هذه الصفة، فثار عليها ثورة باطنية؛ ليس ~~الخوف، ولكنه أدرك الموقف على حقيقته، أكان يكون شجاعا حقا لو ~~تخلى عن المرأة وتركها تعود مهيضة الجناح خائبة الأمل؟! ليس ~~الخوف، الرجل الأحمق يسيء فهمه، إنه مصاب في آماله ولا يجد من ~~يرحمه ولا من يفهمه، وعندما بلغ هذه النقطة من أفكاره وجد رائحة ~~غريبة مفاجئة، أجل، وجد سرورا في أن يكون على حق وإن أساء ~~الناس فهمه، بل أكثر من هذا تركز السرور في أن يسيء الناس ~~فهمه وهو على حق، سرور غامض كذلك السرور الذي يخامره وهو ~~يستسلم لعنت القضاء، وقال مبتسما: أنت يا حسان أفندي من أسرة ~~كبيرة، فلا يمكن أن تدرك متاعب أسرة كأسرتنا. # وندت عن الرجل ابتسامة خيلاء داراها بعبوسة مصطنعة ~~وتمتم: عالج أمورك كما تشاء، ولكن لا تنس نفسك؛ قال تعالى: # ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا ~~. وكل آت قريب، ما هي إلا أشهر ~~معدودات ثم يحصل أخوك على البكالوريا فيتغير الموقف. ارم الزهر ~~لنرى من يكون البادئ باللعب. # 56 # وبعد مضي أسبوعين جاءته رسالة من حسنين ينبئه فيها بأنه أدى ~~رسوم الامتحان، وأنه يذاكر ليل نهار لضمان النجاح، وكان عظيم ~~الثقة بذكاء أخيه ومقدرته، فلم يداخله شك في النتيجة المأمولة، ~~ونزعت به نفسه إلى الأحلام، مع أنه لم يكن من الذين يستسلمون ~~لسحرها عادة، إلى أنه كان يؤمن بكذب هذه الأحلام بالذات، ورغم ~~هذا كله تخيل أخاه قد فاز بشهادته، واقتنع بأنه ينبغي أن يتوظف ~~ليحمل العبء عنه، ثم تخيل نفسه يبدأ حياة سعيدة بضمير مطمئن! ~~إنه لا يطمح إلى أكثر من حياة ms156 مطمئنة هانئة في ظل الزوجية، وقد ~~علمته هذه الحياة التي حملها منفردا في شقته المقفرة معنى ~~الأسرة؛ فحن إلى حضنها الدافئ حنين المقرور تحت مطر منهمر إلى ~~المأوى، لم يعد يطيق الاختلاف إلى المطاعم العامة لتناول ~~غذائه، وبات وكأنه يخاف الانفراد بنفسه في حجرته ولو إلى حين ~~قصير، وأتعبه لحد السقم ما تتطلبه حياة الأعزب من رعاية ~~متواصلة لشقته وأثاثه وملابسه، وكل هذا يهون إلى جانب ما ~~يعاني من جوع قلبه وأشواقه، ولم يكن يحب الفتاة بالذات بقدر ما ~~أحب فيها المرأة والحياة الزوجية، ولكنها كانت المثال المحسوس ~~لأحلامه، فهفا إليها قلبه وحنينه، وزاد من تعلقه بها أنه لم يكن ~~يراها إلا في القليل النادر مما تجود به المصادفات السعيدة، ~~وحسب حسين أنهم يتعمدون إخفاءها، ولكن تبين له أن حسان أفندي ~~رجل محافظ حقا، وأنه قد يتسامح، ولكن بالقدر الذي لا يخدش ~~حياء ولا يجاوز حدا، ولو أن حسنين رضي بالوظيفة لمضى من توه ~~إلى فتاته وضمها إلى نفسه، وحيي الحياة الحقة. هذا حلمه، ~~ولكنه مجرد حلم، ولا يدري متى يتحقق، وسيواصل حسنين تعليمه وما ~~ينبغي له أن يحنق لهذا، أجل فليدع الأمور تجرى كما يشاء الله ~~ولينتظر، ولكن تبين له ذات مساء أنه لن ينعم بالانتظار في ~~هدوء وطمأنينة؛ إذ قال له حسان أفندي عقب فراغهما من احتساء ~~الشاي مباشرة: جد أمر هام يستحق أن أشاورك فيه. # رفع إليه حسين عينيه متسائلا فقال الرجل باهتمام: الأمر أن ~~ابن عم إحسان - وهو تاجر ومزارع بالبحيرة - يرغب في طلب يدها، ~~وقد رأيت أن أسألك عن رأيك قبل البت في الموضوع برأيي! # وكانت مفاجأة سيئة وجم لها الشاب في قهر وحيرة كأنه لا ~~يصدق، والحق أن بعض الشك ساوره، ولكنه وجد نفسه في مأزق ~~لا يخرجه منه تشككه، وشعر بحنق إنسان وضعته ظروف قاسية بين ~~لا ونعم، وهو عاجز عن الكلام، فما عسى أن يقول؟! إذا قال نعم خان ~~أسرته، وإذا قال لا قطع ما بينه وبين حسان أفندي، وتراءى لعينيه ~~على ms157 اضطرابه وحيرته وجه الفتاة التي تعلقت بها آماله، فشعر ~~بقبضة اليأس تشد على عنقه، ورمق الرجل الذي يعذبه بنظرة ~~باردة تخفي وراءها حنقا متزايدا، وكان الآخر يتفرس في وجهه ~~صابرا، فلما طال الصمت غمغم متسائلا: ما قولك يا حسين ~~أفندي؟ # ولم يجد بدا من الكلام، فقال بلهجة تنم عن رجاء: لقد ~~فصلت لك ظروفنا بما لا يحتاج إلى مزيد. # فقال الرجل فيما يشبه الضجر : سيفرغ أخوك من دراسته في أوائل ~~الصيف القادم. ~~- ولكنه فيما أرى مصمم على مواصلة تعليمه. # فقال الرجل بضيق: فكرة سخيفة لا يصح أن تذعن لها وتتحمل ~~مسئوليتها. # وأراد أن يتفادى من الخطر الماثل فقال متهربا كما يتهرب ~~الفأر وراء رجل كرسي لن تغني عنه شيئا: بوسعي أن أعلن ~~الخطوبة فورا على أن أنتظر بعد ذلك. # فتساءل حسان أفندي بفتور: كم عاما؟ # آه، إن الرجل يظنه لا يحسب حسابا إلا لأخيه، ولا يكاد يدري ~~شيئا عن نفيسة ومشكلتها المستعصية، ليته كان بوسعه حقا أن ~~يصارحه بالحقيقة كلها بغير خفاء! وأجابه قائلا في إشفاق ~~شديد: أربعة أعوام؟! # ونظر إليه ليرى وقع تصريحه من نفسه ثم بادر قائلا: لن يضيرنا ~~الانتظار شيئا، ألا تثق في؟! # ومط الرجل بوزه وهو يهز رأسه ثم قال بهدوء مخيف: أربعة ~~أعوام! يا ترى من يعيش! .. أتريدني على أن أقول لأمها إني ~~رفضت ابن عمها الذي يرغب في الزواج منها الآن؛ كي تنتظر أربعة ~~أعوام؟! يبدو لي يا حسين أفندي أنك لم تكن جادا فيما أظهرت من ~~رغبة! # وانتفض حسين في ألم بالغ وهتف: سامحك الله يا حسان أفندي! ~~إني رجل مخلص ولا زلت عند رغبتي الصادقة، ولا أرى سببا وجيها ~~يحول بيني وبينها. # فقال الرجل بفتور: لست أبا ولا أما، فلا عجب ألا ترى ~~وجاهة السبب، والآن فلندع النقاش جانبا، وأجبني باختصار ألا ~~تستطيع الإقدام على الزواج في هذا العام؟ # وساد الصمت وطال، دون أن ينبس حسين بكلمة. لم يجد شيئا يقوله، ~~وتفكر طويلا في حيرة، ثم أطبق شفتيه في يأس وقهر. وابتسم ms158 ~~حسان أفندي ابتسامة باهتة، وأطبق شفتيه بدوره وقد نم وجهه ~~البيضاوي الصغير على الجمود والكدر، وطال الصمت والجمود وفاحت ~~رائحة الخصام كالغبار في يوم خماسيني فلم تعد تحتملها ~~الأعصاب، ومع ذلك لم يحتمل حسين أن تجيء القطيعة من ناحيته، ~~فتساءل بصوت حزين كأنه كان يتنبأ الجواب سلفا: ألا يمكن ~~الانتظار؟ # فقال الرجل بنرفزة: كلا. # ومكث حسين قليلا في خجل وألم، ثم نهض مستأذنا في الانصراف ~~فأذن له، وغادر الشقة لا يكاد يرى ما أمامه من شدة الحزن واليأس، ~~غادرها وهو يعلم أنه لن يعود إليها مرة أخرى، وذهب إلى حجرته ~~فأوقد المصباح الغازي وارتمى على الفراش، وألقى على ما حوله نظرة ~~سخط وعداوة؛ عداوة لكل شيء، كان في تلك اللحظة عدوا لنفسه ~~وللبشر جميعا؛ «أضعيف أنا أم قوي؟ وما صنعت بنفسي أهو إقدام ~~أم فرار؟! كل شيء بغيض مقيت، هذه الحجرة التي أودعها وحجرة ~~الفندق التي تنتظرني بالوحشة نفسها، وحسان أفندي، وطنطا، وحسنين، ~~وأمي، وأنا. ربما تصور الرجل أنه يستطيع أن يضايقني في عملي ~~بالمدرسة! .. تبا له، سيجدني أصلب مما يتصور، ولكن ما قيمة هذا ~~كله! الموت أرحم من الأمل، لست أعجب لهذا؛ فالموت من صنع الله ~~والأمل وليد حماقتنا، الأولى خيبة والثانية خيبة! فهل قضي علي ~~أن أمنى بالخيبة مرة بعد أخرى؟ لماذا لا يتوظف بالبكالوريا؟! ~~لماذا لا يحب لنفسه ما أحب لي؟!» وتناهى به الضيق فلم يعد ~~يحتمل وحدته، فقام إلى المشجب وارتدى بدلته وغادر البيت، وجعل ~~يخبط على وجهه من شارع إلى شارع في ليل بارد حتى أعياه المشي ~~فمضى إلى مقهى، وأنعشه المشي والبرد من حيث لا يدري، فاتخذ مجلسه، ~~وهو أهدأ نفسا، وراح يتسلى بمنظر الجلوس، ويستمع إلى ما يتطاير ~~من سمرهم فلم يخل من كلمة أو لفتة تدعو إلى الابتسام، وخبت ~~فورة الغضب الجنونية وانحسرت موجتها الصارخة عن حزن عميق لكنه ~~هادئ وصامت، ولا يخلو في الوقت نفسه من ندم؛ أكان يؤثر حقا أن ~~يوافق الرجل على رأيه؟ هل يسره أن يترك أسرته تحت ms159 رحمة ~~الأقدار؟ يا له من أحمق! من حقه أن يحزن، ولكن ليس من حقه أن يغضب ~~هذا الغضب الجنوني، وليس من الحكمة أن يستسلم للحزن، أجل، إنه ~~يعلم أنه سيحزن طويلا ما دام الشعور لا يخضع للعقل، ولكنه يؤمن ~~أيضا بأن لكل شيء نهاية، حتى هذا الحزن الخانق لا بد أن يدركه ~~العزاء، وانتظر هذا العزاء كما ينتظر فريسة الكابوس صحوة النجاة، ~~إنه آت لا ريب فيه كما علمته المحن، وهناك لن يجد ما يندم ~~عليه، وسيجد ما يفخر به ويطمئن ضميره، إن شعوره بالواجب يفوق ~~مشاعره الأخرى، ولشد ما أخطأ الرجل حين اتهمه بالخوف، ~~وبحسبه أن أمه تفهمه وأنها تعده الأمل والعزاء، وافتر ~~ثغره عن ابتسامة لهذا الأمل المنتظر وهو يعاني مرارة الحزن ~~الراهن. # 57 # وحوالي منتصف الصيف استقبلت الأسرة - بعطفة نصر الله - يوما ~~سعيدا حين نجح حسنين في امتحان البكالوريا، وجلسوا ثلاثتهم جلسة ~~هناء وصفاء، فمرت ساعة لا يشوبها كدر، وتملت الغبطة ~~قلوب نهكها التعب. وجاء فريد أفندي محمد وأسرته للتهنئة، فشعر ~~حسنين حيال خطيبته بشعور سعيد بخيلاء ساذجة، كأن ~~البكالوريا قد أضفت عليه رجولة جديدة، خليقة باحترامها ~~وعطفها. كان كعادته مرحا لطيفا فتحدث طويلا منتشيا بالفوز، ~~والضحكات تنطلق من فيه تباعا، وكان منظر بهية مما يستثير ~~سعادته وألمه معا؛ كان يسعده أن تلتقي عيناهما خفية فيقرأ ~~في نظرتها الصافية المحبة العميقة المهذبة، ولكنه لم يكن يحظى ~~بالصفاء تحت نظرتها إلا قليلا، ثم يندلع في قلبه لسان لهب، ثم ~~يذكر حرمانه الطويل فيثور حنقه، ويرمق العامين المنطويين بحسرة ~~وأسف، استرق إليها النظر خلال الحديث فانصهر بصره على وجهها ~~البدري وجسمها البض، وتخيلها - كما كان يطيب له أن يتخيلها ~~كثيرا - متجردة إلا من شعرها المنسدل فبلغ ريقه درجة الغليان، ~~وجعل يتساءل صامتا ألا يمكن أن تغير من سياستها بعد حصوله على ~~البكالوريا؟ أليس من العدل أن تهبه قبلة على سبيل التهنئة؟! ~~وظل وعيه متنقلا بينها وبين أخيلته وبين الحاضرين، وكان السرور ~~شاملا بيد أنه لم يخل من عذاب لا ms160 يكاد يرحمه في ~~محضرها. # ثم خلت الأسرة إلى نفسها مرة أخرى، فداخلها إحساس جديد - ~~غير السرور الصافي - بالمسئولية؛ لأنهم تعلموا أن الظفر ~~بالبكالوريا سعادة يعقبها تفكير ومتاعب، وكان إتمام تعليمه ~~العالي أمرا مفروغا منه فيما بينهم، ولكن الرأي لم يستقر على ~~اختيار بعينه، وقد قالت نفيسة: عليك الآن أن تختار المهنة التي ~~تريدها. # فقال حسنين الذي كان قد قتل الأمر بحثا: التعليم العالي مرحلة ~~طويلة شاقة، ومستقبل مجهول. # فنظرت إليه المرأتان في دهشة، فاستطرد قائلا: لقد فكرت في ~~الأمر طويلا، وانتهيت من التفكير إلى أنه يجب أن أختار مدرسة من ~~المدرستين؛ البوليس أو الحربية! # وهتفت نفيسة بسرور: ما أجمل هذا! # ولم يحفل بسرورها؛ لأنه كان يفكر في الصعاب التي تعترض ~~آماله فقال: دراسة عامين فحسب ثم أصير ضابطا، والنجاح مضمون ~~تقريبا؛ لأنها دراسة باللعب أشبه، والوظيفة في النهاية لا شك ~~فيها. هذه مميزات لا يستهان بها! # فهتفت نفيسة بالحماس نفسه: دراسة عامين ثم تصير ضابطا! ما أشبه ~~هذا بالأحلام! # وتساءلت الأم بإشفاق: والمصروفات؟! # ونظر إليها طويلا كالحائر ثم قال: البوليس غالية جدا، ولكن ~~الحربية معقولة، مصروفاتها سبعة وثلاثون جنيها. # فتطلعت إليه المرأتان بوجوم ودهشة، فبادرهما قائلا: ليس ~~الأمل في المجانية معدوما أو على الأقل في نصف المصروفات، ولنا ~~في أحمد بك يسري شفيع عظيم القدرة في هذه الحال. # ولم يذهب الوجوم من نظرة الأم، وبدت قلقة حيال هذا الأمل، ~~فقالت: حدثني فريد أفندي محمد عن معهد التربية الابتدائي، فوجدت ~~فيه ميزات تستحق التقدير؛ فمدة دراسته ثلاث سنوات بالمجان ~~تضمن بعدها وظيفة مدرس. # فقال الشاب بامتعاض: إني أكره أن أعمل مدرسا، وأكره أكثر أن ~~التحق بمعهد بالمجان. ~~- ولكنك لا ترى مانعا في دخول الحربية بالمجان. ~~- ثمة فرق كبير يقوم بين معهد يقوم على المجانية، ومعهد ~~قد يعفيني من مصروفاته كلها أو نصفها، سيقول الناس عن الحال ~~الأولى إني تعلمت بالمجان أما في الأخرى فهيهات أن يعلم بها ~~أحد غير كاتب المدرسة. # فهزت الأم رأسها غير مقتنعة وتمتمت: المسألة أخطر من ~~هذا! ms161 ~~- لا يوجد ما هو أخطر من هذا، أنا أكره الفقر وسيرته، ولا ~~أحب أن أخفض رأسي بين أناس مرفوعي الرءوس! # ولم يكن هذا فحسب دافعه الحقيقي إلى هذا الاختيار، والواقع ~~أنه طمح إلى المدرسة الحربية مدفوعا بنفسه الظمأى إلى ~~السيادة والقوة والمظهر الخلاب، بيد أن أمه ظلت على قلقها ~~وعدم اقتناعها فتساءلت: وإذا لم يتيسر إعفاؤك من ~~المصروفات؟ # ففكر متجهما ثم قال: سأحتاج بادئ الأمر إلى الدفعة الأولى من ~~المصروفات، وفي مرجوي أن أنالها من أخي حسن! لا أظنه يتخلى عني ~~كما لم يتخل عن حسين، أما الباقي فليس بمتعذر توفيره إذا ~~نزلت لي عن نقود حسين إلى ما يمكن أن تجود به نفيسة (ناظرا إلى ~~أخته) ولا أظنها تبخل علي، خاصة وأن عملها يجيئها بكسب لا بأس ~~به. # ونقل بصره بين أمه وأخته ليسبر وقع كلامه، ولكنه لم يحظ ~~بما يشجعه، فاستطرد يقول برقة: عامان شدة يمران كما مر ~~غيرهما، وبعدهما الراحة والهناء! # وثابر على ترديد بصره بينهما في رجاء، ثم قال بإغراء: أم ~~ضابط وأخت ضابط! .. تصورا هذا! تصورا مغادرتنا لهذه العطفة ~~إلى شقة محترمة بالشارع العام! # ورقت نفيسة لنظرته المتوسلة فاجتاحها موجة إيثار وكرم ~~فقالت: لا تحمل هما من ناحيتي سأهبك أقصى ما يمكنني أن ~~أهبه! # فتجلت في عينيه نظرة امتنان وغمغم: شكرا لك يا نفيسة، ~~ولن تكون أمي دونك كرما، وسيمضي كل شيء على الوجه الذي نحب ~~جميعا. # ودعت له الأم بالتوفيق، لم تكن ترجو من ورائه خيرا كثيرا، ~~وكان أقصى ما تطمح إليه أن يؤجل زواجه - بعد توظفه - عامين ~~حتى ترمم ما تهدم من أسرتها، ولكن لم يسعها إلا أن تنزل له ~~عن نقود الإنقاذ التي يرسلها حسين، وأن تدعو له بالتوفيق من ~~أعماق قلبها، وتأثرت نفسية بما غمرها من إيثار وكرم ارتقيا ~~بها إلى منزلة عالية من الصفاء والسرور والحماس، ونعمت بهذه ~~السعادة لحظات غالية، ولكنها لم تدم طويلا؛ اصطدم تيارها ~~الدافق بعقبة كئود من الذكريات السود، فتوقف عن الجريان ~~الساجع وتجمع وتطين، وفتر ms162 الحماس فخفضت عينيها في خمود، ليس ~~الفرح الصافي من حقها، وما عسى أن يصنع السرور بنفس ملوثة ~~مطوية على البشاعة والشقاء؟ # 58 # قال حسنين لنفسه وهو يغادر ميدان الخازندار إلى شارع كلوت بك ~~«سيقول حسن إننا لا نسعى إليه إلا إذا طمعنا في نقوده!» وتألم ~~لهذا الخاطر، ولكنه خفف من وقعه قائلا إنه هو - حسن - الذي لم ~~يشأ أن يتردد أحد منهم على بيته، وجعل يتساءل في حب استطلاع ~~عما سيجد في هذا المسكن المحرم! ثمة شيء «غير طبيعي، ولكنه ~~لا يستغرب من حسن!» # ثم ذكر النقود التي يريدها فهاله الأمر، ماذا لو عجز حسن عن ~~أن يمد له يد المعونة؟ وشعر بإصبع باردة تقبض على قلبه وتوشك ~~أن تعصف بآماله، واهتدى أخيرا إلى عطفة جندف، وأخذ يرتقي أرضها ~~القذرة، باحثا عن البيت رقم 17 حتى انتهى إليه، ورأى غير بعيد ~~بائع بطاطة جالسا القرفصاء على الأرض أمام عربته، فسأله ~~مشيرا إلى البيت: هل يقيم هنا حسن أفندي كامل؟ # فسأله الرجل بدوره: تعني حسن الروسي؟ # فقال حسنين بدهشة: حسن كامل علي المغني؟ # فقال الرجل: هذا بيت حسن الروسي الذي يعمل بقهوة علي صبري بدرب ~~طياب. # وأغضى حسنين في حياء منزعجا انزعاجا فظيعا، ثم لم يعد ~~يشك في أنه حيال بيت أخيه، وقد توكد ذلك بذكرى علي صبري، ~~ولكنه لم يتصور أنه يعمل بهذا الدرب الذي فرقع اسمه في أذنه ~~كالقنبلة، وهذا اللقب: الروسي ما معناه؟ ودخل البيت وكأنه يفر، ~~فزكمته رائحة بئر السلم النتنة وارتقى السلم الحلزوني، وهو يشعر ~~بأنه يهبط إلى هاوية ما لها من قرار، وطرق الباب فجاءه صوت ~~امرأة يصيح في ابتذال: «من؟» ثم فتح الباب عن امرأة قصيرة ~~بدينة عميقة السمرة تنطق سحنتها بجمال وقح، حدجته بنظرة ~~نافذة وسألته: ماذا تريد؟ # فقال حسنين بصوت منخفض من الاضطراب: حسن كامل. ~~- من أنت؟ ~~- أخوه. # فانبسطت أسارير المرأة وتنحت جانبا وهي تقول: سي ~~حسين؟ # فتمتم في ذهول: حسنين! # ودخل في تهيب وحياء؛ من تكون هذه المرأة؟ وكيف عرفت ~~أسماءهم؟ ms163 هل تزوج حسن؟ وشعر بقشعريرة باردة؛ أيمكن أن يقال عن ~~هذه المرأة إنها زوجة أخيه؟ وإن أمه حماتها؟! وتمنى من أعماق ~~قلبه أن تكون مجرد رفيقة، ومضت المرأة إلى باب في نهاية ~~الدهليز ونقرت عليه ففتح بعد قليل وظهر حسن على العتبة، وكأنه ~~شعر بوجوده فاتجه بصره إليه ثم هتف بدهشة وسرور: حسنين. # وهرع نحوه وشد على يده بترحيب وشوق، وقبل أن يتكلم أحدهما ~~تسلل من الحجرة نفر من الرجال متتابعين، ألقوا على حسنين ~~نظرة عابرة، وقال بعضهم مخاطبا حسن: سنسافر عصر اليوم إلى ~~السويس بإذن الله، وتلحق بنا غدا. # ثم غادروا الشقة، كانوا من ذوي الجلاليب، تلفت سحنتهم النظر ~~بغرابتها، ولا يكاد يخلو وجه أحدهم من تشويه، وداخل حسنين ~~شعور بالقلق؛ من يكون هؤلاء الرجال؟ .. أفراد التخت؟ .. ما أبعد ~~هذا عن التصور! لقد ذكره منظرهم برجال العصابات كما يظهرون على ~~الشاشة، وطرأت عليه فكرة مرعبة بأن شقة أخيه تناصب القانون ~~العداء! وألقى على حسن نظرة متوجسة، فرآه يرتدي جلبابا مقلما ~~فضفاضا، ويبدو في صحة وقوة، ولكن يلوح فوق حاجبه الأيسر وفي ~~صفحة عنقه اليسرى ندبان كبيران كأنهما أثرا طعنتين شديدتين، ~~رباه! إن أخاه لا يخلو من تشويه إجرامي أيضا! ولعله الآن ~~يستطيع أن يدرك حقيقة الأسباب التي حجبته عن عالمهم، وأومأ حسن ~~إلى الحجرة في نهاية الدهليز وقال للمرأة: رتبي الحجرة واجمعي ~~الأشياء. # وشبك ذراعه بذراع حسنين واتجه إلى حجرة النوم، ثم أغلق الباب ~~وراءهما، وأجلسه إلى جانبه على الكنبة وهو يقول: كيف حالكم؟ .. ~~كيف الوالدة؟ .. ونفيسة؟ .. وما أخبار حسين؟ # وحدثه عن الأسرة بعقل شارد، وروى له ما يعلم من أخبار حسين، ~~ثم قال بلهجة تنم عن العتاب: انقطعت عنا كأنك لست منا ~~ولسنا منك، وباتت أمنا في حزن شديد. # وهز حسن رأسه في كآبة وقال: إني غارق في حياتي حتى قمة رأسي، ~~ولكن توظيف حسين طمأنني عليكم. # وتساءل حسنين متأثرا بما طرأ على أخيه من تغير في مظهره، ترى ~~هل أبقى على حبه القديم لهم؟ وانساق بغريزته إلى ms164 التودد إليه ~~قبل أن يتطرق إلى مهمته وتساءل في قلق: ما هذا يا أخي؟! # فقال حسن ضاحكا: مخلفات معارك، لم تكن حياتي لتخلو من ~~عراك، وقد أصبح العراك من أهم واجباتي في الحياة الجديدة. # وود لو يسأله عن هذه الحياة الجديدة، ولكنه تحامى ذلك بغريزته ~~أيضا، لقد قصد هذا البيت المحرم في سبيل الحياة، وحسن يتخذ ~~من العراك واجبا في سبيل الحياة أيضا، فما أفظع ما تسيمنا ~~الحياة من خسف! «من كان يحلم بهذا المصير ونحن صغار نلعب! كان ~~حسن طفلا حاذقا شاطرا، وكان أبي يحبه أكثر من أي شيء في ~~الوجود، ثم بدا وكأنه انقلب له عدوا، ولكن لم يكن يتصور أحد أن ~~ينتهي به المطاف إلى هذا البيت! لا شك أن حسين أدرك الحقيقة في ~~زيارته لهذا البيت في سبتمبر الماضي، ولكن ترى هل تعلم أمي بكل ~~شيء؟!» لم تواته شجاعة على السؤال الصريح، ولكنه تساءل في مكر: ~~ما العلاقة بين الغناء والعراك؟ # فقهقه حسن ضاحكا ثم قال: هما شيء واحد في عرف ~~الكثيرين. # وهنا جاءهما صوت المرأة من خارج وهي تقول: إني ذاهبة، هل ~~تريد شيئا؟ # فقال لها باقتضاب: مع السلامة. # ولم يستطع حسنين أن يقاوم حب استطلاعه فسأله بقلق: هل تزوجت ~~يا أخي؟ ~~- كلا. # فلاح الارتياح في وجه حسنين غير خاف فتساءل حسن: أسرك ~~هذا؟ ~~- نعم. ~~- لماذا؟ # فقال الشاب بسذاجة: أفضل أن تختار زوجك من وسط ~~كوسطنا. # فقطب حسن كالمستاء وقال: إنها أفضل من سيدات كثيرات، تحبني ~~وتخلص لي، ولا تضن علي بمال. # وأوشك أن يقول له «ومن مالها الخاص أعطيت حسين ما احتاجه من ~~نفقات.» ولكنه أمسك رحمة بأخيه - لم يستطع التغير الذي لحق ~~بطبعه أن يؤثر في عواطفه نحو أخيه حتى حين استيائه - ولما رأى ~~القلق والندم يلوحان في عيني الشاب قال برقة: إن إخلاص ~~الزوجة لزوجها لا يخلو من منفعة وراءه، أما هذه المرأة فإخلاصها ~~غير مشوب، سوف تعلمك الحياة أمورا كثيرة تجهلها. # فهز حسنين رأسه متظاهرا بالاقتناع، وابتسم إلى أخيه ابتسامة ~~رقيقة ms165 متوددا، ثم ذكر أمرا كاد ينساه فرحب به ظنا منه أنه ~~خليق بأن يضفي على الجو الذي كاد يتوتر روحا من المرح ~~فسأل أخاه ضاحكا: علمت وأنا أسأل عن بيتك أنهم يدعونك الروسي، ~~فما معنى هذا؟ # فضحك حسن ضحكة عالية أعادت الطمأنينة إلى نفس الآخر، وقال هو ~~يشير إلى رأسه: نسبة إلى هذا! .. إني أكسب بعرق جبيني على نحو ~~ما (وبسط يده ونطحها برأسه، ثم نظر إلى أخيه نظرة ذات معنى ~~ضاحكا) أو بالأحرى بدم جبيني، لا بد من العرق كي تعيش، ولكنه ~~يختلف العضو الذي يعرق بين فرد وآخر. # وشعر حسنين بغرابة نحو أخيه، وفكر مليا، ثم قال بحزن: ~~ثمة أناس يكسبون دون أن يعرق لهم جبين! # وبدا حسن، وكأنه لم يفهم قوله على حقيقته فقال بحماس: هذه غاية ~~الشطارة .. أن تكسب بعرق جباه الآخرين! # وسئم حسنين هذا الحديث الذي يجري بلا ضابط، فصمم على أن يطرق ~~الموضوع الذي جاء من أجله. وصمت قليلا ثم قال بصوت منخفض: أظن ~~يسرك أن تعلم بأني نجحت في امتحان البكالوريا؟ # فهتف حسن بسرور: مبارك، أسر طبعا بسرورك وسرور ~~أمنا! # تفرس في وجه الشاب ثم استطرد في لهجة لا تخلو من إشفاق ~~وسخرية: وظيفة، ثم طنطا أو الزقازيق، أليس كذلك؟ # فقال الشاب منتهزا هذه الفرصة التي هيأها الآخر كي ~~يتقدم خطوة جديدة في سبيل غرضه: كلا، في نيتي أن ألتحق بالكلية ~~الحربية! ~~- الحربية! .. عظيم جدا! .. الحمد لله على أنك لم تختر مدرسة ~~البوليس! ~~- مصروفاتها كبيرة. ~~- لا أعني هذا، ولكني لا أستلطف ضباط البوليس! # فحدجه الشاب نظرة تساؤل فقال حسن مبتسما: ضباط الجيش رجال ~~أفراح، نراهم أمام المحمل وفي الاحتفالات الكبرى، أما ضباط ~~البوليس فلا نراهم إلا عادين وراء خراب البيوت! # وساد الصمت وراحا يتبادلان النظرات؛ حسنين في قلق وحياء، وحسن ~~في ابتسام له معناه، ولبثا كذلك طويلا حتى انفجر حسن ضاحكا، ~~فضحك الآخر وهو يغض بصره حياء، وواصلا الضحك حتى تعبا، ثم ~~سأله حسن بلهجة ذات مغزى: كم؟! # فضحك حسنين مرة أخرى وقد ms166 احمر وجهه من الحياء، ثم قال: الدفعة ~~الأولى من المصروفات .. يؤسفني أن أقول إنها مبلغ لا يستهان به، ~~ولكني سأدبر الدفعة الأخرى، ومصروفات العام الثاني من نقود حسين، ~~وما وعدتني به نفسية! # وذكر حسن كيف كان يعد فيما مضى الخائب الفاشل في الأسرة ~~جميعا؛ الآن يرونه ملاذهم في الملمات! وأحس زهوا، ولكن ~~هذا لم يغير من شعوره الطيب المتأصل في نفسه نحو أسرته، بل ~~لعله ضاعفه، وساءل أخاه مبتسما: كم هذا المبلغ الذي لا ~~يستهان به؟! # فقال حسنين في خوف: عشرون جنيها! # ولاح الانزعاج في عيني حسن، وقال وهو لا يدري: عشرون جنيها؟! ~~إن جيشنا كله لا يساوي هذا المبلغ! .. هل تنوي الالتحاق بمدرسة ~~اللواءات؟ # وانتظر حسنين في اضطراب وقلق، ولم ينبس بكلمة حتى عاد الآخر ~~يقول بجد واهتمام: هذا مبلغ جسيم حقا، ولا يمكنني أن ~~أعطيك - اليوم على الأقل - أكثر من عشرة جنيهات! # وسادت فترة من صمت أليم، ثم نفخ حسن في ضيق وقال: لو جئتني ~~قبل أسبوع! .. وعلى أية حال سأسافر غدا إلى السويس، ولعلي أعود ~~بما يكفيك! # وتفكر مليا على حين قال حسنين بصوت منخفض: يؤسفني أني ~~أزعجتك! # فقرصه في أنفه ضاحكا وقال: كيف تعلمت هذا الأدب، وعهدي بك ~~طويل اللسان! لا تنزعج، سآتيك بما تريد ولو قتلت قتيلا ونشلت ~~محفظته. # ثم أعطاه عشرة جنيهات، وحمله السلام إلى أمه وأخته، وطلب ~~إليه أن يستمسك بالحكمة إذا تحدث عما رآه في بيته، وشد ~~حسنين على يده شاكرا وغادر الشقة، وما إن انفرد بنفسه حتى قال ~~بصوت ثقيل كئيب: «حياة حسن فضيحة يجب التستر عليها، ولعل ما ~~خفي منها أدهى وأفظع.» وقطع الطريق متفكرا مغتما يلفه ~~إحساس بالاشمئزاز والخوف، لم يكن بوسعه أن ينسى جميله ولا ما ~~أبداه نحوه من عطف أخوي، ولكنه لم يستطع كذلك نسيان المرأة ~~والرجال المشوهين، والندبين الخطيرين، نقش هذا كله على صفحة ~~قلبه بمداد التقزز والرعب، رباه! لقد انقلب حسن إلى نوع آخر ~~من الآدميين، لم يعد من الأسرة ولا من المجتمع الذي يعرفه، ms167 إنه ~~يترنح كأنما ضربة قد هوت على رأسه فأفقدته وعيه، وكلما جد ~~في السير امتلأ شعوره بفداحة الخطب، وذكر حاجته إليه جعلته ~~يستوهبه نقودا لا يدري من أين أتت، فاشتد اشمئزازه وحنقه، ~~ولعن هذه الحاجة من أعماق قلبه في يأس وقهر، وأمر من هذا كله ~~أن حاجته لم تنته، فسيعود إليه بعد أيام ويمد إليه يده ~~سائلا! ترى من أي سبيل تأتيه النقود في السويس! إن قلبه لا ~~يكذبه، وفيما رأى بعينيه الكفاية لمن ينشد الدليل، ورغم هذا ~~كله سيعود إليه ويسأله أن يتم صنيعه له! هل يستطيع أن يغضب ~~لكرامته حقا؟ هل يستطيع أن يرد هذه الجنيهات إلى أخيه ويصيح ~~في وجهه إني لا أرضى عن حياتك القذرة؟ وندت عنه ضحكة مبحوحة ~~مرة .. إنه يعلم أنه يهذي هذيانا سخيفا، سيعود إليه راضيا ~~ويأخذ النقود - إذا تفضل بها - شاكرا ممتنا، ولو علم أنه ~~ذاهب إلى السويس ليسرقها ما وسعه إلا أن يدعو له بالتوفيق، ~~وقال كأنه يحاور ضميره المتوجع: «مهما يكن من أمر فهو بالنسبة ~~لنا أخ فاضل كريم!» # 59 # وفي عصر اليوم نفسه مضى إلى فيلا أحمد بك يسري بشارع طاهر، ~~والواقع أنه كان يندفع بحيوية هائلة نحو الأمل الذي ركز فيه ~~حياته جميعا؛ فإما الحرية أو الموت. وجلس في السلاملك ينتظر البك ~~مسرحا طرفه في أطراف الحديقة أو في الشطر الأمامي منها ~~على الأصح، وكان مشتت اللب فرآها رؤية غامضة، وتنقل بصره ~~الشارد بين نخيلها الرشيق المنغرس وسط دوائر من الحشائش ~~المنسقة سورت بنبات الشيح، وانتشرت في رقاعها شجيرات الورد ~~على هيئة أهلة، وارتاح لحظة من أفكاره فاستقر ناظره على ~~دائرة حشائش كبيرة تتوسط المكان ما بين مدخل الفيلا والسلاملك، ~~فاستسلم إليها فارا من قلقه، وكانت تنبثق من وسطها نخلة قصيرة ~~ذات جذع أبيض ترف عليها روح الطفولة، وتغشى سطحها شجيرات ~~الورد بوفرة حتى تماست أغصانها وتعانقت أزهارها، فامتزجت في ~~هالة كبيرة انثالت عليها الحمرة والخضرة والصفرة في وئام ~~وائتلاف وسلام. وابتسم وهو لا يدري، وكان الظل قد ms168 زحف على أرض ~~الحديقة وما وراءها من الطريق، ولاحت آثار الشمس المائلة في أعلى ~~الدور على الجانب الآخر للطريق، ولكن الهواء هفا مائلا للسخونة ~~مفعما بعرف الياسمين الجاثم على سور الفيلا، وورد على خاطره ~~هذا السؤال: «هل يمكن أن أقتني يوما فيلا كهذه؟» وتخيل الحياة ~~فيها ما بين المخدع والحديقة، وما يتبعها عادة من سيارة وأسرة ~~محترمة. هذه هي المرة الثانية التي يزور فيها فيلا أحمد بك يسري ، ~~وفي كلتا المرتين انفجر في صدره بركان من الطموح والسخط، ~~والتلهف على متع الحياة النظيفة المحترمة، وكان أخوف ما يخافه ~~أن ينحصر في حياة كحياة حسين، فيقطع عمره ما بين الدرجتين ~~الثامنة والسادسة بلا أمل ناضر. في الحياة متع عالية وهواء ~~نقي، وينبغي أن يأخذ نصيبه منها كاملا، وتوقف عن التفكير ~~فجأة حين لمح دراجة تمرق من الجانب الأيسر للحديقة وعليها فتاة، ~~وكانت الفتاة توجه الدراجة في حذر على مماشي الفسيفساء بين ~~دوائر الزهور، فاستغرقها الحذر عن النظر فيما حولها، كانت في ~~السادسة عشرة، ترتدي فستانا أبيض هفهافا، وتعصب رأسها ~~بإيشارب منمنم، ذات قامة نحيلة، وصدر ناهد، وبشرة نقية، وقد ~~أعجله النظر إلى ساقيها المدملجتين اللتين تتناوبان الارتفاع ~~والانخفاض، فلم يكد يتبين وجهها، واختفت وراء جناح الفيلا ~~الأيمن قبل أن يستدرك ما فاته منها، وثار في عينيه اهتمام ويقظة؛ ~~إذا لم تكن هذه الفتاة كريمة أحمد بك فمن تكون؟ وابتدرت ~~مخيلته تستدعي صورة بهية بجسمها اللدن الممتلئ، ووجهها ~~البدري، شهية جميلة، ولكنها ليست من هذه الرشاقة في شيء! ثم ~~ذكر أخته نفيسة فعجب للاختلاف البين بين مخلوقات من جنس واحد، ~~ثم شعر في قلبه بغمز ألم وعطف، وعاد إلى نفسه فوجد فيها من فتاة ~~الدراجة أثرا يشبه الأثر الذي تركته الحديقة والفيلا ونجفة ~~بهو الاستقبال، طموحا وثورة وسخطا! «ما أجمل أن أملك هذه ~~الفيلا وأنام فوق هذه الفتاة!» ليست شهوة فحسب، ولكنها قوة ~~وعزة، فتاة مجد تتجرد من ثيابها، وترقد بين يدي في تسليم ~~مسبلة الجفون، وكأن كل عضو من جسدها الساخن ms169 يهتف بي قائلا: ~~«سيدي، هذه هي الحياة، إذا ركبتها ركبت طبقة بأسرها!» ثم عاودته ~~ذكرى بهية فتضاعف ألمه، وامتزج به ما يشبه الندم والخجل، ~~وهنا سمع وقع أقدام آتية من ناحية السلم، فالتفت صوبها ~~منقطعا عن تيار أفكاره، فرأى أحمد بك قادما في بدلة بيضاء من ~~الحرير، وقد رشق في عروة الجاكتة وردة حمراء، فانتفض قائما ~~وأقبل نحوه في أدب، وانحنى على يده مسلما في إجلال، وابتسم ~~البك مرحبا وسأله وهما يجلسان: كيف حال الأسرة يا بني؟ # فقال حسنين بتودد: يقبلون يدك الكريمة ويذكرون ~~صنائعك. # فغمغم البك: أستغفر الله. # وأيقن البك أنه سيتلقى عما قليل رجاء بتوظيف هذا الشاب ~~أو نقل أخيه إلى القاهرة ... إلخ. لم يكن يومه يخلو من مثل هذا، ~~وكان يضيق بالرجاوات، ولكنه كان في قرارة نفسه يحبها كذلك، ولا ~~يطيق أن يخلو بيته يوما من صاحب حاجة، وقال: خير يا ~~بني؟ # فقال حسنين بحرارة: جئتك يا سعادة البك مستنجدا بشفاعتك في ~~إلحاقي بالكلية الحربية. # ودهش البك وكأنه كان يتوقع كل شيء إلا هذا الطلب ~~الأرستقراطي، وتساءل دون أن يخفي دهشته: ولماذا اخترت هذا ~~الباب الضيق؟! # وتألم الشاب لما لاح في وجه الرجل من دهشة، وكرهه ~~لحظتها كراهية عمياء، بيد أنه قال بنفس اللهجة المتوددة ~~المهذبة: يبدو لي يا سعادة البك أنه توجد فرصة ذهبية هذا ~~العام لم يوجد مثلها في السنين الماضية؛ لما تعتزمه الحكومة من ~~زيادة عدد الجيش، ومهما يكن من أمر فشفاعتك أهم من كل ~~شيء! # وتساءل البك باقتضاب: والمصروفات؟! # وكرهه مرة أخرى، وسرعان ما تناسى رجاء المجانية أو صمم ~~على أن يؤجله لفرصة أخرى وقال بثقة وطمأنينة: إني على استعداد ~~لأداء المصروفات كاملة! # ففكر البك مليا ثم قال: إن وكيل الحربية صديق قديم، ~~وسأحدثه بشأنك. # فكان جواب حسنين أن أقبل على يده يحاول تقبيلها، فسحبها ~~الرجل ونهض قائما - ربما إنهاء للزيارة - فقنع حسنين ~~بالانحناء على يده مسلما، وكرر الشكر، وغادر السلاملك، ~~مرح الصدر بالأمل، وذكر وهو يقطع الحديقة فتاة الدراجة، ~~وتمثلت صورتها وهو ms170 يرنو إلى أثر العجلتين في الممشى، ولكن لم ~~يدم هذا إلا لحظة قصيرة، ثم استأثر بوعيه كله مستقبله ~~وآماله. # 60 # في نفس الساعة كانت نفيسة في ميدان المحطة، كانت السماء تتخشع ~~لهبوط المساء، على حين واصل الميدان في حياته الصاخبة يستبق ~~على أديمه الإنسان والحيوان، والترام والسيارات، وكانت الفتاة ~~واقفة على طوار تمثال نهضة مصر، تنتظر انقطاع تيار السيارات ~~لتعبر الطريق إلى محطة الترام، فلاحظت أن رجلا واقفا على ~~بعد أذرع منها ينظر إليها نظرة غريبة باتت مع الأيام تفهمها ~~حق فهمها. وتولتها دهشة وتساءلت: حتى هذا؟! كان رجلا في ~~الستين! يجمع في جسمه بين ترهل العمر ووقاره، مرتديا بدلة ~~صوفية على حرارة الجو، ويقبض بيده على مذبة أنيقة عاجية ~~المقبض، ويضع على عينيه نظارة زرقاء، وقد انحسر طربوشه المائل ~~إلى الوراء عن جبهة عريضة لفحت الشمس أسفلها، وبدا أعلاها ~~لامع البياض فيما فوق حز الطربوش، أما سوالفه وما لاح من ~~قذاله فشديد البياض، وثار في أعماقها حب استطلاع وطمع؛ ولذلك ~~لم تغادر موقفها حين انقطع تيار السيارات، وحولت نحوه عينيها ~~فوجدته ما يزال يحدق فيها، وكأنه تشجع بنظرتها، فتقدم ~~منها في خطوات ثقيلة وهمس هو يمر بها: اتبعيني إلى ~~سيارتي. # ثم واصل سيره إلى سيارة واقفة لصق الطوار مثله في الهرم ~~والوقار، يكاد يعلو سلمها عن الطوار شبرين، ويقف عند بابها ~~سائق كالتمثال، وصعد إليها دون أن يغلق الباب وراءه وأمر سائقه ~~فاتخذ مكانه خلف عجلة القيادة؛ ماذا يريد الشيخ؟ وابتسمت ~~خواطرها في تشوف، ثم عادت تنصت إلى همس الطمع، وكأنه استبطأها ~~فخلع نظارته ثم أومأ لها بيده، فما تمالكت أن ابتسمت، وألقت ~~على ما حولها نظرة متفحصة، ثم اتجهت نحو السيارة، يحدوها ~~الطمع وحده لأول مرة. وأوسع لها فجلست إلى جانبه، وما عتمت ~~أن سطعت أنفها رائحة الخمر الفائحة من فيه، فاستحوذ عليها القلق، ~~وقالت: لا أستطيع أن أتأخر. # فقال بلسان ثقيل: ولا أنا أيضا! # وأمر السائق بالسير فانطلقت السيارة، ولم يفارقها شعورها ~~بالغرابة في أثناء الطريق، ثم ms171 غشيتها سحابة حزن وخوف لإحساسها ~~بأنها تتدهور إلى ما لا نهاية. لم يسبق لها قبل هذا المرة أن ~~ذهبت مع رجل قبل تعارف طويل أو قصير، ولو بعد رؤيته مرتين أو ~~ثلاثا، إلى أنها لم تكن تخلو من رغبة. أما هذه المرة فها هي ~~تستسلم لعابر سبيل، مدفوعة بالطمع وحده، وبلا أدنى رغبة! أي ~~تدهور وأي نهاية؟! ترى كيف عرف أنها ضالته؟! هل انقلب وجهها ~~- على دمامته - يشي بتدهورها ؟ وتقبض قلبها فرقا، وجبهتها ~~حيرة قديمة جديدة معا، بين أن تتزين فتبدو في هذه الهيئة ~~المبتذلة أو أن تتعطل فتكشف عن دمامتها النقاب؟! ووضع الرجل ~~كفه على يدها وقال بصوت ملعثم: جميلة كالقمر! # ولم يفتر ثغرها عن ابتسامة كما كانت تفعل قديما، وتمتمت: ~~لست من الجمال في شيء. # فقال مستنكرا: لا تخلو امرأة من جمال! # كاذب أو مخدوع فلشد ما يعمي الفسق العيون، وقالت ببساطة: ~~إلاي! # فنقر بأصبعه على ثديها وقال: لولا جمالك ما وجدت هذه ~~الرغبة! # ودت لو تستطيع أن تصدق قوله، ولكن هيهات! فلم تظفر بأحد ~~يحبها أكثر من ساعات، لعله يعربد أو يخرف أو يعاني ~~مرارة اليأس مثلها سواء بسواء، لقد كابدت من الرجال ما ~~جعلها تحقد عليهم، ولكن دون أن تخمد لهذا رغبة جسدها الذي ~~يسيمها الهوان فكرهته كما تكره الفقر. ما هي إلا أسيرة للجسد ~~والفقر، ولا تدري كيف تستنقذ نفسها منهما، جرفها التيار ~~وجرحتها الصخور، فلم تعد ترى من خير في أن تأوي إلى الشاطئ ~~عارية مثخنة بالجراح وبلا نصير أو رحيم، ثم سمعت صوته يقول ~~متنهدا «وصلنا» فالتفتت إلى الخارج فرأت السيارة تدور مع ~~طريق دائري تقوم على جانب منه الأشجار الضخمة كأشباح عمالقة، ~~وعلى الجانب الآخر يجري النيل في رقعة عظيمة من الظلمة إلا ما ~~انغرس في جناحه البعيد من رماح الأنوار المنثالة من المصابيح، ~~وقالت كالمتسائلة: الجزيرة؟ # فضحك ضحكة فاجرة وقال بلهجة ذات مغزى: تعرفينها ~~طبعا. # وتريث ريثما غادر السائق موضعه واختفى في الظلام، فخلع ~~نظارته وهو يقول: أريني شطارتك؛ فكل شيء ms172 يتوقف عليها. # كان هرما مجنونا، يكاد ينز خمرا، وانهال عليها بمداعبة ~~غليظة فعضها بوحشية وراح يقرصها حتى أوشكت أن تصرخ، ولاحت في ~~الجو نذر هزء وسخرية، ثم تعب حتى اليأس، انفرج عن إحساس ~~بالغرابة ومغالبة الضحك، وأخيرا ارتمى مخمورا وقال بصوت غليظ: ~~مدي يدك إلى مقعد السائق وناوليني الزجاجة. # ورفع سدادتها وعل منها ثم أسلم ظهره إلى المسند، وراح ~~يتنفس تنفسا ثقيلا غليظا. ولم تعد تحتمل ثقل الانتظار ~~فقالت برجاء مشبع بالتودد لأنها تعلمت أن تخاف هذه الآونة ~~أكثر من أي شيء آخر: آن لنا أن نعود. # فقال وكأنه يخاطب نفسه: ليتني لا أعود أبدا. # ولم تدرك ما يعني، ولكنها استجمعت شجاعتها وغمغمت: ~~تسمح! # ودس يده في جيبه وأخرجها في تكاسل ثم ترك ريالا يسقط في ~~حجرها فتناولته في دهشة وانزعاج وحدجته باستنكار وتساءلت وهي ~~تتميز غيظا: ما هذا؟ # فقال بجفاء مباغت وعيناه تعكسان بريق الخمر: نعمة كبرى! إذا ~~لم ترضي به عاد إلى موضعه السابق إلى الأبد. # فقالت بحنق: أظن مقامك أعلى من هذا بكثير. # فصب في فيه جرعة كبيرة ومصمص بشفتيه مقطبا وقال: هذا ~~حق، ولكن الريال أعلى من مقامك بكثير! أراهن على أنه لا توجد ~~امرأة لها مثل هذا الأنف وتطمع في مثله! # وجرحت الإهانة صدرها فاضطرب وقالت وهي تغالب الغضب بالخوف: ~~لماذا تحدثني بهذه اللهجة؟ ~~- لأنك طماعة، ولأنك السبب فيما يقع لي، اعلمي أني لا أحمل ~~معي إلا الفكة، وحتى هذه تحاسبني زوجي عليها عقب عودتي إلى ~~البيت، وأهون علي أن أضربك من أن تضربني هي! # ولاذت بالصمت وهي تنتفض غضبا وغيظا، فعاد هو يقول: ضايقتني امرأة ذات مرة في مثل موقفنا هذا فصفعتها، وقذفت ~~بها خارج السيارة نصف عارية، ماذا فعلت فيما تظنين؟ .. لا ~~شيء! كانت تعلم بلا ريب أن الشرطي أخطر عليها مني، ومع ذلك ~~فهي مظلومة وأنت مظلومة وأنا مظلوم، والظالم الحقيقي هو ~~زوجي. # فزفرت زفرة غيظ وتمتمت: نعود من فضلك. # فقال وهو يتثاءب: لك هذا، افتحي النافذة ونادي السائق. # وانطلقت السيارة في ms173 طريق العودة، فتزحزحت حتى نهاية المقعد، ~~وسهمت إلى الظلمة بعين خابية. # 61 # وكان يوم قبول حسنين طالبا بالكلية الحربية أسعد الأيام ~~جميعا، وكان يحسبه مطلبا غير عسير كشأنه حيال مطالبه، ثم ~~أخذ يتبين عسره وعناده؛ حتى اقتنع آخر الأمر بأن تدبيره ~~للدفعة الأولى من المصروفات كان أخف متاعبه. وقد طال تردده ~~إلى فيلا أحمد بك يسري، وكاد الرجل ييئس من قبوله، فنصحه ~~بالعدول عن اختياره، ولكن تصميم الشاب وتقدم ترتيبه وحسن ~~هيئته، وتفوقه في الكرة والعدو، ثم شفاعة أحمد بك قبل كل شيء. ~~كل أولئك ساعد على إحداث المعجزة - على حد تعبيره بعد اليأس ~~- وتم القبول وكاد يجن من الفرح، والحق أنه علق آماله ~~كلها على هذا القبول بحيث لم يكن يدري ماذا يفعل أو كيف يولي ~~وجهه وجهة أخرى لو أخفق مسعاه، كان طموحه إلى الحربية يتفجر ~~من صميم روحه الملهوفة على السيادة الثائرة على تعاسة حياته ~~وضعتها، وبدت الكلية لعينيه كمصنع سحري قادر على تحويله من ~~إنسان مهزول مغمور إلى ضابط مرموق في ظرف عامين، وبأقل جهد، ~~وكان سمع مرة صاحبا له يصف ضباط الجيش بقوله «الضباط ~~مرتبات عالية ونفخة كاذبة، وعمل كاللعب لا خير فيه!» فهامت ~~بالحربية نفسه وقوي حلمها في روحه. ولما علم بقبوله في ~~الكلية أبى أن يعترف لوساطة أحمد بك بالدور الخطير الأول الذي ~~لعبته في قبوله، فقال لأمه إن الفضل الأول راجع لمزاياه ~~الجسمية، وتفوقه في الرياضة. وقال لنفسه في زهو: «أستطيع أن ~~أعد نفسي من الضباط منذ الآن!» وراح خياله المختال يستعرض ~~الآدميين الذين ستؤثر فيهم بذلته الرسمية تأثيرها ~~السحري؛ الجنود والفتيات وعامة الشعب، بل وأحمد بك يسري نفسه وهو ~~مرح نشوان. وحمل الخبر السار بنفسه إلى أسرة فريد أفندي محمد، ~~فاستقبلته بفرحة تجل عن الوصف، وقال له فريد أفندي ضاحكا ~~«شرفتنا يا حضرة الضابط!» وقال الشاب على مسمع من بهية ~~لغرض في نفسه: «سأغيب عنكم أربعين يوما قبل أن يسمح لنا ~~بالخروج مرة كل أسبوع!» وكان يطمع أن يحظى تلك الساعة ms174 بما ~~حرم عليه عامين، ولكنه لم يتح له أن يخلو إلى الفتاة إلا ~~دقائق، ولم تكن الدقائق لتمنعه من نيل مشتهاه لو أرادت الفتاة ~~أن تجود له به، ولكنها لم تتزحزح عن تعففها حتى في هذه اللحظة. ~~وغلبها الحياء كعادتها، فانكمشت وقلبها يخفق بالعطف والألم ~~تأثرا بالوداع، وقال لها بعجلة في صوت لا يكاد يسمع: «أريد ~~قبلة حارة من شفتيك!» ولما رأى حياءها وجمودها قال بجزع: ~~«أتأبين علي هذا حتى في هذه اللحظة! .. لا يمكن أن أتصور ~~أنك تحبينني!» وخرجت الفتاة عن صمتها قائلة في قلق «بل لهذا ~~أرفض أن أذعن لك!» وتساءل في إنكار: «لا أفهم ما تعنين.» فقالت ~~بشجاعة مؤثرة: «أرفض لأني أحبك!» وكان يسمع هذا الاعتراف ~~الصريح البسيط لأول مرة، فبلغ به التأثر حد السكر، ~~وهم بالاقتراب منها ولكنها أشارت إليه محذرة وهي تومئ برأسها ~~ناحية باب الحجرة المفتوح، وما لبث أن عاد فريد أفندي وزوجه، ~~فقضى بقية الوقت ممزقا بين نشوة السكر وقلق الشوق وحنق ~~الغيظ، ثم ودعهم ونزل إلى شقته وهو يقول لنفسه: «هذا حب عاقل! ~~حب يسيطر عليه الحزم والتدبير، كأنها رسمت خطة حكيمة كي ~~تضمن زواجي بها. ولكن هل يعرف الحب الحقيقي هذا المنطق ~~البارد؟!» وكان حديثه لنفسه في الواقع خاضعا لما استحوذ عليه من ~~غيظ وحسرة، وعد وداعه لها أسوأ وداع مني به عاشق، ثم ~~أمضى شطرا من الليل بين أمه وأخته، ولم تستطع نفيسة - كعادتها - ~~مغالبة مشاعرها، فدمعت عيناها وقالت في حزن: «قضي علينا بأن ~~نعيش وحدنا!» ولم يخل هو من كآبة خليقة بمن يفارق أهله لأول ~~مرة، ولكن هون من وقعها أن روحه كانت تهفو كثيرا إلى ~~الحياة المستقلة في بيت غير البيت، ووسط غير الوسط، أما ~~الأم فحافظت على هدوئها الظاهري، ولم تشجع نفيسة على الاسترسال ~~في حزنها، وقالت لها بحدة: «لا تبكي كالأطفال، سنراه كثيرا، ~~وحسبنا سرورا أنه نال ما تمنى!» بيد أن قلبها كان في واد ~~آخر، حرك الفراق الوشيك أشجانه فرجعت أوتاره الأحزان ~~المنطوية، فذكرت وداع ms175 حسين، وتخيلت خلو البيت من أبنائها ~~جميعا، وتداعت إلى ذهنها - على كره - ذكرى رحيل زوجها، ~~فعجبت لحياتها التي لا تجود لها بسعادة إلا مصحوبة بوداع ~~وفراق، فهل قدر لها أن تمضي البقية الباقية من حياتها ~~وحيدة؟ وهل في سبيل هذه النهاية تصبرت وتجلدت وعانت ما عانت ~~من مرارة الكفاح؟! ولكنها لم تستسلم لحزنها إلا بمقدار يسير، ~~ونادت قوتها الكامنة، وذكرت ما صادف ابنها من آي التوفيق ~~لتستعين به على تبديد كآبتها، مهما يكن من أمر فإنها تؤمن الآن ~~بأن ما بذلت من صبر وكفاح لم يضع سدى، وأن سفينتها ~~الضالة في سبيل الهداية إلى مرفأ آمن. ويحق لها أن تفرح؛ فما ~~من ثمرة تجنى في هذه الأسرة إلا وهي غرس يديها وعصارة ~~قلبها. # وفي الصباح الباكر ودع حسنين أمه وأخته، ومضى في سبيله إلى ~~الكلية الجديدة. # 62 # ثم وجد نفسه في فناء الكلية بين جماعة المستجدين من ~~الطلبة، وبحثت عيناه فيما بينهم لعله يجد صاحبا قديما من ~~التوفيقية فيلوذ به من وحشته، ولكنه لم يظفر بوجه قديم، ~~وضايقه هذا وإن أحس زهوا لكونه الطالب الوحيد من مدرسته الذي ~~قبل في الحربية، وتمنى كثيرا أن يبدأ أحد بالكلام، وطال ~~انتظاره، ولكن أبى كبرياؤه أن يكون هو البادئ، ثم مضى يتسلى ~~بمشاهدة الكلية فجرى بصره مع الفناء الشاسع، وأبنيتها الفخمة ~~المترامية، ثم ثبته طويلا على تمثالي المدفعين المقامين عند ~~مدخلها فهاله المنظر، وبث في نفسه إعجابا وخيلاء. وكان بادئ ~~الأمر مطمئنا إلى مزاياه الجسمانية من طول قامته ورشاقة قده ~~ووسامته، ولكنه تخلى عن كثير من إعجابه بنفسه حين تفحص ~~الآخرين ورأى بينهم شبابا غضا وفتوة ناضرة وجمالا رائعا، ~~إلى ما لاحظ على بعض الأفراد من مخايل الأرستقراطية، ثم وقعت ~~عيناه على شاب قادما من حجرة تطل على الفناء عرف فيه ~~زميلا قديما في التوفيقية سبقه إلى الالتحاق بالكلية بعام أو ~~يزيد، وكان يرتدي قميصا وبنطلونا قصيرا من الخاكي، وعلى ذراعه ~~اليسرى أربعة شرائط، لم يكن من أصدقائه ولكنه تعرف به في فناء ms176 ~~المدرسة، ومع أنه لم يكن يذكر من اسمه إلا «عرفان» ولم تكن هذه ~~العلاقة الواهية لتغريه بالإقبال عليه في غير هذا الظرف إلا ~~أنه رحب بالتسليم عليه ليعلن صداقته بهذا الطالب القديم أمام ~~الطلبة المستجدين. ونفذ فكرته فمضى إليه حتى واجهه ومد ~~إليه يده مبتسما وهو يقول في ألفة: كيف أنت يا عرفان؟ # وسرعان ما ماتت الابتسامة على شفتيه للنظرة الجامدة التي ~~رماه الآخر بها في تجهم وصلف، وقد أطال تفحصه في تكبر ~~وما يشبه الغضب، ثم لمس يده بيده واستردها بسرعة كأنه يخاف ~~عليها عدوى خبيثة دون أن ينبس بكلمة! وشعر حسنين بانهيار شامل ~~وذهول قاتل، وظنه نسيه أو أساء فهمه فقال كالمستغيث: ألا ~~تذكرني؟ .. أنا حسنين كامل علي. # فلم يؤثر الاسم في الآخر أيما تأثر، ولم يطرأ على صلابته ~~أي لين، ولكنه خرج عن صمته وقال بخشونة وجفاء: لا صداقة هنا، ~~أنت طالب مستجد وأنا باشجاويش. # نطق بهذه الكلمات ثم ذهب، ووجد حسنين نفسه في موقف خزي لم ~~يقفه في حياته؛ فأثلجت أطرافه وتوترت شفتاه، وانتبذ موضعا ~~بعيدا متحاميا النظر إلى أحد أقرانه، وإن تخيلهم وهم ~~يتغامزون ويتضاحكون؛ ماذا دهاه الأحمق! ترى هل أهانه لضغينة ~~اضطغنها عليه أو فقد رشاده؟ أمن الممكن أن يكون هذا هو ~~النظام المتبع في هذه الكلية؟! ولبث مستغرقا في أفكاره لا ~~يرى مما حوله شيئا حتى نودي على الطلبة المستجدين، ودعوا ~~إلى أول طابور لهم بالملابس المدنية، ووقفوا صفين متوازيين ~~بإرشاد الباشجاويش محمد عرفان وبعض الجنود، وقد تجنب النظر إلى ~~صاحبه القديم الذي وجده معلقا فوق رأسه كالسيف وكظم عواطفه ~~المستعرة أن يلوح منها أثر في وجهه، ثم جاء ضابط عظيم محاطا ~~ببعض الضباط من رتب أقل، وألقى عليهم نظرة ثاقبة ثم راح ~~يخطبهم عن الحياة العسكرية التي آثروها، وكان يخطب باللغة ~~العامية بصوت أجش يوافق ما ارتسم على أساريره من الصلابة ~~والعنف، وكان يفصل بين كثير من جمله بهذه العبارة «العقاب ~~الصارم»، حتى صارت كضربات الإيقاع وملأ القلوب رهبة وحذرا، ~~وما إن ms177 انتهى من خطبته حتى بدأ أول يوم في الحياة العسكرية ~~الجديدة، واستقبل به حسنين حياة جديدة لم يسبق له بها عهد. وبدأ ~~اليوم - والأيام جميعا - شاقا طويلا، يبتدئ بالدش البارد في ~~الصباح الباكر، ويثنى بالطابور، ثم الدروس، جهد متواصل، ~~وخشونة في المأكل والملبس والمعاملة، حتى إذا جاء وقت النوم ~~استلقوا كالقتلى. وكانت خشونة المعاملة أفظع ما يلاقونه، كان ~~الرؤساء يرونها فرضا واجبا، ويكفي أن يحظى طالب بشريط ~~لأقدميته حتى يمارسها كحق من حقوقه، وهو يمارسها في غير رأفة ~~وبسطوة تبلغ في أكثر الأحايين إهانة صريحة وتجريحا ~~متعمدا. ولم يكن ثمة مجال للاعتراض أو الاحتجاج؛ إذ لم يكن ~~للكلية من شعار تحرص عليه كالطاعة العمياء الخرساء البكماء، ولم ~~يجد حسنين من عزاء في ذلك الجو الرهيب إلا أنه سيصير يوما ~~أومباشيا ثم باشجاويشا، وهنالك يقضي ديونه دفعة واحدة! وقد ~~ذكر عهد التوفيقية - الذي وصفه يوما بالإرهاب - بالترحم ~~والرثاء. وبلغ منه الضيق أحيانا أن ندم على اختياره لهذه ~~الكلية الجهنمية، وتمنى لو تواتيه الشجاعة على التخلص منها، ~~وكان يشاركه إحساسه هذا كثيرون في الأيام الأولى على وجه الخصوص، ~~وقد عصرتهم قساوة الحياة فسارع إليهم الهزال، ولعل حسنين كان ~~الطالب الوحيد الذي لم يخضع لهذا القانون الطبيعي، بل لعل جسمه ~~اكتسب ارتواء غير منتظر لأن غذاء الكلية - على خشونته - ~~هيأ له وجبات منتظمة لم يعتدها في أعوام الشدة الأخيرة. بيد ~~أنه تعرض لآلام نفسية غير متوقعة في أيام الجمع التي يسمح ~~فيها عادة بالزيارات. كان فناء المدرسة الخارجي يمتلئ بالآباء ~~والأمهات والأقارب، فيحظى الطلبة جميعا بنهار ممتع، ويعودون إلى ~~حجراتهم مثقلين بالهدايا من حلوى وفاكهة ودسم الطعام، حتى الطلبة ~~الريفيون لم يعدموا أقارب من القاهرة، فلم يكن ثمة طالب يقضي ~~هذا اليوم السعيد وحيدا إلاه، لم يزره أحد ولم ينتظر أحدا، ~~وكانت أمه قد أخبرته - قبل رحيله - بأنها لن تستطيع زيارته ~~لأنها - كما يعلم - لم تتمكن من ابتياع معطف جديد يليق بالظهور ~~أمام أقرانه، أما نفيسة فقد قالت له بمزاجها المألوف: «لا أظن ms178 ~~أنه مما يشرفك أن أبدو أمام زملائك بهذا الوجه!» ولم يكن ثمة ~~أمل في أن تزوره بهية؛ لحيائها وعدم اعتيادها الظهور في مجتمع ~~من الأغراب، فلم يبق إلا فريد أفندي، وكان بطبعه كسولا لا يكاد ~~يفارق بيته إلا لضرورة قصوى، ومع هذا فقد زاره مرة وحمل إليه ~~هدية من البسكويت، واعتاد في أيام الزيارات أن يختار موقفا ~~عند مدخل الفناء الداخلي يراقب منه الزوار بعينين كئيبتين، ~~ويتملى بمشاهدة النساء والفتيات مأخوذا بجمالهن وأناقتهن، وآي ~~النعيم البادية في وجوههن وثيابهن. وعجب لهذه الفوارق التي ~~تباعد بين الآدميين، وبدت لعينيه محيرة بقدر ما هي مزعجة، ~~وثارت بنفسه انفعالات السخط والغضب والتمرد، فلم يجد من ~~متنفس إلا في أن يناقش ربه الحساب، متسائلا - فما يشبه ~~التحدي - عن أسرار حكمته التي جعلت من الدنيا ما هو كائن! وسأله ~~مرة زميل له عن سر عزلته فقال بلا تردد: أبي متوفى، وأخي ~~مدرس بطنطا، أما الأسرة فمحافظة لم تألف الظهور بين الناس على ~~هذا النحو! # بيد أن الأفكار السوداوية لم تجد من نفسه مرتعا خصيبا؛ إذ إن ~~الحياة العسكرية لا تمهل الأفكار حتى يستفحل خطبها، وقد ~~علمته أن ينسى باطنه أكثر وقته، ثم بمرور الأيام أخذ يألف ~~شدتها وجوها الخانق فمضت تخف وطأتها وتحتمل، إلى ما ظفر ~~به من صداقات جديدة ابتل بها صدره الموحش، فاستطاع أن يضحك ملء ~~قلبه - رغم كل شيء - كعهده القديم، وهكذا انقضت الأربعون ~~يوما. # 63 # وخيل إليه - لدى خروجه من الكلية بالملابس الرسمية - أنه ~~حقق حلما بديعا بتصديه للعالم بالبدلة الملونة ... كان ~~ينطلق كالعامود في استقامته، كالطاووس في خيلائه، ملقيا على ~~صورته التي تعكسها مرايا الحوانيت والمقاهي نظرات ارتياح تشمل ~~الشريط الأحمر، والطربوش الطويل، والحذاء اللامع، ملوحا بعصاه ~~القصيرة ذات الرأس الفضي، قابضا على قفازه كأنه يتحدى العالم، ~~ولما تراءت لعينيه عطفة نصر الله جاش صدره بمشاعر متنازعة من ~~العطف والنفور، ثم مضى إليها مطمئنا إلى أن أحدا لن يراه ممن ~~يود ألا يروه - لم يطلع أحدا من أقرانه على عنوانه ms179 - ~~راجيا أن يراه جميع الذين يود أن يروه، وأحدقت به الأعين، ~~ولوحت له الأيدي من رقاع الأحذية إلى الحداد، ومن بائع ~~السجاير إلى جابر سلمان البقال. وتطلع رأسه إلى شرفة فريد ~~أفندي، فوجدها مغلقة فسر لما تهيأ له من مفاجأة سعيدة غير ~~مسبوقة بتنبيه، ثم قطع فناء البيت إلى الشقة، وطرق الباب ~~وانتظر مبتسما، وجاءه صوت نفيسة وهي تزعق «من؟» وفتح الباب، فما ~~أن رأته حتى هتفت كالمجنونة: حسنين! # وشدت على يده في انفعال وجعلت تهزها بقوة وفرح، وجاءت ~~الأم مهرولة على صوت ابنتها، فاستسلم لذراعيها النحيلتين وهي ~~تضمه إلى صدرها، وقبل جبينها في سرور شابه شيء من القلق ~~على سترته التي طوقتها ذراعاها، ثم سار بينهما إلى حجرته ~~القديمة التي بدت لعينيه غريبة، لكنها على غرابتها استثارت ~~حنانه وذكرياته، ووقفوا ثلاثتهم والمرأتان ترنوان إليه بإعجاب ~~وحب، ثم دعت له الأم وأفصحت عن سرورها بعبارات مقتضبة، ثم ~~لاذت بالصمت، أما نفسية فلم يسكن لسانها لحظة «لشد ما ~~أوحشتنا» .. «البيت من غيركم كالقبر» .. «اضطرني غيابك إلى أن ~~أرد بنفسي على رسائل حسين بخط أقبح من وجهي» .. «لم يتمكن ~~حسين من القيام بإجازته هذا العام لمرض زميله، وقد كدنا نجن ~~من الحزن» .. «هل حقا كنتما تتراسلان؟ .. لقد أخبرني بهذا منذ ~~عشرة أيام» .. «ماذا تعلمت؟ هل تستطيع الآن أن تطلق بندقية؟» ~~وكان يجيب على أسئلتها في دعابة، ثم خلع طربوشه ووضع عصاه ~~وقفازه على المكتب، ولبث واقفا وهو ينظر إلى سترته ليرى ما فعل ~~العناق بها، وجلست أمه على الفراش وهي تقول: اجلس يا ~~بني. # فتردد لحظة ثم قال: أخاف أن يتكسر البنطلون! # فتسألت المرأة بدهشة: هل تظل واقفا طالما أنت لابس ~~البدلة؟! # وابتسم في ارتباك ثم جلس على الكرسي في حذر، ومد ساقيه وهو ~~يفحص بنطلونه باهتمام، وقال: إن كسرة واحدة بالبنطلون خليقة ~~بأن توقع علي عقابا صارما لا يقل عن حبس شهر ~~بالكلية. # ونظر في وجه أمه ليرى أثر هذه الكذبة في نفسها، فقرأ في صفحته ~~الانزعاج فاستطرد قائلا بصوت ينم ms180 عن التضجر: حياتنا شاقة، ~~لا يمكن أن يتصورها إنسان؛ فنهارنا كله وشطر من الليل نقضيهما ~~في الخلاء بين المدافع والقنابل والرصاص، وقد تودي هفوة بسيطة ~~بحياة فرد! # فاتسعت عينا نفيسة في فزع، وتساءلت الأم في اضطراب: كيف ~~يلقون بأبناء الناس إلى الهلاك؟! # وهتفت نفسية في انفعال: لماذا اخترت هذه المدرسة؟ # فهز رأسه بثقة وقال: لا تخافي علي! إني ألعب بالنار بمهارة ~~استحقت إعجاب الضباط جميعا! # فقالت الأم بصوت متهدج: ما عسى أن نصنع بإعجابهم إذا أصابك ~~سوء لا قدر الله؟! # فقال حسنين في سرور خفي: وماذا تصنعين إذا دعينا غدا إلى ~~الحرب؟ .. ألم تسمعا بأن هتلر يعد عدته لإشعال نار الحرب؟ ~~وإذا نشبت الحرب هجم موسوليني على مصر فندعى جميعا ~~للقتال! # وحدجته الأم بارتياع، ثم سألته بجد واهتمام: أحقا ما ~~تقول يا بني؟ # وتراجع قليلا: هذا ما يقوله بعض الناس! ~~- وما رأيك أنت فيما يقوله هؤلاء الناس؟ # وقبل أن يجيب صاحت به نفسية: إذا صح ما يقولون فاترك المدرسة ~~بلا تردد. # فضحك الشاب ملء فيه، وقال مشفقا من إفساد سرور اللقاء: ما ~~أردت إلا إخافتكما .. (ثم غير لهجته متسائلا) فلندع الهذر ~~جانبا وخبريني يا ست نفيسة ماذا تعدين لي غداء ~~للغد؟! # فابتسمت الفتاة وأدركت أن أخاها «ضيفها» نصف نهار الخميس ونهار ~~الجمعة، وأن إكرامه واجب عليها قبل أي إنسان آخر، فقالت: سأشتري ~~لك دجاجتين تطبخهما نينة في ملوخية! ~~- عال! .. والحلوى؟ ~~- برتقال؟ ~~- نفسي في الكنافة، فطالما رأيت هداياها تحمل إلى الطلبة أيام ~~الجمع، فيتحلب ريقي من بعيد! # ولم تهتم الفتاة للكنافة قدر ما اهتمت للسمن اللازم لها، ~~ولكنها لم تتراجع في نشوة الكرم التي غمرتها فقالت: وستحلي ~~بالكنافة كما تشتهي! # فقال الشاب بعد تردد: لو كنت وقحا لسألتك أن تحشيها بالفستق ~~والبندق! ~~- ولكنك لست وقحا والحمد لله. # هكذا تهربت بالمزاح، وأدرك حسنين أنه لم يعد بوسعها أن تسخو ~~أكثر مما سخت فقال ضاحكا: آه لو رأيتم الهدايا التي كانت تحمل ~~إلى الطلبة! .. وفي مرة أهدي إلى صديق قطعة من حلوى اسمها ms181 ~~«بودنج!» ~~- بودنج! ~~- نعم بودنج. # فضحكت نفيسة قائلة: لولا الملامة لقلت إنها سلاح لضرب ~~النار! # ثم سألته أمه: لماذا لا تخلع ملابسك؟ # فقال في شيء من الخجل: سأذهب إلى السينما! # ولاح التذمر في عيني الأم، فاستدرك قائلا: وسأعود مبكرا ~~لنسهر معا، وسنمضي الغد معا كذلك! # عادوا إلى الحديث والذكريات طويلا، ولكنه لم يعد يسعه أن ~~يملك خياله الذي ينازعه إلى الشقة العليا! وكان يجد صعوبة في ~~قطع الحديث والإفصاح عن رغبته في زيارة جارهم فريد أفندي، ~~وأخيرا قال بعدم اكتراث: آن لي أن أترككما للذهاب إلى ~~السينما، ولعلي أجد بعض الوقت لزيارة فريد أفندي! # 64 # منته نفسه بالانفراد بفتاته على وجه من الوجوه، ولكنه ~~لم يدر كيف؛ فقد اجتمع في حجرة الاستقبال بالوالدين، واستفاض ~~الحديث العادي وهو ينتظر حضورها بصبر نافد. ثم جاءت تسير على ~~استحياء وقد لفها روب وردي لم يبد منه غير أطرافها، ~~فسلمت عليه سلاما رسميا ووالدها يتفحصها بنظرة ضاحكة ~~تنم عن إعجاب. وجلست إلى جانب أمها، واتصل الحديث كما كان، ~~ولكن محضرها استأثر بأعماق وعيه فوجد مشقة في تتبع الكلام ~~التافه ومشقة أكبر في الاشتراك فيه، ثم أخذ يستشعر بالملل ~~والضيق، وكلما استرق إليها نظرة وتخيل قوامها البض ثار دمه ~~وحقد على الجلسة وشهودها، ورأى في عينيها هدأة وطمأنينة كأنه ~~لا يكدر صفوها مكدر، وإنها لكذلك دائما كأنما لا يجري في ~~عروقها دم، وليس أحب إليها من أن تجلس بين والديها تصغي ~~لحديثه، وهي في مأمن من نزواته! .. لذلك يحنق عليها أحيانا، ~~ولكنه لا يستطيع أن يتجاهل ما بثته في حناياه من طمأنينة وثقة، ~~فكان يشعر بأنه يأوي من حبها إلى ركن ركين، وعاطفة عميقة ~~ثابتة لا تزعزعها الحدثان، واستمر الحديث فلم تجد من نفسها ~~شجاعة على الاشتراك فيه، قانعة بهزة من رأسها، وابتسامة من ~~شفتيها فبلغ منه الضيق نهايته، وفكر في مخرج، فخطرت له ~~فكرة جريئة لم يقعد عن تنفيذها مدفوعا بجسارته، فقال موجها ~~خطابه إلى فريد أفندي: هل تأذن لي في أن أصطحب بهية معي ms182 إلى ~~السينما؟ # وتبادل الزوجان النظر على حين خفضت بهية عينيها موردة ~~الوجه، ثم قال فريد: أظن العالم الحديث يستسيغ هذا السلوك بين ~~خطيبين. # ولكن زوجه قالت بلهجة المعارضة: أخاف ألا يروق هذا للست ~~والدتك. # ولم يتورع حسنين عن الكذب إنقاذا لمشروعه، فقال: لقد ~~استأذنتها فوافقت بسرور! # فابتسمت أسارير المرأة، وقالت وهي تنظر صوب زوجها: ما دام ~~والدها موافقا فلا مانع عندي. # وطلب إليها فريد أفندي أن تأخذ أهبتها للذهاب مع الشاب، ~~فمضت متعثرة في خطوات الخجل، وما هي إلا دقائق حتى كانا ~~يغادران الشقة معا، ولاحظت بهية أنه جعل يسير في حذر عندما ~~اقتربا من شقة الأسرة، كأنه يخاف أن ينتبه إليهما أحد من الداخل، ~~فساورها قلق وهمست في أذنه: كذبت على أمي بقولك إنك استأذنت ~~والدتك، وستغضب نفيسة لأنك لم تدعها معنا! # فأشار إليها بالسكوت وأخذها من يدها إلى الفناء ثم إلى العطفة، ~~وسارا معا والوالدان يطلان عليهما من الشرفة، وكانت بهية ترتدي ~~المعطف الأحمر الذي يجلو نقاء بشرتها، فبدت كالقطة الجميلة، ~~بيد أن القلق لم يذهب عنها وقالت له في لوم: ستعلم أسرتك ~~برحلتنا إن عاجلا أو آجلا. # ولم يدع له سروره بالظفر مكانا لهم فقال ضاحكا: لم نرتكب ~~إثما، ولن تحرق الدنيا! ~~- ألم يكن الأخلق بك أن تدعو نفيسة معنا؟ ~~- ولكني أريد أن أنفرد بك! # فقالت بقلق، وكانت تخاف نفيسة أكثر من أي مخلوق آخر: أنت لا ~~تبالي شيئا، وا أسفاه! # ولم يكن لديه من وسيلة للانتقام من تحفظها وبرودها سوى ~~الكلمات الصريحة، وأحيانا النابية فقال: وددت لو ارتكبت معصية ~~معك حتى أستأهل هذا الوصف عن جدارة. # فتضرج وجهها بالاحمرار، وعبست في استياء دون أن تنبس بكلمة؛ ~~لأنهما كانا قد اندسا بين الواقفين على طوار المحطة، وجعل ينظر ~~إلى وجهها الساخط في سرور باطني، ثم همس مبتسما: أعني معصية ~~خفيفة! # فأعرضت عنه حتى جاء الترام، فصعدا إلى الدرجة الأولى، ولم يكن ~~بها إلا سيدة أجنبية، فشعر بارتياح، وجلس لصقها، ثم سألها في ~~دعابة: كيف كان شوقك إلي ms183 في غيابي؟ # فقالت في شبه غضب: لم تخطر لي على بال قط! # فهز رأسه كالحزين وقال: ما آلمني شيء كما آلمني إحساسي ~~بتشوقك إلي. # فقالت ببرود وهي تخفي ابتسامة: أصارحك بأن الكلية الجديدة ~~قد زادت دمك ثقلا! # وذكر وهو لا يدري ما تعرض به نفيسة من ثقل دم فتاته، فرنا ~~إليها متأملا، فوجدها جميلة فوق ما يشتهي، ولكنها لا تخلو من هذه ~~الصفة! وما غاب عنه أنه يحب هذه الصفة كما يحب العاشق نقائض ~~معشوقه، وعدل فجأة عن معابثتها فقال بحرارة: لم تغيبي عن نفسي ~~لحظة واحدة طوال ذاك الفراق، وقد تعلمت جديدا، وهو أن الحب ~~في القرب - على طموحه المعذب - جنة، أما على البعد فهو ~~مأساة كاملة. # وخفضت عينيها دون أن تنبس، ولكنه شم في استسلامها وما ~~اعتراها من سهوم رائحة الوجد الصامت، وامتلأت رئتاه بارتياح ~~عميق ... وتحدث كيفما اتفق حتى بلغ الترام ميدان المحطة، فغادراه ~~ومضيا صوب عماد الدين. وطلب إليها أن تتأبط ذراعه، ففعلت بعد ~~تردد، ولما كانت تساير شخصا - غير أمها - لأول مرة فقد تولاها ~~ارتباك وحياء، وشعرت بكوعه وهو يمس - عفوا أو قصدا - ثديها ~~فسحبت ذراعها من ذراعه، وتساءل محتجا: ماذا فعلت؟! ~~- هذا أروح لي. # فتغيظ لإفلات الفرصة وقال: سيكون من المعجزات تحويلك إلى ~~زوجة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، أي امرأة محبة تعانق وتقبل ~~... إلخ إلخ! # وبعد حين قصير كانا يجلسان جنبا لجنب في السينما، وعاوده ~~شعور بالزهو والخيلاء، غير أنه استأثر هذه المرة بميزتين؛ ~~بدلته العسكرية، وحبيبته. ومر به كثيرون من زملائه الطلبة ~~وخطفت أعينهم من فتاته نظرات متفحصة فتزايد شعوره بالسرور، ~~ومال نحوها وهمس: ألا ترين أن جمالك يجذب الأنظار من المقاعد ~~والألواح؟ # فافتر ثغرها عن ابتسامة حيية، فانطلق مرحه وهمس مرة ~~أخرى: قلبي يحدثني بأنني سأنال الليلة القبلة المشتهاة. # فرمته بنظرة وعيد ثم نظرت فيما أمامها، وحاول في الظلام أن ~~يعابثها بكوعه أو بقدمه ولكنها لم تشجعه، ثم اضطرت تحت ضغطه ~~وإلحاحه إلى أن تترك راحتها في راحته على الذراع التي تفصل ms184 بين ~~كرسييهما، ومضى الوقت في سعادة شاملة. # 65 # وفي مساء الجمعة كان يقف بميدان الملكة فريدة ينتظر الأتوبيس رقم ~~10؛ ليحمله إلى الكلية. وكان أمضى نهارا سعيدا في أسرته، وتناول ~~غداء لذيذا، وبدت نفيسة في مرحها المألوف ولكنها - على ذاك - ~~قالت له على مسمع من أمها وبلهجة ساخرة: وددت لو رأيتك وأنت ~~ذاهب مع «الهانم» إلى السينما! # وأدرك أن سره افتضح، وأن الحرب أعلنت فضحك عاليا، ~~ونظر صوب أمه فرآها صامتة وعلى شفتيها ما يشبه الابتسامة، ~~وشكر في نفسه بدلته العسكرية التي أنقذته من لكماتها إلى ~~الأبد، وعادت نفيسة تقول بنفس اللهجة: ما أجملكما من زوجين! حضرتك ~~في طول العمود والهانم طول الشبر، ودمها الثقيل يوسع لكما ~~الطريق! # فنهرتها أمها قائلة: لا تكوني عيابة وفيك كل العبر! # فقالت الفتاة ضاحكة: أنا على الأقل خفيفة، ولكن لك حق يا سي ~~حسنين؛ فوجهي لم يخلق للسينما! # واعتذر لها ما وسعه الاعتذار، ولكنه شعر بندم كما يشعر الآن، ~~وما ضره لو كان دعاها للذهاب معه؟! كان يستعيد ذكريات اليوم ~~وهو واقف ينتظر، وما لبث أن انضم إليه كثيرون من زملائه، ثم جاء ~~الأتوبيس فصعدوا إليه متزاحمين، ولحق بهم آخرون رأى بينهم بعض ~~من قابلهم أمس في السينما فترجح لديه أنهم سيعلقون على ~~فتاته؛ شأنهم في هذه الأحوال، وسر لذلك سرورا كبيرا، وانتظر ~~على لهفة الحديث الذي سيكون دون جوابه. ولم يطل به الانتظار ~~لأن أكثر من واحد منهم بدا متحفزا، فقال قائل منهم وهو يشير ~~إليه: أما علمتم؟ .. رئي الصنديد أمس وفي يده فتاة! # وود أن يسمع الجميع وأن يخلصوا لحديثه وحده، وتساءل البعض: ~~من أي نوع؟! ~~- النوع البيتي. ~~- جميلة؟ # وتركز انتباه حسنين واشتد وعيه، أما المتحدث فقال: لها ~~عينان زرقاوان، ولكن يغلب عليها الطابع البلدي! # وتصاعد الدم إلى وجهه، وشعر بفتور قضى في الحال على حماسه ~~ونشوته، على حين واصل الآخرون حديثهم في ضحك وصخب: ممتلئة ~~أكثر مما ينبغي، قصيرة أكثر مما يستحب! ~~- ودمها ثقيل من رتبة لواء! ~~- دقة قديمة على وجه العموم، ms185 أين وجدتها؟! # وأدرك أن السؤال الأخير موجه إليه، ولكنه لم ينبس بكلمة ~~وجعل يضحك متظاهرا بالاستهانة، وهو يعاني شعورا جارحا بالخجل ~~والقهر. وقال شاب بلهجة تنم على الإشفاق: احذر أن تكون ~~خطيبتك! # واندفع قائلا بلا وعي تقريبا: كلا طبعا! ~~- حبيبة؟! # فقال مدفوعا بمشاعر الألم والخذلان التي تصطرع في نفسه: نوع ~~من التسلية، ليس إلا! ~~- إذن فلا بأس بها، عذراء؟! # وأجاب باضطراب شديد: نعم. ~~- خيب الله أملك! لماذا تنفق وقتك عبثا؟! ألم تدر بأن ~~التقاليد تقضي بأن تكون ليلة الخميس للعشيقة، ويوم الجمعة للخطيبة ~~أو من يقوم مقامها؟! # فتكلف الشاب ضحكة وقال: سأصحح جدول النساء في ~~المستقبل! # وضحكوا جميعا، ثم غيروا مجرى الحديث، وانطوى على نفسه في غم ~~وهم يعاني سكرات الهزيمة، تبرأ من فتاته وهو لا يدري! آه لو ~~علموا أنها خطيبته وأنه استعصى عليه نيل قبلة منها بعد مثابرة ~~عامين! طابع بلدي، ممتلئة أكثر مما ينبغي، قصيرة أكثر مما ~~يستحب، دم ثقيل من رتبة لواء، أهذه بهية حقا؟! وهي إلى هذا ~~كله دقة قديمة! لا يخلو هذا القول من حق؛ فهي لا تدري كيف ~~تصحبه في الطريق، ولا كيف تحسن الحديث والدعابة، ولا يكاد يذكر ~~من قولها إلا التأنيب والتذمر، كيف يسعه إذا تزوجها أن ~~يظهر بها أمام الناس؟ سيقولون هذا وأكثر منه. وشعر بكرب ~~وامتعاض، وغاب عما حوله غارقا في أفكاره، فلم ينتبه إلى وقوف ~~الأتوبيس أمام محطة الكلية حتى نهض الطلبة قائمين. # 66 # وفي الأسبوع التالي صعد في الوقت المعتاد لزيارة فريد أفندي، ~~وكان الأب وسالم الصغير في مشوار فجلس مع الأم وبهية، واستمتع ~~بقدر من الحرية لا يتاح له بمحضر الأب. وبدت بهية في فستان ~~بني تنبسط على أعلى صدره شبه مروحة من الحرير المزركش، ~~ينغرز مقبضها أسفل البنيقة، وتنتشر أهدابها فوق الثديين، فلم يكن ~~ينقصها إلى المعطف وتصبح متأهبة للذهاب معه إلى السينما إذا ~~دعاها. ولكنه كان أبعد ما يكون عن التفكير في هذا، وكان صوت نفيسة ~~لا يزال يطن في أذنيه وهي تقول له ms186 بعد أن أعطته نصف ريال ~~لسهرته: هذا لفسحتك أنت وحدك! # ولكن لم تكن نفيسة كل شيء؛ كان في الواقع لا يجد الشجاعة ~~للظهور معها مرة أخرى أمام زملائه، وبات يخجل منها وهو لا يدري. ~~كان يحسبها أجمل فتاة، ولكنه لم يكن فتح عينيه بعد، وجاءت ~~ملاحظات زملائه الساخرة آية على عماه! ورنا إليها فالتقت ~~عيناهما، وهناك نسي أفكاره، وانبعثت حرارة دمه، واضطرمت به ~~الرغبة مستهينة بكل شيء، مليحة شهية، لا يستطيع أن يماري ~~في هذا ، ولكن كيف يتعامى عن هذه الحقيقة المرعبة، وهي أنه يتحاشى ~~الظهور معها أمام الناس؟! وكانت الأم لا تمسك عن الحديث وهو ~~يحاورها باقتضاب وشرود، حتى قالت له: مالك يا سي حسنين، كأنك ~~مشغول البال! # فأفاق إلى نفسه مضطربا، وقال كالمعتذر: كان الأسبوع الماضي ~~حافلا بالتمرينات القاسية حتى غادرنا الكلية كالأموات! # وواصل الحديث وهو أشد انتباها له، حتى استأذنت الأم لأداء ~~الصلاة فخلا لهما الجو، وبادرته الفتاة قائلة: ما لك؟ # فقال مبتسما ليذهب عنها الشك: لا شيء! ~~- لست كعادتك! # وخطر له خاطر ماكر بعثه في نفسه خلو المكان، وعواطفه ~~الثائرة فقال متظاهرا بالحزن: لا أنسى تحفظك معي؟ ~~- أتعود إلى هذا؟ ~~- طبعا! .. هذا حقي ولا أنزل عنه ما حييت. # فقالت الفتاة برجاء: حسبت أننا انتهينا من هذا! ~~- إني في حيرة من أمرك، جميع زملائي لهم خطيبات مثلك، ~~ولكنهن لا يحرمنهم حقوقهم من العناق والقبل. # وغمغمت موردة الوجه: لسن مثلي ولست مثلهن! # هذا حق، ولعل زملاءه لم يقتصدوا في توكيد هذا، ولكنها لا ~~تدري ماذا تقول! وتفكر فيما ينطوي عليه قولها من سخرية لم ~~تدر لها بخلد، وقبل أن يتكلم عجلت هي بتغيير مجرى الحديث ~~فسألته: أذاهب أنت إلى السينما؟ # وأدرك أنها تهيئ له فرصة ليدعوها للذهاب معه، وساوره ~~إحساس بالضيق ولكن إشفاقه كان أكبر من حرجه فقال: كلا، سأوافي ~~بعض الزملاء إلى موعد سابق! # وخفضت عينيها في خجل، ثم ساد صمت أليم، وأخيرا سألته ~~بلهجة ذات معنى: ماذا أحدث ذهابنا معا إلى السينما في ~~بيتك؟ # ووجد فيما ms187 تعنيه بسؤالها عذرا ينفعه في تجنب ما يريد ~~تجنبه فقال: لا شيء ذا بال، إلا أن والدتي ساءها أن أدعوك ~~إلى مخالفة تقاليد أسرتك المحترمة! # فقالت ببرود: ليس مما يسيء إلى الأسر المحترمة أن يذهب ~~فتياتها إلى السينما! ~~- كما لا يسيء إليها العناق والقبل، ولكنك - مثل أمي - لا ~~تصدقين! # فتجاهلت إشارته وتساءلت: هل منعتك من العودة إلى تلك ~~المخالفة؟! ~~- كلا! ولكنها تخاف أن أسيء من غير قصد إلى أسرتك ~~الكريمة. ~~- ألم تخبرها بموافقة والدي؟ ~~- أخبرتها ولكنها اعتقدت أنهما وافقا متورطين. ~~- هل أفهم من هذا أننا لن نخرج معا بعد اليوم؟ # ولم يستطع أن يجابهها بما يبطن فقال: بل نخرج حين ~~نشاء. # وندم على قوله إثر التفوه به، أما هي فابتسمت في حياء ~~وقالت بصوت منخفض: ظننت أننا سنذهب اليوم إلى السينما! # وعجب لهذه الدعوة تجيء من ناحيتها هي، ومع أنه رق لها إلا ~~أنه لم يستسلم لعاطفته فقال: لولا أنني مرتبط بموعد كما قلت ~~لك. ~~- آه .. هذا أهم من ذهابي معك! ~~- ليس الأمر كذلك، لكن سبق مني وعد! .. ثم .. ثم لا يجمل ~~بنا أن نعاود ما تظنه أمي مخالفة للتقاليد بهذه السرعة! # فهزت رأسها في ابتسامة حزينة وقالت: إذن فليس الموعد الذي ~~يمنعك! # فقال بتسليم: كلا الأمرين معا! .. لا تؤاخذي أمي على عقليتها ~~القديمة. # فخرجت عن ضبط عواطفها لأول مرة قائلة: فكيف تسمح لنفيسة ~~بالخروج كل يوم؟! # ولم تعجبه لهجتها، وساءها ما تضمنته فقال بلهجة لم تخل من ~~حدة: لولا العمل لما غادرت نفيسة البيت أبدا! # وبادرته قائلة بلين وإشفاق وأسف: لم أقصد سوءا بأحد؛ أردت ~~أن أقول إن الخروج لا يعيب إنسانا. # وساد الصمت قليلا ثم سمعا وقع أقدام الأم وهي راجعة، فتساءلت ~~بهية في لهفة وإشفاق: حسنين أنت غاضب؟ # ولم يستطع أن يجيبها بسبب ظهور الأم، فابتسم لها ابتسامة ~~رقيقة أثابت إليها طمأنينتها ... ومكث معهما ساعة، ثم ودعهما ~~وانصرف. # 67 # لم يكن ثمة موعد كما زعم، وقد ذهب إلى السينما بمفرده، ~~ودخلها بعد بدء العرض بدقائق، فأرشد إلى ms188 كرسيه في الظلام. وجعل ~~يشاهد الجريدة بنصف انتباه والنصف الآخر هائم في البيت الذي ~~غادره معتذرا بأكذوبة. وذكر كيف ضغطت على يده بحنو وهي ~~تودعه، ضغطة لذيذة أرعشت قلبه، وغفرت لها ما تقدم وما ~~تأخر من إساءة! «أمنيتي الآن أدنى إلى التحقيق، لو مارست ضبط ~~النفس بدل التهالك والتوسل لفزت بما أشتهي من زمن. لو عبست ~~في وجهها مرتين لما أصرت على قول «لا». ما أحمقني! لن أقنع ~~بقبلة. لأضمها إلى صدري حتى يطقطق عظمها تحت ذراعي، بعيدا عن ~~أعين النقاد التي لا تعجبها إلا الملاحة والرشاقة والموضة. ولكن ~~هل أصر على إخفائها عن الأعين حتى بعد أن أتزوج منها؟ لماذا لا ~~أستهين بالناس وألسنتهم؟ يا له من شر لا قبل لي بالتعامي ~~عنه! هكذا أنا.» وارتاح من أفكاره بتركيز وعيه على الشاشة، فرأى ~~هتلر وهو يستقبل سفراء الدول بمناسبة عيد ميلاده، ثم شاهد فصلا ~~من الصور المتحركة وأضيئت الأنوار. ودار برأسه فيما حوله متفرسا ~~في الوجوه، فاستوقف نظره امرأة هائلة مفرطة في السمنة لحد ~~مزر، تجلس لصق زوجها وتنازعه الحديث، ولم يسعه إلا الإعجاب ~~بشجاعة الرجل الذي يستصحب هذه المرأة دون مبالاة بأحد. ولاحت ~~منه التفاتة إلى يساره فرأى في الكرسي الذي يليه فتاة حسناء ~~مرتدية جاكتة رمادية وتاييرا، وخيل إليه لحظة أنه لا يرى ~~هذا الوجه لأول مرة. وراح ينقب في طوايا ذاكرته، وفي أثناء ذلك ~~انتقل بصره إلى امرأة تليها، ثم إلى رجل ما إن رآه حتى دق ~~قلبه بعنف ونهض قائما، ومد له يده بأدب وهو يقول: مساء الخير ~~يا سعادة البك. # فالتفت الرجل صوبه - كان أحمد بك يسري - وابتسم إليه ~~مسلما، ثم قدمه إلى زوجه وكريمته، وعقب على التعرف به ~~قائلا: «ابن المرحوم كامل أفندي علي.» فسلم عليهما في غاية من ~~الأدب، وعاد إلى جلسته ومس يد الفتاة يسري في جسده، وسأله ~~البك عن حاله في الكلية فأجابه شاكرا ثم فرغ كل لحاله، ونظر ~~إلى أمامه وهو يشعر بارتياح لأنه جاز فترة التعارف وهو ثابت ms189 ~~متمالك لأعصابه، مع أنه كان يقدم إلى عضوين في هيئة الجنس ~~اللطيف العالية لأول مرة في حياته. ومر عند ذاك نادل يحمل ~~ألوانا من الشيكولاتة والمشروبات، فود لو كان يملك من النقود ما ~~يسعفه بتقديم بعض منها إلى الأسرة، ولكن لم يكن في جيبه إلا ~~قروش، فحنق على إفلات هذه الفرصة منه، وحقد على فقره كما لم ~~يحقد عليه من قبل! ثم أطفئت الأنوار وعادت الحياة إلى الشاشة، ~~ولكنه لم يندمج فيها، ووجد من وعيه وخياله إباء وجموحا، ~~تأكد لديه الآن أنه لم يكن يرى هذا الوجه البديع لأول مرة، ~~وذكر الساق العارية التي كشفت عنها حركة الدراجة بحديقة ~~الفيلا؛ ترى أي أثر قد تركه في نفسها؟ وأي أثر أخلفه قول ~~أحمد بك من أنه «ابن المرحوم كامل أفندي علي»؟ كان والده موظفا ~~صغيرا، وفضلا عن هذا فلا شك أن المرأتين تعلمان بما بذل البك ~~لأسرته من شفاعة؛ تارة ليوظف حسين، وتارة ليلحقه بالكلية ~~الحربية، وهيهات أن يغيب عنهما حقيقة مستواه الاجتماعي! ولعل ~~الفتاة لم تر فيه إلا صنيعة لمعروف والدها، ولعلها قالت لنفسها ~~إنه لولا يد أبيها ما ارتدى - هو - بدلته ذات الشريط الأحمر! ~~كل هذا محتمل، بل هو مؤكد، وقد التهب جبينه خجلا وسخطا «لقد ~~رأيت ساقك على الدراجة، عاجية جذابة، ولكنها ليست بمعجزة. لا ~~توجد معجزات في هذه الدنيا؛ ألست تنامين كأي فتاة، وتغيبين عن ~~الوجود كأي امرأة، وتحبلين كما تحبل الخادمة التي طردناها ~~لفقرنا، وتعوين حين المخاض كأية كلبة!» وحك أنفه بسبابته ~~فجأة فتنسم شذا لطيفا مما علق براحته عند السلام، فيه إثارة ~~للأعصاب ونفاذ إلى القلب كأنه السحر، فأسكره عرفه وبث في ~~نفسه رضا وسلاما، مسحا عن صدره أدران الحنق والألم. ولحظ ~~طيفها اللطيف فحدس أنها شابكة ذراعيها على صدرها، وتمنى لو ~~تريح ساعدها على يد المقعد فتمس ساعده عفوا، ثم تخيل صورة ~~وجهها الذي ألقى عليه نظرة خاطفة وهو يسلم عليها، بطوله ~~الممتلئ، وعينيها السوداوين اللتين تنمان عن حيوية وخفة، وهاله ~~شعرها الأسود العميق ms190 السواد، وبشرتها النقية التي تزين ~~وجنتها اليسرى شامة، ثم راح يستحضر صورة بهية، ويعرض ~~الصورتين جنبا إلى جنب حيال مخيلته حتى اقتنع بأن هذه الفتاة ~~ليست أجمل من فتاته، ولكنه شعر في الوقت نفسه بأن بهية جمال ~~جامد، وهذه جمال متحرك، كأنما يبث في النفس حرارة ويشيع في ~~الخيال حياة. وليس هذا فحسب؛ فإنها تمثلت لعينيه الطموحتين ~~كرمز حي للدنيا الراقية التي يتطلع إليها بشغف جنوني. لم تكن ~~فتاة بقدر ما كانت طبقة وحياة. وبرغم نشوته الراهنة لم يخدع عن ~~حقيقة شعوره، ولم يتوهم أنها تغلغلت في قلبه حيث استكنت ~~بهية؛ فهذه على سلبيتها المطلقة تقبض على جذور غرائزه وأعصابه، ~~ولكن الأخرى تخاطب مباشرة طموحه الذي لا يقف عند حد، ولعله ~~عرف على ضوء عينيها جانبا من نفسه كان غامضا، وهو أنه يؤثر في ~~أعماقه الطموح على السعادة والسلامة! ثم هبطت عليه نوبة فتور ~~مفاجئ فقال لنفسه: «إني أحلم أحلاما سخيفة! ولكن ألا يحق لي أن ~~أروح عن صدري بالأحلام؟ أليست الأحلام نفسها حلما؟ بلى، إنها ~~حلم، ولا يكدر صفوها إلا شعورنا الوهمي بأنها حقيقة!» وانقضى ~~زمن لا يدريه قبل أن يتمكن من تركيز انتباهه في الشاشة، ولكنه ~~كان قد استنفد حيوية كبيرة فبدا المنظر متعبا مملا، ~~وتصبر عليه في جهد حتى انتهى وأضيئت الأنوار. والتقت الأعين ~~فحنى رأسه تحية ثم انخرط في تيار الخارجين. انفلت من الزحام ~~فتمشى في الطرق ساعة ثم استقل الترام إلى شبرا، وأقبل على ~~حيه فبدت له عطفة نصر الله أشد كآبة من عهدها، وزكمت أنفه ~~رائحتها التي يختلط بها التراب بالدخان بمواد شحمية كثيرة، ~~فقطعها برما خابي العينين. # 68 # وتواصلت الأيام حتى أوشك العام الدراسي على الختام. وفي ثلثه ~~الأخير علم أن وزارة الحربية قررت تخريج دفعة الشاب، ~~مكتفية بعام دراسي واحد؛ على أن يتم الخريجون تدريبهم في ~~الفرق التي يلحقون بها؛ وذلك لتواجه زيادة عدد الجيش بعد إقرار ~~المعاهدة. وضوعف العمل للطلبة، ولكنهم أقبلوا عليه مستبشرين ~~متحمسين، والواقع أنها كانت حقيقة أقرب ما ms191 تكون إلى الخيال؛ ~~فلم يكن ثمة واحد منهم يصدق أنه سيكون ضابطا بعد عام ~~دراسي واحد، وكان آخر هؤلاء جميعا حسنين نفسه. ثم انتهى العام ~~وتخرج الشاب! واستخف الطرب الأم وكانت أشبه بملاح تائه ~~تمزق شراعه، ونفد طعامه، إذ تكشف الضباب لعينيه فجأة عن ~~مرفأ آمن، ولهج لسانها بحمد الله وجعلت تقول في حرارة ~~وإيمان عميق: «أنت وحدك يا ربي الذي أخذت بيدي، ومن كان يرى ~~حالنا بالأمس، ونحن نتخبط في ظلمات اليأس، ويرانا اليوم وكل ~~شيء من حولنا يدعو للأمل يقر من صميم قلبه بعدلك ورحمتك.» ~~وغبطت نفسها على سعادتها لأول مرة في حياتها، وأخذت محنتها ~~الطويلة تتراءى لعينيها الذابلتين في هالة من الفخار والسرور، ~~وكأنها لم تكن سوى عبوسة مصطنعة على جبين الأقدار الرحيمة، ~~فابتلت عيناها بدموع الفرح والشكر. وكانت تقتصد من نقود حسين ~~ونفيسة ما تعده لسداد مصروفات السنة التالية، فأخذه حسنين ليهيئ ~~به ملابس الضابط الكاملة، وشغل بذلك طول المهلة التي تمنح ~~للخريجين قبل توزيعهم على الفرق المختلفة، ولما كان ترتيبه بين ~~الأوائل فقد ألحق بسلاح الفرسان بالقاهرة، وتهيأ للأسرة من ~~حسن التوفيق ما لم تكن تحلم به، وارتدى حسنين بدلة الضابط ~~فتحقق حلمه القديم، وجعلت أمه تنظر إليه بعينين أذهلهما ~~الفرح، حتى شذت عن المألوف من صمتها ورزانتها؛ فهذا هو الابن ~~المحبوب، زهرة حياتها وأملها المنشود. وقد قال لها مرة: إذا حان ~~موعد الاحتفال بالمحمل فسيتاح لك ولنفيسة فرصة باهرة ~~لتشاهداني على صهوة جوادي على رأس فرقة الفرسان! # فلم تتمالك أن قالت له: هذا إذا ابتعت لي معطفا يليق بالظهور ~~في الطريق الغاص بالمتفرجين! # فضحك الشاب قائلا: صبرك حتى أقبض مرتبي! # كانت أياما سعيدة صفت لهم فيها الدنيا وطابت، بيد أن ~~الشاب كان يفكر في أمور كثيرة، وكان يروم أن يقيم سعادته ~~المتاحة على أسس ثابتة لا يتطرق إليها الفساد، فانتهز فرصة ~~انفراده بأمه مرة - كانت نفيسة في الخارج - وقال لها بصوت ~~ينم عن الاهتمام الشديد: أماه، يجب أن تنقطع نفيسة عن عملها ~~المزري في ms192 الحال؛ لأنه لا يجوز لأخت الضابط أن تكون ~~خياطة. # فابتسمت الأم وقالت في بساطة: سترحب بهذا بمجامع قلبها يا ~~بني. # كان ينتظر هذا القول بلا ريب، بيد أنه لم يمح من نفسه ما ~~يعتلج بها من مثار الفكر، فاستطرد متنهدا في كآبة: ليتنا ~~نستطيع أن نمحو الماضي من صفحة الوجود! .. أخاف أن يعيرنا ~~قوم بما كان. وأنت أعلم بنفوس الناس، وأكره ما أكره أن يترامى ~~شيء من هذا إلى أحد من زملائي فأفقد كرامتي بين أقراني. # فسرى إليها بعض همه، ولكنها ربتت على كتفه مبتسمة وقالت ~~باستهانة: كنا فقراء، وأكثر الناس فقراء، ولا عيب في ~~هذا. # فهز رأسه معترضا وقال في أسى: كلام يقال، ولكنه لن يغني ~~عنا شيئا وأنت أخبر بالنفوس! ~~- لا أحب لك يا بني أن تنغص عليك صفوك بأمثال هذه ~~التخيلات! # فاستدرك قائلا وكأنه لم يسمع قولها: هذه العطفة الحقيرة تعرفنا ~~على حقيقتنا؛ فلهذا لا أطيق البقاء فيها. # وأشفقت الأم من تكدير سعادتها الشاملة فقالت بتوسل: ستسوى ~~هذه الأمور مع الزمن، فلا تتعجل بحمل همها! # وحدجها بنظرة غريبة وغبطها في نفسه على قوة أعصابها، ولكنه ~~سرعان ما تغيظ لعدم اكتراثها بالأخطار التي تتهول في رأسه ~~وقال بحدة: قد تسوى هذه الأمور مع الزمن حقا، ولكن بعد أن ~~يكون قد قضت علي! # فلاحت في عيني المرأة نظرة ارتياع وقالت له في عتاب: أراك ~~كعادتك نافد الصبر متعجلا للمتاعب، ونصيحتي لك ألا تخلط أفراحك ~~الحقيقة بأتراح وهمية لا أهمية لها. # فقال باستنكار: بلى، لا أهمية لها؟! # ماضي نفيسة وما يعرفه هذا الحي عنا لا أهمية له؟ ~~- إذا لم تأخذ نفسك بالإيمان بهذا فلن تنعم بالسعادة ~~أبدا. # فتنهد حسنين قائلا: أود أن أسدل على الماضي ستارا ~~كثيفا. ~~- تجمل بالصبر، وسيكون لك هذا. # فالتهب الشاب غيظا وقال كمن ضاق صدره: لا أخاف شيئا كخوفي ~~الصبر الذي تدعينني إليه. انظري إلى هذه العطفة الحقيرة وهذا ~~البيت العاري؛ هل أستطيع أن أخفيهما إلى الأبد عن أعين ~~زملائي؟! # وشعرت المرأة بتعاسة، وأدركت أن حياتها ms193 لن تخلو من هم ~~وكدر، وقالت له بمرارة: خطوة خطوة! كنا لا نجد الطعام فانظر أين ~~نحن الآن! # فهز رأسه في حزن وقال: ما أردت إغضابك يا أماه، ولكني ~~أفكر في هذه الأيام كثيرا في المتاعب التي تتهددنا، وقد ~~ذكرت لك بعضها، ولعل ما بقي أدهى وأمر، فانظري مثلا إلى أخي ~~حسن وسيرته في الحياة! كيف نستقبل الحياة في هدوء وحولنا هذه ~~المتاعب؟! # وتفرست في وجهه بدهشة وكأنها تعجب لقدرته على اصطياد ~~الهموم، وتمتمت فيما يشبه اليأس : دع الخلق للخالق. كنا هكذا ~~دائما فلم نهلك ولم يقض علينا. # فقال الشاب بإنكار: لم أكن ضابطا، أما الآن فقد أصبحت ~~سمعتي مهددة! # وتجهم وجه الأم ولاذت بالصمت في كرب شديد، فتنهد حسنين ~~قائلا: ينبغي أن يتغير كل شيء، حتى قبر والدنا المكشوف بين قبور ~~الصدقة. تصوري ماذا يظن بنا زملائي لو علموا بمكانه! # ودارت الأم مشاعرها بابتسامة وقالت برجاء: إني أحب لنا ما ~~تحب، ولكني أوصيك بالصبر، وأحذرك عواقب ثورة لن تجدي الآن إلا ~~الحزن! تريد أن تمحو الماضي، وتغير البيت وتنشئ مقبرة وتبدل ~~أخاك من حال إلى حال، ولكن هيهات أن يتم لك ما تريد قبل زمن ~~طويل، فكيف يكون العمل؟ طالما تمنيت أن تسعدنا وأن تسعد معنا، ~~فإذا لم تروض نفسك على التسليم بالواقع وتأخذها بالصبر شقيت ~~وشقينا! # وضاق بالكلام ضيقه بمتاعبه فأمسك عنه. ولم يقع قولها من نفسه ~~الثائرة موقع الاقتناع أو القبول، فخيل إليه أنها لا تشاركه ~~آماله وعواطفه، وأنه وحيد في معركة الحياة أو الموت! إن نفسه ~~تهفو لحياة أفضل وأنظف، ولن يحيد عن هدفه، وليدافعن عن سعادته ~~وآماله بكل ما أوتي من قوة ورغبة في الحياة، ودق الباب عند ~~ذاك، وكان المساء يمد رواقه، فحدس أنها نفيسة عائدة من عملها، ~~فهرع إلى الباب في تصميم جديد. # 69 # ودخلت الفتاة مبتسمة، وكانت لا ترى تلك الأيام إلا مبتسمة ~~مستبشرة. واستبانت في وجه أمها سهوما فاقتربت منها وقالت ~~مداعبة: تخلي يا أماه عن هذا الجد الذي لا داعي ms194 له؛ فقد ~~انتهت متاعبنا. # وردد حسنين قولها في نفسه محزونا، هل حقا انتهت متاعبهم؟ ~~إن ميزانية الجيش كلها لا تكفي لإنهاء متاعبهم! ثم رفع بصره ~~إليها، وقال بلهجة ذات معنى: آن لك أن تستريحي. # فتساءلت ضاحكة: أتعني أن أترك مهنتي؟ ~~- نعم. ~~- أتركها غير آسفة، وسألزم بيتي كالهوانم، ألست شقيقة ~~ضابط؟! # ولم يتمالك أن قال ساخرا: وشقيقة سي حسن أيضا! # فرددت عينيها بينه وبين أمها في دهشة وتساءلت عما جعله ~~يقحم أخاه بهذه اللهجة المرة، أما هو فسألها متهكما : ألا ~~يسرك هذا؟! # وقالت الفتاة برقة وعطف: مهما يكن من أمر أخينا حسن ففضله ~~لا يمكن أن ينكر. # وتدارك الشاب قائلا: لست في حاجة إلى من يذكرني بهذا، ويعلم ~~الله أني أحبه، ولكن لا حيلة لي إذا قلت إن سلوكه في الحياة ليس ~~مما يشرف. # وثقبت العبارة الأخيرة قلبها، فلاحت في عينيها نظرة زائغة، ~~وتخيلت أمورا فبردت أطرافها رعبا، ثم خيل إليها أنه يعنيها ~~بالذات، ولم تعد ترتاح للصمت فغمغمت في فتور: وأية أسرة ~~تخلو من شيء من هذا القبيل! # فقال حسنين بامتعاض: ولكنه لا يوجد في الأوساط المحترمة. # وركبها الضيق والقلق، فرغبت في الاختفاء، وتظاهرت بالضحك، ~~وقالت في مرح متكلف: لا يستحيل أن يوجد شقيقان أحدهما وزير ~~والآخر لص، بالله لا تكدر صفونا، واعلم أني صنعت لك صينية ~~كنافة، فدعني أسخنها ولنأكل في سلام! # وغادرت الحجرة إلى المطبخ بوجه مكفهر ونفس حائرة يشيع في ~~قلبها خوف وقلق! إنه يدعوها إلى القبوع في البيت أسوة بالنساء ~~المحترمات، وإنها ترحب بهذا، ولكن ما كان كان، ولا سبيل إلى ~~إصلاحه. وهي تستطيع إذا شاءت أن تنتحل لسلوكها الأعذار، وأن تقول ~~لنفسها إنها إنما ارتضت تلك الحياة للحصول على النقود التي أقامت ~~بها أود أسرتها في أكلح ساعات حياتها، وهذا حق ولكنه ليس ~~الحق كله؛ فهنالك أيضا الرغبة المعذبة واليأس القاتل، وكم ~~ودت في ساعات يأس لو تموت هذه الرغبة، ولو تموت هي بموتها، ~~ولكنها كانت تزداد رغبة وانحدارا ويأسا، ثم تمردا واستسلاما. ~~وعانت كثيرا ms195 شقاء الذنب وكان عزاؤها الوحيد - إن كان عزاء على ~~الإطلاق - أن الأقدار لا يمكن أن تدخر لها حياة أفضل، وكم ~~تمزقها الحيرة الآن بين ماض تعيس ورغبة لا تسكت عنها! وحتى هذه ~~الحياة الجديدة الموعودة لا تدري إن كانت تستطيع حقا أن تخلص ~~لها بعد ما كان، فلن تغيض رغبتها ولن يتخلى عنها اليأس، وفيم ~~تأخذ نفسها بصبر لا مطمع لأمل وراءه، وليس لديها ما يصح ~~المحافظة عليه؟ هل يمكن أن تقنع من الحياة بانتظار طويل ممل ~~للموت ؟ لا تدري إن كان بوسعها حقا أن تخلص للحياة الجديدة، وأن ~~تتعذب عذابا طويلا متصلا بعد أن خسرت كل شيء! إنها ~~تمقت الماضي وتخافه، ولكنها تشد إليه بقوة شيطانية فلا ~~تستطيع منها فكاكا، ولن تفتأ تتبعه يائسة مثقلة بالذنب ~~مرتعبة، كمن يسلم للسقوط من علو شاهق في كابوس بعد أن أيس ~~من اليقظة. وجعلت تنظر في سهوم إلى صفحة الكنافة الموردة حتى ~~تخيلت نفسها في الصينية تحترق وقد اسودت بشرتها، وفي تلك ~~اللحظة بدت الحياة لها عابثة قاسية، تعبث في قسوة، وتقسو في ~~عبث. فتساءلت: «لماذا خلقني الله؟» ومع ذلك كانت تحب الحياة، ~~ولم يكن يأسها وعذابها وخوفها إلا آيات على هذا الحب، وكانت إلى ~~هذا كله تنتظر مع الغد موعدا لم تضمر النكوص عنه. # وحملت الصينية بخرقة بالية، وعادت إلى الحجرة فوضعتها على ~~المكتب وهي تقول في مرح وكأنها نسيت أفكارها ومخاوفها: أقدم ~~لك آخر كنافة من عرق جبيني، وعليك وحدك منذ الآن أن تحلي ~~ألسنتنا! # وأقبلوا على الكنافة بشهوة وقد تطهرت الأنفس من همومها، ~~وقالت الأم وهي تغرز أصابعها في الصينية: ليت حسين كان ~~معنا. # ولوح لها حسنين بأصبعه حتى ابتلع ما فيه ثم قال: آن لنا أن ~~نسعى إلى نقله إلى القاهرة. كان أحمد بك يسري قد وعد بنقله بعد ~~مرور عام أو نحوه، وها قد أوشك أن يمضي عامان على تعيينه في ~~طنطا. # كان يرغب في معاشرة أخيه كعهدهما القديم، وكان يأمل أن يجد ~~فيه عونا على متاعبه، ms196 وقد رحب إلى هذا وذاك بفرصة تتيح له ~~زيارة أحمد بك في قصره. # 70 # ذهب مع أصيل الغد إلى فيلا أحمد بك يسري، وفي نيته أن يقدم ~~له فروض الشكر لمناسبة تخرجه ثم يستشفعه لنقل أخيه إلى مدرسة ~~من مدارس القاهرة، وقد وقف البواب احتراما للضابط ثم قاده إلى ~~السلاملك، ومضى إلى الداخل لإنباء البك بحضوره، وجلس حسنين إلى ~~الكرسي الذي جلس عليه أكثر من مرة في أوقات متباعدة وظروف ~~مختلفة، وراح يسرح طرفه في الحديقة. وجرى بصره في الممشى ~~الطويل المتعرج الذي رأى الدراجة تقطعه في مهل وحذر منذ ~~أكثر من عام، وتساءل ترى ألا تزال تلهو بهذه الرياضة؟ وابتسم ~~للذكرى حينا ثم تساءل مرة أخرى أحقا جاء للشكر والشفاعة ~~وحدهما؟! وعاوده الابتسام. بيد أنه كان في حيرة من أهدافه، قلقا ~~حيال البواعث التي تحركه، مشفقا من الإساءة إلى خطيبته، ثم ذكر ~~زيارته الأخيرة - التي أعقبت تخرجه - لبيت فريد أفندي وكيف ~~مرت في أحاديث مملولة وشعور أليم بالحرمان، حتى إنه لم يظفر ~~بجلسة منفردة واحدة بفتاته، ذكر هذا فوجد من التذمر ما ~~هون عليه إحساس التأنيب الذي دب في أعماقه لسروره بذكريات ~~فيلا أحمد بك، ونفض عن رأسه أفكاره، واستسلم لمشاعر الطموح التي ~~تتوهج في قلبه في محيط هذه الفيلا الرائعة، فانثالت على ~~مخيلته الأحلام، ماض جديد وبيت جديد وقبر جديد وأهل جدد، ومال ~~موفور وحياة وضاءة لامعة، ومع أنه صار ضابطا، ولعل كثيرين ~~يرمقونه بعين الحسد لذلك، إلا أنه أدرى الناس بقلبه الذي يحترق ~~لهفة على الحياة السامية النظيفة، هذا القلب الذي أورده الجزع ~~موارد القلق والسخط والشقاء، ولبث على استسلامه للأحلام حتى عاد ~~البواب من الداخل وتنحى عن الباب في أدب وهمس «سعادة البك ~~قادم.» ونهض حسنين، ثم ظهر البك في بدلته البيضاء والوردة ~~الحمراء تزين عروته، ولما رأى الشاب ألقى على بدلته العسكرية ~~نظرة شاملة ثم قال ضاحكا: أهلا بالضابط. # وانحنى الشاب على يده مسلما وهم بالكلام ولكنه رأى حرم ~~البك تتبعه قادمة من الداخل، وفي ms197 أثرها الفتاة، وأدرك أنه جاء ~~في وقت غير مناسب لغرضه؛ لأن الأسرة متأهبة للخروج، وقد ~~توكد هذا لديه حين لمح السيارة تدور في الممشى الواسع وتقف عند ~~أسفل السلاملك منتظرة الذاهبين، فما كان منه إلا أن سلم على ~~المرأتين وتأخر خطوتين قائلا: جئت لأقدم لسعادتك فروض الشكر ~~لمناسبة تخرجي، وأرى أن أستأذن في الانصراف الآن حتى لا ~~أؤخركم. # ولكن البك قال: بل نجلس لنشرب ليمونا معا؛ ما يزال أمامنا ~~فسحة من الوقت. # وجلسوا، فجلس وهو يبذل قصاراه ليضبط أعصابه ؛ فلم يكن أبغض إليه ~~من أن يتولاه الاضطراب أو الارتباك حيال البك وأنداده من ~~علية القوم، وذهب البواب لإحضار الليمون، أما البك فسأله برقة: ~~أين كان تعيينك؟ # فقال حسنين بزهو مكتوم: سلاح الفرسان بالقاهرة. ~~- كنت من المتقدمين؟ ~~- الثامن. # وهنأه الرجل، ثم ساد الصمت، وكان في عزمه - لو قابل البك ~~منفردا - أن يعدد أياديه على أسرته وما بذل من شفاعة محمودة ~~له ولأخيه؛ على أن يتدرج من الثناء إلى عرض مسألة أخيه حسين، ~~ولكنه عدل عن هذا مصمما على الاحتفاظ بكبريائه أمام ~~المرأتين، وأمام الفتاة خاصة، ولم ير ضيرا في تأجيل مسألة ~~شقيقه إلى غد أو بعد غد على أن يحدث البك عنها في مكتبه ~~بالوزارة. وجاء خادم نوبي بأقداح الليمون، دار بها عليهم. وانتهز ~~حسنين فرصة رفعه للقدح إلى فمه فاسترق إلى الفتاة نظرة من فوق ~~حافة القدح فرآها وهي تحسو شرابها في رفق ولطافة، فلم يند عن ~~زورها هذه الحركات العصبية التي يبعثها الازدراد العنيف، ~~وتمززت السائل في رقة فانسكب في هوادة وحياء، وقد اكتسى ~~وجهها بهدوء بديع واسترخاء حالم، كأنها تستنيم للمسات ~~النعاس، وأعاد القدح إلى الصينية ثملا بنشوة افتتان تبعثها ~~الأناقة والرشاقة وأمارات الأرستقراطية، وتخيلها فجأة بين ~~ذراعيه مستكينة مستنيمة، فصر على أسنانه؛ «ما هذا الجنون الذي ~~ينبعث في دمي؟! ليس شهوة فحسب، بل ليس شهوة على الإطلاق، بهية ~~أشهى منها، وإن كان يخجلني الظهور معها أمام الناس، ليس ركوب ~~هذه الفتاة بعمل جنسي ولكنه غزو كامل وفتح ms198 مظفر، هذه!» ~~وانتبه من أفكاره على صوت أحمد بك وهو يسأل: كيف حال ~~الأسرة؟ # فخطر له خاطر ظن أنه يرفع من كبريائه، وكانت الأكاذيب ~~تنبعث في نفسه أحيانا بوحي البديهة؛ فقال بلا تردد: الحمد لله، ~~انقضت متاعبنا بعد أن كسبنا القضية! # فتساءل البك: أي قضية؟ # فقال بثبات وثقة: قضية قديمة بين أمي وأخوالي على أوقاف، وقد ~~حكم لأمي بنصيبها كاملا! # فقال الرجل: مبارك .. مبارك. # وشعر حسنين بارتياح وزهو، ثم ونهض هو يقول: لقد أخرتكم، ~~وأنا آسف يا سعادة البك . # ونهضوا جميعا وهبطوا إلى موقف السيارة، وتمنى لو يدعوه الرجل ~~إلى الركوب معهم، ولكنه مد له يده مودعا، فسلم عليه وحنى ~~رأسه تحية لأسرته، ومضى إلى الباب مسرعا، كانت الزيارة تبدو ~~مخفقة لأنه لم يمس الموضوع الذي جاء من أجله، ولكنه كان يرى ~~توفيقه بهذا اللقاء غير المنتظر وهذه الكذبة التي جادت بها ~~البديهة السعيدة أخطر من غرضه الأول الذي لن يؤثر فيه تأجيل ~~يوم أو يومين. # 71 # وقلب وجهه في السماء، ولما يبرح شارع طاهر، فطالع في صفحتها ~~نظرة الغروب الشاحبة، فتساءل ترى هل يجد أخاه حسن في بيته إذا ~~جازف بزيارته؟ كان مصمما على مجابهته برأيه وإن كان ضعيف الأمل ~~في إصلاح ما فسد من أمره، ولكن تركيز أفكاره في مستقبله ~~ومستقبل أسرته جعله يستهين بكل شيء حتى مناضلة حسن نفسه. ومضى ~~يشق طريقه بعزيمة لا تنثني، ولكنه كان يحمل قلبا أثقله ~~الهم والشك. واستقل الترام حتى ميدان الخازندار، ثم اتجه إلى ~~شارع كلوت بك وقد تحول انتباهه إلى بدلته العسكرية التي فرضت ~~عليه الظروف - كانت أمه قد استغلت ملابسه القديمة في أغراض ~~جديدة كعادتها - أن يخترق بها طرقا مريبة! لم يكن الاختيار ~~بيده، وكان يرى في حسن مشكلة الأسرة المعقدة الأولى. لقد ~~تخلت نفيسة عن مهنتها، وسوف يهجر قريبا عطفة نصر الله بل وشبرا ~~جميعا، وربما أسدل ستار النسيان على الماضي البغيض كله، فلم ~~يبق إلا حسن، وهيهات أن يطمئن له جانب ما دام شقيقه مقارفا ~~حياته الآثمة. ms199 وطالعته عطفة جندف فعرج إليها متجنبا الأنظار ~~التي تطلعت إليه في دهشة، وقطعها مسرعا إلى بيت أخيه، ومرق ~~إليه كالهارب، مستقبلا الرائحة النتنة. وارتقى السلم الحلزوني ~~ممتعضا، ذاكرا في ضيق وخجل زيارته الأولى لهذا البيت منذ ~~عام، حتى وقف أمام باب الشقة في شبه ظلام وطرق الباب. وفتح ~~الباب عن وجه رجل غريب - وجه شائه من الوجوه التي لم تبرح ~~ذاكرته منذ زيارته الأولى - وما إن وقع بصره عليه حتى دفع الباب ~~فأغلقه في وجهه بسرعة غريبة، وقد ندت عن فيه صرخة قائلة: ~~«بوليس!» فدهش الشاب، ثم حدس ما هنالك فانزعج وأحس بخزي وألم ~~لم يحس بمثلهما من قبل. ولبث متسمرا في مكانه لا يدري ماذا ~~يفعل. وفكر في العدول عن الزيارة، ولكنه لم يبرح مكانه، ووجد من ~~نفسه تصميما عنيدا على إنجاز مهمته مهما كلفه الأمر. ليست ~~المسألة لهوا وعبثا؛ هي حياة أو موت، ولن يستطيع السير في ~~حياته قدما ووراءه هذا البيت. وطرق الباب مرة أخرى، وانتظر ~~وهو يعلم بعبث الانتظار، ثم أعاد الطرق بشدة. ترى هل يمكن أن ~~يكونوا قد هربوا من الشقة من إحدى النوافذ؟ وأراد أن ينادي أخاه ~~بصوت مرتفع فيتعرف عليه بصوته، ولكنه خاف أن يعرفه كما يريد، ~~ثم يعلن شخصيته لصاحبه المذعور ليطمئنه فتذاع الصلة التي ~~يتمنى ألا تعرف أبدا، ومع هذا فمن أدراه أن حسن لم يخبر ~~أحدا بحقيقة شقيقيه ولو على سبيل الفخار؟! وصر على أسنانه في ~~خزي ويأس، ولكن اليأس أمده بقوة عناد جديدة، فطرق الباب ~~بقبضة يده بعنف وصاح: «يا حسن، يا حسن، أنا حسنين!» ولم يطل ~~انتظاره بعد النداء، ففتح الباب وبدا حسن خلفه يطالعه بعينين ~~ذاهلتين. وبدا كمن يفيق من صدمة، وثبت عليه بصره لحظات دون ~~أن يتحرك، ثم دبت في عينيه يقظة وشاع في نظرتهما الابتسام ~~وهتف: حسنين! .. ضابط! .. لا أصدق عيني! # وشد على يده، وربت بالأخرى على ذراعه، وجذبه إلى الداخل وهو ~~يضحك ضحكة عصبية عالية. ثم سار به إلى حجرة النوم وهو يقول: ~~ضابط! ms200 .. يا لها من مفاجأة! .. مبارك مبارك .. هذا يوم ~~سعيد. # وجلس حسنين على الكنبة، وأغلق حسن الباب ثم جاء فجلس إلى جانبه. ~~وكان الشاب يبذل جهدا جبارا ليتغلب على اضطرابه ويتمالك ~~أعصابه، ونظر إلى أخيه مبتسما وقال: إني أحق الناس بالتهنئة، ~~ولكنك أنت أحقهم بالشكر. # فضحك حسن بسرور، ولعل شعوره بالسرور كان مضاعفا بعد ما كان ~~من انزعاجه وقال: علام أستحق الشكر؟ ما أديت إليك إلا بعض ~~حقك عندي. دعنا من هذا وخبرني عن حال الأسرة، وكيف أمنا ونفيسة؟ ~~وما أخبار حسين؟ # وراح يحدثه عما يريد بباطن فاتر وظاهر متكلف الاهتمام، ~~وكاد الحديث يسوقه وهو لا يدري إلى سؤاله عما قطعه عنهم، ولكنه ~~أمسك عن السؤال في اللحظة الأخيرة، ذاكرا أن انقطاعه هذا خير ~~غير مقصود وأن وصاله شر ما يبتلون به وهو على هذا الحال، ~~ولما فرغ من حديثه قال حسن: الحق أني أحن إليهم كثيرا، ولكن ~~حياتي لم تعد تسمح لي بإشباع هذا الحنين. نحن في بلد واحد، ~~ولكني في الواقع كأني في بلد بعيد منقطع عن العالم، وربما خفف ~~عني الألم أحيانا أنهم لم يعودوا بحاجة إلي وأني أديت بعض ~~الواجب علي، وفضلا عن هذا فلست تجدني في يسر متصل؛ فقد يمتلئ ~~جيبي بالنقود أياما ثم يفرغ أسابيع، وفي حالة امتلائه تجدني ~~مضطرا للإنفاق بغير وعي. لا عليك من هذا، لقد أصبحت ضابطا! ~~فمبارك عليك حظك، ولا يصح أن أخلط بفرحي شيئا آخر .. مبارك يا ~~حضرة الضابط! # وجعل حسنين يصغي إليه وهو يتفرس في وجهه، فهاله ما يرى من ~~تغير وتشويه وغرابة، كأنه يستهلك في العام الواحد من حياته ~~المحفوفة بالمهالك أعواما طوالا! لقد انتهى حسن، وشعر بانقباض ~~وتشاؤم، وبثقل المهمة التي جاء من أجلها. ومع هذا فلم يخطر له ~~لحظة واحدة أن يعدل عما يراه واجبه، وعزم على أن يتسلل إلى ~~هدفه برفق، فابتسم وقال: أخاف أن أكون قد أزعجتك بزيارتي! ~~- ابصق هذه العبارة من فيك! .. ما هذا القول يا حضرة ~~الضابط؟! # فأشار حسنين ناحية الخارج وقال ms201 متصنعا الدهشة: لقد فتح الباب ~~لي رجل غريب ثم صرخ مرتعبا «بوليس» وأغلق الباب في ~~وجهي! # فقهقه حسن عاليا وقال: حصل سوء تفاهم نادر، ولكني عرفت صوتك ~~فانتهى الأمر بخير. # فوجد حسنين صعوبة قبل أن يقول متسائلا: وما الذي ~~أخافه؟ # فألقى عليه نظرة كأنما تسائله أيجهل حقا أم يتجاهل! ثم قال ~~بعدم اكتراث: يوجد أناس كما تعلم يخافون البوليس! # فتساءل الشاب بإشفاق: أليس من الخطر أن تفتح أبواب بيتك ~~لمثل هؤلاء؟! # فصمت حسن قليلا ثم قال: بلى، ولكن الإنسان ليس حرا في ~~اختيار أصحابه! # فقال بدهشة: كيف هذا يا أخي؟! .. الإنسان حر بلا شك في اختيار ~~أصحابه. # فقال حسن بلهجة من يرغب في تغيير مجرى الحديث: فلندع هذا ~~جانبا، ولنختر حديثا ألطف! ~~- لا أستطيع أن أدعه حتى أطمئن عليك. # فقال حسن ضاحكا: لا خوف علي، اطمئن! ~~- إني أعجب لما يدعوك إلى مصادقة هؤلاء الأشرار .. أنت فنان ~~محترم وتستطيع أن تختار من بين زملائك أحسن الأصدقاء. # وخفض حسن عينيه ليخفي نظرة التجهم التي لاحت فيهما. غضب ~~الرجل، ولو ثار غضبه حيال شخص آخر غير حسنين لانفجر، ولكنه ~~كظمه وعالجه بالحسنى، أغضبه شعوره بأن أخاه يعلم من أمره أكثر ~~مما يتظاهر به، وأنه يعامله معاملة الأطفال، ولو أنه صارحه ~~بذات نفسه، بل لو أنه وصفه بالشر كما وصف أصحابه لما غضب كما ~~يغضب الآن. وعزم على أن يكشف القناع عن الحديث الكاذب، فقال ~~باقتضاب وبصوت - رغم كظمه غضبه - غير الذي تكلم به من قبل: ~~إني واحد من هؤلاء الأشرار! # وفغر حسنين فاه دهشة فقال الآخر بجفاء: حسنين، إياك ~~والتظاهر بالدهشة؛ لست غبيا ولست غبيا، فيحسن بك أن ~~تحدثني بالصراحة التي تعودت أن تحدثني بها دائما. ما وجه ~~الغرابة في أن أكون شريرا؟ ألم أكن طوال عمري هكذا؟! # وخفض الشاب عينيه في وجوم وخجل، وتشتت منطقه فانعقد ~~لسانه، وارتاح الآخر لارتباكه، فعاوده مرحه وأراد أن ينهي ~~هذا الحديث المؤلم فقال: لا عليك من هذا، ولعن الله الرجل ~~الرعديد؛ فلولا فزعه الصبياني ما جرى ms202 الحديث بيننا هذا ~~المجرى السخيف، ولنعد الآن إلى الأهم، (ثم ضاحكا) لا شك أنك ~~جئتني لحديث آخر! # فجمع الشاب ما تشتت من أفكاره وقال متنهدا: الحقيقة أنني ما ~~جئت إلا لهذا الأمر! # فلاح الاستنكار في وجه حسن وقال متهكما: حسبتك جئت تطلب ~~نقودا! # وشعر الشاب بغضب أخيه، ولكن لم ينثن عن عزمته، فقال بلهجة ~~رقيقة متوددا إليه: بفضلك السابق لم أعد في حاجة إلى نقود، ~~ولكن مهمتي الآن أجل من النقود، إني أريد أن أطمئن عليك ~~... # فحدجه بنظرة ثاقبة وقال بسخرية: لا زلت أطالبك بالمزيد من ~~الصراحة! .. إنك يا حضرة الضابط تريد أن تطمئن على نفسك لا علي ~~أنا! # فقال حسنين وهو يشعر بقهر وغيظ: هما شيء واحد. ~~- حقا؟! لا أرى رأيك، أو دعني أسألك لماذا لم توجه إلي ~~هذه النصيحة من قبل؟ .. منذ عام مثلا؟ # لا يسعه - بعد أن قال له وهو لا يدري أنه إنما جاء لهذا الأمر ~~- أن يدعي أنه كان يجهله، وركبه الضيق، ولكنه تهرب من سؤال ~~أخيه قائلا: ألا ترى وجه الخير لك فيما أريد؟ # فتجاهل حسن سؤال وقال بنفس اللهجة الساخرة: كنت قبل عام في ~~حاجة جنونية إلى النقود، فلم تهتم بالنصح والإرشاد، أما الآن ~~وقد أصحبت ضابطا فلا يهمك إلا الدفاع عن هذه النجمة ~~اللامعة! # ومع أن وجه حسنين لم يتغير إلا أن قلبه ماج بالغيظ ~~والحنق، وكأنما أهاجه أن يقرأ الآخر أعماقه بهذه السهولة ~~الساخرة، ولكنه قال بلهجة لينة: أخي ... # وأشار إليه الآخر أن يسكت فسكت، ثم قال باستهانة: سأكون معك ~~صريحا إلى أبعد حد، وإذا كنت تسائل نفسك حقا عن عملي فإني ~~أقول لك إني فتوة قهوة بدرب طياب، (ثم مشيرا إلى الصورة فوق ~~رأسه) وعشيق هذه المرأة، وبائع مخدرات. # وهتف حسنين في انزعاج: لا أصدق هذا! # فقال الرجل مبتسما في هدوء: بل تصدقه كل التصديق، ولعلك ~~خمنته فيما مضى، وها قد صح تخمينك، فماذا ترى؟! # فرنا الشاب إليه صامتا في إشفاق وألم، حتى ضاق بصمته فقال ~~محزونا: ليس أحب إلي ms203 من أن تبدأ حياة جديدة شريفة! # فضحك حسن عاليا ثم قال بسخرية: بفضل حياتي غير الشريفة ~~أمكنني أن أدفع عن أسرتنا غائلة الجوع، وأن أزود أخاك حسين ~~بما كان في حاجة إليه؛ كي يباشر عمله الحكومي، وأن أهيئ لك قسط ~~المصروفات الذي جعلك ضابطا والحمد لله. # ووخزه كلامه بمثل شك الإبر، فتراءت له الحياة ضيقة خانقة، ~~ولكن رغبته الحارة في الدفاع عن نفسه أبت عليه أن يسلم ~~بالهزيمة فقال: كان هذا بفضل نبلك، ولا فضل لهذه الحياة الخطيرة ~~في ذاتها ! ~~- لا تغالط نفسك؛ إنهم يدعونني بالروسي لا بالنبيل، ثم ~~ما هي الحياة غير الشريفة؟ ليس ثمة إلا حياة فحسب، وكلنا ~~يسعى للرزق. ~~- توجد حياة آمنة، وحياة يفزعها مجرد توهم البوليس. ~~- هذا من عسف البوليس، ولا ذنب لنا، بالله خبرني ماذا تريد ~~علي أن أعمل؟ # فقال حسنين بحماس وقد لاحت له بارقة أمل: اهجر هذه الحياة، ~~واختر لنفسك عملا شريفا، كسابق عهدك. # وانفجر الرجل ضاحكا وتساءل في دهشة: صبي ميكانيكي؟! هذا كمن ~~يطلب إليك أن تستقيل من الجيش لتبدأ من جديد بالتوفيقية! # وغلا حنق الشاب في أعماقه مرة أخرى، ولكنه تساءل في هدوء ~~وابتسام: ألا تدري ما النهاية المحتومة لحياتك؟ # فقال متهكما في بساطة: أن أسجن أو أقتل! .. وإذا قدر ~~علي أن أقتل أولا نجوت في طبيعة الحال من السجن! # فتظاهر بالضحك وما يزداد إلا حنقا، واشتد حنقه خاصة ~~لاستهانته، ومع أنه يئس منه أو كاد، إلا أنه استطرد قائلا: أرى ~~أن خطورة حياتك لا تغيب عن فطنتك؛ فلست في حاجة إلى أن ~~أبصرك بعواقبها الوخيمة، وإني أستحلفك بالله أن ترعى نفسك ~~بالحكمة. # فألقى عليه نظرة طويلة باسمة كأنه يقول له «لا تحاول خداعي ~~بتوددك!» وقال: لا تخف علي، أستغفر الله، أعني لا تخف على ~~نفسك أو سمعتك، لا تحمل نفسك هموما فارغة، هبني كشيء لم ~~يكن، لا تكترث لما يقول الناس عنكم بسببي؛ فإنك تستطيع أن تحيا ~~الحياة التي تروق لك على رغم كلام الناس. # وتنهد حسنين في ضيق وقنوط، ms204 وحنق عليه في تلك اللحظة حنقا ~~أسود تمنى معه لو كان شيئا لم يكن حقا، ولكنه كائن، ومسلط ~~على رأسه كالسيف القاتل، فما عسى أن يفعل؟ وتنهد مرة أخرى ~~وتساءل: أليس ثمة أمل في أن تعود إلى الحياة الشريفة؟ .. أهذه ~~كلمتك النهائية؟! # وغضب حسن، وكأنه أشفق على أخيه من غضبه فانتفض قائما، وقطع ~~الحجرة الصغيرة ذهابا وإيابا مرتين، مفرغا بخار غضبه في ~~حركاته العنيفة، ثم استند إلى حافة السرير، وشبك ذراعيه على ~~صدره، وقال بلهجة من نفد صبره: حياة شريفة ، حياة شريفة! لا ~~تعد هذه العبارة على مسمعي؛ فقد أسقمتني، ميكانيكي بقروش ~~معدودات في اليوم، أهذه هي الحياة الشريفة؟! .. السجن أحب إلي ~~منها! ولو أنني استمسكت بها طوال حياتي لما حليت كتفك بهذه ~~النجمة، أتحسب أن حياتي وحدها غير الشريفة؟ .. يا لك من ضابط ~~واهم! .. حياتك أنت أيضا غير شريفة؛ فهذه من تلك، ولقد جعلت منك ~~ضابطا بنقود محرمة مصدرها تجارة المخدرات وأموال هذه المرأة ~~(وأشار إلى الصورة)؛ فأنت مدين ببدلتك لهذه المومس والمخدرات، ~~ومن العدل إذا كنت ترغب حقا في أن أقلع عن حياتي الملوثة أن ~~تهجر أنت أيضا حياتك الملوثة، فاخلع هذه البدلة ولنبدأ حياة ~~شريفة معا! # واصفر وجه حسنين وغض بصره في ذهول ويأس وقد امتلأ صدره ~~غيظا وحقدا، وانفرجت شفتاه أكثر من مرة كأنه يهم بالكلام، ~~ولكنه كان يطبقهما في تسليم اليائس. ولم يرحمه حسن على ما بدا ~~من قهره ووجومه فقال: أرأيت أنك تؤثر النجمة على الحياة ~~الشريفة؟! ولست ألومك؛ فأنا مثلك أوثر رزقي على الحياة الشريفة .. ~~(ثم ضاحكا) نحن شقيقان ويجري في عروقنا دم واحد! # ونهض حسنين عابسا وهو يقول: لا تسخر مني جزاء ما أوليتك من ~~نصيحة! # ثم اتجه نحو باب الحجرة وهو يقول: أستودعك الله. # ولما وضع يده على أكرة الباب سأله الآخر برقة مفاجئة: ألا ~~تريد أن تسلم علي؟ # فتحول إليه ومد له يده، فشد عليها الآخر وأبقاها في يده ~~وهو يقول ضاحكا: يؤسفني أنني أغضبتك، انس ما كان ولنبق كما ms205 ~~كنا ولو على البعد، ستجدني دائما «الروسي» الذي عهدته، ولا تنس ~~أن تهدي سلامي إلى أمنا ونفيسة. مع ألف سلامة. # 72 # وأطلع أمه على صورة واضحة من سيرة حسن؛ فقد كان صدره أضيق ~~من أن يتسع لها وحده، واستمع لما جاد به لسانها من ضروب العزاء ~~والنصح بقلب مغلق، كان في الحقيقة متهجما متشائما حاقدا، ولما ~~كان لديه بضعة أيام من الفراغ قبل أن يبدأ عمله بالفرقة؛ فقد ~~خطر له أن يسافر إلى طنطا للقاء حسين، وعاوده شعوره القديم ~~بالحاجة إلى مشاورة أخيه فيما يلم به من أحداث. بيد أنه لم ~~يقدم على تنفيذ فكرته وبدا كالمتردد، وفيما بين هذا وذلك لم يجد ~~من سلوى إلا في شقة فريد أفندي. ولكنه كان يذهب إليها ناشدا ~~عزاء لا ملبيا شوقا، ولم تغب عنه حقيقة مشاعره، فحمل ~~كآبته العامة مسئولية تغيره، ثم أخذ يستبين أن تغيره ~~أعمق من أن يكون أثرا عارضا وقتيا، وتساءل في حيرة ألم ~~يعد يحبها؟! عرض له هذا التساؤل أول ما عرض في ضحى اليوم ~~الذي جاء بعد زيارته لحسن بيومين، وكان يجالس بهية على انفراد ~~بحجرة الاستقبال على حين شغلت الأم بالمطبخ، فجعل ينظر إلى ~~الفتاة متسائلا ألم يعد يحبها؟! هي فتاته، بجسمها وروحها، ولم ~~تزل مثار رغبة جامحة، ولكن كأنه يرغب في أن يولي عنها فيما ~~يرغب أن يولي عنه من ماضيه جميعا. وتحير بين رغبته فيها وما ~~يتساءل عنه من انتهاء حبه لها! أيمكن أن يرغب فيها ولا ~~يحبها في آن؟ إنه يجذب إليها بقوة عنيفة، ولكن يرغب به ~~عنها ما يرغب به عن عطفة نصر الله وعطفة جندب. لم تعد الأمل ~~الذي يرنو إليه، وما هي إلا لوثة في دمه يبغي منها شفاء، وأدام ~~النظر إليها حتى خال وجهها الهادئ المهذب عقابا مجسما، ~~فوجد وخزا في قلبه، وطرد أفكاره دون أن يبت فيها برأي وسمعها ~~تقول له: لا تحملق في هكذا. # ما ألذ أن يضمها إلى صدره ويمطرها قبلا! إنه لا يدري ~~ما هو ms206 فاعل بها غدا، ولكنه يأسى على طول حرمانه. # وقال مبتسما: إني أفكر في تقبيلك قبلة حارة نبدأ بها ~~حياة جديدة. ~~- لا يحلو لك إلا هذا الكلام! ~~- هل ثمة ما هو أحلى؟ # فترددت قليلا ثم خفضت عينيها قائلة: يوجد ما هو ~~أهم! # وحدس ما تعنيه بلا تردد، وساوره قلق. ولكنه تجاهل ظنه ~~متسائلا: أهم من القبلة؟! ~~- أحب أن تحدثني جادا ولو مرة. ~~- ولكني أود أن أقبلك جادا! # فتفكرت فيما يشبه الحيرة، كأنما تغالب خطرة ثم بدا كأنها ~~تغلبت على حيرتها فقالت: ألا تدري ماذا قالت أمي؟ # صدق حدسه! لا بد مما ليس منه بد! وتساءل متبالها: ماذا ~~قالت؟ # فقالت بصوت منخفض وفي عناء من حياء: قالت لي لقد طال انتظارك، ~~وها قد صار ضابطا! # وأحس في أعماقه بحنق حام كأنه سمع تجديفا، ومع أنه كان ~~يعلم بأنه ليس له حق في حنقه إلا أنه كره الأم في تلك ~~اللحظة، ثم تساءل: هل تتعجل الزواج؟ # فتضرج وجهها بالاحمرار وغمغمت: كلا، ولكنها ترى أنه آن أن ~~تعلن الخطبة. ~~- ألم يتم هذا؟! # فتحسست بنصر يمناها في حياء وغمغمت: ثمة أمور لم تزل ~~ناقصة ... # وفهم ما تشير إليه في استياء لم يدر سببه، لم يكن ثمة شيء ~~مستغرب فيما يطلبون ومع ذلك حنق عليهم جميعا، وركبه شعور ~~المطارد إذا تهدده خطر، وتفرس في وجهها وهو يذكر ما قال ~~زملاؤه عنها في الأتوبيس وقال لنفسه: «فتاة طيبة، ولكنها ليست ~~أهلا لأن تكون زوج ضابط مثلي، ولو تم هذا الزواج لكان الأول ~~من نوعه!» ثم قال لها في هدوء باسم: هذه أمور لا وزن لها. ~~- ولكنها هامة جدا في نظر الناس؛ فطالما تساءل أقاربنا عن ~~الخاتم! # وعجب لحماسها، وتمنى لو كانت تعلن عن بعض هذا الحماس في ~~الحب. «ولكنها تريد أن تتزوجني لا أن تحبني، هذا سر برودها ~~وتحفظها، وإذا لم يكن حب، بل وحب قهار جنوني، فما الذي ~~يغريني بالزواج منها؟!» وقال: لا داعي للعجلة، ستتحقق آمالنا ~~في الوقت المناسب. ~~- ومتى يكون هذا الوقت المناسب؟ # فقرب ms207 ما بين حاجبيه كأنه يفكر، وقال: أظن إذا رقيت إلى ~~رتبة الملازم أول أصبح في وسعي أن أفتح بيتا مع معاونة أهلي ~~الذين لا يستغنون عني كما تعلمين. # وبدا في وجهها الوجوم، وجعلت تقرض ظفرها حانية الرأس خابية ~~العينين. ومع أنه ارتاح لتصريحه الذي مد له في حريته إلا أنه ~~رق لمنظرها، وجرى بصره على جسمها فدق قلبه وتناسى أفكاره ~~ومخاوفه وحنقه فنهض إليها، وجلس إلى جانبها على الكنبة، ولكنها ~~تباعدت إلى نهاية المقعد، وحالت دونه بساعديها قبل أن تذهب روح ~~المقاومة الطارئة مسحة الحزن من عينيها، وقبض على ساعديها وهوى ~~على كفيها يقبلهما، حتى قامت مبتعدة عنه وهي تهتف: دعني .. ~~دعني .. لم تعد كما كنت! # وقام في أعقابها مدفوعا بفورة إحساسه وجنون أعصابه وطوقها ~~بذراعيه وأطرافه ترتعش، ودافعته بقوة فهوى بفيه إلى شفتيها ~~فأمالت رأسها إلى الوراء فمست شفتاه طرف ذقنها، ثم تملصت من ~~ذراعيه ووقفا وجها لوجه وهما يلهثان، وصاحت به بصوت متهدج: ~~لا تهجم علي غصبا! # وانقلبت شهوته غضبا، فحدثته نفسه بهجر الحجرة، وسار ~~خطوتين صوب الباب، ثم تحول إليها بغتة وقد انقلب غضبه شهوة ~~جنونية فانقض عليها مصمما على إرواء عواطفه، وطوقها بذراعيه ~~رغم مدافعة يديها، وضمها إلى صدره بعنف ووحشية، ثم طبع ~~شفتيه على شفتيها، وكلما مالت بوجهها عنه أتبعها وجهه لازقا ~~فاه بفيها، ملاقيا دفعات مقاومتها بقوة وحشية، حتى سكنت بين ~~ذراعيه في شبه إغماء. ولم يبال خورها فراح يضمها إلى صدره ~~حتى استشعر طراوة جسمها اللدن على بطنه وفخذيه، فتسرب إلى ~~إحساسه في ارتياح عميق كأنه كشف جديد عن لذة الحياة، وندت ~~عنها مقاومة طارئة ضعيفة كصحوة الموت، ولكنه قضى عليها بوحشيته، ~~وجن انفعالا وتطلعا واستزادة، وانصهر قلبه وسرى ذوبه في ~~أعصابه باعثا لذة خيالية، ثم انهارا في تسليم متوقع مفاجئ ~~معا، وأفاق كمن يفيق من حلم فوجدها بين ذراعيه وشفتيه على ~~خدها، ولما شعرت بذراعيه تتراخيان عنها دفعته في صدره متراجعة ~~وقالت وهي تتنهد في صوت ضعيف: لن أصفح عنك. # ولم يترك ms208 قولها في نفسه أثرا، لا حسنا ولا سيئا، فلم يأبه ~~لها وكأن إحساسه تجاهل وجودها. شعر بظفر وارتياح، ثم غلبه ~~عليهما فتور فتراجع إلى مقعده الأول وجلس عليه في دهشة. ولبثت هي ~~بموقفها كالمترددة ثم عادت إلى مجلسها في استياء وراحت تعاتبه ~~وتعنفه دون أن يلقي إليها بالا، ورنا إليها بغرابة وساءل ~~نفسه: أهذه هي؟ أهذا أنا؟ أين هي وأين أنا؟ ثم ران عليه فتور ~~ثقيل أكثر مما يحتمل. # وجعل يصغي إليها دون أن يحمل نفسه مشقة الاعتذار، وانتهز ~~فرصة حضور أمها فجالسها دقائق ثم قام مستأذنا في الانصراف. ~~ولما غادر الشقة شعر برغبة في الهرب، وحينذاك عاودته فكرة السفر ~~إلى طنطا فابتسم لها في ترحاب وحماس. # 73 # عندما انتهى إلى فندق بريطانيا بشارع الأمير فاروق بطنطا، كانت ~~الساعة حوالي الخامسة مساء، وقاده غلام إلى حجرة أخيه فنقر على ~~الباب، ووقف مبتسما انتظارا للمفاجأة السارة وفتح الباب وظهر ~~حسين في جلبابه، وسرعان ما اتسعت عيناه دهشة فأقبل على القادم ~~وهو يهتف: حسنين! لا أصدق عيني! # وتعانقا عناقا حارا، ثم دخلا الحجرة الصغيرة وحسين يلقي ~~عليه نظرة متفحصة في حب وإعجاب، ثم قال بصوت متهدج من ~~التأثر والسرور: يا لها من مفاجأة سعيدة! أهكذا يهجم ~~العسكريون بلا إنذار؟ مبارك! لقد أرسلت برقية تهنئة. ~~- وصلتني ورأيت أن أجيئك بنفسي شاكرا! ~~- وكيف حال نينة ونفيسة؟ ~~- على خير حال، وجدت لدي بضعة أيام إجازة قبل بدء العمل ~~فضلت أن أمضيها معك. ~~- أحسنت صنعا، وحسن؟ أما من جديد عنه؟ # وغاض البشر من وجه حسنين، ولكنه أبى أن يخلط باللقاء كدرا ~~فقال: دعنا منه الآن على الأقل. # وحدس حسين ما أحزنه، ولكنه لم يكن أقل رغبة منه في تأجيل ~~النكد إلى وقت آخر، فدعاه إلى الجلوس على الكرسي الوحيد ووثب ~~هو إلى الفراش، وتبادلا نظرات مشوقة متفحصة فلمس كل منهما ما ~~طرأ على الآخر من أمارات الصحة والعافية، وإن كان وزن حسين قد ~~زاد أكثر مما يتصور أخوه، كذلك وجده قد ربى شاربه بطول شفتيه ~~وعرضها؛ ms209 مما أكسبه مظهر رجولة وقورا، وجعله يبدو أكبر من ~~سنه، وقد داعبه قائلا: لقد خلقت لتكون أبا بارا. # فابتسم حسين على ما أثار قوله في نفسه من ذكريات محزنة، ولكنه ~~لم يعلق عليها بكلمة وقال مشيرا إلى نجمة الضابط: إني فخور ~~بك. # وقال حسنين بتأثر: إني مدين بها لنبل تضحيتك. # وهبط قوله على قلبه بردا وسلاما، وتمتم: لا تبالغ! أنت رجل ~~جدير بكل خير. # وقال حسين لنفسه «هذا شقيق لا يشين، ولولا ماضي نفيسة وحاضر ~~حسن وماضيه ما وجد إنسان على الأرض أسعد مني!» ثم قال لأخيه ~~بسرور: أبشر، لقد رجوت أحمد بك يسري أن يسعى لنقلك إلى ~~القاهرة، فوعدني خيرا. ~~- عفارم! وبهذه المناسبة أخبرك أنني سأعود معك إلى القاهرة ~~قائما بإجازتي السنوية. # ثم غادر الفراش وهو يقول: اغسل وجهك ونفض بدلتك من وعثاء ~~السفر، وهلم ننطلق إلى المدينة؛ فلا خير في البقاء في هذه ~~الحجرة الضيقة. # وارتدى بدلته ثم خرجا معا يتمشيان في طرقات المدينة، ثم مضى ~~به إلى قهوة السمر، وجلسا معا يواصلان حديثهما، وتكلم حسين عن ~~حياته في طنطا كثيرا، وشكا إلى أخيه وحدته وكيف عودته على ~~غشيان المقهى كل مساء فيمضي ساعتين على الأقل مع نفر من ~~الموظفين يلعبون النرد حينا ويسمرون حينا آخر، ثم يعود إلى ~~الفندق؛ فيطالع ساعة أو أكثر قبل النوم، وحدثه عن آخر كتاب ~~ابتاعه وهو «الاشتراكية» لمكدونالد المترجم عن الإنجليزية، وكيف ~~أن النظام الاشتراكي لا يتعارض مع الدين ولا الأسرة ولا ~~الأخلاق، كان في وحدته وضيقه يسعد بأحلام الإصلاح، ويتخيل ~~مجتمعا خيرا من المجتمع الذي يعيش بين أحضانه، وحالا خيرا من ~~الحال المقدورة له، وأسعده الأمل في إمكان تحقيق خياله دون ~~الاعتداء على العقائد التي أشرب حبها، والإيمان بها منذ ~~طفولته. # ثم تساءل في نفسه ترى هل أفضت أمه للشاب بالسر الذي دفعها ~~إلى زيارته منذ عام ونصف؟ ولما لم يشر حسنين إلى الموضوع بكلمة ~~اطمأن إلى أنها كتمت الأمر كله، وهو ما ترجح لديه من بادئ ~~الأمر، وذكره هذا الخاطر ms210 بآلامه الماضية، ولكنه ذكرها بقلب ~~خال هادئ لولا حنينه العام إلى الرفيق والحب ما تشكى قط، ~~ثم وجد نفسه وهو لا يدري يسأل حسنين عن خطيبته! وأجاب الشاب ~~إجابة عامة قائلا: «بخير والحمد لله.» وساءل نفسه هل يصارح ~~أخاه بما طرأ على نفسه من تغير وتطور؟ ولكنه جفل عن هذا، وأجله ~~إلى المستقبل إذا جد جديد من الأمر، وكان يعلم سلفا بأن ~~حسين لا يمكن أن يوافق على نواياه أو يرضى عن منازعه. وتواصل ~~الحديث بينهما طيبا لطيفا حتى عزم حسنين على خوض الموضوع الخطير ~~الذي يشغله فقال متنهدا: تصور كم كانت الحياة جميلة لولا ~~ماضينا وأخونا حسن. # وأحس حسين بما وراء هذا التنهد من حزن وسخط فقال ببساطة: ~~أعتقد أن آلامنا قد انتهت، أما ماضينا فليس فيه ما يخجل، ~~وأما حسن فلن يضر وا أسفاه إلا نفسه. # فهز رأسه دلالة على عدم الموافقة وقال في حزن: أما علمت أن ~~حسن قد انقلب مع الزمن بلطجيا وتاجر مخدرات! # ومع أن حسين كان يتخيل شقيقه الأكبر على أسوأ حال، إلا أنه ~~لم يكن يظن أنه تردى إلى هذا القرار، فهتف في ارتياع: لا تقل ~~هذا! # فكان جواب حسنين على ارتياعه أن قص عليه ما شاهده في زيارته ~~الأخيرة لحسن وما سمع، وأصغى إليه أخوه في صمت ووجوم، ولما طال ~~صمته سأله حسنين: ما رأيك؟ # فبسط له راحتيه كأنه يقول له: «ما حيلتنا؟» ثم غمغم: وا أسفاه، ~~كان حسن ضحية للمرحوم والدنا، وكان والدنا ضحية لضيق ذات ~~اليد! # فقال حسنين بجزع: ألا تستطيع إقناعه بالإقلاع عن أسلوب ~~حياته؟ # فقال الآخر متنهدا: لن يقلع عنها مهما قلنا أو فعلنا، شيء ~~واحد يستطيع أن يعدل به حياته، وهو أن نهيئ له رأس مال ~~مناسبا كي يبدأ حياة جديدة، فهل يسعنا هذا؟! # وتبادلا نظرة يائسة لأن السؤال لم يكن في حاجة إلى جواب، ثم ~~قال حسنين بحدة: أنتركه في غيه كي يقضي على آمالنا! ~~- لقد قضى على نفسه. ~~- وعلينا! كيف تواجه العالم ولك مثل هذا ms211 الأخ؟! سوف تظهر ~~أسماؤنا يوما في الجرائد بين أعمدة الحوادث والجنايات! # فتنهد حسين محزونا متفكرا في كلام أخيه الذي رجع أصداء ~~أفكار طالما أكربته في وحدته، ولكنه قال معارضا أخاه ونفسه ~~معا: لا ذنب لنا، ولا يصح أن ندع الخوف يتهول في قلوبنا، قد ~~يصيبنا رشاش من ألسنة الناس، الآن أو فيما بعد، ولكننا لن ~~يمكننا مواجهة الحياة إذا لم ندرع بقدر من عدم ~~المبالاة. # بدا له حسين كأنه لا يعي ما يقول، أو كأنه لا يبالي السمعة ~~الطبية التي هي أس كل أمل في الحياة، بيد أنه مهما يكن من ~~أمره فهو ليس ذا أصدقاء كأصدقائه يشفق من أن يطلعوا على ~~أسرار أسرته، كذلك لا تنازعه نفسه إلى المجد والطموح؛ فليس في ~~آماله ما يخاف عليه ألسنة الناس. أجل، أخطأ تقديره ولن يجد من ~~أخيه مشاركة وجدانية، وحنق عليه في تلك اللحظة كثيرا، واحتقر ~~استسلامه وهدوءه. واندفع قائلا وكأنه لا يروم إلا الترويح عن ~~حنقه: هل نعد أنفسنا شرفاء؟ # فقال حسين بدهشة: ولم لا؟! ~~- ولكنا استعنا على تقويم حياتنا بنقود ملوثة! # تطاير الشرر بغتة من عيني حسين، وحملق في وجه أخيه وهو صامت، ~~وكأن آلامه الدفينة قد طفت على سطح قلبه، داعية معها من ~~الأعماق أسوأ الذكريات، ثم قال بحدة: كنا في موقف دفاع عن ~~النفس، والدفاع عن النفس يحل القتل. # وشعر حسنين بارتياح خفي لغضب أخيه، وجعل يتساءل في حيرة ~~عما دفعه إلى مجابهته بهذا التصريح الأليم، ثم استطال الصمت ~~حتى سئما الموضوع فخاضا في غيره، غير أنه مضى زمن غير قصير ~~قبل أن يطيب لهما الحديث. # 74 # وبعد بضعة أيام عاد الشقيقان إلى القاهرة، فكان يوم في حياة ~~الأسرة لا ينسى. وقبلت الأم حسين طويلا ثم عانقته نفيسة ~~عناقا حارا، وأمضى الشاب ساعة طويلة من الظهر وهو ~~يحدث عن طنطا وحياته بها، والمرأتان منصتتان، وجعلت نفسية ~~تتفرس في شاربه وبدانته الآخذة في النمو فهالها تغيره ~~وقالت باستنكار: فيم تبدو كالرجال وأنت طفل! # فقال حسين مبتسما: لم أعد ms212 طفلا. # وقال حسنين ضاحكا: نحن رجال وأنت أختنا «الكبرى»! # فقالت الفتاة بحدة: كنت أكبر كما فيما مضى، أما من الآن ~~فصاعدا فأنتما تكبرانني، هل تفهمان؟! # ثم التفتت صوب أمها وساءلتها في اعتراض: هل يعجبك هذا ~~الشارب الذي يكبر نفسه ويكبرنا معه بلا داع؟! # وكان الوقت ظهرا فراح حسين يخلع ملابسه، وقد بدا البيت ~~لعينيه غريبا، بيد أن حبه العميق لأسرته ولبيته استيقظ ~~ودر حنانا فملكه ارتياح شامل، ارتياح من اهتدى إلى مأواه ~~بعد أن تخبط ضالا طويلا، وأجال طرفه في حجرة المذاكرة؛ هذا ~~المكتب القديم، وهذين الكرسيين، وهذه النافذة التي تقوم صفحة ~~الجريدة منها مكان اللوح الزجاجي المحطم، كل أولئك ~~ذكريات عزيزة، أما سريره فلم يعد له أثر، بيع في الوقت ~~المناسب كالمتبع، ولحق بسرير حسن، وكأنه لم يعد من أهل البيت! ~~ومع أنه كان يحدس هذا بالبداهة إلا أنه شعر بحزن وكآبة. وهنا شعر ~~بنفيسة وهي تغادر الحجرة قائلة: أمهلاني ساعتين أعد لكما ~~غداء طيبا! # وابتسم ارتياحا. إنه لم يذق طعاما طيبا منذ عهد بعيد، ~~ربما منذ وفاة والده. أجل، كان طعامه طيبا وهو موظف أفضل ~~من طعامه وهو تلميذ كما يشهد بذلك ارتواء جسمه، ولكنه لم يطلق ~~لشهوته العنان قط. على أنه كان مشغولا بما هو أخطر من لذة ~~الطعام، وهو تذوق عودته السعيدة إلى منبته الأول وجوه ~~الأصلي، كان حنانه كالغنوة الحلوة يتردد في حواسه جميعا، حتى ~~هواء عطفة نصر الله الفاسد وجد له ميل ألفة ورقة ومودة، ~~فكأنه الصحة والعافية. وجعل يحادث أمه وعيناه تترددان في أنحاء ~~الحجرة الصغيرة، حتى استقرتا على جاكتة حسنين المعلقة بالمشجب، ~~فنظر إلى النجمة طويلا. سيرقى حسنين عاما بعد عام حتى يصير ~~ضابطا عظيما على حين يبقى هو كاتبا في الدرجة السابعة - أو ~~السادسة على أحسن فرض - طوال مدة خدمته، على أنه لم يجد أي ~~أثر لشعور الحسد أو الحنق، كان أبعد ما يكون عن هذا، بل كان ~~سروره بأخيه لا يدانى، ولكنه وجد نفسه يتأمل في صمت حزين ~~الفوارق الطاغية ms213 التي تميز بين الموظفين، وامتد خياله وهو لا ~~يدري إلى الفوارق التي تفصل بين الناس عامة؛ ترى ألا يمكنه إذا ~~نقل إلى القاهرة أن يلتحق بمعهد ليلي عسى يتغير من حال إلى ~~حال؟ وابتسم قلبه لهذا الخاطر السعيد وأودعه صدره كأمل ~~احتياطي يلجأ إليه في حينه، فينجيه من مصير كمصير حسان أفندي ~~حسان! وحتى حسان أفندي نفسه لم يكن ليرقى إلى الدرجة السادسة ~~لولا الوزير الوفدي! وذكر عند ذاك أمورا سمع بها في طنطا، فساءل ~~أخاه: هل حقا ما يقال عن احتمال سقوط الوزارة؟ # فضحك حسنين قائلا: غير مسموح للضباط بالاشتغال بالسياسة. # فضحك الشاب ثم قال: كيف تسقط بعد أن نفض الإنجليز أيديهم من ~~سياستنا؟ # وتساءلت الأم: أنعود مرة أخرى إلى المظاهرات؟ ~~- من يدري؟ # فعادت تتساءل بقلق: لا شأن للجيش مع المظاهرات؟ # فقال حسين بمكر: إذا قامت ثورة فلا بد من تدخل الجيش! # وضحك حسين، وأدركت الأم ما تعنيه ضحكته، فرمت حسنين بنظرة ~~شزراء، وهزت منكبيها استهانة. وعادت نفيسة لتقول لهم إن الغداء ~~يتهيأ على أحسن حال، ثم سألتهم عن السلطة المفضلة لديهم، ~~وغادرت الحجرة مشمرة عن ساعديها والعرق يتصبب من جبينها، ~~وساد الصمت فعاد حسين إلى أفكاره، وفكر هذه المرة في الإجازة ~~وكيف يمضيها، كان الموظفون في طنطا يدعونه باليهودي لأنه لا ~~يقامر ولا يسكر ولا ينفق أكثر من قرش واحد في القهوة، ولكنهم ~~جهلوا حقيقة حاله. أجل، إنه ميال بطبعه إلى الاقتصاد، ولكن هل ~~تركت مسئولياته له شيئا يقتصد؟! ولم تدعه أمه لأفكاره ~~طويلا فعادت تنازعه الحديث، وخيل إليه أنها ترنو إليه بحنو ~~نادرا ما تعلنه، ترى هل ذكرت كيف قست عليه يوما؟! لقد قست ~~عليه حقا، ولكن قسوة الدهر عليهم جميعا كانت أعظم؛ ترى ماذا هي ~~فاعلة مع حسنين؟ .. ولكن لماذا لا يبدو الفتى متحمسا لزواجه! ~~لماذا لم يحدثه عنه؟! وحوالي الساعة الثانية جاءت نفيسة حاملة ~~صينية الغذاء، فوضعتها على المكتب وهي تقول: نأكل اليوم على ~~المكتب لأن الموظفين لا يصح أن يأكلوا على الأرض. # جمعتهم المائدة ms214 لأول مرة منذ عامين، ثم عادوا إلى جلستهم على ~~الفراش الصغير، وواصلوا الحديث في أنس وسرور، وحوالي منتصف ~~الرابعة دق الباب الخارجي فغادرت نفيسة الحجرة لتفتح للقادم، ~~ووثب لرأس حسين خاطر عجيب؛ أتكون أسرة فريد أفندي قد جاءت ~~لتهنئ العائد؟! .. وفي هذه الساعة؟ وعادت نفيسة جريا ووقفت ~~على عتبة الحجرة وهي تنظر إليهم بعينين متسعتين تلوح فيهما ~~الدهشة والانزعاج، ثم هتفت قائلة: ضابط وعساكر. # 75 # ووقف الشقيقان في دهشة وحسنين يتناول جاكتته ويرتديها بسرعة ~~متسائلا: ماذا يريدون؟ # وكانت نفيسة تردد بصرها بينهم وبين القادمين فقالت فجأة ~~بذعر: رباه .. لقد دخلوا الصالة. # واندفع الشابان خارج الحجرة فوجدا ضابطا وشرطيين، ورجلا ~~آخر يبدو من مظهره أنه مخبر، فتقدم حسنين من الضابط متسائلا: ~~ماذا تريد حضرتك؟ # قال له الضابط: لا مؤاخذة، لدي أمر بتفتيش هذه الشقة! # وأطلعه على أمر كتابي فنظر فيه حسنين بعينين لا تريان ~~شيئا، على حين سأل حسين: لعلك أخطأت الشقة، ماذا يدعو لتفتيش ~~بيتنا؟ # فقال الضابط: نحن نبحث عن حسن كامل علي الشهير بالروسي! # وجم الشابان وهما ينظران إلى الضابط في انزعاج وقنوط، ~~وكانت المرأتان تقفان على عتبة الحجرة فركبهما الذعر ~~وتسمرتا في مكانهما. وعاد الضابط يقول: لقد قبض على بعض ~~شركائه، ولكنه اختفى قبل القبض عليه، ودلنا بعضهم على مسكنه ~~الأول وتحققنا من هذا بواسطة شيخ الحارة. # فقال حسنين بصوت متهدج: ولكنه لا يقيم هنا، لقد غادر بيتنا ~~منذ أعوام ولا ندري عنه شيئا. # فهز الضابط رأسه وقال: على أي حال سأقوم بتفتيش الشقة ~~تنفيذا للأمر. # وبدأ التفتيش فتراجع أحد الجنديين إلى الباب واقتحم الضابط ~~والآخران الحجرات، وقد جمد الشقيقان في موقفهما كأنهما استحالا ~~حجرين، وقال حسنين لنفسه: «سأذكر هذه الساعة ما حييت!» وتبع ~~خياله الضابط وهو ينتقل من حجرة إلى حجرة، وكأنه يرى معه ~~الحجرات الخالية العارية ويقلب أثاثها البالي الحقير ظهرا ~~لبطن، لم يكن تفتيشا عن حسن فحسب؛ لأن حسن لا يمكن أن يختبئ ~~في درج المكتب أو تحت حشية الفراش؛ فالفضيحة أفظع مما يتصور، ~~وحتى ms215 في تلك اللحظة الرهيبة لم يستطع أحد أن ينتزع من نفسه ~~الخجل الجارح الذي عفى عزة نفسه والضابط يهتك بعينيه ~~المتفحصتين حقارة البيت وفقره، وبلغ مسمعه - على ذهوله - صوت ~~بكاء مكتوم فارتفع بصره إلى نفيسة وصاح بها بحدة جنونية: ~~اكتمي أنفاسك! # وانتهى التفتيش فأمر الضابط رجاله بمغادرة الشقة ثم اقترب من ~~حسنين وقال برقة: أكرر الأسف. وإنه ليسرني أني لم أعثر على ~~شيء كان حريا بأن يسبب لكم المتاعب! # ورفع يده إلى جبينه بالتحية وغادر الشقة مخلفا وراءه سكونا ~~محزنا، وتبادل الشابان نظرة ذاهلة دون أن ينبسا بكلمة، وأقبلت ~~المرأتان نحوهما بوجهين ميتين، وانتبه حسنين من ذهوله بغتة ~~متأوها، فوثب إلى الباب وأبرز رأسه راميا بطرفه إلى فناء ~~البيت فرأى رجال البوليس في نهاية الفناء يشقون طريقهم وسط ~~لمة من الرجال والصبية، بينهم البقال والحداد وبائع السجائر، ~~فتراجع وهو يضرب صدره بقبضته صائحا: الجميع يتفرج على فضيحتنا، ~~افتضحنا وانتهينا. # وعاودت نفيسة البكاء ونظرت الأم إلى حسين كأنها تستغيث به، ~~ولكن الشاب لم يدر ماذا يقول، وبدا كأنه يقاوم طعنة قاسية، ~~وجعل حسنين يذرع الصالة وهو يواصل ضرب صدره بعنف ويقول: ~~بودي لو أقتل! .. لن يروح عن صدري أقل من القتل. # وضاقت الأم بعنفه بنفسه فغمغمت قائلة: هدئ من روعك يا ~~بني، ماذا يجدي ضربك نفسك هكذا؟ # فصاح في غضب: دعيني أقتل نفسي ما دمت لا أجد من أقتله! # وخرج حسين عن صمته فقال بصوت غريب: يجب أن نتدبر أمرنا في ~~هدوء. # فرماه بنظرة من عينين محمومتين وقال: أي أمر نتدبره؟ .. لقد ~~افتضحنا وانتهينا! ~~- هذه مصيبة لا حيلة لنا فيها، ولكننا لم ننته، فلنتدبر ~~أمرنا. # لم يكن صدره ليحتمل المناقشة فمضى إلى حجرته، وارتمى على فراشه، ~~وكان الخزي يخنقه والغضب يحرقه فمقت أخاه المذنب مقتا ~~قتالا ود معه لو يخفيه عنه الموت إلى الأبد، واستسلم ~~لخواطر دموية جنونية راح يجترها في ذهول وهذيان، ولحق به ~~حسين فجلس على الكرسي صامتا متحاميا إثارته، وكان هو نفسه في ~~حالة تستحق الرثاء. لم يبلغ ms216 منه الحزن يوما ما بلغه في تلك ~~الساعة، فلم يغب عنه ما أصاب سمعتهم من طعنة قاتلة، وما ~~يتهددهم من قلاقل في الحاضر والمستقبل، وما نزل بأخيه ~~الأكبر من قضاء لا قائمة له بعده، ماذا جنت أسرته حتى تستحق ~~هذا كله؟! وأخذت تتجمع في ذاكرته ذكريات من آلام الماضي ~~ويربطها بآلام الحاضر فبدت له كدمل خطير يتكشف فجأة عن ~~مضاعفات سامة في الوقت الذي يظن به الاندمال والشفاء. وكعادته ~~قرن آلام أسرته بآلام الناس فوجد نفسه يتأمل حزنا شاملا، وكان ~~يلقي على تأمله هذا كآبة لا شك فيها، ولكنها كثيرا ما توحي ~~بشيء من الصبر والعزاء، ثم نزعت به نفسه إلى تلمس بصيص نور ~~في ظلامه المحيط، وجعل يسترق النظر إلى وجه أخيه المكفهر ~~متحينا فرصة لمحادثته. # ولبثت الأم وابنتها بموقفهما ونفيسة لا تمسك عن النحيب. لم ~~يعد بوسع المرأة المحنكة أن تحسن التفكير والتدبير، غلبت ~~على أمرها، وقهرها الحزن والأسى، وكان قلبها يعاني الآلام التي ~~تتوزع قلوب أبنائها جميعا يضاف إليها ألم خاص دفين ~~يخيفها بقدر ما يعذبها، وتشفق إشفاقا شديدا من ذيوعه ~~وافتضاحه، هو ألمها لحسن نفسه، أين ذهب؟ ماذا يفعلون به لو قبضوا ~~عليه؟ أي مصير يرصده؟ لا ينبغي أن تذكر له إلا عطفه وحنانه، وأنه ~~جاد لهم بخير ما في نفسه، وأنه كان ملاذهم في الملمات، يا له ~~من طريد لا نصير له ولا حبيب، حتى أهله ينكرونه ويمقتونه. عين ~~حسود أصابتهم، نفسوا عليها الموظف والضابط ونسوا الآلام ~~التي تركتها حطاما، وتنهدت في عصبية لأنها لم تعد تحتمل ~~نحيب نفيسة وانتهرتها قائلة: كفاك بكاء ارحميني؛ فإني لا أجد ~~من يرحمني! # ولكن نفيسة لم تكن تملك من نفسها شيئا، حتى آلام الموقف ~~الحقيقية غابت عنها في حالتها العصبية، غلبها خوف غريب ترتعد ~~منه الفرائص. ولم تكن تبكي حزنا أو أسفا أو غضبا، ولكن بكاء ~~هستيريا تغالب به خوفا لا يغلب، خيل إليها معه أنها هي ~~المطاردة، وتوقع قلبها شرا فظيعا، أفظع مما وقع، فتلفتت ~~فيما حولها في ms217 ذعر كأنما تخشى أن ينقض عليها فجأة، وسمعت ~~أمها تقول بصوت ضعيف «هلمي بنا إليهما!» فرحبت بالدعوة ~~لتفر من مشاعرها، وسارت وراء أمها إلى الحجرة في خطوات ثقيلة، ~~ثم خفق قلبها وهي تجوز العتبة كأنما تجفل من لقاء أخويها. # 76 # ثم التفت حسنين إلى حسين وسأله بوحشية: أين تظنه هرب؟ # وكانت مرت فترة من الوقت ثاب فيها حسين إلى بعض نفسه، فلم ~~يرتح للهجة الشاب القاسية وقال: من لي بأن أعلم! (ثم بلهجة لا ~~تخلو من تأنيب) تذكر أنه أخونا! ~~- بعد هذا كله! ~~- نعم، بعد هذا كله. # نطقها بصوت عميق ليعزي قلبا يعلم أنه - على صمته - في ~~أمس حاجة إلى العزاء، ولكن ثارت ثائرة الآخر وصاح به: لقد قضى ~~علينا. # فقال حسين بصوت متعب: لا تبالغ ولا تصح، ينبغي أن تفكر في ~~هدوء. ~~- إن الحي كله يتحدث الآن عن فضيحتنا. # فقال حسين في هدوء: في وسعنا أن نهجر الحي كله. # فتطلع إليه حسنين بعينين حائرتين انشقت ظلمتهما عن بصيص ~~أمل، هذا دعاء تهفو له نفسه ملبية وكأنها هي التي تتكلم، ~~وغمغم متسائلا: ماذا قلت؟ ~~- لم لا؟ القاهرة واسعة لا تحد، وسيطوي النسيان قصتنا في ~~أقل من أسبوع! # فتنهد حسنين في شبه ارتياح، ولكنه قال في حذر: لن نمحو ~~الماضي. ~~- فلنفكر في المستقبل. ~~- ولكن الماضي سيطارد المستقبل إلى الأبد. # فقال حسين بملل: فلنفكر جديا في الانتقال إلى مكان آخر، ~~ويجب أن يتم هذا قبل انتهاء إجازتي. # وقالت الأم برجاء: أجدر بنا أن نفكر في هذا حقا. # وردد حسنين نظره بينهما حائرا، قد يقبض على أخيه وقد لا ~~يقبض عليه، ولكنه سيظل على الحالين يطاردهم ويتهددهم، لن ~~يطمئن لهم جانب وهو على قيد الحياة، ثم تساءل في فتور: أين ~~نذهب؟ # فقالت الأم في أمل: إلى شارع شبرا بعيدا عن هنا. # فندت عنه حركة تنم عن الجزع والسخط وقال: أبعد من هذا، ~~أبعد من هذا .. إلى مصر الجديدة! # فقال حسين في شيء من الارتياح: كما تشاء. # فلاح في وجهه تردد طارئ، ثم قال ms218 متنهدا: ولكننا في حاجة ~~ماسة إلى أثاث جديد! # فقالت الأم بضيق: لا تزد الأمور تعقيدا، ماذا يهم الأثاث ~~إذا لم تقع عليه الأعين؟! ~~- لا أستطيع أن أخفي بيتنا عن أصدقائي إلى الأبد! # فقال حسين: هذه مسألة أخرى، وبوسعك أن تبتاع كنبة وكرسيين ~~كبيرين وبساطا أسيوطيا فتجعل منها حجرة استقبال مؤقتة، وإذا ~~شئت خرجنا معا اليوم أو غدا للبحث عن شقة؟ # بذلك خف التوتر قليلا وإن غشيت جو المكان كآبة ~~استسلموا لها جميعا في صمت حتى دق الباب، وجاء فريد أفندي ~~وأسرته، كانت زيارة منتظرة، ولكنها جاءت في أسوأ حال، وذكر ~~حسين في عجب كيف حلم بها منذ ساعات، وكيف يتلقاها الآن بفؤاد ~~كسير ونفس فاترة، أما حسنين فقد ثار غضبه بلا سبب ظاهر، ولو لم ~~يره فريد أفندي ونفيسة تتقدمه إلى حجرة الاستقبال، لمضى ~~هاربا إلى الخارج. واجتمعوا في حجرة الاستقبال، ولقي حسين من ~~الأسرة تحية حارة، ثم استفاض الحديث عن الماضي والحاضر. وكانوا ~~يتوقعون أن يثير الزوار مسألة التفتيش والبوليس، ولكن آل ~~فريد أفندي تجاهلوا الأمر كلية، كأنهم ما علموا به، ولم ~~يلطف هذا التجاهل من حنق حسنين، أو بالحرى زاد من ثورته ~~الباطنة وشعر بجرح عميق في كرامته. والتقت عيناه بعيني بهية ~~أكثر من مرة فوجدها ترمقه بحزن وحيرة، لم تخف عنه بواعثهما ~~منذ سفره المفاجئ إلى طنطا، ليكن، لقد ضاق صدره بهذا كله. الآن، ~~وفي وقدة حنقه وضيقه، يستطيع أن يواجه خواطره الباطنة بصراحة ~~وشجاعة، ولن تكون هذه المرأة حماته، ولا هذا الرجل حماه ... ولا ~~هذه الفتاة زوجه! كل أولئك هم عطفة نصر الله بلا زيادة، عطفة ~~نصر الله بذكرياتها السود وحاضرها الأغبر. إنهم يعلمون بما جاء ~~بالبوليس كما يعلم الجيران جميعا، ولكنهم يتكرمون عليهم بتجاهل ~~الأمر، ولعلهم يضيفون هذه المكرمة الجديدة إلى مكرماتهم ~~السابقة. سحقا لهم، لشد ما يضيق صدره بالمكرمات قديمها ~~وحديثها! وإنه ليتطلع إلى قوم جدد لا تحول بينه وبينهم المكرمات ~~ولا يربط الماضي البغيض أسبابه بأسبابهم. «انظري بحزن وحيرة كيف ~~شئت، لست لك، ms219 لست لك! ينبغي أن يتغير كل شيء، ماذا فتنني في ~~هذا الجسم؟! ألأنه لحم طري؟ الأسواق ملأى بهذه اللحوم، جو ~~بغيض! لو طال المقام بي هنا أكثر من ذلك سأبغض أسرتي نفسها.» ~~وطالت الزيارة فجعل يتحملها في صبر حتى انصرفت الأسرة قبيل ~~المغرب بقليل، وقد دست الفتاة في يده ورقة مطوية وهي تسلم ~~عليه، ولما أن خلا إلى نفسه وبسطها وجد بها هذه العبارة: ~~«قابلني فوق السطح.» كانت أول رسالة توجهها إليه، وتفحص ~~الخط بعناية وغرابة، فوجده بخط الأطفال أشبه، وذكر لتوه ~~تعليمها الابتدائي! بيد أنها كانت على إيجازها عميقة الدلالة، حتى ~~لكأنها صرخة استغاثة، ولا شك أنها كتبتها خلسة في شقتها قبل ~~الزيارة؛ مما يدل على أن قلبها توجس خيفة من أن يواصل فراره ~~منها الذي بدأه بالرحيل إلى طنطا. وأحس بغمز الألم في قلبه ~~وشمله عدم ارتياح فسخط كما يسخط على كل شيء حوله، ولكن فيم ~~يسخط؟ أليس من الخير أن تلم بما طرأ على نفسه؟ وهل كان يظن ~~أن الارتياب لن يتسرب إلى نفسها بعد سفره المفاجئ؟ ليكن، لن ~~يرضخ لضغط الظروف حتى يدمر نفسه بنفسه، ولن يغامر بسعادته ~~ومستقبله من أجل عاطفة طفلية قديمة ووعد صبياني. وخاف أن ~~يخلو إلى نفسه أكثر مما خلا فمضى إلى حجرته وقال مخاطبا أخاه: ~~هلم بنا لنخرج. # ونهض حسين موافقا على دعوته، وغادرا الحجرة معا، ووجد ما ~~يشبه الندم، وتمنى لو كان حسين قد تكاسل عن تلبية دعوته بهذه ~~السرعة ليعاود التفكير! ولم تكن الفرصة قد ضاعت تماما؛ فلم يزل ~~بوسعه أن يراجع نفسه، ولكنه لم ينبس بكلمة، وواصل سيره إلى جانب ~~أخيه. لعلها تنتظر الآن أمام حجرة الدجاج! وخفق قلبه خفقة ~~شديدة. تنتظر بلا أمل؟ وما أقبح هذا! وفي نفس المكان الذي لمس ~~حرارته وسمع بثه وشكواه؟ ما أعجب هذا! وحاول أن يطرد هذه ~~الصورة عن مخيلته بتصميم عنيف، ثم سمع أخاه وهو يخاطبه قائلا: ~~لن نضيع وقتنا، ولن ينقضي هذا الشهر حتى نكون قد انتقلنا إلى ~~البيت الجديد. ms220 # 77 # وانقضت الأيام في البحث عن مسكن جديد حتى اهتدوا إلى بيت ~~بشارع الزقازيق بمصر الجديدة، ذي موقع ساحر وإيجار مستطاع ~~على حد قول حسنين، وفي اليوم المحدد للانتقال اجتمعت كلمتهم ~~على حمل الأثاث مساء على غير المألوف لإخفائه عن أعين ~~المستطلعين، ونفذ ذلك، ولبث حسنين في الشقة مع الأثاث ~~المكوم، على حين عاد حسين إلى عطفة نصر الله ليصحب أمه وأخته ~~إلى المقام الجديد. وودعوا حيهم ليلا غير آسفين، بل ~~مستبشرين خيرا، ولما بلغوا الحي الجديد تولتهم دهشة ~~ممزوجة بإكبار؛ لما شاهدوا من اتساعه وصمته ، ومناظر العمارات ~~والفيلات المقامة على جانبيه، وهوائه الجاف النقي فلم تتمالك ~~نفيسة نفسها من أن تقول باسمة على رغم أن الموقف لم يخل من ~~ذكريات حزينة: «لقد صرنا من الطبقة العالية حقا.» # وكانت الشقة الجديدة في بيت مكون من دورين تحيط به حديقة ~~بسيطة، فارتقوا إليها سلما ذا سبع درجات، وهنالك وجدوا حسنين ~~في انتظارهم وقد أشعل المصباح الغازي، ونشطت المرأتان إلى فرش ~~الحجرات الثلاث الصغيرة وعاونهما الشابان، فلم يستغرق تجهيز ~~الشقة الجديدة بالأثاث البسيط أكثر من ساعة تخللتها فترة ~~راحة. وبدت الكراسي والكنبتان والفراش غريبة نافرة وسط ~~الحجرات الأنيقة، ولم يفت حسنين التعليق على هذا بتذمر ~~كالعادة، ولكنه وجد بعض العزاء في حجرة الاستقبال التي كانت ~~تفتح على الخارج، فلا يضطر القادم إلى عبور الصالة الداخلية ~~إليها. وتحدثوا غير قليل عن الوسط الجديد والعمارات والشوارع، ~~وما يتخيلونه عن الجيران، وتحدث حسنين عن ضرورات الحياة ~~الجديدة كما يراها حتى قال: أمران لا يمكن تأجيلهما، وهما النور ~~الكهربائي، وخادم صغير؛ فبغير هذين لا يصح أن نبقى هنا يوما ~~واحدا. # ولم يعترض على قوله أحد؛ إذ كان مفهوما أنه هو الذي سيدخل ~~النور الكهربائي، ويستحضر الخادم، ثم فكر في الوسط الجديد من ~~زاوية جديدة، فتساءل في نفسه ترى هل تصلح أمه وأخته لمخالطة ~~هؤلاء القوم؟ وخيل إليه أنه يسمع تعليقات السيدات والهوانم عقب ~~زيارة لبيته، فتصاعد دمه إلى رأسه، وقال مخاطبا أمه في لهجة ~~تنم عن ms221 التحذير: لا ينبغي أن نعرف أحدا في حينا الجديد ولا ~~يعرفنا أحد؛ فلا نزور ولا نزار. # فقالت أمه بعدم اكتراث: لا رغبة لي في معرفة أحد. # وقالت نفيسة: لا صديق لنا هنا نأسف على قطعه! # فقال لها الشاب بقلق: يا حبذا لو أهملت صديقاتك الأخريات ~~أيضا! # فاضطربت نفس الفتاة، ومع أن الانقطاع عن العالم «الخارجي» كان ~~من أمانيها إلا أنه كان أمنية تعجز عن تحقيقها دائما، ولا ~~تفتأ تساق إليه بقوة بغيضة آسرة، فتساءلت في إشفاق: وهل أبقى ~~حياتي سجينة؟! # وتدخل حسين للدفاع عن أخته فقال : لا تغال يا أخي في ~~طلباتك. # فقال الشاب في حدة: لا أريد أن يزورنا أحد من حينا ~~القديم. ~~- لن يتجشم أحد زيارتنا، فيما عدا فريد أفندي وأسرته. # وصمت حسنين طاويا سخطه، وذكر زيارة التوديع التي قامت بها ~~أسرة فريد أفندي أمس، وكيف عرفوا العنوان الجديد، وكيف تمنى ~~وقتذاك لو يغمض عينيه ثم يفتحهما فلا يجد أثرا للماضي كله، ~~خيره وشره! .. ترى هل أفضت الفتاة لوالديها بما تجد من فتوره؟ ~~.. ترى هل يفلت من هذه العلاقة بيسر أم تنشب به متاعب لا يحلم ~~بها؟! ليصمدن مهما كان الأمر، الحرية والمجد فوق المتاعب ~~جميعا، أجل لو تغلب على الماضي، فسيتمتع بأشرف ما في الحياة ~~من طمأنينة وسلام. # ثم انتحى حسنين بالشاب ليوازن معه ميزانيتهما لما جد ~~عليها من تكاليف النقل وشراء ما سموه «حجرة الاستقبال» إلى ما ~~ينتظر من نفقات جديدة للنور والخادم، وقامت نفيسة للفرجة من ~~نوافذ الشقة واستطلاع الدنيا الجديدة، وخلت الأم إلى نفسها ~~فاستجمعت ما مر بها من حوادث في الأيام الأخيرة حتى انتهى بها ~~المطاف إلى هذا الحي الجديد، فلم يستقر وعيها إلا على شيء واحد؛ ~~هو حسن! ترى أين يهيم الفتي؟ ماذا صنع الله به؟ لم تكن تخلو إلى ~~أفكارها حتى يطالعها من ثناياها فيستثير دفين الحسرة ~~والألم. # هكذا باتوا أولى لياليهم بمصر الجديدة. # 78 ~~- جئنا نهنئ بالبيت الجديد! جعله الله مقاما سعيدا. # قالتها أم بهية ثم جلست هي والفتاة على ms222 الكنبة الجديدة، كان ~~الوقت عصرا، وكانت الأسرة مجتمعة ما عدا نفيسة التي غادرت ~~البيت قبل وصول الأم وابنتها بنصف ساعة. # وأثنت أم بهية ثناء جميلا على المسكن الجديد وحيه الباهر، ~~وشكت الوحشة التي شعروا بها بعد فراقهم، واعتذرت عن تغيب فريد ~~أفندي بانهماكه في العمل بالوزارة بعد الظهر؛ لمناسبة موسم ~~الإجازات. ثم جرى الحديث المألوف واشترك حسنين كالمعتاد، ولكنه ~~كابد قلقا لم تخف عنه بواعثه، وشعورا مؤلما بالحرج، وجعلت ~~بهية تخالسه نظرات حزينة، فصيحة بغير بيان، فازدادت حاله ~~توترا ثم أعربت أم بهية فجأة عن رغبتها في الانفراد بالأم؛ ~~الأمر الذي زاده قلقا وتوترا. وما لبثتا أن غادرتا حجرة ~~الاستقبال معا. ووجد حسين نفسه غريبا بين خطيبين فغادر الحجرة ~~منتحلا بعض الأعذار، وخلا الجو، وهو ما لم يكن يتوقعه حسنين ~~بحال، وكان يعرف بداهة ما دعا أم بهية إلى الانفراد بأمه، ~~فأدرك أن الساعة الفاصلة في حياته قد دنت؛ فإما النجاة وإما ~~الهلاك، وتبادلا نظرة طويلة؛ هي في إنكار وتساؤل، وهو بابتسامة ~~باهتة لا معنى لها، ولم تلبث أن سألته مستنكرة: لماذا لا ~~تزورنا؟ # فقال واجما: أسباب لا تخفى عليك تمنعني من الظهور في حينا ~~القديم! # ولكنها لم يبد عليها الاقتناع وعادت تسأله: لم لم تقابلني ~~فوق السطح بعد أن تركت الورقة في يدك؟ ~~- كنت وأخي مرتبطين بموعد هام. # فتساءلت بلهجة وشت بحزنها: وسفرك المفاجئ إلى طنطا دون أن ~~تخبرني؟ # فقال وهو يتحاشى عينيها: اضطررت إلى السفر فجأة ... # فهتفت في انفعال: لم تعد تبالي حتى باختلاق الأعذار ~~المعقولة! # إن الموقف دقيق حقا، بل أليم، ولكن التخاذل معناه الموت ~~بالنسبة إليه، ولن يتهاون في حق حريته ومستقبله. وتنهد ~~متظاهرا بالحزن وغمغم قائلا: إن ظروفي أعقد من أن ~~تقدريها. ~~- أفصح عما تريد قوله. لا أفهم شيئا إلا أنك تغيرت؛ لم ~~تعد كما كنت، لست غبية ولا حمقاء، أنت لا تريد أن ~~تراني. ~~- سامحك الله. # ولعل ضيق الوقت حل عقدة لسانها فقالت في تألم ظاهر: لا ~~تلق إلي بهذه العبارات المبهمة؛ أريد أن ms223 أفهم كل شيء؛ ماذا ~~بك؟ لماذا تغيرت هكذا؟ صارحني بما في ضميرك كله. # وحال تشبثه بالنجاة والفرار دون إحساسه بما في كلماتها من ~~يأس وعذاب فقال: لم أتغير، ولكن ظروفي تغيرت. # فقالت باستغراب: تغيرت ظروفك حقا، ولكن إلى أحسن! ~~- هذا في الظاهر فقط، أما الحقيقة فهي أنني بت أدرك ~~مسئولياتي الشاقة. # فقالت بلهجة لا تخلو من غيظ: ألم تكن تدرك مسئولياتك من قبل؟ ~~.. إن مسئولياتك جميعا لا تحول بينك وبين ما تريد، إذا كنت ~~تريده حقا! ~~- أريد، ولا أستطيع. # فرنت إليه شاحبة الوجه وغمغمت: بل تستطيع ولا تريد. # ولم يجد ما يقوله، وتضاعف إحساسه بعذاب الموقف، ومع ذلك ازداد ~~تصلبا وتشبثا فتمتم: أنت مخطئة. # وكانت تتفحصه في جزع ويأس وكأنها تريد أن تنفذ إلى ~~أعماقه، وابتلعت ريقها بمشقة ثم قالت: كلا، لست مخطئة، لو ~~كنت تريد حقا لما قلت لا أستطيع. إن هي إلا معاذير (ثم ~~متنهدة على رغمها) لم تعد تحبني، وتريد أن تتخلص مني، هل ~~ثمة سبب آخر؟! # ومع أن هذا ما كان يؤمن به في أعماقه إلا أن سماعه هاله ~~وأكربه، فرفع حاجبيه منكرا، وقال: لشد ما تظلمينني! # ولم تسكن لهجته خاطرها، أو بالحرى مكنت لقبضة اليأس من ~~عنقها. وزاد إحساسها بضيق الوقت من جزعها، فتناست حياءها ~~المطبوع وهتفت: أنت الظالم؛ لقد خطبتني ثلاثة أعوام ثم بدا لك ~~أن تتخلص مني ... # وتحامى عينيها فنظر إلى الأرض، كان متحرجا متألما، ولكن ~~تصميمه على عدم التراجع كان أعظم فقال: إن ظروفي أقسى من أن ~~تدركيها على حقيقتها؛ أمامي صبر طويل. # ورقت لهجتها فجأة وقد تورد وجهها وقالت برجاء: إذا لم ~~يكن ثمة سبب آخر فبوسعي أن أشاركك الصبر! # فتوجس خيفة من تغير لهجتها، وقال: إنه صبر طويل. # فقالت باللهجة نفسها: لا بأس، إلا أنني أرجو أن تعلن خطبتنا ~~بالطرق المعهودة. # وذهل حيال انقلاب الحديث إلى هذا المجرى بعد أن أوشك أن ~~ينقطع، وركبه الخوف والضيق والجزع، فهتف وهو لا يدري: كلا! # وجعلت تحملق في وجهه في ذهول، ثم خفضت ms224 عينيها في يأس، ~~واحمر وجهها خجلا، وحركت شفتيها مرة ومرة؛ كأنها تريد ~~الكلام ولا تستطيعه، ثم غمغمت: أرأيت أنني كنت على حق لما ~~قلت لك إنك تريد أن تتخلص مني؟ # وبلغ منه الارتباك مبلغا لم يعهده من قبل، ولاذ بالصمت ~~مليا، ثم قال كالمعتذر: إني جد حزين، ربما أقمت لي ~~العذر يوما. # فقالت في إعياء وقهر: حسبك، لا أريد سماع كلمة أخرى. # وساد صمت ثقيل الوطأة كالمرض ملأ الحجرة بأنفاس اليأس ~~الخانقة، ولكن وجد الشاب على حرجه وألمه لونا من الراحة، ~~فمهما يطل هذا العذاب فلا بد أن ينتهي، وهنالك يجد نفسه حرا ~~طليقا. وتساءل وهو يسترق إليها نظرة ترى ماذا يدور في رأسها؟ ~~ألا زالت تريده؟ أم كرهته؟ أم تتمنى الانتقام منه؟ لشد ما ~~أحبها عهدا طويلا! ولكن هكذا انتهى كل شيء. وتساءل تري فيم ~~تتحادث الأمان؟ وعلام انتهى الحديث الذي طال؟ ثم قال لنفسه: ~~«إن مصيري يتقرر بيدي لا بيد أخرى.» ثم ترامي إليه صوت ~~المرأتين، وهما تتكلمان قادمتين فخفق قلبه، واستحوذ عليه قلق ~~مفاجئ، وعادتا إلى مجلسهما بوجهين يلوح فيهما الرضا - مما ~~ضاعف قلقه - ثم دق الباب وكانت القادمة نفيسة، ورجع حسين إلى ~~الحجرة، فوجد حسنين في المحيطين به ما انتزعه من أفكاره، ورد ~~إليه شيئا من هدوئه. ومع أن بهية بدت على حال من الوجوم لا ~~تخفى، إلا أن الحديث لم يشذ عن المألوف حتى انتهت ~~الزيارة. # 79 # ونظر حسنين صوب أمه في قلق متسائلا، فأدركت أنه يسأل عما ~~دار بينها وبين أم بهية، ونظرت إليه نظرة لا تخلو من فتور ~~وقالت: حدثتني ست أم بهية عن وجوب إعلان الخطبة بصفة رسمية، ~~ووافقتها في النهاية على رأيها. # وقطب الشاب في حنق، وضرب يدا بالأخرى وهتف بها: تسرعت يا ~~أماه! # وشعر بما أحدثه قوله من دهشة فعاد يقول: لا لوم عليك بطبيعة ~~الحال، ولكنني فسخت الخطبة! # وحدقت به الأعين التي تأبى تصديق ما سمعت وتساءلت الأم: ماذا ~~تقول؟ # فقال ضاغطا على مخارج الألفاظ: لقد فسخت الخطبة اليوم، ms225 ~~الآن، وغادرتنا بهية وهي تعلم أن كل شيء بيننا قد ~~انتهى. # وصاح حسين منزعجا: ماذا تقول يا أخي؟ كيف حدث هذا؟! # وقالت الأم: إنك تحيرني بتصريحك هذا، ولست أفهم شيئا! هل وقع ~~بينكما خلاف بغتة؟ .. متى؟ وكيف؟ # وكانت نفيسة آخذة في خلع حذائها فأمسكت وقالت: تكلم يا حسنين، ~~هذا خبر لم يتوقعه أحد! # فقال الشاب بوجوم: الواقع أنني عقدت العزم على فسخ الخطبة ~~من زمن غير قصير، ولكنني لم أشأ أن أخبر أحدا، واليوم حين ~~انفردت بها في هذه الحجرة لم أجد معدى عن إعلان نيتي، فانتهى ~~كل شيء. أرجو ألا يسألني أحد عما قلت أو عما قالت؛ فهذا لا ~~يعني أحدا سواي. # فقال حسين باهتمام وأسف: كان موقفا قاسيا على الفتاة بلا ~~شك، وأرجو أن يكون لديك من الأسباب ما يبرر الإقدام على هذه ~~الخطوة الفظيعة. # وقالت الأم المنزعجة: يا للفضيحة! لقد تم الاتفاق بيني وبين ~~الأم في نفس الوقت الذي كنت تهدم فيه ما نبني، فما عسى أن تظن ~~بي المرأة؟ ألا يمكن أن تشك في أنني كنت أخادعها وأنا أعلم ~~بنواياك؟ .. ماذا فعلت يا بني؟ .. ما سبب هذا كله؟ .. وماذا يعيب ~~الشابة؟! # وضاقت نفيسة بالمتكلمين فصاحت بحدة: دعونا نسمع صاحب ~~الشأن. # وقال حسنين مخاطبا أمه: بهية شابة لا غبار عليها، ولكن ~~تبين لي بوضوح أنها ليست الزوجة التي أطمح إليها. # فقالت الأم: لقد خطبتها ثلاث سنوات، فكيف يليق أن تهجرها بلا ~~سبب مقنع؟ # وهز حسين رأسه مؤمنا على قول أمه ثم قال: هذا حق! إن فسخ ~~خطبة أمر فظيع، ولا يجوز أن يقع بلا سبب مقنع! # وتساءلت نفيسة باهتمام: كيف تبين لك أنها ليست الزوجة التي ~~تطمح إليها؟ دعوه يتكلم! # فقال حسنين بضيق: لا ريب أن بهية لا تصلح زوجة لي، حقا لقد ~~خطبتها بنفسي، ولكني لم أكن أدري هذه الحقيقة وقتذاك ... # فقالت الأم بقلق: بهية فتاة جميلة ومؤدبة، ولأبيها فضل ~~علينا لا ينسى. # وقال حسين بلهجة تنم عن استياء: إني أعجب لحكمك هذا؛ ما هي ~~الزوجة ms226 الصالحة في نظرك؟ # فصمت حسنين قليلا ثم قال: أريد زوجة من وسط أرقى، مثقفة، ~~وعلى شيء من الثراء. # فتساءل حسين بنفس اللهجة: أهذه هي الأسباب التي جعلتك تنكث ~~بعهدك؟! # فقال حسنين متنهدا: نحن فقراء، وبهية في حكم الفقراء كذلك، ~~وأخاف إذا مت قبل نهاية المرحلة - كوالدنا - أن أترك أبنائي ~~لقساوة الحاجة كما تركنا. # وهتفت نفيسة قائلة بحماس: صدقت! # فغضب حسين لحماس أخته وسأله: هل قدرت خطورة الخطوة التي ~~أقدمت عليها؟ # فقال حسنين بحزن: لشد ما حز في نفسي الأسف! ولكنني لم أوافق ~~على ضياع حياتي! ~~- وتوافق على ضياع حياتها؟! ~~- لن تضيع حياتها، لا زالت في عنفوان الشباب، والمستقبل أمامها ~~باهر. # فتساءل حسين في حنق: هل تسمح لي بأن أصف لك سلوكك؟ # فنظر إليه في وجوم ولم ينبس بكلمة، فهز حسين رأسه في انزعاج ~~وتساءل: إني أعجب كيف تسخط على سلوك حسن وله من الأعذار ما ليس ~~لك! # وامتقع وجه الشاب وقال بحدة: لا شك أن سلوكي لم يخل من ~~قسوة، ولكنه سينتهي بخير بالنسبة لي ولها، وهو على أية حال أفضل ~~من زواج غير موفق. # وأعرض الشاب عنه يائسا، وضربت الأم كفا بكف وهي تتمتم: ~~يا لها من إساءة شديدة لأطيب الناس طرا! رباه كيف أخفي ~~وجهي! # ومع أنها كانت صادقة فيما تقول إلا أن أعماقها لم تخل من ~~ارتياح خفي، وقد كانت تشفق من أن يبادر حسنين إلى الزواج ~~فتعود الأسرة إلى الترنح والقلق، وكانت ترمق نفيسة دائما بعين ~~الخوف متسائلة في حزن عن المستقبل القريب والبعيد. ولكن إذا كان ~~هذا حقا لا شك فيه فحق كذلك ما تجد حيال أسرة فريد أفندي من ~~أسباب الخجل والألم. أما نفيسة فلم تكن تحسن إخفاء عواطفها ~~فقالت: لا خوف على بهية، ستتزوج اليوم أو غدا. # فقال حسين بامتعاض: هذا كلام يصدق على كل فتاة، ولكنه لا يصلح ~~دفاعا عن خطئنا. # فقالت نفيسة متهكمة: لا يصدق على كل فتاة! .. والدليل على ~~ذلك أنه لا يصدق على أخت حضرتك! # وخفف تهكمها من التوتر ms227 العام، وانتهز حسنين الفرصة فقال ~~بلهجة دب فيها الحماس: أليس الأفضل أن أختار زوجة من نوع خاص، ~~ككريمة أحمد بك يسري مثلا. # وقالت نفيسة بمرح: وما هذا على الله بكثير، من يدري؛ لعلنا نراك ~~يوما في فيلا محترمة، وتتدفق علينا خيراتك يوما بعد ~~يوم. # ولم يلق حسين إليها بالا، وقالت الأم وكأنها تحدث نفسها: ~~سيعلم فريد أفندي بالخبر هذا المساء؛ ما عسى أن يقول عنا؟! ليتني ~~أجد الشجاعة لأزورهم وأعتذر إليهم! # ففكر حسين طويلا ثم تمتم بهدوء وحزم: لا تنقصني أنا هذه ~~الشجاعة. # ووقع قوله من نفوسهم موقع الاهتمام، وسألته نفيسة: أتذهب ~~حقا؟ .. وما عسى أن تقول لهم؟ # فقال الشاب مقطبا: أقول ما يفتح الله به علي! رباه، لا ~~شك أن في دمنا شيئا نجسا. # ومضى يرتدي ملابسه، ثم غادر الشقة. # 80 # لم يقصد غايته رأسا، ولكنه مضى إلى مشرب شاي بمصر الجديدة، ~~فجلس ساعة يقلب الأمر على وجوهه ويعد له عدته، سرح خياله ~~بين ذكريات الماضي وحوادث الحاضر، وساءل عقله طويلا وساءل قلبه، ~~ثم قر فكره على رأي. وكان في تفكيره جريئا حازما قاطعا على ~~غير عادته، فلم تعترضه الصعوبات، ولم تثبطه المخاوف، حتى ~~عجب للسرعة التي بت بها في الأمر وتساءل في دهشة: «ترى أهي ~~من وحي الساعة، أم أثر لما تجمع في نفسي خلال ثلاث سنوات؟» ~~واستحوذ عليه شيء من الاضطراب، وعاد يسأل نفسه، ويستعرض الظروف ~~المختلفة، ولكن لم تكن قوة لتثنيه عما عقد العزم عليه. ~~وقام من مجلسه تعتلج في صدره انفعالات شتى من بسطة السرور ~~وقبضة القلق، وأريحية المغامرة، ثم اتخذ سبيله إلى عطفة نصر ~~الله؛ فبلغها في أول الليل. ومضى يقترب من البيت القديم، وهو ~~يشعر بثقل المهمة وحرج الموقف، ولكنه أقدم بخطى ثابتة ~~وعزيمة لا تنثني، ثم طرق الباب بقلب خافق ففتحت له الخادم، ~~وحدجته بدهشة أثارت أعصابه، ثم قادته إلى حجرة الاستقبال. وما ~~عتم أن جاء فريد أفندي بجسمه المترهل فرآه لأول مرة مكفهر ~~الوجه، يتوهج الغضب في نظرة عينيه. وما كاد ms228 الرجل يفرغ من ~~مجاملات السلام ويستقر على مجلسه حتى قال بانفعال وتأثر ~~شديدين: عشرة العمر كله، وجيرة العمر كله، وصداقة العمر كله، ~~تمزقونها جميعا في دقيقة واحدة! # فنظر حسين إلى الخوان أمامه في ارتباك وتمتم بصوت منخفض: ~~إن ما بيننا من ود قديم لا يمكن أن يتغير، وإن ننس لا ~~ننسى فضلك ونبل أخلاقك ما حيينا. # فلم يعره الرجل التفاتا وضرب كفا على كف وهو يقول: لم ~~أدر حين خبروني كيف أصدق أذني! إن طبيعة قلبي تأبى أن ~~تصدق هذا الغدر الشائن. ~~- إني عاذرك يا سيدي، وصدقني إننا لم نكن أدنى لتصديقه منك، ~~حتى إنني تركت أمي في حال يرثى لها. # وتابع الرجل حديثه دون اهتمام بما قال: كنت ألاحظ أنه يتثاقل ~~عن زيارتنا، وقيل لي في تفسير ذلك أعذار صبيانية زادتني تشاؤما، ~~حتى علمت هذا المساء بأنه جاهر بنكث عهده، ما شاء الله! هل ~~حسب بنات الناس ألعوبة يلهو بها على هواه؛ يخطب حين تحلو له ~~الخطبة، ويفسخ حين يطيب له الفسخ؟! لقد عاملته كابني ولم يدر ~~لي بخلد أنه يطوي صدره على قلب بهذا الخبث والغدر. # وزاد شعور حسين بالحرج وطأة فقال ينتحل الأعذار كيفما اتفق: ~~أخي فتى طائش وقد أضاعت حادثة حسن صوابه. # فتساءل الرجل في إنكار: وما ذنبنا نحن؟ .. هذا عذر غير ~~مفهوم! ~~- أقصد أن المصيبة أثارت أعصابه، وأفسدت حكمه، فضاق صدره ~~بالدنيا جميعا. # فلوح الرجل بيده في عنف وقال ساخطا: كلام غير مقنع، إني ~~رجل مجرب، وأعلم أن الرجل لا يغدر بخطيبته لمثل هذا السبب، قل ~~غير هذا الكلام إن شئت أن أصدقك، قل إنه صار ضابطا وبات ~~يطمع في نوع آخر من النساء! # فقال حسين بلهجة حزينة: وددت بحياتي لو أصلح الأمر. ~~- فسد الأمر ولا صلاح له، إنه عبث لا يليق بالشرفاء، ولو كنت ~~غير الرجل لقاضيته وأدبته، ولكني أحمد الله على ما كشف لي من ~~حقيقة نفسه بعد أن خدعت به طويلا، ما هو إلا شاب نذل جبان، ~~ولا تؤاخذني على قول الحق. ms229 # ووقعت هذه الأقوال من نفس الشاب موقعا أليما، فخفض بصره ~~مليا ثم قال بصوت ضعيف: إني جد آسف، بل كلنا آسفون، ولا ~~مطمع لنا الآن إلا الإبقاء على الود القديم. # وساد الصمت برهة ثم تمتم الرجل بفتور: ما عهدنا منكم ~~شرا. # وشعر حسين بقلق وتوتر، وذكر ما انتهى إليه رأيه قبل حضوره ~~بقلب خافق مضطرب، وتساءل فيما بينه وبين نفسه ترى هل من ~~المناسب الآن الإقدام على الإفصاح؟! .. ومع أنه لم يجد من الجواب ~~مشجعا إلا أنه أبى التراجع أو التأجيل، ونظر إلى الرجل بعينين ~~حذرتين وتساءل: هل أستطيع أن أقابل الآنسة بهية؟ # فقال الرجل بجزع وهو يلطم الهواء بظاهر كفه: ما الداعي لهذا؟ ~~.. فلندعها وحدها، هذا خير ما يفعل! # وغلب التأثر الشاب، ترى ماذا تفعل المسكينة؟ وماذا أحدثت ~~الصدمة بنفسها الرقيقة؟ وماذا هو فاعل؛ أيقدم أم ينكص؟ ألا ~~يقع كلامه من هذا الجو المكهرب موقعا مضحكا! ولكنه شعر ~~شعورا خفيا بأنه إذا تراجع هذه اللحظة فلن يقدم أبدا، ~~وتنهد تنهدة عميقة أزاح بها التردد عن صدره وقال بسكينة ~~ظاهرة يداري بها اضطرابه: سيدي، لا أدري كيف أعرب عما في ~~نفسي، ولست أزعم أني اخترت وقتا مناسبا! ولكنني لا أستطيع أن ~~أقاوم ما يدفعني إلى قول كلمة أخيرة، وهي أنني أرجو أن تبارك ~~يوما رغبتي الصادقة في طلب يد الآنسة بهية! # واتسعت عينا الرجل دهشة وبدا أنه كان يتوقع كل شيء ~~إلا هذا، ولعله أراد أن يتكلم ولكن أرتج عليه، أما حسين فكان ~~قد عبر قمة أزمته فقال مستردا بعض هدوئه: لا تحسبن أن ~~ما يدفعني إلى هذا الرجاء هو ما أشعر به حيال تصرف أخي من خجل، ~~أو ما عسى أن تتصوره عطفا على حال الآنسة، كلا! وأقسم على ~~هذا، إنها رغبة قائمة بذاتها، منبعثة أولا وآخرا من تقديري ~~لكريمتكم ولكم. # وواصل فريد أفندي دهشته الصامتة، على حين استمد حسين من ~~انطلاق لسانه وصمت الرجل شجاعة وحرارة فاستطرد قائلا: شيء ~~واحد يحرجني في هذا المسعى كله، وهو ما أشعر ms230 به من أنني غير ~~كفء لها. # فخرج الرجل عن صمته لأول مرة متمتما: لا تقلل من شانك يا ~~حسين أفندي؛ أنت عندي بمنزلة الابن. # فقال حسين وقد تورد وجهه: شكرا. # وتفكر الرجل قليلا كالحائر ثم قال: لا يسعني إلا شكرك على ~~رغبتك هذه، ويسرني - علم الله - أن تتحقق، ولكنك تدرك ~~طبعا أن وقت التحدث بشأنها لم يأن بعد؟! # فقال حسين بحماس: هذا طبيعي جدا يا سيدي، وبوسعي أن أمد ... ~~أعني أن أنتظر حتى يجيء الوقت المناسب. # وانتهى الحديث عند هذا الحد. # 81 # وعاد إلى مصر الجديدة غارقا في أفكاره؛ فلم يكد يرى شيئا من ~~الطريق، ولكنه استعرض صفحة مطوية طويلة من حياته كما فعل ~~في مشرب الشاي قبل أن يتجه إلى بيت فريد أفندي، وكان على ~~حيرته يشعر بسرور وأمل لم يشعر بمثلهما طيلة حياته! لقد ~~أحب الفتاة فيما مضى ولكن حبه مات قبل أن يترعرع ~~ويزدهر، ولم يبق منها في قلبه الحكيم الوافي إلا المثال الذي ~~يحلم به للزوجة الصالحة، وإنه يذكر أنه تألم كثيرا وصبر ~~كثيرا، فتعلم أنه بشيء من الحكمة يمكن أن يعثر في دنيا الألم ~~على مسرات عالية، وخرج من التجربة ساكن القلب بسام ~~الثغر، وكان يقول لنفسه متعزيا إن مواجهة سوء الحظ بالصبر ~~والتسامح سرور ينبغي أن يعد من حسن الحظ. وهكذا تعزى ~~ونسي من زمن طويل. ولما أن فتح له باب الأمل المغلق على حين ~~غفلة نسي أنه كاد ينسى، وأزهر الحب في قلبه كأن ثائرته لم ~~تهدأ لحظة واحدة من الزمان. وانطلق في سرور لا تشوبه شائبة ~~حتى بلغ البيت. ووجد الجميع في انتظاره، فما إن وقعت أعينهم ~~عليه حتى صاحوا به: ماذا لقيت؟! # ورأى أن يمهد للخبر العجيب الذي يحمله بأن يهول من خطر ~~الأمور، فقال وهو يهز رأسه أسفا: وجدتهم على حال من التأثر ~~انزويت لها خجلا وخزيا، ولأول مرة في حياتي رأيت فريد أفندي ~~الرجل الوديع ثائرا غاضبا كاسرا ... # وسألته الأم بحسرة: خبرني عما حصل كله، ألم تقابلك ~~بهية؟ ~~- كلا، ms231 قابلني الرجل وحده، وقبل أن أفتح فمي بكلمة انهال ~~علينا تأنيبا وتقريعا. # وأعاد عليهم كلام الرجل - فيما عدا الكلمات القارصة - ~~مضيفا عليها من عنده ألوانا من التأثر والحزن؛ ليستثير ~~ألمهم، ويستدر عطفهم حتى ملأهم الوجوم والخجل، إلا نفيسة ~~فقد قالت: ما كان ينبغي أن تلقاه الليلة. وعلى أية حال فالخطأ ~~الأول ينصب على من يقبل تلميذا صغيرا كخطيب لابنته، فضلا ~~عن أن يكون هو الساعي بحيله إلى عقد الخطبة. ولا أجد حسنين ~~مستحقا للوم؛ فقد كان تلميذا كما قلت لا يعرف ما يضره مما ~~ينفعه، فلما أن بلغ طور الرجولة تبين أن الفتاة لا تصلح ~~زوجة له، فماذا عليه إذا تركها؟! # وصمم حسين على أن يشق طريقه إلى هدفه؛ فقال بهدوء مخاطبا ~~أخته: تكلمي عن الفتاة برفق من فضلك؛ فقد تصبح خطيبة أخيك ~~الآخر! # وحملقت فيه الأعين بدهشة. وندت عن نفيسة آهة سريعة، وتساءل ~~حسنين: ماذا تقول؟ # فقال حسين وهو يتغلب على ارتباكه بقوة إرادته: يجوز أن تصبح ~~خطيبة لي. ~~- لك أنت! ~~- لي أنا. # وهتفت نفيسة: كلام لا يدخل المخ! ~~- ولكنه الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان. # وسألته الأم وهي تتفرس في وجهه: هل خطبتها حقا؟ # فقال الشاب خافضا عينيه: نعم، قلت له إنه يسرني إذا ~~وافق على أن أطلب إليه يد الفتاة. # فسأله حسنين بقلق: أفعلت هذا رغبة في إصلاح الأمور؟ # فتردد حسين قليلا ثم قال: لا يخلو الأمر من هذه الرغبة، ~~بيد أنني أكن للفتاة تقديرا كبيرا، وأعتقد أنه إذا لم يكن ~~بد من الزواج فالأفضل أن يكون من فتاة مثلها. # فتساءلت نفيسة في لهجة ساخرة: ومن قال إنه لا بد من ~~الزواج؟! # وتداخلت الأم متسائلة: وماذا قال لك فريد أفندي؟ # فأجابت نفيسة بالنيابة عنه قائلة: قال على العين والرأس ~~طبعا. # وأجاب حسين دون أن يعبأ بها: شكر لي طلبي، ولكنه اعتذر بأنه لا ~~يستطيع أن يخاطب الفتاة الآن بهذا الشأن، وطلب إلي أن أمهله ~~إلى حين. # وعاد حسنين يسأل باهتمام: أكنت تضمر هذه النية حين ~~غادرتنا؟ # فأجاب حسين ms232 بفطنة: كلا. # فقال الآخر بإشفاق: أخاف أن تستبين بعد حين أنك غير راغب في ~~الزواج حقا! # فقالت نفيسة متنهدة: ربنا يسمع منك. # فصاحت بها أمها غاضبة: نفيسة! # أما حسين فقال مجيبا أخاه: إني أحب بطبعي الحياة ~~المستقرة. # فقال حسنين بارتياح: ليس أحب إلي من سعادتك وسعادتها. # وصمت قليلا ثم استدرك قائلا بصوت منخفض: ولي أنا أيضا ~~آمالي، كأن أتزوج من كريمة أحمد بك يسري. أتظنه يا أخي أملا ~~أخرق؟! # فقال حسين مبتسما: لم لا؟ إنك كفء لها. # وهتفت نفيسة ضاحكة في شيء من الاضطراب: لنا الله، أردنا أن ~~نسترد واحدا ، والغالب أننا سنخسر الاثنين، وهذه إصابة عين ~~حامية. # وتمتمت الأم بهدوء: على بركة الله، إني مطمئنة إلى أن أبنائي ~~لن ينسوني. # فقالت لها نفيسة: ما أجهلك بالزواج وأسراره! سليني أنا ~~عنه. # ضحك حسنين قائلا: أمنا أعرف بنا منك. # وساد الصمت فراح حسنين يتساءل في نفسه، وهو يسترق النظر إلى ~~أخيه: ترى أكانت خطبته بنت ساعتها حقا؟! # 82 ~~«ربما كان الانتظار حكمة، ولكن ماذا يجدي الانتظار إذا طار ~~الطائر؟!» هكذا تساءل حسنين فيما يشبه الغضب، وبعد انقضاء قرابة ~~شهر لم ين فيه عن التفكير والتدبر ساعة واحدة. قالوا له - ~~خاصة حسين - إنه ينبغي أن ينتظر حتى يكون ثروة صغيرة، ثم ~~يتقدم لطلب يد الفتاة، وليكن رأيهم صوابا، ولكن من يضمن له ~~أن تنتظره الفتاة حتى تتكون هذه الثروة؟ ومما شجعه على نبذ ~~هذا الرأي «الحكيم» أن أحمد بك يسري على علو مقامه قريب إليه ~~بحكم العلاقات القديمة، فطمع في أن يوسع له صدره، أما إذا ~~أفلتت من يده الفرصة السعيدة؛ فليس لديه إلا أن ينتظر أعواما ~~طوالا قبل أن تفتح له الأبواب أسرة كهذه، ألا يمكن أن يطلب ~~يد الفتاة ثم يستمهل البك حتى يستكمل استعداده؟ .. يمكن بلا ~~ريب، وإذا لم يمكن فإن احتمال الرفض لا يجب أن يقعده عن ~~المسعى، إنه أجرأ من أن يقعده شيء عن غاية، ثم إنه لا يطيق هذه ~~الفضيلة التي يدعونها بالصبر. الآن، ودون خوف ms233 أو تردد، ~~وليكن ما يكون. كان الشاب يدير هذه الأفكار في رأسه وهو يقترب ~~من فيلا أحمد بك يسري بشارع طاهر، صمم وشرع في التنفيذ بلا ~~مبالاة. هذه هي الحياة التي يتلهف عليها بكل قوة نفسه. وليس ~~ثمة ما يزعجه؛ فقد اختفى حسن وصارت نفيسة آنسة محترمة، ~~والماضي في طور الاحتضار، وما يريد إلا الحياة النظيفة السعيدة ~~لنفسه وذويه. وكان قد أخذ زينته وتبدى في منظر حسن، يجمع ~~إلى رشاقة الشباب فحولة الرجولة، وما إن انتهى إلى الفيلا حتى ~~أدخل إلى السلاملك، فجلس ينتظر بقلب خافق ونفسه قلقة؛ «أليس ~~عجيبا أن أتقدم لطلب يد فتاة هذه فيلتها، وأنا لا أملك إلا ما ~~تبقى من مرتبي! وهناك قضية الوقف الوهمية التي حدثت البك ~~عنها، ولكن هيهات أن تغني عني شيئا، لماذا لم يكن لأمي وقف؟ ~~ولكن هذه مسألة أخرى، فلو كنا من أصحاب الوقف لكان الماضي ~~غير الماضي، والحاضر غير الحاضر، ليكن ما يكون، لن أتراجع، ~~ومهما يكن من أمر فلن يقطع رأسي، إذا ربحت ربحت الدنيا جميعا، ~~وإذا خسرت لم أخسر شيئا يذكر! إني آسف يا بني، سلام عليكم ~~يا سعادة البيك، هذا أفظع ما يتوقع! إني كفء لها بغير جدال، ~~ما عسى أن تريد مما ليس لدي؟ المال؟ عندها المال بالقنطار. ما ~~أحمقكم يا أهل هذا البيت إذا رفضتم يدي! في هذا الموضع رأيتها ~~أول مرة على دراجتها، ساق تستأهل ثقلها ذهبا، وفخذ سبحان ~~الخالق! مسكينة نفيسة. ترى أين حسن الآن؟ ليته يفر إلى بلد ~~غريب فيختفي إلى الأبد. لا تكاد ذكراه المزعجة تفارقني، فمتى ~~أرتاح من الماضي كله. لن أتراجع. في هذا الموضع كادت تهوي بها ~~الدراجة، أقدام البيك؟» وأنصت في اهتمام ثم نهض قائما في ~~احترام حين رأى البك قادما نحوه، وسلم في إجلال والآخر ~~يقول: أهلا بحضرة الضابط، كيف حالك؟ # وأجاب الشاب وهو يبذل أقصى جهده للسيطرة على انتباهه ~~وإرادته: شكرا لك يا سعادة البك. # وتساءل البك ضاحكا بلهجة ذات معنى: ألا يزال أخوك في ~~طنطا! ms234 # ورحب حسنين بأي حديث يطيل له مهلة الاستعداد فقال ~~باهتمام ظاهري: بلى يا سيدي! # وكانا قد اطمأنا إلى مجلسيهما فقال البك: ليس في الإمكان ~~نقله هذه العطلة، ولكني أخذت وعدا صادقا بنقله في العطلة ~~القادمة. # وكأن حسنين يعلم بهذا، ولكنه قال بامتنان: هذه مأثرة جديدة ~~تضاف إلى مآثرك السابقة. # وساد صمت، وشعر الشاب بأنه يقتحم لحظة رهيبة من حياته، وأنه ~~لم يعد وراءه ثمة مجال لتردد أو تراجع، فألقى بعزمه ~~قائلا بصوت لم يخل من اضطراب في نبراته: الواقع أني قصدتك يا ~~بك في شأن يخصني أنا. # فرفع إليه الرجل عينيه متسائلا: خير إن شاء الله؟ # فاعتدل الشاب في جلسته كأنه يستمد من اعتداله قوة وقال: إني ~~أستشفع بسعادتك لغاية بعيدة أراها فوق مطمحي. # فتساءل البك مبتسما وهو يدلل بأصابعه شاربه الغليظ ~~المصبوغ: أتريد أن ترقى لواء؟ # فضحك الشاب ضحكة عصبية سرعان ما غاضت من أساريره، وقال ~~بصوت منخفض: أعز من هذا؛ إني طامح إلى شرف مصاهرتك. # وحل اهتمام مفاجئ محل النظرة الباسمة، وخيل إليه أن ~~الرجل استحوذت عليه دهشة رغم ما يتظاهر به من الرزانة وضبط ~~النفس، ولكن أية دهشة يا ترى؟ دهشة المفاجأة أم الانزعاج؟ ~~ودق قلبه بقوة وشعر شعورا عميقا بخطورة اللحظة التي ~~يكابدها، أما الرجل فقال بعد صمت وتفكير: لا يسعني إلا أن ~~أشكر لك حسن ظنك. # وتأثر للقول الرقيق تأثرا لم يخل من ألم غامض وقال بتوكيد: ~~أرجو ألا أكون قد جاوزت حدي. # فقال البك مبتسما: حاشا الله، إني أكرر الشكر، بيد أنني ~~أؤجل الجواب حتى أشاور أصحاب الشأن. # فارتاح حسنين لهذه المهلة التي رحب بها ترحيب المحارب ~~المحرج بهدنة آمنة وقال: هذا طبيعي يا سعادة البك، ولكني أرجو ~~حقا ألا أكون قد جاوزت حدي. # فابتسم البك قائلا: لا تعد على مسمعي هذا القول. # ونهض الشاب مستأذنا في الانصراف ثم غادر الفيلا. واستعاد في ~~الطريق كل كلمة قيلت وما صاحبها من حركات وإشارات ولمحات، ~~وحاول أن يستشف ما وراءها من معان ومقاصد، ومع أنه كان ms235 ~~يؤول كل شيء بخيال جريء طموح متفائل، إلا أنه وجد ~~انقباضا وقلقا، وفي النهاية قال لنفسه يهز كتفيه استهانة: ~~«إذا ربحت ربحت الدنيا جميعا وإذا خسرت لم أخسر شيئا ~~يذكر.» # 83 # لم يفكر حسين في معاودة زيارة فريد أفندي حتى أوفت إجازته ~~على نهايتها، كأنما أراد أن يمد للرجل في مهلة تفكيره حتى ~~يستخلص منها رأيا قاطعا. ولم يكن يكف في أثناء ذلك عن مشاورة ~~والدته، ولم تبد المرأة اعتراضا، ولكنها نصحته أن يؤجل ~~زواجه عاما حتى يستكمل استعداده، ومن عجب أنها لم تفلح في ~~إسداء مثل هذه النصيحة للشاب الآخر المتعجل ، ولكن حسين نفسه ~~لم يكن ليوافق أخاه على تعجله الذي وصفه «بالتهور»، ولم يخف ~~عليه أنه إذا وفق حسنين إلى هذه الزيجة الخيالية، وتم زواجه ~~هو بعد عام، فستجد أمه وأخته نفسيهما وحيدتين بلا عائل، ولهذا ~~طمأن والدته إلى أنه مصمم على أن يضم زوجه إلى البيت في كنف ~~معيشة واحدة، واطمأن قلبه وفكره، فمضى إلى بيت فريد أفندي، ~~واستقبله الرجل بترحاب أنعش آماله، ومع أنه لم يكن للزيارة إلا ~~معنى واحد لا يخفى على أحد، إلا أنه خاطب الرجل قائلا في شيء ~~من الارتباك: جئت أستودعكم الله قبل عودتي إلى طنطا ~~غدا. # فابتسم فريد أفندي ابتسامته الرقيقة وقال: مع سلامة الله، وإن ~~شاء الله نسمع قريبا عن نقلك إلى القاهرة. # فقال حسين برجاء: أرجو أن يتم هذا في العطلة القادمة. # وساءل نفسه ترى هل يفتح «الموضوع» أو ينتظر حتى يتكلم الرجل؟ ~~.. لقد شاور أمه في الأمر كأنه أصبح حقيقة مفروغا منها، ومع ~~هذا فمن يعلم بما دار في نفوس أهل هذا البيت؟! وساوره قلق، أخذ ~~يتزايد كلما طال انتظاره للكلمة التي يود سماعها، حتى جاءت ~~الست أم بهية فنهض لاستقبالها في أدب وشد على يدها في حرارة، ~~وتفاءل بمقدمها خيرا، وقد قالت له وهما يجلسان: إني سعيدة ~~برؤيتك يا بني، كيف حال والدتك؟ # فقال حسين بحرارة: بخير يا سيدتي، وهي تقرئك السلام. # ثم نظر فريد أفندي إلى ms236 زوجه وقال لها: حسين أفندي جاء يودعنا ~~لأنه مسافر غدا، وأظن من المناسب أن نخبره بما قر الرأي ~~عليه، (ثم محولا رأسه إلى الشاب) بخصوص ما حدثتني عنه يا حسين ~~أفندي يسرني أن أقول لك «إننا» موافقون. # وتتبع فؤاده كلام الرجل في خفقان متواصل، استحال ألما ~~خالصا عند بعض المقاطع، ثم انتهى بوثبة فرح فقال بصوت متهدج: ~~شكرا لك يا سيدي، ألف شكر، إني سعيد حقا. # فابتسم الرجل وقال مخاطبا زوجه: وسينقل إلى القاهرة في ~~العطلة القادمة. # فضحكت المرأة قائلة: خبر سار، نحن نود بطبيعة الحال «أن ~~تكونوا» على مقربة منا. # فتورد وجه الشاب وقال بصوت وشى بسروره: سيتحقق هذا بإذن ~~الله. # ثم قال فريد أفندي: ولكن يحسن بنا أن ننتظر فترة معقولة قبل ~~إعلان الخطبة. # ثم ضحك ضحكة لم تخل من الارتباك واستطرد قائلا: حتى ينقضي ~~وقت مناسب بين الخطبتين. # فخفض حسين عينيه وهو يتمتم: إني رهن إشارتكم. # وقام فريد أفندي وغادر الحجرة، وغاب دقائق، ثم عاد تتبعه بهية. ~~ومع أن حسين حدس الأمر إلا أنه وقع من نفسه موقع المفاجأة ~~البكر، فنهض باذلا مكنون قوته لتمالك نفسه، ثم مد لها يده ~~في صمت، فتلاقت يداهما، وشعر بيدها على يده ناعمة الملمس رقيقة ~~الموقع، باردة الملمس، فاهتز صدره ودر رقة وشكرا، وشعر ~~بأنه ينبغي أن يقول كلمة، وألح عليه هذا الشعور، ولكنه وجد ~~رأسه فراغا، ولم يسعفه الموقف بالتفكير فجلس دون أن ينبس ~~بكلمة، وسرعان ما تناسى مشاعر الأسف المنبعثة من خرسه في موجة ~~السرور والرضا التي غمرت حواسه جميعا، فنزلت عليه سكينة ~~لطيفة أشبه بالشفاء الذي يعقب نوبة ألم. ما أجملها! كيف يعمى ~~بعض الناس عن هذه المزايا المكتملة؟! إنها الوداعة والفضيلة ~~اللتان ترويان الحنان الظامئ إلى حياة البيت السعيد، لا تثير ~~استفزازا من أي نوع كان، ولكنها تبث سلاما وطمأنينة. لماذا ~~جاء أبوها؟ ليس لهذا إلا معنى سعيد واحد، قال إننا موافقون، ثم ~~جاء ببقية «إننا» شاهدا ملموسا، بوده لو يسعه أن يستخبر ~~أفكارها؛ هل أفاقت من ms237 الصدمة؟ هل برئ الفؤاد؟ أبدأت حقا ~~تستشعر ميلا إليه؟ ولم يتركه الوالدان لتأملاته فعاودا ~~حديثهما الذي بدا الآن تافها متطفلا، ألا يمكن أن تحدث معجزة ~~فيغادرا الحجرة؟ وقد التقت عيناه بعينيها مرة فتاه في صفاء ~~وزرقة لحظة بهيجة، عنده ما يقوله، ولديها ما يقال بلا ريب، ~~ومهما يكن من أمر فالأيام آتية، وسيفصح عما في ضميره؛ عن ~~كل كبيرة وصغيرة. وفي أويقات ما بين الحديث كان يتجمع في ~~إحساس رقيق سعيد أقنعه بأن في الدنيا سرورا خليقا بأن ~~يكفر عن جميع أكدارها، سرور يقطر صفاء، ليدم طويلا، ~~لتدم هذه الجلسة، هذه الحال ، هذا المنظر، هذا الإحساس، ليدم ~~عمرا، ليشمل الحياة جميعا. # وتواصل الحديث، ولكنها لم تشترك فيه، اللهم إلا بإيماءة أو ~~غمغمة، حتى وجب الذهاب فنهض مستأذنا، وسلم عليها، وغادر الشقة ~~وهو يشعر لأول مرة بأنه مقبل من حياته على وقت حصاد. # 84 # وسافر حسين، وانقضت أيام من فترة الانتظار التي دعاها حسنين ~~بمدة «تحت الاختبار». والتي عاناها في تجلد اضطراري، والأمل ~~واليأس يتجاذبانه، وقد أسف على سفر أخيه لأنه كان يفضل بلا ~~شك أن يتلقى رد أحمد بك يسري وهو غير بعيد عن مشورته، كان ~~في الحقيقة يأنس إلى مشاورته، وإن غلب عليه الاستبداد برأيه ~~والاندفاع وراءه؛ على أن إقدام حسين على الشروع في الزواج كان ~~قد ترك في صدره راحة؛ لأنه كان في أعماقه متعبا لسبقه إلى ~~استكمال حياته بالزواج، والآخر منزو تحت الأعباء كأنه محروم من ~~الانتفاع بحياته، ولا يعني هذا أنه لم يكن مشغولا بمستقبل أسرته؛ ~~فالحق أنه كان يرجو من وراء زيجته النفيسة خيرا كبيرا لنفسه ~~ولأسرته على السواء. هكذا سوى متاعبه الداخلية بهذا المنطق ~~ليفرغ لملاقاة حظه بقلب مطمئن، وإنه لعلى تلك الحال إذ دعاه ~~أحد الأصدقاء من زملائه إلى موافاته إلى كازينو لونابارك بمصر ~~الجديدة، وكان هذا الصديق - ويدعى علي البرديسي - أقرب زملائه ~~مودة إلى قلبه، نشأت صداقتهما وتوثقت بالكلية، ثم حافظت ~~على حرارتها رغم تعيينه هو بسلاح الفرسان، والتحاق الآخر ~~بالطيران، ومضى ms238 إلى موعده فوجده في انتظاره، وجلسا معا في حديقة ~~الكازينو، ثم طلب الصديق قدحين من الجعة، وأدرك حسنين من ~~اللحظة الأولى أن صاحبه قد دعاه لأمر؛ لأنه على غير عادته - ~~وبالرغم من مرحه الظاهر - بدا جادا متفكرا، وما لبث أن سأله: ~~أتذكر الملازم أحمد رأفت؟ # فقال حسنين بعدم اكتراث: طبعا، إنه من دفعتنا، وأظنه ضابطا ~~بالطوبجية، أليس كذلك؟ # فأومأ الصديق دلالة على الموافقة، وقال بضيق ومرارة: سمعته ~~بالأمس يتحدث عنك في جمع من الإخوان بما أغضبني وساءني. # فحملق حسنين في وجهه بدهشة، كان يتوقع أي شيء إلا هذا، ~~وتساءل في استنكار: ماذا قال ؟ # فقال علي البرديسي بوجوم: كنا، أنا وبعض الأصدقاء، نلعب الورق ~~في بيته بالمعادي. ~~- وبعد؟ ~~- لا أذكر المناسبة التي أثارت الحديث، كنا سكارى، ولكني ~~سمعته يخوض في أمور تمسك، خبرني أولا هل سعيت حقا إلى ~~طلب يد كريمة رجل يدعى أحمد بك يسري؟! # وفجر الاسم زلزالا في صدر الشاب، فدق قلبه دقة عنيفة، ~~وذكر لتوه أن أحمد رأفت هذا على صلة وثيقة ببعض أقارب أحمد ~~بك يسري، وبذل جهدا صادقا ليتمالك أعصابه، ثم قال باقتضاب ~~وهو يكابد شعورا غليظا بالتشاؤم والخوف: ربما. ~~- أتعلم أن أحمد رأفت صديق لهذه الأسرة؟ ~~- هذا جائز، ولكن خبرني ماذا قال؟ # فصمت البرديسي كالمتردد حينا ثم تمتم بصوت منخفض، والحرج ~~باد في أساريره: فهمت من حديثه أن الأسرة لم توافق، يؤسفني أن ~~أبلغك هذا. # وشعر بالخبر يضغطه كحمل ثقيل، فتضاءل تحته وأحس بانهيار في ~~كرامته ورجولته. ثم فار غضبه حتى أوشك أن يستسلم لنيرانه، ولكنه ~~ثار على الاستسلام في اللحظة الأخيرة، وأبى إلا أن يتظاهر بعدم ~~الاكتراث، بل ندت عنه ضحكة وتساءل: أهذا ما أساءك يا صديقي؟ # فقال الصديق بوجوم وقلق: هذا أمر عادي، يحدث كل يوم، ولكنه ~~ذكر في غير لياقة الأسباب التي تبرر عدم موافقة الأسرة، ومع ~~أنها أسباب تافهة لا يمكن أن تحط من قدر إنسان إلا أنه ~~ساءني جدا أن يرددها في جمع حافل من السكارى. # كان يشعر دائما بأن ms239 مطرقة ثقيلة من ماضيه معلقة فوق رأسه ~~تهدده في كل حين، وها هي قد أهوت على يافوخه، ونثرته هشيما، ~~ليس الأمر بحاجة إلى إيضاح أو سؤال، ولكن أمن الممكن حقا أن ~~يتجاهل كل شيء؟! ورفع بصره إلى وجه صديقه الواجم وسأله بلهجة ~~آلية: خبرني عما قال؟ # فعبس الشاب في ضيق وتبرم ثم استطرد: إنه حقيق بالإهمال، ~~ولكن من الإنصاف أن تعلم بما يقال عنك ولست في حاجة لأن أقول لك ~~إني غضبت لك غضبة صادقة ألجمت ألسنة الهاذين. # إذن اتخذوا منه مادة لهذيانهم! وأي مادة! كان ينبغي أن ~~يفكر في هذا كله يوم أقدم على تلك الخطبة المشئومة! وابتسم ~~إلى صديقه ابتسامة باهتة وقال: لا يخالجني شك في شهادتك، إني ~~أقدر إخلاصك حق قدره، ولكن أرجو أن تعيد على مسمعي كل كلمة ~~قيلت، كلمة كلمة. # وبدا الشاب متأففا، واكتفى بأن يقول في امتعاض شديد: قال ~~كلاما كثيرا عن أخ لك؛ حتى قلت له محتدا إني أعرف قاطع ~~طريق في بلدتنا أخوه وزير في القاهرة! # فامتقع وجه حسنين، وتأذى لدفاع صاحبه كأنه يسمع التهمة ~~نفسها، بيد أنه ضحك في يأس وقال: العادة أن عين الرضا لا ترى ~~إلا الوزير، أما عين الغضب ... ما علينا، وماذا أيضا؟ # فقال الشاب في تهرب: وكلام سخيف من هذا القبيل. # ولكن حسنين هتف به في ضيق غلبه على أمره فجأة: أرجوك، ~~أرجوك، لا تخف عني شيئا. # فقال الشاب عابسا من التحرج: أكره الخوض في الحرمات. ~~- أختي؟! ~~- قال إنها كانت تعمل لترتزق؟ ~~- وقلت له غاضبا إن العمل الشريف لا يعيب أحدا، وإن الفقر ~~ليس جريمة. # فهز حسنين رأسه في حرارة وردد قول صاحبه في سخرية أليمة: ~~إن الفقر ليس جريمة! .. بديع! .. وماذا قال أيضا؟ ~~- لا شيء. # حسبه! أخ قاطع طريق وأخت خ ... عاملة، هه؟ ويريد بعد هذا أن ~~يتزوج من كريمة بك قد الدنيا! # قال البرديسي: أعتقد أن حسن الاختيار قد أخطأك في التقدم إلى ~~هذه الأسرة العيابة. # فابتسم حسنين ابتسامة مريضة وتمتم: صدقت ... # ثم راح يقول ms240 لنفسه «إني غائص في الطين حتى قمة رأسي، ليس لهذه ~~الحال من علاج إلا أن أدق عنق هذا الأحمد رأفت. ولكن هل يغير ~~هذا من الواقع شيئا؟ كلا، إنه دفاع غير مجد بيد أنه لا يجوز ~~أن تغيب عني حقيقة هامة؛ وهي أن اللكمة القوية لا تستطيع أن ~~تنتزع الاحترام انتزاعا وتفرضه فرضا، إني قادر على هذا والحمد ~~لله؛ فلا تنقصني الشجاعة أو القوة، كان حسن أحقرنا شأنا، ولكنه ~~كان على ذلك أعظمنا احتراما، هذا درس ينتفع به.» ثم سمع صديقه ~~يقول في عزاء: لا تكترث أكثر مما ينبغي. # فقال وهو يهز منكبيه متظاهرا بالاستهانة: نصيحة معقولة، ليس ~~في أسرتنا ما يشين؛ كنا أغنياء في يوم ما، ثم دهمتنا أيام ~~شداد فلاقيناها بشجاعة، حتى تغلبنا عليها، ليس في هذا ما ~~يشين. ~~- بل فيه من دواعي الفخار ما فيه. # فضرب الأرض فجأة بقدمه، وقال مستعر العينين من الغضب: ولكني ~~أعرف كيف أؤدب من تحدثه نفسه بإهانتي. ~~- هذا حق لا شك فيه. # وساد صمت مرهق بالتعب والألم، فلم يجد البرديسي خيرا من أن ~~يطلب قدحين أخريين من الجعة، ثم تمتم مبتسما: ستجد إذا شئت ~~من هي خير منها. # فقال حسنين باستهانة: أوه، البنات في البلد أكثر من الهواء ~~وأرخص من التراب! # وعل من الجعة في ظمأ، وشغل الصديق بقدحه أيضا، فعاد الصمت؛ ~~«آه لو كان في وسع الإنسان أن يخلق حياته من جديد، فيولد في ~~أسرة جديدة، وينشئ ماضيا جديدا! ولكن ما بالي أعذب نفسي ~~بالأماني الكاذبة! هذا أنا، وهذه حياتي، ولن أسمح بأن أتحطم. لم ~~تنته المعركة بعد!» # 85 # ولما غادر الكازينو مودعا من صديقه كانت الصدمة والجعة ~~تكادان تذهبان بعقله. وكان يبغي أن ينفس عن صدره قبل كل شيء ~~ومهما كلفه الأمر، بيد أنه استسخف فكرة مواجهة الضابط أحمد ~~رأفت وأغراه شعوره المنطوي على التحدي والغضب بما هو أجل ~~وأخطر «إن غضبي على هذا الشاب المغرور غير عادل؛ لقد سمع قولا ~~بذيئا فردده، ليس لي عليه حق ولا أستطيع الزعم ms241 بأننا كنا ~~أصدقاء. إذا سنحت فرصة للتحرش به في المستقبل فلن أدعها تفلت ~~بسلام، ولكن لندع تأديبه حتى سنوح هذه الفرصة، هدفي الحقيقي ~~هو البك نفسه ذو الشارب المصبوغ، سأقول له إن أقل ما يستحقه ~~رجل تقدم لطلب كريمتك هو أن تحافظ على كرامته، خصوصا إذا ~~كان ابن صديق قديم، إذا تنصل من التهمة قذفته بالدليل القاطع ~~وقلت له إن الفقر ليس بعيب، بخلاف التشنيع على الناس؛ فهو عيب ~~حقير. إذا غضب، ولا بد أن يغضب كما يحتم مركزه الكبير، فلن ~~أقتصد في إظهار غضبي حتى أفرغ بخار صدري المكتوم.» وبهذا ~~العشور المتفجر وما ينبثق حوله من إشعاعات الجعة ألقى بنفسه ~~في أول ترام صادفه، فحمله إلى ميدان المحطة، ثم استقل الترام ~~إلى شارع طاهر، وعندما تراءت له فيلا أحمد بك يسري تثاقلت قدماه ~~كأنه يمهل نفسه لمعاودة التفكير، وترددت في أعماقه هواتف ~~تهيب به إلى التراجع، ولكنها ذابت في تيار الحمى المستعر في ~~رأسه، فدفع إلى الفيلا دفعا حتى وجد نفسه حيال البواب الذي ~~وقف له احتراما، وشق طريقه إلى الداخل دون استئذان وهو يشعر ~~بغرابة سلوكه وسخافته، ولكن دون أن ينثني. كانت الشمس قد مالت ~~نحو الأفق فلاحت شجيرات الورد والشيح الناعسة في ظل المغيب، ~~وارتسمت على أرض الممشى الوسيط آثار عجلات في السيارة في هيئة ~~خطين عريضين منحنيين، فاتجه نحو السلاملك، تشي نظرة الحيرة ~~والتردد التي تنتاب تصميمه من حين إلى حين بأنه لم يقتنع كل ~~الاقتناع بوجاهة البواعث التي تدفعه إلى هذا التحدي. ومع هذا ~~ارتقى السلم بسرعة غير متوقعة، وما كاد يبلغ الفرندا حتى ~~وقف متسمرا تحت صدمة دهشة مفاجئة لم تدر له بخاطر في ~~هذيانه الطويل المتصل. رأى الفتاة - نفسها - جالسة على كرسي ~~كبير، وقد رفعت رأسها عن كتاب أو نحوه وتطلعت إلى القادم ~~بعينين متسائلتين، وثبتت عيناه عليها في جمود ذاهل، وقد صدع ~~صدره من الأعماق إحساس بالخزي أذابه ذوبانا. ثم أدرك أنه ~~حيال موقف لو استسلم فيه لضعفه لباء بخزي جديد فاق ms242 ما تعرض ~~له من ألوان الإهانة؛ فاستمد قوة جديدة من خوفه، مصمما على ~~الخروج من ورطته بكرامة واستهانة. وأفاده التصميم فتمالك نفسه، ~~وحنى رأسه باحترام وقال مبتسما في لطف: مساء الخير يا آنسة، ~~معذرة عن إزعاجي غير المقصود لك، هل أستطيع أن أقابل البك؟ # فقالت برقة - وكان يسمع صوتها لأول مرة - دون أن يعتورها ~~أدنى ارتباك: والدي معتكف اليوم لوعكة خفيفة. # وحنى رأسه مرة أخرى، ولعله وجد ارتياحا إلى هذا الخلاص ~~الذي جاء من حيث لا ينتظر، وقال وهو يهم بالذهاب: أستودعك ~~الله. # ودار على عقبيه وسار خطوة، وخطوة أخرى، ثم توقف في صميم ~~مباغت، اختفى منطق السلام وحل محله غضب واستهتار وتلبسته ~~الحال الغريبة التي دفعته من مصر الجديدة إلى شبرا. # ودار حول نفسه مرة أخرى وواجه الفتاة في جرأة غير مبال ~~بنظرتها المترفعة المتسائلة، ثم قال بصوت أعلى مما يستدعي ~~الموقف: معذرة، يعز علي أن أودع هذا البيت الوداع الأخير ~~دون أن أعرب عن أفكاري. # فظلت على تساؤلها الصامت دون أن تنبس بكلمة، فاستطرد ~~متسائلا: أظن بلغك أنني طلبت يدك؟ # فقالت وهي تغض بصرها: لم تجر العادة بأن يحدثني أحد من ~~زوار أبي. # فقال فيما يشبه الدهشة: ظننتها عادة غير مستنكرة في ~~الأوساط الراقية! ~~- ليس في جميع الأحوال. # فتمادى في الاستهانة قائلا: اسمحي لي أن أتكلم رغم هذا، إنني ~~قصدت البك لمحادثته في الأمر نفسه؛ لأنه نما إلي أن طلبي ~~عد وقاحة لا تغتفر. # فقالت دون أن ترفع بصرها: يحسن بك أن تؤجل حديثك لحين ~~لقاء البك. # فقال وعيناه لا تتحولان عن وجهها: ولكن ما يسعدني به الحظ ~~من لقائك - وأنت صاحبة الشأن الأول - يحتم علي أن أتكلم، ~~يهمني أن أعرف رأيك، هل يعد طلبي وقاحة حقا؟ # فقالت بما ينم عن الضجر: أرجو أن تؤجل حديثك لحينه. # ومع أن ضجرها كان شيئا منتظرا إلا أنه آلمه وأحنقه فقال: ~~إن الذي يسعى إلى يد فتاة يتقدم عادة بخير ما فيه، ولكن ~~يحدث أحيانا لسوء الحظ ألا يروا إلا شر ms243 ما فيه، كبعض مساوئ ~~تتعلق بأسرته مثلا. # فنهضت قائمة عابسة وهي تقول: لا مفر من الذهاب. # واتجهت نحو مدخل البهو فلاحقها بصوت مرتفع قائلا: كنت ~~أود أن أسمع رأيك، ولكن حسبي هذا، إني آسف، وأرجو أن ترفعي ~~تحياتي إلى البك. # ودار على عقبيه مسرعا وهبط السلم ثم سار نحو الباب، ومرت ~~بخاطره مناظر متباعدة في سرعة وتدفق؛ كموقفه مع بهية في ~~بيتهم الجديد، وحديث البرديسي في الكازينو، وهذا الحديث القريب ~~«لست عاشقا خائبا والحمد لله، كنت على وشك أن أكونه ولكن ~~الله سلم، بيد أنني رجل خائب، وهذا أفظع! أحب أن أفكر طويلا ~~في هذه الأمور المعقدة. إني أشعر بمرض من نوع جديد؛ أين ~~الداء؟ أين الخطأ؟ أين العلاج؟» # ولما خلص إلى الطريق كان مقتنعا بأنه ارتكب سخافة لا معنى ~~لها. # 86 # قالت الأم مبتسمة وإن نمت نظرة عينيها عن أسى: من عجب ~~أنك ترمي بنفسك في أمور خطيرة دون أن تأخذ العدة لها. هبهم ~~وافقوا على الزواج فماذا كنت تفعل؟ ألم تفكر في هذا؟ ألم نحذرك ~~جميعا من عواقبه؟ # كان قد مضى على حديث صاحبه البرديسي حوالي عشرة أيام، ومع هذا ~~لم تغب هذه المسألة عن أذهانهم، وكانوا كلما جمعتهم جلسة ~~في الشرفة المطلة على الطريق في أوقات العصاري ولاح في وجهه ~~الشرود أو التفكير، انبرت الأم للحديث؛ ترجو أن تبلغ به موضع ~~التعزي من قلبه، وانضمت إليها نفيسة مازجة الجد ~~بالمزاح. # وقال حسنين في ضجر: لا يبدو لي الغد خيرا من اليوم. # فقالت نفيسة: كلام فارغ. # وصدقت الأم على كلامها قائلة: وستبدي لك الأيام أنه كلام ~~فارغ، وستتزوج من خير منها. # وتساءل في نفسه لماذا يبدو المتشائم الوحيد في هذه الأسرة؟ أهي ~~أسرة بلهاء أم هو الأبله؟ أليس الدور الذي يلعبه الشيطان في ~~هذه الدنيا أخطر من أدوار الملائكة مجتمعين؟ بلى، فلماذا لا ~~يرونه كذلك! ولقد أرسل إلى حسين كتابا بآخر أنباء زواجه، فماذا ~~كان جوابه؟ لم يكد يزيد شيئا عما تقول أمه أو أخته! ~~أماتوا وهم أحياء؟ ms244 ألم تعد تستهويهم الحياة الرفيعة ~~الشريفة؟! # وقطع عليه أفكاره جرس الباب الخارجي الذي رن رنينا ~~متواصلا، ثم صوت الخادم وهي تصيح بحالة مزعجة بعد أن فتحت ~~الباب «سيدي .. ستي!» فهرع إلى الصالة مستطلعا تتبعه أمه ~~وأخته فرأى عند باب الشقة المفتوح رجلين غريبين يسندان ثالثا ~~بينهما، جريحا فيما يبدو من عصابة قذرة تطوق رأسه وتنز ~~دما، وقد مال عنقه إلى كتف أحد الرجلين، واقترب حسنين من ~~القادمين مبهوتا منزعجا لا يدرك شيئا ولا يفهم شيئا، حتى صار ~~على قيد خطوات منهم وعيناه لا تتحولان عما انحسرت عنه ~~العصابة من وجه الجريح؛ بشرة شاحبة تشوبها زرقة تثير من ~~الأعماق ذكرى الموت، وتعلوها فوضى مخيفة من شعر نابت وآثار ~~التهاب، ولكن العينين المغمضتين رمشتا في إعياء، فلاحت ~~خلال أهدابهما نظرة واهنة غير غريبة سرعان ما انتقلت حركتها ~~الضعيفة إلى ذاكرته وانفجرت بها كالقنبلة، وقبل أن يتحرك لسانه ~~جاء صوت أمه من الخلف مؤكدا ما انفجر في رأسه هاتفا في نبرات ~~يمزقها الخوف والإشفاق: حسن .. هذا حسن .. # فصاح حسنين مرددا قول أمه في ذهول: حسن! # وهنا قال الرجل الذي يسند عنقه بكتفه، ويشترك مع الآخر في ~~حمله: يجب أن ننيمه في الحال. # وتقدم الشاب في ذهول منهم وانحنى فوق قدمي أخيه، وبسط ~~ذراعيه تحت ساقيه ورفعهما في رفق وساروا معا متعاونين في ~~حمله إلى حجرة نومه، وأناموه على الفراش الوحيد في البيت ثم أسرع ~~الرجلان بمغادرة الحجرة يتبعهما حسنين، على حين هرعت الأم ~~ونفيسة نحو الفراش في جزع لا يوصف. وفي الصالة أشار الرجل الذي ~~تكلم أول مرة - وكان يرتدي جلبابا وطاقية - إلى الآخر - الذي ~~يتزيا بزي الأفندية - وقال: لا مؤاخذة، هذا سائق ~~التاكسي. # فأدرك حسنين أنه يلمح إلى أجرة التاكسي، فسار معهما حتى ~~السيارة وأعطى الرجل النقود، وصرفه مستبقيا الآخر، ثم سأله ~~في اضطراب وجزع: ماذا حدث؟ # فقال الرجل: سي حسن أخي وصديقي، ولعلك تعلم أنه كان هاربا من ~~وجه البوليس؛ فانتهز بعض أعدائه هذه الفرصة وتربصوا له في بعض ~~الأماكن التي ms245 يقطنها مستخفيا، وانقضوا عليه غدرا وسلبوه ~~ماله ولاذوا بالفرار، وقد تحامل المسكين على نفسه حتى بلغ مسكني، ~~ورجاني أن أذهب به إلى أهله فأخذنا التاكسي إلى عطفة نصر الله؛ ~~حيث أخبرنا الجيران أنكم انتقلتم إلى هذا البيت، فجئنا من ~~تونا. # وكان حسنين يصغي إلى الرجل في شبه ذهول، ومع أن إحساسات ~~شتى تعاورت قلبه إلا أن إحساس الخوف والقلق غلبها جميعا، ~~ولما انتهى الرجل من حكايته غمغم الشاب: شكرا لك يا سيدي على ~~مروءتك، هلا تفضلت بالبقاء ساعة حتى تستريح. # ولكن الرجل رفع يده إلى رأسه شاكرا، وقال: إني ذاهب في ~~الحال، ولي كلمة قبل الذهاب وهي أنه يجب الإسراع إلى علاج ~~الجرح الخطير، ولكن حذار من استدعاء الإسعاف أو حمله إلى القصر، ~~وإلا أدى الأمر إلى التحقيق ثم إلى البوليس! # وحياه الرجل ومضى إلى حال سبيله، فعاد الشاب إلى الحجرة ~~كمن يشق سبيله في ظلمة حالكة والأرض تميد به. ووجد أخاه كما ~~تركه راقدا وكأنه اطمأن إلى الجو الجديد فأسلم إلى غيبوبة ~~تامة، وانكبت عليه المرأتان في جزع باد، ولما أحستا بالقادم ~~تطلعتا إليه بنظرة استغاثة، ورنا إلى الراقد طويلا، ثم تساءل ~~بصوت غريب: ألم يتكلم؟ # فقالت الأم وهي تزدرد ريقها الجاف: غمغم كلمات لا تعني ~~شيئا ثم راح في غيبوبة، أغثنا بدكتور. # ولكن الجريح حرك يده بجهد، وبدا كأنه يستطيع أن يغالب ~~غيبوبته عند الضرورة فقال بصوت باهت ضعيف تجرد من فحولته ~~المعهودة: لا دكتور .. الدكتور .. يبلغ .. البوليس. # وألقى نظرة متفحصة فرأى العصابة المخضبة بالدم تخفي رأسه ~~وجبهته، وجانبا من صفحتي وجهه، فلا تبدو إلا عيناه المثقلتان ~~بالإعياء والذبول، وذقنه النابتة الشعر، وقد فغر فما تتردد ~~فيه أنفاس ثقيلة محشرجة، على حين تمزق رباط رقبته وجيب ~~الجاكتة، وانتثرت خيوط الأزرار، وراحت يمناه تنقبض وتنبسط، ~~ويئن بين آونة وأخرى. وقف حسنين حيال هذا المنظر ذاهلا فتناسى ~~مخاوفه وتركز شعوره في إحساس عميق بالألم والإشفاق. نسي ~~برهة كل شيء إلا أنه حيال أخيه الجريح، وأنه ينبغي إنقاذه بأي ~~ثمن، ثم ms246 جعلت تطفو من أعماقه مشاعر خوف وقلق طالما طاردته في ~~الأيام الأخيرة، في هيئة نذر تتهدد سمعته ومستقبله، فانقبض ~~قلبه، وداخله ألم جارح لهذه المشاعر ذاتها من ناحية، ~~ولتأنيب الضمير على إحساسه بها في مثل هذا الموقف من ناحية ~~أخرى. وكأنه فزع إلى الهرب من باطنه بالكلام فقال مخاطبا الجريح ~~برقة: دعني أحضر طبيبا، حياتك أهم من أي شيء آخر. # وقالت الأم ونفيسة برجاء معا: نعم يا حسن، دعنا نحضر ~~الطبيب. # ولكنه رفع جفنيه الثقيلتين، وقال بنبراته المضغوطة المتعبة: ~~كلا، لا تخافوا، هذه ضربة تافهة. # ثم حاول أن يأخذ نفسا عميقا واستراح لحظة، ثم استدرك قائلا ~~مغمض العينين: غدروا بي، الويل لهم! إن كان لي عمر فالويل لهم! ~~ولكن لا تستدعوا طبيبا، الطبيب يبلغ البوليس. # فقال حسنين وكان لا يزال فريسة للنزاع الناشب من باطنه: لا ~~بد من إحضار طبيب، وليس عسيرا أن نقنعه بتكتم الخبر. # وتوسلت إليه الأم قائلة: ارحمني يا حسن واقبل ~~هذا. # فنفخ الرجل مغمغما في ضجر: ارحموني أنتم ودعوني في سلام .. ~~أف! # وجعلت الأم تردد بصرها بينه وبين حسنين، ولكن الشاب من ~~العناء في بلوى، برح الخفاء وتبين حقيقة مشاعره، فليس تألمه ~~لأخيه بشيء يذكر إلى جانب الخوف الذي يلقي عليه ظلا ثقيلا ~~من شبحه الجاثم؛ «قضي علينا، قلبي لا يكذبني على الأقل في ~~الشر، قضي علينا في مصر الجديدة كما قضي علينا في شبرا، ~~وسيطاردنا البوليس جميعا كالمجرمين! أكاد أرى بعيني رأسي ~~المحموم الضابط وهو يفتش الحجرات، ويلقي القبض على المجرم ~~الهارب، هل سدت منافذ الحياة؟! أتقول إنه أخي؟ أجل، إنه أخي، ~~ولكنها حياتي التي تتحطم تحت قدميه في طريقه الوعرة. أف، ~~لشد ما ضاق صدري!» ثم سمع أمه وهي تهتف به في يأس: أغثني ~~يا حسنين! ألا ترى أنه يموت بين أيدينا! ~~«كلا، لن يموت، أما أنا فإني أموت موتا بطيئا قاسيا، إن ~~كرامتي تحتضر. وهبه مات حيث هو الآن فسيأتي طبيب للكشف عليه ثم ~~يلحق به البوليس والنيابة، ولن يكون لهم سبيل على ms247 الجثة، ولكن ~~ستفوح النتانة من البيت في هيئة فضيحة رائعة!» ثم حانت منه ~~التفاتة إلى أمه وكانت تردد بين الراقد وبينه نظرة حائرة ~~زائغة فزعة، ومع أنها كانت مطبقة الفم إلا أنه سمع لنظرتها تلك ~~صرخة مدوية تمزق نياط القلب. وعجب لنفسه؛ فقد حقد عليها ~~بادئ الأمر ثم خيل إليه أن ذكريات غامضة سريعة تطرق ~~قلبه في لمح البصر فتخاذل وضعف، وعاد يركز بصره في العصابة ~~الملوثة بالدم، واسترد قوة تفكيره، فخطر له خاطر باهر ~~تمتم على أثره بلا وعي «كيف نسيت هذا؟» ثم قال مخاطبا أمه في ~~عجلة: سأحضر طبيبا صديقا من مستشفى الجيش ، انتظري قليلا فلن ~~أغيب طويلا. # وهرع إلى بدلته فلبسها متعجلا، وغادر البيت لا يلوي على ~~شيء. # 87 # وقف حسنين مستندا إلى حافة النافذة، يراقب الطبيب وهو ~~مكب على عمله الدقيق، وقد غادرت الأم والأخت الحجرة، ولبثتا ~~وراء الباب المغلق لا يكاد يسمع تردد أنفاسهما، كان عابسا ~~شديد التأثر، وتولاه الفزع، ثم أخذ يهدأ رويدا، ويغيب في ~~أعماق نفسه، وكان قد أخبر الطبيب لدى مقابلته أن أخاه أصيب ~~بجرح في رأسه عقب معركة مع أحد أفراد الأسرة ورجاه أن ~~يسعفه مبديا له رغبته الحارة في تكتم الخبر حتى لا ~~تخدش كرامة الأسرة بفضيحة عامة! ومضى الطبيب معه في تحفظ، ~~ولما أجرى الكشف الابتدائي على رأس الجريح قال: كسر عميق، إلى ~~ما استنزف من دم غزير، لا أدري ما وجه الحكمة في عدم إبلاغ ~~البوليس؟! # فقال حسنين بتوسل: فلنتحاش هذا بأي ثمن! # فقال الطبيب وهو يتهيأ للعمل: الظاهر أنك لا تدري خطورة الأمر! ~~وعلى أي فلنؤجل هذا إلى حينه! # وتركه طوال العملية الجراحية غير مستقر ولا مطمئن، بل ~~قضى حديثه الأخير على نوازع عطف كانت تتحرك في أعماقه. كان في ~~ذهابه إلى المستشفى وعودته بالطبيب مجال حسن، هيأ له جوا ~~طيبا تنمو فيه إحساسات العطف وتزكو، فنزعت به الذكريات إلى ~~الأيام الخوالي التي كان حسن فيها المرفه الوحيد عن بأسائهم، ~~واليد المبسوطة التي تجود فتحقق لهم الآمال. ms248 ولكن سرعان ما ~~استثار القلق الخوف فتحجر قلبه، ونضب معين العطف، ولم ~~يعد يرى في الرجل الجريح إلا نذير الشر الذي يتهدد سمعته ~~ومستقبله! ها هو يرقد في غيبوبة شاملة لا يشعر بالأسلحة ~~الدقيقة التي تعبث بلحمه وعظمه، وهكذا كانت حياته دائما جرحا ~~عميقا يبتلي سواه بآلامه. أما هو فلم يفق من غيبوبته قط! أو ~~لم يشأ أن يفيق منها، ألم يضرع إليه بالدموع أن يغير حياته؟ ~~بلى، وكان جزاؤه السخرية الأليمة، فلو أنه مات في أرض ~~بعيدة! # ثم ثبت عينيه على الوجه الذي أخذ يختفي تحت الأربطة فسرت في ~~جسده رعدة، وامتلأ يأسا وانقباضا، وأخيرا سمع الطبيب يخاطبه ~~قائلا: انتهيت من الممكن عمله الآن، هلم معي إلى ~~الخارج. # وانتظر حتى غسل الرجل يديه وارتدى جاكتته، ثم سار بين يديه ~~إلى حجرة الاستقبال، ولم يجلس الرجل وبدا متفكرا، ثم قال بهدوء ~~غير منتظر: لا أظن الحال خطيرة جدا ولكنه سيحتاج إلى علاج! ~~طويل، يا له من اعتداء وحشي، لماذا لا تبلغ البوليس؟ # فقال حسنين بجزع وإن رده قول الطبيب إلى بعض رشاده: أني ~~أتفادى من الفضيحة، ومهما يكن من أمر فنحن أسرة واحدة! # فهز الطبيب رأسه فيما يشبه التذمر ثم قال بشيء من الحزم: ~~سأعود لرؤيته صباحا؛ فإذا وجدته على ما يرام فبها، وإلا فسأجدني ~~مضطرا للتبليغ. # وساوره القلق، فقال برجاء وكأنه يخاطب نفسه: أرجو ألا يحدث ~~هذا. # ثم خاطب الطبيب قائلا: أني أشكر لك ما تجشمت من جهد ~~وتعب. # واتجه الرجل إلى الخارج فوصله إلى الباب الخارجي، وهو يشد على ~~يده بامتنان، ولم يشأ الطبيب أن يذهب قبل أن يكرر على مسمعه ~~قائلا في توكيد: سأعود صباحا. # ووقف يتابعه بناظريه وهو يستقبل سيارته حتى انطلقت به ~~مزمجرة في طريقها، فتنهد كأنه يزيح ثقلا لا يتزحزح ثم عاد ~~إلى الحجرة، ينقل خطواته في كآبة، وما كاد يلج الباب حتى ~~هرعت إليه أمه وسألته في لهفة وجزع: ماذا قال ~~الطبيب؟ # وكره لهفتها وجزعها من أعماق صدره، ولكنه لم يجد بدا ~~من ms249 أن يقول في هدوء: إنه مطمئن إلى الحالة وسيعود صباحا، ~~كيف حاله الآن؟ # فقالت نفيسة: لم يفق بعد. # وارتمى على الكرسي الوحيد بالحجرة، وأغمض عينيه .. «أنا الجريح ~~حقا، إنه ينام نوما عميقا في غيبوبة سعيدة، فمن لي بمثل هذه ~~الغيبوبة؟ لا أظن الحال خطيرة جدا؛ هكذا يقول الطبيب ~~الغافل. كلا، إنها خطيرة جدا، وإبلاله أخطر من موته. إذا ساءت ~~الحال أبلغ الخبر إلى البوليس، وإذا تحسنت جثم على صدري ~~حتى يبلغ أعداؤه البوليس عنه؛ فالفضيحة آتية لا ريب فيها .. أين ~~المهرب من هذه الآلام جميعا؟! إني أمقت هذا الجريح وأمقت نفسي ~~وأمقت الحياة جميعا! أما من حياة غير هذه الحياة، ومخلوقات ~~غير هذه المخلوقات؟» والظاهر أن أفكاره انعكست على صفحة وجهه ~~فتقبضت أساريره في امتعاض وألم، ولاحت من أمه التفاتة إليه ~~فاشتد بها التأثر وقالت له برقة: هون عليك، أخوك بخير، ~~والله حافظه وحافظنا. # وفتح عينيه في دهشة، ورمقها بنظرة غريبة دون أن ينبس ~~بكلمة. # 88 # وجاء الطبيب في صباح اليوم الثاني، ثم غادر البيت معلنا ~~اطمئنانه، وبذلك نجا حسنين من الخطر القريب الداهم ليفرغ ~~لقلق متصل وعذاب بطيء، وأوهام لا تفارقه ليلا ولا نهارا، ~~وانقضت أيام والأسرة في هدوء نسبي، ومضى الرجل الجريح يفيق ~~ويسترد حيويته شيئا فشيئا، وبعودته إلى الحياة ساورته أفكار ~~قديمة لم تلبث عدواها أن سرت إلى النفوس المحيطة به، وقد ~~ابتسم في بادئ الأمر ابتسامة حزينة يشوبها تسليم لم تألفه ~~طبيعته، وقال كالمعتذر: أتعبتكم كثيرا، والظاهر أن الله لم ~~يخلقني إلا للتعب، فليسامحني الله! # والتمعت فيما حوله بسمات المجاملة والتودد، فلم ينخدع ~~بها، أو لم ينخدع بها جميعا، فمالت عيناه نحو حسنين وقال: لا شك ~~في أنك غاضب، ولعلك تود أن تذكرني بمواعظك السالفة! # فغمغم الشاب قائلا: لا أود إلا سلامتك. # فابتسم الرجل ابتسامة غامضة، ثم ما عتم أن تجهم وجهه، ~~وتكالبت عليه الأفكار، فقال في لهجة مضطربة غير التي تكلم ~~بها في أول الأمر: سلبوني نقودي، الويل لهم! كنت عازما على ~~الهرب، ولا بد ms250 من الهرب. # وتحسس رأسه بيده وأغمض عينيه، ثم تمتم وكأنه يحدث نفسه: ~~ماذا فعل الله بسناء؟ .. هل يكفون عنها؟ .. لن تستسلم لعدو من ~~أعدائي، ولكنها لن تستطيع الهرب معي، فات الوقت وفقدنا ~~نقودنا. # وأنصت حسنين صامتا، جافلا من ملاقاة هذا الهذيان بغير ~~الصمت، واختلس من أمه وشقيقته نظرة فوجدهما تتبادلان نظرة ~~حائرة، ثم عاد حسن يقول في نبراته المضطربة: يجب أن أختفي، إن ~~الصديق الذي حملني إلى هنا رجل مخلص، ولكنه أجهل من أن يحفظ ~~سرا، وليس أحب إليه من أن يروي قصة مروءته لرفيقته، ~~فتنقلها هذه لجارتها، حتى تبلغ أحدا ممن يتربصون بي، فلا ~~ندري إلا والبوليس يقتحم علينا البيت. # وتنهد حسنين في يأس، وحانت منه التفاتة صوب أمه فالتقت ~~عيناهما لحظة قصيرة قبل أن تغض بصرها، وامتلأ حنقا فخاطبها ~~في سره؛ لماذا أتيت بنا إلى الدنيا؟ .. لماذا اقترفت هذا ~~الجرم الشنيع؟ .. ثم سمع أخاه يهتف بعنف: يجب أن أختفي، سأغادر ~~المنزل حالما أقدر على المشي، وربما غادرت القطر ~~كله. # واستروح حسنين بسمة باردة كالأمل لأول مرة منذ جاء ~~الرجل محمولا كالقضاء والقدر؛ «هل يمكن أن يحدث هذا قبل أن تقع ~~الواقعة؟! .. هل يختفي حقا فلا تقع عليه عين ولا يعرف له ~~أثر؟! فليتقدم حيث هو، يجب أن أحيا حياة مطمئنة!» # ثم مر يوم ويوم ويوم حتى غدا جو البيت على كآبته معهودا ~~مألوفا، فلامس حسن الشفاء أو كاد، وأخذ يفكر جديا في ~~مغادرة البيت، ثم في الهرب من الوطن كله، ويرسم لذلك الخطط في ~~صمت وتفكير متواصل، ولم تعد نفيسة تلزم نفسها القبوع في ~~البيت، فعادت إلى زياراتها التي لم تكن تنقطع يوما، وكذلك عاود ~~حسنين حياته العادية ما بين عمله وبيته والنادي، ولكن رأسه لم ~~يتوقف عن التفكير في أخيه، والخطر الذي يتهدد سمعتهم بسبب ~~إقامته بينهم، وقد دار الحديث بينه وبين أمه حول هذه النقطة ~~الحساسة، فقال لها بعد إشفاق وتردد: إذا كان البوليس لم يهتد ~~إلى محل إقامته حتى الآن فبمعجزة من الله، لا يمكن ms251 أن تستمر ~~طويلا. # ونظرت إليه المرآة نظرة غريبة احتار في تفسيرها بادئ الأمر؛ ~~أهي عتاب صامت، أم تسليم بالقضاء من العجز عن ملاقاته، أم ~~استنكار يداريه الخوف من الإفصاح، كل أولئك بدا راجحا حينا، ~~لولا أن برح الخفاء فهتكته دمعة ترقرقت في محجريها في بطء ~~كالحياء، وفي تردد هو العذاب، هنالك ملأه الانزعاج؛ لأنه لم ~~يكد يذكر أن رأى أمه باكية على كثرة المحن والملمات، ~~وتراجع فيما يشبه الفرار، وصور من حزمها وعزمها تنثال على ~~مخيلته في دهشة وألم، فكأنه يشهد احتضار أسد هصور. على أنه ~~حين خلا إلى نفسه تناسى آلام الآخرين وانفرد بآلامه هو ومخاوفه ، ~~فاشتد به الاستياء والحنق، ولعن نفسه وأمه معا. # وفي عصر اليوم التالي مباشرة أرادت هذه المخاوف أن تخطو ~~خطوة جديدة؛ كان يجلس وأمه وأخوه على الفراش يتجاذبون الحديث، ~~وكانت نفيسة في الخارج. ورن جرس الباب فجأة فذهبت الخادم ~~لتفتح، ثم عادت في ارتباك ظاهر وقالت للشاب: سيدي، عسكري بوليس يرغب في مقابلتك. # 89 # تناثرت نفوسهم كالشظايا! فوثب حسنين قائما وهو يحدق في وجه ~~الخادم، ورمى حسن بقدمه من على الفراش إلى أرض الحجرة، وهو ~~ينظر إلى النافذة في عبوس متمتما «الهرب!» على حين رددت ~~الأم عينين زائغتين، وكان حلقها من الجفاف بحيث لم يسمح لكلمة ~~بالخروج. وجمد حسنين في مكانه دقيقة، ثم استسخف جموده فهز ~~منكبيه في يأس وغادر الحجرة إلى الباب الخارجي حيث يوجد ~~الشرطي واقفا، وتبادلا تحية آلية ثم سأله الشاب في ~~استسلام: أفندم؟! # فقال الرجل بصوت أجش: هل حضرتك الضابط حسنين كامل علي؟ ~~- نعم. ~~- حضرة ضابط نقطة السكاكيني يرغب في مقابلتك في الحال. # ونظر حسنين فيما وراء الرجل حتى الطريق، فلم ير غيره ممن ~~كان يتوقع رؤيتهم، وداخله شيء من الطمأنينة، ولكنه تساءل في ~~حيرة: ماذا يريد حضرته؟ ~~- أمرني أن أبلغك رغبته دون أن يزيد. # وتردد الشاب قليلا ثم استطرد ريثما يرتدى ملابسه، وعاد إلى ~~الحجرة، ووجد أخاه وراء بابها يتصنت فما إن رآه حتى سأله في ~~لهفة: «هل جاءوا؟» ms252 وكررت الأم السؤال في صوت مريض، فأعاد ~~على مسمعيها ما دار بينه وبين الشرطي وهو يرتدي ملابسه، وما كاد ~~ينتهي حتى قال حسن: لعل الضابط من معارفك فأراد أن ينبهك قبل ~~أن يكبس البيت. هذا واضح. أصغ إلي؛ إذا سألك عني قل إنك لم ~~ترني منذ أعوام، لا تتردد ولا تخش عاقبة الكذب، فلن يقفوا ~~لي على أثر، سأختفي عقب ذهابك مباشرة فقلها ولا تخف، وربنا ~~معكم. # فتسأل حسنين وهو يخفي عنه عينيه حتى لا يقرأ ما فيهما ما ~~تنفس في أعماقه من أمل جديد: وهل لديك من القوة ما يعينك على ~~الهرب؟ # فقال حسن وهو يجذب بدلته من على المشجب: إني على خير عافية، مع ~~سلامة الله. # وغادر حسنين الشقة ومضى في صحبة الشرطي، وكان أول ما بدا له ~~يسأله عن اسم الضابط لعله يكون حقا من معارفه، ولكن الشرطي ~~ذكر له اسما غريبا لم يسمع به من قبل؛ فعاودته الحيرة، وبدا ~~له الأمر شديد التعقيد، بيد أن عزم حسن على الاختفاء بث في ~~نفسه طمأنينة لا حد لها، وبلغا نقطة البوليس قبل المغرب بقليل، ~~وقاده الشرطي إلى حجرة الضابط ثم أدى التحية قائلا: حضرة ~~الملازم حسنين كامل علي. # كان الضابط جالسا على مكتبه، وعلى بعد ذراع من الكتب وقف ~~رجلان وامرأة من أهل البلد، تلوح في وجوههم آثار معركة حديثة ~~العهد، ولكن الرجل نهض لاستقبال حسنين ومد له يده وهو يقول: ~~«أهلا وسهلا.» ثم أمر الشرطي بإخلاء الحجرة وإغلاق الباب، وطلب ~~من الشاب أن يجلس على كرسي أمام المكتب، فجلس وهو يقول لنفسه: ~~«ترى ما معنى هذا كله؟ .. ترحاب ومجاملة، ثم ماذا؟!» # وخرج الضابط من مجلسه، ووقف في مواجهته مستندا بيمناه إلى ~~حافة المكتب، وجعل يتفحصه بنظرة غريبة تلوح فيها حيرة من ~~لا يدري كيف يبدأ حديثه، أو من يجد في ذلك قدرا من الصعوبة لا ~~يخفى. وشعر بفترة السكوت على قصرها غليظة لا تحتمل، واشتد ~~به إحساس كريه استحوذ عليه منذ اللحظة التي وطئت قدماه فيها ~~أرض ms253 نقطة البوليس؛ إحساس بالرهبة والقلق والضيق «ضابط مهذب ~~يتحرج من إلقاء التهمة في وجهي، هذا غريب في ذاته، تكلم ~~وأرحني؛ فطالما تراءى لخيالي كابوس هذه اللحظة! إني أعلم سلفا ~~ما تريد قوله. تكلم ..» # ونفد صبره فقال: دعاني الشرطي لمقابلة حضرتك. # فقال الضابط: إني آسف لإزعاجك، كنت أود أن ألقاك في ظرف ~~خير من هذا، ولكنك أدرى بما يتطلبه الواجب أحيانا. # وزفر حسنين آخر نسمة من أمل ضعيف في السلامة وقال في وجوم: ~~أني أشكر لك كرم أخلاقك، وها أنا مصغ إليك. # فقال الضابط باهتمام ورقة معا: أرجو أن تتلقى ما أقوله ~~بشجاعة، وأن تسلك سلوكا جديرا بضابط يقدس القانون. # فقال الشاب وهو يعاني ما يشبه الهزال والخور: هذا طبيعي ~~جدا. # فعض الضابط على أسنانه كما بدا من تقبض صدغيه ثم قال ~~باقتضاب: الأمر يتعلق بأختك ... # ورفع حسنين حاجبيه في استنكار ثم قال: تعني أخي؟ ~~- الست أختك، ولكن معذرة أحب أن أسألك أولا: هل لك أخت ~~تدعى نفيسة؟ # فقال حسنين في ذهول: نعم، هل وقع لها حادث؟ # فغض الرجل طرفه وهو يقول: يؤسفني أن أخبرك بأنها ضبطت ~~في بيت بالسكاكيني ... # وفزع حسنين واقفا، متصلب الجسم، مصفر الوجه محملقا في ~~وجه محدثه، وهو يلهث قائلا: ماذا تقول؟ # فربت الرجل على كتفه متأثرا وقال: ادع كل قوة في نفسك ~~كي تضبط أعصابك، الموقف يستلزم الحكمة لا الغضب، أرجو أن ~~تساعدني على القيام بواجبي، ولا تجعلني أندم على ما اتخذت من ~~إجراءات راعيت فيها المحافظة على كرامتك قبل كل شيء. # أنصت إليه وهو لا يزال يحملق في وجهه، تمتلئ عيناه بوجهه ~~تارة فلا يرى سواه، ويغيب عنهما أخرى فيسمع الصوت ولا يرى ~~شيئا، وثالثة لا يرى إلا شفتين تنطبقان وتنفرجان، فينثال من ~~بينهما كلام هو الفزع واليأس والغرابة، وبين هذا وذاك ترمش عيناه ~~في حركة عصبية فتلتقطان منظرا غريبا هنا وهناك؛ بندقية ~~مثبتة في جدار، أو صفا من البنادق، أو محبرة، وربما ~~امتلأ أنفه برائحة دخان محبوس أو رائحة جلود غريبة، ثم ~~ينحل وعيه ms254 ويتراجع فجأة إلى ذكرى بعيدة لا صلة لها ~~بالحاضر، فيلوح لذاكرته منظر عطفة نصر الله وهو صبي يلاعب ~~حسين البلي؛ «ضبطت في بيت! أي بيت؟! إن أحدنا فاقد ~~العقل ولا شك، ولكن من هو؟ ينبغي أن أتحقق من أني عاقل أولا ~~...» وتنهد في وهن، ثم سأله في استسلام: ماذا تقول يا ~~سيدي؟ ~~- يوجد في هذا الحي بيت تستأجره ست رومية، وتؤجر حجراته ~~بالساعة للعشاق، كبسنا البيت عصر اليوم فوجدنا الست ... وجدناها مع ~~شاب، واعتقلناها طبعا، وشرعت في اتخاذ الإجراءات القاسية ~~التي تعرفها فاضطرت تحت تأثير الخوف أن تعترف لي بأنها شقيقة ~~ضابط؛ على أمل أن أطلق سراحها. ~~- أختي أنا؟ .. أأنت متأكد؟ ... دعني أراها. ~~- اضبط نفسك أرجوك، لو كنت متأكدا من أنها أختك لأطلقت ~~سراحها. ولكن خفت أن يكون اعترافها خدعة، قد عرضت المسألة ~~على المأمور فوافق على وقف الإجراءات على شرط التأكد من صدق ~~قولها. # ومن عجب أنه لم يعد يداخله أدنى شك في حقيقة الواقعة؛ ~~فسرعان ما آمن بها قلبه المتشائم، ووجد في فظاعتها ترجيعا ~~لأصداء خوف قديم طالما ناوش قلبه وعذبه، أجل، لم تخلق هذه ~~الواقعة إلا لحظه ولأسرته! إنه يعلم هذا علما لا يتطرق ~~إليه الشك؛ أهذه هي نهاية المطاف؟! ثم غلبه ذهول شعر معه بأنه ~~أثر من آثار ماض منطو انقطعت صلته بالحاضر، فضلا عن ~~المستقبل، كان هذا هو، ولكن لا يكون ولن يكون. ثم انبعثت منه ~~لهفة على النهاية فقال بصوت ميت: أين هي؟ .. دعني أراها من ~~فضلك. # فأشار الضابط إلى باب مغلق وقال: تركناها في هذه الحجرة؛ ~~لأنها أغمي عليها حين علمت بأني أرسلت في طلبك بدل أن أطلق ~~سراحها، اسلك سلوك رجل يحترم القانون، واذكر أني مسئول عن ~~الأرواح. إنك رجل محترم ومهذب، فعالج الأمر بالحكمة، لا يصح ~~أن يعلم أحد ممن في النقطة شيئا، ولكن هذا يتوقف على سلوكك ~~أنت، تذكر هذا جيدا. # فكرر قوله في نفس الصوت الميت: دعني أراها من فضلك. # ومضى الضابط إلى الباب المغلق متثاقلا، وفتحه، واقترب حسنين ms255 ~~منه كمن يمشي في حلم، وألقى بنظرة من فوق كتفه كمن ينظر ~~ليتعرف على جثة في المشرحة، فرأى لصق الجدار المواجه للباب ~~أريكة ارتمت عليها فتاة قد ألقت برأسها إلى الحائط، عيناها ~~نصف مفتوحتين، ولكنهما مظلمتان لا تريان شيئا، ميتة أو ~~مغمى عليها، أو لعلها في ذهول الإفاقة الأول، وقد التصقت ~~بجبهتها شعرات مبتلة وعلت بشرتها صفرة الموت. لكنها ~~نفيسة دون غيرها! «قلبي لا يكذبني في المصائب أبدا، لو كانت ميتة ~~لادعيت أني لا أعرفها بلا تردد.» ولم تبد حراكا كأنها لم ~~تحس للقادمين وجودا، أو أنها لم تستطع أن تبدي حراكا، ونظر ~~الضابط صوبه متسائلا، ولكن عينيه لم تتحولا عنها، جمد ~~بصره وتحجر، وغشيه ذهول وجد فيه مهربا مؤقتا مما كان ~~ومما سيكون، وخيم عليهم سكون الموت، وانقضت فترة طويلة أو ~~قصيرة، ثم شق الصمت صوت باطني يصرخ في أذنه: «انتهى ...»، ~~وتخايلت لعينيه صورة أمه كما رآها منذ ساعة، واقفة بينه وبين ~~حسن في حيرة يائسة والرجل يتوثب للفرار. ود تلك اللحظة لو ~~يقتحم تجارب الكفر والقسوة والموت؛ «ماذا ينتظر هذا الضابط أن ~~أفعل؟ .. ماذا ينبغي أن أفعل؟ رباه كيف أغادر هذا المكان؟!».. ثم ~~سمع الرجل يقول: لقد قدمت ما عندي من واجب نحوك، فهات ما ~~عندك من حكمة. # فسأله بدوره وهو يتحامى من عينيه: أين الآخر؟! # وأدرك الضابط ما يعنيه، فقال بلهجة لا تخلو من حزم: طبقت ~~عليه الإجراءات وأطلق سراحه. # فغمغم قائلا: لنترك هذا المكان شاكرين. # 90 # في الخارج لفحه هواء بارد، وكان الظلام قد خيم فابتعد عن ~~نقطة البوليس في خطوات ثقيلة تتبعه هي على بعد ذراع منكسة ~~الوجه، سارا مع قضبان الترام، ولم يكن يدري أين ينتهي به المسير؛ ~~لأنه لم يسبق له المجيء لهذا الحي، ومع أن الليل كان في أوله ~~إلا أن الطريق بدا مقفرا، وتساءل في نفسه ترى أين ينتهي ~~الطريق؟ .. ثم بدا تساؤله آية في الغرابة، فلم يكن المهم أن ~~يعرف أين ينتهي الطريق، ولكن الجدير بالمعرفة حقا أن يعلن ما ms256 ~~هو صانع «بها». كان يحسب أنه سيبدأ بالتنفيذ توا بعد خروجه من ~~النقطة، وكانت هي تتوقع هذا، ولكن أقدامهما تقدمت بهما دون ~~أن يفعل شيئا، وكان يشعر بوجودها وراءه في ضيق لا يحتمل، ~~ويسمع وقع قدميها كأنه رصاص في ظهره، ويمحو أول فأول ~~أية رغبة في أن ينظر إلى الخلف، ومع أنه بدا في صمته - ذلك ~~الصمت الهائل الذي وقف حائلا بينهما - وكأنه يفكر تفكيرا ~~متواصلا إلا أنه في الحقيقة كان فارغ الرأس! كان فارغ الرأس ~~بحال مزعجة، لم يردها إرادة، ولكنها فرضت عليه قسرا، ~~وبثت في نفسه إحساسا بالقلق، إحساس من يتلهف على السيطرة ~~على إرادته سيطرة غاشمة ، فلا يجد إلى ذلك سبيلا. واصطدمت ~~قدمه بحجر صغير اعترض سبيله، فانطلقت في صدره شرارة حنق، ~~وكأنها جذبت إليها أفكاره الهاربة في الظلام، وسرعان ما وجد ~~نفسه يتساءل في صمت؛ أيخنقها؟ .. أيحطم رأسها بحذائه؟ .. لا بد ~~لصدره من متنفس! وظل الصمت الجهنمي سائدا، وبينما كان يجمع ~~عزمه لزحزحة هذا الصمت تطوعت هي - وهو ما عجب له - لزحزحته، ~~فسمعها تغمغم في نبرات مرتعشة متهدجة قائلة: لقد أجرمت! إني ~~أعلم هذا .. ولن أسألك غفرانا لست جديرة به. # هل حقا واتتها قواها على الكلام! يا للشيطان! وأحدث صوتها ~~- على ضعفه - زوبعة من الهياج في صدره، زوبعة عمياء طاغية ~~صبت الغضب في أطرافه صبا، فتوقف عن السير والتفت نحوها في ~~سرعة غريبة، وارتفع ذراعه في الهواء وهوى على وجهها كالقذيفة، ~~فتراجعت مترنحة دون أن تنبس ثم سقطت على ظهرها واصطدم مؤخر ~~رأسها بالأرض. لم تنبس بكلمة ولا ند عنها أي صوت، ولكنها ~~جلست على الأرض بسرعة ثم لمت نفسها، ووقفت وأخذت في التراجع ~~حتى ارتكنت إلى جدار بيت، واقترب منها فتراءى لعينيها تصميمه ~~رغم الظلمة التي تظل وجهه، فلوحت له بيدها كأنها تسأله أن ~~يقف، ثم اندفعت قائلة في عجلة وتوسل: قف، لا تفعل، لست أخاف ~~على نفسي، ولكني أخاف عليك، لا أريد أن يمسك سوء بسببي. # وزادته رقة كلامها هياجا على هياج فصاح بها ms257 بصوت كالخوار: ~~لا تريدين أن يمسني السوء بسببك؟! .. يا عاهرة لقد صببت ~~السوء علي صبا. # فأعادت بتوسل حار: ولكني لا أطيق أن يسيئوا إليك ولو كان ~~السبب هلاكي. ~~- هذا مكر حقير لن ينفعك في إنقاذ حياتك الحقيرة، هيهات! لن ~~ينالني سوء بقتلك. # فهتفت في حرارة: لا ينبغي أن يمسك عقاب وإن هان، ثم بماذا ~~تجيب إذا سئلت عما دفعك إلى قتلي؟! دعني أقم أنا بهذه ~~المهمة فلا يكدرك مكدر، ولا يدري أحد. # فتسأل فيما يشبه الذهول: تقتلين نفسك؟! # فقالت وهي تلهث: نعم. # شعر فجأة - وقبل أن يتمالك نفسه - بأن حملا ثقيلا تزحزح ~~عن عاتقه وهوى بعيدا. كان مدفوعا بغضب مستعر، وإحساس معذب ~~بالواجب، ولكن العواقب - كذيوع الفضيحة والعقاب - ما فتئت ~~تتخايل لعينيه، فالآن بعد هذا الحكم الذي قضت به على نفسها ~~يسعه أن يسترد أنفاسه وأن يستبين بصيصا من النور في هذه ~~الظلمة الخانقة، وغمغم متسائلا وهو لا يزال مستغرقا في أفكاره: ~~كيف؟ # فقالت وهي تزدرد ريقها: بأي وسيلة كانت. # فتفكر قليلا متجهم الوجه ثم قال وهو يرمقها بقسوة: ~~النيل. # فقالت بهدوء: ليكن. # فنفخ حنقا وضيقا، ثم تراجع في تثاقل وهو يغمغم: «هلمي» ~~فغادرت الجدار وتقدمت في خطو ثقيل، ثم دار حول نفسه وواصل ~~السير فتبعته كما كانا! أحس هذه المرة شيئا من الطمأنينة، ~~ولكن غضبه فقد عنصرا كان يعتز به وهو لا يدري، فقد شعورا ~~بالكرامة كان يلازمه وهو مصمم على قتلها بنفسه، فاستحال من ~~شخص يندفع وراء الكرامة، إلى آخر ينشد السلامة. وغص حينا ~~بقهر خانق، ولكنه لم يكن من القوة بحيث يعدل به عما تراءى له ~~من سبيل في النجاة، ولم يكن من الضعف بحيث يتركه في سلام، ونفس ~~عن صدره قائلا في خشونة: كيف فعلت هذا؟! .. أنت؟! .. من كان ~~يتصور هذا! # فتنهدت قائلة في استسلام اليأس: أمر ربنا. # فصاح مزمجرا: بل أمر الشيطان. # فقالت بنفس الصوت المتنهد: نعم. # فتردد لحظة ثم تساءل: من هو؟ # فسرت في جسدها رعدة وقالت بذل: لا تعذب نفسك ولا تعذبني، ~~سينتهي ms258 كل شيء في لحظات. ~~- أكان يعرفني؟ # فقالت بعجلة وتوكيد: كلا. # فتردد مرة أخرى وقد تضاعف عذابه ثم تساءل: أول مرة؟! # فعاودتها الرعدة، بيد أنها قالت بتوكيد أيضا: نعم. # فضرب الأرض بقدمه وصاح بها: كيف استسلمت للغواية؟ # فغمغمت في عذاب صامت: أمر الشيطان. ~~- أنت الشيطان .. لقد قضيت علينا. # فهتفت في رجاء: كلا .. كلا .. سينتهي كل شيء الآن، ولن يدري ~~أحد. ~~- أتعنين ما تقولين؟ ~~- طبعا. ~~- وإذا ساورك الخوف! ~~- كلا، إن ما ورائي في الحياة أفظع من الموت. ~~- وعادا إلى الصمت وكلاهما يشعر بجهد ونصب، ومضى يمد البصر ~~مع قضبان الترام في حيرة، ثم سألها بلهجة ساخرة: إلى أين نحن ~~ذاهبان؛ فلعلك أدرى بهذا الحي مني؟ # ولم تجب، ولكن تقبضت أساريرها من الألم، ثم لاح لهما ~~ميدان الظاهر فتراءت لعينيهما آثار الحياة والعمران، وترامت ~~لأذنيهما أصوات الأحياء، وجعل ينظر في قلق حتى ثبتت عيناه ~~على صف من التاكسيات فمضى إلى مقدمها، وفتح لها الباب ~~فدخلت ثم دخل وراءها. وفكر قليلا والسائق ينتظر أوامره، ثم ~~قال له بصوت منخفض: جسر الزمالك من فضلك. # 91 # انطلقت السيارة بسرعة إلى شارع فاروق في طريقها إلى العتبة ثم ~~إلى إمبابة. # كانا يجلسان كغريبين، أما هو فقد ألقى ببصره إلى الطريق خلال ~~النافذة، موليا إياها نصف ظهره، وأما هي فقد خفضت رأسها ~~وغابت في ذهول عميق. لم يكن في رأسها شيء، أو شيء ذو بال، كأنه ~~السكون الذي يعقب عاصفة هوجاء، أو جمود الموت بعد نزع أليم. ~~وقد بلغ بها الهياج ذروة الجنون قبل أن تسقط مغمى عليها، ~~وبعودتها إلى الوعي تكالبت عليها الأفكار المفزعة، واستعرضت ~~عيناها شريط حياتها في رعب جهنمي حتى أثقلت الهموم رأسها ~~فانحنى على صدرها كما ينحني رأس من سدت في وجهه منافذ الحياة ~~تحت جدار منهار، وبعد ما كان من الانهيار الكامل وظهور حسنين، ~~وما كان بينهما في الطريق، شعرت بأن كل شيء قد انتهى، وأخلى ~~الهول مكانه من رأسها، تاركا وراءه فراغا صامتا، فلم يعد ~~به شيء، أو شيء ذو بال إلا ms259 أن تكون ذكرى بعيدة من ذكريات ~~الصبا، أو منظر مما ينعكس على عينيها من أرض السيارة. بيد ~~أنها كانت تكابد تجربة جديدة لا عهد لها بها من قبل؛ إذ هانت ~~عليها الحياة حقا، بالفعل لا بالقول، هانت الهوان الذي يجعل من ~~الموت نجاة، أجل! طالما تذمرت فيما مضى من حياتها وسخطت، ~~حتى تمنت الموت أحيانا، ولكنها لم تسع إليه مع ذلك لأنه كان ~~ثمة أمل في الحياة يدب متواريا في أعماقها. الآن تقطعت ~~بها عن الدنيا الأسباب، واقتلعت الجذور التي تشدها للبقاء، ~~ووجدت مع هذا اليأس العميق راحة زحزحت عن كاهلها الأعباء، ~~فلم تعد تفكر في شيء ذي بال، ورمقت الموت الذي تنهب الأرض ~~إليه باستسلام كأنه التخدير. وقد دارت السيارة حول منعطف وهي ~~منطلقة في سرعتها، فارتجت الفتاة في مجلسها وتنبهت إلى ما ~~حولها فيما يشبه الفزع، ومع أنها ظلت منكسة الرأس إلا أنها ~~أحست بوجوده إلى جانبها، وتراءى شبحه الجاثم عن يمينها ~~للحظها في غموض فتقبض قلبها ألما وخزيا؛ «ترى فيم ~~يفكر؟ ألا يجد غير البغض والغضب؟ متى يمسي كل شيء وقد ~~انقضى؟ هذه هي النهاية الوحيدة، ترى هل تحدس أمي الحقيقة؟ لا ~~داعي للتفكير، إني ميتة!» # ولبث حسنين مضطربا متوتر الأعصاب يتجاذبه الغضب واليأس ~~والرهبة! «كيف تنتهي هذه المحنة؟ وكيف أخرج منها؟ .. أيمكن حقا ~~أن يسدل عليها الستار دون أن تفوح منها رائحة حرية بأن ~~تجعل من هذا العناء كله عبثا لا طائل تحته؟ إني أختنق. إن ~~الماضي لا ينمحي، ولكنه يسابق مستقبلي، لماذا لا نعيش بلا ~~مبالاة؟ قضي الأمر، ولا داعي للتفكير في هذا، لا داعي للتفكير ~~مطلقا، ما أشد عذابي! كيف أتغلب على هذه التعاسة كلها؟! ~~مهلا، إني أسوقها إلى الموت، وهي تعلم أنها تساق إلى الموت، ~~ترى هل تواتيها القدرة؟ لا شك أنها تفكر الآن تفكيرا متواصلا، ~~ولكن فيم تفكر؟ لا ينبغي أن أفكر فيها. الموت خير نهاية لها، لا ~~يمكن أن تلتقي عينانا؛ فهو فوق ما أحتمل وفوق ما تحتمل هي، الأمر ~~يتعلق ms260 بأختك، آه! قاتل الله هذا الضابط؛ يؤسفني أن أخبرك أنها ~~ضبطت في بيت بالسكاكيني! من يتصور هذا! وليس الموت بنهاية، ~~ولكنه بداية لتعاسة أخرى تنتظرني في البيت. حتى متى أواصل هذا ~~التفكير؟ أية مدخنة هذه؟ لعله مصنع، نحن نقترب من جسر أبي ~~العلاء، هذه المدخنة تنفث دخانا أسود كثيفا، لو تحترق أفكاري ~~وتذوب في أنفاسي لزفرت أقذر منه. لا أريد أن يمسك سوء بسببي، ~~صدقت، يجب أن تهلكي وحدك! متى يطوى الطريق؟!» # وعبرت السيارة جسر أبي العلاء فاندفعت إلى داخلها موجات ~~غامرة من هواء بارد رطب مشبع بأريج النيل، فاستقبله ~~الشاب بترحاب من يصلى نارا حامية، على حين سرت في ~~أطرافها رعدة بثت في حناياها خوفا غامضا، ودام لحظات ثم ~~ارتدت بعده لحالها الأولى من الاستسلام والجمود واليأس. وضاعفت ~~السيارة من سرعتها حتى شارفت جسر إمبابة فخفت قوة اندفاعها ~~رويدا، ثم التفت السائق نحو حسنين متسائلا، فقال له هذا بصوت ~~منخفض: «قف.» ودفع له حسابه وغادر السيارة، فغادرتها أيضا من ~~الباب الآخر، وما لبث التاكسي أن عاد من حيث أتى، فوجدا نفسيهما ~~وحيدين على كثب من مدخل الجسر. وكانت المصابيح المقامة على ~~جانبي الجسر تشع نورا قويا أحال ظلمته نورا، بينما أطبق ~~الظلام على ضفاف النيل بطول امتداده شمالا وجنوبا - رغم ~~المصابيح المتباعدة الخافتة - فبدت الأشجار المتراصة على ~~جانبيه كأشباح عمالقة، وكان المكان مقفرا إلا من مار ~~مسرع هنا أو هناك، وقد تناوحت الغصون بأنين ريح باردة كلما ~~كف هبوبها تعالى هسيس النبات كالهمس. لازما موقفهما في جمود ~~كالذهول، ثم استرق إليها نظرة فرآها مقوسة الظهر قليلا ~~منكسة الرأس، غير أن منظرها لم يلق من صدره إلا قلبا متحجرا ~~ونفسا خنق الهم فيه كل رحمة. وثار حنقه على جموده فجأة ~~فقال بغلظة: أأنت مستعدة؟ # فغمغمت بصوت غريب لا عهد له به: نعم. # ونفذ الجواب على بساطته إلى أعماقه فلم يعد يطيق موقفه، ~~وتزحزح عنه في خطو ثقيل، وقبل أن يبتعد عنها ذراعين سمعها تقول ~~بتوسل: لا تذكر إساءتي! # فند عنه ms261 صوت غليظ وهو يوسع خطاه كالهارب قائلا: ~~فليرحمنا الله جميعا. # تركها وحدها حيال الجسر، وهدف إلى الطوار الممتد إلى يمين ~~الجسر على شاطئ النيل، ثم جد في المسير، حدثته نفسه بالهرب ~~ولكن قوة غشوما جعلت تجذبه إلى الوراء، وخارت مقاومته عند ~~شجرة صفصاف ضخمة الجذع على بعد ثلاثين مترا من مبدأ الطوار ~~فتوارى وراءها في إعياء وأرسل الطرف نحو الجسر، ولاح له الجسر ~~كتلة صماء متوهجة بأنوار المصابيح تمسك من طرفيها ~~بالشاطئين في عناد وتصميم كأنه وحش يغرز أنيابه في فريسته، ~~وعند رأس الجسر، وعلى الجانب المواجه له، رآها تتحرك في خطو ~~ثقيل خافضة الرأس، يعلوها جمود غريب كأنها تمشي في سبات، ~~رآها في وضوح تام تحت الأضواء المشرقة فثبتت عيناه على جانب ~~وجهها المنعكس وهي تقطع الأرض قدما قدما، حتى بلغت المنتصف ~~فتوقفت عن السير، ورفعت رأسها، وأجالته فيما حولها، ثم ~~استدارت نحو السور وألقت ببصرها إلى الماء المصطخب الجاري، ~~وجعل يكتم أنفاسه، ويزدرد في تشنج ريقه الجاف وهو يترقب، ~~ولكن ظهر في تلك اللحظة عند الطرف الآخر من الجسر رجلان ومضيا ~~يقطعان الجسر في سرعة وهما يتحدثان، ثم لاح الترام القادم من ~~إمبابة وهو ينعطف نحو الجسر ممزقا الصمت بعجيجه، فاسترد ~~الشاب أنفاسه، ولكن إلى حين قليل، وسرعان ما ركبه القلق ~~والضيق، وكان قلبه يخفق بعنف حتى خيل إليه من شدة وقع النبض ~~في أذنيه أن العالم الخارجي يسمع دقات قلبه. ثم مرت به ~~لحظات فتوهم أنه يشهد منظرا غريبا عنه لا شأن له به، ولكنها ~~كانت لحظات ثم انقضت وغلبته الرهبة على ما في نفسه جميعا، ~~فلم يعد يستشعر حقدا ولا غضبا، ثم اعتركت الأفكار في رأسه في ~~ثوران فشعر في حيرته بأنه يروم حل مسألة معقدة غامضة، ~~ولكن لا قدرة له على حلها، أو ليس لديه فسحة من الوقت للتفكير ~~فيها؛ فهو منها في حيرة أي حيرة! وفي أثناء ذلك كان الرجلان قد ~~عبرا الجسر، وسبقهما الترام إلى الطريق، وما زالت الفتاة تحملق ~~في الماء، ونظر ms262 هنا وهناك فلم ير أثرا لإنسان، وتجمعت نفسه ~~في لحظة ترقب مليئة بالفزع والرعب. رآها تعطف رأسها يمينا ~~وشمالا. وبغتة، وفي حركة سريعة يائسة تسورت السور، ~~وزلزل قلبه وهو يتابع حركتها وجحظت عيناه، لا يمكن .. ليس ~~هذا .. أما هي فألقت بنفسها، أو تركت نفسها تهوي، وقد انطلقت من ~~حنجرتها صرخة طويلة كالعواء تمثل لعيني المبتلى بسماعها ~~وجه الموت، فجاوبها بصرخة فزع ولكنها ضاعت في صرختها. شعر ~~وهي ترمي بنفسها أن بوسعه أن يجد للمسألة المعقدة التي ~~تحيره حلا، ولم يكن الحل فيما فعلت بنفسها، كان يمكن أن ~~تكون نهاية أخرى، وكأنما حاول أن يستدرك الخطأ بصرخته، ولكنها ~~ضاعت، ثم صك مسمعيه اصطدامها بالماء فندت عنه صرخة ~~أخرى. # 92 # وثب إلى منحدر الشاطئ، وعيناه تحملقان في المكان الذي ابتلعها ~~تحت الجسر، ثم جمد في موقفه لا يدري ماذا يفعل، أو لا يدرك ماذا ~~يريد، وظل على جموده يكاد محجراه أن يلفظا عينيه من شدة ~~الحملقة. وتوقع مرات أن تطفو على ظهر الماء ثم أدرك أن ~~النيل المندفع إلى ما تحت الجسر لا بد أن يكون قد جرفها معه؛ ~~فلعلها تتخبط في جوف الجسر أو تغوص فيما يليه من النهر، ~~ومر بخاطره أن ينزع سترته ويقذف بنفسه وراءه لعله ينتشلها، ~~ولكنه لم يحرك ساكنا، ووجد لهذه الخاطرة ما يشبه السخرية ~~المريرة، فازداد جمودا وشعر بأنه لم يعد لعقله سيطرة عليه. ~~وما يدري إلا وصوت من وراء يسأله باهتمام محسوس: أسمعت ~~صرخة؟ # فالتفت إلى الوراء فرأى شرطيا تنم حركاته على الاهتمام ~~فقال له في ذهول: نعم، لعله غريق. # وجعل الجندي يحدق في الظلام فوق النهر ثم حث خطاه نحو ~~الجسر. وأعاده الجندي إلى شيء من وعيه فتراجع إلى موقفه الأول، ~~ولم يعد في طاقته أن يضبط نفسه فاندفع عدوا صوب الجسر، ثم ~~عبره إلى سوره المطل على الناحية الأخرى من النهر، وألقى ببصره ~~إلى التيار المتدفق. وما لبث أن رأى آثارا للحادثة لا تخطئها ~~العين، رأى قاربا يشق الماء بسرعة قادما من الشاطئ ms263 الأيسر ~~نحو وسط النهر، ويسمع أصوات استغاثة وصراخا آتية من الشاطئ ~~البعيد. وكان سطح النهر فيما يلي الجسر مضاء بما ينعكس عليه ~~من أنوار المصابيح فتصفحته عيناه هنا وهناك، ولكنه لم يعثر على ~~ضالته. ثم تبعت عيناه القارب الذي أخذ يقترب من الوسط ~~شاقا سبيله في الرقعة المضاءة، ثم اندفع مع التيار حتى خرج ~~عنها إلى الظلام. ووجد نفسه يتساءل «ترى هل يفوز القارب في سباق ~~الموت هذا؟» ولم يستبن حقيقة مشاعره، أو لعله هرب من باطنه ~~بتركيز حواسه في القارب فتابعه حتى رآه يتوقف عن التجديف، ~~ثم رأى شخصا يقفز منه إلى الماء، على حين تعالت أصوات الباقين ~~بالقارب. هذه هي اللحظة الفاصلة، وتتابع خفقان القلب حتى جف ~~حلقه، وحاول عبثا أن يرى شيئا خلال الظلمة التي لفت ~~القارب أو أن يميز كلمة معبرة في هدير الأصوات المختلفة، ثم ~~كل منه البصر فلم يعد يرى شيئا وكأنه عمي، وأخذ يتنبه ~~- دون التفات - إلى تجمهر خلق كثيرين حوله، ثم سمع أحدهم ~~يقول: القارب يعود إلى الشاطئ؛ فلعله انتشل الغريق. # وتمشت في أوصاله رجفة وتساءل: «ترى أنجت أم هلكت؟ أذهب ~~أم أفر؟!» ولكنه تحول عن موقفه وسار في اتجاه الشاطئ الذي ~~يقصده القارب مدفوعا برغبة لا تقاوم في تعذيب نفسه إلى أقصى ~~حد، ولم يعد السير ليسعف جزعه فأطلق ساقيه للريح وعيناه ~~تسبقانه إلى بقعة من الشاطئ تجمهر عندها كثيرون، وبلغها ~~والقارب يرسو إلى الشاطئ، فدنا من المتجمهرين بساقين متخاذلتين ~~واندس بينهم وأطرافه ترتجف على رغمه، ثم ألقى بعينين ~~متحجرتين إلى القارب الذي اكتنفه ستار خفيف من الظلمة. وكان ~~يقف غير بعيد منه ضابط النقطة المواجهة للشاطئ ونفر من ~~الشرطة. ثم بدت أشباح الرجال وهي تنتقل من القارب إلى الشاطئ ~~حاملة بينها الغريق فصاح بعض المتجمهرين: هل نجا من ~~الغرق؟ # وأرهف السمع ليتلقى الجواب، ولكن لم ينبس أحدهم بكلمة، ~~ومضوا يرتقون منحدر الشاطئ في شيء من الجهد والأعين محدقة بهم ~~حتى ميزت حقيقة الحمل، فصاح بعضهم في ارتياع: إنها امرأة يا ms264 ~~ولداه! # وتساءل آخر: كيف غرقت؟ # فصاح غلام: رمت بنفسها من فوق الجسر فرأتها زوج النوتي ~~واستصرخت زوجها لإنقاذها. # وجعل حسنين يتبعهم ناظريه في طائف من الغرابة والذهول، فلم ~~يدر كيف يصدق أن هذه هي أخته وأن أحدا لا يعلم بهذه ~~الحقيقة، وأنه لا يفعل شيئا إلا أن يقف بينهم كالغريب ~~المستطلع، وبلغ الرجال طوار الطريق، وسرعان ما نشطوا إلى عملية ~~الإسعاف ليفرغوا ما في جوفها من ماء. وقد أمر الضابط العساكر ~~بتشتيت المتجمهرين، ولكن أحدا منهم لم يتعرض لحسنين، فلبث ~~بمكانه جامدا لا يطرف، لا تتحول عيناه عن الجسم المقوس الذي ~~تعبث به أيدي الرجال الغليظة، وانتبه الضابط إليه فاقترب منه ~~وحياه بإيماءة من رأسه وسأله: أشهدت الحادث؟! # فخرج الشاب عن ذهوله في انزعاج ولكنه أجاب بعجلة: ~~كلا. # وأنام الرجل الفتاة على الأرض وجثا أحدهم إلى جانبها ثم جس ~~نبضها، وألصق أذنه بصدرها فوق القلب، ثم رفع رأسه قائلا: صعد ~~السر الإلهي إلى بارئه، لا حول ولا قوة إلا بالله. # وعاود الشاب إحساسه بالغرابة، وغلبه الإحساس على ما عداه، ~~فلم يشعر لا بحزن ولا بارتياح، ولم يتحرك فكره لا إلى الأمام ~~ولا إلى الوراء، كأنه لم يطق هذا الفراغ المخيف فركز انتباهه ~~في الجثة الراقدة غير بعيد من قدميه، جرى بصره عليها، وقد ~~تبعثر شعرها والتصقت خصلات منه بخدها وجبينها، وران على ~~الوجه جمود صامت لا يبشر بيقظة، وعلته زرقة مروعة، ~~وخيل إليه أنه يرى أخاديد دقيقة حول الفاغر والعينين، كأنها ~~تقلصات العذاب الذي كان آخر عهدها بالدنيا، أما الفستان ~~المشبع بالماء فقد لزق بالجسد وتلوثت أهدابه بتراب الأرض ~~فتطينت، وبدت قدم ما تزال ممسكة بفردة حذائها والأخرى في ~~جوربها. ورجع بصره إلى وجهها فجاش صدره وامتلأ فراغه باضطراب ~~وثوران؛ «لماذا أضطرب هكذا؟ ألم أقتنع حقا بأن هذه هي خير ~~نهاية! ألم أسقها إلى الموت بنفسي؟ ينبغي أن تطمئن نفسي، بيد ~~أنني أتساءل عما داخلها من شعور وهي تهوي إلى الماء، وكيف ~~تلقى جسمها النحيل صدمة الماء الغليظ، وماذا دار ms265 بذهنها وهي ~~تتخبط بين أمواجه، وأي جهد وجدت والطمي يكتم أنفاسها، ~~وأي عذاب ذاقت ورغبة الحياة تثب بها إلى سطحه فيشدها ~~باطنه إلى الأعماق؟! إن محاولة الغريق اليائسة للنجاة أشبه ~~بأحلام الشقي بالسعادة؛ كلتاهما أمنية ضائعة. أتراها تراني ~~الآن من عالمها الآخر؟ أراضية هي أم غاضبة أم ساخرة؟! ماذا ~~ترى في موقفها هذا؟ لماذا وقع هذا كله؟» وذكر بغتة أمه ~~فحجبت صورتها الجثة عن عينيه، وهز رأسه كأنما ليطردها ~~عن مخيلته، وصمم بقوة على أن يتحامى التفكير فيها، وعاد ~~بانتباهه المحموم إلى الجثة، وعلى رغمه وجد نفسه يتذكر أيادي ~~الفتاة عليه؛ ما كانت تكن له من حب وما جادت به من كرم، ~~فما كان يخطر لها ببال أن تكون نهايتها على يديه، وشعر بإعياء ~~وقنوط، وتساءل في جزع: «لماذا هذا كله؟!» وأغمض عينيه لأنه لم ~~يعد يطيق النظر إليها. كان رأسه محموما، وغيض الهم كل ~~رغبة في الحياة في قلبه، وانقلب وجه الدنيا في عينيه كهذا ~~الوجه الأزرق الناطق بالعدم، وقال لنفسه وهو يتنهد من ~~الأعماق: «رباه! لقد قضي علي.» وسمع عند ذاك صوت الضابط وهو ~~يأمر الشهود بالذهاب معه إلى النقطة، ثم رأى الجثة تحمل ورأى ~~القوم يمضون بها إلى الجهة الأخرى من الطريق فأتبعهم طرفه حتى ~~حال الظلام بينه وبينهم. وفي أقل من دقيقتين وجد نفسه وحيدا ~~يكتنفه حفيف الأشجار التي تكاد تطبق أغصانها الغليظة ~~الملتوية على البقعة كلها، وتراجع في تراخ وترنح حتى أسند ~~ظهره إلى جذع شجرة وراح فيما يشبه السبات وكأنه يتردى في ~~هاوية معتمة، ليس بها بارقة أمل؛ «قضي علي، كنا جميعا فريسة ~~للشقاء فما كان ينبغي لأحدنا أن يعين الشقاء على أخيه، ماذا ~~فعلت؟ إنه اليأس الذي فعل، ولكني قضيت عليها بالعقاب الصارم، ~~أي حق اتخذت لنفسي! أحق أني الثائر لشرف أسرتنا؟! إني ~~شر الأسرة جميعا. حقيقة يعرفها الجميع، وإذا كانت الدنيا ~~قبيحة فنفسي أقبح ما فيها. ما وجدت في نفسي يوما إلا تمنيات ~~الدمار لمن حولي، فكيف أبحث لنفسي أن أكون قاضيا، ms266 وأنا رأس ~~المجرمين! لقد قضي علي.» وألقى نظرة على ما حوله في حيرة ~~وخوف؛ «أين أذهب؟ أيمكن أن أمرق من هذه المحنة كما مرقت من ~~غيرها من قبل؟ .. لشد ما تهزأ بي الأماني! لا تبال، حسن .. ~~ولكن هل يسعك هذا؟ احمل نفسك بشرها وانشد النسيان ثم ~~السعادة، ها ها. إني أعبث بنفسي بلا رحمة! طالما أحببت أن أمحو ~~الماضي، ولكن الماضي التهم الحاضر، ولم يكن الماضي المخيف إلا ~~نفسي، لماذا لا أواصل الحياة بهذه الأعباء؟ لا أستطيع، كان ينبغي ~~أن أحب الحياة إلى النهاية، ومهما يكن من أمر، ولكن في طبيعتنا ~~خطأ جوهري لا أدريه، لقد قضي علي!» # واستوى واقفا؛ إما لأنه ضاق بمسنده، وإما لأنه وجد حافزا ~~جديدا، وابتعد عن الشجرة وهو يلقي نظرة الوداع على نقطة ~~البوليس، ما في شعوره إلا السأم والنزوع إلى الهرب؛ «لا أريد أن ~~يمسك سوء بسببي. أمر ربنا. أمر الشيطان. النيل. ليكن. وإذا ~~ساورك خوف. كلا، إن ما ورائي في الحياة أفظع من الموت. أأنت ~~مستعدة؟ لماذا تغيب الملازم حسنين، ألم يرسل خطاب اعتذار؟ ~~رأيت صاحب هذا الوجه عقب انتشال الجثة وسألته هل شاهدت ~~الحادثة وكان مذهولا.» وبلغ الموضع نفسه من الجسر، فارتفق السور ~~وألقى ببصره إلى الماء تتدافع أمواجه في هياج واصطخاب. وأخلى ~~رأسه من الفكرة. «إذا أردت هلم. لن أصرخ. فلأكن شجاعا ولو ~~مرة واحدة. ليرحمنا الله!» ms267