######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.HadithSabahWaMasa.Hindawi86838270 #META# Tags: novels #META# ID: 86838270 #META# Title: حديث الصباح والمساء #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حرف الألف‏ # حرف الباء‏ # حرف الجيم‏ # حرف الحاء‏ # حرف الخاء‏ # حرف الدال‏ # حرف الراء‏ # حرف الزاي‏ # حرف السين‏ # حرف الشين‏ # حرف الصاد‏ # حرف العين‏ # حرف الغين‏ # حرف الفاء‏ # حرف القاف‏ # حرف اللام‏ # حرف الميم‏ # حرف النون‏ # حرف الهاء‏ # حرف الواو‏ # حرف الياء‏ # حرف الألف‏ # حرف الباء‏ # حرف الجيم‏ # حرف الحاء‏ # حرف الخاء‏ # حرف الدال‏ # حرف الراء‏ # حرف الزاي‏ # حرف السين‏ # حرف الشين‏ # حرف الصاد‏ # حرف العين‏ # حرف الغين‏ # حرف الفاء‏ # حرف القاف‏ # حرف اللام‏ # حرف الميم‏ # حرف النون‏ # حرف الهاء‏ # حرف الواو‏ # حرف الياء‏ # | حديث الصباح والمساء # | حديث الصباح والمساء # تأليف # نجيب محفوظ # | حرف الألف # أحمد محمد إبراهيم # في السماء زرقة صافية، وعلى الأرض تغفو ظلال أشجار البلخ، وأديم ~~الميدان العتيق يشرق بنور الشمس، ويتلقى من الحارات هديرا لا ~~ينقطع؛ ميدان بيت القاضي يضم قسم الشرطة الحديث، وبيت العدل والمال ~~القديم، وتطؤه أقدام حافية، وشباشب مزخرفة، ومراكيب ملونة، ~~وحوافر الخيل والحمير والبغال. ويطلع أحمد على ذلك الملعب الواسع ~~فسرعان ما ينسى بيته الأصلي؛ بيت والديه بحارة الوطاويط. كان ابن ~~أربعة أعوام عندما حمل إلى بيت جده لأمه بميدان بيت القاضي ~~ليؤنس وحدة خاله قاسم الذي كان يكبره بعام ونصف عام. خلا البيت ~~بعد زواج البنات والصبيان فلم يبق فيه إلا عمرو أفندي الأب وراضية ~~الأم، وآخر العنقود قاسم. لم يعرف قاسم أخواته صدرية ومطرية وسميرة ~~وحبيبة، وأخويه عامر وحامد إلا كضيف عابر مع أمه أو أبيه، ~~يزورهم، كما يزور فروع أسرته في ميدان خيرت أو سوق الزلط أو ~~العباسية الشرقية. وفي بيت شقيقته مطرية بحارة الوطاويط أحب ~~ابنها أحمد حبا فاق حبه للجميع. وكان لأحمد أخ أكبر يدعى ~~شاذلي وأخت في اللفة تدعى أمانة ولكنه خص أحمد بكل قلبه. وكانت ~~مطرية تحب قاسم كأبنائها فأهدته إليه ليعيش في كنف جديه ويؤنس ~~وحدته في بيت كبير خال من الأنيس. ولم يرتح محمد أفندي إبراهيم ~~- أبو أحمد - لذلك كما لم ترتح له أمه - حماة مطرية - ولكنهما ~~لم يعترضا مصممين على أن يسترداه ms001 حال بلوغه السن المناسبة ~~لدخول الكتاب. وجهل قاسم تلك النية المبيتة فنعم بالصحبة في ~~صفاء لا يشوبه كدر. وكان أحمد كأنه آية في الجمال، مورد البشرة ~~ملون العينين ناعم الشعر خفيف الروح، يتبع خاله كظله في أرجاء ~~الميدان، يشاهدان ألعاب الحاوي، وعربة الرش، وطابور جنود الشرطة، ~~ويستقبلان معا عم كريم بياع الدندورمة، ويتابعان بشيء من الخوف ~~مواكب الجنازات، وكانت الرائحة والغادية من الجارات تنظر إلى أحمد ~~وتتساءل: من هذا الولد الجميل؟ # فيجيب قاسم باعتزاز: أحمد ابن أبلة مطرية. # فتمضي المرأة وهي تقول: الجميل ابن الجميلة. # وكان محمد أفندي إبراهيم يقول لراضية أم قاسم: لا تملئي رأس أحمد ~~بحكايات العفاريت يا نينة. # فترمقه باحتقار وتقول: يا لك من مدرس جاهل! # فيضحك الرجل كاشفا عن ثنيتيه المتراكبتين ثم يواصل ~~تدخين غليونه. ذلك أن ختام اليوم يتم عادة بين يدي راضية فتنداح ~~النشوة في قلبي الطفلين على سماع الحكايات قبيل النوم، وتنهمر ~~على خيالهما كرامات الأولياء وعبث العفاريت، وينغمس الواقع في ~~دنيا الأحلام والخوارق والآيات الربانية. وتمضي بهما في أوقات ~~الفراغ من بيت إلى بيت، ومن ضريح ولي إلى جامع حبيب من آل البيت. ~~وظلت الدنيا لهوا ولعبا حتى حمل قاسم ذات يوم إلى ~~الكتاب ليبدأ حياة جديدة وليحرم من رفقة أحمد ثلثي النهار. ~~والكتاب يقع في منحنى من منحنيات عمارة الكبابجي على بعد ~~خطوات من البيت، ولكنه محاط بسياج من التقاليد الصارمة تجعل منه ~~سجنا تتلقى فيه المبادئ الإلهية تحت تهديد المقرعة ... ولم ~~تجد التوسلات ولا الدموع. ويغادره عصرا فيلقى أحمد وأم ~~كامل في انتظاره عند الباب. لم تعد الدنيا كما كانت. تسللت ~~إليها هموم لا مفر منها. وبغريزة يقظة شعر بخطر آخر ~~يتهدده من ناحية محمد إبراهيم والد أحمد، فهو لا يرتاح لإقامة ~~أحمد بعيدا عنه. وتتجلى في عينيه الجاحظتين نظرة باردة نحوه، ~~ويقول لأمه: أنا لا أحب هذا الرجل. # فيكفهر وجهها الأسمر الطويل وتقول له: يا لك من جاحد! ألم ~~يهد إليك ابنه؟ ~~- ولكنه يريده. # فتضحك قائلة: أترغب في أن ms002 ينزل لك عن ملكيته؟! ~~••• # ولكنه ذات يوم لم يجد أحمد في انتظاره لدى خروجه من الكتاب، ~~ووجد أمه جادة أكثر من عادتها، وقالت له: حبيبك مريض. # ورآه مستغرقا في نوم ثقيل في فراشه، وراحت أمه تعمل له ~~مكمدات خل وهي تتمتم: يا ولدي ... يخرج منك صهد كالنار. # ولا تكف عن تلاوة الآيات. ولما رجع عمرو أفندي إلى البيت ~~مساء رأى أن يرسل أم كامل لإخطار مطرية وزوجها. ولما لم ~~تنخفض الحرارة بالبخور والتعاويذ، جاء عمرو أفندي بطبيب من ~~الجيران، ولكنه أعلن أنه طبيب عيون ونصح باستدعاء الدكتور ~~عبد اللطيف المقيم في باب الشعرية. واعترض عمرو أفندي قائلا: ~~ولكنه متزوج من العالمة بمبة كشر! # فقال الطبيب ضاحكا: بمبة كشر لم تنسه الطب يا عمرو ~~أفندي. # وجاء الطبيب زوج العالمة المشهورة، وشعر قاسم بأنه شحن الجو ~~بمزيد من التوتر. وسمع أمه وهي تقول: أنا لا أصدق الأطباء ولا ~~أعترف إلا بطبيب واحد هو خالق السماوات والأرض. # وتمر الأيام ويتساءل قاسم أين أحمد؟! أين غابت نضارته ~~وجماله؟! # عاد عصر يوم من الكتاب. # دهمه البيت بمنظر جديد، رأى أهله جالسين في صمت غريب. في ~~حجرة أحمد لمح أمه وجدة صديقه لأبيه، وفي حجرة المعيشة رأى ~~إخوته وأخواته ... عامر وحامد وصدرية وسميرة وحبيبة. أما مطرية فكانت ~~تجهش في البكاء وإلى جانبها يجلس محمد إبراهيم واجما يدخن ~~غليونه. وتسرب الخوف إلى قلبه مع الهواء المفعم بالحزن، وأدرك ~~بطريقة ما أن ذلك العدو الذي سمع عنه في مناسبات ماضية، الذي رآه ~~يخيم فوق الجنازات المتجهة نحو الحسين، قد اقتحم بيته وخطف ~~أحب خلق الله إلى قلبه. وصرخ باكيا حتى حملته أم كامل إلى ~~السطح. ومن وراء خصاص نافذة الحجرة الصيفية رأى جدة أحمد تحمل ~~بين ذراعيها لفافة مزركشة وتستقل حنطورا مع ابنها وعمرو ~~أفندي. وذهب الحنطور يتبعه حنطور آخر يحمل عامر وحامد وعمه سرور ~~أفندي. جنازة من نوع جديد فهل انتهى أحمد؟! أبى أن يصدق ذلك أو ~~يسلم به. آمن من كل قلبه بأنه سيراه مقبلا ذات ms003 يوم مطلا ~~بعذوبته الوردية، ولكنه لم يكف عن البكاء. وفي الليل انفض ~~الجميع، نهره أبوه قائلا: كفاية! # فسأل أباه برجاء: أين ذهبتم به؟ # فقال عمرو: لم تعد طفلا، أنت في الكتاب وتحفظ سورا من كتاب ~~الله، أحمد مات، وكل إنسان سيموت كما يشاء الله، وهذه هي إرادة ~~الله. # فتساءل محتجا: ولكن لماذا؟ ~~- إرادة الله، ألا تفهم؟! ~~- لا أفهم يا بابا. ~~- لا ... هذه قلة أدب أمام الله ... سيذهب أحمد إلى الجنة بغير ~~حساب، وهذا حظ عظيم ... # فاحذر قلة الأدب. # فصاح: أنا حزين جدا يا بابا. ~~- اقرأ الفاتحة يبرد قلبك. # لكن قلبه لم يبرد. وكان كلما تذكره بكى. وقيل إن حزنه عليه ~~فاق حزن أمه نفسها ... ولم يسل عن حزنه حتى تحطم واقعه وخلق ~~خلقا جديدا لم يجر لأحد على بال. # أحمد عطا المراكيبي # عملاق في الرجال، بالطول والعرض، وقسمات الوجه الخليقة بتمثال، ~~يجري دمه الدافق في أديم أسمر، صورة خيالية لبطل حكاية شعبية ~~بشاربه الكث وراحته المنبسطة، وظاهر يده الأشعر، يملأ مقعد ~~الحنطور وهو يتهادى به في ميدان بيت القاضي قبل أن يقف أمام البيت ~~القديم إذا جاء لزيارته في هالة إقطاعي كبير، ويتلقى ابن ~~أخته عمرو أفندي - وهو يماثله في السن - بين أحضان عامرة ~~بالود، ويصافح راضية بحرارة، ويضع الهدايا فوق الكنصول وهو ~~يتساءل: أين قاسم؟ # ويند عنه صوت هادئ خفيض يعد غريبا بالنسبة للهيكل العملاق ~~الصادر عنه، وتشع من عينيه البنيتين نظرة وانية متوددة ~~تتحلى بالطيبة والسلام، كأنه مسجد ضخم يجمع بين الجلال ~~والأمان. ~~- حدثنا كيف حال أولادنا؟ # يقصد البنات والأبناء. وكان يزور الجميع على فترات وخاصة البنات ~~ليزكي مكانتهن أمام أزواجهن. وكان يغمر قاسم بالحلوى، وقد حزن ~~لوفاة أحمد الذي أحبه كثيرا لجماله. # ويبقى عادة للغداء مشترطا تقديم وجبة بلدية من طواجن راضية ~~التي اشتهرت بإتقانها مع إضافات جاهزة من طعمية الحلوجي وكباب ~~العجاتي، ويواصل البقاء حتى يقضي السهرة مع عمرو، وشقيقه سرور في ~~الكلوب المصري. وكان الفرع الفقير من الأسرة يسعد بزيارات الفروع ~~الغنية مثل آل المراكيبي ms004 ، وآل داود ويزهو بما تحدثه من أثر باق ~~في الحي رغم أن راضية كانت تقول لعمرو: لا أصل لأحد منهم، كلهم ~~نشئوا في التراب! # ثم تلتفت إلى قاسم قائلة بتحد: يوجد رجل واحد ظفره بكل ~~هؤلاء، هو جدك الشيخ معاوية! # فيبتسم عمرو ويصمت إيثارا للسلامة. على أن قاسم لا يفيق أبدا ~~من سحر سراي آل المراكيبي بميدان خيرت. في حجم ميدان بيت القاضي ~~وفي ارتفاع القلعة، ولها حديقة مثل حديقة الحيوان، لا حصر ~~لحجراتها، ولا مثيل لأثاثها، وأي تحف مختلفة الأشكال والألوان ~~وتلك التماثيل من الجص والبرنز في الأركان، وفوزية هانم حرم أحمد ~~بك ونازلي هانم حرم محمود بك، ذواتا البشرة العاجية والأعين ~~الملونة. عالم حقيقي يفوق بسحره عالم الحكايات والأحلام. وجدته ~~لأبيه نعمة عطا المراكيبي هي أخت أحمد بك ومحمود بك. ولكنها امرأة ~~فقيرة رغم ذلك لا تملك من دنيا الله سوى ابنيها عمرو وسرور ~~وابنتها رشوانة، غير أن الأخوين الثريين كانا يحبان ~~أختهما ويحبان ذريتها وخاصة عمرو أفندي الذي تميز بحكمة فطرية. ~~وكان أحمد بك يوثق عزوته بآل داود، أقارب أولاد أخته نعمة ~~وأصهاره، على ما بين الفرعين الثريين من غيرة متبادلة ~~ويدعوهم لسراي ميدان خيرت، وكان أحمد أحب إلى عبد العظيم باشا ~~داود من أخيه محمود لدماثة خلقه وبساطته وتواضعه. ولكن جرت ~~العادة عند ذكر آل المراكيبي في بيت عمرو أن يقول عبد العظيم باشا ~~بسخرية: مال كثير وجهل أكثر وما المنبع؟ ... بياع مراكيب حقير ~~بالصلحية! # أو يقول محمود عطا عن آل داود: ألقاب رنانة ... والأصل أجير على ~~باب الله! # فيقول عمرو بتقواه المعروفة: كلنا أولاد آدم وحواء. # وقد بدأ عمرو وسرور ومحمود وأحمد حياتهم التعليمية في سنوات ~~متقاربة وقنعوا بالشهادة الابتدائية، فالتحق عمرو وسرور بالحكومة ~~لفقرهما، واقتحم محمود تجربة الحياة تحت جناح أبيه، وجنح أحمد ~~للدعة وحياة الأعيان، فأسقطه أبوه من حسابه. كان يمضي وقتا في ~~العزبة ببني سويف على هامش العمل الزراعي، ثم يرجع وحده، أو هو ~~وفوزية هانم إلى السراي بالقاهرة بمقامه في الدور ms005 الثالث، وينفق ~~وقته بين زيارات الأهل واستقبال الأصحاب. كان بهوه الفخم معدا ~~لاستقبال الأصدقاء والأقارب، يحتسون الشاي والقهوة والقرفة ويلعبون ~~النرد والشطرنج ويدعون للغداء أو العشاء، ويسهرون في ليالي رمضان ~~والمواسم حتى مطلع الفجر. كان الفونوغراف رفيق خلوته، والحنطور ~~متعته، وحدائق شبرا والقبة مرتاده، والسيدة مصلاه أيام ~~الجمع، وقد يحضر بعض ليالي الذكر الصوفية مع عمرو ابن أخته ~~المنتسب للطريقة الدمرداشية. ولما مات الأب عطا المراكيبي ~~تلقى مجرى حياته الهادئ الدائم الخضرة دفقة هواء عنيفة كادت ~~تعصف به. وجد نفسه بغتة أمام مسئولية ضخمة لم يدرب على ~~التعامل معها. كان عليه أن يدير أرضه الموروثة - ثلاثمائة فدان - ~~بالإضافة إلى أرض زوجته البالغة المائة. وقال له محمود بك: ~~ستتعلم كل شيء، ولديك من يعاونك، ولكن ... وكور الرجل يده ~~الغليظة ثم واصل: عليك أن تتخلى عن طيبتك، فالتعامل مع ~~الفلاحين والمستأجرين غير التعامل مع الأصحاب والأقارب! # وفكر طويلا وهو يتخبط في الشرك، ثم قال: أنت أخي الأكبر، وما ~~لقيت منك إلا البر والوفاء، وأنا لم أخلق لذلك. # بذلك حل محمود محل أبيه. ولم ترتح فوزية هانم للقرار وقالت ~~له بأدبها الجم: شد ما تعجلت قرارك دون مشاورة. # فسألها بحيرة: هل يداخلك شك من ناحية أخي؟ # فقالت بأمانة: نعم الأخ هو، ولكن لم تضع نفسك تحت ~~وصايته؟! # فقال: إنه شقيقي وحبيبي، وأنت شقيقة زوجته، وأسرتنا مثال في ~~الوئام والحب، وقد فعلت ما أراه مناسبا. # وواصل حياته الناعمة، وكان يتسلم نصيبه دون مراجعة، وكان ~~الخير عميما والبال رائقا. وانقضت عليه ثورة 1919 فهزته من ~~الأعماق وأشعله سحر زعيمها، وتبرع لها بعشرة آلاف جنيه ~~مستجيبا لاقتراح أخيه. تناسيا وصية قديمة لأبيهما بالبعد عن ~~السياسة وتجنب ما يثير غضب السلطات الشرعية وغير الشرعية. كان ~~المد أقوى من أن يفلت منه إنسان. ولكن عندما أطل الشقاق بقرنه ~~وحصل الخلاف بين سعد وعدلي، تشاور الرجلان فيما ينبغي فعله. أو راح ~~محمود يفكر وأحمد يتابعه. قال محمود: انقضت فترة العواطف وجاءت ~~فترة العقل. # فقال أحمد: الأرض كلها مع سعد. ms006 ~~- نكون حيث تكون مصلحتنا. # فاشتد انتباه أحمد حتى استطرد أخوه: لا يغرنك الهتاف، الإنجليز ~~هم القوة الحقيقية، عدلي قريب منهم ولكنه لا يوفر الأمان ~~الدائم، هناك سلطة شرعية هي الوسيلة الباقية بين الإنجليز وهي ~~العرش، فليكن ولاؤنا للملك! # فقال أحمد مستسلما: الصواب معك دائما يا أخي! # وعرف ذلك الموقف في بيت القاضي حيث يتجاور بيتا عمرو وسرور. وهمس ~~عمرو بأسلوبه الهادئ: سلوك غير لائق. # فقال سرور بسخرية: أقاربنا الأغنياء، وهبهم الله مالا لا ~~يعد وخسة لا تدانى. # وكان عمرو يتحرج من العنف لأكثر من سبب؛ لهدوء طبعه من ناحية، ~~ولزواج حامد ابنه من شكيرة بنت محمود بك، وعامر من عفت بنت عبد ~~العظيم باشا، ولكنه لم يخف رأيه عن خاله أحمد بك وهو يتعشى ~~معه في السراي، فقال له أحمد باسما: علم الله أن قلبي معكم ولكنه ~~رأي محمود! # فقال عمرو آسفا: الميدان تحت بيتنا يموج بالمظاهرات كل يوم، ~~والهتاف بسقوط الخونة يتصاعد إلى السماء. # فقال أحمد: أصحاب المصالح لا يحبون الثورات يا ابن ~~أختي. # والواقع أن أحمد هو الذي ~~تعرض للنقد لاختلاطه بالناس ليل نهار، أما محمود فكان أكثر وقته ~~منغمسا في عمله في العزبة. ونتيجة للولاء المعلن في تلك الفترة ~~الحرجة فاز الأخوان برتبة البكوية في عيد الجلوس، وسر بها ~~الرجلان سرورا فاق كل تصور. وأولم أحمد وليمة دعا إليها جميع ~~الأقارب نساء ورجالا، من آل عمرو وسرور وداود، وبدت السراي في ~~حلة لا تبدو بها إلا في الأفراح. وغاص أحمد في حياته الخاصة حتى ~~قمة رأسه، ولم يأذن لهموم الوطن بالتسلل إلى خلوته وتكدير ~~صفوها. ولكن بتقدم الزمن ونمو الأبناء جاءته المتاعب من حيث ~~لم يحتسب. لم يوافق ابنه الأكبر على الوضع الذي اختاره لنفسه ~~تحت وصاية أخيه. وخاض نزاعا طويلا عنيدا مع أمه أولا ثم مع ~~أبيه ثانية. ولم يعف أباه من ملاحقته حتى وعد باسترداد حقه ~~الذي نزل عنه بمحض اختياره. ومن تلك الشرارة اندلعت النيران في ~~أركان الأسرة المتحدة. انتهز أحمد فرصة زيارة محمود ms007 للقاهرة لبعض ~~شأنه وفاتحه في الموضوع على استحياء، وختم حديثه كالمعتذر ~~قائلا: الأولاد كبروا ولهم رأيهم! # أدار محمود ما سمع في رأسه طويلا وهو يتلقى من الغضب أمواجا ~~هادرة. كان قد تطبع بسلطة غير محدودة، ومارس في السراي هيبة ~~تجاوزت أسرته إلى أسرة أخيه الوديع الطيب. كانت فوزية هانم تهابه ~~وتصدع بأوامره على حين تناقش زوجها مناقشة الند للند. وكان ~~ابنا أحمد يلتزمان أمامه حدود الأدب والطاعة على حين يتعاملان مع ~~أبيهما بالحب والمرح والحرية. وأفلت الزمام من يدي محمود فقال ~~لأخيه: يا لك من رجل ضعيف! كيف سمحت لابنك بهذا العبث؟! # فاستاء أحمد ولم يشأ أن ~~يفرط في احترام أبنائه له فقال: لا ضرورة للكلمات القارصة يا ~~أخي. # فسأله بوحشية: هل تشكون في ذمتي؟ # فبادر يقول: معاذ الله، ما هو إلا حقي في تولي شئوني ~~بنفسي. ~~- حقك في تدمير نفسك بنفسك بوحي من حماقة أولادك؟ # فقال عابسا: الله المستعان. # وتلا ذلك مناقشة مع عدنان الابن الأكبر لأحمد اعتبرها محمود بك ~~قحة تستحق الزجر. وكان أن خاطب الشاب عمه بشيء من العنف ~~اعتده الرجل جريمة. وسرت النار من فرد إلى فرد. تخاصم ~~الشقيقان، وانحازت كل زوجة إلى زوجها ممزقة الولاء لشقيقتها، ~~وتبادل أبناء العم أسوأ ألوان السباب. وتهرأت عروة الأسرة، ~~وانطوى كل فرع على نفسه في دوره بالسراي كأنه لا يعرف الآخر، ~~وخابت مساعي رشوانة وعمرو وسرور في إصلاح البين، بل إن حامد بن ~~عمرو - وكان يقيم مع زوجته شكيرة في دور محمود وأسرته - وجد ~~مشقة وحرجا ليحافظ على صلته الطيبة بآل أحمد خال أبيه. وانتقل ~~أحمد بك إلى العزبة في بني سويف ليتسلم أرضه على كبر، فيزرع ما ~~يزرعه منها ويؤجر ما يؤجره، ولقي في ذلك من المتاعب ما لم يتصوره ~~وتعرض لخسائر لم تجر له في حسبان. وقبيل الحرب العظمى ~~الثانية بقليل أصيب الرجل بالفالج وحمل إلى فراشه بالقاهرة في ~~انتظار النهاية. كان أول من هوى من الجيل الثاني العتيد، وكانت ~~الأمراض ترشح بقية الجيل للحاق به بطريقة ms008 أو بأخرى، وكان ~~عمرو ما زال يقاوم الأجل، وفي الحال زار محمود بك وقال له: آن لك ~~أن تنسى الخصام وأسبابه وأن تعود شقيقك. # وصمت الرجل متأملا ثم قال: ثمة أمور لا تنسى، ولكني سأفعل ~~ما يليق بي .. وما تدري أسرة أحمد بك إلا ومحمود بك يستأذن في ~~الدخول. وجموا ووقفوا له متأدبين وقد دمعت أعينهم. وكان ~~بصحبته زوجته وأبناؤه فتم التصافح وقال الرجل: يذهب الشقاق ~~وينسى ويظل القلب ينبض بدقات القربى. # ومضى إلى أخيه المطروح فوق فراشه بلا حركة ولا نطق. انحنت فوزية ~~هانم فوق أذنه وهمست: أخوك محمود بك جاء ليطمئن عليك. # فانحنى بدوره فوقه ولثم جبينه ثم استقام وهو يقول: العفو عند ~~الرحمن، شد حيلك. # ورفع الرجل جفنيه الثقيلين، وتبدى عجزه عن النطق، ولكن لم ~~يشك أحد في الأثر الطيب الذي اختلجت به وجنتاه المحتقنتان. ~~وأسلم الروح عند منتصف تلك الليلة الحزينة. # أدهم حازم سرور # مهندس معماري من خريجي عام 1978. استقبل حياته العملية وهو ابن ~~خمسة وعشرين في القاهرة الحافلة بالمشكلات، ولكنه لم يعثر في ~~حياته بمشكلة واحدة. وتلاطمت حوله أمواج البشر والمركبات وانفجر ~~هديرها مثل عزيف البراكين، ولكنه نعم في فيلا والديه بالدقي ~~بالهدوء والسكينة وشذا الورد والأزهار، وتحير جيله في مسالك ~~الحياة بحثا عن الهوية والبيت والزوجة وتحقيق الذات ولكنه وجد ~~مكتب والده الهندسي في انتظاره ليشغل فيه مركز السيادة المرموق. ~~وسيم مثل أبيه، ومثله أيضا ضعيف العين اليسرى لدرجة العمى، ولا ~~يعرف من شئون الدنيا إلا فنه ولا ينتمي إلا لأحلام التفوق ~~والثراء، ويكاد لرقة دينه أن يكون بلا دين عن غير إلحاد. وقالت ~~سميحة هانم أمه مخاطبة أباه: خسرنا أخاه الأكبر، فدعني ~~أهيئ له حياة محترمة! # فقال برقة مشفقا كالعادة من إغضابها: هذا جيل يختار لنفسه ~~فلا تتحدي كبرياءه ... ولكنها غضبت رغم رقته، اشتعلت كالعادة ~~صائحة: في أسرتكم عرق قذر أخشى أن يسوقه إلى طريق ~~أخيه. # فأشعل سيجارة وقال لها: افعلي ما بدا لك. # ولكن أدهم كان مبادرا بأكثر مما تخيلت، فأخبرهما وهم ms009 جلوس في ~~حديقة ميناهاوس صباح يوم العطلة بأنه اختار شريكة حياته ... وفزعت ~~أمه وحملقت في وجهه متسائلة، وحدس الشاب مخاوفها فقال باسما: ~~كريمة، في السنة النهائية بكلية الحقوق، أبوها محمد فوزي مستشار ~~بقضايا الحكومة. # هدأت أعصابها فيما بدا وتناولت ملعقة من الكاساتا وراحت تلوكها ~~في فمها المنقوشة حوافيه بتجعيدات السنين، ثم تمتمت: لا بد من ~~التحري. # فقطب أدهم، وقال الأب ملاطفا: مجرد إجراءات ولكني ~~متفائل. # وتبودلت زيارات، وحظي الاختيار بالرضا، وكان لا بد أن تعلق ~~بنقد ما فقالت لحازم زوجها: أمها جاهلة فيما يبدو. # فعجب الرجل لقولها إذ إنها - سميحة - لم تحصل على البكالوريا ~~ولكنه قال: لا أهمية لذلك. # وتم الاتفاق على كل شيء، واشترى حازم لابنه شقة في المعادي ~~بتسعين ألفا من الجنيهات، استقر ابنه وعروسه فيها في نهاية ~~العام. # ولم يكن أدهم يعرف من شجرة أهله إلا فرع أمه، جده محمد ~~سلامة منشئ المكتب الهندسي وأخواله وخالاته. أما أهل أبيه فكان ~~يعرف - ربما معرفة عابرة - أن جده سرور أفندي عزيز كان موظفا ~~بالسكك الحديدية، وأن عمرو أفندي عم والده كان موظفا بالمعارف، ~~وكان له عمات ولكل أبناء وبنات ولكنه لم ير أحدا منهم. يعرف ~~أيضا أن أسرته من حي الحسين وهو حي يقترن في ذهنه بالفقر ~~والتأخر فلا حاجة به إلى تذكره، ولم يمر به إلا عابرا ~~وهو في سيارة. وكثيرا ما يلتقي بنفر منهم في الميادين أو بعض ~~الأماكن العامة فلا يعرفهم ولا يعرفونه. وتابع أبوه نشاطه بارتياح، ~~واطمأن إلى أنه إذا تقاعد يوما - وهو قريب - فسيترك المكتب لرجل ~~قادر. وقد قال له يوما بمناسبة ما ذاع وشاع عن الفساد: كل الفرص ~~متاحة، لك العلم والذكاء والهمة فتجنب الانحراف، لا تسخر من ~~النصيحة. إن كنت ممن يسخرون من القيم، فعلى الأقل احرص على ~~السمعة واخش السجن! # أمانة محمد إبراهيم # مشرقة اللون، دقيقة القسمات، ناعمة الشعر، صورة جديدة لأمها ~~مطرية لولا بروز ما في ثنيتيها وهي آخر من أنجبت مطرية، ~~وجاء ميلادها قبيل وفاة أحمد بأشهر. وأحبها خالها ms010 قاسم ولكنه لم ~~يجرؤ على المطالبة بها كما فعل مع شقيقها الراحل. فجعل يحبها من ~~بعيد حتى انتزعته مأساته الشخصية من هموم الدنيا جميعا. وماتت ~~جدتها لأبيها وهي في السابعة فحزنت عليها حزنا أكبر مما يجوز في ~~سنها. ودخلت المدرسة الابتدائية دون اعتراض بحكم زمنها، وبحكم ~~زمنها أيضا انتقلت منها إلى المرحلة الثانوية. ومع أن مطرية لم ~~يكن يشغل بالها إلا الزواج إلا أنها قالت لزوجها: كبنات أختي ~~سميرة، الدنيا كلها تود أن تتعلم اليوم. # وكان محمد إبراهيم يسلم بذلك دون مناقشة. وكان قد رقي لدرجة ~~مدرس أول مع بقائه في مدرسة أم الغلام بشفاعة عبد العظيم باشا ~~داود. والحق أن أمانة أبدت استعدادا طيبا للتعليم وتجلى ~~تفوقها في الرياضيات، وتراءت لها الجامعة كحلم سهل التحقيق. ~~وحصلت على البكالوريا ولكن في العطلة الصيفية التالية مرض أبوها ~~مرضا لم يمهله فسرعان ما توفي وهو في الخمسين. ورثت الأسرة البيت ~~والمعاش وإيجار دكان في أسفل البيت، وكانت الحرب العظمى الثانية ~~قد انتهت ورحل من الجيل الثاني عمرو وسرور ومحمود عطا، فشعرت مطرية ~~بأنها تواجه الحياة وحيدة. في ذلك الوقت تقدم عبد الرحمن أفندي ~~أمين الموظف بدار الكتب لطلب يد أمانة. رجل يكبرها بخمسة عشر ~~عاما ذو سمعة طيبة، وكان رأي أمانة أن الرجل مقبول ولكنها تود ~~أن تكمل تعليمها. وقالت لها مطرية بعطف: ظروفنا تقتضي تفضيل ~~الزواج. # وشاورت مطرية أمها فقالت راضية: الرجل المناسب أهم من الجامعة ~~ألف مرة. # ونظرت إلى أمانة بإعجاب وقالت: كيف تهتم بالتعليم بنت في ~~جمالك؟ # وقال لها خالها الشيخ قاسم: رأيتك في المنام وأنت ترقصين في قسم ~~الجمالية! # وسألت مطرية أمها عن تأويل الحلم فقالت دون تردد: القسم هو الأمن ~~والأمان، هو بيت الزوجية. # وجهزت مطرية أمانة بمهرها وثمن حليها وحلي جدتها لأبيها وما ~~تبقى من مدخر قليل للمرحوم محمد إبراهيم، وزفت إلى زوجها ~~بشارع الأزهر. ووضح أن الحب أظل بجناحه الأسرة الجديدة، ولكن ~~التوافق بين الزوجين بدا من أول الأمر أنه يقتضي عناء مريرا. ~~المسألة أن ms011 عبد الرحمن أمين آمن بسيادة الرجل، وأنها كانت شديدة ~~الحساسية تتهول في وجدانها قرصة نملة فتخالها قرصة ثعبان. ~~سرعان ما تبكي وتنفرد بنفسها أو تذهب من الأزهر على حارة الوطاويط. ~~وتمضي بها مطرية لتفض الاشتباك فتتورط في الخصام. وقالت لها ~~شقيقتها الكبرى صدرية: ليس زوج بنتك بأسوأ من زوجي ... ومع ذلك لم ~~يدر أحد بما ينشب بيننا، لا تتدخلي بينهما ولا تميلي مع أمانة مع ~~كل خلاف. # وعلمت راضية بذاك النقار ~~المتجدد فاستعانت بالتعاويذ والرقى وزيارة الأضرحة، وبدا أن ~~الحال تنذر دائما بمزيد من الشقاق حتى لاح شبح الطلاق بوجهه ~~القبيح كالوطواط الأعمى. وضاعف من عمق المأساة أن أمانة بمجرد أن ~~أنجبت بكرها محمد استحوذت عليها الأمومة واختفت الزوجة الجميلة أو ~~كادت. وأنجبت بعده عمرو وسرور وهدية، وابتعد شبح الطلاق، واستمر ~~النقار، وانطبع الوجه الجميل بطابع أسى دائم. وشرع الأبناء في ~~التعليم مع أول جيل لثورة يوليو، وعبروا جو بيتهم الكئيب ~~فحلقوا في سماوات من الآمال والمجد حتى غرقوا في بحر الحيرة الذي ~~ابتلع ضحايا 5 يونيو 1967، ومضوا يستقبلون حياة عملية بعد رحيل ~~الزعيم الأول، وفي موجة النصر والانفتاح فازوا بعقود عمل في ~~البلاد العربية، حتى هدية لم تتخلف عن ذلك وكانت مطرية قد رحلت ~~بدورها بعد معاناة طويلة لخيبة الأمل، بعد موت البكري ورحيل ~~الزوج قبل الأوان، وانحراف شاذلي، وسوء حظ أمانة، وسلم عبد ~~الرحمن أمين بالواقع بعد طعنه في السن، ونعمت أمانة بنجاح ~~أبنائها وإن حل بها الكبر والسقام قبل الأوان. وبحكم الزمن شهدت ~~رحيل الأعزة من الأخوال والخالات وبقية الأقارب، وقرأت كتاب ~~الأحزان وهو يقلب صفحاته صفحة في إثر صفحة ... واستمعت إلى ~~نبوءات الشيخ قاسم المرسلة من وراء السحب لتجري أحكامها فوق ~~المصائر. # أمير سرور عزيز # ولد ونشأ في بيت القاضي، وكان بيت سرور أفندي يلاصق بيت شقيقه ~~عمرو أفندي، كما كان أمير يقارب ابن عمه قاسم في سنه، وقد شارك ~~ابن عمه في لعبه وجولاته، وانفصل عنه عقب مأساته على رغمه، وكان ~~بخلاف إخوته قويا مع ms012 ميل إلى البدانة وحب للدعابة، وكان ~~أشبه الجميع بعمه عمرو في رجولته وتقواه. وقد عرف ثورة 1919 ~~كأسطورة من المظاهرات والمعارك والقصص فترعرع سعديا وطنيا ~~مؤمنا. وحاول أن يقلد أخاه لبيب في تفوقه واجتهاده فشق طريقه ~~بنجاح ولكن دون أخيه بمراحل. وبسبب من تقواه وروحه المحافظة على ~~الآداب والتقاليد ساءت علاقته بأخته جميلة التي كانت تكبره بأربع ~~سنوات، لاعتراضه على ما اعتبره تحررا في سلوكها لا يليق بسمعة ~~الأسرة ولا بكرامة الدين. ولم ير أحد من أسرته رأيه فزادوا ~~غضبه حتى قال له أبوه: أنت متعصب أكثر من اللازم فدع الأمر ~~لي. # وبدخوله المرحلة الثانوية بدأ يشارك في المعارك الحزبية التي ~~نشبت بعد رحيل سعد زغلول. اشترك في المظاهرات التي قامت احتجاجا ~~على دكتاتورية محمد محمود، وأصابته هراوة لبث بسببها في المستشفى ~~أسبوعين. وكان له ثلاثة أقارب من ضباط الشرطة في مراكز حساسة ~~بالداخلية، حامد عمرو ابن عمه، وحسن محمود عطا ابن خال أبيه، وحليم ~~عبد العظيم داود ابن عم أبيه، وتشاوروا في الأمر وكلفوا ~~أقربهم إليه بتحذيره وترشيده. وكان حديث قدمه حامد على مسمع ~~وشهود من سرور عمه، وعمرو أبيه. قال مخاطبا ابن عمه: اسمك على ~~رأس قائمة سوداء في الداخلية. # فقال أمير ضاحكا - وكان الضحك عادته: لي الشرف. # فأشار ابن عمه إلى أثر الجرح في صدغه وقال: ما كل مرة تسلم ~~الجرة. # وقال له أبوه: لا يتورعون عن فصلك من الكلية. # وقال حامد: إني وفدي مثلك، ولكن لا بد من النصيحة. # وكان الشاب لا يخفي احتقاره لآل عطا وآل داود، وكان يشعر ~~بفتور عواطف أبيه نحوهما، وتهكمه عند كل مناسبة بأصلهما. ومضى ~~أمير يتألق في سماء السياسة في أوساط الشباب الوفدي، ويقدم ~~لزعماء الوفد، ويطير بطموحه الوطني إلى آفاق بعيدة. وحاول شقيقه ~~لبيب - وكان وكيل نيابة في ذلك الوقت - أن يفرمل من اندفاعه ولكنه ~~قال له: قد عرفت سبيلي ولن أتراجع عنه. # فسأله بهدوئه الطبيعي: وإذا رفت ونحن فقراء كما تعلم؟ # فقال بثقة: في تلك الحال أعمل في ms013 الصحافة. # ولكنه لم يرفت ولم يعمل في الصحافة ولم يواصل جهاده السياسي. ~~ففي أوائل عهد إسماعيل صدقي، وفي طوفان المظاهرات التي قامت ~~احتجاجا على إلغاء دستور 1923، أردته رصاصة قتيلا في شارع ~~محمد علي. وقد تولى رجال الأمن دفنه مع كثيرين حتى لا تهيئ ~~جنازاتهم فرصة لقيام مظاهرات جديدة، ولم يسمح لشهود دفنه إلا ~~لأبيه وعمه وإخوته، وقد هز موته المبكر آل سرور من الأعماق، ~~وكذلك آل عمرو، وتذكروا ما قاله له الشيخ قاسم في آخر زيارة لبيت ~~عمه: سترفع العلم الأحمر. # فأولوا قوله بأنه إشارة إلى دمه المسفوح يوم ~~استشهاده! # | حرف الباء # بدرية حسين قابيل # ولدت في شقة بعمارة حديثة بشارع ابن خلدون، فكانت بكرية حسين ~~قابيل تاجر التحف بخان الخليلي وسميرة كريمة عمرو أفندي والرابعة ~~في ترتيب ذريته. وكان الحي يعبق برائحة اليهود المتفرنجين. ~~وكانت العذوبة في ملامحها والرشاقة في أطوار سلوكها. وكانت إذا ~~زارت البيت القديم في بيت القاضي بصحبة والديها لفتت الأنظار ~~بنضجها المبكر. ويضحك جدها عمرو أفندي ويقول: الظاهر أنها ~~ستستعمل الحجاب والنقاب قبل الأوان. # فيقول حسين قابيل: ولكنها يا عمي ستواصل تعليمها إلى ~~النهاية. # فتقول راضية ضاحكة: يا له من عالم مجنون، ولكنه لذيذ. # فتقول سميرة: لن نفرق بين البنات والصبيان في شيء. # وتسألها راضية: وإذا جاء عريس في السكة؟ # فتقول سميرة دون تردد: عليه أن ينتظر أو يذهب مع ~~السلامة. # فيقول الأب مداريا اعتراضه بابتسامة: سميرة ... أنت خواجاية ~~غريبة في أسرتنا! # وفعلا حين المراهقة رآها تاجر في زيارة لدكان والدها فأراد ~~أن يخطبها، ثم عدل لما عرف أن عليه أن ينتظر حتى تنتهي من ~~تعليمها. ولكن جاء زائر آخر عجزوا عن التعامل معه. كانت قد جاوزت ~~الخامسة عشرة، وكانت تجالس أمها وإخوة لها في الشرفة، عندما ~~سقطت على وجهها متصلبة الجسد مرتجفة الأطراف وفوها ينثر ~~الزبد ... آه ... إنه الصرع. وكانت مأساة قاسم قد حفرت في الوجدان ... ~~ولكن هذا صرع شديد العنف. واستدعي الطبيب ونصح بالراحة وتغيير ~~الهواء ومزيد من لين المعاملة، وانقطعت عن المدرسة، ms014 وحلت في ~~عينيها النجلاوين، مكان النظرة المتألقة، أخرى خابية ذاهلة، ~~وتلاشى الحوار وحل محله هذيان. واستغاثت سميرة بأمها، وقال ~~حسين قابيل: لو كانت تملك نفعا لنفعت به ابنها. # ولكن سميرة لم تأخذ بذلك المنطق، وجاءت راضية ببخورها ورقاها ~~وتعاويذها. وطافت بالبنت أضرحة الأولياء وآل البيت، ومضت الحال من ~~سيئ إلى أسوأ، فلم يبق منها إلا خيال. # وفي صباح يوم من الأيام قالت بدرية لأمها: رأيت في النوم ~~أميرا يدعوني إلى نزهة في القناطر. # فران التشاؤم على قلب سميرة، وعند الضحى احتضرت الفتاة ثم ~~أسلمت الروح. هكذا فقدت سميرة بكريتها كما فقدت مطرية ~~بكريها، ولكنها فقدتها وهي في أوج صباها، وأحاط بها ~~المعزون من آل عمرو وسرور، ومحمود بك عطا وأحمد بك عطا، وعبد ~~العظيم باشا داود. وشد ما حزنت راضية، وكانت تتذكر حال ابنتها ~~وتناجي ربها قائلة: رحمتك يا رحمن يا رحيم. # وكان سرور أفندي يحنق عليها في باطنه ويتهمها بأنها كانت السبب ~~في عدم اختيار إحدى كريمتيه لأحد أبنائها، فراح يشنع بها ~~كعادته في ذلك ويقول لزينب زوجته: كل ذلك موروث عن أسرتها، فما من ~~رجل بها أو امرأة إلا وبه مس من الجنون، وهي في مقدمة ~~الجميع. # بليغ معاوية القليوبي # هو آخر عنقود الشيخ معاوية القليوبي، وشقيق راضية زوجة عمرو ~~أفندي، وقد ولد في بيت الشيخ بسوق الزلط بباب الشعرية، ولعله ~~المولود الوحيد الذي أنجبه الشيخ بعد خروجه من السجن. ونشأ من ~~صغره نشأة دينية، وألحقه أبوه بالأزهر في سن مبكرة. ويزور ~~شقيقته في بيت القاضي فيلفت الأنظار بشبابه وجبته وقفطانه ~~وعمامته، ويحدث في أسرة راضية إثارة تجمع بين الاحترام والفكاهة ~~معا، وهو بطبعه يشبع الناحيتين، فيرتل القرآن بصوت جيد ~~استجابة لأخته، ويداعب البنات والصبيان بالملح. وكان ذا وجه ~~قمحي مستدير جذاب الملامح، ولا يخفي حبه للطعام اللذيذ، ~~وخبرته بصنوفه لا تقل عن خبرته بالدين الذي يدرسه. وتقول له ~~راضية بلسانها اللاذع: الأصلح أن تكون طباخا من أن تكون عالما من ~~علماء الدين كأبيك. # فيقهقه قائلا: أنا رجل ms015 حائر بين أب عالم وأخت مؤاخية ~~للعفاريت. # في ذلك الوقت كان الشيخ معاوية قد انتقل إلى جوار ربه، وقد تمت ~~خطبة راضية على يديه ولكنه لم يشهد دخلتها. وعقب وفاته لم تجد ~~غرائز بليغ من يكبحها. وفي جلسة جمعت راضية مع جليلة أمها ~~العجوز فوق الكنبة، في مدخل البيت الذي يتصدره الفرن وتقع البئر ~~في جناحه الأيسر، في جلسة حزينة لاحظت راضية أن أمها غارفة في ~~بحر من الغم على غير عادة، ولما سألتها عما بها قالت: ~~أتصدقين يا راضية؟ ... أخوك الشيخ الأزهري بات يرجع كل ليلة ~~سكران فاقد الوعي؟ # وفزعت راضية وهتفت: أعوذ بالله. ~~- أنا ... أمامه بلا حول. # ووجدت راضية نفسها أعجز من أمها حياله ... واستعانت بعمرو ~~أفندي ولكن بليغ كان يتظاهر بالندم ويتمادى في ضلاله. وأثار فيما ~~حوله استهجانا عاما وسخطا متصاعدا، فترامت الأنباء إلى إدارة ~~الأزهر، وانتهى الأمر بفصله وطرده بدون أن يحصل على العالمية. وجد ~~نفسه ضائعا وبلا مورد. وكانت أمه تملك قطعة أرض فضاء فنزلت له ~~عنها فباعها، وقرر أن يستثمرها في بقالة الجملة. وسافر إلى أهل ~~أبيه في قليوب وراح يشتري الجبن والسمن، ويحملها إلى القاهرة ~~ليوزعها على البقالين، وقامت الحرب العظمى الأولى فأثرى ثراء ~~مذكورا وتحسنت أحواله. ومن يومها أخذ نجمه في التألق ~~والصعود. وفي تلك الفترة تزوج من أمينة الفنجري؛ أسرة ذات مال ~~واحترام، ولما قامت الحرب العظمى الثانية بلغ غايته من الثراء، ~~فشيد العمائر، وبنى لنفسه سراي في القبيسي عرفت في الحي ب ~~«عابدين القبيسي» لعظمتها وفخامتها، ولم ينجب إلا ولدا واحدا ~~رآه من كبار القضاة، وأثبت أنه تاجر ماهر، ولكنه لم يتخل عن ~~الداء الذي طرد من أجله من الأزهر حتى آخر عمره. وكان يزور بيت ~~القاضي في الحنطور تارة أو السيارة فيما بعد، محملا بالهدايا، ~~مشيعا في الخلق الأثر الذي يتابعه خفية بسرور لا مزيد عليه. ~~وكان يحافظ على صلاته وصومه وزكاته محافظته على كأسه، ويثابر ~~على الاستغفار مثابرته على الغرور والفخار. وقد امتد به العمر ~~حتى مشارف الخمسينيات، ms016 بعد أن رحل أحمد عطا وعمرو وسرور ومحمود ~~عطا وجليلة أمه وأخواته نهيرة وشهيرة وصديقة فلم يبق بعد ~~إلا أخته الكبرى راضية مؤاخية العفاريت. وقد أصيب بتليف الكبد، ~~ولازم الفراش الوثير نصف عام ثم فارق الحياة وهو نائم، أو هكذا ~~خيل لزوجته أمينة الفنجري. # بهيجة سرور عزيز # شهد ميدان بيت القاضي ملاعب طفولتها مع أخيها لبيب وأختها جميلة، ~~ومنذ نشأتها خالطت بنات وأبناء عمها عمرو. وجمع الطبع الهادئ ~~بينها وبين أخيها الأكبر لبيب وابنة عمها سميرة، وإن ماثلت في ~~العمر ابن عمها قاسم. تبدى وجهها في هالة بيضاء كأمها ست ~~زينب مشربة بحمرة. صافية العينين الخضراوين، في صوتها دسامة ~~تذكر بصوت والدها سرور أفندي. وفي سجيتها رزانة فطرية ~~جرت عليها تهمة ظالمة بثقل الدم، ومحافظة على التقاليد ~~وتدين حصناها ضد عبث الصبا. واكتفى في تعليمها بالكتاب ~~كبنات عمها وأختها جميلة. وتفرغت مثلهن لفن البيت من ~~طهي وحياكة وما يجري مجراهما، وأخذت موضعها منذ وقت مبكر في ~~محطة الانتظار التقليدية، انتظار ابن الحلال. ولعل أنسب أحد لها ~~من الأسرة كان حامد ابن عمها، ولكن آل عطا المراكيبي استولوا ~~عليه بوضع اليد مما أثار أشجان سرور أفندي وزوجته زينب هانم. ~~وكانا قد مرا بالتجربة نفسها عندما راودتهما الأحلام في زواج ~~عامر من جميلة. وعلى ذلك قام سرور لشقيقه عمرو: ألم تفكر في ~~بهيجة قبل أن تهدي حامد لمحمود المراكيبي؟ # فقال له عمرو: نحن يا سرور فقراء على باب الله ونبحث لطيورنا عن ~~ريش، وابنتك جميلة والحمد لله ولن يطول انتظارها. # من أجل ذلك تناقضت عواطف سرور حيال شقيقه الأكبر بين الحب ~~والمرارة، كعواطفه حيال أهله جميعا مما أطلق لسانه فيهم ~~كالخنجر بلا رحمة، ومما أنزله في النهاية من قلوبهم منزلة لا ~~تقارن بحال بالمنزلة التي حظي بها أخوه عمرو. وغضبت زينب زوجته ~~لذلك الجواب الناعم المحبط الذي يلطمهم به للمرة الثانية، وقالت ~~بسخط شديد رغم أنها لم تخرج عن برودها السطحي: أنا أعرف السر وراء ~~ذلك كله! # فقال سرور: المسألة أن أخي ms017 شديد الشعور بضعته بين أقاربه ~~الأغنياء، ويتحرق دائما على التعلق بفروعهم العالية. ~~- ولا تنس راضية ربيبة الجان والسحر أنها تغار مني وتضن ~~علي بالخير. # لم تكترث بهيجة لضياع حامد ~~... كانت تنفر من خشونته وابتذاله. في الوقت نفسه راقبت بازدراء ~~شديد العبث الفاضح الذي تمارسه أختها جميلة مع ابن عمها قاسم. ~~كانت أختها ابنة ست عشرة وابن عمها في الثانية عشرة أو يزيد ~~قليلا، فما هذا الذي تضبطه أحيانا فوق السطح أو تحت بئر السلم؟! ~~الأخلاق تأباه والدين يتوعده وهي تكتمه خوف العواقب. ولما ~~خطبت جميلة وعقلت وجدت نفسها تفكر في قاسم بدورها. لم تكن ~~كأختها النزقة المجنونة. خفق قلبها بعاطفة رقيقة ولكن داخل قفص ~~ذي قضبان صلبة من الحياء والتقاليد. وقد انتبه الفتى لها وقرأ في ~~عينيها الصافيتين النداء الصامت، وسرعان ما لبى مفعما بالشهوة ~~والأمل في أن يواصل معها العبث الذي انقطع بضياع جميلة. ولكنه وجد ~~قلبا وإرادة من فولاذ. وحام حولها كالمجنون حتى قالت لها أمها: ~~إنه من سنك فلا يصلح لك. # لم تعترض ولكنها لم توافق فقالت الأم: أمامه مرحلة طويلة ولا ~~تنسي أمه. # وشعرت بالتعاسة. ولما ألم بالفتى ما ألم فاعتبر مفقودا ~~غرقت في التعاسة حتى قمة رأسها. ولم تر بدا من العودة إلى محطة ~~الانتظار. ولكن انتظارها طال دون سبب حتى وضعتها ألسنة الأسرة في ~~سلة واحدة مع دنانير بنت عمتها رشوانة. البنت جميلة ومثال كريم ~~للأخلاق الفاضلة، فلم صد عنها الخطاب؟! وطال الانتظار ~~وانكسار القلب حتى توفي عمها عمرو وأبوها سرور وأمها ~~زينب. # وجاء عام 1941 وهي وحيدة في بيتهم القديم المجاور لبيت عمها في ~~بيت القاضي، تعاونها أم سيد، وينزل بها أخوها لبيب كالضيف الذي ~~أقصاه عمله عن القاهرة. وجعلت تقترب من الثلاثين وهي تمضغ اليأس ~~ليل نهار، وليس لها من الدنيا إلا نصيبها من معاش أبيها. وفجأة ~~- وكأنما بوحي - انتبه لها الشيخ قاسم من جديد وقال لأمه: أريد ~~أن أتزوج من بهيجة! # واعتبرت راضية الطلب كرامة من كراماته، وأمرا تنزل يحيط به ms018 ~~الغمام، فحدثت لبيب في أول زيارة. ففكر الرجل طويلا. ابن ~~عمه لا ينقصه المال ولكن ...! وعرض الأمر على أخته فتلقى ~~الموافقة. أهو اليأس؟ أهو الحب القديم؟ ... أهو الخوف من ~~الوحدة؟ # وتم الزواج الذي تندرت به الأسرة طويلا في ليلة تعرضت ~~فيها القاهرة لغارة جوية طويلة وزلزلت أركانها بدوي المدافع ~~المضادة. # وانتقلت بهيجة إلى بيت عمها، لأن قاسم أمر بألا يغادر بيته. ~~ومضت أعوام دون أن تنجب ولكن قاسم طمأنها قائلا: سوف تنجبين ~~ذكرا عندما يرضى القمر. # وقد أنجبته في عام 1945 وأسماه أبوه النقشبندي، بدأ حياته ~~التعليمية عقب قيام ثورة يوليو، وثمل طوال عهد دراسته بالعظمة ~~والمجد، وحظي بوجه مشرق وقوام رشيق وذكاء لماح، وتخرج مهندسا ~~عام 1967. وتقرر إرساله في بعثة، ودعت له راضية وهي في قمة ~~شيخوختها، وقال له أبوه: الله معك، إني أودعك بلا دموع. # وسافر النقشبندي إلى ألمانيا الغربية بعد مضي أشهر على 5 يونيو، ~~مهيض الجناح حزين الفؤاد، وعلم هناك بموت الزعيم فلم يحزن، ~~ولما حصل على الدكتوراه عدل نهائيا عن العودة إلى مصر، وعمل في ~~ألمانيا وتزوج من ألمانية ثم تجنس بالجنسية الألمانية، ولما ~~علم أبوه بذلك قال مرة أخرى: الله معك، إني أودعك بلا ~~دموع. # وبعد رحيل راضية بقي قاسم وبهيجة في البيت القديم وراء شجرة ~~البلخ التي شهدت حبهما القديم، وما زال قلباهما ينبضان بالحب ~~والعزلة. # | حرف الجيم # جليلة مرسي الطرابيشي # ولدت في أواخر الربع الأول من القرن التاسع عشر في باب الشعرية ~~لأب كان يعمل في مصنع الطرابيش الذي أنشأه محمد علي فيما أنشأ من ~~مصانع. وكان الأب قريبا للشيخ القليوبي وغير بعيد من بيته بسوق ~~الزلط، فخطب ابنته جليلة لابنه الشيخ معاوية الذي بدأ حياته في ~~ذلك الوقت كمدرس مبتدئ بالأزهر الشريف. هكذا صارت ربة البيت ~~القديم بسوق الزلط وعرفت في الحي بجليلة الطرابيشية. وكانت ذات ~~قامة طويلة، جعلتها تنظر إلى الشيخ من عل - الأمر الذي لم يغفره ~~لها أبدا - سمراء رشيقة ذات جبهة عالية وعينين بنيتين ~~نجلاوين، وقد أنجبت له ms019 مع الأعوام راضية وشهيرة وصديقة وبليغ ، ~~وعرفت بأنها موسوعة في الغيبيات والكرامات والطب الشعبي، ~~وكأنما أخذت من كل ملة بطرف بدءا من العصر الفرعوني، ومرورا ~~بالعصور الوسطى. وحاول الشيخ معاوية ما استطاع أن يلقنها أصول ~~دينها ولكنه من خلال المعاشرة الطويلة أخذ منها أكثر مما ~~أعطاها. فكان يطاوعها «حين المرض» وكلما دهمه خطب من خطوب ~~الحياة، يسلمها رأسه لترقيه، أو يستسلم لبخورها، أو يردد ~~وراءها بعض التعاويذ. وكانت صلبة، عنيفة إذا لزم الأمر، فكانت ~~الجارات يعملن لها ألف حساب، ولقد لقنت بناتها جميع ما لها من ~~علم وخبرة، فاستجبن لها بدرجات متفاوتة، وبرعت راضية في ~~استيعاب ميراثها أكثر من الجميع، وحظيت بحبها أكثر من أي من ~~ذريتها بما فيهم الابن بليغ. وكلما أراد الشيخ معاوية التسلط ~~عليها صمدت له بصلابة، حتى التهديد بالطلاق لا يخيفها، ولم تغب ~~عنه قوة أخلاقها ومهارتها المنزلية الفائقة، فتراجع راضيا ~~بالمهادنة والمشاركة. وكانت تقدس معتقداتها لدرجة التفاني ~~والتصلب، وتجلى ذلك يوم وفاة زوجها الشيخ معاوية في عصر ~~الاحتلال. كانت خطبة راضية لعمرو، وقد أعلنت عقب اتفاق جرى بين ~~الشيخ معاوية وعزيز زياد والد عمرو وصديق الشيخ. وعقب الوفاة ~~بساعة واحدة، وصوات ست جليلة يذيع الخبر المشئوم، وصل نيشان ~~العروس، أولى هدايا العريس، على غير علم منه بما حدث. وتقبلت ~~جليلة الهدية - سمكة في حجم ابنها بليغ - ونفحت حامليها بما قسم. ~~وانقبض قلبها لمجيء النيشان وسط هدير الصوات، وأشفقت من عواقب ~~ذلك على مستقبل أحب ذريتها إليها. ووقفت فوق رأس الشيخ ~~المسجى بلحافه الأخضر وناجته من قلبها المكلوم: اغفر لي يا ~~معاوية. # وهرولت إلى حجرة في الجانب الشرقي للبيت تطل من بعيد على ~~جامع سيدي الشعراني وهي تقول لنفسها: لا يفك عقدة النحس إلا ~~استقبال الهدية بما يليق. # وجففت دموعها ووقفت وراء النافذة وأطلقت زغرودة مجلجلة ترقص ~~على أنغام فرح متدفق. ورجعت بسرعة إلى حجرة الجثمان وراحت ~~تصوت من أعماق صدرها. ولم يغب ذلك عن بعض الآذان الماكرة، ~~وتهامسن به، ثم تندرن به على مدى العمر ms020 وتنوقل كشهادة ~~حية على غرابة أطوار المرأة المثيرة، التي جمعت بين التقوى والحب ~~والجنون. ولكن لم ينل خطب من بنيانها المتين ما ناله رحيل زوجها، ~~حزنت عليه بالطول والعرض ولبثت تلهج بمآثره الحقيقية والخيالية ~~طيلة عمرها الطويل. فقد عمرت حتى جاوزت المائة ... بعشرة أعوم، ~~عاصرت فيها فترة من حكم محمد علي وعهود إبراهيم وعباس وسعيد ~~وإسماعيل وتوفيق والثورة العرابية وثورة 1919. ولم يرسب في أعماقها ~~زمن كالثورة العرابية التي اعتبرت من أهم رجالها، وما أكثر ما روت ~~من بطولاته وسجنه لأحفادها، وذهب بها الخيال في ذلك كل مذهب حتى ~~ليخيل للسامع من أبناء وبنات راضية أن الشيخ معاوية هو الذي ~~عرب محمد علي، وهو الذي اعتمد عليه عرابي بعد الله، واختلطت صورة ~~عرابي في رأسها بعنترة والهلالي وآل البيت إكراما قبل كل شيء ~~لذكرى الشيخ معاوية. ولم تسعد بذريتها سوى براضية وأبنائها. وحظي ~~عمرو برضاها، وإن لم تزر بيت القاضي إلا مرات معدودات بسبب ~~طعونها في السن، أما شهيرة وصديقة وبليغ فقد تركن في قلبها ~~جراحا لا تلتئم. أنت تقول لبليغ وهو ملقى مخمورا على كنبة ~~المدخل: أنت سكير عاص وعار على زيك الشريف. # ولما أورقت شجرته وصار تاجرا مرموقا قالت له: وهبك الله ~~الثروة ليمتحنك فاحذر امتحانه. # وكان بليغ يحبها ويشك في سلامة عقلها، وقد رجعت شهيرة إلى ~~بيتها طريدة فملأته قططا، أما صديقة فوا أسفا عليك يا ~~صديقة. # وكان قاسم أحب الأحفاد إلى قلبها؛ يغمرها بقبلاته، وينصت ~~لحكاياتها، ويصدقها بقلبه وحواسه، ولما حصل ما حصل، لم تجزع ~~وقالت لراضية: أبشري، ربنا وهبك وليا. # وفي السنوات الخمس الأخيرة من عمرها نهاية الربع الأول من القرن ~~وعند مشارف الثلاثينيات، أقعدها الكبر، وسدت المنافذ بينها ~~وبين الوجود ففقدت السمع والبصر، وبقي لها الوعي فكانت تعرف ~~الأحباب بأناملها، وقامت شهيرة بخدمتها ما استطاعت حتى ضاقت بها، ~~وكانت أحن على القطط منها على أمها. وكانت تشكوها إلى راضية ~~كلما قامت بزيارة لها، فتعاقب راضية شقيقتها وتذكرها بوصية ~~الرسول بالأم فتقول شهيرة: ما أسهل الوعظ، ms021 ولكنك تعيشين مكرمة ~~في بيتك وتلقين علي وحدي تنفيذ الوصية! # وفي إحدى الزيارات وجدت راضية المدخل يموج بالقطط، تموء وتتداخل ~~بأسلوب وحشي ينذر بالدهشة، ورأت جليلة ملقاة على الكنبة ~~مسلمة الروح، وكانت شهيرة نائمة في الدور الأعلى. # جميلة سرور عزيز # لم ير ميدان بيت القاضي وأشجاره المثقلة بأزهار «ذقن الباشا» ~~أجمل منها إلا تكن مطرية ابنة عمها عمرو، وهبتها أمها بشرتها ~~العاجية وعينيها الخضراوين النجلاوين، وفاقت أمها بفيها الأنيق ~~كالقرنفلة وجسمها المدمج. وبخلاف أمها كانت تموج بالحيوية ~~والخفة واستمدت من غرائز أبيها لفحات حارة خضبت وجنتيها ~~بماء الورد الأحمر، وسبقت زمنها لا بالتعليم، فلم يجاوز نصيبها ~~منه محو الأمية كأختها وبنات عمها، ولكنه بالتحرر التلقائي ~~المنطلق بقوة نضج مبكر ونداء الأشواق المبهمة، فتلوح في ~~النافذة لتسقي أصيص الورد، أو تخطر بنصف نقاب فيما بين بيتها وبيت ~~عمها المجاور، أو تلاقي النظرات الجائعة بدلال متمرد، في ~~طفولتها كانت تجول في الميدان بصحبة أخيها الأكبر لبيب، وانضم ~~إليهما بعد سنوات قاسم. كانت تكبر قاسما بسنوات ولما ناهزت ~~الحلم لم تجد سواه لعبة لقلبها المتحفز. وكلما خلت به لاعبته ~~لتوقظه من براءته فتبعها في حيرة ثملة ممتعة كرؤية جمال الفجر ~~لأول مرة، ولمس بأنامله المتشنجة جواهر حال الجهل بينه وبين ~~معرفة قيمتها. ولما قارب الثالثة عشرة سقط في الشهد قبل الأوان. ~~وتفتح على راحتها الناعمة المخضبة بالحناء كالوردة وأخلد بكل ~~عذوبة إلى نفثات صدرها المضطرم، وبسبب من تلك الرعونة تصدى لها ~~أخوها أمير، وعنفها حتى ضاقت به وبكت. وقالت له أمه: تذكر ~~أنك أخوها الصغير. # فقال لها: سمعتنا! # فقالت زينب بهدوئها الذي لا تخرج عنه: إني أعرف بنتي تماما وهي ~~مثال للأدب. # ولما جاوز أمير حدوده قال له سرور أفندي: دع الأمر لي. # وكان سرور أفندي يميل إلى التسامح المعتدل، وكان في ذلك الوقت ~~يتساءل عما جعل عامر ابن أخيه عمرو يميل إلى عفت بنت عبد العظيم ~~داود دون جميلة بنت عمه. ويقول لزوجته: الله يخيبه. أليست بنتنا ~~أجمل؟ # فتقول زينب ساخرة: أليس ms022 هو ابن راضية المجنونة؟! # ويقول سرور بمرارة: أخي يزعم أنه من أهل الطريق، ولكن رغبته في ~~القرب من أهله الأغنياء تفوق رغبته في القرب من الله! # والحق أن جميلة أخافت الأسر المحافظة من الجيران فأحجمت عنها ~~رغم جمالها، حتى قيض لها حظها ضابط شرطة جديدا بقسم الجمالية ~~يدعى إبراهيم الأسواني. كان ممشوق القوام طويله غامق السمرة، ~~رآها فأعجبته، ووجد سمعة البنت طيبة، فخطبها بلا تردد. وما يدري ~~قاسم إلا وفاتنته ومعلمته تتغير بين يوم وليلة كتفاحة ~~اجتاحها العطب؛ اختفت وحل بها وقار، لا يحل إلا مع الزمن ~~الطويل، وزفت إلى العريس في مسكنه بدرب الجماميز في حفل أحيته ~~الصرافية والمطرب أنور. وما لبثت الأسرة الجديدة أن غادرت القاهرة ~~بحكم عمل الزوج، فمضت أعوام وأعوام وهي تشرق وتغرب دون إنجاب، ~~وبعد أن مات سرور أفندي قبل أن يرى أحفاده من جميلة. وفي أثناء ذلك ~~حصلت لإبراهيم الأسواني أمور، فقد كان وفديا، وافتضحت عواطفه في ~~تراخيه بالقيام بواجبه في عهود الديكتاتوريات، حتى انتهى الأمر ~~بفصله. وكان قد ورث عشرين فدانا فرحل بأسرته إلى أسوان، وانضم ~~إلى الوفد جهرا، وانتخب عضوا بمجلس النواب، وثبت عضوا دائما ~~بالهيئة الوفدية. وأنجبت جميلة بعد العلاج من عقمها خمسة ذكور ~~عاش منهم سرور ومحمد، وكان الزواج قد حولها من الرعونة إلى ~~رزانة عجيبة وجدية فائقة وأمومة سخية، وكأنها قد تمادت في ~~بدانتها إلى درجة يضرب بها المثل. ولم يكن إبراهيم الأسواني ~~يخلو من انفعالات وأحوال، ولكنها كانت كالمحيط الذي يستقبل ~~الأمواج العالية والعواطف الهادرة ثم يهضمها في صبر وأناة كي ~~يعود إلى هدوئه الشامل وسيادته الكاملة. فهذا يصدق أنها هي التي ~~نصحت أمانة بنت مطرية مرة فقالت لها: على الزوجة أن تكون مروضة ~~للوحوش! # ولما قامت ثورة يوليو أيقن إبراهيم الأسواني أن حياته ~~السياسية قد انتهت، فاعتزل في أرضه وتفرغ للزراعة، وكان ابناه سرور ~~ومحمد قد صارا ضابطين طيارين، وانقرضت هذه الأسرة بقضاء لا ~~راد له. أما إبراهيم الأسواني فقد قتل في تصادم بين قطارين ~~عام 1955. كان ms023 في الخامسة والخمسين وجميلة في الخمسين . وأصيبت ~~طائرة سرور في حرب 1956 ولقي مصرعه، ولحق به أخوه محمد في حرب ~~1967، وأنقذت جميلة من الوحدة والأحزان عام 1970 فماتت بسرطان ~~المعدة وهي في الثالثة والستين من عمرها. وكانت حين وفاتها كأنها ~~مقطوعة من شجرة لا أهل لها. # | حرف الحاء # حازم سرور عزيز # من أيامه الأولى نشأ عزوفا متوحدا يقف أمام بيته مبتعدا ~~عن إخوته وأبناء عمه يتفرج على الرائح والغادي بين حارات الميدان. ~~لم يدخل بيت عمه عمرو مرة واحدة، وكان عمرو يقول لسرور ضاحكا: ~~ابنك حازم عدو للبشر. # وكان وسيما كأمه، قصيرا كبهيجة، وفي عينه اليسرى ضعف طبيعي ~~بلغ بها العمى، ولم ير ضاحكا أو منفعلا قط. وتجلت نجابته منذ ~~كان في الكتاب فأوشك أن يعيد سيرة أخيه الأكبر لبيب، وانحصر في ~~ذاته فلم يعرف هدفا في الحياة سوى النجاح والتفوق، وجهل وجوده ~~جميع أهله من آل عطا وآل داود. ولتفوقه لم يكلف أباه مليما ~~في تعليمه، حتى الهندسة دخلها بالمجان بكل جدارة وتبين لأخيه ~~أمير أنه لا يعرف اسم رئيس الوزراء ولا ينظر في الصحف ولا تصل ~~إلى وجدانه أي موجة من بحر الأحداث التي يضطرب بها الوطن. ~~وسأله: أتظن الدنيا مذاكرة فحسب؟! # ولكن لم يكن بوسع أحد أن يجره إلى مناقشة على الإطلاق. ~~ولما رحل أمير ضحية لجهاده، ذهل وصمت ووجم ولم ينبس بكلمة ولم ~~يذرف دمعة، وسرعان ما واصل حياته وتخرج مهندسا في عام 1938، ولم ~~يتجه نحو الحكومة بسبب عجزه، ولكنه وجد وظيفة أفضل في شركة ~~مقاولات الدكتور محمد سلامة الذي كان أستاذا له في المدرسة. كان ~~الدكتور المهندس يعجب به ويحبه ويرى فيه مثالا للذكاء والعمل ~~والبعد عما يثير المتاعب. وكان يزور أستاذه في ڨيلته بالدقي ~~لإنجاز بعض الأعمال، وهناك عرف كريمته سميحة. كانت على درجة من ~~الجمال مقبولة ولكنها كانت كريمة مديره وأستاذه، وهو الأهم. ولم ~~يغب عن فطنته أن البك يشجع تعارفهما، وأدهشه ذلك لما يعرفه ~~الرجل من بساطة أصله وفقره. وركبه الغرور حينا ms024 من الدهر، إلى أن ~~تم الزواج وأقام في شقة بعمارة يملكها الدكتور المهندس وحسب ~~أنه ملك العالمين. هناك وضحت له الحقيقة وجابهته بوجه منذر ~~بالخطر، بأن العروس ذات جهاز عصبي لا يخلو من خلل، وسرعان ما ~~أسفرت عن طبيعة لا يمكن مداراتها. كانت عاصفة تهيج وتنتشر لأوهى ~~الأسباب. وربما بلا سبب ألبتة. وكان قد خلق بجهاز مانع للصواعق ~~فطري اقتبسه من ست زينب أمه، وكان يعيش برأسه لا بقلبه، فقال ~~لنفسه وهو ملتف بالروب الحريري الكحلي وغائص في الفوتيل بحجرة ~~المعيشة: ليكن، فهي زيجة على أي حال عادلة. # ضمنت له مستقبلا يعز عن الأحلام، وهو يملك من الذكاء ~~والهمة ما يجعله قادرا على استثماره على خير ما يمكن أن يكون، ~~ولو كانت سميحة عروسا كاملة أو حتى عادية لاستحقت زوجا من طبقتها ~~في درجة عالية أو في السلك السياسي، ولقد أهداها أبوها إليه بعد ~~تفكير وتدبر وعليه أن يقبل الهدية بتفكير وتدبر كذلك، وقال ~~لنفسه أيضا: إن تكن مريضة فأنا الطبيب! # وقد كان. # وتتابعت وفيات آل سرور وعمرو الهامة قبيل الحرب العظمى الثانية، ~~وفي أثنائها بدأت برحيل عمرو، فسرور، ثم زينب. وكانت سميحة قد ~~ضاقت بزيارات أمه وأبيه وإخوته فقررت في لحظة جنون ألا تشارك ~~في العزاء! ونظر إليها بتوسل وقال: ولكن. # وضمن لهجته كل المعاني المطلوبة ولكنها قالت بحدة: لن أذهب إلى ~~ذلك الميدان المليء بالحشرات، ولا أحب أن يجيئني أحد منه. # ولم يغضب ولم ينبئ وجهه عن شيء، وسرعان ما انقطعت العلاقة ~~بينه وبين أهله. واندمج في أهلها كظل لها ونسي أصله. غير أن ~~طاعته العمياء لم تكفل له السلامة. فعلى أثر سهرة في شقته شهدتها ~~حماته وأختها وبعض الأقارب، قالت له لما انفردا بنفسيهما: لم ~~تعجبني، غلب عليك الصمت، وبدرت كلماتك القليلة بلا معنى ~~...! # فقال معتذرا وبأسلوب غاية في الأدب والرقة: الكلام الكثير ~~يوجع رأسي، ولم يجر ذكر لأي موضوع هام. # فصرخت: إن لم يكن الكلام في الهندسة يصبح لغوا؟ # فلاطفها بابتسامة وإذا بها تثور وتهدر بأقسى ms025 الألفاظ ثم تقبض ~~على فازة ثمينة وتقذف بها الجدار فتتحطم وينهال حطامها على غطاء ~~الكنبة المطرز بالكانافاه. ونظر إليها باسما مشفقا ثم قال ~~بحنان: لا شيء في الوجود يستحق أن تجشمي نفسك من أجله هذا الغضب ~~كله ... ولكن الشقة شهدت أيضا العناق والأبوة والأمومة، وقد أنجبت ~~له حسني وأدهم، وعلا مركزه بثبات وجدارة في الشركة، وزاد اعتماد ~~محمد بك سلامة عليه مع الأيام حتى حل محله - بعد وفاته - نيابة ~~عن سميحة، وشارك في رأس المال بمدخراته، وازدهرت الشركة في عهده ~~أكثر من ازدهارها الأول، وشيد حازم فيلا في الدقي انتقلت ~~الأسرة إليها، وقد هضم نزواتها جميعا ببطولة خارقة، ولكن بعض ~~النزوات بدت عسيرة في هضمها. مثال ذلك أن محمد بك سلامة كان ~~عضوا في الهيئة الوفدية، على حين أن حصيلة حازم من السياسة كانت ~~صفرا، ولكنه بإزاء حماسها أعلن في البيت على الأقل وفديته. وهي ~~لم تقنع بالإعلان البارد، فرجع يوما إلى شقته فرأى صورة النحاس ~~معلقة مكان صورة سرور أفندي أبيه. نظر واجما دون أن يجرؤ على ~~إبداء أي ملاحظة فقالت: إني أتشاءم من صور الأموات، وهذه صورة زعيم ~~الأمة ... ولم يبد أي ملاحظة حتى بعد أن رحل محمد بك سلامة والنحاس ~~وظلت صورتاهما بمكانهما! ويوم انتقلت الأسرة إلى الفيلا ~~الجديدة ضحكت ضحكتها العالية وقالت: احمد ربنا يا غبي، رفعناك من ~~الحضيض إلى القمة. # فقال باستسلام: الحمد لله على كل شيء. # فقالت مقطبة: ولا تنس نصيبي من الشكر. # فقال ببروده المعهود: أنت الخير والبركة. # ولما قامت ثورة يوليو خاف أن تكون وفديته المزعومة قد جاوزت ~~جدران مسكنه ولكنه لم يتعرض لسوء، ودأب على مدح الثورة في ~~شركته، والحملة عليها في بيته مجاراة لسميحة، وهو يقلب عينيه ~~فيما حوله مستعيذا بالله. ولدى كل مناسبة تقول بحنق: هل سمعتم عن ~~بلد تحكمه مجموعة من الكونستبلات؟! # فيهمس في أذنها بتدخل: احذري الخدم ... والجدران ... ~~والهواء. # وشد ما فرحت بالعدوان الثلاثي وشد ما خابت آمالها. وفي 5 ~~يونيو أغلقت على نفسها حجرتها وراحت ترقص، ms026 وساعة بلغها نبأ وفاة ~~الزعيم زغردت حتى هب حازم واقفا وهو يصرخ لأول مرة: أنا في ~~عرضك! # وكانت الشركة قد أممت، ولكن سائر مقتنيات الأسرة لم تمس، ~~وفي عهد السادات بلغ حازم ذروته الحقيقية، وفتح مكتبا هندسيا ~~وبات في عداد أصحاب الملايين. وقالت سميحة عن الزعيم الجديد: حقيقة ~~أن وجهه أسود، ولكن قلبه أبيض. # ولكن لعل هزيمة سميحة على يد ابنها حسني فاقت هزيمتها السياسية ~~ضراوة. من بادئ الأمر، أرادت أن تسيطر على الذرية كما سيطرت على ~~الأب ولكنها سجلت خيبة كاملة. أما حسني فقد حطم السدود ~~والقيود، أما أدهم فلم يخيب أحلامها بعد أن صنع حياته بقراره ~~المستقل عن الجميع. ولم تجد سميحة من تصب عليه غضبها سوى حازم ~~فقالت له باحتقار: لولا ضعفك وغباؤك لما كان ما كان. # وسقطت في كبرها فريسة للاكتئاب حتى اضطرت إلى قضاء شهر في ~~مصحة أعصاب بحلوان. وبقي حازم صامدا رغم إصابته بالسكر، بل ~~لعله تكيف تماما مع معاشرة المرأة المريضة. أجل، شد ما ~~تمنى موتها فترة طويلة من عمره خاصة بعد وفاة حميه. كانت ~~تراوده أحلام غريبة، فيراها مرة ضحية حادث للسيارة، أو مرض ~~عضال، أو غريقة في البحر الأبيض، أو ... أو. # ولكنه كف عن أحلامه، واستوحش البيت حين إقامتها بالمصحة، ~~واعتبر نفسه قد حقق حلمه الأبدي في النجاح والثراء. # حامد عمرو عزيز # منذ نشأته الأولى بدأ نبتا شاذا في أرض أسرته. ولعل عمرو ~~أفندي لم يتعب في تربية أحد من ذريته كما تعب في تربيته، أحب ~~اللعب والعراك واكتسب ثروة من قاموس أوباش الحواري والأزقة، ~~وطالما مارس عنفه مع أخواته برغم أن ترتيبه كان السادس بينهم. ~~ونتيجة لذلك تعثرت خطواته في الكتاب والمدرسة، وكثيرا ما يرجع ~~إلى البيت القديم ممزق الجلباب أو دامي الأنف، فيتعرض ~~لمجابهة أخيه الأكبر عامر، ولم يكن يتورع عن ضربه أحيانا، ~~بخلاف عمرو أفندي الذي كان يقنع بالزجر والنصيحة والتهديد، وتظل ~~راضية من أجله في تعامل متواصل مع الرقى والتعاويذ وتنذر ~~النذور لأضرحة الأولياء. # وكان يضمر أخبث ms027 النوايا لبنات الأقارب مثل جميلة وبهيجة ابنتي ~~عمه. ودنانير بنت عمته رشوانة، لولا سوء سمعته الذي حمل الأمهات ~~على الحذر منه. وامتاز أيضا بين آله بضخامة في الجسم وكبر ووضوح ~~في القسمات أضفت عليه حال رجولة مبكرة. وكان حلمه الأثير أن يقود ~~عصابة مثل مشاهير الفتوات الذين يهدمون اللذات في حيه العريق. ~~ولما حصل على شهادة الكفاءة بعد أكثر من محاولة نصح محمود عطا ~~المراكيبي والده بأن يختصر الطريق ويدخله مدرسة الشرطة، قال: هو ~~الحل الذي وجدته لابني حسن. # ورحب عمرو أفندي بالنصيحة فتعهد محمود عطا بتذليل العقبات ~~بشفاعته التي لا ترد، باعتباره من الأعيان المرموقين. هكذا دخل ~~حامد المدرسة مع حسن ابن خال أبيه في عام واحد. وجاهر محمود ~~برغبته في تزويج حامد من كبرى بناته شكيرة فسر عمرو بتلك ~~الرغبة التي توثق علاقته بآل المراكيبي، كما وثق ابنه عامر ~~علاقته بآل داود. هيأ الزواج لفرعه الذابل من أسباب المجد ما لم ~~يكن يحلم به وعزز موقعه في الشجرة الشامخة فشعر بالرفعة والرضا. ~~وسر حامد أيضا - رغم منظر خطيبته الذي لا يسر - لطموحه إلى ~~طيبات الحياة. راضية وحدها امتعضت وقالت: يا له من اختيار يستحق ~~الرثاء. # فقال لها عمرو: احمدي الله يا وليه. # فقالت بحدة: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه! # فقال الرجل برجاء: البيوت السعيدة تقوم سعادتها على الأصل ~~والأخلاق. # فقالت بسخرية: والمال! ... آه يا ناري! # وأفضى سرور أفندي باستيائه إلى شقيقه، وراح يفسر الأمر فيما ~~بينه وبين نفسه برغبة أخيه الجامحة في التعلق بأذيال أقاربه ~~الأغنياء، وبأن محمود عطا اختار بنفسه عريسا لابنته كحامد لشعوره ~~العميق بتفاهة ابنته، وبأنه إذا لم يظفر لها بشخص بسيط مكبل ~~بأفضاله فلن يتقدم لها إلا بلطجي ممن يطمعون في مالها ~~واستغلالها ونهبها. ولما اتهمت ست زينب راضية بأنها لا تحب لهم ~~الخير، قال لها سرور: المسألة أكبر من راضية، إنها صفقة يبدو حامد ~~في ظاهرها هو الرابح، والحقيقة أن الرابح الحقيقي هو المراكيبي ~~وابنته التي ما كانت لتجد عريسا ms028 يجبر الخاطر، وأخي رجل طيب ~~ومغفل. # ولم تسر واحدة من بنات عمرو، وقالت صدرية معلقة على الخبر: ~~سيتزوج أخي من رجل كامل الرجولة! # ولما قامت ثورة 1919 كان حامد في السنة النهائية، وقد مال قلبه ~~إليها بمجامعه، واتهم بالتحريض على الإضراب، وحوكم، وأنزل إلى ~~السنة الأولى من جديد، وكان الجميع يستبقون في بذل التضحيات، فلم ~~يحزن عمرو أفندي كثيرا، وحمد الله على أنه لم يفصل ويلق به في ~~الطريق. ولما تخرج ضابطا، كانت مكانة محمود بك قد ارتفعت ~~بإعلان ولائه للملك، فأمكنه أن يلحق حامد بالمراكز الرئيسية في ~~الداخلية مع ابنه حسن، وسرعان ما زفت إليه شكيرة دون مطالبته ~~بأي تكاليف فعلية، فانتقل من البيت القديم ببيت القاضي إلى سراي ~~ميدان خيرت ليحتل هو وعروسه جناحا صغيرا في الطابق الأوسط ~~الخاص بآل محمود. # نقلة ثورية بلا شك، ربيب الحواري في زواياها الكاسدة يجد نفسه ~~بين يوم وليلة في سراي سامقة، تحيط بها حديقة غناء، وتزينها ~~التحف والتماثل والأثاث الفاخر، وتطربها لغة الهوانم الرفيعة ~~بأعذب ألحانها، وتحفل موائدها بأطيب الأطعمة، وتعبق إلى جانب ذلك ~~بمناخ ديني مهذب لا أثر فيه لغيبيات راضية الخارقة. وجد حامد ~~نفسه في قفص يحرسه رجل جبار هو محمود عطا المراكيبي وهانم غاية في ~~العذوبة والجمال هي نازلي هانم، أما شريكة حياته وقريبته فكادت ~~تكون صورة من أبيها في تكوينه الصلب ونسخة من أمها في التهذيب ~~والورع. ولم يكن بوسعه أن يغير من طبعه، فقد تعامل في صباه مع ~~البلطجية وها هو يواصل تعامله معهم كضابط شرطة كلما تمادوا في ~~انحرافهم! ولم يكن من الممكن أن يولد حب في خليته الصغيرة، وما ~~جرب في حياته سوى اللذة العابرة، ومنذ الأسابيع الأولى في حياته ~~الزوجية أسفرت طبيعته عن حقيقتها في الكلمة والفعل. أجل لم ينس ~~القفص والحارسين، كان يهاب محمود بك أكثر من أبيه، ويقف أمامه كما ~~يقف أمام رؤسائه العظام بالداخلية، فكبح جماحه، على قدر استطاعته، ~~وروض نفسه على الرضا بواقعه، لكن العادة قاهرة واللسان خائن. وقد ms029 ~~ارتعبت العروس وهمست لأمها: إنه غاية في الابتذال، أكله وشربه ~~وحديثه . # وكانت الهانم ست بيت بالمعنى الكامل؛ طالبتها بالحكمة والصبر، ~~وقالت لها: كل ذلك لا يمنع من أن يكون رجلا صالحا. # كانت خير وساطة بين الطرفين ولم يدر أحد شيئا عما يدور في ~~الجناح الجديد. سرعان ما اعترضت الهانم مشكلة جديدة نشأت عن ~~الكراهية المتبادلة بين راضية وشكيرة. لم تكن راضية تدري كيف ~~تداري عواطفها، وكانت شكيرة لا تمارس النفاق. وكانت المودة بين ~~نازلي هانم وراضية كاملة، ولكنها كانت في أعماقها تؤمن بخطورتها، ~~وقالت لابنتها: حذار، حماتك عليمة بفنون السحر وأسرار الأولياء، ~~وأنا أصدق ما يقال من أنها مؤاخية للعفاريت، أعطيها حقها ~~الكامل من الاحترام والمجاملة. # وكانت تتوسل إلى راضية قائلة: من أجل عشرتنا وحبنا اصفحي عن ~~ابنتي وامسحي أي خطأ منها في وجهي. # في خضم ذلك الاضطراب أنجبت له وحيدة وصالح وحظيت من حياتها ~~المتوترة بشيء من العزاء، رغم أنها حياة لم تعرف الحب ولا السلام، ~~كما أن منغصاتها انحصرت في أضيق الحدود. ولما وقع الشقاق بين ~~الشقيقين محمود وأحمد، وتمزقت وحدة الأسرة، خشي عمرو أن يجرف ~~ابنه تيار عداوة لا شأن له بها. وكان عمرو يسعى لإصلاح ذات ~~البين، ويحافظ على علاقته الطيبة بخاليه فنصح حامد بأن يلتزم ~~بموقفه هو - عمرو - وألا يقطع صلته بأحمد بك، وسعى لدى محمود حتى ~~انتزع منه موافقته على ذلك، وارتاح حامد لذلك إذ كان يميل في ~~أعماقه إلى خاله أحمد ويؤمن بعدالة مطلبه. وفي الفترة السابقة ~~للحرب العظمى الثانية وما تلاها من أعوام، رحل عن الدنيا أحمد ~~وعمرو ومحمود فشعر حامد بتحرره من الرقباء، وبلغت علاقته بزوجه ~~الغاية من السوء. وقد أشقى ذلك فيمن أشقى وحيدة وصالح فتمزقا بين ~~والديهما. أجل كانت شكيرة صاحبة الأثر الأكبر في تربيتهما؛ فنشآ ~~نشأة مهذبة، وعرفا بالاجتهاد والتدين، ولم يعفيا والدهما قط ~~من الاتهام وأدانا معاملته الفظة لأمهمها وإن حافظا ما استطاعا ~~أمامه على الحياد والأدب. ولكنه تلقى نجواهما من نظرات عينيهما، ~~وشعر بالغربة والغضب. وظل ms030 حامد على إيلاء حماته بما تستحقه من ~~احترام ومجاملة، ولكنها اضطرت أن تقول له: لقد أدميت قلبي بسوء ~~معاملتك لشكيرة. # وكان يحقد على شكيرة ~~ويتصور أنها التهمت خير سني حياته بغير حق. وتلاحيا مرة ~~وتبادلا كالعادة كلمات قاسية، وإذا بها تصرخ في وجهه، وهي تبكي: ~~إني أكرهك أكثر من الموت. # وأقدم على الحلم الذي راوده طويلا فطلقها، وقال معتذرا ~~لقريبه وصديقه وزميله حسن شقيقها: معذرة، لم أعد أحتمل، وكل شيء ~~بمشيئة الله. # ولم يعد إلى البيت القديم ~~في بيت القاضي إلا شهرا واحدا. ولخصت راضية موقفها قائلة: ما ~~كان يجب أن يتم ذلك الزواج، ولكن ما كان يحق لك الطلاق إكراما ~~لوحيدة وصالح. # رغم أنها اتهمت في السراي بأن سحرها كان وراء الطلاق كما كان ~~وراء فشل الزواج من أول يوم. # وانتقل حامد إلى شقة في عمارة جديدة بشارع المنيل دله عليها ~~قريبه حليم بن عبد العظيم باشا داود حيث كان يسكن شقة أخرى بها. ~~وفي الخمسينيات وهو يقترب من الخمسين أعجبته أرملة في الأربعين ~~تدعى عصمت الأورفلي فتزوج منها وجاء بها إلى شقته بادئا حياة ~~جديدة. ووهنت علاقته بوحيدة وصالح وإن لم تنقطع. ولما قامت ثورة ~~يوليو أحالته إلى المعاش ضمن ضباط الشرطة الذين اعتبرتهم أعداء ~~للشعب، علما بأنه حافظ على وفديته في قلبه دائما، ولكن الثورة ~~عدت الوفديين أعداء للشعب أيضا. وانطوى على نفسه حينا في مسكنه ~~مع عصمت حتى تبين له أن حكيم ابن شقيقته سميرة من المقربين ومن ~~أصحاب النفوذ، فطلب إليه أن يفعل شيئا من أجله، وفعلا تعين مدير ~~علاقات عامة بعمر أفندي بخمسين جنيها شهريا إلى معاشه. وطابت له ~~الحياة نوعا ما، ووجد في الزوجة الجديدة امرأة محنكة تعاملت ~~بمكر حسن مع نزواته وابتذالاته وهيأت له حياة مستقرة ... لا ~~انفصام لها فيما بدا. ولم ينقطع أبدا عن زيارة البيت القديم ~~والتودد الصادق لأمه وأخيه قاسم، وكان يجد في غرابة أطوارهما ~~ما يسره ولا يكف عن ممازحتهما. يترك جبينه لأمه تلثمه ~~بحنان، ويسلم رأسه لها ms031 لترقيه وتتلو عليه الصمدية وبعض محفوظاتها ~~من الأوراد، ويسأل أخاه عن الطالع والمستقبل، ثم يجول في ربوع ~~الصبا ويزور الحسين قارئا الفاتحة، وكان ذلك يمثل الغاية ~~والنهاية في حياته الدينية. وكان أيضا يزور بيوت أخواته وبيت أخيه ~~عامر وآل داود. وفي تلك الفترة من حياته توثقت علاقته بحليم بن عبد ~~العظيم باشا، وقد جمع بينهما نفس المصير على يد الثورة، كما توثقت ~~صلته أكثر بابن عمه لبيب، وكان يشارك الأول في تدخين الحشيش، ~~وكان يشارك الأخير في السكر، ثم يؤاخي بين أرواحهم نقد الثورة ~~والسخرية برجالها وتذكر أيام العز الماضية. لم ينغص عليه صفوه ~~إلا شعوره المطارد بأن وحيدة وصالح لا يكنان له من الحب ربع ~~ما يكنه لهما منه، وأنهما يؤثران أمهما عليه بلا حدود. وشهد بكل ~~وجدانه مآسي وطنه. ومآسي أسرته، وشهد أيضا وثبة أكتوبر 1973، وفي ~~العام التالي شعر بضعف، شخص أولا بأنه فقر دم، ثم عرفت زوجته ~~من نتيجة التحاليل أنه سرطان دم، وأن النهاية واقفة أمام الباب. ~~ولم يدر ما أصابه، ونقل إلى المستشفى وهو يجهله، وشهد ساعاته ~~الأخيرة الممزقة بنزع الألم زوجته ووحيدة وصالح، وفي اللحظات ~~الأخيرة طلب رؤية راضية ولكن تعذر ذلك بطبيعة الحال لأنها من ~~ناحية كانت قد جاوزت المائة، ومن ناحية أخرى لم تعلم بمرض ~~ابنها، وظلت على جهلها به حتى وفاتها. وأسلم الرجل الروح بعد ~~عذاب، وودعته دموع زوجته ووحيدة وصالح. أما شكيرة فلم يخفف ~~الموت من كراهيتها العميقة له. # حبيبة عمرو عزيز # إن يكن لميدان بيت القاضي ~~والحواري التي تصب فيه وأشجار البلخ السامقة أثر في قلوب آل عمرو ~~وآل سرور، إن يكن للمآذن والدراويش والفتوات والأفراح والمآتم أثر، ~~إن يكن للحكايات والأساطير والعفاريت أثر، فهي حياة تجري مع الدم ~~وتكمن في جذور البسمات والدموع والأحلام في قلب حبيبة - الخامسة ~~في ذرية عمرو أفندي - لم تطق مغادرة الحي على سنوح الفرص ~~الباهرة، ولم يحب الأب أو الأم أحد كحبها لهما، ولا الإخوة ولا ~~الأخوات ولا أبناء العم ولا بناته، حتى ms032 الجيران والقطط. بكت كل ~~راحل وراحلة حتى عرفت بالنائحة، وحفظت الذكريات والعهود، وثملت ~~دائما بالماضي وأيامه الحلوة. كادت في الجمال أن تماثل سميرة لولا ~~سحابة تعلو عينها اليسرى، ووقف حظها من التعليم عند محو الأمية، ~~وسرعان ما استردت أميتها لإهمالها. ولم تعرف من الدين إلا ~~دين أمها الشعبي، ولكنها اقتنعت بأن عشق الحسين هو خير وسيلة إلى ~~الآخرة. وفي سن السادسة عشرة خطبها مدرس لغة عربية يدعى الشيخ ~~عارف المنياوي من زملاء أخيها عامر وزفت إليه في الدرب الأحمر، ~~وبعد عام من حياة سعيدة أنجبت له «نادر»، وبعد عام ثان سقط الرجل ~~في قبضة السرطان ومضى قبل الأوان. وهتفت راضية من قلب مكلوم: ما ~~أسوأ حظك يا ابنتي! # وعاشت حبيبة مع حماتها على دخل دكانين بالمغربلين، مكرسة ~~حياتها لوليدها، أرملة دون العشرين من عمرها. وأحبت نادر حب ~~الأمومة المعتاد بالإضافة إلى حب قلب كأنما تخصص في الحب. ~~ولما أنهى نادر مرحلة الكتاب في أوائل الثلاثينيات أراد محمود بك ~~عطا أن يزوجها من عمدة ببني سويف. وقد رحبت الأسرة بذلك، وكان ~~عليها أن تسلم نادر إلى عمه، ولكنها رفضت بقوة، أبت أن تسلم ~~ابنها كما كرهت أن تغادر الحي. وقال لها حامد أخوها: أنت مجنونة، ~~ولا تدرين ماذا تفعلين! # فقالت: بل أدري ما أفعل تماما. # وحاول عمرو، وحاولت راضية، ولكنها لم تعدل عن قرارها. وتخرج نادر ~~في مدرسة التجارة العليا في أثناء الحرب العظمى الثانية، وتعين في ~~مصلحة الضرائب، ولكنه عرف من أول يوم بطموحه الذي لا حد له، ~~وراح