######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.CabathAqdar.Hindawi24863903 #META# Tags: novels #META# ID: 24863903 #META# Title: عبث الأقدار #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عبث الأقدار‏ # عبث الأقدار‏ # | عبث الأقدار # | عبث الأقدار # تأليف # نجيب محفوظ # | عبث الأقدار # 1 # جلس صاحب العظمة الإلهية والهيبة الربانية خوفو بن خنوم على أريكته ~~الذهبية، بشرفة مخدعه التي تطل على حديقة قصره المترامية الغناء - ~~جنة منف الخالدة ذات الأسوار البيضاء - بين رهط من أبنائه وخاصته ~~المقربين، وكانت عباءته الحريرية تلمع حاشيتها الذهبية تحت أشعة ~~الشمس التي بدأت برحلتها نحو الغرب، وكانت جلسته هادئة وديعة، فكان يسلم ~~ظهره إلى وسادة محشوة بريش النعام، ويتكئ بمرفقه على نمرقة ذات ~~غطاء من الحرير المنمنم بالذهب، وقد تجلت آي عظمته في جبهته العالية ~~ونظرته الرفيعة، وتبدت قوته الخارقة في صدره الواسع وساعديه ~~المفتولين وأنفه الأشم، فأحاطت به مهابة من سن الأربعين، وهالة من ~~مجد الفراعنة. # وكان يقلب عينيه الثاقبتين بين أبنائه وصحابته، ويرسل بناظريه ~~إلى الأمام حيث يغيب الأفق خلف رءوس النخيل والأشجار، أو ينحرف بها ذات ~~اليمين فيشهد عن بعد تلك الهضبة الخالدة التي يرقب مشرقها أبو الهول ~~العظيم، ويسكن جوفها رفات الآباء والأجداد، ويملأ سطحها مئات الألوف من ~~الخلق يزيلون كثبانها، ويشقون صخورها، ويحفرون الأساس الهائل لهرم فرعون، ~~الذي أراد أن يجعله آية للناس على كر الأيام وتوالي الأزمان. # وكان فرعون يحب تلك الجلسات العائلية التي تعفيه من أثقال الرسميات، ~~وترفع عن كاهله أعباء التقاليد، فيغدو فيها أبا رفيقا وصديقا ودودا، ~~ويخلص وصحبه إلى النجوى والحديث، ويطرقون تافه المواضيع وهامها، فتلوك ~~ألسنتهم الفكاهات، وتبرم الأمور وتقرر المصائر ... وفي ذلك اليوم المدرج في ~~طوايا الزمان - الذي أرادت الآلهة أن تجعله مبدأ لقصتنا - بدأ الحديث ~~بالهرم الذي شاء خوفو أن يقيمه مثوى لخلده ومستقرا لجثمانه، وكان ~~ميرابو، المعمار النابغة الذي تسنمت به مصر ذروة المجد الفني، يتولى ~~شرح عمله المجيد لمولاه الملك، فأسهب في تبيان دلائل العظمة المرجوة ~~لذياك العمل الخالد الذي يشرف على بنائه وابتكار خططه. ومضى الملك يستمع ~~إلى صديقه الفنان، ثم ذكر السنوات العشر التي تقضت على البدء في ~~العمل فلم يخف تململه، وقال للفنان: أي ميرابو العزيز، إني أومن ms001 ~~بنبوغك ، ولكن حتام تستنظرني؟ إنك لا تفتأ تحدثني عن عظمة الهرم الذي ~~لم أر من بنيانه مدرجا واحدا، وقد مضت على بدء العمل عشرة أعوام ~~طوال، حشدت لك فيها الملايين من الرجال الأشداء، وعبأت لك خير ~~الكفايات الفنية من شعبي العظيم، ومع ذلك فلا أرى لذاك الهرم الموعود أثرا ~~على ظهر الأرض، وكأني بهاتيك المصاطب التي تحفظ أجساد أصحابها، ولم ~~تكلفهم عشر معشار ما نكلف أنفسنا، تسخر من جهدنا الضائع وعملنا ~~العابث. # فبدا الجزع على وجه ميرابو الأسمر الأقتم، وارتسمت تجاعيد الارتباك ~~على جبهته العريضة، وقال بصوته الرفيع الناعم: مولاي! حاش أن أصرف الوقت ~~عبثا أو أضيع الجهد لعبا، فإني لمقدر التبعة التي تحملتها حين أخذت ~~على نفسي موثقا أن أشيد لفرعون مثوى خلده، وأن أجعله آية للناس تنسيهم ~~ما تقدم من آيات مصر وعجائبها. ونحن لم نضع الأعوام العشرة عبثا، بل ~~صنعنا فيها ما تعجز عن صنعه الجبابرة والشياطين، فشققنا في الصخر الجلمود ~~مجرى ماء يصل ما بين النيل وهضبة الهرم، وقطعنا من الجبل صخورا شاهقة ~~كالتلال، وسويناها فكانت في أيدينا أطوع من العجين ... ونقلناها من أقصى ~~الجنوب إلى أقصى الشمال، فانظر يا مولاي إلى السفن كيف تمخر النهر حاملة ~~أكوام الصخور كأنها جبال عالية تسيرها تعاويذ ساحر جبار ... وانظر إلى ~~العمال المنهمكين كيف يكبون على أرض الهضبة كأن ظاهرها انشق ~~عمن يحتويهم منذ آلاف السنين! # فابتسم الملك وقال متهكما: يا عجبا ... أمرناك أن تشيد لنا هرما ~~فشققت نهرا! فهل تظن مولاك ملكا على الأسماك؟ # وضحك الملك وابتسم الصحابة، إلا الأمير رعخعوف ولي العهد، فقد جد ~~في الأمر، وكان على حداثة سنه جبارا صارما شديد القسوة، ورث عن أبيه ~~جبروته دون رقته، فقال يسأل الفنان: الحق أني أعجب لتلك السنين التي ~~ذهبت في التمهيد والتحضير، وقد علمت أن هرم المقدسة روحه الملك سنفرو ~~بلغ كماله في أقل من هذا العهد الطويل ... # فوضع ميرابو يده على جبهته وقال بأدب جم: ها هنا يا صاحب السمو ~~الملكي يسكن عقل عجيب دائب ms002 على الثورة، نزاع إلى الكمال، خلاق للمثل ~~العليا، وقد أبدع لي بعد جهد جهيد خيالا جبارا، أنا باذل روحي ~~لتجسيمه وتحقيقه، فصبرا يا صاحب الجلالة ... وصبرا يا صاحب السمو! # وساد الصمت لحظة لما شاع في الجو من نغم موسيقى الحرس الفرعوني، التي ~~كانت تتقدم فريقا من الحرس إلى أماكن حراستهم، وتعود بإخوانهم إلى ~~الثكنات، وكان فرعون يفكر في كلام ميرابو، فلما خفتت أصوات الموسيقى نظر ~~إلى وزيره خوميني كاهن المعبود بتاح رب منف، وسأله والابتسامة الجليلة ~~لا تفارق شفتيه: هل الصبر من شيم الملوك يا خوميني؟ # فتخلل الرجل لحيته بأنامله وقال بصوته الهادئ: مولاي، يقول فيلسوفنا ~~الخالد قاقمنا وزير الملك حوني: إن الصبر ملاذ الإنسان من القنوط، ودرعه ~~ضد الشدائد. # فضحك فرعون وسأله: هذا ما يقول قاقمنا وزير الملك حوني ... فما عسى أن ~~يقول خوميني وزير الملك خوفو؟ # فبدا التفكير على وجه الوزير الخطير وتأهب للكلام، ولكن الأمير ~~رعخعوف لم يمهله حتى يتكلم، وقال بحماس أمير في العشرين من عمره: مولاي، ~~إن الصبر فضيلة، كما قال الفيلسوف قاقمنا، ولكنه فضيلة لا تليق بالملوك؛ ~~لأن الصبر تحمل للأرزاء وإذعان للشدائد، وعظمة الملوك في التغلب لا ~~في التصبر، وقد عوضتهم الآلهة عن الصبر فضيلة القوة. # فاعتدل فرعون في جلسته، ولمعت عيناه لمعانا خاطفا، لولا الابتسامة ~~المرسومة على شفتيه لكان قضاء مبرما، ومضى يتذكر ماضي حياته على ضوء ~~هذه الفضيلة مليا، ثم قال بصوت حماسي كر به من الأربعين إلى ذروة ~~العشرين: ما أجمل قولك يا بني، وما أسعدني بك! حقا أن القوة فضيلة ~~الملوك بل فضيلة الناس كافة لو يعلمون ... لقد كنت أمير ولاية صغيرة ثم ~~خلقت ملكا من ملوك مصر، وما سما بي من الإمارة إلى العرش إلا القوة، ~~وكان الطامعون والمتمردون والحاقدون لا يفتئون يتربصون بي الدوائر، ~~ويتحفزون للقضاء علي، فما أشل ألسنتهم وقطع أيديهم وأذهب ريحهم إلا ~~القوة. وهم النوبيون مرة بشق عصا الطاعة، وزين لهم الجهل ~~التمرد والعصيان، فهل كسر شوكتهم وألزمهم الطاعة إلا القوة؟ بل ما الذي ms003 ~~رفعني إلى مرتبة القداسة فجعل كلمتي قانونا نافذا ورأيي حكمة إلهية ~~وطاعتي عبادة؟ أليست هي القوة؟ # هنا بادر الفنان ميرابو يقول كأنه يكمل حديث الملك: والألوهية يا ~~مولاي؟ # فهز فرعون رأسه استهانة وسأله: وما الألوهية يا ميرابو؟ إن هي إلا ~~قوة. # فقال المعمار بثقة وطمأنينة: ورحمة ومحبة يا مولاي. # فقال الملك وهو يشير بسبابته إلى الفنان: هكذا أنتم أيها الفنانون! ~~تروضون الصخور العاتيات، وقلوبكم أندى من نسيم الصباح. وما أحب أن ~~أجادلك، ولكني ألقي عليك سؤالا ستجد في الجواب عليه فصل الخطاب: إنك يا ~~ميرابو تخالط - منذ عشرة أعوام - جيوش هؤلاء العمال الأشداء، وإنك لذلك ~~حقيق بأن تطلع على خبايا ضلوعهم، وما تختلج به نفوسهم في السر والنجوى ... ~~فما الذي تظن أنه يلزمهم طاعتي ويصبرهم على أهوال العمل؟ قل الحق صراحة ~~يا ميرابو ... # فصمت المعمار ساعة يعمل فكره، ويدعو الذكريات. وقد اتجهت إليه ~~الأنظار في اهتمام شديد، ثم قال بتؤدة بلهجته الطبيعية المفعمة حماسة ~~ويقينا: العمال يا مولاي طائفتان؛ طائفة الأسرى والمستوطنين، وهؤلاء لا ~~يدرون ماذا يفعلون، ويروحون ويغدون بلا شعور سام كما يدور الثور حول ~~الساقية، ولولا قسوة العصا ويقظة الجند ما وقفنا لهم على أثر. # أما طائفة المصريين، وغالبيتهم من مصر العليا، فهم أناس ذوو عزة ~~وكبرياء وجلد وإيمان، تحملهم للعذاب عجيب، وصبرهم على الشدائد صارم، ~~وهم يعلمون ماذا يفعلون، وتؤمن قلوبهم بأن العمل الشاق الذي يهبونه ~~حياتهم واجب ديني جليل وزلفى للرب المعبود، وطاعة لعنوان مجدهم الجالس على ~~العرش؛ فمنحتهم عبادة، وعذابهم لذة، وتضحياتهم الجبارة فرض لإرادة الإنسان ~~السامي على الزمان الخالد. تراهم يا مولاي في وهج الظهيرة وتحت نيران ~~الشمس المحرقة يضربون الصخر بسواعد كالصواعق وعزائم كالأقدار، وهم ينشدون ~~الأغاني ويترنمون بالأشعار. # فانبسطت أسارير السامعين وسرت في دمائهم نشوة الفرح والفخار، وتبدى ~~الرضا على قسمات فرعون البارزة القوية، وقام عن أريكته - وقد بعث قيامه ~~الجالسين قياما - وسار في الشرفة الواسعة على مهل واتزان حتى بلغ حافتها ~~الجنوبية، وألقى النظر بعيدا إلى تلك الهضبة الخالدة التي ترسم ms004 على رقعتها ~~المقدسة خطوط العمال الطويلة، وتأمل منظرها الجليل ومشهدهم الرائع. أي ~~مجد وأي جلال! أي عذاب وأي جهاد في سبيله هو! هل ينبغي أن تشقى ملايين ~~النفوس الشريفة من أجل مجده! هل ينبغي أن يولي ذاك الشعب النبيل وجهه قبلة ~~واحدة هي سعادته هو؟ # كان ذلك الوسواس هو القلق الوحيد الذي يضطرب أحيانا في ذلك الصدر ~~المليء بالقوة والإيمان، مثله كمثل قطعة من السحاب التائه في سماء زرقاء ~~صافية الزرقة، وكان يعذبه - إذا اضطرب - فيضيق به صدره وينغص عليه صفوه ~~وسعادته، وقد اشتد به العذاب فولى الهضبة ظهره، وطالع صحابته بوجه ~~غاضب دهشوا له، وطرح عليهم هذا السؤال: من الذي ينبغي أن تبذل حياته ~~لصاحبه؟ الشعب لفرعون أم فرعون للشعب؟! # فوجموا جميعا واستولى عليهم الارتباك، وكان القائد أربو أربطهم جأشا، ~~فقال بصوته القوي النبرات: إننا جميعا - شعبا وقادة وكهنة - فداء ~~لفرعون! # وقال الأمير حرسادف أحد أبناء الملك بحماس شديد: والأمراء ~~أيضا. # فابتسم الملك في غموض، ولبث القلق واضحا على وجهه الجليل، فقال وزيره ~~خوميني: مولاي صاحب الجلالة الربانية! لماذا تفرقون بين ذاتكم العالية ~~وبين شعب مصر، وأنتم منه كالرأس من القلب، والروح من الجسد؟ إنكم يا مولاي ~~عنوان مجده، وآي فخاره، وحصن عزته، ووحي قوته، ولئن وهبكم حياته فإنما ~~يهبها لمجده وعزته وسعادته، وما في هذه المحبة ذل أو عبودية، إن هي ~~إلا وفاء جميل وحب عتيد ووطنية سامية. # فابتسم الملك ارتياحا، وعاد بخطى واسعة إلى الأريكة الذهبية، وجلس ~~فجلس القوم، ولم يكن الأمير رعخعوف ولي العهد بمرتاح إلى وساوس والده ~~فقال له: لماذا تكدرون صفوكم يا مولاي بأمثال هذه الوساوس؟ لقد وليت ~~الحكم بمشيئة الآلهة لا بإرادة إنسان، ولك أن تحكم الناس كيف تشاء لا ~~تسأل عما تفعل وهم يسألون! # فقال خوفو: أيها الأمير، إن أباك إذا تفاخرت الملوك يقول: «أنا ~~فرعون مصر.» # ثم تنهد بصوت مسموع، وقال وكأنه يحدث نفسه: إن كلام رعخعوف حري ~~بأن يوجه إلى حاكم ضعيف، لا إلى خوفو الجبار ... خوفو فرعون مصر ... وما ms005 ~~مصر إلا عمل عظيم لا تقام لبناته إلا على تضحيات الأفراد، وما قيمة حياة ~~الفرد؟ إنها لا تساوي دمعة جافة لمن ينظر إلى المستقبل البعيد والعمل ~~المجيد ... لهذا أقسو دون تردد، وأضرب بيد من حديد، وأسوق مئات الألوف إلى ~~الشدائد لا لبلادة طبع أو تحكم أثرة، وكأن عيني تنفذان خلل سجف ~~الأفق فتطلعان على مجد هذا الوطن المنتظر. لقد اتهمتني الملكة مرة ~~بالقسوة والظلم، كلا، ما خوفو إلا حكيم بعيد النظر، يرتدي جلد نمر مفترس، ~~ويخفق في صدره قلب ملاك كريم. # وساد صمت طويل. وكان الصحابة يمنون أنفسهم بسمر طريف ينسيهم أثقال ~~تبعاتهم الجسام، وكانوا جميعا يرجون أن يقترح الملك عليهم رياضة جميلة أو ~~يدعوهم إلى مجلس شراب وغناء، بعد أن شبعوا من أحاديث الأعمال والمهام، ~~ولكن الملك كان في تلك الأيام يشكو من ملل أوقات الفراغ على قصرها ~~وندرتها، فلما علم أنه قد آن له أن يستريح، وأن يلهو ران على قلبه ~~السأم، ونظر إلى صحبه في حيرة، وقد قال له خوميني: هل أملأ لمولاي كأسا ~~من الشراب؟ # فهز فرعون رأسه وقال: شربت اليوم وشربت بالأمس ... # فقال أربو: هل ندعو العازفات يا مولاي؟ # فقال بملل: إني أستمع إلى موسيقاهن صباح مساء. # فقال ميرابو: ما رأي مولاي في الخروج إلى الصيد؟ # فقال الملك بنفس اللهجة: شبعت من صيد البر والبحر. ~~- إذن فهل من سير بين الأشجار والأزهار؟ # فقال: وهل في الوادي مشهد جميل لم أره؟ # وساءت شكوى الملك خلصاءه وتكدرت نفوسهم، إلا الأمير هورداديف فإنه ~~كان يدخر لوالده مفاجأة سارة لا عهد له بها، فقال: أبي الملك، إني أستطيع ~~أن أقدم بين يديك لو تشاء ساحرا عجيبا يعلم الغيب، ويميت ويحيي، ويقول ~~للشيء كن، فيكون. # فصمت فرعون ولم يسارع هذه المرة إلى الرفض والتململ، ونظر إلى ابنه ~~باهتمام. وكان الملك يسمع كثيرا عن أخبار السحرة ومعجزاتهم، ويتسلى بما ~~يروى عن نوادرهم، فسره أن يوعد برؤية واحد منهم محضرا بين يديه، وسأل ~~ابنه: ومن هو هذا الساحر أيها الأمير هورداديف؟ # فقال ms006 الأمير : هو الساحر ديدي يا مولاي، وقد بلغ من العمر مائة عام ~~وعشرة، ولا يزال محتفظا بقوة الشباب وفتوة الصبا، وله قدرة عجيبة يتسلط ~~بها على الإنسان والحيوان، وبصيرة نافذة تهتك حجب الغيب. # فازداد اهتمام الملك وسرى عنه الضيق والملل وقال: هل تستطيع أن تأتي ~~به الآن؟ # فقال الأمير بفرح: أمهلني دقائق يا مولاي. # ثم قام واقفا وحيا والده بانحناءة طويلة، وذهب ليحضر الساحر ~~العجيب ... # 2 # وبعد حين قليل رجع الأمير هورداديف يسير بين يدي رجل طويل القامة ~~عريض المنكبين، حاد البصر نافذ النظرات، يكلل رأسه شعر أبيض هش، ~~وتغطي صدره لحية كثة، وقد تلفح بعباءة فضفاضة وتوكأ على عصا طويلة ~~غليظة، وانحنى الأمير وقال: مولاي! أقدم بين يديك عبدك القانت الساحر ~~ديدي. # فسجد الساحر بين يدي الملك، وقبل الأرض بين قدميه، ثم قال بصوت ~~ذي نبرات مؤثرة خفقت لوقعه القلوب: مولاي ابن خنوم، نور الشمس المشرقة ~~ورب العالمين، دام له المجد وحلت به السعادة! # فرعاه الملك بالعطف، وأجلسه على كرسي قريب منه، وقال له: كيف لم أرك ~~من قبل، وقد سبقتني إلى نور هذه الدنيا بسبعين عاما؟ # فأجابه الساحر المعمر بامتنان قائلا: وهبك الرب الحياة والصحة ~~والقوة، إن مثلي لا يحظى بالمثول بين يديك إلا إذا دعوته. # فابتسم الملك، ثم نظر إليه باهتمام وسأله: أحقا أن لك معجزات يا ~~ديدي؟ أحقا أنك تستطيع أن تذعن لإرادتك الإنسان والحيوان، وأن تجلو عن ~~وجه الزمان غشاوة الغيب؟ # فأحنى الرجل رأسه حتى انثنت لحيته على صدره، وقال: هذا حق وصدق يا ~~مولاي. # فقال الملك: أريد أن أشهد بعض هذه المعجزات يا ديدي. # وجاءت الساعة الرهيبة، فاتسعت العيون وبدا الاهتمام على الوجوه، ولم ~~يبادر ديدي إلى عمله، ولكنه جمد مليا كأنما تحول إلى تمثال، ثم ابتسم ~~عن أنياب حادة وألقى نظرة سريعة على الوجوه. # وقال للملك: عن يميني يخفق قلب لا يؤمن بي. # فدهش الصحابة وتبادلوا نظرات الحيرة، وسر الملك لفراسة الساحر وسأل ~~رجاله قائلا: هل بينكم من ينكر على ديدي معجزاته؟ # وهز ms007 القائد أربو منكبيه استهانة، وتقدم بين يدي الملك وقال: مولاي، ~~إني لا أومن بألاعيب السحر، وأرى أنها نوع من المهارة يحذقه ~~المتفرغون له. # فقال الملك: وما جدوى الكلام وأمامنا الرجل؟ هاتوا له أسدا مفترسا ~~نطلقه عليه، ولنر كيف يروضه بسحره ويذعنه لإرادته. # ولكن القائد لم يقنع وقال لمولاه: عفوا يا مولاي لا شأن لي بالأسود، ~~وها أنا ذا واقف بين يديه فليجرب في سحره وفنه، وله إن شاء - وشاء أن ~~يجعلني أومن به - أن يخضعني لإرادته ويتسلط على قوتي ... # وساد صمت ثقيل، واعتلى الوجوم وجوها، وتبدت الغبطة وحب الاستطلاع ~~على وجوه أخرى. ونظر كلا الفريقين إلى الساحر؛ ليروا ما فعل به تحدي ~~القائد العنيد، فألفوه هادئا ساكنا لا تفارق ابتسامة الثقة شفتيه ~~الرقيقتين الحادتين. وضحك الملك ضحكة عالية وقال لأربو بلهجة لم ~~تخل من السخرية: أهانت عليك نفسك يا أربو؟ # فقال القائد بثبات عجيب: إن نفسي يا مولاي عزيزة علي عزة عقلي الذي ~~يهزأ بألاعيب السحر. # وتجلى الغضب على وجه الأمير هورداديف، فوجه كلامه للقائد قائلا ~~بلهجة حادة: فليكن ما تريد. وليتفضل مولاي الملك ويأذن لديدي بالرد على هذا ~~التحدي. # ونظر الملك لابنه الغاضب، ثم إلى الساحر وقال: هيا أرنا كيف يقاوم ~~سحرك جبروت صديقنا أربو. # ولحظ القائد أربو الساحر بعين متعالية، وأراد أن يولي عنه وجهه ~~باحتقار، ولكنه أحس بقوة تجذبه من عينيه إلى الرجل، ولفحه الغضب ~~وشد بقوة على رقبته، وحاول أن ينتزع عينيه من القوة الهائلة التي ~~تجذبهما فآب بالخيبة والعجز، وثبتت عيناه على عيني ديدي الجاحظتين ~~البراقتين اللتين كانتا تلتمعان وتلتهبان كبلورتين تعكسان أشعة ~~الشمس. فكسف نورهما عيني أربو فأظلمتا وغاب عنهما نور الدنيا، وخارت ~~قوى الرجل الجبار فألقى السلم والإذعان. # ولما اطمأن ديدي إلى فعل قوته الخارقة، قام واقفا وأشار إلى مقعده ~~وصاح بالقائد بلهجة آمرة شديدة: «اجلس» ... وصدع القائد بالأمر في خنوع ~~فسار يترنح كالثمل، وارتمى على الكرسي في استسلام المشفي على الهلاك. ~~فصدرت من أفواه الناظرين آهة دهشة، وابتسم الأمير هورداديف ابتسامة ~~ارتياح ms008 وتشف، أما ديدي فقد نظر إلى فرعون باحترام وقال بأدب جم: مولاي ~~أستطيع أن آمره بما أشاء ولن يخالف لي أمرا، ولكنني أشفق من أن أمثل ~~بقائد من قواد الوطن العظام وحواري من حواري فرعون، فهل يقنع مولاي ~~بما رأى؟ # وهز فرعون رأسه دلالة الموافقة. # فبادر الساحر إلى القائد المذهول وجرى على جبهته بأصابعه الخفيفة، وقرأ ~~بصوت خافت تعويذة غريبة، فأخذ الرجل يفيق رويدا رويدا، ومضت الحياة ~~تدب في حواسه حتى استعاد وعيه، ولبث زمنا كالحائر ينظر فيما حوله، وكأنه ~~لا يدرك مما يرى شيئا، ثم استقرت عيناه على وجه ديدي فتذكر والتهب ~~جبينه وخداه بالاحمرار، وتحاشى النظر إلى الرجل الرهيب، وقام إلى مقعده ~~يرسم على أرض الشرفة خطى الارتباك والقهر المتعثرة. # وابتسم الملك إليه وقال برقة: ما صاحبك بكاذب! # فأحنى القائد رأسه وقال بصوت خافت: جلت قدرة الآلهة، وتعالت ~~معجزاتها في السموات والأرض! # ثم قال الملك للساحر: أحسنت أيها الرجل القادر، ولكن هل لك على الغيب ~~سلطان كالذي لك على الخلق؟ # فقال الرجل بثقة واطمئنان: نعم يا مولاي. # وفكر الملك مليا، وساءل نفسه عما عسى يطرح عليه من الأسئلة، ~~وأضاء وجهه بنور الهدى فقال للساحر: تستطيع أن تقول لي حتام يجلس على عرش ~~مصر ملوك من ذريتي؟ # وبدا على الرجل القلق والتهيب، ففطن فرعون إلى ما يختلج في صدره ~~فقال: إني أطلق لك حرية القول، وآمنك من عاقبة ما تقول. # فألقى الرجل بنظرة عميقة على وجه مولاه، ثم صعد رأسه إلى السماء ~~واستغرق في صلاة حارة ولبث ساعة لا يتحرك ولا يتكلم، فلما أن عاد ~~بوجهه إلى الملك وصحابته، كان شاحب اللون ممتقع الشفتين حائر النظرة، ~~فجفلت قلوب القوم وأحسوا بدنو شر مستطير، ونفد صبر الأمير رعخعوف ~~فقال له: ما لك لا تتكلم وقد أمنك فرعون؟ # فكتم الرجل أنفاسه اللاهثة وقال للملك: مولاي، لن يجلس على عرش مصر من ~~بعدك أحد من ذريتك! # وأحدث قوله في النفوس اضطرابا كأنه هبة ريح مباغتة أصابت دوحا ~~ساكنا، فحدجوه بنظرات قاسية كأنها ms009 عيون حمئة يتطاير منها الشهب، وقطب ~~فرعون جبينه واربد وجهه فحاكى وجه أسد ضار أجنه الغضب، واصفر وجه ~~الأمير رعخعوف وأطبق شفتيه القاسيتين، فأنذرت هيئته بالويل ~~والهلاك. # وكأن الساحر أراد أن يخفف من وقع نبوءته فقال: سوف تحكم يا ~~مولاي آمنا مطمئنا حتى نهاية عمرك الطويل السعيد. # فهز فرعون كتفيه استهانة وقال بصوت رهيب: إن من يعمل لنفسه ~~فكأنما يعمل للفناء، فدع عنك تعزيتي وخبرني: هل تعرف من تدخره الآلهة ~~ليخلفها على عرش مصر؟ # فقال الساحر: نعم يا مولاي، هو طفل حديث العهد بالوجود، لم ير نور ~~الدنيا إلا صباح اليوم. ~~- فمن أبواه؟ ~~- أما أبوه فهو من رع الكاهن الأكبر لرع معبود أون، وأما أمه فالسيدة ~~الشابة رده ديديت التي تزوجها الكاهن على كبر لتلد له هذا الطفل الذي كتب ~~في سجل الأقدار من الحاكمين. # فقام فرعون هائجا كالأسد المتوثب، وقام لقيامه القاعدون، ودنا من ~~الساحر خطوتين فزاغ بصر الرجل وكتمت أنفاسه، وقال له: أواثق أنت مما ~~تقول يا ديدي؟ # فرد الساحر قائلا بصوت مبحوح: لقد كاشفتك يا مولاي بما طالعتني به ~~صفحة الغيب! # فقال له الملك: لا تخف ولا تحزن؛ فلقد بلغت رسالتك، وستنال ما تستحق ~~من الجزاء الحسن. # ونودي على حاجب من حجاب القصر، وأمر أن يكرم الساحر ديدي ويعطيه ~~خمسين قطعة من الذهب، فاصطحبه الرجل ومضيا معا ... # وكان الأمير رعخعوف في حالة من البلاء شديدة، وقد طفحت عيناه بقسوة ~~قلبه، وبدا وجهه الحديدي كرسول للموت، وأما فرعون فلم تتبدد غضبته ~~انفعالات وزئيرا، ولكنها كتمت وصبت في دفين إرادته فتحولت إلى وثبة ~~عزيمة تدك الجبال دكا وتحرك الأهوال، وقد تحول إلى وزيره خوميني ~~وسأله بصوت عظيم: ما رأيك أيها الحكيم خوميني، هل يغني الحذر عن ~~القدر؟ # فرفع خوميني حاجبيه في تأمل، ولكن شفتيه المنطبقتين لم تنفرجا ~~حيرة وحزنا، فقال الملك معاتبا: أرى أنك تخشى في قولة الحق، وتهم ~~بإنكار الحكمة لترضيني، كلا يا خوميني، إن مولاك أجل من أن يضيق بقول ~~الحق ... # وما كان خوميني جبانا ولا مداهنا، ms010 ولكنه كان مخلصا للملك وولي ~~عهده ويشفق من إيلامهما، فلما لم ير بدا من القول قال بصوت خافت: ~~مولاي! لقد اتفقت كلمة الحكمة المصرية التي لقنتها الأرباب للسلف ~~وأذاعها قاقمنا على الخلف، بأن الحذر لا يغني عن القدر. # فنظر خوفو إلى ولي عهده وسأله: وأنت أيها الأمير ما رأيك في ~~القدر؟ # فنظر الأمير إلى والده بعينين متقدتين كأسد في شرك، فابتسم ~~فرعون وقال: أيها السادة، لو كان القدر كما تقولون، لسخف معنى الخلق، ~~واندثرت حكمة الحياة، وهانت كرامة الإنسان، وساوى الاجتهاد الاقتداء، ~~والعمل الكسل، واليقظة النوم، والقوة الضعف، والثورة الخنوع. كلا أيها ~~السادة، إن القدر اعتقاد فاسد لا يخلق بالأقوياء التسليم به ... # فاشتعل الحماس بقلب القائد أربو وصاح: تعالت حكمتك يا مولاي ... # فابتسم فرعون وقال باطمئنان: أمامنا طفل رضيع على بعد منا يسير، فيا ~~أيها القائد أربو أعد حملة من العربات الحربية سأقودها إلى أون، لأشهد ~~بنفسي مخلوق الأقدار الصغير. # فقال خوميني دهشا: هل يذهب فرعون بذاته؟ # فضحك الملك وقال: إذا لم أذهب للدفاع عن عرشي فمتى يحق لي الذهاب؟ ... ~~هيا أيها السادة ... إني أدعوكم إلى ركابي لتشهدوا معركة هائلة بين خوفو ~~والأقدار ... # 3 # وخرجت الحملة الفرعونية في مائة عربة حربية، عليها مائتا فارس من ~~فرسان الحرس الفرعوني الأشداء، يتقدم صفوفهم الملك وسط هالة من ~~الأمراء والصحابة، وإلى يمينه الأمير رعخعوف وإلى يساره القائد ~~أربو. # وقد انطلقت تعدو شمالا شرقي فرع النيل الأيمن صوب مدينة أون، تنهب ~~الأرض نهبا، وتزلزل الوادي زلزالا، وتبعث من صلصلة عجلاتها ما يشبه ~~الرعد، وتثير من خلفها جبالا من الغبار تحجب عن عيني منف الجميلة ~~العربات المنطلقة، والجياد المطهمة، والراكبين الجبابرة الذين ينتصبون ~~كالتماثيل متقلدين سيوفهم، مدججين بقسيهم ونبالهم، مدرعين ~~بتروسهم، يذكرون نائم الأرض بجنود مينا الذين أثاروا غبارها منذ مئتين من ~~السنين، حاملين إلى الشمال نصرا مبينا ووحدة عزيزة وتاريخا ~~مجيدا. # ساروا بقضهم وقضيضهم، يقودهم الجبار الذي تخشع القلوب لذكر اسمه ~~وتنكس الأبصار، لا لغزو بلد ولا لقتال جيش، ولكن لحصار طفل رضيع ما ms011 يزال ~~طاهرا قماطه ، وتجفل عيناه من رؤية نور الدنيا، وقد غدا بكلمة ساحر يهدد ~~أكبر عروش الدنيا ويزلزل أشد قلوب الخليقة ... # وكانوا يقطعون أرض الوادي بسرعة جبارة، ويمرون بالقرى والدساكر، ~~مر السهم الخاطف، ويرسلون بأبصارهم إلى الأفق الرهيب المنطبق على ~~الطفل الرضيع الذي اصطنعته الأقدار لتمثيل دور خطير ... # وتبدى لهم في الأفق البعيد غبار ثائر لم تستطع أعينهم رؤية ما يظله ~~من الخلائق، ومضت المسافة بينه وبينهم تقصر رويدا رويدا؛ فاستطاعوا أن ~~يروا شرذمة من الفرسان تعدو في اتجاههم، فلم يشكوا في أنها فرقة من ~~مقاطعة رع. # وازدادوا منهم قربا، فوضح لأعينهم أنهم فوارس يعدون خلف واحد منهم، ~~إما أنه يتقدمهم وإما أنهم يطاردونه. فلما أن دنا من هدفهم صحصح لهم ما ~~كانوا منه في شك مريب، فإذا بالمتقدم امرأة على ظهر جواد عار، وقد ~~انحلت ضفائرها وبعثرت وطارت خلفها مع الهواء، كأنها أعلام في رأس شراع، ~~وقد أنهكها التعب فخارت قواها، ولحق بها العادون خلفها وأحاطوا بها من كل ~~جانب ... # وتصادف حدوث ذلك مع وصول فرعون وجنوده، وكان الركب الفرعوني قد اضطر ~~إلى تهدئة عدوه تفاديا للصدام، ولم يحفل فرعون ولا أحد من رجاله ~~بالمطاردين والمطاردة، وظنوا أنهم شرطة يؤدون واجبا من واجباتهم، وكادوا ~~يمرون بهم مر الكرام لولا أن صاحت بهم المرأة قائلة: الغوث أيها ~~الجنود ... الغوث! إن هؤلاء يقطعون علي الطريق إلى فرعون ... # هنا توقف فرعون فتوقفت العربات من ورائه، ونظر إلى الرجال المحيطين ~~بالمرأة وصاح بهم بصوته الآمر: دعوا هذه المرأة. # ولكنهم لم يصدعوا بالأمر الذي جهلوا آمره، وتقدم فارس منهم برتبة ~~ضابط إليه وقال بخشونة: نحن قوة من حرس أون جئنا ننفذ أمر كاهنها ~~الأعظم، فمن أي مدينة أنتم، وماذا تريدون؟ # وتبدى الغضب على الوجوه لحماقة الضابط، وهم أربو بانتهاره وتحذيره، ~~ولكن فرعون أشار إليه إشارة خفية فسكت وهو كظيم، وصرف ذكر كاهن رع ~~فرعون عن الغضب إلى التفكير والتأمل، وأراد أن يستدرج الضابط إلى الكلام ~~فسأله قائلا: ولماذا تطاردون هذه المرأة؟ # فقال الضابط بصلف: ms012 أنا لا أؤدي حسابا عن مهمتي إلا أمام ~~رئيسي. # فصاح فرعون غاضبا بصوت كالرعد: أطلقوا سراح هذه المرأة. # وذعر الجنود وأيقنوا أنهم أمام رئيس خطير، فتركوا التي هرولت إلى عربة ~~الملك وارتمت تحتها في خوف ووجل وهي تصيح: الغوث ... يا سيدي الغوث ~~... # وترجل القائد أربو عن عربته، وتقدم من ضابط القوة، فلما رأى هذا ~~علامة النسر والشارة الفرعونية على كتفه تولاه الرعب، ووقف وقفة نظامية ~~وسل سيفه وأدى عليه التحية العسكرية، وصاح بجنده: حيوا قائد الحرس ~~الفرعوني. # فسل الجنود سيوفهم ووقفوا كالتماثيل. # ولما سمعت المرأة قول الضابط علمت أنها أمام رئيس حرس فرعون، فقامت ~~إليه وقالت له بتوسل: سيدي ... أأنت حقا رئيس حرس مولانا الملك؟ بحق ~~الأرباب إلا قدتني إليه، لقد فررت يا سيدي مولية وجهي نحو القصر الفرعوني ... ~~إلى أعتاب فرعون التي لا يعجز عطفه شفتي أي مصري أو مصرية لثمها. فسألها ~~أربو: ألك حاجة يا سيدتي تريدين قضاءها؟ # فقالت المرأة وهي تلهث: نعم يا سيدي، في صدري سر خطير أريد أن أبوح ~~به لذاته المعبودة. # فأرهف فرعون السمع، وسألها أربو: وما هذا السر الخطير يا سيدتي؟ # فقالت بتوسل: سأبوح به إلى ذاته المقدسة. ~~- إني خادمه المخلص الأمين على سره. # فترددت المرأة وقلق بصرها بين الحاضرين، وكانت شاحبة اللون زائغة ~~العينين مضطربة الصدر، فرأى القائد أن يستدرجها بالتي هي أحسن فسألها: ما ~~اسمك؟ وأين تقيمين؟ ~~- أدعى سرجا يا سيدي، وكنت إلى صباح اليوم خادمة في قصر كاهن رع ~~الأكبر. ~~- ولماذا كانوا يطاردونك؟ هل وجه مولاك لك إحدى التهم؟ ~~- إني امرأة شريفة يا سيدي، ولكن كان سيدي يسيء معاملتي ... ~~- وهل هربت فرارا من معاملته لك؟ هل تلتمسين رفع شكواك إلى ~~فرعون؟ ~~- كلا يا سيدي، إن الأمر لأعظم خطورة مما تظن، لقد وقفت على ~~سر خطير فيه ما ينذر مولاي الملك بالخطر، فهربت لأحذر ذاته المعبودة ~~كما يقضي الواجب علي، فأرسل سيدي هؤلاء الجنود ورائي ليقبضوا علي ~~ويحولوا بيني وبين واجبي المقدس. # فارتعدت فرائص الضابط وقال بسرعة يدفع عن نفسه التهمة: ms013 لقد أمرنا ~~صاحب القداسة بالقبض على امرأة فارة على ظهر جواد في طريق منف، فصدعنا ~~بما أمرنا دون أن نعلم من أمره ولا أمرها شيئا. # فقال أربو لسرجا: إنك تكادين أن تتهمي كاهن رع بالخيانة! # فقالت المرأة: دعني يا سيدي أصل إلى أعتاب فرعون كي أبوح له بما يضيق ~~عنه صدري. # ونفد صبر فرعون وأشفق من ضياع الوقت الثمين، فقال للمرأة فورا: هل ~~رزق الكاهن بطفل هذا الصباح؟ # فتحولت إليه المرأة مدهوشة ذاهلة وتمتمت: ومن أدراكم بهذا يا سيدي، ~~وقد تكتموا الخبر؟ حقا إن هذا عجيب! # وبدا الاهتمام على حاشية الملك، وتبادلوا النظر في صمت، أما الملك ~~فسألها بصوته المهيب: هل هذا هو السر الذي تريدين إبلاغه لفرعون؟ # فهزت رأسها قائلة ولم يفارقها ذهولها: نعم يا سيدي، ولكن ليس هذا ~~جميع ما أريد قوله. # فقال لها فرعون بحدة وبلهجة آمرة شديدة الوقع لا تبقي على التردد: ~~فما الذي ينبغي أن يقال؟ تكلمي. # فاندفعت المرأة إلى الكلام بخوف قائلة: لقد أحست مولاتي السيدة رده ~~ديديت بدبيب آلام الوضع منذ الفجر، وكنت ضمن الوصيفات اللائي أحطن ~~بفراشها يخففن عنها العذاب بالحديث تارة وبالعقاقير أخرى، وقبيل الوضع ~~بزمن يسير دخل علينا الكاهن الأكبر، وبارك سيدتي وصلى للرب رع صلاة ~~حارة، وكأنه أراد أن يشرح صدر سيدتي المعذب ويخفف عنها ويلات الساعة، ~~فبشرها بأنها ستلد طفلا ذكرا، وأنه سوف يرث عرش مصر المكين، ويحكم ~~وادي النيل خليفة للإله رع أتوم. # وقال لها وهو لا يملك نفسه من الفرح حتى لكأنه نسي وجودي، أنا التي لا ~~تحظى مثلي غيرها بثقته: إن تمثال الرب المقدس زف إليه هذه البشرى بصوته ~~الرباني. ولما وقع بصر سيدي علي انقبض صدره، وارتسم القلق على وجهه، ~~ولكي يأمن شر الوساوس قبض علي وحبسني في مخزن الحبوب، ولكني تمكنت ~~من الفرار، وامتطيت جوادا وانطلقت به في الطريق إلى منف لأبلغ الملك ما ~~سمعت. والظاهر أن سيدي أحس بفراري، فأرسل في طلبي هؤلاء الجنود الذين ~~لولاكم لقادوني إلى حتفي. # وكان الملك وصحابته ms014 يستمعون إلى قصة سرجا بانتباه وإمعان ودهشة، ~~فتحققت لديهم نبوءة الساحر ديدي العجيبة، وكان الأمير رعخعوف شديد الجزع ~~فقال لفرعون: لن يذهب تحذيرنا سدى! # فقال فرعون: نعم يا بني ... ولكن ينبغي ألا نضيع الوقت. # والتفت إلى المرأة وقال لها: سوف يجزيك فرعون عن إخلاصك خير الجزاء، ~~وما عليك الآن إلا أن تقولي لنا عن الوجهة التي تولينها؟ # فقالت سرجا: أرجو يا سيدي أن أذهب آمنة إلى قرية قونا حيث يقيم ~~والداي. # فقال فرعون للضابط: أنت مسئول عن حياة هذه المرأة حتى تبلغ ~~دارها. # فأحنى الضابط هامته طاعة، وأشار فرعون إلى القائد أربو فصعد إلى ~~عربته، ثم أمر الملك قائد عربته بالسير فانطلقت كالقضاء ومن ورائها العربات ~~إلى أون، التي بدا للعين سورها المحيط ورءوس أعمدة معبدها الكبير: معبد رع ~~أتوم. # 4 # كان كاهن رع في تلك الأثناء يجثو إلى جانب سرير زوجه ويصلي صلاة ~~حارة، ويقول: رع، أيها الرب الخالق الموجود منذ الأزل، والوجود ~~بعد ماء جار في فضاء محيط يجثم عليه ظلام ثقيل، فخلقت أيها الرب ~~بقدرتك كونا جليلا جميلا، شملته بنظام فاتن يسري حكمه الواحد على ~~الأفلاك الدائرة في السموات، وعلى ذرات الثرى المنتثرة على وجه البسيطة، ~~وجعلت من الماء كل شيء حي؛ فالطير يحلق في السماء، والسمك يسبح في الماء، ~~والإنسان يضرب في الأرض، والنخل ينبت في جوف الصحراء القاحلة، وبثثت في ~~الظلمات نورا بهيا يتجلى فيه وجهك ذو الجلال والإكرام، يبعث الدفء ~~وينشر الحياة. أيها الرب الخالق أبث إليك همي وحزني، وأضرع إليك أن ~~تكشف عني الضر والبلوى، أنا عبدك المؤمن وخادمك الأمين، اللهم إني ضعيف ~~فهبني من لدنك قوة، اللهم إني خائف فأنزل علي الطمأنينة والسلام، اللهم ~~إني مهدد بشر عظيم فاشملني برعايتك ورحمتك. اللهم إنك وهبتني على الكبر ~~طفلا باركته وكتبت له في سجل الأقدار ملكا وحكما، فادفع عنه السوء وقه ~~شر العدا. # نطق من رع بهذا الدعاء بصوت متهدج، وقد سحت عيناه دمعا ساخنا انحدر ~~على خديه الناحلين وبلل لحيته البيضاء، ثم رفع ms015 رأسه الكبير ونظر ~~بعطف إلى وجه زوجه النفساء الشاحب اللون، ثم نظر إلى الطفل الصغير وكان ~~ساكنا هادئا يرفع جفنيه عن عينين صغيرتين سوداوين، ويسبلهما ~~جفولا من نور ذاك العالم الغريب. # ولما أحست زوجه رده ديديت بفراغه من الصلاة قالت له بصوت ضعيف ~~خافت: أما من خبر عن سرجا؟ # فتنهد الرجل وقال: سيلحق بها الجنود بأمر الرب. # فقالت بقلق: أواه يا مولاي! أتعلق خيط حياة طفلنا باحتمال قد ~~يصيب وقد يخيب؟ ~~- كيف تقولين هذا يا رده ديديت؟ إني لم أنفك - مذ هربت سرجا - ~~أفكر في وسيلة تقيكما السوء، وقد هداني الرب إلى حيلة، ولكني أخشى عليك ~~وأنت نفساء لا تحتملين الشدة. # فمدت إليه يدا ضارعة، وقالت بتوسل: افعل يا زوجي ما فيه نجاة ~~طفلنا، ولا يهولنك ضعفي فإني أستمد من أمومتي قوة دونها قوة ~~الأصحاء ... # فقال الكاهن المتألم: اعلمي يا رده ديديت أني أعددت عربة وملأتها ~~بالحنطة، وجعلت لك في ركن منها مكانا ترقدين فيه مع الطفل، وجهزت ~~صوانا من الخشب ونزعت قعره، فإذا وضع عليكما أخفاكما عن الأنظار، وستسير ~~بها وصيفتك الأمينة كاتا إلى عمك في قرية سنكا ... ~~- ناد الخادمة زايا لأن كاتا نفساء كسيدتها، وقد ولدت طفلا ضحى ~~اليوم ... # فدهش الرجل وقال: أولدت كاتا؟ وعلى كل حال فزايا لا تقل إخلاصا ~~عن كاتا ... ~~- وأنت يا زوجي؟! هب أن الحظ عثر وباء، وأن سر طفلنا بلغ فرعون ~~فأرسل إليك بجنده، فبم تجيبهم لو سألوك عن الطفل وأمه؟ # ولم يكن الكاهن قد أعد العدة لنفسه فيما لو وقع المحذور، ولكنه لم ~~يقم لذلك وزنا لأن همه كان محصورا في إنقاذ الطفل وأمه؛ ولذلك كذب ~~على زوجه قائلا: اطمئني يا رده ديديت فلن تفلت سرجا من رسلي، وما تهريبي ~~لك خفية إلا حذرا وحيطة، ومهما يكن من أمر فلن تباغتني الطوارئ ولسوف ~~تصلك أخباري عما قريب. # وخشي أن تزداد مخاوفها فأراد أن يصرفها عن التفكير، فقام واقفا ونادى ~~بصوته الجهوري على زايا، فأتت الخادمة سريعا، وانحنت له في احترام، فقال ~~لها: ms016 سأعهد لك بسيدتك والطفل المولود لتسيري بهما إلى قرية سنكا ... وعليك ~~بالحذر فأنت تعلمين بالخطر الذي يتهددهما. # فقالت الخادمة بإخلاص: إني فداء لمولاتي وطفلها المبارك. # وطلب منها الكاهن أن تعينه على حمل سيدتها إلى مخزن الحبوب، ودهشت ~~الخادمة لذاك الطلب، ولكنها صدعت بما أمرت، ووضع الرجل زوجه على اللحاف ~~الوثير، ووضع يده تحت منكبيها ورأسها، ورفعتها زايا من تحت ظهرها وفخذيها، ~~وسارا بها إلى البهو الخارجي، وهبطا الدرج إلى الفناء ودخلا إلى المخزن ~~وأرقداها في المكان الذي أعده لها الرجل في العربة، ثم صعد الكاهن وأتى ~~بطفله وكان يعول ويصرخ، فقبله قبلة حارة ووضعه في حضن أمه، وأطل ~~عليهما هنيهة من جدار العربة، ورأى رده ديديت تنتحب وتضطرب فقال لها وقلبه ~~يتقطع: ثبتي قلبك من أجل طفلنا العزيز ولا تدعي للخوف إلى نفسك ~~سبيلا. # فقالت المرأة وهي تبكي: إنك لم تسمه بعد ... # فقال وهو يبتسم: ادعيه باسم أبي الراقد إلى جوار أوزوريس ... ددف ... ددف ~~رع ... ددف بن من رع، اللهم اجعل اسمه مباركا وادفع عنه كيد ~~الكائدين. # وأتى الرجل بالصوان ووضعه على العزيزين، وأقعد زايا مقعد السائق ووضع ~~زمام الثورين بين يديها، وقال لها: سيري على بركة الرب الحافظ. # وما إن تحركت العربة حركتها البطيئة حتى فاضت عيناه بالدمع الغزير، ~~وجعل يرقبها خلال دموعه وهي تقطع أرض الفناء حتى غيبها الباب عن ~~ناظريه، وهرول إلى السلم وصعده بقوة شاب، وذهب إلى النافذة التي تطل ~~على الطريق وراقب العربة التي تحمل قلبه ووجدانه ... # وبغته باغت مخيف لم يكن يتوقع حدوثه بمثل السرعة التي حدث بها، ~~فلما أن نفذ قضاؤه ملأه رعبا يعجز البيان والتعبير، فنسي حزن الفراق ~~وجوى الوداع وحنين الأبوة، واحترق رعبا وخوفا حتى فقد الشعور والإدراك، ~~فشبك كفيه وجعل يضرب بهما صدره وهو يقول بذهول: «أيها الرب رع. أيها الرب ~~رع.» ويكررها بلا وعي وعيناه تنظران إلى كتيبة العربات الفرعونية التي ~~ظهرت فجأة من منعرج طريق المعبد، وتقدمت إلى قصره، وهي تقوم بحركة حصار ~~بديعة في سرعة ونظام دقيقين، ms017 حالا بين العربة وبين التقدم خطوة ~~أخرى. # يا رب السماء، لقد جاءت جنود فرعون بأسرع مما دار له بخلد، ~~ينبئ مجيئها عن توفيق سرجا في مهمتها وهربها من جنوده، وإلا ما استطاعت أن ~~ترسل رسل الموت الزؤام بمثل هذه السرعة. # وجاء جند فرعون كالمردة الجبابرة تصهل جيادهم، وتصلصل عجلاتهم، وتتوهج ~~خوذاتهم في شعاع الشمس المائل، ماذا جاءوا يفعلون؟ جاءوا ليقتلوا الطفل ~~البريء والابن الحبيب الذي شرح الرب به صدره على الكبر واليأس. # وكان من رع ما يزال يضرب صدره بكفيه المشتبكتين ويهز رأسه ~~هزات الذهول والبله، ويقول بلهجة الثكلى التي تندب ولدها: «أيها الرب ... ~~إن جماعة منهم تحيط بالعربة، وواحدا منهم يطرح الأسئلة الصارمة على ~~زايا البائسة، ترى عم يسألها! وبم تجيبه؟ وما عسى أن تكون عقبى هذا ~~التحقيق؟ وإن حياة طفلي وزوجي لرهن بكلمة واحدة تنطق بها زايا. رباه! ~~يا رع المعبود! ... ثبت قلبها وطمئن نفسها وأجر على لسانها كلمة الحياة ~~لا الموت، وأنقذ طفلك الحبيب لتقضي قضاءك الذي قضيت به وبشرت.» # وجن جنونه من الجزع، وخيل إليه أن ساعات طويلة تمر ثقيلة ~~متباطئة على هذا الجندي وهو لا يفتأ يسأل زايا ويسد عليها المنافذ. أواه ~~لو يحرك واحد منهم الصوان أو يداخله شك فيما يشتمل عليه؟ بل أواه لو ~~يعلو صوت الطفل بآهة أو صراخ. ~~- صه يا بني ... اللهم ألهم أمه أن تضع ثديها في فمه ... صه يا ~~بني ... إن آهة تخرج من فمك كفيلة بالقضاء عليك ... رباه إن قلبي ~~يتفتت وروحي تصعد في السماء ... # وسكت الكاهن فجأة، واتسعت عيناه وصاح ولكن بفرح شديد هذه المرة: ~~الحمد لرع ... إنهم يتقدمون والعربة تسير في طريقها آمنة من غير سوء ... ~~باسم رع مسيرها وحطها ... الحمد لك أيها الرب الرحيم ... # 5 # تنفس الكاهن الصعداء وأحس - لفرحه - بحنين إلى البكاء، لولا أن ~~تذكر ما ينتظره من الأهوال والشدائد، فلم ينعم بالطمأنينة إلا لحظات ~~سريعة، ودلف إلى منضدة عليها إبريق من الفضة صب منه من الماء القراح ما ~~روى به غلته. # وما لبثت ms018 أن صكت أذنيه جلجلة القوة التي صارت بفناء قصره، والتي ~~جاءت خصيصى للقضاء على المولود الذي كان خطر الموت منه قاب قوسين أو ~~أدنى. # وجاءه خادم يسعى مضطربا خائفا، وأخبره بأن قوة من حرس الملك تحتل ~~القصر وترقب منافذه، وجاء آخر يبلغه أن رئيس القوة أرسله في طلبه سريعا، ~~فتظاهر الكاهن بالثبات ورباطة الجأش، ووضع العباءة المقدسة على منكبيه ~~والقلنسوة الكهنوتية على رأسه، ثم غادر حجرته في خطوات وئيدة تحف به ~~المهابة والجلال الحقيقان بشخصية أون الدينية الكبرى. ولم يتهاون الكاهن في ~~حق هيبته، فوقف على عتبة بهو الاستقبال ووجهه إلى الفناء، وألقى نظرة ~~سطحية على جنود القوة الواقفين في أماكنهم لا يبدون حراكا كأنهم تماثيل ~~منصوبة من العهد القديم، ثم رفع يده تحية وقال بصوته الرقيق الجليل دون ~~أن يقر نظره على وجه بذاته: يا بني ... حللتم أهلا وسهلا، وليبارككم ~~رع المعبود بارئ الكون وخالق الحياة. # فسمع صوتا مهيبا يرد عليه قائلا: الشكر لك يا كاهن رع ~~المعبود. # فانتفض جسمه لدى سماعه كما ينتفض الحمل لزئير الأسد، وذهبت عيناه ~~زائغتين تبحثان عن صاحب الصوت العظيم حتى استقرتا على قلب القوة، ~~فتولاه العجب والرعب أن يأتي فرعون بذاته إلى بيته. ولم يتردد عن ~~أداء واجبه، فهرع إلى سدته لا يلوي على شيء، فلما بلغ عربته سجد بين ~~يديه، وقال بصوت متهدج: مولاي فرعون ابن الرب خنوم، نور الشمس المشرقة ~~وواهب الحياة والقوة، إني يا مولاي أضرع إلى الرب أن يوحي إلى قلبك ~~الكبير بالإغضاء عن سهوي وجهلي، كي أفوز بعفوك ورضاك. # فقال له الملك: إني أعفو عن هفوات الصادقين. # فخفق قلب الكاهن وقال: أما وقد تفضل مولاي بزيارة قصري الوضيع ~~فليتفضل ويحل أشرفه. # فابتسم فرعون وترجل عن عربته، وتبعه الأمير رعخعوف وإخوته الأمراء ~~وخوميني وأربو وميرابو، وسار الكاهن بظهره يتبعه الملك ويتبعه الأمراء، ~~والصحبة حتى حلوا بهو الاستقبال، وجلس الملك في الصدر وحوله حاشيته، ~~واستأذن من رع في الذهاب لإعداد ما يجب إكراما لهم، ولكن فرعون قال له: ~~نحن نعفيك ms019 من واجب ضيافتنا لأننا جئنا في أمر خطير لا يحتمل ~~الأناة. # فانحنى الرجل وقال: إني رهن إشارة مولاي. # اعتدل الملك في جلسته وسأل الكاهن بصوته النفاذ المهيب: أنت رجل من ~~صفوة رجال المملكة، ومقدم عليهم بالعلم والحكمة، فهل تستطيع أن تقول لي ~~لماذا تولي الآلهة الفراعنة على عرش مصر؟ # فقال الرجل بثبات وإيمان: إنها تختارهم من بين أبنائها، وتبعث فيهم ~~روحها الإلهي ليصلحوا البلاد ويسعدوا العباد. ~~- أحسنت أيها الكاهن، فكل مصري يسعى في الحياة لنفسه أو لأسرته، ~~أما فرعون فينهض بحمل أعباء الملايين ويسأل عنها جميعا أمام الرب، ~~فهل تستطيع أن تقول لي عما ينبغي لفرعون نحو عرشه؟ # وأجاب من رع بشجاعة فائقة: إن ما ينبغي لفرعون نحو عرشه هو ما ينبغي ~~للإنسان الأمين نحو وديعة الآلهة المكرمين بين يديه، أن يقوم بواجباته ~~ويؤدي له حقوقه، ويحافظ عليه محافظته على شرفه. # فهز فرعون رأسه راضيا وقال: أحسنت أيها الكاهن الفاضل، والآن ~~خبرني، ماذا ينبغي أن يفعل فرعون لو هدد عرشه مهدد؟ # فخفق قلب الكاهن الشجاع، وأيقن أنه يحكم على نفسه بجوابه، ولكنه - ~~وهو رجل الدين والتقوى والعزة - أبى إلا أن يقول الحق، فقال: ينبغي لجلالته ~~أن يبيد الطامعين. # فابتسم فرعون والتمعت عينا الأمير رعخعوف ببريق قاس، وقال للكاهن: ~~أحسنت ... أحسنت ... لأنه إن لم يفعل، خان عهد الرب وفرط في وديعته الإلهية ~~وأضاع حقوق العباد. # ثم تصلب وجه الملك وبدا عليه عزم يميد الجبال، وقال بصوت رهيب: أيها ~~الكاهن، لقد وجد الذي يهدد العرش. # فنكس الكاهن عينيه وغلبه الصمت، فاستطرد فرعون: وهزأت الأقدار ~~كعادتها فجعلته طفلا. # فتساءل الكاهن بصوت خافت: طفلا يا مولاي؟ # فطفر الغضب من عيني فرعون شررا وصاح: كيف تتجاهل أيها الكاهن؟ لقد ~~حرصت على الصراحة والصدق في حديثك؛ فلم تترك الكذب يتسلل إلى قلبك في ~~حضرة مولاك؟ وإنك لتعلم علم اليقين أنك أبو الطفل ونبيه! # فتدفق الدم إلى وجه الكاهن وعصر الألم قلبه الكبير، وقال بتسليم وحزن: ~~ابني طفل رضيع لم يجاوز عمره بضع ساعات. # فقال فرعون: لكنه ms020 آلة في يد الأقدار، والأقدار إذا أرادت أن تفعل ~~استوى لديها الطفل والرشيد. # وساد الصمت والسكون هنيهة، وتولى الجميع رهبة غريبة فكتموا الأنفاس ~~في انتظار الكلمة التي ستطلق سهم الموت إلى الطفل البائس. ونفد صبر الأمير ~~رعخعوف فقطب جبينه وازدادت قساوة وجهه الطبيعية شدة وصلابة ... # ثم قال فرعون: أيها الكاهن، لقد أقررت منذ لحظة بأنه ينبغي لفرعون ~~أن يهلك من يهدد عرشه، أليس كذلك؟ # فقال الكاهن بقنوط: بلى يا مولاي. ~~- ولا شك أن الآلهة قد قست عليك بخلقها هذا الطفل، ولكن القسوة ~~عليك أخف من القسوة على مصر وعرشها. # فقال الكاهن: هذا حق يا مولاي. # فقال فرعون: إذن فأد واجبك أيها الكاهن! # فوجم من رع وأرتج عليه القول، أما فرعون فقد استطرد: إن لنا - ~~معشر الفراعنة - تقاليد موروثة في احترام الكهنوت ورعايته. لا أحب أن ~~تضطرني إلى خرقها. # يا عجبا! ماذا يريد فرعون بقوله هذا؟ أيريد أن يفهم الكاهن أنه ~~يحترمه ولا يحب أن يقتل ابنه، وأنه لذلك ينبغي أن يقوم هو بالمهمة التي ~~يجفل منها الملك؟ وكيف يتأتى له أن يذبح طفله بيده؟ حقا إن الإخلاص ~~الذي يكنه لفرعون يقضي عليه بتحقيق رغبته الربانية دون أدنى تردد، ~~وإنه ليعلم علم اليقين أن أي فرد من شعب مصر لا يتوانى عن إزهاق روحه لو ~~أحس بأن موته يلقى رضاء فرعونيا ساميا، فهل يلحق بطفله العزيز ~~ويغمد خنجره في قلبه؟ # ولكن من الذي قضى أن يكون ابنه خليفة خوفو على عرش مصر؟ أليس هو الرب ~~رع؟ أوليس يعد سعيه لقتل الابن البريء تحديا لإرادة الرب الخالق؟ ومن ~~الذي يجب أن يؤثر بطاعته خوفو أم رع؟ لا يحتاج الجواب إلى روية، ولكن ما ~~عسى أن يفعل وفرعون وزملاؤه ينتظرون كلمته؟ ماذا ينبغي أن يفعل وقد بدءوا ~~يتململون ويغضبون؟ # وتراءى له خاطر سريع وسط لجة الحيرة والارتباك كما يلتمع البرق في ~~السحاب المظلم المكفهر، تذكر كاتا وطفلها الذي ولدته في الصباح! ~~وتذكر أنها نائمة في الغرفة التي تواجه غرفة سيدتها على كثب منه، ms021 حقا ~~إنها فكرة جهنمية شيطانية يبرأ منها قلب كاهن مثله، ولكن القلب لا ~~يتيقظ إذا تسلط عليه ما يتسلط على قلبه من الانفعالات والاضطرابات، ~~وهيهات أن يصحو ضمير أمام رهبة فرعون ورجاله، كلا لا يستطيع أن ~~يتردد. # وأحنى الكاهن رأسه المثقل احتراما، وذهب ليرتكب أشنع جريمة، فتبعه ~~فرعون، وتبع فرعون الأمراء والكبراء، وصعدوا خلفه إلى الطابق الأعلى، ~~ولكنهم حين رأوا الكاهن يهم بولوج باب الحجرة وقفوا في الردهة وهم ~~سكوت، وتردد من رع لحظة ثم التفت إلى مولاه وقال: مولاي، ليس لي سلاح ~~أقاتل به، فأعرني خنجرا ... # ونظر إليه فرعون دون أن يبدي حراكا ... # وضاق صدر الأمير رعخعوف، فاستل خنجره وأعطاه الكاهن بعنف، فأخذه ~~الرجل بيد مرتجفة وأخفاه في عباءته، ودخل الحجرة لا تكاد تحمله قدماه ~~... # وانتبهت إليه كاتا فابتسمت ابتسامة امتنان وشكران، واعتقدت أن سيدها ~~جاءها يباركها، فكشفت عن وجه الطفل البريء، وقالت له بصوت ضعيف: اشكر ~~الرب بقلبك الصغير، الذي عوضك عن موت أبيك حنانا مقدسا ... # فجفل الكاهن مذعورا وخذلته نفسه فانقلب مدحورا، وفاضت عواطف قلبه ~~فجرف سيلها زبد الإثم ... ولكن أين المفر؟ وكيف الخلاص؟ إن فرعون واقف ~~بالباب، وليس لديه مهلة للتفكير والروية، واشتدت به الحيرة حتى أذهلته ~~عن وعيه، فزأر زئيرا مخيفا، ونفس عن صدره بتنهدة عميقة، واستل الخنجر ~~يائسا قنوطا وطعن به نفسه فاستقر في قلبه، وانتفض جسمه انتفاضة هائلة، ~~وسقط على أرض الحجرة جثة هامدة ... # ودخل الملك الحجرة غاضبا وتبعه رجاله، وجعلوا ينظرون إلى جثة الكاهن ~~والنفساء المرتعبة بعيون من زجاج ... إلا الأمير رعخعوف فلم يلهه شيء ~~عن هدفه، وأشفق من ضياع الفرصة السانحة فاستل سيفه من غمده ورفعه بقوة في ~~الهواء، وهوى به على الطفل ... إلا أن الأم أدركت بغريزتها غرضه، فألقت ~~بسرعة البرق نفسها على طفلها ... ولكنها لم تمنع القضاء، فأطاح السيف رأسها ~~ورأس الطفل بضربة جبارة واحدة ... # ونظر الأب إلى ابنه ونظر الابن إلى أبيه، وغلبهما وجوم شديد، لم ~~ينقذهما منه إلا الوزير خوميني إذ قال: فليتفضل مولاي بمغادرة هذا المكان ms022 ~~الدامي. # وخرجوا جميعا وهم سكوت . # واقترح الوزير على مولاه أن يشدوا الرحال إلى منف ليبلغوها قبل جثوم ~~الليل، ولكن الملك قال: إني لا أفر كالمجرمين، ولكن سأدعو كهنة رع وأقص ~~عليهم قصة الأقدار التي ختمت بفاجعة رئيسهم البائس، ولن أعود قبل ذلك إلى ~~منف. # 6 # سارت العربة على خطى الثورين البطيئة تقودها زايا، فقطعت طريق أون في ~~ساعة من الزمان، ثم اجتازت باب المدينة الشرقي وانحرفت إلى الطريق الصحراوي ~~الذي يؤدي إلى قرية سنكا، حيث يقيم أصهار سيدها الكاهن. # وما كانت زايا تستطيع أن تنسى تلك الساعة الرهيبة التي أحاط بها الجند ~~فيها يسألونها، ويمعنون النظر في وجهها، ولكنها تشعر - فخورا - بأنها ~~حافظت على رباطة جأشها رغم هول الموقف، وأنها أقنعتهم بثباتها فتركوها تسير ~~بسلام، وآه لو أنهم علموا بما تحمل عربتها! # وإنها لتذكر أنهم جنود أشداء، ولن تنسى ما حييت عظمة ذلك الرجل ~~الذي يتقدمهم ولا هيبته ولا جلاله، حتى لكأنه تمثال إله ودبت فيه ~~حياة إنسانية. # ولكن يا للعجب! لقد أتى ذلك الرجل الجليل لقتال طفل لم ير نور ~~الدنيا إلا هذا الصباح! # وهنالك نظرت إلى الوراء لترى سيدتها، ولكنها وجدتها كما أنامها ~~سيدها الكاهن تحت الصوان ... يا لها من امرأة بائسة لم يدر بخلد إنسان ~~أنها تنام هذه النومة الشنعاء، وهي نفساء! وما كان زوجها العظيم يحلم ~~بتلك المتاعب التي ساقتها الأقدار بين يدي طفله، ولو تكشف له الغيب ما ~~تمنى الأبوة، ولا تزوج من السيدة رده ديديت التي تصغره بعشرين ~~عاما! # ولكنها أحست بحسرة وحزن، وتنهدت قائلة: ليت الرب يهب لي غلاما، ~~ولو يحمل إلي مولده بؤس الدنيا جميعا! # كانت زايا زوجا عاقرا تذهب نفسها حسرات على طفل تتمناه على ~~الآلهة، كما يتمنى الأعمى رؤية النور، وكم استشارت من أطباء، وكم سألت من ~~سحرة، وكم لجأت إلى الحشائش والعقاقير دون جدوى أو أمل، وكانت إلى ذلك تشفق ~~من يأس زوجها كاردا، الذي يحزنه أشد الحزن أن يرى العمر يتقدم به عاما ~~بعد عام، دون أن يوهب ms023 غلاما يحبو في داره ويدفئ صدره بالأمل والخلود، وقد ~~ودعها آخر مرة وهو يشد الرحال إلى منف حيث يشتغل في بناء الأهرام - وهو ~~ينذرها بالزواج مرة أخرى إذا هي لم تلد. وانقضى على سفره شهر وشهران وعشرة ~~أشهر، وهي ترقب نفسها وتتحسس آيات الحمل ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم دون ~~جدوى، وبلا أدنى أمل، رباه! لماذا تحرمها الآلهة الأمومة! وما حكمة ~~خلقها امرأة إذن؟ إذ ما امرأة بلا أمومة؟ إن امرأة بلا أمومة كخمر بلا ~~نشوة، أو وردة بلا رائحة، أو عبادة بلا إيمان فوا يأساه! # وعند ذاك سمعت صوتا ضعيفا ينادي زايا فأسرعت إلى الصوان ورفعته ~~ووضعته جانبا، ورأت سيدتها والطفل في حضنها نائما، وكانت متعبة ~~مجهدة والاصفرار يعلو وجهها الأسمر الجميل فسألتها: «كيف حالك يا ~~سيدتي؟» فأجابتها بصوتها الضعيف: بخير بفضل الأرباب ... أما من خطر ~~يتهددنا الآن يا زايا؟ # فقالت الخادمة: اطمئني يا مولاتي لقد بعد الخطر عنك وعن مولاي ~~الصغير. # فتنهدت المرأة تنهدا عميقا وسألتها: هل يبقى أمامنا سفر ~~طويل؟ # فقالت زايا برقة: يبقى أمامنا مسير ساعة على أقل تقدير ... والأولى لك ~~يا سيدتي أن تنامي في حمى الرب رع. # فتنهدت المرأة والتفتت إلى الطفل النائم، وقد اكتسى وجهها الشاحب ~~الفتان بالمحبة والحنان، ثم أغمضت عينيها طلبا للنوم. ومضت زايا تنظر ~~إليها وإلى الطفل، تنظر إلى صورة الأمومة الحلوة السعيدة رغم الآلام ~~والمخاوف ... ما أجمل منظرهما! ألا ليتها تذوق الأمومة ولو مرة واحدة! مرة ~~واحدة ولو تدفع حياتها ثمنا لها! # رباه! لا الرب يرحم ولا الطب ينفع ولا كاردا يعذر ... ولعله لا يفوت ~~وقت طويل قبل أن تضحى مطلقة شريدة تعاني آلام الوحدة وعذاب ~~العزوبة! # وحولت زايا نظرها عن الأم السعيدة إلى الثورين وتنهدت قائلة: لو ~~كان لي مثل هذا الطفل؟ لو آخذ هذا الطفل وأصطنعه ابنا بعد أن أبت علي ~~الآلهة ابنا طبيعيا! # ولم تكن تضمر بقولها سوءا ولكنها تمنت، والنفس تتمنى المستحيل، ~~وتتمنى ما تمتنع عن فعله خوفا أو رهبة أو إشفاقا. # وقد تمنت ms024 زايا وحلقت في سموات السعادة بجناحي الأحلام، ورأت ~~نفسها تسير بهذا الطفل الجميل إلى كاردا وتقول له: «انظر لقد ولدت لك هذا ~~الطفل الجميل.» ورأت زوجها يتهلل، ويطير من الفرح، ويقبل عليها وعلى ددف ~~الصغير يحتضنهما ويقبلهما معا! وانتشت بنشوة السعادة الخيالية فتمددت ~~على جنبها الأيمن، وأمسكت زمام الثورين بيد ووضعت رأسها على الأخرى ~~واسترسلت في عالم الأحلام، وجرت - في غفلة منها - أنامل النوم على ~~عينيها بخفة ورشاقة؛ فحجبت عنهما نور اليقظة، كما أخذ أفق الغرب يحجب ~~نور الشمس عن الدنيا ... # ولما عادت زايا إلى عالم الشعور ظنت أنها نائمة على سريرها بقصر ~~سيدها كاهن رع تستقبل الصباح، ومدت يدها لتسحب اللحاف عليها؛ لأنها ~~أحست بتيار هواء بارد، فانغرست يدها فيما يشبه الرمل، ففتحت عينيها دهشة ~~فرأت كونا مظلما وسماء مزدانة بالنجوم. وأحست بجسمها يهتز اهتزازا ~~غريبا ... فتذكرت العربة والسيدة رده ديديت وطفلها الصغير الهارب، وجميع ~~الذكريات التي انتزعها منها سلطان النوم القاهر ... # ولكن أين هن؟ وفي أية ساعة من الليل؟ # ونظرت فيما حولها فرأت فضاء مظلما محيطا يطبق عليها من ثلاث ~~نواح، وتراءى في الناحية الرابعة نور خافت عن بعد سحيق، لم تشك في أنه ~~يشع من القرى المنثورة على شاطئ النيل ... وسوى ذلك فليس بالمكان الذي ضل ~~فيه الثوران ما يدل على حياة ... # وتسربت وحشة الكون إلى نفسها، ونفذت ظلمته إلى قلبها، فانكمشت مرتجفة ~~مذعورة، واصطكت أسنانها من الخوف، وجعلت تنظر إلى الظلام بعينين ~~تتوقعان المخاوف فتخلقها خلقا مزعجا. # وقد خيل إليها أنها ترى في أفق الظلام أشباح قافلة من البدو، ~~وكانت تذكر أشتاتا مما يروى عن قبائل سيناء، وسطوهم على القرى، وخطفهم ~~للتائهين والضالين وقطعهم الطريق على القوافل. وكانت لا تشك في أن ~~العربة التي تقودها على غير هدى تعد غنيمة ثمينة بما فيها من حنطة، ~~وبالثورين اللذين تشد إليهما، وبالمرأتين اللتين يحق للعاب رئيس ~~القبيلة أن يسيل عليهما ... فاشتد بها الخوف وجن جنونها، فقفزت على رمل ~~الصحراء، واتجه نظرها إلى المرأة النائمة وطفلها وكانت ترى وجهيهما ms025 على ~~ضوء النجوم الخافت، فمدت يديها بلا وعي ولا تدبر إلى الطفل ورفعته ~~بخفة، وأحكمت لف القماط حوله، وأطلقت ساقيها للريح صوب أنوار المدينة، ~~وخيل إليها وهي تعدو أنها سمعت صوتا ينادي عليها بفزع، فظنت أن البدو ~~أحاطوا بسيدتها، فازداد بها الرعب وضاعفت سرعة عدوها، لا يعوقها الرمل ~~المكدس ولا الحمل العزيز ولا التعب الشديد، فكانت كالمتردي في هاوية يهوي ~~بحكم ثقله دون أن يستطيع لنفسه إمساكا. ولعلها لم تكن قد توغلت في ~~الصحراء توغلا بعيدا، أو لعلها قطعت بعدوها شوطا يجاوز تقدير ~~المقدرين وتصور المتصورين؛ لأنها أحست تحت قدميها بأرض ممهدة كأرض ~~الطريق الصحراوي، ونظرت خلفها فلم تر إلا ظلاما، وكانت عند ذاك قد استهلكت ~~قوتها الجنونية، فهدأت من سرعتها وثقلت خطاها، ثم ارتمت على ركبتيها ~~وهي تلهث بعنف وشدة مخيفين، وكانت ما تزال مذعورة مجنونة، ولكنها لم ~~تستطع حراكا، مثل فريسة الكابوس الذي تطارده الأخطار ولا تطيعه قدماه، ~~فجعلت تتلفت يمنة ويسرة لا تدري عن أي طريق يأتي الفرج، ولا في ~~أية ناحية يجثم الهلاك. # وخيل إليها أنها تسمع وقع عجلات وصهيل خيل! ترى هي عجلات عربات ~~وخيل فرسان أم نبض الدم بأذنيها ورأسها؟ ولكن الأصوات وضحت فتأكدت وبدت ~~في الظلمة أشباح الراكبين العادين الآتين من الشمال، ولم تدر إن كانوا ~~يحملون لها سلاما أم هلاكا، ولم تستطع اختفاء لأن ددف علا صوته ~~بالصراخ والعويل، ولم تكن تأمن في ركعتها وسط الطريق أن تلتهمهما عجلات ~~العربات المندفعة فرفعت عقيرتها صائحة: «أيها الراكبون.» # واندفعت تكررها بصوت المستغيث وقد أسلمت نفسها للمقادير، وأتى ~~الركب سريعا، ووقف على بعد منها قريب، وسمعت صوتا يسأل عن الصارخ، ~~خيل إليها أنه ليس غريبا عنها، فشدت يديها على الطفل وتنبه بها ~~الحذر، فقالت بلهجة ريفية قحة غيرت بها نبرات صوتها: أنا امرأة ~~هلكى، قصر بي الجهد عن متابعة الطريق، وغشيني الظلام، وهذا طفلي، يكاد ~~يقتله هواء الليل الرطيب. # فسألها صاحب الصوت الأول: وإلى أين تقصدين؟ # فقالت زايا وقد بدأت تطمئن إلى أنها في حضرة ms026 جنود مصريين: أقصد يا ~~سيدي إلى منف. # فضحك الرجل وقال متعجبا: إلى منف يا سيدة؟! ألا تعلمين أن الراكب ~~يقطع هذا الطريق في ساعتين؟ # فقالت زايا بذلة وبؤس: إني أسير يا سيدي منذ العصر، وقد اضطرتني ~~أسباب انقطاع الزاد إلى الهجرة، فتوهمت أني أستطيع أن أبلغ منف قبل جثوم ~~الليل ... ~~- ومن لك في منف؟ ~~- زوجي كاردا الذي يشتغل في بناء هرم مولانا فرعون. # ومال الرجل إلى رجل في العربة التي إلى يساره وأسر إليه بكلمات، ~~فقال الرجل: الأوفق أن يعود بها جندي إلى بلدتها. # فقال الأول: كلا يا خوميني فلن تلقى في بلدتها إلا الجوع والمهانة، ~~فلنحملها معنا إلى منف. # وصدع خوميني بأمر مولاه، فترجل عن عربته وذهب إلى السيدة وعاونها على ~~القيام، وسار بها إلى أقرب عربة وأركبها وطفلها، ووصى عليهما جندي ~~العربة. # أما فرعون فقد التفت إلى المعمار ميرابو وقال له: لقد شق على قلبك ~~الرقيق يا ميرابو أن ترى طفلا بريئا وأمه يذبحان بلا ذنب ولا جريرة، ~~فإياك أن تتهم مولاك بالقسوة ... انظر إلي كيف أرضى أن أحمل امرأة جائعة ~~وطفلها الرضيع لأقيهما شر البرد والجوع، وأبلغ بهما بلدا ما كانا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس؛ ففرعون رحيم بعباده، ولم أك أقل رحمة حين خرجت للقضاء على ~~ذلك الطفل السيئ الحظ، ذلك أن فعال الملوك كفعال الآلهة قد تلبس رداء ~~الوحشية، ولكنها في جوهرها حكمة سامية. # وقال الأمير رعخعوف: الأولى لك أيها المعمار ميرابو أن تعجب بقوة ~~الإرادة الهائلة التي هزمت الأقدار، وقضت على قضاء القضاء. # وعاد خوميني إلى العربة، وأمر الملك قائد عربته بالمسير، فانطلق الركب ~~صوب منف يشق أمواج الظلماء. # 7 # وصلت زايا إلى منف قبيل منتصف الليل بزمن قليل مع الركب الفرعوني، وقد ~~نفحها الملك بقطعتين من الذهب، فسجدت بين يديه شاكرة ممتنة، وقد اعتقدت ~~أنه قائد من القواد العظام، وودعته في ظلمة الليل دون أن ترى وجهه أو يرى ~~وجهها. # وكانت زايا في حالة بائسة من الخور الجسماني والفزع النفسي، فتاقت ~~نفسها إلى حجرة ms027 تخلو فيها إلى نفسها، واستدلت بشرطي على فندق متواضع ~~تبيت فيه بقية ليلها. ولما وجدت نفسها والطفل لا ثالث لهما، تنهدت ~~تنهدة عميقة وارتمت على السرير. # وكأنما أطلقت - باستلقائها - العنان لألم جسمها ومخاوف قلبها، ولكن ~~مخاوف القلب طغت على آلام الجسم واستبدت بشعورها. كانت ذاهبة الفؤاد ~~مذعورة النفس لا تبرح مخيلتها صورة سيدتها النفساء التي خطفت طفلها، ~~وتركتها على عربة ضالة وسط الصحراء، تغشاها الظلمات وتحيط بها الوحشة ~~ويطبق عليها رجال سلب ونهب لا تعرف قلوبهم الرحمة ولا الشفقة، ولعلها الآن ~~أسيرة بين أيديهم يسومونها سوء العذاب، ويفرضون عليها الرق والعبودية، وهي ~~تبث الآلهة شجوها وذلها وتشكو إليها ما لاقت من غدر ويأس وما تلقى ~~من عذاب. # وازدادت زايا عذابا وخوفا، ومضت تتقلب على فراشها ذات اليمين وذات ~~الشمال، وأشباح فعلتها النكراء تطاردها مطاردة عنيفة وتنهال عليها بالوخز ~~والألم والرعب، واستصرخت النوم العزيز لينقذها من ويل ليلتها الوبيل، ~~ولكنها تقلبت كثيرا وسهدت طويلا، وذاقت مر العذاب والخوف قبل أن ~~يرفق النوم بجفنيها وينتزعها من الجحيم الذي أصلاها نار العذاب، فنامت ~~متعبة منهوكة القوة مقلقلة النفس. # واستيقظت على عويل الطفل، وكانت أشعة الشمس تنفذ من كوة الحجرة وتفرش ~~أرضها بساطا من الأنوار، فحنت على الطفل وهزته بلطف وقبلت فمه بحنان، ~~وكان النوم قد شفى أسقامها، وطمأن نفسها، وإن لم يخل قلبها من قلق ونفسها ~~من عذاب، ولكن الطفل استطاع أن يحول شعورها إليه فأنقذها من عذاب الليل ~~وويله، وحاولت ملاطفته ولكنه زاد في العويل، وواجهت بغتة مشكلة تغذيته ~~وتحيرت من أمرها، ولكنها فطنت إلى الحل الواحد، فقامت إلى باب حجرتها ~~وصفقت بيديها فجاءتها امرأة عجوز تسألها عما تريد، فطلبت منها نصف رطل ~~من لبن الماعز. # وحملت ددف بين ذراعيها وذرعت به الحجرة ذهابا وجيئة، ووضعت حلمة ~~ثديها في فمه تلهيه وتصبره، ثم نظرت إلى وجهه الجميل وصاحت بنشوة فرح ~~مفاجئ كأنه تسلل إلى قلبها خلسة في غفلة عن الهجوم: تبسم يا ددف ... ~~تبسم وقر عينا فسترى والدك بعد حين قليل. # وسرعان ms028 ما تنهدت وقالت لنفسها بخوف: ترى هل أفوز به رغم كل شيء؟ # لقد انتهى أمر أمه الحقيقية وكذا أمر أبيه! # أما أمه فقد أخذها البدو أسيرة، وما كانت تستطيع هي - أي زايا - أن ~~تفعل شيئا لإنقاذها. ولو ترددت لحظة أخرى عن الهرب لوقعت معها غنيمة ~~باردة في أيدي البدو المعتدين، فلا يجوز أن تحمل نفسها وزر جريمة لم ~~ترتكبها ولم تعن على ارتكابها، وأما أبوه فلا شك أن قتله جنود فرعون ~~انتقاما منه لتهريبه زوجه وطفله. # وارتاحت إلى تفكيرها هذا فعاودته مرة أخرى لترضي نفسها وضميرها، ~~وتقضي على أشباح الخوف ونحس الآلام، فرجعت تحدث نفسها بأنها أحسنت ~~صنعا بالهروب وخطف الطفل، ولو أنها لبثت إلى جانب سيدتها ما استطاعت أن ~~تدفع عنها شر العدا ولهلكت معها، وما كان في مقدورها أن تحملها وتدب ~~بها، ولم يكن من الرحمة أن تترك الطفل بين أحضانها حتى يقتله رجال سيناء؛ ~~فقد أحسنت صنعا بالهرب وأحسنت صنعا بخطف ددف ولا خوف عليها، ولا ينبغي ~~أن تحزن! # ما أعذب هذا التفكير، بل ما أجمل أن ينتهي بها إلى أنها أم ددف دون ~~شريك! # هي أمه دون شريك وكاردا أبوه، وكأنما أرادت أن تطمئن إلى هذه ~~الحقيقة فجعلت تناديه نداء منغوما قائلة: «ددف رع ابن كاردا ... ددف رع ~~ابن زايا ...» # وجاءت العجوز بلبن الماعز، وبدأت الأم الصناعية ترضع الطفل رضاعا ~~صناعيا ... حتى ظنت أنه شبع، ولم يبق أمامها إلا أن تتأهب للخروج إلى ~~كاردا ... فاستحمت ومشطت شعرها ووضعت خمارها على منكبيها، وحملت ددف بين ~~يديها وغادرت الفندق. # وكانت شوارع منف مزدحمة كعادتها بالمارين، راجلين وراكبين، ذكورا ~~وإناثا، من وطنيين ومستوطنين وأجانب. ولم تكن زايا تعرف الطريق إلى الهضبة ~~المقدسة، فسألت شرطيا فأجابها بأن الهضبة «جنوب شرقي سور منف يقطعها ~~الراجل في ساعتين أو يزيد، والراكب في نصف ساعة.» وكانت يداها مملوءتين ~~بالقطع الفضية فاكترت عربة ذات جوادين، وجلست باطمئنان وسعادة. # وسرعان ما انتزعتها أحلامها من الدنيا، وحلقت بها في سماء السعادة ~~والغبطة، فسبق خيالها العربة إلى ms029 كاردا زوجها الحبيب المفتول الذراعين ~~الأسمر الوجه ، فما أجمله في وزرته القصيرة التي تكشف عن ساقيه ~~الحديديتين، وما أحب وجهه المستطيل بجبهته الضيقة وأنفه الكبير ~~وعينيه الواسعتين وصوته الخشن العريض ذي اللهجة الطيبية القحة؛ وكم ~~ذا تشتاق إلى ضم ساعديه وتقبيل فمه وسماع صوته. # وكان في أمثال هذه المقابلات التي يسبقها غياب طويل يقبل عليها بشوق ~~ويقول لها مداعبا: «تعالي يا امرأة ... كأني بك أرض صخرية تشرب الماء ~~ولا تنبت شيئا.» أما هذه المرة فلن يقولها، وكيف يقولها وهي تلقاه وعلى ~~يديها أجمل ما حملت الأمهات؟! ولا ريب أنه سينظر إليها كالذاهل فتلين ~~عضلات وجهه الصلبة، وتمتلئ عيناه البراقتان بنظرة حنان تذوب رقة ~~وعطفا، ويهتف بها وهو لا يتمالك نفسه من الفرح: «وأخيرا ولدت يا زايا! ~~أحقا هذا طفلي؟ تعالي إلي ... تعالي إلي ...» فتقول له وهي ترفع ~~رأسها بكبرياء وأنفة: «خذ طفلك يا كاردا وقبل قدمه الصغيرة ... واسجد شكرا ~~للرب رع ... إنه ذكر وقد سميته ددف.» # وأقسمت لتحملن زوجها على العودة إلى طيبة مسقط رأسه؛ لأن قلبها ~~بات يوجس خيفة - لا تدري ما كنهها - من الشمال وأهله، وفي طيبة الجميلة، ~~وتحت رعاية الرب آمون، تربي ابنها وتحب زوجها، وتعيش الحياة التي ~~حرمتها دهرا طويلا ... # وأيقظتها من أحلامها جلبة أصوات وضجيج حياة، فنظرت إلى الطريق ورأت ~~العربة تصعد طريقا ضيقا ملتويا والرجل يلهب الخيل بسوطه، ولم تستطع في ~~جلستها أن ترى ما على سطح الهضبة، ولكن طرقت أذنيها أصوات أحياء ودوي آلات ~~وأناشيد العمال، وعرفت من بينها نشيدا كان كاردا يترنم به في أوقات ~~الصفاء وهو: # نحن رجال الجنوب نأتي مع مياه النيل، # من تلك الأرض التي اختارتها الآلهة سكنا والفراعين، # نسوق بين أيدينا الخصب العميم والعمران. # انظر إلى المدن العامرة والمعابد ذات العمدان، # كانت - قبلنا - خرائب تأوي إليها الأوابد والغربان. # إن الصخر لنا يلين ويذعن، وكذا الماء الجبار. # سل عن بأسنا قبائل النوبة وطور سيناء. # سل عن جهادنا زوجات ينتظرن في وحدة وعفاف. # وسمعت المئين يرددونها بقوة وحنان معا، فهفت ms030 نفسها ~~إليهم كما يهفو الحمام إلى صفير صاحبه، وأنشد قلبها مع المنشدين. # وبلغت العربة سطح الهضبة بعد أن اجتازت الطريق المسمى وادي الموت، ~~ونزلت منها زايا وسارت صوب الخلق المحشود المنتشر على رقعة الهضبة كأنه ~~جيش عارم في ميدان. ومرت في طريقها بمعبد أوزوريس وتمثال أبي الهول ~~ومصاطب الآباء والأجداد الذين أهلتهم أعمالهم في الدنيا للرقاد في بطن ~~تلك الأرض الطاهرة، وشاهدت النهر الطويل الذي شقه العمال ليصل الهضبة ~~بالنيل. وكانت تجتازه المراكب الضخمة تباعا محملة بالصخور الجبارة حيث ~~ينتظرها عند المراسي جماهير العمال بالعربات الزاحفة. ورأت عن بعد أساس ~~الهرم الذي لا يحيط بحدوده بصر والعمال على سطحه كالنجوم المنتثرة في رقعة ~~السماء ... وكانت تختلط أصوات الأناشيد بصياح الرؤساء وأوامر الحرس وطقطقة ~~الآلات، فوقفت زايا حيرى وطفلها على يديها تتلفت يمنة ويسرة لا ~~تدري أين المستقر، وترى عبث النداء في ذاك المحيط اللجي، وقد تعبت ~~عيناها قلقا وترددا بين الوجوه. # ومر بها أحد الحراس فاستغرب وقفتها، ودنا منها وسألها بصوت أجش: ماذا ~~جئت تفعلين هنا يا سيدة؟ # فقالت له بسذاجة: أبحث يا سيدي عن زوجي كاردا. # فسألها الجندي وهو يقطب جبينه متذكرا: كاردا؟ هل هو معمار أم ~~حارس؟ # فقالت في استحياء: هو عامل يا سيدي. # فضحك الرجل ساخرا، وقال لها وهو يشير إلى بناية على بعد قريب: اسألي ~~عنه في مكتب المفتش. # فسارت زايا إلى هدفها، وكانت البناية متوسطة الحجم، جميلة المشهد، ويقف ~~على بابها حارس من الجند، وقد اعترض طريق زايا، ولكنها أخبرته بما جاءت ~~من أجله فأوسع لها، فدخلت حجرة واسعة تصطف في جوانبها المكاتب، ويجلس خلفها ~~الموظفون، وكانت جدرانها ملأى بالرفوف المكدسة بأوراق البردي، وفي اتجاه ~~الداخل يرى باب موارب دلها الجندي عليه بعصاه، فاجتازته إلى حجرة أصغر ~~حجما وأجمل منظرا وأثمن أثاثا، وكان يجلس في ركن منها - خلف مكتب فخم - ~~رجل ربعة القوام بدين الجسم، يميزه رأس كبير وأنف ضخم قصير في وجه ممتلئ، ~~عظيم الشدقين، منتفخ الخدين كقربتين صغيرتين، وكانت عيناه جاحظتين ~~وجفناه ثقيلين، ms031 وقد جلس جلسة كبرياء وعظمة، وانكب على ما بين يديه ~~في تيه وسلطان. # وقد أحس بالداخل، ولكنه لم يرفع عينيه ولم يبد عليه اهتمام حتى ~~فرغ مما بين يديه، فنظر إلى زايا نظرة شوس وتيه، وسألها بصوت تياه ~~فخور: ماذا تريدين يا امرأة؟ # فاستولى الارتباك والخوف على زايا وقالت بصوت مضطرب ضعيف: جئت أبحث عن ~~زوجي يا سيدي. # فسألها بنفس اللهجة: ومن زوجك؟ ~~- عامل يا سيدي. # فضرب المكتب بقبضة يده، وقال بلهجة حادة وبصوت كأنه يرن في قبو: وما ~~الداعي إلى تعطيله عن عمله وإقلاقنا؟ # فذعرت زايا وتفرق منطقها شعاعا ولم تحر جوابا ... فأدام إليها ~~النظر وشاهد وجهها الخمري المستدير، وعينيها العسليتين الساخنتين، ~~وشبابها الغض، فعز عليه أن يجثم الخوف على مثل ذاك الوجه الصبوح، ولم يكن ~~له من السلطان إلا ظاهر وزهو. أما قلبه فطيب، وأما عواطفه فرقيقة، فعطف ~~على المرأة وقال بصوته الأجوف ولكن بلهجة رقيقة ما استطاع: لماذا تبحثين عن ~~زوجك يا سيدة؟ # فتنهدت زايا ارتياحا وزال عنها الرعب وقالت بامتنان: إني آتية من ~~أون بعد أن ضاقت بي سبل العيش، وأرجو يا سيدي أن يعلم بوجودي. # فنظر المفتش إلى الطفل الذي تحمله على ذراعيها وقال كالمرتاب: أمن أجل ~~هذا جئت حقا ... أم جئت تبشرينه بهذا المولود؟ # فتورد خدا زايا وعلا الحياء وجهها، ونظر إليها الرجل هنيهة ملتذا ~~ثم سألها: حسن ... من أي بلد زوجك؟ ~~- من أون يا سيدي ومسقط رأسه طيبة. ~~- وما اسمه يا سيدة؟ ~~- كاردا بن عن يا مولاي. # فنادى المفتش كاتبا وقال له بلهجة الأمر والخيلاء، التي تنازل عنها من ~~أجل عيني زايا: كاردا بن عن من أون. # فذهب الكاتب وبحث بين الدفاتر واستخرج واحدا منها وقلب في أوراقه ~~باحثا عن حرف الكاف، وعن اسم كاردا، ثم عاد إلى رئيسه، ومال على أذنه وهمس ~~بصوت خافت ورجع إلى عمله. # وأجد المفتش في مظهره، ونظر إلى وجه المرأة طويلا، ثم قال بصوت هادئ ~~خافت: آسف يا سيدتي أن أنعى إليك زوجك؛ فقد مات في ميدان ms032 العمل ~~والواجب! # وصكت كلمة الموت أذني المرأة ففرت من صدرها صرخة رعب وفزع، ~~ولبثت لحظة كالذاهلة، ثم سألت المفتش بتوسل أليم: أحقا مات زوجي كاردا ~~بن عن؟ # فأجابها بوجوم: نعم يا سيدتي ... استوصي بالصبر. ~~- ولكن ... كيف عرفت ذلك يا سيدي؟ ~~- هذا ما أنبأني به الكاتب بعد أن فحص أسماء عمال أون. ~~- ومن أدراك يا سيدي فقد يخدع البصر وتتشابه الأسماء. # وطلب المفتش الدفتر إلى مكتبه ونظر فيه بنفسه ثم هز رأسه أسفا، ونظر ~~إلى وجه المرأة الذي لون الرعب صفحته بصفرة الموت، ورسم الأمل في عينيه ~~نظرة تضرع وتوسل ورجاء، وقال: استوصي بالصبر يا سيدتي، وأذعني لإرادة ~~الآلهة. # فانطفأ نور الأمل الخافت وأجهشت زايا في البكاء، فطلب المفتش لها ~~كرسيا ومضى يقول لها: تشجعي يا سيدة ... تشجعي ... هذه إرادة ~~الآلهة. # ولكن زايا كان يلوح لها الأمل كما يلوح السراب للظمآن في المفاوز، ~~فسألته: ألا يجوز يا سيدي أن يكون الميت واحدا غريبا يحمل اسم ~~زوجي؟ # فقال لها المفتش بلهجة اليقين: كاردا بن عن هو العامل الوحيد الذي ~~استشهد من عمال أون. # فصاحت المرأة بذل وألم: يا لسوء حظي يا سيدي ... ألم تجد الأقدار ~~هدفا لسهمها غير صدري الضعيف؟! ~~- هدئي روعك ... ~~- ليس لي رجل سواه يا سيدي. # وكأن المفتش الطيب القلب أراد أن يطمئنها، فقال لها: إن فرعون لا ينسى ~~عباده المخلصين، وتسع رحمته الضحايا والمستشهدين جميعا ... أصغي إلي: ~~لقد أمر مولانا الملك ببناء بيوت لأسر العمال الذين قضوا في أثناء ~~العمل، وقد شيدت البيوت عند سفح الهضبة، وأوى إليها العشرات من النساء ~~والأطفال، وقد أجرى عليهم الملك إعانات شهرية، كما اقتضت إرادته اختيار ~~الرجل من ذوي قرباهم للمعاونة في الحراسة ... فهل لك قريب تريدين تعيينه ~~مراقبا للعمال؟ # فقالت زايا وهي تنتحب: ليس لي في هذه الدنيا غير هذا الطفل. # فقال الرجل: ستأويان إلى حجرة نظيفة ولن تعرفا ذل السؤال. # وهكذا غادرت زايا مكتب مفتش الهرم أرملة بائسة، تندب زوجها السيئ الحظ ~~وطالعها المنكود. # 8 # وكانت البيوت التي أمر فرعون بإقامتها ms033 لأسر العمال المستشهدين تقع ~~خارج أسوار منف البيضاء شرقي الهضبة المقدسة، وكانت بيوتا متوسطة الحجم ~~يتكون كل منها من طابقين، وكل طابق من أربع حجرات متسعة، وقد أقامت ~~زايا في حجرة هي وطفلها، وألفت نفسها تعيش بين أولئك الخلق من الأرامل ~~والثكليات والأطفال، منهن من لا تفتأ تندب قتيلها، ومنهن من اندمل جرحها ~~وعفا الزمان على أحزانها. وكانوا جماعة ذوي همة ونشاط، فاشتغل الصبيان ~~بتوزيع الماء على العمال، واتجرت النسوة بالأطعمة والجعة، وتحول الحي ~~البائس إلى سوق ناشئة رخيصة دبت بها حركة العمران والعمل، وبشرت بأن ~~تكون جنين قرية يافعة ... # وقد أمضت زايا أيامها الأولى بسكنها الجديد في حزن متصل وبكاء أليم ~~على الزوج الفقيد، وعذبها الحزن عذابا لم يخفف بلواه عنها ما تلقى من ~~توفر الرزق، وما تنعم به من عطف بشارو مفتش الهرم العام، ولكن وا أسفاه! ~~فلو ذكر المصابون في قلوبهم أن الموت فناء يطمس الذكرى ويذهب الأحزان ~~في قلب الحي بنفس السرعة التي يفنى بها وجود الميت، لوفروا على أنفسهم ~~جهدا ضائعا وعذابا مريرا؛ فقد تعزت وأنستها متاعب الحياة مرارة ~~الموت؛ لأنها أحست بتأفف في مقامها الجديد وضاقت به، ولما تمض به ~~سوى شهور قلائل، واقتنعت بأنه ليس المكان اللائق بها ولا بابنها، ~~ولكنها لم تر عن الصبر محيدا فسكتت على الحزن والضيق. # وفي أثناء تلك الشهور زارها المفتش بشارو عدة مرات؛ لأنه كان ~~يجيئها كلما ذهب للتفتيش على المساكن، وتفقد أحوالها، حقيقة أنه كان يزور ~~كثيرات من الأرامل، ولكن زياراته ~~لزايا امتازت برحمة ومودة، وما من شك في أن الأخريات لم يكن أقل بؤسا ~~من زايا ومنهن من يفقنها شقاء، ولكن لم يكن لواحدة منهن عينان عسليتان ~~ساخنتان كعيني زايا، ولا جسم ممشوق لدن كجسمها. وقالت زايا لنفسها وهي ~~مستغرقة في لجج التأمل والتفكير: ما أطيبه من رجل! إنه بدين قصير، غليظ ~~القسمات، في الأربعين من عمره أو يزيد، ولكنه طيب القلب عظيم المودة ...! ~~وكانت تلحظ بعين نافذة خفية أنه إذا وقع بصره على جسمها ms034 اللدن اضطرب ~~جفناه الثقيلان، وانفرجت شفتاه الغليظتان. وحل الهوان في طلعته محل ~~الخيلاء والكبرياء؛ فتعاطيه تثنيا رقيقا يسمره في مكانه ثواني كأنه ~~خنزير محاصر. وتولدت المطامع في قلب زايا فسلت سلاحها للاستيلاء على ~~المفتش العظيم، وقد انتهزت مرة فرصة حضوره فشكت إليه سوء ما تلقى من ~~الوحشة والكآبة في مقامها البائس، وقالت له: لعلي أكون ذات نفع يا ~~سيدي في غير هذا المكان؛ فإني خدمت طويلا في قصر أحد سراة أون، ولي ~~خبرة عظيمة بأعمال الوصيفات. # فارتج جفنا الرجل الغليظان، ونظر إلى الأرملة الحسناء بعين طامعة ~~وقال: فهمت يا زايا؛ فليس ما تشكين هو العطلة أو الخمول، ولكن نفسك ألفت ~~نعيم القصور، فلا يتأتى لها الصبر على مثل هذه الحياة البائسة. # فابتسمت الماكرة في رقة ودلال، وكشفت عن وجه ددف الجميل وقالت: هل ~~يليق هذا المكان بمثل هذا الوجه الحسن؟ # فقال المفتش: كلا ... ولا بك يا زايا. # فاحمر وجهها وأسبلت جفنيها حتى مست أهدابها نقرتي خديها، فقال ~~الرجل: إن لي ذلك القصر الذي تريدين، ولعله يريدك أيضا. ~~- إني رهينة إشارة مولاي. ~~- لقد ماتت زوجتي تاركة لي ابنين، وعندي من الجواري أربع، فهل ~~تكونين الخامسة يا زايا؟ # ومنذ ذلك اليوم انتقلت زايا وطفلها ددف من حي البائسات إلى حريم مفتش ~~الهرم بشارو بقصره الجميل الذي تمتد حديقته حتى تبلغ مجرى النيل المقدس، ~~وانتقلت إليه كجارية ذات حظوة ليست لغيرها. ووجدت الجو خاليا لمكرها ~~وسحرها؛ لأن القصر كان بدون ربة مسيطرة، ولأن ابني المفتش كانا ~~حبيبين صغيرين، فعملت على أسر لب سيدها، ونجحت في مسعاها حتى حملته على ~~الزواج منها، وسرعان ما صارت زوج المفتش بشارو وربة قصره والمشرفة على ~~تنشئة ابنيه خنى ونافا، ولم تكن زايا يخونها المكر أبدا؛ فمنذ تسنمت ~~مكانتها العالية أقسمت فيما بينها وبين نفسها لتحسنن معاملة الصبيين، ~~وتكونن لهما نعم الأم الحنون. # وهكذا ابتسم الحظ لزايا بعد تقطيب، وأقبلت عليها الدنيا بعد ~~إدبار. # 9 # ذلك هو القصر الذي قضت الأقدار بأن يكون مرتع طفولة ددف رع. وقد ms035 تمتع ~~الطفل بطفولة خالصة ثلاث سنوات كاملة - كما جرت العادة بمصر على أيامه - ~~لم يفارق فيها حضن أمه إلا حين النوم، وقد ترك - في تلك السنوات الثلاث - ~~أثرا على صدر زايا لم يمح منه طيلة العمر، فملأه أمومة ورضع منه حنانا ~~ومحبة، ولا نستطيع أن نحدث عن طفولة ددف الأولى بأكثر من مس ~~ظواهرها، لأنها - ككل طفولة - سر مغلق وسعادة في قمقم لا يعرف كنهها إلا ~~الآلهة التي تحوطه بالعناية وتلهمه النجوى، وقصارى ما يقال إنه كان ~~ينمو سريعا كما تنمو أشجار مصر تحت أشعة شمسها المشرقة، وإن نفسه كانت ~~تتفتح كاشفة عن حسنها، كما تتفتح الوردة إذا سرى في عودها دفء الحياة، ~~وانبعث فيها روح الجمال، وإنه كان سعادة زايا ونور عينيها كما كان لعبة ~~نافا وخنى الثمينة المفضلة، يتخاطفانه ويقبلانه ويعلمانه الأسماء ~~والنطق والمشي. وإنه ختم طفولته الأولى تلك بعلم لا يستهان به؛ فتعلم ~~كيف يقول لزايا: «أماه» وعلمته المرأة أن يقول لبشارو: «أبتاه» وكان ~~الرجل يتقبلها منه بحبور، وكان يتفاءل بوجهه الصبوح الجميل الذي يكتسب ~~رونقه من بهاء اللوتس. وما زالت أمه به حتى تعلم كيف ينطق رع، وكانت ~~تطلب إليه النطق بها قبيل النوم وعقب الاستيقاظ؛ لتستدر عطف الرب على ~~ابنه الحبيب. # وحين بلوغه الثالثة هجر حضن زايا ومضى يحبو في حجرة أمه، أو يسير ~~متوكئا على المقاعد والدواوين ما بين البهو والحجرات، ودلته غريزة ~~الاستطلاع على نقوش الوسائد وزخرف المناضد ورسوم الجدران والتحف المنثورة ~~والمصابيح المدلاة، فعبثت يده بما استطاعت الوصول إليه، ومد قبضته ~~للعزيز الممتنع، حتى إذا أعياه القصد صاح رع، أو نفس عن صدره الصغير بآهة ~~عميقة، واستأنف السير وأخذ في البحث والاستكشاف، ثم أتاه المفتش بشارو ~~بثروة عظيمة من اللعب: كالحصان الخشبي، والتمساح الفاغر فاه، والعربة ~~الحربية الصغيرة. فكان يعيش معها في دنيا غير الدنيا، دنيا يخلق فيها ~~الحياة، ويسيطر على المصائر، ويقول للشيء كن فيكون، فكان للحصان الخشبي ~~حياته وآماله، وللتمساح الفاغر فاه حياته وأطماعه، بل كان للعربة نفسها ~~حياتها ومطالبها، ms036 وكان يحادثها فتحادثه، ويأمرها فتطيعه، وتكشف له في كل ~~حين من أسرار الجماد ما تخفيه عادة عن الراشدين. # وعلى ذلك العهد ولد جاموركا من أبوين عريقين من سلالة أرمنت، وقد ~~استقبله ددف رع استقبالا حفيا، ووهبه حجره يأوي إليه، وتوثقت عرا ~~المودة بينهما منذ ذلك العهد المبكر، وقد قضت محبة ددف لصديقه أن ينشأ هذا ~~نشأته الأولى في حضنه، وأن يتبعه في أثناء نومه كظله، وأن يلقن اسم ~~جاموركا بلسانه الحلو، وأن يكون أول نباحه نداء عليه، وأول تحريك ذيله ~~القصير حفاوة به، ولكن وا أسفاه، لم تخل طفولة جاموركا من عذاب، فكان ~~التمساح الفاغر فاه واقفا له بالمرصاد، ينغص عليه سعادته ويكدر صفوه، ~~وكان إذا رآه نبح وبرقت عيناه، وتصلب جسمه وكر وفر، ولا يهدأ حتى ~~يخفي ددف تمساحه المخيف. # وكانا لا يكادان يفترقان، فإذا أوى ددف إلى سريره رقد جاموركا إلى ~~جانبه، وإذا قعد ساكنا - وقليلا ما يفعل - جلس قبالته وبسط ذراعيه، أو ~~مضى يلعق خديه ويديه كيف شاء حنانه واقتضت مودته، وكان يتبعه إلى مماشي ~~الحديقة، ويركب معه القارب إذا حملتهما زايا إليه للتريض في بركة القصر، ~~فكانا يطلان برأسيهما من حافة القارب، وينظران إلى صورتيهما في ~~الماء، أما جاموركا فلا يسكت عن النباح، وأما ددف فيعجب لذلك الصغير ~~الجميل الذي يشبهه ويعيش في باطن البركة. # وكانوا إذا أتى الربيع وصدحت السموات بأناشيد الطير، وانشقت أردية ~~الشتاء الكثيفة عن نور الشمس البهيج، واحتفى الكون بعيد الشباب، فلبست ~~الأشجار حللا من سندس، وازينت الشجيرات بألوان الورود والرياحين، ~~وتدفق الحب في القلوب، كانوا يكثرون من رياضة الزورق على سطح الماء، ~~وكانوا يتركون الأطفال عرايا إلا مما يستر، فكان خنى ونافا يقفزان إلى ~~الماء ويسبحان ويتقاذفان بالكرة. ويقف ددف إلى جانب جاموركا يشاهدهما بسرور ~~وغيرة، وربما طلب إلى أمه أن يفعل مثلهما فترفعه من تحت إبطيه وتغطسه في ~~الماء إلى الوسط، فيلعب بقدميه ويصيح فرحا مسرورا. # فإذا ارتوت نفوسهم لهوا ولعبا عادوا جميعا إلى حجرة الحديقة ~~الصيفية. وجلست زايا على ms037 الديوان، وجلس بين يديها ددف وخنى ونافا وأمامهم ~~جاموركا باسطا ذراعيه، فتقص عليهم قصة البحار الذي تحطمت سفينته ~~وقذفت به الأمواج على لوح من الخشب إلى جزيرة مهجورة، وتروي لهم كيف ظهر ~~له الثعبان الهائل صاحب الجزيرة، وكيف كاد يفتك به، لولا أن علم أنه رجل ~~مؤمن محمود السيرة، وأنه من رعايا فرعون، فطمأنه ووهب له سفينة من عنده ~~محملة بالنفيس من الكنوز عاد بها سالما آمنا إلى وطنه. # وما كان ددف يسمع بأذنيه، ولكنه كان يرى بعينيه السوداوين ~~الجميلتين. # كان سعيدا محبوبا، ومن ذا الذي كان يستطيع ألا يحب ددف ذا العينين ~~السوداوين الدعجاوين، والأنف الطويل المستقيم، والروح الخفيف الضاحك؟ كان ~~يحب إذا تكلم وإذا سكت، يحب إذا لعب وإذا سكن، يحب إذا رضي ~~وإذا غضب. وقد تمتع بنعمة الحب واللهو في حياة قوامها الحب واللهو ~~والخيال، يعيش كالخالدين دون أن يسأل عن غد. # إلى أن بلغ الخامسة وبدأت الحياة تكشف له عن بعض خبيئتها. # وفي ذلك الوقت بلغ خنى الحادية عشرة ونافا العاشرة واختتما تعليمهما ~~الأولي، واختار خنى أن يلتحق بجامعة بتاح ليرقى مدارج علمها المتتابعة ~~ويتفقه في الدين، والأخلاق، والعلوم والسياسة؛ إذ كان الغلام ميالا ~~للعلم، شغوفا بالحكمة، وكان يرغب في شغل وظيفة دينية أو قضائية، أما ~~نافا فلم يتردد في الالتحاق بمعهد خوفو للفنون الجميلة؛ لأنه كان يهوى ~~الرسم والتصوير. # وجاء الدور على ددف ليلتحق بالمدرسة الأولية، وليقضى عليه بهجر زايا ~~وجاموركا وعالم الأحلام كل يوم أربع ساعات كاملة، يصرفها مع الأطفال ~~والأغراب في تعلم القراءة والكتابة، ومبادئ الحساب، والهندسة، والدين، ~~والأخلاق، والتربية الوطنية. # وكان أول ما قيل له ولهم في اليوم الأول: «عليكم بالإصغاء التام، ~~ومن يأب ذلك منكم فاعلموا أن أذني الطفل فوق خديه وهو يرهف السمع ~~كلما ضرب.» # ولأول مرة في حياة ددف اشتركت العصا في التفاهم معه، على أنه أبدى ~~استعدادا طيبا للتعلم، وأقبل بشوق عظيم على درس اللغة الهيروغليفية ~~الجميلة، وبرع في فهم مسائل الجمع والطرح. # وكان لمدرس الأخلاق أثر عظيم ms038 في نفسه؛ لأنه كان ذا شخصية قوية ~~محبوبة، وكان يبتسم ابتسامة حلوة تبث في أنفس التلاميذ المودة ~~والاطمئنان، وزاد من حب ددف له أن وجد شبها بينه وبين أبيه بشارو في بدانة ~~الجسم، وانتفاخ الشدقين، وجهارة الصوت وغلظه، فكان يصغي إليه بجامع وجدانه ~~وهو يقول: «انظروا ماذا يقول حكيمنا قاقمنا، إنه يقول - تقدست روحه في ~~السموات -: «احذر أن تكون عنيدا في الخصام فتستوجب عقاب الرب.» ويقول: «إن ~~قلة الأدب بلادة ومذمة.» ويقول أيضا: «إذا دعيت إلى وليمة، وقدم ~~لك من أطايب الطعام ما تشتهيه فلا تبادر إلى تناوله؛ لئلا يحسبك الناس ~~شرها؛ فإن جرعة ماء تروي الظمأ، ولقمة خبز تغذي الجسم.» ثم يأخذ بعد ~~ذلك في التفسير، وضرب الأمثال، وقص القصص، وكان كثيرا ما يقول لهم: «يجدر ~~بالطفل منكم ألا ينسى ما تكلفته أمه من المتاعب من أجل راحته؛ فقد ~~حملته في بطنها تسعة أشهر، وحضنته ثلاث سنوات وغذته بلبنها. احذر أن ~~تغضبها؛ فالرب يستمع إلى شكواها ويستجيب دعاها.» # كان ددف يصغي إلى مدرسه بوعيه الكامل، ويتلذذ بأمثاله وقصصه ويتأثر ~~بقوله غاية التأثر. وأمضى في تعليمه الأولي سبع سنوات أتم فيها مبادئ ~~العلوم وأتقن الكتابة والقراءة. # وفي أثناء تلك الفترة توثقت أواصر الود بينه وبين أخيه نافا، فكان ~~يجلس إلى جانبه وهو يرسم أو يصور، يتتبع بعينيه الفاتنتين هاتيك ~~الخطوط التي يخلق تلاحمها أجمل الأشكال وأبدع المعاني. على أن نافا كان ~~يملك قلبه بضحكه الذي لا ينقطع، وبروحه المرحة وبنكاته اللطيفة. # وكان لخنى أثر بين في عقله، جعل علمه الناشئ يجاوز المبادئ ويتصل ~~بالإلهيات والعلوم العالية في تلك السن المبكرة؛ وذلك أن خنى كان يعجبه ~~خط ددف، فكان يملي عليه مذكراته ومحاضراته فأضاء عقله الصغير قبس من نور ~~قاقمنا، ووحي من كتاب الموتى، ونفثات من أشعار تايا، وكانت تنساب إلى عقله ~~في لطف، ولكن في هالات من الغموض والإبهام أيقظته من سباته وبثت فيه ~~القلق والحيرة والحياة. # وقد أحب خنى أيضا - رغم رزانته وتجهمه - وكان إذا شبع جريا ~~ولعبا هو ms039 وجاموركا أوى إلى حجرته ليكتب له محاضراته أو ليقلب في الكتب ~~المحلاة بالصور، فتأمل من صغره صورة بتاح رب منف وصولجانه ذي العلامات ~~الثلاث الدالة على القوة والحياة والخلود، وصورة العجل أبيس المقدس ~~الذي تحل فيه روح بتاح المعبود، وكان يمطر خنى بالأسئلة فيجيبه الشاب ~~عنها بصبر، ويروي له الأساطير، وما أعظم ما كانت تستولي عليه! ... كان يجلس ~~القرفصاء مصغيا إلى أخيه وجاموركا أمامه يوليه وجهه، ويولي الأستاذ ~~وأساطيره الدينية ظهره! # وانتهت تلك المرحلة السعيدة الممتعة، وأوفى منها ددف على الغاية ~~وأكثر، بل فاق عقله عمره؛ فكان مثله مثل شجرة الورد التي تنبت الزهر ~~الجميل، ولم تعل عن الأرض أشبارا. # 10 # واها! إن الزمان يتقدم غير ملتفت إلى الوراء، وينزل - كلما ~~تقدم - قضاءه بالخلائق، وينفذ فيها مشيئته التي تهوى التغيير ~~والتبديل، لأنه ملهاته الوحيدة التي يستعين بها على ملل الخلود، فمنها ما ~~يبلى ومنها ما يتجدد، ومنها ما يموت ومنها ما يحيا، ومنها ما يبتسم شبابه، ~~ومنها ما يرد إلى أرذل العمر، ومنها ما يهتف للجمال والعرفان، ومنها ما ~~يتأوه لدبيب اليأس والفناء. # وقد فعل الزمان فعله بأسرة بشارو. # فقد بلغ الرجل الخمسين من عمره، ودب الترهل في بدانته، ووخط المشيب ~~رأسه، وأخذ يودع شيئا فشيئا القوة والشباب والفتوة، وازداد جهازه ~~العصبي حساسية، فكثر صياحه وصخبه وانتهاره الحراس وزجره الكتبة، ولكنه ~~كان كالثور المصري عظيم الخوار عديم الأذى، لأن طبيعته تمسكت بصفتين لا ~~تتنازل عنهما، ولا تخضع فيهما لحكم زمان؛ فخاره وطيبة قلبه؛ فهو مفتش عام ~~هرم خوفو وويل لمن يخاطبه فلا يقرن باسمه وظيفته وألقابه، وهو لا يمل ~~الحديث عن نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولا يسره حديث كحديث الملق ~~والإطراء. # وكان إذا دعي إلى المثول بين يدي فرعون بحكم وظيفته، نشر الخبر في ~~كل مكان تصل إليه دعايته، فيعلم به أهل بيته صغيرا وكبيرا، وأصحابه ~~ومرءوسيه، ولا يكتفي بذلك فيقول لنافا وخنى وددف: «هلموا أذيعوا النبأ ~~المجيد بين إخوانكم، وتنافسوا أيها الصغار لتبلغوا الذروة التي تسنمها ~~أبوكم ms040 بالإخلاص، والعمل، والمواهب العالية.» ولكنه ظل كما كان الرجل ~~الطيب الذي ينفر قلبه من الأذى، ولا يجاوز غضبه طرف اللسان. # وقد بلغت زايا الأربعين ولم تنل منها السنون إلا قليلا، فاحتفظت ~~بمعالم جمالها، وكمل نضجها، وصارت السيادة والكرامة من طباعها الثابتة؛ ~~فمن يرها تقوم على قصر بشارو لا يجر له على بال أنها تلك التي كانت ~~زوجا للعامل كاردا وخادما للسيدة رده ديديت، بل هي نفسها أدرجت ذكريات ~~الماضي أكفان النسيان، ومنعت الذاكرة من التسلل إلى زوايا التاريخ ~~المنطوي، لتتمتع بسعادتها الأولى - أمومتها لددف - متعة خالصة، والحق أن ~~حناياها كانت تهفو إليه كأنه سكنها تسعة أشهر، كما كان أعز آمالها أن ~~تراه رجلا مجيدا سعيدا. # وفي ذلك الوقت كان خنى قد قطع مرحلة طويلة في تعليمه العالي، ولم يبق ~~أمامه سوى ثلاث سنوات للتخصص، ولما كان الشاب بطبعه ميالا إلى ~~الدراسة والتعمق في أسرار الكون؛ فقد اختار اللاهوت وآثر الانخراط في سلك ~~الكهنوت، ولم يكن الأمر متوقفا على محض اختياره؛ لأن الكهنوت علم ~~عزيز لا يلج أبوابه إلا من يجتاز - بعد إتمامه الدراسة العالية بما فيها ~~التخصص - اختبارات نظرية، وعلمية شاقة، عدة سنوات في أحد المعابد، ولكن ~~قوبل طلب خنى بالعطف لما أبداه في أثناء حياته الدراسية من الذكاء والفطنة ~~والأخلاق النبيلة، وكأنه لم يرث من والده إلا صوته الأجش الأجوف، وفيما ~~عدا ذلك كان نحيفا دقيق القسمات هادئ الملامح، تذكر صورته بصورة أمه ~~التي اتصفت بالورع والتدين. # وكان في ذلك على النقيض من شقيقه نافا الذي ورث عن والده جسمه البدين ~~ووجهه الممتلئ، والكثير من أعماق روحه، فكان طيبا مرحا، وكان من حسن ~~حظه أن خرجت قسماته أدق من قسمات والده الغليظة الثقيلة، وقد حاز الشاب ~~أعلى شهادة في فن الرسم والتصوير، واكترى - بمعونة والده - بيتا صغيرا ~~في شارع سنفرو - وهو أهم شوارع منف التجارية - وجعله محلا لعمله، ~~ومقاما لمعرض آياته الفنية. وكتب على لافتة بالخط الهيروغليفي الجميل: ~~«نافا بن بشارو إجازة معهد خوفو للفنون الجميلة.» ومضى يعمل ويحلم ms041 وينتظر ~~صابرا جمهور الطالبين والمعجبين. ولم ينج جاموركا من فعل الزمن فنما ~~وضخم وقصر شعره الأسود الذي كان مسبلا، وتبدت على وجهه آي القوة ~~والشدة، وعلى أنيابه بينات القسوة والويل، وأجش صوته واخشوشن، فكان إذا ~~نبح دوى نباحه دويا، وبعث الرعب في أفئدة القطط والثعالب والذئاب، ~~وأعلن للملأ أن حارس قصر المفتش ساهر، وكان على صلابته وشدته أرق من ~~النسيم على صاحبه وحبيبه ددف، الذي زادت الأيام ما بينهما توثقا ~~ومودة، فكان إذا ناداه لبى، وإذا أمره أطاع، وإذا انتهره ذل وسكن، ~~بل إنهما استغنيا بنجوى السرائر عن لغة الظاهر، فكان جاموركا يحس بمجيء ~~ددف إلى البيت إحساسا خفيا، فيهرع إلى لقائه ولما يره. وكان يتعارف ~~على باطنه بقدرة عجيبة قد تخون أقرب الناس إليه، فكان يعرف حالات رضاه ~~فيقبل عليه ملاعبا، ويقفز واضعا يديه على منطقة وزرته، كما كان ~~يحس بحالات تعبه أو ضيقه فيسكن بين قدميه مكتفيا بتحريك ~~ذنبه. # أما ددف فقد بلغ الاثني عشر عاما من عمره، وجاء الوقت الذي ينبغي أن ~~يختار فيه وجهته التي يوليها في الحياة، والحق أنه إلى ما قبل ذلك ~~بقليل لم يجر تفكيره في تلك المسألة الخطيرة، وكان الغلام يبدي نشاطا ~~عاما محمودا، وقد خدع خنى بتشوقه إلى الفلسفة حتى حسبه كاهنا، وحسب ~~الكهنوت مستقبله دون غيره. ولكن نافا - وكان بحكم فنه أنفذ بصرا - كان ~~يشاهده وهو يسبح وهو يجري وهو يرقص، وكان يرى جسمه النامي وقده الممشوق؛ ~~فيقول لنفسه وهو يكسوه بخياله اللباس الحربي: «يا له من جندي!» وكان نافا ~~عظيم التأثير في ددف للحب المتبادل بينهما، فوجهه ذاك التوجيه الذي ~~باركته زايا وتحمست له، ومنذ ذاك اليوم ولا شيء يجذب عيني زايا في ~~الأعياد مثلما يجذبهما منظر الجنود والفرسان وفصائل الجيش. # ولم يكن بشارو ليحفل بما يختار ددف من فنون الحياة؛ فهو لم يتدخل ~~مطلقا في حرية اختيار خنى أو نافا لمستقبلهما، ولكنه وجد ميلا إلى ~~التأمل فقال لددف - وكانوا جميعا جلوسا في الحجرة الصيفية - وهو يربت ~~بلطف على ms042 كرشه العظيم: ددف، ددف الذي كان يحبو بالأمس القريب! ددف أضحى ~~يجهد رأسه الصغير في التفكير في اختيار سبيل له في الحياة ينهجه كرجل ~~مسئول! لقد دار الزمان دورة غادرة، حنانك أيها الزمان، رفقا ببشارو أو ~~رفقا به حتى يكمل بناء الهرم، فإنك لن تجد له خلفا صالحا. # وقالت زايا تعلن رغبتها: لا داعي لكثرة الأسئلة؛ فإن من ينظر إلى وجه ~~ددف الجميل وقامته الفارعة وقوامه المعتدل لا يرتاب لحظة في أنه يرى ضابطا ~~من ضباط العجلات الفرعونية. # وابتسم ددف إلى أمه التي وافق حديثها هواه، وذكر فرقة العجلات التي ~~رآها تشق طرق منف - يوم عيد بتاح - في صفوف متحاذية منتظمة لا تشذ ~~عنها يمينا أو شمالا، ولا إلى الأمام ولا إلى الخلف، والفرسان على ~~العربات منتصبون، لا يميلون ولا يضطربون كأنهم مسلات مشيدة، ترمقهم ~~الأبصار وترنو إليهم عيون الحسان. # ولكن خنى لم يرض عن اختيار زايا وقال بصوته الغليظ الذي يشبه صوت ~~أبيه: كلا يا أماه، إن ددف كاهن بالفطرة، وطالما وضح لي استعداده ~~للتعلم وميله للعلم والمعرفة، وطالما ألحت علي أسئلته الكثيرة ~~الدالة على الفطنة والذكاء؛ فمكانه المختار جامعة بتاح لا المدرسة ~~الحربية، ما رأيك يا ددف؟ # وكان ددف شجاعا صريحا، لا يتردد عن إبداء رأيه فقال: يؤسفني أن ~~أخيب رجاءك هذه المرة أيها الأخ، ولكن الحق أني راغب في ~~الجندية. # فوجم خنى، أما نافا فقد ضحك ضحكة عالية وقال لددف: أحسنت الاختيار يا ~~ددف. فما صورتك إلا صورة جندي، هكذا أقنعني خيالي ... ولو أنك اخترت في ~~الحياة فنا آخر لذقت مر الخيبة وتزعزعت ثقتي بنفسي. # وهز بشارو منكبيه استهانة وقال: سواء لدي اخترت الجندية أم ~~الكهنوت، وعلى كل حال أمامك عدة أشهر فيها متسع للتفكير والروية ... ~~إيه لكم أيها الأبناء! يخيل إلي أنه لن يخلف أحدكم أباه، وأن ~~واحدا منكم لن يعيد تمثيل الدور الخطير الذي قمت به في الحياة. # وفاتت الشهور دون أن تغير من رأي ددف، فقر رأي الأسرة على إلحاقه ~~بالمدرسة الحربية. # وفي تلك ms043 الأثناء واجهت بشارو أزمة فكرية مرة، هيأت أسبابها ~~أبوته المزعومة لددف، وقد تساءل الرجل في حيرة: هل ينبغي أن يحافظ على ~~ادعاء هذه الأبوة، أم أنه آن الأوان لإعلان حقيقتها وفصم عراها؟ وكان ~~خنى ونافا يعرفان حقيقة المسألة، ولكنهما لم يشيرا إليها بتاتا، لا في ~~السر ولا في العلانية؛ حبا في الغلام وضنا به. # وكان بشارو يقدر وقع الصدمة على نفس الغلام البريئة السعيدة، ~~فيقشعر بدنه، ويذكر زايا وما يحتمل من غضبها وسخطها فيحجم إشفاقا، وهو ما ~~فكر في ذلك عن سوء قصد أو عن زهد في ددف ولكنه كان يعتقد أن هذه ~~الحقيقة ستعلن عن نفسها إذا لم تجد لسانا يعلن عنها، وأن الخير كل ~~الخير أن تكشف له الآن ليخلص من محنتها لا أن تدخر له حتى يكبر فيضاعف ~~له عذابها، وتردد الرجل الطيب فلم ينته إلى عزم، ولما كان ينبغي أن ~~ينتهي إلى رأي قبل إلحاق ددف بالمدرسة الحربية، فقد أسر الرجل بذات نفسه ~~إلى ابنه خنى، ولكن الشاب هاله الأمر، وقال لأبيه بألم وحزن عميقين: إن ~~ددف أخونا، بل إن ما يربطنا به من الحب لأقوى من الأخوة الطبيعية. ~~وما الذي يضيرك يا أبتي لو أنك تركت الأمور على ما هي عليه، ولم تفاجئ ~~الغلام العزيز بضربة الذل والمسكنة؟ # وكان الشأن الوحيد الذي يعمل له حساب في أبوته هو الميراث، ولكن ~~بشارو لم يكن له من حطام الدنيا سوى راتب كبير وقصر ضخم، فلن تؤذي ~~أبوته لددف أحدا؛ ولذلك أشفق الرجل من لهجة خنى الغاضبة، وقال يدفع عن ~~نفسه: كلا يا بني لن تقع ضربة الذل أبدا، لقد دعوته يا بني وسأظل ~~أدعوه بها، ولسوف يكتب اسمه بين طلبة المدرسة الحربية: ددف بن ~~بشارو. # ثم ضحك الرجل كعادته وقال وهو يفرك يديه: ربحت ابنا جنديا. # فقال خنى وهو يمسح دمعة سالت على خده: بل ربحت رضاء الرب ~~وغفرانه. # 11 # أوشك شهر توت على الفوات، ولم يبق منه إلا عدة أيام هي كل ما تبقى ~~لددف من ms044 الزمان في بيت بشارو ثم يغادره بعدها إلى المدرسة الحربية، وكانت ~~تلك الأيام أشد أيام زايا العصيبة، غلب عليها فيها الشرود والذهول ~~والتفكير بمرارة في الشهرين الطويلين اللذين سيحتجبهما ددف داخل ~~المدرسة ... والأعوام الطويلة التي لن تتاح لها رؤيته فيها سوى مرة كل شهر، ~~فتحرم من رؤية وجهه الجميل وسماع صوته الحبيب، ويغيب عن قلبها الاطمئنان ~~الذي يقر فيه لقربه، والهناء الذي يشمله لوجوده ... فما أقسى الحياة! وقد ~~غشى الحزن قلبها قبل حدوث أسبابه، وظللت حياتها غشاوات من الألم مثل ~~هاتيك السحائب المنتثرة ساقتها الرياح بين يدي غيم هاتور وكيهك الداكن ~~المكفهر. # وحين صاحت الديكة عند الفجر معلنة قدوم اليوم الأول من بابة، استيقظت ~~زايا على صياحها، وقعدت في سريرها مضطربة حزينة، وتنهدت تنهدة حارة ~~كانت أول ما استقبل اليوم من عالم الأحزان، ثم تركت فراشها، وسارت في ~~خفة إلى مخدع ددف لتوقظه وتودعه، ودخلت الحجرة على أطراف أصابعها؛ كي ~~لا تزعجه فاستقبلها جاموركا وهو يتمطى، وخاب ظنها؛ لأنها وجدت الغلام ~~قد استيقظ دون مساعدة، وكان يغني بصوت خافت نشيد «نحن أبناء مصر ~~انحدرنا من سلالة الآلهة». استيقظ الغلام وحده يلبي أول نداء للجندية، ~~وقد نادته من قبلها: ددف. فانتبه إليها مهللا، وجرى نحوها كطائر يستقبل ~~نور الصباح، وتعلق بعنقها ورفع إليها فمه، فقبلته بحنان، وقبلت ~~خديه ورفعته بين ذراعيها فقبلت ساقيه، ثم حملته إلى الخارج وهي تقول: ~~تعال ودع أباك. # ووجدا بشارو ما يزال يغط في نومه، ويصعد أنفاسا ناشزة من شخيره ~~ونخيره، فهزته بيدها فانتفض مرتعبا وصاح: من؟ ... من؟ ... زايا! # فضحكت وصاحت به: ألا تريد أن تودع ددف؟ # فجلس في فراشه وفرك عينيه، ثم نظر إلى الغلام على ضوء المصباح ~~الخافت، وقال: ددف ... أذاهب أنت؟ تعال أقبلك ... والآن اذهب محوطا برعاية ~~بتاح! # وقبله بشفتيه الغليظتين مرة أخرى واستطرد: أنت الآن طفل يا ~~ددف ولكنك ستغدو جنديا ماهرا ... إني أتنبأ بهذا، ونبوءة بشارو ~~خادم فرعون لا تخيب ... اذهب يا بني آمنا وسأصلي من أجلك في المحراب ~~... # وقبل ددف يدي ms045 والده، وخرج مع والدته، وفي الردهة الخارجية لقيا خنى ~~ونافا متأهبين ، وضحك نافا وقال: هيا أيها الجندي الباسل، إن ~~العربة في الانتظار. # وحنت عليه زايا بوجه غيره التأثر، فرفع إليها وجها يطفح بالفرح ~~والحب. # واها ... لقد مرت الشهور سراعا، وحمت ساعة الوداع، فلا الحضن يشفي ~~ولا القبلة تعزي، ولا الدموع تخفف البلوى. لقد هبط ددف في السلم يسير ~~بين أخويه واطمأن إلى مكانه من العربة جانبهما، وابتعدت العربة بالحمل ~~العزيز، وهي ترنو إليها من خلل دموعها، حتى بلعتها زرقة الفجر. # 12 # وبلغت العربة «مرعى أبيس» أجمل ضواحي منف حيث تقع المدرسة الحربية ~~ولما تشرق الشمس، ولكنهم وجدوا الميدان الممتد أمام المدرسة مزدحما ~~بالراغبين في الالتحاق بها، وفي صحبة كل منهم واحد أو أكثر من أقربائه، ~~وكان كل منهم ينتظر دوره في النداء عليه والذهاب للكشف، وبعدها إما ~~يبقى داخل المدرسة أو يعود من حيث أتى. # وكأن الميدان - ذلك الصباح - كان معرضا للجياد المطهمة والعربات ~~الفخمة؛ لأنه لم يكن يتقدم إلى المدرسة الحربية إلا أبناء الطبقة ~~الحربية، والصفوة من أبناء الأثرياء، وتلفت ددف يمنة ويسرة فرأى وجوها ~~ليست غريبة عليه؛ لأنه زاملها أعواما في المدرسة الأولية، فانتعشت نفسه ~~وملئت مسرة وشجاعة. # وكان صوت المنادي لا ينقطع عن النداء، وسيل التلاميذ لا يتوقف عن ~~الدخول من باب المدرسة الكبير، منهم من يبقى في الداخل ومنهم من يخرج مرة ~~أخرى بوجه كاسف ونفس أسيفة. # وكان خنى ينظر إلى هاتيك الجموع بوجه جامد، فلم يرتح ددف إلى مظهره ~~وسأله بقلق: أواجد علي يا أخي؟ # فربت الشاب على منكبيه وقال: معاذ الرب يا عزيزي ددف، إن الجندية ~~حياة سامية على شرط أن تكون واجبا عاما، يؤدي كل قسطه منه إلى حين، ~~ثم يعود بعده إلى حياته الإنسانية، فلا يهمل موهبة من مواهبه السامية، ~~ويصون روحه عن التلف، وإني مطمئن يا ددف إلى أنك لن تطمس التشوف ~~الذي أنار روحك في حجرتي. أما الانغمار في الجندية والتفرغ لها فمعناه ~~النزول عن الإنسانية، وتدمير الحياة العقلية، والرجوع ms046 القهقرى إلى مراتب ~~الحيوان. # فضحك نافا كعادته وقال: الحق أنك يا أخي تنشد الحياة الطاهرة ~~الحكيمة حياة الكهنوت، أما أمثالي فينشدون الجمال والمتعة، ويوجد غيرنا ~~آخرون - هم هؤلاء الجنود - يمتعضون من التأمل ويعبدون القوة؛ وحمدا ~~للأم إيزيس فإنها وهبتني عقلا يستطيع أن يرى جمالا لكل لون من ألوان ~~هاته الحيوات، ولكني لا أملك إلا أن أوثر في النهاية حياتي. والحق ~~أن الفصل بين هذه الحيوات لا يتأتى إلا لواحد عليم بها غير متعصب ~~لإحداها ... وهيهات أن يوجد هذا القاضي. # ولم يطل الانتظار بددف فسمع المنادي يصيح: ددف بن بشارو. فخفق قلبه، ~~وسمع نافا يقول له: ودعنا يا ددف فلا احتمال لعودتك معنا اليوم. # فعانق الغلام أخويه وسار إلى الباب الرهيب، ثم أدخل إلى حجرة على ~~يمين الداخل حيث تلقاه جندي فأمره بأن يخلع ملابسه، فخلع الغلام ثيابه، ~~وتقدم إلى طبيب مسن ذي لحية بيضاء فحصه عضوا عضوا، وألقى على هيئته ~~نظرة عامة، ثم قال للجندي: «مقبول.» فارتدى الغلام ثيابه فرحا مسرورا، ~~وقاده الجندي إلى فناء المدرسة وتركه يلحق بمن سبقه من المقبولين. # وكان الفناء عظيم الاتساع، تربو مساحته على قرية كبيرة، ومحوطا من ~~ثلاث جهات بسور ضخم مزخرف بالنقوش الحربية، ومحلى بصور الجنود والمواقع ~~والأسرى، وفي الجهة الرابعة تقام الثكنات ومخازن الذخيرة والأسلحة، ~~ومكاتب القواد والضباط، وإصطبلات الخيل، وحظائر العربات، فهو أشبه بحصن ~~منيع. # وقد ألقى الغلام على المكان نظرة دهشة، وسار إلى حيث لحق بزملائه ~~المتجمعين، ووجدهم يتفاخرون بالأنساب ويتنافرون بالآباء والأجداد، وقد سأل ~~أحدهم ددف قائلا: هل أبوك من رجال الحرب؟ # فتضايق الغلام وهز رأسه سلبا، ولكنه قال بلهجة ملئت كبرياء: أبي ~~بشارو مفتش هرم الملك. # ولكنه لم يبد على وجه محدثه أنه اقتنع بعظمة المفتش وقال: أبي ساكا ~~قائد فرقة الصقر من المشاة حاملي الرماح. # فامتعضت نفس ددف ولم يشترك في أحاديثهم، وتوعدتهم نفسه الفتية ~~بالظفر والتفوق، واستمرت عملية الكشف والاختبار ثلاث ساعات متوالية، ~~وظل الناجحون ينتظرون حتى أتاهم ضابط من ناحية الثكنات، ألقى عليهم ~~نظرة صارمة ms047 وصاح بهم: منذ هذه الساعة ينبغي لكل منكم أن يودع الفوضى ~~وداعا أبديا، ويروض نفسه على النظام والطاعة، كل شيء من الآن ~~فصاعدا يخضع للنظام الصارم، ولا أستثني الأكل والشرب والنوم ... # ورتبهم الضابط صفا واحدا، وسار بهم صوب الثكنات، وأمروا ~~بالدخول واحدا واحدا، وكان كل منهم يمر على كوة مخزن كبير فيعطى ~~صندلا ووزرة وحلة بيضاوين، ثم يتفرقون إلى عنابر كل عنبر يحوي ~~عشرين سريرا في صفين متقابلين، وخلف كل سرير صوان متوسط الحجم على ~~سقفه لوح من الورق في إطار خشبي، طلب إلى كل منهم أن يكتب اسمه عليه ~~بالخط المقدس. # وأحسوا جميعا بجو غريب يخضع للنظام الصارم، وتنبث فيه روح الصرامة ~~والخشونة؛ فقد لحق بهم ضابط، وأمرهم بأن يخلعوا ملابسهم المعتادة ويرتدوا ~~الملابس الحربية، ونبه عليهم بأن يخرجوا إلى الفناء إذا سمعوا صوت النفير ~~... فصدعوا جميعا بالأمر، ودبت في العنابر حركة سريعة كانت أول ما أبدى ~~أولئك الصغار من النشاط العسكري ... وقد فرحوا باللباس الحربي الأبيض ~~وهللوا له، وحين نفخ في النفير هرعوا خفافا إلى الفناء حيث رتب ~~الضباط جمعهم في صفين مستقيمين. # وحضر على الأثر مدير المدرسة، وهو ضابط كبير برتبة قائد، في لباسه ~~الرسمي المحلى بالنياشين والأوسمة، يحيط به كبار ضباط المدرسة، ~~واستعرضهم بعناية ثم وقف أمامهم وخطب فيهم قائلا: كنتم إلى الأمس ~~أطفالا أحرارا، وأنتم اليوم تبدءون حياة الرجولة الحقة الممثلة في ~~الجهاد العسكري، وكانت أنفسكم ملكا لكم ولآبائكم وأمهاتكم، أما اليوم ~~فهي ملك الوطن وفرعون. واعلموا أن حياة الجندية هي القوة والتضحية، ~~فعليكم بالنظام والطاعة لتقوموا بواجبكم المقدس نحو مصر وفرعون. # ثم هتف المدير باسم خوفو فرعون مصر، وردد الجنود الصغار هتافه، ثم ~~أمرهم أن ينشدوا نشيد: «يا آلهة احفظي ابنك المعبود، وملكه السعيد، من منبع ~~النيل إلى مصبه». وامتلأ جو الفناء الواسع بأصوات العصافير، تغني في ~~حماس دافق وجمال رائع، وتجمع بين الأرباب وفرعون ومصر في نغمة ~~واحدة. # وفي ذلك المساء حين رقد ددف لأول مرة على فراش غريب في جو جديد، مسه ms048 ~~السهاد، وجثمت على قلبه الوحشة، فتنهد من أعماق نفسه، ونادت مخيلته إلى ~~ظلمة العنبر أطيافا سعيدة من بيت بشارو، فكأنه رأى زايا وهي تحنو عليه ~~ونافا وهو يضحك ضحكته المرحة وخنى وهو يحدث حديثه المنطقي المتدفق ... ~~وخال جاموركا العزيز يلعق خده ويحييه بذنبه، ولما ارتوت نفسه من ~~الأحلام رنق النوم بجفنيه فنام نوما عميقا لم يستيقظ منه إلا على نفخ ~~النفير عند مطلع الفجر، فقعد في سريره دون تريث، ونظر فيما حوله دهشا، ~~فرأى أقرانه يستيقظون ويغالبون سلطان النوم بصعوبة، وعلت في المكان أصوات ~~التثاؤب والتذمر واختلط بها الضحك أيضا ... # لا راحة بعد اليوم؛ فقد بدأت حياة النشاط والجلاد. # 13 # وفي ذلك الوقت طلب المعمار ميرابو الحظوة بالمثول بين يدي فرعون، ~~واستقبله الملك في بهو الاستقبال الرسمي. وقد جلس جلالته على عرش مصر الذي ~~تربع عليه خمسة وعشرين عاما حافلة بجلائل الأعمال، وكان مهيبا قويا ~~صارما يرتد البصر عن جلاله وهو كليل، كما ارتدت خمسون عاما تنفس ~~فيها الحياة عن أن تؤثر في صلابة بنيانه أو تدفق حيويته، فأبقت على ~~حدة بصره وسواد شعره وحكمة عقله. # وقد سجد ميرابو بين يديه وقبل حاشية ثوبه الملكي، فقال الملك بعطف: ~~السلام عليك يا ميرابو، قم وتكلم فيما جئت من أجله. # فوقف المعمار أمام رب العرش وكان وجهه يتلألأ بأنوار الفرح، ثم قال: ~~مولاي واهب الحياة ومنبع النور، اليوم أشبع إخلاصي لذاتكم العليا بالعمل ~~المجيد، وأتوج حياتي في خدمتكم بالأثر الخالد، فأنال في ساعة سعيدة واحدة ~~ما يتمناه المخلص من إخلاصه، والفنان من فنه؛ فلقد شاءت الآلهة التي ~~يتعلق كل خلق بمشيئتها أن أزف اليوم إلى ذاتكم المعبودة بشرى الانتهاء من ~~أعظم أثر أقيم على أرض النيل منذ عصر الآلهة، وأكبر بناء أشرقت عليه شمس ~~مصر منذ أشرقت على الوادي. ويقيني يا مولاي، أنه سيظل باقيا على الأجيال ~~مقرونا باسمكم المقدس، منسوبا لعهدكم المجيد، حافظا لروحكم الإلهية، ~~معلنا عن جهاد الملايين من أيدي مصر العاملة، وعبقرية العشرات من رءوسها ~~النابهة، وإنه اليوم لعمل ms049 مجيد لا نظير له، وغدا هو المثوى لأجل روح ~~حكمت أرض مصر، وبعد غد وإلى أبد الآبدين هو المعبد الذي تأتلف في ساحته ~~قلوب الملايين من عبادك، يسعون إليه من الجنوب ومن الشمال. # وسكت الفنان الخالد لحظة ريثما شجعته ابتسامة الملك، ثم استطرد: ~~لقد شيد اليوم يا مولاي شعار مصر الخالد، وعنوانها الصادق؛ فهو ابن ~~القوة التي تربط شمالها بجنوبها، وهو وليد الصبر الذي يغمر صدور بنيها ~~جميعا من الضارب الأرض بفأسه إلى الكاتب على الطرس بقلمه، وهو وحي الدين ~~الذي تخفق به قلوب أهلها، وهو مثال العبقرية التي جعلت من وطننا سيدا على ~~الأرض التي تسبح الشمس حولها في السفينة المقدسة، وسيظل أبدا الوحي ~~الخالد الذي يهبط على قلوب المصريين فيؤيدها بالقوة، ويلهمها الصبر، ~~ويحثها على الدين ويدفعها إلى الإبداع. # وكان الملك يصغي إلى الفنان وعلى فمه ابتسامة رضا، ويرنو بعينيه ~~النافذتين إلى وجهه المكتسي ببهاء الحماس والفرح. فلما انتهى قال له: ~~إني أهنئك أيها المعمار على نبوغك المنعدم النظير، وأشكرك على العمل ~~المجيد الذي شيدت لملكك ووطنك مما يوجب لك التقدير والحمد، ولسوف أحتفل ~~بآياتك الكبرى احتفالا مهيبا يليق بعظمتها وخلودها. # وكان المعمار يحني الرأس وينصت إلى ثناء فرعون، كأنما ينصت إلى لحن ~~إلهي. # واحتفل فرعون بالهرم احتفالا رسميا شعبيا مهيبا، شهدت فيه الهضبة ~~المقدسة من الخلق أضعاف ما شهدت من جميع العمال الأشداء، ولكنهم لم ~~يحملوا إليها هذه المرة الفئوس والعدد، ولكن حملوا الأعلام وأغصان الزيتون ~~وسعف النخل والرياحين، وتغنوا بالأناشيد المقدسة الطاهرة. وصنع الجند بين ~~تلك الجموع طريقا عظيما يمتد من وادي الأبدية، ويميل شرقا ثم يدور حول ~~الهرم، ويعرج غربا حتى يصب في وادي الأبدية مرة أخرى. وفي ذاك الطريق ~~سارت الهيئات الرسمية للطواف بالبناء الكبير، تتقدمها جموع الكهنة ~~بطبقاتهم المختلفة والنبلاء والسراة، ثم اخترقت الطريق فرق الجيش ~~المعسكر في منف من ركبان ومشاة، ثم بدا للعيان موكب فرعون والأمراء، ~~فولى العباد وجوههم شطره، وهتفوا له من أعماق القلوب، وانحنوا انحناءة ~~واحدة كأنهم في صلاة ms050 هو قبلتها. # وحيا فرعون الهرم بكلمة موجزة، وباركه الرئيس خوميني، ثم عاد الركب ~~الفرعوني وانفضت الهيئات الرسمية. أما جموع الشعب فجعلت تطوف بالبناء ~~الكبير مهللة مكبرة هاتفة منشدة، ولم تتفرق جموعها إلا حين سكب الفجر ~~بهاءه وبث روحه الهادئ السحري في أرض الوادي الزبرجدية. # وفي ذاك المساء دعا فرعون الأمراء والصحابة المقربين إلى جناحه الخاص، ~~وكان الجو ميالا إلى البرودة فاستقبلهم في بهو استقباله العظيم، حيث ~~جلسوا على مقاعد من الذهب الخالص. # وكان فرعون على صلابته ومتانة بنيانه يبدو على نظرة عينيه شعوره ~~بالتبعات العظيمة الملقاة على عاتقه. وكان ظاهر الملك لم يتغير حقا، أما ~~باطنه فقد طرأ عليه من طوارئ الزمان ما لم يخف عن أعين المقربين أمثال ~~رعخعوف وخوميني وميرابو وأربو، فلاحظوا مثلا أن الملك يزهد قليلا ~~قليلا في الرياضة غير مستثن ما كان منها أحبها إلى قلبه كالصيد والطرد، ~~وأنه يميل إلى التشاؤم والتفكير والقراءة، فكان ربما طلع عليه الفجر ~~وهو جالس في مخدعه يقرأ كتب اللاهوت وفلسفة قاقمنا، وتطورت فكاهته الأولى ~~إلى سخرية لا تخلو من سوء الظن والريبة. # كان أعجب ما في ذلك المساء - وهو ما أعجز الحسبان - أن يبدو على الملك ~~آي من الهم والقلق، ذاك المساء الذي احتفل فيه بأعظم عمل في التاريخ. وكان ~~أشد الناس قلقا لذلك المعمار ميرابو، ولم يتمالك أن سأل مولاه: ما بال ~~مولاي بادي الانشغال؟ # فنظر إليه الملك بشيء من السخرية وقال له متسائلا: وهل عرف التاريخ ~~ملكا خالي البال؟ # ولم يتعز الفنان بجواب الملك فقال: ولكن ينبغي لمولاي أن يفرح هذا ~~المساء فرحا خالصا. ~~- ولماذا ينبغي لمولاك أن يفرح؟ # فوجم الفنان، وكاد ينسيه تساؤل الملك الساخر جميل ثنائه وعظيم احتفاله، ~~ولكن الأمير رعخعوف الذي لم يرض عن تطور الملك النفسي قال: لأن مولانا ~~احتفل اليوم بتبريك أعظم آية فنية في تاريخ مصر الطويل. # فضحك الملك وقال: أتعني قبري أيها الأمير؟ وهل ينبغي للإنسان أن يفرح ~~لبناء قبره؟ # فقال الأمير: أطال الرب بقاء الملك، إن العمل المجيد حقيق ms051 بالفرح ~~والتكريم. ~~- نعم. نعم، ولكن إذا ذكر بالموت ألا يوجب شيئا من التأسي ؟ # فقال ميرابو بحماس: إنه يذكر بالخلود يا مولاي. # فابتسم فرعون وقال: لا تنس أني معجب بفنك يا ميرابو، ولكن نذير ~~الموت يملأ النفس شجنا، نعم لا أذكر ما يوحي به عملك المجيد من معاني ~~الخلد، ولكن الخلد موت لحياتنا الفانية العزيزة. # فقال خوميني برزانة وتأمل وإيمان: مولاي، إن اللحد عتبة الحياة ~~الأبدية ... # فقال الملك: صدقت يا خوميني، ولكن المقبل على سفر كثير التدبر، ~~وهذا أحرى بمن يولي وجهه تلك الرحلة الأبدية، وإياك أن تظن أن فرعون ~~خائف أو آسف ... كلا ... كلا، إني أتعجب فقط لتلك الرحى التي تدور ~~وتدور وتطحن كل يوم ملوكا وسوقة ... # وتضايق الأمير رعخعوف من تفلسف الملك وقال: إن مولاي الملك يكثر من ~~التأمل. # وكان فرعون يفهم ذات ابنه فقال: لعل هذا لا يرضيك أيها ~~الأمير. # فقال الأمير: العفو يا مولاي، ولكن الحق أن التأمل وظيفة الحكماء، ~~أما الذين عهدت الآلهة إليهم بتبعات الحكم، فما أحرى أن يتفرغوا لشئونه ~~الصعاب. # فسأله فرعون بسخرية: أفترى أيها الأمير أني أتردى في هاوية ~~العجز؟ # فارتاع الأصدقاء، وكان الأمير أعظمهم ارتياعا فقال: معاذ الرب يا ~~أبتي! # فقال الملك الساخر، ولكن بلهجة قوية: لا تقلق يا رعخعوف، واعلم أن ~~أباك لن يزال قابضا على السلطان بيد من حديد. # فقال الأمير: يحق لي يا مولاي أن أهنئ نفسي ولو أني لم أسمع ~~جديدا. ~~- أم أنك ترى أن الملك لا يكون ملكا إلا إذا أعلن حربا؟ # وكان الأمير رعخعوف يشير على أبيه دائما بأن يجرد جيشا لتأديب ~~قبائل سيناء، ففطن إلى تلميح الملك فصمت وهلة يفكر، وفي أثناء ذلك قال ~~خوميني: إن السلم أشد حاجة من الحرب إلى الملك القوي الصالح. # فقال الأمير بلهجة قوية حاكت ما ارتسم على وجهه من الصلابة والقسوة: ~~ولكن ينبغي ألا تعوق سياسة السلم الملك عن خوض غمار الحرب إذا جد ~~الجد! # فقال الملك: أراك تحوم حول موضوع قديم. ~~- نعم يا مولاي، ولن أكف عنه حتى ms052 تذهب بواعثه؛ فإن قبائل سينا تفسد ~~في الأرض وتهدد هيبة الحكومة. ~~- قبائل سينا ! ... قبائل سينا! ... إن قوات الشرطة تكفي الآن لتأديب ~~شراذمهم، أما تجريد جيش لغزو حصونهم فنية في صدري لم تهيأ الظروف ~~بعد لتحقيقها؛ نظرا لأن الوطن ينوء بالجهد الجهيد الذي بذله عن طيب خاطر ~~من أجل تشييد هرم ميرابو الخالد ... وسيأتي يوم قريب أقضي فيه على شرهم ~~وأكفي الوطن عدوانهم. # وساد صمت مقدار دقائق، ثم ردد الملك بصره الحاد بين الحاضرين وقال: ~~أيها السادة، إني دعوتكم هذه الليلة لأكاشفكم برغبة عظيمة تخفق في ~~صدري. # فنظر إليه الملأ باهتمام، فقال: ساءلت نفسي صباح يوم: ماذا صنعت من أجل ~~مصر، وماذا صنعت مصر من أجلي؟ ولا أكتمكم الحق أيها الأصدقاء؛ فقد وجدت ~~أن ما صنعه الشعب لي أضعاف ما صنعته له، فأحسست بشيء من الألم - وكثيرا ~~ما أتألم هذه الأيام - وذكرت المولى المعبود مينا الذي وهب الوطن وحدته ~~المقدسة، فلم يهبه الوطن بعض ما وهبني، فاستصغرت نفسي وأقسمت لأجزين ~~شعبي إحسانا بإحسان وجميلا بجميل. # فقال القائد أربو بحماس: لقد قسا جلالة الملك على نفسه في ~~الحساب. # فقال خوفو دون أن يعير حديث قائده اهتماما: إن الملوك ليظلمون كثيرين ~~وإن توخوا العدل والإنصاف، وإنهم ليؤذون كثيرين وإن حرصوا على النفع ~~والخير، وما من عمل سوى عمل الخير الخالد يكفر عن السيئات، ويمحو ~~الهفوات، وقد هداني الألم إلى عمل نافع عظيم. # ونظر إليه الملأ متسائلين، فقال: إني أفكر أيها السادة في تأليف ~~كتاب عظيم أضمنه تجارب الحكمة وأسرار الطب الذي ولعت به منذ صباي، فأترك ~~من بعدي إرثا عظيما لشعب مصر يهدي أرواحهم ويصون أجسامهم. # فصاح ميرابو بفرح عظيم: يا له من عمل مجيد يا مولاي، ستحكم به شعب مصر ~~إلى الأبد! # فابتسم فرعون إلى المعمار، وقال هذا مرة أخرى: ستزيد كتبنا المقدسة ~~كتابا جديدا. # وكان الأمير رعخعوف يزن ما ينوي الملك صنعه في عقله فقال: ولكنه يا ~~مولاي عمل يقتضي أعواما طويلة. # وقال القائد أربو: لقد كتب قاقمنا كتابه في عشرين ms053 عاما! # ولكن الملك هز منكبيه العريضين وقال: سأهبه ما تبقى من ~~حياتي. # صمت الملك لحظة ثم قال: أتعلمون أيها السادة أين هو المكان الذي ~~اخترته لأنشئ فيه كتابي ليلة بعد ليلة؟ # ونظر فرعون إلى الوجوه المتسائلة وقال: حجرة التابوت بالهرم الذي ~~احتفلنا به اليوم. # وبدت على الوجوه الدهشة والإنكار، فقال فرعون: إن قصور الدنيا تغلب ~~عليها جلبة الحياة الفانية؛ فلا تصلح لإنتاج عمل خالد! # وانتهى الاجتماع عند ذاك، لأن الملك لم يكن يحب المناقشة فيما بت ~~فيه برأي نهائي، فانصرف الأصدقاء، وحين ركب ولي العهد عربته مال على رئيس ~~حجابه وقال بامتعاض شديد: إن فرعون يؤثر الشعر على الحكم! # أما الملك فقد ذهب إلى قصر الملكة ميرتيتفس، ووجدها في مخدعها مع ~~الأميرة الصغيرة مري سي عنخ، شقيقة رعخعوف التي لم تتجاوز العاشرة، وقد جرت ~~الأميرة إليه كالحمامة، والفرح يلمع في عينيها السوداوين الجميلتين ~~... # مري سي عنخ ذات الوجه البدري واللون الخمري والعينين اللتين تشفيان ~~بصفائهما من السقام، ولم يتمالك فرعون من أن يبتسم ابتسامة الحب، ويزيح عن ~~صدره الهموم والأحزان، ويتلقاها بذراعين مفتوحتين. # 14 # هبت نسمة من الفرح على قصر بشارو ذلك اليوم، تبدت آثارها في وجه ~~زايا الضاحك ونافا والمفتش نفسه، وكأن جاموركا قد استبشر خيرا وأحس ~~إحساسا باطنا بأنه ينبغي له أن يفرح، فتمطى ونبح وعدا في ممرات ~~الحديقة كالسهم الطائش ... # وكانوا جميعا ينتظرون، فسمعوا جلبة في الحديقة وعلا صوت خادم يقول ~~بفرح: «سيدي الصغير.» فهبت زايا واقفة وجرت نحو السلم وهبطت الأدراج لا ~~تلوي على شيء، وفي نهاية الردهة رأت ددف في بذلته البيضاء وقلنسوته ~~الفرعونية بهيا كشعاع الشمس، ففتحت ذراعيها، إلا أن جاموركا كان أسرع ~~إليه منها، فهجم على سيده بعنف واحتضنه بيديه وعلا نباحه يشكو إليه ما لقي ~~من عذاب الشوق وآلام الحنين، فأزاحت زايا الكلب جانبا وضمت الابن العزيز ~~إلى قلبها وأشبعته لثما وتقبيلا وهي تقول له: ردت الروح إلي يا ~~بني ... كم أوحشتني عيناك، وكم هزني الشوق إلى اجتلاء وجهك الجميل ... ~~عزيزي، أنت ms054 أنحف كثيرا مما كنت وقد لفحت الشمس وجهك. وأنت متعب يا ~~ددف! # وأتى نافا مع جلبته وضحكه، وقال يحيي أخاه: أهلا بالضابط ~~العظيم. # فابتسم ددف وسار بين أمه وأخيه، وجاموركا يرقص أمامه طربا ويقطع ~~عليه الطريق من كل جانب، واستقبله المفتش استقبالا عاطفيا وقبل ~~خده، ونظر إليه مليا بعينيه البارزتين اللتين تدعيان الفراسة ~~وقال: تغيرت يا بني في هذين الشهرين، وبدت عليك الرجولة حقا، ~~وقد فاتك الاحتفال بالهرم العظيم، ولكن لا تأسف على هذا؛ فسآخذك لمشاهدته ~~بنفسي؛ فإني ما زلت ولن أزال مفتشا على منطقته حتى أحال على المعاش. ~~ولكن لماذا أنت متعب يا بني؟ # فضحك ددف وقال ويده تعبث برأس جاموركا: الحياة العسكرية شديدة قاسية ~~... وسحابة النهار في المدرسة تمضي عادة بين الجري والسباحة وركوب الخيل ... ~~وإني الآن فارس ماهر! # فقالت الأم: فلتحفظك الآلهة يا بني. # وسأله نافا: وهل ترمي الرمح وتطلق السهام؟ # فقال ددف يشرح لأخيه نظام المدرسة بإسهاب التلميذ المفتون: كلا ... ~~إننا نتدرب في السنة الأولى على الألعاب وركوب الخيل والسباحة، وفي السنة ~~الثانية نتعلم المبارزة بالسيف والخناجر والمزاريق، وفي السنة الثالثة ~~نتمرن بالرماح، وتلقى علينا دروس نظرية، والسنة الرابعة للقسي ~~والعلوم التاريخية، والسنة الخامسة للتدريب على العجلات الحربية، أما العام ~~السادس فللعلوم الحربية وزيارة القلاع والحصون. # فقال نافا: إن قلبي يحدثني بأني سأراك قائدا كبيرا يا ددف ... ~~إن وجهك يثير في النفس الحماس، لا ريب في هذا فإن صناعتي استيحاء ~~السجايا من ملامح الوجه ... # وكأن ددف تذكر أمرا هاما فتساءل باهتمام: أين خنى؟ # فقال بشارو: ألا تعلم أنه انخرط في سلك الكهنوت؟ وأنهم يحتفظون به ~~الآن خلف جدران معبد بتاح، ويلقنونه العلوم الدينية، ويفقهونه في ~~الأخلاق والفلسفة في عزلة بعيدة عن جلبة الدنيا وضوضائها. وإنه ليتدرب ~~على حياة هي أقرب الحيوات شبها بحياة الجندية؛ فهو يغتسل في النهار ~~مرتين وفي الليل مرتين، ويحلق شعر رأسه وبدنه، ويلبس الصوف، ويصرف عن أكل ~~السمك ولحم الخنزير والبصل والثوم ... إنه يا بني يجوز أشد الامتحانات ~~قسوة، ويلقن أسرار العلم ms055 المحرمة على غيره من البشر، فلندع له ~~جميعا أن تثبت الآلهة قدمه؛ لتخلق منه خادما مخلصا لها ولعبادها ~~المؤمنين. # فقالوا جميعا في نفس واحد: آمين! # وسأل ددف: ومتى يسعدني الحظ برؤيته؟ # فقال نافا بلهجة أسيفة: لن تراه قبل أربع سنوات وهي سنو التجربة ~~العظيمة. # فاكفهر وجه ددف حزنا وشوقا إلى معلمه الأول، أما زايا فسألته: ~~وكيف نراك بعد اليوم؟ ~~- في أول كل شهر. # فقطبت جبينها، ولكن نافا ضحك وقال: لا تستحثي الحزن يا أماه ... ~~ولننظر كيف نقضي يومنا هذا ... ما رأيكم في نزهة نيلية؟ # فصاحت زايا منكرة: في كيهك؟! # فقال نافا ساخرا: وهل يهاب الجندي قساوة الأنواء؟ # فقالت زايا بحدة: ولكني لا أقدر على جو كيهك، ولا على مفارقة ددف ~~دقيقة واحدة هذا اليوم. فلنبق جميعا في البيت ... وإني مدخرة له ~~حديثا طويلا لا قبل لي بحفظه في صدري بعد الآن. # ولاحظوا جميعا أن ددف فتر مرحه، وندر حديثه، وغشيته حالة جديدة من ~~الرزانة والجمود، وقد نظر إليه نافا قلقا بطرف خفي وساءل نفسه: ترى هل ~~يتشبث ددف بطبيعته الجديدة أبدا؟ إنه ينفر من الرزانة والجمود، ولعله ~~لم يحس بوحشة لغياب خنى لما عرف به من الرزانة والجفاء، ولكنه أنكر على ~~نفسه مخاوفها، وقال: إن ددف ما يزال حديث عهد بالحياة العسكرية، وإنه ~~لذلك لن يتم له هضمها في وقت قصير، فلن تزال بنفسه جفوة منها وألم حتى ~~يألفها، ويتطبع بطباعها، وحينذاك تنجاب عن قلبه الوحشة، وترتد إليه طبيعة ~~المرح والسرور. وظن أنه لو صحبه إلى معرض فنه، فربما استطاع أن يعيد ~~إليه انشراحه، فقال له: أيها الضابط، ما رأيك في زيارة معرض صوري؟ # ولكن زايا قالت بغيظ: لا تفتأ تحاول سلبه مني! كلا يا سيدي، لن ~~يبرح اليوم البيت. # فتنهد نافا وسكت، وخطرت له فكرة، فأحضر لوحة وقلما وقال لأخيه: ~~سأرسم صورتك في هذا الرداء الأبيض الجميل، وسأحتفظ بالصورة ذكرى جميلة تنظر ~~إليها بعيني الحنان والشوق حين تزين منكبيك بوشاح القيادة! # وباشر عمله بهمة ونشاط، وقضت الأسرة يوما سعيدا ms056 في سمر ~~وأحاديث. # وكانت أمثال تلك الزيارة تقع كل شهر مرة، وتفوت كلمح البصر ، وقد انجابت ~~وساوس نافا، وفارق الجفاء ددف ورجع سريعا إلى طبيعته المرحة الجسور، ~~استعاد جسمه القوة والفتوة، وسار قدما في طريق النمو والقوة والجمال ~~... # وكان الصيف - حين تغلق المدرسة أبوابها - أسعد أيام زايا وجاموركا، ~~وكانت تعاود البيت فيه جلبة الحياة ومرح النشاط اللذان سكتا به منذ ~~تفرق شمل الإخوة، كل إلى حال سبيله، وكانت الأسرة كثيرا ما ترتحل إلى ~~الريف، أو شمال الدلتا للصيد والقنص، فكانوا يشغلون قاربهم، ويمخرون به ~~عباب البحيرات التي تظلها نباتات البردي وأشجار اللوتس، ويقف بشارو بين ~~ابنيه نافا وددف وكل ممسك بعصا الصيد المعقوفة، حتى إذا حلقت بطة لا ~~تدري بما يخبئه لها القدر، أحكم كل منهم تسديد الهدف وقذف بها بما ~~يستطيع من القوة والمهارة. # وكان بشارو صيادا ماهرا ... وكان صيده أضعاف صيد ابنيه معا، وكان ~~يحدج ددف بنظرة متعالية ويقول بصوته الأجش: ألا ترى أيها الجندي كيف ~~يحكم أبوك الرماية؟ لا تعجب؛ فقد كان والدك ضابطا في جيش الملك سنفرو، ~~وكانت قوته كافية لتشتيت قبيلة من الهمج بغير قتال. # وكانت رحلات الصيد تنطوي في متعة وفرح ورياضة لا نظير لها في الأيام ~~الأخرى، ولكن لم يهدأ بال بشارو حتى اصطحبه معه إلى زيارة الأهرام، وكان ~~غرضه الأول من الزيارة أن يطلعه على نفوذه وسلطانه، ويريه استقبال الجند ~~والموظفين له. # ودعاه نافا لزيارة معرضه وأطلعه على صوره ذات الألوان ورسوماته ~~الجميلة، وكان الشاب ما يزال يعمل جاهدا بلا طائل على رجاء أن يدعى ~~يوما للاشتراك في عمل فني له قيمته في أحد قصور الأغنياء أو الهواة، أو ~~أن يشتري أحد الزوار بعض معروضاته ... وكان ددف يحب نافا، فأحب آثاره ~~وأعجب خاصة بالصورة التي رسمها له في بذلته الحربية البيضاء، فجاءت آية ~~على ملامحه ونظرة عينيه. # وكان نافا في ذلك الوقت يرسم صورة للمعمار الخالد ميرابو الذي صنع ~~أكبر معجزة فنية في الوجود. # وقد قال لددف وهو يريه الرسم التخطيطي للصورة: ms057 لم أبذل من قبل في صورة ~~نصف ما بذلت في هذه، ذلك أن بطلها ينزل من نفسي منزلة الآلهة. # فسأله ددف: هل ترسمها من الذاكرة يا أخي؟ # فقال: نعم يا ددف؛ لأني لا أرى الفنان الأعظم إلا في الأعياد ~~والحفلات الرسمية التي يظهر فيها ركاب فرعون، ولكنها تكفي لحفر صورته في ~~قلبي وعقلي! # واستدار العام وذهب ددف مرة أخرى إلى المدرسة، ودارت عجلة الزمان ... ~~وتقدمت حياة أسرة بشارو في طريقها المقدر؛ الأب إلى الشيخوخة، والأم ~~إلى الكهولة، وخنى إلى التفقه في الدين، ونافا إلى إتقان فنه ~~الجميل. # وأوسع ددف خطاه نحو التفوق والنبوغ وإتقان الفنون الحربية، فاكتسب ~~شهرة في المدرسة الحربية لم يفز بها تلميذ من قبل. # 15 # سار ددف في شارع سنفرو الذي لا ينقطع تيار المارين به، يلفت ~~الأنظار ببذلته الحربية البيضاء، وجسمه الفارع، وجماله الجاهر، حتى انتهى ~~به المسير إلى مدخل بيت «نافا بن بشارو - إجازة معهد خوفو للرسم والتصوير» ~~وقرأ اللافتة باهتمام كأنما يراها للمرة الأولى، وقد ارتسمت على فمه ~~الجميل ابتسامة حلوة مشرقة، ثم اجتاز الباب، وفي الداخل رأى أخاه مكبا ~~على عمله غير شاعر بما حوله، فصاح به ضاحكا: السلام عليك أيها ~~المصور العظيم. # فالتفت إليه نافا بوجهه الحالم الدهش، فلما عرف القادم، قام واقفا ~~وأقبل عليه مرحبا وهو يقول: ددف ... يا للحظ السعيد! كيف حالك يا رجل؟ هل ~~زرت البيت؟ # وتعانق الأخوان مليا، وقال ددف وهو يجلس إلى كرسي قدمه إليه ~~الفنان: نعم زرته، ثم أتيت إليك رأسا؛ فأنت تعلم أن بيتك هذا جنتي ~~المختارة! # فضحك نافا بصوته العالي وطفح وجهه بالسرور، وقال: ما أسعدني بك يا ددف! ~~وإن كنت أعجب كيف تهوي نفس ضابط مثلك إلى هذا الرسم الهادئ الحالم الجميل! ~~أين هو يا ددف من ميدان القتال وقلاع بوسيريس وبريمس! # فقال ددف: لا تعجب يا نافا فأنا جندي حقا، ولكن حببت إلي الفن ~~الجميل كما بث في خنى حب الحكمة والمعرفة. # فرفع نافا حاجبيه إعجابا وقال: لكأنك ولي عهد المملكة! ألا ms058 ترى ~~أنهم يهيئونه للعرش بتعليمه الحكمة والفن والحرب؟ وإنها لسياسة ~~سامية جعلت من ملوك مصر آلهة، وستجعل منك قائدا عديم النظير ... # فتصاعد الدم إلى وجه ددف وقال مبتسما: أنت يا نافا - كأمي - لا ~~تراني حتى تنعتني بسجايا الخير جميعا. # فضحك نافا ضحكا عاليا متواصلا، واسترسل في الضحك حتى أشفى على ~~التهلكة وأثار دهشة ددف. # فسأله: ما لك؟ ما الذي يضحكك هكذا؟ # فرد عليه الشاب وهو ما يزال يضحك: إني أضحك يا ددف؛ لأنك ~~شبهتني بأمك. ~~- وماذا يضحك في هذا؟ ... إني أعني ... ~~- لا تكلف نفسك مشقة الشرح أو الاعتذار؛ فإني أعلم بما تعني، ~~ولكن المسألة أن هذه هي المرة الثالثة التي أشبه فيها اليوم بامرأة؛ ~~فقال لي والدي صباح اليوم واجدا: «أنت كالفتاة سريع التقلب.» وقال لي ~~الكاهن شلبا منذ ساعة، وكان يحدثني في شأن صورة له: «أنت يا سيد نافا ~~يتغلب عليك الوجدان كالنساء.» وها أنت ذا تقول إني كأمك! فهل يا ترى ~~رجل أنا أم امرأة؟ # فضحك ددف بدوره وقال: أنت رجل يا نافا، ولكنك رقيق النفس حساس ~~الوجدان، ألا تذكر أن خنى قال مرة: إن الفنانين جنس بين الرجال ~~والنساء؟ # فقال نافا: إن خنى يعتقد أن الفن يقتضي إعارة من الأنوثة، ~~ولكني أعتقد أن وجدانية المرأة تناقض وجدانية الفنان في الغاية؛ ~~لأن المرأة بطبعها نفعية، تتوخى ما يحقق غايتها الحيوية على أكمل ~~الوجوه، أما الفنان فلا غاية له إلا استكناه ذوات الأشياء، وهذا هو ~~الجمال؛ لأن الجمال هو استجلاء ذات الشيء الذي يجعل منه ومن بقية ~~المخلوقات وحدة ذات انسجام ... # فضحك ددف وقال: أتظن أنك بتفلسفك هذا قادر على إقناعي بأنك ~~رجل؟ # فحدجه نافا بنظرة تحد وقال: أما تزال محتاجا إلى دليل؟ ... إذن فاعلم ~~أني سأتزوج. # فبدت الدهشة على وجه ددف وسأله: أحقا ما تقول؟ # فأغرق نافا في الضحك وقال: أيبلغ بك إنكار الزواج علي؟ ~~- كلا يا نافا ... ولكني أذكر أنك أغضبت والدنا عليك لزهدك في ~~الزواج. # فوضع نافا يده على قلبه، وقد تبدت على وجهه آيات الجد ms059 وقال: أحببت ~~يا ددف ... أحببت بغتة! # فتجمع وجدان ددف في انتباه واحد وسأله في لهفة : بغتة؟! ~~- نعم، كنت كالطائر الذي يحلق في السماء آمنا، وما يشعر إلا وسهم ~~يستقر في قلبه فيهوي! ~~- متى وأين؟ ~~- ددف، إذا قيل حب فلا تسل عن الزمان والمكان! ~~- من هي؟ # فقال بإجلال كأنه ينطق باسم إيزيس: ماتا ابنة كامادي المفتش بوزارة ~~المالية. ~~- وماذا أنت فاعل؟ ~~- سأتزوج منها. # فقال ددف بصوت الحالم: أهكذا تتغير الأمور؟ ~~- وبأسرع من هذا، سهم وأصاب، فماذا يصنع الطائر؟ # حقا إن الحب شيء عظيم، عرف ددف الفن والحكمة والسيف. أما الحب ~~فهذا لغز جديد. وكيف لا يكون لغزا وقد فعل في ساعة ما عجز عنه بشارو في ~~سنين! وأحس بوجدانه يفور وروحه تهيم في وديان بعيدة الآفاق. # أما نافا فقد استطرد يقول: ويشاء الحظ السعيد أن أوفق في حياتي ~~الفنية؛ فقد دعاني السيد فاني إلى زخرفة بهو استقباله، وغدوت تثمن بعض ~~صوري بعشر قطع من الذهب فآبى أن أبيعها. انظر إلى هذه الصورة ~~الصغيرة! # فحول ددف وجهه الهائم إلى حيث يشير أخوه، فرأى صورة صغيرة تمثل ~~فلاحة صبية على شاطئ النيل عند الغروب، وقد خضب الشفق أفق السماء، ~~وكأنه ارتاع لجمال الصورة التي جذبته من وديان الأحلام، فدلف إليها حتى ~~صار منها على بعد ذراع، وشاهد نافا إعجابه فسر سرورا لا مزيد عليه، ~~وقال: ألا ترى أنها صورة غنية بالألوان والظلال؟ انظر إلى النيل ~~والأفق! # فقال ددف بصوت الحالم: بل دعني أنظر إلى الفلاحة. # وكان نافا يتأمل صورته فقال: إن الريشة تخلد مشية النيل ذات ~~الإجلال. # فقال ددف بلا اكتراث لما يقول الفنان: يا للأرباب ... إنه جسم لدن ... ~~له استقامة الرمح. ~~- انظر إلى الحقول وإلى الزرع المائل، علام يدل ميله؟ # فقال ددف وكأنه لا يسمع ما يقول صاحبه: ما أجمل الوجه الخمري ~~البدري! ~~- إنه يدل على ريح الجنوب. ~~- ما أجمل العينين السوداوين ... إن لهما نظرة إلهية. ~~- ليست الفلاحة كل شيء في الصورة، انظر إلى الشفق فالآلهة وحدها تعلم ~~كم أجهدني في تصويره ms060 وتلوينه. # فنظر ددف إليه وقال بحماس جنوني: إنها حياة يا نافا. إني أكاد أسمع ~~غمغمتها ... كيف تعيش معها يا نافا تحت سقف واحد؟ # ففرك يديه حبورا وقال: رفضت في سبيلها عشر قطع من الذهب ~~الخالص. ~~- لن تباع هذه الصورة أبدا. ~~- ولمه؟ ~~- هي صورتي ولو دفعت لها حياتي! # فضحك نافا وقال: واها يا سن السابعة عشرة! إنك نار تضطرم ... ولهب ~~يندلع. إنك تبثين الحياة والأنوثة في الأحجار والمياه والألوان. ~~إنك لتعشقين الأوهام والأخيلة، وتخالين الأحلام حقائق واقعة ... وتصلين ~~ابنك عذاب الجحيم! ... # فالتهب وجه الشاب دما وسكت عن الكلام، فأشفق نافا من إغضابه فقال: ~~لبيك أيها الجندي. # فقال ددف بتضرع: لا تفرط في هذه الصورة يا نافا. # فقام نافا إلى الصورة ورفعها من مكانها وقدمها إلى أخيه وهو يقول: هي ~~لك يا ددف العزيز. # فوضعها ددف بين يديه برفق كأنه يمسك بقلبه، وقال بصوت الممتن ~~الشكور: شكرا لك يا نافا! # وجلس نافا راضيا، وأما ددف فلازم وقفته لا يريم ... واستغرق في تأمل ~~الفلاحة الإلهية ثم قال: كم يفتن الخيال المبتدع! # فقال نافا بهدوء: ليست من خلق الخيال. # فزلزل قلب الشاب وسأل برجاء: أتعني أن صاحبتها من الأحياء؟ ~~- نعم ... ~~- وهل ... وهل هي كصورتها؟ ~~- ربما فاقتها حسنا ... ~~- نافا! # فابتسم الفنان، وسأله الشاب المفتون: أتعرفها؟ ~~- رأيتها مرات على شاطئ النيل. ~~- أين؟ ~~- شمال منف. ~~- هل تذهب دائما إلى هناك؟ ~~- كانت تذهب كل أصيل هي وأخوات لها، فيجلسن ويلعبن، ويختفين مع ~~اختفاء الشمس ... وكنت أتخذ مكاني خفية خلف شجرة الجميز، وأنتظر ~~حضورهن بفارغ الصبر! ~~- وهل يواظبن على حضورهن؟ ~~- لا أدري؛ فقد انتهت متابعتي لهن بانتهائي من الصورة. # فنظر إليه بارتياب وسأله بخوف: وكيف استطعت؟ # فابتسم نافا وقال: هذا جمال أعبده ولكني لا أحبه. # فلم يعبأ ددف بكلامه وسأله: في أي بقعة كانت ترى؟ ~~- شمال معبد أبيس. ~~- ترى هل ما تزال تذهب إلى هناك؟ ~~- وما الداعي إلى تساؤلك أيها الضابط؟ # فتحيرت في عيني ددف نظرة ملتهبة، فقال نافا: هل قضي أن يصيب ~~السهم الأخوين في أسبوع واحد؟ # فقطب ms061 ددف جبينه وعاد إلى تأمل الصورة، فقال نافا: لا تنس أنها ~~فلاحة. # فتمتم ددف قائلا : بل ربة جميلة. # فقال نافا ضاحكا: واها يا ددف العزيز، لقد أصابني السهم فترديت في ~~قصر كامادي، وأخشى إن كان أصابك أن تقع على كوخ متهدم! ... # 16 # كان اليوم يحمل طابع الأحلام، فلدى عصره وضع ددف الصورة على صدره، وذهب ~~إلى شاطئ النيل واكترى قاربا اتجه به صوب الشمال ... # ولم يكن يعي ما يفعل، ولا يقدر عاقبة تصرفه، وكل ما يمكن قوله ~~أنه مسه سحر الافتتان فأطاع وحيه وأصاخ إلى ندائه، فانطلق يعدو إلى ~~غايته المجهولة مدفوعا بعاطفة قهارة لا تقاوم، فقد أصابه مس من ~~الافتتان، واستقر الافتتان في قلب شجاع لا يهاب الموت، جسور لا يلوي ~~على المخاطر، فكان من الطبيعي أن ينطلق لأنه ليس من عادته أن ينكمش، ~~وليكن ما يكون ... # وراح القارب يشق الماء مدفوعا بقوة التيار وشدة الساعدين ~~الفتيين، وجعل ددف يرسل بناظريه إلى الشاطئ يبحثان عن ضالته، فما ~~رأتا أول الأمر إلا حدائق قصور أغنياء منف التي تهبط إلى سطح النيل ~~بدرجات رخامية. وسار فراسخ لا يرى سوى الحقول المنبسطة حتى لمح عن بعد ~~حديقة القصر الفرعوني، فمال بقاربه إلى وسط النهر ليبتعد عن منطقة الحرس ~~النيلي، ثم عرج مرة أخرى إلى الشاطئ عند مقام معبد أبيس، ثم أوغل ~~شمالا محاذيا للبقعة التي لا ترى الناس إلا في المواسم والأعياد. وكاد ~~يشفي على اليأس والقنوط لولا أن رأى على بعد قريب قطيعا من الفلاحات ~~يجلسن على الشاطئ تاركات سيقانهن في الماء الجاري، فخفق قلبه خفقة ~~شديدة طردت القنوط طردا، والتمعت عيناه بنور الأمل البهيج، فاشتد ساعده ~~وحول القارب إلى الشاطئ، وكان كلما قطع ذراعا التفت إليهن وأمعن ~~النظر، فلما أن دنا منهن واستطاع أن يرى وجوههن فرت من فمه صيحة ~~خافتة، كصيحة الأعمى الذي ترد إليه نعمة الإبصار على حين فجأة، وذاق ~~غبطة الغريق الذي صادفت قدماه صخرة ناتئة وقد أشفى على الغرق؛ فقد رأى ~~الفلاحة المنشودة، صاحبة الصورة التي ms062 على قلبه، جالسة على الشاطئ وسط ~~هالة من أترابها، وكان كل شيء - كما قلنا - موسوما بروح الأحلام، فرسا ~~القارب قريبا منهن، ووقف فيه ددف بقامته الفارعة وبزته البيضاء ~~الأنيقة، يتيه بجسم كأنه تمثال القوة المعبود، وجمال فاتن كأنه إله ~~النيل انحسرت عنه أمواجه القدسية، وجعل يرنو إلى ذات الوجه الملائكي بوجه ~~شفه الهيام والافتتان، فتولت الحيرة الفلاحة، ومضت تقلب عينيها ~~في وجوه صويحباتها، ومضين يقلبن أعينهن في وجهها المشرق، وكن يظننه ~~عابرا، فلما رأينه واقفا سحبن سيقانهن من النيل، وارتدين صنادلهن ~~وتولاهن الإنكار. # فقفز ددف من القارب فصار على بعد ذراع منهن، وقال للفلاحة بصوت ~~رقيق: طيب الرب مساءك أيتها الفلاحة الجميلة. # فرمقته بنظرة إنكار وكبرياء، وقال له أكثر من صوت من أصوات العصافير ~~المحيطة بها: ماذا تريد منا يا سيدي؟! ... سر في حال سبيلك! # فوجه إليها نظرة عتاب وقال: ألا تردين تحيتي؟ # فولت عنه برأسها المتوج بتاج الليل غضبا، وصاحت به الكثيرات: ~~سر في سبيلك أيها الشاب، نحن لا نكلم من لا نعرفه! # فقال ددف: ترى هل عادة البلد الطيب الذي أنبتكن أن يلقى الغريب بمثل ~~هذا الجفاء؟ # فقالت واحدة بحدة: الذي يبدو على وجهك الاستهتار لا الغربة! ~~- كم تقسين علي! ~~- إن كنت غريبا حقا، فليس هذا المكان بغاية الغرباء، عد جنوبا إلى ~~منف أو سر شمالا إلى حيث شئت، ودعنا في سلام، فنحن لا نكلم من لا ~~نعرفه! # فهز ددف كتفيه استهانة وقال وهو يشير إلى الفلاحة الجميلة: ~~إن مولاتي تعرفني حق المعرفة. # فتولاهن الإنكار ونظرن إلى الفتاة الجميلة فألفينها غاضبة، وسمعنها ~~تقول له: أتفتري علي كذبا! # فقال الشاب: أبدا وحق الرب، لقد عرفتك منذ زمن طويل، وما جددت في ~~طلبك إلا بعد أن خانني الصبر ولج بي الشوق. # فقال الجميلة الغاضبة: كيف تزعم هذا، وما رأتك عيناي قبل الآن؟ # وقالت إحدى صويحباتها: ولا تحب أن تراك بعد الآن؟ # وقالت أخرى بلهجة مرة: ما أقبح أن يهاجم الجنود الفتيات! # ولكنه لم يبالهن، وقال للتي لا تتحول عن وجهها ms063 عيناه: طالما رأيتك ~~وطالما امتلأت بك نفسي. ~~- كاذب ... عديم الحياء. ~~- حاشاي أن أكذب، ولكني أحتمل كلامك القاسي بشغف، إكراما للفم ~~الجميل الذي ينثره. ~~- بل أنت كاذب مدع يبغي طريقة عوجاء! ~~- قلت حاشاي أن أكذب ... وإليك الدليل. # قال ذلك ودس يده في صدره وأخرج الصورة وواجهها بها وهو يقول: هل ~~أستطيع أن أرسم هذه الصورة دون أن تمتلئ عيناي بسناك؟ # ونظرت الصبية إلى الصورة، فلم تتمالك أن تصيح بإنكار وسخط وخوف، ~~وامتلأت نفوس البنات سخطا، وهجمت عليه إحداهن بغتة تريد أن تنتزعها ~~منه، ولكنه رفع بها ذراعه بسرعة البرق وابتسم ظافرا وقال: أرأيت كيف ~~أنك ملء خيالي ونفسي؟ # فقالت بغضب شديد: هذه خسة ونذالة. ~~- ولم؟ ألأنه راقني حسن فصورته؟ # فقالت بحدة لم تخل من توسل: رد إلي هذه الصورة. # فقال وعلى فمه ابتسامة حلوة: لن أفرط فيها ما حييت. ~~- أرى أنك من جنود المدرسة الحربية، فاعلم أن سوء أدبك هذا يعرضك ~~إلى أقسى العقوبات. # قال بهدوء: إني أعرض نفسي بالنظر إليك إلى ما هو أشد ~~قساوة. ~~- يا عجبا لقد ابتليت بك ابتلاء. ~~- وابتليت أنا ابتلاء أحق بالرحمة. ~~- ماذا أردت بهذه الصورة؟ وماذا تريد مني الآن؟ ~~- أردت بالصورة أن تشفيني مما فعلته بي عيناك، وأريد منك الآن أن ~~تشفيني مما فعلته بي الصورة. ~~- لم أكن أحلم قط أن يتعرض لي إنسان بمثل سفاهتك. ~~- وهل كنت أحلم أن أسلب عقلي وقلبي في لحظة عابرة؟ # وهنا صاحت به فلاحة أخرى: هل سعيت إلينا لتنغص علينا ~~سعادتنا؟ # وصاحت به أخرى وقالت: يا لك من شاب وقح سفيه! إني أنذرك بأني إذا ~~لم تذهب سريعا استصرخت بالناس. # فنظر باطمئنان إلى الفضاء المحيط وقال بهدوء: لم أعتد أن أطلب شيئا ~~فيعز علي. # فصاحت به الفلاحة الجميلة: هل تريد إرغامي على الاستماع إليك؟ ~~- كلا ولكني ... ولكنني أطمع أن يلين قلبك فيهوي إلى الاستماع ~~إلي! ~~- وإذا وجدت قلبي كالصخر لا يلين؟ ~~- وهل يشتمل هذا الصدر الرقيق على صخر؟ ~~- إنه يتحول إلى صخر حيال سفاهة السفهاء. ~~- وحيال شكوى المحبين؟ # فضربت ms064 الأرض بقدمها وقالت بعنف: يصير أشد قساوة. ~~- إن قلب أقسى الفتيات كقطعة الثلج، إذا مسها نفس حار ذابت ~~وتدفقت ماء نميرا ... # فقالت بسخرية: إن هذا الكلام الذي تظنه رقيقا دليل على أنك ~~جندي فاسد، يخفي جسم فتاة خلف رداء الجندية ... ولعلك سرقت هذا الرداء ~~العسكري كما سرقت صورتي من قبل ... # فاحتقن الدم بوجه ددف الجميل وقال: سامحك الرب ... أنا جندي صادق ~~الجندية، وسيحالفني النصر على قلبك كما حالفني في جميع الميادين! # فقالت بلهجة أشد سخرية: أي ميادين هذه التي تتكلم عنها؟ إن ~~الوطن يتمتع بالسلام من قبل أن تتشرف بك الجندية، فيا لك من جندي ~~يعقد له النصر في ميادين السلام والطمأنينة! # فاعتلاه الارتباك وقال: ألا تعلمين يا جميلة أن حياة التلميذ في ~~المدرسة الحربية كحياة الجندي في الميدان؟ ولكن لا عليك من هذا سيغفر ~~قلبي لك سخريتك مني ... # فقالت بغيظ: حقا إني أستحق اللوم؛ لأني صبرت على سفاهتك. # وهمت بالمسير، ولكنه حال بينها وبينه وقال مبتسما: لا أدري كيف ~~أكتسب مودتك؟ أنا سيئ الحظ ... هل لك في نزهة نيلية في القارب؟ # وارتاع البنات لتعرضه لصاحبتهن وأحطن بها. وصاحت به إحداهن: ~~دعنا نذهب فقد لحقنا المغيب. # ولكنه لم يدعهن يذهبن، وكانت واحدة منهن تطلب منه غفلة، ~~فلما لاحت فرصة انقضت عليه كاللبؤة وارتمت على ساقه وتعلقت به ~~وعضته في فخذه، وارتمت عليه الفتيات جميعا، منهن من تعلقت بساقه ~~الأخرى، ومنهن من احتضنته بقوة، وجعل يقاومهن بالصبر دون المدافعة، ~~ولكنه عجز عن الحركة ورأى - وهو يكاد يجن - الفلاحة الجميلة تجري ~~ناحية الحقول كالغزال النافر، فناداها وتوسل إليها، وقد اختل توازنه ~~فسقط على الحشائش الخضراء، وما زلن يتشبثن به، ولم يتركنه حتى اطمأنن ~~إلى اختفاء صاحبتهن. وقام مهتاجا غاضبا، وجرى في الطريق الذي ذهبت فيه، ~~ولكنه لم ير إلا فضاء، فعاد قانطا وقد رجا أن يهتدي إليها بواسطة ~~صاحباتها، ولكنهن كن دهاة فقعدن هادئات لا يبرحن ~~أماكنهن. # وقالت له واحدة بسخرية: ابق الآن أو اذهب كما تشاء. # وقالت أخرى بخبث: عسى أن ms065 تكون هذه أول مرة تهزم فيها أيها ~~الجندي. # فقال بغضب شديد: لم تنته المعركة بعد ... وسأتبعكن ولو رحلتن إلى ~~طيبة! # فقالت التي عضته: سنبيت ليلنا هنا ... # 17 # وكان الشهر الذي قضاه في المدرسة بعد ذاك المساء الجميل أطول الشهور ~~وأشدها قسوة، وكان في أول الأمر كثير التألم لكرامته وكبريائه يسائل ~~نفسه مغيظا محنقا: كيف أخيب هذه الخيبة وما ينقصني الجمال ولا الشباب، ~~ولا القوة ولا الغنى؟! وكان يديم النظر إلى المرآة، ويحدث نفسه ما الذي ~~يعيبه؟ ما الذي ينفر الحسان منه؟ لماذا أصلته إهانة تلو إهانة، وسخرية ~~بعد سخرية! لماذا فرت منه كما يفر السليم من الأجرب؟ ثم يجد رغبة شديدة ~~إلى معاودتها وملاحقتها، ولكنه يذكر الشهر الطويل الذي تحجزه فيه ~~المدرسة بين جدرانها، فتذهب نفسه حسرات، وتسيل جوى ولوعة؛ فقد يستطيع لو ~~ثابر على مغازلتها يوما بعد يوم أن يكبح جماحها، ويلين عريكتها ويكتسب ~~مودتها، وأي فتاة تقسو إلى الأبد؟ ولكن أنى له هذا وهو حبيس هذه ~~الجدران الضخمة التي ترتد عنها القسي والنبال؟! # وبالرغم من كل شيء ظل مفتونا بها، لا تفارق صورتها صدره، كي يخلو ~~إليها كلما خلا إلى نفسه، ترى من هي تلك الجبارة الفاتنة؟ فلاحة ~~صغيرة؟ هذا عجيب، وأين أعين الفلاحات من عينيها النيرتين ~~الساحرتين؟ وأين بساطة الفلاحات من كبريائها وعنادها؟ وأين سذاجة ~~الفلاحات من سخريتها المريرة وتهكمها المتعالي؟ لو أنه باغت فلاحة ~~بما باغتها به لربما فرت هاربة أو استسلمت راضية، ولكن هيهات! وهل ~~يستطيع أن ينسى جلستها وسط صويحباتها كالأميرة بين أفراد حاشيتها ~~ووصيفاتها؟ وهل ينسى كيف دافعته عنها مدافعة المستميت؟ وهل ينسى كيف لبثن ~~بين يديه - بعد فرارها - لا يبرحن حذار أن يتبعهن إليها، صابرات على ~~البرد والظلمة؟ فهل يفعلن كل هذا من أجل فلاحة مثلهن؟! كلا ~~وكلا، ولعلها ريفية نبيلة بل عسى أن تكون كذلك حتى لا يقول نافا مرة ~~أخرى إنه وقع على كوخ متهدم؟ ولكن هل وفق معها لكي يقول ذلك لنافا ~~مرة أخرى؟ وا أسفاه ...! # ومهما يكن فقد ms066 انتهى الشهر الذي خاله لا ينتهي أبدا، وغادر المدرسة ~~كمن يغادر سجنا رهيبا، وذهب إلى البيت بشوق مدخر لغير أهله، وقابلهم ~~بفرح ليس هم الباعث عليه، وجلس بينهم بقلب غائب، فلم يلاحظ ما طرأ على ~~جاموركا من الجمود والفتور، وانتظر العصر بصبر فارغ، ذلك العصر الذي عد ~~الدقائق إليه شهرا كاملا، ثم انطلق إلى بقعة أبيس الطاهرة تنشد عيناه ~~الوجه الحبيب ...! # وكان الشهر برمودة والجو معتدلا رطبا، آخذا من البرد بقبضة تنعش، ~~وآخذا من الدفء بنفس حي يغري باللهو والهوى، وكانت السماء بيضاء، رقيقة ~~البياض، يشف بياضها الرقيق عن زرقة باهتة. # وألقى على المكان العزيز نظرة ملؤها الحنو، وساءل نفسه المشوقة: أين ~~الفلاحة ذات العينين الفاتنتين؟ ترى هل تذكره؟ أم هل لا تزال تجد ~~عليه؟ وهل ما يزال رجاؤه لديها عسيرا؟ أيستحيل أن يلقى حبه صدى في ~~قلبها؟ ولكن أين هي؟ # إن البقعة خلاء لا تجيب، صماء لا تلبي نداء، فما من معين على ~~البلوى أو صارخ على الشكوى، والقلب يستشعر وحشة، ويحس بدبيب الخيبة، ~~ويجثم عليه روح تشاؤم وقنوط. # والوقت - إذا غره الأمل لا يزال أمامه متسع لمجيئها - يمر ثقيلا ~~بطيئا، وإذا خيل إليه القنوط أن موعدها انقضى أحس بالزمن ينطلق انطلاق ~~السهم، وكأن الشمس تركب عربة سريعة تعدو بها إلى الأفق الغربي. # ومضى يحوم حول المكان الذي رآها فيه أول مرة، وجعل ينظر إلى الحشائش ~~الخضراء طمعا أن يرى أثرا لصندلها أو سحب ذيلها، ولكن الحشائش لم تحفظ من ~~جسمها اللدن أكثر مما حفظ الماء من ساقيها! # ترى هل تواظب على زيارة هذا المكان كما كانت تفعل من قبل، أم أنها ~~زهدت في نزهتها زهدا في رؤيته؟ أين هي؟ وكيف السبيل إليها؟ هل ينادي بغير ~~اسم؟ هل يصرخ في الفضاء؟ وجعل يدور حول المكان الحبيب حائرا، نافد الصبر، ~~يتقاذفه القنوط والأمل ... ولاحت منه التفاتة إلى السماء فرأى الشمس تميل ~~إلى الأفق، ورأى توهجها يخبت فتقدر العين على النظر إليه كأنها جبار ~~مارد أذلته الشيخوخة، وأطمعت فيه الضعفاء، فذوى ms067 أمله وغرق في لجة ~~اليأس، واعتلاه حزن شديد، وولى وجهه شطر الحقول فرأى هيكل قرية، فشخص ~~إليها وما يدري ما يفعل، وفي منتصف الطريق التقى بفلاح آئب بعد جهد ~~النهار الواصب، فسأله عن القرية، فقال الرجل وهو ينظر إلى بدلته باحترام: ~~«هي قرية آشر يا سيدي.» فكاد من اليأس أن يريه الصورة الساكنة على صدره ~~ويسأله عن صاحبتها. # واستأنف رحلته، ولم تكن له غاية محدودة، ولكنه وجد في السير راحة لم ~~يجدها في الوقوف والدوران، وكأن الأمل الخلب الذي غرر به ساعة على ~~شاطئ النيل طار إلى ربوع تلك القرية فاتبع أثره. وكان مساء لا ينسى؛ ~~فقد اخترق طرقات القرية يقرأ الوجوه ويسائل الديار، فأثار منظره الفضول ~~ولفت جماله الأنظار، واتجهت إليه العيون من كل صوب، وما لبث أن وجد نفسه ~~يسير وسط أمة من الفتيات والغلمان والصبيان، وأخذ يعلو الحديث والهتاف، ~~وما وجد لضالته أثرا، فتحاشى أهل القرية وغادرها سريعا، وأسرع الخطى ~~نحو النيل في ظلمة من النفس وظلمة من الكون. # كان حزينا، يائسا، تحرق اللوعة صدره، وتمزق الحسرة قلبه، وقد ~~ذكرته حاله بمأساة الربة إيزيس حين ذهبت تبحث عن أشلاء زوجها أوزوريس ~~التي نثرها ست في تضاعيف الرياح، وقد كانت الأم إيزيس أسعد حظا منه، ~~أما هو فلو كانت حبيبته طيفا من أطياف الأحلام، لكان الأمل في العثور ~~عليه أدنى إلى قلبه. # أحب ددف الجميل، ولكنه كان حبا غريبا، حبا بلا حبيبة، حبا ليس ~~عذابه الصد أو الخيانة أو ويلات الزمن وكيد الناس، لكن عذابه أنه بلا ~~حبيبة. كانت حبيبته كنسمة هائمة حملتها ريح هوجاء وذهبت بها إلى حيث لا ~~يعلم إنسان. فقلبه ضائع لا يعرف له مستقرا، لا يدري إن كان قريبا أم ~~بعيدا، لا يدري إن كان بمنف أم في أقصى بلاد النوبة، فيا لها من أقدار ~~قاسية تلك التي حولت عينيه إلى تلك الصورة التي يحتفظ بها على قلبه، ~~كانت أقدارا قاسية تعرفها الأرواح الشريرة التي يطيب لها عذاب ~~البشر. ~~••• # وعاد إلى البيت والتقى بأخيه ms068 نافا في الحديقة، فقال الفنان: أين كنت ~~يا ددف؟ لقد طالت غيبتك. ألم تعلم أن خنى في حجرته؟ # فقال ددف بدهشة: خنى! ... أحقا ما تقول؟ ولكني لم أجده حين ~~مجيئي. # فقال نافا: جاء منذ ساعتين وهو ينتظرك. # فهرع إلى حجرة الكاهن الذي لم تقع عليه عيناه منذ سنوات، ورآه جالسا، ~~كما تعود أن يراه في الأيام الخوالي، والكتاب في يده، فلما رآه قام ~~إليه وهو يقول بفرح: ددف! كيف أنت أيها الضابط الهمام؟ # وتعانقا طويلا، وقبله خنى في خديه وباركه باسم الرب بتاح وقال ~~له: كم تمر الأعوام سريعا يا ددف! إن وجهك هو هو الوجه الجميل ... ~~ولكنك تنمو نموا عظيما، وكأني أرى فيك صورة جندي باسل من الجنود ~~الذين يباركهم الملك عقب المواقع الكبرى، وتخلد بطولتهم جدران المعابد ... ~~يا عزيزي ددف، كم أنا سعيد برؤيتك بعد هذه الأعوام الطوال! # فقال ددف والفرح يغمره: وأنا سعيد جدا يا أخي العزيز، تالله لقد ~~غدوت صورة صادقة من رجال الكهنوت في نحافة جسمك، وهيبة محضرك، ونفاذ ~~عينيك، هل انتهيت من الدراسة أيها الأخ العزيز؟ # فابتسم خنى وقال وهو يجلس ويفسح له مكانا إلى جانبه: إن الكاهن لا ~~ينتهي من العلم أبدا؛ لأنه لا نهاية للعلم. وقد قال قاقمنا: إن ~~العالم يطلب العلم من المهد إلى اللحد، ويموت جاهلا. ولكني أتممت ~~الدراسات التعليمية الأولى. ~~- وكيف كانت حياتك في المعبد؟ # فنظر إليه الشاب بعينين حالمتين وقال: واها لك أيها الزمان، ~~كأني أستمع إليك قبل عشر سنوات وأنت تطرح علي السؤال تلو السؤال، أتذكر ~~يا عزيزي ددف؟ ... لا داعي للعجب؛ فحياة الكاهن تمضي بين سؤال وجواب، أو سؤال ~~ومحاولة الجواب، إن السؤال خلاصة الحياة الروحية، معذرة يا ددف، ما الذي ~~يهمك من حياة المعابد؟ ليس كل ما يعرف يقال، وحسبك أن تعلم أنها ~~حياة الجهاد والطهر، إنهم يعودوننا أن نجعل الجسم طاهرا مطيعا ~~لإرادتنا ثم يلقنوننا العلم الإلهي، وهل ينثر الحب الطيب إلا في ~~أرض طيبة؟ ~~- وماذا أنت فاعل أيها الأخ؟ ~~- سأعمل قريبا خادما لقرابين ms069 الرب بتاح تعالى اسمه المبارك، ولقد ~~حزت عطف الكاهن الأكبر، وتنبأ لي بأنه لن تمضي عشر سنوات حتى أنتخب ~~قاضيا من قضاة منف العشرة ... # فقال ددف بحماس: إني أومن بأن نبوءة قداسته ستتحقق قبل ذلك ... أنت ~~رجل عظيم يا خنى. # فابتسم خنى ابتسامته الهادئة وقال: أشكرك يا عزيزي ددف، والآن قل لي هل ~~تقرأ شيئا مفيدا؟ # فضحك ددف قائلا: إذا حسبت خطط القتال وتاريخ الجيش المصري قراءة ~~مفيدة، فأنا أقرأ أشياء مفيدة! # فسأله بإشفاق: والحكمة يا ددف؟! ... لقد كنت تصغي إلى أقوال الحكماء بشغف ~~وشوق في هذا المكان قبل عشر سنوات! ~~- الحق أنك زرعت حب الحكمة في قلبي، ولكن حياتي العسكرية لا تترك ~~لي فراغا للمطالعة التي أهواها، ومهما يكن فقد قصرت الشقة بيني وبين ~~الحرية. # فقال خنى بامتعاض: إن العقل الفاضل لا يستغني عن الحكمة يوما، كما ~~أن المعدة السليمة لا تزهد في الطعام بعض يوم. ينبغي أن تعوض ما فاتك ~~يا ددف، لا تنس هذا مطلقا، إن فضيلة علم الحرب أنه يؤهل الجندي ~~لخدمة وطنه ومولاه بالقوة، ولكن الروح لا تفيد منه شيئا، والجندي ~~الذي يجهل الحكمة، كالحيوان الأمين ليس إلا، قد ينفع بوحي غيره، فإذا ترك ~~لنفسه عجز عن إفادة نفسه فضلا عن الآخرين، وقد ميزتنا الآلهة عن الحيوان ~~بالروح، وإذا لم تتغذ الروح بالحكمة هوت إلى حضيض الحيوانية. لا تغفل ~~عن هذا يا ددف؛ لأني أشعر من أعماق قلبي بأن روحك سامية، وأقرأ على جبينك ~~الجميل أسطرا باهرة من المجد والجلال، باركك الرب في روحاتك وغدواتك ~~... # وتسلل الحديث بينهما عذبا شهيا لقلبيهما، وكان آخر ما تحدثا به ~~زواج نافا، وعلم به خنى من ددف لأول مرة، فبارك الزوج والزوجة، وهنا خطر ~~لددف خاطر فسأله: ألا تتزوج يا أخي؟ # فقال الكاهن للشاب: كيف لا يا ددف؟ إن الكاهن لا يستطيع أن يخلد إلى ~~طمأنينة الحكمة ما لم يتزوج، وهل يستطيع المرء أن يتطلع إلى السماء وفي ~~النفس نزوع إلى الأرض؟ إن فضيلة الزواج أنه يخلص من الشهوات ms070 ويطهر ~~الجسد. ~~••• # وغادر ددف حجرة أخيه عند منتصف الليل، وآوى إلى حجرته، وأخذ يخلع ثيابه ~~ويستعيد حديث الكاهن، ثم أخذت تعاوده أحزانه ويتذكر عذاب يومه وخيبته ~~فيه، وقبل أن يضطجع على فراشه سمع طرقا خفيفا، فأذن للطارق بالدخول، ~~فدخلت زايا يبدو على هيئتها الوجوم وسألته: هل أيقظتك؟ # فقال وقلبه يتوجس خيفة: كلا يا أماه لم أنم بعد، خيرا؟ # وترددت المرأة وهمت بالكلام، فلم يطاوعها لسانها، فأشارت إليه أن ~~يتبعها، فتبعها قلقا حتى انتهيا إلى مخدعها، وأشارت إلى الأرض، فنظر فرأى ~~جاموركا ممددا كأنه أصيب بسهم قاتل، فلم يتمالك نفسه أن صاح بذعر: ~~جاموركا ... جاموركا ... ما له يا أماه؟! # فقالت المرأة بصوت مختنق: تشجع يا ددف ... تشجع يا عزيزي. # فانخلع قلبه في صدره، وركع إلى جانب الكلب العزيز الذي لم يلقه كعادته ~~بالقفز والفرح، وربت على جسمه فلم يبد حراكا، فنظر إلى أمه بعينين ~~كئيبتين وسألها: ما له يا أماه؟ ~~- فقالت المرأة: تشجع يا ددف إنه يحتضر! # فارتاع الشاب لتلك الكلمة المرعبة وقال محتجا: كيف حدث هذا؟ لقد ~~لاقاني في الصباح كعادته. ~~- لم يكن كعادته يا عزيزي، إلا إذا كان فرحه بك محا آلامه ساعتئذ، لقد ~~طعن في العمر يا ددف وبدا عليه في الأيام الأخيرة وهن الوداع ... # فاشتد الألم بددف وتحول إلى الصديق الأمين، وهمس في أذنه بحزن ~~عميق: جاموركا ... ألا تسمعني؟ جاموركا! # فرفع الكلب الأمين رأسه بصعوبة، ونظر إلى مولاه بعينين لا تريان ~~شيئا كأنه يودعه الوداع الأخير، ثم عاد إلى نومه الثقيل، وجعل يئن ~~بصوت مبحوح، فناداه مرة بعد أخرى، ولكن نداءه لم يحرك به ساكنا، ~~وخيل إليه أن وطأة الموت تشتد على الصديق الأمين. ورآه يلهث ويفتح ~~فاه ويغلقه، ثم رآه ينتفض انتفاضة ضعيفة ويسكن إلى الأبد. وناداه من ~~أعماق قلبه قائلا: «جاموركا.» فضاع النداء سدى ... ولأول مرة في حياته ~~العسكرية ذرفت الدموع من عينيه، وانتحب باكيا يودع رفيق الطفولة وحبيب ~~الصبا وصديق الشباب ... # ورفعته أمه بين يديها، وجففت دموعه بشفتيها، وأجلسته إلى جانبها ~~على فراشها، وعزته ms071 بكلمات رقيقة، ولكنه لم يسمع إليها، ولم تنفرج شفتاه ~~تلك الليلة إلا عن قوله: أماه أريد أن يحنط ويحفظ في تابوت في الحديقة ~~في البقعة التي كنا نلعب فيها معا، حتى ينقل إلى قبري حين يدعوني ~~الرب. # وهكذا اختتم ذلك اليوم الحزين ... # 18 # مضى العام السادس والأخير لددف في المدرسة الحربية. # وأقامت المدرسة حفلتها التقليدية السنوية التي يتبارى فيها ~~المتخرجون قبل توزيعهم على فرق الجيش المختلفة. وأشرقت حياة الفرح - ~~ذلك اليوم - على المدرسة العظيمة وازينت أسوارها بأعلام الفرق ~~الحربية، وصدح جوها بأنغام الموسيقى الحماسية. # وفتحت أبوابها تستقبل المدعوين نساء ورجالا الذين يتكون جمهورهم ~~من أسرات الضباط والقواد والمتخرجين وكبار الموظفين. # وبعد أن انتصف النهار، حضر كبار رجال الدولة يتقدمهم الكهنة، ~~والوزراء على رأسهم صاحب القداسة خوميني، وقواد الجيش العظام وعلى ~~رأسهم القائد أربو، وكثير غيرهم من خاصة الموظفين، والكتاب، ~~والفنانين ليكونوا جميعا في استقبال حضرة صاحب السمو الفرعوني الأمير ~~رعخعوف ولي عهد المملكة، الذي أنابه صاحب الجلالة الملك عن ذاته في ترؤس ~~الحفلة. # ولما أزف موعد الأمير هرع كبار رجال الدولة إلى مدخل المدرسة، ووقفوا ~~ينتظرون بين صفوف من الجنود، وما لبث أن ظهر في الميدان الفسيح المنبسط ~~أمام المدرسة موكب ولي العهد تتقدمه كوكبة من عربات الحرس الفرعوني، ~~فصدحت الموسيقى بالتحية، ووقف الجمهور إجلالا وتعالى هتافه لفرعون وولي ~~العهد. # ووصل موكب الأمير إلى مدخل المدرسة، فتقدم مديرها حاملا بين يديه ~~نمرقة من الحرير المحشو بريش النعام، ترجل عليها صاحب السمو الفرعوني، ~~وكان في صحبة الأمير شقيقته صاحبة السمو الأميرة مري سي عنخ، وإخوته ~~الأمراء رعباوف وحردف وحرسادف وكاعب وسددف وخوفو خعف وهتا ومراب ... # وانحنى الكبراء بين يدي الأمير، وسار سموه بقامته الربعة، ووجهه ~~الصلب الذي زادته الكهولة صلابة وصلفا، وسارت إلى يمينه الأميرة مري سي ~~عنخ، واتخذ مجلسه في الوسط، وجلست إلى يمينه الأميرة والأمراء، وإلى يساره ~~خوميني والوزراء، والقواد، وكبار الموظفين. وبعد وصول الأمير سكت الهتاف ~~وجلس المدعوون، وابتدأت الحفلة، ونفخ في الصور، فصدحت الموسيقى، وظهرت ~~فرقة الضباط ms072 المتخرجين من ناحية الثكنات تسير أربعة أربعة، يتقدمها ~~قائد المدربين حاملا علم المدرسة، وقد ارتدوا للمرة الأولى ملابس ~~الضباط ذات الوزرة الخضراء، والقميص الأخضر، والسترة المصنوعة من جلد ~~النمر، فلما أن صاروا بإزاء العرش الجالس عليه صاحب السمو، سلوا ~~سيوفهم، ومدوا بها أذرعهم، وهي عمودية أذبتها إلى السماء، فرد التحية ~~واقفا. # وابتدأت بعد ذلك المباراة العظيمة بسباق الخيل، فامتطى الضباط الجياد ~~المطهمة ووقفوا صفا، ثم نفخ في الصور فاندفعوا كالسهام المنطلقة عن ~~أقواس مردة، وزلزلت أرجل الخيل الأرض زلزالا شديدا، وكادت لشدة عدوها ~~تغيب عن الأبصار، وثبت البواسل عليها كأنهم سمروا في ظهورها ~~تسميرا. وكانوا صفا، ثم فرق بينهم العدو الشديد، ثم شذ عنهم فارس ~~كان لسرعته كأنما يركب ريحا مجنونة. وكان أسبقهم في العودة إلى المبتدأ ~~... وقد أذاع المدرب اسم الفارس الفائز ددف بن بشارو فاستقبل بهتاف شق ~~عنان السماء، ولو أتيح للشاب أن يسمع أباه، وهو يهتف لابن بشارو بصوت ~~كالرعد لما تمالك نفسه من الضحك! # وبعد مدة وجيزة بدأ سباق العربات، فركب الضباط وانتظروا صفا، ~~ثم نفخ في الصور فانطلقوا كالعمالقة يبعثون بين أيديهم رهبة، ويتركون ~~خلفهم دويا كشق الصخور وانهيار الجبال. وكانوا على ظهور العربات ~~يتمايلون ولا يتزحزحون، كأنهم سيقان نخل راسخة، هبت عليها ريح عاصفة، ~~تريد اقتلاعها فارتدت عنها خائبة مولولة ... ثم انطلق من بين صفوف العادين ~~راكب سبقهم بقوة مارد فبدا وبدوا كأنه عاد وهم وقوف، وتوجه الفوز ~~حتى النهاية، وأعلن المدرب اسم الفائز ددف بن بشارو وتعالى باسمه الهتاف ~~واشتد له التصفيق ... # ثم أعلن المنادي عن سباق القفز على الحواجز، فامتطى الضباط جيادهم، ~~وأقيم في وسط الفناء الطويل المصاطب من الخشب، يزداد مع التقدم ارتفاعها ~~رويدا رويدا، ونفخ في الصور فعدت الخيل بعنف وطارت فوق الحاجز الأول ~~كأنها نسور منقضة، وقفزت على الثاني كأنها أمواج الشلال الكاسرة، ~~وتقدموا يكلل هاماتهم النصر المبين، ولكن خان الحظ البعض فعجزت الجياد ~~غير صائخة إلى صراخ فرسانها البواسل، وسقط آخرون بين أصوات الإشفاق، إلا ~~فارسا قفز الحواجز ms073 جميعا كأنه قدر محتوم أو فوز مجسم، وأعلن المنادي ~~اسمه ددف بن بشارو بين التهليل والتكبير. # وحالفه الفوز في جميع المباريات، فكان المبرز في إصابة الأهداف بالرمح ~~والقوس، وكان المنتصر في المبارزة بالسيف والضرب بالمزاريق، وآتته ~~الآلهة نصرا مبينا، جعله بطل اليوم دون شريك، ونابغة المدرسة العديم ~~النظير، وأحله مكانة الإعجاب والتقدير في كل قلب. # وكان على الفائزين أن يذهبوا إلى ولي العهد ليهنئهم على نبوغهم، ~~فذهب ددف - ذاك اليوم - وحده، وأدى للأمير التحية العسكرية، فوضع ~~الأمير يده في يده وقال له: إني أهنئك أيها الضابط الباسل؛ أولا ~~على تفوقك، وثانيا على اختياري لك ضابطا في حرسي الخاص. # فطفح وجه الشاب بالفرح، وأدى التحية للأمير وعاد مثلج الصدر ~~سعيدا، وسمع في أثناء مسيره المنادي يعلن للحاضرين تهنئة الأمير واختياره ~~له في حرسه، فخفق قلبه وذكر بالفرح أسرته؛ بشارو وزايا وخنى ونافا الذين ~~يسمعون خطاب المنادي، ويفرحون له الفرح الذي يجل عن الوصف. # وسارت بعد ذلك فرقة الضباط الجدد إلى عرش الأمير ليخطب فيهم، وقام ~~الأمير وخطب فيهم قائلا بصوته الشديد النبرات: # أيها الضباط البواسل: # إني أعلن على الملأ إعجابي العظيم بشجاعتكم، ومهارتكم، وحماستكم، ~~وتميزكم بسجايا الجندية الجليلة، ورجائي أن تظلوا كمن سبقكم من إخوانكم ~~عنوان مجد للوطن ولفرعون رب العالمين. # وهتف الضباط للوطن ولفرعون، وبذلك أعلن انتهاء الحفلة، وغادر الأمير ~~المدرسة، وعاد موكبه الرسمي إلى القصر الفرعوني، وانصرف ~~المدعوون. # وكان ددف في تلك الأثناء في حالة غريبة من الذهول أشذته عما حوله، ~~لا يرجع تفسيرها إلى نشوة الفوز، ولكنه إلى أمر أعظم رهبة في نفسه ~~وأمعن أثرا؛ إذ كان يسمع مع زملائه إلى خطاب الأمير، وتحركت عيناه إلى ~~الخطيب، فعثرتا في طريقهما بوجه الأميرة مري سي عنخ، فرأى منظرا عجبا ~~انخلع له قلبه في صدره. وكاد لقوة المباغتة أن يصعق صعقا ويخر على ~~وجهه خرا، يا آلهة السموات ما هذا الذي يرى! إنه وجه الفلاحة التي ~~يحمل صورتها على قلبه! وود لو يستطيع أن يديم النظر إليه، ولكنه خشي أن ms074 ~~يفتضح أمره، فنظر إلى الأمام لا يلوي على شيء. وانتهت الحفلة ولما يفق من ~~وقع المفاجأة والدهشة. فعاد إلى الثكنات كمن به مس. # ترى هل يمكن أن تكون فلاحته الجميلة هي صاحبة السمو الأميرة مري سي ~~عنخ؟ يا له من أمر بعيد عن التصديق، عسير على تصور الخيال! # ومع هذا هل من الميسور أن يصدق بوجود وجهين بهذا الجمال الفتان؟ ~~وهل ينسى ما لاقته به صاحبة الصورة من كبرياء، لم يكن قط من أخلاق ~~الفلاحات؟ ولكن جميع هذا لا يسوغ له قبول هذا الفرض الغريب، فليته ~~استطاع أن يتحقق من قسمات وجهها! # أما لو كانت هي الأميرة، فقد أتى أمرا كبيرا، لا يستطيع أن يتنبأ ~~بعواقبه، ولم يتمالك عند ذاك من أن يضحك ضحكة ساخرة مريرة، ويقول لنفسه: يا ~~للغرابة! إن ددف بن بشارو يحب الأميرة مري سي عنخ! ثم نظر إلى الصورة ~~طويلا بعينين حزينتين، وتنهد قائلا: هل حقا أنت الأميرة ~~الجليلة! كوني فلاحة بسيطة، فرب فلاحة مفقودة أقرب إلى القلب من ~~أميرة موجودة! # 19 # وتأهب ددف لمغادرة قصر بشارو - لأول مرة - كرجل مستقل، تاركا في ~~النفوس حزنا ممزوجا هذه المرة بالفخر والإعجاب، وقد قبلته زايا حتى ~~بللت خده بدمعها، وباركه خنى ودعا له، وكان يأخذ أهبته أيضا لترك ~~البيت إلى المعبد، وشد نافا على يده بحرارة وقال له: «إن نبوءتي ~~تحققها الأيام يا ددف.» وودعه كذلك عضو جديد في أسرة بشارو هي مانا ~~ابنة كامادي زوج نافا. أما بشارو العجوز فقد وضع كفه الغليظة على كتفه، ~~وقال له بخيلاء: «إني سعيد يا ددف لأنك تخطو الخطوات الأولى في طريق ~~والدك العظيم.» ولم ينس ددف أن يضع زهرة لوتس على تابوت جاموركا قبل أن ~~يودع بيته في طريقه إلى قصر صاحب السمو الفرعوني الأمير ~~رعخعوف. # ومن المصادفات السعيدة أنه وجد أن زميله بمخدعه بثكنات قصر الأمير ~~صديق قديم ترجع صداقتهما إلى زمالة الصبا، وكان شابا ودودا مخلص القلب، ~~صريحا ثرثارا، ففرح بقدوم صديقه القديم واستقبله استقبالا وديا، ~~وقال له ms075 ضاحكا: أدائما في أثري؟ # فابتسم ددف وقال: ما دمت في طريق المجد. ~~- المجد لك يا ددف، لقد كنت الفائز في سباق العربات، أما أنت ~~فجندي لم يسبق بمثله، إني أهنئك من صميم قلبي. # فشكره ددف، وفي المساء أحضر سنفر من صوان ثيابه زجاجة من خمر مريوط ~~وكأسين من الفضة، وقال: اعتدت أن أشرب كأسا من خمر مريوط العذبة قبل ~~النوم، هي عادة مفيدة ... ألا تشرب؟ ~~- إني أشرب الجعة، ولكني لم أذق الخمر؟ # فقال سنفر مقهقها: اشرب ... إن الخمر داء الجنود. # وعلى حين فجأة قال له بلهجة جدية: أيها الأخ ددف، إنك مقبل على ~~حياة صارمة. # فابتسم ددف بشيء من الاستهانة وقال: لقد ألفت نفسي حياة ~~الجندية. # فقال سنفر: جميعنا يألف حياة الجندية، ولكن صاحب السمو شيء ~~آخر. # فبدت الدهشة على وجه ددف وسأله: ماذا تعني؟ ~~- إني أنصحك أيها الأخ بدافع الأخوة لتكون على بينة من الأمر ~~ولتأخذ حذرك، فإن خدمة الأميرة شدة لا مثيل لها. ~~- كيف؟ ~~- إن سموه شديد القسوة، له قلب كالحجر أو أشد صلابة، الهفوة عنده ~~خطأ مبين، والخطأ جريمة لا تغتفر، وستجد فيه مصر حاكما صارما لا ~~يداوي الجرح بالبلسم، كما يفعل جلالة والده أحيانا، ولكنه لا يتوانى عن ~~بتر العضو لأهون خلل يعتوره! ~~- إن الملك الحازم يحتاج إلى شيء من القسوة. ~~- شيء من القسوة ... لا القسوة كلها، سترى كل شيء في حينه، فلا يكاد يفوت ~~يوم لا يصدر فيه عقوبات عدة يصيب بعضها الخدم وبعضها الجند، وبعضها ~~الوكلاء، وربما انصبت على الضباط، وإن الأيام لتزيده صلفا ~~وخشونة! # فقال ددف: العادة أن تلين عريكة الرجل بتقدم العمر، هكذا يقول ~~قاقمنا. # فضحك سنفر ضحكا عاليا وقال: لا يجمل بالجندي أن يستشهد في كلامه بقول ~~حكيم. هكذا يقول صاحب السمو! وإن حياة سموه لتشذ عن رأي قاقمنا، ~~لماذا؟ إنه في الأربعين ... ولي عهد في الأربعين من عمره! تأمل! # فنظر إليه الشاب بعينين متسائلتين، فاستطرد سنفر بصوت خافت: يود ~~أولياء العهد لو يحكمون شبانا، فإذا قست عليهم الأقدار انقلبوا ~~قساة! ms076 ~~- أليس سموه متزوجا؟ ~~- وله بنون وبنات. ~~- فالعرش مضمون لنسله. ~~- هذا لا يغني عن الأسف شيئا ... وليس هذا ما يخشاه الأمير. ~~- فما الذي يخشاه؟! إن إخوته مخلصون لقوانين المملكة. ~~- ما في هذا شك، ولعلهم لا يطمعون في شيء؛ لأن أمهاتهم من الحريم، ~~وجلالة الملكة لم تلد سوى ولي العهد وشقيقته مري سي عنخ؛ فالعرش من حق ~~هذين الاثنين قبل أي إنسان، ولكن الذي يقلق له الأمير هو ... قوة بنية ~~جلالته! ~~- إن فرعون معبود مصر جميعا. # فنظر الضابط إليه وقال: بلا جدال ... إني يخيل إلي أني أستشف ~~أماني النفوس التي تعيش في الأعماق دون أن يسمح لها الضمير الحي بأن ~~تطفو، معاذ الرب أن يوجد خائن في مصر ... كلا أيها الأخ، والآن قل ما ~~رأيك في خمر مريوط؟ ... إني طيبي ولكني غير متعصب. # فقال ددف: هي خير ما قدمت يا سنفر. # واكتفى سنفر بهذا المقدار من الحديث وقام للنوم، أما ددف فلم يذق ~~جفنه المنام؛ لأن ذكر مري سي عنخ على لسان صاحبه أثار شجونه ولواعجه، كما ~~يثير الطعم الملقى على سطح الماء خافي السمك، فاهتاجت نفسه وتبلبل فكره ~~وقضى سواد الليل يناجي قلبه المحزون. # 20 # وكان في قصر ولي العهد يحس من الأعماق بأنه قريب من ذاك السر ~~الغامض، وأنه يعيش في الأفق الذي يشرق فيه، وأن لا بد أن يشع عليه ~~شعاع من أشعته الوهاجة، وكان ينتظر على أمل وخوف ولذة. وإنه ~~ليتجول في مروج القصر المطلة على النيل، والوقت يسير بين العصر والأصيل، ~~وشمس هاتور تنسكب أنوارا بهيجة ترد الزمان الهرم إلى عنفوان الشباب ~~وبهاء الفتوة، وإذا به يرى سفينة ملكية ترسو إلى سلم الحديقة، ولم ~~يكن في استقبالها أحد من الحجاب، فأسرع - كما يقضي واجبه - إلى استقبال ~~الرسول الكريم، ووقف تلقاء السفينة كالتمثال الجميل. # ورأى صورة إلهية تتخفى في ثياب الأميرات، تنزل من السفينة، وتصعد ~~أدراج السلم في عظمة فرعونية ورشاقة خيالية، كأن ثقلها ينجذب إلى ~~أعلى لا إلى أسفل، رأى صاحبة السمو الأميرة مري سي عنخ! # واستل ms077 سيفه الطويل وأدى عليه التحية العسكرية، ومرت به الأميرة ~~كالحلم الجميل، وسرعان ما غيبتها متعرجات الحديقة. # كيف لا تكون هي هي؟ # إن البصر يخدع، والسمع يخدع، أما القلب فلا يخدع أبدا. ولو لم تكن ~~هي ذاتها ما خفق هذه الخفقة الشديدة التي كاد لها ينخلع، ولما تركه من ~~النشوة كالسكران المترنح، ولكن ما بالها لا تحس به ولا تذكره، وقد جرى ~~بينهما من الأمر ما يستحق التذكر؟ هل يمكن أن تنسى هكذا سريعا تلك ~~المقابلة الغريبة؟ أم أنها تتناساها ترفعا عن ذكرها؟ # وما الفائدة من أن تذكره أو لا تذكره؟ وما الفرق بين أن تكون الأميرة ~~هي صاحبة الصورة أو تكون أخرى تشابهها؟ فالقلب ما خفق بالحب إلا لهذه ~~الصورة البهية، وسيظل يخفق لها سواء أحلت بجسم أميرة من البيت ~~الفرعوني أم بجسم فلاحة من قرى منف، وسيظل على يأس منها في ~~الحالتين، فما من الحب بد، وما من اليأس بد. # وألقى بنظرة إلى الأشجار المتفرعة، وشاهد الأطيار تتجاذبها أغصانها، ~~وهي لا تكف عن التغريد وينبئ مظهرها الفرح عن الهيام والوداد، فأحس ~~نحوها بعاطفة لم تزر قلبه من قبل. أحس نحوها بالحسد أن تلهو بغير حساب، ~~وأن تعشق بلا عذاب، وأن تسمو بفطرتها عن الأوهام والشكوك، ثم نظر إلى ~~حسامه وإلى بذلته ذات الألوان، وإلى قلنسوته ذات الكبرياء، فأحس بصغار ~~ووجد رغبة إلى الضحك المرير والهزء الأليم. # لقد أتقن الرماية وبرع في ركوب الخيل، وتفوق في المبارزة، ونال ~~كل ما يتمناه شاب طموح، ولكن ما أعجزه عن إسعاد قلبه! وقد كان نافا ~~أسعد حظا فتزوج من مانا ذات الجيد الطويل والعينين العسليتين، وسوف ~~يتزوج خنى في هدوء وبساطة لأنه يرى الزواج واجبا دينيا، أما هو ~~فيلبث حاملا بين أضلعه حبا يائسا مكتوما، يذوي به قلبه، كما تذوي ~~الشجرة الفارعة إذا منعت نور الشمس وماء النيل. # وظل ملازما لموقفه يعلل النفس برؤيتها مرة أخرى، ولم يكن يشك ~~في أن الزيارة غير رسمية وإلا لعلم بها كل من في القصر، ولاستقبلت ~~الأميرة ms078 استقبالا يليق بمكانها في الأسرة الملكية، وعلى هذا لا يبعد ~~مطلقا أن تعود إلى السفينة بمفردها. وصدق بعض ظنه، فعادت الأميرة بعد أن ~~ودعها صاحب السمو الملكي عند مدخل القصر. # وكان ددف بمكانه عند سلم الحديقة فوقف مستعدا، حتى إذا صارت ~~بإزائه سل سيفه وأدى التحية، وعلى حين فجأة توقفت الأميرة، والتفتت ~~إليه في نبل وكبرياء، وقالت بلهجة ساخرة: هل تعرف واجباتك أيها ~~الضابط؟ # فقال ددف وقد زلزلت نفسه: نعم يا صاحبة السمو. # فسألته بلهجة مرة: هل من الواجب أن تخطف الفتيات في غير زمن ~~الحرب؟ # فاستولى الارتباك عليه، وتلبثت لحظة تحدجه بنظرة قاسية ثم قالت: وهل ~~من واجب الجندي أن يغدر؟ # فلم تحتمل نفسه الألم وقال: يا مولاتي ... إن الجندي الشجاع لا ~~يغدر! # فسألته بسخرية: فما قولك فيمن يتربص بالآمنات خلف الشجر، ويصورهن ~~خلسة؟ # وغيرت لهجتها فقالت بصلف: يجدر بك أن تعلم أني أريد تلك ~~الصورة. # وأطاع ددف كما تعود أن يطيع، فدس يده في صدره، وأخرج الصورة من ~~مخبئها الدفين وقدمها إلى الأميرة. # ولم تكن تتوقع هذا؛ فبدت على وجهها - بالرغم من كبريائها - الدهشة، ~~ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها، ومدت يدها البضة وأخذت الصورة. # ثم سارت في طريقها إلى السفينة يحوطها الجلال والعظمة. # 21 # وظلت حياة ددف في قصر الأمير، لا يشرق في أفقها جديد، حتى كان يوم ~~عرف فيه قلبه مشربا للألم جديدا. # في ذلك اليوم خرج صاحب السمو الأمير رعخعوف في بدلة التشريفة الكبرى، ~~تتقدمه كوكبة من الحرس، كان بين ضباطها صديقه سنفر، وعاد الأمير لدى ~~المساء، ورجع سنفر إلى مخدعه في الوقت الذي رجع فيه ددف إليه بعد قيامه ~~بواجب الحراسة وتفقد الحراس، وكان من الطبيعي أن يسأل صاحبه عن دواعي ~~خروج الأمير بتلك الحال التي لا تأتي إلا في الأعياد، ولكنه كان يعلم ~~بطبعه الذي لا يستطيع السكوت على سر، وفي الواقع ما استراح سنفر قليلا ~~حتى قال وهو يرتدي منامته: أتعلم إلى أين ذهبنا اليوم؟ # فقال ددف بهدوء: كلا. # فقال سنفر باهتمام: حضر ms079 اليوم إلى منف صاحب السمو الأمير أبوور حاكم ~~مقاطعة أرسينة، وكان ولي العهد في استقباله! # فسأله ددف: أليس سموه ابن خال جلالة الملك؟ ~~- بلى، ويقال إن سموه جاء يحمل تقريرا عن قبائل سيناء التي ~~تعددت حوادثها في ربوع الدلتا الشرقية. ~~- إذن فسموه رسول حرب؟ ~~- نعم يا ددف، والذي علمته يدل على أن ولي العهد كان يميل منذ ~~زمن طويل إلى تأديب قبائل سيناء، وأن القائد أربو كان يؤيده في رأيه، ~~ولكن الملك كان يفضل التريث ريثما تستعيد البلاد قواها بعد الجهد ~~الجهيد الذي بذله في أوجه العمران وأخصها بناء هرم الملك. ولما مضت فترة ~~الاستجمام استنجز الأمير فرعون ما وعد، ولكن يقال إن جلالة الملك منهمك ~~هذه الأيام في تأليف كتاب عظيم يرجو أن يجعل منه للمصريين أكبر مرشد للدين ~~والدنيا، فلم يبد جلالته استعدادا للتفكير جديا في مسألة الحرب، ~~فاستعان الأمير رعخعوف بقريبه الأمير أبوور، واتفق معه على أن يحضر بنفسه ~~ليطلع الملك على حقيقة عبث القبائل واستهتارها بهيبة الحكومة، وما يخشى من ~~تماديها إذا طال السكوت عليها، فلا يبعد وقد أتى الأمير أن تسير فرقة من ~~الجيش إلى الشمال الشرقي في القريب العاجل. # وساد الصمت فترة وجيزة، ثم قال سنفر بدافع من حب الكلام: وقد أولم ~~جلالة الملك وليمة عشاء للأمير حضرها جميع أعضاء البيت الفرعوني، وعلى ~~رأسهم جلالة الملكة والأميرات. # فخفق قلب ددف لدى ذكر الأميرات، وذكر الأميرة الفاتنة ذات البهاء ~~والكبرياء، فتنهد وهو لا يدري تنهدا جذب إليه سمع سنفر، فنظر الشاب ~~إليه منكرا وصاح: وحق بتاح إنك لا تصغي لما أقول! # فانزعج ددف وقال: كيف تقسم على هذا؟! ~~- لأنك تتنهد تنهد من أعجزه فكره وفر إلى حبيبه. # فاشتد خفقان قلبه وحاول أن يقول شيئا، ولكن سنفر لم يمكنه من ~~غايته فضحك عاليا، وقال باهتمام: من هي؟ ... من هي يا ددف؟ ... آه ... إنك ~~تنظر إلي نظرة إنكار؟! لن ألح عليك الآن فسأعرفها يوما وهي أم ~~أبنائك، يا للذكرى! أتدري يا ددف؟ لقد تنهدت في هذا المخدع ms080 منذ عامين ~~كتنهدك هذا، وبت ليلي أناجي أطياف الأحلام، وفي العام الثاني صارت زوجي ~~المحبوبة، وهي الآن أم ابني فانا. فيا لها من حجرة موبوءة بالغرام! ... ~~ولكن ألا تقول لي من هي؟ # فقال ددف بحدة أملتها عليه أحزان قلبه: أنت واهم يا سنفر! ~~- أواهم أنا! أشباب وجمال وقوة وجفاف؟! مستحيل! ~~- هو الحق يا سنفر! ~~- كما تشاء يا ددف فلن ألحف عليك بالسؤال، وبمناسبة حديث الغرام هذا ~~أقول إني سمعت همسا في أروقة القصر الفرعوني، يدور حول ذكر أسباب أخرى ~~لمجيء الأمير أبوور غير سبب الحرب الذي حدثتك عنه. ~~- ماذا تعني؟ ~~- يقولون إنه ستتاح للأمير فرصة مشاهدة صغرى الأميرات عن كثب، وهي ~~ممن يضرب بجمالهن المثل، فربما زف إلى الشعب المصري قريبا بشرى خطبة ~~الأمير أبوور للأميرة مري سي عنخ. # وكان هذه المرة شديد الخور، فتماسك وكتم عواطفه، وتلقى الضربة بصبر ~~عجيب، ولم يعلن وجهه عن شيء مما يعترك في قلبه، وأمن خطر عيني صاحبه ~~النافذتين ولسانه الثرثار الأليم، وحاذر أن يعلق على كلام صاحبه بكلمة ~~أو أن يستزيده من الإيضاح خشية أن تفضحه نبرات صوته، فصمت صمتا ثقيلا ~~رهيبا كأنه جبل شامخ أقيم على فوهة بركان. # ولم يكن يدري سنفر ما بصاحبه، فاستلقى على فراشه وقال وهو يتثاءب: إن ~~الأميرة مري سي عنخ على جمال عظيم، ألم ترها؟ إنها أجمل الأميرات، وهي ~~كشقيقها ولي العهد شديدة الكبرياء، ذات إرادة من حديد، يقولون إنها ~~تتمتع بحب لا نظير له في قلب فرعون، فثمن جمالها سيكون عاليا بلا ريب ... ~~حقا إن الجمال يذل أعناق الرجال. # وتثاءب سنفر مرة أخرى وأغمض عينيه، وكان ددف يرمقه على ضوء المصباح ~~الخافت بعينين كدرهما الحزن والأسى، فلما أن اطمأن إلى استسلامه ~~للنوم أطلق لنفسه عنان التألم والحزن، ونبا به الفراش وأحس بضيق شديد ~~يزهق النفوس، فترك الفراش على أطراف أصابعه، وانسل إلى خارج الحجرة، وكان ~~الجو رطبا والنسيم باردا، والليل حالك الجلباب، تلوح أشجار النخيل في ~~ظلمته كأشباح نائمة أو أرواح تعسة أضناها الخلود. # 22 # وبعد ms081 انقضاء بضعة أيام علم كل من في القصر أن سمو ولي العهد ~~دعا الأمير أبوور، وصاحبة السمو الأميرة مري سي عنخ، وشتيتا من الأمراء ~~والأصدقاء، إلى رحلة صيد بالصحراء الشرقية. # وفي صباح اليوم الموعود جاءت الأميرة مري سي عنخ، وكان وجهها كهالة من ~~بهاء ونور يشرق سناء على القلوب فيغمرها بحياة الأفراح، وجاء على أثرها ~~سمو الأمير أبوور مصحوبا بالحاشية، وكان في الخامسة والثلاثين قوي ~~البنيان مهيب الطلعة يدل مظهره على النبل والشرف والبسالة. # وكان كبير حجاب القصر يشرف بنفسه على إعداد قافلة الصيد، وتزويدها ~~بما يلزمها من الماء والزاد والسلاح والشباك، واختار رئيس الحرس لمرافقتها ~~مائة جندي من جنود الحرس جعل على قيادتها عشرة ضباط من بينهم ددف، وهؤلاء ~~غير الخدم ومساعدي الصائدين. ولدى نزول ولي العهد إلى حديقة القصر ~~تحركت القافلة العظيمة، وكانت تتقدمها كوكبة من الفرسان الخبيرين ~~بطريق الصيد، وسار خلفهم صاحب السمو الفرعوني الأمير رعخعوف، وإلى يمينه ~~الأميرة الفاتنة مري سي عنخ، وإلى يساره الأمير أبوور، تحيط بهم هالة من ~~الأمراء والنبلاء، وتبعت ذاك الموكب الجليل عربة تحمل قرب المياه، وأخرى ~~تحمل الزاد وأدوات الطهي والخيام، تليهما ثالثة ورابعة وخامسة تحمل أدوات ~~الصيد والقسي والسهام، تسير جميعا بين صفين من الفرسان، وتتبع ~~العربات القوة الباقية من فرسان الحرس المرافق للرحلة، يتقدمها ضباطها ~~الذين كان منهم ددف. وسارت القافلة صوب الشرق تاركة خلفها المدينة العامرة، ~~والنيل المعبود، تولي وجهها شطر الصحراء، لا ترى حيثما تلقي الطرف إلا ~~فضاء وأفقا رحيبا يعز بلوغه على الإنسان مهما طال به المسير، كأنه ~~ظله الممدود أمامه يتقدمه كلما تقدم. # وكان صباحا نديا، وكانت الشمس طالعة يفرش سناها أرض الصحراء ببساط ~~من الأنوار، ولكن جعلها النسيم البارد الساري في تضاعيف الهواء بردا ~~وسلاما عليهم، فكانوا تحت أشعتها كالأشبال بين أنياب اللبؤة ... # وتقدمت القافلة في طريقها تتبع المرشدين ... # وكان ددف إذا أرسل الطرف يرى عن بعد الأميرة الصغيرة، التي استبدت ~~بقلبه وأصلته جوى أليما، تمتطي صهوة جوادها المطهم وتتمايل على متنه ~~كالغصن الرطيب، ms082 وكان يبدو على سيماها الجلال والكبرياء، إلا أنها كانت ~~تنظر إلى شقيقها أحيانا تحادثه أو تستمع إليه، فيلوح نصف رأسها الأيسر ~~كصورة الأم إيزيس على جدران المعابد، وشاهد الشاب الأمير أبوور يميل ~~بقامته المتينة البنيان، ويحادثها ويبتسم، وشاهدها تحادثه وتبتسم، وكانت ~~المرة الأولى التي يرى فيها ذاك الكبرياء والبهاء يجود بابتسامة كأنها ~~سماء مصر صفاء وحسنا وجمالا وندرة غيث. # ودبت الغيرة السامة في قلبه الطاهر النبيل، وأرسل إلى الأمير ~~السعيد نظرة ملتهبة، ذلك الأمير المجدود الذي جاء رسولا للحرب فالتقى في ~~طريقه برسول السلام والحب ... وعانى قلبه انفعالات مريرة لم تعهدها نفسه ~~الصافية من قبل، ومضى يحادث نفسه حديثا ثائرا غاضبا ... # أيجوز أن يهوى قلبه ويذوب بهواه في برودة القنوط ويخسر الدنيا جميعا؟ ~~... أيعقل أن يصلى نار الحب وعذابه، ومن يهوى يسير على بعد قفزة جواد منه؟ ~~فما قيمة الحياة؟ وما قيمة الآمال التي تمد نفسه بالقوة والجلاد؟ بل ما ~~أشبه حياته بحياة وردة غضة لم تنشق عنها أكمامها، عاجلتها ريح صيف عاصفة ~~فاقتلعتها من غصنها الحنون، ودفنتها في رمال الصحراء الملتهبة ... # من ذاك العبد الذي يسمونه بالطاعة؟ ومن ذلك الظالم العاتي الذي ~~يدعونه بالواجب؟ ما الإمارة وما العبودية: كيف تهصر هذه الأسماء قلبه، ~~وترمي به في هوة اليأس الأليم؟ لماذا لا يسل حسامه ويهجم بجواده البرق ~~على تلك المتعالية القاسية، ويحملها قوة واقتدارا، ويغيب بها في بطن ~~الصحراء، ويقول لها بصوت جهير: انظري إلي، ها أنا رجل جبار وأنت امرأة ~~ضعيفة، ابسطي هذه التقطيبة التي رسمتها على جبينك تقاليد القصر الفرعوني، ~~ونكسي هذا الذقن الذي رفعته عادات الإمارة والسيادة، وتطهري من هذه ~~النظرة العالية التي تعودت أن تلقيها من عل على الركع السجود، ~~وتعالي جاثية بين يدي، فإن شئت حبا رويتك بالحب، وإن أبيت إلا ~~استكبارا ... # يا له من هذيان كغليان المرجل المكتوم! ويا لها من غضبة مختنقة عديمة ~~الأثر! وها هي القافلة تسير، وها هو الهوى يلعب بالقلوب فتتمايل لسحره ~~القدود وتفتر الشفاه، وها هي الصحراء الواسعة تشهد ms083 في صمتها الأبدي ... يا ~~لها من صحراء! وقد تأمل الخلاء مليا فانتشلته الرهبة من لجة أحلامه ~~وآلامه، وأفرغت في قلبه الإعجاب والإجلال ، وكأن القافلة في ذلك المحيط ~~الجليل قبضة من مياه في بحر خضم لا ترى له شطآن، وما أحرى الحدأة المحلقة ~~أن تراها كتلة من الكتاكيت ... واها ما حبه؟ ما آلامه! من يحس بها في ~~ذلك الفضاء الفسيح؟ كم شهد من محبين وغير محبين منذ عهد مينا؟ وقد ضاعت ~~ذكراهم كما يضيع النداء في ذلك الكون اللانهائي ... فما ددف وما ~~حبه؟! # وانتبه بغتة على صهيل جواده إلى ما حوله، وكانت القافلة تتقدم ~~تقدما مطردا، حتى بلغت مقدمتها بقعة الريان، وأناخت عندها، وكانت ~~بقعة الريان من أصلح نواحي الصحراء للصيد، وكان يمتد بها جبل ست من ~~الشمال إلى الجنوب، وهي مأوى للحيوانات المختلفة التي يغرم الهاوون ~~بصيدها، ويمتد من سفح جبلها إلى ما يليه شرقا تلان عظيمان يحصران ~~بينهما رقعة واسعة من الصحراء، ثم يضيقان كلما امتدا شرقا حتى لا يفصل ~~بينهما إلا عشرون ذراعا في مكان نادر المثال، أعدته الطبيعة للصيد ~~والقنص والطرد. # وكان السادة يحسون ببعض التعب، فسارع الخدم والجنود إلى نصب الخيام، ~~وعني آخرون بتهيئة أدوات الطهي وأوقدوا النيران، وكان العمل يسير بهمة ~~ونشاط، فما هي إلا دقائق حتى تهيأ معسكر كامل من خيام ومرابط للخيل ~~ومطبخ ميدان، وأخذ الحرس أماكنهم، وآوى الأمراء إلى الخيمة الكبرى المرفوعة ~~على عمد من الخشب المكفت بالذهب الخالص ... واستراح الأمراء ساعة فاستعادوا ~~نشاطهم وقوتهم، ثم قاموا للصيد. # ونصب الخدم شبكة صيد عظيمة عند مقترب التلين، وتفرق الجند على ~~أضلاع المثلث الذي يرسمه جبل ست والتلان الملتقيان بالشبكة العظيمة، وعدا ~~آخرون إلى سفح الجبل ليثيروا الحيوانات المطمئنة، في حين امتطى الأمراء ~~جيادهم، وتفقدوا أسلحتهم، وتوزعوا في الميدان الفسيح، وكل على أهبة ~~الاستعداد. # وامتطت الأميرة مري سي عنخ جوادها الكريم، ووقفت به أمام الخيمة الكبرى ~~تشاهد الصراع المرتقب حينا بعد حين بين الإنسان والحيوان ... وكانت ترقب ~~حركات الأمراء بعينين عظيمتي الاهتمام، والظاهر أنها ms084 استبطأت الصيد ~~والطرد، فسألت بصوت مسموع الضباط الذين يقفون وراءها دون أن تلتفت ~~إليهم: ما لي لا أرى صيدا؟ # فأجابها صوت تعرفه حق المعرفة: ذهب الجنود ينفرونها، وعما قليل ~~ترينها يا صاحبة السمو إذ تهبط من سفح الجبل وهي تعوي وتخور ~~وتزأر. # وامتد نظرها إلى سفح جبل ست، وصدق الضابط في قوله فما لبثت أن رأت ~~فصائل من الغزلان والأرانب والأيل تنحدر في مشياتها المختلفة جاهلة بما ~~تخبئه لها المقادير. وتحفز الأمراء على ظهور الجياد، ثم انطلق كل إلى ~~هدفه وابتدأت المعركة، وكانت همة الصائدين موجهة إلى مطاردة الوحوش ~~وتوجيهها إلى مضيق التلين، حيث تنتظرها الشبكة فاغرة فاها. # وكان الأمير رعخعوف أمهر الصائدين قاطبة. وقد تبدت للعيان خفته ~~ورشاقته، وكامل تسلطه على جواده، وحسن توجيهه له، وبراعته في محاورة ~~الوحش وحصاره وسوقه أمامه إلى غايته المنشودة ... فلم يكن يفشل طراده ولا ~~يخيب تصويبه، فأنهك كلابه تعبا في طلاب ضحاياه العديدة. # وأظهر الأمير أبوور كذلك مهارة نادرة المثال، فأثار الإعجاب بسرعة ~~انقضاضه، ودقة إصابته الأهداف، وخفة حركاته، وكان فارسا لا يشق له ~~غبار. # ومضى الأمراء في لهوهم العنيف، والوقت ينطوي خلسة ساعة بعد ساعة، ~~وكاد الصيد ينتهي في سرور لا مزيد عليه، لولا وقوع حادث كدر الصفو وأفزع ~~القلوب ... إذ كان الأمير رعخعوف يطارد غزالا نافرا تحت سفح الجبل، وإنه ~~ليمر - في عدوه - بربوة عالية، إذ اعترض سبيله وراءها أسد هائل الهيكل ~~كاشر الأنياب، فصرخ جند كثيرون يحذرون مولاهم، ولم يكن الأمير ~~متأهبا لمثل هذا اللقاء الخطر المفاجئ، ولكنه كان ثابت القلب صلب ~~العزيمة، فوضع يده على رمحه يريد أن يستله من قرابه، ولكن الأسد لم ~~يمهله فوثب وثبة عظيمة، وضرب الجواد بيده الجبارة على وجهه، وكان يريد ~~فارس الجواد بنفسه فلم يبلغ إليه، وسرعان ما ثقلت أقدام الجواد، وخارت قواه ~~وترنح كالثمل، وأوشك على السقوط. وكان الأسد ينكمش استعدادا لوثبة أشد ~~من الأولى ... وتتابعت الحوادث سراعا فتمكن الأمير من إشهار رمحه وصوبه ~~نحو الأسد المتوثب وقذفه بقوة، وفي تلك اللحظة ms085 سقط الجواد فاقدا الحياة ~~من أثر ضربة الأسد، فأخطأ الرمح مرماه ونجا منه الأسد، ووقع الأمير ~~الجليل على ظهره فغدا تحت رحمة الأسد الكاسر، أعزل من كل سلاح. # وفي تلك الأثناء كان الأمراء والجند والضباط يطلقون لجيادهم العنان ~~نحو الأمير المهدد، كل يود لو يفتديه بروحه، وكان ددف يطير بجواده في ~~الهواء طيرا، فكان يطوي المسافة التي تفصله عن الأمير طيا سريعا، وقد ~~سبق الجميع إليه، وصادف وصوله وثوب الأسد وثبته القاضية، فلم يضع لبه، ~~وسل رمحه الطويل وأمسكه بيديه، ووثب من ظهر جواده المنطلق كالسهم شاهرا ~~رمحه، فسقط كشهاب ناري على الأسد الغاضب، وانغرس رمحه في فم الوحش، ونفذ ~~منه إلى الأرض الرملية، وصاحبه معلق به لا تدعه يداه. ولحق به الأمراء ~~والجند فأحاطوا بالأمير، وأطلقوا سهامهم على الأسد المحتضر فقضوا عليه. ~~وحضرت الأميرة مري سي عنخ على ظهر جوادها، وكانت مرتاعة مذعورة يكسو ~~وجهها الجميل لباس الخوف والرعب، فلما رأت شقيقها واقفا معافى سليما ~~ترجلت عن جوادها، وهرعت إليه وعانقته، وهي تقول بامتنان صادر من أعماق ~~قلبها: حمدا للرب الرحيم بتاح. # وأقبل الأمراء على ولي العهد يهنئونه بالنجاة، وصلوا جميعا للرب ~~بتاح شكرا وامتنانا. # وكان الأمير رعخعوف ينظر إلى جواده القتيل بأسف ظاهر، وسار إلى جثة ~~الأسد الذي كاد يورده حتفه فرآها والسهام تغشاها كشعر القنفذ، ثم نظر إلى ~~الفارس الواقف إلى جانبها كالتمثال الجميل، وسرعان ما تذكره وعرف فيه ~~البطل الذي اختاره بنفسه ليكون بين ضباط حرسه الخاص. فكأن الآلهة ~~اختارته بيده لهذه الساعة العصيبة. وأحس الأمير نحوه بإعجاب وامتنان، ~~فاقترب منه ووضع يده على كتفه وقال: أيها الضابط الباسل، لقد أنقذت حياتي ~~من الموت المحقق، وسأجزيك عن بطولتك العديمة المثال بما أنت أهله من ~~الخير. # وتقدم الأمير أبوور من ددف، وكانت تهز نفسه النبيلة أعمال البسالة، ~~فشد على يده بحرارة وقال: أيها الجندي الشجاع، لقد أديت للوطن والملك ~~خدمة فوق منال التقدير. # ثم عادوا جميعا إلى المعسكر، يخيم عليهم صمت ثقيل، ويشتت نفوسهم ~~الذهول الذي يعقب ms086 النجاة من خطر داهم، وفي أثناء الطريق قال أحد رجال حاشية ~~الأمير أبوور له: لم ترض الآلهة أن تفجع قلب الملك الكبير الذي يحبس ذاته ~~العالية في حجرة التابوت الموحشة، يكتب للشعب الذي يحبه رسالة النجاة من ~~الشر والأمراض. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! # واستراح السادة الأجلاء. ثم قدمت لهم مائدة الطعام ودارت عليهم ~~كئوس مترعة بخمر مريوط. وأمر الأمير الخدم أن يوزعوا على الجند كئوسا من ~~خمر مريوط ابتهاجا بنجاته، فشرب الجند وصلوا للرب صلاة الشكر، ثم أنشدوا ~~جميعا نشيد فرعون بأصوات كهزيم الرعد دوت في فضاء الصحراء، ولبثوا ما ~~لبثوا ثم تأهبوا للرحيل، فرفعت الخيام والأثقال وغنائم الصيد، وسارت ~~القافلة على نفس الترتيب الذي أتت به، إلا أن الأمير أمر الضابط ددف أن ~~يسير في معيته، فأعلن بذلك عن نيته في جعله من الخاصة ~~المقربين. # فخفق قلب الشاب الشجاع بنشوة المجد والفرح؛ لأنه لا يحظى بهذا ~~الشرف العظيم إلا الأمراء ورجال الدولة المبرزون، وأحس بسعادة لا توصف إذ ~~يسير في جناح هالة تتوسطها الأميرة مري سي عنخ، وخالها تسمع دقات قلبه ~~العنيفة الخافقة بالحب والهيام ... وما كان يستطيع أن يعطف رأسه إليها، ~~ولكنه كان يرى وجهها الجميل رؤية العين، يراه في الفضاء الممتد أمامه، ~~ويشاهد سناه بالرغم من السمرة التي شابت الأفق إيذانا بالمغيب. # لو أنها جادت عليه بكلمة شكر مع الشاكرين، لكانت حسبه من المجد ~~ومن الدنيا جميعا! # 23 # وكان ولي العهد جادا فيما نوى من مكافأة ددف بما هو أهله، كأنما ~~الأقدار اختارته من بين الخلق ليمهد للشاب السعيد طريق المجد، فلم تمض ~~أيام قلائل على حادث الصيد حتى استقبل فرعون مصر ولي عهده، وفي معيته ~~الضابط ددف بن بشارو، وكانت مفاجأة سارة للشاب أكثر مما تهدف له أحلامه ~~وآماله، ولكنه سار خلف الأمير رعخعوف بقلب تثبته شجاعة فائقة. واجتازا ~~معا الردهات الطويلة ذات الأعمدة الشاهقة والحراس الجبابرة، إلى أن ~~مثلا بين يدي من يحجب جلاله وجهه عن الأبصار. # وكان الملك رابضا على العرش، لا يدل ms087 على السنين التي بلغها سوى ~~شعيرات بيضاء تتلألأ تحت تاج مصر المزدوج، وذبول خفيف في خديه، وتغير ~~في نظرة عينيه صرفها عن حدة الفتوة والجبروت إلى تأمل الحكمة ~~والعرفان. # وقبل الأمير يد والده العظيم وقال: هو ذا يا مولاي الضابط الشجاع ~~ددف بن بشارو الذي أنقذ بشجاعته الفائقة حياتي من بين براثن الموت ~~المحقق، يمثل بين يدي جلالتكم كما اقتضت مشيئتكم المقدسة. # فتعطف الملك ومد إليه يده، فقبلها الشاب جاثيا باحترام ديني ~~عميق، وقال له الملك: لقد استأهلت أيها الضابط بشجاعتك رضائي عنك. # فقال ددف بصوت متهدج: مولاي صاحب الجلالة، إني كجندي من جنود ~~الملك لا أعرف لنفسي غاية أسمى من أن أبذل حياتي في سبيل العرش ~~والوطن. # وهنا قال الأمير رعخعوف: إني ألتمس من مولاي الملك الموافقة على ~~تعيين هذا الضابط رئيسا لحرسي. # واتسعت عينا الشاب الذي لم يكن يتوقع هذه المفاجأة، وكان جواب ~~الملك أن سأله: ما عمرك أيها الضابط؟ # فقال ددف: عشرون عاما يا صاحب الجلالة. # ففطن الأمير إلى مغزى سؤال الملك وقال: إن العمر الطويل والحكمة ~~والعرفان فضائل تؤهل للكهنوت يا مولاي، أما الجندي الباسل فتتخطى ~~به شجاعته عوائق السن. # فابتسم فرعون وقال: لك ما تشاء يا رعخعوف ... أنت ولي عهدي ورغبتك عندي ~~لا ترد. # فسجد ددف عند أقدام العرش وقبل الصولجان، فقال له الملك: إني ~~أهنئك بثقة صاحب السمو الفرعوني الأمير رعخعوف أيها القائد ددف بن ~~بشارو. # وأقسم ددف يمين الإخلاص للملك، وانتهت عند ذاك المقابلة، وغادر ددف ~~القصر الفرعوني قائدا من قواد الجيش المصري. # وكان يوم فرح عظيم في بيت بشارو لا نظير له في الأيام، وقد قال نافا ~~للقائد الشاب: إن نبوءتي تتحقق أيها القائد. دعني أصورك في رداء ~~القيادة. # ولكن بشارو صاح بصوته الأجش الذي زاده غرابة ضياع أربع أسنان من فمه: ~~ليست نبوءتك التي خلقت ددف أيها المصور، ولكنه حزم والده؛ إذ قضت ~~الآلهة أن يكون الابن كأبيه من المقربين إلى فرعون. # ولم تعرف زايا يوما من الأيام ضحكت فيه وبكت ms088 مثل ذاك اليوم السعيد، ~~وقد كر بها الفكر إلى غياهب الماضي البعيد المنطوي منذ عشرين عاما، ~~وذكرت الطفل الصغير الذي أحدث مولده تنبؤات خطيرة، وأثار حربا صغيرة ذهب ~~والده طعمة لها ... فيا للذكرى! ... # ولما خلا ددف إلى نفسه ذاك المساء ارتد إلى حالة غريبة من الحزن ~~والوجوم، كأنها رد فعل للفرح العظيم الذي غمره طوال يومه، ولكن كانت ~~لها أسباب أخرى ما تفتأ تأكل قلبه كما تأكل النار الهشيم. وقد رنا إلى نجوم ~~السماء من خلل نافذته وقال وهو يتنهد: أنت وحدك أيتها النجوم التي ~~تعلمين أن قلب ددف القائد السعيد أشد حلكة من الظلام الذي تعيشين في ~~لجته الخالدة. # 24 # وفي اليوم الثاني تقلد ددف بن بشارو منصبه الجليل رئيسا لحرس ولي ~~العهد، وقد أحسن الأمير صنعا، فنقل كبار ضباط حرسه إلى فرق الجيش ~~المختلفة، وأحل محلهم غيرهم، واستقبل الضباط الرئيس الجديد ~~بالترحيب والاحترام والإعجاب، ولم يكد يطمئن به كرسي القيادة بحجرته ~~الجديدة حتى استأذن الضابط سنفر في الدخول فأذن له، ودخل الضابط يطفح وجهه ~~بشرا فأدى التحية العسكرية وقال: أيها القائد الرئيس، لم يقنع قلبي ~~بالتهنئة الرسمية فسعيت إليك لأصرح لك على انفراد بما يكنه لك قلبي من ~~الإعجاب والمحبة. # فابتسم ددف ابتسامة مودة وقال بلطف: إني أقدر هذا الشعور النبيل ~~حق قدره يا سنفر، ولا أجد نفسي في حاجة إلى شكرك عليك. # فقال سنفر بتأثر: لعل هذا ما يعزيني عن خسارتي في زوال صحبتك ~~الجميلة. # فقال له القائد الشاب مبتسما: لن تزول صحبتنا يا سنفر؛ لأني ~~انتويت من اللحظة الأولى اختيارك أمينا لي. # ففرح سنفر وقال: لن أبرح جانبك أيها القائد في السراء ~~والضراء. # وبعد بضعة أيام دعي ددف إلى مقابلة ولي العهد - لأول مرة - كقائد ~~حرسه، وكانت المرة الأولى كذلك التي ينفرد به فيها الأمير، فطالع عن قرب ~~جدة أساريره وقسوة ملامحه، وكان من عادة الأمير أن يخلص إلى غرضه رأسا ~~فقال باهتمام: أعلنك أيها القائد بأنك مدعو مع قواد الجيش وحكام ~~الأقاليم إلى الاجتماع بصاحب ms089 الجلالة الملك للتشاور في مسألة طور سيناء، ~~وتلقي الأمر بقتال القبائل. إذ توطد العزم على خوض غمار الحرب بعد طول ~~التردد، وستشهدن مصر مرة أخرى أبناءها يحشدون لا لبناء هرم آخر، ولكن ~~للانقضاض على بدو الصحراء الذين يهددون أمن الوادي السعيد. # وقال ددف بحماس: اسمح لي يا صاحب السمو أن أرفع إلى مقامكم العالي ~~التهنئة لنجاح سياستكم. # فابتسمت الأسارير الحديدية وقال: إني أثق في بسالتك يا ددف ثقة كبرى، ~~وإني أدخر لك مفاجأة سارة أبشرك بها بعد إعلان الحرب. # وعاد ددف من مقابلة الأمير سعيدا مغتبطا، وكان يسائل نفسه عما عسى ~~أن تكون المفاجأة السارة التي يعده بها الأمير. والحق لقد رفعه الأمير في ~~غمضة عين من ضابط صغير إلى قائد عظيم، فما الذي يخبئه له من بشريات المجد ~~والسعادة؟ فهل يدخر له حظه السعيد أسبابا جديدة للعلا ~~والأفراح؟ # وجاء يوم الاجتماع العظيم، وأتى القواد والحكام من مصر العليا ~~والسفلى، وشهد البهو الفرعوني رءوس مصر مجتمعة في صعيد واحد كحبات العقد ~~الفريد، عن يمين العرش المكين وعن يساره، فجلس الحكام صفا وجلس ~~القواد صفا، واتخذ الأمراء والوزراء أماكنهم خلف العرش، وكان ولي ~~العهد يتوسط الأمراء، وكان الكاهن خوميني يتوسط الوزراء، وجلس على رأس ~~الحكام سمو الأمير أبوور، وجلس في مقابله على رءوس القواد القائد ~~العام أربو الذي كلل المشيب هامته. # وأعلن كبير حجاب القصر قدوم صاحب الجلالة الملك، فقام الجمع المحتشد ~~واقفا، وأدى القواد التحية العسكرية، وأحنى الحكام والوزراء ~~الهامات إجلالا، وجلس الملك وأذن لملئه فجلسوا، وكان الملك واضعا على ~~منكبيه وشاحا من جلد الأسد، فعلم من لم يكن يعلم أن فرعون دعاهم من أجل ~~الحرب. # واستغرق الاجتماع زمنا يسيرا، ولكنه كان على قصره رهيبا حاسما، ~~وبدا الملك فيه قويا نشيطا، واستعادت عيناه بريقهما المعروف، وقد قال ~~لكبراء مملكته بصوته العظيم الذي يملأ القلوب إجلالا وإكبارا: أيها ~~الحكام والقواد، لقد دعوتكم لأمر جلل تتعلق به سلامة الوطن ~~وطمأنينة شعبنا الأمين؛ فقد أبلغني صاحب السمو الأمير أبوور حاكم أرسينة ~~أن قبائل ms090 طور سيناء لا تنفك عن السطو على القرى النائية، وتهديد قوافل ~~التجارة، وقد دلت التجارب على أن قوات الشرطة لا تستطيع القضاء عليها ~~قضاء يكفي البلاد شرها، وأنها لا تملك الوسيلة لغزو الحصون التي يمتنع ~~بها رجالها، وقد آن الأوان لدك هذه الحصون وتأديب المتمردين؛ لدفع شرهم ~~عن الشعب الآمن، وإعلاء كلمة الحكومة الفرعونية. # وكان القوم ينصتون إلى مولاهم في صمت رهيب وانتباه شديد، فوضح ~~الاهتمام على وجوههم، وتبدى التحفز على انضمام شفاههم وبريق أعينهم، ~~والتفت الملك إلى القائد أربو وسأله: أيها القائد، هل الجيش على استعداد ~~للقيام بواجبه؟ # فقام القائد الخطير واقفا وقال: صاحب الجلالة ملك مصر العليا والسفلى ~~ومنبع القوة والحياة، إن مائة ألف جندي بين الجنوب والشمال على كامل ~~الأهبة للقتال، تشد أزرهم عدد حربية لا تعد ولا تحصى، ويسدد خطاهم ~~قواد مدربون، ومن الميسور تجنيد أضعاف هذا العدد في زمن قصير. # فاعتدل فرعون على عرشه وقال: نحن فرعون مصر العليا والسفلى؛ خوفو بن ~~الرب خنوم، حامي النيل وسيد بلاد النوبة، نعلن الحرب على قبائل طور ~~سيناء، ونأمر بهدم حصونها وتأديب رجالها وسبي نسائها، وإني آمركم أيها ~~الحكام أن تعودوا إلى مقاطعاتكم، وأن يرسل كل حاكم فرقة من حامية ~~إقليمه. # وأشار فرعون إلى القائد أربو فاقترب القائد من مولاه، وقال له الملك: ~~اعلم أني لا أريد أن يزيد عدد الجيش المقاتل على عشرين ألفا. # وقام فرعون على الأثر، فقام الجمع واقفين وهتفوا باسمه بحماس عظيم، ~~وانتهى بذلك الاجتماع الخطير. # وعاد ددف في ركاب ولي العهد، وكان الأمير مسرورا مبتهجا على غير ~~عادته، فلم يشك الشاب في أنه يفرح لنجاح سياسته، ويفوز بالغاية التي طال ~~تربصه بها، وتذكر ما وعده فخفق قلبه خفقان الحيرة والفرح وود لو ~~يستطيع استنجازه وعده، على أن الأمير لم يمد له حبل القلق والحيرة، فقال ~~له وهو يدخل إلى القصر: وعدتك بمفاجأة سارة، فاعلم أني نلت موافقة والدي ~~الملك على اختيارك قائدا للحملة الموجهة إلى سيناء. # 25 # وشملت مصر من أقصى الجنوب إلى ms091 أقصى الشمال حركة نشاط عظيم واسعة ~~النطاق، وكان الجند يحشدون في كل مكان، وكانت السفن الكبيرة تمخر عباب ~~النيل آتية من الشمال والجنوب، محملة بالجند والأسلحة والمؤن قاصدة إلى ~~منف العظيمة ذات الأسوار البيضاء، فازدحمت بهم ثكنات العاصمة وأسواقها، ~~وضج جوها بصلصلة أسلحتهم الثقيلة وأنغام أناشيدهم الحماسية، فعلم ~~القاصي والداني بأن حربا على الأبواب، وأن أبناء النيل ينشطون للذود ~~عن سلامة وطنهم. # وفي فترة الاستعداد سافر الأمير أبوور إلى مقاطعته لأمور تتعلق ~~بالحرب والاستعداد لها، وتلقى القائد ددف خبر سفره بقلب لم تنسه هموم ~~الواجب أشجانه وهواجسه، فساءل نفسه ترى هل فاز الأمير السعيد بأمانيه ~~الخاصة، فوزه في مهمته السياسية العامة، وهل عاد إلى مقاطعته سعيدا ~~بإعلان الحرب، وإبرام ميثاق الهوى؟ ترى ما الذي حدث بينه وبين الأميرة ~~الجميلة ذات الدل والكبرياء؟ ماذا شهدت خمائل حديقة القصر الفرعوني من ~~مناظر الهوى؟ وماذا سمعت أطياره من مناجاة الحب وهمساته؟ هل رأت الأميرة ~~المتكبرة إذ تذل للناموس الذي لا يعرف الرحمة ولا يترفق بالكبرياء؟ ~~وهل سمعتها إذ تبوح بأنات الجوى باللسان الذي تعود الأمر ~~والنهي؟ # ولكن صبرا فغدا يذهب للقتال، وإنه ليذهب بقلب لا يهاب الموت، ونفس ~~تهوى المخاطر، وروح تتوق إلى المغامرات والأهوال، ليته يحقق النصر لوطنه ~~ويدفع حياته ثمنا للنصر والمجد، فيقوم بواجبه كجندي ويخلد إلى الراحة ~~التي ينشدها قلبه المعذب. يا له من خاطر جميل حري بأن تنزع إليه النفس ~~الباسلة إذ غررت بها أماني الحب الغرور! ولكن كيف يودع الوطن وداعا ~~لا رجعة منه، دون أن يحظى منها بنظرة أخيرة؟ وهل كان حبه لهوا ولعبا؟ ~~إن قلبه ليشتاق إلى رؤية قلبها اشتياقا أليما، وإن نظرة من وجهها ~~لأعز عنده من نور البصر، ونعمة السمع، وطيب الحياة، وهل أحس بأفراح ~~الدنيا وبهجة الحياة إلا على ضوء وجهها الحبيب؟ فلا بد من رؤيتها ~~ومحادثتها، وهو طلب يعز على الأحياء جميعا، ولكن ما أيسره على طالب ~~الموت ... # ولم يدر القائد الشاب كيف يحقق أمنيته المنشودة، ومرت أيام ~~الاستعداد القلائل سراعا حتى ms092 جاء اليوم الذي تقرر أن يسير الجيش غداة غده، ~~وأرادت الآلهة أن تهبه بعد عسره يسرا، وأن تدني إليه ما أرهقه طلبه ~~يأسا، فجاءت الأميرة تزور شقيقها زيارة من زيارات المفاجأة، وكان الأمير ~~قد ذهب لتفتيش الثكنات الحربية. وعلم رئيس الحرس بمقدم الأميرة فخف ~~طائرا إلى انتظارها، ولم تغب الأميرة طويلا داخل القصر فظهرت بوجهها ~~الفتان، وكان في توديعها كبير الحجاب، وأقبل عليها الشاب بجسارة ~~لم تؤاته في محضرها إلا مرة واحدة على شاطئ النيل، وأدى لها التحية ~~العسكرية، ثم سار في معيتها بمفرده بعد أن تخلف كبير الحجاب عند مدخل ~~القصر، وكان يتأخر عنها مقدار خطوتين، فاستطاع أن يملي عينيه من حسن ~~قامتها ورشاقة قدها وفتنة حركاتها، والتهب صدره عطفا ووجدا، وتمنى لو ~~يفرش لها قلبه تطؤه بقدميها، ليحس في سويدائه بوقع خطاها ولمس أناملها ~~وتردد أنفاسها. يا عجبا! إن حكمة الطبيعة لا تخلو من فكاهة ممتعة، ~~انظر إليها كيف توطئ الفوز لهذا الفارس على جميع القوى الجبارة، وانظر ~~إليها كيف تذل عنقه لهذا المخلوق الدقيق البديع الذي لم يخلق ~~لطعان! # وكانا يقطعان الممشى الطويل - المزدان جانباه بالورود والرياحين ~~والتماثيل والمسلات - بخطى وئيدة، وكانت السفينة الفرعونية ترى عن ~~بعد راسية إلى أدراج الحديقة، فتولى الجزع قلب الشاب، وكبر عليه أن ~~تذهب من بين يديه دون كلمة وداع، وكان قلبه يضيق بكلمة يود أن يلقيها ~~إلى مسمعيها المحبوبين، ولكن جمودها لم يدع له فرصة للكلام، ورأى ~~المسافة تقصر والسفينة تقترب، فاشتد به الجزع وطغت عليه موجة من ~~الاستهتار حلت عقدة لسانه، فقال لها بصوت متهدج: كم أنا سعيد يا صاحبة ~~السمو لأني رأيتك قبل الرحيل غدا. # فبدا عليها كأنها بوغتت بقوله، وحدجته بنظرة استغراب قاسية وقالت: ~~لقد بلغت أيها القائد مكانة رفيعة ... فما لي أراك تقامر بمجدك ~~ومستقبلك! # فقال باستهانة: المجد والمستقبل يا صاحبة السمو؟! إن الموت ~~يردهما إلى الهوان. # فقالت باحتقار: أرى أن والدي جعل على رأس جيشه قائدا يستحوذ على ~~روحه قنوط الموت لا النصر والظفر! # فاندفع الدم ms093 إلى وجهه الجميل وقال بإباء: إني أعرف واجبي يا صاحبة ~~السمو، وسأقوم به كما ينبغي لقائد مصري شرفته الآلهة بنيل ثقة ~~مولاه، وسأبذل حياتي ثمنا له. # فهزت منكبيها وقالت: إن الرجل الشجاع لا ينسى ماضيه ولا يخرق تقاليده ~~لواذا بالموت. # وكانت روح الاستهتار تستأثر به في تلك اللحظة فقال: هذا حق يا صاحبة ~~السمو، ولكن ما حيلتي إذا كانت هذه التقاليد تعقل لساني عن البوح بما ~~يضطرم في فؤادي؟ أنا ذاهب غدا، وقد تمنيت على الآلهة أن أراك قبل ذهابي ~~... فأدنت إلي أمنيتي، وما كان ينبغي لي أن أجحد العطف الإلهي بالصمت ~~والجبن. ~~- يحسن بك أن تتعلم فضيلة الصمت! ~~- بعد أن أقول كلمة واحدة. ~~- ماذا تريد أن تقول؟ # فتبدى على وجهه الجميل الهيام وقال: إني أحبك يا مولاتي. قد ~~أحببتك حين وقع نظري عليك، وهي حقيقة رهيبة ما كانت تؤاتيني الشجاعة على ~~البوح بها لسموك لولا قوتها الخارقة في نفسي ... عفوا يا صاحبة ~~السمو. ~~- أهذا ما تسميه كلمة واحدة؟ ومع هذا فما كان أغناك عن قولها؛ ~~لأني سمعتها يوما قهرا على شاطئ النيل. # فاهتاجته الذكرى وهزته قولتها «شاطئ النيل» فقال: لا أمل قولها ~~دقيقة من حياتي يا مولاتي؛ فهي أجل ما نطق به لساني، وأجمل ما سمعت ~~أذناي. # وكانا قد بلغا الأدراج الرخامية فتولاه الجزع وقال بتوسل: أما من ~~كلمة وداع؟ # فالتفتت إليه وقالت: أستودعك الآلهة أيها القائد، سأدعو بتاح العظيم ~~أن يحقق على يديك النصر لوطننا المحبوب ... # ثم هبطت أدراج السلم إلى السفينة في تؤدة ومهابة. # وتركت ددف يرنو إليها بعينين حزينتين، ويشهد بقلب خفاق السفينة ~~إذ تبتعد عن الشاطئ رويدا رويدا ... ولبثت الأميرة على سطحها لا تدخل ~~مقصورتها فعلقت بها عيناه، وما زال يرسل ناظريه حتى غيبها عنه منعطف ~~الماء ... # وسار بخطى ثقيلة مهيض الجناح تتجمع في صدره ثورة جامحة وغضبة كاسرة، ~~على أنه كان لددف فضيلة لا تخونه في الملمات، وهي أنه لا يخضع ~~لانفعال خضوعا يضل به الصواب، ويتنكب به عن السداد، وعلمه أخوه خنى ~~كيف ms094 يراجع نفسه ويلزمها الحق والإنصاف، فانتحل للأميرة العذر عن قسوتها ~~وجمودها، قائلا إنها إذا لم تصغ جوارحها إلى شكاته، فما ذلك إلا ~~لأنها لا تحبه ، ليست هي ملزمة بحبه، ولا تقع على عاتقها خيبته ~~المريرة، بل ما أحراه أن يقر لها باللطف والرحمة، ألم يقل لها ما لا ~~يقال لأميرة من البيت الفرعوني؟ فماذا صنعت هي؟ لا شيء إلا أن أصغت ~~إليه وعفت العفو الجميل، ولو شاءت لقضت عليه بالهوان وردته أسفل ~~سافلين! فصرفت مراجعته لنفسه الثورة عن قلبه، ولكنها لم تعزه عن خيبته ~~شيئا، فانطوى على ألم حزين صامت ... ~~••• # وأمضى مساء ذلك اليوم في بيت بشارو ليودع أهله، وحاول ما استطاع أن ~~يظهر بمظهر الفرح والمرح، الذي عهدوه فيه، واجتمعوا جميعا حول مائدة ~~العشاء: بشارو وزايا وخنى ونافا وزوجه مانا، وتوسط المائدة القائد ~~الشاب، وتناولوا طعاما شهيا وشربوا الجعة، ومضى بشارو يتحدث في ~~أثناء الأكل بلا انقطاع، غير مبال بالفتات الذي يتطاير من فمه الأهتم، ~~وقص عليهم كثيرا من قصص الحروب وخاصة الحروب التي خاض غمارها في ~~شبابه، وكأنما أراد أن يطمئن زايا التي دل شحوب لونها على ما يعتلج في ~~صدرها من المخاوف، فقال: إن أوزار الحرب تلقى في الأغلب على عاتق ~~الجنود، وأما القواد فيحتلون مكانا آمنا يفكرون ويرسمون ~~الخطط. # وفطن ددف إلى مرماه، فقال: صدقت يا والدي، ولكن ترى هل أبليت بلاءك ~~الحسن في حرب النوبة ضابطا صغيرا أم قائدا كبيرا؟ # فاستقام جسم الشيخ فخارا وقال: كنت حينذاك ضابطا صغيرا في فرقة ~~الرماح ... وكانت سيرتي في الحرب إحدى المزايا التي رشحتني فيما بعد لمنصب ~~مفتش عام الهرم الفرعوني. # ولم تنقطع ثرثرة بشارو، وكان ددف ينصت إليه حينا ويشرد أحيانا، ~~وربما غلبه الألم فتبدو في عينيه نظرة حزينة، وكأن زايا كانت تلهم ~~أحزانه إلهاما لأنها كانت صامتة ثقيلة القلب، فلم تتناول طعاما وقنعت ~~من الوليمة بكوب من الجعة. # وأحب نافا أن تختم تلك الليلة ختاما سعيدا، فدعا زوجه مانا إلى ~~العزف على القيثارة وإنشاد الأغنية الجميلة: «ظفرت ms095 في الحب والحرب» وكانت ~~مانا ذات صوت رخيم، وكانت عازفة ماهرة، فملأت جو الغرفة نغما فاتنا ~~وصوتا عذبا ... # واضطرمت في قلب الشاب نار موقدة لم يصل لظاها في الحاضرين سواه، ~~وكان نافا أمعنهم في الجهل والسذاجة؛ فقد دنا من ددف وهمس في أذنه: أبشر ~~خيرا أيها القائد، بالأمس ظفرت في الحب وستظفر غدا في الحرب. # فاستولى الذهول على ددف وقال: ما معنى قولك هذا؟ # فابتسم المصور ابتسامة ماكرة وقال: أتظن أني نسيت صورة ~~الفلاحة الجميلة؟ ... آه ما أجمل فلاحات النيل! ... إن الواحدة منهن ~~لتتمنى أن ترقد بين يدي ضابط جميل على الحشائش الخضراء التي تكسو ~~شاطئ النيل ... فما بالك لو كان هذا الضابط ددف الجميل الفاتن؟! # فقال له باستياء: صه يا نافا ... أنت لا تدري شيئا. # واهتاجه حديث نافا كما اهتاجه غناء مانا وأحس برغبة في الفرار، ~~وهم بتنفيذ رغبته لولا تذكر أمه، ولاحت منه التفاتة إليها فرآها ~~تديم النظر إليه، فخشي أن تقرأ صفحة قلبه بعينيها الملهمتين فيصيبها ~~من ذلك حزن كبير، فابتسم إليها، وأقبل نحوها يختال في حبور وفرح. # 26 # وانبثق نور فجر الغد. # وكان القائد ددف جالسا في خيمته وسط معسكر الجيش خارج أسوار مدينة ~~منف، يطلع على خريطة لشبه جزيرة سيناء وسورها الكبير، والطرق الصحراوية ~~المؤدية إليها، وكانت تشمل المعسكر حركة حياة صاخبة؛ فالخيل تصهل والعجلات ~~تصلصل، والجند تذهب وتجيء، ويغشى الجميع نور الفجر الأزرق ~~الهادي. # وقد دخل الضابط سنفر على القائد وحياه باحترام وقال: أتى رسول من ~~لدن صاحب السمو الفرعوني الأمير رعخعوف، ويطلب الإذن بالدخول على ~~سعادتكم. # فبدا الاهتمام على وجه ددف وقال: دعه يدخل. # فغاب سنفر لحظة ثم عاد يتقدم الرسول ثم غادر الخيمة، وكان الرسول ~~يرتدي ثياب الكهنوت الفضفاضة التي تغطي الجسم من المنكبين إلى رسغي ~~القدمين، ويضع على رأسه قلنسوة سوداء، ويرسل لحيته الكثة إلى ثغرة ~~صدره، فعجب ددف لمرآه؛ لأنه كان يتوقع أن يلقى وجها مألوفا لديه من ~~الوجوه التي يراها عادة في قصر ولي العهد، وسمع صوتا - خيل إليه ms096 رغم ~~خفوته أنه لا يسمعه لأول مرة - يقول: جئت يا صاحب السعادة في أمر ~~خطير، فأرجو أن تأمر بإسدال الستار على الباب، وبمنع الدخول إلى الخيمة ~~بغير إذن. # فنظر ددف إلى الرسول نظرة فاحصة، وكاد يخالجه التردد، ولكنه هز ~~منكبيه العريضين استخفافا واستهانة، ونادى سنفر وأمره بإسدال الستار ~~على مدخل الخيمة، وبعدم السماح لإنسان بالدنو منها، وصدع سنفر بما أمر، ~~وحين خلا المكان نظر ددف إلى الرسول وقال له: هات ما عندك. # ولما اطمأن الرسول إلى خلو الخيمة رفع عن رأسه قلنسوته السوداء، ~~فبدا شعر أسود غزير هفت خصلاته فسقطت على المنكبين في ترنح ورسمت ~~هالة حول رأس بديع، ثم امتدت يد الرسول إلى لحيته فأزالها برشاقة، وفتح ~~عينيه اللتين كان يضيقهما بمشيئته، فسطع وجه مشرق تلألأ نورا في ~~جو الخيمة مع أول شعاع أرسلته الشمس في فضاء الصحراء. # وطار قلب ددف في صدره، وهتف بصوت متهدج: مولاتي مري سي عنخ! # خف إليها كالطير المذعور، وجثا عند قدميها، ولثم أهداب ثوبها ~~الفضفاض، وكانت الأميرة ترسل بناظريها إلى الأمام في خفر واستحياء، ~~وينتفض جسمها اللدن كلما أحست بأنفاس الشاب الحارة تتسلل من نسج ~~سروالها، وتهب على ساقها المعطرة ... ثم لمست رأسه بأناملها، وهمست بصوت ~~خافت: «قم.» فقام الشاب تلمع عيناه بنور فرح بهيج، لم يسلس قط لبيان، وجعل ~~يقول: أحقا هذا يا مولاتي؟ أحقا ما أسمع؟ وحقا ما أرى؟ # فرنت إليه بنظرة استسلام كأنها تقول له: «غلبت على أمري فجئت ~~إليك.» فقال الشاب: إن آلهة الأفراح جميعا تشدو في قلبي هذه الساعة، وقد ~~أنساني شدوها عذاب الشهور وتسهيد الليالي، ورحضت أنغامها قلبي من مرارة ~~القنوط وظلمات اليأس، رباه! من يقول إني أنا الذي هانت عليه الحياة ~~بالأمس؟! # فبدا على وجهها التأثر، وقالت بصوت خافت كتغريد اليمام: أهانت ~~عليك الحياة حقا؟ # فقال وعيناه تلتهمان الشفتين اللتين تنثران الحديث: نعم هانت ~~وتمنيت الموت صادقا، والموت تشتهيه النفس التي خسرت آمالها، ولم أك ~~جبانا قط يا مولاتي، فلبثت أؤدي واجبي، ولكن كان يعذبني إحساس ms097 بتفاهة ~~الغاية وعبث الجهد، وكانت تثقل علي وحشة تجثم على صدري وتغشى عيني ~~بالظلمات. # فتنهدت وقالت: وكنت أنا أكافح كبريائي وأجاهد نفسي، وألقى منهما ~~عذابا واصبا . ~~- كم كنت قاسية علي! ~~- وكنت على نفسي أشد قسوة، أتذكر ذلك اليوم على شاطئ النيل؟ لقد عدت ~~يومها يدب في أعماق قلبي قلق غريب، وعلمت فيما بعد أنه قدر لقلبي أن ~~يستيقظ على صوتك من سباته العميق، واكتشفت هذه الحقيقة تتقاسمني لذة ~~المجازفة والخوف من المجهول، ثم ذكرت فخارك واعتدادك بنفسك فثرت وتمردت، ~~وكنت كلما وقع نظري عليك قسوت على نفسي وقسوت عليك. # فتنهد وقال بلهفة أسيفة: كم عذبني غروري! أتذكرين ثاني لقاء لنا ~~في قصر صاحب السمو؟ لقد انتهرتني في شدة وعنفتني تعنيفا قاسيا، ~~وبالأمس لم تسمعي لشكاتي، وتركتني دون كلمة وداع، فهل تعلمين كم تعذبت ~~وكم تألمت؟ هيهات ... فليتني اطلعت على الغيب! كانت أشد أوقاتي عبوسا ~~أحقها بالسعادة، وكنت أشكو إلى الآلهة عذابي فتضحك من جهلي! # فابتسمت وقالت: وكانت تشهد الآلهة كبريائي فتضحك من هواني، فهل رأيت ~~مثلنا ألعوبة من قبل؟ ~~- ولما نزل ألعوبة تستحق الرثاء، فإني كلما أذكر ما أضعنا من ~~وقت ثمين! # وتنهد آسفا حزينا، فقالت: على رأسي يقع وزر ذلك. # فنظر إليها بحنو وقال: فدتك نفسي من كل شر. # فابتسمت ابتسامة حلوة وقالت: أظن أن الوقت يقسو علينا هذه ~~المرة. # فتنهد آسفا ونظر إليها بعينين مكتئبتين، فقالت تبث فيه روح ~~الأمل: أمامنا مستقبل طويل مشرق بالأمل ... فتمن الحياة كما تمنيت ~~الموت. # فقال بسعادة وابتهاج: لن يقدر الموت على قلبي ... # فوضعت إصبعها على فمه وقالت: لا تقل هذا. # ولكنه قال بحماس جنوني: ماذا يصنع الموت بقلب جعله الحب من ~~الخالدين؟ # فقالت: سألبث بالقصر، لا أبرحه، حتى أسمع الأبواق تزف بشرى النصر ~~والعودة! ~~- فلندع الأرباب أن تقصر فراقنا. ~~- نعم سأصلي إلى بتاح، ولكن في القصر لا هنا لأنه ليس لدينا متسع من ~~الوقت. # ووضعت القلنسوة على رأسها، فتألم لاختفاء الشعر الأسود الحالك عن ~~عينيه وقال: أهون علي أن أفارق عضوا عزيزا ms098 من جسمي! # فنظرت إليه بعينين يلتمع فيهما نور الحب والأمل، ولكن خيل إليها ~~أن وجهه يكفهر، وصدره ينقبض، وتظلل جبينه سحابة مظلمة، فساورها القلق ~~وسألته: فيم تفكر؟ # فقال باقتضاب: الأمير أبوور! # فضحكت قائلة: هل بلغك ما تناقلته الألسن حينا من الزمن؟ يا عجبا! ~~لا يخفى شيء في مصر، وإن كان من أسرار القصر الفرعوني، ولكنك علمت شيئا ~~وغابت عنك أشياء؛ فالأمير إنسان نبيل سامي الخلق، وقد حادثني يوما - ونحن ~~منفردان - في الموضوع الذي أذيع، فاعتذرت وقلت له إني أوثر أن أبقى ~~صديقته، ولا أشك في أنه أحس بخيبة، ولكنه ابتسم ابتسامته النبيلة، ~~وقال لي: إني أمير أحب الصدق والحرية، وتكره نفسي أن تستذل نفسا ~~نبيلة ... # فقال ددف بفرح: يا له من إنسان نبيل! ~~- نعم، إنه كريم ... ~~- ألا يوجد في أفقنا ما يدعو إلى التشاؤم؟ أعني ... أخشى فرعون! # فخفضت عينيها خفرا وقالت: لن يكون أبي أول فرعون يصاهر أحد أفراد ~~شعبه المقربين! # فأطربه جوابها وأسكره خفرها، وحنت ضلوعه إليها حنينا موجعا، ~~وامتدت يده إلى يدها - وكانت تهم بلصق اللحية بوجهها - إشفاقا من مغيب ~~هذا الوجه الحسن المشرق، فأسلمت يدها إلى يده، وكان استسلامها عذبا ~~ساحرا، فجثا الشاب أمامها ولثم يدها هيمان مفتونا، وقالت له: أستودعك ~~الآلهة جميعا. # ثم ألصقت اللحية المستعارة بوجهها، وضغطت على القلنسوة حتى مست ~~حافتها حاجبيها، فردت إلى هيئة رسول الأمير ولي العهد، وقبل أن توليه ~~ظهرها وضعت يدها في صدرها، وأخرجت الصورة الصغيرة العزيزة التي اتخذتها ~~الطبيعة علة لهذا الغرام الجميل، وأعطته إياها بغير كلام، فأخذها ~~بحنو وهيام ولثمها بفمه، ثم دفنها في صدره في مكانها الأول المعهود، ~~وألقت عليه ابتسامة وداع، وكأنما أرادت أن تضاحكه، فأدت له التحية ~~العسكرية، وسارت في مشية الجنود إلى الخارج. # ولم يكن الفتى الذي تركته ذاهلا من الفرح مشرق الوجه بنور الأمل هو ~~الذي رأته حين مقدمها كاسف البال شارد الخاطر متهافت النفس؛ فقد بعث الحب ~~نفسه بعثا جديدا وأحياها بعد موات، وزارت مخيلته - في تلك اللحظة ~~السعيدة - أطياف من ماضي ms099 قلبه، من معرض نافا الجميل، وشاطئ النيل الأخضر ~~الفسيح، وقطيع الفتيات الحسان، ثم ذكر حزنه ويأسه وتلف نفسه الجلدة الصبور، ~~ثم ذكر الأمل المشرق الذي أدركه في غمرات القنوط والأحزان، فتمثلت له ~~حقيقة الحب والحياة كنهر يسقي بستانا ناضرا تتألق أزهاره وتغرد ~~أطياره ما جرى ماؤها عذبا، فإذا نضب معينه خوى البستان على عروشه وذوى ~~حسنه وتجرد كفلاة مهجورة. # وأعاده إلى اليقظة دخول سنفر، وأخبره الضابط بأن كل شيء على قدم ~~الاستعداد، فأمره بالنفخ في الصور إيذانا بالرحيل، فانبثت على الأثر ~~في المعسكر حركة هائلة، وعزفت الموسيقى، وتحركت طليعة الجيش. وركب ددف ~~عربة القيادة التي يتولى قيادتها سنفر، وركب كبار الضباط وسارت جماعتهم ~~إلى قلب فرقة العجلات، ثم نفخ في الصور مرة أخرى، فتحركت عربة ددف في ~~الطليعة بين جناحين من عربات الضباط العظام، وتبعتهم في صفوف متوازية ~~فرقة العربات المكونة من ثلاثة آلاف عربة حربية مثقلة بالسلاح، وسارت ~~خلفها فرق المشاة، تحمل كل علمها، تتقدمها فرقة القسي وتليها ~~فرقة الرماح ثم فرقة السيوف، وتبع الجيش عربات المهمات الكبيرة ~~محملة بالأسلحة والمؤن والعقاقير الطبية، تحيط بها قوة من ~~الفرسان. # اخترق ذلك الجيش الصحراء، يهدف إلى السور المنيع الذي اتخذته القبائل ~~وكرا آمنا. # وقد طلعت عليهم شمس الضحى، ولفحهم وهج الظهيرة، وهب عليهم نسيم ~~المغيب، وهم يضربون في الأرض كالمردة، تكاد الأرض تشكو من حمل أثقالهم ولا ~~يشكون من شيء. # 27 # ورئيت عربة استكشاف تنهب الأرض صوبهم، فتطلعوا إليها باهتمام ~~شديد، وتقدم قائدها من القائد وأخبره بأن عيونهم عثرت على جماعات من ~~البدو منتشرين حول تل الدوما، وكان من رأي الضباط أن يسيروا إليها ~~فرقة من الجيش لقتالهم، وبسط ددف خريطة الصحراء أمامه، وبحث باهتمام عن ~~تل الدوما، ثم قال: إن تل الدوما يقع جنوب طريقنا، والمعروف عن أولئك ~~البدو أنهم يسيرون جماعات صغيرة للنهب والفرار، وأنهم لا يخطر لهم على ~~بال مهاجمة جيش جرار كجيشنا، فلا خوف علينا من مواجهة حركة التفاف. فقال ~~له أحد الضباط: أظن يا صاحب السعادة ms100 أنه ليس من الحكمة تركهم ~~... # ولكن الشاب قال: لا شك أننا سنصادف في طريقنا كثيرا من أمثال هذه ~~الجماعات، فلو أننا سيرنا إلى كل جماعة منها كوكبة من جنودنا لتشتتت ~~قوتنا، فلنضع نصب أعيننا الهدف الأول، وهو اختراق سورهم الحصين، وضربهم في ~~عقر دارهم والقبض على زعيمهم خانو ... # ولكنه رأى عن حكمة أن يعزز القوة التي تحرس عربات المؤن ~~والأسلحة. # وتقدم الجيش في طريقه، ولم يروا في أثناء سيرهم أثرا لرجال القبائل، ~~وأتتهم الأخبار بأن من كان يضرب في الصحراء منهم ولى الأدبار، حين سمع ~~بأخبار الجيش الزاحف صوب شبه الجزيرة، فشقوا طريقا آمنا خاليا حتى ~~بلغوا مقاطعة أرسينة، فألقوا عصا الترحال ليأخذوا قسطهم من الراحة وحاجتهم ~~من المؤن، وبادر الأمير أبوور إلى زيارتهم، واستقبل استقبالا رسميا يليق ~~بمكانته السامية، وتفقد الأمير وحدات الجيش، ومكث مع القائد وكبار ~~معاونيه يتحدث إليهم في شئون الحملة، وقد اقترح عليهم أن يوجدوا حلقة ~~اتصال بينهم وبين أرسينة ليطلع على أخبارهم، وليمدهم أولا بأول ~~بما يحتاجون إليه، وقال لهم في ذلك: واعلموا أن جميع قوات أرسينة مشمرة ~~للقتال، وأن قوات عظيمة من سرابيوم وذقعة ومندس في طريقها إلى ~~أرسينة. # فقال ددف: ندعو الآلهة يا صاحب السمو ألا نحتاج إلى قوات جديدة؛ ~~احتراما لرغبة صاحب الجلالة الذي يحرص على أرواح العباد. # ونام الجيش تلك الليلة نوما عميقا هادئا، ثم استيقظ على نفخ الأبواق ~~عند صراخ الديكة. # واستأنف مسيره شرق أرسينة في جلبة وعظمة، وما زالوا في حل وترحال ~~حتى لاح لهم عن بعد السور الكبير الذي يبتدئ جنوبا من خليج هيروبوليس ~~وينعطف شرقا راسما قوسا عظيما، فانعطف الجيش ناحية الشمال، ومال قليلا ~~نحو الشرق، ثم ألقى أثقاله وعسكر في موضع لا تصل إليه سهام ~~المحاصرين. # واستطاعوا - من معسكرهم - أن يشاهدوا متانة بنيان السور، وأن يروا ~~الحراس الذين يعتلونه والقسي في أيديهم، استعدادا للذود عن حياضهم ~~ضد الجيش المغير. # واتفق رأي ددف والضباط على أن الانتظار لا يجدي في حالتهم، كما قد ~~يجدي في حصار مدينة ms101 بتجويع سكانها، واجتمعت كلمتهم على وجوب البدء بمناوشات ~~خفيفة ليختبروا بها قوة عدوهم. # وكان من الخطر أن تهجم العربات في أول المعركة خشية أن يخسروا جيادهم ~~المطهمة ، فتقدم بضع مئات من الجنود المدرعين حاملي القسي في شبه نصف ~~دائرة، يفرق بين الواحد ورفيقه عشرات الأذرع من الخلاء، حتى إذا بلغوا ~~موضعا ظن العدو أنه صائبهم فيه أطلق عليهم سهامه فقابلوه بمثلها، ~~وابتدأت أول معركة بين الفريقين، وكانت السهام تنطلق جماعات كثيفة ~~كسحب الجراد، ولكن كان أكثرها يضيع هباء لبعد المسافة. # وكان ددف يرقب المعركة باهتمام شديد، ويشاهد بإكبار مهارة الجنود ~~المصرية في الرماية التي أكسبتهم شهرة تقليدية لا مثيل لها، ورأى فيما رأى ~~باب السور الكبير، فقال لسنفر: يا له من باب عظيم كأنه باب معبد ~~بتاح! # فقال له الضابط المتحمس: عسى أن يتسع لعرباتنا التي ستخترقه بعد ~~حين! # ولم تذهب المناوشة سدى؛ فقد لاحظ ددف أن رجال القبائل لم يبنوا على ~~السور أبراجا تقي رماتهم سهام المهاجمين، فلا يستطيعون أن يرموا عن قسيهم ~~إلا إذا تعرضوا لخطر القتال، فوضحت له فائدة الهجوم بالدروع الكبيرة ~~المعروفة بالقباب ... وكان الدرع من هذه الدروع أشبه ما يكون بالمحراب ~~المجوف في حيطان المعابد، وهو لكبر حجمه يمكن أن يخفي الجندي من الرأس ~~إلى القدم، ولسمك جسمه يستطيع أن يرد السهام، فلا تنفذ منه إلا إذا أصابت ~~منافذ صغيرة في أعلاه يصوب منها حامله. # وقد أصدر ددف أمره بأن يتقدم بضع مئات بهذه الدروع لقتال حرس السور، ~~فاصطفوا جميعا خلف دروعهم في شبه نصف دائرة واسعة، ثم تقدموا نحو ~~السور لا يبالون وابل السهام المتساقط عليهم، ثم وضعوا القباب على الأرض ~~وراشوا سهامهم، وبدأت بينهم وبين عدوهم معركة عنيفة دموية، تطايرت فيها ~~رسل الموت من الجانبين، وكان رجال القبائل يتساقطون بكثرة، ولكنهم ~~أبدوا جلدا غريبا وشجاعة نادرة المثال، فكانوا كلما سقطت منهم طائفة ~~حلت محلها أخرى، وكانوا رغم امتناع المصريين بدروعهم الغريبة يصيبونهم ~~خلل المنافذ الصغيرة، فسقط من المصريين قتلى وجرحى كثيرون. # وما زالوا ms102 في قتال عنيف حتى تخضب الأفق الغربي بدم الشفق، وصدرت ~~الأوامر إلى المصريين بالتقهقر فرجعوا القهقرى، وقد نال منهم التعب كل ~~منال. # 28 # وكانت منف تنتظر أنباء القتال في هدوء المطمئن، للثقة العظيمة التي ~~توليها جيشها، والاستهانة البالغة التي تشعر بها نحو قبائل البدو ~~الناهبة، ولكن قلوبا كبيرة كانت تخفق خفقان المشفق، ويخلق لها الحنان ~~الأوهام ويصور لها المخاوف، منها قلب عاهل النيل العظيم الذي تحول على ~~الكبر إلى الحكمة، ومضى يكتب بمداد قلبه رسالته الخالدة إلى شعبه الحبيب، ~~ومنها قلب زايا الذي أضناه الألم وعذبه الخوف وأرقه السهاد، وقلب آخر ~~لم يعرف من قبل معنى الألم ولا ذاق طعم الخوف، وهو قلب الأميرة مري سي عنخ ~~التي وهبتها الآلهة أبهى ما لديها من حسن وهيأت على الأرض لها أمتع ما ~~فيها من الترف والنعيم، وسخرت لحبها أعظم قلوب البشر طرا، وأزلت ~~لها قوى الطبيعة فلا يقرصها برد الشتاء، ولا يلفحها حر الصيف، ولا تهب ~~عليها ريح الجنوب، ولا ينفذ إليها مطر الشمال، فما زالت تمرح وتلعب حتى ~~مس قلبها الحب كما تمس أنامل الطفل الطليق ألسنة اللهيب، فاكتوت ~~بناره وفتحت صدرها لعذابه وهوانه ... # ولم تخف حالها على وصيفاتها، وعلى وصيفتها ناي على وجه الخصوص، وقد ~~قالت لها يوما وهي ترقبها بعين الريبة والإشفاق: أتتنهد مولاتي؟ فما ~~يفعل من لا تحنو عليه الآلهة والفراعين؟ أتجثين ضارعة متوسلة؟ فمن الذي ~~نتوسل به ونضرع إليه؟ أتخفضين عينيك يا مولاتي؟ فلمن خلقت ~~الكبرياء؟ # ولكن حلم الأميرة لم يتسع لمداعبات وصيفتها، فكانت تؤثر في تلك الأيام ~~الشديدة الخلوة إلى نفسها، وكانت تود لو تستطيع أن تحافظ على قولها ~~لحبيبها: إنها لن تغادر القصر حتى تسمع أبواق العودة الظافرة، ولكنها ~~وجدت حنينا إلى زيارة قصر شقيقها ولي العهد؛ لتلقي تحية قلبية على ~~المكان الذي كان يلقاها ددف فيه كلما ذهبت لزيارة أخيها. # وكان ولي العهد يستقبلها ويتحدث إليها، ولم يخف عنها عاطفة كانت ~~تجهلها فيه وهي تململه من سياسة الملك، حتى قال لها مرة بلهجة ms103 الغضب: ~~إن والدنا يهرم سريعا. # فنظرت إليه نظرة إنكار، فاستطرد يقول: حقا إنه ما يزال يحافظ على ~~سلامة بنيته وحدة ذهنه، ولكن قلبه يشيخ ويهرم، ألا ترين أنه يولي ظهره ~~سياسة الحكم، ويميل بقلبه وعقله إلى التأمل والرحمة، ويصرف وقته الثمين ~~في الكتابة؟ # أين هذا من واجب الحاكم القوي؟ # فقالت له الأميرة بامتعاض: الرحمة كالقوة من فضائل الحاكم ~~الكامل. # فقال بسخرية: لم يلهمني والدي هذه الحكمة يا مري سي عنخ، ولكنه ضرب ~~لي الأمثال الخالدة بآثار القوة الخلاقة لجلائل الأعمال، فسخر أمة ~~لبناء الهرم وزحزحة الجبال وترويض الصخور العاتية، وكان يزأر كالأسد ~~الهصور فتخر القلوب فرقا ورعبا وتأتيه النفوس طوعا أو كرها، فيقتل من ~~يشاء ويغفر لمن يشاء، ذلك هو والدي الذي أفتقده ولا أجده، ولا أرى سوى ذلك ~~الشيخ الذي يمضي الليل إلا قليله في حجرة التابوت يفكر ويملي، ذلك الشيخ ~~الذي ينفر من الحرب، ويشفق على الجنود كأنهم خلقوا لغير القتال. # فقالت مري سي عنخ: لا تتكلم عن فرعون بهذه اللهجة أيها الأمير، لقد ~~خدم والدنا الوطن يوما بقوته، وسيخدمه أضعافا بحكمته. # على أن زياراتها لقصر الأمير لم تكن تقطع جميعا بأمثال هذا الحديث ~~المضني؛ ففي يوم من الأيام المعدودة في العمر - وكان قد مضى على رحيل ~~الجيش المصري عشرون يوما - وجدت الأمير مغتبطا راضيا، ورأت وجهه الصلب ~~يلين عن ابتسامة قليلا ما ترى عليه، فخفق قلبها وطار خاطرها إلى الحبيب ~~البعيد، فسألت شقيقها: ما وراءك يا صاحب السمو؟ # فقال: بلغتني أنباء سارة تقول إن جيشنا حاز انتصارات باهرة، وإنه ~~عما قليل يقتحم حصن العدو. # فصاحت به: زدني من هذا النبأ السعيد! ~~- يقول الرسول: إن جنودنا تتقدم مدرعة بالقباب حتى صارت على قيد ~~أذرع من السور، واستحال على رجال القبائل الظهور على السور، ومن تحدثه ~~نفسه منهم بالمجازفة ترديه نبالنا قتيلا. # وكان هذا النبأ أسعد ما سمعت من شقيقها في حياتها، وقد تركت قصر الأمير ~~قاصدة إلى معبد بتاح، وصلت إلى الرب العظيم ودعت للجيش بالنصر ~~ولحبيبها بالسلامة، ms104 واستغرقت في صلاتها استغراقا عميقا، لا يعرفه إلا ~~المحبون، وعادت إلى القصر الفرعوني يدب في قلبها الجزع، الذي يقل ~~صبره كلما دنا من غايته. # 29 # وكانت الجنود المصرية قد دنت من السور الحصين، واستطاعت أن تمسه ~~بأسنة رماحها، وأحاط به الرماة من كل جانب مسددين قسيهم كلما ~~ظهر رجل أردوه قتيلا، ولم يجد العدو من حيلة إلا أن يلقي عليهم ~~الأحجار، وأن يسدد نباله ليصيد بها من يعتلي السور منهم، وظلوا على تلك ~~الحال زمنا يسيرا، وكل فريق يتربص لغريمه، وفي فجر اليوم الخامس ~~والعشرين للحصار أصدر ددف أمره للرماة بالهجوم العام، فانقسموا طائفتين؛ ~~واحدة لمراقبة السور وأخرى تقدمت مستظلة بحماها يحمل رجالها السلالم ~~الخشبية والدروع الطويلة والقسي والسهام، وأسندوا السلالم إلى السور وصعدوا ~~أدراجها ناشرين أمامهم الدروع كأنها الأعلام، ثم أثبتوا الدروع على السور ~~فبدا كحائط الحصون المصرية المدرع بالقباب، وتلقوا بها آلاف السهام ~~التي ترامت عليهم من كل حدب وصوب، وتساقط منهم عدد غير يسير، وأجابوا ~~عدوهم بسهام لا تطيش ملأت الجو أزيزا مخيفا، وعلا الصياح يشق عنان ~~السماء، واختلط هتاف الفوز بأنات الألم وصراخ الرعب، وفي أثناء القتال ~~المستعر هجم فريق من المشاة يحملون جذوع النخل صوب الباب الكبير، وصكوه ~~صكا شديدا دوى دويا مرعبا ... # وكان ددف يقف على ظهر عربته الحربية، يرقب القتال بعينين قلقتين ~~وقلب متحفز للقتال، وكان يقلب وجهه بين الجنود المعتلية للسور، ~~والمتوثبة لاعتلائه، وبين الهاجمين على الباب الضخم الذي بدأت تتزعزع ~~أركانه ويضطرب بنيانه. # وبعد زمن ليس باليسير رأى الرماة يقفزون داخل السور، ورأى المشاة من ~~حاملي الرماح يصعدون السلالم، ورماحهم مجردة ودروعهم مشهرة فعلم أن ~~العدو أخذ يخلي مواقعه خلف السور ويتقهقر داخل شبه الجزيرة. # ومرت ساعة على قتال عنيف وانتظار جزوع، وكانت فرقة العربات - وعلى ~~رأسها القائد الشاب - تنتظر صفوفا، ولم يلبث أن فتح الباب على مصراعيه ~~بعد أن رفع الجنود المصريون بداخل السور مزلاجه، وأمر ددف سنفر بالهجوم، ~~فترك للجوادين العنان، وانطلقت خلفه العربات تجلجل جلجلة الجبل المنهار، ~~وتثير ms105 خلفها ريحا من النقع والرمال، واجتازت الباب عربة عربة، وكانت ~~تنعطف واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، فرسمت جناحين مديدين ~~يلتقيان في عربة القائد، وهاجمت العدو كقبضة يد هائلة تهصر عصفورا هزيلا، ~~وفي أثناء ذلك احتل الرماة الأماكن الحصينة والتلال العالية، وتقدمت فرقة ~~الرماح لتحمي مؤخرة العربات، وتقاتل من يلتف للإحداق بها. # وكان سنفر يقود عربة القائد ببسالة وثبات، وكان ددف يطلق سهامه التي ~~لا تخيب فتعرف مستقرها في الرقاب والقلوب، وقد ولى العدو الأدبار، ومن ~~تخلف منهم انقض عليه الجنود الزاحفون برماحهم، فلم ينج من الموت إلا ~~هارب أو أسير أو جريح. # وانتهت المعركة الفاصلة في ساعات قلائل، وباتت قرى القبائل تحت رحمة ~~الجنود المحتلة، وامتلأ الميدان بجثث القتلى أو الجرحى من الفريقين، ~~وانتشر الجند هنا وهناك بغير نظام، وأقبل الجنود المصريون يبحثون بين الجثث ~~عن إخوانهم الأبطال الذين سقطوا في ميدان القتال، ومضوا يحملونهم إلى ~~المعسكر خارج السور، وأخذ غيرهم يجمعون جثث العدو ليحصوها عدا، وجعل ~~آخرون يقيدون الأسرى بالحبال، ويستولون على أسلحتهم، ويجمعونهم صفوفا ~~صفوفا، ثم أخليت القرى الصغيرة من النساء والأطفال وأحضرن جماعات ~~جماعات وهن يصرخن ويعولن إلى جانب الأسرى، وأحاط الحرس بالجميع من ~~كل جانب، ثم عاد الجنود كل طائفة إلى حيث نشر علم فرقتها، ووقفوا صفوفا كل ~~فرقة على رأسها ضباطها الذين نجوا من شر القتال. # وأتى القائد يتبعه قواد الفرق، فاستعرض الجيش المنتصر الذي أدى ~~له التحية بحماس عظيم، وسلم على الضباط البواسل، وهنأهم بالفوز ~~والنجاة، وحيا ذكرى من سقط منهم شهيدا، ثم سار مع أركان حربه إلى ~~البقعة التي ألقيت فيها جثث الأعداء، وكانت الجثث ممددة بعضها إلى جانب ~~البعض، وقد سالت دماؤها أنهارا، ووجد على حراستها ثلة من الجند على رأسها ~~ضابط، فسأله ددف: كم عدد القتلى والجرحى؟ # فأجاب الرجل: قتل من العدو ثلاثة آلاف رجل وجرح خمسة آلاف. # فسأله: وكم عدد ضحايانا؟ # فقال: قتل منا ألف وجرح ثلاثة آلاف. # فاكفهر وجه الشاب وقال: كلفتنا قبائل البدو غاليا. # وسار القائد إلى ms106 حيث يوجد الأسرى، وكانوا جمعا غفيرا تنتظمه الحبال ~~الطويلة جماعات، وتقيد أذرعهم إلى الخلف، وقد نكست رءوسهم حتى مست ~~لحاهم صدورهم، وألقى ددف نظرة عليهم، وقال لمن حوله: سوف تهلل مناجم قفط ~~- التي تشكو قحطا في عمالها - فرحا بهؤلاء الرجال الأشداء. # انتقل ومن معه إلى منطقة صاخبة مولولة هي منطقة السبايا اللاتي لم ~~يستطعن هروبا، وكانت أطفالهن تصرخ وتعول، وكن يلطمن وجوههن ويندبن ~~حظهن ورجالهن القتلى أو الجرحى أو الأسرى أو المشردين، ولم يكن ~~ددف يعلم بلغتهن فألقى عليهن نظرة غريبة لم تخل من إشفاق، ووقع بصره ~~على طائفة منهن تبدو عليها آي النعيم، فسأل الضابط الذي يشرف على ~~حراستهن: من هؤلاء النسوة؟ # فقال الضابط: هن حريم زعيم القبائل. # وتأملهن القائد وعلى فمه ابتسامة، وكن ينظرن إليه بأعين جامدة لا ~~شك تخفي خلفها نارا مضطرمة يوددن لو يسلطنها على القائد الظافر ~~الذي أسر سيدهن، واستذلهن وسامهن من بعد عزة هوانا. # شذت واحدة منهن عن نطاق أترابها، وأرادت أن تتقدم من القائد، ~~فحال بينها وبين بغيتها جندي وأشار إليها مهددا منذرا، ولكنها ~~صاحت بالقائد باللغة المصرية المبينة: أيها القائد دعني أقترب منك ~~وليباركك الرب رع. # فدهش ددف ودهش من معه جميعا لطلاقة لسانها، وحسن نطقها المصري كأحد ~~الناطقين بها، وأمر القائد الجندي أن يتركها تتقدم منه، فتقدمت بخطى ~~وئيدة حتى دنت من الشاب، وانحنت أمامه في احترام وإجلال، وكانت امرأة ~~في الخمسين من عمرها، وقور الطلعة في وجهها أثر لحسن قديم عفا عليه الزمان ~~والشقاء، وفي قسماتها شبه عجيب من بنات النيل، فقال لها ددف: أراك تعرفين ~~لغتنا أيتها السيدة. # فتأثرت السيدة تأثرا شديدا حتى اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت: ~~كيف لا أعرفها وقد نشأت لا أعرف لغة سواها؟ أنا مصرية يا مولاي! # فزاد العجب بالشاب وأحس نحوها بعطف شديد، وسألها: أحقا أنت ~~مصرية يا سيدتي؟ # فقالت له بيقين وحزن: نعم يا مولاي، مصرية بنت مصريين. ~~- وما الذي جاء بك إلى هنا؟ ~~- جاء بي حظي التعس إذ خطفني على أيام شبابي هؤلاء ms107 الرجال الغلاظ ~~الأكباد، الذين نالوا جزاءهم على أيديكم الباسلة، وساموني سوء العذاب حتى ~~أنقذني زعيمهم من شرهم ليبتليني بشره، فضمني إلى حريمه، حيث عانيت ذل ~~الأسر وحسرته عشرين عاما ... # فاشتد تأثر ددف، وقال للمرأة البائسة: اليوم ينتهي أسرك أيتها ~~السيدة التي تربطني بها أخوة الجنس والوطن، فقري عينا. # فتنهدت المرأة التي قسا عليها الدهر عشرين عاما طويلة، وأرادت ~~أن تجثو عند قدمي القائد، ولكنه أمسك بيدها برقة وقال لها: هدئي ~~روعك يا سيدتي ... من أي البلاد أنت؟ ~~- من أون يا مولاي، مقر الرب رع. ~~- لا تحزني، لقد ابتلاك الرب بشر عظيم لحكمة يعلمها هو، ولكنه ~~لم ينسك. ولسوف أقص على مولاي الملك قصتك وأضرع إليه أن يفك رقبتك ~~فتعودي إلى مسقط رأسك راضية سعيدة ... # فساور المرأة القلق، وقالت للقائد بتوسل: أضرع إليك يا مولاي أن ~~ترسلني إلى بلدتي توا، عسى أن تمن علي الآلهة بالعثور على ~~أهلي. # ولكن الشاب هز رأسه وقال: ليس قبل أن أرفع أمرك إلى فرعون؛ لأنك ~~الآن - شأنك شأن جميع هؤلاء الأسرى - ملك للملك ولا بد من تسليم الوديعة ~~إلى صاحبها، ولكن اطمئني ولا تخشي شيئا؛ ففرعون رب المصريين لا آسرهم ~~ولا مذلهم. # وأراد أن يدخل الطمأنينة على نفسها المعذبة، فأرسلها إلى المعسكر ~~المصري معززة مكرمة. # وعندما أتى مساء ذلك اليوم كان الجيش قد انتهى من دفن قتلاه، وتضميد ~~جراح جرحاه، وآوت الجند إلى الخيام تأخذ قسطها من الراحة بعد نصب اليوم ~~المرهق، وجلس ددف أمام مدخل خيمته يصطلي نارا ويتأمل ما حوله بعينين ~~حالمتين، وكان أعظم ما يستولي على مشاعره على الأرض تلك الأعلام ~~المصرية الخفاقة المنشورة على السور الحصين، وفي السماء هاتيك النجوم ~~التي كأنها عيون تتألق أبدا إعجابا بقدرة الخالق وجمال المخلوق ... ~~وكانت تحلق بسماء خياله أطياف جميلة - مثل النجوم - تمثل لقلبه ~~ذكريات منف السعيدة وأحلامها وآمالها، ولم ينس في أحلامه تلك الساعة ~~الرهيبة المقبل عليها حين يقف بين يدي فرعون، ويطلب إليه قلب أعز ~~مخلوق إلى نفسه في مصر. يا لها من ms108 ساعة رهيبة! ولكن ما أجمل الحياة إذا ~~اطردت من نصر إلى نصر، وتنقلت من سعادة إلى سعادة! ليتها تسير كذلك ~~أبدا، وليت الأقدار ترحم الإنسان! ولكن الظاهر أن السعادة نادرة الوجود ~~في هذه الدنيا، وهل يستطيع أن ينسى صورة تلك المرأة البائسة التي اختطفها ~~البدو من بين يدي سعادتها، واهتصروا شبابها، وساموها الذل عشرين عاما! ~~يا للمسكينة! # نعم لم يستطع ددف أن ينسى في سعادته وفوزه بؤس تلك المرأة ... # 30 # وأشرقت الشمس على منف ذات الأسوار البيضاء، وكأنها تستقبل عيدا من ~~أعياد الرب بتاح؛ فالأعلام ترفرف على أسطح البيوت والقصور، والطرق ~~والميادين تموج بجموع الشعب كأنها عباب النيل إبان الفيضان، والجو ~~يضج بالأناشيد الوطنية تحية لفرعون والجيش الظافر والجنود ~~البواسل. # وسعف النخل وأغصان الزيتون تلوح في الفضاء كأنها أجنحة طير أليف ~~تداعب هامات كللها الظفر وأطربها الفرح، وبين تلك النفوس السعيدة ~~المغتبطة شقت مواكب الأمراء والوزراء والكهنة طريقها إلى باب المدينة ~~الشمالي، لاستقبال الجيش المظفر وقائده الباسل. # وفي الموعد الموعود حمل النسيم أنغام موسيقى الجيش الظافر، وبدت ~~طلائعه في الأفق ترفرف عليها الأعلام، فتعالى الهتاف ودوى التصفيق ~~ولوحت الأيدي بالأغصان، وغمر القوم موجة من الحماس الدافق جعلتها كالبحر ~~الخضم المتعارك الأمواج. # وتقدم الجيش بنظامه المعهود تتقدمه جموع الأسرى مكتوفة الأذرع ~~منكسة الذقون، تتبعها عربات كبيرة تحمل السبي من النساء والأطفال ~~والمغانم، ثم بدت فرقة العربات يتقدمها القائد الشاب يحيط به السادة ~~المستقبلون من كبار رجال المملكة، وتتبعه صفوف العربات الحربية المهيبة ~~يشملها نظام دقيق رائع، وتأتي على الأثر فرق الجيش من الرماة وحاملي ~~الرماح إلى حاملي الأسلحة الخفيفة، تتقدم صفوفا تسير كل على أنغام ~~موسيقاها، وقد تركت أماكن من سقطوا في المعركة الظافرة شاغرة تحية لذكراهم ~~وذكرى لاستشهادهم النبيل في سبيل الوطن وفرعون. # وكان ددف سعيدا فخورا ينظر إلى جموع الشعب المتحمس بعينين ~~لامعتين، ويرد التحيات الحارة بالتلويح بسيفه العظيم، وقد فتشت ~~عيناه في الجموع عن الوجوه الحبيبة التي لم يداخله ارتياب في أنها تراه ~~وتهتف باسمه، حتى خال هنيهة ms109 أنه يسمع صوت أمه زايا وخوار والده بشارو ~~المختال الفخور، ثم خفق قلبه خفقة شديدة اهتزت لها حناياه، وتساءل ترى هل ~~تشاهده الآن هاتان العينان السوداوان اللتان ألهمتاه الحب كما ألهمت ~~الشمس البازغة قلوب المصريين عبادة الله؟ هل تراه في مجده؟ وتسمع اسمه تهتف ~~به الألوف المحتشدة؟ هل ترى وجهه الذي أضناه الشوق والبعاد؟ # وتقدم الجيش في مسيره إلى القصر الفرعوني، وبرز الملك والملكة إلى ~~الشرفة المطلة على الفناء الواسع المعروف بساحة الشعب، ومرت أمامهما ~~جموع الأسرى وأثقال المغانم والسبايا وفصائل الجيش، ولدى اقتراب ددف من ~~الشرفة الملكية جرد سيفه ومد يده تحية، ولفت وجهه إلى الملكين، ~~وكانت الأميرات حنوتس ونفر حتيس وحتب حرس ومري سي عنخ واقفات خلف الملك ~~والملكة، فانجذبت عيناه إلى عينين فاتنتين لهما عليه سلطان ليس لشيء في ~~الوجود، وتبادلت الأعين رسالة نارية خفق لها القلبان، حملت شوقا مضنى ~~وجوى، فلو أنها مست في سبيلها حاشية علم من الأعلام لأشعلت نارا ~~موقدة. ~~••• # ودعي القائد ددف للمثول بين يدي فرعون، فذهب بقلب ثابت ونفس ~~مطمئنة، ومثل في الحضرة الجليلة مرة أخرى، وقد تعطف الملك وقدم له ~~الصولجان، فلثمه ساجدا، ثم وضع على أعتاب العرش مزلاج باب السور الحصين ~~الذي اقتحمه جيشه ظافرا، ثم قال: مولاي صاحب الجلالة فرعون مصر العليا ~~والسفلى، سيد الصحراء الشرقية والصحراء الغربية، وصاحب بلاد النوبة، ~~مولاي! لقد أيدتنا الآلهة على عمل عظيم وفتح مبين، فضمت إلى ملككم ~~السعيد ملكا جديدا، وأدخلت في طاعتكم أفواجا كانوا إلى أمس عصاة طاغين، ~~وطوت تحت جناحي ربوبيتكم قلوبا خاشعة أقسمت في ذل الأسر يمين ~~الإخلاص لعرشكم العتيد. # فقال له فرعون الذي كلل هامته المشيب: إن فرعون يهنئك أيها ~~القائد الظافر على إخلاصك وبسالتك، ويرجو أن تمد الآلهة في عمرك لينتفع ~~الوطن بمواهبك. # وتعطف فرعون ومد يده إلى القائد الشاب الذي لثمها باحترام عميق، ~~وقلبه يدق دقا عنيفا، وسأله الملك: ما عدد جنودي الذين استشهدوا في ~~سبيل الوطن وفرعون؟ # فقال ددف بصوت خافت: استشهد من الأبطال ألف يا ms110 مولاي. ~~- وما عدد الجرحى؟ ~~- ثلاثة آلاف يا مولاي. # فصمت قليلا ثم قال: إن الحياة العظيمة توجب تضحيات عظيمة، فسبحان ~~الرب الذي يخلق الحياة من الموت. # ونظر الملك إلى ددف طويلا ثم قال: لقد أديت لي خدمتين جليلتين، ~~فأنقذت بالأولى حياة ولي عهدي، وأنقذت بالثانية طمأنينة شعبي، فماذا ~~تطلب؟ # رباه! جاءت الساعة الرهيبة التي طالما منى نفسه بها، وطالما ~~صورت لقلبه في الأحلام السعيدة، وكان ددف شجاعا لا يفقد جنانه في ~~المواقف العظيمة فقال: مولاي، ما فعلت في الاثنتين إلا ما يفرضه الواجب ~~على الجندي فلا أطلب لقاءهما ثمنا، ولكن لي أمنية أتقدم بها تقدم ~~الطامع في رحمة مولاه. # فقال الملك: وما هي أمنيتك أيها القائد؟ # فقال ددف: إن الآلهة يا مولاي لحكمة تعلمها سمت بقلبي البشري إلى ~~سموات مولاي الملك، فتعلق بأقدام مولاتي الأميرة مري سي عنخ. # فنظر إليه فرعون نظرة غريبة وسأله: لكن ماذا صنعت الآلهة بقلب ~~الأميرة؟ # فارتبك ددف وخيم عليه صمت ثقيل، فابتسم فرعون وقال: يقولون إنه لا ~~يدخل إلى قدس الرب عبد إلا كان مطمئنا إلى رضاه، وسنرى ما إذا كان ~~هذا حقا! # وكان فرعون راضيا، وكأنما أراد أن يلهو قليلا، فأرسل في طلب ~~الأميرة مري سي عنخ، ولبت الأميرة نداء والدها وجاءت تسعى في جلال ~~الحسن، ولما رأت الماثل بين يديه خفق قلبها وتولاها الحياء ~~والارتباك، وترددت كغزال رأى رجلا ... فنظر إليها فرعون بحنان وقال ~~بلهجة رقيقة لم تخل من سخرية: أيتها الأميرة! يزعم هذا القائد الظافر ~~أنه غزا حصنين؛ سور سيناء وقلبك! # فقال ددف بتوسل: مولاي ...! # وأعياه الكلام فسكت مقهورا مرتبكا، ورأى فرعون قائده وقد خانته ~~شجاعته، ورأى ابنته وقد تولى عنها الكبرياء، وأضناها الحياء والارتباك، ~~فهوى قلبه إليها، وناداها إلى جانبه، ثم نادى ددف، فاقترب الشاب في تهيب ~~شديد، ووضع الملك يد الأميرة على يده في تؤدة، وقال بصوته الجليل الذي ~~تقشعر له القلوب: إني أبارككما باسم الآلهة جميعا. # 31 # واستقبل ددف على أثر انتهاء المقابلة الفرعونية السعيدة فترة من الزمن ~~مقدارها اثنتا ms111 عشرة ساعة. توالت فيها الحوادث الجسام الغريبة التي تزلزل ~~النفوس وتحطم العقول، فكانت في عمره السعيد الهادئ مثل مسقط الشلال في ~~مجرى النيل الرزين الجليل ... # ماذا فعل ددف في تلك الفترة القصيرة الحافلة بالعجائب؟ # خرج من الحضرة الفرعونية فطلب مقابلة الوزير خوميني، وعرض عليه موضوع ~~مظلمة المرأة المصرية الأسيرة التي لا تكاد تغيب عن خاطره، وأخلى الوزير ~~سبيلها وأحضرها إلى القائد. # وقال لها ددف: أهنئك يا سيدتي باستردادك لحريتك بعد طول ~~الأسر، ولما كان الوقت متأخرا فستنزلين ضيفة علي إلى الغد، ثم ~~تولين وجهك شطر أون مصحوبة برعاية الآلهة. # فكان جوابها أن أمسكت بيده ولثمتها بامتنان عظيم، ولما رفعت وجهها، ~~انحدر دمعها على خديها وعنقها، واصطحب السيدة معه إلى عربته ورأى سنفر ~~ينتظره على مقربة منها فأدى التحية له وقال: كلفني صاحب السمو ~~الفرعوني الأمير رعخعوف أن أبلغ القائد بأنه يرغب في محادثته في ~~الحال. # فسأله ددف: أين يوجد سموه الآن؟ ~~- في قصره. # فاستقل العربة وركب معه الضابط والسيدة، وحملهم إلى قصر ولي العهد، ~~وطلب إلى السيدة أن تنتظر في مكانها، ودخل القصر يتبعه الضابط. وطلب مقابلة ~~الأمير، فدعي إلى حجرته، ووجده الشاب على غير عادته مضطربا وإن حاول أن ~~يمسك زمام نفسه، ولم يعن هذه المرة برد تحيته وابتدره قائلا: أيها ~~القائد ددف، إني أذكر دائما إخلاصك الذي أنقذ حياتي من موت محقق، ~~وأرجو أن تذكر نعمتي عليك إذ كنت جنديا صغيرا فجعلتك قائدا كبيرا، ~~وكللت هامتك بالمجد والخلود. # فقال ددف بحماس: إني أذكر هذا ولا أنساه، وهيهات أن أنسى آلاء مولاي ~~الأمير. # فقال الأمير: إني أحتاج إلى إخلاصك هذه الساعة، فاصدع بما تؤمر واتبع ~~وصاياي بعناية لا تدع للتردد سبيلا إلى قلبك. أيها القائد، لا تسرح ~~جيشك، بل استبقه حيث هو معسكرا خارج أسوار منف، وانتظر أوامري التي تأتيك ~~عند مطلع الفجر، وإياك أن تتردد عن تنفيذها مهما كانت غريبة، واذكر ~~دائما أن الجندي الباسل ينطلق كالسهم إلى هدفه دون أن يسأل ~~مطلقه. # فقال ددف: سمعا وطاعة يا ms112 صاحب السمو. ~~- انتظر رسلي في المعسكر عند الفجر ولا تغفل عن ذكر وصاياي. # قال الأمير ذاك، ثم وقف معلنا انتهاء المقابلة، فانحنى ددف لسموه ~~وغادر الحجرة متعجبا شارد الخاطر متحيرا من أمره، يقول لنفسه: ترى ~~ما هي الأسباب التي دعت الأمير إلى أمره بإبقاء الجيش في معسكره؟ وما عسى ~~أن تكون الأوامر الغريبة التي ستأتيه بها الرسل عند الفجر؟ ما من عدو ~~يهدد الوطن، وما من عصيان يهدد الأمن، وكل مصري يتخذ وجهته الطبيعية ~~تحت رعاية فرعون وحكومته، فما وجه الحاجة إلى الجيش؟ # وعاد قلقا إلى العربة التي انطلقت به والسيدة التي تصحبه، وكان ~~كلما اقتربت به العربة من بيت بشارو تخف حيرته، وتذهب وساوسه ويتحول ~~عقله إلى أهله الذين ينتظرونه على الجوى بعد أن طال الشوق به وبهم، ووصلت ~~العربة إلى البيت فأدخل الشاب السيدة حجرة الضيوف، وصعد إلى الأعزة ~~المشوقين، فتلقته أمه زايا بذراعين مفتوحتين، وانهالت عليه بالقبل ~~وضمته إلى صدرها بشدة، ولم تتركه إلا حين انتزعه من يديها بشارو وهو ~~يقول: أهلا بالابن الظافر، والقائد الباسل! # وقبله في خده وجبهته، ثم عانق ددف أخويه خنى ونافا، وسلم على ~~زوج الأخير، وكانت تحمل على ذراعها طفلا رضيعا، فقدمته إليه وهي تقول: ~~انظر إلى سميك ددف الصغير! ... سميته باسمك عسى أن توفقه الآلهة للمجد ~~كعمه العظيم. # فنظر ددف إلى نافا وحمل الصغير بين ذراعيه وقبل شفتيه ~~الرقيقتين، وقال لأخيه: يا له من صورة جميلة! # فابتسم نافا الذي كان سعيدا بابنه سعادته بفنه، وأخذ الطفل بين ~~يديه. # ووجد ددف الفرصة سانحة لإعلان خطبته السعيدة، فقال لنافا: لن تكون أبا ~~وحدك يا نافا. # فانتبه الجميع إلى قوله، وصاح نافا بفرح: هل اخترت شريكتك أيها ~~القائد؟ # فأحنى ددف رأسه قائلا: نعم. # فنظرت أمه إليه بعينين يتألق فيهما الفرح وقالت: أحقا يا بني ~~ما تقول؟ # فقال بهدوء: نعم يا أماه. # فصاحت به: من هي؟ # وسألت مانا باهتمام شديد: من هي؟ # وقال نافا ضاحكا: أنت قادم من ميدان القتال، فهل عشقت إحدى ~~السبايا؟ # فقال ms113 الشاب بهدوء وفخار: هي صاحبة السمو مري سي عنخ. # فصاح الجميع: مري سي عنخ! ... ابنة فرعون! # فقال: هي دون غيرها. # وملكت الجميع دهشة عظيمة، واهتزت قلوبهم بسعادة طاغية جعلت الكلام ~~عسيرا ، وقص عليهم ددف قصته، وذكر نعمة فرعون عليه، ودموع الفرح تشرق ~~بعينيه الجميلتين، ولم تتمالك زايا نفسها فبكت، وكانت تصلي للرب بتاح ~~الواهب المنان، واهتز بشارو طربا فجعل يروح ويجيء بجسمه المنتفخ ~~المتهدل، أما نافا فقد قبل الشاب السعيد واسترسل يضحك ضحك الفرح ~~والابتهاج، وباركه خنى وأكد له أن الآلهة لا تقضي بهذه الأمور الجليلة ~~إلا وهي ترسم له غاية مجيدة لم يفز بها إنسان من قبل! ومضى كل منهم ~~يعبر عما يختلج في ضميره من الفرح والسعادة. # وذكر ددف السيدة التي تركها في حجرة الضيوف، فقام من فوره وذكر لهم ~~بسرعة قصتها، وقال لأمه: أرجو أن تكرمي مثواها يا أماه حتى تترك ~~بيتنا. # فقالت أمه: سأنزل يا بني للترحيب بها. # وصحب ددف أمه ودخلا إلى حجرة الضيوف معا، وهي تقول: أهلا بك يا ~~سيدتي ... لقد حللت في بيتك ... # ونهضت السيدة من جلستها وأحنت قامتها المثقلة بهوان السنين وذل ~~الأيام، ثم مدت يدها إلى مضيفتها الكريمة، فالتقت عينا المرأتين ~~لأول مرة، وبسرعة البرق نسيتا ما كانتا فيه من تبادل التحايا، ونظرتا ~~كل منهما إلى الأخرى بغرابة، وكأنما تجهد نفسها لاختراق الحجب الكثيفة ~~التي وضعها الزمان على وجه الماضي البعيد، واتسعت عينا المرأة الغريبة، ~~وصاحت في دهشة جنونية: زايا! # فتولى الذعر زايا وجعلت تنظر إليها بذهول شديد، وجعل ددف يقلب ~~وجهه بينهما في حيرة، وهو يعجب للمرأة التي عرفت أمه مع أنها قضت ~~عشرين عاما من حياتها في منفاها، وسألها دهشا: كيف عرفت أمي يا ~~سيدتي؟ # ولكن المرأة لم تأبه لقوله، ولعلها لم تسمع قط؛ لأنها كانت منتبهة ~~إلى زايا بكل وجدانها، وقد ضاقت بخرسها فصاحت بها: زايا ...! زايا ...! ألست ~~زايا؟ ... ما لك لا تتكلمين؟ ... تكلمي ... أيتها الخادمة الخائنة ... تكلمي ... ~~وقولي لي ماذا فعلت بابني! ... أين ابني أيتها المرأة؟ ... # ولم ms114 تتكلم زايا ولا تحولت عيناها عن المرأة الغاضبة، ولكن أعياها ~~الاضطراب، ومزقها الخوف، فجعلت ترتجف، وحاكى وجهها وجوه الموتى، فأمسك ~~ددف بيدها الباردة وأجلسها إلى أقرب مقعد، ثم تحول إلى المرأة في غضب ~~وقال بجفاء: كيف تؤاتيك الجرأة على توجيه مثل هذا الكلام إلى أمي ~~أيتها المرأة التي أكرمتها وأنقذتها من عذاب الأسر؟ # وكانت المرأة تلهث بشدة كالمحتضر، فتأثرت لكلام القائد الذي ~~أنقذها، وأرادت أن تتكلم، فأعياها الحصر، فما استطاعت إلا أن تشير إلى ~~أمه كأنما تقول له: سلها هي. # فانحنى الشاب إلى أمه بحنو وسألها برقة: أماه ... هل تعرفين ~~هذه المرأة؟ # فلم تقل زايا شيئا، ولم تطق المرأة سكوتها، فقالت وقد عاودها غضبها: ~~سلها: هل تعرفين رده ديديت زوج رع؟ سلها: هل تذكر المرأة التي هربت معها ~~حاملة طفلها الصغير منذ عشرين عاما فرارا من الطغاة؟ ... تكلمي يا زايا، ~~قولي له كيف فررت تحت جنح الظلام، وكيف خطفت ابني الرضيع، وكيف تركتني في ~~مجاهل الصحراء نفساء يائسة، لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، حتى عثر بي ~~الوحوش وأخذوني أسيرة وساموني سوء العذاب وذل الأسر عشرين عاما ... تكلمي ~~يا زايا ... وقولي ماذا فعلت بطفلي؟ ... تكلمي ... # فاشتدت الحيرة بددف وهمس في أذن أمه متألما: أماه ... سامحيني، ~~أنا الذي أحدثت لك هذا العذاب، أنا الذي جئت بهذه المرأة التي أفقدها ~~الحزن رشادها، سامحيني يا أماه ... سأطرد هذه المرأة. # ولكنها أمسكت بيده تمنعه، فسألها بتوسل: لماذا لا تتكلمين يا ~~أماه؟ ... هل تعرفين هذه المرأة؟ # فأنت زايا أنينا مؤلما، وقالت لأول مرة بعد أن غشيها الذهول: لا ~~فائدة ... تحطمت حياتي ... # فصاح الشاب بصوت كزئير الآساد: أماه لا تقولي هذا. فدتك نفسي يا ~~أماه! # فتنهدت بحرقة وقالت: أوه يا ددف العزيز، بالله لم أقترف سوءا ولم ~~أتعمد شرا، ولكن كان القدر يقضي بما ليس في مقدور إنسان دفعه. رباه! ~~كيف تنهار حياتي دفعة واحدة! # فكاد الشاب يجن من الألم وقال: أماه! لا تنسي أني إلى جانبك ~~أدفع عنك كل سوء، ما الذي يؤلمك؟ ما الذي ms115 يحزنك؟ سواء لدي ما يطويه ~~ماضيك من خير أو شر، وما يهمني أن أعلم شيئا إلا أنك أمي وأني ~~ابنك الذي ينصرك ظالمة ومظلومة، شريرة وخيرة. أتوسل إليك ألا تبكي ~~وأنا إلى جانبك. ~~- هيهات أن تستطيع معونتي! ~~- محض أوهام يا أماه! ... أي خطب جسيم هذا؟ ~~- لن تستطيع معونتي يا ددف العزيز ... رباه! كم بنيت من الآمال ولكني ~~أقمتها على شفا جرف هار، فما كادت تستوي حتى انهارت إلى الحضيض مخلفة ~~قلبي خرابا تنعق فيه الغربان. # واشتد التأثر بالشاب وتحول غاضبا إلى المرأة، ولكن هذه لم تلن، ~~وما انفكت تسأل زايا قائلة: قولي لي أين ابني؟ أين ابني؟ # وبهتت زايا هنيهة، ثم وقفت بحالة عصبية وصاحت بالمرأة: أتظنين ~~أنني غادرة يا رده ديديت؟ كلا لم أك غادرة قط، لقد سهرت عليك ذاك ~~اليوم العصيب، ولكن هاجمنا البدو فلم أر مناصا من الهرب، وأشفقت على ~~طفلك من أذاهم فحملته على ذراعي، وعدوت به كالمجنونة، فكان فراري ضرورة ~~طبيعية، وكان وقوعك بين أيديهم قضاء محتوما. ثم عنيت بطفلك ووهبته ~~حياتي، ونفعه حبي فنشأ رجلا تفخر به الأمم، وها هو ذا يقف أمامك؛ فهل ~~رأيت مثله إنسانا من قبل؟ # وتحولت رده ديديت إلى ابنها وأرادت أن تتكلم، فلم يطاوعها ~~لسانها، ولم تستطع إلا أن فتحت ذراعيها، وهرعت إليه وشبكتهما حول عنقه ~~وشفتاها ترتعشان بهذه الكلمة: «ابني ... ابني.» وكان الشاب ذاهلا كأنه ~~يرى حلما عجيبا، فبقي ساكنا ينظر تارة إلى زايا التي غدا وجهها يحاكي ~~وجوه الموتى، وأخرى إلى المرأة المتعلقة به التي تعاطيه قبل الأمومة، ~~وتحتويه بصدرها الخفاق، ورأت زايا استسلامه، وشاهدت في عينيه نظرة ~~حنو وعطف، فأنت يائسة وولتهما ظهرها، ثم فرت من الحجرة كالدجاجة ~~المذبوحة. # وأتى ددف حركة، ولكن ازداد تعلق المرأة به وتوسلت إليه قائلة: ابني ~~... ابني ... هل تترك أمك؟ # فجمد الشاب في مكانه، وألقى على وجهها نظرة طويلة، فرأى الوجه الذي ~~حرك قلبه من النظرة الأولى، ورآه هذه المرة أعظم طهرا وجمالا وبؤسا، ~~فخفق قلبه وفاضت نفسه حنانا، ومال رأسه ms116 نحوها بغير شعور، حتى ضغطت شفتاه ~~على خدها، وتنهدت المرأة بارتياح واغرورقت عيناها بالدموع، ثم انتحبت ~~باكية، فأخذ يهدئ من روعها، وأجلسها على ديوان وجلس إلى جانبها، وكفكف ~~دموعها، وكان لا يزال موزعا بين الذهول وبين هذا الحب الجديد. # ونظرت إليه المرأة وقالت: قل لي: يا أماه. # فقال لها بصوت خافت: أماه ... # ثم قال بحيرة: ولكني لا أكاد أفهم شيئا ... # فقالت له: ستعلم كل شيء يا بني ... # قالت ذلك ثم سردت عليه قصتها الطويلة، وحدثته عن ولادته وما أحاطه ~~بها من التنبؤات الخطيرة، وما أعقبها من الحوادث الجسام، حتى الساعة ~~السعيدة التي ردت روحها إلى صدرها، برؤيته حيا سعيدا جليلا. # 32 # وساقت الأقدار بشارو إلى سماع قصة رده ديديت عن غير قصد؛ فإنه أراد ~~أن يبالغ في إكرام ضيفة ددف فنزل لاستقبالها بنفسه، وصادف وصوله خروج زوجه ~~زايا جريا كالمجنونة، فأخذه العجب واستولت عليه الحيرة، ودنا من باب ~~الحجرة في حذر فوصل إلى مسمعيه صوت رده ديديت التي كانت تفيض بالحديث في ~~حالة عصبية أنستها أن تخفت من صوتها، فاسترق السمع، وأنصت مع ددف إلى ~~قصة المرأة من مبتداها إلى منتهاها! # ثم انسحب من مكانه في خفة وحذر وقصد إلى حجرته لا يلوي على شيء، وقد ~~اكتسى وجهه بهيئة جد ورزانة واهتمام ندر أن عرفها وجهه إلا في ~~الملمات، ونبا به مقعده فجعل يروح ويجيء مضطرب النفس، مشتت البال ~~مهتاج الخاطر، وكان يفكر فيما سمع ويديره في عقله المبلبل ويقلبه ~~على وجوهه المختلفة، حتى أضنى التفكير المحموم رأسه، وجعله كقطعة الحديد ~~المنصهرة، وقال لنفسه بصوت مسموع كأنه يحدث شخصا غريبا: بشارو! ~~أيها الشيخ البائس. إن الآلهة تبتليك بمحنة شديدة. # وأي محنة! # ددف الجميل العزيز الذي احتضنه طفلا رضيعا، فأنقذه من الجوع والفقر، ~~ورعاه بعين الأبوة الرحيمة حابيا وصبيا، وغلاما يافعا، ورباه ~~تربية أبناء النبلاء ومهد له سبيل النجاح، فكان رجلا يزن أمة من ~~الرجال، ومنحه عطف الأب وقلبه. وتقبل منه محبة الابن وبره، ددف العزيز ~~الجميل تظهره الأقدار على حقيقته ms117 فإذا به عدو لفرعون! إذا به الوسيلة ~~التي ادخرها الرب رع لقلقلة العرش المكين وطعن ربه الجليل، وسلب حق ~~ولي عهده النبيل، وتأبى الأقدار إلا أن تطلعه - وهو خادم فرعون الأمين ~~- على هذه الحقائق الهائلة في ساعة من ساعات القضاء التي يدبرها من وراء ~~الغيب، ويلبسها هيئة المصادفات. فأي محنة، وأي ابتلاء! # وصاح بشارو مرة أخرى يحدث نفسه قائلا: بشارو! أيها الشيخ البائس ... ~~إن الآلهة تبتليك بمحنة شديدة. # واشتد الكرب بالرجل، وثقل على صدره القلق، فمضى يحدث نفسه بحزن ~~وألم قائلا: ددف أيها العزيز، لتكن ابن العامل الشهيد أو وريث كاهن رع ~~الأعظم، فلحقا أني أحبك حبي خنى ونافا، وأنك لم تعرف أبا سواي ~~... # ولهذا منحتك اسمي رحمة ومحبة. والله إنك لشاب يفيض الإخلاص من ~~طبعه فيض الشعاع من الشمس، ولكن يا أسفا لقد ادخرتك الآلهة، وأنت الأمين ~~لأكبر خيانة عرفها التاريخ، خيانة رب العرش المكين، خيانة عهد خوفو مولانا ~~العظيم، خوفو الذي نعلم أبناءنا التسبيح باسمه قبل أن نلقنهم حروف ~~الهجاء. واها أيتها الأقدار! لماذا تلتذين بتعذيبنا؟ لماذا ترمينا ~~بالمحن والويلات في أوقات سعودنا؟ وماذا كان يضيرك لو ختمت حياتي كما بدأت ~~هنية سعيدة راضية؟! # وازدادت حالته سوءا وأحس بدنو أجله، فدلف إلى المرآة وألقى نظرة ~~على وجهه الحزين الأسيف، وقال يخاطب صورته: بشارو! ... أيها الرجل الذي لم ~~يؤذ إنسانا في حياته، هل يكون ددف العزيز أول ضحية تمتد لها يدك ~~بالأذى؟ ... يا للعجب! ولماذا كل هذا العذاب؟ لماذا لا تطبق شفتيك وكأنك ~~لم تسمع شيئا؟ لماذا؟ رباه. إن الجواب حاضر. إن قلبك لا يستريح ~~لأنه قلب بشارو مفتش الأهرام وخادم الملك، بشارو الذي يعبد واجبه عبادة. ~~هنا الداء. أنت تؤمن بالواجب. حقا أنت لم تؤذ إنسانا، ولكنك لم ~~تحد عن الواجب قط ... والآن أيهما أولى بالاتباع؟ ... الواجب أم تجنب ~~الأذى؟ يستطيع أي تلميذ في مدرسة منف الأولية أن يبتده الجواب ابتداها، ~~ولكن من منهم يشعر بمحنته؟ فبعدا للضعف والخور. إن بشارو لن يختم حياته ~~بالخيانة، كلا لن يبيع ms118 مولاه ... فرعون أولا ... وددف ثانيا ... وتنهد من ~~قلب محزون أليم، ونفس طعنتها الحسرة بخنجر مسموم ... وأبعد عن مخيلته أطياف ~~ددف وزايا وأخذ يرتدي ثيابه الرسمية بعزم ثابت. # ثم غادر حجرته بخطوات ثقيلة وهبط إلى حديقة البيت، ومر في طريقه ~~بحجرة الضيوف، ورأى ددف واقفا ببابها يدل مظهره على التأمل العميق ~~والاهتمام، فخفق قلبه لرؤياه خفقانا غريبا، واضطرب كل شيء فيه، اضطربت ~~نفسه وصدره وجفناه، وتحاشى النظر إلى عينيه، وأشفق من أن يحادثه فتنم ~~لهجته على ثورة قلبه، ونظر الشاب إلى ثياب أبيه الرسمية نظرة غريبة، وسأله ~~بصوت ضعيف: إلى أين أنت ذاهب الآن يا ... أبتي؟ # فقال بشارو وهو يسرع في خطاه: إلى واجب لا يؤجل يا بني. # ثم ركب عربته وقال للسائق: إلى القصر الفرعوني. # وانطلقت العربة في طريقها، وكانت جيوش الليل تتجمع في الآفاق ~~للانقضاض على النهار المحتضر الذي غاب عنه حارسه، فتأمل بشارو الجو ~~بعينين حزينتين، ونفس منقبضة، وقلب مظلم كالليل الزاحف، وقال لنفسه وهو ~~يتنهد آسفا محزونا: عرفت الواجب ذا مشقة ولذة، وها أنا أتجرعه ~~مرا لا لذة فيه كالسم الزعاف. # 33 # قصت رده ديديت قصتها الحزينة وعيناها لا تكفان عن البكاء، وكان ~~ددف يجلس إلى جانبها يستمع إلى صوتها المتهدج ويحس بأنفاسها الحارة ~~تتردد على وجهه، ويديم النظر إلى عينيها الدامعتين الحبيبتين، ~~وقلبه آخذ في الخفقان يكاد يتمزق من الألم والحنان والإشفاق. # وحين انتهت من سرد مأساتها سألت ابنها: من كاهن رع يا بني؟ # فأجابها بحزن: «شودا رع»! # فقالت: يا أسفا قضى أبوك ضحية لا ريب في هذا. # فقال ددف بصوت الداهش الذاهل: إن الدهشة تذهلني عن نفسي يا أماه ... ~~بالأمس القريب كنت ددف بن بشارو وأنا اليوم شخص جديد يحفل ماضيه بالفواجع، ~~ولد الساعة من أب قتيل وأم بائسة عانت ذل الأسر عشرين عاما! يا ~~للعجب ... كان مولدي شؤما، فمعذرة يا أماه! ~~- لا تقل هذا يا بني الحبيب، ولا تحمل نفسك الطاهرة وزر الشيطان ~~الرجيم. ~~- يا للتعاسة! أيقتل أبي وتلاقين العذاب عشرين عاما؟ ~~- فلترحمنا الآلهة ms119 يا بني ... انس أحزانك وفكر في الخلاص ... إن ~~قلبي لا يطمئن. ~~- ماذا تعنين يا أماه؟ ~~- الخطر ما يزال محدقا بنا يا بني، ويهددك اليوم من أنعم ~~عليك بالأمس. ~~- يا للعجب! أيكون ددف عدوا لفرعون؟ أيكون فرعون الذي يهبني كل يوم ~~من نعمائه ويضفي علي من أفضاله قاتل أبي ومعذب أمي؟ ~~- هيهات أن يسكت العجب عمن يراقب الناس والدنيا ... فهيا يا بني ~~إلى الخلاص؛ لأني لا أريد أن أفقدك اليوم وما وجدتك إلا بعد عذاب ~~السنين. ~~- إلى أين أماه؟ ~~- بلاد الرب واسعة. ~~- كيف أفر فرار الجناة وما اقترفت ذنبا؟ ~~- وهل كان اقترف والدك ذنبا؟ ~~- إن طبعي يأبى علي الفرار. ~~- أشفق على قلبي الذي يمزقه الخوف. ~~- لا تخافي يا أماه، إن إخلاصي وخدماتي للعرش يشفعان لي عند مولاي ~~الملك. ~~- لن يشفع لك شيء إذا علم أنك غريمه القديم الذي خلقته الآلهة ليرث ~~عرشه. # فاتسعت عينا الشاب دهشة وقال: أرث عرشه؟! ... يا لها من نبوءة ~~ضالة. ~~- أضرع إليك يا بني أن تطيعني ليطمئن قلبي. # فأخذها بين يديه وضغط عليها بحنو وقال: عشت عشرين عاما لا يعلم ~~أحد بسري، ولا أنا نفسي، قد طواه النسيان ولن يبعث مرة أخرى. ~~- لا أدري يا بني لماذا أفرق وأتطير ... لربما زايا. ~~- زايا! لقد دعوتها أمي عشرين عاما طويلة، وإذا كانت الأمومة رحمة ~~ومحبة وبذل نفس، فهي أمي أيضا يا أماه، لن تشي بنا زايا أبدا ... ~~إنها امرأة بائسة كملكة مخلصة فقدت عرشها على حين فجأة ... # وقبل أن تفتح فاها دخل خادم مسرعا وأخبر القائد بأن أمينه سنفر ~~يرجو لقاءه في الحال وبدون أدنى إبطاء، فعجب الشاب لأن سنفر كان معه ~~منذ زمن قصير، وهدأ روع أمه واستأذن منها وخرج لمقابلة سنفر في الحديقة، ~~ووجد الضابط قلقا نافد الصبر مضطربا، وحين رآه سنفر أقبل عليه مسرعا ~~وقال له بسرعة دون تحية أو سلام: سيدي القائد ... لقد أطلعتني المصادفات ~~على حقائق خطيرة الشأن تنذر بشر مستطير! # فخفق قلب ددف والتفت دون إرادة إلى حجرة الضيوف، وهو يسائل نفسه: ترى ms120 ~~ما الذي تخبئه الأقدار من الحدثان الجديدة؟ # ثم التفت إلى أمينه وسأله: ماذا وراءك يا سنفر؟ # فقال الضابط بلهجة مضطربة: دخلت أصيل اليوم إلى مخزن الخمور لأنتقي ~~زجاجة نبيذ جيد، وفيما أنا أفتش عن ضالتي - وكنت واقفا إلى جانب ~~الكوة المطلة على الحديقة - إذ وصل إلى مسمعي صوت رئيس حجاب ولي ~~العهد، يحادث شخصا غريبا هامسا، فلم أتبين حديثه، ولكني سمعت جيدا ~~ما ختمه به من الدعاء للأمير رعخعوف الذي سيصبح فرعون مصر عند الفجر! ~~فانتفض جسمي هولا ورعبا، وأيقنت أن جلالة الملك انتقل إلى جوار ~~أوزوريس، ونسيت ما أنا فيه من التفتيش، وهرعت خارجا إلى ثكنات الجند، ~~فوجدت الضباط يقصفون ويتسامرون كعادتهم حين الراحة، فظننت أن الخبر ~~المشئوم لم يبلغهم بعد، ولم أحب لنفسي أن أكون نذير الشر فانسللت إلى ~~الخارج، واستقللت عربتي وتوجهت بها إلى القصر الفرعوني؛ لعلي أقف على ~~حقيقة الخبر، فوجدت القصر هادئا، وأنواره تتلألأ كالكواكب الزاهرة، ~~والحراس يروحون ويجيئون في طمأنينة ودعة، فلم أرتب في أن رب القصر ~~يتمتع بالحياة والصحة. فعجبت لما سمعت بأذني في مخزن الخمور، وفكرت ~~فيه طويلا فساورتني المخاوف وتوزعتني الهواجس، ولاح لخاطري شخصك ~~مصادفة، فكان لي ما تكون المنارة لسفينة ضالة تكالبت عليها الأمواج ~~الهوج والرياح العاصفة والظلمات المحيطة، فوليت وجهي نحوك وجئتك على عجل ~~أروم عندك حسن التدبير. # فسأله ددف باضطراب وقد نسي همومه الشخصية، وما صادفه في يومه من ~~العجائب: أواثق أنت من أن أذنك لم تخدعك؟ ~~- ثقتي بوجودي أمامك الآن. ~~- أكنت ثملا؟ ~~- لم أذقها في يومي هذا. # فنظر إليه الشاب نظرة جامدة، وسأله بصوت خيل إليه أنه صوت غريب: ~~وما الذي فهمته من هذا؟ # فصمت الضابط صمتا رهيبا كأنه يتحامى بصمته الجواب ويدعه للقائد ~~نفسه، وفهم ددف صمته على حقيقته فخفق قلبه وسها إليه، وذكر في تلك اللحظة ~~وصايا الأمير رعخعوف الغريبة وأمره إياه بعدم تسريح الجيش وانتظار أوامره ~~عند الفجر، واتباعها مهما كانت غريبة، ورجعت به الذاكرة القهقرى؛ فذكر ما ~~حدثه به سنفر هذا الواقف أمامه ms121 يوم التقائهما الأول في حرس الأمير عن ~~أخلاق ولي العهد ونفاد صبره وتبرمه، ذكر هذا كله بسرعة وارتياع. ~~رباه! ماذا وراءك أيها الغيب؟ هل فرعون في خطر؟ هل هنالك ~~خيانة؟! # وسمع سنفر يقول بحماسة: نحن جنود رعخعوف ولكننا أقسمنا يمين الإخلاص ~~للملك، والجنود جميعا جنود فرعون إلا خائنا. # فعلم أن وساوس سنفر تلتقي بوساوسه، فقال: أخشى أن يكون الملك في ~~خطر! ~~- أنا لا أرتاب في ذلك، وينبغي أن نفعل شيئا أيها القائد. ~~- إن الملك يلبث عادة أغلب ليله في جوف الهرم مع وزيره خوميني يملي ~~عليه كتابه العظيم، فينبغي أن يوجه انتباهنا إلى الهرم. أخشى أن يغدروا ~~به في حجرة التابوت. ~~- دون هذا والمستحيل، ففتح باب الهرم سر لا يعلمه إلا ثلاثة: الملك ~~وخوميني وميرابو، والهضبة المحيطة بالهرم عامرة ليل نهار بالحراس وكهنة ~~المعبود أوزوريس. ~~- هل يسير في ركاب الملك أحد من حرسه؟ ~~- كلا، إن العاهل الكبير الذي وهب حياته مصر لا يشعر بحاجة إلى ~~حرس في وطنه وبين رعاياه، واعتقادي يا سنفر - إذا صدقت شكوكنا - أن ~~الخطر يجثم في وادي الموت؛ فهو طريق طويل خال من الآدميين، تغري وحشته ~~الغادر بالتربص لفريسته. # فسأل سنفر وهو يلهث: وما الذي ينبغي عمله؟ ~~- إن مهمتنا مزدوجة يا سنفر؛ أن ندرأ الخطر عن الملك، ونقبض على ~~الخائنين. ~~- ولو كانوا من الأمراء؟ ~~- ولو كان بينهم ولي العهد نفسه! ~~- سيدي القائد، ينبغي ألا نعتمد على حرس ولي العهد. ~~- نطقت بالحكمة يا سنفر، ولا حاجة بنا إليه، فلدي جيش باسل لا ~~يتردد جندي من جنوده عن بذل حياته في سبيل مولاه. # فأضاء وجه الضابط وقال: فلندع الجيش بلا إبطاء. # ولكن القائد الشاب وضع يده على كتف أمينه المتحمس، وقال: الجيش لا ~~يدعى إلا لقتال جيش مثله، وعدونا - إذا صدقت ظنوننا - نفر قليل يلوذ ~~بالظلام ويدبر غدره بليل، فينبغي أن نتربص له ونضربه الضربة القاضية ~~قبل أن يسدد إلينا ضربته. ~~- ألا يرى سيدي القائد أنه يحسن بنا أن نحذر فرعون؟ ~~- بئس الرأي يا سنفر، إننا لا نملك ms122 دليلا على هذه الخيانة المروعة ~~سوى شكوكنا، وقد تكون محض أوهام فلا نستطيع أن نقيم العذر لفرعون عن ~~اتهامنا الخطير لولي عهده. ~~- فما العمل يا سيدي القائد؟ ~~- العمل الحكيم أن أختار بضع عشرات من الضباط الذين أثق في شجاعتهم، ~~وستكون من بينهم يا سنفر، ثم نقصد فرادى خفية إلى وادي الموت، ونوزع ~~أنفسنا على جانبيه في حذر وعناية وننتظر. ينبغي ألا نضيع الوقت ~~سدى إذ يجب أن نسبق عدونا إلى كمينه فنراه ولا يرانا. # ولم يضع الشاب وقتا، ولكنه لم يستطع بالرغم مما هو بسببه من ~~أمر خطير أن ينسى أمه، فذهب بها إلى جناح نافا وعهد بها إلى زوجه مانا، ~~وعاد إلى سنفر وركب معه عربته، وانطلقا بها إلى معسكر الجند خارج أسوار ~~منف، وكان يحادث نفسه قائلا: فهمت الآن لماذا أمرني الأمير أن أنتظر ~~أوامره عند الفجر؛ فهو يدبر حيلة لقتل والده، وفي نيته إذا تحققت ~~غايته أن يأمرني بالزحف بالجيش على العاصمة للقضاء على قوة الحرس ~~الفرعوني، ورجال الملك المخلصين أمثال خوميني وميرابو وأربو وغيرهم من ~~بطانة الملك، فيخلو له الجو ويعلن نفسه الجزوع ملكا على مصر ... يا للخيانة ~~السافلة! # لا شك أن صبر الأمير نفد، ولكن طمعه سيقضي على آماله، وهي قاب ~~قوسين أو أدنى ... فهل تصدق شكوكنا يا ترى أم أننا نتخبط في ضلال ~~الأوهام! # 34 # وطلع الفجر فدبت الحياة مرة أخرى في هضبة الهرم المقدسة، وتجاوبت ~~في السماء نداءات الحراس، ونفخ الأبواق وترتيلات الكهنة، وعند ذاك فتح ~~باب الهرم وخرج منه شبحان ثم أغلق مرة أخرى، وكان كل منهما يتلفح ~~بدثار سميك أشبه بعباءة الكهنة التي يرتدونها في حفلات القربان، قال أقصر ~~الرجلين قامة: إنك يا مولاي تجهد ذاتك العلية إجهادا قاسيا. # فقال الملك: الظاهر يا خوميني أننا كلما تقدم بنا العمر نرد إلى ~~الطفولة مرة أخرى، فما أشبه ولعي بهذا العمل المجيد، بانكبابي في زمن مضى ~~على القنص وركوب الخيل. ينبغي أن أضاعف مجهودي يا خوميني؛ فما بقي من ~~العمر إلا أقصره ... # فقال ms123 الوزير الأمين ويداه مبسوطتان: أطالت الأرباب بقاء الملك. ~~- فلتستجب الآلهة دعاءك حتى أتم رسالتي. ~~- لست مناعا للخير، ولكن أتمنى أن يخلد مولاي إلى الراحة ~~والدعة. ~~- كلا يا خوميني. لقد شيدت لي مصر مثوى روحي الخالدة وما أهبها إلا ~~حياتي الفانية! # وكف الرجلان عن الحديث، وصعد الملك إلى العربة الملكية، وركب بعده ~~الوزير وقبض على اللجام وسارت الجياد خببا، وكانت العربة كلما مرت ~~بجماعة من الكهنة أو الجنود سجدوا تحية واحتراما، وما برحت الجياد ~~تجد في السير حتى قطعت أرض الهضبة، واجتازت حدودها إلى وادي الموت الذي ~~يؤدي إلى أبواب منف، وكانت الظلمة ما تزال حالكة والسماء ملأى بالنجوم، ~~يخالها المتأمل لشدة توهجها هابطة إلى فلك أدنى، وقد شملها جلال ساحر ~~تخبت له القلوب وتفتتن الأفئدة. # وتوسطت العربة وادي الأبدية، وكان الملك ووزيره يجلسان هادئين ~~متأملين، وسمعا بغتة أحد الجوادين يصهل بشدة ويقفز عاليا ثم ~~يسقط على الأرض، وأعاق سقوطه العربة عن المسير فتوقف الجواد الثاني، وعجب ~~الرجلان وهم الوزير بالنزول ليرى ما أصاب الجواد، ولكنه قبل أن يتحرك ~~صرخ بألم وصاح: الحذار يا مولاي ... لقد أصبت. # فأدرك فرعون أن مخلوقا أصاب الجواد وأردف بوزيره، وظنه من قطاع ~~الطرق فصاح بصوت شديد: إلى الوراء أيها الجبان، من يريد أن يغتال ~~فرعون؟ # ولكنه سمع صوتا كالرعد يصيح: «إلي يا سنفر.» فنظر إلى مصدره - وهو ~~يسند خوميني إلى صدره - فرأى شبحا قادما من جانب الوادي الأيمن كالسهم ~~المنطلق، وسمعه يصيح مرة أخرى: اختبئ يا مولاي خلف سور العربة. # ثم رآه يقف في طريق شبح آخر آت من الجهة اليسرى، واشتبك الاثنان في ~~قتال عنيف، وتبادلا طعنات قاتلة بسيفيهما، ثم صاح أحدهما وسقط على ~~الأرض قتيلا بغير شك ... ترى من الذي سقط: الصديق أم العدو؟ ولم تطل ~~الحيرة بالملك لأنه سمع صوت المنقذ يقول: هل مولاي بخير؟ # فأجابه: نعم أيها الشجاع، ولكن أصيب وزيري. # سمع الملك مرة أخرى صلصلة سلاح وراء العربة، فالتفت بسرعة فرأى ~~ثلة من الجنود تلتحم في قتال عنيف، ورأى الرجل ms124 الشجاع الذي قتل عدوه ~~ينضم إليهم، وينصر فريقا على فريق، فوقف الملك الأعزل يشاهد المعركة وهو ~~كظيم. # ورجحت كفة رجال الملك، وتساقط أعداؤهم واحدا فواحدا، وألقى الرعب ~~في قلوبهم أن شاهدوا عن بعد كوكبة من الفرسان قادمة تعدو من ناحية الهضبة ~~المقدسة حاملة المشاعل هاتفة باسم الملك الجليل، فزلزلوا زلزالا شديدا ~~وركنوا إلى الفرار، ولكن كان الذين يقاتلونهم أشداء جبابرة فأمعنوا فيهم ~~قتلا، ولم يبقوا منهم على أحد. # وأحاط الفرسان بعربة الملك، وألقت مشاعلهم ضوءا على الوادي، فظهرت ~~جثث القتلى، وبدت وجوه الرجال الذين دافعوا عن الملك، وقد سالت الدماء ~~الزكية من جباههم وأعناقهم. # وتقدم رئيس الفرسان من عربة الملك، ولما شاهد مولاه واقفا حمد ~~الرب، وقال وهو يجثو راكعا: كيف حال مولانا الملك؟ # فترجل فرعون وهو يسند وزيره وقال: فرعون بخير بفضل الأرباب، وشجاعة ~~هؤلاء الرجال ... ولكن كيف أنت يا خوميني؟ # فقال الرجل بصوت ضعيف: بخير يا مولاي ... إصابتي في ساعدي، وليست بذات ~~خطر ... فلنصل جميعا شكرا لبتاح الذي أنقذ حياة الملك ... # ونظر الملك فيما حوله فرأى القائد ددف، فقال له: أهنا أنت أيها ~~القائد ددف؟ ... كأنك تأبى إلا أن تدين الأسرة الفرعونية جميعا؟ # فانحنى الشاب في احترام عظيم وقال: حياتنا جميعا فداء ~~لمولاي. # فسأل الملك: ولكن كيف حدث هذا؟ ... يبدو لي أن ما وقع لم يكن حادثا ~~تافها وليد المصادفات، وأكاد ألمح في الظلام خيانة أحبطت بإخلاصكم ~~وشجاعتكم ... ولكن دعونا نرى وجوه القتلى أولا. ولنبدأ بهذا الذي سدد ~~إلينا سهما طائشا. # وسار في اتجاه العربة وددف وسنفر ورئيس الفرسان يسيرون بين يديه ~~بالمشاعل وخوميني يتبعه في خطوات بطيئة، فعثروا بالجثة على بعد قريب، وكان ~~صاحبها منبطحا على وجهه والسهم القاتل نافذ في جنبه الأيسر، ويئن أنينا ~~أليما، فاضطرب الملك لسماع أنينه، وسارع إليه، وأماله على ظهره، وألقى ~~نظرة قلقة، ولما تبين وجهه صرخ بقوة: رعخعوف ... ابني ...! # ونسي فرعون جلاله ونظر فيمن حوله كأنه يستغيث بهم على دفع بلاء لا ~~مرد له، وأمعن النظر ثانية في وجهه الملقى تحت ms125 قدميه، وقال بحزن ~~وفزع: أأنت الذي حاولت الفتك بي؟ # ولكن الأمير كان يعاني ألم النزع الأخير، ويتيه في غيبوبة الاحتضار، ~~فلم ينتبه إلى العيون المرتاعة المحدقة به، وجعل يئن أنينا موجعا، ~~وصدره يعلو وينخفض بشدة، فتملك ددف الرعب والألم، وكأن تلك الفاجعة ~~تبغته بغير نذير، وساد الجميع وجوم ثقيل نسي فيه خوميني آلام ذراعه، وجعل ~~يختلس نظرات الإشفاق من وجه الملك، وهو يدعو الرب أن يكفيه شر تلك ~~الساعة، وكان فرعون ينحني على ابنه المحتضر، وينظر إليه بعينين ~~جامدتين جعلهما الحزن كبحيرتين راكدتين ... وكانت نفسه جياشة ~~مضطربة، تعترك فيها العواطف المتناقضة والأفكار المتنافرة، وهو بين هذه ~~وتلك مستسلم للجمود، ولبث يديم النظر إلى وجه ابنه المعذب الذي ذهب ~~عنه الجلال والقسوة، ولبس لباس الذل والهوان، حتى فاضت روحه وسكنت حركة ~~جسمه إلى الأبد. # وظل الملك ملازما لجموده الغريب زمنا ليس بالقصير، ثم استعاد ~~جلاله وثباته، فاعتدلت قامته، والتفت إلى ددف وسأله بصوت غريب: أخبرني ~~أيها القائد بما تعلم من تفاصيل هذه المأساة. # وأخبر ددف مولاه بصوت حزين متهدج بما قصه عليه الضابط سنفر، وصارحه ~~بالشكوك التي وسوست في صدريهما، وما دبرا من حيلة لإنقاذ حياة مولاهما ~~... # يا للآلهة! # كان يروح ويجيء مطمئنا، ففاجأه الغدر من حيث لم يحتسب، من ولده ~~الأعز وولي عهده، وأنقذته الآلهة من الشر العظيم، ولكن اقتضت ~~مشيئتها لذلك ثمنا غاليا هو الروح التي صعدت الآن ملوثة بأشنع إثم ~~حمل وزره إنسان ... فنجا من الهلاك ولكنه لم يهنأ بالفرح، وقتل ولي ~~عهده ولم يدر كيف يحزن ... وطالعته الدنيا بأنكد وجوهها وهو في نهاية ~~الطريق ...! # 35 # وعاد الملك وصحبه إلى القصر الفرعوني، وكان الصباح قد زان الكون بشمس ~~مشرقة، وأحس العاهل الكبير بتعب وخور فآوى إلى مخدعه سريعا واستلقى على ~~فراشه، وانتشر الخبر الأسيف في رحاب القصر؛ فخفقت له القلوب خفقان الأسى ~~والحزن والهلع، وزلزل له فؤاد الملكة ميرتيتفس واضطرمت فيه نار موقدة لا ~~تقوى مياه النيل بأسرها على إطفاء جذوة منها. ولحقت المرأة بزوجها العظيم ~~تستغيث بقربه ms126 من ويل هذا الشر، وتطلب في محضره العزاء والطمأنينة، فوجدته ~~نائما أو كالنائم، فلمست بأناملها الباردة جبينه، ووجدته ساخنا كأنه ~~كتلة من النار يتصاعد منها حمم، فهمست بصوت خافت: مولاي! # وانتبه الملك إلى صوتها وفتح عينيه بحالة هياج مستعر، وجلس في ~~فراشه بعنف غريب، ونظر إليها بعينين يتطاير منهما الشرر، وقال بصوت ~~جنوني لم تعهد سماعه من قبل: أتبكين أيتها الملكة القاتل الأثيم؟! # فقالت بذلة ودموعها ذوارف: إني أبكي حظي التعس يا مولاي. # فصاح بها بغضب جنوني: لقد ولدت لي مجرما أيتها المرأة. ~~- مولاي. ~~- واقتضت الحكمة الإلهية أن تورده حتفه؛ لأن العرش لم يخلق ليجلس ~~عليه المجرمون! # فصاحت المرأة مولولة: الرحمة يا مولاي! رحمة بقلبي وقلبك! لا تحدثني ~~بهذه اللهجة التي ترعبني. إني بحاجة إلى العزاء، فهلا تناسيت تلك ~~الذكرى الأليمة؟ كان ابننا وما أحقه بالرثاء الآن! # فهز رأسه هزات عنيفة جنونية وقال: أراك تترحمين عليه! ~~- يحق لنا أن نبكيه يا مولاي، ألم يخسر الدنيا والأبدية؟ # فأمسك الملك رأسه وقال بذهول: رباه ... ما هذا الجنون الذي يدور في ~~رأسي؟ ما هذه الضربات التي تتوالى على رأس فرعون؟ كيف لهذا الرأس بحمل تاج ~~المصريين بعد الآن، وهو ينوء بالشعيرات البيضاء التي أبقاها الدهر له. ~~أيتها الملكة، إن فرعون يعاني عهدا جديدا بالحياة ولن ينفعه ~~توجعك، فإلي بأبنائي وبناتي ... إلي بأصدقائي جميعا. نادي خوميني ~~وميرابو وأربو وددف. هيا ... # وغادرت الملكة التعسة مخدع فرعون وأرسلت في طلب الأمراء، ~~والأميرات، والأصدقاء، ودعت من نفسها طبيب الملك الخاص كاري. # ولبى الجميع النداء، وحضروا سراعا واجمين، ينوءون بصمت مرهق ~~كأنهم يقصدون إلى مأتم رهيب، ودخلوا مخدع الملك، فلم يلبث فراشه أن صار ~~بين صفين من آل بيته، وأصدقائه المقربين، وكان الملك ما يزال مهتاجا ~~عنيفا زائغ البصر، فنظر إلى طبيبه كاري وقال بعنف: لماذا أتيت أيها ~~الطبيب ولما أدعك؟ لقد لازمتني أربعين عاما طوالا لم أشك إليك في ~~أثنائها مرة، وأحر بمن يستغني عن الطبيب في حياته أن يستغني عنه في ~~مماته. # فاضطربت النفوس لذكرى الموت، ms127 وهالها ما ترى من هياج الملك واختلاط ~~أعصابه. أما الطبيب كاري فقد ابتسم برقة وقال: مولاي يحتاج لجرعة ~~... # وقاطعه الملك صائحا: دع مولاك واغرب عن وجهي. # فبان الحزن على وجه الطبيب، وقال بصوت خافت: مولاي ، قد لا يمتثل الطبيب ~~لأمر مولاه أحيانا. # فاشتد الغضب بالملك وقلب عينيه الزائغتين في وجوه الواقفين ~~الواجمين، وصاح بهم: ألا تسمعون ما يقول هذا الرجل؟ ألا تحركون ~~ساكنا؟ يا للعجب! هل لوثت الخيانة القلوب جميعا؟! هل هان فرعون على ~~جميع أبنائه وأصدقائه؟ أيها الوزير خوميني قل ما جزاء من يعصي ~~فرعون؟ # فتقدم خوميني في إعياء ظاهر من الطبيب، وهمس في أذنه، فانحنى الرجل ~~لمولاه وتقهقر إلى الوراء حتى غادر المخدع، ودنا خوميني من فراش مولاه ~~وقال: هدئ روعك يا مولاي، فما يريد الرجل إلا الخير، أيريد مولاي أن ~~أحضر له كأسا من الماء؟ # وخرج الوزير من الحجرة قبل أن يؤذن له، وأعطاه الطبيب كاري كأسا ~~ذهبية من الماء المذاب فيه دواء مسكن، فحمله الوزير إلى مولاه، ~~وتقبله الملك من يد وزيره وشربه حتى الثمالة، وجاء أثره سريعا فهدأت ~~حركات الملك العنيفة، وعاودت عينيه نظراتهما المألوفة، ورد إلى وجهه ~~المحتقن لونه الطبيعي، ولكن بدا عليه هزال وخور بالغان. # وتنهد الملك تنهدا عميقا وقال: ويل للإنسان من الشيخوخة والضعف! ~~... إنهما يهزآن بأشد الجبابرة! # ونظر إلى الجمع الملتف بفراشه وقال: أيها السادة ... لقد كنت حاكما ~~جبارا، أشهر في يمناي الفاصل بين الحياة والموت، وأنطق بالقوانين ~~والشرائع، وألهم الطاعة والعبادة، ولم أغفل في حياتي لحظة عن توخي الخير ~~والإصلاح، وأردت ألا ينتهي انتفاع العباد بي بانتهاء حياتي على الأرض؛ ~~فكتبت رسالة مطولة في الطب والحكمة سيدوم الانتفاع بها ما دامت الأمراض ~~لا ترحم الإنسان، وما دام الإنسان لا يرحم نفسه ... وامتد بي العمر كما ~~ترون، وأرادت الآلهة أن تبتليني ببلاء شديد لحكمة أجهلها، واختارت ابني ~~آلة لها وجردت جيوش الشر في قلبه، فانقلب عدوا لي وتربص بي في ~~الظلام يريد اغتيالي، ولكن كتبت لي النجاة ودفع الابن التعس حياته ms128 ثمنا ~~لبضع ساعات يمتدها عمري ... # فقال الجميع برجاء: أطال الله بقاء الملك. # فرفع الملك يده فساد سكوت وعاد يقول: أيها السادة لقد حمت ~~النهاية، وقد دعوتكم لتسمعوا كلمتي الأخيرة، فهل أنتم مستعدون؟ # فأشرق خوميني بالدمع وقال: مولاي ... لا تذكر الموت ... ستنكشف هذه ~~الغمة وتعيش طويلا لمصر ولنا. # فابتسم فرعون وقال: لا تحزن أيها الصديق خوميني؛ فلو كان الموت شرا ~~يدفع لخلد مينا على عرش مصر؛ ولذلك فخوفو لا يحزن للموت ولا يخشاه، ~~وإن الموت لأهون من شرور كثيرة تشوه وجه الحياة، ولكن أريد أن ~~أطمئن على تركتي العظيمة ... # ثم التفت إلى أبنائه ينظر إليهم واحدا فواحدا كأنه يحاول أن يقرأ ~~ما يظهرون وما يبطون، ثم قال: أراكم تكاتمون قلقا خفيا ولهفة ~~مستترة، ويرمق الواحد منكم أخاه بعين الريبة والحنق. كيف لا وقد مات ولي ~~العهد، واحتضر الملك وكلكم طامع في العرش راغب فيه، وما أنكر أنكم فتية ~~نبلاء وعلى خلق عظيم، ولكن أريد أن أطمئن على تركتي وعلى إخوتكم ... # فقال الأمير رعباوف وكان أكبر الأمراء سنا: أبتي ومولاي، مهما فرقت ~~قلوبنا الأهواء فهي تأتلف على طاعتك، وإن مشيئتك لدينا لهي الشريعة ~~المقدسة التي تلزمنا طاعتها بغير قسم. # فابتسم الملك ابتسامة حزينة، وسها إليهم بعينيه اللتين جرى ~~بمحجريهما الذبول وقال: أحسنت القول يا رعباوف، والحق أقول لكم إني في ~~هذه الساعة الرهيبة أجد من نفسي قوة عظيمة على السمو على العواطف ~~البشرية، وأحس بأبوتي للعباد تغلب في أبوتي للأبناء، فأعينوني على ~~قول الحق وفعله. # وعاد إلى تفرس وجوههم ثم استطرد: يظهر لي أن كلامي لا يقع منكم موقع ~~الإعجاب، والحق أني لا أجحد أبوتي لكم، ولكني أجد بين يدي من هو ~~أحق بالعرش منكم، ومن توليه للملك حري بأن يصون لكم ~~أخوتكم الطاهرة؛ هو شاب علت به همته إلى القيادة قبل الأوان، ~~وحققت له شجاعته نصرا عزيزا للوطن، وأنقذت بطولته حياة الملك من ~~الخيانة، وإياكم أن تقولوا كيف يتولى العرش من ليس يجري في عروقه دم ~~الفراعين؛ فهو زوج الأميرة مري ms129 سي عنخ التي يجري في عروقها دم الملك ~~والملكة معا. # فبدت الدهشة على وجه ددف وتبادل ومري سي عنخ نظرات الذهول، وبوغت ~~الأمراء ورجال الدولة مباغتة ألجمت ألسنتهم وحيرت أعينهم، واتجهوا ~~جميعا بأنظارهم إلى ددف . # وكان الأمير رعباوف أول من خاطر بتمزيق هذا السكون فقال: مولاي إن ~~إنقاذ حياة الملك واجب على كل إنسان، وليس هو بالعمل الذي يتردد عنه ~~مخلوق، فكيف يكون جزاؤه العرش؟ # فقال الملك بلهجة صارمة: أراك تقدح شرر العصيان بعد أن تغنيت ~~بأناشيد الطاعة منذ حين. أيها الأبناء إنكم أمراء المملكة وسادتها، ~~وسيكون لكم الجاه والنفوذ والثراء، وسيكون العرش لددف. هذه وصية فرعون ~~يلقيها على أبنائه بحق ما له عليهم من واجب الطاعة، فليستمع إليها الوزير ~~ليتعهدها بسلطانه وكلمته، وليستمع إليها القائد ليسهر على تنفيذها بقوة ~~جيشه، هذه وصية خوفو الأخيرة يتركها بين يدي من أحبهم وأحبوه، ~~وعاشرهم بالحسنى فعاشروه بالمحبة والإخلاص. # وساد صمت رهيب لم يجرؤ أحد على تعكيره، وخلا كل إلى أفكاره، حتى ~~دخل رئيس الحجاب وسجد للملك ثم قال: مولاي، إن مفتش الأهرام بشارو ~~يضرع إلى جلالتكم أن تسمحوا له بالمثول بين يديكم. فقال الملك: دعه يدخل ~~فهو منذ الساعة من آل بيتي. # ودخل بشارو بقامته القصيرة وجسمه المتهدل، وسجد بين يدي فرعون، ~~وأمره الملك بالقيام وأذن له بالكلام. # فقال الرجل بصوت خافت: مولاي، أردت المثول بين يدي جلالتكم ليلة أمس ~~لأمر هام، ولكن أتى مجيئي بعد ذهاب مولاي إلى الهرم، فاضطررت إلى ~~الانتظار على جزع حتى الصباح. # فسأل فرعون: وماذا وراءك يا أبا ددف الباسل؟ # فقال الرجل بصوت أشد خفوتا، وهو ينظر إلى الأرض: مولاي لست أبا ~~لددف ولا ددف ابنا لي. # فعجب فرعون لإنكار بشارو، وقال بتهكم: بالأمس أنكر ابن أباه، واليوم ~~ينكر أب ابنه! # فقال بشارو بتألم وحزن: مولاي! تعلم الآلهة جميعا أني أحب هذا ~~الشاب محبة الأب لابنه، وما كنت أقول هذه الكلمة لولا أن إخلاصي للعرش ~~أكبر في نفسي من شتى العواطف الإنسانية. # فزاد عجب الملك وبدا الاهتمام ms130 على وجوه الحاضرين جميعا، وخاصة ~~الأمراء الذين تمنوا للشاب شرا ينقذهم من قضاء الملك، وردد الجمع ~~أنظاره بين المفتش بشارو وبين ددف الذي امتقع لونه وجمد بصره. # وسأل الملك مفتش أهرامه: ماذا تعني أيها المفتش ؟ # فقال بشارو وعيناه إلى أرض الحجرة: مولاي ... إن ددف هذا ابن كاهن رع ~~السابق من رع. # فنظر إليه فرعون نظرة غريبة تلوح فيها الأحلام، وازداد اهتمام الجمع ~~المنصت، وقلقت أعين خوميني وميرابو وأربو، أما فرعون فتمتم بذهول وروحه ~~تسبح في ظلمات الماضي البعيد، وكأنه يحدث نفسه: رع! ... من رع كاهن رع ~~...! # وكان المعمار ميرابو أشد ذكرا لذاك اليوم الهائل الذي حضرت حوادثه ~~في وجدانه، فقال بغرابة: ابن من رع! ... هذا بعيد عن التصديق يا مولاي، لقد ~~مات من رع وقتل طفله في ساعة واحدة. # وأتت الذكرى فرعون في هالة من النيران، فارتجف قلبه الضعيف المتهالك ~~وقال: نعم، لقد ذبح ابن من رع على فراش ولادته، فما هذا الذي تقوله ~~أيها الرجل؟ # فقال بشارو: مولاي، لا علم لي بالطفل الذي ذبح، كل ما أعلمه تاريخ ~~قديم ... أتاني خبره مصادفة أو عن حكمة يعلمها الرب، فكان ابتلاء لقلبي ~~الذي يتعلق بهذا الشاب أيما تعلق، ولكن إخلاصي للعرش يهيب بي إلى ~~روايته ... # ثم قص بشارو على مولاه - وعيناه تذرفان الدمع الغزير - قصته مع ~~زايا وطفلها الرضيع من مبتداها إلى الساعة الرهيبة التي وقف يسترق السمع ~~فيها إلى قصة رده ديديت الغريبة ... ولما انتهى الرجل الحزين أحنى رأسه ~~على صدره ولازم الصمت. # واستولت الدهشة على الحاضرين، ولمعت أعين الأمراء ببريق أمل خاطف، ~~أما الأميرة مري سي عنخ فقد اتسعت عيناها هلعا ورعبا، واصطرع في قلبها ~~الخوف والأمل والألم ... وركزت بصرها على وجه أبيها ... أو على فمه كأنها ~~تريد أن تمنع بروحها كلمة قد يكون فيها القضاء على سعادتها وآمالها. # والتفت الملك بوجهه الشاحب إلى ددف وسأله: أصحيح ما يقول هذا الرجل ~~أيها القائد؟ # فقال ددف بشجاعته المعهودة: مولاي! إن ما قاله السيد بشارو حق لا ~~ريب فيه. # فنظر فرعون ms131 إلى خوميني ثم إلى أربو ثم إلى ميرابو يستغيث بهم من هول ~~هذه العجائب، ثم قال: ما أعجب هذا! # وألقى الأمير رعباوف على ددف نظرة نارية وقال بتشف: الآن حصحص ~~الحق! # ولكن فرعون لم ينتبه إلى قول ابنه، واستطرد يقول بصوت حالم خافت: حدث ~~منذ نيف وعشرين عاما أن أعلنت على الأقدار حربا شعواء تحديت بها ~~إرادة الآلهة، فجردت جيشا صغيرا سرت على رأسه بنفسي لقتال طفل رضيع، ~~وكان كل شيء يبدو لي كأنه يسير وفق مشيئتي، فلم يزعجني داع من دواعي ~~الشك قط، وظننت أني نفذت إرادتي وأعليت كلمتي، وإذا بالحقيقة اليوم ~~تهزأ بطمأنينتي، وإذا بالرب يصفع كبريائي، وها أنتم أولاء ترون كيف أني ~~أجزي طفل رع على قتله ولي عهدي باختياره خلفا لي على عرش مصر. فما أعجب ~~هذا أيها الناس! # وأحنى فرعون رأسه حتى استند ذقنه على أعلى صدره وراح في تأمل عميق، ~~وعلم الجميع أن الملك يبرم قضاء لن يرد فساد صمت رهيب، وانتظر الأمراء ~~على جزع، والخوف والأمل يصطرعان في قلوبهم اصطراعا عنيفا، ورنت ~~الأميرة مري سي عنخ إلى والدها بعينين محملقتين أطل منهما ملاك ~~حسن يتضرع ويتوسل، وترددت الأعين اللامعة ببريق الاهتمام بين رأس ~~الملك المنكس، وبين الشاب الباسل، الذي وقف في ثبات عظيم مستسلما ~~للأقدار. ونفد صبر الأمير رعباوف فقال لوالده بقلق: مولاي، إنك تستطيع ~~بكلمة واحدة أن تحقق قضاءك وتنصر إرادتك! # فرفع فرعون رأسه كمن يستيقظ من نوم ثقيل، ونظر إلى ابنه طويلا، وأدار ~~عينيه في وجوه الحاضرين ثم قال بهدوء: أيها السادة، إن فرعون تربة ~~صالحة كأرض مملكته يزدهر فيها العلم النافع، ولولا جهل الفتوة وعماية ~~الشباب، ما قتلت نفوسا بريئة بغير ذنب! # وساد الصمت مرة أخرى، ومنيت نفوس بالخيبة المريرة، وطعنت بخنجر ~~اليأس المسموم. أما الأميرة الجميلة مري سي عنخ فتنهدت، تنهدت من ~~أعماق صدرها بصوت مسموع، وصل إلى أذن الملك فعرف مصدره، ونظر إليها بعطف ~~وحنان، وأشار لها بيده فهرعت إليه كحمامة تتعلم الطيران، وانكبت على ~~يده. # ونظر الملك ms132 إلى وزيره خوميني وقال: إلي أيها الوزير بأوراق البردي ~~لأختم حكمتي بأبلغ عظة تعلمتها في حياتي، أسرع فما بقي من العمر ~~إلا لحظات ... # وأحضر الوزير ملفات البردي فوضعها فرعون على حجره، وأمسك بالقلم ~~ومضى يكتب حكمته الأخيرة، وكانت مري سي عنخ جاثية إلى جانب فراشه وإلى ~~جانبها الملكة الحزينة، وكتمت الأنفاس، فما كان يسمع إلا صرير ~~القلم. # وانتهى فرعون فرمى القلم في إعياء شديد، وقال وهو يسلم رأسه إلى ~~الوسادة: تمت رسالة خوفو إلى شعبه الحبيب. # ومضى فرعون يتنهد تنهدا عميقا ثقيلا، ولكنه قبل أن يستسلم إلى ~~الراحة نظر إلى ددف وأشار إليه، فاقترب الشاب من فراش الملك ووقف ~~كالتمثال، فأخذ فرعون يده ووضعها على يد مري سي عنخ ووضع يده النحيلة على ~~يديهما ونظر إلى القوم وقال: أيها الأمراء والوزراء والأصدقاء، حيوا ~~جميعا ملكي الغد. # فلم يتردد إنسان، واتجهوا جميعا بأنظارهم إلى مري سي عنخ وددف ~~وأحنوا الهامات. # ونظر فرعون إلى سماء الحجرة وسها إليها لا يحرك ساكنا، فقلقت الملكة ~~ومالت عليه قليلا فرأت وجهه وقد اكتسى بنور سماوي، كأنما يرى بعين ~~بصيرته وجه أوزوريس العظيم يرنو إليه من العلا. ms133