######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.DunyaAllah.Hindawi14831357 #META# Tags: novels #META# ID: 14831357 #META# Title: دنيا الله #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # دنيا الله‏ # جوار الله‏ # الجامع في الدرب‏ # موعد‏ # قاتل‏ # ضد مجهول‏ # زينة‏ # زعبلاوي‏ # الجبار‏ # كلمة في الليل‏ # حادثة‏ # حنظل والعسكري‏ # مندوب فوق العادة‏ # صورة قديمة‏ # دنيا الله‏ # جوار الله‏ # الجامع في الدرب‏ # موعد‏ # قاتل‏ # ضد مجهول‏ # زينة‏ # زعبلاوي‏ # الجبار‏ # كلمة في الليل‏ # حادثة‏ # حنظل والعسكري‏ # مندوب فوق العادة‏ # صورة قديمة‏ # | دنيا الله # | دنيا الله # تأليف # نجيب محفوظ # | دنيا الله # دبت الحياة في إدارة السكرتارية بدخول عم إبراهيم الفراش. فتح النوافذ واحدة بعد ~~أخرى، ومضى يكنس أرض الحجرة الواسعة بلب شارد ودون اكتراث. واهتز رأسه بانتظام وبطء، ~~وتحرك شدقاه كأنما يلوك شيئا. فقلقت تبعا لذلك منابت الشعر الأبيض في ذقنه وعارضيه، ~~أما صلعته فلم تكن بها شعرة واحدة. وعاد إلى المكاتب ينفض عنها الغبار ويرتب الملفات ~~والأدوات، ثم ألقى على الحجرة - الإدارة - نظرة شاملة، ثم نقل بصره بين المكاتب وكأنما ~~يرى شخوص أصحابها، فلاح الارتياح في وجهه حينا والامتعاض حينا، ومرة ابتسم ثم ذهب، وهو ~~يقول لنفسه: «الآن نذهب لإحضار الفطور.» # وكان السيد أحمد كاتب المحفوظات أول من حضر، جاء بكاهل ينوء بخمسين عاما، ووجه نقش ~~على صفحته امتعاض ثابت، كأنه سجل لقرف الزمن. وتبعه السيد مصطفى الكاتب على الآلة الكاتبة، ~~الذي يضحك كثيرا؛ لكنه ضحك متوتر يداري به همومه اليومية. ثم جاء سمير أو الرجل الغامض ~~كما يدعى في الإدارة، والجندي الذي ينم تطلق أساريره على أنه لم يخرج بعد من نعمة ~~الطفولة. ودخل يتبختر السيد مصطفى، أنيقا ذهبي الخاتم والساعة ودبوس الكرافتة، ولحق به ~~حمام رقيقا نحيفا منطويا على نفسه. وأخيرا حضر سيادة مدير الإدارة، الأستاذ كامل، ~~محوطا بهالة من وقار، وفي يده مسبحة. وضجت الإدارة بالأصوات وخشخشة الأوراق. ولكن أحدا ~~لم يشرع في عمل، حتى المدير انهمك في مكالمة تليفونية، وانطلقت صفحات الجرائد في الجو ~~كالأعلام. وقال لطفي وهو يتابع الأخبار بعينيه: ستكون السنة نهاية العالم. # وعلا صوت المدير وهو يقول متهللا في التليفون: وهل يخفى القمر؟ # وتساءل سمير: لماذا نشقى بالزواج والأبناء، ها هو شاب يقتل أباه ms001 تحت بصر أمه! # كذلك تساءل أحمد بصوت متحشرج: ما فائدة كتابة روشتة إذا كان الدواء غير موجود ~~بالسوق! # ولبث الجندي يرمي ببصره من مجلسه إلى عيادة دكتور في العمارة المواجهة، يرصد ظهور ممرضة ~~ألمانية شقراء في النافذة، ثم عاد لطفي يقول مؤكدا: صدقوني، نهاية العالم أقرب مما ~~تتصورون. # ووضع المدير يده على السماعة، وقال لحمام آمرا: جهز الملف # عام. # ثم عاد إلى المحادثة الشائقة، فلم يرفع حمام رأسه عن الجريدة، وهمس بين أسنانه «داهية في ~~أمك!» وإذا بعم إبراهيم يعود بصينية ممتلئة. وراح يوزع سندوتشات الفول والطعمية والجبن ~~والحلاوة الطحينية. وطحنت الأفواه الطعام وتجاوب التمطق في الأركان، ولم تتحول الأعين ~~عن أعمدة الصحف. ووقف عم إبراهيم عند مدخل الإدارة يرقب الآكلين بنظرة غريبة من عينيه ~~الذابلتين، حتى هتف به أحمد بصوت يعترضه الطعام: كشف الماهيات يا عم إبراهيم. # فذهب الرجل. وبعد ساعة من الوقت دخل الحجرة بائع الكرافتات والروائح العطرية الذي يزور ~~الإدارة عادة في أول الشهر. ومر بالمكاتب عارضا بضاعته فأقبل الموظفون يتفحصونها، وأخذ ~~بعضهم ما يحتاجه منها، وغادر الرجل الحجرة على أن يعود إليها بعد قبض الماهيات. وبعد ساعة ~~أخرى جاء بياع السمن؛ ليجمع الأقساط المستحقة، ولكن مصطفى قال له بلهجة ذات معنى وهو يضحك: ~~انتظر حتى يرجع عم إبراهيم. # فوقف الرجل عند الباب وشفتاه تتحركان بتلاوة مستمرة. وكانت الآلة الكاتبة تنقر بنشاط، ~~على حين انتقل سمير إلى مكتب المدير؛ ليعرض أوراقا هامة. ودخلت الشمس لأول مرة من النافذة ~~المطلة على الميدان، وما زال الجندي يختلس النظرات إلى نافذة العيادة. ونادى المدير عم ~~إبراهيم لأمر، فذكره مصطفى بأنه لم يرجع بعد من الخزينة، وعند ذاك تساءل أحمد رافعا ~~رأسه عن الملفات: الرجل تأخر! لماذا تأخر الرجل؟! # وذهب بياع السمن؛ ليمر بالإدارات الأخر، ثم يعود. وهب أحمد إلى خارج الحجرة ونظر ~~يمنة ويسرة في الطرقة، ثم عاد وهو يقول: لا أثر له، ماذا أخره؟! الرجل ~~المخرف! # ولما مرت ساعة ثالثة فقد أحمد صبره فقام، وهو يعلن بصوت مسموع أنه ms002 ذاهب إلى الخزينة ~~للبحث عن الرجل. ثم عاد بوجه طافح بالغيظ وهو يقول: أخذ الكشف منذ ساعة كاملة، فأين ذهب ~~المجنون؟ # فسأله لطفي: هل قبض هو مرتبه؟ # فأجاب محتدا: نعم، قالوا لي ذلك عند شباك صرف الخدم السايرة. ~~- لعله ذهب يتسوق! ~~- قبل أن يسلمنا الماهيات؟! ~~- لا تستبعد ذلك، إنه يأتي كل يوم بجديد. # وارتسم الاستياء على وجوه، وقطب المدير - وهو درجة رابعة قديم - وساد صمت قصير، ما لبث ~~أن قطعه مصطفى بضحكة من ضحكاته، ثم قال: تصوروا أنه سرق في الطريق! # فندت ضحكات فاترة، فاترة جدا، كأنها تأوهات متنكرة، غير أن لطفي قال: أو وقع له ~~حادث! # ولما آنس في الوجوه استياء استدرك قائلا: ما يدوس عم إبراهيم اليوم، فإنما يدوس إدارة ~~كاملة. # فقال أحمد بحدة: إلا من وراءه خزينة خاصة! # وارتاح الجميع إلى قوله تشفيا، غير أن المدير نقر على مكتبه بقلمه الباركر المهدى إليه ~~في مناسبة سعيدة، داعيا الإدارة إلى ضبط النفس، وكان في الحقيقة يداري قلقه المتزايد. ~~لكن الجندي تساءل رغم ذلك: ماذا يحدث للنقود في هذه الأحوال؟ ~~- كحال السرقة؟ # ولم يضحك أحد، فعاد الجندي يتساءل: في حال الحوادث؟ ~~- قد تسرق في الزحمة، وقد يتحفظ عليها في قسم البوليس حتى تتضح الحقائق، ومت يا ~~حمار! # لكن بدا أن مملكة الضحك قد جدبت تماما. بدت الوجوه كالحة، ومضى الوقت أثقل من المرض. ~~وتساءل صوت: على وجه من أصبحنا اليوم؟! وذهب أحمد يبحث عن عم إبراهيم في المراقبة كلها، ~~ثم عاد بوجه ناطق بخيبة مسعاه. وفكر المدير في المشكلة الغريبة التي لم تدر لأحد في بال. ~~إنه يأبى أن يصدق. سيظهر الرجل المجنون فجأة عند الباب. ستنهال عليه الشتائم وسينتحل ~~كافة الأعذار. وإلا فما العمل؟ لطفي وراءه زوجة غنية، وسمير وغد معروف، ولكن ثمة مساكين ~~مثل أحمد قد يقضي عليهم الحادث! وعاد بياع السمن، وقبل أن يفتح فاه، صاح به المدير: ~~انتظر، القيامة لم تقم، ونحن في إدارة حكومية، لا في سوق. # فتراجع الرجل مذهولا. وزار الإدارة موظفون من ms003 المراقبة يستطلعون الأحوال، وهم بعضهم ~~بالمداعبة، ولكنهم وجدوا جوا مكفهرا، فتلاشت الدعابات في حلوقهم، وتجسد القلق وكف ~~الجميع عن العمل. وتأوه أحمد قائلا: قلبي يحدثني بأن المسألة جد! ضعنا يا ~~جماعة! # ثم هب واقفا وهو يقول: سأسأل عنه بواب الوزارة. واختفى مهرولا، ثم عاد وهو يصيح بصوت ~~ثائر: البواب يؤكد أنه رآه يغادر الوزارة حوالي التاسعة صباحا! # ثم بصوت مختنق: أفظع من كارثة، لا يمكن أن يبيع حياته بمائة وخمسين جنيها أو مائتين، ~~حادث؟! من يدري؟! هذا الشهر لن نعرف له نهاية يا رب السموات! # وشعر لطفي بأن بعض الأنظار تتجه نحوه من حين لحين، فقال منقبض القلب: إنها أفظع من ~~كارثة، لعلكم تتساءلون ماذا يهمني أنا؟! والحق أن زوجتي الغنية لا تنفق مليما واحدا من ~~مالها. # وانصبت عليه في السر عشرات اللعنات، ولم يعره أحد التفاتا. وتأوه أحمد قائلا: ~~أتصدقون بالله؟ والله الذي لا إله إلاه إني من اليوم الثاني في الشهر أذهب وأجيء، وليس في ~~جيبي مليم واحد، لا قهوة ولا شاي ولا سيجارة ولا استعمال لأي نوع من المواصلات، أولاد في ~~الثانوي وأولاد في الجامعة، ودين كبير بسبب الأدوية، وماذا يمكن أن أفعل يا إله ~~الكون؟! # ولما جاوزت الساعة الواحدة وقف مدير الإدارة بوجه كئيب، وابتعد عن مكتبه وهو يقول: لا بد ~~من إبلاغ المراقب العام. # واستمع المراقب العام إلى القصة في امتعاض ظاهر، ثم تساءل: ألا يجوز أن يرجع رغم ~~الظنون؟ ~~- الحق أني يائس تماما من ذلك، الساعة تدور في الثانية. # فقال المراقب العام بلهجة منتقدة: أنت تعلم أن تصرفكم خاطئ، ومخالف للتعليمات. # فانجحر المدير في صمت يائس مليا، ثم تمتم: جميع الإدارات تفعل ذلك. ~~- ولو! الخطأ لا يبرر الخطأ، اكتب لي مذكرة لأرفعها لوكيل الوزارة. # ولكن المدير لم يتحول عن موقفه، وقال: الجميع في أشد الحاجة إلى مرتباتهم، هذه حالة لم ~~تسبق بمثيل! ~~- وماذا تريدني أن أفعل؟ ~~- نحن لم نتسلم المرتبات، ولم نوقع في الكشف. ~~- لا يمكن إنكار الواقعة، ولا التهرب من المسئولية. # وتكاثف الصمت ms004 وبدا المدير كرجل ضائع، وضاق المراقب به، فتشاغل بالنظر في أوراق على ~~مكتبه، حتى تحول المدير عن موقفه، ومضى نحو الباب في خطوات ثقيلة جدا. وقبيل خروجه ~~جاءه صوت المراقب، وهو يقول في جفاء: أبلغوا البوليس! # انتقلت إدارة السكرتارية إلى نقطة البوليس، وشقوا طريقهم إلى حجرة الضابط بين نسوة ~~جالسات القرفصاء، تتقدمهن شرذمة من رجال متعاركين مخضبين بالدماء يسوقهم عسكري، على حين ~~تعالى من وراء باب مغلق صراخ أليم واستغاثات. وأفضى السيد كامل المدير إلى الضابط ~~بالحكاية من أولها إلى آخرها. وقال عن عم إبراهيم: إنه فراش في الخامسة والخمسين، دخل ~~خدمة الوزارة وهو في العاشرة عاملا بالمطبعة، ثم نقل فراشا لتطاوله على رئيسه، وأجره ~~الأصلي ستة جنيهات. وقال عنه موظفو السكرتارية إنه كان طيبا، وإن يكن به شذوذ محتمل كأن ~~يشرد أحيانا حتى وهو يحدثك، أو يتدخل فيما لا يعنيه أو يتطوع بذكر ملاحظات عامة في ~~السياسة دون مناسبة، وعن مسكنه قيل إنه يقيم بالبيت رقم 111 بدرب الحلة، ولم يسبق له أن ~~سرق أو أتى ما يستوجب الشك في ذمته. وقال الضابط بعد تحرير المحضر إن النقطة ستتأكد أولا ~~أنه ليس ضحية لحادث من الحوادث ثم يتخذ البحث مجراه. ولم يجد الموظفون بدا من ~~الانصراف، فغادروا النقطة كالمساطيل من الذهول. واختلطت أصواتهم وهم يتبادلون التشكي ~~والتساؤل عما يمكن عمله إزاء مسئولياتهم الخطيرة التي تنتظرهم في البيوت. وشملتهم رغبة ~~واحدة في أن يبقوا معا حتى يجدوا لمشكلتهم حلا، غير أنهم اضطروا في النهاية إلى التفرق ~~فمضى كل إلى حال سبيله. عاد مدير الإدارة إلى بيته ولا أمل له إلا في البوكر أو الكونكان. ~~وقصد مصطفى الكاتب على الآلة الكاتبة محل رهونات بباب الشعرية، اعتاد في الأزمات أن يقترض ~~منه بربح فاحش. أما لطفي فكانت زوجته تتكفل بنفقات البيت، ولكن كان عليه أن يبتدع حيلة ~~ليأخذ منها مصروفه الشهري. الجندي - وهو شاب أعزب ويعيش في كنف أبيه - قرر أن يقول لوالده: ~~تقبلني هذا الشهر، وكأنني ما زلت طالبا. حمام كان ms005 عليه أن يقنع زوجته المشتركة في جمعية ~~توفير من الجيران بالمطالبة بنصيبها المخصص للكساء؛ لإنفاقه في البيت مهما كلفه ذلك من ~~سباب وعراك وبكاء. سمير بدا أمره هينا نوعا ما، فما إن خلا إلى نفسه حتى قال: لولا ~~الرشوة؛ لوجدت نفسي في مأزق لا مخرج منه! بقي أحمد كاتب المحفوظات الذي ظن الزملاء أن ~~النهار لن يطلع عليه. مضى يتخبط في الطريق بلا أدنى وعي لما حوله من أناس ومركبات. ودخل ~~مسكنه متأوها أزرق الوجه، فارتمى على أول مقعد وأغمض العينين. وأقبلت عليه الولية برائحة ~~المطبخ، متسائلة في انزعاج: مالك؟ # فقال دون مقدمات: لا مرتب لنا هذا الشهر! # فقالت بدهشة: لم، كفى الله الشر؟! عم إبراهيم جاء بمرتبك في أول النهار! # وثب الرجل قائما كغريق وجد آخر الأمر متنفسا، على حين ذهبت الولية وجاءت بلفة من ~~الأوراق المالية وجد فيها مرتبه كاملا! استخفه الطرب لحد الجنون، فبسط يديه، وهتف من ~~الأعماق: «الله يكرمك يا عم إبراهيم .. الله يجبر بخاطرك يا عم إبراهيم.» # وكبس البوليس بيت عم إبراهيم بدرب الحلة. وكان المسكن عبارة عن حجرة أرضية بحوش بيت قديم ~~تهدم سوره أو كاد. ولم يكن بالحجرة إلا مرتبة متهرئة وحصيرة، وكانون وحلة وطبق صاج، ~~وامرأة عجوز عوراء تبين أنها زوجته. ولما سئلت عن زوجها؛ أجابت بأنه في الوزارة، ثم ~~أكدت أنها لا تعرف شيئا عن اختفائه. ولم يكن له من ثياب إلا جلباب ففتشوه، فعثروا على ~~قطعة حشيش صغيرة. وعادت القوة بالمرأة إلى قسم البوليس. وقالت المرأة إنها لا تدري شيئا عن ~~هربه أو عن السرقة المتهم بها. وبكت طويلا وانتهرت طويلا. وقالت عن حياتهما المشتركة ~~إنه كان في مطلع الحياة زوجا طيبا، وإنهما أنجبا أبناء. من هؤلاء الأبناء عامل يعمل في ~~منطقة القنال منقطع الصلة بهم منذ سنوات. وآخر قتل في حادثة ترام وهو في العاشرة. وبنت ~~تزوجت من عامل بناء ذهب بها إلى أقصى الصعيد، فاختفت من حياتهم كأخيها بالقنال. واعترفت ~~بأن عم إبراهيم تغير تغيرا خطيرا في حياته ms006 في الأشهر الأخيرة، وبعد أن بلغ أعقل العمر، إذ ~~ترامت إليها أنباء عن تعلقه ببائعة ناصيب عند قهوة فؤاد، وأن تلك الأنباء سببت أكثر من ~~عراك بينهما على مرأى من حارة الحلة كلها. # انقض المخبرون على قهوة فؤاد، ثم رجعوا إلى القسم بمجموعة غريبة من جامعي الأعقاب بين ~~الطفولة والمراهقة، كما جاءوا ببعض ماسحي الأحذية. وتذكروا جميعا عم إبراهيم عند سماع ~~أوصافه. قالوا إنه كان يجلس في الأشهر الأخيرة في آخر كرسي في الممر المتفرع عن الطريق ~~العام، يحتسي القهوة ويرنو إلى الإنجليزية! وتبين أنهم يعنون بالإنجليزية بائعة ناصيب في ~~السابعة عشرة ذات خصلات ذهبية وعينين زرقاوين، كانت في الأصل جامعة أعقاب كذلك. واعترفوا ~~جميعا على وجه التقريب بأنهم كانوا على علاقات خاصة بها. وأن ذلك كان كذلك حتى مع بعض رواد ~~القهوة من ذوي النفوس الحلوة المتواضعة! وكان عم إبراهيم شديد الاهتمام بها. رآها مرة وهو ~~عابر سبيل. ولما أدرك أنها من معالم قهوة فؤاد اتخذ مجلسه في نهاية الممر لمشاهدتها كل ~~مساء، وكان يدعوها ليبتاع ورقة ناصيب في الظاهر، وليبقيها أطول مدة ممكنة معه في حقيقة ~~الأمر. وفطنت الفتاة من أول الأمر إلى ولعه بها، فأفشت سره إليهم، فراحوا يتجسسون عليه ~~يوما بعد يوم متخذين إياه مزحة ودعابة، وهو غافل عنهم بهيامه. ويوما أخبرتهم بأن الرجل ~~يرغب في الزواج منها، وأنه يعدها بحياة سعيدة خالية من هموم العناء والتشرد. وضحكوا ~~طويلا! اعتدوها نكتة؛ لأن فكرة الزواج لا تطرق لهم بالا من ناحية، ولأن الرجل أبعد ما ~~يكون عن صورة العريس كما يتخيلونها من ناحية أخرى. وقال أحدهم ساخرا: إنه يبدو ~~كأحدنا! # فقالت بتيه: بل هو رجل غني. # وضحكوا كرة أخرى. لكن الفتاة انقطعت عن المجيء إلى القهوة، واختفت من مظانها ~~جميعا! # وعلى العموم اطمأن البوليس إلى أنه قبض على طرف الخيط. لكنه لم يكن يعلم أن الطرف الآخر ~~في أبو قير. أجل كان عم إبراهيم في أبو قير. كان يجلس جلسة مريحة على الشاطئ يراوح النظر ~~بين البحر ms007 وبين ياسمينة التي تطايرت خصلاتها الذهبية في مهب النسائم. وبدا حليق الذقن مستور ~~الصلعة تحت طاقية بيضاء كالحليب، وعكست بشرته رواء. وارتدت ياسمينة فستانا أنيقا ~~وتجلت نضارتها كالماء المقطر. جلسة عائلية سعيدة مريحة راضية، وإن لم يخل هواء أبريل ~~من لسعة برد. والمكان شبه خال، لا أحد من المصيفين جاء، وأصحاب البيوت من اليونانيين ~~بعيدون عن الشاطئ. والحب يرفرف راقصا حول الجلسة الجميلة. وتجلت في عيني عم إبراهيم نظرة ~~تشوف ودهشة، كأنه يستقبل العالم لأول مرة في طفولة بريئة. فما رأى بحرا من قبل، بل إنه لم ~~يجاوز أعتاب القاهرة طيلة حياته، لذلك بهره البحر المصطخب، والساحل المترامي، والسماء ~~الملفعة بالسحب البيضاء في صفاء الورد. ومضى يصغي إلى الهدير المتقطع، وهو يبتسم ابتسامة ~~فرحة سعيدة لا تفارق شفتيه. بدا أنه انطلق من أغلال الهموم، وأنه يحلق في حلم، وأنه ~~يستمتع بأنغام الحب الشجية التي ترددها أعماقه النشوى. أما الفتاة فتمددت أمامه في استرخاء ~~واكتنفها صمت راكد، حتى ثقلت جفونها بما يشي بالملل. وكان السيد لطفي الموظف بالسكرتارية ~~هو الذي عرفه دون قصد بأبي قير. كان يصيف كل عام في ذلك المصيف ويحكي عن جماله وهدوئه ~~وأسماكه للزملاء قبل السفر وعقب العودة، فامتلأ خيال عم إبراهيم بالمصيف، ثم عرف أخيرا ~~سبيله إليه. وجاءه مزودا بما يحتاجه شهر العسل من ثياب وأدوات زينة، وهدايا ولوازم ~~المزاج والكيف. وكان يومه كله ينقضي بين الحجرة المفروشة التي اكتراها وبين الساحل، لا ~~شاغل له إلا الحب والمشاهدة والتدخين والأكل والشرب والأحاديث. وأنفق في أسبوع ما لم ~~ينفقه من قبل في عام، ولم تكن المحبوبة تكف عن الطلب، وما أسرع ما كان يلبي طلباتها، ~~وكانت غريبة الأطوار، فحتى الخمر والمخدرات طالبت بها. وكانت صريحة إلى حد الإيذاء، ~~فسألته مرة: من أين لك بالنقود؟ # فقال ضاحكا: أنا من الأعيان! # فقالت بارتياب وقد ضرجت الخمر وجنتيها: أنا فاهمة! ~~- الله يسامحك! # وضحكت ضحكة بلهاء وهي تقول: ليس في فيك إلا أربع أسنان، واحدة فوق وثلاث تحت! # وضحك متسامحا. ربما ms008 حام حوله كدر، ولكنه كان مصمما على السعادة، السعادة التي يدرك ~~أكثر من غيره كم هي زائلة! لم يكن يطمع في أكثر من الاحتفاظ بما نال من سعادة إلى حين، وألا ~~يقع القبض عليه قبل أن تنهار دعائم سعادته انهيارها الطبيعي بإنفاق آخر مليم مما يملك. لذلك ~~أصر على السعادة، رغم ما يبدو من محبوبته من مشاكسة. وتاقت نفسها إلى رؤية الإسكندرية ~~لكنه رفض بإصرار، فعادت تقول بمكر موروث عن الأرصفة: قلت لك إني فاهمة! # فكان جوابه أن ابتاع لها حلية لطيفة. ووضع بين يديها فاكهة وشرابا وسجائر محرمة، ~~وقبل خدها المتورد، وابتسم لها في حنان قائلا: انظري إلى البحر والسماء، واسعدي بما بين ~~يديك، وليكن ريقك شهدا! # أراد لها أن تسعد كما يسعد، وكان من قبل يسير مطرق الرأس، لا يرى من الدنيا إلا التراب ~~والطين. أو لا يرى إلا شواغله وهمومه. أما هنا فرأى ما لم يكن يراه؛ رأى الفجر في طلعته ~~السحرية، والغروب في عجائب ألوانه التي تنساب عن الشفق، ورأى النجوم الساهرة والقمر الساطع ~~والآفاق اللامتناهية. رأى ذلك كله بقوة الحب الخالقة حتى عجب كيف يوجد بعد ذلك ~~النكد! # وفي أوائل يونيو ظهرت على الساحل أول أسرة جاءت مبكرة للتصييف، فانقبض قلب عم إبراهيم، ~~وشعر بدنو الشقاء كالأجل. ستولي السعادة قريبا وإلى الأبد. وزاده ذلك إصرارا على السعادة ~~المتاحة، فأشعل سجائره تباعا. ويوما كان عند البقال، فلمح في آخر الطريق السيد لطفي ~~الموظف بالسكرتارية بصحبة سمسار من سماسرة المساكن. سقط قلبه خوفا، فمضى مسرعا إلى عطفة ~~جانبية، ثم تسلل منها إلى حجرته. جاء لطفي ليؤجر مسكنا لشهري يوليو وأغسطس كعادته كل ~~صيف. وما هي إلا أسابيع حتى يجوب الشاطئ بالطول والعرض، ولا يبقى له هو مكان. إن يد الخيبة ~~تطرق بابه ولن يجد له مكانا. سينقضي الحلم مثل هذه السحابة المسرعة. وستغادره محبوبته ~~كزفيره. محبوبته التي يحبها رغم تململها وحدتها ولسانها المفلفل. يحبها، ويشكر لها ما ~~وهبته من سعادة، ونفخت فيه من روح الشباب. فليسامحها الله ms009 وليسعدها الله. ووجد نفسه في ~~حجرته منفردا، فراح يعد ما تبقى من النقود ثم لفها حول صدره. وسمع حركة عند الباب، ~~فالتفت نحوه فرآها قادمة. تساءل ترى هل رأته؟ وقرأ في عينيها نظرة ماكرة؛ لذلك طار النوم ~~من عينيه عندما استلقى إلى جانبها على الفراش. ومضى الليل في أرق وفكر، وسمع صوتا حنونا ~~في أعماقه يقول له: أوهبها النقود وسرحها. فقال له: لم تزل لي أيام. فقال له: أوهبها النقود ~~وسرحها. الطفلة الجميلة المشردة! من أبوها؟ .. من أمها؟ قالت له مرة بكل بساطة: لا أحد ~~لي في الدنيا! # كذلك هو! وأحس بشيء يلمسه كثعبان في الظلام. تركز إحساسه في يدها المتلصصة. تسعى إلى ~~سرقته! ألذلك بالغت في إنهاكه الماكرة حتى يغرق في النوم؟! يا للتعاسة! وقبض على يدها. ~~ندت عنها شهقة في الظلام، ثم ساد الصمت. وتساءل بحزن: لم؟ # ثم معاتبا: متى رفضت لك طلبا؟ # وهوت على يده فعضتها بوحشية، حتى تأوه ودفعها بقوة. كانت أول حركة قاسية تبدر منه ~~نحوها. ووثب إلى مفتاح الكهرباء، فأضاء الحجرة. نظر أول ما نظر إلى معصمه الملطخ بالدم، ~~وقال: صغيرة، وبك هذا الشر كله؟! # رمقته بنظرة مستخزية لحظة، ثم ولته ظهرها. وتساءل: كيف تسعين إلى سرقة مالك؟ # فقطبت تقطيبة نمت عن حنق وضيق، لكنها لم تنبس. فعاد يقول: لا مطمع لي في أكثر مما ~~نلت! # وضحك ضحكة مريرة وقال: ليجزك الله عني خير الجزاء! # وفي الصباح أعطاها أكثر ما تبقى لديه من مال، وحزم متاعها ووصلها إلى المحطة. # ومن ثم أقفرت أبو قير. وتغير الحال رويدا وتقاطر المصيفون. وانتقل إلى الإسكندرية ~~ليهيم على وجهه دون مبالاة. ومرة وجد نفسه أمام جامع أبي العباس فدخل. صلى ركعتين تحية ~~للمسجد، ثم جلس موليا وجهه نحو الجدار. كان يعاني حزنا جليلا ويأسا رائعا. وناجى ~~ربه همسا: لا يمكن أن يرضيك ما حصل لي، ولا ما يحصل في كل مكان. صغيرة وجميلة وشريرة ~~أيرضيك هذا؟! وأبنائي أين هم؟ .. أيرضيك هذا؟ والعالم يطاردني لا لشيء إلا أنني أحبك ms010 فهل ~~يرضيك هذا؟ وأشعر وأنا بين الملايين بوحدة قاتلة .. أيرضيك هذا؟ وأجهش في البكاء. ولما أخذ ~~يبتعد عن الجامع فاجأه صوت ينادي: «عم إبراهيم!» فالتفت مندهشا بلا إرادة، فرأى جبارا ~~يتقدم منه في ظفر وتشف، فأدرك من منظره أنه مخبر فتوقف مستسلما. قبض الرجل على منكبه، ~~وهو يقول: أتعبتنا في البحث عنك .. الله يتعبك! # ولما وجده - وهو يسوقه أمامه - مستسلما محمر العينين، قال: تقدر تقول لي ماذا دفعك إلى ~~تلك الفعلة، وأنت في هذا العمر؟! # ابتسم عم إبراهيم، ثم رفع أصبعه إلى فوق وهو يغمغم: الله! # ندت عنه كالتنهدة ... # | جوار الله # دق جرس الباب الخارجي، ففتحت الخادم الشراعة، فرأت رجلا يرتدي جلبابا، عاري الرأس، ~~غريب الوجه، كانت بلا ريب تراه لأول مرة، فطالعته بنظرة متسائلة، وإذا به يسأل: بيت سي ~~عبد العظيم شلبي الموظف بالمساحة؟ # وجاء عبد العظيم على صوت الرجل، متمهل المشية في جلبابه الفضفاض، مغطى الرأس بطاقية ~~اتقاء للبرد، فنظر إلى القادم باستطلاع كما فعلت الخادم من قبل، ثم سأله عما يريد. فقال ~~الرجل: لا مؤاخذة! أرسلني الحاج مصطفى الدرديري السمسار بالدرب الأحمر؛ لأخبرك بأن الست ~~عمتكم مريضة جدا، ويلزم الحضور. # فانفعل عبد العظيم باهتمام شديد، وتساءل: ماذا حصل لها؟ ~~- لا أعرف يا سيدي، وأنا قلت لحضرتك ما كلفني به الحاج. # ودعاه إلى الدخول من قبيل المجاملة فشكر وذهب. وتحول عبد العظيم إلى الداخل، فوجد أخته ~~تفيدة واقفة تنصت، فقال لها: استعدي للذهاب إلى بيت عمتك نظيرة، الظاهر أنها ستودع ~~... # وعبد العظيم يقيم في هذا البيت بشارع شبين الكوم بحدائق القبة، هو وزوجته وأولاده الخمسة ~~وأخته الكبرى تفيدة، وهي عانس في الخمسين وكان والده في الأصل من الدرب الأحمر، ولكنه انتقل ~~إلى حدائق القبة منذ أربعين عاما، وعبد العظيم طفل في الخامسة. وانقطعت الأسباب رويدا ~~بين الدرب الأحمر وحدائق القبة فيما عدا زيارات الست نظيرة لهم من حين لآخر. وهي في ~~الحقيقة عمة أبيه لا عمته هو، وفي الثمانين من عمرها، عانس مثل تفيدة، تعيش وحيدة، وتملك ~~بيتا ms011 مكونا من أربعة أدوار، عرفت بغرابة الأطوار وحدة الطبع. واكتظ رأس عبد العظيم ~~بذكريات قديمة عما كان يدور في بيته حول ثروة عمة أبيه، وانصهر ذلك كله لحد الاحتراق في ~~خياله بنهم رجل لم يمارس طيلة حياته أي نوع من أنواع الامتلاك. رجل طال به الأمد في ~~الدرجة الخامسة، وتقوس ظهره تحت أعباء الواجبات، ولم يورثه أبوه إلا عبئا ثقيلا هو أخته ~~تفيدة. ودأبت الست نظيرة على زيارتهم، حتى تجرأ يوما على أن يطلب منها قرضا صغيرا، ~~فانقطعت عن زيارتهم. عجوز وبخيلة! تمتلك بيتا من أربعة أدوار إيراده الشهري لا يقل عن عشرة ~~جنيهات. لكنها وحيدة، رغم أنها تعيش في بيئة أهلها القديمة. ومقيمة في حجرة وحيدة فوق سطح ~~بيتها بين الدجاج والغسيل. ولا علاقة طيبة بأحد تؤنس وحشتها؛ إذ ضربت حول نفسها سياجا من ~~سوء الظن والتوجس. وتساءل الرجل، وهو يرتدي ملابسه: ترى هل جاء الفرج أخيرا؟! # وقالت تفيدة، وهما يسيران جنبا إلى جنب في شارع شبين الكوم: ستترك ثروة من غير ~~شك! ~~- سيعرف كل شيء عما قليل. ~~- والبيت أيضا، ترى هل يسهل علينا تحصيل الإيجار؟ إن أهل الأحياء البلدية قوم ~~متعبون! # فابتسم عبد العظيم؛ لعلمه بأنهم من صميم هؤلاء القوم المتعبين، وقال: أراك تتحدثين عنها ~~كما لو كانت قد ماتت! # فامتعضت تفيدة وتورد وجهها النحيل الشاحب العاطل من الجمال، وغمغمت فيما يشبه الحياء: ~~الأعمار بيد الله وحده! # ولما أخذا يشقان سبيلهما في الدرب الأحمر، طالعهما الحي القديم بوجه يغشاه البلى ~~والذبول. بدا مكتظا بالناس والحيوان والمركبات. وذكرت تفيدة صباها بقوة مؤثرة، ورجع عبد ~~العظيم إلى ملعب الطفولة، فنطق كل شيء من حيوان وجماد بلغة القلب. وبدا البيت طويلا على ~~غير المألوف في الحي كله، وبرزت المشربيات كالأحلام، وتناثرت أمام المدخل أكوام من الأتربة ~~والحجارة، على حين تمددت بجوار الجدار جثة قط على حال تعافها النفس. ورقيا في السلم، ~~وهو سلم عالي الدرجات، حتى لهث عبد العظيم، وعندما بلغا الدور الثالث، قالت تفيدة: هنا ~~ولدنا، أنت وأنا، وعلى هذه ms012 البسطة كانت تغني الفلاحات: «البحر زاد» في موسم ~~الفيضان. # ووجد عبد العظيم ذكرى أخرى في الدرابزين الذي كان يتزحلق عليه، فأوشك أن يحكيها، لكن ~~رغبته في ذلك فترت فجأة، فلم يخرج عن صمته. ووقفا عند عتبة السطح حتى يستردا أنفاسهما ~~المبهورة. يا له من سطح غطي تماما بالأتربة، وروث الدجاج وقطع الأحجار الحمراء ~~المتناثرة، وامتدت في فراغه فوق ارتفاع القامة حبال الغسيل! وفي الناحية المطلة على ~~الطريق قامت الحجرة الوحيدة، متسلخة الطلاء، باهتة الباب والنافذة، لا يسهل بحال ~~الاستدلال على أصل لونهما. ومضيا إلى الباب، فطرقه ثم دفعه ودخل تتبعه أخته. هاله منظر ~~النسوة المتلاصقات من شدة الزحمة، منهن الجالسات على كنبة ومقعدين قديمين، والباقيات ~~افترشن الأرض. أما السرير ذو العمد السوداء والناموسية المربوطة من الوسط كالبالون؛ فقد ~~بدا بالراقدة عليه وحيدا منعزلا رغم الزحام. ولم يظهر من نظيرة إلا ثلثا وجهها الشاحب، ~~على حين أخفى الغطاء جسمها حتى الذقن، والمنديل البني رأسها وجبينها حتى الحاجبين. والتقت ~~الأبصار عند القادمين. حدجتهما باستطلاع واهتمام، وندت على رغم الحرص همسات، وسرعان ما ~~أخلي المقعدان. واتجه عبد العظيم وأخته نحو المقعدين وهو يرفع يده تحية، ويتلقى في نفس ~~الوقت عشرات التحيات. وشعر بشيء من الاستعلاء لا يعد على أي حال شيئا إذا قيس بما شعرت ~~به أخته. كان على علم تام بتأثير بدلته في النسوة، وكذلك معطف أخته الذي دفع آخر قسط من ~~ثمنه منذ أشهر قلائل. ولم يخفف من غلوائهما انتسابهما آخر الأمر إلى هذا الحي. غير أن ~~ذلك كله لم يدم إلا ثوان؛ إذ ما كادا يستقران على المقعدين، حتى تركز منهما البصر في ~~الراقدة فوق الفراش المنعزل. هذه هي العمة نظيرة. طالما عملت لهذا اليوم ألف حساب. وكان ~~كلما خاطبها أحد في شأن من شئون المال، قالت بحدة: سأموت قريبا وترثونني. وثمة انحراف في ~~جانب الفم يثير الجزع، واستطالة في الذقن المدبب، مع هبوط ملحوظ في اتجاه الفم الفارغ. ~~أما العارض الذابل فما أشبهه بعارض أبيهما عند احتضاره. وعند ذاك ms013 تردد عن قلبيهما نفس ~~كالرثاء مفعم بالشجن. ومالت تفيدة نحو أقرب امرأة إليها، وسألتها عما أصاب العمة، فأجاب ~~أكثر من صوت في اختلاط وتسابق: «مسكينة كما ترينها!»، «لكن ربنا قادر على كل شيء»، «جئنا ~~فوجدناها كما ترين». وهزت تفيدة رأسها، كأنما ظفرت بالجواب المطلوب. يا لهؤلاء النسوة، ما ~~أكثرهن! كأنهن يجلسن في مسالك التنفس؛ ساكنات البيت أو من الجيران، ولعل فيهن قريبات لهما. ~~في هذا الحي أقارب لهما يسمعان عنهم ولا يعرفانهم ما عدا الحاج مصطفى الذي يزورهما في بعض ~~المواسم، وهو قريب لأمهما لا لأبيهما. متى وكيف يمكن أن تخلو الحجرة من هذه القناطير من ~~اللحم الآدمي ذي الرائحة المقلقة للأعصاب؟ وأجال عبد العظيم عينيه في الحجرة التي لا يذكر ~~متى رآها آخر مرة، ولا كم كان عمره وقتها. الحق أنها حجرة واسعة، فستقية اللون، يتدلى من ~~سقفها مصباح كبير آن له أن ينطفئ، وتطل بنافذة على الطريق وبأخرى على السطح، وقد أغلقتا ~~بإحكام اتقاء للبرد القارص. وغطيت ببساط باهت منجرد، انحسرت أطرافه عن حصيرة مفروشة تحته. ~~وثمة صوان قديم عكست مرآته الوجوه الكالحة. وصندوق مزركش الغطاء استكان تحت السرير، ~~وترابيزة حملت بموقد كحولي وكنجة قهوة. لكن أين ختم العمة؟ .. وأين نقودها؟ .. أين ~~نقودها بصفة خاصة؟ .. وإلا فمن أين له بنفقات الدفن والمأتم؟ .. وتطلع قليلا إلى صورة ~~للبسملة في إطار فضي معلقة بالجدار المواجه للفراش، ثم عاد يتساءل: ترى أين توجد نقودها؟ ~~وشعر بأن الحجرة رغم برودة الشتاء تفور بروائح المطبخ والعرق وصنان الأطفال. وانزعج ~~انزعاجا خاصا لتطلع الأنظار إليه، تكاد تمضغه مضغا، ولم تكن تخلو من إكبار وإعجاب، ~~ولكنه كان يعلم من ناحية أخرى بأنه لا يملك حتى آخر الشهر سوى النقود اللازمة السجائر ~~والمواصلات. # وتساءل: ألم يكشف عليها طبيب؟ # وقبل أن يتحرك لسان للإجابة فتح الباب وامتلأ فراغه بشخص جديد. كان ربعة، يرتدي معطفا ~~غليظا فوق جلباب مقلم، ملفوف العنق بكوفية، مغطى الرأس بطربوش طويل. وسرعان ما ~~ارتطمت الأصوات، وهي تحييه قائلة: أهلا بالحاج مصطفى. # رد الباب ms014 ودخل دون أن يرد تحية، لكن ما إن وقع بصره على عبد العظيم وتفيدة، حتى تهلل وجهه ~~وأقبل عليهما مصافحا بحرارة، وهو يقول: أهلا وسهلا، قضى ربنا ألا يرى بعضنا البعض إلا ~~كل حين ومين. # ولما فرغ من المجاملات المعهودة تراجع إلى حافة الفراش، وجلس عليها بتؤدة وحرص؛ خشية أن ~~يصيب الراقدة بأي اهتزاز. وآنس من وجه الأخ تطلعا إلى معرفة كل شيء عن العمة نظيرة، فأنشأ ~~يقول: كان الله في عونها، لآخر لحظة حافظت على نشاطها اليومي المعهود، وحتى هذا السلم ~~المرتفع المخيف لم يكن ليحول بينها وبين الخروج كل يوم إلى السوق، وكم رجوتها أن تستعين ~~على وحدتها بخادمة ولكنها ... على أي حال أنت تعرف كل شيء عن هذا الموضوع، واليوم خرجت ~~للتسوق كالعادة، قابلتها عند عم حسنين البقال وتبادلنا الدعابات، ثم عادت تسير على مهل. ~~ولما صعدت إلى الدور الرابع وقفت تحادث ست حميدة (وأشار إلى امرأة مكومة في الركن) ثم ~~مضت تصعد الدرجات الباقية، ولما بلغت باب السطح ند عنها أنين موجع، فهرعت إليها ست ~~حميدة. # وقاطعته ست حميدة قائلة: لم أكن وحدي! كانت معي أم نرجس، وكانت ست خيرية فوق السطح تطعم ~~الدجاج! # ابتسم الحاج مصطفى ابتسامة غامضة، وقال: هرعن إليها، لكنها أبت أن تستسلم، أبت أن ~~يسندها أحد، حاولت بجهد أن تتم رحلتها وحدها، وجعلت تقول «لا شيء .. لا شيء» .. وما لبثت أن ~~سقطت بين أيديهن! حملنها إلى حجرتها وأنمنها على الفراش، ثم أرسلن في استدعائي من ~~القهوة. جئت مسرعا، ولما اطلعت على الحال عدت إلى الخارج، ثم رجعت بصحبة طبيب حينا، ~~رجل طيب عجوز لا كأطباء هذه الأيام، وكشف عليها باهتمام كبير، استعمل السماعة وأجهزة أخرى، ~~ثم مال علي قائلا: «النقطة» .. ووعد بالحضور مرة أخرى، ولم يأخذ نظير هذا كله سوى ~~خمسين قرشا! # جعلت تفيدة تفكر في مقاطعة ست حميدة، وما ذكر الحاج عن أتعاب الطبيب. أما عبد العظيم ~~فاستغرقه التفكير في الحال التي سقطت بها العمة نظيرة. ما أشبهها بموت أبيه، وموت ms015 جده من ~~قبل! ولعل حينه إذا حان أن يجيء على نفس الحال. يا لها من ميتة سريعة لا يدري أحد عنها ~~شيئا! وثبت عينيه على الوجه الشاحب ذي الفم المنحرف، وتساءل: ترى هل تتألم الآن؟ هل تود ~~الاستغاثة فلا تستطيع، أو أنها غائبة عن الوجود كله؟ .. وهي امرأة في الثمانين، كذلك مضى ~~جده في نفس السن، أما أبوه فمات في الستين دون زيادة، وعلى ذلك؛ فلا قاعدة هنالك يركن ~~إليها، والأمر لا يعدو أن يكون طيشا وعبثا. وتمتمت تفيدة: يمكن ربنا يأخذ بيدها! # فرفع الحاج مصطفى حاجبيه الكثيفين بشكل غير عادي، وقال: ربنا قادر على كل شيء. # لكن نظرة عينيه أكدت ما ينقض قوله من أساسه. ولاذوا بالصمت مليا. وكاد الصمت يستقر ~~بالحجرة كلها، لولا كلمات ندت عن امرأة أو أخرى بقصد المجاملة والمداهنة، وجميعها ~~توجه نحو الراقدة، مثل: «الله يأخذ بيدها» و«كانت طيبة وأميرة» و«وجودها بيننا خير ~~وبركة». فابتسم باطن عبد العظيم لسابق علمه ما بين عمته وبينهن من مشاحنات ونقار دائم. وكان ~~الحاج مصطفى أعلم بذلك، غير أنه كان أجرأ من قريبه، فتساءل فجأة بصوت مرتفع: اليوم الثالث ~~من الشهر، فهل حصلت ست نظيرة إيجار الشقق؟ # وقلب عينيه في الوجوه الواجمة، حتى ارتفع صوت قائلا: أنا أعطيتها الأجرة، والله ~~شهيد! # وإذا بسيل من التوكيدات ينهمر. كل واحدة أكدت أنها دفعت الإيجار، مستشهدة بزميلة أخرى، أو ~~بمناسبة لم يشهدها أحد، فقال عبد العظيم: طبعا معكن الإيصالات! # فقالت امرأة: نحن تتعامل معها بلا عقود ولا إيصالات، ولكن ليس في ذمتنا مليم واحد. # وقالت أخرى: ومعلوم أيضا أنها لم تكن لتسكت عن متأخرة في الدفع! # فقال الحاج مصطفى منذرا: سأدعو على الكاذبة! # فقال أكثر من صوت: ادع، وبيننا وبينك ربنا. # وكان الشك قويا، ولكن لم يكن لدى أحد حيلة، فرفع الحاج مصطفى يديه ناظرا إلى فوق وقال: ~~أنت أعلم بكل شيء، حسبنا الله ونعم الوكيل! # ثم نظر إليهن قائلا: والآن تفضلن مشكورات؛ حتى ندبر أمورنا. # ومضت الجالسات يقمن ويغادرن الحجرة ، واحدة ms016 في أثر أخرى، حتى لم يبق إلا امرأتان على ~~الكنبة، واحدة عجوز والأخرى شابة في العشرين، فابتسم الحاج مصطفى، وقال مخاطبا عبد ~~العظيم: أراهن على أنك لا تعرف هاتين السيدتين! على أي حال هما قريبتاك، الست بنت بنت أخت ~~نظيرة، وهذه ابنتها! # تبودلت نظرات باسمة في فتور. وتوترت أعصاب عبد العظيم وتفيدة بقلق وعدم ارتياح. واندفعت ~~تفيدة قائلة: نريد أن نطمئن على أشياء عمتي! # وقال الحاج مصطفى: لا أحد يدري عنها شيئا، ولكن يحسن بنا أن نفتش المكان. # وقام - والأعين تلاحقه - إلى الصوان ففتحه، ولكنه لم يجد به سوى بعض الفساتين البسيطة ~~والثياب الداخلية. وعاد إلى السرير فأخرج الصندوق من تحته وفتحه، فوجد به أواني نحاسية، ~~وموقد غاز، وأطباقا، وعلبة سمن، وزجاجة زيت، وكيس ملح. وسرعان ما أغلقه وأعاده إلى موضعه ~~.. ونظر إلى تفيدة قائلا: يحسن بك يا ست تفيدة أن تفتشي صدرها. # فجفلت تفيدة، وهي تبادل أخاها نظرات الحرج، ولكن الحاج مصطفى قال: يا جماعة إنها مصابة ~~بنقطة، يعني الشلل، ألا تعرفان ما يعنيه هذا، وبخاصة في مثل سنها؟! # فقالت تفيدة بإشفاق: الأعمار بيد الله، وربما أفاقت وعلمت بما فعلنا. # فقال الحاج مصطفى بعفوية عجيبة: أقطع ذراعي إن طلع عليها الصبح! # ثم بلهجة المعتذر: يجب أن نتدبر أمرنا. # وقامت تفيدة في شيء من التردد فمضت إلى الفراش، ثم أدخلت يدا مرتعشة إلى صدر عمتها ~~وأخرجت ما وجدته، أحجبة وعلبة سجائر ولفافة غليظة، ثم أعادت الغطاء كما كان وعادت إلى ~~مقعدها. وتناول الحاج مصطفى اللفافة وراح يفكها تحت الأعين المحملقة. وتمخض البحث عن ~~كيس صغير وورقة مطوية، بسطها الحاج بعناية، وإذا بالعجوز تصيح: دفتر توفير .. دفتر توفير ~~وحياة ربنا في سماه! # فحدجتها تفيدة بغضب، ومضى الحاج مصطفى يفر صفحات الدفتر، حتى قال: مائة وخمسون جنيها ~~في البريد! # فرددت العجوز: مائة وخمسون جنيها! .. ربنا كريم .. ربنا كريم! # فحدجتها الأعين بنظرات ساخطة حتى أطبقت شفتيها، غير أن شعور عبد العظيم بالارتياح كان ~~أضعاف شعوره بالحنق على العجوز. وتحول الحاج مصطفى إلى الكيس ms017 الصغير فأفرغ ما فيه على ~~الفراش، فإذا به مبلغ سبعة قروش! تبادلوا نظرات حائرة، وهتفت تفيدة: سبعة قروش! أين إذن ~~إيجار البيت؟! # فقالت العجوز: جئنا متأخرين للأسف! # وقال عبد العظيم: إما أن الإيجار لم يدفع، وإما أنه سرق. # فهز الحاج مصطفى رأسه متأسفا، وهو يقول: آه من النسوان! حسبنا الله، لا حيلة لنا، وما ~~فات فات! # فقالت تفيدة: ومن يدري؟! فلعلها كانت تملك أشياء أخر. ~~- لعلها، كلام لا طائل تحته، حسبكم العمارة ونقود البريد. # فقال عبد العظيم بقلق وبلهجة شفت عن مخاوفه: لكننا قد نحتاج إلى نفقات عاجلة. # فقال الحاج مصطفى بصراحته المعهودة: نعم فللمأتم تكاليفه، لكن ربنا موجود، وأنا تحت ~~أمركم! # فاطمأن عبد العظيم وأعرب عن شكره بابتسامة وغمغمة. وهمت العجوز أن تتكلم لكن الباب فتح ~~ودخل رجل قصير نحيل ذو نظارة سميكة، وسن جاوزت الستين، فقام الحاج مصطفى وهو يقول: أهلا ~~بالدكتور! # واتجه الطبيب إلى الفراش فوضع عليه حقيبته، وراح يفحص الراقدة، أزاح جفنها محدقا إلى ~~عينيها، وجس النبض، ثم أخرج من حقيبته السماعة، وألصقها بالصدر فوق القلب، ثم استمع إلى ~~دقاته، ثم أعادها إلى الحقيبة وأغلقها، وبسط فوقها ورقة، وكتب على عجل بعض الكلمات وهو ~~يقول: هذه الحقن لازمة. # وألقى نظرة على الموجودين قائلا: السلم متعب! # وابتسم ابتسامة لا معنى لها ثم حمل الحقيبة، ومضى والحاج مصطفى في أثره حتى غيبهما الباب. ~~وما لبث الحاج أن رجع وهو يقول بلهجة ذات معنى: قال لي أن نشتري الحقن حقنة فحقنة، لا ~~دفعة واحدة! # ونظر في عيني عبد العظيم، فأدرك هذا أنهم قد لا يحتاجون إلى الحقنة الثانية! # ومد بصره إلى الراقدة كأنما يلقي عليها نظرة الوداع. ومهما يكن من أمر؛ فلا ينبغي لهذه ~~الجلسة أن تطول في هذا الجو البارد. يا لها من حجرة قامت في خلاء يصفعها هواء الشتاء البارد ~~في كل جانب. وها هو الأصيل يغشى كل شيء، وزفيف الريح يشتد في الخارج، والبرودة تسري في ~~الأطراف. وما زال هذا الوجه الشاحب يذكره باحتضار أبيه فيثير ms018 أشجانه. وقرب هذه العجوز منه ~~يؤلمه، كأنه حجر مغروس في جنبه. ومضى الوقت في صمت ثقيل حتى فتح الباب، وترامى صوت ينادي ~~على الحاج مصطفى فهتف به هذا: ادخل يا عليش! # فدخل قزم يحمل لفة ضخمة أكبر من حجمه فتناولها الحاج، ثم وضعها على الفراش عند قدمي ~~الراقدة. وذهب القزم ورد الباب وراءه، دون أن ينبس أو يلتفت إلى أحد. # وتلاقت الأبصار عند اللفة فقال الحاج مصطفى بصوت انخفض قليلا عن درجته المألوفة: لا ~~مؤاخذة .. هذا هو الكفن ولوازمه. # وعكست الأعين جفولا، كأنهم ينظرون إلى ثعبان، فهز الحاج رأسه وقال: وحدوا الله، ما ~~نحن إلا أموات وأبناء أموات، وأنا أعلم من أول الأمر أن كل شيء سينتهي في ساعات، وغرضي ~~الكرامة والستر! # لم يعقب أحد بكلمة، فواصل الرجل حديثه بلهجة من يلقي تعليمات نهائية: رتبت كل شيء ~~بروية، والأعمال بالنيات، فإذا قضى الله قضاءه فسأحضر المغسلة، ثم نكفنها وندفنها ~~ولو آخر النهار، أليس إكرام الميت دفنه؟ وأنت يا عبد العظيم أفندي لا تحب وجع الدماغ ولا ~~الكلام الفارغ، بعد ذلك نجيء بمقرئ، فيقرأ سورتين هنا في حجرتها، ثم فيما بعد نتحاسب، ~~والدار أمان .. وهذا أكرم للمرحومة! # وانتبه من توه إلى أنها لم تصر بعد «مرحومة»، فارتبك لحظة واحدة، ثم صحح نفسه ~~قائلا: لا مؤاخذة أعني ست نظيرة، أستغفر الله العظيم! # ازداد عبد العظيم اطمئنانا بهذا الكلام، فهو رجل لا خبرة له تذكر في هذه الشئون فضلا ~~عن كسله المكتسب من الروتين الحكومي الذي غرق فيه زهرة عمره. وتذكر في ارتياح أن بعض ~~النقود المتوفرة في البريد تفي بالنفقات جميعا، حتى مع إدخال المبالغات المرتقبة من ناحية ~~الحاج مصطفى في الحساب! وهو رجل (الحاج) لن يضيره تأجيل الحساب، حتى تتم إجراءات إثبات ~~الوراثة المعقدة. واستقر الصمت مليا، فالتمسوا فيه شيئا من الاستجمام. واتجهت الأنظار ~~صوب الراقدة، كأنما تسألها عن متى يشرعون في العمل، بعد أن تم الاتفاق على كل شيء. واشتد ~~الإحساس بالبرد، فلذلك تقرفصت القريبة العجوز ابتغاء الدفء، والتصقت بها ms019 ابنتها. وإذا ~~بالعجوز تخرق الصمت قائلة، كأنما تخاطب ابنتها: والله لك قسمة يا درية في ميراث كبير على ~~آخر الزمن. # واشتعل انتباه عبد العظيم وأخته بعنف. وعكست عيناهما حنقا كالوهج، على حين هز الحاج ~~رأسه فيما يشبه الأسف. وتساءلت تفيدة بحدة: من أين عرفت هذا؟ # فقالت العجوز بعناد: هي خالة أمي، وكل شيء في الورق! # ولم تقنع العجوز بالكلام، فقامت إلى النافذة المطلة على الطريق، ففتحتها غير مبالية ~~بالهواء البارد الذي اندفع إلى الداخل كالسياط، ثم نادت بصوت مرتفع: يا شيخ عويس .. يا شيخ ~~عويس ... # وفتحت نافذة في البيت المواجه لهم عن وجه كهل متلفع بعباءة، مغطى الرأس بطاقية ~~صوفية. نظر إليها وهو يتساءل: مالك يا ست نفيسة؟! # فقالت وهي تحبك الملاءة حول جسدها النحيل؛ خوفا من البرد: ربنا يكرمك، لا تؤاخذني، لكني ~~في حاجة إلى رأيك، إذا ماتت واحدة بلا ذرية ألا ترثها بنت بنت أختها؟ # فدهش الرجل وقال: وهل هذه المسائل مما يحل من النوافذ؟ تعالي إلى المكتب، أو شرفي ~~البيت. # فقالت بتوسل: وحياتك وحياة أولادك إلا ما أخبرتني. # فتساءل الرجل: هل الست نظيرة لا سمح الله ... ؟! # وأشار بيده إشارة تعرب عن الانتهاء، لكنها قالت: كلا يا سيدنا الشيخ، ولكني أحب أن أعرف ~~رأيك. # فتراجع الرجل إلى الداخل مقطبا، وهو يقول: يا ست نفيسة، لكل شيء وقته. # ونهض الحاج مصطفى فأزاحها عن النافذة، ثم أغلقها وهو يقول: عودي إلى الكنبة ووحدي ~~الله. # وتمتم عبد العظيم وهو يكظم غيظه: البرد سيقتلنا، والمريضة في حالة خطيرة. # وقالت تفيدة بصوت متهدج: لم يعد في الدنيا ذوق! # فرجعت المرأة إلى مجلسها وهي تقول، بجفاء وتحد: حيلك يا ست هانم، إنها لا تعرف لها ~~أهلا غيرنا، أما أنتم فلم تحضروا إلا عند الوفاة! # وأشار الحاج إلى تفيدة متوسلا أن تسكت، وخاطب نفيسة قائلا: يا ست نفيسة ما معنى هذا ~~كله؟! هه؟ إن كان لك حق فما من قوة تمنعه عنك، أليس في البلد محاكم وقوانين؟ وعبد العظيم ~~أفندي رجل موظف محترم، وكذلك الست ms020 أخته؛ فلا لزوم للكلام الفارغ. # وهمت العجوز بالكلام، ولكنه نهرها بحزم فأطبقت شفتيها. وسكت كل شيء، فلم يعد يسمع إلا ~~عويل الريح في الخارج، ولغط بعض المارة في الطريق، وأنفاس الحاج مصطفى المحشرجة. # وشعر عبد العظيم بهواء بارد يتسرب إلى قدميه قادما من عقب الباب، فانكمشت أصابعه في ~~الحذاء. وأخذ جو الحجرة بمرور الوقت يشحب، ثم يغمق رويدا مؤذنا بالمغيب. وركبهم اليأس، ~~حتى الحاج مصطفى أشعل المصباح وهو يقول: «ما زال في العمر بقية، وحتى إذا وافى الأجل اليوم؛ ~~فلا بد من الانتظار إلى الغد.» وتساءل عبد العظيم: «هل قضي عليهم بالبقاء في هذه الحجرة ~~الكئيبة، وعلى مقربة من هذه العجوز الوقحة، طيلة ليل الشتاء البارد؟» ولم يعد مصطفى إلى ~~مجلسه، ولكنه زرر معطفه استعدادا للذهاب، ثم قال: لا لزوم لي الآن، أنا ذاهب إلى بيتي ~~فاستدعوني إذا حصل شيء. # ومضى تاركا عبد العظيم لمزيد من الكآبة والضيق. نظر إلى العمة بوجوم، وكانت راقدة في ~~غير ما اكتراث لشيء في الوجود، أي شيء في الوجود. واشتد هبوب الريح، حتى انقلبت زئيرا، ~~وتجسدت الكآبة كالجدران القاتمة. وشعر عبد العظيم بحنان عارم إلى مجلسه في البيت على كثب من ~~الراديو بين زوجه وأولاده، إلى صخب الأولاد وشقاوتهم وتعلقهم العجيب به. وحملت الريح فيما ~~حملت صوتا يغني في الراديو: # يا امه القمر ع الباب # فحاول أن ينسى فيه ألمه. ومر الوقت أثقل من الخوف، وجثم الليل، وأفصحت طقطقة الكنبة ~~والمقعدين عن تململ الجالسين. وما لبث أن مال رأس العجوز إلى مسند الكنبة، وراحت تشخر ~~شخيرا ضاعف من البلوى. وتمتم عبد العظيم: كيف يمكن أن يمضي هذا الليل الطويل؟ # فقالت تفيدة بعطف: ارجع إلى البيت. # فقال بلهفة: تعالي معي! ~~- هبها ماتت أثناء غيابنا؛ فماذا يقول الناس؟! # فأبى أن يذهب وحده. وبدا أن المريضة هي الوحيدة التي ترقد في سلام. ومضى الليل يعد ذرات ~~رمال الدنيا. واضطر الأخ وأخته إلى الانتقال إلى الكنبة؛ التماسا لمجلس أطرى وتمهيدا ~~لنعاس متقطع متعب على مرمى أنفاس الموت المترددة. ms021 ولم يجد الرجل ما يتسلى به سوى التفكير ~~في الميراث المنتظر، في نصيبه من مال البريد، ومن إيراد البيت الشهري الذي لا يقل عن عشرة ~~جنيهات. ألا يضمن على الأقل مقدار علاوتين شهريتين؟ لعله يتمكن من شراء معطف، فما يجوز أن ~~يلقى الشتاء كل عام بلا معطف في مثل هذه السن، ولعله يستطيع أن يرفه عن أسرته بشيء من ~~الفاكهة الممتازة من حين لآخر، أو بنوع من الطيور ولو مرة في الشهر. لا شك أن الحياة ستكون ~~أجمل مما كانت حتى الآن. وغلبه النوم وهو يناجي أحلامه، واستيقظ هو وأخته في الصباح الباكر ~~بجسدين متوعكين في أكثر من موضع. واقتربت تفيدة من فراش العمة، وانحنت فوقها متفحصة، ثم ~~عادت إلى أخيها وهي تقول: ينبغي أن نذهب إلى البيت، ولو لبضع ساعات. # فقالت ست نفيسة التي ظناها نائمة: تذهبان وترجعان بالسلامة! # فتلقت مجاملة العجوز كأنها بودرة عفريت رشت في قفاها، وذهبا معا واجمين. وفي الطريق ~~قال عبد العظيم لأخته: لي صديق محام سيحل لي ألغاز الميراث في أقرب وقت. # وعادا قبيل الظهر بقليل. وأرهفا السمع وهما يقتربان من البيت، ولكنهما لم يسمعا شيئا ~~مما كانا يتوقعان. كل شيء هادئ في البيت. والدجاج يتمشى فوق السطح في غبطة ظاهرة ويميل ~~برأسه إلى الوراء؛ لينظر إلى القادمين. ووجدا في الحجرة العجوز وابنتها والحاج مصطفى ~~والفراش المنعزل الصامت، حاملا العمة المصابة وكفنها المكوم عند القدمين. سلما ثم اتخذا ~~مجلسيهما على المقعدين كالأمس، وهما يكابدان إحساسا بالخيبة، وخوفا من أن يتكرر عذاب ~~الليلة الماضية. وخيل إليهما أن الحاج مصطفى هم بالكلام لكنه عدل عنه، ماذا كان يريد أن ~~يقول؟ لعله يشعر بما يشعر به أي سمسار انكشف خداعه! والحق أن الحياة لا يمكن أن تحتمل على ~~هذا النحو الأليم من الانتظار فوق مقعد خشبي على كثب من كفن. وكم من مشلول عاش دهرا ~~طويلا! وربما وجبت عليهم خدمة المريض زمنا لا يدري مداه أحد. وقال الحاج مصطفى بلهجة ذات ~~معنى: نحن نشتري الحقن حقنة بعد ms022 حقنة! # ألا خيبة الله! أنت وطبيبك نفسه! ولم يعلق عبد العظيم لا بكلمة ولا بنظرة. وراح الحاج يقص ~~القصص عن الشلل والمشلولين. جدكما مثلا مات بمجرد إصابته. أبوكما لم يلبث إلا ساعات. وصاحب ~~العمارة في أول الطريق سقط في القهوة، ولفظ أنفاسه قبل أن يجد من ينقله إلى البيت. وعشرات ~~غيرهم، أي نعم عشرات. وما لبث أن قام قائلا: استدعوني إذا جد جديد. # وغادر الحجرة. وعقب ذهابه مباشرة أقبلت مجموعة من الجارات، فاستحسن عبد العظيم أن يذهب ~~أيضا. مضى إلى قهوة بالأزهر، ثم تناول غداءه عند العاجاتي، وعاد إلى الحجرة فوجد الحال كما ~~تركه. ولبث دقائق ثم مضى مرة أخرى إلى القهوة، فبقي بها حتى أتى المساء فعاد إلى الحجرة ~~بأمل جديد، ولكنه وجد الحال كما تركه. وقالت له تفيدة بحزم: لن تستطيع المبيت هنا ليلة ~~أخرى، ارجع إلى البيت وسأبقى أنا. # وغمغم بشيء لم يتبينه أحد ثم ذهب. رجع إلى أسرته، واطمأن في مجلسه أمام الراديو بين ~~الأولاد، وتأرجح قلبه بين الطرب وبين عواطف الأبوة الأصيلة العميقة التي يلهمها كل ولد ~~بطريقته الخاصة. وعمقت تجربة الليلة الماضية من مسرته بالمجلس، كأنما هو عائد إليه من مرض ~~أو سجن. وسألته زوجته: أليس من الواجب أن أذهب معك غدا؟ # فقال بجد: لا داعي لذهابك مطلقا! # ومضى مع الصباح إلى الدرب الأحمر. وكان كل شيء كما توقع، يجري على مألوفه. وضحك الحاج ~~مصطفى ضحكة فاترة، وقال وهو يشير إلى العمة: كعادتها دائما، ربنا يلطف بها، كانت رغم ~~كل شيء ظريفة! # ثم قص عليهم كيف أنها رغبت أخيرا في إجراء بعض الإصلاحات في دورة المياه، فكلفته بالقيام ~~اللازم، وكيف واظبت على مراجعة حسابه قبل الإذن بالشروع في العمل الذي لم يتم، وكيف لم ~~تخف سوء ظنها بكل رقم، ثم كيف قالت له بكل بساطة: «يا مصطفى، أنت كلك ضلال كالمرحومة ~~أمك.» وضحك الرجل ضحكة عالية، لكنه اضطر إلى قطعها على صوت تفيدة، وهي تهتف: ~~انظروا! # اتجهت الأبصار نحو العمة فرأوا الغطاء وكأنه يتحرك، ms023 يقب قليلا فوق يدها اليسرى. اقترب ~~الحاج مصطفى من الفراش وأزاح الغطاء قليلا، فبدت يسراها وهي تتحرك. ارتفعت قليلا، ~~وانبسطت راحتها ثم انقبضت، ثم استكنت فوق الصدر. حملق الرجل في الراقدة بذهول، ثم أعاد ~~الغطاء إلى سابق وضعه وعاد إلى مجلسه. وتوتر الصمت كالشلل. ترى أي قوة خفية تعبث بهم ~~وتعذبهم؟! ألم تكن الحياة محتملة رغم كافة متاعبها؟ .. ماذا رمى بهما إلى هذه التجربة؟ ~~وقالت تفيدة بحدة: ضعوا الكفن تحت السرير! # فرفع الحاج حاجبيه الكثيفين في حيرة، ولم ينبس ولم يتحرك، فعادت تفيدة تقول: رأسي سيتكسر ~~من قلة النوم! # فنظر عبد العظيم نحو الحاج وقال: لنذهب الآن، ثم نعود عصرا. # وشجعهما الحاج بهزة من رأسه، فغادرا الحجرة على الفور. وقالت تفيدة وهما يقطعان الغورية: ~~هذا حرام من أوله إلى آخره، والله يعاقبنا. # فقال عبد العظيم بعصبية: ماذا فعلنا؟ .. البغل وحده الذي أكد أول يوم أنها ستدفن قبل هبوط ~~الليل. ~~- الحق أني كرهت كل شيء، كرهت نفسي يا أخي! ~~- لا اعتراض لنا على مشيئة الله. # ثم بلهجة متطورة إلى الهدوء، وكانا يقتربان من شارع الأزهر: اذهبي إلى البيت، وسأذهب إلى ~~المصلحة. # وقفا في المحطة ينتظران الترام. وحانت من عبد العظيم نظرة نحو مدخل الغورية، فرأى الحاج ~~مصطفى يهرول نحوهما. وقف أمامهما وهو يلهث، ثم قال: الحمد لله على أن أدركتك قبل أن ~~تركب. # ثم مواصلا كلامه بعد لحظات استراحة: البقية في حياتك! # ألجمت الدهشة لسانيهما، وتدفق إلى نفسهما خليط من المشاعر، الخوف والحزن والارتياح ~~والخجل. ورجعوا جميعا وتفيدة تتساءل: ظننت أنها .. رباه! .. كيف حدث هذا؟ # فقال الحاج مصطفى، وكان ما يزال يلهث: كما يحدث عادة، لا غريب في الأمر، سعلت قليلا، ~~وبدا أنها تحاول أن تتكلم، ثم شهقت شهقة خفيفة، وخرج السر الإلهي. # وترامى إليهم من ناحية البيت صوات جماعي! .. وقع من نفوسهم موقعا غريبا، ولكنه أحدث ~~تأثيرا غير منتظر، فجاش صدر عبد العظيم بالانفعال، وأجهشت تفيدة في البكاء. وعندما اقتربت ~~من السطح ولولت صائحة: «يا عيني يا عمتي .. يا عيني ms024 يا عمتي!» # وجرى كل شيء كما رتب الحاج مصطفى من قبل، فخرجت الجنازة قبيل الظهر. وسار فيها جمع غفير ~~من أهل الحي سواء للمجاملة أم ابتغاء الثواب. وتراءى الشيخ عويس المحامي، وهو يسير بين ~~المشيعين، فشق الحاج مصطفى سبيله إليه ولزمه، حتى صلي على الفقيدة في الجامع. ولما ~~استأنفت الجنازة سيرها إلى باب النصر بالبقية القليلة من المشيعين عاد الحاج إلى جانب عبد ~~العظيم شلبي ولكزه بكوعه قائلا في همس: لن يشارككما أحد. # فسأله عبد العظيم بلهفة: أقال ذلك؟ ~~- تقريبا. المسألة تحتاج إلى مراجعة طبعا، ولكن اطمئن! # فدارى عبد العظيم فرحته بقناع من الجد، وتمتم: نحن راضون بما قسم الله به. # وانتهت الجنازة إلى المدفن القديم، فأنزل النعش على كثب من القبر، وجلس المشيعون في ~~الحوش غير المسقوف على كراسي من الخيزران. ومضى عبد العظيم إلى القبر المفتوح ووقف عند رأسه ~~مذعنا لرغبة غامضة أقوى من الخوف الذي لم يصده. كان القبر ذا منامتين، واحدة للرجال ~~والأخرى للنساء، فأرسل طرفه الحائر نحو منامة الرجال. رآهم صفا متراميا إلى الداخل، على ~~رأسهم أبوه الذي استدل عليه بموضعه، وبلون كفنه الكموني المقلم، وتلاه أخوه، ثم جده. وثقل ~~قلبه جدا. وضغط الانقباض على أضلعه ضغطا غير محتمل. لكن عينيه تحجرتا، فلم تذرفا دمعة ~~واحدة. وامتلأت خياشيمه برائحة ترابية نافذة، كأنما تصدر عن الفناء نفسه. ومرت لحظة مات ~~فيها كل شيء، فلم يعد لأمر قيمة ولا معنى. وشعر بيد توضع على كتفه، فالتفت فرأى الحاج وهو ~~يشير إليه أن يتخلى عن مكانه للدافنين، وسرعان ما تراجع. وبدأ العمل فحمل الجثمان ليودع ~~مقره الأخير. وانبعثت آيات من صوت كئيب، كأنما تنبعث من خزانة للأحزان. وبدأ التلقين في ~~رتابة مخوفة مضجرة، ألقته حناجر أشباح شائهة، فحلت به جملة ألغاز الأبد. وقال عبد العظيم ~~لنفسه: يا لها من أسئلة، ولكن كيف يتاح الجواب لمنفرد بظلمة القبر! .. وتتابعت الأصوات في ~~رتابتها تنفث كآبة كالغبار، وفي الحوش تردد صوت السقاء اليائس، وهو يجول بين الجالسين ~~بإبريقه دون أمل . وطار ms025 فكر عبد العظيم فجأة إلى ابنه البكري، فعاهد الله على أن يجري له ~~جراحة لاستئصال اللوزتين كما نصح بذلك طبيب الوحدة المدرسية. فهذا خير على أي حال من أن ~~يتهدده روماتيزم القلب فيما بعد. وعاهد ربه أيضا على الإقلاع ما أمكن عن المواد الدهنية ~~كما أشار عليه الطبيب منذ عام بغض النظر عن الثروة المنتظرة. وتلاحقت الأصوات في سرعة موحية ~~بنهاية الحفل، فحن قلبه إلى البيت والأولاد بقوة وجد فيها العزاء عما ساوره من قلق. وتابع ~~الحاج مصطفى وهو يساوم الترابي، وينفح السقاء بشيء من الجود، وكذلك المقرئين، وارتفع صوته ~~الجهير وهو يزجر الطامعين بغلظة. وآمن بأن ذلك الرجل سيخرج من المولد بغنيمة طيبة، ولكنه ~~كان مقتنعا كذلك بأنه لولا خدماته لغرق في الارتباك والخسران حتى أذنيه. ومضى المشيعون ~~ينصرفون حتى لم يبق إلا الحاج مصطفى وعبد العظيم. وكانت الشمس تسطع في سماء خلت تقريبا من ~~السحب، فبثت في الجو دفئا مليحا، فدعا الحاج مصطفى صاحبه إلى الجلوس على دكة عند طرف ~~المدفن؛ ليستريحا قليلا. وتردد عبد العظيم عن قبول الدعوة مقلبا عينيه في الخلاء المكتظ ~~بالقبور إلى ما لا نهاية أمام الدكة وفيما حولها، ولكن الحاج تعلق بذراعه وقال متوسلا: لم ~~أجلس منذ الصباح ولا ثانية، دقائق معدودات ثم نذهب. # وجلس الحاج فجلس عبد العظيم وهو كاره. بدا كأنه يعجب من كثرة القبور حوله، فأراد الآخر أن ~~ينتزعه من كآبة المنظر فقال: غلبني التعب المتراكم، وأمامنا مشوار ليس بالقصير. وأنت رجل ~~ظريف تستحب معاشرته، بالله خبرني ماذا نويت أن تفعل؟ # فتساءل عبد العظيم بدوره: فيم؟ # فلوح الآخر كأنما يشير إلى القبور وقال: في كل شيء، أعني الأمور الجديدة التي تتطلب أسرع ~~الحلول، طبعا عليك أن تشرع فورا في إجراءات إثبات الوراثة، وقبل ذلك علينا أن نستشير ~~المحامي بصفة رسمية، بعد ذلك تصبح أنت والست أختك المالكين - وحدكما إن شاء الله - للبيت ~~ونقود البريد. # فهز عبد العظيم رأسه بالإيجاب، ولكنه حسب للمجهود ألف حساب. وقرب الآخر فمه من أذنه كأنما ms026 ~~يخشى أن يسمعه من في القبور وقال: الحق أن المتاعب ستبدأ بعد ذلك. ~~- المتاعب قبل ذلك. ~~- أتظن هذا؟! ماذا تعرف عن مهمة أصحاب البيوت؟ # فقال عبد العظيم بقلق: لا أدري، هل ثمة شيء خلاف تحصيل الإيجار في أول الشهر؟ ~~- وكيف يحصل الإيجار في أول الشهر؟ # فابتسم عبد العظيم في حيرة دون أن ينبس فقال الحاج: واحد يدفع وعشرة يتهربون، هذا يجب أن ~~تمهله أسبوعا، وذاك وقعت له مصيبة ويطلب التأجيل إلى الشهر القادم، وثالث لن تجده في مسكنه ~~أبدا، ورابع وخامس، أنت لا تعرف أهل حينا ولا سكان هذا البيت بصفة خاصة، الله يرحم عمتك، ~~كانت مجاهدة عظيمة، ولكن أنت، الموظف المحترم، المؤدب المهذب، ماذا تستطيع أن ~~تفعل؟ # فقال عبد العظيم، وهو يشعر بأن جدارا يرتفع أمامه ليخفي عن عينيه أحلامه العسلية: في ~~البلد قانون! ~~- إذن فلتلزم نقطة البوليس، ولتسكن في مكتب محام. ~~- الدنيا ما تزال بخير. # فقال الآخر بتوكيد: البيت كالعروس الجديدة، مرة ترجع إليك؛ لأن زوجها ضربها، ومرة لأن ~~حماتها شتمتها، ومرة لأن المصروف غير كاف، صدقني أن هذا هو حال البيت، الحنفيات خربت، دورة ~~المياه انسدت، السلم تشقق، وهذا هو وجع الدماغ الأصلي. # تجهم وجه عبد العظيم وشعر بضيق شديد، ورمق صاحبه بنظرة استياء، ثم سأله: ماذا ~~تقصد؟ # فقال الحاج بصراحة مذهلة: بعه! # فقطب عبد العظيم مستنكرا، ولكن الآخر قال: أنا رجل صريح، لا أخفي عنك أن البيع مفيد لي، ~~كل بيع أو شراء في حينا مفيد لي، ولكن هذه الصفقة مفيدة أكثر لك أنت، هذا هو المهم، أنا ~~لا أكذب عليك فأقول إني أراعي مصلحتك، الحق أني أجري وراء مصلحتي، ولكنها في هذه الحال ~~مصلحتك أيضا، ستأخذ ألفا أو ألفا وخمسمائة، إن شاء الله ألفين، وستستغلها استغلالا ~~أحسن، وبعيدا عن وجع الدماغ. # فكر عبد العظيم في الأمر باهتمام جدي، لكنه تمتم متظاهرا بالجزع: يا لها من ~~خسارة! ~~- أبدا وحياتك! سيكون المبلغ كله بين يديك، بما فيه نصيب أختك، لن تجد معارضة من ~~ناحيتها أبدا، فيمكن أن ms027 تستغله باسمك وباسمها، وهي وحيدة، لا أحد لها في الدنيا سواك، ~~وسيئول كل المال إليك وإلى أولادك من بعدك! # فقال عبد العظيم بحدة: سيكون حقها كله تحت تصرفها. ~~- طبعا .. طبعا، أنت لا تفهمني يا سي عبد العظيم! # وأخفى عبد العظيم عينيه عن صاحبه وعن القبور بالنظر إلى الأرض. مبلغ كبير بلا شك. وطالما ~~أكرم تفيدة؛ فهي لن تعارضه ولن تحاسبه. وأولاده ما هم إلا أولادها. وثمة وجوه كثيرة ~~للاستغلال بلا شك. الحق أن الفكرة طيبة. وغمغم في حذر: سأفكر في الأمر. # فقال الحاج مصطفى بارتياح: فكر على مهلك، وإذا قررت البيع فأحضر بنفسك أي سمسار كما تشاء، ~~حتى تقبل عن رضى الثمن المعروض، ولك علي بعد ذلك أن أجد لها شاريا بنفس الثمن، ~~والأقربون أولى بالمعروف! # الفكرة وجيهة، وسوف يشاور أصدقاءه. والبيع على أي حال خير من مناكفة المستأجرين، ورعاية ~~بيت قديم من عهد نوح. وقال: اتفقنا يا حاج من ناحية المبدأ. # فلوح الحاج مصطفى بذراعه، كأنما يقول «اتفقنا»، فانطلقت ذراعه في الهواء كشاهد من آلاف ~~الشواهد القائمة حوله فوق القبور. ورأى عبد العظيم ذلك المنظر، فانقبض صدره .. وقام وهو ~~يقول برجاء: آن لنا أن نذهب. # | الجامع في الدرب # حان موعد درس العصر، ولكن لم يوجد بالجامع إلا مستمع واحد. ولم يكن هذا بالأمر الجديد على ~~الشيخ عبد ربه الإمام، فمنذ التحاقه بخدمة الجامع، وهو لا يجد مستمعا لدرسه إلا عم حسنين ~~بياع عصير القصب؛ ولذلك دأب المؤذن والخادم على الانضمام إلى الرجل؛ احتراما للدرس ~~ومجاملة للإمام. وحق للشيخ عبد ربه أن يستاء لذلك، لكنه كان اعتاده مع الزمن، ولعله كان ~~يتوقع ما هو أفظع يوم تقرر نقله إلى هذا الجامع الرابض على باب حي الفساد. يومذاك غضب، ~~وسعى إلى إلغاء النقل أو تعديله، لكنه اضطر إلى تنفيذه على رغمه، ولاقى بسبب ذلك ما لاقى من ~~تهكم الخصوم ومزاح الأصدقاء. أين يمكن أن يجد مستمعا لدرسه؟! الجامع يقوم عند ملتقى ~~دربين، درب الفساد الشهير، ودرب آخر بمثابة مباءة للقوادين والبرمجية ms028 وموزعي المخدرات. ~~ويبدو أنه لا يوجد رجل صالح أو حتى رجل عادي في الحي كله إلا عم حسنين بياع العصير. ولبث ~~دهرا يفزع كلما امتد بصره إلى داخل هذا الدرب أو ذاك، وكأنما كان يخشى إذا تنفس أن تتسرب ~~إلى صدره جراثيم الدعارة والجريمة. على ذلك كله واظب على إلقاء درسه مواظبة عم حسنين على ~~الحضور، حتى قال للرجل يوما بلهجة التشجيع: بهذا الاجتهاد ستصير عما قريب إماما يرجع ~~إليه! # فابتسم العجوز في حياء وقال: علم الله لا حدود له! # وكان درس اليوم عن نقاء السريرة بصفته عماد الإخلاص وأس المعاملة الشريفة بين المرء ~~ونفسه وبينه وبين الناس إلى أنه خير ما يستقبل به الإنسان يومه. وأصغى عم حسنين بانتباه ~~كعادته، وكان قليل السؤال إلا أن يكون ذلك عن معنى آية أو استيضاح لشأن من شئون الفرائض. ~~وفي ذلك الوقت من اليوم (العصر) يستهل الدرب حياته. كان الدرب يرى بكامله من نافذة الجامع ~~القبلية، ضيقا متعرجا في بعض أجزائه طويلا، تقوم على جانبيه أبواب البيوت البالية ~~والمقاهي، لمنظره وقع غريب مثير للغرائز. في العصر تدب في الدرب حركة استعداد كأنه يتمطى ~~مستيقظا من سبات، الأرض ترش بالجرادل، الأبواب تفتح وتطرق طرقات غريبة. المقاعد تنتظم ~~في القهوات. نسوة في النوافذ يتزين ويتبادلن الأحاديث. ضحكات متهتكة تلعلع في الجو، ~~البخور يحترق في الدهاليز. ولم يخل الأمر من امرأة تبكي فتحثها المعلمة على التعزي؛ كيلا ~~يضيع الرزق كما ضاع الفقيد. وأخرى تضحك ضحكة هستيرية؛ لأنها لم تنس بعد مصرع زميلتها وهي ~~قاعدة إلى جانبها. وقال صوت غليظ مستنكرا: حتى الخواجات! حتى الخواجات يا هوه! خواجا يضحك ~~على فردوس! يبتز منها مائة جنيه ويهجرها؟! # وثمة أصوات تتمرن على أداء أغنيات مبتذلة فاحشة. وفي نهاية الدرب بدأت معركة بالكلام ~~وانتهت بالكراسي. ثم خرجت لبلبة؛ لتجلس أمام باب أول بيت، وأشعل أول فانوس، وشعر كل بأن ~~الدرب عما قليل سيستقبل الحياة. # وذات يوم دعي الشيخ عبد ربه بإشارة تليفونية إلى مقابلة المراقب العام للشئون الدينية . ~~وقيل ms029 له إنها دعوى عامة للأئمة. ولم يكن ذلك بالأمر غير المألوف وخاصة للظروف التي سبقت ~~الدعوة. ومع ذلك تساءل الرجل عما وراء الدعوة بشيء من القلق. كيف لا والمراقب شخصية خطيرة، ~~تستمد خطورتها من قرابة لموظف كبير ملعون الاسم على كل لسان؟ موظف يجيء بالوزراء ويذهب بهم، ~~ويعبث بكافة المقدسات الشعبية. سيكونون بين يديه خير ممثلين للضياع، وستذروهم رياح الغضب ~~لأقل هفوة. وبسمل الشيخ، وتأهب للاجتماع بخير ما لديه، فارتدى جبة سوداء وقفطانا شبه ~~جديد، وقلوظ العمامة، ثم ذهب متوكلا على الله. وجد الطرقة أمام مكتب المراقب شديدة الزحام، ~~كأنها على حد تعبيره يوم الحشر. وجعل الأئمة يتبادلون الخواطر، ويتساءلون عما وراء الاجتماع ~~من أمور. ففتح الباب الكبير، وأذن لهم بالدخول فدخلوا تباعا إلى الحجرة الواسعة حتى ~~اكتظت بهم. واستقبلهم المراقب بوجه وقور يشع رهبة. استمع كالكاره إلى مقطوعات المديح ~~التي انهالت عليه وهو يداري ابتسامة غامضة. ثم ساد الصمت واشتد التطلع على حين أخذ هو ~~يقلب عينيه في الوجوه، وحياهم تحية مقتضبة. وأعلن ثقته في أنهم سيكونون عند حسن الظن ~~بهم. وأشار إلى الصورة المعلقة فوق رأسه وقال: واجبنا نحوه ونحو أسرته العلية هو ما دعا ~~إلى هذا الاجتماع. # انقبضت صدور كثيرة دون أن يزايل البشر وجوه أصحابها. وقال المراقب: إن العلاقة الوطيدة ~~التي تربطكم به فوق الكلام، إنها مودة تاريخية متبادلة. # أشرقت الوجوه بالتأييد؛ لتداري توعك القلوب، وواصل الرجل الحديث قائلا: وحيال الأزمة ~~التي تجتاح البلاد يطالبكم الإخلاص بالعمل. # اشتد اضطراب القلوب في مسرحها الخفي: بصروا الشعب بالحقائق! اهتكوا أستار الدجالين ~~ومثيري الشغب، كي يستقر الأمر لصاحب الأمر. # وصال المراقب وجال مستنفدا هذه المعاني، ثم تساءل وهو يتفحص الوجوه إن كان ثمة ملاحظات ~~يراد أن تقال! غشي المكان الصمت حتى انبرى إمام جريء، فأكد أن المراقب أفصح عن مكنون ~~القلوب، وأنه لولا الخوف من خرق التعليمات لسارعوا من أنفسهم إلى ما دعاهم إليه من واجب! ~~وانجاب القلق عن الشيخ عبد ربه مذ بدأ المراقب حديثه. أدرك لتوه أنهم ms030 لم يدعوا لأي ~~نوع من المحاسبة أو التحقيق، بل أن السلطة تسعى إليهم هذه المرة باسطة يدها. ومن يدري؟ ~~فلعله يعقب ذلك إجراء جدي لتحسين حالهم فيما يتعلق بالمرتبات والمعاشات، غير أنه سرعان ~~ما ارتد إلى القلق كما ترتد الموجة المنبسطة على الساحل الرملي الصافي إلى الزبد. أدرك ~~بوضوح ما يراد بهم، وما سوف يجد نفسه مضطرا إلى قوله في خطبة الجمعة مما يأباه ضميره ~~ويمقته الناس. ولم يشك في أن الكثيرين يشاركونه مشاعره ويعانون أزمته، ولكن السبيل فيما ~~يبدو مسدود في وجوه الجميع. وعاد إلى الجامع وهو يعمل فكره في همومه الجديدة. # وكان شلضم البرمجي المعروف بالحي مجتمعا بأعوانه في خمارة «أهلا وسهلا» على مبعدة ~~أمتار من الجامع. بدا غاضبا كالنار، وكلما شرب قدحا من النبيذ الأسود ازدادت النار ~~اشتعالا. وقال بصوت كالخوار: البنت نبوية المجنونة تحب الولد الرقيع حسان، لا شك عندي في ~~ذلك. # فقال له صاحب يبغي تهدئته: لعله زبون، مجرد زبون لا أكثر ولا أقل. # فدق شلضم الترابيزة بقبضة من حديد تناثر لها الترمس والفول السوداني، وقال بوحشية: لا، ~~إنه يأخذ ولا يعطي، أعرف ذلك كما أعرف أن طعنة خنجري قاتلة، وهو لا يدفع مليما واحدا، ~~بينما يتلقى الهدايا أشكالا وأنواعا! # فأعلنت الوجوه التقزز والازدراء، وأفصحت الأعين المخمورة عن التأهب والامتثال فقال: ~~الرقيع يجيء عادة حينما ترقص الأفعى، انتظروا مجيئه، ثم اشتبكوا في معركة، وعلي ~~الباقي. # وجرعوا الأقداح وأعينهم تعكس شر النوايا. # وعقب صلاة العشاء زار الشيخ عبد ربه إمامان من زملاء الدراسة، يدعى أحدهما خالد والآخر ~~مبارك. جلسا إلى جانبه متجهمين، وأخبراه بأن بعض الأئمة قد فصلوا من وظائفهم لامتناعهم ~~عن الاشتراك في الحملة المدبرة. وقال خالد متذمرا: لم تخلق دور العبادة للمهاترات ~~السياسية وتأييد الطغاة! # فشعر عبد ربه بأن حديث صاحبه ينكأ جرحه، وتساءل: أتريد أن تتضور جوعا؟ # فساد صمت ثقيل. وأبى الشيخ أن يعلن هزيمته، فتظاهر بأنه سيعمل عن اقتناع؛ ليحافظ على ~~كرامته أمامهما، فقال: ما يظنه البعض مهاترات قد يكون هو الحق ms031 بعينه ... # ودهش خالد لانقلاب الشيخ فزهد في المناقشة، أما مبارك فقال باندفاع مأثور عنه: سنقتل مبدأ ~~إسلاميا، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فغضب عبد ربه عليه كما يغضب ضميره الذي يعذبه، وقال: بل سنحيي مبدأ إسلاميا هو الدعوة ~~إلى طاعة الله ورسوله وأولي الأمر. # فتساءل مبارك في استنكار شديد: أهؤلاء من تعدهم أولي الأمر؟! # فتحداه عبد ربه متسائلا: خبرني هل تمتنع عن إلقاء الخطبة؟ # قام مبارك متسخطا ثم غادر المكان، وما لبث أن غادره خالد. ولعنهما الشيخ كما يلعن نفسه ~~الثائرة. # وقبيل منتصف الليل امتلأ حوش البيت السابع إلى اليمين بالسكارى. جلسوا على مقاعد خشبية ~~متحلقين دائرة من الأرض الرملية، سلط عليها ضوء كلوب، وانسابت في جنباتها نبوية وهي ترقص في ~~قميص نوم وردي، وتلعب في يمناها نبوتا مكتسيا بخيط حلزوني مرصع بالورد. وصفقت ~~الأكف على الواحدة. وتصاعدت من الأفواه المخمورة تأوهات بهيمية. واندس البرمجية في الأركان ~~يتربصون، على حين لبد شلضم في بئر السلم مركز العينين على مدخل البيت .. وإذا بحسان ~~يدخل مصفف الشعر متألق الثغر، فالتهمته نظرات شلضم النارية. وقف حسان ينظر إلى نبوية، حتى ~~انتبهت إليه فحيته بابتسامة عريضة، وحركة لعوب من بطنها الراقص وغمزة عين. # عند ذاك تسلطن حسان، فمضى إلى مقعد خال وجلس. وغلى الدم في عروق شلضم حتى تقلصت أطرافه، ~~ثم أطلق صفيرا خفيفا. وفي الحال اشتبك اثنان من أعوانه في معركة مفتعلة. وتداخل الآخرون ~~فاشتدت المعركة وترامت، حتى قام السكارى مذهولين، وأخذوا يتدافعون نحو الباب. وطار مقعد نحو ~~الفانوس فهشمه، فانقض الظلام على المكان كالكابوس، واختلط الصراخ بوقع الأقدام، وارتفع ~~الصوات. وفي غمار الزوبعة الدائرة في الظلمة شق الضجيج صراخ امرأة، وما لبث أن أعقبتها على ~~الأثر تأوهات رجل من الأعماق، وسرعان ما خلا الحوش الراكد تحت مثار الغبار إلا من جثتين ~~مطروحتين في الظلمة الصامتة. # وكان اليوم التالي هو الجمعة. ولما حان وقت الصلاة ازدحم الجامع بالمصلين على غير المألوف ~~كل يوم؛ إذ إن صلاة الجمعة تجذب إليه أناسا من الأطراف ms032 البعيدة كالخازندار والعتبة. وتلي ~~القرآن ثم وقف الشيخ عبد ربه لإلقاء الخطبة. وبدا أن المصلين فوجئوا بالخطبة السياسية ~~مفاجأة لم تخطر على بال. تلقت آذانهم متململة الجمل المسجوعة عن الطاعة وواجب الولاء ~~بارتياب وضيق. وما إن حملت الخطبة على الذين يغررون بالشعب ويدعونه إلى التمرد خدمة ~~لمصالحهم الشخصية، حتى سرت في المسجد همهمة، وأصوات احتجاج وسخط، واعترض البعض بأصوات ~~مرتفعة، وسب آخرون الإمام! عند ذاك انقض المخبرون المندسون بين المصلين على غلاة ~~المعارضين، وساقوهم إلى الخارج وسط ضجة هائلة من الاحتجاجات والغضب. # وغادر المسجد كثيرون. ولكن الإمام دعا الباقين إلى الصلاة، وكانت صلاة حزينة تعلوها ~~الكآبة. # في أثناء ذلك كانت حجرة بالبيت الثاني على اليسار من الدرب تضم سمارة وزبونا جديدا. ~~جلست سمارة على حافة السرير نصف عارية، وتناولت خيارة من قدح مملوء إلى نصفه بالماء وراحت ~~تأكلها. وعلى كرسي أمام الفراش جلس الزبون خالعا جاكتته، وهو يجرع الكونياك من الزجاجة. ~~جالت عيناه في الحجرة العارية بنظرة غائبة حتى استقرت على سمارة، فأدنى الزجاجة من فيها ~~فتناولت شربة ثم أعادها. وقرعت التلاوة الآتية من الجامع أذنيه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ~~خفيفة لا تكاد ترى، ونظر إلى الأرض. وتمتم في امتعاض: لماذا يبنون جامعا في هذا المكان؟ ~~.. هل ضاقت بهم الدنيا! # فقالت سمارة دون أن تتوقف عن قضم الخيارة: هذا المكان من الدنيا مثل بقية ~~الأماكن. # فجرع مقدار كأسين، وأحد بصره وهو يتفحص وجهها، وقال: ألا تخافين الله؟ # فقالت بشيء من الضجر: ربنا يتوب علينا. # فضحك ضحكة مسترخية، وتناول خيارة فدسها في فيه. وفي تلك اللحظة كان عبد ربه يلقي ~~خطبته، فمضى يتابعه برأس متأرجح، ثم ابتسم ساخرا وهو يقول: المنافق! .. اسمعي ما يقول ~~المنافق! # وجالت عيناه في الحجرة، حتى استقرتا على صورة لسعد زغلول قد بهتت من القدم، فتساءل ~~وهو يشير إليها: هل تعرفين هذا؟ ~~- ومن لا يعرفه؟! # فأفرغ بقية الزجاجة في جوفه، وقال بلسان ثقيل: سمارة وطنية، وشيخ منافق! # فقالت متنهدة: يا بخته! بكلمتين يربح الذهب، ونحن لا نستحق ms033 قرشا إلا بعرق جسمنا ~~كله! # فقال ممعنا في السخرية: ثمة رجال محترمون لا يختلفون عنك في شيء، ولكن من يجد الشجاعة ~~ليقول ذلك؟ ~~- وقاتل نبوية معروف للجميع، ولكن من يجد الشجاعة ليشهد بذلك؟ # فهز رأسه أسفا وقال: نبوية! .. المسكينة! .. من قاتلها؟ ~~- شلضم الله يجحمه! ~~- يا ساتر يا رب، الشاهد عليه شهيد، من حسن الحظ أننا لسنا المذنبين وحدنا في هذا ~~البلد. # فقالت بضجر حاد: لكنك تضيع الوقت في الكلام! # وصمم الشيخ عبد ربه على استغلال ما وقع له في الجامع لصالحه، فحرر شكوى إلى الوزارة ضمنها ~~ما وجه من اعتداء عليه بسبب خطبته «الوطنية»، وسعى إلى نشر الحادث في بعض الصحف بصورة ~~مبالغ فيها، وبخاصة تدخل رجال البوليس للدفاع عنه، والقبض على المعتدين. وبات عظيم الأمل ~~في أن تنظر الوزارة إلى تحسين حالته بعين الاهتمام. غير أنه عندما حان وقت درس العصر لم يجد ~~مستمعا على الإطلاق. ورمى ببصره من الباب إلى دكان العصير، فرأى الرجل منهمكا في عمله، ~~فظن أنه نسي الدرس، فاقترب من الباب، ونادى بصوت باسم: الدرس يا عم حسنين! # والتفت الرجل على الصوت بلا إرادة، لكنه سرعان ما أبعد رأسه في تصميم، وبحركة نبذ ~~حاسمة. وخجل عبد ربه، وندم على ما بدر منه من نداء، وتراجع وهو يلعنه ألف لعنة. # وحين الفجر صعد المؤذن إلى أعلى المئذنة في ليل ساج رطيب، وبدر ساطع، وسكون مؤثر. ~~وأذن هاتفا «الله أكبر». وفي لحظات الاستعداد لمواصلة الأذان انطلقت صفارة الإنذار في ~~عوائها المتقطع الرهيب، فدق قلبه دقة عنيفة لوقع المفاجأة. واستعاذ بالله وهو يتمالك ~~أعصابه، واستعد من جديد لمواصلة الأذان حالما تتوقف الصفارة عن العواء؛ إذ إن الإنذار ~~بغارة بات عادة ليلية تمر بسلام مذ أعلنت إيطاليا الحرب على الحلفاء. وهتف من الأعماق ~~«لا إله إلا الله»، وغناها بصوت لا بأس به. وإذا بانفجار يدوي مرعدا ارتجت له الأرض ~~فغاص صوته في أعماقه، وتجمد في موقفه وأطرافه ترتعش، وعيناه تحملقان في الأفق البعيد حيث ~~لاح لهيب أحمر. وتراجع إلى ms034 الباب مقتلعا قدميه من الأرض، ومضى يهبط السلم بركبتين ~~مخلخلتين. وبلغ أرض الجامع في ظلام دامس، فاتجه نحو الأمام والخادم مستدلا عليهما ~~بتهامسهما، ثم قال بصوت متهدج: غارة جدية يا جماعة .. كيف العمل؟ # فقال الإمام بنبرة مبحوحة: المخبأ بعيد، ولعله اكتظ بكل من هب ودب، والجامع متين ~~البنيان وهو خير ملجأ. # وجلسوا في ركن، وسرعان ما انطلقت أفواههم بالتلاوة. وترامت من الخارج أصوات شتى .. وقع ~~أقدام مسرعة، نداءات، تعليقات مضطربة، صرير أبواب وهي تفتح أو تغلق. ومرة أخرى انصبت على ~~الأرض قذائف متلاحقة، فزلزلت الأعصاب وخرست القلوب. وصاح خادم المسجد: الأولاد في البيت، ~~بيت قديم يا سيدنا! # فقال الإمام بصوت متحشرج: ربنا موجود .. لا تتحرك من مكانك! # واندفعت مجموعة من الناس إلى داخل الجامع، وبعضهم يقول: هنا آمن مكان. # فقال صوت غليظ: إنه ضرب حقيقي، لا كالليالي الماضية. # فانقبض قلب الإمام لدى سماعه الصوت. هذا الوحش الآدمي، أليس وجوده بنذير شر؟ وجاءت جماعة ~~جديدة أكثف من الأولى، وندت عنها أصوات نسائية غير غريبة عن الشيخ. وهتف صوت قائلا: طارت ~~الخمر من رأسي. # وأفلت من الإمام زمامه، فهب واقفا وهو يصيح بعصبية: اذهبوا إلى المخبأ، احترموا بيوت ~~الله، اذهبوا جميعا. # فصاح به رجل: اسكت يا سيدنا. # وارتفعت ضحكة ساخرة، غير أن انفجارا شديدا دوى حتى صك الآذان، فضج الجامع بالصراخ، ~~وامتلأ الإمام رعبا، فصاح بجنون كأنما يخاطب القنابل نفسها: اذهبوا .. لا تدنسوا بيوت ~~الله! # فهتفت امرأة: يا عيب الشوم! # فصرخ الإمام: اذهبوا، عليكم لعنة الله! # فاحتدت المرأة قائلة: إنه بيت الله لا بيت أبيك! # وصاح الصوت الغليظ: اسكت يا سيدنا، وإلا كتمت أنفاسك! # وانتشرت التعليقات الحادة والسخريات اللاذعة، حتى همس المؤذن في أذن الإمام: أستحلفك ~~بالله أن تسكت! # فقال عبد ربه بتعثر من يجد مشقة في النطق: أترضى أن يكون الجامع مأوى لهؤلاء؟! # فقال المؤذن بتوسل: ليس لديهم غيره، أنسيت أنه حي قديم قد يتهاوى باللكمات لا ~~بالقنابل؟! # فضرب الإمام راحته بقبضته، وقال: هيهات أن يرتاح قلبي لاجتماع كل هؤلاء الأشرار ms035 في مكان ~~واحد، إن الله لا يجمعهم في مكان واحد إلا لأمر! # وانفجرت قنبلة، فخيل إلى حواسهم الملتهبة أنها انفجرت في ميدان الخازندار، والتمع لها ~~بريق خاطف في فراغ الجامع كشف عن أشباح مرتعدة لحظة، قبل أن تبتلعها الظلمة العمياء مرة ~~أخرى، فأطلقت الحناجر عواء مزعجا، وصوتت النساء، والشيخ عبد ربه نفسه صرخ وهو لا يدري. ~~وتطايرت أعصابه فاندفع يهرول نحو باب الجامع. وجرى خادم المسجد خلفه يحاول منعه، لكنه دفعه ~~بقوة متشنجة، وهو يصيح: اتبعاني قبل أن تهلكا! # ومرق من الباب، وهو يقول مرتعدا: لم يجمعهم الله في مكان واحد إلا لأمر! # ومضى مهرولا يخوض ظلاما دامسا. واستمرت الغارة بعد ذلك عشر دقائق، تساقطت في أثنائها ~~أربع قنابل. وشمل الصمت المدينة مقدار ربع ساعة أخرى، ثم انطلقت صفارة الأمان! # ومضت الظلمة ترق أمام البكرة الوانية. ثم تبدت طلائع الصباح في مثل حلاوة ~~النجاة. # لكن الشيخ عبد ربه لم يعثر على جثته إلا عند الشروق! # | موعد # أسعد ما في اليوم هو هذا الوقت من الليل. انتهت متاعب الواجبات، استقر كل شيء في موضعه ~~على أحسن حال، حتى المطبخ بات أنيقا نظيفا كأنه معروض للبيع، الخادم آوت إلى غرفتها ~~لتنام، لم يبق إلا جلسة مريحة طويلة يبهجها الحب العائلي حول الراديو المردد لشتى ~~المسرات. ولولو الصغيرة لا تنام، لا تود أن تنام، ولا أن تكف عن اللعب والشقاوة، ولكن هذا ~~السيد، هذا الزوج السعيد، ما باله؟! لولو العزيزة لا تدع لها فرصة للتفكير. إنها ترمي ~~بنفسها عليها بلا نذير، فترتطم الرأس بالرأس، أو تنشب الأظافر الصغيرة بالخد أو الرقبة، ~~وكافة المساحيق لا تنجح في إخفاء آثار هذه الأظافر الصغيرة. بنت لم تجاوز الثالثة، ولكنها ~~عفريتة بكل معنى الكلمة، وكانت هي جديرة بأن تكون أسعد الناس بها لولا ما يبدو على الأب من ~~تغير حقيقي. وها هي تختلس النظرات إليه رغم موقفها الدفاعي الدائم من لولو. وها هو غارق في ~~المقعد الكبير مطروح الرأس إلى الوراء، ينظر إلى السقف تارة، وتارة إلى ms036 الراديو من فوق ~~الزجاجة الذهبية السائل القائمة على ترابيزة أمامه. معهم لكنه ليس معهم. في بعض رحلاته ~~التجارية كان أقرب إليهم مما هو الآن. ماذا غيره؟ .. ماذا طرأ عليه؟! وقلبها يحس ~~بالمخاوف وهي بعيدة؛ ولذلك فهو لم يذق الراحة منذ ... منذ كم من الوقت؟! يا إلهي شد ما ~~يبدو الوقت قصيرا أحيانا إذا قيس بالأرقام، على حين تتمزق الأعصاب من طوله تمزقا. وما ~~هذه العادة الوحشية الجديدة!؟ إنه يجلس هذه الجلسة لا ليحادثها ولا ليلاعب لولو، ولكن ليشرب ~~الخمر. ويمعن في الشراب ليلة بعد أخرى، ويفرط في التدخين؛ فدائما تتلوى حول رأسه سحاباته ~~الشاحبة. ألا ما أفظع هذا كله! ويضاعف من الحسرة أنه مثال تغبط عليه في حسن المعاشرة ~~والنجاح في الحياة. كهربائي محترم وصاحب دكان لبيع الأدوات الكهربائية وإصلاحها. ولم يكن ~~يضايقها أن يذهب إلى القهوة الخديوية كل مساء؛ ليلعب الطاولة ساعة أو ساعتين، ثم يعود إلى ~~بيته حاملا ما لذ وطاب من حلوى أو فاكهة. يعود إليها، وإلى لولو، فيحيي جلسة عائلية ~~دافئة بالمحبة والمسرة. هكذا مضت حياتها الزوجية القصيرة السعيدة، إلى ما رصعت به ~~لياليها من سهرات لطيفة في بيوت الأسرة، أو في السينما وما يستتبع ذلك عادة من تعليقات أو ~~مناقشات تزيد الحياة بهجة وحيوية. وأما الخلافات التي كانت تتسرب بعض الأحيان إلى ~~حياتهما فلم تبلغ درجة خطيرة قط، ولم يحدث أن تركت أثرا حتى الصباح. ترى هل ينطوي ذلك كله ~~في ذمة التاريخ؟ .. هل؟ .. يا لهذه الطفلة الصغيرة التي لا تتعب من الشقاوة أبدا! .. إنها ~~تحمل على أبيها، لكنها سرعان ما تصد عنه لفتور استجابته واستسلامه دون دفاع مثير، حتى الكأس ~~التي أراقتها عند تعلقها بالترابيزة لم تغضبه. ~~- يا عزيزي، لماذا تشرب هكذا؟ # ليته ينفعل، أو حتى يغضب في سبيل أن يبوح بمكنونه: لا ضرر في ذلك! ~~- لكنه ضار بلا شك! ~~- لا تصدقي ما يقال! # ولم يمهلها لتتكلم فقال باسما: مللت التسكع في الخارج، وأنا سعيد، هكذا بين زوجتي ~~وابنتي! ~~- لكنك تبقى معنا لتشرب ! ~~- بل ms037 أستكمل هنائي بشيء من الشراب؛ ليبعث الراحة في القلب! # يحاول أن يبدو طبيعيا، ولكنها تراه بقلبها لا بعينيها، وقلبها كرماد في مهب ~~الريح. ~~- وماذا يتعب قلبك؟ ~~- لعلها متاعب العمل، وأنا لا أسمح لها بأن تفسد جلستنا الطيبة! # هكذا الأسئلة والأجوبة كل مرة. ويبقى لها العذاب الصامت الذي يجد عبثا في البحث عن ~~مبرر لوجوده. وتلوح في عينيه نظرة غريبة يرمق بها لولو. نظرة تذوب حنانا ورقة، نظرة تقبل ~~وتعانق وتسفح الدمع. فكيف لا ترتعد رعبا؟! ~~- ألا يحسن بك أن تنام في الوقت الذي اعتدت أن تنام فيه؟ ~~- لماذا ننام؟ # ضحكت ضحكة فاترة، وحدجته بنظرة ارتياب: أنت ولا شك تسخر مني. ~~- معاذ الله! ~~- الحق أنك تعذبني. ~~- لا سامحني الله إن فعلت! # وربتت خده برقة: كل شيء على ما يرام؟ ~~- نعم. ~~- لا شيء يضايقك؟! ~~- مطلقا. # ثم قال برجاء: لا تقلقي نفسك بلا سبب، أؤكد لك أنه لا يوجد في حياتنا ما يدعو إلى القلق، ~~ها أنا أجلس سعيدا في أسرتي الصغيرة، أشرب أحيانا، وأحيانا أقرأ، ماذا يقلق في ~~ذلك؟! # لم تكن القراءة هواية له. كان يلقي نظرة عجلى على الجريدة، وتقرأ هي صفحة، ثم تتركها ~~فتتلقاها لولو، ثم لا تتركها إلا كومة من مزق. لكنه يقرأ الآن كتبا، وأي كتب؟ على حافة ~~العالم. الحاسة السادسة. عالم الأرواح. ~~- أتحلم بأن تكون شيخ طريقة؟! ~~- هل عندك فكرة عن هذه الأشياء؟ ~~- حسب ما وجدته في الدين. ~~- هذا صحيح. ~~- فلماذا تقرأ هذا كله؟ ~~- حب استطلاع وتسلية. # حاولت كثيرا أن تقنع نفسها بأن كل شيء طبيعي، وأن أوهامها هي غير الطبيعية، لكنها كانت ~~كمن يتجاهل إنذارات دمل خفي. ~~- خبرني كيف حال صحتك؟ ~~- عال! ~~- والعمل؟! لا تخف عني شيئا؛ فأنا شريكة حياتك. ~~- ليس في الإمكان خير مما كان! ~~- كيف أعرف سرك؟! # وربت على خدها وقبلها، كما كان يفعل في الليالي السعيدة الخالية. ما أشد الفرق بين ~~الحالين. إنه يمثل ولكنه لا يستطيع أن يخفي أنه يمثل. ~~- لا جديد طرأ عليك؟ ~~- عدا شيء من الارهاق! ~~- ما رأيك في السفر، ms038 ولو لأسبوع؟ ~~- فكرة وجيهة ولكن لا داعي للعجلة كما تتوهمين. # وحانت منها التفاتة إلى المرآة، فلمحته وهو يهم بالكلام بحال تدل على أنه استسلم ~~للاعتراف. استصرخته في الأعماق أن يفعل، دعت ربها أن يأمره بالكلام، لكنه استرخى دفعة ~~واحدة بسرعة تثير الحنق، وراح يقرأ. ~~- عدت كما كنت أعزب! ~~- أنا؟ ~~- كأن لا شريك لك، عش وحدك، سأحزن حتى الموت! ~~- ألا يتعب الإنسان أحيانا؟ ~~- ماذا عن رجل يشرب الخمر، ويقرأ كتب الأرواح؟ ~~- الخمر أيضا مشروب روحي، هكذا يسمونها! ~~- نضب معيني من الضحك! ~~- سوف تضحكين من نفسك، عندما تتأكدين من ضلال أوهامك! ~~- قلبي لا يكذبني قط. # وقال لنفسه: ما أصدق قلبها. إنها تنطق عن قلب صادق وا أسفاه. قلب ملؤه خوف حقيقي، قلب ~~يكابد إرهاصات أحزانه ووحدته الآتية. وهو يتعذب أيضا عذابا مضاعفا لنفسه ولها. وقلبه ~~ينصهر ويتطاير شررا، وسيتلاشى في الفراغ. وأفكاره تحوم بجنون حول انحلال المادة وتشعشع ~~الضوء وانتشار الرماد وتبدد الهواء. لعله كان من الأرحم أن يجد مهربا بعيدا عن بيته، أن ~~يشرب في حانة من الحانات، بعيدا عن الجلسة السعيدة التي يتشكل فيها جسده في ثلاثة أجساد ~~حارة محبوبة. ولكن حنينه القاسي وأشواقه الملتهبة ويأسه العميق منعته من الهرب وشدته ~~إلى مأواه الحنون. بل يود أحيانا لو يغلق دكانه ليجلس طوال وقته مع زوجته وطفلته، عصمت ~~ولولو، وأن يقبلهما حتى يكل فوه، أن يضمهما إلى صدره حتى يخذله ساعداه، أن يغرقهما ~~بدموعه، وأن يستحم بدموعهما. وكان بوده أن يمثل دوره بمهارة يخدع بها امرأته، ولكن كان ذلك ~~فوق طاقته. فهو يقرأ ويشرب ويختلس إليها النظر، يتحمل نظراتها المعذبة بصبر، حابسا ~~دمعه، شادا على إرادته. ويصر على ذلك، وهو يشعر بأن كل شيء يخصه هباء. الأبوة هباء، ~~الحب هباء، الزوجية هباء. ويرى كل معنى وهو يتلاشى في النسيان والضياع. وهو في الحقيقة لا ~~شيء يبكي لا شيئا، البكاء نفسه لا حقيقي كالقراءة، كالخمر، كهذه الأنغام الصادرة عن ~~الراديو تنعى الحياة كلها. لم لا يجذبها إليه ويفضي إليها بكل سره ؟ ولكن ms039 أي فائدة ترجى ~~من ذلك إلا أن تزيد من تعقيد الأمور واختلاطها وقسوتها ووحشتها؟ ولم يحول جلسة المساء ~~إلى مأتم والغناء إلى حداد؟ لن يؤخر ذلك ولن يقدم، ولكنه سيهدم الأسرة هدما. أجل، إن وحدته ~~تزداد عمقا ويأسا، لكنه لن يذعن للجبن والأنانية، فعلى الأقل عصمت لن تفقد الأمل، وها هي ~~لولو تلعب وتغني وتنطح وتخربش. إنها الوحيدة التي تبدو جديرة بالحياة. تحياها ببساطة وبلا ~~معنى ولا تفكير. وهي الوحيدة أيضا التي لا تعرف الموت ولا اليأس، ويبدر كل شيء لعينيها ~~العسليتين خالدا سعيدا خاضعا. حتى المنغصات البسيطة التي تطرأ على بحبوحتها لا تبقى ~~إلا لحظات. قد تتوارى وراء باب صارخة باكية، ثم سرعان ما تظهر باسمة الثغر، ولما تجف ~~دموعها وفي عينيها نذر مشروعات جديدة للشقاوة والعفرتة. وعصمت لا تدري شيئا عن لياليه، ~~فهي تجالسه حتى يحين موعد النوم، ولما تظن أنه استسلم للنوم تطوي جفونها على أحزانها، لكنه ~~في الحقيقة لا يغمض له جفن، ويظل محملقا في الظلام وخلايا رأسه تحترق بالأفكار المحمومة. ~~وهيهات أن يدري أحد شيئا عن أحاديث الظلام، عن رعب الظلام .. عن التفكير في الهاوية التي ~~ليس لها قرار. في الظلام تطمس معالم كل شيء إلا الموت. الموت وحده يرى بلا ضوء، وهو ~~كالظلام لا شيء يؤخره عن ميعاده. وإذا جال بالخاطر فقد كل شيء معناه وقيمته وحقيقته. ~~ويتساءل وهو يكاد يحس تردد أنفاس زوجته ما العمل؟ ماذا يطلب من الحياة في الأيام الباقية؟ ~~ويجيء الجواب: كل شيء، ويجيء الجواب: لا شيء، وهنا يستوي كل شيء ولا شيء. ولكن النفس تأبى ~~التسليم وتخشى الفراغ، فتتعلق بالأحلام. يرى أنه لم يعد زوجا ولا أبا. إنه طليق يجوب ~~الآفاق. فوق طيارة تحلق في الفضاء، في سفينة تمخر عباب المحيطات، على مركبات لا حصر لها ~~ولا عدد. ينطلق من غابة إلى بحيرة، ومن جبل إلى سهل، يخوض الرياض والرمال والمدن، يجوب ~~مناطق حارة ينصهر بها الحديد، وبقاعا متجمدة تتجمد فيها النيران، ويرى من الناس أشكالا ~~وألوانا. إن ذلك ms040 كله لا يطرد شبح الموت ولا يؤخره، ولكنه يحول الأيام الباقية إلى رحلة ~~شائقة ومشاهد عجيبة وتسلية ساحرة. أو يرى نفسه جاريا وراء نوازعه، يتقلب بين أمواج ~~الشهوات العاتية، وينعم بكل طيب، وينتشي بكل مذهل، ويمتع غرائزه بالمغامرة والإثارة ~~والعربدة، بل وبالانفعالات الرهيبة والعدوان العنيف. لكنها تظل أحلاما؛ لأن الموت نفسه لم ~~يستطع أن ينسيه أنه زوج وأنه أب وأنه بالتالي إنسان؛ لذلك تتبدد الأحلام ويبقى له السهاد، ~~بل ويواصل عمله في الدكان، ويثوب مشتاقا إلى جلسته العائلية المحبوبة، ولكن لم يجد مفرا ~~من الشراب، ومن مطالعة كتب الأرواح؛ سعيا وراء طمأنينة ولو تكن وهمية، وسلام ولو على غير ~~أساس. حتى إيمانه الراسخ انهزم أمام الموت. ليس للشعر كثافة الموت وثقله. وهو يكاد يراه ~~ويلمسه، وفظاعة التجربة حملته على دفن السر في أعماقه، على الانفراد به وحده، وعلى كتمانه ~~عن امرأته تعيسة الحظ، فلتبق في قلق هو على أي حال أهون من اليأس، ولتمرح لولو في جو ~~خال من الحقيقة الرهيبة. # وذهب إلى قهوة ماتاتيا على غير عادة. كان اليوم عطلة الأحد، والوقت عصرا، والفصل خريفا، ~~فاتخذ مجلسا عند رأس المنعطف تحت البواكي. وقلب عينيه في تطلع المنتظر حتى رأى رجلا ~~ريفيا معمما يقبل نحوه في عباءة سوداء. كان يشبهه إلى حد كبير فتعانقا، ثم جلسا حول ~~المائدة والقادم يقول: كيف حالك يا جمعة؟ وما الحكاية؟ لم بالله ضربت لي موعدا في ~~القهوة؟! # فقال جمعة وهو يبتسم في ارتباك: أتعبتك يا أخي، أنا آسف جدا. ~~- ليس المجيء من القناطر بالأمر الشاق، ولكن ماذا تعني مقابلتنا في القهوة؟ # وفكر جمعة قليلا فيما ينبغي أن يقول، وكان الآخر يتفحصه بعناية، فلم يمهله حتى يتكلم ~~وقال: خلاف عائلي! يقطعني ربنا إن لم يكن الأمر كذلك، ماذا عن امرأتك؟ # فقال جمعة بصوت شاحب: عصمت بخير، لا خلاف بيننا على الإطلاق! ~~- غريبة! ولماذا لم تدعني إلى بيتك؟ ~~- أريد أن أنفرد بك. ~~- بعيدا عن بيتك! ~~- بعيدا عن كل شيء! # وعاد يتفحصه مليا، ثم قال بقلق : جمعة ms041 .. أنت لست على ما يرام! # فصمت جمعة، فعاد الأخ يقول بجزع: خبر أخاك عما بك! # رفع إليه عينيه الذابلتين، وقال: أخي، أنا في مسيس الحاجة إليك، سأعترف لك بكل شيء، ويجب ~~أن تصدقني، الحق أني سأموت في خلال أشهر قلائل! # تجمدت قسمات الشيخ، وعكست عيناه جميع صيغ الدهشة، ثم غمغم: ماذا قلت؟! مريض؟ كيف عرفت ~~هذا؟ هل ذهبت إلى طبيب؟ # قال جمعة بهدوء نسبي بعد أن أزاح الاعتراف عن صدره هما ثقيلا: شرعت في التأمين على ~~حياتي. ~~- وبعد؟ ~~- رفض الطلب، ذهبت إلى عدد وفير من الأطباء، وإني على يقين الآن من خطورة الحال. # فندت عن الأخ ضحكة هازئة، وقال: لا أحد يمكن أن يكون على يقين من ذلك إلا الله! # فقال جمعة بفتور: طبعا .. طبعا، إنه فوق كل شيء، ولكني على يقين من حالي. ~~- كلام فارغ، أستطيع أن أحكي لك ألف حكاية تثبت أن كلام الأطباء ما هو إلا هراء. # فقال متنهدا: وأستطيع أن أحكي لك ألفا أخر تؤكد العكس. # واستقر صمت ثقيل. وجاء ماسح أحذية يدق صندوقه، ولكن سرعان ما صرف، وهبت نسمة رطيبة تحت ~~البواكي على حين بدت العتبة كأنها تدور إلى الأبد مع المركبات والناس. ثم قال الأخ بصوت ~~عميق: يجب أن تقتلع من رأسك هذه الأفكار السود، هي مرضك الوحيد، وإذا أردت أن تطمئن حقا ~~على نفسك فسافر معي إلى القناطر؛ لتزور شيخا عجيبا يقصده الأطباء أنفسهم في ~~الشدائد! # فقال جمعة في بلاهة: نعم. ~~- أراك تشك فيما قلت! # فاعتدل جمعة في جلسته وقال: فلنؤجل هذا إلى حين، إنما دعوتك لأمور هامة وعاجلة. ~~- لكني لا أحب لك أن تعايش أفكارك المدمرة. ~~- لندع هذا الحديث جانبا، الآن خذني على قد عقلي، وأصغ إلي. # فتمتم الأخ بمرارة: نعم! # فقال جمعة بإشفاق ووجوم: عصمت ولولو. ~~- عارف، عارف أنك ستتحدث عنهما. # وهم بالاعتراض، ولكن جمعة أشار إليه بالسكوت، وقال: لي شريك في الدكان، وهو رجل طيب مثلك، ~~ولكن العمل سيتطلب منك رعاية، ولا بد لي من الاطمئنان على مستقبل أسرتي ، أنا ms042 آسف أن أحملك ~~مسئوليات جديدة في الحياة، ولكن لا حيلة لي، ثم إن لي نقودا في البنك فلن أتركهما. ~~- تتركهما؟! ~~- خذني على قد عقلي من فضلك، لن يحتاجا إلى نقود، ولكنهما ستكونان دائما في حاجة إلى ~~رعايتك. # ندت عن الأخ ضحكة أعرب بها عن استهانته، أو عن تظاهره بذلك. وشرع في الكلام ولكن أوقفه ~~عنه خروج سنجة الترام من السلك الكهربائي، محدثة أزيزا حادا وتوهجا خاطفا، فأخذ لحظة ~~ثم قال: ها أنا أجاريك في أوهامك ما دمت تريد أن آخذك على قد عقلك، أتحسب أنني في حاجة إلى ~~هذه الوصية؟! يا لك من طفل! أنت أعلم الناس بمكانتك عندي، فاطمئن إلي كل الاطمئنان، والآن ~~وقد صارحتك فأرحني بدورك، لا بد من سفرك إلى البلد ولو لأسبوع! ~~- بكل سرور، في بحر أسبوع على الأكثر، ستجدني عندك إن شاء الله، والآن هيا بنا إلى ~~البيت. # ولكن الأخ كان يعاني من الحديث اضطرابا باطنيا، فانصدت نفسه عن كل شيء، وأبى إلا أن ~~يعود من فوره إلى المحطة، وأصر على ذلك. وأراد أن يوصله ولكن الآخر قرر أن ينتهز فرصة ~~وجوده في القاهرة؛ ليقوم ببعض زيارات هامة قبل السفر فتوادعا أمام القهوة، ومضى الشيخ إلى ~~الناحية الأخرى من العتبة. واتجه جمعة رأسا إلى محطة الأوتوبيس. واستقل سيارة فدارت به ~~دورتها ولكنها اضطرت إلى التوقف عند الأزبكية أمام زحام اعترض الطريق .. ونظر جمعة فرأى ~~جمعا حاشدا - وآخذا في التزايد أكثر فأكثر - حول سيارة متوقفة. أدرك لتوه أن حادثة وقعت. ~~وأجال عينيه في الجمع المحتشد، لكنه جفل من إمعان النظر، فحول رأسه بعيدا. وما لبث ~~الأوتوبيس أن تفادى من الزحام، فشق سبيله إلى ميدان الأوبرا. # وكان في الجمع المحتشد حول الحادثة مساح أحذية، وكان ينظر إلى الجثة الممددة أمام السيارة ~~بتفحص ودهشة، ثم قال بصوت مرتفع لمن حوله: أنا رأيت هذا الشيخ منذ نصف ساعة فقط، كان يجلس ~~في قهوة ماتاتيا مع واحد أفندي. # | قاتل # ما المخرج من هذه الوكسة؟! # منذ خروجه من السجن وهو يعيش ms043 متسولا، قرش من هنا وقرش من هناك، بلا عمل، وبلا أمل. وهو ~~ليس بأول سجن، ولا آخر سجن فيما يبدو، ولكن الدنيا مصممة هذه المرة على مقاطعته. رفضه كل ~~دكان عرض نفسه عليه، وأعرض عنه كل رجل مأمول، حتى تجار المخدرات أبوا أن يمنحوه ثقتهم. ~~وتمضي الأيام يوما بعد يوم وهو يتدهور ويجن. ويجلس في القهوة إذا هده الإعياء، طمعا ~~في معرفة قديمة، ولكنه ينسى حيث جلس، لا يكلمه أحد، ولا يقرب منه نادل، وتلاحقه نظرات ~~المعلم الممتعضة، حتى يرق له قلب الصبي فيجيئه خلسة بشيء من نفايات المعسل المحروق، وغرق ~~في الأحلام كما لم يغرق من قبل. أطعمة الخلفاء وحسان الحريم وبحور الشراب وجبال السطل. ~~واسترجع أخيلة القصص التي كانت ترويها الرباب في قهوة خان جعفر منذ ربع قرن أو يزيد .. ~~وهوم برأس متلبد الشعر، وليس على الجسد المتورم بالأقذار إلا جلباب متهرئ كالخيش ~~تعشش فيه حشرات شتى. وكان يسكن في جحر بدرب دعبس بالحسينية، حجرة في حوش ربع قديم، حيث ~~ترقد أمه الضريرة نصف مشلولة، وهي عجوز تعيش على صدقات الفقراء من الجيران، هناك يأوي آخر ~~الليل، وتمضي الأيام وهو لا يلتفت إليها. أما هي فلا تشعر له بوجود، ولعلها لم تعد تذكره ~~على الإطلاق، ولكنه لا يكف عن مغازلة الأحلام، الأميرة والبحر والجبل وبحبوحة عيش لا يحسن ~~تصورها ولو في الخيال. وتساءل كثيرا عن المخرج من وكسته، أين يذهب؟ وماذا يفعل؟ وهو ذو ~~الماضي الحافل بالأعمال. اشتغل شيالا، وموزع مخدرات، ولصا. أما العراك فبسببه دخل ~~السجن أول مرة. واستوفى الأربعين من عمره دون أن يهن له عضل، وكان بوسعه أن يقتلع بيتا ~~من أساسه، ولكنه لا يأكل لقمة إلا حسنة الوجه الله. وهذه ثالث مرة ينطلق فيها بعد سجن، ~~ولكنه لم يجد الدنيا من قبل مغلقة الأبواب كما يجدها هذه المرة. حتى لتحدثه هواتف نفسه ~~اليائسة أحيانا بأن يعود إلى السجن؛ ليستقر فيه بقية العمر. وقبيل خروجه من السجن أول مرة ~~مات ابنه في مستشفى الحميات ، وحينما ms044 كان في السجن آخر مرة اختفت زوجته، لا يدري أين ذهبت ~~ولا مع من هربت، وقليل من النساء من يسعهن الإخلاص لزوج هوايته السجن. ترى ما هي المعجزة ~~التي يمكن أن تجعل منه هارون «الرشيدي»؟ إن رأسه يدور من نشوة الأحلام الكاذبة. والدنيا ~~فيما يظهر لم تعد بحاجة إلى العضلات القوية. ولكن هل ضاع حقا وانتهى؟! # وكان يسير في الزحام شبه نائم، عندما ناداه صوت قوي قائلا: ولد يا بيومي! # انتبه بعنف نحو الصوت، كأنما يستجيب للسعة سوط. ثم وثب نحو صاحبه باستماتة، وهو يبتسم ~~ابتسامة عريضة توددا وتذللا. ها هو إنسان يناديه أخيرا. وهوى على يده ليلتها وهو يقول: ~~أهلا وسهلا بالحسيب .. أهلا بالمعلم علي ركن سيد حينا كله. # فسحب المعلم علي يده بخشونة، وقال وهو يحبك جبته: دعك من التواشيح يا ابن الذين، لعلك ~~تتحسر الآن على السجن وأيامه الحلوة. # فقال بيومي في ملق: لولا وجود أمثالك في الدنيا لتحسرت فعلا! ~~- ها أنت تعود إلى التواشيح! # وأشار إليه أن يتبعه، ثم مضى إلى الكارتة فاستقلها، والآخر في أثره وهو لا يصدق. وحرك ~~المعلم اللجام، فانطلقت الفرس إلى طريق الجبل في خلاء وأمن. وأدرك بيومي أنه مقبل على شيء ~~كبير، فلا يمكن أن يحل في هذا المقام لغير ما سبب. وكانت الكارتة تنطلق في سرعة هادئة ~~مستعرضة جناح الجبل المتجهم، مثيرة وراءها ذيلا من الغبار. وكان المعلم علي ركن يلقي ~~ناظريه إلى الأفق، مقطبا، مشدود عضلات الوجه، ثم تساءل بلا اكتراث: هل تقتل الحاج عبد ~~الصمد الحباني؟! # استطال وجه بيومي من الدهش وتمتم: أقتل؟! # فقال الآخر ببرود: نعم يا ابن القديمة. # يتكلم بكل استهانة، وأقل ما يعنيه تفاهة الثمن! ~~- القتل شيء لم أجربه! # فشد اللجام، وهو يقول ببرود: اذهب مع السلامة. # لم يتحرك، ولكنه تساءل بوجه متجهم: لحسابك يا سيد الناس؟ # فأرخى اللجام، وهو يداري ابتسامة قاسية، ثم قال: لحسابي أو لحساب المعلم الكبير، ماذا ~~يهمك؟ # المعلم الكبير! الدهل محمود! صاحب وكالة الجيش وكبير تجار الكيف! إنه يبالغ هذه ms045 المرة في ~~إبعاد الشبهة عن نفسه وعن رجاله وقد أحسن الماكر الاختيار! ~~- أنا خادم المعلم الكبير وخادمك. ~~- دعنا من الثرثرة، هل تقتله؟ # فضحك بيومي ضحكة كالزفرة، وقال: في الجنة ونعيمها! ~~- الله يجحمه ويجحمك. # واعتبر بيومي الدعوة نوعا من المودة فضحك، أما المعلم علي، فتساءل بخبث: لعلك لم تر ~~النقود منذ خرجت من السجن؟ ~~- ولا قبل ذلك. ~~- خمسون جنيها! ~~- خمسون! ~~- كلمة واحدة. ~~- ولكنه قتل! ~~- يا ابن القديمة، أنا لا أساوم. # وهو يحاول ضبط انفعاله: سأحتاج إلى نقود كثيرة. ولا تنس أمي العجوز. ~~- أمك! # وقهقه عاليا وهو يستخرج من جيبه ورقة من ذات الخمسة الجنيهات، ومد بها يده إليه قائلا: ~~عربون. # فهتف بيومي وهو يلتهمها بعينيه: لا، وشرفك يا سيد الناس. # فحدجه المعلم بنظرة قاسية، فتخاذل قائلا: ليكن العربون عشرة جنيهات. ~~- أتشك فينا يا ابن المجنونة؟ ~~- أبدا يا معلم، ولكنها قد تكون كل نصيبي من الدنيا. ~~- متى تقتله؟ # فكر بيومي مليا بسرعة ويقظة، ثم قال: أمهلني أسبوعا .. السبت القادم. ~~- خبرك أسود. ~~- يا سيد الناس أنا مضطر إلى هجر الحسينية؛ كيلا أثير شبهة حولي، ويجب أن أتدبر الأمر ~~وأرسم الخطة، ولا بد أن أعيش هذا الأسبوع عيشة هنيئة؛ فقد يكون آخر أسبوع لي في ~~الحياة. # وأخرج المعلم ورقة أخرى من ذات الخمسة، ومد بالورقتين يده، وهو يتساءل: أتعلم ماذا ~~ينتظرك لو ماطلت أو تأخرت؟ # فقال بيومي ضاحكا، وهو يطوي الورقتين: لا أراك الله! # فشد اللجام حتى توقفت الكارتة، وهو يقول: مع السلامة .. لا تقترب ناحيتي أو ناحية أحد منا ~~لأي سبب. # وثب إلى الأرض على حين مضت الكارتة بصاحبها. وقف ينظر إليها متوقعا أن يلتفت الرجل ~~وراءه، فيلوح له تحية ولكنه لم يلتفت. وضغط بيده على الورقتين وكل شيء يدور. رغم ~~الفتونة والمجدعة لم تقبض يده على جنيه بالكامل إلا فيما ندر، لكنه أيضا لم يقتل. ضرب ~~وسرق ولكنه لم يقتل. لم يقتل وإن تكن ضربته قاتلة. وهو يحب الحياة، وإن بدت أحيانا أمقت ~~من الموت ولا يحب المشنقة. ولكن أي جدوى من ms046 التفكير وهو سيقتل إن لم يقتل. فليكن حذرا ~~أشد الحذر، وليرسم كل خطوة بأناة. ومهما تكن احتمالات الغد؛ فإنه يدخر له أيضا أربعين ~~جنيها، مبلغ لم يجر له في حسبان. وقد يساعده المعلم الدهل في الاتجار به فتتحقق ~~الأحلام. وأعلن في القهوة أنه سيهاجر من الحسينية سعيا وراء الرزق فقال له كل من سمعه: ~~«مع ألف سلامة» في أصوات عالية وشت بارتياحهم للتخلص منه، فذهب وهو يقول لنفسه: لذلك ~~فأنتم تستحقون القتل. وقصد حمام السوق، دخله هبابا وخرج منه إنسانا. وابتاع جلبابا ~~ولاسة وثيابا داخلية ومركوبا؛ لأنه لم يجد حذاء جاهزا يتسع لقدميه الغليظتين. وجلس في ~~محل «سيدهم الحاتي» يأكل بنهم حتى أذهل النادل. وطاب كل شيء فقال لنفسه ليت ذلك يدوم بلا ~~قتل. ولم يكن يعرف الحاج عبد الصمد الحباني أي نوع من المعرفة. غاية ما في الأمر أنه لمحه ~~مرات في حياته بلا تركيز ولا اهتمام. عليه الآن أن يعرف كل شيء عنه، وبخاصة الضروري، لإنجاز ~~مهمته. اهتدى إلى بيته الكبير القديم بدرب الجماميز، فدرس موقعه والطرق المؤدية إليه. وحام ~~مرات حول وكالته بالمبيضة. وتفحص الرجل عن كثب حتى انطبعت صورته في ذهنه، وبخاصة وجهه ~~الممتلئ المتألق بالحيوية وأناقته السابغة على جبته وقفطانه. والتقت عيناهما مرة فسرعان ما ~~غض الطرف وزاغ عنه كالمطارد. وتساءل ترى ما الأسباب التي تحمل المعلم الدهل على التخلص ~~منه؟ أليس من حقه أن يعرف لماذا استحق هذا الرجل أن يقتله؟ لو كان سأل عن ذلك لسمع كلاما ~~هو الصفع أو الركل. يا لهم من عصابة كأنها القضاء والقدر! وإنه لا يكاد يحل في مكان حتى ~~يلمح أحد رجالهم ذاهبا أو قاعدا أو قادما. وفي المساء سكر، وفي سيرك الحملاوي سهر، وعند ~~عيوشة الفنجرية بات ليلته، وقال لنفسه مرة أخرى ليت الحياة تمضي هكذا بلا قتل، وأن يتزوج من ~~جديد، ويخلف البنات والبنين، ويواصل الاتجار والربح، ويأخذ حذره، فلا يرى لمخبر وجها. ترى ~~ماذا ينتظره غدا؟ ولكن ماذا كان ينتظره مذ انطلق يلعب شبه ms047 عار في أزقة الحسينية، ومنذ ~~انضم إلى عصابة زلمة، ومنذ اشترك في معارك الدراسة والجبل والوايلية، ومذ عمل برمجيا في ~~الدروب الساهرة. ومذ غامر بتوزيع المخدرات في المقاهي، ماذا كان ينتظره؟ # وجاء يوم السبت الموعود. استيقظ مبكرا؛ ليستقبل أخطر يوم في حياته. ملأ أحد جيبيه قطعا ~~من اللحم البارد، ووضع في الآخر زجاجة، ودس في صدرته سكينا حادة النصل. أما المعلم الدهل ~~ورجاله، فسيلتزمون الدكاكين ويخالطون الناس نفيا للشبهات، وهو أدرى بهذه الحيل الساخرة. ~~هؤلاء الأوغاد المجرمون يجب أن يتلقى منهم أربعين جنيها لا طعنة انتقام غادرة، واستكان ~~وراء شجرة على مبعدة أمتار من بيت الحاج عبد الصمد الحباني. وجعل يختلس النظرات من الباب ~~المغلق، حتى فتح وخرج منه غلامان وبنت يتأبطون الحقائب المدرسية. كان بين الثلاثة شبه ~~ملحوظ، ولكن الذي لفت نظره بصفة خاصة هو الشبه الحاد بين الغلام الأكبر وبين المعلم عبد ~~الصمد نفسه. وتذكر ابنه المتوفي الذي لم يشهد وفاته، وتذكر حزنه الشديد عليه، وأحزان الحياة ~~جملة. وما لبث أن بدا المعلم عبد الصمد، وهو يتقدم من الداخل إلى نقطة وسط الحوش، ثم وقف ~~مستندا إلى عصاه وهو يفتل شاربه. واستدار إلى الوراء وراح يخاطب شخصا لا يراه هو من ~~موقفه ثم لوح له بيده، ثم اتجه نحو الباب متمهلا، ووجهه الممتلئ يتألق بما يشبه ~~الابتسام. وتساءل عما يجعله يبدو مبتهجا بل وطيبا؟! ولكن من أدراه أنه ليس كالآخرين! ~~كلهم مناكيد لا يبتسمون ابتسامة حلوة إلا لذويهم. مأمور السجن مثلا، يا إلهي، هل يمكن أن ~~ينسى هذا الرجل! مع ذلك دعي مرة إلى حجرته، فوجده يمازح ابنه الذي جاء لزيارته، ويغرقان ~~في الضحك معا كأنما هو آدمي كالآدميين! تبع الرجل عن بعد، وهو يشعر بقلق ود معه لو ~~ينتهي كل شيء في غمضة عين. والرجل يسير في اطمئنان عجيب، فلا يمكن أن يخطر له ببال أنه لن ~~يرى أسرته وأولاده مرة أخرى، وأن هذا اليوم هو آخر عهده بالحياة، وأن الرجل المسكين الذي ~~يتبعه وهو غافل عن ms048 وجوده .. هذا الرجل هو الذي سيقضي عليه، هو الوحيد الذي يستطيع أن يتنبأ ~~بمصيره القريب، الذي ارتضى أن ينفذ فيه القضاء نظير خمسين جنيها لا غير، فكم يملك الرجل ~~الذي يسير أمامه من مضاعفات هذا المبلغ الذي بيع به؟! # وتخلص من أفكاره منتبها إلى الطريق فتساءل أين يمضي الرجل؟ ليس هذا هو السبيل إلى ~~المبيضة، لعله يقصد إلى درب سعادة، لم لم يذهب إلى وكالته؟ إنه ذاهب إلى هذا البيت الذي ~~يقيمون سرادقا أمامه. جاء الرجل ليشيع جنازة. هذا واضح، فيا له من صباح! # وفعلا قصد الحاج عبد الصمد بيت الميت فعزى أهله بحرارة، ثم توارى وراء الباب. واستمر ~~بيومي في سيره نحو نهاية الطريق، وعيناه تفتشان عن مكان يستقر فيه إلى حين. وامتدت يده إلى ~~اللحم البارد المكوم في جيبه كالتين المجفف، فتناول قطعة وراح يمضغها. ونازعته نفسه إلى ~~جرعة كونياك، ولكنه قاوم ذلك وأجله إلى الساعات الحاسمة. وترامى إليه الصوات في موجات ~~متقطعة، وبدرجات متفاوتة بين الشدة والاعتدال، لكنه اشتد جدا حوالي الحادية عشرة، منذرا ~~باختفاء إنسان نهائيا من الدنيا. وخرج النعش محمولا على الأعناق، ومشى الحاج عبد الصمد ~~وراءه في الصف الأول، وهو يجفف عينيه بمنديل كبير، وتوقف بيومي عن التفكير مأخوذا بشدة ~~الصراخ واكفهرار الوجوه ورهبة المنظر. # وتخفف من مشاعره في الطريق، ونظر إلى صاحبه وهو ما زال يجفف عينيه، ثم تساءل مرة أخرى ~~لم يريدون قتله؟! لو مات الآن لكفاه قتله، لكن تضيع الأربعون، بل وربما طولب بالعربون! ~~ولم يشأ أن يتبع النعش حتى المدفن، فوقف عند أول الطريق. # ووردت على ذهنه فكرة غريبة، وهي أن يعمل ترابيا. هي مهنة رابحة فيما يظن، ولن يسأل - ~~فيما يظن أيضا - إذا تقدم لها عن ماضيه، ولن يجد صعوبة في زيادة دخله بتجارة الكيف، وما ~~أروجه بين القبور! ومضى يحلم من جديد مستعينا بذلك على قتل الوقت، حتى رأى الحاج عبد الصمد ~~راجعا، ثم تبعه حتى رآه يدخل الوكالة بالمبيضة، فمال إلى قهوة عند رأس الطريق وجلس . احتسى ms049 ~~الشاي ودخن أكثر من جوزة، وأكل عددا من قطع اللحم، وهو يراقب مدخل الوكالة دون انقطاع ~~تقريبا. ورأى شخصا يغادرها فلم يصدق عينيه. المعلم الدهل محمود نفسه! الرجل الرهيب ~~الذي لحسابه سيقتل عبد الصمد. بل رأى الحاج عبد الصمد وهو يودعه خارج الوكالة، رآهما ~~يتبادلان الضحكات، وتواصل ذلك حتى استقر المعلم الرهيب في عربته وانطلقت به. إذن لم تنقطع ~~بينهما المودة! يا له من وغد ذلك الجبار الرهيب! هو جبار بلا ريب، لكنه لا ريب كذلك في أنه ~~يفكر فيه - هو المسكين - طيلة وقته. ينتظر على قلق نتيجة عمله، يتمنى له النجاح والتوفيق، ~~يجري اسمه على لسانه مرات، ويطوف بذهنه عشرات المرات، ألا ما أخطر شأنك يا بيومي هذه ~~الأيام! واليوم أخطرها جميعا وهو آخرها أيضا، أما الغد؟! وشدت قبضة على قلبه. غدا سيكون ~~شيئا من آلاف الأشياء، من ملايينها، أو لا شيء! وإذا فشل سيجد نفسه هدف نقمة وانتقام، ~~وستضيق به الأرض. والمسألة في حقيقتها العارية أنه سيقتل رجلا لا يعرفه، ولم تتصل بينه ~~وبينه الأسباب على أي وجه كان لحساب أناس يمقتهم لحد المرض. # لبث في القهوة حتى الرابعة مساء، وهنالك صدرت عن الوكالة حركة تنذر بالختام. دخلت إليها ~~عربات اليد، وتتابع خروج العمال، وأغلقت النوافذ، ثم خرج الحاج عبد الصمد يتبعه أربعة من ~~الموظفين. تأهب بيومي للقيام، ولكنه رأى الجماعة مقبلة نحو القهوة، ثم جلسوا على بعد أذرع ~~من مجلسه والحاج يقول: فكرة، أستريح هنا قليلا، قبل أن أذهب إلى المأتم. # وجاءت المشروبات وراحوا يحتسون القهوة والشاي، ثم تنهد الحاج عبد الصمد وقال: الله ~~يرحمك يا سي عبده، من يتصور أنك دفنت اليوم! # فقال أحد رجاله وهو يتحلب ريقه: كان بالأمس يجلس بيننا في مثل هذه الساعة. ~~- وكان ذلك كل يوم. # واسترق بيومي إليه نظرة، فرآه حزينا مكتسبا من الذكرى كآبة واضحة، غير أن صحته بدت ~~قادرة على جرف الأحزان جميعا. وله وجه مليء وعنق مكتظ وكرش ضخمة، فلن يجد صعوبة في ~~إصابته. سينتهي كل شيء آخر ms050 الليل، عند عودته من المأتم، وفي الموضع الذي اختاره بعناية بعد ~~معاينة مسكنه، والطريق المفضية إليه. # وتساءل أحد رجاله: أسافر غدا إلى الصعيد؟ # فقال الحاج: نعم إنها صفقة تزن ثقلها ذهبا، ولم نكن نحلم بها. ~~- ولحد كم أدفع؟ ~~- كما اتفقنا بصفة عامة، ولك أن تزيد حتى المائة. إنها صفقة مضمونة. # وابتسم ابتسامة متألقة، وكأنما نسي الحزن. وإذا برجل يقوم، وهو يقول في اعتذار: آن لي أن ~~أذهب؛ حتى لا تفوتني المغرب. # فقال له: مع السلامة، حرما، ولا تنس موعدنا غدا. ~~- الساعة الخامسة! ~~- الساعة الخامسة، وإن تأخرت لا تقلق، سألحق بك حتما. # واضطرب بيومي كلما تكلم الحاج عن يقين، أو ضرب موعدا، أو عكست عيناه الطمأنينة والثقة. ~~لماذا يقتل هذا الرجل؟ إنه لا يعرفه، لم تكد تستقر صورته في ذهنه، لا يكرهه، ولا يحنق عليه، ~~ولا يأتيه أي ضرر من ناحيته، فلماذا يقتله؟ لكنه إذا لم يقتله قتل، وإذا قتله ابتسمت له ~~الدنيا، أو هكذا وعد. يحسن به ألا يستسلم للأفكار المثبطة للهمة. وليطمئن إلى أنه ~~سينجو من الاتهام تماما. أي سبب يدعوهم إلى الاشتباه في أمره؟ أي سبب هناك يدعوه إلى قتل ~~هذا الرجل؟ الحق أن اختياره لقتله هو في ذاته عمل بارع يدل على عراقة المجرمين في ~~الإجرام. # وقال الحاج عبد الصمد: في رمضان القادم وعليكم خير، سيرتفع حظنا بإذن الله إلى مداه ~~الأعلى. # رمضان القادم؟ شد ما يؤثر صوت الرجل في أعصابه. إنه يخشى أن يظل يسمعه حتى بعد ~~الموت. # ووقف الحاج وهو يقول: آن لي أن أذهب إلى المأتم، سلام عليكم ورحمة الله. # وتبعه عن بعد حتى دخل السرادق بدرب سعادة، فذهب بعيدا عن أضواء المصابيح، ثم قبع في ركن ~~مظلم. كان على ثقة من أن صاحبه لن يغادر السرادق إلا في آخر زمرة تغادره، فمضى يأكل قطع ~~اللحم ويحتسي الكونياك. وهو إذا شرب توهجت أعصابه وتوثب قلبه، وفارت جراثيم العدوان في ~~دمه. وترامت إليه التلاوة من مقرئ حسن الصوت، فأمعن في الأكل والشرب وغرق في دوامة ms051 من ~~الهذيان الباطني. وجاء شرطي يتبختر فانقبض صدره. إنه يستطيع أن يعرفه بأكثر حاسة، بالعين ~~والأذن وبالأنف أيضا. ذلك أنه ينفث رائحة جلدية خاصة تذكره بنقطة البوليس، والصفع ~~واللعنات، وزنزانة السجن، والجرادل، والبرش، والظلمة المغرقة. مر به، ثم عاد، وتريث ~~قبالته لحظة، ملقيا بثقله على ساق واحدة، ثم تأبط بندقيته وذهب. وتتابع الوقت حتى لم ~~يبق في السرادق إلا آحاد. عند ذاك نهض، وكل شيء يبدو أحمر في عينيه، ومضى في سبيل درب ~~الجماميز وهو يتحسس السكين في صدرته. البيت وما حوله خال نائم، لا دكاكين ولا مارة، ~~وثمة حارة بين شارع السمهري والدرب، غير قصيرة، ضيقة، مظلمة، خالية، فعند أولها لبد، وفي ~~مخبأ يرى بوضوح شارع السمهري والقادمين منه، على حين تخفيه الظلمة عن الأعين، وقف يتربص ~~ويده قابضة على السكين، والوقت يمر كحز الألم. # وعندما دقت ساعة قديمة الواحدة لاح الحاج من بعيد، ولكن كان بصحبته آخر. فترت دقات ~~قلبه. وقال لنفسه إنه إذا لم يجهز عليه الآن؛ فلن يعود إلى المحاولة مرة أخرى، وسيطارده ~~الموت إلى الأبد. تقدم الرجلان حتى توسطا شارع السمهري، وما زالا يتقدمان حتى غص بالقنوط. ~~أوشك أن يتقهقر من مكمنه مغلوبا على أمره، ولكن الرجلين توقفا عن السير، ثم تصافحا، ومال ~~الآخر إلى عطفة جانبية، وتقدم وحده عبد الصمد. شد على أعصابه مرة أخرى، وهو يسدد نحوه ~~النظر، وتحفز بكل قوة وجارحة. وكان الحاج يسير متمهلا، يد قابضة على العصا، والأخرى تعبث ~~بسلسلة الساعة، والهدوء يكسو وجهه وما يشبه التعب أو الضجر. وخيل إليه أن ابتسامة خفيفة ~~انسابت لحظة بين شفتيه. وما زال يتقدم حتى دخل الحارة المظلمة فاختفت معالمه، واستحال شبحا ~~يسير في الظلام. ولم يعد يفصل بينهما إلا خطوة. استل السكين من صدرته، واشتدت عليها ~~قبضته، واستجمع كل قواه، ثم انقض عليه بسرعة خاطفة، وطعنه طعنة قاسية، لا مهادنة فيها ولا ~~أمل، ندت عن الرجل صرخة خافتة، وترنح جسده الضخم مرة ثم سقط. # واندفع بيومي هاربا وهو ينتفض، ناسيا السكين في ms052 صدر الرجل، ملوث العنق والجلباب - وهو ~~لا يدري - بالدم. # | ضد مجهول # لم يكن بالشقة شيء غير مألوف يلفت النظر، أو يمكن أن يفيد منه المحقق. كانت مكونة من ~~حجرتين ومدخل، وبصفة عامة كانت غاية في البساطة. أما ما استحق الدهشة حقا فهو بقاء حجرة ~~النوم في حال طبيعية واحتفاظها بنظامها العادي، رغم أن جريمة قتل فظيعة ارتكبت بها. حتى ~~الفراش ظل عاديا، أو لم يتغير إلا بالقدر الذي يطرأ عليه عقب النوم، غير أن الراقد عليه ~~لم يكن نائما، كان قتيلا لما يجف دمه. وهو قد مات مخنوقا كما يدل على ذلك أثر الحبل ~~حول عنقه وجحوظ عينيه، وتجمد الدم حول أنفه وفيه. ولا أثر وراء ذلك لعراك أو لمقاومة، ~~سواء في الفراش أو في الحجرة أو في بقية الشقة، كل شيء طبيعي ومألوف وعادي. وقف ضابط ~~المباحث ذاهلا، يقلب عينيه المدربتين في الأنحاء، يلاحظ ويتفحص، ولا يخرج بطائل. إنه ~~يقف أمام جريمة بلا شك، والجريمة لا توجد إلا بمجرم. والمجرم لا يستدل عليه إلا بأثر. وها ~~هي النوافذ مغلقة جميعا بإحكام. فالقاتل جاء من الباب، ومن الباب خرج. ومن ناحية أخرى، ~~فالرجل مات مخنوقا بحبل؛ فكيف تمكن القاتل من لف الحبل حول عنقه؟ لعله تمكن من ذلك ~~وضحيته نائم، فهذا هو التفسير المقبول لعدم وجود أي أثر للمقاومة. وثمة تفسير آخر، أن يكون ~~غدر به من وراء حتى أجهز عليه، ثم أنامه في فراشه وسجاه وأعاد كل شيء إلى أصله، وذهب غير ~~تارك أي أثر! أي رجل؟! أية أعصاب؟! يعمل بأناة وروية وهدوء وإحكام كما يقع في الخيال. يسيطر ~~على نفسه وعلى القتيل وعلى الجريمة وعلى المكان كله، ثم يذهب في سلام! أي قاتل هذا؟! ورتب ~~خطوات التحقيق في ذهنه، الباعث على الجريمة، التحقيق مع البواب، والخادمة العجوز، وافترض ~~افتراضات شتى، وقاوم ما استطاع انفعالاته الشديدة، ثم عاد إلى التفكير في المجرم الغريب، ~~الذي تسلل إلى الشقة، وأزهق روحا، ومضى بلا أثر، كأنه نسمة هواء لطيفة أو شعاع من ms053 الشمس. ~~وفتش الصوان والمكتب والثياب، فوجد حافظة نقود وبها عشرة جنيهات، كما وجد الساعة وخاتما ~~ذهبيا. يبدو أن السرقة لم تكن الباعث على الجريمة، فما الباعث إذن؟! # واستدعى البواب لاستجوابه، وهو نوبي طاعن في السن، يعمل في العمارة الصغيرة بشارع البراد ~~بالعباسية منذ عشرات السنين. وقد أدلى بأقوال لها أهميتها، فقال عن القتيل إنه مدرس ~~بالمعاش، يدعى حسن وهبي، فوق السبعين، يعيش وحده مذ توفيت زوجته، وله بنت متزوجة في ~~أسيوط وابن طبيب يعمل في بور سعيد، وهو أصلا من دمياط. وتقوم على خدمته أم أمينة فتجيئه ~~حوالي العاشرة صباحا، وتغادره حوالي الخامسة مساء. ~~- وأنت ألا تؤدي له بعض الخدمات أحيانا؟ # فقال العجوز بسرعة وتوكيد: ولا مرة في السنة، أنا لا أراه إلا أمام الباب عند ذهابه ~~وإيابه. ~~- خبرني عن يوم أمس! ~~- رأيته وهو يغادر البيت في الثامنة. ~~- ألم يكلفك بتنظيف الشقة؟ # فقال الرجل بشيء من العصبية: قلت ولا مرة في السنة، ولا مرة في حياته، أم أمينة تجيء في ~~العاشرة، فتطهو طعامه وتنظف الشقة وتغسل الثياب. ~~- هل ترك نوافذ شقته - أو بعضها - مفتوحة؟ ~~- لا أدري! ~~- ألا يمكن أن يدخل أحد من النافذة؟ ~~- شقته في الدور الثالث كما ترى، فالأمر غير ممكن، ثم إن العمارة محاطة بالعمارات من ~~ثلاث جهات، والجهة الرابعة تطل على شارع البراد نفسه! ~~- استمر في حديثك. ~~- غادر البيت في الثامنة ثم رجع في التاسعة، وهذه هي عادته كل يوم منذ أكثر من عشر سنوات، ~~ويبقى بعد ذلك في شقته حتى صباح اليوم التالي. ~~- ألا يزوره أحد؟ ~~- لا أذكر أني رأيت أحدا يزوره عدا ابنه أو ابنته. ~~- متي زاراه لآخر مرة. ~~- في العيد الكبير. ~~- ألا يزوره اللبان أو بائع الجرائد؟ ~~- الجرائد يعود بها بعد مشوار الصباح، أما الزبادي فتتسلمه أم أمينة عصرا. ~~- هل تسلمته أمس؟ ~~- نعم، رأيت الغلام وهو يصعد إلى الشقة، ورأيته ذاهبا. ~~- متى غادرت أم أمينة الشقة أمس؟ ~~- حوالي المغرب. ~~- ومتى جاءت اليوم؟ ~~- حوالي العاشرة، ودقت الجرس فلم يفتح الباب. ~~- هل خرج اليوم كعادته ؟ ~~- كلا! ms054 ~~- متأكد؟ ~~- لم أره خارجا، وكنت بمجلسي عند الباب، حتى جاءت أم أمينة .. ثم عادت إلي بعد ربع ~~ساعة لتخبرني بأنه لا يجيب فصعدت معها، ودققت الجرس وطرقت الباب، ولما لم يجب ذهبنا إلى ~~القسم. # وقال الضابط لنفسه: إن هذا البواب لا يستطيع أن يخنق دجاجة، ولا أم أمينة، ولكنهما قد ~~يسهلان إدخال شخص ما وإخراجه، لكن لم قتل الأستاذ حسن وهبي؟ هل ثمة سرقة ثمينة خافية؟ ~~.. هل تركت الحافظة سليمة للتضليل؟! وهل وجود مفتاح الشقة بدرج المكتب لعبة أخرى؟ # وقالت أم أمينة إنها خدمت في بيت المدرس منذ ربع قرن، خمسة عشر عاما، على حياة زوجه، ~~وعشرة أعوام بعد وفاتها، ولكن المرحوم قرر أن تبيت في منزلها منذ ترمله. وهي أرملة، وأم ~~لست من النساء، كلهن متزوجات من عمال وأصحاب حرف، وأدلت بعناوينهن جميعا. ~~- كان أمس بصحة جيدة، قرأ الجرائد، وتلا جزءا من القرآن بصوت مسموع، وعندما تركت الشقة ~~كان يستمع إلى الراديو. ~~- ماذا تعرفين عن أهله؟ ~~- من دمياط لكنه منقطع الصلة بهم تقريبا، ولا يزوره أحد إلا ابنه وابنته في المواسم ~~والإجازات. ~~- هل تعرفين له أعداء؟ ~~- أبدا! ~~- ألا يزوره أحد في بيته؟ ~~- أبدا، وفي أحوال نادرة كان يجلس صباح الجمعة في القهوة مع بعض زملائه، أو مع بعض ~~تلاميذه القدامى. # وتساءل الضابط: هل يمكن أن تقع جريمة بلا باعث ودون أثر؟ واستكمل الإجراءات الواجبة ففتش ~~بمساعدة معاونيه مسكن البواب، وبيوت أم أمينة وبناتها الست، ثم استدعى أصحاب المرحوم ~~القلائل، ولكن لم يدل أحد منهم بشيء ذي بال، وبدا مصرع الرجل لغزا محيرا للألباب. ~~وشاع الخبر في الشارع، ثم نشر في الجرائد، فعلمت به العباسية كلها وأسف له كثيرون. وأكد ~~الطبيب ابن القتيل أن والده لا يملك شيئا ثمينا على الإطلاق، وأن حسابه في البنك لا ~~يتجاوز المائة جنيه، وفرها لحاجة طارئة ثم لخرجته آخر الأمر. وأكد أيضا أنه ليس له ~~أعداء، وأن قتله قد يكون نتيجة طمع في ثروة وهمية، خمن المجرمون وجودها في مسكنه. وجرى ~~تحقيق دقيق مع ms055 البواب وأم أمينة، لكنه لم يؤد إلى شيء فأفرج عنهما بلا ضمان. ووجد ضابط ~~المباحث نفسه في حيرة ضبابية، وعانى إحساسا بالهزيمة لم يمر به من قبل. كان ذا تاريخ ~~مشرف في مكافحة الجرائم شهد به الريف والبنادر، وفي الجملة كان من الضباط ذوي السمعة ~~العالية. وهذه أول جريمة ينهزم أمامها هزيمة مطلقة بلا بارقة أمل، ولا عزاء. وبث عيونه في ~~أوساط المشبوهين في الجبل وأطراف الوايلية وعرب المحمدي، لكنهم لم يرجعوا بفائدة. وقرر ~~الطبيب الشرعي أن الأستاذ حسن وهبي مات خنقا، وتفحص جميع ما يخصه من أشياء؛ بأمل العثور ~~على بصمة أو شعرة أو أي أثر مما يتركه المجرمون، ولكن مجهوداته ضاعت هباء، ووقف الجميع ~~أمام فراغ صامت. # ومن شدة الهزيمة شعر الضابط محسن عبد الباري بالخجل، وتنغص عليه صفوه. وكان يقيم بشارع ~~يشبك غير بعيد من القسم، فلما لاحظت زوجته كربه، قالت له برقة: لا يجوز أن تحرق دمك بلا ~~سبب! # فلاذ بالصمت ومضى يسلي همه بالقراءة. وكان مغرما بقراءة الشعر الصوفي كأشعار سعدي ~~وابن الفارض وابن العربي، وهي هواية نادرة بين ضباط المباحث؛ ولذلك أخفاها حتى عن خاصة ~~الأصدقاء. وظل الحادث حديث العباسية، لغموضه المحير؛ ولأن المرحوم كان مدرسا لكثيرين من ~~شباب العباسية وكهولها. ولكن بمرور أسبوع أو نحوه غاص الخبر في بحر النسيان المخيف، وحتى ~~محسن عبد الباري قيده ضد مجهول، وقال لنفسه وهو يزدرد هزيمته المرة «مجهول! .. هذا هو ~~حقا المجهول!» # وبعد شهر دعي الضابط إلى سراي قديمة بشارع العباسية العمومي؛ بسبب جريمة مشابهة! كأن ~~الجريمة الأولى وقعت من جديد، فلم يكد محسن يصدق عينيه. وكان القتيل لواء قديما من رجال ~~الجيش، وكان يعيش مع أسرته المكونة من زوجة في الستين، وأخت أرملة في الستين أيضا، وابنه ~~الأصغر وهو طالب جامعي في العشرين من عمره، وكان يقيم في السراي أيضا البواب والبستاني ~~وسائق السيارة وطاهية وخادمتان. # وجد اللواء صباحا في فراشه كالنائم، شأنه كل يوم، إلا أن الوقت تأخر به عن المألوف مما ~~دفع بزوجته ms056 إلى تفقد حاله، لكنه لم يكن نائما، بل مخنوقا، وأثر الحبل محفور حول عنقه، وفي ~~عينيه جحوظ فظيع، وحول الفم والأنف دم لزج. أما الحجرة فلم يختل بها نظام، ولا الفراش ~~نفسه، ولم يسمع صوت في الليل ليوقظ النائمين في الطابق معه من أهله، وجملة القول أن الضابط ~~وجد نفسه مرة أخرى أمام اللغز القاتل الذي سحقه منذ شهر في مسكن المدرس حسن وهبي، أمام ~~المجهول بصمته وغموضه وغرابته وقسوته، وسخريته واستحالته. ~~- هل وقعت سرقة؟ ~~- كلا! ~~- له أعداء؟ ~~- كلا! ~~- والخدم، أكانت علاقته بهم طيبة؟ ~~- جدا. ~~- أتشكون في أحد؟ ~~- أبدا! # ومضى الضابط في الإجراءات بلا أمل، عاين السراي معاينة دقيقة، واستجوب الأهل والخدم. وكان ~~يتوجس خيفة من مجهول، ويشعر بأن مؤامرة تدبر في الظلام للقضاء على ضحايا كثيرين، وعلى ~~سمعته وكافة القيم في حياته، وشعر أيضا بأن ثمة لغز يوشك أن يخنقه بثقل غموضه، وأنه إذا ~~مني بالفشل مرة أخرى؛ فلن يصلح للحياة ولن تصلح الحياة لأحد. ولخطورة شأن القتيل جاء نفر ~~من كبار رجال المباحث؛ للإشراف على التحقيق بأنفسهم. وقال أحدهم باستغراب: توجد جريمة بلا ~~شك، ولكن كأنها ترتكب بلا مجرم! ~~- بل المجرم موجود، ولعله أقرب إلينا مما نتصور. ~~- كيف ارتكب جريمته؟ ~~- يطوق العنق بحبل دقيق، ثم يشد عليه حتى يزهق الروح، ولكن كيف يصل إلى مكان جريمته، ~~وكيف يذهب دون أن يترك أثرا؟ ~~- وما الباعث على القتل؟ ~~- بواعث القتل متعددة تعدد البواعث على الحياة! ~~- هل يمكن أن يقتل أحد بلا سبب؟ ~~- إذا كان مجنونا فإنه يقتل بلا سبب، أو بلا سبب مما نقتنع به. ~~- ما العلاقة بين المدرس واللواء؟ ~~- كلاهما قابل للموت! # ونشر الخبر في الصفحات الأولى من الجرائد في عناوين مثيرة، فاهتز له الرأي العام، ~~وبصفة خاصة أهل العباسية. وكان اللواء معروفا منذ عهد الانتخابات حيث رشح نفسه مرارا، ~~فانتخب مرة عضوا بمجلس الشيوخ. وجند محسن جميع المخبرين للبحث والتحري، وأصدر إليهم ~~تنبيهاته المشددة، وانكب على العمل برغبة محمومة في الظفر. وعاد إلى بيته آخر الليل خائر ~~القوى ms057 والنفس. وصمم على كتم همومه عن زوجته التي بدأت في ذلك الوقت تعاني متاعب الحبل. ~~وكان أخشى ما يخشاه أن ينقل من قسم الوايلي موصوما بالهزيمة؛ ليحل محله آخر كما كان يحل ~~هو محل آخرين في الريف على عهد التوفيق والنصر. وعبثا حاول أن يسري عن نفسه بمطالعة ~~الشعر؛ إذ ثبت ذهنه على الجريمة التي أمست رمزا على هزيمته. # من يكون هذا القاتل الرهيب؟ لا هو لص ولا هو منتقم ولا هو مجنون. المجنون قد يقتل ولكنه ~~لا ينفذ جريمته بهذا الإعجاز الساحق. إنه يقف أمام لغز قوي قهار لا نجاة من عبثه، فكيف ~~يتحمل مسئولية حماية الأرواح حياله؟! # ومل الناس - وبخاصة أهل العباسية - الخوض في الموضوع، وفتر اهتمامهم به، وهدأت النفوس ~~بعض الشيء، واستحال جزع الضابط حزنا رزينا منطويا في أعماق النفس. # وإذا بالجريمة الثالثة تقع! # وجاء وقوعها بعد مصرع اللواء بأربعين يوما، وكان مسرحها بيتا متوسطا بين الجناين، ~~وضحيتها شابة في الثلاثين، زوجة لمقاول صغير وأما لثلاثة أطفال. وكالعادة وجد كل شيء ~~على مألوف حاله، عدا أثر الحبل الملتهب حول العنق والدم حول الفم والأنف وجحوظ العينين، ولا ~~أثر بعد ذلك لشيء. وأدى محسن واجبه الروتيني بروح خامد يائس، وقد آمن بأن عذابه لن ~~ينتهي أبدا، وبأنه نصب هدفا لقوة لا ترحم. وقالت أم القتيل وكانت تقيم معها: دخلت في ~~الصباح لأتفقد حالها فوجدتها ... # وخنقتها العبرات، فسكتت حتى انحسرت عنها موجة البكاء، وقالت: كانت المسكينة مريضة ~~بالتيفود منذ عشرة أعوام. # فهتف محسن داهشا: مريضة؟! ~~- نعم، وكانت حالتها خطيرة، لكنها ... لكنها لم تمت بالتيفود! ~~- ألم تشعري بحركة في الليل؟ ~~- أبدا، كان الأطفال نائمين في هذه الحجرة، ونمت أنا على هذه الكنبة على مقربة من حجرتها ~~لأسمعها إذا نادت، وكنت آخر من نام في البيت وأول من استيقظ، فدخلت الحجرة فوجدتها يا كبدي ~~كما ترى! # وجاء الزوج عند الظهر عائدا من الإسكندرية على حال شديدة من الحزن. ومضى وقت قبل أن يجد ~~نفسه في حال تسمح له بالإجابة على أسئلة ms058 الضابط. ولم يكن لديه قول يمكن أن يفيد التحقيق. ~~كان بالإسكندرية لبعض الأعمال، أمضى نهار الأمس في القهوة التجارية مع أناس سماهم، وبات ~~ليلته عند أحدهم بالقباري؛ حيث تلقى البرقية المشئومة. وصاح الرجل وهو يتأوه: يا حضرة ~~الضابط، هذه حال لا تطاق، ليست الأولى، قتل المدرس واللواء قبل ذلك، أين البوليس؟ الناس ~~لا يقتلون بلا قاتل، وكان عليكم أن تقبضوا عليه! # لم يتحمل محسن الطعنات فانفجر هاتفا: لسنا سحرة! .. ألا تفهم؟! # وسرعان ما ندم على ما بدر منه. وعاد إلى القسم وهو يقول لنفسه: «الحق أني أول ضحية ~~للمجرم!» وود لو يستطيع أن يعلن عجزه. هذا المجرم كالهواء، وحتى الهواء يترك في البيوت ~~أثره، أو إنه مثل حرارة الجو، ولكنها أيضا تترك أثرها. وحتام تقيد الجرائم ضد مجهول؟! ~~وطوق العباسية الفزع، وزادته الصحافة اشتعالا. ولم يعد للمقاهي من حديث غيره، جرائم ~~الخنق ومرتكبها الرهيب المجهول، إنه خطر داهم وليس أحد بمأمن منه، وتبددت الثقة برجال ~~الأمن، وانحصرت الشبهة في المنحرفين والمجانين باعتبارها موضة هذه الأيام. وتبين من البحث ~~أن أحدا من نزلاء مصحة الأمراض العقلية لم يهرب. ووردت على القسم رسائل من مجهولين، ففتشت ~~بسببها بيوت كثيرة، ولكن لم يعثر فيها على أحد ذي خطورة، وكان أكثر المصابين من الطاعنين ~~في السن. أبلغ البعض عن شاب معروف بالهوس والشذوذ من سكان شارع السرايات، فألقي القبض ~~عليه وسيق إلى التحقيق، ولكن ثبت أنه في ليلة مقتل اللواء كان مقبوضا عليه في قسم ~~الأزبكية لتحرشه بفتاة في الطريق، فأطلق سراحه. ضاع كل مجهود هباء، وقال محسن في أسى: ~~المتهم الوحيد في هذه القضية هو أنا! # هكذا كان أمام نفسه، وأمام أهل العباسية، وأمام قراء الصحف. وتطايرت إشاعات لا يدري ~~أحد كيف تطايرت. قيل إن المتهم معروف لدى رجال الأمن ولكنهم يتسترون عليه؛ لصلته القريبة ~~بشخصية هامة. وقيل أيضا إنه لا يوجد متهم في الحق والواقع، ولا جريمة، ولكنه مرض خطير ~~مجهول، وأن معامل وزارة الصحة تعمل ليل نهار في الكشف عن سره. ms059 وتفشت الحيرة والبلبلة بين ~~الناس. # ويوما - وكان قد مضى على مقتل السيدة شهر أو نحوه - أبلغ الشرطي الديدبان بقسم الوايلي ~~أنه عثر على جثة في العطفة الملاصقة للقسم. خبر لم يسمع عن مثله من قبل. وهرع الضابط محسن ~~عبد الباري إلى مكان الجثة، وكان بوسعه - لو أراد - أن يعاينها من نافذة حجرته، وجد جثة ~~رجل شبه عار، متسولا عن يقين، ملقى لصق جدار القسم، وكاد يصرخ من شدة الانزعاج حين ~~وقعت عيناه على أثر حبل الخنق حول الرقبة! رباه! .. حتى هذا الشحاذ؟! وتفحص جلبابه كأنما ~~ثمة أمل في العثور على شيء. ودعي شيخ الحارة للتعرف عليه فقرر أنه متسول من الوايلية ~~الصغرى، بلا مأوى، ويعرفه الكثيرون. وجرى التحقيق مجراه لا سعيا وراء أمل، ولكن تغطية ~~للهزيمة المزرية. وسئل سكان البيوت القريبة من مكان الجريمة، ولكن أي جديد ينتظر؟ .. ~~ولم لا يسأل المقيمين في القسم أيضا وهو الملاصق للجريمة؟! وانتشر المخبرون في مواطن ~~الشبهات، ولكنهم كانوا يبحثون عن لا شيء، عن خيال، عن روح. وكرد فعل للحنق الذي غمر ~~النفوس سيق المشبوهون والمنحرفون بالعشرات إلى الحجز، حتى خلت منهم العباسية جميعا، ~~ولكن ما الفائدة؟ وزيد عدد الشرطة بالشوارع وتضاعف عددهم بالليل. ورصدت الداخلية ألفا من ~~الجنيهات مكافأة لمن يرشد إلى القاتل الخفي. وتناولت الصحافة الموضوع بقوة مثيرة في ~~صفحاتها الأولى. وتضخم هذا كله في نفوس أهل العباسية، حتى استحال إلى أزمة مروعة. ركبهم ~~الفزع، وعذبتهم الأوهام، وانقلبت أحاديثهم إلى هذيان، وهجر القادر منهم حيه، ولولا أزمة ~~المساكن وظروف المعيشة القاسية لخلت العباسية من أهلها. ولكن لعل أحدا لم يتعذب كما تعذب ~~الضابط محسن عبد الباري أو زوجته الحبلى السيئة الحظ. وقد قالت له على سبيل العزاء ~~والتشجيع: لا لوم عليك، هذا شيء يعجز خيال البشر! ~~- لم يعد لبقائي في وظيفتي معنى! # فقالت بجزع: دلني على تقصيرك! ~~- يستوي المجهود الضائع والتقصير، ما دام لا يحفظ روحا ولا يدفع أذى! ~~- ستنتصرون في النهاية كالعادة. ~~- أشك في ذلك، فهذا شيء خارق للعادة. # ولم ينهم ms060 تلك الليلة. ظل ساهرا يفكر، ونازعته رغبة في الهرب إلى عالم شعره الصوفي. ~~حيث الهدوء والحقيقة الأبدية .. حيث تذوب الأضواء في وحدة الوجود العليا، حيث العزاء عن ~~متاعب الحياة وفشلها وعبثها. أليس عجيبا أن ينتسب إلى حياة واحدة عابد الحق وهذا ~~المجرم الضاري؟ إننا نموت؛ لأننا نفقد حياتنا في الاهتمامات السخيفة. ولا حياة ولا نجاة ~~لنا إلا بالتوجه إلى الحق وحده! # ولم يكد يمضي أسبوعان حتى وقع حادث لا يقل غرابة عن سابقة؛ إذ سقط جسم من آخر عربة ~~للترام رقم 33 أمام شارع عشرة آخر الليل. وأوقف الكمساري الترام، ومضى نحو مصدر الصوت، ولحق ~~به السائق، فرأيا أفنديا ممددا على الأرض. ظنا أنه سكران أو مسطول أو عثرت به ~~القدم، وسدد السائق نحوه بطاريته اليدوية، وسرعان ما ندت عنه صرخة، ثم صاح وهو يشير إلى ~~عنق الرجل: انظر ... # فنظر الكمساري فرأى أثر الحبل المشهور. وارتفع صوتاهما فهرع إليهما عدد من الشرطة ~~والمخبرين المنتشرين في الزوايا والأركان. وفي الحال تم القبض على شخصين تصادف مرورهما ~~قريبا من مكان الحادث وسيق الجميع إلى القسم. وكان للحادث رجة فظيعة، وكان على محسن أن ~~يبذل مجهودا عنيفا يائسا آخر للضياع. وأفرج عن أحد المقبوض عليهما؛ إذ تبين أنه ضابط ~~جيش بملابس ملكية، وجرى التحقيق مع الثلاثة الآخرين دون أن ينتهي إلى شيء. وذاق محسن مرارة ~~الهزيمة والخيبة للمرة الخامسة، حتى خيل إليه أن المجرم يتقصده هو بالذات بألاعيبه ~~الجهنمية. وذكرته شخصية المجرم برجل الروايات الخفي، أو مخلوقات الأفلام السينمائية التي ~~تهبط إلى الأرض من الكواكب الأخرى. وقال لزوجته وهو يغلي بأحزانه: من الحكمة أن تذهبي إلى ~~بيت والدك بالهرم، بعيدا عن هذا الجو المشحون بالعذاب والرعب. # لكنها تساءلت في احتجاج: أليس من المخجل أن أتركك على هذه الحال؟ # فقال وهو يتأوه: ليتني أجد سببا وجيها لإلقاء اللوم على نفسي، أو على أي من ~~معاوني! # ونوقشت المسألة في الصحف على نطاق واسع في مقالات مسهبة بأقلام علماء النفس ورجال الدين. ~~أما العباسية فقد اجتاحها ms061 الذعر، وأمست تقفر مع المغرب من سكانها سواء في المقاهي أو في ~~الطرق، وبات كل وكأنه ينتظر دوره. وبلغت الأزمة ذروتها عندما وجدت طفلة بمدرسة البنات ~~الابتدائية مختنقة في دورة المياه. # وتابعت الأحداث بصورة مرعبة، وتلقاها الناس بذهول. لم يعد أحد يهتم بالتفاصيل المملة عن ~~التحقيق والبحث وآراء الباحثين في الصحف. انحصر التفكير في الخطر الداهم الذي يزحف غير ~~مكترث لشيء، ولا يفرق بين شيخ وشاب، وغني وفقير، رجل وامرأة، صحيح ومريض، في بيت أو ~~في الترام أو في الطريق. مجنون؟ .. وباء؟ .. سلاح سري؟ .. خرافة من الخرافات؟! وغشي ~~الحزن الحي شبه المهجور، وأنهكه الذعر، وأغلقت البيوت أبوابها ونوافذها، ولم يعد لأحد من ~~حديث غير الموت. # وكان محسن عبد الباري يتجول في الحي كالمجنون، يتفقد الشرطة والمخبرين، ويتفحص الوجوه ~~والأماكن، ومضى في يأس تام. ويناجي يأسه طويلا، وهزيمته المريرة، ويود لو يقدم عنقه إلى ~~المجرم شرط أن يعفي الناس من حبله الجهنمي. وزار مستشفى الولادة حيث ترقد زوجته. جلس إلى ~~جانب فراشها قليلا وهو يرنو إليها وإلى الوليد، مفتر الثغر عن ابتسامة. ابتسامة لأول مرة ~~منذ عهد غير قصير، ثم لثم جبينها وذهب. عاد إلى الدنيا التي يود ألا يراه فيها أحد، ووجد ما ~~يشبه الدوار. الحياة التي يقضي عليها حبل مجهول فتصبح لا شيء. لكنها شيء بلا ريب وشيء ~~ثمين، الحب والشعر والوليد. الآمال التي لا حد لجمالها. الوجود في الحياة .. مجرد الوجود في ~~الحياة. أهناك خطأ يجب أن يصلح؟ ومتى يصلح؟ واشتد الدوار كما يحدث عند يقظة مفاجأة عقب ~~نوم عميق. # ونمت أنباء إلى مأمور القسم بأنه تقرر نقل الضابط محسن عبد الباري، وإحلال آخر محله. ~~استاء المأمور استياء شديدا، ومضى من فوره إلى حجرة الضابط الذي يقدره خير قدره. رآه ~~مستلقي الرأس على المكتب كالنائم، فاقترب منه، وهو يقول بلطف: محسن ... # ناداه فلم يرد، وكرر النداء ولكنه لم يرد، هزه ليوقظه فمال رأسه ميلة غريبة. عند ذاك ~~لمح المأمور نقطة دم فوق السومان. نظر نحو زميله بفزع فرأى ms062 أثر الحبل الجهنمي حول العنق، ~~وزلزل القسم ومن فيه! # وحدثت سلسلة اجتماعات خطيرة في المحافظة، واتخذت قرارات هامة وعاجلة. واستدعى المدير ~~العام جميع معاونيه وقال لهم بقوة وحماس: سنعلن حربا لا هوادة فيها، حتى يقبض على ~~المجرم! # وتفكر قليلا ثم استطرد: هنالك شيء لا يقل خطورة عن المجرم نفسه، وهو الذعر الذي اجتاح ~~الناس. ~~- نعم يا أفندم! ~~- يجب أن تسير الحياة سيرتها المألوفة، وأن يعود الناس إلى الإحساس الطيب بالحياة. # وتجلى التساؤل في الأعين المستطلعة فقال المدير: لن تنشر كلمة واحدة عن الموضوع في ~~الصحف. # وآنس من الأعين فتورا، فقال: الحق أن الخبر يختفي من الدنيا إذا اختفى من الصحف. # وقلب عينيه في الوجوه ثم قال: لن يدري أحد بشيء ولا سكان العباسية أنفسهم. # ثم ضرب مكتبه بقبضته، وقال: لا حديث بعد اليوم عن الموت، يجب أن تسير الحياة سيرتها ~~المألوفة، وأن يعود الناس إلى الإحساس الطيب بالحياة، ولن نكف عن البحث. # | زينة # ازدحم مدخل العمارة رقم 115 بشارع رمسيس بالمنتظرين أمام أبواب المصاعد، وهو مدخل لا يخلو ~~من ازدحام، كما يجدر بعمارة جميع شققها مؤجرة للشركات. وكان بين المنتظرين ثلاثة أشخاص ~~جاءوا في وقت واحد على وجه التقريب، رجلان وفتاة، وكأكثر الحاضرين لم يكن يعرف أحدهم ~~الآخر. وبطبيعة الحال لم ينتبه أحد إلى الرجلين، على حين تسللت نظرات الاهتمام إلى الفتاة ~~لشبابها وجمالها وأناقتها. وبينا بدا أحد الرجلين كمن يناقش نفسه مناقشة حادة حتى جعل يقضم ~~ظفره من حين لآخر، لاحت في عيني الآخر نظرة حالمة وحزينة، وعندما صادفت عيناه الفتاة دبت ~~فيهما حياة متألقة كالزهرة. # قصد أول الثلاثة الشقة رقم 18 بالدور الثالث، فمضى إلى السكرتارية وحيا السكرتيرة ~~اللطيفة هناك، وقال برقة ممزوجة بالثقة: محمد بدران. # ولم تكد الفتاة تغيب وراء باب المدير، حتى عادت وهي تقول: تفضل. # دخل محمد بدران حجرة المدير، فمد له هذا يده من وراء مكتبه وهو منهمك في مكالمة تليفونية، ~~ثم أشار إليه بالجلوس، فغاص في مقعد جلدي كبير أمام المكتب. وبسرعة سحرية ms063 سرى في جلده ~~وأعصابه الهواء المكيف فأنعشه وهدهده، وأخذ يجفف عرقه ويرطب لهيب الحر الذي عاناه في ~~الطريق واختنق به في المصعد. وسرعان ما وعد نفسه بتركيب جهاز تكييف في حجرة مكتبه حالما ~~تتحسن الأحوال عما قريب إن شاء الله، ولو يشاركه فيها الأبناء في بعض أوقات المذاكرة، بل ~~ولا بأس من أن يتحول جزء منها إلى مكان لجلوس الزوجة في أشهر القيظ. وكالعادة انثالت على ~~ذهنه أحلام الثراء بلا تحفظ، فأكملت ما ينقص حياته من الرفاهية. شقة جديدة في حي راق ~~بعيدا عن روض الفرج طبعا، أثاث فاخر، مطبخ أمريكاني، بار أمريكاني أيضا، سخان، فريجيدير ~~كبير، سيارة، شقة دائمة بالإسكندرية للتصييف في الصيف ولعطلات المواسم في بقية الفصول. ~~ولسبب ما خطرت بباله الفتاة الجميلة التي رآها في مدخل العمارة أمام المصعد. ما أجمل أن ~~«يملك» الإنسان صديقة مثلها! فائقة الجمال حقا، ولجمالها أثر بهيج مثير لأحلام الشباب في ~~الحب والنشوة السامية. ترى أما زال يذكر عهد الشباب الأول بأحلامه ومثالياته؟! وإذا به ~~يستيقظ على صوت المدير وهو يقول: كيف حالك يا أستاذ محمد؟ # فخرج من أحلامه قائلا: بخير ما دمت بخير يا سعادة المدير. # وضحكا معا بلا مناسبة ظاهرة، وإن أحنقه صوته الجهوري ذو النبرة الشديدة والجلجلة، ثم ~~رفع إليه عينيه، كأنما يقول «في خدمتك يا أفندم»، فقال المدير الذي اعتمد مكتبه بمرفقيه: ~~كيف الأحوال؟ ~~- ماشية! ليس في الرأس إلا مشروعات. ~~- كل شيء بأوانه، أراهن على أنك ستحقق مشروعاتك، أنا خبير بالرجال. # فابتسم قائلا: لنا زميل لعلك تعرفه، كنا نعمل منذ ثلاثة أعوام في جريدة واحدة بثلاثين ~~جنيها، هل تصدق أنه يعمل اليوم بثلاثمائة جنيه؟ ~~- ستجيء فرصتك أيضا (ثم وهو يضحك) وأنا ماذا كنت منذ خمسة أعوام؟ ~~- لكنك رجل أعمال! # وضحكا مرة أخرى. وإذا بوجه المدير يسترد هيئته الجادة ويقول داخلا في موضوعه: أنا ~~ارتأيت طريقة ستوفر عليك تعبا كثيرا. # ورمقه محمد بقلق كأنه خاف أن يعقب التوفير في التعب توفير في الأجر، ثم قال بعجلة: ~~أنا لا يهمني ms064 التعب، إلي بنقط الموضوع، وسوف تقرأ مقالا لن يشك قارئه في أنه بقلم أخصائي ~~من العلماء! # فلم يبد على المدير أنه اكترث لاعتراضه، وأخرج من درج مكتبه مقالة مسطورة على فرخين من ~~الورق، فتساءل محمد في شبه انزعاج: كتبتها كلها؟ ~~- لا ينقصها إلا إمضاؤك! # فتناولها الآخر في فتور، وهو يغمغم: لكن ... # فقاطعه قائلا بلهجة مرحة: اقرأ ولا تخف، متى وجدتني بخيلا يا جاحد؟! # فاسترد شيئا من طمأنينته، وهو يقول كالمحتج: ولكنك ستعودني على الكسل! # وراح يقرأ: «عزيزي القارئ، ماذا تعرف عن العقار الجديد «س. أ. ب»؟ لعلك تسمع عنه لأول ~~مرة. ولم تسمع بطبيعة الحال عن الثورة العلمية التي أحدثها في أمم الشمال بصفة خاصة، وفي ~~القارة الأوروبية بصفة عامة؟ في الأسطر القادمة ستعرف كل شيء عنه، مؤيدا بأقوال جمهرة من ~~كبار العلماء. ولما كانت مجلتنا علمية قبل كل شيء؛ فإنا نرجو ألا يطوح الخيال بأحد ~~قرائها، فإن اعتقادنا ألا قوة تستطيع أن تعيد الشباب إذا ولى، ولكن عقارا يؤخر ~~الشيخوخة عشرة أو خمسة عشر عاما ليس مما يستهان به ...» # واستمر في قراءة المقال، والمدير يتابعه في اهتمام لا يخلو من سخرية، حتى أتمه، وتبادلا ~~النظر في صمت مليا، ثم سأله المدير: ما رأيك؟ ~~- مدهش، ثمة أخطاء في اللغة أو النحو ستصحح بطبيعة الحال، ولكنه مقال هام ومثير. ~~- يجب نشره في صفحة مهمة. # فقال محمد بدران بشيء من المكر: أنت تعرفني من قديم، ولكن هناك معلومات قد تحتاج إلى ~~تحقيق علمي، أو إلى تعديل على الأقل، إن مجلتنا ذات صفة علمية معترف بها! # فقال المدير ببرود: لن أزيد مليما على المبلغ المتفق عليه! ~~- لا أقصد هذا. ~~- بل تقصده! لا تكن طماعا، ستأخذ المجلة أجرة إعلان ممتاز جدا، وستأخذ أنت مكافأتك ~~كما اتفقنا، فلا داعي للمشاغبة! # فدارى محمد هزيمته الخفيفة بضحكة، وقال بحرارة زائفة: أخاف أن يؤدي الإفراط في تناول ~~العقار إلى ... ~~- ما أجمل تلاوتك للآيات الإنسانية! لكنني أزعم أنني إنساني أكثر منك، هذا العقار إذا لم ~~يفد فلن يضر، وهو ms065 مفيد قطعا ، والإنسان يعيش على الأوهام ويسعد بها. # وتناول من جيبه مظروفا صغيرا، ووضعه على المكتب أمام الأستاذ محمد، وكان هذا يعرفه كما ~~يعرف وجه طفله، فأخذه وهو يبتسم قائلا: ألف شكر يا إكسلانس، ربنا ما يحرمني منك. ~~- ولا منك يا أستاذ محمد! # وقاما في وقت واحد فتصافحا، ثم ذهب. وشملته حركة سريعة، أشبه بالاندفاع، هي طابعه في ~~السير، وكان عليه أن يذهب إلى المجلة دون إبطاء. ولم يكن في ذهنه إلا المشكلات الخاصة ~~بالمجلة التي عليه أن يحلها قبل هبوط الليل. في زمن بعيد نسبيا كان يفكر طويلا بعد تناول ~~مثل هذا المظروف. على الأقل كان يقارن بدهشة بين حاله حين تخرجه في الجامعة والتحاقه ~~بالعمل مخمورا بأسمى الآمال، وبين حاله التي صار إليها حين لم يعد لشيء قيمة إلا السيارة ~~وجهاز التكييف، وتعليم الأولاد في الكلية الأمريكية. ~~••• # وقصدت الفتاة الشقة رقم 33 بالدور الخامس. سارت بقامتها الرشيقة، ووجهها الجميل، وعينيها ~~اللوزيتين اللتين تشعان حيوية، حتى انتهت إلى مكتب السكرتير، فقام بحماس وصافحها بحرارة، ثم ~~أشار إليها بالجلوس وهو يقول: المدير مشغول، خمس دقائق، كيف حالك؟ # جلست وهي تبتسم في تحفظ ماكر، وتشاغلت عن الشاب المحدق فيها بالنظر إلى الحجرة البديعة ~~المعدة لاستقبال أهل الأهمية والمال. وعلق بصرها بلوحة من الفن الحديث لم تميز بوضوح ~~من أشيائها إلا تفاحة استقرت في مكان غمازتها عين بشرية هالعة، على حين اكتنفتها خطوط ~~وألوان فاقعة وأجزاء متناثرة من أعضاء الجسم الإنساني، وبصفة عامة خيل إليها أنها ترى ~~ركن حجرة -كانت مأهولة بالبشر - أثر زلزال عنيف مدمر. استردت عينيها وهي ترفع حاجبيها ~~المقرونين في شبه احتجاج ساخر، فرأت الشاب وهو يشير إلى الكرسي الجالس عليه، ويقول باسما: ~~ستجلسين هنا بعد أيام. ~~- متى تسافر إلى ألمانيا؟ ~~- في نهاية الأسبوع على الأكثر، ولكن متى أراك ثانية؟ # ودق جرس التليفون الخاص بالمدير، فرفع الشاب السماعة لحظة، ثم أعادها ومضى إلى الحجرة، ~~وما لبث أن خرج مصحوبا بخواجا طاعن في السن، فأوصله حتى الباب. وعاد إلى الفتاة ms066 وهو يقول: ~~تفضلي يا آنسة زينب! # وهي تمر أمامه في طريقها إلى الحجرة، همس في أذنها: أظن من الممكن أن نتقابل ~~الليلة؟ # فظلت تنظر فيما أمامها، وإن وشى عارضها بابتسامة، حتى غيبها باب الحجرة. تقدم المدير ~~ليلاقيها في المنتصف، بقامته المترهلة، وصلعته الوضيئة، وانحنى نحوها بوجهه المجدور، ~~يتقدمه أنف كالكف المبسوطة بين هالتين من سوالف بيضاء، فتناول يدها، وضغط عليها بحنان مريب، ~~ومضى بها حتى أجلسها على المقعد الوثير أمام المكتب، ثم جلس على كرسيه، وعيناه لا تتحولان ~~عن وجهها: خطوة عزيزة يا زوزو، كيف حال والدتك وأخواتك؟ ~~- عال. متشكرة جدا يا فندم! # وكانت رغم مطاوعة الأمور تجد قلقا، وإحساسا كأنه التقزز، لكنها ابتسمت إلى عينيه ~~المكللتين بحاجبين أشيبين، عينيه الحادتين رغم الكبر، وقاومت النفور المستقر في شعورها، ~~والذي جاء معها من الطريق، بل من البيت، رغم محاولاتها القوية في مغالبته بالأحلام الخيالية ~~المتألقة كالماس. ~~- ستشرفين السكرتارية في نهاية الأسبوع. # اتسعت الابتسامة المغتصبة من شفتيها، فتحركت قسمات الرجل في نشوة كالطرب، وقال بحرارة: ~~أنت ضوء الحياة يتسلل إلى قلبي المظلم من جديد، وسوف ينعكس على حياتك بالسعادة. # ذكرها هذا بما رددته جدران بيتها الصماء في غير حياء، وبأمها التي تبدو أحيانا كنمرة ~~متوثبة، وإن تكن تنقلب قطة مستكينة عندما تندى جفونها بدمعة ما. وغمغمت في حرج: أرجو أن ~~تجدني عند حسن ظنك! # فابتسم ابتسامة اقشعر لها بدنها، فندمت على ما فرط منها دون تدبر. وإذا به يتساءل: ~~وقريبك؟ # فقالت بامتعاض خفي: انتهى الأمر، فسخت الخطبة. ~~- ماذا قلتم؟ ~~- لم تعوزنا المبررات الوجيهة. # فقال بنبرة مبتهجة: لن تندمي على ما فات، أمك حكيمة، وأنت كذلك، إن متاعب الحياة لا تفض ~~كما يزعم الحمقى في الصحف، ولكنها تفض بالإرادة الحية، إرادة شخص ذكي مثلك. # ما أبشع خجلها، أو ما أبشعه في بعض الأحيان على الأقل! لكنها لم تندم على فسخ الخطبة .. ~~لم تعدها بحياة تستحق هذا الاسم، وتوعدت أسرتها بمتاعب جديدة، وهي لم تكن تحب قريبها. الآن ~~لن يفصل بينها وبين من تحب ms067 شيء. حتى لو علم بحقيقة ما تمضي إليه؛ إذ من حسن الحظ أن الطيور ~~على أشكالها تقع. وسألته باستهانة: ماذا يزعم الحمقى في الصحف؟ ~~- أحاديث كألف ليلة وليلة عن إصلاح المجتمع والكون، ماذا تفيدين من ذلك أنت؟! # فرفعت كتفيها في استهزاء، فعاد يقول: لولا الدين لتزوجت منك بلا تردد! # فغضت البصر حتى شعر بأنه ينبغي أن يبرر موقفه، فقال: إن تغيير الدين كفيل بالقضاء على ~~مركزي، وبالتالي على الوسائل التي يمكن أن أسعدك بها. # فقالت بارتياح خفي: هذا مفهوم وواضح. # فقال بحماس: ولو هيأت لك فيلا كاملة لأحرجتك، لكنك ستكونين السكرتيرة، شيء عادي وطبيعي، ~~وستكون متع الدنيا بين يديك: صدقيني إن المال هو سر بهجة الحياة، وإني مصمم على جعلك أسعد ~~مخلوقة في هذا الوجود. ~~- متشكرة جدا! ~~- فهز رأسه بارتياح وقال: سأرسلك إلى حمدي رجب مدير الإدارة ليمتحنك، مجرد إجراء شكلي؛ كي ~~تسير الأمور في مجراها الطبيعي. ~~- متشكرة جدا. ~~- وخبري والدتك بأن تستعد للانتقال إلى مصر الجديدة. ~~- سيجيء هذا في وقته! # وندمت مرة أخرى على ما أفلت منها من قول. باتت سريعة الغضب حقا، وإن ظل وجهها باسما ~~هادئا. وأوشكت أن تغضب على طموحها المجنون نفسه. # وقامت وهي تقول: سأذهب إلى مدير الإدارة. # فقام أيضا ومضى حول مكتبه، وسارت نحو الباب فتبعها، وهو يرنو إلى رسم ظهرها البديع، حتى ~~وقفا وجها لوجه وراء الباب. تناول يدها وانحنى كأنما ليقبلها، ولكنه مد وجهه عند منتصف ~~المسافة إلى خدها فلثمه. ولبث داني الوجه من وجهها، وأنفاسه ترعش الأهداب الحريرية ~~المسدلة من كلفة الفستان أعلى الصدر، ثم تساءل برغبة محمومة: أما من قبلة؟ # فأومأت إلى الأحمر في شفتيها وتساءلت: و ... هذا؟ ~~- ولو! # فلثمت جانب فيه، ثم استدارت نحو الباب. ~~••• # وقصد ثالث الثلاثة الشقة رقم 50 بالدور الثامن. كانت صورة الفتاة الجميلة ما تزال تعايش ~~خياله معايشة لطيفة، مخالطة أفكاره ومشاعره وأنفاسه، وكان يتصور في نشاط حار خلاق ~~الحياة العريضة التي يمكن أن يصنعها ذلك المثال من الجمال الحي. لكنها انطوت في ركن مجهول ms068 ~~أمام السكرتيرة الدميمة الذكية التي ابتسمت لاستقباله. حياها برقة وهز رأسه هزة ~~المتسائل، وهو ينظر نحو باب المدير، فقالت على الفور: إنه ينتظرك يا أستاذ. # ودخل فقام المدير باسم الوجه وهو يقول: أهلا أستاذ وديع، جئت في وقتك! # وتصافحا، ثم جلس وديع. أما المدير فمال نحو صوان قريب، فمد يده داخله مليا، ثم قدم إلى ~~الأستاذ لفافة ماسية أدرك هذا لأول وهلة أنها «قرش»، ثم قال: هدية لك! لم أعرف إلا مصادفة ~~أنك من أهل الكيف! # وابتسم وديع في شيء من الارتباك، وهو يدسها في جيبه، وجلس المدير وهو يقول: قرأت القصة، ~~جميلة، نعم جميلة، لي عليها بعض الملحوظات سأحدثك عنها عندما يبدأ الاجتماع (ونظر في ~~الساعة) .. وإذا كان لدى الآخرين ملحوظات أخرى، فرجائي أن تفرغ من إعادة كتابتها قبل نهاية ~~الشهر، حتى يجد كاتب السيناريو مهلة لكتابته، وحتى ندخل الاستديو في الميعاد المتفق ~~عليه. # القصة تتغير، ولكن قصة القصة وقصة جميع القصص، واحدة. هذه هي المسألة التي يتكرر وقوعها ~~عند مناقشة أي من قصصه. قصتك جميلة يا أستاذ .. ولكن! هي جميلة ولكن يجب أن تؤلفها من جديد. ~~وتساءل من خلال تنهدة لم تسمع عن ذلك الركن من الدنيا الذي تجري فيه الأمور على طبيعتها ~~وتنطلق الطيور مغردة، بلا خوف ولا جهل ولا طغيان، ولم يداخله شك في أنه سيجد هنالك ~~الفتاة الجميلة التي عايشت خياله حتى أثملته. وتحرك حركة لا معنى لها، وقال على سبيل ~~الدفاع عن النفس: يا أستاذ مجدي، أنت سألتني إن كان عندي قصة فقدمتها، ثم أخبرتني أنك ~~قبلتها، أليس كذلك؟ ~~- طبعا، لكن القصة ليست إلا مشروعا، وعلينا أن نبدأ من أساس متين حتى نضمن إنتاج فيلم ~~نظيف، شركتي عنوان الإنتاج النظيف، ألا تعلم أنهم يطلقون علي اسم المنتج المجنون لهذا ~~السبب؟! # كان يتابع صوته بغيظ مكتوم، وينظر بغرابة إلى وجهه المطل عليه من وراء مكتبه، متضمنا ~~جميع آيات الصحة والعافية والتحدي. كانت ملامحه جميعا تنطق بالتحدي، عيناه الجاحظتان، أنفه ~~المدبب، فكاه العريضان القويان، وكانت عنايته ms069 بالأناقة فائقة الحد، ورائحة المسك تفوح منه ~~رغم علم جميع المقربين إليه من أنه يتدهن بها لرأي قرأه عن إثارتها في أحد الكتب ~~الجنسية. هذا المدير الكبير الذي قضى زهرة العمر مندوبا لشركة تأمين، وما زال يباهي ~~بطلاقته في الفرنسية، ويستعمل منها الألفاظ والعبارات لمناسبة ولغير مناسبة، إلى درايته ~~بأشياء كثيرة في الحياة العملية، وإن يكن الشيء الوحيد الذي لم يفقه فيه حرفا هو الفن ~~بصفة عامة، والقصة بصفة خاصة. وتساءل وديع عن اللعنة الغريبة التي قضت عليه طوال حياته ~~الفنية بأن يقف موقف المستأذن بفنه أمام أناس لا يربطهم سبب واحد بهذا الفن. وتنهد من ~~الأعماق تنهيدة خفية حارة كمعركة في أعماق المحيط. # وفي تمام السادسة مساء جاء المخرج الأستاذ محمد طنطاوي، وتبعه بعد قليل الموزع مسيو ~~دزرائيلي، ثم قامت الحجرة لاستقبال النجمة عواطف زهدي. وهلت المرطبات ألوانا وضج المكان ~~بالأحاديث والنكات والتعليقات، على حين انكمش الأستاذ وديع في كرسيه ينتظر أن تبدأ محكمة ~~التفتيش عملها. وجعل يسترق إلى وجوههم النظرات. # وتساءل متى تتقوض سيطرة الطغاة. متى يمكن أن يفكر محمد طنطاوي كإنسان؟ متى يحل في رأس ~~مسيو دزرائيلي شيء غير الأرقام والنقود؟ متى تقلع عواطف زهدي عن العادات المتأصلة التي ~~اكتسبتها في بيت الهوى التي انتشلت منه إلى عالم الفن؟ متى يكف مجدي السيد عن إنتاج أفلام ~~كعربون لعشق جديد؟ متى تقف هذه العوامل كلها عن التدخل في فبركة القصص؟ .. ووجد نفسه تستعيد ~~صورة الفتاة الجميلة التي عايشته منذ قليل، وحلم مرة أخرى بالحياة العريضة التي يمكن أن ~~يصنعها جمالها الحي. # وارتفع صوت المدير وهو يقول: هه، لندخل في الموضوع، الأستاذ وديع عبد الرازق هنا ليسمع ~~آراءكم في قصته، فيجب أن ننتهي الليلة من المناقشة حتى يشرع فورا في تعديل القصة. # واتجهت الأنظار نحو مسيو دزرائيلي باعتباره رأس المال، وكان ضائعا في المقعد الضخم لقصر ~~قامته وضآلة جسمه فتزحزح إلى الأمام حتى استوى على طرف المقعد، وقال باهتمام: القصة تبدأ ~~ساخنة ولكنها تنتهي باردة، هذا شيء خطير جدا. ms070 # تركزت عليه الأبصار في انتباه واحترام، وتجلت مقدمات الموافقة دون كلام، ولما هم ~~المخرج بفتح فيه قاطعه الخواجا قائلا: لا مؤاخذة يا محمد، أنا عندي موعد، ولا بد أن أذهب ~~حالا، فاتركني حتى أتم كلامي، قلت ساخنة وباردة، وشخصية البطل غير محبوبة؛ لأنه غني، ~~والمتفرجون في بولاق والسيدة زينب لا يحبون الأبطال الأغنياء، ولا مجال في القصة للضحك، ~~الجمهور يحب الضحك، وجو الضحك فرصة لخلق رقصة أو أغنية، ابحثوا هذه النقط، وإذا تعذر تعديل ~~القصة؛ فعندي لكم سيناريو جاهز قابل للتصوير فورا. # وتساءل وديع بحدة: سيناريو؟! # فابتسم إليه ملاطفا وقال: أنا وكيل توزيع أفلام أجنبية، وعادة أستحضر جميع السيناريوهات؛ ~~لأختار على أساسها الأفلام التي أوزعها، وأشتري ما أشاء من الأفلام، ولكني أستبقي ~~سيناريوهات الأفلام الأخرى حتى تسعفني في مثل هذه الزنقة، ولن يضيع حقك كمؤلف، فسيكتب اسمك ~~على القصة الجديدة، ولن تتهم بالسرقة لأن الفيلم المصور عن هذا السيناريو لن يرد إلى ~~الشرق الأوسط، فكروا فيما قلت، وسأتصل تليفونيا بك يا مجدي الساعة الواحدة بعد منتصف ~~الليل؛ لأعرف النتيجة. # ووقف رافعا يده بالتحية فوقفت الحجرة، ثم ذهب. # وتغيرت تعبيرات الوجوه بعد ذهابه وانطلقت على سجيتها مما دل على أنه كان ثمة توتر غير ~~ملموس ثم زال، وقلب مجدي ناظريه في الوجوه، وهو يقول بنبرة ملؤها التشجيع. ~~- لا تهتموا بما قال، أنا عارفه، كلامه كثير لكنه يقتنع في النهاية برأيي، والحق أن هذه ~~القصة صالحة تماما لعواطف. # فقالت عواطف: السيناريو الذي أشار إليه لخصه لي بالتليفون، وهو غير مناسب لي على أي ~~حال، أنا لا أصلح لتمثيل الزوجة الخائنة، وسيغضب هذا غالبية جمهوري. # فقال محمد طنطاوي وهو يشعل سيجارة: فلنتكلم في قصة الأستاذ وديع. ~~- خبرني عن رأيك فيها؟ ~~- أنا أوافق دزرائيلي على أنها تنقصها الفكاهة. # فقال وديع بحرارة: الموضوع جاد، إذا أردت اللمسات الفكاهية هنا أو هناك، فهذه أمرها غير ~~عسير، وهو يجيء في العلاج دون إفساد الفكرة الأصلية. ~~- لا أقصد هذا، أنا أريد خلق شخصية مضحكة؛ لتلعب دورها في الفيلم ms071 كله، كتابع أو صديق ~~للبطل. # فاستمات وديع في الدفاع قائلا: لكنها تبدو شخصية ملزوقة، وقد تكررت في أفلامنا حتى ~~باخت. # فقالت عواطف: بالعكس هذه الشخصية تنجح دائما، ودورها مناسب لحمودة! # ولم يكن حمودة إلا أخاها؛ ولذلك لم يجد وديع في المعارضة جدوى، فعدل عنها قائلا: سأجد ~~لها مكانا في القصة. # فعاد المخرج يقول: وسخن النهاية أكثر، إنها ليست باردة كما يقول دزرائيلي، ولكن ~~تسخينها لا بأس به، اختمها بمعركة بين البطل وغريمه. ~~- لا .. لا، هذه نهاية لا تناسب موضوعا نفسيا، ولا تناسب موضوعنا بحال، فكر في هذا ~~من فضلك، إنها نهاية مناسبة لفيلم رعاة بقر أو ما يشابهه. ~~- المعركة لعبة ناجحة، وأنا متخصص في المعارك. # فقال مجدي ضاحكا: يا أستاذ وديع، لا تظلم مخرجنا، كيف تحرمه في فيلم طويل، ولو من ~~معركة واحدة؟ أتريده أن يضرب المتفرجين أو يضرب المنتج! # وضجت الحجرة بالضحك عدا وديع الذي مضى يجتر غمه صامتا، وإذا بعواطف تقول: ودوري مناسب ~~بلا شك، ولكنه في النصف الأول من الفيلم سلبي. # فقال وديع اليائس من تتابع الضربات: دورك في الأول هو دور امرأة عادية، نموذج متكرر من ~~نسائنا في البيت، ولكن دورك الحقيقي يبدأ بزواجك من البطل. ~~- ليس هذا بدور بطلة فيلم! ~~- ولكن هكذا القصة تسير. ~~- ولو! # وتساءل ترى ألا يمكن أن يجد عملا آخر غير ~~التأليف؟ وتأوه دون صوت. وعند ذاك قال مجدي: هذه ملاحظات بسيطة لن تغير جوهر القصة، ~~وطبعا أنت موافق يا أستاذ وديع؟! ~~- الحق أني غير موافق. # فضحك ضحكة مترعة بصحة وعافية، وقال: هكذا يكون موقفك كل مرة، وتستمر المناقشات حتى منتصف ~~الليل، ثم تجبر بخاطرنا. # وقال المخرج: الأستاذ وديع عنيد ولكنه يسايرنا في النهاية، وفنان السينما يجب أن تذوب ~~شخصيته في المجموع! # وندت عن مجدي آهة كأنما تذكر فجأة شيئا ذا بال، واستخرج من درج مكتبه شيكا وهو يقول: ~~القسط الثاني حل منذ أسبوعين، لعن الله المشاغل! # ومد له يده به، فتناوله وهو يستشعر أول نسمة باردة في هذه الجلسة الجهنمية. وبدا ms072 منه ~~أنه يستعد لمواصلة المرافعة، ولكن مجدي قال: ممكن أن نلخص ما تم الاتفاق عليه بما يأتي: ~~خلق شخصية مضحكة لحمودة، تسخين النهاية بمعركة، خلق حوادث مهمة لعواطف قبل الزواج من ~~البطل. # ثم ضحك ضحكة عالية وهو يقول: ولكن لا نريد حوادث قبل زواجها من المنتج. # وضجوا جميعا بالضحك، واستأذن المخرج ووديع فذهبا ~~معا، ودعاه المخرج إلى سيارته الكبيرة ليوصله إلى محطة التروللي باس، فانسابت بهما السيارة ~~كالعروس. وقال المخرج: مطلوب مني قصة لشركة أبو الهول سأخرجها بعد هذا الفيلم مباشرة، فهل ~~عندك فكرة؟ # عذاب جديد في سبيل رزق جديد. كم يسره هذا الطلب وكم يحزنه! وفكر مليا، ثم قال متسائلا: ~~ما رأيك في موضوع عن المال؟ ~~- قصة بوليسية؟ ~~- كلا، إني أود أن أكتب عن المال باعتباره غولا مخيفا يلتهم القيم الجميلة بلا رحمة ~~كالخلق والجمال والروح. # ففرقع محمد طنطاوي بأصبعيه فرحا، وقال بحماس: اشرع في كتابتها وقابلني يوم الجمعة لكتابة ~~العقد، فكرة عظيمة، وهادفة، وصالحة جدا للاشتراك في جائزة وزارة الثقافة. # | زعبلاوي # اقتنعت أخيرا بأن علي أن أجد الشيخ زعبلاوي. # وكنت قد سمعت باسمه لأول مرة في أغنية: # الدنيا ما لها يا زعبلاوي # شقلبوا حالها وخلوها ماوي # وكانت أغنية ذائعة على عهد طفولتي، فخطر لي يوما أن أسأل أبي عنه كعادة الأطفال في ~~السؤال عن كل شيء، سألته: من هو زعبلاوي يا أبي؟ # فرمقني بنظرة مترددة كأنما شك في استعدادي لفهم الجواب، لكنه قال: فلتحل بك بركته، إنه ~~ولي صادق من أولياء الله، وشيال الهموم والمتاعب، ولولاه لمت غما. # وفي السنوات التي تلت ذلك سمعته مرات، وهو يثني أطيب الثناء على الولي الطيب ~~وكراماته. # وجرت الأيام فصادفتني أدواء كثيرة، وكنت أجد لكل ~~داء دواءه بلا عناء وبنفقات في حدود الإمكان، حتى أصابني الداء الذي لا دواء له عند أحد، ~~وسدت في وجهي السبل وطوقني اليأس، فخطر ببالي ما سمعته على عهد طفولتي، وتساءلت لم ~~لا أبحث عن الشيخ زعبلاوي؟! وذكرت أن أبي قال إنه عرفه في بيت الشيخ قمر ms073 بخان جعفر، وهو شيخ ~~من رجال الدين المشتغلين بالمحاماة الشرعية، فقصدت بيته، وأردت التأكد من أنه ما زال يقيم ~~فيه، فسألت بياع فول أسفل البيت، فنظر الرجل إلي باستغراب وقال: الشيخ قمر؟! ترك الحي من ~~عهد بعيد، ويقال إنه يقيم اليوم بجاردن ستي، وأن مكتبه بميدان الأزهار. # واستدللت على عنوان مكتبه بدفتر التليفون، وذهبت إليه من توي في عمارة الغرفة التجارية. ~~واستأذنت، ثم دخلت الحجرة على أثر خروج سيدة حسناء منها أسكرتني برائحة زكية كالسحر ~~المخدر. استقبلني باسما، وأشار إلي بالجلوس، فجلست على مقعد جلدي فاخر، وأحست قدماي ~~رغم غلظ النعل بغزارة السجادة ونفاستها. وكان الرجل يرتدي البدلة العصرية ويدخن السيجار، ~~ويجلس جلسة المعتد بنفسه وماله، وينظر إلي بترحاب حار لم أشك معه في أنه يظنني ~~زبونا، فركبني الحرج والضيق؛ لتطفلي على وقته الثمين. قال يستحثني على الكلام: أهلا ~~وسهلا! # فقلت لأضع حدا لموقفي الحرج: أنا ابن صديقك القديم الشيخ علي التطاوي! # فمرت بنظرته رنوة فتور، لا الفتور كله؛ لأنه لم يفقد الأمل كله، وقال: الله يرحمه، كان ~~رجلا طيبا! # فتشجعت على البقاء بقوة الألم الذي ساقني إلى المجيء، وقلت: كان حدثني عن ولي طيب يدعى ~~زعبلاوي، قابله عند فضيلتكم، إني يا سيدي أريده إن كان ما يزال على قيد الحياة. # استقر الفتور في العينين. ولم أكن لأدهش لو طردني أنا وذكرى أبي معا، وقال بلهجة من صمم ~~على إنهاء الحديث: كان ذلك في الزمان الأول، وما أكاد أذكره اليوم. # فقمت لأطمئنه إلى اعتزامي الذهاب، وأنا أسأله: أكان وليا حقا؟ ~~- كنا نراه معجزة. # فسألته وأنا أتحرك لأزيد من طمأنينته: وأين يمكن أن أجده اليوم؟ ~~- مدى علمي أنه كان يقيم بربع البرجاوي بالأزهر. # وأكب على أوراق على مكتبه بحركة قاطعة بأنه لن يفتح فاه مرة أخرى، فحنيت رأسي شكرا، ~~واعتذرت عن إزعاجه مرات، وغادرت مكتبه وأنا لا أسمع للدنيا صوتا من وش الخجل في ~~رأسي. # وذهبت إلى ربع البرجاوي الذي يقوم في حي مأهول لحد الاكتظاظ، فوجدته قد تآكل من القدم، ms074 ~~حتى لم يبق منه إلا واجهة أثرية وحوش استعمل، رغم الحراسة الاسمية، مزبلة. وكان له مدخل ~~مسقوف اتخذه رجل محلا لبيع الكتب القديمة من دينية وصوفية، وكان قميئا ضئيلا كأنه مقدمة ~~رجل، فلما سألته عن زعبلاوي نظر إلي بعينين ملتهبتين ضيقتين، وقال باستغراب: زعبلاوي؟! يا ~~سلام! والله زمان! كان يقيم في هذا الربع حقا عندما كان صالحا للإقامة، وكان يجلس عندي ~~كثيرا، فيحدثني عن الأيام الخالية، وأتبرك بنفحاته، ولكن أين زعبلاوي اليوم؟! # وهز كتفيه في أسى، وسرعان ما تركني لزبون قادم. ورحت أسأل أصحاب الدكاكين المنتشرة في ~~الحي، فاتضح لي أن عددا وافرا منهم لم يسمع عنه، وآخرين تحسروا على أيامه الحلوة، وإن ~~جهلوا مكانه، والبعض سخر منه بلا حيطة، ونعتوه بالدجل، ونصحوني أن أعرض نفسي على دكتور كأني ~~لم أفعل. ولم أجد بدا من العودة إلى بيتي يائسا. # ومضت الأيام مثل عكارة الجو، واشتد بي الألم، فأيقنت بأنني لن أصبر على هذه الحال طويلا، ~~وعدت أتساءل عن زعبلاوي وأتعلق بالآمال التي بعثها اسمه القديم في نفسي. عند ذاك خطرت لي ~~فكرة وهي أن أقصد شيخ حارة الحي، والحق أني عجبت كيف لم أفكر في هذا من أول الأمر. وكان ~~مكتبه عبارة عن دكان صغير غير أن به مكتبا وتليفونا، وكان يجلس إلى مكتبه مرتديا جاكتة ~~فوق جلباب مقلم، ولم يقطع دخولي حديثه مع رجل يجلس إلى جانبه، فوقفت أنتظر حتى انصرف الرجل، ~~ثم نظر إلي ببرود، فقلت أفض مغاليقه بالقواعد المتبعة، فسرعان ما جرت البشاشة في وجهه، ~~ودعاني إلى الجلوس وهو يسألني عن مطلبي، فقلت: إني في حاجة إلى الشيخ زعبلاوي. # فرمقني بدهشة كما رمقني السابقون من قبل، وابتسم عن أسنان مذهبة وهو يقول: على أي حال ~~فهو حي لم يمت، ولكن لا مسكن له وهذا هو الخازوق، ربما صادفته وأنت خارج من هنا على غير ~~ميعاد، وربما قضيت الأيام والشهور بحثا عنه دون جدوى. ~~- حتى أنت لا تستطيع أن تجده! ~~- حتى أنا؟! إنه رجل يحير العقول، ولكن احمد ms075 ربنا على أنه ما زال حيا. # ونظر إلي مليا ثم تمتم: الظاهر أن حالتك شديدة. ~~- جدا. ~~- كان الله في عونك، لكن لم لا تستعين بالعقل؟ # وبسط ورقة على المكتب ومضى يخطط عليها بسرعة ومهارة غير متوقعتين، حتى رسم للحي خريطة ~~شاملة أحياءه وحواريه وأزقته وميادينه. نظر إليها بإعجاب، ثم قال: هذه مساكن، وهنا حي ~~العطارين، وحي النحاسين، خان الخليلي، القسم والمطافئ. الرسم خير مرشد، وخذ بالك من المقاهي ~~وحلقات الذكر والمساجد والزوايا والباب الأخضر؛ فقد يندس بين الشحاذين فلا يميز منهم. ~~أنا في الواقع لم أره من سنوات، وشغلتني عنه شواغل الدنيا، وقد أعادني سؤالك عنه إلى أجمل ~~عهود الشباب. # وجعلت أنظر في الخريطة بحيرة. ودق جرس التليفون فرفع السماعة وهو يقول لي بأريحية: ~~خذها، ونحن في خدمتك. # غادرته وأنا أطوي الخريطة، ورحت أقطع الحي، من ميدان إلى شارع إلى عطفة، وأنا أسأل من ~~آنس فيه إلماما بالمكان، حتى قال لي كواء بلدي: اذهب إلى حسنين الخطاط بأم الغلام؛ فإنه ~~كان صديقه. # وذهبت إلى أم الغلام. وجدت عم حسنين يعمل في دكان ضيق عميق الطول، مليء باللوحات وحقاق ~~الألوان، وتنبعث من أركانه رائحة غريبة هي خليط من رائحة الغراء والعطر. وكان عم حسنين ~~متربعا فوق فروة أمام لوحة مسنودة إلى الجدار قد نقش في وسطها باللون الفضي اسم الله. ~~وكان مكبا على زخرفة الحروف بعناية تستحق الاحترام، فوقفت وراءه متحرجا من إزعاجه أو ~~قطع فيض الإلهام عن يده المنسجمة في ملكوتها، وطال انتظاري وإشفاقي، وإذا به يتساءل في لطف ~~بلدي: نعم! # أدركت أنه كان على علم بوجودي فعرفته بنفسي، وقلت: قيل لي إن الشيخ زعبلاوي صديقك، وأنا ~~أبحث عنه. # كفت يده عن العمل، وتفحصني متعجبا، ثم قال بنبرة تنهدية: زعبلاوي؟! يا سبحان ~~الله! # فتساءلت بلهفة: هو صديقك، أليس كذلك؟ ~~- كان يا ما كان، الرجل اللغز! يقبل عليك حتى يظنوه قريبك، ويختفي فكأنه ما كان، لكن لا ~~لوم على الأولياء! # انطفأ الأمل كما ينطفئ المصباح بغتة لانقطاع التيار، وقال الرجل: لازمني ms076 عهدا حتى خلت ~~أنني أرسمه فيما أرسم، ولكن أين هو اليوم؟ ~~- لعله ما زال حيا! ~~- هو حي بلا ريب، وكان له ذوق لا يعلى عليه، وبفضله صنعت أجمل لوحاتي! # فقلت بصوت يكاد يطمسه رماد الأمل: يعلم الله أنني في مسيس الحاجة إليه، وأنت أدرى ~~بالمتاعب التي يقصد من أجلها! ~~- نعم .. نعم، شفاك الله، والحق أنه رجل كما يقال عنه وأكثر. # ثم وهو يبتسم مشرقا: وفي وجهه جمال لا يمكن أن ينسى، ولكن أين هو؟! # واقتلعت قدمي وأنا أصافحه ثم ذهبت. ومضيت أشرق في الحي وأغرب سائلا عنه من آنس ~~فيه طول عمر أو خبرة، حتى أخبرني بياع ترمس بأنه قابله في بيت الشيخ جاد الملحن المعروف ~~منذ زمن وجيز. وذهبت إلى بيت الموسيقار بالتمبكشية. ووجدته في حجرة بلدية، أنيقة، تتردد في ~~جنباتها أنفاس التاريخ، وكان يجلس على كنبة، وعوده الشهير منطرح إلى جانبه منطويا على ~~أجمل أنغام عصرنا، على حين ورد من الداخل صوت هاون ولغط صغار. وحالما سلمت وقدمت نفسي ~~أشعرني بحلاوة استقباله وانطلاقه على سجيته بأنني في بيتي. ولم يسألني عما جاء بي سواء ~~بالكلام أو الإشارة. ولم أشعر بأنه يداري السؤال أو يضمره حتى عجبت للطفه وإنسانيته. وقلت ~~مستبشرا خيرا: يا شيخ جاد، أنا من عشاق فنك، طالما طربت له في أفواه المطربات ~~والمطربين. # فقال باسما: تشكر! # فقلت في حياء: لا مؤاخذة على إزعاجك، قيل لي إن زعبلاوي صديقك، وأنا في أشد الحاجة ~~إليه. # فقطب في اهتمام وقال: زعبلاوي؟! أنت في حاجة إليه؟ الله معك، ترى أين أنت ~~يا زعبلاوي؟ # فتساءلت في لهفة: ألا يزورك؟ ~~- زارني منذ مدة، قد يحضر الآن، وقد لا أراه حتى الموت! # فتنهدت بصوت مسموع وتساءلت: لم كان كذلك؟ # فتناول العود وهو يضحك، وقال: هكذا الأولياء؛ وإلا ما كانوا أولياء! ~~- ويتعذب عذابي من يريدهم؟ ~~- هذا العذاب من ضمن العلاج! # وأمسك بالريشة وراح يعابث الأوتار، فينطقها نغما عذبا، فتابعته شارد اللب، ثم قلت ~~وكأنني أخاطب نفسي: إذن ضاعت زيارتي سدى! # فابتسم وهو يلصق خده ms077 بجنب العود، وقال: الله يسامحك، أيقال هذا عن زيارة عرفتني بك ~~وعرفتك بي؟! # فخجلت أيما خجل وقلت معتذرا: لا تؤاخذني، أخرجني شعور الخيبة عن حدود الأدب. ~~- لا تستسلم للخيبة، هذا الرجل العجيب يتعب كل من يريده، كان أمره سهلا في الزمان ~~القديم، عندما كان يقيم في مكان معروف. اليوم الدنيا تغيرت، وبعد أن كان يتمتع بمكانة لا ~~يحظى بها الحكام، بات البوليس يطارده بتهمة الدجل، فلم يعد الوصول إليه بالشيء ~~اليسير، ولكن اصبر وثق بأنك ستصل. # ورفع رأسه عن العود، واتنظم العزف حتى صار مقدمة موسيقية واضحة، وإذ به يغني: # أدر ذكر من أهوى ولو بملامي # فإن أحاديث الحبيب مدامي # وعلى جمال اللحن والغناء تابعته بقلب غافل مكدود. ولما فرغ من الأداء قال: لحنت هذه ~~القصيدة في ليلة واحدة، وأذكر أنها كانت ليلة عيد الفطر. وكان هو ضيفي طوالها، وهو الذي ~~اختار لي القصيدة، وكان يجلس حينا بمجلسك هذا، وحينا يلاعب أولادي كأنه أحدهم، وكلما ~~غلبني الفتور أو استعصى علي الإلهام لكمني مداعبا في صدري وضاحكني، فيجيش قلبي بالنغم ~~وأواصل العمل حتى اكتمل لي أجمل لحن صنعته. # فتساءلت في دهش: أله في الطرب؟ ~~- هو الطرب نفسه، وصوته عند الكلام جميل جدا، ما إن تسمعه حتى ترغب في الغناء، وتهيج ~~أريحية الخلق في صدرك. ~~- وكيف يشفي من المتاعب التي يعجز عنها البشر؟ ~~- هذا سره، ولعلك تظفر به عند اللقاء. # لكن متى يجيء اللقاء؟! ولذنا بالصمت، فعادت ضوضاء الصغار تملأ الحجرة. ومضى الشيخ في ~~الغناء مرة أخرى، وجعل يردد: «ولي ذكرها» في ألوان من طبقات النغم ومحاسنه حتى رقصت ~~الجدران من سكرة الطرب. وأعربت عن إعجابي بكل جوارحي، فشكرني بابتسامته العذبة، ثم قمت ~~مستأذنا فأوصلني إلى الباب الخارجي، وعندما صافحته قال لي: سمعت أنه يتردد هذه الأيام على ~~الحاج ونس الدمنهوري، ألا تعرفه؟ # فهززت رأسي بالنفي، وانتفاضة أمل جديد تدب في قلبي، فقال: هو من الوارثين، ويزور القاهرة ~~من حين لآخر، فينزل في فندق ما، ولكنه يسهر كل ليلة في حانة النجمة ms078 بشارع الألفي. # وانتظرت الليل ثم ذهبت إلى حانة النجمة. سألت نادلا عن الحاج ونس، فأشار إلى ركن شبه ~~منعزل لموقعه وراء عامود مربع ضخم تقوم بأضلعه المرايا في كل جانب، وهنالك رأيت رجلا يجلس ~~إلى مائدة وحيدا، وأمامه فوق المائدة زجاجة فارغة إلى ثلثها، وأخرى فارغة تماما، وعدا ذلك ~~لا يوجد شيء من مزة أو طعام، فأيقنت أنني حيال سكير خطير. وكان يرتدي جلبابا فضفاضا ~~حريريا وعمامة مقلوظة، ويمد ساقيه حتى أصل العامود ناظرا إلى المرآة في ارتياح وانسجام. ~~وقد توردت صفحة وجهه المستدير الوسيم - رغم دنوه من الشيخوخة - بحمرة الخمر. اقتربت منه في ~~خفة حتى توقفت على مبعدة ذراعين من مجلسه، ولكنه لم يلتفت نحوي ولم يبد عليه أنه شعر ~~بوجودي، فقلت برقة متوددة: مساء الخير يا سيد ونس! # فالتفت نحوي بشدة كأنما أيقظه صوتي من سبات، وحدجني بنظرة إنكار، فقدمت إليه شخصي ~~معتذرا عن إزعاجه، وهممت توضيح السبب الذي جاء بي إليه لكنه قاطعني قائلا بلهجة شبه آمرة ~~وإن لم تخل من لطف عجيب: تفضل بالجلوس أولا، واسكر ثانيا! # ففتحت فمي لأعتذر لكنه وضع إصبعيه في أذنيه، وقال: ولا كلمة حتى تفعل ما قلت. # أدركت أنني حيال سكران ذي نزوات، فقلت أسايره حتى منتصف الطريق، فجلست وابتسمت وقلت: ~~أرجو أن تسمح لي بسؤال واحد. # لم يرفع أصبعيه من أذنيه، وأشار إلى الزجاجة وقال: في مجلس كمجلسي هذا لا أسمح بأن يتصل ~~بيني وبين أحد كلام، إن لم يكن سكران مثلي، وإلا خلا المجلس من اللياقة وتعذر فيه ~~التفاهم. # أفهمته بالإشارة أنني لا أشرب فقال بقلة اكتراث: هذا شأنك، وهذا شرطي! # وملأ لي كوبه، فتناولته في رضوخ وشربته، وما إن استقر في جوفي حتى اشتعل، فصبرت عليه حتى ~~ألفت عنفه، وقلت: إنه لشديد، وأظن آن لي أن أسألك عن ... # لكنه أعاد إصبعيه إلى أذنيه، وقال: لن أصغي لك حتى تسكر! # وملأ الثاني فنظرت إليه مترددا، ثم تغلبت على احتجاجي الباطني، وشربته دفعة واحدة، وما ~~إن استقر في موضعه حتى ms079 فقدت إرادتي. وعلى أثر الثالث ضاعت ذاكرتي، وعقب الرابع اختفى ~~المستقبل، ودار بي كل شيء، ونسيت ما جئت من أجله. أقبل علي الرجل مصغيا، ولكني رأيته محض ~~مساحات لونية لا معنى لها، وهكذا كل شيء بدا. ومر وقت لم أدره حتى مال رأسي إلى مسند ~~الكرسي وغبت في نوم عميق، وفي أثناء نومي حلمت حلما جميلا لم أحلم بمثله من قبل. حلمت ~~بأنني في حديقة لا حدود لها، تنتثر في جنباتها الأشجار بوفرة سخية، فلا ترى السماء إلا ~~كالكواكب خلل أغصانها المتعانقة، ويكتنفها جو كالغروب أو كالغيم. وكنت مستلقيا فوق هضبة من ~~الياسمين المتساقط كالرذاذ، ورشاش نافورة صاف ينهل على رأسي وجبيني دون انقطاع. وكنت في ~~غاية من الارتياح والطرب والهناء، وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في أذني، وثمة ~~توافق عجيب بيني وبين نفسي، وبيننا وبين الدنيا، فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر أو ~~إساءة أو شذوذ، وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام أو الحركة، ونشوة طرب يضج بها ~~الكون. ولم يدم ذلك إلا فترة قصيرة فتحت بعدها عيني. أخذ الوعي يلطمني كقبضة شرطي، ورأيت ~~ونس الدمنهوري ينظر إلي بإشفاق، ولم يكن بقي في الخانة إلا بضعة أشخاص كالنيام. وقال الرجل: ~~نمت نوما عميقا، لا شك أنك جائع نوم. # فأسندت رأسي الثقيل إلى راحتي، ولكنني رددتها في دهشة ونظرت فيها، فرأيتها تلمع بقطرات ~~ماء، وقلت محتجا: رأسي مبتل! # فقال بهدوء: نعم، حاول صاحبي أن ينبهك! ~~- أرآني أحد على هذه الحال؟! ~~- لا تغتم، إنه رجل طيب، ألم تسمع عن الشيخ زعبلاوي؟ # فانتفضت قائما وأنا أهتف: زعبلاوي؟! # فقال بدهشة: نعم، مالك؟! ~~- أين هو؟ ~~- لا أدري أين هو الآن، كان هنا ثم ذهب. # هممت بالجري، ولكن إعيائي كان فوق ما قدرت، فما لبثت أن تهاويت فوق الكرسي، وصحت بيأس: ~~ما جئتك إلا لألقاه، ساعدني على اللحاق به أو أرسل أحدا في طلبه! # فدعا الرجل بائع جمبري، وأمره بالبحث عن الشيخ وإحضاره، ثم التفت إلي قائلا: لم أكن ~~أدري أنك ms080 مصاب، آسف جدا! # فقلت بغيظ: لم تدعني أتكلم. ~~- يا خسارة! كان يجلس على هذا الكرسي إلى جانبك، وكان يتغزل طيلة الوقت بعقد من الياسمين ~~حول عنقه أهداه إليه أحد المحبين، ثم عطف عليك، فراح يبلل رأسك بالماء لعلك تفيق! # فسألته وعيناي لا تفارقان الباب الذي ذهب منه بائع الجنبري: هل يقابلك هنا كل ~~ليلة؟ ~~- كان معي الليلة، وليلة أمس، وأول أمس، ولم أكن رأيته منذ شهر! # فقلت وأنا أتنهد: لعله يأتي غدا. ~~- لعله! ~~- أنا على استعداد لأعطيه ما يريد من نقود. # فقال أنس بإشفاق: العجيب أنه لا تغريه المغريات، ولكنه سيشفيك إذا قابلته! ~~- بلا مقابل؟ ~~- بمجرد أن يشعر بأنك تحبه! # وعاد بائع الجنبري بالخيبة، وكنت قد استعدت بعض نشاطي، فغادرت الحانة وأنا أترنح. وعند كل ~~منعطف ناديت «يا زعبلاوي» لعل وعسى، ولكن لم يفدني النداء، ولفت إلي غلمان السبيل ~~فتطلعوا نحوي بأعين هازئة، حتى لذت بأول عربة صادفتني. # وساهرت أنس الدمنهوري الليلة التالية حتى الفجر، ولكن الشيخ لم يحضر. وأخبرني ونس بأنه ~~سيسافر إلى البلد، وبأنه لن يعود إلى القاهرة حتى يبيع القطن. وقلت علي أن أنتظر، وأن ~~أروض نفسي على الصبر، وحسبي أني تأكدت من وجود زعبلاوي، بل ومن عطفه علي مما يبشر ~~باستعداده لمداواتي إذا تم اللقاء. ولكنني كنت أضيق أحيانا بطول الانتظار فيساورني اليأس، ~~وأحاول إقناع نفسي بصرف النظر نهائيا عن التفكير فيه. كم من متعبين في هذه الحياة لا ~~يعرفونه، أو يعتبرونه خرافة من الخرافات، فلم أعذب النفس به على هذا النحو؟ # ولكن ما إن تلح علي الآلام حتى أعود إلى التفكير فيه، وأنا أتساءل متى أفوز باللقاء؟ ~~ولم يثنني عن موقفي انقطاع أخبار ونس عني، وما قيل عن سفره إلى الخارج للإقامة، فالحق أنني ~~اقتنعت تماما بأن علي أن أجد زعبلاوي! # نعم، علي أن أجد زعبلاوي! # | الجبار # أخيرا تراءت القرية، والليل يهبط من ذروة الأفق. والقوم عائدون وراء البهائم ينوءون ~~بالإعياء. والخلاء المدثر بالمغيب يترامى إلى ما لا نهاية. تقدم أبو الخير بقدمين متورمتين ~~نحو ms081 القرية. من شدة الخوف تجمد قلبه فلم يعد يخفق بالخوف. ومن شدة الألم لم يعد يشعر ~~بالألم. ولمحه العائدون فاتسعت الأعين دهشة وفغرت الأفواه، وراحوا يتهامسون ويشيرون نحوه. ~~وغض أصدقاؤه بينهم الأبصار. وجعل يشق طريقه بعيدا عنهم ماضيا نحو مصيره. وتابعته الأعين ~~وهو يبتعد رويدا رويدا، حتى لم يبق منه إلا ما يبقى في الخاطر من حلم. وهزوا الرءوس ~~وقالوا: ضاع الرجل .. انتهى أبو الخير! ~~••• # وقعت مأساة أبو الخير فيما يشبه المصادفة. غلبه النعاس ذات ليلة في مخزن الغلال بدوار ~~سيده الجبار. واستيقظ على حركة، لكنه للوهلة الأولى لم يشعر إلا بأنه شيء غارق في الظلام، ~~أي مكان؟ أي زمان؟ لم يدر شيئا في الوهلة الأولى، ثم ردته رائحة الغلال إلى وجوده. وانتبه ~~إلى الحركة التي أيقظته، فمد نحوها بصره في الظلام، وإذا به يسمع صوتا يقول في ضراعة ورعب: ~~لا .. لا .. يا سيدي! # هذا الصوت يعرفه، صوت زنوبة بنت عليوة. مذعورة كأن وحشا يأكلها، توثب أبو الخير ليعرب عن ~~شهامته بعمل ما، لكن صوتا غليظا عميقا سبقه هاتفا في نبرة محمومة: اسكتي! # تسمر في مكانه وخارت قواه، هذا الصوت يعرفه أيضا. صوت سيده، عبد الجليل، الجبار، ~~السلطة، القانون، الحياة والموت. نسي زنوبة وانحصر تفكيره في وجوده غير المبرر في هذا ~~المكان، في المأزق الذي خلقته غفوة خائنة، وبم يجيب لو استجوب! وفي لحظة اقتنع بأن ~~الورطة ورطته هو لا ورطة زنوبة وحدها، وبأن الذنب ذنبه هو لا ذنب الجبار الذي لا يسأل عما ~~يفعل، وظل يحملق في الظلام حتى تراءى له كائن ضخم كالشبح يضطرب بالحركة. لعله الجبار ~~مستوليا على البنت كالفرخ بين مخالب الحدأة. واستمرت الضراعة الباكية تلطمها الزجرة ~~المحمومة كما تلطم الزوبعة ورقة الشجر. وتولاه فزع وتقزز ويأس حتى أحب لو يستجيب الله ~~مرة أخرى إلى دعاء نوح. وندت عن الأرض خشخشة مكتومة نمت عن تحركات الأقدام المتوترة، ~~ولم تتعد دائرة الشرك الرهيب، وأنين متوجع أعقبته همهمة كلفحة نار. وخيل إليه أن الظلام ~~يعوي تحت وطأة ثقيلة، ms082 وأن عروقه ستنفجر. وتوثب ليصرخ لأنه لم يعد يتحمل الألم، غير أن ~~صرخة من الجبار سبقته، صرخة ألم مباغت، بدأت حادة ثم غلظت وانتهت كالزئير، ثم صاح: يا ~~مجرمة! # وسمع وقع لطمة شديدة تبعت بأنين مستسلم يائس وسقوط جسم، جسم رقيق خفيف الوزن. وقال ~~الجبار بحنق ملتهب: يا مجرمة! .. خذي! # وانهالت مطرقة القدم الغليظة على المتأوهة. خذي .. خذي .. خذي. وتواصل الأنين آخذا في ~~الهبوط حتى اختفى، وتلته زفرات هامسة، أما الغضب فاشتعل جنونه إلى ما لا نهاية، خذي .. خذي ~~.. خذي، وصاح أبو الخير بلا وعي: اتق الله! # فتلقى صوتا كالقذيفة متسائلا: من؟ # فاندفع أبو الخير نحو الباب، وشده إليه. انفتح الباب وتدفق ضوء القمر، فمرق أبو الخير ~~منه، وإذا بالجبار يصيح: عرفتك، أبو الخير، قف! # جرى كالرصاصة بقوة التقزز والفزع واليأس، والصوت في أعقابه: ولد يا أبو الخير .. يا ~~مجرم .. قف يا مجرم! # وتردد صوت السيد فهرعت نحوه الأقدام، وأرهفت الأسماع. وما لبثت أن استيقظت القرية، وجعل ~~أبو الخير يجري شوطا ويهرول آخر، حتى انتهى إلى كوخ صديقه حارس حقل بطيخ بزمام العماري. ~~ارتمى إلى جانبه وهو يلهث من الجهد والكلال، فأقبل الآخر عليه مرحبا ملاطفا ومواسيا. ~~قدم له كوز ماء ليشرب ويبلل وجهه، وراح يصغي إلى مأساته في جوف الليل. وتنهد أبو الخير ~~أخيرا وتساءل: أتكلم في النقطة؟ # فهز صاحبه رأسه محذرا وقال: يقتلونك ولو في المحكمة! # فتساءل في حيرة: والعمل؟ ~~- اختف! ~~- طول العمر؟ # فرفع الحارس رأسه إلى السماء دون كلام، فقال أبو الخير: الولية والبنت في القرية تحت رحمة ~~الجبار بلا معين! ~~- فكر في حياتك! # فتنهد في كرب شديد وتساءل: أين القانون؟ # فضحك الحارس ضحكة جافة، وقال: تجده نائما في بطن بطيخة! # في اليوم التالي جاءه الحارس بأخبار. قال له إنه ذاع في القرية أن أبو الخير اغتصب البنت ~~وقتلها ثم هرب. شهد بهذا السيد نفسه، والجميع يصدقونه دون مناقشة. وأهل الضحية في حريق من ~~الحزن، كذلك الأهل والجيران. ورجال كثيرون توعدوا بالانتقام. والحكومة تجري التحقيق وتسمع ~~أقوال ms083 الشاهد الوحيد. وحق الخزي على امرأته وابنته وأخرسهما الحزن. ~~- جريمتي أنني رأيت جريمة الآخر! ~~- لم نمت في المخزن؟ ~~- أمر ربنا! # فرمقه بأسف قائلا: اختف! # ومر بالحارس رجال من رجال السيد يبحثون عن أبو الخير. ومر به رجال من أهل البنت الضحية. ~~سمع أبو الخير من مخبئه أصوات المجدين في البحث عنه، ولمح وجوههم الكالحة ونذر الموت ~~المتطايرة من محاجرهم. ~~- سأهرب. ~~- نعم، ربنا معك! ~~- ليس معي مليم! # فقال وهو يداري خجله بغض البصر: ولا أنا! # وانطلق أبو الخير عند جثوم الظلام بلا هدف ولا معين. لم يكن جاوز طيلة حياته السوق ~~بحال، ولا يعرف عن الدنيا شيئا. وتجنب القرى القريبة لعلمه بأنها في متناول الجبار، إلا ~~أن الحكومة نفسها تجد الآن في أثره. ولا سبيل إلى تبرئة نفسه، وسيكون دائما عرضة في هذه ~~البقاع، وفي أي لحظة إلى رصاصة تنطلق فتقضي عليه. وظلام هذا الليل لن يمتد إلى الأبد، سرعان ~~ما ينقشع عن ضوء النهار، ويبدو هو للأعين كعقرب تستبق إليها الهراوات والنعال، ومن لامرأته ~~وابنته؟ من لهما في جو ينضح بالمقت والرغبة في الانتقام؟ وجد في السير على غير هدى. ~~ووجد الأشياء تعلن في حذر عن ذواتها، فوضحت نوعا ما أشجار الصفصاف والنخيل، والزرع ~~المنتشر تتخلله المماشي، وترعة ابتسم ماؤها وتلألأت أطراف من موجاته، فخرج من ذهوله ~~متعجبا، والتفت لخاطر برق في رأسه المكدود نحو الأفق إلى يساره، فرأى القمر صاعدا فوق ~~الأرض بأذرع متجليا كأكبر ما يرى، وأسهم الضياء تنطلق منه وانية. ضايقه على غير عادة ~~القمر، وجعل يلتفت إلى الوراء كلما أوغل في السير. وترامى نباح من أطراف الصمت الثقيل، ومرة ~~تعالى عواء فارتعدت فرائصه. أين منه مصر الكبيرة، ليذوب في زحمتها ويجد مخبأ ولقمة؟ كم يلزم ~~من الوقت للقدم المتورمة لتقطع ما يقطعه القطار السريع في أربع ساعات؟ وانطلقت زعقة غفير ~~كصفير القاطرة فتوقف لها قلبه. لعله يعترض سبيله متسائلا عن هويته ومذهبه. وخاف أن يتقدم ~~خطوة. ومال نحو شجرة جميز فلبد عند أصلها كأنه نتوء في ms084 سحائها. لن يتعرض له غفير في ضوء ~~النهار، ولكن من للمرأة والبنت؟! يمكن أن يبلغ بعد العذاب مصر، ولكن من يحمي المرأة ~~والبنت؟ وكيف تطيب الحياة لمن يعيش مطاردا إلى الأبد محروق القلب على امرأته وابنته؟ ~~ولبث يحملق في الفضاء، أفكاره تتلاطم، والساعات تمر، حتى سرقه النوم. واستيقظ وهو يحلم ~~بأنه يتهاوى من قمة جبل. فتح عينيه فرأى الأقدام الغليظة تضرب من حوله حلقة محكمة. # وقف فزعا وهو يلمح الرجال يرمونه بنظرات كالأحجار المدببة، وجيادهم وراء ظهورهم تصهل. ~~وهتف من الأعماق: أنا في عرض النبي! # فلطمه أحدهم لطمة أردته على الأرض وصاح به: تهرب يا ابن التيس؟! # فهتف مرة أخرى: أنا في عرض النبي! # فغرس الرجل قدمه في بطنه وهتف: تغتصب البنت وتقتلها! ~~- أنا ... # أوشك أن يقول أنا بريء، ولكنه تذكر لحسن حظه أنه يخاطب رجال الجبار فأمسك، ورمق الرجل ~~بنظرة ذليلة خرساء فقال الرجل: ارجع واعترف. # فقال بنبرة باكية: يشنقونني! # فركله بقسوة وقال: السيد لن يتركك لحبل المشنقة! ~~- يسجنونني! # فركلة ركلة أشد من الأولى، وقال: ويعيش أهلك في أمان! # تأوه يائسا ولم ينبس فزمجرت الحناجر تتعجله، فقال بصوت مهموس: سأرجع! # ورجع يقطع الطريق على قدميه، وهم يتبعونه عن بعد. # وأخيرا تراءت القرية. والليل يهبط من ذروة الأفق. والقوم عائدون وراء البهائم ينوءون ~~بالإعياء. والخلاء المدثر بالمغيب يترامى إلى ما لا نهاية. تقدم أبو الخير بقدمين ~~متورمتين نحو القرية. من شدة الخوف تجمد قلبه، فلم يعد يخفق بالخوف. ومن شدة الألم لم يعد ~~يشعر بالألم. ولمحه العائدون فاتسعت الأعين دهشة وفغرت الأفواه. وراحوا يتهامسون ويشيرون ~~نحوه، وغض أصدقاؤه بينهم الأبصار. وجعل يشق طريقه بعيدا عنهم ماضيا نحو مصيره. وتابعته ~~الأعين وهو يبتعد رويدا رويدا، حتى لم يبق منه إلا ما يبقى في الخاطر من حلم، وهزوا ~~الرءوس وقالوا: ضاع الرجل ... انتهى أبو الخير! # | كلمة في الليل # أخيرا انزاح، وأصبحت إحالته على المعاش حقيقة واقعة. وانتشر الخبر في المراقبة مشيعا ~~الارتياح العميق في كل إدارة. وكان ثمة تهامس كالأنين بأن في ms085 النية مد خدمته عامين جديدين. ~~وبسبب ذلك نجح سكرتيره الخاص في جمع التبرعات لإقامة حفل تكريم له، ثم جاء الخبر اليقين ~~كالشفاء بعد المرض. وتبادل الموظفون التهاني بلا حرج، وفرح حتى أتعسهم كادرا، وحق لمحمد ~~الفل رئيس المحفوظات أن ينقر على مكتبه الكالح جذلا ويقول: ألم يكفنا أننا تحملناه أربعين ~~عاما؟! اللهم إن لنا الجنة بغير حساب! # وروح يسري طاهر كاتب القيودات العجوز بدفتر القيد على وجهه، وقال: في ألف داهية يا حسين ~~يا ضاوي! # ولم يكن في سيرة الرجل المحال على المعاش شيء يخفى، ولكنهم أقبلوا عليها كأنما تؤرخ لأول ~~مرة. وأبرز يسري طاهر القابع تحت رفوف المحفوظات المكدسة رأسه - من بين صفين عاليين من ~~الملفات فوق مكتبه - كرأس السلحفاة وقال: دخلنا الخدمة في يوم واحد، قرار تعيين واحد شمل ~~يسري طاهر وحسين الضاوي وعلي الكفراوي وعبد السلام زهدي ورغيب إسكندر (وكان يشير بأصبعه إلى ~~الثلاثة الآخرين) ثم أعطاه ربنا، أو أعطاه الشيطان وهو الأصدق، حتى تقلد منصب المراقب العام ~~في سرعة مذهلة، ماذا فعل لنا؟ كان يمر بنا وكأنه لم يعرفنا، لم يمد لأحد يدا، داسنا كأننا ~~حشرات حتى اكتظت ملفات خدمتنا بالعقوبات، ومضى يترقى حتى بلغ القمة ونحن ما زلنا في ~~القاع، عليه اللعنة! # فطوى رغيب إسكندر وكيل الصادر الجريدة التي كان يتفحصها، وتزحزح إلى الوراء قليلا؛ ~~ليتفادى من شعاع الشمس المنعكس على ضلفة النافذة الزجاجية، وضحك ضحكة مقتضبة كالنذير، ثم ~~قال بنبرة ممطوطة تناسب الجري وراء الذكريات البعيدة: الله يسامحك يا حسين يا ضاوي، كنا ~~جميعا من ساقطي الابتدائية، وعملنا معا عمالا في المطبعة، وكان سعادته يجيء أحيانا ~~بالجلباب والقبقاب ألا تذكرون؟ ليس الفقر عيبا طبعا، ولكن العيب في الطرق الملتوية الشاذة ~~المهينة التي يرتفع بها بعض الناس بغير الحق، ويوما انتقل عامل المطبعة كاتبا بسكرتارية ~~المدير! كيف ولم؟ وبعد سنة عين سكرتيرا للمدير، ثم مديرا لمكتبه، ثم زوجا لابنته، ثم ~~انطلق كالصاروخ الذي نسمع عنه في هذه الأيام! يا خبر أبيض يا حسين يا ضاوي! ms086 ولا ~~الأحلام! # فقال محمد الفل رئيس المحفوظات مكايدا: كانت الفرصة أمامكم فلم خبتم؟! # وتجاوبت ضحكاتهم الملتوية المائعة كأنما تحكي فضيحة، وقال يسري طاهر: لا يتيسر الوثوب ~~الخاطف إلا لمن حاز مؤهلات خاصة! # وتساءل محمد جاد، وهو كاتب حديث الخدمة: ألم يكن المراقب من حملة الليسانس؟ # فقال رغيب إسكندر بتسليم: حصل على الابتدائية والكفاءة والبكالوريا، وليسانس الحقوق من ~~منازلهم! # فارتسمت الدهشة في وجه الشاب، حتى قال علي الكفراوي مدير الدفترخانة: لا تدهش، كان قوة ~~نشاط عجيبة، لكنه لم يرتفع بفضل شهاداته، بل إنه لم يحصل عليها إلا حين وجد نفسه في مركز لا ~~يليق أن يستمر فيه دون شهادة عالية، كان قذرا بكل معنى الكلمة، ولكنه في القدرة على العمل ~~فاق إبليس نفسه! # فعاد محمد الفل يقول، وهو يكور راحته على السبحة: العمل؟! ذكرتني يا سي علي، كانت حياته ~~عملا خالصا، عمل .. عمل .. عمل، أيمكن أن يعد ذلك فضيلة؟! ما قيمة العمل إذا لم يختم يوم ~~الإنسان بساعة صفاء ومحبة تجعل للحياة طعما؟ هه؟ أما مديرنا العام - السابق والحمد لله - ~~فلم يتمتع بحياة على الإطلاق، دوسيهات .. ملفات .. مذكرات .. تلك كانت حياته، حتى يوم ~~الجمعة كان يواصل العمل في بيته، وكان يعمل كل يوم حتى ساعة متأخرة من الليل، وحتى في ~~الأعياد والمواسم الرسمية، ولم يقم في إجازة اعتيادية في حياته كلها مرة واحدة، عمل .. عمل ~~.. عمل، وكان هدفه من العمل خدمة وكيل الوزارة أو الوزير؛ ليتقاضى في النهاية علاوة أو ~~درجة، حياة كاملة مضت على وتيرة واحدة بين مسكنه في الحدائق وميدان لاظوغلي .. أعوذ ~~بالله! # فقال عبد السلام زهدي وكيل الوارد ووجهه يتقلص اشمئزازا: حتى الطعام كان يتناوله شطائر ~~في مكتبه بسرعة ولهوجة، وانقطعت أسبابه بأسرته أو كادت، حتى بناته المتزوجات لا يراهن إلا ~~خطفا، وامرأته قضت حياتها في شبه فراغ مخيف، إنه مجرم ولكنه قضى على نفسه بالعقوبة التي ~~يستحقها، ذلك الرجل البغيض الذي لم يعرف من الدنيا إلا الملفات والمذكرات والتعاليم ~~المالية. # وهز رغيب إسكندر رأسه في أسى وقال: ms087 لكنه لم يكن عدو نفسه فقط، كان أيضا عدو ~~الآخرين. # وسرعان ما سال الامتعاض من زوايا الأعين، وقال محمد الفل بنبرة مغيظة محنقة: لم أر ~~موظفا كذلك، الرجل استغل جهود جميع مرءوسيه ليفيد هو منها وحده، ويمنع الخير عن الآخرين، ~~كما لو كان سيؤخذ من لحمه ودمه! # فأردف عبد السلام زهدي قائلا: وحتى هذا شر سلبي، أما مقالبه وغدره ونميمته ووقيعته؛ كل ~~أولئك فشر إجرامي، كم أحرق قلوبا هذا الرجل! ~~- قل كم خرب بيوتا! ~~- الله يرحمه فريد قناوي مات، وهو يدعو عليه على فراش موته! ~~- وحسني غنيم مدير الحسابات السابق شل بسببه! # فقال يسرى طاهر كاتب القيودات: لا حصر لضحاياه، لكنه لم يفكر إلا في شيء واحد هو مصلحته، ~~وترك الوزارة بلا صديق، أؤكد لكم أنه لا صديق له في الدنيا. # وحوالي الساعة السادسة من مساء الخميس، وقف تاكسي أمام نادي «فينكس»، فنزل منه حسين ~~الضاوي. جاء ليشهد الحفل الذي يقام لتكريمه فوق حديقة السطح لمناسبة إحالته على ~~المعاش. # كان قضى في المعاش يوما واحدا، يوم الأربعاء، يوم لن ينسى في الأيام. أقل ما يقال فيه ~~إنه جعله يتساءل فيما يشبه الرعب: هل حقا يستطيع أن يتحمل يوما آخر كذلك اليوم؟! وحيرته ~~في مسكنه صباحا تحت أعين امرأته المشفقة هم آخر لا ينسى. والراديو تسلية لم تخلق له، لا ~~يكاد يعرفه، ولم يجد الفرصة ليتعرف به. والكون كله بدا أنه كف عن الحركة. وارتدى بدلته ~~التي لم يعد لها معنى كأنها بدلة عسكرية لضابط متقاعد، وغادر البيت غارقا في الكرب، ~~ومشى حتى أدركه الإعياء سريعا، فاستقل عربة إلى وسط المدينة. أزعجه الازدحام كأنما سد ~~مسالك تنفسه. وتريث قليلا أمام معارض المحال التجارية، ولكن عينيه لم ترغبا في رؤية شيء ~~ولم يكترثا لشيء، وخشي أن تقع عليه في تخبطه عين أحد من معارفه، أي من الأعداء، فلاذ بأول ~~مقهى صادفه، ومضى إلى آخر ركن فيه. لم يكن ارتاد مقهى منذ أربعين عاما، مذ كان يجالس ~~يسري طاهر وعلي الكفراوي ورغيب إسكندر ms088 وعبد السلام زهدي في مقهى المالية في الزمان الأول. ~~وقال لنفسه إنه يأوي أخيرا إلى ملجأ الكسالى والعجزة، فعصرته حسرة. # وتصفح جريدة، ولكن ماذا يقرأ؟ لم يهمه في الجريدة فيما مضى إلا أخبار الوفيات والدواوين. ~~وسرعان ما تململ في مجلسه فكرهه وكره من فيه، وطوقته الوحدة كالقبر، وشعر في انفصاله ~~عن الوزير والوكيل والمذكرات بضياع أبدي. غادرة القهوة ليسير بلا هدف على ما في ذلك من ~~جهد لم يعتده، ووجد نفسه يمر بسينما فدخل. والسينما كذلك مكان لم يطرقه طوال الأربعين عاما ~~إلا مرات معدودات في مناسبات الاحتفالات التقليدية بخطبة بناته، ولم يلبث فيها إلا نصف ~~ساعة، ثم غادرها وهو يزفر مللا ويأسا، وعاد إلى البيت ذليلا. وجد ابنتيه المقيمتين في ~~القاهرة في زيارته، فجالسهما طويلا لأول مرة منذ عهد لا يذكره، واستقر بنفسه أول إحساس ~~بالارتياح في يومه الجهنمي. ثم وجد نفسه منفردا بزوجته في جلسة مرهقة، والراديو يواصل ~~ضجيجه لا يهمه منه شيء ولا يهزه شيء. وساءل نفسه: ألا يعد امرأته في معسكر أعدائه المزدحم؟ ~~هي لم ترض يوما عن أسلوب حياته، واحتجت المرة بعد المرة على إهمالها وفراغها وجفاف ~~حياتها، ولولا أن وجدت ملاذا في بيتي ابنتيها لحطمت حياتها بيديها. ترى هل ارتاحت إلى هذه ~~النهاية الخانقة؟! .. هل تحلم بشيء من الأنس تجده في وحشته المنكسرة؟! وحين استلقى في فراشه ~~تساءل في رعب: كيف يتحمل يوما آخر كهذا اليوم؟! # أما حفل التكريم هذا؛ فهو آخر ما يربطه بالماضي، بالناس. وهو حدث له أهميته، على الأقل ~~لتعلم الوزارة خطورة الرجل الذي تقاعست عن مد مدة خدمته، وليعلم أعداؤه من كبار الموظفين ~~وصغارهم أي رجل هو! سوف يقف أمامهم مهيبا جبارا مستهينا باسما، ولن يدري أحد بالذل الذي ~~كابده أمس. إنهم يمقتونه مقتا ولكن خطباءهم سيستبقون إلى الإقرار بمزاياه التي لا يمكن ~~إنكارها، وسيرد على تحياتهم بتحية بارعة يؤكد بها تلك المزايا بطريقته الخاصة، وسيجد فرصا ~~للتهكم من كبار أعدائه بلياقة شيطانية. إنها آخر حلبة ملاكمة يخوضها، ملاكمة بقفازات ms089 حريرية ~~لكنها مبطنة بالحديد ، وليخرجن منها ظافرا. استقل المصعد إلى سطح النادي، ومضى نحو مدخل ~~الحديقة في مشيته التقليدية التي كانت تفسح له الطريق في أروقة الوزارة كأنه قاطرة. وامتد ~~بصره إلى الداخل فرأى الموائد على هيئة صدر وجناحين، ولكن المقاعد كانت خالية، أو شبه ~~خالية! وعلى وجه الدقة لم ير إلا السادة: صلاح الدين كامل مدير المستخدمين، وإبراهيم شافعي ~~مدير الحسابات، وأمين هنداوي مدير المخازن، وزيادة عبيد المراقب العام الذي حل محله، أربعة ~~من أعدى أعدائه، وبخاصة الرجل الأخير. ثقلت قدماه وطاف به ما يشبه الدوار. حلوى وورود ولكن ~~أين الآدميون؟! كادت تخذله إرادته لولا الاستماتة في مدافعة الشماتة بأي ثمن. الأوغاد ~~الجبناء قاطعوا الحفل. ترى أهي مكيدة مدبرة؟ ومن المدبر؟ لكنه ابتسم. أجل ابتسم حسين ~~الضاوي كما كان يبتسم في فترات الهزائم الوقتية التي تعقب استقالة وزير صديق، وتقدم نحو ~~أعدائه يصافحهم واحدا واحدا، ثم ألقى نظرة على المقاعد الخالية، وقال وهو ما يزال يبتسم: ~~فيكم الكفاية، تفضلوا بالجلوس. # جلسوا. وجاء الخدم ليؤدوا الخدمات المألوفة، وانتظر الرجل حتى ابتعد الخدم، ثم أطلق ضحكة ~~ميتة، وقال مداريا حرجه: يبدو أن الختام ليس مسكا ولا كالمسك! # فقال مدير المخازن في دهشة بلهاء: لعله وقع خطأ ليس في الحسبان. # فقال مدير الحسابات: ننتظر على أي حال. # ولكن حسين الضاوي قال باستهانة: الانتظار لن يجدي. # فقال صلاح الدين كامل، وكان أقربهم جميعا إلى روح المهادنة، قال وهو ينظر إلى المقاعد ~~الخالية: لم أر في حياتي قلة ذوق كهذه! # فحسا الضاوي حسوة شاي باللبن، ثم قال والغضب يشتعل تحت قبضة إرادته: لا أدري شيئا عما ~~وقع، ولا يهمني كثيرا أمره، وسأصارحكم برأيي كما عودتكم. هنالك طراز واحد من الرجال ~~أحترمه؛ طراز الرجل القوي، وهو غير المحبوب بطبيعة الحال، ولو كنت ممن يلتمسون الحب ما ~~أعجزني! # وعكست عينا زيادة عبيد المستديرتان الصغيرتان الحادتان نظرة ساخرة، سرعان ما فجرت الغضب ~~الكامن في عروق الضاوي، فقال وهو يحدج خصمه في حنق: أنا لا يهمني شيء، لم ms090 يوجد رأس لم ~~ينحن لي طويلا. # فتظاهر زيادة بالدهشة لغضب الرجل، وقال ببرود كالموت: طول عمرك مناضل ملاكم، ولكنني لا ~~أذكر أني رأيتك غاضبا مرة واحدة! # فقال الضاوي بصوت ملتهب: لم يحدث أني وجدت أمامي من يستحق أن يثير غضبي! # فتساءل صلاح الدين كامل برجاء: ألا يمكن أن تمر الجلسة بسلام؟! # فأشار الضاوي إلى المقاعد الخالية، وهتف بصوت متهدج: مؤامرة دنيئة! # فرمقه زيادة عبيد بهدوء ساخر، وقال ببروده المعتاد: أنت مخطئ، لم نعمل على منع أحد من ~~الموظفين من الحضور، وما جئنا إلا لظننا بأنهم موجودون في الحفل؛ حتى نحافظ أمامهم على ~~كرامتنا كموظفين كبار! # ثم بهدوء مركز كالسم: وإلا ما كان هناك باعث واحد يدعونا إلى المجيء! # امتقع لون الضاوي وتحركت شفتاه حركة عصبية كحركة ذيل البرص المقطوع، وركز في خصمه ~~عينيه، وعشرات الاحتمالات الجنونية تتلاطم في رأسه، لكنه كظم الطوفان في اللحظة المناسبة، ~~وقال بحقد وتحد: أنا غير نادم على أنني عاملت كل شخص بما يستحقه! # فتساءل زيادة بسخرية: ماذا جنيت من حياتك؟! الدرجة ها أنت تتركها في مكانها، الدرجة ~~التي نبذت كل شيء في سبيلها، وعقابك الحقيقي أنك ستجد أن الحياة قد نبذتك أيضا. # وعاد صلاح الدين كامل يقول برجاء: سيسمعنا الخدم! # فوقف الضاوي وهو يقول دون مبالاة: لا يهمني، المراقب العام لا يهمني بتاتا، كذلك الخدم، ~~كل شيء يبدو حقيرا لا يستحق الأسف! .. السلام عليكم. # ومضى دون أن يصافح أحدا. وما لبث أن سافر إلى المنصورة ليمضي أياما عند كبرى بناته .. ~~قضى أسبوعا في صحة أقرب إلى الاعتلال، ولكنه رجع إلى الحدائق على حال لا بأس بها. وخيل ~~إليه أنه نسي حفل التكريم وآلام الهزيمة ولكن الحزن لم يفارقه، ولا الخوف من المستقبل، من ~~الملل والفراغ. وكان أعجب ما وقع له أنه اكتشف عند صلاة الصبح أنه لم يكن يفقه معنى ~~للفاتحة. حقا لم ينقطع يوما عن الصلاة، ولكنه كان يؤديها كما يحلق ذقنه، وكما يعقد رباط ~~رقبته بفكر مشغول بأمر أو بآخر، بمذكرة يعدها، ببند ms091 من التعاليم المالية، بمعركة يتوثب ~~لها، بأي شيء إلا الصلاة. # ولأول مرة وجد نفسه أمام هذه العبارة «باسم الله» بلا شاغل يشغل قلبه عنها، فاكتشفها لأول ~~مرة في حياته. وشعر بدوار وغرابة، وتساءل كيف مر ذلك العمر الطويل؟! ومن شدة انفعاله غادر ~~مسكنه إلى الطريق، وسار فيه إلى الداخل لا إلى الشارع العمومي كما ألف أن يفعل كل يوم في ~~عشرات الأعوام الماضية. لم يتفق له أن يسير في هذا الاتجاه أبدا منذ زمن بعيد جدا، ~~وبخاصة فيما وراء المنعطف، ولا كان ثمة ما يدعوه إلى ذلك، فظل يحتفظ له بصورته القديمة إذ ~~كان طريقا مقفرا تحدق به الحقول من الجانبين. باسم الله، بها تبدأ كل سورة، والحق يجب أن ~~يبدأ بها كل شيء، ولعل هذا هو المراد حقا. وكلما أوغل في الطريق بدت له كائنات جديدة لم ~~تكن لتخطر له على بال. امتدت على الجانبين الفيلات بحدائق مخضرة منسقة، وتراءت وراءها ~~الحقول. وقامت على الطوارين الأشجار بجمالها الرزين، كأنها في صمتها تتناجى بلغة تنتظر من ~~يكشف عن سرها كما كشف هو عن سر آخر. وبدا الطريق ممتدا إلى غير نهاية، فعجب غاية العجب، ~~وتساءل متي خلق هذا العمران كله؟! وخيل إليه أنه سيخجل كثيرا عند البوح بكشفه لأحد من ~~الناس. ولكن أي أحد من الناس يعرفه ليبوح له بكشفه؟ إن العمران لم يدخل بعد قلبه؛ قلبه ~~المقفر من كل شيء. «وعقابك الحقيقي أنك ستجد أن الحياة قد نبذتك أيضا»، كما وجدها يوم ~~الأربعاء أول أيام المعاش، ماذا جنى من حياته الماضية؟ ماذا جنى غير الفراغ والدوار؟ قدمت ~~من الجهد فوق ما يطيق البشر، ولكنه جهد مضى باسم الطموح الجنوني، باسم الجشع، باسم ~~الأنانية، باسم الكراهية، باسم الحقد، باسم العراك، ولا عمل واحد باسم الله. وتأوه في ~~موقف اختاره تحت ظل شجرة غير مبال بأنظار المارة. ترى هل فات الأوان وضاعت الفرصة؟ وامتد ~~بصره مع الطريق، فتراءت أشجاره المتباعدة كأنها سياج شبه متصل من الخضرة اليانعة، تتخللها ~~رءوس المصابيح الكهربائية ms092 البيضاء. كل هذا العمران والجمال قائم في الطريق الذي يعيش فيه من ~~قديم، وهو لا يدري به! ماذا يعرف من هذه الدنيا العجيبة؟! وماذا يفعل ماضيه المثقل؟ وتنهد ~~في حزن كأنه بنيان يتقوض. ورجع إلى مسكنه وهو يلهث من الانفعال فوجد امرأته جالسة تتشمس ~~فجلس إلى جانبها، وهو يقول: لم أكن أتصور أن شارعنا على هذا القدر من الجمال! # فتساءلت: ماذا حدث له؟ ~~- شارع جديد، ممهد ونظيف، والفيلا والأشجار! # فقالت بدهشة: هو كذلك طول عمره. ~~- لكنني لم أره إلا اليوم! # فرمقته بنظرة فاترة، لكنها ناطقة بأمر انتقاد وتأنيب فتقبلها خاضعا، وتساءل في لهفة: ~~ترى هل في العمر بقية لإصلاح الماضي الفاسد؟ للاعتذار عن كل هفوة، والتكفير عن كل جريمة، ~~وتحويل الأعداء والضحايا إلى أصدقاء؟! وفكر مليا، ثم قال بحماس طفلي: ألا يمكن أن يبدأ ~~الإنسان حياة جديدة، ولو في مثل عمري؟ ~~- أي حياة؟! ~~- جديدة بكل معنى الكلمة، أرجو أن تجيبي بأن هذا ممكن. # فساورها حب استطلاع مشوب بقلق، وقالت: لا أفهم، ماذا تعني؟ ~~- سوف تفهمين. # جديدة بكل معنى الكلمة. وإلا فكيف يحتمل العمر الباقي؟ .. هل ينسى يوم الأربعاء؟ وأغمض ~~عينيه كمن يتذكر أشياء مستعصية. وكانت تتابعه بعينين قلقتين، فما لبثت أن ساءلت نفسها: ترى ~~لم يبتسم هكذا؟ # وكان حقا يبتسم، ابتسامة جديدة، لا نفاقا ولا تشفيا ولا استفزازا ولا سخرية ولا ~~مكرا ولا تحريضا ولا ولا. # ابتسامة صافية. # | حادثة # كان يتكلم في تليفون الدكان بصوت مرتفع، ليسمع صوته رغم ضوضاء شارع الجيش الصاخبة. وجعل ~~يميل بنصفه الأعلى داخل الدكان ليبتعد ما أمكن عن الضوضاء، ثم ختم حديثه بقوله «انتظرني، ~~سأحضر فورا»، وأعاد السماعة إلى موضعها وتناول علبة سجائر هوليود من فوق الطاولة، ونقد ~~البائع نقوده (ثمن العلبة والمكالمة) واستدار فوق الطوار متجها نحو الطريق. كان في الستين ~~أو نحوها، طويل القامة نحيلها، كروي الجبهة والعينين، مكور الذقن، وأما صلعته فلم يبق فوق ~~مرآتها إلا جذور شعر أبيض مثل منابت شعر ذقنه. وقد أفصح مظهره عن إهمال صريح نتيجة للسن أو ms093 ~~الطبع أو نسيان الذات . على ذلك كان يتمتع بحيوية مرحة، وتلتمع عيناه بنشاط وابتهاج، فأشعل ~~سيجارة وأخذ نفسا عميقا، وبدا أنه ينظر إلى الداخل لا إلى الطريق، ثم مال يمنة بمحاذاة ~~صف من اللوريات الواقفة لصق الطوار، حتى وجد منفذا إلى الشارع. ونفض السيجارة وهو ~~يبتسم، ثم مرق من المنفذ ليعبر الشارع إلى ضفته الأخرى، وما كاد يجاوز مقدمة اللوري الأخير ~~حتى شعر باندفاع سيارة فورد نحوه بسرعة فائقة. وقال أحد الشهود فيما بعد إنه كان عليه أن ~~يتراجع بسرعة، وإنه لو فعل ذلك لنجا رغم سرعة السيارة، لكنه لسبب ما - لعله المفاجأة أو ~~سوء التقدير أو القضاء - وثب إلى الأمام وهو يهتف: «يا ساتر يا رب». وجرت الحوادث متلاحقة. ~~ندت عن الرجل صرخة كالعواء، وفي ذات الوقت انطلقت صرخات الفزع من المارة والواقفين على ~~الطوار وفوق إفريز محطة الترام. ورئي الرجل وهو يرتفع في الفضاء أمتارا ثم يهوي فوق الأرض ~~كشيء غير آدمي. وصدر عن فرملة الفورد صوت محشرج متشنج ممزق وهي تزحف على الأرض بعجلات ~~متوقفة جامدة. وهرع نحو الضحية في ثوان عشرات وعشرات كأسراب الحمام، حتى تكون منهم سور ~~غليظ منيع، وانتشر في المنطقة الهرج. ولم ينبض جسم الرجل بحركة واحدة، وكان منكفئا على ~~وجهه، ولا يجرؤ أحد على لمسه، وإحدى رجليه ممدودة إلى آخرها، والأخرى منثنية منحسرة ~~البنطلون عن ساق نحيلة غزيرة الشعر، وقد فقدت فردة حذائها، وتغشاه صمت بخلاف كل شيء حوله ~~كأن الأمر لا يعنيه ألبتة. وألصق سائق الفورد ظهره بالسيارة من باب الحيطة، وراح يخاطب ~~مجموعة من الحفاة أحدقت به على سبيل المراقبة: لا ذنب لي، اندفع هو من أمام اللوري فجأة، ~~وبسرعة، ودون أن ينظر إلى يساره كما يجب. # وإذا لم يجد وجها مستجيبا عاد يقول بلهجة خطابية: لم يكن في الإمكان أن أتجنب ~~صدمه! # وند عن المصاب صوت كالزفير المكتوم، وتحرك حركة شاملة مباغتة، ثانية واحدة، ثم غرق في ~~اللامبالاة! ~~- لم يمت! حي. ~~- لعلها إصابة بسيطة. ~~- لكنه طار في الهواء، والعياذ ms094 بالله! ~~- ولو، عفو ربنا كبير. ~~- لا يوجد دم؟ ~~- عند فمه، انظر! ~~- كل ساعة حادث من هذا النوع! # وجاء شرطي مسرعا ففتح له وقع قدميه ثغرة في السور الآدمي، نفذ منها وهو يصيح بالناس أن ~~يبتعدوا. فابتعدوا خطوات، خطوات فقط، وأعينهم لا تتحول عن الرجل ولا تخف حدة تطلعها ~~وإشفاقها. وقال إنسان: سيبقى هكذا حتى يموت، ونحن لا نفعل شيئا! # فأجابه الشرطي بلهجة رادعة: أول لمسة قد تقتله، وبوليس النجدة والإسعاف في الطريق ~~إليه. # واعترض الحادث جانب الطريق، فاضطرت السيارات إلى الالتفاف حول السور البشري، مشاركة ~~الترام في ممشاه، فضاق بها حتى تحركت في بطء شديد وتجمعت في صفوف ممتدة ومتداخلة، وهي تصرخ ~~وتعوي بلا فائدة، ومن ركابها تطلعت أعين إلى الضحية في اهتمام، وأعين تجنبت النظر في جزع. ~~وجاء بوليس النجدة وراء صفارته الحلزونية فاتسعت الحلقة، وغادرت القوة السيارة إلى الرجل ~~الملقى، وكان الضابط حاسما وحازما، فأصدر أمرا بتفريق المتجمعين، وتفحص الرجل بنظرة ~~شاملة، وسأل الشرطي: ألم تحضر الاسعاف؟ # وإذا لم تكن ثمة ضرورة إلى السؤال؛ فإنه لم يلق بالا إلى الجواب، وتساءل مرة أخرى: هل ~~من شهود؟! # فتقدم ماسح أحذية وسائق لوري وصبي كبابجي كان عائدا بصينية فارغة. وأعادوا على مسمع ~~الضابط ما حدث منذ كان الرجل المجهول يتكلم في التليفون. وجاءت سيارة الإسعاف، وأحاط رجالها ~~بالرجل، وتفحصه رئيسهم بعناية وحذر وهو يجلس القرفصاء، ثم نهض متوجها إلى الضابط، فبادره ~~هذا قائلا: أظن يجب نقله إلى الإسعاف؟ # فقال الآخر بلهجة ذات أثر لا يختلف عن الأثر الذي يحدثه عادة جرس سيارته: بل يجب نقله ~~إلى مستشفى الدمرداش. # وأدرك الضابط ما يعنيه ذلك، على حين استطرد رجل الإسعاف قائلا: أعتقد أن الحالة خطيرة ~~جدا! # وعندما أرقد الرجل بحجرة الفحص بمستشفى الدمرداش، كانت طلائع الليل تزحف كالجبال. وفحصه ~~مدير القسم بنفسه، ثم التفت إلى مساعده قائلا: إصابة خطيرة في الرئة اليسرى، تهدد القلب ~~مباشرة! ~~- عملية؟ # فهز رأسه قائلا: إنه يحتضر! # وصدقت فراسة الطبيب؛ فقد تحرك الرجل حركة شاملة كالرعشة، واضطرب صدره ms095 اضطرابا متلاحقا ~~محشرجا، ثم شهق شهقة خفيفة واستكن. وكان الطبيبان يراقبانه، فالتفت المدير نحو مساعده وهو ~~يقول: انتهى! # وجاء ضابط النقطة، وكان الرجل ما يزال راقدا بكامل ملابسه، عدا فردة الحذاء المفقودة. ~~وقال الطبيب: هذه الحوادث لا تنتهي! # فقال الضابط وهو يومئ إلى الفقيد: وشهادة الشهود ليست في صالحه! # ثم وهو يقترب من السرير: أرجو أن نستدل على شخصيته! # وشرع في عمله على حين بسط الشاويش المرافق له ورقة فوق منضدة، وتأهب بدوره لتسجيل المحضر. ~~ودس الضابط يده برفق في جيب الجاكتة الداخلي، فاستخرج حافظة نقود قديمة متوسطة الحجم، ومضى ~~يفتشها جيبا جيبا ويملي على الشاويش: خمسة وأربعون قرشا من العملة الورقية. # روشتة للدكتور فوزي سليمان. # وألقى نظرة عابرة على أسماء الأدوية، ولكنه لاحظ وجود كتابة على ظهرها أيضا، فجرى بصره ~~عليها بلا إرادة فإذا بها: المواد الكحولية والبيض والدهنيات ممنوعة، ويستحسن تجنب المنبهات ~~كالشاي والقهوة والشيكولاتة. وابتسم الضابط ابتسامة باطنية؛ إذ إن تعليمات مماثلة صدرت إليه ~~من طبيبه في نفس الشهر! ثم واصل إملاءه وأصابعه تستخرج من الحافظة محفوظاتها: مجلد صغير من ~~السور القرآنية. # ولما لم يجد شيئا آخر في الحافظة، قال بضيق: لا توجد بطاقة تحقيق شخصية! # وانتقل إلى الجيب الداخلي الصغير، وما لبث أن قال بفتور: ثلاثة قروش ونصف عملة ~~معدنية. # ووجد أيضا حقا صغيرا فرفع غطاءه المحكم، فرأى مادة غريبة كالبن المسحوق، وامتلأ ~~أنفه برائحة مسكية، ثم ما لبث أن عطس عطسة من الأعماق، فأعاد الغطاء إلى موضعه، وقال بعين ~~دامعة: حق نشوق. # وتوالى التفتيش وتتابع الإملاء: منديل، علبة سجائر هوليود، سلسلة مفاتيح، ساعة يد. # وكان آخر ما عثر عليه صفحة مطوية من كراسة، فبسطها فوجدها رسالة لم تغلف بمظروف بعد، ~~فأمل أن يصادف فيها ما يمكن أن يستدل به على شخصية الرجل. نظر أول ما نظر إلى الإمضاء، ~~ولكنها لم تزد عن «أخوك عبد الله»، فعاد إلى رأس الصفحة، ولكن الرسالة كانت موجهة إلى «أخي ~~العزيز أدامه الله». فاستاء من هذه المعاندة ولم يجد بدا ms096 من قراءتها! # أخي العزيز أدامه الله # اليوم تحقق أكبر أمل لي في الحياة. # اضطر إلى التوقف رافعا عينيه إلى تاريخ الرسالة، وكان تاريخ اليوم نفسه 20 فبراير، ~~وامتد بصره فوق الأسطر إلى الوجه الباهت المشوب بزرقة مخيفة، المغلق كسر، الجامد كتمثال، ~~ذلك الذي تحقق أكبر أمل له في الحياة. وتساءل الطبيب: عثرت على شيء؟ # فانتبه إلى نفسه وابتسم ابتسامة استهانة ليدل على اعتياده أي شيء، وقال: اليوم تحقق أكبر ~~أمل لي في الحياة، بذلك بدأت الرسالة! # وعاد إلى القراءة متجنبا النظر إلى عيني الطبيب: «فقد انزاحت عن صدري الأعباء المريرة، ~~انزاحت جميعا والحمد لله، أمينة وبهية وزينب في بيوتهن، وها هو علي يتوظف، وكلما ذكرت ~~الماضي بمتاعبه وكدحه وقلقه وشقائه، أحمد الله المنان، وهذا هو النصر المبين.» # واسترق النظر مرة أخرى إلى الإنسان الراحل، الذي لا يدري أحد مقره، الذي يثير الدهشة ~~بصمته وانعزاله وارتداده العميق إلى المجهول. المتاعب والقلق والشقاء والأمل الكبير ~~والنصر المبين! ~~«وبعد تفكير طويل قر رأيي على ترك الخدمة.» فعلا. «فهيهات أن تتحسن صحتي طالما بقيت في ~~المدينة، وحسبت الحسبة، فوجدتني أخدم في الحكومة بثلاثة جنيهات هي الفرق بين المرتب ~~والمعاش، لذلك قررت أن أطلب إحالتي على المعاش، وقريبا أعود إلى البلدة إن شاء الله، وسوف ~~أنضم إلى مجلسك الظريف عند عبد التواب شيخ الخفر، أما الآن فكل شيء بخير، وليس في الإمكان ~~خير مما كان.» # وطوى الضابط الرسالة وهو يقول: إنه موظف كما يفهم من خطابه، ولكن ليس به ما يمكن ~~الاستدلال على هويته! # فقال الطبيب: سنتخذ الإجراءات المألوفة، وغالبا ما يجيء أهله في الوقت المناسب، فيتسلمون ~~الجثة من المشرحة! # | حنظل والعسكري # هذه الأقدام الثقيلة تبعث وقعا له في صدره صدى مخيف، والنحنحة الصادرة عن صاحبها نذير ~~بالمتاعب والآلام، إنه الشاويش قادم في ظلمة الليل. تمنى أن يفر من وجهه لكنه لم يستطع، ~~وبكل مشقة قام وهو يلقي بثقله على الجدار في أول المنعطف، وكان يترنح، وحاله تنذر بالانهيار ~~في أية لحظة. وفتح عينيه بجهد ms097 صوب القادم كالقدر، حاول كثيرا أن يتحرك فتبددت محاولاته في ~~الظلام، كما بعثرت ذكرياته، ولاح على شعاع الفانوس وجهه الكالح المغبر الفظ كالنائم، ~~ولم يكن على جسده إلا بقايا جلباب ممزقة، وباطنه المجنون يحترق رغبة في الحقنة ~~المحرمة. ~~- حنظل .. تعال! # آه .. هذا النداء المشئوم تعقبه الصفعات واللكمات. وبصوت يائس مكروب توسل قائلا: رحمة ~~الله يا حضرة الشاويش! # وقف أمامه حاجبا عنه شعاع الفانوس، شابكا بندقيته بكتفه، فاشتد التصاق حنظل بجدار عطفة ~~شنافيري. كان يعاني الخوف ويدافع الغيبوبة ويعلن المسكنة، ولكن ما بال الشاويش لم يهدر ولم ~~يلعن ولم يصفع؟! ~~- أخذت الحقنة؟ ~~- لا، وربك. ~~- لكنك نائم أو كالنائم! ~~- لأني لم آخذها! ~~- تعال معي، المأمور يطلبك! # فتنهد من صدر مجنون جائع، وهتف: أنا في عرضك! # فوضع على منكبه يدا آدمية، لا حديدية ولا عسكرية، فتعجب حنظل دون أن ينبس، فقال الشاويش: ~~تعال ولا تخف! ~~- لم أفعل شيئا! # مضى به برفق وهو يهمس له: ستجد أن كل شيء طيب، لا تخف! # وقف في حجرة المأمور على مبعدة متر من بابها الذي أغلق وراءه، لا يتقدم خطوة، ولا يرفع ~~عينيه إلى النظرة التي تستقر عليه من وجه محنك، والضوء الساطع مسلط على جسده الطيني الذي ~~لا يكاد يستره شيء، وقد بدا بين الجدران البيضاء الملساء والأثاث الوقور شيئا متخلفا عن ~~الزمن. توقع حنظل صاعقة، ولكن جاءه صوت المأمور في نبرة آدمية غير منتظرة ككل شيء في تلك ~~الليلة: اجلس يا حنظل، مساء الخير! # يا رب السموات! ماذا جرى للدنيا؟! ~~- أستغفر الله يا حضرة المأمور، أنا خادمك! # ولكنه حدجه بنظرة تأنيب وهو يشير بإصبع آمر إلى مقعد جلدي، فتردد كثيرا، ثم لم ير ~~بدا من الإذعان، فجلس على طرف المقعد وهو ينظر إلى قدميه الترابيتين، في ضخامة قدمي ~~تمثال، المطمورتين تحت طبقات من القشرة الأرضية. ورغم ذلك لم يصدق شيئا، فقال في ذل: يا ~~حضرة المأمور، أنا رجل مسكين، كثير الخطايا، ولكن بؤسي أفظع من خطاياي، والرحمة عند الله ~~مفضلة على العدل. # فقال المأمور بنبرة ms098 جادة ورقيقة في آن: اطمئن يا حنظل، أنا عارف أنك أخطأت كثيرا ولكنك ~~قاسيت أكثر، وأنت أدرى بذنوبك، والشاويش معذور في قسوته عليك؛ فالقانون هو القانون، ولكن ~~جدت أمور أوجبت تغيير المعاملة، تغير كل شيء، ونحن كما أن لنا جانبا عسكريا؛ فلنا في ~~ذات الوقت جانبنا الإنساني. # وجعل ينظر إلى المأمور بذهول، وهو يغالب بمشقة سلطان الغيبوبة، فرمقه الرجل برثاء وقال: ~~صدقني يا حنظل، صدق كل ما تسمع وما ترى، رأسك لا يقوى على التركيز؛ لأنك لم تحقن؟ نفد آخر ~~نقودك ولم تحقن، وتاجر السم لا يرحم ويطالب بالدفع المقدم، لكنك ستشفى من هذا كله. # فقال حنظل بصوت باك: أنا مسكين، حياتي حظ عاثر، كنت قويا فضعفت، وبياعا فأفلست، ~~وأحببت فتلوعت، وأدمنت، ثم تسولت. ~~- ستخرج من المصحة رجلا جيدا، ولي معك لقاء آخر. # وفي باحة القسم أحاطت به مجموعة من العساكر، فبحكم العادة تكور جسده كأنما يتلقى ضربة، ~~ولكنهم ابتسموا إليه، انفرجت الشفاه الغليظة تحت الشوارب الثائرة. ~~- أنتم؟! ~~- نعم يا حنظل، كل شيء تغير! ~~- بالشفاء يا حنظل. ~~- ليعف الله عما سلف! # وحمل وهو بين النوم واليقظة، وسرعان ما استسلم للنوم في عربة راحت تتأرجح به إلى ما لا ~~نهاية. وفتح عينيه على حجرة غريبة، رآها بياضا ناصعا وضوءا باهرا كما رأى وجها حانيا. ~~وشعر بضعف وتقزز وغثيان ووحدة في الأعماق وخوف، فتوسل قائلا: الحقنة، الحقنة يا عم ~~متبولي! # وداعبت أذنه ضحكة رقيقة، وسطعت أنفه رائحة نفاذة، وعانى جوعا منهكا في الرأس وفي ~~الحواس، وتشققت أركان رأسه، ثم غاب عن الوجود. وغادر حنظل المصحة رجلا جديدا كما وعد ~~المأمور. تجلت صورته الطبيعية لأول مرة، ورفل في جلباب أبيض فضفاض، وحلق ذقنه فتبدت قوة ~~شاربه وانتعل مركوبا أصفر فاقعا، ووضح وشم الأسد فوق معصمه ووشم العصفورة عند سوالفه ~~تحت لاسة مزركشة. ومضى به شاويش كالصديق، كل شيء صديق، فتراءت بشرته سمراء صافية تحت الشمس، ~~وما تمالك أن ضحك، وقال لنفسه إن وزنه سيخف بعد النظافة، وكان صاحيا واعيا يرى الأشياء، ~~ويسمع الأصوات ms099 ويحب الشاويش، ولا يستشعر في جوفه الألم. وامتلأ ثقة بالنفس حتى خال أن ~~بقدرته أن يطير، وصدق ما يحيط به، فلم يدهش عندما أقبل عليه العساكر مهنئين، وتصافحوا ~~بحرارة ومودة في شبه مظاهرة في باحة القسم. ولم يدهش كثيرا عندما رأى المأمور يقف ~~لاستقباله، ولكنه تأثر جدا، وبروحه المتواضعة ارتمى على يده يريد أن يقبلها، ولكن ~~المأمور تلقاه بين ذراعيه وشد عليه برحمة، فتذاوب خجلا وامتنانا وفاضت عيناه بالدمع. ~~وأجلسه الرجل على المقعد وعاد إلى كرسيه وراء المكتب، وهو يضحك ضحكة رطيبة صافية، وقال: ~~مباركة عليك الصحة والعافية. # فاغرورقت عيناه فاستطرد المأمور قائلا: الآن تستطيع أن تبدأ من جديد. # فقال بدموعه المنهمرة: بفضل الله وبفضلك. ~~- لا تبالغ! فالفضل لله وحده. # وفتح المأمور دفترا بين يديه، وأمسك بالقلم وخط عبارة في رأس صفحة بيضاء، ثم قال بهدوء ~~وهو يرمقه بنظرة هادئة وعميقة كضوء القمر: اطلب ما تشاء يا حنظل! # فارتبك الرجل ولم يحر جوابا. تحركت شفتاه فتحرك شاربه الفطري ولكنه لم يحر جوابا، ~~فحثه المأمور قائلا: اطلب ما تشاء يا حنظل، هذا أمر! ~~- ولكن ... ~~- لا لكن، اطلب ما تشاء! # فقال بعد تردد: أطلب الستر. ~~- أفصح، اطلب ما تشاء، هذا أمر! # تذكر حنظل دعاء أمه وحكايات الليل وأنغام الرباب، ثم ضحك قائلا: كنت أسرح بعربات ~~الفاكهة! # فقال المأمور ويده تكتب في الدفتر: دكان فاكهة بالحسينية، رفوف مزدوجة، كهرباء لحسن ~~العرض. # فتساءل في ذهول: والنقود؟ ~~- لا تشغل بالك، هذا أمر يخصنا ويخص الجميع، تكلم ماذا تتطلب .. إنه أمر! # ووجد حنظل شجاعة جديدة، مستمدة من شخصه الجديد ودكان الفاكهة، فقال بصوت متهدج: سنية ~~بيومي بياعة الكبدة، الحق أني ... # فقال المأمور ويده لا تكف عن التسجيل: لا داعي للشرح، كله معلوم، يعرفه عسكري النقطة، وكل ~~عسكري، وخفير السوق. سنية شابة مليحة وجريئة، ولم تتزوج بعد رغم ما كان، وفي وقت ما كانت ~~أفتك بك من الهوريين، وتمادت في قسوتها فاشتدت حالتك سوءا. وهجرتك، لكنها ستعود إليك، لتكن ~~دكان فاكهة وكبدة، سيكون ذلك شيئا فريدا في ms100 الحسينية على مثال محال البقالة الراقية ~~جدا، غيره؟! # مال رأسه من التأثر. وحلمت عيناه بأديم أخضر تنبثق منه ورود حمراء مطوقة بدوائر من ~~البنفسج، وطنت في أذنه نعمة تردد: «يا منية القلب قل لي»، لكنه رأى بقعة سوداء كسحابة من ~~الذباب، فاقشعر بدنه وقال بإشفاق: أخشى ألا تدوم صداقة العساكر يا سيدي المأمور، وإنه وإن ~~يكن لشقائي الماضي أسباب كثيرة؛ فإن العساكر كانوا من الأسباب الهامة في ذلك، طالما طاردوا ~~عربتي لسبب ولغير ما سبب وصادروا رزقي وضربوني، وفي مسألة سنية بالذات؛ فإن أول من لعب ~~بعقلها كان العسكري حسونة! # فارتفعت الضحكة الرطيبة الصافية مرة أخرى، وقال المأمور بلهجة لا تدع مجالا لشك: لن تجد ~~في العساكر عدوا واحدا لك، هم من اليوم وإلى الأبد أصدقاؤك المخلصون، اطلب ما تشاء يا ~~حنظل، هذا أمر! # وثمل حنظل بسكرة شجاعة لم ينعم بها حتى أيام الفتونة، شجاعة مؤيدة بدكان فاكهة وكبد، وحب ~~سنية، وصداقة العساكر، فقال: أمثالي من الفقراء كثيرون لعلك يا حضرة المأمور لا ~~تعرفهم. # فقاطعه قائلا، ويده تكتب دون انقطاع: أعرف كل شيء، دلنا عليهم، وسيكون لكل دكانه ~~وامرأته وصداقة العساكر، سيتحقق هذا كله فاطلب ما تشاء. إنه أمر! # فضحك حنظل ضحكة مجلجلة وشبك راحتيه، وشد عليهما وهو يقول: كأنني في حلم! ~~- الواقع نوع من الحلم، والحلم نوع من الواقع، اطلب ما تشاء، إنه أمر! # فتنفس في ثقة وامتلاء وتساءل: كم من المسجونين من يستحق السجن حقا؟! # فقال المأمور ويده تجري على الصفحة: سيخرج من السجن كل من لا يستحق السجن حقا، ولو ~~فرغت السجون! # فهتف حنظل في نشوة: ليحيا العدل، ليحيا المأمور! # وشهد حوش بيت حنظل بعطفة الشنافيري حفلا فريدا حضره المأمور والعساكر والفقراء وطلقاء ~~السجون. وارتدت سنية فستانا برتقاليا، وتلفعت بشال أخضر فلم يظهر من جسدها البض إلا ~~معصم محلى بأسورة ذهبية، وأسفل ساق مطوقة بخلخال فضي بشراريب من أهلة. وكانت تقدم ~~بنفسها الشراب، شراب التمر هندي والكاركاديه. وثمة فرقة موسيقية عليها مسحة من شارع محمد ~~علي، احتلت ms101 ركنا وراحت تحيي القادمين. واستمتع كل شخص بحريته حتى العساكر غنوا ورقصوا تحت ~~بصر المأمور. ثم وقف مقرئ بين مذهبجية، ومضى يتغنى بمديح الرسول مترنما: # لما بدا لاح منار الهدى # فتصاعدت آهات الطرب من صدور الفقراء والمساجين والعساكر، وزغردت سنية زغرودة كأنما تصدر ~~عن ناي. وفي ختام الحفل وقف المأمور وخاطب الجميع قائلا: أول الغيث قطر، ثم ينهمر، طاب ~~ليلكم! # وزغردت سنية مرة أخرى. وأخذ المدعوون في الانصراف عند الفجر، والديكة تسبح الله، ~~والصمت يسبح! # واستلقى حنظل على الأريكة؛ ليرتاح بعد عناء، فجلست سنية عند رأسه وراحت تداعب قصة شعره. ~~كان سعيدا مطمئنا راضيا لا يريد لشيء نهاية. وقال برقة: أنت أصل الخير كله. # فامتدت أصابعها إلى سوالفه، كأنما تزقق عصفورة الوشم، فعاد يقول: جميع ما حصل لا أعتبره ~~معجزة، المعجزة أن قلبك لان بعد ما كان! # وانسابت يدها إلى خده فذقنه، ثم استكنت على حنجرته. واستسلم لمداعباتها، وود في أعماقه ~~ألا يكون لشيء نهاية، غير أنه انتبه على إحساس غريب، يشبه الضغط على حنجرته، واشتد بدرجة ~~خرجت عن مألوف كل مداعبة. وقرر أن يطلب إليها أن تخفف من ضغط يدها ولكن صوته لم يخرج ~~واشتد الضغط. ومد يده ليزيح يدها عن عنقه ولكنه شعر بكابوس يرزح فوق صدره، وبثقل سمج، زكيبة ~~رمل، أو قطعة جدار هوت فوق رأسه. أراد أن يتأوه، أن يقوم، أن يتحرك، فلم يستطع. وحرك رأسه ~~بعنف ليتخلص من الكرب فاحتكت بالأريكة. بشيء يشبه الأرض، التراب، بل ثمة طين أيضا، وغمره ~~شعور جديد في درجته وطعمه وكآبته، وسمع صوتا يعرفه يصيح به متهكما: لم يبق إلا أن تنام ~~في عرض الطريق! # ما أشبهه بصوت العسكري! العسكري القديم بصوته الخشن المنذر بالمتاعب. ثم إنه يختنق. يد ~~سنية لا تريد أن ترحمه. وفجأة رفع الجدار عن صدره، فاعتدل جالسا وهو يئن في الظلام. تخايل ~~لعينيه شبح عملاق يحجب عنه ضوء الفانوس، كأنما يمتد في الفضاء حتى النجوم. وديكة الفجر ~~تصيح، والبندقية تطل من فوق كتف الشبح. وفوق صدره ms102 هو ينداح الألم في الموضع الذي تخلى عنه ~~الحذاء الغليظ. وهتف: أين عهد المأمور يا شاويش؟! # فركله بلا رحمة وصاح به: عهد المأمور! يا مجنون يا مدمن، قم ع القسم! # ونظر حوله في ذعر وذهول فوجد طريقا نائما، وظلمة شاملة، وصمتا، ولا حفل، ولا أثر لحفل، ~~ولا سنية، ولا شيء! # | مندوب فوق العادة # كنت أراجع الصحف اليومية، وهو ما أبدأ به عملي عادة كل صباح، عندما فتح الباب دون استئذان ~~عن رجل غريب. كان هائل المنظر لطوله وضخامته، فخم البدلة، وطربوشه الطويل الغامق يضفي على ~~وجهه الأبيض نصاعة، وفيه وجاهة تؤكدها نظارة كحلية وشارب غزير مربع كساه المشيب. كان أيضا ~~في الستين أو نحوها، لكنه تقدم من مكتبي في حركة قوية ثابتة قابضة يمناه على منشة عاجية ~~بيضاء، وهو يقول بصوت حلقي غليظ: صباح الخير، مكتب الصحافة؟ # فأجبته ولما أفق من صدمة اقتحامه: نعم، صباح النور! ~~- أظنه تابع لمكتب الوزير؟ ~~- نعم! # فأخرج حافظته، واستخرج منها بطاقة أعطاها لي. نظرت فيها فقرأت: # إسماعيل بك الباجوري # مستشار برياسة مجلس الوزراء # انفجرت «الرياسة» في رأسي، ولم يكن قد مضى على خدمتي إلا عام أو دون ذلك بأشهر، ووقفت ~~باحترام وأنا ابتسم كالمعتذر، وقلت بتأثر ظاهر: تفضل بالجلوس يا أفندم، أنا في ~~خدمتك! # لكنه مشى موغلا في الحجرة الصغيرة المستطيلة، حتى وقف وراء النافذة في نهايتها يطل على ~~ميدان الأزهار، ثم عاد إلى مكتبي وهو يسأل: ألم يحضر معالي الباشا؟ ~~- كلا، معاليه يحضر حوالي العاشرة. ~~- ولا مدير مكتبه؟ ~~- المدير يحضر حوالي التاسعة. # فانحرف جانب فيه الأيسر في امتعاض، ثم مد يده إلى سركي الوارد، وراح يفره بسرعة ثم قال: ~~خانات كثيرة لم تسدد، هاك شكوى لم يرد عليها منذ عشرين يوما! # فانقبض صدري وأنا أتساءل على وجه من أصبحت اليوم، ثم قلت: إني أوزع الشكاوى المنشورة في ~~الصحف على الإدارات المختصة في يوم ظهور الجريدة، والإدارات هي التي تتأخر في الرد. ~~- ولم لا تستعجلها؟ ~~- أستعجلها طبعا، ولكن بعض الردود يستدعي التحرير إلى التفاتيش في ms103 الأقاليم. # فهز رأسه في امتعاض ، ثم أشار إلى الباب وهو يقول بلهجة آمرة: اتبعني من فضلك. # وسار في ردهات الوزارة، وأنا أسير إلى جانبه متأخرا عنه خطوة من باب التأدب، من ردهة إلى ~~ردهة، حتى أخذنا في طريق العودة وهو لا يمسك عن نثر الملاحظات: مكاتب خالية، أين الموظفون؟! ~~حتى السعاة، والفراشون كالذباب الغائم! ما هذه الزكائب المحشوة بالأوراق؟! وهذه الزبالة؟ ~~وتلك الأكداس المكدسة من الملفات كالمقابر؟! ورائحة الزيت والبصل؟ ما شاء الله .. ما شاء ~~الله! # وجعلت أبدي عن أسفي بهز الرأس والتبسم الحزين، وأنا أسأل الله أن ينهي اليوم على ~~خير، وإذا به يقول: كل شيء في غير محله! .. لو يعلم دولة الباشا! # وعدنا إلى الحجرة، فوقفت وراء مكتبي على حين جلس على الكنبة في شبه استلقاء، ثانيا ساقه ~~فوق ركبته، والظاهر أنه رحم ارتباكي فقال لي: اجلس! # فجلست متشجعا بنبرة رقيقة انتزعتها انتزاعا من غلظة صوته، ومضى يتفحصني من وراء ~~نظارته الكحلية في غير مبالاة، ثم سألني: من الجامعة؟ ~~- نعم. ~~- لم توظفت؟ # فلم أحر جوابا. فقال: قل لأعيش! كلنا يريد أن يعيش، لكن الحياة تجري على غير ما ~~يجب! # فخفضت رأسي موافقا، ولا شيء أحب إلي من أن يحضر مدير المكتب ليخلصني من موقفي ~~الرهيب. ~~- أنا مكلف بعمل بحث شامل، مهمة شاقة، ولكن هل ثمة فائدة؟ # تأثرت جدا لتعطفه بالبوح بمهمته الخطيرة، وازددت في الوقت نفسه حرجا فقلت: ستجيء ~~الفائدة حتما على يديك! # فتثاءب لدهشتي، وحل صمت مقلق، وكان يبدو عظيما جدا، ولعله ضاق بالصمت والانتظار، فراح ~~يتحدث وكأنما يحدث نفسه هذه المرة: على المرء أن ينشد الطمأنينة والصفاء، ولكن كيف يتأتى ~~هذا؟! # فقلت وأنا في شك من سلامة تدخلي في الحديث: ربنا يهب سعادتك الصحة! # فأنزل ساقه عن ركبته قائلا: الصحة! ما هي الصحة؟ هي كمال التوازن والتوافق والتعاون في ~~الكائن، ولكن هيهات أن تتحقق إذا كانت الصحة العامة معتلة، خذ مثلا صحة الوزارة! خانات لم ~~تسدد، موظفون لا يحضرون، روتين، وما الرأي فياغرا هذا الغلاء الفاحش؟ ms104 # فقلت وأنا أتابعه بجهد وأي جهد: شيء لا يطاق! # العالم أيضا صحته معتلة، هتلر ورم خبيث، والحلفاء ورم آخر، والأوقاف عندكم لماذا يستحق ~~بعض الأوباش هذه الألوف المؤلفة؟! # فقلت رغم دبيب الدوار في رأسي: فلنأمل خيرا ما دام دولة الباشا مهتما بهذه ~~المسائل! # فنهض بغتة وهو يقول: ولكن متى يأتي الوزير؟ .. الساعة العاشرة! ومتي يأتي مدير مكتبه؟ .. ~~الساعة التاسعة. # ونظر في الساعة ثم جلس مكفهر الوجه، واتجهت عيناه نحو التقويم المثبت بالجدار، الأربعاء ~~2 يونيه، 29 جمادي الأولى، 25 بشنس، وتساءل في ملل: كم ورقة يجب أن تمضي حتى تصبح الصحة على ~~ما يرام؟ # ثم حدجني بنظرة متحرشة هرب لها قلبي، ولكن سرعان ما حلت محلها نظرة دعابة وهو يسأل: ماذا ~~تريد من الدنيا؟ # فارتبكت مؤثرا الصمت، ولما آنست انتظاره لجوابي تكلمت يدي بإشارات مبهمة سابقة لساني، ثم ~~قلت: أشياء كثيرة! ~~- تكلم! # فاستجمعت شجاعتي قائلا: مرتب حسن. ~~- والصحة؟ ~~- لا بأس بها! ~~- وكم من النقود تريد؟ ~~- ما يكفيني. ~~- يكفيك لأي شيء؟ ~~- حسبي الضروريات، والكماليات الهامة، وأن أتمكن من تكوين أسرة. ~~- والآخرون ألا ينبغي لهم ذلك أيضا؟ ~~- نعم، لم لا؟! ~~- عند ذاك ترتاح النفوس من الانفعالات الخبيثة. # فقلت بارتياح حقيقي: نعم يا أفندم. # فقال بحدة ساخرة: كلا! لا يكفي هذا كله، سيظل هناك هتلر، وتشرشل أيضا، هذه هي العقدة ~~المحيرة، لقد كلفت بالبحث، ولكنني كلما وجدت حلا لمشكلة عرضت مشكلة أخرى، وكلما أزلت ~~دملا ظهر دمل جديد، كأن الرحلة يجب أن تشمل العالم كله! # فغمغمت بذهول: العالم! ~~- نعم، العالم! راقب آثار الحرب في بلادنا إن كنت في حاجة إلى دليل، أمور كثيرة معقدة، ~~ومشاكل لا حصر لها، فكر في أن تنعم بالجبال في سويسرا؛ فسيقال لك إنها مهددة باجتياح الجيوش ~~الألمانية، أو أن تستظل بشجرة بوذا في الهند؛ فستجد جوا مشحونا بالتعصب والانفجار، وقد ~~تتطلع إلى زيارة موسكو، ولكنك لن تعود، والغلاء؟ ألم يبلغ حدا لا يتصوره عقل؟! # ولهث خيالي في إعياء، ولم أعد أفهم شيئا، ولكني عكفت على النزر اليسير الذي ms105 وجدت له ~~معنى فقلت: الغلاء فاحش جدا، والطماطم نادرة الوجود، أما البطاطس فبات أسطورة. # ولاح في نظرته الكحلية تفكير، وشيء من الحزن والفتور، فتساءل: أتحل هذه المشاكل إذا حددنا ~~المرتبات؟ ~~- أي مرتبات يا فندم؟ ~~- يصدر مرسوم بأن أعلى مرتب لا يجوز أن يزيد عن كذا. ~~- كذا؟ ~~- ألا تنتشر تبعا لذلك الطماطم؟ ويظهر البطاطس، وتهبط أجور المساكن؟ ~~- ولكن الدنيا ليست موظفين فحسب، هناك تجار، ورجال صناعة وأصحاب أراض، وهناك أيضا ~~الأجانب! # فهز رأسه كالمتعب وقال: ويوجد هتلر وموسوليني وتشرشل، وأكاذيب لا حصر لها، وصرخات زنوج ~~تصم الآذان. # يا له من شخص غريب، ليس له جبروت المستشارين، ولا جلال الرياسة المخيف، بل وفيه جانب لطيف ~~لا يكاد يفصله عن ... ماذا أقول؟ عن التهريج إلا خطوة؟! بيد أني قررت أن أستمسك بالحذر الشديد ~~حتى النهاية. وقلت برقة ورجاء: هذه أمور محيرة، ولا سبيل إلى حل مشاكلها، أو أنه سبيل طويل ~~لا يعلم مداه، ولكن هناك سبيل ميسور قريب المنال لو أقنعت صاحب الدولة مثلا بزيادة علاوة ~~الغلاء؟! # فحدجني بنظرة استغراب وهو يقول: أتريد أن تحول مهمتي الخطيرة إلى مجرد مسعى شخصي لتحسين ~~حالتك؟ # فاحترق وجهي بالخجل وقلت متلعثما: لا أقصد ذلك، ولكن ... # فقاطعني بقوة: ولكن عيبنا أننا نفكر في أنفسنا ولا شيء غير أنفسنا .. ونظر في الساعة وهو ~~يقول متسخطا: الوزير في الساعة العاشرة، مدير المكتب في التاسعة، ضاع سدى جميع ما قصدته ~~من التبكير! # وتذكرت بغتة واجبا فاتني لشدة ارتباكي، فهتفت: لم أطلب لسعادتك القهوة! # ومددت يدي نحو الجرس، ولكنه أوقفها بحركة آمرة وساخطة، وقال بحدة: نحن في مقبرة لا ~~قهوة! # ثم بشيء من الهدوء: قلت إن عيبنا أننا نفكر في أنفسنا، ولا شيء غير أنفسنا، الحق أن لي من ~~القدرة ما أستطيع به أن أبلغ الصفاء، علي فقط أن أعتزل العالم وهمومه، وهو صفاء حقيقي ~~أسمع في سكونه الأبيض موسيقي النجوم، علي فقط أن أعتزل العالم وهمومه، لكني لا أستطيع، لا ~~أريد، للهموم أيضا أنغامها التي يلتقطها القلب، فإما صحة عامة ms106 أو لا صحة على الإطلاق. هذه ~~هي عقيدتي النهائية، ولذلك كلفت بالمهمة! # وراح يعبث بشعر المنشة فداخلني شعور بالحيرة، وتساءلت عما يعني الرجل، ماذا وراء هذه ~~النظارة الكحلية؟ وعند ذاك فتح الباب وظهر الساعي، وهو يقول لي كعادته: البك المدير ~~وصل. # واستأذنت من المستشار، فمضيت من فوري إلى المدير، وقلت له: إسماعيل بك الباجوري المستشار ~~برياسة مجلس الوزراء في مكتبي. # وانتفض المدير واقفا وهو يتساءل: إسماعيل بك الباجوري؟ # وفي اللحظة التالية كان يصافحه باحترام بالغ مقدما نفسه إليه، ثم ذهبا معا إلى حجرة ~~مدير المكتب. ولبثت وحدي أفكر، ولما يذهب عني روع المقابلة وشجونها. # وواصلت عملي في مراجعة الصحف وأنا مشتت الفكر، لا يتركز انتباهي في شيء مما بين يدي. ومضت ~~نصف ساعة أو نحوها، وإذا بالباب يفتح ويدخل مدير المكتب مهرولا. أقبل نحو التليفون وهو ~~يسألني: هل تعرف هذا المستشار؟ # فأجبت نفيا. وأدار قرص التليفون: آلو، رياسة مجلس الوزراء؟ أنا علي عباس مدير مكتب وزير ~~الأوقاف، من فضلك هل يوجد في الرياسة مستشار اسمه إسماعيل الباجوري؟ ~~- ... ~~- سعادتك متأكد يا فندم! عندنا شخص بهذا الاسم وهذه الصفة، كما هو واضح في بطاقته. ~~- ... ~~- آسف على إزعاجكم، وسأفعل ما أشرتم به. # ووضع السماعة دون أن ينظر إلى وجهي الضائع، ثم أدار القرص ثانية: آلو، سعادتك ~~المأمور؟ ~~- ... ~~- علي عباس مدير مكتب وزير الأوقاف، عندنا شخص ينتحل شخصية مستشار بالرياسة، يتحدث حديثا ~~غريبا ويطلب مقابلة معالي الوزير، وبالنظر للظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد؛ فأخشى أن ~~يكون من الإرهابيين. ~~- ... ~~- الواقع أن مظهره مخالف لهذا النوع من الشباب، ولكني أخاف المفاجآت. ~~- ... ~~- في انتظارك يا فندم، أرجو السرعة. # وأعاد السماعة وغادر الحجرة وأنا في حال، ووضح الأمر في القسم. لم يكن الرجل إرهابيا، ~~ولكن كان به لطف. واستدعيت أسرته، واتخذت الإجراءات المتبعة، وقد سمعته وهو يقول للمأمور ~~في كبرياء غاضب: الحق علي، ما كان أسهل أن أنعم براحة البال، والحق علي! # | صورة قديمة # فكرة ومضت فجأة، فوعدته بالخلاص من حيرته. ومضت في رأسه عندما مرت عيناه ms107 بالصورة ~~المدرسية القديمة. كان يعاني حيرة البحث عن موضوع جديد للمجلة، كما ينبغي لصحفي مطالب ~~بجديد كل يوم. وفجأة ومضت فكرة، وكانت الصورة معلقة بمكانها من حجرة الجلوس منذ أكثر من ~~ثلاثين عاما، لا تنطق ولا توحي بشيء ولا تكاد ترى، ولكن بدا أنه آن لها أن تتكلم. ركز ~~انتباهه بحماس في الصورة التي كاد يمحوها طول البقاء. صورة السنة النهائية بالقسم الأدبي من ~~الجيزة الثانوية عام 1928م، ما الرأي في دراسة صحفية عن أصحاب هذه الوجوه الفتية؟ المدرسة ~~والحياة، 1928 و1960م؟ فكرة طيبة من ناحية المبدأ، فهل يستطيع أن يظفر بحقائق تصلح أساسا ~~لبحث طريف؟! كم من أعوام مضت دون أن يلقي نظرة على هذه الصورة! وكم من معالم فيها انطوت ~~إلى غير رجعة، كهذه الطرابيش، وهؤلاء المدرسين الإنجليز والفرنسيين! وكانت مجرد نظرة إلى أي ~~وجه كافية غالبا لتذكيره بصاحبه، وإن غاب عنه اسمه، وإن جهل كل الجهل مصيره. ولا أحد بينهم ~~تربطه به اليوم علاقة، حتى ولا هذا الفتى المثير الذي جاوره في المسكن زمنا طويلا، وتفحص ~~الوجوه مبتدئا بالصف الأعلى، فمر بوجهين لا معنى لهما، ثم وقف عند فتى كان من أبطال كرة ~~القدم، ولقي حتفه في مباراة بين الجيزة ومدرسة أخرى، حادث لا ينسى، وتراءى ضحيته في الصورة ~~براق العينين معتدا بنفسه منحرف جانب الفم في شبه ابتسامة، وهو اليوم عظام. وواصل ~~مسيره من وجه إلى وجه حتى وقف عند وجه نحيل مستطيل، ذكره بموقف صاحبه فوق سلم سكرتير ~~المدرسة، وهو يخطب خطبة ملتهبة داعيا الطلبة إلى الإضراب احتجاجا على تصريح 28 فبراير! ~~وإلى جانبه مباشرة برز وجه وجيه يحمل طابع الأناقة والسلالة الممتازة، فورد اسم الأسرة على ~~ذاكرته بسرعة - الماوردي - فسجله في مذكرته واثقا من سهولة الاهتداء إليه، فضلا عن أنه ~~كان نجما لامعا في الحياة السياسية منذ عشرة أعوام، فهذا أول عنصر هام في مشروع بحثه. ~~وجرت العينان على الوجوه واحدا بعد آخر، فلم ينطق وجه أو يبين حتى بلغتا وجها ليس من ~~السهل ms108 نسيانه، فهو رمز التفوق المدرسي بكل سحره، أول الفصل، أول كل فصل ، وأول المدرسة، ~~الأورفلي وبفضل التفوق وغرابة الاسم بقي في الذاكرة. وفي كلية الحقوق كان له شأن، ثم عين ~~في النيابة العمومية أيام كان التعيين فيها حدثا هاما، سيسهل عليه الاهتداء إليه بالرجوع ~~إلى وزارة العدل، وهو ثاني عنصر هام في دراسته، الأورفلي بعد الماوردي. وتحداه وجه جديد ~~بذكرى دامية، مشاجرة نشبت بينه وبين صاحبه في حوش المدرسة، وإن لم يذكر من أسبابها شيئا ~~على الإطلاق. وتتابعت الوجوه صامتة صمت الحجر حتى جاء الوجه المثير، الجار القديم، حامد ~~زهران مدير شركة «الهرم الدرج». ابتسم ابتسامة باردة. هذا هو فتى العصر، ما زال يذكر ~~بوضوح كيف ترك الجيزة الثانوية ساقط بكالوريا، وكيف التحق بخدمة وزارة الحربية بالكفاءة، ~~ولم تنقطع علاقته به إلا منذ عشرة أعوام حين ترك هو عطفة أبو خوذة، بعد أن فتح الله عليه في ~~الصحافة. وترامت إليه أخبار عن استقالته من الحكومة؛ ليشغل وظيفة سكرتير لمدير شركة الهرم ~~المدرج، ثم علم آخر الأمر بتوليه منصب المدير بمرتب 500 ج.م في الشهر. يا له من معجزة، ~~سواء في طفرته الجنونية أو في تفاهته التي لا يشك هو فيها! على أي حال سيكون عنصرا هاما ~~وذا دلالة في دراسته. دراسة طريفة كما يأمل، وستعتمد على تحليله واستنباطاته أكثر من ~~اعتمادها على أحاديث أبطالها المجهولين؛ إذ إن الطريف حقا ليس أشخاصهم، ولكن دلالتهم ~~الاجتماعية. ومهما يكن من أمر فليؤجل تقرير الصورة النهائية للبحث حتى يجمع مواده. # وبدأ بطلب مقابلة عباس الماوردي في عزبته بقليوب، بعد أن علم بإقامته فيها عن طريق دائرة ~~الماوردي بميدان الأزهار. وفي الموعد المحدد كان يقطع الممشى المحفوف بأصص الورد على ~~الجانبين إلى السلاملك. كان القصر تحفة من طابقين وسط حديقة، مساحتها فدانان اكتظ ~~أديمها بأشجار المانجو والبرتقال والليمون وأعراش العنب ومربعات ومثلثات ودوائر لا عد لها ~~من الأزهار والخضرة والجداول. وهو قائم كالمارد وسط فضاء من الحقول يترامى حتى الأفق، يغشاه ~~الصمت والهدوء والامتثال، وتتراءى ms109 عن بعد فوق سطحه أجساد منحنية، بدت ضائعة في النبات ~~والفضاء. وأقبل عليه عباس الماوردي يرفل في عباءة فضفاضة، بوجه ممتلئ مورد وشعر لامع منسرح ~~فوق رأس مستدير كبير، وفي طوله وعرضه امتداد هائل جعله أشبه بتمثال متلفع بستار قبل ~~إزاحته. حدجه بنظرة باسمة، لم تخل من دهشة حذرة واستطلاع، وقال مرحبا: أهلا وسهلا ~~بالأستاذ حسين منصور. # وتصافحا ثم جلسا وهو يقول: إني أتابع نشاطك الصحفي بإعجاب، وأذكر به زمالتنا المدرسية ~~وإن كنا لم نلتق منذ افتراقنا في الجيزة الثانوية. # فقال حسين باسما: تقابلنا مرة خطفا في البرلمان عام 1950 أو 1951م. # فتساءل بحاجبيه «حقا؟» واستسلما مليا لذكريات المدرسة، ثم فاتحه بمقصده من ~~الزيارة. # فقال عباس برجاء: أليس المستحسن أن تتركني في حالي؟! # ولكن حسين قال متحمسا: لست من رأيك، هي دراسة قد تكون خطوة أولى لمتابعة جيل بأسره، ولن ~~أنشر كلمة عنك قبل الرجوع إليك، أعدك بهذا، ولعلي أستغني عن ذكر الأشخاص كلية. # لم يعترض وإن لم يبد متحمسا. ولم يعلن وجهه عن شيء حتى تساءل حسين منصور بقلق عما ~~وراءه. ترى هل آلمه الموقف وما أثار من ذكريات؟! مهما يكن من أمر ثرائه اليوم؛ فقد كان ~~بالأمس مليونيرا بلا جدال، وكان نجما سياسيا بازغا، نجح في الانتخابات بالتزكية بفضل ~~جاهه، ورشحته الأقاويل للوزارة في أواخر 1950م. ~~- إني أقيم هنا بصفة دائمة، ولذلك أرسلت ابني الجامعي إلى عمته بالقاهرة، ولا أكاد ~~أغادر العزبة إلا فيما ندر! # ولانت فرامله فاستفاض حديثه. قال إنه يزرع أرضه بنفسه مستعملا أحدث الآلات الزراعية، ~~وإنه يعنى عناية خاصة بتربية الماشية والدواجن، وإنه أعد لأوقات الفراغ مكتبة كبيرة، ~~واختار ركوب الخيل هواية ورياضة. إنه قابع في مملكة صغيرة استغنى بها عن العالم كله، ويود ~~لو يمضي عمره في حدودها لا يجاوزها. وإذا بالآخر يسأله عن الفلاحين! ~~- أنا فلاح أيضا، وكذلك كان أبي، ولا أجد صعوبة في التعامل معهم، إنهم قوم ~~طيبون. # وعاد حسين يتساءل، ولكنه عدل عن الموضوع بلباقة: ألم ترشح نفسك للاتحاد القومي؟ # فقال ms110 بتوكيد: اقترح علي كثيرون ذلك، ولكنني سعيد هكذا! # تخيل حسين تلك الحياة الجامعة للفطرة والحضارة معا، المنعمة بكل طيب، المنطوية في عزة ~~وكبرياء، المتعزية باللذائذ الدنيوية والفكرية، الهائمة بالليل والقمر والبار الأمريكاني ~~والغرزة البلدي. ~~- وأصدقاء الماضي؟ ~~- من؟! الخاصة يمضون عندي نهاية الأسبوع، أما الآخرون فلا أدري عنهم شيئا. # وأبى أن يتكلم كلمة واحدة عن أمر من الأمور العامة، فلم يلح عليه وسأله: ألا تشتاق ~~أحيانا إلى السينما مثلا؟ ~~- عندي صالة عرض خاصة، لا ينقصني شيء! # وعرض عليه الصورة المدرسية القديمة؛ لعله يدله على أحد منها فتصفحها باسما. ثم أشار ~~إلى وجه قائلا: علي سليمان، أصيب برصاصة في صدره على عهد صدقي، وبسببها عين في السلك ~~السياسي بعد تخرجه، ثم خرج أخيرا في التطهير. # وأشار حسين إلى صورة حامد زهران فهز الآخر رأسه نافيا، فقال: حامد زهران، مدير شركة، 500 ~~ج. م. شهريا! # فتساءل بحاجبيه: «حقا؟» ولم ينبس، والتمعت عيناه بنظرة ارتياب حائرة، فأنهى الآخر ~~الحديث. # وفي وزارة العدل اهتدى إلى مقر أول المدرسة الأستاذ إبراهيم الأورفلي المستشار بالجنايات. ~~رصده أمام بناء المحكمة حتى خرج متبوعا بالحاجب الذي راح ينادي التاكسي، فأقبل نحوه ~~مبتسما. رمقه المستشار بنظرة داهشة، ثم ما لبث أن تعرف عليه، فمد إليه يده مصافحا. ولما ~~أدرك مقصده بصفة أولية دعاه إلى الغداء معه، فحملهما التاكسي إلى مسكنه بشارع ماهر. دخلا ~~مسكنا محترما لكنه عادي في جملته مما أدهش حسين منصور، ولكن عندما تحلق السفرة معهما ~~ثمانية من الأبناء متقاربي السن زايلته الدهشة. ~~- نشاطك الصحفي يلفت الأنظار حقا! # فشكره وهو يسترق النظر إلى جسده النحيل وعينيه اللامعتين المتعبتين. كم تمتع في المدرسة ~~بصيت التفوق الساحر! اليوم لا يعلم باسمه أحد خارج دائرة القضاء. ولما ألمح على مهمته بشيء ~~من التفصيل قال الأورفلي بسرعة: لا شأن لعملي بالصحافة! عندما كنت رئيس نيابة، وفي أثناء ~~التحقيق في قضية مشهورة، حاولت الصحافة دفعي إلى الأضواء، ولكنني أبيت عليها ذلك، الشهرة لا ~~تعني شيئا للقاضي، والمتهمون إما أبرياء يجب صيانتهم أو مذنبون ms111 تعساء لا يجوز التشهير ~~بهم! # فقال حسين بثقة: لا تخش النشر، إني أقوم بدراسة عن المدرسة والحياة، وإذا شئت رمزت إلى ~~اسمك بحرف، وقد أستغني حتى عن هذا! ~~- وهو الأفضل، ولكن ماذا تريد على وجه التحديد؟ # فحدجه بنظرة إغراء صحفية، وهما يحسوان القهوة في الصالون منفردين، ولم يبق من الأولاد ~~إلا طنين يقتحم باب الحجرة المغلق من آن لآن. ~~- أريد أن أسجل رأيك في جيلنا وفي هذا الجيل، أهم القضايا التي فصلت فيها، فلسفتك عن ~~عملك والحياة. # ومضى يفصح عن آرائه في تمهل وفي شيء من الحياء! .. كان متحيزا للجيل الماضي كأفراد، ~~وللحاضر كفلسفة. وبدا معجبا بمهنته راضيا عنها رغم ما تقتضيه من جهد متواصل، ثم أخذ يروي ~~عجبا من القضايا التي صادفته. ~~- أنت كنت الأول علينا دائما! ~~- وكنت أول البكالوريا في القطر كله. # ففكر مليا، ثم قال: أرى في وجهك صفاء غريبا رغم كل شيء! ~~- رغم ماذا؟ # فقال برقة: إن من يحكم بالإعدام على إنسان ... # فقاطعه بتوكيد: ما دمت مرتاح الضمير؛ فإني لا أعرف للقلق معنى! ~~- الحق أن صفاءك غير عادي! # فضحك عاليا وهو يقول: اعتبرني من الصوفية إذا شئت! # فتجلت الدهشة في عيني حسين، وتوثب إلى مزيد من المعرفة، ولكن سرعان ما بدا على الآخر ما ~~يشبه الندم على ما فرط منه، وأبى أن يزيد كلمة واحدة. ~~- يبدو أن عملكم شاق حقا. ~~- حياتنا تفنى بين أوراق القضايا. # واضح جدا أنه مرهق بالعمل، كما كان وهو طالب، رهبنة نبيلة وكفاح متصل، وثمانية أولاد، ~~وتصوف! ~~- مع ذلك يرى الموظفون في كادر القضاء جنة النعيم! # فقال مبتسما: لنا الجنة! # وعرض عليه الصورة المدرسية، فنظر فيها باهتمام، فأشار حسين إلى حامد زهران متسائلا: ألا ~~تذكر هذا الطالب؟ ~~- كلا! ~~- حامد زهران، من ساقطي البكالوريا، مدير شركة، 500 ج. م. شهريا. # فحملق في الصورة كأنما يحملق في طبق طائر، فقال حسين: ظننت الخبر لا يهز الصوفي! # وانطلقا معا يضحكان. وسأله عمن يعرف في الصورة من زملاء الدراسة، فجرى ببصره عليها، ثم ~~وضع إصبعه على ms112 وجه في الصف الثاني، وهو يقول: محمد عبد السلام، كاتب بالنيابة، وعمل معي أول ~~عهدي بالخدمة في أبو تيج، ولا أدري الآن عنه شيئا! # واضطر إلى السفر إلى المنيا؛ ليقابل محمد عبد السلام في مقر عمله الأخير. بدا له أكبر من ~~سنه بعشرة أعوام على الأقل، ووجد في هيئته الرثة وشعره الأبيض الأشعث وثنيتيه المفقودتين ما ~~يذكر بالخرابات. ولم يتذكره الرجل ولم يقتنع بدعواه حتى أطلعه على الصورة القديمة. وجلسا ~~في حجرة استقبال سائبة المفاصل في شقة قديمة مكتظة بالذرية. ~~- لا أعرف أحدا في هذه الصورة، طول مدة خدمتي، وأنا أتنقل من بلد إلى بلد. # ووجد حسين في قلبه نغز ألم، وشعر نحو الرجل برثاء واحترام عميقين، وسأله عن درجته، فقال: ~~الدرجة الخامسة منذ عام، اكتب هذا يا أستاذ، ويا حبذا لو تنشر صورتي مع الأولاد، ست بنات ~~وأربعة أولاد، ما رأيك؟ أليس من الجائز أن يكون الله قد أرسلك لي فرجا بعد الشدة؟! # ووعده بكل خير! واستدرجه للحديث عن ذكريات العمل، ورجاه أن يكتب له بالتفصيل ميزانية ~~أسرته في عام مثلا. وأشار إلى صورة حامد زهران قائلا: هذا الزميل القديم يتقاضى اليوم 500 ~~ج. م. شهريا. # فذهل الرجل حتى خيل إليه أن وجهه ازداد شحوبا، وتساءل: ماذا يعمل؟ ~~- مدير شركة. ~~- ولكن الوزير لا يقبض نصف هذا القدر! ~~- هذا شيء وذاك شيء! ~~- فتساءل في دهشة: كيف وفيم ينفقها؟ # فابتسم حسين ولم يجب، فسأله الآخر: وما شهادته؟ ~~- الكفاءة! ~~- يا خبر أسود، أنت تمزح. ~~- كلا، العبرة ليست بالشهادة. ~~- العبرة بماذا؟ دلني كيف يصل إنسان إلى هذا الحظ؟ .. ها هو يقف معي في صف واحد في ~~الصورة، فخبرني كيف بلغ هذه المرتبة؟! # فقال ملاطفا: هنالك شيء اسمه الحظ. # فهز الآخر رأسه في حزن وقال بيقين: لا يوجد عمل في بلادنا يستحق هذا القدر من المال، وإلا ~~فلماذا لم نصل إلى القمر؟ # وضحك حسين قائلا: على أي حال أنتم أحسن حالا من الملايين. # فقال محتجا: الملايين! أنا عارف هذا، ولكن حامد زهران هو المشكلة. ms113 # ولم يجد صعوبة في الاتفاق على مقابلة مع جاره القديم حامد زهران. ولما كانت الشركة ليست ~~بالمكان المناسب للمقابلة الحرة؛ فقد دعاه إلى مسكنه بالدقي. وتطلع حسين إلى الفيلا ~~القائمة في أحضان الصفصاف بإعجاب، وسرعان ما ذكرته بقصر عباس الماوردي في عزبة قليوب، ~~الهندسة الرائعة والحديقة السابغة وأنفاس العز العطرية. ترى أي صورة يتراءى فيها اليوم ذلك ~~الجار القديم؟ .. فإنه لا يحتفظ منه إلا بالعود النحيل والوجه الشاحب، العابث في ضحكه، شبه ~~الجائع، وهي صورة لا تتلاءم بحال مع هذه الفيلا المثيرة. الله يرحم أيام زمان يا حامد، ~~أيام الشلن تقترضه بشتى الحيل، ولا ترده ولا بالطبل البلدي، ليت الزمن لم يفرق بيننا، إذن ~~لرأيت عن كثب كيف تقع هذه الزلازل البشرية! ~~- أهلا حسين، أين أنت يا رجل؟ # كان في كامل زيه كالكبراء في بيوتهم، وكان الصالون يخطف الأبصار بالأضواء والمرايا ~~والتحف، أما هو فقد اخضر عوده وجرى فيه ماء الحياء. ~~- أنا أحتج على هذه الزيارة النفعية، كان يجب أن يكون هذا البيت بيتك، حتى التهنئة ~~الواجبة لم أتلقها منك في حينها! # وارتبك حسين قليلا، لكنه قال بلباقة: لن يشفع لي عذر! .. لذلك أطلب العفو! # وضحك حامد قانعا. ونسيا في حديث الذكريات الحاضر وقتا غير قصير، ثم تحفز الصحفي ~~للعمل. وتجنب حسين الأسئلة التي قد يشتم فيها تعريض أو سخرية، قاصرا تحرياته على ~~النجاح وكيف تيسر له، وعن سياسته في الشركة وآرائه في جيله ... إلخ. ~~- كانت تربطني بالمدير السابق علاقة العمل، قبل أن يتولى إدارة الشركة فاختارني سكرتيرا ~~له ثم مديرا لمكتبه، فهو قد اختارني عن خبرة سابقة. # خبرة سابقة! الحق أنك فتحت بيتك القديم نادي قمار للسادة من رؤسائك، نادي قمار وغرزة ~~أيضا، ولكن من المقطوع به أنك ذكي نهاز للفرص! ~~- وفي مدة خدمتي في مكتبه درست كل كبيرة وصغيرة مما يتصل بالعمل، وتعرفت على جميع الكبار ~~من المتعاملين مع الشركة. ~~- في هذا يوجد الفرق بين العبقري والعادي من السكرتاريين. ~~- ومديري هو الذي رشحني للوظيفة عند نقله منها إلى ms114 الخارج. ~~- نعم الترشيح! ولكن ما هي السياسة التي رسمتها للمستقبل؟ # وأفاض في الحديث عن ذلك بثقة واعتداد، ودون الآخر خلاصة وافية للكلام، وهو يراقبه عن ~~كثب، ويسجل في ذاكرته حركاته وسكناته، وعندما انتهى التحقيق قام زهران، وقال وهو يتجه إلى ~~الداخل: انتظر حتى أقدمك إلى زوجتي! # آه .. فايقة! .. الجارة القديمة! .. ترى كيف أصبحت اليوم؟! تزوجها زهران أيام التلمذة، ~~وكان جارا لأبيها عم سلامة سائق الترام. ترى كيف تتبدى اليوم في هذه الفيلا؟! # ورجع حامد زهران يسير بين يدي فتاة في العشرين، حلية براقة، ووجه مستعار السمات من الشرق ~~والغرب. رباه أهي زوجة جديدة؟! # وتم التعارف، وجرى الحديث بالإنجليزية أكثر الوقت، وكانت المباهاة تصرخ في وجه زهران ~~الضاحك. ولكن أين فايقة؟ .. ماتت أم طلقت؟! # لم تكن الصورة لتتم حتى يتأكد من هذه النقطة. ومضى من توه إلى عطفة الكرماني بباب ~~الشعرية، إلى مسكن عم سلامة القديم. وفي أول العطفة علم من كواء بلدي بأن عم سلامة توفي ~~من سنوات، وأن ابنته فايقة فاتحة دكان سجائر وحلوى أسفل البيت. واقترب من البيت منفعل ~~الصدر، وهو يحاذر أن تراه حتى وقع عليها بصره وهي جالسة وراء الطاولة، لا يبدو منها سوى ~~وجهها وعنقها. وكانت تدخن سيجارة وقد بدا وجهها أكبر من سنه بعشر سنوات على الأقل، كوجه ~~محمد عبد السلام كاتب نيابة المنيا. بدت شاردة الطرف متجهمة ومستسلمة للمقادير. وتذكر ~~كم كانت مثالا للصبر والحيوية. والأمل فشعر بأن أنبل ما في صدره ينحني لها رثاء ~~واحتراما. # وغادر عطفة الكرماني ضيق الصدر بعكارة الجو. ومضى يفكر فيما جمع من مواد لدراسته، ~~ويحللها تحليلا أوليا وهو يتساءل: ترى أي معنى ستتمخض عنه هذه الصورة القديمة؟! ms115