يدرس اللغة الإنجليزية في أحد المعاهد الخاصة، وأشفقت أمه ~~عليه من انهماكه في العمل ما بين المصلحة والمعهد. وتسأله: لماذا ~~تكلف نفسك هذا التعب كله؟! # ولكنه كان راسما هدفا، ولم تكن قوة هناك لتحيد به عنه. أما ~~حبيبة فقد توجت الكهولة حياتها الجافة فبليت وتبدت كالعليل. ~~وراقبت صعود ابنها بسعادة، ولم يكن يضن عليها بمال، ولكنها أبت ~~أن تهجر الدرب الأحمر إلى مغانيه الجديدة. ولما تركها إلى بيت ~~الزوجية غاصت في ms033 غربة مخيفة لم تفلت من قبضتها حتى الموت. وقالت ~~لها راضية : نحن نربيهم لهذا، وعليك أن تفرحي وتحمدي ~~الله. # فقالت بانكسار: شد ما ضحيت من أجله! # فقالت راضية: هكذا كل أم، وعليك أن تزوري سيدي يحيى بن ~~عقب. # وكانت حبيبة آخر من مات من آل عمرو، فبكت الجميع بحرارتها ~~المعروفة حتى صفت عينيها، ولما ماتت لم تجد من يبكي ~~عليها. # حسن محمود المراكيبي # نشأ في أحضان النعيم ما بين السراي الكبرى بميدان خيرت وسراي ~~العزبة ببني سويف. وكأنما جيء بنازلي هانم إلى آل المراكيبي لتحسين ~~النسل، فتجلى أثرها الطيب في الذكور، ومنهم حسن الذي عرف بطول ~~قامته ووسامته ومتانة عوده. وبفضل تقاليد تلك الأيام وسماحة ~~القاهرة على عهدها لم يكن يمر أسبوع دون تزاور بين ميدان خيرت ~~وميدان بيت القاضي، وأراد محمود بك أن يوجه بكريه لدراسة ~~الزراعة لينتفع به في حينه، ولكن إقباله على الدراسة كان فاترا ~~كقريبه حامد، فأدخلهما الرجل مدرسة الشرطة معا. وغمرته ثورة 1919 ~~بعواطفها القوية وإن لم يتعرض بسببها للأذى كما حصل لحامد. وسرعان ~~ما شارك أسرته موقفها من زعيم الثورة وولائها للملك. وكان ذلك أوفق ~~لعمله في الداخلية فلم ينقسم كحامد بين باطن وفدي وظاهر حكومي، ~~وبفضل نفوذ أبيه لم يعرف عناء العمل في الأقاليم، ولم يستجب لرغبة ~~أبيه في الزواج المبكر، ولكنه مارس حياة إباحية مستغلا سحر زيه ~~الرسمي الملون وما توفر له من نقود مرتبه والنفحات التي كانت ~~تكرمه بها أمه. ولكنه أذعن أخيرا فتزوج من عروس تدعى زبيدة من ~~أسرة أمه؛ فزفت إليه في شقة بجاردن سيتي، وعاش في مستوى يحسده ~~عليه وكيل الداخلية نفسه. واشتهر في عهود الانقلابات السياسية ~~بالعنف في تفريق المظاهرات. وتلقى حملات متتابعات في الصحف ~~الوفدية، بقدر ما أساءت إلى سمعته لدى الجماهير فإنها زكته خير ~~تزكية عند السراي والإنجليز، وأتاحت له ترقيات استثنائية. وقال ~~عمرو أفندي لحامد ابنه: دخلتما المدرسة في عام واحد وها هو ~~يرقى إلى رتبة اليوزباشي على حين أنك ما زلت ملازما ~~ثانيا. ms034 # وكان سرور أفندي حاضرا على نفس مائدة الغداء فقال بلسانه الحاد: ~~خائن وابن مراكيبي! # ولكن حامد وحسن كانا صديقين بالإضافة إلى قرابتهما، وتوثقت ~~العلاقة أكثر بعد زواج حامد من شكيرة، وقد تعرض حسن للموت في عهد ~~صدقي فأصابت طوبة رأسه وأخرى عنقه، وقضى في المستشفى شهرا ~~كاملا. وكان أعنف إخوته على آل عمه أحمد عندما فرق الخلاف بين ~~الأخوين، بل قد تصادم مع ابن عمه عدنان واعتدى عليه بالضرب في ~~السراي فكان يوما مأساويا في تاريخ الأسرة. وأنجب حسن ثلاثة من ~~الذكور محمود وشريف وعمر، وضرب بهم المثل في الجمال والذكاء. ~~ولما قامت ثورة يوليو كان لواء، وكان ثريا جدا بما ورثه وما ~~ورثته زوجته، ولكن الثورة أحالته على المعاش في حركة تطهير الشرطة؛ ~~فخرج مع حامد في قائمة واحدة، وكانت علاقته به قد انقطعت بعد طلاق ~~شكيرة. وقال لزبيدة: علينا أن نبيع الأرض، فقد انقلب الدهر على ~~ملاك الأراضي. # والضرر الذي لحقه بيد الثورة لا يقاس بما دهم غيره من طبقته، ~~منهم ابن عمه عدنان، ولكنه وجد نفسه، في المعسكر المضاد، ومارس ~~عواطفه كلها نحو الثورة الصاعدة. ومضى يبيع أرضه وأرض زبيدة على ~~دفعات وأنشأ بماله متجرا في شارع شريف راح يديره بنفسه فازدادت ~~ثروته، أما أبناؤه محمود وشريف وعمر فقد تربوا في مدارس الثورة ~~وتشبعوا بفلسفتها وثملوا ببطولة زعيمها، ولم يأسف حسن على ذلك، ~~بل وجد فيهم وفي أخويه عبده ونادر حماية له من أعاصير تلك الأيام، ~~ولعل أخويه كانا وراء الأسباب الخفية التي جنبت متجره التأميم عام ~~1961. ولما وقعت كارثة 5 يونيو، كان محمود وشريف وعمر قد ~~تخرجوا أطباء وعملوا في مستشفيات الحكومة، وأدركتهم النكسة التي ~~زلزلت الجيل الناصري فأذرته مع رياح الضياع واليأس؛ ولذلك ما كاد ~~الزعيم يرحل ويحل محله السادات حتى هاجر محمود وشريف إلى الولايات ~~المتحدة ليبدآ حياة علمية جديدة ناجحة، أما عمر فقد فاز بعقد عمل ~~في السعودية. ووجد حسن في السادات وسياسة الانفتاح بغيته وعزاءه عن ~~كافة هزائمه الماضية، فشمر للعمل والثراء ms035 الخيالي، وشيد له ~~ولزوجته قصرا في مدينة المهندسين وعاش عيشة الملوك وهو يحلم بعودة ~~أولاده ذات يوم ليرثوا ما جمع لهم من ملايين. وانتهت حياته في ~~الثمانينيات في حادث عارض، إذ كان يسوق سيارته المرسيدس في شارع ~~الهرم فانقلبت به واحترقت، واستخرجوا جثته منها متفحمة متخلية ~~عن الدنيا وملايينها. # حسني حازم سرور # هو بكري حازم وسميحة، وكان ذا جسم رياضي ووجه مليح وذكاء ~~وقاد، وقد نشأ في النعيم في فيلا الدقي، وتخرج مهندسا عام ~~1976، ولم يجد - كأخيه - في حياته مشكلة ما، ولا عرف هموم ~~الانتماء، ومثل أبيه جرى في طريق النجاح والثراء في مكتب أبيه. ~~وأرادت سميحة أن تسيطر عليه كما سيطرت على أبيه، ولكنها وجدته ~~مستعصيا على السيطرة، ويثور مثلها لأتفه الأسباب، ولمست فيه ~~المرأة جموحا خطرا فنزعت تخطط لزواجه ولكنه قال لها بوضوح: لا ~~شأن لك بهذا. # فقالت بحدة: ولكنك طفل. # فضحك عاليا وهو ينظر نحو أبيه الذي زاغ من عينيه وقال: أنا ~~المالك الوحيد لحياتي. ~~- ولكنك لا تدري شيئا عن الزوجة الصالحة. # فسألها بسخرية: وما الزوجة الصالحة؟ # فقالت بصوت مرتفع: الأصل والمال وهما مترادفان! # فقال مواصلا سخريته: شكرا لا حاجة بي إلى خاطبة! # وكان قد عشق راقصة بأحد ملاهي الهرم تدعى عجيبة، تجاوز عشقه ~~لها النزوة العابرة، حتى اقترح عليها فكرة الزواج ... وقالت له: لولا ~~الحب ما قبلت قيد الزواج. # وسعد بذلك كل السعادة، غير أنها اشترطت عليه ألا يطالبها بهجر ~~حياتها الفنية، فتفكر مغتما ثم قال: إذن لنبق كما ~~نحن. # فقالت غاضبة: بل يذهب كل منا إلى حال سبيله. # فقبل مرغما وعقد زواجه عليها. وكان أخوه أدهم أول من علم. وكان ~~أبوه الثاني. ولما حمل الخبر إلى سميحة ثارت ثورة وجم لها ~~الخدم وتساءل الجيران. أما حسني فانتقل إلى شقة تملكها زوجته ~~بشارع الهرم. وهناك قالت له: لم أهجر حياتي الفنية لأن السينما ~~بدأت تعترف بأهميتي. # ولكن الظاهر أن طريق ذلك الاعتراف لم يكن ممهدا، وأن الأمر ~~احتاج إلى أن ينشئ حسني شركة إنتاج سينمائي من ms036 أجل عبقرية زوجته. ~~وشعر بأن أباه لا يوليه الثقة التي كان يحظى بها فطالب بنصيبه من ~~رأس المال على أن يتفرغ لعمله الجديد. وحقق له أبوه رغبته وهو ~~يقول له: ليكن ذلك سرا بيننا. # بذلك انفصل حسني تماما عن أمه، بل عن أسرته ... وأنتج لعجيبة ~~فيلمين لم يستطيعا أن يخلقا منها شيئا يذكر. وترامت إليه أنباء ~~عن علاقة مريبة بينها وبين ممثل أدوار ثانوية يدعى رشاد ~~الجميل، فرصد لهما العيون حتى ضبطهما في شقة مفروشة بالعجوزة. ~~واعتدى عليها بالضرب حتى قتلها، وحوكم، وقضي عليه بخمسة عشر ~~عاما. وعرف أقرباؤه خبره مما نشرته الصحف وما كانوا قد سمعوا به ~~من قبل. وأكثر من شخص منهم هتف: يا ألطاف الله، إنه ابن حازم بن ~~سرور أفندي رحمه الله. # حكيم حسين قابيل # الناظر في عينيه الواسعتين العسليتين يبهره حسن تكوينهما، ~~وقوة إشعاعهما، ورأسه الكبير غزير الشعر يضفي عليه مهابة. وهو ~~الثالث في ترتيب ذرية سميرة بنت عمرو أفندي وزوجها حسين قابيل ~~تاجر التحف بخان الخليلي. وكان شارع ابن خلدون مدرج طفولته ~~وصباه حيث تقيم الأسرة بعمارة به، كما كانت حديقة الظاهر بيبرس ~~ملعبه. وعلى ذكائه وتفوقه ولع منذ الصغر بالمقامرة؛ مارسها ~~أولا في الدومينو والطاولة، وأخيرا في البوكر والكنكان. # كما عرف بصداقته الحميمية لجار من جيرانه تلازما في المرحلتين ~~الابتدائية والثانوية، ثم اتجه حكيم إلى مدرسة التجارة على حين ~~التحق الآخر بالكلية الحربية. وقد عرف حكيم أهل أمه جميعا، ~~عمرو وسرور والمراكيبي وداود كما عرف أهل أبيه، وأدهش خاليه عامر ~~وحامد بآرائه السياسية الرافضة أو شبه الرافضة للوضع كله. قال له ~~حامد: إني أعتبر المعاهدة إنجازا مشرفا للوفد! # فقال حكيم: لا حصر لسلبياتها، ثم إني لا أومن بالأحزاب. ~~- الإخوان تجار دين، ومصر الفتاة عملاء فاشيست! ~~- ولا هؤلاء جميعا! ~~- إذن، بماذا تؤمن؟ ~~- لا شيء. # وضحك عامر ضحكة خفيفة فقال حامد: هذه نغمة نشاز في ~~أسرتنا. # وتخرج حكيم في إبان الحرب العظمى الثانية، بعد وفاة والده ~~بقليل، وتعين في مصلحة الضرائب، وما لبث أن أحب ms037 زميلة له تدعى ~~سنية كرم فتزوج منها وأقاما في شقة بالعباسية الغربية، وأنجب ~~منها حسين وعمرو، ووعدت الحياة بخط روتيني معروف الأول والآخر. ~~ولكن قامت ثورة يوليو وإذا بصديق عمره نجم من نجومها، وبذلك تفتق ~~المستقبل عن أبعاد جديدة لم تجر لأحد في خاطر. وفي الوقت ~~المناسب اختير حكيم في وظيفة إشرافية في إدارة التوزيع بإحدى ~~الصحف الكبرى، ووثب مرتبه بجرة قلم من العشرات إلى المئات. ودوى ~~مقامه في شجرة الأسرة من أسفلها إلى أعلاها. تاهت به أسرة سميرة، ~~وسعد به آل عمرو رغم وفديتهم المهيضة، أما المعارضون من آل ~~المراكيبي وداود فقد قالوا ساخرين: ذهب فساد متواضع وجاء فساد ~~شره. # ولصلته بصديقه الحميم هابه حتى الوزراء وداهنه الأعداء ~~والأصدقاء، وسرعان ما انتقل إلى شقة جديدة بالعباسية الشرقية، ~~واقتنى سيارة وأصبح حقيقة من رجال العهد. وكان وفيا لأسرته ~~ولأصدقائه، فمد يد المعاونة لخاله حامد ولابن خالته نادر، ~~وبفضله عومل أخوه الأصغر سليم معاملة لم تخل من إنسانية عند ~~التحقيق معه قبل سجنه، كما كان الوساطة الناجعة وراء تعيين كثيرين ~~من أصدقائه حراسا عقب فرض الحراسة على من فرضت عليهم من الأسر. ~~وظلت علاقته بصديقه الحميم كما كانت رغم استوائه قائدا بين ~~القادة الجدد، فلا يمر أسبوع دون لقاء عائلي في قصر القائد ~~يتبادلان فيه نجوى الحب والذكريات. وفي إحدى هذه المرات سأله بلا ~~كلفة: أما آن الأوان لترشحني وزيرا؟ # فقال الرجل: وما قيمة الوزير؟ سينقص دخلك إلى النصف. ~~- ولو. # فقال الآخر ضاحكا: أصارحك بأني فعلت. # ورمقه بنظرة باسمة ذات معنى، فقال حكيم: أعدك بأن أقلع عن ~~القمار. # فقال واجما: ومسألة أخيك سليم أيضا! # وعدل عن التفكير في الوزارة ولكن نجمه استمر في الصعود ~~فانتخب عضوا في مجلس الأمة، وما زال نوره يتألق حتى 5 يونيو، ~~فابتلعت الظلمات صديقه فيمن ابتلعت، وتلاشى نفوذه بضربة واحدة وإن ~~بقيت له وظيفته. جاء السقوط هزيمة شخصية فوق الهزيمة العامة ~~ومضغ مرارة الهوان بعد حلاوة العزة، وشق عليه تنكر الكثيرين له ~~حتى الذين انتشلهم من ms038 التفاهة بوفائه، ولم يبق له من عزاء في ~~الدنيا إلا في ابنيه حسين وعمرو اللذين صارا ضابطين في سلاح ~~الفرسان. وفي تلك الآونة تجلت به أعراض ضغط الدم الخبيث وقاسى ~~منها ما قاسى، ثم دهمته داهية كثيرا ما ناوشته في أحلام يقظته ~~السوداء، عندما بلغ باستشهاد عمرو في حرب الاستنزاف وكان - ~~بخلاف سنية - يحب ضبط النفس، والتظاهر بالشجاعة، والرضا والقدر، ~~تاركا أحزانه تنعقد في أعماقه كالعكارة في جوف الوعاء. وواصل ~~وجوده حتى رحل زعيم وخلفه آخر، وعاصر 6 أكتوبر فهزته نشوة لم ~~يشعر بمثلها منذ الأيام السعيدة قبل 5 يونيو، ولكن سرعان ما خمدت ~~شعلتها عندما تلقى نبأ استشهاد ابنه الباقي حسين في الميدان. ~~وانفجر الضغط صاعدا بلا ضابط فوق ضبط النفس والتظاهر بالشجاعة ~~والرضا بالقدر فقتله، وتحدث تلك الأمور وراضية تهيم في ذروة ~~شيخوختها، وتضاحك الملائكة في البيت القديم! # حليم عبد العظيم داود # ولد ونشأ في فيلا أنيقة بالعباسية الشرقية، وهو الابن الثالث ~~لعبد العظيم باشا داود. مقبول الوجه رياضي الجسم مدمن منذ صغره ~~للهو واللعب والمزاح والعربدة، لا تصدر عنه كلمة جد واحدة. ~~أخواه اللذان سبقاه كانا غاية في الجد والاجتهاد؛ لذلك قال: خلقت ~~لأحدث التوازن الضروري في الأسرة. # ويتابع عبد العظيم باشا عثراته المدرسية بمرارة ويقول له: ستكون ~~عارا على نفسك وأسرتك. # ولكنه لم يكن يكترث لملامة، ولم يحتفظ من سجايا أسرته إلا ~~بالكبرياء والغرور والنظرة إلى الآخرين من عل، حتى أهله كمال ~~وعمرو وسرور أضمر لهم الازدراء، وحنق على المتفوقين منهم، ولم ~~يسلم من لسانه إلا عامر الذي تزوج من شقيقته عفت، أما آل ~~المراكيبي فكان يضعهم - رغم ثرائهم - في الدرجة التي كرستها لهم ~~أسرة داود باعتبارهم أشباه أميين ومن صلب رجل كان يبيع ~~المراكيب. ولم يكن يتورع عن إغواء قريباته الجميلات اللاتي ~~يقاربن سنه مثل جميلة وبهيجة ابنتي سرور أفندي أو دنانير بنت ~~رشوانة ... لولا ثقل التقاليد ويقظة الأمهات. ولعل حامد كان ~~الوحيد الذي يعمل له ألف حساب لقوته واستعداده الفطري للعنف، ~~فحقد عليه، ولم ms039 يصف ما بينهما إلا حين جمع بينهما سوء المصير في ~~أواخر العمر وفي صباه ومراهقته - وبتدليل أمه له - أتقن ~~السباحة والكرة والقمار والخمر والعشق والمزاح، وامتاز أيضا بصوت ~~عذب فكان يقول بغروره المعهود: لولا تقاليد الأسرة لكنت مطرب ~~العصر. # وبعد صراع طويل مع المدرسة قرر الالتحاق بمدرسة الشرطة، ~~واستاءت الأسرة رجالا ونساء وقال له أبوه: نحن أسرة قانون ~~وطب. # فاعترف له قائلا: لا صبر لي على المذاكرة. # ولما التحق بالمدرسة وجد حسن محمود عطا المراكيبي بالسنة ~~النهائية وحامد بالمرحلة الوسطى، فكان عليه أن يؤدي لهما في نطاق ~~التقاليد المدرسية فروض الذل والطاعة، وكان أهون على نفسه أن ~~يؤدي ذلك لأي جندي ... ومرة تناول الثلاثة الغداء عند راضية، وهناك ~~تحرر من واجباته والتزاماته، وخاضوا ثلاثتهم حديث الأصل، في ~~مفاخرة ساخرة، فذكرهما بأصلهما وعيروه بأصله. قال له حامد: ~~أنتم باشوات حقا ولكنكم من طين الأرض خرجتم. # وتابعت راضية حديثهم باسمة ثم قالت: الكل في النهاية من صلب آدم ~~وحواء، وليس في الأسرة كلها من بطل إلا أبي الشيخ ~~معاوية. # وكان حليم يعتبر راضية من عجائب هذه الدنيا بدروشتها وسحرها ~~وأورادها وعفاريتها، ويقول لأمه: لولا الحظ لاتخذت مكانها ~~الطبيعي بين مجذوبات الباب الأخضر. # وتهتف به أمه: إياك أن تمس بسوء أحب الناس إلي. # كانت تؤمن بها، وعند كل لقاء تدعوها لقراءة فنجانها، وعندما ~~حدست قرب نهايتها في كبرها أوصت بأن تشهد راضية غسلها دون غيرها ~~من أهلها أو أهل زوجها. # وتخرج حليم ضابطا بعد حامد بعام، وبفضل أبيه عين في ~~المراكز الخاصة بالداخلية فقضى أكثر خدمته في حراسة الأميرات ~~والوزراء، وقد مرت به ثورة 1919 وكأنها فيلم مثير يشاهده في ~~إحدى دور العرض لم يعرف طيلة حياته انتماء إلا إلى اللهو ~~والعربدة والمزاح والطرب ... كان أبوه وأخواه من دراويش الأحرار ~~الدستوريين، أما هو فكان درويش الحانات والملاهي الليلية ونوادي ~~القمار، ولم يفكر أبدا في تكوين أسرة أو الالتزام بأي قيد. وقد ~~اختار لنفسه شقة في عمارة بشارع النيل - هي التي دل عليها حامد ms040 ~~بعد طلاقه - وزينها بهدايا الأميرات والوزراء، وشهدت من بنات ~~الليل والفنانات أشكالا وألوانا. ولم يكن يتورع، حتى عندما ~~ارتفعت رتبته، أن يقضي سهرة في عوامة مونولوجست، يسكر ويعربد ~~ويغني، ثم يرجع عند الفجر إلى مأواه وهو يترنح. وقد ساءت العلاقة ~~بينه وبين والده، وبينه وبين أخويه، وبذلت محاولات عقيمة لتزويجه. ~~ومع الأيام غلبهم بروحه المرحة فغزا قلوبهم وبيوتهم حتى سلموا به ~~كشر لا بد منه، بل لعله كان أمتع شر في أسرتهم. ولما ~~قامت ثورة يوليو نقل إلى التفتيش. أجل كان أحسن حظا من حامد ~~وحسن ولكنه عانى العمل الجاد لأول مرة على كبر. إلى هذا فقد أظهر ~~للثورة حنقا من أول يوم، وتساءل كيف يسرق الحكم أناس لا ميزة لهم ~~إلا استحواذهم على السلاح؟ وهل يحق قياسا على ذلك أن يتحول ~~قطاع الطرق إلى ملوك؟ وما هذا الذي يحدث للأسر الكريمة؟ وكيف ~~تلغى الباشوية بجرة قلم؟ وكيف يخاطب بعد اليوم أباه وشقيقه ~~الأكبر؟ وكيف يؤدي هو سلام التعظيم لضابط يماثله في الرتبة أو ~~يقل عنه؟ والأدهى من ذلك كله، أنه يوجد من آل المراكيبي ضابطان ~~يعتبران من الصف الثاني من الحكام؟ وإن حكيم ابن سميرة يلحق ~~أيضا بهيئة الحكام! حقا لقد انقلب العالم فصار عاليه أسفله ~~وصار أسفله عاليه، اضطرمت في قلبه نيران الغيرة والحنق وتجهم بكل ~~غضب للعالم الجديد الذي تجهمه. # وشد ما فرح بالعدوان الثلاثي فظن أن الستار سيسدل على ~~المهزلة ويستقيم حال الدنيا، ولكن الحوادث خيبت أمله، واستقبل ~~الزعيم حياة جديدة كلها فتوة وبطولة. وفي الستينيات توفي أبوه، ~~وتبعه شقيقه الأكبر بعد عامين؛ فتضاعفت غربته وأساه وأفرط وأفرط ~~بلا حرص في لهوه وعربدته. وكان يقضي ليلة في شقة فاخرة تدار ~~للقمار السري عندما كبسها البوليس. وأظهر شخصيته لرئيس القوة ~~ولكنه تعامى عن ذلك وساقه مع الآخرين إلى قسم شرطة قصر النيل، ~~ولم تنته المسألة إلى خير فأرسل إليه وزير الداخلية يطالبه ~~بتقديم استقالته تفاديا لما هو أسوأ، فقدمها على رغمه، ووجد ~~نفسه على المعاش. وقرر في ms041 ظلمة اليأس أن يقصر خطوطه. وعرض عليه ~~حامد أن يوسط حكيم ليجد له عملا كما نفعه ولكنه رفض شاكرا. ~~فضل أن يعيش في نطاق معاشه على أن يذل نفسه أمام حكيم، ووجد في ~~المعاش ما يكفي لمعيشته، واستبدل بالويسكي الحشيش لرخصه النسبي ~~وأثره المناسب، وتفرغ بكليته للحقد على العهد ورجاله والسخرية ~~منهم في غرزته الخاصة الحافلة بالحاقدين. ولما وقعت كارثة 5 ~~يونيو، قرر أن يحج لبيت الله الحرام. ولم يكن له من الدين ~~إلا الاسم كغالبية أسرته، ولكنه حج، ورجع إلى حياته لم يغير ~~منها شيئا، وسكنت انفعالاته بعض الشيء، ولكنه أصيب بالسكر، ~~ولم يكن يملك من الإرادة ما يواجه به متطلباته من الرجيم ~~فاستفحل معه، وحصلت له مضاعفات متلاحقة. وذات مساء اتصل ~~تليفونيا بجاره وقربيه حامد وقال له: تعال أنت وعصمت هانم ... إني ~~أحتضر. # وفعلا أسلم الروح تلك الليلة بين حامد وزوجه. # | حرف الخاء # خليل صبري المقلد # بكري زينة صغرى بنات سرور أفندي، ولد ونشأ في مسكن الأسرة ~~في بين الجناين، في مستوى متوسط حسن، بفضل ارتفاع مرتب أبيه ~~النسبي، يعتبر أفضل من مستوى جده الذي توفي قبل زواج أمه من ~~أبيه، وكان أشبه الأحفاد بخاله لبيب، فائق الجمال الموروث عن ~~جدته ست زينب وأمه أيضا زينة التي خصت بجمال لا بأس به ~~وإن يكن دون شقيقتيها جميلة وبهيجة. وكانت زينة تفارق بين وجهه ~~ووجه شقيقته الصغرى أميرة بحسرة، فقد اقتبست البنت من أمها أنفا ~~أفسد صفحة وجهها الحسن ولبد سماء مستقبلها الأنثوي بالمخاوف، ~~غير أنها سرعان ما خطفها الموت عقب نزلة معوية حادة. وأبدى خليل ~~نجابة في حياته المدرسية، وتشرب بحماس جيل الثورة الناصرية، ~~غير أنه تلقى تجربة عاطفية استثنائية في ختام مرحلته الثانوية، إذ ~~نشأت علاقة بينه وبين جارة أرملة جاوزت الثلاثين من عمرها تدعى ~~خيرية المهدي كانت تكبره خمسة عشر عاما. # وذات مساء قالت زينة لزوجها صبري المقلد: خيرية المهدي أغوت ابنك ~~المحترم! # وبهت صبري أول الأمر، لم يكن متزمتا، وكان أبا ودودا ~~متفاهما لأقصى درجة، ms042 وقد كان في شبابه عربيدا حتى انضبط بالزواج ~~بمعجزة. وبقدر ما أزعجه الخبر بقدر ما أثار تيهه، وراقب الولد ~~حتى تأكد له تردده على بيت الأرملة، وقالت له زينة: إنك لا ~~تتحرك. # فسألها: هل تؤمنين بجدوى النصيحة؟ # فقالت بقلق: إنها في سن أمه. ~~- سرعان ما يشبع ويذهب. # فقالت معترفة: من ناحيتي لن أسكت، فهل تتصور أنهما يفكران في ~~الزواج؟ # وضحك الرجل غير متمالك نفسه وهتف: العبيط! # وراح يتحرى حتى عرف أشياء. وقال لزينة: المرأة غنية. # ولمست منه ترحيبا فاستنجدت بأخيها لبيب، وكانت حياته العامة ~~والخاصة لا تسمح له بتقبل المزيد من المشكلات، وفي الوقت نفسه لم ~~يستطع أن يتجاهل حيرة شقيقته الصغرى، فزار بين الجناين متفضلا، ~~وجمع بين الابن ووالديه، وعرض الموضوع صراحة، ولم تسفر المناقشة ~~عن نتيجة ترضي زينة، وقال خليل: لن يحول شيء بيني وبين الاستمرار ~~في الدراسة. # فقال لبيب حاسما الموضوع ومخاطبا زينة: احمدي ربنا، العروس ~~عمرها كبير ولكن مالها وفير. # وأرادت زينة أن تؤجل الزواج حتى ينتهي خليل من دراسة الحقوق، ~~ولكن العروس كانت أحرص على حظها من ذلك، ولم يتأخر الزواج إلا ~~ريثما تجدد المرأة بيتها وتؤثثه، وتزوجت من خليل، ولما حصل ~~على الليسانس في عام 1965 كان قد أنجب بكريه عثمان وتعين في ~~قضايا الحكومة، وقدر كثيرون أن الزواج مقضي عليه بالفشل في ~~سن معينة، ولكن خيرية فارقت الحياة في الخمسين وهي تجري جراحة ~~في الكلوة، ولم تنجب سوى عثمان، ولم يفكر خليل في الزواج مرة ~~أخرى. # | حرف الدال # داود يزيد المصري # هو الابن الأصغر ليزيد المصري وفرجة الصياد، ولد بعد أخيه عزيز ~~بعام في بيت بالغورية على مبعدة يسيرة من بوابة المتولي، وكانت ~~فرجة الصياد ترقب الوقت المناسب لإرسالهما إلى أمها بالسوق ~~ليتدربا على بيع السمك، ولكن يزيد قال لها: أحب أن يتعلما ~~أولا في الكتاب. # فتساءلت محتجة: ولم نضيع الوقت بلا ثمرة؟ # فقال الرجل بثقة: لولا أني أفك الخط وأعرف مبادئ الحساب ما ~~ظفرت بعملي في وكالة الوراق. # وكانت المرأة تجد في ms043 بيع السمك فوائد لا يحظى بمثلها زوجها في ~~الوكالة، ولكنها لم تستطع ثنيه عما عزم. ووجد الرجل تشجيعا من ~~صديقه الشيخ القليوبي المدرس بالأزهر، بل قال له: الكتاب وبعده ~~الأزهر إن شاء الله تعالى. # ولكن تدين يزيد - كصديقه الثاني عطا المراكيبي الذي كان يقيم ~~في نفس البيت - كان قانعا بأداء الفرائض المتاحة كالصلاة والصوم ~~لا يتجاوزهما إلى أحلام دينية أعمق، فرسم لولديه الكتاب كمدخل ~~للحياة العملية، وذات يوم والشقيقان يجولان ما بين الغورية والسكة ~~الجديدة رأيا نفرا من رجال الشرطة، أما عزيز فبإلهام خفي هرب، ~~وأما داود فقد اعتقله رجل الشرطة وساقوه إلى المجهول. وتحدث الناس ~~بما رأوا، وعرفوا أن الوالي محمد علي يحمل أبناء الناس إلى ما وراء ~~الأسوار ليلقنوا علوما جديدة، إنه يحبسهم تحت الحراسة حتى لا ~~يفروا من التعليم. وقال عزيز لأبيه: لولا العناية لسقطت في ~~أيديهم. # وشكا يزيد «مصيبته» إلى الشيخ القليوبي فقال له: لا تحزن، ابنك ~~في الحفظ والصون، وربنا يدفع عنه السوء. # وبلغ الحزن بالأسرة منتهاه، ودعت فرجة على الوالي بالهلاك، ~~وشددوا في المحافظة على عزيز الذي واصل تعليمه في الكتاب، ومضت ~~أعوام فاشتغل عزيز ناظر السبيل بين القصرين وتزوج من نعمة ~~المراكيبي ابنة عطا المراكيبي، وإذا بداود يرجع إلى الغورية وقد ~~أتم تعليمه ... وفرحت الأسرة بعودته فرحة كبرى، ولكنها لم تدم، ~~إذ قال داود: سيرسلوننا في بعثة إلى فرنسا. # فصاح يزيد: بلاد الكفار! ~~- لنتعلم الطب. # وصاح عزيز: لولا عنايتك يا رب لكنت من الذاهبين! # وسافر داود ليخوض تجربة ما كانت تجري له في حلم، وفي غيابه ~~توفي يزيد المصري وفرجة الصياد، وأنجب عزيز رشوانة وعمرو وسرور، ~~ووثب عطا المراكيبي من حضيض الفقر إلى ذروة الثراء، ثم انتقل من ~~الغورية إلى سراي ميدان خيرت، ورجع داود طبيبا، وقصد مسكنه القديم ~~بالغورية الذي انفرد به عزيز وأسرته. جمع الحب مرة أخرى بين ~~الشقيقين، وجعل عزيز يراقب أخاه باهتمام وتوجس، سره أن يجده ~~محافظا على صلاته، شغوفا كالعادة القديمة بزيارة الحسين، وإن ~~تغير زيه، وإلى درجة ms044 ما لهجته. وبدا له أن يطوي في أعماقه ~~النصف الآخر الذي اكتسبه في بلاد الكفار. سأله: ألم يحاولوا أن ~~يردوك عن دينك؟ # فأجاب ضاحكا: كلا ألبتة. # وود أن يحدثه أكثر «عنهم»، ولكنه آثر السلامة، وسأله أيضا: ~~هل حقا تشرحون الجثث؟ # فأجاب: عند الضرورة ومن أجل خير البشر! # فيحمد عزيز الله في سره على إكرامه له بالهرب في ذلك اليوم ~~البعيد، وقال لأخيه: لولا ظروفك لكنت أبا من زمن. # فقال داود: هذا هو شغلي الشاغل. # وكانت توجد أسرة تركية بدرب قرمز ... «آل رأفت» فأشار إليهم ~~قائلا: لعلهم يرضون لبنتهم بطبيب عائد من فرنسا! # ووجدا في عطا المراكيبي في حاله الجديدة الشخص المناسب للكلام في ~~الموضوع. ولكن داود رفض باعتباره فلاحا حقيرا، ولم يشفع له ~~علمه ولا زيه ولا وظيفته ... وتألم الشاب ونظر إلى أخيه ~~مسترشدا فقال عزيز: عندنا أسرة الوراق التي كان أبونا يشتغل في ~~وكالتهم. # أسرة من أصل مصري شامي، ~~ووجدوا ضالتهم في حفيدة الوراق الكبير سنية الوراق، فرحبوا ~~بالعريس، وتم الزفاف، ومضى داود بعروسه إلى بيت جديد بالسيدة، ~~وقد أنجب منها ولدا - عبد العظيم - وثلاث بنات اختطفهن الموت ~~صغارا. وترقى داود في عمله حتى حصل على رتبة الباشوية ورسخت ~~مكانته الرسمية والعلمية. وقيض له أن يوفق بين شخصيتيه ~~المتنافرتين توفيقا ناجحا فكان في عمله الطبي خير رسول لحضارة ~~جديدة، له رؤيته المستقبلية الوطنية التي يحفزها شعور أليم بما ~~ينقص وطنه في مجاله، وله صداقاته الوطيدة بأقرانه من المصريين ~~والأجانب، وإلى جانب ذلك توافق مع زوجة - رغم جمالها ودرجتها ~~الاجتماعية وتعليمها الأولي الساذج - لم تكن تختلف اختلافا ~~جوهريا عن أمه فرجة السماك، ولا عن زوجة أخيه الأكبر نعمة ~~المراكيبي ... بل إنه لم يتحرر من تقاليد الأسرة والبيئة، فكان ~~يزور بيت الغورية بدافع الحب والواجب معا، وهناك ينسى شخصيته ~~المكتسبة تماما فيجلس إلى الطبلية ويأكل بشراهة السمك والطعمية ~~وثريد العدس والفسيخ والبصل الأخضر، ويتابع بعين العطف والمودة ~~النامية بين عبد العظيم من ناحية وبين رشوانة وعمرو وسرور من ناحية ~~أخرى، ويزور ms045 الحسين ويجول في الباب الأخضر، ويتعرف إلى أصهار ~~أخيه عطا المراكيبي ثم ابنيه محمود وأحمد، وصديقه الشيخ معاوية ~~القليوبي الذي يصير حما لابن أخيه عمرو. في تلك الأوقات كان يرتد ~~إلى داود الأول ابن يزيد المصري وفرجة الصياد، ابن الغورية ~~وروائحها الذكية النافذة ومآذنها السامقة ومشربياتها المسربلة ~~بالتاريخ، وقد تمنى أن يجعل من ابنه عبد العظيم طبيبا مثله ~~ليعيد سيرته، ولكن الشاب اتجه إلى دراسة الحقوق، مدرسة الصفوة ~~والوزراء، ثم مارس حياة قانونية فخيمة وناجحة. ولما بلغ الدكتور ~~الباشا الخمسين عشق جارية سوداء، وتزوج منها، محدثا في ~~الأسرة دهشة ومثيرا أقوالا. وقد اختار لها مسكنا خاصا في ~~السيدة، وخصص لها قبرا في حوش الأسرة الذي شيده يزيد المصري ~~على كثب من ضريح سيدي نجم الدين عقب حلم رآه. وقد امتد به ~~العمر حتى عصر الاحتلال وعاصر مع أخيه الثورة العرابية، ~~وأيداها بالقلب، وتجرعا مرارة سقوطها، ورحل الشقيقان في عامين ~~متعاقبين في أوائل عهد الاحتلال، ودفنا جنبا إلى جنب في القبر ~~الذي افتتحه يزيد المصري، وسرعان ما حلت بجناحه الحريمي فرجة ~~الصياد، ونعمة عطا المراكيبي وسنية الوراق، والجارية آدم في ~~قبرها الخاص. # دلال حمادة القناوي # ولدت ونشأت في بيت والديها بخان جعفر، وهي صغرى ذرية صدرية ~~وحمادة القناوي، ومسكنها على مبعدة يسيرة جدا من بيت جدها ~~عمرة، وكانت تألف عمرو وراضية كما تألف والديها. ومثل جميع ~~الأحفاد تحب راضية وتسحر بغرائبها، خاصة أن الجدة لا تكف ~~أبدا عن نشر ثقافتها الفطرية المسربلة بالخوارق في جميع الأجيال. ~~وتقول لابنتها صدرية: دلال جميلة، ولكن كيف تسللت لذريتك ~~القاهرية هذه النبرة الصعيدية؟ # فتقول صدرية ساخرة: من البغل! # مشيرة إلى زوجها الذي أنفقت حياتها في ترويضه، وتضحك راضية ~~قائلة: إنه غبي كالحجر، ولكنه رجل كريم. # وكعادته لم يسمح لدلال - كنهاد ووردة - بأكثر من عامين في ~~الكتاب ثم تولت صدرية تربيتها وتدريبها. وراحت صدرية تستعرض ~~فتيان الأسرة من أبناء أخواتها وأخويها وعمها وآل المراكيبي ~~وداود. ولكن بنات القناوي كن يجيئهن العرسان من قنا وما حولها ~~باسم ms046 آل قناوي، تقدم لها عمدة شاب يدعى زهران المراسيني يملك ~~أرضا مجاورة لأرض أبيها وأعمامه. # وقالت صدرية: قضي علي بأن يفرق القطار بيني وبين ~~بناتي. # وأجلت مأساة شقيقتها وردة الزواج عاما، ثم زفت إليه في ~~القاهرة، وبعد أسبوع واحد حملها إلى وطنه، واستقرت دلال بالكرنك ~~بصفة نهائية، وأنجبت أربع بنات وثلاثة صبيان، ولم تكن تزور ~~القاهرة إلا في المناسبات. # دنانير صادق بركات # هي الابنة الوحيدة لرشوانة - الشقيقة الكبرى لعمرو وسرور - وصادق ~~بركات تاجر الدقيق بالخرنفش. ولدت في بين القصرين ببيت يملكه ~~أبوها، ونشأت في أحضان نعمة لا بأس بها وتبشر بالمزيد، ولم تنجب ~~رشوانة غير وحيدتها لعيب فيها. ولكن لحسن حظ الأسرة أن صادق ~~بركات كان سبق له الزواج مرتين دون إنجاب، فعد العيب ~~مشتركا. وترعرعت دنانير بين أم متدينة لحد المشيخة وأب ~~ينتمي لأسرة تعتبر رائدة في تعليم البنات. وكانت على قدر من ~~الجمال لا بأس به واستعداد للبدانة، وكانت تعد من المزايا، ~~وإلى ذلك فقد أبدت نشاطا يبشر في المدرسة بكل خير. ونالت ~~الشهادة الابتدائية فألحقت بالثانوية، الأمر الذي لفت انتباه خال ~~رشوانة محمود بك عطا المراكيبي فسأل عمرو: أأنت راض عن ~~ذلك؟ # فقال عمرو: أبوها راض. # وزار الرجل بين القصرين واجتمع بالأسرة، وقال: إني لم أسمح ~~لشكيرة بتجاوز الابتدائية. # فقال صادق بركات: الزمن تقدم يا محمود بك والبكالوريا مناسبة ~~لهذا الزمن. # وقالت رشوانة: إني واثقة من أخلاق ابنتي. # وكان محمود بك لا يخلو من دعابة ولو بأسلوبه الفظ فقال: ربما ~~قالت أم ريا وسكينة، عنهما يوما، ما تقولين. # وغادرهما ساخطا. وفرحت دنانير بقرار أبيها، ستصير بالبكالوريا ~~قريبة من مستوى فهيمة وعفت ابنتي عبد العظيم داود. وسترتفع ~~درجات على جميع بنات خاليها عمرو وسرور، ولها أن تحلم بعد ذلك ~~بعريس لائق. وكانت رشوانة تستصحبها لزيارة الأصول والفروع فترى ~~الشجرة مثقلة بالثمار، عامر وحامد ولبيب وحسن وغسان وحليم، وهي في ~~نظر نفسها على الأقل لا تقل جمالا عن أجمل بنات الأسرة. ولما ~~قاربت الختام حدث شيء كالمصادفة أقنعها بأن ms047 المصادفة مأساة المآسي ~~في حياة البشر. سقط أبوها في الدكان مشلولا وحمل إلى البيت ~~ليرقد على فراشه بلا حول حتى النهاية. صفيت التجارة بإشراف ~~عمرو وسرور ومحمود بك، وقبض الرجل خمسمائة جنيه هي كل ما بقي له ~~للعلاج وحياة الأسرة. ورأت دنانير أنه لم يعد أمامها إلا مواصلة ~~التعليم والتطلع إلى العمل. لم يكن متاحا لها إلا مدرسة ~~المعلمات وكان على المعلمات وقتذاك أن يمضين حياتهن بلا ~~زواج ما أردن الاحتفاظ بالوظيفة. وتوكدت هذه الخطة عقب وفاة صادق ~~بركات. أجل رأى محمود بك رأيا آخر، قال: لتتزوج دنانير ... وأنا ~~أتكفل بك يا رشوانة. # ومالت رشوانة للموافقة، ولكن دنانير - وبدافع من كبريائها - ~~أبت ذلك وأصرت على اختيار مصيرها. لم تكن سعيدة باختيارها، ~~زهدت فجأة في حلم الزواج الذي صاحبها منذ الصبا، كانت أتعس أهل ~~الأرض ولكنها اختارت تعاستها بنفسها. وقالت لها رشوانة: إنك ~~تضحين بنفسك من أجلي. # فقالت بثبات: بل اخترت ما يسعدني. # وأصبحت معلمة وعانسا ~~إلى الأبد. تعزت عن خيبتها بإتقان العمل والإفراط في الطعام. ~~وتمضي في الحياة متسائلة أين كان يختبئ لي هذا الحظ الأسود؟! ما ~~أكثر الأعين التي ترمقها بنهم، من شباب الأسرة والأغراب، كأنهم ~~يتساءلون! هذه الفتاة الممنوعة من الزواج ألا تحلم بالحب؟! جميع ~~قريباتها مستقرات في بيوت الزوجية، حتى الدميمة المذكرة، وهي ~~لا تعبرها النظرات دون أثر يبقى ويستفحل. وما تأوي إلى فراشها ~~بعد يوم مليء بالسخرة إلا وتتأبط معها خيالا ليؤنس وحدتها. ~~إنها دائبة على تعويض لهفاتها وحسراتها بالأخيلة المحمومة الفاجرة ~~والسقوط الوهمي، والصداقات الحميمية العقيمة مع الزميلات المحرومات ~~في مجال عملها الرهباني. مكاتب حياة سرية في عالم الحلم تتناقض ~~تماما مع حياتها الظاهرة القائمة على عمل جاد استوجب الثناء، ~~والتزام بالفرائض الدينية استحق الاحترام، وسلوك رصين أيأس منها ~~الطامعين وحاز تقديرهم. وفي تلك الفترة الصاعدة من شبابها ونشاطها ~~عرض لها ابن خالها لبيب بشبابه وجماله ووظيفته القضائية اللامعة، ~~وكان سبيل الغزو له ممهدا لولا أنانيته القبيحة. دعاها إلى حديقة ~~الأسماك الهادئة ليعرض عليها علاقة ms048 سرية تناسب في تصوره ~~حالهما. قال: أنت ممنوعة من الزواج وأنا مضرب عنه. # وقالت لنفسها حانقة أنه يريدها خليلة ولا يراها أهلا ~~للزوجية. وقالت بامتعاض وازدراء: عرض جدير بامرأة ساقطة! # وتلقى اللطمة ببروده ~~الطبيعي الموروث عن ست زينب أمه، ورجعت هي إلى بين القصرين ~~مفعمة حنقا على آلها جميعا ... إنهم حقراء، أغنياؤهم وفقراؤهم على ~~السواء؛ يبيعون أنفسهم بلا كرامة، من أجل ذلك تزوج عامر من عفت ~~بنت عبد العظيم، وتزوج حامد من شكيرة رغم قبحها. وعندما ترنو ~~عين شاب من آل المراكيبي أو آل داود إلى بنت من بنات عمرو أو ~~سرور تقوم القيامة وتثور الكرامة. حقراء حقراء ... آل المراكيبي ~~باعوا أنفسهم للملك ضمانا للمصالح، وآل داود انضموا للأحرار ~~الدستوريين متوهمين أنهم يتبعون طريق الأسر الكريمة وأصلهم ~~الحقيقي نابع من التراب، وما كان داود باشا إلا الشقيق الأصغر ~~لعزيز ناظر السبيل! ما من شاب منهم من سنها أو أكثر إلا وطمع ~~في عرضها، ولم يفكر أحدهم في الزواج منها، وأطيبهم جميعا مجذوب ~~من مجاذيب الحسين. على أن فترة الشباب الخضراء لم تخل من فرصة ~~عريقة، أتاحها لها ناظر المدرسة الذي اقترح عليها الاستقالة ~~والزواج منه، ولكنها بقدر ما سعدت باقتراحه لم تتردد في رفضه ~~حفاظا على أمها أن تعيش تحت رحمة أحد من هذه الأسرة الحقيرة ~~التي تعبد المال والجاه وتستبيح في سبيلهما كل جليل. وواصلت ~~حياتها الشاقة القاحلة، تربي بنات الناس وتعدهن للأزواج، ~~منقسمة بين سلوك خيالي فاجر، وواقع متسم بالجدية والتقوى ~~والاحترام. وهامت شجرة الشباب في ربيع تعلوه كآبة الوحدة وآلام ~~الحرمان وعبث الأخيلة المحرومة، ثم مضت أوراقها تتساقط ورقة بعد ~~ورقة، تاركة آثارها في بدانة تتمادى وقسمات تغلظ، وعضلات ~~تترهل، ومرارة تستفحل. وفي أثناء ذلك رحل عمرو وسرور وأحمد ~~ومحمود، وتنكرت أشياء كثيرة، ثم مرضت أمها بداء القلب ولزمت ~~الفراش. وكانت تقول لها: لن أغفر لنفسي ما حل بك. # فتجيبها باسمة متظاهرة بالمرح: لقد اخترت ما ~~يناسبني. # فتتوسل إليها قائلة: تزوجي عند أول فرصة. # فتكذب قائلة: سيحدث ms049 ذلك قريبا جدا. # رغم أنها لم تعد تلفت نظر أحد. واحتضرت رشوانة وهي تقدم لها ~~تفاحة للعشاء. وأدركت دنانير الموقف على عدم خبرتها به فهتفت: لا ~~تتركيني وحدي. # ولفظت المرأة أنفاسها الأخيرة وهي تسندها إلى حضنها. وأجهشت في ~~البكاء، وأرسلت الخادم العجوز لإحضار راضية من بيت القاضي. وبرحيل ~~الأم ... عانت وحدة مطلقة في بين القصرين. وباتت مثالا للبدانة ~~والكآبة. ولما قامت ثورة يوليو وجدت فيها انتقاما أيضا من ~~الجبارين والمنحلين والانتهازيين، وعاشرتها بارتياح فاتر، ~~وكان الفتور قد أدرك كل شيء حتى حياتها السرية وعبثها العقيم، ~~وبفضل الراديو ثم التليفزيون اقتحمت أعاصير الثورة وأحداثها ~~وحدتها، ونفخت قبسات من الروح في فتورها، ولكن ذلك عبرها بسرعة، ~~حتى أحيلت على المعاش وأوت إلى ظلمة ظلمات الوحدة. ولم يعد لها ~~من عزاء في هذه الدنيا سوى العبادة وتلاوة القرآن. ومات زعيم ~~وتولى زعيم، وانفجرت أحداث جديدة، ثم جاء الانفتاح، وبدأت تعاني ~~مع الوحدة والكبر الغلاء المتصاعد، وأخذت تعيد حسابها وتتساءل: ~~أكتب علي أن أقاسي متاعب المعيشة من جديد؟! ... وهل حقا يخفي ~~الغد ما هو أسوأ؟! # | حرف الراء # راضية معاوية القليوبي # بكرية الشيخ معاوية القليوبي وجليلة الطرابيشية، ولدت ونشأت ~~في البيت القديم بسوق الزلط، وتبعتها شهيرة وصديقة وبليغ. ~~وكانت صديقة أجمل الأخوات الثلاث أما راضية فأقواهن شخصية ~~وأحدهن ذكاء، وإلى ذلك فجمالها لا بأس به. كانت طويلة القامة ~~ممشوقة القوام عالية الجبين ذات أنف مستقيم وعينين لوزيتين ~~سوداوين وبشرة قمحية، وكأنها صورة من أمها. وقد عني الشيخ ~~بتربية ذريته تربية دينية فكانت الأكثر استجابة رغم أن حصيلتها من ~~الناحية النظرية لم تجاوز معرفة الصلاة والصوم وحفظ بعض السور ~~الصغيرة ولكن قلبها تشرب حب الله وآل البيت، على ذاك فما تلقنته ~~عن أبيها لا يقاس بعشر معشار ما تلقنته عن أمها من الغيبيات ~~والخوارق وسير الأولياء وكراماتهم وأسرار السحر والعفاريت. ~~والأرواح الساكنة في القطط والطيور والزواحف، والأحلام وتأويلها، ~~وقراءة الطالع، والطب الشعبي وبركات الأديرة والقديسين والقديسات. ~~ورسخ من إيمانها بأمها ما شهدته من ركون أبيها نفسه ms050 - العالم ~~الأزهري - إلى وصفاتها الطبية ورقاها وتعاويذها، واحتفاظه بالحجاب ~~الذي أهدته إليه فوق صدره. وكانت راضية عصبية المزاج، تمارس ~~الحب والكراهية في اليوم الواحد عشرات المرات، وقد شهد مدخل ~~البيت - حيث الفرن والبئر وركن المعيشة اليومية - تسلطها على ~~أختيها، وتحيز الأم لها، مما أثار ضغينتهما عليها. وما كادت ~~تبلغ الرابعة عشرة حتى خطبها عزيز يزيد المصري صديق الشيخ معاوية ~~لابنه عمرو أفندي الموظف بنظارة المعارف. وكان الشيخ في ذلك الوقت ~~معتزلا في بيته عقب خروجه من السجن الذي قضى عليه به بسبب اشتراكه ~~في الثورة العرابية، فتلقى أول فرحة في حياة لم تعد تبشر ~~بخير في ظل الاحتلال. ولكن الحظ لم يمهله فتوفي قبل أن يجهز ~~ابنته، وحمل نيشان العروس إلى بيته في نفس يوم الوفاة، الأمر الذي ~~أغرى جليلة بأن تزغرد وتصوت في لحظتين متعاقبتين وتصير بذلك نادرة ~~في الحي كله. وخلا زفاف راضية من الأفراح المعهودة، وانتقلت إلى ~~البيت الذي أعده عمرو لحياته الزوجية بميدان بيت القاضي، وكان ~~عمرو في العشرين من عمره، طويل القامة متوسط القد، ذا شارب غزير ~~وقسمات واضحة، واستعداد كامل للحياة الزوجية. وسرعان ما ربط ~~الزوجين حب زوجي متين صمد لتقلبات الحياة وتضارب العادات ~~والأمزجة، ومع الحب عرفت راضية أول صداقة مع رشوانة أخت زوجها ~~بخلاف نعمة المراكيبي حماتها، وكأنما حدست ما دار من ورائها عندما ~~ذهبت المرأتان لخطبتها، إذ قالت نعمة لابنتها رشوانة وهما في طريق ~~العودة: أجمل البنات الصغرى! # فقالت رشوانة: العروس مناسبة جدا، وعلى خيرة الله. # فقالت نعمة بارتياب: أخاف أن تكون أطول من عمرو. # فقالت رشوانة بيقين: كلا، عمرو أطول يا نينة. # على أي حال حدست راضية بشفافيتها تحفظ نعمة حيالها وتوثبت من أول ~~يوم للدفاع أو الهجوم إن اقتضى الأمر، ولكن الله سلم دائما فلم ~~يقع بينهما ما يصلح للقيل والقال. وأقبل رجال الأسرة ونساؤها ~~للتعارف والتوادد؛ سرور شقيق زوجها، وعزيز حموها، والدكتور داود، ~~وحرمه سنية هانم الوراق وابنهما عبد العظيم، ومحمود عطا المراكيبي، ~~ونازلي هانم وأحمد عطا المراكيبي، ms051 وفوزية هانم. اعتقدت أنها ستعرف ~~نساء على شاكلتها أو لعلها تتفوق عليهن كما تفوقت على ~~شقيقتيها، ولكنها وجدت نفسها حيال هوانم من طبقة عالية. ربما ~~هون من وطأة الفوارق دماثة أخلاقهن وما طبعن عليه من أدب ~~فائق، ولتقارب العقلية رغم تفاوت المظهر والمنظر. واشتد الإحساس ~~بالفوارق أكثر عندما ردت الزيارات بصحبة عمرو، فرأت بيت الدكتور ~~بالسيدة، ثم تاهت في سراي ميدان خيرت بأبهتها الأسطورية. هناك فقط ~~تنبهت إلى أن جهازها لا شيء، لا شيء ألبتة، وكم توهمت أن ~~فراشها ذا العمد الأربعة والسلم الخشبي، ومرآة حجرة الاستقبال ~~ذات الحواف المرشوقة بالورد الاصطناعي والكنبة الإسطمبولية ~~الطويلة، كم توهمت أن ذلك الأثاث من التحف المبهرات، وانكسرت ~~نفسها، وقالت لأمها بنبرة المعترف: سأحدثك عما رأيت. # وأصغت جليلة إليها صامتة، ثم تساءلت باستهانة: هل يوجد بينهم ~~بطل من أبطال عرابي باشا كالشيخ معاوية؟ # وسرعان ما استردت راضية ثقتها بنفسها، وراحت تحدث الهوانم ~~عن تراثها من الغيبيات والكرامات. ولكن العلاقة الجديدة تعطرت ~~بماء الورد بفضل أخلاق الهوانم، ونشأت مودة حقيقية بين الجميع، ~~وكان لأطوار راضية الغريبة فضل في ذلك بما تميزت به من إثارة لا ~~تقاوم. واحتدم صراع بين الزوجين على السيادة، فقد أراد عمرو أن ~~تنطوي زوجة في البيت، فلا تعبر عتبته إلا بصحبته، ورأت هي أن ~~علمها الغيبي يطالبها بزيارات دورية لآل البيت وأضرحة الأولياء. ~~وحذرته من أن يقف عثرة في ذلك السبيل. وكان عمرو من أتباع ~~الطريقة الدمرداشية ويؤمن بأفكار راضية وتراثها ويخشى عواقب ~~التمادي والمغالاة، فأذن لها بالحركة مستوهبا من ورائها خيرا ~~وبركة، مطمئنا إلى خلقها، راضيا بمهارتها الفائقة في إدارة ~~بيته وتفانيها في توفير أسباب الفرحة له. وسارت الأمور سيرا ~~حسنا، وما من نزاع بينهما دام أكثر من ساعات، فكانت إذا غضب ~~حلمت، وإذا انفجرت عصبيتها تغاضى وتسامح. وتوطدت مكانتها بين ~~فروع الأسرة الباسقة حتى قبل أن تتوثق بالمصاهرة، فشاركت سنية ~~الوراق في الخطبة لعبد العظيم، كما شاركت نعمة المراكيبي في الخطبة ~~لسرور أفندي، وأنجبت مع الأيام صدرية وعامر ومطرية ms052 وسميرة وحبيبة ~~وحامد وختمت بقاسم. ولم تكف يوما عن بث رسالتها التراثية في ~~ذريتها أسوة بفروع الأسرة والجيران، حتى تبلورت شخصيتها في الحي ~~كله كسيدة الأسرار الغيبية، وأضافت إليها الفخر ببطولة أبيها الذي ~~بفضله جعلت من عرابي وثورته أسطورة ذات كرامات وخوارق تداخلت في ~~كرامات البدوي وأبي العباس وأبي السعود والشعراني وامتزجت بعنترة ~~ودياب وإناث الجن وذكورهم والسحر والتمائم والأحجبة والبخور ~~والرقى. ولم تتردد عن مصارحة داود باشا قائلة: طبك هذا لا جدوى ~~منه ولا خير فيه. # أو تقول له: يوجد طبيب واحد لا شريك له هو الله عز وجل. # وكان الباشا يحب حديثها ويجاريها على قد عقلها، ويداعبها ~~أحيانا فيقول: ولكنك يا ست أم عامر تجعلين مع الله آلهة أخرى من ~~الأولياء والعفاريت. # فتقول بإيمان: أبدا ... إرادته وراء كل شيء ... لولاه ما أمكن سيدي ~~النقشبندي أن يوجد في مكة وبغداد والقاهرة في وقت واحد! # وكان يجمعها وعمرو تصورات متقاربة فوجدا دائما الحديث ~~المشترك والتفاهم الدائم. وقد شاهدت ثورة 1919 من مشربية بيتها ~~العتيق، وسجلت في قاموسها الخالد وليا جديدا، اسمه سعد ~~زغلول. # ولما اشترك عمرو في إضراب الموظفين تساءلت بقلق: هل يسجنونه ~~كما سجنوا الشيخ معاوية؟ # واخترقت الشوارع المليئة بالفتن وزارت ضريح سيدي يحيى بن عقب، ~~ودعت على الإنجليز وملكتهم - كانت تعتقد أن الملكة ما زالت على ~~قيد الحياة - بالهلاك الأبدي. وساورها القلق لاشتراك عامر في ~~المظاهرات، والعقاب الذي حل بحامد لاتهامه بالتحريض على الإضراب ~~في مدرسة البوليس. # وأمام ضريح الحسين هتفت من قلب معذب: اللهم نجنا من شر ~~هذه الأيام ... اللهم انصر المظلومين. # كانت تربي ذريتها بتراثها وإذا بالجميع يتكلمون عن الوطن ~~وسعد، اتسع مجال الوجدان وأصبحت الحوادث هي المربى الأول. وصمدت ~~راضية وعمرت مثل أمها حتى جاوزت المائة سنة. في أثناء ذلك ~~تحول الأبناء إلى أسر، وشب أحفاد جدد. وسمعت بولي آخر ~~اسمه مصطفى النحاس، وأخيرا آخر الأولياء الذين عاصرتهم جمال عبد ~~الناصر الذي رفع أحفادا لها حتى السماء وخفض أعزة منهم إلى ~~الحضيض أو السجن، فراوحت ms053 بين الدعاء له والدعاء عليه. وقد ~~انقرضت من أسرتها في حياتها الأم والأخوات، وأحمد عطا وعمرو وسرور ~~ومحمود عطا، وآخرون لم تدر بهم. ولكن قلبها لم يعرف الرعب ~~أكثر مما عرفه في زمانين ... وفاة عمرو الذي حزنت عليه عمرا ~~كاملا. ومأساة قاسم وخاصة في أول العهد بها. غير أنها صمدت ~~بقوة خارقة، وهزمت همومها بحيوية نادرة المثال، ولم تتقاعد في ~~بيت إلا وهي تشارف المائة، وواظبت على الحركة في مداخله، ولم ~~تعجز عن الحركة إلا في عامها الأخير، ولما حم القضاء طرقها ~~الموت بلطف ودماثة. كانت صدرية متربعة على الفراش عند قدميها، ~~وإذا بها تسمعها تغني بصوت ضعيف: # عودي يا ليالي العز عودي. # فضحكت صدرية وتساءلت: أتغنين يا نينة؟ # فقالت: كنت أغني هذه الأغنية وأنا أرقص بين البئر ~~والفرن. # ومال رأسها الناحية اليسرى لائذا بالصمت الأبدي. # رشوانة عزيز يزيد المصري # هي بكرية عزيز أفندي ونعمة عطا المراكيبي. ولدت ونشأت في مسكن ~~الأسرة بالغورية حيث أقام يزيد المصري بالدور الأول وسكن الثاني ~~عطا المراكيبي جد رشوانة لأمها. ولما ولد عمرو وسرور تبين أن ~~الولدين أجمل من البنت، ولكنها كانت مقبولة ذات جسم ممتاز. ~~وألقاها أبوها على أخيها ولكنها دربت خير تدريب على فنون البيت ~~ومالت بطبعها وتأثرها بأمها إلى التدين فعرفت على مدى عمرها ~~بالتقوى والورع. ولما بلغت الخامسة عشرة رغب في الزواج منها ~~المعلم صادق بركات تاجر الدقيق بالخرنفش ... كان من المتعاملين مع ~~عطا المراكيبي، ومنه عرف عزيز ناظر السبيل وزوج ابنته ... فطلب منه ~~يد بكريته، وزفت إليه في بيت يملكه في بين القصرين على كثب من ~~سبيل أبيها ... وكان صادق بركات قد سبق له الزواج مرتين ولم ~~ينجب، ومرت أعوام على رشوانة دون حمل، ثم أنجبت ابنتها الوحيدة ~~دنانير، فسر الجميع لذلك وخاصة صادق بركات نفسه. وكان مستوى ~~الرجل المالي حسنا، وأفضل بكثير من عطا المراكيبي وعزيز يزيد ~~المصري، فتمتعت رشوانة بحياة طيبة، مطبخها عامر وعروس برقعها ~~من الذهب الخالص. وتزور والديها في الغورية أو أخويها عمرو وسرور ~~في ms054 بيت القاضي محملة بالهدايا. واستوت دنانير على مثال أمها ~~مقبولة أو أحسن درجة، وأثبتت نجابة في المدرسة فشجعها أبوها على ~~الاستمرار رغم اعتراض محمود بك عطا المراكيبي. وأيدت رشوانة خطة ~~زوجها لتتساوى ابنتها مع فهيمة وعفت كريمتي عبد العظيم داود ابن ~~عمها، ولكنها كانت راسمة الزواج كنهاية سعيدة يقف عندها ~~التعليم؛ ولذلك دربت ابنتها على فنون البيت في العطلة المدرسية ~~الطويلة، وانتظرت على لهف ابن الحلال. ولما لزم صادق بركات ~~الفراش نتيجة لمأساة مرضه سلمت باستمرار دنانير في التعليم ~~كضرورة لا مفر منها، على الأقل حتى يتيسر لها الزواج، ~~واشتدت الحاجة إلى ذلك عقب وفاة صادق بركات، وبعد أن أصبحت بلا ~~مورد، ولم تجد بأسا في أن تتزوج دنانير على أن تعتمد هي في ~~معاشها على خالها محمود بك لولا إباء دنانير وإصرارها على العمل ~~حتى مع الحرمان من حقها المشروع في الزواج. وقد مات أبوها عزيز ~~دون أن يترك لها شيئا تركن إليه، وماتت أمها نعمة فقيرة، إذ إن ~~ثراء عطا المراكيبي جاءه من زوجته الجديدة التي تزوج منها بعد ~~وفاة زوجه الأولى أم نعمة؛ وكانت تدعى سكينة وهي ابنة صاحب دكان ~~المراكيبي الذي ورثه عطا عنه أو أداره نيابة عن سكينة صاحبته ~~الأصلية، وقد صفى الدكان بعد وفاة سكينة. كرهت رشوانة فكرة ~~التضحية بدنانير من أجلها هي، وحاولت إقناعها عبثا بعرض خالها ~~محمود الكريم، والذي أبدى أخوه أحمد المشاركة فيه حبا وكرامة، ~~ولكن دنانير أبت ذلك، وقالت لأمها: سنعيش بكرامتنا مهما كلفنا ~~ذلك. # ولم تخف عنها انتقادها الثابت لخالها ولسائر أسرتها، قالت: إنهم ~~يعبدون المال والجاه ولا كرامة لهم. # فقالت لها رشوانة بارتياع: ما أقساك في حكمك، إنهم أناس طيبون ~~ويتقون ربهم. # فقالت لها برقة: أنت طيبة وتحكمين عليهم بطيبتك، ومن هنا ~~الخطأ. # وراحت تبث قلقها للجميع ... لأخيها عمرو، وراضية، ولنازلي هانم ~~وفوزية هانم، وفريدة هانم حسام حرم عبد العظيم داود، فلم يوافق أحد ~~على كبرياء البنت، وتنبئوا لها بالندم حيث لا ينفع الندم، أما ~~راضية فتساءلت: ومن ms055 الكافر الذي حرم الزواج على ~~المعلمات؟! # وكانت رشوانة تلاحظ ابنتها بقلق، محاولة النفاذ إلى أعماقها، ~~متسائلة عن أفكارها وعواطفها وعن المخبأ لها في زوايا حياتها ~~الغريبة التي تشبه حياة الرجال. # وكلما توترت لها أعصاب أو شكت شأنا من شئون العمل فسرت ~~رشوانة الحال بدواع أخرى مستقرة في أعماق تلك الحياة الشاذة ~~السقيمة، وتراها وهي تزداد بدانة وتفقد طلاوة شبابها وجمالها ~~يوما بعد يوم، وتتطبع بطابع الجدية والخشونة كأنما يحولها ~~العمل - وهي لا تدري - إلى رجل. وتخلو إلى أخيها سرور أفندي في ~~بيته بميدان بيت القاضي وتقول له: فيك الخير يا أخي، لماذا لا تخطب ~~دنانير لابنك لبيب؟ # فيقول سرور متهربا: لكنها لا تريد أن تتركك تحت رحمة ~~الغير. ~~- أستطيع أن أقنعها إذا سعدت بعريس لقطة كابنك. # فقال لها بصراحة: الحق أني لا أرحب بزواج لبيب حتى تتزوج ~~جميلة وبهيجة وزينة؛ أنا رجل لا أملك سوى مرتبي الصغير ولا غنى ~~عن مساعدته لتجهيز البنات. # وترجع بغصة لتجتر همومها التي لا تتخلى عنها إلا أويقات ~~صلاتها. وتنظر فترى الشباب يختفي تماما وتحل محله صورة كئيبة ~~موسومة بالخشونة والجفاف، فلا يشك أحد أنه خيال عانس تعكر ~~لها الدهر، وتتراكم الهموم برحيل الأحبة واحد في إثر آخر، ذهب ~~أحمد وعمرو ومحمود وسرور، وإذا بقلبها يخونها بالمرض بعد أن خانها ~~بالحزن الدائم. وتستوطن الفراش على كره، وتسهر ليالي من الألم، ~~وتشعر بأن الموت يأخذ أهبته ... ويعودها آل المراكيبي وآل داود ~~ويتردد عليها آل عمرو وسرور، وتوصي كل فرد بدنانير، وقالت ~~لابنتها وكأنما تلقي إليها بوصيتها الأخيرة: تزوجي في أقرب ~~فرصة! # وساعة الاحتضار وثبت دنانير إلى الفراش، وأسندتها إلى صدرها، ~~وراحت تتلو ما تيسر لها من الآيات، حتى لفظت المرأة أنفاسها، ~~وأصبحت هي وحيدة بكل معنى الكلمة. # | حرف الزاي # زينب عبد الحليم النجار # ولدت ونشأت في عطفة الكردي بالحسينية لأب مصري يدعى عبد ~~الحليم النجار - صاحب دكان نجارة صغير بالحسينية - وأم ~~سورية. # وقد تزوجت من سرور أفندي ~~بعد زواج شقيقه الأكبر عمرو بثلاثة أعوام. وكان عزيز ms056 يؤمن بالزواج ~~المبكر فلم يلق بالا لاعتراض سرور وقال له: الزواج لأمثالك ~~دواء ناجع. # وقال له أخوه عمرو: أنت صاحب مزاج وعلى قد حالك، والزواج أرخص ~~وسيلة! # واستعانوا بخاطبة فدلتهم على بيت عبد الحليم. وكان الرجل ذا ~~سمعة طيبة وميسور الحال لدرجة لا بأس بها. أجل اعترض عليه بصفة ~~صاحب حرفة ولكن الخاطبة قالت: البنت أدب وجمال. # وذهبت نعمة وراضية للزيارة التقليدية. انبهرتا حقا بجمال ~~العروس. وكانت بيضاء فاحمة الشعر ذات عينين خضراوين وجسم لدن ~~ونظرة عميقة الهدوء. وقالت نعمة وهما في طريق العودة: آية في ~~الجمال. # فأشعلت غيرة راضية وقالت كأنما تؤيد وتدافع: أما الأصل فكلنا ~~أولاد حواء وآدم! # وزفت زينب إلى سرور في بيت مجاور لبيت عمرو بميدان بيت ~~القاضي، وحال رفع النقاب عن وجهها وقع في غرامها، أما هي فقد ~~أحبته حتى آخر عهدها بالحياة. وقد أنجبت له من الذرية: لبيب ~~وجميلة وبهيجة وزينة وأمير وحازم، وكان جمالها جواز المرور إلى ~~احتفاء الأسرة وفروعها بها، ورسخ الأثر بأدبها ودماثتها وهدوء ~~طبعها. أجل شعرت بغريزة ما بغيرة راضية منها ولكن لم ينجم عن ذلك ~~أي مضاعفات بفضل هدوء طبعها المتمادي لحد البرود. طالما ~~احترمتها وجاملتها وقدمتها على نفسها بوصفها حرم الشقيق ~~الأكبر. وطالما أملت أن يكون أبناؤها أزواجا لبناتها، وكلما ~~اتجه أحدهم إلى قبلة أخرى اتهمت راضية بأنها وراء انحرافه ~~عن قبلته المشروعة وصاحبة الحق الأول فيه. ولكن ذلك لم يفسد ~~الود بين الأسرتين، ولا ظهر فيه أثر فوق السطح. متاعبها ~~الحقيقية بدأت مع اقتراب سرور من الكهولة، فلم يغب عن إحساسها ~~اليقظ تململه ولا تطلعه التلقائي لكل من هبت ودبت من حسان ~~الحي. وبسبب ذلك قام النزاع بينهما على كبر. من ناحيته دفع عن نفسه ~~التهم بحدة وعصبية، ومن ناحيتها عاتبت واشتكت بصوتها المهموس ~~ودماثتها الصامدة، ولما فرغ صبرها شكته إلى أخيه الأكبر عمرو ~~أفندي، وقال عمرو لأخيه: الناس تكبر تعقل. # فأكد له أن الأوهام لا تريح زوجته، فقال عمرو: أولادك كبروا ~~أيضا. # وعلمت راضية بالمشكلة فراحت ms057 تقول لسلفتها: وأين يجد جمالا ~~كجمالك؟! # ولكنها سرت في باطنها وقالت لنفسها إن المرأة لا تحيا بجمالها ~~وحده! # ولم تنج من عواقب الحزن فأصابها مرض السكر والضغط وتناوبتها ~~الوعكات وزحف الشحوب على رونقها المتألق ليطفئه رويدا رويدا ~~قبل الأوان. وقرأت دواما أحلام الجشع في نظرات سرور، وعاشت في ~~جو ملبد بسحب المخاوف. وتناوبتها هواجس محضة بأنه لولا الفقر ~~لتزوج مرة أخرى، وهل يبعد أن يظفر بامرأة غنية تحبه كما جرى ~~حظ عطا المراكيبي قديما؟! وطالما غبطت راضية على قناعة زوجها ~~وعلو مكانتها في الأسرة نتيجة لمصاهرتها لآل المراكيبي وآل ~~داود. وتقول لزوجها: انظر كيف يحبون أخاك ويغدقون عليه الهدايا، ~~أما أنت فقد أثرت نفورهم بحدة لسانك! # وجاءت الحرب العظمى ~~الثانية بإظلامها وغاراتها، ولكن أفظع غارة انقضت من القدر على ~~سرور نفسه فأتلفت صحته وسلمته ليد الموت قبل الأوان وهو في ~~عامه الأخير من الخدمة. ضربة قاضية نزلت بها بغياب الرجل الذي لم ~~يفتر حبها له ساعة واحدة من عمرها رغم فتور رغبته وركود حبه. ~~وعقب عام واحد من وفاته أصابها نزيف في المخ فراحت في غيبوبة ~~امتدت ثلاثة أيام، ثم أسلمت الروح في صباح اليوم الرابع بين يدي ~~راضية. # زينة سرور عزيز # هي صغرى بنات سرور أفندي والرابعة في ذريته، اشتهرت بعينين ~~خضراوين واسعتين وجسم سريع النضج يوحي بأنه جسم امرأة لا بنت ~~عذراء. وحجزت في البيت في سن مبكرة بعد فك الخط في الكتاب، ~~ومضت نحو المراهقة في محطة انتظار ابن الحلال. وذهبت جميلة إلى ~~بيت الزوجية، وبقيت هي مع بهيجة في محطة الانتظار. تفتح ~~شبابها على أسرتها حين دهمها الغروب والتوتر في جو الإظلام ~~والغارات، ولحظت من وقت مبكر مناورات القلوب التي تدور بين بهيجة ~~وقاسم، وفطنت بغريزة متوقدة إلى أن سنهما المتماثل لا ~~يرشحهما للزواج، وأنه أولى بالفتى أن ينتبه إليها هي. ودأبت ست ~~زينب على اصطحابها - هي وبهيجة - في زياراتها لبيوت الأسرة. شد ~~ما تلتهمها الأعين ولكن يبدو أن أحدا لا يراهما أهلا للزواج. ~~إنها أسرة ms058 تستأهل ما يردده أبوها عنها وأكثر ... وحل المرض ~~بقاسم فلاذ بعالمه الجديد، وتلقت أختها الطعنة في صمت وصبر ~~وتسليم. ورحل أبوها ثم تبعته أمها، فوجدت نفسها مع أختها ~~وحيدتين، يلم بهما أخوها لبيب كلما سمح له عمله خارج القاهرة. ~~وقالت لهما راضية: الله لا ينسى عباده ومن توكل على الله فلا ~~يحزن. # وذات يوم، وكان لبيب يجالسهما في جلبابه، قال: جاءني أحدهم ~~يطلب يدك يا زينة. # خفق قلبها، ونظرت نحو بهيجة نظرة مفعمة بالذنب. فقال لبيب: لكل ~~إنسان حظه، وفي وقت لا يتقدم ولا يتأخر. # فقالت بهيجة رغم غرقها في اليأس: صدقت تماما يا أخي ... مبارك ~~عليها. # فقال الرجل: من ناحيتي لا أستطيع أن أهمل فرصة. # وساد صمت ثقيل، ثم قال - وكان ذا قدرة على مواجهة أحرج المواقف: ~~اسمه صبري المقلد، موظف بشركة الكيماويات. # فتمتمت زينة بريبة: شركة! ~~- أفضل من الحكومة ... الدنيا تتغير. # ثم وهو يهز رأسه الكبير: سمعت أنه سكير، وهو نفسه اعترف ~~بذلك، ولكنه أكد لي أنه تاب وأنه يؤهل نفسه للزواج بجدية ... ما ~~رأيك؟ # قالت باستسلام: الرأي رأيك. ~~- هذا الكلام لا ينفع اليوم ... سوف ترينه بنفسك. # وجاء صبري المقلد فاستقبله لبيب في حجرة الاستقبال القديمة. ~~وتزينت زينة وارتدت أحسن ما عندها من ملابس، ودخلت للقاء حظها. ~~لم تستطع أن تتفرس في وجهه، ولكن لمحة كفت لإعطاء صورة عنه. ~~كان نحيلا بدرجة ملحوظة هائل الأنف كبير الشدقين طويل الوجه. ~~ولما ذهب قال لبيب: لا يعيب الرجل قبحه ... مرتبه محترم ... أسرته ~~طيبة ... والرأي الأخير لك. # تبين لها أنها تريد زوجا بأي ثمن: لا صبر لها على تلك الحياة ~~الكئيبة، وليكن الله مع بهيجة. وزفت إليه في بيت تملكه أمه ب ~~«بين الجناين» ... وبدت سعيدة بزواجها تماما، وأنجبت له خليل ~~وأميرة. وماتت أميرة طفلة مخلفة جرحا غائرا في قلب الأم ~~الشابة. وكان صبري يكبرها بعشرين عاما، ولكنها نعمت في كنفه ~~بحياة طيبة، فرفلت في أجمل الثياب وتناولت أشهى الأطعمة حتى تمادت ~~في السمانة وشابهت عوالم الزمان الأول. وقد صدمها زواج ms059 ابنها ~~خليل من أرملة في مثل سنها، ولكنها عبرت محنتها بسرعة ودون ~~أزمة حقيقية. ولم يكدر صفوها إلا الزمن الذي قطع ما بينها ~~وبين أهلها جميعا حتى تخايلت لعينيها القبيلة القديمة المتداخلة ~~باللقاءات المتواصلة مثل حلم لا ظل له عن الواقع. وقد جاء ~~الزمن بالراديو والتلفزيون، وراحت القاهرة تتضخم وتنهمر عليها ~~الأحداث والحروب والعلل. وكأن بين الجناين أصبحت مثل غيرها من ~~الأحياء مملكة مستقلة لا تعبر حدودها إلا في ~~الملمات. # | حرف السين # سرور عزيز يزيد المصري # ولد ونشأ في بيت الغورية على مرأى من بوابة المتولي، مع شقيقه ~~الأكبر عمرو وأختهما الكبرى رشوانة. وترامى مراح طفولتهم ما بين ~~البوابة وسبيل بين القصرين حيث يجلس الأب عزيز على عرشه المائي. ~~وكان سرور يشبه أخاه في طوله ووضوح ملامحه، ولكن وجهه أنبأ عن ~~تناسق ألطف كما مال جسمه إلى البدانة. وكانت جدته نعمة ~~المراكيبي تخصه بحب لا يحظى بمثله عمرو أو رشوانة، ~~وتدلله رغم احتجاج عزيز وتحذيراته. ونشأ طبعا مؤمنا ولكن ~~بلا قيود بخلاف أسرته جميعا، فلم يؤد الصلاة، ولا الصيام حتى ~~بلغ الخمسين من عمره، وستنطبع أسرته الخاصة بطابعه فيما بعد، ~~وبدا كسولا كارها للتعلم فتعثرت خطواته ... أما في معابثة البنات ~~ومطاوعة الغريزة فقد أنذر سلوكه بالمتاعب، وحاول جر أخيه عمرو ~~معه ولكنه لم يجد منه استجابة تذكر، ووجد على العكس صدا ~~وملامة. وقد تبادلا حبا أخويا متينا وصمد في النهاية أمام ما ~~شاب علاقتهما مع الزمن من خلافات. ومضى في مدرسته الابتدائية ~~بصعوبة، ولم يكن حظ عمرو أوفر منه؛ ولذلك ما كاد يحصل على ~~الابتدائية حتى ألقى سلاحه، وسعد بوظيفة في السكك الحديدية. كانت ~~الابتدائية شهادة ذات شأن فارتاح بال عزيز وحمد الله. أجل تمنى ~~المزيد لابنيه متأثرا بمثال أخيه داود باشا وابنه عبد العظيم، ~~ولكنه قال لنفسه «القناعة كنز». بل راح يفكر في الخطوة التالية ~~المهمة وهي الزواج ... ولما حادثه أبوه في الأمر وجد منه فتورا، ~~فصارحه بأنه لا يبارك سلوكه، وأنه يرى في الزواج خير علاج له ... ~~وانضم ms060 عمرو إلى رأي والده بحماس، وسرعان ما أذعن سرور احتراما ~~لهما وتطلعا لسحر الزواج أيضا ... ودلتهم الخاطبة على بيت ~~زينب ، وذهبت قافلة من نعمة ورشوانة وراضية لخطبة زينب. وزفت ~~إليه في البيت المجاور لبيت أخيه بميدان بيت القاضي، وبهر سرور ~~بجمال زوجته وطبعها الهادئ وخلقها الدمث، ووجد بين يديها الحب ~~والشفاء، وأنجبت له في حياة موفقة لبيب وجميلة وبهيجة وزينة ~~وأمير وحازم، كان لسرور من وظيفته الرسمية وزوجته الممتازة وذريته ~~الجميلة ما يؤهله لطمأنينة النفس، ولكنه كان دائما يحوم حول ما ~~يفتقده فخسر كثيرا من الأحلام، وأحد الحسد قلبه ولسانه. جمع ~~بينه وبين زينب حال واحدة، توارت عند زوجه وراء طبعها الدمث، ~~وتجلت مع فحولته غير المبالية. عرف - كان لا بد أن يعرف - ~~ماذا كان جده عطا المراكيبي، وماذا صار، وكيف ابتسم له الحظ، كما ~~عرف الأصل الذي صدرت عنه باشوية عمه داود، واحتج على ثراء ~~جده وفقر أمه، واتهم جده بالدناءة والقسوة، ولسعته الغيرة ~~من أخيه المحبوب عمرو، لإغداق الجميع عليه بالحب والهدايا وتجاهله ~~هو كأنه ليس بشقيق عمرو، متغافلا عن حدة لسانه التي نفرت ~~القلوب منه. وضاعف من تأزمه أن عمرو تخطى ابنتيه وزوج ابنيه ~~من آل داود وآل المراكيبي. أجل لم تطف عواطف السخط إلى السطح ~~فيما بين الشقيقين أو الأسرتين، وغلب الحب دائما، ولكن الباطن ~~ماج كثيرا بالانفعالات المتضاربة. حتى ما بين راضية وزينب، فقد ~~غطاه السلام دائما وحسن المعاشرة، وشد ما بكى سرور يوم وفاة ~~عمرو كما احتضرت زينب تحت مظلة حانية من تلاوة راضية ودموعها. ~~وكما كان سرور دون أخيه في تقواه كان كذلك في وطنيته، ولكن ثورة ~~1919. أودعت قلبه المتمرد قدرا من الدفء لم يتلاش حتى النفس ~~الأخير. وظل يفاخر باشتراكه في إضراب الموظفين كما لو كان ~~المضرب الوحيد، وظلت ذكريات مظاهراتها عالقة بخياله كأفتن ~~الطيبات التي عشقها في حياته. تلك الموجة العاتية الهادرة ~~بأناشيد المجد التي جرفت الآباء والأبناء واقتحمت قلوب النساء وراء ~~المشربيات؛ ولذلك وجد في ارتداد آل المراكيبي وآل داود ms061 عن ~~زعامتها المقدسة مجالا يضرب فيه لسانه بغير تحفظ يقول ~~لأخيه: لنا خال لا يعبد في الدنيا إلا مصالحه. # أو يقول: وبيت عمنا الجليل المنضم لعدلي توهما أنه حقا من ~~العائلات! # ومع الكهولة تفجرت ثورة أخرى في أعماق سرور تمرد بها على ~~حب زوجته، وانطلقت عيناه وغرائزه وراء أحلام المراهقة من جديد. ~~ونشب الشقاق بينه وبين زينب الوديعة المحبة الحزينة، وتعاتبه ~~بصوتها المهموس: ماذا نصنع لو شكتك جارتنا إلى زوجها؟ # فيقول بحدة: لا يوجد أصلا موضوع للشكوى. # ولما شكته هي إلى عمرو صب غضبه عليها وهددها بأنه سيتزوج ~~ثانية وقتما يشاء. وكان الزواج مرة أخرى أمنية يعجز عن تحقيقها. ~~والحق أنه لم يخن زوجته إلا مرتين؛ واحدة في بيت من بيوت ~~البغاء، والأخرى علاقة عابرة لم تدم أكثر من أسبوع. وحنق أكثر ~~على فقره، وأكثر وأكثر على جده الفظ، ودأب على شراء أوراق اليانصيب ~~لعل وعسى، ولكنه لم يجن من ذلك كله إلا العتاب الصامت يلوح ~~في أعين بكريه لبيب وبناته، خاصة عندما تدهورت صحة زينب. ~~ولما رحل عمرو دهمه شعور بالوحدة والكآبة، وجاءت الحرب والإظلام ~~والغارات فأعلن أن الحياة صفقة خاسرة، ولم يجد من سلوى في الحياة ~~إلا في عظمة ابنه لبيب الذي تاه بها مع الجميع، الأمر الذي زاده ~~ثقلا على قلوب الأهل. وفي الفترة الأخيرة من حياته انقطع عن زيارة ~~آل المراكيبي وآل داود، ولكنه كان يزور كثيرا أبناء عمرو وبناته ~~ويشارك في أفراحهم وأحزانهم، كذلك بيت أخيه، وكانوا يحبونه منذ ~~صغرهم وتضاعف حبهم له عقب وفاة أبيهم، وفي العام الأخير من خدمته ~~الحكومية، أصابته أزمة قلبية وهو جالس في المشربية في ليلة خريف ~~يرنو إلى الظلام الجاثم فوق البيوت والمآذن، متوقعا بين ساعة ~~وأخرى نذير الغارة المعتاد، وقد فارق الحياة في أقل من دقيقة ~~واحدة. # سليم حسين قابيل # آخر ذرية سميرة عمرو وحسين قابيل، ولد ونشأ في شارع ابن ~~خلدون، وتوفي أبوه وسنه عام واحد، فترعرع في حياة منضبطة غير ~~الحياة الرخية التي تقلبت فيها أسرته ms062 وهو خاطرة في عالم الغيب. ~~وكان وسيما كأمه، فارع العود كأبيه، كبير الرأس والعقل كأخيه ~~حكيم. ومنذ صغره تجلت صلابته وعناده كما تجلى تفوقه الدراسي. ~~وعدته أخته هنومة بتدينها وصرامتها الأخلاقية، وظن ~~عهدا طويلا أنه يتلقى حقائق الغيب عن لسان جدته راضية. وكان ~~يحب كرة القدم ويجيدها، ويحب مخالطة البنات في حديقة الظاهر ~~بيبرس، ويكره الإنجليز، ودائما تداعب خياله أحلام الإصلاح ~~والمدينة الفاضلة. ولم يمل إلى حزب من الأحزاب، صده عن ذلك ~~أخوه حكيم الذي رفض الجميع بدون استثناء. وسمع حكيم يقول مرة: ~~نريد شيئا جديدا. # فقال بتلقائية: مثل سيدنا عمر بن الخطاب. # واتجه بدافع من مزاجه وبتأثير من هنومة على الكتب الدينية في ~~مكتبة أخيه. كان حلم المدينة الفاضلة يغلب عليه الكرة والبنات. ~~ولما قامت ثورة يوليو كان في المرحلة الثانوية فرحب بها بكل ~~حماس كمنقذ من الضياع، وشد من ارتباطه بها الدور الذي لعبه ~~شقيقه حكيم فيها. لأول مرة خيل إليه أن المدينة الفاضلة تبني ~~حجرا بعد حجر. وظن أنه بانضمامه إلى الإخوان إنما يندمج أكثر في ~~الثورة، فلما وقع أول تناقض بين الثورة والإخوان أبقاه قلبه مع ~~الإخوان، ومضى يختلف مع شقيقه. وقال له حكيم: الحذر. # فقال: الحذر لا ينجي من القدر. # والتحق بالحقوق ونشاطه السياسي - أو الديني - في تصاعد. ولكن ~~أحدا من أهله لم يتصور أنه سيكون بين المتهمين في قضية الإخوان ~~الكبرى. وتحير حكيم وقال لأمه الجزعة: لا حيلة ~~لمخلوق! # وحكم عليه بعشر سنوات؛ فترنحت سميرة تحت وطأة الضربة، ووجدت ~~أن تألق نجم حكيم لا يعزيها شيئا عن سجن سليم، فأضمرت ~~الكراهية للثورة وراحت راضية تدعو على الثورة ورجالها، وخرج سليم ~~من السجن قبل 5 يونيو بعام فأتم المتبقي له من الدراسة وحصل ~~على الليسانس، وعمل في مكتب محام إخواني كبير. ولما وقعت ~~الهزيمة الكبرى اعتبرها عقابا إلهيا على حكم كافر. ولم تنقطع ~~صلاته بالزملاء ولكنها مضت في تكتم شديد وحذر، ووجد ~~متنفسا في الكتابة فوهب لها سنوات من عمره تمخضت عن ثمرة ~~جيدة في ms063 كتاب «العصر الذهبي للإسلام» ثم أتبعه بكتاب «أهل العزم ~~والتقوى». وفي الوقت نفسه أحرز نجاحا لا بأس به كمحام، وتحسنت ~~أحواله المالية من رواج كتابيه خاصة بعد أن ابتاعت السعودية ~~منهما كمية موفورة. ولما رحل زعيم الثورة داخله شيء من ~~الطمأنينة، فقالت له سميرة: آن لك أن تفكر في الزواج. # فاستجاب لصوتها استجابة ملهوف فقالت: عليك أن ترى هدية بنت ~~أمانة بنت خالتك مطرية. # هي صغرى ذرية أمانة وكانت قد رجعت توا من الخليج بعد ~~اشتغالها بالتدريس هناك عامين واشترت شقة في منشية البكري. ~~وزار بصحبة سميرة بيت عبد الرحمن أمين وأمانة في الأزهر ورأى هدية، ~~مدرسة جميلة في ريعان الشباب تمت بجمالها إلى جمال جدتها ~~مطرية قمة جمال الأسرة. وخطبتها سميرة وزفت إليه واستقر ~~بها في شقتها بمنشية البكري، وحظي سليم بزوجة طيبة وحياة عملية ~~آخذة في الازدهار، وآنس في حكم السادات مودة ورحمة، ولم ~~يقلقه إلا التيارات الدينية الجديدة التي انبثقت من الإخوان، ثم ~~شقت لنفسها مجاري جديدة محفوفة بالتطرف والغموض. وكان يقول ~~لأخيه حكيم: ثمة صحوة إسلامية شاملة لا شك فيها، ولكنها بعثت ~~فيما بعثت خلافات قديمة تستنفد قواها فيما لا يجدي. # ولكن حكيم كان يهيم في واد آخر، وكان رغم عواطفه الشخصية ~~يعتبر ما حل بالنظام في 5 يونيو كارثة محققة، وأن الوطن ~~يمضي إلى مجهول. ومضت الأيام فتلقى سليم من ربه عهد الأبوة ~~والوفرة في الرزق، والرضوان يوم النصر، ولا شيء من ذلك كله يزحم ~~في نفسه إيمانه الراسخ وحلمه الأبدي بالمدينة الإلهية الفاضلة، ~~وجرف معه في تياره العارم هدية حتى قالت: كنت ضالة فهديت ~~والحمد لله. # وأصبح سليم من كتاب الدعوة في مجلة الإخوان، ودهمه ما دهم ~~زمرته من غضب لمغامرة السادات الكبرى في سبيل السلام، وارتد ~~مرة أخرى إلى عنفوان السخط والتمرد، حتى صدرت قرارات سبتمبر ~~1981، ورمي به في السجن من جديد. ولما وقع حادث المنصة قال: ~~عقاب إلهي لحكم كافر. # وتنفس الحرية في جو جديد، ولكنه كان قد فقد الثقة في كل ms064 ~~شيء إلا حلمه، فمن أجله يعمل ومن أجله يعيش. # سميرة عمرو عزيز # هي الرابعة في ذرية عمرو والثانية في الجمال بعد مطرية ، ومن ~~خلال لعبها فوق السطح وتحت شجرة البلخ في الميدان، أو دراستها في ~~الكتاب تبلورت لها شخصية رزينة وطبع هادئ وذكاء وقاد. نادرا ~~ما التحمت في «نقار» مع إخوتها، وعند احتدام العنف كانت تنزوي في ~~ركن قانعة بمشاهدة ما يجري مما ستدعى للشهادة عليه فيما بعد. ~~ورغم أنها فاقت أمها بجمالها، إلا أنها كانت تمت إليها في ~~الهيئة العامة - عدا الطول - الأمر الذي جعل راضية تخصها بإعجاب ~~شديد. وبخلاف أخواتها حفظت المبادئ التي لقنتها في الكتاب ~~ونمتها بالاجتهاد، فكانت الوحيدة بينهن التي تواظب على قراءة ~~الصحف والمجلات في الكبر ... وفي زياراتها لآل المراكيبي بسراي ~~ميدان خيرت أو آل داود بالعباسية الشرقية كانت تسجل في وعيها ما ~~تراه من أناقة الترتيب وآداب المائدة وإيقاع الحديث وجمال الموضة ~~وتحاول اكتسابه والتطبع به ما وسعتها الحيلة وسمحت الظروف، ~~وكان محمود بك عطا يقول بمزاحه الخشن: أنتم أسرة بلدي، ولكن فيكم ~~بنت من بنات الفرنجة! # وأدركتها المراهقة ولكنها لم تعاشر طويلا أحلام العواطف ~~الدفينة، إذ سرعان ما تقدم لخطبتها صديق لأخيها عامر يدعى حسين ~~قابيل صاحب دكان تحف في خان الخليلي. زامل أخاها حتى ~~البكالوريا ثم خلف أباه في الدكان عقب وفاته، وكان رغم شبابه ذا ~~سمات فحلة وثبت به إلى الرجولة قبل الأوان، ضخم الجسم، كبير ~~الرأس، حاد البصر. وعلى خلق كريم وثراء لا بأس به، وبخلاف صدرية ~~ومطرية زفت سميرة إلى زوجها في حي الظاهر، بشقة في عمارة ~~جديدة بشارع ابن خلدون، وجاء ذلك مناسبا لها تماما، فصادفت كثرة ~~من الأسر اليهودية، وتعلمت العزف على البيانو، وربت كلبة ~~لولي كانت تصحبها في نزهاتها بحديقة الظاهر بيبرس. ولما علم ~~عمرو بذلك قال محتجا ومسلما بالأمر الواقع في آن ... ما شاء ~~الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وكان حسين قابيل ميسور الحال وكريما، فتفجرت ينابيع الحياة ~~الرغيدة في مسكنه، وأشبعت سميرة ms065 هواها الكامن إلى الموضة والمعيشة ~~الأنيقة، وضاعف من سرورها ما طبع عليه زوجها من جميل المعاشرة ~~وأدب المعاملة، وأمام الآخرين كان يخاطبها بقوله: «يا سميرة ~~هانم.» وتناديه بقولها: «يا حسين بك.» وكان الرجل يجمع في قلبه ~~بين الوطنية الصادقة والتدين العميق، وينشرهما فيمن حوله؛ لذلك ~~نفذت ثورة 1919 إلى عمق قلب سميرة لم تصل إلى مثله في قلب أي ~~من أخواتها، كذلك كان تدينها أسلم من الشوائب إذ كانت أقل ~~أخواتها تأثرا بغيبيات راضية. وقد أنجبت له بدرية وصفاء وحكيم ~~وفاروق وهنومة وسليم، وجميعهم حظوا بنصيب موفور من الجمال ~~والذكاء، وتعاون الوالدان على تربيتهم تربية سليمة في كنف الدين ~~والمبادئ. ومن أول يوم قالت له: سنعلم البنات كالصبيان. # فوافق بحماس، واستطاعت سميرة بتألقها أن تحرك شيئا من الغيرة ~~عند آل المراكيبي وآل داود أنفسهم، غير أن حياتها لم تخل من ~~أحزان كثيرة ففقدت بدرية وحكيم وأسرته، وانشق قلبها قلقا على ~~سليم في شتى أطوار حياته. ومن العجيب أنها كانت تلقى المصائب ~~بإرادة مؤمنة صابرة قوية، قادرة على تلقي المصائب وهضمها، ~~ومعايشة الحزن الباقي بحكمة جعلتها غرضا سهلا للاتهام بالبرود. ~~وتقول لها راضية: إنك لا تؤمنين كما يجب بالحجاب والرقى والبخور ~~والأضرحة، ولا علم إلا علم الأولين. # وتتساءل سميرة في نفسها دون أن تبين: هل أجدت هذه الوسائل ~~في دفع المصائب عن صدرية ومطرية؟! وحم القضاء فتوفي حسين ~~قابيل بعد مولد سليم بعام واحد وأربعة أعوام خلت على وفاة أبيها. ~~ولم ترث عنه إلا مخزنا من التحف، دبرت أمورها على عوائد بيعها ~~عند الحاجة، وقد رحل الأب، وذريته ماضية في مراحل التعليم ما بين ~~الثانوية والجامعة. # وسألتها راضية: ماذا تبقى لك يا سميرة؟ # فأجابت: مخزن من التحف. # فقالت المرأة: بل يبقى لك خالق السماوات والأرض. # | حرف الشين # شاذلي محمد إبراهيم # الابن الثاني لمطرية ومحمد إبراهيم، وقد ولد ونشأ في بيت ~~والديه بحارة الوطاويط؛ كان جميلا ولكن دون أخيه أحمد المتوفى ~~درجة، وحل محل أخيه الراحل في زمالة خاله قاسم، ولكنه لم ms066 يفز ~~بالمنزلة الأسطورية التي فاز بها أحمد. ومن صغره خالط بيت جده ~~عمرو، وآل سرور، والمراكيبي وداود، وثابر على ذلك في سائر أطوار ~~حياته ناهجا سبيل أمه في حب الناس والإكثار من معاشرتهم. ومن ~~صغره أيضا تجلت له مواهب سوف تصحبه في حياته؛ كخفة روحه، ~~وميله للهو، وتطلعه للمعرفة، وحبه البنات، وتوفيقه في ذلك ~~كله، رغم أنه لم يحرز في حياته التعليمية إلا درجة وسطى. ~~ولعله ورث عن أبيه حب الاطلاع ووجد زاده في الكتب والمجلات ~~التي يقتنيها. وأضاف إلى معارفه من الأهل أصدقاء جددا من قادة ~~الفكر المعاصر، أيقظوه من سباته وألهبوه بالتساؤلات التي لم ~~ينقطع عنها طيلة عمره. ورغم ثقافته الإنسانية المتنامية وجد ~~استعداده في دراسة العلوم الرياضية فالتحق بكلية العلوم، ثم اشتغل ~~مدرسا كأبيه، واستقر في القاهرة بوساطة آل المراكيبي وآل داود. ~~وواصل حياته مشغولا بثقافته ولهوه عن المستقبل حتى قال له أبوه: ~~إنك مدرس، ومهنة التدريس ذات تقاليد، وأرى أن تفكر في ~~الزواج. # وقالت مطرية: البنات في أسرتنا كثيرات، بنات خالاتك، وبنت ~~عمنا زينة! # وكان قد غازل الكثيرات دون جدية، ولم يشعر نحو إحداهن بحب ~~حقيقي، فقال: سأتزوج بالأسلوب الذي أقتنع به. # فقال أبوه محذرا: المدرس يجب أن يكون حسن السمعة. # حسن السمعة؟! كان يعبر فترة من الحياة يتساءل فيها عن معنى ~~كل شيء حتى حسن السمعة! وكان كلما خلا إلى نفسه طرح هذا ~~السؤال: من أنا؟! كان ظمؤه إلى تحديد علاقته بالكون جنونيا ~~مضنيا. وكان لا يكف عن مناقشة الجميع، خاصة من يأنس فيهم ميلا ~~للمناقشة، كابن خالته حكيم، وغيره من شباب آل المراكيبي وآل داود ~~وآل سرور. وتجرأ بعد ذلك على مقابلة طه حسين والعقاد والمازني ~~وهيكل وسلامة موسى والشيخ مصطفى عبد الرازق، ولم يكن الدين موضع ~~رفضه ولكنه أراد أن يعتمد على عقله حتى آخر المدى، وكل يوم كان له ~~شأن. حتى خاله قاسم كان يحاوره ويناجيه، وحتى الثاوون في مقابرهم ~~من أهله كان يسائلهم في مواسم القرافة. ولما حمل جده عمرو ~~إلى ms067 فراشه وهو يودع الحياة، جيء بممرضة تدعى سهير لتحقنه، فأعجب ~~بها شاذلي رغم تسلط الحزن. وراح يساعدها في تسخين الماء تحت ~~مراقبة خفية من عيني عفت زوجة خاله عامر اللتين ندت ~~عنهما نظرة خبيثة ماكرة. وتوطدت علاقة حب بين الاثنين قبل حلول ~~الأربعين. وتبين له أنه جاد هذه المرة أكثر مما تصور، فأعلن ~~رغبته في الزواج منها، وصارحته مطرية قائلة: لك وجه جميل وذوق ~~رديء! # وكان يرد على العتاب بالضحك. وقالت مطرية: أصلها واطي، وجمالها ~~مبتذل. # فقال لها: استعدي للفرح. # وسلم محمد إبراهيم بالأمر الواقع دون اكتراث، ولم تفكر مطرية في ~~إغضاب ابنها أكثر مما قالت، واختار شاذلي شقة في عمارة جديدة ~~بشارع أبو خوده واستقبل حياة الحب والزوجية. واستقالت سهير من ~~عملها وتفرغت لحياتها الزوجية، وأثبتت أنها فتاة لبقة وطيبة، ~~وسرعان ما حازت رضا حماتها. وكان شاذلي سيئ الحظ في ذريته، توفي ~~له خمسة في سن الرضاعة، وعاش محمد وحده، وصار ضابطا في الجيش، ~~ولكنه استشهد في الاعتداء الثلاثي، وعاش شاذلي حياته منقبا عن ~~ذاته، يقرأ ويناقش ويتساءل ثم يصطدم بجدار اللاأدرية فيبدأ الشوط ~~من جديد. ولم يهتم بالسياسة إلا باعتبارها حوادث تدعو للتأمل ~~والمعرفة، فلم يقع تحت سحر الوفد، وتابع تقلبات ثورة يوليو كما ~~يتابع فيلما سينمائيا مثيرا، ولكنه حزن على ضياع محمد حزنا لم ~~يبرأ منه طيلة عمره. وقال مرة لشقيقته أمانة: كلانا لم يخلق ~~للسعادة الصافية. # ووجد شيئا من العزاء في حب ذريتها، أما سليم ابن خالته وزوج ~~هدية بنت أخته فكان يخيفه بصرامته وحدته. لم يجد في حواره ~~متاعا ولا لذة. # وقال له سليم: حيرتك مستوردة ولا يجوز لمسلم أن يقع ~~فيها. # وظل على وده لقاسم رغم ما طرأ عليه، وكان يصطحبه أحيانا إلى ~~الكلوب المصري حيث تنهمر عليهما ذكريات الآباء والأجداد، وكمعلم ~~راح يراقب الأجيال المتعاقبة بذهول، وقال مرة يحادث نفسه: لا ~~أحد يشغل باله إلا بلقمة العيش والهجرة، فما جدوى العذاب؟! # شاكر عامر عمرو # ولد ونشأ في «بين الجناين» وهو شارع تقوم على ms068 جانبيه بيوت ~~حديثة، وتمتد شرقيه وغربيه الحقول المزروعة بالخضراوات ~~وأشجار الحناء. وهو بكري عامر وعفت وحفيد عمرو أفندي من ناحية، ~~وعبد العظيم باشا داود من ناحية أخرى. وكان دخل أبيه من مرتبه ~~ودروسه الخصوصية، بالإضافة إلى ملكية أمه للبيت الصغير الأنيق ذي ~~الحديقة الخلفية بتكعيبة العنب وشجرة الجوافة وشجيرات القرنفل، كل ~~أولئك هيأ معيشة حسنة المستوى للأسرة، كما وفر لشاكر البكري ~~مظهرا جميلا وتدليلا لا يفتقر للإرشاد القويم. وبالرغم من ~~تفوقه الرياضي شق طريقه في المدارس بنجاح. ولما لحق به في ~~الوجود أخواه قدري وفايد لعبت الغيرة دورها بين الإخوة، ولم تخل ~~من معارك، ونزاع مع الوالدين، ولكنها اعتبرت رغم ذلك أسرة ~~متماسكة يغلب عليها الوفاق. وكان للحب المتبادل بين الزوجين ~~نفحاته الزكية في إضفاء جو السلام ونشر المحبة، وبقدر ما ~~تجلى الأب صديقا أبدت الأم محاولاتها في التسلط. وأحب شاكر جده ~~عمرو وجدته راضية وتظاهر دائما باحترام غيبياتها، كما أحب جده ~~عبد العظيم باشا وجدته فريدة هانم حسام. وتلقى عن آل داود ~~احتقارهم التقليدي لآل المراكيبي الذي اشتد بعد أن صارت شكيرة ~~سلفة لعفت أم شاكر. ونشأ شاكر، وانتماؤه لأسرته وذاته يغلب فيه ~~أي انتماء لوطن أو لحزب من الأحزاب. ورث ذلك عن أمه التي ~~كانت غير منتمية بحكم تربيتها وإن أعلنت في المناسبات ولاءها ~~للعدليين متابعة لأبيها، أما الأب فلم يعد له من ~~وفديته القديمة - في بيت الزوجية - إلا عاطفة باهتة أخفاها في ~~أعماقه فلم يمتد تأثيرها إلى أولاده، والتحق شاكر بكلية الطب، ~~وخاض أول تجربة عاطفية جادة في حياته بحبه صفاء بنت عمته سميرة. ~~وكانت لهما قصة ترامت أنباؤها إلى عفت أمه فجن جنونها. لم يكن ~~في صفاء ما يعيب، فهي جميلة وطالبة في الآداب، وقريبته. ولكن عفت، ~~رغم علاقتها الطيبة بآل عمرو ابن عم أبيها، إلا أنها كانت تراهم ~~دون مستواهم، وأن عروس ابنها يجب أن تكون من درجة أعلى بمراحل. ~~وثار غضبها ولم تخفه، وعلمت به سميرة وآل عمرو، وأحدث ما أحدث ~~من استياء، وفي ms069 الوقت نفسه لم يبد شاكر مقاومة جدية لأمه. ~~فنصحت سميرة ابنتها صفاء بقطع علاقتها بابن خالها. وغضبت الفتاة ~~لكرامة أسرتها وقطعت العلاقة بعد اقتناع بعدم جدية شاكر، لم ~~يخرج شاكر من تلك التجربة مهيض الجناح ولكنه لم يخل من حنق على ~~أمه. وقد تخرج طبيبا، وبفضل خاله الدكتور لطفي باشا عبد العظيم ~~عين في وظيفة بالمعامل بوزارة الصحة، ثم أمكنه فتح عيادة خاصة ~~لأمراض الدم بعد بضع سنين. وراحت أمه ترسم خطة لتحقق حلم الزواج ~~الجدير به في نظرها. وكان هو يتردد على ملاهي الهرم القديمة فأحب ~~راقصة هنغارية، واكترى لها شقة في الهرم، وتحولت العلاقة إلى ~~حب حقيقي فتزوج منها سرا، ولم يجرؤ على مكاشفة أمه ~~بالحقيقة ولكنه كاشف بها أباه. وصعقت عفت، وثارت ثورة علم بها ~~القاصي والداني وكثر الشامتون. وانتقل الدكتور إلى مأواه الجديد ~~وأنذر الحال بالانفصال الكلي عن أسرته. وقالت راضية لعفت: لا ~~يجوز أن تخسري ابنك والزواج في النهاية قسمة ونصيب. # ومع الزمن رجعت العلاقات في أضيق الحدود. وقامت ثورة يوليو ~~وانقلب المجتمع رأسا على عقب، وطارت الباشوية من آل داود، وهبطت ~~قيمة الأطباء والقضاة، فحقد شاكر على العهد الجديد حقدا أفسد عليه ~~أعصابه. ودبر أمره للهرب، فانتهز فرصة حضور مؤتمر طبي في شيكاغو، ~~وهاجر إلى الولايات المتحدة وأقام بها قاطعا علاقته بوطنه وأهله. ~~وقد رجع في منتصف الثمانينيات مصطحبا زوجته وأولاده فزار ~~والديه وأخويه وجدته راضية كضيف أجنبي، ثم سرعان ما رجع إلى ~~وطنه الجديد. # شكيرة محمود عطا المراكيبي # فتحت عينيها على سراي ميدان خيرت برياشها وتحفها وحديقتها ~~الغناء، من سوء حظها أنها اقتبست أهم معالمها من أبيها ~~محمود بك متجاهلة أصل أمها نازلي هانم المترع بالجمال ~~والعذوبة، ربعة قوية الجسم، كبيرة الرأس، خشنة القسمات، عنيدة ~~متطرفة في أحكامها متعصبة لرأيها، لا تتزحزح عن عاطفة، مع ~~تدين قوي وأخلاق متينة وعادات مهذبة رفيعة. لولا ذلك ما خطب ~~أبوها حامد عمرو لها بنفسه وقاية لها من الانتهازيين. ورغم الفارق ~~الشاسع بين الأسرتين فلم يتحمس للزواج ms070 أحد من آل عمرو سوى عمرو ~~نفسه. وأطلقوا على شكيرة منذ إعلان الخطبة «شكير بك عطا.» وبكل ~~أمانة أحبت شكيرة زوجها الشاب من أول يوم، وكانت على أتم ~~استعداد لفتح قلبها لآله جميعا. أجل لم يغب عنها ما يحمل في ~~طياته من ذوق وتقاليد ومعاملة بعيدة بشعبيتها كل ~~البعد عن تربيتها الرفيعة المهذبة، ولكنها قالت لنفسها: كل شيء ~~قابل للتغيير! # ولكنها لاحظت أيضا أن عاطفته كانت نهما عابرا، وأن طلائع ~~الفتور لاحت في شهر العسل نفسه، ودهمها ذلك كصاعقة فآلمها أشد ~~الألم وطعن برأسه السام المسنون حبها وكبرياءها، ولم تكن ~~تخفي عن أمها شيئا؛ فقالت نازلي هانم: هذه أحوال تمر، كوني ~~لبقة كيسة. # وحدثتها حديث الهوانم المجربات طاوية قلقها في قلبها. ~~وقالت لها أيضا: إنه من بيئة شعبية، وبحكم عمله كضابط شرطة لا ~~يتعامل إلا مع الساقطين! # وكان حامد يعمل حسابا لجبروت حميه ولإقامته بين أفراد قبيلته ~~فلم يرتفع له صوت، ولكنه كان يدس بداوته دسا رفيقا ~~ومؤذيا في آن. وغضبت مرة فقالت له: كثيرون لا يعرفون النعمة ~~إلا بعد زوالها! # فقهقه ساخرا وقال: إن زواجك مني هو النعمة حقا لك ~~أنت! ~~- إذن، لماذا رضيت؟! ~~- الزواج قسمة ونصيب. ~~- وطمع وجشع أيضا. # هكذا بدأ عراك لم ينقطع على مدى السنين حتى حسمه الطلاق فيما ~~بعد. وارتفع درجة في حرارته فصاحت به مرة: إنك تنضح ~~بالقذارة. # فسألها متهكما: ألم يحدثوك عن جدك بياع ~~المراكيب؟! # ولكن شكيرة رغم غضبها وصلابتها لم تخل من حكمة، فظلت أسرار ~~حياتها الزوجية التعسة خافية في أضيق الحدود، حتى نازلي هانم لم ~~تعلم بكل تفاصيلها ... بل يمكن القول بأنها لم تنضب من حب له ~~رغم كل شيء حتى وفاة أبيها، وأنجبت له وحيدة وصالح، وأملت كثيرا ~~أن يستقيم حاله مع الزمن ولكن دون جدوى. ولم تكن علاقتها مع أسرته ~~بأحسن من علاقتها معه؛ كانت تعتبر راضية - قبل زواجها - امرأة ~~غريبة الأطوار، ثم حكمت بعد ذلك بجنونها، وتبادلا كراهية ماحقة ~~رغم الصداقة الجميلة بين راضية ونازلي. وقالت نازلي: حذار ms071 أن ~~تغضبي حماتك، إنها مؤاخية للجان! # فقالت شكيرة: اعتمادي على الله وحده. # كذلك تبادلت كراهية مع عفت زوجة عامر ضاعفت ما بين آل عطا وآل ~~داود من غيرة ومنافرة. ولما رحل جيل الكبار تنفس حامد وتطاير ~~سخطه في الهواء بلا ضابط، وانتهى الأمر بالطلاق. وقد كرهت شكيرة ~~حامد وأهله كراهية عميقة لم تخف حدتها أبدا. وواظبت على لعنه ~~وتشريحه حتى بعد موته. وفي وحدتها استغرقها التدين وحجت أكثر ~~من مرة، وكانت تحرص على الفرائض من صلاة وصوم وزكاة، كما تحرص على ~~لعن أعدائها والدعاء عليهم في الدنيا والآخرة. # شهيرة معاوية القليوبي # هي الابنة الثانية للشيخ معاوية وجليلة الطرابيشية، ولدت ونشأت ~~ببيت الأسرة القديم بسوق الزلط بباب الشعرية، وملعبهن كان مدخل ~~البيت ما بين الفرن والبئر وكنبة المعيشة، هو الذي جمع بين راضية ~~وشهيرة وصديقة وبليغ. وفيه سمعت وصايا الشيخ الأب، وجرت كلمات ~~جليلة محملة بغيبيات العصور الخوالي. ومن بادئ الأمر لم تستجب ~~شهيرة للدين وفرائضه ولكنها استقبلت التراث الغيبي بحماس وأضافت ~~إليه من خيالها الكثير، وكانت تشبه راضية جسما ووجها مع ميل ~~أكثر إلى البياض وتفوق في العنف وسلاطة اللسان وتماد في غرابة ~~الأطوار التي تماس حافة الجنون. وعقب وفاة أبيها بعامين خطبها ~~أحد تلاميذه من قراء القرآن الكريم، ذو صوت عذب ومنظر وجيه ~~ورزق موفور، فزفت إليه في مسكنه بباب البحر غير بعيد من بيت ~~الأسرة. وأنجبت منه ولدا جميل الصورة، أسماه أبوه عبده تيمنا ~~باسم سي عبده الحامولي الذي كان مولعا بصوته. ومضت حياتها ~~الزوجية في توفيق رغم حدة طبعها وسلاطة لسانها، ولكن الشيخ علي ~~بلال - الزوج - كان يعلق على ذلك بدعابة قائلا: هذه توابل ~~الحياة الزوجية. # وقد توطدت مودته لعمرو أفندي وآله، وكلما زار بيت ميدان بيت ~~القاضي رجاه عمرو أن يبارك البيت بتلاوة منه فيتربع في حجرة ~~الاستقبال عقب الغداء واحتساء القهوة ويقرأ ما تيسر من القرآن ~~الكريم بصوته العذب، وأغراه صوته وأصدقاؤه بإنشاد المدائح ~~النبوية في المواسم، فاتسع مجال رزقه وكثر المعجبون به حتى ~~دعي ms072 لإحياء بعض الأفراح بإنشاد المدائح، وفي ذلك الجو المعبق ~~بالأفراح، والليالي الملاح جرت رجله لتدخين الحشيش. وأخيرا ~~اقترح عليه أحد الملحنين أن يتحول إلى مطرب متنبئا له ~~بمستقبل وردي، واستجاب للدعوة بقلب طروب، ولم يجد بأسا في هجر ~~السور الشريفة ليغني: «اوع تكلمني بابا جي ورايا.» و«ارخي ~~الستار اللي في ريحنا.» و«الهف يا لا بف يا سمك مقلي.» ونجح في ذلك ~~نجاحا مرموقا وسجل أسطوانات راجت في السوق وأذاعت اسمه على ~~الألسنة، وضرب عمرو أفندي كفا بكف وقال: يا للخسارة. # وبدأت شهيرة تخاف على مكانتها الزوجية من إغراءات الوسط الجديد ~~فقالت له: تزوجتك شيخا مباركا فانقلبت إلى عالمة! # وثمل الرجل بنجاحه وصار واسطة العقد في كثير من جلسات الحشيش، ~~ولم يتورع بعد ذلك عن معاقرة الخمر وتبخير بيته آخر الليل ~~برائحتها الكريهة النفاذة مذكرا شهيرة بمأساة أخيها بليغ، ~~فغطى صوتها على مؤذن الفجر في زجره وسلقه بلسانها ~~الحاد. ثم ترامى إليها أنه بدأ يغازل العوالم فانقضت عليه ~~بوحشية فتحت له أبواب الجحيم على مصاريعها؛ فقر عزمه على ~~تطليقها، ولكنه قبل أن ينفذ عزمه أفرط ليلة في البلبعة فكبست ~~على قلبه وأسلم الروح في مجلس أنس وهو يداعب أوتار عوده. وأدت ~~شهيرة طقوس الحزن بلا مشاركة وجدانية، وأجرت البيت ودكانين ~~أسفله، وحملت عبده راجعة إلى بيتها القديم لتشارك أمها ~~وحدتها. # وقالت لها راضية: ليكن عبده لك قرة عين. # ولكن عبده انخطف في حمى كحلم بعد أن عرفت أمه في الحي ~~بأم عبده، والتصق بها اللقب حتى آخر عهدها بالحياة. وولعت ~~بتربية القطط، وكرست حياتها للعناية بها حتى ملأت عليها فراغ ~~حياتها، وزحمت البيت القديم ... وراحت تؤكد أنها باتت خبيرة ~~بلغتها وبالأرواح التي تسكن أجسادها، وأنها عن طريقهن تتصل ~~بعالم الغيب. ووجدت في راضية خير صديقة لها، وكان اجتماعهما ~~سواء في بيت القاضي أم في سوق الزلط تمهيدا طبيعيا لعقد جلسة ~~غريبة تتبادل فيها الخبرات عن عوالم الجان والغيب وأبناء الأسرار ~~الخفية، كانتا في ذلك قلبا واحدا وعقلا واحدا رغم سوء ظن ms073 ~~راضية بها واتهامها لها بحسدها على ذريتها وزواجها الموفق. ~~واشتهرت في حي سوق الزلط بشخصيتها الغامضة المرهوبة ولسانها ~~السليط، ولم يعرف عنها أنها أدت فريضة، وكانت تجهر بإفطارها في ~~رمضان وتقول: الواصل ليس في حاجة إلى فريضة تقربه من ~~الله. # ولما رحلت أمها غرقت في وحدتها وانغمست في دنيا القطط حتى ~~قمة رأسها الأشيب، وكان أخوها بليغ يتعهدها برعايته، ويدعوها ~~لزيارة قصره المنيف ولكنها كرهت زوجته بلا سبب، ولم تكن تغادر ~~القطط إلا لزيارة سيدي الشعراني أو زيارة راضية ... وفي عام 1947 ~~أصابها وباء الكوليرا فنقلت إلى مستشفى الحميات بعد أن أوصت ~~جارة بالذهاب إلى راضية للعناية بالقطط. وماتت في المستشفى ~~مخلفة حوالي أربعين قطة وقطا. وبكى أبناء وبنات راضية ~~الخالة التي كانت تثير ضحكهم في حياتها. # | حرف الصاد # صالح حامد عمرو # نشأ في سراي ميدان خيرت في الجناح المخصص لحامد وشكيرة. وهو ~~وأخته وحيدة يمثلان أول جيل للأحفاد في آل المراكيبي؛ ولذلك ~~حظيا بتكريم خاص من الجدود والأخوال. وكانت الحديقة الكبيرة ~~ملعبه وحلمه، أحبها في الربيع وهي تجود بأخلاط روائحها الزكية، ~~كما أحبها في الشتاء إذا غسلتها مياه الأمطار النادرة. وارتبط ~~بأمه أكثر من أبيه لانشغال أبيه بعمله، وارتبط بها أكثر كلما ~~لمس آثار محنتها مع أبيه، وكان قوي الجسم كأبيه حسن الملامح ~~كجده، ولكن أمه ربته تربية دينية أرستقراطية رفيعة فنشأ ذا ~~ضمير ومبادئ تقوى، وكان عنيدا كأمه مما أضفى عليه شبهة غباء ~~هو في الحقيقة أبعد ما يكون عنه. وأكد ذلك تشدده في الحكم على ~~الناس، بالقرآن والسنة، دون تسامح أو لين. وربما كان أبوه أولى ~~ضحاياه رغم حب الرجل الشديد له، هو أيضا كان يحب أباه ولكنه ~~رآه مبتذلا ووضعه في خانة واحدة مع الخطأة والساقطين مع إيلائه ~~حقه الكامل من البر والولاء. ولم يغب موقفه عن غريزة حامد، وشكا ~~أمره إلى أخيه عامر قائلا: شكيرة أنشأتهم على النفور ~~مني. # ومن أجل ذلك قال عامر لصالح مرة: أنت رجل صالح يا صالح فلا تنس ~~البر بأبيك. ms074 # فقال صالح: ما أهملت له حقا أبدا. ~~- لعله لا يقنع بالرسميات. # فقال بصراحته الحادة: إنه يظلم ماما يا عمي. # وقرب ذلك الخلق بينه وبين سليم ابن عمته، مع فارق وهو أن سليم ~~كان يقرن العاطفة بالعمل، أما صالح فكان يقول لنفسه: حسبي القلب، ~~وهو أضعف الإيمان. # لذلك أحب الإخوان دون أن ينخرط في سلكهم، وأدان ولاء آله - آل ~~المراكيبي - للملك كما أدان الأحزاب جميعا، وبمتابعة الصراع ~~الدائم بين والديه نفر نفورا عاما من آل أبيه، آل عمرو وسرور، ~~كما احتقر آل داود، وآمن مع أمه بأن جدته راضية ما هي إلا ~~امرأة مخبولة! وبنجاحه المتواصل في المدارس قال له حامد: عليك ~~بالطب وأنت أهل لذلك! # ولكن شكيرة قالت: بل الزراعة ولك أرضي بعد ذلك تعمل بها. # وطابت له فكرة أمه فلعنهما حامد في سره. وبعد تخرجه في ~~الزراعة سافر إلى بني سويف مصمما على خلق مزرعة حديثة من أرض ~~أمه التي ورثتها بعد وفاة جده الجبار. وخطب إحدى قريبات ~~جدته نازلي هانم وتدعى جلفدان، وتوفر للعمل في الأرض بهمة ~~عالية، كما ربى العجول وأقام منحلا للعسل، وارتدى ملابس أعيان ~~الريف. ولم يكن يرتدي البدلة إلا حين زيارة القاهرة. ولما قامت ~~ثورة يوليو عاداها بقلبه رغم أنها لم تمسه بسوء، ورغم أنه وجد ~~خاليه عبده وماهر من رجالها. وفي عهد الانفتاح اتسع رزقه وكثرت ~~ذريته وظل على ولائه لمبادئه، وازداد استياء من أبيه بعد ~~تطليقه أمه وزواجه الثاني، ولكنه لم يخل من حزن صادق لدى ~~وفاته. وتأقلم بالريف وأحبه وعشق عمله ونجاحه وأصبح يطلق على ~~القاهرة «مدينة العذاب». # صدرية عمرو عزيز # قيل عنها بحق: نحلة آل عمرو. كالآخرين ولدت ونشأت في البيت ~~القديم بميدان بيت القاضي، بلون ضارب لسمرة أعمق، وقامة أميل ~~للقصر، وجسم نحيل حسن التكوين، وقسمات مقبولة، استقبلت بفرحة ~~يشوبها فتور إذ انعقد الأمل بمولد ولد، ولكنها بحكم سنها مارست ~~الأمومة لإخوتها وأخواتها منذ الصبا. وكانت نجية أمها ووريثة ~~تراثها، ولم تخل أيضا من قدر من الدين الصحيح. أما ms075 براعتها في ~~فنون البيت من طهي وتنظيف وشغل الإبرة فكان مضرب الأمثال، وتعلمت ~~في الكتاب أشياء وفكت الخط ولو أنها ردت إلى الأمية لعدم ~~الاستعمال. ولم تكن تكف عن العمل ولا عن الغناء رغم أنها لم ~~ترزق أي ميزة في حنجرتها، ترى في المطبخ مساعدة لأمها أو ~~حالة محلها، أو جالسة إلى ماكينة الخياطة، أو فوق السطح ~~تتفقد أحوال الدجاج والأرانب. وعندما اكتظ البيت بعامر ومطرية ~~وسميرة وحبيبة وحامد وقاسم، لعبت دور نائبة الأم وأسهمت في اللعب ~~والسرور والصراخ والعراك وتفوقت في كل. وقد اكتسبت منزلة لم ~~يشاركها فيها أحد، وحافظت عليها حتى آخر العمر، وقاسمت الجميع ~~همومهم رغم ثقل همومها، وآمنت بأمها واعتبرتها من صاحبات ~~الكرامات. وما كادت تبلغ الخامسة عشرة حتى تقدم لطلب يدها ~~صعيدي من الأعيان يدعى حمادة القناوي فتحقق الحلم الذي راودها ~~منذ جاوزت العاشرة! وكان ذهابها يمثل أول فراق في الأسرة وأول ~~فرح لها. وكان حمادة من معارف عمرو، وكان من عشاق القاهرة فأقام ~~بها مع أمه - عقب وفاة أبيه - مؤجرا أرضه البالغة ثلاثين ~~فدانا لعمه في قنا. وقد زارت رشوانة وراضية وزينب حرم سرور بيت ~~الرجل بدرب القزازين، وقالت رشوانة لأخيها عمرو: أم حمادة امرأة ~~تقية لا تفوتها فريضة. # وفي مجلس ببيت عمرو جمع بينه وبين سرور ومحمود بك عطا قال سرور ~~أفندي: العريس عاطل لا عمل له وهذا شيء رديء. # فقال عمرو: إنه يملك ثلاثين فدانا. # فقال سرور بغروره الخاوي: ولو ... إنه لا يكاد يفك الخط. # فقال محمود عطا: قيمة الرجل في ماله. # وقال عمرو: وأسرته محافظة طيبة. # وارتاحت صدرية إلى منظره ذي الطول والقوة، وأناقة جبته وقفطانه، ~~ورجولة ملامحه، كما تراءى لها من وراء خصاص المشربية. وزفت إليه ~~في بيت اكتراه في خان جعفر من أملاك الدهل الحلواني. وقد أهداها ~~محمود عطا حجرة الاستقبال كما أهداها أحمد بك عطا حليا ~~وثيابا، وأهداها عبد العظيم داود ثوب العرس. وبدأت صدرية حياتها ~~الزوجية مع حمادة القناوي معتمدة على وصايا أمها وبركاتها ~~ومهارتها الفائقة كست ms076 بيت. وكان حمادة مشكلة متعددة الأطراف. أجل ~~تبادلا استجابة مفعمة بالمودة، وشعر كلاهما بأنه في حاجة متينة ~~إلى الآخر، ولكن صدرية كانت ذات حساسية وحدة في الطبع والعناد لا ~~يستهان به، وكان الرجل ثرثارا ضيق الذهن محبا للفخر والسيطرة، ~~وهيأ له فراغه غير المحدود التدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه. لم ~~تعتد أن رجلا يغط في نومه حتى الضحى، ويستيقظ فيوقف نشاطها ~~المنزلي ليحدثها حديثا لا أول له ولا آخر عن أسرته وأمجادها ~~وأمجاده هو الخيالية، ويلاحقها بملاحظاته الغبية عن عملها ~~الذي لا يفقه فيه شيئا. ولم يكن يعرف من دينه إلا اسمه، فلا ~~يصلي ولا يصوم، ولا تكاد تمضي ليلة دون أن يسهر في البارزيانا ~~فيشرب النبيذ ويتعشى بالمزة. لم يكفا عن الزوجية والإنجاب؛ ~~فأنجبت له «نهاد وعقل ووردة ودلال» ولم ينقطعا عن الجدل العقيم، ~~فيفاخر بأسرته من الملاك، وتساق إلى المفاخرة بآل عطا وداود ~~والشيخ معاوية بطل الثورة العرابية، وأحيانا تحتد المناقشة ~~فيتبادلان أقسى الكلمات. # وكانت صدرية حريصة على كتم بخار حلتها تحت غطائها المحكم، وعلى ~~حل مشاكلها بنفسها دون إشراك أهلها فيها. ولكن راضية كانت تفطن ~~إلى أشياء بوحي غريزتها، وأيضا بما لمسته في الرجل من ثرثرة ~~موجعة للرأس. وقالت لابنتها: الزوجة يجب أن تكون طبيبة! # فقالت صدرية: عليك بزيارة الأضرحة المفيدة لهذه الحال. # فقالت راضية: وما جدوى زيارة الأضرحة في هذه الحال؟ ... العلاج ~~الناجع في قطع لسانه! # والواقع أن أذى ثرثرته لم يقتصر على زوجته ولكنه جاوزها - ~~بزياراته - إلى آل عمرو وسرور والمراكيبي وداود حتى صار نادرة في ~~الأسرة كلها. وتبين لها بعد ذلك أن عينه لا تعرف الحياء، فهي ~~تمتد إلى أي امرأة جميلة ذاهبة أو آئبة فتنغص عليها صفوها ~~أكثر وأكثر. وتسأله مستنكرة: أليس عندك حياء؟ # فيقول ساخرا: لا ضرر من النظر. # ولكنها ضبطت إشارات متبادلة بينه وبين أرملة حسناء تقيم في ~~البيت المواجه لها. واشتعلت بها نار طيرت النوم من عينيها ~~فظلت متيقظة حتى ميعاد عودته من سهرة البارزيانا. وغادرت ~~بيتها إلى الطريق ms077 متلفعة بالظلام وبيدها وعاء مملوء بالماء، ~~وجاء الرجل يشق الظلماء فأحست بباب بيت الأرملة وهو يفتح ~~وشبحها يتخايل في مدخله، وتوقف الرجل ، ثم مال نحوها، وتقدمت هي ~~بسرعة إلى منتصف الطريق وقذفت بالماء على شبح المرأة فصرخت وتهاوت ~~في الداخل. وذهل الرجل ونظر نحوها متسائلا: من؟ # فقالت بصوت محتدم: إلى بيتك يا قليل الحياء. # وكان تلك الليلة يترنح. ودخل صامتا، وهتف غاضبا: سأثبت لك ~~أني رجل متوحش عند اللزوم. # ولكن الضحك غلبه في سكره فارتمى على الكنبة وهو يقول: أنت ~~امرأة مجنونة مثل أمك! # وخاصمته زمنا، ثم رجعا إلى المعاشرة والمناقرة، ولم يحسم ~~الأمر بينهما إلا المرض؛ أصابه ضغط دم أثر في سلامة قلبه فاضطر ~~إلى الامتناع عن الشرب وحل به خمول عام يشبه - في بعض مظاهره ~~- الحكمة. ووفدت الأحزان، ففقدت صدرية ابنتها وردة في عز شبابها، ~~ثم أباها، وأختها مطرية، وأخيرا مات حمادة وهو في زيارة لأهله في ~~قنا، وبقيت صدرية وحيدة في خان جعفر رافضة الانتقال إلى بيت ~~ابنها عقل رغم بره الشديد بها، ولما شعرت راضية بتدهور صحتها ~~قالت لصدرية: أريد أن تكوني إلى جانبي حتى تغمضي عيني. # فأغلقت بيتها راجعة إلى البيت الذي شهد مولدها لتكون إلى جانب ~~الأم التي فضلتها على الجميع؛ كانت الأم قد جاوزت المائة بسنوات ~~والابنة قد اقتربت من التسعين رغم تماسكها ونشاطها. وتقضت ~~تلك الأيام الأخيرة في حومة الذكريات، ورددت الأم أغنية كانت ~~ترددها في أواخر الربع الأول من القرن التاسع عشر ثم أسلمت ~~الروح، فأغمضت صدرية عينيها وهي تود أن تبكي فلا تستطيع. # صديقة معاوية القليوبي # ثالثة بنات الشيخ معاوية وجليلة الطرابيشية، وجاء مولدها بالبيت ~~القديم بسوق الزلط بعد سجن الشيخ بنصف عام، وفاقت شقيقتيها راضية ~~وشهيرة بجمالها، بل كانت بوجهها المائل للبياض وخديها الموردتين ~~وقسماتها المتناسقة وشعرها الأسود الغزير وقدها الطري الرشيق ~~مثالا للحسن بغير منازع في الحي كله، ولم يفقها في الأسرة سوى ~~مطرية بنت عمرو وراضية التي شابهتها في الأصول وتجاوزتها في الخفة ~~والتهذيب. وكانت الوحيدة التي ms078 لم تنل حظها من تربية الشيخ ~~الدينية، فنشأت ثمرة خالصة لتراث جليلة، مع عذوبة في المعاملة ~~وحب للغناء تزكيه حنجرة لا تخلو من جودة في الأداء؛ ولجمالها ~~وعذوبتها حظيت بأكبر قسط من حب أبناء راضية وبناتها، وتقدم لها ~~بعد وفاة أبيها بأعوام وبعد زواج شهيرة بعام واحد طبيب أسنان شامي ~~من سكان الحي فزفت إليه، وأقاما في عمارة جديدة بالفجالة. ~~وسرعان ما دهمتها الخطوب فمات زوجها قبل أن تحبل، ومرضت بالسل، ~~ورجعت إلى حضن جليلة تنشد الأنس والشفاء. واهتزت قلوب الأسرة ~~لفجيعتها، وذوى جمالها وتغير حالها وتكالبت عليها الآلام دون أي ~~أمل في الشفاء، وشعرت بأنها تنحدر نحو الهاوية، وضاقت باليأس ~~والألم والأرق والسعال، وفي لحظة يأس مدلهمة رمت بنفسها في ~~البئر. وصوتت جليلة فهرع إليها أهل النجدة من الجيران، وانتشلوا ~~صديقة وهي في الرمق الأخير. وقضت ساعات عذاب من ليل طويل محموم، ~~يحيط بها أمها وأختاها راضية وشهيرة، وقد اكتظ المدخل بالرجال ~~من الأسرة والجيران، وفاضت روحها بعد نضال معذب قبيل الفجر، وهي ~~في عز الشباب واليأس والألم. وحزنت جليلة عليها طويلا، وأمرت ~~بتغطية البئر بغطاء متين من الخشب والاستغناء عنها كلية. وكانت ~~تحلم بها من حين لآخر وقالت مرة لراضية: في ليلة سيدي الشعراني ~~رأيت صديقة على مقربة من البئر واقفة في سحابة بيضاء مشرقة ~~الوجه بابتسامة. # فصدقتها راضية بإيمان عميق وسألتها: هل حدثتك يا أمي؟ # فقالت جليلة: سألتها عن حالها فقالت لي: إن الله غفر لها ~~انتحارها، وإنها تخبرني بذلك ليطمئن قلبي. # فهتفت راضية: الحمد لله الرحمن الرحيم. # فقالت جليلة: رأيتها في غاية من الجمال كالأيام الماضية. # صفاء حسين قابيل # هي الثانية في ذرية سميرة وحسين قابيل، ولدت ونشأت في بيت ابن ~~خلدون، ورضعت في مهدها اليسر والهناء مستظلة بأيام العز والهناء ~~وخمائل حديقة الظاهر بيبرس. ومع أن جميع أبناء سميرة عرفوا ~~بالجمال والصحة والنجابة؛ فإن صفاء كانت أوفرهن جمالا ومرحا. ~~كم لاعبت جدتها راضية ورقصت بين يديها ونفثت حرارتها الزكية في كل ~~مكان تحل فيه. ونمت ms079 بسيطة ومتسامحة، تحب الحياة أكثر من ~~المبادئ التي توزعت إخوتها وأخواتها. وهام بها حسين قابيل هياما ~~واعتدها تحفة أجمل من جميع التحف التي يتاجر بها. ومضت في الدراسة ~~بنجاح حسن، والتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ومات حسين ~~قابيل تاركا في قلبها جرحا عميقا، وشعرت بعناء أمها وهي تعد ~~الأسرة لمستوى جديد من المعيشة، فخيم على مرحها ظلام أشد من ~~ظلام ليالي الحرب والغارات. وتلاقت في تجوالها بشباب الأسرة ما ~~بين آل سرور، والمراكيبي، وداود، ولكن شاكر ابن خالها عامر كان ~~الذي ألقى عليها شباك اهتمامه وإعجابه؛ كان طالبا بالطب فأمكنهما ~~أن يلتقيا كثيرا بعيدا عن تقاليد الأسرة، وبلغ قلبها فطامه على ~~يديه، فاعتقدت بأنه فتى المستقبل المأمول لإسعادها. ولم يغب عنها ~~حرصه على إحاطة علاقتهما بالسرية، ولم تدرك لذلك مغزى، فسألته ~~مرة: مم تخاف؟ # فأجاب بصراحة وسخط: ماما! # فعجبت لشأنه وشأنها وحدست أنه ليس الرجل كما ينبغي له. ورجعت ذات ~~يوم من كليتها فوجدت أمها واجمة متجهمة فأدركت لسابق معرفتها ~~بقوة انضباطها أن حدثا قد حدث. # وقالت سميرة باستياء: عفت زوجة خالك! # وخنق قلبها وشعرت بتلاشي أملها. وقالت سميرة: صارحتني بلا حياء ~~بأن علي أن أمنعك عن ابنها. # فهتفت صفاء بغضب: ولكني لا أطارده. # فقالت سميرة بأسى: أغلقي هذا الباب بالضبة والمفتاح. # أجل. لا مفر من ذلك. ولا نجاة من الألم، ولكن لماذا؟ وواصلت ~~سميرة: ينظرون إلينا من فوق، وقديما حصل ذلك مع خالتك ~~مطرية! # تساءلت بحنق: كيف يتصورون أنفسهم؟! ~~- ما علينا، أريد أن أطمئن عليك. # فقالت باستهانة: اطمئني تماما. # وقد تجرعت ألما ومهانة ولكنها لم تخل من بعض سجايا أمها ~~الفريدة، وهي القدرة على التصدي للكوارث. وانقطعت العلاقة ~~مشفوعة بالازدراء. وتخرجت، وتعينت مترجمة إدارة الجامعة ~~بوساطة الأكابر من أهل أمها! ورآها السكرتير المساعد للإدارة ~~فرغب في الزواج منها؛ كان يكبرها بحوالي عشرين عاما ولكنه ذو ~~درجة عالية ودخل لا بأس به، ووزنت العرض فوجدته مناسبا ~~لحالها تماما، وتبين لها أنها «عملية» أكثر مما ظنت. وزفت ~~إلى صبري بك ms080 القاضي بفيلته بحدائق القبة. ووهبتها حياتها الجديدة ~~ما تحب من عيشة رغدة وزوج محب كريم وأمومة قنعت بولدين علي ~~وعمرو. ولما قامت ثورة يوليو لعبت بأسرتها كما شاءت فرفعت ~~شقيقها حكيم وضيعت سليم، ومن حسن حظها هي أن صبري القاضي ~~كان قريبا لضابط مهم فترقى في مدة قصيرة حتى شغل وظيفة وكيل ~~وزارة التربية، وأحيل إلى المعاش لبلوغه السن، ولكنه دفعها مرات ~~حتى وصلت إلى درجة مدير عام. وأشرفت بنفسها على تربية علي وعمرو ~~حتى التحقا بالسلك السياسي. هكذا تألق هذا الفرع في عقد ~~البيروقراطية الماسي ونجا من شر العواصف. # | حرف العين # عامر عمرو عزيز # أول هدية من عالم الغيب تغمر قلبي عمرو وراضية بالفرحة والرضا ~~والفخر، وتؤكد الحقيقة التي يؤمن بها ميدان بيت القاضي وهي أن ليس ~~الذكر كالأنثى. وجاء مشرقا بوجه مليح، يقتبس ملاحته من خير ما ~~حظيت به راضية من استقامة الأنف وعلو الجبهة، وما ستعرف به ~~سميرة فيما بعد من دقة القسمات وتناسقها، ومن أبيه أخذ هدوء ~~الطبع والتقوى ونزعة القيادة والرعاية. طالما جمع أخواته فوق السطح ~~ليقوم بينهن بدور شيخ الكتاب، وبيده عصا منعه من استعمالها ~~الحياء والعذوبة. ونشأ نظيفا أنيقا يطوف بالأحياء باسما ~~متأملا ويتربع أمام ضريح الحسين لاهجا بالدعاء، ونجح دائما في ~~كسب الأصدقاء من الجيران، من طبقته ومن الطبقة الأعلى. ولم يستطع ~~الأدنون أن يتحرشوا به أبدا، وفاز بالحظوة أيضا في سراي ميدان ~~خيرت وعند آل داود. وشق طريقه التعليمي بالنجاح وتفوق في ~~العلوم والرياضة، وبفضل كبراء الأسرة نال امتياز المجانية فتخفف ~~أبوه من عبء لم يكن ليتحمله وهو في حومة تزويج صدرية ومطرية ~~وسميرة ... ومنذ صباه حدث الميل المتبادل بينه وبين عفت بنت عبد ~~العظيم باشا داود. حدث فوق السطح في ظل الغسيل المنشور، ونما مع ~~الأيام والزيارات المتبادلة حتى صار حبا وحلما للمستقبل. وكانت ~~تلك الأمور تقع سرا ولكن رائحتها تفوح كالوردة، وانتصر الحب أول ~~ما انتصر على البنت المترفعة التي كانت تنظر إلى أسرته من عل، ~~كأن الله لم ms081 يخلق للنبل إلا أسرتها. وقالت فريدة هانم حسان ~~لعبد العظيم باشا: نحن نربي بناتنا في المدارس الإفرنجية ليكن ~~صالحات لطبيب أو وكيل نيابة من أسرة. # فقال الباشا: عمرو ابن عمي ولا أعدل به أحدا. # وكانت الهانم تشاركه عواطفه، وتحب راضية، وتحب عامرا بصفة ~~خاصة فسرعان ما استجابت. وسر عمرو وراضية بذلك، وكان عمرو ~~تياها فخورا بأقاربه العظام فاعتبر ارتباطه بهم بالمصاهرة فوزا ~~كبيرا. وكان محمود عطا بك يفكر في عامر كزوج لشكيرة، فلما سقط ~~الفتى في أيدي منافسيه قال لعمرو: سيكون حامد لشكيرة. # وتمت بذلك سعادة عمرو، الأمر الذي عرضه لملامة شقيقه سرور، ~~فأخذ عليه تجاهله لبناته، ودافع عمرو عن موقفه متعللا بجمال ~~بنات أخيه اللاتي لا يخشى عليهن من البوار، وبفقر أولاده الذين في ~~حاجة إلى دعامة. فقال سرور بمرارة: إنهم يضنون عليك ~~بالذكور. # فتألم عمرو، ولكنه قال مستوحيا طبيعته المتواضعة: رحم الله ~~امرأ عرف قدر نفسه. # فقال سرور وهو يداري غضبه: أصبحت يا أخي درويشا لا ~~تغضب! # وود عامر أن يلتحق بمدرسة الطب معتمدا على تفوقه العلمي، ~~ليكون أهلا بكل معنى الكلمة لعفت، ولكن أباه اختار له مدرسة ~~المعلمين لامتيازها بالمجانية، قائلا لابنه المحبوب: المجانية في ~~الطب متعذرة، والعين بصيرة واليد قصيرة. # وكان عامر مثالا في الطاعة والتجاوب مع الحقائق مهما تكن ~~مرارتها، فقال لأبيه متظاهرا بالرضا: المعلمين مدرسة عليا على أي ~~حال. # وتسامحت عفت وآلها، وقالت عفت لنفسها إن معلما تحبه خير ~~من طبيب لا تحبه. وهضم عامر خيبة أمله العسيرة ومضى في طريقه ~~مكللا بالنجاح والرضا. ولما قامت ثورة 1919 دخل معبدها مع ~~أسرته، واشترك في المظاهرات، من قلبه الصافي يحيا سعد. وكان في ~~السنة النهائية فسرعان ما ابتعد عن النشاط المباشر بممارسة حياته ~~العملية. وقد اتفق على الزواج بعد عام واحد من ذلك التاريخ. أصبح ~~ضيفا في أسرته التي لم يخلف في صدور أبنائها إلا كل طيب، ~~باستثناء المشاحنات التي كانت تقوم بينه وبين أخيه حامد بسبب طبيعة ~~حامد المتمردة وسلوكه الجامح ... وكم بذلت راضية ms082 من تعاويذها ~~وتمائمها لطرد روح الشر من بين الشقيقين، ولكن ما إن بدآ حياتهما ~~العملية حتى حل الصفاء مكان الكدر. وكان عبد العظيم داود قد ~~شيد لابنته بيتا في بين الجناين، دخلته الكهرباء والماء ~~والمجاري، وتحلى في خلفيته بحديقة صغيرة، فانتقل عامر مع عروسه ~~المتفرنجة إلى البيت الجديد ليستهل حياة زوجية سعيدة طويلة. ~~وقد هز الزواج أسرة آل عمرو من أول يوم. وضح تماما أن العروس ~~الجديدة من طراز مخالف لأخوات عامر، فهي متخرجة في الميردي ~~دييه، ترطن بأكثر من لغة، وتتقن اللعب بالبيانو، وتعرف معلومات عن ~~فرنسا وتاريخها وديانتها ولا تكاد تعرف شيئا عن بلدها تاريخا أو ~~عقيدة، وتفاخر بذلك دون خفاء، برغم تفشي الروح التي أطلقتها ~~الثورة الوطنية. وكانت ذات شخصية قوية متسلطة فالتهمت شخصية زوجها ~~الوديعة الدمثة، فلم يجرؤ الشاب على تذكيرها بأن الصوم واجب في ~~رمضان، وصام وحده معتمدا على نفسه في إعداد سحوره، وإلى ذلك فقد ~~بهر برطانتها ومهارتها في العزف. ولما خرج العدليون على سعد ~~زغلول وجد عامر نفسه غريبا في آل داود، وتجنب تكدير الصفو ~~بالدفاع عن وفديته الكامنة فطواها في صدره. ولم تكن عفت تهتم ~~بالسياسة أي اهتمام جدي، ولكنها جارت أباها تعصبا له ليس إلا، ~~وكانت تقول لزوجها: لا وجه للمقارنة بين عدلي باشا النبيل وبين ~~زعيمك الأزهري! # فيبتسم عامر متحاشيا الجدل، ومرة سأله عبد العظيم داود: هل ~~تعتقد حقا أننا نستطيع تحمل أعباء الاستقلال؟ # فتساءل عامر: لم لا؟ # فأجاب الرجل: حسبنا استقلال ذاتي ولكننا بدون حماية الإنجليز ~~نضيع بلا رحمة. # أيضا فإن راضية غضبت من تعالي عفت واستسلام عامر رغم صداقتها ~~الوطيدة مع فريدة هانم، ورغم إعجابها بجمال عفت، وقالت لابنها: ~~الرجل يجب أن يكون سيدا في بيته. # وقالت لعمرو: عفت تتوهم أنها أميرة. # فقال لها الرجل: لا تحرضي على ما يفسد سعادته. # واقتنعت بذلك آخر الأمر، خاصة بعد أن أنجبت عفت شاكر وقدري ~~وفايد الذين أحبتهم راضية بمجامع قلبها. واستوعب الحب المكين ~~كافة التناقضات، واستوت زيجة عامر وعفت مثلا ms083 نادرا في الزيجات ~~الموفقة. زواج لم يعرف الملل أو الانتكاس أو الفكر وأثار الغيرة ~~والحسد، قال حامد عنه: سر سعادة أخي أنه ذاب في إرادة زوجته، يا ~~له من ثمن. # وعلى عادة سرور أفندي في النقد المر قال يوما لزينب زوجته: ~~لقد تزوج حامد برجل كما تزوجت عفت بامرأة. # ووفق عامر في حياته المهنية توفيقه في حياته الزوجية، فكان من ~~أحب المعلمين إلى تلاميذه وأعظمهم تأثيرا فيهم، ومن القلة التي ~~تعيش ذكراها مع الأجيال التي تربيها حتى آخر العمر. وقد انتفع ~~بذلك في زيادة إيراده بفضل الدروس الخصوصية، وفي تذليل كثير من ~~الصعوبات بفضل ذوي النفوذ من تلاميذه السابقين، أما أعلى درجة ~~سجلها حظه فقد حدثت بعد قيام ثورة يوليو ووجدان اثنين من ~~تلاميذه في مجلس قيادة ثورتها. أما عفت فقد مقتت الثورة ~~لإلغائها باشوية شقيقها ولم تغفر لها استهانتها بالمهن الرفيعة ~~كالطب والقضاء، ولكن عامر شعر بأنه - بفضل تلميذيه - من رجالها ~~رغم وفديته المكبوتة بين جدران آل داود. ولم تكن سعادة عامر ~~بأبنائه دون سعادته بزواجه. لتفوقهم ونجاحهم، ولكنهم أحدثوا له ~~ولأمهم متاعب، لم تجر لهم على بال، سواء كان ذلك بسبب السلوك ~~الشخصي أم بسبب السياسة، ثم عرف كل أمر مستقره، واستقبل عامر ~~حياة معاش امتد ربع قرن في بيت صار مثالا لرفقة الشيخوخة كما ~~كان مثالا لسعادة الحب. وحافظ الرجل على صحته وحيويته، يقرأ الصحف ~~والمجلات، ويسمع الأغاني، ويشاهد التلفزيون، ولتفوقه في الصحة ~~وتدهور زوجته راح يقدم لها الخدمات ويشرف بنفسه على الخادم ~~والطاهية، ويلاعب الأحفاد، أو يخزه الحنين فيمضي مع أحد أبنائه ~~في سيارته إلى الحي العتيق، فيزور البيت القديم حيث يقيم قاسم، ~~ويصلي في الحسين، ويجلس ساعة في الفيشاوي، ويتناول غداءه عند ~~الدهان، ثم يرجع إلى بين الجناين منتشيا مغرد الروح. وعاش ~~حتى قارب التسعين، فطرب لأمجاد يوليو، وانكوى بخمسة يونيو، وأفاق ~~في 15 مايو، وطرب مرة أخرى في 6 أكتوبر المجلجلة، وانقبض في 6 ~~أكتوبر الدامية، وفارق الدنيا بهدوء يغبط عليه كختام حسن. استيقظ ms084 ~~صباحا في ميعاده، مضى إلى المطبخ ليعد الشاي لنفسه ولعفت، ~~وعاد به ليحسواه في الفراش ولما فرغ من قدحه قال: قلبي ليس على ما ~~يرام. # واستلقى على ظهره ليستريح، وسرعان ما مال رأسه على الوسادة ~~وكأنما قد غفا. # عبد العظيم داود يزيد # الابن الوحيد الذي بقي من ذرية داود باشا وسنية الوراق، نشأ في ~~بيت السيدة، وتلقى تربية رفيعة من أم هانم وأب يعتبر من الرجال ~~المعدودين في عصره. ومنذ صغره خالط أهله في الحي العتيق، وأحب ~~بصفة خاصة ابن عمه عمرو، ولكنه خالط أيضا نوعا آخر من البشر ~~هم الأجانب من أقران أبيه الذين كثيرا ما تناولوا عشاءهم على ~~مائدته وتبادلوا الأنخاب. تقلب بين التراث والمعاصرة ولكن ~~الدين لم يلعب في حياته عشر معشار دوره في حياة صديق روحه عمرو. ~~وكان نحيلا أسمر وسيم الطلعة كبير الرأس راجح العقل كبير الطموح. ~~وشق طريقه الدراسي بتفوق ثم التحق بكلية الحقوق. كان أمل ~~أبيه أن يجعل منه طبيبا ولكنه عشق البلاغة والآداب وتخصص في ~~القانون المناسب لأمثاله من أبناء الكبراء. وتعين في النيابة ~~دون حاجة إلى وساطة أبيه العظيم، واستحق من أول يوم احترام ~~رؤسائه وخاصة الإنجليز. ولعله أول من اختار زوجة برؤية عينيه ~~في أسرته. لمح فريدة في حنطور الأسرة، فسره لونها الأبيض ~~وقسماتها الأنيقة، ثم عرف اسم الأسرة. وذهبت سنية الوراق وراضية ~~ورشوانة لزيارة الأسرة الكريمة، ورفع التقرير عنها. وكان حسام تاجر ~~حرير سوريا وذا مال، وزفت إليه فريدة في فيلا شارع السرايات ~~مصطحبة معها جمالا جديدا ومالا واستعدادا طيبا للمعاشرة ~~الزوجية. وأنجبت له مع الأيام لطفي وغسان وحليم وفهيمة وعفت. ~~وكان عبد العظيم ممتازا في عمله وذا اهتمام بالسياسة. وكان من ~~أنصار حزب الأمة، وصديقا لبعض رجاله المبرزين وممن يؤمنون ~~بتهريج الحزب الوطني. وتوهج فؤاده بالحماس لثورة 1919، ولكن ما ~~إن انقسمت الجبهة حتى مال بعقله وقلبه إلى عدلي يكن وصحبه. وكان ~~يرمق انزعاج ابن عمه عمرو مقهقها ويقول: سحرك المهرج ~~الكبير. # فيقول عمرو: إنه زعيم الأمة وأملها. # كان ms085 عمرو يشعر بدفء الرابطة بينه وبين عبد العظيم عندما يزوره ~~هذا في بيت القاضي، أما إذا ذهب عمرو إلى فيلا السرايات فتواتيه ~~غربة في الجو «الإفرنجي » الذي يسود السلوك والعادات، من ذلك أن ~~عبد العظيم باشا كان يفتح شهيته عادة بكأسين من الويسكي، أو ~~يخاطب كريمتيه فهيمة وعفت أحيانا بالفرنسية! وكان محمود عطا ~~المراكيبي يتودد إلى الباشا ويحب أن يوثق علاقته به رغم ~~المنافسة الخفية بين الأسرتين. والحق أن عبد العظيم باشا لم يكن ~~يميل إليه، ولكنه تبادل معه الزيارة إكراما لابن عمه عمرو. وقد ~~أراد محمود بك أن يستعين بنفوذه في إحدى قضاياه الكثيرة فقطب عبد ~~العظيم وقال بوضوح: الظاهر أنه لا فكرة لك عن نزاهة القضاء. # وكان محمود بك يؤمن - بوحي حياته العملية - بأن الشعار شيء ~~والواقع شيء آخر، فصدمه جفاء صاحبه ولعنه في سره. ولكنه وجد ~~نفسه معه في جبهة واحدة بعد الانقسام السياسي. وأراد أن يهون ~~من شأن الخلاف فقال: الولاء للملك أو الإنجليز سيان. # فقال عبد العظيم باشا: لا ولاء للإنجليز ولكنها صداقة. ~~- أليس الملك أفضل؟ ~~- الملك ذو ولاء للإنجليز ونحن دعاة الدستور. ~~- ولكن الدستور سيسلم الحكم لسعد. ~~- ولعله وهم. ~~- إنه يسحر الناس بدعوة الاستقلال التام، وبهذه المناسبة، ما ~~رأيك في هذه الدعوة؟! # فقال الرجل وهو يهز رأسه الكبير: المجانين لا يعرفون معنى ~~الاستقلال، الاستقلال مسئولية ضخمة، من أين لنا الإنفاق على ~~الدفاع؟! # أليس الأفضل أن نترك ذلك للإنجليز ونتفرغ لإصلاح ~~أحوالنا؟ # فقال محمود بك بحرارة: صدقت، واستقلال زغلول خليق بأن يقود إلى ~~ثورة عرابية جديدة. # وقد حقق لطفي البكري لأبيه أمله بخلاف غسان وحليم ولكن عبد ~~العظيم يعتبر بصفة عامة أبا سعيدا. وكاد لطفي ينحرف عندما ~~مال إلى مطرية بنت عمرو ولكن الله سلم، وإن أسف عبد العظيم على ~~موقفه من ابنة حبيبه عمرو. وولي مع الأيام مناصب قضائية عظيمة ~~ثم أحيل إلى المعاش وهو رئيس لمحكمة الاستئناف العليا. ولقوة ~~حيويته عمل محاميا حتى الخمسينيات، ثم تقاعد بعد أن طعن في السن. ~~ولم يقعد ms086 عن الحركة فكان يذهب كل مساء إلى مقهى لونابارك ليلعب ~~الطاولة مع المعمرين من جيله. ولما قامت ثورة يوليو كان قد ~~توغل في الشيخوخة للدرجة التي يهون معها الاهتمام بالأشياء. ~~وأصابه التهاب حاد في البروستاتا فنقل إلى المستشفى ولكنه أسلم ~~الروح بعد يومين. # عبده محمود عطا المراكيبي # ولد ونشأ في سراي ميدان خيرت، وهو الثالث في ذرية محمود بك ~~ونازلي هانم، واتسم منذ صغره بالوسامة والنجابة. وتربى في ~~أحضان العز، وتلقن مبادئ الأخلاق والتهذيب والتدين على يد ~~أمه الجميلة المهذبة، ونما نفورا من الاختلاط بصفة عامة؛ ~~فعرف أهله من آل عمرو وسرور ورشوانة، ولكنه لم يتخذ صديقا ~~منهم. وأغرم بالرياضة وتفوق خاصة في السباحة، وعشق المطالعة، ~~وشق طريقه في المدارس بتفوق أهله للالتحاق بكلية الهندسة. ~~ولما تخرج التحق بسلاح المهندسين بالجيش بعد المعاهدة. وبدأ ~~يخرج عن خط الأسرة السياسي فلم يتشيع للملك كأبيه وعمه، ولكنه ~~انضم إلى الجيل القلق الغاضب على الجميع والمتطلع إلى الجديد ~~مثل قريبه حكيم حسين قابيل. واقترحت عليه أمه الزواج من آل ~~الماوردي وهم أسرة إقطاعية، فتزوج، واستأجر لعروسه شقة أنيقة في ~~الزمالك، غير أن ذلك الزواج لم ينجب ولم يوفق، ولعل فائدته ~~الوحيدة انحصرت في تعريفه بنفسه وأبعادها. تبين له أنه رغم يسره ~~لا يطيق الإنفاق ويتألم لبذل قرش واحد في غير موضعه ودون حساب ~~وتخطيط. وكانت جولستان من محبات البذخ والحياة الاجتماعية ~~والتباهي بكافة جماليات المظاهر المبهرة، فعجز كل طرف عن ~~النزوع عن شيء من تقاليده وعاداته، فارتطما في عنف جعل من ~~حياتهما جحيما لا يطاق. وقالت له الفتاة بصراحة: لم نخلق لحياة ~~مشتركة. # فقال لها متلمسا طريقه للنجاة: أوافق على ذلك دون قيد أو ~~شرط! # وهجرت بيت الزوجية انتظارا للطلاق، ودرست المسألة على أعلى ~~المستويات، فوجد عبده من والديه تأييدا لموقفه أو على الأقل ~~معارضة صريحة لأسلوب جولستان في الحياة. وقال محمود بك: أنا لا ~~أحب الطلاق ولكنه ضرورة لا مهرب منها في بعض الظروف. # ووقع الطلاق جارا وراءه خسائر مادية لا يستهان ms087 بها ما بين ~~مؤخر الصداق والنفقة؛ مما حمل الشاب على اتخاذ قرار من الزواج ~~التزم به بقية عمره. وعاد إلى حجرته الجميلة بالطابق الثاني من ~~سراي ميدان خيرت، مكرسا نشاطه لعمله ومطالعاته المتنوعة. ~~وألف المزاج بينه وبين أخته نادرة وأخيه ماهر، وانضم الأخوان ~~في الوقت المناسب إلى الضباط الأحرار. ولما قامت ثورة يوليو وجدا ~~نفسيهما بين رجال الصف الثاني، وكان محمود بك قد توفي قبل ذلك ~~فنجا الورثة من قبضة الإصلاح الزراعي. وتقلد عبده مركزا ~~قياديا في سلاح المهندسين، وعقب النكسة تولى رياسة شركة ~~المعادن جزاء ولائه المستمر لعبد الناصر. ورغم تأثره الشديد ~~لهزيمة 5 يونيو إلا أنه كان ضمن الذين اعتبروا أن خسارة الأرض ~~كارثة تهون بالقياس إلى النصر المعنوي الذي حققه البلد بالاحتفاظ ~~بزعامة عبد الناصر والنظام الاشتراكي. وطبعا لم يكن سعيدا بطرد ~~أخيه ماهر لولائه لعبد الحكيم عامر، كما لم يسعد من قبل بإحالة ~~أخيه الأكبر حسن إلى المعاش، وتعزى دائما بقوله: الوطن فوق كل ~~شيء. # واستغني عنه في عهد الرئيس السادات فأوى إلى بيته وأرضه، ~~ولما هل عصر الانفتاح أنشأ مكتبا هندسيا مع بعض الزملاء وأثرى ~~ثراء فاحشا. ولم يبارح السراي التي ولد فيها ولا الطبع الذي قضى ~~عليه بالوحدة، والتزم بالحياة البسيطة رغم إيغاله ويقينه من أنه ~~يكنز المال للآخرين. # عدنان أحمد عطا المراكيبي # ولد ونشأ بسراي آل المراكيبي بميدان خيرت، وتلقى في أحضان ~~النعيم مبادئ التربية الرفيعة والدين. وبالرغم من أنه نما بين ~~والد وديع دمث وأم هانم جليلة المقام والخلق (فوزية هانم شقيقة ~~نازلي هانم)، إلا أنه كان أشبه بعمه الجبار محمود بك في صلابته ~~وميله إلى السيطرة، وكان أكثر ذلك الجيل حبا لآله الآخرين عمرو ~~وسرور ورشوانة، وتعلقا بالحي العتيق. ومن بادئ الأمر تمرد باطنه ~~على عمه الجبار الذي يفرض سطوته على السراي بما فيهم أسرة شقيقه ~~أحمد. وما كاد يناهز الحلم حتى أعلن سخطه على وصايا عمه واستئثاره ~~بإدارة الأرض كأنه مالكها الوحيد. وسأل أمه عن سر ذلك فقالت: ~~أبوك راض ms088 بذلك. # فانقلب إلى أبيه يحاوره، حتى نغص عليه صفوه، وقال له بصراحة: ~~إنه لوضع مهين! # وما زال وراءه حتى أخرجه من جنته؛ فكان ما كان فبدأ الخصام ~~الذي قسم الأسرة العريقة إلى جبهتين متعاديتين، فأنكر الأخ ~~أخاه والأخت أختها وأبناء العم والخالة أبناء عمهم وخالتهم، ~~وتحدى عدنان عمه فبصق هذا على وجهه، وتبادل عدنان وحسن الضرب ~~في حديقة السراي، فأظلت الأسرة غمامة سوداء ما زالت تحجب النور ~~والدفء عنها حتى تلاشت عند احتضار أحمد بك. وتسلم أحمد بك أرضه ~~وهو على جهل تام بكل شيء، وحدثت خسائر لا مفر منها، حتى ختم ~~عدنان دراسته الزراعية وهرع إلى بني سويف فتسلم العمل من أبيه ~~وأنقذه من التلف. وكان عدنان بخلاف أخيه وأبناء عمه يعشق بنات ~~البلد، فأحب أرملة في الخامسة والثلاثين على حين لم يكن جاوز ~~الثلاثين، وأعلن رغبته في الزواج منها غير ملق بالا إلى جزع ~~أمه، وحقق رغبته وجاء بست تهاني إلى السراي ثم حملها إلى سراي ~~العزبة. وقد أنجبت له فؤاد وفاروق ثم انقطعت عن الحمل. وكانت كلما ~~ضاقت بالريف سافرت إلى القاهرة لتنكد عيشة فوزية هانم. ولما ~~قامت ثورة يوليو كان عدنان - لأكثر من سبب - الوحيد الذي طبق ~~عليه قانون الإصلاح الزراعي، ولم يكن يختلف عن أبيه وعمه ولاء ~~للعرش وكراهية للثورة، ولكن لم يند عنه قول أو فعل يعرضه ~~للمؤاخذة. وقد نجح فؤاد في أن يصير زراعيا كأبيه ويعاونه؛ أما ~~فاروق فلم يوفق في الدراسة واحترف الإجرام على الأسلوب الريفي حتى ~~قتل رميا بالرصاص وهو يغادر المسجد عقب صلاة الجمعة. وقد سعد ~~عدنان بالاعتداء الثلاثي ولكن سعادته انتكست، وسعد أكثر في 5 ~~يونيو، وتمت سعادته في سبتمبر 1970، وبتولي السادات رجع الرجل ~~إلى الشعور بالولاء نحو الحاكم، وشاركه بقلبه انتصاراته في 6 ~~أكتوبر والسلام، أما الانفتاح فقد اعتبره بابا من أبواب الجنة، ~~وعمل في تربية العجول والدجاج والبيض وربح أرباحا خيالية، ولم ~~يكتف بذلك فانضم إلى الحزب الوطني وانتخب عضوا في مجلس ~~الشعب. # عزيز يزيد المصري # ولد ms089 ونشأ في الدور الأول من بيت الغورية في ظل بوابة المتولي، ~~وهو بكري يزيد المصري وفرجة الصياد، وقد أنجب الزوجان ولدين ~~وأربع بنات فماتت البنات وهن في المهد وبقي عزيز وداود، وتمتع ~~الولدان بصحة جيدة ونمو يبشر بالقوة مع وسامة في الخلق ووضوح ~~في الملامح، واتخذوا من الطريق العامر بالناس والحوانيت وعربات ~~اليد، المحفوف بالجوامع والمآذن ملعبا ما بين البوابة ووكالة ~~الوراق في الجمالية حيث كان يشتغل أبوهما خازنا بوكالة الوراق. ~~وجاءت الحملة الفرنسية وذهبت قبل أن يبلغ الشقيقان الوعي فمر ~~بهما نابليون بونابرت كما يمر بياع الفجل أو بياع الدوم. ~~ولما استوى عزيز طفلا ناضجا قال عمر يزيد المصري بلكنته ~~الإسكندرية: آن أوان الكتاب. # فاعترضت فرجة الصياد قائلة: بل أرسله إلى أمي في ~~السوق. # فقال: فك الخط هو الذي يسر لي عملي في وكالة الوراق. # وكانت فرجة تؤمن بالسوق التي جاءت منها، ولكنها لم تستطع أن ~~تثنيه عن رأيه. وبارك رأيه فضيلة الشيخ القليوبي في قهوة الشربيني، ~~فقال: نعم الرأي ... وبعد الكتاب إلى الأزهر. # ولاذ الصديق الثالث عطا المراكيبي بالصمت؛ وعطا المراكيبي كان ~~ساكن الدور الثاني ببيت الغورية هو وزوجه سكينة الفرارجي وابنته ~~الوليدة نعمة. وقد تم التعارف بين الرجال الثلاثة في دكان عطا ~~المراكيبي في الصالحية، ثم صارت تجمعهم قهوة الشربيني بالدرب ~~الأحمر فيشربون الزنجبيل ويدخنون الحشيش. وكان الشيخ القليوبي ~~مدرسا في الأزهر وقد دعاهما على الغداء أكثر من مرة في بيته بسوق ~~الزلط. رأوا وليده معاوية وهو يلعب بين البئر والفرن، وتساءل عطا ~~المراكيبي: هل تدخله الأزهر بعد الكتاب؟ # فقال يزيد: يفعل الله ما يشاء. # لكنه كان يقنع من الدين بالفرائض المتاحة كصديقه عطا ولا طموح ~~له بعد ذلك. والتحق عزيز بالكتاب ثم لحق به داود فحفظا أجزاء ~~من القرآن وتعلما مبادئ القراءة والكتابة والحساب. وفي تلك ~~الأثناء وقع داود في مصيدة التعليم ونجا عزيز بمعجزة ظل يحمد ~~الله عليها حتى آخر عمره. وكان من حياة داود ما كان، أما عزيز ~~فلما بلغ سن العمل سعى له ms090 الشيخ القليوبي في ديوان الأوقاف ~~فتعين ناظرا لسبيل بين القصرين. ارتدى الجلباب والمركوب وشملة ~~من الكتان صيفا وأخرى من الصوف شتاء، ولكنه استبدل بالعمامة ~~الطربوش فعرف في الحي بعزيز أفندي على سبيل الفكاهة، ثم التصقت به ~~على مدى العمر. وتقرر له مليم على كل قربة فقال له يزيد: من ~~الله عليك بوظيفة مهمة. # لم يكن يحزنه في تلك الأيام السعيدة سوى عثرة حظ أخيه، وتضاعف ~~حزنه حين تقرر إرساله إلى فرنسا. وسأل صديقه الشيخ معاوية الذي ~~حل محل أبيه في الأزهر بعد تقاعد الرجل لكبره: ما ذنب داود يا ~~شيخ معاوية؟ # فأجاب الشاب: ليس كل علوم الكفار بكفر ولا الإقامة في بلاد ~~الكفار، وليحفظه الله. # ودخل عزيز في فرن المراهقة، وتسلل إليه - رغم تقواه - الخطأ ~~فقال يزيد لفرجة: علينا أن نزوجه! # فقالت فرجة: نعمة بنت صديقك عطا مليحة ومناسبة. # وزفت إليه البنت في بيت أبيه بالغورية، وعقب عامين تزوج ~~صديقه الشيخ معاوية من جليلة الطرابيشية في بيت سوق الزلط. وعاش ~~يزيد المصري وفرجة حتى شهدا مولد رشوانة وعمرو وسرور، ثم مات ~~يزيد في أثناء عمله بالوكالة ودفن بحوشه الذي بناه على كثب من ~~ضريح سيدي نجم الدين، بعد حلم رأى فيه الشيخ وهو يدعوه إلى جواره، ~~ولحقت به فرجة الصياد بعد عام واحد من وفاته. وحدثت أمور ذوات ~~شأن؛ فقد ماتت سكينة أم نعمة، وتزوج عطا المراكيبي من أرملة ~~غنية كانت تقيم في الدور الأعلى للبيت المواجه لدكانه، وانتقل ~~الرجل فجأة إلى طبقة عالية، فشيد سراياه بميدان خيرت، وابتاع ~~عزبة ببني سويف، وأنجب على كبر محمود وأحمد، واستهل حياة جديدة ~~كأنما هي حلم من الأحلام. ووجد عزيز أفندي نفسه صهرا لرجل عظيم من ~~الأعيان كما وجدت نعمة زوجته نفسها ابنه لذلك الرجل العظيم. ولهجت ~~الألسنة بقصة عطا المراكيبي وحظه وذوبان الزوجة الغنية تحت جناحه، ~~ولكن نعمة لم يصبها من ذلك كله خير، لا هي ولا أسرتها، فيما عدا ~~بعض الهبات في المواسم. وقال الشيخ معاوية لصديقه عزيز: إذا سبقت ~~الزوجة ms091 زوجها في الوفاة ورثها مع ابنيه، فترثه زوجتك، أما إذا ~~سبق هو فلا حظ لحرمك! # وكان آل عطا وآل عزيز يتبادلون الزيارات، ويختلط عمرو وسرور ~~ورشوانة بمحمود وأحمد، ويقلب عزيز عينيه في الحديقة والتحف ~~ويغمغم في نفسه: سبحان المنعم الوهاب! # ويقول لصديقه الشيخ معاوية: إنه جلف لا يستحق النعمة. # فيقول الشيخ: لله في خلقه شئون! # وفي أثناء ذلك، رجع داود من فرنسا طبيبا، ثم تزوج من حفيدة ~~الوراق وأقام في بيت السيدة وأنجب عبد العظيم. وعلم عزيز أفندي ~~ابنيه عمرو وسرور فتعين عمرو في نظارة المعارف كما تعين سرور في ~~السكك الحديدية، وتزوجت رشوانة من صادق بركات تاجر الدقيق ~~بالخرنفش وزفت إليه في بيته ب «بين القصرين»، وتزوج عمرو من ~~راضية كبرى بنات الشيخ معاوية، كما تزوج سرور من زينب النجار، ~~وانتقل الأخوان إلى بيتين متجاورين في ميدان بيت القاضي. ولما ~~قامت الثورة العرابية اشترك فيها عزيز بقلبه ولكن الشيخ معاوية ~~أسهم بقلبه ولسانه، وحكم عليه بالسجن بعد تصفية الثورة. # وقد تم زواج عمرو من راضية في الفترة التي أعقبت الإفراج عن ~~الشيخ، ولكن لم يتسن للشيخ شهود الزفاف، فقد وافاه الأجل بعد ~~أسبوع من إعلان الخطبة وقراءة الفاتحة. وحظي عزيز أفندي بالصحة ~~وطول العمر والراحة الزوجية ولم يعان الفقر أو الحرمان، وتمتع ~~بدفء الوشائج العائلية ما بين ميدان خيرت والسيدة وسوق الزلط، ~~وتقدست منزلته عند ذريته كما فرح بتعليمهم وانتسابهم إلى ~~الحكومة وخطرانهم في البدلة والطربوش. ولم يخل مع الأيام من ~~اعتزاز بمنزلة شقيقه الأصغر ورتبته، خاصة بعد أن اطمأن إلى ~~إيمانه ومحافظته على الفرائض وولائه الودود له، وجلوس الأسرتين ~~حول الطبلية، كما آنسه بالزيارة وطوافه معه بالحسين والقرافة. ~~ومن الله عليه فشهد مولد أحفاده، وأكرمه أخيرا بميتة طاهرة، ~~فأسلم الروح وهو ساجد فوق سجادة الصلاة في صباح يوم من أيام الخريف ~~في بيت الغورية ... ودفن إلى جوار أبيه في حوش الأسرة الذي أصبح ~~يعرف بحوش نجم الدين. # عفت عبد العظيم داود # ولدت ونشأت بفيلا الأسرة بشارع السرايات بالعباسية ms092 الشرقية. ~~وبها ختم عبد العظيم باشا داود وفريدة حسام ذريتهما المكونة من ~~لطفي وغسان وحليم وفهيمة وعفت. ولدت عفت على وسامة لا ~~يستهان بها، امتزج في وجنتيها بياض أمها الشامية وسمرة أبيها ~~فأسفرا عن لون قمحي مورد وعينين لوزيتين سوداوين لا تخلو ~~نظرتهما من تسلط ومكر، وتقلبت في نعيم في فيلا أنيقة تحدق ~~بها الرتب والنياشين فنهضت - كسائر أعضاء أسرتها - على قوائم ~~راسخة من الكبرياء والتعالي والغرور ... ومن بادئ الأمر لم يرض الأب ~~لكريمتيه الأمية أو شبه الأمية كبنات الفروع الأخرى، كما لم ~~يفكر في تعليمهما تمهيدا للعمل، الأمر الذي رآه أولى ببنات ~~الفقراء من عامة الشعب، فاختار لهما التعليم التهذيبي في نظره الذي ~~يعدهما للزواج من الكبراء. ووجد بغيته في المدارس الأجنبية ~~والميردي دييه بصفة خاصة. وتعلمت عفت الفرنسية والإنجليزية ~~والآداب وفن البيت والموسيقى، وتشربت روحها بتراث غريب حتى ~~ليخيل للرائي أنها إفرنجية ذوقا وعقلا وتراثا. ومع أنها لم ~~تنطق بكلمة تخدش إيمانها إلا أنها عاشت حياتها وهي تجهل دينها ~~وتراثها جهلا تاما، ولا تجد في ذاتها أي انتماء إلى وطنها رغم ~~معايشتها لثورة 1919، لولا تعصب سطحي لموقف أبيها السياسي ~~انطلقت إليه من منطلق الكبرياء والأسرة. ولكن الغريزة تمردت على ~~ذلك كله فأمالت قلبها منذ الصغر نحو عامر قريب أبيها. في ذلك ~~الزمان كانت رابطة الأسرة أقوى من الطبقة والرتبة والجاه ~~والثروة، وكانت زيارة بيت القاضي تعد في وجدان آل داود من ~~الرحلات الممتعة، بمناظرها الطريفة وأغذيتها البلدي وغيبيات ~~راضية، رغم أن شعورهم بالتعالي لا يمكن أن يفارقهم. ولم يجد ~~الميل المتبادل بين عامر وعفت معارضة في بيت عبد العظيم، بل ~~لعله وجد ترحيبا. وعلى أي حال فالنظرة إلى البنت تختلف عن ~~النظرة إلى الولد، فإهداء بنتهم إلى ولد من آل عمرو لا بأس من ~~قبوله، أما أن يرغب ولد من آل داود في بنت من بنات عمرو أو سرور ~~فانحراف خطير يجب أن يكبح بكل حزم. ودماثة أخلاق عمرو هونت ~~عليه التسامح مع ذلك الموقف وتلمس الأعذار له، ms093 أما سرور فلم ~~يعفه من لسانه الحاد الذي أبعده درجات عن قلوب آل المراكيبي وآل ~~داود جميعا. كان عند الضرورة يقول متهكما: لماذا ينسى آل عطا ~~العظام المراكيب ودكان الصالحية؟ ... ولماذا ينسى آل داود عم يزيد ~~وفرجة السماك؟ # ولما آن لعفت أن تتزوج شيد لها الباشا بيتا جميلا في ~~بين الجناين استقبلت فيه حياتها الزوجية السعيدة التي حطمت منطق ~~أعداء الزواج. أجل فمنذ اليوم الأول سلكت عفت سلوك أميرة وضعتها ~~الظروف بين الرعية، فلم تخل الحياة الجديدة من توترات بين عفت ~~وأخوات عامر، أو بنات سرور، أو شكيرة عندما صارت سلفة لها، بل حتى ~~راضية نفسها على ما بينها وبين فريدة حسام من مودة، ولكن لم ينعقد ~~الخصام لحد القطيعة أو العداوة، وغلب دائما هوى المودة القديمة ~~الراسخة، أما ما بين الزوجين فقد مضى في عذوبة وسلام، وتسليم ~~كلي من جانب عامر لإرادة محبوبته القوية فلم يرتفع له صوت غضب ~~أكثر من مرات معدودات، ولم يبيتا أبدا على خصام. وقد أنجبت له ~~شاكر وقدري وفايد، ولم تستطع أن تمد فوقهم مظلة سطوتها، فجرح ~~شاكر كبرياءها، وحرك قدري مخاوفها وإشفاقها، ولكن ثلاثتهم كانوا ~~أمثلة طيبة للنجابة والنجاح. وقامت ثورة يوليو وتعاقبت الهزائم ~~ثم هل النصر والسلام وتجمعت سحب الفتن والجريمة، وهي لائذة بحصن ~~المتفرج لا يعنيها شيء إلا بقدر أثره المباشر على أسرتها أو ~~أبنائها. وتقدم بها العمر وهدأت نوازع كبريائها ونعمت رغم جريان ~~الأحداث برفقة حبيب العمر والأبناء والأحفاد، حتى غاب عامر عن ~~دنياها في غمضة عين وهو يحادثها، ومن ثم استقبلت حياة صامتة ~~تعلوها كآبة دائمة. # عطا المراكيبي # في الأصل كان صبيا في دكان الصالحية لصاحبها المغربي جلعاد ~~المغاوري، التقطه الرجل يتيما ورباه وأذن له بالبيات في ~~دكانه، وأثبت الصبي جدارة وأمانة، ولزم صاحبه حتى صار شابا ~~يافعا قوي الجسم ربعة غليظ القسمات ضخم الرأس، فزوجه من ابنته ~~الوحيدة سكينة وجعله نائبه في الدكان. وأقام معه في مسكن الغورية ~~جارا للمعلم يزيد وابنه عزيز. ولما رحل جلعاد وزوجه، ورثت ms094 سكينة ~~الدكان شرعا وورثها عطا فعلا، وكان متحليا بأخلاق التجار ~~الدمثة يغطي بها خشونة سجاياه، فأمكنه أن يكون صديقا ليزيد ~~والشيخ القليوبي. أما سكينة فكانت على قدر من الوسامة وبنيان ~~هلهله الضعف، فتلكأ إنجابها فترة، ثم أنجبت نعمة عقب ولادة ~~عسيرة كادت تبذل فيها حياتها. وورثت نعمة عن أمها عينيها ~~السوداوين النجلاوين ونعومة بشرتها السمراء، وغزارة شعرها ~~الكستنائي مع صحة جيدة. وكانت سكينة جارة حسنة الجوار ففازت ~~بقلب فرجة السماك ومهدت بذلك الطريق لزواج نعمة من عزيز في ~~الوقت المناسب. وجمع مقهى الشربيني بالدرب الأحمر بين الشيخ ~~القليوبي ويزيد وعطا ليلة بعد أخرى، وشهد الرجال نابليون بونابرت ~~على جواده وهو يسير على رأس جنوده أمام المشهد الحسيني، وعاصروا ~~تقلبات حملته، وخاصة ثورتي القاهرة، وكاد يزيد يهلك في الثورة ~~الثانية، وعاصروا بعد ذلك ولاية محمد علي ومذبحة المماليك. والثورة ~~التي أحدثها الوالي في البلد وأهله. ورغم أن الشيخ القليوبي كان ~~يمتاز بثقافته الدينية إلا أن الوشائج الشعبية والتراثية كانت ~~تقربه من وجدان صاحبيه، ولم يغب عنه ما طبعا عليه من حرص ~~وجهل، ولكنه كان يأخذ الناس على علاتها ويقنع منها بالجانب ~~الأليف والمودة المتاحة. وقد دعاهما مرات إلى بيت سوق الزلط في ~~مقابل مرة يتيمة دعي فيها إلى بيت الغورية، وكان يزيد أحب إليه من ~~عطا، ولمس فيه أركانا من الرجولة والشهامة والتقوى افتقدها في ~~الآخر، ومع ذلك لم يضق أبدا بعطا ولا فكر في نبذه. وظل عطا ~~على حاله من القناعة والرقة حتى توفيت امرأته سكينة بعد عام من ~~زواج ابنتها نعمة من عزيز أفندي ابن المعلم يزيد. وإذا بالحي كله ~~يفاجأ بزواجه من الأرملة الثرية هدى الألوزي. كانت تقيم في بيتها ~~العتيق على الجانب المواجه لدكان المراكيبي فهل كان للقصة تمهيد ~~قديم لم يفطن إليه أحد؟ وقال القليوبي ليزيد: ستحدث أمور، لا يمكن ~~أن توافق هدى هانم على بقاء زوجها في دكانه. # وراح عطا يفكر بعقل مدبر لم يجد من قبل الفرصة المناسبة ~~لاستغلال مواهبه. وشاور في أمره أهل ms095 الحل والعقد في تلك الشئون ~~من جيرانه الأغنياء واليهود المدربين. وفي الحال اقتنى أراضي ~~فضاء، وشرع في تشييد السراي الكبرى بميدان خيرت، وعقب مرور زمن ~~اشترى عزبته في بني سويف وأقام فيها السراي الريفية. وأنجبت له هدى ~~هانم الألوزي محمود وأحمد، ومضى يدرس الزراعة ويوثق علاقاته ~~بجيرانه الجدد، والحق أن الثروة كشفت عن مواهبه الكامنة وقوة ~~شخصيته، كما هتكت حرصه وشحه وجشعه اللانهائي إلى الثراء. ~~وبخلاف الظنون فرض سيطرته الكاملة على امرأته والمتعاملين معه ~~حتى شبهه الشيخ القليوبي بالوالي الذي جاء مصر جنديا بسيطا ثم ~~تعملق فوق هامة إمبراطورية مترامية، بل كانت نهاية إمبراطور بني ~~سويف خيرا من نهاية الوالي ألف مرة. ووهنت علاقته بأصدقائه ~~القدامى، ولكنه لم ينقطع من زيارة نعمة وعزيز في الغورية، يغزو ~~الحي في حنطوره طاويا نظرات الحسد تحت حذائه، مقدما الهدايا ~~العابرة في المناسبات، ويدعو الأسرة إلى سراي ميدان خيرت، الأمر ~~الذي ربط بالمحبة قلوب رشوانة وعمرو وسرور ومحمود وأحمد. ولكن ~~نوبات كرمه تلك لم تجاوز حدودها أبدا، بل بدا أن ابنيه أحن على ~~أختهما الفقيرة نعمة منه هو. وطبعا دفع بابنيه إلى المدارس ولكن ~~أنفاسهما انقطعت بعد الابتدائية كابني أختهما عمرو وسرور، ولم ~~يأبه لذلك وراح يعدهما للزراعة إلى جانبه، أما محمود فقد شرح صدره ~~بقوة استجابته وصلابة شخصيته، وأما أحمد فقد خاب أمله فيه حتى ~~تركه يائسا لحياته الوادعة. وكان بكري العرشي رب أسرة مملوكية ~~تجاور عزبته وكانت له بنتان، نازلي وفوزية، مثالان في الجمال ~~والتهذيب، فخطبهما لابنيه محمود وأحمد، واحتفل بزواجهما في فرح ~~واحد أحياه عبده الحامولي وألمز. وعمر عطا في الوجود حتى أدرك ~~الثورة العرابية، ولم تغز وجدانه من مدخل وطني ولكن من زاوية ~~أملاكه وأمواله، فلما صعدت موجتها حتى ظن لها النصر المبين أعلن ~~تأييده لها، وتبرع بشيء من المال طاويا آلامه في صدره، ولما تكالبت ~~عليها القوى المعادية ولاح فشلها في الأفق أعلن ولاءه للخديو. ~~وجاء عصر الاحتلال البريطاني فساوره القلق مرة أخرى من تلك ~~الأحداث التي لا يدري ms096 ما عقباها على أرضه. وقال له نسيبه بكري ~~العرشي: لن يغادر الإنجليز هذا القطر، ولن نخرج ما حيينا من ~~الإمبراطورية البريطانية. # ولما شعر بأنه يمضي نحو النهاية قال لابنه محمود: سأترك لك ~~نصيحة هي أغلى من المال، اعتبر العزبة وطنك وهبها كل نقطة إخلاص ~~في قلبك، وحذار من الخطب والشعر. # ومات الرجل بالشيخوخة وحدها، ولحقت به زوجته بعد أشهر، فورث ~~الثروة كلها محمود وأحمد، وانطفأ أمل عزيز ونعمة إلى الأبد. # عقل حمادة القناوي # في خان جعفر ولد، وفيما بين بيت القاضي وبين القصرين وحارة ~~الوطاويط وابن خلدون والعباسية الشرقية وبين الجناين وميدان خيرت، ~~لعب وطاف وساح وصادق وأحب. وهو الثاني في ذرية صدرية وحمادة ~~القناوي، اقتبس من أمه عينيها الجميلتين، ومن أبيه أنفه ~~الأفطس وقوة جسده مع ميل شديد إلى القصر. وعشقه أبوه وكرسه ~~بكل فخار وليا للعهد. وتابع نجاحه في التعليم بسعادة وزهو، ~~فعوضه عن جهله وأميته خيرا وأي خير. وعشق منذ صباه الدين ~~والهندسة، والتحق بكلية الهندسة، ولم ينقطع عن القراءات الدينية، ~~ومال إلى الفلسفة الدينية أيضا، ثم جرفه تيار من الأفكار ~~المتضاربة فاستقر عمرا في مقام الحيرة. وفي تجواله في فروع ~~أسرته أعجبته هنومة بنت خالته سميرة فأراد أن يحجزها لنفسه ولكن ~~البنت قالت لأمها: أنا أطول منه بصورة واضحة فهو غير ~~مناسب! # وصدمه ذلك وأشعل في جوارحه الغضب. وظل مواظبا على الصلاة ~~والصوم رغم شكوكه؛ لم يستطع أن يؤمن ورفض أن يكفر، ولاذ بالفرائض. ~~وتفشى الشك في خلاياه فلم يستطع أن ينتمي. انتبه إلى الوفد في ~~عصر هبوطه، وكره انغلاق الماركسيين، واحتقر تهريج مصر الفتاة، ~~ولما قامت ثورة يوليو نفر منها رغم عدم مساسها له؛ لشعوره ~~بعداوتها لطبقة الملاك التي ينتسب في النهاية إليها. وحزن ~~كثيرا على أخته وردة كما حزن على أبيه. ولما تخرج توظف في ~~مكتب هندسي وفكر جادا في الزواج لعله ينتشله من الخواء الذي ~~يخنقه. وأعجبته أخت لزوج أخته نهاد فخطبها وتزوج منها، وأقام ~~معها في شقة في عمارة صغيرة مجاورة لبيت ms097 خاله عامر ب «بين ~~الجناين». وكانت لهفته على الإنجاب حارة كآل أبيه، ولكن تبين ~~له أنه عقيم لا ينجب، وشد ما أحزنه ذلك وأوجعه. وقالت له جدته ~~راضية: لا تصدق الأطباء ولا تيأس من رحمة الله. # وتبدت له الحياة في صورة رغائب مستحيلة، دائما حبيبة ~~ومستحيلة. ولما خلا بيت أمه من الأنيس وانفردت صدرية بوحدتها ~~قال لها: تعلمين كم أحبك، أقيمي معنا في بين الجناين. # فقالت باسمة: لا أترك الحسين ولا جدتك. # وحرص أكثر على أداء الفرائض وعلى جني أرباح موهبته المعمارية. ~~وذات يوم قال لحكمت زوجته: لا أحب أن تبقي معي يوما واحدا دون ~~رغبة حقيقية. # فتجهمت دقيقة ثم قالت: إني راضية تماما والحمد لله. # فالشك أخذ يساوره في مستقبل علاقته بزوجته، كما مضى يملك عليه ~~تفكيره بالنسبة لمستقبل وطنه الذي يتزحزح من مأزق إلى مأزق. ولم ~~يعاوده تنفسه الطبيعي إلا في عهد السادات. ووجد في الانفتاح ~~فرصة لأعمال كبيرة تنسيه الوساوس والهواجس. واختار الشقق ~~ميدانا لتجارته مستفيدا من مدخراته وبيع نصيبه من ميراث أبيه. ~~وربح أموالا طائلة، وعمل بنشاط فائق حتى عبر الستين، وعند ذاك ~~تساءل: وبعد؟! # وفكر طويلا ثم قال لحكمت: مللت العمل وآن لنا أن نستمتع ~~بأموالنا. # فتساءلت ببراءة: ماذا ينقصك؟ # فضحك ساخرا وقال: السياحة، علينا بالسياحة، سنرى الدنيا ونذوق ~~أجمل ما فيها. # فارتبكت. إنها لم تعرف من دنياها إلا قرية أبيها وبين الجناين ~~ولا رغبة لها في المزيد. # ولما لمس حيرتها قال: لن تحتاجي معي إلى ترجمان. # وقال لنفسه: إذا كرهت الفكرة مضيت لها وحدي. ولكنها كالعادة ~~طاوعته ومضت تجهز الحقائب. وانطلقت من جوفه شرارة شك فتأمل ما ~~حوله قليلا ثم قال لنفسه: لا يبعد أن تحترق بنا الطائرة، إني خبير ~~بمنطق الحوادث! # ولكن الطيارة لم تحترق والوساوس لم تخمد. # عمرو عزيز يزيد المصري # ولد ونشأ في بيت الغورية، بين رشوانة وسرور، وتشرب قلبه رحيق ~~الحي بحب وشغف، فاختالت في نفسه تقاليد أهل البلد، وانتشر من ~~أردانه عبير الروح والدين. ولعله كان أحب الثلاثة إلى ms098 عزيز ~~ونعمة لشبهه بأبيه بجسمه المليء في اعتدال وبشرته القمحية وعينيه ~~الواسعتين الصافيتين. وكان العقل المدبر الكابح لرشوانة وسرور ~~في لعبهم وتجوالهم بين بوابة المتولي وسبيل بين القصرين، وعرف ~~فيما بعد بالحكيم الذي يرجع إلى رأيه في شتى الأمور. وحظي ~~بنفس المنزلة بين خاليه محمود وأحمد وابن عمه عبد العظيم. وقد ~~أخلص لفرائض الدين منذ صغره، ولعب دور الشرطي في حياة سرور ~~المحفوفة بالنزوات. ودخل الكتاب فحفظ ما تيسر له من القرآن ~~الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم دخل المدرسة الابتدائية ~~في الثانية عشرة من عمره فحصل على الابتدائية بعد بذل أقصى ما يملك ~~للتعلم. وبسعي من داود باشا عين في حسابات نظارة المعارف. وحاز ~~دائما تقدير الرؤساء والزملاء، وأثرى حياته بصداقة الأصدقاء، ~~ونورها بقراءة القرآن وكتب الأولياء، ونوع مجال حركته بأريحية ~~معطرة بحب الدين والدنيا، فكان يشهد الأذكار في الصنادقية، ~~ويسمع الحامولي في الأفراح، ويجالس الأحباب في الكلوب المصري. ~~وكان هادئ الطبع، ينال بالحلم ما لا يناله بالقوة والغضب، وما كان ~~أبوه يزكي له فكرة الزواج حتى رحب بها ترحيب شاب قوي تقي. ~~وتم اختيار راضية له، كبرى بنات الشيخ معاوية صديق أبيه، فزفت ~~إليه في بيت حديث البناء بميدان بيت القاضي، حيث استهل حياة ~~زوجية موفقة مثمرة، وجد في راضية شخصية مناقضة لذاته، بعصبيتها ~~وعنادها، وغيبياتها التي لا ضابط لها، ولولا هدوء طبعه وحلمه ما ~~جرت الأمور في مجراها الآمن مع عدم إهدار شيء من مهابته في بيته. ~~ولكنه لم ينج من تأثيرها فآمن بتراثها وطبها الشعبي، واضطر ~~إلى أن يسمح لها بزيارة أضرحة الأولياء، رغم أنه كان يفضل أن ~~تستكن في بيتها أسوة بزينب امرأة أخيه والهوانم زوجات محمود ~~وأحمد وعبد العظيم. قالت له في اختيال: كلهن هوانم طيبات، ~~ولكنهن جاهلات لا شأن لهن بأمور الغيب. # وفي مقابل ذلك جعلت له من بيته مستقر رحمة ومودة، وأنجبت له ~~صدرية وعامر ومطرية وسميرة وحبيبة وحامد وقاسم. وكان عمرو - بخلاف ~~سرور - فخورا بأهله، بسراي ميدان خيرت وفيلا شارع السرايات ms099 ~~والأراضي والأملاك والرتب؛ ولذلك حظي بيته بعطف الجميع، وطاف به ~~الحنطور تلو الحنطور، يحمل إليه أعيان بني سويف وهوانمهم وآل داود ~~وهوانمهم، يجلسون حول طبليته، ويغمرونه بالهدايا، ويستمعون إلى ~~نوادر راضية وتراثها منوهين ببطولة أبيها بطل الثورة العرابية. ~~وتلك المودة العميقة هي التي فتحت باب المصاهرة إلى آل عطا وآل ~~داود فزادت منزلته رفعة وقوة، وأثارت من سوء التفاهم بينه وبين ~~سرور ما كان خليقا بأن يفسد العلاقة بينهما لولا متانة الأساس ~~وعمق الذكريات. وطالما قال سرور بحسرة: لو ماتت هدى الألوزي قبل ~~عطا المراكيبي لكنا من الوارثين! # فيقول: لا اعتراض على المشيئة الإلهية. # تغلب على تلك الوخزة بسماحة إيمانه، وكان دأبه إذا ناوشته نقمة ~~أن يذكر نفسه بالنعم الكثيرة المتاحة كالصحة والأولاد. أجل ~~تفجر غضبه يوم وأد آل داود ميل لطفي لمطرية وترك راضية تهدر ~~قاذفة لعناتها وقال لنفسه: صدق من قال إن الأقارب عقارب! # ولكنها كانت غمامة ما لبثت أن تلاشت تحت أشعة شمس دائمة واتسع ~~قلبه أيضا للعواطف الوطنية. فاته أن يشارك أباه خيبته لنكسة ~~الثورة العرابية، ولكنه كثيرا ما رأى جنود الاحتلال وهم يطوفون ~~بالحي العتيق كالسائحين. وأفعم وجدانه فيما بعد بكلمات مصطفى ~~كامل ومحمد فريد، ثم بلغ قمة انفعاله في ثورة 1919، وعشق زعيمها، ~~واشترك في إضراب الموظفين، وحافظ على ولائه للزعيم رغم انشقاق أهله ~~العظام محمود وأحمد وعبد العظيم عليه. وتابع خليفة الزعيم - مصطفى ~~النحاس - بكل وجدانه، ووزع الشربات يوم عقد المعاهدة. وأيد ~~الزعيم بقلبه ضد الملك الجديد، وغضب مع الغاضبين لإقالته من ~~الحكم رغم أنه كان يعاني ضعف القلب الذي أودى به بعد ذلك بقليل، ~~وقد تحمل عبء الأولاد وهم في رعايته، وشارك في همومهم بعد أن ~~استقل كل ببيته. وكان يقول: نحن نحلم بالراحة دائما ولكن لا ~~راحة مع الحياة. # ثم يلوذ بإيمانه تاركا الخلق للخالق. وكم ناط بقاسم من آمال، ~~وماذا كان المصير؟! ولما أحيل إلى المعاش غشيته وحشة لم يكن ~~يفيق منها أبدا، ثم دهمه مرض القلب من حيث لم يحتسب ms100 فحدد ~~حركته ومسراته الحميمة وغاص به إلى قعر الكآبة. وذات مساء وهو ~~جالس في الكلوب المصري أغمي عليه، فحمل إلى فراشه في حال ~~احتضار، وأسلم الروح قبيل الفجر على صدر راضية. # | حرف الغين # غسان عبد العظيم داود # ولد ونشأ في فيلا شارع السرايات وهو الثاني في ذرية عبد ~~العظيم باشا داود. ولعله الوحيد من أبناء عبد العظيم باشا الذي ~~لم يقتبس من رواء أمه فريدة هانم حسام شيئا. كان مائلا للقصر، ~~نحيفا، غامق السمرة، متجهم الوجه غالبا، وغالبا يحمل طابع ~~المتقزز كأن ليمونة تعصر في فيه! وكأنما خلق ليشمئز من الدنيا ~~ومن عليها، فهو في الفيلا منفرد بنفسه في حجرته، أو يتمشى في ~~الشوارع الشرقية الصامتة تحت ظل أشجارها الفارعة، أو يتوغل في ~~الصحراء الخالية، لم يعرف له صديق واحد من الجيران، ولا نمت بينه ~~وبين أخويه لطفي وحليم أو حتى فهيمة وعفت وشيجة أخوية، وفي المرات ~~النادرة التي لاعب فيها أخاه حليم سواء في حديقة الفيلا أم في ~~الشارع انتهت بسوء تفاهم وخصام، وختمت مرة بمشاجرة هزم فيها رغم ~~أنه الأكبر. واصطحبه أبوه معه لزيارة أهله خاصة آل عمرو، ودعي ~~مرة مع الأسرة إلى سراي آل عطا بميدان خيرت، فكان يشاهد بعينيه ~~ولا يكاد ينبس بكلمة ولم يفز بصديق واحد. وأطلقوا عليه «عدو ~~البشر»، وتهكموا بوجهه الصامت المشمئز، وعوده النحيل، ونفوره ~~الدائم، وكبريائه المتوحد. أجل كانت عيناه تعكسان شعاع النهم ~~وهما تنظران إلى البنات الجميلات من قريباته، ولكنه لم يصل النظرة ~~بابتسامة ولا بأي إشارة. ويقول له أبوه: يجب أن تخرج من ~~عزلتك. # فيقول بنبرة قاطعة: إني أعرف أين توجد راحتي ولا أهمية لشيء ~~وراء ذلك. ~~- وماذا تفعل في حجرتك المغلقة؟ ~~- أسمع أسطوانات ... أو أقرأ. # ولكنه لم يكشف عن أي موهبة ذوقية أو فكرية. وقد تابع رؤية أبيه ~~السياسية ربما لأنها وافقت تعاليه واحتقاره الطبيعي للعامة، ~~واعتبر المطالب الوطنية والزعامة الشعبية ألوانا من التهريج ~~المبتذل. ولم يغب عن حاسته تدني صورته الكئيبة بين صور ~~أسرته الرائقة، وتحدى عزة نفسه ms101 قدر من الغباء أعجزه عن بلوغ ~~التفوق الجدير في نظره بمركزه الاجتماعي وكبريائه الطبقي. وقد ~~قسا على نفسه وكلفها من الاجتهاد ما لا تطيق، وسهر الليالي في ~~المذاكرة فلم يظفر إلا بالنجاح العادي الذي بالكاد ينقله من مرحلة ~~إلى مرحلة في ذيل الناجحين. سام نفسه العذاب ليتفوق دون جدوى، ~~ورمق المتفوقين بالحقد والاحترام، وأترع قلبه بالأسى لعجزه. كيف ~~يعاشر هذا العجز على حين أن جده باشا وأباه باشا وشقيقه الأكبر ~~باشا؟! وتراءى له المستقبل كخصومة عارية مفعمة بالتحدي ~~والاستفزاز. ولم يجد في الدين أي عزاء؛ لأنه كسائر إخوته لم ~~يعرفوا الدين إلا عنوان هوية بلا مضمون، فعبد العمل عبادة ووهبه ~~نفسه كلها ليقنع في النهاية مرغما بأقل ثمرة تنبتها أرضه ~~القاحلة. ولما التحق بالحقوق وجد هناك قريبه لبيب بن سرور أفندي ~~محاطا بهالة من الإعجاب لتفوقه وحداثة سنه فضاعف ذلك من ~~كآبته وتعاسته، واحتج على الأقدار التي ميزت قريبه الفقير ابن ~~الفقير بالموهبة وحرمته منها هو سليل الباشوات والمهن القضائية ~~والطبية الرفيعة. ولعل من أسباب احتقاره للوطنية كان حماس أهله ~~الفقراء - وآل عمرو وآل سرور - لها، فلم يتحمس لثورة 1919 في ~~إبانها وسرعان ما لاذ بجناح الخارجين عليها مع أبيه وأسرته. وعند ~~التخرج رأى قريبه يتعين في النيابة، ووجد نفسه رغم العرق ~~والسهر في الذيل. وبسعي من أبيه المستشار الكبير عين في قضايا ~~الحكومة بوزارة المعارف فالتحق بالعمل ساخطا متبرما رغم أنه لا ~~يستحقه. واشتهر في حياته العملية بالانطواء والاجتهاد والغباء، ~~ولدى كل حركة ترقيات كان أبوه يسعفه، ومضى في عزلته ما بين ~~الديوان والفيلا، بلا صديق ولا حبيبة، لا يكاد يبرح مكتبته التي ~~كونها عاما بعد عام إلا حين الضرورة القصوى. وربما رؤي وحيدا في ~~حديقة عامة أو في النادي، وربما تسلل في حذر تام إلى بيت ~~راق من بيوت الدعارة السرية. وقالت له فريدة هانم حسام: آن لك أن ~~تفكر في الزواج. # فرمقها بدهشة وامتعاض وتمتم: لم يبق إلا هذا. # أكثر من سبب كره إليه فكرة الزواج؛ في ms102 مقدمتها انغماسه في ~~وحدته المقدسة وعجزه عن الخروج منها، وخوفه أن ترفضه الفتاة ~~اللائقة بمركزه وأسرته للمآخذ الكثيرة التي لا تغيب عن وجدانه. ~~ولم تكف فريدة هانم عن القلق عليه ، خاصة بعد وفاة ~~عبد العظيم باشا وشعورها بدنو الأجل، وبأنها ستتركه في فيلا ~~كبيرة خالية. يضاف إلى ذلك ما صبته عليه ثورة يوليو من أحزان ~~جديدة لم تخطر له على بال من قبل. تساءل في جزع: أيبلغ بنا ~~التدهور أن تحكمنا مجموعة من العساكر الأميين؟! # وراقب ما حاق برتب أسرته وقيمها القانونية والطبية بفزع، ~~وتساءل: هل أبكي اليوم رعاع الوفد؟! # وقالت له فريدة: غدا ألحق بأبيك، يلزمك زوجة وأبناء. # فقال لها بخشونة: العقم هو العزاء المتبقي لنا! # وأصر على عناده الحقود، ولم يتزعزع تصميمه بعد وفاة أمه، ~~وأحيل على المعاش في أوائل السبعينيات فواصل حياته في وحدته ~~كالشبح، وكأنما لم يحظ من دنياه إلا بصحة متينة صامدة قانعا ~~من مسرات الدنيا بالطعام والكتب ثم بالتلفزيون والخادمة ~~الجديدة. # | حرف الفاء # فاروق حسين قابيل # الخامس في ذرية سميرة وحسين قابيل، ولد ونشأ في شارع ابن ~~خلدون، واستقبل الدنيا بجسم رشيق قوي ووجه وسيم مثل إخوته ~~وأخواته، وذكاء وقاد يبشر بكل خير، ولكنه نما في مناخ الانضباط ~~الذي ساد الأسرة بعد وفاة حسين قابيل. ومنذ صغره حلم بأن يكون ~~طبيبا وبعزيمة قوية حقق حلمه عابرا عقبات التنسيق. وقد توزع ~~قلبه الحماس لثورة يوليو بحكم مولده وميلا مع أخيه حكيم، ~~والنفور منها أحيانا عطفا على الإخوان وحبا في أخيه سليم الذي ~~قذف به في السجن. ووجد الخلاص من التناقضات في الاهتمام بمهنته، ~~فحصل على الدكتوراه، وفتح عيادة خاصة إلى جانب عمله في المستشفى، ~~وجمع الحب بينه وبين زميلة هي الدكتورة عقيلة ثابت، فتزوجا ~~وأقاما في شقة حديثة بمصر الجديدة. وشد ما حزن فاروق على مصير ~~شقيقه حكيم، وغربة شقيقه سليم، فقد عرف أبناء سميرة بقوة تماسكهم، ~~كما عرفوا أيضا - كأمهم - بالصمود حيال المصائب. ولكنه تجنب ~~الجهر بآرائه السياسية خارج محيط أسرته اتعاظا بما أصاب ms103 أخويه ~~حكيم وسليم، متفرغا لمهنته. وفي هذا المجال أحرز منزلة فريدة ~~كجراح، كما وليت زوجته مناصب رفيعة كمولدة، وقد أنجبت له ~~بنتين توجهتا بكفاءة نحو الطب أيضا. وكان فاروق من القلة ~~التي آمنت بسياسة السادات فيما عدا الانفتاح غير المنضبط الذي فتح ~~أبوابه باندفاع جر على البلد ويلات اقتصادية لا يستهان بها. ~~ولم يكن ضمن القطاع الذي سر لمصرعه، وقال مرة لخاله عامر: لقد ~~ولي السادات نيابة عن عبد الناصر ثم قتل كذلك نيابة عنه! # ومما يذكر له كطبيب معدود ومقصود أنه لم يتهاون في جانب ~~المبادئ، فلم تجاوز تسعيرة أتعابه حدود المعقول أبدا. # فايد عامر عمرو # الابن الثالث لعامر وعفت، ولد ونشأ كأخويه في بيت بين ~~الجناين، وكان كثير الشبه بجدته فريدة حسام في بياض البشرة ~~وجمال العينين، ورشاقة القد. وقد رضع غير قليل من تراث راضية ~~وعمرو والحي العتيق، ولكنه تشبع بتقاليد جدته فريدة وجده عبد ~~العظيم باشا داود. ومنذ صباه عشق القانون والمجد القضائي، كما عشق ~~الثقافة الحديثة، ثقافة السينما والراديو ثم التلفزيون، ورغم حبه ~~لجديه عمرو وعبد العظيم فلم يكترث لا للوفد ولا للأحزاب الأخرى، ~~ولما تخرج في الكلية كان من المتفوقين، وبفضل تفوقه ومنزلة ~~عبد العظيم باشا تعين من فوره في النيابة. ولعله الوحيد من ~~أبناء عفت وعامر الذي لم يكدر صفوهما بسلوكه أو فكره مثل ~~أخويه شاكر وقدري، ولما أعلن ذات يوم أنه يحب بنتا تدعى ~~ماجدة العرشي طالبة بكلية الحقوق اضطربت عفت لمرارة التجارب ~~الماضية، ولكنها سعدت عندما توكدت من أن البنت كريمة لطبيب ~~وحفيدة لطبيب أيضا، وأن الأسرة على مستوى طيب جدا ومناسب ~~جدا. وقالت عفت لعامر: أول زيجة تبل الريق! # وتزوج فايد ودخل في شقة بمصر الجديدة. ولما قامت الثورة لم ~~ينفر منها رغم إهدارها لرتب جده وخاله، بل ربما مال إليها ولم ~~يخف ذلك عن أمه وأبيه ... قال: جاءت في وقتها تماما. # وترقى فايد في درجاته المعهودة حتى درجة المستشار، ولم يتغير ~~موقفه من الثورة وزعيمها، حتى محنة 5 يونيو ms104 لم تغيره وإن مزقت ~~قلبه تمزيقا. أما السادات فقد أيده في حربه وفتحه صفحة ~~الديموقراطية من جديد، وشك كثيرا في خطوة السلام، ثم لعنه بسبب ~~الانفتاح والنكسة الديموقراطية، ومع أنه لم يوافق على الاغتيال إلا ~~أنه لم يحزن عليه، واعتقد أنه نال ما يستحقه تماما. ولم ينجب ~~فايد سوى بنت وحيدة، وقد تخصصت في الكيمياء، ودعتها عفت باسم ~~أمها فريدة. # فرجة الصياد # عرفتها الغورية في الرابعة عشرة؛ قوية الجسم، مليحة الوجه، تجول ~~في جلباب أزرق، وعلى رأسها مقطف فيه سمك وميزان. اضطرت إلى ~~الخروج من مسكنها في السكرية بعد وفاة أبيها وعجز أمها عن ~~الحركة، ورعتها تقاليد الجيرة والتقى. وذات يوم ناداها رجل قوي ذو ~~لهجة غير قاهرية ليبتاع سمكا فأنزلت المقطف إلى الأرض وقرفصت ~~وراءه وراحت تزن له رطلا. ونظر إليها مليا ثم قال: أنت حلوة يا ~~شابة. # فقالت له بخشونة: تريد السمك أم الميزان يحطم وجهك؟ # فشخر الرجل بعفوية فانتصبت واقفة مستعدية أهل المروءة. ~~وانقض على الرجل الغريب رجال وتحرج الموقف، ولكن برز من الجمع ~~رجل يعرفونه هو عطا المراكيبي وهتف: صلوا على النبي. # وضحك قائلا: إنه إسكندري، جاري في بيتي، لا يعرف عادات البلد، ~~والشخر عندهم كالتنفس عندنا. # وأنقذ جاره ومضى به إلى دكانه. # وعطا نفسه تشاءم من مقدم الرجل؛ لأنه جر وراءه جيش الكفار، جيش ~~نابليون، وقد سأله: ماذا جاء بك؟ # فأجاب: قتل الوباء أهلي فعزمت على هجر الإسكندرية. # وتغير الحال عندما تزوج عطا من سكينة ابنة معلمه فتفاءل ~~بمقدمه وأحبه وقال له: قدم خير يا عم يزيد! # ولم ينس يزيد المصري فرجة الصياد فقال لصاحبه: أريد أن أكمل نصف ~~ديني ببياعة السمك. # وخطبها عطا المراكيبي من أمها ثم زفت إليه في شقته ببيت ~~الغورية. ويقول عطا المراكيبي إنه بمجرد أن أغلق الباب على ~~العروسين سمع المدعوون في الصالة الخارجية شخرة تنفذ من ثقب ~~الباب مثل قرقرة الماء في النارجيلة! # وقد وفق يزيد المصري في زواجه وأنجبت له فرجة ذرية كثيرة لم ~~يبق منها إلا عزيز ms105 وداود. وامتد العمر بالزوجين حتى شهدا مولد ~~الأحفاد. وفي ليلة رأى يزيد رجلا في المنام قال له: إنه نجم ~~الدين الذي يصلي أحيانا في ضريحه ونصحه قائلا: شيد قبرك جنب ~~ضريحي لنتلاقى كما يتلاقى المحبون. # ولم يتردد الرجل فبنى حوشه الذي دفن فيه، وما زال حتى اليوم ~~يستقبل الراحلين من ذريته المنتشرة في أنحاء القاهرة. # فهيمة عبد العظيم داود # كانت تدعى بعاشقة الورد من طول مكثها في حديقة الفيلا بشارع ~~بين السرايات. وكانت أجمل ذرية عبد العظيم باشا داود، وفي الجمال ~~فاقت فريدة هانم حسام. وربما كانت في الذكاء دون عفت ولكنها كانت ~~أطيب قلبا وأصفى روحا. وقد تربت معها في الميردي دييه، ولنفس ~~الهدف أي إعدادها للحياة الزوجية الرفيعة. وجاء زواجها تقليديا ~~رغم ذلك فخطبت - عن طريق جارة - لوكيل نيابة يدعى علي طلعت. ~~وشيد عبد العظيم باشا داود لها بيتا في بين الجناين كما فعل ~~لعفت وزفت فيه إلى العريس. وكانت الزيجة في غاية من التوفيق، ~~وأنجبت له داود وعبد العظيم وفريدة، ولكن سوء البخت الذي تربص ~~بالأسرة بعد ذلك صار مضربا للأمثال. فقدت فهيمة ذريتها بعد أن ~~اكتمل لها الشباب وأضاء الأمل؛ مات داود بالتيفود وهو طالب في ~~السنة الثالثة بكلية الحقوق، ومات عبد العظيم بالكوليرا بعد ~~تخرجه من العلوم بأشهر، وماتت فريدة بروماتيزم القلب وهي في ~~الثانوية العامة. وأذهل الأسى العميق الوالدين لدرجة الزهد في ~~الحياة، فطلب علي طلعت الإحالة إلى المعاش وهو مستشار في استئناف ~~القاهرة وتفرغ للعبادة والقراءات الدينية في عزلة دائمة ما بين ~~بيته والقرافة، أما فهيمة - وهي من أسرة يقبع الدين فيها ~~منزويا على هامش حياتها - فقد بدأت تتساءل عن المصير، وعن اليوم ~~الذي تجتمع فيه بذريتها الهالكة مرة أخرى، وراحت تقتني من السوق ~~جميع ما فيها من كتب الأرواح وتحضيرها والقوى الخفية، وآمنت أخيرا ~~براضية وتراثها الذي كانت تتابعه فيما مضى بابتسامة وسخرية. وقال ~~لها أبوها عبد العظيم باشا: الصبر يا بنتي، وددت لو كنت الفداء ~~لأبنائك. # فقالت له: أنت الخير والبركة ms106 يا بابا، ربنا يطول لنا في ~~عمرك. # وكان كلما شيع جنازة شاب من أبنائها فتقدم المشيعين ~~بشيخوخته الطاعنة شعر بحرج وما يشبه الذنب، وتضايق من النظرات ~~المحدقة به في إجلال صامت . وما لبث علي طلعت أن انتقل إلى رحمة ~~الله مصابا بأنفلونزا حادة فوجدت فهيمة نفسها وحيدة في ملكوت ~~أرواحها، وقد عمرت طويلا بعد وفاة والديها وأقاربها من ذلك ~~الجيل العريق المقدس للتقاليد ووشائج القربى، فباتت نسيا ~~منسيا فيما عدا كلمة تتبادلها في التليفون مع شقيقتها ~~عفت. # | حرف القاف # قاسم عمرو وعزيز # آخر عنقود ذرية عمرو وراضية، ولد ونشأ في بيت ميدان بيت ~~القاضي، وهو الوحيد من الأبناء الذي لم يبارحه. وبدا من مطلعه ~~نحيلا متحركا، ولم يكن به شبه واضح لوالديه، ولكنه إذا ضحك ~~استحضر صورة أبيه الضاحكة، وإذا انفعل ذكر الملاحظ براضية. ~~وكان السطح ملعبه والميدان بأشجاره الفارعة، وعاش بكل وجدانه في ~~أمطار الشتاء ورياح الخماسين. ولم يتح له أن يتخذ من أحد من ~~إخوته أو أخواته رفيقا فما كاد يشب حتى كانوا قد تفرقوا في ~~بيوت الزوجية، ولكنه وجد العوض في أبناء عمه سرور وأبناء ~~الجيران، كما وجد مراحه في بيوت المتزوجين وعند آل عطا وآل ~~داود. وكان أخلص المستمعين لأمه وأصدق التابعين لها في ~~أحلامها وجولاتها الروحية بين الجوامع والأضرحة. وكلما جمح به ~~الخيال وجد عندها الأذن الصاغية والقلب المصدق، ففي إحدى ليالي ~~رمضان أخبرها أنه رأى ليلة القدر كطاقة من نور مشع انداحت لحظات ~~في السماء، وأنه اطلع في ليلة أخرى من وراء خصاص المشربية على ~~زفة من العفاريت. ومنذ صباه وهو يتطلع إلى بنات الأسرة بحب ~~استطلاع موسوم بشهوة مستوفزة قبل أوانها، وحام بصفة خاصة حول ~~دنانير وجميلة وبهيجة، وإلى بنات الجيران وفتياتهم، ولم يعتق ~~سيداتهم من رغباته الغامضة الآثمة، مع تدين مبكر وصلاة وصيام. ~~ودخل الكتاب على رغمه وتلقى فيه المبادئ بقلب نفور وعقل ~~متمرد، ولم يستطع أبدا أن يفرق بين المدرسة وسجن قسم الجمالية ~~الذي رأى الوجوه التعيسة تلوح وراء قضبان نافذته. ms107 ويسأله عمرو في ~~مجلس الليل بعد العشاء: ألا تريد أن تكون كأخويك؟ # فيقول بصراحة: كلا. # فيقطب الرجل ويقول منذرا: لا تضطرني إلى تغيير معاملتي ~~لك. # اهتزت صورة أبيه في عينيه من عجز عن دفع الموت عن ابن أخته ~~أحمد، حين ترك لدموعه غير المجدية. يريد الآن أن ينعم بحضن ~~جميلة رغم ما يعقبه من ألم يقبض على قلبه عندما يقبل على صلاته. ~~دائما تعذب بين الحب والعبادة، وأعين الرقباء أيضا مثل بهيجة ~~وأمه، بين الدجاج والأرانب والقطط فوق السطح؛ ضبطتهما راضية ~~مرة، لدى ظهورها انفك الاشتباك فطارت جميلة كالحمامة والدم ~~ينبثق من وجنتيها من شدة الحياء، وقطبت راضية، ثم أشارت ~~بيدها المعروقة إلى السماء الحانية فوق السطح وقالت: من هناك يرى ~~الله كل شيء. # وتوارت جميلة عندما جاء ابن الحلال، وألحق قاسم جرح الحب بجرح ~~الموت، وراح يراقب رءوس الأرانب المطلة من فوهة البلاص ~~المقلوب. وسرعان ما وجد نفسه حيال أوهامه وجها لوجه، ودروس ~~المدرسة الثقيلة، وابتسامة لا ترى بالعين المجردة آتية من عيني ~~بهيجة الجميلتين. وظن الأخت مثل أختها ولكنه وجد قلبا عذبا ~~وإرادة صلبة. أي فائدة ترجى من ذلك الحوار الصامت؟! حتى ست زينب ~~أمها قالت لها: إنكما متماثلان في السن فهو غير مناسب. # وقالت له راضية: المهم أن تشد حيلك في المدرسة. # وبسط عمرو راحتيه داعيا: اللهم اجبر بخاطري في هذا ~~الولد. # ومن شدة الحصار بكى قاسم، كان بمجلس والديه الليلي فسأله أبوه ~~عما يبكيه فقال: تذكرت أحمد! # فقطب عمرو وهتف: ذاك تاريخ قديم، حتى أمه نسيته! # ومضى ينظر إلى الأشياء بحزن ويبكي. وقالت راضية لعمرو وهما ~~منفردان: عين أصابت الولد. # فقال عمرو بغيظ: يحسدونه على خيبته! # وبخرته، وجعل يتشمم الشذا الغامض ثم سقط مغشيا عليه. ~~ومضى به أبوه إلى الطبيب فقرر أنها حالة صرع خفيف لا خوف منه ~~ولكن يلزمه راحة وتغيير هواء. وتذكروا مأساة بدرية بنت سميرة. ~~ونظر مرة إلى الفراغ بحضور والديه وقال: سأفعل جميع ما ~~تريدون. # وتساءل عمرو: أهو هذيان مرض؟ # فقالت راضية ms108 بيقين: بل هو اتصال بأهل الغيب. # وعلم الأهل بحاله؛ فتقاطروا على بيت القاضي يعودونه، وحدجوه ~~بنظرات مليئة بحب الاستطلاع والتوجس، وجرى التهامس في سراي ~~آل عطا فقالت شكيرة لأمها: ما هو إلا عرق الجنون النابض من قديم في ~~أسرة راضية. # وقالت مثل ذلك ست زينب لسرور في بيتها. أما راضية فوكدت لعمرو ~~علمها بتلك الحال وقالت له بثقة ويقين: لا تخف ولا تحزن وكن مع ~~الله. # ودارت بابنها على الأضرحة، وحرقت البخور في أركان البيت من بابه ~~إلى سطحه. أما قاسم فهجر المدرسة باستهانة، وراح يتجول في الحواري، ~~أو يطوف ببيوت إخوته وأخواته وأقربائه في ميدان خيرت وشارع ~~السرايات وبين الجناين، وفي كل موقع يتناول المشروبات وينثر كلماته ~~الغامضة تنبؤا عن المستقبل كما يتراءى له، وتجيء الحوادث مصدقة ~~لنبوءاته حتى عرف بينهم بالشيخ، ولم يعد أحد منهم يجرؤ على ~~السخرية منه. وقال محمود بك عطا لعمرو المحزون: إنها مشيئة الله، ~~وأنت رجل مؤمن، والولد فيه سر لا يعلمه إلا الله، إنه يقرأ ~~خواطري حتى بت أعمل له ألف حساب. # فتساءل عمرو: ولكن مستقبله ورزقه؟ # فقالت خالته شهيرة وكانت حاضرة: الله لا ينسى مخلوقا من ~~مخلوقاته، فما بالكم بواحد من أوليائه؟ # والواقع أن سمعته انتشرت في صورة أساطير فأخذ يقصده أصحاب ~~الآمال المعذبة محملين بالهدايا ثم النقود، حتى اضطرت الأسرة ~~لإعداد حجرة المعيشة بالدور الأول لاستقبال زواره، وحتى ذهل ~~عمرو عندما وجد رزقه ينمو ويفوق رزق أخويه مجتمعين. وتلاشت ~~مشكلته بحكم العادة، وكأنما خلق لهذه الولاية، وبدل قاسم بملابسه ~~الإفرنجية الجلباب والعباءة والعمامة، وأرسل لحيته، وقسم وقته ~~بين استقبال زواره وبين العبادة فوق السطح، وحتى أمه - الأستاذة ~~العريقة - أصبحت من تلامذته ومريديه. وفتح صدره لأحزان أسرته ~~وانغمس في مآسيهم، وشيع أمواتهم، وصلى عليهم في جوف مقابرهم. ~~وذات يوم - وكان قد بلغ الثلاثين من عمره - خفق قلبه خفقة أعادت ~~إليه ذكريات قديمة مبللة بماء الورد، وناداه صوت ناعم للخروج ~~من بيته فاشتمل بعباءته وخرج، ومن توه توجه نحو بيت عمه ~~المجاور. واستقبلته ms109 بهيجة بذهول وهي تسائل نفسها عما جعله يقتحم ~~وحدتها اليائسة. راحا يتبادلان النظرات كالأيام الخالية، ثم قال: ~~رأيتك في المنام تلوحين لي. # فابتسمت ابتسامة باهتة لا معنى لها فقال: وقال لي هاتف من الغيب ~~آن لكما أن تتزوجا. # وقام من فوره فغادر البيت راجعا إلى بيته وقال لأمه: أريد أن ~~أتزوج فاخطبي لي بهيجة. # وقالت راضية لنفسها إن جميع الأولياء تزوجوا وأنجبوا. وعندما ~~جاء لبيب لزيارتها أبلغته بالخبر. وشاور لبيب ابني عمه عامر ~~وحامد فاتفق الرأي على أن قاسم قادر على القيام بأعباء أسرة ولكن ~~الأمر رهن بموافقة بهيجة. والعجيب أن بهيجة وافقت. قيل: إنه اليأس. ~~وقيل: إنه الحب القديم، ومهما يكن من أمر فقد زفت إليه بعد أن ~~تجدد البيت القديم بالأثاث الجديد. وتم الزفاف فيما يشبه ~~الصمت بسبب الإظلام المخيم في فترة الحرب. واحتفلت به المدافع ~~المضادة للطيارات. ومضت سنوات عقم ثم أنجبت بهيجة ابنها الوحيد ~~النقشبندي الذي شابه في جماله خاله لبيب. وكان كامل الصحة ~~والذكاء فتخرج مهندسا في عام النكسة، وأرسل قبيل السبعينيات في ~~بعثة إلى ألمانيا الغربية، وكانت حال البلد قد أرهقت صحته النفسية ~~فقرر الهجرة، والتحق بعمل هام في مصنع صلب بعد حصوله على ~~الدكتوراه، وتزوج من ألمانيا واستقر هناك بصفة نهائية. وحزنت ~~بهيجة لذلك حزنا شديدا، أما قاسم فلم يكن يحزن لشيء ... وودعه ~~قلبه بغير دموع. # قدري عامر عمرو # ولد ونشأ في بيت بين الجناين وهو الابن الأوسط لعامر وعفت. من ~~صغره كان شعلة في اللعب والجد والخيال. ومن صغره أيضا أولع ~~بالاطلاع والاهتمام بالحياة العامة بخلاف أخويه، ثم وجد نفسه في ~~اليسارية. وعشق الفن والأدب رغم موهبته العلمية، ووضع حجر الأساس ~~في مكتبته الخاصة وهو في أولى سني الدراسة الثانوية. وكاد يكون ~~صورة من أبيه غير أنه كان أفرع طولا وأقوى بنيانا، إلى طبيعة ~~إيجابية ضاربة جرت عليه المتاعب. وكم كانت دهشة عامر كبيرة ~~عندما قبض على ابنه ضمن نفر من اليساريين، وهرع الرجل إلى حميه ~~عبد العظيم باشا فسعى الرجل إلى ms110 الإفراج عنه بحجة حداثته ولكن ~~الباشا ذهل وقال لعامر وعفت: كيف تكون هذا الولد في ~~بيتكما؟ # فقال عامر في حياء: نحن لا نقصر في تربيتهم ولكن الآخرين ~~يتسللون إلى حياتهم فيفسدونها . # ودخل قدري كلية الهندسة وهو مسجل في الصفحة السوداء في جهاز ~~الأمن. ونبه حليم أخته إلى خطورة الوضع على مستقبله، وهذا ما ~~فعله حامد مع شقيقه عامر. وتكرر اعتقاله والإفراج عنه وهو طالب ~~في الهندسة. وانجذب ذات يوم إلى شاذلي ابن عمته مطرية لجامع ~~الثقافة بينهما ولكنه وجده بلا أدريته وصوفيته العقلية نقيضا ~~له فضاق به وهجره. ولما تخرج مهندسا تجنب التوظف في الحكومة، ~~فاشتغل في مكتب هندسي لأحد أساتذته المحالين على المعاش. وكان ~~مهندسا كفئا ولكنه سيئ السمعة من الناحية السياسية؛ وأرادت أمه ~~أن تزوجه ليستقيم أمره من ناحية، وليعوضها عن خسارتها في شاكر، ~~ورحب من ناحيته بالفكرة. وأرادت أن تزوجه من إحدى بنات خاله لطفي ~~باشا ولكنها لم تلق الحماس الذي حلمت به وحدست ما وراء ذلك من ~~سمعته السياسية. وتضاعف همها عندما رفضه جيران لها لشكهم في ~~إسلامه وبالتالي في بطلان الزواج! وغضب قدري على فكرة الزواج كغضبه ~~على البورجوازية بعامة، وآمن بحكمة خاليه غسان وحليم في ~~إضرابهما عن الزواج. ولما قامت ثورة يوليو كان قد كف عن نشاطه ~~العملي في السياسة ولكن ظل مبقيا على اعتقاده وأصدقائه فلم ~~تتبدد من حوله عتمة السمعة. وتقدم في عمله تقدما ملموسا ~~ومبشرا بالمزيد، ولكنه اعتقل للمرة الثالثة، واستنجد أبوه ببعض ~~كبار الضباط من تلاميذه السابقين فأكرموه بالإفراج عنه. ومنذ ~~ارتبطت الثورة بالكتلة الشرقية مال إليها ومضى يرى في خطاها ما لم ~~يكن يراه من قبل. ولعل ذلك مما هون عليه بعض الشيء مصاب الوطن ~~في 5 يونيو باعتباره كان مدخلا حاسما لترسيخ النفوذ السوفييتي في ~~مصر ومقربا إلى الثورة الشاملة حين تنضج أسبابها. ولعل ذلك ما ~~جعله يستقبل نصر 6 أكتوبر بسخط لم يستطع أن يخفيه، وبذله أقصى ما ~~عنده من منطق ومعلومات ليفرغه من مضمونه أو تصويره ms111 في صورة ~~التمثيلية المفتعلة، وقال لنفسه: انتصار البورجوازية يعني انتصار ~~الرجعية! # ومن أجل ذلك ناصب السادات العداء منذ تجلى للعين خطه السياسي ~~وأضمر له الكره حيا وقتيلا، رغم إقبال الثراء عليه بغير حساب ~~في عصر انفتاحه. وقد اعتقل في طوفان سبتمبر 1981، وأفرج عنه مع ~~الجميع ليواصل عمله الناجح وآماله الحبيسة، وكان ذلك قبل وفاة أبيه ~~بأيام. # | حرف اللام # لبيب سرور عزيز # هو بكري ذرية سرور وزينب، طالع الدنيا بوجه مليح مشرق شبيه ~~بوجه أمه وقامة دون المتوسط في الطول رقيقة البنيان كأنما ~~أعدت لتلقي أنوثة عذراء. ومن عجب أنه طبع منذ طفولته على ~~الهدوء والرزانة وكأنما ولد بالغ الرشد. ولم يجاوز لعبة ~~الوقوف أمام باب البيت ليشاهد الأشياء أو يتابع تحركات ابن عمه ~~قاسم - الذي يصغره بسنوات - وهو يتعفرت كأمثاله، أو يتمشى في ~~الميدان وهو يقزقز اللب. وكانت راضية تناديه فتقول بمحبة: يا ~~صاحب العقل الكامل. # وكانت تقول عنه أيضا: أبوه موفور الحظ من الحماقة وأمه عبيطة، ~~فمن أين له هذا العقل؟! # وفي الرابعة من عمره أرسله سرور أفندي إلى الكتاب متشجعا ~~برزانته وإعراضه عن شقاوة الأطفال، ورأى أنه لن يخسر زمنا إذا ~~انقضى عام أو عامان قبل أن يستطيع الاستيعاب والإدراك، ولكنه حصل ~~في العامين معرفة حازت رضا سيدنا الشيخ؛ فقال لعمه عمرو أفندي: ~~ابن أخيك لبيب ولد عجيب وعليكم أن تدخلوه المدرسة ~~الابتدائية. # لم يكن أحد يقترب من المدرسة الابتدائية في ذلك الوقت دون ~~الثامنة أو التاسعة فقدم له أبوه في امتحان القبول بلا اكتراث ~~جدي، وجاء نجاحه مفاجأة، وانتظم في الدراسة وهو ابن ست سنوات. ~~ومضى ينجح عاما بعد عام محدثا في محيط الأسرة دهشة، والأعجب ~~من ذلك أنه واظب على المذاكرة بلا حض أو إغراء، وبلا مساعدة من ~~أحد، حتى حصل على الابتدائية وهو ابن عشر. وأهله سنه وتفوقه ~~لدخول إحدى مدارس الخاصة الملكية بالمجان. وشق طريقه في ~~المدرسة الثانوية كالعهد به، ولما ناهز الحلم صد عن أي إغراء ~~جاءه من أركان الأسرة أو الطريق، مطاوعا ms112 تحذيرات أمه، منصرفا ~~بإرادته عما يعيق اجتهاده واستقامته، حتى حصل على البكالوريا وهو ~~ابن ست عشرة. وكانت المعلمين العليا هي المدرسة المفضلة ~~والمناسبة لظروف الأسرة، ولكن الفتى الطموح أعلن عن رغبته في ~~الالتحاق بمدرسة الحقوق. وتمتم سرور وهو بين الخوف والرجاء: إنها ~~مدرسة الحكام! # وقال عمرو: نشاور عبد العظيم. # وكان الباشا معجبا بسيرة الفتى فسعى لإلحاقه بالمدرسة وبالمجان ~~أيضا. وفصل له أبوه بدلة ذات بنطلون طويل لأول مرة، وذهب إلى ~~المدرسة لتحدق به الأعين بدهشة، وتحوم من حوله التعليقات الساخرة ~~عن «مدرسة الحقوق الأولية» و«روضة الأطفال الملكية» ولم تتغير ~~النظرة نحوه حتى أثبت تفوقه وقدراته، بل لم يتأخر عن الاشتراك في ~~المظاهرات لما اندلعت ثورة 1919 وتوزيع المنشورات، وإن جرى ~~تحركه غالبا في الظل والأمان. ولم يغب عنه شيء من الفوارق ~~الطبقية بينه وبين أقرانه، وخلفت رواسب في النفس ولكنه تجاوزها ~~بهدوء طبعه وحكمته الفطرية، لم يغتم لبدلته الوحيدة، وعدم ~~مشاركته في أي حياة اجتماعية أو ترفيهية أو لركوبه الدرجة الثانية ~~في الترام، وتجنب إزعاج أبيه بأي مطلب يتحدى قدراته، كان ~~دائما صاحب العقل الكامل كما قالت راضية. وجني من صبره واجتهاده ~~الثمرة فحصل على الليسانس وهو ابن ثماني عشرة معدودا بين العشرة ~~الأوائل. ولم تعترض النيابة على قبوله بسبب الأصل إكراما لعبد ~~العظيم داود، ولكنها أبت تعيين معاون نيابة قاصر! فاتفق على ~~إلحاقه بوظيفة كتابية في محكمة حتى يبلغ سن الرشد. والتحق بعد ~~ذلك بالنيابة رافعا رأس آل عزيز، وظافرا لهم بمركز في ~~البيروقراطية العالية، في مواجهة آل داود وآل عطا، ومحدثا في ~~الوقت نفسه انفعالات من الغيرة والحسد والإعجاب في فروع الأسرة ~~جميعا حتى أقرب الناس إليه وهم أبناء عمه. وشمخ سرور أفندي ~~برأسه عاليا كأنما أصبح النائب العمومي، فازداد لسانه حدة، وأثره ~~سوءا في أنفس الآخرين، وبات ثقيلا لا يطاق، وبخلاف المظنون ~~والمنطقي هبت على لبيب رياح الهموم. أجل أثبت دائما كفاءة ~~ونزاهة كوكيل نيابة وقاض فحاز الثقة والاحترام، ولكن ظروف أسرته ~~حتمت عليه تأجيل الزواج حتى ms113 يعاون في تربية إخوته وتزويج ~~أخواته. من ناحية أخرى انطلقت غرائزه المكبوحة لتستعيض عما فاتها ~~في الطفولة والصبا والمراهقة، وإذا به يولع بالخمر والنساء، ~~فيمارس العربدة والفسق مع المحافظة على تقاليد مهنته ما وسعه ~~ذلك. وألف تلك الحياة حتى عشقها لذاتها، ولم يفكر في تغييرها ~~لما فرغ من واجباته العائلية، على تهديدها لسمعته وإنهاكها ~~لصحته. ولما قامت ثورة يوليو، واهتز مركز القانون ورجاله، ~~غزته الكآبة كوفدي قديم من ناحية، وكرجل من رجال القانون من ~~ناحية أخرى. ولم ينقطع أبدا عن زيارة أسرته في جميع فروعها، ~~وراح يتابع أثر الثورة فيها مع الحرص التام في الإفصاح عن ذاته. ~~وربما كان حامد ابن عمه أقربهم لنفسه فهمس له مرة: ما الحيلة؟ ... ~~أمامنا رجل يدعي الزعامة وبيده مسدس! # ولما رقي إلى رياسة محكمة استئناف الإسكندرية وقارب سنه ~~المعاش تفجر تغيير في داخله في صورة طفرة عارمة فاندفع بكل قواه ~~في طريق العبادة والزواج. مارس العبادة لحد الدروشة، وفكر أول ما ~~فكر في الزواج من دنانير بنت عمته. لم ينس أنه حاول يوما في ~~غيه أن يرافقها لولا رفضها الحاسم له، ولكن منظرها الذي آلت ~~إليه أثار نفوره. فاتجه نحو امرأة من بنات الهوى عرفها مطربة ~~من الدرجة الرابعة بملهى ليلي على عهد الشباب. ولم يقطع صلته بها ~~على كثرة من تقلب في حبهن من النساء. وكانت في ذلك الوقت ~~قد كفت عن الحرفة لكبر سنها، ولكنها لم تعطل تماما من ~~الأنوثة. وسرعان ما تزوجا، وأقاما بشقة أنيقة بمصر الجديدة. ~~وأديا معا فريضة الحج، وعاشا معا في سلام زهاء عام. وكانت ~~الخمر قد استهلكت كبده فأصابه نزيف داخلي وهو يرأس المحكمة. ~~وحمل من الإسكندرية إلى بيته في القاهرة حيث أسلم الروح. وغادر ~~الحياة ومصر في عز مجدها الناصري قبيل هزيمة يونيو ~~بأشهر. # لطفي عبد العظيم داود # هو بكري عبد العظيم داود وفريد حسام، كان في الجمال صورة من ~~أمه وشقيقته فهيمة كما حظي بذكاء أبيه وجده داود. وفي صباه ~~ومراهقته توثقت أسباب المودة بينه ms114 وبين آل عمرو وخاصة عامر، كما ~~هام بالحي العتيق وأطوار راضية الغريبة الخارقة للمألوف، وفتنه ~~جمال مطرية كما فتنها جماله، فنشأت قصة حب حيية في تقاليد ذلك ~~الزمان. وتفتحت القلوب وربت لاستقبال أمطار الأنباء السعيدة. ولكن ~~ما كاد لطفي يشير من بعيد إلى رغائبه حتى كأنه فجر قنبلة في ~~فيلا آل داود بشارع السرايات. تناسوا القربى، وحب عامر ~~وعفت، وأخوة عمرو وعبد العظيم، واعتبروا الإشارة زلة ذوق ~~ضل الهدى وتردى في هاوية الانحطاط. وحوصر لطفي حتى خطبت ~~مطرية وتلاشى الخطر. وغضبت راضية وصبت لعناتها على من لا أصل ~~لهم، وتوجع قلب عمرو واحتقن وجهه بالدم، وحرض سرور أخاه قائلا: ~~ما ينبغي لغضبك أن ينطفئ. # غير أن صداقة فريدة حسام تكفلت براضية، وأحسن عمرو - كالعادة - ~~الحوار مع انفعالاته. وغلبت رابطة الأسرة طوارئ نزواتها. ما أكثر ~~ما يقول بنات داود في بنات عمرو وسرور وما أكثر ما يقول بنات عمرو ~~وسرور في بنات داود، وما أفظع ما يتهكم به آل داود على آل عطا، ~~وما أقسى ما يتندر به آل عطا على آل داود، ولكن متانة الأساس ~~كانت تصمد للزوابع والأعاصير التي تهب على البيت الكبير. وفي تلك ~~الأيام الغريبة كان الحب ينسى في مواعيده المعقولة. وسرعان ما ~~انشغل لطفي بدراسة الطب حتى حصل على إجازته. وسافر في بعثة إلى ~~ألمانيا ثم رجع ليستهل حياته العلمية الفريدة في وزارة الصحة، ~~وأثبت نبوغه في الإدارة والعلم، وظفر بمكانة مرموقة بين الأحزاب ~~المتخاصمة رغم انتماء أسرته المعروف، ولكنه كان أدنى إلى ~~الاستقلال منه إلى الحزبية، ولم يتردد في إعلان ولائه للعرش ~~كموظف كبير أمين، وبذلك ظفر بالبكوية ثم الباشوية، وهو ما بين ~~الشباب والكهولة، وقد لعب عمرو دورا تاريخيا في تزويج لطفي؛ ذلك ~~أنه كان صديق صبا لرجل أصبح رئيسا للقومسيون الطبي هو بهجت بك ~~عمر. ورأى كريمته آمال خريجة الميردي دييه، وذات الجمال الفريد، ~~فخطر له، انسياقا مع طبيعته الدمثة، وحرصه على كسب القلوب أن ~~يخطبها للطفي؛ فسعى سعيه الجميل بين آل عبد ms115 العظيم وآل بهجت، ~~وتمت على يديه زيجة من أسعد الزيجات، وأصبح بها صاحب الفضل ~~المعترف به في الأسرتين. ونشأت الأسرة الجديدة في فيلا ~~بالدقي، ولم تتردد تلك الأسرة المصرو-أوروبية عند زيارة منشئها ~~عمرو أفندي في بيته العتيق بميدان بيت القاضي. وفتنت آمال بالحي ~~العريق وبراضية، وأضافت إلى زوار البيت الكبراء أمثال آل عطا ~~وداود وآل بليغ معاوية وردة جديدة فواحة بعبير إفرنجي وسحر من ~~نوع جديد فتن الأهل والجيران بمثل الجذبة الصوفية، وقد أنجبت له ~~فريدة وميرفت وداود، وعاشوا - عقب المراهقة - في الخارج، فريدة ~~وميرفت زوجتين لرجلين في السلك السياسي، وداود طبيبا في سويسرا ~~وتزوج من سويسرية. ولما قامت ثورة يوليو كان لطفي من القلة ~~التي لم يمسها سوء من طبقته حتى أحيل إلى المعاش وهو وكيل وزارة. ~~ولكنه خسر جل مدخراته الموظفة في أسهم وسندات عند التأميم، ~~وقد توفي عقب وفاة أبيه في السبعين بسرطان المعدة، وهي سن ~~تعتبر من الشباب في أسرة عبد العظيم المعمرة. # | حرف الميم # مازن أحمد عطا المراكيبي # أعذب من الورود التي تتلألأ في الحديقة الكبيرة بسراي آل ~~المراكيبي، ازدهرت في شخصه دماثة أبيه أحمد بك وجمال أمه فوزية ~~هانم، وكان من أحب الشخصيات إلى قلوب آل عمرو، بل وسرور وداود. ~~ومنذ صباه أحب ابنة عمه نادرة وأحبته؛ ولذلك كان أشقى الناس ~~جميعا بالخلاف الذي مزق الأسرة، وتعرض لذلك إلى غضب شقيقه ~~عدنان مفجر الثورة. وكان متعثر الخطوات في دراسته، ولكنه اختار ~~الزراعة ليستثمر دراسته في حياته العملية كي لا تتكرر المأساة ~~مرة أخرى في المستقبل. ورغم حداثة سنه النسبية سعى سرا لدى ~~قريبه عمرو أفندي ليبارك محاولاته للتوفيق بين الشقيقين ~~الغاضبين، وحث خفية حبيبته وابنة عمه على حفظ حبهما بمنجاة ~~من العاصفة حتى تهدأ. ولما مرض أبوه الطيب مرض الوفاة، وانقشعت ~~غيوم الأحزان لم يمنعه الحزن على أبيه من الترحيب القلبي بعودة ~~السلام إلى أركان الأسرة. وقرر أن يعلن خطبته عقب انقضاء عام ~~الحداد، وكان يطوي العام الأخير من دراسته. وفي مطلع الربيع سافر ms116 ~~مع بعثة من الطلبة إلى الإسكندرية في رحلة دراسية، وخطر له أن ~~يستحم في الشاطبي مع بعض الصحاب، فخانه الموج فغرق. حقا لقد ~~أحدث موته هزة عنيفة في الأسرة، ولكنه ترك في أعماق نادرة جرحا ~~لم يقدر له أن يندمل أبدا. وورثه عدنان، وصار بذلك أثرى آل ~~عطا، ولكنه كان أيضا الوحيد الذي طبق عليه قانون الإصلاح ~~الزراعي بعد قيام ثورة يوليو. # ماهر محمود عطا المراكيبي # ولد ونشأ في سراي ميدان خيرت، وكإخوته تلقى التربية الجادة ~~والرفيعة معا. وكان طويلا رشيقا وسيما وذا كبرياء طبقية ~~ملموسة. ولم يكن يزور أهله إلا في المناسبات، وتجنب آل داود ~~بصفة خاصة، ولم تكن حياته الدراسية تبشر بخير؛ فاختار الكلية ~~الحربية هدفا لحياته التعليمية. وشغف بالحياة الأرستقراطية في ~~جميع مظاهرها؛ من إيثار العرش على الأحزاب، ومصادقة أبناء طبقته، ~~واستثمار جماله في عشق الغواني. وأزعج أباه بمطالبه المالية، وكان ~~محمود بك يحب أن ينشئ أبناءه على الانضباط من غير حرمان، ~~فأزعجه ذلك الابن الخارج عن الخط المرسوم. وفي الوقت نفسه كان ~~يحبه ويعجب به، فتغافل عن تحيز زوجته له وإسعافه بما يحتاج ~~إليه، وكان الكبر قد ألان عريكته، وكذلك المرض. والتحق ماهر ~~بالكلية الحربية وتخرج في مطلع الحرب العالمية الثانية، وبحكم ~~الصلات الشخصية وبتأثير شقيقه عبده انتظم في سلك الضباط الأحرار، ~~مرتكزا إلى عواطف سطحية وغير مؤمن إيمانا جديا بما يقال عن ~~آلام الشعب وصراع الطبقات. ولما قامت الثورة وجد نفسه من ~~المقربين، ووثب دون عناء إلى منزلة لم يستطع أن يبلغها بخطواته ~~الدراسية المتعثرة. ولم يكن مقتنعا بقانون الإصلاح الزراعي رغم ~~أنه لم يطبق في أسرته إلا على ابن عمه عدنان، ولكن مجال الطموح ~~انفسح أمامه إلى آفاق غير محدودة. واستأجر شقة في الزمالك ~~لغرامياته، وعلا نجمه فعين في الحرس الخاص للزعيم. وظل في ~~مكانه بعد النكسة وحتى وفاة عبد الناصر. وأحيل إلى المعاش بعد ذلك ~~بقليل؛ فتفرغ لشقة الزمالك، وطيلة ذلك العمر لم يكن الزواج يخطر ~~على باله قط. ولما هلت طلائع الانفتاح ms117 أقنعه بعض الأصحاب بالعمل ~~في الاستيراد، فباع أرضه وانهمك في عمله الجديد، وأثرى من ورائه ~~إثراء عظيما. وجمعت السراي عبده وماهر ونادرة على عقم من ناحية ~~الذرية ومال يتدفق، وكأنما يعدونه للآخرين . # محمود عطا المراكيبي # أول ثمرة لزواج عطا المراكيبي من الأرملة الثرية هدى الألوزي، ~~ولد ونشأ وترعرع في أحضان العز والفخامة، ما بين سراي ميدان ~~خيرت وسراي العزبة في بني سويف، ودون أن يعلم شيئا عن حياة أبيه ~~الأولى. ولكنه خالط أقاربه - أخته نعمة وذريتها رشوانة وعمرو ~~وسرور - منذ سنيه الأولى وتشرب قلبه بحب الحي العتيق. ومنذ ~~نشأته وضحت معالم شخصيته الإيجابية القوية وزادت معالمها بروزا ~~بالمقارنة بشخصية أخيه الأصغر أحمد الوديعة الدمثة. غير أنهما في ~~التعليم كانا على مستوى واحد لا يبشر بالاستمرار، فاكتفيا كابني ~~أختهما عمرو وسرور بالابتدائية، ثم ركن أحمد إلى حياة أبناء ~~الذوات، على حين لازم محمود أباه، تلميذا فطنا ومريدا صادقا ~~ومساعدا قويا. وتجلى بنيانه مثالا للقوة والفظاظة بقوامه ~~الربعة ووجهه الغليظ الحسن القسمات ورأسه الكبير القائم على عنق ~~قصير مليء، وشفت هيئته ونظراته المقتحمة ومتانة هيكله عن ~~التحدي والصراع والبطش. ولم يجد أبوه ما يؤاخذه عليه في شبابه ~~الأول سوى نزوات مما يجري في الحقول، فخطب له ولأخيه شقيقتين ~~مهذبتين من آل بكري جيرانه، فبدأ محمود حياته الزوجية الموفقة ~~مع نازلي هانم، ولم تنحرف عينه إلى امرأة أخرى طوال حياته، ونجحت ~~الحياة الزوجية بفضل تعلقه بإلهام، وبفضل تربية المرأة الرفيعة ~~وتقديسها التقليدي للزوج والحياة الزوجية، وأنجبت له مع الزمن حسن ~~وشكيرة وعبده ونادرة وماهر. ومن بادئ الأمر وبدهاء فريد قرر ~~محمود الاستحواذ على قلب أبيه. عرف فيه البخل فمثل بين يديه ~~دور البخيل، وإن كان في ذلك معتدلا لا هو بالبخيل ولا بالكريم. ~~أما في العمل فقد حاز إعجابه بمثابرته ودقته وحسن تقديره مع ~~مغالاة في العنف في معاملة الآخرين ورفض التساهل كأنما هو جريمة ~~أو خيانة. وأبوه نفسه كان يساوره الجبن أحيانا فيقول له: من ~~الحكمة أيضا ألا نخلق لنا عدوا كل ms118 يوم! # فيقول الابن: الجميع يحبون أخي أحمد، لا أهمية للحب، وبالقوة ~~وحدها تصان الحقوق. # حتى قال عطا مرة: لقد أنجبت رجلا واحدا وامرأتين! # لم يبال محمود بكثرة الأعداء وتصاعد أعدادهم، وآثر دائما أن ~~يكون مرهوبا على أن يكون محبوبا؛ سواء لدى الموظفين أم ~~المتعاملين، ولا ضجر يوما من رفع القضايا والتردد على المحاكم ~~بصحبة المحامين. ولما مات الأب عطا خلا محمود إلى أخيه أحمد ~~بحضور أمهما وقال له: أصبح من حقك أن تدير نصف الأملاك. # فارتبك أحمد وبانت الحيرة في عينيه فقال محمود: إنه صراع في ~~غابة من الوحوش، وحظ الطيب فيها الضياع! # فازداد أحمد حيرة وارتباكا؛ فقال الآخر: أتوافق على أن أقوم ~~بالعمل وحدي؟ ~~- بكل ارتياح، أنت أخي الأكبر وحبيبي وما عرفنا في حياتنا إلا ~~الحب. ~~- وأيضا فإني لم أهمل فريضة في حياتي، وأعمل وكأن الله ~~يراني. # فقال أحمد وهو يتنهد في ارتياح: ما في ذلك شك عندي. # هكذا حل محمود محل عطا، وكان يوما أسود في حياة الموظفين ~~والخفراء والمتعاملين، كان يمضي في الحقل أو الدائرة أو السوق ~~مثل وابور الزلط، والأعين ترمقه بالحقد، والدعوات تنهال عليه من ~~الرجال والنساء. وذات ليلة وهو راجع إلى السراي انقض عليه ~~مجهولان بهراواتهم حتى تهاوى فاقد الوعي ثم قذفوه في مصرف ~~وتلاشوا في الظلام. ومرت دورية على أثر ذلك فتهادى إلى مسامعها ~~أنين من المصرف فهرعت إليه وأنقذته وهو على شفا الموت. ونقل إلى ~~المستشفى، وكلما سمع سامع بالخبر ضرب جبينه غيظا ولعن سوء الحظ ~~الذي بادر إلى إنقاذه في اللحظة الحرجة. وغادر المستشفى صحيحا ~~معافى، بإضافات جديدة من الكدمات وآثار الجراحة في الجبين والخد ~~والعنق ضاعفت من جهامة منظره ووحشية طلعته، ولكنها لم تغير من ~~طبعه شيئا وإن زادته تسلحا وحذرا. وقال له ابن أخته عمرو ~~أفندي - وكان أحب الناس إلى قلبه: لا بد من سياسة جديدة ~~يا حبيبي! # فقال محمود: الناس لم يخلقوا إلا لسياسة واحدة، والويل ~~للمتراجع! # وكان يزور بيت القاضي في حنطوره الفخيم محملا بالهدايا، ويطيب ~~له ms119 الحديث مع عمرو وراضية، ثم يستغرقه الحديث عن قضاياه التي لا ~~حصر لها. ومرة قال له عمرو ضاحكا: ستصبح من فقهاء القانون مثل ~~عبد العظيم! # فيضحك - وكان يكثر من الضحك في بيت القاضي - ويقول: الموت أهون ~~من التفريط في الحقوق. # فتقول راضية بحماسها المندفع: ولكن الدنيا لا تساوي هذا ~~التعب! # فيقول مقهقها: ما خلقنا إلا للتعب يا درويشة! # وكان يزور عبد العظيم داود في العباسية الشرقية، ويسعد بإخباره ~~عن نجاحه وأمواله، ويناقشه في القضايا، وكان عبد العظيم يقول ~~لفريدة عقب انصرافه: المرض أحب إلي من لقاء هذا الجلف. # فتقول فريدة هانم: امرأته جوهرة ثمينة! # فيقول ساخرا: ربنا يصبرها على ما بلاها! # ولم تقصر نازلي التي تحبه أكثر من أي شيء في دنياها في ~~نصحه بالاعتدال، ولكن شيئا لم يكن يثنيه عن خطه أبدا. وسألته ~~أيضا: ألا يمكن أن ينفعك عبد العظيم داود في قضاياك؟ # فقال ممتعضا: إنه يتظاهر بالنزاهة ليداري نذالته وانعدام ~~مروءته، وما هو إلا كافر ومقلد للإنجليز يشرب الويسكي مع الغداء ~~والعشاء! # ولما قامت ثورة 1919 تحرك قلبه بعاطفة جديدة لأول مرة، ومسه ~~سحر الزعيم، وتبرع ببضعة آلاف من الجنيهات، ولأول مرة أيضا يلمس ~~في الفلاحين البسطاء قوة مخيفة لم يعهدها من قبل. ولما حصل ~~الخلاف، وتبين أن للعرش موقفه، وللعدليين موقفهم، وللزعيم موقفه، ~~أخذ يعيد حساباته، واجتمع بأخيه في سراي ميدان خيرت، وسأله: ما ~~رأيك فيما يجري اليوم؟ # فقال أحمد ببراءة: لا شك أن سعد على حق. # فقال ببرود: إني أسأل عن مصلحتنا. # فقال أحمد بحيرة: لم أفكر في ذلك، هل تفكر في تأييد عدلي ~~باشا؟ ~~- المركز الثابت هو العرش. # فقال أحمد ببساطة: دائما الحق معك يا أخي. ~~- ماذا يقول أصحابك من السمار؟ ~~- كلهم سعديون. ~~- أعلن انتماءك كي يعرف على أوسع نطاق. ~~- وأولاد أختنا عمرو وسرور مع سعد أيضا. ~~- هؤلاء لا مصالح لهم، لقد انتهت اللعبة، فلا تتصور أن ~~الإنجليز سيغادرون مصر، ولا تتصور أن مصر تستطيع أن تعيش بغير ~~الإنجليز. # وجزاء ولائه للعرش فاز هو وأخوه ms120 برتبة البيكوية، وقال لأخيه: كي ~~يسلم آل داود أن الرتب ليست قاصرة عليهم. # غير أن ثورة من نوع آخر اندلعت في الأسرة، وكان قائدها عدنان ~~ابن أخيه. وانشقت الأسرة نصفين متخاصمين؛ رجالا ونساء ، ~~وشمت بها المتنافسون، كما حزن لها المحبون مثل عمرو ~~ورشوانة. حتى سرور قال: حلت اللعنة بالأسرة الملعونة. # ولم يجتمع لها شمل إلا عند وفاة أحمد. وعقب وفاته بأشهر استفحل ~~مرض السكر بمحمود، وكان عمرو وسرور قد رحلا عن الدنيا، ~~فحلت بقلبه كآبة ضاعفت من تأثير المرض، ووهنت عزيمته، وزهد في ~~العمل، وأقام أكثر وقته في سراي ميدان خيرت حتى وافته أزمة ~~قلبية ذات صباح فأسلم الروح. ولحقت به نازلي هانم بعد عامين، ~~وفي نفس عام وفاتها توفيت فوزية هانم. ولم يبق من ذلك الجيل ~~إلا المعمرون مثل راضية وعبد العظيم باشا وبليغ معاوية، وهم ~~الذين امتد بهم العمر حتى قيام ثورة يوليو. # مطرية عمرو عزيز # ولدت ونشأت في بيت القاضي، وهي الثالثة في ذرية عمرو وراضية، ~~وكانت أشبه الجميع بخالتها المنتحرة صديقة في جمال وجهها ورشاقة ~~قدها وعذوبتها. وكانت أجمل الأخوات، بل لعلها كانت أجمل بنات ~~الأسرة جميعا، ومع أنها ترعرعت في عبير الدين والدروشة إلا أن ~~السر لم ينفذ إلى أعماقها، واعتقدت أن حب الله ورسوله ~~يعفيها من أداء الفرائض. وكان تفوقها في الجمال يحرك الغيرة ~~في قلوب أخواتها، ثم حل الرثاء محل الغيرة مع تقلبات الزمن. ~~وعرفت في صباها ومطلع شبابها بالظرف والمرح وحب الناس، ~~والقدرة على كسب محبتهم فلم ينج من سحرها امرأة أو فتاة من ~~آل سرور وعطا وعبد العظيم. أجل لم يشفع لها ذلك كله عندما أغرى ~~سحرها شابا مثل لطفي عبد العظيم بالتفكير في الزواج منها، ذلك أن ~~السحر نفسه له حدود في الوجدان الطبقي. بذلك تحولت أول تجربة ~~سعيدة في حياتها إلى محنة عاطفية ذبحت قلبها الطري وأدمت ~~كبرياءها. وهون من آلامها وقدة الغضب التي اندلعت من حولها ~~دفاعا عنها وعن الأسرة. وهون منه أيضا أن الحب لم يكن ~~حظي ms121 بالاعتراف بعد، فدارت المعركة حول الكبرياء وحدها، وهمدت ~~في هاوية التقاليد العريقة. وما لبثت أن خطبتها صديقة لأمها، تم ~~تعارفهما في ضريح سيدي يحيى بن عقب، وتفاءلت بالتعارف ومكانه، ~~وحكمت بالطيبة على المرأة التي كانت تقيم غير بعيد في حارة ~~الوطاويط. وكان العريس - محمد إبراهيم - مدرسا بمدرسة أم الغلام، ~~فهو من ناحيتي الشهادة والمهنة مثل عامر، ورأته مطرية من وراء ~~خصاص المشربية فأعجبها وجهه القمحي، وجسمه المليء، والغليون الذي ~~يدخنه كالإنجليز! وزفت إليه في البيت الذي تملكه أمه ~~بحارة الوطاويط، وكان من حسن الطالع أن كسبت مطرية قلب حماتها، ~~ونعمت بحب صادق جمع بينها وبين زوجها حتى آخر يوم من حياته. ~~وأشرقت أعوام متلاحقة بالهناءة والوفاق، وأنجبت فيها مطرية أحمد ~~وشاذلي وأمانة، وكان ثلاثتهم كالأقمار في الوضاءة والوسامة، ~~وحق لكل إنسان أن يعد بيت حارة الوطاويط من البيوت السعيدة ~~بكل معنى الكلمة. وكان محمد إبراهيم ثاني رجل ينضم إلى آل عمرو ~~بعد حمادة القناوي، ولكنه كان مهذبا دمث الأخلاق ومربيا ~~مثقفا ذا مكتبة متنوعة المصادر، وشتان بين حديثه المنضبط ~~وثرثرة حمادة وخيلائه القائمة على غير أساس. ولم يستطع محمد ~~إبراهيم أن يتخذ من حمادة صديقا حقيقيا، وجامله كثيرا ~~إكراما لصدرية التي حظيت بإعجابه ولم تخف عن فطنته مزاياها ~~كست بيت. تلك الأعوام السعيدة ~~خلدت في وجدان مطرية بتفاصيل حياتها اليومية، بدفء عواطف الزوج ~~وحنان أمه وتسامحها وبريق الأبناء المبشر بالنور والانبهار. ~~وتلقت بعد ذلك أول ضربة من ضربات القدر بوفاة أحمد وهو في ~~الخامسة، جربت عذاب الأم الثكلى وحزنها العميق، وانبسط القبر ~~أمام عينيها الدامعتين في هالة من العواطف الجديدة بعد أن سكنه ~~جزء من قلبها النابض ونفحة من خيالها المحروم. وتضاعف حبها لقاسم ~~بعد أن تجلى حزينا لا يتعزى عن فقد الراحل الصغير. وتحولت ~~أمومتها الجريحة إلى شاذلي وأمانة. ولكن قلبها لم يسعد السعادة ~~المأمولة بزواجهما. ورحلت حماتها في الثلاثينيات فورثت أعباء لم ~~تعتد حملها، ثم نكبت بوفاة أبيها قبيل الحرب العالمية، ~~ووفاة عمها سرور بعده بأعوام، فكابد قلبها ms122 آلاما حقيقية لشدة ~~وفائه للعواطف الأسرية. واعتبرت زواج شاذلي خيبة ظالمة وضعتها ~~في كفة حظها العاثر حتى قال لها محمد إبراهيم: ليس الأمر بالسوء ~~الذي ترين. # فقالت متشكية: كان يستحق عروسا أفضل. # فقال الرجل: إنه أدرى بما يسعده. # وتابعت نجاح أمانة في دراستها بارتياح وأمل؛ وإذا بزوجها ~~المحبوب يصاب بتليف في الكبد، فيلزم الفراش وتتدهور حاله، ثم ~~يسلم الروح في العطلة الصيفية بعد نجاح أمانة في البكالوريا. ~~تلقت مطرية أقسى ضربات حظها، ووجدت نفسها أرملة دون الخمسين. ~~واضطرت إلى تزويج أمانة من عبد الرحمن أمين، ومكثت في بيت حارة ~~الوطاويط مع خادمتها، وحيدة حزينة، وضاعف من همومها ما صادفته ~~أمانة في حياتها الزوجية من متاعب. وكانت تتسلى بزيارة الأهل؛ ~~أمها وأخواتها وإخوتها وبنات عمها وآل عطا وآل عبد العظيم داود، ~~وفي مقدمة الجميع شاذلي وأمانة. ومضت تذبل وتجف، وتتغير ~~معالمها، ولكنها أبقت على ميزتها الفريدة وهي تبادل الحب مع الأهل ~~والناس. ولعلها الوحيدة من أسرتها التي لم تنقطع صلتها بشكيرة ~~زوجة أخيها حامد بعد أن فصل الطلاق بين الزوجين. وشد ما أحزنها ~~الموت المبكر لأبناء شاذلي، ولما نجا ابنه محمد من قدرهم ~~دعت الله أن يبقيه لأبيه ولها، وتوسلت إلى أمها راضية أن ~~تحميه بكل ما لديها من وسائل. وكانت ضربة قاضية لها عندما وافتها ~~أنباء استشهاده في الاعتداء الثلاثي. واشتد بها الذبول ~~والجفاف، وتبين أنها مصابة بسرطان. وما زالت تتدهور وتسير من ~~سيئ إلى أسوأ حتى أسلمت الروح وهي في الستين. كانت أول من يموت ~~من الجيل الثاني في آل عمرو، بل في الأسرة كلها. واقتضت الظروف ألا ~~يحزن عليها كما ينبغي أحب الناس لها؛ شاذلي لم يترك له حزنه على ~~ذريته فائضا، وراضية كانت في الثمانين وحزن الثمانين سريع ~~الزوال، وقاسم كان قد استوى لديه الحزن والسرور ... فلم تجد أمانة ~~من يشاركها البكاء واللطم. # معاوية القليوبي # ولد ونشأ في بيت سوق الزلط، وتربى تربية دينية خالصة، ~~واقتبس من أبيه معلومات وسلوكا حتى قبل أن يجاور في الأزهر، ~~وأبدى ms123 نجابة وتفوقا، وغراما خاصا بالنحو الذي راح يدرسه في ~~الأزهر بعد حصوله على العالمية. وقبيل وفاة والده بأشهر زوجه ~~الرجل من جليلة الطرابيشية، وهي كريمة سلمان الطرابيشي الذي كان ~~يعمل في مصنع طرابيشي الباشا. وكان معاوية يزاول نشاطا إضافيا ~~في جوامع حيه، مما أضفى على شخصه مهابة ومحبة. وكانت جليلة ~~تفوقه طولا وكانت ذات أطوار غريبة، وعصبية حادة، وتراث حافل ~~بالغرائب، فصمم الرجل على أن يلقنها مبادئ دينها الصحيحة، ~~ونشب بينهما صراع ودي طويل، فأعطاها وأخذ منها، وكلما أصابته ~~وعكة سلم نفسه إلى طبها الشعبي دون منازع، وذاعت شهرتها في ~~الحي حتى كادت تغطي على شهرته. وقد ربط الحب بينهما، وبفضله ~~استمرت الحياة الزوجية، رغم حدة طبعها وتعصبها لأفكارها، ~~وأنجبت له مع الأيام راضية وشهيرة وصديقة وبليغ. ولما قامت ~~الثورة العرابية تحمس لها الشيخ، ومال إلى تيارها، وأيدها ~~بالقلب واللسان. ولما فشلت الثورة واحتل الإنجليز مصر قبض ~~عليه فيمن قبض عليهم، وقدم للمحاكمة فقضت عليه بالسجن خمسة ~~أعوام. وراحت جليلة تطوف بأضرحة الأولياء داعية على الخديو ~~والإنجليز، ودبرت شئون أسرتها بشيء من المال ورثته عن أبيها. ~~وغادر الشيخ معاوية السجن ليجد نفسه في دنيا غريبة، فلا أحد يذكر ~~الثورة أو أحدا من رجالها، أو تذكر بعض الأسماء مصحوبة ~~باللعنات، ولم يجد عينا تنظر إليه بعطف سوى عين يزيد المصري ~~صديقه القديم وناظر سبيل بين القصرين. شعر الرجل بغربة وأسى ~~وانطوى على نفسه حتى وجد وظيفة معلم بمدرسة أهلية. وقال له صديقه ~~عزيز ذات يوم: ابني عمرو موظف في نظارة المعارف في العشرين من ~~عمره وأود له أن يكمل نصف دينه. فأدرك الشيخ ما يرمي إليه ~~وقال: على بركة الله. # فقال عزيز: ستتم على يديك بإذن الله ومن بيتك. # فقال الشيخ: راضية بنتي وعمرو ابني! # وذهبت نعمة عطا وابنتها رشوانة لخطبة راضية، ورجعتا مبهورتين ~~بجمال صديقة وراضيتين عن جمال راضية ووجهها الشامخ، غير أن نعمة ~~تساءلت: أهي أطول من عمرو؟ # فقالت رشوانة باطمئنان: كلا يا أمي، هو الأطول. # ولكن الأجل عاجل ms124 الشيخ قبل أن يشهد زفاف كريمته، وصادف وصول ~~نيشان العروس يوم الوفاة، الأمر الذي أدى بجليلة من خلال ~~اجتهادها الشخصي مع تراثها إلى أن تطلق زغرودة من نافذة ثم ~~تواصل صواتها على الراحل العزيز، وتصير بذلك نادرة الحي على مجرى ~~العمر. ودفن الشيخ في حوشه القريب من حوش عزيز في رحاب سيدي نجم ~~الدين. # | حرف النون # نادر عارف المنياوي # ولد ونشأ في الدرب الأحمر، الابن الوحيد لحبيبة عمرو والشيخ ~~عارف المنياوي لم يترك أبوه في وعيه أية ذكرى فترعرع في بحيرة ~~ثرية بحنان أمه وجدته لأبيه، ورحلت الجدة وهو ابن ستة فوجد في ~~قلوب عمرو وراضية وبقية الأسرة ما أنساه يتمه ووحدته. وربما كان ~~من حسن حظه أن يعشق التفوق ويهيم في الطموح من صغره ولكنه لم ~~يقدر التضحية الجنونية التي ضحتها أمه من أجله برفضها فرصة ~~حسنة للزواج، وبقائها أرملة طيلة العمر عقب حياة زوجية لم تستمر ~~سوى عامين. وشب نادر ذا رونق وفحولة، ولم تخل فترة من حياته من ~~مغامرة عاطفية في نطاق ميزانيته المحدودة. وحصل على بكالوريوس ~~التجارة في أثناء الحرب العظمى وألحق بوظيفة في وزارة المالية. ~~ودأب على كره فقره والتطلع الدائم إلى أفق سامق، ومن أجل ذلك ~~التحق بمعهد لتعليم اللغة الإنجليزية، وأتقن الكتابة على الآلة ~~الكاتبة، ثم قدم لامتحان أعلنت عنه شركة إنجليزية للمعادن فنجح، ~~واستقال من الحكومة ليشغل وظيفة في قسم الحسابات بالشركة. وأرعبت ~~مغامرته أخواله وأقاربه وأمه، ولكنه قال بثقة لا عهد للأسرة ~~بها: لا مستقبل للحكومة. # وتحسنت أحواله، ولكن طموحه لم يشبع. ولما قامت ثورة يوليو لم ~~يأنس إلى أسلوبها كشاب طموح يحلم بالثراء، وتحققت مخاوفه عقب ~~الاعتداء الثلاثي ومصادرة الشركات البريطانية، عندما وجد نفسه مرة ~~أخرى موظفا في الحكومة على غير إرادته. وعند ذاك درس حال أسرته ~~وفروعها على ضوء الوضع الثوري الجديد، فرأى في آل عطا المراكيبي ~~وآل سميرة خالته بعض الممثلين للثورة مثل عبده عطا وماهر عطا ~~وابن خالته حكيم. وقرر فيما بينه وبين نفسه أن يتزوج من ms125 نادرة ~~شقيقة عبده وماهر أو من هنومة شقيقة حكيم. وشاور أمه في الأمر ~~فقالت: هنومة أقرب لنا، وهي الأجمل. # وبإيعاز منه خطبتها له؛ وهي مذيعة في الراديو وذات مبادئ وخلق ~~كأخيها سليم، وكانت قد رفضت يد ابن خالتها عقل، ولكنها وافقت على ~~الزواج من نادر، وتم الزفاف في شقة بشارع حسن صبري بالزمالك، ~~وألح نادر على أمه أن تعيش معه ولكنها أبت أن تغادر الدرب ~~الأحمر أو تبتعد عن بركات الحي العتيق، حيث تقيم أيضا أمها ~~المحبوبة وكثرة من أخواتها وبنات عمها. ونعمت الأسرة الجديدة ~~بالسعادة وأنجبت له هنومة ثلاث بنات؛ سميرة وراضية وصفاء. وتوثقت ~~العلاقة بين نادر وحكيم، وبفضل حكيم رقي نادر رئيسا للحسابات، ~~وكبر مرتبه فوق ما يحلم أي من أقاربه الموظفين، ولكنه كان ذا ~~طموح لا يعرف الحدود. ولما حصلت التأميمات تعين رئيسا لمجلس ~~إدارة الشركة دون شبع من ناحيته حتى سألته هنومة: ماذا ~~تريد؟ # فقال بغموض: إني أحتقر المرتبات الثابتة. # فقالت هنومة بوضوح: وأنا لا أكره الثراء شريطة أن يقترن ~~بالنقاء! # فتوجس خيفة من نظرة عينيها، وقال بعجلة: طبعا. # وشعر بأن شريكة حياته ليست شريكة في طموحه. وكان يؤمن في أعماقه ~~بأن الفارق الوحيد بين أهل السجون وأهل الخارج هو الحظ لا الخلق ~~أو المبادئ، وأن العالم مجموعة من الأوغاد لا ينجو منها إلا القوي ~~الشاطر. واعتبر زوجته امتدادا للرأي العام الأحمق الذي عليه أن ~~يداريه طالما أصر على تحقيق طموحه. ومضى يوثق علاقاته ببعض الضباط ~~وآخرين من رجال القطاع الخاص، حتى كانت هزيمة 5 يونيو، وانكشف أمره ~~فيما انكشف المستور من أمورهم، واكتفي بإحالته إلى المعاش بفضل ~~حكيم أيضا، ولكن هنومة ثارت عليه ثورة لم يفلح في مهادنتها ~~إلا بالطلاق. وقالت سميرة لهنومة بهدوئها المعهود: أنت مسئولة عن ~~نفسك فقط. # فقالت الفتاة بشدة: لا أستطيع أن أغمض عيني وأهدم بنيان ~~حياتي كله. # واحتفظت هنومة بالشقة والبنات، وراح هو يتنقل بين الفنادق ~~والدرب الأحمر، وفسر لأمه الساذجة الطلاق على أنه خلاف مما ~~يفسد الحياة الزوجية. ولما ms126 تغير الحال وهلت طلائع الانفتاح ~~تنفس من جديد، واستمد من الجو الطارئ حياة لم يحلم بها من ~~قبل. واشتغل بكل همة في الاستيراد، ~~وحقق لنفسه أخيرا الحلم الذي ~~راوده من الصغر، وانفسح المجال أمامه ما بين الخارج والداخل. وفي ~~إحدى رحلاته تعرف بأرملة أسترالية فتزوج منها، وأقام معها في ~~فيلا في المعادي. وكثيرا ما يقول ضاحكا: إنها قسمة عادلة، ~~فالثراء للأقوياء والأخلاق للضعفاء. # نادرة محمود عطا المراكيبي # هي الرابعة في ذرية محمود بك عطا، ولدت ونشأت في سراي ميدان ~~خيرت، في الجو المعبق بالعز والرفاهية، وكانت على قدر من ~~الوسامة وإن تكن دون إخوتها الذكور، وعلى مثال أختها الكبرى ~~شكيرة في الخلق والمبادئ والتدين مع شيء كثير من المرونة ~~والدماثة. وكانت حادة الذكاء محبة للتعليم فلم يعارض أبوها في ~~استمرارها فيه بعد أن غزاه الزمن بمفاهيمه الجديدة. وقد توجت ~~سعادة صباها بالحب الذي ربط بينها وبين مازن ابن عمها. استوى ~~فارسا لأحلامها منذ مراهقتها وحتى آخر يوم في حياته، بل لعله ~~ظل كذلك طيلة عمرها، أحبته كما لم تحب شيئا في الوجود، وناطت ~~به أحلامها وسعادتها وأمانيها. وشد ما جزعت للخصام الذي مزق ~~أسرتها، وشد ما خافته على سعادتها وآمالها، وقالت لأمها: بابا ~~جاوز غضبه الحد. # ولم تنقطع الصلة بينها وبينه طوال أعوام الخصومة ... وفي أثناء ~~ذلك حصلت على البكالوريا والتحقت بكلية الطب، ثم كانت الكارثة التي ~~هلك فيها مازن وتلاشى من وجودها، كادت تجن من الحزن، بل ~~والغضب، وقضت عاما في السراي أسيرة للكآبة، ثم واصلت دراستها وقد ~~تحجر قلبها وصمم على الزهد في الدنيا. خرجت من حياتها في تلك ~~الأيام بتجربتين مرتين؛ وفاة حبيبها، وخيبة أمل شقيقتها في ~~حياتها الزوجية. ونزعت بكل قواها لتكريس حياتها للعمل والوحدة ~~والقراءة الدينية. وعرضت لها فرص زواج طيبة، ولكنها كانت قد ~~تطبعت بسوء الظن بالنوايا، وكرهت فكرة الحياة الزوجية، وتخصصت ~~في طب الولادة، وحصلت على الدكتوراه، وأحرزت نجاحا مرموقا تزايد ~~يوما بعد يوم. ولم تحفل بنصائح إخوتها لها بإعادة النظر في ~~الزواج، ms127 وثابرت على عملها ووحدتها وتدينها حتى فاتها القطار دون ~~أسف مسجلة في عالم الأحزان ظاهرة فريدة لا تتكرر. وجمعت ~~السراي بين شكيرة وعبده ونادرة وماهر في الكبر كما جمعت بينهم في ~~مطلع الحياة، أمثلة حية للنجاح والفشل معا. # نعمة عطا المراكيبي # ابنة عطا المراكيبي وسكينة جلعاد المغاوري، ولدت ونشأت ببيت ~~الغورية، وورثت عن أمها عينيها النجلاوين وشعرها الأسود ~~الغزير بالإضافة إلى صحة جيدة لم تحظ بها الأم. ولما عزم يزيد ~~المصري على تزويج ابنه عزيز وجد فيها الشروط المزكية؛ فهي ابنة ~~جاره وصديقه عطا المراكيبي، وهي مصونة وجميلة، وزفت نعمة إلى ~~عزيز منتقلة من دور إلى دور في نفس البيت بالغورية. وكانت مثالا ~~طيبا للزوجة العاقلة المدبرة المطيعة، وأنجبت لعزيز رشوانة ~~وعمرو وسرور، وتلقت من زواج أبيها بالأرملة الغنية صدمة، ثم ~~تابعت ارتفاع أبيها إلى طبقة جديدة بذهول، وزارت السراي الجديدة ~~بميدان خيرت، وسراي العزبة ببني سويف فانبهرت بما رأت أي انبهار ~~ولم تصدق عينيها. وتوقعت أن تنهال عليها دفقات من الخير، ~~ولكن خاب رجاؤها، وفيما عدا هدايا المناسبات فقد قبض الرجل يده ~~عنها كأنها ليست بكريته، وليست الأخت الكبرى لمحمود وأحمد. وقال ~~لها عزيز: إنه شحيح وممن يحبسون النعمة. # ولكنها رغم حنقها دافعت عن أبيها قائلة: بل يخاف أن تتهمه ~~المرأة بتبديد ثروتها! # ورغم تقواها حلمت بأن تسبق الأرملة أباها إلى الآخرة فيرثها، ~~وبالتالي ترث هي حظا من الثروة يدعم رشوانة وعمرو وسرور في ~~حياتهم، ولكن الرجل رحل قبل زوجته بقليل، مخيبا رجاءها بموته ~~كما خيبه بحياته. والحق أن مخالطة أخويها - محمود وأحمد - لها ~~ولأولادها وبرهما بهم أنساها أحزانها فبادلتهما حبا بحب حتى ~~آخر عهدها بالحياة. وامتد بها العمر حتى قرت عينا بأحفادها، ~~ورحلت عن الدنيا بعد عزيز بعامين. # نهاد حمادة القناوي # بكرية صدرية وحمادة القناوي، ولدت ونشأت في خان جعفر، ومرحت ~~في طفولتها في بيت القاضي، وحظيت بمنزلة طيبة لدى عمرو وراضية ~~بوصفها طليعة الأحفاد. وكانت على جمال مقبول، وتعليم قليل سرعان ~~ما تلاشى. ولما قاربت الخامسة عشرة ms128 خطبها عمدة متوسط العمر من ~~أقارب أبيها، فرحب به حمادة أيما ترحيب، وأدركت صدرية بأسى عميق ~~أن ابنتها تنفصل عنها إلى الأبد، وأنها لن تراها إلا في ~~المناسبات، وأنها ستنتمي من الآن فصاعدا إلى الصعيد. وتأقلمت نهاد ~~مع البيئة الجديدة؛ فتطبعت ~~بسجايا جديدة، واكتسبت لهجة جديدة، وأنجبت للعمدة عشرا، نصفهم ~~ذكور ونصفهم إناث، وكلما زارت القاهرة كوافدة غريبة تطلعت إليها ~~الأبصار بغرابة، وهي تشهد حرم العمدة بجسمها المترامي، وحليها ~~الذهبية التي تغطي الساعدين والعنق، ولكنتها الغريبة ~~المثيرة للضحك. # | حرف الهاء # هنومة حسين قابيل # صغرى بنات سميرة وحسين قابيل، ولدت ونشأت في بيت ابن خلدون، ~~على طراز أمها في الجمال؛ طويلة القامة، رشيقة القد، حادة ~~الذكاء، شديدة في التمسك بالأخلاق والمبادئ، وشديدة الشبه في ~~ذلك بأخيها الأصغر سليم، وتفوقت في الدراسة والتحقت بالآداب قسم ~~اللغة الفرنسية. وقد تحمست لثورة يوليو باعتبارها ثورة إصلاح ~~وأخلاق، ولكنها انقلبت عليها مذ حكم علي سليم بالسجن، ولم ~~تتردد في اتهام حكيم بالخطأ في موالاته لها. وقد تخرجت في ~~الكلية، والتحقت بالإذاعة لتفوقها من ناحية وبفضل توصيات حكيم ~~من ناحية أخرى، وأراد عقل ابن خالتها صدرية أن يتزوج منها ~~ولكنها رفضته لطولها وقصره، وقالت لأمها: سيكون منظرنا مضحكا ~~إذا سرنا معا في الطريق. # ووافقت على الزواج من نادر، لمركزه، ووسامته، وحسن ظنها ~~بأخلاقه، وعاشت معه عمرا في شقة أنيقة بشارع حسن صبري بالزمالك ~~وأنجبت له سميرة وراضية وصفاء، ولما تكشف لها انحرافه ثارت ~~ثورة عنيفة لم يتوقعها الرجل من شريكة حياة. وقالت له بصراحتها ~~الحادة: إني أرفض الاستمرار في معاشرة رجل تبين لي ~~انحرافه. # وكانت سميرة تكره فكرة الطلاق وحاولت أن تقنعها بأنها ليست ~~مسئولة عنه، وأنها يجب أن تزن عواقب تصميمها على بناتها، ولكن ~~قالت لأمها: لقد سقط في نظري، ولا حيلة لي في ذلك. # وانتهى الخلاف بالطلاق، واحتفظت ببناتها معها في شقة الزمالك، ~~وراحت تربيهن على مثالها، ولم تأسف قط على القرار الصارم الذي ~~اتخذته. ومضت الأيام وآن للبنات أن تتزوج، وكان الزواج قد ms129 أصبح ~~مشكلة غير قابلة للحل؛ لارتفاع تكاليفه وصعوبة الفوز بشقة، ولكن ~~نادر ذلل كافة الصعوبات، فابتاع شقة لكل بنت وجهزهن على ~~المستوى اللائق به. وقالت هنومة تعزي نفسها: إنه أبوهن والمسئول ~~عنهن. # ولكنها لم تستطع أن تغفل عن الحقيقة المرة، وهي أنه لولا ماله ~~الحرام ما تيسر لبنت منهن أن تستقر في بيت الزوجية. وتساءلت ~~في أسى عميق: هل أصبحت الحياة الشريفة مستحيلة حقا؟! # | حرف الواو # وحيدة حامد عمرو # بكرية حامد وشكيرة، ولدت ونشأت في سراي ميدان خيرت، ولعبت ~~طفولتها في حديقتها المترامية الغناء، ووضح من الصغر ذكاؤها، ~~إلى جمال مقبول، وروح مرحة غالتها رياح النكد. من قديم تشرب ~~قلبها بالكآبة في مناخ الحياة الزوجية المسموم، وتمثلت أحزان ~~أمها الدائمة حتى ترسب النفور من أبيها في أعماقها. ولم تجد في ~~أخيها صالح أي عزاء لعنف خلقه وملاحقته الناس بأخطائهم كأنه ~~الحسيب عليهم، ثم جاء الانشقاق بين جدها محمود وأخيه أحمد ليقضي ~~على البقية الباقية لها من أمل في حياة يمكن أن تعد بشيء من ~~التفاؤل أو السعادة. وترامت إليها عداوة أهل أبيها لأمها، ~~وكلماتهم المدببة، بالإضافة إلى المآسي الكثيرة التي هصرت الفروع ~~حتى سلمت بلا وعي منها بأن الحياة ما هي إلا سلسلة من الأحزان ~~والانحرافات والانفعالات القاسية. ووجدت سلواها الوحيدة في الدراسة ~~فتفوقت، والتحقت مثل خالتها نادرة بكلية الطب، وما إن وجدت فرصة ~~للعمل في السعودية حتى ولت هاربة. وبعد أعوام الغربة كانت مفاجأة ~~لأمها أن تتلقى منها رسالة تنبئها فيها بأنها ستتزوج من ~~زميل باكستاني يعمل معها في نفس المستشفى. # وردة حمادة القناوي # هي الثالثة في ذرية صدرية وحمادة، ولدت ونشأت في خان جعفر، ~~ولكنها عشقت البيت القديم بميدان بيت القاضي وتعلقت بجدتها ~~راضية فبادلتها الجدة حبا بحب، وكانت تقول لصدرية عنها: وردة ~~أجمل البنات، ولكن ميزتها الأولى في العقل. # وقد خطبت لابن عم أبيها الشاب وهي دون سن الزواج، ولكنها ~~أصيبت بالملاريا، ولم تستطع المقاومة ففاضت روحها تاركة في قلب ~~أمها جرحا لا يندمل. # | حرف الياء # يزيد ms130 المصري # وصل إلى القاهرة قبل وصول الحملة الفرنسية بأيام، وكان في ~~الإسكندرية من أسرة عطارين، ولما انتشر الوباء أهلك أفرادها ~~فلم يبق على رجل أو امرأة سواه. وكره البلد فقرر هجرها ~~ويمم شطر القاهرة . وكان معه شيء من المال، وميزة نادرة في ذلك ~~الزمان وهي أنه كان يعرف القراءة والكتابة، لقنها في المعهد ~~الديني قبل أن ينقطع عنه ليعاون أباه في دكان العطارة، وتحير ~~في القاهرة فترة حتى وجد مأواه في بيت بالغورية، كما وجد عملا ~~كخازن في وكالة الوراق. كان شابا قوي الجسم غامق السمرة واضح ~~الملامح، يرتدي الجلباب والشملة والعمامة. ولتقواه ووحدته تاقت ~~نفسه للزواج. ورأى فرجة السماك وهي تبيع السمك في الطريق فأعجبته، ~~وبمعاونة جاره عطا المراكيبي تزوج منها. وقد أنجبت له ذرية ~~وفيرة بقي منها على قيد الحياة عزيز وداود، وامتد به العمر حتى ~~شهد مولد أحفاده رشوانة وعمرو وسرور. وزاره سيدي نجم الدين في ~~المنام وأمره أن يبني قبره في جوار ضريحه، فصدع بما أمر، وشيد ~~الحوش الذي دفن فيه، وما زال يستقبل الراحلين من ذريته ~~المنتشرة في أنحاء القاهرة. ms131