######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.FajrKadhib.Hindawi42814840 #META# Tags: novels #META# ID: 42814840 #META# Title: الفجر الكاذب #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفجر الكاذب‏ # نصف يوم‏ # يرغب في النوم‏ # الهمس‏ # في غمضة عين‏ # مرض السعادة‏ # من تحت لفوق‏ # رجل‏ # خطة بعيدة المدى‏ # النشوة في نوفمبر‏ # يوم الوداع‏ # أحلام متضاربة‏ # تحت الشجرة‏ # ذكرى امرأة‏ # مولانا‏ # حوار‏ # خيال العاشق‏ # غدا تغرب الشمس‏ # على ضوء النجوم‏ # الجرس يرن‏ # وصية سواق تاكسي‏ # الميدان والمقهى‏ # المرة القادمة‏ # القضية‏ # ذقن الباشا‏ # عندما يقول البلبل: لا‏ # العجوز والأرض‏ # فوق السحاب‏ # الغابة المسكونة‏ # في المدينة‏ # الفجر الكاذب‏ # نصف يوم‏ # يرغب في النوم‏ # الهمس‏ # في غمضة عين‏ # مرض السعادة‏ # من تحت لفوق‏ # رجل‏ # خطة بعيدة المدى‏ # النشوة في نوفمبر‏ # يوم الوداع‏ # أحلام متضاربة‏ # تحت الشجرة‏ # ذكرى امرأة‏ # مولانا‏ # حوار‏ # خيال العاشق‏ # غدا تغرب الشمس‏ # على ضوء النجوم‏ # الجرس يرن‏ # وصية سواق تاكسي‏ # الميدان والمقهى‏ # المرة القادمة‏ # القضية‏ # ذقن الباشا‏ # عندما يقول البلبل: لا‏ # العجوز والأرض‏ # فوق السحاب‏ # الغابة المسكونة‏ # في المدينة‏ # | الفجر الكاذب # | الفجر الكاذب # تأليف # نجيب محفوظ # | الفجر الكاذب # كأنما هو سباق بيني وبين قرص الشمس المائل نحو الغروب. بلغت شارع ابن ~~ياسر المكلل بأشجار الأكاسيا على جانبيه. تستبق فوق أديمه السيارات في ~~تيارات متدفقة، وتقوم في موقع من وسطه العمارة بمدخلها الواسع الممتد، ~~وضوئها المشع من داخل الجدران الشفافة. رفعني المصعد إلى الدور الثامن. ~~ضغطت على الجرس ففتحت الشراعة عن وجه الخادم. تقدمني إلى الثوي المكون ~~من ثلاث حجرات متصلة، فجلست على مقعدي في الأعماق. أزاح الرجل ستارة ~~وفتح نافذة، فتدفق هواء الخريف. وهلت سيدتي في فستان أزرق آية في ~~البساطة والرقة، وشبشب أزرق مذهب السير، ترنو إلي بعينيها ~~النجلاوين الثاقبتين، وأنا أتعجب من صفاء بشرتها. سألتني عما أحب أن ~~أشرب، فطلبت القهوة فقالت إنها سلت بعض فراغها بصنع شيكولاتة ~~بالبسكويت، قلت إذن أتناول واحدة. وأمرت لي بما طلبت. ونظرت في وجهي ~~مليا، وقالت: واضح أنك لم تتقدم خطوة مفيدة. # فقلت في تسليم: هذه هي الحقيقة. # تساءلت ضاحكة: ترى أهو ذنب المشكلة أم ذنبك؟ ~~- لا أدافع عن نفسي، ولكن لا يمكن أن أتهم بالإهمال. ~~- كأننا لم نبدأ بعد. ~~- وهذا ms01 ما يؤرقني. # وجاء الخادم دافعا أمامه خوانا، يحمل القهوة والشيكولاتة. وتركتني ~~أحتسي القهوة في هدوء، ودون أن يزايلني التوتر. وقلت برجاء: لا تسيئي ~~بي الظن. ~~- تهمني النتائج لا النوايا أو الأقوال. ~~- نحن في زمن عجيب، شهدنا إنسانا يهبط فوق سطح القمر، ونرى السوق ~~ملأى بكتب عن القوى الخفية. ~~- لا يعني هذا أن يقف الإنسان مكتوف اليدين، وهو يعلم أنه عرضة ~~للهلاك في أي لحظة. ~~- لم أقف مكتوف اليدين، وطالما أتعبت سعادتك معي. ~~- أمرك يهمني كما تعلم. # فبسطت راحتي على صدري، وأحنيت رأسي شاكرا، ثم قلت: طبعا سمعت عن ~~الذي قتل والديه؟ ~~- والتي قتلت ابنها، وقديما سمعنا عن ريا وسكينة. ماذا تريد أن ~~تقول؟ ~~- يشعرني ذلك باقتراب القدر. # فقامت لتغادر المكان، وهي تقول: سأحرر لك رسالة للبك. # وغابت حوالي ربع ساعة ثم رجعت، فسلمتني رسالة مطوية في مظروف مغلق، ~~وتساءلت: هل تبقى للعشاء؟ # فقمت بدوري شاكرا، وغادرت الشقة. ليل الخريف هبط بسرعته المألوفة، ~~وأضواء السيارات المبهرة اقتحمت الأعين. وذكريات متلاطمة تفعل بإحساسي ~~ما تفعله أضواء السيارات المبهرة، ولكنها تختفي وتضيع قبل أن أقبض ~~عليها. فالدنيا تبدو مراوغة مثيرة للحيرة والقلق. ومضيت من توي إلى ~~شارع البورصة، إلى مشرب الزهرة الصغير الأنيق الذي لا يتلاشى الجالس ~~فيه. طلبت من النادل سندوتش لحم بقري وقدح شاي، وقال لي الرجل قبل أن ~~يذهب: سألت عنك .. وستجيء لمقابلتك بعد قليل. سررت بذلك وتناولت ~~عشائي وانتظرت. # ولم يطل بي الانتظار، فجاءت تخطر في بنطلونها بجسمها الرشيق الثري، ~~ووجهها الأسمر الصافي المنمق، وقد ارتدت جاكتة من الجلد البني. وطلبت ~~الشاي كالعادة وهي تنظر إلي في عتاب: لم أرك منذ أيام. ~~- آسف، أنا غريق في مشكلتي، وأمضي من وسيط إلى وسيط. ~~- لم يمنعك ذلك من ملاحقتي كظلي في وقت مضى. ~~- لا يمنعني عنك إلا عذر قاهر. ~~- ولكنك تدور في حلقة مفرغة، لا ترى لها نهاية. ~~- لولا أنه يوجد في الدنيا أمل كالذي تعدينني به؛ لانتهيت من زمن ~~بعيد. # استشعرت شيئا من الحياء وهي تتساءل: لماذا تصر على تأجيل ms02 زواجنا ~~حتى تحل جميع مشكلاتك؟ ~~- هذا هو التصور الطبيعي. ~~- ولكن الزواج يهيئ لك نصف الأمان على الأقل؛ فأخي من كبار رجال ~~الشرطة! # فقلت وأنا أنظر في عينيها بإشفاق: خصمي شخص مجهول. ~~- هو أيضا لم يهتد إليك بعد، وقد يساعدك أخي على معرفته. ~~- أتمنى أن أتزوج وأنا رائق البال. ~~- لا عقبة في طريقنا إلا ما ينبثق من ذاتك. # عاودتني عواطف صافية من زمن مضى، فرمقتها بحنان وحب وقلت: فلنجلس ~~لنحلم في عذوبة وهدوء، وقريبا سوف تنقشع الهموم. # وتبادلنا حبا عميقا بلا كلمة ولا حركة. وفي لحظات عابرة بدت ~~الدنيا مراوغة، وتلاشت حبيبتي من مجلسها القريب. وعادت مرة أخرى مشرقة ~~الوجه، فواصلنا الحب المتبادل الصامت. ولما تركتني تذكرت بزهو عنادي في ~~مطاردتها، حتى انتزعت من صميم قلبها الاعتراف بالحب، وأمدني اللقاء ~~بحماس جديد، فقمت لأقابل البك وأسلمه الرسالة. ذهبت إلى النادي بشارع ~~الشط الأخضر، وجدته جالسا مع نخبة من الأصدقاء في الشرفة المطلة على ~~الحديقة الواسعة. ولما رآني مقتربا قام مستأذنا من صحبه، وصافحني ~~إكراما طبعا للهانم، ومضى بي إلى الثوي الأخضر. أجلسني قريبا منه، ~~ونظر إلي بعينيه الثقيلتين وبوجه لا يعبر عن شيء، وسألني: هل من ~~جديد؟ # فقلت بأسى: أقابل أناسا وأتلقى وعودا. # وتناول مني الرسالة وأبقاها في يده المنبسطة، وتساءل: ألا يقنعك ~~هذا؟ ~~- أريد أن يتحقق وعد. ~~- لكل عمل يشغله، هذه أيام الصرف الصحي، والعدوان على تونس، وخطف ~~السفينة الإيطالية، ثم خطف الطيارة المصرية ... والدولار. ~~- مشكلتي غاية في البساطة. ~~- أنت تتصور ذلك، لا، انظر إلى الموضوع بعين محايدة. ~~- لكن حياتي مهددة! ~~- هل تعرف عدد الفلسطينيين الذين قتلهم الإسرائيليون؟ .. ~~والفلسطينيين الذين قتلهم العرب؟ .. وضحايا العنصرية في جنوب أفريقيا ~~.. والطائفية في لبنان، وضحايا الزلازل والبراكين، والسموم البيضاء، ~~والمظاهرات؟ # فقلت وأنا أنظر بين قدمي: ما علي إذن إلا أن أستسلم ~~للموت. ~~- بل أعني أن تصبر وتعتمد على النفس. ~~- أليس من الحكمة أن أستثمر علاقاتي بالرجال الكبار؟ ~~- لن ينقذك إلا اعتمادك على نفسك، افعل ما فعله رمسيس الثاني عندما ~~حاصره الحيثيون، وأوقعوه في الشرك ms03 ... # فقلت وأنا أداري ابتسامة: سيدي، أنا لست رمسيس الثاني. ~~- لتكن رمسيس المائة أو الألف. # وتنبه للرسالة بين يديه، فقص المظروف وقرأها بعناية. ونادى النادل ~~فطلب رسالة ومظروفا. وفي تلك الأثناء هفت إلى أنفي رائحة مسك فلم ~~أستطع أن أخفي اضطرابي، فسألني عما ألم بي، فكاشفته بما تردده ~~الشائعات عن خصمي المجهول، قلت: إنه يتطيب عادة بالمسك. # فقال الرجل بضجر: وغيره كثيرون، لا أظنه عضوا في نادينا. # وغرقت في مستنقع الهواجس على حين راح هو يكتب التوصية الجديدة، ثم ~~سلمها إلي في مظروف مغلق. وغادرت النادي، ولما قرأت اسم الوسيط ~~الجديد، رأيت أن أذهب إليه ضحى الغد. وذهبت إلى مسكني بشارع الجندي ~~المجهول، غيرت ملابسي وجلست أمام التليفزيون أشاهد فيلما بطله سيارة ~~تندفع ذاتيا، وتقتل من يصادفها من البشر. شقتي صغيرة بالية ولكن ~~الزمن رفعها ألف درجة، وجعل منها درة لا يفوز بها إلا ذو حظ سعيد. ~~وقد أقمت بها مع قريب على عهد التلمذة، ثم استقللت بها بعد انتهاء ~~دراستي الجامعية وتعييني في الوزارة. ورن جرس الشقة فعاودني الشك الذي ~~اجتاحني حين شممت رائحة المسك، ومضيت إلى العين السحرية فطالعني وجه ~~جارتي المقيمة في الشقة المواجهة لشقتي. ماذا جاء بها دون طلب أو ~~اتفاق؟ دخلت ملتفة في روب وردي مشرقة الوجه بالزواق، ولما رأت فتور ~~وجهي، قالت: لا تحب أن تراني إلا وقت الحاجة؟! # وجلست على مقعد قريب من مقعدي وهي تقول: لا يوجد زبائن، فقلت: أسلي ~~وحدتي بجلسة بريئة! # ثم بعد صمت: ماذا جرى للزبائن؟ # فقلت دون أدنى اكتراث: لعلها الحالة الاقتصادية. ~~- أنا لا أتعامل بالدولار. # وتفحصتني قليلا ثم قالت: ما زلت غارقا في همومك؟ ~~- طبعا. ~~- يوجد في قريتي من يصمم على قتلي، لو عثر علي ولكني لا أفكر في ~~الغد. # فقلت بحياد: كل شيخ وله طريقة. ~~- لكل أجله وهو يعمل مستقلا عن الأسباب. # فقلت وأنا أداري غيظي: فلسفة عظيمة، أنت امرأة سعيدة. ~~- لا .. وزني ثقيل، وهو آخذ في الازدياد، وتسبب في حرماني من تعلم ~~الرقص. ~~- ولكن الشهرة ليست ms04 في صالحك، وقد تدل عليك من يريد قتلك. # وانقطع حبل الحديث. ولم تجد من ناحيتي أي رغبة في وصله، فسلمت بفشل ~~مهمتها، وانصرفت وهي تلوح لي مودعة. وأنا أهم بالنوم عاودني الإحساس ~~بأن الدنيا تراوغني، فخيل إلي أن جارتي لم تأت لزيارتي، وخيل إلي ~~حينا آخر أنها ترقد إلى جانبي، وفي الصباح ذهبت إلى الوزارة. هي ~~المكان الوحيد الذي ألقى فيه الاحترام وأسمع الثناء تلو الثناء. ولي ~~زميل غاية في الدماثة والمودة. وهو يحثني دائما على أن أعيش حياتي، ~~وأن أستهين بالظنون والأقاويل التي لا يقوم عليها دليل مادي .. يقول ~~لي: من منا لا يتربص به الموت؟ # ودعاني ذلك الصباح إلى الاشتراك في رحلة إلى جنوب سيناء، فوعدته ~~بالتفكير في الأمر. وعند الساعة العاشرة استأذنت في الانصراف لعذر مهم، ~~وغادرت المؤسسة إلى شارع الوادي الجديد، حيث توجد عيادة الوسيط الجديد ~~الذي أحمل إليه الرسالة. ورجوت التمرجي أن يوصل الرسالة إلى الطبيب ~~فذهب بها ثم عاد بعد دقائق؛ ليأذن لي في الدخول فورا. وجدت الطبيب ~~جالسا وراء مكتبه يطالعني بشخصية قوية وعينين نافذتين، غير أنه توكد ~~لدي ما يحظى به صاحب الرسالة من منزلة فريدة عنده. قلت: أعتقد أني قادم ~~إلى سعادتك بصفتك الشخصية لا المهنية. # فسألني بجدية: ما الذي حملك على هذا الاعتقاد؟ ~~- مشكلتي، بل كل مشكلاتي، لا علاقة لها بالطب. # لكن الطب له علاقة بكل مشكلة، على أي حال ظنك في محله، وما نريد ~~إلا أن تمكث في مصحة لي بحلوان فترة من الزمن؛ حيث يتهيأ الأمان ~~والأمن. ~~- ولكني بعد خروجي، سأرجع إلى ما كنت فيه. ~~- أو يكون الوسطاء قد تمكنوا من تصفية مشكلاتك في أثناء ذلك. ~~- ولكن المصحة ستسيء إلى سمعتي! ~~- مصحتنا تعيش في سرية كاملة. # وترددت متفكرا فتساءل: ألا يوجد في حياتك ما تخجل منه أو تندم ~~عليه؟ ~~- هذه مسألة أخرى. ~~- بل لعل كثيرا من المشكلات يرجع إليها. # فقلت بيأس: إذن فأنا ذاهب للعلاج. ~~- لن أفرض عليك شيئا لا تريده. # وقلت بمرارة وكأنما أخاطب نفسي: كيف أعيش ms05 بين مجانين؟! # فتساءل متهكما: وهل تعتبر نفسك عائشا بين عقلاء؟! # وانفجر قلقي فقلت: معذرة يا سيدي، لن أذهب إلى المصحة. # فقال بهدوء كريه: في هذه الحالة سأوصي إليك بأن يتركوك لشأنك، دون ~~رعاية أو عناية. # فقلبت النغمة قائلا: أعطني مهلة قصيرة. # فقال موافقا: لك ذلك. # أنفقت بقية النهار متسكعا، وتجاذبتني طوال الوقت الحقائق والأحلام، ~~ولم تبق إلا خطوة يسيرة؛ لأتساءل عمن أكون، وفي أي مكان أقيم، والزمان ~~الذي أعاصره. ورجعت مساء إلى عمارتي، ولكني قصدت شقة الجارة لا شقتي. ~~وخيل إلى أنها استقبلتني دون مبالاة، وربما بشيء من الجفاء، وكأنما ~~تعاقبني على إعراضي عنها ليلة أمس. ولكن مسكنها يضفي علي شعورا ~~بالألفة، ولا يخلو من فتور وضجر وإحساس شبه خفي بالخيبة. وهو بعيد كل ~~البعد عما يجده الزائر المتسلل من التوتر والمغامرة. ولكيلا تتساءل عن ~~سر غيابي الوشيك زعمت لها أني راحل إلى قريتي لمهمة طارئة. وفي الصباح ~~أعددت حقيبتي وذهبت إلى المصحة بحلوان. وهي مبنى رائع يقع في أقصى ~~المدينة، ويقوم على هضبة تطل على الصحراء. واخترقت حديقة واسعة لأصل ~~إلى البناء في العمق، وقادوني إلى جناح يتكون من صف طويل من الحجرات، ~~تفتح أبوابها على ممشى طويل يتصل بالحديقة بسلم رخامي يشغل الوسط. ~~وتبدت حجرتي بيضاء الجدران والسقف، بها ما يلزم من فراش وصوان وخوان ~~ومقعدين، ولبثت وحيدا، حتى جاءتني ممرضة ناضجة الشخصية والأنوثة ~~بالغداء. سألتها عن الطبيب فأجابت بأدب: سيجيء في وقته! # وأعطتني قارورة صغيرة تشف عن أقراص بيضاء خالية من أي ملصقات، وقالت: ~~حبة بعد كل وجبة. # فقلت محتجا: ولكنني لست مريضا. # فقالت بهدوء وهي تغادرني: ليست مصحتنا للمرضى، ولكنها للراحة ~~والأمان. # وأخذت أشعر بالندم على المجيء، وأنتظر في ملل متصاعد. وفي تمام ~~الخامسة مساء، انفتح الباب ودخل الطبيب. جلس على المقعد الآخر أمامي ~~وقال: بداية حسنة، فانعم بالأمن والأمان. # فقلت بقلق: ولكني أتعاطى دواء. ~~- ما هو إلا مهدئ وفاتح للشهية. ~~- ومتى يستحسن أن أذهب؟ ~~- وقتما تشاء من ناحية المبدأ، أما إذا راعينا مصلحتك، فالأوفق أن ms06 ~~تذهب بعد أن تؤدي الامتحان. ~~- أي امتحان يا سيدي؟ ~~- ما عليك إلا أن تسجل على الورق أكبر مشكلة مصرية، وأكبر مشكلة ~~عالمية، ثم تفكر في الحل المناسب لكل منهما. # فندت عني ضحكة عالية، وقلت: لا شك أنك تمزح يا سيدي. # فقال بجدية وبرود: ليست مصحتي مسرحا فكاهيا. # فقلت متراجعا: معنى هذا أني سأبقى هنا إلى الأبد. ~~- إنها محاولة لمعرفة تصورك ليس إلا، وعقب ذلك تذهب بسلام. ~~- ولكن ما علاقة ذلك بمشكلتي أنا؟ ~~- إذا استطعت أن تقدم تصورا لحل مشكلتي مصر والعالم، فلا شك أنك ~~تستطيع ذلك بالنسبة لمشكلتك الخاصة. ~~- لكن مشكلتي من نوع خاص. ~~- ولو، لن تكون أعقد من مشكلات العالم. ~~- أنت تعلم، ولا شك أنني مهدد بالقتل في أي لحظة. ~~- كلنا مهددون بالقتل في أي لحظة! # وسكت مغلوبا على أمري، حتى هم بالذهاب فسألته: هل يشترط أن تكون ~~الإجابة صحيحة؟ ~~- لا أحد يزعم أنه يعرف الإجابة الصحيحة ليقيس عليها، حسبك أن تقدم ~~تصورا معقولا. # وعلى أثر ذهابه جاءتني الممرضة بورقة مسطرة وقلم رصاص، ووضعتهما على ~~الخوان. جذبتني بقوة إلى أنوثتها ونضجها دون أن تتكلف كلمة أو حركة. ~~وانبعثت في آمال عجيبة ملأتني جرأة، وفي الوقت نفسه محت صورتها من ~~قلبي العالق من خطيبتي وجارتي. قلت لها: إني مدين لك بحسن ~~الرعاية. # فقالت بجدية وحياء: إني أؤدي واجبي. # ونظرت إلى خاتم الزواج في يسراها، وتساءلت: سعيدة في زواجك؟ # فقالت بدهشة: سؤال غريب! ~~- لا مؤاخذة ولكن لي هدفا. ~~- أي هدف؟ ~~- إذا خطر لك أن تجربي حظك من جديد؛ فإنني على أتم الاستعداد للزواج ~~منك. # فغادرت الحجرة دون أن تنبس بكلمة. وسرت في قشعريرة إحباط وبرودة، ~~وضقت بالحجرة، فخرجت إلى الممشى. بعض النزلاء يجلسون أمام الحجرات أو ~~يتمشون. جاري رجل في الأربعين، حدجني باهتمام فتبادلنا التحية. واقترب ~~مني وسألني عما جاء بي، فلخصت له الموقف في شيء من التحفظ، ثم سألته ~~بدوري عما جاء به، فقال: لعلي الوحيد بينكم الذي جاء بلا مشكلة! ~~- ولكن كيف؟ ~~- أنا رجل ميسور الحال، صاحب مزاج، أحب ms07 السرور والرحلات، ولا أحمل ~~للدنيا هما. ~~- عظيم .. عظيم. ~~- لي صديق مشترك بيني وبين الطبيب، هاله أن يجدني بلا مشكلة، وأصر ~~على أن أعيش في المصحة مدة. ~~- جئت؛ لأنك بلا مشكلة! ~~- هذا هو الواقع. ~~- وكيف قبلت؟ ~~- قلت: لتكن تسلية جديدة. ~~- وهل أديت الامتحان؟ ~~- هذه هي مشكلتي الجديدة، فلا علم لي عن أي مشكلة في مصر أو العالم، ~~ولا أقرأ من الصحيفة إلا الإعلانات والوفيات، وأين تذهب هذا ~~المساء. ~~- ما عليك إلا أن تقرأ الصحف، وستمدك بمشكلات لا حصر لها. # فتساءل ضاحكا: وكيف أقدم حلولا لمشكلات لا تهمني ألبتة؟ # والحق أنه امتص مني توتري بغرابة مشكلته، وفتح نفسي للرجوع إلى ~~حجرتي لأداء الامتحان المطلوب مني. وعند منتصف الليل آويت إلى فراشي ~~ونمت نوما عميقا. وفي الصباح الباكر جاءتني الممرضة بالإفطار. وجاءت ~~معها برائحة ما إن شممتها حتى ارتعدت أطرافي. ولما لاحظت تغيري سألتني ~~عما ألم بي، فقلت بقلق لم أستطع أن أداريه: هذه الرائحة! # فقالت بثقة: رائحة المسك أطيب الروائح. ~~- من أين لك بها؟ ~~- أهدانيها أحد زوار النزلاء. ~~- هل يتردد على المصحة من زمن؟ ~~- منذ أكثر من شهر، ألا تعجبك؟ # فقلت متحفظا: هي مرتبطة في حياتي بذكريات غير سارة! # فقالت بمرح: فك الارتباط، وتناول إفطارك. # ونضب إعجابي بالممرضة وتبخر. ولعلها شعرت بذلك على نحو ما فتساءلت ~~بجدية: هل فرغت من تسجيل المشكلات لآخذها إلى الدكتور؟ # وفي الحال أعطيتها الورقة؛ لأتخلص منها في أقصر مدة. وجاءني الطبيب ~~قبيل الظهر. دعاني إلى الجلوس أمامه واضعا الخوان بيننا، وألقى على ~~ورقتي نظرة جديدة، وقال: أنت ترى أن مشكلة مصر الأولى تتركز في عدد ~~السكان؟ ~~- هي أم المشكلات كلها. ~~- عظيم، أي حل تقترح لها؟ ~~- يجب أن يهبط العدد إلى ما يتناسب مع الإمكانات المتاحة، فتحل جميع ~~المشكلات دفعة واحدة. ~~- وكيف نتخلص من الزائد؟ ~~- بالهجرة الدائمة، وقتل الباقي بوسيلة رحيمة خالية من الألم! ~~- يا لك من رجل رحيم! ~~- كل عاقل يجب أن يعتبرني كذلك. ~~- ومن حسن الحظ أنني عاقل .. والآن ننتقل إلى العالم، فأنت ترى أن ~~الحرب ms08 النووية هي مشكلته الأولى؟ ~~- نعم. ~~- فكيف ترى العلاج؟ ~~- أن تقوم الحرب وتقضي على العالم، وتخلصه من مخاوفه. ~~- ولكن الإبادة ستلتهم المخاوف والخائفين معا. ~~- أو يبقى نفر كالذين نجوا من الطوفان. ~~- الحق أن تفكيرك لا يخلو من رحمة وكمال دائما! # وتبادلنا نظرة طويلة، ثم سألته بقلق: هل أستطيع أن أذهب الآن؟ # فقال وهو يقوم تأهبا للذهاب: بيدك وحدك أن تذهب وقتما تشاء. # وفي الحال أعددت حقيبتي وذهبت. ذهبت أسوأ مما جئت، ولكن روح استهانة ~~استحوذت علي، وأملت علي أن أمضي في حياتي دون اعتبار لأي شيء إلا ~~الحياة نفسها. ونازعتني نفسي إلى لقاء الهانم التي لولا عطفها؛ لهلكت ~~من زمن بعيد. وعند العصر أقبلت علي في ثوبها متلفعة بروب خفيف بنفسجي ~~زادها جمالا وصفاء. جلسنا حول إبريق الشاي وهي تقول: لم يفتني شيء ~~من أخبارك، وإني مسرورة بما سمعت. # فنظرت إليها بارتياب وقلت: تجربة المصحة تجربة غريبة، وفي جملتها غير ~~سارة، وحتى هنا طاردتني رائحة المسك. # فابتسمت عن لآلئها، وقالت: الطبيب مرتاح ومتفائل، ويجب أن تطمئن إلى ~~حكمه فهو ثقة علامة. # وترددت قليلا ثم قلت: عن لي أن أزور قارئة الفنجان ~~المشهورة. # فابتسمت قائلة: كما تشاء، الحقيقة اتسعت في أيامنا هذه، حتى شملت كل ~~شيء. # وقبلت يدها، وغادرت مقامها إلى مصر القديمة، إلى مسكن المرأة التي ~~شغل ذكرها صحفنا الكبرى. وجدت حجرة الانتظار مزدحمة، فطال انتظاري حتى ~~أوشك صبري أن ينفد. ثم جلست أمامها على مقعد صغير مريح الوسادة، وحسوت ~~فنجان القهوة، فلم تبق إلا الرواسب. وتناولت الفنجان وراحت تتأمله ~~بعناية، وطال تأملها حتى قطبت كالحائرة. # ثم قالت: لا أدري كيف أقرأ مستقبلك. # فتساءلت منزعجا: أهو غامض لهذه الدرجة؟ ~~- المسألة أن نجاتك أو هلاكك بيدك أنت. فليس عندي ما أقوله. ~~- لي خصم عنيد مجهول. ~~- نعم، أنت مجهول أمامه أيضا، وهو يخشاك كما تخشاه. ~~- لم يعرفني بعد؟ ~~- نعم، رغم أن الحياة جمعت بينكما أكثر من مرة! ~~- جمعت بيننا؟ ~~- هذا واضح. ~~- أليس لديك معلومة إضافية تبل الريق؟ # قلت ما عندي، والله معك. # تركتها ms09 مشتت الخاطر ينهمر فوق رأسي القلق من سماء ملبدة بالغيوم. ~~تقول: إن الحياة جمعت بيننا أكثر من مرة، اللعنة! فهو إذن أحد سكان ~~العمارة أو زميل في الوزارة، وربما يكون البك أو طبيب المصحة! وذهبت ~~إلى الزهرة؛ لأتناول لقمة وأتمالك أنفاسي. سرح بي الخيال إلى عهد ~~الطمأنينة والسلام قبل أن أطلب يد خطيبتي. وكيف نما إلى علمي أن نفرا ~~من أهلها اقترحوا رفضي لهوان أصلي. ومع أن خطيبتي ذللت العقبات بقوة ~~إرادتها إلا أن اقتراح الرفض آلمني جدا، ودفعني إلى النبش في الماضي؛ ~~لعلي أعثر على أصل كريم غابر أخنى عليه دهر لا يرحم. وأهلتني دراستي ~~الجامعية للبحث فتوغلت فيه بإصرار، وما زلت أنتقل من جد فقير إلى آخر ~~أجير حتى اهتديت إلى جد خطير في عصره. كيف تدهور ذلك الجد العظيم؟ لقد ~~تمرد على أبيه فحرمه من الميراث، واستقبلت ذريته تاريخا طويلا من ~~الفقر والذل، وعرفت من التاريخ سر النزاع القديم الذي اتخذ من الثأر ~~المتوارث وسيلة متجددة، ومقدسة فتك بها بأرواح لا تحصى من أبناء ~~الأسرة جيلا بعد جيل، لا يعفى منها غني أو فقير. وقدرت بالحساب ~~الدقيق أنني المرشح اليوم للقتل، لا يؤخر الأجل عني إلا أن الخصم لم ~~يهتد إلي بعد. هكذا استوعبتني مشكلات الأصل والموت فلم تبق من ~~حيويتي إلا القليل لمشكلات الحياة اليومية الملحة. وطبيب المصحة يرى أن ~~تصوري لحل مشكلات مصر والعالم قادر ضمنا على حل مشكلتي المؤرقة، ولكن ~~من يضمن لي الحياة حتى تحل مشكلات مصر والعالم؟! وتاقت نفسي للخروج من ~~قصر التيه بأي ثمن، ولأن أحيا حياتي مهما كلفني الأمر. ودعوت خطيبتي ~~إلى لقاء بالزهرة في أصيل اليوم التالي. ولبت كالعادة بكل حيويتها ~~واستجابتها العذبة. وقصصت عليها حكايتي مع قارئة الفنجان منتظرا ~~تعليقها. قالت باسمة: هذا يعني أنه يحتمل أن أكون أنا خصمك ~~المجهول! # ثم بجدية: احذر أن تسيء الظن بالجميع، فتصبح وحيدا منبوذا. # فقلت بنبرة واضحة وقوية: لا أود أن أموت قبل أن أموت. ~~- يسعدني أن أسمع ذلك. ~~- وأود أن ms10 نتزوج في الحال. # فوهبتني الموافقة بنظرة عينيها ودون كلام. وإني على أتم استعداد ~~والحمد الله. واتفقت مع مقاول من المترددين على الوزارة؛ لتجديد شقتي ~~الصغيرة العتيقة، يغير أرضيتها ويصلح النوافذ ويدهن الجدران والأسقف، ~~ويعيد بناء الحمام ودورة المياه والمطبخ. ولما انتهى العمل في الشقة ~~مضوا يفرشونها بجهاز العروس تحت إشراف خطيبتي وأمها وأخيها ضابط ~~الشرطة. ولما كلل التعب بحسن الختام إذا بحماتي تقول بنبرة ذات مغزى: ~~لا بد من فرحة! # لكن مدخراتي أوشكت على النفاد، وهمست بذلك، فقالت الست: لا نريد ~~حفلا في فندق، حسبنا عشاء لائق في مطعم خلوي، وبلا رقص أو ~~غناء! # ولبيت رغبتها على رغمي، واقتصرت الدعوة على الأهل. غير أني دعوت ~~الهانم فشرفتنا مع هدية سعيدة متبرعة للاجتماع بفرقة «كان كان» ~~الموسيقية. وجلسنا متواجهين حول مائدة طويلة، ورأيت بين المدعوين البك ~~وطبيب المصحة، دون أن أدري كيف تم ذلك. وعاودني إحساسي الغريب بمراوغة ~~الذكريات الغامضة، ولكن سعادتي بالعروس غلبت على كل شيء. وخطر لي في ~~أثناء الطعام أن خصمي المجهول موجود حتما بين المدعوين، ولكني طردت ~~الفكرة بإصرار وواصلت الأكل والشرب. ولما فرغنا من الطعام وقف رجل كان ~~يجلس في الصف الآخر إلى يسار حماتي ليلقي كلمة فيما بدا. خيل إلي ~~لأول وهلة أنني أراه لأول مرة في حياتي، ثم خيل إلي مرة أخرى أنني ~~سبق أن لمحت هذا الجبين البارز والحاجبين الغزيرين والفكين القويين، ~~ولكن أين؟ ومتى؟ # وملت نحو الهانم الجالسة إلى جانبي وسألتها عنه، فقالت: رجل طيب يقدم ~~نفسه في الأفراح طلبا للرزق! # وركزت عليه بصري باهتمام لا يخلو من قلق، أما هو فراح يقول بصوت ~~جهير: # سيداتي .. آنساتي .. سادتي # للفرح يوم واحد، لا يتكرر مهما تكرر، وهو من صنع الرحمن لا ~~البشر، من أجل أسمى غاية وهي عمران الوجود، فالزواج طاعة، والحب ~~عبادة، إذا حاد أحدهما عن طريقه ضل إلى الأبد. وفي مثل هذا اليوم ~~تسجل الحياة أحد انتصاراتها الرائعة، فلنهنئ العروسين، ولنحي ذكرى ~~ربي أسرتهما النبيلة آدم وحواء، اللذين دفعا إلى دنيانا ms11 بسبب ~~العصيان، ورفعا منها بحكم الغفران، ولندع الله أن ينصرنا على ~~إبليس، عدو الأسرة القديم الذي لا يكف عن طلب الثأر، والعقبى لكم ~~في المسرات. # وأحنى الرجل رأسه؛ شكرا للتصفيق الذي أعقب كلمته ثم جلس. وكاد ذكر ~~الثأر يفسد علي ليلتي، لولا لباقة عروستي التي جذبتني لنجواها. ~~وانفض الحفل الصغير على خير حال. ومضيت بعروسي إلى شقتي، ولكن استعصى ~~علي أن أدخل المفتاح في عروة الباب. ماذا حدث؟! وفتحت شراعة الباب ~~عن وجه لم أتبين معالمه. سألني قبل أن أفيق من ذهولي: من أنت؟ # فصرخت فيه: من أدخلك شقتي؟ # فصاح الرجل بغضب: سكران! .. مجنون! .. اذهب قبل أن أكسر ~~دماغك. # ادعى كل منا أن الشقة شقته، وأن الآخر معتد أو معتد ومجنون، ولم ~~أجد بدا من الاستغاثة بالشرطة. ولكن أين عروسي؟ هل بادرت إلى أخيها؟ ~~ولم أحب أن أضيع الوقت في البحث عنها، فذهبت إلى قسم الشرطة، واصطحبني ~~ضابط إلى الشقة، واطلع على العقد، ثم صارحني بأنه لا يستطيع أن يتعرض ~~للرجل بسوء، وأن الأمر يجب أن يعرض على النيابة. وتكشف التحقيق عن ~~غرائب وعجائب. أثبت الرجل أن الشقة شقته بعقد قديم، وشهد معه صاحب ~~العمارة والبواب وكثرة من السكان. واستشهدت بعروسي وآلها الذين فرشوا ~~الشقة بأيديهم، وأدلوا بشهادتهم القاطعة بأنهم لا يعرفونني، وأنني لم ~~أتزوج من ابنتهم. وماذا يقول الذين لبوا دعوة العشاء وشهدوا الزفاف؟ .. ~~ماذا تقول الهانم، والطبيب، والبك؟ .. أجمعوا على أن أقوالي ادعاءات ~~باطلة لا أصل لها وأنهم لا يعرفونني، ولم توجد بينهم وبيني أي صلة. ~~ولعل الوحيد الذي لم ينكرني، والذي جاء دون دعوة مني، هو صاحب الخطبة. ~~سمعته يقول للمحقق إنه أخي الأكبر، ويرجو أن يذهب بي لأعالج من تلك ~~الحالة الطارئة! # ودخلت في شبه غيبوبة لا أدري كم غشيتني ولا متى انقشعت. ولكني أنتبه ~~أحيانا إلى وجود أخي إلى جانبي، وأحيانا أخرى أعي إقامتي في مصلحة ~~الطبيب بحلوان. وبعودتي إلى ذاتي أدركت أنني مريض وأنني أعالج، وأن ~~الطبيب يعالجني بالعقاقير والكهرباء. ولما خاطبت أخي في ms12 شئوننا الخاصة ~~هتف الرجل بسرور: الحمد لله، ها أنت تعود إلى الواقع. # ولكن علاجي امتد طويلا وجالسني الطبيب كثيرا، حتى أنست إليه وأسرني ~~بذكائه وإنسانيته. وفي آخر مرة قال لي: أعتقد أنك على أتم ما يكون من ~~الشفاء الآن. # فوافقته بتسليم وصبر. فسألني: ما حقيقة علاقتك بأخيك الأكبر؟ # فأجبت بهدوء ويقظة ودون أي إرهاق: إني أقيم معه في شقته بالعمارة، ~~وهو زوج وأب، وذو ميول دينية واضحة، ولا يكف عن حضي على الزواج رغم ~~الظروف المعاكسة، ولم ير بأسا من أن أتزوج بجارتنا الأرملة، على رغم ~~أنها تكبرني بأعوام، ولكنها تملك الشقة وبعض المال، ولم أذعن لمشيئته؛ ~~لنفور قلبي من المرأة ولارتيابي في استقامة سلوكها، لا أنكر عطفه علي ~~ونصاعة خلقه، ولكنه طالما وقف من سلوكي موقف الناقد طويلا بل ~~والرافض. # ولما سألني عن عروسي ضحكت طويلا، وقلت: كانت زميلتي في الكلية، ~~أحببتها وكأنها كانت تزن مستقبلها بميزان العقل، فأثبتت لي بمنطق واضح ~~حاد أنني غير صالح للزواج، أي غير قادر عليه. وفضلا عن ذلك فقد ~~صارحتني بأن أهلها يصرون على اختيار زوج لها من طبقتها. # وسألني عن الهانم فقلت: عرفتها من خلال عملي بوزارة الشئون ~~الاجتماعية كرئيسة لإحدى الجمعيات الخيرية، بهرني جلالها وقوة شخصيتها ~~ورقة إنسانيتها، وأقررت لها بأنها تملك من المزايا ما يؤهلها لحكم أمة ~~حكما عادلا سعيدا، ولم أجد بها من عيب إلا زواجها من «البك»، الذي ~~كان أدنى منها كثيرا في العلم والخلق. # وقال الطبيب: أما أنا فلا شك أنك عرفتني عن طريق التليفزيون. ~~- بالضبط، وأعجبت بأسلوبك في معاملة مرضاك باعتبارهم ضيوفا. ~~- تبقى مسألة القتل والثأر، فهل لك أعداء؟ # فقلت ضاحكا: بدأت المسألة بالمجاز، يقول أخي لي في شتى المناسبات ~~إنني عدو نفسي وإنه يجب أن أحذر العدو الكامن بين جوانحي، وأقول له إنه ~~يوجد أكثر من عدو يتربصون بنا الدوائر .. وإلا فكيف تفسر هذا ~~الانهيار الشامل؟! # وهز الطبيب رأسه وهو يبتسم، ثم قال: وفي حوارنا المتصل الطويل لمست ~~انفعالك الشديد حول قيم كثيرة كالعلم والعمل ms13 والسعادة، أيرجع ذلك ~~للأسباب التي ذكرتها؟ # فقلت بحدة: ليس ذلك فحسب، لكني أذكر دائما دراستي الجامعية الضحلة ~~العقيمة، وبطالتي التي أمارسها في الوزارة، والسعادة التي أحلم بها دون ~~جدوى. ~~- ورحت تكمل ما ينقصك بأحلام اليقظة، حتى أشرفت على الضياع الذي ~~أنقذت منه بمعجزة. # فقلت خاشعا: بفضلك يا سيدي. # وخرج أخي عن صمته فقال: وبفضل الله قبل كل شيء. # فقال الطبيب: حدثني الآن عن الدرس الذي أفدته من إقامتك القصيرة في ~~مصحتي؟ # فقلت بحماس: إن أحلام اليقظة غير مجدية! # | نصف يوم # سرت إلى جانب أبي متعلقا بيمناه، جريت لألحق بخطاه الواسعة. ملابسي ~~كلها جديدة، الحذاء الأسود والمريلة الخضراء والطربوش الأحمر. غير أني ~~لم أسعد بالملابس الجديدة سعادة صافية، فيومي لم يكن يوم عيد، ولكنه ~~أول يوم يلقى بي في المدرسة. وقفت أمي وراء النافذة تراقب موكبنا ~~الصغير، فالتفت نحوها كالمستغيث بين حين وآخر. تقدمنا في شارع بين ~~الجناين تحف به من الجانبين حقول مترامية مزروعة بالخضر والتين الشوكي ~~وأشجار الحناء وبعض النخلات. قلت لأبي بحرارة: لماذا المدرسة؟ .. لن ~~أفعل ما يضايقك أبدا! # فقال ضاحكا: أنا لا أعاقبك، المدرسة ليست عقابا، ولكنها المصنع ~~الذي يخلق من الأولاد رجالا نافعين، ألا تريد أن تصير مثل أبيك ~~وإخوتك؟! # لم أقتنع. لم أصدق أنه يوجد خير حقا في انتزاعي من بيتي الحميم، ~~ورميي في هذا المبنى القائم في نهاية الطريق، مثل حصن هائل شديد الجدية ~~والصرامة عالي الأسوار. ولما بلغنا البوابة المفتوحة تراءى لنا الفناء ~~واسعا ومكتظا بالأولاد والبنات. وقال أبي: ادخل بنفسك وانضم إليهم، ~~ابسط وجهك وابتسم، وكن مثالا طيبا. # ترددت وشددت أصابعي على راحته، ولكنه دفعني برفق وهو يقول: كن رجلا، ~~اليوم تبدأ الحياة حقا، ستجدني في انتظارك وقت الانصراف. # مشيت خطوات ثم وقفت أنظر، أنظر ولا أرى. ثم أنظر، فتلوح لي وجوه ~~الأولاد والبنات. لا أعرف أحدا ولا أحد يعرفني. شعرت بأنني غريب ضائع. ~~ولكن ثمة نظرات اتجهت نحوي بدافع من حب الاستطلاع، واقترب مني ولد ~~وسألني: من الذي جاء بك؟ # فهمست ms14 : أبي. # فقال ببساطة: أبي ميت. # لم أدر ماذا أقول له. وأغلقت البوابة مرسلة صريرا مؤثرا. أجهش ~~البعض بالبكاء، دق الجرس، جاءت سيدة يتبعها نفر من الرجال، أخذ الرجال ~~يرتبوننا صفوفا، انتظمنا شكلا دقيقا في فناء واسع محاط بين ثلاث ~~جهات بأبنية مرتفعة مكونة من طوابق، وبكل طابق شرفة طويلة مسقوفة ~~بالخشب تطل علينا. وقالت المرأة: هذا بيتكم الجديد، هنا أيضا آباء ~~وأمهات، هنا كل شيء يسر أو يفيد من اللعب إلى العلم إلى الدين، جففوا ~~الدموع واستقبلوا الحياة بالأفراح. # استسلمنا للواقع، وسلمنا الاستسلام إلى نوع من الرضا .. وانجذبت أنفس ~~إلى أنفس. ومنذ الدقائق الأولى صادق قلبي من الأولاد من صادق، وعشق من ~~البنات من عشق، حتى خيل إلي أن هواجسي لم تقم على أساس. لم أتصور ~~قط أن المدرسة تموج بهذا الثراء كله. ولعبنا شتى الألعاب من أرجوحة ~~وحصان وكرة. وفي غرفة الموسيقى ترنمنا بأول الأناشيد. وتم أول تعارف ~~بيننا وبين اللغة. وشاهدنا الكرة الأرضية وهي تدور عارضة القارات ~~والبلدان. وطرقنا باب العلم بادئين بالأرقام. وتليت علينا قصة خالق ~~الأكوان بدنياه وآخرته، ومثال من كلامه. وتناولنا طعاما لذيذا، ~~وغفونا قليلا، وصحونا لنواصل الصداقة والحب واللعب والتعلم. وأسفر ~~الطريق عن وجهه كله، فلم نجده صافيا كامل الصفاء والعذوبة كما توهمنا. ~~ربما تدهمه رياح صغيرة وحوادث غير متوقعة فهو يقتضي أن نكون على تمام ~~اليقظة والاستعداد مع التحلي بالصبر. المسألة ليست لهوا ولعبا. ثمة ~~منافسة قد تورث ألما وكراهية، أو تحدث ملاحاة وعراكا. والسيدة كما ~~تبتسم أحيانا تقطب كثيرا وتزجر. ويعترضنا أكثر من تهديد بالأذى ~~والتأديب. بالإضافة إلى ذلك فإن زمان التراجع قد مضى وانقضى، ولا عودة ~~إلى جنة المأوى أبدا. وليس أمامنا إلا الاجتهاد والكفاح والصبر، ~~وليقتنص من يقتنص ما يتاح له وسط الغيوم من فرص الفوز والسرور. ودق ~~الجرس معلنا انقضاء النهار وانتهاء العمل. وتدفقت الجموع نحو البوابة ~~التي فتحت من جديد. ودعت الأصدقاء والأحبة وعبرت عتبة البوابة. نظرت ~~نظرة باحثة شاملة، فلم أجد أثرا لأبي كما وعد. انتحيت جانبا ms15 أنتظر. ~~طال الانتظار بلا جدوى فقررت العودة إلى بيتي بمفردي .. وبعد خطوات مر ~~بي كهل أدركت من أول نظرة أنني أعرفه. هو أيضا أقبل نحوي باسما، ~~فصافحني قائلا: زمن طويل مضى منذ تقابلنا آخر مرة، كيف حالك؟ # فوافقته بانحناءة من رأسي وسألته بدوري: وكيف حالك أنت؟ ~~- كما ترى، الحال من بعضه، سبحان مالك الملك! # وصافحني مرة أخرى وذهب. تقدمت خطوات ثم توقفت ذاهلا. رباه .. أين ~~شارع بين الجناين؟ أين اختفى؟ .. ماذا حصل له؟ متى هجمت عليه جميع هذه ~~المركبات؟ ومتى تلاطمت فوق أديمه هذه الجموع من البشر؟ وكيف غطت جوانبه ~~هذه التلال من القمامة؟ وأين الحقول على الجانبين؟ قامت مكانها مدن من ~~العمائر العالية، واكتظت طرقاتها بالأطفال والصبيان، وارتج جوها ~~بالأصوات المزعجة. وفي أماكن متفرقة وقف الحواة يعرضون ألعابهم، ~~ويبرزون من سلالهم الحيات والثعابين. وهذه فرقة موسيقية تمضي معلنة عن ~~افتتاح سيرك يتقدمها المهرجون وحاملو الأثقال. وطابور من سيارات جنود ~~الأمن المركزي يمر في جلال وعلى مهل، وعربة مطافئ تصرخ بسرينتها لا ~~تدري كيف تشق طريقها لإطفاء حريق مندلع، ومعركة تدور بين سائق تاكسي ~~وزبون، على حين راحت زوجة الزبون تستغيث ولا مغيث. رباه، ذهلت، دار ~~رأسي، كدت أجن، كيف أمكن أن يحدث هذا كله في نصف يوم، ما بين الصباح ~~الباكر والمغيب؟ سأجد الجواب في بيتي عند والدي. ولكن أين بيتي؟ لا أرى ~~إلا عمائر وجموعا. وحثثت خطاي حتى تقاطع شارعي بين الجناين وأبو ~~خودة. كان علي أن أعبر أبو خودة؛ لأصل إلى موقع بيتي، غير أن تيار ~~السيارات لا يريد أن ينقطع. وظلت سارينا المطافئ تصرخ بأقصى قوتها، وهي ~~تتحرك كالسلحفاة فقلت: لتهنأ النار بما تلتهم. وتساءلت بضيق شديد: متى ~~يمكنني العبور؟ وطال وقوفي حتى اقترب مني صبي كواء، يقوم دكانه على ~~الناصية، فمد إلي ذراعه قائلا بشهامة: يا حاج .. دعني أوصلك. # | يرغب في النوم # غادر التاكسي عند مدخل شارع حسن عيد. الضحى ارتفع والشمس تريق أشعة ~~حامية من سماء باهتة، ودفقات متابعة من الخماسين، تزيد من الحرارة ms16 ~~وتثير الغبار، وتنفث الضيق والكدر. تغير كل شيء بقوة تفوق الخيال. ~~الطريق من محطة مصر حتى هنا يكشف قاهرة أخرى. أين ذهبت القاهرة التي ~~عاش فيها منذ نيف وخمسين عاما؟ جنت بالزحام والسيارات والصراخ ~~والدمامة. ليس وجهه وحده الذي عبث به الزمن. وهو متوسط القامة نحيلها، ~~معروق الوجه، أصلع، شائب العذار والشارب. مطوق العينين والفم بالغضون، ~~يتوكأ على عصا، ويتمتع بنشاط يحسد عليه بالقياس إلى سنه. ها هو قد ~~رجع بعد عمر طويل فما الأمل؟ لم يرجعه عقل أو منطق، ولكن نداء خفي ~~ملح متعب مبدد للراحة، قال له: اذهب وانظر وافعل شيئا ما، لعله ~~يجعل نومك أعمق. وشارع حسن عيد يتراءى في تكوين جديد. حتى اسمه امحى من ~~الوجود وحل محله اسم جديد هو الشهيد مصطفى إبراهيم، وعلى الجانبين قامت ~~العمائر العالية، وتراصت في أسفلها الدكاكين، وماج الطريق بالزبائن. ~~إنه سوق ولا أثر للبيوت القديمة والهدوء الشامل والذكريات المتلاشية ~~كحلم. نداء عقيم، ساقه بلا وعي. وسيتمخض عن لا شيء. واتجه نحو العمارة ~~الأخيرة في الجانب الأيمن، هنا قام يوما البيت القديم. كأن الشارع لم ~~يكنس منذ جيل، والخماسين تشتد وتحمى منذرة بالمزيد من الإرهاق. وحن ~~إلى متجره في الريف، والأولاد والبيت الذي اضطر إلى الابتعاد عنه بعد ~~إقامة نصف قرن. بواب العمارة مشغول ببيع الفاكهة في مدخل العمارة ~~معروضة على رف طويل تحت صناديق البريد ما بين برتقال وموز وليمون. وقعت ~~عيناه على عينيه، فانتبه الرجل متوقعا زبونا جديدا فحياه بسرعة ~~وقال: هل تعرف عم محمد الشماع أو أي أحد من أسرته؟ # فتر إقبال الرجل، وقال: لا أعرف أحدا بهذا الاسم. ~~- كان يقيم في البيت القديم الذي شيدت هذه العمارة محله؟ ~~- هذه العمارة قائمة منذ أربعين عاما! ~~- لعل أحدا بهذا الاسم في عمارة أخرى؟ ~~- لا أظن، وعليك أن تتأكد بنفسك بسؤال البوابين. # دورة من العناء والضجر واليأس ولا أحد يعرف الشماع أو أسرته. كانوا ~~أسرة كاملة مكونة من أب وأم وأخ وأخت. من رحل يا ترى ومن بقي؟! ونصف ms17 ~~قرن - بل أكثر - ليس بالزمن القليل، عمر طويل دالت فيه دول وقامت دول. ~~وهل تنسى أيام التعاسة الأولى، أيام القحط والأزمة؟ وإن يكن جيل مضى ~~ألم يخلف جيلا جديدا؟ ألا توجد همزة وصل تصل ما بينه وبين ذلك الزمن ~~الغابر؟ هل يرجع كما جاء؛ ليجد الذكريات فوق فراشه ترصده بنظراتها ~~الباردة القاسية؟ ورجع إلى الشارع العمومي، فشعر بالعرق ينساب على جسده ~~خطوطا لاذعة تحت جلبابه المخطط، واشتدت الخماسين واكفهرت وأثارت ~~مزيدا من التراب فحجب الأفق عن الرؤية. لا مفر من الانتظار حتى ~~المساء؛ ليعود مع قطار الصعيد. وقت طويل والتسكع لا يحلو في مثل هذا ~~اليوم. ترى أين أصحاب الشباب ومن بقي منهم على قيد الحياة؟ لعل عند ~~أحدهم نبأ عما يبحث عنه، ولكن أين هم؟ وهل ما زالوا يتذكرونه؟ لا. لا ~~.. بحث عقيم عن أناس اقتلعوا تماما من وجدانه، وكأنهم ماتوا وشبعوا ~~موتا. حتى أغاني ذلك الزمان لم تعد تطرب أحدا وتثير السخرية. وخطر ~~له خاطر لا يدري من أين جاء، أن يزور المدفن القديم، ومن توه مضى ~~إلى باب النصر. وجد القرافة عامرة بالسكان كما قرأ في الصحف، أصبحت في ~~موسم دائم. ولكن حوشهم نجا لصغره؛ إذ كان يحوي قبرا واحدا، وخاليا ~~من المرافق والمياه، ولا يكاد يتسع لواقفين أو ثلاثة. وسأل عن التربي ~~الذي نسي اسمه تماما فجاء عجوز يسعى، في سن أبيه لو كان على قيد ~~الحياة، ولعله ظن أنه استدعي لرزق جديد. اطمأن إلى شيخوخة الرجل، ~~وحدس أن يعرف من خلالها أشياء. وبعد تحيته سأله: حوش الشماع؟ ~~- نعم. ~~- إني أسأل عنه، أو عن أي فرد من أسرته. # انطفأ وميض الأمل في عيني الرجل وسأله: من حضرتك؟ ~~- صديق قديم، ويهمني جدا أن أهتدي إلى أي فرد من الأسرة. ~~- كنت على معرفة وطيدة بعم محمد الشماع الله يرحمه. ~~- مات؟! ~~- ورقد في هذا القبر منذ أكثر من خمسين عاما! ~~- والست الكبيرة؟ ~~- لحقت به بعد عام أو عامين. ~~- وماذا عن الآخرين؟ ~~- لم يفتح القبر منذ وفاة الست ... ولا علم ms18 لي عن الآخرين. ~~- كان للمرحوم ابن وبنت. ~~- كان له ابنان وبنت! # خفق قلبه وهو يتساءل: ابنان؟! ~~- الابن الأصغر، ربنا يجحمه حيث يكون. ~~- لماذا؟ ~~- ولد فاسد شرير، كان يعمل في الدكان مع أبيه وأخيه، وفي عز الأزمة ~~سرق الخزانة وهرب، ولم يسمع عنه خبر بعد ذلك. ~~- أعوذ بالله، لا شك أنه تركهم لأيام عسيرة. ~~- محنة وفقر وتسول، سرعان ما مات الرجل كمدا، ولحقت به امرأته. أنجب ~~شيطانا، ولا شك في أن الله قد انتقم منه شر انتقام. # نظر إلى القبر مليا، ثم رفع بصره إلى السماء المغبرة، وهمس: ~~شكرا. # فقال الرجل: ربنا يدلك على ابن الحلال ليرشدك إلى ما تريد. # وحياه وانصرف. سار كالأعمى لا يرى ما بين يديه. # | الهمس # يخطر لي أحيانا أن الراحة الحقيقية لا توجد إلا بزوالهما معا، هو ~~وهي. ولكنه مجرد خاطر يعبر القلب إذا اشتد العنت أو ادلهم الخطب. خاطر ~~لا وزن له في الواقع، حلم يقظة أخرق. وهل تصبح الحياة حياة إلا من خلال ~~التعامل معهما معا؟ وهل يمكن تخيل الوجود بدونهما؟ أما حيرة التردد ~~بينهما؛ فهي قدره الذي لا مفر منه. في البدء تردد همسه بالمحاذير ~~والدعوة إلى الاعتدال حيال بسماتها المغرية، فتحدت هي محاذيره، وهونت ~~من ترشيداته. ويكفهر وجهه ويفجر إنذاراته. فتغضب هي وتغريني بتجاهله أو ~~تشكك في جديته، وأنا لا غنى لي عنها ولا قدرة لي على تجاهله. في أيام ~~البراءة لعبنا معا - أنا وهي - في نور الشمس تحت السمع والبصر، ولكن ~~همسه يقتحمني قائلا: حافظ على نظافة ملابسك وسلامتها. # ولكن اللعب يحب الحرية، أليس كذلك؟ # فيهمس: اللعب الرشيد لا يتنافر مع النظام! # وأمتعض وأتضايق. اللعب هو اللعب! لماذا يقيد لعبي بنواهيه؟ لماذا ~~يفسد علي مذاق الأيام الحلوة؟! فلتتسخ الملابس فثمة من يغسلها، ~~ولتتمزق فالسوق مليئة بالجديد. وهو كبير ولديه ما يشغله نهاره وليله، ~~فلم يهدر وقته في تكدير صفوي، رغم حبنا المتين المتبادل؟ وترنو هي ~~إلي بعينيها الصافيتين وتتساءل: أرأيت تعسفه؟ # ثم تواصل بحدة: لم لا يتركنا وشأننا؟ ولم تعمل كل ms19 هذا الحساب ~~لكلمة تصدر عنه؟ # ولكنه قوي، والمالك الأوحد للبيت وأدوات اللعب وكل شيء. وعلمتني ~~التجربة أن الاستهانة به غير محمودة العواقب. ها هو يهمس أيضا: البنت ~~ماكرة بقدر ما هي لطيفة، أنا أعرفها كما أعرفك، اسمع كلامي أنا، ولست ~~أمانع في لعبك معها، العب معها ما شئت، ولكن عليك بالاعتدال والنظافة، ~~وتذكر أنها تلعب مع آخرين أيضا فعاملها بالمثل، ولا تجعل منها كل ~~شيء؛ لأنك لست لها كل شيء، إني أعرف أكثر منك فاسمع كلامي. # تمنيت أن ألعب دون قيد أو شرط ولكنني تعثرت في الخوف، ولم أنس ما ~~سمعت عن غضبه إذا غضب أو عقوبته إذا عاقب. وتضاعف عنائي عندما حملت ~~إلى المدرسة. والتعليم مشقة تتحدى اللهو والمرح وتلتهم الساعات بلا ~~رحمة، فهل قضي علي أن أنفق العمر في الصراع مع الجهل؟ أما هي فلم ~~تكن تكترث إلا بالساعة التي هي فيها. ترمق انشغالي بازدراء واستنكار، ~~وتقول: اختر لنفسك ما يحلو. # لو خيرت لاخترت، ولكن همسه لا ينقطع عني فما حيلتي؟ ولأعترف بأنني ~~كنت أنحرف عن الخط أحيانا، أشرد عن الدرس لأفكر فيها، أو أخلو إليها ~~في غفلة ونأخذ في اللعب. ويسألني دائما عن مواظبتي فأتورط في الكذب. ~~ويكفهر وجهه ويكتشف كذبي. وقلت لها: إنه لا تخفى عليه خافية. فقالت: ~~أنت ضعيف، فيتجلى الكذب في عينيك! # ويقول هو لي مؤنبا: الكذب أرذل من الجهل. # يا له من رجل. أي ضرر يصيب العالم، إذا جهلت أن القاهرة هي عاصمة ~~مصر؟ .. أو إذا لم أحفظ جدول الضرب؟ ويقرصني في أذني قائلا: الرجل ~~الحقيقي يجب أن يعرف السماوات والأرض. ليست الحياة لعبا، انظر إلى ~~النملة! هل يرضيك أن تكون أدنى مرتبة منها؟! # ويغلبني الارتباك فأقول له معاتبا: أنت الذي جئتني بها لألعب معها، ~~فأبعدها عني. # فيقول باسما: إنك أصغر من أن تشير علي بما يجب، ولن أرتكب خطأ في ~~حق الجيرة والقربى، وهي بمنزلة ابنتي، وليس بها من بأس كزميلة لك، فلا ~~منع ولا إبعاد، ولكن عليك أن تعطي الدرس ما ms20 يستحقه، ولك أن تلاعبها في ~~أوقات الفراغ. # تلك أيام مزقها العذاب وإن بدت اليوم آية في الجمال بسحر الزمن. وكان ~~أن تغير صوتي فقالوا: ناهز البلوغ. وهمس في أذني بحزم أن الآن حرم ~~اللعب. يا للخبر! ما شعرت برغبة في اللعب معها كما أشعر الآن. # وهي ترمقني من بعيد، ولكن جرأتها تلاشت. يتكلم لسانها بكلام، وعيناها ~~بكلام آخر. أقول لها خلسة: لا يمكن أن نهدم في لحظة ما بنيناه في عمر ~~مديد. # فتقول في دلال: ولكنك لم تعد تقنع بلعب زمان! ~~- اللعب يتغير بتغير العمر. ~~- وله حدود لا يتعداها. # من ناحية أخرى راح هو يحذرني من الأخطاء، ويخاطب في الرجل الناشئ. ~~تمنيت ولو فراقا مؤقتا، ولكنه احتقر رغبتي وقال لي: الحياة اقتحام ~~وحذر، ولا مجال فيها للهروب. # الأمور تتعقد وتزداد عسرا، بل أضحت عذابا ومحنة. ولعله لم يبد لي ~~منفرا كما يبدو الآن. ارتفع صوته درجات. قلت: إنه هراء في هراء، وإنه ~~يتدخل فيما لا يعنيه، كأنه لم يمر بالشباب يوما، وكلما ظفرت معها ~~بخلوة امحى وجوده تماما. أنا وهي كل شيء وهو لا شيء كأنه خرافة. غير ~~أنها اعتصمت بحد لا تتعداه، حتى خيل إلي أن همسه قد انسرب إليها. ~~وانفجر غضبي عليه فسخرت منه في كل مكان. واعتبرت نفسي ندا له أو ~~أقوى. ولما تيقنت من موقفي الجديد خافتني وهربت مني، لعل ذلك بوحيه ~~وتأثيره. وهالتني وحدتي وتخبطت في الفراغ، وشحنت برغبة دكناء في ~~الانتقام، فاندفعت في اقتراف أخطاء كثيرة بتشف واستهتار. أتحداهما ~~معا وأعبث بذكراهما معا، ولكني لم أنج من غشاء الوحشة الذي وقعت في ~~شركه. وتوهمت أن الانفصال قد فرق بيني وبينه إلى الأبد، ولكن بدا أنه ~~رغم صمته الظاهر لم يكف عن الاهتمام بأمري. هكذا تبدل الحال فظفرت ~~بوظيفة في المجتمع، وعقد قراني بها في ليلة بيضاء. وحق علي أن أشكر ~~فضله إلى الأبد، وأن أقر بأنه لولا هباته العديدة وإرثه القيم ما ~~وسعني أن أسعد بما نلت. واستقللت بمسكن جديد، ومارست السيادة في مملكتي ms21 ~~الصغيرة، انغمست في الحب والإنجاب والعمل. وكدت أنساه تماما لا تمردا ~~عليه هذه المرة، ولكن انشغالا بالأعباء الجديدة. وبمرور الأيام تغيرت ~~هي أيضا، صارت زوجة لا حبيبة، وأما وشريكة. لا تمسك عن المحاسبة ~~والمطالبة والشكوى. وأتساءل أين الدلال والبسمات والكلمات العذبة؟ ~~وهالني العبء المتصاعد فانزلقت قدمي من جديد في طريق الخطأ. وربما ~~تمادى الخطأ، فساقني إلى ما لا تحمد عقباه. وفجأة وبعد انقطاع طويل ~~تلفن لي في مكتبي، وذكرني بوصاياه القديمة قائلا: إن فوائدها لم ~~تنعدم بعد. # يا للعجب! كدت أنسى أنه ما زال على قيد الحياة. ها هو يعيد الأسطوانة ~~القديمة متناسيا أنني لم أعد طفلا، وأنني اليوم مثله تماما في ~~الحرية واتخاذ القرار. ومضيت في سبيلي، ولكن شيئا من الحذر خالط سلوكي ~~وأهدافي، وأطرح كل ثمرات الجهد تحت أقدام الأسرة؛ فتتلقفها دون كلمة ~~شكر أو تقدير. وأقول لها: الشكر لا يهم ولكنني أرجو شيئا من ~~الرحمة! # فتقول: إني أتعب مثلك وأكثر، ولكنك أناني. # وتبدى لي الزواج صيغة غريبة للتوفيق بين الحب والكراهية، بين حب ~~الحياة وحب الموت، بين التضحية والرغبة في القتل. ولكن السفينة صارعت ~~الأمواج حتى صرعتها ونجت من الغرق، ونال الآخرون استقلالهم كما نلنا ~~يوما استقلالنا. لم يعد أحد منهم في حاجة إلي، ورجعت إلي الوحدة ~~جارة معها أثقال العمر، ولكنني لم أستسلم للأسى. وطنت نفسي على تقبل ~~قوانين الأشياء، وناجيت في وحدتي الرضا والسلام. ولم أقلل من قيمة ~~المسرات الزائلة، ولا من سحر التحف والأغاني، ولا حتى من جمال الأطعمة ~~الشعبية. وإذا بي أتذكره فجأة بعد طول نسيان. وكيف لا أتذكره ما دام ~~على قيد الحياة؟! وهو من جيل معمر يغبط على طول عمره وسلامة صحته، ~~ولو كان أصابه تلف لترامت إلينا أخباره في حينها، فلا شك أنه يمارس ~~حياة طبيعية، وسيسعد برجوعي إليه مثل سعادتي وربما أكثر، وهيهات أن ~~أنسى نواياه الطيبة ورحمته. أما عن رأيه في فلا أحسبه في صالحي، ولكن ~~كان دائما أكبر من تقصيري وأعلى. اليوم يبدو لي على حقيقته أكثر ms22 من أي ~~عهد مضى. ثم إنه أقام في القرية منذ عهد بعيد، وشد ما تهفو نفسي إلى ~~الخضرة والهواء النقي. إنها أثمن في النهاية من أثاث بيتي وتحفه، وما ~~جمعت من مال وبنين. سأمضي إليه، وليس في نيتي أن أعتذر أو أن أصوغ من ~~سحر البيان جملة واحدة. سأمثل بين يديه باسما، وأقول هامسا ها أنا ~~قد رجعت، مدفوعا بالشوق وحده، فاقض بما أنت قاض. # | في غمضة عين # ما ظن يوما أن زوال محنته يعني انزلاقه إلى محنة جديدة. من أجل ذلك ~~لم يستمتع طويلا بعطر الخريف وأماراته المشربة بالبياض الناعس التي ~~تغازله في مجلسه بشرفة كافيتريا الجلوب. إلى جانبه وفي متناول مس ~~منكبه جلست رافعة بروفيل وجهها الأسمر الصافي الذي تفانى في حبه على ~~مدى سنوات طويلة. هيأ نفسه منذ اللحظات الأولى للقاء - كالعادة - ~~للتشاكي، ولنفث نسمات الحب في مناخ الإحباط المحدق، وللحومان حول هموم ~~المسكن والخلو والجهاز والمهر، ثم كيفية مواجهة تحديات المعيشة. استقلا ~~معا قارب الحب منذ المرحلة الثانوية، وتلاعبت به أمواج الحياة ~~المعاندة غير المواتية، ولكنهما ظلا مصممين على البقاء جنبا لجنب ~~قابضين بشدة كل على مجدافه، رافضين الانهزام أمام العقدة التي تطوقهما. ~~هذا الصباح تطالعه عيناها بمرآة جلية الصفاء، لا ينضح بياضهما النقي ~~بفتور. لم يخل قط جمال نظرتها من كآبة خفية تتجلى حينا وحينا تستشف. ~~وتاق قلبه لسماع أي خبر حسن، واحتسيا قدحي الجوافة على مهل في صمت حتى ~~خرقه قائلا: الحلم يتضخم في رأسي، وغير بعيد أن يصبح واقعا. # فقالت بثقة جديدة كل الجدة: غير بعيد على الإطلاق. # حقا؟! اقترح ذات يوم أن يتزوجا بالفعل، وليكن ما يكون. أجل سيظل في ~~بيت والده بالقبيسي، كما ستظل في بيت أبيها بالوايلي، ثم يبحثان عن حل ~~وهما حاملان معا أمانة الزوجية. أبوه رغم كونه موظفا صغيرا ممن ~~عجنهم الانفتاح؛ إلا أنه لم يرتح أبدا لاختياره ابنة حلاق. لتكن ~~جامعية وموظفة، فأي قيمة لذلك اليوم؟ ولكن الفتى نشأ رجلا لا يتحول عن ~~المطالبة بحقوقه الكاملة. تفرس ms23 في وجهها مأخوذا بتعليقها القوي، وقال: ~~ماذا وراءك؟ .. لديك شيء جديد! # فقالت بثقة باسمة: أجل. ~~- حقا؟ ~~- تبخرت المشكلة وانحلت العقدة، هبط حل بارع من السماء! ~~- ماذا عندك؟ # فقالت بانفعال لم تستطع كبحه: اسمع، رجل أعمال عرض على أبي التنازل ~~له عن دكانه نظير مبلغ خمسين ألفا من الجنيهات. # انعقد لسانه من طغيان الفرح. الخبر في ذاته خبر من الأخبار المتداولة ~~في تلك الأيام، ولكنه لم يتصور أن يطرق بابه واقعا حيا. ~~- أرأيت يا عزيزي كيف تحل العقد بالسحر؟! ~~- حكاية لا تصدق. ~~- هي الحقيقة، وبعض زبائن أبي قدموا له نصائح ثمينة. ~~- مثال ذلك؟ ~~- أن يهجر حرفته ويعمل بالاستيراد، ودلوه على الطريق لفتح مكتب ~~... ~~- استثمار وثراء مضاعف. # فنقرت على ظهر يده بأظافرها الأرجوانية، وقالت: أبي يجهل اللغات ~~الأجنبية، سيسافر كثيرا، أقترح أن نستقيل من بطالتنا المقنعة وأن نعمل ~~في مكتبه بمرتب حسن، ونسبة في الأرباح. # ضحك، ولبثت أساريره ضاحكة، ونسي هموم العمر كله، وقال: دخل ~~خيالي. ~~- وتلاشت المشكلات دفعة واحدة. # ونظرت إليه باسمة، وكأنما تدعوه لإعلان موافقته وشكره، فقال: توفيق ~~ما بعده توفيق. # وتاه في الحلم تحت مراقبة عينيها، مورد الخدين من الفرح غائصا في ~~لجة من الخواطر، ومسح بيده على شعر رأسه الغزير، وتنفس بعمق ثم قال، ~~وكأنما يحاور نفسه: سنصبح منهم! # من تعني؟ ~~- أنت تعرفين ما أعني تماما. # الماضي لا يمكن أن ينسى. إنه ماض حاضر، تجسد في حوار متواصل. انهال ~~بألسنته المحمومة على الانحرافات والطفيليين من منطلق مثالية ناصعة، بل ~~انتماء لا يخلو من تطرف. لكنها قالت: الصفقة مشروعة ولا غبار ~~عليها. ~~- أسلم بهذا، ولكنا لم نعفها من نقدنا المر. # فقالت محتجة: لا بد أن نفرق بين ما هو شرعي وما هو منحرف. ~~- معك الحق. ولكن أصحابنا سيسخرون منا. ~~- فليسخروا ما شاءوا، المهم أن عملنا لا غبار عليه. ~~- العمل لا غبار عليه. ~~- من منهم يعرض عن فرصة مماثلة إذا منحت له؟ ~~- لا أحد فيما أتصور. ~~- فلا يوجد سبب واحد يدعو للتردد. ~~- هذا حق، المسألة ... # وتوقف متفكرا فتساءلت بحدة: المسألة ms24 ؟! ~~- ماذا أقول؟ كنا نتكلم بين الأصحاب بحماس جاوز الحد. ~~- حول المنحرفين، ودائما المنحرفين. ~~- ألم نعتبر بعض أنواع الاستيراد انحرافا؟ # فقالت متجهمة: سنكون موظفين لا أكثر! ~~- صاحب المكتب هو أبوك وحموي! ~~- لن يكون مهربا أو خطافا. ~~- طبعا .. طبعا، ولن يمنعنا العمل الجديد من المحافظة على ~~أفكارنا. ~~- طبعا .. طبعا .. هل تتصور أن تضحيتنا بالفرصة هي التي ستصلح ~~المجتمع؟ ~~- طبعا لا. ~~- لا تبال إذن بأي قول متعسف. ~~- هذا هو الرأي الصواب. ~~- هل أعتبر الأمر منتهيا؟! ~~- أي نعم! # هكذا تلاشت المشكلات وابتسمت الحياة. آمن بذلك تماما ولكنه شعر في ~~الوقت نفسه بأن محنة جديدة تتربص به بين الأصحاب أو في أعماق ذاته. ومن ~~الآن فصاعدا ستكون السعادة هي المشكلة. ستكون المشكلة هي الدفاع عنها ~~والمحافظة عليها للنهاية إن أمكن. # | مرض السعادة # ثمة عدو خفي يتربص به؛ ليكدر صفوه ويقوض بنيانه. زحف عليه زحف ~~سحابة ثقيلة متدنية غامقة السمرة، حجبت نور الشمس، وأطفأت ضياء النهار، ~~وتسربت إلى أركان النفس بغشاوة من الكآبة؛ فمزقت الخيوط التي ربطته ~~طويلا بينابيع الحياة. وتهرب من إعلان حاله لعلها تكون عابرة، ولكنها ~~لم تتزحزح، ولم تخف عن عيني شريكة حياته. ~~- مالك؟ .. لا يمكن أن تكون الصحة، فأنت طبيب! ~~- صحة أحسد عليها، الزملاء فحصوني فحصا شاملا وتلقيت ~~التهاني. ~~- إذن طرأ طارئ! ~~- إني أفتش عنه، فلا أعثر له على أثر. ~~- لعله الفراغ بعد المعاش؟ ~~- أين هذا الفراغ المزعوم؟ .. لدي النادي .. الصداقات .. الرياضة .. ~~الموسيقى .. المطالعة .. بالإضافة إلى أن كل شيء تمام يا أفندم! # عندما يلقي نظرة على ماضيه ترتد إليه بتقرير موجز وصريح أن ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان. ولد في بيت عز وجاه لأب من تجار القطن، وكان ~~وطنه بدأ يتعرض للعواصف والتقلبات، ولكنه وجد المنجى والمعتصم في نصيحة ~~أبيه حين قال له: كن في نفسك تسلم، ولا شأن لك بالآخرين! ولإعجابه ~~بأبيه وحبه له أخذ بنصيحته. تطوع لأن يكون امتدادا له بمحض اختياره ~~وحبه. ماج الوسط الطلابي بالزلازل، وهو قابع في ركن هادئ يراقب ويبتسم. ~~لم يهمه إطلاقا حتى أن ms25 يعرف فيم يختلفون أو لم يثورون. وقال له أبوه ~~أيضا: الإنسان الكامل كامل دائما وأبدا، والكمال هو الكمال سواء في ~~بلد مستعمر أو في بلد مستقل. وعكف على ذاته ينميها ويصقلها بالعلم ~~والرياضة والثقافة والفن، بل كان ضاربا على البيانو بامتياز. ودرس ~~الطب بكل جدارة، وكان بميراثه في غنى عن الكسب والعيادة فتخصص في فرع ~~نظري، وحصل فيه على الدكتوراه من إنجلترا، ثم شغل وظيفة في وزارة ~~الصحة. كره من بادئ الأمر فكرة الاتصال بالجمهور أو العمل في ~~المستشفيات وتطلع إلى المراكز المرموقة. ولعل زواجه كان الإنجاز الوحيد ~~الذي أقدم عليه بدوافع ذاتية، ولكن اختياره حظي بموافقة أبيه وبركاته، ~~وكأنما هو الذي اختاره له. تزوج من كريمة الباشا وكيل الصحة، وكانت ~~مستوفاة لشروط الجمال واللياقة والتعليم المناسب فضلا عن الأخلاق ~~الطيبة. وواصل حياة هادئة سعيدة ما بين البيت والعمل والنادي، وكأنما ~~قد حقن بطعم واق من هيجان العصر وتقلباته وعواصفه، وأنجب ولدين ~~ممتازين وناجحين. أجل تعذر عليه أن يصبهما في قالبه كما فعل أبوه معه، ~~ولكنهما أرضياه تماما في أحلامه الكبرى، فتخرجا طبيبين، وتزوجا من ~~فتاتين لا يقلان في المستوى والأهلية عن أمهما. ما عدا ذلك فللزمن ~~أيضا مقتضياته. وبلغ هو في ترقيه وكالة الوزارة. وقامت ثورة يوليو ~~فلم تمسه بسوء؛ لبعده الطبيعي عن أي شبهة، وأحيل إلى المعاش في ميعاده ~~القانوني؛ ليستقبل حياة جديدة مليئة بالعواطف والمسرات. إنه الرجل ~~السعيد حقا، إنه فلتة من فلتات الحظ والطبيعة. طبعا لم تخل تلك ~~الحياة من أكدار روتينية عابرة كمرض عابر أو سوء تفاهم زوجي أو تمرد ~~بنوي أو منافسة في العمل، ولكنها تتلاشى مثل تجعدات أمواج عارضة في ~~محيط واسع من الاستقرار والسعادة. ماذا حدث بعد ذلك؟ لماذا يفقد كل ~~جميل مذاقه الحلو؟ لماذا تتراكم أنات الشكوى ولا موضوع واحد للشكوى؟ ~~الأدهى من ذلك أنه مضى يرفض العمد التي قامت عليها سعادته، النادي .. ~~الصداقات .. الزوجة .. الطعام .. الرياضة. وقبل أن يسلم بالهزيمة ~~ويستسلم لليأس ذهب شبه مرغم للطبيب النفسي. كان صديقا حميما ms26 وزميلا ~~قديما، وأدركه أول ما أدركه بالعقاقير. وأحدثت العقاقير أثرا طيبا، ~~فرجع إلى الشفاء وأفاق من إغماءته الطويلة. غير أنه لم يقنع بذلك وراح ~~يتساءل: ولماذا يصيبني الاكتئاب في بحبوحة السعادة الشاملة؟ # فضحك صديقه قائلا: ربما بسبب من السعادة نفسها! # فتبادلا نظرة كالإشارة الغنية بنفسها، فقال الرجل: إنك تسخر من نوعية ~~السعادة التي قسمت لي. # فابتسم الطبيب وقال متهربا: ابناك مختلفان عنك فيما أرى؟ # فقال بعفوية: من سوء الحظ! # ولكنه استدرك ضاحكا: أعني من حسن الحظ! # | من تحت لفوق # أي أمل يمكن أن تجود به هذه الحياة؟ إنها من صميم الأسرة، ولكنها ~~غريبة عنها تماما في الوقت نفسه، تمضي حياتها على الهامش، على حافة ~~الهامش، رغم أنها المحور الذي يدور حوله كل شيء. أول من يستيقظ لتعد ~~الإفطار، ولتمارس بعد ذلك خدمات متصلة، ختامها غسيل الأواني بعد ~~العشاء، لا تشعر بانتمائها إلى الأسرة إلا حينما تجلس إلى مائدة الطعام ~~معهم، أو عندما تتخذ مجلسها أمام التلفزيون بعد الفراغ من السخرة ~~اليومية. وما إن تجاوز الساعة العاشرة حتى تقول لها تفيدة هانم - زوجة ~~أبيها - بنبرة تجمع بين الحزم الصادق والعطف الكاذب: آن لك أن تنامي يا ~~نعيمة؛ لتأخذي قسطك من الراحة. # المرأة لا تهمها راحتها في شيء، ولكنها تحرص على استيقاظها المبكر. ~~يشهد على ذلك ما يتبادلانه من كراهية عميقة الجذور، تتستر أحيانا ~~بالصمت وتتعرى أحيانا بقوارص الكلم. هذه المرأة التي قضت عليها، ~~وسدت طريق الأمل بجدار غليظ. وحوالي السابعة يغادر أبوها بكري أفندي ~~مسكنه إلى عمله بالحكومة، ويتبعه أخواتها الثلاث إلى وظائفهن التي ~~ألحقن بها حديثا عقب إتمام دراساتهن الجامعية. وتأخذ نعيمة في عملها ~~اليومي تحت إشراف تفيدة هانم. لم يعد من المستطاع اكتراء خادمة في هذا ~~الزمن، وها هي تسد هذا الفراغ بلا أجر وبلا شكر، وكأنه واجب تؤديه نظير ~~لقمتها وإقامتها في البيت المفترض أنه بيت أبيها. أذعنت لوضعها التعيس، ~~كما يذعن أبوها لمشيئة زوجته، كلاهما يجد في الإذعان منجى من الكدر. ~~ألفت الخدمة، وكراهية تفيدة هانم، وألفت ms27 ملابسها الخشنة الرخيصة ~~الشعبية وحظها التافه من التعليم، مذ أصرت المرأة على إبقائها في البيت ~~للمعاونة مضحية بمستقبلها ومستسلمة لحقدها الدائم، ولم تلق عند أبيها ~~الضعيف أي دفاع، لم تجد نصيرا مذ فقدت أمها وهي بنت ثمانية أعوام، وها ~~هي تعبر الثامنة والعشرين بلا أمل، ولا يكاد أحد يكتشف جمالها وراء ~~غشاء الإهمال والقذارة، الإهمال والقذارة والجهل والسن والفقر. ~~المستقبل لا يبتسم ابتسامته الشاحبة إلا في الحلم، والحلم لا يريد أن ~~يتحقق، فهل تتجرع تعاستها حتى الثمالة؟! أبوها يهرب إليها العطف ~~أحيانا من زاوية عينه في غفلة من المرأة، ثم تطحنه الحياة بأعبائها ~~فيشغل عنها بهمومه، وتقول وهي تتنهد: نسيني كما نسي أمي من ~~قبل. # وكلما تحدت زوجة أبيها تحديا عابرا؛ ينقلب الجميع عليها، ~~أخواتها وأبوها، فتنحصر في ركن وحيدة مغلوبة على أمرها. إنه بيت ظالم ~~يستغلها بلا رحمة، وإنها تمقته من صميم قلبها الجريح. وحلمت كثيرا في ~~شبابها الأول بمعجزات الحظ السعيد، بمقدم رجل الأحلام الذي يضمها إلى ~~قلبه رغم الفقر والجهل ويطير بها في سماوات السعادة، ولكنه لم يقدم ولم ~~ينتظر الزمن، وصادفت أعينا تتطلع بإعجاب، وهي تنشر الغسيل في الشرفة، ~~أو تتسوق في الطريق، محض نظرات بلا فعل ولا أمل. وتنفذ امرأة أبيها إلى ~~أعماقها أحيانا، فتخاطب بناتها على مسمع منها: ادخرن واعتمدن على ~~أنفسكن، أبوكن لا يملك إمكانية تجهيز بنت! # الماكرة تخاطبها هي، وتخاطبها أيضا وهي تقول لأبيها: الشاب اليوم في ~~حاجة إلى زوجة تشاركه حمل الأعباء، والموظفة بمرتبها تماثل صاحبة ~~الإيراد على أيامنا. # ولم تستطع السكوت فقالت: لو لم أجبر على ترك المدرسة؛ لكنت اليوم ~~موظفة! # فقالت المرأة بصرامة: بل كنت ضعيفة في دراستك، فجعلت منك ست بيت، ~~وشيء خير من لا شيء. # فهتفت على رغمها: ربنا بيني وبينك! # فصرخت المرأة: تدعين علي؟! # وتدخل الأب والأخوات، وخسرت كالعادة القضية. وما جدوى الكلام؟ وما ~~جدوى الخصام والشباب يتلاشى مع الأمل؟! بل ها هي تشهد مأساة من نوع ~~جديد، فقد تقدم شاب لطلب يد درية كبرى الأخوات ms28 وفشلت الخطوبة؛ لعدم ~~إمكان الحصول على شقة! وليلتها دار نقاش طويل أسيف في الأسرة عن تكاليف ~~الزواج، أدركت نعيمة بعده أن أخواتها لسن أسعد حظا منها إلا ~~قليلا. حقا لقد تغيرت الدنيا، وها هي تمارس عقوباتها على من ~~يستحقها ومن لا يستحقها! ورجعت ذات صباح من أيام الشتاء الأخيرة من ~~السوق في جلبابها الكستور متلفعة بشال رمادي، ويدها قابضة على سلة ~~الخضار، فوقفت كالعادة تتبادل كلمتين مع زوجة البواب. وإذا بالمرأة ~~تقول: عيني عليك، خادمة بلا أجر! # فقطبت دون ارتياح وفي شيء من الكبرياء فقالت المرأة: أصبحت أكره ~~أسرتك من أجل عيونك! # فتمتمت نعيمة: ربنا موجود. # فتساءلت المرأة بإغراء: ألديك فكرة عن مرتب الخادمة اليوم؟ # ما زالت تعتبر نفسها - على الأقل أمام الآخرين - فتاة كريمة من ~~أسرة! ~~- وهل المرتب هو كل شيء؟ ~~- طبعا، لا تكوني عدوة لنفسك. # لم تنم ليلتها من الفكر، ولم يكن المرتب هو الإغراء الوحيد، ولكن ~~التحرير أيضا من سطوة تفيدة وضعف أبيها وأنانية أخواتها. ولم ينقطع ~~الحوار بينها وبين زوجة البواب. رفضت فكرة العمل في شقة مفروشة قائلة ~~بإباء: إني بنت محترمة. # فقالت المرأة: وعندي أسر محترمة أيضا! # وغادرت نعيمة البيت فلم تعد. اشتغلت في أسرة بمدينة المهندسين بمائة ~~جنيه، وتحسنت أحوالها في الملبس والصحة. وفي مجرى عامين تزوجت من ~~كهربائي مناسب جدا. ووجدت من نفسها رغبة في زيارة أسرتها؛ ليعلم ~~زوجها أنها بنت ناس من ناحية، وليعلم أهلها أي مصير حسن انتهت إليه بعد ~~التحرر من ربقتهم. # وكان يوما من أسعد أيامها يوم رجعت إلى مسكنها القديم بوجهها الجديد ~~وزيها الجميل بصحبة الزوج السعيد. # | رجل # يستقبل يومه بزيارة الشارع الطويل، شارع الحرية، وهو صالح تماما ~~لرياضته الصباحية بطواره السليم وأشجاره العتيقة الباسقة. يتمشى بقدر ~~ما يستطيع ثم يرجع إلى شقته؛ فيجد خادمته العجوز قد أعدت له مجلسه في ~~حجرة المعيشة؛ ليخلو إلى الصحف والإذاعة والتأمل الطويل. وقرأ ذات يوم ~~العمود اليومي للأستاذ م. أ. فشد انتباهه بقوة غير عادية. قرأ: «لي جار ~~من رجال الجيل ms29 الماضي المعروفين، يمشي كل صباح رغم شيخوخته في جولة ~~رياضية يغبط عليها، ولكنه يقضي شيخوخته في وحدة مطلقة، فقد شريكة ~~العمر منذ أعوام، وهاجر أبناؤه الثلاثة إلى الولايات المتحدة، لم يجن ~~من عمره الطويل إلا الذكريات بعد سطوع نجمه في الهندسة والسياسة، ترى ~~فيم يفكر في وحدته؟ وكيف يعالج كآبته؟ كيف نصنع من طول العمر نعمة لا ~~نقمة؟!» وأكمل الأستاذ عموده عن العناية بالمسنين، وما يعد لأمثالهم في ~~البلاد المتحضرة. وقال الرجل وهو يبتسم: «إنه يعنيني أنا دون سواي». ~~فهو جاره على نحو ما، وكثيرا ما يراه وهو راجع من جولته الصباحية، ~~لكنه تخيل فأخطأ، وما أكثر أوهام هؤلاء الكتاب. وعزم في نفسه على أمر ~~غير أنه أجل تنفيذه إلى صباح اليوم التالي، وكما قدر تماما رأي - لدى ~~عودته من جولة الصباح - الأستاذ وهو يتجه نحو سيارته الصغيرة؛ فتألقت ~~عيناهما في ابتسام لأول مرة. # وقال العجوز: قرأت عمودك أمس، إنه عني فيما أعتقد؟ # فقال الأستاذ: أرجو أن تكون راضيا! ~~- شكرا، ولكن ليس الواقع كما تتخيل! ~~- حقا؟! ~~- شرفني وقتما تشاء إذا كان يهمك أن تعرف الحقيقة. # فقال الأستاذ متحمسا: أعدك بذلك. # وقد كان. وجالسه في شرفة مغلقة بالزجاج؛ اتقاء لجو الخريف حول مائدة ~~شاي. عن قرب تجلت شيخوخة الرجل في انتفاخ جفنيه وتجعدات فمه وذبول ~~نظرته، رغم صحته الجيدة ونشاطه الموفور. وراح يقول وهو يشجعه على تناول ~~الشاي والبسكوت: أشكر لك رقتك، وجميل رثائك لي، ولكنني لا أستحق ~~الرثاء؛ لأنني فوق الرثاء، وصدقني فأنا راض عن نفسي كل الرضا! ~~- ما أجمل أن تقول ذلك! ~~- إني قوي دائما ومنتصر دائما. # فرمقه الأستاذ بإعجاب، وبنظرة تطالب بالمزيد، ربما التماسا لليقين ~~في الوقت نفسه. # شعر العجوز برغبة ملحة في الإفصاح عن مكنون ذاته. ~~- من أين جاءتني القوة؟ إنه أبي رحمه الله، كان مربيا عظيما يعشق ~~القوة ويجلها، شحذني بالرعاية والعناية والشدة الحميدة العاقلة، علمني ~~كيف أهتم باللعب كما أهتم بالعمل؛ لأتطلع إلى الكمال في جميع الأحوال، ~~ولن أحدثك عن تفوقي الدراسي، ولكني أحرزت في ms30 لعبة الكرة نفس الدرجة من ~~التفوق، كنت قلب الهجوم بالمدرسة الخديوية، ولعل كنت اللاعب الوحيد ~~الذي يحافظ على حماسه كله حتى اللحظة الأخيرة من المباراة، وبصرف النظر ~~عن النتائج، وكان مدربنا يقول لفريقنا: إن اللعب أهم من النتيجة، وإن ~~عليهم أن يحافظوا على روحهم العالية حتى الختام، وقال محددا: ليكن لكم ~~أسوة في زميلكم صفوت راجي. # فقال الأستاذ منشرحا: ولكنك طويل القامة بصورة ملحوظة، فهل أعتبر ~~ذلك ميزة؟ ~~- إنه ميزة لمن يحسن استغلاله، وقد برعت في اللعب حتى واتتني الفرصة ~~للالتحاق بأحد النوادي المعروفة. ~~- وهل صرت نجما شعبيا؟ ~~- كلا، هجم علي خصم هجمة غير قانونية، فأحدث بي عاهة في مفصل ~~ساقي اليمني؛ فاضطررت إلى الانقطاع عن رياضتي المحبوبة. ~~- يا للخسارة! وإذن لم تخل حياتك من منغصات! ~~- الحياة لا تخلو أبدا من منغصات، من حيث تتوقع أو لا تتوقع، المهم ~~كيف تواجهها؟ كيف تستوعبها؟ كيف تطويها تحت جناحك ثم تمضي في سبيلك؟ ~~أجل خيمت علي الكآبة فترة طويلة حتى رمقني أبي بازدراء، وعاتبني ~~بدلا من أن يعزيني، وسرعان ما كرست طاقتي كلها للدراسة حتى تخرجت في ~~الهندسة على رأس الناجحين. # فقال الأستاذ بصدق: إنك مهندس غني عن التعريف. ~~- وكنت من الرعيل الأول الذي زهد في الوظيفة الحكومية؛ فقدمت في ~~امتحان عام لوظيفة خالية في شركة الكهرباء ونجحت .. وأثبت وجودي بين ~~الخواجات. ~~- برافو! ~~- وثمة سوء حظ من نوع آخر أشد ضراوة مما أدركني في الكرة، كان ميدانه ~~القلب، أحببت جارة لي حبا امتد من المراهقة إلى الشباب. في ذلك ~~الزمان كانت وسائل الاتصال عسيرة جدا ومحدودة، لم تزد عن تفاهم ~~بالأعين وتبادل للابتسام، وكان ذلك يعني حبا متبادلا. وعرفت أن ~~مدرستها الثانوية ستقوم برحلة إلى القناطر فسبقتها إليها. واختلسنا ~~لقاء سريعا عابرا بعيدا عن أعين الرقباء، دقائق سريعة تحت خميلة، ~~ماذا قلت لها؟ لعلي استعرت جملة عذبة من جمل المنفلوطي، ولكنها خرجت ~~محملة بالصدق، وأفهمتها أن أبي لا يسمح بالكلام في العواطف قبل أن ~~أستكمل دراستي، وسألتها أن تعتمد على شرفي ورجولتي ms31 ، وأنني سأتقدم لطلب ~~يدها في الوقت المناسب؛ فوافقت بابتسامة صامتة، وثملت بحلم السعادة ~~فترة غير قصيرة، وإذا بها تختفي من النافذة متجنبة مجال الرؤية فكدت ~~أفقد صوابي. وتلقيت منها رسالة تخبرني فيها بأن ابن عمها خطبها، وأنها ~~لم تستطع أن تقنع أحدا بالرفض، وأعربت عن أسفها سائلة إياي المعذرة. ~~هل خبرت مثل ذلك الموقف؟ .. أو بالحري تلك المحنة؟! والظاهر أن الحب ~~الحقيقي كان تجربة نادرة في تلك الأيام، وما كان يظن أنه الحب لم يكن ~~إلا استعدادا عاما للزواج، وكان سحر الزواج أقوى من سحر الحب وبخاصة ~~إن بشر بتوفيق وسعادة. لم أصدق أنها أحبتني حقا كما أحببتها، ولكنني ~~كنت المرشح المفضل طالما لم يتقدم من هو أجدر بها مني. # تمتم الأستاذ: كانت محنة كما قلت! ~~- انغرز سن الألم المسموم في أعماقي حتى نهايته، وخيل إلي أني ~~انتهيت تماما وأن الحديقة جفت وتساقطت ورودها، وتلاشت رغبتي في ~~العمل. ~~- ألم تقدم على أي محاولة جادة لاستردادها؟ ~~- كلا، تعذر علي ذلك، لم أستطع رؤيتها قط، وأقنعني سلوكها بأنها ~~فتحت صفحة جديدة، لم يبق لي إلا ألم مجنون، وأوهام غريبة بأنني فقدت ~~المرأة الوحيدة في دنياي، إنه ألم جهنمي لا يبدو غير معقول؛ إلا إذا ~~فصل الزمان بيننا وبينه بالمدة الكافية للشفاء. ~~- ولكنه قد يقتل قبل ذلك. ~~- بلا شك. ~~- وفشلت في الامتحان لأول مرة في حياتك؟ # فابتسم العجوز قائلا: كلا، تلقيت لكمة قاضية ولكنني نهضت مترنحا ~~قبل أن يبلغ الحكم في عده رقم عشرة، وبإرادة من صلب استخلصت الرغبة في ~~النجاح والتفوق من حومة المأساة. كان نضالا هائلا. بين الألم والعمل، ~~وعلى ضوئه تكشف لي جوهر عزيمتي لا يهزم ولا يستسلم. ~~- مرة أخرى، برافو! # ولم أكد أستقر في وظيفتي حتى صممت على الزواج، مؤثرا هذه المرة ~~السبيل التقليدي المعروف، أو الذي كان معروفا على أيامنا، وتم كل شيء ~~بحمد الله وفضله. ~~- ونسيت الحب وأيامه؟! ~~- ليس تماما، ربما بقيت منه رواسب معاندة كرائحة الوردة الذابلة، ~~ولكني عايشت تجربة الزواج بكل أبعادها، وبنجاح أيضا. أأنت ms32 متزوج؟ ~~عظيم! حقا يوجد فارق كبير في السن ولكن الزواج هو الزواج، بمودته ~~ونقاره، وأنغامه المنسجمة والنشاز، والرضا والغضب، والذرية ومسراتها ~~ومتاعبها، وعند الحساب الختامي تجد أنه لا غنى لطرف عن الآخر، ماذا ~~تريد أكثر من ذلك تعريفا للزواج الموفق؟! بل من يضمن لي أنني كنت ~~سأوفق مع الأولى كما وفقت مع الأخرى؟! # فضحك الأستاذ قائلا: خفيف الروح بقدر ما أنت حكيم! # وصمت العجوز قليلا ثم واصل: لعلي لم أبرأ تماما حتى اليوم من فقد ~~ابنين، ولكني أثبت صمودي أمام الموت نفسه! أنجبت خمسة أولاد مات منهم ~~اثنان، الأول في وباء الكوليرا والثاني في حمام السباحة. تهدم بنيان ~~زوجتي، وحنقت على صمودي. الصابر المتصبر متهم في هذا البلد. قيل عنى ~~إني غليظ القلب وإني منهمك في عملي للدرجة التي تنسيني ما عداه. هذا ~~خطأ. إني أعرف الحزن والألم، ولكني لا أعاند المقادر. وأرى أن أكبر ~~عار في هذه الدنيا هو عار الهزيمة. ~~- هذا ما نتمناه ونعجز عنه. # وتهلل وجهه الضامر دالا على أنه ما زال محبا للثناء وقال: وكما ~~طعنت أبوتي طعن طموحي. إني رجل مخضرم، لم أكن مهندسا ناجحا فحسب، ~~ولكنني كنت أيضا ذا انتماء سياسي معروف، وآمال وطنية مترامية. وظفرت ~~في انتخابات 1950 بعضوية مجلس النواب، وتنبأ لي كثيرون بالوزارة. وإذا ~~بثورة يوليو تقوم على غير توقع مني، وطويت الأرض التي كنت أقف فوقها ~~مثل المسلة، وقذفت بأحب الرجال إلى قلبي إلى مجاهل النسيان وأعماق ~~السجون. أصابني من الأذى شيء قليل ولكني وجدت نفسي لأول مرة متهما ~~معزولا. وقبعت في كهف الضياع زمنا ولكني لم أستسلم، كما أني لم أنطح ~~الصخر. وتذكرت انتصاراتي السابقة؛ لأستمد منها الشجاعة، وقررت أن أكرس ~~حياتي للعلم والعمل، ففتحت مكتبي الهندسي، وكان من أمري ما تعلم مما ~~أشرت إليه في عمودك اليومي. ~~- بعض رجال الثورة أنفسهم لم يكتموا إعجابهم بك. ~~- ولم تخل حياتي الجديدة من هزائم وانتصارات كالعادة. زوجتي اضمحلت ~~وماتت، وعقب هزيمة 5 يونيو، اجتاح الزلزال أبنائي الثلاثة، ففقدوا ~~انتماءهم وثقتهم في ms33 كل شيء ، وهاجروا واحدا في إثر واحد إلى الولايات ~~المتحدة، ووجدت نفسي غريبا كما كنت في البداية! ~~- الهجرة تيار جامح لا ذنب عليك فيه. ~~- ولكن توجد حقيقة مرة لا يجوز أن نغفلها، وهي أننا لم نكن على ~~المستوى المنشود حيال الهزيمة كما كنا حيال النصر، وحاولت أن أغريهم ~~بالرجوع بعد أن تغير المناخ العام كثيرا ولكنهم أبوا ذلك بشدة. ~~- من المحزن أن أفضلنا هم من يهاجرون. ~~- واعتزلت العمل بحكم الشيخوخة؛ لأعاشر وحدتي حتى النهاية. # فقال الأستاذ باسما: إذن فكلمتي لم تخل من حقيقة. # فقال باسما بدوره: ولكنني لم أستسلم للوحدة. # فرفع الأستاذ حاجبيه فوق حافتي نظارته لائذا بالصمت، فواصل الآخر: ~~عقدت العزم على الانتصار حتى النهاية، أن أنتصر على الكآبة كما انتصرت ~~على الموت والثورة، ما زلت قادرا على تذوق الأشياء الجميلة! ~~- مثل ماذا؟ ~~- المشي، الموسيقى، الكرواسان بالحليب، التأمل تأهبا للمغامرة ~~الأخيرة! # فقال الأستاذ مقهقها: إنك صلب عنيد. ~~- أتراني الآن مستحقا للرثاء كما كتبت؟! # فقال الأستاذ بهدوء: اقرأ عمود الغد؛ لتعرف رأيي النهائي فيك. # | خطة بعيدة المدى # بالأمس تحديات الجوع والصعلكة، واليوم تحديات الثراء الفاحش. بيت ~~عتيق بنصف مليون، خلق عصام البقلي من جديد، خلق من جديد وهو في ~~السبعين من عمره. تملى صورته في المرآة القديمة. صورة بالية، تكالب ~~عليها الزمن والجوع والحسرات. الوجه قالب من العظام البارزة والجلد ~~المدبوغ الكريه، جبهة ضيقة غائرة وعينان ذابلتان ورموش قليلة باقية. ~~أسنان سود بلا ضروس ولغد من التجاعيد. ماذا يبقى من الحياة بعد ~~السبعين؟ ولكن بالرغم من كل شيء؛ فللثروة الهابطة سكرة لا تتبخر. أمور ~~لا حصر لها يجب أن تنجز. المليونير عصام البقلي .. بعد الصعلوك المتسول ~~عصام البقلي. كل من بقي على قيد الحياة من الأصدقاء القدامى هتف: «أما ~~سمعتم بما حصل للبقلي؟» «ماذا حصل للصعلوك؟» .. «البيت القديم اشترته ~~شركة من شركات الانفتاح بنصف مليون!» «نصف مليون!» «وكتاب الله». ~~وينتشر الذهول ما بين السكاكيني والقبيسي والعباسية كإعصار. البيت كان ~~يمتد بفنائه الواسع بشارع قشتمر، ورثه عن أمه، رحلت منذ عشر ms34 سنوات بعد ~~أن حولها العمر إلى حطام، تعلقت بالحياة بإصرار حتى تهتكت الخيوط فهوت، ~~لم يحزن عليها. عودته الحياة على ألا يحزن على شيء. لم يكن للأسرة إلا ~~معاش أمه الصغير والمأوى، لم يحرز أي نجاح في المدرسة، لم يتعلم حرفة، ~~لم يؤد عملا أبدا. صعلوك ضائع، قد يربح قروشا في النرد مع الغش ~~بفضل تسامح الأصدقاء، أصدقاء كثيرون جادت بهم المدرسة والجوار على أيام ~~الطفولة والصبا والشباب. في روحه خفة كفرت عن سيئات كثيرة وغفرت أخطاء، ~~دائما يحظى بالعطف؛ لشدة بؤسه وانغلاق مستقبله. الأب كان موظفا ~~بالبريد وأمه ورثت بيت قشتمر بطابقه الواحد الصغير وفنائه الواسع ~~المهمل، فحق له أن يقول إنه ابن ناس طيبين، ولكنه سيئ الحظ. الحقيقة ~~أنه كان بليدا تنبلا، وقليل الأدب فسرعان ما طرد من المدرسة. عاش ~~حياته تقريبا في مقهى إيزيس مدينا أو مسددا دينه بالغش وكرم ~~الأصدقاء. فكر صديقه المحامي عثمان القلة أن يلحقه بمكتبه الكائن ~~بميدان الجيش فأبى؛ لأنه كان يكره العمل كره العمى. وفي وحدته عندما ~~يغيب الأصدقاء في أعمالهم يمضي وقته في الكسل وأحلام اليقظة. يبتل ريقه ~~بشيء من اليسر في مواسم الانتخابات والأفراح والمآتم. عاش دهره بفضل ~~خفة روحه وكرم أصدقائه، واحترف التهريج، يغني ويرقص؛ ليفوز بأكلة فول ~~أو قطعة بسبوسة أو نفسين حشيش، وظلت غرائزه مكبوتة جائعة مجنونة. بيت ~~قشتمر لا يعرف من ألوان الطعام إلا الفول والطعمية والباذنجان والعدس ~~والبصارة والنابت. أما أحلامه فتهيم دائما في وديان من الولائم ~~الغامضة والجنس المكبوت، وكانت له أساطيره عن غراميات مع أرامل ومطلقات ~~ومتزوجات أيضا، فلم يصدقه أحد ولم يكذبه أحد. طبع بصورة المتسول منذ ~~شبابه الأول ببدلته المشتراة من سوق الكانتو وصلعته المبكرة وشحوبه ~~الدائم. لم يصدق أساطيره أحد سوى مغامرة مع خادمة أرملة تكبره بعشر ~~سنوات، سرعان ما انقلبت إلى شقاق ونزاع عندما تبين له أنها تروم الزواج ~~منه. بل اشترطت أيضا أن يجد لنفسه عملا؛ لأن اليد البطالة نجسة، ووقع ~~الانفصال من خلال معركة تبودلت فيها الضربات ms35 على الوجه والقفا. تلك ~~كانت المغامرة الوحيدة الحقيقية، والتي شهدها جاره الأستاذ عثمان القلة ~~فحدث في المقهى قائلا: فاتكم مشهد ولا السيرك، امرأة مثل زكيبة ~~الفحم، فرشت الملاية لعزيزنا البقلي في فناء بيته الكريم، على مسمع ~~ومرأى من أمه الكريمة المذهولة، ولم تفض المعركة إلا بطلوع الروح ~~وتدخل أولاد الحلال، وسرعان ما نشبت معركة جديدة مع أمه. # عدا تلك التجربة الفاشلة جحظت عيناه من طول التطلع النهم إلى ~~السائرات في الطريق، واحترق قلبه كما احترقت معدته من الجوع. ولم يجد ~~إلا أمه ليصب عليها جام غضبه وإحباطه رغم حبها الشديد له، حب عجوز ~~لابنها الوحيد، وكلما حثته على العمل أو الاستقامة سألها متحديا: متى ~~ترحلين عن هذه الدنيا؟ # فتقول باسمة: الله يسامحك، وماذا تفعل إذا انقطع عنك معاشي؟ ~~- أبيع البيت. ~~- لن تجد من يشتريه بأكثر من خمسمائة جنيه تبددها في شهرين، ثم تحترف ~~الشحاذة. # لم يسمعها كلمة طيبة قط، ونصحه أصدقاؤه بتغيير سياسته معها؛ حتى لا ~~يقتلها هما وكمدا ويعرض نفسه حقا للشحاذة، وذكروه بما قال الله ~~وما قال الرسول، ولكن ضياعه اقتلع جذور الإيمان من قلبه المفعم بالجوع ~~والحسرات، والتزم بموقفه الساخر الساخط من الأحداث التي تمر به ~~كالمعارك الحزبية والحرب العالمية، بل دعا على الدنيا بالمزيد من ~~الهلاك والفناء، وتمادى في السخرية والاستهتار. ويئست أمه منه تماما ~~وسلمت أمرها لله، ويغلبها الأسى أحيانا فتسأله: لماذا تقابل حبي ~~بالعقوق؟ # فيقول ساخرا: من أسباب النحس في هذه الدنيا أن يمتد العمر بالبعض ~~أكثر من الضروري! # ومضت تكاليف الحياة في صعود. هل ثمة مزيد من الحرمان؟ واقترح على أمه ~~أن يسكن فردا أو أسرة في حجرة نومه، على أن ينام هو على الكنبة في ~~حجرتها. فقالت المرأة في حيرة: نفتح بيتنا للأغراب؟! # فصاح بها: خير من الموت جوعا. ~~- وألقى نظرة على فناء البيت وتمتم: كأنه ملعب كرة، ولكن لا خير ~~فيه! # وجاءه سمسار بطالب ريفي فاستأجر حجرته بجنيه. وتندر الأصدقاء ~~بالواقعة فقالوا: إن بيت قشتمر أصبح بنسيونا. وأطلقوا على أمه «مدام ms36 ~~البقلي!» ولكن لم يكن يعتق نفسه من السخرية أمامهم، ويغني: وأيام تيجي ~~على ابن الأصول ينذل. # واستهان بالغارات الجوية بخلاف الكثيرين، لم يستجب لزمارة الإنذار ~~أبدا، ولم يغادر مجلسه بالمقهى ولا عرف طريق المخبأ. لا يهمه هذا، ما ~~يهمه أن العمر يجري، وأنه يشارف الأربعين دون أن يهنأ بلقمة لذيذة أو ~~امرأة جميلة. حتى الثورة لم يهتز لقيامها، وقال ساخرا: يبدو أن هذه ~~الثورة ضدنا نحن أصحاب الأملاك! # وهو لم يقرأ في حياته جريدة، ويتلقى معلوماته دون اكتراث في مجالس ~~الأصحاب. ويتقدم به العمر حتى يتجاوز الخمسين، وطعنت أمه في السن، ~~وركبها الضعف وأخذت تفقد الاهتمام بالأشياء، ومرت بها أزمة فتطوع صديق ~~طبيب بفحصها، وشخص علتها بالقلب ونصح بالراحة والدواء. كانت الراحة ~~مستحيلة والدواء متعذرا، ومضى يتساءل: كيف يتعامل مع الحياة إذا حرم ~~من معاشها؟ وراحت تقترب من الموت ساعة بعد أخرى، حتى استيقظ ذات صباح ~~فوجدها ميتة! نظر إليها طويلا قبل أن يغطي وجهها. خيل إليه أنه يتذكر ~~قبسات من ماض بعيد، وأنه يتوقف مرغما عن السخرية، وأن تلك اللحظة من ~~الصباح كئيبة حزينة. وقصد من توه أغنى أصدقائه السيد نوح تاجر ~~العمارات؛ فتكفل الرجل بتجهيز المرأة ودفنها. وحذره من بيع البيت أن ~~يجد نفسه بعد حين مشردا في الشارع. ترى، هل يكفي الغش في النرد وإيجار ~~الحجرة؟! .. أوليس لكرم الأصدقاء حد؟! وغامر بتجربة الشحاذة في بعض ~~أطراف المدينة، ولم تكن تجربة عقيمة، وتتابعت الأيام؛ فمات زعيم وتولى ~~زعيم وجاء الانفتاح وهو يستقبل عامه السبعين، عامه السبعين من الضياع ~~واليأس. تمادى الغلاء حقا وعربد، وزلزلت الموازين. لم يعد التسول ~~بنافع وكرم الأصدقاء انحسر وتهاوى في بئر التلاشي، رحل منهم نفر وا ~~أسفاه! وآوى الباقون إلى شيخوخة هادئة تقنع بالسمر. يا له من عجوز بائس ~~يائس! وتنقشع ظلمات الوجود ذات يوم عن وجه السمسار، وهو يهبط بأجنحة ~~ملائكية من كبد السماء! وفي حضرة صديقيه المحامي وتاجر العمارات تمت ~~الصفقة، وأودع المبلغ الخرافي في البنك. وجلس الثلاثة في مقهى بلدي ~~بشارع ms37 الأزهر يتوافق تواضعه مع منظر المليونير التعيس. تنهد عصام ~~البقلي في ارتياح عميق يغني عن أي كلام. إنه سعيد سعادة كاملة لأول ~~مرة في حياته، ولكنه قال في حيرة: لا تتركاني وحدي. # فقال عثمان القلة المحامي ضاحكا: لا حاجة بك لإنسان بعد ~~اليوم. # ولكن السيد نوح قال: إنه مجنون وفي حاجة إلى مرشد في كل خطوة. # فقال البقلي بامتنان: وأنتما خير من عرفت في حياتي. # فقال السيد نوح: هنالك أولويات قبل الشروع في أي عمل، غير قابلة ~~للتأجيل، في مقدمتها أن تذهب إلى الحمام الهندي؛ لتزيل القذارة ~~المتراكمة، وتكشف عن شخصك الأصلي. ~~- أخاف ألا يعرفوني في البنك. ~~- وتحلق رأسك وذقنك، وتشتري لك اليوم بدلة جاهزة وملابس؛ فيمكنك ~~الإقامة في فندق محترم دون إثارة للريب. ~~- هل أقيم في الفندق بصفة مستديمة؟ # قال المحامي: إذا شئت، ستجد خدمة كاملة، وكل شيء. # فقال السيد نوح: الشقة لها مزايا أيضا. # فهتف البقلي: والشقة لا تكتمل إلا بعروس! ~~- عروس؟! ~~- لم لا؟ .. لست أول ولا آخر عريس في السبعين! ~~- إنها مشكلة! ~~- تذكر أن العريس مليونير. # فقال المحامي ضاحكا: إغراء شديد، ولكن لأولاد الحرام. # فقال البقلي باستهانة: حرام أو حلال، كله واحد في النهاية! # فقال نوح: لا ... قد ترتد إلى التسول بأسرع مما تتصور. # وقال عثمان المحامي: فلنؤجل ذلك إلى حين. # فقال عصام البقلي: مسألة المرأة غير قابلة للتأجيل، هي أهم من البدلة ~~الجاهزة. ~~- الفرص كثيرة والملاهي أكثر من الهم على القلب. ~~- حاجتي إليكما في هذا الطريق أشد. ~~- ولكنا ودعنا زمن العربدة منذ أجيال. ~~- وكيف أسير وحدي؟ ~~- من ترافقه النقود لا يعرف الوحدة. # وقال السيد نوح: لنا جلسة أخرى فيما بعد للتفكير في استثمار الثروة، ~~فمن الحكمة أن تنفق من الريع لا من رأس المال. # فقال البقلي محتجا: تذكر أنني في السبعين وبلا وريث! ~~- ولو! # فقال المحامي: المهم أن نبدأ. # وعندما اجتمعوا مساء تبدى عصام البقلي في بشرة جديدة وبدلة جديدة، ~~تلاشت القذارة ولكن بقيت تعاسة الكبر والبؤس القديم. وقال المحامي ~~ضاحكا: فالنتينو ورب الكعبة! # ولما كان ms38 الأستاذ عثمان القلة على مودة وتعامل مع مدير فندق النيل؛ ~~فقد استأجر له حجرة ممتازة بالفندق، وسرعان ما دعاهما البقلي للعشاء ~~على مائدته، ودارت كئوس قليلة لفتح الشهية، وجلسوا معا بعد العشاء ~~يخططون للقاء الغد، وأوصلهما حتى سيارة السيد نوح، ولكنه لم يرجع إلى ~~الفندق. استقل تاكسي إلى شارع محمد علي، ومضى من توه إلى محل الكوارع ~~المعروف. لم يعترف بذلك العشاء المرهف فاعتبره فاتحا للشهية، وطلب فتة ~~ولحمة راس وأكل حتى استوفى المزاج، وغادر المحل ليرمرم ما بين البسيمة ~~والكنافة والبسبوسة، وكأنما أصابه جنون الطعام، وعاد إلى الفندق قبيل ~~منتصف الليل، وقد سكر بالطعام حتى كاد يفقد الوعي، وأغلق حجرته وثقل ~~غير متوقع يزحف على روحه وأعضائه. خلع الجاكتة بمنتهى العناء ثم عجز عن ~~الإتيان بأي حركة؛ استلقى فوق الفراش بالبنطلون والحذاء وحتى النور لم ~~يطفئه. ماذا يجثم فوق بطنه وصدره وقلبه وروحه؟ ماذا يكتم أنفاسه؟ من ~~يقبض على عنقه؟ يفكر أن يستغيث، أن ينادي أحدا، أن يبحث عن موضع ~~الجرس، أن يستعمل التليفون، ولكنه عاجز تماما عن أي حركة. كبلت يداه ~~وقدماه واختفى صوته. يوجد علاج، يوجد إسعاف، ولكن كيف السبيل إليهما؟ ~~ما هذه الحال الغريبة التي تستل من الإنسان كل إرادة وكل قدرة وتتركه ~~عدما في عدم؟ آه، إنه الموت، الموت يتقدم بلا مدافع ولا مقاوم، ونادى ~~بخواطره المحمومة المدير .. نوح .. عثمان .. الثروة .. العروس .. ~~المرأة .. الحلم .. لا شيء يريد أن يستجيب. لم كانت المعجزة إذن؟ .. ~~غير معقول .. غير معقول يا رب! # | النشوة في نوفمبر # لدى خروجه من مملكة النوم الغامضة تلقى وحدته، أمس والآن وربما غدا. ~~بلورة الوعي المتثائب. وطاف حنينه بأجواء غريبة حبيبة، الولد في بلجيكا ~~والبنت في سنغافورة، ورفيقة العمر تحت الثرى. لكنه يستقبل الصباح ~~الباكر بارتياح وبشر. نوفمبر ذو برودة حانية، يغادر الفراش، يتناول ~~الروب من فوق المشجب ويلتف به، ثم يذهب إلى حجرة السفرة؛ ليجد الشاي ~~والجبن والشهد والتوست المحمص في انتظاره على أحسن صورة. # عبده عجوز نشيط رغم طعونه في السن. وهو ms39 سعيد حقا بالجبن والعسل. ~~الجبن الدمياطي الأبيض والعسل البائح بشذا البرتقال. يحب منظر إبريق ~~الشاي الفضي وأوعية اللبن والسكر والأطباق الصغيرة المزخرفة. ويركب ~~طاقم أسنانه ويقبل على الإفطار بشهية. لم يعد يضيق بالوحدة كما تعود ~~على الحياة بعد السبعين. صحة لا بأس بها، بوسعها أن تهنأ بالهدية إذا ~~جادت بها السماء على غير انتظار. هدية جميلة حقا قلبت موازين الزمن، ~~وشحنت الدقائق والساعات بالوعود المسكرة، وعندما ارتدى ملابسه بدا في ~~بدلته الصوفية نحيلا طويلا، أبيض الرأس والشارب، خفيف التجاعيد .. ~~ووجد الشارع أمام العمارة مغسولا متألقا، ترى هل أمطرت بعذوبة في ~~الليل؟ وانبسطت السماء بين هامات العمائر تسبح فيها السحب البيضاء في ~~زرقة عميقة صافية. انشرح صدره وتحفز للهو رغم موعد الطبيب المضروب. ~~وطبيبه أيضا على المعاش ويستقبل مرضاه خلال ساعتين أو ثلاث في نصف ~~النهار الأول. وبسبب من بعض الأمراض المزمنة - القلب مثلا - تنشأ ~~صداقة بين المريض والطبيب على مدى الزمن. تصافحا، جلس أمام مكتبه ~~الحافل بالمراجع وقوارير العينات حتى تساءل الطبيب: خير؟ ~~- وجبت الزيارة بعد غياب أشهر. # وخلع جاكتته ومضى إلى الفراش وراء البرافان، ففك حزام البنطلون، ~~واستلقى على ظهره، وفحصه الرجل بعناية مستعينا بأصابعه المدربة ومقياس ~~القلب والضغط، وفي أثناء ذلك جعل يعلق على الأحداث السياسية المثيرة، ~~فضحك الرجل الراقد وتساءل: حتى متى يحل لأمثالنا الكلام في ~~السياسة؟ # فأجابه الطبيب، وهو لا يكف عن الفحص: حتى تختل الذاكرة فتعفينا من ~~قرفها، كيف حال ذاكرتك؟ ~~- نحمده، ولكنها فقدت مزايا لا يستهان بها. ~~- على فكرة، الدواء الذي تواظب عليه ينفع أيضا للذاكرة. # وارتدى ملابسه وعاد إلى مجلسه الأول أمام المكتب، وأخرج من جيب ~~الجاكتة الصغير مشطا فسوى به شعره الأبيض الذي تشعث. # وقال الطبيب: بصفة عامة الحالة طيبة لا تغيير في الدواء ولا إضافة، ~~وعليك بتجنب الانفعال. ~~- نصيحة ثمينة ومستحيلة. ~~- لا أعني الانفعال وحده! ~~- أفندم؟ # ابتسم الطبيب ابتسامة ذات مغزى وقال: أنت تزعم أنك ما زلت قادرا ~~على الحب؟ ~~- ولكني عجوز أرمل! ~~- عظيم، واظب على ذلك. # فهز رأسه موافقا أو ms40 متظاهرا بذلك ، فقال الطبيب ضاحكا: صحتك أحسن ~~من صحتي. # غادر العيادة مطمئنا، وقال لنفسه: إن نشوة رقيقة خير من حياة عامين ~~بلا نشوة. وابتسم داخله. أحمق أم حكيم؟ رب أحمق حكيم ورب حكيم أحمق. ~~من يرفض هدية سقطت من السماء سهوا؟ وحام خياله وهو في السيارة حول ~~التجربة الجديدة، تلك الجارة المحترمة في الأربعين أو جاوزتها بقليل، ~~غاية في النضج والجاذبية. كيف ولماذا أثار اهتمامها؟ لن يجد عند المنطق ~~جوابا ولكنه اهتمام مذهل فلم يستطع أن يقاومه. يقاومه؟ هوى من حصنه ~~دون أدنى مقاومة. وهبته نشوة فاقت جميع انتصارات الحياة. ذاق انتصارات ~~المناصب والثراء والزواج الأرستقراطي الموفق والبنوة الفريدة، هذا ~~الانتصار يفوق سابقيه جميعا، ولعله لم يفقد حسن إدراكه فهو يشعر بأنه ~~لا يحب، إنه لا يحب كما أحب في الماضي البعيد. ما هو إلا تعلق بأهداب ~~الحياة. آخر نظرة للشمس قبل الغروب، وهل نسي أنه نبذ فرصة متاحة، وهو ~~في الخمسين رافضا أن يخون رفيقة عمره؟ ولكن الاستهانة بالفرصة الأخيرة ~~جنون، جنون لا يغتفر. وانزلق في رعونة إلى الحلم بتبادل الإشارات خلسة ~~.. وينتظر في قلق .. ويسعد باللقاء .. ويتغنى بالعواطف كالأيام ~~الخالية. بل افترض أيضا أنها امرأة ذات خطة وغرض، ومكر ودهاء، فلم ~~يثنه ذلك عن الاندفاع، ورأى العدل كل العدل في أن يؤدي ثمن ما ينال، ~~غير أن الأيام تمر ولا تبدي هي إلا الود، وتهب الحرارة والصدق، دون أي ~~مقابل. فليصدق إذن، أو فليصدق وليوطن نفسه على أي نكسة، ولو أنه كاشف ~~طبيبه نفسه بما يفعل لاقتنع، بل ولربما حسده على جميل حظه؛ لذلك لم ~~يكبح تحذير الطبيب إصراره واندفاعه. وانطلق مساء اليوم نفسه إلى عشه، ~~ونسي في رحابها هموم الحياة وهواجسها، وامتلأ فؤاده بالرضا والراحة ~~والسرور. طيبة ورقيقة ومستجيبة ولله في خلقه شئون. يقول لها: توجد ~~أماكن صباحية غاية في الأناقة والعزلة، فتقول: الستر أوجب. # فيقول متمنيا: ليتني أرجع إلى الوراء ثلاثين عاما. # فتقول باسمة: ولكني أحبك كما أنت! # أحيانا يصدق ولا يصدق أحيانا. في فترة الجفاف ms41 تنبثق له وردة مشتعلة ~~الأوراق. ويتوقع مفاجأة لا تريد أن تقع، ويتمادى في لهفة وراء النشوات. ~~حتى شعر ذات صباح أنه في أشد الحاجة إلى لقاء طبيبه، لم يستطع أن يغادر ~~فراشه وكان ذا خبرة سابقة، وجاء الطبيب وراح يفحصه بعناية وهو يقول: ~~انقطعت عني مدة غير قصيرة. # لاذ بالصمت أو أجبر عليه، وفرغ الطبيب من فحصه فقال: أزمة بسيطة ~~ولكن الأفضل أن تنتقل إلى المستشفى، ما رأيك؟ # أجاب بصوت ضعيف: كما تشاء. ~~- هناك ستجد كل ما يلزم وسوف أرتب كل شيء، وإن شاء الله تسترد صحتك ~~في أقرب وقت. ~~- أشك في هذا. ~~- ليس الأمر بالخطورة التي تظن. ~~- بل هو خطير حقا. ~~- سوف أذكرك. # وتردد الطبيب قليلا ثم قال باسما: يبدو أنك لم تعمل ~~بنصيحتي! # فقال وهو يسدل جفنيه: ولست نادما على ذلك. # | يوم الوداع # الحياة ماضية بكل جلبتها كأن شيئا لم يكن، كل مخلوق ينطوي على سره ~~وينفرد به. لا يمكن أن أكون الوحيد، لو تجسدت خواطر الباطن لنشرت جرائم ~~وبطولات، بالنسبة لي انتهت التجربة من جراء حركة عمياء، لم تبق إلا ~~جولة وداع عند مفترق الطرق تحتدم العواطف وتنبعث الذكريات. ما أشد ~~اضطرابي! تلزمني قدرة خارقة للسيطرة على نفسي، وإلا تلاشت لحظات ~~الوداع، انظر وتمل كل شيء، وانتقل من مكان إلى مكان، ففي كل ركن ~~سعادة منسية يجب أن تذكر، يا لها من ضربة مفعمة بالحنق والغيظ ~~والكراهية! اندفعت بقوة طائشة ونسيان تام للعواقب، تطايرت حياة لا بأس ~~بها. انظر وتذكر واسعد ثم احزن. لأسباب لا وقت لإحصائها انقلب الملاك ~~شيطانا، شد ما يلحق الفساد بكل شيء طيب، واقتلع الحب من قلبي فتحجر. ~~لنتناس ذلك في الوقت القصير الباقي، يا لها من ضربة قاضية! ما ~~الأهمية؟ هذا شارع بورسعيد يتحرك تحت مظلة من سحب الخريف البيضاء. ~~الأبخرة المتصاعدة من صدري تغبش جمال الأشياء، وغمزات الحنين من الماضي ~~البعيد تطرق أبواب قلبي، قدماي تجرانني إلى زيارة أختي. وجهها الهادي ~~الشاحب يطالعني من وراء شراعة الباب، يشيع فيه السرور وتقول: ms42 خطوة ~~عزيزة على غير توقع، في هذا الوقت الباكر. # ذهبت لتعد القهوة وجلست في حجرة المعيشة أنتظر، نظر إلي الوالدان ~~والإخوة الراحلون من صورهم القائمة فوق المناضد. لم يبق لي إلا هذه ~~الأخت الأرمل المحرومة من الذرية التي وهبت موفور حبها لي ولسميرة ~~وجمال. هل جئت لأوصيها بابنتي وابني؟ رجعت بالقهوة ومن داخل روبها ~~الأبيض تساءلت: لم لم تذهب إلى الشركة؟ ~~- إجازة لوعكة. ~~- واضح ذلك من وجهك، نزلة برد؟ ~~- نعم. ~~- لا تهمل نفسك. # بدأ وجهي يفضحني. ترى ماذا يجري في شقتي التعيسة الآن؟ ~~- زارني أمس سميرة وجمال. ~~- إنهما يحبانك كما تحبينهما. ~~- وكيف حال سهام؟ # يا له من سؤال بريء! ~~- بخير. ~~- ألم يتحسن الجو بينكما؟ ~~- لا أظن. ~~- دائما أنصحها وأشعر بأنها تضيق بي. # غلبني القهر؛ فسكت، فقالت: زماننا يحتاج للصبر والحكمة. # أود أن أوصيها بسميرة وجمال، ولكن كيف؟ سوف تدرك مغزى زيارتي فيما ~~بعد. هل تغفر سميرة وجمال لي ما فعلت؟ ما أشد اضطرابي. ~~- ما رأيك في أن أصحبك الآن إلى طبيب؟ ~~- لا ضرورة لذلك يا صديقة، سأذهب الآن؛ لإنجاز بعض الأعمال. ~~- وكيف أطمئن عليك؟ ~~- سأزورك غدا! # غدا؟! ها هو الطريق من جديد. انظر وتمل وانتقل من مكان إلى مكان، ~~شاطئ اسبورتنج وحيد أيضا، خال من البشر وأمواجه تصطفق منادية بلا ~~مجيب. القلب يخفق تحت غلاف الهموم المحكم. ساعة خرجت من الماء بجسمها ~~الرشيق، مخضبة الإهاب بلعاب الشمس. تلفعت بالبرنس وهرعت إلى الكابينة؛ ~~لتجلس عند قدمي والديها، كنت أتمشى في بنطلون قصير فالتقت عينانا. ~~غمرني ارتياح ابتهج له قلبي، وناداني صوت فلبيت فوجدتني في مجلسها، ~~وكان المنادى خالها وزميلي في الشركة. وتعارفنا وجرى حديث عابر ولكن ما ~~كان أمتعه! لحظات من السعادة الصافية لا تشوبها شائبة. لا تتكرر، تأبى ~~أن تتكرر، تطوف بقلبي الآن على هيئة حنين طائر. له وجوده الدافع رغم ~~تمزق الخيوط التي ربطته يوما بالواقع. وقولها ذات يوم: قلبك طيب ~~والقلب الطيب لا يقدر بثمن، حقا؟ من إذن القائلة لا يوجد من هو أخس ~~أو أحقر منك، ومن ms43 القائلة ربنا خلقك لتعذيبي وتعاستي، كان على الحب أن ~~يصمد أمام خلافات الأمزجة، ولكن الخلافات قضت على الحب. كلانا عنيد ~~شعاره كل شيء أو لا شيء. أنت مجنونة بالمظاهر الفارغة. فتصرخ في وجهي: ~~بل أنت متخلف. سميرة وجمال يلوذان بحجرتيهما مذعورين. شد ما أسأنا ~~إليهما! عانى الحب بيننا ساعة بعد أخرى ويوما بعد يوم حتى لفظ أنفاسه. ~~اختنق في لجة الجدل والخصام المستمرين، والشتائم المتبادلة. ولكن في ~~هذا الكازينو، في هذا الركن بالذات، كاشفت خالها بإعجابي بها. ~~- إنها متعلمة، لم تدخل الجامعة. أبوها له سياسة خاصة، بعد التعليم ~~الثانوي يعد الفتاة للبيت اكتفاء بدخل لا بأس به. # قلت: هذا مناسب جدا، دعانا - أنا وهي - إلى عشاء في سانتالوشيا. ~~التقينا في حديقة البجعة بعد ذلك، أيام الخطوبة والأحلام والسلوك ~~المثالي أسمع نغمة جميلة تهيم رغم تقصف جميع الأوتار التي عزفتها. يا ~~لها من ضربة قاضية! ماذا يحدث في الشقة الآن؟ لم لا تكون الحياة أيام ~~خطوبة دائمة؟ آه يا أقنعة الأكاذيب التي نتوارى خلفها! لا غنى عن وسيلة ~~ناجعة لمعرفة النفس. ~~- أستاذ مصطفى إبراهيم؟ # نظرت إلى المنادي، فإذا به مفتش بالشركة ماضيا ولا شك إلى ~~عمل. ~~- أهلا عمرو بك. ~~- إجازة؟ ~~- متوعك. ~~- واضح جدا .. تحب أوصلك إلى أي مكان؟ ~~- شكرا. # لعله أول شاهد، كلا. رآني جاري الدكتور وأنا أغادر الشقة، هل لاحظ ~~شيئا غير عادي؟ رآني البواب أيضا. لا أهمية لذلك، لم أفكر في الهرب ~~قط، في الانتظار حتى النهاية. لولا هيامي الأخير بالوداع لذهبت بنفسي، ~~لم أسع إلى نبذ الحياة باختياري. انتزعت من بين يدي عنوة، ما قصدت هذه ~~النهاية أبدا، بيني وبين الخمسين خمس. ورغم المعاناة فالحياة حلوة، لم ~~تستطع سهام أن تبغضها إلي، هل أزور سميرة وجمال بكلية العلوم؟ ذهبا ~~دون أن أراهما ولم أكن أتوقع ما حدث، ولن أجد الشجاعة للنظر في ~~عينيهما، ويعز علي أن أتركهما لمصيرهما. أتصورهما يطرقان الباب دون ~~أن تهرع ماما لفتحه. سيخلف هذا اليوم أثره حتى نهاية العمر، وإذا ~~لعناني فلهما الحق. متى ms44 أتناسى كربتي وأخلص للوداع؟ انظر وتمل وانتقل ~~من مكان إلى مكان. السوق .. يوم سرنا في السوق لنبتاع الدبلتين، ويشعر ~~من يمتلك العروس أنه يتحفز لامتلاك الدنيا. ويشعر بأن السعادة قد تكون ~~أي شيء إلا أن تكون كالكحول، وأقول لها بوجد: إلى سان جيوفاني. # فتقول مشرقة: أتلفن لماما. # الرقة والعذوبة والملائكية في أيامنا الأولى. متى وكيف ظهرت المرأة ~~الجديدة؟ بعد الأمومة ولكن دون تحديد حاسم، كيف هيمن علي شعور بخيبة ~~الأمل؟ قالت لي سميرة مرة: ما أشد غضبك يا بابا وما أسرعه! واعترفت ~~لسهام مرة قائلا: قد أنسى نفسي وقت الغضب، ولكنني لا أغضب إلا ~~لسبب! ~~- وبلا سبب .. إنه سوء الفهم. ~~- تهدرين حياتنا في السفاسف. ~~- السفاسف؟! إنك لا تفهم الحياة. ~~- أنت مستبدة، لا وزن للعقل عندك، وما في رأسك يجب أن يتم دون اعتبار ~~لأي شيء. ~~- لو احترمت آراءك لحقت علينا اللعنة! # أنظر وتمل وانتقل من مكان إلى مكان، أبو قير مصيف الفطرة. ليكن ~~الغداء سمكا، املأ بطنك، وحركه بشيء من النبيذ الأبيض، هذا المكان ~~جلسنا فيه سويا، وعلمنا فيه سميرة وجمال السباحة وهما صغيران، اهدأ ~~يا اضطرابي فاليأس إحدى الراحتين. ألم يكن الأفضل أن أطلقها؟ ~~- طلقني وخلصني. ~~- عز المنى لولا إشفاقي على سميرة وجمال. ~~- بل تشفق على نفسك بعد أن وضح لك أنك شخص لا يطاق. # الحق أني تمنيت كثيرا موتك، بيد الأقدار لا بيدي، أي متاعب تهون إلى ~~جانب جحيم الكراهية، نتبادل الكراهية دون خفاء. بعد تبادل أقسى الألفاظ ~~وأفظعها، كيف تناولت طعامي بشهية؟ حقا لليأس سعادة لا يستهان بها، ~~وترامت من راديو أغنية «أنا والعذاب وهواك» فارتجف قلبي، أغنية أحببتها ~~كثيرا في ذلك الشهر المراوغ شهر العسل. كيف تتلاشى السعادة بعد أن ~~تكون أقوى من الوجود نفسه؟ تتطاير من القلوب لتعلق بأجواء الأماكن بعد ~~اندثار مصدرها، ثم تقع كالأطيار على الأرض الجافة، فتزخرفها بوشي ~~أجنحتها ثواني من الزمن، أنا والعذاب وهواك وهذه الضربة القاضية، لعله ~~اليوم الذي انقضضت فيه على سميرة بجنونك؛ ففزعت أدفعك عنها فسقطت على ~~رأسك. ms45 يومها اشتعلت في عينيك نظرة غير إنسانية تمج سما: إني ~~أكرهك. ~~- في داهية. ~~- أكرهك حتى الموت. ~~- إلى الجحيم. ~~- إذا تعكر قلبي، فهيهات أن يصفو. # هي الحقيقة للأسف، يا ذات القلب الأسود، لم يجد اعتذار أو مجاملة ~~أو توادد، ولم يجر بيننا حديث بعد ذلك إلا عن الواجبات والميزانية، ~~واختلط الانتقام بتكاليف المعيشة. ونضب معين الرحمة، حامت أحلامي حول ~~الهروب كالسجين أو الأسير. جفت رغبات قلبي وأطبقت عليه الوحشة، وراحت ~~تتصرف تصرف المرأة الحرة، فتذهب وتجيء بلا إذن أو إخطار، يلفها الصمت ~~فلا تند عنها كلمة إلا للضرورة، وانطوت على سرها كبرياء، فلم تشكني ~~إلا لأختي صديقة. ولما لم تقم بما توقعته منها، وقصدت التوفيق ~~كرهتها بدورها. وقالت: إنه ليس بجنون رجل ولكنه جنون متوارث عن أسرة. ~~وانتهزت فرصة انفرادي بسميرة وجمال، سألت عن رأيهما فيما يشهدان من ~~أحوالنا. قال جمال: حالكما لا يسر يا بابا، كحال بلدنا أو أسوأ؛ لذلك ~~فإني سأهاجر في أول فرصة. # أعرف الكثير عن تمرده، أما سميرة فبنت عاقلة، متدينة وعصرية في آن، ~~ولكنها قالت: معذرة يا بابا، لا تسامح من ناحيتك أو ناحيتها. ~~- كنت أدافع عنك يا سميرة. ~~- ليتك ما فعلت، كانت ستصالحني بعد ساعة، لكنك سريع الغضب يا ~~بابا. ~~- لكنها غير معقولة. ~~- بيتنا كله غير معقول! ~~- اخترتك قاضية. ~~- كلا .. لا يحق لي هذا أبدا. ~~- لم أجد عندكما أي عزاء. # فقال جمال: لا عزاء عندنا ولا عزاء لنا. # إذا لم يحبني هذان الاثنان كما أحبهما؛ فأي خير أرجو في هذا الوجود؟! ~~آه! .. انظر وتمل وانتقل من مكان إلى مكان، بحق الحياة الضائعة، عش ~~الساعة التي أنت فيها وانس الماضي تماما، املأ عينيك؛ فما تغادره لن ~~تراه مرة أخرى، كل لحظة هي اللحظة الأخيرة، من دنيا لم أشبع منها ولم ~~أزهد فيها، وانتزعت من بين يدي في هوجة غضب. أي شارع من هذه الشوارع ~~لم يشهدنا معا؟ أو يشهد أسرتنا الكاملة وسميرة وجمال يتقدماننا. ألم ~~تكن توجد وسيلة لإصلاح ذات البين؟ أقسى عقوبة أن تودع الإسكندرية ms46 في ~~مجلى خريفها الأبيض، وفي عنفوان الرجولة والرشاد. وهذا هو البحر الصامت ~~في الناحية الأخرى من أبو قير، ونغني معا: «يا للنعيم اللي انت فيه يا ~~قلبي»، في حوار غنائي بين قلبين يقظين، وسميرة وجمال مبهوران بعد ~~قوارب الصيد الراسية فوق شعاع القمر. هل يكفي يوم واحد للطواف بمعالم ~~ربع قرن؟ لم لا نسجل الاعترافات العذبة في إبانها لعلها تنفعنا وقت ~~الجفاف؟ الذكريات كثيرة مثل أوراق الشجر والمدة الباقية قصيرة مثل ~~السعادة، السعادة تغيب الوعي حين حضورها وتراوغنا بعد زوالها، ومن لي ~~بمن يجمعني بدولت؟ لا سبيل إلى ذلك اليوم. ولو تيسر لزادني ارتباكا ~~وفضح أمري قبل الأوان. وما جدوى ادعاء حب لا وجود له؟ اليأس وراء ~~انزلاقي فيه. ولم تكف أبدا عن التلويح لي بالزواج دون اكتراث لمصير ~~سميرة وجمال، ليس هو بحب ولكنه نزوة انتقام. ليتني وقفت عنده ولم أعبره ~~للضربة القاضية. المساء يهبط والبحث عنى يشتد ولا شك، فلأنتظر في ~~إستريا أحب أماكن المساء إلي، مجمع الأسر والعشاق والأحلام الوردية. ~~الجعة والعشاء الخفيف والمرطبات، ربما أكون المنفرد بنفسه الوحيد. ~~معذرة يا سميرة معذرة يا جمال، استقبلت الصباح بنية صافية، ولكنه الغضب ~~يطوح بنا فوق المحاذير، ضرعت إلى الساعة أن تتأخر دقيقة واحدة. ولما ~~تلاشت التوترات العنيفة لم يبق إلا اليأس بوجهه الثلجي الأبكم، وجلت ~~جولة الوداع يتبعني الموت حينا ويتقدمني حينا آخر. أختزل العمر في ~~ساعات، فعرفت الحياة أكثر من أي وقت مضى. ما أسعد الناس من حولي ولو ~~وقفوا على سري لسعدوا أكثر، ويسألني النادل مجاملا: أين ~~الهانم؟ # فأجيبه باكتئاب خفي: مسافرة. # لم يعد في الوقت بقية. عما قريب سيقترب مني رجلان أو أكثر: حضرتك ~~مصطفى إبراهيم؟ ~~- نعم يا أفندم. ~~- تسمح تتفضل معنا! # أقول بهدوء كامل: كنت في انتظاركم. # | أحلام متضاربة # كنا زميلين في العمل بسكرتارية وزير المعارف، كما كنا زميلين من قبل ~~بكلية الحقوق. عمل هو - محمد العبلاوي - سكرتيرا خاصا للوزير بحكم ~~قرابته له، ولمرانه على لقاء كبار الزوار؛ اكتسابا من نشأته في الطبقة ~~العليا، ms47 وعملت أنا كاتبا مختصا بشئون الصحافة. وسمعته يوما يعلن ~~قراره عن خوض معركة الانتخابات القادمة بعد وعد من عمه - نائب الدائرة ~~- بتنحيه عنها له، وليس ذلك غالبا إلا تمهيدا لتوليه الوزارة في أول ~~فرصة تسنح. وكانت علاقتنا طيبة جدا كما كانت علاقته بإخوانه على أتم ~~ما يكون من المودة والمروءة، وقلت له يوما: ستكون نائبا، ثم وزيرا، ~~فعدني بألا تنساني. # فابتسم مبتهجا بوجهه الجامع بين الجمال والوقار رغم شبابه اليافع، ~~وقال: لك مني وعد شرف بألا أنسى العهد أبدا. # ولكن لم يقدر له أن يخوض المعركة الانتخابية، ولا أن يتولى الوزارة ~~فقد انسد طريقه بغتة بقيام ثورة يوليو، وتبدى واجما من اليوم الأول، ~~وسألني في حيرة: هل سمعت شيئا؟ # فقلت ببراءة: إنها كما تعلم الخلافات المعروفة بين الملك والجيش، ~~وسوف تسوى لحساب الجيش. # فقال شاردا: لا .. إنها أكبر مما تظن. # واستقال صاحبي من وظيفته باختياره، واختفى من مجالي تماما. وسارت ~~الثورة في طريقها المعروف، وتغير النظام الطبقي في مصر تغيرا ملموسا، ~~وتفتحت دنيا الآمال أمام أمثالنا. لم تقع عيني على صديقي القديم زمنا ~~طويلا، وكان يخطر ببالي في مناسبات كثيرة مثل الإصلاح الزراعي، ~~التأميم، الحراسة، المصادرة. أحداث اتسمت بالحزم، واستجابت لها أنفس لا ~~حصر لها بالارتياح وأحيانا بالشماتة، ولم يكن من السهل لدى كثيرين ~~نسيان القرون التي استعبد فيها الشعب لصالح قلة من المواطنين. فأي ظلم ~~في أن يرتفع المظلومون ويهبط الطغاة؟! وكدت أنساه تماما حتى صادفته ~~مقبلا نحوي في شارع طلعت حرب في الستينات. من أول نظرة تم التعارف ~~والتذكر، وكأنما لم نفترق إلا أمس، ولكنه شخص آخر تماما. وتساءلت: ترى ~~هل أدركني نفس التغير وأنا لا أدري؟ كلا، ليس السن وحدها. تلاشت تماما ~~الأناقة والرونق، وبرزت معالم شيخوخة قبل أوانها، فابيض شعره كله وتجلت ~~عظام وجنتيه، وأفظع من ذلك كله نظرة العينين الخابية المنهزمة الضائعة، ~~وصوته المنخفض، كأنه الخائف الأبدي أو المراقب أو المطارد. ~~- كيف حالك؟ ~~- الحمد لله. ~~- أين أنت الآن؟ # فأجبت متلعثما: مدير الإدارة القانونية. ~~- مبارك. ~~- وأنت؟ ms48 ~~- كما ترى ! # ثم بصراحة غريبة: لولا حلي زوجتي لهلكنا جوعا! # فارتبكت كأنني المسئول عما حل به، وقلت مجاملا: غير معقول. ~~- أصادف أحيانا وزراء سابقين في سوق بيع الحلي. ~~- يؤسفني أن أسمع هذا يا عزيزي. # وهم بالانطلاق في الحديث، ولكنه عدل فجأة، وتحول به عن مجراه ~~فسألني: هل أستطيع أن أعتمد على معاونتك في نشر بعض القطع المترجمة بأي ~~ثمن؟ .. لا شك أنك تعرف صديقا هنا أو هناك يمكن أن تقبل شفاعته في ~~ذلك. # فقلت بصدق: أعدك ببذل أقصى ما لدي من جهد. # وتصافحنا ومضى. ولم أقصر، فطرحت الموضوع على صحافي صديق، رحب من ~~ناحية المبدأ، ولكنه عندما سمع اسم المترجم «العبلاوي»، هتف: يا خبر ~~أسود، أسعى في الخير اليوم؛ لأجد نفسي غدا في المعتقل! # ولكنه لم يتصل بي مرة أخرى. وغاص من جديد في ظلمات الاختفاء، فأعفاني ~~من الحرج. # وتتابعت الأيام بأحداثها. رحل زعيم وتولى زعيم، وجاء عصر الانفتاح ~~ساحبا وراءه التضخم، ورجعنا نحن - الموظفين - إلى المعاناة والضيق ~~والخوف من المستقبل، بل تهددنا الجوع نحن وأبناءنا. وذهلت يوما ~~وأنا أقرأ اسم صديقي القديم في مجلة ضمن أصحاب الملايين الجدد. وقرأت ~~له في صحيفتي اليومية سلسلة من المقالات يهاجم فيها الزعيم الراحل ~~وعصره، ويشيد بالزعيم الحالي ومآثره. وألتقي بصديق من كبار العهد ~~الناصري، فيجول معي في أبعاد المواقع ثم يقول بحنق: أردناها ثورة ~~بيضاء، وها نحن ندفع الثمن! # غير أن انشغالي بلقمة العيش لم تترك لي فراغا للكلام في السياسة. ~~وفي حيرتي وعذابي تذكرت عهد الشرف الذي أعطانيه العبلاوي قبل الثورة ~~إذا ولي الوزارة. أجل إنه لم يل الوزارة، ولكنه على وجه اليقين أغنى ~~من الوزراء مجتمعين. ولن يعجزه أن يجد لي عملا في محيط نشاطه الحافل ~~بالأعمال، وتحريت عن مكتبه حتى عرفت موقعه، ومضيت إليه كأمل أخير في ~~حياتي العسيرة، والحق أنه استقبلني بحرارة نفت عني ارتباكي وحيرتي. ~~وكان علي أن أستغل الوقت أحسن استغلال بين رنين التليفونات والداخل ~~والخارج، قلت: هل تذكر وعدك القديم؟ # فضحك عاليا ولم يتكلم، فقلت ms49 بإيجاز: لعلك تسمع عن معاناة ذوي ~~المرتبات الثابتة. # فقال ساخرا: كما سمعت أنت عن ضحايا عبد الناصر. # فقلت بسرعة: لم أقصر في حقك، ولكنك اختفيت عني تماما. # فقال باسما: أدركت أنني أورطك فيما لا قبل لك به. # ثم بلهجة جادة: أتريد عملا في المكتب بعد الاستقالة من ~~الحكومة؟ ~~- كلا .. المعاش مهم أيضا .. أريد عملا إضافيا. ~~- لا مجال عندي لبطالة مقنعة كما تعلم، ولكن توجد وظيفة إضافية لسواق ~~سيارة! # لطمة هوت على كرامتي فلم أدر ماذا أقول. ~~- لن يقل المرتب عن مائة جنيه! # تذكرت القبيلة الصغيرة التي تعاني في البيت، فقلت بتسليم: طبعا في ~~غير أوقات العمل الرسمية؟! # فقال بهدوء وربما بشيء من البرود: مفهوم! # | تحت الشجرة # كأنما غادرها أمس. بمدخلها الضيق المتوج باسمها الرنان «فينكس، ~~كافيتريا، بار»، وحجرتها المربعة المرصعة بموائدها الرخامية، وكراسيها ~~الخرزانية ومقصفها المتصدر. وكالعادة مصابيحها مضاءة منذ الصباح ~~لانزوائها في عمق بعيدا عن نور الشمس. وجوه غريبة لزبائن جدد فيهم نفر ~~من الأجانب. اختار كرسيا وجلس بجسمه الطويل النحيل المتهافت، ~~وبنطلونه الرمادي وقميصه الأبيض نصف كم، ورأسه الكبير الموخوط بالشيب، ~~ووجهه الغامق الموسوم بالعناء. نظر فيما حوله، وقلقت في عينيه ~~الواسعتين نظرة حائرة. أقبل النادل، ولما رآه من قريب اتسعت عيناه دهشة ~~وسرورا، وهتف: مبارك يا أستاذ .. حمدا لله على سلامتك. # وتصافحا. وطلب فنجان قهوة زيادة، ولكن الرجل سأله قبل أن يذهب: كيف ~~الصحة؟ ~~- كما ترى. ~~- ستعود كما كنت وأحسن. # حقا! سبع سنوات عجاف، ولكنه قال: ربنا يسمع منك. # وذهب الرجل ورجع بالقهوة؛ ثم صبها في الفنجان قائلا: هذا الفنجان ~~على حسابي! ~~- تشكر. ~~- أسفنا جدا، ما باليد حيلة، على أي حال فأنت بطل! # رشف رشفة وسأله: لماذا؟ ~~- السجن في سبيل المبدأ. ~~- عظيم، هل أنت مستعد لذلك؟ # فضحك النادل الكهل قائلا: لست بطلا مثلك. # وذهب يلبي طلبا. أتى على الشراب فلم يبق إلا الرواسب في القعر ~~والتصاوير في الجدران. وتذكر قول قارئة الفنجان في الزمان الأول: قدامك ~~سكة سفر وسعادة. يستوي قول الأول والآخر في الكذب. خمس سنوات ms50 ضاعت، ~~وأبوه قال له: «حذار من الجنون يا مجنون، البلد مختنقة مهزولة، ولا هم ~~للفقير إلا اللقمة ولا للقوي إلا الثروة». الواضح أن الإيقاع يتضاعف ~~والجنون يتفشى. وتفرس في الوجوه من حوله بدهشة وإنكار. ولما رجع النادل ~~الكهل إليه قال له: لا أرى أحدا من زبائن زمان! ~~- لعلهم في البيوت، هؤلاء سماسرة ورجال أعمال وسياح، الانفتاح يا ~~أستاذ. ~~- والأصدقاء ألا يجيئون كالعادة؟ ~~- أبدا .. منذ سنوات طويلة. # فعبس متسائلا: كلهم؟ ~~- ولا واحد يوحد الله. ~~- عندك فكرة عنهم؟ ~~- طبعا، القاسم والأرملاوي ورضوان مدرسون في السعودية. ~~- السعودية مرة واحدة؟ ~~- خير وبركة. ~~- والقائمة السوداء؟ ~~- لا سوداء ولا بيضاء. وأدوا فريضة الحج أيضا! # ضحك على رغمه، فقال النادل: سيملكون الشقق والسيارات، لم ~~لا؟ ~~- والسيوفي؟ ~~- السيوفي وبدران ورزق الله في فرنسا، صحافة عربية، ثراء أيضا، وقيل ~~إن رزق الله اعتنق الإسلام! # ضحك مرة ثانية وتساءل: وأكرم؟ ~~- تاب، ويعمل في الصحافة القومية. ~~- وجلال؟ ~~- يعمل في الأهالي. # فضحك للمرة الثالثة وقال: لعله جن! ~~- كلا، الذي جن هو الأستاذ البرديسي! ~~- تعني أنه في المستشفى؟ ~~- كلا، يرى أحيانا في الشوارع يحاور الهواء. ~~- أفادك الله. ~~- حتى زملائي في القهوة هاجروا إلى العراق، ولولا سني للحقت ~~بهم. ~~- ربنا يعوض عليك. # فحدجه بنظرة باسمة ثم سأله: وأنت متى تهاجر؟ # فلم يجب، وارتسمت على زاوية فمه ابتسامة ساخرة، فقال النادل بنبرة ~~ودودة: زمن المبادئ مضى، وهذا زمن الهجرة. ~~- كلامك كله حكمة. # وتجهم وجهه، فبدا أكبر من سنه بعشر سنوات. أي ماض وأي حاضر وأي ~~مستقبل. أين ومتى يقابل جلال؟ وكيف يصارع العبث؟ وقال للنادل: فنجان ~~قهوة آخر، بن زيادة وسكر زيادة. # | ذكرى امرأة # أسير تحت العمارة الشاهقة بشارع شريف كل صباح وكل ظهر في ذهابي إلى ~~العمل، ولدى عودتي منه إلى محطة الترام. كلما أسير تحتها يرتفع بصري ~~بحركة تلقائية إلى الدور الخامس، حيث تطل على لافتة الجراح المعروف (...) ~~لا لأنه من أبناء الحي القديم وأقران الصبا فحسب، ولكن - وهو الأهم - ~~لأنه تزوج من الفتاة التي استحوذت على إعجابي وحبي عهدا طويلا. لا ~~يبقى ms51 اليوم من ذلك الحب إلا الذكرى، حكاية قديمة لم يكد يفطن إليها ~~أحد. أما العاطفة المتأججة فقد بردت وماتت، وأمست نشواتها وآلامها كأن ~~لم تكن، أو كأنما عاناها شخص آخر تلاشى في تيار الزمن العجيب. ويوما ~~أرى الطبيب واقفا في الشرفة وراء اللافتة وهو يخطب .. يخطب؟ إي والله ~~وبصوت كالرعد ملوحا بذراعيه يمنة ويسرة، كأنما ليهيمن على جمهوره ~~المحتشد. ولكن أين الجمهور؟ العمائر في الصف المواجه له إما مغلقة ~~النوافذ، أو تنظر إليه من خلال أفراد تجمعوا في الشرفات والنوافذ من ~~موظفي الشركات. وعابرو الطريق وقفوا قليلا؛ لينظروا ويسمعوا ويتبادلوا ~~النظرات والابتسامات، ثم يمضي كل إلى سبيله إلا المتسكعين، فلم يبارحوا ~~الطوار وتابعوه باهتمام. لا أتصور أن أحدا ميز كلمة مما يقول؛ لارتفاع ~~موقعه، ولتضارب أصوات الخلق والمركبات. وتدل النظرات والهمسات على ~~اقتناعهم بأن الطبيب خرج عن وعيه أو حصل له لطف. رغم غرابة المنظر ~~وشذوذه وإغرائه بالضحك إلا أن جانبه المأساوي غلب، وسلط الوجوم على ~~الخلق كغبار منتشر. والحق أني تألمت وملكني الرثاء للزميل القديم الذي ~~فرق العمر والعمل بيننا. وطارت خواطري محتدمة نحو شريكته في الحياة، ~~لؤلؤة حينا التي لا تنسى، فأسفت من أعماق القلب. ولم أحتمل البقاء ~~طويلا، خاصة بعد أن سمعت أن البعض اتصل بالإسعاف وشرطة النجدة، فغادرت ~~المكان مغتما، تتقدمني صورة الفتاة التي فتنتني في الزمان الأول، ~~وأتساءل: ترى كيف آل إليه حالها اليوم؟ هل ما زالت متمتعة بجمالها ~~الرائق؟ وكم أنجبت من الذرية؟ أما زالت تشتغل بالتدريس أم استغنت عنه ~~بعد أن أغناها الله؟ وكيف تتعامل مع هذا البلاء الذي ستمتحن به؟ وتظل ~~الواقعة حديثي مع نفسي، ثم مع الأصدقاء في المقهى، حتى عرفت ختامها ~~صباح اليوم التالي في جريدة الصباح، بالبنط العريض وفي أسفل الصفحة ~~الأولى قرأت «انتحار الجراح المعروف (...) يلقي بنفسه من شرفة عيادته ~~بالدور الخامس»، شد ما تأثرت لتلك النهاية، وكل صديق تأثر لها حينا، ~~رغم أن علاقتنا به انقطعت منذ التحاقه بكلية الطب. واختلطت التفسيرات؛ ~~لعله مرض لا شفاء منه، ms52 أو نكسة مالية مفاجئة، أو خطأ في نطاق المهنة، ~~حتى قال أحدنا: أو جن وكفى، ألا يجن الإنسان بلا سبب إلا الجنون ~~نفسه؟! # ومضينا ننسى المأساة كما ننسى كل شيء، ولكن صديقا آخر فجرها قبل أن ~~تموت. هو أيضا طبيب من أقران الصبا، ويقيم في نفس الحي - الزمالك - ~~الذي كان يقيم فيه المنتحر، ولم تنقطع صلته به قط، كما لم تنقطع بنفر ~~منا. ولدى أول زيارة له في أعقاب الحادث توفر أكثر من سبب لإثارة ~~الموضوع. # قال لي: أنت تذكره لا شك، كان غاية في الاتزان والاجتهاد. # فقلت مصدقا: كل ما أذكره عنه حسن. ~~- هو أيضا قمة في مهنته، وأثرى ثراء واسعا. ~~- هذا مسلم به ولذلك تبدت مأساته لغزا محيرا! # فهز صديقي رأسه وقال: الله لا يسامحها، زوجته! # فهتفت بذهول: سميحة؟! # فابتسم قائلا: طبعا تتذكرها. ~~- حينا كله يتذكرها، الجمال والكمال والأدب، المثل الأعلى ~~للاستقامة والرزانة والحشمة في ذهابها إلى المدرسة وحين العودة منها، ~~هي حصن منيع أمام أي عابث حتى شهد لها الجميع بالامتياز الخارق، وحق ~~للمرحوم أن يغبط ويهنأ يوم وفق في طلب يدها. # فأكمل الدكتور قائلا: وأنجب منها ولدا وبنتا، الولد في كلية الطب ~~والبنت في الثانوية العامة، ولكنها مع الأيام والمعاشرة تكشفت عن امرأة ~~أخرى تماما. # تابعته بانتباه فائق وذهول، فواصل: امرأة أخرى تماما، ولولا اختلاطي ~~بهم ما صدقت ما أسمع وما أرى. ~~- يا للعجب! ~~- هي الحقيقة، وكم حاولت الإصلاح ولكن دون جدوى. ~~- اعتبرناها ملاكا من السماء. # فارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه، وقال: جبارة متسلطة ذات رأس صلب، تفرض ~~رأيها بإصرار وبعنف، لا تقبل المناقشة، عصبية لحد الجنون، يذهلها الغضب ~~عن كل شيء فتحطم التحف والأواني، وتسب بلا تحفظ، ثم إنها مسرفة لدرجة ~~جاوزت كل الحدود، ولم تكن تترك له إلا مصروف الجيب. # وصمت لحظة ممتعضا ثم قال: حتى العفة لم تسلم. # فصمت على رغمي. ~~- العفة؟! ~~- إني واثق مما أقول. ~~- يا للداهية! أكانت مجرد ممثلة ماهرة؟! ~~- عسير علي أن أتصور ذلك. ~~- ولم لم يطلقها؟ # فقال متمهلا: كان ms53 أضعف من أن يتخذ قرارا حاسما. # فقلت وأنا من الانفعال في نهايته: من كان يتصور ذلك؟ ~~- هو أيضا سحره المظهر، ثم إن شكواه لم تقتصر عليها، ولكن امتدت إلى ~~أمها وحتى إلى أبيها. # هكذا انتهت قصة الطبيب، وقصتي أنا أيضا. تقدمني في السباق لوفرة ~~إمكاناته، ولولا ذلك لربما كنت أنا الضحية. ولكن كيف يمكن أن أنسى ~~صورتك الملائكية يا سميحة؟! ولم أصدق ما يقال دون تحفظ؟ أليس من ~~الجائز لو جمعتني بك الأيام يوما أن ينقلب الحكم أو يتغير؟! # | مولانا # ابن الأرض، من أسرة الأعشاب البرية، نشأ ونما وترعرع في البستان الذي ~~توسط يوما ميدان العتبة الخضراء القديم. من المجهول انبثق، لتربيه ~~الأيدي القذرة، تطعمه لقمة وتلبسه جلبابا وتسلبه إنسانيته. وذات يوم - ~~وكان عوده قد اشتد وطال - أشار إليه عابر سبيل، وقال لصاحبه بصوت مرتفع ~~ضاحك: انظر، كأنما هو الملك! # الملك! يعرف أنه يوجد ملك، ورأى من بعيد موكبه. ماذا يعني الرجل؟ ~~وتكررت الإشارة والنظرة المندهشة. أيشبه الملك حقا؟ أيمكن أن يحدث ~~ذلك في هذا الوجود؟! وسعى إلى مرآة مصقولة معروضة عند مدخل محل لبيع ~~الأثاث في أول شارع الأزهر ليرى صورته، ليرى الملك .. إذن فهذا هو ~~الملك. لم تطمس شكله رثاثة الجلباب ولا قذارة الوجه، وراح يغسل وجهه ~~ويمشط شعره، ويقطع الميدان بالطول والعرض فيحرز النجاح بعد النجاح، ~~ويتلقى الإشارات والتعليقات، ويمضي باسما مزهوا بصورته النفيسة. ~~وعرف في المنطقة مع الأيام بمولانا، مولانا صاحب الجلالة. وفسرت ~~الظنون الساخرة الشبه العجيب بما عرف عن الملك الراحل الأب من رمرمة ~~جنسية، فمن يدري؛ فلعله ... وأليس من الجائز أن ...؟! وما وجه الاستحالة ~~في أن يكون ...؟ هكذا ألحقته السخريات بالدم الأزرق المصون لأسرة محمد ~~علي. وهو لا يعرف لنفسه أما ولا أبا؛ فكل شيء محتمل. وجد على ~~الأرض، عاريا أو في لفة، ونشأ في أحضان الطبيعة مثل أجداده الأول في ~~العصور الغابرة. وحام مع الظنون حول أصله الرائع المجهول، وانتظر من ~~وراء ذلك الشبه خيرا وأي خير. والواقع أن فخامة منظره خففت عنه ms54 من ~~بلاء التشرد وجنبته كثيرا هراوات الشرطة، فكان أكرم المتشردين وآمن ~~النشالين. وقال له أقرانه: إذا رفعك الحظ يوما فلا تنسنا! # فوعدهم بالخير والحماية، وتعلق أكثر بأحلامه الخرافية. وطرقت شهرته ~~أخيرا قسم الشرطة وذهب المخبرون ورجعوا قائلين: الطول والشكل واللون، ~~إنه معجزة. # وقرر المأمور أن يراه بنفسه، ولما مثل بين يديه تفحصه بذهول، ولما ~~صرفه وجد نفسه يفكر فيه كمشكلة حقيقية. أيمكن أن يتغاضى عنه كدعابة لا ~~وزن لها؟ هل يأمر بمراقبته حتى يقبض عليه متلبسا؟ لم يقنع بهذا الحل ~~أو ذاك، ورأى أن يبلغ الخبر إلى أحد الرؤساء في الداخلية الذي تربطه به ~~علاقة حميمة. وجرت التحريات من جديد، وارتبكت مراكز الأمن العليا، ~~واعتبرت الموضوع بالغ الأهمية والخطورة. ~~- قد يتكشف الأمر عن مضاعفات مجهولة، ونسأل عند ذاك أين كنتم أيها ~~السادة؟ ~~- والعمل؟ # واستقر الرأي على اعتقاله ووضعه في الطور باعتباره من الخطيرين على ~~الأمن الواجب استبعادهم، وتم التخلص من فاروق «الثاني»، واطمأنت القلوب ~~وكاد ينسى تماما. # وقامت ثورة يوليو، وانهالت المطارق على العهد البائد. وكتب أحد ~~الصحافيين عن واقعة شبيه الملك المخلوع المنسي في المعتقل، فكانت كلمته ~~إيذانا بالإفراج عنه. # رجع إلى تشرده، ولكن بلا حلم هذه المرة ولكنه حمد الله على نعمة ~~الحرية .. ونشرت بعض المجلات صورته، فاكتسب شهرة لم تخطر له في بال. ~~وقررت إحدى الشركات السينمائية أن تنتج فيلما يصور الفساد في عصر ما ~~قبل الثورة، وكان الملك يظهر فيه في منظر هامشي فيما وراء الأحداث، ~~واستدعت الشاب لتجربه في الدور، فأداه أداء مقبولا لسهولته، وحاز سمعة ~~لا بأس بها، ولكنها لم تفتح له طريق النجاح، ولم تكتشف فيه موهبة ذات ~~شأن. ورأى المسئولون أن الحديث يتكرر عن الشاب، وأن صوره تنشر أكثر مما ~~ينبغي ... وإذا بمشكلة جديدة تنشأ من حيث لا يحتسب إنسان. وقال شخص بعيد ~~النظر: شعبنا طيب، ولا يبعد أن يوجد فيه من يعطف على الملك رغم فساده، ~~وسيكون وجود هذا الشاب محركا لهذا العطف. ~~- إذن يمنع نشر صوره. ~~- بل الأوفق أن يختفي ms55 تماما! # وظن الشاب أنه ولد من جديد؛ ليستقبل عهدا جديدا. وأشعل الدور ~~الصغير الذي قام به في الفيلم طموحه إلى أقصى حد، وتوقع الخير مع طلعة ~~كل شمس. وكلما شعر بمرارة الانتظار قال: إن الله لم يخلقني في هذه ~~الصورة إلا لحكمة بالغة. # ولكنه اختفى بلا سبب ظاهر. لم يعد أحد يراه في أي من مظانه. اختفى ~~تماما، بل يبدو أنه اختفى إلى الأبد. # | حوار # في جلبابه الأبيض الفضفاض، جلس على أريكة تتوسط حجرة المعيشة، وتحت ~~طاقيته البيضاء بدا وجهه متجهما. أما هي فلم تكن تستقر على حال، يتحرك ~~جسمها الرشيق في فستان البيت الوردي بين مقعد وآخر، أو تنظر حينا من ~~النافذة المطلة على الطريق الصاخب. قالت بجدية: انتهيت إلى قرار أن ~~أقيم مع خالتي. # فلوح بيده محتجا وهتف: تهجرين أخاك لتعيشي مع خالتنا! هذا لن يكون، ~~لن تتركي هذا البيت إلا إلى بيت الزوجية. ~~- ولكن الحياة أصبحت نقارا مستمرا. ~~- كل شيء له سببه. ~~- الخلاف بيننا لا يهدأ وهو يستفحل يوما بعد يوم. ~~- إن ما أقترحه هو عين العقل. ~~- هذا رأيك، أما رأيي فشيء آخر. ~~- أنا أخوك وأخبر منك بالدنيا. ~~- لماذا؟ كلانا متعلم وله عمله، وأنا أكبرك بعامين. ~~- ولكني رجل، وهذه ميزة لا حيلة لنا فيها. ~~- لا تردد ذلك من فضلك. لعل انتقالي إلى بيت خالتي. # قاطعها بحدة: لا، من فضلك، افترقنا ونحن على هذا الخلاف يهدد كلينا ~~بكارثة. ~~- ما العمل ما دمنا لا نتفق في شيء؟ ~~- رأي واضح مثل 1 + 1 = 2. # فدارت ابتسامة طارئة، وهي تقول: الواضح عندي أن 1 + 1 = 1. ~~- ما أعذبك لو ألنت صلابة رأيك. ~~- عندي كل شيء طيب. ~~- ما أطالبك به يقره الناس والمنطق وطبائع الأشياء. ~~- أستطيع أن أقول نفس الوصف لما أطالب به، ولكنك تقسو على نفسك، حتى ~~الموسيقى الحلوة تعرض عنها. ~~- يا لك من ظالمة، أليس لي أوقات فراغي أيضا؟ ~~- ولكنك طيلة الوقت مشغول بالهموم اليومية. ~~- هي الحياة، لولا ذلك ما بقي لأسرتنا ما تعتز به. ~~- فضلك مشكور. ولكن الحياة أوسع من ذلك ms56 كله. ~~- لو طاوعتك لرمينا بالجنون. ~~- دعني أصارحك بأن من الجنون ما يعجبني. ~~- هكذا أنت، لا تفكرين أبدا في العواقب. # فحدجته بنظرة متحدية من عينيها السوداوين الشهلاوين، وقالت: غاية ~~الحكمة ألا نفكر في العواقب. ~~- الله .. الله .. خطوة واحدة تبقى، ثم يدركني اليأس من ~~ناحيتك. ~~- ما صبرت عليك إلا لإيماني بحسن نواياك. ~~- تذكري عمتك، والعاقل من اتعظ بغيره. ~~- عمتي! .. ما أروعها! # فكبح غيظه، ولكن وجهه ازداد تجهما، وهتف: مناقشة لا تعد بنتيجة ~~طيبة. ~~- هكذا خلقت فدعني وشأني. ~~- لا .. لا .. علينا أن نتدبر أمرنا طويلا. ~~- ما الفائدة؟ ~~- المزيد من التفكير لا يضر. ~~- إلا إذا جر وراءه مزيدا من التردد والخوف. ~~- لعلك تهربين من المسئولية. ~~- ليس في حياتي هروب، إنها سلسلة من المغامرات، وكل مغامرة تحمل في ~~طياتها مسئولية هامة. ~~- والخسائر ألا يدور لها في تقديرك حساب؟ ~~- ما تظنه خسارة أعتبره ربحا. ~~- أتمنى ألا تترامى خواطرك إلى الناس! ~~- الناس .. الناس .. الناس. ~~- إنهم خطر مدمر. ~~- إنهم خطر على من يهتم بأمرهم. # فقال بنبرة مرتفعة: معي المنطق ووصية أبينا رحمه الله. # فانحرفت بعينيها عن عينيه، وقالت بهدوء: لي أيضا منطقي، وهو لا يتفق ~~مع وصية أبينا رحمه الله! ~~- عجبا، عرفتك دائما بارة بالوالدين. ~~- هذا حق، ولكن لكل شيء حدوده. ~~- أليس من الجحود الاستهانة بوصيته؟ ~~- أبدا، طالما أنني أفعل ذلك في سبيل الحياة التي أحبها، والتي ~~علمني كيف أحبها وأحترمها. ~~- هو أيضا كان يحب الحياة. ~~- الحياة التي أحبها غير الحياة التي أقبل عليها. # وتبادلا نظرة مليئة بالانفعالات، وفصل بينهما صمت كئيب، حتى تساءل: ~~والعمل؟ # فقالت بأسى: آسفة على الإزعاج. ~~- لا يمكن أن أفرط فيك. ~~- ولكننا لا يمكن أن نتفق. ~~- الانفصال يعني كارثة لكلينا. ~~- ليس الأمر كما تتصور. ~~- يجب أن نستمر معا، مهما كلفنا ذلك من عناء. ~~- وهل نتحمل النقار ووجع الرأس إلى الأبد؟ ~~- بل إلى أن نجد ملتقى للاتفاق. ~~- أخاف أن يكون ذلك وهما يا أخي. ~~- أبدا، المهم ألا تنفذي قرارك الأرعن بهجر بيتنا. ~~- معذرة، لولا أزمة المساكن ما كان يجب أن نبقى فيه يوما ~~واحدا. ~~- هو ms57 اليوم نعمة كبرى إذا قيس بسكنى المقابر. ~~- أعترف أنه أحسن قليلا. ~~- لا تسخري يا جاحدة، أتنكرين أنه شهد أسعد أوقاتنا؟ ~~- بلى، ولكن ماذا يشهد اليوم؟ ~~- وبيت خالتك ليس بالجنة على أي حال، إنها تنظر إلينا من فوق! ~~- ولكني أستطيع أن أتفاهم معها بسهولة. ~~- إنها تحتقرنا، أشك أحيانا أنها شقيقة أمنا، وهي في نظري مسئولة ~~مسئولية كاملة عما حصل لعمتك. ~~- عمتي! أين نحن من عمتي؟! ~~- اسمعي، لا أبرئك من الانتهازية! # فضحكت قائلة: الله يسامحك. ~~- المهم ألا نفترق وألا نيأس من الاتفاق. # فقالت بنبرة واضحة: لا تتوقع تنازلا من ناحيتي. ~~- ولا تتوقعي تنازلا من ناحيتي. ~~- إذن فلن نجني إلا تعب القلب ووجع الرأس. # فقال بجدية ورجاء: وأيضا الوفاق. # | خيال العاشق # تزوج علي الصناديقي من زينب رأفت بعد انقضاء عام كامل على مقتل زوجها ~~السابق وابن عمها سليمان عيسى. أرعشتني قشعريرة وقلت لنفسي بحسرة: ~~«سبقني». ولعل أكثر من شخص في شارعنا ردد ما قلت فيما بينه وبين نفسه. ~~زينب وردة حينا اليانعة، استبقنا جميعا إلى طلب يدها ولكن أمها ~~الشركسية المتعجرفة زوجتها ابن عمها سليمان. ساقط ابتدائية متخلف ~~العقل، ومن ذوي الأملاك والدنيا حظوظ. يمين الله ما عرفنا الحزن ~~الجماعي كما عرفناه في تلك الأيام. ومضى كل يضمد جراحه بالطريقة التي ~~تناسبه. واكتشفت جثة الزوج ذات صباح بعطفة الحفناوي، واكتشفها أول ساع ~~للرزق، بياع اللبن. قتل وهو راجع إلى مسكنه آخر الليل. كانت الشوارع ~~والحواري الفرعية تسبح في الظلام لم تدخلها الإنارة بعد، وكان الرجل من ~~هواة السهر، ويعود كالعادة سكران أو مسطولا. وجاءت التفاصيل - كما ~~وردت في كوكب الشرق - مؤيدة مصرعه بضربة عصا غليظة أو آلة حادة على أم ~~رأسه. ووضح أن الباعث على القتل هو السرقة فقد جرد من ساعته الذهبية ~~وخاتمه الماسي ومحفظته. وزلزلت الجريمة الحي كله، وصارت حديث النساء ~~والرجال في العباسية شرقيها وغربيها. وتنبأ أهل الخبرة بأن شيطان القتل ~~لن يدعنا في سلام. وتبادلنا النظر في مقهى قشتمر في وجوم، معلنين ~~الأسف، كاتمين أي بادرة ارتياح. وأرجعني نواح ms58 زينب إلى الماضي فاستثار ~~المنسي من الذكريات. ولاحظ الفران أن عامله «بيضة» ينفق عن سعة، وأنه ~~يبتاع الكونياك من خمارة الميدان بدلا من الكحول الأحمر الذي كان ~~يشتريه كل مساء من البقال، فسأله عن الخبر؛ فاعترف الرجل المدمن بأنه ~~عثر على محفظة في عطفة الحفناوي، فاعتبرها رزقا من الله. وبلغ ~~الفران قسم الوايلي فقبض على بيضة، وحقق معه ثم حول إلى المحاكمة ~~بتهمة القتل والسرقة وقضي عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. هكذا انتهت ~~قضية قتل سليمان عيسى. لا شك أن الحلم القديم استيقظ في قلوب كثيرة. ~~واستيقظ في قلبي على وجه اليقين، ولكني انتظرت الوقت المناسب. كل عاشق ~~قديم رسم خطة وانتظر الوقت المناسب طاويا صدره على سره، وعلي ~~الصناديقي فعل مثلنا ولكنه كان أقدر منا جميعا على تدبير المناورة ~~وانتهاز الفرصة كما كان - باعتراف الجميع - أجرأنا على الاقتحام، وفاز ~~باللذة الجسور. كنا جميعا من صغار الموظفين، أما هو فقد ورث عن أبيه ~~محل مني فاتورة بالغورية، فحاله المادية معدن بالإضافة إلى خبرة مبكرة ~~بالحياة وتمتعه بإرادة صلبة وفحولة نادرة. في الوقت ذاته هدهدت أم زينب ~~من عجرفتها؛ بسبب ترمل ابنتها الجميلة، واقتران اسمها بحكاية مصرع ~~زوجها؛ فوافقت على الزوج الجديد مزدردة امتعاضها التقليدي. وكان من ~~عادتي أن أعالج أحزاني بالمشي المنفرد في ميدان المستشفى الفرنسي وأرض ~~المولد النبوي. ولما مررت بالبيت رقم 10 المكون من دورين على ناصية ~~الميدان دهمتني ذكرى قديمة بعض الشيء، فدق قلبي دقة عنيفة انطلقت ~~كإنذار مرعب. لا لأن علي الصناديقي وعروسه يقيمان في الدور الأول، ولكن ~~لمنظر تكرر مرتين قديما دون أن يثير ظنوني فمر بسلام. تذكرت أنني رأيت ~~زينب في حياة زوجها السابق تدخل هذا البيت مرتين. يومها اعتقدت أنها ~~تقوم بزيارة وانتهى الأمر. الساعة يلوح لي وجه آخر للمسألة. في ذلك ~~الوقت كان الصناديقي يقيم في الدور الأول بمفرده بعد وفاة أبيه! قد ~~يقال: إنها كانت تزور أسرة الشيخ محرم - أستاذنا القديم - المقيمة في ~~الدور الأعلى، ولكن الشك يساورني في ذلك. لم؟ إلام ms59 تريد هواجسي أن ~~تقودني؟! أكان ثمة علاقة بين الصناديقي وزينب؟! الصناديقي من ناحيته ~~مثال للاستهتار والمجون، لا يرعوي عن فعل، ولا يعقله أدب أو خلق، وزينب ~~من ناحيتها اعتبرت في زمانها عصرية ولم يكن للدين ولا التقاليد أثر ~~ملموس في بيتها، وحتى لو كان السبب المعلن للتردد على البيت هو زيارة ~~آل محرم فهل يمنع ذلك من التسلل إلى مسكن الصناديقي عند الذهاب أو ~~الإياب؟! ليس شكا ما أتخيل ولكنه اليقين، وهي لم توافق على الزواج ~~منه رغم كثرة المريدين إلا استجابة لتلك العلاقة الآثمة القديمة. لم ~~لا؟ يقينا إنها لم تحب زوجها السابق ولم تحترمه، ولولا سطوة أبيها ما ~~قبلت أن تتزوج منه. وقد انصرف عنها جميع عشاقها احتراما لقدسية ~~التقاليد المرعية، ولكن الصناديقي لم ينصرف ولم يسل، ولم يجد من قيمة ~~ما يصده عن المغامرة. وأصر وألح حتى استجابت المرأة لعواطفه، ولبت ~~نداءه. حاولت أن أنفض عن رأسي تلك الأفكار المحمومة ولكنني لم أستطع، ~~وطاردتني كأنها حقيقة واقعة. وليتها وقفت عند ذلك الحد، ولكن ثمة فكرة ~~سوداء انطلقت كما ينطلق عفريت من قمقم، وسوست لي بأن الصناديقي يكمن ~~في قاع الجريمة التي أودت بحياة سليمان عيسى! لم لا؟ إنه الوحيد بين ~~أقراننا القادر على القتل. طالما عرف بيننا بالانفعال الأهوج ~~والعدوان، ومعاركه الشخصية لا تحصى. ولا أنسى دهشتنا يوم وجه الاتهام ~~إلى «بيضة» عامل الفرن، فإن أكثر من فرد قال: بيضة! .. من يتصور أن ~~بيضة يمكن أن يقتل؟ # ولكن البعض تفلسف قائلا: إن أبعد الناس عن شبهة القتل قد يقتل في ~~لحظة جنون! كلا! بيضة لم يقتل ولكن سوء حظه ساقه للعثور على المحفظة ~~التي تركها القاتل؛ لإيهام الشرطة بأن السرقة كانت الباعث على الجريمة ~~لا الحب. دبر الشيطان فأحسن التدبير، ولكن هل شاركته زينب في مؤامرته؟ ~~عند ذاك الفرض خذلني خيالي المحموم، أما جريمة الصناديقي فقد تمثلت ~~إلي حقيقة واقعة. عبثا .. عبثا .. حاولت التملص من قبضتها. في ~~الوقت نفسه لم أفاتح أحدا بما يمور في أعماقي. أكره ms60 أن يسخر مني ساخر ~~أو يتهمني بالجنون . وأسترق النظر إلى الصناديقي، ونحن بمجلسنا بمقهى ~~قشتمر فأراه هادئا أو ضاحكا ينبض وجهه المتورد بحلاوة شهر العسل. ~~أيمكن أن تمضي الجريمة بلا أثر تخلفه في القاتل؟! وأراه أحيانا يسير ~~في الشارع، وزينب تتأبط ذراعه كأكمل ما يكون الزوجان سعادة؛ فأذكر ~~بأسى بيضة الملقى في ظلمات التأبيدة بلا ذنب. وأتساءل أين العدل؟ وأين ~~الرحمة؟ وأحاول مناقشة أخيلتي وتفتيتها فلا أستطيع، ولا أجد من أشركه ~~في سري لعله يخفف عني بعض ثقله. وقلت لنفسي منذرا إني مريض، ولا بد ~~من الشفاء قبل أن أتردى بلا أمل. # وخطرت لي فكرة لم أتردد في تنفيذها. حررت إليه خطابا غفلا من ~~الإمضاء، وسجلته على الآلة الكاتبة في الوزارة. في جمل برقية أكدت له ~~أني على علم تام بجريمته، وبعلاقته الآثمة السابقة بزينب، وبكل خطوة ~~خطاها في ارتكاب جريمته، وتهددته بالانتقام القريب. وعنونت المظروف ~~بعنوان مقهى قشتمر وأودعته صندوق البريد بيدي. كنا نجتمع كل مساء ~~بالمقهى، ومرة جاء النادل بالخطاب للصناديقي، وهو يقول: تسلمته من عامل ~~البريد صباحا. # تناوله الشاب بدهشة قائلا: أول خطاب يجيئني في المقهى. # وعلى سبيل الاحتياط تنحى جانبا ليقرأه؛ أثار الخطاب اهتمام الجماعة ~~لحظة ثم انخرطت في السمر. وجعلت أنا أراقبه من وراء وراء ملهوفا على ~~رؤية رد الفعل. هل يضحك ساخرا؟ هل ينفعل ويغضب؟ لا هذا ولا ذاك؛ وجم ~~وسكن وانخطف لونه. غاض من وجهه التألق والعنفوان، جمد وخمد وكأنه نام، ~~والتفت أحدنا نحوه متسائلا: خير؟ # فأجاب وهو يدس الخطاب في جيبه، ويرجع إلى مجلسه: ليست خيرا على أي ~~حال! ~~- لم والعياذ بالله؟ ~~- مشكلة من مشكلات العمل، ولكن لا خطورة في الموضوع. # ونظر في ساعته، ثم قام وهو يقول: يستحسن أن أقوم بزيارة ~~عاجلة. # وحيا وانصرف، لم يعد ثمة مجال للشك؛ انكشف المجرم ولم أخطئ في ~~الحساب. ولكن ماذا بعد؟! لم يحضر في اليوم التالي ولا ما تلا ذلك من ~~أيام، وسأل البعض عنه في بيته، فقيل لهم: إنه مشغول. وعلمنا بعد ذلك ms61 ~~بأنه سافر في مهمة عاجلة إلى سوريا ، ولكنه لم يعد من مهمته حتى اليوم! ~~واضطرت زينب إلى الإقامة مع أمها في شارعنا. وعرفنا - كجيران - أنها ~~مرضت بمرض عصبي، وأنها تعالج بالطب، وعولجت أيضا بالزار ولكن دون ~~جدوى. هكذا انتهت أسطورة زينب الجميلة وبدأت رحلة زينب المريضة إلى ~~الأبد. لم أشعر بالنصر أو الارتياح إلا لحظات عابرة. اعتراني قلق ~~وتطايرت برأسي الهواجس وخيم على قلبي هم ثقيل .. ماذا فعلت؟ .. ما ~~جدوى ما فعلت؟ .. ما دور زينب الحقيقي في المأساة؟ وماذا أفاد ضحية ~~الليمان من هذا كله؟ حقا تخيلت وحكمت على الآخرين، ولكن كيف يكون ~~الحكم علي أنا؟! # | غدا تغرب الشمس # فقد الطعام سحره وجاذبيته ليست بالحال العارضة التي يصبر عليها ~~يوما أو يومين. وعليه فيجب أن يستشير طبيبه. طالما عد نفسه من السعداء ~~لاقتناصه ستين عاما من الزمن، وهو على أتم ما يكون من الصحة والعافية. ~~ورغم نشاطه المتواصل كرجل من رجال الأعمال، فلم يهمل جانب الأناقة ~~والرياضة في حياته الثرية، يتبدى دائما في أجمل صورة، ويحسن السباحة ~~والتنس ولا تفوته الرعاية الدقيقة لصحته. زار طبيبه بميدان الأزهار، ~~وفحصه الرجل بعناية وعلى مهل. ثم قال: الكبد. # ندت عن يده حركة كالاحتجاج، وخاطبه كصديق قائلا: أنت تعلم أنني ~~معتدل جدا في الشراب. ~~- لا بد من أشعة. # هذه الإجراءات هي ما تضايقه في الطب الحديث، ولكن لا سبيل إلى ~~التراجع. وصعد إلى الدور السابع بنفس العمارة مسبوقا بتوصية تليفونية؛ ~~فالتقطت له صورة. ذهب بها إلى طبيبه في مساء اليوم التالي، وقرأها ~~الطبيب ثم قال بإيجاز: لا بد من تحليل الدم. # وساوره قلق جدي لأول مرة باعتباره ذا تجارب مأساوية سابقة في أسرته. ~~فقال: في الأمر اشتباه. ~~- سيسفر عن نتائج حميدة بإذن الله. # ومضى إلى معمل التحليل مهموما مغتما. وانغرزت الإبرة في كبده ~~مصحوبة بآلام لم يتوقعها. # وفي مساء اليوم التالي ذهب بالنتيجة إلى الطبيب، وقال للطبيب وهو ~~يتفحصها: صارحني بالحقيقة الكاملة إني مستعد لذلك. # فقال الرجل بجدية: هيهات أن يسهل خداعك. # فقال متظاهرا ms62 بالبساطة: إذن فهو ما كنا نخشاه؟ # أجاب بإيماءة من رأسه فقال المريض: وإذن فلا شفاء ولا دواء، ولكن ~~مجرد مسكنات! ~~- بل يرجى إيقاف الورم، وليس هذا بالإنجاز القليل. ~~- أتنصحني بالسفر إلى الخارج؟ ~~- ما كنت لأتأخر عن اقتراحه عليك لو أفاد. # وتفكر قليلا ثم سأله: هل يمكن أن تحدد لي المدة الباقية من ~~حياتي. # فقال بعجلة: كلا! الأعمار بيد الله وحده. ~~- ولو على وجه التقريب؟ ~~- كلا! كلنا أمام الموت سواء. وقد يسبقك إليه جميع الأصحاء من ~~أصحابك؟ # فقال برجاء: جنبني الألم ما استطعت. ~~- هذا متيسر. # بين يوم وليلة، بل في غمضة عين، مذهل حقا مذهل، خاطب نفسه بقوة: ~~«حذار من الانهيار». وقال لها أيضا: «سلمي بهذا الواقع كأي واقع آخر». ~~ومن أول لحظة قال له عقله كلاما مليحا، ولكنه لم يستطع أن يخلصه من ~~قبضة الهزيمة والخوف والأسى. وقال له صديق: ليتك تستطيع أن تتناسى ~~الموضوع. # فقال: هذا ما أحاوله؛ وإلا فلن أنجز شيئا. # أجل، أمامه واجبات معقدة كثيرة، أو كما قال لنفسه: «لولا الأسرة لقمت ~~بسباحة حول الأرض غير مبال بشيء». وفكر أول ما فكر في عمله، فتراءى له ~~لأول وهلة أن يتخلى عنه لنائب عنه، ولكنه سرعان ما استبعد الفكرة، ما ~~دام أن العمل سيشغل وقته، وينقذه زمنا لا يستهان به من الوحدة ~~والأفكار المضادة. وانهمك في توزيع ثروته ومشاورة محاميه بما يحقق ~~الاستقرار لأهله، وتوفير الضرائب التي يمكن توفيرها. ولم يبح بسر ~~مرضه إلا لزوجته، أما الأبناء فقد رسم خطة لإعدادهم للنهاية دون إزعاج ~~لا ضرورة له قبل الأوان .. وواصل ترشيده لهم في الأمور التي تهمه ~~كالجنس والمخدرات وشئون المال والعمل. والحق أن انهماكه في ذلك كله خفف ~~من قسوة محنته، وبخاصة في إبان حدتها وشدتها. واستعاد شهيته للطعام ولم ~~يشعر بأي ألم مما هجست به نفسه، ومارس رياضاته المحبوبة باعتدال. ووجد ~~امتنانا كبيرا للعلم وما أبدعه من مسكنات، ولم ينقطع عن ناديه ~~وأصحابه ولا عن شجون الحديث في الاقتصاد والسياسة. وكلما ألمت خاطرة ~~سوداء ردد في باطنه ms63 قول طبيبه وصديقه: «كلنا أمام الموت سواء »، بل إنه ~~مع مرور الزمن أخذ يؤمن بأن مرضه أتاح له فرصا لم تكن مهيأة من ~~قبل. # ألم يستعد لأمور كثيرة كان يمكن أن تترك معلقة وأن يشقى بها ~~أهله؟ # واعترف أيضا بأنه خفف من عبء الدنيا الذي حمله على كاهله طويلا وفي ~~معاناة مستمرة. حقا ما زال يواصل عمله، ولكن هان توتره العصبي الذي ~~لم يرحمه جل حياته. إنه يعمل من أجل الدنيا ولكنه لم يعد أسيرا في ~~قبضتها. وانجابت عن وجدانه مخاوف كثيرة طالما ناوشته مع كل طلوع شمس. ~~موت أول ابن له في عز الشباب، ماذا يعني الآن؟! حسده لأقران له لعبوا ~~دورا أكبر من دوره في تاريخ وطنه. تدبير الدولارات اللازمة لشراء ~~مستلزمات الإنتاج. الركود الاقتصادي والخوف من العجز عن تسديد بعض ~~الأقساط للبنوك. مستقبل البلد السياسي وما ينذر أمثاله من تقلبات ~~مجهولة. # أجل يصح له اليوم أن يتساءل عما ينتظره بعد الموت. إنه لم يدخل في ~~حياته جامعا إلا في مناسبة دعي فيها ضمن من دعوا ليكونوا في شرف ~~استقبال رئيس الجمهورية. لم يؤد فريضة دينية قط ولا يعرف عن دينه ~~شيئا يذكر، ولكنه يعتبر نفسه من المؤمنين بالله ورسوله. ويؤمن بأن ~~الله أرحم الراحمين بمخلوقاته. فضلا عن أنه لم يرتكب في حياته إثما ~~كبيرا كما كان كريما مع الفقراء من أقاربه وأصدقائه. ولم يفكر في أن ~~يعرف من شئون دينه ما فاته أن يعرفه؛ خشية أن تفتح له المعرفة أبوابا ~~تفسد عليه صفوه وطمأنينته إلى رحمة الله. أقنع نفسه بأن إيمانه البسيط ~~سينقذه بلا حاجة إلى مزيد، ومرت له لحظات خيل إليه أنه اليوم أسعد مما ~~كان أمس. وعجب لذلك عجبا شديدا. أكان يضمر كراهية لحياته الماضية رغم ~~الصحة والنجاح؟ أكان يجاهد وهو لا يدري ليتحرر من قبضتها العاتية؟ هل ~~ضاق بأن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، وود أن يتعامل معها كأنه يموت ~~غدا؟ # وقال لصديقه يوما وهما يتناجيان: المرض لقنني درسا، وهو: أن الموت ~~صديق في ms64 ثياب عدو. # | على ضوء النجوم # في الصباح الموعود تجمع الفريق، وهو على أتم الاستعداد. الشتاء يطوي ~~ذيوله والجو ينفث في الأرواح الحيوية والنشاط. ارتدى كل فرد بنطلونا ~~صوفيا «وبلوفر» رماديا، وغطاء رأس من القطن الأبيض، وانتعل حذاء من ~~المطاط، وجيء بشاحنة متوسطة، فحملت بالأطعمة الجافة وقوارير المياه، ~~وهل علينا رجل فارع الطول واضح الملامح مهيب الطلعة، مثلنا في زيه ~~كأنه واحد منا، غير أنه يطوق عنقه بقلادة تدلى منها صفارة فضية فوق ~~صدره العريض. قال بصوت جهير: أنا مرشدكم، والله يوفقكم، هل اطلعتم على ~~التعليمات؟ # فأجبنا بالإيجاب، فعد ثلاثا ثم قال: سيروا ورائي على بركة ~~الله. # فمضت القافلة تخترق الصحراء والسيارة تتهادى وراءها. رحلة كل عام ~~ولعبته التي تجرى تحت رعاية اتحاد الأندية الرياضية. يسير الفريق وراء ~~المرشد، وعلى كل أن يخمن الواحة التي يقصدها، معتمدا على ما حصل من ~~معلومات عن الصحراء، ومن يصدق تخمينه يحصل على الجائزة السنية. ~~والجائزة لا تقسم، وينالها كل فائز وإن تعدد الفائزون. سرنا مع طلوع ~~الشمس، يخيم علينا الصمت، نستذكر التعليمات حتى لا نخرج من السباق ~~لهفوة عارضة، ونمارس ما أوتينا من قوة ملاحظة وفطنة ومعرفة يحدونا ~~الأمل في الفوز. المنظر يتمادى، وتختفي من أبعاده المعالم، ويمضي على ~~وتيرة واحدة تبعث على الملل. وقاومت الرمال أقدامنا، واقتضتنا جهدا ~~إضافيا. وثقل الوقت، وتساءلنا ألا يوجد محطات للراحة؟ شعرنا بالحاجة ~~إلى الكلام لولا أنه ممنوع، أما مخاطبة المرشد فتعتبر خطيئة. إنها رحلة ~~ممتعة وواعدة، ولكنها شاقة أيضا، بل شاقة فوق ما تصورنا، ولا يخبرها ~~بحق إلا من يكابدها. وحدث أن تبادل زميلان كلمة بسبب لا ندريه وإذا ~~بالمرشد يتوقف عن السير، ويلتفت نحوهما كأنما رآهما بعين ثالثة، وقال ~~بحزم: إلى السيارة. # قال أحدهما: سألته عود ثقاب لأدخن. # فقال المرشد بصرامة: التدخين ممنوع أيضا، اذهبا. # ولاح القهر في وجهي الرفيقين، ولكنهما أذعنا لأمره مرغمين، فرجعا إلى ~~السيارة يجران ذيول الخيبة. # وقال بوضوح: واجبي لا يتضمن أي تساهل مع المتسيبين أو الكسالى أو ~~المنحرفين. # وعند الضحى أوشك ms65 أن ينهكنا التعب، وفترت قوانا في الملاحظة ~~والمتابعة، ووضح لنا أنها رحلة شاقة بكل معنى الكلمة وامتحان قاس ~~للكرامة، وإن جرت في إطار الرياضة. وتراءت لكثيرين لهوا ولعبا. واشتد ~~الوقت وغلظ، وتاقت أنفسنا إلى لمسة من الراحة، وإذا بالمرشد ينفخ في ~~الصفارة ليشد الانتباه إليه، ثم يصيح بنا: عليكم أن تفعلوا ~~مثلي. # واندفع يجرى جريا هادئا مع رفع الساقين وتحريك الذراعين. حلمنا ~~بدعوة إلى الراحة لا إلى مضاعفة الجهد. واضطررنا إلى محاكاته بقلوب ~~حانقة ووجوه مكفهرة. وارتفعت الشمس نحو كبد السماء مرسلة أشعة ساخنة ~~رغم عذوبة الهواء. وتعثر شاب فندت عنه آهة، وتوقف مغلوبا على أمره، ~~فصاح المرشد: إلى السيارة! # هكذا خرج سيئ الحظ من السباق، وأمدنا خروجه بشيء من الصلابة والصبر، ~~ولاحت عن بعد صخرة عاتية كأنها صغيرة، تشبه إلى حد ما رأس أبي الهول ~~من الخلف، فاتجه الرجل نحوها، ولما بلغها نفخ في الصفارة مرة أخرى ~~ووقف، فوقفنا ونحن نلهث ونكاد نسقط إعياء، والتفت نحونا وقال: جلسة ~~للراحة وتناول الغداء. # افترشنا الرمال، ووزع علينا رجال السيارة لفافات وقارورة صغيرة من ~~المياه. وفي صمت جعلنا نحل أربطة اللفافات، فوجدنا رغيفا وبطاطس وقطعة ~~من الطماطم وشريحة من اللحم البارد وبرتقالة. التهمنا الطعام بشهية ~~عظيمة، وارتوينا ثم استلقينا على ظهورنا طلبا للاسترخاء أو النوم، ~~وسأل أحدنا المرشد ببراءة: هل يمكن أن أدخن سيجارة هنا؟ # فقال الرجل بهدوء: اذهب إلى السيارة! # وجم الشاب، وندت عن جار له ضحكة ساخرة فقال المرشد للضاحك: وأنت معه ~~فورا! # ونظر الرجل نحوهما بتحد فلم يجدا بدا من الإذعان لمشيئته. وقام ~~قبل أن ننال كفايتنا من الراحة فنفخ في الصفارة، وعد ثلاثا، ثم واصل ~~السير. تبعناه ساخطين وصامتين. أيكون هذا الرجل مثاليا أم ساديا؟! ~~وقلت لنفسي: صدق من قال إن السلطة تكشف في صاحبها عن أحسن ما فيه وأسوأ ~~ما فيه معا. وتذكرت من نصحوني بعدم الاشتراك في هذا السباق، ولكني لم ~~أنس كيف يتباهى الفائز فيه بما أحرز على مدى العمر. وأعملت في ~~الملاحظة والاستذكار جماع ms66 ما أملك من قوة ومعرفة. حقا إنه سباق يتطلب ~~قوة في الملاحظة، وصلابة في الإرادة وصفاء في الذاكرة، وتألقا في ~~الذكاء، بالإضافة إلى ما يحتاجه من شدة الصبر والاحتمال والشجاعة وضبط ~~النفس، وحسن السياسة مع مرشدنا الجبار. وسارع إلينا التعب، وساورتنا ~~الهواجس، وتوقعنا من ناحية المرشد مفاجأة جديدة تفوق سابقتها في عنفها، ~~ومع ميل الشمس نحو الأفق انخفضت درجة الحرارة ونضح الهواء ببرودة غير ~~مؤذية، وزادت سرعته فأنذر بهبوب عاصفة، ووهنت عزيمة شابين فتخلفا عن ~~السباق باختيارهما ولاذا بالسيارة في كآبة واضحة. وتساءلت فيما بيني ~~وبين نفسي ألا يجوز على هذا الرجل ما يجوز علينا من التعب؟ لماذا يبدو ~~وكأنما قد من عجينة غير عجينة بقية البشر؟! وحدث ما توقعناه فغير ~~الرجل إيقاع السير، واندفع يجري بسرعة جديدة مضاعفة. بدأنا الجري ~~والليل يهبط، وخضنا الظلام على ضوء النجوم الخافت، معرضين طوال الوقت ~~لشيء نرتطم به أو شيء يرتطم بنا، أو حفرة نقع فيها أو منحدر ننزلق ~~عليه، وتعذر علينا الاستمرار في الملاحظة والتفكير، حتى خيل إلي أن ~~الحظ وحده كان وراء من فاز في هذا السباق في الأعوام السابقة. وأخيرا ~~وبعد الإشفاء على اليأس انطلقت الصفارة وارتفع صوت المرشد آمرا ~~بالوقوف. وقفنا ونحن من الإرهاق في حال. ولعلنا لم نعد نطمح إلى ~~الجائزة مؤثرين السلامة. وقال الرجل: العشاء، ثم النوم، نستأنف السير ~~عند منتصف الليل، وبعد مرور ساعتين من التحرك تجمع البطاقات مسجلة ~~عليها الأجوبة، نبلغ هدفنا بمشيئة الله عند طلوع الشمس. # وجيء بكلوب مضاء فعلق في طرف عمود وغرز في الرمال؛ وجدنا أنفسنا ~~على مبعدة يسيرة من تل كبير، ووزع علينا العشاء وهو تكرار للغداء. كما ~~وزعت علينا الأغطية والحشيات السفري، واقترب المرشد من أحدنا، ونحن ~~نتناول طعامنا، وقال له بخشونة: معك قارورة خمر جرعت منها مرتين، اذهب ~~إلى السيارة. # وصرخ الشباب غاضبا: بيننا جاسوس دنيء. # فصاح به: هات القارورة واذهب إلى السيارة. # فقال بتحد: ليس معي قارورة. ~~- لا تعرض نفسك للتفتيش. ~~- لن أسمح لأحد بتفتيشي. ~~- لن تسمح؟! # ومد ms67 نحوه يده؛ فدفعها الشباب بجرأة غريبة، عند ذاك لطمه على وجهه ~~لطمه عنيفة طرحته على الأرض. وفجأة اشتعل غضبنا جميعا، ولم نعد نبالي ~~بالسباق ولا بالتعاليم، وتطايرت أصواتنا الهادرة: أي إهانة؟! .. لا ~~نقبل الإهانة. لكل شيء حدود! # تصفح الرجل وجوهنا بهدوء منذر، ثم قال: هذا تمرد عام، وإني أعلن ~~إلغاء الرحلة، سوف تحاكمون أمام مجلس إدارة الاتحاد، وسأنسحب فورا ~~ودون تردد. # وذهب الرجل إلى السيارة يتبعه رجاله حاملين الكلوب، ولم تمض دقيقة ~~حتى تصاعد هدير السيارة، وتحركت بمن عليها حتى غابت في الظلام تاركة ~~فريقنا بلا مرشد. وقفنا جميعا في دائرة واحدة، ذاهلين من المفاجأة، ~~حائرين أمام وحدتنا الضائعة، ثم تفجر الحوار بيننا: كيف يجرؤ على تركنا ~~في الصحراء بلا مرشد؟ ~~- سنرفع خصومتنا معه إلى اللجنة العليا. ~~- ولكن علينا الآن أن نفكر في موقفنا. ~~- نبقى في مكاننا حتى يطلع الصباح. ~~- بل لا بد من التحرك، فكل دقيقة لها ثمنها. ~~- في أي اتجاه يكون التحرك؟ ~~- توجد ولا شك تخمينات شتى، نقترع عليها ونأخذ بالأغلبية. # وتضاربت الآراء ولم يكد يتفق اثنان على رأي، وبعد مناقشات عنيفة ~~تمخض النقاش عن خمس فرق. ورجعنا إلى الحوار تحت وطأة المسئولية ~~الثقيلة: قد نتوه، فنموت عطشا أو جوعا. ~~- أو نتعرض لوحش أو ثعبان أو قاطع طريق. ~~- لا مفر من المغامرة. ~~- ألا يحسن بنا أن نبقى في مكاننا حتى يعثروا علينا؟ ~~- لا تعلل نفسك بأمان قد تصدق أو لا تصدق. لم يبق لنا إلا الاعتماد ~~على النفس. # ومضت كل فرقة إلى وجهتها، واضعة ثقتها في رأيها، يحدوها الأمل في ~~السلامة، ينبسط أمامها مصير مليء بكافة الاحتمالات في ذلك الليل ~~البهيم، وكأنهم على موعد مع طلوع الشمس. # | الجرس يرن # نظر في مذكرته ليراجع رءوس المسائل المطلوب إنجازها؛ هالته كثرتها، ~~كلما ألقى عليها نظرة غبط من يستخدمون السكرتيرين؛ لإنجاز الأعمال. ~~ولكن موارده لا تسمح بهذا الترف. ارتدى بدلته ليزور ابنته بعد انقطاع ~~طال في غمرة شواغله، ولما اقترب من باب الخروج رن الجرس، فعجب للطارق ~~على غير موعد في ms68 هذه الساعة من الغروب. خاف أن يشغله عن زيارة ابنته ~~التي تنتظره للعشاء، فمضى بخفة نحو العين السحرية ونظر فرأى وجهه ~~واضحا تحت ضوء السلم. انقبض صدره انقباضا ثقيلا، فتراجع إلى الصالة ~~بنفس الخفة التي جاءه بها، عاقد العزم على إهماله، حتى يعتقد أن الشقة ~~خالية فيذهب إلى حال سبيله. آخر من يود أن يلقاه وهو يعلم أن لقياه ~~يعني اختلال المواعيد وانقلاب الموازين. الجرس يرن، ينقطع وقتا ثم ~~يعود إلى الرنين، متى يسلم بأن الشقة خالية؟ سيسأل البواب، سيقول ~~البواب إنه في الداخل، أو إنه خرج دون أن ينتبه إليه. الجرس مستمر ~~معلنا تصميم صاحبه وعناده. ولكنه سيصمت عاجلا أو آجلا. وانتقل إلى ~~حجرة المكتب المطلة على مدخل العمارة، وقف في الظلام وراء خصاص نافذة؛ ~~ليراه عند ذهابه يائسا. لاذ بالصبر حتى سكت الرنين تماما. لم يشهد ~~خروجه ولكن يحتمل أنه غاب في زحمة الطريق. ذهب على أطراف أصابعه إلى ~~العين السحرية ونظر، وخنقه الغيظ أن يراه واقفا في هدوء. ماذا ينتظر؟! ~~ولم كف عن دق الجرس؟ هل شك فيه فتلفع بالصمت ليوقعه؟ ورجع إلى ~~حجرة المكتب وهو من الحنق في نهاية. وطلب ابنته بالتليفون. ~~- آلو. ~~- أنا والدك. ~~- ما زلت في البيت؟! ~~- صاحبنا واقف أمام الباب. ~~- أعوذ بالله! ~~- سأتركه حتى ييأس، ربما تأخرت قليلا. ~~- أنا منتظراك ومعي الأولاد. ~~- إلى اللقاء يا حبيبتي. # وقف وراء الخصاص يراقب الطريق. ولم يطل انتظاره هذه المرة. رآه يغادر ~~العمارة ويتوارى في الشارع الجانبي. تلقى دفقة منعشة من الارتياح ~~والسرور، وتريث دقائق ليطمئن إلى ابتعاده تماما عن مجال تحركه، ومضى ~~إلى الباب ففتحه، وإذا به يجده واقفا ينتظر في صبر وتصميم. ذهل! أدرك ~~من فوره أنه خدعه وغلبه، وتمالك نفسه متظاهرا بالدهشة. وتمتم: ~~أهلا. # تساءل الآخر وهو يدخل قبل أن يؤذن له: ألم تسمع الجرس؟ ~~- أبدا، قمت من النوم متأخرا فهرعت إلى الحمام، ثم ارتديت ملابسي ~~بسرعة لموعد مهم. آسف! # قال القادم: أزف الوقت، حسن أن أصادفك مستعدا. ولكن عليك أن تغير ~~رباط الرقبة. ms69 # فقال باهتمام: ابنتي تنتظرني الآن. ~~- مهمتنا لا تقبل التأجيل. # ارتبك، في الوقت نفسه تنبه إلى وقوفهما في المدخل، فقال: لا مؤاخذة ~~.. تفضل بالجلوس في الداخل. ~~- لا وقت لذلك يا عزيزي. ~~- لكنها مفاجأة غير مسبوقة بميعاد. ~~- من المتفق عليه أن أحضر في الوقت المناسب دون ميعاد. ~~- يوجد أكثر من وسيلة لتنبيهي. ~~- أنت أول من يعلم بشواغلي التي لا تترك لي فراغا. # فتساءل برجاء: ألا يمكن أن نؤجل المشوار للصباح؟ ~~- حقا إني أبدو فظا، ولكن الأمر ليس بيدي كما تعلم. ~~- البنت كبيرة الرجاء في أن ينهي محضري الحل المناسب لمشكلة ~~طارئة. ~~- يا سيدي، الفرص لا تنقطع وما أكثر المشكلات التي تحل بلا ~~حلال. # فقال برجاء أخير: لا شك أنك تعلم بمدى احترامي لك. ~~- علم الله أنها عاطفة متبادلة ولكن العمل لا يرحم، فضلا عن أنه ~~ينجز لصالح الجميع. ~~- طيب، جاري أنت تعرفه طبعا، مشكلتنا واحدة، يمكن أن يحل محلي ~~اليوم. ~~- لا .. لا .. لا .. دوره أبعد مما تتصور. ~~- هل يتغير نظام الكون إن لم نذهب هذا المساء؟ ~~- بل في هذه الساعة أيضا! ~~- إنك تحب النظام لحد الإدمان، ولكن الحياة تتطلب المرونة ~~أحيانا. ~~- إني أعرف واجبي تماما. ~~- ألا ترى أنها مفاجأة لم أستعد لها؟ ~~- مفاجأة! حسبتك تتوقعها في أي لحظة. # هموم الحياة تنسي: مثلك في الضغوط، ولكنني بفضل الله لا ~~أنسى. ~~- كل شيء يتغير إلاك. ~~- أحمد الله على ذلك. # رد قائلا: يا لها من مأساة! ~~- إنها أطيب فرصة تسنح. ~~- أتسخر مني؟ ~~- السخرية لا تتفق مع عملي! وفضلا عن ذلك، فأنا أعرف أنك مقتنع بما ~~نفعل. # مقتنع أو مسلم به، ولكن لا حيلة لي فيه. ~~- إنه قانون عام احترمته جميع الحكومات على اختلاف منازعها. ~~- ما شككت في ذلك قط، ولكن ما أكثر الكوارث التي يجيء بها. ~~- لو لم يكن لتعرضنا لكوارث أشد، لا تضيع الوقت. # فقال بتسليم: دعني أتلفن لابنتي معتذرا. ~~- لا .. آسف .. ضاع وقت كثير. ~~- دقيقة واحدة. # فهز منكبيه ضجرا، وقال: ما عليك إلا أن تغير رباط الرقبة. # لما آنس منه ترددا مد يده ms70 فحل عقدة رباط رقبته، وأخرج من جيبه ~~رباطا آخر مناسبا، وفرد ياقة القميص وطوقه به، ثم راح يعقده برشاقة ~~ومهارة، وثنى الياقة. ألقى عليه نظرة فاحصة وقال بارتياح: غاية في ~~الأناقة. # تأبط ذراعه، ومضى به، ثم أغلق الباب. # | وصية سواق تاكسي # لوحت للتاكسي بيدي فأقبل نحو موقفي فوق الطوار. جلست إلى جانب السواق ~~وأنا أقول: «جريدة الفجر من فضلك». التفت الرجل إلي باهتمام حرت في ~~تفسيره. أيكون من الموظفين الذين يواجهون أعباء الحياة الجديدة بعمل ~~إضافي؟ كلا، شكله يقطع بأنه ليس موظفا. رجل ضخم كأنه من رافعي ~~الأثقال، ريان الوجه، غليظ القسمات، تطل من عينيه الحادتين نظرة قوية ~~متحدية، ويده القابضة على المقود تذكر بالسلحفاة حجما وصورة. هيئته ~~مستفزة معدة للمعارك، وسألني بصوت خشن متهكم: جريدة الفجر؟ # فقلت متجاهلا تهكمه: نعم! # فقال باستهانة وقحة: طظ! # وقدر ردة الفعل السيئة في نفسي فاستدرك. ~~- طظ في الجريدة لا مؤاخذة، أنت لا شأن لك بالموضوع. ~~- أي موضوع؟ ~~- عندكم كاتب اسمه الولد علي علام! # فقلت مصححا: الأستاذ علي علام من أنجح كتاب العمود اليومي. # فدوى صوته وهو يقول: طظ وطظ وطظ! ~~- لماذا؟ ~~- ليتك تبلغه رأيي، خذ رقم التاكس، اسمي عتريس الغندور، وليته يغضب ~~ويجيء لتأديبي، فأسوي به الأرض ببصقة واحدة، وعد علي ونذر ألا ~~أمد له يدا أو رجلا، بصقة تكفيه وزيادة. # أسفت على عجزي عن الغضب الواجب للفارق غير المحدود بين ضعفي وقوته، ~~وقلت: لا أفهم شيئا، ولكني مقتنع تماما بأنه لا ضرورة لهذا ~~الغضب. # فقال وهو يزداد انفعالا: حضرته كتب عمودا عن السواقين الذين لا ~~يشغلون العداد، ثم حرض علينا وزير الداخلية. # فقلت بهدوء: هذا رأي، ولعله تلقى شكاوى كثيرة من الأهالي. ~~- أهالي؟! وهل يهمه أمر الأهالي؟! لمحته مرة في سيارة قد المترو، ~~منتفشا كالديك الرومي، ماذا يعرف عن همومنا ليشرع ويحرض، ابن ~~القديمة؟! ~~- لا .. لا .. من فضلك! # ثم بنبرة واضحة: لو عرفته عن قرب؛ لغيرت رأيك في الحال. # فصاح: لو قابلته لشوهت وجهه حتى لتجهله زوجته. ~~- المسألة بسيطة، لماذا لا تكتب ms71 له بوجهة نظرك؟ # فقال بصوت الرعد: وما قيمته في الدنيا إذا لم يعرف الحقائق بنفسه؟ هو ~~صحفي أم سائح غريب؟ ألم يسمع عن الغلاء؟ وكيف تحدث رقيعا عن الفول ~~والطعمية وهو لا يهمه إلا الويسكي والسيجار؟ اللعنة على كتاب درب ~~الأغوات! ~~- الحق، والحق يقال، إنه من أصدق دعاة العدالة الاجتماعية. # فأصدر صوتا إسكندريا وضحك طويلا ثم قال: يا حلاوة .. يا حلاوة .. ~~عدالة تجار العملة والمخدرات! ~~- عن كل شيء كتب. ~~- هل كتب عن أبناء «فلان»، من أين لهم القصور والملايين؟ ~~- لا تصدق كل إشاعة. ~~- إشاعة؟! .. وعلان الذي نشرت الصحف أنه سرق منه خمسون ألفا من ~~الدولارات؟ ~~- ما أكثر حملاته عن الانحراف والمنحرفين! # ومضى يعد أسماء رجال ونساء، ثم قال: يا خبر أسود يا هوه .. ينسى كل ~~هؤلاء ويتشطر على عداد التاكسي؟ # وضاق صدري فقلت: اسكت! لعله يسكت، ولكنه لم يسكت وواصل: إذا خاف ~~الكاتب؛ فلا يصح أن يزعم أنه كاتب. # عدت إلى الكلام مضطرا فقلت: توجد حدود .. أنواع من الرقابة ~~الداخلية. ~~- والرجولة؟ .. عليه أن يرفض! # فكرت فيما يجب قوله، ولكنه سبقني قائلا: ستقول الحياة .. المعيشة .. ~~الأولاد؟! ~~- أظن أنها هموم حقيقية. ~~- عظيم .. سلمنا .. وإذن فلا يحق له أن يهاجم عداد التاكسي .. ويجب ~~عليه أن يرتدي فستانا وحجابا وحذاء بكعب عال، ويقول: أنا ~~مرة! # | الميدان والمقهى # 1 # الصباح مشرق، السماء صافية، الربيع يزفر فيفعم الجو حلاوة. ~~الميدان يستيقظ بدوره الحديثة وآثاره العتيقة، الدكاكين تفتح ~~أبوابها، الألبان والفطائر تزهو في معارضها، المقاهي تستقبل ~~العاملين والخاملين. جلست مع الشاي الأخضر أراوح بين النظر ~~والتذكر، مستمتعا بالصحة والأمل وأحلام الشباب. لم يخل المناخ ~~مما يكدر الصفو، فهذا رجل ذابل العينين من البكاء والسهر، يسأل عن ~~مكتب الصحة، وهذه امرأة طاعنة في السن تتحرى عن أقصر السبل إلى سجن ~~مصر، ولكنها تذوب في حوادث كل يوم. في الوقت نفسه يتهادى صوت أم ~~كلثوم من الراديو ليسعد صباح السامعين. أحتسي الشاي وأطرب وأنعم ~~بالسمر مطمئنا إلى أن الأكدار عابرة، وأن الجمال أبدي لا ~~يذعن لمشيئة الزمن. # 2 # انتصف ms72 النهار، وجاء الكباب. وراح النادل يرفع الإبريق والأكواب، ~~ويعد المائدة للغداء. # وقال صاحبي: الزحام اليوم عجيب. # فقلت دون مبالاة: الميدان دائما عامر بالخلق. ~~- ولكنه اليوم خرق المألوف. # وتدخل النادل في الحديث متشجعا بالمودة القديمة، قال: الناس ~~يتغيرون، ليسوا كما كانوا. # قال صاحبي: سبحان من له الدوام. # فواصل النادل: وتسأل أحدهم عما غيره فينكر ويتهم الآخرين، صدقني ~~الدنيا انقلب حالها. ~~- أخذنا نتناول طعامنا، وأنا أفكر فيما سمعت. وقلت بنبرة مهدئة: ~~هكذا الناس في كل زمان ومكان. # 3 # ما بين الظهيرة والعصر كففنا عن السمر، وحملقنا بأعين ذاهلة ~~فيما يقع. تساءل صاحبي: أهذا زحام كل يوم؟ # فقلت معترفا: كلا، ولا في المواسم! # الزحام يتكاثف بصورة مذهلة. الأرض تختفي تماما تحت أقدام الرجال ~~والنساء والأطفال. الدكاكين مكتظة بالزبائن. الضوضاء ترتفع في سباق ~~مزعج مع الراديو. أي إقبال على الشراء كأنما يخزنون أو يهاجرون. ~~تيار لا ينقطع من أمواج صاخبة مصطفقة، ويتم كل شيء بسرعة ولهوجة ~~تثيران الريب. ضاعت توسلات الشحاذين في الهواء، انفجر مولد البيع ~~والشراء والأنات الضائعة بلا نهاية. وتمتم صاحبي: يا خفي الألطاف ~~نجنا ما نخاف. # وضحكنا، وكان الضحك منا سفاهة. # 4 # ما بين المغيب والعتمة سارع الناس إلى التفرق والاختفاء. وفي ~~الهرج والمرج توترت الأعصاب، فنشبت معارك لسانية ويدوية. ومضت ~~الأمواج تنحسر ويعقب المد الشديد جزر أشد، فتلاشت الأصوات. خلا ~~الميدان تماما وهو الذي لا يخلو إلا في الهزيع الأخير من الليل. ~~فكرت في أن أقوم لأسال جندي المرور، ولكني رأيته مشدود الأعصاب ~~مكفهر الوجه؛ فآثرت السلامة. وإذا بالدكاكين تغلق أبوابها ~~والبيوت نوافذها، فيغلب الظلام ويسود الصمت، ويتبادل رواد المقهى ~~نظرات حائرة: ماذا حصل للدنيا؟ ~~- ها هي الجرائد ليس بها شيء. ~~- ولكن في الجو شيء ولا شك. ~~- يجب أن نذهب، ماذا يبقينا بعد الآن؟ ~~- ننتظر نشرة الأخبار. ~~- تجمعنا خير من عدمه. ~~- البيوت؟ .. ومن في البيوت؟! # وقام رجل وهو يقول: قلبي يحدثني ... # ولم يتم كلامه، وأشار بيده إشارة غامضة ثم ذهب، وشجع ذهابه ~~المترددين فتسللوا واحدا في إثر واحد، وسرت مع ms73 صاحبي ونحن من ~~القلق في نهاية. وقال صاحبي: رأسي يدور فبالله حدثني عما ~~حدث؟ # فقلت بنفاد صبر: ما حدث قد حدث، ولكن ماذا عما لم يحدث ~~بعد؟! # | المرة القادمة # توثبنا للعمل من قبل أن تطلع الشمس. وتألقت الأعين بالنشاط والحماس ~~والأمل. وقلت بحزم ومحبة معا: إنه يوم الامتحان، وعند الامتحان يكرم ~~المرء أو يهان. # وبهمة عالية تناول كل فرد من أسرتنا مكنسته، وراح يكنس حجرته بعناية ~~وأمانة. ومماشي الحديقة الصغيرة كنسناها وغسلناها أيضا، وشذبنا ~~الأشجار فنزعنا منها كل ورقة جافة. وأخذنا المنافض وجعلنا نجلو المقاعد ~~والستائر والأخونة والنوافذ والمصابيح والتحف، حتى لمع كل شيء وابتسم. ~~ورششنا الجو بالنفاثات العطرية فانتشرت روائح الورد والبنفسج والقرنفل ~~في الحجرات. ونظمنا الورد في الأصص، وأعددنا الصواني والآنية؛ فتجلى ~~البيت كأنه متحف قبل أن ينتصف النهار. وهرعنا إلى المطبخ ليقدم كل ما ~~يملك من معونة. اختصت ربة البيت بالطهي، ولكن بقي لنا مجال في غسل ~~الخضر وتقشير البطاطس والبصل ونقع اللحوم وصنع السلطات وغسل الفاكهة. ~~فعلنا كل شيء ونحن من السرور في نهاية، وتناولنا غداء خفيفا في ~~المطبخ. واسترحنا ساعة بين النوم والاسترخاء. وأقبلنا على الحمام ~~تباعا وفي مقدمتنا الإناث. تطهرنا ولبسنا ثيابنا الجديدة، ومشطنا ~~شعورنا وتطيبنا، وصرنا في أحسن تكوين. وكان جو الربيع نقيا لطيفا، ~~فتجمعنا في الحديقة وفتحنا الباب على مصراعيه وانتظرنا. وربما ساور ~~ربة البيت هاجس قلق فتمضي إلى الداخل لتلقي نظرة ناقدة على الأشياء، ~~ولتطمئن إلى كمالها. وأكثر من صوت قال: ليس في الإمكان أبدع مما ~~كان. # وعلى سبيل الترشيد قلت: عندما تصل السيارة أهرع أنا وأمكم إلى الباب ~~لنكون في شرف الاستقبال، أما أنتم فتصطفون في نظام الجنود وأدب ~~السفراء، ثم نقدمكم واحدة فواحدة وواحدا فواحدا، ولينطق كل بما ~~حفظ عن ظهر قلب في أدب وخشوع وامتثال. # وقالت الأم: سنسير بين يدي سيادته حتى مجلسه في صدر الثوي، نظل ~~واقفين حتى يشير إلينا بالجلوس فيتخذ كل مجلسه، سيلقي أبوكم كلمة ~~موجزة للترحيب، وإذا وجه إلى أحدكم سؤال فليجب بالحياء الواجب ms74 ~~وبالقدر الملائم، وإن جاد علينا بملحة؛ فالابتسامة أولى بنا من ~~الضحكة . # وقلت: لن أذكركم بآداب المائدة، ولا تنسوا ما زودنا به أنفسنا من ~~معلومات إن خطر لسيادته أن يختبرنا! # وقالت الأم: وحذار أن تتجاوزوا حدود الأدب إذا شاء أن يتبسط معنا في ~~السمر، أو رأى أن يخص أحدنا بتأنيب أو زجر .. وعلينا أن نصدع بما يأمر ~~دون تردد أو حذر. # وقلت مشجعا ومذكرا: إنها فرصة العمر، فلنسأل الله السلامة ~~والتوفيق. # وجلسنا ننتظر بأعين تتطلع إلى الباب من خلال أشجار الورد. نحلم بما ~~سنفعل أو نقول، ونحلم بالنعمة التي سيجود بها القدر. وانتظرنا .. ~~وانتظرنا .. وانتظرنا. واشتد الشوق والوجد وتناهى الصبر. وقلنا: يا ~~نسائم الربيع احملي إلينا السيد المنتظر. ولكن خطوات الوقت مضت تثقل، ~~والزمن يتمطى ويطول والأعصاب يعتريها الألم. وكلما سمعنا أزيز سيارة أو ~~نفخة بوق قمنا نسوي من هندامنا، وغبنا حتى الذوبان في المجهول المتمادي ~~أمامنا، ومن حومة الجزع ارتفع صوت أحد الأبناء متسائلا: ألم يحدد ساعة ~~حضوره؟ # فقالت الأم: حسبه أنه تفضل بتحديد اليوم. # فغمغم الشاب فيما يشبه الضجر: ما أطول اليوم! # وأخذ النور يخف ويتوارى، والمغيب يرسل ألوانه الهادئة الرزينة ~~المليئة بالشجن. وتطلع نحونا الأبناء في صمت وتساؤل، فقلت بثقة: إنه ~~لا يخلف الميعاد. ~~- مع التأخير ستقل فرص السمر. # فقلت وكأنني أوجه الخطاب لنفسي أيضا: ما أشقى من لا ينعم بنعمة ~~الصبر! # وانتظرنا. وزحف الليل بجحافله، وهبط الظلام مشبعا ببرودة. وعند ذاك ~~ارتفع أول احتجاج يجيء من أصغر الأبناء: ضاع الوقت وخسرنا مسرات ~~اليوم دون جدوى. # وهتفت به مؤنبا ومداريا ضيقي: ما أفظع ما تقول! # فقال بعناد: في انتظار نعمة كبرى ضيعنا النعمة المتاحة. # فنهرته أمه: هذا هو الهذيان. # ولكن بتوغل الليل وتماديه فتر الحماس وتراجع الأمل، وغلب الظن بأننا ~~لم نحسن فهم المكالمة التليفونية. ولم ندر ماذا نفعل ولا ماذا نقول. ~~وانسحبت الفتيات بهدوء إلى الداخل، وشغلن التليفزيون. وما لبث الأبناء ~~أن غادرونا، فذهب أولهم إلى النادي، والثاني إلى المسرح، والثالث إلى ~~ملهى في الهرم. وتبادلت مع ms75 الأم نظرة مثقلة بالخجل وخيبة ~~الرجاء. # وآوينا إلى حجرتنا، وأنا أقول : يلزمنا حبة من الحبوب المنومة! # وجمعتنا سفرة الإفطار في ضحى اليوم التالي، تجنبنا الإشارة إلى ~~مأساة الأمس، ورن جرس التليفون فقامت الأم إليه، ثم رجعت في غاية من ~~الانفعال والاضطراب وهي تصيح: وا خجلتاه! # وحدجناها بنظرة متسائلة، فقالت بنبرة باكية: سكرتير السيد، قال: إن ~~سيادته جاء في ميعاده، فوجد البيت نائما فرجع، أردت أن أشرح له ما ~~حدث، ولكنه كان قد أغلق السكة. # هتفت بصوت كالأنين: يا للعار! # فقال ابني: لا ملامة علينا، أكان يجب أن ننتظر حتى الصباح؟! # فرجعت أقول بأسى: يا للعار! ~~- ولكنا فعلنا الواجب وزيادة. # فقلت وقلبي يتقطع من الحزن: بل لم نصبر بما فيه الكفاية. # وأخذت الأم تنشج باكية، فقلت معزيا: لا جدوى من البكاء، ثم إنني ~~ألمس في اتصاله الجديد بنا توبيخا لا يخلو من العناية. # فتساءلت ابنتي: هل يمكن أن يقرر الزيارة من جديد؟ # فقلت على سبيل العزاء لهم ولي معا: كل شيء ممكن، وليسدد الله خطانا ~~في المرة القادمة. # | القضية # دهمتني قضية من حيث لا أدري. زوجة أبي تطالبني بنفقة شرعية. استيقظت ~~من غيابات الزمن وغزاني الماضي بذكرياته. وهتفت بعد أن قرأت عريضة ~~الدعوى: متى أفلست؟ .. هل سرقت بدورها؟! وقلت لمحامي: هذه المرأة ~~سرقتنا وحرمتنا من حقنا المشروع. # أفلتت مني رغبة قوية في رؤيتها. لا بإغراء الشماتة، ولكن لأرى ماذا ~~فعل الزمان بها. هي اليوم مثلي في الأربعين، فهل صمد جمالها للأيام؟ ~~وهل يثبت أمام الفقر؟ لولا صدق دعواها لما مدت يد السؤال إلى عدو من ~~وكر الأعداء. ولو كانت كاذبة فلم لم تمدها من قبل؟ شد ما كانت ~~جميلة فتانة. قلت للمحامي: تزوجها أبي وهو في منتصف الحلقة السادسة، ~~وهي بنت عشرين. # مقاول بناء شبه أمي، دقة قديمة، لا يتعامل مع البنوك، يكنز أرباحه في ~~خزانة كبيرة بحجرة نومه، نسعد بذلك طالما أننا أسرة واحدة، وينفجر نبأ ~~الزواج الجديد بيننا مثل قنبلة. أمي وأخي الأكبر وأنا وأخواتي في ~~بيوتهن. وينفرد الدور ms76 الأعلى بأبي والعروس والخزانة. صعقنا لحداثة سنها ~~وجمالها. وقالت أمي بصوت متهدج باك: يا للخراب، سنخرج من المولد بلا ~~حمص. # أخي الأكبر أمي، متخلف العقل، بلا عمل وإن اعتبر نفسه من الأعيان، ~~اشتعل غضبا وقال: سأدافع عن نفسي حتى الموت! # نصحنا بعض الأقارب باستشارة محام، ولكن أبي هدد أمي بالطلاق عند ~~أي مبادرة، وقال لنا: لست غرا ولا أبله ولن يضيع حق. # أنا أقلهم تأثرا بالكارثة؛ لحداثة سني ولأني الوحيد في الأسرة الذي ~~رغب في التعليم حتى التحقت بالهندسة، ولكن لم تخف عني معاني الحوادث ~~مثل سن أبي وعروسه الحسناء والثروة المهددة. وعلى سبيل التلطيف أقول: ~~إني مطمئن إلى أبي. # فيقول أخي: إذا سكتنا فسنجد الخزانة خاوية. # أشاركه مخاوفه، وأتظاهر بغير ما أبطن، وأشعر طيلة الوقت بأن الواحة ~~التي كانت مطمئنة تعصف بها ريح عاتية، وتتجمع في أفقها سحب سوداء. لاذت ~~أمي بجحر الصمت والخوف، وأنذرها الغد بسوء المصير. أما أخي الأكبر ~~فيقتحم عرين الأسد، ويتوسل إلى أبيه قائلا: أنا البكري، جاهل كما ترى ~~ولا مورد لي، أعطني نصيبي. # فيقول أبي: تريد أن ترثني وأنا حي؟ عيب أن تشك في، ولن يضيع ~~حق. # لكن اضطراب أخي لم يسكن، يلح على أبي كلما لاقاه، ويقذف بتهديداته من ~~وراء ظهره. # وتقول أمي إنها تخاف على أخي أكثر مما تخاف على الثروة. وأتساءل: هل ~~ينهزم أبي أمام بنت حلوة؟ ذلك المعلم القادر المحاسب المدقق رغم ~~أميته؟! ولكنه يتغير بلا شك وينزلق كل يوم درجة. يختلف إلى الحمام ~~الهندي مرتين في الشهر، يهذب لحيته ويحف شاربه كل أسبوع، يرفل في ثياب ~~جديدة، وأخيرا يصبغ شعره. هداياه الثمينة تشي بحسنها حول عنق العروس ~~وفوق صدرها وحول ساعديها. وها هي الشيفروليه والسواق تنتظر أمام بيتنا. ~~ويجن أخي الأكبر ويزداد جنونا. يقول لي: من أين جاء بها؟ هل يعز ~~عليها أن تهتدي إلى مفتاح الخزانة وطريقة فتحها؟ ألا تأخذ منه ما يؤمن ~~حياتها؟ ألا تستطيع أن تسعده إذا شاءت أو أن تقلب حياته غما ونكدا؟! ~~ويتطور الجدل ms77 بين أخي وأبي، فيخرق تقاليد الأدب. يغضب أبي فيبصق على ~~وجهه . في ثورة متفجرة يتناول أباجورة ويقذف بها أباه فيهرق دمه. ويرى ~~الدم فيفزع ولكنه يتمادى محاولا القضاء عليه. يحول بينهما الطاهي ~~والسواق. يصر أبي على إبلاغ الشرطة، فيحمل أخي إلى المحكمة، ثم إلى ~~السجن حيث يموت بعد انقضاء عام واحد، وأقول للمحامي: كيف وجدت الشجاعة ~~على رفع دعواها؟ # فيقول الرجل: للضرورة أحكام. # وفي حومة قلقنا وحدادنا نسمع صواتا مفزعا ينقض علينا من الدور ~~الأعلى. نهرع أنا وأمي دون استئذان لنقف مبهوتين أمام جثة أبي. ونتساءل ~~ونتساءل كالمألوف، ولكن أي تساؤل يجدي مع الموت؟! وتتسرب إلينا الأنباء ~~بأنه سقط مشلولا قبل الوفاة بيوم كامل دون أن ندري. وننتظر حتى يوارى ~~في مدفنه وتنتهي طقوس العزاء. وتجتمع الأسرة فينضم إلينا أخواتي ~~وأزواجهن وينضم إليها أبواها، ويحضر أيضا المحامي. نسأل عن مفتاح ~~الخزانة فتجيب ببساطة: إنها لا تدري عن ذلك شيئا. أحيانا وقاحة الكذب ~~تفوق كل خيال، ولكن ما الحيلة؟ ونعثر على المفتاح، وتبوح الخزانة بسرها ~~الأخير مبدية لنا في سخرية بالغة عن رزمة لا تتجاوز خمسة آلاف جنيه ~~عدا! وتهتف الحناجر: إذن فأين ثروة الرجل؟ # وتحدق بالجميلة الأعين فتثبت لوقعها بتحد، ونلجأ إلى الشرطة. ويكون ~~تحقيق وتفتيش، وكما قالت أمي: نخرج من المولد بلا حمص. وتذهب الزوجة ~~الجميلة إلى بيت والديها ويسدل الستار عليها وعلى التركة. وتموت أمي، ~~وأعمل وأتزوج وأحقق نجاحا مرموقا، وأتناسى الماضي حتى ترجعني إليه ~~القضية. وأقول للمحامي: قمة السخرية حقا أن تفرض علي نفقة لتلك ~~المرأة. # فجاءني صوته من بين الأضابير فوق مكتبه قائلا: القصة القديمة تصلح ~~في الظاهر منطلقا للعرض، ولكن ما جدوى نبشها ونحن لا نملك دليلا ~~عليها؟ # فقلت بحماس: القضية القديمة غير معروضة للبحث، ولكنها مدخل طيب له ~~تأثيره الذي لا يستهان به. ~~- بالعكس، سنهيئ لمحامي المرأة فرصة للهجوم واستدرار العطف. ~~- العطف؟! ~~- حلمك، فكر معي بشيء من الحياد، عجوز يكنز ثروته في خزانة بحجرة ~~نومه، يشتري صبية جميلة في العشرين وهو ابن خمسة وخمسين، ms78 يحدث لأسرته ~~كيت وكيت، ويحدث لزوجه الجميلة كيت وكيت، عظيم، من يكون ~~الجاني؟! # صمت مقطبا مغتما فواصل: لنمض في سبيل آخر، فأنت رجل منتج وذو ~~أسرة، وتكاليف الحياة أبهظ من أن يحتملها إنسان .. إلخ .. إلخ، وحسبنا ~~أن تقرر نفقة معقولة. # ورحت أتمتم: يا للخسارة! .. سرقتنا وموت أخي وحسرة أمي! ~~- آسف .. إنها ضحية مثلكم، حتى الثروة التي نهبتها دفعت بها إلى ~~كارثة، وها هي تتسول. # فقلت مدفوعا بحب استطلاع طارئ: كأنك تعرف عنها أشياء؟ # هز رأسه في غموض دبلوماسي وقال: امرأة عقيم، تزوجت وطلقت مرات وهي في ~~عنفوان جمالها، وفي كهولتها وقعت في غرام طالب، نهبها بدوره ثم ~~ذهب! # لم يفصح عن مصادر معلوماته، ولكني حدست منطق الحوادث المتتابعة، ~~وداخلني ارتياح منعني الحياء من إعلانه. وفي يوم الجلسة عاودني الشوق ~~الغامض لرؤيتها. عرفتها وهي منتظرة أمام غرفة المحامين. عرفتها بالحدس ~~قبل الحواس؛ فالجمال الذي نهب ثروتنا وأتعسنا تلاشى تماما. تبدت مفرطة ~~في البدانة لدرجة غير مقبولة، وغاض من صفحة وجهها ماء السحر، والبقية ~~الباقية من جمالها تراءت بلا روح، وحجبتها عن الناظرين مسحة من الكآبة ~~الدائمة. ودون روية مضيت نحوها، ثم أحنيت رأسي تحية، وقلت: تذكرتك ~~فلعلك تذكرينني! # رمقتني بدهشة لأول وهلة، ثم بارتباك، وردت التحية برأسها المحجوب، ~~وقالت كمن يعتذر: آسفة لإزعاجك، ولكني مضطرة! # ونسيت ما أردت قوله، بل ارتج علي الكلام، وحل سلام، فقلت: لا بأس ~~عليك، وليفعل الله ما يشاء. # وابتعدت عنها في هدوء وأنا أقول لنفسي: لم لا؟ .. حتى المهزلة يجب ~~أن تتم فصولا. # | ذقن الباشا # متى فتح هذا المقهى؟ علم ذلك عند الله. لم يخطر لي أن أطرح هذا ~~السؤال في الزمن القديم. في صباي كنت أعبر الطريق أمامه كثيرا في ~~الذهاب والجيئة كأكثر أبناء العباسية. وكانت تشع منه إلى صدورنا هيبة ~~وإجلال، فنمضي إذا مضينا ناحيته بسرعة وأدب متحاشين النظر إليه حيث ~~يجلس الآباء ونخبة من مدرسي مدرستنا، بكل ما يحملون بين جوانحهم من ~~وقار ورهبة. وهو صغير إذا قيس إلى مقاهي وسط البلد أو ms79 حتى مقاهي ~~السكاكيني. مستطيل الشكل، أنيق المنظر، تقوم في عمقه المنصة الرخامية ~~والموقد، ويعلوها رف أول تصطف فوقه برطمانات البن والشاي والسكر ~~والقرفة والزنجبيل والكراوية والأنيسون، ورف ثان تتجاور فوقه النراجيل ~~البيضاء الشفافة والكحلي الزاهية. أرضه مدكوكة بالبلاط المعصراني، ~~وجدرانه وسقفه زرقاء صافية، وفي منتصف الجدارين المتقابلين تلتصق ~~بالغراء والمسامير المذهبة مرآتان مستديرتان مصقولتان مؤطرتان ~~بالأبنوس. وثمة طابوران من الموائد الرخامية المتواجهة على الجانبين ~~ولوازمها من الكراسي الخيرزان. أما الطوار أمام المقهى فمزروع ببلاط ~~صغير ملون، ويمتد فوقه صفان متوازيان من الموائد في مركز الوسط منها ~~تنطلق شجرة لبخ فارغة تتهدل فوقها أغصانها حانية، وبها شهر المقهى ~~باسم «ذقن الباشا»، على حين أن لافتته تحمل اسم صاحبه «سيد كنج»، ولا ~~أحد يعرف أصل لقبه، ولكن الجميع يسلمون بسطوته على الأحياء الشعبية ~~المجاورة. وبالرغم من عبيره البلدي، ومن أن الندل العاملين به يسعون ~~في الجلابيب حفاة الأقدام إلا أنه امتاز بالنظافة المطلقة في أرضه ~~وجدرانه وأدواته كما عرف بجودة مشروباته. إنه مجمع أهل الوقار من ~~الآباء والمدرسين، وفي مواسم الانتخابات يهرع إليه المرشحون من ~~الباشوات يخطبون ود صاحبه المهيمن على الناخبين في الحواري والأزقة. ~~ودائما يسبح في هدوء فالحديث يتجاذب في تؤدة، والضحكة تند بحساب، ~~والحوار السياسي يمضي في وفاق وانسجام، وصورة سعد زغلول تطل على الجميع ~~من موضعها فوق النراجيل، وهو منتصب القامة في بدلة التشريفة المحلاة ~~بالقصب. ~~••• # وتغير سكان المقهى، بصورة غير ملموسة أول الأمر، ثم وضحت المعالم ~~قبيل الحرب العالمية الثانية، وفيما تلا ذلك من أيام. رحل الآباء ~~والمدرسون أو لم يبق منهم إلا نفر من المعمرين. واكتسبنا مع تقدم ~~العمر والتوظف الحق في اقتحام أجمل مقهى في حينا. جلسنا مكان الآباء ~~وشربنا القهوة والشاي ودخنا النارجيلة، وخضنا في أحاديث السياسة والحب ~~والجنس بأصوات مرتفعة تترامى أحيانا إلى الطريق. ولم نعد نجفل من ~~المعمرين من أساتذتنا، فأقبلنا عليهم نتصافح ونتوادد ونتبادل الذكريات، ~~وربما مازج حوارنا المزاح، بل منهم من شاركنا لعب النرد، ولكن حظي كل ~~واحد منهم بحقه ms80 الكامل في الاحترام. وهلت علينا مشكلات جديدة؛ فتنوعت ~~أحاديثنا بين الدستور والغلاء واليمين واليسار والملك والوفد والإنجليز ~~والجلاء وفلسطين واليهود. ولم يوقف ذلك مسيرة الحياة الطبيعية؛ فعشق ~~منا من عشق، وتزوج من تزوج، وأنجب من أنجب، واستفحل التشكي وانفجر ~~النقد. # ولم يسلم من ألسنتنا رجل أو امرأة أو حزب وحتى الندل الحفاة ~~شاركوا في الكلام بعد أن خفت رقابة سيد كنج؛ لطعنه في السن وتوغله في ~~الضعف وزهده في الانشغال بالحياة اليومية. وجاء وقت فبدا أن كلا منا ~~قد أصبح حزبا قائما بذاته له أهدافه ووسائله. وتسلل الشيب إلى ~~الرءوس، ورحل آخر المدرسين المعمرين، وتوترت أعصابنا يوم توفي سيد كنج ~~واحتل مكانه في الإدارة ابنه الأكبر الشافعي. من جيلنا كان، فأسدينا ~~إليه النصيحة أن يحافظ على سمعة المقهى، وأن يعنى عناية خاصة بالنظافة ~~وجودة الأصناف، وألا يتهاون في سمعته طمعا في مضاعفة أرباحه كما يفعل ~~قصار النظر. ووعد الرجل، وأنجز ما وعد بصفة عامة فلم يطرأ على المقهى ~~إلا تغير طفيف يمكن التسامح معه، كما اعتدنا أن نتسامح مع كل مكروه ~~يجد. ~~••• # وزحف الجيش بثورته، فانطوت صفحة وانبثقت صفحة جديدة. وتفجرت ينابيع ~~الأمل وتضاربت الخواطر. وباتت جماعتنا ركن المقهى الركين وقاعدته ~~الثابتة. وكالمنتظر تسلل إلى الأركان شباب صاعد، واشتبكت حباله بحبالنا ~~بحكم الجوار والعشرة. ومع تتابع الأمجاد اعترضت أزمات كما عودنا ~~التاريخ، وحملقت أعين الأمن تطارد الخوارج، ونادى أهل الحكمة بيننا: ~~حذار من السياسة وحديثها يا محبي السلام والسلامة. وعقدنا العزم على ~~ذلك، ولكن اجتاحنا الإغراء وألح علينا كحكة الجرب. وقبض على نفر منا ~~لتهور التعبير ونزقه، فتعلمنا التفاهم بالهمس والإشارة والرمز ونحن ~~نستعيذ بالله من المهالك. وكلما بدا وجه غريب رمقناه بحذر، وإذا طرح ~~شاب سؤالا محرجا تساءلنا: ترى ماذا وراءه؟ وحدثونا عن أجهزة التسجيل ~~التي تلتقط الخواطر من بعيد، حتى اقترح البعض أن نقبع في دورنا آمنين. ~~وعجزنا عن تنفيذ ذلك، وقلنا: إنه لا غنى لنا عن سلوى اللقاء، وأن ~~الأمان متاح لمن يصون لسانه. وكدر صفونا الشباب ms81 الصاعد بتعاليه علينا، ~~وتجاهله لماضينا، وازدرائه لأمجادنا. نحن لا ننكر المعجزات التي تقع، ~~ولا الانتصارات التي تتحقق، ولا انطلاق الأيدي القوية لتحرير الشرق ~~والغرب. ولكن ما الداعي إلى إنكار أمجاد سلفت وانتصارات سبقت؟! وتجنبنا ~~مع ذلك الخصام، وتراجعنا عن العناد، واستبشرنا خيرا بالغد وما بعده. ~~وكنا إذا تحدانا سؤال مستفز مثل: «من يكون سعد زغلول؟» أجبنا بكل ~~تواضع: «كان محاميا ناجحا»، أو «من يكون مصطفى النحاس»؟ قلنا بمنتهى ~~اللطف: «كان تاجر مني فاتورة بالغورية». قلنا: لا داعي لتكدير الصفو ~~بالجدل العقيم، ولنترك للتاريخ ما ينفرد بتصحيحه عندما يشاء، ولنشارك ~~في الفرحة الشاملة بكل بناء يقوم أو عدالة ترسخ. ~~••• # ودهمنا ونحن في غفلة يوم 5 يونيو الأسود. تطايرت آمالنا أشلاء وشظايا ~~ثم سقطت في أعماق بئر من رماد عفن، تحول سكان المقهى إلى أشباح تهيم في ~~وادي الظلام مهمهمة في هذيان متواصل. الحزن شامل، الحزن باك، الحزن ~~ساخر. لم يخل حزننا من تمرد أما حزن الأصدقاء الجدد فتلقفته دوامة ~~الضياع. قالوا لنا بنبرة جديدة: «حدثونا عن دنياكم كيف كانت؟» ليكن، ~~فالحديث هو السلوى المتاحة، ولكن ما جدواه؟ وسألونا أيضا: «ما حكمة ~~خلق الإنسان في هذا الوجود؟» وتراكمت الإجابات مثل تل من الهواء. ~~واستمر الحديث واستمر الزمن. تراجعنا إلى ركن الشيوخ وانبسطوا في كل ~~مكان، وحدثت أمور، وواصلت الحياة العطاء والموت الإفناء. وارتفع شعار ~~الانفتاح، فريق هاجر بلا أسف، وفريق ارتفع تحوطه الريب، وفريق عوى عواء ~~الذئاب. لم نكن نفرح بالنصر إلا يوما أو بعض يوم، ولا بالسلام إلا ~~ساعة أو بعض ساعة. وانصبت الأحاديث على الخيار والطماطم والرغيف، وزاغ ~~البصر بين الغيم الداكن والبرق الخاطف اللامع. ~~••• # وذات مساء قال لنا الشافعي صاحب المقهى: آسف يا حضرات، تم الاتفاق ~~على بيع المقهى! # لم نصدق أول الأمر، حتى تأكد لدينا أنه سيقوم مقامه سوبر ماركت. يا ~~ألطاف الله! إنه خبر كطعنة خنجر. مقهى العمر والذكريات والآباء، المقهى ~~الذي داعب صبانا وآوى شبابنا وكهولتنا، وشهد حبنا وزواجنا وإنجابنا ~~وهزيمتنا ونصرنا. وتساءلنا: أين نتلاقى كل ms82 مساء؟ قال أحدنا: أقرب مقهى ~~إلى حينا مقهى الانشراح في أول الظاهر . # قال آخر: لكنه مقهى الحرفيين، غاية في الفقر والقذارة. # فقال الأول: اصح، حقا ما زال مقهى الحرفيين، ولكنهم يذهبون إليه ~~اليوم في سياراتهم الخصوصية الملاكي، وقد تجدد المقهى بتجددهم، فأصبح ~~انشراحا بالمعنى الصحيح. # ثم وهو يضحك: سنمثل فيه الطبقة الكادحة الجديدة! # | عندما يقول البلبل: لا # تطاير في جو المدرسة نبأ هام بأن الناظر الجديد حضر. تلقت النبأ في ~~غرفة المدرسات وهي تلقي نظرة أخيرة على دروس اليوم. لا مفر من أن تهنئه ~~مع المدرسات، وأن تصافحه أيضا. سرت في بدنها قشعريرة ولكن لا مفر. ~~قالت زميلة: ينوهون بكفاءته، ويتحدثون أيضا عن صرامته. # كان دائما احتمالا متوقعا وها هو قد وقع. شحب وجهها الأنيق ولاحت ~~في عينيها السوداوين النجلاوين نظرة شاردة. وأزفت الساعة فذهبن طابورا ~~في أرديتهن المحتشمة إلى حجرته المفتوحة. وقف وراء المكتب يستقبل ~~الوافدات والوافدين. متوسط القامة، مائل إلى البدانة، ذو وجه كروي وأنف ~~أقنى وعينين جاحظتين، يتقدمه شارب غليظ منتفخ مقوس كموجة محملة بالزبد، ~~تقدمت في خطى خفيفة مركزة عينيها على صدره متحاشية عينيه، ثم مدت ~~يدها. ماذا تقول؟ مثلما قلن؟ لكنها خرست فلم تنبس بكلمة. ترى ماذا ~~تجلى في عينيه؟ صافح يدها الرقيقة بيده الغليظة، وقال بصوته الخشن: ~~شكرا. # استدارت ومضت بقامتها الرشيقة. نسيت همومها في أداء واجبها اليومي، ~~ولكنها لم تبد في حال حسنة. أكثر من بنت قالت: «أبلة عصبية اليوم!» ~~ولما رجعت إلى مسكنها بأول شارع الهرم، غيرت ملابسها وجلست إلى مائدة ~~الطعام مع أمها. نظرت الأم إلى وجهها، وتساءلت: خير؟ # قالت بإيجاز: بدران، بدران بدوي، تذكرينه؟ عين ناظرا على ~~مدرستنا. ~~- ياه! # ثم بعد قليل من الصمت: لا أهمية لذلك على الإطلاق، تاريخ قديم ~~منسي. # بعد الطعام أوت إلى حجرة مكتبها لتستريح وقتا، ثم لتصحح مجموعة من ~~الكراسات. نسيته تماما. كلا، لم تنسه. يطوف بها بين زمن وآخر. كيف ~~يمكن أن ينسى تماما؟! عندما جاء لأول مرة ليعطيها درسا خصوصيا في ~~الرياضة كانت ms83 في الرابعة عشرة، بل لم تكن أتمتها. كان يكبرها بخمسة ~~وعشرين عاما ، وفي سن المرحوم أبيها. قالت لأمها: شكله فوضى ولكن شرحه ~~جيد. فقالت أمها: لا شأن لنا بشكله، المهم شرحه. كان غاية في المهارة. ~~يبعث النشاط برواية النوادر اللطيفة. أنست به واستفادت من خبرته. ولكن ~~كيف حصل ما حصل؟ لم تفطن في ملكوت براءتها إلى أي تغير في سلوكه لتأخذ ~~حذرها. انفرد بها ذات يوم عندما ذهب والداها لعيادة عمتها. لم يداخلها ~~شك في رجل اعتبرته أبا ثانيا. كيف حصل ما حصل؟ بلا حب ولا رغبة من ~~ناحيتها حصل ما حصل. تساءلت في رعب: ما هذا؟ قال لها: لا تخافي ولا ~~تحزني، احتفظي بسرك، وسوف أخطبك يوم تبلغين السن المعقولة، ووفى بوعده. ~~جاء وخطب. كانت بلغت درجة من النضج أتاحت لها إدراكا لأبعاد مأساتها. ~~لم تجد نحوه أي حب أو احترام، وكان أبعد ما يكون عن أحلامها، وما تخلقت ~~به من نقاء ومثالية. ولكن ما الحيلة؟! أبوها رحل عن دنياها قبل ذلك ~~بعامين، وذهلت أمها لجرأة ذلك الرجل، ولكنها قالت لها: أنا عارفة تمسكك ~~باستقلالك الشخصي؛ ولذلك أترك لك الرأي. # شعرت بحرج مركزها. فإما أن تقبل وإما أن يغلق الباب إلى الأبد. يا ~~له من موقف يدفع الإنسان دفعا إلى ما يكره! هي الجميلة الغنية التي ~~يضرب المثل بنبل أخلاقها في العباسية كلها تتخبط في مصيدة محكمة، وهو ~~يطل عليها بعينيه الشرهتين. كرهت قوته كما كرهت ضعفها، أن يعبث ~~ببراءتها شيء، أما أن يتسلط عليها وهي في كامل عقلها؛ فشيء آخر. قال ~~لها: ها أنا أوفي بوعدي؛ لأني أحبك. # وقال لها أيضا: إني أعرف حبك للتعليم، وسوف تكملين دراستك بكلية ~~العلوم. # غضبت غضبا لم تشعر بمثله من قبل، رفضت الإرغام كما رفضت القبح. هان ~~عليها أن تضحي بالزواج. رحبت بالوحدة، وقالت: إن الوحدة في رفقة ~~الكبرياء ليست وحدة. وحدست أيضا أنه يطمع في مالها، وقالت لأمها بكل ~~بساطة: لا. # فقالت الأم: إني أعجب كيف لم تقرري ذلك من أول ms84 لحظة! # واعترض الرجل طريقها في الخارج، وقال لها: كيف ترفضين؟ ألا تدركين ~~المصير؟ # فقالت له بحدة لم يتوقعها: أي مصير أحب إلي من الزواج منك! # وأتمت دراستها. وأرادت أن تملأ الفراغ بالعمل، فاشتغلت مدرسة. ~~وواتتها فرص الزواج تباعا فأعرضت عنها جميعا، حتى سألتها أمها: ألا ~~يعجبك أحد؟ # فقالت برقة: إني أعرف ما أفعل. ~~- ولكن الزمن يجري؟ ~~- فليجر الزمن كيف شاء، أنا راضية. # ويتقدم بها العمر يوما بعد يوم. تتجنب الحب وتخافه، تأمل بكل قواها ~~أن تمضي الحياة في هدوء، مطمئنة أكثر منها سعيدة. تلح على إقناع نفسها ~~بأن السعادة لا تنحصر في الحب والأمومة. ولم تندم قط على قرارها ~~الصلب. ومن يدري ماذا يخبئ الغد؟ حقا إنها تأسف لظهوره في حياتها ~~من جديد، وأنها ستتعامل معه يوما بعد يوم. وأنه سيجعل من الماضي ~~حاضرا حيا أليما. وعندما خلا إليها في حجرته لأول مرة، سألها: كيف ~~حالك؟ # أجابت ببرود: على خير ما يكون. # فتردد قليلا ثم سأل: ألم ... أعني تزوجت؟ # فقالت بنبرة من يقصد قطع هذا الحديث: قلت: إنني على خير ما ~~يكون. # | العجوز والأرض # لفت نظري منظر جديد في أثناء مسيرتي اليومية على شاطئ النيل بشارع ~~الجبلاية. الساعة السابعة صباحا، أوائل الربيع، الطريق تكاد تخلو ~~تماما من أي عابر، رأيت على سفح المنحدر نحو النهر رجلا وامرأة. ~~الرجل عجوز يقارب الثمانين، طويل القامة مع احديداب خفيف، أبيض الشعر ~~خفيفه، عتيق القسمات، يرتدي بدلة متهدلة من التيل السنجابي، والمرأة ~~فوق الستين، امحت من صفحة وجهها أمارات الأنوثة وحل الجفاف والخشونة. ~~على الأرض بينهما انطرحت خيمة مطوية، وتناثرت حلل نحاسية وآنية شاي ~~وموقد غاز. خطر لي أنهما جاءا يمضيان يوما على شاطئ النيل تسلية عن ~~الوحدة والكبر، فأشفقت على صفوهما من حصا المنحدر والقاذورات المتراكمة ~~فوق أديمه. في اليوم التالي أدهشني أن أرى الاثنين بنفس موضع الأمس. ~~وضاعف من دهشتي أن أراهما منهمكين في رفع الحصا وكنس القاذورات على مدى ~~مسافة غير قصيرة من الشاطئ. ترى ما شأنهما؟ هل يبغيان إقامة طويلة؟ ms85 ~~وتمهلت في السير ممعنا النظر. انتبها إلي فتطلعا نحوي بأعين متوجسة ~~مرتابة ، فلم أر بدا من الإسراع في الخطو دفعا للحرج. هل داخلهما ~~شك في نيتي؟ هل حسبا أنني أراقبهما من موقع مسئوليتي عن الشاطئ؟ شعرت ~~نحوهما بالعطف والرثاء، وتمنيت على الله ألا يخيب لهما رجاء. في صباح ~~اليوم الثالث رأيت الأرض قد خططت فأصبحت أحواضا متتابعة على هيئة ~~مستطيلات، على حين ركب أسفل المنحدر شادوف لرفع المياه، وغير بعيد جلس ~~الزوجان يحتسيان الشاي. ولما رأياني مقبلا رفعا رأسيهما نحوي في قلق ~~فاق قلق الأمس. مررت مسرعا مشفقا متحاشيا التقاء الأعين. إنه الخوف ~~عليه اللعنة. يطاردهما في مهجرهما الجديد ولا شك. وثمة سبب يمكن تخمينه ~~رغم جهلي بتلك الأمور. إنهما يسيئان الظن بمسيرتي الصباحية، ويتوهمان ~~أنها تدور من أجل مراقبتهما. كيف أعفيهما من جرعة النكد اليومية التي ~~أصبحهما بها؟ لا غناء لي عن الطريق، ولكن بوسعي أن أتجاهلهما أو ~~أشعرهما بذلك. ويوما بعد يوم أرى - بلحظ العين - المياه وهي تغمر ~~الحقل، والخيمة وهي تنتصب في رشاقة. ويوما بعد يوم تغير وجه الأرض، ~~فآذن بمولد حياة جديدة. ويوما بعد يوم ذرت القرون الخضراء كالأغاريد ~~الخفيفة مبشرة بالبهجة المشرقة. تمنيت لو كان في قدرتهما أن ينشرا ~~العمران في الشاطئ كله، ويريحا البصر من سوء مطلعه. ولم يكدر صفوي إلا ~~إصرارهما على التوجس والحذر. حتى قررت يوما أن أحيي وأبتسم. وما كدت ~~أفعل حتى لوح إلي العجوز بيده، وصعد نحوي حتى وقف أمامي، ثم ~~سألني: حضرتك موظف؟ # فأجبت بالإيجاب فعاد يسأل: في المحافظة؟ # فقلت بوضوح: كلا، لا علاقة لي بالمحافظة ولا الداخلية ولا ما شاكل ~~ذلك. # فصمت حائرا فقلت ضاحكا: لماذا تنظر إلي في ارتياب كأني ~~عدو؟ # فقال بنبرة اعترافية: أنا رجل عجوز على المعاش، كنت موظفا بالزراعة، ~~أخلت الشرطة بيتنا الآيل للسقوط، فكرت في سكنى الشاطئ بدلا من ~~المقابر! ~~- فكرة جميلة. ~~- المعاش قليل، قلت: أزرع لآكل لا لأتاجر. بعنا العفش القديم ~~واشترينا ما يلزمنا كالخيمة والشادوف. ~~- فعلت خيرا. # فتردد قليلا ثم قال: ms86 أعتقد أن هذا لا يسيء إلى أحد؟ ~~- حسبك أنك جملت رقعة من الشاطئ القذر. ~~- ولكني أخاف التعليمات والإجراءات. # فقلت بصدق: الحق أنه لا دراية لي بذلك. # وتمنيت له الخير ثم صافحته وذهبت. ولما هل الصيف قمت بإجازتي ~~السنوية. وعدت من المصيف بعد شهر ونصف شهر لأواصل حياتي المألوفة. ~~واستأنفت مسيرتي الصباحية، ولما اقتربت من شارع الجبلاية تذكرت - ربما ~~لأول مرة - الرجل والمرأة. أقبلت نحو موضعهما تواقا للاستطلاع. ~~ولكني لم أجد أثرا لهما ولا للحقل. رجع المنحدر إلى حاله القديمة من ~~الخراب والقذارة. لا تفسير لذلك إلا أن مخاوف العجوز قد وقعت وتحققت. ~~فاض قلبي بالأسى وأنا أتساءل عن مصير العجوزين. ورأيت جندي المرور على ~~مبعدة يسيرة من المكان، فقصدته وتبادلنا التحية كعادتنا منذ سنوات. قلت ~~له: كان هناك رجل وامرأة يزرعان الأرض. # فضحك الرجل قائلا: لم يدم الحال وسبحان من له الدوام، جاء شرطي ~~ذات يوم للتحقيق، وقاد الرجل إلى القسم لعمل محضر مخالفة. # صمت مغتما متفكرا، فقال الجندي: أرض الحكومة ليست لكل من هب ~~ودب، وجاء عمال، فاقتلعوا الزرع قبل أن ينضج، ولا علم لي بما حصل للرجل ~~بعد ذلك. # انقبض صدري حزنا على آدم وحواء وحقلهما، وصحبتني ذكراهما زمنا حتى ~~تلاشت في خضم الحياة اليومية. # مضى اليوم على ذاك التاريخ أكثر من عشرين عاما. أذكره أحيانا عند ~~مروري بالموضع إياه. # أذكر الرجل والمرأة والحقل الأخضر الذي عصفت به التعليمات ~~المقدسة. # | فوق السحاب # أكابد الواقع، وهو يعاندني، يستوي في ذلك يومه وغده. لم أنل من عطايا ~~الدهر إلا تكوين أسرة وإنجاب ذرية، وفي ذات الوقت عجزت عن إسعادها ~~وبالتالي عن إسعاد نفسي. ولولا التطابق الفريد بين سوء حالي وسوء حال ~~البلد ما فكرت في البلد، ولكنني وجدت أسرتي تعكس صورة البلد والبلد ~~يعكس صورة أسرتي. كلتاهما يعاني من كثرة العدد وقلة الموارد واختلال ~~التوازن بين الدخل والمنصرف وتكاثر الديون وتجهم المستقبل، غير أنني لم ~~أخف عن ذوي حقيقة وضعنا، ولم أعد بشيء يفوق قدرتي. ولعجزي عن تحسين ~~حالتي فضلا ms87 عن عجزي عن تحسين البلد غشيتني الكآبة وبادرني الشيب قبل ~~الأوان. ولم أجد ما أروح به عن نفسي في خلوتي إلا الحلم، هو الذي شق ~~لي طريقا جديدة، ويسر لي رزقا وافرا، وهيأ لي صحة وعافية وعلاقات ~~إنسانية حميمة، ورفعني إلى عالم جديد، وحقيقة سامية، وعدل شامل، وتطلع ~~باهر إلى عالم الغيب. وفي أتون المعركة بين الحقيقة والخيال طال ليل ~~الشقاء وامتد، وانكمشت تحت الغطاء بكل جوارحي المرتعدة، فقلقت زوجي ~~واقترحت أكثر من وصفة للعلاج، ولكني تمنيت النوم باعتباره المنقذ من ~~الاضطراب والألم. ولم أنم ولم تهدأ الثائرة وأصابتني في الأعماق ضربة ~~رادعة، مفاجأة وأي مفاجأة. وارتفعت في جو الغرفة كأني طير يطير في هدوء ~~ووقار، ولبثت معلقا بسقفها، غير غائب عن خاطري ما خبرته من معلومات عن ~~الهذيان والحمى. وأنظر فأرى جسدي مطروحا على الفراش، والجميع يتطلعون ~~إليه من خلال دموع منهمرة. هي الحمى ولا شك، وكل ما تموج به الغرفة من ~~حركات وأصوات تبدو لي خالية من أي معنى. دعوتهم إلى التزام الهدوء ~~والصمت فلم يسمعوا. راقبتهم في سكينة كاملة، ومضى اهتمامي بما حل ~~بهم يضعف ويتلاشى رويدا رويدا، ومنظرهم يغوص في العمق ويتضاءل حتى ~~اختفى تماما. وامتد أمامي ممر طويل مجوف غائم الأرض والجدران يلوح في ~~طرفه القصي نور رائق. أتقدم فيه بخطوات ثقيلة متعثرة، ومترنحا ~~أحيانا، وبقلب يفتقد الأمان. وفي مستقر النور يلوح لي وجها أبي وأمي، ~~يرمقانني بحنان، فأهرع نحوهما متخففا من مخاوفي. ثم أذكر حاجز الموت ~~الذي يفصلهما عني، فأتوقف في حذر، وأهمس كالمعتذر: لعلي أحلم! # فيجيء صوتاهما معا كأنهما صوت واحد: بل تستيقظ. # ويقبلان نحوي في ثوبين من السحاب، ويتأبط كل منهما ذراعا، ~~ويقولان: انتبه، أصبحت معنا بلا فاصل. # وقلت لنفسي: إن الحلم لا يكون بهذا الوضوح، وهمست: نعم، إني منتبه ~~تماما. ~~- هذا حسن. ~~- ولكني أشعر في داخلي بكابوس ثقيل. ~~- سينقشع عندما تبرأ من أخطائك. # قلت برجاء: سوف تساعدانني. # فقالا معا: بل تنتهي مهمتنا هنا، اعتمد على نفسك. # وتلاشيا في لحظة خاطفة، وسرعان ms88 ما وجدتني في عالمي الجديد. عالم جديد ~~حقا لا أملك أسماء لمفرداته . مكان وليس بمكان، ضوء وليس بضوء، ألوان ~~وليست بألوان، أشجار وليست بأشجار، بيوت وليست ببيوت. أرضه وسماؤه ~~مغطاة بالسحب، مترام بلا حدود، بيوته من السحب أيضا ممتدة في صفوف ~~متوازية تفصل بينها مسافات شاسعة، أشجاره هائلة، ألوانها جديدة تماما ~~وذات تأثير عميق في الحواس. ويغمره ضوء ثابت هادئ جديد أيضا، فلا هو ~~شفق ولا هو غسق. لأول وهلة خيل إلي أنني وحيد في وجود لا متناه. ~~ولكن الوحشة لم تثقل علي طويلا ولم تدم. فهذا الوجود المحيط بي ~~ينتفض بحياة غامضة. إنه حي وعاقل أيضا ويرنو إلي باهتمام، وكأنما ~~يتساءل عما سأفعل. وفي البيوت أحياء منشغلة بشئونها، تترامى إلى أذني ~~الباطنة تسبيحاتها. هل أطرق بابا لأسترشد بمن في الداخل؟ ولكن إذا كان ~~والداي قد تخليا عني فكيف بالغرباء؟! لم يبق لي سوى أن أعتمد على ~~نفسي، ولكن كيف أبدأ؟ وأين أتجه؟! ويقبل علي شخص جليل يرفل في ثوبه ~~السحابي، ويطالعني بوجه آية في الإشراق والجاذبية. وبنظرة من عينيه ~~أمرني أن أتبعه، حتى وقف أمام بيت وهو يقول: بيتك. # نظرت إلى بيتي بحب استطلاع فقال: انتظر، لن تدخل حتى تستحم. # فأشرت إلى قلبي قائلا: ثمة كابوس يجثم فوق صدري. ~~- من أجل ذلك يجب أن تستحم أولا. # واندلعت فكرة في نفسي فقلت: أعتقد أن أمامي عملا متواصلا. ~~- الطريق طويل، ومنازله كثيرة، وغايته ليس كمثلها شيء. ~~- هل ترشدني ولو إلى الخطوة الأولى؟ ~~- اعتمد على نفسك أولا وأخيرا. # وأخذ بيدي فقادني إلى بحيرة من نور في خميلة، وأمرني بإسلام نفسي إلى ~~أمواج أنوارها. وصدعت بالأمر، فطفوت ثواني، ومضيت أغوص على مهل ودون ~~توقف، حتى استقررت في أعماق أعماقها. وتسربت الأمواج إلى باطني ~~فاجتاحته .. وانبسطت أمام ناظري سلسلة الهفوات والأخطاء التي كابدتها ~~في حياتي الأولى. وكلما تطهرت من هفوة أو خطأ تلاشت مصحوبة بآلام ~~متفاوتة، ويخف وزني بمقدار فأرتفع عن مستقري قليلا قليلا. وتواصل ~~الاستحمام ساعات أو أياما أو أعواما، حتى طفوت فوق ms89 سطح البحيرة. ~~وانتقلت إلى الأرض في خفة وانشراح، ودخلت بيتي، وارتديت ثوبي من السحاب ~~الرائق. وقررت ألا أضيع وقتا بلا عمل، وفكرت وتأملت طويلا، ثم عزمت ~~أخيرا على أن أبدأ بالهندسة لحاجة المسافر إلى إتقان الملاحة ورسم ~~الخرائط. وانهمكت في العمل بعزيمة لا تعرف اللين أو التردد. وساعدني ~~على ذلك جمال الجو وثباته، فهو معتدل دائما، لا يطرأ عليه ليل أو ~~نهار، ولا تغيره الفصول. ولا تضعف المشكلات من قوة العزائم، ولا ~~يعترينا الضجر أو اليأس. ومن صميم ذاتي ودون أي مساعدة من الخارج تراءى ~~لي الطريق بطوله ومنازله؛ فاطمأن قلبي إلى اختياري الهندسة كمنطلق ~~للعمل، وازداد شوقي إلى الغاية البعيدة التي راودت أحلامي الأرضية ~~نفسها. غير أن طارقا طرق بابي فقطع علي العمل. دهشت حقا وأذنت له ~~بالدخول، وإذا بها - هي هي - مقبلة نحوي بجمالها القديم، وسحرها النضير ~~في ثوبها السحابي الجديد - ما تمالكت أن فتحت ذراعي فتلقيتها على صدري ~~بحنان وشوق، وأنا أقول: ما كنت أتصور أننا سنجتمع مرة أخرى! # فقالت بصوتها العذب: وما أتصور أن نفترق بعد الآن. # فقلت بحماس: معا .. معا .. حتى منزل السجود. # ونظرت إلى عملي ثم تساءلت: بم تبدأ؟ ~~- بالهندسة! # قالت بقلق: بدأت بالشعر. # وتبادلنا نظرة مترقبة. وهمست بأسى: لا نستطيع أن نمضي معا. # فتساءلت بحزن: هل نفترق باختيارنا بعد ما ذقنا من مرارة الفراق ~~القديم؟ ~~- لن نلتقي قبل الوصول إلى منزل الحب. ~~- إنه بعيد في الطريق. # ولكننا سنبلغه على أي حال. ~~- ألا تستطيع أن تفعل شيئا من أجلي؟ ~~- لا يمكنني العمل إلا بالطريقة التي تناسبني، ولعلك أيضا ~~كذلك؟ ~~- نعم. ~~- رغبتي مثل رغبتك أو أشد، ولكن لا حيلة لنا. # ولاذت بالصمت، فقلت بأسف: على أي حال؛ فاللقاء آت لا ريب فيه، ولا ~~قيمة للزمن هنا. # ابتسمت ابتسامة لا تخلو من عتاب، وتراجعت على مهل حتى تلاشت. ولم ~~أستسلم هذه المرة للحزن كما فعلت في عالمي الأول. وأشفقت من أن يصرفني ~~الحزن عن العمل فضاعفت من اجتهادي وحماسي. ولم آبه لطول الطريق وكثرة ~~مشكلاته. ولم ms90 أعد أخاف خيانة الزمن أو زحف الشيخوخة أو تهديد الموت. ~~وإذا ببابي يدق مرة أخرى. توقعت بقلب خافق أن أرى وجهها، ولكن القادم ~~كان رجلا جديدا غير المرشد الذي دلني على بيتي. قدم نفسه قائلا: ~~أنا همزة الوصل بين هذا العالم والعالم القديم. # العالم القديم الذي نسيته تماما. وتطلعت إليه في تساؤل فقال: عطلت ~~عملك، ولكنى أؤدي واجبي. # ثم بنبرة حيادية: ثمة من يناديك من أهل الأرض. # ماذا يريدون؟ وما شأني بهم؟ وكيف لا يدركون خطورة العمل الذي نكرس له ~~حياتنا؟ وسألته: من الذي ينادي؟ ~~- ابنك أحمد. # آه .. الذي غادر الدنيا وهو في بطن أمه. وخفق قلبي على رغمي، غير أني ~~سألته: هل تنصحني بتلبية ندائه؟ # فقال بحياد وأدب: لا شأن لي بذلك، اتخذ قرارك بنفسك. # نشب صراع في نفسي، ولكنني سرعان ما ملت إلى جانب مستسلما لهزيمة لم ~~أتصورها من قبل. وهمست وأنا مثقل بشعور آثم: أرى أن ألبي ~~النداء. # وفي الحال وجدتني أطلع على حجرة محكمة الإغلاق تسبح في شبه ظلام، ~~تنبسط أمامي نصف دائرة من المقاعد يجلس فوقها نفر من الرجال بينهم ابني ~~أحمد - عرفته ببصيرة داخلية - يتخذ مجلسه في الطرف الأيمن، على حين ~~استلقى الوسيط على فراش يفصله عن الحاضرين ستارة شفافة. همست بنعومة: ~~أحمد. # فانتفض قائلا: أبي؟! ~~- نعم، أنا أبوك. # فسأل باهتمام ساخن: كيف حالك يا أبي؟ ~~- الحمد لله. ~~- كيف تجري الحياة عندكم؟ ~~- لا لغة مشتركة تقرب واقعنا إليك، ولكن كل شيء حسن. # فقال وهو يتنهد: الحياة هنا تبدو قاسية لا تعد بخير. ~~- عليكم أن تغيروها حتى تعد بكل خير. ~~- ولكن كيف؟ ~~- السؤال منك والجواب عندك، وكل يحيا قدر همته. ~~- إنهم يتساءلون عما يخبئه لنا الغد؟ ~~- الغد يعلمه الله، ويصنعه الإنسان. ~~- ألا يمكن أن نأمل في معاونتك؟ ~~- قد فعلت يا بني. # قال متشكيا: يتهمونني بأنني لا أحب إلا نفسي. # فقلت وأنا أهم بالذهاب: إنك لا تدري كيف تحب نفسك. # ورجعت إلى بيتي أسرع من البرق. وهناك غلبني شعور حاد بالأسف والندم. ~~كيف هان علي أن ms91 أقطع عملي النبيل، وأن أنشغل بهموم الدنيا التافهة؟ ~~وما أدري إلا والمرشد الوقور يطالعني بوجهه المشرق. تضاعف شعور بالذنب ~~وقلت: أعترف بأنني أخطأت، ولكني سأكفر عن ذنبي بمضاعفة العمل! # لم يعر قولي أي اهتمام ولم تتغير نظرته الصافية. وكما جاء ذهب دون ~~أن ينبس بكلمة، غير أنه خلف وراءه وردة لم أر مثلها من قبل، كبيرة ~~الحجم، غزيرة الأوراق، فتانة اللون، ينتشر منها شذا طيب لم يصادفني شيء ~~في مثل جماله وقوته. وخطر لي أنه لا يمكن أن تكون قد سقطت منه سهوا، ~~بل إنه يقينا لم يحضر إلا ليهديها إلي، وغمرتني سعادة صافية، وقلت ~~لنفسي: لا شك أن رحلتي - بخلاف ما توهمت - قد حازت الرضا. # | الغابة المسكونة # مرارا وتكرارا يشيرون إلى الغابة ويقولون لي محذرين: لا تقترب منها ~~فهي مسكونة بالعفاريت! # الغابة تقوم في الطرف الجنوبي من صحراء مولد النبي بالعباسية. تبدو ~~من بعيد جبلا من الخضرة الداكنة متعدد الرءوس، طولها ثلاث محطات من ~~محطات الترام، وعرضها قريب من ذلك، وقد يعبر سماءها دخان تحمله الرياح ~~من المقلب الذي تحرق فيه الزبالة. ما نوع أشجارها الباسقة؟ وما معنى ~~وجودها في ذلك المكان؟ من الذي زرعها؟ ولأي غرض زرعها؟ وصحراء مولد ~~النبي هي ملعب الكرة لصبيان العباسية، تتسع للعديد من فرق الهواة ~~يمارسون هوايتهم في وقت واحد. ولما نفرغ من مبارياتنا الودية نرتدي ~~جلابيبنا فوق أردية اللعب المعروفة، ونرجع إلى الحي متجنبين الاقتراب ~~من الغابة المسكونة. وجاوزت الصبا وولجت المراهقة وولعت بهوايات جديدة ~~منها القراءة. وأشرقت على روحي استنارة تحفل بكل جديد وطريف. وتطايرت ~~من رأسي ووجداني خرافات كثيرة، ولم أعد أومن بعفاريت الغابة، ولكني لم ~~أستطع التحرر تماما من رواسب الخوف الكامنة في أعماقي. وكنت أخلو إلى ~~نفسي كثيرا في الصحراء خاصة في العطلات الصيفية، أقرأ أو أتأمل أو ~~أدخن السجائر بعيدا عن أعين الرقباء. وأرمي ببصري من بعيد إلى الغاية ~~فأبتسم ساخرا من ذكرياتي، ولكني أمكث بعيدا وأمضي من بعيد. وأضيق ~~بموقفي وأتحداه وأطرح على نفسي سؤالا: ألم ms92 يأن لك أن تكتشف ~~الغابة؟ # بعد حوار غير قصير، صممت على الإقدام والتنفيذ. ليكن في العصر والشمس ~~طالعة، فالليل على أي حال غير مأمون. وكان مجلسي قريبا من محطة لضخ ~~المياه يتحرك في فنائها مهندسون وعمال. حييت أحدهم مرة وسألته عن سر ~~الغابة، فأخبرني بأنها تابعة للمحطة، وأنها زرعت قديما؛ استغلالا ~~للمياه الفائضة، ولم تمتد أكثر من ذلك ليمكن إقامة الحفل السنوي ~~بمولد الرسول. قلت لمحدثي: قالوا لنا: إنها مأوى للعفاريت. # فضحك الرجل قائلا: ما عفريت إلا ابن آدم. # ولأول مرة أمضي نحو الغابة. وقفت عند حافتها مستطلعا؛ فرأيت الأشجار ~~الشامخة صفوفا منسقة كالطوابير، والعشب يغطي أرضها ويكسوها بخضرة غضة ~~يانعة، وثمة قناة تشقها بالعرض تتفرع عنها جداول متلألئة، وتجاوب جوها ~~بزقزقة العصافير، فبثت في الهواء عزفا وطربا. واستأنست بكل شيء ~~فتقدمت غير هياب. لم أصادف إنسانا ولكني ثملت بالوحدة والسلام. قلت ~~لنفسي: يا للخسارة! ضاع عمر هدرا، سامح الله الذين تصوروا أن تكون ~~الجنة مأوى للعفاريت. وعند مركز الوسط تقريبا ترامت إلي ضحكة. الحق ~~أن قلبي ارتجف، ولكن تلاشى خوفي في ثانية. لا ريب أنها ضحكة ابن آدم، ~~تفحصت ما حولي بعناية. لمحت على مبعدة حلقة من الشبان، وسرعان ما ~~تبين لي أنهم ليسوا بالغرباء، جيران أو زملاء بالمدرسة، اتجهت نحوهم ~~وأنا أحمحم. تحولت الرءوس نحوي حتى سلمت ووقفت باسما. بعد صمت سألني ~~أحدهم: أهلا، أي مصادفة سعيدة جاءت بك؟ # فتساءلت ضاحكا: وماذا جاء بكم أنتم؟ ~~- كما ترى، نتسامر أو نقرأ أو نتناقش! ~~- منذ زمن طويل؟ ~~- ليس قصيرا على أي حال. # قلت بعد تردد: يسرني أن أنضم إليكم لو سمحتم. ~~- هل تحب القراءة والمناقشة؟ ~~- أحبهما من كل قلبي. ~~- تفضل إذا شئت. # منذ تلك اللحظة بدأت حياة جديدة، يمكن أن أطلق عليها حياة الغابة. ~~طيلة العطلة الصيفية نمضي كل يوم ساعتين على الأقل في الحلقة. ومع ~~زقزقة العصافير هبطت أفكار ورؤى. انتقلت الدنيا من حال إلى حال. ليس ~~الأمر لهوا ولعبا ولا رياضة عقلية تمضي إلى حالها. إنها تشير إلى ms93 ~~مسيرة ومغامرة وتجربة محفوفة بكافة الاحتمالات. وكان من عادتي أن أجالس ~~أبوي بعد العشاء. نستمع إلى الفونوغراف، ونتبادل الحديث. وكنت قد ~~احتفظت بسر الغابة فلم أطلع عليه أحدا. وكان أبواي آخر من أتصور أن ~~أبوح لهما به. منذ زمن لا أذكر أوله استقرا في أعماق طمأنينة أبدية ~~ونعما بسلام دائم. ولا يخرج أبي عن إطاره إلا إذا أغرته السياسة ~~بأخبارها. يطيب له متابعة الأحداث والتعليق عليها. ويوما ختم حديثه ~~بقوله: ما أكثر عجائب هذا البلد! # فاندفعت أقول له: العجائب لانهاية لها. # فحدجني بنظرة متسائلة فقلت: إليك بعض الآراء بما يدور في ~~مجتمعنا. # وتكلمت بإيجاز وتركيز، فأنصت إلي ذاهلا ثم هتف: أعوذ بالله، ليس ~~أصحاب هذه الآراء بآدميين، ولكنهم عفاريت! # عند ذاك أدركت أنني أصبحت من عفاريت الغابة المسكونة. # | في المدينة # 1 # رزق بولد أول ما رزق. سعد بالمولود سعادة رجل يقدس الأسرة ~~والإنجاب، ولا يعترف بالإنجاب إن لم يتوج بذكر. كان يقترب من ~~أواسط العمر، ويستقر في دنيا النجاح كمحام نابه. والزواج كان ~~تقليديا، بني على البحث والسؤال وحسن الاختيار، ثم جاءت العاطفة ~~في حينها لتكمل البناء وتنمقه. غير أن إعصارا عصف بسعادته بلطمة ~~واحدة. فيوما اصطحب زوجته إلى السينما، ولما رجعا إلى مسكنهما ~~بالحدائق لم يجدا الوليد ولا الدادة. لم يكن من المألوف أن تخرج به ~~ليلا، خاصة ليل الشتاء، فبدا الأمر مقلقا، وسأل الرجل الجيران ~~والبواب فلم يظفر بما يطمئنه، وانتظر هو وزوجه على غير طائل، ثم ~~ذهب أخيرا إلى القسم. أدلى بالأقوال المطلوبة عن الدادة والمخدم ~~الذي جاء بها والطفل ذي العامين، ثم رجع إلى مسكنه مهيض الجناح ~~مشتت العقل، ولم يغمض لهما جفن - هو وزوجه - حتى الصباح. وقامت ~~الشرطة بتحريات واسعة، وتردد عليها أياما متواصلة، ولكن البحث ~~لم يسفر عن نتيجة، ولم يعثر على أثر للطفل أو للدادة. أيقن أن ابنه ~~قد سرق، لحساب الدادة من أجل أم عقيم، هل ما زال على قيد الحياة؟ ~~وأي مرعى جديد يؤويه ويحتضنه؟ وتعكر صفو الزوجين، وكابدا آلاما ~~مبرحة، ms94 لعلها أشد من آلام الموت نفسه الذي يؤلف في النهاية كقدر لا ~~مفر منه. ولكن مرور الأيام دواء على أي حال، فسلم الرجل أمره ~~لله وأذعن لمشيئته، وانهمك في عمله غارقا في هموم الحياة ~~ومشكلاتها. وقد رزق بعد ذلك ببنات ثلاث، ولم يرزق بولد رغم ~~اللهفة والحسرات، وظل عند مولد كل بنت يتذكر ابنه الضائع في خضم ~~الحياة المصطخب. وتقدم في عمله من نجاح إلى نجاح حتى عد بين ~~النخبة من رجال القانون والقلة من أثرياء أصحاب المهن. وشيد لأسرته ~~فيلا في الهرم واقتنى سيارة مرسيدس، واستمتع بالجاه والصيت العريض، ~~وتوج نجاحه بالمساهمة في الحياة السياسية، فتألق كنجم من نجوم ~~المجتمع وقائد من قادة الفكر. ولم تمح ذكرى ابنه المفقود من ~~ذاكرته. أجل لم يكن يذكره بصوت مسموع رحمة بأمه، ولكنه كان يستحضره ~~في المناسبات، فيقول: لو بقي لي لكان اليوم يتأهب لامتحان الثانوية ~~العامة، أو لكان اليوم يختم دراسته الجامعية، أو لربما كنا نحتفل ~~بزواجه، ثم يتمنى على الله أن تهيئ بيئته الجديدة له الدفء والحب ~~والفلاح. وفي أثناء ذلك تزوجت بناته، فانضم إلى الأسرة ثلاثة شبان ~~في سن ابنه المفترضة أو قريبين منها، وصار له أحفاد من الذكور ~~عوضوه عن فقده خيرا، ولكن عقدة الابن الذكر لم تفارقه، واقتضته ~~إجراءات كثيرة؛ لحفظ إرثه في ذريته دون مشاركة أحد من إخوته الذين ~~لم يكونوا في حاجة إلى ماله. وعاش في نظر الناس مثالا للنجاح ~~والسعادة، وفي باطنه مثالا للسعادة الواقعية التي لا تخلو من حزن ~~أو ألم. # 2 # أما الابن، فقد نشأ وترعرع في شقة صغيرة في بيت قديم بمصر ~~القديمة. إنه يذكر تماما أمه الطيبة المحبة، كما يذكر أباه الكهل ~~الذي كان يغادر البيت صباحا ويعود إليه مساء، كما يذكر شاربه ~~الغليظ وعصاه وبدلته الأنيقة، حظي بحياة طيبة مريحة، وفي السادسة ~~دخل المدرسة، ولم يجد في جو البيت الطيب ما يشجعه على الدراسة، وما ~~لبث أن مات أبوه ولم يوفق في الدراسة، ثم ماتت أمه وهو في الثامنة. ms95 ~~وجد نفسه وحيدا بلا أهل. ولم تتركه جارته لوحدته فدعته للبيات مع ~~أولادها. واتفقت هي وزوجها مع صاحب البيت على إخلاء الشقة وبيع ~~الأثاث، واقتضى العدل أن يحتفظا بالمال نظير إيواء الغلام والعناية ~~به. ولكنه لم يحظ برقابة كافية فضاع مرة أخرى بين مسكنه الجديد ~~والمدرسة حتى فصلته المدرسة. وتغيرت المعاملة مع الزمن؛ فما إن بلغ ~~العاشرة حتى وجد نفسه يعمل خادما في البيت والسوق. ومن أول يوم ~~كره عمله الجديد ورفضه ولكنه تحمله راغما. وأحيانا يتذكر حنان ~~والديه فتدمع عيناه في وحدته. ويوما خرج للتسوق فوجد الشوارع تموج ~~بالكبار والصغار، يصيحون في غضب، ويقذفون السيارات ومصابيح الشوارع ~~بالطوب. روعه المنظر لأول وهلة ولكنه سرعان ما استجاب إليه بسرور ~~خفي وشارك فيه. وفر في الوقت المناسب مصمما في الوقت نفسه على ~~عدم العودة إلى مخدومته. هام على وجهه ولكنه التقى بكثير من ~~الهائمين، وعند الضرورة تسول رزقه حتى عطف عليه منادي سيارات، ~~فاستغله في التنظيف والحراسة نظير المأوى واللقمة. وكان الرجل رب ~~أسرة وله أطفال دون سن العمل. وارتاح لعمله الجديد وسعد به، وعاش ~~يومه كله في الهواء الطلق. ولما بلغ المراهقة وتدرب على عمله، ~~قرر الرجل أن يختار له موقعا مستقلا نظير جعل يومي. قال له: ~~إنها فرصة مليحة لا تتاح إلا لسعيد الحظ، ولا تتيسر إلا بالمال ~~والفهلوة. # ولكي يضمن ولاءه زوجه من كبرى بناته، وهي عروس لا بأس بها شكلا ~~وموضوعا، بالرغم من أنها عوراء، واتخذ مسكنه مع حميه مستقلا ~~بحجرة منفردة، واستقبل حياة طيبة مثمرة. # 3 # طيلة ذلك العمر، جمعت مدينة واحدة بين الابن وأسرته الحقيقية، ~~أبيه وأمه وأخواته. أما والداه الزائفان فقد نسيهما تماما، ولم ~~يخطر له ببال أنه ابن شرعي لوالدين آخرين. ومرات كثيرة اخترقت ~~سيارة الأب الشارع الذي يعمل فيه الابن، دون أن تقع عين أحدهما على ~~الآخر. غير أنهما تقاربا مرتين فرأى الابن أباه، وثمة احتمال أن ~~الأب أيضا رأى ابنه. الأولى وقعت عندما كان الابن ما يزال صبيا ~~مساعدا لحميه؛ إذ ms96 ركن الأب سيارته المرسيدس في الموقف وتركها ~~لموعد هام مع النائب العمومي. وقف الابن على مبعدة يسيرة ينتظر ~~دوره في العمل، فرأى أباه وهو يغادر السيارة ويمضي لعبور الطريق. ~~مرت عينا الرجل به فيما مرت بأشياء الطريق القائمة والمتحركة. أما ~~الابن فقد راعه منظر الرجل بجلاله وأبهته فخلف في باطنه أثرا ~~عميقا، وأقبل على تنظيف السيارة بحماس. ولمح وهو يجلي زجاج ~~النافذة سيدة في الداخل فتنته فخامتها رغم كهولتها، ولكنها كانت ~~مستغرقة في قراءة جريدة فلم تلتفت نحوه. الثانية تمت في سياق ~~المعركة الانتخابية، فقد أقام الأستاذ سرادقا شعبيا ليوزع حلاوة ~~المولد على الكادحين؛ لمناسبة حلول المولد النبوي قبيل ~~الانتخابات. في ذلك الوقت، كان الابن قد استقل وتزوج. ووقف يتفرج ~~دون أن يشترك مع الجالسين. جاء الأب متبوعا بنفر من أعوانه وراح ~~يوزع علب الحلاوة بنفسه ويتقبل الدعاء. وتذكره الابن وانبهر به مرة ~~أخرى، ولما فرغ الرجل من مهمته وغادر السرادق، اقترب الشاب منه ~~مدفوعا بانجذابه وقال: هل أنبه السائق للحضور بالسيارة؟ # ولكن أحد الأعوان كان قد بادر للقيام بالمهمة، فنظر الأب نحوه ~~نظرة عابرة وقال: شكرا ولا داعي للإزعاج. # فصادف قوله من نفس الابن منتهى الرضا. ms97