######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.FutuwwatCutuf.Hindawi18686373 #META# Tags: novels #META# ID: 18686373 #META# Title: فتوة العطوف #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أول أبريل‏ # ثمن زوجة‏ # الذكرى‏ # مفترق الطرق‏ # التطوع للعذاب‏ # القيء‏ # الهذيان‏ # فتوة العطوف‏ # حلم ساعة‏ # أول أبريل‏ # ثمن زوجة‏ # الذكرى‏ # مفترق الطرق‏ # التطوع للعذاب‏ # القيء‏ # الهذيان‏ # فتوة العطوف‏ # حلم ساعة‏ # | فتوة العطوف # | فتوة العطوف # تأليف # نجيب محفوظ # | أول أبريل # في منتصف الساعة السابعة صباحا وصل علي أفندي خليفة إلى المدرسة التي هو ~~سكرتيرها، كعادته منذ خمسة عشر عاما، وباشر أعماله بالأسلوب الذي تعوده ~~وألفه وصار قطعة من صميم حياته؛ إذ إن كل ساعة من حياته الحكومية كانت ~~تسير على وتيرة واحدة لا تتبدل ولا تتغير، يدخل إلى «حجرة السكرتارية» ~~فيحيي زملاءه - الكاتب والضابطين - تحية الصباح، ويجلس إلى مكتبه ثم ~~يحضر عم خليل بالقهوة والماء المثلج، فيمضي في احتسائها وهو يتحدث إلى ~~القاعدين أو يستمع إليهم، ثم يأخذ في فتح الدفاتر ويراجع ويكتب. ثم تخلو ~~الحجرة حين يذهب الآخرون إلى فناء المدرسة لمراقبة التلاميذ وتنظيم صفوفهم، ~~ثم يخف بعد ساعة من الزمن إلى لقاء الناظر لعرض الأوراق واستشارته في بعض ~~الأمور وتلقي الأوامر والإرشادات. وإذا جاء اليوم الأول من الشهر ازدحمت ~~حجرته بالمدرسين والموظفين وامتلأت يده بالأوراق المالية، فلا يزال ~~يوزعها حتى لا يبقى إلا وريقات معدودة يودعها جيبه ساعة ريثما يوزعها ~~بدوره أشتاتا على صاحب البيت والقصاب والبدال. # هكذا تدور عجلة حياته فتبدأ من نقطة وتعود إليها، ثم تبدأ وتعود بحيث لو ~~شذت عن الخط المرسوم بمقدار ذرة - كأن يتأخر عم خليل بالقهوة دقيقة أو ~~يدق الجرس فيبطئ الضابط لحظة في مغادرة الحجرة - قلق واضطرب واهتز رأسه ~~يمنة ويسرة، مثله مثل النائم في ظل ساقية دائرة إذا وقف الثور لعلة انتفض ~~مستيقظا منزعجا! إلا أن طارئا من الحدثين نزل بساحته أخيرا فبدل ~~طمأنينته رعبا وسكينته قلقا وتفاؤله تشاؤما، وكان الكاتب يعلم بخبيئته ~~من دون الآخرين؛ لأنه كان أحب الناس إليه وأقربهم مودة إلى قلبه، فلما رآه ~~هذا الصباح دنا منه وفنجان قهوته في يده وسأله همسا: كيف حالك؟ # فأجابه بصوت تمزقه نبرات اليأس: يسير من سيئ إلى أسوأ. ~~- ألا يوجد ms01 بصيص أمل؟ ~~- أبدا .. أبدا .. لا بيع ولا شراء .. الحركة راكدة، والديون متراكمة، ~~والتجار يطالبون ويلحون ولا يعذرون، وبات شبح الإفلاس مني قاب قوسين أو ~~أدنى .. فإذا وقع - ولا مرد له - خربت خرابا تاما، ودمرت حياتي وحياة ~~أولادي تدميرا، وهويت إلى أعماق السجون. # فتنهد علي أفندي من قلب مكلوم، وقال بصوت خافت: لا أمل في ~~النجاة. # فسكت الرجل محزونا، ثم ذكر أمرا فسأله: وعمتك؟ ~~- أف .. أف .. لا رحمها الله في دنيا ولا آخرة .. إنها تود لو تفقد ~~ذاكرتها كي لا أخطر لها على بال، ولقد انقطعت عن زيارتها مضطرا منذ حين؛ ~~لأنها لا تراني حتى تصيح في وجهي: «ماذا جئت تصنع؟! أنا لم أمت بعد!» ~~والمرأة تتبرع كل يوم بمئات الجنيهات للجمعيات الخيرية لا حبا في الخير، ~~ولكن كي لا تخلف لي مالا بعد موتها المتوقع يوما بعد يوم. # فهز الرجل رأسه أسفا، وقال: ليتك يا علي لم ترم بنفسك في ميدان ~~التجارة غير المأمون. ~~- هذا هو الكلام الذي لا جدوى منه .. ومع هذا هل تنكر أن هذه التجارة هي ~~التي يسرت علي أمري وجعلت عيشي رغدا، وأعانتني على تربية ستة من ~~الأبناء؟ ~~••• # قبل ثلاثين عاما كان علي أفندي تلميذا بالمدرسة الابتدائية يجتهد أن ~~يفوز بشهادتها، وقد جرب حظه مرات في سنين متتابعة، فخاب مسعاه فيها ~~جميعا، حتى نفد صبره وذوى أمله. ورأى أبوه أن يفتح له حانوت عطارة في ~~الغورية، لبث فيه عامين يناضل في معترك الحياة، ولكن لم يكن حظه في حانوته ~~بأسعد منه في مدرسته، فاضطر إلى إغلاق الدكان، ورجع خائبا إلى بيت أبيه. ~~وهناك فكر في أمر مستقبله طويلا فوجد أن خير طريقة، أو أن الطريقة الوحيدة ~~الباقية لديه، هي أن يعود إلى نبش كتبه التي نسج عليها العنكبوت، وأن ~~يجرب حظه مرة أخرى كتلميذ مجتهد وإن تقدم به العمر. وفعل ونجح، ~~ووظف كاتبا في وزارة المعارف، واطمأن إلى الحياة بعد أن أشرف على اليأس ~~والقنوط، وغبط نفسه على عمله المضمون الرزق، وأحس في أعماق نفسه بفخار ms02 ~~الرجولة ونشوة الاستقلال. ولما كان عرضة للنقل إلى أقاصي الوطن، آثر - عن ~~حكمة - أن يتزوج. وقد جاب مختلف البلدان في مصر العليا والسفلى إلى أن انتهى ~~به المطاف رجلا في ذروة الرجولة إلى مدرسته الحالية فتقلب في وظائفها ~~جميعا حتى رقي إلى وظيفة السكرتير. # وكان علي خليفة مثالا للرجل العادي الذي لا يخرج عن المألوف، وأنموذجا ~~صادقا للأخلاق المصطلح عليها والعادات والتقاليد التي يجري بها العرف، لا ~~يشذ إلى اليسار ولا يجنح إلى اليمين. وجد كل شيء جاهزا، فهش له وآمن به ~~واتبعه، معتقدا مع المعتقدين، مستحسنا مع المستحسنين، ساخطا مع الساخطين، ~~فإن عرفت جيله فقد عرفته بغير مخالطة، وأن خبرته فقد خبرت جيلا أو - وهو ~~الأقرب إلى الحقيقة - خبرت الشطر الجامد من الجيل الذي يفتحه التاريخ إلى ما ~~وراءه من الأحداث التي تخلق التاريخ. ولما تزوج استولت عليه الحياة الجديدة، ~~واستبدت به، وتكشفت له حقيقته، فإذا به «رجل بيت» بكل معاني الكلمة، فالبيت ~~مأواه ولذته، لا مقهى ولا ملهى ولا سينما ولا حانة ولا أصدقاء ولا هوية ولا ~~أي شيء في الوجود بقادر على أن ينتزعه من أحضان بيته. وحين كان يعيش منفردا ~~مع زوجة كانت حبيبة وأنيسة وجليسة، فلما انبثت ذريته - بنين وبنات - حابية ~~ساعية لاعبة مشرفة على أنحاء البيت، كان له منها الحبيب والهوية والمأوى يسكن ~~إليه. # وكانت الحياة تسير في بادئ الأمر هنيئة جميلة ممتعة، لا يكدر صفوها ~~مكدر، ولا يظلل صفحتها البيضاء ظل من الحزن أو الفكر، ولكنها لم تلبث أن ~~فرضت عليه ضريبتها التي لا تعفي منها أحدا من بني الإنسان، حتى صارت عنوانا ~~عليها ورمزا لها، وباتت الشكوى منها إنكارا للحياة نفسها وجهلا فاضحا ~~بأمرها، فمات أبوه ونما أطفاله صبيانا وغلمانا، وهجروا عشهم سعيا إلى ~~المدارس الأولية والابتدائية ثم الثانوية، وتعددت حوائجهم، وتشعبت ~~مطالبهم وتضاعفت نفقاتهم يوما بعد يوم، فانقلب يسر الحياة عسرا، ~~وراحتها تعبا، وابتسامتها تجهما، وانسابت الهموم إلى كل جانب من قلبه، ~~وطفق يردد لنفسه أن كل شيء يهون إلا أن ms03 يشقى أو يشكو هؤلاء الأبناء ~~الأعزة. # وتذكر أن له عمة أرملة غنية تعيش بمفردها في بيت كبير تحت رعاية ممرضة، ~~وكان يتجافاها وينفر منها من طول ما بث أبوه في نفسه، ففكر في أن يقصد ~~إليها مضطرا. # وكانت عمته امرأة في السبعين، مات عنها زوجها - قبل أربعين عاما - وهما ~~في زهرة العمر وميعة الشباب وخلف لها ثروة طائلة وطفلا وحيدا، وقد ترك ~~موت الزوج في نفس المرأة آثارا عميقة مروعة تغلغلت في صميم حياتها، ولم ~~تعف مع كر الأعوام ودوران السنين. وأقبلت على العزاء الوحيد الذي بقي ~~لها في دنياها تمنحه كل ما في قلبها الحنون من عطف وحدب وتضحية، حتى ~~شب طفلا جميلا، ونما شابا رقيقا نحيلا، وبدأت تفكر في أمر زواجه، ~~كي تراه رب أسرة وتسعد بمشاهدة ذريته، إلا أن الأقدار فاجأتها بما لم يقع ~~لها في حسبان، فتردى الابن كما تردى أبوه العزيز من قبل مصدورا ميئوسا ~~منه، وقضى بين السعال من جانبه والتنهد والبكاء من جانبها. # انتهى كل شيء، وأقفرت الدنيا من الأمل والعزاء، وماتت حية، ودفنت مع ~~ولدها الحبيب كل ما ميزها الله به عن الأحجار الجامدة، وصدق عليها كل ~~ما وصفها به أخوها من قبل وما يصفها به ابنه الآن؛ فهي المرأة العجوز ~~القاسية المجنونة التي تكره الخلق وعلى رأسهم أقاربها، وتسيء الظن بكل من ~~يتقرب إليها، وتخال أي زائر طامعا في أموالها، وتقضي حياة الكبر طريحة ~~الفراش مريضة القلب تسهر عليها ممرضة في بيتها المهجور كأنها مومياء في أحد ~~معابد الكرنك الحزينة. # هذه هي عمته التي قصد إليها بعد أن اشتدت وطأة الحاجة عليه، وقد ~~استقبلته استقبالا باردا جافا، فلم يأنس في نفسه الشجاعة أن يفاتحها فيما ~~جاء من أجله، وبرح بيتها أشد بؤسا مما طرقه. # وقلب مسألته على جميع الوجوه فلاح له أن يشتغل بالتجارة وهو حل لا ~~بأس به، ولكنه شديد الخطورة بالنسبة لموظف حكومي. ولكنه لم ييأس واستعان ~~بالكتمان والخفاء وبخبرته التجارية التي اكتسبها في أول عهده بالحياة ~~العملية، فاتجر ms04 في العطارة ونجحت تجارته، وأقبلت عليه الحياة رغدة، ولكن ~~حال النجاح لم تدم، فساءت الأمور وركدت السوق النافقة، فجزع واشتد جزعه، ~~ولعبت يداه في الدفاتر بغير الحق، ولم ينفعه تلاعبه شيئا، وسارت الأمور من ~~سيئ إلى أسوأ، واضطر - تحت تأثير الخسران - إلى زيارة عمته مرات وفاتحها - ~~على رغم تردده - في طلب المعونة، ولكنها كانت أشد عليه من حظه ومن ~~الأقدار جميعا، فرفضت أن تمد له يدا أو أن تعيره أذنا صاغية. وفي ذلك ~~الوقت بلغت الأمور شدة الفيضان الذي لا يكون وراءه إلا الانفجار والهلاك؛ ~~فالعمة في أشد حالات الشذوذ وسوء الطبع والمرض، وعلي أفندي على شفا جرف هار ~~من الخراب والدمار، والتجار متذمرون جزعون، يطالبون ويلحفون ويطبعون على ~~آذانهم فلا يسمعون، وقد عينوا له أول أبريل كآخر منزع في قوس صبرهم، فإن لم ~~يسدد دينه ويسو حالته أشهر إفلاسه، وليكن ما يكون بعد ذلك من رفته ~~من وظيفته أو إيداعه السجن .. كل هذا ينتظره في أول أبريل! وما بينه وبين أول ~~أبريل إلا أيام معدودات .. وقد نفدت حيلته وسدت في وجهه المنافذ! .. ثم ~~ماذا يكون من أمر هذه الأسرة التي هي ثمرة حياته ومحيا آماله؟! هذه الأسرة ~~التي تعيش سعيدة مطمئنة غافلة عما يهددها من الشقاء والبأساء، اللهم إلا ~~ربتها الصابرة القانتة التي تشارك الزوج أحزانه، وتبادله همومه، وتكتم في ~~قلبها الكبير ما لو أطلقته لأحرق الدنيا بأسرها من شدة ما به من هول، ولأحرق ~~أول ما يحرق هؤلاء الأبناء السعداء الذين يمرحون سادرين كالأفراخ اللاعبة ~~الغافلة عن القط الرابض لها من قريب .. وذكر في شدة حزنه أبناءه، فهرعوا إلى ~~مخيلته في صورة تفيض حياة وجمالا. وكان حسين ومحمد في المدرسة الثانوية ~~فتيين ناميين يحملان طلعة والدهما ورقة أمهما، وهمام وحافظ وياسين في ~~المدرسة الابتدائية وهم حياة البيت يحيا ويمتلئ هرجا ومرجا ما داموا فيه، ~~ويسكن سكون المقابر إذا غابوا عنه، وزينب أو زوزو في المدرسة الأولية هوية ~~الأسرة ولعبتها، صبوحة الوجه، سوداء العينين، مرسلة الشعر، كانت بنتا بين ms05 ~~ستة ذكور كالياسمينة وسط باقة من الورد الندي، حبيبة إلى كل قلب، عزيزة على ~~كل نفس، حتى لكأن هذه الأسرة لم يتزاوج فيها الوالدان ويولد الأبناء إلا ~~ليهيئوا المقام لزوزو؛ حيث كانت حسن الختام ونقطة الانسجام. # فماذا يكون من أمر هذه الأسرة من بعده، بعد أن يرفت من وظيفته ويزج ~~به في السجن؟ أواه! دون ذلك ويمكن المستحيل وتقع المعجزات والخوارق! # ولم يجد مناصا من أن يذهب مرة أخرى إلى عمته علها تلين بعد طول التصلب ~~والصلف والقسوة، فسار في طريقه إليها - وكانت تقيم على مدى منه قريب في شارع ~~محمد علي - مهموما متضايقا يعمل ألف حساب لتلك الزيارة الاضطرارية ~~الثقيلة. # يا لله من هذه المرأة! ما لها لا تموت؟ إن حياتها فرض ثقيل عليها ~~وعليه، وإنها كالبنيان المتهدم ينعق فيه ناعق الخراب والمرض. ورغم هذا فذيول ~~الحياة لا تزال متشبثة بها. إن سعادة نفوس عزيزة رهن بموتها فلم يبقي الله ~~عليها؟ والمضحك المؤلم أنها قد تموت فجأة بداء قلبها بعد اليوم الأول من ~~أبريل بساعات معدودات أو بعد القضاء عليه وعلى أسرته القضاء المبرم. وقد ينفذ ~~هذا القضاء العجيب كما ينفذ أمثاله كل يوم وكل حين مما تحتار في تعليله ~~العقول، وقديما وقف موسى الكليم حياله جزعا لا يستطيع معه صبرا! وطرق ~~الباب ودخل حيث قابلته الممرضة بابتسامة صفراء ذات معنى، فسألها: كيف ~~حالها؟ # فأجابته ببرود: بخير. # ووصل إلى مسمعه صوت رفيع مبحوح دلت بشاعته على أنه يخرج من فم خرب ~~يسأل: من الذي تكلمين يا عائشة؟ # فارتجف جسمه، وسرت فيه قشعريرة مثل مس الكهرباء، وتردد، وجمد، ثم كز ~~على أسنانه ودخل إلى الحجرة وهو يقول: أنا علي .. كيف حالك يا عمتي؟ # فدمدمت، وقالت بتأفف وتبرم: علي! # فحنى رأسه ووقف صامتا، وعادت هي إلى سؤاله قائلة: هل جئت حقا لتطمئن ~~على صحتي؟ ~~- نعم. ~~- وهل يهمك أمر صحتي؟ ~~- طبعا. ~~- إذن لم تخلط السؤال عنها بسؤال شيء آخر؟ # فضرب كفا بكف، وقال بصوت حزين: لا تظني بي الظنون. فقد عشت دهرا ms06 لا ~~أسألك شيئا ثم ... ~~- ولم تكن تريني وجهك بتاتا .. ولم تكن صحتي أمرا يهمك السؤال ~~عنه. ~~- بالله أعيريني أذنا صاغية .. لقد شرحت لك أحوالي .. أنا مهدد ~~بالخراب بين لحظة وأخرى. اصرفيني عن ذهنك، واذكري أبنائي البؤساء وما ~~ينتظرهم من شقاء. ~~- لم أر أبناءك طول حياتي. # فآلمته لهجتها التهكمية، وحمي رأسه بنار الغضب، ولكنه لم يكن في حال ~~يأذن له بإعلان ما يبطن، فنظر إليها نظرة النمر الواقع في الشرك، وقال ~~وهو يجهد أن يجعل صوته هادئا: إذا منعت عني يدك دمرت لا محالة. # وهنا هبت قاعدة في فراشها وصاحت في وجهه: في داهية! ~~- عمتي ... ~~- لست عمة لأحد. ~~- لا تكوني هكذا. ~~- هكذا أنا .. اغرب عني. ولا ترني وجهك مرة أخرى. # وحاول أن يقول شيئا، ولكن لم يسعفه الكلام، فجمد لحظة؛ حيث هو ملتهب ~~العينين، محمى الرأس، مرتعش الأطراف، ثم غاب عن ناظريها .. ولقي في الخارج ~~الممرضة واقفة تنصت، فقابلته بنفس الابتسامة، وقالت: ككل مرة؟! # فهز رأسه غاضبا، وقال: إنها شر ما في الوجود .. إنني أعجب كيف ~~يؤاتيك الصبر على معاشرتها؟ ~~- إني أقوم بواجبي .. وهي على كل حال لا تعاملني نفس المعاملة. # وتوقف لحظة، لا يدري ما ينبغي أن يفعل، فلاحت منه التفاتة إلى مائدة ~~صغيرة رصت عليها زجاجات الدواء، فتنهد، وقال بغير وعي: لو يتأخر عنها الدواء ~~دقيقة! # ولم تكن المرة الأولى التي تسمعه فيها الممرضة يقول هذا القول؛ فارتاعت ~~لتكراره، ورددت قوله مرتعبة: لو يتأخر عنها الدواء دقيقة! # فنظر إليها بسرعة مرتجفا، والتقت عيناهما لحظة؛ فلمع بينهما ما يشبه ~~البرق، ثم خرج مهرولا وهو ينتفض من هول ما خطر على باله، وهبط السلم مسرعا ~~كأنما يفر فرارا. ~~••• # وجاء اليوم الأول من أبريل، والأيام تسير في دائرتها المفرغة غير عابئة ~~بما تحمل للناس من مسرات وأهوال، لا اختلاف في هذا بين يوم التطير أو يوم ~~التفاؤل، ولم يكن هذا اليوم جديدا في العام ولا جديدا في حياة علي أفندي، ~~ولكن خيل إليه هذا الصباح أنه يستقبله لأول مرة في حياته، بل ms07 عجب؛ كيف ~~أمكن أن يوجد كبقية الأيام؟ وكيف أمكن أن يأخذ مكانه الطبيعي بين أيام السنة؟ ~~وهو يحمل له نذير الخراب ولأسرته الشقاء والفناء! # أواه! إن موعده مع التجار أصيل هذا اليوم، ولدى هذا الأصيل يتقرر مصيره. ~~وإنه ليعلم علم اليقين أي طريق هو موليها بعد حين قليل .. بعد ساعات سريعة ~~الجريان. # ومع هذا فها هو ذا يجلس إلى مكتبه يرتشف القهوة، ويقلب الأوراق، ويشترك ~~في الحديث مع هذا وذاك، وكل من حوله منصرف إلى عمله، والتلاميذ في الفناء ~~يضجون ويلعبون، والحجرة هي هي، والمدرسة هي هي، والدنيا هي هي، كأن شيئا لن ~~يحدث وكأن دمارا مروعا لا يوشك أن ينزل بحياة أسرة كبيرة؛ فيذروها ذر ~~الرياح! # والمضحك بعد هذا أن يقال: إن الإنسان حيوان عاقل، وهل يستطيع إنسان أن ~~يرد بنور عقله قضاء يعجز الحيوان عن رده لانعدام عقله؟ ها هو ذا لا ~~يستطيع أن يصرف عن نفسه دمارا يعلم به قبل وقوعه، وكم غير هذا الدمار - مما ~~يجهل - قريب لا يستطيع حياله تصريفا. حقا إن الحياة مأساة مؤلمة مضحكة، ~~ما الذي ينبغي أن يفعل؟ .. إنه يطرح على نفسه هذا السؤال للمرة المائة ~~والألف، ولا يملك إلا تكراره وترديده كالمخبول .. وقد سمع فجأة صوتا يقول: ~~حان الميعاد. # فارتجف جسمه وانخلع قلبه في صدره .. الميعاد .. إنه لا يفكر إلا في ميعاد ~~واحد، ولكن الصوت استطرد مرة أخرى ضاحكا: الساعة تدور في الحادية عشرة، فهيا ~~إلى الوزارة لإحضار المرتبات. # حقا إن اليوم يوم المرتبات، ينتظره آلاف غيره بفارغ الصبر؛ فكيف ينسى ~~هذا؟ وخرج متثاقلا مهموما يولي وجهه شطر الوزارة، وعلى حين فجأة، وبغير ~~تمهيد واع اصطدم فكره الشارد المتوزع في محيط الشقاء بفكرة وامضة، فتنبهت ~~حواسه، وشع من عينيه بريق خاطف، وأحاط به الرعب الذي مسه حين التقت ~~عيناه بعيني الممرضة في بيت عمته بالأمس القريب. لاحت له هذه الفكرة في ~~لحظة سريعة جنونية، رآها كمن يفتح عينين ناعستين في الظلام فتلمحان على غير ~~توقع شبح شيطان ناري، يهدد ثانية ثم ms08 يختفي تاركا خلفه الصرع والجنون. وقد ~~جن بغير شك، واستولت عليه الفكرة بقوة مارد مستبد. أي رعب، أي شر، أي ~~مصيبة، أي اتجاه، أي فكرة نيرة، أي خلاص، أي دمار، أي هول، إنها تحمل جميع ~~هذه المتناقضات إلى نفسه المضطربة المريضة، وإن من اليأس ما يعجز عن قلقلة ~~ذرة من الرمال، ومنه ما يزحزح الجبال، وقد جرى منطقه المحموم في طريق ذي ~~عوج: إذا سرق كان جزاؤه المحتوم الرفت والسجن، ولكن إذا لم يسرق لم ينج لا ~~من الرفت ولا من السجن .. إلا أن النتيجة مع السرقة تختلف، فهو بها يستطيع أن ~~يكسب التجار وينقذ تجارته فيضمن لأسرته - وأسرته هي قطب تفكيره - حياة رغدة ~~سعيدة، بل إنه ينوي ما هو شر من هذا وأعظم رعبا، إنه ينوي أن يراود الممرضة ~~- بسلطان المال - على ...! حقا إن هذا فظيع مخيف .. ولكن تأخير الدواء ~~لحظة كفيل بالقضاء على تلك المرأة الشريرة، التي تقع من حياته موقع الزائدة ~~الدودية الملتهبة .. حقا إنها جريمة نكراء ولكنها مضمونة العاقبة وعادلة من ~~الوجهة الإنسانية .. ونفاذها يضمن لأسرته أرغد العيش وأطيبه. وهب أن ~~الممرضة أبت عليه تحقيق غرضه فلن يضيره إباؤها شيئا، وتبقى بعد هذا ~~تجارته، وهذا شيء مؤكد. نعم، إن السجن لا مفر منه، ولكنها سنوات سوف يقضيها - ~~مع الاطمئنان على أسرته - صابرا ويخرج بعدها كي يتمتع بعيشة هانئة ثرية في ~~مكان سحيق .. كل هذا واضح بين ولا بد من تنفيذه بدقائقه، وليكن بعده ما ~~يكون. # واستلم المال واستقل «تاكسي» وقال للسائق بصوت حاول ما استطاع أن يجعله ~~هادئا: إلى شارع محمد علي. نعم إلى البيت لا إلى المدرسة؛ حيث يجد متسعا ~~للتفكير والتدبير. كم هو مرتعب خائف، إن أسنانه تصطك، وأطرافه تنتفض، وأجفان ~~عينيه تتصلب، وريقه يجف، وأنفاسه تبطئ وتثقل كأن يدا جبارة تخنقه. # ووصلت السيارة إلى شارع محمد علي. ود لو لم تصل إليه أبدا. وكان قد ~~دبر الأمر كله في عقله، ولكنه شعر في تلك اللحظة بأنه في حاجة إلى ~~معاودة التفكير مرة أخرى ms09 من مبدئه، كأنه لم يطرقه بعد. وهنا اعترضت الطريق ~~عربة كبيرة عرقلت حركة المرور؛ فاضطر السائق إلى إيقاف السيارة، فنظر إلى ~~الأمام ليستطلع ما هنالك فرأى العربة وإلى جانبها شرطي يهدد سائقها، رباه! ~~لقد أرعبه مشهد الشرطي، وأثلج دمه في عروقه، وهم أن يأمر السائق بالرجوع .. ~~وعلى حين فجأة سمع صوتا يناديه قائلا: بابا! # فالتفت مذعورا فرأى زوزو واقفة على سلم السيارة، ووجهها الجميل قريب ~~منه، وكانت تمسك بحقيبتها في يد وتعالج بالأخرى الباب لتدخل إلى أمها. فلما ~~كان لها ما أرادت جرت إليه فرحة مسرورة، فمنعها بيده وسألها بسرعة ولهجة ~~جافة: لم أنت هنا؟ ~~- أنا آتية من البيت؛ حيث كنت أتناول غدائي وذاهبة إلى المدرسة. ~~- حسن .. حسن .. هيا إلى المدرسة بسرعة لئلا تتأخري. ~~- انتظر، عندي لك خبر سار .. هل تشتري لي شيكولاتة نسلة إذا قلته ~~لك؟ ~~- ليس الآن .. هيا .. هيا. ~~- عمتي! # فجمد لسانه في فمه، ونظر إليها نظرة غريبة؛ ففرحت البنت لأنها لفتت ~~انتباهه إليها وقالت: ماتت. ~~- ماتت عمتك! # فرت هذه العبارة من فمه في صراخ مدو .. فازداد فرح الفتاة، وقالت: ~~نعم .. هذا ما قالته لي حميدة «الخادمة» لما سألتها عن تغيب ماما على غير ~~عادتها. # وصرف زوزو بعد أن وعدها خيرا، وأمر السائق وهو يلهث بالذهاب إلى ~~المدرسة، نعم، إلى المدرسة ليسلم بدوره الأمانة إلى مستحقيها. لقد أتاه ~~الفرج دفعة واحدة. لقد أنقذ بعد أن تدلى جسمه في الهاوية، أنقذ من ~~الإفلاس والخراب والسرقة والجريمة والسجن. رباه! إنه لم يقدر هذا، ولم ~~يحلم به أبدا وما كان في مكنة مخلوق مهما رسخ إيمانه أن يقدر هذه النهاية ~~أو يحلم بها .. فالحمد لله .. الحمد لله! # وانصرف من المدرسة سريعا قاصدا بيت «المرحومة»، ووجده كما تعود أن ~~يراه هادئا ساكنا لا صوت ولا نحيب .. فطرق الباب ثم دخل، وقابلته الممرضة، ~~وكانت محافظة - برغم كل شيء - على هدوئها، وقد سألته منكرة: أجئت مرة ~~أخرى؟ # فنظر إليها دهشا، وقال: ما أغرب سؤالك! .. ألست على كل حال ابن ~~أخيها؟! # واجتاز بها مسرعا إلى ms10 حجرة المتوفاة .. فرآها مستلقية على ظهرها ورأسها ~~مائل نحوه، مفتحة العينين، بل رآها - وهو الأدهى - تنتصب قاعدة، وتشير إليه ~~بيدها الضعيفة مهددة، وتصيح في وجهه: كيف تجرؤ؟ كيف تتجاسر؟ ألم أطردك طردا؟ ~~اخرج .. اغرب عن وجهي. # والظاهر أن المرأة تأثرت من الغضب الذي تملكها فجأة، فسقطت على المخدة ~~من الإعياء والجهد وصدرها يرتفع وينخفض. ووقف أمامها مبهوتا جامدا ~~كالتمثال، ذاهلا لا يستطيع كلاما ولا حركة؛ كأنه ينظر إلى شبح مرعب لا إلى ~~امرأة عجوز منهوكة القوى. وما أحس إلا يد الممرضة تسحبه إلى الخارج، فاستسلم ~~لها طائعا، وغادر البيت دون أن ينبس ببنت شفة. # وقطع الطريق إلى بيته والذهول مستول عليه، وكان البيت يخيم عليه السكون ~~- كعادته - إذ الأولاد في المدرسة. فظنت زوجه لأول وهلة أنه آيب من مكان ~~عمله كعادته اليومية، ولكنها ما لبثت أن طالعت ما يكسو وجهه من آيات التجهم ~~والذهول، فتملكها الروع والذعر، وظنت أن ما تشفق من حدوثه، وترجو الله آناء ~~الليل وأطراف النهار دفعه قد وقع، وفزعت إلى سؤاله وهي أكره ما تكون ~~للسؤال: ما بالك؟ # فسألها بدوره بامتعاض: أين زوزو؟ ~~- لعلها في الطريق إلى البيت .. فصاح بغضب: هذه الطفلة الشريرة؟ ~~- زوزو شريرة؟ # قابلتني في الطريق منذ ساعتين، وكذبت علي الشيطانة قائلة إن عمتي ~~ماتت. # فضربت المرأة صدرها بيدها، وقالت بدهشة: كيف تجرؤ؟ من أين لها هذا الكذب؟ ~~هذا أمر عجيب .. بل إنه أعجب شيء أسمعه في حياتي .. لعل البنت وهي تسمعنا ~~دائما - نتمنى على الله موت عمتك - أرادت ... # ولم تتم حديثها إذ دق الباب ودخلت زوزو. وما إن رأت والدها حتى رمت ~~حقيبتها وجرت نحوه ضاحكة، وقفزت إلى حجره وأحاطت بيدها عنقه، ثم قالت وهي ~~لا تسكت عن الضحك: هل اشتريت لي الشيكولاتة كما وعدت؟ # فنزع يدها الصغيرة عن رقبته بشيء من العنف، وحدجها بنظرة قاسية، ثم سألها ~~بخشونة وهو يدفعها عن حجره: كيف تكذبين علي؟ # قالت وهي لا تكف عن الضحك، وإن بدأت تدرك صعوبة الاستيلاء على ~~الشيكولاتة: في أي يوم نحن ms11 : إني أسألك كيف تكذبين علي؟ ~~- اليوم أول أبريل .. وقد علمت أنه يجب على الناس أن يكذبوا فيه .. وهكذا ~~قالت لي بثينة، وقد سألت «أبلة» فأمنت على ما قالت بثينة، ولكنها نبهت ~~علي أن أختار كذبة سارة كي لا أوذي أحدا .. وقد اخترت لك أحسن ~~كذبة! # فقطب وجهه، وقال لها بشدة: لعنة الله عليك وعلى أول أبريل .. هل يصدق ~~الناس طول العام كي يلهوا بالكذب في أول أبريل؟! # وهنا فقط أدركت زوزو أنها أخطأت، وأن والدها غاضب عليها حقا، وأنها ~~فقدت كل الأمل في الشيكولاتة، فكفت عن الضحك، وعلا محياها الارتباك، ~~واحمرت وجنتاها من الخجل، ونظرت إلى أمها تستغيث بها. أما أبوها فقد قام ~~متثاقلا، ودلف إلى حجرته حزينا كئيبا ينوء بالهم والفكر. ولحقت به زوجه ~~وانتبذت ركنا من الحجرة في صمت ووجوم. وقفت ترمقه بعينين كئيبتين وقلبها ~~يحدثها بدنو شر مستطير، ولكنها لم تجرؤ على تمزيق هذا الصمت الغليظ. انتهى ~~الأمر وخابت المحاولة الأخيرة وآذن الخراب بالوقوع. # هل ينتحر ويضع حدا لهذه الحياة القلقة المنغصة؟ فقد اضطرب عقله بهذه ~~الفكرة الهائلة لحظة، ولكنه تغلب عليها وفندها قائلا لنفسه: «إذا انتحرت ~~فمن للأولاد؟» .. ولم يجد أمامه سوى الاستسلام والنزول عند حكم ~~المقادير. # وظل الصمت مخيما يزهق النفوس، والمرأة واقفة حيث هي، وهو قاعد على ~~الكنبة مسندا رأسه إلى كفيه، وقد ظهر رأس زوزو من الباب لحظة ولاحت ~~عيناها تدوران بين والديها، ثم ارتدت مسرعة، فارة مضطربة. # ولبثا على حالهما لا يشعران بفوات الوقت حتى تيقظا فجأة على طرق ~~الباب، ووصلت إلى مسمعيهما أصوات الأولاد وهم يدخلون واحدا واحدا، يتقدمهم ~~ضجيجهم وجلبتهم، وقد دبت الحياة في البيت وتحول في ثانية إلى سوق، وعلا ~~صياح من هنا وصراخ من هناك، وسمعت أصوات تنادي، وأخرى تسب وتلعن، وثالثة تنشد ~~بعض الأناشيد المدرسية، ورابعة تسأل عن ماما وبابا. ثم طرق الباب مرة أخرى ~~بعنف، ودخل شخص ما، وساد صمت عجيب. ترى من القادم؟ لقد دق قلب الرجل بعنف ~~واعتدل في جلسته، وعيناه تتساءلان، ونظر إلى ms12 الباب كأنه يتوقع سقوط صاعقة .. ~~ورأى حسينا يدخل مسرعا، وسمعه يقول باضطراب: بابا .. يقولون إن عمتي ~~توفيت! # فقام الرجل كالمجنون وحدج ابنه بنظرة هائلة، فقال الابن: حضرت الممرضة ~~الآن حاملة هذا الخبر .. وها هي ذي واقفة تسأل عنك .. تفضلي إلى هنا يا ~~سيدتي. ~~••• # في ساعة متأخرة من ليل ذاك اليوم - يوم أول أبريل - جلس علي أفندي إلى ~~جانب زوجه وكانت لا تزال في ثوب الحداد، وقد آوى الأبناء إلى الفراش وخيم ~~السكون على البيت. # كانت المرأة صامتة، ولكن كان وجهها راضيا مطمئنا، وبالها مستريحا، وقد ~~ولى عنها الذعر الذي لازمها أياما خالتها دهرا طويلا. # وكان علي أفندي يشعر شعور إنسان خطا قدما بغير وعي، وإذا به يرى صاعقة ~~تنقض على المكان الذي كان يشغل .. قد كان السجن والرفت والدمار منه قاب ~~قوسين أو أدنى، وها هو ذا يطمئن إلى مجلسه بين أسرته آمنا بمنجاة من كل ~~دمار، يستقبل من الغد حياة رغدة مترفة، فكم بالحياة من معجزات! # وعلى رغم كل هذا لم يكن سعيدا تمام السعادة، ولم يصف ذهنه كل الصفاء ~~واستمر في تأملات عميقة. لقد عاش طول عمره حياة راكدة راتبة، أما الساعات ~~القلائل - القلائل! - الأخيرة فقد ابتلي فيها بما لم يبتل به في عمره ~~الطويل المديد؛ إذ أثارت نفسه وعقله وجعلت من بحيرة نفسه الآسنة محيطا ~~مضطربا عاصفا. # لقد خلصه الله من العذاب، ولكن هل يستحق الخلاص وهو الآثم الشرير الذي ~~هم أن يقارف السرقة والقتل؟ ثم عمته المرحومة؟ إنه يدرك حالتها الآن بغير ~~العقل الذي كان يصورها له ويعطف عليها بعد أن أمسى عطفه وقسوته لديها ~~سيئين، فقد عاشت بائسة حزينة تجتر الهموم والآلام، وكانت حياتها فرضا ~~ثقيلا عليها وعلى الآخرين. نعم! كانت قاسية شديدة فوق كل احتمال، ومع هذا ~~فكيف كان يمكن أن تكون غير ما كانت؟ ومن يخلو من جانب بل من جوانب كريهة؟ ~~أليس هو في أعماقه قاتلا سارقا مدلسا؟ وما هو إلا صورة تتكاثر وتتعدد ~~فتكون عالم الناس .. ومع هذا فلا يجوز أن ms13 ينسى أن هذا الشر غالبا ما ينكشف ~~عن ضعف وجهل وبؤس، كما انكشف شذوذ عمته عن ترمل وثكل، وكما ينكشف تخبطه ~~وسوء نواياه عن محبة فائقة لأبنائه الأبرياء، وقد أذن الله فعالج الشر والبؤس ~~برحمته، والرحمة أسمى حلم في الوجود، ولكنه لا يستطيع أن ينسى أيضا أنها ~~سبقت هنا بكذبة ابنته وبموت عمته، فكيف يكون الموت والكذب من ممهدات ~~الرحمة؟ # حقا إنه مهما ادعى التأمل فسيبقى أمامه ما يعجز عقله ويربكه. وإذا ~~كان أمر الدنيا على هذا النحو فلن يمنع الدمع الذي تبعثه مآسيها إلى العين ~~الابتسام من اعتلاء الشفتين، ولقد ضاق صدره وأرقه السهاد فهتف من أعماقه: ~~من لي بزوزو الآن؟ .. فإن ابتسامتها العذبة ونظرتها الطاهرة ويدها الصغيرة ~~لحقيقة بأن تصرف عني أفكار هذا الليل وتسكب في قلبي الطمأنينة ~~والسلام. # | ثمن زوجة # جلس ينظر إلى صورته في المرآة الكبيرة، ويتابع بعينيه يد الحلاق وهي تقص ~~شعره بخفة ومهارة، وكانت تبدو عليه آي الهدوء والغبطة كما ينبغي لشاب مثله ~~في أسبوعه الثالث من شهر العسل. # ولا عجب فشهر العسل في حياة الأزواج كالشباب الناضر في الآجال المعمرة، ~~وقد حبته الطبيعة ألذ المتع ودفعته مهرا لحياة الزوجية التي يستأديها ~~الذكور من جميع الأنواع. وكان حضرة الفاضل حمدي أفندي المهندس واحدا من ذكور ~~أسمى الأنواع كلها، وقد تزوج من ابنة أحد زملائه وأساتذته المهندسين، وهي ~~فتاة جميلة مهذبة سمع عنها ورأى فيها ما علقه بها ورغبه فيها، وهو الآن ~~يستمتع بلذة اللذاذات التي تجزي بها الطبيعة الصادعين بأمرها الداخلين في ~~طاعتها. # ولاحظ المهندس في جلسته الهادئة المغتبطة أن «الأوسطى» لم يكن كعادته ذلك ~~اليوم. رآه واجما والعهد به ضحوكا، ووجده صامتا والعادة أن يكون ثرثارا ~~لا يسكن له لسان، فعجب لشأنه، ولكنه لم تؤاته الشجاعة على سؤاله عن حاله، ~~ولاذ بالفرصة الجميلة التي كفته مشقة ثرثرته وشقشقة لسانه، وتغاضى عن ~~شذوذه حتى انتهى من عمله فقام واقفا، ولم ير حرجا في إبداء ملاحظاته فسأله ~~قائلا، وهو يعقد رباط رقبته: «ما لك صامتا ms14 واجما كأنك لا تجد ما ~~تقوله؟» # وبدا على الرجل الارتياح لمفاتحة المهندس له بذلك السؤال، وكان يرغب في ~~الكلام حقا، وتلح عليه الرغبة إلحاحا شديدا، ولكنه لا يدري كيف يلج ~~الموضوع، ورأى زبونه يكاد ينتهي من ارتداء ملابسه؛ فأشفق من ضياع الفرصة، ~~وقال: «الحق يا سيدي أن لدي كلمة أريد أن أقولها، ولكن ...» # وتوقف عن الحديث، فازداد عجب الشاب، وسأله باهتمام: «ولكن ~~ماذا؟» ~~- «إن بعض الظن إثم، وكثيرا ما يخطئ الإنسان في تقديره. والحق أني أدمت ~~التفكير طويلا وقلبت المسألة على جميع وجوهها، فرأيت أن الواجب يقضي علي ~~بمصارحتك بظنوني مهما كانت الاحتمالات والعواقب.» # وكان الشاب قد انتهى من عقد رباط رقبته وارتداء جاكتته وطربوشه، فدنا من ~~الحلاق وحدجه بنظرة اهتمام وانشغال، وقال: «إن كنت ترى حقا أن الواجب يقضي ~~عليك بمصارحتي، فما معنى التردد والتلعثم؟» # فتنهد الرجل، وقال: «حسن يا سيدي .. اعلم أني لاحظت أمورا ...» ~~- «...؟» ~~- «منذ أسبوعين أرى شابا يتردد على العمارة التي تسكن فيها كل صباح بعد ~~الساعة الثامنة مباشرة.» # فزوى الرجل ما بين حاجبيه، وقال باستهانة: «نعم؟!» ~~- «لقد لفت نظري بهيئته ومواظبته، فشغلت فراغ الصباح بمراقبته، ولاحظت ~~أنه يحضر من شارع عاصم حوالي الساعة السابعة، ويأخذ مكانه في مقهى النجمة، ~~حتى إذا غادرت البيت وذهبت إلى الوزارة يدفع ثمن قهوته، ويترك المقهى إلى ~~العمارة رأسا.» # وكان المهندس - على شبابه - رزينا ثابتا بمنجى أمين من الرعونة ~~والطيش، فعض على شفته السفلى كعادته كلما ارتبك أو أخذ، وكأنما أراد أن ~~يغالب القلق الزاحف عليه فسأله بلهجة الغاضب: «ما الذي تعني؟» # فاصفر وجه الحلاق، وندم على خوض هذا الحديث الأليم، ولكنه لم ير ~~بدا من الاستمرار، فقال: «إني أرجو أن أكون مخطئا يا سيدي، بل إني لا ~~أتمنى على الله أكثر من أن يكشف عن وجه الخطأ في جميع ظنوني، ولقد ترددت ~~طويلا قبل أن أبثك هذا الحديث، ولكني رأيت أن المصارحة مع ما تنذر به أفضل ~~عندي من التستر على العيب مع السلامة .. وقد كان مما أيقظ الشك في ms15 نفسي أني ~~رأيته مرات يلاحظك خلسة وأنت سائر في طريقك، ويرمقك بنظرات لم يرتح إليها ~~قلبي، حتى إذا غيبك منحنى الطريق قام بسرعة وانسل إلى داخل ~~العمارة.» ~~- «ألم تره خارجا منها؟» ~~- «رأيته مرات، وقد لبث في الداخل ساعتين أو يزيد.» ~~- «ما شكله؟» ~~- «هو شاب في مقتبل العمر، حسن الهندام، مخنث الهيئة، لولا تسكعه في ~~الصباح لقلت إنه طالب.» # ورأى الحلاق المهندس واجما صامتا تصرح سرائره بما يقهر نفسه من ~~الاضطراب والقلق، فقال بتألم: «لا تأخذ بظني يا سيدي، واسلك سبيل الحكماء؛ ~~فتحقق الأمر بنفسك، والحق أني غير آسف على قول ما قلت، ولكني ألعن ~~الظروف.» # فسأله المهندس وكأنه لم يسمع قوله: «هل حضر هذا الصباح كعادته؟» ~~- «نعم يا سيدي.» ~~- «ألا ينقطع عن الحضور أحيانا؟» ~~- «يوم الجمعة.» # فعض الشاب مرة أخرى على شفته، ولم يزد على أن قال وهو يغادر الصالون: ~~«إني أشكر لك مروءتك، وأرجو أن تفتح عينيك حتى أعود إليك صباح الغد.» # وكان البيت قريبا على قيد خطوات، ولكنه لم يشخص إليه - مع أن الوقت كان ~~ظهرا - وأحس في نفسه برغبة طاغية في المشي، فهام على وجهه بغير هدف ~~معين. # كان حمدي شابا في الثلاثين من عمره، يلفت الأنظار؛ لضآلة حجمه ورقة ~~أعضائه وشحوب لونه، ولكن كانت تلتمع في عينيه نظرة تدل على حدة الذكاء، وكان ~~ذقنه يلتوي التواءة يعرف بها ذوو الإرادات الحديدية، وكان أخص ما يعرف به ~~الهدوء والرزانة والبرود، فلا يذكر أحد من معارفه أنه رآه مرة منفعلا أو ~~متهيجا لحزن أو لفرح، ولكن لم يكن طبعه هذا ضعفا أو جبنا، فإنه يغضب إذا ~~انبغى له الغضب، ولكن على طريقته في الغضب، فلا هياج ولا سب ولا شجار، ~~وإنما عقاب صارم أو انتقام مهول، هكذا يتقدم في حياته ك «وابور الزلط» بطيئا ~~رصينا، ولكنه لا يقاوم ولا يبقي ولا يذر. # وقد قال لنفسه وهو يسير على غير هدى: يلمح الرجل إلى خيانة زوجية، ~~خيانة زوجية في شهر العسل! لا شك أنها أول خيانة من نوعها، هي ms16 كالإجهاض سواء ~~بسواء، الذي يهلك الجنين قبل أن يكتمل .. كيف يستطيع أن يصدق هذا؟ .. بل كيف ~~يمكن وقوعه؟ كيف استطاع ذلك الشاب أن يشق طريقا إلى بيت عرسه؟ هل كان يعرف ~~زوجه من قبل أن يعرفها هو؟ مهما كان الواقع فهو أمر بعيد عن التصديق .. وذكر ~~حياته الزوجية القصيرة؛ فذكر بها سعادة وصفاء ومتعا لا تحصى ولا توصف، فلم ~~يشك في أنه سيكشف في غده خطأ مضحكا، لن ينفك يضحك كلما ذكره ما امتد به ~~العمر. # ومع هذا ... # ومع هذا فهو لا يستطيع أن يخدع نفسه عن العاطفة الذميمة التي تقاتل في ~~قلبه .. عاطفة الشك المعذبة. وها هي ذي تتشبث ببعض الذكريات التي مر بها ~~مر الكرام، فتعرضها من جديد على مخيلته في إطار أسود مخيف لا يملك إلا أن ~~يتأملها متحيرا متفكرا. فهو يذكر كيف كانت زوجه تلقاه - على أيام ~~خطبتهما - بجمود ووجوم كأنها تلقى جدا لا خطيبا، وكيف أنها لم تحاول قط ~~أن تفاتحه بحديث أو تشترك في أحاديثه بحماس، وكيف أنها كانت تقنع بالإجابات ~~الضرورية؛ فتلفظها في اختصار ساسة الإنجليز! # لقد حمل ذلك كله على محمل حسن، وقال فخورا إنه حياء جميل. ويجوز أن يكون ~~قوله حقا، ولكن يجوز أيضا أن يكون وهما، وأن يكون الباعث شيئا غير ~~الحياء، من يعلم؟ ربما كان نفورا وكراهية وكان ينبغي له أن يدقق ~~ويتحقق! # ويذكر أيضا أن الحال لم تتغير بعد الزواج، فلا تزال محافظة على ~~رزانتها وتحفظها أو برودها - ولم يجر ذكر هذه الكلمة على لسانه من قبل - ~~وكم تمنى لو كانت عروسه لعوبا طروبا، أما الآن فمن يدريه أنها ليست ~~كذلك، وأنها لا تصطنع البرود إلا في حضرته؟ وا أسفاه! أي شقاء وأي تعاسة! ~~ولم يكن حمدي خبيرا بالنساء ولا ذا حظوة لديهن، فاضطر - في عزوبته - إلى ~~الاستقامة والزهد، وقضى تلك الأيام محزونا مفعم الثقة بنفسه، وقد ظن أن ~~الزواج دواؤه ونجاته، فاستغاث به واطمأن إليه، وحمد الله على نعمته، ولكن ها ~~هو ذا يوشك أن يخيب في ms17 زواجه؛ فيفقد الأمل الوحيد في السعادة والحياة ~~المطمئنة، وها هي ذي الزوجة تكاد تنكشف عن امرأة ككل النساء اللاتي لم يفز ~~منهن بحظوة .. فأي شقاء وأي تعاسة! # على أنه لم يستسلم للتشاؤم كل الاستسلام ولم ينغمس في اليأس كل ~~الانغماس، وتعلق بالأمل الباقي له، وهو أن يكون الأمر غير ما قدر والظن ~~غير ما أساء .. وتمنى لو يستطيع أن يبدد هذه السحابة القاتمة الغاشية على ~~قلبه وأن يسترد بعض ما كان له من الصفاء والغبطة. # على هذا النحو كانت تؤاتيه القدرة على تحليل أحزانه وأفراحه، ولكنه كان ~~إذا انتهى إلى عزم عرف كيف ينفذه بحذافيره ولا يرده عن غرضه راد. # وكان قد قطع شوطا كبيرا، وبدأ يشعر بالتعب، فعاد أدراجه إلى مسكنه ~~محمى الرأس ملتهب العواطف، ودخل إلى شقته وهو يتكلف الابتسام والهدوء؛ فرأى ~~عروسه جالسة إلى المائدة، والغداء جاهزا، والأطباق مصفوفة، وسمعها تقول له ~~عاتبة: «تأخرت عن موعدك.» # فنظر إلى وجهها نظرة سريعة؛ لأنه خشي أن تقرأ في عينيه ما يدعوها إلى ~~التساؤل، وجلس إلى جانبها، بل وقبلها أيضا كما ينتظر من شاب مثله في شهر ~~العسل، ثم قال معتذرا: «مررت في طريقي بالحلاق، وكان الصالون ~~مزدحما.» ~~••• # وفي صباح الغد خرج في موعده المعتاد، وسار في طريقه المعهود، ولدى مروره ~~بمقهى النجمة قاوم رغبة شديدة نازعته إلى تصفح وجوه الجالسين بها وخيل ~~إليه أن عينين براقتين ترقبانه بحذر وسخرية؛ فغلا الدم في رأسه، وخضب ~~وجهه الشاحب باحمرار الخجل والعار، ولم يذهب إلى وزارته، ولكن دار دورة في ~~الشوارع القريبة، وكان يخرج ساعته من آن وينظر إليها جزعا مضطربا، فلما ~~دارت في منتصف الثامنة عاد أدراجه حذرا متيقظا حتى انتهى إلى صالون الحلاق ~~وانسل داخلا، وكان خاليا إلا من صاحبه الذي حياه تحية الصباح، وابتدره ~~قائلا: «جاء كعادته، وغاب داخل العمارة منذ ربع ساعة.» # وجمد الشاب في مكانه هنيهة؛ لأنه أحس بأنه مقبل على دقيقة فاصلة في ~~حياته ستقرر حتما مصير سعادته وكرامته، فخان الهدوء أعصابه على رغم ~~صلابتها وقوتها ms18 ، وشعر باضمحلال مخيف، وسمع الحلاق يقول له: «أتريد أن ~~أصحبك؟» فآلمته عبارة الرجل، وقال بحدة: «كلا.» وغادر المكان بسرعة، وقد ~~محا الغضب دبيب الاضطراب الزاحف على نفسه، ودخل إلى العمارة، وصعد السلم ~~بخطوات ثقيلة. وجعل يرمق باب الشقة الذي يدنو منه بعينين جامدتين، وقد شل ~~عقله عن التفكير ما يتجاذبه من الأفكار والخواطر التي تطفو على سطحه بسرعة، ~~وتغيب بأسرع مما ظهرت غير تاركة من أثر سوى الذهول في النفس والحرارة في ~~الدماغ، ووجد نفسه واقفا بإزاء الباب .. وكان يلهث كمن جرى شوطا كبيرا، ~~وقلبه يخفق بعنف، ويدفع الدم إلى رأسه، فيدوي في أذنيه. وكأنه خشي على ~~إرادته من التردد، فدس يده في جيبه وأخرج المفتاح، وأولجه في الباب، وأداره ~~بخفة وحذر، ودفعه على مهل، وأدخل رأسه ليلقي نظرة على الردهة، ثم دخل وهو ~~يكتم أنفاسه، ورد الباب بلا إغلاق كيلا يحدث صوتا. # وكانت الردهة خالية وجميع الحجرات مغلقة .. ترى أين الخادمة الصغيرة؟ ~~وانصرف نظره إلى حجرة النوم، وخلع حذاءه ودنا منها على أطراف أصابعه حتى صار ~~بإزاء بابها المغلق، وانحنى قليلا ووضع أذنه على ثقب الباب، وأرهف سمعه، ~~فخيل إليه أنه يسمع غمغمة خافتة وأصواتا أخرى، ذهب الشك بعذابه وآماله، ~~وسفرت أمامه الحقيقة الأليمة المخزية، وقد انطفأ نور بصره ثواني من شدة ~~الغضب، ولم يعد يحتمل الجمود فتراجع خطوتين، وثنى ساقه وشد عليها بقوة ~~جنونية، ثم أطلقها بعنف في الباب، فارتج ارتجاجا شديدا، وانفتح بحالة ~~تشنجية. وخطا خطوتين، فاجتاز عتبة الحجرة، ودوت في الحجرة صرخة جنونية، ~~وقفز من الفراش جسمان عاريان، الزوجة وذاك الشاب. # وكانت المرأة في حالة جنونية من الرعب؛ فجسدها يرتجف، ووجهها يصفر، ~~وعيناها تتسعان، وقد سحبت اللحاف على جسمها بحركة عكسية، ولبثت تنظر إلى ~~زوجها كأنما تنظر إلى شيطان رهيب .. أما الشاب فهم بالجري إلى ثيابه ~~الموضوعة على «الشيزلنج»، ولكن قدميه تسمرتا في الأرض فجمد في مكانه، وجعل ~~ينظر إلى الزوج نظرة ذعر ويأس مميتين، ومد يده بتوسل، وقال بصوت مرتجف ~~كأصوات الأطفال المنتحبين: «في عرضك ms19 .» # من العجيب حقا أن الزوج لم يغشه الجنون، ولم يندفع إلى الانتقام كما ~~يحدث عادة، بل هبط عليه جمود غريب، وتلبسه هدوء غامض شبيه بنكهة الخمر ~~التي ترد المنتشي الهائج إلى ثقل النوم، فلبث واقفا مكانه، وجعل يقلب ~~عينيه بين العاشقين في هدوء قاس كأنه يشاهد منظرا بعيدا عن مشاركة ~~وجدانه ومشاعره. # ورأى يد زوجه وهي تسحب اللحاف على جسمها؛ فسألها ببرود قائلا: «أتخجلين ~~من الظهور أمامي عارية؟» # وتحول إلى الشاب، فصاح به هذا بصوته المرتعش المحموم: «الرحمة .. دعني ~~أرتدي ثيابي، وافعل بي ما تشاء.» # فقال له ساخرا: «هل يروقك أن تموت في ثيابك؟» # فصاح الشاب مولولا: «الرحمة .. أنا في عرضك.» # فقال بلهجة رقيقة: «ارتد ثيابك أيها الشاب، ولا تخش أذى.» # فلم يطمئن العاشق إلى قوله، وتوسل إليه بصوته الباكي المرتعب: ~~«ارحمني!» # فقال له يطمئنه ويشجعه: «ارتد ثيابك أيها الشاب ولا تخش أذى .. ~~تقدم، إني أعني ما أقول.» # ولكنه لم يتحرك من مكانه، واشتدت الرجفة بجسمه حتى خاله سيصعق صعقا، ~~فسار بنفسه إلى الشيزلنج وأتى له بثيابه وقدمها إليه قائلا بسخرية: «أتحب ~~أن أساعدك على ارتدائها؟» فأسرع في دفعة يحشر جسمه حشرا في ثيابه، فانتهى في ~~ثوان، كان شكله زريا مضحكا؛ فشعر رأسه المدهون بالفازلين يبرز مبعثرا ~~من حافة الطربوش، وأزرار البنطلون مفككة والقميص يتدلى من بينها، والحذاء ~~لم يعقد رباطه. ولكنه كان في غيبوبة ذاهلة، فنظر إلى الزوج نظرة تسليم ويأس، ~~وقال له: أنا تحت أمرك. # وهز الرجل كتفيه استهانة، وقال: وماذا أصنع بك؟ لا فائدة لي فيك .. ~~استأذن الهانم .. فإذا أذنت لك انصرف مصحوبا بالسلامة. # فألقى إليه الشاب بنظرة كأنها تقول: لم التعذيب؟ .. اقتلني إن شئت، ~~ولكن بسرعة. وقد فهم معناها، فهز كتفيه مرة أخرى بهزء، وقال: ألا تريد أن ~~تذهب؟ ألم تسمع بعد؟ ألا تزال لك رغبة فيها؟ # فاشتد الارتباك بالشاب، ورأى الزوج يوسع له الطريق فتحرك بخطوات بطيئة، ~~وهو لا يصدق ما يسمع وما يرى. ولما صار بإزائه أحس بيده توضع على كتفه فانتفض ~~رعبا وتوقع ms20 شرا، ولكن الرجل بادره قائلا: لا تخف .. ستذهب كما تشاء ~~ولكن أين؟ # قال هذا، وبسط إليه كفه، فنظر إليه العاشق مرتبكا متسائلا .. فقال: ~~الثمن. # فظل الشاب ينظر إليه صامتا، فقال الزوج بلهجة جدية: ما لك؟! ألم تحظ ~~بوصال هذه المرأة؟ فلم لا تدفع الثمن؟ هل تظن أن الوصال هنا بلا ~~ثمن؟ ~~- سيدي ... ~~- يا لك من عاشق بخيل! ألا تريد أن تجود بشيء؟ بكم تثمن هذه المرأة؟ ~~هه؟ إنها تستاهل ريالا فما رأيك؟ # ولما يئس من الشاب؛ فتش جيوبه بنفسه حتى عثر على حافظة نقوده، واستخرج ~~منها ريالا، ثم ردها إليه، وهو يقول: «تفضل الآن؛ فاذهب إلى حيث ~~تشاء.» # وانفلت الشاب خارجا لا يصدق أنه فاز بالنجاة، والتفت الزوج إلى زوجه، ~~فقال لها: «ارتدي ثيابك يا سيدتي واطردي عنك الرعب؛ فلا خوف عليك، ولا أنت ~~تحزنين.» ~~••• # كيف استطاع أن يسيطر على عواطفه؟ كيف أمكن أن تطيعه أعصابه تلك الطاعة ~~العمياء؟ هذا سر من أسرار الطبيعة يعجز عن إيضاحه البيان، وعلى كل حال فقد ~~انقضى ذلك اليوم كما ينقضي الكابوس الأليم. ولم يشر إليه - بعد انقضائه ~~بتلميح أو تصريح - ولا ذكره بخير أو شر، ولا أجرى بسببه تحقيقا ولا أثار ~~عنه سؤالا، وطالعها بوجه هادئ طبيعي كأنه شخص آخر غير الزوج المطعون، ولم ~~ينقطع عن عمله أو يغير من عاداته ولا كف عن أحاديثه أو فتر عن مداعباته. ~~وكان يذهب ويعود ويعمل ويستريح ويأكل ويشرب وينام ويقوم وكأنه زوج سعيد ~~يعاشر زوجه الحبيبة، أو رب بيت مطمئن يسهر على بيته وأسرته دون أن ينغص ~~حياته منغص أو يكدر صفوها مكدر. # وكانت المرأة في أول عهدها بالفضيحة كالمجنونة من شدة ما يعذب نفسها من ~~الخوف والرعب والعذاب، وقد توسلت إليه ضارعة وهي تبكي أن يطلقها ويستر عليها، ~~ولكنه قال وكأنما فقد ذاكرته: «أطلقك! لمه؟ أمجنونة أنت يا عزيزتي؟» ~~وأسقط في يدها، ولبثت حائرة مذعورة معذبة تخشاه وتتوجس منه خيفة، ويغلق ~~عليها أمره، فلا هو يطلقها، ولا هو ينتقم منها، والأعجب من هذا جميعه ms21 سلوكه ~~نحو عاشقها في ذلك اليوم الأسود. # ومضت الأيام طويلة ثقيلة؛ فلم تتحقق مخاوفها، ولم تصدق هواجسها، وأخذت ~~تخف عليها وطأة الخوف وتتناسى همومها فيما تقوم به من الواجبات البيتية، ~~ووجدت نفسها - وهي لا تدري - تتفانى في خدمته والسهر على بيته وتوفير الراحة ~~له بحماسة الخاطئ الذي يعالج جرح ضميره بالتفكير والتعذيب، على أنها لم ~~تطمئن إلى دعته كل الاطمئنان، وكانت تسأل نفسها حيرى: ترى هل نسي وغفر؟ ~~أم هو يتناسى ويتعزى، أو ما الذي تنطوي عليه حياته المبهمة وابتسامته ~~الغامضة من النيات؟ # ولبثا على حالهما والأيام تحث السير، وكل منهما متظاهر بالألفة ~~والاطمئنان ويجتر أفكاره فيما بينه وبين نفسه، حتى كان يوم دعا فيه الزوج ~~جميع أهله وأهل زوجه إلى مأدبة غداء، وبذل لإعدادها فوق ما تحتمل قدرته ~~حبا وكرامة. وأم بيته ذلك اليوم جميع أفراد الأسرتين نساء ورجالا، ~~فتيات وفتيانا وعلى رأسهم حماه وحماته، فضاق البيت بالمدعوين وضج جوه ~~بأحاديثهم وضحكاتهم، وازداد سعادة بما شملهم من ود عائلي جميل .. ~~وتشعب الحديث شعبا مختلفة، فطرق موضوعات السمنة والنحافة والزواج ~~والعزوبة وبنات الأمس وبنات اليوم، ومن السياسة حينا والدرجات والعلاوات ~~والأطفال أحيانا كثيرة .. وشارك المهندس في الأحاديث بشهية عظيمة، وكان بادي ~~المسرة والبهجة عظيم الإقبال على مجاملة ضيوفه والترحيب بهم. # وقد توقف عن الكلام بغتة؛ كأنما تذكر أمرا مهما، ثم دس يده في ~~جيبه فأخرج ريالا، جعل يقلبه في يده ثم أعطاه حماه وهو يقول: انظر إلى هذا ~~الريال يا عماه .. أتراه مزيفا؟ # فأخذه الرجل، وجعل يقلبه بين يديه، وقد اتجهت إليه الأنظار من كل صوب، ثم ~~قال: كلا يا بني، إنه صحيح لا شك فيه .. هل رفضه أحد؟ # واختلس الزوج نظرة إلى زوجه فرأى وجهها مصفرا يحاكي وجوه الموتى، ~~فابتسم ابتسامة وقال: لم يرفضه أحد يا سيدي، ولكني أردت أن أطمئن عليه؛ لأنه ~~محور قصة عجيبة قد يروقكم جميعا سماعها. # فازداد اهتمام الحاضرين، ودل تطلعهم إليه على شوقهم إلى سماع قصته، فطلب ~~إلى حميه أن يعطي الريال زوجه، ثم ms22 قال: إن شوشو تعرف قصة هذا الريال خيرا ~~مني، وسأتنازل لها عن حق روايتها .. هيا يا شوشو قصي عليهم القصة العجيبة، ~~وهي حقيقة تفتح شهيتهم للطعام. # وانصرفت الوجوه إلى الزوجة، وقد تضاعف اهتمام الجميع، وتوقعوا جميعا قصة ~~شائقة. أما شوشو فكانت في حالة يرثى لها من الذعر والارتباك، وقد جمعت ~~قوتها المشتتة، وقامت واقفة، وشقت طريقا بين الجالسين إلى باب الحجرة، ~~فاحتجوا على قيامها، وحاول بعضهم منعها، ولكنها قاومت الأيدي، وهي تقول بصوت ~~خافت مضطرب: «انتظروا دقيقة .. سأعود في الحال.» # وولت خارجة وعينا زوجها تتبعانها بنظرة قاسية. ~~••• # يستطيع القارئ أن يستنبط الخاتمة المروعة؛ فإنه لا شك يقرأ كثيرا في ~~الصحف عن اللاتي يرمين بأنفسهن من النوافذ العالية؛ فيسقطن مهشمات مشوهات، ~~ولعله إذ يقرأ هذه الأخبار المقتضبة يتساءل عن أسبابها الخفية، ويذهب به ~~الحدس كل مذهب. فهذا سر واحدة من أولئك المنتحرات، وإنه ليؤسفني أن ~~تنتهي القصة إلى هذه النهاية المحزنة، ولكن ما حيلتي وقد بدأت بتلك البداية ~~الأسيفة؟ # والحق لا تقع علي تبعة بدايتها ولا نهايتها؛ فهكذا يرويها بطلها ~~المحزون الذي غدا لا يفارق الحانة ليل نهار. وكم تمنيت لو كان كاتبها كما ~~كان راويها؛ لأني - وا أسفاه! - لا أستطيع مهما أحاول أن أبلغ بعض ما يبلغ ~~من صدق الرواية وقوة التعبير. # | الذكرى # إذا لاحت في الأفق القريب بشائر عيد الفطر خفت وطأة رمضان على ~~النفوس، وهون الفرح الموعود من جفاف شهر الصوم، واهتزت صرامة التقشف في ~~الصدور تحت موجة طرب آن انطلاقها. هناك تجد ربات البيوت أنفسهن في مكانة ~~الساحر، يتطلع إليهن الصغار بأعينهم الحالمة هاتفة بهن أن يبدعن آيات ~~الكعك اللذيذ، وأن يخلقن من العجين كهيئة العرائس والحيوان والطير. # أما جماعة الموظفين الذين تقضي عليهم أشغالهم بالتغرب في أقاصي القطر، ~~فلا يشغلهم في تلك الأيام مثل إعداد الحقائب والتأهب للسفر إلى بلدانهم؛ حيث ~~يسعدون بالعيد بين أهليهم، وحيث تتحقق للأطفال ولهم أحلامهم. # وكان من هؤلاء الأستاذ يوسف زينهم المدرس بمدرسة أسيوط الثانوية ~~وأسرته المكونة من زوجة وابنتيه الصغيرتين ms23 ، فما أتى يوم الوقفة حتى كان ~~الأستاذ وأسرته في القاهرة، بل في القاهرة المعزية؛ حيث يقع بيت المرحوم ~~والده في الدراسة قريبا من مسجد الحسين. وكان البيت من البيوت القديمة، ~~باهت الجدران رث الهيئة، يصعد إليه الصاعد على سلم ضيق متهدم الدرجات ~~بغير درابزين، حلزوني الشكل كسلم المآذن. ويتكون البيت من طابق واحد ذي ~~ثلاث حجرات صغيرة الحجم. ولكنها كانت سفرة سعيدة، ودواعي لذتها متوفرة من ~~التنقل واستقبال العيد ورؤية الأهل والأحباب. # ومهما يكن من أمر البيت من التفاهة والضعة، فما كان يوسف يطأ بقدمه أول ~~درجة من سلمه حتى يرفرف قلبه في صدره وتمتلئ عيناه بالأحلام وقلبه ~~بالحنين، ويذكر لفوره ذلك الطفل الصغير ذا الجلباب والطاقية الذي كان يقفز ~~على هذا السلم صاعدا هابطا كل يوم حافي القدمين. # أي ذكرى وأي أيام! # وكان كل مكان فيه يحفظ لقلبه ذكرى تنعش النفس وتشرح الصدر، سواء أكان ما ~~تحمل نوعا من مسرات الصبا أو لونا من متاعبه وهمومه. وكثير من آلام ~~الصغر التي يضيق بها الأطفال يجدونها إذا كروا إليها في الكبر متعة ولذة ~~وتفكهة، فكان لهذا يطوف بحجرات البيت حالما متذكرا كأنما يطوف بضريح ولي ~~من أولياء الله، ثم يستقر مدة إقامته في أعزها عليه وأحبها إلى قلبه: في ~~الحجرة التي عاش فيها من عمره اثنين وعشرين عاما بين عبث الطفولة وأحلام ~~الصبا وآمال الشباب. # والذي يقيم فيها الآن أخوه سامي، وهو ابن عشر ويختم في هذا العام دراسته ~~الابتدائية. ويخيل إليه - أي إلى يوسف - كما شاهده أنه يعيد تمثيل الحياة ~~التي حييها مرة أخرى، وأن الحجرة تشهد للمرة الثانية نفس فصول الرواية، ~~ولعلها بدأت تبسم وتسخر وتسأم .. وكان سامي يتخلى عن حجرته سعيدا مغتبطا ~~لأخيه الأكبر الذي ينزل من نفسه منزلة الأب، ويتولى من بعده جميع أموره ~~ويتعهده بالتربية والمحبة. # وقد لاحظ يوسف أن أخاه غير من نظام الحجرة، وأنه نقل المكتب القديم إلى ~~غير موضعه الأصلي، وكان يحب أن تبقى الحجرة محتفظة بصورتها القديمة، فسأله عن ~~هذا، وأجابه ms24 الغلام: إني جعلت المكتب بحيث إذا جلست للمذاكرة جاء نور النافذة ~~من الجهة اليسرى كما أوصانا مدرس علم الصحة. # فابتسم يوسف، وقال: «ما أسعد حظكم يا تلاميذ اليوم؛ فإن لكم من ~~مدرسيكم آباء رحماء يودون لكم الصحة والعافية ويشفقون عليكم من الأذى، ~~أما على أيامنا فكان الحال غير الحال والمدرسون غير المدرسين. وإني لأذكر ~~العنت الذي كان يصيبنا - في نفس مدرستك خليل أغا - وما كانوا يلزموننا من حفظ ~~البلدان والثغور والجزر والحاصلات. وكم من مرة مددنا على الأرض وألهبت ~~العصي القاسية ظهورنا وبطون أقدامنا .. تلك أيام خلت .. أما أيامكم ~~...!» # ثم استلقى الأستاذ على كنبة، واستسلم لتيار التذكر العذب التسلسل، تاركا ~~زوجه وأمه تتحادثان ما شاء لهما الحديث، وسامي يجالس ميمي وفيفي ~~الصغيرتين ويلاعبهما. # ولم تنس أمه أن تأتي بمدفأة وتضعها في ركن من الحجرة؛ لأن الشهر كان ~~ديسمبر والجو شديد البرودة يزيد من شدة قساوته الصيام، وكأن السماء أشفقت من ~~البرد فتلفعت بأردية من السحب، أضاء بعضها عن لون أبيض ناصع بهيج، وأظلم ~~البعض عن كتل دكناء كالجبال عند الغروب؛ فانكمش جسده، وتحفزت روحه للوثوب ~~وحلقت على رأسه الأحلام. وسرعان ما كرت نفسه راجعة عشرين عاما في خط ~~الزمن غير المتنامي، وذكر عهد هذه الحجرة أيام كانت رفيقة صباه وشبابه ~~وشريكة أحلامه وأهوائه، وشاهدة أفراحه وأحزانه، ومستسرة خباياه ومرجع نجواه. ~~رباه! .. إنه ليدير عينيه في أنحائها طمعا أن ينفذ إلى تضاعيف جوها ~~الخفي، ويقرأ ما خط من حياته، وما سجل من نوازع قلبه وعقله ووجدانه .. ولقد ~~تأتي عليه أوقات يغمره تيار الحياة وتكتنفه متاعبها فينسى ذكريات الماضي في ~~هموم الحاضر، ويخيل إليه أن ذاك الصبي الذي عاش وفرح وتأمل وأمل ويئس ~~شخص غريب عنه لا تربطه به رابطة ألم أو أمل. وقد تأتي عليه ساعات أخر يتوب ~~فيها إلى نفسه فينسى حاضره هارعا إلى الماضي البعيد، وتقدم إليه حافظته ~~الثائرة أزاهر الذكريات واحدة فواحدة حتى يخال أنه لم يعبر الماضي إلا ~~منذ ساعات قلائل، وأنه لم يحي إلا به وله ms25 . # وها هو ذا الآن تغشاه ساعة من تلك الساعات الحالمة فتحلق روحه في آفاق ~~بعيدة كالذاهل في غيبوبة مغناطيسية، وتتدفق عليه الصور الحالمة في غير ترتيب ~~زماني، فيذكر كيف كان يستيقظ - في نفس الحجرة - منذ الفجر، ويدلف إلى النافذة ~~يشاهد بهاء الفجر المشتمل الكون بثوبه الأزرق، والنجوم من فيض الحياة بها ~~تكاد أن تتكلم بأحاديث الأزل، ويرى البيوت كالأشباح القائمة، ومئذنة سيدنا ~~الحسين في المكان الأوسط منها كالحارس الحفيظ، ويستمع إلى صياح الديكة ~~المنتشية ببشائر النور وقطر الندى، حتى يشق الفضاء صوت المؤذن داعيا ~~«الله أكبر»، فيهبط على القلوب هبوط الصحة والطمأنينة فيملأها نشوة وبهجة ~~وحنينا، ثم يصلي الفجر، فإذا انتهى أشعل المصباح وقعد يذاكر ويحل تمرينات ~~الحساب ومسائل الهندسة. # وإنه ليذكر لهذه المناسبة عهد التلمذة الغريب، الذي كان يرسف في أغلاله ~~كالسجين، أو الأسير المعذب، يجهد عبثا أن يقوم بما يفرضه عليه البرنامج ~~الثقيل المرهق، وتضطرب أعصابه خوفا ورعبا من المدرسين وعصيهم الذين كان ~~يكفي تذكرهم لتجميد الدم في العروق أو قطع الأنفاس في الصدور. ولا عجب فقد ~~كانت القسوة هي السياسة المرسومة لتربية التلاميذ، وكان يظن أنها الطريقة ~~المثلى لخلق الرجال الفضلاء، فكان عهد التلمذة عهد رعب وإرهاب وعنت. وإنه ~~إذا جاز له الآن أن يشبه المعلم بالفنان يحاول أن يبدع