######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.CasrHubb.Hindawi63729426 #META# Tags: novels #META# ID: 63729426 #META# Title: عصر الحب #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر الحب‏ # عصر الحب‏ # | عصر الحب # | عصر الحب # تأليف # نجيب محفوظ # | عصر الحب # 1 # يقول الراوي: # ولكن من الراوي؟ ألا يحسن أن نقدمه بكلمة؟ إنه ليس شخصا معينا يمكن أن يشار إليه ~~إشارة تاريخية، فلا هو رجل ولا امرأة، ولا هوية ولا اسم له، لعله خلاصة أصوات مهموسة أو ~~مرتفعة، تحركها رغبة جامحة في تخليد بعض الذكريات، يحدوها ولع بالحكمة والموعظة، وتستأسرها ~~عواطف الأفراح والأحزان، ووجدان مأساوي دفين، وعذوبة أحلام يعتقد أنها تحققت ذات يوم. ~~إنه في الواقع تراث منسوج من تاريخ ملائكي ينبع صدقه من درجة حرارته وعمق أشواقه، ويتجسد ~~بفضل خيال أمين يهفو إلى غزو الفضاء رغم تعثر قدميه فوق الأرض الأليفة المتشققة التربة ~~وثغراتها المفعمة بالماء الآسن. # وإني إذ أسجله كما تناهى إلي، إذ أسجله باسم الراوي وبنص كلماته، فإنما أصدع بما ~~يأمر به الولاء، وأنفذ ما يقضي به الحب، مذعنا في الوقت نفسه لقوة لا يجوز المجازفة ~~بتجاهلها. ~~••• # يقول الراوي: # إنه كانت تعيش في حارتنا أرملة تدعى ست عين. امرأة قوية عجيبة الأطوار مثيرة الأوصاف، ~~كائن فريد لا يتكرر، يدعو إلى الحذر بين يدي الحياة الغامضة التي لا حدود لإمكانياتها. ~~وتبدأ حكايتها عادة وهي أرملة في الخمسين ذات ابن وحيد يدعى عزت، في السادسة من عمره. لم ~~لم تبدأ الحكاية قبل ذلك؟ لم لم تبدأ وهي صبية أو وهي عروس؟ لماذا لا يحدثوننا عن عم عبد ~~الباقي زوجها؟ لم لم تنجب إلا عزت؟ ولم أنجبته على كبر؟ أجاء النقص منها أم من الزوج؟ ~~ولكن ماذا يهم ذلك كله؟ الراوي ملتزم برؤيته، ولو تحرر منها لوجب أن يسترسل في التقصي حتى ~~يبلغ رحاب أبينا آدم وأمنا حواء. إذن فلتكن البداية وست عين في الخمسين ووحيدها عزت في ~~السادسة، وهي امرأة مرموقة ذات شأن ينمو ويتضخم مع الزمن كمدينة صاعدة، تملك جميع العمارات ~~الكبيرة في الحارة؛ فهي ثرية واسعة الثراء، بل لا مثيل لثرائها، ولا أدري إن كانت هي موجدة ~~الثروة أم زوجها، ولكن مما يذكر أن شقيقتها ms01 أمونة لا تملك شيئا. أجل لا يقطع ذلك بأن ~~ثروتها موروثة عن زوجها؛ فقد نتصور أن الشقيقتين تساوتا ذات يوم في إرث محدود، بددته ~~أمونة على حين استثمرته عين. على أي حال كانت أغنى شخص في الحارة بلا استثناء للمعلمين ~~والتجار. # وإلى الثراء الواسع خصت بصحة رائعة. يقولون إنها حافظت على رونق الشباب وهي في ~~الخمسين من عمرها؛ لم يبهت سواد شعرة من شعرها، ولا اشتكى لها عضو، متينة البناء متوسطة ~~القامة، لا بدانة تثقلها ولا نحافة تعيبها، يتكور نهداها شامخين وسالمين من أثر الرضاعة، ~~ويكونان في مقدمة الجسد مركز ملاحة مستترا كأنه - بلغة اليوم - محطة إرسال، ولكنه مغلف ~~بالجلال الزاجر، وأجمل قسماتها العينان السوداوان يشع منهما نور هادئ ذائب في الحنان، أما ~~الأنف فدقيق ولكنه طويل يرشحه طوله لوجه رجل، كذلك فوها الواسع الممتلئ. ويحدثونك كثيرا عن ~~لون بشرتها القمحي النقي الذي لم تمسه الأصباغ، وخمارها الأبيض وجلبابها السابغ وتلفيعتها ~~السمراء؛ فلم تر في الطريق مندسة في ملاءة لف أو تزييرة أو متحجبة ببرقع أسود أو أبيض؛ ~~متحدية الألسن بوقار العمر وهيبة الخلق وسحر السلوك وحصانة المنزلة، معتزة بسمعة مثل شذا ~~الورد، وفي حارتنا لا يغض البصر عن نقيصة، ولا تعفى نقيصة من القيل والقال والحفظ ~~والتسجيل؛ لذلك فليس أبقى في الذاكرة من سير الفتوات والقوادين والعاهرات، ونغالي فنؤرخ بهم ~~الأحداث؛ فتقرن الذكرى بحياة الضبش أو الدنف أو علية كفتة؛ فأن يمضي تاريخ ست عين بلا كلمة ~~واحدة تسيء إليها دليل قاطع على نقائها وطهارتها وفضائلها الجمة. وهي تمشي إذا خرجت في ~~الطريق في صحبة مظلة لا تتخلى عنها صيفا أو شتاء، تتقي بها الشمس أو المطر أو تنذر بها - في ~~الأحوال النادرة - من يتعرض لها من السكارى أو المسطولين، ويا ويل من يتعرض لها في ~~ذهوله من أهل الطريق. الحق أنها لم تكن مصونة بسبب عفتها فحسب، ولكن لقوة شخصيتها أولا ~~وأخيرا. كانت بحكم وظيفتها المالية تستقبل الكثيرين من السكان والمتعاملين، وكانوا سرعان ~~ما يفيقون من سحر جمالها ms02 تحت تأثير صوتها القوي ومنطقها الجدي ونظراتها النافذة. حتى ~~الفتوات لم تسول لهم أنفسهم الاستهتار في محضرها، وربما رجعوا من لقائها وهم يتمتمون: «يا ~~لها من رجل!» غير أن ذلك لم يعن أكثر من خيبة ثعلب مكار أو هزيمة محتال. لم تكن رجولتها ~~إلا أسلوبا وجدته مناسبا للتعامل في حارة هي أعلم الناس بأحوالها. لم تكن نقصا في أنوثة ~~أو خشونة في طبع أو قناعا لستر عورة. كلا ... بل كانت الرحمة عينها. لم تصر أسطورة إلا بفضل ~~رحمتها. لو أنها التزمت المكث في دارها لسعى إليها المحتاجون. وما دارها إلا أجمل دار في ~~الحارة. من الخارج لا يتجلى منها إلا جدار حجري معتم لا يعد بخير، تتوسطه بوابة غليظة ~~متهجمة تحمل فوق هامتها تمساحا محنطا، وفي نقطة الوسط منها مطرقة نحاسية غبراء على هيئة ~~قبضة بشرية. إذا فتحت البوابة تبدت الدار جليلة وافية التقطيع تشي بالعز والنعيم، وترامت ~~وراءها حديقة تنفث أخلاطا من روائح الياسمين والحناء والفواكه، تدور حول فسقية ارتفع فوق ~~سورها الرخامي سور من الخشب منذ تعلم عزت المشي والجري والمغامرة. ومذ ترملت لم تعد تنتظر ~~المحتاجين في دارها. انطلقت في الحارة بمظلتها، تهبط على المحتاج في داره، ألفت التجوال ~~الرحيم، أصبحت الزائرة المترددة أبدا على ربوع الفقراء، تنغمس في أسر الكادحات والأرامل ~~والعجزة. يقول الراوي: إن الحارة نسيت في أيامها البؤس والجوع والعري، وهانت عليها واجبات ~~الزفاف والمرض والدفن. تلاشت الهموم جميعا تحت مظلة عين؛ عين الحنون، القلب الخفاق بالحب، ~~الجود الوهاب بلا حساب، التي تدير العمارات لحساب الفقراء والمساكين. إنها الطل يهطل على ~~القفر فيتركه أخضر يانعا يرقص بماء الحياة. أم الحارة ... المودعة بالدعوات الصالحات ~~والبسمات المشرقات والامتنان الوفير؛ باسمها يحلفون، بنوادرها في الإحسان يتذاكرون الحقيقة ~~والمعجزة والأسطورة. وكانت تصادق وتناجي وتألف وتؤلف قبل أن تقدم الدواء، كانت تتسلل إلى ~~أعماق القلوب الجريحة؛ فتعايش الآلام وتخالط الأحزان وتوادد التعساء كأنما تتعامل مع ~~أبناء أو تؤدي رسالة طرحتها عليها قوى الغيب. ويقال إنها مارست الإحسان في حياة ms03 زوجها عم ~~عبد الباقي في نطاق الدار وبقدر محدود ثم انطلقت انطلاقتها الوردية عقب ترملها. كان المظنون ~~أن تقتصد عقب الترمل، وأن تقتصد أكثر حبا في عزت الصغير، ولكنها تجاوزت منطق الأشياء ~~بجناحين مستعارين من الفردوس، رغم أمومة قوية وعميقة، فلم تسعد امرأة كما سعدت بالأمومة ~~التي وهبتها في فترة حرجة غير متوقعة. اعتبرت عزت هبة السماء لقلبها الوحيد. أسرها ~~الامتنان للرحمن وأحيت ليالي البر للحسين والسيدة وأبو السعود طبيب الجراح. وكم أمضت من ~~دهور وهي ترنو بمقلة مسحورة إلى الوجه الصغير ثم تمضي في طريق الخير ناشرة شراع الرحمة، في ~~وجهه يتراءى أنفها الطويل وبشرتها النقية وعينا الأب الجاحظتان. وقالت إنه ولد لا بنت. ~~والعبرة بالقلب، فليكن قلبه عذبا حنونا. وهو نشيط وأناني ولا يتخلى عنها إلا بالهزيمة، ~~وهو أيضا مدمر يبعثر الأزهار ويطارد النمل ويقتل الضفادع، ولا ينام إلا وهي تقص فوق رأسه ~~القصص. أيظن نفسه سلطانا؟ هكذا تتساءل ضاحكة، تتساءل بقلب شكور ونفس زاخرة بالرضا وبهجة ~~الزهور المتفتحة. ويخطر لها على سبيل الدعابة أن تفصل له جبة وقفطانا وعمامة، وترامقه وهو ~~يتزيى بها طروبا ثم تقول: «ما أجمل أن نهديها بعد زهدك فيها إلى الشيخ العزيزي!» ثم تعرضه ~~على صديقاتها من طلاب الرحمة متسائلة: «ما رأيكن في هذا الشيخ؟» فيجبنها: «قمر ورب الحسين، ~~فليمد الله في عمره إلى الأبد.» وتتفكر قليلا في «إلى الأبد»، وهي ذكية بقدر ما هي ~~مؤمنة. وتغشى سحابة ربيع صفاءها فتغمغم: «فليكن يومي يا رب قبل يومه، ولتدفنني عند القضاء ~~يداه.» وسرعان ما تتذكر جيلا راحلا من أحبائها فتقتحم مخيلتها القبور والشواهد، والصبار ~~والرياحين، وصور مسربلة بالحياة من البشر، فتغمغم مرة أخرى: «إنهم أحياء معنا، ولكن لا يعلم ~~الغيب إلا الله.» # وتسألها أم سيدة ذات يوم: كيف صرت أشرف خلق الله؟ # فتستغفر الله تواضعا وتتمتم وهي تداري سرورها الذي تجلى في ابتسامة خفيفة كلمعة ضياء ~~في سحابة يمر وراءها القمر: ما هي إلا رحمة الله بعابدة مخلصة. # ثم تسائل نفسها: كيف لي أن ms04 أدري بما يجعل سعادتي في الحب العطاء؟ # وعرف وذاع أنه عندما مرض عزت بالحصبة قد مكثت مسهدة لا تذوق النوم ثلاثة أيام. ~~••• # وقد مضى زمن وجاء زمن. تغيرت حارتنا بدرجة ملموسة وتمخضت عن أجيال جديدة ذات مزايا باهرة ~~ولا تخلو أيضا من غرابة، وكانوا يتخذون موقفا خاصا مما يروى عن ست عين؛ موقفا يتسم ~~باللامبالاة ولا يخلو أحيانا من قسوة: لم نطالب بتصديق ما يروى دون مناقشة؟ ~~- إنها حكاية جميلة، ولكن هل تصمد أمام التمحيص؟ ~~- ألا ترون أن التاريخ العلمي نفسه تحوم حوله الشكوك؟ ~~- الإحسان ظاهرة حقيقية، ولكن ليس على تلك الصورة. ~~- ولا تنسوا أن الإحسان نفسه لعبة من ألاعيب الأنانية. ~~- إليكم حقيقة ست عين التي طمس الحب عليها، كانت مجنونة بالرحمة والإحسان ... ولكنها لم ~~تجد العين التي تنفذ في أعماق الظواهر، ولو وجدتها لتكشفت عن امرأة أخرى لها سيرة بشرية ~~حقيقية، وربما حافلة بالفضائح. ~~••• ~~- ما عسى أن أقول ردا على ذلك؟ أقول ما سبق أن قلت من أن حارتنا تتطوع دائما بتكبير ~~العيب ونشره، ولكنها لا تعترف بالخير إلا عندما لا تجد مفرا من ذلك. فضلا عن ذلك فإن ~~حكاية عين لا تخلو من ضعف بشري؛ مما يؤكد صدقها وواقعيتها، ولكننا نأبى التسليم بالمثل ~~العليا من طول انغماسنا في الماء الآسن. المحاكم مكتظة بالأخوة، ومن يسقط في الطريق يموت ~~وحيدا. وما زلت متشبثا بتصديق حكاية عين؛ فما من حكاية إلا وتعبر عن حقيقة ما، كما أنه ~~ما من ألم إلا ويشير إلى جرح ما. فحق لا شك فيه أن ست عين تمشي متلفعة بشملتها السمراء ~~ومظلتها العتيقة وجلبابها السابغ. الابتسامة تشرق في صفحة وجهها الوقور، تسعد بالدعاء ~~والتحيات والنظرات المعجبة، تمضي نحو الربوع البالية، تجلس بين التعساء وتهتف: كيف حالكم يا أحباء؟ # تسأل عن زينب وعم حسين وأم بخاطرها، ثم تغادر المكان بعد أن فرشته بورود الرحمة، وما ~~أكثر الذين يطالبون بدراستها على ضوء الغريزة والأنا والأنا الأعلى! ما أكثر الذين يحومون ~~حول حياتك الجنسية يا عين! ما أكثر ms05 الذين ينقبون لك عن فضيحة في حفائر الذكريات! ~~••• # ويقول الراوي: إن عين كانت تعشق الفصول الأربعة. ألفنا أغلبية الناس تؤثر بالحب فصلا ~~بعينه أو فصلين، أما هي فكانت تعشق الفصول الأربعة. تحب الشتاء والسحب والمطر، لا تحول ~~رياحه بينها وبين الجولات الثملة بالعطف، ولا يفزعها مطره إذا انهل فوق مظلتها المنشورة ~~وجرى تحت قدميها ماء عكرا. وتحب الصيف وتتوافق سريعا مع حرارته وتنوه بلياليه العذبة، ~~وتعشق الخريف وتقول عنه إنه فصل الجمال المغسول، والليالي المفتونة بالنجوى وتحيات الوداع ~~المتبادلة. أما الربيع فهو فصل الحديقة والأصوات، وتجيء الخماسين محملة بالرسائل من أراض ~~بعيدة مجهولة تشتعل أفئدتها بنار مقدسة، وهي تستجيب ولا شك للفصول المتغيرة بطبيعتها السمحة ~~وإيمانها الراسخ. # وتموج حارتنا بالعواطف والانفعالات والأصوات المتلاطمة، وتجتاحها العواصف والخصومات ~~ووجهات النظر المتضاربة، فتتابع ذلك بهدوء وإشفاق، وتدعو للخير أن ينتصر، ولا يرد على قلبها ~~خاطر سوء أبدا. ولم يكن عن لامبالاة صفاؤها؛ فهي تدري غالبا - هي التي لا تنقطع عن الناس ~~- أين يتأرجح الخير وأين يكمن الشر، وهي كما قلنا تدعو للخير أن ينتصر، ولكنها لا تنسى أن ~~جميع المتنازعين أو كثرة منهم في حاجة إلى عونها. ~~••• # ومما يذكر أن عامة المستهينين بها لم يعاصروا نشاطها، ولم يدركوا الفترة الأخيرة من ~~حياتها، ولا شهدوا ختامها. ومما يذكر أيضا أن أكثرهم نشأ وتربى وشق طريقه بفضل إحسانها ~~ورحمتها، ولكنهم يجهلون ذلك، أو يتناسونه أو يسيئون تأويله كما رأينا، وتتلاحق الأعوام ~~فتتضخم السيرة في ضمير الراوي حتى تصير جبلا شاهقا، ولكنه مثل سائر الجبال يتعرض لعوامل ~~التعرية. # 2 # وذات يوم - كما يقول الراوي - تجلس ست عين تحت خميلة الياسمين في الحديقة ترمي بلباب ~~الخبز المغموس في المرق إلى مجموعة من القطط لا تقل عن الخمس عدا، وعزت واقف بجلبابه ~~المقلم وصندله فيما بين الخميلة والفسقية، يقبض بيده الصغيرة على شعاع الشمس الغاربة الذي ~~يتقلص على جذع شجرة الليمون. الصيف يودع الأيام الأخيرة من رحلته ولم يبق على مدفع الإفطار ~~إلا قليل. وعين تطعم القطط بيدها، ms06 وتؤلف بينها وبينها ساعات الطعام وساعات المؤانسة؛ الأم ~~«بركة» طحينية اللون ذات نجمة بيضاء في وسط الرأس، والأب «أبو الليل» أسود فاحم، إنعام وصباح من ~~سلالتهما، ونرجس مهداة من أسرة غريبة، وكلهن روميات منفوشات الشعر، عن العلاقة الحميمة ~~بينها وبين القطط، عن التفاهم والتخاطر، عن المودة والتناغم، عن الطاعة والدلال، عن الولاية ~~والأسرار، عن كل أولئك تحكي القصص والنوادر. # وفي الهدوء يعلو صوت مستأذنا: يا أهل الله! # ترامى من ناحية الممر المفضي إلى مدخل الدار. تبتسم عين مستأنسة وتهتف: تعالي يا أم سيدة. # تقبل المرأة في ملاءتها اللف سافرة الوجه شأن الكادحات من نساء الحارة، تتبعها صغيرتها ~~«سيدة» بشعرها الممشط وقبقابها الأخضر، تتصافح المرأتان على حين تمضي سيدة بتلقائية نحو عزت ~~لتشهد صراعه مع شعاع الشمس الغاربة. ورغم أنها تماثله في السن - السادسة - إلا أنها ~~تكبره تجربة ووعيا بأربعة أعوام. التفت نحوها التفاتة مقتضبة ثم رجع إلى الشعاع، ووقفت هي ~~تراقبه باسمة وصامتة. وقالت عين لأم سيدة: لم أرك منذ ثلاثة أيام يا ولية يا خائنة. # تضحك أم سيدة من حنجرة غليظة وتقول: للرزق أحكام يا ست الكل. # ثم وهي تجلس فوق الأعشاب عند قدمي عين: ربنا يعلم أن يوما يمر من غير أن أراك لا يحسب من العمر. # القطط في حركة متوترة بين انكباب على اللباب والتحديق في عين بأعين شفافة مذعورة، وقالت ~~عين: دائما تعثرين على الكلمة المناسبة، مشغولة بعروس جديدة؟ ~~- الخاطبة تشوف العجب، من يصدق أن عريسا يرفض من أجل حلة نحاس؟! ~~- ماذا تقصدين؟ # أدركت أم سيدة أنها فهمت قصدها، فقالت باسمة: إنه شاب يستحق الإحسان! # تقوست بركة فارتفع ذيلها مثل نافورة، شبعت فيما يبدو، وثبت فاستقرت فوق الأريكة جنب عين؛ ~~فهدهدتها براحتها، وبركة تستجيب مثل موجة راقصة. تساءلت أم سيدة مترددة وموجهة خطابها إلى ~~القطة: كيف أنت يا نرجس؟ # فهتفت عين: إنها بركة، أرأيت كيف نسيت أهل الدار؟! # فضحكت أم سيدة، ولمحت عزت فهتفت: كيف حالك يا سي عزت؟ # فلم يهتم بها. وقالت عين معتذرة عنه: ms07 إنه مشغول بشعاع الشمس! # فضحكت أم سيدة كرة أخرى وقالت بحماس: رائحة الملوخية تملأ الحارة! ~~- أهذا ما جاء بك يا نهمة؟ # فراحت المرأة تناجي شذا الياسمين والحناء في نبرة غزل ممطوطة منغمة. ~~••• # عقب الأذان غيرت عين ريقها على عصير خشاف فاتر ثم نهضت لتصلي المغرب، على حين جلست أم ~~سيدة إلى المائدة بعد أن نزعت عنها الملاءة وهي تتمتم: «لا حياء في الجوع.» وراحت خادمة تشعل ~~المصباح الغازي الكبير المدلى من السقف فوق السفرة، ثم أشعلت قنديل الفراندة المطلة على ~~الحديقة، ومضى الإفطار في المضغ تتخلله كلمات عابرة. وانتقلتا بعد ذلك إلى الشرفة فجلست عين ~~على الكنبة، وآثرت أم سيدة أن تقتعد شلتة لتمد ساقيها ترويحا لمعدتها المتخمة. ولفت ~~سيجارة، تخدرت من أول نفس، نعست عيناها العسليتان، وانتفخ أنفها الغليظ الممسوح الأرنبة ~~كرأس قطة. وسيطر الصمت قليلا تحت تأثير رغبة ملحة في الراحة، وجاءت خادمة بفانوس عزت ~~الملون، فهفت نفس عين إلى الانطلاق وقالت: ما أحلى المشي عند الحسين! # فتمتمت أم سيدة ضاحكة: عندما ترجع إلي القدرة على المشي. # ولفت سيجارة ثانية فتمتمت عين: الشكر لله؛ فالليل جميل. # فرمقتها أم سيدة بنظرة طويلة ثم قالت: عندي ما هو أجمل. ~~- ما عندك إلا حديث الزواج أو اغتياب عبد من عباد الله. ~~- إنه حديث زواج! ~~- حقا؟ ... عندك عروس لعزت؟ # فقالت المرأة بابتهال: بل عندي عريس أو أكثر إن شئت. # فنظرت إليها بارتياب على ضوء القنديل الأزرق، فقالت أم سيدة: وأنت العروس المنشودة! # لوحت عين بيدها محتجة وهتفت: عليك اللعنة. # فقالت بحماس متصاعد: ما من رجل أصيل في حارتنا ... # ولكن عين قاطعتها: احتشمي يا ولية! ~~- يا ست الستات ما زلت شابة جميلة. # فقالت بحدة: لو أردت الزواج ما لبثت حتى اليوم أرملة. ~~- ولم تبقين أرملة؟ ~~- هس. # زجرتها وهي تتطلع نحو السور القديم وقد علاه البدر، عظيم الثراء، عميق الحمرة، واني ~~الضياء يبدأ رحلته. تركتها تنعم بالنظر، ولكنها أصرت على الرجوع إلى الموضوع، ~~فقالت: ورب القمر ... # غير أنها قاطعتها بلهجة حاسمة: كفى يا أم ms08 سيدة، إنه عزت، إنه عزت وكفى. # ثم تنبهت من غفلة فتساءلت: أين الولد؟ # فاستاءت أم سيدة من قطع الحديث وقالت: في الداخل طبعا. ~~- وأين سيدة بنتك؟ ~~- لا شك تلعب معه، لم يخرج، ها هو ذا فانوسه ينتظر. # قامت عين. هبطت درجتي الفراندة، غاصت في ظلمة الحديقة حتى اختفت تماما، ظهرت بعد قليل ~~وهي تجر وراءها عزت بيد وسيدة بيد، وصوتها يتساءل في غضب: ألا تخافان النار؟ # جرت سيدة نحو أمها، وقف عزت منكس الرأس. قالت عين مخاطبة أم سيدة: هي اللعنة، أرأيت؟ # دارت أم سيدة ابتسامة، ولكنها هتفت وهي تزغد ابنتها: أعوذ بالله. ~~- الولد بريء، ولكن بنتك ... # فتمتمت أم سيدة: الله أعلم. ~~- فتحي عينك يا أم سيدة. ~~- عيني مفتوحة دائما. ~~••• # ولم تنس عند الوداع أن تقول لعين: لنا عودة إلى موضوعنا. # ولكن عين قالت بحزم: سدي هذا الباب بالضبة والمفتاح. # 3 # هامت في الصفاء المعهود خواطر قلقة، ليست بالخطيرة ولكنها تكدر بعض الشيء من ألف ~~الصفاء. ما وجه الانزعاج الحقيقي وراء عبث الطفل؟ قد آن له أن يذهب إلى الكتاب. ورجال ~~ثمة يطمحون إلى مالها. وتنظر إلى المرآة المثبتة في الإطار العاجي الموشى بالآيات، وتهز ~~رأسها، وتتذكر وعدها لعزت يوم وفاة أبيه بألا تتيح مكان الأب لغريب. مضت خمسة أعوام فلم يهن ~~العزم. الفصول وحدها تتغير وتمر الأعوام. وما يشغل بالها حقا هي شقيقتها أمونة. إنها ~~تكبرها بعشرة أعوام؛ فهي شقيقة أمونة وأمها. وتتذكر أمهما، تتذكر بالأخص وفاتها، حزنها عند ~~الفراق رائع، كذلك حزنها على أبيها، كما أشعل فراق الزوج قلبها. حزنها عميق كأفراحها، ~~ولكن الحزن يعمر أكثر، ما إن تزور القبر حتى تخشع وتسترسل في المناجاة. إنهم مثلنا ~~أحياء، ولكن لا يعلم الغيب إلا الله. ما يؤلمها حقا هو حدسها أن أمونة تضمر لها الحسد، ~~وهي من ناحيتها لا تضن عليها بخير، ولكن ذلك لا يستأصل الحسد. # ما زالت أمونة تقول لها: إنك تبعثرين مالك بغير حساب. # فتقول عين متضايقة: إنه مال الله. # فتقول أمونة بامتعاض يشوه حسن وجهها: ms09 مدى علمي أنه مالك أنت يا أختي! # فتقول ساخرة: لا نملك في الواقع إلا قبضتين من تراب. ~~- لم تحبين سيرة الموت؟ ~~- ربما لأنه يرافقنا في كل خطوة. هل ينقصك شيء؟ ~~- أنت الخير والبركة، ولكنني أتحسر على المال الضائع. # فتنظر إلى سجادة صغيرة معلقة بالجدار تعكس نقوشها قبة المسجد الأقصى وتهتف: اللهم فاشهد. # ثم ترنو إلى أمونة قائلة: أهو ضائع المال الذي يجبر الخاطر ويطعم الجائع ويسند العاجز ويبهج الطفل؟! ~~- دليني على ثري أو ثرية ... # فتقاطعها: حسبك، حديثك ينغص علي الصفاء. # لكنها دائما ترجع إلى ذلك الحديث كما يرجع الحمار إلى حظيرته بلا مرشد. لذلك فهي لا ~~تشك في أن مولد عزت كان صخرة تحطمت عليها أمواج الجشع، غير مولده الموازين والحسابات. ~~وجاءته أم سيدة بالبخور السوداني الموصوف لتلك الأحوال وهي تقول: الأقارب عقارب! # وترضى عين عما تفعل صديقة العمر وتسألها: أتدرين ما هو سر السعادة في هذه الدنيا؟ ~~- ربنا يسعدك دائما وأبدا. ~~- عندما لا نأخذ من المال إلا ما يحفظ الحياة! ~~••• # ويقول الراوي: إنه في ليلة القدر من رمضان زارتها أمونة، ساحبة بيدها صغيرتها إحسان ذات ~~الأربعة الأعوام، وعندما جلستا في الفراندة عقب الإفطار، قالت لها عين برجاء: تجنبي ما يسبب لي الكدر. # واحتستا القهوة في سلام، ثم قالت أمونة بعذوبة: أريد أن أجرب حظي في ليلة القدر! # فدعت لها قائلة: فليهبك الله حظا سعيدا. # وراحت أمونة تنظر إلى القطط وهي تستكن في أركان الفراندة، وتمتمت ضاحكة: إنه بيت القطط. ~~- إذا شبعت استرسلت في التسبيح. ~~- أنت أدرى بلغتها. # ثم متسائلة في شيء من الارتباك: هل أجرب حظي؟ # قالت عين ببراءة: عليك أن تنظري إلى السماء طيلة الوقت. ~~- لكن حظي بين يديك أنت يا أختي. ~~- حقا! # من خلال ما يشبه المجازفة: أختي ... ما رأيك في عزت وإحسان؟ # تشاءمت عين لسبب خفي، ولكنها قالت: عزت ابني الصغير وإحسان بنتك الصغيرة. ~~- ألا تفهمين قصدي؟ ~~- من الأفضل أن تفصحي عنه. ~~- إنه واضح كليلة القدر. # فقالت عين بجدية منذرة: هل عندك علم بما يحدث غدا؟ ms10 ~~- لذلك يهمني جدا ما نستطيعه اليوم. ~~- اليوم حقا؟ ~~- نعم ... نكتب كتابهما! ~~- يا للعجب! ~~- نحن أحرار فيما نفعل! # كرهت عين الفكرة واستبشعتها. رأت فيها شراهة يجب أن تنبذ. اعتقدت أن أختها في حاجة ملحة ~~إلى حمام بمطهر مركز. هتفت: لا يذكرني ذلك بخير أبدا. ~~- إحسان بنت أختك. ~~- أمونة ... يسعدني أن يختارها بنفسه ذات يوم. ~~- إنها جميلة كما ترين. ~~- لا أزوج طفلا لم يدخل الكتاب بعد. ~~- يفعلون ذلك في الريف وهو مهد الحكماء. ~~- لا يفعل ذلك إلا المجانين! # اندفعت بركة بغتة نحو الحديقة كأنما شمت صيدا، وساد الصمت منذرا بالشجن، وانبعث صوت ~~أمونة متغيرا: أهي كلمتك الأخيرة لي؟ # فقالت عين بجفاء: بكل تأكيد. ~~- أنت ... أنت قاسية! ~~- أسأل الله لك الشفاء. # فقالت بحدة: لست مريضة يا عين! ~~- الله وحده يعلم. # فتساءلت أمونة بمرارة: ترى أينا المريض؟ ~~- لسانك حصانك يا أمونة. # قامت بشدة وهي تقول: طول عمرك تكرهينني. ~~- حقا؟ ~~- وتحسدينني! ~~- أحسدك؟! ~~- رغم مالك الوفير تحسدينني! # فقالت وهي تنحي وجهها عنها: لا تستدعي الشيطان إلى قلبي. # فصاحت أمونة: إنه مقيم فيه! # حملت إحسان على كتفها وهي تجهش في البكاء، مضت تغادر المكان بلا سلام، تحول غضب عين إلى ~~حزن، قالت بجزع: سأجدك في المرة القادمة في حال أفضل. # فجاءها صوتها قائلا: لن تريني ما حييت. # 4 # فتح كتاب الشيخ العزيزي بابه ورياح الخريف تحبو من مهدها الرطيب. عزمت عين على إرسال ~~وحيدها إلى الشيخ. ~~- ستجد في الكتاب التكريم ونور الله. # التكريم لأن الشيخ من رواد إحسانها الدائمين، ونور الله لأنه ينبثق أول ما ينبثق من ~~الكتاب. # غير أن عزت تساءل في توجس: أليست الحديقة أفضل؟ # فمسحت على رأسه براحتها وقالت: للرجولة أحكام. # وتذكر عزت جماعات الصبيان والبنات وهم يغادرون الكتاب في العصاري. لا تفصح وجوههم عن ~~سعادة بما جاءوا منه، ولا رضا عن شيخه القزم المشوه. ورمقها بنظرة حائرة فقالت: يحب الكتاب الأولاد الصالحون، في الكتاب نتعلم، ولا احترام لإنسان بغير العلم، ~~واحترام الشيخ واجب كاحترام الأم. إياك وأن تسول لك نفسك الضحك منه؛ فذلك ms11 حرام، والله لا ~~يغفره لعبد. # إنه يتذكر الشيخ العزيزي، فصورته الغريبة ماثلة في كل ذاكرة، قزم مقوس الساقين أقعس ~~الصدر، صغير القسمات كطفل، يتمايل في مشيته من جنب إلى جنب متوكئا على عصا قصيرة طولها ~~ذراع أو دون ذلك، كأنه لعبة مما تعرض في الموالد، وهيهات أن ينسى أنه رآه في يوم ممطر ~~وقد حمله فاعل خير على كتفه ليعبر به الطريق. ~~- أوصيك بصفة خاصة باحترام الشيخ. # وكررت ذلك بصوت واضح؛ فشعر بنذير الفراق، وبالتوجس من تجربة مجهولة. # واستطردت وهي تحد من نظرة عينيها الجميلتين: واسلك مع البنات السلوك الذي يرضي الله! # فتخايلت لعينيه الخميلة تحت ستار الليل فتورد وجهه وتحرك رأسه ارتباكا، فتمتمت ~~بلطف: عن الماضي قد قبل الله توبتك. ~~••• # وحينما تلقى الشيخ العزيزي الخبر في حجرة الاستقبال - وهو يجلس على حافة مقعد مدلى ~~الساقين فوق سطح الأرض بشبرين - تهلل وجهه وقال: طالما انتظرت هذا اليوم لعلي أرد جزءا من ألف جزء من جميلك. # لكن عزت حين تربع في الصف الأول - فوق الحصيرة - أمام سدة الشيخ بدا هذا شخصا آخر، لا ~~رحب به ولا شجعه بابتسامة وكأنه لم يره ولم يسمع به. عجب أيضا للنظرة الثلجية التي تستقر ~~في محجريه، والصرامة التي تكسو وجهه الصغير، على حين جلس الصغار والصغيرات في صمت تلفهم ~~رهبة وتتحكم فيهم قوة مجهولة. أين اللعبة التي تتابعها الأعين في الطريق بعطف وسخرية؟ إنه ~~الآن يتسلطن في مملكته، يمارس قوة غير محدودة، الجريدة منطرحة جنبه تهدد أيادي وأقدام ~~المتمردين. أيقن عزت أنه أسير، بلا دفاع ولا امتياز، يسري عليه ما يسري على الآخرين، ~~وأضمر ألا يتكرر حضوره مرة أخرى. ولمح سيدة في نهاية الصف، تلاقت عيناهما لحظة فيما يشبه ~~ابتسامة ثم سرعان ما تجاهلته. ضايقه جو المساواة المخيم على المجلس، الجميع سواسية فوق ~~حصيرة واحدة، تخلت عنه الامتيازات التي ينعم بها في أي مكان باعتباره ابن الست عين وربيب ~~الدار الفاخرة. إنه وضع جديد لا يحتمل، ولعل أمه لا تدري عنه شيئا. ولمح لصق سيدة ms12 بنتا ~~تماثلها في العمر لم يرها من قبل. شدت عينيه بقوة، لها وجه ثري مستدير وعينان سوداوان ~~منعشتان؛ تركت في نفسه أثرا قويا وبهيجا لطف ألمه وأنساه حزنه. ترى في أي موقع من ~~الحارة تعيش؟ هذه العصفورة التي أقصيت قسرا عن غصنها. إنها البنت التي خطفتها الغولة ~~فغامر ابن السلطان بإنقاذها. ما أعذب صوتها وهي تردد وراء صوت الشيخ الرفيع # الحمد لله رب العالمين ~~. على أي حال، فالكتاب ~~ليس شرا كله، ولن يمسه الشيخ العزيزي بسوء. ~~••• # وعندما جاء وقت الغداء جلس كالآخرين موجها وجهه للجدار. حل عقدة المنديل وبسطه وراح ~~يقطع الرغيف، عند ذاك جاءه صوت عن يمينه مباشرة: ماذا عندك؟ # رأى صبيا في مثل سنه، في عينيه ضيق ولكنهما مقبولتان، في فكيه قوة، وفي أنفه فطس، بدا ~~بسيطا ومرحا. ساءه تطفله، ولكنه لم يجد بدا من إجابته: جبن أبيض وحلاوة طحينية. ~~- عال، معي طعمية وسلطة طحينة. فلنأكل معا. # ولم ينتظر موافقته، فبسط منديله حتى تماست الحافتان، أشار إلى الطعمية بإغراء ويده تمتد ~~إلى الجبن، ثم قدم نفسه قائلا: حمدون عجرمة. # فاضطر الآخر أن يقول: عزت عبد الباقي. ~~- أنا عارف ... ابن الست عين! # استاء من أن يتردد اسم أمه مختلطا بالجبن والطعمية وسلطة الطحينة، لكنه لم يستثقل حمدون، ~~وأعجبته نظافة جلبابه وطاقيته. وقال له حمدون: أنت غير جائع. ~~- أشبع بسرعة. # فلم يرتح حمدون للإجابة، ولكنه التهم الطعام بصراحة. ~~••• # وغادرا الكتاب معا. لم يفارقه حمدون، وسرعان ما أنس إليه. وقال له حمدون! ~~- نلعب معا ونحفظ معا ونأكل معا ... هه؟ # فحنى رأسه بالإيجاب، فقال الآخر: وقد يطلع لنا عفريت من القبو؛ فمن الأفضل أن نكون معا. ~~- لا أقترب من القبو ليلا وأمي تحفظ القرآن. وإذا به يهتف فجأة «بدرية»، فتابع عينيه حتى ~~وقعتا على «العصفورة». نظرت البنت نحوهما باسمة ثم اندفعت تجري، فسأله: تعرفها؟ ~~- جارتنا ... بدرية المناويشي. # فأحب صداقته أكثر. ~~••• # وتلقته عين بنظرة متفحصة ومشفقة، تمتمت: مباركة عليك رحلة الرجولة. # فقال بفتور: يا له من مكان ثقيل. ~~- عليك أن تحبه، هو الذي ms13 يجعل منك رجلا محترما . # فقال بتأفف: جلست على الحصيرة كالآخرين. ~~- كلنا أبناء آدم وحواء، والمجتهد هو الأفضل؛ لذلك وضعت في منديلك طعاما كأطعمة الآخرين، ~~وطعامك الآن ينتظرك، لا تنفر من أحد. # فقال مجاراة لها: عرفت كثيرين. ~~- حقا ... اذكر لي بعضهم. ~~- حمدون عجرمة. ~~- آه ... ولد يتيم يعيش مع خالته، وهي ست مستورة وطيبة. من أيضا؟ # فصمت في حيرة ثم قال: هو فقط! ~~- كثيرون، ولكنهم تمخضوا عن واحد فقط! وكم عدد البنات؟ ~~- أربع. ~~- جديدات عليك؟ ~~- إلا واحدة. ~~- سيدة؟ ~~- نعم ... وعرفت اسم أخرى عند مناداتها؛ بدرية المناويشي. ~~- آه ... بنت أم رمضان، لعلها آخر العنقود من آخر زوج، لقد تزوجت أمها خمس مرات أو ~~أكثر. # فتساءل باهتمام: لها خمسة أزواج في وقت واحد؟ # فضحكت عين وقالت: سوف تتعلم أن المرأة لا يكون لها إلا زوج واحد، ولكنها قد تتزوج من آخر إذا ~~طلقت. # فسألها باهتمام متزايد: هل تتزوجين أنت أيضا من آخر؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أريد ... والآن هلم كل لقمة تسند قلبك. # وقبيل المساء جاءت خادمة تعلن قدوم صبي يدعى حمدون عجرمة. # 5 # لم تكن حياته في الكتاب يسيرة، فتلقى كثيرا من الزجر ولكنه لم يجلد قط. عرف الشيخ ~~العزيزي أنه لا يستطيع أن يتجاوز معه حدودا معينة. وتقدم عزت فوق جسر من العثرات، وربما ~~أعانه وحمسه أحيانا نشاط حمدون الموفور، أصبحت صداقتهما حقيقة، وقد عرف مع الأيام جميع ~~الصبيان، ولكن بقي حمدون الصديق الأوحد. ورحبت عين بحمدون، أعجبها منظره النظيف ورغبته ~~المبكرة في الحفظ، ورجت أن يجد فيه عزت مشجعا على العمل. قالت: إن الولد ذكي ومحب ~~للمذاكرة دون أن يدفعه أحد إلى ذلك. وتمنت له مستقبلا حسنا يعوضه عن يتمه، وأكثر من مرة ~~قالت له: ربنا يفتح عليك، إذا واظبت على اجتهادك فلن تترك التعليم لتتعلم حرفة ~~يدوية. # وجعلت تدعوه للغداء يوم الجمعة. وبسبب ذلك دعت خالته ست رمانة لزيارتها؛ فتوطدت بينهما ~~علاقة طيبة. وكان زوجها تاجر أجهزة سرادقات يؤجرها في الأفراح والمآتم، ربحه لا بأس به، ~~ولكن كان له من ms14 الأبناء عشرة، رغم ذلك عطفت ست رمانة على حمدون، وعاملته كأي ابن من أبنائها. ~~وكان قد ورث عن أبيه قطعة أرض صغيرة تنفع عند الضرورة للبيع والانتفاع بثمنها. واعترفت ست ~~رمانة أكثر من مرة قائلة: إني أحبه لاجتهاده ... يندر أن تجدي مجتهدا في سنه. # هكذا بشرت الصداقة بخير للطرفين ووهبتهما سعادة بريئة سابغة، وكصداقة الصبية لم تخل من ~~نزاعات فارغة، مثل هزيمة تلحق بأحدهما في الحجلة أو السيجة، ولم يكن ابن الست عين ممن ~~يقبلون الهزيمة بروح طيبة، ولكن لم تتعد الخلافات قطيعة ساعة، وسرعان ما يجيء التنازل من ~~ناحية حمدون! # واللعب في الحارة كان تسلية لا مفر منها، ثم بات هدفا سعيدا عندما انضمت إليهما سيدة ~~وبدرية، ولم يستهجن أحد ذلك طالما دار اللعب تحت الأعين وفي ضوء النهار، واستأثرت بدرية ~~بإقبال الصبيين حتى شعرت سيدة بأنها تكملة عدد ليس إلا، لم ينفعها مرحها، وتوارى حظها ~~مع دكنة بشرتها وأنفها المتكور الذي يعيد سيرة أنف الأم. انبهر عزت بوجه بدرية رغم حداثة ~~سنه، وسبق قلبه سنه في الانفعال بعاطفة مبهمة تستقطر الأشواق من أرض خرافية لا وجود لها إلا ~~في الخيال. ولكي يستأثر باهتمامها حكى لها عن داره، أثاثها ورياشها، عن الحديقة والفواكه ~~والأزهار. وقالت سيدة: أنا أعرف ذلك كله. # فقال عزت: ولكنها لا تعرف. # وقالت بدرية: نحن نلعب في الحارة فقط. # وقال حمدون: وسيدة تدخل الدار مع أمها. # فقال عزت لبدرية: فلتزرنا أمك وأنت معها. # فقالت بدرية: أبي لا يسمح لأمي بالخروج. # وكانت سيدة تتودد إليه ما وسعها ذلك، ولكنه لم يكترث لها، وربما وردت على ذهنه ذكرى ~~الخميلة، ولكنها ترد مقرونة بالألم والخوف والخجل، أما بدرية فإنه يتطلع إليها بخيال ~~عجيب سعيد مرح، يعد بأفراح الدنيا والآخرة. # وقضى عامين في الكتاب، حظي فيهما بسعادة لا تتحقق إلا في دنيا من نسج الخيال ~~والبراءة. ~~••• # وعندما هبت رياح الخريف من مهدها الرطيب كعادتها في الأعوام السابقة، أذنت هذه المرة ~~بفراق جديد، حاد وأليم، أنذر بإخراج الولد الثمل من جنته. ms15 اعترضه قرار جديد بالتوجه إلى ~~المدرسة الابتدائية لأداء امتحان القبول، ولم يغره هذه المرة أن يجد حمدون في رفقته. أما ~~بدرية وسيدة فقد غادرتا الكتاب، ومنعتا من اللعب في الحارة. فتر حماس عزت وخمدت روحه، ~~نجح حمدون في امتحان القبول وسقط هو في الحساب، غير أن زيارة مباركة من أمه للمدرسة ~~غيرت النتيجة وألحقته بالمدرسة بلا ترحاب من ناحيته ولا سرور. ولم تنقطع سيدة عن مجاله؛ ~~فهي تزور الدار عادة بصحبة أمها، واعتاد منظرها أكثر وأكثر، فباتت دكنتها مألوفة، وتكويرة ~~أنفها عادية، ومرحها محبوبا، وحديثها لا يخلو من تسلية، أما بدرية فلم يكن يراها إلا في ~~النادر جدا من الأوقات، غالبا بصحبة أبيها، يسرق منها نظرة خاطفة، وتمضي هي جادة أكثر ~~مما يحتمل عمرها، وكأنها لم تقاسمه عامين أفراح الحياة. وكان لديه من فرص العمل واللعب ما ~~يشغله عنها، ولكنه لم يستطع أن يتحرر من ذكراها، ولا أن يمحو من ذاكرته تعلقه الفريد ~~بوجهها الثري. ~~••• # وبدا متعثرا في دراسته، تمضي الأيام ولا يحظى باستحسان واحد، لا يأنس إلى المدرسة، ويحن ~~دائما إلى الحرية والحديقة. وذات يوم سمع تلميذا يقول وهو يومئ إليه: ما حاجته إلى التعليم وهو أغنى شخص في الحارة؟! # فعجب من إصرار أمه على تعذيبه، ولم يؤثر فيه تفوق حمدون إلا قليلا، وكان حمدون يشجعه على ~~العمل، ولولا مواظبته على المذاكرة معه ما أصاب أي قدر من التقدم. وكان يقول له: عقلك ممتاز، ولكنك كسول. # فتساءل عزت باستهانة: أمن المهم أن أكون مجتهدا؟ # فقالت عين وهي تتابع الحديث باهتمام: طبعا، ما أجمل الناجحين، العلم من الإيمان، وأنت من المؤمنين الصادقين. # أجل، كن محبا للعبادات ومغرما بالحكايات، ولكنه حزن قبل الأوان. # واستطردت أمه باسمة: عليك أن تزيد من المذاكرة وأن تزيد الطعام. # فقال حمدون مؤكدا: إنه نحيف جدا، في المدرسة يقولون إن والدته تنفق مالها على الفقراء، وإن الابن ~~لا يجد ما يأكله! # فضحكت عين وقالت بلهجة متوعدة: العلم والطعام. # فقال حمدون: يشغل نفسه بالجنة والنار! # فقال عزت لنفسه: ms16 بالجنة والنار وبدرية. وهناك أمه التي تكون نسيج حياته وأحلامه وأفراحه ~~ومخاوفه! إنها الصلة بينه وبين الله، والصلة بينه وبين الحياة، هي كل شيء، وهكذا ينظرون ~~إليها في الحارة. وقد ألف منذ يقظته الأولى ذهابها وإيابها، مسيرتها المكللة بالجلال والحب ~~تحت مظلتها، اجتماعها بالفقيرات في الحديقة، وتعلم أن يعتد ذلك عبادة من العبادات الرائعة. ~~وعلى ضوء ما ترامى لأذنيه من تعليقات على نشاطها الكريم الموفور، سواء في المدرسة أو في ~~غيرها، مضى ينظر إليها بعين جديدة، ويقارن، وهو لا يدري، بينها وبين الأخريات. لم تكن ~~الثرية الوحيدة التي تفعل ذلك، حتى صدق حمدون وهو يقول له مرة: إنها أم الحارة وليست أمك وحدك. # ولكن من العجيب أن هذه القوة النادرة لا تنفعه في أشيائه الحميمة؛ فلا عون ينتظر منها ~~على دروسه المعقدة، ولا فرح يأتي على يديها ليعيده إلى جنة بدرية المفقودة. إنها تداوي ~~القلوب الجريحة وتتركه يعاني وحده، تتركه والأعوام تمر والكآبة لا تنقشع. ~~••• # وذات يوم جاءه حمدون متألق البصر خفيف الحركة، ولسبب مجهول انقبض قلبه وتذكر بقوة ~~وحزن بدرية المناويشي. جلسا في الفراندة والسماء تمج رذاذا يغسل الأوراق ويطارد ~~العصافير، وراح حمدون يقول بحماس عجيب: دنيا ... دنيا لا مثيل لها. # فحدق إليه متسائلا، فقال الآخر: أمس اصطحبني زوج خالتي مع بعض أبنائه إلى الكلوب المصري. ~~- المقهى! ~~- بل المسرح، شاهدت مسرحية من البداية إلى النهاية. # ووصف له تفاصيل الرحلة بكل دقة؛ الدخول، الجلوس، الصالة، الستار، المسرح، الممثلين ~~والممثلات، الحكاية، الغناء، كل شيء. ~~- هناك تضحك وتطرب وتبكي أحيانا. # لم يستطع عزت أن يتخيل شيئا ذا بال، صورة الجنة أوضح في مخيلته، وكذلك صورة النار. وقال ~~حمدون: سوف تراها يوما ما ... لكننا نستطيع أن نحاكيها ها هنا، في هذه الفراندة! ~~- كيف؟! ~~- سأحفظك ما يقال. # ودون تردد راح يقتبس المسرحية ويخلق الديكور بالوهم، ثم قال: أنت الآن فتاة تدعى جولييت، وأنا فتى اسمه روميو! # فقطب عزت متسائلا: ولم لا يكون العكس؟ # فقال مطاوعا ومتجنبا إثارة غضبه أو عناده: ليكن. # ودار الحوار القصير ms17 كما تخيله حمدون، وكان يمثل ما وسعه ذلك، ولكنه لم يفلح في حمل عزت ~~على التمثيل، تخيل عزت بدرية في دور جولييت. هذه هي الحكاية. ولكن أين صاحبة الدور ~~الحقيقي؟! # وتابعت عين المنظر من شباك حجرتها فلم تفهم شيئا، وقالت لنفسها: إن الأطفال يجيئون ~~إلى الدنيا بالأعاجيب، وتلت آية الكرسي وقلبها ينضح بالعطف على اليتيم. ~~••• # وتغير حمدون تغيرا ملموسا ... فتنته بالمسرح لا تخمد أبدا ... ملأ بعض وقت فراغه بهواية ~~جديدة هي القراءة ... بشيء من الصعوبة كان يقرأ ما تصل إليه يداه من إعلانات، مجلات، قصص ~~بوليسية، واهتدى أخيرا إلى ألف ليلة وليلة. ومنه تعلق عزت بالقصص البوليسية، فلم يقرأ ~~بدافع الحب وحده إلا القرآن والقصص البوليسية. وقال حمدون: ستكون العطلة الصيفية رائعة، سنمثل كل حكاية نقرؤها. # فقال عزت: لننقل المسرح إلى الحارة. ~~- فكرة ... هل تضايقت أمك من اللعبة؟ ~~- أبدا ... ولكن لعلنا نضم إلينا ممثلات! # فضحك حمدون وراح يمسح على حاجبيه البارزين ويقول: فكرة مستحيلة. ~~- أليست بدرية جارتك! ~~- ولكن بيني وبينها جدارا أقوى من جدار القبو العتيق. # ولكنه يراها، ربما كل يوم، ويستحق لذلك الحسد. ~~••• # في ختام العام الرابع نجح كلاهما في الابتدائية. كان النجاح بالقياس إلى عزت معجزة. قدمت ~~لهما الحلوى في الحديقة. في الثانية عشرة من العمر أعلن حمدون عن رغبته في أن يصير ممثلا ~~ومؤلفا. ابتسم عزت ولم يصدق. وقالت عين: اختر عملا لا لعبة. # كان حماسه أقوى مما يتصوران. وسألت عين وحيدها: وأنت؟ # مط بوزه في غير مبالاة. إنه يحب شيئين متنافرين؛ العبادة والسيادة. يعتز بأمه ~~وبداره، ويهوى فؤاده الوجاهة. لم يكن متكبرا، ولكنه يضمر أن يكون خليفة أمه، ربما في ~~الدار والحارة، أو في الدار وحدها! وتمتمت عين: أود أن أراك عظيما. # ولم يدر ما العظمة على وجه الدقة، ولكن فؤاده هفا إليها. # 6 # عهد المدرسة الثانوية كان عهدا جديدا. فتحت نوافذ لتيار من المعلومات الجديدة، ثم تدفق ~~منها هواء دافئ يفتح الأكمام وينضج الحنايا، ونبت شخص جديد في حنايا عزت ... وحمدون أيضا ... ~~فانقسمت أرنبة أنفه، ms18 وغلظ صوته، وتقلقل بالأشواق المبهمة. وترحمت عين على عم عبد الباقي، ~~وقالت: إنه يحاكيه رغم أنه لم يعرفه. وقالت إنه من الآن فصاعدا ستهب النسائم محملة ~~بالعبير والمخاوف. في ذلك العهد صار حمدون قارئا لا ريب فيه، متنوع القراءات، منقبا عن أي ~~كلمة ذات علاقة بالمسرح، وانغمس عزت - في أوقات فراغه - في قراءة القرآن والقصص ~~البوليسية. # وكاد يعتاد السلوان عن بدرية لولا لقاء عابر غزاه بقوة من جديد. كان يمضي لدى الغروب في ~~العطفة نحو بيت حمدون، وكانت بدرية تعبر العطفة نحو بيت مقابل. تشجعت بقرب المسافة وغياب ~~الأب، فخرجت في الفستان سافرة شبه أنثى ناضجة، بوجه أكثر ثراء ونقاء، وقامة ممشوقة، ~~وضفيرتين مرسلتين حتى نهاية الظهر. كادا يتلاقيان في نقطة واحدة تحت مظلة الغروب، تبادلا ~~نظرة باسمة بالذكريات المشتركة عامرة بالمودة، وسرعان ما همس: أهلا. # فهمست في حياء: أهلا. # وأسرعت في مشيتها متعثرة بالخطا فواحة بالشباب المبكر. وتوقف تحت بيت ست رمانة والمغيب ~~يقتحمه بعمق فيتحول رويدا إلى شبح ... أراد الوقوف ليثوب إلى رشده ويستر توازنه وتنعقد ~~أواصره بما حوله من جديد ... أدرك بوجدان جديد أنه قضي عليه بأن يحب بدرية إلى الأبد. ~~وتبدى له الحب كالحياة نفسها في جاذبيته واستبداده، وتخلى عنه إحساسه العميق بالسيادة ~~فشعر بأنه وحيد. ولم يكن يحب المكث طويلا في بيت حمدون لاكتظاظه بأهله؛ فسرعان ما غادراه ~~معا. مضيا نحو الكلوب المصري، وفي الطريق قال عزت ليروح عن نفسه: رأيت بدرية وأنا ذاهب إليك. # فتمتم حمدون: كثيرا ما أراها. # فاستسلم لدفعة داخلية قائلا: إني أحبها. # فقال حمدون ضاحكا: مثلك تماما! # فتساءل عزت بانزعاج: تحبها أيضا؟ ~~- أكنت تتوقع أن أكرهها؟ ~~- كلا طبعا ... ولكني أعني بالحب شيئا آخر. # فقال الآخر بهدوء: ليس بهذا المعنى. ~~- اصدقني القول! ~~- متى عرفتني كاذبا؟ # ارتاح نوعا ما، ولكن قلبه لم يعرف اليقين، وهو لم يرغب في شيء ويمتنع عليه باستثناء ~~عالم البنات. لكن اليوم غير الأمس. إنه يحلق ذقنه صباحا بعد صباح؛ ربما ليعجل طلوع ~~شعره، بيد أنه لا يدري كيف ms19 يبلغ رسالة حبه في حارته ذات القضبان العتيقة. إذا رفع رأسه ~~ارتفعت معه مائة رأس متسائلة مستريبة، وما زال يرفل في غشاء الحياء والتقوى الذي نسجته يد ~~أمه بأصابعها الطويلة الناصعة. والسهو عذر ولكنه لا يخلو من الحساب العسير، وأين المفر من ~~عين الله الساهرة؟! # وقد صار من المترددين على المسرح بإغراء حمدون المتواصل. وبات حمدون يحلم بالتأليف ~~ويحاوله سرا فلا يطلع عليه أحدا إلا عزت. وكم ود لو يغير مجرى حياته، ولكنه استمر في ~~التعليم بهدف الاستقرار في وظيفة. عزت يواصل التعليم بدافع الكبرياء وإرضاء لأمه. ~~••• # ولم تغفل الأم عما يغلي في داخله ... أشفقت من أن يزل، من أن يعصي الله جل جلاله، ورفضت ~~أن تهرب من تحمل مسئوليتها أو أن تتركه وحده في مواجهة الشيطان، وتتشجع بالظلمة في الحديقة ~~وهي تجالسه في أمسية من أماسي الربيع فتقول له: آن لي أن أعاملك كرجل. # فضحك ضحكة مقتضبة. أما هي ففكرت بشقيقتها أمونة ... أرادت أن تصالحها كثيرا ... أرسلت إليها ~~أم سيدة ... زارتها بنفسها. أرجعتها إلى زياراتها السابقة، ولكن أمونة ظلت متحفظة ... عزمت ~~عين على أن تصالحها بطريقة عملية ... قالت: عزت ... من أصول التقوى أن نصون أنفسنا بالزواج. # أضاءت لفظة الزواج الخميلة فتبدت بدرية منورة، وتمتم عزت بدهشة: الزواج! ~~- نعم ... إنك رجل! ~~- لم أحصل بعد على البكالوريا. ~~- إنهم يتزوجون بلا شهادة. # فتساءل عزت ضاحكا: هل تستعينين بأم سيدة؟ ~~- بل عندنا العروس، إحسان بنت خالتك. # إحسان جميلة، تميل إلى الامتلاء أكثر مما ينبغي؛ مما ينذر بأنها ستكون في حكم خالته ~~أمونة، وهو لم يشعر نحوها بأي ميل حقيقي. قال بوضوح: لا. # فتساءلت باستياء: لماذا يا حضرة؟ ... البنت كاملة. ~~- ربما، ولكن لا حيلة لنا في ذلك. # فسألته بأسف: ألا تعينني على استرضاء أختي؟ ~~- ليس عن هذا السبيل. ~~- هل تكره فكرة الزواج الآن؟ # فقال بصراحة: الحق أني لا أكرهها. # فتساءلت باهتمام: هل عينك على عروس أخرى؟ ~~- نعم. # فقالت بقلق: تحدث أمور من وراء ظهري، لم لم تصارحني من أول يوم؟ من؟ ~~- بدرية المناويشي. # أخذت ms20 لحظات فانداح الصمت، ثم قالت بنبرة آسفة: لا. ~~- لا؟! ... ألا تعجبك؟ ~~- أمها مزواجة. ~~- إني أتحدث عن البنت لا عن أمها. ~~- البنت لأمها! ~~- حكم غير معقول. ~~- لا خلاف عليه. ~~- لا أصدق ذلك! ~~- أمك لا تخطئ أبدا. # فقال بشيء من الحدة: دعيني أجرب حظي. # فقالت بتوسل: لا تستهن برأي أمك. # فقال بضيق: لا أستطيع أن أستهين كذلك برغبتي. ~~- إني شديدة الرغبة في تزويجك، ولكني حريصة على سعادتك. # فقال بقوة: لن أتزوج إلا بمحض رغبتي الخاصة. # فتأوهت قائلة: هذا صوت جديد يا عزت، أنت طبعا حر، ولكني غير راضية. # انقبض قلبه، لم يهن عليه إغضابها، وهل يستطيع أن يخطو خطوة بغير رضاها؟ قال: لولاك ما فكرت في الزواج الآن قط. # لم تنبس. ثقل عليه صمتها. أخذ يتعذب من الداخل. قال بحسم: لننس ما دار بيننا من حديث. # لبث وحده في الحديقة بعد ذهابها، شعر بأنها ما زالت قائمة في مكانها. أحس غضبا ~~قاسيا يجتاحه نحوها. كان أشبه بالكراهية. غير أنها كراهية عابرة. سرعان ما أخلت موقعها ~~لأسر الحب وذله. لكنه استطاع أن يراها بعين ناقدة كأنما استعارها من زفرات الصراصير. ~~إنها تتحول إذا شاءت إلى صخرة صلدة، وينضب معين الرحمة من قلبها. هذه المرأة العجيبة التي ~~تؤاخي الفقراء وتصادق القطط وتناصب ابنها العداء. وكم خوفته من الشياطين، وها هو أسمج ~~شيطان يتجسد في عنادها! ~~••• # وقال عين وهي تتنهد في حزن بالغ: إن الولد عنيد، عنيد مثل أبيه ومثل أمه أيضا. وصممت ~~ألا تبيعه وهو جوهرة حياتها. هو أيضا أحمق مثل أبيه. ولولا أن عم عبد الباقي أذعن في ~~النهاية إلى مشيئتها لضاع مثل ذرة غبار. أجل إنه يحب البنت، والبنت جميلة حقا، ولكن ~~ما قيمة الحب المترع بالضلال؟ والحب يحرره الزواج، وعند ذلك لا يجد بين يديه إلا امرأة تحلم ~~برجل آخر. هكذا عاشت أمها متنقلة من رجل إلى آخر. إني مسئولة عنه اليوم، غدا يستقل عني ~~ويرتكب حماقاته. # واستدعت أم سيدة وسألتها بجفاء: ماذا تعرفين عن عزت وبدرية؟ # فذهلت المرأة وتساءلت بدورها: ms21 ماذا عن عزت وبدرية؟! # فهتفت بتحذير : إياك والمكر. ~~- معاذ الله. ~~- ماذا تعرفين إذن؟ ~~- أستغفر الله العظيم. ~~- لا يتحرك قلب في حارتنا إلا وأنت معه في نبضه! # فقالت بحرارة: لا تهمني الإشاعات. ~~- تهمني أنا. # فنفخت أم سيدة وقالت بصوت منخفض: يتحدثون عن حب، إنهم كما تعلمين يصنعون من الحبة قبة. ~~- يتحدثون عن حبه لها؟ ~~- أجل. ~~- وماذا يقولون عنها؟ ~~- لا شيء، أنت تعرفين أباها. ~~- وكيف يثبتون صدق رأيهم؟ ~~- كلام فارغ، لا يقوم على أساس، نظرة عابرة مثلا. # فقالت بأسى: قد يقود ذلك إلى فضائح، اصدقيني يا أم سيدة، هل تقابلا ولو مرة واحدة؟ ~~- أستغفر الله ... البنت تعيش في ظل أب صارم. ~~- هل عرفت أمها؟ ~~- طبعا. ~~- ما رأيك فيها؟ ~~- ليس بالرأي الحسن. ~~- هل علمت بما يشاع عن ابني؟ ~~- لا أستبعد ذلك. ~~- والأب؟ ~~- مستحيل. ~~- هل حدثتك أم بدرية بهذا الشأن؟ ~~- كلا، ولكنها طلبت مني البحث عن عريس مناسب، وألمحت إلى سي عزت وعلاقتي الوثيقة ~~بوالدته. ولما كنت على علم برأيك فيها فقد اعتذرت بحجة أن سي عزت ما زال دون سن ~~الزواج. # واقترحت حمادة الأفندي. ~~- وماذا كان رأيها؟ ~~- لم يملأ عينيها. # فقالت عين ساخرة: طبعا، ما دامت تحلم بالعلالي. # ورمتها بنظرة قاسية أخجلت عينيها وقالت: وأخفيت عني ذلك كله. # فقالت بحرارة: لم أشأ أن أغضبك بكلام يجيء من ناحية أم بدرية. # فمالت نحوها متجهمة وقالت: ولكنك لن تخفي عني كبيرة أو صغيرة تخص هذا الموضوع؟ # فقالت وهي تتنفس بارتياح لأول مرة: أعاهدك على ذلك والله شهيد. # ولما غادرتها أم سيدة أفرغت قلقها في بركة، فراحت تهدهدها وتهمس لها: إني أتعذب يا بركة فادعي لي بالسلام. # 7 # مضى الحب ينمو ويتضخم مثل شجرة بلح، وكان يسلي همه بالمسرح، ولكنه يغرق وقت فراغه في ~~القصص البوليسية، وكلما طالعه حمدون بوجهه القوي المشرق توجس خيفة غامضة، وغبطه على تقدمه ~~وعبادته لهدفه. وردد عزت حكاية حبه كثيرا، فكان حمدون يشاركه همه بحرارة الصديق المحب. قال ~~له مرة: يخيل إلي أن والدتك تسيء الظن بالحب. # فقال عزت: إنها تسيء ms22 الظن بأم البنت، وهذا ظلم. ~~- الحب أيضا متهم في حارتنا. ~~- قصص الجريمة أجمل من الواقع! ~~- أجل، أجمل من واقع بلادنا. # وراح يتحدث عن الاستعباد. وكان يهتم بذلك، ويتزايد اهتمامه بتقدمه في العمر. ولم يخل ~~حديثه من عبارات دموية. ولم تحرك هذه الشئون قلب عزت بجدية مثل صاحبه، ولكنه قال: بوسعنا أن نقاوم الاستعباد، ولكن كيف نتصرف مع أم مثل أمي؟ # فقال حمدون: ومع ذلك فلا ينكر أحد جمال ابنة خالتك! # فحنق عليه وثارت مخاوفه الغامضة من جديد. ~~••• # وحصلا على البكالوريا في عام واحد. وهنأته عين ووجهها يطفح بالبشر، ولكنه قال ~~لها: لا ... انتهى الحب بيننا! # فلم تأخذ قوله مأخذ الجد وقالت مازحة: أتدري ما عدد البنات اللاتي يحلمن بالزواج منك؟ ~~- ولكني أريد واحدة فقط. ~~- ما تريدها إلا لأنني لا أريدها. ~~- بل كأنك ما ترفضينها إلا لأنني أريدها. ~~- أتحب أن أروي لك نوادر أمها؟ ~~- أمها لا تهمني البتة. ~~- إنها كامنة في أعماقها. ~~- هبي أنه زواج خائب، فهل أعجز عن الطلاق؟ ~~- والخيبة؟! ... أتظنها تمر بلا عواقب؟ ~~••• # في أثناء الصيف اختار عزت أن يلتحق بمدرسة الحقوق. أما حمدون فعزم على أن يتوظف ليخفف عن ~~خالته من ناحية، ويهب بقية يومه للمسرح. وفي ذلك الوقت عرف أن عبد الحميد الكومي خطب ~~بدرية، وأن الفاتحة قد قرئت. اقتلع الخبر قلبا - وربما أكثر - من جذوره، وتبدت الحديقة ~~لعيني عزت صفراء تنفث ريحا سامة. أكان يعتمد على سحر الحب الكامن وحده؟ هل تصور أنه - ~~سحر الحب - قادر على حفظ حبيبته لحين قدرته على الخروج من سلبيته؟ وهتف بأمه ثقة منه في ~~قوتها غير المحدودة: اصنعي شيئا. # فتساءلت بجزع: أتريد أن تخطف بنتا من رجلها؟ ~~- أنت التي مكنته من خطفها! # فتمتمت بحنان: الخيرة فيما اختار الله. # ورماها بنظرة حزنت لها ومضى. ووجد حمدون جياشا بالانفعال. وقال عزت: إني أحترق، وكان ينبغي أن أحرق. # فتساءل حمدون: هل انتهى الأمر؟ # واصطحبه إلى والد بدرية، ورجاه أن يبقيها على ذمته حتى يستقل بنفسه، فقال الأب: لقد قرأنا الفاتحة، وكان بوسع والدتك ms23 أن تتكلم لو توفرت لها الرغبة. # فقال حمدون: هو الذي يرغب. # فقال الرجل: إني رجل مستقيم، لا أتعامل بالحيل! ~~••• # عرف عزت الوحدة وهو منغمس في خضم الناس. حزن حزن القوي عندما يغلب على أمره ... أدرك ~~أن جاهه زائف، وأنه يستمد نوره من أمه. إنه في الواقع حقير فقير عاجز. أعماه الغضب حتى ~~فقد الرشد. تفجرت منه قوة حطمت رأس أمه، إنها قوة شريرة تتهادى في رداء ملاك، قتلها سبع ~~مرات كل مرة بأداة خاصة. وماتت حتف أنفها مرات أخر. لو كان في قوة حمدون لغامر مغامرة ~~فريدة مرحبا بالصعلكة، ولكنه أسير الحديقة والوسائد الناعمة وتلك القوة الغامضة ~~المجهولة. ولشدة ارتباطه بالحياة فقد الحياة الباهرة. إنه وفي للأسر ليشدو أغاني العذاب، ~~وستجلو بدرية عن مجال أمله بعد أن أرست فيه طابعا لا يبيد. وكتب عليه أن ينتظر أملا لا ~~يعود، وأن يبحث عن كائن ليس له وجود. واللعنة على الكبرياء التي يلقنها غر في مهد ~~عبودية. ~~••• # وفي حومة النضال العقيم تلقى من حمدون رسالة، ألم يجتمع به أمس وكل يوم؟! # عزيزي عزت ... # عليك أن تفهمني باسم صداقة العمر. إنها صداقة حقيقية متينة ونقية. إياك أن تسيء بي ~~الظن. لقد وطنت النفس على التضحية تحت شرط أن تفعل أنت شيئا. لكنك أعلنت عجزك وسلمت ~~بالواقع. عند ذاك قررت أنه من حقي أن أعمل. إني مثلك في الحب، ولكني لا أتركها تذهب ~~مع الكومي. سنهرب معا لنتزوج بعيدا عن الأهل والحارة. معي مال قليل من ثمن الأرض سأعتمد ~~عليه حتى ألحق بالوظيفة. لن أتخلى عنها كما لن أتخلى عن المسرح، وستبقى صداقتك معي ~~وذكرياتها الجميلة. لا تسئ بي الظن وتقبل تحياتي. # حمدون عجرمة # قرأها مرات قبل أن يسيطر على معانيها. وقتل حمدون مرات - أكثر من أمه - قبل أن يفهم ~~موقفه. شد ما أخفى عنه حبه. حقا إنه لممثل ماكر، لم يغفر له رغم أنه لم يتهمه. ربما ~~كان يسخر منه، ربما كان من الأفضل أن يأخذها الكومي. اعتاد أن تنفذ رغباته قبل أن ms24 يجهر بها، ~~فماذا جرى من وراء ظهره ؟ غصت الدنيا بالمجرمين أمثال عين وحمدون وبدرية. أصبح القتل لا ~~يجدي. أفظع من ذلك أن تغرورق العينان بالدموع، أن تغمق صفرة الحديقة وتموت العصافير، أن ~~يمسي بلا حبيبة وبلا صديق وبلا أم. # وانتشرت حكاية الهرب في الحارة كالغبار في يوم عاصف. لفحته العاصفة باعتباره بطلها ~~المهزوم. احترق والد بدرية وأمها وست رمانة خالة حمدون. اشتعلت خصومات. سجلت الشائعات ~~للحادث حكاية فاضحة متكاملة. طلقت أم بدرية في أثر شجار عنيف. ~~••• # وكان يجلس في الخميلة في أصيل قائظ عندما رأى ظل أمه يفرش الأرض أمامه بين الشوح ~~والجدول. اقتربت وهي تقول: لم نتبادل كلمة منذ أيام، إنه الجحيم. # رأى وجها متهدلا وخامدا، وقد حلت نظرة خابية في مكان الألق البهيج. لم يعطف عليها ~~وحول عينيه عنها. همست وهي تجلس: يجب أن تعرفني أكثر. # فانتقم منها بالتمادي في الصمت، فقالت: آن لي أن أعترف لك بأشياء. # في الصمت ارتفع نقيق الضفادع وزقزقة العصافير. واصلت الحديث: اهتممت بمعرفة كل شيء، فكرت في الإذعان لمشيئتك، فجاءتني معلومات غير متوقعة. # أنصت باهتمام ولكنه لم ينبس. ~~- كان ثمة حب متبادل بينها وبين حمدون، ذاك أمر الله ولا لوم على أحد. # فهتف وهو لا يدري: كان يخدعني! ~~- أبدا، إنه فتى أمين، لم يكن في موقف سعيد، لا أدري ماذا كان يدور في ذهنه، ولكنه ~~على أي حال لم يخطئ في حقك. # وتنهدت بعمق واستطردت: اضطررت إلى الإصرار على الرفض، ولم أر خيرا في كشف الحقيقة. # قربت وجهها المحزون منه حتى لثمت جبينه وقالت: لا تستسلم للحزن، الحياة أقوى من كل شيء، سيجيئك السلوان بأسرع مما تقدر، وستجد من هي ~~خير منها. # عند ذاك جاءت أم سيدة تتقدمها نحنحة فظة. غادر المكان والمغيب يستفحل، وفي الممر التقى ~~بسيدة قادمة لتلحق بأمها. تصافحا. وفجأة اشتعل بلا تمهيد ولا مقدمات، وبلا سبب في الظاهر. ~~أخذ بما اجتاحه. لم يترك يدها. مضى إلى الداخل جاذبا يدها معه. أذعنت بلا مقاومة تذكر ~~متشجعة بالظلمة. لم ينبس ms25 بكلمة، ضمها إليه، شملها ذهول أخرس. أطاع قدرا جامحا وغامضا ~~وبلا أدنى تفكير في العواقب، وكأنه يعبث في الظلام وحده بلا شريك. وتفشى في الوحدة ~~المطلقة إذعان ذليل ورغبة دفينة وذكرى آسرة. وحفرت في لوحة الليل السوداء نقوش لا تمحى. # 8 # لم يعد الحب هو المحتل الوحيد للمكان، زاحمه قدر جديد هو الخوف. وتناسى الحب أحيانا ~~ليرامق الشبح الجديد، وهو شبح ثابت لا يتزحزح ولا يهن بمرور الزمن. ومن الأخطاء خطأ لا ~~يني يطارد ويطالب بحل. وسيدة في ذاتها لا شيء، ولكنها بسبب الخطأ صارت كل شيء. إنها ~~الآن تستكن في ركن من الوجود، ضئيلة لا ترى، غائصة في ضعفها، ولكن صوتها يدوي مثل صرار ~~الليل. لقد مات أبوها من دهر، أخوها الأكبر في السجن، والأصغر مهاجر، أمها ربيبة نعمة أمه، ~~ولكن الخطأ قوض بناء وأقام محله بناء جديدا. ما العمل؟ ما اعتادت أعماقه أن تقترح ~~حلولا، ولكنها دأبت على القتل. ونظرة سيدة التي ترمقه بها عند اللقاء العابر راسخة في ~~خياله، مفعمة بالدلالات المشتركة، ذليلة وجلة يائسة، تؤكد له أن ما كان لا يمكن أن يمضي ~~كأن لم يكن. إنها حزنه الخفي حين يتجسد، وأحيانا تند عنها إشارة خفية تحكي مأساة ~~متكاملة، استغاثة حارة صامتة، تستوهب إحسانا أو رحمة كآخر انتفاضة للضفدع قبل أن تسلم ~~الروح. ما العمل؟ وتذكر وهو كاره حمدون. لماذا؟ ربما لثرثرته الملحة عن الأقوياء والضعفاء، ~~لآرائه التي يريد أن يصلح بها الكون. # وكان يقرأ فصلا في رواية بوليسية عندما خيل إليه أن صوت أمه يحتدم في الحديقة. نظر ~~من نافذته فرأى المرأتين - أمه وأم سيدة - تسترسلان في حديث ما. داخلته كآبة مثل جو المغيب ~~المخيم. سيحدث ذات يوم أمر ما. إنه يتوقعه كما يتوقع مريض الفم ضربان ضرسه. ~~••• # وسمع خطوات أمه قادمة فلعن مخاوفه ومرق من الخوف إلى التحدي. جلست على ديوان يتوسط الحجرة ~~بوجه شاحب. أرعشت بيدها مروحة عاجية بحركة عصبية، فوردت ذهنه فكرة غريبة بأن معجزة أمه ~~ستتحطم على يديه. وقالت عين بصوت ms26 متهدج: ماذا ينقص هذا البيت؟ # وتريثت قليلا ثم أجابت نفسها: يتلى فيه القرآن، يعبقه البخور، ترعاه الحسنات والنوايا الطيبة، فكيف يندس الشيطان في ~~أركانه؟! # آه ... لقد وقعت الواقعة ... وعليه أن يتظاهر بمواصلة القراءة. # وتساءلت عين بأسى: ألم تشعر بوجودي بعد؟ # فتساءل ببلاهة: ماذا؟ ~~- ألا تخمن ما ورائي من حزن؟ # أغلق الكتاب ونظر إلى تهاويل السجادة الفارسية في استسلام. ~~- ما هذا الذي كاشفتني به أم سيدة؟ # فشحب وجهه ولم ينبس. تأوهت قائلة: لم أعذبك؟ ... لا معنى للتأنيب بعد فوات الوقت. # رأى بوضوح - ربما لأول مرة - مبخرة فضية محمولة بساقين من النحاس تستقر أسفل ستارة ~~أرجوانية. ~~- اسمع يا بني، لست أول شخص يعبث به الشيطان، وما يهم حقا هو تصرفنا بإزاء ما نرتكب من ~~أخطاء. # وتنهدت بصوت مسموع وقالت: نحن أغنياء، ولكن لا قيمة لذلك، وإنما قيمة الإنسان تتحدد في علاقته بربه، غير أننا ~~نحاسب على قدر قوتنا. # وجد نفسه ينزلق في طريق وحيد مسدود. # واستطردت عين: قد نخطئ ولكن لا يجوز أن نظلم، علينا أن نصلح خطأنا، وكلما جاء الإصلاح على غير هوانا ~~اقتربنا أكثر من عفو ربنا. # ورفعت رأسها كأنما ترنو إلى القنديل، وقالت بحزم: ستتزوج من سيدة في أقرب فرصة. # ثم نهضت وهي تقول: إنه قرار لا يقبل المناقشة، وما يشهد لك بالطيبة أن ترحب به. ~~••• # وتلاحقت الأحداث كأنما تقع لشخص آخر ... وذاع الخبر في الحارة فأحدث دهشة عامة، كما صعق ~~بيوت العرائس المرشحات لجمالهن وأصلهن لمثل هذا العريس الفريد. وكيف ترفض الست عين بدرية ~~المناويشي لتقبل سيدة بنت أم سيدة الخاطبة؟! أيرجع السر إلى مهارة أم سيدة؟ أيجد تفسيره في ~~شذوذ طرأ على ذوق عزت؟ وكالعادة تمطى التأويل السيئ لينفث ظنونه فأصاب الحقيقة هذه المرة ~~بمحض الصدفة. هكذا تزوج عزت وهو في الثامنة عشرة من عمره زواجا مناقضا لذوقه وميوله، ~~وهكذا انتقلت سيدة إلى أجمل دار في الحارة لتحتل أرفع مكان فيها. هكذا صارت أم سيدة حماة ~~الوجيه الأول. وثارت أمونة ثورة حاقدة؛ فقطعت علاقتها بشقيقتها إلى الأبد. ms27 واستسلم عزت ~~للواقع، كما يستسلم إلى قدر لا مفر منه، أجل لم يعتده قضاء نهائيا، ولكن حلا ضروريا مؤقتا ~~حتى يتخلص منه في الوقت المناسب. وتضاعفت أشجانه على حبه الضائع، فاعتبر المحنة كلها جزاء ~~عادلا يستحقه لضعفه وتردده. ومن أول لحظة أدركت سيدة أنها لا تحظى بحب زوجها ولا حتى ~~برضاه، وأنها تتجرع حياة باردة، حيوانية مجردة، لا عطف فيها ولا احترام. وبدافع من غريزة ~~الدفاع عن النفس انطوت تحت جناح عين، فوهبتها من قلب محروم جريح كامل الولاء والوفاء، ~~وأوصتها أمها بالصبر والتزام الأدب. قالت لها: لك رب؛ فليكن اعتمادك عليه وحده. # فقالت لها الفتاة: أفضل أن أرجع إلى بيتي. # فقالت المرأة بإصرار: لا تفرطي في النعمة، واعلمي أن الرجال لا يثبتون على حال، وما الحياة الزوجية إلا ~~معركة. # وفي ذلك الجو الشحيح بأي عذوبة حملت سيدة، ثم أنجبت «سمير». أصبحت أما، أصبح عزت أبا، ~~أصبحت عين جدة، فحتى في أسوأ الظروف استطاعت أن تغير أبعاد كونها الصغير، وأن تفجر فيه من ~~ينابيع العواطف الجديدة ما لا عهد له به. تحرك قلب عزت. جاءه حب جديد ليزاحم حبه القديم ~~الذي اعتاد ألمه حتى ألفه. أما عين فجنت بالوليد وعشقته، وطمح قلب سيدة الكسير إلى حياة ~~أفضل. # وخاب عزت في دراسته القانونية، لا الهمة وجد ولا الحماس، فانقطع عن المدرسة بعد عامين من ~~التحاقه بها. وضاق بحياة بلا حب ولا صداقة، فعزم على التوظف. أراد أن يظفر بقدر من ~~الاستقلال، وأن يملأ فراغه، وأن يجرب الحياة الرسمية التي تفتن الكثيرين. # والتحق بوظيفة بوزارة المعارف. وسرعان ما نشب التنافر بينه وبين الوظيفة ومناخها ~~العدواني. ونصحته أمه بأن يدعو موظفي إدارته إلى وليمة في الدار تعزيزا لمركزه ودفعا لمكر ~~الماكرين. ومضى عليه شهر في العمل. ولدى عودته سألته أمه: ألم تحدد يوما للوليمة؟ # فأجابها بهدوء: قامت معركة بيني وبين رئيسي. # فحدجته باهتمام، فقال: قدمت استقالتي. # وأغرق في الضحك. # 9 # يقول الراوي: # ويمر عام في أعقاب عام. يغوص حبه القديم في غلاف من ms28 السكينة والفتور. وتظل علاقته بسيدة ~~باردة في مشاعرها، خشنة في معاملاتها، لا تند عنه كلمة طيبة، ولا يتردد عن الإساءة إليها ~~لأقل هفوة، وأحيانا بلا سبب، وكان يمضي بسمير بعيدا عنها ليمارس حريته في ملاعبته ~~وتقبيله. وضاق بحياته بعد غياب بدرية وحمدون، ولم تكف القصص البوليسية لملء الفراغ، فانزلق ~~إلى غرزة يسلي بها همه؛ ومن ثم عرف أين يقضي ليلته حتى مطلع الفجر، وأن يهرب بالنوم حتى ~~الظهيرة. وتابعت عين نظام حياته الجديد بقلق، وكانت تقول له: نحن الذين نصنع سعادتنا بأيدينا. # وحنق عليها لسعادتها الدائمة، إنها تمضي كالنحلة تمج رحيق الإحسان والحب. تتوغل في ~~الحلقة السابعة بحصانة تامة ضد أعراض الشيخوخة، تتجول بلا انقطاع، تحظى بالنشاط والرشاقة ~~والفرحة المتألقة. وكأنما تقصد تعذيبه وهي تقول: يا بني تعامل مع زوجك بالرحمة، إنها امرأة نادرة المثال في صبرها وأدبها. # لقد ساءه أن تثبت له براءتها في موقفها من بدرية، إنه نهم إلى إدانتها. ويذكر لها ~~موقفها المتعنت من حبه قبل أن تعرف ما بين بدرية وحمدون من حب. إنها مدانة على أي حال. ~~وهو ممزق بين حبها وكراهيتها. يحلم أحيانا بموتها، ولكن كيف يمكن أن تموت هذه المرأة ~~البارعة؟ سوف يسبقها إلى القبر، سيعيش في أسرها عمره كله، إنها تستمد من المجهول قوة ~~خارقة، ولكن هل يتحمل الحياة بغير شعوره الباطني بوجودها في مكان ما في الدار أو ~~الحارة؟! # وتكرر حثه على معاملة سيدة بالحسنى فيتساءل: ما الذي جعله يبقي عليها طيلة الأعوام ~~الماضية؟ # الحق أنه لا يحبها ولا يريدها. أمن أجل سمير، أم إنه الضعف الأبدي الذي يمنعه من ~~العمل؟ وقال لعين ردا على توسلاتها: آن لي أن أطلقها. # فبسطت يدها نحو السماء متمتمة: اللهم جنبه قسوة الحيوان. ~~- إنني لا أحبها. ~~- الرحمة أولى بمن لا تحب. ~~- المسألة أنك سعيدة، أما أنا فرجل تعيس. # فقبضت على يده بشدة وتوسلت قائلة: لا تفكر في الطلاق، حتى لو رأيت أن تتزوج من أخرى. # ما معنى أن يجيء بامرأة أخرى بلا حب؟ # عين امرأة ms29 سعيدة، والسعداء لا يرون الحقيقة. # إنها تبعثر الثروة والعمر يمضي ... قال لها: إنك تنفقين بلا حساب. ~~- الحمد لله. ~~- ولكنه مالي أيضا! ~~- حد علمي أنه مال الله سبحانه وتعالى. # فتساءل ضاحكا: ألم تسمعي عن أبناء يقتلون أمهاتهم؟ # فأجابته إجابة ضاحكة أيضا: ولكني أعلم أنك تحبني، وستملأ قبري بدموعك فيسبح فوقها جثماني. ~~••• # وانتهزت سيدة فرصة هدوء يمر بلا نقار فقالت له: إن ما ينقصك حقا هو العمل. # فتساءل بسخرية: أعمل خاطبة؟ # فتجاهلت غمزته وقالت: أنشئ عملا مناسبا، لن تضن عليك والدتك برأس المال. # غزته الفكرة، كره أن تجيئه من سيدة، ولكنها غزته. تمتم بسخرية: عجيب أن تخرج منك فكرة طيبة. # قالت وهي تتنهد: جرب وربنا معك. # إنه في حاجة إلى العمل والاستقلال، ولكن من أين يجيء بالخبرة؟ أين اللعين حمدون؟ لم ~~يحسن في حياته سوى قراءة قصص الجريمة وتدخين الكيف في الغرزة. ها هو ذا حلم جديد يبزغ في ~~حياته القاحلة. # 10 # لم يعقب اقتراح سيدة فعل. حلم بالمشروع وبرم أكثر بالحياة. لم يجد في الحياة جديدا سوى ~~أنه اعتاد عادة جديدة هي الإكثار من الطعام بتأثير من الكيف ومعالجة للضجر. ولأول مرة ~~يفقد رشاقته ويميل قليلا إلى البدانة. في ذلك الوقت نسي حبه القديم أو كاد، وانطبع بطابع ~~بلادة غاشية، حتى العبادات مارسها بلا شعور وبلا حماس. ولم يجد أمامه إلا سيدة فحملها ~~مسئولية تدهوره. وتمردت الفتاة فجأة على وضعها فهرعت إلى عين وهي متدثرة بعباءة وراء ~~النافذة تشاهد من وراء الزجاج مطرا ينهل فوق الحديقة فيغسل الأوراق ويملأ القنوات، بثتها ~~شكاتها وقالت وهي تجهش في البكاء: يجب أن أرجع إلى أمي. # فلم تسترد عينيها من الماء والشجر ممتصة ثورتها بهدوء شامل، ثم تساءلت: ألك أم غيري؟ # فهمست بأسى: أنت أم الجميع، ولكنني معذبة. # وتساءلت عين وهي تلتفت نحوها بحنان: أما زلت على جهلك بالرجال؟ # ثم وهي تقرصها بعطف في خدها: إنهم يحتاجون إلى تربية متواصلة تمتد من المهد إلى اللحد، وهذه هي مهمتنا. # وهمت الأخرى بالكلام فأسكتتها بإشارة وواصلت: المرأة ms30 التي تهجر بيتها جاهلة لا تستحق نعمة الأمومة، ماذا غيرك بعد أن آمنت بأنك ~~أعقل الستات طرا؟ ~~- حتى متى أتحمل الإهانة؟! ~~- إنه يهينني بأفعاله أكثر مما يهينك بأقواله، فهل أهجره بدوري؟ ~~- ولكن ... # فقاطعتها: حذار أن تعرضي الأمير الصغير للمتاعب. ~~••• # وكان يسترق النظر إلى الفتيات اللاتي حلمن ذات يوم بالزواج منه. إنهن يرحن ويغدين في ~~الحارة محصنات بالزواج والاستقامة. أي واحدة منهن تفضل سيدة جمالا، وأي واحدة كانت خليقة ~~بأن تخلق الحب خلقا إذا لم يتوفر في البداية، وكان يعاشرهن في الخيال وقد وهنت روادعه بوهن ~~عباداته. ومن بينهن «اعتدال»، عرفت بشيء من المرح، فتشجع ذات مرة إلى توجيه تحية هامسة ~~إليها، لكنه قوبل بتجهم خشن. وكان للخطأ عواقبه، ففاجأه الشيخ سلام الدروي ناظر المدرسة ~~الأولية بالانقضاض عليه في الغرزة، وعلى مرأى من الجالسين بصق على وجهه وهو يصيح به: يا نذل ... يا جبان. # وتفشت الفضيحة وعرفت تفاصيلها. اعتذر قوم بأنها لم تكن إلا تحية بريئة ندت عنه ببراءة ~~وفي حال من السهو، واستنكرتها الأغلبية، ولكنها لم تنف عنه حسن النية. وتشابك الشيخ والفتى ~~حتى خلص الآخرون بينهما. ورجع عزت إلى داره بشفة متورمة. ~~••• # لأول مرة ينصب لوم على شيء ينتمي إلى الست عين. وتوارت سيدة عن الأعين لتبكي وحدها. أما ~~عين فوقفت أمام عزت وقفة عسكرية وقالت: اصدقني، هل عبث بك الشيطان؟ # فقال بحرارة كاذبة: كلا ... وأقسم لك على ذلك. # فقالت وهي تتنهد بارتياح: إني أصدقك ... ولكنك أخطأت. # واستدعت الشيخ الدروي فأكرمته غاية الإكرام، وأكدت له براءة ابنها، واستبقته للغداء فصالحت ~~بينه وبين عزت، ولم يسكن خاطرها حتى اطمأنت إلى أن سحابة الكدر قد تلاشت تماما. ~~••• # لكنها لم تتلاش من سماء عزت، هو وحده يعلم بكذبه ونفاقه وجبنه، ويشعر بأن عباداته خسرت ~~روحها الصافية فلم يبق منها إلا وخز خفي ينفث الأسى، وأذعن أكثر لمغريات الطعام الدسم، وراح ~~يحلم بالمشروع المقترح، ويحلم أيضا بالهجرة من الحارة التي لم تعد تعد بخير. # ومنه علمت عين برغبته في إنشاء مشروع تجاري، فرحبت ms31 بالفكرة وقالت: طالما فكرت في ذلك، ~~ولكني انتظرت حتى يجيء التفكير من ناحيتك! # فلم يسر بترحيبها وتوجس خيفة غامضة، أما عين فواصلت تقول: لا خبرة لك، ولكن لا شيء يدعو ~~لليأس، الناس حولنا يعملون في الخشب والدقيق والبن والخيش، دعني أدخلك شريكا لأحدهم حتى ~~تعرف سر المهنة، ولك بعد ذلك أن تستمر معه أو أن تستقل بعمل مماثل في مكان آخر. # وجد نفسه على باب تغيير حاسم سيقلب نظام حياته رأسا على عقب فأجفل. هل يتحرر من ~~النظام الراهن بسهولة؟ إنه يسهر الليل في الغرزة، وينام حتى الظهيرة، ويتسلى بقصص ~~الجريمة، فهل يتخلى عن ذلك كله دفعة واحدة؟! # قال: عظيم ... سيحدث ذلك دون ريب ... ولكن فلنؤجل تنفيذه إلى حين. # وألحت عليه الرغبة في هجر الحارة، وجعل يردد رغبته على مسمع من سيدة، وانقبض قلب ~~الفتاة، إنها تعلم يقينا أن حياتها الزوجية تدين ببقائها حتى الآن لعين، وأنه لا ~~يتجاوز الحد في الإساءة إليها حذرا من إغضاب أمه، ولكن أي مصير تلقى إذا انفرد بها في مكان ~~بعيد؟! # لذلك وشت بأفكاره إلى عين ورجتها أن تخفي وشايتها. وتساءلت عين آسفة: أين يجد مثل دارنا؟ ~~ولكنه كره الحارة! # وفكرت لأول مرة في إدخال تجديدات حديثة على هندسة دارها العريقة، وأنفقت ~~بسخاء لتوصل إليها الماء والمجاري والكهرباء حتى عجب عزت من قرارها المفاجئ ... وتساءلت ~~ضاحكة: لم لا؟ ... الدنيا تتغير، وثمة تجديدات تنفع ولا تضر. # ثم سألته بعد حين قليل: هل يروقك الأثاث الحديث؟ # فتساءل بفتور: ما أهمية ذلك؟ ~~- أنت شاب وللشباب ميوله، ممكن أن تجيء بقطع حديثة لتحتل مكانها بين الأثاث القديم، ~~وممكن أن نجعل التجديد في حجرتك شاملا. لم لا؟ ماذا يعجبك؟ # فرفع منكبيه ولم ينبس، وداخله شك في أن سيدة وشت به، وسألها حال انفراده بها: هل أطلعتها على رغبتي في الذهاب؟ # فأنكرت بشدة، ولكنه قال بازدراء: نمامة واشية مثل أمك. # وعلمت عين بالشجار فواجهته بالصراحة التي تحبها. قالت له: لا تعذب أم سمير أكثر من ذلك، هذه دارك وقد جددتها ms32 إكراما لك، إذا كانت لك رغبة في ~~حياة مستقلة بعيدا عن حارتك فلن أعترض رغبتك، لك الحرية الكاملة، فافعل ما تشاء. # هكذا وجد نفسه مع حريته - مرة أخرى - بلا عائق. وسرعان ما فترت همته وتحرك تردده. كالعادة ~~توقف فوق العتبة. ترى من أين يزحف عليه هذا الشلل؟! أهي حياته الخاصة التي تحولت إلى بلادة ~~ناعسة؟ هل يوجد في عين سر خفي ما زال يجهله؟ # 11 # وطالعته عين ذات صباح بعينين محمرتين من أثر البكاء فانزعج جدا. لا يذكر أنه رآها ~~تبكي من قبل. سألها عما بها بقلب منقبض يتوقع شرا، فهمست بصوت حزين: بركة ... تعيش أنت! # فما تمالك أن ابتسم وهو يشعر بالنجاة وتمتم: القطط تملأ الدار، البقية في حياتك. ~~- لكن بركة هي الأصل، كان قلبها عامرا بالحب وحسن الإدراك، ولم يكن ثمة مفر؛ فقد انتهى ~~الأجل. # كان قد ألف هذه الدروشة، وسلم بحقيقة المناجاة المتبادلة بين أمه والقطط، وربط بين ذلك ~~وبين حيويتها التي لم تنقص منها سبعون عاما شيئا. كذلك ألف معاشرة سيدة الراكدة، بل لقد ~~تألم لإجهاضها مرتين بلا سبب ظاهر، وقد خفق قلبه عندما قالت له أمه ذات يوم: آن لنا أن نرسل سمير إلى الشيخ العزيزي! حقا بلغ سمير السادسة، وضحت الآن ملامح عين ~~في وجهه. الزمن يتقدم وقد بلغ هو الخامسة والعشرين من عمره، لم يحدث شيء هام في أثناء ذلك ... ~~بل حدث تغير خفي لم يهمس به لأحد. # تغير عجب له وانزعج. إنه الفتور الذي يسري في شعوره الديني. لا علاقة بذلك بأحد من ~~جلساء الغرزة فهم مؤمنون، ولا شأن لقصص الجريمة في ذلك، ولا دخل للتفكير في الموضوع كله فهو ~~لا يفكر، ما هو إلا فتور في الشعور أخمد الحماس واليقين فتهاوت أركان المعبد. كف عن ~~الصلاة والصيام ولكنه احتفظ بسر ذلك لنفسه فلم يفطن إليه أحد. وخوت الدنيا ولم يكن في ~~وسعه أن ينعشها؛ دنيا الفراغ والأكاذيب. # ولاحظ رمضان الزيني - عميد الغرزة - كآبته ذات ليلة فقال له: # وإن تعدوا نعمة الله ms33 لا تحصوها ~~. # فابتسم متسائلا، فقال الرجل: جاه ومال وشباب، ماذا تريد أكثر من ذلك؟! # صدق الرجل، حتى لو تهادى إليه ميراثه فأي شيء يفعل أكثر مما يفعل الآن؟ ~~••• # والغرزة تقع في مكان فريد على الحد الفاصل بين التاريخ والعصر، في حجرة مراقبة بالحصن ~~العتيق القائم فوق القبو. في زمن مضى كان القبو هو الباب الشمالي للقاهرة، وكان الحصن فوقه ~~هو مركز الأمن والدفاع. اليوم الحصن أثر من الآثار، والقبو ممر عبور ومنامة للمتسولين، ~~ورمضان الزيني هو الذي اختار حجرة المراقبة مكانا لغرزته، ليست هي بالواسعة ولا بالضيقة، ~~وتتوفر لها التهوية من نافذة كان يطلق منها الرماة نبالهم. وجعل من خفير الآثار خادما ~~للجلسة، يهيئ الجوزة ويدور بها، ويشارك في التدخين والعشاء. # واحتفل عزت بدخول سمير الكتاب فأهدى الجلسة خروفا مشويا وصينية بسبوسة. وكانت ليلة ~~لا تنسى، لا للمناسبة السعيدة وحدها، ولكن لخبر جديد جاء به رمضان الزيني. قال: رأيت أمس ما لا عين رأت. # فتطلعت إليه الأعين الناعسة، فقال: مر بالدرب الأحمر سيرك اللاوندي فذهبت إليه، بدأ العرض بالتمثيل، رأيت الممثلة والممثل. ~~من هما فيما تظنان؟ # قال له صوت مازحا: أمك وأبوك. # ولكنه استمر دون مبالاة: بدرية المناويشي وحمدون عجرمة! # وتصايح القوم: غير معقول. # أما عزت فقد اندلق فوق رأسه جردل ماء مثلج. فتح عينيه نصف المغمضتين فرأى الماضي متجسدا ~~متسربلا بالانفعالات العنيفة. # وقال رمضان مسرورا بما أثار من اهتمام: بلحمهما ودمهما. ~~- يا للفضيحة! # وقال رمضان: ما يبدأ بالهرب ينتهي في السيرك. # وتعاقبت التعليقات كالسموم، ورجع الماضي إلى عزت ~~كأنما لم يغادره دقيقة واحدة لا سبع سنوات كاملة أو تزيد، ورغما عنه تمتم: يا لها من نهاية! # قال رمضان: صممت على إحراجه فقابلته. ~~- لا شك أنه انزوى؟ ~~- أبدا ... ضحك ... رحب بي. إنه الاستهتار نفسه. # وسأله عزت: ألا زال السيرك يعمل بالدرب الأحمر؟ ~~- كلا ... ولكن حمدون وعد بزيارتنا هنا. ~~- مستحيل. ~~- سترون بأنفسكم بعد قليل. ~~- حقيقة إنه لقارح. # واضطرب عزت، أيرى حقا حمدون بعد قليل؟ ماذا يهم؟ لقد اندثر الماضي ومات الحب ms34 كما ماتت ~~الصداقة، ولكن وثوب الماضي على الحاضر فجأة لا يمر دون قلقلة. وتخيل للقاء صورا عديدة، ولكن ~~ما حدث فعلا كان مختلفا عما تخيل؛ فما إن رآه ينظر إليه من تحت حاجبيه البارزين بابتسامة ~~مشرقة فاتحا ذراعيه حتى لبى دعوته فتعانقا بحرارة، وهمس حمدون في أذنه: ما جئت إلا من أجلك عندما عرفت أنك من أركان الجلسة. # وسرعان ما شارك في التدخين بتلقائية وبلا حرج. لم يجد أحد الشجاعة للحملة عليه غير أن ~~رمضان قال: ما تصورت أن أجدك في سيرك. # فقال ضاحكا: عملنا مقصور على المسرحية، وهي من تأليفي. ~~- ولكن كنت موظفا. ~~- وما زلت، المسرح هواية ليس إلا. ~~- ولكن ... # ولم يكمل رمضان، فضحك حمدون وقال: ولكن زوجتي، أليس كذلك؟ ... إنها فنانة مثلي، لا جدوى من محاولة إقناع حارتنا بذلك، ~~ولكننا أسرة شريفة كسائر الأسر الشريفة! # لم تتكلم إلا قرقرة الجوزة ... ثم التفت نحو عزت وقال: يسعدني أن أشارك في الاحتفال بدخول ابنك الكتاب. ~~- وأنت كم ولدا لك؟ ~~- أنجبت واحدا لم يعمر أكثر من عام، ولا شيء بعد ذلك والحمد لله. # فسأله رمضان: ألا تود أن تعقب ذرية؟ ~~- إنها معطلة لنشاطنا الفني! # وقرقرت الجوزة وحدها مرة أخرى. ~~••• # غادرا الغرزة معا. دعاه إلى داره وهي تغط في النوم. جلسا في الحديقة رغم ميل الخريف إلى ~~البرودة في وقت الفجر. تبادلا عواطف صادقة دون أن يشير أحدهما إلى الماضي بكلمة. شعر عزت ~~بانتعاش روحي جديد. قبض على الصداقة صافية بعد أن تلاشت الذكريات الأليمة. عادا كما كانا ~~بلا حب خائب يفرق بينهما. إنها لمعجزة تروى. وراح حمدون يحدثه عن تجربته: ما زلت موظفا، ولكن كفاحي في سبيل الفن لم يضعف لحظة، واكتشفت أيضا موهبة بدرية، ولكن ~~كيف نشق طريقنا في الصخر؟ لقد رفضتني المسارح كمؤلف كما رفضت زوجتي كممثلة. لم أيئس، عرفت ~~صاحب سيرك اللاوندي، اقترحت عليه أن نعرض مسرحية من فصل واحد بدلا من التهريج الممجوج، لم ~~نطالب بأجر فقبل التجربة، وقد نجحنا وانبسط الجمهور أضعافا مضاعفة. # فقال عزت: ولكنه ms35 سيرك! ~~- أجل، خير من لا شيء حتى تلين إرادة المستقبل. # وبدافع من الكبرياء أخبره عن مشروعه التجاري الذي يفكر فيه، فقال حمدون: لا مفر من ذلك، وإلا فما معنى الحياة؟! ~~- إذن حياتك الآن لها معنى؟ ~~- إنها مفعمة بالنشاط ... ومن يدري؛ فقد أكون فرقة ذات يوم. ~~- وهل تستطيع أن تصمد أمام المسارح الكبيرة؟ ~~- أعني فرقة صغيرة تعمل في روض الفرج صيفا، وإن وجدنا تشجيعا عملنا في الكلوب المصري ~~شتاء. هذا ما أطمح إليه. # دار رأس عزت، دهمته خواطر غريبة مباغتة، غزاه إلهام بعث النشاط في قلبه وإرادته، لم يشعر ~~من قبل بمثل ما شعر به وقتذاك من قدرة على الخلق والعمل والاقتحام. ولكي يثبت لنفسه أنه ~~موجود لا حالم قال: حدثني يا حمدون عن التكاليف المطلوبة. # فقال الشاب باهتمام: أجرة المسرح والممثلين والملابس والديكورات. ليس بالمبلغ الخيالي، ~~ولكن يحسن ألا يقل عن خمسمائة جنيه. # فتفكر عزت قليلا ثم تساءل: هل يضمن النجاح؟ ~~- أعتقد ذلك خاصة إذا أدرنا البوفيه لحسابنا. # وساد صمت مليء بالانفعالات والأمل والدوافع العميقة. أخيرا تمتم عزت: دعني أفكر يا حمدون قليلا. # 12 # لم يكن في حاجة حقا للتفكير - كما يقول الراوي - إذ اجتاحته دفعة حيوية شديدة الانطلاق ~~والقوة خلقت منه إنسانا جديدا مجنونا بالحركة، دعاه داع عميق للنشاط والثورة على البلادة ~~حتى أنكر نفسه، واعتبر الأمر لهوا مقدسا ولعبا سارا تتحقق به الذات على نحو بهيج. ولم ~~يغب عن تقديره أن المشروع الجديد يجب أن يطوى في طي الكتمان؛ فلا هو مما يمكن التفاهم ~~عليه صراحة مع عين، ولا هو من الأعمال التي تعترف بها حارته أو تحترمها، وسوف تلوكه الألسنة ~~إذا انكشف السر وتجود عليه بأشنع الصفات. ولم يثبط ذلك من همته، بل لعله ضاعف من حماسه ~~وتمرده. صاحب مسرح ومديره، ترى ما معنى ذلك؟ أعجب من ذلك أنه لم يكتشف في نفسه اهتماما ~~حقيقيا بالمسرح، ولكنه يجري وراء المجهول وتحدياته الغامضة، وينجذب إلى فترة ماضية عامرة ~~بالثراء. ولا مراء في أن الإدارة تناسبه، وصحبة حمدون تعابثه، ms36 وتغيير الجو من النقيض إلى ~~النقيض يسحره، وحسن أن يخوض التجربة متحررا من ضعف الحب وآلام الوهم وبقلب متوفز جسور. # ولكن هل تصادفه عقبة غير متوقعة عند أمه؟ لقد قالت له: إنه مبلغ لا يستهان ~~به، ولكنه لك حبا وكرامة. أريد فقط أن أعرف مشروعك. ~~- شركة مقاولات. ~~- دعني أجلس ساعة مع شركائك. # فانتفض غاضبا وهتف: لست قاصرا، وهذه أعمال رجال! # فضحكت قائلة: ليكن التوفيق حليفك. ~~••• # اصطحبه حمدون إلى شقته القديمة بشارع محمد على لتناول الغداء. عندما لاح له المسكن شعر ~~برغبة جازمة في الهرب، غير أن الرغبة اندفعت في اتجاه ومضى هو يتأبط ذراع حمدون في ~~الاتجاه المضاد، بعد دقيقة أو نحوها سيرى بدرية المناويشي، ممثلة سيرك اللاوندي، ويلمس راحة ~~يدها لأول مرة في حياته، لو حدث ذلك قبل سبعة أعوام لتكهرب أو اشتعل، ولكنه يمضي اليوم ~~متحررا وقد ذاب العاشق القديم في تيار الزمن، وحل محله آخر يحلم بالإدارة والسيادة واللهو ~~البريء. # فتح الباب عن محياها الثري وابتسامتها العذبة وهي مرتدية فستانا منقطا بالبياض، ورجع ~~الصوت القديم وهو يقول بمرح وترحيب: أهلا ... أهلا. # دخل عالما جديدا لا رجعة منه، كان عليه أن ينقب عنه بين الأطلال، وها هو ذا يغزوه ~~متمتعا بالصحة والصداقة. وتذكر آلام الحب فتعجب. وجلس في حجرة استقبال متواضعة وغرقوا في ~~المجاملات والذكريات المحايدة، ثم دعي إلى المائدة، أثاث البيت ينطق بالتقشف. صديقه يعاني، ~~وها هو ذا يجيئه في الوقت المناسب. وراح يتناول طعامه بحماس قائلا: تعلمت أن آكل كما ينبغي. # فقالت بدرية: ازداد وزنك، ربما أكثر مما يلزم. # فقال حمدون معترضا: إنه مناسب جدا لصاحب مسرح ومديره. # فقالت بدرية: إليك المسقعة وورق العنب اللذين تحبهما كما أخبرني حمدون. ~~••• # وفي حجرة الاستقبال مرة أخرى قال عزت لحمدون: أرجو أن تكون أحسنت التصرف مع الوقت. # فقال حمدون بثقة: سنبدأ مع أول يوم من الموسم الصيفي، اخترت الممثلين والممثلات وسائر العاملين، وعند ~~العصر سيحضر الأستاذ يوسف راضي المحامي. كل شيء جاهز. # وتذكر وفاة أبيها منذ سنوات فقدم لها ms37 العزاء وسألها: هل ترين والدتك؟ # فقالت باقتضاب: تزوجت من زمان وانتقلت بصفة نهائية إلى البلينا. # فقال حمدون ضاحكا: حسن أن يعيش الرجل بلا حماة. # فقالت له بدرية: أنت مؤلف ووغد. ~~- المهم أن أنجح كمؤلف ... أتود أن ترى مكتبتي؟ # فأجاب عزت بفتور: طبعا، ولكن فيما بعد! # وسألته بدرية: كيف حال الست عين؟ أما زالت تغدق الرحمة على أهل حارتنا؟ # فقال ببرود: في غاية من النشاط والحركة. ~~- أظن أنه آن لها أن تستريح. ~~- ما زالت شابة! # فقال حمدون بإخلاص: إنها تستحق الإجلال على مدى الدهر. # فقال عزت ضاحكا: يخيل إلي أحيانا أننا أسرة من المجانين! ~~- إذن فالجنون خير ما يوصف للعالم لإنقاذه. ~~- أما زلت تعتقد أن العالم في حاجة إلى إنقاذ؟ فرفع حمدون يديه إلى السماء وهتف: اللهم فاشهد! # لاحظ عزت أن بشاشة بدرية تلاشت فجأة، وأنها غيرت مجرى الحديث قائلة: لولا ثقتي في أن مالك لن يتبدد ما رضيت أن نجرك إلى مشروعنا. ~~- شيء مدهش حقا أن تنجحي كممثلة. # فأشارت إلى حمدون وقالت: إنه صاحب الفضل، هو المكتشف وهو المعلم، يحفظني دوري، وأصر على تقويتي في القراءة ~~لأحفظ بنفسي. # فقال حمدون: لا أهمية لذلك طالما نقدم فصولا فكاهية، ولكني أحلم بتقديم مسرحيات شكسبير المترجمة، ~~فعليك أن تحسني النطق بالفصحى. ~~- الضحك مضمون النجاح، وسوف يؤيد المدير رأيي. # فابتسم عزت وامتنع عن الاشتراك في الحديث، فقال حمدون: الدموع تنجح كالضحك، وقد قرأت حضرتها مناظر من يوليوس قيصر فأبدعت. # نسي الحارة تماما بادئ الأمر كأنها ذكرى أسطورية، ثم جاءت سيدة لتجلس لصق بدرية ~~ولتدعو إلى مقارنة قاسية؛ نشأة واحدة في الحارة والكتاب، هذه تتألق بالذكاء والجمال ~~والاقتحام، والأخرى تتوارى وراء مسكنة ماكرة ببشرتها الداكنة وأنفها المتكور واستسلامها ~~المنيع، لكن ماذا صنع حمدون من بدرية وماذا صنع هو من سيدة؟ وقال أيضا إن سيدة أنجبت ~~سمير، أما هذه الحسناء فلم تنجب شيئا، ولو قدر لها أن تتزوج منه لتغيرت المصائر إلى أفضل ~~أو أسوأ. # خير ما يفعله ألا يفكر إلا في مركزه الجديد كمدير على ms38 هذين النجمين، وهو به سعيد جدا، ~~وفي غمرة حماس تتزايد قال: لعلنا نستطيع أن نستأجر مسرحا كبيرا في المستقبل. # ففرج حمدون بين ساقيه واضطجع إلى مسند الكنبة ليطلق لأحلامه العنان، أما بدرية ~~فقالت: المهم أن ننجح أولا. # فتمتم عزت: لو أنها تهبني ما تبعثره على الناس، لو أنني أبيع عمارة واحدة! # فاستوى حمدون في جلسته وقال محتجا: إني أعترض على الأحلام غير البريئة! # فقال عزت دون مناسبة ظاهرة: أود أن يكون لي مسكن خاص بعيدا عن الحارة. ~~••• # قبيل العصر بقليل دق جرس الشقة، فقام حمدون وهو يقول: جاء الأستاذ يوسف راضي وبدأ العمل. # 13 # تمخض الشتاء وأوائل الربيع عن إعداد واستعداد وإنفاق مال، كما تمخض عن صداقة حميمة بين ~~عزت وحمدون وبدرية ... ويعد الراوي تلك الفترة من أسعد الفترات في حياة عزت عبد الباقي، ~~وكان يمضي شطرا كبيرا منها في شقة حمدون، وهناك تحررت العقود مع مالك المسرح والممثلين ~~والممثلات والفنيين والعمال، وقد جدد أجزاء من مبنى المسرح وزوده بكراسي جديدة، وركب له ~~مدخلا جديدا، فصار تحفة روض الفرج كما قال عم فرج يا مسهل، عامل النظافة والمنادي الذي ~~يرجع أصله إلى الحارة. وفي أبريل نقلوا مكان العمل إلى المسرح نفسه، وقد أعجبته حجرة المدير ~~بمكتبها الكبير والخزانة والمقاعد الجلدية الوثيرة، ومارس عزت عمله كمدير وصاحب للمسرح. لم ~~تكن السيادة بالحال الغريبة عنه، ولكنها لم تمتد من قبل إلى آخرين بهذه النوعية، وتبدت ~~الممثلات لعينيه في صورة مبتذلة جدا، أقرب إلى دنيا الدعارة منها إلى دنيا الفن، وخيل ~~إليه أنهن يتسابقن في عرض أنفسهن عليه، فمضى في إعداد شقة خاصة في بيت متوسط الحجم بحدائق ~~شبرا، نوى أن يدعو إليه أسرته الخاصة بعد أن يستغله لنفسه قبل ذلك. ولاحظ حمدون تطلعاته ~~الجنسية، فقال له: استمع إلى الصديق، جميعهن رخيصات كما ترى، الممثلات الحقيقيات لا يفرطن في مسارحهن من ~~أجل مسرح كمسرحنا، وأي علاقة مع امرأة من هؤلاء ستضع من مكانتك كمدير، افعل ما تشاء بعيدا ~~عن هنا. # فامتثل للنصيحة، لم ms39 يلق صعوبة تذكر، ولم يكن به رغبة حقيقية. توفر لعمله بحماس وأشواق، أو ~~توفر له الرجل الجديد الذي خلق ليلة الاحتفال بدخول سمير الكتاب. وكان يلحق عند منتصف الليل ~~بغرزة رمضان الزيني في حجرة المراقبة بالحصن الأثري العتيق، ثم يمضي إلى دار عين عند مطلع ~~الفجر. # وكمدير قرأ النص، مسرحية نديم السلطان المقتبسة من ألف ليلة وليلة، وهي التي قدمها حمدون ~~من خزانة مؤلفاته المتراكمة، وشهد أيضا البروفات، وراقب حمدون وهو يقوم بواجباته المتعددة ~~من الإخراج والتمثيل، ورنا بدهشة إلى بدرية وهي ترفل في طيلسان الجارية الرومية. من المؤسف ~~أنه لا دور له في هذا العمل المعقد السحري الفاتن. وقال له حمدون: ستكون المنافسة شديدة، توجد ثلاثة مسارح غير مسرحنا. # فقالت بدرية: ميزتنا أن روايتنا جديدة، جميع رواياتهم معادة من التراث الهزلي. # فقال الأستاذ يوسف راضي: لا تنسي أنهم يغيرون العرض كل أسبوع، والمكان لا يحتمل عرض رواية واحدة أكثر من ~~أسبوعين أو ثلاثة ولو كانت جديدة! # فقال حمدون: عندي مخزون غزير، وعندنا التراث أيضا. # فقال المحامي: أنا عندي أيضا رواية جديدة! # فسألته بدرية: فكاهية؟ ~~- دراما جادة تعالج مشكلة تعدد الزوجات. # فقال حمدون: موضوع صالح أيضا للمعالجة الفكاهية. ~~- لكني تناولته من نواحيه المأساوية. # فقالت بدرية: لا يصلح لروض الفرج على أي حال. # فرمق يوسف راضي عزت برجاء، فقال هذا بثقة جديدة: دعني أقرأها أولا. # وارتاح للقرار واعتبره من صميم عمله. ~~••• # وكانت ليلة الافتتاح في أول مايو. وقف عم فرج يا مسهل أمام المدخل يصيح بصوت ~~مجلجل: هنا ... ست بدرية الفنانة ... مسرحية جديدة لم تمثل من قبل ... نديم السلطان ... ضحك حتى ~~منتصف الليل ... أغان ورقص ... مشروبات من جميع الأنواع. # كان عزت متوتر الأعصاب، لم يعرف هذه الحال من قبل إلا في محنة الحب، وعند استهتاره ~~بالعبادات لأول مرة. وقد شهد في الاستعداد نجوم الفرق المنافسة، فاطمأن إلى تفوق بدرية، ~~ولكنه لم يضحك - كما توقع - وهو يتابع بروفات نديم السلطان. ومال نحو الأستاذ يوسف راضي ... ~~كانا الوحيدين فوق مقاعد المشاهدين، وتساءل هامسا: ms40 لا شيء يدعو للضحك! # فقال المحامي منتهزا الفرصة: نحن في زمن الدراما والدموع ! # انقبض عند ذاك صدره وتساءل: هل يرجع إلى أمه مفلسا؟! لذلك توترت أعصابه مع مشرق يوم ~~الافتتاح ... غير أن الجمهور كان أكبر من المسارح جميعا. غصت المسارح بالرواد، وعمل ~~البوفيه بنشاط فاق طاقته، فاستهلكت بالعشرات قوارير الغازوزة والجنجرايل وسندويتشات الفول ~~والطعمية والبسطرمة. أكثر من هذا ضج الجمهور بالضحك، واستبق إلى إبداء الإعجاب ببدرية ~~بألفاظ خرقت الاحتشام في كثير من الأحايين. وضح له نجاح العرض فاسترد الثقة والكبرياء، ~~وتضاعف تقديره لحمدون، وشارك الجمهور في سروره بالرغم من أنه كان يرى المسرحية للمرة ~~العاشرة. # 14 # عقب الانتهاء، عند منتصف الليل، جاءت بدرية وحمدون إلى حجرته بوجهين سعيدين، فهنأهما ~~بالنجاح، فقال حمدون بحماس: نجاح فاق كل تصور. # وتمتمت بدرية: وبعد أن تاب الله علينا من السيرك. # وقام عزت وهو يقول: سنحتفل بالنجاح في حدائق شبرا! # اجتمع في الشقة الجديدة بدرية وحمدون ويوسف راضي، كذلك فرج يا مسهل للخدمة. وجيء بالكباب ~~والفستق والويسكي، على حين عكف فرج يا مسهل على تجهيز الجوزة. وذاق عزت الويسكي لأول مرة في ~~حياته، فغزاه انفعال جديد بالطرب، فلم يعد يبالي بوضعه الغريب ولا بتدهور قيمه، ورأى الكأس ~~بيد بدرية فملكه شعور بأنهم - جميعا - أجانب، وأن الحارة القديمة كانت حلما ليس إلا. ~~ولما أخذت النشوة بحمدون قال بنبرة خطابية: عرفت عزت في كتاب الشيخ العزيزي، فخلقت فوق ~~الحصيرة صداقة أبدية، ولكني لم أعرف إلا الساعة أنه قدر علينا مصير واحد. # فقال عزت: لكل إنسان أسرة حقيقية خلق لها، وباهتدائه إليها يبدأ حياته الأصلية. # فهتفت بدرية: كان علينا أن نضل طويلا قبل أن نهتدي إلى أنفسنا! # وانغمس عزت في إلهام عجيب، فتح قلبه لإشراق باهر، وأحب بقوة خيالية كل شيء، غير أنه ~~كان أيسر عليه أن ينفصل عن قلبه أو كبده من أن ينفصل عن حمدون وبدرية أو المسرح الذي هيأ ~~لهم الالتحام الأبدي. وقال إن بالدنيا كنوزا من الأفراح لا تخطر على بال، ولكن على من ms41 ~~يروم السعادة أن يكون حاسما مع المعوقات المتلفعة بظلمة الأركان العتيقة. وقال: أرغب في الغناء لولا قبح صوتي! # فقال حمدون ضاحكا: لنترك هذه المسألة لضميرك. # وقالت بدرية مشيرة إلى حمدون: كثيرا ما كان يصحو من نومه فيقول: «حلمت بعزت!» # فسأله عزت: بم كنت تحلم؟ ~~- آه ... ما أسرع أن تنسى الأحلام! # فقالت بدرية: لكني ما زلت أذكر حلما رواه لي، رأى أنكما ترقصان معا في قارب. ~~- ترى ما تفسيره؟ ~~- إنه لا يهتم بذلك. # فقال فرج يا مسهل: لقد تحقق في مسرحنا «الفردوس»؛ فهو قارب على شاطئ النيل. # وسرعان ما رحبوا بالتفسير، غير أن عزت تساءل في نفسه: ترى ماذا كنت أحلم في ذلك ~~الزمن؟! ~~••• # في طريقه إلى الحارة امتعض كثيرا، فلعن الحركة القسرية التي تختم بها الدائرة، حتى ~~الغرزة أوى أصحابها إلى مضاجعهم. وهو يخوض الظلمة ارتطم به معتوه معروف يطيب له الهيمان في ~~الظلمة، وقع رأسه عليه وهو يتمتم بكلمات ممطوطة لا معنى لها، فسال لعابه على خد عزت وعنقه. ~~تقزز الفتى ودفعه بقوة، فارتمى على ظهره عاويا. وجاءت نحنحة الخفير من بعيد محذرة متسائلة، ~~فبلغ به القهر منتهاه، وانطلق منه قرار متكامل الأبعاد غير مسبوق بتدبير، كما ينقض قاطع ~~طريق متربص، أن يرجع إلى الأبد، أن يقفز من شرفة الحصن العتيق ليقتنص حظا جديدا. # دار على عقبيه ومضى مترنحا ثملا بفرحة طاغية. ~~••• # يقول الراوي: # إنه عند عصر اليوم التالي جاء رسول إلى دار عين حاملا وثيقة طلاق عزت من سيدة. أجهشت ~~سيدة بالبكاء وراحت تجمع ثيابها في غمرة انفعالها. أسندت عين رأسها إلى ظهر الديوان المحلى ~~بالحكم والأمثال وأغمضت عينيها، وجعلت تهمس: ما أصدقك يا قلبي! # ولما فتحت عينيها رأت سيدة تنتهي من جمع ملابسها، وسمير يتابعها بوجوم. # صاحت عين: ما هذا؟! # واعتدلت في جلستها وقالت بلهجة آمرة: أرجعي ملابسك إلى مكانها. # فقالت سيدة بصوت ممزق: كيف أبقى معه تحت سقف واحد؟ # فقالت عين بأسى: لن يرجع إلينا مرة أخرى. # وقامت تتمشى في الحجرة، ثم تمتمت: لن أدهش إذا ms42 تحول السقف إلى سحاب وانهل منه المطر. # تمتمت سيدة: أذهب إلى أمي. # فقالت بضيق : قلت لك إن أمك هي أنا، هذا بيتك، هذا ابنك سمير، امكثي بسلام حتى يرزقك ~~الله بخير منه. # وأرجعت الملابس بيديها وهي تواصل: حدثني قلبي بأن أحداثا ستقع، السحب لا تتجمع لغير ما هدف. # وأخذت سمير من يده إلى الديوان وقالت مغيرة لهجتها: الشيخ العزيزي يثني عليك طيب الثناء. اجتهد وعز قلوبنا الجريحة. # همس الولد بقلق: بابا. ~~- لقد باعنا بالتراب، هذا هو أبوك! # وتساءلت في تأثر: لم لا يكون الجزاء من جنس العمل؟! # وتنهدت ثم قالت مخاطبة المجهول: لقد ربيته على خير ما أستطيع، وباركته بالهدى والحب، ماذا به؟ كان دائما يتوثب للسفر، ~~إلى أين؟ لماذا تخاصم الهواء؟ لماذا تتحدى راحة البال؟ لماذا تبحث عن المتاعب؟ ~~••• # واصلت الحياة سيرها الوئيد في الدار والحارة. مكثت سيدة بالدار في حياة جديدة خالية من ~~الصراعات. استأنفت عين جولاتها المجللة بالحب والرحمة، مبدية تماسكا وصبرا جليلا حيال ~~المكدرات، وسعدت باجتهاد سمير وتقدمه. وانتشرت أنباء عزت في الحارة - الطلاق والهجر - فلعن ~~الرجال والنساء الولد المارق. # 15 # الموسم يمضي في نجاح. عرضت فرقة الفردوس أربع مسرحيات من تأليف حمدون. ومنذ أواخر أغسطس ~~بدأ نشاط جديد لإعداد مسرح الكلوب المصري للموسم الشتوي. عزت يتمرس بعمل المدير، يحن لرؤية ~~سمير، ولكنه لا يفكر قط في زيارة الحارة. ودارت مناقشة حول الموسم الجديد في مكتب عزت، ~~فقال حمدون عجرمة: إني أحذرك من مسرحية يوسف راضي. # فقال عزت: سأجد وسيلة لإقناعه. # عند ذاك تساءلت بدرية: هل نعرض رواياتنا الهزلية في الكلوب المصري؟ # فقال حمدون: إنها ليست هزلية بالمعنى المتعارف عليه؛ فمن خلال الهزل أقول أشياء لها قيمتها. # فقال عزت: عظيم، ولكنك حدثتني مرارا عن خطة أخرى. ~~- إذا كان لا بد من الجد فعندنا مسرحيات شكسبير المترجمة. # تحرك رأس بدرية في رشاقة، وقالت بعذوبة: إني أحب يوليوس قيصر! # رأى عزت حركة الرأس وسمع الصوت فحدث شيء، ذهل عن بقية الحديث. ودعاه وذهبا وهو لا يدري. ~~تمتم وحده: ms43 رباه ... إني أحبها! # إنها ملء القلب والنفس والحياة. هل بعث الحب القديم في هذه اللحظة أو إنه لم يذهب ~~قط؟ أكان يلاعبه طيلة الوقت؟ إنه لشيء رائع مخيف، يقتحم الحياة ليشحن المستقبل بشتى ~~الاحتمالات. وعلى أي حال يعصف بالسلام إلى الأبد. تراجعت مشكلة يوسف راضي إلى الوراء. أجل، ~~لقد توثقت علاقته به، هو صاحب الفضل في تعريفه بأكثر من امرأة من صديقاته. أشعل في شقته ~~ليالي حمراء، لكنه لم يهنأ بها كما تخيل. بدا له الحب التجاري مقززا للغاية، وشيء خفي في ~~طبيعته ينغص عليه صفوه ويملؤه بالقلق والنفور. شيء خفي مغرم بالنكد، حتى قبل أن يكتشف حبه ~~أو قبل أن يعترف به، نفسه تتضح له بقوة كما تتضح الأسماك تحت الماء الشفاف. من يدري؛ لعله لم ~~يغامر باقتحام الحياة الجديدة، ولم يهجر عين وسمير وسيدة والحارة إلا من أجلها، من أجل ~~بدرية، وسعيا وراء ندائها المجهول. إنه الآن أسير تماما، حياته محاصرة بأعداء مجهولين. ~~متى يحدث الانفجار؟ ولكن مهلا. يجب أن تعالج الأمور بأسلوب آخر. ليبق الحب سرا دفينا ~~تحت الصداقة والعمل، فلتستمر الحياة في عذوبة ولتستكن عذاباتها الخفية. وعاوده التناقض ~~القديم الذي عاناه في رحاب أمه. يحب بدرية ويحنق عليها، يحب حمدون ويمقته، يحظى بالنجاح ~~ويقع في قبضة القلق الحديدية، وعليه إلى ذلك كله أن يتعامل معها - بدرية - ببراءة وتلقائية، ~~لكنه لا يطمئن إلى ثقته بنفسه، ويتعرض لهبوب رياح المخاوف، وهي - وهذا يقين - تحب زوجها ~~لحد العبادة، وهي فيما بدا مطبوعة على الوفاء والاستقامة، ومواقفها من جمهور المعجبين مضرب ~~المثل. ما أغبى حارته في اتهامها لها ولزوجها! الأغبياء يتهمونه بالاتجار في عرض زوجته. ~~ليته كان من هؤلاء الصنف من الناس. إذن لاتخذت الحياة مجرى فريدا في انسجامها وسعادتها. ~~وأشد ما يثيره ساعة الأرق أحيانا في أواخر الليل، يستيقظ فيسبح في عالم أثيري ويجيش صدره ~~بأعمق عواطف الشجن والأسى. ما أفظع ساعات الأرق وسحب الذكريات تهطل صورا براقة تنداح في ~~دموع ودماء وظلام وأنين، عند ذاك يرجع إلى البدائية ms44 الأولى المجللة بالبراءة والوحشية ~~والألغاز. وجعل يختلس من الرقباء ساعة تحت ستار الظلام فيقف في ركن يشاهد دورها فوق المسرح ~~في مناجاة وابتهال، ويتساءل في ذعر: ترى عن أي مصير سيسفر هذا الجنون؟ ~~••• # يقول الراوي: # إنه قبيل انتهاء الموسم بأيام قلائل اندفعت الأحداث في جديد غير متوقع، أخل بتوازنها ~~وأسرع بإيقاعها، فانطلقت مثل قذيفة. # كان عزت في حجرة الإدارة عندما جاءت بدرية وحدها قبل رفع الستارة بساعة أو نحوها. ~~ورغم أنها تبدت قلقة مشتتة البال فإن قلبه خفق بابتهاج عميق؛ إذ كانت أول مرة يخلو ~~إليها مذ عمل في رحابها. جلست وهي تقول بنبرة المعتذرة: إني مضطرة إلى إشراكك في همومي الشخصية. # تضاعف ابتهاجه للثقة الموهوبة من أحب الناس، وقال: همومك هي همومي أيضا. # قربت رأسها من المكتب حتى مست خصلات شعرها الأسود حافة الغطاء البلوري، وهمست: هناك شيء واحد يجمع بيننا في هذه الهموم. # تمتم وهو يبذل طاقة كبيرة للسيطرة على انفعالاته: إني مصغ إليك بكل جوارحي. ~~- هذا الشيء هو حبنا لحمدون! # تراجع حتى ارتطم مؤخر رأسه بجدار الحقيقة الباردة، وقال: طبعا. ~~- تحدث أشياء غريبة في بيتنا من شأنها أن تهدد حياتنا وعملنا ومستقبلنا. ~~- ترى ما هي هذه الأشياء الغريبة؟! ~~- هل سمعت عن «أبناء الغد»؟ ~~- أجل. ~~- بعضهم يتسللون إلى شقتي من تحت البواكي كل ليلة. ~~- كيف؟ ~~- عقب عودتنا من المسرح والشرطة نائمة، أو هكذا يتوهمون! ~~- لا أكاد أفهم شيئا. ~~- إنهم متمردون على كل شيء ومطاردون. ~~- ومتهمون باغتيالات معروفة! ~~- هذه هي المسألة. ~~- أتعنين أن حمدون ...؟ # ولاذ بالصمت، فقالت وهي تتنهد: نعم، حسبت الأمر مجرد تعاطف قلبي حتى اختاروا شقتنا مكانا لاجتماعهم، وعبثا حاولت ~~منع ذلك، فضلا عن إقناعه بالتخلي عنهم. # فتمتم عزت متفكرا: إنه شيء خطير حقا. ~~- لذلك ألجأ إليك. # فتساءل في حيرة: تعنين أن أفاتحه في الموضوع؟ ~~- أعندك رأي آخر؟ ~~- ألا يغضب لإفشائك سره؟ # فقالت بسرعة: لا يجوز أن يعرف ذلك! # فكيف أفسر له معرفتي بالأمر؟ ~~- لا أدري ... ولكن أبعد ظنه عني! # نظرت في ساعة يدها. نهضت وهي تقول: ms45 اعتمادي بعد الله عليك. # وسرعان ما غادرت الحجرة. # 16 # تركته في دوامة؛ دوامة لا تبقي عضوا واحدا في موضعه الطبيعي. الدنيا ألوان وأصوات ~~وأفكار وملائكة وشياطين متلاطمة. ثمل بالثقة، تحفز للمساعدة، تحير طويلا، عبره طرب مجهول. ~~وكان عليه أن يهتدي إلى فكرة، وتعترض أفكاره صورة حمدون في لباس السجن، أو فوق المشنقة. ~~يقول لنفسه بصوت مسموع: لا بد من خطوة لإنقاذ الموقف، لا يجوز أن تهجر بدرية أو تترمل، لا ~~يجوز! # عليه أن يكون عند حسن الظن به، عليه ألا يهمل واجبه. القدر أيضا لا يهمل واجبه. # عند انتهاء الليلة قبل الختامية قال عزت لحمدون: أود أن أحتفل بالنجاح في شقتك، ولا أريد رابعا معنا! # بهت حمدون عجرمة وقال: لست الليلة على ما يرام! ~~- سوف ينعشك الويسكي. # فتساءل مترددا: أليست شقتك أوفى بالغرض؟ ~~- ولكنها غير خالية! ~~- دعنا نر عشيقتك الجميلة! # فتساءل عزت باستياء: كأنك لا ترحب بي! ~~••• # ما كاد يستقر بهم المقام في الشقة حتى دق الجرس. هرع حمدون إلى الباب، عاد بعد دقائق ~~وقد زايله التوتر. رفع عزت كأسه قائلا: صحتكما ... أزائر في هذه الساعة من الليل؟ # فأجاب حمدون ضاحكا: طارق أضله الظلام! # شرب جرعة وهو يردد بصره بينهما، ثم تمتم: لا تحاولا خداعي. ~~- خداعك؟! ~~- لا تحاولا خداعي. # تساءلت بدرية: ماذا؟ # فقال عزت بهدوء مخيف: إنكما متهمان! # هتف حمدون شاحب الوجه: صارحنا بما في نفسك. # فقال باقتضاب وثقة: أبناء الغد! # اشتد اصفرار وجه حمدون، غضت بدرية عينيها. قال حمدون: لا أفهم. ~~- بل تفهم كل شيء. # هبط صمت كالموت ولكنه لم يستقر طويلا، فتساءل عزت: أي خطر تعرضان نفسكما له؟ # سأله حمدون باهتمام: من أخبرك؟ ~~- شخص أثق به. ~~- الوغد! ~~- من تقصد؟ ... إنك لا تعرفه! ... لولا ثقتي في أمانته لحثثتك على الهرب. ~~- يوسف راضي! ~~- كلا! ~~- هو دون غيره. ~~- قلت كلا، وأقسم على ذلك! ومن أين له أن يعلم؟ ~~- إنه معنا ضمن مجموعة أخرى، ولكنه يعتقد أنني أصادر عبقريته! ~~- أقسم لك أنه شخص آخر. ~~- من هو؟ ~~- لست في حل من ذكر اسمه، ms46 سأخبرك به ذات يوم عندما يحلني من قسمي. لا أهمية لذلك. كيف ~~تورطتما في ذلك؟ # فقال حمدون بضيق: لا علاقة لها بالأمر. # وقالت بدرية: لا أهتم إلا بالمسرح. # فقال عزت مخاطبا حمدون: ليتك كنت كذلك. ~~- لا حيلة لي في ذلك. ~~- طول عمرك تشغل نفسك بأمور لا تهم أحدا. ~~- لا تهم أحدا؟! ~~- لن أجادلك في ذلك، أريد فقط أن أعلم؛ هل تستمر هذه الاجتماعات المريبة؟ # فلاذ حمدون بالصمت، فقال عزت: نحن صديقان وأكثر من شقيقين، لنا حياة مشتركة، لم نكد نبدأ بعد، أمامك مستقبل باهر، لا ~~زواج بين الفن والجريمة، عليك أن تنقذ نفسك قبل ألا ينفع الندم. ~~••• # ورجع إلى حدائق شبرا وهو يقول لنفسه ما كنت أتصور أن الملائكة والشياطين يتجاورون في ~~وطن واحد! # 17 # في غمار الدوامة، في الليلة التالية - وهي الليلة الختامية - رأى خالته أمونة وكريمتها ~~إحسان وشابا مجهولا يدخلون مسرحه. تلاقت الأعين فتقدم للمصافحة. مقابلة فاترة، ولكنه ~~تعرف بعريس بنت خالته الذي دعا حماته للمشاركة في نزهة احتفاء بشهر العسل. لم يغب عنه أن ~~مهنته الجديدة ستعرف على حقيقتها في الدار والحارة، وستلوكها الألسن كنادرة من النوادر. ~~وكانت فكرة زيارة الأسرة تعابثه من آن لآن، فعدل عنها بقرار نهائي رغم حنينه المتقطع لرؤية ~~سمير. انتهى عزت عبد الباقي القديم، وحل محله رجل يميل إلى البدانة، ويمارس عمله في بيئة ~~تكتنفها الشبهات، وقنع بأن يكلف عم فرج يا مسهل - وهو أصلا من أبناء الحارة - باستطلاع ~~الأخبار وموافاته بالأحوال. ~~••• # وتحدد يوم 15 أكتوبر موعدا لافتتاح الموسم الشتوي بالكلوب المصري. نفحه نجاح الموسم ~~الصيفي بالثقة، ولكن المستقبل تبدى له رغم ذلك غامضا، وأمدته أعماقه المنصهرة بالحب ~~والأخيلة المفزعة بالريبة والقلق، ولم يخل ببدرية في تلك الفترة إلا دقيقة، فسألها: كيف الحال؟ ~~- انتهت الاجتماعات، ولكن ... ~~- ولكن؟! ~~- ولكن حمدون يمر بحال سيئة. # وقال لنفسه: حسن أن تنتهي الاجتماعات، غير أنه ابتسم ساخرا، وثمة صورة كانت تلح على ~~خياله، صورة حمدون في لباس السجن يصاحبها إحساس بالألم يمجه الصوت الخفي الذي ينغص عليه ms47 ~~صفوه. # وقال له يوسف راضي: من المناسب أن تفتتح الموسم بروايتي. # فقال عزت مجاملا: سنفعل ذلك ذات يوم . # فقال الشاب: إني أفكر في دعوة حمدون ذات يوم لأسمع رأيه وأدخل ما يراه ضروريا من التعديلات. ~~- خير ما تفعل. # وجرت مفاضلة في شقة حمدون بين يوليوس قيصر ونديم السلطان؛ بأيهما يستحسن أن يكون ~~الافتتاح. قالت بدرية: يوليوس قيصر هائلة، ولكن دوري تافه. # فقال حمدون: لقد حفظت أقوال أنطونيو حبا واستحسانا، ولعله من الطريف أن تمثلي دوره. # فهتف عزت: دور رجل؟! ~~- لم لا؟ ... ستكون مفاجأة مثيرة. ~~••• # ولم يتقرر شيء في الاجتماع إذ جرت الأحداث بسرعة مذهلة. في اليوم التالي عثر على يوسف ~~راضي جثة هامدة في شقة صغيرة بالقبيسي يقيم فيها بمفرده. نشرت الصحف الصورة والخبر، ووصفت ~~الجريمة بأنها وحشية وغامضة. # ارتعد عزت وانقلبت ساحة نفسه إلى مسرح للأشباح المفزعة. إنه والشيطان الوحيدان اللذان ~~يعرفان السر. وجد الشيطان يقبع في أعماقه ويشير ضاحكا إلى حمدون، حمدون الذي قتل رجلا ~~بريئا جزاء جريمة وهمية لم يرتكبها. من الذي قتل يوسف راضي؟ ليس حمدون وحده، لكنه - عزت ~~- وراء ذلك وبدرية أيضا. يا لك من رجل خطير حقا يا حمدون، ولكنك انتهيت ... انتهيت ... انتهيت ~~... انتهيت - اليوم أو غدا أو بعد غد - حضرة، أنت الذي بادأتني بالصداقة في الكتاب، أنت ~~القضاء والقدر، أنت الرجل المعجزة، حضرة صاحب. أين المفر من ذلك الصوت الذي يطاردني ويكدر ~~صفوي؟ ما ذنب البريء الذي قتل غدرا وجهلا؟ وحتى متى يلازمني الشيطان وهو يضحك؟ حضرة ~~صاحب، فرصة. للتكفير فرصة. للجنون فرصة. للعذاب فرصة. للحب فرصة. لنقف أمام الميزان. حضرة ~~صاحب السعادة، من أنت حتى تخاصم وتحاكم وتحكم؟ من أنت حتى تنفذ أيضا؟ دائما تصدر الإعدام ~~على الآخرين، فعلت ذلك مرتين. في كل مرة يهتف هاتف الغيب: العين بالعين. أن أتحمل وقر ~~إثمي فهو العدل، أن أتحمل إثم الآخر فهو الجنون. حتى لو لم يخرج من العدم وجود فهي التجربة ~~اليائسة. لا بد لضحكة الشيطان أن تسكت، أو فليقهقه حتى يرج الجدران. ms48 ترى فيم تفكر عين في ~~هذه اللحظة من الزمان؟ حذار أن يسبقك الزمن. حضرة صاحب السعادة النائب العام . # 18 # في الظاهر تستمر الاستعدادت للموسم الجديد، لكن مصرع يوسف راضي هز الأفئدة هزة عنيفة. ~~جميع أفراد الفرقة يعرفونه معرفة شخصية؛ كاتب العقود والمؤلف المنتظر. قتل أمس والتحقيق ~~ينقب في كل زاوية. سئلوا جميعا ولم يعثر لديهم على شيء. ذهب حمدون معهم. لم يبح عزت ~~بهاجس واحد من هواجسه. رجع بصحبة حمدون وبدرية. لاذ حمدون بالصمت طيلة الوقت. # قال عزت برثاء: يا للخسارة! # فعقب حمدون: أجل، كان شابا. # وكعادة النساء نشجت بدرية بالبكاء. وبدت الدنيا غريبة كأنما تخلق من جديد، ولكن في لون ~~منفر. مروا في طريقهم بصندوق البريد الذي تعامل معه أمس لأول مرة. ترى أغادره الخطاب أم لا ~~زال ينتظر؛ عزت ... حمدون ... بدرية؟ صندوق البريد ... يا للوحشية يا بدرية، عندما لا نجد إلا ~~الشيطان كرسول للضمير الحي! أرى عين ناشرة المظلة لتتقي أشعة الشمس. أتشرف بإبلاغ ~~سعادتكم. ~~••• # في عصر اليوم نفسه اقتحمت بدرية شقته بحدائق شبرا، زيارة غير متوقعة، متجلية التعاسة ~~والاضطراب، تنذر بالمخاوف، الخطاب لم يصل بعد، فماذا دهاها؟ ارتمت على مقعد بحجرة ~~الاستقبال، وأغمضت عينيها من الإعياء، وقف قبالها مذهولا يهمس: خيرا؟! ... ماذا حل بك؟ # تمتمت بيأس واضح: إنه الخراب. ~~- بدرية ... ارميني بما عندك مرة واحدة. # فقالت وهي تتنهد كمن يزفر آخر نفس: جن حمدون، طلقني، ضربني، ذهب ليعترف بجريمة قتل يوسف راضي. # هتف متظاهرا بالانزعاج والعالم من حوله يتناثر ويتطاير: أي جنون! ~~- هي الحقيقة! # رأى في وجهها دمامة لم يدر من أين أتت، رأى امرأة أخرى. قال: أريد أن أفهم قبل أن أجن بدوري! # نحت عينيها عنه، وقالت كأنما تعترف للمجهول: انقلب حالي منذ علمت بمصرع يوسف، اتجه ظني نحو حمدون، أدركت أن الرجل راح ضحية ~~جريمة لم يرتكبها، اجتاحني رعب وشعور مفزع بأنني القاتلة الحقيقية. ~~- ذلك يعني أنني شريك، ولكنها محض أوهام. ~~- ليست أوهاما على الإطلاق، يخيل إلي أنك شاركتني العذاب أيضا، وعقب عودتنا إلى ~~البيت ms49 لاحظ حمدون تغيري المطلق، انهارت قوة احتمالي فصارحته بخوفي من أن يكون يوسف راضي قد ~~راح ضحية جريمة لم يرتكبها. # قال عزت بأسف: اندفعت دون ترو. ~~- انفلت مني الاعتراف وأنا في حال بائسة من الانهيار. ~~- كيف كان وقع ذلك في نفسه؟ ~~- اكفهر وجهه، استوضحني ما أعنيه، اعترفت له بأن يوسف لم يفش سر الاجتماعات إليك، وأنني ~~أنا التي فعلت! # فقطب عزت واختفى وجهه تحت قناع غليظ من الكآبة، وتبدت هي مشدودة إلى ذكرى مفزعة وطاغية، ~~ثم قالت: لا يمكن أن تتصور ما حدث، لقد وثب من مجلسه كالملدوغ. صرخ، تجلى الافتراس في ملامحه، ~~لطمني لطمة كادت تفقدني الوعي. اتهمني بالجريمة. ومن شدة ألمي رددت إليه التهمة، صحت به: بل ~~أنت القاتل! # تأوه عزت متسائلا: أهذا جزاء من يدفعه حسن النية إلى إنقاذ من يحب؟! # وراح يضرب الجدار بقبضته ويهدد بالويل. رماني بالطلاق، استمر يعوي مثل وحش جريح ... ثم ركز ~~عينيه علي مليا وقال بمقت شديد: «أنت الجحيم، أما أنا فقد انتهيت.» # وارتدى ملابسه في عجلة ولهوجة وغادر الشقة وهو يقول: سأطلقك أولا، ثم أسلم نفسي. # هتف عزت: يا للتعاسة! # فانخرطت بدرية في البكاء وقالت: تركني في وحدة مرعبة! # إنه يتردى في نفس الوحدة المرعبة. لم تسرع بتحرير الخطاب الغفل من الإمضاء؟ كأنما لم ~~يكن له من هدف سوى تسجيل الخسة على نفسه، سيعترف حمدون قبل وصول خطابه بيوم أو يومين. من ~~العبث أن يمضي في إقناع ذاته بأنه فعل ما يمليه عليه الواجب الإنساني، وها هي ذي بدرية ~~حرة وحمدون يرسف في الأغلال، ألم يكن ذلك حلمه الملح؟! لكنه مريض وبدرية دميمة، والدنيا ~~تعاني أنيميا حادة لا تصلح معها للحب. قال بأسى: اغسلي وجهك، اشربي قدحا من الشاي، علينا أن نفكر بهدوء في الكارثة. # فنهضت وهي تقول متأوهة: إنه لا يدري كم أحبه! # 19 # عرف الآن أن حمدون عجرمة المؤلف والممثل هو قاتل يوسف راضي المحامي، وأن الباعث على ~~الجريمة هو ما لاحظه القاتل من غرام القتيل بزوجته. ذاع أيضا ms50 خبر الخطاب الغفل من الإمضاء ~~الذي اتهم حمدون بقتل يوسف. أعيد التحقيق مع بدرية فأكدت أقوال حمدون، ولم تشر من قريب أو ~~بعيد إلى جماعة أبناء الغد. ولم تجد بدرية في وحدتها المرعبة من أنيس أو معين إلا عزت. زالت ~~دمامتها الطارئة، ولكن ثقلت ملامحها بأسى ثابت وعميق. ورغم مرارة نفسه فإنه لم يفقد الأمل في ~~مستقبل قريب أو بعيد. واستمرت الفرقة في أداء البروفات دون اشتراك بدرية، معيدة المسرحيات ~~التي مثلتها في روض الفرج. وتعمد عزت أن يشعر بدرية من آن لآن بأنه ما زال يمارس عمله ~~كمدير، وكانت تعلم من ناحية أخرى بأنه لا مورد له إلا العمل؛ لذلك تشجع ذات يوم وقال ~~لها: علينا أن نبدأ العمل في ميعاده، وإلا عرضنا أنفسنا للإفلاس. # فتمتمت بضيق شديد: ما أبغض ذلك! ~~- أشاركك الإحساس، ولكن لا بد مما ليس منه بد. # فقالت بحزن: نحن الآن بلا مؤلف. ~~- ولكننا نملك رصيدا لا بأس به من المسرحيات فضلا عن التراث والروايات المترجمة. ~~- إنه خسارة لا تعوض! ~~- ذلك حق، ولكن علينا أن نفكر في كل شيء وفي المستقبل. # وهنا قالت برجاء: أود أن أنجز عملا هاما قبل بدء الموسم. ~~- ستجدين مني ما تتوقعين وفوق ما تتوقعين. ~~- لقد قابلت محامي حمدون فأملني كثيرا في إنقاذه من حبل المشنقة. ~~- أرجو هذا؛ فقد سلم نفسه وانتحل للجريمة عذرا مخففا. ~~- طلبت منه أن يبلغه رجائي في أن يتزوج مني مرة أخرى! # فلم يدر ماذا يقول وهو يتلقى لطمة جديدة بلا رحمة، أما بدرية فاستطردت: سيعينني ذلك على مواصلة الحياة. # فقال بفتور: شيء عظيم حقا. ~~••• # استعد عزت لافتتاح الموسم وهو يشعر بأنه أحقر شيء في الوجود. لم يخفف من شعوره ما علمه ~~بعد ذلك من أن حمدون رفض طلب بدرية، بل ورفض حتى مقابلتها. وبدأ الموسم بنجاح متوسط، ولم ~~يخف عنه أن بدرية فقدت الكثير من سحرها المسرحي، وتعاقبت الأيام لا تبشر بخير جديد، وفي ~~أثناء ذلك تمت محاكمة حمدون، وقضي عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. # وجاءه فرج يا ms51 مسهل - كالعادة - بأخبار الحارة، فقال له لمناسبة الحكم على حمدون: لم يعطف عليه أحد في الحارة! # فقال عزت بأسى: لعلهم يتمنون لي مصيرا مشابها! ~~- ست عين تدفع عنك بخيرها العميم نيات السوء. ~~- وما أخبار الدار؟ ~~- الست الكبيرة كعهدها، هي هي لم تتغير، أم سمير رفضت أن تتزوج من عليش النجار مفضلة ~~البقاء مع ابنها، سمير يتقدم في الدرس بنجاح وذكاء. # وتذكر الحديقة وغرزة الحصن العتيق وسمير الذي سيشب جاهلا أباه، ولكن فيم يفكر؟ في ماض ~~انقطعت عنه أسبابه إلى الأبد؟ ~~••• # وقال لبدرية: ما رأيك في أن أجرب حظي مع مسرحية المرحوم يوسف راضي؟ # فقالت بلا حماس: جرب، الموسم حتى الآن غير ناجح تماما. ~~- وربما وفر لها اسم مؤلفها - الذي لم ينس الناس مأساته بعد - نجاحا إضافيا. # فقالت بدهشة وهي تبتسم: صرت حقا صاحب مسرح يا عزت! # فضايقته ملحوظتها، وقال بشيء من الحدة: لقد صرت صاحب مسرح من أجلك. ~~- أجلي أنا؟! ~~- أعني من أجلك وأجله! # فحدجته بنظرة معتذرة ولم تنبس. # وقد حققت المسرحية نجاحا ملحوظا أقال الموسم من تعثره. ومضى موسم الشتاء بلا سرور، ~~ولكنه نجح نجاحا فذا في موسم روض الفرج الجديد، وكان يسرف في العمل كما يسرف في كل شيء ~~ولكن بلا سعادة حقيقية. وظل الحب يطارده بلا أدنى أمل. وسنحت فرصة - والفضل فيها لفرج يا ~~مسهل - لتأجير مسرح الإليزيه بشارع دوبريه، فاستأجره مدفوعا بروح المغامرة والآمال ~~الغامضة، وقال لبدرية: ها هي ذي فرصة للعمل في قلب المدينة، آن لك أن تعملي كنجمة حقيقية. # 20 # أنفق في الاستعداد للموسم الجديد مالا كثيرا، والإليزيه مسرح حسن بناء وموقعا، وقد ~~كان مغلقا من أعوام بسبب اختلافات بين الورثة حتى استحقه بحكم قضائي الخواجا بنيامين، فكان ~~عزت أول مستأجر له في حياته الجديدة. شعر عزت بأنه أصبح صاحب مسرح بالمعنى الدقيق للكلمة، ~~وأنه سيعمل بكل فخار في مجال رمسيس والأزبكية وبرنتانيا. أجل، لم يوفق إلى ضم ممثل أو ~~ممثلة ذات شأن إلى فرقته، ولكنه كان شديد الثقة ببدرية، ومضى يحلم بنجاح مرموق ms52 حتى ليلة ~~الافتتاح، وإذا به يتلقى صدمة باردة، فيرفع الستار عن صالة ثلاثة أرباعها خالية. اعتقد بادئ ~~الأمر أن فرقته غير مؤهلة للنجاح في وسط المدينة، ولكن أنباء ترامت إليه عما تعانيه ~~المسارح جملة من فتور وانكماش. وما كان بوسعه إلا أن يستمر، ولعل النجاح الوحيد الذي قسم ~~للفرقة كان من نصيب بدرية؛ إذ تقدم لخطبتها تاجر ثري! عرف ذلك عن طريق فرج يا مسهل وليس عن ~~طريق بدرية، فضاعف ذلك من آلامه المزمنة. # وانفرد بها في حجرة الإدارة في جو ثقيل من الخيبة وفي نيته عزم على التحدي. قال: الحال كما ترين. ترى ماذا يحسن بنا أن نفعل؟ # فقالت بحزن: يحسن بك ألا تستمر. ~~- الجميع يخسرون. ~~- هذا أدعى للأخذ برأيي. ~~- هل نرجع إلى الكلوب المصري وروض الفرج؟ ~~- إذا شئت. # فقال بارتياب: لست متحمسة؟ ~~- لا شيء يدعو إلى الحماس. # فتساءل بارتياب أشد: وماذا عن مستقبلك؟ # فغضت بصرها ولم تنبس، فسألها بصراحة: أحقيقي ما سمعت عن رجل يطلب يدك؟ # فأجابت بهدوء دون أن ترفع عينيها: نعم. ~~- عجيب أن يجيئني الخبر من آخرين! # فندت عنها حركة تنم عن ضيق ولكنها لم تتكلم. قال: وهو خبر غير معقول. ~~- لماذا؟ ~~- ألم تبدي استعدادا لانتظار الآخر ربع قرن من الزمان؟ ~~- لم يدر بخلدي الفشل. ~~- وهل حقا ما يقال من أن الرجل يكبرك بثلاثين عاما؟ ~~- يحدث ذلك. ~~- لعلك خفت عواقب الكساد، ولكن ما تزال أمامنا فرص. # فحدجته بنظرة واضحة وقالت: المستقبل غامض، أريد أن أحافظ دائما على كرامتي، ثم إني وحيدة. # فقال محتجا: لا ... لا ... لست وحيدة. # وتبادلا نظرة طويلة ثم مضى يقول: لست وحيدة، ذلك قول أعتبره جارحا لي. ~~- أشكرك، ولكني أبحث عن حل دائم ومعقول. ~~- هنالك حل أجمل. ~~- حقا؟ ~~- أن نتزوج! # فتفكرت قليلا، ثم تساءلت بنبرة لم تخل من سخرية: بدافع العطف؟ # فقال بحدة وإصرار: بدافع الحب. ~~- الحب؟! ~~- الحب القديم والجديد. # فقالت وهي ترمقه بنظرة ممتعضة: إنه لخبر جديد! ~~- لولا غبار الأحداث لرأيته من زمن. ~~- أكان موجودا وحمدون معنا؟! # فانكمش انفعاله وسقط في الرماد ms53 ولم يدر ماذا يقول. وبعد فترة من الصمت الخانق وجد منفذا ~~للخلاص، فقال: عاد الحب في أثناء وحدتك! # ورجع الصمت كرة أخرى مشحونا بالريبة وعدم التصديق نفخ متحديا وقال: من الغباء أن نعتذر عن الحب! # فسألته بمرارة: من الذي أرسل الخطاب إلى النيابة؟ # انخلع قلبه فزعا. لم يتوقع أن يجرد من ثيابه بجذبة واحدة. أدرك ما تعنيه ولم يكن نسي ~~شيئا، ولكنه تساءل متجاهلا: أي خطاب؟ ~~- أنت تعرف قصدي، وجهك يشهد بذلك. ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- أنت الذي أرسل الخطاب. ~~- إنك لمجنونة. ~~- ولكنه الحق. ~~- إنه الوهم، ثم أنسيت أنه اعترف قبل وصول الخطاب؟ # فقالت ببرود: ولكن الخطاب كتب وأرسل. ~~- تحقيق سخيف لا يقوم على أساس. # فقالت بهدوء: الزواج الذي تقترحه يعني التمادي في الإجرام، منك ومني أيضا. # فقال بعنف: المسألة أنك لا تحبينني! ~~- هذا صدق أيضا، أنا لم أحب في حياتي سوى حمدون. ~~- ولكنك لن تتزوجي من ذلك الرجل. ~~- هذا شأني، ولا خيار لي. # فقال بغضب: سأمنعك. # فقالت وهي ترفع منكبيها، ثم مضت وهي تقول: أستودعك الله. # 21 # ذهبت بدرية. توقف العمل. أطفئت الأنوار. لم يعد صوت يجلجل بخير أو بشر. تقوض عالم ~~الخيال. تبخر سحره. ران الأسى على كل قلب. لن يراها وهي تمرح في طيلسان الجارية. لن يسعد ~~بابتسامة الثغر، ولا بعذوبة الصوت. نظرة متحجرة رافضة آخر ما أهدته. وداع الآثم الضنين ~~بالدموع. إذا هلت طلعتها فهي خيال المحروم. كتب على جوانحه أن تتعذب بالحنين العقيم، أن ~~يتذوق الألم كتمزز المخمور، أن ينادي الغيب ليصد عنه سخريات الغيب. ملعون يوم رأيتك، ملعون ~~يوم رجعت إليك، ويوم ماكر شرير يوم لمحتك في الكتاب؛ حين قدر البؤس على الوجيه المدلل، ~~حين تواثبت العصافير فوق الغصون محذرة. ومضت عين بحماقتها تكفر عن حماقات البشر. وتلقى من ~~الحصن العتيق ثورة، ولكن بقلب طفل غرير. وشهد المجاذيب والمساطيل بجمالك يا بدرية. وها هو ذا ~~ضغط الحياة لا يسمح للمحزون بأن ينعم بالحزن. مضى يصفي عمله ويتخلى عن رجاله بألم بالغ. لم ~~يبق معه من ماضيه ms54 القريب إلا فرج يا مسهل، وحتى هذا قال له: آن لك أن ترجع إلى دارك العامرة. # كيف يرجع بالخيبة والجريمة والحب الضائع ؟ قال: فات الأوان. ~~- مكانك هناك، ستجدني في خدمتك، لقد خلقت للوجاهة والعز. ~~- تريد أن ترجعني إلى البطالة والغم. ~~- بل إلى الوجاهة والزواج ثم الحج إلى بيت الله! # فقال باسما: إني الآن في زمن العذاب، في عمر قادم سأعمل بما يناسبه، أليس عندك رأي آخر؟ # سرعان ما تحول الرجل من أقصى طرف إلى أقصى طرف، سأله: هل عندك مال موفور؟ ~~- نعم. ~~- عظيم، حول المسرح إلى ملهى ليلي؛ فهذا زمن الملاهي! ~~- ألك خبرة بذلك يا مسهل؟ ~~- الحمد لله، سيبقى المسرح كما هو، تتغير الصالة، البوفيه يكبر، أما البنات وخلافه فدع ~~أمرها لي. # أدرك أنه يغوص في أعماق مظلمة. لم يفزع ولم يتردد. ألقى بنفسه في تيار الاستهتار ~~وكأنما ينتقم من عدو مجهول، وراح يا مسهل في تفكير عميق وهو يقول: ربحه مضمون. ~~••• # انهمك في تحويل المسرح إلى ملهى ليلي. جاء البناءون والنجارون. جرى الاتفاق مع الفتيات ~~والجرسونات والعازفين. مثل الإدارة خير تمثيل ببدانته المتزايدة وحزمه المكتسب، وانتقل من ~~شقة حدائق شبرا إلى شقة بشارع دوبريه نفسه، وزود نفسه بما تشتهيه من طعام وشراب ومخدر ~~ونساء. صمم على نسيان بدرية كما نسي عين من قبل، وأن ينسى كذلك جريمته، وجعل يقول لنفسه ~~إنه ما فعل إلا أن أرشد العدالة إلى قاتل، ورغم ذلك فإنه لم يستطع أن يبدد سحب الكآبة ولا ~~أن يسكت صوت النكد الخفي. ~~••• # وعلى فترات متباعدة من الزمن تجيئه أخبار الحارة فتثيره وتنعشه، يجد فيها جديدا وسط ~~لياليه المفعمة باللهو والطرب والرقص والعجائب. أمه تطعن في السن، ولكنها لا تفقد حيويتها ~~ونشاطها الدءوب على الخير. تمضي متوكئة على المظلة أو ناشرة إياها من درب إلى درب، ومن بيت ~~إلى بيت، وقد أضفى الخيال عليها بركة وقداسة، وسلم أخيرا بالإعجاب بها بلا حدود؛ فالعمر ~~الطويل الذي يتحدى الزمن بنشاطه وقدراته مما يستحق الإعجاب والتقدير. إنها مصممة على ~~الخلود والشباب. ms55 وسيدة أصبحت وكأنها صاحبة الدار وبخاصة بعد وفاة أمها. أما سمير فإنه يشق ~~طريقه بنجاح خليق بأن يكفر عن سقوط أبيه، وها هو ذا يتأهب لدخول مدرسة الهندسة، وكما يخلق ~~من ظهر العالم فاسد يخلق من ظهر الفاسد عالم. # وربما تساءل أحيانا عما جرى لبدرية. وقد تكفل الزمن بإعدام حبه هذه المرة حتى الموت وليس ~~كالمرة الأولى. إنه يدرك الآن أن كل شيء يموت، وأن ما يلزمنا حقا هو شيء من الصبر عند ~~الملمات. لعلها اليوم أم محجوبة وراء الأستار أو لعلها أرمل أو لعلها مطلقة وشريدة. ماذا ~~يهم؟ ما هي إلا مجرمة؛ هي قاتلة يوسف راضي، هي دافعته إلى الخيانة، هي مرسلة حمدون إلى ~~التأبيدة. ماذا بقي من جمالها؟ أي شيء هذا الجمال الذي يعيش بضع سنين؟ ولكن كتب على الإنسان ~~أن يتعذب بلا سبب، ولولا الطعام والشراب والمخدر لفسدت الأرض. ~~••• # وتمر أعوام أيضا. تتراكم أرباحه، تزداد بدانته، ترمقه الأعين بالحسد، يجد في الهروب ~~من الألم والكآبة. آمن بأن السعادة هي التخفيف من الألم المحتوم، وأن الإنسان يتألم ~~لسبب؛ فإذا لم يجد السبب تألم أوتوماتيكيا. وذلك الملل الخفي الذي يتبعه كما يتبع الصوت ~~عجلة العربة بلا تحديد لمصدره. أما أسعد الأوقات حقا فهي وقت النوم العميق. وإنه ليرنو ~~إلى الضاحكين بارتياب حتى خيل إليه أن ملهاه الليلي ما هو إلا بؤرة للمجانين ~~والتعساء. ترى هل تنتهي هذه الحياة بخراب فناء شامل؟! وعجب كيف أنه لا يعرف في دنياه من ~~يأنس إليه إلا فرج يا مسهل. # وأيقظه أرق في الهزيع الأخير من الليل. جاش صدره بالعواطف الحزينة الغامضة. قرر فجأة أن ~~يستدعي ابنه ليراه. # 22 # انتظر في شقته الأنيقة ضحى يوم الجمعة. لم يتصور أن يتخلف عن الحضور، وحتى لو وقع المحذور ~~فليتحمل ما جنت يداه. # عزيزي سمير ... # لا تدهش. كاتب الخطاب هو أبوك. سوف تتساءل: أبعد ذلك العمر؟ لكنك لم تعرف أعماق ~~حياتي حتى يحق لك الحكم علي. أبوك يدعوك إلى مسكنه (عمارة 3، شارع دوبريه، شقة ~~14)، صباح الجمعة القادم ms56 (14 مارس). ما كان يجوز أن نفترق ذلك الزمن الطويل ونحن في ~~مدينة واحدة. الأسباب كثيرة، ولعلك سمعت الكثير ولكنك لا تعرف كل شيء . إني والدك على ~~أي حال. من الواجب أن نتعارف. سيسعدني جدا أن أقابلك. # عزت عبد الباقي # لن تمنعه من الزيارة أمه ولا جدته. ارتدى البيجاما والروب، حلق ذقنه بعناية، سوى شاربه، ~~مشط شعره، تطيب، انتظر. وفي الساعة العاشرة دق جرس الباب. انتقل الرنين إلى قلبه، هرع بجسمه ~~البدين إلى الباب. فتح، رأى شابا لم يشك لحظة في هويته، خفق قلبه كما لم يخفق من قبل، فتح ~~ذراعيه. أخيرا تلاقى الأب والابن وتعانقا ... مضى به إلى حجرة الجلوس. جلسا على فوتيلين ~~متقابلين وراء باب الشرفة المغلق، بينهما خوان عليه طبق سمح متعدد الثغرات، مليء بالفواكه ~~والنقل والشيكولاتة ودورق ماء وقارورة اسباتس وقدح ذي حامل فضي. راحا يتبادلان النظر في ~~اهتمام وانفعال وعلى شفتي كل منهما ابتسامة متألقة ترتعش في شيء من الارتباك. سره أن يراه ~~رشيق القامة مع ميل إلى الطول، وأن يرث عيني «عين» الجميلتين وأنفها الطويل السامق وجبينها ~~المرتفع. يا له من شاب مليح عامر بالحيوية والذكاء! # وقرر إنهاء الصمت فقال: إني سعيد جدا برؤياك. # فأجاب بصوت ذكره بصوت سيدة: وإني لأسعد يا أبي. # وهو يضحك: لا شك أنك تعرف عني أشياء، لعلها غير سارة، أنا أيضا أعرف عنك الكثير، عندي من ~~يوافيني بالأخبار، ومن ذلك تدرك أنني لم أتناس الأهل والمكان، ولكن لندع جانبا ما يعكر ~~الصفو، ولندافع عن سعادتنا المشتركة ما أمكن. ~~- خير ما نفعل. ~~- أنت طالب في الهندسة؟ ~~- أجل. ~~- وناجح في دراستك فيما بلغني؟ ~~- أملي كبير في بعثة إلى الخارج. # فأشار إلى الخوان يدعوه إلى تناول شيء، وقال: هائل! أبوك لم يحب الدراسة ولم يوفق فيها، وتسليتي في قراءة قصص الجريمة، لكن الزمن ~~يجيء دائما بالأحسن، كل واشرب ثم حدثني عن حياتك. # فقال وهو يصب الاسباتس في القدح: دراستي هي شغلي الشاغل، في العطلة أمارس الرياضة والمطالعة. ~~- لا تلمني إذا لم أسألك ms57 عن أمي أو أمك؛ فإني أعرف عنهما كل شيء. ماذا تطالع؟ ~~- موضوعات شتى ... سياسة ... أدب ... دين ... وأحب السينما كذلك. # وهو يضحك مرة أخرى: والمسرح ؟ # فعصر عينيه من الدموع التي بعثتها الغازوزة متجاهلا السؤال، فقال عزت: لذلك أفلست المسارح. وهل تهتم بالسياسة؟ ~~- الجيل كله يهتم بها. # فغشيت عينيه نظرة جادة وتمتم: للسياسة مآسيها! ~~- أحيانا. # فقال عزت معاودا المرح: لن أنصحك بشيء، أتدري لماذا؟ لأنني ما عملت بنصيحة أحد! # فقال سمير بحبور غمره من خلال ألفة متزايدة: طالما تشوقت لرؤياك. ~~- ولم لم تشبع أشواقك؟ ~~- خيل إلي أنك لا تهتم برؤيتي! ~~- تخيل خاطئ مائة في المائة، ولكنك لا تعرف كل شيء. # وقدم له برتقالة ثم سأله: لم يكن لي أصدقاء كثيرون. وأنت؟ ~~- لي كثيرون منهم، في الحارة والمدرسة. ~~- ولا شك أن علاقتك بأمك وجدتك جميلة؟ ~~- على خير ما يرام. ~~- أيهما أحب إليك؟ # فابتسم وقال: الأم هي الأم، ولكن سحر جدتي لا يقاوم! ~~- إنها العجيبة الثامنة في الدنيا. ~~- كيف هان عليك أن تهجرها ذاك العمر كله؟ # وقال لنفسه: إن ابنه لم يعرف الضجر ولا الألم بعد، وإذا به يقتحمه متسائلا: هلا حدثتني عن حياتك العاطفية؟ # فارتبك سمير وبدا عليه أنه لم يفهم، فرحمه أبوه وسأله: يهمني أن أعرف؛ أأنت سعيد؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- في ذلك الكفاية، أرجو أن تكون سعيدا حقا. ~~- أعتقد ذلك. ~~- عظيم، استمتع بوقتك؛ فالحياة لا تبقى على حال. # فتفكر الشاب مليا، ثم سأله: وكيف حالك أنت يا أبي؟ ~~- ناجح والحمد لله. ~~- أعني أأنت سعيد؟ # فضحك عزت عاليا وقال: أعتقد ذلك! ~~- لدي سؤال ولكني أهاب طرحه. ~~- صارحني بما تشاء. ~~- أأنت متزوج؟ ~~- ماذا يقولون هناك؟ ~~- يقولون إنك متزوج. ~~- ومن الزوجة التي زعموا؟ ~~- بدرية المناويشي! # فضحك عزت مداراة لانفعاله وقال: أتزوج من امرأة الصديق السجين؟! ... هل تصورت أن أباك يرتكب فعلا خسيسا كهذا؟ # فقال سمير مرتبكا: ربما كانت الشهامة لا الخسة هي ... # فقاطعه قائلا: أبوك لم يتزوج ولم يفكر في الزواج. # ثم وهو يعاود الابتسام: وماذا تعرف عن عمل أبيك؟ ~~- صاحب ملهى ليلي. ~~- ترى ما ms58 رأيهم في ذلك؟ # فقال سمير ضاحكا: إنك أدرى بأهل حارتنا! ~~- وأدرى بجدتك أيضا. ~~- ولكنها تحبك دائما، لا يمكن أن تتصور كيف كانت فرحتها بخطابك ! ~~- وأنت يا سمير، صارحني برأيك في عملي. ~~- إنه عمل شريف يا أبي. ~~- لعلها إجابة مدرسية! ~~- ولكنها صادقة. ~~- ألا يسيئك أن يعلم بها زملاؤك؟ ~~- إنهم يعرفون! ~~- أنت ولد شجاع! ~~- بل أنت الشجاع يا أبي. ~~- حقا؟! ~~- تفعل ما تشاء دون اكتراث لآراء الناس! # وتبادلا نظرة باسمة وغامضة، وتساءل عزت: ترى ألم يكن يفضل أن يجد أباه أقل بدانة وأنظف ~~عملا؟! وشعر بأنه ما زال عند أول درجة من درجات التعارف، وأن الكلفة لم ترفع بعد بينهما. ~~قال: لا يجوز بعد اليوم أن تغيب عني طويلا، سأنتظرك كل جمعة. # فقال سمير معتذرا: أعدك بذلك، ولكن بدءا من العطلة الصيفية. # تلقى أول خيبة، ولكنه قال: أجل، الامتحان يقترب، فليكن. وعلى فكرة لقد أعددت لك غداء طيبا! # 23 # بدخول سمير في حياته تغير تركيبها بعض الشيء. على أي حال لم تعد كما كانت، وتوثقت العلاقة ~~بينهما في الصيف فتحولت إلى معاشرة على مستوى رفيع. فاز بسعادة صافية يوم الجمعة، وأغدقت ~~عليه ذكريات عذبة بقية الأسبوع، ومنه عرف أنه يحب طالبة بكلية العلوم تدعى رجاء، وأنه ~~سيعلن خطبته فور انتهائه من الدراسة، فسعد عزت بالخبر. رحب بالحب الموفق، واعتبر نفسه مشاركا ~~فيه على نحو ما. هنأ ابنه على التوفيق الذي حرم منه طيلة عمره. ترى كيف كانت تكون حياته لو ~~تزوج من بدرية يوم رغب في ذلك؟ أي حياة نظيفة ومستقرة أفلتت من كليهما؟! ترى ألا تخطر لها ~~مثل هذه الخواطر أحيانا؟ أما الذي أزعجه حقا فهو اهتمام ابنه الواضح بالسياسة. أصبحت ~~السياسة مقرونة في ذهنه بالخيانة والجريمة والضياع. قال له مرة: السياسة شديدة الخطورة يا سمير. ~~- ألا تشغل بالك أبدا؟ ~~- كلا. ~~- وتظن أنه لذلك توفرت لك السعادة؟ # خطف منه نظرة؛ فقد حسبه يسخر منه، ولكنه وجده جادا بريئا. قال متهربا: لقد قضت السياسة على صديقي الوحيد في هذه الدنيا. ~~- حمدون عجرمة؟ ms59 ~~- أجل، أسمعت عن جماعة أبناء الغد؟ ~~- طبعا. ~~- إنها لمأساة حقا. # فقال سمير باسما: ومأساة أيضا ألا نهتم بالسياسة. ~~- كان يردد ذلك، ألا يكفيك أن تكون مهندسا ورب أسرة؟ ~~- لا هندسة ولا أسرة بلا سياسة! ~~- مرحى ... مرحى ... يوجد ما هو أهم. ~~- حقا؟ ~~- يطيب لي في أوقات فراغي النادرة أن أتساءل عن معنى حياتنا! ~~- ولكن السياسة تعطيك الجواب! # فضحك عزت عاليا، وقال: لا فائدة، ولكن معذرة؛ فقد أصبحت من رجال الماضي! ~~- ما زلت شابا! # ابتسم عزت بمرارة. ابنه لا يدري ماذا يقول. لا يرى هذا الكرش، ولا هذه التجاعيد المبكرة ~~تحت عينين أضناهما السهر والشراب والمخدر، ولم يعرف شيئا عن الخطاب الغفل من الإمضاء، ولا ~~عن احتقار المطلقة المهجورة له وإيثارها لحيوان طاعن في السن. وعاد يسأله: وما الهدف من السياسة؟ # فأجاب بعد تفكير: هو هدف كل إنسان؛ السعادة! ~~- ولكن للسعادة سبلا أسهل وأقل خطورة. ~~- لا أظن، نادرا ما يحقق إنسان ذاته وسعادته مثلك! # فقال بحدة غير متوقعة: لا تضرب بي المثل من فضلك! # وتذكر أمه في إصرارها الأبدي وجولاتها الخالدة، فقال: إن الولد سر جدته، كلاهما مصاب ~~بجنون واحد، ولكنه فريد من نوعه. أما حياته هو فهي السعي الدائب نحو سعادة لا تريد أن ~~تتحقق، وقد وهب الصحة والمال والنجاح والمرأة ويعيش مطاردا بقوة ماكرة خفية. وقال بنبرة ~~جديدة مستسلما: أتدري يا بني، يبدو أن أكبر خطأ نرتكبه في حياتنا هو الاعتقاد بأن الهدف هو السعادة. # فسأله سمير ببراءة: فما البديل؟ # فقال في حيرة وهو يضحك: لا أدري. ~~- ولكنك خبرت الناس والحياة. ~~- لا أرى في الملهى إلا السفهاء والمجانين. # فضحك سمير في حبور، فاستطرد عزت: لعل النقص يكمن في أننا نمر بفترة انتقال. ~~- أجل، إن وطننا. # ولكنه قاطعه قائلا: أعني الإنسان، إنه قادر على إدراك تعاسته. ~~- الأمر سهل، ما علينا إلا أن نزيل أسباب الشقاء! # فارتفع صوته وهو يقول: صديقي حمدون فقد حياته وهو يفعل ذلك. ~~- إن التضحية ... حسن، لا بد أنك تسلم بقيمة التضحية؟ # فأجاب ضاحكا: كلا، إنها حماقة لا ms60 يبررها إلا الجنون. # ولما انفرد بنفسه عقب ذهاب سمير قال: «آه لو أجد الشجاعة للاعتراف بخطيئتي!» # 24 # تخرج سمير مهندسا. أعلنت خطبته على رجاء. اختير لبعثة مدتها عامان في إنجلترا. دعا عزت ~~ابنه وخطيبته للاحتفال بهما في شقته. أعجبته الفتاة. غزاه جو الخطبة حتى الأعماق، حن فجأة ~~إلى حياة زوجية مستقرة. وجد في حنينه المباغت فكرة جديدة ماكرة، ولكنها قوية آسرة، لكن ~~أي عروس تناسب رجلا في سنه؟ إن نفسه تعاف النساء اللاتي يزرن شقته من آن لآن. يريد أن ~~يرفع النقاب الأبيض عن وجه بريء في ميعة الشباب. لعل ذلك آخر ما ينتظره من سلسلة المغامرات ~~الجنونية. وهبط عليه الإلهام الذي يسبق الإقدام. إنه يتذكره وهو به خبير، غير أن ينابيعه ~~جفت وهو يودع سمير. قبله وهو يقول: ليس من اليسير أن أصبر عامين. # وخلت دنياه من الكائنات والحياة، كما خلت يوم اختفاء بدرية، ومن عجب أنه توثب رغم ذلك ~~لتحقيق حلم الزواج الطارئ. ~~••• # يقول الراوي: # إن الحوادث لم تمهله، كعادتها معه دائما. تجيء إذا جاءت منقضة كأنما لتفرغ من مهمتها ~~في أقصر وقت؛ فذات صباح جذب بصره هذا العنوان في الجريدة: «القبض على فرع لجماعة إخوان ~~الغد». ولأسباب تاريخية ليس إلا ... سرت في بدنه رعدة شديدة، واجتاحه شعور بالتشاؤم عميق، وقرأ ~~التفصيلات باهتمام مركز لا يتفق وما عرف عنه من لامبالاة إزاء ذلك النوع من الأخبار. إنه ~~يتابع الأخبار هذه المرة وكأنما هو عضو في هذه الجماعة المخيفة، وكأن من قبض عليهم من ~~الشبان أقرانه، وما ضبط من منشورات هو شريك في تحريرها وطبعها وتوزيعها. ونشر خبر القبض ~~على الفرع باعتباره أول نصر يحققه جهاز الأمن في ذلك المجال، وأنه الخيط الذي سيؤدي حتما ~~إلى أوكار الجماعة حيثما وجدت. ومضى يهش الذكريات المعتمة عن خياله المريض، ويلعن الضعف ~~الذي اعتور أعصابه، ولكنه تابع الأخبار يوما بعد يوم حتى صدر البيان الرسمي عن الموضوع. ~~لقد قبض على الكثيرين، والمطاردة جادة في إدراك الهاربين. وإذا بالبيان يشير إلى حقيقة ~~جديدة ms61 ما إن اطلع عليها حتى تردى قلبه في هاوية ... بل ندت عنه صرخة مدوية في شقته الخالية. ~~ثمة كلام عن سمير عزت عبد الباقي، عضو البعثة الهندسية بإنجلترا، الذي هرب من إنجلترا في ~~اللحظة المناسبة إلى مكان مجهول. راح يتمشى مهرولا بجسمه البدين ويتساءل في ذهول: سمير عضو ~~في جمعية أبناء الغد؟! سمير هرب إلى مكان مجهول؟! هل يختفي سمير إلى الأبد؟! هل يلتهمه ~~الضياع والتشرد في الغربة؟ ها أنت ذا تنتقم مني يا حمدون عجرمة. إني خبير بهذه الألاعيب ~~القاتلة التي تصادفنا ونحن نجد في سبيل السعادة! عزت وسيدة وعين ينصهرون في بوتقة تعاسة ~~واحدة. يا لها من ألاعيب قاسية مجنونة يحركها شيطان ساخر ... وشرق بالدمع فجفف عينيه بالمنديل ~~الحريري المطرز ركنه بالحرفين الأولين من اسمه. وقال له فرج يا مسهل معزيا: حظه على أي حال أسعد من الذين قبض عليهم. ~~- لا أدري ... إني واثق من شيء واحد فقط، وهو أنني لن أراه مرة أخرى في هذه الحياة. # فقال الرجل بتسليم: لا يعلم الغيب إلا الله ... هلا زرت الست الكبيرة؟ # خطر له هذا وهو غارق في حزنه ... أن يزور عين وسيدة ... ولكنه سرعان ما نبذ الفكرة في غضب ~~ونفور. ليس الوقت بالمناسب للتمثيل والحركات البهلوانية. إنه يعلم الآن بما قدر عليه؛ أن ~~يقلع عن أحلام السعادة السخيفة، أن يتسول رؤية لن تتحقق، أن ينفذ حكما بالأشغال الشاقة ~~المؤبدة وهو قائم بين السكارى وطلاب اللذة. ~~••• # وزحف عليه تعب من نوع جديد شمل الرأس والأعضاء، وعانى من صداع لم يعرفه من قبل. ربما كانت ~~الفائدة الوحيدة لذاك الألم الوحشي أنه أجبره - ولو إلى حين - على تناسي أزمته الأبوية، ~~وألا يفكر في شيء سواه. ولأول مرة يقصد عيادة طبيب، واكتشف أنه يعاني من ارتفاع كبير ~~جدا في ضغط الدم. وعملا بمشورة الطبيب وافق على دخول مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية ~~ليظفر برعاية متصلة حتى يزول الخطر. وهدف العلاج إلى تخفيض الضغط وإنقاص وزنه عشرين كيلو ~~على الأقل. وأشرف فرج يا مسهل على الملهى، ms62 وكان يزوره باستمرار، وكان يقول له: دعني أخبر الست عين. # جعله هذا الاقتراح يستشعر الخطورة ويفكر في الموت. تخيل عين جالسة مكان فرج يا مسهل. كلا ~~إنها لن تفارق الفراش. سينهال عليه سيل فياض بالدعوات المباركات والآيات الشريفة. ستقول ~~له: آن لك أن تغير حياتك، ستقول له أيضا إني أعرف سر هذا الشقاء كله. ورغم حنينه الطارئ ~~المستفحل بالرقاد والتفكير في الموت فإنه لم يستسلم. # قال: لا تخبر أحدا، لا عين ولا أحدا في الملهى. ~~- ترى ذلك؟ ~~- نعم ... نفذ بكل دقة ... لا عين ولا أي راقصة ولا أي قواد! # وأخذ يتلقى التحذيرات عن البدانة والطعام والشراب، تهاوت الحصون التي يحتمي بها من الحياة ~~وأطوارها الغريبة، يجردونه من أسلحته، ويتحالف المرض مع العقوبات المفروضة. ومن عجب أن رأى ~~في نومه قطط الست عين في الحديقة، ورأى بينها بركة بهدوئها الشامخ، وتهلل لذلك سرورا، ~~وظن أنه سيفاجئ عين بالخبر السعيد، وهو أن بركة حية، لم تمت كما توهمت، وأنه ما كان ~~يجدر بها أن تبكي. واستيقظ ليلتها عند الفجر بقلب ثقيل بخلاف المتوقع، كمن يرجع من رحلة ~~طويلة عقيمة، فخطر له أن الدنيا قطة وأنها تأكل صغارها، وقال بصوت مسموع في سكون ~~الليل: إذا كان شارع دوبريه والإليزيه سجنا، فالحارة ليست إلا زنزانة! ~~••• # وغادر المستشفى نحيلا هزيلا، ولكن سليما. تهدلت ملابسه الداخلية والخارجية، وتبدى ~~العالم متغير اللون، باردا، لا يحيي ولا يرد تحية. ورجع للتفكير في سمير، ولكن من ~~خلال استسلام شامل. وحرص على الحياة رغم كل شيء، فاحترم الرجيم والدواء ومواعيد التردد على ~~العيادة، وهجر الكأس، ولكنه لم يهجر الجوزة. # وأعاد تفصيل ملابسه. رجع رشيقا كما بدأ. انتشر المشيب في رأسه وحاجبيه وشاربه. بدا كهلا ~~وقورا، يتنافر وقاره مع بيئته وعمله. وكلما تذكر أنه جاوز الخمسين يدهش، لا يصدق، ~~يستحضر مناظر خالدة في خميلة الياسمين أو كتاب الشيخ العزيزي أو تمثيل مسرحية روميو ~~وجولييت في الحارة. كان يظن أن ذلك يحدث للغير فقط؛ فالظاهر أن التاريخ صادق فيما يؤكد ~~من مرور ms63 أقوام في القديم وذهابهم. وحتى متى نسلم بذلك ونذعن له؟ ولكن شكرا للعادة؛ فقد ~~قتلت كل حزن وكل فرح. ولعله من الخير أن نترك الدنيا بعد أن نضيق بها مللا. ~~••• # وماذا عن الحارة؟ # إن المخبر مستمر في رواية الحكايات. ما زالت سيدة منطوية في الدار، منطوية على أحزانها. ~~ما زالت عين مصرة على نشاطها، لكن هيهات؛ لم تعد تخرج إلا مرة واحدة في الأسبوع كتمثال ~~للشيخوخة الخالدة، وتسير إذا سارت بصحبة خادمة. ترى ماذا بقي من الذاكرة والإرادة والذكاء؟ ~~وأي الحزنين أشد عليها؛ حزنها على عزت أم حزنها على سمير؟ وما رأي إيمانها الراسخ في هذه ~~الأحوال الغريبة؟ هل لقي الموت مقاومة أشد مما لقي على يدي عين؟! # 25 # يقول الراوي: # إن عزت عبد الباقي لم يتوقع جديدا إلا أن يكون إنزال الستار وإطفاء الأنوار، ولكن فرج ~~يا مسهل زاره في شقته ذات صباح من أيام الخريف، وقال له: عرفت خبرا غريبا، لعله يهمك أنت أكثر من جميع الناس. # فقال عزت ساخرا: لك الملهى وما فيه إن استطعت أن تشعل اهتمامي! ~~- لكنه خبر يحكى على أي حال. ~~- ما هو؟ ~~- بدرية المناويشي، نجمة مسرحك القديم. # من أي صمت يخرج هذا الاسم؛ نجمة مسرحك القديم؟! لم يحدث أي رد فعل. نجمة يتهادى ضوءها إليه ~~من خلال أعوام طويلة طويلة، وكالنجوم تشكل ذكرى متألقة وحاضرا مجهولا. أي معنى للخبر؟ لا ~~معنى على الإطلاق ولا أهمية. تساءل بفتور: ماتت؟ # فضحك يا مسهل وقال: كلا، يقال إنها ترملت منذ عامين أو نحو ذلك، وإنها ورثت مالا سائلا لا بأس به، ~~ولكن أتدري كيف استثمرته؟ ~~- كيف؟ ~~- أسمعت عن ملهى زهرة النيل الليلي؟! ~~- هو ملهى في عوامة فيما أعلم. ~~- بدرية صاحبته ومديرته! # ابتسم ابتسامة بلهاء، تمتم: مدهش! ~~- ربما تكون قد حنت إلى أصلها أو قريب منه. ~~- أو أنها خافت الوحدة والكهولة. ~~- الأرجح أنها اختارته لضمان الربح. # وضحك عزت. عزت صاحب ملهى الإليزيه، وبدرية صاحبة ملهى زهرة النيل! ~~••• # بدافع الفضول، بدافع الضجر، قرر أن يسهر ليلة في زهرة ms64 النيل. قال لنفسه عرفت الآن لم ~~يرغب الناس في زيارة الآثار. استعد بحمام فاتر، بدلة أنيقة، حلق ذقنه وسوى شاربه وشعره، ~~مضى إلى زهرة النيل. أعمارنا متماثلة ... حمدون وأنا وبدرية وسيدة، وكل أخذ نصيبه بالعدل. من ~~المسئول عن تعاسة الجميع؟ أنا ... حمدون؟ ... بدرية؟ ... سيدة؟ ... أما كان يجب أن نحاكم؟! # والعوامة معدة على هيئة صالة بالغة الأناقة مرتفعة الأسعار، تشهد لمن أسسها بالذوق ~~الجميل والبراعة في الخيال. اتخذ مجلسه وراحت عيناه تجوسان في الأركان والصفوف والمسرح، إن ~~صح ظنه فحجرة الإدارة تقع فوق السطح، ويصل إليها بهذا السلم الحلزوني المفروش بالبساط ~~الأحمر. طلب زجاجة شمبانيا. كان الوحيد المنفرد بنفسه. لماذا جاء؟ ولماذا لا يجيء؟ وغنى ~~شاب بطريقة الإفرنجوآراب. تلاه مونولوجست ثم راقصة. هل تمضي الليلة دون ظهور بدرية؟! كان ~~ينظر من آن لآن إلى السلم الحلزوني. انتبه على طقة حذاء. أخذ الجسم يظهر رويدا فوق السلم ~~الحلزوني من أسفل إلى أعلى حتى استوى عند رأس الصالة؛ بدرية المناويشي، وقفت تراقب وتلاحظ، ~~مديرة بمعنى الكلمة، فراح يتفحصها. كان يتوقع تغيرا، ولكن غير هذا التغير الماثل. بدينة مثل ~~امرأة عمدة، ريانة الوجه بدرجة تدعو للنفور. جف الماء العذب وانطفأ التألق. في مثل عمرها، ~~يحتفظ نساء بآثار جمال، ولكنها لم تحتفظ بشيء. ثم ما معنى هذه النظرة في العينين ~~المكحولتين؟ ليست طبيعية، مريضة؟ مهزوزة الأعصاب؟ فاقدة الذاكرة؟ حكاية تاريخ طويل تعيس! ~~مرت به عيناها فلم تقف عنده. من الأفضل أن يتجاهلها وأن يتحاشاها، ولكن ها هي ذي تتهادى في ~~الممشى الجانبي، ورغما عنه لم يهرب منها بعينيه. لقد جاء وعليه أن يتحمل المسئولية. لم يعد ~~يفصلها عنه إلا متر، تلاقت العينان، ابتسم اضطرارا. وقفت مبهوتة لا تصدق عينيها. وقع ~~المقدور. زحزح كرسيه ووقف. همست: يا ألطاف الله! # مد يده فتصافحا. أشار إلى الكرسي الخالي هامسا بدوره: تفضلي. # فجلست وهي تتمتم: يا حسين مدد! # فضحك عزت متسائلا: أطلب لك كأسا؟ ~~- كلا ... نسيت عادتها ... وأنت لم تشرب بعد؟ ~~- ولن أشرب، ولكن بسبب المرض. ~~- سلامتك ... ليست صحتي ms65 على ما يرام أيضا ... ولكني لم أتوقع أن أراك قط. الظاهر أنه مكتوب ~~على الأحياء أن يتلاقوا. # انقبض قلبه، تذكر المطارد الغائب، تمتم: ليس دائما. ~~- ماذا جاء بك إلى ملاهي الشباب؟ # فقال دون مبالاة: جئت لأراك! ~~- كيف عرفت؟ ~~- أهل الخير كثيرون. ~~- دهشت طبعا، ولكن يوجد أكثر من سبب، وأنت ماذا تعمل؟ # فقال وهو يضحك: صاحب ملهى الإليزيه. # فضحكت ضحكة عالية غير مبالية بالرواد! فقال: تحويل مسرح إلى ملهى ليس بالمسافة الطويلة، ولكن أنت؟! ~~- أسباب كثيرة منها حلم سخيف بأن أقدم مسرحيات قصيرة وأمثلها. ~~- جميل أن يعاودك الحنين إلى التمثيل بعد ذلك العمر الطويل. ~~- مجرد حلم سخيف. ~~- وكيف كانت حياتك الماضية؛ أعني منذ فارقتنا؟ # فقالت مقطبة: غاية في التعاسة، بين زوج لا رجاء فيه، وكراهية أبنائه وأهله لي! وأنت متزوج ~~طبعا؟! ~~- كلا، كما تركتني. ~~- أخطأت يا عجوز. ~~- حياتنا مليئة بالأخطاء! ~~- صدقت، تسليتي أن أراقب المجانين من عشاق الملهى. ~~- إنهم مضجرون في النهاية. ~~- ولكن لا حياة لنا بدونهم. كيف حال ابنك؟ # أجاب وهو يخفي انفعاله: عال ... مهندس قد الدنيا. ~~- برافو ... هذا أهم شيء في الدنيا. ~~- ليس في الدنيا شيء مهم! # وهي تتنهد: أتتذكر أيام الحارة؟ ~~- تجدينها الآن سعيدة؟ ~~- أجل ... وأيام المسرح الناجحة ... وحبي القديم ... وأمي وهي تخلل الليمون. ترى أما زالت ~~المرأة على قيد الحياة؟! ... على فكرة ما أخبار ست عين؟ ~~- بخير. ~~- برافو! ... ليتني أزورها ذات يوم ... وأنت مقيم في دارها؟ ~~- لم أرها منذ فارقت الحارة. ~~- يا خبر! يا ويلنا من أمنا في يوم القيامة! # فقال ببرود: اختلفت الطرق. ~~- طبعا، من الفن الخائب إلى الملاهي الليلية، نحن نمت إلى طبيعة واحدة، وقد تخلصنا في ~~الوقت المناسب من العضو الصالح! # فقال بامتعاض: هو الذي تخلص منا. ~~- سيخرج قريبا إذا لم يكن قد خرج. ترى متى يخرج؟ ~~- لم أعد أذكر شيئا. ~~- ألا تتوقع أن تراه؟ ~~- لا أظن، وأنت؟ ~~- لا أهمية لذلك، ولكن ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ~~- قلت كي أراك. ~~- أجل، أما زلت تذكر حبك القديم؟ # فابتسم ولم يجب. فقالت بحدة: الحب كذبة ms66 وضيعة، لئيم مخادع، يخيل إلي أنني لم أحب إلا المسرح. ~~- حقا؟! ... رغم أنه جاءك عرضا؟ ~~- لكنني أحببته، لم أتخل عن حبه، في أيام الزوجية التعيسة كنت أتعزى بالانفراد بنفسي ~~وترديد بعض الأدوار. ~~- تعزية مبتكرة. # وهي تضحك بقحة: لقد كنت وغدا، وكان حمدون بطلا، ثم ماذا كانت النتيجة؟! # فقال بحدة لم يستطع تهذيبها: وكنت الشيطان وراءنا! ~~- لو تزوجني الشيطان لكان التوفيق نصيبنا؛ فهو خير من أمثالكم من الرجال. # فما تمالك أن ضحك وزايله التوتر. تساءلت: لم لم تنشأ على مثال أمك الكريمة؟ ~~- أمي مثال لا يتكرر. # فضحكت ضحكة غجرية دون مناسبة، وقالت: ليست أمك وحدها بالمثال النادر، اسمعني جيدا واحكم بنفسك. # هزت رأسها المصبوع برشاقة، ثم راحت تقول في أناة وتجويد وبصوت منخفض: أيها الأصدقاء، أيها الرومانيون، أيها المواطنون، أعيروني أسماعكم، «إني جئت لكي أدفن ~~قيصر لا لكي أشيد بذكره». # فابتسم كالحالم وتمتم: جميل! # فانتفخت بتشجيعه وواصلت بصوت ارتفع درجة عن سابقه: «إن ما يفعل الناس من شر يعيش بعدهم، أما الخير فغالبا ما يطمر مع عظامهم.» # التفت الجالسون حول المائدة القريبة نحو الصوت وعلت الابتسامة وجوههم، شعر عزت بشيء من ~~الحرج، غير أنه همس وكأنما ليغريها بالرجوع إلى الهمس: كل شيء سيطمر مع العظام. # لم تنتبه لقوله، سكرت بنشوة الفن والذكرى، اجتاحتها موجة تمرد واستهتار، جلجل صوتها في ~~جناح الملهى وهي تنشد: «جئت أتكلم في مأتم قيصر، كان صديقي، وكان وفيا لي، منصفا معي، لكن بروتس يقول إنه ~~كان طماعا وبروتس رجل شريف.» # أحدقت بمائدته الأعين، واشرأبت الأعناق من الجناح الآخر، انتقل المسرح الحقيقي إلى ركنه، ~~التهب جبينه ارتباكا وحياء، قال برجاء: فلنذهب إلى حجرة الإدارة! # لكنها كانت قد جاوزت الزمان والمكان، وقفت بهيئتها الداعية للرثاء وقفة شموخ وتحد، وهتفت ~~بصوت هز القلوب والأركان: «حتى الأمس كانت كلمة قيصر قادرة على أن تصد العالم، والآن ينطرح هناك لا تبلغ المسكنة ~~بأحد أن يخصه بتكرمة.» # دوى المكان بالتصفيق، تصفيق الإعجاب والمجاملة والرثاء والسكر. وقال لها عزت بتوسل: حسبك. # فقالت بظفر أبله: ms67 ما علينا إلا أن نعود للمسرح. # فقال اتقاء لغضبها: سأفكر في ذلك. ~~- معنا المال، سيرجع حمدون، ماذا ينقصنا؟! ~~- عظيم ... عظيم ... عظيم. ~~- تعاملني كطفلة؟! ~~- أبدا. # بحدة وحنق: لماذا جئت؟ ~~- يجب أن نكون أصدقاء. ~~- إنك أسوأ ذكرى في حياتي. ~~- الله يسامحك. ~~- وغد جبان. ~~- الله يسامحك يا بدرية. ~~- اذهب ولا تعد! # وصدع بالأمر، فقام ومضى يتسلل بوجدان يشتعل. أما هي فعادت تخطب بقوة: «أيها الأصدقاء، أيها الرومانيون، أيها المواطنون، أعيروني أسماعكم، إني جئت لكي أدفن ~~قيصر لا لكي أشيد بذكره.» # 26 # فر وهو يجفف عرق وجهه بمنديله. أي حماقة ساقته إلى زهرة النيل؟ لم لم يعمل بالحكمة التي ~~تجعلنا نواري الجثث في المقابر؟ ما كان أغناه عن تلك التجربة الأليمة التي انغرزت في عظامه، ~~ألم تكفه تجربة سمير الضائع المشرد؟ وانفرد بنفسه في حجرة الإدارة وراح يفكر في ~~حياته. # لم تكن أول مرة، ولكنه كان مثارا لحد الإلهام. ضاق أول أمره بالفراغ، ولكنه استبدل به ~~عملا لا يؤمن به. أليس كذلك؟ لم يكن من رجال المسرح، ولا هو من رجال الملاهي الليلية. ~~العمل يمثل في حياتي مهربا من شيء أو طمعا في شيء أو انتقاما من شيء. أمي أول من دفعني ~~إلى الانحراف وهي الخير الصافي. لست قادرا على فهم هذه الأمور أو هضمها. وما ينقصني حقا ~~هو راحة البال، ما ينقصني حقا هو الرضا عن النفس. هل يوجد حقا ما يسمونه بالرضا عن ~~النفس؟! كيف يبلغه الإنسان؟ وأين يجد الجواب عن هذا السؤال؟! وما جدوى الأسئلة وأنا مستسلم ~~لتيار الحياة اليومية؟! وخطر له أن يسأل فرج يا مسهل وهما يدخنان معا في شقته عقب التشطيب، ~~سأله: أأنت سعيد يا عم فرج؟ # فأجاب الرجل صادقا: بفضل الله وفضلك. # أدرك أنه لم يفهم قصده، فعاد يسأله: ما أهم شيء لتوفير السعادة؟ ~~- الصحة! ~~- ولكنها وحدها لا تكفي. ~~- والرزق! ~~- ولا شيء آخر؟ ~~- الزوجة والأولاد. # لقد ضاق بها جميعا، وفر منها إلى المجهول. ولو شاء أن يبقى ويتزوج من أخرى لفعل. كلا، ~~الأمر أشد تعقيدا مما يتصور ms68 فرج يا مسهل. ~~••• # ودق جرس التليفون ضحى يوم في شقته: ألو؟ ~~- عزت عبد الباقي؟ ~~- أنا هو ... من حضرتك؟ ~~- أما زلت تذكر حمدون عجرمة؟ # خفق قلبه مستدعيا خليطا من الانفعالات المضطربة، لكنه هتف: حمدون! ~~- نعم. ~~- لا أصدق ... أي فرحة ... مبارك ... مبارك ... مبارك ... أين أنت الآن؟ ... تعال بلا تردد ... إني في ~~انتظارك. ~~••• # كان قد مضى على تجربة زهرة النيل شهر أو شهر وأيام، وجلس ينتظر بقلب كئيب ونفس رافضة ~~حانقا على الماضي الذي لا يريد أن يموت، وخيل إليه أنه يستمد من عذابه قوة ستغير كل ~~شيء، وأنه سيرفض ذل الأسر المقيم. # وأقبل حمدون عجرمة. # أقبل رجلا آخر كما توقع، ولكنه فاق توقعه، لم يكد يعرفه. رآه لأول مرة أصلع، وعينه ~~اليسرى أضيق من اليمنى، على حين وشت مشيته الواهنة ورجله اليمنى المتصلبة بشلل أصابه ذات ~~يوم ... تجسد له إثمه القديم مكشرا بغيضا، فاستل من نفسه أي حنان كان جديرا أن يمس أوتار ~~وجدانه. اجتاحته عاصفة في الخفاء وهما يتعانقان. استفزه ذلك إلى مزيد من التفكير في البحث ~~عن حياة جديدة. يريد أن يذهب كما يتعطش إلى رؤية سمير، وجلس في فوتيل مقابل، في موضع ابنه ~~المختار، وتبادلا النظر؛ هو مبتسما والآخر جامدا أو عاجزا بفيه المعوج قليلا من ~~الابتسام. قال عزت بابتهاج: الله وحده يعلم بمدى فرحتي بلقائك. # فقال حمدون بصوت منخفض: توقعت ذلك، لست على ما يرام، ولكن يسعدني أن أراك في صحة جيدة. # فقال عزت كالمحتج: بل أصبحت بدوري أخا مرض، ليس هذا هو المهم، كلانا وراءه حكاية، وسيتيح لنا الوقت تبادل ~~الحكايات. # فقال حمدون بهدوء وثبات: ولكنك أنجبت ابنا رائعا! # فتأثر عزت تأثرا عميقا، غطى على دهشته وتساءل: من أدراك به؟ ~~- لا شيء يمتنع عمن وراء الأسوار. ~~- ماذا تعلم عنه؟ # فلم يزد على قوله: إنه فتى رائع. ~~- سرعان ما فقدته. # هز رأسه نفيا ولم يعقب ... ترى هل يعرف عن سمير أكثر منه؟ واندفع ربما دون تدبر ليخرجه من ~~تزمته فقال: آخر أخبار بدرية أنها تعمل مديرة لملهى ليلي ms69 ... «زهرة النيل». # ولكنه لم يتأثر. تساءل بلامبالاة: كيف حالها؟ ~~- شاخت وخرفت! ~~- نهاية طبيعية وإن جاءت قبل الأوان بقليل. ~~- لنرجع إليك ... ما مشروعك عن المستقبل؟ ~~- لا شيء! # رغم توقعه لذلك فقد حنق، غير أنه قال بنبرة ودية: لا تحمل هما ... ولكنك لست على ما يرام. ~~- أصبت من أعوام بشلل نصفي، ولست آمل في تحسن أكثر مما بلغت. ~~- يا للأسف ... ولكن الأمل موجود ... لا شك أنك متشوق للتأليف؟! ~~- لا قدرة لي على تأليف جملة واحدة. ~~- على أي حال لا تحمل للرزق هما. # فقال ممتنا: نعم الصديق أنت! # سرعان ما حدث تغير في صورة انفجار، بلا تمهيد ولا مناسبة ظاهرة. خرج به عن الزمان ~~والمكان، ألقى به في جحيم فتوثب بإرادة من حديد وحطم حاجز الكذب. وقف كصاروخ، وقال بصلابة ~~ورفض كالمجنون: إني صاحب الرسالة. # ارتسمت الدهشة على وجه حمدون وتساءل: أي رسالة؟ ~~- رسالة الاتهام التي أرسلت إلى المحقق عقب القبض عليك! # ساد صمت كئيب ثقيل. رماه بنظرة بليدة. تساءل: أنت؟! ~~- نعم ... وأعرف أنك اعترفت قبل وصولها، ولكنني أنا الذي أرسلتها. # ازدرد ريقه وسأله: لم؟ ~~- خدمة للعدالة في الظاهر، ولكن لأستولي على زوجتك في الحقيقة! # فتساءل حمدون بغموض: وتزوجت بدرية؟ ~~- كلا، ليس بوسعنا أن نسيطر على خطة كاملة؛ إذ إن غيرنا يشاركنا - ونحن لا ندري - في ~~تأليفها. # وساد الصمت كغلاف لانفعالات شتى، ولكن عزت رجع من مغامرته الجنونية بشيء من الهدوء ... ~~وكثير من الاستسلام، حتى إنه سأله في النهاية: ما رأيك فيما سمعت؟ # فأجاب بازدراء: إنك قذر، ولكنك لست أقذر من كثيرين. # ولم يغضب، تلقى الذم ضمن سيال مرتعش من نشوة مبهمة. ووقف على حافة التحدي بقلب لا يخلو من ~~جذل وإلهام ... وإعرابا عن حاله الجديدة قال بصوت لا أثر للاستياء فيه: أمامنا فرصة لنسيان الماضي. # فتساءل حمدون بوجوم: ألم يكف ربع قرن للنسيان؟ ~~- كلا. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أن نعالج أمورنا بروح جديدة. ~~- أتريد أن توحد مصائرنا مرة أخرى؟ ~~- بعزيمة صادقة. # فقال بازدراء: إنك تبحث عن كفارة، وإني أحتقر ذلك. ~~- لم جئتني؟ ~~- لم يساورني ms70 فيك شك. ~~- لقد حطمنا أنفسنا فيما مضى، وعلينا أن نحاول البناء. # فقال بازدراء أشد: علي أن أبصق على وجهك. # فابتسم عزت وهو نشوان بقدرته على الاحتمال: إني مسئول عنك. ~~- إنك لا تستطيع أن تحمل مسئولية حشرة. ~~- بل يجب أن تعيد التفكير. ~~- لن أراك بعد اليوم. ~~- كيف تواجه الحياة؟ ~~- هل طرحت هذا السؤال على ابنك؟ # تغلغل الألم حتى جذور قلبه فأمسك عن الكلام، على حين واصل حمدون قائلا: أي تسامح من ناحيتي يعني أن عمري ضاع هباء. # فقال عزت بأسى: إني أفكر في بناء جديد يتسع لحياة صحية تضم حمدون وعزت وبدرية وسيدة. ~~- تحاول أن تجعل منا أدوات لخلق السلام لنفسك، كما سبق أن جعلت منا أدوات تخريب لتشيد فوق ~~أطلالنا السعادة التي رفضتك. # فقال عزت بحرارة: لقد نلت الجزاء وأكثر. ~~- لو صح ذلك ما فكرت فينا قط. # وأخذ حمدون يقوم معتمدا على عصاه الغليظة ذات الكعب المطاط، فقال عزت برجاء: تخل عن عنادك. # استقام ظهره على مهل ... تحرك للذهاب. # تساءل عزت: كيف تواجه الحياة؟ # فقال وهو لا يتوقف: كما يواجهها ابنك. # وخفق قلبه، فسأله بلهفة: أنت تعرف عنه أشياء. ماذا تعرف عن ابني؟ # فقال وهو يعبر العتبة: لا تسأل عما لا يعنيك! # 27 # يقول الراوي: # إن عزت صار شخصا آخر. منذ ذهاب حمدون تواجد عزت الأول وعزت الآخر متجاورين في مكان ~~واحد؛ صورتان متطابقتان تماما غير أن الأول رمق الآخر بدهشة وحيرة، توجس منه خيفة واعتقد ~~أن الآخر يتوجس منه خيفة أيضا، وتساءل كيف يمضي التيار بهما وهما في قارب واحد. لقد اعتاد ~~أن ينفرد برأيه ربع قرن من الزمان، وذاك الآخر يتصرف تصرف الشركاء ويعتد بنفسه لحد التحدي. ~~وسمعه يقول: لن أستمر. # فسأله بحذر: ماذا تعني؟ # لكنه لم يجبه. لم يبد عليه أنه يهتم بوجوده أو يشعر به. فقال وكأنه يخاطب نفسه: لن أستمر، أصبح ذلك مستحيلا. # وإذا به يندفع في إجراءات لم تجر على بال الأول. قال لفرج يا مسهل: إني ذاهب، لك أن تدير الملهى إذا شئت. ms71 وحدجه فرج يا مسهل ببصر ذاهل، فقال الآخر: سأبيع أثاث شقتي والتحف وخلافه. # فقال له عزت الأول: لا حق لك في شيء من ذلك. # ولكن الآخر تصرف تصرف المالك الأوحد، وأدرك الأول أنه لا قبل له بمعارضته، فأوعز إلى ~~فرج يا مسهل بإطاعته، وأن يوهمه بأنه يصدع بأمره، وأن يبقي كل شيء على حاله. وأخيرا عانق ~~الآخر فرج يا مسهل وهو يودعه، فقال عم فرج: رجوعك إلى الحارة هو ما اقترحته عليك من بادئ الأمر. # فدهش الأول وسأله: أنرجع حقا إلى الحارة؟ # وتجاهله الآخر كعادته ومضى إلى التاكسي، وقبل أن يتحرك التاكسي قال الآخر لفرج: قلبي يحدثني بأنني سأحظى ذات يوم برؤية ابني سمير. # فقال العجوز: وستجده على خير ما تتمنى له. ~~••• # مضى التاكسي في طريقه إلى الحارة؛ الآخر متخذا مجلسه داخله، والأول يتبعه عن كثب. وقف ~~التاكسي عند المدخل فدخل الاثنان الحارة مشيا على الأقدام. دهش الأول وقال لنفسه: ليس من ~~سمع كمن رأى. شد ما تغيرت الحارة! جددت أرضها فحل الأسفلت محل الحجارة، رشقت المصابيح ~~بالجدران، اختفت الخرائب وشيدت مكانها مساكن ومدرسة. حقا إنها تبدو جديدة؛ فتياتها ~~يخطرن في الفساتين سافرات. لم يبق على حاله إلا القبو والحصن القديم فوقه. عمارات ست عين ~~طليت من جديد، أما باب دارها فلاذ بمكره تحت التمساح المحنط لا ينم أديمه الخشن عن الفردوس ~~المترامي وراءه. لم ينتبه لهما أحد، لم يعرفهما أحد. غريبان في حارة غريبة. سأله: ألم يكن الأوفق أن نسافر إلى الخارج؟ # لكن الآخر طرق الباب. دخل بثقة كمن يدخل بيته. عرفته خادمة عجوز فهللت، فقال ~~الأول: عما قريب سترى عين. ماذا عندك من قول لها؟ # وانجذب - متناسيا الآخر - لروائح الياسمين والحناء، ورأى قطة من جيل جديد، لا بركة ولا ~~نرجس ولا أنعام ولا أمل الليل ولا صباح. ~~- ها هي ذي سيدة! # ظهرت في الممشى الذي شدت منه قديما إلى المذبح. ما أشبهها اليوم بأمها في كهولتها، ~~ولكنها نحيلة شاحبة، حزينة إلى الأبد. أنا المعتدي لا أنت، ولكنها ترنو ms72 إليك أنت ~~وكأنها لا تراني، ولكنكما تترامقان صامتين تحت الذكريات. ثم يقول الآخر: كيف حالك يا سيدة؟ # لم ترد من شدة الانفعال. اغرورقت عيناها الذابلتان. لعل التاريخ اقتحمها في دقيقة واحدة، ~~ولكنها غمغمت أخيرا: تفضل في الشرفة؛ فالجو هناك ألطف. # إنه الأصيل وآخر الخريف، ولكن اليوم دافئ، وجلس على الأريكة القديمة، كل شيء تغير إلا ~~الدار. وهناك الخميلة التي شهدت عبث الطفولة. وتساءل الآخر: أين أمي؟ ~~- في حجرتها. ~~- ألم تدر برجوعي؟ # سمع أنفاسها بدلا من الجواب، فكرر السؤال. قالت: إنها لا تغادر الفراش. ~~- مريضة؟! ~~- كلا ... إنه العمر. ~~- كان يجب أن تقوديني إليها. ~~- يجب أن تعرف أشياء قبل ذلك. # فرمقها متسائلا، فقالت: لقد فقدت البصر. # قطب الآخر منزعجا، وأدرك الأول ما غاب عن فرج يا مسهل. واستطردت سيدة: وفقدت السمع أيضا! # وقف الآخر مضطربا متسائلا: ألم يعالجها طبيب في الوقت المناسب؟ ~~- بلى، أقل ما يجب، ولكنها إرادة الله. # وقال الأول بحزن: لا عودة بلا ثمن. ~~••• # اندفع الآخر إلى حجرة عين. رأى وجهها فوق الغطاء الأخضر على الفراش العتيق ذي الأعمدة ~~الأربعة. انحسر المنديل الأبيض عن خصلات فضية. انطرح الوجه نحيلا طويلا محنطا بالشيخوخة. ~~هتف: أمي! # وانكبا على جبينها فلثماه في وقت واحد. ندت عنها حركة رقيقة وهمست: سيدة؟! # فقال الأول مخاطبا الآخر: رحلة خاسرة. # قال الآخر بحزن: أنا عزت يا أمي. # فقال الأول: لن تخاطب إلا نفسك. # وقالت سيدة: لا تكف عن الدعاء لك ولسمير. # فقال الأول: فلنسافر إلى الخارج. ~~••• # رجع الآخر بصحبة سيدة إلى الشرفة والمغيب يهبط متمهلا. قال: ستعرفني بطريقة أو بأخرى. # فقالت سيدة: بالتأني واللطف حتى لا تنفعل. # وابتعدت قليلا حتى كادت تلتصق بالأول وهي لا تدري، وقالت: يجب أن أذهب. # فسألها الآخر: إلى أين؟ ~~- أي مكان. # فقال بحزم: هنا بيتك. ~~- ولكن ... # فقاطعها: إنه بيتك، وسيكون بيتك أكثر. # فسأله الأول: ماذا تعني بالضبط؟! # أما سيدة فقد رمقت الآخر بنظرة متسائلة، فسألها مبتسما: أيداخلك شك في أنني تغيرت؟ # فهمست: كل شيء تغير! # فقال له الأول: من الآن فصاعدا عليك ms73 أن تنظم قصيدة طويلة في الرثاء. # وتساءلت سيدة: أما من جديد عن سمير؟ # فقال الآخر: لا جديد، إنه بعيد، أمي بعيدة أيضا. ~~- لو أعرف أنه حي يرزق! # فقال الآخر متأثرا بإلهام منبعث من الأعماق: هو كذلك، وسوف نتلاقى ذات يوم. # فقال الأول: لا بد من السفر إلى الخارج. # وجلست سيدة لأول مرة غير بعيد من الآخر، وراحا ينظران إلى الحديقة معا. # وشعر الأول بأنه آن له أن يذهب، غير أنه سمع سيدة وهي تقول: أوقفت ست عين أملاكها للخير على أن ينفذ ذلك بعد انقضاء الأجل. # فتفكر الآخر قليلا، ثم قال في غير مبالاة: خير ما فعلت! ~~- وعينتك ناظرا للوقف ومن بعدك سمير. # فتمتم: عظيم. ~~- قالت وهي تفعل ذلك عنك: «سيمارس الخير، رضي بذلك أو أبى!» # فابتسم الآخر وقال: سأفعله راضيا. # وقال له الأول: أستودعك الله. # غادر الدار. غادر الحارة. مضى إلى شارع دوبريه. استراح قليلا في شقته. ذهب إلى الملهى ~~والمطربة تفتتح السهرة منشدة: يا ورد على فل وياسمين الله عليك يا تمر حنة. # ألقى نظرة على الصالة المكتظة ثم اتجه إلى حجرة الإدارة. وما إن انفرد بنفسه حتى ~~قال: عندما يرجع سمير سيجد ثلاثة آباء في انتظاره، أنا والآخر وحمدون، سيختار أباه بنفسه كما ~~اختار حياته. # وتفكر مليا ثم قال: سأسافر إلى الخارج حال انتهاء الشتاء. # 28 # يقول الراوي: # إنه في ليلة القدر انبعث في الست عين نشاط غير متوقع. رفضت أن تمس عشاءها من الزبادي، ~~وسألت سيدة أن تجلسها. كسرت سيدة وراء ظهرها وسادة طرية وأجلستها نصف جلسة. # وقالت عين وهي تبتسم: سيطيب الجو وتشرق الأرض بنور ربها؛ فارعوا العصافير بالرحمة. # وتمادت في الابتسام وهي تقول: سأغني أغنية عشقتها في صغري. # وراحت تغني بصوت ضعيف مثير: # يمامة حلوة، # ومنين أجيبها؟ # ثم هتفت: إني أرى ... أرى بكل وضوح. # اقترب منها الآخر وسألها بلهفة: هل ترينني يا أمي؟ # ولكنها استطردت دون أن تشعر به: إني أرى الطيبين الذين ذهبوا ... إنهم ينادونني ... سمعا وطاعة ... عين قادمة. ~~••• # يقول الراوي: # إن الست ms74 عين لم تمت ... رغم أن الذين عاصروا وفاتها لم يعرفوها أو كذلك كانت أغلبيتهم. ~~ما عرفوا إلا ما يتناقله الرواة، ولكن ست عين لم تمت ... وحتى اليوم يطلق الناس على المستشفى ~~الذي قام مكان دارها ... «مستشفى الست عين». ms75