######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.HadratMuhtaram.Hindawi48639403 #META# Tags: novels #META# ID: 48639403 #META# Title: حضرة المحترم #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حضرة المحترم‏ # حضرة المحترم‏ # | حضرة المحترم # | حضرة المحترم # تأليف # نجيب محفوظ # | حضرة المحترم # 1 # انفتح الباب فتراءت الحجرة مترامية لانهائية. تراءت دنيا من المعاني ~~والمثيرات لا مكانا محدودا منطويا في شتى التفاصيل. آمن بأنها تلتهم ~~القادمين وتذيبهم؛ لذلك اشتعل وجدانه وغرق في انبهار سحري. فقد أول ~~ما فقد تركيزه. نسي ما تاقت النفس لرؤيته، الأرض والجدران والسقف. حتى ~~الإله القابع وراء المكتب الفخم. وتلقى صدمة كهربائية موحية ~~خلاقة غرست في صميم قلبه حبا جنونيا ببهجة الحياة في ذروتها ~~الجليلة المتسلطة. عند ذاك دعاه نداء القوة للسجود، وحرضه على ~~الفداء، ولكنه سلك مع الآخرين سلوك التقوى والابتهال والطاعة والأمان. ~~كالوليد عليه أن يذرف الدمع الغزير قبل أن يملي إرادته. وتلبية ~~لإغراء لا يقاوم خطف نظرة من الإله القابع وراء المكتب، ثم خفض البصر ~~متحليا بكل ما يملك من خشوع. # وكان حمزة السويفي مدير الإدارة يتقدم الموكب الصغير، فقال مخاطبا ~~المدير العام: هؤلاء هم الموظفون الجدد يا صاحب السعادة .. # مر ضوء عينيه على الوجوه، وعلى وجهه ضمنا، فجال بخاطره أنه دخل ~~تاريخ الحكومة، وأنه يحظى بالمثول في الحضرة. وخيل إليه أنه يسمع ~~همهمة من نوع عجيب، لعله يسمعها وحده، ولعله صوت القدر نفسه. ولما ~~استوفت الفراسة امتحانها الوئيد تكلم صاحب السعادة. تكلم بصوت بطيء ~~وهادئ ومنخفض فلم يكشف عن شيء يذكر من جوهره. قال متسائلا: جميعهم ~~من حملة البكالوريا؟ # فأجاب حمزة السويفي: بينهم اثنان من حملة التجارة المتوسطة. # فقال صاحب السعادة بنبرة مشجعة: العالم يتقدم، كل شيء يتغير، ها هي ~~البكالوريا تحل محل الابتدائية. # اطمأنت القلوب ودارت فرحتها بمزيد من الخشوع، فقال الرجل: حققوا ~~المأمول منكم بالاجتهاد والاستقامة. # وراح يراجع بيانا بالأسماء حتى سأل عن غير توقع: من منكم عثمان ~~بيومي؟ # دق قلبه دقة قوية جدا. وقع نطق الرجل لاسمه من نفسه موقعا ~~مؤثرا عنيفا. تقدم خطوة مطرقا وهمس: أنا يا صاحب ~~السعادة! ~~- ترتيبك ممتاز في البكالوريا فلم لم تكمل تعليمك؟ # صمت. اضطرب. لم يدر في الواقع ماذا يقول بالرغم من حضور ms01 الجواب في ~~وعيه طيلة الوقت. وعنه أجاب مدير الإدارة كالمعتذر: لعلها ظروف يا صاحب ~~السعادة! # سمع الهمهمة مرة أخرى، سمع صوت القدر. ولأول مرة شعر بأن ثمة زرقة ~~تخضب الجو، وأن رائحة طيبة غريبة تجول في المكان. ولم يحزنه أن ~~يشار إلى «ظروفه» المعوقة بعد أن تقدس شخصه بعطف صاحب السعادة ~~وتقديره. وقال لنفسه إنه يستطيع أن يحارب جيشا بمفرده فينتصر عليه. ~~والحق أنه ارتفع وارتفع حتى غاص رأسه في السحاب، وثمل لدرجة العربدة ~~الوحشية. أما صاحب السعادة فنقر على حافة المكتب وقال مؤذنا بالختام: ~~شكرا، ومع السلامة .. # وهو يغادر المكان قرأ في سره آية الكرسي. # 2 # إني أشتعل يا ربي. # النار ترعى روحه من جذورها حتى هامتها المحلقة في الأحلام. وقد ~~تراءت له الدنيا من خلال نظرة ملهمة واحدة، كموجة من نور باهر، ~~فاحتواها بقلبه وشد عليها بجنون. كان دائما يحلم ويرغب ويريد ولكنه ~~في هذه المرة اشتعل، وعلى ضوء النار المقدسة لمح معنى الحياة. أما على ~~الأرض فقد تقرر إلحاقه بالمحفوظات. لم يهمه كيف يبدأ؛ فالحياة بدأت ~~من خلية واحدة بل من دون ذلك. وهبط إلى مقره الجديد وجناحاه ~~يرفرفان، يشق طريقه إلى بدروم الوزارة. طالعته قتامة، ورائحة أوراق ~~قديمة، ورأى سطح الأرض في الخارج عند مستوى رأسه من خلال نافذة ~~مصفحة. وامتد البهو أمامه، تتلاصق على جانبيه دواليب شنن، وصف ~~طويل منها يشقه شقا طوليا. على حين استقرت مكاتب الموظفين في ~~ثغرات بين الدواليب. ومضى وراء موظف إلى مكتب يستعرض تجويفا كالمحراب ~~في الصدر جلس إليه رئيس المحفوظات. لم يكن أفاق من نفثة السحر المقدسة، ~~حتى الغوص في البدروم لم يوقظه. سار وراء الموظف بتشتته وذهوله ~~وانفعالاته وهو يقول لنفسه: اللانهاية هي ما ينشد الإنسان. # وقدمه الموظف إلى الرئيس: عثمان أفندي بيومي الموظف الجديد. # ثم قدم الرئيس إليه قائلا: رئيسنا سعفان أفندي بسيوني .. # رأى في الوجه قرابة طبيعية كأنما كان في الأصل من مواليد حارته. ~~وأحب عظام وجهه البارزة وجلده الغامق المشدود وشعر رأسه الأبيض ~~المشعث، وأحب ms02 أكثر نظرة عينيه الأليفة الطيبة النزاعة لعكس معنى ~~الرياسة بلا جدوى. ابتسم الرجل كاشفا عن أقبح ما فيه، أسنان سود ~~مثرمة، وقال: أهلا بموظفنا الجديد، اجلس .. # وراح يقلب في صور أوراق تعيينه ثم قال: أهلا .. أهلا .. الحياة ~~يمكن تلخيصها في كلمتين؛ استقبال ثم توديع .. # وقال عثمان في نفسه ولكنها رغم ذلك لانهائية. وهفت عليه ريح خفية ~~مجهولة مليئة بجميع الاحتمالات، فقال إنها لانهائية ولكنها في حاجة ~~إلى إرادة لانهائية كذلك. وأشار الرئيس إلى مكتب خال متآكل الجلدة ~~منجرد اللون ملطخ ببقع حبر باهت وقال: مكتبك، تفحص الكرسي ~~بعناية؛ فإن أحقر مسمار قد يهتك بدلة جديدة .. # فقال عثمان: بدلتي قديمة جدا والحمد لله .. # فواصل الرجل تحذيره: واقرأ الصمدية عندما تفتح دولابا من دواليب ~~شنن؛ فقبيل العيد الماضي طلع علينا من أحد الدواليب ثعبان لا يقل طوله ~~عن متر .. # وضحك حتى سعل ثم استدرك: ولكنه لم يكن من نوع سام .. # فتساءل عثمان بقلق: وكيف نفرق بين السام وغير السام؟ ~~- عندك فراش المحفوظات؛ فهو أصلا من أبو رواش وهي بلدة الثعابين ~~.. # وتناسى ذلك واعتده مزاحا. وراح يلوم نفسه: كيف فاته أن يرى بكل ~~عناية حجرة صاحب السعادة المدير العام! كيف فاته أن يملأ عينيه من ~~وجهه وشخصه! كيف لم يحاول أن يقف على سر السحر الذي يخضع به الجميع ~~فيجعلهم طوع إشارة منه! هذه هي القوة المعبودة، وهي الجمال أيضا. هي ~~سر من أسرار الكون. على الأرض تطرح أسرار إلهية لا حصر لها لمن له ~~عين وبصيرة. إن الزمن قصير بين الاستقبال والتوديع، ولكنه لا نهائي ~~أيضا. الويل للذي ينسى هذه الحقيقة. ثمة أناس لا يتحركون مثل سعفان ~~أفندي بسيوني. الرجل الطيب التعس. إنه يترنم بحكمة لم يتعلم منها ~~شيئا. كذلك كان أبوه عم بيومي. وليس كذلك من مست النار المقدسة ~~قلوبهم. هناك طريق سعيدة تبدأ من الدرجة الثامنة وتنتهي متألقة عند ~~صاحب السعادة المدير العام. هذا هو المثل الأعلى المتاح لأبناء الشعب، ~~ولا مطمح لهم وراء ذلك. تلك هي سدرة المنتهى حيث ms03 تتجلى الرحمة ~~الإلهية والكبرياء البشري. ثامنة .. سابعة .. سادسة .. خامسة .. رابعة ~~.. ثالثة .. ثانية .. أولى .. مدير عام. معجزتها تتحقق في اثنين ~~وثلاثين عاما، وربما تحققت في أكثر من ذلك. أما الساقطون في وسط ~~الطريق فلا حصر لهم. إن النظام الفلكي لا يطبق على البشر وبخاصة ~~الموظفون منهم .. والزمن يستكن بين يديه كطفل وديع ولكن لا يمكن ~~التنبؤ بغده. إنه يشتعل، هذا كل ما هنالك. ويخيل إليه أن النار ~~المتقدة في صدره هي التي تضيء النجوم في أفلاكها. نحن أسرار لا يطلع ~~على خباياها إلا خالقها. # وقال له سعفان أفندي بسيوني: ستدرب أولا على الوارد؛ فهو أسهل ~~.. # ثم وهو يضحك: على كاتب المحفوظات أن يخلع جاكتته وهو يعمل، أو أن ~~تحيك لكوعه كمامة من القماش تقيه شر الغبار والإكلبسات. # كل ذلك يسير، أما العسير حقا فهو كيف نتعامل مع الزمن .. # 3 # في مسكنه - حجرة وحيدة ومرافق - يرى نفسه، يتجسد له معنى حياته. ~~إنه يعيش متفتح الحواس مرهف الوعي ليتزود بكل سلاح. ومن نافذته ~~الصغيرة يرى وطنه - حارة الحسيني - كأنها امتداد لروحه وجسده. حارة ~~طويلة ذات منحنى حاد، مشهورة بموقف للكارو ومسقى للحمير. البيت ~~الذي ولد ونشأ فيه تهدم. وقامت في موضعه باحة صغيرة لعربات اليد. ~~قليل من مواليد الحارة من يبرحها بصفة نهائية إلا للقبر. يعملون في ~~مواقع كثيرة، في المبيضة .. الدراسة .. السكة الجديدة .. أو فيما ~~وراء ذلك، ولكنهم يرجعون إليها آخر النهار. ومن خواصها الحميمة أنها ~~لا تعرف الهمس أو النجوى، أصواتها مرتفعة جدا، متوترة بين الحكمة ~~والبدائية، ومن بينها صوت قريب قوي خشن لم يخلخله الكبر، صوت أم ~~حسني صاحبة البيت. إن أحلام الأبدية جد مرهقة، ولكن ماذا كان ~~بالأمس، وماذا يكون اليوم؟ خليق بمثله ألا يعرف المستحيل. وخليق به ~~ألا يترك نفسه للتيار بلا خطة. وخطة محكمة. كثيرا ما يحلم أنه ~~يبول ولكنه يستيقظ في اللحظة المناسبة، فما معنى ذلك؟ أم حسني كانت ~~صديقة لأمه وزميلة ومرشدة، صديقة عمر طويل. كانت كلتاهما زوجة ~~لسواق كارو، وعاملة كادحة، تكد بصبر النمل ms04 ودأبه سعيا وراء ~~القرش، تسند به زوجها وترمم عشها. دلالة .. ماشطة .. خاطبة، ~~وغير ذلك. ماتت أمه وهي تعمل، أما أم حسني فما زالت تعمل بهمة ~~عالية. وكانت أم حسني أحسن حظا وأوفر رزقا فتجمع لديها من المال ~~ما بنت به بيتها المكون من ثلاثة أدوار؛ مخزن أخشاب أرضي، وشقتين، ~~تقيم هي في إحداهما وعثمان في الأخرى. وابنها حسني لم يخلف وراءه ~~إلا اسمه أما شخصه فقد حملته أيام الحروب والمحن إلى بلاد نائية ~~فاستقر فيها. # ألا يحق له أن يحلم؟ إنه يحلم بفضل الشعلة المقدسة التي تتقد في ~~صدره، وبفضل حجرته الصغيرة يحلم أيضا. وألف أحلامه كما يألف الفراش ~~والكنبة والسحارة والحصيرة، وكما ألف الأصوات الحادة والمنغومة ~~التي تند عن حنجرته فتردد أصداءها الجدران الراسخة القاتمة. # ماذا كان بالأمس؟ أراد أبوه أن يجعل منه سواق كارو مثله ولكن شيخ ~~الكتاب قال له: يا عم بيومي توكل على الله وأدخل الولد المدرسة ~~الابتدائية .. # فذهل الرجل وتساءل: ألم يحفظ من القرآن ما يقيم به الصلاة؟ # فقال الشيخ: الولد ذكي وعاقل وربما رأيته يوما من رجال الحكومة ~~.. # وقهقه عم بيومي غير مصدق فقال الشيخ: عليك بمدارس الأوقاف فربما ~~قبل بالمجان. # وتردد عم بيومي زمنا ثم تمت المعجزة. ونجح عثمان في المدرسة ~~نجاحا مذهلا حتى حصل على الابتدائية. تميز عن أقرانه الحفاة من ~~أبناء الحارة ورأى بعينيه الحادتين أول شرارة مقدسة تنطلق من فؤاده ~~النابض وأيقن أن الله يبارك خطاه ويفتح له أبواب اللانهاية. والتحق ~~بالمدرسة الثانوية بالمجان كذلك فحقق من النجاح ما لم يصدقه أحد ~~في حارة الحسيني. ومرض عم بيومي مرض الوفاة وابنه في السنة الثانية، ~~فندم الرجل على ما «فعله» بابنه وقال له: ها أنا أتركك تلميذا لا حول ~~له، فمن يسوق الكارو، ومن يحفظ البيت؟ # وفاضت روح الرجل وهو حزين، وضاعفت الأم نشاطها مؤملة أن يجعل ~~الله من ابنها كبيرا من الأكابر، أليس الله بقادر على كل شيء؟! ~~ولولا وفاة الأم بغير توقع؛ لأكمل عثمان تعليمه في المدارس ~~العليا. وقد ms05 اشتدت لذلك حسرته ، وضاعف من حدتها اكتمال وعيه بطموحه ~~وبأحلامه المقدسة. ومقدسة عنده أيضا ذكرى والديه. وكل موسم يزور ~~قبرهما - وهو من قبور الصدقة - الضائع بين القبور في العراء. وهو اليوم ~~وحيد، مقطوع من شجرة. قتل أخوه الأكبر - كان شرطيا - في مظاهرة، ~~وماتت أخته بالتيفود في مستشفى الحميات. وأخ آخر مات في السجن. إنه ~~يتذكر أسرته فيشقى بالتذكر ويرثي لوالديه، ويقرن تلك الأحداث ~~بدراما عليا يتطلع إليها باحترام ووجل؛ فالمصائر تتقرر في الحارة ~~بفضل الإرادات المتصارعة والقوى المجهولة ثم تتقدس في الأبدية؛ لذلك ~~فهو يؤمن بنفسه بلا حدود ولكنه يعتمد في النهاية على الله ذي الجلال؛ ~~ولذلك أيضا فلا تفوته فريضة وبخاصة صلاة الجمعة في جامع الحسين. ~~وكإيمان أهل حارته لم يكن يفرق بين الدين والدنيا، فالدين للدنيا ~~والدنيا للدين، وجوهرة متألقة مثل درجة المدير العام ما هي إلا ~~مقام مقدس في الطريق الإلهي اللانهائي. ولما كان يعيش بين زملائه ~~بوعي يقظ لماح فقد التقط ما يهمه من المعاني والكلمات، ثم عكف على ~~دراسة خطة دقيقة للمستقبل، ترجمها في ورقة عمل ليذاكرها كل صباح قبل ~~انطلاقه إلى العمل: # شعار للعمل والحياة ~~(1) # القيام بالواجب بدقة وأمانة. ~~(2) # دراسة اللائحة المالية التي يشار إليها كأنها كتاب ~~مقدس. ~~(3) # الدرس للحصول على شهادة عليا ضمن الطلبة الذين يعملون من ~~منازلهم. ~~(4) # دراسة خاصة للغتين الإنجليزية والفرنسية بالإضافة إلى ~~العربية. ~~(5) # التزود بالثقافة العامة وبخاصة الثقافة المفيدة ~~للموظف. ~~(6) # الإعلان بكل وسيلة مهذبة عن تديني وخلقي واجتهادي في ~~عملي. ~~(7) # العمل على كسب ثقة الرؤساء ومحبتهم. ~~(8) # الاستفادة من الفرص المفيدة مع الاحتفاظ بالكرامة؛ مثل ~~مساعدة أدبية تقدم لذي شأن، صداقة مفيدة، زواج موفق ~~من شأنه تمهيد الطريق للتقدم. # ولم يكن من النادر أن ينظر في مرآة صغيرة معلقة بمسمار بين ~~النافذة والمشجب ليتفحص منظره، وليطمئن على نفسه. من هذه الناحية لن ~~يكون منظره عائقا في سبيله على أي حال؛ فهو قوي الجسم كأبناء حارته، ~~ووجهه أسمر طويل ذو جبهة عالية مشرقة وشعر حليق، وبصفة عامة سيجد في ~~جسمه الصلاحية لملء ms06 أي مركز مهما جل شأنه. # وقال لنفسه مستمدا من طواياها القوة والتشجيع: بداية لا بأس بها، ~~وطريق بلا نهاية .. # 4 # ساعة اللقاء عند أعتاب الخلاء مقدسة أيضا، وهو يهرع إليها بقلب ~~مشغوف، وبمرح من يتخفف من حمل الأيام بثقلها العتيد. هناك عند مشارف ~~الصحراء يقوم السبيل الأثري المهجور، على أدنى سلمه يجلسان جنبا ~~إلى جنب في أحضان الأصيل اللامتناهية، تترامى الصحراء أمامهما حتى سفح ~~الجبل، ويغني الصمت بلغته المجهولة. سمرتها الغامقة تشبه لون المساء ~~المتحفز، سمرة موروثة عن أم مصرية وأب نوبي توفي وهي في ~~السادسة. زمالتهما القديمة في الحارة تمتد أصولها في الماضي البعيد حتى ~~تتلاشى في منبع الحياة نفسه. عندما ينظر في عينيها النجلاوين الواسعتين ~~أو يرى جسمها الصغير المدمج الفائر بالحيوية فإنه يتلقى المثال ~~المثير لفطرته الذي يبعث في غرائزه اليقظة والابتهال. إنها قرينة ~~طفولته في الحارة وفوق السطح، وزميلته في الكتاب، وبالرغم من أنها لم ~~تجاوز السادسة عشرة فهي معدودة ست بيت ماهرة، وهي يد أمها ~~الوحيدة بعد أن تزوجت أخواتها السبع. # ابتسمت سيدة. وجهها بسام دائما، وعينها مشعة، وأطرافها تتناوبها ~~حركة رشيقة دائمة ومتوترة، وخصلات شعرها المموج الخشن ترقص في ~~تيار النسيم الجاف الهابط من الجبل. ومرقت من الصمت المعذب قائلة: ~~فرحت أمي بدخولك الحكومة .. # سألها في دعابة: وأنت؟ # فتمادت في ابتسامتها ولم تجب. أحاطها بذراعه ولثم بشفتيه الحادتين ~~شفتيها المليئتين. لم يجر للحب ذكر بينهما ولكنهما يعربان عنه في كل ~~خلوة بالأحضان والقبل. وهي تشبع من نفسه جانبها المنهوم بالحياة في ~~بساطتها ومسراتها، ويحبها بعقله أيضا لأنه يقدر مزاياها وإخلاصها، ~~ويشعر بتلقائية بأنها كفيلة بإسعاده. ~~- أصبحت موظفا .. # وشى صوتها بالإعجاب فقبلها مرة ثانية. ~~- ولم يحظ أحد في حارتنا بذلك .. # جميع أقرانه يعملون في شتى الحرف. يرمقونه - إذا مر - بالإعجاب ~~وأحيانا بالحسد. ما أجدره بأن يسر لولا شعوره الحاد القاسي بطول ~~الطريق وعناده! ~~- أنت الأفندي الوحيد! # فقال بهدوء: لا قيمة لذلك خارج حارتنا. ~~- الخارج لا يهم، أما حارتنا فهي حارة الكارو! # فقبلها للمرة الثالثة وقال: ms07 لا تتكلمي عن الكارو إلا بالاحترام ~~.. ~~- صدقت، أنت شهم .. # وقد قبض على أبيها في المعركة التي قبض فيها على أخيه فدخل السجن ~~ومات فيه بسببها، ولكن تلك الأحداث تعد من الأمجاد التي يطيب بها ذكر ~~الحارة. ولكن سيدة تدور حول نقطة واحدة لغرض واضح، ولا جدوى من تجاهله؛ ~~فها هي تسأل: وماذا بعد ذلك؟ # إنه يدرك لهفتها على كلمة يطيب بها الفؤاد ويسعد. ويعلم أيضا أن ~~سعادته لن تقل عن سعادتها بحال إن لم تزد. إنه يحب هذه الفتاة كما ~~تحبه ولا غنى له عنها. ولكنه يخاف. عليه أن يفكر ألف مرة. وليراجع ورقة ~~العمل المريرة. ليتمل طويلا الحياة التي تقف أمامه مرحبة ومتحدية ~~معا. ~~- ماذا تعنين يا سيدة؟ .. # فأجابت معاندة في خفة: لا شيء! ~~- لا يجوز أن ننسى أننا صغيران .. ~~- أنا؟! # قالتها باحتجاج عذب أشارت به إشارة مليحة إلى أنوثتها ~~الصارخة. # فقال مداعبا: إنما قصدت نفسي .. ~~- أطلق شاربك فهذا ما ينقصك. # أخذ مزاحها مأخذ الجد وفكر بأن ذلك قد ينفعه حقا في نضاله؛ فمن ~~ذا الذي يتصور موظفا كبيرا بلا شارب؟! # قال بهدوء: سأكمل تعليمي يا سيدة. ~~- هل ما زال ينقصك تعليم؟ ~~- الشهادة العليا. ~~- لماذا؟ ~~- مساعد لا بأس به للترقي. ~~- وهل يلزمك وقت طويل؟ ~~- أربعة أعوام على الأقل. # قرأ بتألم خفي الفتور في عينيها وربما الخجل وشيئا من ~~الغضب! ~~- وما ضرورة الترقي؟ # ضحك. لثم شعرها. لم يجرؤ على تجاوز ذلك. ذكرته رائحة شعرها بملاعب ~~الطفولة والصبا، وبلكمة أصابت ظهره عندما ضبطا وهما يلعبان لعبة ~~العريس والعروس. لاحت ظلمات الليل فوق الجبل وترامى غناء من ~~فونوغراف. ~~- الظاهر أن الترقي مهم أكثر مما تصورت .. فتناول يدها بين يديه ~~وغمغم: أحبك، إلى الأبد .. # نطق صدقا. وبقدر صدقه اغتم وتألم وسخط على نفسه، وقال إن تجربة ~~الحياة عظيمة جليلة ولكنها مرهقة. # 5 # وقف على قبر والديه الضائع بين قبور لا حصر لها وقرأ الفاتحة، ثم ~~قال: يرحمكما الله رحمة واسعة .. # ثم ناجاهما بامتنان قائلا: عثمان موظف محترم يخطو خطواته الأولى في ~~طريق عسير ms08 ولكنه مصمم على السير حتى النهاية. # ثم انحنى قليلا وقال بابتهال: كل ما نلت من خير فبفضل الله ~~وفضلكما .. # وتلا غلام ضرير بعضا من السور الصغيرة فنقده نصف قرش، ورغم تفاهة ~~المبلغ لم يخل من الضيق الذي يركبه عند الدفع. ولما ذهب الغلام عاد ~~إلى مخاطبة والديه قائلا: عهد الله أن أنقلكما إلى قبر جديد إذا حقق ~~الله آمالي .. # ولم يكن لديه فكرة عما يبقى من الجثث في مجرى الزمن ولكنه تخيل أن ~~يبقى شيء على أي حال. وتذكر وهو يعجب لذلك سيدة فوضحت صورتها الباسمة ~~أمام عينيه، وخيل إليه أنها تتحفز لإطلاق ملاحظة حادة وصريحة وساخرة. ~~انقبض قلبه وتوجع وهمس: اللهم اهدني سواء السبيل فكل ما أفعل من ~~وحيك. # وعاش من جديد الأيام الأخيرة لأبيه. هذا أمر لا مفر منه. كان ~~المرض والكبر قد أقعداه فكانت نزهته أن يفترش فروة أمام البيت، لا يكاد ~~يرى أو يسمع، يتأمل عجزه، يتأوه هاتفا: اللهم لطفك ورحمتك .. # كان في زمانه من رجال الحارة الأشداء، عاش حياة طويلة معتمدا على ~~عضلات ذراعيه وساقيه، يعمل بلا انقطاع ويعاني على المدى شظف العيش ~~والفقر. قوة مهدرة تتغذى على لا شيء ويقهقه في الملمات بلا معنى ~~ولا سبب. ووجد ذات مساء ميتا حيث يجلس على الفروة فلم يدر أحد كيف ~~حضره الموت ولا كيف تلقاه هو. أما أمه فكانت ميتتها أدعى للدهشة. ~~كانت تغسل فانطوت على نفسها حتى تقوست وراحت تصرخ من شدة الألم. ~~وجاءت الإسعاف فحملتها إلى قصر العيني وتقرر إجراء جراحة في الأعور ~~قتلت في أثنائها. # أسرته ضحية فريدة للموت. شيء قال له في باطنه إنه ربما بسبب ذلك ~~سيعمر هو طويلا. واجتاحته موجة من الأسى. كل موت معقول بالقياس إلى ~~موت أخيه الشرطي. رجل كالجمل يقتل بطوب الثوار. أي ميتة. لا ~~يعرفهم ولا يعرفونه. إنه يقف من تلك الأحداث موقف المتفرج المتعجب. لا ~~يفقه لها معنى على الإطلاق. أجل عرف الكثير من مطالعة التاريخ. عرف ~~التاريخ من أقدم العصور حتى قبيل الحرب العظمى. ms09 عرف الثورات. ولكنه لم ~~يعشها ولم يستجب لها. وقد رأى وسمع ولكنه انعزل وتعجب. لم يحظ ~~بعاطفة عامة واحدة تشده إلى الميدان. ما أعجب اقتتال رجال ~~الدولة الكبار وأتباعهم. لقد عاش حياته مطاردا بالفقر والجوع فلم يدع ~~له ذلك وقتا لمد آفاق تفكيره إلى الخارج. انحصر في الحارة بهمومها ~~المجهولة من الجميع، الوحشية، القاسية، المتلاحقة. واليوم يعرف لنفسه ~~هدفا دنيويا وإلهيا في آن لا علاقة له في تصوره بالأحداث العجيبة ~~التي تجري باسم السياسة. قال إن حياة الإنسان الحقيقية هي حياته الخاصة ~~التي ينبض بها قلبه في كل لحظة، التي تستأديه الجهد والإخلاص والإبداع. ~~إنها مقدسة ودينية. بها تتحقق ذاته في خدمة الجهاز المقدس المسمى ~~بالحكومة أو الدولة. بها يتحقق جلال الإنسان على الأرض فتتحقق به ~~كلمة الله العليا. إنهم يهتفون بغير ذلك أو بما يناقض ذلك ولكنهم ~~مجانين مزيفون؛ ولذلك فإنه لم يغفر لنفسه أنه لم يملأ عينيه من حجرة ~~المدير العام، ولا من شخصه المتفرد الذي يحرك الإدارة كلها من وراء ~~برافان، في نظام دقيق وتتابع كامل يذكر الغافل بالنظام الفلكي، ~~وبحكمة السماوات. # تنهد بعمق. # قرأ الفاتحة مرة أخرى. قال مودعا: ادع لي ربك يا أبي. # ودار حول القبر الذي سقط شاهداه وتشقق ركنه ثم قال: ادعي لي ربك يا ~~أمي. # 6 # ما أعجب الفصول في تعاقبها! إنه يعايشها من خلال عمله المتواصل. ~~الشتاء في الحارة فصل شديد القسوة ولكنه يحفز للعمل، الربيع بخماسينه ~~لعنة، الصيف جحيم، الخريف بسمة غامضة متأملة. إنه يواصل العمل بإرادة ~~صلبة وشهوة نارية. ها هي كتب القانون تصطف تحت الفراش وفوق منصة ~~النافذة. لا ينام من الليل إلا أقله. يعانق الأفكار ويصارع الغموض، ~~وحتى النجاح لا يريد أن يقنع به وحده. ويوم الجمعة يخصص عادة ~~للثقافة العامة الجديرة بالمديرين ومن في خدمتهم. واهتم بالشعر ~~خاصة، حفظ الكثير، بل حاول نظمه ولكنه فشل. قال إن الشعر كان وما ~~زال خير وسيلة للتقرب من الكبراء، والتألق في الحفلات الرسمية. ~~إنه لخسران فادح أن يفشل في ms10 نظمه. ولكنه على أي حال خير طريق لإتقان ~~النثر، والخطابة لا تقل عن الشعر في النجاح المنشود. والأسلوب الجزل ~~مطلوب، قلبه يحدثه بذلك. واللغات الأجنبية مثله وأكثر. جميع تلك ~~المعارف مفيدة، ولها وقتها الذي ترتفع فيه قيمتها في بورصة المضاربات ~~الديوانية، فليس بالتعليمات المالية وحدها يحيا الموظف. أجل عليه أن ~~يتزود من كل شيء نافع بطرف، فمن يعلم؟ وكان يقول إن حياته تيار غير ~~منقطع ماض في مجرى النور والعرفان، يتكاثف بكل طريف، ويتشعب في ~~مجالات الفكر، تدفعه حرارة الإيمان والكبرياء البشري الشريف، ليصب في ~~النهاية في الأعتاب الإلهية. # أما راحة النفس فيحظى بها على سلم السبيل الأثري. في عناق الحب ~~المشبوب. بين يدي الفتاة الجملية المحبة. في حضنها العذري المشتعل. ~~بلا تورط في فعل أو قول. لكنه يتعلق به تعلقه بالحياة نفسها. ~~آه لو كانت الحياة تقنع بالحب والسعادة اليسيرة. ومن شدة قلق سيدة ~~تجاوزت تحفظها الفطري. تمادت في الإفصاح عن عواطفها الصادقة. كشفت ~~عن لهفتها المحمومة. قالت له مرة بورع: لا حياة لي بدونك. # ولكن بدا قولها فاترا بالقياس إلى ما تمنحه شفتاها المليئتان. وقالت ~~له مرة أيضا: أنت كل شيء، ما مضى وما وهو آت .. # وعيناها العسليتان تبعثان ألقا ناطقا بالوفاء والجزع والأشواق ~~الصادقة. وفي غمار العناق الذائب في الأنفاس المحترقة قالت متنهدة: ~~ينقصنا شيء .. # فقال ببلادة وأنانية: حبنا الكامل لا ينقصه شيء! # فرفعت منكبيها محتجة ولكن بحذر من يرغب عن إحراجه ويستعين عليه ~~بالصبر والإصرار، ووجد أنه يعاني كبتا مرعبا سيرمي به مرة تحت رحمة ~~المجهول. ذلك أذعن لإغراء زميل دعاه إلى زيارة لدرب البغاء الرسمي. ~~وكابن من أبناء حارة الحسيني لم تعوزه الجرأة الكافية، انطلق في الدرب ~~الذي يضيئه مصباحان غازيان متباعدان يغلفهما الغبار الراسخ فيغرق ~~جنباته في شبه ظلام مثير للشهوات. وقلب عينيه القلقتين حتى استقر ~~على صيد. ويعقب ذلك عادة إكباب على طلب الغفران، وعكوف طويل على ~~الصلاة والعبادة. وهو ما يفعله عادة كلما واجه نواياه العميقة الخفية ~~من ناحية سيدة. فإلى جانب ms11 عناء العمل المتواصل وجد عناء أشد من ~~عذابات ضميره. وكان يختم لياليه الطويلة المرهقة في إعياء نفسي ~~شديد، كالإغماء، وأحيانا تبتل جفونه وهو لا يكاد يدري. # وكان سعفان بسيوني رئيس المحفوظات يتابع نشاطه الرسمي بإعجاب وحذر. ~~أعجب بجلده وحسن تصرفه وخلقه، ولم يرتح من بادئ الأمر إلى ~~البكالوريا التي تميز بها وحده في المحفوظات ولا إلى طموحه إلى ~~المزيد من التعلم الذي سيرفعه درجات جديدة من الامتياز عليه هو ~~بشهادته اليتيمة «الابتدائية». وفطن عثمان إلى ذلك في حينه ولكنه طمع ~~في طيبته الفطرية وضاعف من تودده إليه وإذعانه لتوجيهاته حتى اطمأن ~~الرجل إليه تماما وفتح له قلبه في صفاء نادر. وفي أوقات الفراغ ~~قربه إليه، وأفضى إليه بخواطره، حتى السياسة صرحه فيها برأيه ~~وأهوائه. ولشدة حماس الرجل جفل عثمان من الإعراض عن اهتماماته أو ~~معالنته بحياده البارد إزاءها، وقال بغموض وحذر: الحق أننا من مشرب ~~واحد، ولا عجب في ذلك .. # فسر الكهل بقوله سرورا عظيما ذهل له عثمان. عجيب استغراق الرجل ~~في هذه الشئون. وأعجب منه استغراق زملائه التعساء فيها. ماذا يشدهم ~~إليها؟ أليس لديهم هموم صميمية تشغلهم عنها؟ ولكنه قال لنفسه ~~بازدراء غير قليل: إنهم أناس لا يعرفون لأنفسهم هدفا محددا، ~~وإيمانهم الديني إيمان سطحي، ولم يفكروا بما فيه الكفاية في معنى ~~الحياة، ولا فيما خلقهم الله من أجله، وهكذا تتبدد أفكارهم وأعمارهم ~~في لهو وسفسطة، وتهدر قواهم الحقيقية بلا عمل. تستغفلهم الأوهام، ~~ويمضي الزمن وهم لا يعلمون .. # 7 # وقال له سعفان بسيوني بعد أن تلقى منه بريد الوارد: إني أدعوك إلى ~~سهرة ممتعة في بيتي .. # دهش وانزعج ولكنه لم يفكر في التملص. قال الرجل: يوجد حفل زفاف ~~في بيت الجيران، سنتعشى معا لحمة رأس، ونجلس في الشرفة نستمع للغناء ~~.. # كان الرجل يقيم في شقة بالدور الثالث ببيت بعطفة البحر بباب ~~الشعرية. وتبين له أنه كان المدعو الوحيد. طاب نفسا بالمكانة التي ~~يؤثره بها رئيسه، وتناول معه عشاء لذيذا مكونا من المخ والجبهة ~~واللسان والجوهرة وممبار وفتة بالتقلية غير ms12 الفجل والمخلل، وحلوى من ~~الشمام، أكلة ممتازة ووفيرة وقد أكل حتى امتلأ. وجلسا في شرفة تطل ~~على فناء البيت الذي قام فيه الفرح. تبدى الفناء غارقا في الأنوار ~~تصب عليه من كلوبات كثيرة. وصفت به الأرائك والكراسي التي اكتظت ~~بالمدعوين، واكتظت المماشي بالغلمان والأطفال، وأحدق عشرات وعشرات ~~منهم بسور الفناء من الخارج. وشعت الأنوار في البيت من الداخل أيضا ~~وتراءت النساء وهن يذهبن ويجئن. وهدر المكان بالأصوات من جميع ~~الدرجات والأنواع، وارتفع الضحك والسعال والزغاريد. خفق قلب عثمان وهو ~~يرنو إلى جو الفرح وانتقلت إلى فؤاده حرارته الفواحة بعطر الجنس ~~والحب؛ لذلك تلقى دغدغات التخت الأولى بتأثر أشد مما توقع ~~ومما ألف. فهو لا يعشق الغناء ولكن إذا جاءه بلا كلفة فلا بأس به ~~ولو إلى حين قليل. حسن، الموسيقى لا بأس بها أحيانا، شيء طيب ~~ومريح. الزواج علاقة باهرة وفرح ودين. وخالجه شعور شامل ~~بالأسى. ~~- لعلك في حاجة إلى الترفيه، هذا ما أقوله لنفسي كثيرا .. # قال سعفان ذلك وهو ينظر ناحيته بوجه تضيء أنوار الفرح أجزاء منه ~~وتتواري أجزاء في الظلال. وقال أيضا: عمرك يجري في العمل والدراسة ~~ولكن الحياة تطالبنا بأشياء كثيرة .. # أصغى إليه باهتمام في الظاهر واستخفاف في الباطن. إنه يحتقر المواعظ ~~التي تحث على الكسل ويعتدها تجديفا بذي الجلال، غير أنه تذكر ~~سيدة في عذابها الطويل، وما عليه أن ينجزه ويحفظه ويراجعه، وشعر بأنه ~~يبتسم ابتسامة لا معنى لها. وعاد سعفان يقول: لك همة عالية ولكن ~~راحة البال جوهرة ثمينة أيضا .. # فقال له واستخفافه به يتصاعد: أنت رجل حكيم يا سعفان أفندي .. # وظهر في مدخل الشرفة شبح فتاة تحمل صينية تفوح منها رائحة الشاي ~~المنعنع. انعكس الضوء الصاعد من الفرح على وجهها فوضحت بعض معالمه رغم ~~ظلام الغرفة القابع وراءها، وجه مستدير، لونه قمحي، وثمة ملاحة ~~ملحوظة مغلفة بغموض وأشواق. ساوره قلق. وهو يميل قليلا ليتناول ~~قدح الشاي رأى عن قرب ساعدها السوية البضة وكأنها هي التي تنفث ~~رائحة النعناع. وقفت دقيقة أو أقل ثم توارت ms13 في الظلام وهي تداري ~~ابتسامة كادت تفلت منها حياء وارتباكا. وساد صمت كأنه الشعور ~~بالإثم، وتشبع الجو بروح المؤامرة، وتضاعف قلقه. قال سعفان: ابنتي ~~.. # هز رأسه إعرابا عن الاحترام .. ~~- حصلت على الابتدائية قبل أن تنقطع عن المدرسة .. # واصل هز رأسه في تقدير وإعجاب. ترامت إليهما أصوات الجوقة وهي ~~تغني التواشيح. ومضى سعفان قائلا: البيت هو المدرسة الحقيقية للبنت ~~.. # لم يعلق؛ لم يجد ما يقوله، وضاق في الوقت نفسه بصمته. ~~- ما رأيك في ذلك؟ ~~- أوافقك كل الموافقة .. # ولكنه تذكر جهاد أمه الكادح في حياتها المريرة. شعر بأنه يدفع ~~إلى مصيدة. بدأ الغناء بصوت الطرب هادئا وخافتا وناعما. وتمتم ~~سعفان: ما أجمل الصوت! ~~- نعم. ~~- الحياة جميلة أيضا. ~~- بلا شك. ~~- ولكنها تطالبنا بالحكمة لتجود علينا بحلاوتها .. ~~- أليست الحكمة ثمرة عسيرة؟ ~~- كلا، هي هبة من الله سبحانه. # قال لنفسه: إن الله لم يخلقنا للراحة ولا للطريق القصيرة. الرجل ~~يحاصره وهو لن يستسلم، ولكن كيف يفوز بحريته ورضى رئيسه معا؟! لم يعد ~~يسمع من الغناء شيئا. سعفان يتابع الغناء بأذنه ويده وقدمه وينظر إليه ~~بين ذلك متفحصا مستطلعا. وحنق عليه كجلاد ماكر. ورأى أن عليه أن ~~يرد الدعوة بأحسن منها دفاعا عن نفسه المهددة. آلمه ذلك ألما غير ~~هين. إنه لا ينفق القرش بغير ضرورة ملحة. وفتح حسابا في دفتر ~~توفير البريد مع أول مرتب قبضه؛ ولذلك لم يخطر له على بال أن يغير ~~مسكنه أو حارته أو طعامه. وهو يؤمن بأن الادخار وسيلة هامة من وسائل ~~جهاده الطويل وشعيرة من شعائر دينه، وأمان ضد الخوف في عالم مخيف. ولكن ~~لا بد مما ليس منه بد. سيرد الدعوة بأحسن منها. وسيتم ذلك في ~~مطعم لا في حجرته المكتظة بالكتب، الفقيرة في كل شيء عدا ذلك. وإذن ~~فسوف ينفق مبلغا جسيما حقا. اللعنة على الحمقى. بات الغناء ضجيجا ~~لا معنى له وتفتحت أبواب الجحيم. والكهل يهز رأسه طربا غير عالم ~~بجريمته. والدنيا تطلق سخرية من سخرياتها. # 8 # وقبل مضي الشهر دعا الرجل للعشاء في مطعم الكاشف. ms14 تناولا سمكا ~~شهيا وحليا بمهلبية. وكان الكهل من السعادة في غاية وخيل إليه ~~أنه يتوقع نزول ملاك السعادة والرحمة. ولم يقنع بالعشاء فيما يبدو ~~فاقترح قائلا: ما رأيك في سهرة في الفيشاوي؟ # وجب قلبه بألم عميق ولكنه تأبط ذراعه قائلا: يا لها من فكرة ~~رائعة! # وجلسا في المقهى وهو يتذكر عيدا من أعياد الفطر تمزق فيه جلبابه ~~الجديد في معركة بحارة الحسيني، ضربه أبوه، واضطر إلى استعمال ~~الجلباب عاما كاملا بعد أن رقعته أمه. وأزعجه سرور الكهل ~~وانشراحه. إنه يتوقع أن يسمع خبرا سارا بلا شك. وها هي فرحة قلقة في ~~أعماق عينيه الشاحبتين، وها هو يجود بالرضى على كل شيء .. قال: أأنت ~~سعيد بزملائك في المحفوظات؟ .. ~~- أعتقد ذلك. ~~- إنهم تعساء ولكنهم طيبون .. ~~- إنهم طيبون حقا .. ~~- أما أنت فشاب ممتاز، هل تعمل محاميا إذا انتهيت من دراستك؟ ~~- كلا، ولكني أرجو تحسين حالتي. ~~- فكرة طيبة. يعجبني طموحك الشريف! # وخرج عثمان من تردده مصمما على النجاة ولو بخنق آمال الرجل. قال: ~~إن همومي أكبر مما تتصور .. # فرمقه الرجل متوجسا وسأله: لم؟ كفى الله الشر! ~~- لا يهمني الطموح كما تظن، تهمني أشياء أقل من ذلك بكثير .. ~~- حقا؟ ~~- لولا الظروف القاسية لما فكرت إلا في أمر بسيط وطبيعي ومعقول وهو ~~أن أكمل نصف ديني! # لم يفلح الكهل في مداراة الخيبة التي خنقته، وتساءل: أي ظروف يا ~~ترى؟ # فتنهد عثمان في أسى وقال: مسئوليات جسيمة؛ نحن أبناء الفقر، وهو ~~يصر على مطاردتنا .. # وأطرق وهو يقول بصوت كئيب: كم كنت أود ... # وسكت كأنما غلبه الانفعال. تراجع الكهل عن ضوء المصباح فمضى في الظل. ~~لا مفر من ذلك ولكن عليه أن يحافظ على صداقته ما وسعه الجهد والحيلة. ~~وجاءه صوت الرجل من الظل: ومتى تستطيع الوقوف على قدميك؟ # فأجاب بنبرة يائسة: في عنقي صغار وأرامل، ما أنا إلا ثور معصوب ~~العينين يدور في ساقية .. # مات كل شيء. حتى مطارق قطع النرد لم تعد تسمع. عاد يتمتم: كم كنت ~~أود ... # فلم يعلق الكهل بكلمة. وأراد أن يدفع الحساب ms15 ولكن عثمان أبى عليه ~~ذلك ودفعه من جيبه وهو يتمزق. تلاشت البهجة من الجلسة ولم ينفع في ~~إحيائها الافتعال. وغادرا المقهى فمضيا مشيا على الأقدام حتى ميدان ~~باب الشعرية، وهناك فارقه الرجل إلى مسكنه. وجد نفسه في حال تعيسة من ~~التوتر والقلق. ودهمته موجة مجنونة من الاستهتار فدعته إلى التبذير ~~اليائس كأسلوب من الانتحار. # وقصد بلا تردد الدرب ليدفن في أعماقه قلقه وأحزانه وعذابات ضميره. ~~وقال لنفسه بحزن: حتى أخطاء الإنسان يجب أن تكون مقدسة .. # 9 # اعترضت أم حسني طريقه وهو نازل. إنها لا تفعل ذلك بلا سبب. نظر إلى ~~وجهها المخدد بالتجاعيد وشعرها المصبوغ بالحناء وجسمها القوي رغم ~~شيخوختها فتذكر أمه، صافحها وهو يبتسم فقالت: عندي خبر .. ~~- خير إن شاء الله. # فقالت وهي تضيق عينها الوحيدة - فقدت الأخرى في معركة من معارك ~~الحارة - قالت: لا خير فيه .. # نظر إليها جادا فقالت: عريس، وجد عريس في طريقك! ~~- هه؟ ~~- عريس تقدم لسيدة .. # اجتاحه حزن وذهول كأن ذلك لم يكن متوقعا. لم يجد ما يقوله. ~~- ترزي بلدي .. # كان يعلم بأن ذلك آت لا ريب فيه. لا يحاول دفعه ولا أمل له في منعه ~~كالموت. ولم ينبس فسحبته من يده إلى حجرتها وأجلسته على الكنبة إلى ~~جانبها، وسألته: ألا يهمك الأمر؟ # شعر بألم حاد في أعماق روحه. شعر بأن الدنيا تتلاشى. قال بغضب: لا ~~تطرحي أسئلة لا معنى لها .. ~~- هدئ خاطرك .. ~~- يحسن بي أن أذهب. ~~- ولكنك لن تتمكن من لقائها. # الدنيا تتلاشى أكثر وأكثر .. قالت: كان يجب أن تدرك ذلك من ~~نفسك. ~~- لم؟ ~~- أمها تتشدد في منعها من الخروج، فرجل حقيقي خير من خيال .. # وتمتم بلا وعي: رجل حقيقي خير من خيال. ~~- أنت تحبها، أليس كذلك؟ # فقال بأسى: إني أحبها. ~~- حكاية محفوظة في حارتنا. ~~- وهي حقيقية. ~~- عظيم، ولم لم تتكلم؟ # فقال بحدة: لا أستطيع. ~~- اسمع، توسلت البنت إلي أن أبلغك .. # تنهد في يأس كامل. فقالت المرأة: اذهب من توك فاخطبها أو دعني ~~أتولى ذلك عنك. # حادث نفسه بأصوات مبهمة كأنما يتكلم لغة مجهولة ms16 حتى ذهلت المرأة ~~فقال مواصلا حديثه مع نفسه: ولن يغفر الله لي .. ~~- أعوذ بالله، أتراها غير أهل لموظف مثلك؟ ~~- لا تتقولي علي يا أم حسني .. ~~- أطلعني على قلبك، أنا أمك .. # فقال متنهدا: لا أستطيع أن أتزوج الآن. ~~- تنتظرك كما تشاء. ~~- سيطول الانتظار .. ~~- اربطها بكلمة، هذا يكفي الآن .. ~~- كلا، لست أنانيا، إني أرفض حرصا على سعادتها. # وهمت بالاسترسال في الحديث ولكنه غادر الحجرة. سار ببطء في ~~الحواري الضيقة. كان يتعذب بعمق ويسلم بمرارة بأنه لن يراها مرة ~~أخرى. ورغم عذابه شعر بارتياح خفي يائس، وبقدر ارتياحه آمن بأن ~~اللعنة حلت به. إنه يحبها ولن تملأ أخرى الفراغ الذي خلفته وراءها ~~في نفسه. وهذا الحب لن يمحى بسهولة، وسيعلمه كيف يكره نفسه وطموحه، ~~ولكنه سيصر على التعلق بهما بقوة الكراهية واليأس. إن ما يركبه ~~جنون، ولكنه جنون مقدس يغلق باب السعادة باستهانة وكبرياء ويدفعه ~~بقوة في طريق المجد الشاق المحفوف بالأشواك. إن السعادة تغريه ~~بالتفكير في الانتحار أما الشقاء فهو الذي يحرضه على نشدان الحياة ~~وعبادتها. # ولكن يا للخسارة يا سيدة! .. # 10 # وتقدم في كل شيء ولكن عذابه لم يكد يخف، ورسخت قدمه في عمله حتى ~~شهد له سعفان بسيوني - رغم إخفاقه معه - بالمواظبة والكفاءة ~~والاستقامة، وكان يقول عنه: إنه أول الحاضرين وآخر الذاهبين وفي أوقات ~~الصلاة يؤم المصلين بمصلى الوزارة .. # وهو يؤدي عمله، ويؤدي عن المتأخرين أعمالهم، فالكلام عن نجدته لا يقل ~~عن الكلام عن قدرته. وسار في دراسته بعزم قوي يبشر بنجاح باهر. وأصبح ~~من مدمني التردد على دار الكتب، يقرأ بنهم شتى الثقافات إلى جانب ~~دراسته القانونية الشاقة. أصبح كذلك من الوجوه المعروفة التي ترى في ~~جامع الحسين في صلاة الجمعة فعرف في الحي - كما عرف في الوزارة - ~~بالتقوى والورع. ولكن عذابه لم يكد يخف، وظلت سيدة مسيطرة تماما على ~~خياله ووعيه حتى قال لنفسه: إنها الجوهرة الوحيدة في حياتي .. # وفي مواعيد اللقاء يجلس على سلم السبيل الأثري فتلفحه حرارة ~~الذكريات ويغوص فيها حتى تتجسد له حية ملموسة. في ms17 لحظات اشتداد الوجد ~~يتوقع أن يسمع وقع قدميها الخفيفتين ويرى طلعتها المقبلة محفوفة ~~بالشوق والحياء. وحديثها الطويل وعناقهما الحار وكل موضع ثمين ~~غسله بقبلاته. ولكنها لا تأتي ولن تأتي. قطعته ولعلها نسيته. وإذا خطر ~~ببالها لعنته بما يستحق. ويوما مر تحت نافذتها في ساعة العصاري ~~فخيل إليه أن رأسها لاح لحظة وراء القلة المعرضة للهواء ~~لتبترد، ولكنها لم تكن هناك أو لعلها تراجعت باشمئزاز وعجلة. وقال ~~لنفسه: مقدس الإنسان في عذاباته .. # وقال أيضا: لا يخلو عمل للإنسان من عبادة .. # وصادفها صباح الجمعة في الخيمية بصحبة أمها. تلاقت عيناهما لحظة ~~ثم حولتهما عنه في غير مبالاة. لم تلتفت وراءها. تجلى له معنى من ~~معاني الموت، كما خرج أبوه من الجنة بإرادته. وكما يخوض العذاب بشموخ ~~وكبرياء. # وكان يختلف إلى الدرب بحذر وانفعال ويأس. ووثقت الأيام علاقته ~~بفتاة تماثله في السن تسمي نفسها قدرية. جذبته بسمرة غامضة - مثل ~~سيدة - ولكنها أعمق في زنجيتها وبدانتها ولم تكن مغرقة في البدانة. ~~ومنذ ساقته قدماه إليها - منذ زمن ليس بالقصير - لم ينحرف إلى سواها. ~~وذكرته حجرتها بحجرته ولكنها أكثر بدائية بأرضها العارية وفراشها ~~المرتفع والمرآة وكرسي وحيد يستعمل للجلوس وكمشجب، وطشت وإبريق؛ لذلك ~~لم يكن يستطيع خلع بدلته في ليالي الشتاء. ومرت أعوام لم يبادلها ~~سوى تحية القدوم وتحية الذهاب. ورغم تدينه العميق علمته الشراب، ~~القدر القليل الضروري. وكان قدح نبيذ من نبيذ «السلسلة» الجهنمي - ~~بنصف قرش - يكفي لطمس عقله وبعث الجنون في دمه حتى قال لها مرة في ~~نشوة مضحكة: أنت سيدة الكون .. # وكان يتأمل الحجرة العارية، ويشم البخور، ويلمح الحشرات، ويتخيل ~~الجراثيم المستكنة ويتساءل أليس هذا الركن الملعون المشتعل بنار ~~الجحيم جزءا من مملكة الله؟! ومرة أمطرت السماء وجعجع الرعد فانحبس ~~في الحجرة العارية. خلا الدرب وخفتت الأصوات وساد الظلام. تربعت قدرية ~~فوق الفراش وجلس هو فوق الكرسي الخيزران، وأضاء الحجرة شمعة وحيدة. ~~ولما طال الوقت تناول من جيبه مذكرة مدونا بها ملاحظات من ~~دروسه وراح يقرؤها - كعادته - بصوت مسموع. وسألته قدرية: قرآن؟ ms18 # فهز رأسه بالنفي وهو يبتسم. ~~- مواعيد غرامية؟ ~~- دروس! ~~- تلميذ؟! .. ولماذا تربي شاربك؟ .. ~~- موظف وتلميذ في مدرسة ليلية .. # وتذكر سيدة بحنين وأسى. وخطرت له فكرة استراح لها وهي أن المطر ~~المنهمر يغسل الدرب ويجلو وجهه. # وعاد ذات يوم إلى الحارة فرأى الأرض مفروشة بالرمل أمام بيت سيدة ~~والرايات تخفق على الجانبين. دق قلبه دقة النهاية. والتقى بأم حسني ~~على السلم - ترى هل تعمدت أن تنتظره؟ - فحياها عابرا ومضى ~~وصوتها يدعو له: ربنا يحقق مقاصدك ويسعدك .. # لم يستطع أن يركز عقله في دروسه. واقتحمت حجرته الصغيرة الأصوات، ~~الزعاريد، تهليل الغلمان. موسيقى حسب الله، أجل .. ها هي سيدة تدخل ~~مملكة رجل آخر، وتنطوي فترة من الشباب وتدفن. ~~••• # غادر البيت بتصميم جديد. قال إن الحياة أعظم من جميع آمالها. وإن ~~الخيام أجمل حكمة من المعري. وإن القلب هو المرشد الوحيد. اقتحم ~~الفرح حتى قالوا إنه مجنون. وأشار إلى سيدة وقال لها: «إني أدع لك ~~الحكم.» استجابت رغم الصراخ والعويل؛ لأنه في اللحظات الحرجة التي تسبق ~~الإعدام تتعرى الحقائق فتهزم الموت. ومضى بها مخترقا ثلاثة أزقة ~~مارقا من باب النصر إلى مدينة الأموات وهما يترنحان من ~~السعادة. ~~••• # لم تسكت الأصوات والزغاريد والأغاني حتى مطلع الفجر. وكان ينظر إلى ~~الكلمات ولا يفقه لها معنى. وشعر بالوحدة فتوغل في عالم مجدب خال ~~من الأصوات والأمل. وثقلت عليه المعاناة في الطريق الشاق فتذكر معارك ~~الأمم، ومعارك الجراثيم، ومعارك الصحة والعافية فهتف: سبحان الله ~~العظيم! # 11 # حضرة صاحب السعادة المدير العام # أتشرف بإبلاغ سعادتكم بأنني حصلت على ليسانس الحقوق هذا العام - ~~من منازلهم - استزادة من العلم واستكمالا للوسائل الضرورية ~~للموظف، مستلهما الهمة من عبقرية سعادتكم، في ظل مولانا الملك ~~المعظم حفظه الله وأدام ملكه. # رجاء التكرم بالعلم والأمر بحفظ الشهادة المرافقة بملف ~~خدمتي. # وتفضلوا يا صاحب السعادة بقبول فائق الاحترام. # عثمان بيومي # كاتب الواردات ~~بالمحفوظات # لقد أحرز نجاحا باهرا بالقياس إلى زملائه المتقدمين من منازلهم. ~~وسيدور خطابه الموجه إلى حضرة صاحب السعادة دورة رائعة تعلن تفوقه ~~على الملأ؛ فهو ms19 يعرض أولا على رئيسه المباشر سعفان بسيوني ليوقع ~~عليه بالعرض على صاحب العزة مدير الإدارة حمزة السويفي؛ فهو يسرك في ~~صادر المحفوظات ثم يسرك مرة أخرى في وارد الإدارة. بعد ذلك يعرض ~~على حمزة السويفي ليوقع بعرضه على حضرة صاحب السعادة المدير العام، ~~فيسرك في صادر الإدارة ثم يسرك في وارد مكتب المدير العام، ثم ~~يقرؤه حضرة صاحب السعادة المدير العام، يقرؤه بعينيه ويتسلل إلى ذاكرته ~~وربما هز عواطفه، ثم يوقع عليه بالتحويل إلى المستخدمين لإجراء ~~اللازم، فيسرك في صادر مكتب المدير العام ووارد المستخدمين حيث ~~تتخذ الإجراءات ثم ترسل صورة إلى المحفوظات التي صدر منها الخطاب ~~للحفظ في ملف خدمته الإداري، بذلك تتم الدورة الفلكية ويعلم من لم يكن ~~يعلم. # وثمل بالسعادة يوما. وتتابعت الأيام. ماذا بعد ذلك؟ هل يبتلع الصمت ~~كل شيء؟ لا شيء يحدث. النار المقدسة مشتعلة في صدره. ومقام الحسين يشهد ~~مناجاته الطويلة. الطريق طويلة ولا خطوة واحدة تبشر بالضياء. وقد انتهى ~~من الدراسة. أما اغترافه من بحر الثقافة فلا يتوقف أبدا. إنه يشبع ~~بها أشواقه إلى المعرفة ويكمل بها ذاته لتكون أهلا للمركز الذي سيشغله ~~يوما بإذن الله وفضله. ويتسلح بها في نضاله الطويل المرير في الغابة ~~الرسمية التي يطالب فيها كل ذي شأن بقرابينه. إنه لا يملك سحر ~~المال، ولا يتمتع بامتيازات الأسر الكبيرة. ولا قوة حزبية تسنده، وليس ~~من الذين يرتضون أن يلعبوا دور البهلوان أو العبد أو القواد، إنه ~~واحد من أبناء الشعب التعيس الذي عليه أن يتزود بكل سلاح، ويتحين كل ~~فرصة، ويتوكل على الله، ويستلهم حكمته الأبدية التي قضت على الإنسان ~~بالسقوط في الأرض ليرتفع بعرقه ودمه مرة أخرى إلى السماء. # ومن خلال تتابع الأيام في مجراها الأبدي خلت درجة سابعة بالمحفوظات ~~بنقل شاغلها إلى وزارة أخرى. وقال له سعفان بسيوني: رشحتك للدرجة ~~الخالية فلا يوجد في المحفوظات من هو أحق بها منك .. # فشد على يده بامتنان وهو يود أن يقبله فقال الكهل: سبعة أعوام ~~مضت عليك في الثامنة، وقد ms20 حصلت في أثنائها على ليسانس الحقوق، وأثبت ~~بجدارة كفاءة لا نظير لها .. # وضحك الكهل كاشفا عن أسنانه السود المثرمة وقال: وهي مضمونة لك إن ~~شاء الله فلا رغبة لأهل الوساطات في وظيفة بإدارة تسكنها الثعابين ~~والحشرات .. # وطال الانتظار ومضت الأيام. وقال لنفسه: ها هي سبعة أعوام تمر في ~~درجة واحدة فيلزمني على هذا القياس أربعة وستون عاما حتى أبلغ الأمل ~~المنشود. المدير العام الذي أشعل النار المقدسة في قلبه. لم تقع عليه ~~عيناه منذ مثل بين يديه ضمن المستجدين. وإن متعة نفسه أن يقف في جانب ~~من الميدان يراقب موكبه وهو يغادر الوزارة في أبهة الملك وقدسيته. ~~هذا هو غاية الحياة ومعناها وجلالها. # واستفحل العمل في الإدارة أيام إعداد الميزانية فاحتاج مدير الإدارة ~~إلى موظفين إضافيين في الأقسام التابعة له فندب عثمان للعمل عن ~~المحفوظات. سر بذلك وقال إنها فرصته. وتوثب للعمل بهمة هائلة، ~~عمل مع المراجعين كما عمل مع وكيلي الإدارة، وشهد اجتماعات مع مدير ~~الإدارة نفسه. انفجر كبركان وكأنما كان ينتظر هذه الفرصة منذ اشتعل ~~قلبه بالطموح المقدس. ولم يتردد فوضع نفسه تحت تصرف السادة الرؤساء ~~من مطلع الصباح حتى منتصف الليل. في الظروف الدقيقة الحرجة ينسى كل ~~شيء في الحكومة إلا الكفاءة الحقة. والميزانية عمل خطير يتصل ~~بالمدير العام ووكيل الوزارة والوزير ومجلس الوزراء والبرلمان ~~والصحافة، فلا مجال في أيامها المشحونة بالإرهاق لصاحب امتياز، ولكن ~~يفرض الانتخاب الطبيعي نفسه ويتقدم الأكفاء ويعترف بالقيمة الذاتية ~~حتى ولو لم يقدر لها حسن الجزاء. وقد لفت عثمان إليه الانتباه وحاز ~~الثقة الكاملة، وتجلت قدرته الخارقة على العمل، كما تجلت درايته ~~باللوائح والقانون. ولم يقنع بما أحرز من نجاح فتطوع سرا لكتابة ~~مشروع بيان الميزانية الذي يكتبه عادة مدير الإدارة بنفسه. وهيأ له ~~العمل فرصة الانفراد بمدير الإدارة حمزة السويفي فلما فرغ من عرض ~~أوراقه قال له بأدبه الجم: سيدي المدير، اسمح لي أن أقدم لكم بعض ~~الملاحظات التي قيدتها أثناء العمل لعلها تنفع عند النظر في تحرير بيان ~~الميزانية! # فنظر ms21 إليه حمزة البسيوني باستخفاف مشوب بالعطف وقال: أنت شاب ممتاز ~~كما يقال عنك .. ~~- أستغفر الله يا افندم. ~~- على فكرة، مبارك؛ فقد تمت اليوم الموافقة على ترقيتك إلى السابعة ~~.. # تمتع عثمان بلحظة انتصار سعيدة فقال بامتنان: بفضل الله ~~وفضلكم! # فقال مدير الإدارة مبتسما: مبارك، أما بيان الميزانية فشيء ~~آخر! # فقال باستماتة: عظم الله قدرك، لا جرأة لي على الاقتراب من بيان ~~الميزانية، ولكن عنت لي ملاحظات في أثناء العمل، ملاحظات مجتهد درس ~~القانون والمالية، فطمع أن تكون في الخدمة عندما تحتشدون لوضع البيان ~~الخطير. # وتناول الرجل «الملاحظات» وراح يقرؤها والآخر يتابعه باهتمام ~~مركز خيالي. لقد سيطرت عليه الملاحظات، هذا واضح. ثم قال بهدوء ~~سطحي: أسلوبك جيد .. ~~- شكرا يا سيدي .. ~~- يخيل إلي أنك قارئ ممتاز. ~~- أعتقد ذلك يا سيدي. ~~- ماذا تقرأ؟ ~~- الأدب، سير العظماء، الإنجليزية والفرنسية .. ~~- هل لك قدرة على الترجمة؟ ~~- إني أمضي أوقات فراغي في مطالعة القواميس. # فضحك حمزة السويفي وقال: شيء جميل، وفقك الله .. # وأذن له في الانصراف ولكنه استبقى «الملاحظات» عنده. وغادر عثمان ~~حجرته ثملا بالأفراح، يؤمن بأنه نال من ثقته ما هو أثمن من الدرجة ~~السابعة نفسها. # وعندما طبع مشروع الميزانية بعد ذلك بأشهر هرع عثمان إلى مقدمة ~~الميزانية فقرأ البيان الذي كتبه بخط يده عدا تغيير طفيف لا يقدم ولا ~~يؤخر. سعد بذلك سعادة كبيرة، امتلأ ثقة بنفسه وبمستقبله، واستوصى ~~بذكائه فلم يفش سر البيان لأحد. # وما لبث أن صدر قرار بنقله من المحفوظات إلى إدارة ~~الميزانية. # ليلتها وقف وراء نافذة حجرته ينظر إلى الحارة الغارقة في الظلام. ~~ورفع عينيه إلى السماء فرأى النجوم الساهرة. مستقرة فيما يبدو ولكن ~~لا شيء جامد في الكون. وقال إن الله خلق النجوم الجميلة ليحرضنا على ~~النظر إلى أعلى. وإن المأساة أنها ستطل يوما من عليائها فلا تجد لنا ~~من أثر. ولا يتحقق معنى لوجودنا إلا بالعرق والدم. # 12 # قال له سعفان بسيوني: سأحزن لغيابك عن المحفوظات بقدر ما أنا سعيد ~~بك. # وذاب عثمان في الجو العاطفي بإخلاص وقتي فدمعت عيناه ms22 وتمتم: لن ~~أنساك أبدا يا سعفان أفندي ولن أنسى عهد المحفوظات. ~~- ولكني سعيد لأنك سعيد .. # فتنهد عثمان وقال: السعادة عمرها قصير جدا يا سعفان أفندي. # ولم يفهم سعفان قوله ولكن الآخر كان يعيشه. كان يحمل الزمن على ظهره ~~لحظة فلحظة ويعاني الصبر نقطة نقطة. وسرعان ما نسي تماما أنه رقي ~~إلى السابعة أو أنه يعمل في إدارة الميزانية، كان يعمل بجنون في ~~الوزارة، ويتبحر في المعرفة في حجرته الصغيرة. وبين هذا وذاك يقول ~~بجزع: العمر يجري .. الشباب يجري .. الأيام لا تريد أن تستريح ~~.. # وما زال في أول الطريق الطويل. وكان ولعه بالادخار يزداد مع الأيام، ~~واستمساكه بمسكنه البدائي يقوى ويشتد. المال حصن، هكذا يشعر. وهو مهر ~~عند الضرورة لعروس الأحلام. وعروس الأحلام هي التي تفتح مغالق الأبواب ~~وتستنزل جوهرة المستقبل من معتصمها. وللموظفين في ذلك أقوال مأثورة ~~وحكم وأمثال. العروس الجميلة إما أن تكون هدية مجد مبكر أو ذريعة ~~إلى المجد المستعصي. والطريق يبدو شاقا وطويلا فهو في حاجة إلى ~~إسعاف. وهم يقولون: سعادة المدير العام ارتقى إلى مركزه الفريد وهو شاب ~~تقريبا بفضل السياسة والأسرة فتزوج من فتاة من أسرة تعد من ملكات ~~الجمال. # ويقولون أيضا: أما الوكيل الأول للإدارة فترقى بفضل زوجته، أو ~~أسرة زوجته وهو الأصح .. # وهو يزود نفسه بكل سلاح فلا عيب إذا استعان بعد ذلك بعروس كريمة، ~~وإلا فكيف يقف ضد تيار الزمن المتدفق بلا رحمة؟! ولذلك راح يترجم للصحف ~~والمجلات ليزيد من دخله ويزيد بالتالي من مدخراته. ونجح في ذلك نجاحا ~~لا بأس به. ولم ينفق مليما جديدا للتخفيف من تقشفه. ولم يعرف من عالم ~~اللهو إلا زيارته الأسبوعية لقدرية في الدرب وشرب قدح النبيذ الجهنمي ~~بنصف قرش. قالت له مرة: أنت لا تغير هذه البدلة أبدا، هي هي صيفا ~~وشتاء، أعرفها من سنوات كما أعرفك .. # فقطب ولم يعلق فقالت: لا تغضب، أنا أحب الضحك .. # فسألها بسذاجة: هل جمعت ما أعطيتك من نقود طيلة السنين ~~الماضية؟ # فقالت ساخرة: عشقت رجلا مرة فسرق مني مائتي ms23 جنيه، هل تعرف معنى ~~مائتي جنيه؟ # تخيل المصيبة فاستعاذ بالله وقال لنفسه إن كوارث الدنيا لا تعد ~~ولا تحصى، وسألها: وماذا فعلت؟ ~~- لا شيء، ربنا يحفظ صحتنا فهي الأهم .. # قال لنفسه إنها مجنونة بلا شك؛ ولذلك فهي بغي. ولكنها كانت الترفيه ~~الوحيد في حياته الشاقة، ووهبته عزاء لا بأس به. وأحيانا كان يحن ~~إلى الحب وأيامه وسحره الذي يغير مذاق الدنيا، ويتذكر سيدة وسلم ~~السبيل المهجور والصحراء، ولكنه يستسلم في النهاية لدعابات الدنيا ~~القاسية، ويرضى عن نفسه المعذبة لاختيارها الطريق العسير المكلل ببركة ~~الله ومجده العالمي. وقالت له قدرية ذات ليلة: ألا تحب أن نمضي صباح ~~الجمعة معا في نزهة؟ # فدهش وقال: إني أجيئك كاللص متخفيا في الظلام .. ~~- مم تخاف؟ # ماذا يقول؟ .. إنها لا تفهم شيئا. وقال معتذرا: لا يجوز أن يراني ~~أحد .. ~~- هل ترتكب جريمة؟ ~~- الناس .. # فقالت هازئة: أنت الثور الذي يحمل الأرض على قرنيه. # إنه ذو دين وخلق وسمعة طيبة يجب المحافظة عليها. وقالت له ~~بإغراء: ممكن أن تحتكرني ليلة كاملة، يمكن الاتفاق على ذلك .. # فسألها بحذر: والثمن؟ ~~- خمسون قرشا .. # وفكر باهتمام. سيهبه ذلك راحة حقيقية ولكن الثمن فادح. إنه في حاجة ~~إلى الراحة. قال: فكرة طيبة ولتكن مرة في الشهر .. ~~- هل تكتفي بمرة واحدة في الشهر؟ .. ~~- ربما أجيء غيرها ولكن بالطريقة العادية. # واعترف بأنه لا غنى له عنها. إنها تماثله في السن، ولكن يبدو أنها ~~غافلة عن الزمن، وعن أثره السريع فيها. وهي تعيش بلا حب ولا مجد، ~~وكأنها تؤاخي الشيطان في غضبها. وكم غاظه أن تعترف له مرة بأنها ~~اشتركت في مظاهرة فهتف محتدا: مظاهرة! ~~- ما لك! .. نعم مظاهرة .. حتى هذا الدرب أحب الوطن يوما ما ~~.. # وقال إن الجنون منتشر أكثر مما تصور. الاهتمامات السياسية تثيره ~~وتدهشه. وهو يصر على عدم الاكتراث بها. ويؤمن بأن للإنسان طريقا ~~واحدة، وأن عليه أن يشقها وحيدا مصمما بلا أحزاب ولا مظاهرات، وأن ~~الإنسان الوحيد هو الخليق بالشعور بربه وبما يطالبه به في هذه الحياة، ~~وأن مجده يتحقق في تخبطه ms24 الواعي بين الخير والشر، ومقاومة الموت حتى ~~اللحظة الأخيرة. # 13 # واطلع عثمان بيومي ذات يوم على إعلان له شأنه. أعلنت الوزارة عن ~~حاجتها إلى مترجم للغتين الإنجليزية والفرنسية بمكافأة 35 ج. م، وحددت ~~يوما لامتحان مسابقة. اشترك في المسابقة بلا تردد ولا تفكير شامل. ~~وأسفرت النتيجة عن اختياره مما زاد ثقته بنفسه واعتزازه بمواهبه. ~~واستدعاه حمزة السويفي إلى مكتبه - وكانت الوظيفة الجديدة في مكتبه - ~~وقال له: أهنئك على نجاحك الذي يقطع بتعدد قدراتك. # فشكره عثمان بأدبه المعهود فقال الرجل: ولكنها وظيفة ذات مرتب ثابت ~~وسوف تخرج بها من الكادر العام، فهل فكرت في ذلك؟ # لم يفطن في الواقع إلى ذلك فسرعان ما فتر حماسه لمرتبها الضخم ~~نسبيا وقال: الحق أني لا أرغب في الخروج من الكادر العام .. ~~- هذا يعني أن نعين التالي في الترتيب؟ # فطرأت على ذهنه فكرة طيبة فقال: ألا يمكن أن أرقى إلى الدرجة ~~السادسة على أن تضاف إلى أعمال الترجمة وبذلك أوفر للميزانية مبلغا لا ~~بأس به؟ # فتفكر مدير الإدارة مليا ثم قال: المسألة تحتاج إلى مراجعة ~~المستخدمين والإدارة القانونية .. ~~- ليكن يا سيدي .. # فضحك حمزة بك وقال: إنك طموح وحكيم، أرجو أن يكون اقتراحك مقبولا ~~.. # وتقررت ترقيته إلى الدرجة السادسة بمرتب قدره خمسة وعشرون جنيها، ~~ورغم تضحيته بعشرة جنيهات إلا أنه فاز بترقية ما كان يبلغها قبل سنوات ~~وسنوات، فضلا عن الأهمية التي اختص بها بعمله المزدوج. وتمتع بسعادة ~~قصيرة كالعادة. لم يعرف السعادة إلا خطفا مثل لقاءات الطريق العابرة. ~~وعاد يقيس الطريق الطويلة ويئن تحت وطأة لانهائيتها. ما جدوى الدرجة ~~السادسة وهو يوشك أن يلج مرحلة جديدة من العمر؟ وقبله سعفان بسيوني ~~وقال له: إنك تقفز بقوة مليحة يا ولدي .. # فقال بأسى: ولكن الأيام أسرع من الخيال .. ~~- هي كذلك، كفاك الله شرها .. # فرنا إلى وجهه المتغضن وسأله: هلا حدثتني عن طموح شبابك؟ ~~- أنا؟! له الحمد، كانت رئاسة المحفوظات أبعد من خيالي .. ~~- ألم تحلم بأن تكون المدير العام؟ # فأغرق الكهل في الضحك حتى دمعت عيناه، ثم قال: ms25 نحن أبناء الشعب لا ~~نطمع فيما يتجاوز رئاسات الأقسام. # إنه مخطئ. إنما يصدق كلامه على وظائف الوزراء والوكلاء، أما وظيفة ~~المدير العام فلا تستعصي على أبناء الشعب، هي أملهم المنشود والأخير. ~~وبخاصة الأفذاذ منهم الذين يعدون أنفسهم لذلك المجد العظيم. بيد ~~أن الأيام تمر بلا توقف، وفي غفلة ونعومة. ولا قيمة لدرجة المدير ~~العام إذا لم يتح لصاحبها البقاء فيها أعواما حتى ينعم بها وينعم ~~بالدنيا في ظلها ويحقق باسمها أجل الخدمات للجهاز المقدس الذي يسمونه ~~الحكومة. # ومتى يكمل نصف دينه؟ قبل بلوغ الأمل أم بعده؟ يجب أن يكون أسرة ~~وينجب ذرية وإلا حقت عليه اللعنة. فإما العروس التي ترفع إلى العلا ~~وإما العلا الذي يحظى بالعروس الباهرة. ومن شدة معاناته للعذاب يحن ~~أحيانا للهدوء والخمول ويتطلع إلى الجهاد الشاق الذي يهب الحياة ~~معناها الوحيد، وعذابها المقدس. # وسمع ذات يوم أن مدير الإدارة حمزة السويفي يشكو ضعف نجله في اللغات ~~الأجنبية فاقترح عليه أن يساعده. وتردد الرجل قائلا: الأوفق أن أحضر ~~له مدرسا خاصا حرصا على وقتك. # فقال له بأسلوبه المختار: لن أغفر لسعادتك هذا القول .. # وتردد على بيت المدير فقدم للشاب مساعدة فذة كان لها أثرها في ~~إنجاحه. وفكر المدير في تقديم مكافأة له فتراجع كأنما يجفل من نار ~~وقال: لن أغفر لسعادتك هذا أيضا .. # وأصر على موقفه حتى سلم الرجل، فقال له بنبرة الممتن: لا زلت ~~أسير فضلك وتشجيعك .. # على أنه شعر في أعماقه بألم يناسب المبلغ الذي رفضه بشهامته. وثمة ~~خيبة أخرى عاناها في تردده على بيت المدير، فقد حلم بأن يجد هناك ~~عروسا «مناسبة» ومن يعلم؟ .. وحلم أيضا بأن خدماته قد تشفع له عند ~~حمزة بك فيغضي عن وضاعة أصله، ويقبله في طبقة جديدة تمهد له السبيل ~~إلى التقدم. ولكن الحلم لم يتحقق، ولم يصادفه في تردده إلا الذكور! ~~سعفان بسيوني ما كان يهمه أصله فهما من أصل واحد تقريبا ومنبت ~~متشابه، ولكن أي فائدة كان يرجوها من الزواج من كريمته؟ لا شيء إلا ~~الذرية والمتاعب ms26 والفقر. ولا حب أيضا. فهو لم يحب إلا سيدة، وقد ~~مات قلبه مذ سلاها ، ولكن المتطلعين إلى المجد في طريق الله لا يحفلون ~~بالسعادة. # وتمضي الأيام، وستمضي أبدا، بصيفها اللافح، وخريفها الحالم، وشتائها ~~القاسي، وربيعها الفواح، وسيظل عزيمة مثابرة وهمة متصاعدة ~~وقلبا معذبا وأشواقا طاحنة. # 14 # وزارته أم حسني كعادتها بين الحين والحين. أهدته برطمانا من الليمون ~~المخلل وجلست على الكنبة وهي تنظر إليه باهتمام أثار فضوله. ضربت على ~~ركبتها فجأة وقالت: تحزنني وحق الحسين وحدتك .. # فابتسم بلا اكتراث فقالت: أنسيت أنك تتقدم في العمر؟ ~~- كلا طبعا يا أم حسني .. ~~- وأنه لا يوجد ما هو أغدر من السنين! ~~- صدقت. ~~- أين الذرية لتؤنس وحدتك؟ ~~- في عالم الغيب. # وصمت قليلا حتى قال ضاحكا: طبع المهنة يتحرك فيك يا أم حسني ~~.. # فضحكت وقالت: اسمع، عندي شيء ثمين .. # رغم موقفه الحاسم جذبه الحديث بإغراءاته العذبة المجهولة. قال: ~~دائما عندك شيء ثمين. # فقالت بأمل: حلوة .. أرملة .. متوسطة العمر .. ولكنها عاقلة، بنت ~~المرحوم شيخ الحارة .. ~~- هه! ~~- لها بنت وحيدة في الرابعة عشرة! ~~- إذن هما امرأتان لا امرأة واحدة .. ~~- ستذهب البنت إلى بيت عمها .. لا تحمل هما من هذه الناحية ~~.. ~~- عظيم. ~~- وهي صاحبة ملك! ~~- حقا؟! ~~- بيت في برجوان .. في حوشه شجرة توت .. # نظرت إليه ببصرها الضعيف لترى أثر كلامها، فتوهمت رضاه، وقالت: ~~ستراها بنفسك .. # وبإرشاد من أم حسني رآها في السكة الجديدة. رآها ترتدي معطفا ولكن ~~وضح له أن مشيتها المتثنية الوانية تربت وترعرعت في الملاءة اللف. ~~مائلة للقصر وبدينة، ذات وجه ريان وشعر أسود. نادت فيه رغبة بدائية. ~~مثل قدرية. قال إنها أنظف ربما ولكن متاعبها أكثر بما لا يقاس. وشعر ~~برثاء نحو أم حسني التي تجهله كل الجهل رغم طول المعاشرة. من أين لها ~~أن تفهم معنى مراجع بإدارة الميزانية ومترجم؟ مأساة الآدمية أنها تبدأ ~~من الطين، وأن عليها أن تحتل مكانتها بعد ذلك بين النجوم. # وسألت أم حسني: ما رأيك؟ # فأجاب باسما: سيدة ممتازة .. ما زلت أستاذة! ~~- هل أكمل ما بدأت؟ # فأجاب بهدوء: كلا. ms27 ~~- ألم تقل إنها سيدة ممتازة؟ ~~- ولكنها ليست بالزوجة الصالحة لي. # وأثبتت العجوز أنها أعند مما يتصور فجاءته يوما وهي تقول: من ~~المصادفات السعيدة أن ست سنية جاءت تزورني .. # فتحركت الرغبة البدائية واستسلم لضعف طارئ فذكرته أم حسني بقولها ~~قائلة: جاءت تزورني .. # فقال بخبث: لعلها تزورني أيضا. # فقالت وهي تمضي: إذا شئت فانزل أنت .. # ولم يتردد فنزل. وغلب الصمت فانفسح المجال لأم حسني فراحت تتكلم ~~بلا توقف. وتذكر عثمان أنه لم يتكلم كلاما له معنى إلا مع سيدة. ~~واضطر إلى أن يقول: شرفتنا .. # فهمست: متشكرة .. ~~- الجو بارد اليوم. ~~- نعم. ~~- هل انتهيت من تبييض بيتك؟ # فأحنت رأسها بالإيجاب. # حاولت أيضا استدراجه للحديث عن وظيفته ولكنه لزم الصمت. ورغبته ~~تأججت ولكن بلا أمل. وتحركت سنية حركة خفيفة تنبئ عن رغبتها في الذهاب ~~فقام من فوره، سلم وذهب. وبدلا من أن يصعد إلى شقته هبط أسفل السلم ~~مضمرا خطة تتسم بالجرأة. سمع أقدامها وهي تتحرك على السلم نازلة. ~~دهشت لمرآه فقال متظاهرا بالدهشة كذلك: فرصة طيبة .. # أوسع لها ولكنه همس وهي تحاذيه: تفضلي لشرب فنجان شاي فوق .. # فقالت بعجلة: شكرا .. ~~- تفضلي، عندي ما أقوله .. # فقالت باحتجاج: كلا. # ومضت مسرعة ما أمكنها ذلك. قال وأطرافه ترتعش بالرغبة إنه أسرع، كيف ~~تصور أنها يمكن أن تقبل؟ ولكنها الرغبة وقلة الصبر والحيلة. وصعد ~~خجلان غاضبا. وقال إنه سيظل مراهقا حتى يستقر في بيت ~~محترم. # 15 # حالته المالية تتحسن يوما بعد يوم، استحق علاوة، وعائده من الترجمة ~~يتزايد، ولأنه لا ينفق إلا ما تحتمه الضرورة فرصيده في البريد يرتفع ~~باستمرار. وهمته في العمل لا تهن، وعلاقته بمدير الإدارة حميمة كأنها ~~الصداقة، ويوما قال له: أبدى سعادة المدير العام إعجابه بأسلوبك في ~~الترجمة .. # فاجتاحته موجة فرح حتى أغرقته، وأيقن بأنه لن ينام من الليل ساعة. ~~طبعا سعادته لا يتذكره، ولكنه بات يعرف الاسم وشخص المترجم المعنوي. ~~قال مدير الإدارة: سعادة المدير مترجم كبير، ترجم كثيرا من الكتب ~~الهامة فهو يقدرك عن بينة! # وتمتم شاكرا ثم قال: إنما نلت تقدير ms28 سعادته بفضل رضاك عني. # ابتسم المدير وقال بنبرة مبالغة في الود: دعيت لإلقاء محاضرة في ~~جمعية الموظفين، وقد سجلت نقاطها، فما رأيك في أن تكتبها بأسلوبك ~~الممتاز؟ # فقال بحماس: إنها لسعادة كبرى يا سيدي المدير. # إنه يتمنى لو يكلف كل يوم بعمل كهذا. إن عمله في الإدارة - على ~~ضخامته وتقدير الجميع له - لن يكفي وحده. فلا أقل من تقديم الخدمات ~~للرؤساء، وإشعارهم بأهميته وفوائده الشريفة. ولعل ذلك يقلل من جزعه ~~لقلة ما ناله بالقياس إلى ما يطمح إليه. ولكنه عزاء يتزود به في طريقه ~~الطويل. وفي الليل غشيته كآبة بلا مقدمات وهتف: يا لي من مجنون، كيف ~~أتصور أنني سأبلغ يوما مرادي؟! # وحسب ما ينقصه من درجات، الخامسة والرابعة والثالثة والثانية ~~والأولى، قبل أن يتبوأ ذروة المجد! حسب ذلك وما يقتضيه من سنوات العمر ~~فدار رأسه وداخله شعور عميق بالأسى. وقال إنه يجب أن يحدث شيء ~~كبير، وإن حياته لا يمكن أن تضيع هدرا. وكان على موعد مع سعفان ~~بسيوني في المقهى فارتدى ملابسه وغادر الشقة. وجد أم حسني في انتظاره ~~أمام شقتها فقالت له: عندي ضيوف يجب أن تسلم عليهم، عندي سيدة وأم ~~سيدة .. # دخل وسلم. دخل كالخائف ولكن سرعان ما أدرك أن كل شيء قد انتهى ~~وانقضى. لم يلمس لمحة جفاء أو عتاب واحدة، ولكنه رأى نظرة محايدة لا ~~تكلف فيها ولا التماعة تذكر فأيقن من سقوط الماضي في هوة الموت ~~اللانهائية. وضاعف من إحساسه العميق بالزمن ترحيب الأم به ترحيبا ~~صافيا بلا شائبة. رأى الموت يفترس قيمة عزيزة ظن بها الخلود ~~والأبدية فإذا بها ذكرى مجردة تكاد تخرج من نطاق التاريخ نفسه كأنها ~~خروج آدم من جنة الخلد. وها هي سيدة تميل إلى البدانة والبلادة. ~~ذكرته بقدرية، فأمعن في الاضطراب ورأى أعلى ملاءتها قد هبط عن رأسها ~~فطوق منكبيها، فانطلق الرأس والعنق في حرية، وتراجع منديلها المنمنم ~~عن جبهة لامعة ومقدم شعر مفروق، أما الألق الذي ألف أن يطالعه في ~~عينيها فقد استقر وانطفأ. تمت المقابلة في ms29 جو محنط وغربة ساخرة، ~~وعبثا حاول أن يجد فوق الشفتين الغليظتين أي أثر لشفتيه أو أسنانه . ~~مكث ما تقتضيه المجاملة ثم ذهب بقلب يخفق بالابتهالات للمجهول الغامض ~~الفتاك ذي الابتسامة الناعمة القاسية. ذهب إلى رئيسه القديم لقضاء ~~سهرة ودية لمناسبة إحالته على المعاش بعد أيام معدودات. أمسى الكهل ~~عودا هزيلا، هلكت آخر شعرة في رأسه، لا بسبب الكبر ولكن لمرض في ~~المعدة، ولكنه ظل طيبا مستسلما كالعهد به. ووضح أنه يستقبل نهاية ~~خدمته بكآبة وحزن وتشتت فمضى يجامله ويقول: أتمنى لك راحة سعيدة ~~مديدة .. # فقال الكهل وهو يضحك ضحكة لا معنى لها: لا أدري كيف تكون الحياة ~~بعيدا عن المحفوظات .. # ثم وهو يتنهد: ولا هواية لي، وهذا هو المزعج حقا .. ~~- ولكنك محبوب، الجميع يحبونك .. ~~- نعم، ولم تعد لدي واجبات عائلية بلا إنجاز، ولكنني ~~خائف. # وجعلا يحتسيان الشاي وهو يسترق منه النظر برثاء حتى رجع يقول - ~~الرجل: أذكر يوم التحاقي بالخدمة كأنه الأمس، إنه يوم لا ينسى مثل ~~ليلة الدخلة، أذكره بكل تفاصيله، كيف مر ذلك العمر بهذه ~~السرعة؟! # فانقبض قلب عثمان وتمتم: نعم كأشياء كثيرة .. # فابتسم إليه كأنما يفتتح بالابتسامة عهدا جديدا وسأله: وكيف حال ~~أعبائك العائلية؟ # تذكر ادعاءاته الكاذبة فقال: ما زال الحمل غير خفيف .. # فرنا إليه بمودة وقال: تسلمتك غلاما كبيرا ليس إلا، وها أنت اليوم ~~رجل كامل، وعما قليل .. ولكن ما علينا، المهم ألا يسرقك الزمن، خذ ~~بالك بكل قوة .. ~~- عظيم، وهل يجدي ذلك؟ ~~- على الأقل لا يجوز أن يفوتك القطار .. ~~- هل تقصد الزواج؟ ~~- كل شيء، دائما أراك في حال تأهب واستعداد، لأي شيء؟ وحتى ~~متى؟ ~~- ولكن هذه هي طبيعة الحياة .. # فلوح الرجل بيده محتجا وقال: كلنا يتكلم عن الحياة بثقة كأنما ~~يعرفها حق المعرفة .. ~~- لا مفر من ذلك .. ~~- لولا وجود الله سبحانه وتعالى لكانت لعبة خاسرة لا معنى لها ~~.. ~~- من حسن حظنا أنه موجود وأنه أعلم منا بما يفعل .. # فقال الكهل بعمق: الحمد لله .. # وصمتا وتكلما، ثم صمتا وتكلما حتى آن وقت الذهاب. شعر عثمان بأنه ms30 لن ~~يراه مرة أخرى. ولم تكن تربطه به إلا زمالة قديمة وإحساس بالواجب ~~ولكنه وجد نحوه - في لحظته - أسى غير قليل. قال الكهل وهو يصافحه: ~~أتوقع ألا تنساني؟ # فقال بنبرة أحر من قلبه: معاذ الله .. # فقال الرجل برجاء: النسيان هو الموت. ~~- مد الله في عمرك. # ولم تكن لديه نية لزيارته، ولا هو جاء لتوديعه بدافع حقيقي من ~~عواطفه ولكن خوفا من أن يتهم بالجحود؛ ولذلك كربه ضميره وورعه ~~الديني، ومضى في طريقه لا يرى شيئا، ورغما عنه تركز تفكيره في ~~الدرجة الخامسة التي ستخلو بعد أيام. # وكانت مكانته قد تدعمت لدى مدير الإدارة فلم تعترض سبيله عقبة ذات ~~وزن. # ورقي إلى الدرجة الخامسة في نفس الشهر مع نقله رئيسا ~~للمحفوظات. # 16 # هبة قيمة تتخلق في الفراغ المشحون بالصبر. الوثبة الجديدة ~~وثبة حقيقية، وامتيازها الخطير أن رئيس المحفوظات يعرض بنفسه ~~الخطابات الهامة على حضرة صاحب السعادة المدير العام ليتلقى توجيهاته ~~وينفذها في سرية تامة. رضي الله عنه أخيرا ففتح له الباب العالي ~~الموصل إلى الحضرة الإدارية العليا. وهي فرصة سلطانية تطالبه ~~باستغلال جميع ما تمرس به من خبرة وثقافة ولباقة وإخلاص. ها هي ~~الحجرة المترامية كميدان التي يحلم بأن يحكم منها ذات يوم. الحلم الذي ~~يجب أن يتحقق ولو ضحى على مذبحه بجميع القرابين، الحلم المضنون به ~~على غير أهله من الأكفاء الذين يشترونه بمسرات الدنيا الرخيصة ~~العابرة. # وتفحص الحجرة بعناية بطولها الطويل وعرضها العريض، سقفها الأبيض ~~الأملس، ونجفتها الكرستال، وجدرانها المورقة، مدفأتها الموشاة ~~بالقرميد، بساطها الأزرق الذي لم يتخيل إمكان وجود بساط في طوله ~~وعرضه، وطاولة الاجتماعات ذات الغطاء الأخضر، والمكتب المتصدر بأرجله ~~الغليظة الملتوية وسطحه البلوري، وتحفه الفضية من وراقات ومحابر ~~وأقلام وساعة وسومان ونافضة وعلبة خشبية للسجائر من خان ~~الخليلي. # وتهيأت فرصة لاستراق النظر إلى المدير السعيد وهو مستقر فوق مقعده ~~الكبير، يطالعه بعينين داكنتين حادتين ووجه حليق، وطربوش غامق ~~الاحمرار، ورائحته الزكية، وشاربه الأسود المتوسط الطول والارتفاع، ~~وهالة الصحة التي تطوقه، وبدانته المتوسطة وإن لم يعرف على ms31 وجه ~~الدقة طوله، وتحفظه الراسي المهيب الذي يجعل من صداقته مطلبا عزيز ~~المنال. # ها هو يقف في حضرته، في متناول أنفاسه، في مجال رائحته الزكية، يكاد ~~يسمع نبضه، ويقرأ أفكاره، ويستلهم رغائبه، وينفذ - قبل البوح - ~~أوامره، ويقرأ المستقبل على ضوء ابتساماته، وقرة عين حلمه الأبدي ~~أن يجلس ذات يوم مكانه. # انحنى بأدب وورع وقال: صبحك الله بالسعادة يا صاحب السعادة. # فرفع إليه بصره مغمغما برد تحيته، فقال الآخر يقدم نفسه: عثمان ~~بيومي رئيس المحفوظات. # فقرأ في ارتفاع حاجبيه المستقيمين ابتسامة لم ترسم على شفتيه، فقال ~~مستزيدا من تقديم نفسه: الجديد يا افندم. ~~- والمترجم. أليس كذلك؟ # فقال بقلب خافق: نعم يا صاحب السعادة. # فقال بصوت منخفض: أسلوبك جيد .. ~~- إنه لشرف عظيم هذا التشجيع .. ~~- هل لديك مراسلات هامة؟ # راح يفتح المظاريف برشاقة ويعرض الخطابات ويتلقى في دقة ~~التوجيهات. انحنى مرة أخرى ثم غادر الحجرة ثملا بالأفراح. فكر في ~~طريق عودته إلى المحفوظات بأن حمزة السويفي يتراجع - في حياته - إلى ~~الظل حتى يدركه الظلام الذي ابتلع سعفان بسيوني وأن مستقبله أصبح منذ ~~الساعة بيد حضرة صاحب السعادة بعد الله ذي الجلال. وقال لنفسه: احذر يا ~~عثمان مغبة السير الرتيب، لا بد من وثبة أو وثبات .. # وقال أيضا: سعفان بسيوني قضى نصف مدة خدمته في الدرجة التي أسلمته ~~إلى المعاش! # وهو يحفظ عن ظهر قلب أن للإدارة وكيلين ولكن الوثبة لن تأتي إلا عن ~~طريق حمزة السويفي، بأن يرقى أو يحال إلى المعاش أو .. يموت! وامتعض ~~من نفسه كما يحدث له كثيرا، وابتهل إلى الله قائلا: أسألك اللهم ~~العفو والسماح! # وتساءل: لماذا خلقنا على هذه الصورة الفاسدة؟ # قل أن يرضى عن طبيعته ولكنه يسلم بواقعها، ويؤمن بأن طريقه ~~المقدس تتلاطم على جانبيه أمواج الخير والشر، وأن شيئا لا يمكن أن ~~ينال من قدسيته سوى الضعف والخور والقناعة والاستسلام للمسرات السهلة ~~وأحلام اليقظة. ~~- اغفر لي ذنبي أنني أحب المجد الذي بثثت حبه في نفسي يا ذا الجلال ~~.. # وتساءل نفسه بتصميم: كيف تقنع حضرة صاحب السعادة ms32 بفوائدك؟ .. هذه ~~المسألة. # كيف ومتى يتاح له تقديم الخدمات دون انحراف أو خزي؟ وهو دائن لا ~~مدين كما فعل مع حمزة السويفي؟ وفي نطاق الكبرياء والشموخ وإن يكن في ~~الحدود الرسمية بأدبها المعروف وكلماتها المعسولة؟ ~~- إن جهادي شريف أما العواطف والأفكار فهي ملك لله وحده .. # إنه يؤمن بأن الله خلق الإنسان للقوة والمجد، الحياة قوة، المحافظة ~~عليها قوة، الاستمرار فيها قوة، فردوس الله لا يبلغ إلا بالقوة ~~والنضال. # وحانت فرصة لا بأس بها عندما منح حضرة صاحب السعادة بهجت نور المدير ~~العام نيشان النيل. حبر مقالة في تهنئته نشرتها له صحيفة يمدها ~~عادة بمترجماته. نوه فيها بالحزم والخلق والدين والإدارة والمثالية، ~~قال إنه مثال للمدير الوطني الذي ظن يوما أنه لا يمكن أن يقوم مكان ~~المدير الإنجليزي. # وعندما دخل الحجرة العصماء لعرض البريد ابتسم صاحب السعادة له لأول ~~مرة، وقال له: أشكرك يا عثمان أفندي .. # فقال وهو ينحني: الشكر لله يا صاحب السعادة .. ~~- أما أسلوبك فمما تغبط عليه. # وآمن بأنه ليس بالنبيذ الجهنمي وحده يسكر الإنسان. ولكن السكر ~~لا يدوم. وكثيرا ما يعقبه خمار. ويخيل إليه أن عجلة الأيام تزيد من ~~سرعتها. غاية ما يذكر أن الزمان لم يكن موجودا. كانت حارة الحسيني ~~مكانا صرفا. لا خطورة للدرجة الخامسة في حياة رجل يتوسط العمر. رجل ~~يرفع رأسه دواما نحو النجم القطبي، يحبس نفسه في حجرته الصغيرة ~~المكتظة بالكتب. خير ما في حياته من طعام لحمة الرأس أو الكباب في ~~المواسم السعيدة. ولا يعرف من مسرات الدنيا إلا النبيذ الجهنمي وقدرية ~~الزنجية في الحجرة العارية. # إنه بحاجة إلى دفء إنساني حقيقي، إلى عروس وأسرة. لم يعد يحتمل أن ~~يحترق في الحياة وحيدا .. # ما أحوجه إلى أنيس في هذا الكون المكتظ بملايين الأكوان! .. # 17 # دعا أم حسني لزيارته. صنع لها القهوة بيده على موقده الكحولي. لعلها ~~شعرت بأنه يتهيأ للكلام في قلق عذب. قالت برجاء: قلبي يحدثني أنك ~~ناديتني لأمر، يشهد الله بأنني حلمت أمس ... # فقاطعها: لا داعي للأحلام يا أم حسني، ms33 أريد عروسا. # فتهلل وجهها وهتفت: يا ألف نهار أبيض .. ~~- عروس مناسبة .. ~~- ما أكثرهن! ~~- لي شروط يا أم حسني ، افهميني جيدا .. ~~- عندي البكارى والثيب، مطلقات وأرامل، الغنيات ومن هن على باب ~~الكريم .. # فقال بصوت حاسم: أبعدي فكرك عن حارتنا، عن حينا كله .. # فتساءلت بحيرة: ما هي أفكارك يا بني؟ ~~- أريد عروسا من أسرة كريمة .. ~~- عندك المعلم حسونة صاحب المطحن البلدي ... # فقاطعها بنفاد صبر: لا تفكري في حينا، عليك بالأسر الكريمة ~~.. ~~- تقصد؟ ~~- الأعيان .. كبار الموظفين .. أصحاب السلطة. # بهتت المرأة كأنما تسمع عن عالم فلكي جديد. ~~- الظاهر أنه لا حول لك في هذا المجال. # فقالت بيأس: تفكيرك غريب يا بني .. ~~- ليكن .. ~~- لا حول لي كما قلت ولكني أعرف أم زينب الخاطبة بالحلمية. ~~- عليك بها، وعند التوفيق سأعاملك كما لو كنت صاحبة الفضل الأول ~~.. # وهي تضحك: أنت بخيل يا سي عثمان. ~~- يا ولية يا ظالمة، هذا وعد مني، ورحمة أمي .. ~~- ربنا يوفق. ~~- ليس من الضروري أن تكون بكرا، لتكن أرملة .. مطلقة .. عانسا .. ~~لا يهمني الجمال - ولكن لتكن مقبولة - ولا يهمني السن ولا ~~المال. # هزت المرأة رأسها في حيرة فقال: عن الوظيفة والدرجة والشهادة ~~فليرجعوا إلى الوزارة، أما ... # وسكت قليلا ثم استطرد: أما الأصل فيمكن القول بأن الأب كان تاجرا ~~مثلا، هل يتحرون عن ذلك بدقة؟ ~~- نعم .. رحم الله والديك .. ~~- على أي حال قد يشفع لي شخصي، ولنجرب! # ومضت الأيام مرهقة وهو ينتظر. وكلما رجع إلى أم حسني أوصته بالصبر. ~~تخيل أسباب التأخير وقلبه يغوص في الظلام، وراح يتردد على مقام ~~الحسين. # وحدث في تلك الأيام أن تخلف عن العمل مدير الإدارة حمزة السويفي. ~~وعلم بأنه لزم الفراش لارتفاع شديد في ضغط الدم. وزاد من الحرج العام ~~أن الإدارة كانت بصدد إعداد الميزانية الجديدة. وقد عاده في مرضه، وجلس ~~قرب فراشه طويلا، وأبدى من الحزن والإشفاق ما أطلق لسان الرجل بالثناء ~~عليه والدعاء له أن يكفيه الله شر الأيام. وتذكر عثمان في جلسته أنه ~~لم يزر سعفان بسيوني، وأنه ترك أخباره تنقطع عنه كأنه رحل. ms34 وقال ~~مخاطبا حمزة السويفي: ارتح تماما، ولا تترك الفراش حتى تسترد عافيتك ~~بالكامل، ولا تقلق من ناحية العمل فإني والزملاء في خدمتك .. # فشكره الرجل وتمتم في قلق: مشروع الميزانية! # فقال له بيقين: سيعد بإذن الله، كلهم تلاميذك ويعرفون من العمل ~~تحت رياستك ما ينبغي عمله .. # أما في الوزارة فقد دار الحديث طويلا حول المريض ومرضه، قيل إنه ~~ربما اضطر حمزة بك إلى التقاعد أو التنحي على الأقل عن مهامه الرئيسية. ~~سمع تلك الأقوال باهتمام فخفق قلبه بسرور خفي تلقاه بسخط وقلق. ~~كالعادة، ولكنه هيج أحلامه ومطامعه. وإذا بالمدير العام يصدر قرارا ~~بتشكيل لجنة خاصة لإعداد الميزانية جعله مقررها. وتم اختياره عن ~~دلالة لا تخفى على أحد. أجل لم يشك أحد في كفاءته ولا في حكمة ~~القرار من هذه الناحية ولكن - قيل - ألم يكن اللائق أن تسند رئاستها ~~إلى وكيل الإدارة محافظة على الشكل؟! أما هو فكرس كل قواه لإعداد ~~المشروع حتى يبرز للوجود كاملا بلا هفوة واحدة. وتجلت مقدرته في ~~توزيع العمل وتنظيمه ومتابعة المعلومات المطلوبة من إدارات الوزارة على ~~حين تعهد هو بالموازنة الختامية وتحرير البيان. واقتضى العمل الاتصال ~~المباشر بحضرة صاحب السعادة والاجتماع به ساعة كل يوم وأحيانا ~~ساعتين، حتى حلت الألفة بينهما مكان الكلفة. وامتد الاجتماع يوما ~~أربع ساعات فأمر له بقهوة، وقدم له سيجارة ولكنه اعتذر شاكرا لكونه ~~غير مدخن. مرت أيام أترعت قلبه بالسعادة والزهو والأمل، ورضي الرجل عن ~~عمله فشعر برضى الله وإقبال الدنيا. وأعد للمشروع مقدمة مثالية حازت ~~إعجاب المدير بصفة خاصة فتربع على قمة النصر المبين. # ورجع حمزة السويفي إلى مكتبه مستردا صحته في اليوم الأخير لعمل ~~اللجنة، وأعلن عثمان أفراحه فعانقه داعيا له بطول العمر. قال له: كنا ~~كالضائعين فالحمد لله على سلامتك. # وتساءل الرجل: والمشروع؟ ~~- أعد، وكتبت المقدمة، هما معروضان الآن على صاحب السعادة، وسوف ~~تطلع عليهما غدا أو بعد غد، ولكن كيف حال الصحة؟ ~~- الحمد لله، أجروا لي حجامة، ووصفوا لي رجيما دقيقا، والأمر لله ~~من قبل ومن بعد. ms35 ~~- ونعم بالله .. ما هي إلا سحابة صيف .. # ألف في خدمته الطويلة انقسام الشخصية والعذابات الأخلاقية. كما ألف ~~الصدمات المتوقعة وغير المتوقعة. كهذه الصدمة مثلا. وجثم الفتور في ~~أعماق قلبه حتى اليأس؛ ولذلك فعندما خلت درجة رابعة في الإدارة ~~القانونية دفعه التوتر إلى الكلام. أول مرة تكلم فيها بلسانه بعد أن ~~اعتاد الكلام بأفعاله وخدماته. وبفضل الجو الذي خلفه العمل بينه ~~وبين صاحب السعادة قال له: لو تعطف حضرة صاحب السعادة بالموافقة فقد ~~يرى أن أستغل ثقافتي القانونية في الإدارة القانونية .. # ولكن الرجل قال بلهجة حاسمة: كلا، الإدارة القانونية وقف على أصحاب ~~امتيازات يحسن تجنب التعرض لها .. # آه .. كالعروس التي طال انتظاره لها. وامتعض ولكنه قال بخشوع: أمرك ~~يا صاحب السعادة! # ومضى نحو الباب ولكن صوت الرجل أدركه قائلا: اقترحت رفع درجة رئيس ~~المحفوظات إلى الرابعة في الميزانية الجديدة. # رجع في خطوة واسعة واحدة وانحنى حتى كاد رأسه يمس طرف ~~المكتب. # 18 # وثبة موفقة لا شك في ذلك. وإذا جرى الحظ بذلك المعدل فربما بلغ ~~المراد في اثني عشر عاما أو خمسة عشر، ويتبقى له عدد لا بأس به من ~~السنين يمارس فيه الإدارة الكبرى كصاحب سعادة. أما مهمة أم زينب فقد ~~باءت بفشل أكيد، لم يعد من مجال للشك في ذلك. ~~- رئيس المحفوظات رفض بلا عناء، مدير الإدارة ربما قبل، أما صاحب ~~السعادة فلا يمكن رفضه ولو بلغ أرذل العمر! # لا حصر للأسباب التي تدعوه للزواج. منه يستمد العون، ويبدد وحشة ~~القلب وعذابات الوحدة، ويرضي ورعه الديني الذي يرى عزوبته إثما. ~~قدرية تلعب دورا ملطفا في حياته المتوترة ولكنها لا تهيئ رحمة أو ~~حنانا أو مودة إنسانية، فضلا عن مضاعفتها لمشاعر الإثم. العزاء ~~الباقي هو العمل، والثقافة، والادخار، وكلما ضاق بتقشفه قال لنفسه: ~~هكذا عاش الخلفاء الراشدون! # وذات يوم وهو يعمل في المحفوظات بوغت بسعفان بسيوني يقف أمامه ~~مهدما مهزولا كأنه شبح يودع الحياة. نهض للترحيب به خجلان من ~~هول ما أهمله. وأجلسه وهو يقول بحرارة مفتعلة: أي فرصة سعيدة! ms36 # فاستجمع العجوز أنفاسه بجهد جهيد ثم تمتم: كم أوحشتنا يا رجل! # فهتف بأسف وندم: اللعنة على العمل، اللعنة على البيت ومن فيه، كم ~~إنني آسف يا صديقي العزيز .. # قال بصوت شاك: أنا مريض يا عثمان .. ~~- لا بأس عليك، بخير إن شاء الله، هل آمر لك بقهوة؟ ~~- لا شيء ألبتة، كل شيء ممنوع .. ~~- ربنا يرد لك الصحة والعافية .. # غاص في الحرج والضيق ولم يدر كيف يمكن أن تنتهي هذه المقابلة ~~التعيسة. وصمت سعفان قليلا ثم قال بانكسار وذل: إني في مسيس الحاجة ~~إلى ثلاثة جنيهات. # غص بالكلام ثم استدرك: للعلاج كما ترى .. # ارتعد عثمان. رأى أن الخطر يوشك أن يدهمه. بلا رحمة. هتف بطريقة ~~مؤثرة كالمطارد: يا للفظاعة، ما كنت أتصور، ما كنت أتصور أن أرد ~~لك طلبا، فضلا عن هذا الطلب بالذات، أيسر علي أن أسرق من أن أرفض ~~طلبك .. # فازدرد الرجل ريقه وقال بيأس: ولا جنيه واحد؟! ~~- ألا تصدقني يا أعز الناس؟! والله لولا الحياء، لولا الحياء ~~.. # يئس الرجل تماما. غرق في أفكار مجهولة. قام بصعوبة وهو يقول: إني ~~مصدقك، كان الله في عونك، ربنا يلطف بنا كلنا .. # دمعت عينا عثمان وهو يصافحه. دمعة حقيقية. لا تمثيل فيها. هي تكثيف ~~لبعض أبخرة الصراع المعذب الناشب في أعماقه. كاد يلحق به. لكنه لم ~~يتحرك. تركه يذهب. رجع إلى المكتب وهو يناجي نفسه: يا للعذاب! ~~.. # وقال: كان يجب أن نقد من صخر أو حديد لنستطيع تحمل الحياة ~~.. # وقال أيضا: الطريق طويلة جدا، عزائي أنني أقدس الحياة - نعمة ~~الله - ولا أستهين بها! # في نفس الأسبوع أبلغ بنعي سعفان بسيوني! فصدم صدمة عنيفة رغم أن ~~الأمر كان متوقعا. # ومن شدة ألمه صاح بنفسه: كف عن التألم، لديك من العذاب ما ~~يكفيك. # وتساءل: إني محسود فهل أنا سعيد؟ # وتساءل أيضا: ما السعادة؟ # ثم قال: سعادتنا الحقيقية أن الله موجود. # ثم بإصرار: إما أن نحيا وإما أن نموت! # 19 # الوقت كالسيف إن لم تقتله قتلك. بات خبيرا بقتل الوقت ولكن هل نجا ~~حقا من سيفه؟! ms37 أمس خلا إليه موظف جديد شاب ليسأله النصح في ~~مسألة خاصة فمهد لسؤاله بقوله: معذرة يا سيدي الرئيس، إنما أسألك ~~كوالد أو أخ أكبر! # وقع قوله من مسمعه موقعا غريبا حتى خيل إليه أنه يسخر منه! ~~كوالد! حقا كان من الممكن أن يكون له ولد في سنه. لم لا؟ ومع ذلك ~~فإنه لم يهمل قط في قتل الوقت. # ويوما قالت له أم حسني: أما هذه المرة فهي ناظرة مدرسة! # اهتز بسرور لا خفاء فيه. ولكن الناظرة زوجة صالحة، ربما، على حين ~~أنه يريد «مصعدا» فما العمل؟ # ولم يستطع أن يقاوم حب الاستطلاع فسأل العجوز: طاعنة في السن؟ ~~- عز الأنوثة .. خمس وثلاثون سنة على أكثر تقدير .. ~~- أرملة أو مطلقة؟ ~~- عذراء كما خلقها الله، لم يكن يسمح لهن بالزواج كما تعلم ~~.. # ولم يجد بأسا في أن يراها. رآها في السيدة. مقبولة المنظر والمبنى. ~~أثارته كما أثارته سنية من قبل. هكذا رآها وعلم أيضا بأنها ~~رأته. # وقالت له أم حسني في مقابلة تالية: لن تكلفك مليما واحدا ~~.. # فأدرك أنه حاز القبول .. وها هي تقترح أن تجهز نفسها وتعد بيتها ~~ولن يطالب إلا بالهين. قالت العجوز: الدبلة والشبكة وبعض النثريات، فهل ~~أقول مبارك؟ ~~- صبرك .. ~~- لها شرط واحد: أن يكون مؤخر الصداق مائة وخمسين جنيها .. # كل شيء جميل ويوافق تماما حرصه. وهو مناسب جدا إذا كان يروم إكمال ~~نصف دينه فقط، ولكن ماذا عن دنياه؟! رغم ذلك غرق في دوامة التفكير ربما ~~بسبب شعوره بتقدم العمر. بسبب الإيحاءات المجهولة التي انثالت عليه من ~~عالم الغيب. بسبب ما لاح له ساخرا وقاسيا وغادرا. بسبب الورود التي ~~لم يتشممها والأنغام التي تتردد بعيدا عن تناول أذنيه. بسبب التقشف ~~والحرمان. ومع ذلك قال لنفسه: أي تفكير وأي تردد؟ .. هراء في ~~هراء .. لن أجن على آخر الزمن! # وتمنى لو تنشأ بينهما علاقة ما. غير مقدسة! ولكنه يلقى رفضا أشد ~~مما لقي لدى سنية. والقبول ليس سعيدا كما يتبادر إلى الذهن. فهو ~~يقتضيه إعداد شقة وتأثيثها. وانقبض قلبه خوفا. وقال ms38 لأم حسني ~~ببساطة آخر الأمر: كلا. # فهتفت العجوز: أنت تعني شيئا آخر .. ~~- قلت: كلا .. ~~- أنت لغز يا بني. # فضحك بلا سرور. ~~- ماذا تريد؟ .. ألا تحب جنس النساء؟ # فضحك مرة أخرى: غفر الله لك .. # فقالت العجوز: أنا حزينة يا بني .. # فقال لنفسه، بالحزن يتقدس الإنسان ويعد نفسه للفرح الإلهي ~~.. # 20 # وجاءت أنسية رمضان وهو فريسة لمشاعر سوداوية طاحنة لا عهد له بها ~~بمثل تلك القوة من قبل. قال إنه تائه في صحراء قاحلة تتلظى بالنيران، ~~لم يفز بشيء ذي قيمة، الأمل طويل والعمر قصير، والماضي حقير، رغم ~~العواطف الشخصية الحميمة فهو حقير، رمزه الحقيقي قبر الصدقة والسجن، ~~والشهيد في أسرته، استشهد في جانب الظلم والبغي، وهو بلا صديق، انقطعت ~~الصلة تماما بينه وبين أقران صباه، له زملاء يحترمونه ويحسدونه ولكن ~~لا صديق له، الوحيد الذي يجالسه أحيانا في صفاء خادم في جامع ~~الحسين، والهبة الرومانسية في حياته الجافة حجرة عارية وبغي نصف ~~زنجية. # ما معنى هذه الحياة؟ # وهو كرس نفسه حقا لطريق الله المجيد ولكنه يغوص في الآثام، ~~ويتلوث ساعة بعد أخرى، ويبدو أنه لا يقاوم الموت بما فيه الكفاية من ~~قوة. ~~- كأنها لعبة خاسرة! # في الأتون المتقد، وهو يتلظى في جحيمه، وفدت على المحفوظات نسمة ~~لطيفة ذات عبير جديد؛ جديد على المحفوظات والإدارة العامة بكل معنى ~~الكلمة. كانت أول فتاة تلحق بالإدارة وبالمحفوظات بالذات. سمراء ~~رشيقة متناسقة القسمات بسيطة الملبس. أثار منظرها ارتباكه ودهشته وعطفه ~~وهي تقف أمام مكتبه مقدمة نفسها. دعاها للجلوس وهو يلمح رءوس ~~الموظفين تبرز من بين صفوف دواليب شنن. إنهم يتعجبون ولا ~~يصدقون. ~~- أهلا بك .. ~~- متشكرة، اسمي أنسية رمضان. ~~- تشرفنا، يبدو أنك صغيرة جدا؟ ~~- كلا، ثمانية عشر عاما! ~~- عظيم .. عظيم .. وما شهادتك؟ ~~- بكالوريا علمي .. ~~- جميل، لم يا ترى لم تكملي تعليمك؟ # وندم على ما فرط من سؤاله. عاودته ذكريات أول يوم في خدمته في حجرة ~~حضرة صاحب السعادة المدير العام. أما الفتاة فأجابت بحياء: ظروف ~~اضطرتني إلى الاكتفاء بذلك. # ولعن الظروف ولكنه تعزى باشتراكهما التاريخي في ms39 هم مخيف واحد. ~~قال ملاطفا: إنك تذكرينني بنفسي، ولكن اعلمي بأنني أكملت تعليمي ~~وأنا موظف، وأن الأبواب المغلقة خليقة بأن تفتح أمام الهمة العالية ~~.. # فغامت عيناها برنوة حزن وقالت: ولكننا نعايش مجتمعا فظا سيئا ~~.. # وجد الأفكار «الثورية» التي يجهلها ويتجاهلها تهدد بمطاردته ~~كالعادة فقال بإصرار: الاعتماد على النفس خير من مهاجمة المجتمع، الله ~~يأمرنا كأفراد ويحاسبنا كأفراد، وشق طريقك وسط الصخور خير من تسول ~~صدقة من المجتمع، الظاهر أنك تهتمين بالسياسة وبما يسمونه بالأفكار ~~الاجتماعية؟ ~~- إني أومن بذلك .. ~~- هذا يعني أنك لا تؤمنين بنفسك، أنا لا أعرف إلا عزيمتي وحكمة الله ~~المجهولة! # فابتسمت ولم تعلق بحرف فابتسم أيضا وقال: سأعهد إليك بالوارد فهو ~~أنسب عمل للموظف الجديد .. ~~- شكرا يا سيدي .. ~~- وسأنتظر منك دائما ما يجعلك أهلا للثقة .. ~~- أرجو أن تجدني عند حسن ظنك .. ~~- وإذا صادفتك مضايقات من الزملاء فلا تترددي عن إخباري. ~~- أرجو ألا أحتاج لذلك. # وعهد بها إلى موظف ليمرنها على العمل قائلا باقتضاب: سركي ~~الوارد .. # شعر بأن المحفوظات تثب وثبة موفقة نحو الحياة المضيئة، وأنها لن تخلو ~~بعد اليوم مما يحرك القلب والعواطف، وتبددت بعض الشيء سحب الذكريات ~~السوداوية، وتذكر بدلا من ذلك سيدة وسنية وأصيلة ناظرة المدرسة ~~وقدرية فقال لنفسه: إن عالم النساء لا نهاية لتنوعه وعذوبته ~~وعذاباته. وتساءل في حيرة: أيهما الغاية وأيهما الوسيلة، المرأة أم ~~الدرجة؟! # وقال أيضا: رجال كثيرون عاشوا بلا درجات ولكن من منهم عاش بلا ~~امرأة؟ # في مثل سنه يفكر الإنسان مرتين. قد يضيق بصحبة الكتب ويتأفف من ~~العمل، ويشق عليه الحرمان والتقشف ويطارده الماضي بلا رحمة. في مثل سنه ~~تشتد الحساسية بالعزلة والوحشة، وبالانتظار المؤرق لمجد يتعسر. وأمس ~~قال له حمزة السويفي ضاحكا: ها هي شعرة بيضاء في رأسك يا عاهل اللوائح ~~المالية! # فزع كأنما ضبط متلبسا بجريمة، وقال: لعل المنظر خدعك يا سيدي ~~المدير. ~~- لتكن المرآة حكما بيني وبينك فانظر جيدا في البيت .. # فتمتم منهزما: جاءت قبل الأوان. # فقال مدير الإدارة ضاحكا: أو بعد الأوان، لقد عرفت الشيب وأنا أصغر ms40 ~~منك بعشرة أعوام .. # وضحك المدير طويلا ثم قال: أمس دار حديث عنك مع بعض الزملاء، ~~تساءلنا بحيرة كيف تعيش؟ قلنا إنك لا تظهر في طريق أو مقهى أو حفل فأين ~~تقضي وقتك؟ وقالوا إنه غير متزوج فلماذا يعيش؟ وقالوا إنه لا يهتم لشيء ~~مما يهتم به الناس فماذا يهمه حقا في الدنيا؟! # فابتسم في فتور وقال: يؤسفني أنني شغلت بالكم .. ~~- إنك رجل قادر وفاضل ولكنك غامض، ماذا يهمك في هذه الدنيا؟ # فقال وقلبه يلهث حيال حصار التحقيق: لا غموض يا حمزة بك، إني رجل ~~هوايته الواجب وقرة عينه في عبادة الله .. ~~- ونعم بالله، أرجو ألا أكون قد ضايقتك، المهم أن يرضى الإنسان عن ~~نفسه .. # ولكن أين الرضى أين؟! # ها هي طليعة الشيب تغزو رأسه، والحياة المجيدة تنقضي كالحياة ~~التافهة، وكم يتبقى له من الزمن يا ترى؟! # 21 # وقال له حمزة السويفي يوما في مناقشة على هامش العمل اليومي: ~~السعادة هي غاية الإنسان في هذه الحياة .. # فقال عثمان بازدراء باطني: لو كان الأمر كذلك لما سمح سبحانه ~~بخروج أبينا من الجنة .. ~~- إذن فما الهدف من الحياة في نظرك؟ # فأجاب باعتزاز: الطريق المقدس .. ~~- وما هو الطريق المقدس؟ ~~- هو طريق المجد، أو تحقيق الألوهية على الأرض! # فتساءل حمزة بدهشة: أتطمح حقا إلى سيادة الدنيا؟ ~~- ليس ذلك بالدقة، ولكن في كل موضع يوجد مركز إلهي .. # ورمقه الرجل بنظرة غريبة فقال لنفسه - نادما - إنه يظن بي الجنون ~~.. # وتطايرت شائعة بأن حضرة صاحب السعادة بهجت نور سينقل إلى وزارة ~~أخرى، فخفق قلبه خفقة كاد يخلع لها. لقد فعل المستحيل حتى حاز ثقته ~~فمتى يحوز ثقة القادم المجهول؟ ولكن الشائعة لم تتحقق .. ويوما سلمه ~~مجموعة ضخمة من الأوراق قائلا: هذه أصول ترجمة كتاب عن الخديوي ~~إسماعيل، ترجمتها في نصف عام! # نظر عثمان إلى الأوراق باهتمام فقال صاحب السعادة: يهمني أن تراجع ~~الأسلوب، أسلوبك فذ حقا .. # تلقى التكليف بسعادة شاملة، وأكب على العمل بهمة وقوة ~~وعناية فائقة. وفي شهر واحد أعاده إلى صاحب السعادة في صورة بيانية ~~كاملة. ms41 بذلك قدم الخدمة التي تلهف طويلا على تقديمها، وأصبح رصيده ~~عند صاحب السعادة دائنا، وحظي - عند كل لقاء - بابتسامة لا يحظى بها ~~المقربون. # رغم ذلك كله ألهبه الجزع بسياطه، ورأى الزمن يجري حتى توارى في الأفق ~~تاركا إياه وحيدا في الخلاء مع طموحه المقدس. ومن نفاد الصبر مضى إلى ~~قارئة فنجان في التوفيقية، نصف مصرية ونصف إفرنجية، تناولت فنجانه ~~وراحت تقرؤه وهو يتابعها باهتمام لا يخلو من خجل ويقول لنفسه إنه ما ~~كان يجوز له أن يؤمن بهذه الخرافات. قالت له: صحتك ليست على ما يرام ~~.. # الصحة جيدة بلا ريب. ولكن صحته النفسية عليلة. لعلها صدقت على أي حال ~~.. # قالت المرأة: سيأتيك مال وفير ولكن من خلال متاعب كثيرة. # إنه لا يطلب المال وإن يكن حريصا على كل مليم يجيئه. لعلها تقصد ~~علاوات الترقية المقدرة في عالم الغيب. ~~- وعدو لك سيذهب في طريق فلا يعود منه .. # الأعداء كثيرون. يختفون وراء الابتسامات الخلابة والكلمات ~~المعسولة. في طريقه يوجد وكيل إدارة ثالثة ووكيل آخر ثانية ومدير إدارة ~~أولى. جميعهم أصدقاء - أعداء كما تقضي به إرادة الحياة الطاهرة ~~القاسية. # وفي حياتك زيجتان .. # إنه لم يوفق إلى الزواج من واحدة، ولكن هذا هو جزاء من تدفعه الوساوس ~~إلى الوقوع في أحضان الخرافات. وتذكر في طريق عودته أنسية رمضان. ~~في طريق الصحة والأناقة تتقدم؛ فنعمة الوظيفة سرعان ما تتجلى على ~~الفقراء. هو رئيسها الحنون. تربطهما علاقة إنسانية رقيقة مهذبة يتعذر - ~~حتى الآن - تسميتها. على أي حال لم يعد يتصور المحفوظات بغير وجودها ~~العطر. # ولما رجع إلى حجرته لحقت به أم حسني وقالت له باهتمام أثار ~~ابتسامته: ست أصيلة هانم عندي وهي .. ~~- الناظرة؟ ~~- نعم، وهي تريد أن تستعين بك في بعض شئونها. # أدرك في الحال أن المرأة جاءت لتطوقه بضفيرتها. وانساق إلى ~~المغامرة بغريزته المتطلعة. صافح أصيلة لأول مرة. كانت ترتدي فستانا ~~أزرق يكشف عن نحرها وساعديها، ويبرز مفاتنها. ها هي تعرض عليه نفسها ~~مهما ادعت من أسباب حقيقية أو وهمية. وأثارته كما أثارته سنية ~~وقدرية. ms42 إنهن نمط واحد. شهي مثير لا خير في الزواج منه. وقالت ~~أم حسني: سأذهب لأعد لكما القهوة .. # لها تكتيك واحد العجوز الساعية وراء الحلال. وها هما يجلسان على كنبة ~~واحدة لا يفصلهما إلا وسادة. أمال رأسه ليستوي شاربه مرسلا طرفه إلى ~~ساقها المدمجة المغروسة في حذاء ذي كعب واطئ أشبه بكعوب أحذية ~~الرجال. ~~- تشرفنا يا هانم. ~~- ولي عظيم الشرف. # تشابكت يداها فوق حجرها وقالت بثبات دل على قدرتها على مواجهة ~~المواقف: لي استفسار من فضلك. ~~- أفندم؟ ~~- أملك قطعة أرض نزعت ملكيتها، أظنك تفهم هذه الشئون؟ ~~- طبعا. ~~- الطريق المزمع إنشاؤه يغطي أغلبها ولكنه يترك أجزاء لا يمكن ~~الانتفاع بها؟ ~~- أعتقد أن التعويض عن ذلك يراعى عند تقدير الثمن. ~~- ولكن الإجراءات معقدة كما تعلم! ~~- لك أن تعتمدي علي .. # بقدر ما شعر بقوة شخصيتها بقدر ما يئس من إغرائها. إنها مستعدة ~~للزواج وما جاءت في الواقع إلا من أجل ذلك، أما أن ترضى بعلاقة غير ~~مشروعة معه فيبدو أمرا مستحيلا. ورجعت أم حسني، ومضيا يحتسيان ~~القهوة في صمت تام، لعلها أصلح زوجة من أكثر من ناحية ولكنها ليست ~~من يريد. وهبطت من السماء صورة أنسية رمضان فجلست بينهما ومحت ~~المرأة محوا. منذ عهد السبيل الأثري لم يتحرك قلبه كما تحرك لهذه ~~الفتاة الصغيرة. لانت أعصابه المتوترة وصفت نفسه وتلقى من الخيال ~~نسمة منعشة أذكت أسمى عواطفه. ولما ذهبت المرأة وجد أم حسني تنظر ~~إليه باهتمام تريد أن تطمئن على الوظيفة الحيوية التي ترعاها بعملها ~~وإيمانها. باتت العجوز تعبد الزواج والإنجاب والأفراح وتسبح لله في ~~معجزة الحب التي أبدعها. ولما طال سكونه قالت برجاء: لعلك غيرت ~~رأيك؟ ~~- لماذا؟ ~~- ألم تر أنها مثل فلقة القمر؟ # ولبث جامدا رافضا ممتنعا عن تناول يدها الحنون. فقالت باستياء: ~~قالوا في الأمثال ... # غادر الحجرة قبل أن يسمع المثل. يا للخسارة! إذا لم يسعفه زواج قيم ~~فقد يتبدد سعيه ويهدر أمله في وسط الطريق. وحياته أصبحت مثار تساؤلات ~~وانتقادات لا حصر لها؛ فأناس يتساءلون لم لا يتزوج وينجب ويألف ~~ويؤلف؟ ms43 وأناس يتساءلون كيف ينحصر في ذاته متجاهلا الأحداث التي تقع من ~~حوله فينفعل بها المواطنون حتى الموت؟ وما هي الهموم التي تشغلهم ~~وتستحوذ على أفئدتهم؟ إنها تتطاير مع أحاديثهم الصاخبة وتعطل ~~أعمالهم. دواما يتحدثون عن الأولاد والأمراض والطعام ونظام الحكم ~~وصراع الطبقات والأحزاب والحكم والأمثال والنكات. إنهم لا يحيون حياة ~~حقيقية ويفرون من واجبهم المقدس. يجفلون من الاشتراك في السباق الرهيب ~~مع الزمن والمجد والموت وتحقيق كلمة الله المضنون بها على غير ~~أهلها. # 22 # جاءت أنسية رمضان لعرض ميزان البريد الشهري. كان صباح يوم من أيام ~~الخريف والجو الرطيب يتسلل إلى حنايا النفس بالأسى العذب. نقل بصره بين ~~الجدول الذي يراجعه وبين أصابع يديها المبسوطة على حافة المكتب. خيل ~~إليه أن شيئا ما يتحرك في إحدى يديها. يتحرك ويقترب في زحف رشيق كأنه ~~كلمة سر. يقينا أنها علبة صغيرة دستها بخفة تحت السومان بعد توكدها من ~~رؤيته لها. ~~- ما هذا؟ # تساءل بصوت منخفض يتناسب غريزيا مع الحذر الذي اكتنف الحركة من ~~أولها. رفع السومان قليلا فرأى علبة معدنية مفضضة بحجم نصف الكف. ~~تساءل مرة أخرى: ما هذا؟ # همست بوجه كالأرجوان: هدية بسيطة .. ~~- هدية؟! .. ولكن ما المناسبة؟ ~~- مناسبة سعيدة .. # بذهول وتشتت من شدة الانفعال: حقا؟ ~~- ألا تتذكر؟ # قال رغم أنه تذكر: ماذا؟ ~~- اليوم عيد ميلادك! # تلقى موجة مترعة بنشوة الفرح. اليوم عيد ميلاده أو تاريخ ميلاده على ~~الأصح. ولكنه يوم يمر كالأيام، ربما تذكره قبل حلوله بأيام أو بعد ~~انقضائه بأيام أو حتى في ذات اليوم دون أن يكون لذلك أي أثر اللهم ~~إلا مضاعفة الجزع على المستقبل. لم يحتفل به أبدا. لم يعرف ذلك ~~التقليد. ولم تعرفه حارته العتيدة. ها هي أنسية تبشر بتقاليد ~~جديدة، وجديدة أيضا مناورتها الطاهرة في التودد وقدرتها البارعة في ~~فتح أبواب الرحمة. ~~- الحق أني لا أعنى بتذكره .. ~~- شيء غريب! ~~- ولم كلفت خاطرك بذلك؟ ~~- تحية متواضعة جدا. ~~- إني عاجز عن شكرك. ~~- لا داعي لذلك مطلقا. ~~- كم أنك رقيقة مهذبة ولكن كيف عرفت تاريخ ميلادي؟ # وضحك ثم ms44 قال مستدركا: آه .. نسيت .. اطلعت على ملف خدمتي الإداري ~~وفضحت سني؟! ~~- إنه سن العقل والنضج .. # مد لها يده فتصافحا. ضغط على يدها الرقيقة كغشاء من حرير. انثالت ~~عليه الأفكار المعذبة طيلة الوقت. سيرد الهدية بأحسن منها في عيد ~~ميلادها الذي سيعرفه من ملفها الإداري أيضا. ورغم سعادته المشرقة ~~تمنى لو أنها اختارت وسيلة للتحية لا علاقة لها بالنقود، فإنفاق ~~النقود يؤلمه ويخل بميزان حياته. ولكنه لم يهتم طويلا. إنه ينزلق ~~في هاوية، يطير نحو المجهول، مفعم القلب بالمسرة والحنين. وقد ضغط ~~على يدها فتلقت ذلك بابتسامة واعية راضية ومشجعة أيضا. وماذا ~~بعد ذلك؟ هل يتفق وطريقه الأوحد؟ إنه يواجه ما هو أعظم من موقف دقيق ~~عابر مفعم بعبير ساحر، إنه يواجه المجهول والقدر. إنه يطرق الباب ~~الذي يوقفون وراءه الزمن أو يرجعونه خطوة إلى الوراء. وثمة نداء ~~تردد أن ارجع وإلا هلكت! ولكن لم تستجب له أذن ولا قلب. # وقفت في اليوم التالي قبالته تراسله بنظرات تفيض بالطاعة والعذوبة. ~~حرقت الحرارة رأسه وعنقه. انجذبت أصابعه إلى ملامسة أصابعها فوق ~~الدوسيه المبسوط بينهما. أفضى إليها بتوجيهات مدغمة لا معنى لها. ~~وفتشت عيناه المكان بحذر. مال رأسه حتى لثم فاها. تراجع إلى مقعده ~~وهو ينتفض، يرتعش، يحترق، ثملا بخمر الحياة والخوف من المجهول. # 23 # وكان لقاء قبيل عصر الجمعة. تم نتيجة لتيار من الاستسلام لا يقاوم ~~وبأمل في النجاة آخر الأمر. سماه تدهورا ولكنه كان محفوفا ~~بالسعادة. ولم تكن له خبرة بأماكن اللقاءات السعيدة فاقترحت هي حديقة ~~الأزبكية ولكنه اعترض قائلا إنها مكان مكشوف تحدق به الأعين من جميع ~~الجهات. أما حديقة الحيوان فهي بعيدة بما فيه الكفاية، مهجورة، خارج ~~العمران، ممتنعة عن الرقابة، يخوض الترام إليها حقولا وخلاء. ومشيا ~~جنبا لجنب يستمتعان بحياة «حقيقية» في الساعات السابقة لميعاد ~~الإغلاق. لم يكن رأى الحديقة منذ زارها في رحلة مدرسية. ولم تكن لديه ~~فكرة عن أصول اللقاء، ما يقال وما لا يقال. ما يفعل وما لا يفعل. ~~سارا صامتين سعيدين ولكن ثمة إحساسا ms45 غير مريح ناوشه، بأن اللقاء ~~حدث شاذ وخطأ، بأنه ما كان ينبغي أن يستسلم. ودفعا لارتباكه ~~ولمشاعره المحبطة أبدى إعجابه بالأشجار والقناطر والجبلاية والجداول ~~والبحيرات وبأنواع شتى من الحيوان. ولبث مقتنعا بأنه لم ينطق بكلمة ~~مفيدة بعد، وبأنه يحاول الهرب بعد فوات الأوان. وسارت إلى جانبه تسيل ~~عيناها بنظرة حالمة وظافرة، مرفوعة الرأس، مسددة النهدين، يوحي منظرها ~~بأنها مندفعة في مجرى من المطالب لا أفق له، وأنها تلتهم في نفسها ~~أجمل أسرار الحياة. وتلاقت عيناهما فقرأ في ألقهما البراءة الناصعة ~~والمكر العذب وسيالا من الرغبات المجهولة. قالت محتجة: حتى وأنا ~~موظفة لا أستطيع أن أخرج إلى مثل هذا اللقاء بسهولة .. # فندت عنه نبرة أبوة مضحكة وهو يقول: لا تغضبي من أجل ذلك يا ~~عزيزتي .. ~~- ولكنه غير طبيعي ومهين .. ~~- ترجمة غير دقيقة لعواطف الأمهات والآباء. ~~- لا أعتقد أنك تؤمن بذلك .. ~~- حقا؟! # فضحكت في ثقة كاملة ثم قالت مستدركة: لو عرفت ماما أنني سألقاك ~~لما مانعت فيما أعتقد. # فقال بقلق: ولكنها لم تعرف؟ # فعادها الضحك، وسكتت قليلا حتى جف ريقه تماما، ثم قالت: اللقاء ~~سر كما اتفقنا. ~~- طبعا يا عزيزتي. ~~- الحق أني غير مقتنعة .. # واضح جدا أنها تود أن تعمل في النور. وما يعنيه ذلك واضح أيضا ~~.. ترى هل بات تحت رحمتها؟ هل ترغمه الظروف على قبول ما ليس في مخططه؟ ~~هل تحاصره عناصر هدم تبدد بصفة نهائية حلمه الوحيد المقدس الممتنع؟ ~~.. وتحدى من خلال خواطره المخيفة المجهول فأنذره بالقتل، حتى خجل من ~~أفكاره وهو يلحظ الغزال الأسمر الذي يثب متأبطا ذراعه في فرحة ~~تباركها السحائب السابحة في سماء الحديقة. وسرعان ما صفت نفسه فدفن ~~وساوسه، وهادن آماله الملحة، ليذوب في المفاتن المشرقة، ويتذوق ~~السعير المشتعل في جوفه. ووجد أن كوعه يلامس جسدها اللدن، ويتلقى ~~من مجاهيله الفتية إشعاعات من السحر، تفرس المكان حوله بنظرة ~~متلصصة آثمة، ثم لثم خدها، وعنقها، ثم التقت شفتاهما. قال بصوت لم ~~يعرفه: أنت فاتنة يا أنسية. # فابتسمت في حياء وسعادة فقال بحرارة: أود أن .. # وسكت هو ms46 يتنفس بصوت مسموع فتساءلت: هه؟ ~~- كأنني أعرفك منذ الأزل .. # فابتسمت في رضى وإن طالبت عيناها بالمزيد. قال: ما أجمل المكان! كل ~~شيء ينطق بجمال صارخ .. ~~- أنت تحب الطبيعة! # وقع القول من أذنه موقعا غريبا وساخرا بقدر بعده عن واقعه. قال: ~~أنت التي جعلت كل شيء جميلا .. ~~- لا تبالغ، أتحب أن أصارحك بشيء؟ ~~- جدا! ~~- تبدو عادة غير مهتم بشيء. ~~- حقا؟ .. وهل صدقت ما يبدو؟ ~~- لا أدري، ولكنني شعرت بأنك لغز بقدر ما أنت طيب .. ~~- لا معنى لذلك كله، الحقيقة الوحيدة المسلم بها هي أنك فاتنة ~~.. ~~- وبعد؟ ~~- وما بيننا يجب أن يبقى إلى الأبد مهما يكن المصير! ~~- المصير؟! ~~- ألم يخبرك الملف الإداري بشيء غير طيب؟ ~~- أبدا. ~~- أنت أجمل شيء في حياتي .. # فقالت بهدوء واستسلام: وأنت كذلك .. # فلثم خدها من جديد وهو يضغط على راحتها بقوة وهمس: ما أشد حيرتي بين ~~ما أريد وما أستطيع. ~~- هل تريد شيئا ولا تستطيعه؟ ~~- الدنيا مليئة بالرغائب الممتنعة .. ~~- حدثني عما يخصني أنا .. # لها حق. ما زال فوه يندى بقبلتها. ما زال كوعه يلامس فتنتها ~~الطرية، وهما يختالان أمام الفيل الذي يرفع خرطومه تحية لهما. ~~- ليكن ما بيننا سرا. ~~- لماذا؟ ~~- كي لا يسيء أحد بنا الظن. ~~- ولماذا يسيء بنا الظن؟ ~~- هكذا الناس. ~~- لا سوء بيننا. ~~- ولكن هكذا الناس يا عزيزتي. # ضحكت بمرح وتساءلت: أدعوتني يا أستاذي لتعظني؟ ~~- دعوتك لنتعارف ولأتوكد من أن قلبي على حق. ~~- وماذا كانت النتيجة؟ ~~- آمنت بأن القلب خير دليل! # تساءل طيلة الطريق لم لم يعترف لها بحبه صراحة؟ لم لم يطلب يدها؟ ~~وعلى فرض أنها ستقلب حياته رأسا على عقب وستقيم له في محراب الحياة ~~قبلة جديدة أليست هي أقدر على إسعاده من النجم القطبي؟! # 24 # جاءت أصيلة حجازي «الناظرة» بحجة السؤال عن نتيجة مسعاه. بذلك أخبرت ~~أم حسني وهي تدعوه إلى شقتها. كان يعاني من همومه الثابتة بالإضافة ~~إلى الحب الذي غزاه ليبلغ بحدة الصراع في نفسه درجة الجنون؛ لذلك رحب ~~بزيارة أصيلة حجازي ليهرب من نفسه ولو ارتكب في سبيل ذلك حماقة ms47 مأمونة ~~العواقب. كان بحاجة إلى الهرب ولم تكن قدرية في متناول يده كل يوم. ~~صافح الناظرة. جلس وهو يقول: مسألتك تسير في طريق الحل .. # سرعان ما غنت مفاتن جسدها لحنها الجهنمي على أوتار فستانها المنقوش ~~بالورد. وتساءلت وهي ترنو إليه بمودة: هل أنتظر طويلا؟ # رأت أم حسني أن تذهب لإعداد القهوة فركبه تصميم جنوني على حسم ~~الموضوع، وتوجيه ضربة غير متوقعة مستهينا بالعواقب. قال: لن تنتظري ~~طويلا .. ~~- بفضلك. ~~- الحق أن كل شيء يتوقف على قوة أعصابك. ~~- الظاهر أنه ينبغي أن أنتظر بعض الوقت؟ # فقال بنبرة جديدة تماما كأنما يفتتح بها موضوعا جديدا لا صلة له ~~بما قبله: اسمحي لي أن أصارحك بإعجابي! # فغضت بصرها موردة الوجنتين فقال: إنه إعجاب صادق، إعجاب رجل بامرأة، ~~أنت تفهمين ذلك .. # فلم تنبس ولكنها تبدت سعيدة وعلى وشك دخول الجنة .. ~~- ولكن يجب الحذر، يلزم المصارحة بأمر آخر لعله لا يروقك .. # لمحته مستطلعة فقال: فكرة الزواج مستحيلة! # راقبها وهي تتحول إلى رماد ثم قال بجرأة وبلا رحمة: عندي ألف سبب ~~وسبب والدنيا أسرار .. # تساءلت بصوت مريض: ماذا دعاك لمصارحتي بذلك؟ # فقال بلهجة مؤدبة وهو يمعن في قسوته: لسنا مراهقين فلنتكلم كراشدين ~~ولنبحث عن سعادتنا بإخلاص وشجاعة .. ~~- لا أفهم شيئا. ~~- حسن، إني معجب بك ولكني أعزب أبدي. ~~- لماذا تقول لي ذلك؟ ~~- ربما وجدت عندك حلا للحال المستعصية. # فقالت باستياء شديد: إنك تجرح كرامتي بأسلوب غير إنساني .. ~~- اعفي عني، إني أصارحك بدافع من عذاب شديد .. # لاذت بالصمت مقطبة فقال: يمكن أن تهبنا الشجاعة سعادة لا يستهان ~~بها. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- ألا يكفي أن أتكلم بالإشارة؟ ~~- لا أظن أني فهمت قصدك .. # فقال بقحة لم يعهدها في نفسه من قبل: يلزمنا مكان آمن نلتقي ~~فيه. # هتفت: عثمان أفندي! # فقال بدون مبالاة: سيكون مأوى رحيما لاثنين في حاجة إلى الحب ~~والمعاشرة .. # قامت غاضبة وهي تقول: إما أن تذهب أو أذهب أنا .. ~~- سأذهب ولكن فكري بالأمر بروية وعقل، ولا تنسي أنني رجل ~~فقير! # 25 # لم تعد شعرة بيضاء واحدة يتعذر اكتشافها. كل فترة ms48 تطل شعرة جديدة ~~بنظرة بيضاء باردة تنذر بإيقاع جديد للحياة. لعبة طارئة يتجرعها ~~الإنسان بلا استساغة، ثم يجد نفسه وجها لوجه مع الحتم المؤجل. ويلقي ~~نظرة على الحياة شاملة، يزن أعماله، يقيم ثماره، يتلقى أنفاس ~~المجهول بامتعاض، يتوثب أكثر للصراع، يسلم بالهزيمة، ولكنه يأمل أن ~~تحل مقدسة. لا خطوة قريبة في سلم الترقية، مدخره يتصاعد، توتره ~~يشتد، جهده يتضاعف، علاقته بأنسية تتوطد ولكن في حذر، أما قدرية ~~فتستحق أن توصف برفيقة العمر. في أعقاب صلاته يخاطب ربه: ما الحياة ~~بغير وجودك يا رب. # ولكن يبدو أن الآخرين لا يتماسكون مثله، فقد دق جرس التليفون ذات ~~يوم فإذا بالمتحدثة أصيلة حجازي الناظرة: أشكر لك وساطتك ~~المثمرة. ~~- العفو يا افندم. ~~- وكيف حالك؟ ~~- عال. الحمد لله. ~~- إني سعيدة بسماع ذلك .. ~~- شكرا. ~~- ربنا لا يحرمنا منك. ~~- كلك إنسانية. # ومضت ثوان من الصمت ثم واصلت: ولكن لي عليك عتاب. ~~- لا سمح الله. ~~- تركتك آخر مرة غاضبا، ألا تذكر؟ ~~- آسف، لم يوجد سبب للغضب. ~~- أتعتقد ذلك؟ ~~- نعم. ~~- ولكنك لم تسأل عني؟ ~~- آسف، لم أعرف رقم تليفونك. ~~- ولكني عرفت رقم تليفونك. ~~- أكرر الأسف. ~~- تمنيت أن تلطف الموقف بكلمة حلوة .. ~~- إني على أتم الاستعداد. ~~- حقا؟ ~~- بكل توكيد. ~~- كيف؟ ~~- لنتفق على ذلك! # وهي تضحك ضحكة مكتومة: أوما زلت تشكو الفقر؟ ~~- إنه قدر لا مفر منه. ~~- من حسن حظنا أن عندي من المال الكفاية. ~~- ربنا يزيدك. ~~- هل تتوقع أن أصارحك أكثر من ذلك؟ ~~- إني على أتم الاستعداد! ~~- عظيم .. ليقم كل منا بما يخصه! # ما هو بالاستسلام ولكنه الانهيار. يستطيع أن يتخيل الواقع وراءه. ~~العمر بها يتوسط ويميل نحو المنحدر، وهي تعاني الوحدة وترتعد أمام ~~الشيخوخة المقبلة، لا شباب ولا جمال حقيقي. ثمة معركة لم يشهدها ولكنه ~~يرى عواقبها المحزنة. ماذا يفعل؟ إنه يخاف أنسية ولا رغبة له حقيقية ~~في أصيلة، يتمنى في لحظات يائسة لو يموت قلبه وتخمد شهوته لتطمئن نفسه ~~في مسيرتها المضنية. وقال لنفسه في أسى: إني أعذر من يظنون بي ~~الجنون! # 26 # متى وكيف يفرغ للبحث عن ms49 شقة وتأثيثها؟ ترك الأيام تمر وهو لا يفعل ~~شيئا. أهمل الموضوع جملة وتفصيلا حتى وجدها - أصيلة - تقف أمام ~~مكتبه! ابتسم مرحبا وهو يلعنها في باطنه. قالت: معذرة عن جرأتي ~~.. # فابتسم صامتا. فقالت: لم يعد التليفون يكفي كي أفهمك .. # فقال بجدية تناسب مكان العمل: واضح أن الفراغ معدوم في هذه ~~الأيام. ~~- ماذا فعلت؟ ~~- لا شيء. ~~- أبدا؟ ~~- لم يسمح العمل بدقيقة، صدقيني .. # كانت تتكلم بجرأة أشبه باليأس، حال من نفد صبره واشتدت مخاوفه. قالت: ~~توقعت أن أجدك أكثر حماسة .. ~~- الرغبة متوفرة أما الوقت فلا وقت عندي. ~~- توجد شقة في روض الفرج .. # ومدت يدها بورقة مطوية واستطردت: إليك العنوان، عاينها بنفسك واشرع ~~في تأثيثها. # ثم بنبرة إغراء وابتهال: أرجو أن تعجبك وأن تكون قدم السعد .. # رأى نارا تقترب وهي تصفر. وعقب اختفاء المرأة فكر بالليالي ~~الطويلة التي ستلحق بليالي ألف ليلة وليلة، لا الليالي التي تنفق في ~~الدراسة والترجمة وخدمة حضرة صاحب السعادة، قربانا على طريق المجد ~~الذي اختاره منذ أول يوم كرمز متاح للأشواق اللانهائية. فترت رغبته ~~في المرأة لشدة اندفاعها الأرعن وجودها بنفسها بلا تحفظ. إنها لا ~~بأس بها لو تحل محل قدرية ولكنه رأى فيها نارا تقترب مصفرة تود ~~أن تلتهمه هو وآماله المقدسة الموصولة بسر كلمة الله العظيم. لن يسمح ~~لقوة أن تقتله إلا الموت نفسه باعتباره سرا من أسرار الله مثل مجده ~~الملهم، وما دامت الزوجة المجهولة التي سعى إليها طويلا لم تقبله فلا ~~يصح أن ينهزم ويستسلم لتسول الأرامل والعوانس. # وسمع نقرا على باب حجرته. ذهل عندما رأى أصيلة وهي تتسلل إلى الداخل ~~متعثرة في خجلها وذلها، قالت بارتباك: صح عزمي على المجيء، وقلت ~~لنفسي إذا لمحتني عين قصدت شقة أم حسني كأنما جئت أصلا لزيارتها ~~.. # وجلست على الكنبة وهي تلهث فقال ملاطفا: فكرة طيبة .. ~~- هل ضايقك حضوري؟ # فقال والنشاط يدب في أعماقه: بل سرني فوق ما تتصورين .. ~~- ولن تلبث أم حسني حتى تنام، هل يكدرك أن تشك العجوز فيما ~~حصل؟ ~~- ألبتة .. # وتبادلا نظرة طويلة تبدت تحت ms50 سيالها الغامض امرأة عارية من أي ~~أثر للكبرياء، محض عاشقة مهدرة الدفاع. وسألته برقة ورجاء: ماذا ~~فعلت؟ # أفاق تماما من الدهشة. صدفت نفسه عن أي موضوع وتركزت في الرغبة ~~المتجسدة في صورة امرأة مستسلمة. تناول يدها البضة الباردة بعد أن ~~شفط القلب المتقلص الدم من الأطراف. وضغط عليها ضغطات متوترة باعثا ~~برسائله الخفية. لم تتوقع ذلك أو بذلك تظاهرت. أرادت أن تسحب يدها فلم ~~يسمح لها فقالت: ماذا فعلت؟ ~~- سنناقش ذلك فيما بعد .. ~~- ولكنك لم تحاول الاتصال بي؟ # مال نحوها حتى قبل خدها وهمس في أذنها: فيما بعد .. فيما بعد ~~.. ~~- ولكني جئت لذلك. ~~- سيكون لك ما قصدت ولكن فيما بعد. # همت بالكلام ولكنه سد فاها بقبلة غليظة وطويلة وهو يقول بحدة: فيما ~~بعد .. # وأعلن لحن الألحان اللانهائية للطبيعة عن تغريده المتجسد بنشاط ~~موفور وفرحة كالمعجزة. وسرعان ما خفت تغريده حتى العدم متراجعا إلى ~~نوم أبدي، مخلفا وراءه صمتا مريبا وراحة فاترة مشبعة ~~بالأسى. رقد على جنبه فوق الفراش على حين انحطت فوق الكنبة معرضة ~~قميصها وحبات العرق فوق الجبين لضوء المصباح العاري. نظر إلى لا شيء ~~لا ينشد شيئا كأنما قد أدى المطلوب منه في الحياة الدنيا. وحانت منه ~~التفاتة إليها فأنكرها كلية. كأنها شيء غريب يخرج من باطن الليل، ~~غير الكائن السحري الذي جره إلى السعير، شيء أخرس بلا تاريخ ولا ~~مستقبل له. وقال لنفسه إن لعبة الرغبة والنفور ما هي إلا تمرين على ~~الموت، والبعث، وإدراك مسبق لقبول المأساة بعظمة تناسب المجهول فيما ~~يبدي من لمحات خاطفة عن ذاته اللانهائية. ودرجة المدير العام آية ~~أخرى ولكنها تجل للإرادة الشامخة لا للاستسلام العذب! وحمدا لله ~~فقد تحصن بالبرود العاقل والقاتل أيضا. وها هي المرأة ترغب بلا شك ~~في العودة إلى موضوعها الهام ولكن من خلال تردد وخجل. تتمنى لو يبدأ ~~هو. ولما يئست نظرت إليه بابتهال وأسى وغمغمت: نعم؟ # عجب لغرابة صوتها وتطفله على وحدته المقدسة، ووجد نحوها نفورا ~~ثابتا يوشك أن يصير كراهية. إنها تريد أن تهدم البناء ms51 الذي يشيده ~~حجرا على حجر. سألت: ماذا قلت؟ # ركبه عنف طبعه المستتر المستمد من أعماق حارته قال: لا شيء. ~~- ولكنك فعلت شيئا بلا ريب؟ ~~- أبدا. ~~- ألم تعاين الشقة؟ ~~- كلا. # فاسود وجهها من الحزن وقالت: معذرة .. هل ينبغي أن أضع النقود بين ~~يديك؟ ~~- كلا. ~~- الحق أني لا أفهمك .. ~~- إني واضح جدا. ~~- ماذا تعني! .. لا تعذبني من فضلك. ~~- ليس في نيتي أن أفعل شيئا .. # فقالت بنبرة مرتعشة: اعتقدت أنك وافقت ووعدت .. ~~- ليس في نيتي أن أفعل شيئا .. ~~- إذا لم يكن لديك وقت الآن ... ~~- لا وقت لدي .. ولن أجده في المستقبل .. # تنفست أصيلة بصعوبة وقالت بصوت متهافت: صدقت أن شعورك مختلف ~~.. # فاعترف قائلا: لا خير في، هذه هي الحقيقة .. # تراجعت كأنما طعنت. ارتدت فستانها في عجلة. ولكنها انهارت على ~~الكنبة مرة أخرى في إعياء أسندت معه رأسها إلى كفها وأغمضت عينيها ~~حتى توقع أن يغمى عليها. دق قلبه بعنف أيقظه من فتوره وقسوته. لو وقع ~~ما ليس في حسبان فربما يتعرض لفضيحة منذرة بأوخم العواقب. الطريق شاق ~~ومرير رغم ما يتمتع به من حسن السمعة، فكيف إذا دهمته فضيحة مما ~~ترحب الصحف بالحديث عنها؟! أوشك أن يغير سياسته كلها، أن يخاطر ~~بكذبة جديدة، ولكنها تحركت في آخر لحظة. قامت بشيء من الصعوبة، ~~مضت نحو الباب بهدوء وأسى، ثم اختفت عن نظره. تنهد في ارتياح عميق. ~~قام إلى النافذة ينظر إلى الحارة شبه المظلمة حتى رأى شبحها يمرق من ~~الباب، ثم يوغل نحو طرف الحارة الموصل إلى الجمالية، وسرعان ما ذابت في ~~الظلام تماما. # وقال لنفسه: إن أحدا لا يعلم الغيب؛ ولذلك يتعذر الحكم الشامل على ~~أي فعل من فعالنا، بيد أن تحديد هدف للإنسان يعتبر هاديا في الظلام ~~وعذرا في تضارب الحظوظ والأحداث، وهو مثال على ما يبدو أن الطبيعة ~~تترسمه في خطواتها اللانهائية. # 27 # أما أنسية رمضان فهو يحبها. عليه أن يعترف بذلك أمام ضميره وأمام ~~الله. منذ عهد السبيل الأثري لم يصدر عن قلبه مثل هذا اللحن العذب؛ ~~ولذلك فعليه أن ms52 يخشاها أكثر من أي امرأة أخرى في الوجود. وهي أيضا ~~تحبه؛ مما يضاعف من خطورة الأمر. العروس التي لا تدفع إلى الأمام ترجع ~~إلى الوراء. ولعله كان يتزوجها بلا تردد لو أن الذي بينه وبين درجة ~~حضرة صاحب السعادة خطوة واحدة، أما والحال على ما هو عليه فلن يجني ~~من الزواج سوى المتاعب والهموم اليومية التي تستهلك القوى البشرية في ~~غير ما خلقت له. # وجاءه يوما حسين أفندي جميل ليعرض البريد كالمعتاد، فلما وقع عليه ~~بتوجيهاته لم يذهب كالمتوقع. إنه شاب من موظفي المحفوظات عمل تحت ~~رئاسته خمس سنوات متتابعة وعرف بالمواظبة وحسن السلوك. ~~- أتريد شيئا يا حسين أفندي؟ # إنه مضطرب بصورة واضحة، ويريد أن يتمخض عن شيء، أي ~~شيء؟ ~~- ما لك؟ .. أهو أمر يتعلق بالعمل؟ # اقترب الشاب أكثر كأنما ليضمن عدم وصول صوته إلى الآخرين، وقال: يوجد ~~شيء يا حضرة الريس. ~~- ما هو يا ابني؟ ~~- آسف، ولكن لا بد من الكلام. ~~- عظيم .. إني مصغ إليك. # وسكت ليتأهب ثم قال: الأمر يتعلق بالآنسة أنسية رمضان. # فيما بعد قال لنفسه أنه لم يسمع الاسم أو أنه سمعه ولم يفقه له معنى. ~~قال بذهول: هيه؟ ~~- أنسية رمضان! ~~- زميلتك؟ .. ماذا عنها؟ # فقال بصوت لا يكاد يسمع: الحق أني أحبها .. # فقطب عثمان وقلبه يترنح. تساءل مستنكرا: وما شأني أنا بذلك؟ ~~- أردت أن أخطبها .. ~~- كلام معقول ولكن ما شأني أنا؟ # فأطرق وهو يتمتم: ولكن سعادتك .. # ارتعدت مفاصله. رمقه مستطلعا في استسلام: ماذا عني؟ ~~- سعادتك تعلم بكل شيء .. ~~- أي شيء من فضلك؟ ~~- الحق أنه لولاك لتقدمت لخطبتها .. # أيقن أنه هلك. لم يعد لشيء قيمة. ولا الحياة نفسها. تساءل: ~~لولاي؟ # فقال الشاب بوجوم: شاهدت كل شيء، هنا وفي الخارج! # بقوة اليأس نفسه توثب للدفاع المستميت. لم يحزن لحبه الضائع بقدر ~~ما خاف على «مركزه». قال: أنت شاب سيئ الظن، ماذا شاهدت؟ ماذا ~~شاهدت يا مسكين؟ ولكن هكذا هم المحبون، طالما عاملتها كابنة من صلبي، ~~علاقة هي البراءة نفسها، كم أخشى أن تكون قد أسأت إلى سمعتها بلسانك ms53 ~~وأنت لا تدري ولا تقصد! # فقال الشاب ببراءة وحزن جليل: إني أعرف متى وكيف أكتم أحزاني ~~وأحافظ على سمعة من أحبهم! # فقال وهو يتنهد: أحسنت .. أحسنت .. # ثم وموجة من الأسى تجتاحه: # من شدة رد الفعل، والشعور غير المتوقع بالنجاة اضطربت معدته فغزاه ~~إحساس بالغثيان قال: مثلك يستحق أن يسعد بمن يحب .. # مضى عنه معذبه. بقي وحده مع حزنه. وتجسد الحزن وتهول فصار كالقدر ~~نفسه. وأعاد إليه ذكرى حزنه القديم في الليالي الطويلة. وقال لنفسه إن ~~الحياة لو تقيم بحظها من السرور فإن حياته تعتبر ضياعا وهباء. لم ~~يقتضينا الجلال هذا الشقاء كله؟! # 28 # دعا أنسية إلى مقابلته في صحراء الهرم صباح الجمعة. هيأ للقاء تلك ~~المرة بحذر أشد من المعتاد، فدس لها ورقة سمى فيها الميعاد ~~وخط السير على أن يذهب كل منهما منفردا. كان صباحا من أصابيح ~~الشتاء الجاف البارد ولكن أشعة الشمس كستهما كساء دافئا ومنعشا. ~~وكان يرنو إليها طيلة الوقت بحزن صادق رغم اقتناعه بأنه يقوم أساسا ~~بتمثيل دور قاس وقذر. ومن أول الأمر بدت الفتاة قلقة على غير ~~عادتها، وقالت له: شعرت بشيء غير عادي فانقبض قلبي .. # فقال لنفسه إن للمرأة غريزة تغنيها عن العقل في معرفة شئونها ~~الصميمة. وإنه لو كان للإنسان عموما غريزة مثلها لمعرفة المجهول لما ~~ظل مجهولا حتى الآن. واشتد حزنه وهو يقول: الحق أن الأمر يستحق ~~التفكير. ~~- أي أمر تقصد؟ ~~- علاقتنا الحميمة المقدسة. ~~- ماذا عنها؟ ~~- لعلك عجبت من صمتي، ناقشنا كل شيء إلا الجوهر، ولم تدركي طبعا ~~أنني كنت أحترق وأتعذب طيلة الوقت .. # فلمست ذراعه بإشفاق وقالت: أعترف لك بأن قلبي يزداد انقباضا! ~~- وأنا أعترف بأنني رجل أناني. # فرفضت ذلك بإصرار قائلة: كلا، لست أنانيا على الإطلاق. ~~- أناني بكل معنى الكلمة، وبسبب أنانيتي شجعتك وأوهمتك فتمادينا ~~إلى ما لا نهاية، لن أغفر لنفسي ذلك أبدا. ~~- لم تفعل إلا ما هو نبيل وطيب! ~~- لا تدافعي عني، لعلك تساءلت كثيرا متى يتكلم هذا الرجل، ماذا يريد ~~مني؟ حتى متى نتلاقى ونفترق بلا تقدم ms54 حقيقي، هل يتسلى ~~بي؟! ~~- لم أظن بك سوءا قط! ~~- أنا نفسي طرحتها مرات عديدة، ولكن غلبني الاستسلام الوهمي للسعادة ~~فلم أحسم الأمر قبل أن يستفحل، وكم صممت على مصارحتك بالحقيقة ثم أضعف ~~وأستسلم! # تساءلت بصوت يدل على الخيبة: تصارحني بماذا؟ ~~- آه .. لم لم أعرض عليك الزواج؟ # اختلجت عيناها وهي تسمع الكلمة المحبوبة، نظرت إليه بإشفاق، تحولت ~~عنه متطلعة للمجهول وكأنها تصلي صلاة صامتة لدفع البلاء. ~~- طبعا ساءلت نفسك عن ذلك وإلا فما معنى الحياة؟ # أطرقت كأن رغبتها في معرفة المزيد قد فترت لعدم توقعها أي خير، ~~أما هو فواصل قائلا: إني مريض .. ~~- لا .. # ندت عنها بخوف صادق فقال: لا أصلح للزواج! # حدقت فيه بذهول فمضى: لا يغرنك منظري فمرضي ليس في القلب أو ~~الصدر ولكنه يعوق تماما عن الزواج .. # أطرق كالمحزون فسمع تنهدة حادة مزقت قلبه. أوشك أن يتحرر من ~~كافة التزاماته وأن يكب على قدميها بشفتيه وأن يمضي بها إلى المأذون، ~~ولكن القوة الأخرى صدته وجمدته. ~~- لم أهمل، ذهبت إلى أكثر من طبيب، لم أفقد الأمل، ولولا ذلك ~~لصارحتك من زمن بعيد، ولكن لا فائدة، لا يجوز أن أستأثر بك أكثر من ذلك ~~وإلا قضيت على مستقبلك إلى الأبد! ~~- ولكن كيف أستقبل الحياة بدونك؟ ~~- أنت صغيرة، جرح الشباب سريع الالتئام. ~~- لا أصدق، إنه كابوس. ~~- لا يجوز التمادي في الخطأ بعد ذلك. ~~- لا أصدق .. ~~- كل مصيبة غير متوقعة فهي لا تصدق ولكن الحياة تبدو أحيانا ~~سلسلة من المصائب غير المتوقعة، ولكن عليك أن تهتدي إلى سبيلك قبل ضياع ~~الفرصة .. # فتمزق صوتها بالجزع وهي تسأله: ماذا تريد؟ ~~- أن نكف عن السير في طريق مسدود! ~~- لا أستطيع. ~~- لا بد مما ليس منه بد، فمن الجنون أن نستمر .. # وتجنب النظر إليها. كان قد نفذ خطته حتى النهاية بنجاح وإحكام. ~~وبنجاحها الوحشي وجد نفسه في الفراغ منفردا بعذاب أليم، مكللا ~~بعار الجحيم، بلا إيمان ولا عزاء. وقال لنفسه إنه لا نجاة له إلا ~~بالجنون. الجنون وحده هو الذي يتسع للإيمان والكفر، للمجد والخزي، للحب ms55 ~~والخداع، للصدق والكذب، أما العقل فكيف يتحمل هذه الحياة الغريبة؟ .. ~~كيف يشيم ألق النجوم وهو مغروس حتى قمة رأسه في الوحل؟! # وبكى طويلا في الليل .. # 29 # بدا أن ظلمة السحب تنضح بشعاع يهفو خلفها. فقد علم بأن أنسية ~~رمضان خطبت إلى حسين جميل. سعد بالخبر باعتباره بشير النجاة وقال ~~لنفسه: أستطيع الآن أن أحزن على الحب الضائع ببال رائق لا تعكره ~~المخاوف، أستطيع أن أنهل من العذاب حتى أستنفده وأتحرر منه، وإني بذلك ~~لخبير .. # ولم يكن صادف في حياته من هي أكفأ منها على إسعاده. ولا سيدة نفسها. ~~جميلة وذكية وطاهرة، وقد أحبته بصدق ونقاء. وبات يؤمن بأنه لن يظفر ~~بمثلها مهما ابتسم له الحظ وأنه جزاء عادل على أي حال. # وحمل تيار الزمن حدثا آخر؛ فقد تخلف حمزة السويفي عن العمل، وعرف ~~في الإدارة أنه يعاني أزمة ضغط جديدة أشد من الأولى وأخطر. ومضى إليه ~~يعوده. ووجده راقدا في استسلام كامل هذه المرة وأطياف من العالم ~~الآخر تلوح في نظرة عينيه الغائمة. تأثر لمنظره ورأى فيه المنظر الأخير ~~الذي يترصد الجميع بمختلف درجاتهم. وقال له: سلمت أيها الإنسان الكريم ~~.. # ابتسم المدير ممتنا، ومتسولا أي كلمة طيبة في ضعفه الداهم: ~~أشكرك يا أخي، أنت رجل نبيل بقدر ما أنت كفء وقادر. ~~- ما هي إلا سحابة تمر ثم تعود لتتربع فوق كرسيك العظيم ~~.. # فتقلص وجه الرجل ليمنع دمعة وقال: الحق أني لن أعود .. # فقال محتجا: لا سمح الله .. ~~- ولكنها الحقيقة يا أستاذ عثمان. ~~- أنت دائما تبالغ .. ~~- ولكنه تقرير الطبيب، قال لي صراحة أنني بالطاعة والدقة أنجو من ~~الأزمة ولكن علي أن أعتزل العمل فورا .. # غلب الأسى على عواطفه المتضاربة فقال: ولكن رحمة الله واسعة ومعجزاته ~~لا نهاية لها .. ~~- لا أهمية للحرص على العمل، لقد زوجت البنات، والابن الأخير في ~~السنة النهائية من كلية الزراعة، أديت رسالتي كما ترى، وما أحتاجه ~~الآن فهو راحة البال. ~~- متعك الله بكل طيب. # قال بفخار رغم وهنه وتعبه: الحمد لله، قمت بواجبي في الوزارة كما ~~تعلم، ms56 وأديت رسالتي نحو الأسرة، وعشت كما سأعيش مستورا كثير الأحباب ~~والأصدقاء، فيم يطمع المرء أكثر من ذلك؟ ~~- أنت ذلك وأكثر يا صاحب الفضل والفضيلة. ~~- نحن نمضي واحدا في أثر واحد ، هل تذكر المرحوم سعفان بسيوني؟ كل ~~من عليها فان، ولكن العمل الطيب يبقى إلى الأبد. ~~- صدقت في كل ما قلت .. # ونظر إليه طويلا ثم قال: وفقك الله إلى ما فيه صلاحك. # اشتد به التأثر. وبقي التأثر معه طويلا. وامتلأ في حينه بالعبرة ~~والموعظة حال الراجع من دفن عزيز. ولكنه أفاق في الوقت المناسب كذلك. ~~وقال لنفسه: إن أحزان الدنيا توجد لا لتثبط الهمة ولكن لتشحذها ~~.. # واتجه تفكيره بكل قوة إلى الدرجة التي ستخلو قريبا. وهو لا يختلف ~~اثنان في الشهادة له بالقدرة والاستقامة والورع. بل هو أكفأ من وكيلي ~~الإدارة ولكن أحدهما في الثانية والآخر في الثالثة، ولو جرى العدل ~~بغير اعتبار إلا للكفاءة وحدها لكان أحق منهما بدرجة مدير الإدارة، ~~ولكن كيف يثب من الرابعة إلى الأولى دفعة واحدة؟! # وأحيل حمزة السويفي إلى المعاش بناء على طلبه. وأجريت حركة ترقيات ~~شاملة في الإدارة من الثامنة إلى الأولى، فرقي إسماعيل فائق إلى درجة ~~المدير، كما رقي عثمان بيومي إلى الدرجة الثالثة وكيلا للإدارة. ~~وهكذا غير ضغط الدم شتى المصائر سلبا وإيجابا. وسعد عثمان ~~بالترقية يوما ولكن سرعان ما أدركه الفتور، لقد كان حمزة السويفي ~~موظفا قديرا ولكن لا يوجد بعده من هو أحق بمركزه منه هو، وأنه لمن ~~المضحك المبكي أن يقدم رجل مثل إسماعيل فائق مديرا للإدارة. ومضى ~~إلى حضرة صاحب السعادة المدير العام ليشكره. ولم يكن بداخله شك في ~~أنه أقرب الموظفين إلى قلبه وتقديره، وأنه يعتمد عليه في أعمال الإدارة ~~ونشاطه الخاص على السواء. صافحه، وأعرب لسعادته عن شكره بلسان بليغ. ~~وقال صاحب السعادة: إنك لم تعرف الظروف كلها، لقد تراكمت على مكتبي ~~التوصيات من الوزير والوكيل والشيوخ والنواب .. # ونظر إليه مليا ثم استطرد: قلت لكم ما تشاءون إلا درجة واحدة ~~لرجل وساطته هي مقدرته وخلقه. # فلهج ms57 بالشكر لسانه وكتم في القلب أحزانه فعاد صاحب السعادة يقول: لا ~~خفاء بيننا في أن إسماعيل فائق ضعيف وجاهل. # فقال بامتعاض: لا خلاف على ذلك يا صاحب السعادة .. ~~- فالثقل سيقع عليك وحدك بالرغم من أنك الوكيل الثاني. ~~- إني في الخدمة دائما .. # فقال بهجت نور متأسفا: ماذا كان في وسعي أن أفعل؟ .. إنه كما تعلم ~~من أقرباء الوكيل. ~~- لا لوم عليك يا صاحب السعادة .. ~~- على أي حال مبارك ومصيرك أن تنال حقك كاملا غير منقوص ~~.. # ورجع راضيا بعض الشيء ولكن امتعاضه مضى يتصاعد فنسي فرحة الترقية. ~~ولعن الجميع بغير استثناء. وقال جزعا: العمر أسرع من جميع حركات ~~الترقيات! # وودع موظفي الأرشيف فصافحهم وهو يتلقى تهانيهم، وعندما جاءت ~~أنسية لمصافحته لاحظ - في دوامة من الانفعالات المتضاربة - أن بطنها ~~يتخلق بصورة جديدة وسعيدة! زوجة وحبلى ولا شك أن حسين سيسعد ~~سعادة خاصة بنقله إلى الإدارة. وجلس في الإدارة كوكيل ثان ولكنه شعر ~~باستعلاء على من حوله، وبأنه أهل الثقة الأولى، وبأنه الحجة في ~~الإدارة واللوائح والميزانية فضلا عن دراسته للقانون والاقتصاد ~~وثقافته العامة وتفوقه الراسخ في اللغات. وتساءل: ما قيمة هذه المزايا ~~حيال سرعة العمر أو أمام مرض مباغت؟! # وتوكد لديه أن الوكيل الأول والمدير أصغر منه في السن، وأن الدرجات ~~لن تخلو إلا بمعجزة مجهولة، أو بوفاة عاجلة، أو بحادث يقع في ~~الطريق! ~~- أستغفرك اللهم لأفكاري وتمنياتي .. # وكان كلاهما يتمتع بصحة جيدة وطبع بهيج وجهل مطبق وعقل مغلق. وإن أي ~~درجة سوى الدرجة المرموقة لا يمكن أن تبرر التضحيات الجسيمة التي بذلها ~~من عمره وسعادته وراحة باله. ولعله لم يشعر في أي وقت مضى بما يشعر به ~~الآن من حاجته إلى زوجة قوية رافعة، قبل أن تنقضي مدة خدمته أو يفاجئه ~~مرض أو يدهمه الموت؛ لذلك طلب من أم حسني أن تخاطب أم زينب بشأنه ~~من جديد بعد أن رفعه الله إلى الدرجة الثالثة كوكيل للإدارة. وفي تلك ~~الأيام ضاعف من حذره وهو ذاهب إلى قدرية بالدرب. تراءى له أن يتنكر في ms58 ~~ملابس بلدية حتى لا تعرفه عين، ومضى إليها بجلباب فضفاض وعباءة ~~ولاسة فلم تعرفه حتى سمعت صوته. ولما عرفته ضحكت كما لم تضحك من قبل ~~وسألته: رفتوك من الحكومة؟ # وكان العمر ينحدر بها رويدا رويدا، فتمادت في الضخامة والانطباع ~~بطابع الفحش والشهوانية، ولكن العلاقة بينهما توثقت وداخلتها ألفة ~~إنسانية. وقد مر معها بجميع الأطوار من الرغبة إلى الملل ثم إلى ~~العادة التي لا يسهل الاستغناء عنها. وباتت هي والحجرة العارية والنبيذ ~~الجهنمي عناصر متكاملة وحميمة وأليفة، تهبه الراحة والتأمل ~~والأسى، وتدفعه إلى مواجهة الحياة في بدائيتها القاسية، غير مبال ~~بسلوك صاحبته الحيادي وتصرفاتها المهينة، مما لم يحرمه - وهو معها - ~~من وحدته المقدسة. وكان يقول لنفسه: عجيب أنني لم أمارس الحب مع امرأة ~~عادية إلا مرة واحدة رغم هذا التقدم في العمر! # وتذكر أصيلة، فتذكر بالتالي أنها كانت جريمة وليست ممارسة ~~للحب. وقال أيضا: توجد معاشرة صحية إنسانية. # ثم وهو يتنهد: كما يوجد المجد. # ثم وهو يتنهد بعمق أكثر: وكما يوجد الله وهو أصل كل شيء .. # ثم وهو يتنهد بعمق أكثر وأكثر: ونحن نتذكره بالخير ونتذكره أيضا ~~بالشر! # 30 # ظهرت أمارات العجز على أم حسني رغم صمودها للزمن فضعف بصرها حتى ~~الحضيض، وأصابها عرج، فلا تمشي إلا متوكئة على عصا هي يد مكنسة ~~قديمة. ويئس هو تماما من أم زينب حتى قال لنفسه حانقا: إن الذين ~~يثرثرون حول صراع الطبقات لهم عذرهم! # ولم تعد أم حسني تصلح لعملها الجليل؛ أصابها ما يشبه الخرف، وعرضت ~~عليه يوما عروسا ناسية أنها انتقلت إلى رحمة الله منذ أعوام. ومرة - ~~عقب صلاة الجمعة - وكان يجلس في الكلوب المصري رأى أصيلة وهي تسير ~~بصحبة سيدة أخرى. عرفها من أول نظرة، رغم أنها تغيرت لدرجة أزعجته. ~~تهدلت ككرة مثقوبة، وجف ينبوع الأنوثة من وجهها، وحل محله خيال غامض لا ~~هو أنثى ولا هو ذكر. مضت بخطوات فظة مثالا للتعاسة والتدهور. وشيء ~~قال له إن الموت يطاردها، وإنه يقترب من زمانه ومكانه، وأن زمانه الذي ~~تقدس بالخلود يوما ms59 مضت تنقشع عنه الأوهام العذبة، وتتجلى له الحقيقة ~~الأبدية المتعالية بجلال قسوتها. ألا زالت تذكره أصيلة؟ لا يمكن أن ~~تنساه، لقد نفذ إلى أعماقها بثقله وغدره وأنانيته مخلفا وراءه ~~الكراهية واللعنة . أما أقران صباه فهم يحترفون الحقارة ويتكاثرون ~~بالذرية، ويملئون الجو بقهقهاتهم. وضاعت تماما عواطف الطفولة البريئة ~~وخيالاتها الجامحة، طمرت تحت طبقات كثيفة من التراب، مثل حارة ~~الحسيني، التي تغير جلدها، ربوع كثيرة تهدمت وقامت مكانها عمائر ~~صغيرة، وشيدت زاوية مكان موقف الحمير، وكثيرون من أهل الحي هاجروا ~~إلى المذبح، كل شيء يتغير، النور والمياه دخلت البيوت، والراديو يصخب ~~ليل نهار، والملاءة اللف تتوارى، حتى الخير والشر يتجددان ويتنوعان. كل ~~ذلك يحدث وهو ما زال في الدرجة الثالثة، مع عمره المتقدم، أهذا جزاء ~~الجهد الخارق والتفاني الجليل؟ ألم يعلموا بأنه إنسان تلخص في خبرة ~~مؤيدة بالعلم والعمل؟ وأن مذكراته الرسمية وبياناته الخاصة ~~بالميزانية وفتاواه الرائدة في الإدارة والمخازن والمشتريات لو جمعت ~~في كتاب لكانت دائرة معارف في الشئون الحكومية؟ خبرة نيرة منزوية ~~في وظيفة وكيل ثان للإدارة كأنها مصباح كهربائي قوة خمسمائة شمعة ~~ثبتت في جدار مرحاض زاوية بقرية! وقال لنفسه أيضا إن الموظف مضمون ~~غامض لم يفهم على وجهه الصحيح بعد. الوظيفة في تاريخ مصر مؤسسة ~~مقدسة كالمعبد، والموظف المصري أقدم موظف في تاريخ الحضارة. إن يكن ~~المثل الأعلى في البلدان الأخرى محاربا أو سياسيا أو تاجرا أو رجل ~~صناعة أو بحارا فهو في مصر الموظف. وإن أول تعاليم أخلاقية حفظها ~~التاريخ كانت وصايا من أب موظف متقاعد إلى ابن موظف ناشئ. وفرعون ~~نفسه لم يكن إلا موظفا معينا من قبل الآلهة في السماء ليحكم الوادي ~~من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية. ووادينا وادي ~~فلاحين طيبين يحنون الهامات نحو أرض طيبة ولكن رءوسهم ترتفع لدى ~~انتظامهم في سلك الوظائف، حينذاك يتطلعون إلى فوق، إلى سلم الدرجات ~~المتصاعد حتى أعتاب الآلهة في السماء. الوظيفة خدمة الناس وحق ~~للكفاءة وواجب للضمير الحي وكبرياء للذات البشرية وعبادة لله خالق ~~الكفاءة ms60 والضمير والكبرياء. # ومضى ذات يوم للتفتيش في المحفوظات. وهناك رأى أنسية وقد انتقلت ~~إلى طور النضج الأنثوي والوظيفي أيضا فأصبحت مراجعة في الوظيفة التي ~~خلت بانتقال زوجها إلى وزارة المعارف. ولم يتمالك أن قال لها وهو ~~يصافحها: أيام .. # فابتسمت في حياء صادق فقال: سعيدة إن شاء الله؟ ~~- الحمد لله. ~~- فقال بعد تردد وبإغراء لم يستطع مقاومته: من حسن الحظ أننا ~~ننسى. # فقالت ببساطة ومودة: لا شيء ينسى ولا شيء يبقى! # وتفكر في قولها طويلا. وغادر المحفوظات وهو يقول لنفسه: يا ~~أنسية أحببتك كثيرا في الأيام الخالية. # وعاد إلى مكتبه فوجد نشرة مرسلة من إدارة العلاقات العامة عرف من ~~شكلها أنها تحمل نعي موظف أو قريب له. قرأ: ~~«انتقل صباح اليوم إلى رحمة الله المغفور له إسماعيل بك فائق مدير ~~الإدارة، وستشيع الجنازة ..» إلخ. # أعاد القراءة. قرأ الاسم مرات. مستحيل. كان حتى الأمس يباشر عمله وهو ~~في غاية من الصحة والنشاط. وقد شرب قهوة الصباح معه في مكتبه، وكان ~~الرجل يقول مرددا اهتماماته المعروفة: البلد يموج بالأفكار ~~المتضاربة .. # فابتسم عثمان ولم ينبس فقال إسماعيل: كل واحد يعتقد أنه رسول العناية ~~الإلهية. # وهز رأسه ثم تساءل: بأي عقل نشرع في إعداد الحساب الختامي؟ # فأجاب عثمان بهدوء ساخر: بعقلي أنا! # فضحك الرجل ضحكة عالية. وكان يسلم بكفاءة مرءوسه وأنه العمود ~~الفقري للإدارة. لم تكن بينهما مودة ولا عداء. رباه كيف مات الرجل! ~~وذهب إلى الوكيل الأول المعروف بصلته الحميمة بالراحل وسأله: هل عندك ~~علم عن هذه المصيبة؟ # فأجاب الوكيل الأول بذهول: شرع في تناول الإفطار، ثم شعر بتعب ~~مفاجئ فقام ليستلقي على ديوان، ولما لحقت به حرمه لترى ما به وجدته ~~جثة هامدة! # إن ما يوفر لنا بعض الطمأنينة هو اعتقادنا بأن الموت منطقي، يمارس ~~وظيفته من خلال مقدمات ونتائج. ولكنه كثيرا ما يدهمنا بلا نذير ~~كزلزال. تمتع إسماعيل حتى آخر لحظة بكامل حيويته. وما حدث له قد يحدث ~~لأي إنسان، أليس كذلك؟ وهكذا فلا ضمان ألبتة لصحة أو لخبرة أو لعلم. ~~وهزه ms61 الخوف من أعماقه. ~~- خير تعريف للحياة أنها لا شيء .. # ولكن هل وقع جديد لم يكن له به علم؟ كلا غير أنه ليس من سمع كمن ~~رأى. وسيستمر خوفه يوما أو يوما وبعض يوم. وفي تلك الساعات تتساوى ~~المكاسب والخسائر، والمسرات والأحزان، وتتوارى معاني الأشياء. ~~- ما قيمة ما بذلت طيلة العمر من جهد وتفان؟! # ولازمته وساوسه في الجنازة، والمأتم، وحتى أحاديث الموظفين المتنوعة ~~في المأتم لم تلغ وساوسه، ولكنه شعر بامتنان لأنه ما زال ~~حيا. ~~- ما البطولة الحقة؟ .. هي أننا نعمل بلا هوادة رغم علمنا بكل ~~ذلك. # وسرعان ما طرد التفكير في درجة مدير الإدارة ما عداه. إن الوكيل ~~الأول مرشح لوظيفة في القضاء، والطريق واضح بعد ذلك، وهو أن يرقى ~~إلى الثانية ويندب مديرا للإدارة فيستحق الترقية إليها بعد مضي عام ~~على شغلها. # تجسد له الأمل حقيقة ملموسة. # ولكنه بوغت بقرار تعيين مدير إدارة جديد نقلا من وزارة المواصلات ~~.. # 31 # لا .. لا .. لا .. # ذاك ما لم يخطر له ببال. وحقد على حضرة صاحب السعادة بهجت نور ولعنه ~~ألف لعنة. هو من كان ينبغي أن يدافع عنه. عليهم اللعنة .. هل يتصورون ~~أن يعمل لحساب غيره طول عمره؟ ومن هو المدير الجديد، من يكون عبد الله ~~وجدي هذا؟ كيف يقدم له نفسه كمرءوس؟ إنه لشيء مخجل. الخجل يطارده ~~في أروقة الوزارة، وما أكثر الشامتين. # ودعاه بهجت نور إلى مقابلته وقال له: إني آسف جدا يا أستاذ عثمان ~~.. # فقال له صراحة: إنه اليأس من الحياة الفاضلة .. ~~- لا .. لا، إنه قريب الوزير! ~~- إني أحسد الموظفين الكسالى. ~~- أكرر الأسف، وأخبرك بأن سعادة وكيل الوزارة آسف أيضا .. # وتمهل دقيقة ثم قال: لا تيأس، فالرأي متفق على ترقيتك وكيلا أول عقب ~~نقل شاغلها مباشرة في هذا الشهر .. # لا فائدة. الدرجات لا تهمه إلا باعتبارها وسيلة لأمله المنشود ~~الذي كرس له العمر. والمدير الجديد في الأربعين من عمره. شاب أو أكثر ~~من ذلك بقليل. وإذا سارت الأمور سيرها الطبيعي فسوف يحال على المعاش ~~وهو وكيل للإدارة أو وهو ms62 مديرها على الأكثر إذا وقعت معجزة. تبدد حلم ~~الحياة وبات مستحيلا. ومات الماضي بعد أن تمخض عن وهم أسود. ولعله ~~كان خيرا له لو أقام حياته كأبيه فوق الكارو. ولأول مرة في حياته ~~يدهمه اليأس، فقد بدت نهاية العمر أقرب كثيرا من جوهرة الأمل. وفكرة ~~جديدة تسلطت عليه بقوة قاهرة لم يعهدها من قبل هي الزواج. لا يجوز ~~تأجيلها بعد اليوم ولا فائدة ترجى من تأجيلها. وبحسبه أن ضاعت أطيب ~~فترات العمر الصالحة للحب والزواج. ما أشد حاجته إلى شريكة، إلى ~~عاطفة صادقة، إلى مشاركة أمينة، إلى دفء البيت، إلى الذرية، إلى علاقة ~~إنسانية، إلى قلب ويد ولسان، إلى ملجأ من العذاب، إلى درع ضد الموت، ~~إلى منقذ من الضياع، إلى محراب مناسب للإيمان، إلى محطة راحة من ~~الأحلام الخرقاء، إلى هدنة مع الحرص والحرمان والوحشة. ~~- المرأة هي الحياة، الموت نفسه يكلل بجلاله الحق بين يديها ~~.. # ولن يلجأ إلى أم زينب، ولا فائدة ترجى اليوم من أم حسني بعد أن ~~أقعدها العجز، ولكن ثمة فتاة جديدة في الإدارة تدعى إحسان إبراهيم، ~~لم يتردد في إظهار تودده إليها. ذلك أنه يريد أن يتزوج اليوم إن ~~أمكن. وكلما بات ليلة وحيدا اشتد جزعه. كأن الرغبة في الزواج كانت ~~تبدو في داخله وهو لا يدري حتى انفجرت كبركان. ولم تفهم إحسان تودده ~~على الوجه الصحيح، ولعلها استبعدت أن يغازلها رجل في سنه! وما حيلته ~~ولم يعد يوجد حب كأيام سيدة وأنسية، ولا رغبة جامحة كأيام سنية ~~وأصيلة. # وانتهز فرصة وجودها - إحسان - يوما في حجرته لعمل فسألها: تسمحين لي ~~بسؤال غريب بعض الشيء يا آنسة إحسان؟ ~~- طبعا يا سعادة البك. # فتردد قليلا ثم سأل: أأنت مخطوبة؟ # تورد وجهها ورمقته لأول مرة بنظرة أنثى لا موظفة وأجابت: نعم يا ~~سيدي. # شعر بخيبة أمل ولكنه قال: معذرة فإني لم أر خاتما في ~~إصبعك. ~~- أعني في حكم المخطوبة. # تفكر مليا ثم قال: لدي رجاء ولكن يجب أن يبقى سرا ~~بيننا؟ ~~- أفندم؟ ~~- هل أطمع في أن تدليني على ms63 عروس؟ # فتفكرت في ارتباك ثم قالت في حذر: جميع من أعرف من قريبات ~~وصديقات يقاربنني في السن فهن لا يلقن بك! # يا لها من ترجمة مهذبة ل «لا تليق بهن»، وتمادى من شدة يأسه فسألها: ~~ألا يمكن أن يتزوج إنسان في مثل سني؟ ~~- لم لا؟ توجد عروس مناسبة لكل سن! ~~- شكرا ومعذرة عن مضايقتك. ~~- أرجو أن أوفق لخدمتك .. # وعند ذهابها استشاط غضبا. تصور أنها كان يجب أن ترحب به لنفسها أو ~~لإحدى القريبات أو الصديقات. إذن قد صار كهنة مثل فضلات المخازن التي ~~يعرضها للبيع عند الجرد السنوي. والظاهر أنه لن يكون أسعد حظا في ~~مسألة الزواج. ولو نال أمله المنشود وحلم العمر في حجرة صاحب السعادة. ~~ها هو الزمن يلهبه بسياطه على حين أنه لم يعد يقوى على العدو. وبمرور ~~كل يوم اشتد تسلط فكرة الزواج عليه حتى كادت تزاحم هوس الدرجة. ~~ولم ترجع إليه إحسان بجواب. ومن جنونه راح يحاول مغازلة النسوان في ~~الطرقات والباصات بلا خبرة وبلا نجاح حتى اضطر إلى الكف عن ذلك وهو ~~يقول متأوها: ما أضيع العمر! # وتساءل بامتعاض عما يجعل زواجه متعسرا بهذه الصورة حتى بعد أن نزل ~~عن شروطه المعوقة الأولى. السن بلا شك مثبطة ولكنها ليست كل ~~شيء. إنهم يتحرون عنه وسرعان ما يعرفون كل شيء عن أصله وفصله، هذه ~~هي الحقيقة الأخرى المخزية. إنه في الحقيقة كهل ذو منبت حقير، والله ~~أعلم بما يقال عنه بالإضافة إلى ذلك، فإن رجلا متفوقا مثله خليق ~~بإثارة عواطف الحسد في النفوس، وطالما شعر بأنه بلا صديق حقيقي في ~~هذه الدنيا، وبأنه وحيد متعال عن الضعف البشري! # وحمله الليل - كالعادة الرتيبة - إلى الحجرة العارية، إلى قدرية. ~~وقال لنفسه بمرارة ما أجمل أن يكون نصيبي من الدنيا درجة وكيل إدارة ~~وبغيا نصف زنجية! وكانت تقول له ضاحكة: لأول مرة تشرب قدحين من ~~النبيذ، هل قامت القيامة؟ # أما القيامة فقد قامت وها هو يشعر بدوار غريب في رأسه. قال لها بلا ~~مناسبة: اعلمي يا قدرية أني ms64 رجل مؤمن. # فلفت شعرها الخشن بمنديل أحمر وقالت: الحمد لله .. ~~- ولولا إيماني بأن الدنيا مقدسة بما هي من صنع الله لرضيت بحياة ~~البهائم .. # فنظرت إليه نظرة بلهاء وقالت: قرروا إلغاءنا عليهم اللعنة .. # فواصل بلا انتباه إلى قولها: والله سبحانه ... # فقاطعته: قرروا إلغاءنا .. ~~- أفندم؟ ~~- ألم يبلغك ما يقال عن إلغاء البغاء؟ # كلا. إنه لا يقرأ في الصحف إلا الوفيات وشئون الدولة والدواوين. ~~فتساءل بانزعاج: حقا؟ ~~- نبهوا علينا بالفعل. ~~- خبر غريب .. ~~- وعدونا بعمل لمن تريد عملا، أي عمل؟ عليهم لعنات الدنيا ~~والآخرة، هل أصلحوا كل شيء فلم يبق إلا نحن؟! ~~- لعله كلام، ما أكثر الكلام في هذا البلد .. ~~- يا سيدنا لقد أبلغنا رسميا بالأمر .. # فسأل بجزع ورعب: ومتى يتم ذلك؟ ~~- قبل نهاية هذا العام .. # وساد صمت حتى ضجت الحجرة بأصوات المعربدين في الحارة. كم من مصائب ~~توقعها! أما هذه المصيبة فلم تجر له على خاطر. وقال بأسى: ستنتشر ~~بيوت الدعارة في كل مكان .. ~~- والأمراض كذلك. ~~- وآلاف من بنات الناس سيتعرضن للفساد. ~~- ماذا نقول لمن لا عمل لهم؟ # وتنهد ثم سألها: وعلام نويت؟ ~~- على أي حال لن أقبل أن أعمل غسالة في مستشفى. ~~- هل يمكن أن أعرف عنوان بيتك؟ ~~- سنكون تحت رقابة مشددة. # وشعر بيأس لا يطاق وسألها: ألم تكوني فكرة عن المستقبل؟ # فقالت بثقة: سأتزوج. لم يبق لي إلا الزواج .. # ولطمه قولها فملأ القدح الثالث، وسألها: عندك عريس؟ ~~- ما أسهل أن يوجد! ~~- ولكن كيف؟ # فقالت في مباهاة: عندي خمسمائة جنيه، ممكن أجهز شقة بمائة ~~وخمسين، وأحتفظ بالباقي كاحتياطي، ألا يرحب كثيرون بالزواج مني في ~~تلك الحال؟ ~~- معقول جدا .. # فقالت وهي تضحك: إن وجدت عريسا مناسبا فأخبرني .. # وعند منتصف الليل وهو يتسلل تحت البواكي صادف سكران يتقيأ فتقزز ~~لدرجة غير محتملة. وشعر بوحدته وضياعه ويأسه وبرغبة في الانتحار. ~~وغير طريقه بلا تفكير. رجع إلى الدرب مترنحا فصادف قدرية تهبط ~~السلم في طريقها إلى مأواها. أوقفها بيده وقال لها: قدرية. وجدت لك ~~الزوج المناسب .. # لم ير وجهها في الظلام، ولكن خمن تأثير قوله فقال: ms65 لنتزوج في ~~الحال! # 32 # وتم الزواج في اليوم التالي مباشرة. ولم تذهل المرأة لقراره كما ~~توقع. رمقته بنظرة متفحصة لتتوكد من صدقه، فلما تبين لها صدقه ~~أحنت رأسها بالقبول. وقال لنفسه: لعلها تعده الطرف الرابح في الصفقة ~~بسبب الخمسمائة جنيه! وقال لها بعجلة: لنذهب إلى المأذون ~~توا. # فقالت وهي تضحك في سعادة: أفق أولا وانتظر طلوع النهار. # وبات الليل في شقتها الصغيرة بعطفة الشماشرجي. وفي الصباح قال لها: ~~نعد بيتنا الجديد ثم نتزوج. # ولكنها قالت بإصرار نهائي: بل نتزوج ثم نعد بيتنا. # وجيء بالمأذون إلى البيت. واقتضت الإجراءات شاهدين فلم تجد إلا ~~قوادين ممن كانوا يعملون معها. وجرت المراسم البسيطة وهو يتابعها ~~بذهول. ما هذا الذي يجري؟ واجتاحه شعور ممزق بالقلق بلغ حد الرعب ~~فتمنى لو يقع حادث من عالم الغيب فيبدد سحابات الكابوس الذي يعاني. ~~ثم اجتاحته موجة من الاستسلام بلغت حد الاستهتار. ولما أدلى باسمه ~~وعمله وقع ذلك من المرأة والقوادين موقع الذهول. قال لنفسه إنهم ~~سيتهمونه بالجنون كما يتهمه الآخرون. ولعله من الإنصاف أن يعترف - ~~بدءا من اليوم - بأنه مجنون مجنون. كهلة نصف سوداء في ضخامة بقرة ~~مكتنزة تحمل فوق كاهلها نصف قرن من الابتذال والفحش. هكذا تحققت ~~الأمنية التي تاق إلى تحقيقها بجنون، فأصبح زوجا، كما أصبحت قدرية - ~~رفيقة شبابه - زوجة له. ترى ماذا فعل بنفسه؟! وقال: علي أن أبدأ ~~حياة جديدة .. # ولإعجابه بروض الفرج - الذي رآه وهو يعود حمزة السويفي - استأجر به ~~شقة من ثلاث حجرات وصالة، ومضيا يؤثثانها معا بعد أن ألزمها بالحجاب، ~~باسم الحشمة في الظاهر، وفي الحقيقة خوفا من أن تقع عليها عين زبون ~~قديم أو حديث. ابتاعا حجرة للنوم وثانية للسفرة وثالثة للمكتبة ~~والجلوس والاستقبال، وثيابا لها وله، وراديو وغير ذلك. وقد أسهمت في ~~التجهيز بمائة جنيه ورصد هو لها بمثلها. وبدافع من الاستهتار الذي ~~ركبه مال إلى تغيير سياسته نحو «النقود» فأنفق - كلما دعا الداعي - ~~باستسلام يائس غطى على الألم المعتاد في مثل تلك الأحوال، وتملكته ~~رغبة قوية في الاستمتاع ms66 بطيبات الحياة التي طالما حرم نفسه منها. ~~وودع أم حسني وداعا مؤثرا. فذهلت العجوز لقراره وبكت قائلة: لا ~~تهجر منبتك فليس في ذلك خير. # ولكنه هجره بلا أسف، ولم يكن مما يصح التفكير فيه أن يجيء بقدرية ~~إلى حارة الحسيني، ونظر إليه بصفة عامة كرمز للبلى والحرمان والضياع ~~والذكريات المحزنة. أغرق آلامه الظاهرة والخفية في المتع المتاحة، ~~وأصر على تذكير نفسه - وإقناعها - بأن قدرية هي المرأة الوحيدة التي ~~أحبها حبا حقيقيا، وإلا فكيف عاشرها ذلك العمر الطويل كله؟! وها هي ~~لا تألو جهدا في لعب دور ست البيت في الوسط الجديد «الراقي» الذي ~~يعد الانتقال إليه من «الدرب» وثبة خيالية. ودعا الله ألا تراها ~~العيون التي عرفتها. ونصحها قائلا: تجنبي الاختلاط بالجيران. ~~- فسألته: لم؟ ~~- الناس أخلاقها لا تسر! # وكان يخشى أن يقع خلاف بينها وبين إحدى الجارات فتنسى تحفظها ~~وتنفجر براكين الفحش الكامنة في أعماقها. عدا ذلك فإنه لا يجحد ~~اجتهادها الصادق في إسعاده وحرصها على النجاح في حياتها الجديدة. وبمضي ~~الأيام اطمأن إلى الحياة الجديدة، سلم بواقعها، ونعم بما وفرته له ~~من أنس وراحة ونظام ونظافة، وها هو يصلي بلا قلق ولا حرج، بل ها ~~هو يتقرب إلى ربه بما أنقذ من روح ضائعة، ولعلهما روحان لا روح ~~واحدة. # واعتقد أن حياته الدنيا قد كملت بالمقسوم له وأنه آن له أن يفكر في ~~آخرته. قال: واجب علي أن أشيد لي مدفنا! # واستشار أهل الخبرة، وبفضلهم اشترى أرضا في الخفير، وشرع في بناء ~~قبر مناسب. وكثيرا ما تفقد العمل بصحبة مهندس من الإدارة الهندسية ~~بالوزارة. وسأله المهندس: أليس للأسرة مقبرة قديمة؟ # فأجاب بثبات: قديمة جدا، واكتظت بالآباء والأجداد، فدعت الضرورة ~~إلى بناء هذه المقبرة .. # فقال المهندس: شتان بين الجديد والقديم في القبور، القبر الجديد ~~بناء عصري جميل .. ~~- أنا لا أهتم بتملك بيت في الدنيا فشقة مستأجرة تفي بالغرض ولكن ~~لا مناص من تملك قبر وإلا ضاعت كرامة الإنسان .. # فضحك المهندس وقال: في الهند يحرقون الجثث .. # فقال متأففا: أعوذ بالله .. # فضحك ms67 المهندس كرة أخرى وقال: أتريد رأيي؟ النار أحفظ لكرامة الجثة ~~من التراب، أليس لديك فكرة من أطوار تحلل الجثة في القبر؟ # فقال بضيق: كلا ولا داعي ألبتة لهذه المعرفة! # وتفكر قليلا ثم سأل المهندس: ألا يحسن بناء دورة مياه؟ ~~- ستستعمل في غيابك، وبطريقة مقززة! ~~- ولكن لا بأس من زراعة شجرة أو لبلابة .. ~~- ليكن، ويمكن ريها من الخارج .. # وتم البناء فذهب لتسلمه ودفع باقي الأتعاب. وتفحص القبر بإعجاب. ~~كان بابه مفتوحا، والسلم يرى في تدرجه نحو المنامة متألقا بنور ~~الشمس. وانحنى قليلا ليلقي نظرة على أرضه المنبسطة الجديدة المكللة ~~بالضوء والنقاء والنظافة وشعر باطمئنان غريب غير متوقع. فها هو ~~البيت الباقي قد أعد، ولن تضيع عظامه في زحمة العظام كوالديه. ~~وبخلاف المتوقع أيضا انبجس من أعماقه شعور ناعم غريب يدعوه بهمس ~~كالغزال إلى الرقاد فوق الأرض النظيفة المضيئة، ليتذوق راحة لم تقسم ~~له في حياته، وليستمتع بهدوء لم يعرفه وسط انفعالاته المتلاطمة ~~الحارقة، نداء مجهول ود لحظتها لو يطيعه منفضا يديه من الدنيا بكل ~~همومها وآمالها. ولم يفق من غمرة مشاعره المجهولة حتى غادر القرافة ~~راجعا إلى المدينة. كم يود أن ينقل والديه إلى القبر الجديد ليكمل ~~اطمئنانه إليه ولكنه علم باستحالة ذلك منذ زمن غير قصير. أجل فإن قبر ~~الصدقة يكتظ بالجثث بحيث يستحيل التمييز بينها. وقال متسولا ~~الاقتناع بحكمة تصرفه: ليس من شك في أن حياتي اليوم خير من حياتي أمس ~~.. # وهي لا تعني بحال أنه حاد عن طريق الله وكلمته الأبدية، وإن اعتراه ~~فتور ملحوظ .. # 33 # لتمض الأيام. # مهما يكن من أمر فقد أصبح صاحب أسرة ومالك قبر، وعرف من الطعام ~~ألوانا جديدة غير المعهود من لحمة الرأس والكشري والفول والطعمية ~~والعدس والبصارة، كما عرف للنقود وظيفة غير التحنيط في صندوق ~~البريد. # ولكن ألا تمضي الأيام في رتابة ووخامة؟ # وهل فقد الأمل بصفة نهائية؟! # وانبثقت من تيار الأيام موجة عالية وعاتية غير متوقعة بتاتا، ~~غيرت المصائر والحظوظ، وأعادت خلق العالم من جديد. فقد أصبحت الوزارة ~~ذات يوم على ms68 قرار بتعيين بهجت نور المدير العام وكيلا للوزارة فخلت ~~وظيفة المدير العام لأول مرة منذ عهد مديد، وعاشت قلوب كثيرة في خفقان ~~متواصل مقدار أسبوعين حتى صدر قرار بترقية عبد الله وجدي مدير الإدارة ~~إلى وظيفة المدير العام فبات «صاحب سعادة» بالطول والعرض. وانبعث ~~الخفقان في قلب كان قد استنام إلى الهمود زمنا غير قصير. فقال عثمان: ~~إني المرشح الوحيد «رسميا» و«طبيعيا» فماذا تراهم ~~يفعلون؟! # ومضت أسابيع فلم يقصر في حق نفسه. حادث المدير كما حادث وكيل ~~الوزارة. # وسمع بعضهم يقول: إن وظيفة مدير الإدارة من الوظائف الحساسة. # فسأله عما يعني فأجاب: لا تراعى الشهادة والكفاءة وحدها عند الاختيار ~~لها ولكن يضاف إليهما المكانة الاجتماعية .. # فصاح بغضب: ذلك كلام يصدق على الوكيل أو الوزير أما مدير الإدارة بل ~~المدير العام فلا يحرم منها أبناء الشعب، بذلك جرى العرف منذ تنحى ~~عنها الموظفون البريطانيون .. # ولم يطل به العذاب فقد صدر قرار ترقيته إلى درجة مدير الإدارة في نفس ~~الشهر. وفيما بعد تذكر ذلك اليوم بوجد وكان يقول: وقعت المعجزة في ~~غمضة عين! # وقال أيضا: لم يعد يفصل بيني وبين المدير العام فاصل من ~~الكادر! # ولكن كيف وقعت المعجزة؟ جرى في تقديره يوما أنه سيحال على المعاش ~~قبل أن يتحرك أحد في الطابور أمامه، ولكن حدث تعديل وزاري اختير ~~فيه وكيل الوزارة وزيرا، ثم أعقب ذلك التغييرات السعيدة المفاجئة. ~~وقال له بهجت نور وكيل الوزارة: رقيتك رغم الاعتراضات الكثيرة ~~.. # فشكر له فضله ولكنه تساءل بأسف: ولماذا الاعتراضات؟ # فقال الوكيل: إنك فوق قمة عمرك الحكومي فلا يمكن أن تجهل سببا مما ~~تسأل عنه .. # وعلى أي حال انفتحت نفسه للعمل كحاله الأول، وتعهد أمام ربه بأن يسجل ~~في رياسته الإدارة تاريخا فذا حافلا بالعلم والذكاء والفتاوى ~~الخالدة، وأن يثبت للجميع أن الوظيفة عمل مقدس وخدمة إنسانية وعبادة ~~بكل معنى الكلمة. ومن أول يوم قرر أن يتعاون مع عبد الله وجدي بصدق، ~~لأن التعاون مع المدير العام طقس من طقوس العبادة في العمل، ولأنه لم ms69 ~~يخن واجب الوظيفة أبدا، بل قرر أن يغطي ضعفه بخبرته، يقدم له من ~~الخدمات الخاصة ما هو في حاجة إليه أسوة بوكيل الوزارة نفسه، ولعله ~~يجني يوما ثمرة ما يزرع. وجعل يقول لنفسه : عبد الله وجدي في حكم ~~الشباب حقا ولكن عصر المعجزات قد عاد! # ولكنه في الحقيقة لم يعتمد على المعجزة وحدها! كان يرمق بدانة عبد ~~الله وجدي باهتمام ويتابع ما يقال عن نهمه في الطعام والشراب بارتياح ~~خفي، ويردد فيما بينه وبين نفسه: ما أكثر الأمراض التي يتعرض لها ~~أمثاله! # وهو حق وعدل. لم لا؟ إنه برغم الهفوات رجل مؤمن، من رجال الله، ومن ~~مريدي الحسين، والله لن يتخلى عنه. قال: هل يستطيع الإنسان في يوم ~~الحساب أن يقدم خيرا من طموحه النبيل وعمله المقدس وتقدمه الثابت ~~وسجلا بالخدمات التي أداها للدولة والناس؟! # وقال أيضا: إن الدولة هي معبد الله على الأرض، وبقدر اجتهادنا فيها ~~تتقرر مكانتنا في الدنيا والآخرة .. # أما حياته الزوجية فلم تنعم بالهدوء والازدهار طويلا. ومتاعبها كانت ~~متوقعة رغم مغالطة النفس والتعلق بالآمال. وقال لها: قدرية، إنك ~~تفرطين في شرب الخمر. # فرمقته بدهشة وقالت: هذا واضح، وهو قديم .. # فقال برجاء: يوجد أمل دائما في أن نتغلب على عاداتنا السيئة ~~.. ~~- لا ضرورة لهذا التعب .. # فقال برجاء أيضا: بل إني آمل أن تصومي وأن تصلي فنحن في حاجة إلى ~~رضى الله عنا: # فقالت بامتعاض: إني مؤمنة بالله وأعلم أنه غفور رحيم .. ~~- إنك سيدة محترمة، والسيدة المحترمة لا تسكر كل ليلة .. ~~- إذن كيف تسكر السيدة المحترمة؟! ~~- يجب ألا تسكر على الإطلاق. # فضحكت بصوت مزعج ولكنها سرعان ما قطبت وقالت بأسى: لا أمل! ~~- ماذا تعنين؟ ~~- لا أمل في بنت أو ولد، فات أوان ذلك. # وشعر بأنه يشاركها في الحزن على ذلك ولكنه قال: أمامنا على أي حال ~~فرص طيبة للحياة الهانئة. # وبذلت محاولة غير جادة للامتناع عن الشرب ولكنها استمرت فيما هي ~~فيه. وربما ضاعفت من إدمانها بعد رجوع عثمان إلى الاستغراق في عمله ~~ومعاناتها لفراغ مخيف بلا أنيس. ms70 ولمحها مرة وهي تتناول قطعة من ~~الأفيون ففزع الرجل وصاح: لا .. # فصاحت بحدة: لا تتعرض لهذا! # فسألها بلهفة: منذ متى؟ ~~- من أيام سيدنا نوح. ~~- ولكن .. ~~- إلا هذا، إنه أقوى من الموت .. ~~- ولكنه والموت شيء واحد. # فقالت باستهتار: ليكن .. # تملكه الفزع. ماذا فعل بنفسه؟ أي طلاء سعادة خدعه؟ بأي ثمن ~~عليه أن يقاوم. لا جدوى من التفكير في الطلاق لأنه يعني الدخول في ~~معركة حامية ربما انتهت بالقضاء عليه. وسألها: كيف تحصلين عليه؟ # فلم تجب. فقال: تذهبين إلى الحثالة القديمة المشبوهة وفي ذلك ما فيه ~~من الخطر البين .. ~~- لا تبالغ .. ~~- قدرية، فكري، إن لم تغيري حياتك حل الخراب بنا .. # وشحذ إرادته للدفاع عن سمعته ومستقبله. ومن خلال ما يشبه المعركة ~~حملها إلى مصحة نفسية وعصبية بحلوان فمكثت بها أشهرا حتى شفيت من ~~الإدمان. خيل إليه أنها عادت امرأة جديدة. ولم تجد من سلوى في ~~حياتها إلا الطعام فأقبلت عليه بشراهة وإفراط، وسرعان ما ظهر أثر ذلك ~~في الدهن الذي اكتنز به جسدها فزاد بدانة على بدانة حتى تبدت في صورة ~~تدعو إلى الرثاء والسخرية معا. ولم يفارقه القلق من ناحيتها فكان يعمل ~~بعين ويراقبها بعين، ويقول بحزن: فقدت الميزة الوحيدة التي كنت أستمتع ~~بها في الليالي البهيمية، وها هي تتعرى كاشفة عن بدائية تعيسة بلا خلق ~~ولا دين ولا عقل ولا ذوق .. # وتذكر الآراء التي يعلل بها بعض الزملاء - المولعين بالسياسة ~~والأفكار - هذه الظاهرة وأمثالها من خلال حملاتهم على المجتمع والطبقات ~~ولكنه تذكر أيضا «حالته»، ألم ينشأ مثل قدرية فقيرا وعاجزا ~~ومحروما من كل سلاح؟ بلى، ولكنه اكتشف في الوقت المناسب السر المقدس ~~في ذاته الضعيفة، كما اكتشف حكمة الله الخالدة، فشق طريقه بجلال ~~وعذاب جديرين بالإنسان مخلوق الله العظيم؛ ولذلك لم يكد يعطف عليها، ~~ورجع يتساءل: ماذا فعلت بنفسي؟ # أجل، ما معنى حياة زوجية بدائية بلا حب حقيقي أو علاقة ~~روحية أو أمل في ذرية أو مجرد زمالة إنسانية؟! على أنه قال لنفسه ~~محذرا: هون من أحزانك، لم تعد تتحمل ms71 كالزمان الأول، أجل يوجد ~~تغير جديد، خفيف كالنسيم ولكنه ماكر كالثعلب، إنه السن، وإنه ~~الزمن .. # وتفكر قليلا ثم قال: بفضله نحقق كل شيء، وبسببه نخسر كل شيء، ~~ولا يبقى إلا وجه ذي الجلال ! # 34 # كالعادة نسي النجاح تماما. انجابت الأفراح وتراكمت سحب الهموم. ~~أصبحت رياسة الإدارة عادة روتينية، عليه أن يتجاوزها، وأن يتجاوزها ~~بسرعة تناسب القليل الباقي من العمر، وإلا انقضت مدة الخدمة وهو واقف ~~كالمتسول أمام باب الحجرة الزرقاء. والطموح عنيف والزواج لم يعد ~~بالمرفأ المواسي. ~~- يا ربي إني أحاول هدايتها فهبني من لدنك قوة. # ولكن جهده يتبدد هباء، ودهمها بتعاسة لم تجر لها في خاطر. في ~~الماضي كانت تعيش التعاسة ولا تكاد تشعر بها، وتجد في الخمر والأفيون ~~ملاذا طيبا، أما اليوم فهي تتصدى للخواء في يقظة بغيضة بعينين ~~محملقتين مذعورتين بلا عزاء ولا حب ولا ذرية. قال: كانت في الدرب عزاء ~~لي ولذة أما في هذا البيت المريح فهي الجحيم. # وقال أيضا: لو ذهب كل منا إلى حاله لربما حدثت معجزة سعادة، أين ~~وحدتي القديمة أين؟! # ورجع يوما فرأى في عينيها نظرة حمراء ذاهلة وضاحكة فقال برعب: عدت ~~إلى الشراب؟ # فأحنت رأسها باستسلام وقالت: نعم والحمد لله! # فتنهد وقال: وعما قريب سترجعين إلى الأفيون. # فقالت بنبرة ساخرة: حصل والشكر لله .. # فتساءل بحدة: والعمل؟ # فقالت بهدوء: كل شيء طيب، ليلة أمس حلمت بأمي! ~~- سأيأس منك نهائيا. ~~- خير ما تفعل. # ووجدها تذوب في عالمها الوهمي وتعتزله كلية فارتاح بعض الشيء. ها هي ~~تستقل بدنياها وها هو يعود إلى وحدته. وقرر - بضمير قلق - ألا يقاوم ~~تدهورها هذه المرة. وقال يخاطب ربه: اغفر لي أفكاري يا رب، إنها قاسية ~~مثل الحياة، وهي جزء منها ليس إلا .. # وهو يتلظى بذلك السعير تعينت راضية عبد الخالق سكرتيرة له. وكان ~~مدير المستخدمين قد طلب منه اختيار الشخص الذي يجده مناسبا ~~لسكرتيريته. قال له: من حقك أن تختار سكرتيرتك، بل من حقك أن تعين ~~فيه قريبة من ذوي الثقة .. # أحقا لا يعرف الرجل شيئا عن ms72 أصله وفصله؟ عرف طيلة خدمته الطويلة ~~عبقرية الموظفين في نبش المستور ونشر الفضائح، ولا شك أن المنبت ~~«الكارو» لم يعد يخفى على أحد. وقال الرجل: أترك لك الاختيار. # فقال مدير المستخدمين مداهنا: إنك مثال النزاهة والترفع يا سيدي ~~المدير. # وفي صباح اليوم التالي دخلت عليه راضية عبد الخالق فحيته وقالت: ~~راضية عبد الخالق، سكرتير سعادتك إذا سمحت ووافقت .. # فقال وهو يتذوق انفعالا طيبا: أهلا بك، من أي قسم؟ ~~- المستخدمين. ~~- عظيم، وما مؤهلاتك؟ ~~- ليسانس آداب قسم التاريخ .. ~~- عظيم .. # هم بسؤالها عن سنها ولكنه أمسك، وقدره بخمسة وعشرين عاما. ~~رشيقة القوام بصورة ملحوظة، ذات هالة من الشعر الفاحم سواها الحلاق ~~في بساطة وانسياب فأحدقت بجانبي الوجه الأسمر الطويل صانعة له إطارا ~~حانيا، وعيناها صغيرتان وواضحتان وذكيتان تومضان بجاذبية، وبروز ~~ثنيتيها - وربما عد عيبا - أضفى على فيها شخصية حلوة. انفعل ~~بجاذبيتها وقال في سره: لعنة الله على اختيار مدير المستخدمين ~~الموفق .. # وقال لنفسه أيضا: إني في حاجة إلى مظلة في هذا الجحيم .. # ومن أول نظرة نزع قلبه إليها بارتياح وسرور ورغبة خفية في الاحتماء. ~~وبمرور الأيام ازداد تعلقه بها وبخاصة عندما علم بأنها يتيمة وتعيش مع ~~عمة عانس. وفضحته أمانيه العميقة أمام نفسه، فضحت أحلامه ورغباته، ~~ولكنه كان أبعد ما يكون عن التفكير - مجرد التفكير - في ارتكاب أية ~~حماقة. قال لنفسه: حسبي أن أصبح على وجهها كل يوم. # واستأسره أدبها ورقتها وعذوبة نظرتها الناعمة. وحلل ذلك بأنه السلوك ~~الواجب من سكرتيرة نحو مدير، وهو واجب أكثر إذا كان المدير في سن ~~والدها. ولكن ما بالها تشغله أكثر مما يجب، ما بالها تعبق حياته بشذا ~~طيب ونفاذ. وقال لنفسه: في لحظة من لحظات الحياة يستوي من أخذها ~~مأخذ الجد ومن لها بها لهو العبث والهزل. # وتوجه إلى ربه داعيا: اللهم عفوك ورحمتك. # وجعل يلاحظ عملها باهتمام حتى سألها يوما: أيشق عليك العمل في ~~مكتبي؟ # فأجابت بحرارة: كلا، إني أحب العمل! ~~- كذلك كنت منذ نشأتي الأولى، وما زلت وأبشرك بأنه جهد غير ضائع ~~.. ~~- ولكن يقال ms73 ... # فقاطعها: أعرف ما يقال، ولا أنكره، الوساطة .. القرابة .. الحزبية ~~كل أولئك وما هو أشنع، ولكن الكفاءة قيمة لا يمكن تجاهلها كذلك، حتى ~~أصحاب المراكز من غير ذوي الكفاءة يجدون أنفسهم في حاجة إلى من يغطي ~~عجزهم من الأكفاء الحقيقيين .. # وابتسم في افتتان خفي بجاذبيتها واستطرد: لقد شققت طريقي معتمدا ~~على الله سبحانه وعلى عملي .. ~~- يتردد ذلك في كل مكان. # ترى ماذا يتردد أيضا؟! ذلك الذي جعل أم زينب لا ترجع بجواب! ~~ولكن لم تعد لذلك أهمية اليوم. وقال لها: من الإنصاف أن أصارحك بأنني ~~راض عن عملك تماما! # فابتسمت قائلة بسرور: إني مدينة لنبلك بهذا التشجيع! # لا يوجد جو أصفى من ذلك. جو نقي مليء بالوعود. والقلب يستقطر ~~منه مرحا مقدسا. من مثل هذا المنطلق يبدأ العاشق سيره، والزواج ~~الموفق، والصداقة السعيدة. هكذا يصادف الحائرون احتمالات ثرية ~~للسعادة في ظروف غير مناسبة. حين يتفق المكان مثلا ويختلف الزمان، أو ~~العكس، مما يقطع بأن السعادة كائنة ولكن السبيل ليست ممهدة دائما، ~~ومن اللعب بين هذا وذاك يجيء الحظ السعيد أو العبث. ولكن لا يجوز أن ~~ننسى الأخطاء كذلك - أخطاء؟ - أن تنسى سيدة وأصيلة وأنسية. # وبمرور الأيام جعل يقول لنفسه: يا قلبي حاذر. # وكالعادة راح يخاف راضية بقدر ما يودها. وكالعادة ترك نفسه للتيار ~~ليفصل في مصيره قدر مجهول .. # 35 # وتتابعت الأيام بين عمل في الإدارة وأحزان في البيت وأشواق تندلع في ~~القلب. وبدا أن الكون قد توقف وأن عبد الله وجدي قد رسخ في وظيفة ~~المدير العام مثل الهرم الأكبر. وقال بحزن: لا بارقة أمل. # أين تقع المعجزة هذه المرة؟! وها هو لم يبق من السواد في رأسه إلا ~~شعيرات معدودات، وقد ضعف بصره فاستعان بنظارة، وفقد جهازه الهضمي ~~نشاطه المعهود فعرف العقاقير لأول مرة في حياته، وعلاه احديداب لطول ~~انكبابه على المكاتب ولعدم مزاولته أي نوع من أنواع الرياضة. وكان ~~يقول لنفسه: ما زلت قويا والحمد لله .. # وعلى غير عادة كان ينظر طويلا في المرآة ويقول: ما زلت ~~مقبولا! # وفي ms74 تلك الأثناء وضع كتابا في قوانين الموظفين مع تعليق شامل، وكان ~~للكتاب دوي في أوساط الموظفين. ورغم تقدمه في السن ثابر على طاقته ~~الخارقة في العمل والترجمة، حبا فيهما، وهربا من شبح حياته الزوجية ~~وعواطفه المشبوبة المتسمة في نظره بالنزق والطيش وقال لنفسه: فلأعترف ~~بأن ساعة عرض البريد في الصباح هي نصيبي من سعادة الدنيا! # تبادل تحيات، تراشق بسمات، تعليقات مصلحية، دعابات خفية، إشارات ~~ثناء لبقة إلى التسريحة أو الحذاء أو البلوزة. # ومرة كان يثني على تسريحتها قالت: أفكر في تقصير شعري .. # فهتف محتجا: كلا. # وابتسمت لحرارة الاحتجاج على شأن لا علاقة له بشئون اللوائح. ~~- ولكن ... # فقاطعها: اتركيه وشأنه. ~~- ولكن الموضة .. ~~- لا خبرة لي بالموضة ولكنني أحبه كما هو .. # وتورد وجهها. تفحصها بعناية فلم يعثر على أثر لاستياء. وأراد أن ~~يستغل الدروس التي تلقاها في لحظاته السعيدة الماضية فانتهز فرصة ~~وجودها ذات صباح وقدم لها علبة صغيرة أنيقة وذهلت راضية وتساءلت: ما ~~هذا؟ ~~- شيء بسيط لمناسبة كبيرة .. ~~- ولكن .. ولكن كيف عرفت؟ ~~- عقبى لمائة عام .. ~~- إنه يوم ميلادي حقا. ~~- طبعا .. ~~- ولكن .. ما أنبلك! .. الحق أني لا أستحق. ~~- الحق أنك لا تحسنين الكلام كما تحسنين التأثير .. ~~- إني ممتنة. ~~- وإني سعيد. # وتنهد. واستجمع إرادته. ثم أذعن لعواطفه كلية وبلا احتراس وفي ~~اندفاع انفعالي خطير، قال: ما الحيلة؟ .. إنه الحب .. # فغضت بصرها متلقية اعترافه باستسلام قدري عذب. ~~- آخر ما يجوز الحديث عنه، ولكن ما الحيلة؟ # غمق وجهها الأسمر بالدم المتصاعد ولكنها لم تذهب، جلست مستسلمة كأنها ~~تتطلع للمزيد. ~~- لست شابا كما ترين. # وصمت مليا ثم استطرد: ثم إني متزوج .. # أجل ماذا يريد؟ لعله لا يريد أن يواجه الفشل المحتمل أو الموت في ~~النهاية وحده، بلا حب دافئ وبلا ذرية! وعاد يقول: ولكن ما الحيلة؟ ~~.. إنه الحب .. # وغلب الصمت مرة أخرى. لم يعد يبالي بشيء. سألها متصنعا الدعابة: ما ~~رأيك في هذه الحالة؟ # ابتسمت وغمغمت بصوت غير مسموع فقال: لعلك تتهمينني بالأنانية؟ # فقالت همسا: كلا، لست كذلك .. ~~- ولا بالخرف؟! # فضحكت ضحكة خافتة ناعمة وقالت: لا ms75 تلصق بنفسك ما ليس فيها. ~~- إني سعيد برأيك ولكن ما العمل؟ # وساد الصمت للمرة الثالثة فقال: أود جدا أن أسمع رأيك؟ # فقالت بجدية: الموقف دقيق ومحير، ولا أحب أن أتجاهل العواطف ~~الإنسانية والرحمة .. ~~- لعلك تلمحين إلى زوجتي؟ ~~- هو ما يجب أن تفكر فيه .. ~~- دعي ذلك لي وحدي فأنا المسئول عنه .. ~~- حسن. ~~- ولكني أريد أن أسمع رأيك فيما عدا ذلك .. # وكانت تمالكت مشاعرها لدرجة لا بأس بها فقالت: ألم تدلك مناقشتي في ~~الموضوع على شيء ما يخص المبدأ؟ ~~- إني سعيد جدا يا راضية، هذا يعني أنك تباركين حبي لك؟ # فقالت بشجاعة: نعم. # فهزته النشوة حتى سكر وقال باستهانة جليلة: ليكن ما يكون. # ثم بلهجة مستدرة للعطف: أعترف لك بأنني لم أعرف قط ~~السعادة. ~~- لم أتصور ذلك. ~~- حياة شاقة وزواج تعيس! ~~- لم أتصور ذلك حقا. ~~- لماذا؟ ~~- تبدو لي دائما حكيما وفكرتي عن الحكماء أنهم هم السعداء. ~~- يا لها من فكرة! ~~- إني آسفة .. ~~- أما أنا فسعيد بحبك. # وآمن بأنه فاز بأكبر غنيمة في حياته، وآمن بأن الحب هو القوة التالية ~~لله سبحانه .. # واقتضى سير الأمور أن يذهب معها إلى بيتها بالسيدة زينب. قدمته إلى ~~عمتها العانس العجوز. ومن بادئ الأمر شعر بأن المرأة غير مرحبة وأن ~~موقفها واضح وحاد. وكانت عصبية وصريحة. ونوقش الموضوع من جميع ~~جوانبه. قالت له: طلق امرأتك أولا. # فرفض الفكرة وقال معتذرا: إنها مريضة .. # فقالت بحدة: أنت عجوز ولا وفاء لك .. # فتدخلت راضية للدفاع والاحتجاج وقالت له: لا تزعل من عمتي أبدا ~~.. # وعادت العمة تسأله عما يريد فاقترح زواجا في السر لفترة قصيرة ~~حتى يتاح له إعلانه، فصاحت العمة: الله .. الله .. # وسألت راضية عن رأيها فأجابت: يوجد اتفاق بيننا على ذلك، لم أسعد به ~~ولكني لم أرفضه. # فصاحت بها: أنت حرة، ولكني أرى الأمر كله خطأ وحراما. # فهتفت الفتاة: عمتي! # فتحولت إليه وقالت بغضب: هل تستغل ضعفنا وفقرنا وألا أهل ~~لنا؟ # فقال عثمان غاضبا لأول مرة: إني أنموذج للفقر وانعدام الأهل. # فقالت العمة برجاء: إذن ليلتقط كل منكما رزقه ms76 في مكان غير مكان ~~الآخر. # فقالت راضية بإصرار: اتفقنا على مكان واحد .. # فقالت العجوز: لا حيلة لي ولتكن إرادة الله. # وتم الزواج بعد شهر واحد في بيت العمة. وأعيد تأثيث الشقة لتصلح ~~للحياة الجديدة. وقال عثمان إن حياته سلسلة من الأحلام والكوابيس وإن ~~ذلك الحلم الأخير هو أسعدها جميعا. وكان يلبث في بيت راضية حتى حوالي ~~منتصف الليل ثم يرجع إلى روض الفرج فلا تسأله قدرية، في ملكوتها، أين ~~كان ولا ماذا يفعل. وعن حكمة قرر تأجيل الإنجاب حتى يعلن زواجه ~~تفاديا من إحراجها - زوجته الجديدة - في الإدارة. # ونسي في سعادته الغامرة كبره وتجمده الأبدي أمام وظيفة المدير ~~العام وقدرية وقال إن الحياة لم تخلق إلا لتكون مسرحا للعجائب تحت ~~العناية الإلهية .. # 36 # لأول مرة يخطر في ملابس أنيقة. بدلة رمادية من الصوف الإنجليزي، ~~وحذاء إنجليزي كذلك، أما القميص ورباط الرقبة فمن مختارات راضية ~~بنفسها. ولأول مرة كذلك يستعمل الفيتامينات ويعنى بصحته ونظافته أكثر ~~من أي وقت مضى. وقال لراضية: معك يا حبيبتي سأبدأ حياة جديدة بكل معنى ~~الكلمة .. # وقبلها ثم استطرد: سيكون لنا بنين وبنات .. # وتفكر مليا ثم قال: الأعمار حقا بيد الله وحده ولكنني من أسرة ~~معمرة، أسأل الله أن يمد في عمرنا. # فقبلته راضية وقالت: قلبي يحدثني بمستقبل سعيد .. ~~- قلب المؤمن دليله، عندي من الإيمان ما يغفر لي العديد من الأخطاء، ~~وخدمت الدولة بإخلاص يكفر عن كثير من السيئات، وعندما تستقر الأمور ~~سأقوم بالحج تجديدا لروحي وجسدي. # أما قدرية فتمادت في التدهور، ولكنه تدهور أراحه منها تماما، ولم ~~يخل قلبه من رثاء لها ولكنه ظل على خوفه من مصارحتها بزواجه ~~الثاني. # ولم ينس أنه يمضي نحو نهاية خدمته بلا أمل حقيقي في جوهرة العمر، ~~ولكن الأيام في جريانها السريع تمخضت عن حدث لم يكن في الحسبان؛ فقد ~~عين عبد الله وجدي وكيلا لوزارة الخارجية، فجأة وبلا مقدمات وجد ~~عثمان وظيفة المدير العام خالية. أغمض عينيه، توسل إلى قلبه أن يهدئ ~~من خفقانه، أمسى كل شيء في دنياه ms77 - عروسه .. أفراحه .. آماله - لا شيء ~~أمام الوظيفة الخالية. تفجر طموحه المكبوت وانقلب إلى العابد القديم ~~في محراب الرقي المقدس. # وقالت له راضية: الجميع يتحدثون عنك بصفتك المرشح الوحيد .. # فابتهل قائلا: فليحقق الله الآمال. # ثم بحنان وامتنان : الحياة العجيبة تمسح في لحظة من الأحزان ما يعجز ~~المحيط عن غسلها؛ فهي الأم الحنون رغم معاملتها أحيانا القاسية ~~.. # ومضى من فوره إلى الخارجية ليهنئ عبد الله وجدي فاستقبله الرجل ~~مرحبا وقال له مجاملا: أعترف لك يا عثمان بك بأنني سررت مرتين، ~~مرة لتعييني وكيلا للخارجية ومرة ليقيني بأنك ستحل محلي في ~~الوزارة. # وغادر عثمان الخارجية ثملا من السرور والأمل. وتساءل ترى هل يندب ~~أولا للوظيفة تمهيدا للترقية أو يبقى حتى تتم الترقية؟ وكلما مضى يوم ~~عذبه الانتظار. أجل تعذب رغم أن الوزير يقدره والوكيل يعتبر ~~حاميه الأول. ولما نفد صبره ذهب لمقابلة بهجت نور الوكيل فاستقبله ~~الرجل بحفاوة وبادره قائلا: كأني أقرأ فؤادك .. # فابتسم عثمان مرتبكا ولم يجد ما يقوله فقال الوكيل: ولكنك لا تقرأ ~~ما في فؤادي! # فقال وهو يفكر: إني مدين لك بكل خير في حياتي .. # فابتسم الوكيل وقال: المطلوب منك شيء من الصبر، وسوف تسمع بإذن الله ~~ما يسرك. # غادره ممتنا ومسرورا ولكنه تساءل لم يطالبني بالصبر؟ وقال لنفسه ~~أن الجو يبشر بالخير ولكنه لا يشعر بالطمأنينة الكاملة. وتصبر ~~وعانى العذاب. واستدعاه الوكيل مرة أخرى بعد مرور أسبوع. خيل إليه أن ~~الرجل يعالج نظرة فاترة في عينيه فخفق قلبه خفقة شديدة. قال بهجت نور: ~~لعلك تتساءل عما أخر ترقيتك؟! ~~- فعلا يا صاحب السعادة. ~~- حسن، أنت تعلم رأيي فيك، وأضيف إلى ذلك أن رأي الوزير فيك مثل رأيي ~~.. ~~- عظيم .. # وصمت الوكيل. تبادلا نظرة طويلة. قال صاحب السعادة متسائلا: ماذا ~~فهمت؟ # أجاب خامدا: ثمة اعتراضات من فوق! ~~- بالصراحة يوجد شبه صراع .. ~~- والنتيجة يا صاحب السعادة؟ ~~- في اعتقادي أن وزيرنا لن يلين .. # سأل بحلق جاف: ما نسبة الأمل في تقدير سعادتك؟ ~~- كبيرة جدا، ضع ثقتك في الله كما يجدر برجل مؤمن مثلك .. # ثقته ms78 بالله لا حد لها. لكن دور الشيطان في الإدارة راسخ منذ ~~القدم. عليه دائما أن يعبر جسرا من المسامير. وتأوه قائلا: الفرص ~~الباقية نادرة جدا. # فقالت راضية: لا تحزن، الدرجة ليست كل شيء في هذه الدنيا ~~.. # ولكنه حزن، ورسب الحزن في أعماقه، وتقدم في العمر جيلا كاملا، ~~وتحولت أحلام الدنيا إلى تراب. واقترحت راضية أن يمضيا يوم العطلة ~~في القناطر. فاستجاب لاقتراحها العذب، وأعطاها قياده تجول به في ~~الحدائق. وهي البسمة السعيدة الوحيدة في حياته. وقالت ضاحكة: حكمة ~~قديمة أن ننسى متاعبنا في أحضان الطبيعة .. # تربعت فوق الحشائش ووهبت حواسها وروحها للماء والخضرة والسماء ~~المنقوشة بالسحائب المبعثرة، وهو ينظر إليها بإعجاب وافتتان، وتحدثه ~~عن سحر الطبيعة فيجاملها بالموافقة، ويجول بنظره في الآفاق فيرى مناظر ~~لم تجذبه من قبل ولا يشعر نحوها بسحر ما، أجل إنه منغمس دواما في ~~الداخل، في أفكار محدودة وخيالات تنفثها الغرائز، في الله ومجده ~~الدنيوي المقدس وصراع الخير والشر والفساد، عدا ذلك فهو لا يرى من ~~الدنيا شيئا. ~~- أنت تحب الطبيعة ولا شك. ~~- أنا أحبك .. ~~- انظر إلى العشاق! ~~- ما أكثرهم! # أنامت راحتها على يده وقالت: لننس همومنا في هذا الجو ~~المنعش. ~~- أجل لننس! # ولكنك في الواقع حزين .. # تنهد ولم ينبس، فقالت: إنك موظف كبير، في الدرجة الأولى، غيرك ~~كثيرون يسعدون بما دون ذلك بكثير. # أوشك أن يقول لها أن الإيمان الحق نقيض السعادة التافهة ولكنه ~~أمسك، ثم قال: لست كغيري من الموظفين، والحيلولة بيني وبين الوظيفة ~~التي أستحقها عمل دنيء فيه اعتداء صارخ على النظام الأخلاقي للدولة ~~.. ~~- ألست تغالي في تقديرك للوظيفة؟ ~~- الوظيفة حجر في بناء الدولة، والدولة نفحة من روح الله مجسدة على ~~الأرض! # ورمقته بدهشة فأدرك أنها لا تدري مدى إيمانه ولا مضمونه. قالت: إنه ~~لمعنى جديد بالقياس إلي، ولكني سمعت كثيرا أن روح الشعب من روح ~~الله! # فابتسم بازدراء وقال: لا تحدثيني عن الصراعات السياسية .. ~~- ولكنها الحياة الحقيقية .. ~~- ما هي إلا صخب زائف .. ~~- الدنيا من حولنا ... # فقاطعها بنفاد صبر: الدنيا الحقيقية في أعماق ms79 القلب .. # وغص قلبه في صدره عندما تصور إمكان أن تراه «مجنونا» كبعض ~~الحمقى فقال لها متهربا ولائذا بأمل جديد: دعينا من الخلاف ~~.. # فابتسمت في استسلام عذب فاستطرد: آن لنا أن نعلن زواجنا .. # فتورد وجهها وتساءلت: هل زالت العقبات؟ ~~- علينا أن نواجه الحياة بشجاعة لنستحق سعادتنا .. ~~- ما أجمل أن أسمع ذلك .. ~~- سأصارح زوجتي بالحقيقة .. # وابتسم ابتسامة أشرق بها وجهه الحزين وقال: قوة مقدسة تدعوني لتجديد ~~الحياة وإنجاب الذرية الصالحة .. # 37 # على مسمع من العمة كرر نواياه الطيبة فقالت العجوز: إنك تبدو لي ~~«إنسانا» و«عاقلا» لأول مرة .. # فضحك وأغرقت راضية في الضحك، وقال: لا خير في حياتنا ولا معنى بدونك ~~يا عمتي .. # فابتسمت العجوز معلنة عن رضاها فقال: لقد قضينا يوما طيبا في ~~القناطر وآن لي أن أذهب .. # فسألته العمة: هل تخبر زوجتك الليلة؟ # فقال وهو يقوم: خير البر عاجله. # وخطا خطوة واحدة ولكنه توقف وقد تغير وجهه بصورة ملحوظة فسألته ~~راضية: ما لك؟ # فأشار إلى صدره ولم ينبس .. ~~- هل تشعر بتعب؟ اجلس .. # تمتم وهو يشير إلى صدره: ألم شديد هنا .. # هرعت إليه لتسنده ولكنه انحط فوق مقعده وراح في إغماء. # ولما أفاق وجد نفسه راقدا فوق الفراش لم ينزع من ملابسه إلا الحذاء ~~ورباط الرقبة. ورأى في الحجرة شخصا جديدا أدرك من فوره - رغم وهنه - ~~أنه الطبيب. وقرأ في وجه راضية شحوبا وحزنا، وحتى وجه العمة أعلن عن ~~حزنه. نظر الطبيب في عينيه وسأله: كيف حالك؟ # فسأله بدوره: ماذا جرى؟ ~~- شيء طارئ لا خطر منه. ~~- ولكن ... ~~- ولكن الأمر يقتضي راحة طويلة بعض الشيء. # فقال بقلق: أشعر بأنني في حال طبيعية تماما وأنه بوسعي القيام ~~.. # فقال الطبيب بحزم: ما دام الأمر كذلك فاعلم أن المسألة ليست لعبا، ~~إنها بلغة الطب لا خطر منها، ولكن عدم الانصياع لكلامي يخلق منها شيئا ~~آخر، يلزمك راحة تامة مثالية، شهر على الأقل. # هتف: شهر! ~~- وأن تلتزم بدقة بالدواء والغذاء الموصوف، لا مناقشة في ذلك ألبتة، ~~وسوف أزورك غدا .. # وجمع أدواته في حقيبته الصغيرة ومضى وهو يقول: ms80 احفظ كلامي عن ظهر قلب ~~.. # وغادر الرجل الحجرة وهو يتبعه نظرة مغيظة يائسة. واقتربت راضية حتى ~~التصقت بالفراش وهي ترنو إليه بنظرة باسمة مشجعة وهي تقول: بعض الصبر ~~وسيمضي كل شيء بسلام .. # عكست عيناه نظرة قلقة فمست جبينه بأناملها بحنان وقالت: لا تشغل ~~بالك ولا تحمل هما .. ~~- ولكن توجد أمور كثيرة .. ~~- سأقوم بالواجب في الوزارة .. ~~- كيف؟ ~~- لا مفر من إعلان الحقيقة، لا عيب في ذلك ألبتة .. ~~- يا له من موقف! ~~- ولا بد من إبلاغ زوجتك أيضا! ~~- موقف أشد. ~~- علينا أن نواجه الحقيقة وبأي ثمن .. # وقالت العمة: اخلد أنت للراحة. # ذلك حق، وعليه أن يقاوم. إرادة الحياة فيه ترفض اليأس والاستسلام. ~~ليكن ما يكون، والأمر لا يخلو في النهاية مما يشبه المزاح. # وأغمض عينيه تاركا الأحداث تتشابك في الخارج بعيدا عنه رغم أنه ~~محورها. وسرعان ما هرع الزملاء إلى البيت لعيادته، ولما كانت زيارته ~~ممنوعة فقد حمل إليه طوفان من البطاقات. قرأ الأدعية والتمنيات ~~الطيبة. وتذكر سعفان بسيوني وحمزة السويفي، وعاودته ذكريات لم يرتح ~~لها، وتساءل كيف حال حمزة السويفي؟ هل ما زال على قيد الحياة؟ وثمة ~~موظفون جدد يلحقون اليوم بالعمل لم يعرفوه وربما لن تتاح لهم معرفته، ~~وفوق ذلك كله تجري السحب في السماء وتختفي وراء الأفق، وقد فهم الساعة ~~فقط مغزى حركة الشمس. # وأغمض عينيه حينا ثم فتحهما فرأى قدرية جالسة على كثب من الفراش ~~ترنو إليه. قرأ في عينيها الذهول الناعم المعتم غير المبالي بشيء ~~كالقمر المجلل بسحابة شفافة. أدرك أنها تناجي الملكوت وأنه لا خوف ~~منها. وبدا أنها - إلى ذلك - شحنت بتوصيات طبية إذ سألته بهدوء: ~~كيف حالك؟ # فابتسم مرتبكا وقال بامتنان: بخير، شكرا لك! # قالت تعاتب المجهول: قيل لي إن نقلك إلى بيتك «الأصلي» غير محمود ~~العواقب، وكان بودي أن أسهر عليك! ~~- أشكرك يا قدرية، خيرك سابق! ~~- انعم بالراحة حتى يأخذ الله بيدك .. # وهزت رأسها بحكمة غير معهودة ثم استطردت: لك العذر، أنا فاهمة كل ~~شيء، إنك تريد ولدا، ولك الحق، وربنا يحقق رغبتك .. ~~- أنت ms81 طيبة وإنسانة يا قدرية .. # ولاذت بالصمت ثم راحت في ذهول معبق بشذا الفردوس. وشعر بارتياح ~~عميق لانكشاف السر ولتجاوزه منطقة الحرج المليئة بالاحتمالات ~~المتفجرة. ولكنه من ناحية أخرى أدرك معنى مرضه بكافة أبعاده. ~~- أي أمل يبقى للدرجة؟! # أجل .. أجل .. ~~- وأي أمل يبقى للإنجاب؟! # وقال لراضية: لم أشعر بنذير تعب ولو من بعيد! ~~- الطبيب لم يعجب لذلك .. ~~- وعرفت المعنى الحقيقي للمباغتة والغدر! ~~- إنها سحابة سرعان ما تمر وتختفي .. ~~- الحق أني آسف لك جدا .. ~~- أنا؟! .. إن ما يهمني هو صحتك وسعادتك. # فنظر إليها بحب وعطف وقال: لا أمان في هذه الدنيا .. # أطرقت حتى أشفق من أنها تخفي دمعة فقال: إني ممتن لك، أنت نور في ~~هذه الدنيا التي تمضي بلا منطق، ولا وجود حقيقي .. ~~- املأ قلبك بالأفكار العذبة حرصا عليك وعلي .. # فتنهد وسأل: هل ذهبت قدرية بسلام؟ ~~- نعم. ~~- خيل إلي أن صوتها زمجر وأرعد، ماذا جرى؟ ~~- لا شيء ألبتة، إنها امرأة مسكينة .. ~~- أجل. الأخطاء ترتكب بعدد تردد الأنفاس. ~~- عليك أن تنعم بالراحة الكاملة .. # فرقت نظرته بحنان وسألها: هل يقدر لنا أن نحقق أملا من ~~آمالنا؟ ~~- بمشيئة الله .. # فقال وهو يحدجها بحزن: في لحظة يأس رميت بالدرجة وراء ظهري وتركز ~~أملي في حلم واحد هو الإنجاب .. ~~- جميل، سيكون لنا ذلك .. ~~- شكرا لك يا حبيبتي .. ~~- اهدأ حتى تتم سعادتنا .. ~~- ولكني أتساءل عن معنى ضياع أمل ذي طبيعة خالدة؟ .. إنه يعني أن ~~فناء العالم ممكن، وأنه ربما وقع بكل بساطة .. ~~- ألا تهب وقتا آخر للتفلسف؟ ~~- حسن .. ~~- ألا ترغب في شيء قبل النوم؟ # فأجاب باسما: أرغب في معرفة حكمة الحياة .. # 38 # وأخيرا استقبل زواره. جاء الزملاء والمرءوسون والسعاة ~~والفراشون. وانعقدت الجلسات بحجرة النوم وطالت وبشرت بالشفاء ~~الكامل. ودار الحديث عن الصحة والمرض، ومعجزات الشفاء، ورحمة الله، ~~ومهارة الأطباء، وأخبار الوزارة والإدارة، والبطاقة التي أرسلها ~~الوزير، والأخرى التي أرسلها الوكيل. ~~- لم لم يحضر الوكيل بنفسه؟ ~~- إنه غائص في العمل حتى قمة رأسه ولكن عذره ضعيف .. ~~- حسن وما أهمية ذلك؟ # وسرعان ما خاضوا في الأحاديث العامة، حفلة الإذاعة ms82 الأخيرة، الأسعار، ~~صراع الأجيال إلخ .. # وهو قد شارك في الحديث بقدر وتابعه بقدر أكبر، وما يدري إلا وهم ~~يتكلمون في السياسة! صكت أذنيه مرة أخرى الصراعات المضطربة ~~برموزها الرنانة: الحرية .. الديموقراطية .. الشعب .. الجماهير الكادحة ~~.. المذاهب الثورية .. التنبؤات الراسخة عن ثورات الغد .. وقال لنفسه ~~إن الفرد ينوء بآماله أفلا يكفيه ذلك؟! ولكنهم يؤمنون بأن آمال الفرد ~~رهن بأحلامهم الثورية! حسن .. أي ثورة تضمن له الشفاء وإنجاب ~~الذرية وتحقيق كلمة الله في الدولة المقدسة؟! ولكنه لم يعلن أفكاره ولم ~~يبح بسره لأحد، إنهم قطيع تافه في مراعي التعاسة، يعلقون الأمل ~~على الأحلام لضعف نفوسهم وتهافت إيمانهم وجهلهم أن الوحدة ~~عبادة. # واستشعر دفء الشفاء الوشيك فرغب في أن يجرب قوته. وجد فرصة في ~~خلو الحجرة فتزحزح ببطء إلى حافة الفراش، وأنزل ساقيه بحذر حتى ~~مست قدماه الأرض. غمغم: توكلت على الله .. # ووقف مستندا إلى الفراش واطمأن إلى ثقته بنفسه فحرك قدميه بحذر ~~كأنه طفل يمشي معتمدا على نفسه لأول مرة. بصعوبة حملته ساقاه من ~~الضعف وطول الرقاد. وتقدم حتى بلغ الباب المغلق ففتحه وواصل السير نحو ~~حجرة الجلوس مضمرا مفاجأة سارة. وباقترابه ترامى إليه صوت، حوار ~~يدور بين العمة وراضية. تساءلت راضية بحدة: من؟ .. من؟ .. # فجاء صوت العمة خافتا على غير العادة: أنت الجانية على نفسك، ~~طالما قلت لك ذلك. ~~- ما الفائدة؟ ~~- ما هي عقبى الطمع وسوء التصرف! ~~- اصرخي حتى يسمع! # وساد الصمت. # عاد إلى الفراش ذاهلا. ~~- فيم تتحاوران؟ .. أي جناية؟ .. أي طمع؟ .. أي سوء ~~تصرف؟! # وأغمض عينيه وهو يعض على شفته: يا ربي المعبود، ماذا يعني ذلك، أهو ~~ممكن؟ # لم لا؟ طالما رغب في أن يلعب هذه اللعبة فلم ينجح. ومن شدة الشعور ~~بالخيبة ذهل عن وجوده تماما. ~~- يا لي من أحمق! # ودهمته نكسة. هصرته أزمة جديدة. مضت أيام وأيدي الحياة والموت ~~تتنازعه فيما بينها. وبدا أنه مصمم على الاستمساك بالحياة رغم كل ~~شيء، ورغم قوله لنفسه: معركة طويلة وخاسرة! ~~- لتكن مشيئة الله .. # وقيل إنه اجتاز مرحلة الخطر ولكن كان من المسلم ms83 به من أول الأمر أن ~~رقاده سيطول إلى أجل غير مسمى. ولم يبح بسره لأحد وكان يلقى راضية ~~وهو مغمض العينين. ولم يحقد عليها ولم يغضب وقال لنفسه: لا يحق لي أن ~~أكرهها إلا كما أكره نفسي .. # وقال أيضا: إذا تهيأ لي يوما أن أنجب منها فلن أتأخر حتى يتحقق ~~للعبة وجهاها الأبيض والأسود .. # وتنهد قائلا: يا لي من أحمق! .. هكذا يكون سوء الختام وإلا فلا ~~.. # فلم يغضب ولكنه فقد الثقة في المكان. ~~••• # وذات مساء دخلت راضية بوجه مبتهج وقالت: وكيل الوزارة جاء ~~لزيارتك. # ودخل بهجت نور بوقاره المعروف فصافحه ثم جلس وهو يقول: شد حيلك ~~.. # فقال عثمان بتأثر: خطوة عزيزة يا صاحب السعادة .. ~~- إنك تستحق تكريم ولا يمكن نسيان أفضالك. # فاغرورقت عيناه امتنانا فقال الوكيل: في مكانك فراغ لا يسده أحد ~~سواك .. ~~- إنه كرم أخلاقك الذي يتكلم، ليس إلا .. ~~- عما قريب ستشفى وترجع إلينا وسوف تجدنا في انتظارك، ولقد حملت معي ~~إليك نبأ سعيدا .. # وابتسم الرجل والآخر يرنو إليه بإعياء وذهول ثم قال: صدر اليوم ~~قرار ترقيتك إلى وظيفة المدير العام .. # استمر ينظر إليه ولكن ببلاهة فقال الرجل: انتصر الحق والعدل ولو بعد ~~حين .. # فتمتم عثمان: إنها لبركة من أفضالك. ~~- العفو، وقد كلفني معالي الوزير بإبلاغك تحياته وتمنياته لك بالشفاء ~~العاجل. ~~- لمعاليه الشكر والدعاء .. # وذهب الرجل مخلفا وراءه فردوسا من المشاعر، كأنما كان رسول رحمة ~~من الغيب. وتلقى تهاني راضية وعمتها وهو مغمض العينين. وعاوده شعوره ~~بفقدان الثقة في المكان. وسمعها وهي تقول: كم أنني سعيدة .. # تذوق في هدوء نجاحه. إنه صاحب السعادة، مالك الحجرة الزرقاء، مرجع ~~الفتاوى والأوامر الإدارية وملهم التوجيهات الرشيدة للإدارة الحكيمة ~~وقضاء مصالح العباد، وعبد من عباد الله القادرين على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقال لنفسه: ستتم نعمتك علي يا ربي يوم تمكنني ~~من القيام لممارسة السلطان وإعلاء شأنك في الأرض! # ولكن الطبيب قال له: ما يهمني هو صحتك لا وظيفتك! # وإنه لصارم وعنيد، ولو صح تقديره فستظل الترقية شكلا بلا ~~مضمون. قال له: ms84 المؤمن الحقيقي لا يسعد بالصحة وحدها .. # فقال الطبيب: لم أسمع بذلك من قبل .. ~~- وربما استنفدت إجازاتي في الرقاد فأحال إلى المعاش! ~~- كل شيء قسمة ونصيب! # وقال لنفسه بوجوم: لعلهم وهبوني الترقية صدقة وهم يعلمون أن الوظيفة ~~باقية لهم! # ونادى راضية فقال لها: لا أريد أن أثقل عليك أكثر من ذلك. # فسألته في حيرة: ماذا تعني؟ ~~- تمريض مريض واجب ثقيل .. # فوضعت إصبعها على شفتيه محتجة فنحاه بلطف وقال: سأنتقل إلى قسم ~~الطبيب المعالج بالمستشفى. # واحتجت راضية ولكنه أصر. وعرض فكرته على الطبيب فوافق عليها، ونقل ~~إلى حجرة خاصة. ومهما يكن من شأن الزيارات فقد عاد إلى وحدته كالزمن ~~الأول. # ومضت الأيام في مسارها الأبدي، وكاد أن ينقطع ما بينه وبين العالم ~~الخارجي، وكفت قدرية عن زيارته بسبب التدهور والمرض، واستسلم لقدره ~~فلم يعد يبالي بما كان ولا بما هو كائن ولا بما سوف يكون. وتحمل ~~الساعات التي تقضيها راضية إلى جانبه بضيق شديد ولكنه احتفظ بأحزانه ~~لنفسه، وآمن في الوقت نفسه بعدالتها. وظل على إيمانه الراسخ بمعتقداته ~~المقدسة، بالحياة الشاقة المقدسة، بالجهاد والعذاب، بالأمل البعيد ~~المتعالي. وقال إن العجز أحيانا عن بلوغه لا يزعزع الثقة به، ولا ~~المرض ولا الموت نفسه، ما دام أن الإصرار على المضي نحوه هو ~~المسئول عن وجود النبل والمعنى في الحياة. # وكره كلمات التشجيع الجوفاء، وسلم بأن تقلده للوظيفة الجديدة ~~حلم، كما سلم بأن نهوضه لإنجاب ذرية حلم آخر، ومع ذلك فمن ~~يعلم؟! # وما يحز في نفسه أن كل شيء يمضي في سبيله دون مبالاة به. # التعيين والترقي والإحالة إلى المعاش، الحب والزواج وحتى الطلاق، ~~صراعات السياسة وشعاراتها المحمومة، تعاقب الليل والنهار .. # وها هي نداءات الباعة تنذر باقتراب الشتاء. # ولعله من محاسن الصدف أن القبر الجديد قد حاز رضاه تحت ضوء ~~الشمس. ms85