من مادته أجمل ~~الآيات وأمتعها فلا يستطيع أن يشبه مدرسيه القدماء إلا بمحصلي الضرائب ~~الأتراك .. ولكنه بالرغم من هذا لا يذكر ذاك العهد حتى يعلوه الابتسام ~~ويغمره الفرح، كأن ما فيه من مسرة فهو له وما فيه من ألم فهو لغيره، يراه كما ~~يرى المشاهد الرواية التمثيلية الحزينة فيتمتع بأثرها الجميل. # وفيما هو سابح في بحر أحلامه، انتبه فجأة على يد ابنته الصغرى ميمي وهي ~~تهزه، فالتفت إليها متبرما، وصاح بها منتهرا: «إيه يا بنت؟» # وهي تشير إلى حائط الحجرة. # فسألته بصوتها الرفيع المتقطع: «هل حقا أنت الذي رسمت هذه الصورة يا ~~بابا؟» # وتتبع ناظره إصبعها إلى هدفها من الحائط في المكان الذي كان يشغله ~~المكتب قبل ms26 أن ينقله سامي، فرأى صورة طفلة صغيرة في نصف الحجم الطبيعي سرعان ~~ما تذكرها عقله وقلبه، وذكر بعض الظروف التي دفعته إلى رسمها منذ عشرات ~~السنين .. وتعجب كيف شاءت المصادفة أن تنبه ابنته إليها ساعة تهيم ~~روحه في سموات عهدها الحلو المنطوي، فكأنما سخرت الصورة للطفلة الصغيرة ~~لتذكير أبيها الغافل. # قال سامي: لا شك أنك أنت يا أخي يوسف الذي رسمتها؛ فأنت صاحب الحجرة ~~القديم، وأنت الذي تستطيع أن تجيد الرسم. # وقالت ميمي مرة أخرى: بابا .. اشتر لي عروسة مثلها. # ودلف يوسف إلى قريب من الصورة، وتأملها بعين لو رأت زوجه نظرتها ~~المشوقة لسألت باهتمام عن الصورة وتاريخ رسمها، وأجرت في ذاك تحقيقا ~~عسيرا، وكان ما يبقى منها ظل خفيف طمست منه بعض معالم الوجه، ولكن بقي ~~منها محافظا على وضوحه مفرق الشعر الغزير المرسل في عبث فتان، وما يبين عن ~~جمال الأنف الصغير الدقيق. فالشكر لله أنه كان يجيد الرسم منذ الصغر، وإلى ~~جانب الصورة كانت مكتوبة هذه الأبيات: # أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ال # هوى واستمرت بالرجال المرائر # دع النفس واستبق الحياة فإنما # تباعد أو تدني الرباب المقادر # أمت حبها واجعل قديم وصالها # وعشرتها مثل التي لا تعاشر # وهبها كشيء لم يكن أو كنازح # به الدار أو من غيبته المقابر # إن للصورة والشعر قصة قديمة كانت حياة قلب ناشئ اصطرع من جرأتها فيه ~~الأمل والألم، وتيقظت بسببها عواطف شتى وغرائز نائمة، وإن عفت آثار تلك ~~الحياة من قلبه الآن كأنما فاضت من غير منبعه واصطخبت في غير ميدانه. وإنه ~~لمن المؤلم المضحك أن يكون الحائط الحجري أحفظ للود وأرعى للذكريات الجميلة ~~من قلب الإنسان العاقل .. وإن تلك الصورة وهذه الأبيات الشعرية لتذكره ~~بأجمل ما وهبت حياته المنطوية، بل أجمل ما تهب الحياة لبنيها، تذكره بوهم ~~الحب الطاهر، الحب الذي يفيض من قلب طاهر لم تعركه التجارب، ويخبئ أغراضه ~~المرسومة منذ الأزل خلف وجه ملاك سام، ويخفي أنات الأرض وراء لحن سماوي ~~ساحر، ويغشي على الطين ستارا كثيفا من ms27 السحاب الأبيض الجميل. # نعم، لا يكاد يذكر التفاصيل، ولا يحضره الترتيب الزماني، ولكن تندلع في ~~قلبه ألسنة من اللهب بين الحين والحين؛ فيكشف نورها المتقطع عن صور عزيزة ~~فاتنة من الماضي. ~~••• # كان المرحوم والده طاهي الوجيه سليم بك عامر - من سراة القاهرة وأعيانها ~~المبرزين - وكان يوسف يتردد عليه أحيانا كثيرة، ولا يزال يذكر القصر العامر ~~بحديقته الغناء وجدرانه الشاهقة وأبوابه العالية ونوافذه ذات الستائر ~~المختلفة الألوان، كما يذكر البناء الصغير المنعزل في ركن من الحديقة ذات ~~المدخنة الطويلة؛ حيث كان يباشر أبوه عمله. وكان إذا زار أباه يجلس في ركن ~~المطبخ يشاهد عملية الطهي الغريبة، وفن تحويل الخضروات والطماطم والطيور إلى ~~أصناف شهية بهيجة اللون لذيذة الطعم، ويلتهم ما يعطيه من اللحم والحلوى، ~~ويسمع في دهشة الخدم وهم ينادون أباه بقولهم: «يا عم زينهم.» وما كان يظن أن ~~شخصا كوالده العظيم الذي يمتلئ قلبه رهبة منه، والذي تقف له أمه وإخوته ~~كلما جاء أو ذهب يمكن أن ينادى بمثل هذا النداء الذي يخاطب به باعة الفول ~~السوداني «وغزل البنات» .. ولكنه ما لبث أن اعتادته مسامعه وألفته نفسه، ~~وطفق يدرك شيئا فشيئا مكانة والده من القصر العظيم، وتبين البون الشاسع ~~الذي يفصل بين واحد مثله وبين أهل ذاك القصر الذين لا يدري على أي وجه من ~~الحياة يعيشون خلف تلك الجدران الهائلة. # وهو لا يكاد يذكر تاريخ أول لقاء على وجه التحديد، ولكنه يرجح أنه وقع ~~لأول عهده بزيارة قصر سليم بك، وهو في الثانية عشرة من عمره. وكان مطمئنا ~~إلى مكانه المختار من المطبخ وفي يده قطعة «البقلاوة»، وعلى حين فجأة دخلت ~~إلى المكان طفلة في مثل عمره لم ير مثلها من قبل، كانت مستديرة الوجه، مليحة ~~القسمات، خمرية اللون، رشيقة القامة، ينتثر شعرها الأسود الحالك خصلات على ~~كتفيها ويلتقي وسط الرأس في «فيونكة» حمراء، ثم تنزل منه شعرات رفيعة ~~مستقيمة على الجبين كرذاذ النافورة، وترتدي فستانا أبيض شفافا ذا منطقة ~~حمراء يكشف عن ركبتيها الصغيرتين، فأثاره منظرها، وجمدت عيناه ms28 عليها في ~~إعجاب ورهبة بعد أن أخفت يده بحركة غريزية قطعة «البقلاوة»، وانتبه أبوه ~~إليها فانحنى باحترام وهو يقول مبتسما: أهلا وسهلا بسوسن هانم. # ولاحظ الرجل أنها تنظر إلى ابنه نظرة غريبة، فقال يقدمه إليها: هذا ~~خادمك يوسف .. ابني. # فدارت عيناها الجميلتان بينه وبين أبيه في صمت وسكون، ثم ولت مسرعة في ~~خفة أخاذة، وأسرع يوسف وراءها زحفا على يديه وقدميه كالضفدع، فلما بلغ ~~باب المطبخ أرسل بناظريه خلفها يشاهدها وهي تجري في الحديقة حتى أخفتها عن ~~عينيه طرقاتها الملتوية. إنه يذكر هذا المنظر على توغله في الماضي كأنما لمس ~~حواسه بالأمس القريب، ولا ينسى كيف أنه أيقظ نفسه وقلبه وخياله وبدل موتها ~~حياة حارة وركودها ثورة هائجة. فما إن رجع إلى البيت ورقد - ربما حيث يرقد ~~الآن - استحضر صورتها وخلا إليها واستغرق في حسنها وبهائها .. أي حسن وأي ~~بهاء! .. رباه! .. هل تحوي الدنيا مثل هذه الفتنة وهذه النظافة؟ .. لقد ~~عاشر من جنسها كثيرات، منهن أمه وأربع أخوات - تفرقن الآن في بيوت أزواجهن - ~~شتان ما بينها وبينهن، إنهن من طين وهي نور، وما كان يظن أن لها لحما ودما ~~كلحمهن ودمهن، أو أن يكون بداخلها معدة وأمعاء كبقية الإنس، فنزهها عن هذا ~~وعن غيره، ونزلت من نفسه منزلة الملائكة في نفوس العابدين. # وكان يوسف رقيق العواطف متوثب الخيال دقيق الحس كجميع هواة الرسم ~~والفنون، وكانت غريزته لا تزال راقدة في سباتها الذي فطرها الله عليها، ~~فدبت فيها الحياة بعد أن نفخت فيها صورة سوسن من روحها العذب، وغاب عنه ~~حينذاك أنه يمثل فصلا من رواية تكررت مشاهدها آلاف السنين، وأنه يقع في ~~الأحبولة المنصوبة منذ الأزل لبني الإنسان، فظن أنه يكشف عالما روحيا ~~جديدا يطير إليه على جناحي الحب. إنه ليذكر هذا الآن فيتعجب لهذا الحب ~~الغريب، الحب الذي هو فلسفة الشباب الشاملة، والذي يتسامى إلى معارج التصوف ~~والتجلي، وينحط إلى مهاوي القسوة والأنانية والقذارة، وتكمن خلف جميع أوجهه ~~تلك الغريزة التي هي أمضى سلاح في يد الحياة .. واقتطفت ذاكرته ms29 صورة أخرى من ~~الماضي الجميل لا يحسن معرفة موقعها من حوادث تلك الأيام، ولكنه يذكر جيدا ~~أنه بعد اللقاء الأول غير مجلسه من المطبخ إلى مكان قريب من الباب، بحيث ~~يستطيع أن يشاهد منه الحديقة طمعا أن يرى العروسة الصغيرة التي استبدت ~~بأحلامه وأمانيه، وأنه كان يراها في صحبة أخوين لها في مثل عمرها يركبون ~~الدراجة أو يلعبون «بالبلي»، أو يستبقون في ممرات الحديقة الرملية! # ففي جولة من جولاتهم عثروا به، فلفت منظره الغريب أنظارهم وتساءل عنه ~~الصغيران، فأجابتهما سوسن بأنه «ابن عم زينهم» فدنوا منه، وأنعموا فيه النظر: ~~في جلبابه الباهت، وطاقيته السوداء، وقبقابه الصغير، فجفل قلبه وهم أن ~~يولي فرارا لولا أن صاحت به سوسن بصوتها العذب: لا تخف .. ولتبق حيث ~~أنت؛ فلن يؤذيك أحد. # وسأله أحد الصبيين: وقد نسي اسميهما: هل أنت ابن عم زينهم؟ # فأحنى يوسف رأسه أن: نعم. فسأله الثاني وعلى فمه ابتسامة: هل أنت ~~تلميذ؟ # فأحنى رأسه مرة أخرى أن نعم، مما أثار دهشة بين الثلاثة، فسأله الأول: ~~وما مدرستك؟ ~~- خليل أغا. ~~- في سنة إيه؟ ~~- في السنة الرابعة. # ثم سكت يوسف لحظة يغالب رغبة في الحديث حتى غلبته، فسأل الأخوين قائلا: ~~وما مدرستكما؟ ~~- الناصرية. ~~- ولم لم تدخلا خليل أغا وهي قريبة من البيت؟ # فبدت في عيني الشقيقين نظرة إنكار وقال أكبرهما: الناصرية مدرسة ~~الأغنياء. # وقال الآخر وكان أشد صلفا: أما خليل أغا فهي مدرسة الفقراء. # وقالت سوسن: ماذا يهم بعد المدرسة إذا كانا يذهبان إليها في ~~السيارة! # فردد يوسف عينيه بينهما، وقد غلب على أمره، واستخذى خجلا ومهانة، ~~وكرهت نفسه الهزيمة؛ فقال بدون داع ولا مناسبة وبصوت يدل على التحدي: أنا ~~أول فرقتي .. وأجيد الرسم إجادة فائقة .. إلي بورقة وقلم! # فنظر إليه الأخ الأكبر بعين الهزء، وأخرج من جيب بنطلونه ورقة وقلما، ~~وقال له: إليك ما تريد. # وزاد اهتمام سوسن؛ فاقتربت خطوة منه، وقالت: إن كنت شاطرا حقا فارسم ~~كلبا. # فبسط الصبي الورقة أمامه بثقة واطمئنان، وجرت يده بالقلم في ثبات وخفة ~~ومهارة، فصورت ms30 كلبا لا بأس به. ولما انتهى منه نظر إليهم نظرة فوز وظفر، ~~ونظر إليه الأخوان باحتقار وغيظ، أما سوسن فقالت وعلى فمها ابتسامة رقيقة: ~~الكلب موضوع سهل .. إن كنت شاطرا حقا فارسم إوزة. # ولكنه لم يقهر أيضا، وذاق لذة الفوز مرة أخرى، فقال الأخ الأصغر: الرسم ~~مادة تافهة. ~~- ولكني الأول في جميع العلوم. ~~- وهذا أمر تافه. # فقال يوسف بحدة: إذن فما المهم؟ # فوضع الصبي الآخر يديه في جيبي البنطلون، وقال وهو ينظر إليه من عل: ~~المهم أن تكون ابن بك .. وأن يكون لك مثل هذا القصر. # هذا ما يذكره من تلك المنافرة الصبيانية، ويذكر فوق هذا أنه عاد إلى بيته ~~ذاك اليوم ينتفض من الغضب والحقد ويمتلئ كراهية للصبيين. أما سوسن فلم ~~يكره منها قولا أو فعلا؛ إذ كانت حبيبة عزيزة جميلة، وكان حبيبا عزيزا ~~جميلا كلله الحب بتاجه. # وكان مستعدا في أعماقه أن يكره منذ صغره إن وجد منها كرها له أو ~~احتقارا، ولا يحب الشر ويعظمه إن آنس منها له حبا وتعظيما؛ إذ كانت تتبوأ ~~من نفسه مكانة المثل الأعلى في كل شيء، فالخير خير بالإضافة إلى أفعالها، ~~والجميل جميل على قدر مشابهته لصورتها. # إنه يذكر تلك اللوثة الهيامية كالمستفيق الذي يتذكر فعاله حين السكر ~~الشديد. ولم يتصل الحديث بينه وبين الأخوين بعد تلك المعركة الكلامية، ولم ~~يرهما إلا قليلا، وكانا إذا مرا به مرا مقتحمين كأنهما لا يريانه، ~~أما سوسن فكان يراها كثيرا .. ولم تكن متكبرة قاسية كأخويها فكانت إذا ~~التقت عيناها بعينيه ابتسمت إليه أو بادلته كلمة تافهة كانت لديه ألذ من ~~الصحة والعافية. # وكان مرة جالسا القرفصاء، وكانت تلعب في الحديقة على بعد قريب منه، ~~قافزة على حبل تديره خادمتان من طرفيه، فلبث يراقبها بعينين مشتاقتين، ~~وبعد قفزاتها على دقات قلبه الولهان. وحدث أن ذهبت إحدى الخادمتين لبعض ~~الشئون، فنادته أن يحل محل الخادمة، ولبى مسرعا سعيدا مغتبطا ~~ظافرا، وود من قلبه لو لم تنته تلك الساعة السعيدة أبدا، ولكن الصغيرة ~~تعبت فتوقفت تستريح، وخشي ms31 يوسف أن تنتهي سعادته ويعود إلى مكانه، وكان شديد ~~الرغبة في أن يحادثها، وأن يستمع إلى صوتها العذب الذي يفعل به فعل التعويذة ~~بالمسحور فسألها: هل تذهبين إلى المدرسة؟ # وكان يخشى ألا تتنازل وترد عليه، ولكنه سمعها تقول: نعم. ~~- أي مدرسة؟ ~~- لامير دي دييه. ~~- إنه اسم غريب. # فافتر ثغرها عن ابتسامة ظريفة يرى وميضها الآن منيرا في ظلام السنين ~~المنطوية، وقالت: إنها مدرسة فرنسية. ~~- ألا تتعلمين اللغة العربية؟ # فضربت بقدميها الأرض، وقالت: بلى .. يدرسها لنا شيخ .. هي ثقيلة ~~كريهة .. هل تحبها أنت؟ ~~- إني أذاكرها برغم صعوبتها، وأحفظ النحو حفظا جيدا .. وأحب الشعر .. ~~لماذا تكرهينها؟ # هي ثقيلة جدا، وقلما تستطيع ذاكرتي أن تحفظ شيئا من قواعدها، ~~ومدرسها رجل ثقيل الدم يضع على رأسه عمامة مضحكة. # فاضطرب وصعد الدم إلى وجهه، وذكر طاقيته السوداء، وما عسى أن تقول عنها، ~~ثم قال: كثيرون يؤثرون العمامة على غيرها. ~~- هي في نظري على كل حال مضحكة .. ثم إن هذا الشيخ قذر .. لمحت مرة يده ~~فرأيت أظافره سوداء كالطين. # وهنا قبض يديه، وود لو يخفيهما. # ومن ذاك اليوم كان إذا نوى الذهاب إلى القصر قص أظافره، وخلع طاقيته، ~~ولبس الحذاء بدلا من القبقاب. ومضت الأيام وهو على تلك الحال، يرنو بالنظر، ~~ويسعد بالحديث الذي لا يمس الهوى، ويعاني حبا مكتوما ينمو يوما بعد يوم، ~~وكانت سوسن تستأثر بحياته جميعا، الظاهرة والباطنة، اليقظة والغافلة، فكانت ~~مثار أحلامه حين العمل وحين اللعب، ولدى اللقاء ولدى الغياب، وأوقات الفرح ~~وأوقات الحزن، وعند الصحة وعند المرض، وكانت آخر فكر مودع عند النوم، وأول ~~خاطر مرحب عند الاستيقاظ. وكان حبه طاهرا ساميا ارتفع به من العالم ~~الصاخب إلى حيث يطلع على العالمين كما تطلع الآلهة على المخلوقات، إلا ~~أنه لم يخل من الألم واليأس، بل الحقيقة أن الألم واليأس كانا من مقوماته ~~الأولية؛ لأنه لم يغفل لحظة عما يفرق بين طبقتيهما، ولم ينس الحقيقة ~~المرة التي جعلت أباه يقدمه لسوسن، فيقول: «هذا خادمك يوسف» فهو خادمها ما ~~في ذلك من شك ms32 ، وهو وأهله من المحسوبين عليها والعائشين على فتات ~~مائدتها. # حقا إن الحب من دوافع النشاط والاجتهاد والتطلع إلى المجد، ولكنه شك ~~في قدرة الحب على خلق معجزة عظيمة، مثل ربط آنسة جميلة كسوسن بابن خادمها ~~البائس يوسف ابن زينهم. # كانت تلك الأفكار السوداء تعصر قلبه عصرا، وتسكب السم في دمه والمرارة ~~في ريقه، وبلغ به الحزن أنه كان يرمق أباه أحيانا بنظرات الغضب والسخط؛ لأنه ~~كان القضاء الذي حكم عليه بالضعة، وأنزله حيث هو من الذل والهوان. # ولكن كانت تمسه السعادة في لحظات أخرى، فيسأل نفسه: لم ترضى بالحديث ~~معي؟ لم تداعبني وتسألني؟ لماذا لا تتعالى عن مصاحبتي؟ لماذا تبسم في وجهي ~~تلك الابتسامة المشرقة التي تقتل اليأس وتهلك الأحزان؟ أليست هي على كل حال ~~إنسانة قبل أن تكون سوسن ربيبة المجد والشرف، أليست تخضع لسنن الحياة ~~المستبدة الغامضة التي لا تميز بين كبير وصغير؟ # ويغريه بالأمل أنه الصبي الوحيد الغريب الذي تراه مرات في الأسبوع، وأنه ~~وسيم الطلعة جميل القسمات على رغم فقره وضعته. # ولكن هذه اللحظات السريعة كانت تمر به مرور النشوة بالسكران، وتتركه ~~سريعا إلى الحقائق المحزنة. وهكذا فأغلب ما يذكر عن تلك الفترة كان خليطا ~~من الهيام والتسامي والألم واليأس ولحظات قصيرة من السعادة والطمأنينة، وإلى ~~جانب هذه تبرز له من غياهب الماضي واقعة مسلية يذكرها بتفاصيلها جميعا. وكان ~~في السنة الأولى أو الثانية من المدارس الثانوية، ويبلغ الخامسة عشرة من عمره ~~على وجه التقريب، وكان ينتظر مقدمها في مكانه المعهود إذ جاءته وعلى فمها ~~الابتسامة الملائكية وفي يدها كراسة تقبضها وتبسطها في ارتباك ظاهر، فأقبل ~~نحوها منتشيا بالفرح والبهجة وكأنه أراد أن يخلق أسبابا للحديث فسألها: ما ~~هذه الكراسة؟ ~~- كراسة العربي. ~~- دائما العربي .. العربي. # فتنهدت، وقالت: أعوذ بالله من هذه اللغة .. أتعلم أنه لا يكدرني في ~~الدنيا شيء إلا هم حفظها .. فلا الفرنسي ولا الحساب ولا التاريخ بالعلوم ~~التي تعجزني، فجميعها كوم والعربي كوم. # ثم فتحت الكراسة وأنشأت تقلب في صفحاتها، وهي تقول: أملى علينا ms33 الشيخ ~~سؤالا صعبا. ~~- ما هو؟ # فكان جوابها أن طلبت إليه أن يتبعها إلى أريكة في بعض منحنيات الحديقة، ~~ثم جلسا جنبا إلى جنب لأول مرة، وقرأت السؤال قائلة: اشرح ما يأتي وأعرب ما ~~تحته خط: # أشوقا ولما يمض لي غير ليلة # فكيف إذا خب المطي بنا عشرا # وظن يوسف أن السؤال غاية في السهولة، وأن في استطاعته أن يجيب عليه في ~~غمضة عين، فقال: إنه سؤال بسيط، وهذا البيت موجود بنصه في كتاب قواعد ~~اللغة. # فهزت كتفيها استهانة، وقالت: لا علم لي بكتاب قواعد لغتك هذا .. أما ~~ما يهمني فهو أن تملي على مهل الإعراب والشرح. # ثم استعدت للكتابة .. فاعتدل في جلسته وقطب جبينه استحضارا لفكره ~~الشارد، ثم أنشأ يقول: لما حرف جزم .. ويمض فعل مضارع مجزوم بلما وعلامة ~~جزمه حذف آخره. # ثم سكت لحظة يختار ديباجة الشرح، ثم استطرد: أشوقا، ولما يمض لي غير ~~ليلة .. يقول الشاعر: أأشتاق ولم يمض لي غير ليلة على الفراق ... # واضطر إلى قطع الشرح؛ لأنه اكتشف فجأة أنه يجهل معنى خب والمطي، فنادى ~~ذاكرته ولكنها لم تسعفه، فاضطرب وارتبك واشتد به الخجل، وكاد الدم يتفجر من ~~خديه، ولحظت سوسن صمته واضطرابه فسألته، وقد قل صبرها: والشطر ~~الثاني؟ # فاشتد به الاضطراب والارتباك والخجل، وأشفق من أن يفقد مفخرته الوحيدة ~~في الدنيا، وهي ما يزعم من التفوق على الأقران، فآثر الكذب والتحايل على ~~التسليم بالجهل، فقال: خب بمعنى طال .. والمطي هو الفراق .. معنى الشطر كله: ~~كيف إذا طال الفراق عشر ليال لا ليلة واحدة؟ # وأغلقت سوسن الكراسة في ارتياح وطمأنينة، ونظرت إليه ممتنة شاكرة، فأغضى ~~أمام نظراتها الساحرة خجلا وخزيا، متألم الضمير من تضليله لها وعبثه بثقتها ~~به، وذكر في رعب مفاجأتها المتوقعة أمام الشيخ حين يشطب بقلمه الأحمر على شرح ~~الشطر الثاني .. فما عسى أن يكون رأيها فيه أو شعورها نحوه؟ # وكاد يغرق في أفكاره، لولا أن سمعها تقول بصوت هادئ عذب: # أأشتاق ولم يمض لي غير ليلة # فكيف إذا طال الفراق عشرا # ثم ضحكت ms34 وسألته: لمن قيل هذا البيت؟ # وكان قد سرى عنه الهم سماع صوتها وضحكتها، وقال: الذي يفهم أن ~~الشاعر يخاطب حبيبته. # وكانت هذه أول مرة يجري بينهما فيها ذكر لإحدى اشتقاقات الحب، فنظر ~~إليها مرتبكا وهاله أن يرى حمرة في خديها وارتباكا في عينيها .. لم؟ ~~.. لم؟ # وكانت الابتسامة لا تزال متعلقة بشفتيها الجميلتين المفترتين عن در ~~نضيد، وخصلات شعرها مبعثرة على الجبين والخدين كلما هب النسيم حملها من ~~حسن إلى حسن، فنسي الوجود، وما عاد يرى الأشجار والأزهار ولا يحس بهبات ~~النسيم ولا يشعر بهمومه وتأنيب ضميره، وما عاد يذكر من هو، ولا من هي، ~~واستقر وجدانه في هالة من النور تشع من وجهها الجميل، فأنعم فيها نظرا ~~وهياما. # ولم تقو على نظراته فأسبلت جفونها وتدفق الدم إلى خديها كأن تلك ~~الكلمة الساحرة التي أفلتت من لسانه عن غير قصد أروتها فأنبتت هاتين ~~الوردتين، فلج بها الهيام، واستثاره ما تدل عليه هيئتها من الاستسلام، ~~فمال بهامته حتى مس جبينه خصلة من شعرها وأسكره أريج أنفاسها .. وتردد ~~لحظة .. ثم لثم فاها .. وعلى حين فجأة انتفضت الصبية في جلستها كمن ~~يستيقظ على ضربة في أم رأسه، وقد اتسعت عيناها، وصرخت فيهما الدهشة ~~والذعر، ثم انتصبت واقفة وفرت هاربة. # رباه .. ما الذي أفزعها .. ولماذا فرت على تلك الحال؟ وما عسى أن تفعل ~~بعد ذلك؟ # وامتلأ قلبه رعبا، فقام من فوره واندفع جاريا في اضطراب شديد إلى باب ~~القصر، ثم ترك قدميه للريح، لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى حجرته. # هل يمكن أن تشكوه سوسن إلى أبيها؟ كم كان أعمى مجنونا! كيف آتته ~~الجرأة! يا ويحه فقد خدع فظن عطفها محبة وعبثه ودا، وإذا فضحته عند أبيها ~~فماذا يكون مصيره؟ بل ماذا يكون مصير والده نفسه؟ ولكن رجع أبوه إلى البيت ~~كعادته، ومرت أيام دون أن يوجه إليه أي تهمة أو يتعرض للفصل من عمله، ~~فهدأت نفس يوسف، وعاودته العواطف التي غاصت في قلبه لحظات خوفا وذعرا، ~~ونازعه الشوق إلى الوجه الجميل وصاحبته، ورأى ms35 أن ما يمكن أن يصيبه من ذهابه ~~لن يعدل ما هو فيه من ألم الشوق مهما ساء وغلا. فحمل نفسه إلى القصر بعد ~~احتجابه تلك الأيام وانتظر ونفسه حيرى، وجاءته الصبية تسعى، ولما وقع نظرها ~~عليه بدا على مخايلها الغضب فتقدمت منه خطوات، ووقفت متحدية، فأغضى أمام ~~نظراتها خجلا وألما، وانتظر في يأس الكلمة القاضية، واشتد عليه الحال، فقال ~~بصوت تمزقه نبرات الألم: كانت غلطة شنيعة .. هل أنت غاضبة؟ # فأجابته بلهجة حادة: «طبعا .. ماذا كنت تنتظر؟» ~~- اعفي عني. ~~- لن أعفو. # وهنا رفع رأسه بحركة سريعة، وقد تبدل وجهه من حال إلى حال، لأنه خيل ~~إليه أنها فاهت بالعبارة الأخيرة بلهجة رقيقة وهي تغالب ضحكة، فلما وقع عليها ~~وجدها تبسم إليه بثغر فتان غفور رحيم! # وهم أن يتقدم منها خطوة؛ ففرت منه هاربة! # كانت تلك الأيام أسعد أيام حياته على الإطلاق، لا يذكر أنه سعد سعادتها ~~من قبل ولا من بعد رغم تنوع الظروف واطراد التجارب، وبعد تلك القبلة وذاك ~~الرضا لم تعد تقابله في علانية وسذاجة، بل اقتصر التبادل الروحي بينهما على ~~النظرات والهمسات أو اللقاء المختلس تحت الخمائل أو خلف جماعات الشجر، وستر ~~عليهما تعارفهما ترامي أطراف الحديقة وعدم إمكان تسرب الشك إلى قلب من ~~يراهما معا، فعاشا زمنا سعيدا في غفلة من الناس والدهر حتى وقع ما قضى ~~عليه بالخروج من جنته مقهورا مغلوبا على أمره: كانا جالسين على الأريكة ~~التي قبلها عليها لأول مرة، وقد انساق الحديث إلى المستقبل، قال يوسف: هل ~~يمكن أن تنسيني فيما يقبل من الأيام؟ # فنظرت إليه نظرة إنكار، وقالت: أنا؟! .. مستحيل! ~~- ولكني أخشى أن يبدد أهلك أحلامنا .. فتنهار آمالي وأفقد ~~سعادتي. # فردت عليه وقد كشرت عن أنفة وكبرياء: أبدا .. لن أسمح بهذا ما ~~حييت. # فصمت يوسف لحظة يمتع نفسه بحماسها الفاتن، لكن لم يطل به الصمت ~~السعيد؛ لأنه تذكر العقبات الأوابد التي تسد عليه الطريق، فتنهد، وقال ~~كأنما يحدث نفسه: ترى هل أبلغ أمنيتي يوما فأتزوج منك؟ # وكانت تلك المرة الأولى التي ms36 ينطق فيها بتلك الكلمة الخطيرة، ولذا ~~أنكرتها أذنه وخيل إليه أن قائلها غريب عنه، أما سوسن فقد ارتجفت شفتاها ~~عن اضطراب، وتدفق الدم إلى وجهها فصار كالجمان .. ولم يكن يطمع أن تجيبه ~~بأكثر من هذا .. وبعد هنيهة ذهبت في التفكير والأحلام فسألته: «أي مستقبل ~~تبتغي؟» # فأجاب: «أنا ما زلت في مستهل الطريق ومبتدأ العمر .. وكل صعب يسير مع ~~الجهد والعزيمة الصادقة، فعليك الاختيار وعلي الاجتهاد.» # ففكرت لحظة تختار لزوج المستقبل ما تحب من المهن والأعمال، ثم قالت: ~~ألا تستطيع أن تكون من الأعيان؟ إنني أسمعهم دائما يقولون عن بابا إنه من ~~الأعيان، فلم لا تكون مثله؟ ~~- من الأعيان؟! .. ولكنها ليست وظيفة ولا مهنة .. الوظائف التي أعني مثل ~~المهندس والمدرس والضابط والطبيب ... # وعادت مرة أخرى إلى التفكير والمفاضلة، وكانت عيناه لا تفارقان وجهها، ~~فرآه تضيق عيناه وتنفرج شفتاه من الذهاب مع التفكير، ففتنه منظره وأنساه ~~نفسه كما فعل به في المرة الأولى، فاقترب منها وهوى برأسه يريد أن ينال منها ~~قبلة .. ولكنه أحس بغتة .. نعم بغتة، بشيء يصيب رأسه وسمع صوتا يصرخ به: ~~أتجرؤ يا كلب؟! .. والتفت مذعورا فرأى أخا الآنسة الأصغر ينهال عليه لكما ~~وضربا. وأراد دفع السوء عن نفسه فأمسك بتلابيبه، فضاعف غضب الأخ وضاعف له ~~الضرب .. ووقفت على بعد قريب سوسن تشاهد ما يقع بعينين محملقتين ووجه شاحب ~~كوجوه المرضى. ولا يدري كيف نمى الخبر إلى أبيه فجاء يجري مضطربا وأمسك ~~بيوسف بعيدا عن الصبي الآخر، وسأله بصوت ملؤه الاحترام: «لماذا تجد عليه يا ~~سيدي؟ ماذا فعل؟» فأجابه بصوت عال مغيظ: «رأيته يحاول أن يغتصب ... قبلة من ~~سوسن بالقوة!» فصرخ الرجل: «يا للفظاعة! .. هل حقا يا سيدتي؟» وكانت سوسن ~~لا تزال ملازمة لحالة المباغتة التي استولت عليها .. فلما سمعت سؤال الرجل ~~اضطربت ثانية .. ثم بلعت ريقها، وقالت بصوت خافت: «نعم.» وفرت هاربة من ~~الواقفين ومن عيني يوسف خاصة. # بعد هذا شد الرجل على يد ابنه وساقه أمامه .. وقد هم يوسف أن يتكلم ~~فما أحس إلا بيد أبيه تصيب ms37 مؤخرة رأسه فيقع على وجهه بين الإعياء الشديد ~~والإغماء .. وهكذا كان ختام حديث الحب والمستقبل .. وهكذا كانت نهاية مغامرته ~~في قصر سليم بك عامر. # لقد بدا له تصرفها أول الأمر غدرا وخيانة. ولكنه لم يلبث أن انتحل لها ~~الأعذار .. وما كان الغضب ولا الموجدة ولا الاعتقاد في غدرها بمستطيعة أن ~~تزحزح الحب عن قلبه قيد أنملة، فانزوى في حجرته يعاني الحرمان والألم واليأس ~~المميت شهرا بعد شهر وعاما بعد عام، حقا لقد كان حبا عجيبا رهيبا .. ~~وأنه لن ينسى ما عاش تلك الأعوام التي شهدت أيامها وساعاتها ودقائقها معاناته ~~الألم الشديد واليأس والحب الخائب، وفي بعض ساعات اليأس والشوق رسم صورتها ~~على حائط حجرته التي شهدت آلامه جميعها وكتب إلى جانبها تلك الأبيات الشعرية، ~~وجعل يرددها كل حين عله ينسى ويتعزى. # وما كان يستطيع أن يتصور أنه ينسى. # ولكن للأيام أحكامها وقد تسرب النسيان إلى طيات قلبه نقطة نقطة حتى برئ ~~وشفي وعفا من قلبه الهوى. ثم تقدم به العمر ووظف ثم تزوج وخلف وضاق ~~بالحب. # وكم سخر من حياته ومن دنياه! .. إلا ذكرى واحدة إذا زارته انبسطت أسارير ~~وجهه ولاحت في عينيه الأحلام .. وبعد فحسبه أن تذكر .. لأن التذكر للقلب ~~كالحفر في باطن الأرض يفجر الماء فياضا غزيرا. # | مفترق الطرق # زماننا عاثر الحظ، أو نحن به عاثرو الحظ؛ فأينما تول وجهك تسمع ~~تنهد شكوى أو تر تجهم كدر. ولن تعدم قائلا يقول: إن هذا الزمان أضيق ~~رزقا، وأنضب حياء، وأفسد خلقا، وأقل سعادة وأنسا من الزمان الماضي، ~~ويجوز أن نكون لزماننا ظالمين، وأننا نتحامل عليه لا لعيب اختص به دون غيره ~~من الأزمنة، ولكن تبرما بقساوة الحياة وفرارا من جفاف الواقع ولياذا ~~بظلام الماضي الذي يشبه ظلام المستقبل بعث أمل وطب آلام. ومهما يكن من أمر ~~هذا السخط فما من شك في أن جلال أفندي رغيب كان على حق في شكواه التي ~~يرددها بغير انقطاع. كان مراجع حسابات في وزارة المعارف وفي السادسة ~~والأربعين من عمره، قد وسع الله ms38 له في إحدى زينتي الحياة الدنيا وقتر ~~عليه في الأخرى، فرزق ستة أبناء يسعون ما بين حجر الأم والسنة الرابعة ~~الثانوية. وأما مرتبه فسبعة عشر جنيها، فناء بأثقال العيش ومتاعب الحياة، ~~وقصمت ظهره المصاريف المدرسية. وكان كثيرا ما يقول متبرما حانقا كلما ~~آن موعد قسط أو اقترب موسم من المواسم: «رجل مثلي، أب لستة ذكور، اثنين في ~~المدرسة الثانوية، واثنين في المدرسة الابتدائية، وواحد في المدرسة الأولية، ~~وواحد في البيت، غير زوجة وأم، ولا تراه الوزارة حقيقا بإعفاء واحد من ~~أبنائه من المصاريف .. فمتى إذن تجوز المجانية؟! .. ولمن تجوز؟» وكان كغالبية ~~أهل هذا البلد يائسا من العدالة قانطا من الخير، يعتقد اعتقادا كالإيمان ~~الراسخ أنهما لا يصيبان إلا المجدودين من ذوي القربى والأصهار والأصدقاء، ~~فرأى أن ليس أمامه سوى الكفاح الشاق، ومعاناة الشدة عاما بعد عام، والتصبر ~~على مرارة الحياة، ولبث على حاله لا يطمع في رجاء حتى تولى وزارة المعارف ~~معالي حامد بك شامل؛ فطرق أذنيه اسم الوزير الجديد، وجذبت عينيه صورته ~~المنشورة في الصحف، فومض في أفقه المظلم بارق أمل جديد، وانتعشت نفسه ~~برجاء لا عهد له به، وقال لنفسه: «ينبغي أن أقابله .. وأن أشكو إليه .. هل ~~يرفض رجائي؟ .. لا أظن.» وقصد يوما إلى سكرتير الوزير، وكتب حاجته على رقعة ~~ليوصلها إليه، فمضى الشاب بها وتركه في حالة من القلق والإشفاق لا توصف، وعاد ~~مسرعا يقول لجلال أفندي: «معالي الباشا مشغول جدا اليوم، فلتتفضل بالمجيء ~~ضحى الغد.» فعاد إلى حجرته مسرعا واجدا متألما، وكان ألف طوال مدة خدمته ~~خيلاء الرؤساء وانتهار المديرين، ولكن انشغال الوزير آلمه أكثر من أي شيء، ~~وجعل يتساءل: ترى هل يذكرني؟ .. ولم يكن شيء ليصده عن هذا الباب، فذهب ضحى ~~الغد كما قال له السكرتير وانتظر طويلا حتى قال له الشاب: «تفضل»، فقام ~~مسرعا خافق الفؤاد، وفتح له الباب المحروس فاجتازه إلى الحجرة ذات السجاجيد ~~والزخارف، ونظر إلى صدر المكان فرأى معالي الباشا كما يدعونه يطالع في شيء ~~بين يديه، فلما أن شعر بوجوده ms39 رفع إليه عينيه ومد له يده وعلى فمه شبه ~~ابتسامة وقال: أهو أنت؟! .. لقد اشتبه علي الاسم .. أوما تزال ~~حيا؟ # فسر جلال للمداعبة الأخيرة واطمأنت نفسه، وقال بخضوع وإجلال: نعم يا ~~صاحب المعالي، ما أزال أكابد حظي في الدنيا. # فنظر إليه نظرة استفهام، ومال إلى الوراء قليلا وهو يتمتم: «أفندم»، ~~فقال جلال: يا معالي الباشا، قصدت إلى معاليك لأشكو إليك ما أشكوه من عنت ~~الدهر وشقاء الأيام. لي أسرة كبيرة وأبناء كثيرون ومرتبي صغير، ولست طامعا ~~في علاوة أو درجة، ولكني أضرع إلى معاليكم أن تعفي ابنين لي في مدرسة شبرا ~~الثانوية من المصروفات. ~~- الاثنين معا؟! ~~- نعم يا معالي الوزير، إن آمالي مشرقة بمعاليكم، لقد جاورت معاليكم ~~عهدا طويلا من سني الدراسة، وينبغي لمن حظي بذاك الجوار أن يربو حظه ~~على حظوظ الناس جميعا، خاصة إذا علمتم أن لي غيرهما أربعة آخرين، فقال له ~~الوزير باقتضاب: قدم لي مذكرة. # وكان الرجل محتاطا لذلك، فأخرج من جيبه التماسا أعده لهذه الساعة ~~وقدمه إلى الوزير، فجرت عليه عيناه بسرعة، ثم أمسك قلمه ووقع عليه بكلمة، ~~وقال للرجل: اطمئن. # فانحنى جلال أفندي تحية، فتكرم الآخر بمد يده له، ثم غادر الحجرة مغتبطا ~~مثلج الصدر. ولكنه ما كاد يعود إلى مكتبه بالوزارة، حتى قال لنفسه متعجبا: ~~لم يتغير «حامد شامل» البتة، ولا تقدم به العمر، وكأنه في ريعان الشباب .. هل ~~يصدق إنسان أن كلينا ابن خمس وأربعين؟ تالله إني لأبدو لعين الناظر في سن ~~والده! .. وقضى وقته يفكر في الوزير، في حاضره وماضيه، وفي صلته القديمة به ~~.. ثم اضطجع بعد تناول غدائه في بيته، وأشعل سيجارة، واستسلم إلى أحلام ~~الذكريات .. فألوت به إلى عهود الماضي المنطوي .. إلى الوقت الذي كان يجلس ~~فيه إلى يسار التلميذ «حامد شامل» على مقعد واحد، لا يكاد يفرق بينهما فارق ~~جوهري .. وكان التلميذ «حامد شامل» يلفت الأنظار إليه ببياض بشرته واحمرار ~~شعره، وبملازمة عبد متهدم طويل يرتدي بذلة سوداء له في الطريق إلى المدرسة ~~وفي طريق العودة، يتبعه كالظل ms40 إذا مشى، ويطمئن إلى مكانه إلى جانب حوذي ~~العربة إذا ركب؛ ولذلك كان يحلو لرفاقه أن يداعبوه، فدعوه «حامد أغا»، على ~~أنه عجب غاية العجب كيف كانت المنافسة تحتد بينه وبين وزير اليوم وتلميذ ~~الأمس كأنهما أخوا حظ واحد .. والأعجب من هذا أنهما جريا معا وراء تلك ~~العاطفة - التي تهيج الجد والنشاط ولا تتسامى عن المرارة والألم - منذ أول ~~عهد تجاورهما، وكانا في كفاحهما كأنهما يعيشان منفردين في فصل واحد، فكانت ~~الغاية التي يهدف إليها كل منهما أن يتفوق على قرينه بغير مبالاة الآخرين. ~~وعلى الرغم من استعانة حامد بالدروس الخصوصية يتلقاها على أنبه مدرسي ~~المدرسة، فقد كانت الغلبة بينهما سجالا، وكانت كفة جلال الراجحة .. وكانا ~~في ملعب كرة القدم مثلهما في الفصل لا يريحان ولا يستريحان .. وكان كلاهما ~~يزعم أنه أحق من صاحبه بقلب الدفاع .. فكان مدرس الألعاب يعاقب بينهما فيه، ~~حتى بدا تفوق جلال للجميع فاستأثر به، فكان آخر عهد الآخر بلعب الكرة. يا ~~لله! .. كانا يستبقان كأنما الدنيا تضيق عنهما معا، وكأنما كان مستقبلها ~~ينذر بحرب مستعرة تشمل ميادينها الجد واللعب والإدارة والوزارة. فكيف شالت ~~كفته بعد ذلك؟ كيف سقط من عيون الغربال وضاع في الحثالة؟ .. كيف صار رفيقا ~~المقعد الواحد أحدهما وزيرا والآخر مراجعا بالحسابات ينوء صدره بآلام ~~الحاضر ووساوس المستقبل! # ثم تمتم قائلا وهو يطفئ سيجارته ويرمي بالعقب إلى المنفضة: تالله ما ~~يستحق أن يكون وزيرا ولا وكيل وزارة ولا شيئا من هذا، وخشي أن يكون ~~متجنيا عليه أو مائلا مع عواطفه القديمة فتساءل باهتمام وجد كأنما يزمع ~~كتابة ترجمة له كيف اعتلى كرسي الوزارة؟ .. لقد انفصلا في نهاية الدراسة ~~الثانوية فاضطر هو لأسباب إذا ذكرها جرت المرارة في فمه، إلى الانقطاع عن ~~الدراسة والتحق صاحبه بمدرسة الحقوق، ثم حصل على الليسانس، وكان أبوه محمد ~~باشا شامل وزيرا للحقانية، فعينه سكرتيرا له في الدرجة الخامسة، فكانت ~~القفزة الموفقة الأولى. وقرأ بعد ذلك في الصحف أنه اختير لبعثة في فرنسا لا ~~يعلم كم أمضى بها ولا ms41 ما حصل عليه فيها من الإجازات، ولكن كثيرين يعلمون ~~بزواجه بعد ذلك بسنوات من كريمة المرحوم حامد باشا حامد الذي تولى الوزارة ~~مرات، فارتقى فجأة إلى الدرجة الثالثة مديرا لإدارة التشريع، وانقطعت عنه ~~أخباره فترة وجيزة حتى علم بتوليته مديرية أسوان، ثم بترقيته محافظا ~~للقنال بعد ذلك بقليل، ثم باختياره وزيرا للمعارف، ومضى على توليته الوزارة ~~أسابيع والمجلات لا تكف عن الإشادة بمواهبه القانونية ومقدرته الإدارية ~~ومشروعاته عن إصلاح التعليم، وكاد جلال أفندي أن يصدق ما يقال لولا أنه قرأ ~~مقالا عن تفوق الوزير في عهد الدراسة - في العلم والرياضة البدنية معا - ~~وكيف أن مفتشا من مفتشي الوزارة تنبأ له على أثر مناقشته بأنه سيكون ~~يوما وزيرا، فأغرق الرجل في الضحك، وقال ساخرا: «الآن فهمت سر المواهب ~~القانونية والإدارية.» # وتنهد جلال أفندي رغيب وتمتم قائلا: «دنيا!» وأراد أن يريح نفسه من ~~أفكاره، فتناول مجلة يقلب صفحاتها المصورة. والظاهر أن ذكريات الوزير كانت ~~تأبى أن تفارقه؛ فرأى صفحة من المجلة مخصصة للوزير تتوسطها صورة كبيرة، ما ~~إن بصر بها حتى صاح في دهشة وغرابة: «رباه هذه صورة فصلنا القديم.» وألقى ~~عليها نظرة سريعة، فثبت بصره على صورته، وكان يقف في الصف الأول وراء ~~المدرسين مباشرة إلى يمين الوزير ينظر إلى عدسة المصور في ابتسام وثقة، وكان ~~الوزير كالعابس وعلى حاجبه الأيمن ذبابة، فضحك جلال طويلا وذكر قصة الذبابة، ~~وقد كانت في الأصل من نصيبه هو وتنبه لها والمصور يهم بالتقاط الصورة، ~~فهشها بسرعة فطارت عنه إلى حاجب قرينه وحطت عليه، وقد أحس أسفا لذنب الذبابة ~~فلعلها كانت ذبابة الحظ السعيد سكنت إلى وجه الوزير المدخر، ورنا إلى الصورة ~~بعينين حالمتين، فهامت روحه في آفاق الماضي حتى شعر بأن روح الطفولة تحل ~~فيه مرة أخرى، وأن شعيرات قذاله البيضاء تسود، وتجاعيد جبينه وما حول فمه ~~تلين، ونظرة عينيه تصفو وترق، ويمسح على ما فيها من هم وبلبال .. أحس ~~قلبه يخفق مرة أخرى بالأمل والطمأنينة، وجرى بصره على الوجوه الصغيرة وهو ~~يتساءل: ترى ms42 كيف صار هؤلاء جميعا؟ .. وعاين أول صورة في الصف الأخير فعرف ~~صاحبها بوضوح غريب، وذكر اسمه «عبد الملك حنا»، وذكر كيف كانت تنتابه نوبات ~~الصرع في الفصل حتى انقطع عن المدرسة .. أما بقية الصف فتذكر وجوههم، وغابت ~~عنه أسماؤهم ومصايرهم، وعرف في الصف الثاني وجها كأنما تركه بالأمس، كان ~~ابنا لأحد كبار المستشارين، فكان يتمتع لذلك بنفوذ وصولة فيحييه الناظر إذا ~~بصر به، ويلاطفه المدرسون، وقد علم فيما بعد أنه عين وكيلا للنيابة ~~وترقى قاضيا، ولعله يتأثر الآن خطى أبيه الكبير. أما من يليه من الصغار ~~فجلهم من المغمورين وبعضهم معه في المعارف وهو يعرفهم حق المعرفة، وأما ~~آخر هذا الصف - الذي ينظر إلى المصور بتحد غريب ويشبك ذراعيه على صدره - ~~فكان من أشقياء التلاميذ المولعين بالشجار والتصادم، وقد طرد من المدرسة ~~لاعتدائه على أحد المدرسين، ومن العجيب أنه احترف فيما بعد «البلطجة»، وطاف ~~بالسجن مرات، وألقى نظرة أخيرة على الوجوه الأخرى فلم يعرف عنها شيئا إلا ~~الدكتور المعروف «حنا عبد السيد»، وإلا هذا الذي يتوسط الصف الأول، كان أنبغ ~~التلاميذ جميعا، وكان أول الابتدائية، ثم أول البكالوريا، والتحق بمدرسة ~~الحقوق كبير الهمة سخي المواهب، ولكنه أصيب أول عهده بها بداء الصدر، ~~فاضطر إلى ترك المدرسة والكف عن التحصيل، واشتغل بعد ذلك بعامين كاتبا في ~~الصحة .. فلا يقل حظه شذوذا عن حظ الوزير نفسه. # نال كل منهم نصيبه وخضع لحكم حظه وسعيه. كانت تجمع بينهم جدران ~~واحدة، لا يكاد يتميز وراءها إنسان إلا بجده وخلقه، ففرقت بينهم الحياة، ~~فرفعت وخفضت، وأحيت وأماتت، وأذاقت الفقر، ومتعت بكرسي الوزارة، وكل بما ~~قسم له غير راض ولا قانع .. # ونظر جلال أفندي عند ذاك في الساعة فوجدها تدور في الرابعة، فعلم أن ~~موعد الصغار آن واقترب، وأنهم عما قليل يملئون البيت حياة وقلبه نورا، فرمى ~~بالمجلة بعيدا وطرد من عقله الوسواس ليستقبلهم أجمل استقبال، وقال لنفسه ~~متعزيا: من الخطأ أن يفكر الإنسان في شئون الناس ما دام هذا لا يورث الضيق، ~~وحسبي أن معاليه ms43 قال لي: «اطمئن.» # | التطوع للعذاب # انتهى الأستاذ حسان جلال - وهو محام تحت التمرين - من كتابة المذكرة ~~القضائية التي شرع ينشئها منذ الصباح الباكر؛ في تمام الساعة الثانية عشرة. ~~وكان الجهد قد نال منه كل منال، فاستند إلى ظهر كرسيه في إعياء ونصب. ومد ~~يده إلى فنجال قهوة، وارتشفه وهو ينظر إلى الأمام بعينين يوشك أن يلتقي ~~جفناهما. ودخل الخادم عند ذاك، فأقبل على سيده وبصره بخطاب كان تركه على ~~المكتب قبل ساعة والشاب مستغرق في عمله. فألقى عليه نظرة فاترة، وتناوله بغير ~~اكتراث، ولكنه حين وقع بصره على الخط المكتوب به العنوان حدثت في وجدانه ~~صدمة عنيفة مباغتة، أرهفت حواسه، وأثارت انفعاله، وأقلقت باله، فالتمعت ~~عيناه بنور خاطف، وبدا شخصا جديدا. عرف الخط من أول نظرة، فتأمله بدهشة ~~وكأنما ينظر إلى وجه كاتبه في ضوء النهار، فلم ير خطا ولكن رأى وجها ~~مستديرا كالبدر، خمري اللون، تدل قسماته الدقيقة على الأناقة والملاحة. ~~وغشيه الانفعال ساعة لا يدري من أمره شيئا، ثم جذبه الخطاب من العالم ~~الداخلي الغارق فيه، ولكنه لم يطع لأول وهلة الدواهي الدفينة التي تهتف به ~~أن يفض الغلاف، وأبقاه على يده، وجعل يديم النظر إليه في شغف ولذة وارتباك ~~وخوف. وقد فرح به وحزن، ورضي عنه وغضب. وتساءل في حيرة أيصح أن يطلع على ~~ما فيه أم الأولى له أن يطرحه في سلة المهملات؟ .. على أنه كان يتساءل ويداه ~~تفضان الغلاف بسرعة وتبسطان الخطاب. وما لبث أن قرأ مطلع الكتاب، وهو «عزيزي ~~حسان»، فلم يستطع أن يستمر في القراءة واستولت عليه خواطر وشجون، وأحس ~~بخيبة لم يهون من شأنها أنه كان يتوقعها. كانت إذا كتبت إليه فيما مضى تبدأ ~~خطابها، فتقول: «حبيبي حسان» أما اليوم فإنها تتجنب هذه الكلمة الساحرة، ~~ولعله دار بخاطرها ما يدور بخاطره الآن حين همت بالكتابة إليه، فليس إبدال ~~عزيزي بحبيبي بالشيء الهين، وإنما هو حدث من الأحداث وفجيعة من الفواجع .. ~~رباه! لماذا تراسله وتجذب أفكاره إلى واديها، فتنكأ جرحا في فؤاده أوشك ms44 أن ~~يلتئم، وتثير بركانا كاد يخمد بين جوانحه؟ وتنهد من أعماق صدره، وكر ~~بعينيه الحالمتين إلى صفحة الخطاب، وألقى عليها نظرة عامة، فأدرك إيجازها ~~«التلغرافي»، وأحس لذلك بكآبة الكلمات: «سأنتظرك أصيل اليوم في مكاننا ~~المعهود بالحديقة الأندلسية؛ فإن أنت أتيت لكي نصفي الحساب - أي حساب يا ~~ترى؟ - رحبت بك، وإن أنت أصررت على الجفاء، فيكون هذا آخر ما بيننا إلى ~~الأبد.» # ويلي ذلك الإمضاء المحبوب: إحسان ج. وكان أول ما فاه به بعد تلاوة هذه ~~الكلمات أن قال باضطراب: «أصيل اليوم في مكاننا المعهود.» وأحس بدنو الموعد ~~فاهتاج شعوره واضطرم صدره، ثم استقر بصره على هذه العبارة: «فسيكون هذا آخر ~~ما بيننا إلى الأبد.» فجفل منها وذعر، وانقبض صدره، ألم يجعل فراق سنة هذه ~~العبارة حقيقة واقعة؟! أولم يكن يظن أنه نفض منها يديه إلى الأبد؟! .. بلى، ~~ولكن ذاك الخطاب رده إلى ماضيه بسرعة، فانبعثت فيه حرارة كما تنبعث ~~الكهرباء في المصباح بعد سريان التيار إليه. وضاق عند ذاك بمقعده وبالمكان، ~~فاعتزم مغادرة المكتب الذي يتمرن فيه، وطوى الخطاب، وارتدى طربوشه، ومشى إلى ~~الخارج. وفي الطريق ارتد خياله إلى الماضي يتعقب حوادث الأمس المنطوي .. لا ~~يدري بالضبط متى تعرف بإحسان، وإن كان يشعر أنها تملأ ماضيه جميعا؛ ذلك أنه ~~لم يعتد مطلقا عادة كتابة المذكرات، فسجلت ذاكرته الحادثات بنسبة تأثرها ~~بها لا على حقيقة وقوعها، ولكنه يذكر بغير ريب أنه في صيف العام الماضي سكنت ~~أسرة إحسان في عمارة رقم 10 بشارع البستان بالسكاكيني، وأنه تعرف بالفتاة قبل ~~أن يمضي شهر على نزولها بالحي الجديد. وقد جعلت المقادير حجرة نومها تجاه ~~حجرة نومه، فتهيأت لكل منهما الفرص لتذوق صاحبه وتقدير مزاياه. وجذبته بادئ ~~الأمر ملاحتها وأناقة قسماتها، فانجذب إليها ينشد الحب واللهو والعبث، وما ~~يدري إلا وقد بهره ذكاؤها ورقة روحها وأنوثتها الناضجة، فأحبها الحب ~~الصادق، وتعاهدا مخلصين أن يكون لها وأن تكون له ما امتد بهما العمر. ~~وشاركا المحبين حياتهم الهنيئة التي تطرد في هدوء بين المناجاة ~~واللقاءات والوعود ms45 والآمال كأنها جدول صاف يشق حقلا من بدائع الورود ~~والرياحين، إلى أن كان يوم عادت أمه فيه من إحدى الزيارات تكيل الذم ~~لفتاة التقت بها لأول مرة في بيت جارتها. فدفعه حب الاستطلاع إلى السؤال ~~والتحري، فإذا بالفتاة فتاته دون غيرها، وإذا بأسباب غضب أمه عليها أنه دار ~~حديث بين السيدات عن أعمارهن، ولما سئلت أمه عن سنها قالت: «كنت ابنة ~~عشرين أيام الحرب.» وكانت تعني الحرب الكبرى. ولكن إحسان تساءلت بخبث ~~تعقب على قول السيدة - وهي تجهل أنها أم حبيبها: «حرب عرابي يا تيزة.» ~~وضحكت السيدات طويلا، وضحكت إحسان كذلك، ولم تكن قالت ما قالت إلا بدافع ~~الميل إلى الفكاهة، ولكن أمه لم تحتمل هذه الفتاة، وأحست بطعنة أليمة نغصت ~~عليها صفوها، واستمع حسان إلى قصة والدته باستياء وغيظ وأسف، وكان ينوي قبيل ~~ذلك أن يعلن خطبته فاضطر إلى التريث مغلوبا على أمره، وعهد بإسكات ذاك ~~الغضب إلى الزمن، ولما ظن أن ما كان من الأمر قد نسي وعفا أثره، تقدم ~~إلى والدته يحادثها في أعز أماني قلبه، ولكنه وجد منها ازورارا وإباء، وكبر ~~عليها جدا أن تستأثر بابنها غدا التي أهانتها بالأمس، فرفضت الإصغاء إليه ~~وأصرت على أن مثل تلك الفتاة غير جديرة به ولا كفء له، وذهبت كل محاولاته ~~وتوسلاته لاسترضائها أدراج الرياح، وعجب حسان لغضب أمه أكان حقا لتلك ~~الدعابة المرة، أم لإشفاقها من احتمال تحول قلب ابنها الوحيد عنها إلى ~~امرأة أخرى؟ أم كان لهذين معا؟ ومهما يكن من الأمر فقد أسقط في يده، ~~وتوزع قلبه ألما وحزنا بين أمه وحبيبته، وكابد فترة من الحياة مليئة ~~بالقلق والعذاب، موزعة بين الألم والضجر واليأس والحنق. ثم أعلن ما كان سرا ~~وافتضح ما كان خافيا، فصار عداوة صريحة بين أمه وخطيبته تحدثت بها ألسنة ~~الحي جميعا. وإنها لعلى شدتها وقوتها إذ أحست أمه بالمرض فجأة، فلزمت ~~الفراش ثلاثة أيام ثم انتقلت إلى جوار ربها في اليوم الرابع، ووقع عليه ~~الخبر بعنف وشدة، ففزع وهلع وتقطع قلبه ألما. ms46 كان يحب أمه حبا ~~كبيرا، وقد هاج الفراق الأبدي الحب المتغلغل، فاختنق بالعبرات وأظلمت الدنيا ~~في عينيه .. # ووسوس له قلبه بخاطر زاد من ألمه، قال عسى أن تفرح إحسان لموت أمه، وقد ~~كانت تعدها عثرة في سبيل سعادتها، فما من شك في أنها سعيدة مغتبطة وإن ~~تظاهرت بمشاركته حزنه. وآلمه هذا الخاطر ألما عميقا، وزاد من وقعه أن سمع ~~من حوله يتهامسون به، فانطوى على الحزن والغضب، ورأى قبر أمه العزيزة يقوم ~~حائلا منيعا بينه وبين الفتاة. # فهجرها فجأة وامتنع عن الرد على رسائلها، وانغمس في الكآبة والأحزان ~~ومكابدة الآلام والأشواق، زائغ البصر بين ذكرى أمه وذكرى سعادته حتى تعود ~~على الألم وألف التصبر والتجلد، وظن أنه يتناسى الماضي بهمومه وآلامه أو أنه ~~نسيه بالفعل. # ازدحمت هذه الذكريات برأسه في طريق العودة إلى البيت، ولكنها لم تصحب ~~بعواطف في مثل مرارتها وحزنها؛ إذ كانت الذكريات تمر برأسه أخيلة مجردة عن ~~عواطفها وإحساساتها. أما وجدانه فكان كله مستغرقا في أثر الخطاب والموعد. ~~لذلك انصرفت نفسه عن الغداء، وعز النوم على جفنيه، وحامت أفكاره حول فتاته ~~فتمثلها أمامه بقدها الممشوق ووجهها البدري، وكأنه كان يسمع رنة صوتها، ~~ويشم رائحة «سوار دي باري» التي تتعطر بها، فانفعل انفعالا شديدا نبا به ~~عن الطمأنينة. ولم يكن قر رأيه على شيء، ولا بت في المسألة برأي، بل كان ~~يحاذر من مواجهتها مواجهة حتى لا يقطع فيها برأي ينغص عليه أحلامه أو يميل ~~بها إلى حل يثير كوامن أحزانه. حتى إذا وافى الأصيل وجد نفسه يغادر البيت ~~ويقصد إلى قصر النيل مستسلما لتيار عنيف لا يتنكب عن طريقه، ويأبى أن يقر ~~بالاستسلام. ولكنه ألفى نفسه أمام ما يحاذره، حين عبر الجسر، وطالعته الحديقة ~~الأندلسية بخمائلها المعشوشبة، ومدرجاتها السندسية، هنالك أحجم عن التقدم ~~وانعطف إلى يمينه يساير النيل مضطربا حتى حجبه سورها الحجري، ثم استند إليه ~~متريثا، وقد لفتته الحيرة والاضطراب ولبث في جمود تام، وكانت أفكاره تنجذب ~~بشدة نحو تلك التي لا يفصلها عنه سوى السور ms47 الحجري . وسرى في ملمسه من الحجر ~~البارد تيار حار متدفق، فخفق قلبه بعنف وكاد يتحول إلى الباب مندفعا، وفي ~~تلك اللحظة الفاصلة ارتد خياله - فجأة - إلى بعض حقائق الماضي الأليمة، ~~فبردت حماسته، وهبطت حرارته، وانتكس انتكاسا غريبا أحس من جرائه بخجل ~~واستحياء وألم، فجعل يتساءل مغيظا محنقا: كيف حملتني قدماي إلى هنا! ولم ~~يلبث أن احتدم بقلبه الغضب، وخال أن إقدامه على الذهاب إلى هناك عيب حقيق بأن ~~يجعله ضحكة للضاحكين والشامتين، وهز منكبيه باستهانة، وانحدر في الطريق ~~الضيق مبتعدا عن الحديقة، ولم يعتوره التردد سوى مرة واحدة وقف عندها ~~قليلا والتفت وراءه، ثم استأنف المسير بعزم ويأس، ولم يكن يملأ فراغ خياله ~~حينذاك سوى صورة أمه .. وهكذا خان عهد سعادته ليكون وفيا لذكرى أمه، ~~وكثيرون هم الذين يعانون الآلام والمتاعب في سبيل ما يتمثل في نفوسهم من ~~الأوهام. # | القيء # كان سعادة سعيد باشا كامل يقول كثيرا لخاصته: إن رجلا مثله ألفت ~~نفسه العمل والنشاط لأحرى أن تقعده حياة المعاش مقاعد المرضى المنهوكين. ~~وصدقت نبوءته، فما كاد يحال على المعاش حتى سارع إليه ذبول الشيخوخة، ~~واعتوره الإعياء والخمول؛ ولذلك فإنه حين أصيب بالإنفلونزا لم يعمد كعادته ~~إلى قهرها بالعناد والإيحاء الطيب والمثابرة، ولكنه رقد على فراش المرض عشرين ~~يوما قانعا من لذيذ المأكل والمشرب بعصير البرتقال وماء الليمون. على أنه ~~في فترة النقاهة اعتاض عن تصبره لذة لم يكن له عهد بها؛ كان الصيام قد صفى ~~بطنه، وطهر قلبه، وأسكت نوازع جسده الصارخة، وطرد أشباح نفسه المفزعة، ~~فأضاء عقله بسنا نور بهيج، واستنارت بصيرته بالصفاء والتجلي، وتبدت له ~~الأمور على غير ما كان يرى. تراءت له الدنيا كومة من تراب، وكأنه يعتلي قمة ~~السماء التي تظلها، وانكشفت له الحقيقة بغير قناع، فكأنما انجلت غشاوة الغرور ~~عن ناظريه، فأحس أن بنفسه كنزا يغنيه عن الدنيا وما فيها، وشعر بالسلام ~~والطمأنينة يتدفقان من ينابيع صدره، فذاق سعادة الجنان، وما كان ليفيق منهما ~~لولا أن كر به الخيال إلى الوراء يتيه في غياهب ms48 الماضي ، وينبش قبور المنطوي ~~من الزمان، وينشر الرمم والعظام من الذكريات .. كيف اختار أن يدعو الماضي ~~ليتطفل على سعادته الراهنة؟ كيف رضي أن يغفل عن لذة الصفاء ليعاني ضراوة ~~الأفكار؟ في الحق إنه لم يرغب في ذلك مختارا ولا راضيا، ولكنه وجد الذكريات ~~تطرق باب قلبه بإلحاح وعناد وعنف، فلم يملك إلا أن يفتح لها كارها وأن ~~يستقبلها ساخطا متبرما، وأن يجترها يتقزز ونفور. ولم تكن المرة الأولى ~~التي تزوره فيها ولكنها لم تكن تبدو له مخيفة ولا محزنة، أما في ساعة الصفو ~~والتجلي فقد آلمته وأحزنته؛ لأنه استقبلها بقلبه الجديد. رجع به الخيال إلى ~~عهد كان سعيد أفندي كامل كاتبا بالأرشيف في الدرجة الثامنة المخفضة! وكان ~~يقيم في منزل قديم بعطفة الجلاد بباب الشعرية يعاني الأمرين من بساطة ~~حاله، وكثرة تبعاته، وطموح قلبه، وتعالي همته. وكان يقول لنفسه دائما إن ~~الله وهبه ذكاء عاليا، ولكن حظه السيئ ران عليه فصد أو خبا؛ ولكنه كان ~~معروفا بين الجيران لجمال زوجته الحسناء، وكانت أمينة من أصل تركي عاجية ~~البشرة، سوداء الشعر والعينين، فاتنة القسمات؛ فكان يدعوها أهل الحي ~~بالأميرة، وكانوا يضربون بجمالها المثال. # وفي يوم من الأيام صدر قرار وزاري بنقله إلى أسيوط فأسقط في يده؛ لأنه ~~كان يعول والديه وإخوة صغارا، ولا يقوم مرتبه بالإنفاق على بيتين؛ وبدا له ~~- في يأسه - أن يوجه زوجه إلى قصر «سليمان باشا سليمان» السكرتير العام ~~لوزارته، لتستعطف أمه أو زوجه لكي يبقيه الباشا في الإدارة العامة ~~بالقاهرة. وراقت الفكرة لأميرة عطفة الجلاد بباب الشعرية، فذهبت إلى قصر ~~الباشا، وسألت عن أم الباشا، فقيل لها إنها ماتت من عهد طويل معه، فسألت عن ~~زوجه، فقيل لها إن الباشا أعزب، فأوشك أن يلحقها القنوط وأن تهم بالعودة من ~~حيث أتت. ولكن صادف ذلك خروج الباشا من قصره، فاستوقف بصره منظر السيدة ~~الجميلة التي تحادث البواب فسأله عنها، فاستجمعت الشابة شجاعتها الموزعة ~~وحدثت الباشا عما جاءت من أجله، ورق الباشا لجمالها، فدعاها إلى صالون ~~الاستقبال، واستمع إلى ms49 شكاتها باهتمام وشغف. كانت تنظر عيناه أكثر مما تسمع ~~أذناه، وكان كلفا بالحسان ينسى في مجلسهن دينه ودنياه، فتحلب ريقه، ~~واحترق صدره، وابتسم لها ابتسامة حلوة وربت على منكبها بحنو، وقال لها: ~~سأنظر في طلبك بعين العطف يا حسناء. # وكانت أمينة قادرة على قراءة العيون فتولتها الدهشة، ونظرت للباشا ~~نظرة ملؤها الشك والارتياب، ففتنته النظرة؛ فمد يده - كما تعود وكما ~~ألف - فعبث بذقنها الصغير، فقطبت جبينها وجفلت منه. فلم يدركه اليأس، ~~وما كان يدركه اليأس أبدا، وقال لها برقة: كلانا له رجاء عند صاحبه، فاقض ~~رجائي أقض رجاءك. وعادت المرأة إلى زوجها، وقصت عليه ما لقيت من ~~الباشا، فانزعج الشاب انزعاجا كبيرا. وأرادت أمينة أن تشاركه عواطفه، ~~فبكت وإن لم تخل من زهو وفخار، وأزمع الشاب يأسا وقال لنفسه: «ليكن سفر، ~~والأمر لله.» ولكن في صباح اليوم الثاني استدعاه مدير الأرشيف، فذهب إليه ~~مبلبل النفس مضطرب القلب، يظن أنه مبلغه أمر النقل لينفذه، ولكن الرجل قال ~~له: «مبارك يا سعيد أفندي، لقد ألغي أمر نقلك.» فشكره الرجل متحيرا وهم ~~بالرجوع، ولكن المدير قال له: «ومبارك أيضا؛ فقد رشحت لوظيفة من الدرجة ~~السابعة بمكتب السكرتير العام.» آه! كم رنت الدرجة السابعة في أذنيه ~~رنينا بديعا! .. لقد اضطرب وغضب وسخط وتحير وتردد وقارن ووازن، لكن رنين ~~الدرجة ابتلع كل صوت حتى صوت ضميره وعفته، وتيقظت أطماعه، وجمح طموحه، ~~فاستسلم، وكانت أمينة التركية الجميلة ذات غرور وطموح أيضا، فاتفقا على أن ~~السوءة شيء يدارى، أما الفرصة المواتية فشيء لا يعوض .. وهويا ~~معا. # وعزم على ألا تكون تضحيته عبثا؛ فدرس في بيته حتى حصل على ليسانس ~~الحقوق ورقي سكرتيرا للسكرتير العام. وما زال يصعد مدارج الرقي مستعينا ~~بهمته وذكائه وجمال زوجه. فلما اختير سليمان باشا سليمان وزيرا جعله مدير ~~مكتبه، وقامت زوجه بنشر الدعوة له في الأوساط العالية، وقدمته إلى كبار ~~الرجال، فتبوأ بفضلها مركز السكرتير العام، وصار سعيد باشا كامل، وصارت هي ~~حرم الباشا المصون .. وكان قد تعود المهانة كما يتعود الأنف الرائحة ms50 ~~النتنة . # وفي يوم من الأيام أعلن الباشا أنه مسافر إلى بورسعيد في رحلة تفتيشية ~~تستغرق عشرة أيام. وبلغ المدينة، وشرع في العمل بما عرف عنه من النشاط وعلو ~~الهمة، ولكن اعتوره تعب فجائي اضطر معه إلى قطع رحلته والعودة إلى القاهرة، ~~وانتهى إلى قصره مع المساء وكانت عودة غير متوقعة، فاستقبله البواب بدهشة لم ~~تخف عن عينيه على ندرة اندهاش النوبيين، والتقى الباشا بالسفرجي في ~~الردهة التحتانية، فتولى الرجل الانزعاج، ولم يستطع أن يخفي تأثره، ~~فغضب الباشا وسأله: «أين الهانم؟» ولم يجب الرجل كأنه لم يسمع، فقال له ~~بحدة: أين الهانم يا أحمق؟! فارتعب الخادم، وقال بتلعثم: «فوق يا سعادة ~~الباشا .. فوق.» فصعد السلم الخشبي المفروش بالبساط الأحمر المخملي وهو ~~يتساءل: ماذا هنالك؟! وبلغ الصالون في ثوان، فرأى وصيفة زوجه تنسق باقة ~~زهر ناضرة .. فلما رأته حملقت في وجهه بذهول وجمدت عن الحركة لحظة كأنها ~~فأرة جذبت عيناها إلى عيني هر .. ثم هزعت إلى حجرة النوم ونقرت على بابها ~~المغلق وهي تقول: سيدي .. الباشا هنا .. فساوره القلق والاضطراب، ودنا من ~~الباب ووضع يده على الأكرة، وهو يعجب كيف لم تسارع الهانم إلى فتح الباب ~~واستقباله، ثم أدارها فلم ينفتح الباب، فالتفت ناحية الوصيفة فلم ير لها ~~أثرا، فنقر الباب وهو يقول بصوت متهدج: يا هانم .. لماذا تغلقين ~~الباب؟ # فلم ترد جوابا، فأدنى رأسه من الباب فسمع حركة صوت اصطدام شيء صلب ~~بالأرض .. فاهتاجه الغضب .. فضرب الباب بعصاه، وصاح بحدة قائلا: يا هانم .. ~~ألا تسمعينني؟ .. أمينة هانم. # ثم مضى يدفع الباب بعنف، فسمع صوت الهانم تقول: انتظر من فضلك في المكتبة ~~حتى ألحق بك! # فقال بحدة: افتحي الباب. # فردت عليه بهدوء وإصرار: انتظرني في المكتبة من فضلك. ~~- هذا سلوك غريب .. ما هذه الحركة بداخل الحجرة؟ ~~- اذهب إلى المكتبة من فضلك. ~~- لن أتنحى عن الباب حتى يفتح لي. فسكتت المرأة هنيهة، ثم قالت بحدة ~~وغضب: معي شخص ينبغي أن يخرج بسلام. # وخذلته أعضاؤه المنهوكة فأحس خورا وذهولا، وجمودا ثقيلا ران على ~~قلبه ms51 وتنفسه ، ولبث دقائق لا يبدي حراكا، ثم مضى بخطى ثقيلة إلى ~~المكتبة وارتمى على مقعد ترتعش يداه من الانفعال والحنق، وقال بصوت كالمختنق: ~~«يا عجبا! .. إنها لا تكلف نفسها مئونة التستر على فضيحتها؛ فالخدم يعلمون ~~بغير ريب ...» واهتاجه الغضب، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا، وما كانت إرادته ~~تقدر على أن تصطدم بإرادتها بحال، فتصاعد غضبه دخانا كتم أنفاسه وسد مسالك ~~صدره .. وقال بلهجة هستيرية: «هل يكون هذا المنتهك حرمة فراشي إلا تلميذا ~~شريرا أو متعطلا متسكعا؟!» وانتظر أن تلحق به فلم تفعل؛ فقام مرة أخرى ~~وقصد إلى حجرة النوم يسير بخطى مضطربة، فوجدها جالسة على الشيزلنج منكسة ~~الرأس، فلما أحست به بادرته قائلة: إني أغادر البيت في الحال إذا كان هذا ~~يروقك. # فلوح بعصاه غاضبا وقال بحنق: ما هذه الفضائح؟ .. ما هذه ~~القذارة؟ # وأصابت العصا ساقها دون قصد منه. فرفعت إليه بصرها وحدجته بنظرة ~~باردة قاسية كان لها في نفسه وقع شديد، وقالت له: أتضرب الساق التي رفعتك ~~إلى أعلى المناصب؟! # لقد كانت تلك الكلمة أليمة موجعة، ولكن ذكراها التي تعاوده الآن أنكى ~~وأمر. # وشعر عند ذلك بغمز موجع في صدره، فاتكأ على يديه الضعيفتين، وهم ~~جالسا في الفراش، وكسر مخدة واستند عليها متنهدا من الأعماق، وبدا ~~كالمستغيث من أفكاره، ولكن ذاكرته لم ترحمه ولم ترق لحاله، فاستحضرت أمام ~~ناظريه حادثة أخرى ليست دون سابقتها بشاعة وقبحا .. وكان ذلك وهو في أوج ~~مجده الحكومي، وكان يترأس حفلة بمدرسة الجيزة الثانوية، فألقى كلمة استقبلت ~~بالتصفيق والتقدير، ووزع الجوائز على المتفوقين، وغادر المنصة مودعا من ~~كبار الموظفين إلى سيارته. وانطلقت به السيارة وقد أخذ الظلام يغشى الطرق ~~والحقول؛ وعند منعطف الطريق انبرى له شاب - ولعله كان تلميذا - وصاح به ~~بأعلى صوته: «كيف تضرب الساق التي رفعتك إلى أعلى المناصب؟» وعرته رجفة ~~شديدة، وتشنج جسمه فلم يلتفت نحو القاذف الخبيث، وشعر بانهيار وتفكك، ~~فتفصد جبينه عرقا باردا، ثم غلى دمه، وعجب كيف ذاعت هذه الجملة الآثمة ~~حتى بلغت هذا الشاب. لقد غدا ms52 قصره موردا لفضائح غير مستورة ينهل منها ~~المتطوعون لإذاعة المخازي. على أنه كان في تلك الأيام قويا مستهترا يهضم ~~ضميره القتيل الفضائح بغير مبالاة، فهدأ روعه وقال باستهانة وحنق: قولوا ما ~~يحلو لكم قوله، فسأظل - وأنوفكم في الرغام - السيد المطاع والرئيس المرتجى. ~~أما الآن في ظل النقاء والطهارة فقد امتعض وحزن وشعر بالذكريات تصليه لهيبا ~~جهنميا .. ودخلت عند ذاك أمينة هانم فسألته برقة: «كيف حالك يا باشا؟» ثم ~~جلست على مقعد وثير، فنظر إليها بعينيه الذابلتين نظرة غريبة لم تفهم ~~معناها الحقيقي؛ وعجب الرجل كيف تحافظ على حسنها وشبابها حتى ليخال الناظر ~~إليها أنها في منتصف عمرها، مع أنه لا يكبرها بأكثر من ثمانية أعوام .. ثم ~~قال لنفسه دهشا: «رباه! .. كأني كلما زدت عاما نقصت عاما .. فمتى تذبل ~~وتذوي وتجفل من النظر إلى المرآة؟» # | الهذيان # أوشك الفجر أن يطلع، وتصايحت الديكة إيذانا بطلائع النور، فأخلدت ~~الحجرة إلى السكون والصمت، كأنما أسلمها أنين المرض الموجع، وتأوه الإشفاق ~~الأليم إلى الهمود. كانت ترقد على الفراش امرأة شابة يبدو من اصفرار وجهها ~~وذبول خديها وشفتيها وتضعضع كيانها أنها تعاني وبال مرض يهتصر شبابها. ~~وعلى فراش قريب رقد شاب في مقتبل العمر، يثقل جفنيه السهاد، ويأبى القلق ~~أن تلتقي أهدابهما، يطالع وجه المريضة في حزن، ثم يعطف رأسه إلى مهد جديد ~~فيجري الحنان في عينيه الذابلتين، ويتمتم في رجاء صادق: «اللهم صن حياة ~~الأم المسكينة .. وطفلتنا البريئة.» وكان الشاب من ذوي القلوب الرقيقة ~~والنفوس الندية بالرحمة والعطف. وكان على عهد صباه يلذ لرفاقه أن يدعوه ~~رجل البيت؛ لما طبع عليه من النفور من المجتمعات والأندية، والاشتراك في ~~المظاهرات التي تستهوي أفئدة أقرانه، والانجذاب نحو البيت بسبب وبغير سبب، ~~فكان يقضي نهاره في الحديقة يسقي أشجار البرتقال والليمون، أو في السطح بين ~~الدجاج والحمام، فإذا كان الخميس أعطى ذراعه لشقيقته، ومضيا معا إلى ~~السينما .. ولذلك أخذ يفكر في الزواج تفكيرا جديا منذ اليوم الذي عين ~~فيه مهندسا بمصلحة الأشغال العسكرية. وراح يقتصد من مرتبه ما ms53 يقوم بنفقات ~~الزواج، من مهر وشبكة وهدايا وفرح كما كان يفعل شباب الجيل الماضي. فلم يكد ~~يمضي عليه عامان خارج المدرسة حتى تزوج، ولم يدهش أحدا أن تنعطف هكذا سريعا ~~إلى الزواج هذه النفس المطمئنة إلى الحياة البيتية منذ نعومة الصبا. ولكنه ~~كان سيئ الحظ؛ فما كاد يستدير عام ويستقبل طفلة حتى أصيبت زوجه بحمى ~~النفاس، فزلزل بيته الهادئ المطمئن وارتجت حياته السعيدة وقد عرف منذ ~~اليوم الأول للمرض ما الخوف وما الإشفاق وما الجزع. واندفع إلى استدعاء أعظم ~~الأخصائيين من الأطباء حملة الباشوية والبيكوية غير مبق على مال أو ضان ~~بثمين، حتى اضطر إلى بيع المذياع وساعته الذهبية، ولو طلب إليه أن ينقل دمه ~~إليها لأداه إلى آخر قطرة .. وبالغ في ذلك فطلب من مصلحته إجازة كي لا يفارق ~~المريضة، وكان يراقب أعين الفاحصين من الأطباء ويسألهم، ويطالع وجه زوجه بعد ~~ساعة، ويسأل العرافين ويزور أضرحة الأولياء ويفسر الأحلام، متلمسا الطمأنينة ~~في مظانها جميعا. # وهل ينسى الليالي التي قضاها مسهدا قلقا لا يغمض له جفن، ينظر ببصر ~~حائر إلى الوجه الشاحب على ضوء المصباح الأحمر الخافت؟ .. وكانت هي مسكينة ~~تستحق الرثاء، تضطرب بين النوم القلق واليقظة الحائرة، وبين النزاع ~~والهذيان، وما هذا الهذيان؟! .. إنه ظاهرة عجيبة تدل على أن الإنسان قد يخون ~~نفسه كما يخون الآخرين. كما يصغي إليها وهي تذكر بلسان متقطع أسماء أناس ~~وأماكن وحوادث كثيرة، وكان شاركها شهود بعضها، فجرى الابتسام على فيه، ~~وترطب التهاب عينيه المحمرتين بنظرة حنان. وفي ذات ليلة سمعها تناديه ~~بصوت واضح قائلة: «صابر»، فهرع إليها متسائلا: «نعيمة .. هل تحتاجين إلى ~~شيء؟» ولكنه أدرك أنه خدع لأنها كانت مغمضة العينين يابسة الفم كما يبدو ~~من ازدراد ريقها بصعوبة، فعلم أنها ماضية في هذيانها الذي لا ينتهي، فعاد إلى ~~سريره، وما كاد يرقد مرة أخرى حتى سمعها تقول وكأنها تحادثه: «صابر .. أنا ~~متألمة خجلة.» فهز رأسه المثقل المتعب، وقال لنفسه: «أنت متألمة بغير شك. ~~أعانك الله على ما أنت فيه. ولكن مم تخجلين! ms54 إن هذا الابتلاء لا يخجل ~~أحدا وإن كان يحزننا جميعا.» وظن أنها تألم لما يتكلفه من حولها من ~~العناء والسهر، فرمقها بنظرة حنان ورجا أن يكون هذا الشعور من آي اليقظة ~~والشفاء. واستدركت المرأة تقول: «زوجي أحسن الأزواج، أما أنا فشقية. لست ~~أهلا لوفائه.» فتنهد الشاب حزنا، وتمتم قائلا بصوت غير مسموع: «أنت ~~أهل لكل خير.» وأراد أن يناديها لعله ينتشلها من تيار أفكارها المحمومة، ~~ولكنها حركت رأسها بعنف على الوسادة وقالت بحنق: «راشد .. كفى وابتعد عني .. ~~ابتعد ودعني.» وكان يهم بمناداتها فاحتبس الكلام في فيه، وحملقت عيناه ~~المسهدتان، وبدا على وجهه الذهول والإنكار. وجلس في فراشه وهو يتساءل: ~~«راشد! من راشد هذا؟» وكان يشعر شعورا باطنيا بأنه لا يسمع هذا الاسم ~~لأول مرة، وكأنما سبق أن آذى مشاعره. وأسند جبينه إلى كفه، وأغمض عينيه، ~~وكأن صاحب هذا الاسم يعيش في الظلام فقد رآه وعرفه، وأحس لذلك رجفة تسري في ~~مفاصله .. راشد أمين أو أمين راشد - لا يذكر - شاب نافسه في طلب يدها على عهد ~~خطبته لها، ولولا أن والدها فضله هو واختاره لكان قد تزوج منها. وقد تذكر ~~أنه رآه مرة وإن كان لا يحفظ من صورته أي أثر، ورفع رأسه مرة أخرى ونظر إليها ~~بعينين مرتابتين لا تصدقان؛ ورغب رغبة حارة في أن يستزيدها ويستوضحها، ولكنه ~~لم يدر كيف يحثها على الكلام. ورأى شفتيها تتحركان في ضعف؛ فدنا من حافة ~~سريرها، وأرهف السمع وكتم أنفاسه وهو يعاني جزعا مجنونا، فسمع صوتها يقول ~~فيما يشبه الأنين: «من يقول هذا؟ .. أف والخيانة .. راشد .. صابر .. ~~الخيانة شيء قذر.» فشبك كفيه وشدهما على صدره بحالة عصبية كأنما يضرع ~~إلى شيء مجهول أن يمنع كارثة على وشك الوقوع، وحول بصره من طول الجمود على ~~وجهها، فغاب عنه ما حوله، وكبر الوجه في وهمه حتى ملأ الفراغ الذي أمامه فثقل ~~عليه وسمج، ودوى صدى صوتها في أذنيه فصار كطنين لا ينقطع، وثقل تنفسه ~~ويبس حلقه .. ما هذا الذي تتكلم عنه؟! ما هذه الخيانة التي ms55 أطلق الهذيان ~~عقدة كتمانها فانطلقت خبيثة منكرة أنكى من الحمى؟! هل يكذب الهذيان؟ كيف ~~يكذب الهذيان؟! ولكن كيف يصدق أذنيه وما بذل زوج لزوجه عشر ما بذل من ~~الرقة والمودة، وما بذلت زوجة لزوجها عشر ما كانت تبذله له من الصفاء ~~والإخلاص؟ فكيف انطوى هذا على أقذر ما تبتلى به الضمائر والنفوس؟ رباه! .. ~~إنها تقول إن الخيانة شيء قذر، وإنها لكذلك، ولكن لا يفزع في هذيانه من ~~قذارتها إلا من انغمس في بؤرتها. رباه! .. لقد ظن أن ما ابتلي به من مرض ~~زوجه أقسى ما ابتلي به إنسان، فإذا به بلاء هين عابر لا يقاس بما هتك ~~الهذيان أستاره، وأحس اليأس يحبس أنفاسه. وكان صابر دمث الأخلاق لين ~~الجانب رقيق الحاشية، لا يدفعه الغضب إلى الانفعال الشديد والعدوان، ولكنه ~~يشل حركته ويعطف اندفاع أعصابه إلى صميم نفسه فيجعله كسيارة يدفعها ~~محركها وتقيد الفرملة عجلاتها، ولكنه بالرغم من هذا، تحول رأسه حركة ~~عصبية إلى سرير الطفلة، وبرح فراشه في سكون، ودنا من السرير وأزاح ستاره، ~~وألقى نظرة غريبة على الوجه الصغير المدمج القسمات، وأدام إليه النظر، والشك ~~والألم يأكلان قلبه بقسوة، ثم تحول عنه إلى وجه زوجه كأنه يسألها ~~ويستوضحها، ودنا من فراشها كالسائر في نومه حتى التصق به. وكانت مغمضة ~~العينين، بادية الاصفرار والخور، تقلب رأسها ذات اليمين وذات الشمال، فألقى ~~عليها نظرة جامدة، جرى فيها بريق القسوة جريان البرق في السحاب الداكن، ~~وكان قبل لحظات إذا وقف موقفه هذا اضطرب جسمه من الحنان والرحمة ودمعت ~~عيناه، ولكن قلبه تحجر هذه المرة، فمال عليها حتى نسمت عليها أنفاسه، ~~وسألها: «نعيمة .. نعيمة .. ماذا فعل راشد؟» فلم تنتبه إليه ولم تصح. فرفع ~~صوته وناداها وهو لا يدري: «نعيمة»، فبلغ صوته مسمعي أمها في الحجرة ~~القريبة. وقامت المرأة من فراشها مضطربة وهي تظن الظنون، وهرعت إليه متسائلة: ~~ما لها؟ .. هل أعطيتها الدواء؟ ولم يكن أعطاها شيئا، وكان يريد استبقاء ~~حالة الهذيان التي تعانيها ليستنطقها ما يريد. فكذب عليها قائلا في استهانة ~~وقسوة: «نعم، ms56 وهي بخير والحمد لله.» وعاد إلى فراشه وأسند رأسه المثخن ~~بالجراح إلى الوسادة ليتخلص من حماته. ولبثت حماته قليلا، وفي أثناء ذلك ~~أخلدت المريضة إلى الهدوء والسكينة كأنما راحت في نوم عميق، فبرحت المرأة ~~الغرفة وكان يتشوق إلى إيقاظها، ولكنه خشي التي في الخارج، قضى بقية الليل ~~مفتوح العينين محموم الرأس بالأخيلة الشيطانية وعيناه زائغتان ما بين فراش ~~المريضة ومهد الطفلة. # وحين سفور الصبح عاودت اليقظة المريضة، وبدا عليها أنها لا تحس شيئا ~~حتى اهتدت عيناها إليه فدبت فيها حياة ضعيفة، وقالت بصوت غدا من وهنه ~~كالصفير: «ما الذي أيقظك؟ لماذا ترهق نفسك هكذا؟» فرد عليها بنظرة جامدة، ~~وكانت تبدو ذاك الصباح أشد هزالا وشحوبا ولاحت في عينيها نظرة الوداع ~~المخيفة، وكان يشغل باله شيء واحد أسهده الليل، ولم يجهل أن إثارته خطر ~~يهدد بالقضاء عليها، ولكنه لم يحس سواه ولم يبال غيره، وكان يشعر نحوها ما ~~عندئذ بحنق وكراهية ورغبة في الانتقام؛ فقال بلهجة جافة: «تكلمت الليلة ~~الماضية كثيرا، فشرقت وغربت، وأجرى الهذيان على لسانك كلاما يحتاج إلى ~~إيضاح.» فلم تفهم شيئا ونظرت إليه بعينين لا تعبران عن شيء سوى الذهول ~~المطلق، وأراد أن يسترسل ولكن منعه عن الاسترسال صراخ الطفلة فجأة، فما لبثت ~~أن هرعت إلى الحجرة حماته والمرضعة فنكص على عقبيه مغضبا وهو يقول لنفسه: ~~«الطفلة الملعونة تداري فضيحة أمها وأبيها!» وغادر البيت يهيم على وجهه ومضى ~~يحدث نفسه: «كان ينبغي أن أعلم كل شيء وقد أتيحت لي فرص، لماذا أفر من ~~صراخ الطفلة؟ أو من ظهور جدتها؟ الحقيقة أني ضعيف .. ضعيف .. دائما يندى ~~قلبي بالحنان وبالعطف، فما كان أجدر بي أن أكون ممرضة .. أما رجلا فلا .. ~~لست رجلا ولست زوجا .. فأمثالي نساء كاملات، أو رجال مغفلون .. ومع هذا هل ~~أنا في حاجة إلى دليل جديد؟ دمرت حياتي وانتهى كل شيء.» # وقضى النهار ضالا لا يقر، يتردد الألم في صدره مع أنفاسه. وعاد مع ~~الأصيل إلى البيت، فوجدها أسوأ حالا وأشد هزالا، وأقبلت عليه حماته تسأله ~~أين ms57 كان وتقص عليه ما قاله الطبيب، فلم ينفذ من قولها إلى صدره، وعاف الرد ~~عليها بتاتا، بل لذ له أن تقول إن الحالة سيئة. فلتتألم كما يتألم، ولكن ~~كيف يفهمها أنه يعلم كل شيء؟ كيف يحادثها في هذا الموضوع الخطير وأمها لا ~~ترضى بمفارقتها في مثل تلك الحال الخطيرة؟ .. واشتد به الحنق فاعتزم أن يمنع ~~عنها الدواء ليعاودها الهذيان سريعا فيسمع منه ما امتنع منه سماعه في ~~اليقظة؟ وملأ الفنجان ماء خالصا ووضعه على فم المريضة فازدرته بامتعاض .. ~~وعاد إلى فراشه يرقب الفرصة، ولكن زوجه لم تنم في تلك الليلة ولم تهذ واشتد ~~عليها الألم الموجع فباتت تئن وتشكو وتضطرب. واستدعى الطبيب عند منتصف ~~الليل فعاينها ولكنه لم ينصح بشيء، وهمس في أذنه بأن الحالة جد خطيرة .. ~~وبعد هذا التصريح بنصف ساعة احتضرت المريضة وفاضت روحها. # وخلا إلى نفسه وكان الذهول مطبقا على حواسه جميعا؛ لأن الموت والخيانة ~~الزوجية انتظما تجاربه الشخصية معا في ساعة واحدة دون عهد سابق بهما. وماتت ~~نعيمة ولم يحزن لموتها، ولكن حادثة الموت أذهلت نفسه الرقيقة المرهفة؛ على ~~أن الحقيقة لم تغب عنه، فقال: «لم تمت كما يظنون .. أنا قتلتها .. ~~قتلتها لأني منعت عنها الدواء ليلتين متواليتين هما أشد ليالي المرض .. فأنا ~~قتلتها.» وجعل يردد: «أنا قتلتها.» فكان يشعر لها بوقع غريب في نفسه يمتزج ~~فيه الخوف بالارتياح. ثم قال مرة أخرى: «وقتلتني هي حيا، وألصقت اسمي قسرا ~~بطفلة إنسان سواي .. ولكني قاتل فلست إذن مغفلا.» وأسند رأسه إلى يده وراح ~~في تأمل طويل، وقد سرت في جسده قشعريرة البرد والخوف. # كيف انقضت الأيام التي أعقبت الوفاة؟ .. انقضت في ألم وقلق ومخاوف لا ~~يمكن أن تتمثل لعقل إنسان، ثم أعلن عن رغبته فجأة في السفر إلى لبنان ~~انتجاعا للصحة والراحة، كان في الحق يفر من أفكاره وطفلته. ومضى إلى ~~الإسكندرية واستقل السفينة، والظاهر أن نفسه الرقيقة تعرضت في البحر لأزمة ~~عنيفة هدت كيانها وأتلفت أعصابه، فاستشعر اليأس من الدنيا جميعا .. وألقى ~~بنفسه في اليم خلاصا ms58 من عذابه وآلامه، محتفظا بأسراره لقلبه ولبطون ~~الأسماك. # وكان يترحم عليه المترحمون فيقولون: «ما رأينا إنسانا يحب زوجه كالمرحوم ~~صابر، فلا هو صبر على فقدانها ولا احتمل الدنيا بعدها، فقضى على نفسه بعد ~~موتها بأيام .. رحمهما الله!» # | فتوة العطوف # عند هبوط المساء غادر المعلم «بيومي» الفوال نقطة بوليس الحسينية يحمل ~~«إنذار التشرد»، يكاد يتصدع صدره من الغضب والغيظ. وكان يرغي ويزبد ~~ويتمتم ويدمدم بأصوات كالخوار، خشنة مبهمة، ما زالت تعلو وتتميز كلما باعدت ~~الخطا بينه وبين نقطة البوليس، حتى صارت في ميدان فاروق لعنا وسبابا ~~وقذفا وصريخا مخيفا عنيفا. وجعل يهز قبضة يده الغليظة في الهواء مهددا ~~متوعدا، ويدير في الفضاء عينين يتطاير منهما الشرر صيرهما الغضب كجمرتين ~~ملتهبتين. فوقع بصره على «تاكسي» واقف بالميدان، فقصد إليه، ورآه السائق - ~~وكان يعرفه - ففتح له الباب، فاندفع إلى الداخل وارتمى إلى جانبه. وأحس ~~السائق بالثورة المضطرمة في صدر صاحبه، فسأله عما يقلقه، ووجد المعلم في ~~السؤال متنفسا عن صدره فرمى إليه بالإنذار وهو يصيح غاضبا: «انظر كيف ~~تعاملني الحكومة السنية!» وشبك يديه على صدره، وقال بلهجة تدل على السخرية ~~والحنق: «ألا ترى أنه يحتم علي أن أجد عملا في ظرف عشرين يوما، أو يزج ~~بي في السجن مرة أخرى؟ ما شاء الله!» واشتد اكفهرار وجهه، وأرسل من تحت ~~حاجبيه الكثيفين نظرة شريرة، وكان صاحبه ساهما متفكرا يردد ناظريه ~~بين وجه المعلم المكفهر والإنذار المبسوط بين يديه. # وكانت هيئة المعلم بيومي من الهيئات التي لا يمكن أن تقتحمها العين، أو ~~تمر بها دون التفات إليها؛ لأن صورته كانت حافلة بآي القوة والجسارة. نعم كان ~~مظهره الرث وملابسه البالية القذرة تنطق بما هو عليه من فقر وبؤس، ولكن هيكله ~~الصلب وصدره العريض وعضلاته المفتولة دلت على القوة والبأس، ونظرة عينيه ~~وإيماءاته توحي بالكبرياء والعنف، وتلك الندوب تكتنف وجهه وجبينه، وآثار من ~~طعن سكين في صفحة عنقه تثبت أنه خاض معارك عنيفة شديدة الهول؛ ولذلك أحاط ~~به في غضبه صمت رهيب ألزم ألسنة الأقربين من ms59 سائقي «التاكسي» الجمود ~~الثقيل. وقد التفت إلى صاحبه وقال في غيظ وحنق: «أنا .. أنا بيومي الفوال. ~~تتنكر لي الدنيا إلى هذا الحد؟!» وكبر عليه الأمر فجعل يضرب كفا بكف ~~ولسانه لا يكف عن القذف والتهديد، وأكثر من القذف والتهديد. وقليلا ما كان ~~يحرك لسانه ساعة الغضب فيما مضى من زمانه. فكان إذا غضب انطوى على الغضب ~~حتى ينزل عقابه الصارم بعدوه، ولكن لم يبق له من ماضيه ذاك إلا ذكريات تطوف ~~بين الحين والحين برأسه المثقل فتنشر في ظلماته ضياء منيرا مقتبسا من عز ~~الماضي ومجده وسلطانه. # كانت نشأة المعلم بيومي في العطوف. وقد شهد صباه الأول على جسارته ~~الطبيعية، فكان من خيرة صبيان الأعور «فتوة» العطوف الذي أرهب السكان وأعجز ~~رجال الأمن. يجلس بين يديه يستمع إلى قصص مغامراته، ويشهد مشاجراته ويخرج في ~~مؤخرة عصابته إذا نفرت لقتال عصابات الدراسة أو الحسينية عند سفح المقطم، ~~يحمل في حجره «الزلط» و«قطع الزجاج» يمد بها المتعاركين من قومه، ويلاحظ ~~فنون قتالهم عن كثب، ويمتلئ حماسة للقتال وأعمال الجرأة. فما شارف الثامنة ~~عشرة حتى اشتد ساعده وانفتلت عضلاته، ومهر مهارة عجيبة في الضرب ب «الروسية» ~~والعصا والسكين والكرسي؛ واشترك في معارك فردية وجماعية، فأبلى فيها أحسن ~~البلاء .. وذاع أمره كمتعارك شديد المراس، يقدم على مقاتلة عشرات الرجال ~~بقلب لا يهاب الموت، ويدمر مقهى كاملا إذا حدثت النادل نفسه بمطالبته ~~بثمن مشروب. وأكبر الأعور فيه هذه الصفات، فاصطفاه وآخاه وجعله ساعده الأيمن، ~~وقاسمه الغنائم والأسلاب. ومات الأعور فخلفه على أريكة «الفتونة» دون شريك. ~~وأبى طموحه عليه الهدوء والراحة، فتحدى فتوة الحسينية وظهر عليه، وقاتل ~~فتوة الدراسة فهزمه، وخرج بمجموعه إلى الوايلية فأذل كبيرها ومزق جموعه ~~شر ممزق، ودوى اسمه في تلك الأحياء دوي نذير الغارات، واستكانت له نفوس ~~الفتوات، وأفاد من سلطانه فائدة رمقتها عيون الحسد جيلا طويلا، فجعل مركزه ~~قهوة غزال بالخرنفش حيث يجتمع بأنصاره وصبيانه. وفرض الإتاوة على كبار ~~الأغنياء والتجار والقهوجية وشركة سوارس يؤدونها إليه صاغرين، ومن يتردد عن ~~دفع ms60 ما يطلب منه عرض نفسه وما يملك للهلاك المبين. هذا غير ما كان يؤجر له ~~من أعمال الانتقام والتهديد وحماية بعض النسوة من أهل الهوى. وتنافس كثيرون ~~في التودد إليه بإهدائه الهدايا الثمينة، فكان يتقبلها تقبل الزاهد فيها ~~وهو من غير الشاكرين. وعاش المعلم بيومي في ظل سلطانه عيشة راضية في بلهنية ~~ونعيم، يلبس الجلباب الحرير والعباءة من وبر الجمل، ويتلفع بالشال الكشمير ~~الفاخر، ويركب الدواكر تجره الجياد المطهمة .. ثم عشق «عالمة»، فتزوج منها، ~~وكان فرحه فرح أهل الجمالية والعطوف والدراسة جميعا، وانتظمت «زفتة» ~~الفتوات من جميع الأحياء وعددا عديدا من أصحاب «السوابق» وحاملي ~~الإنذارات والمترددين على السجون .. وأحيا ليالي العرس الشيخ ندا وعبد ~~اللطيف البنا وبمبة كشر. ثم ما زال يعلو يوما بعد يوم حتى تسنم ذروة المجد ~~في الانتخابات الأولى عام 1924. فقد أقر بنفوذه كثير من رجالات السياسة في ~~مصر وسعوا إليه يرجون نصرته لهم، ويساومون على شراء أصوات أنصاره وأتباعه، ~~وشهدت قهوة غزال محضر باشوات وبيكوات يجلسون إلى المعلم بيومي الفوال متوددين ~~متحادثين. وكان المعلم يصغي لهم ويستولي على نقودهم، ولكنه في يوم ~~الانتخابات ذهب، وصحبه إلى أقسام البوليس يعطون أصواتهم لمرشحي سعد ~~زغلول. # ومنذ ذاك العهد وهو يسمي أولئك الباشوات والبيكوات ب «الكروديات» على أنه ~~كان يباهي باتصالاته بهم في أحايين كثيرة، فيقول في أثناء حديثه: «وقال لي ~~الباشا كيت وكيت.» وقلت للباشا كيت وكيت. # تلك أيام خلت .. وخلفت وراءها دهرا قاسيا شديد الظلمات، فما يدري ~~أولئك الفتوات إلا والبوليس يضيق بهم ذرعا ويشمر للقضاء على أعمالهم. وكان ~~من سياسته أن قذف الحسينية بضابط شاب لم تشهد الداخلية له من قبل نظيرا، ~~سواء في قوته أم في شجاعته وشدة عناده. وكان يعلم أن هدفه الأول هو المعلم ~~بيومي الفوال، فلم يجد عنه، ولم ينتظر الأدلة القانونية لأنه كان يعلم أن ~~أحدا من الناس لن تواتيه شجاعته على الشهادة ضده. فهاجمه بجنوده بغتة، ~~وقاده إلى النقطة وأمر الجنود بضربه ضربا مبرحا. وأصيب المعلم بذهول شديد ~~لذاك العدوان ms61 الجريء. فما كان من الضابط إلا أن أعاد الكرة مرة ومرتين حتى ~~كسر شوكته. ثم جعل يسوقه أمامه محاطا بجموع الجند الشاكي السلاح يصفعونه في ~~كل منعطف طريق، ويركلونه أمام كل قهوة، وينزلون بمن يظهر لهم من فتيانه ~~أشد العقاب، فأفاق الناس من غشيتهم، وانحلت عقدة الذعر الممسكة بألسنتهم، ~~فهرعوا إلى رجل الأمن يشكون ويستعدون، ووجد الرجل الدليل الذي يطلبه وزج ~~بالمعلم في غيابات السجون يذوق أشد الأهوال والآلام. وهكذا أخذ المعلم ~~بالإرهاب الذي أخذ به الناس جميعا. وقضى في السجن بضع سنين. ولما فارقه لم ~~يجد أحدا من الفتوات في استقباله يهنئه ويقول له: «السجن للجدعان»؛ فقد ~~لاذ كل منهم بسبيله؛ منهم من سجن، ومنهم من هجر الحسينية، ومنهم من راض ~~نفسه على العمل كما يعمل الناس جميعا سعيا وراء الرزق. فألفى المعلم عالمه ~~مهجورا كئيبا، ومجده ذكرى أليمة لا يترحم عليها إنسان، حتى زوجه ضاقت ~~بفقره وتسوله، فهجرته وعادت إلى بنات فنها في شارع محمد علي. وطحنت ~~الآلام تلك النفس الجبارة العاتية، وترنح صاحبها تحت أثقال الهموم لا ~~يستطيع أن يجأر بصوت الشكوى خشية عيون البوليس المحدقة به من كل جانب، وظل ~~على حزنه وألمه حتى تلقى إنذار التشرد الذي يخيره بين العمل أو ~~السجن. # طافت برأسه - في ساعة بؤسه تلك - صور من أيام مجده تراءت راقصة ~~أمام ناظريه خلال أغشية الحزن والألم. وكان صاحبه السائق في تلك الأثناء ~~يراقبه بطرف خفي وأصابعه تعبث بالإنذار الذي أحدث كل ذاك الغضب. وكان ~~يدير أمرا هاما في عقله. فلما قلبه على أوجهه المحتملة التفت إلى ~~المعلم وسأله: ماذا تقول يا معلم لو عرض عليك عمل يدفع عنك غائلة ~~البوليس؟ # وحدجه المعلم بنظرة غريبة دون أن يفوه بكلمة، وتشجع السائق بصمته، ~~فاستدرك قائلا: سبق أن علمتك قيادة السيارة، وهي صنعة في اليد تعمر ~~بيوتا، وما من شك في أنك خبير بالطرق والمواصلات، وأستطيع أن أدلك على عمل ~~في «الجراج» الذي أعمل فيه على شرط أن تتنازل وترضى .. فما رأيك يا ~~معلم ms62 ؟ # ولم يسارع المعلم إلى الفرح كما ينبغي لأي رجل في مكانه؛ لأن العمل كان ~~التجربة الوحيدة التي لم يعرفها، وهو لم يكن شيئا عظيما قط في نظر الفتوات ~~المحترفين، فتوجس منه خيفة، ولكنه لم يكن في حالة يستطيع معها رفض ما يعرض ~~عليه ما دام العمل هو المنقذ الوحيد له من السجن. فقال لصاحبه بلهجة لم تخل ~~من الامتعاض: وهل من الممكن أن ألحق بهذا العمل قبل مضي العشرين ~~يوما؟ ~~- بغير شك ولا ينقصك إلا شيء واحد. # فتساءل المعلم قائلا: وما هو؟ ~~- بذلة يا معلم، لأنه لا يمكن أن تكون «شوفيرا» بغير بذلة. اشتر بذلة ~~أو أجرها أو استعرها كيفما اتفق. ولكن لا بد من بذلة. # ومال إلى التفكير في الأمر تفكيرا جديا، ووجد نفسه يحاول حل مسألة ~~العثور على بذلة. ولكنه لم يدر له بخلد أن يجد ضالته عند صاحبه السائق أو ~~عند أحد من أقرانه؛ لأنه كان يعلم أنهم لا يملكون سوى البذلة التي يلبسونها، ~~على أنه لم ييأس لذلك من العثور على بذلة، فعليه بالأفندية الذين كانوا إلى ~~عهد قريب يتقون أذاه ويرجون خيره، فلا يمكن أن يضنوا عليه ببذلة قديمة ناءت ~~الأقدار باقتنائها قوام حياته. واعترض على أولئك الأفندية سبلهم وطرق ~~أبوابهم، ورجاهم بلهجة غير التي ألفوا أن يسمعوها منه أن يتنازلوا له عن ~~بذلة قديمة، ولكنهم ردوا عليه بأوجه من الأعذار لا تنفد؛ فقال فريق إنهم لا ~~يملكون سوى بذلة واحدة غير التي يلبسونها، واعتذر فريق آخر بسوء الحال وكثرة ~~العيال ووطأة الأزمة. وقال واحد بقحة إن خادمه أحق ببذلته القديمة. وعجب ~~المعلم لأولئك اللؤماء، واهتاجه الغضب اهتياجا شديدا وقال لنفسه بإصرار ~~وعناد: «ما دامت البذلة تنقذني من السجن فسأحصل عليها مهما كلفني ذلك من ~~العناد.» وكان يتخبط في الطريق على غير هدى حين وجد نفسه اتفاقا أمام دكان ~~كواء عند مبتدأ شارع السبيل، فألقى عليها نظرة سريعة لصقت بالبذلة المعلقة، ~~فتراخت ساقاه عن المشي، وأسند ظهره إلى شجرة قريبة، ومضى يتفرس في البدل ~~المتراصة ms63 تفرس الجائع المنهوم في فرن الحاتي المليء بالشواء من اللحوم، ثم ~~عاين المكان فرأى الدكان قاتما إلى جانب جراج تحدهما من الخلف صحراء ~~العيون. ودارت برأسه خواطر محمومة عنيفة وعزم عزما أكيدا. # وأصبح الصباح وجاء الكواء يفتح دكانه فما راعه إلا أن رأى في ظهرها ~~ثغرة، فانخلع قلبه وهرع إلى ثياب زبائنه، ووجدها كاملة عدا بذلة واحدة .. ~~فكانت دهشته قدر انزعاجه! # وصار المعلم بيومي سائق تاكسي، ولم يعد لضابط نقطة الحسينية من سلطان ~~عليه، ولأمر ما اختار الجيزة ميدانا لعمله فارا بالبذلة التي لم تهده ~~الحيلة إلى صبغها أو قلبها كما كان ينبغي أن يفعل اللص الماهر. وما كان يصبر ~~على نظام العمل لولا أن السجن كان عوده على ما هو أشد إيلاما ومقتا، ~~فرضي كارها أن يلبي النداء ويحمل الراكبين، ويبدي احترامه لمن كان ~~بالأمس ينظر إليهم شزرا، ويدعوهم ب «الكرديات». # ولم تخل حياته في ذاك المهجر من حوادث؛ ففي ذات أصيل، وكان مضى عليه ما ~~يقارب الشهر في عمله. وكان ينتظر في موقفه، برز رجل وجيه من باب الفانتزيو، ~~وناداه ولبى المعلم مسرعا، وترك مقعده ليفتح الباب للسيد الوجيه. ومضت ~~دقيقة وهو ينتظر والرجل لا يتحرك، فعجب المعلم للأمر، ونظر إلى الرجل فرآه ~~ينظر إليه بإنكار، بل رآه ينعم النظر في بذلته. وخفق قلب المعلم واضطرب وأحس ~~كمن وقع في فخ، وهم بالتحرك، ولكن الرجل دنا منه وأمسك بالياقة بسرعة ~~وثناها ليقرأ اسم الطرازي ثم قبض على ذراع المعلم وصاح به بغضب: قف يا لص .. ~~من أين لك هذه البذلة؟ # ونادى الشرطي بصوت عال، فحدجه المعلم بنظرة نارية، وكان يستطيع بغير شك ~~أن يبطش به لو أراد، ولكنه استشعر بأسا غريبا خرج به عن وعيه فما يدري إلا ~~والشرطي يقبض عليه .. والظاهر أن الحظ الذي حالفه قديما تخلى عنه إلى ~~الأبد، وإنه ليعاني الآن آلام السجن، والله وحده يعلم ما هو صانع به بعد ~~ذلك. # | حلم ساعة # من عجيب الأمور أننا قد نحيا حياة سعيدة نخالها طويلة في ms64 حلم قصير ~~الأجل. وما تعتم أن تطرق اليقظة مغلق الأجفان، فينتقل النائم من عالم ~~الأحلام المخدرة إلى دنيا حقائق شديدة الجفاء، وما يجد يده قابضة إلا على ~~هواء. على هذا المثال مضى ذلك اليوم من حياته. كان يوما أو بعض يوم، ولكن ~~قلبه ذاق فيه سعادة وغبطة، وحلق في آفاق بعيدة من أحلام المنى، وخفق خفقة ~~فرح سماوي جاز به عالم الزمان والمكان. ثم أدركته يقظة منكرة اغتصبته من ~~عالمه الحنون السعيد، على نحو بالغ في القسوة والوحشية. # كيف كان ذلك؟! # كان اليوم السعيد يوم الخميس، وكان الأستاذ «بهاء الدين علما» عائدا من ~~سماع محاضرة علمية في الجمعية الجغرافية الملكية عن الغدد الصماء، وكان يسير ~~في ميدان الإسماعيلية متفكرا في تلك الأدوات الإنسانية العجيبة المسيطرة على ~~الفرد أيما تسيطر، وكيف يزعم العلماء أنهم بالتحكم في إفرازاتها يستطيعون أن ~~يحولوا الطيب إلى شرير، والشرير إلى طيب، والشاعر إلى رياضي، والرياضي إلى ~~شاعر. وكيف يفسرون أخيلة جيته وأحلام شيلي بعصاراتها المتدفقة في الدم؟ .. ~~وكان رأسه لا يكاد يخلو من أمثال هذه الأفكار، فهي مادة عمله ومادة حياته ~~معا. وفي الواقع يندر أن تجد بين الشباب المعيدين بكلية العلوم من يناظر ~~الأستاذ بهاء الدين في حبه العلم وحرصه على تحصيله. # وكأنما أرهقه القعود والسكون - في أثناء إلقاء المحاضرة - فأحس بارتياح ~~إلى المشي واعتزم السير على قدميه إلى شارع فؤاد الأول، واتجه إلى شارع قصر ~~النيل في خطى وئيدة، يدخن لفافة من التبغ ويجتر أفكاره وتأملاته في لذة ~~ويسر، وصادف بلوغه مدخل المكتبة الفرنسية بروز فتاة منها تندفع فيما يشبه ~~العدو، فتوقف بحذر ووجل، وتراجع خطوة على عجل، وتوقفت مثله وتراجعت، ~~والتفت نحوها فرآها ترمقه بنظرة ارتباك واعتذار ثم مضت في سبيلها، حتى إذا ~~ما حاذته عطفت رأسها إليه بغتة، وقد بدا على وجهها التساؤل والحيرة وكأنها ~~تحاول تذكره ولا تدري كيف، ثم أدركت ما في نظرها إليه هكذا من الغرابة، ~~فأدارت رأسها عنه وما روت غلة، وقصدت إلى سيارة تنتظر إلى جانب الطريق ms65 ، ~~فأدرك من أول وهلة أن صورته اشتبهت عليها وعلت لذلك فمه ابتسامة، وأراد ~~أن يستوثق من رأيه فألقى بنظرة إلى السيارة - وكان جاوزها بأمتار - فرآها ~~تتابعه بنظرتها تعلو وجهها آي الحيرة والغرابة، فغمرته موجة انفعال ~~مضطرب لذيذ، وتعثر بأذيال الارتباك والحيرة. ثم تحركت السيارة مندفعة في ~~الاتجاه الذي يسير فيه وما تزال صاحبتها ترنو إليه خلال زجاج النافذة بنظرة ~~تحير بماذا يصفها .. ودية حنون؟ .. حتى باعدت بينهما المسافة .. وعجب ~~الأستاذ أيما عجب، على أن عجبه كان شيئا يسيرا إلى ما أحس به ساعتئذ من ~~ثورة الوجدان، وكانت الفتاة شابة حسناء مدمجة الخلق، مرتوية الساقين، فاتنة ~~القسمات، يزين وجهها عينان زرقاوان، لنظرتهما وقع السحر في الحواس والقلب ~~والأعصاب، فانبعث في قلبه خفقان واضطراب، وشعر بنشوة رائعة، ثم لسعته حسرة ~~أليمة، حسرة محروم طال عهده بالحرمان. وكانت حياته في الواقع خالية من الحب ~~مثل كهف رطب لا تزوره الشمس؛ لأن تفانيه في طلب العلم لم يدع له وقتا لشيء ~~سواه، ولعيبين طبيعيين كبرا في وهمه واشتدا على نفسه؛ إذ كان يترامى ~~إلى أذنيه أنه ثقيل الظل، وكان إلى هذا عيب حصور لا يكاد يبين، فلم يكن في ~~وسعه قط أن يحسن خطاب فتاة فضلا عن أن يغازلها. ودعاه هذا وذاك إلى ~~النفور من الحسان وإلى ما يشبه الخوف منهن. وحز لذلك الألم في نفسه، وسكب ~~في قلبه امتعاضا ومرارة، فتبدى عليه الجفاء والوحشة، واضطرب عهدا طويلا ~~يائسا بين الرغبة في الحب والخوف من المرأة، والتشوف إلى النساء والحقد ~~عليهن، فكانت تلك النظرة الحلوة أول نسمة تهب عليه من دنيا الوجدان فترتوي ~~بها نفسه الظمآنة ويندى بها قلبه الجاف. ولكنه ارتواء كالظمأ وندى أشد ~~حرقة من الجفاف، فتحير وتعجل وتساءل وهو يقلب كفيه .. ترى ما خطب ~~هذه الفتاة؟ .. وما معنى هذه النظرة الفاتنة التي أذابت الوجد والهيام ~~والحنو، المتجمدة في قرارة نفسه؟ .. إنه لا يعرفها على وجه اليقين، ولا يذكر ~~أنه رآها من قبل، وهي بغير ريب لا تعرفه أيضا؛ فلا هي قريبة ms66 ولا جارة ولا ~~طالبة بكلية العلوم، ولعله التبس عليها شبهه، ولكن كيف طال بها الشك تلك ~~المدة السعيدة التي أدامت فيها النظر إليه؟! .. ومضى يتفكر تنقله الحيرة ~~من فرض إلى فرض، وقد انشغل عن الغدد والكيمياء جميعا، وكان في عزمه أول ~~الأمر أن يعود إلى بيته فيستمع إلى المذياع ساعة ويطالع ساعة قبل النوم، ولكن ~~عافت نفسه ذلك ومضى يضرب في الأرض على غير هدى تاركا محرك خياله للخواطر ~~السعيدة والأحلام اللذيذة والأوهام المخدرة، حتى أعياه التعب وتعناه المشي. ~~وكان سري عنه بعض الشيء، وأخذ يفيق من أثر النظرة، فاتجه إلى قهوة ~~روجينا، وجالس بعض صحبه حتى شارفت الساعة التاسعة، ثم خطر له أن يقضي ~~سهرة المساء في سينما رويال، وكان قليلا ما يجذبه مزاجه إلى ذلك. فسار بلا ~~تردد إلى السينما، وابتاع التذكرة، وكان يكره الانتظار جالسا، فدلف إلى ~~الصور المعلقة بالردهة الخارجية، وقلب فيها عينيه، ثم أولاها ظهره ~~ملالا، وأرسل بناظريه إلى مدخل السينما يشاهد جمهور الداخلين، فرأى سيارة ~~فخمة تقف أمام مدخل السينما، وفتح بابها ونزلت منها سيدة بدينة بادية النعمة ~~والثراء، تبعتها على الأثر فتاة حسناء انخلع لرؤيتها قلبه في صدره وأحس ~~بفرح عجيب تمازحه دهشة، فلم تتحول عنها عيناه. وفاته في ذهوله أن يرى ضابط ~~بوليس شابا يبرز من الباب الثاني للسيارة، ويدور حولها بسرعة ويلحق بالسيدة ~~والفتاة. وانعطف رأس الفتاة إليه - وكانت فتاته دون سواها - كأنما جذبتها ~~قوة بصره المشوق فالتقت عيناهما، ولاح على محياها الجميل الاهتمام ~~والدهشة، ورقت نظرتها بالحنان الذي حيره وفتنه منذ حين، فتبعها في خطى ~~مضطربة ملبيا نداء قوة عاتية. وصعدت الفتاة مع الصاعدين إلى الطابق ~~الثاني فوقف في الردهة يتابعها بعينيه، ورآها قبل أن يغيبها عن ناظريه ~~منعطف السلم تلقي عليه نظرة أخرى .. يا لها من نظرة! .. فاستخفه طرب ~~جنوني عذب لا يتأتى لغير الموسيقى وصفه. واندفع إلى الداخل لا يلوي على شيء، ~~فلما اطمأن به مقعده مضى يصعد نظره في «الألواج والبناوير» باحثا عن الوجه ~~الحبيب ذي النظرة ms67 الفاتنة الحنون حتى وجد ضالته في «البنوار» رقم 3، وكانت ~~تتقدم السيدة بقامتها الهيفاء، والتقت نظرتها بوجهه هذه المرة نحو السيدة ~~البدينة، التي تدل الظواهر على أنها أمها، ورآها تهمس في أذنها، ثم شاهد ~~السيدة تنظر إلى أسفل باحثة بعينيها حتى استقرتا عليه .. فارتبك وتعجب ~~وتساءل: ترى لماذا تدل أمها عليه؟ .. على أن عجبه ازداد إلى غير حد؛ لأنه ~~رآها تعطف رأسها إلى الوراء وتحادث شخصا لا يرى سوى أعلى طربوشه، ومال هذا ~~الشخص إلى الأمام ونظر صوبه وكان ضابط البوليس، فلم يستطع أن يديم النظر إلى ~~أعلى، وأدار رأسه إلى الأمام، ولكنه تذكر هذا الضابط، وذكر أنه كان من ~~زملاء فرقته في الخديوية، وأنه كان يدعى علي سالم، وأنه كان مبرزا في ~~الألعاب الرياضية، وظن أنه أخو الفتاة، ولكنه تحير في فهم الدواعي التي ~~بعثتها إلى توجيه الانتباه إليه بكل جسارة، وفيما عسى أن تكون حدثتهما به ~~عنه .. وغلبه الشوق وحب الاستطلاع، فرفع بصره إلى «البنوار» مرة أخرى، فرأى ~~الوجوه الثلاثة محدقة فيه. وخيل إليه أن زميله القديم يحييه، فلم يصدق ~~بصره وظل جامدا لا يتحرك، فأعاد الضابط تحيته برفع يده إلى رأسه، ورد ~~عليه الأستاذ التحية مرتبكا، وشاهده يدعوه أن يصعد إليه، فخفق قلبه خفقة ~~عنيفة وقام واقفا وقد لفته الدهشة والارتباك، وغادر المكان في ذهول شديد، ~~وصعد السلم والتقى بصاحبه عند مدخل «البنوار»، واستقبله هذا استقبالا ~~وديا، وشد على يده بحرارة - ولعله فعل ذلك ليطرد عنه الدهشة والارتباك - ~~ثم أوسع له وهو يقول هامسا: «تعال أقدمك إلى أهلي.» ووجد نفسه في ~~البنوار أمام السيدة والفتاة الجميلة، وقال الضابط يقدمها له وهو يشير بيده: ~~«حرم الأميرالاي محمد جبر بك. الآنسة زينب كريمتها وخطيبتي.» # ثم التفت إليه وقدمه لهما مكتفيا بذكر اسمه وزمالته القديمة؛ لأنه ~~يجهل حاضره .. ودوت كلمة «خطيبتي» في أذنيه دويا مزعجا أطفأ نشوة الفرح ~~في حواسه جميعا، وسكب مكانها خيبة مرة، فجلس كما طلب إليه ذاهلا ~~مرتبكا قانطا عاجزا العجز كله عن حصر انتباهه فيما حوله، وكانت ms68 السيدة ~~ترحب به وتشارك الضابط في التودد إليه ومجاملته ولكنه لم يدر مما قالا ~~شيئا، واكتفى بانتزاع ابتسامة مغتصبة من شفتيه يرد بها عليهم ردا ~~صامتا كئيبا. وكان يتخبط في حيرة. ms69