######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.HamsJunun.Hindawi71628490 #META# Tags: novels #META# ID: 71628490 #META# Title: همس الجنون #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # همس الجنون‏ # الزيف‏ # الشريدة‏ # خيانة في رسائل‏ # من مذكرات شاب‏ # الهذيان‏ # يقظة المومياء‏ # كيدهن‏ # روض الفرج‏ # هذا القرن‏ # الجوع‏ # بذلة الأسير‏ # نحن رجال‏ # الشر المعبود‏ # الورقة المهلكة‏ # ثمن السعادة‏ # حلم ساعة‏ # الثمن‏ # نكث الأمومة‏ # حياة للغير‏ # مفترق الطرق‏ # إصلاح القبور‏ # المرض المتبادل‏ # حياة مهرج‏ # عبث أرستقراطي‏ # مرض طبيب‏ # فلفل‏ # صوت من العالم الآخر‏ # همس الجنون‏ # الزيف‏ # الشريدة‏ # خيانة في رسائل‏ # من مذكرات شاب‏ # الهذيان‏ # يقظة المومياء‏ # كيدهن‏ # روض الفرج‏ # هذا القرن‏ # الجوع‏ # بذلة الأسير‏ # نحن رجال‏ # الشر المعبود‏ # الورقة المهلكة‏ # ثمن السعادة‏ # حلم ساعة‏ # الثمن‏ # نكث الأمومة‏ # حياة للغير‏ # مفترق الطرق‏ # إصلاح القبور‏ # المرض المتبادل‏ # حياة مهرج‏ # عبث أرستقراطي‏ # مرض طبيب‏ # فلفل‏ # صوت من العالم الآخر‏ # | همس الجنون # | همس الجنون # تأليف # نجيب محفوظ # | همس الجنون # ما الجنون؟ # إنه فيما يبدو حالة غامضة كالحياة وكالموت، تستطيع أن تعرف الشيء الكثير عنها إذا أنت نظرت ~~إليها من الخارج؛ أما الباطن، أما الجوهر، فسر مغلق. وصاحبنا يعرف الآن أنه نزل ضيفا بعض ~~الوقت بالخانكة، ويذكر - الآن أيضا - ماضي حياته كما يذكره العقلاء جميعا، وكما يعرف ~~حاضره، أما تلك الفترة القصيرة - قصيرة كانت والحمد لله - فيقف وعيه حيال ذكرياتها ذاهلا ~~حائرا لا يدري من أمرها شيئا تطمئن إليه النفس. كانت رحلة إلى عالم أثيري عجيب، مليء ~~بالضباب، تتخايل لعينيه منه وجوه لا تتضح ملامحها، كلما حاول أن يسلط عليها بصيصا من ~~نور الذاكرة ولت هاربة فابتلعتها الظلمة. ويجيء أذنيه منه أحيانا ما يشبه الهمهمة، وما ~~إن يرهف السمع ليميز مواقعها حتي تفر متراجعة تاركة صمتا وحيرة. ضاعت تلك الفترة السحرية ~~بما حفلت من لذة وألم، حتى الذين عاصروا عهدها العجيب قد أسدلوا عليها ستارا كثيفا من ~~الصمت والتجاهل لحكمة لا تخفى، فاندثرت دون أن يتاح لها مؤرخ أمين يحدث بأعاجيبها. ترى ~~كيف حدثت؟! متي وقعت؟ كيف أدرك الناس أن هذا العقل غدا شيئا غير العقل، وأن صاحبه أمسى ~~فردا شاذا يجب عزله بعيدا عن الناس كأنه الحيوان المفترس؟! # كان إنسانا هادئا أخص ما يوصف ms001 به الهدوء المطلق. ولعله ذاك ما حبب إليه الجمود ~~والكسل، وزهده في الناس والنشاط؛ ولذلك عدل عن مرحلة التعليم في وقت باكر، وأبى أن يعمل ~~مكتفيا بدخل لا بأس به. وكانت لذته الكبرى أن يطمئن إلى مجلس منعزل على طوار القهوة فيشبك ~~راحتيه على ركبته، ويلبث ساعات متتابعات جامدا صامتا، يشاهد الرائحين والغادين بطرف ناعس ~~وجفنين ثقيلين، لا يمل ولا يتعب ولا يجزع؛ فعلى كرسيه من الطوار كانت حياته ولذته. ولكن ~~وراء ذلك المظهر البليد الساكن حرارة أو حركة في قرارة النفس أو الخيال، كان هدوءه شامل ~~الظاهر والباطن، الجسم والعقل، الحواس والخيال، كان تمثالا من لحم ودم يلوح كأنما يشاهد ~~الناس وهو بمعزل عن الحياة جميعا. # ثم ماذا؟! # حدث في الماء الآسن حركة غريبة فجائية كأنما ألقي فيه بحجر. # كيف؟! # رأى يوما - إذ هو مطمئن إلى كرسيه على الطوار - عمالا يملئون الطريق، يرشون رملا أصفر ~~فاقعا يسر الناظرين، بين يدي موكب خطير. ولأول مرة في حياته يستثير دهشته شيء فيتساءل: ~~لماذا يرشون الرمل؟ ثم قال لنفسه إنه يثور فيملأ الخياشيم ويؤذي الناس، وهم أنفسهم يرجعون ~~سراعا فيكنسونه ويلمونه، فلماذا يرشونه إذن؟! وربما كان الأمر أتفه من أن يوجب التساؤل أو ~~الحيرة، ولكن تساؤله بدا له كأخطر حقيقة في حياته وقتذاك، فخال أنه بصدد مسألة من مسائل ~~الكون الكبرى. ووجد في عملية الرش أولا، والكنس أخيرا، والأذى فيما بين هذا وذاك؛ حيرة أي ~~حيرة، بل أحس ميلا إلى الضحك، ونادرا ما كان يفعل، فضحك ضحكا متواصلا حتى دمعت عيناه. ~~ولم يكن ضحكه هذا محض انفعال طارئ، فالواقع أنه كان نذير تغيير شامل، خرج به من صمته الرهيب ~~إلى حال جديدة، ومضى يومه حائرا أو ضاحكا، يحدث نفسه فيقول كالذاهل: يرشون فيؤذون ثم ~~يكنسون .. ها ها ها! # وفي صباح اليوم الثاني لم يكن أفاق من حيرته بعد. ووقف أمام المرآة يهيئ من شأنه، فوقعت ~~عيناه على ربطة رقبته، وسرعان ما أدركته حيرة جديدة، فتساءل: لماذا يربط رقبته على هذا النحو؟ ~~ما ms002 فائدة هذه الربطة؟ لماذا نشق على أنفسنا في اختيار لونها وانتقاء مادتها؟ وما يدري إلا ~~وهو يضحك كما ضحك بالأمس، وجعل يرنو إلى ربطة الرقبة بحيرة ودهشة، ومضى يقلب عينيه في ~~أجزاء من ملابسة جميعا بإنكار وغرابة. ما حكمة تكفين أنفسنا على هذا الحال المضحك؟ لماذا ~~لا نخلع هذه الثياب ونطرحها أرضا؟ لماذا لا نبدو كما سوانا الله؟ بيد أنه لم يتوقف عن ~~ارتداء ملابسه حتى انتهى منها، وغادر البيت كعادته. # ولم يعد يذوق هدوءه الكثيف الذي عاش في إهابه دهرا طويلا قانعا مطمئنا. كيف له ~~بالهدوء وهذه الثياب الثقيلة تأخذ بخناقه على رغمه؟! أجل على رغمه. وقد اجتاحته موجة غضب ~~وهو يحث خطاه، وكبر عليه أن يرضى بقيد على رغمه. أليس الإنسان حرا؟ وتفكر مليا ثم أجاب ~~بحماس: بلى أنا حر. وملأه بغتة الشعور بالحرية، وأضاء نور الحرية جوانب روحه حتى استخفه ~~الطرب. أجل هو حر. نزلت عليه الحرية كالوحي فملأه يقينا لا سبيل إلى الشك فيه، إنه حر ~~يفعل ما يشاء كيف شاء حين يشاء، غير مذعن لقوة أو خاضع لعلة لسبب خارجي أو باعث باطني. حل ~~مسألة الإرادة في ثانية واحدة، وأنقذها بحماس فائق من وطأة العلل. وداخله شعور بالسعادة ~~والتفوق عجيب، فألقى نظرة ازدراء على الخلق الذين يضربون في جوانب السبل مسيرين مصفدين ~~لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا؛ إذا ساروا لم يملكوا أن يقفوا، وإذا وقفوا لم يملكوا أن ~~يسيروا، أما هو فيسير إذا أراد ويقف حين يريد، مزدريا كل قوة أو قانون أو غريزة. وأهاب به ~~شعوره الباهر أن يجرب قوته الخارقة فلم يستطع أن يعرض عن نداء الحرية. توقف عن مسيره ~~بغتة وهو يقول لنفسه: «ها أنا ذا أقف لغير ما سبب.» ونظر فيما حوله في ثوان ثم تساءل؛ أيستطيع ~~أن يرفع يديه إلى رأسه؟ أجل يستطيع، وها هو ذا يرفع يديه غير مكترث لأحد من الناس. ثم تساءل ~~مرة أخرى؛ هل تؤاتيه الشجاعة على أن يقف على قدم واحدة؟ وقال لنفسه: فلم ms003 لا أستطيع؟ وما عسى ~~أن يعتاق حريتي؟! وراح يرفع يسراه كأنه يقوم بحركة رياضية في أناة وعدم مبالاة كأنه وحده ~~في الطريق بلا رقيب. وغمرت فؤاده طمأنينة سعيدة، وملأته ثقة بالنفس لا حد لها؛ فمضى يتأسف ~~على ما فاته - طوال عمره - من فرص كانت حرية بأن تمتعه بحريته وتسعده، واستأنف مسيره ~~وكأنه يستقبل الحياة من جديد. # ومر في طريقه إلى القهوة بمطعم كان يتناول به عشاءه في بعض الأحايين، فرأى على طواره ~~مائدة ملأى بما لذ وطاب، يجلس إليها رجل وامرأة متقابلان يأكلان مريئا ويشربان هنيئا، ~~وعلى بعد يسير جلس جماعة من غلمان السبل عرايا إلا من أسمال بالية، تغشى وجوههم ~~وبشرتهم طبقة غليظة من غبار وقذارة؛ فلم يرتح لما بين المنظرين من تنافر، وشاركته حريته عدم ~~ارتياحه فأبت عليه أن يمر بالمطعم مر الكرام، ولكن ما عسى أن يصنع؟ قال له فؤاده بعزم ~~ويقين: «ينبغي أن يأكل الغلمان مع الآخرين.» ولكن الآكلين لا يتنازلان عن شيء من هذه الدجاجة ~~أمامهما بسلام، هذا حق لا ريب فيه، أما إذا رمى بها إلى الأرض فتلوثت بالتراب فما من قوة ~~تستطيع أن تحرمها الغلمان؛ فهل ثمة مانع يمنعه من تحقيق رغبته؟ .. هيهات، وربما كان التردد ~~ممكنا في زمن مضى، أما الآن ... واقترب من المائدة بهدوء، ومد يده إلى الطبق وتناول ~~الدجاجة، ثم رمي بها عند أقدام العرايا، وتحول عن المائدة وسار إلى حال سبيله كأنما لم ~~يأت أمرا نكرا، غير عابئ بالزئير الذي يلاحقه مفعما بأقذع السباب والشتائم، بل غلبه ~~الضحك على أمره، فاسترسل ضاحكا حتى دمعت عيناه، وتنهد بارتياح من الأعماق، وعاوده شعوره ~~العميق بالطمأنينة والثقة والسعادة. # وبلغ القهوة فمضى إلى كرسيه واطمأن إليه كعادته، بيد أنه لم يستطع هذه المرة أن يشبك ~~راحتيه حول ركبته ويستسلم لسكوته المعهود. لم تطاوعه نفسه؛ فقد فقدت قدرتها على الجمود، أو ~~برئت من عجزها عن الحركة فنبا به مجلسه، حتي هم بالنهوض، إلا أنه رأى - في تلك اللحظة - ~~شخصا غير غريب عن ناظريه، وإن ms004 لم تصله به أسباب التعارف. كان من رواد المقهى مثله، وكان ~~جسما ضخما وأوداجا منتفخة، يسير مرفوع الرأس في خيلاء، ملقيا على ما حوله نظرة ترفع ~~وازدراء، تنطق كل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته بالزهو، كأنما يثير الخلق في نفسه ما ~~تثيره الديدان في نفس رقيقة مرهفة الحس، وكأنه يراه لأول مرة. بدا له قبحه وشذوذه ~~عاريا، فغالبته هذه الضحكة الغريبة التي ما انفكت هذين اليومين تعابثه، ولم تفارقه ~~عيناه، وثبتت خاصة على قفاه يبرز من البنيقة عريضا ممتلئا مغريا. وتساءل؛ أيتركه يمر ~~بسلام؟ معاذ الله، لقد ألف داعي الحرية، وعاهده ألا يخالف له أمرا. وهز منكبيه ~~استهانة، واقترب من الرجل فكاد يلاصقه، ورفع يده وهوي بكفه على القفا بكل ما أوتي من قوة، ~~فرنت الصفعة رنينا عاليا، ولم يتمالك نفسه فأغرب ضاحكا، ولكن لم تنته هذه التجربة ~~بسلام كأختها السابقة، فالتفت الرجل نحوه في غضب جنوني، وأمسك بتلابيبه وانهال عليه ضربا ~~وركلا حتى خلص بينهما بعض الجلوس. وفارق القهوة لاهثا، ومن عجب أنه لم يستشعر الغضب ولا ~~الندم؛ وعلى العكس من ذلك ألمت بحواسه لذة عجيبة لا عهد له بها من قبل، وافتر ثغره عن ~~ابتسامة لا تزايله، وفاضت نفسه بحيوية وسرور يغشيان أي ألم، ولم يعد يكترث لشيء غير حريته ~~التي فاز بها في لحظة من الزمان، وأبى أن يغيب عنها ثانية واحدة من حياته؛ ومن ثم ألقى ~~بنفسه في تيار زاخر من التجارب الخطيرة بإرادة لا تنثني وقوة لا تقهر. صفع أقفية، وبصق على ~~وجوه، وركل بطونا وظهورا، ولم ينج في كل حال من اللكمات والسباب؛ فحطمت نظارته، ومزق ~~زر طربوشه، وتهتك قميصه، ونغضت ثنيتاه، ولكنه لا ارتدع ولا ازدجر، ولا انثنى عن سبيله المحفوف ~~بالمخاطر، ولا فارق الابتسام شفتيه، ولا خمدت نشوة فؤاده الثمل؛ ولو اعترض الموت طريقه ~~لاقتحمه غير هياب. # ولما آذنت الشمس بالمغيب عثرت عيناه المتجولتان بحسناء مقبلة متأبطة ذراع رجل أنيق ~~المنظر، ترفل في ثوب رقيق شفاف، تكاد حلمة ثديها تثقب ms005 أعلى فستانها الحريري، وجذب صدرها ~~الناهد عينيه فزادتا اتساعا ودهشة، وهاله المنظر، وكانت تقترب خطوة فخطوة حتى باتت على قيد ~~ذراع. # وكان عقله - أو جنونه - يفكر بسرعة خيالية، فخطر له أن يغمز هذه الحلمة الشاردة! إن ~~رجلا ما فعل ذلك على أية حال، فليكن هذا الرجل. واعترض سبيلهما، ومد يده بسرعة البرق ~~وقرص! آه لقد انهالت عليه اللطمات واللكمات، وأحاط به كثيرون، ولكنهم في النهاية تركوه! ~~لعل ضحكته الجنونية أخافتهم، ولعل نظرة عينيه المحملقتين أفزعتهم. تركوه على أية حال. ~~ونجا ولم تكد تزداد حالته سوءا! وكان لا يزال به طموح إلى مزيد من المغامرات، ولكن لاحت ~~منه نظرة إلى ملابسه، فهاله ما يرى من تمزقها وتهتكها. وبدلا من أن يأسى على نفسه راح يذكر ~~ما دار بخلده صباح اليوم أمام المرآة، فلاحت في عينيه نظرة غائبة، وعاد يتساءل؛ لماذا يدع ~~نفسه سجينا في هذه اللفائف تشد على صدره وبطنه وساقيه؟! وناء بثقلها، وشعر لوطأتها ~~باختناق، فغليت مراجله، ولم يستطع معها صبرا، وأخذت يداه تنزعانها قطعة قطعة، بلا تمهل ~~ولا إبطاء، حتى تخلص منها جميعا؛ فبدا عاريا كما خلقه الله، وعابثته ضحكته الغريبة، فقهقه ~~ضاحكا، واندفع في سبيله. # | الزيف # كان التياترو مكتظا بالنظارة، حيث كانت تمثل رواية البخيل لموليير، وكان جمهوره ~~كالمعتاد خليطا من طلاب التسلية ومحبي الظهور ومدعي الفن وعشاق الخيال. وكان علي أفندي ~~جبر، المترجم بوزارة الزراعة، بين الجالسين في الصفوف الأمامية، وكان يتتبع التمثيل بين ~~اليقظة والنوم، واضعا خده على يده، ومسندا مرفقه إلى مسند المقعد. وكان قد طالع في بعض ~~المجلات عن الرواية ما جعله يظنها آية من آيات الكوميدي، فجاء التياترو بنفس تواقة إلى ~~الضحك والسرور، وسرعان ما خاب رجاؤه وفترت حماسته، وكاد يستسلم للنعاس، ولكن الأقدار أرادت ~~أن تتبرع بتعويضه عن خيبته؛ ففي أثناء الاستراحة دنا منه النادل وانحني على أذنه، وقال ~~باحترام وتأدب: هل للبك أن يتفضل بالذهاب إلى البنوار رقم واحد؟ # ثم ذهب إلى حال سبيله، ونظر علي أفندي إلى البنوار رقم واحد ms006 فرأى الستار الأبيض مسدلا ~~عليه، فأدرك أن به «حريما»، وقام من توه وغادر الصالة، وقصد إلى البنوار وهو يضرب أخماسا في ~~أسداس، وطرق الباب مستأذنا، فسمع صوتا رخيما لا يعرفه يقول: تفضل. # فتردد لحظة سريعة لأنه أدرك - لدى سماعه الصوت الغريب - أن في الأمر خطأ، ولكنه كان من ~~الرجال الذين تغلبهم على نفوسهم في محضر النساء جسارة غير محدودة، وحب للمجازفات، وثقة ~~بالنفس وطيدة، فاقتحم الباب غير هياب، وصار وجها لوجه أمام السيدة الجالسة. وكانت في ~~الأربعين ممتلئة الجسم ناضجة الأنوثة، يزين وجهها العاجي حسن تركي ممصر، ويدل على ~~طبقتها العالية ثوبها الأنيق ونظرتها الرفيعة وحليها الثمينة، وقد بهر الرجل أمام روعة ~~الحسن، وانحنى باحترام وهو يقول في إشفاق: «وا أسفاه، ستعلم السيدة بالخطأ وسرعان ما تنتهي ~~المقابلة!» ولكن خاب ظنه لأن السيدة ابتسمت إليه تحييه كأنه هو المعني، وقالت برقة ~~تعرفه بنفسها: أرجوك ألا يسوءك إقلاقي لراحتك .. أنا أرملة المغفور له علي باشا ~~عاصم! # يسوءه! ينبغي أن يعد نفسه من المحظوظين في هذه الدنيا؛ لأن سيدة كتلك السيدة تقول له مثل ~~ذلك الكلام بتلك اللهجة الرقيقة! ترى لماذا دعته لبنوارها؟ فهو لا يذكر أنه رآها من قبل، ~~وإن كان يعلم علم اليقين أنه قرأ اسمها في بعض الأخبار الخاصة بالجمعيات النسائية، وخيل ~~إليه غروره أنها ربما رأته من حيث لم يرها، وأنها ربما وقع في نفسها منه - كما حدث لغيرها، ~~وإن كن لسن من نوعها - ما علقها به؛ فإذا صدق حدسه - والدلائل تجمع على صدقه - فهي ~~تدعوه كما دعت قديما امرأة العزيز فتاها! # وأحس بنشوة فرح وزهو، وقال للمرأة بكل رقة وهو ينظر إليها كما ينظر الإنسان إلى شيء ثمين ~~يملكه: العفو يا صاحبة السعادة .. خادمك. # وهم أن يقدم لها شخصه العزيز، واستدلت السيدة من لهجته على ذلك، فأشارت إليه بيدها البضة، ~~وقالت بسرعة وهي تبسم عن در نضيد: وهل أنت في حاجة إلى تعريف يا أستاذ ...؟ تفضل. # وجلس كما أرادت، ولكن عبارتها الأخيرة قلبت ما بنفسه رأسا على ms007 عقب؛ فعلاه الوجوم، وأطفأ ~~الكدر نور السرور في عينيه؛ لأنه من المحتمل أن يكون فاتنا محبوبا من النساء، وأن تقع في ~~غرامه حرم عاصم باشا، ولكن مما لا ريب فيه أنه في حاجة إلى تعريف ككل إنسان، وأنه لم يكن ~~أبدا في غنى عن التعريف، فماذا تعني السيدة الجميلة بقولها هذا؟ إنه يكاد يهتدي إلى وجه ~~الحق، وقد ساعده على ذلك قولها له «يا أستاذ»؛ فهل تظن السيدة أنه شاعر مصر الأكبر، بل شاعر ~~الشرق العربي جميعا الأستاذ محمد نور الدين؟ # والحق أن المشابهة التي بينه وبين سيد الشعراء معروفة مشهورة، يعلم بها جميع أصحابه، ~~وطالما جعلوا منها موضوعا للتنكيت والقفش؛ فكلاهما له هذا الوجه المستطيل الذي يحد من أعلى ~~بجبهة عالية، ومن أسفل بذقن عريضة، وكلاهما له هذا الأنف الروماني العظيم، والشارب الشركسي ~~الغزير، ولا اختلاف بينهما إلا أنه أطول من الشاعر وأعظم امتلاء؛ وهذا يدل على أن السيدة - ~~فيما لو صدق ظنه - لم تر الشاعر إلا في إحدى صوره التي تظهر أحيانا في المجلات ~~والصحف. # وا أسفاه! ذاق حلاوة الفوز ومرارة الهزيمة في لحظة واحدة، فهل يتراجع ويرضى بالغنيمة ~~بالإياب؟ ولكن مثل هذا التردد لم يكن ليخالجه إلا لحظات قصيرة العمر؛ لأنه - كما قلنا - ~~يفقد رشاده في حضرة النساء، ولا يفكر إلا في انتهاب اللذة واقتناص الفرصة، فجلس مبتسما على ~~ما به من خيبة مريرة، مطمئنا كما ينبغي لشاعر مصر العظيم. # وقالت السيدة: سيدي الأستاذ، إن معرفتي بك قديمة جدا لا كما تظن، وإن أفضالك على روحي ~~لا تقدر بثمن، ولا يحصيها عد، وطالما منيت نفسي بالتحدث إليك، وكم كان فرحي عظيما حين ~~عثر بصري بك فلم أتردد عن دعوتك، وإني أرجو يا سيدي أن تغفر لي تطفلي. # فقال علي أفندي وقلبه يلعن الشاعر: ما أسعدني بعطفك يا سيدتي! إننا معشر الشعراء لنحرق ~~أرواحنا في سبيل الخلود والشهرة، ومثل إعجابك يا سيدتي أثمن لدي من الخلود والشهرة! # فتوردت وجنتا المرأة، ورنت إليه بعينين ناعستين، وقرأت في عينيه ما ms008 حملها على تجنب حديث ~~العواطف وإن كانت تضمر الرجوع إليه في المستقبل! فقالت: هل أعجبتك الرواية؟ # الرواية التي صدعت رأسه وفر منها إلى النعاس! # إنه كان حكيما فلم يسارع إلى مصارحتها برأيه، ولم تنتظر السيدة جوابه، فقالت بثقة: لا شك ~~أنك تعجب بها أيما إعجاب؛ لأنها من تلك الفكاهة العالية التي كتبت عنها فصلا رائعا في ~~كتابك الخالد «فلسفة الجمال»، وقد كان هذا الفصل سبيلي إلى تذوق موليير وتوين وشو. # فحمد الله أن لم يذكر رأيه الحقيقي، وهز رأسه باسما، وقال باطمئنان عجيب: البخيل آية ~~فنية رائعة، وهي من الآيات التي لا تمنح كنوزها مرة واحدة. ولقد قرأتها مرة وأخرى، وها أنا ذا ~~أشاهدها للمرة الثالثة، وفي كل مرة أفوز بحسن جديد! # فابتسمت السيدة وقالت: إذن أصاب ظني! # فقال علي أفندي: إنك يا سيدتي آية في الذكاء. # ولم يأذن الوقت بالاسترسال في الأحاديث؛ إذ دق الجرس معلنا انتهاء الاستراحة، فاضطر ~~علي أفندي أن يستأذن في طلب الانصراف، وقالت السيدة وهي تودعه: أرجو أن تشرف قصري ~~بزيارتك. # فقال وهو ينحني على يدها: لي عظيم الشرف يا سيدتي. ~~- يوم الأربعاء الساعة السابعة مساء .. شارع خمارويه رقم 10 بالزمالك. # وتنهدت المرأة ارتياحا، وظنت أنها نالت أمنية من أعز أمانيها. وكانت مخلوقة سعيدة ~~الحظ كأن الأقدار تتوخى راحتها؛ تزوجت من رجل من رجال مصر القانونيين المعدودين، فتمتعت ~~برجولته، وكفاها الموت شر شيخوخته، وترك لها مالا وجاها واسما عظيما، ولكن ضايقها ظهور ~~منافسة خطيرة لها هي أرملة الدكتور إبراهيم باشا رشدي، يجري ذكر جمالها - مثلها - على ~~الألسن، وتتحدث بثرائها المجتمعات، وقد وضعتهما المصادفات في حي واحد، وأغرت بينهما العداوة ~~والبغضاء؛ فكلتاهما تتمتع بأنوثة ناضجة وجمال فتان وثروة طائلة، وتملك قصرا فخما يتيه ~~على قصور الأمراء. وكانت كل منهما تعتز بنفسها، وتود لو يغلب نورها نور الأخرى، فتنافستا في ~~اقتناء السيارات الثمينة والتحف النادرة والثياب الأنيقة، وتسابقتا في ميدان الظهور تعرضان ~~حسنهما وتنثران حديثهما، واتخذت كل منهما بطانة من كرائم الأسر والآنسات المثقفات. وقد ~~علمت حرم ms009 عاصم باشا يوما أن منافستها دعت إلى تأليف جمعية المرأة الحديثة، فلم يرتح لها ~~جانب حتى كونت جمعية تعليم الأميات. وسمعت يوما بأن الأخرى تبرعت بمبلغ كبير من المال ~~مساهمة في إنشاء مدرسة كبيرة، وأن الصحف أثنت عليها جميل الثناء، فأمرت بتشييد جامع كبير في ~~عزبتها، ودعت لالتقاط صوره مصور أكبر مجلة في مصر، وطلبت إليه أن يثني على ورعها وتقواها! # وكان آخر ما نمى إلى مسامعها من أخبار منافستها ما لاكته الألسن من أن الموسيقار المعروف ~~الأستاذ الشربيني قد شغف بها حبا، وأنه لا يفتأ يتردد على قصرها، وأن الدور الذائع الصيت ~~«حبيت يا قلبي»، الذي يتغنى به المصريون جميعا وتهفو إليه نفوسهم؛ لحن بوحي جمالها! وما ~~علمت بهذه الأخبار حتي التهبت نفسها التهابا واحترق قلبها احتراقا، وتلفتت يمنة ويسرة ~~تبحث عن عاشق «شهير» تصير بحبه حديثا ممتعا، وتغدو له وحيا ملهما، فذكرت شاعر مصر محمد ~~نور الدين؛ فهو المصري الوحيد الذي له ما للشربيني من الشهرة والمكانة، وهو أجدر الناس ~~بتخليدها في قصيدة كما خلد الشربيني منافستها في أسطوانة. وفي تلك الأثناء رأت الشاعر ~~مصادفة في التياترو، وكانت تفكر في وسيلة تصل بها إليه، فهل كنا مغالين إذ قلنا إنها نالت ~~أمنية من أعز أمانيها؟ ~~••• # أما علي أفندي جبر، فقد رجع إلى مقعده وهو يلقي على الحاضرين نظرة فاحصة خشية أن يكون ~~الشاعر الأصلي بين النظارة! وقد ساءل نفسه: «ألا يجدر بي أن أفر؟» ولكنه لم يكن جادا في ~~سؤاله؛ لأنه لم يعتد الفرار من ميدان النساء. # ولم يأل جهدا في التأهب والاستعداد ليتقن تمثيل شخصيته الجديدة، فطبع بطاقات باسم محمد ~~نور الدين، ورأى عن حكمة أن يلقي نظرة سطحية على مؤلفات الشاعر؛ فذهب إلى مكتبه وطلب ~~مؤلفاته، فسأله الكتبي: كلها؟ # فقال: نعم. # فقال الرجل: الطلب غير ممكن الآن يا أستاذ؛ لأن بعضها نفد، والبعض غير موجود في المكتبة؛ ~~فإذا انتظرت إلى الغد ... # ولكنه قاطعه متسائلا: ما الحاضر بين يديك؟ # فقال الرجل: دواوينه الأربعة؛ النور والظلام، والجحيم، والرحلة ms010 الروحية ، والسماء السابعة؛ ~~وكتاب فلسفة الجمال، والرحلة الشرقية، والجزء الثاني من كتاب الغد. # وهاله الأمر وأسقط في يده، ولم ير بدا من ابتياعها جميعا، وكانت المرة الأولى في ~~حياته التي يشتري فيها ديوان شعر؛ لأنه بطبعه لا يحب الشعر ولا يهضمه، ولا يجد مسوغا ~~مطلقا للقوافي التي يضمنها معانيه؛ فلماذا لا يرسل الكلام على سجيته؟ وإنه لينفث في آذان ~~النساء غزلا يعتقد أنه أرق الكلام وأمتعه، ومع هذا لم يشعر بالحاجة إلى تنسيقه في بيت من ~~الشعر، ولم يقرأ من الشعر طوال حياته سوى المحفوظات المدرسية وهو كاره؛ فما كان يخطر له على ~~بال أن يشتري ديوانا من الشعر فضلا عن أربعة دواوين كاملة، ولكن قدر فكان! # وقال لنفسه متبرما وهو يحملها إلى بيته: «أعقل أن يكلفني الحب مالا أو مطاردة خطرة أو ~~صبرا طويلا أو شجارا عنيفا، أما الذي لا أعقله أن يتقاضاني قراءة هذه الكتب؛ فهل أنا ~~عاشق أم تلميذ؟» # وأخذ يقلب صفحات الكتب، فغص بالشعر كما توقع ولم يفقه له معنى، ولو كان يسيرا مثل ~~«إذا نام غر في دجى الليل فاسهر» لهان الأمر، ولكنه كان من نوع عجيب؛ سهل الألفاظ مغلق ~~المعاني! وهذا غزل نور الدين، فما بالك لو تطاول إلى الأغراض الأخرى التي يجفل قلبه من مجرد ~~تلاوة عنواناتها؟! والأدهى من ذلك وذاك أن نثره ليس بخير من شعره؛ فقد قرأ صفحات من كتاب ~~فلسفة الجمال ما كان يظن أن إنسانا عاقلا ينشرها على الملأ، وضاق صدره بنور الدين وشعره ~~ونثره فرمي بالكتب جميعا، ولكنه قال بإصرار وعناد: «سأذهب يوم الأربعاء.» # وفي الموعد المسمى ذهب إلى قصر السيدة الجليلة بشارع خمارويه، وكان بادي الوجاهة ~~والأناقة، وأرسل بطاقة إلى ربة القصر، فقاده الخادم إلى صالون رائع لم ير أجمل منه على ~~كثرة ما غشي من الصالونات الفخمة، ولكنه لم يدهش لأن منظر الحديقة والقصر الخارجي سلبه كل ~~دهشة. وكان يكره الانتظار؛ لأن أمثاله من المغامرين تؤاتيهم النجدة بداهة وارتجالا، وتشحذ ~~أسلحتهم في أثناء المعمعة، مثله في ms011 ذلك مثل الخطيب المطبوع الذي يلهمه الجمهور المعاني ~~فيتدفق؛ ولذلك أحس بارتياح عجيب حين رآها تشرق عليه من باب الصالون في فستان أبيض غير كتوم، ~~يعلن عن جمال كل ثنية من ثنيات جسمها اللدن، ويبين خاصة عن الخصر الدقيق الذي يتعلق به ~~كفلاها الثقيلان، فطرد بقوة إرادته بقية قلق كانت عالقة بنفسه، وانحني باحترام، فأعطته يدها ~~فضغط عليها بحنو، ثم قال وهما يجلسان: لقد حسبت الأيام ساعة فساعة! # فابتسمت السيدة وقالت بلهجة لم تخل من عتاب: هذا معني مبتذل لا قرابة بينه وبين معانيك ~~الشعرية الخالدة. # فاحتدم الغيظ في قلبه، ولعن الشعر والشاعر، وتذكر قراءته لبعض المعاني «الخالدة» التي لم ~~يفقه لها معني، وعجب كيف تؤثرها هذه السيدة العجيبة على عبارته البسيطة التي طالما نصبت ~~الشراك وغزت الحصون! وأراد أن يلتمس لعجزه عن خلق المعاني «الخالدة» عذرا فلسفيا، فقال: ~~معذرة يا سيدتي، إني إذا غشيني لألاء الحسن السامي تركت نفسي على فطرتها، وهجرت إلى حين ~~المعاني التي يبدعها التفكير والتكلف. # فاتسعت عينا السيدة الجميلتان، وقالت بإنكار: يا عجبا! ألست القائل يا أستاذ في مقدمة ~~ديوانك إن شعرك شعر الفطرة والطبع؟ أولست الآخذ على شعراء المدرسة القديمة ~~تكلفهم؟! # فأسقط في يده، ووجد أن الحذر لم ينفعه، وخشي أن يفقد ثقته بنفسه، فقال بلهجة العالم الذي ~~يعني ما يقول: إن الشعر يا سيدتي مزيج من الفطرة والتفكير، والتفكير غير التكلف، وما أردت ~~قوله هو أن الشاعر في حضرة الحسن يستبد به الشعور الخالص. # وأشفق من أن تسأله مثلا عن الفرق بين التفكير والتكلف أو معنى الشعور الخالص، ولكن ~~السيدة قالت بإعجاب: صدقت يا أستاذ، ولعل هذا يفسر قولك إن الشعر لا يعبر عن عاطفة إلا بعد ~~أن تسكت ثورتها ويهدأ انفعالها. # فهز رأسه مبتسما وهو يتنهد ارتياحا: وهو الحق المبين يا سيدتي. أرى أن رأسك متوج ~~بتاجي الحسن والأدب! # فتورد خداها وقالت بحماس: إني واحدة من قرائك المعجبين .. وقد قرأت مؤلفاتك بإمعان ~~وشغف. # فقال: أين لي قراء مثلك يا سيدتي العزيزة؟ .. إن ms012 البلد لا يقدر الكاتبين. ~~- هذا حق وا أسفاه على وجه العموم! ولكن يقال إن لك جمهورا تحسد عليه يا سيدي ~~الأستاذ. # فأشار بيده إشارة تدل على الأسف وقال: لو أتيح لي أن أكتب باللغة الإنجليزية ~~مثلا! # فسألته السيدة بقلق: أوليس لك الجمهور الذي تحسد عليه؟ # فقال باطمئنان: جمهور قرائي يربو على ضعفي جمهور أي كاتب آخر في الشرق الإسلامي. ~~- يا لها من مكانة سامية! # فهز رأسه أسفا وقال: لقد دفعت شبابي وقوتي ثمنا لها. ~~- أآسف أنت على هذا؟ ~~- لا أدري. ~~- لقد خلدت شبابك في آثارك الباقية. ~~- أيهما أفضل؟ أن يخلد شبابي كي يتمتع به غيري أم يفنى وأتمتع به وحدي؟ ~~- لا تناقض بين الاثنين؛ فإنك تستطيع أن تستهلكه في متعتك ثم تخلده في شعرك، أتسألني ~~وأنت أستاذي؟! ~~- هذه سعادة لا تتاح لغير المجدودين. ~~- وإنك لمن المجدودين. # فنظر إليها نظرة لو تحولت إلى كلمة لوقع قائلها تحت طائلة قانون العقوبات، وكان يجيد هذه ~~اللغة، ثم قال بخبث: إنك يا سيدتي تتحدثين عن حظي كما لو كان مصيره بين يديك. # فتخضب خداها باحمرار طبيعي غلب أحمرها الصناعي الخفيف، وما كانت تكره أن يكون مصير ~~سعادته بين يديها، ولكنها ادخرت هذا الحديث إلى وقت آخر، فغيرت مجراه وقالت فجأة: ينبغي ~~أن أنتهز فرصة وجودك معي لأسألك عن معنى بعض الأبيات الشعرية التي استغلقت علي. # فخفق قلبه خفقة شديدة أيقظته من غيبوبة الغرام، وذعر ذعرا شديدا؛ إذ كيف له بشرح ~~معاني شعر نور الدين المغلقة وهو الذي لا يفهم أيسر الشعر وأسلسه؟ وخشي إن تردد أن يخسر كل ~~شيء بعد أن أوفى على الفوز، فقال بقوة: اعفيني يا سيدتي. # فسألته دهشة: ولم؟ هل يبرم الشاعر بشعره أحيانا؟ ~~- ليس الأمر كذلك، ولكن قد يسمو الشاعر حينا على شعره فيخاله بعض مظاهر العالم المادي! ~~وإني الآن في نشوة روحية من تلك النشوات التي تخلق الشعر، فكيف أنزل إلى الشرح ~~والتفسير؟ # فغمرتها موجة فرح وسعادة، وسألت نفسها: «ترى هل أكون غدا بطلة قصيدة رائعة خالدة؟» سألته ~~في ms013 لهفة : أحقا ما تقول يا سيدي؟ ~~- كيف يداخلك شك في هذا؟ تالله إذا لم تخلق هذه الساعة شعرا فلا خلق الشعر ~~أبدا! # فامتلأ قلب المرأة فرحا ومنت نفسها بأسعد الأماني. # وفي تلك اللحظة دخلت خادم تعلن قدوم زائرات، ولم تفاجأ السيدة - كما فوجئ الأستاذ - ~~بقدومهن، كأنها كانت على موعد معهن، وأمرت الخادمة بإدخالهن، وبعد لحظة قصيرة دخل ثلاث ~~آنسات حسان يحتار ماء الشباب في وجوههن، وتلقتهن بترحاب، وقدمت إليهن الشاعر بلهجة فخار ~~قائلة: الأستاذ محمد نور الدين سيد شعراء الشرق. # وقدمتهن إليه واحدة واحدة قائلة إنهن من عضوات جمعية تعليم الأميات التي تتشرف برئاستها، ~~ثم قالت: إنهن أديبات مثقفات، ولكن وا أسفاه فإن ثقافتهن قاصرة على الأدب الفرنسي الذي ~~يتعشقنه إلى درجة أن جعلن الفرنسية لغة حوارهن، وإني أرجو أن يكون تعرفك بهن يا سيدي سببا ~~لتوجيههن إلى الثقافة العصرية. # فعجب علي أفندي وتساءل دهشا: ترى هل يعلمن الفلاحات الأميات مبادئ اللغة ~~الفرنسية؟! # استطردت السيدة تقول للآنسات: ستجدن في صديقي الشاعر محدثا جليلا، ولكني ما لهذا ~~دعوتكن الليلة، فقد حجزت البنوار الأول في تياترو رمسيس لنشاهد معا رواية البخيل، ولا بأس ~~أن يشاهدها الأستاذ للمرة الرابعة إكراما لي. # والحقيقة أن السيدة ما قصدت بدعوتهن إلا أن تذيع بينهن نبأ صداقتها للشاعر لكي يذعنها ~~بدورهن في الصالونات الراقية فيتصل خبرها حتما بعلم منافستها الخطيرة، وما ذهابها بهن إلى ~~تياترو رمسيس إلا لهذا الغرض نفسه. # وقد تضايق علي أفندي من حضور الزائرات، وتضايق أكثر من دعوته إلى التياترو، وكان يرجو أن ~~تطول خلوته بها، ولكنه كان يبالغ في التشاؤم ولا يدري بالسعادة التي تخبئها له الأقدار؛ ففي ~~الاستراحة انتهزت السيدة فرصة خروج الآنسات من البنوار وقالت له في خفر: ستعود معي إلى ~~القصر. # ولم يكن للدعوة إلا معنى واحد، فتساءل علي أفندي؛ ترى كيف يتخلص من الآنسات؟ ولكن السيدة ~~لم تعمل لذلك حسابا؛ فعند انتهاء التمثيل عادت السيارة بهم جميعا، وودعهما الفتيات عند ~~مبتدأ شارع خمارويه، ثم سارت بهما السيارة وحدهما إلى ms014 القصر السعيد، فأيقن أنه رغم طول ~~تجاربه جاهل بالنساء، وأنه لم يعرف قبل الآن امرأة مغرمة بالفضائح! # وكانت ليلة ... ~~••• # وبعد يومين ذهب علي أفندي جبر إلى زيارة المعرض الرابع عشر للفنون الجميلة. لم يكن من ~~الهواة، ولكنه كان من محبي الظهور والادعاء، وكان حبه للنساء يدفعه إلى ارتياد الأماكن التي ~~يحتمل وجودهن بها، فمضى يسير في الحجرات الأنيقة وينظر بعينين فاترتين إلى اللوحات، حتى ~~استرعت انتباهه من بينها صورة فلاحة عارية تستحم في النيل، وقد أجادت الريشة تصوير قدها ~~النحيف وثدييها الناهدين، وأضفت على سمرة بشرتها سحرا شهويا عجيبا، فوقف أمامها ~~طويلا لغير وجه الفن، وذكر - لرؤيتها - ذلك الجسد البض المكتنز، والردفين المكورين كأنهما ~~إسفنجة هائلة مشبعة بالماء، والساقين الممكورين، والبشرة العجيبة ذات الرائحة الزكية؛ ذكر ~~ذاك الحسن الذي رمي به الحظ بين يديه قضاء وقدرا .. أي ليلة جميلة كأنها حلم لذيذ، لا ~~يجود بمثلها عالم الحقائق. وكأنه أراد أن يتأكد أنه حقيقة لا حلم، فأخرج مذكرته وقرأ فيها ~~الموعد المنتظر الذي كتبته بيدها الرخصة. # وكأنما المصادفة لم تقنع بما أتت من عجب عجاب، فإنه لفي تأمله وتذكره إذ أحس بيد توضع ~~على كتفه، فالتفت إلى الوراء فرأي صاحبته الجميلة واقفة بين جماعة من السيدات ~~الأرستقراطيات، واستولت عليه الدهشة وعلاه الارتباك. أما السيدة فقد التفتت إلى صواحبها ~~وقالت بتيه: ائذن لي أن أقدم إليكن صديقي الأستاذ محمد نور الدين سيد شعراء الشرق. # فابتسمن إليه بترحيب إلا واحدة رددت النظر بينه وبين الأرملة، وقالت ضاحكة: يا لها من ~~نكتة بارعة يا سيدتي! # فسألتها السيدة: أي نكتة تعنين يا سيدتي؟ # فلم تحفل السيدة بإنكار الأرملة الجميلة، وقالت وهي تحدج علي أفندي بنظرة استغراب: ~~رحماك يا ربي، الآن صدقت قول القائل: يخلق من الشبه أربعين! # فاحتدمت الأرملة غيظا وقالت: إني لا أفقه لما تقولين معنى. ~~- بلي تفقهين كل المعنى وتريدين أن تضاحكينا، والحق أن الشبه الذي بين شاعرنا المجيد ~~وحضرة البك شبه عجيب. # فاشتد الغيظ بالأرملة، والتفتت إلى علي أفندي وقالت: تكلم يا ms015 أستاذ لتعلم عصمتها أني لا ~~أهزل. # وكان علي أفندي في حالة يرثى لها، وقد خانته جسارته تلقاء نظرات السيدة الجريئة التي لا ~~شك تعرف الشاعر الأصلي تمام المعرفة، فلم يجد مناصا من الهرب، فتظاهر بالدهشة، وابتسم إلى ~~الأرملة البائسة وقال: معذرة يا سيدتي .. يخلق من الشبه أربعين. # وكان يتكلم بلهجة جدية لا تترك أثرا للشك في نفس السامع؛ فجحظت عينا السيدة دهشة ~~وانزعاجا، وعلا ضحك صاحباتها، وتأملنه بإمعان وهي تكاد تجن من الدهشة، وسألته: ألست أنت ~~الشاعر؟ # فأجاب بهدوء: كلا يا سيدتي .. أنا موظف بوزارة الزراعة. ~~- ألم تقابلني قبل الآن؟ ~~- لم يحصل لي هذا الشرف يا سيدتي. # قال علي أفندي ذلك وأحنى رأسه تحية وذهب تاركا السيدة لصديقاتها الضاحكات، وقالت السيدة ~~الأخرى: إني أعجب كيف يخدعك بصرك إلى هذا الحد، ألا ترين أني فطنت إلى الحقيقة من النظرة ~~الأولى؟! # فقالت الأرملة الذاهلة تداري خجلها: ما أعجب الشبه بينهما! # فقالت الأخرى: ولكن شتان ما بين قامتيهما. # وقالت أخرى ساخرة: سيغضب «صديقك» الشاعر حين يعلم بهذا الخطأ الغريب. # وغادر علي أفندي المعرض مضطربا. ولما تنسم الهواء الطلق انفجر ضاحكا حتى دمعت عيناه، ~~على أن الموقف لم يكن يخلو من دواعي الأسف ما دام قد خسر الموعد المنتظر، وكان يمني نفسه ~~بأكثر من ليلة واحدة. # | الشريدة # الغالب على أحاديث الشبان في هذه الأيام أن تتجه نحو غرضين؛ النساء والسياسة، وحول ~~هذين الموضوعين دار الحديث في مجتمع من الأصدقاء كان من حظي المشاركة فيه محدثا ~~ومنصتا. وقد بدأ الحديث فاترا مبتذلا فلم يستطع أن يجذب إلا بعض انتباهي، حتى تكلم ذلك ~~الصديق البارع وتدفقت الذكريات على لسانه الذرب، فألقيت إليه بانتباهي كله؛ لأن حديثه كان ~~قصة مستوفاة العناصر، ومثل هذا الحديث يستبد بمشاعري استبداد المال بقلب اليهودي الشحيح، ~~وإليك ما قصه صاحبي، قال: # لا يكاد يخلو تاريخ شاب من امرأة، ولكنه قد يخلو من المرأة المؤثرة التي تترك وراءها ~~شاهدا عميقا لا ينال منه طمس السنين كالوشم في اليد أو الصدر. وقد عرفت نساء ms016 كثيرات لا ~~أذكر منهن إلا أثرا ذاهبا من اللذة أو الألم، أو أطيافا في الظلام والنسيان، إلا امرأة ~~بدت في فترة من حياتي كالكوكب الدري ينير أبدا ويضيء ما حوله، فلا أنساها ولا يغمر ~~النسيان حياتي التي غمرتها بروحها الرقيق .. لماذا؟ .. ألأنها كانت أجمل من عرفت .. أو أحبهن ~~إلى قلبي؟ لا أعتقد هذا، ولكن ربما لأنها كانت أتعسهن جميعا، ولأن تعاستها هذه كانت السبب ~~الخفي في سعادتي بها زمنا طيبا لن يعود أبدا. # ويرجع عهد معرفتي بها إلى يوم من أيام عام 1920، وكنت آنئذ طالبا في السنة الأولى بمدرسة ~~الزراعة العليا، استيقظت ذلك اليوم في الصباح المبكر كعادتي، فجاءتني والدتي وقالت لي: ~~حسونة .. أرى أن أخبرك أن ضيفة نزلت ببيتنا، وأنها ربما أقامت بيننا إلى أجل غير مسمي. # فنظرت إليها بغرابة وقلت لها: من هي؟ ~~- زينب هانم زوج اليوزباشي محمد راضي جارنا. # فاستولت علي الدهشة وقلت: لكنها ما زالت عروسا في شهر العسل .. أليس كذلك؟ ~~- هو ذلك يا بني، والظاهر أنها تعسة الحظ؛ لأنها اضطرت إلى هجر بيتها والالتجاء إلي في ~~الصباح الباكر، وزوجها ولا شك رجل غليظ فظ لا تسهل معاشرته، وإلا ما تركها تهيم على وجهها ~~وهو يعلم أن لا أقارب لها في القاهرة. # وكانت والدتي شديدة التأثر، فقلت: مسكينة. # فقالت بانفعال: كانت أم هذه الشابة صديقة صباي، وإني أرجو صادقة أن تعيش بيننا سعيدة. # ثم أردفت بلهجة ذات مغزي: وأن تكون لها يا حسونة أخا كريما. # وبادرت قائلا: طبعا .. طبعا .. يا أماه. # وذهبت إلى المدرسة وأنا أتذكر كلمة والدتي الأخيرة واللهجة التي قالتها بها، وأحسست ~~بمزيج من الخجل والغضب. ترى هل تشفق والدتي من سلوكي علي ضيفتنا؟ ثم خطر لي أن أتساءل: ~~«هل هي جميلة إلى حد تبرير مخاوف والدتي؟» .. حامت أفكاري حول ذلك طول الطريق من مصر الجديدة ~~إلى الجيزة. والحق أن كلمة والدتي البريئة أوجدت في نفسي منذ البداية الاستعداد الذي كانت ~~تشفق منه أيما إشفاق. # كان جو بيتنا غاية في الهدوء؛ فوالدي كان حينذاك ms017 قاضيا بمحكمة طنطا الأهلية، وكان يقيم ~~نصف الأسبوع في القاهرة ونصفه الثاني في محل عمله، وكان أخي علي في المدرسة الحربية، وأخي ~~عادل في بعثة مدرسة الطب بالنمسا. وفي ذلك الجو المغمور بالهدوء والسكينة عرفت زينب هانم ~~العروس التعسة .. وقد خيل إلي وأنا ألقي عليها النظرة الأولى أني أرى صبية صغيرة. نعم ~~كانت بضة ممتلئة بادية الأنوثة، ولكني قرأت في عينيها العسليتين نظرة براءة وسذاجة، بل ~~طفولة كاملة لولا ما يلوح فيهما بين الحين والحين من الحزن العميق الذي لا تعرفه الطفولة ~~الحقة. # وكان الشباب في ذلك العهد غيرهم الآن، كانوا أعظم استقامة، وأدنى إلى العفة والطهر، وأرعي ~~عهدا للتقاليد، وكانت المرأة المصونة تبدو دائما وكأنها محاطة بسياج من الأسلاك الشائكة، ~~وكان الحب بعيدا نسبيا عن التهتك والابتذال اللذين صرعاه أخيرا وأورداه الإباحية ~~والجنون؛ فكانت العواطف تزدهر في القلب وتنبت الآمال والأماني، وتنصهر في العقل وتخلق ~~الأخيلة والأحلام، وتكتسي بحلي نادرة من صنع الأوهام والأطياف. # فكان يقنعني من زينب نظرة أختلسها من وجهها الحسن أو جسمها البض؛ لتكون زادي في النهار ~~والليل وفي اليقظة والنوم، وأصبحت وأمسيت في عالم أثيري جميل بث في وجداني حياة ناضرة ~~كالحياة التي ينشرها الربيع في الحقول والبساتين. على أن الأمر لم يقتصر على ذلك؛ فجرى ~~الحديث بيننا مرات، ولعبنا الورق مرة والنرد أخرى، وغالبتني عواطفي فوسوست إلي نفسي أن ~~أتشجع، وتساءلت بخبث: لماذا لا أجرب حظي؟ لماذا لا ألمس أناملها في أثناء اللعب مثلا، أو ~~أهدي إليها مجدولين فتكون فاتحة حديث لا يعلم ختامه إلا الله؟ .. ولكني لقيت من التردد الشيء ~~الكثير، ولم تسعفني الجرأة التي تعلمتها فيما بعد، وضاع الوقت هباء، حتى رجعت يوما إلى ~~البيت فوجدت والدتي وحدها .. وكنت تعودت أن أراها إلى جانبها، وأحسست بوحشة وضيق، وكتمت ~~رغبة تلح علي بالسؤال لأن تلوث نفسي أفقدني صراحة الأبرياء، وظننت السؤال فاضحي، ولم ~~تدعني والدتي فريسة العذاب، فقالت لي: شكرا لله؛ فقد جاء جارنا الضابط واعتذر لزوجته، وعاد ~~بها لأنه نقل إلى أسيوط، ms018 وقد كلفتني أن أهدي إليك تحياتها. # وأحسست في الحال إحساس الطالب الذي يمنى بالسقوط في الامتحان وهو يحلم باختيار الوظيفة ~~اللائقة به. وضاق صدري ذلك اليوم بالبيت ففررت إلى الخارج لأخلو إلى نفسي بعيدا عن عيني ~~والداتي. على أن الصبا دائما قادر على جرف الأحزان والهموم، فاستطعت أن أبرأ في مدة وجيزة، ~~ونسيت في غمرة الحياة والآمال تلك الحسرة التي عصرت قلبي أياما، فكانت مثل «الزكام» الذي ~~يفقد الإنسان طعم الحياة حينما يزول سريعا فكأنه لم يكن. # ودارت الأيام وانتهيت من الدراسة، وحصلت على الدبلوم، ووظفت في وزارة الزراعة سنة 1925، ثم ~~انتقلت إلى تفتيش الإسكندرية بعد ذلك بخمس سنوات. وفي الأيام الأولى لهبوطي إلى الإسكندرية ~~آثرت أن أنزل بفندق لأستريح من وعثاء السفر وأبحث في هدوء عن مسكن مناسب، ووقع اختياري على ~~فندق «ريش» لحسن موقعه من البحر؛ لأننا كنا في سبتمبر، وهو من الشهور المحبوبة في ~~الإسكندرية، يطيب فيه الجو ويهدأ البحر ويصفو؛ فحملت حقيبتي ونزلت في حجرة من حجرات الطابق ~~الثاني، وأذكر أنه لم يكد يتركني الخادم ويغلق وراءه الباب حتى سمعت طرقا، فدلفت إلى ~~الباب وفتحته، ورأيت لدهشتي صديقنا الدكتور أحمد شلبي، واستقبلته بشوق، وأجلسته إلى جانبي، ~~وكان يقول لي: أحقا هو أنت؟ # ثم أردف: كنت تاركا باب حجرتي مفتوحا فلمحتك وأنت تتبع الخادم، وعرفتك في الحال. ~~- هذه فرصة سعيدة. ~~- يا حظك! ~~- أي حظ تعني؟ .. أنت تعلم أن موظفي الزراعة لا حظ لهم يحسدون عليه. # فقال ضاحكا: أنا لا أتكلم عن الكادر .. ولكن عن فوزك بهذه الحجرة .. فيا حظك! ~~- وما الداعي إلى هذا الحسد؟ .. هي حجرة دون حجرات الصف المقابل التي تطل نوافذها على ~~البحر. ~~- هذا حق، ولكن شرفتها تمس شرفة الحجرة رقم 24 التي إلى يمينك، وحسبك هذا. ~~- وما شأن الحجرة رقم 24؟ # فقال وهو يتنهد: تقيم بها امرأة حسناء وحيدة. ~~- وحيدة! ~~- نعم .. وإلى هذا يعود السبب في أن حجرات هذا الطابق مأهولة كلها. ~~- لعلها ممثلة أو راقصة. ~~- هو ما يظنه الرقم 27. # فقلت مستفهما: الرقم 27؟ ~~- أعني زميلي ms019 الدكتور الصواف المقيم في الحجرة رقم 27، ولكني لم أوافقه على ظنه؛ لأني ~~خبير بالصالات والمراقص جميعا، والأعجب من هذا أنها تبدو محترمة، ولا ينقصها إلا زوج لتكون ~~من المصونات حقا. # فابتسمت وقلت: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. ~~- أوه .. كل الأرقام تطاردها مطاردة عنيفة. ~~- ألم يفز أي رقم بطائل؟ ~~- في الظاهر لا، والله أعلم بالسرائر. # وجالسني صديقي ربع ساعة، تحدث فيها ما شاء له الحديث، ثم ودعني وانصرف إلى حجرته. ~~وكنت تعبا منهوك القوى، فنمت ساعة نوما عميقا واستيقظت عند العصر، وفتحت شرفتي وجلست ~~فيها أستروح هواء البحر المنعش، ولاحت مني نظرة إلى الشرفة التي إلى يميني، فتذكرت ما قال ~~صديقي الدكتور، وأدمنت النظر إليها باهتمام وشغف، ولكني استرددت نظري بسرعة لأني سمعت صرير ~~بابها وهو يفتح، ونظرت أمامي، ولحظت بروز شخص، وخيل إلي أنه امرأة، وتأكد ظني عندما ~~عطست، وحافظت على جمودي وتظاهرت بعدم الاكتراث .. وغالبا ما يفيد البرود، وهو إن لم يفد ~~يعزي عن الخيبة. # ولكني لم أثبت طويلا، ونازعني شغف إلى النظر، فألقيت ببصري إلى جارتي، ورأيت امرأة أول ~~ما راعني منها شعور بعدم الغرابة سرعان ما تحول إلى يقين بأني رأيتها من قبل، وأنا أتمتع ~~بذاكرة لا تخيب قط في حفظ الصور؛ فلم ألبث أن تذكرت .. تذكرت جارتنا القديمة .. التي عاشت معي ~~في بيت واحد بضعة أيام كانت كافية لإنضاج وجداني .. وتملكتني الدهشة والاهتمام. # ولاحت منها نظرة إلي فالتقت عينانا، وتوقعت بقلب خافق أن أطالع في وجهها آية التذكر، ~~وتحفزت للسلام، ولكن خاب رجائي؛ لأن نظرتها كانت جامدة لا حياة فيها، ولم تلبث أن ولتني ~~ظهرها وعادت من حيث أتت. وا أسفاه! نسيتني بغير شك .. وما من شك في أنها هي جارتنا القديمة، وهي ~~ما تزال تحافظ على جمالها وأنوثتها، ولكن ما لها تعيش وحدها في هذا الفندق .. وما الذي يحملها ~~على هذه الوحدة الغريبة .. وأين زوجها يا ترى؟ # وطال تفكيري في شأنها حتى قمت لارتداء ثيابي وغادرت حجرتي، وشاءت المصادفات أن يفتح باب ~~حجرتها على ms020 أثر خروجي مباشرة، فتباطأت في خطاي حتي حاذتني وهبطنا الأدراج معا، ووجدت في ~~نفسي رغبة شديدة في محادثتها، ولم أكن أحجم في مثل ذاك الموقف، فقلت لها بهدوء غريب: سعيدة ~~يا هانم .. لعلك تذكرينني. # فحدجتني بنظرة إنكار، ولعلها ظنت أني أتذرع بالحيلة لاستدراجها إلى محادثتي، وأسرعت ~~الخطى فلحقت بها عند باب الفندق وقلت لها: أهكذا تنسين جيرانك بسرعة؟ .. ألا تذكرين حرم حسن ~~بك همام القاضي؟ # فألقت علي نظرة غريبة، ولاحت في عينيها الأحلام، وسمعتها تتمتم: عدالات هانم .. شارع ~~الزقازيق! # فقلت بفرح: نعم، هذه هي والدتي .. وهذا شارعنا. # فهشت لي وسارت إلى جانبي وهي تقول: أأنت ابنها؟ .. تذكرت .. كيف حال عدالات هانم؟ # فقلت بسرور وقد أيقظ صوتها وجدي القديم بها: والدتي بخير .. كيف حالك أنت يا هانم؟ ~~- عال، ولكن أين عدالات هانم؟ .. هل أنت وحدك؟ ~~- نعم، الأسرة في رأس البر لأن والدي يحبها ويفضلها على الإسكندرية، وأنا هنا بحكم ~~عملي. ~~- نسيت اسمك. ~~- حسونة. # وكنت نسيت اسمها كذلك، ولكني نفرت بطبعي من سؤالها عنه، فمشيت إلى جانبها صامتا، وكان ~~وجداني في يقظة قوية، وأصارحكم القول بأني من الذين لا يملكون عواطفهم إذا خلوا إلى امرأة ~~أيا كان جمالها، وإن رغبتي في النساء عامة لا تعرف التخصص. وقد كنت قبل نحو عشرين عاما ~~ذا استعداد للحب، ولكني فقدت بمرور الزمن واطراد التجارب وكثرة الأهواء تلك الموهبة ~~الجميلة، ودنوت كثيرا من الحيوانات الراقية. وكنت في ذلك الوقت خاطبا، وكنت اخترت خطيبتي ~~من بين عشرات الفتيات، ولكن ذلك لم يمنع قلبي - ذلك اليوم - من التعلق السريع بتلك المرأة ~~ومعاناة الرغبة والطمع، قلت لها: أأنت وحدك هنا؟ # فقالت بلا اكتراث: نعم! ~~- وزوجك؟ ~~- في السلوم. ~~- ولماذا تعيشين وحدك؟ # فضحكت ضحكة رقيقة وقالت: لا ينقصك إلا أن تفتح محضرا للتحقيق وتطالبني بالشهود. # فخجلت من فضولي، وضحكت أداري خجلي، ولم تكن عواطفي تكف عن الطغيان، فقلت: ألا يحسن بنا ~~أن نبحث عن مكان صالح للجلوس؟ # فهزت رأسها وقالت بعناد ظريف: كلا، أنا أفضل المشي لأني أريد أن أنحف. # فنظرت ms021 إلى جسمها البض الممتلئ نظرة معذب، ووجدت في كلامها فرصة ذهبية لا ينبغي أن تفلت ~~مني، فقلت بإعجاب: وما جدوي هذا التعب؟ .. إن جسمك كامل الفتنة. # فألقت علي نظرة جمعت بين الانتقاد والدلال، وقالت وهي تشير إلى جسمها: هذه موضة ~~قديمة. # فقلت بحماس: هذا جميل وكفى .. وما عدا ذلك فلا وزن له عندي. ~~- وعند الناس؟ ~~- نعم وعند الناس. # كدت أنسى هذا؛ إذ خيل إلي الوهم الساحر أني صاحب الشأن الأوحد، وعلى أنها قالت ما ~~قالت وهي تبتسم إلي بإغراء، فاستخفني الوهم مرة أخرى، واشتد بي الطمع، فقلت: أنت لم تتغيري ~~في هذه الفترة الطويلة، وكأن التي أراها الآن هي السيدة الجميلة التي أشرقت بغتة في بيتنا ~~بمصر الجديدة منذ عشرة أعوام، وغربت بغتة كذلك فتركتني أحلم بها أياما وشهورا. # فنظرت إلي بخبث وقالت: يا لك من ماكر! # فقلت ضاحكا: ما وجه الغرابة في ذلك؟ .. من يرى هذا الحسن ولا يتمناه؟ ~~- الظاهر أني سأجد من الواجب أن أفارقك لأنجو من أمانيك. ~~- حاشا أن تفعلي .. بل حاشاي أن أتركك تفعلين. إن فوزي بلقائك بعد هذا الغياب الطويل نعمة ~~من البطر الشرير الكفر بها. ~~- إنك تحدثني كما لو كنا عاشقين افترقا ثم تلاقيا. ~~- هذا شعورك. ~~- هو أدنى إلى الوهم. ~~- أما من ناحيتي فلا. ~~- وأما من ناحيتي فنعم. # ولكنها قالت ذلك بدلال ورقة، وهي تبتسم ابتسامة عذبة تسيل إغراء. ولم أدهش لما تبدي من ~~استسلام؛ لأن حالتها في الواقع كانت تدعو إلى الريبة، وتذكرت ما قال صديقي الدكتور شلبي ~~فقلت: إني أعجب لماذا تقيمين وحدك في هذا الفندق! ~~- أراك تعود إلى التحقيق. ~~- كلا، لا داعي للتحقيق، ولكني علمت أن المقيمين بالطابق الثاني يضايقونك. ~~- أبدا، لعلهم يضايقونك أنت. # فتنهدت وتعمدت أن أسمعها تنهدي، ثم قلت: فليكن .. ألا ترين من الحكمة أن نترك فندق ~~ريش؟ ~~- نترك؟! ~~- نعم .. أنا أعني ما أقول، وأعرف فندقا هادئا في لوران، فما رأيك؟ # ولم تجبني، ولازمت الصمت حينا، وبدا على وجهها الاهتمام والتفكير، فخفق قلبي وساورني ~~الخوف والقلق؛ ولكني أحسست فجأة ms022 بذراعها تلتف بذراعي، وسرنا مشتبكين كالعشاق أو الأزواج، ~~فأثلج صدري، وغمرني الفرح والفوز، وقنعت بذلك جوابا. # وفي مساء ذلك اليوم افتتحنا معا مأدبة الحب، فعدنا إلى ريش وأخذنا حقائبنا ورحلنا إلى ~~لوران، ونزلنا في فندق أكس لا شابل، وهو فندق هادئ منعزل يقوم على شاطئ البحر كزاهد عازف ~~يولي ظهره ضجيج الحياة، ويستقبل أفق الأبدية والأحلام. # وعشت أياما أذكرها دائما كما يذكر السقيم عهد الصحة والعافية؛ كان الحب فيها الحاكم ~~القاهر المستبد الطاغي الذي لا يترك لشيء مكانا من عقولنا أو نفوسنا. وكنت أعلم أنها أيام ~~وإن طالت قصار، وإن صفت فإلى انتهاء سريع؛ فأقبلت عليها بنهم وجشع أملأ من حسنها قلبي ~~وحواسي؛ كي لا أدع زيادة لمستزيد، غير مؤجل متعة إلى غد أو مبق على لذة إلى حين، أو تارك ~~ثمرة بلا قطف والتهام .. وكانت شريكتي سعيدة راضية يسكرها الحب وتستخفها آيات العطف، فتستزيد ~~منها كما يستزيد منها الثمل من الطرب. # وتبين لي بغير كبير عناء أن آمالنا متباينة، فكنت لا أفكر إلا في حاضري، وأود لو أمتص ما ~~فيه من حلاوة في رشفة واحدة .. أما هي فكانت تنظر إلى بعيد، ولا تفتأ تذكر المستقبل، وترغب ~~رغبة صادقة في أن تطمئن إلى دوام السعادة والحب. وقد عجبت لذلك، وعلمت أني لم أفهم بعد تلك ~~المرأة. وقد ظننتها حينا امرأة مستهترة متقلبة الأهواء، تجوب البلاد بعيدا عن زوجها طلبا ~~للحب الآثم وانتهابا للذات .. ولكني وجدتها هادئة الطبع، عظيمة المودة، لا تسيطر عليها ~~النزوات العمياء التي تورد أصحابها مهالك الفتن. # وكانت أيامنا الأولى أيام حب خالص، فلم يكدر صفوي مكدر، إلا أن إفراطي الشديد ردني ~~إلى شيء من اليقظة والانتباه، فاستطاع فكري أن يتناول أمورا غير الحب. # فكرت في أني أعتدي لأول مرة على حرمة الزوجية، ولم يكن سبق لي أن اقترفت هذا الإثم ~~المنكر، فوخزتني شكة الألم وأحسست بخوف غامض، وزاد من ألمي أني كنت على عتبة الحياة ~~الزوجية، وساءلت نفسي في رعب: ألا يجوز أن يقتص الله مني ويصيبني ms023 يوما في المقتل الذي ~~طعنت فيه الآخرين. # وهنا قاطعه أحد المستمعين قائلا: وهل صدقت مخاوفك فيما بعد؟ # وضحك البعض، ونظر محدثنا إلى مقاطعه شزرا، ثم استأنف حديثه قائلا: ثم فكرت في أمر آخر ~~لا يقل عن سابقه خطورة، فكرت في أمر الزوج الغريب الذي يترك لزوجته الحبل على الغارب، ما ~~الذي عساه يفرق بينهما؟ .. وكيف يرضى عن هذه الحياة الغريبة؟ .. وألا يمكن أن يظهر بغتة في ~~أفقنا الهادئ فتكون الطامة التي لا تدفع. # وكانت هذه الأفكار تساورني خارج الفندق بعيدا عن ظلها الخفيف، ولكني وجدت نفسي مسوقا ~~إلى مفاتحتها بهذا الحديث وقد فعلت، فسألتها يوما: أما من أخبار عن زوجك؟ # فاكفهر وجهها وأظلمت عيناها، وقالت: دع هذا الحديث جانبا. # فاضطررت ساعتئذ إلى السكوت، وفي نيتي أن أعيد الكرة مهما كلفني ذلك. وكانت تتحاشى هذا ~~الحديث وتتهرب منه، ولكني قلت لها يوما بإخلاص وحزم: ينبغي أن تعلمي أنه ليس الفضول الذي ~~يدفعني إلى معاودة السؤال، ولكنه اهتمام بشخص أعزه وأحبه، وأرجو دائما أن يفتح لي صدره ~~وقلبه. # كم فرحت لكلامي هذا .. لقد التصقت بي بوجد وحنان، وتنهدت بسعادة وقالت: يا للسعادة .. طالما ~~ضرعت إلى الله أن يهبني قلبا حنونا محبا. # فداعبت خصلة من شعرها الأسود بيدي وقلت: إذن هيا وصارحيني بكل شيء. ~~- ولكنه حديث مؤلم كريه. # فقلت: أنا لا أدري شيئا؛ لأنك لم تريدي أن تطلعيني على شيء، ولكني كنت أرجح دائما أن ~~حياتك الزوجية غير سليمة، ومهما يكن من أمر فينبغي أن أعلم كيف يتركك زوجك هكذا! # فهزت منكبيها باستهانة وقالت: إنه لا يعرف مقري على وجه التحقيق. ~~- ما أعجب هذا! .. أستطيع أن أفهم أنكما غير متحابين، ولكن الذي لا أستطيع فهمه هو أن تبقيا ~~زوجين بعد ذلك. ~~- إنه لا يطلقني لأنه لا يستطيع الاستغناء عن مالي .. وسوى ذلك فلم يكن زوجا قط، وهو لا ~~يطيق أن يكون زوجا في يوم من الأيام .. على أني في الواقع لا أرغب في الطلاق. # فحدقت في وجهها دهشا وقلت: هذا أعجب! ~~- لا تعجب ms024 لشيء، ألا ترى أني هكذا مالكة لحريتي؟ ولو كنت مطلقة ما استطعت أن أذهب إلى ~~حيث أشاء، ولو كان لي من يهمه أمري ويحنو علي بصدق لتغير مصيري من بادئ الأمر، ولكني ~~وحيدة، وحيدة في هذه الدنيا الواسعة، أنت لا تدري ما الوحدة .. أما أنا فقد تجرعت مذاقها طوال ~~هذه السنين .. مات أبواي، والتحق أخي الأوحد بوظيفة في قنصلية اليونان، ونبذني زوجي .. فليس لي ~~مكان آوي إليه أو قلب يعطف علي، أنا منبوذة في هذه الدنيا. # فوجمت صامتا وغلبني التأثر الشديد، ورأيت وجهها الجميل محتقنا كقطعة من الجمر، ولمحت ~~دمعة حبيسة في عينيها، فقلت: إنك جميلة وغنية، فماذا كان يريد هذا الأحمق؟ ~~- إنه وحش ضار وقاس جحود، لم أستطع أن أعاشره كزوجة إلا أياما معدودات، ثم اضطرني إلى ~~حياة التشرد والهيمان .. ولو وهبني الله طفلا لاستعنت به على الصبر والرضا، ولكني حرمت حتى ~~من هذا العزاء. # وكانت تتكلم بتأثر شديد فيخيل إلي أني سأتبعها إلى البكاء، وثرت في نفسي على الحظ التعس ~~الذي ضيق عليها الخناق، وخطرت لي فكرة فقلت لها: ألم يكن في وسعك إصلاح ما أفسد ~~الحظ؟ # فضحكت ضحكة مريرة وقالت: الحظ التعس لا يصلحه شيء، وأنا ما قصرت قط. وأصارحك القول بأني ~~كنت أحبه، وما وافقت على الزواج منه إلا لأني أحببته يوما، ولكنه مضى بعد الأسبوع الأول من ~~زواجنا يقضي الليل خارج البيت ولا يعود إلا قبيل الفجر، وكنت إذا انبريت لإصلاحه ومدافعة ~~الشقاء الذي يهددني به سخر مني وهزأ بمحاولاتي. ولما ضاق بي ترك السخرية والهزء وعمد إلى ~~الخشونة والفظاظة. # وسكتت عن الحديث دقائق وهي مستسلمة إلى الشعور الأليم الذي أحدثته الذكريات، ثم أردفت ~~بصوت أعمق ووجه أشد اكفهرارا: وأدركني اليأس منه ولما أتم شهرا كاملا في بيتي الجديد؛ ~~وكان ذلك لحادثة همجية لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي؛ أيئستني من الخير ودمرت كل فضيلة في ~~نفسي؛ ففي ليلة من ليالي شهر العسل كنت مستغرقة في النوم بعد سهاد حزين، وإذا بهزة عنيفة ~~توقظني من ms025 نومي، فاستيقظت فزعة صارخة ونظرت بعينين مرتعبتين، فرأيته جالسا إلى حافة ~~الفراش، وهممت بتعنيفه، ولكن لساني لم يتحرك في فمي؛ لأنه كان في حالة سكر شديد كما ~~تبينت ذلك من نظرته الذاهلة ووجهه المحتقن والرائحة التي تنبعث من فمه. وكان هناك ما هو ~~أدهى من ذلك؛ كانت تقف قريبة منه امرأة غريبة في مثل حالته من السكر الشديد، كانت تنتظر ~~بلا ريب أن أوسع لها مكاني من فراش العرس، ولم يمهلني حتى أفيق من فزعي ودهشتي، فقال لي ~~بلسانه الثقيل الملتوي: «تفضلي خارجا.» ولم تنتظر صاحبته، فدنت من الفراش وارتمت إلى جانبي. ~~ولم أتمالك نفسي، ففزعت من مكاني إلى أرض الغرفة وفقدت رشدي، فانفجرت غاضبة وانهلت عليه ~~سبا ولعنا، ولكنه هز كتفيه استهانة واستلقى إلى جانبها، فغادرت الحجرة في حالة جنونية، ~~وأحسست برغبة لا تقاوم في هجر البيت. وكانت ثيابي في الدولاب داخل الحجرة، فأخذت غطاء ~~المائدة القطيفة وتلفعت به، وفتحت الباب ووليت خارجا والديوك تصيح معلنة طلوع الفجر، ~~وهرولت في الطريق الموحش لا ألوي على شيء، حتى انتهت قدماي إلى البيت الوحيد الذي تعودنا ~~الذهاب إليه .. بيت والدتك .. ولعلك تذكر الأيام القلائل التي قضيتها عندكم .. إني لا أنسى تلك ~~الليلة أبدا، ولا تزال قائمة في نفسي بجميع تفاصيلها .. وقد كانت فاصلة في حياتي بين ~~عهدين. # إني أذكر تلك الأيام بلا ريب .. ولكن كم كنت أجهل ما تخفي من التعاسة والبؤس. # واحترمت فترة الصمت التي تلت ذلك ثم سألتها: كيف عدت إليه بعد ذلك؟ # فهزت رأسها باشمئزاز وقالت: في تلك الليلة انتهت حياتي الزوجية في الواقع، ولكني كنت بلا ~~مأوى وبلا معين، فماذا أصنع؟ .. عرض علي اتفاقية فقبلتها، وهي أن أعطيه من مالي على أن يعطيني ~~حريتي. وقد كان .. وغدوت حرة أقيم حيث أشاء وأفعل ما أشاء لا أسأل عما أفعل. # وهالني الأمر فقلت: وهل عشت سعيدة؟ # فتنهدت وقالت: ليت ذلك كان ممكنا .. ما تمنيت على الله من شيء مثلما تمنيت أن يسلبني حريتي ~~هذه في لقاء أن أحظى بالسعادة ms026 التي أحلم بها والعطف الذي أتحرق إليه؛ وأنا مستعدة دائما أن ~~أتنازل عن حريتي بائنة لمن يهبني قلبه وإخلاصه .. كم تعبت وكم بحثت .. وكم ضقت بحريتي! # الآن علمت كل شيء .. لقد صرفت هذه المرأة التعسة عشرة أعوام في البحث عن العبودية السعيدة، ~~فهل يا ترى وفقت إلى ما تريد؟ .. كلا، هي لم توفق ولا ريب، ولو أنها وفقت إلى الحبيب الصادق ~~ما ارتمت بين أحضاني أنا بهذه السهولة. لقد انصرمت السنوات العشر في خيبة مريرة وخدع أليمة. ~~وما من شك في أن الكثيرين تلقفوها بشراهة وجشع كما أفعل الآن، ثم ردوها قهرا بعد شبع إلى ~~حريتها البغيضة. وهكذا فالحرية نفسها تهون وترخص أحيانا، وتعيى في طلب المستبد ~~الغاصب. # ولما انتهت من سرد قصتها نظرت إلي بطمأنينة واستسلام، ثم ألصقت جبهتها بجبهتي، وسمعتها ~~تهمس في أذني قائلة: وأخيرا ... # وفهمت مدلول تلك الكلمة، وعلمت أني ألعب في روايتها البائسة دور الأمل الأخير؛ فإما أن ~~أقوم به كما تتمنى أحلامها وإما أن أشفي بها على اليأس القاتل. # وأحسست بثقل تبعني، وران علي ~~صدري هم عظيم، وتساءلت حيران: ترى ما هي أحلامها؟ .. أن تدوم هذه العشرة؟ .. وكيف لي بدوامها ~~وأنا على قاب قوسين أو أدنى من الزواج؟ .. ومضى تأثري الشديد لتعاستها يهدأ نوعا، وأخذت أفكر ~~في نفسي وأنظر إلى علاقتي بها بعين متشائمة، وأتساءل في قسوة وأسف عن طريقة للخلاص .. وكانت ~~تأتي علي أوقات أعجب فيها من أنانيتي، وأتساءل في اشمئزاز: إذن كيف كان شأن من لم يشعر ~~نحوها بغير الشهوة والطمع؟ الحق أن عالمنا الإنساني عالم شديد القسوة، وما أضيع الفلسفة ~~التي تعب أصحابها في الدعوة إلى القسوة وتحقيق تنازع البقاء؛ فهي في الحق تحصيل حاصل وجهد ~~ما كان أحرى باذليه بالضن به. # على أن الذي أزعجني هو أن زينب فطنت لمشاعري الخفية من غير أن أصارحها بها، وبدا لي ذلك ~~في وجومها وبرودها وقنوطها. ولم أدهش؛ فإني من الذين لا يدرون كيف يخفون ما بنفوسهم، وتفضحهم ~~أعينهم وإيماءاتهم. ولم أكن بيت قط ms027 نية مصارحتها بعاطفة مما يعتلج في صدري أو بفكر مما ~~يحترق في رأسي، وقد كنت أفكر في حالتها بعطف ومودة، ولكن العطف شيء والحب شيء. # وكنت أتوقع في خوف وإشفاق أن تفاتحني بما يقوم في نفسها من الوساوس، وكان ذلك يضاعف آلامي ~~النفسية، ورجوت أن تنقشع تلك السحابة من سماء حياتي دون أن تترك وراءها أثرا لحزن أو ألم ~~أو تأنيب ضمير. وانقلبت حياتنا تمثيلا ثقيلا، وكان كل منا يعلم بما يشعر به صاحبه نحوه، ~~ولكنا كنا نتجاهل كل شيء .. لماذا لم تصارحني بشعورها؟ .. ولماذا لم تهب للدفاع عن سعادتها ~~الموهومة؟ لم يحدث شيء من هذا. # وقد عدت ظهر يوم من عملي بالتفتيش فوجدت حجرتنا خالية، وبحثت عيناي عن آثارها اللطيفة ~~التي تعودت رؤيتها، كالفساتين التي كانت تعلقها على المشجب أو الحقيبة التي كانت تضعها على ~~المائدة، فلم أر أثرا، وأسرعت إلى الدولاب وفتحته على مصراعيه فلم أجد سوى ثيابي، وناديت ~~الخادم وسألته عنها، فأخبرني أن الهانم تركت الفندق الساعة العاشرة صباحا، وأنه أحضر لها ~~بنفسه التاكسي. # وبحثت هنا وهناك عن خطاب أو ورقة لأني كنت أتوقع أن تترك لي كلمة، ولكني لم أعثر على ~~شيء. # لقد تركتني دون كلمة، وانتهى كل شيء! # وجلست صامتا واجما تتنازعني العواطف، ولم أشعر براحة للخلاص الذي جاءني بدون مشقة، ~~وأحسست بخجل وألم ووحشة ثقيلة، ولم أجد رغبة في الطعام، فقمت من فوري أبحث عن مسكن جديد؛ ~~لأنه كان يتعذر علي أن أبيت ليلتي في تلك الحجرة المهجورة. # وسكت الراوي لحظة ثم أردف: ومضت سنوات لم أرها فيها، ثم رأيتها منذ عهد قريب تساير ~~شابا أنيقا في ميدان المحطة، ولكني لا أدري إن كانت ما تزال تبحث عن الحب والعطف أم إنها ~~استسلمت إلى القنوط! # | خيانة في رسائل # - هذه أول أزمة تصيب حبنا! نعم، طالما آلمني الفراق الهين، وأجهدني الشوق إلى اللقاء، ~~وعذبني الدلال. أما الوداع، أما الرحيل إلى قنا، فذا أمر جديد يدفع إلى نفسي شعورا بالحزن ~~لا عهد لها به؛ فهلا عدلت ms028 عن السفر ! ~~- لو كان الأمر إلي ما رغبت نفسي أدنى رغبة في السفر، فما أحفل بقضاء الشتاء في أعالي ~~الصعيد بعض احتفالي بالقرب منك كيما أواصل هذا اللقاء السعيد! ولكن ما حيلتي وهذا ما يريده ~~أبي ويفعله منذ أحيل إلى المعاش. ولقد اعتاد أن يمضي شهرا أو شهرين من الشتاء في قنا عند ~~عمي الدكتور. ~~- يستطيع عقلي أن يتصور المعجزات، ولكن لا أستطيع أن أتصور ما عسي أن تكون عليه حياتي في ~~هذين الشهرين؛ فهذا الحب غدا حياة لشعوري، وهذا اللقاء أمسى ألفة لنفسي، أجد فيهما راحة بعد ~~تعب، وعزاء عن شوق دائم، فما عسى أن أصنع؟ بل ما يكون زادي وسلوتي؟ # فوضعت يدا خمرية ناعمة على كتفه، وداعبت بأطراف أناملها خده، وهمست في أذنه: هذا شعوري ~~وهذا حزني، ولولا كراهيتي للعزاء لنصحت لك بالتعزي والتلهي؛ فليس أمامنا سوى الصبر الجميل ~~حتى ينطوي دهر الفراق ويتصل حبل اللقاء .. ومع هذا فما أسعدك وما أبأسني! ~~- كيف؟ ~~- لن أسعد بقراءة كلمة طوال مدة غيابي؛ لأنك لا تستطيع أن تكتب إلي، أما أنت فتستطيع أن ~~تطلع على همسات روحي كلما مكنتني الفرص من اختلاس الكتابة إليك .. فأينا أسعد ~~حظا؟ ~~- من تؤاتيه فرص التعبير فيخفف من مراجل عاطفته. # وهنا ظللت وجهه سحابة كدر، وسألها بعد تردد: هل لك أبناء عم؟ # فابتسمت ابتسامة دلت على أنها سرت للقلق الذي بعثه هذا السؤال، وأجابته: نعم لي .. ولكنهم ~~لم يجاوزوا عهد الطفولة، ولو كان الأمر كما تتوهم ما أوجب أدنى خوف أيها الرعديد الغيور .. ~~والآن هات فمك أودعك ... وهيا نقول معا هذه الكلمة المروعة التي تفزع لها القلوب: «أستودعك الله.» # من الغد يصبح لنا في قنا حبيبان عزيزان؛ حبيبة القلب عائدة، وصديق الصبا وزميل عهد ~~الدراسة الأستاذ أحمد مرزوق المدرس بمدرسة قنا، ولكنه بينما يتصل بصديقه بالكتابة فهو ~~محروم بحكم الظروف من تمام هذا الاتصال الروحي بحبيبته؛ لأن حبهما ما يزال سرا خفيا لما ~~يدر بأمره الأهل. # وانقضت أربعة أيام على سفر عائدة، ثم وصله منها كتاب ms029 جاء فيه : ~~«حبيبي حسني، أعجب لهذه الوحشة كيف تجثم على صدري وأنت معي .. نعم أنت معي لم تفارقني لحظة سواء في ضجيج ~~النهار أو في سكون الليل؛ معي وأنا أرسل الطرف من نافذة القطار أشاهد الحقول الممتدة ~~وأشجار النخيل المبعثرة؛ معي وأنا بين أهل عمي أتلقى الأحاديث وأرد عليها، وأضاحك هذا وأسمع ~~لذاك؛ معي في كل مكان وكل حين، فلا عجب لنفسي بعد ذلك أن هزها الحنين إليك، أو استشعرت وحشة ~~وضيقا في البعد عنك، أو ألهبها الشوق عذابا وجوي. # وأرجو ألا تتهمني بالتكاسل عن الكتابة إليك؛ فبيت عمي عامر بالأطفال، وهم لا يتركونني لحظة ~~أخلو إلى نفسي؛ وقد انبعثت كلمات هذا الكتاب من شعوري، وامتلأ بها عقلي، وتمثلت في حواسي، ~~وحفظتها عن ظهر قلب قبل أن تؤاتيني الفرص فأسطرها لك خلسة على ضوء القمر المتسلل من نافذة ~~حجرتي، والعيون قد أغمضها عني المنام .. فاعذرني إن تأخرت عنك رسائلي، وارجع إن شئت إلى ~~قلبك؛ فاعتقادي أنه يملي عليك عن لساني ما أحب أن أقوله لك دائما. # أما عن قنا فجوها دافئ جميل، وخلا ذلك فنحن في منفى، ولولا ما يربحه أبي فيها من صحة ~~وعافية ما تركته يسكن إليها لحظة من الزمان.» # فأخذ من الكتاب كل ما استطاع أن يمنحه من العزاء والسلوة والسعادة. # وكان صديقه مرزوق لا ينقطع عن مراسلته وإن خلت كتابته من الطرافة والجدة؛ فهي التحيات ~~المحفوظة وبث الأشواق والتلهف على إدبار العام الدراسي وإقبال العطلة الصيفية، إلا أنه ~~أضاف إلى هذه المحفوظات في آخر خطاب ما نصه: ~~«طالما قلت لك إني أعيش في قنا كما عاش أبونا آدم قبل أن يخلق الله منه أمنا حواء. لا ~~يقع بصري على وجه امرأة قط، وإن كنت أرى أحيانا بعض الأصدقاء يشيرون إلى كتلة من الثياب ~~السوداء الملفوفة تسير كعمود من الدخان الكثيف، وأسمعهم يقولون: انظر إلى هذه المرأة. # ولكن وقع بالأمس ما يعد حدثا تاريخيا في حياة قنا؛ إذ حضر الدكتور سامي حسني مفتش ~~الصحة إلى البستان العمومي ms030 وفي صحبته غادة جميلة سافرة الوجه، فهز البلد وزلزل كيانه. ~~إنه رجل جسور لا يعبأ بآراء المتزمتين، وتجده دائما على استعداد للرد على تطفل المتطفلين ~~بما يجعله مثلا وعبرة، ولم يلبث أن شاع الخبر وملأ الأسماع؛ فهرع الموظفون من مدرسين ~~ومهندسين وكتبة إلى البستان وهم يسوون أربطة الرقبة ويحكمون أوضاع الطربوش على رءوسهم؛ فلو ~~رأيت البستان حينذاك لحسبته حديقة غناء في مصر الجديدة أو قصر النيل. # إنها شابة جميلة تحمل في طياتها عطر القاهرة المعبق، فليهنأ قفر قنا بهذا العطر العذب.» # فخفق قلبه لدى مطالعة الكتاب، ولم يداخله أدنى شك في معرفة صاحبة الشخصية الجميلة التي ~~أثارت لوعة الشباب في قنا. # يا له من كلام يحمل فرحا وألما، والألم فيه أكثر! أيجوز أن تسعد قنا ومن فيها بحبيبته ~~ويبقى هو في القاهرة تسيل نفسه حسرات عليها؟ # وهم أن يكتب لصديقه كتابا يعلنه فيه بأن الفتاة التي هز مقدمها قنا هي حبيبته ~~اليوم، ثم خطيبته غدا، ولكنه جفل من هذا الإعلان ووجد رغبة خفية أن يكتمه إياه، وأن يطلب ~~منه أن يوافيه بأخبارها التي تستحق الرواية والحديث. # لقد تردد لحظة وطرح على نفسه هذا السؤال: ألا يعد هذا تجسسا منه على حبيبته؟ # وهل يجوز هذا في شرع المحبين؟ أوليس الأفضل أن يربأ بنفسه عن أن يضع صاحبته موضع الاتهام ~~والظنة! # ولكن عاطفة الندم هذه لم تستطع أن تقهر عواطف قلبه الجياشة السوداء، فطردها من نفسه ~~وكتب إلى صديقه بما أملت عليه شكوكه من بادئ الأمر. # وبعد حين وصله كتاب ثان من صديقه جاء فيه عن عائدة ما يلي: ~~«تغير كل شيء في قنا وكل شيء في حياتي، ولم تعد قنا قبرا موحشا فاغرا فاه مكشرا عن ~~أنيابه، ولم تعد حياتي سأما ثقيلا متصلا. كيف لا يكون هذا وأنا مطمئن إلى أني سأحظى أصيل ~~كل يوم برؤية ذلك الوجه السافر المبتسم الذي يحيي موات النفوس، ويبعث مصفر الأمل؟ .. ما ~~أجملها، وما أعذبها! # علمت الآن أنها ابنة أخي مفتش الصحة، أو هذا ما ms031 علمته قنا عامة وعلمه شبابها خاصة. إن ~~جميع العيون تلتهمها التهام الجوع؛ فلعل هذه الضجة تثير الغيرة في نفوس الآباء الموظفين، ~~فتشجعهم على الاستهتار بتقاليد الصعيد وأهليه، وإبراز بناتهم للعيان، ومهما يكن من الأمر ~~فنحن الرابحون. # لا تخش على أخيك من قهر؛ فهو بطل صنديد، وشخصية لا يشق لها غبار، وإن عيني لتنفذان من ~~بين العيون جميعا وتجذبان عينيها إلي؛ فصبرا، ولتعلمن بعد حين في أي مخبأ من مخابئ القدر ~~كانت تنتظره هذه المفاجآت!» # ما هذا الذي يقوله مرزوق من أن عينيه تجذبان إليه عينيها؟ إن لعيني مرزوق أن تجذبا كيف ~~تشاءان .. أما عينا صاحبته فما بالهما تنجذبان وتستجيبان؟ .. هلا يكون ذلك مجرد نظر بريء، ~~فسره صديقه على ما يهوي غروره ويحب؟ .. إنه لا يشك أبدا في إخلاص عائدة، ولكن ينبغي ألا ~~ينسى أن لصاحبه عينين جميلتين يحس الناظر إليهما سخونة في أعصابه ولذعة في قلبه، وهو - إلى ~~ذلك - مدرس محترم من حملة الديبلومات العالية، ومن ذوي المستقبل السعيد. أما هو فلم يزد ~~على أن يكون موظفا صغيرا، كل مؤهلاته شهادة البكالوريا، ومستقبله مظلم محدود، أفلا يكون ~~لكل هذه الفوارق أثر في الحب؟ # إنه يشعر بحزن عميق يخيم على نفسه فيجعلها من الكآبة كنفس هرم متشائم، ويحس بسم الغيرة ~~ينطلق من قلبه ويلوث دمه .. أواه .. إن أحلامه وآماله تتأرجح على كف رجيم. # وفي ذلك الوقت أتاه كتاب من عائدة، فانكب عليه بلهفة، وتلاه مرة بعد أخرى، ولم يكن يخرج ~~في معناه عن رسالتها الأولى، فتزعزعت شكوكه، وعاودته الثقة، وذاق بعض الطمأنينة والشفاء، ~~وحمل غرور صديقه إثم ما جنى عليه كتابه من الشك والعذاب، ولكنه تسلم رسالة من صديقه بعد ذلك ~~بأسبوع، جاء فيها: ~~«كن على يقين من أن العاطفة النامية لم تعد قاصرة على جانب واحد؛ فعينا الفتاة - واسمها ~~عائدة - تقتحمان الحاضرين من الشبان وتستقران علي أنا. إني أطالع في وجهها عند حضوري ~~سيما الشوق والتطلع تحاول أن تخفيهما بعدم اكتراث مفتعل، وأقرأ في عينيها استجابات خفية ~~لرسائلي الصامتة الملتهبة، ms032 وأستشف أحيانا على فمها ابتسامة خفيفة، ولعلها تخاطب عمها أو ~~أحد أبنائه الصغار بصوت مسموع وهي تعنيني. لا تدهش لأقوالي فإني أطاردها في إصرار، وأتتبعها ~~في عناء، وأخاطبها بصوت مكتوم تنبئ به عني شفتاي المتحركتان، وأبعث إليها بإشارات الشكوى ~~والرجاء. وقد اقتربت مني مرة وهي تلاعب طفلا من أبناء عمها، وسمعتها تقول له أو لي إن شئت: ~~«دائما في أعقابي، فماذا تصنع لو رجعت إلى مصر؟» فقلت لها بصوت مسموع: «لعلك لا تعودين ..» ~~إنها كلمة ذات مغزي خاص إذا قالها شاب أعزب موظف مثلي؛ وقد كان لها الأثر الجميل. والآن ~~أفتني فإنك خبير طبيب عالم بأحوالي؛ هل أقدم أم حسبي ما ذقت من لذة بريئة وأولي ظهري ودا ~~لن ينتهي بالتئام؟ .. إن ثمرة الحب ناضجة دانية تنتظر من يقطفها، ما رأيك؟» # يا للظلام .. يا للألم الساخر .. عبثا يحاول دفع هذه الآيات بالشك والتكذيب؛ فعائدة بلا ريب ~~هي التي لا تستطيع مغالبة الشوق بالتستر وعدم الاكتراث المفتعل، وهي التي تحادث الغير وتعني ~~المجدود من الرجال، هي التي تجيب عيناها الإجابات الخفية .. وهي تسكرها سير الزواج. # فيا للظلام، ويا للخيبة القاتلة .. والأدهى أنه يريد منه أن يكون مستشارا في مأساة قلبه .. ~~لعله يرجو أن يشير بما يقطع خيط العنكبوت الذي يمسك بكفه أحلامه وسعادته .. فيا للسخرية! من ~~المستطاع أن يحاول إنقاذ سعادته فيعلن صديقه بالحقيقة السافرة، ويضع آماله بين يدي شهامته ~~وما يعهد فيه من الإخلاص والمروءة، ولكن كبرياءه تأبى عليه أن يكون في حبه من المسترحمين ~~السائلين، وهو يندفع برغبة جنونية نحو جحيم العذاب كأنما يستطيب النار الموقدة. وأبى إلا أن ~~يعرض حبه لأقسى امتحان؛ فإما إلى نعيم الطمأنينة، وإما إلى أهوال العذاب؛ وعليه فقد ~~تمالك وكتب إلى صديقه: ~~«إذا كانت ثمرة الحب ناضجة فاقطفها بلا تردد؛ فإن حكمة الدنيا لتذوب حسرة على ثمرة حب ~~ناضجة يزهد فيها الإنسان. أقدم ولا تبال بالنتائج البعيدة، وتمتع بالحب في منفى قنا ولا ~~تحملن نفسك هموم التفكير في الغد، ولا تغفل عن تزويدي بكل ms033 جديد؛ فإني أصبحت من تتبع حبك ~~على حب شديد.» # وانتظر رد صاحبه بصبر نافد وجزع لحوح، حتى وافاه منه كتاب جاء فيه ما يلي: ~~«بوركت من حكيم سديد الرأي! لقد اتبعت نصحك أيها الأخ، وضربت لها موعدا همسا، ووافيت ~~إليه صباح اليوم الثاني وأنا حائر بين الشك واليقين، بين اليأس والأمل، ولكن لشد ما كان ~~فرحي عندما رأيتها قادمة، والحقيقة أنها كانت مترددة مذعورة على رغم خلو المكان الذي يوحي ~~بالطمأنينة في خفية عن أعين الرقباء، وبلغ الذعر أنها مرت بي غير ملتفتة إلى يدي الممتدة ~~كأنها جاءت لغير موعدي، فتتبعتها وحييتها وطمأنتها حتى قالت لي مضطربة: لا أدري كيف جئت .. ~~كيف أطعتك .. إنني مضطربة. # فهدأت من خاطرها، وسكنت اضطرابها، ولاطفتها بما أوتيت من بيان ومران وحماس حتى أفرخ ~~روعها واطمأنت. # لقد تحدثنا طويلا، بل طويلا جدا، ولو أردت أن أسطر لك ما دار بيننا ما انتهيت وما ~~وسعتني الأسطر؛ فحسبك أن تعلم أنها فتاة جميلة رشيقة حلوة المعشر، مهذبة الطباع، وإن كانت ~~تغلب عليها حدة الإحساس وتوقد العاطفة والذهاب مع الخيال. وقد حامت بمهارة حول موضوع الزواج، ~~فجاريتها بخفة ولباقة لا تهويان بها إلى قرار اليأس ولا تعلوان بها إلى عهد الميثاق، وعند ~~الافتراق تناولت منها قبلة خلت لحلاوة جدتها أنها أول قبلة تنالها شفتاي.» # انتهى الأمر، وتبددت الأحلام، وخابت الآمال، وقضت على قلبه الذي انتهي طويلا بأفراح الحب ~~أن يتجرع آلام اليأس والخيبة. # وانقطعت عنه رسائلها، ولكنه كان على علم متصل بأحوالها من رسائل صديقه التي جاءته ~~تتري. # وقد كتب إليه في إحداها: ~~«أنا - باختصار - سعيد جدا؛ فحياتي مليئة بالبهجة والمسرة، وعائدة خير عزاء عن الوحدة ~~والوحشة في هذا المنفى السحيق، وإني كلما أذكر أني سأحرم هذه المتعة بعد شهر يشيب شعري من ~~الهول، وأضمها إلى صدري بشغف، وألتهم منها قبلات ملتهبة كأني أختزن منها ما أعود إليه عند ~~الفراق. أما هي فتعتقد أنها لن تعود إلى القاهرة أو أنها تعود لكي ترجع إلى الأبد؛ فمن ~~يدريها أن ms034 لي خطيبة تنتظرني في القاهرة من سنوات طويلة؟! # وبهذه المناسبة أقول لك إن عائدة من اللاتي وهبهن الله دلالا وفتنة، ولكنها على قدر ~~غير هين من الاستهتار والنزق، أما خطيبتي فشابة حيية هادئة الطبع وعلى خلق عظيم، وإني ~~أدخرها للزواج وأنا سعيد.» # وكتب إليه في رسالة أخرى: ~~«معذرة أيها الصديق عن تأخير غير مقصود، والحق ماذا أقول لك؛ فالحياة الجميلة هي هي .. لقاء ~~فأحاديث، فمداعبات، فتقبيل وعناق، فوداع ولقاء. إنها غدت مجنونة بي، وكلما مرت ساعة اشتد بها ~~الجزع وتكاد تنطق جوارحها؛ أن اذهب إلى والدي وخاطبه في حبنا لأكون لك طول العمر. # إنها أمنية طبيعية، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.» # ثم كتب إليه بعد حين: ~~«قومت الألفة تلعثم الحياء، وصيرت التلميح تصريحا، وأمست عائدة تلح علي أن أكلم ~~أباها لتتخذ علاقتنا الصيغة الشرعية المقدسة، وكانت حياتي تكون السعادة نفسها لولا هذه ~~المنغصات. # والحق أني أجد بين يديها سعادة صافية جعلتني شديد العطف عليها، وبعثت في الضمير ألما ~~مبرحا. وإنه ليسوءني ما أبيت لها من نية الغدر والهجر؛ لأني في الحقيقة لم أر فيها ~~أكثر من ملهاة ممتعة أسكن إليها في هذا المنفى القصي. وما أشبه غرامي هذا بغرام الرحالة ~~الجواب؛ تتعدد وعوده تعدد ما يجوبه من البلدان. وما يثير النفس يا صديقي أني أول أمس على ~~أثر عودتي من لقائها، جلست إلى مكتبي شاردا أقلب بعض الكتب، فما راعني إلا ديوان شوقي ~~تنشق صفحاته عن صورة حفظتها فيه وكدت أنساها، هي صورة خطيبتي بوجهها الصبيح الجميل وقد ~~سطر على ظهرها بخط جميل «تذكار الوفاء»؛ فكأنه سوط عذاب ألهبني نارا، ألا فليغفر الله ما ~~تقدم من ذنبي وما تأخر أيتها الحبيبة! والحق لقد اضطرب فؤادي، وألقيت على الصورة نظرة ذعر ~~سريعة ثم أخفيتها عن عيني أو أخفيت عيني عنها؛ لأنه وقع في نفسي أنها تعلم بخبيئتي، وأنها ~~تصوب نحوي نظرة لا تعيش أمامها الخيانة.» # وكتب إليه في رسالة أخرى يقول: ~~«لست فتي عصريا كما كنت أعتقد؛ ولو أني ms035 كنت كذلك لما هالني الغدر، ولأكبرت على نفسي ~~الخيانة، ولسهل علي اصطناع الوداد للفتيات اصطناع تحيات الصباح والمساء؛ ولهذا تجدني ~~معذبا موزع القلب؛ فلا أنا بالراضي على نفسي لأني نكثت ميثاق خطيبتي، ولا أنا بالسعيد بما ~~ألقى من حب عائدة الذي رماني تفانيها في هاوية من الندم. # ولا يخفى عليك أن الملل عرف طريقه إلى نفسي، وأني بت منه في سقام، وقد كان ذلك مقدورا، ~~ولكن ما الذي عجل به؟! .. لعله ذكرى خطيبتي، أو لعله أني أقبلت على عائدة إقبال منهوم جائع ~~فامتصصت حلاوتها، أو ربما كان ذلك لأن جمالها طلاء لا يخفى من ورائه شخصية ذات بهاء ~~وجلال.» # ثم كتب: ~~«أمسى اللقاء غير ذي متعة؛ لأني من ناحية بت أعاني من السأم وإرهاق الضمير، ومن ناحية ~~أخرى فالفتاة تصر على مخاطبتي في شأن الزواج، ولا تكاد تصبر عن هذا الموضوع؛ فرمت بي في ~~الحرج والحيرة، وينتهي موعد اللقاء ونحن لم نفرغ من الجدل العقيم والتضييق السقيم والاعتذار ~~والتهرب المفضوحين.» # وأخيرا كتب إليه يقول: ~~«لأول مرة أخلف الميعاد، وإني لأعذر نفسي وأغبطها، وأرجو أن تفهم الفتاة أن هذا مني إعلان ~~بالقطيعة، ولم يكن من هذا بد بعد أن بلغنا في علاقتنا موضوعا ينبغي أن يتقرر فيه المصير، ~~فإما إلى يمين وإما إلى شمال، وما كان ينبغي لي أن أختار من جديد، وما أحببت ذلك قط؛ فإن ~~خطيبتي تنتظر أوبتي بفارغ الصبر، وهي أكرم على نفسي من هذه الفتاة التافهة الثرثارة التي لم ~~يميزها الله إلا بمظاهر الجمال المبتذل لا يلبث أن يتبخر أثره في الهواء. ومهما يكن من أمر ~~فلن ينقضي أسبوع حتى تكون الآنسة عائدة في طريقها إلى حيث ألقت.» ~~••• # قرأ جميع هذه الرسائل - رسائل صديقه وقاتله - بإمعان شديد. # وكانت تتسلط على نفسه في ذلك الوقت عاطفتان؛ عاطفة حزن عميق وشعور حاد بالخيبة والغيرة ~~وانهيار الأمل جعلته لا يذوق لذة في اليقظة ولا راحة في السهاد، وعاطفة تشف وانتقام أن ~~تنتهي بها الخيانة إلى مثل ما انتهت به الحال ms036 من خيبة أمل وانهيار صرح سعادة. # ولم يفرط في واحدة من هذه الرسائل التي سجلت تاريخ أكبر هزة عنيفة امتحن بها شبابه، ~~فجمعها في رزمة، وحفظها في حق عاجي جميل، ووضعها في مكان أمين وانتظر. # جاءته رسالة مقتضبة من عائدة نفسها تعلنه بقدومها، وترجو أن يذهب للقائها في موعدهما ~~المعهود عند العصر. # وفكر من أمره طويلا، تفكير من تسيطر عليه عاطفة مسمومة ونفس جريحة حتى انتهى من أمره ~~إلى تدبير، فذهب إلى الموعد في الساعة المعهودة، ولم ينتظر هذه المرة لأنه وجدها في ~~انتظاره، واستقبلته بيدين مفتوحتين وابتسامة مشرقة، فضمها بين ذراعيه ولثم شفتيها وهو يبتسم ~~ابتسامة كلفته غاليا من الجهد وضبط النفس. # وجلسا إلى نفسيهما كما كانا يفعلان في الأيام الخوالي السعيدة، وسمعها تقول بفرح فائض: ~~وأخيرا. # فردد قولها «وأخيرا»، ثم نظر إليها بعينين مبتهجتين تخفيان دهشة، وقال لنفسه: يا ~~عجبا! ما أقدركن أيها النساء على إخفاء مشاعركن وتكلف ما ليس بكن! # وانطلقت هي تقول: أستطيع أن أخبرك كم ثانية غبتها عني طوال هذه المدة الثقيلة لا أرجعها ~~الله. ~~- الذي يبدو لي أن استغراقك في حساب الزمن شغلك عن الكتابة إلي. ~~- أتسخر مني؟ .. آه لو تعلم كم كانت تكلفني الرسالة التي أكتبها إليك! # كنت أتسلل إلى مكان قصي بالبيت كي أخفي نفسي عن أعين أبناء عمي .. فيجدون في أثري ويهددون ~~عزلتي، ويفزعون أخيلتي المنسجمة وعواطفي الحارة، فإذا انتهيت منها احترت كيف أسلمها إلى ~~صندوق البريد. ~~- ألم يكن الخروج هينا عليك؟ ~~- أحيانا مع عمي. ~~- لم لم تخرجي في الصباح وعمك في عمله والجو خال؟! ~~- لو فعلت لكان أمرا مثيرا .. والشبان هناك جائعون أرذال عديمو الشرف. ~~- يا سلام! ~~- نعم يا عزيزي. ~~- أرى عذرهم بينا .. فمن يطالع هذا الوجه الجميل ولا يقهر على الحب قلبه؟ ولكن ماذا ~~صنعوا معك حتى استحقوا عندك هذا الحكم القاسي؟ # فصمتت لحظة ثم قالت: إنها صغائر مألوفة لا يني عنها الشبان .. ولكنها ليست بذات بال .. ~~فلندع هذا الآن .. فاعتقادي أنه لدينا ما يلذ لنا حديثه أكثر من ms037 هذا. ~~- طبعا .. طبعا .. ولكن وا أسفاه قد قدر علي أن أحرم هذه اللذة الليلة .. لأن أمي ~~مريضة وينبغي أن أكون إلى جانبها سريعا، فلنؤجل هذا الحديث الممتع إلى المرة ~~القادمة. # فنظرت إليه قلقة وسألت: ما لك؟ لست كعهدي بك! تقول إن أمك مريضة؟ لا بأس عليها، أمضطر إلى ~~الذهاب إليها حالا؟ # إنه يحس برغبة شديدة تدفعه إلى الانفجار لينفس عن صدره بعض غليانه المكتوم وحقده ~~المدفون، ويود لو يجبه هذا الرياء بما يمزق قناعه ويهتك ستره ويفضح شناعته؛ ولو فعل ما ~~جنى على الرحمة والعدالة، فمن حقه أن يصب جام غضبه، ويثأر لآلام قلبه، ويمحق الخيانة والمكر ~~السيئ. # ولكنه كان قد انتهى من أمره إلى مرفأ لا يريم عنه، وكان بطبعه هادئا رزينا كتوما يبذ ~~فيه العقل الهوى، وتتغلب لديه الحكمة على الثورة، فغالب دواعي الغضب في نفسه حتى أسكنها، ~~وقال بهدوء غريب: إني تعب مهموم مكدود الذهن، ولولا شدة شوقي لرؤيتك ما هان علي أن ~~أغادر أمي وهي طريحة الفراش .. فلنفرغ من هذا اللقاء ولو على مضض .. والآن اسمحي لي أن أقدم ~~إليك هدية جميلة؛ هذا الحق العاجي .. ورجائي ألا تمسيه إلا حين خلوتك إلى نفسك في غرفتك ~~لتحظي بالمفاجأة السعيدة في غيبة عن أعين الرقباء .. وإلى اللقاء القريب أيتها الحبيبة. # | من مذكرات شاب # 2 يونيو: # هذا يوم طيب، حصلت على البكالوريوس وتوج كفاحي الأول بالنجاح فتنفست ~~الصعداء؛ لأنه من الحق أن أقول إن حياتي المدرسية كانت شاقة غير مأمونة ~~العثار، وإني تحملتها على مضض متعوذا بالصبر، وقليل من أقراني من يصدق ~~أن رئيس فرقة كرة القدم بالخديوية وبطل السباحة والغلام الشاطر نال ~~البكالوريا فضلا عن البكالوريوس. # 5 يوليو: # عدنا اليوم - أنا ووالدتي - من الإسكندرية بعد قضاء شهر في ضيافة عمتي، ~~وانتقل بي الفكر إلى قريبي سعادة ش. ع. بك؛ ففي جاهه وفي منصبه سحر يفتح لي ~~أبواب الحكومة. # 6 يوليو: # زرت قريبي في قصره. # هنأني وتحدث معي مليا، ثم بغتني بهذا السؤال: «وما هو بكالوريوس اللغة ~~الإنجليزية هذا؟» ms038 وأجبته عما يسأل عنه متذكرا قول القائل: إن أصعب ~~التعريفات ما خص المسائل البسيطة. على أنه هز رأسه استهانة وقال لي: ~~«كان أولى بك أن تدرس علما من العلوم، فعصرنا عصر علم وعمل، إني لأتساءل ~~كيف يمكنني مساعدتك؟» # وقلت وأنا لا أدري: «أي وظيفة يا سعادة البك.» فضحك الرجل وقال: «لو كنت ~~مهندسا مثلا ما وجدت مشقة في وضعك في المكان اللائق بك، ولكن ماذا تفعل ~~الحكومة بالأدب والتاريخ؟» # 21 يوليو: # هل يصبح هذا اليوم من الأيام التي أؤرخ بها؟ # ذهبت إلى حديقة صولت لمقابلة صديق من السعداء (أي الموظفين)، فجلسنا نتحدث ~~في السياسة والرياضة والزواج - وصديقي من المتزوجين أيضا - ثم لفت ناظري ~~إلى مائدة غير بعيدة جلس إليها كهل وفتاة في مقتبل العمر، ثم قال لي إن ~~الرجل هو ح. و. بك من كبار موظفي المعارف، وإن الفتاة كريمته، ثم قال لي ~~مبتسما: «هذه الفتاة تعد بحق جسرا ممهدا لوظيفة محترمة.» واتجه بصري ~~مرة أخرى إلى البك وإلى الفتاة خاصة. لم تكن ممن حبتهن الطبيعة بنعمة ~~الجمال، ولكنها رشيقة معتدلة القوام .. لم أشعر بنفور منها ولا ميل إليها .. ~~ليست جميلة ولكنها ليست قبيحة .. وهنالك الروح والعقل والتربية والأصل الطيب .. ~~وهنالك الوظيفة ... # وعدت إلى منزلي وأنا أفكر. # 25 يوليو: # جذبتني حديقة صولت فاتخذت منها مجلسا مختارا كل مساء، وغالبا ما أقضي ~~سهرة طويلة منفردا. من التجاوز أن أقول منفردا؛ فعن يميني أو يساري أو ~~أمامي يجلس البك وكريمته، والحق أني لم أخترع هذا المجلس مدفوعا برأي ~~رأيته، ولكن بمشاعر غامضة لم تتمخض بعد عن فكرة واضحة، تاركا توضيحها ~~لمعترك التجربة نفسه؛ فلم يخف أمري عن عيني الفتاة وإن بدا والدها كأنه لم ~~يبصرني قط، والتقت أعيننا مرارا، وللأعين لغة معجمها الغرائز والأحاسيس، ~~فباتت هذه المغازلة الصامتة عادة جميلة، وإخالها أمست مشغولة بي، أما أنا ~~فأحس نشوة ظفر واهتماما مشوبا بحب الاستطلاع .. ترى هل يمكن أن أحب هذه ~~الفتاة؟ .. لا أجد جوابا؛ فالحب كما يعرف أحيانا من أول نظرة قد لا ms039 يعرف ~~ولا يكتسب إلا بطول العشرة. # 28 يوليو : # بتنا صديقين صامتين، وقد حرثت الأرض وسمدتها؛ فما إن تلقى المودة حتى ~~تنبت شجرة الحب المورقة. وامتلأت نفسي ثقة فصحت عزيمتي على السير في الطريق ~~حتى نهايته؛ أي حتى أخطبها إلى والدها .. ولكن ينبغي أن أظفر بقلبها حتى إذا ~~لم أرق في عين البك وجدت في عاطفتها عونا لا ينبذ له إرادة .. ولكن هل ~~يعد عملي هذا نذالة؟ .. هل ... من الخسة أن أخطب فتاة لأجد وظيفة؟ .. ما وجه ~~الاختلاف بين هذا وبين أن أخطبها لأقضي وطرا أو أنجب ذرية؟ .. فهذه الغايات ~~جميعها وسائل في ذاتها لإرضاء غرائز ثابتة، تشبع الوظيفة واحدة منها ليست ~~بأحطها على الإطلاق .. ترى هل يقوم تفكيري على أساس صحيح من الحق أم إن ~~عاطفتي تستخدم العقل والمنطق في تبرير هناتها؟ # 6 أغسطس: # ذهبت اليوم لمقابلة حضرة صاحب العزة ح. و. بك، فأدخلني خادم نوبي إلى ~~فراندا تشرف على حديقة الفيلا الغناء. # وجاء البك بعد دقائق في ثوب حريري فاخر، فسلم علي سلاما حارا ~~أذهب عني الارتباك ورد إلي جناني، وقدم لي سيجارة ثم تفحصني بنظرة ~~ثاقبة، وأخذنا في الحديث فسألني عن مؤهلاتي وعما أنتويه لمستقبلي. قلت له: ~~إني أروم الاشتغال بالتدريس. فسألني عما إذا كنت حاصلا على دبلوم التربية، ~~فأجبته بالنفي .. ولكني أكدت له أن كثيرين من أقراني اشتغلوا بالتدريس بغير ~~هذا الدبلوم، ولكن بالوصايات التي لا ترد، فهز رأسه هزة لها معناها، وقال: ~~«إني أرجو لك كل خير.» ثم أرسل في طلب ابنته، فلم أتمالك أن خفق قلبي وشعرت ~~بحرارة الاضطراب تلفح وجهي. وجاءت الشابة مرتدية ثوبا أبيض يكشف عن ~~ذراعيها، ناشرة في الجو رائحة طيبة مخدرة، فراعني جمال جسمها وحيويته، ~~وقدمها إلي قائلا: «آنسة سعاد .. ابنتي.» وقدمني إليها وأخبرني أنها متخرجة ~~من الجامعة الأمريكية، وأنها أستاذة في الأدب الإنجليزي مثلي، وأن أمها ~~متوفاة، ثم اقترح ضاحكا أن يكون حديثنا بالإنجليزية - وهو من خريجي جامعة ~~إكسترا - فتحدثنا طويلا، حديثا قريب التناول ولكنه لذيذ ممتع. والواقع أن ~~سحر ms040 النساء يتجلى فيما ينفثن في الحديث التافه من لذة .. وقد طبت ~~نفسا. # 10 أغسطس: # عدت إلى مقابلة البك مرة أخرى، فقال لي بلهجة دلت على الأسف: «لا توجد ~~وظائف خالية لتدريس اللغة الإنجليزية.» وتريث قليلا ثم استدرك: «ولكن توجد ~~وظيفة مدرس لغة فرنسية .. هل تجيد الفرنسية؟» والواقع أن معلوماتي في ~~الفرنسية تعادل معلومات طالب البكالوريا أو هي كانت كذلك قبل أربع سنوات، ~~ولكني وجدت نفسي حيال وظيفة محترمة درجة سادسة وربما بعثة أيضا، فأجبته ~~بجسارتي الطبيعية: «إني أجيد الفرنسية يا سيدي.» فقال الرجل بسرور: «انتهينا ~~يا بطل.» # 14 أغسطس: # يوم جميل؛ اصطحبت «سعاد» للنزهة فتمشينا في جزيرة الروضة جنبا إلى جنب. ~~وهذه أول مرة آخذ فيها حذري في محادثة فتاة؛ فلا يخفى أنها مثقفة ذكية ذات ~~تجارب، كثيرة الاختلاط بأفاضل الرجال من أصدقاء والدها. فقلت لنفسي إنه ~~يحسن ألا أتملقها تملقا رخيصا مبتذلا. وجرى الحديث بيننا فقلت لها إني ~~سعيد بمعرفتها معجب بثقافتها وذكائها، ثم شعرت بأني لم أقل كل ما ينبغي أن ~~يقال، وألح علي شعوري فقلت إن لها حسنا يروقني، ولكنها حدجتني بنظرة ~~ذات معنى وقالت لي مبتسمة: «كلا، لست جميلة البتة.» فقلت لها مستعينا بالجدل ~~على مداراة عواطفي: «سنظل نختلف في الجمال كما اختلف الذين من قبلنا .. ولكن ~~حسبي ما تقول النظرية الذاتية؛ فجمال امرأة هو ما يطيب لي منها .. وأهم ~~الأشياء جميعا أن تلقى حياتنا المشتركة قناعة وسعادة.» فضحكت ضحكة رقيقة ~~وسألتني كالمتهكمة: «أقصيدة غزل أم رثاء؟!» فقلت بلهجة دلت على الإخلاص ~~والصدق: «لا استحققت الرثاء أبدا.» ثم صارحتها بما زعمت أنه رأيي في الحب ~~والزواج، وأسهبت في ذلك إسهابا، وتعمدت أن تدل لهجتي على البساطة والإخلاص .. ~~وأصغت إلي بكل جوارحها، ولم تواصل الصمت فاشتركت في الحديث، وكأنما تعبنا ~~بعد ذلك فسرنا صامتين وكلانا مغرق في أفكاره، وعلى حين غرة ضغطت على ~~يدها وقلت لها همسا بالإنجليزية: «أحبك.» فتورد وجهها واضطرب ~~جفناها. # والآن - وأنا منفرد في حجرتي - أذكر حذري بسخرية واستهزاء. # 15 أكتوبر: # نزلت الميدان ولا ms041 سلاح لي إلا جرأتي والثقة المكتسبة من نفوذ صهري، وقد ~~داخلني شيء من الطمأنينة حين أيقنت أني سأدرس مبادئ بسيطة سهلة. أما العقبة ~~الحقيقية ففي النطق والكتابة، ولا أدري شيئا عما يخبئه المستقبل لي من ~~الصعوبات. بدأت الدرس بتوجيهات عملية كما هو مقرر في برنامج الدراسة، ~~فجعلت أقول لهم بعض العبارات التي حفظتها عن ظهر قلب مستعينا بتفهيمها ~~بالإشارة، مثل: قوموا، اجلسوا، افتحوا الشباك، أغلقوا الشباك. وقد لاحظت أن ~~تلميذا - من الجالسين في الصف الأول - يحسن الفهم، فأثنيت عليه؛ فما راعني ~~إلا أن وقف وقال لي جملة بالفرنسية في وضوح وسرعة، فلم أفهم شيئا فبهت، ~~ولكن لا أظن أنه بدا على وجهي شيء مما يقوم في نفسي، وتطوع تلميذ ساءه ما ~~نال قرينه من الظفر بإخباري بأن أمه فرنسية، وساءني الخبر، وأسفت له في ~~نفسي، وأردت أن أتقي شره فنهرته قائلا: إنه لا يجوز أن يتكلم قبل أن يؤذن ~~له. # هذا رقيب لم أكن أتوقعه يذكرني وجوده بالمثل القائل: «في كل خرابة لنا ~~عفريت.» # 27 أكتوبر: # الحياة شاقة لا لذة فيها، إني أدرس وأنا قلق، وأصحح مئات الكراسات، ثم ~~أذاكر كأنني تلميذ من التلاميذ، فمن يصدق بعد هذا أني أوشك أن أختم شهر ~~العسل؟ وكيف أطمع في أن تطيب لي الحياة .. وما يخفي شيء عن عيني زوجتي؟ فهي ~~تعلم بمتاعبي جميعا. وقد أقنعتها بضرورة سفري في بعثة، فاقتنعت ووعدت ~~بدورها بإقناع والدها؛ فكلانا لا يمكن أن يتذوق طعم الحياة الحلو إذا ~~استغرقني ذاك التيار العنيف من العمل والقلق وعدم الثقة بالنفس .. ومع هذا ~~فلشد ما يحسدني أناس على زيجتي وعلى الدرجة السادسة! # 7 نوفمبر: # حضر درسي اليوم مسيو روبير مفتش اللغة الفرنسية. # وكنت أتوقع حضوره بين يوم وآخر أستفز حنانه القلق، لقد أمكنني أن ألزم ~~التلميذ طاهر - ابن الفرنسية - حد الصمت، ولكن كيف أنجو من مخالب هذا ~~المفتش؟ .. وجاء الرجل واختار موقفه في نهاية الفصل، وجعلت أشرح الدرس بعناية ~~فائقة مختلسا - بين حين وآخر - النظرات من وجهه المعتصم بلحيته السوداء ms042 ~~المجللة بالمشيب، فلم أستطع أن أنفذ من عينيه الجامدتين إلى حقيقة مشاعره، ~~ورأيته يتحرك متمهلا ويفحص بعض الكراسات، فمضى قلبي يروح معه ويجيء، ثم نظر ~~نحوي وقال بصوت مرتفع: «مسيو.» فأمسكت، واتجه نظري نحوه وقد تملكني الارتباك، ~~فطلب إلي أن أوجه إلى التلاميذ أسئلة عن الموضوع، فصدعت بالأمر حامدا ~~الله على أنه لم يدعني إلى محادثته علانية، ثم وجهت عدة أسئلة في لهجة ~~مضطربة، خصصت التلميذ طاهر بأكثرها. # وفي نهاية الدرس خلا الرجل بي، وحدجني بنظرة ثاقبة ثم سألني عن مؤهلاتي، ~~فأهاج سؤاله دمي وأجبته بالحقيقة، فلم يخف دهشته، واعتذرت عن الواقع بأني ~~لا ينقصني إلا التمرين على الكلام، فقال لي بلهجة باردة: «ولكن يا سيدي ليس ~~المدرس إلا معلم كلام.» فغصصت بقوله وسكت. # وفي هذه الساعة التي أكتب فيها تجلس زوجي إلى أبيها تلح عليه في وجوب ~~سفري بالبعثة. # 15 يونيو: # أما هذا فيوم عصيب سأذكره ما حييت؛ ففي صباحه كان امتحان الإملاء للغة ~~الفرنسية، وفي مسائه كان الامتحان الشفوي، وكان علي أن أقف على منصة أنا ~~ونفر من المدرسين الفرنسيين لنملي على الممتحنين، فاتخذت مكاني مضطرب ~~النفس خافق القلب لا أدري كيف يعلو صوتي بنطق كلمات لا أحسن نطقها على ~~مسمع من المدرسين الفرنسيين والمراقبين ورئيس اللجنة. وشعرت بحرارة تلفح ~~وجهي ورأسي، وأوشكت جسارتي أن تخونني، وكان ترتيبي في الإلقاء الثاني بعد ~~مسيو بوابيه مباشرة، فقست المسافة التي تفصل بيننا بعيني وأرهفت سمعي، ~~وألقيت به إليه لألتقط حركاته الصوتية التقاطا دقيقا. وبدأت الإملاء ~~فاستجمعت انتباهي في أذني اليمنى متناسيا ما حولي، وأملى الرجل عبارته ~~الأولى فحاكيته مخرجا مخرجا، ولكن الظاهر أن صوتي لم يرتفع للدرجة ~~المطلوبة ولم يتضح كما ينبغي؛ لأني سمعت ضجة من حولي وأصواتا تهتف بي: ~~«مرة ثانية من فضلك.» فتميزت من الغيظ والحنق؛ لأنه لم يبق في رأسي من ~~النطق الصحيح إلا أصداء، واضطررت إلى الإعادة مخاطرا. # وتكرر الإملاء فالإصغاء فالترديد فالعذاب، وما لبثت أن أدركت أن أنظار ~~بعض المراقبين متجهة صوبي، فتضاعف اضطرابي وحرجي، ms043 ولمحت واحدا منهم يبتسم ~~ابتسامة تدل على الهزء والسخرية، فغلى دمي، وتركت المنصة أخيرا في حالة ~~إعياء وألم شديدين. # ولم يمض على عذابي هذا بضع ساعات حتى عدت مرة أخرى إلى المدرسة لأمتحن ~~الشفوي، وكان الممتحنون مقسمين إلى لجان، تتكون كل لجنة من مدرسين، وعرفت ~~أني في لجنة «ج»، ووجدت زميلي ينتظرني بها، وهو شاب فرنسي في مقتبل العمر، ~~فحييته بلطف وابتسمت إليه ما وسعني اللطف والتودد، ولم يداخلني شك في عجزي ~~عن لعب هذا الدور الجديد، فرأيت أن أظفر بوسائل أخرى .. جالست الشاب وقدمت ~~له سيجارة فاخرة، وطالعته بنظرة منكسرة حزينة، فسألني عما بي فأخبرته بأني ~~متعب مريض. وهكذا فعلت كما يفعل التلاميذ الكسالى استدرارا لرحمة ~~الممتحنين وتساهلهم. ولما بدأ الامتحان قدمت له سيجارة أخرى، وطلبت إليه أن ~~يعفيني من امتحان المناقشات رحمة برأسي مكتفيا بأن أمتحن التلاميذ في ~~المطالعة، وقبل الشاب بسرور، وأخرجت علبة السجائر الفاخرة، ووضعتها على ~~حافة القمطر مفتوحة ثم دعوت فراشا وطلبت القهوة. # ولا أدري كيف انتهى هذا اليوم العصيب، وبه أختم أشق عام في حياتي. # 15 يوليو: # علمت أني اخترت بين أعضاء البعثة، وعما قليل تعلن أسماؤنا في الصحف؛ ~~فالشكر والحمد لله، وسأعود من فرنسا بعد عامين مستردا ثقتي بنفسي فلا يضطرب ~~قلبي للقاء مفتش أو امتحان شفوي، وحسبت أول وهلة أني مسافر وحدي، ولكن ~~صهري أخبرني بأن زوجي ستسافر معي. # فليكن، لست على أية حال شقيا. وهبني تزوجت من أجمل فتاة في مصر، فهل كان ~~جمالها بقادر على أن يحتفظ بسحره وأسراره أبد الدهر؟ .. إن للعادة سلطانا لا ~~يقاوم؛ فهي تجعل من الغريب الذي ينفرنا شذوذه شيئا مألوفا وربما ~~محبوبا، كما تهبط بالجمال من عرشه وتفقده جدته وفتوته، السعيد السعيد من راض ~~نفسه على الواقع والتمس أسباب الرضا والقناعة حيثما كان! # | الهذيان # أوشك الفجر أن يطلع، وتصايحت الديكة إيذانا بطلائع النور، فأخلدت الحجرة إلى السكون ~~والصمت، كأنما أسلمها أنين المرض الموجع وتأوه الإشفاق الأليم إلى الهمود. كانت ترقد على ~~الفراش امرأة شابة يبدو ms044 من اصفرار وجهها وذبول خديها وشفتيها وتضعضع كيانها أنها تعاني وبال ~~مرض يهتصر شبابها. وعلى فراش قريب رقد شاب في مقتبل العمر يثقل جفنيه السهاد، ويأبى القلق ~~أن تلتقي أهدابهما، يطالع وجه المريضة في حزن ثم يعطف رأسه إلى مهد جديد، فيجري الحنان في ~~عينيه الذابلتين ويتمتم في رجاء صادق: «اللهم صن حياة الأم المسكينة .. وطفلتنا ~~البريئة.» # وكان الشاب من ذوي القلوب الرقيقة والنفوس الندية بالرحمة والعطف، وكان على عهد صباه يلذ ~~لرفاقه أن يدعوه «رجل البيت»؛ لما طبع عليه من النفور من المجتمعات والأندية، والاشتراك في ~~المظاهرات التي تستهوي أقرانه، والانجذاب نحو البيت بسبب وبغير سبب؛ فكان يقضي نهاره في ~~الحديقة يسقي أشجار البرتقال والليمون، أو في السطح بين الدجاج والحمام؛ فإذا كان الخميس ~~أعطى ذراعه لشقيقته ومضيا معا إلى السينما؛ ولذلك أخذ يفكر في الزواج تفكيرا جديا منذ ~~اليوم الذي عين فيه مهندسا بمصلحة الأشغال العسكرية، وراح يقتصد من مرتبه ما يقوم بنفقات ~~الزواج من مهر وشبكة وهدايا وفرح، كما كان يفعل شباب الجيل الماضي؛ فلم يكد يمضي عليه عامان ~~خارج المدرسة حتى تزوج. ولم يدهش أحد أن تنعطف هكذا سريعا إلى الزواج هذه النفس المطمئنة ~~إلى الحياة البيتية منذ نعومة الصبا، ولكنه كان سيئ الحظ؛ فما كاد يستدير عام ويستقبل طفلة ~~حتى أصيبت زوجه بحمى النفاس؛ فزلزل بيته الهادئ المطمئن وارتجت حياته السعيدة. وقد عرف ~~منذ اليوم الأول للمرض ما الخوف وما الإشفاق وما الجزع، واندفع إلى استدعاء أعظم الأخصائيين ~~من الأطباء من حملة الباشوية والبكوية غير مبق على مال أو ضان بثمين، حتى اضطر إلى بيع ~~الراديو وساعته الذهبية، ولو طلب إليه أن ينقل دمه إليها لأداه إلى آخر قطرة .. وبالغ في ~~ذلك، فطلب من مصلحته إجازة كي لا يفارق المريضة. وكان يرقب أعين الفاحصين من الأطباء ~~ويسألهم، ويطالع وجه زوجه ساعة بعد ساعة، ويسأل العرافين، ويزور أضرحة الأولياء، ويفسر ~~الأحلام، ملتمسا الطمأنينة في مظانها جميعا. # وهل ينسى الليالي التي قضاها مسهدا قلقا لا يغمض له ms045 جفن ينظر ببصر حائر إلى الوجه ~~الشاحب على ضوء المصباح الأحمر الخافت؟ .. وكانت هي مسكينة تستحق الرثاء، تضطرب بين النوم ~~والقلق واليقظة الحائرة، وبين النزاع والهذيان، وما هذا الهذيان؟! .. إنه ظاهرة عجيبة تدل على ~~أن الإنسان قد يخون نفسه كما يخون الآخرين. كان يصغي إليها وهي تذكر بلسان متقطع أسماء ~~أناس وأماكن وحوادث كثيرة، وكان شاركها شهود بعضها، فجرى الابتسام على فيه، وترطب التهاب ~~عينيه المحمرتين بنظرة حنان. وفي ذات ليلة سمعها تناديه بصوت واضح قائلة: «صابر.» فهرع إليها ~~متسائلا: «نعيمة .. هل تحتاجين إلى شيء؟» ولكنه أدرك أنه خدع لأنها كانت مغمضة العينين ~~يابسة الفم كما يبدو من ازدراد ريقها بصعوبة، فعلم أنها ماضية في هذيانها الذي لا ينتهي، ~~فعاد إلى سريره، وما كاد يرقد مرة أخرى حتى سمعها تقول وكأنها تحادثه: «صابر» .. أنا متألمة ~~خجلة.» فهز رأسه المثقل المتعب وقال لنفسه: «أنت متألمة بغير شك، أعانك الله على ما أنت ~~فيه، ولكن مم تخجلين؟ إن هذا الابتلاء لا يخجل أحدا وإن كان يحزننا جميعا.» وظن أنها ~~متألمة لما يتكلفه من حولها من العناء والسهر، فرمقها بنظرة حنان، ورجا أن يكون هذا الشعور ~~من آي اليقظة والشفاء، واستدركت المرأة تقول: «زوجي أحسن الأزواج، أما أنا فشقية .. لست أهلا لوفائه.» # فتنهد الشاب حزنا وتمتم قائلا ~~بصوت غير مسموع: «أنت أهل لكل خير.» وأراد أن يناديها لعله ينتشلها من تيار أفكارها ~~المحمومة، ولكنها حركت رأسها بعنف على الوسادة وقالت بحنق: «راشد .. كفى وابتعد عني .. ابتعد ~~ودعني.» وكان يهم بمناداتها فاحتبس الكلام في فيه. وحملقت عيناه المسهدتان، وبدا على وجهه ~~الذهول والإنكار، وجلس في فراشه وهو يتساءل: «راشد! من راشد هذا؟» وكان يشعر شعورا باطنيا بأنه لا يسمع هذا الاسم لأول مرة، وكأنما سبق أن آذى مشاعره، ~~وأسند جبينه إلى كفه وأغمض عينيه، وكأن صاحب هذا الاسم يعيش في الظلام؛ فقد رآه وعرفه، ~~وأحس لذلك رجفة تسري في مفاصله .. راشد أمين أو أمين راشد - لا يذكر - شاب نافسه ~~في طلب يدها على عهد ms046 خطبته لها، ولولا أن والدها فضله هو واختاره لكان قد تزوج منها. ~~وقد تذكر أنه رآه مرة وإن كان لا يحفظ من صورته أي أثر؛ ورفع رأسه مرة أخرى ونظر ~~إليها بعينين مرتابتين لا تصدقان، ورغب رغبة حارة في أن يستزيدها ويستوضحها، ولكنه ~~لم يدر كيف يحثها على الكلام، ورأى شفتيها تتحركان في ضعف، فدنا من حافة سريرها وأرهف ~~السمع وكتم أنفاسه وهو يعاني جزعا مجنونا، فسمع صوتها يقول فيما يشبه الأنين: «من يقول ~~هذا؟ .. أف .. والخيانة .. راشد .. صابر .. الخيانة شيء قذر.» فشبك كفيه وشدهما على ~~صدره بحالة عصبية كأنما يضرع إلى شيء مجهول أن يمنع كارثة على وشك الوقوع، وذهل بصره من طول ~~الجمود على وجهها، فغاب عنه ما حوله، وكبر الوجه في وهمه حتى ملأ الفراغ الذي أمامه فثقل ~~عليه وسمج، ودوي صدى صوتها في أذنيه، فصار كطنين لا ينقطع، وثقل تنفسه ويبس حلقه .. ما هذا ~~الذي تتكلم عنه؟! وما هذه الخيانة التي أطلق الهذيان عقدة كتمانها فانطلقت خبيثة منكرة أنكى ~~من الحمى؟! هل يكذب الهذيان؟ كيف يكذب الهذيان؟! ولكن كيف يصدق أذنيه وما بذل زوج لزوجه ~~عشر ما بذل من الرقة والمودة، وما بذلت زوجة لزوجها عشر ما كانت تبذله من الصفاء ~~والإخلاص؟! فكيف انطوى هذا على أقذر ما تبتلى به الضمائر والنفوس؟ رباه .. إنها تقول إن ~~الخيانة شيء قذر، وإنها لكذلك، ولكن لا يفرغ في هذيانه من قذارتها إلا من انغمس في بؤرتها. ~~رباه .. لقد ظن أن ما ابتلي به من مرض زوجه أقصى ما ابتلي به إنسان، فإذا به بلاء هين ~~عابر، لا يقاس بما هتك الهذيان أستاره. وأحس اليأس يحبس أنفاسه، وكان صابر دمث الأخلاق، ~~لين الجانب، رقيق الحاشية، لا يدفعه الغضب إلى الانفعال الشديد والعدوان، ولكنه يشل حركته، ~~ويعطف اندفاع أعصابه إلى صميم نفسه، فيجعله كسيارة يدفعها محركها، وتقيد الفرملة عجلاتها، ~~ولكنه بالرغم من هذا تحول رأسه بحركة عصبية إلى سرير الطفلة، وبرح فراشه في سكون، ودنا منه ~~وأزاح ستاره، وألقى نظرة غريبة ms047 على الوجه الصغير المدمج القسمات وأدام إليه النظر، والشك ~~والألم يأكلان قلبه بقسوة، ثم تحول عنه إلى وجه زوجه كأنه يسألها ويستوضحها، ودنا من فراشها ~~كالسائر في نومه حتي التصق به، وكانت مغمضة العينين، بادية الاصفرار والخور، تقلب رأسها ~~ذات اليمين وذات الشمال، فألقى عليها نظرة جامدة، جرى فيها بريق القسوة جريان البرق في ~~السحاب الداكن، وكان قبل لحظات إذا وقف موقفه هذا اضطرب جسمه من الحنان والرحمة، ودمعت ~~عيناه، ولكن قلبه تحجر هذه المرة فمال عليها حتي نسمت عليها أنفاسه وسألها: «نعيمة .. ~~نعيمة .. ماذا فعل راشد؟» فلم تنتبه إليه ولم تصح، فرفع صوته وناداها وهو لا يدري: «نعيمة.» ~~فبلغ صوته مسمعي أمها في الحجرة القريبة، وقامت المرأة من فراشها مضطربة وهي تظن ~~الظنون، وهرعت إليه متسائلة: ما لها؟ .. هل أعطيتها الدواء؟ ولم يكن أعطاها شيئا، وكان يريد ~~استبقاء حالة الهذيان التي تعانيها ليستنطقها ما يريد، فكذب عليها في استهانة وقسوة: «نعم ~~هي بخير والحمد لله.» وعاد إلى فراشه، وأسند رأسه المثخن بالجراح إلى الوسادة ليتخلص منها، ~~ولبثت حماته قليلا. وفي أثناء ذلك أخلدت المريضة إلى الهدوء والسكينة كأنما راحت في نوم ~~عميق، فبرحت المرأة الغرفة، وكان يتشوق إلى إيقاظها، ولكنه خشي التي في الخارج، فمضى بقية ~~الليل مفتوح العينين محموم الرأس بالأخيلة الشيطانية وعيناه زائغتان ما بين فراش المريضة ~~ومهد الطفلة. # وحين سفور الصباح عاودت اليقظة المريضة، وبدا عليها أنها لا تحس شيئا حتي اهتدت عيناها ~~إليه فدبت فيها حياة ضعيفة، وقالت بصوت غدا من وهنه كالصفير: «ما الذي أيقظك؟ لماذا ترهق ~~نفسك هكذا؟» فرد عليها بنظرة جامدة، وكانت تبدو ذاك الصباح أشد هزالا وشحوبا، ولاحت في ~~عينيها نظرة الوداع المخيفة، وكان يشغل باله شيء واحد أسهده الليل، ولم يجهل أن إثارته خطر ~~يهدد بالقضاء عليها، ولكنه لم يحس سواه ولم يبال غيره. وكان يشعر نحوها ساعته بحنق وكراهية ~~ورغبة في الانتقام؛ فقال بلهجة جافة: «تكلمت الليلة الماضية كثيرا، فشرقت وغربت، وأجرى ~~الهذيان على لسانك كلاما يحتاج إلى إيضاح.» ms048 فلم تفهم شيئا، ونظرت إليه بعينين لا تعبران عن ~~شيء سوى الذهول المطلق، وأراد أن يسترسل ولكنه منعه عن الاسترسال صراخ الطفلة فجأة، فما ~~لبثت أن هرعت إلى الحجرة حماته والمرضعة، فنكص على عقبيه مغضبا وهو يقول لنفسه: «الطفلة ~~الملعونة تداري فضيحة أمها وأبيها!» وغادر البيت يهيم على وجهه، ومضى يحدث نفسه: «كان ينبغي أن أعلم كل شيء وقد أتيحت لي فرص، لماذا أفر ~~من صراخ الطفلة، أو من ظهور جدتها؟ الحقيقة أني ضعيف .. ضعيف .. دائما يندي قلبي بالحنان والعطف، فما ~~كان أجدر بي أن أكون ممرضة .. أما رجلا فلا .. لست رجلا ولست زوجا .. فأمثالي نساء ~~كاملات، أو رجال مغفلون .. ومع هذا هل أنا في حاجة إلى دليل جديد؟ دمرت حياتي وانتهى كل ~~شيء.» # وقضى النهار ضالا لا يقر، يتردد الألم في صدره مع أنفاسه، وعاد مع الأصيل إلى البيت ~~فوجدها أسوأ حالا وأشد هزالا. وأقبلت عليه حماته تسأله أين كان، وتقص عليه ما قاله ~~الطيب، فلم ينفذ شيء من قولها إلى صدره، وعاف الرد عليها بتاتا، بل لذ له أن تقول إن ~~الحالة سيئة، فلتتألم كما يتألم، ولكن كيف يفهمها أنه يعلم كل شيء؟ كيف يحادثها في هذا ~~الموضوع الخطير وأمها لا ترضى بمفارقتها في مثل تلك الحال الخطيرة؟ واشتد به الحنق، فاعتزم ~~أن يمنع عنها الدواء ليعاودها الهذيان سريعا فيسمع منه ما امتنع منه سماعه في اليقظة، وملأ ~~الفنجان ماء خالصا، ووضعه على فم المريضة فازدردته بامتعاض .. وعاد إلى فراشه يرقب الفرصة، ~~ولكن زوجه لم تنم في تلك الليلة ولم تهذ، واشتد عليها الألم فباتت تئن وتشكو وتضطرب. ~~واستدعى الطبيب عند الليل فعاينها، ولكنه لم ينصح بشيء، وهمس في أذنه بأن الحالة جد خطيرة .. ~~وبعد هذا التصريح بنصف ساعة احتضرت المريضة وفاضت روحها. # وخلا إلى نفسه وكان الذهول مطبقا على حواسه جميعا؛ لأن الموت والخيانة الزوجية انتظما ~~تجاربه الشخصية معا في ساعة واحدة دون عهد سابق بهما. وماتت نعيمة ولم يحزن لموتها، ولكن ~~حادثة الموت أذهلت نفسه الرقيقة ms049 المرهفة. على أن الحقيقة لم تغب عنه، فقال: لم تمت كما ~~يظنون .. أنا قتلتها .. قتلتها لأني منعت عنها الدواء ليلتين متواليتين هما أشد ليالي المرض ... ~~«فأنا قتلتها» .. وجعل يردد «أنا قتلتها»؛ فكان يشعر لها بوقع غريب في نفسه يمتزج فيه الخوف ~~بالارتياح. # ثم قال مرة أخرى: «وقتلتني هي حيا، وألصقت اسمي قسرا بطفلة إنسان سواي .. ولكني قاتل ~~فلست إذن مغفلا.» # وأسند رأسه إلى يده وراح في تأمل طويل، وقد سرى في جسده قشعريرة البرد والخوف. ~~••• # كيف انقضت تلك الأيام التي أعقبت الوفاة؟ .. انقضت في ألم وقلق ومخاوف لا يمكن أن تتمثل لعقل ~~إنسان، ثم أعلن عن رغبته فجأة في السفر إلى لبنان انتجاعا للصحة والراحة، وكان في الحق يفر ~~من أفكاره وطفلته. ومضى إلى الإسكندرية واستقل سفينة، والظاهر أن نفسه الرقيقة تعرضت في ~~البحر لأزمة عنيفة هدت كيانها وأتلفت أعصابه، فاستشعر اليأس من الدنيا جميعا وألقى بنفسه ~~في اليم خلاصا من عذابه وآلامه، محتفظا بأسراره لقلبه ولبطون الأسماك. # وكان يترحم عليه المترحمون فيقولون: «ما رأينا إنسانا يحب زوجه كالمرحوم صابر، فلا هو ~~صبر على فقدانها ولا احتمل الدنيا بعدها، فقضى على نفسه بعد موتها بأيام .. رحمهما ~~الله.» # | يقظة المومياء # أجد حرجا كبيرا في رواية هذه القصة؛ لأن بعض حوادثها يخرق قوانين العقل والطبيعة ~~جميعا؛ ولو كان مردها إلى الخيال ما تحرجت، ولكنها وقعت في عالم الحقيقة، وكان ضحيتها رجل ~~من رجال مصر الأفذاذ المعروفين في الأوساط السياسية والأرستقراطية، وراويتها الذي أنقل عنه ~~أستاذ كبير بالجامعة، لا يجوز أن يرتقي الشك إلى عقله وخلقه، ولم يعرف عنه قط ميل إلى ~~الأوهام والخرافات، ولكني - والحق يقال - لا أدري كيف أصدقها فضلا عن أن أحمل الآخرين على ~~تصديقها؛ وليس ذلك لندرة المعجزات في عصرنا، فمما لا جدال فيه أن عصرنا عصر المعجزات ~~والخوارق، ولكن العقلاء في أيامنا هذه لا يقبلون أمرا بغير تعليل، كما أنه لا يستعصي شيء ~~على إيمانهم مع التعليل المعقول. وإني حيال قصة عجيبة لها من دواعي التصديق رواية حكيم ms050 ~~وشواهد ملموسة، ولكن التعليل العلمي ما يزال يتأبى عليها، فهلا أعذر على شعوري بالحرج في ~~تقديمها ؟ # ومهما يكن من أمر فإليك ما رواه جناب البروفسير دريان «أستاذ الآثار المصرية القديمة» ~~بجامعة فؤاد الأول، قال: في ذلك اليوم الأسيف الذي خفق فيه قلب مصر خفقة الحزن والألم، ذهبت ~~إلى زيارة المغفور له محمود باشا الأرنئوطي في قصره العظيم بصعيد مصر، وأذكر أنني وجدت ~~عنده جماعة من الأصدقاء الذين كانوا يترددون عليه كلما أسعدتهم الظروف، منهم المسيو سارو ~~ناظر مدرسة الفنون الجميلة العليا، والدكتور بيير طبيب الأمراض العقلية، واحتوانا جميعا ~~«صالونه» الأنيق البديع الحافل بآيات الفن الجميل من لوحات وتماثيل كأنها احتشدت في تلك ~~البقعة لتؤدي تحية العبقرية الحديثة إلى ذكرى عبقرية الفراعين الخالدة تحت أطلال الوادي، ~~يتوهج نورها خلل ظلمات السنين مثل سنا النجوم المتألقة في السماء، الساري في تضاعيف الليل ~~البهيم. # وكان المغفور له من أغنى أغنياء المصريين وأوسعهم ثقافة وأسماهم خلقا، وقد قال عنه مرة ~~صديقنا الأستاذ لامبير: إنه ثلاث شخصيات تقمصت رجلا، فهو تركي الجنس، مصري الوطن، فرنسي ~~القلب والعقل، فأدى تعريفه أتم أداء. والحق أنه كان أكبر صديق لفرنسا في الشرق، وكان يعدها ~~وطنه الثاني، وكانت أسعد أيامه تلك التي قضاها تحت سمائها، واتخذ أصدقاءه جميعا من أبنائها ~~سواء منهم من يعيش على ضفاف النيل أو في جنات السين. وكنت إخال نفسي وأنا في «صالونه» أني ~~انتقلت فجأة إلى باريس؛ فالأثاث فرنسي، والجالسون فرنسيون، ولغة الكلام فرنسية، والطعام فرنسي. ~~وإن كثيرا من الفرنسيين المثقفين لا يعرفونه إلا كهاو فذ من هواة الفنون الجميلة، أو ~~كشاعر يقرض الشعر الوجداني الجميل بالفرنسية، أما أنا فقد عرفته - إلى هذا - محبا لفرنسا ~~متعصبا لثقافتها وداعية لسياستها. # أخذت مجلسي في ذلك اليوم إلى جانب الباشا، وكان المسيو سارو يقول وهو يتأمل بعينيه ~~الواسعتين الجاحظتين تمثالا نصفيا برونزيا لأنشتين: إن قصرك يا صاحب السعادة يحتاج إلى ~~تغيير طفيف لكي يصير متحفا كاملا. # وقال الدكتور مؤمنا على كلامه وهو يتخلل لحيته بأنامله: صدقت؛ فهو ms051 معرض دائم لجميع ~~العبقريات والمدارس على السواء مع ميل ظاهر للفنانين الفرنسيين. # فقال الباشا: الفضل في ذلك يرجع إلى ذوقي المعتدل الذي يساوي بين النزعات المختلفة ويعدل ~~بين أهواء المدارس، ويهوى تذوق الجمال سواء أكان بديعه براكستليس أو رفائيل أو سييزان، مع ~~استثناء البدع الحديثة المتطرفة. # فقلت ناظرا بطرف خفي إلى المسيو سارو وكان يحلو لي دائما أن أداعبه: لو استطاعت وزارة ~~المعارف أن تنقل هذا الصالون إلى مدرسة الفنون الجميلة العليا لاستغنت عن إرسال بعثات إلى ~~فرنسا وإيطاليا. # فضحك المسيو سارو وقال موجها الخطاب إلي: بل لعلها تستغني عن ناظر المدرسة الفرنسي ~~أيضا. # ولكن الباشا قال جادا: اطمئن يا عزيزي سارو؛ فإنه إذا قدر على هذا المتحف أن يترك ~~الصعيد فسيتخذ طريقه رأسا إلى باريس. # فنظرنا إليه نظرة استفهام ودهشة وكأننا لا نصدق آذاننا. # فالواقع أن مجموعة الباشا الفنية ~~كانت تقدر بمئات الألوف من الجنيهات، وقد تسربت جميعها إلى جيوب الفرنسيين، فكان غريبا أن ~~يفكر في إهدائها إلى فرنسا، وكان يحق لنا أن نفرح ونبتهج، ولكني لم أتمالك أن أسأله متعجبا: ~~أحقا ما تقول يا إكسلنس؟ # قال الباشا بهدوء: نعم يا صديقي دوريان .. ولم لا؟ # فقال المسيو سارو: يا له من حظ سعيد حقيق باغتباطنا نحن الفرنسيين، ولكني أقول لسعادتك ~~مخلصا إني أخشى أن يسبب لك متاعب كثيرة. # وأمنت على رأي المسيو سارو. # وردد الرجل عينيه الزرقاوين بيننا وقد لاحت فيهما نظرة ساخرة، وسألنا متجاهلا: ولمه؟ # فقلت بلا تردد: ستجد الصحافة في ذلك موضوعا أي موضوع! # وقال الدكتور بيير: وما من شك في أن الصحافة الوطنية عدو لك قديم .. وهل نسيت يا صاحب ~~المعالي حملاتها المغرضة عليك واتهاماتها إياك بأنك تبعثر أموال الفلاح في فرنسا بلا ~~حساب؟! # فصاح الباشا بإنكار: أموال الفلاح! # فبادر الدكتور يقول معتذرا: معذرة يا باشا .. هذا قولهم! # فهز سعادته منكبيه استهانة، وزم شفتيه احتقارا، وقال وهو يثبت نظارته الذهبية على ~~عينيه: أنا لا آبه لهذه الأصوات المنكرة الوضيعة، وما دام ضميري الفني لا يرتاح لبقاء ms052 مثل ~~هذه الآيات وسط هذا الشعب الحيواني، فلن تقبر هنا أبدا. # وكنت أعرف رأي صديقي الباشا عن المصريين واحتقاره لهم. ومما يحكى في هذا الصدد أنه تقدم ~~له منذ عام طبيب مصري نابغة حاصل على رتبة البكوية طالبا يد ابنته، فطرده شر طرد لأنه ~~فلاح بن فلاح. على أني - مع موافقتي على كثير من التهم التي يكيلها الباشا لبني وطنه - ~~لم أكن أتبعه رأيه إلى النهاية، ولما قلت له: سعادتك شديد النقد. # فقهقه الباشا ضاحكا وقال: أنت يا عزيزي دريان رجل وهبت حياتك الثمينة للماضي البعيد، ~~وربما لاحت لك في غياهبه لمع عبقرية خلفها القدماء لا تفتأ توقظ عطفك وحنينك على أحفادهم، ~~ولكن شتان بين الفراعين والفلاحين، لا يجوز أن تنسى يا صديقي أن المصريين شعب فول. # فضحكت وقلت له: عفوا يا صاحب السعادة، ألا تعلم أن السير ماكنزي أستاذ آداب اللغة ~~الإنجليزية بكلية الآداب صرح أخيرا بأنه أصبح يفضل الفول عن البودنج؟ # فضحك الباشا، وضحك الحاضرون جميعا وقال سعادته: أنت تفهم ما أعني، ولكنك تحب المزاح، ~~المصريون حيوانات أليفة طبعها الذل، وخلقها التذلل، وقد عاشوا عبيدا على فتات موائد ~~الحاكمين منذ آلاف السنين، ومثل هؤلاء لا يحق لهم أن يأسفوا على إهداء هذا المتحف إلى باريس. # فقال المسيو سارو: نحن لا نتكلم عما يحق أو لا يحق، ولكن عن الواقع، والواقع أنهم سيأسفون ~~(ثم قال بلهجة ذات مغزى) وستأسف معهم صحافتهم. # ولكن لم يبد على الباشا أدنى اكتراث، وكان بطبعه يتعالى على ضجيج الجماهير وصرخات الصحف ~~المفتعلة، وربما كان لأصله التركي دخل كبير في تشبثه بآرائه وعناده واحتقاره للمصريين. ولم ~~يرد أن نسترسل في ذاك الحديث فأغلق بلباقته النادرة بابه، وانشغلنا ساعة باحتساء القهوة ~~الفرنسية اللذيذة التي لم أذق مثلها في مصر، ثم نظر الباشا إلي باهتمام وقال: ألم تعلم يا ~~مسيو دريان أني بدأت أنافسك في اكتشاف الكنوز؟ # فنظرت إليه مستفهما وسألته: ماذا تعني يا إكسلنس؟ # فضحك الباشا، وقال وهو يشير إلى حديقة القصر من نافذة الصالون: على ms053 بعد أذرع منا تجري ~~عملية حفر جليلة الشأن في حديقة قصري. # فبدا علينا الاهتمام جميعا، وتوقعت سماع خبر مثير، وكان لكلمة حفر تأثير خاص في نفسي؛ ~~لأني قضيت شطرا كبيرا من عمري - قبل أن أشتغل في الجامعة - أحفر وأنقب في أرض مصر الغنية ~~الساحرة. # وقال الباشا وهو ما يزال يبتسم: أرجو ألا تسخروا مني يا سادة؛ فقد فعلت ما كان يفعله ~~الملوك الأقدمون مع السحرة والمشعوذين، ولا أدري كيف رضخت وأذعنت، ولكن لا داعي للأسف؛ فقليل ~~من الخرافة يريح العقل الكلف بالحقائق والعلوم. ومجمل الحكاية أنه جاء قصري منذ يومين رجل ~~معروف في هذا البلد يدعى الشيخ جاد الله، يحترمه العامة ويقدسونه، وكم ذا بمصر من ~~المقدسين، وألح في طلبي وأذنت له وأنا أعجب لشأنه، وحياني الرجل على طريقته، وبشرني بأنه ~~استدل بعلمه الروحاني وبكتبه القديمة عن وجود كنز ثمين في باطن حديقتي، وطلب إلي بتوسل أن ~~آذن له في الكشف عنه تحت إشرافي، ومناني بالذهب واللآلئ في مقابل أن أعده بالحلوان. وضقت به ~~وهممت بطرده، ولكنه ضرع إلي وتوسل حتى استعبر وقال لي: لا تهزأ بعلم الله، ولا تستهن بعباده ~~المقربين. فضحكت طويلا، ثم خطر لي خاطر سريع فقلت لنفسي: لماذا لا أجاري الرجل في وهمه ~~وأسايره على اعتقاده؟! لن أخسر شيئا وسأفوز حتما بنوع من التسلية. وقد فعلت يا أصدقائي، ~~وأذنت للرجل وأنا أتظاهر بالجد، وها هو ذا يحفر في حديقتي، ويعاونه في عمله الشاق اثنان من ~~خدمي المؤمنين، فما رأيكم؟ # قال الباشا ذلك وضحك عاليا، فضحك الجميع، أما أنا فكرت بي الذاكرة إلى الماضي إلى حادثة ~~مشابهة، فقلت: طبيعي أنكم لا تؤمنون بعلم الشيخ جاد الله، ولا أنا أستطيع أن أومن به وا ~~أسفاه، ولكني لا أستطيع كذلك أن أنسى أني اكتشفت قبر الكاهن «قمنا» بفضل خرافة كهذه! # فبدت الدهشة على وجوه الحاضرين، وسألني الباشا: أحقا ما تقول يا سيدي الأستاذ؟ # فقلت: نعم يا باشا، لقد دلني يوما شيخ مثل الشيخ جاد الله على بقعة من الأرض ms054 في وادي ~~الملوك، وقال لي: إنه استدل بكتبه وعلمه على وجود كنز فيها، فضربنا فيها بمعاولنا ، ولم نلبث ~~أياما حتى اكتشفنا مقبرة «قمنا» .. وهذا بلا شك من عبقريات المصادفات. # فضحك الدكتور بيير وقال متهكما: ولماذا تعلل ذلك بالمصادفات فتجحد العلم القديم؟ .. ألا ~~يجوز أن الفراعنة يورثون أحفادهم أسرارهم الخفية كما يورثونهم سحنتهم وكثيرا من ~~تقاليدهم؟ # ومضينا نتفكه بأمثال هذا الحديث، وطرقنا غيره أحاديث كثيرة، ومضى الوقت لذيذا ممتعا، ~~وعند الأصيل استأذن الضيوف في الانصراف، وأما أنا فأعلنت عن رغبتي في مشاهدة عملية الحفر ~~التي يجريها الشيخ جاد الله، وغادرنا جميعا الصالون إلى الحديقة، وسرنا إلى الباب الخارجي ~~لتوديع الأصدقاء. ولم نكد نقطع خطوات حتى وصلت إلى مسامعنا ضجة عظيمة، واعترضت طريقنا جماعة ~~من الخدم رأيناهم يمسكون بتلابيب صعيدي ويوسعونه ضربا ولكما، ثم ساقوه بشدة إلى سعادة ~~الباشا، وقال له أحدهم: يا صاحب السعادة ضبطنا هذا اللص وهو يسرق طعام بيميش. # وكنت أعرف بيميش حق المعرفة؛ فهو كلب الباشا العزيز، وآثر مخلوقات الله بقلبه بعد زوجه ~~وأولاده، وهو يعيش في قصر الباشا منعما مكرما، يقوم على خدمته خدم وحشم، ويكشف عليه ~~طبيب بيطري مرة كل شهر، ويقدم له كل يوم لحم وعظام ولبن وثريد. ولم تكن هذه أول مرة يسطو ~~فيها الصعايدة على غذاء بيميش .. وكان السارق صعيديا قحا، يتميز بالسحنة المصرية ~~العتيقة، ويبدو على هيئته البؤس والفقر. وقد حدجه الباشا بنظرة قاسية وقال له بعنف: كيف ~~سولت لك نفسك انتهاك حرمة بيتي؟ # فقال الرجل بتوسل وهو يلهث من أثر الجهد الذي بذله في مقاومة الخدم: كنت جائعا يا صاحب ~~السعادة، ورأيت اللحم المسلوق مبعثرا على الحشائش فخانتني قوتي، ولم أكن ذقت اللحم منذ عيد ~~الأضحى! # فالتفت الباشا إلي وقال هازئا: أرأيت الفرق بين بائسنا وبائسكم؟ .. إن بائسكم دفعه الجوع ~~إلى سرقة رغيف، أما بائسنا فالرغيف ليس عسيرا عليه، ولكنه لا يرضى إلا باللحم ~~المسلوق! # ثم التفت مرة أخرى إلى السارق، ورفع عصاه، وضربه على كتفه بشدة، وشده وصاح بالخدم: خذوه ms055 إلى ~~الخفير. # وضحك الدكتور بيير وهو يسلم وقال للباشا: ماذا تفعل غدا إذا شم الصعايدة رائحة الذهب ~~المكدس في كنز الشيخ جاد الله؟ # فقال الباشا فورا: سأحيطه بسياج من الخفراء كخط ماجينو. # وعدنا - أنا والباشا - وتبعته صامتا إلى حيث يشتغل الشيخ جاد الله الذي يوشك أن يصير ~~أثريا عظيما. وكان الرجل منهمكا في عمله هو ومعاوناه؛ يضربون الأرض بفئوسهم ويرفعون ~~الأتربة في المقاطف ويلقونها جانبا، وكان الشيخ جاد الله تلمع عيناه ببريق حاد يدل على العزم ~~والأمل، وتنبعث في ساعديه النحيلتين قوة غير طبيعية. كان يدنو حقا من هدفه الذي هداه إلى ~~سبيله عمله الإلهي، فتمثل لي في شخصه العجيب الإنسان بنشاطه، وإيمانه وأوهامه، والحق أننا ~~نخلق لأنفسنا آلهة وأوهاما ولكنا نؤمن بها إيمانا عجيبا، فيخلق لنا إيماننا عوالم غاية ~~في البداعة والجمال، ألم يخلق أجداد الشيخ جاد الله - الذي يذكرني وجهه بتمثال الكاتب ~~المعروف - الحضارة الأولى للإنسان؟ .. ألم يبدعوا الجمال على سطح الأرض وفي بطنها على السواء؟ .. ~~أولم يستوحوا في عملهم وتفكيرهم أوزوريس وآمون؟ وما أوزوريس وآمون؟ لا شيء في الغالب .. أما ~~حضارتهم فكانت شيئا أي شيء .. بل هي حضارتنا الراهنة. # وقفنا نشاهد الشيخ المؤمن، أما الباشا فيبتسم ابتسامة ساخرة، وأما أنا فأستغرق في أحلامي، ~~وكلانا لا يدري بما يخبئه له القدر تحت آكام ذلك التراب. وكان العمل يبدو عقيما، فتململ ~~الباشا واقترح علي أن نجلس في الفراندا فاتبعته صامتا، ولكنا لم نكد نصعد السلالم الأولى ~~حتى لحق بنا الشيخ جاد الله عدوا وصاح بفمه المثرم: مولاي .. مولاي .. تعال انظر. # فالتفتنا إليه بحركة أتوماتيكية، وكان قلبي يخفق خفقانا غريبا على أثر نداء الشيخ، ~~وذكرني بشبيه له قديم كان يفصل في حياتي بين الفشل والنجاح واليأس والأمل، وهبطنا السلم ~~دون إبطاء لأن الرجل كان قد عاد أدراجه، وتبعناه وكلانا يغالب رغبة في العدو. # ووجدنا الرجال الثلاثة يزحزحون صخرة كبيرة، مساحتها متر مربع على وجه التقريب، فدنونا ~~منهم فرأينا الصخرة تكشف عن فوهة في مثل اتساعها، فنظرت إلى الباشا، ونظر إلي ms056 بعينين ~~تنطقان بالدهشة والذهول، ثم نظرنا إلى داخل الفوهة فرأينا سلما صغيرا ينتهي إلى دهليز ~~يتجه إلى الداخل موازيا لسطح الأرض. وكانت الشمس تؤذن بالمغيب، فقلت للباشا: «إلينا بمصباح.» ~~فأرسل الباشا أحد الخادمين لإحضار مصباح، وعاد الرجل بالمصباح فأمرته أن يتقدمنا، ولكنه ~~تردد وانكمش فهممت بأخذه منه، ولكن كان الشيخ جاد الله أسرع مني إليه، فأمسك به بيده ومضى ~~يتلو من القرآن وتعاويذ غريبة، ثم نزل بقدمين ثابتتين فتبعته وتبعني الخادمان المضطربان. # ووجدنا أنفسنا في دهليز مستطيل لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، ويعلو سقفه عن هامتنا بعدة ~~أشبار، وكانت أرضه متربة، أما جدرانه فمن الجرانيت. وتقدمنا جميعا في خطوات بطيئة حتى ~~اعترض سبيلنا باب حجري يأخذ على المقتحمين طريقهم، ولم يكن منظره غريبا علي ولا الرموز ~~المحفورة في وسطه، فجرى بصري عليها، ثم التفت إلى الباشا وقلت بصوت متهدج: لقد اكتشفت يا ~~صاحب السعادة مقبرة أثرية .. فها هنا يرقد القائد حور من عظام الأسرة الثامنة عشرة. # ولكن الشيخ جاد قال بعنف وغضب: بل وراء هذا الباب كنز .. هكذا يقول الكتاب الذي لا ~~يكذب. # فهززت كتفي قائلا: سمه كيف شئت، المهم أن نفتحه. # فعاد الشيخ يقول: فتح الكنز عمل يسير؛ فهذا الباب لا يطيع ويرضخ إلا بقراءة طويلة أبدؤها ~~الآن وأستغرق حتى مطلع الفجر .. هل أنتم مطهرون؟ # وتأثر بأقواله الخادمان ونظرا إلى مولاهما بارتباك؛ لأنهما اعتقدا أنهما على وشك المثول في ~~حضرة القوة الخفية. ولم يكن في الوقت متسع للتطهر والقراءة، فقلت للشيخ بحزم: إننا لم نبلغ ~~هذا الباب بقراءة، فينبغي أن نقتحمه بمثل ما اقتحمنا الذي قبله. # وهم الشيخ أن يعترض ولكن لم يجده اعتراضه، وانتهره الباشا فصمت وهو يرمقني شزرا. ~~واستأنفوا العمل من جديد، وتيقظت غريزتي فعملت معهم حتي أزحت العقبة الكئود، ووجدنا أمامنا ~~منفذا إلى مثوى حور الأبدي. # وكنت خبيرا بتلك الأعمال، فأمرتهم أن يتريثوا في أماكنهم وقتا قصيرا ريثما يتجدد ~~الهواء، وكانت ساعة انتظار شديدة الوقع علينا جميعا. وكان الباشا صامتا ذاهلا كمن هو في ~~حلم عجيب، ms057 وكان الخادمان ينظران بعينين ساهمتين إلى الرجل الذي يؤمنان به، وكان الشيخ ~~يحملني تبعة ما قد يحدث لاستهانتي برأيه. أما أنا فكنت أحلم بما عسى أن يقع عليه بصري، ~~وساءلت نفسي: تري هل من المستطاع أن أفوز بتحفة أثرية أزين بها عقد متحفنا الخالد في ~~باريس؟ # ثم دخلت، ودخل خلفي الأرنئوطي باشا ثم الشيخ جاد الله، وآثر الخادمان أن يلبثا في الدهليز ~~الخارجي؛ فلما اختفى عنهما نور المصباح وأظلم المكان اندفعا إلى الداخل وانكمشا في ركن، ~~وكانت حجرة تابوت كما يدل مظهرها، وقد شاهدت أمثالها مرات عديدة، وكان التابوت موضوعا في ~~مكانه وعلى غطائه صورة ذهبية لصاحبه، وإلى جانبه تقوم ثلاثة تماثيل بالحجم الطبيعي؛ أحدها ~~لرجل - من المرجح أنه حور نفسه - والآخر امرأة يستدل من وضعها إلى جانبه أنها زوجه، ~~وأمامها تمثال صغير لغلام، وفي الناحية المقابلة وضعت صناديق مغلقة وآنية ملونة ومقاعد ~~ومناضد وعدد حربية، وكانت الجدران ملأي بالرسوم والنقوش والرموز. # ألقيت نظرة سريعة مفعمة بالروعة على ذلك العالم المبعوث، ولكن الباشا لم يدعني لتأملاتي، ~~فقال لي ولم أكن أعلم أنها آخر أقواله في هذه الدنيا: الأوفق يا أستاذ دريان أن نبلغ الأمر ~~إلى الحكومة في الحال. # فأحسست بخيبة أمل وقلت: انتظر قليلا يا باشا ريثما ألقي نظرة عجلى. # ودنوت من الصناديق والأثاث والباشا إلى يميني، ومضيت أفحصها بعين خبيرة مشوقة، ونفسي ~~تحدثني بفتحها ومشاهدة ما بداخلها، وكنت أومن بأنها تحوي طعاما وثيابا وحليا، ولكن ~~أنى لمثلي أن يملك إرادته حيال تلك المخلفات الجليلة التي تستحوذ على منبض التأثر من ~~قلبي ووجداني .. ثم لا تنس التابوت والتماثيل والمومياء .. يا لها من مفاتن! # وقطع علي تأملاتي أن سمعت صوت الشيخ جاد القبيح وهو يهتف: «هش.» فالتفت إليه منزعجا مغضبا؛ ~~لأن أية همسة آنئذ تثير أعصابي، ولكن الشيخ قال ببلاهة: «عصفور.» # فانتهرته قائلا: أي عصفور هذا يا شيخ؟ .. أهذا وقت هزل؟ # فقال الرجل: رأيت عصفورا يرف بجناحيه فوق التابوت. # فالتفتنا إلى التابوت ولكنا لم نر شيئا، وكان من العبث أن نسأل ms058 الخادمين، فقلت للشيخ: ~~دعنا من أوهامك يا شيخ جاد الله. # ثم ضحكت وقلت للباشا بالفرنسية: عسى أن يكون العصفور روح الميت «كا» جاء لزيارته ~~معنا. # ثم عدت إلى مطالعة الصناديق والجدران التي تحادث قلبي بلغة صامتة لا يعيها سواي، ولكني ~~لم أستطع التأمل بتاتا؛ لأنا سمعنا الخادمين يصيحان بذعر: يا سعادة الباشا! # فالتفتنا إليهما بسرعة وقد امتلأت غيظا وحنقا، ولكني شاهدتهما في حالة غريبة من الرعب؛ ~~التصق كل منهما بصاحبه، واتسعت عيناهما وجحظتا وأرسلتا نظرة صلبة جامدة ميتة إلى ناحية ~~التابوت، وتصلب الشيخ جاد الله في وقفته ويده قابضة على المصباح وعيناه لا تتحولان عن نفس ~~الهدف، فنظرت إلى التابوت وقد نسيت غضبي، فرأيت غطاءه مرفوعا، والمومياء ممددة أمامنا في ~~لفائفها! # ما هذا؟ .. كيف فتح التابوت؟ .. هل أثرت في إقامتي الطويلة في الشرق فغدت عيني تتأثر إلى هذا ~~الحد المضحك بأوهامه وسحره؟ # ولكن أي سحر هناك؟! .. إني أري المومياء أمامي، ولست الوحيد الذي يراها؛ فها هو ذا الباشا قد ~~تحول إلى تمثال، وها هم الرجال الثلاثة يكادون يموتون من فرط الهلع والذعر .. فأي وهم ~~هذا؟! # والحق أنني أحس بالخجل كلما اضطرتني الظروف إلى سرد ما حدث بعد ذلك؛ لأني أحدث في ~~العادة أناسا عقلاء مثقفين درسوا تيلور وليفي برول ودركيم، ولكن ما حيلتي؟ .. إن ديكارت ~~نفسه لو كان في مكاني تلك الساعة ما أتته الشجاعة على الهزء بحواسه. # ماذا رأيت؟ # رأيت المومياء تتحرك وتقعد في التابوت في حركة خفيفة لا يقدر عليها المخمور أو المثقل ~~بالنوم فضلا عن المبعوث من عالم الأموات، ثم قفزت قفزة غاية في الرشاقة انتصبت قبالتنا ~~أمام التابوت. # وكنت موليا ظهري الخادمين والشيخ جاد الله فلم أر ما حل بهم، ولكن ارتعاش النور الذي ~~يضيء الحجرة دل على كهربة اليد التي تمسك به، وكنت في حالة يتعذر وصفها. وأعترف أن مفاصلي ~~تفككت من الرعب الذي لا يوصف، وذعرت ذعرا لم أحس بمثله في حياتي على الإطلاق، ولا تكاد تذكر ~~إلى جانبه أهوال الأيام الشديدة التي قضيتها ms059 في الجبهة الشرقية ومعركة المارن. # يا للعجب! .. ألم يكن حيال مومياء .. أو حيال جثة ردت إليها الحياة بطريقة خفية .. أو أمام قائد ~~مصري كان يرتجف هولا وخشوعا إذا اجتاز عتبة القصر الفرعوني؟ ولكن هل كان من الممكن أن ~~يخالج نفسي في تلك الساعة فكر من هذه الأفكار؟ .. بل هب أنه خالجها، فهل كان يستطيع أن يهدئ ~~من رعبها شيئا؟ .. فزعت فزعا قاتلا .. على أن عيني استطاعتا أن تريا كما استطاعت ذاكرتي أن ~~تحفظ ما رأت عيناي. # ولم أجد أمامي مومياء بل رجلا حيا كامل الرجولة والحياة، وكانت هيئته تذكر بتلك الصور ~~التي ترى بكثرة على جدران المعابد، فكان يرتدي ثوبا أبيض ووزرة قصيرة، ويغطي رأسه الكبير ~~بقلنسوة أنيقة، ويحلي صدره العريض بنياشين كثيرة زاهية، وكان مهيبا رهيبا متعاليا، ولكني ~~بالرغم من جلاله خيل إلي أني رأيته من قبل، وذكرت بالفعل الصعيدي الذي ساقه الخدم إلى ~~الباشا واتهموه بسرقة غذاء الكلب بيميش، كان شبها غريبا، ولكنه اقتصر على الطول واللون ~~والقسمات دون الروح والحياة، ولولا ما كان يبدي الماثل أمامي من النبل والتعالي لربما ~~خالجتني شكوك. # وكان يحدج الباشا بنظرة قاسية لا يحولها عنه كأنه لا يرى سواه. # ماذا أقول يا سادة؟ .. لقد سمعته يتكلم .. إي والله، لقد تكلم حور بعد أن صمت ثلاثة آلاف من ~~السنين، وتكلم بتلك اللغة القديمة التي طواها الموت منذ آلاف السنين، وسوف أنسى كل شيء في ~~دنياي قبل أن أنسى كلمة واحدة مما نطق به لسانه. # قال لصديقي الباشا السيئ الحظ بصوت لم أسمع مثله جلالا؛ لأني لم أتشرف بعد بمخاطبة ~~الملوك. ~~- ألا تعرفني أيها العبد؟ .. لماذا لا تجثو ساجدا بين يدي؟ # ولم أسمع للباشا صوتا، ولا استطاع بصري أن يتحول إليه، ولكني سمعت العظيم ذا الصوت العظيم ~~يقول مرة أخرى: لم أشعر بقهر أسر الموت إلا حين شاهدت روحي هذه العجائب التي تحدث في الدنيا ~~وأنا مقيد بأصفاد الأبدية لا أستطيع حراكا، ولم أقدر أن أذهب إليك لأن حياتي انتهت كما ~~قضى أوزوريس .. ولكنك ms060 سعيت إلي بقدميك .. وإني لأعجب كيف سولت لك نفسك هذا الفعل الأحمق .. ~~أبلغ بك البطر الجنون ؟ .. ألا تحمد الآلهة أن حالت بيني وبينك بالموت؟ ماذا جئت تفعل أيها ~~العبد؟ ألم يقنعك أن تنهب أبنائي فأتيت تنهب قبري؟ .. تكلم أيها العبد. # ولكن أنى للمسكين أن يتكلم .. إنه لا يفقه شيئا .. ولا يبدي حراكا .. لقد دبت الحياة في ~~المومياء .. وفارقت قلب الباشا الحي. # أما المومياء فعادت تقول: ما لك لا تتكلم؟ .. ألست حور؟ .. ألست عبدي شنق؟ .. ألا تذكر أني جئت بك ~~من الشمال في إحدى الغزوات الظافرة؟ .. أتتجاهلني أيها العبد؟ .. إن جلدك الأبيض الذي يرمز إلى ~~العبودية يفضحك مهما تنكرت .. ما هذه الملابس المضحكة التي ترتديها؟ .. وما هذه الأبهة الكاذبة ~~التي تختفي وراءها؟ # وظن حور أن الباشا لا يريد أن يتكلم، فانتفخت أوداجه، وتقطب جبينه، وصاح غاضبا: ما الذي ~~دهاك؟ ما الذي دهى الأرض فجعل أعزتها أذلة وأذلتها أعزة، وخفض السادة عبيدا ورفع العبيد ~~سادة؟ كيف تملك أيها العبد هذا القصر ويعمل أبنائي فيه خدما؟ أين التقاليد المتوارثة، ~~والقوانين المقدسة؟ ما هذا العبث؟ # واشتد الغضب بحور فاستحالت عيناه جمرتين يتطاير منهما الشرر، وصاح بصوت كالرعد: كيف تتجاسر ~~على ابني أيها العبد؟ لقد سمته الذل بقساوة دلت على العبودية التي تنضح بها نفسك، ضربته ~~بعصاك لأنه جائع، ودفعت إخوته إلى ضربه، أيجوع في مصر أبناؤها؟ الويل لك أيها العبد! # ولم يكد يتم كلامه حتي تقدم نحو الباشا مزمجرا كأسد هصور يهم بفريسته. # ولكن الباشا التعس لم ينتظره؛ لأنه كان قد فقد قوة الاحتمال، فسقط على الأرض لا حراك ~~به، وكأن تهديد حور قد أشاع في الحجرة رعبا جديدا أتى على البقية الباقية من التماسك في ~~النفوس، فما لبث الشيخ جاد الله أن سقط على وجهه وسقط معه المصباح، فانطفأ نوره وساد ~~الظلام، وانكمشت بغتة كأني أتقي ضربة قاتلة لا أدري من أين تقع على رأسي، وحملقت في الظلام ~~وأنا أنتفض فرقا وذعرا، ثم خارت قواي، وشاء حظي الحسن أن أفقد شعوري وأغيب عن ms061 العالمين. ~~••• # سادتي .. إنه لتأتي علي أوقات يصيبني فيها ذهول وتخامرني شكوك، فأسائل نفسي مرتابا: هل ~~كان حقا ما رأيت أم كان وهما؟ .. وربما ملت أحيانا إلى تكذيب نفسي، ولكن كلما أميل إلى ~~الشك تصدمني حقائق لا قبل لي بها .. فما قولكم مثلا في شهادة الشيخ جاد الله وهو حي ~~يرزق ويستطيع أن يعيد لكم ما حكيت .. وما قولكم في جنون الخادمين التعيسين .. ومقبرة حور .. ~~والقصر المهجور؟ .. بل ما قولكم في حادثة موت المغفور له محمود باشا الأرنئوطي التي ما يزال ~~يذكرها جميع قراء الصحف ويعجبون لها أشد العجب؟ # | كيدهن # هل يتمنى الإنسان على الله أكثر من أن يهبه زوجة حسناء وثروة طائلة، ويمتعه بصحة سابغة ~~وبنين، ويبوئه مركزا اجتماعيا فذا؟ وقد فاز حضرة صاحب العزة جمال بك ذهني بأولئك ~~جميعا؛ كانت له زوجة شابة حسناء يعزي وجهها الحسن عن أحزان الدنيا جميعا، ووهبه الله ~~أربعة من الأبناء كالورود صحة وجمالا، وترقى في مراتب الدولة حتى ولي كرسي الاستشارة في ~~أكبر هيئة قضائية، وورث عن والديه ثروة طائلة ما بين عقار ومزارع، ومع ذلك فمن كان يطلع ~~على وجهه ذلك اليوم إذ هو جالس في شرفة قصره المطلة على شارع السرايات يأخذه العجب لهذا ~~الاكفهرار الذي يظله، وتلك النظرة القلقة التي تحار في عينيه منذرة بالشقاء! # ولا سبيل إلى إبطال هذا العجب ما لم نلم بماضيه؛ لأن حاضر الإنسان يقع غالبا من ماضيه ~~موقع النتيجة من المقدمات، وإن كانت لا تدعم العلاقة بينهما في الحياة بما تدعم به في ~~المنطق من الضرورة والأحكام. ومهما يكن من الأمر فقد كان ماضي صاحب العزة حافلا بالشباب ~~المرح السعيد، والعقل النزيه، والذكاء الوقاد، والمغامرات التي تجعل من الشباب ديوان شعر ~~غنيا بالذكريات العذبة؛ لأنه كان من الرجال القليلين الذين يصادفهم أجمل التوفيق وأسعده ~~في دنيا النساء، فعشق عددا وافرا من الممثلات والراقصات وربات القصور المصونات غير ~~متردد ولا حرج، ورشف من كئوس الهوى خمرا صافية أعمته نشوتها عن طي الأعوام، فما يدري ~~يوما إلا ms062 وهو يصحو على عاذل يقول: «أتبلغ الخامسة والأربعين ولما تتزوج؟» الخامسة ~~والأربعون .. أحقا ذهب الشباب الناضر وولى؟ أحقا تسنم ذروة الكهولة؟ # ووجد نفسه يفكر في مسألة الزواج تفكير شاب يهدف للثلاثين، ويكاد الزواج أن يكون كالموت ~~نهاية كل رجل، وإلا فلمن يترك هذه الثروة الطائلة التي يمتلكها؟ ومن يؤنس وحشته إذا ~~احتجزه البيت يوما؟ ومن يعينه على متاعب الشيخوخة وأهوال الكبر إذا تألبت عليه عوامل ~~الفناء؟ # ولكنه لم يغفل عن أنه مغامر عشاق، ومثله يستطيع أن يقرأ قلب المرأة كما يقرأ الكتاب ~~المفتوح، ويعرف طبيعتها معرفته لبديهيات الحساب؛ لذلك رأى أن الحكمة تملي عليه ألا يختار ~~زوجة شابة تفصل بينها وبينه عشرات الأعوام، وصحت عزيمته على الزواج من أرمل أو مطلقة في ~~الثلاثين على أدنى تقدير؛ حذرا من أن يقضى عليه بما قضى على ضحاياه الكثيرين. # ولكنه شاء غير ما شاءت الأقدار، وما حيلته في ذلك؟ لم يكن هو الذي يبرم الأقدار حين دعي ~~يوما إلى حفل زفاف، فراح مالكا لفؤاده وعاد مسلوب الفؤاد والإرادة، ولم يكن هو الذي يخلق ~~الأعمار؛ إذ كانت التي سلبته فؤاده في العشرين من عمرها، ربما قلت إنه ينبغي له أن يغلب ~~الحكمة والعقل على الهوى، ولكن وا أسفاه فإن هذا القول وأمثاله لا يجدي فيمن تسيطر عليهم ~~الشهوات؛ فجميعهم - أيا كانت الشهوة التي تتحكم فيهم - لا يرون في العقل سوي وسيلة لتحقيق ~~شهواتهم، يستوي في ذلك منهم من يعبد الله أو يعبد المال أو يعبد النساء؛ فلم يتردد جمال بك ~~عن سلوك سبيله المحتوم، وخطب الآنسة حياة إلى والدها الأستاذ محمد عويس الخبير بالمجلس ~~الحسبي، وتمت الزيجة، وأثمرت على الأيام أربعة من الأبناء أكبرهم في المدرسة الثانوية ~~وأصغرهم في الروضة. # ولكن للزمن حكمه الصارم كذلك؛ فقد أحيل المستشار في هذا الأسبوع إلى المعاش وأذن النذير ~~بمجيء الخامسة والستين بكوارثها المعهودة من نضوب الأعصاب، وبرودة الاضمحلال، وتنكر معالم ~~الدنيا وتألب أمراضها، وما كان به من ظمأ ولا جوع؛ فقد ارتوت نفسه من لذائذ الدنيا، وأخذ ms063 ~~نصيبه كاملا من متاعها الغرور، ولكن دب بقلبه دبيب القلق الذي تعود بواعثه إلى تلك ~~الزوجة الحسناء التي يعطيها الزمن - الآخذ منه - نضجا وكمالا، ويزيدها كل يوم حسنا على ~~حسن، وما كانت مخاوفه أوهاما ولا محض حذر تمليه مغامراته الماضية، ولكنه شاهد هذا الصباح ~~في شرفة الفيلا التي تواجه قصره ضابط بوليس شابا، يتألق جماله في بذلته الرسمية المزدانة ~~بالنجوم الذهبية، وتنفخ صدره قوة الشباب وغروره، وتعبث أنامله بشاربه الأنيق الصغير؛ فانقبض ~~صدره لمرآه، وتوجس منه خيفة لغير سبب بين. عجب كيف أنه لم يره قبل اليوم، وهل يقيم في ~~هذه الفيلا يا ترى من زمن بعيد، وهل هو متزوج أو أعزب. وكان يستطيع أن يسأل زوجه عما ~~يحيره، ولكنه نفر من هذا نفورا عجيبا، وآثر عليه الجهل والحيرة. # وكان قلقه غريبا لدرجة أنه ود لو يستطيع أن يحمل زوجه على نقل حجرة النوم إلى الجهة ~~الأخرى من القصر المطلة على شارع القشلاق وإحلال المكتبة محلها، ولكنه لم يدر كيف يعلل ~~طلبه، وأبت كبرياؤه عليه أن يفاتحها بشأنه. # ووجد في حياة الفراغ الجديدة فرصة طيبة لمراقبة «غريمه» في صمت وحذر، فلاحظ أنه يتناول ~~الشاي كل صباح في شرفته، وأنه يعود فيجلس بها عند الأصيل ساعة أو نحو ذلك، وفي تلك الأثناء ~~يصادف أن تدخل زوجه إلى الشرفة فيديم الشاب النظر إليها، وخيل إليه أن بصرها يتجه أحيانا ~~إلى شرفته، نعم يحتمل ألا يكون وراء هذه النظرات أي معني سوء، ولكن يتعذر عليه أن يتصور ~~أنه من الممكن أن ينظر شاب إلى مثل زوجه الحسناء نظرة بريئة لا يشوبها طمع. # وضاق بصمته المرهق، فأشار يوما إلى شرفة الضابط وسألها: من يقيم في هذه الفيلا؟ # فقالت: جار جديد، أظنه مفتشا في الداخلية. # فسألها بلا اكتراث في الظاهر: ومن الضابط الذي يظهر أحيانا كثيرة في هذه الشرفة؟ ~~- أي ضابط؟ .. لا أدري لعله ابن المفتش. # فوقع تجاهلها من نفسه موقعا أليما، واشتد غضبه اشتدادا لا يستند إلى أسباب معقولة، ~~فقال: لا أشك في أنه ms064 ضابط أحمق وقح. # فبدت الدهشة على وجهها وسألته: ما الذي يغضبك عليه؟ # فقال بحدة: رأيته مرارا ينظر إليك نظرات وقحة سافلة، جعلتني أفكر جديا في نقل حجرة ~~النوم إلى الجهة الأخرى. # فقالت بلهجة استياء: ولكنه تعب لا مبرر له، وأرى أنه يتضمن إهانة قاسية لي يا بك. ~~- كلا يا هانم، ما أردت هذا قط، ولكني أحب أن تتمتعي بحريتك بعيدا عن تطفل ~~العيون. # فهزت منكبيها استهانة وقالت: افعل ما بدا لك. # وتحققت مشيئته، ولكن آلمته استهانتها، واعتقد أنه تسرع تسرعا معيبا ورطه فيه الغضب، ~~وأحس من تصرفه بخزي أليم، وكبر عليه أن يمتلئ رعبا من نظرة يرسلها هذا الشاب المغرور، وما ~~عسى أن يفيده نقل حجرة من مكان إلى مكان؟ وهل يعني هذا زحزحة الحب من موضعه إذا كان أنشب ~~أظافره في لحم قلبها الطري؟ .. هيهات. # ولم تهادنه شكوكه ومخاوفه. وقد ثقلت عليه وطأتها يوما، وكان يجلس في قهوة لونابارك مع ~~محام كبير، فاستأذن بغتة وقام إلى سيارته التي انطلقت به إلى قصره وبلغت شارع السرايات، ~~وكان الوقت أصيلا، ونظر خلال زجاج النافذة فرأى زوجته في شرفة المكتبة ونظر الناحية ~~الأخرى فرأى الشيطان. # وكان يعهد في زوجه البرود والرزانة والسيطرة على الأعصاب، وكانت كعهده بها فلم تفاجأ ~~بحضوره، وسألته بإنكار: خير .. ما الذي أتى بك قبل ميعادك؟ # فانفجر غاضبا وسألها بغيظ وحنق: قولي لي أنت ما الذي أتى بك إلى هذه الشرفة؟ # فقالت بغضب وإباء: إنك تهينني يا بك إهانة لا تحتمل. # فاشتد به الغيظ وقال بعنف: أنت تحاولين تضليلي باصطناع هذا الإباء الكاذب. ~~- عهدي بك أعظم أدبا من هذا. ~~- ما شاء الله، وددت لو يستمع إليك أبناؤنا إذ تعلمين أباهم الأدب. ~~- أما أنا فلا أود أن يستمعوا إلى أبيهم وهو يكيل التهم لشرف أمهم. # فنظر إليها نظرة عميقة وهو يضرع إلى الله أن يطلعه على خبيئة نفسها، وجعل يتساءل في حيرة: ~~ترى هل هي صادقة في غضبها؟ هل هي حقا بريئة مما رماها به؟ وتنهد حزينا شقيا، وقال ~~كأنه ms065 يحادث نفسه: حقا إن الشك مس من الجنون. # فقالت باستياء: ألا ترى أنك تعترف بأنك شككت في؟ # فعاوده الغضب وقال لها بمرارة: لماذا تعودين إلى الظهور بهذه الشرفة، وفي هذه الساعة ~~المعهودة؟ أصغي إلي يا هانم، أنا لا أسمح لامرأة بأن تتغفلني أبدا. ~~- هذا كلام لا يليق برجل له مكانتك وأخلاقك، ويجدر بك أن تنادي عقلك الذي غرب به الغضب، ~~فماذا ينفعك إغلاق الأبواب والنوافذ إذا أنا بيت الغدر؟ .. وما يضيرك ظهوري بكل مكان إذا ~~انطوى قلبي على الإخلاص والأمانة؟ # فقال بذهول: الإخلاص .. الأمانة .. ما عدت أفقه معني لهذه الكلمات لأن عقلي تسمم فينبغي أن ~~تفهمي ذلك جيدا، قد يكون المرض لعلة، وقد يكون لغير العلة إلا الوهم، فاعملي على إعادة ~~الطمأنينة إلى نفسي، ودعي الوعيد جانبا .. فأنا رجل لا يمكن أن تتغفله امرأة مهما أوتيت من ~~المكر والدهاء. ~~- أهكذا تتغير بعد العشرة الطويلة وتنقلب إنسانا غير الإنسان لأنك رأيت شابا ينظر ~~إلي من بعيد؟ # وأي امرأة لا تلتهمها العيون كلما بدت للناظرين؟ # نظرة من بعيد. كلا ليس الأمر كذلك، إنها تكذب وتجد في الكذب، وهي تعلم بما يعذبه ~~ويشقيه، إنها تتجاهل الحقيقة وليس لتجاهلها إلا معنى واحد، إنها تتغفله ولكنها لن تفوز ~~بطائل. ~~- أصغي إلي يا هانم، لا بد من وضع حد لكل هذا. # فنظرت إليه بارتياع وقالت: يا له من قول خطير. # فقال: لا خطورة هنالك، إني أقر بأني أخطأت فيما صنعت من تغيير ترتيب بيتنا، وأقر بأنه ليس ~~لي الحق في الحجر عليك لأنه ينبغي أن أكون أرفع من العوام، فاذهبي إلى حيث تشائين وتنقلي ~~كما تشتهين، ولكن لن أفارقك، وأظن أن هذا من حقي أيضا. # فلم تتمالك نفسها من الضحك وسألته: أبدا؟ # فقال بهدوء: سألازمك كظلك. ~~- يا له من أسر مرهق. ~~- لك؟ ~~- كلا .. فإنه يسعدني، ولا شك، أن يظل زوجي إلى جانبي، ولكن كيف لك أنت بالصبر على هجر لونابارك ~~وسنت جيمس؟ ~~- هذا شأن يعنيني وحدي. # فلم تزد على أن قالت: افعل ما فيه راحتك. # ومضى ms066 البك يحقق وعيده دون إمهال، فخلع ثيابه وارتدى البيجاما والروب دي شامبر وجلس إلى ~~جانبها، وتسلسلت الأيام على منوال واحد، فكانا يقطعان النهار معا يتحادثان حينا ويطالعان ~~حينا آخر، فإذا سئمت من جلستها وقامت إلى الشرقة أخذ مقعدا إلى جانبها، أو نزلت إلى حديقة ~~القصر تتريض في مماشيها؛ رافقها، حتى إذا ولى النهار وجاء الليل وحانت ساعة النوم، أويا ~~معا إلى مخدعهما فنام ملء جفنيه. # وكانا يخرجان كثيرا لزيارة الأصدقاء والأقارب، ويغشيان الملاعب والملاهي والسينمات، فلا ~~يفترقان دقيقة، وثابر على حياته الجديدة مثابرة الصابرين، ولازمها حقا كظلها، وحافظ على ~~كلمته أن يتركها تفعل ما تشاء على أن تتركه يفعل ما يشاء كذلك. ولم تظهر السيدة أي تذمر، ~~وقضت أيامها مرحة ضاحكة كأنها أسعد الأزواج حقا. وفي يوم من الأيام اقترحت عليه أن يذهبا ~~إلى شيكوريل لشراء حاجاتها وحاجات الأولاد، فذهبا معا ودخلا المحل الشهير، ودارت به على ~~الأقسام المختلفة تشاهد البضائع وتسأل البائعين، وصعدا إلى الطابق الثاني وجالا هنا وهناك، ~~وهو يتبعها صامتا يقف حيث تقف ويسير حيث تسير، فمر على تجوالهما ساعتان أو يزيد لم يسترح ~~الشيخ فيهما دقيقة واحدة، حتى لهث من شدة التعب وعلا صدره وانخفض، وسال عرقه باردا، واشترت ~~ذلك اليوم شريطا من الدانتلا! # ثم عادا إلى السيارة، فارتمى الرجل على مقعده منهوك القوى، وقال لها: لم تشتري شيئا ذا ~~بال. # فقالت: ينبغي التريث في الشراء، سنعود غدا. # وعادا في الغد، ودارت به كما فعلت بالأمس، ولكنه لم يحتمل المشي والوقوف، ولحقه الإعياء فقال ~~لها: سأنتظرك في السيارة. # وانتظرها ساعة أو يزيد، ثم حضرت يتبعها غلام يحمل المشتريات، فسألها البك: هل انتهيت ~~والحمد لله؟ # فقالت بهدوء: هذه كسوة حسني. # فقال الرجل دهشا: حسني فقط؟! .. وإخوته؟ .. وأنت؟ # فقالت: لسه يا بك .. لسه .. أرجو ألا تنكر علي تباطئي؛ فهذه طريقتي في الشراء وإن كنت ~~تطلع عليها لأول مرة. # وجاءا معا في اليوم التالي، ودخلت الزوجة إلى المحل، وانتظر البك في السيارة، وفات على ~~دخولها ساعة ثم ساعة أخرى؛ ms067 فتململ البك في جلسته، وأحس برغبته في الحركة؛ فغادر السيارة ودخل ~~إلى المحل، وبحث عن زوجته بعينيه، ومضى يسير هنا وهناك، ولكن الظاهر أنها كانت بالطابق ~~العلوي، فصعد الأدراج على مهل، وقطع المكان ذهابا وإيابا، ولكنه لم يعثر لها على أثر، فعاد ~~أدراجه وهم بالبحث مرة أخرى في الطابق الأول، ولكنه رآها مقبلة من أقصى المحل والغلام ~~يتبعها يحمل المشتريات، فلم يرد أن يظهر لها نفسه وسبقها إلى السيارة .. وتساءل في صمته: كيف ~~لم يعثر بها مع أن المحل لم يكن مزدحما؟ هل لأنه لم يحسن البحث يا تري؟ .. ولذعه الشك .. هل ~~من الممكن .. ولكن هذا بعيد عن التصور. # وجاءت معه في غداة اليوم التالي، ودخلت المحل ولبث هو في السيارة كما فعل بالأمس، ولكنه لم ~~يمهلها إلا دقيقة واحدة، ثم تبعها على الأثر ورآها تسرع الخطا منعطفة إلى يمين الداخل؛ ~~فظن أنها قاصدة إلى المصعد، ولكنها واصلت السير إلى باب المحل الجانبي وخرجت منه، فخفق ~~قلبه بشدة، وتبعها بخطى سريعة وبلغ الباب، ثم نظر إلى الطريق فرآها تدخل «لاكلير» المواجهة ~~لباب المحل، وشاهدها تدخل إلى المصعد ثم صعد بها، فاجتاز الطريق ودخل العمارة وانتظر هبوط ~~المصعد، وسأل البواب عن الطابق الذي صعد إليه، فرفع الرجل بصره وقال: «الطابق الرابع.» فدخل ~~المصعد وضغط الزر رقم 4 وخرج منه، فوجد نفسه في ردهة تواجهه ثلاثة أبواب، فألقى عليها نظرة ~~هائلة وهو يقول: ترى في أيها دخلت؟! واقترب من أولها فقرأ عليه المسيو فالديمير كراوس ~~المحامي بالمحكمة المختلطة، وقرأ على الباب الثاني اسم ه. ليفي متعهد راديو تلفنكن، وكتب ~~على الثالث «مدموازيل فلورا خياطة للسيدات». ووقف أمام الباب الأخير لا يريم، وقد انحصر ~~فيه ارتيابه، وضغط على الجرس ففتح الباب، ودخل قبل أن يؤذن له بالدخول، فتراجعت أمامه التي ~~فتحت الباب دهشة مستاءة، وألفى نفسه في ردهة متوسطة الحجم تحيط بها حجرات أربع، منها ثلاث ~~مغلقة الأبواب وواحدة مفتوح بابها على مصراعيه، ويرى بداخلها بعض السيدات والأوانس؛ منهن من ~~تطمئن إلى مقعدها، ms068 ومنهن من تقف أمام المرآة لتلقي النظرة الأولى على فستانها الجديد. وانتبه ~~إلى الفتاة الواقفة أمامه يبدو على وجهها الإنكار، وسمعها تسأله: هل المدام مع البك؟ # فالتفت إلى مغزى السؤال وتحير كيف يجيب أو كيف يعتذر عن وجوده؛ لأنه اندفع تحت تأثير ~~الغضب والحنق اندفاعا لم يتدبر أمره، وألقى على الأبواب المغلقة نظرة ارتياب وقهر، وود لو ~~يستطيع أن يقتحمها ليرى ما بداخلها، ولكنه لم يفعل شيئا لأنه لم يكن فقد عقله، ولأنه هو ~~رجل القانون لم تكن تخفى عليه مغبة عمله فيما لو أخطأ تقديره وحسبانه، وكأنه أراد أن ~~يقامر بما تبقى لديه فسألها: أليست هذه شقة مدموازيل فلورا؟! # فقالت الخبيثة: بلى، ألم تقرأ اللافتة يا مسيو؟ # فقال: إن زوجتي سبقتني إلى هنا. # فسألته: ما اسمك يا سيدي؟ # فقال: جمال ذهني. # صاحت بصوت عال لدرجة مزعجة: مدام جمال ذهني. # ولكن سيدة من الموجودات لم تلب النداء، فقالت: المدام غير موجودة بلا شك. # قالت ذلك بلهجة من ترى وجوب انتهاء المقابلة عند هذا الحد، فلم ير بدا من الخروج، ~~وأغلق الباب خلفه، ولكنه لم يتحرك من مكانه، ولبث يرمق الباب بعين متقدة، ترى هل أخطأ ~~البواب حسبانه، أم إن الشيطانة موجودة بداخل شقة الخياطة؟ ولماذا صرخت الفتاة الملعونة بهذا ~~الصوت المزعج وهي تنادي مدام جمال ذهني؟! ألا يجوز أنها فعلت ذلك لتحذر الغافلين؟ وهل يجوز ~~أن يبقي في مكانه لا يحرك ساكنا وزوجه في داخل الشقة في خلوة غرامية؟ فما عسى أن يفعل؟ ~~وكيف يضبط الآثمة متلبسة بجريمتها؟ # وعند ذاك فتح الباب، فتقهقر خطوتين، وخرجت سيدة، وأوصلتها الفتاة الإفرنجية، وقد رأته ~~ولكنها لم تباله، وأغلقت الباب مرة أخرى. # فمضى يروح ويجيء في حيرة شديدة. من المؤكد أنها في هذه العمارة؛ فقد رآها وهي تدخل ورآها ~~وهي تندس في المصعد، وأكد البواب أنها صعدت إلى الطابق الرابع، وها هو ذا الطابق الرابع، ~~ولا مكان يصح افتراض دخولها إليه إلا شقة الخياطة؛ فالشيطانة لا شك في الداخل، ولكن ما ~~عسى أن يفعل؟ ms069 هل يظل يروح ويجيء أم ينتظر إلى ما شاء الله؟ ومما يزيد ارتباكه أن وقوفه ~~هكذا قد يريب الصاعدين والهابطين وتيارهم لا ينقطع. ومرت عليه ساعة كاملة كانت أقسى ساعات ~~حياته جميعا، ونال منه التعب والقهر كل منال، فاضطر إلى مغادرة مكانه وفي نيته أن ينتظرها ~~لدى الباب الخارجي، ولكن خطر له خاطر أزعجه، فسأل البواب: هل للعمارة مدخل آخر؟ # فأجابه الرجل بلهجته البربرية بأن للعمارة ثلاثة أبواب، فأحس باليأس وذاق مرارة الخيبة، وعض ~~شفتيه من الحق والغيظ، وكبر عليه أن تتغفله الشيطانة وتمثل به هذا التمثيل المزري. وكان ما ~~عاناه عقله وجسمه فوق ما يحتمله شيخ في سنه، فعاد خائر القوى إلى سيارته. وكم كانت دهشته ~~عظيمة حين هم بالدخول فرأى زوجه جالسة آمنة مطمئنة تنتظر أوبته منذ زمن غير يسير، وقد نظرت ~~إليه بإنكار وسألته: أين كنت يا بك؟ # فأنعم في وجهها النظر فرآها تبتسم ابتسامتها المألوفة، ولكن لم يخف على عينه الثاقبة ~~شحوب لونها ونظرتها الدالة على الإثم بقدر دلالتها على الطهارة المصطنعة؛ فهي شيطانة بلا ~~ريب، ولكنها لم تتعود الإجرام بعد. # وجلس إلى جانبها صامتا وانطلقت بهما السيارة. # وكان مقهورا مغلوبا على أمره، يعاني مرارة الهزيمة، ويحس كأن يدا تخنق كبرياءه خنقا. ~~وكان يسوءه أن يجلس هكذا إلى جانب المرأة التي تغفلته وهزأت بكرامته ولوثت عرضه .. ولم يرتب ~~قط أنها تعلم بأمر مطاردته الفاشلة لها. ومن يعلم؟ فلعلها تضحك في سرها الآن من خيبته ~~وهزيمته. يا له من تصور لا يحتمل! # لقد أنذرها بأنه لن يتركها لحظة، ثم اضطر إلى تركها أو هي اضطرته إلى ذلك، ولكن لم يخطر ~~له على بال أن تتخذ من زيارتها لشيكوريل سبيلا إلى مقابلة عشيقها. # واستسلم للتفكير الحزين، وذكر طريقة عامة الشعب في الانتقام من الخائنات، فوجد نفسه - في ~~محنته - يقرها، وهل تستحق الأفعى إلا تهشيم رأسها؟ .. أما هو البك الوجيه المثقف فيجلس إلى ~~جانب معذبته يعاني آلامه في صبر، ويشيع كبريائه إلى القبر وهو كظيم. وكيف يفعل غير ذلك ms070 ~~وهو القاضي الذي قضى حياته في خدمة القانون؟ # ولاحت منه التفاتة إلى الطريق، فرأى بعض المارة يحدجون السيارة بنظراتهم المتطفلة، فسأل ~~نفسه: تري هل ينفسون عليه السيارة الفخمة والزوجة الحسناء؟ # حقا إنه يستحق الرثاء، وسيكون أحق بالرثاء في مستقبله حين يخلي يده منها - وهو ما صدقت ~~نيته عليه - فكيف تكون حياته بلا زوجة؟ وكيف تكون حياة أبنائه بلا أم؟ # وهل تزوج يوم تزوج إلا إشفاقا من أن يلحقه الكبر وهو وحيد فيعاني مرارة الشيخوخة ووحشة ~~الوحدة؟ # | روض الفرج # اعتدل الأسطى شلبي في جلسته، وجعل يفتل شاربه الغزير ويرفع حاجبيه الكثيفين، ويقول للشاب ~~الجالس إلى يمينه على الكنبة: وما الداعي إلى التعجيل بالسفر؟ # فقال له صاحبه وهو شاب في الثالثة عشرة من عمره تدل قوة بنيته وسذاجة نظراته على ريفيته ~~القحة: وما الداعي إلى البقاء وقد انتهيت من أداء امتحاني؟ # فقال الأسطي شلبي يتفلسف: وهل الغاية من الدنيا تنتهي بانتهاء امتحان النقل من السنة ~~الأولى إلى السنة الثانية الثانوية؟ ينبغي أن تروح عن نفسك قليلا، فما العيشة التي أنت ~~ذاهب إليها إلا قطعة من البادية القاسية لا أثر فيها للهو والمرح. # فقال الشاب: أخشى أن يقلق والدي لتأخري. ~~- وماذا يضيره لو تأخرت يوما آخر وقد غبت عنه عاما مدرسيا كاملا؟ تعال نذهب معا هذا ~~المساء إلى روض الفرج والعشاق لمشاهدة رواية «اشمعني»، وهي كوميديا في غاية الإضحاك والبهجة .. ~~ما رأيك؟ # وضحك الأسطى شلبي وهو ينظر إلى عبد المعز بإغراء، فابتسم الشاب وقال بتسليم: فليكن .. سأؤجل ~~السفر إلى غد. # فابتسم الأسطى مسرورا وقال له بخيلاء: نعم الرأي، وستري بعد قليل عشيقتي تقوم بتمثيل ~~الدور الأول في رواية «اشمعنى». # وارتدى عبد المعز ثيابه، وكانت تبدو على هيئة الطلبة الريفيين الذين يندر أن تنسجم ~~«البدلة» مع قامتهم، ويبدو الطربوش غريبا على رءوسهم. أما الأسطى فقد وقف أمام المرآة في ~~دل وتيه، وارتدى قفطانه الزاهي وجبته البنية الأنيقة، وأمال الطربوش حتى مس حاجبه الأيمن، ~~وأمسك بعصاه المذهبة اليد، وتقدم قريبه يختال في مشيته كالطاووس. # والأسطي ms071 شلبي هذا بدأ حياته كصبي حلاق بسيط، ثم استقل بصالون جميل أتاه منه رزقه رغدا، ثم ~~اشتغل بالسمسرة وصادفه فيها توفيق كبير فنمت أرباحه، واستطاع أن ينفق عن سعة على عشيقاته ~~العديدات من نجوم روض الفرج. # أما عبد المعز فهو ابن أحد أقرباء الأسطي شلبي المدعو الشيخ طه، شيخ كتاب وواعظ بالعريش. ~~وقد جاء فتح مدرسة العريش الابتدائية متأخرا؛ مما دعا ولاة الأمور إلى التجاوز عن شروط سن ~~القبول، فالتحق بها عبد المعز وهو ابن ثلاثة عشر عاما، وبعد انتهائه من تعليمه الابتدائي ~~أرسله أبوه إلى قرية شلبي ليتم تعليمه الثانوي، مؤثرا بعد القاهرة مع الاطمئنان عليه في ~~بيت قريبه على قرب الزقازيق مع إقامته وحده. # على أن الأسطي شلبي لم يكن عند حسن ظن الشيخ طه؛ فكان يدعو أحيانا عبد المعز إلى المقهى، ~~واقترح عليه مرة أن يعلمه النرد ليستعينا به على تزجية أوقات الفراغ. وكان الشاب حكيما ~~مجتهدا، فلم يستسلم لإغراء قريبه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يسلمه فيها زمامه فذهب معه ~~إلى روض الفرج، ودخلا كازينو البسفور لمشاهدة رواية «اشمعنى». وبدا الشاب بطيئا في فهم ~~النكت و«القفشات»، وأخذ يقلب عينيه بين الضاحكين في استغراب وحيرة، ولكن جذب عينيه إلى ~~المسرح ظهور ممثلة قابلها الجمهور بعاصفة من التصفيق والتهليل، وكانت امرأة فارعة طولا ~~وعرضا، مزججة الحاجبين مكحلة العينين محمرة الخدين والشفتين، تنوء بحمل ردفين ثقيلين ولا ~~ريب يرهقانها ثقلا، بل ما أحراهما أن يميدا بها لولا أن وازنتهما العناية بثديين كبطيختين، ~~وإن كانتا - بقدرة قادر - ناهضين، وكانت تتثني وتتمايل وتتخنث في كلامها وتتكسر وكأنها ~~تتأوه وتتوجع، والنظارة لا يكفون عن إبداء الإعجاب، يرقونها من أعين الحساد. وفتل الأسطي ~~شلبي شاربيه بقوة وزهو، ومال على أذن صاحبه وهمس قائلا: هذه عشيقتي نور الحياة .. ~~انظر! # وكان عبد المعز ينظر بعينين جشعتين، فزاد ذلك مسرة الرجل، فعاد يقول: إن بعض الظرفاء ممن ~~يعرفون أني المالك لقلب هذه المرأة يقولون لي: «حقا إنك لمن كبار ذوي الأملاك.» # وقهقه الرجل ضاحكا تياها ms072 فخورا. # وفي أثناء فترة الاستراحة رأى عبد المعز الممثلة الحسناء آتية صوب الركن المنعزل الذي ~~يجلسان فيه، تتبختر كأنها ترقص، وتوزع النظرات الناعسة بلا عدل ولا رحمة، ثم رآها تسلم ~~على الأسطى شلبي وتقول له ضاحكة: كيف حالك يا رجل؟ # وسمع قريبه يحييها قائلا: وما جدوى سؤالك عن حالي ما دمت تلتهمين مالي وصحتي بلا ~~رأفة؟ # فضحكت ضحكة مثيرة، وجلست تشارب الرجل كأسا من الويسكي، وكبر على عبد المعز أنها لم تباله؛ ~~ورأت المرأة ارتباكه، فمدت يدها المكتنزة وقرصته في خده وهي تقول: وكيف حالك يا ~~نونو؟ # فاحمر وجه عبد المعز استحياء، وأحس باستياء، وشغل بشعوره عما حوله فلم ينتبه إلى ما دار ~~بين المرأة وقريبه، وجعل يختلس النظرات إلى وجهها الممتلئ فأحس نحوها بانجذاب عجيب، والظاهر ~~أن المرأة لم تهمله؛ لأنها عادت تداعبه فسألته: كم عشقت من النساء يا غلام؟ # وكان عبد المعز يشعر بميل إلى التحدث إليها، فأغضى من سخريتها وسألها بدوره: وهل يهمك أن ~~تعرفي ذلك؟ ~~- كيف لا؟ ~~- ولمه؟ ~~- لأسباب كثيرة أقلها أن أعرف عمرك. ~~- وما علاقة العمر بالعشق؟ # فغمزت بعينيها وقالت: نحن معشر أهل الهوى نقدر الأعمار بحساب الحب، مثلنا مثل العرافة ~~التي تهتدي إلى معرفة الأعمار بالرمل والنجوم. # فضحك الأسطي شلبي وقال: إذن فعبد المعز لم يولد بعد على تقديرك. # فضربت المرأة صدرها بيدها وقالت بإنكار: رباه .. ولم تحرم نفسك من الحب يا بني؟ .. ألا ترى ~~الأسطي شلبي لا يفيق من الهوى وإن رد إلى أرذل العمر؟ # فتغاضب شلبي وقال محتجا: أيقال عني أنا مثل هذا الكلام؟ (وفتل شاربه واستمر قائلا) أهذا ~~شارب رجل رد إلى أرذل العمر؟ # فعبثت أناملها المخضبة بالحناء بشاربه وقالت: أقسم أنك سرقت هذا الشارب من زبون شارد ~~الفكر! # ولم يكن لدى الممثلة متسع من الوقت لتسترسل في مداعباتها، فشربت كأسها وحيت الأسطي ~~وقرصت عبد المعز مرة أخرى، وسارت ترقص على نغم موسيقاها الباطنة. # واختتم التمثيل عند منتصف الليل، وانتظر الأسطي شلبي السيدة نور الحياة حتى انتهت من ~~تغيير ملابسها وعادت ms073 إليه، وركب ثلاثتهم تاكسي انطلق بهم صوب المدينة. وفي أثناء الطريق ~~كان عبد المعز يختلس من الوجه الممتلئ الجميل نظرات جائعة، وكانت المرأة بعينين نصف ~~مفتوحتين لا تخفى عليها خافية، وقد وجدت لذة غريبة في مشاهدة قلقه وتحيره، وأرادت أن تغضي ~~عنه استهانة فلم يطاوعها وجدانها، وأخيرا أحست نحوه بعطف غريب لم تحاول إخفاءه. وبلغ ~~التاكسي ميدان المحطة فأمر الأسطى السائق بالتوقف ريثما يودعهما عبد المعز الذي قدر له ~~أن يعود إلى البيت وحده تلك الليلة، وأرادت نور الحياة أن تحسن توديعه فقالت: يا عيني .. ~~أتعود إلى البيت وحدك؟ .. خذ هذه القبلة لتؤنس وحشتك. # ومالت نحوه بسرعة وقبلت فمه قبلة فاضحة ذات رنين عجيب. # ووقف الشاب ينظر إلى التاكسي الذي ابتعد بهما في جوف الليل إلى حيث لا يعلم، وكان ذاهلا ~~محموما يتصاعد الدم إلى رأسه كما يتصاعد الزئبق إلى الترمومتر، ويحس بالقبلة على شفتيه ~~ويدوي رنينها في أذنيه، ويشم رائحة الفم المعطر بالقرنفل، واهتاجت أعصابه تلك الليلة الفريدة ~~في حياته، فجعلت تخلق له الأحلام وتدني إليه الأماني، وأنامت بين ذراعيه نور الحياة بشحمها ~~ولحمها لتروي اشتهاءه بفنون الحب جميعا. # ولدى ضحى اليوم الثاني رجع الأسطي شلبي إلى بيته، وقد أدهشه أن يرى عبد المعز ما يزال ~~قابعا به لم يسافر ولا تبدو عليه هيئة المسافرين، فقال له: ظننت أنك سافرت إلى ~~العريش. # فسأله الشاب بقلق: أيضايقك أن أبقى مدة أخرى؟ ~~- كلا وألف مرة كلا .. على الرحب والسعة دائما .. ولكن قل لي بالله ما الذي حملك على تغيير ~~رأيك. # فقال الشاب مبتسما مرتبكا وهو ينظر بعينيه إلى الأرض: روض الفرج دون غيره. ليتني أستطيع ~~أن أشبع من ملاهيه! # وقال الأسطي شلبي لنفسه: ترى هو روض الفرج حقا أم نور الحياة؟ على أنه لم يبال هيامه، ~~واعتقد أنه عبث طفولة لا يقابل بغير الهزء والسخرية؟ فاصطحبه معه إلى روض الفرج. وكان تعلق ~~الغلام بنور الحياة بينا لا يحتاج إلى دليل، أما الذي لم يدر بخلد إنسان أبدا ولا كان ~~محل احتمال ms074 قط فهو أن تعلق المرأة بالغلام، ولو أنه من المسلم به دائما أن عالم الحب ~~حافل بالمفاجآت غني بالغرائب والعجائب. # وكانت الظواهر تجمع على حب تلك المرأة الهائلة لذاك الغلام الغرير، فكانت تأنس به وتخف إلى ~~محضره وتعاطيه نظرات حنان وعطف ومودة، وكان لسان حالها ينطق بالرغبة الحارة في الانفراد به، ~~وكانا يطلبان غفلة من الأسطي شلبي ليتناجيا بغمزة عين أو ينفسا عن صدريهما بلمسة يد، وفي ~~أثناء ذلك لا تكف ركبته عن تحسس فخذها المكتنز. # وحاول الأسطي شلبي أن يهزأ به في حضرتها أكثر من مرة، فكانت تغضب وتنهره حتى ضاق صدره، ~~وجعل يفتل شاربه بعنف ويقول لنفسه: «أيغلب هذا الشارب الذي يقف عليه الصقر؟ هيهات ثم ~~هيهات.» # وفي أثناء ذلك استبطأ الشيخ حضور ابنه، فأرسل إليه خطابا يحثه فيه على العودة بلا إبطاء. ~~وانتهز الأسطى الفرصة الذهبية فنصح الشاب بإطاعة والده، ولكنه أجاب، أو قلبه أجاب: «لا ~~أستطيع.» وانفجر حقد الأسطي شلبي في كتاب حرره للشيخ طه كاشفه فيه بتدهور ابنه إلى الحضيض ~~والفساد، وصارحه بهيامه بإحدى غانيات روض الفرج، وأهاب به أن يدركه أو يتردى في الهاوية إلى ~~الأبد. # وجن جنون الشيخ الواعظ، فشد رحاله إلى القاهرة فبلغها عصرا، واستقبله الأسطي شلبي ~~استقبالا يدل على الإخلاص والمحبة، ولم يتردد فمضى به إلى روض الفرج، وكان يوسوس في صدره ~~بما يزيد مخاوفه ويهيج بلابله، وانتهيا إلى كازينو البوسفور، وكان الستار مرفوعا، فسار إلى ~~مكان يطلعان منه على الركن الأيمن الذي يجلس به عبد المعز يشاهد التمثيل في الظاهر وينتظر ~~نور الحياة في الحقيقة، ومال الأسطى على أذن الشيخ وقال هامسا: ستوافيه إلى هذه المائدة ~~بعد قليل. # فضرب الرجل حجره بيده في حالة عصبية، وقال بتأثر: ألا يكفيه أن يغشى هذه البؤرة ~~الفاسدة؟ # فقال الأسطي شلبي بلهجة دلت على الحزن والأسف: إن ما ينفطر له القلب حقا أن عبد المعز ~~كان شابا طاهر الخلق. # فتنهد الرجل بحسرة وقال كالداهش: ولكن من أين له المال الذي ينفقه على ممثلة؟ ~~- أظن ms075 أن العلاقة بينهما لم تجاوز خطى التعارف الأولى؛ ولهذا أهبت بك أن تدركه ولما ~~يهو. # فقال الشيخ بلوم وحزن: لقد سكت يا شيخ شلبي أكثر مما ينبغي، كان يجب أن تحذرني من بادئ ~~الأمر. # فقال الأسطى بيقين: أقسم بالله أني ما علمت بسقطته حتى بادرت إلى الكتابة إليك. # وعند ذلك نزل الستار فوجه الرجلان انتباههما إلى الشاب الموليهما ظهره. وما لبثا أن ~~رأيا نور الحياة تسير إليه في مشية الإوزة العصرية وتجلس قبالته، ونظر الأسطي شلبي إلى ~~الشيخ طه فرآه ينظر إلى المرأة نظرة فاحصة، وسمعه يصرخ صرخة مكتومة ويهتف بصوت مبحوح مرتجف: ~~يا رحمة الله! # ورآه يقف مرتعش الأوصال زائغ البصر، فأشفق من عاقبة التهور، وقال له بتوسل: هدئ من روعك يا ~~شيخ طه! # ولكن الشيخ طه لم يستطع أن يهدئ روعه، وسار كالمترنح حتي وقف خلف ابنه الذي لا يحس به، ~~وألقى على الممثلة نظرات وحش مفترس، وألقت عليه نور الحياة نظرة احتقار عاجلة من النظرات ~~التي تدخرها للمتطفلين، ولكنها علقت بوجهه ولم تبرح، وعبثا حاولت أن تحول عينيها عنه ~~كالمستهوي، وعجب الأسطي شلبي لما رآها تتلبسها حالة دهشة وفزع كتلك التي تلبست الشيخ طه ~~حين وقوع نظره عليها، فحار لأمرها، وقال لنفسه بقلق: «ليست هذه مسألة عبد المعز.» # وفي تلك الأثناء التفت عبد المعز إلى الوراء فوقعت عيناه على أبيه، فجمد في مكانه كالصنم، ~~ولكن أباه لم يباله كما توقع، واكتفى أن أمسك يده بقسوة ووضعها في يد شلبي، وقال بشدة لا ~~تحتمل المراجعة: اسبقاني إلى البيت. # فمضى الأسطي شلبي مع الشاب المرتعب وهو يتمتم: «خلصنا من الابن طلع لنا الأب.» # ولما خلا الشيخ والممثلة قال الرجل باحتقار: السلام عليك أيتها الفاجرة التي ما كنت أظن ~~أن الله سيبتليني برؤيتها مرة أخرى. # ولم ترد عليه المرأة الهائلة، بل استكانت وبدا عليها الذهول والقلق، وتعلق عقلها بالشاب ~~الذي ذهب، فعاد الرجل يقول باللهجة نفسها: حقا هذه البؤرة التي أعدت لأمثالك، لقد كنت ~~يوما ريفية بسيطة، ولكن نفسك كانت ms076 ملوثة تبرأ منها نفوس الريفيات جميعا. كنت فاجرة ~~بالطبيعة والفطرة، فكان من المحتم أن ينتهي بك المطاف إلى روض الفرج أو إلى هاوية أشد وعورة، ~~أيتها الفاجرة. # وكانت نور الحياة تفكر في أمور أخرى ألهتها عن الإصغاء إليه، فسألته بخوف وإشفاق وهي تشير ~~إلى الناحية التي ذهب إليها الأسطي شلبي وعبد المعز: هل هو ...؟ # ولم تقو على إتمام سؤالها، فقال الرجل بوحشية: نعم .. نعم .. هو ابني .. بل هو الطفل الذي تركته ~~في القماط وفررت مع ذلك القصاب المنحوس غير آبهة بالأمومة ولا بالزوجية .. هو ابنك أيتها ~~الفاجرة، فقولي ماذا صنعت به. # وابيض وجه المرأة، وعلاه الكركم، وزاغ بصرها، فقال الرجل بقسوة: هل وقعت الجريمة النكراء؟! هل ~~حدث الإثم الأكبر؟ هل سفلت يا فاجرة إلى مرتبة الحشرات والكلاب؟ والله ما كنت أحب أن يشارك ~~ابني في هذه الجريمة الشنعاء، ولكنه الانتقام الإلهي الصارم أعمى بصرك، وطبع على بصيرتك ~~ليذيقك علقم الندامة ويضرب عليك المذلة والهوان إلى أبد الآبدين. # وكانت المرأة في حالة ذهول شديد حجب من حواسها إدراك العالم المحيط بها ومنه الشيخ طه، ~~فغلبت هواجس ضميرها صوت الرجل المرغي المزبد، وجعلت تحدث نفسها: ابني .. رباه .. أهذا إذن سر حبي له وعطفي عليه؟ .. ابني .. لكأنه حلم بعيد التحقيق. # فقال الرجل الغاضب: فلتموتي كمدا جزاء إثمك الشنيع. # فأشارت المرأة إليه بيدها إشارة غضب واحتقار، وقالت: كفي هذيانا؛ فإنه لم يقع بيني وبين ~~ابني ما يخجل منه أحدنا أو كلانا. # فاشتد غضب الرجل للهجتها، وصاح بصوت انفجاري: إياك وأن تقولي ابنك، لقد ماتت أمه حين ~~ولادته. أفاهمة أنت؟ # ودوى صوته فالتفت النظارة إلى ناحيتهما من كل صوب، وكادت تفقد الممثلة صوابها، ولم تر ~~بدا من الانسحاب السريع، وغادر الشيخ مكانه ورجع إلى بيت الأسطي شلبي، ولم يطمئن به ~~المكان فأخذ ابنه ومضيا إلى محطة مصر، وفي أثناء الطريق قال له: لن ترى القاهرة مرة أخرى إن ~~شاء الله .. وسأحولك إلى مدرسة الزقازيق والله المستعان. # وصمت عبد المعز فلم تنفرج شفتاه عن كلمة، وظل ms077 جامدا كالتمثال حتي أوى إلى حجرته، وكان في ~~قرارة نفسه غاضبا على أبيه. ولعله لو رأى الشيخ وهو يختم صلاته ذاك المساء فيبسط يديه ~~ويدعو ويتوسل ويذرف الدموع الساخنة، لربما سكت عنه الغضب، وأجبرته حناياه على الذهاب إليه ~~ليستغفره ويسترحمه، ولكنه كان لا يرى من الدنيا جميعا سوى وجه ممتلئ مستدير، حلو الابتسامة، ~~جم المحبة والحنان، يراه في النور والظلام، ويراه حين ينظر وحين يغمض جفنيه؛ فهو لا يبرح ~~مخيلته ولا يدع له فرصة للراحة أو الاطمئنان. ولم يفكر قط في النسيان أو التعزي، ولكنه كان ~~يبتغي الوسيلة إلى الفرار إلى القاهرة مهما كلفه الأمر. # ولاحت الفرصة المطلوبة بعد أسبوع من وصوله إلى العريش حين اضطر أبوه إلى سفر يقتضيه ~~التغيب بضعة أيام، ولم يدع الفرصة تفلت؛ لأنه كان عازما عزما أكيدا أمات ضميره وهزم نوازع ~~الخير في نفسه، ففتح صوان والده وبعثر ما فيه من الثياب، فعثر - كما قدر - على خمسة جنيهات ~~دسها في جيبه وفر من البيت. # وبلغ القاهرة ظهرا، وكان مضطربا متعبا، فاستراح في مقهي حتي العصر، ثم ركب إلى روض ~~الفرج فإلى كازينو البوسفور، وقصد إلى الركن المعهود، ولكنه لمح عن بعد الأسطي شلبي جالسا ~~إلى المائدة في اطمئنان ودعة ينتظر الحبيبة، فغلى الدم في عروقه، وود لو يخسف به الأرض، ~~وحار لحظة قصيرة ثم لم يتردد، فقصد رأسا إلى حجرات الممثلات، وبحث عن حجرة نور الحياة، ولم ~~يصبر حتي يؤذن له فاقتحم بابها. # وكانت مفاجأة غير متوقعة، فقامت نور الحياة واقفة تاركة أدوات المكياج والتواليت تسقط من ~~يديها، ويبدو على أسارير وجهها فرح قهري، وكادت تفتح له ذراعيها وتضمه إلى صدرها الخفاق ~~وتعاطيه قبل الحنان والأمومة، ولكنها تنبهت إلى نفسها فتصلبت في وقفتها، وجمدت أسارير ~~وجهها، وبدت عليها الحيرة والذهول، ولم يكن لديها متسع للتفكير والتقدير، ولكنها أحست بأن ~~الطريق التي تدفعها عواطفها إليه ليس الطريق الذي ينبغي لها سلوكه. # ولم ترد عيناه أن ترى في وجهها سوى الفرح الذي كساه لأول وهلة، فأقبل عليها ms078 مفتوح ~~الذراعين، ولكنها أغضت عنه وسألته بلهجة غريبة: عبد المعز .. ما الذي أتى بك إلى هنا ؟ # فقال بلهجة المستغيث وهو يشفق من تغيرها إشفاقا: أنت تعلمين بما أتى بي، فكيف ~~تتجاهلينه؟! # ونفذت لهجته التوسلية إلى سويداء قلبها فخفق بشدة، وكاد يطير من بين يديها، ولكنها ضغطت ~~عليه بقسوة لم تعهدها في نفسها من قبل، وسكتت هنيهة لتضبط عواطفها كي لا يظهر اضطراب ~~وجدانها في نبرات صوتها، ثم قالت: لا أفقه لما تقول معني. # فتنهد الشاب بحرقة، وترك ذراعيه تسقطان إلى جانبه، وقال: أتيت لأني لا أحتمل البعد عنك، ~~وليس بي من قوة أستطيع بها التصبر أو التعزي، فعبثا حاولت أن أقيم لرجاء والدي وزنا، ~~وعبثا حاولت أن أصرف نفسي عن التفكير فيك، وانتهزت فرصة سفر والدي لألوذ بالفرار، ولم ~~أحسن التدبير؛ إذ كانت ظروفي في غاية القسوة، فأخذت نقود أبي. # وأسكته عن إتمام حديثه صرخة فرت من فم المرأة الخائفة المشفقة، وسمعها تسأله بألم: هل ~~سرقت؟ # فلم يحسن فهم الباعث لها على سؤالها، وقال بتأثر شديد: نعم سرقت، ولست آسفا على ما فعلت ~~لأنه كان سبيلي الوحيد إليك، ولن أتردد عن أي تضحية في سبيل أن أحظى بقربك، وها هي نقودي ~~فافعلي بها ما تشائين. # ولكنها أشارت إليه بيدها فأسكتته، وسألته بجفاء يعلم الله كم كلفها من جهد ~~وعذاب: هل يعود أبوك من سفره سريعا؟ ~~- بعد يومين أو ثلاثة. # فتنهدت المرأة ارتياحا وقالت: ينبغي أن ترجع في الحال إلى بلدك لترد النقود إلى مكانها ~~فلا يعلم أبوك بجريمتك. # ولكنه قال بجزع وخوف: هذا مستحيل، أنا لا أستطيع مفارقتك أبدا. ~~- هذا كلام فارغ وعبث طائش، والحب سريع الزوال، أما أثر الجريمة فلا يزول. # فقال بإصرار: لن أفارقك أبدا. # وخشيت إن هي لانت له وطاوعت قلبها أن تقضي عليه، فقالت بصرامة: ينبغي يا هذا أن تذهب ~~سريعا، وإلا وجهت إلي تهمة تحريضك على السرقة. # فبغت الشاب، وأحس بخيبة مريرة، وسألها: أهذا كل ما يهمك من أمر عودتي؟ ~~- طبعا. ~~- أتجدين في القول؟ ~~- وهل ms079 هذا وقت هزل؟! ~~- وفيم كانت مودتك لي؟ ~~- وأي مودة هذه التي تهون على النفس ما تهددني به جريمتك؟ # فقال الشاب بانفعال شديد: ولكني ارتكبت هذه الجريمة من أجلك أنت! ~~- لقد جئت أمرا نكرا. إن عشاقي الكثيرين ليتوددون إلي بغير ارتكاب الجرائم. # فتنهد عبد المعز تنهد اليائس المغيظ وقال: وإذا كنت تكذبين؟ # فقالت وكانت في حالة من الإعياء شديدة: أنت الذي أخطأت فهمي .. نعم إني لا أنكر أني ~~ذكرت في حديثي معك الحب، ولكنه كان حبا بريئا كحب أمك مثلا. # وكان دم عبد المعز يغلي في عروقه غليانا، وكان الغضب يفور في قلبه وينفث أمام عينيه ~~سحائب من دخان كثيف، فصاح بصوت مرتعش النبرات: لا تشبهي نفسك الآثمة بأمي الطاهرة فتقلقي ~~رقدتها الآمنة أيتها العاهرة. # ولم يشف الكلام غليله فلطمها على وجهها - في غيبوبة الغضب - وبصق عليها. # ثم ولى الأدبار فلم يقدر له أن يرى بشاعة الألم الذي قلص أساريرها، ولا الحزن الذي طفر ~~بالشيخوخة على وجهها، ولا رآها تمسح بصقته بيدها ودمعها ينهمل. # ومضى في طريقه لا يلوي على شيء هائجا ثائرا كالزوبعة، وركب الترام ونزل منه، واستقل ~~القطار وهو يحدث نفسه ويتهدد ويتوعد ويتجرع غصص الندم والأسف. # وأراد الله ستره فأعاد النقود إلى مكانها، ومحا أثر الجريمة بيديه، ونجا من شر عظيم. # وقد ظن أن الدرس القاسي الذي تعلمه كفيل بأن يجتث من نفسه كل ما كان من ميل أو عاطفة نحو ~~نور الحياة وأمثالها جميعا، ولكنه حين عاودته طمأنينته وسكونه وجد عقله ينزع به إلى روض ~~الفرج، وقد غالط نفسه وقاوم نزوعه، ولكنه وجد عقله مجبرا على التفكير والتذكر، فساءل نفسه: ~~ماذا فعلت نور الحياة مما استحق من غضبي؟ ألأنها توددت إلي؟ فهذه صناعتها وفنها، أم لأنها ~~أشفقت على نفسها من عواقب جريمتي؟! فهذا ما ينتظر من أي إنسان مهما كان أدبه وكان تهذيبه. ~~وربما كان من الطبيعي أن أغضب بعد أن منيت بالخيبة وذهبت تضحيتي هباء، ولكن لم يكن ~~طبيعيا قط أن أصب عليها جام غضبي، وماذا ms080 فعلت هي تلقاء ذلك؟ لا شيء، لقد لطمتها وبصقت ~~عليها، فماذا فعلت وهي القادرة على «البهدلة »؟ # ومضت الأيام تلو الأيام، وانتظر على رجاء أن يمحو الزمن من نفسه تلك الذكرى المؤلمة. وكان ~~يجد في أعماقه عاطفة غريبة لم يعترف بها قط، وطالما غالط نفسه فيها، ولكن ربما غلبته على ~~أمره أحيانا فيتنهد حزنا ويقول لنفسه آسفا محسورا: «ليتني لم أمدد لها يدي ~~بسوء.» # | هذا القرن # انتصف الليل، وخيم السكون، وشمل الصمت الدور والطرقات، وانتشرت أنوار المصابيح الباهتة ~~كأنها تؤنس وحشة الأشجار المغروسة في الأفاريز. # وقد مزق السكون الآمن بوق سيارة أتت مسرعة من مبتدأ شارع العباس، ثم وقفت أمام الباب ~~الحديدي المغلق لفيلا آية في الأناقة والجمال. ونفخ السائق في البوق مرات، فخرج البواب من ~~كوخه الخشبي وفتح الباب، واندفعت السيارة إلى داخل الحديقة التي لا يبدو منها إلا أشباح ~~الأشجار، ودارت دورة غير كاملة، وصعدت منحدرا ثم وقفت أمام الباب الداخلي للقصر، ونزل ~~السائق مسرعا، وضغط على مفتاح كهربائي على كثب من الباب فأضاء مصباحا وأرسل نورا أزرق ~~هادئا، ثم فتح باب السيارة ووقف كالتمثال. # وانتظر لحظات وثواني ودقائق، ثم أخذه العجب فأرسل ناظريه إلى داخل السيارة، فرأى الباشا ~~وزوجه مستغرقين في نوم ثقيل، وكانت السيدة ملقية برأسها إلى الركن، وجسمها الضخم الهائل ~~ممدودا، يبدو في الفستان اللامع الملتصق به، كفرس البحر؛ وكان الباشا مسندا رأسه إلى ~~كتفها يحسبه من رآه لضآلة جسمه ونحافته وقصر قامته غلاما صغيرا، لولا شاربه الغليظ ~~الطويل الذي يرسم مع جسمه الدقيق صورة صليب متساوي الأطراف على وجه التقريب. # ولم ير السائق بدا من إيقاظ سيده، فقال بصوت خافت: سعادة الباشا .. سعادة الباشا. # فلم يبعث نداؤه فيهما أي أثر للحياة، فرفع الرجل صوته قائلا: سعادة الباشا. # واستطاع نداؤه في هذه المرة أن يوقظه فتحرك رأسه، واضطرب شاربه كأنه جناحا نسر يخفقان، ~~قال بلسان ثقيل متلعثم: من؟ ~~- وصلنا يا صاحب السعادة. ~~- وماذا تريد؟ ~~- عفوا يا صاحب السعادة، تفضل بالنزول لتصعد إلى مخدعك. # ففتح الباشا عينيه ms081 المحمرتين وكأن النور اللطيف الذي ينير المكان آذاهما، فأغمضهما بسرعة ~~وتحسس بيده ذراع زوجه العاري كأنه قربة مملوءة بالمياه، وقال بصوته الثقيل: يا هانم .. زينب ~~هانم. # فشهقت المرأة شهقة قوية لو أصاب تيارها الباشا لابتلعته، وقالت بتبرم وسخط: من؟ ~~- وصلنا. ~~- وماذا تريد يا باشا؟ ~~- تفضلي لنصعد إلى مخدعنا. ~~- أصعد؟! .. أنا لا أستطيع أن أتحرك، فكيف لي بالصعود؟! ~~- ما العمل؟ .. هل نقضي الليل في السيارة؟ ~~- ولم لا؟ .. المقعد وثير لين كالفراش، وهاك ضجعة مريحة، فما معني التعب؟ # فقال الباشا للسائق وهو ما يزال مغمض الجفنين: يا حسن .. اذهب أنت .. سننام ها هنا. # فارتبك السائق وقال بتحرج: العفو يا صاحب السعادة .. هذا غير طبيعي، وسيرى البواب في الصباح ~~ويرى الخدم. # فانثنى إلى زوجه قائلا: يا هانم هذا غير طبيعي، وسيرى البواب في الصباح ويرى ~~الخدم. ~~- ومن الذي يكلمك؟ ~~- السائق. ~~- أف .. لا تضايقني .. ماذا يهمنا من البواب أو الخدم أو السائق؟ # فقال الباشا للسائق بنفس اللهجة: أف .. لا تضايقني ... ماذا يهمنا من البواب أو الخدم أو ~~السائق؟ # فسكت الرجل، ولكن لم تطاوعه نفسه على الذهاب فوقف ينتظر، أما الباشا فأخرج منديله وجفف ~~عرقه، وقال وهو يفك ربطة عنقه: الدنيا شديدة الحرارة. # فاعتدلت المرأة في جلستها، ولم تلبث أن صاحت: يا لطيف! ~~- ما لك؟ ~~- المقعد يميد بي كأني في أرجوحة! # وأرادت أن تمسك بشيء، فوقعت يدها المتخبطة على شارب الباشا فتألم الرجل، ونزع شاربه من ~~كفها وهو يقول ضاحكا: دعي شاربي .. وهل تحسبينه حبل الأرجوحة؟ ~~- أنا في غاية التعب. ~~- شربت كثيرا يا زينب هانم .. شربت أكثر مما ينبغي لك! ~~- وماذا كنت أستطيع أن أفعل سوى ذلك؟ الكل كان يشرب رجالا ونساء .. أنت نفسك شربت كثيرا ~~يا باشا. ~~- أنا متعود على الشرب يا هانم .. أنا أستطيع أن أشرب حانة كاملة في ليلة واحدة! ~~- ومع ذلك لم تتمالك أعصابك الليلة .. وعلا صوتك بالضحك على غير عادتك، بل وضحكت مني أنا يا ~~ناقص! ~~- كيف ذلك؟ .. هذا مستحيل. ~~- مستحيل! ألا تذكر ساعة خروجنا من البوفيه؟ .. كنت تسير ورائي ms082 فنظرت إلينا عديلة هانم، تلك ~~المرأة الوقحة، وقالت: «كان الله في عون إبراهيم باشا؛ فهو زوج ومروض.» وضحك جميع المدعوين، ~~وضحكت أنت أيضا! ~~- أنا لا أذكر هذا. ~~- طبعا لأنك لم تكن في وعيك، ومع ذلك فأنت تزعم أنك تستطيع أن تشرب حانه في ليلة واحدة .. ~~أليس كذلك؟ ولكني انتقمت منك فضحكت منك مع الضاحكين بعد ذلك مباشرة. ~~- وكيف كان ذلك؟ ~~- كان جماعة من الحاضرين يتعجبون لنحافة قدك، فاعتذر الأميرالاي فتحي بك عن صغر حجمك ~~بقوله: «إن شاربك الثقيل يعوق جسمك عن النمو.» فضحكت مع الضاحكات والضاحكين .. واحدة ~~بواحدة. ~~- يا له من ضابط وقح! ~~- أنت المسئول عن جعلنا أضحوكة في كل مكان .. لماذا لا تقص شاربك؟ ~~- أقص شاربي! هل جننت يا هانم؟! ~~- وما وجه الجنون في هذا؟! .. إنه حمل ثقيل على جسمك الرقيق. ~~- أيكون الرجل رجلا بجسمه؟! ~~- أيكون رجلا بشاربه؟ ~~- معلوم، انظري إلى مثلك، فأنت امرأة ولك جسم فيل .. ولكن هل توجد امرأة بشارب؟ ~~- الحق أقول لك إني هممت مرة بقص شاربك في أثناء نومك .. لولا الخوف! ~~- وما الذي أخافك؟ ~~- أشفقت من أن يصبح زواجنا لاغيا. ~~- ولمه؟ هل أنت زوجي أم زوج شاربي؟ ~~- الحقيقة أنك بغير هذا الشارب تغدو غلاما لم يبلغ السن القانونية للزواج؟ ~~- هذا هذر سكارى، والأولى بك أن تنحفي جسمك الهائل؛ فضخامته الشاذة هي المدعاة الحقيقية ~~إلى السخرية .. ألم تري صديقاتك الليلة؟ .. كلهن نحيفات اللهم إلا راضية هانم، وهي على كل حال لا ~~تزن نصف وزنك. ~~- أنت المسئول عن وزني. ~~- أنا؟! # نعم .. لأنك كنت دائما تؤكد لي أنك تحب اللحم العجالي والبقري .. وأنت تحتقر الوزن «الهايف»! ~~.. وها أنت ذا تتملص من تبعاتك كما تفعل وأنت وزير! ~~- ما شاء الله! .. هذا قول أعدائي السياسيين، وأرى أني أجحد في بيتي كما جحدت من قبل في ~~ميدان السياسة الملعون، وأني خسرت الدنيا جميعا. ~~- بل ربحت شيئا مؤكدا. ~~- وما هو؟ ~~- أنك صاحب مقام رفيع! ~~- يا هانم أنت في سكرك كالحشاشين، والحق أنك تستأهلين رتبة .. ولكن لا أدري أي رتبة ~~تناسبك .. فلأفكر قليلا ms083 .. ما رأيك في لقب الصدر الأعظم؟! # وهنا قطع حديث الزوجين طرق عنيف على باب القصر الخارجي ، وشق الصمت المخيم صوت منكر ~~يصيح: يا بواب .. يا عم محمد. # فسكت الزوجان دهشة واعتدلا قليلا في جلستهما وأرهفا السمع، وخف السائق مسرعا إلى الباب ~~ليرى ما هناك. ~~••• # كان الشرطي المكلف بالحراسة الليلية يسير الهوينى في شارع العباس، ولما بلغ قصر الباشا ~~سار بحذائه وعرج ملازما للسور إلى شارع الإلهامي، وانتبه من سهوه إلى حركة في أعلى السور، ~~فنظر إلى مصدرها فرأى رجلا يقفز من الحائط ويسقط على بعد ذراع منه، وقد تولاه الذعر لظهور ~~الشرطي المفاجئ، فتسمرت قدماه بالأرض .. وأسرع الحارس إليه وقبض على ذراعه بقسوة وهو يصيح به: ~~يا ابن الملعون، أتحسب البلد بلا حكومة؟ # وكان المقبوض عليه أفنديا أنيق الملبس، كشف نور المصباح الخافت في وجهه عن ملامح وديعة ~~ونظرة أدنى إلى الرقة والجبن منها إلى الشر أو التحدي، ففحصه الشرطي بنظرة شديدة وهو يتحسس ~~جيوبه، وقال له متهكما: إخالك لم تسرق سوى هذه البذلة! # فقال الشاب وهو يلهث من الاضطراب والخوف. ~~- اتركني يا حضرة الشاويش، أنا لست لصا كما تتوهم. ~~- عفارم عليك .. فمن تكون يا مولانا؟ ~~- أقسم بالله العظيم أني لست لصا .. ولم أسرق في حياتي قط، وهاك جيوبي فتشها كما ~~تشاء. ~~- آه .. هل كنت في القصر زائرا إذن؟ ~~- أنا .. من أهل القصر؟ ~~- فهمت يا سيدي فهمت .. أنت ابن الباشا بلا شك، وما قفزك من السور إلا رياضة بدنية كنت تقوم ~~بها في هذه الساعة المتأخرة من الليل! ~~- بل أردت أن أخرج بسرعة. ~~- وما الذي يدعو إلى الخروج بعد منتصف الليل؟ ~~- سفر لا يقبل التأجيل. ~~- أوليس للقصر باب؟ ~~- لم أجد وقتا لإيقاظ البواب. ~~- يا مغيث .. هذا حقا عصر السرعة .. وليس ببعيد أن أرى غدا من يقفز من نافذة الطابق ~~الثالث أو الرابع؛ لأنه ليس لديه متسع من الوقت يهبط فيه السلم .. عوفيت يا سيدي عوفيت. ~~- أراك لا تصدقني يا حضرة الشاويش .. أؤكد لك أني من أهل القصر .. غير أني استسهلت ms084 أن أقفز ~~على هذا السور الصغير. ~~- معلوم .. معلوم .. وليس الذنب ذنبك .. ولكن ذنب من يحتم تعليم الألعاب الرياضية والتدريب ~~العسكري .. على أني أجد نفسي مضطرا إلى تأخيرك يوما أو عدة أيام وربما عدة أشهر. # قال ذلك ودفعه أمامه .. ولكن الشاب ألصق قدميه بالأرض وقال يتوسل: لست لصا .. لست لصا ~~والله .. أنا من أهل القصر. ~~- إذا كان ما تقوله حقا فما عليك إلا أن تدخل القصر مرة ثانية فأصدقك. ~~- حسن، اترك ذراعي وسترى. ~~- ادخل البيت من بابه .. تعال. # وساقه إلى باب القصر، وطرقه وهو ينادي البواب. # وأتى السائق على صوته مسرعا وأيقظ البواب، فقام الرجل ساخطا وفتح الباب، وأحدث ظهور ~~الشرطي والمقبوض عليه دهشتهما، ونظرا إليهما متسائلين، فقال الشرطي: قبضت على هذا الشاب وهو ~~يقفز من سور القصر، فادعى أنه من أهل الدار، فهل تعرفانه؟ # فأضاء البواب المصباح الكهربائي، ونظر السائق إلى وجه الشاب الشاحب وقال مسرعا: هذه هي ~~المرة الأولى التي تقع عليه عيناي. # وسأل البواب الشرطي: هل وجدت معه شيئا؟ ~~- سيفتش في القسم. # وفي تلك اللحظة سمع صوت الباشا الثمل يصيح في سكون الليل: يا حسن، من عندك؟ # فهرع السائق إلى الباشا، وطمع الشرطي في سماع كلمة ثناء من صاحب السعادة، فساق الشاب أمامه ~~وتبع السائق، وقال حسن لسيده: قبضوا يا صاحب السعادة على لص يقفز من سور القصر. # فقام الباشا واقفا وغادر السيارة وهو يقول: كيف؟ دي لولو كانت في البيت وحدها. # وهرع نحو الباب الداخلي، وتبعته زوجته في تعثر ظاهر، وكان الباشا يصيح: لولو .. لولو! # وفتح الباب، وظهرت غادة جميلة في لباس النوم الأبيض الشفاف، أشرقت في الظلماء كالشمس ~~ناشرة في الجو عطرا يفعل في الأعصاب فعل الموسيقى العذبة، فصاح الوالدان: الحمد لله .. هل ~~أنت بخير يا لولو؟ # فأجابت بصوت له في الأذن وقع العطر في الأنف: نعم يا ماما، ماذا حدث؟ # فقال الباشا: قبضوا على لص يقفز من سور القصر. # فخفق قلب الفتاة، وقالت بصوت متهدج: لص! ~~- ألم تسمعي حركة؟ ~~- كلا. ~~- الحمد لله. # وسار الباشا إلى ms085 حيث يوجد اللص والشرطي والسائق والبواب، وتبعته زوجته ولولو، ورأت الفتاة ~~وجه المقبوض عليه على ضوء المصباح الهادئ فاشتد خفقان قلبها، وزاغت عيناها، وخفضت بصرها ~~ذاهلة مضطربة. # وقال الشرطي: يدعي هذا المجرم أنه من أهل البيت يا صاحب السعادة. # فأنعمت زينب هانم النظر في وجه الشاب بعينين أطفأت الخمر نورهما وقالت: كذب .. هذا لص ~~جريء. # ولكن ساورها الشك في صحة بصرها، فمالت إلى زوجها وسألته بصوت خافت: أليس كذلك يا ~~باشا؟ # فنظر الباشا إلى الشاب بعينين ذاهلتين كعيني زوجه وقال: بلى .. بلى .. هذا لص ولا شك. # ثم مال على أذن لولو وسألها: أليس كذلك يا لولو؟ # ولم تجب الفتاة، أو على الأصح لم تسمع السؤال، فسأل الباشا السائق: هل تعرف هذا الشاب يا ~~حسن .. هل هو من أهلنا؟! # وكان السائق يختلس من لولو نظرات ملتهبة ويراقبها بارتياب، فقال بانفعال: هذا لص مجرم يا ~~صاحب السعادة. # فقال الباشا للشاب بلسان متلعثم ثقيل: كيف تسول لك نفسك ادعاء قرابتي؟! ~~- لست لصا يا صاحب السعادة. ~~- فما كنت تفعل هنا؟ ~~- لا أدري يا صاحب السعادة. ~~- ما شاء الله .. هل سقطت من طائرة في حديقتي؟ ~~- كلا يا سعادة الباشا .. ولكني وجدت نفسي بغتة في الحديقة .. لا أدري كيف ساقتني قدماي إلى ~~هنا! # فقال الشرطي: ستجد نفسك في السجن إن شاء الله. # وغضب الباشا لمقاطعة الشرطي، وقال له بعنف: يا عسكري .. لا تقطع علي التحقيق. # فقال الشرطي بسرعة: حاضر يا أفندم. # وسأل الباشا الشاب: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ~~- أنا آسف يا صاحب السعادة، كنت سكران، وقادتني قدماي إلى هنا من غير أن يراني أحد، ونمت ~~على الحشائش بضع ساعات، ثم استيقظت في حالة أدنى إلى الوعي والانتباه، فأدركت خطئي، وحاولت ~~إصلاحه بالهروب فوقعت في يدي الشرطي .. لست لصا .. فتشوني فلن تعثروا على شيء. ~~- وماذا شربت؟ # وكان السائق في حالة سيئة من الغيظ والحنق فقال: هذا لص كذاب يا صاحب السعادة، وينبغي أن ~~نسوقه إلى القسم. # ولكن الباشا انتهره قائلا: لا تقاطع التحقيق. # وسأل الباشا ms086 وهو يهز رأسه بدهاء: ماذا شربت؟ ~~- ويسكي يا صاحب السعادة. # فسألته زينب هانم: بالصودا؟ ~~- نعم. # فمالت المرأة على زوجها وهمست: انظر إلى فعل الويسكي بالصودا. # فرد عليها بصوت خافت: نعم .. الويسكي بالصودا شراب ملعون. # ثم دنا من الشاب وهو يقول: دعنا نفتشك أولا. # فاستسلم الشاب إليه، ودس الباشا يديه في جيوبه، ولم يجد سوى حافظته، فأراد تفتيشها، ولكن ~~الشاب لم يمكنه منها، وأثارت مقاومته شكوك الحاضرين، فقبض الشرطي على يديه بقسوة وأخذ ~~الباشا الحافظة، وكانت لحقت به زوجته وابنته، وأخرج محتوياتها، وكان بها ورقة من ذات ~~الجنيه وعدة بطاقات وصور صغيرة، ولاحت منه نظرة عارضة إلى الصور، فأيقظت انتباهه وشحذت ~~بصره، فنظر إليها بإمعان فرأى صورة لولو، ولولو بذاتها، هل يصدق عينيه .. أم إنها الخمر؟ .. ونظر ~~إلى زوجته يستعين بعينيها، فرأى بهما دهشة وإنكارا، والتفت إلى لولو فرآها تتسحب بخفة وتعود ~~إلى القصر تسير بخطوات متئدة غير مبالية بشيء. # وسمع الشرطي يسأل بصوته الغليظ: هل وجدت بها مسروقات يا صاحب السعادة؟ # فرد محتويات الحافظة إلى موضعها، وأعادها إلى صاحبها وهو يقول بلسانه المتلعثم: كلا، ما ~~بها يخصه دون غيره. # وكان السائق على بعد قريب من مولاه، فاستطاعت عيناه الحادتان أن تريا، فارتد إلى حالة ~~جنونية من الغضب والغيظ، وقال لسيده بصوت متهدج: إن عدم العثور على شيء معه لا يبرئه بحال، ~~وهو ولا شك قد حاول السرقة فلم يفلح. # فقال الباشا: سأتحقق مما إذا كان سكران. # ومال على فم الشاب يشمه ثم قال: الآن حصحص الحق .. هذا الشاب سكران بغير شك. # فكاد السائق يجن، وقال بغضب: العفو يا صاحب السعادة، العادة أن الإنسان إذا كان شاربا ~~لا يشم الخمر في أفواه الآخرين! # فانتفخ الباشا غضبا، وفتل شاربه بغطرسة، وصاح بالسائق: أنا شارب يا كلب! ~~- العفو يا صاحب السعادة .. أنا أعني ... ~~- لا أقبل منك كلاما يا سفيه، لقد قضت سفاهتك على أسباب رزقك في هذا البيت. يا عسكري، دع ~~هذا الشاب لي الآن وخذ هذا الوقح خارجا. # وصدع الشرطي بما أمر، ms087 وخلا المكان إلا من الباشا وزوجته والشاب. # قال الباشا للشاب بلهجة تنم عن التهديد والوعيد: ألا تعرف من أنا؟ ~~- أعرف طبعا يا صاحب السعادة. ~~- فكيف إذن تسول لك نفسك انتهاك حرمة بيتي؟ ~~- أنا غايتي شريفة يا صاحب السعادة. ~~- وهل يوجد شرف بعد منتصف الليل؟ # وسألته السيدة: ما صناعتك؟ ~~- موظف. ~~- هذا يعني أنك صعلوك. ~~- صعلوك! ~~- نعم .. إن الكاتب الحقير الذي لا يجد له وظيفة تشرفه يطبع على بطاقته كلمة موظف، وهي لا ~~تعني في الواقع إلا أنه كاتب حقير .. أليس كذلك؟ ~~- ...؟ ~~- في أي وزارة؟ ~~- المساحة. ~~- ما شاء الله؟ .. وما هي مؤهلاتك؟ ~~- ...! ~~- ما هي مؤهلاتك؟ أجبني! ~~- البكالوريا. ~~- يا خبر أسود .. وماهيتك؟ ~~- ...! ~~- وماهيتك .. أتوسل إليك أن تجيبني؟ ~~- ستة جنيهات! ~~- عال .. ولماذا تحب ابنة الباشا؟ ~~- سيدتي ... ~~- لماذا لم تحب ابنة كلب من طبقتك. # وتنهد الباشا من قلب مكلوم وقال للشاب: تفضل مع السلامة. # وصعد الزوجان إلى مخدعهما وقد نال التعب منهما كل منال، فارتمى الباشا على «الشيزلنج»، ~~واستلقت السيدة على الفراش، وكانا واجمين حزينين. # وتنهد الباشا وقال لها: أيعجبك هذا؟ ~~- أنت دائما تلقي علي تبعة كل شيء. ~~- أنا رجل ينوء بعبء ثقيل، سواء في الوزارة أو مجلس الشيوخ أو الشركات؛ فأنت وحدك المسئولة ~~عن فساد أخلاق بناتك. ~~- لا تتكلم يا سيدي عن بناتي بهذه اللهجة التي لا أقبلها بحال .. إني أعلم أنهن أشرف ~~النساء جميعا! ~~- إذن أنت ترضين عن هذه الأفعال الشائنة؟ # ألا ترين أن مأساة الأخت الكبرى تتكرر؟ تلك الفتاة البائسة التي أردت أن أزوجها من طبيب ~~كبير فوقعت في غرام صعلوك متشرد ممن يسمونهم بالموسيقيين. ~~- لا تتكلم عن صهرك بمثل هذه الألفاظ؛ فليس هو الآن بالصعلوك ولا المتشرد، ولكنه مفتش ~~موسيقي محترم بوزارة المعارف! ~~- أنا الذي عينته في هذه الوظيفة التي هو غير أهل لها بحال .. أنا الذي خلقته. ~~- اخلق هذا أيضا من أجل لولو. ~~- ولكنه غير قابل للخلق .. لقد كان الأول مغنيا فاستطعت أن أصنع منه مفتشا للموسيقى وإن ~~كان لا يفقه شيئا في الموسيقى، ولكن ما عسى أن أصنع بهذا ms088 وكل مؤهلاته البكالوريا؟ الأوفق ~~أن نطرده! ~~- ليت ذلك ممكنا .. ولكنك تعلم أن لولو عنيدة صلبة الإرادة ، فلنوار سوأتنا ونصنع منه ~~شيئا. ~~- مهما فعلت فلن يكون أكثر من كاتب. ~~- حنانيك يا باشا، هل شح الزمان حتى تتزوج ابنة واحد باشا مثلك ووزير سابق (ووزير لاحق ~~إن شاء الله) من كاتب؟! ~~- وما ذنب الزمان إذا كانت ابنة الباشا مجنونة مثل لولو؟ ~~- دع أحاديث الغضب جانبا، وقل لي: ألا يمكن إلحاقه بأي وظيفة في مفوضية أو قنصلية؟ ~~- مفوضية أو قنصلية؟ .. أهذا كلام يقال على واحد كل مؤهلاته البكالوريا؟ ~~- أف .. أنا أعلم جيدا أنك متعب، ومهما يكن من أمر فينبغي ألا تكون درجته أقل من ~~السادسة، وألا تقل ماهيته عن خمسة عشر جنيها .. وأمامك أصدقاؤك الوزراء، فليختره أي واحد منهم ~~سكرتيرا له. ~~- ليس الأمر سهلا يا هانم كما يبدو لك؛ فالصحف تقف بالمرصاد للمحسوبيات ~~والاستثناءات. ~~- وهل يرضي الصحف أن تتزوج ابنة واحد باشا من كاتب بستة جنيهات؟ ~~- إن للصحافة هموما لا تدع لها وقتا للتفكير في مسألة زواج لولو! ~~- إن مستقبل لولو لفوق الصحافة وهمومها، فينبغي أن تخلق هذا الشاب من جديد. ~~- هل كتب علي أن أخلق كل يوم شابا من جديد؟ ~~- أرجو أن تذكر أنك كنت موظفا بائسا حين تزوجتك، وأنه لولا المغفور له والدي ... ~~- إن أباك لم يخلقني، ولكنه أتاح الظروف المناسبة لعظمتي الكامنة. ~~- صه .. لولا أبي لكنت الآن موظفا بالدرجة السابعة على أكثر تقدير. ~~- أبهذا الكلام تدافعين عن ذوق بناتك القذر؟ ~~- معلهش يا باشا، إنهن ورثن عني ذلك الذوق الذي حملني فيما مضى على الزواج منك. ~~••• # وكان السائق هائجا غاضبا، يلعن ويتوعد، والشرطي يهدئ روعه ويعزيه عن «قطع عيشه» بكلمات ~~لا تغني، وقد قال له: أنت مخطئ يا حسن .. لماذا تدخل فيما لا يعنيك؟ # قال محتدا: أهذا رجل؟ ~~- وما الذي يغضبك أنت؟ إنها ابنته لا ابنتك. # ثم غمز بعينه وتساءل: أم هناك سبب آخر لهذا الغضب؟ .. أهو غضب أم غيرة يا شيطان؟! # فلما لم يرد عليه الجواب قال له وهو يودعه: ms089 معلهش يا حسن؛ فالحق أن الباشا لم يعرف يربي ~~غير شنبه. # | الجوع # انتصف الليل ولما يصادف حظ الوجيه محمد عبد القوي غير العبوس، وما انفكت خسارته تنمو ~~وتتضاعف حتى بلغت نيفا وأربعين جنيها في أقل من ثلاث ساعات، وكان هذا دأبه في أكثر ~~لياليه، فلم تعد الخسارة تهز أعصابه أو تكرب نفسه، كان يتعاطاها بغير مبالاة بين رشف ~~الكئوس وقذف الدعابات، ثم ينساها بمجرد الانفصال عن المائدة الخضراء، ولكنه كف تلك الليلة ~~عن اللعب بغير إرادته لخمار دار برأسه، فرغب في تنسم هواء الخريف الرطيب في الخارج ومراودة ~~نشاطه بالمشي والحركة، فنهض معتذرا وغادر النادي، وكان الطريق كالمقفر والجو لطيفا ~~منعشا، فسرت منه إلى رأسه الساخن الدائر قرة وسكينة، فجد في السير مصفرا صفيرا خافتا ~~وأحيانا مترنما، لغير غاية، وانحرف إلى الطريق المؤدي إلى قنطرة قصر النيل، وبصر بها في ~~نهايته فانشرح صدره وحث خطاه؛ فلما بلغها مضى يسير الهوينى التماسا لمزيد من الراحة ~~والانتعاش، ولم يكن يقطعها في تلك الساعة إلا السيارات المنطلقة في فترات متقطعة، إلا أنه ~~حين بلغ ثلثها الأخير لاحت منه التفاتة إلى الجانب الأيسر منها، فرأى رجلا رث الهيئة في ~~جلباب قذر ينحني متقوسا على سور القنطرة ملقيا برأسه إلى النهر فلم يلق إليه بالا، ~~ومضى إلى نهاية القنطرة، ولم يجد رغبة للتوغل فيما وراءها فتحول إلى الجانب الأيسر ليعود من ~~حيث أتى، وكان الرجل ما زال في تقوسه واستغراقه إن لم تكن أسكرته نسائم الهواء الرطيب ~~فتسلل النوم إلى جفنيه .. ولما صار منه على بعد قريب رآه يقفز بحركة مباغتة إلى أعلى ~~السور، ثم توثب كأنما ليلقي بنفسه إلى النيل، فاندفع نحوه بسرعة جنونية وأدركه في اللحظة ~~الفاصلة، فأمسك بيسراه وجذبه إلى الخلف بشدة، فسقط على الإفريز عوضا عن أن يسقط في النهر، ~~وبلغ منه الانفعال، وتدافعت أنفاسه، وتفرس وجه الرجل الذي هانت عليه الحياة فرآه يحدجه ~~بنظرة جامدة ووجه مكفهر، وقد لاح لعينيه هزاله ورثاثته وشدة اصفرار وجهه، فصاح به: ماذا كنت ~~فاعلا ms090 بنفسك؟ # فلم ينبس بكلمة، وظل على جموده واكفهراره، وتمالك الوجيه عواطفه فعجب لما يدفع مثل ذلك ~~الرجل إلى الانتحار وهو لا يعلو على الحيوان - والحيوان في العادة لا ينتحر - فسأله: هل كنت ~~حقا تروم الانتحار؟ لماذا؟ .. دعني أشم فمك، هل أنت ثمل أم مجنون؟ .. تكلم يا حيوان. # فقال الرجل بصوت مبحوح دل على الحقد والاستهانة: أنا جائع. # فنظر إليه كالمرتاب وقال: كذبت .. إن الكلاب الضالة تجد قوتها .. ولن أصدق أن إنسانا يموت ~~جوعا في هذا البلد .. ولكن هل تدمن الحشيش أو المنزول؟ # فقال بنفس اللهجة: لك عذرك .. فإنك لم تعرف الجوع .. هل ذقت الجوع؟ .. هل بت ليلة بعد ليلة ~~تتلوى من عض أنيابه؟ هل ثقب أذنيك عويل أطفالك من نهشة أمعدتهم؟ .. هل رأيت صغارك يوما يمضغون ~~عيدان الحصيرة ويأكلون طين الأرض؟ .. تكلم يا إنسان .. وإذا لم يكن لديك ما تقوله فلماذا تحول ~~بينهم وبين الخلاص من غائلة الجوع؟ # فامتعضت نفسه، وسأله بلهجة لم تخل من شك: أتعني حقا أن لك زوجا وأطفالا؟ # ففطن الرجل إلى بواعث شكه، وعبس وجهه امتعاضا وقال: كنت يوما قادرا على الزواج ~~والإنفاق .. كنت عاملا بمصانع عبد القوي شاكر. # وأحدث الاسم في نفس الوجيه هزة عنيفة لأنه اسم والده، وكان يوشك أن يسأم ويضجر، فاسترجع ~~اهتمامه وسأل الرجل: هل حقا كنت عاملا مرتزقا؟! ~~- نعم .. وبلغت يوميتي ستة قروش .. وكنت محترما ومحبوبا، وكفلت الحياة لزوجي وأمي وأطفالي ~~الستة، بل كنت أعظم جلدا من البك صاحب المصانع العظيمة؛ لأني تعودت الرضا والقناعة حيث جعل ~~يتذمر ويشكو سوء الحال ويعتل بالعلل لقطع رزق البعض والتقتير على البعض الآخر .. لم تكن ~~الحياة رغدا ولا يسرا .. ولكنها كانت مشقة بالرجاء والأمل. # وأمسك الرجل عن الكلام كأن استرجاع الذكريات الحلوة استنفد البقية الباقية من حيويته ~~وقواه، فجزع الوجيه وقال له: هيه .. وكيف انقلب بك الحال إلى هذا المصير؟ # فرفع يمناه إلى أعلى فتدلى كم الجلباب الممزق كأنه لا يوجد فيه ما يمسك به، وبرز من أحد ~~خروقه بقية عضده كأنه رجل أريكة ms091 تداعت وأكلها التقادم، وأشار إليها بيسراه وقال: أرأيت إلى ~~هذا؟ .. لقد هوت الآلة الجبارة على ذراعي وأنا منشغل عنها بما بين يدي فلن تبق منه إلا على ~~ما ترى، وأطاحت بالجزء النافع الذي أكسب به قوتي، فجعلتني في ثانية شيئا تافها عن الحاجة ~~.. ولما تماثلت للشفاء مضيت إلى البك صاحب المصنع منكسر الفؤاد مفعم النفس بالقنوط، فتلقاني ~~آسفا وأعلن أني قطعت ذراعي من جراء إهمالي، فقلت له إنه القضاء الذي لا يرد، فهز رأسه ~~آسفا وتصدق علي بمبلغ يسير، فقلت له إن هذا المبلغ نافد عاجلا أو آجلا، وإني وأسرتي ~~سنموت جوعا إذا لم تدركنا رحمته .. فوعدني أن يتصدق علي بثلاثين قرشا كل شهر .. وكان هذا ~~أقصى ما ظفرت به منه، وأدركت أن حياتي دمرت تدميرا، وأني وأمي وزوجي وأطفالي الستة قد ~~ألقي بنا إلى الفقر والجوع .. ولشد ما وجدت الحياة قاسية لا رحمة فيها .. فتجرعت مرارتها ~~قطرة فقطرة، وهمت على وجهي في الطرقات أسأل السابلة مستدرا رحمتهم بعرض بقية عضدي على ~~أنظارهم، متلهفا على الملاليم وكسر الخبز. وعلم الله أني كنت ذا حياء وأنفة، وأن إماتة ~~هذه العاطفة النبيلة كلفني ما لا أطيق من الألم والخجل، واشتدت وطأة العيش فبعت الضروري من ~~أثاث حجرتنا بثمن بخس، وتمزقت ثيابنا وتعرى الأطفال .. وتهالكنا من الجوع .. وكان أقسى ما في ~~حياتنا صراخ الأطفال وعويلهم وشكواهم؛ فجوع دهر طويل أخف على نفسي من قول طفلي وهو يتطلع ~~إلي كالمستغيث ودموعه منهمرة: «أبتي .. أنا جائع.» ولاحقتني هذه الآلام فجعلت صدري جحيما، ~~وبغضت لي الدنيا، وولدت في قلبي شعور المقت والحقد، وتضاعف إحساسي بعجزي وهواني حتى قال ~~صاحب ممن جمعنا الجوع في ميدان واحد: «ما لك تكلف نفسك ما لا تطيق من الهم كأنك امرأة ~~مترفة تأكل كل يوم رطل لحمة .. سيتحجر قلبك ويصبح الجوع مستملحا، فتجيب ابنك إذا شكا إليك ~~الجوع كما أجيب ابني .. بلطمة تنسيه الجوع.» # وسكت الرجل وقد بلغ منه الإعياء والتأثر، وبدأ الوجيه يضجر مرة أخرى ويفكر في حل للعقبة ~~التي ms092 اعترضت سبيله ليتخلص منها على وجه مرض، فسأل الرجل: أهذا ما دفعك إلى محاولة ~~الانتحار؟ # فقال الرجل وهو يهز رأسه كأنه يقول له بل أكثر وأكثر: في مساء هذا اليوم رجعت إلى الفناء الذي نأوي إليه صفر اليدين عجزا وإعياء، فلقيت ~~الأطفال نائمين هادئين، فاستولت علي الدهشة كيف نزلت عليهم السكينة؛ هل تعودوا الجوع فما ~~عاد يقرصهم؟! .. وكانت زوجي وأمي نائمتين أيضا، فأيقظت أكبر الأطفال وأدنيته مني، وما إن أفاق ~~من ذهول النوم حتى اندفع يقول لي فرحا: «أكلنا عيشا ساخنا.» فسألته: «من أتى به؟» فقال: ~~«عم سليمان الفران.» فنفذ الاسم إلى صدري المتهالك كالرصاصة، وشددت قبضة يدي على ساعده، ~~وسألته وقد طالعت في وجهه أثر ما لاح في وجهي من التغيير: «وهل الرجل دعا أمك إلى الفرن أم ~~أتى بنفسه إلى هنا؟» فقال: «أرسلها مع غلامه.» فلم أرتح إلى جوابه على الرغم أنه لم يحقق ~~شكوكي، ودفعته ساخطا غاضبا، واستقر بصري على وجه زوجي وقد تملكني الحنق وتخايلت لعيني ~~أشباح مخيفة. لقد امتلأت عيناها بالنوم بعد أن امتلأ بطنها .. بعد أن ملأها الوغد الذي خطب ~~ودها فيما مضى وراجعه هواه فسعي يحذق إلى استغلال ما تعاني من الشقاء والجوع. إني أدرك كل ~~شيء، وأدركه بمشاعري التي نشأت عليها ولم يظفر الجوع بإماتتها بعد .. إنها ما تزال حية في ~~صدري تبعث في نفسي الغيرة وفي قلبي الغضب .. وتشبعت أفكاري بروح الجريمة والعدوان .. هل أنقض ~~على المرأة النائمة فأكتم أنفاسها؟ كانت رغبتي في الفتك عظيمة جبارة، ولكن لاحت مني التفاتة ~~إلى الأطفال فترددت. من لهم بعد أمهم وأبيهم؟ وتخاذلت وتداعت إرادتي .. ونفست عن غضبي ~~فركلتها بعنف وغادرت الفناء وصراخها الفزع يلاحقني، ثم همت على وجهي في الطرق التي أتسول ~~فيها .. وجعلت أتخبط على غير هدى .. وعاودتني أفكار العدوان .. هل أرجع إلى الفرن وأثب على عم ~~سليمان وثبة الهلاك، أم أرصد عبد القوي بك وأطعنه طعنة قاتلة؟ .. ولكن ما أعجزني .. فقدت يمناي ~~ودب الإعياء في جسمي وأطرافي وتضعضعت حواسي، ثم بلغت بي ms093 قدماي هذا المكان ورأيت النهر ~~الجاري في وحشة الليل فانجابت عني الوساوس، وأدركت للحال كيف ينبغي أن أنهي الحياة، وخلت أن ~~النيل ضالتي المنشودة، وكأن قضاء إلهيا هداني إليه ليدلني على سبيل الخلاص والراحة، ~~واستولت علي فكرة الموت واستبدت بي، وتفكرت في عجزي وضعفي وجوعي، وفي عذاب أطفالي ~~وشقائهم، فحمدت الله على أني لم أطع غضبي وأقتل زوجي، وقلت لنفسي إنني إذا اختفيت من حياتها ~~فلن يعييها إطعام الأطفال، ليكن معهم سليمان أو غيره، أما أنا فلا، وما علي إلا أن أوجه ~~غضبي إلى نفسي فتكون الضحية .. وألقيت بناظري إلى النهر طويلا، واستسلمت لليأس، ثم توثبت ~~لألقي بنفسي، ولكنك حلت بيني وبين ما أريد. هذا كل ما هنالك، فهل أدركت الآن أي شر ~~فعلت؟ # وكان الوجيه يصغي إلى الرجل مصطبرا ويعمل فكره، فسأله: هل إذا تركتك الآن تعود؟ # قال الرجل بهدوء وتصميم: إن شاء الله. # فضحك الوجيه، وكان قد بت في المسألة برأي قاطع، وبحث في جيوبه عن نقود فضية فعثر بقطعة ذات ~~عشرة قروش، فدسها في يد الرجل وقال: استعن بهذه على إصلاح أمرك، وإذا طلع عليك صباح الغد ~~فتوجه من فورك إلى المصنع الذي كنت تعمل فيه، وستجدني هنالك في انتظارك، وهاك بطاقة تقدمها ~~لمن يعترض سبيلك. # وأعطاه البطاقة، ودفعه عن السور وهو يقول: أجل عزمتك؛ فما يزال لديك متسع من الأمل، ~~وسأجد لك عملا كبواب أو خادم أو ما شاكل ذلك .. تقدم وعد إلى رشدك .. ولكن خبرني قبل أن أنسى ~~ما اسمك. # وجعل الرجل ينظر إليه بعينين ذاهلتين كأنه لا يصدق أذنيه. ولما سأله عن اسمه قال بصوت ~~غريب: «إبراهيم حنفي.» فدفعه الشاب مرة أخرى: افعل ما أمرتك به يا إبراهيم .. سلام عليك. # وتحول عنه ومضى في طريقه متفكرا .. يعجب كيف أنه أتى في الوقت المناسب ليعفي أباه من وزر ~~ثقيل. وكان ينطوي في قرارة نفسه على سذاجة، فأيقن أن ما ساقه إلى الرجل في الوقت المناسب شيء ~~أكبر من المصادفة، فأثلج صدره وشعر بارتياح وطمأنينة. # ولكن ms094 فكرة خطرت له بباله فقطب جبينه وتساءل كالحالم وهو يجد في السير. # ولكن فكرة خطرت له بباله، فقطب جبينه وتساءل كالحالم وهو يجد في السير: «ترى كم أسرة من الأسر التي يشقى بها أمثال إبراهيم حنفي يمكن أن تسعدها النقود التي ~~أخسرها كل ليلة في النادي؟!» # | بذلة الأسير # كان «جحشة» بائع السجائر أول السابقين إلى محطة الزقازيق حين اقترب ميعاد قدوم القطار، ~~وكان يعد المحطة بحق سوقه النافقة، فيمضي على الإفريز في نشاط منقطع النظير يتصيد الزبائن ~~بعينيه الصغيرتين الخبيرتين. ولعل «جحشة» لو سئل عن مهنته للعنها شر لعنة؛ لأنه كغالبية ~~الناس برم بحياته، ساخط على حظه. ولعله لو ملك حرية الاختيار لآثر أن يكون سائق سيارة أحد ~~الأغنياء، فيرتدي لباس الأفندية ويأكل من طعام البك، ويرافقه إلى الأماكن المختارة في الصيف ~~والشتاء مؤثرا من أعمال الكفاح في سبيل القوت ما هو أدنى إلى التسلية والملهاة. على أنه ~~كانت له أسبابه الخاصة ودواعيه الخفية لإيثار هذا العمل وتمنيه من يوم أن رأى «الغر» - سائق ~~أحد الأعيان - يتعرض للفتاة نبوية خادم المأمور في الطريق ويغازلها بجسارة وثقة، بل سمعه مرة ~~يقول لها وهو يفرك يديه حبورا: «سآتي قريبا ومعي الخاتم.» ورأى الفتاة تبتسم في دلال وترفع ~~طرف الملاءة عن رأسها كأنها تسويها. والحقيقة أنها أرادت أن تبدي عن شعرها الفاحم المدهون ~~بالزيت .. رأى ذلك فالتهب قلبه، وأحس الغيرة تنهشه نهشا موجعا. وكان به من عينيها السوداوين ~~أوجاع وأمراض، وكان يتبعها عن كثب ويقطع عليها السبيل في الذهاب والإياب، حتى إذا خلا بها ~~في عطفة أعاد على أذنيها ما قال لها الغر: «سآتي قربيا ومعي الخاتم.» ولكنها لوت عنه رأسها ~~وقطبت جبينها وقالت باحتقار: «هات لك قبقاب أحسن.» فنظر إلى قدميه الغليظتين كأنهما بطنا ~~بخفي جمل، وجلبابه القذر، وطاقيته المعفرة، وقال: «هذا سبب شقائي وأفول نجمي.» ونفس على ~~«الغر» عمله وتمناه .. على أن آماله لم تقطعه عن مهنته، فثابر على كده قانعا من آلامه ~~بالأحلام. وقصد في ذلك الأصيل إلى محطة الزقازيق ms095 يحمل صندوقه وينظر القادم، ونظر إلى الأفق ~~فرأى القطار قادما من بعد كأنه سحابة دخان، وما زال يدنو ويقترب وتتميز أجزاؤه ويتصاعد ~~ضجيجه حتى وقف على إفريز المحطة، وهرع «جحشة» إلى العربات المتراصة، فرأى - لدهشته - على ~~الأبواب حراسا مسلحين ووجوها غريبة تطل من النوافذ بأعين ذاهلة منكسرة. وتساءل الخلق، ~~فقيل لهم بأن هؤلاء أسرى الإيطاليين الذين تساقطوا بين أيدي عدوهم بغير حساب، وأنهم يساقون ~~الآن إلى المعتقلات. # فوقف «جحشة» متحيرا يقلب عينيه في الوجوه المغبرة، ثم أدركته الكآبة لأنه أيقن أن تلك ~~الوجوه الشاحبة الغارقة في البؤس والفقر لن يكون في وسعها إشباع نهمها من سجائره .. ووجدهم ~~يلتهمون صندوقه بشراهة وجوع، فألقى عليهم نظرة سخط واحتقار، وهم أن يوليهم ظهره ويعود من ~~حيث أتى، ولكنه سمع صوتا يصيح به بالعربية بلهجة إفرنجية قائلا: سجائر. # فحدجه بنظرة دهشة وريبة، ثم فرك سبابته بإبهامه: أي نقود. ففهم الجندي وأومأ برأسه، ~~فاقترب محاذرا ووقف على بعد لا تبلغه يد الجندي، فخلع الجندي جاكتته بهدوء وقال له وهو ~~يلوح بها: هذه نقودي. # فتعجب «جحشة» وتفرس في الجاكتة الرمادية ذات الأزرار الصفراء بين الدهشة والطمع، ووجب ~~قلبه، ولكنه لم يكن ساذجا أو مغفلا فأخفى ما قام بنفسه أن يقع فريسة جشع الإيطالي، وأبرز ~~في هدوء ظاهري علبة سجائر، ومد يده ليأخذ الجاكتة، فقطب الجندي جبينه وصاح به: علبة واحدة ~~بجاكتة؟ هات عشرا. # فذعر جحشة وتراجع إلى الوراء وقد غاض طمعه، وأوشك أن يأخذ في غير السبيل، فصاح به ~~الجندي: أعطني عددا مناسبا .. تسعا .. أو ثماني. # فهز الشاب رأسه بعناد، فقال الجندي: إذن سبعا. # ولكنه هز رأسه كما فعل في الأولى، وتظاهر بأنه يعتزم المسير، فقنع الجندي بست ثم هبط إلى ~~خمس، فلوح «جحشة» بيده متظاهرا باليأس، وتراجع إلى المقعد وجلس، فصاح به الجندي المجنون: ~~تعال، رضيت بأربع. # فلم يلق إليه بالا. وليدله على عدم اكتراثه أشعل سيجارة ومضى يدخن في تلذذ وهدوء، فثارت ~~ثائرة الجندي وأهاجه الغضب، وبدا وكأنه ليس له غاية في الوجود سوى ms096 الاستيلاء على سجائر، ~~فهبط بطلبه إلى ثلاث ثم إلى اثنتين، ولبث «جحشة» جالسا يغالب اضطرام عواطفه وأوجاع طمعه. ~~ولما نزل الجندي إلى اثنتين أبدى حركة بغير إرادة رآها الجندي، فقال له وهو يمد يده ~~بالجاكتة: هات. # فلم ير بدا من النهوض، ودنا من القطار حتى أخذ الجاكتة وأعطى الجندي العلبتين، ~~وتفرس الجاكتة بعين جذلة راضية، وقد لاحت على شفتيه ابتسامة ظفر، ووضع الصندوق على المقعد، ~~وارتدى الجاكتة وزررها فبدت فضفاضة، ولكنه لم يعن بذلك، وتاه عجبا وسرورا، واسترد ~~صندوقه، وأخذ يقطع الإفريز فخورا طروبا، وارتسمت لعينيه صورة نبوية في ملاءتها اللف فقال ~~متمتما: لو تراني الآن! نعم لن تتجافاني بعد اليوم، ولن تلوي وجهها عني احتقارا، ولن يجد ~~«الغر» ما يفخر به علي، ولكنه ذكر أن الغر يرتدي بذلة كاملة لا جاكتة مفردة، فكيف السبيل إلى ~~البنطلون؟ وفكر مليا، وألقى على رءوس الأسرى المطلة من نوافذ القطار نظرة ذات معنى، ولعب ~~الطمع بقلبه من جديد فاضطربت نفسه بعد أن أوشكت أن تستقر، ودلف إلى القطار ونادى بجرأة: ~~سجائر. سجائر. العلبة بمنطلون لمن ليس معه نقود .. العلبة بمنطلون. # وأعاد نداءه مثنى وثلاث، وخشي أن يغيب عن الأفهام مقصده فمضى يومئ إلى الجاكتة التي ~~يرتديها ويلوح بعلبة سجائر، وأحدثت إيماءته الأثر المرجو فلم يتردد جندي أن يهم بخلع ~~جاكتته، ولكنه سارع نحوه وأومأ إليه أن يتمهل، ثم أشار إلى بنطلونه يعني أن ذلك بغيته، وهز ~~الجندي منكبيه باستهانة وخلع البنطلون وتم التبادل. وقبضت يد «جحشة» على البنطلون بقوة يكاد ~~يطير من الفرح، وتقهقر إلى مكانه الأول وأخذ يرتدي البنطلون، وانتهى في أقل من دقيقة فصار ~~جنديا إيطاليا كاملا .. ترى هل ينقصه شيء؟ المؤسف حقا أن هؤلاء الأسرى لا يغطون ~~رءوسهم بالطرابيش .. ولكنهم يضعون أقدامهم في أحذية، ولا غنى عن حذاء ليتساوي بالغر الذي يكرب ~~حياته. وحمل صندوقه وهرع إلى القطار وهو يصرخ: سجائر .. العلبة بحذاء .. العلبة بحذاء. # واستعان على التفاهم بالإشارة كما فعل في المرة الأولى، ولكنه قبل أن يظفر بزبون جديد ms097 ~~آذنت صفارة القطار بالمسير، فتمخضت عن موجة نشاط شملت الحراس جميعا. وكانت سحائب الظلام ~~تغشى جوانب المحطة، وطائر الليل يحلق في الفضاء، فتوقف جحشة وفي نفسه لوعة، وفي عينيه حسرة ~~وغيظ. ولما أخذ القطار يتحرك لمحه حارس في عربة أمامية فبدا على وجهه الغضب، وصاح ~~بالإنجليزية ثم بالإيطالية: اصعد بسرعة. اصعد أيها الأسير. # فلم يفهم «جحشة» ما يقول، وأراد أن ينفس عن صدره فجعل يقلده في حركاته مستهزئا مطمئنا ~~إلى بعده عن متناول يده، فصاح به الحارس مرة أخرى والقطار يبتعد رويدا رويدا: اصعد .. إني ~~أحذرك .. اصعد. # فزم جحشة شفتيه احتقارا وولاه ظهره وهم بالمسير، فكور الحارس قبضة يسراه مهددا ~~وصوب بندقيته نحو الشاب الغافل .. وأطلق النار. ودوي عزيف الرصاصة يصم الآذان وأعقبتها صرخة ~~ألم وفزع، وتصلب جسم «جحشة» في مكانه فسقط الصندوق من يده، وتناثرت علب السجائر والكبريت، ~~ثم انقلب على وجهه جثة هامدة. # | نحن رجال # كانت عطفة شنكل من زينتها في حلة باهرة؛ فسماؤها أعلام خضراء وثريات حمراء وبيضاء، وأرضها ~~رمال صفراء، وعلى مدخلها أقيم قوس من سعف النخل والورد والرياحين، وقد راحت جماعات الغلمان ~~الحفاة تعدو لاهية عابثة بين قوس الاستقبال وباب آخر بيت في العطفة أسبغت الزينات على ~~جدرانه الباهتة المتداعية بهاء وجدة، فدل الحال على أن القوم يحتفلون بعرس أو ختان أو ~~عودة حاج. وقبيل الغروب بدت عند منعطف الطريق طلائع موكب مكون من عربات ثلاث عقدت على مقدم ~~أولاها هالات الورود والأزهار، وطوقت أعناق جيادها بأهلة من الرياحين، واقترب الموكب يتهادى ~~حاملة عرباته الرجال الأشداء ذوي العمائم البيض والجلابيب الفضفاضة والعصي الغليظة حتى ~~وقف أمام العطفة، وكان يتوسط القعود في العربة الأولى شاب في مقتبل العمر غزير الشارب يرتدي ~~جلابية حريرية بيضاء ويعصب رأسه بلاسة وقطائم، فنهض في خيلاء وغادر العربة معتمدا على عصا ~~عجراء، فأقبل نحوه المنتظرون محتفين يسلمون عليه ويقولون بلسان واحد: مبارك يا معلم جعدة .. ~~ربنا يزيد ويبارك يا معلم. # وانطلق الغلمان يهتفون منشدين: «يا ابن عطفتنا يا جعدة ...» وقد تعالت ms098 الزغاريد من أبواب ~~البيوت المتداعية ومن وراء خصاص النوافذ، وتلقى القادم التحيات بابتسام وزهو، وسار في شبه ~~دائرة من الصحاب متبخترا مرحا لا تسعه الدنيا من السرور والغبطة. # لم يكن المعلم جعدة عريسا ولا مختونا ولا حاجا، كان في الحقيقة عائدا من السجن، وليس ~~عليه في ذلك من بأس؛ فما من فتى من فتيان عطفة شنكل إلا وقد زار السجن مرة أو أكثر، ولكن ~~جعدة وحده الذي شق سبيله إلى الجاه والثروة؛ فإذا كانت شنكل قد أنجبت شطارا وفتوات ~~عديدين فلم تنجب في الواقع إلا غنيا واحدا هو جعدة. # كان قبل الحرب بائع بطاطا يسوق عربته الصغيرة حاسرا جلابيته الزرقاء إلى ما فوق ركبته، ~~ولم يكن يملك من حطام الدنيا شيئا حتى عربته كان يكتريها بقرش في اليوم؛ فلما كانت الحرب ~~وجد له عملا في المعسكر البريطاني بالعباسية، وسرعان ما خلع جلابيته وارتدى قميصا ~~وبنطلونا كاكيين وحذاء أسود أنيقا، واستطاع في مدة وجيزة أن يتقن السباب باللغة ~~الإنجليزية وباللهجة الاسكتلندية .. وتنقل في عمله بين معسكرات عديدة حتى رمت به النوى إلى ~~التل الكبير، وهناك ابتسم له الحظ فترامت الأخبار بأنه يتاجر في المهمات والأغذية، بل قيل ~~إنه تعهد بالغسل في المعسكر جميعه، وتناثرت عنه حكايات كالأساطير مؤداها أنه أثرى ثراء ~~فاحشا، وأنه أمسى يلعب بالجنيه لعب عابث مقتدر .. ثم قال الرواة يوما إنه ضبط متلبسا ~~بالاتجار في أغذية الجيش، وقضي عليه بالسجن عاما، ولكنه على أية حال دخل السجن من المثرين ~~وكذلك فارقه. وقد زف شقيقه إلى الأهل والأحباب خبر الإفراج عنه، وأقام الزينات وأتى بالزمار ~~والمنشدين، وأقسم ليجعلن من يوم أخيه يوما مشهودا. وهكذا عاد جعدة إلى عطفته كالعرسان، ~~واستقبل بالزغاريد والدفوف والمزامير، ومضوا به إلى منظرة بالفناء حيث كان يبيت وعربة ~~البطاطا قبل أربعة أعوام، فرشت بالحصر ورصت إلى جوانبها أرائك، فجلس في الصدر يحيط به ~~الإخوان الأقربون، ومدت المقاعد في الفناء وتصدر المكان الزمار وأعوانه، وزمرت المزامير ~~وأنشد المنشدون، واستبق الفتيان إلى الرقص، ودارت أكواب الشربات والجوزة ms099 والبوري، وشمل الفرح ~~البيت والناس جميعا، أما في المنظرة فقد جيء بزجاجات الكونياك حيث جمع الصفاء بين الأحباب ~~فأترعت الأكواب ودارت على الأفواه النهمة المشتاقة، وجرى اسم جعدة على الألسنة وتعالى له ~~الدعاء، ومال الشاب على أذن شقيقه وقد ألحت عليه شهوة الظهور والإعلان عن النعمة، وقال له: ~~«ابسط يديك حتى تروي العطاش وتشبع الجياع وتسر القلوب؛ هذا يوم أخيك.» # ومضى يشارب الجالسين ويضاحكهم ممتلئ النفس ثقة وطمأنينة وسعادة، وكان بين ساعة وأخرى يبرز ~~حافظته الكبيرة ويستخرج منها ورقة ويرمي بها إلى حجر أخيه قائلا: «هات الشيء الفلاني .. ~~هات الشيء الفلاني .. أنا خادم الإخوان .. لا بد أن ينبسط الإخوان.» # ومضت ساعات الليل الأولى في رقص وزمر وأكل وشرب، وقد شرب جعدة حتى سكر وانبعثت النشوة في ~~دمه، فاهتز طربا وقهقه ضاحكا، وداخلته رقة فملأت نسائم الأريحية فؤاده، ولم يلبث أن نازعه ~~شوقه القديم إلى الرقص، وكان في زمانه الأول يهوى الرقص ويحبه، وربما تقدم الزفة شارعا ~~بعد شارع بشغف لا يعرف التعب والملل، فلم يعص شوقه، ونهض بجسمه الفارع ودعا الزمار، فجاءه ~~الرجل وتبعه رفاقه وأقاموا على عتبة المنظرة متأهبين، ووقف جعدة وسط الحجرة قابضا على عصاه ~~بيمناه ومد يسراه إلى شقيقه فأعطاه كوبا ممتلئا إلى نصفه، ولكنه صاح به في خيلاء وقد سرت ~~بأطرافه حمية الخمر: «املأه حتى آخره.» .. وأخذ الكوب المترع وهو يكفي أربعة أشخاص ثم ردد عينيه ~~في الجمع المحيط به وأنشأ يقول: نحن رجال، نحن إخوان، نذل من يتنكر لإخوانه، نذل من ينسي ~~أصله. يعيش الوفاء. # ورفع الكوب إلى فمه فأفرغه دفعة واحدة، والتفت إلى الزمار وأومأ له برأسه، فنفخ الرجل في ~~مزماره ونقروا على الدفوف، وبقدرة عجيبة انتقل الإيقاع من المزمار والدف إلى وسط جعدة ~~ورقبته وسيقانه وعصاه، فحال إلى موجة مترنحة تذهب وتجيء، وتجيء وتذهب، والإخوان يرجعون ~~النقر بأكفهم هاتفين مع الإيقاع: «يعيش الوفاء .. يعيش الوفاء.» وشعر جعدة وهو يتمايل ذات ~~اليمين وذات الشمال بأنه ينبعث من جوفه لسان لهب ثم ينطلق في عروقه ms100 نافخا نارا وطربا ~~وجنونا، وما زال في رقص وخيلاء حتى اكتفى، فلوح بعصاه للزمار فأمسك، ووقف جعدة لاهثا ~~حتى تمالك أنفاسه، ثم مد يده إلى شقيقه فأعطاه كوبا آخر، وقلب وجهه في القعود كما فعل ~~أول مرة، ثم استدرك قائلا: نحن رجال، والبيوت للنسوان. القابع خاسر، والجسور فائز. انطلق يا ~~جعدة، إلى العباسية يا جعدة، إلى الأهرام يا جعدة، إلى حلوان يا جعدة، إلى التل الكبير يا ~~جعدة. اشتغل يا جعدة، الحذق والشطارة يا جعدة، عاد القرش يا جعدة .. يعيش القرش يا ~~جعدة. # وأفرغ الكوب في فيه كسائل الجحيم، وغمز للزمار بعينيه فدقت الطبول وأسلم نفسه لشيطان ~~الرقص يذرع به الدائرة في رشاقة القيان، والإخوان يهتفون مع الدفوف: «يعيش القرش .. يعيش ~~القرش.» وقد تصاعدت أبخرة الخمر إلى رأسه، فخال في رقصه أنه يسبح في عباب مصطفق أو يطير على ~~جناحي ريح مجنونة، وما زال يرقص ويرقص حتي أعياه الرقص، فتوقف وقد احمرت عيناه وتشعث شاربه، ~~ولبث برهة يستريح، ثم مد يده ناحية شقيقه وتناول الكوب الثالث بعنف وشره، وصاح بإخوانه: نحن ~~رجال .. هل توجد جسارة بغير ثمن؟ هل الزناتي سلم؟ هل عنتر سلم؟ زلت بنا القدم وما يقع إلا ~~الشاطر، ودفعونا إلى السجن .. السجن للرجال .. ما عيب إلا العيب، يعيش السجن للرجال. # وصب الكوب في جوفه وقد فقد إحساس الذوق، وانقلب وحشا لو أفرغوا فيه حانة لابتلعها، وزمر ~~الزامر، وصفقت الأيدي، وتعالى الإنشاد: «يعيش السجن للرجال.» واندفع يرقص بغير وعي وكأن نبض ~~قلبه يرسل موجات كهربائية إلى أطرافه، وتركزت في رأسه أوهام غريبة بثت في نفسه خيلاء ~~الخالقين، وطال به المطال حتى أمسك الزمار رحمة به فكف مترنحا ثملا، وجعل يبتسم ابتسامة ~~بلهاء وينظر ببصر زائغ، وعلى حين غرة طالعت عينيه من عالم الذاكرة صورة ذات حسن وبهاء، ~~فأهاجت قلبه كوحش رأى فريسة شهية، وخال أنه يسمع فرقعة قبقابها وتمطقها باللبان؛ فدغدغت ~~قلبه لسعات الهيام، ومد يده نحو أخيه في ثورة فائرة، ولكن الرجل اقترب منه مشفقا، ومال على ~~أذنه ms101 وهمس له: «أسرفت يا معلم.» فتولاه الغضب وصاح به: «نحن رجال، هات.» وأخذ الكوب المترع، وقال ~~بلسان ملتو وقد عاودته الصورة الجميلة: نحن رجال .. الرجل بغير زواج ناقص .. الزواج فرض وسنة، ~~شلبية المصونة بنت عم طلبة جارنا وعمنا .. يا عم طلبة اقرأ الفاتحة. # وأنشد الرجال «يعيش الحب .. يعيش الحب.» واشترك معهم عم طلبة نفسه وقد لعبت به الخمر. وشرب ~~جعدة الكوب فاستولى عليه السكر والذهول وما عاد يدري أقائما أم قاعدا، راقصا أم ~~واقفا، في البيت أم في الخلاء، وصار رقصه أشبه بالترنح، وثقلت جفونه واحتقن الدم في وجهه، ~~وأمر أخوه الزمار أن يكف فخمد جعدة في مكانه معتمدا على عصاه، وتحول نحو أخيه، ومد إليه ~~يسراه كعادته، ولكنه لم يستطع أن يحمل ذراعه هذه المرة فردت إلى جنبه، وقال له شقيقه: أسرفت ~~على نفسك يا معلم .. هلم معي إلى الخارج تنشق الهواء الرطيب. # ولكنه هز رأسه غاضبا، وسار مترنحا إلى المائدة، وملأ الكوب حتي فاض منه الكحول وسال، ~~ورفعه إلى فيه بيد مرتعشة وهو يتمتم بلسان ثقيل: نحن رجال. # وأفرغه حتى الثمالة، ورمي به إلى الأرض فتحطم عند قدميه، ونظر في وجوه السكارى بعينين لا ~~تريان شيئا، وقال بلسان ثقيل ملتو لا يكاد يبين: نحن .. رجال .. افرحوا، ابتسمت لكم الدنيا ~~.. مالي وما أملك لكم .. حظي حظكم .. لن أنسى الإخوان .. يعيش الحظ. # ونقروا على الدفوف وأنشدوا مهللين: «يعيش الحظ .. يعيش الحظ.» وأراد أن يرقص، أن يخطو إلى ~~الأمام، ولكنه كان قد فقد كل قوة يمسك بها نفسه، فاندفع مترنحا وسقط على وجهه فاصطدم رأسه ~~بالأرض في عنف وشدة، وأمسك المنشدون ونهض القوم فزعين، ورفعوه بأيديهم وحملوه إلى الأريكة ~~التي كان يجلس عليها، ومال عنقه على مسند الأريكة وانحلت مفاصله جميعا، وجاء قوم ونضحوه ~~على وجهه، فرفع جفنيه الثقيلين لحظات، ولما رأى الأعين المحدقة به همس بصوت ثقيل متعثر: ~~دعوني .. نحن رجال .. افرحوا. الحظ! # ثم شعر في رأسه بدوي هائل وكأن مائة مطرقة تدق مخه، وفقد الحركة والإرادة والكلام. # وكان المعلم ms102 بيومي في الحاضرين، كان إذا سكر حمله أصحابه إلى بيته وطرحوه على لحافة فيروح ~~في نوم عميق لا يفيق منه إلا ضحى اليوم الثاني، فقال للقوم ناصحا: دعوه ينم؛ فالنوم ~~دواؤه، وسوف يصحو غدا صحيحا معافي. # وبادروا إلى حمله وأرقدوه على فراش أخيه وتركوه في سلام .. وعاد القوم إلى لهوهم يشربون ~~ويسمرون. # وراح جعدة في نوم عميق كما قدر المعلم بيومي، ولكن حدث ما لم يقدر أحد من السكارى ولا دار ~~لهم بخلد، انفجر شريان ونزف دمه، وتسللت الحياة من جسمه نقطة فنقطة حتى تركته جثة هامدة، ~~فنام نوما عميقا لا يقظة بعده ولا إفاقة، وكان ذلك قبيل انبثاق الفجر، وقد تصايحت ~~الديكة، فاختلط صياحها بهتاف الهاتفين وإنشاد المنشدين. # | الشر المعبود # قبل أن يستولي أول ملك على عرش مصر، كان الوادي مقاطعات مستقلة لكل واحدة إله ودين وحاكم، ~~وقد اشتهرت من بينها مقاطعة «خنوم» لما توفر لها من خصوبة الأرض واعتدال الجو وكثرة السكان، ~~ولكنها كانت تدفع نصيبها كاملا من ضريبة الشقاء والأحزان، ففسق بها المترفون، وتضور ~~الفلاحون جوعا، وعاث الأشرار في الأرض فسادا، وفتكت الأمراض والأوبئة بالضعاف والبائسين، ~~وشمر للإصلاح رجال المقاطعة المسئولون، وعلى رأسهم القاضي «سومر» وحارس الأمن «رام» ~~والطبيب «تحب»، وكافحوا الجريمة والعيوب مكافحة شديدة صارت مضرب الأمثال على الجهاد والصدق ~~والعزم. # وفي أحد الأجيال التي مرت على تلك المقاطعة ظهر بها رجل غريب، كان شيخا طاعنا في السن ~~حليق الرأس والذقن كعادة الكهنة المصريين، وطويل القامة نحيل الجسم، تلوح في عينيه نظرة ~~حادة تهزأ من فعل السنين، يشع منها نور الفطنة والحكمة، وكان رجلا غريبا حقا؛ فما لمست ~~قدماه بلدا حتى تساءل أهله عجبا .. من الرجل؟ .. وأي بلد قذفه؟ وما الذي يريد؟ وكيف يضرب في ~~الأرض حين ينبغي أن يخلد إلى السكينة والراحة في انتظار الانتقال إلى عالم أوزوريس؟ # ولم يقف به شذوذه عند حد. كان يثير وراءه عواصف الضجيج وزوابع الفتنة أينما حل وحيثما ~~يتجه؛ فكان يغشى الأسواق ويزور المعابد ويدعو نفسه إلى الحفلات على ms103 غير معرفة بأصحابها، ~~ويضع نفسه فيما لا يعنيه؛ فكان يحادث الأزواج عن زوجاتهم والزوجات عن أزواجهن ، والآباء من ~~أبنائهم، ويجادل السادة والنبلاء، ويكلم الخدم والعبيد، ويترك خلفه أثرا عميقا قويا يهيج ~~في النفوس ثورة جامحة يشتد من حولها الجدل والخصام. # وأثارت حياة الغريب مخاوف «رام» حارس الأمن فاتبعه كالظل وراقبه عن كثب، وارتاب في أمره ~~فقبض عليه وقدمه إلى القاضي لينظر في شأنه العجيب. وكان القاضي سومر رجلا طاعنا في السن ~~عظيم التجارب؛ قضي أربعين عاما من حياته الجليلة يجاهد جهاد الأبطال تحت راية العدل ~~والحقيقة، فأنفذ القضاء في حيوات المئين من المتمردين، وملأ السجون بالآلاف من الأشرار ~~والمجرمين، وكان يعمل صادقا مخلصا على تطهير المقاطعة من أعداء السلام والطمأنينة. # ولما مثل بين يديه الرجل الغريب أخذه العجب واستولت عليه الحيرة، وساءل نفسه عما يرتكبه ~~هذا الشيخ الفاني، ثم سأله بصوته المتزن وهو يلقي عليه نظرة فاحصة: ما اسمك أيها الشيخ؟ # فصمت الرجل ولم يجب، وهز رأسه كأنه لا يريد أن يتكلم أو لا يدري ما يقول. # واستاء القاضي من لياذه بالصمت بغير سبب معقول، وسأله بلهجة خشنة: لماذا لا تجيب؟ .. قل ما ~~اسمك. # فقال الرجل بصوت خافت وعلى فمه ابتسامة خفيفة غامضة: لا أدري يا سيدي. # فتضاعف استياء القاضي وقال منتهرا: ألا تدري ما اسمك حقا؟ ~~- بلى يا سيدي .. نسيته. ~~- أتقول إنك نسيت اسمك .. بم يدعوك الناس؟ # لا أحد يدعوني، لقد مات أهلي وذوي، ولبثت في الدنيا دهرا طويلا لا يدعوني أحد ولا ~~يناديني إنسان، وكان رأسي مفعما بالأفكار والأحلام فنسيت اسمي. # واتهم القاضي الشيخ بالبله والخرف، وتحول عنه يائسا إلى حارس الأمن وسأله: ما الذي حملك ~~على سوق هذا الرجل إلى المحكمة؟ # فقال «رام»: إنه يا سيدي رجل لا يستريح ولا يريح، يتطفل على الناس ويجادلهم في الخير ~~والشر، ولا يدعهم إلا وقد فرقت بينهم الفتنة والشقاق. # فالتفت إليه القاضي وسأله: ما الذي تريده من وراء ذلك؟ # فحدجه الشيخ بنظرة حادة، وقال بصوت قوي النبرات يهزأ بالسنين التي ms104 عاشها في هذه الدنيا: ~~أريد أن أصلح هذه الدنيا البشعة يا سيدي. # فابتسم القاضي وسأله: أليس يوجد من يهب حياته لهذا العمل النبيل وهو قادر عليه؟ ماذا يفعل ~~القاضي وحارس الأمن والطبيب؟ اطمئن أيها الشيخ وأرح نفسك ولا تحمل شيخوختك ما لا طاقة ~~لها به من بلوغ هذا المطلب العسير، وغيرك عليه أقدر. # فهز الرجل رأسه بعناد وقال: جميع من ذكرت قد وجدوا منذ الأزل، ولكنهم لم يقدروا بعد على ~~تغيير هذه البشاعة التي تشوه وجه الدنيا. ولا نزال نرى في كل بقعة من الأرض نذر الشر وآثار ~~الجريمة. ~~- وهل تنجح أنت إذا أخفقت جميع هذه القوى المؤتلفة؟ ~~- نعم يا سيدي .. أمهلني وسوف ترى. # فابتسم القاضي في استخفاف وسأله: وماذا تدخر من الوسائل مما ليس لديهم؟ ~~- إنهم يا سيدي يطاردون الأشرار ويعالجون الأمراض ويضمدون الجراح .. أما أنا فسبيلي أن ~~أقضي على الداء. إن الداء كمين في مخبئه آمنا، وهم لا يكترثون إلا لآثاره، وقد أنعمت النظر ~~فوجدت أن المعدة أصلا بلاء هذه المقاطعة، وجدت كثيرين لا يستطيعون أن يملئوا منها فراغا ~~فيعيوا جوعا، وآخرين لا يتركون بها فراغا قط فيهلكوا نهما، ومن التجاذب والتنافر بين ~~هاتين المعدتين يحدث السلب والنهب والقتل؛ فالداء بين والدواء بين. # فقال القاضي: على العكس مما ترى، هذا داء لا دواء له! # هذا قولهم يا سيدي، وما يقولونه إلا لأنه ينقصهم شيء متعني الرب به، هو ~~الإيمان بالخير. إنهم لا يؤمنون بالخير حق الإيمان، ويجاهدون في سبيله جهاد الآلات الصماء ~~التي لا تحس، ويعملون بالأجر وللجاه والمجد .. فإذا خلوا إلى أنفسهم تهالكوا على ما يجاهرون ~~بمقته من الإثم. هذا شأنهم يا سيدي، أما أنا فمؤمن حقا بالخير، فدعني أعمل على طريقتي ~~وأمهلني رويدا. # وأهاج كلام الرجل الغضب في نفس حارس الأمن؛ إذ حسبه يلمزه من قريب، ولكن القاضي كان أوسع ~~صدرا وألين قلبا، فأغضى عن قول الرجل. ولما لم يجد في عمله ما يستحق عقوبة أطلق سراحه بعد ~~أن أسدى إليه النصح. # وغادر الرجل المحكمة وهو ms105 يحس بنشوة الظفر، وكان على وجه اليقين مؤيدا بروح سام لأنه ~~كان يسير في الأرض بقوة مارد، ويتدفق في الحديث بحماسة شاب، ويفيض عليه قلبه بتفاؤل نبي، ~~وكان لسانه ينفث سحرا حلالا وحجة تلزم المتكبرين، فاستطاع في مدة وجيزة أن يستأثر بآذان ~~القوم ويسحر قلوبهم ويهيج عاطفة الخير في نفوسهم ويوجههم إلى حيث يريد، فاتبعه الفقير وخضع ~~له الغني وذل له المتمرد العاصي. وكان أساس دعوته الجمال والاعتدال اللذان يعيش في ظلهما ~~الفقير بالقناعة والغني بما فيه الكفاية. ووجد فيه ذاك المجتمع المريض طبيبا صادقا بارعا ~~فتعلق بمثله واعتنق مبادئه. وجاءت النتائج باهرة يخطف نورها الأبصار ويذهل عقول العقلاء، ~~فسحقت الجريمة وهزم الشر وأدبرت الأمراض، وأظلت السعادة بجناحيها المقاطعة، فهلل ~~الحكام وكبروا، وآمنوا بالرجل الذي كانوا فيه يمترون، وسعدوا جميعا لبلوغ الغاية ~~النبيلة التي أنفقوا أعمارهم عبثا في سبيل بلوغها. # وتقدم الزمان بخطى هادئة في جو صاف وطريق معبد، وتحولت الأمور إلى غير ما عهد ~~الناس. # وكان الحكام أول من أحس بالعهد الجديد، والحق أنهم وجدوا أنفسهم عاطلين، والراحة لذة لا ~~يذوقها إلا العاملون، فثقل الفراغ على ظهورهم، وشاهدوا بأعين جزعة مجدهم ينهار وريحهم تذهب ~~ونورهم ينقلب ظلاما. # كان حارس الأمن قوة ترهب أينما يحل، فرد إلى شيء تقتحمه العيون وتستهين به القلوب، ~~وأضحى تمر به العامة وكأنها تمر بصنم محطم. # وكان القاضي قوة قدسية ومهابة إلهية، فأصبح يقلب كفيه آسفا حزينا لا يسمع تحية ولا ~~رجاء، ولا يساق إلى رحابه من يهابه، فأحس بعزلة ووحشة، وبات كمعبد مهجور في الصحراء. ~~وأن الطبيب بشكوى مكتومة، وحبس نفسه في داره لا يزوره إنسان ولا يزور إنسانا، وكان يكنز ~~المال في القدور فأصبح ينفق مما جمع وقلبه واجف. # اطمأن الإقليم جميعا إلى الخير إلا أولئك الذين وهبوا أنفسهم «صناعة الخير». كانوا حيارى ~~يائسين يتلفتون يمينا وشمالا فلا يجدون لأنفسهم مخرجا مما هم فيه، وكان حارس الأمن أشدهم ~~عذابا؛ لأنه كان أعظمهم جراءة، ولكنه كان يخشى أن يقدم على التصريح بمخاوفه فيجد آذانا ms106 ~~صماء وقلوبا مطمئنة إلى الخير. ولما نفد صبره انتهز فرصة اجتماعه بإخوانه وأقرانه وقال ~~بشيء من التهيب متسائلا: ماذا نفعل لو استغني الحاكم عن خدماتنا غدا؟ # فاصفرت الوجوه، وسأله سائل بلسان ملعثم: أمن المحتمل أن يستغني عنا حقا؟ # فقال رام وهو يهز كتفيه استهانة: وماذا نفعل حتى نستحق البقاء؟ # وكأنه بقوله هذا رفع صماما عن مرجل يغلي ففاض كل بما في قلبه، فقال واحد منهم: هذه حال ~~لا يمكن السكوت عليها. # وقال آخر وهو يهز قبضة يده: لقد أفسد الشيخ الخرف المقاطعة. # وقال ثالث: إنه يحطم القوى الإنسانية العالية بهذه الدعوة الفاسدة التي تعوق التقدم وتقتل ~~الهمم. # وسرت النجوي من لسان إلى لسان، وأبان كل عما بنفسه إلا القاضي فإنه لزم الصمت، وسها إلى ~~الأفق البعيد كأنه لا يسمع مما يدور حوله شيئا، وكاد مظهره يجلب اليأس إلى قلوب الكثيرين ~~من أعوانه، إلا أن رام همس لهم خارجا: لا تخشوا القاضي؛ فقلبه معنا، ولكن لسانه الذي ~~مرن على الكلام عن العدالة لا يطاوعه على ما نحن بسبيله. # واتفقت كلمتهم. # وأشرقت الشمس ذات صباح فإذا بالرجل الغريب قد اختفى، وبحث عنه مريدوه في كل مكان، وفتشوا ~~عنه في كل بقعة من الإقليم فلم يعثروا له على أثر. # وأحدث اختفاؤه دهشة وانزعاجا، وأثار أقاويل متباينة؛ فمن قائل إنه هجر المقاطعة إلى ~~غيرها بعد أن اطمأن إلى ثبات عقيدته، ومن قائل إنه صعد إلى السماء بعد أن أدى رسالته. وشمل ~~الحزن المقاطعة كلها ووجفت القلوب جميعا. # وتنفس السادة الصعداء، وانتظروا على أمل سعيد وكلهم يحلم بالمجد الآفل والنعيم الذاهب، ~~ويمني نفسه ويستنظرها. # ولكن النفس يلحقها الجزع كلما دنت من الأمل المرتقب، فباتت أعصاب القوم ثائرة وقلوبهم ~~حائرة، وكان يقض مضاجعهم أن يروا عامة الناس ما تزال متمسكة بالدعوة، مخلصة لذكرى الشيخ ~~الغريب. # واهتاج الغضب حارس الأمن فصاح: ينبغي ألا تدوم هذه الحال. # ونظرت إليه أعين أحياها الطمع وأضناها الأمل، فاستدرك قائلا همسا: أعرف في مقاطعة ~~«بتاح» راقصة فاتنة أولتها الآلهة حسنا لا يقاوم، ms107 فلماذا لا نستعيرها أشهرا؟ وإني أعلم ~~أن حاكم الإقليم راغب في نفيها لما يهيج جمالها من الفتنة والملاحقة، فليكن إقليم خنوم ~~منفاها إلى حين؛ وهي بغير شك حقيقة بأن تفرق ما بين الأخ وأخيه والزوج وزوجه، وبأن تغري ~~الأغنياء بالانقضاض على السلاسل التي وضعوها في أعناقهم طائعين .. انتظروا خيرا قريبا. # وحقق ذلك العبقري فكرته الخطيرة. # وشاهدوا جميعا بأعين مشرقة بنور الفرح ذلك النظام يتقوض بنيانه ويتهاوي حجرا على حجر، ~~وردت المعدة إلى عرشها تتحكم في الرقاب والعقول، وعادت الحياة الشيطانية تملأ جو «خنوم» ~~الهادئ، وتعصف بالسلام المخيم على ربوعه، واستأنفت عصبة الحكم جهادها، ووجدت نفسها مرة أخرى ~~تكافح وتناضل عن الخير والعدالة والسلام. # | الورقة المهلكة # انتهى المطاف بالشمس إلى الأفق الغربي، وقد شملها الهدوء والوجوم والأسى بعد أن ولى عنها ~~تيه الفتوة وزهو الشباب، ومضى شعاعها الشاحب يوغل شرقا مودعا رمال الصحراء المتاخمة ~~للعباسية موسعا وراءه للسمرة الزاحفة. # ولم يكن في الطريق الذي يخترق الصحراء - في تلك الساعة - سوى سيارة بيضاء صغيرة تسير على ~~مهل، كأنه لا غاية لها سوى المسير، ويسوقها شاب تدل نظرة عينيه المظلمتين على الملل وعدم ~~الاكتراث. # وتقدمت السيارة في الطريق حتى حاذت أبنية المصانع الجديدة التي تشغل مساحة واسعة من فضاء ~~تلك الصحراء، ثم وقفت أمام بناء صغير كتب على لوحة في أعلى واجهته «مطعم وقهوة الزملاء»، ~~وكان البناء مكونا من قسمين؛ واحد مسقف رصت به موائد الطعام الخشبية التي يتناول عليها ~~الطعام عمال المصانع القريبة، والآخر مكشوف معشوشب الأرض، وضعت به الكراسي حول نافورة من ~~ماء آسن، أقيمت حولها عمد خشبية علقت برءوسها الكلبهات. # ألقى الشاب نظرة على البناء وقد لاحت في عينيه الأحلام، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ~~الممتلئتين، وغادر السيارة فبدت قامته الرشيقة وبذلته الأنيقة، ودخل إلى القهوة واختار ~~ركنا قصيا، وكان المكان خاليا ساكنا؛ لأنه لا تدب فيه الحياة عادة إلا بعد انصراف ~~العمال في المساء، فجلس يحتسي فنجانا من القهوة والنادل على بعد منه يرمقه بنظرة ملؤها ~~الإنكار والدهشة. # ولم ms108 تكن هذه أول مرة يهبط فيها إلى هذه القهوة التائهة في الصحراء؛ فقد زارها زيارة سعيدة ~~لم تكن في الحسبان منذ أمد قريب. وما دفعه إليها تلك المرة إلا الملل الراكد على نفسه التي ~~شبعت من أهواء الدنيا، وعانت من الفراغ مر العناء، وتركته يتخبط حائرا ما بين الميادين ~~والأزقة لا يهتدي إلى مستقر. وما عاد به إليها هذه المرة إلا ما طالع خياله من أطياف ~~الذكريات الحلوة. # وجلس يلقي على المكان نظرة تذكر وحنين، ولم يكن يرى منظرا غريبا؛ فإنه يذكر ولا شك تلك ~~الأبنية العالية التي يتصاعد الدخان من أعاليها ويدوي قرع الآلات في داخلها، وهذه الصحراء ~~المترامية التي تنتهي شطآنها البعيدة إلى مآذن القاهرة المعزية، ولكن ما له يلتفت يمنة ~~ويسرة، هل يفتقد منظرا يذكره ولا يجده؟ # نعم إن الصورة التي انتزعها رأسه من المكان في تلك الليلة القمراء ناقصة .. ولا تنقص شيئا ~~تافها، بل تنقص مدينة كاملة .. مدينة الصفائح الغريبة .. كانت تقع أمام القهوة مباشرة على بعد ~~عشرة أمتار من مدخلها، وكانت مبانيها أكواخا من الصفائح التي علاها الصدأ، تأوي رجالا ~~ونساء وأطفالا، وترعي في عرصاتها المعز والكلاب .. أين يا ترى هذه المدينة، أم تراه اشتبه ~~عليه الأمر؟ # ولكي يقطع الشك باليقين نادى النادل وسأله وهو يشير بيده إلى الموضع الخلاء الذي أحدث ~~ارتيابه: ألم تكن توجد هنا أكواخ من الصفائح؟ # فهز الغلام رأسه علامة الإيجاب وقال: بلى يا بك. ~~- فأين ذهبت؟ ~~- هدمتها الحكومة. # قطب الشاب جبينه وسأله: متى .. ولأي سبب؟ ~~- منذ ثلاثة أشهر، بعد أن تأكد البوليس من أن ساكنيها من اللصوص والقتلة. # لم يكن في الخبر ما يثير الدهشة، ولكنه ذكر شخصية عزيزة فقال: كان يوجد هنا رجل مغن ~~يدعى أبو لبة .. أو أبو رنة لا أذكر .. ألا تعلم أين هو؟ # فتفكر الغلام دقيقة ثم قال: لعله أبو سنة يا بك. ~~- أظنه هو، كان يغني غناء جميلا وينشد إنشادا ساحرا. ~~- نعم هو يا بك، ولكنه شنق وا أسفاه! # وانزعج الشاب وسأله: أتقول إنه شنق؟ ms109 ~~- نعم شنق بغير شك. ~~- ولماذا شنق؟ ~~- لسبب تافه جدا. # فاستولت الدهشة على الشاب وسأله: كيف يشنق لسبب تافه .. ماذا فعل؟ # فقال الغلام بهدوء: قتل. # فابتسم الشاب بالرغم من انزعاجه وقال: ولكن ليس هذا بالسبب التافه. ~~- قتل بغيا. # ولم يستطع الغلام أن يتم حديثه؛ لأنه قطعه عليه دخول جماعة من العمال ونداء المعلم له، ~~فحيا الشاب وانصرف إلى عمله. # لقد وقعت أحداث غريبة منذ زيارته الأولى لهذه القهوة. # دمرت مدينة، وتشتت أهلها، وشنق رجل كانت حنجرته تنفث سحرا وبهجة؛ فما أتعس مجيئه هذه ~~الليلة! جاء يطلب لهوا ومسرة فوجد خرابا وموتا. # ولبث كئيبا، وراح يفكر في زيارته الأولى تلك الليلة القمراء السعيدة. # كان في مساء تلك الليلة جالسا في سانت جيمس يشارب جماعة من صحبه كما هي عادته كل مساء، ~~وقد تركوا الحانة في الساعة العاشرة، ورأى بعضهم أن يمضوا الليل في صالة رقص أو غناء أو ~~نساء، ولكنه لم يجد من حواسه ميلا إلى تلك المتع. # كان ضيق الصدر من طول ما فعل به الملل والفراغ، وكان يعاني شبعا ثقيلا صرف هواه عن ~~الدنيا جميعا، فأمسى الرقص والغناء والنساء ألفاظا لا معنى لها، وانقلب جسد الأهواء ~~الفاتن في عينيه جثة هامدة، فودع صحبه وتركهم يذهبون. # وتلفت يمنة ويسرة في حيرة .. إلى أين يذهب؟ ولم ينقذه من حيرته إغراء .. فترك لملله ~~ووحدته وسكره. # ثم استقل سيارته الصغيرة وانطلق بها على غير هدى، وساقه التخبط إلى العباسية، ودفعته ~~العباسية إلى صحرائها الشرقية، ولفتت ناظريه - في الطريق الصحراوي الملتوي - أنوار خافتة ~~تنبعث من القهوة المنعزلة، فهدأ من سرعة السيارة، ونظر صوبها فسره منظر الجالسين يتسامرون ~~ويلعبون النرد والورق، وحمل الهواء إلى أنفه رائحة «التمباك المعسل»، فتسربت إلى مخه وأطربت ~~أعصاب رأسه، فانقشع عنه كابوس السقم، وأدار السيارة إلى أمام مدينة الصفائح ووقف، وحسب أن ~~جلسة في هذه القهوة ونفسا من هذه «الجوزة» يساويان نعيم الدنيا الذي أنهك قواه وأضنى ~~قلبه. # ولفت شخصه الغريب أنظار الجالسين، ولكنه لم يجد حرجا ولم يستشعر خجلا؛ إذ ms110 أخفت الخمر عن ~~عينيه نظرات الآخرين، وقصد إلى ركن خال واطمأن إلى كرسي وطلب جوزة .. وكان القمر بدرا، ~~والسماء صافية كأنها تعرت تستحم في نوره البهي، فبهره سحر النور وجمال الليل وفتنة ~~الصحراء القائمة وكأنه يرى القمر لأول مرة، بل لعله كان يراه لأول مرة حقا؛ لأنه كان في ~~العادة يمر على محاسن الكون ومفاتنه بعيني أعمى وأذني أصم، أما تلك الليلة - والخمر في رأسه، ~~و«الجوزة» في فمه - فقد نظر وقلب وجهه الذاهل في أقطار السماء والفضاء، وخال الأنوار الهادئة ~~ترقص طربا والقمر الساطع ينشد نشيدا ترتله السموات والأرض، وأحس كأنه متعلق بأطراف النور ~~الفضي كمن يتقلب على بركة من الزئبق. أي حسن .. وأي شعور .. في تلك الساعة السعيدة نسي مرضه ~~العضال وحزنه الثقيل والملل الجاثم على صدره، وذهب عنه شبعه المزمن، وأحس بجدة وبعث ومتعة ~~وحب؛ فأنشد الصامت في أذنيه، وابتسم العابس لعينيه، ولولا الحياء لاندفع يرقص ويغني وينشد ~~طربا وفرحا. وبالغ صاحب القهوة في إكرامه والترحيب به، وأحضر له «الجوزة» بنفسه وهو يقول ~~بتودد: آنست وشرفت. # وكان شيخا في الستين، قصير القامة، بطينا، ضخم الوجه والرقبة، فلم يسع دانش - اسم الشاب ~~- إلا أن يشكره. # وأراد الرجل أن يبالغ في إكرامه فقال: أتحب يا بك أن تسمع غناء بلديا؟ # فسر دانش وقال لنفسه: ليلة قمراء وخمر وجوزة وغناء بلدي، يا لها من ليلة سعيدة حقا .. ~~وقال بحماس للرجل: نعم .. نعم .. أين المغني؟ # فنادى الرجل: أبا سنة .. تعال. # وتقدم من بين صفوف الجالسين شاب طويل القامة عريض المنكبين، لم يجل نور القمر الشاحب ~~قسمات وجهه، وأسدل ظلا على أسماله البالية. # دنا من صاحب القهوة وقال: نعم؟ # فقال له الرجل: اقعد يا عم .. يريد البك أن يسمع غناءك. # وقال دانش: نعم .. أسمعنا .. أسمعنا. # ثم التفت إلى صاحب القهوة وقال: يا معلم .. هات «للأستاذ» جوزة. # وانبسطت أسارير الشاب فرفع يده إلى رأسه تحية، وتربع جالسا على الأرض أمام البك، وسعل ~~مرات متوالية يسلك حنجرته، ثم أسند رأسه إلى كفه ومضى يغني «ليالي» ms111 في صوت جميل ظن دانش ~~في نشوته أنه أجمل من أصوات الحور في الجنان، ثم أنشد: # بكره وبعده وبعد اللي وراه بعده # وإن غاب حبيبك ما لكش في البلد بعده # وكان رأسه يهتز وجسمه يتمايل، وكان جميعه في حركة وجدانية تمثيلية غريبة، وكان صوته يتهدج ~~ويتوجع؛ يعلو تارة حتى يملأ الفضاء، ويخفت أخرى حتى ينفذ إلى أعماق القلب. وما إن انتهى من ~~إنشاده حتى صعدت آهات الإعجاب من كل فم، وكان الشاب أول المعجبين، وغلبته النشوة والطرب ~~فطلب لكل واحد من الجالسين «جوزة» وصاح بالمغني: لا أسكت الله لك صوتا .. أسمعنا موالا آخر. # فهز الرجل رأسه مختالا فخورا، ووضع يسراه على أذنه ويمناه على الجوزة، وأنشد: # بيني وبين الحبايب جبل عالي وتل حشيش # وبحر خمرة ونفسي في النبيذ ولا فيش # ولما انتهى المغني من إنشاده بلغ الفرح بنفس دانش مبلغا ظن أنه لن يذوق الملل بعده ~~أبدا، وأحس بالرضا والغبطة، وأفعم قلبه بعاطفة سعادة وخير، فود لو يستطيع أن يغمر كل ~~محزون بفيض من سعادته، ومال بقوة قاهرة إلى مكافأة الرجل الذي مس روحه بنفثة من سحر صوته، ~~فدس يده إلى محفظته ووجد بها بضعة قروش وورقة من ذات العشرة جنيهات، فأعطى القروش إلى ~~صاحب القهوة، ثم نظر إلى المغني مليا ووضع الورقة في يده وهو يقول: هذه لك. # لم يداخله التردد مطلقا، وما كانت ثمة قوة في الوجود تستطيع أن تمنعه من المنح والعطاء ~~تلك الساعة، أما الرجل فسهم ووجم وأدنى الورقة من نور المصباح وتأملها بإنكار، ولمح الورقة ~~في يده أحد الجالسين فاقترب منه ونظر إليها لحظة ثم قال بلهجة خبير: ورقة قديمة من ذات ~~العشرة قروش، كانت متداولة أيام السلطان. # فتضاحك دانش وقال للرجل بصوت سمعه كثيرون ممن حوله: جزاك الله على ما أسعدتني خيرا .. هذه ~~ورقة من ذات العشرة الجنيهات قد تراها بين يديك ثروة عظيمة وأراها أنا شيئا تافها إلى ما ~~أحسست به من سعادة .. السلام عليكم يا سادة. # على أنه رأى منظرا عجيبا - زاد ms112 من مسرته - قبل أن يغادر القهوة؛ رأي أبا سنة يهب ~~واقفا فزعا، وسمع همسا تناقلته الشفاه، ثم علا ضجيج، ثم ساد صمت ثقيل، وقد كفت كل يد ~~عن اللعب وكل فم عن التدخين، والتقت الأبصار جميعا عند المغني السعيد. # ولبس طربوشه وسار إلى سيارته وقلبه يكاد يطير من الفرح بعد أن نفض عنه راكد السقم والملل، ~~وعاد إلى المدينة، ثم ألهته الحياة عن الصحراء وقهوة الصحراء وأبي سنة حتى وجد نفسه فيها ~~هذا المساء. # فما أشد ما نزل بالدنيا من تغير! اندثرت مدينة الصفائح العامرة .. وفتك الحبل بعنق أبي سنة ~~الجميل وحنجرته الذهبية .. يا للعجب! كان أبو سنة مطربا، فكيف صار قاتلا؟ ووجد رغبة صادقة ~~في السؤال والتحري عنه، وكان صاحب القهوة جالسا بمكانه المعهود عند مدخل المطعم، فأشار ~~إليه وناداه قائلا: «يا معلم.» وحدق الرجل في مصدر الصوت وهو يضيق عينيه، ثم سار إليه، ~~فلما دنا من صاحبه ورأي هيئته المميزة ابتسمت أساريره، وارتفعت يده إلى جبينه بالسلام، ولكن ~~لم يبد عليه أنه عرفه أو تذكره، وطلب إليه دانش أن يجلس ثم قال له: أراك لا تذكرني يا ~~معلم. # فحدجه الرجل بنظرة إمعان وارتباك، وتمتم وعلى فمه العريض ابتسامة حائرة: أهلا وسهلا. # فأردف دانش: ألا تذكر تلك الليلة القمراء .. والمغني أبا سنة .. وموال بكرة وبعده؟! كم مضى ~~على تلك الليلة؟ .. ثمانية أشهر أو يزيد، ألا تذكر؟ # ونظر الرجل إليه نظرة غريبة، كان الشاب يتوقع أن يقرأ فيها الدهشة والترحاب، ولكنه وجدها ~~جامدة ثقيلة. ~~- ألا تذكر يا معلم؟ # فهز الرجل رأسه وقال: بل أذكر يا بك. ~~- سمعت خبرا عجيبا مزعجا .. هل حقا شنق أبو سنة؟ ~~- نعم شنق الرجل التعس. ~~- كيف شنق؟ ~~- أتحب أن تعرف يا بك؟ ~~- طبعا يا معلم. # فقال الرجل بصوت غليظ: ألا تذكر الثروة التي رميته بها في تلك الليلة؟ # فهز الشاب رأسه بالإيجاب وقد داخله قلق للهجة الرجل، أما المعلم فاستطرد قائلا: في تلك ~~الليلة شاهدت وشاهد جميع الزبائن منظرا عجبا، فعلى أثر ذهابك انتبذ أبو سنة ms113 مكانا خاليا ~~وجلس ويده تمسك بالورقة الثمينة. ولم تكن عادته أن يجلس صامتا؛ فهو إما أن يضاحك القوم أو ~~يغنيهم وينشدهم، أما في تلك الساعة الرهيبة فقد انكمش مضطربا وجعل يختلس من الجالسين نظرات ~~الريبة والقلق، ويمعن في الورقة نظرا يتنازعه الشك واليقين والذعر والأمل، ودنوت منه وطلبت ~~إليه أن يطلعني على الورقة، فأطلعني عليها وهو قابض على طرفها فعرفتها، وأمنت على قولك له ~~دهشا متعجبا، وقلت له: لقد أتتك ثروة واسعة. وكان محط الأنظار ومثار الاهتمام والهمس، ~~وكنت أتوقع أن يغادر المكان سريعا، ولكنه ظل ذاهلا يتناوب على عينيه نور فرح مخيف والتماع ~~ذعر مريب. ولعله كان في حيرة من أمره لا يدري أين يذهب؛ فهو آمن وسط الجميع، ولكن أنى له ~~الأمان إذا انفرد في الطريق أو أوى إلى كوخه في مدينة الصفائح؟ ومدينة الصفائح لا يعرف ~~أهلوها من العملة سوى الملاليم، ولا يغمض لها جفن إذا علمت أن بين حدودها ورقة من ذات العشرة ~~جنيهات، فما العمل؟ بات خائفا مذعورا وأمسى الجميع أعداءه. # وسكت الرجل دقيقة ثم رمق الشاب بعينين أحرق الاحمرار أشفارهما، واستطرد: وأغلب الظن أن ~~القلق أثار أعصابه وحرضه على الاستهتار، فما كان منه إلا أن قام بغتة وقال بصوت مبحوح: ~~«السلام عليكم يا إخوان.» وغادر القهوة على عجل، ولكنه بدلا من أن يسير إلى مدينة الصفائح حيث زوجه ~~وأسرته انحرف إلى اليمين وأوسع الخطى حتي ابتلعته الظلمة. وأحدث انحرافه دهشة فتبعه أحد ~~الرفاق، وغاب زمنا يسيرا ثم كر راجعا وهو يصيح ضاحكا: «ألا تعلمون .. إن الرجل المعتوه ~~يعدو بقوة كأنما يطارده مطارد عنيف.» وأحدثت عبارة الرجل عاصفة من الضحك والسخر واللعن، ~~وهكذا غادرنا أبو سنة. # وذاع الخبر حتى بلغ مدينة الصفائح، فجاءت أسرة المغني على عجل، وتبعها قوم كثيرون ممن ~~يشتغلون بجمع الأعقاب ولم الورق القذر وسألوا عن جلية الأمر؛ فلما أن صح بينهم الخبر انعقدت ~~ألسنتهم من الدهشة، وظنوا أن المغني ذهب ليدفن كنزه في مكان أمين فقعدوا ينتظرون، وطال بهم ~~الانتظار على ms114 غير جدوى، فجزع الأكثرون وتفرقوا ولم يبق إلا أفراد أسرته، ولبثوا طويلا ~~يترقبون ولكن أبا سنة لم يعد. # وهنا غلب السعال على «المعلم» فمنعه عن إتمام حديثه، وانتظر دانش حتي رد إليه النفس واستحثه ~~بنظرة عينيه القلقتين فاستطرد الرجل: كلا لم يعد أبو سنة .. وما كان ليعود .. لقد هجر أسرته ~~ومدينته وصحبه إلى الأبد، باعهم جميعا بتلك الورقة السحرية، ولما طالت غيبته رثى بعض ~~إخوانه لحال أسرته، فخرج في طلبه والبحث عنه. ومن ذلك اليوم ترامت إلينا أخبار عجيبة، فقيل ~~إن المغني التائه قادته قدماه إلى الأزبكية، وإن بغيا وقعت في هواه وأوقعته في شراكها، ثم ~~قيل إنه اشتغل بالغناء في قهوة بلدية بالأحياء الموبوءة، وأخذ الكثيرون يتحدثون عنه بلغة ~~الأساطير والخرافات، فقالوا: إن الدنيا تبسم له، وأنها في إقبال عليه يتزايد يوما بعد يوم؛ ~~فالأموال تتقاطر عليه من كل يد والنساء يتهافتن عليه من كل باب، وإنه بطر وطغى وفرض السطوة ~~وجبى الإتاوة ونشر الرعب. # كانت أخبارا غريبة يعز تصديقها، ولكنها فتنت شباب مدينة الصفائح وأثارت الطمع في قلوبهم، ~~فلحق به نفر منهم إلى مهاوي الفجور، ومدوا إليه يد الأخوة، وقاسموه الخير والشر، فكانوا ~~سواعده إلى الإثم والفجور والإرهاب. # ولبثت تلك الحياة ما لبثت، ثم انقطعت على أسوأ حال، وقيل في ذلك إن الرجل رجع يوما إلى ~~مخدع عشيقة له على غير موعد، فوجدها بين يدي أحد أتباعه، فكبر عليه الأمر وأعماه الغضب، ~~فاستل خنجره وقتل به الاثنين، وقبض عليه وعلى عصابته، وامتدت يد القانون إلى مدينة الصفائح ~~منبت ذاك الشر، وانتهى الأمر فشنق أبو سنة وسجن أتباعه، وهدمت المدينة المظلومة .. ~~وسبحان من له الدوام يا بك! # كان دانش يصغي إلى محدثه في ذهول، وسمعه يختم حديثه بلهجة مريرة ساخطة، فسرت في جسمه هزة ~~عنيفة، ولم تعد أعصابه تحتمل الجلوس فقام منزعجا، وغادر القهوة دون أن يلقي عليها نظرة ~~وداع. # كان كئيبا منقبض الصدر. # وكان يتذكر تلك الليلة السعيدة حين غلبته نشوة الفرح فغمر بفيضه بعض القلوب، ويتعجب. كان ms115 ~~ليلتها سعيدا فرحا ينشد السعادة للجميع، فكيف انقلب غرضه عليه؟ .. كيف خانه الهدف فدمر ~~مدينة وشرد أهلها؟ # وا أسفاه! # | ثمن السعادة # دخل الأستاذ الحجرة التي قاده إليها الخادم فلم يلق تلميذه الصغير في انتظاره كمألوف ~~عادته، فجلس على كرسيه يقلب عينيه في الصور المعلقة على حيطان الحجرة، وكانت المرة ~~الأولى التي ينتظر فيها تلميذه منذ جيء به له لعشرة أيام خلت، وأوشك أن يدعو الخادم حين سمع ~~وقع أقدام خفيفة، ورأى الغلام مقبلا عليه يتأبط كتبه وكراسته، فحدجه بنظرة تعنيف، ولكن ~~راعه أن يرى عينيه محمرتين من البكاء وذقنه الصغير يرتعش من التأثر، فسأله باهتمام: ما ~~لك؟ # وكأن السؤال أثار مكظوم شجون الغلام فاندفعت الدموع إلى مآقيه، قال وهو ينتحب: تيزة .. ~~ضربتني، وتشاجرت مع بابا، وما زالا يتشاجران. # فسأله باقتضاب: من تيزة هذه؟ ~~- امرأة بابا. # فدلته هاتان الكلمتان على معان كثيرة بغير حاجة إلى مزيد من السؤال. على أن الغلام تطوع ~~من نفسه فسرد قصته الصغيرة الحزينة على مدرسه، قال: إن والدته ماتت لعهد ولادته، وأن أباه ~~تزوج من تيزة بعد ذلك بعام أو عامين، وإنه يعيش بمفرده تحت رعايتها بعد أن تزوج أخواته ~~الأربع في الأعوام الثمانية التي أعقبت وفاة الأم، وإن أسباب الخلاف لا تنتهي بين تيزة ~~وأبيه، فلن يزالا يصطدمان ويشتجران، وأقسم أن الحق دائما مع أبيه، وأنه لا يشتبك معها حتى ~~يضطر إلى ذلك اضطرارا، ثم لا يلبث أن يكف عنها يائسا قانطا، فلا تسكت هي عن الغضب والحنق ~~والسباب. وأصغى المدرس إلى تلميذه بغير اهتمام ظاهر، وواساه بكلمة تافهة، ثم تناول الكراسة ~~وبدأ عمله، ولم يطرقا الحديث مرة أخرى، ولا عادا إليه فيما أعقب ذلك من الأيام، حتى كانت ~~ساعة درس فاقتحمت عليهما الغرفة بغير استئذان شابة حسناء في ريعان الشباب، فوضع الأستاذ ~~الكتاب على المكتب وقام واقفا في تأدب واحترام، وألقى على الزائرة نظرة حيية، فراعه ما رأى ~~- لا من حسنها وشبابها فحسب - ولكن من انطلاقها على سجيتها وعدم تكلفها، الأمر الذي أخرجها ~~- بغير ms116 قصد طبعا - عن الاحتشام، فكانت ترتدي «روب دي شامبر» من نسج حرير رقيق يكشف عن ذراعيها ~~ونصفي ساقيها وأعلى الصدر. وكان الأستاذ يظن أنه لا يجوز لشابة أن تبدو هكذا لعيني رجل غريب؛ ~~ولذلك غلبه الارتباك والاستحياء، وحدس أنها إحدى أخوات تلميذه المتزوجات، وتأكد حدسه حين ~~رآها تمد يدها في رفق إلى ذقن توتو تداعبه، ثم جلست باطمئنان تجاه المدرس وهي تخاطبه ~~قائلة: تفضل بالجلوس .. هل يعجبك عمل توتو؟ # فجلس أنيس وهو يقول: توتو مجتهد، وقد تقدم في هذين الأسبوعين في الآجرومية والمطالعة، ولا ~~ينقصه إلا المثابرة على حفظ الكلمات. # فابتسمت ابتسامة حلوة وطلبت إليه أن يستمر في عمله، فعلم أنها ترغب في أن تشهد درسه، فلم ~~ير بدا من متابعة الدرس متلعثما برما، واختلس منها نظرة فوجدها تنظر إليه بإمعان، ~~فاعتقد أنها تتابع كلامه، فوجه انتباهه إلى ما يقول ليخرج صحيحا عذبا، ومرة أخرى وقع نظره ~~على جيب الروب وقد انفرج عن أعلى الصدر فراغ بصره وارتد في اضطراب وذعر. # ولم تمكث الشابة طويلا فحيته وانصرفت، فشيعها بنظرة غريبة وقال لتوتو مستفهما: أهي ~~أختك؟ # فهز الغلام رأسه سلبا وقال بجفاء: تيزة. # فتملكت الشاب الدهشة وتساءل متعجبا: تيزة؟! # فنظر الغلام إليه بإنكار وقال: نعم. # فتمالك أعصابه ولم ينبس بكلمة، ولكنه لبث مشغولا دائم التفكير، وفي أثناء عودته إلى ~~مسكنه بشارع ماهر بالجيزة استدعى صورة والد توتو - كما رآه يوم قدم إليه - ببدنه المترهل ~~وكرشه الكبير ورأسه الصغير المستدير الأصلع قد علا المشيب قذاله، وقلق المنظار على أنفه ~~الغليظ المجدور؛ ثم تمتم قائلا: «الآن فهمت كل شيء .. فرضوان بك حكمدار في المعاش جاوز الستين، ~~وزوجته لا تعدو الرابعة والعشرين، وتوتو غلام بائس تضافرت عليه أسباب التنغيص الظاهرة ~~والخفية .. ولكن لماذا تلطفت بالغلام أمامي؟! ولم يعتور أفكاره سوء؛ لأن أنيس كان طالبا - وإن ~~كان أستاذا لتوتو - طاهر النفس. على أنه تأثر بحسنها وشبابها وخلاعتها غاية ~~التأثر. # وفي الدرس التالي لم يكد يطمئن إلى مقعده أمام تلميذه حتى كانت «تيزة» ثالثتهما، وكانت ~~كما ms117 رآها أول مرة جميلة خليعة مبتذلة في ثوبها ولم تلازم مكانها طول الوقت، فكانت تخرج ~~لبعض الشئون ثم تعود إلى جلستها. وفي مرة عادت فجلست إلى جانبه دون أن يبدو عليها أنها ~~تعمدت ذلك، فخال أنيس أن ساقها - لدنوها - تلامس ساقه. وعند انصرافه سلمت عليه باليد، ~~فراح يضوع من كفه أريج معطر، ومضى مبلبل الفكر تضطرم في وجدانه يقظة عاطفية حارة، وما زال ~~مشغول البال يحاول أن يتفهم محاضراته عبثا حتي ضرب مكتبه بقبضة يده، وصاح جزعا مكروبا: ~~«لا أحسبني إلا مجنونا أو مسحورا.» # وفيما أعقب ذلك من أيام كان يذهب إلى بيت رضوان بك شغفا بها قبل كل شيء، وأحس أن تفضلها ~~بحضور درسه هو السعادة الحقيقية التي تبذلها له الدنيا جميعا، فاستلذها واستطابها وجن بها ~~جنونا. وجعلت الشابة الفاتنة تتودد إليه، وتعرض لعينيه المشغوفتين محاسنها العارية، ~~وتداعبه بنظرات من عينيها حلوة فاتنة، أو لفتات من لحظها قاتلة فاتكة .. والشاب يذهل عما ~~حوله بسرعة جنونية. وذهب يوما إلى بيت الحكمدار فوجد الشابة في الحجرة دون الغلام، فسأل ~~عنه لا يحفل به في باطنه، فقالت له المرأة: «ذهب مع والده إلى شقيقته في الزمالك لأنها ~~مريضة.» فأحس خيبة وحنقا لأنه سيضطر إلى مغادرة البيت، وقام واقفا كئيبا فسألته: «إلى أين؟» ~~فأشار إلى الباب وقال: «سأعود من حيث أتيت.» فصوبت إلى عينيه نظرة ملتهبة وتمتمت بجرأة وهي ~~تهز رأسها الصغير: «كلا ...» فخفق قلبه وتدافعت أنفاسه، ووقف حيالها كالمسحور المذهول، ثم تبعها ~~على الأثر لا يلوي على شيء. # وتخلفت بعد ذلك عن حضور دروسه، ولكنها سمت له الأيام التي يستطيع أن يلقاها فيها في أمن ~~من الرقباء، فاندفع في سبيله كمياه الشلال الجارفة في فورة عاطفة مشبوبة تصم الآذان وتعمي ~~البصر وتغرق هواجس النفس، مستكينا لنوازع شهوته وجنونه. وإنه ليغادر بيتها ذات أصيل من ~~أصائل الحب إذ لاحت منه التفاتة بغير قصد إلى شرفة البيت المطلة على الطريق، فرأى مشهدا ~~تجمد له الدم في عروقه، وتصلب شعر رأسه من الهول، فتعثر وأوشك ms118 أن يقع على وجهه، وهرع إلى ~~الإفريز تحت الشرفة كأنما يداري نفسه، وتقدم في خطى مضطربة لاهثا حتى بلغ منعطف الطريق، ~~وأراد أن يستوثق مما رأى فصوب بصره في خوف وإشفاق نحو الشرفة، فرأى عند مدخلها رضوان بك ~~برأسه الأصلع المستدير يجلس مطمئنا إلى كرسيه في جلباب فضفاض يطالع جريدة ويهش الذباب عن ~~وجهه بمذبة .. فأيس من تكذيب عينيه، ولهث قائلا بفزع لا يوصف: «رباه إنه هو هو .. نعم في ~~جلباب البيت، فكيف كان ذلك؟» .. هل عاد إلى البيت أثناء وجوده مع زوجه؟ فكيف لم يشعرا به؟ ~~ولماذا لم يقصد إلى حجرة نومه ليبدل ثيابه، أم إنه كان في البيت قبل ذهابه هو إليه؟ فكيف ~~استقبلته المرأة باطمئنان؟ وكيف لا تعلم بوجود زوجها في البيت؟ بل كيف لم يشعر به رب البيت ~~مع أنه غادر المخدع في خطي مطمئنة غير محاذر؟ رباه .. لقد نجا من شر فادح .. وداخله إحساس ~~الذي يستيقظ بغتة فيجد أنه قد اجتاز سورا شاهق العلو في نومه .. وتخايلت لعينيه أشباح الإثم ~~والجريمة والسجن، فعزم على أن يضرب بغرامه عرض الحائط متعظا بالهاوية التي أوشك أن يتردى ~~فيها، ولكنه لبث يذهب لإعطاء دروسه للغلام توتو. وكان يعاني آلام قلبه وجموح عواطفه، ولكن ~~المرأة لم تمهله حتى يتناسى ويتعزى، فعادت إلى اقتحام حجرة الدرس عليه وسألته بعينيها في ~~عتاب وكدر .. وحين انتهاء الدرس تبعته إلى الباب الخارجي وسألته بحدة: «لماذا لا تأتي؟» ~~فقص عليها همسا ما رأته عيناه آخر مرة، ونظر في وجهها ليمتحن أثر كلامه، فهاله ألا يرى ~~الانزعاج الذي كان يتوقع، وسمعها تقول بلهجتها الغاضبة: «كذبتك عيناك.» .. فأكد لها أن ما رآه ~~حق بغير ريب، فاستهانت بتأكيده وقالت له: إنها ستنتظره وترى ما هو فاعل .. فأبدى لها مخاوفه .. ~~فقالت وقد نفد صبرها: «أنت مخطئ واهم، فتعال ولا تتعب نفسك بالنظر إلى الشرفة .. تعال ولا ~~تخف.» فوعدها بالعودة لكي يتخلص من إلحاحها، ثم انطلق على نية ألا يعاود ذلك البيت إلى الأبد. # ولبث على ذلك أسبوعا كاملا. ms119 وفي مساء يوم الجمعة، وكان في الشقة - التي كان يشاركه فيها ~~بعض الأقران - بمفرده، سمع طرقا على الباب، فمضى إليه وفتحه، فرأى أمامه رضوان بك بجسمه ~~المترهل متوكئا على عصاه ذات المقبض العاجي، فسرت في جسده رعدة شديدة زلزلت قلبه زلزالا ~~عنيفا، ووثب إلى ذهنه خاطر سريع؛ إن المرأة ربما وشت به كذبا عند زوجها لتكيد له، وإنه ~~جاء للتأديب والانتقام .. فاستولى عليه اليأس والقنوط، وصعد في وجه الرجل نظرة ارتياع ليقرأ ~~ما تدل عليه أمارات وجهه وما ينذر به حضوره، فرآه هادئا مبتسما كأنه جاء لسلام لا لقتال. ~~ومد يده بالسلام، فمد الشاب يده، ولما يفق من دهشته .. ثم تنحى عن الباب وهو يقول مزدردا ~~ريقه: تفضل بالدخول يا سيدي .. فدخل البك وهو يتحدث قائلا إنه لا داعي للجلوس لأنه على ~~عجل، وإنه جاء ليسأل عن صحته وعما اعتاقه عن متابعة دروسه .. واعتذر أنيس بأن موعد امتحانه ~~اقترب، وأنه في حاجة إلى كل دقيقة من وقته .. ولكن البك لم يقتنع بحجته ورفض أن يقبل عذره، ~~وطلب إليه برقة ألا يحرم توتو من دروسه، فعاود الشاب الاعتذار، وكر الرجل إلى الإلحاح، ثم ~~أدنى رأسه من أنيس وقال له: «لا بد من حضورك؛ فهذا ضروري جدا لتوتو .. تعال حينما تشاء ~~وكيفما تشاء .. لا بد من حضورك؛ فهذا ضروري جدا» .. وكان لا يحول بصره عن الشاب، فوجد في ~~نظرته ونبرات صوته ما أثار فضوله ودهشته .. أما الشيخ فصمت لحظة مترددا، ثم استدرك قائلا: ~~«هذا ضروري لتوتو ولسعادتي ولسعادة الأسرة .. بل لسعادتنا جميعا .. فأصغ لي، لا بد من ~~حضورك.» # واحتقن وجهه بالدم، وارتعشت شفته السفلى وذقته كالطفل إذا أوشك أن يفحم بالبكاء، ثم تحول ~~عنه .. ومضى دون أن ينتظر موافقة الشاب، ولبث في مكانه متفكرا مذهولا تتجاذبه شتى العواطف. # وكان الأسبوع الذي أعقب هذه الزيارة معترك أزمة نفسية عنيفة أخذت بتلابيب أنيس، فتقاذفته ~~الغرائز والشهوات، وتجاذبته نوازع اللذة ومغريات السلامة والطمأنينة. وكان ذا عزيمة وسريرة ~~طاهرة وقلب نقي، فآثر السلامة؛ فلما استدار الأسبوع ms120 أحس قواه تتماسك وتشتد، فأطرى إرادته ~~وجعل يتناسي بيت رضوان بك السيئ الحظ وزوجته الحسناء القلقة الغضوب، ويودع ذاك العهد زاوية ~~من زوايا الذكريات الغريبة المنسية. # وانتصف مايو، فقصد أنيس يوما إلى الكلية ليسأل عن موعد ظهور نتيجة الامتحان. ولما بلغت ~~قدماه باب مقهى المثلث شعر بإنسان يعترض سبيله بعصاه كالمداعب، فرفع رأسه إليه فرأى رضوان ~~بك يغادر المقهى يسبقه أحد أصدقائه إلى سيارة تنتظر عن كثب، فارتبك ورفع يده بالتحية، ~~وابتسم البك ثم سأله عن حاله، وتحدث معه قليلا دون أن يعرج إلى الذكريات القديمة. وحين ~~هم بمفارقته غير لهجته وقال بصوت دل على الضراعة والمضض: أيها الشاب .. إياك والسخرية من ~~الناس أو الهزء بالبؤساء؛ فأنت تجهل الدور الذي تعده لك الأقدار غدا. واذكر أن أغرب تصرفات ~~الإنسان لا تعوزها أسباب تبررها؛ فصن لسانك عن الأذى، وحاول ما استطعت أن تتعظ بما يصادفك ~~من العبر. كتب الله لك حظا سعيدا. # ورفع يده بالسلام، وسار في طريقه منتصب القامة يدل مظهره على أنه رجل عسكري بغير ~~جدال. # | حلم ساعة # من عجيب الأمور أننا قد نحيا حياة سعيدة نخالها طويلة في حلم قصير الأجل، وما تعتم أن ~~تطرق اليقظة مغلق الأجفان فينتقل النائم من عالم الأحلام المخدرة إلى دنيا حقائق شديدة ~~الجفاء، وما يجد يده قابضة إلا على هواء. على هذا المثال مضى ذلك اليوم من حياته، كان يوما ~~أو بضع يوم، ولكن قلبه ذاق فيه سعادة وغبطة، وحلق في آفاق بعيدة من أحلام المنى، وخفق خفقة ~~فرح سماوي جاوز به عالم الزمان والمكان، ثم أدركته يقظة منكرة اغتصبته من عالمه الحنون ~~السعيد على نحو بالغ في القسوة والوحشة .. كيف كان ذلك؟ # كان اليوم السعيد الخميس، وكان الأستاذ بهاء الدين علما عائدا من سماع محاضرة علمية في ~~الجمعية الجغرافية الملكية عن الغدد الصماء، وكان يسير في ميدان الإسماعيلية متفكرا في تلك ~~الأدوات الإنسانية العجيبة، المسيطرة على الفرد أيما تسيطر، وكيف يزعم العلماء أنهم بالتحكم ~~في إفرازاتها يستطيعون أن يحولوا الطيب إلى ms121 شرير والشرير إلى طيب، والشاعر إلى رياضي ~~والرياضي إلى شاعر، وكيف يفسرون أخيلة جيتة وأحلام شيلي بعصاراتها المتدفقة في الدم .. وكان ~~رأسه لا يكاد يخلو من أمثال هذه الأفكار؛ فهي مادة عمله ومادة حياته معا. وفي الواقع يندر ~~أن نجد بين شباب المعيدين بكلية العلوم من يناظر الأستاذ بهاء الدين في حبه العلم وحرصه على ~~تحصيله. # وكأنما أرهقه القعود والسكون - في أثناء إلقاء المحاضرة - فأحس بارتياح إلى المشي، واعتزم ~~السير على الأقدام إلى شارع فؤاد الأول، واتجه إلى شارع قصر النيل في خطى وئيدة يدخن لفافة ~~من التبغ ويجتر أفكاره وتأملاته في لذة ويسر، وصادف بلوغه مدخل المكتبة الفرنسية بروز فتاة ~~منها تندفع فيما يشبه العدو، فتوقف بحذر ووجل، وتراجع خطوة على عجل وتوقفت مثله وتراجعت، ~~والتفت نحوها فرآها ترمقه بنظرة ارتباك واعتذار، ثم مضت في سبيلها حتى إذا ما حاذته عطفت ~~رأسها إليه بغتة وقد بدا على وجهها التساؤل والحيرة، وكأنها تحاول تذكره ولا تدري كيف، ثم ~~أدركت بأن نظرها إليه هكذا من الغرابة فأدارت رأسها عنه وما روت غلة، وقصدت إلى سيارة تنتظر ~~إلى جانب الإفريز، فأدرك من وهلة أن صورته اشتبهت عليها، وعلت لذلك فمه ابتسامة، وأراد أن ~~يستوثق من رأيه فألقى بنظرة إلى السيارة - وكان جاوزها بأمتار - فرآها تتابعه بنظرة تعلو ~~وجهها آي الحيرة والغرابة، فغمرته موجة انفعال مضطرب لذيذ، وتعثر بأذيال الارتباك والحيرة، ~~ثم تحركت السيارة مندفعة في الاتجاه الذي يسير فيه، وما تزال صاحبتها ترنو إليه خلال زجاج ~~النافذة بنظرة تحير بماذا يصفها .. ودية؟ .. حنونة؟ .. حتى باعدت بينهما المسافة. # وعجب الأستاذ أيما عجب، على أن عجبه كان شيئا يسيرا إلى ما أحس به ساعتئذ من ثورة ~~الوجدان. وكانت الفتاة شابة حسناء مدمجة الخلق، مرتوية الساقين، فاتنة القسمات، يزين وجهها ~~عينان زرقاوان لنظرتهما وقع السحر في الحواس والقلب والأعصاب؛ فانبعث في قلبه خفقان ~~واضطراب، وشعر بنشوة رائعة، ثم لسعته حسرة أليمة؛ حسرة محروم طال عهده بالحرمان. وكانت ~~حياته في الواقع خالية من الحب مثل كهف ms122 رطب لا تزوره الشمس؛ لأن تفانيه في طلب العلم لم يدع ~~له وقتا لشيء سواه ، ولعيبين طبيعيين كبرا في وهمه واشتدا على نفسه؛ إذ كان يترامى إلى ~~أذنيه أنه «ثقيل الدم». وكان إلى هذا عييا حصورا لا يكاد يبين، فلم يكن في وسعه قط أن ~~يحسن خطاب فتاة فضلا عن أن يغازلها. ودعاه هذا وذاك إلى النفور من الحسان وإلى ما يشبه ~~الخوف منهن، وحز لذاك الألم في نفسه، وسكب في قلبه امتعاضا ومرارة، فتبدى عليه الجفاء ~~والوحشة، واضطرب عهدا طويلا بائسا بين الرغبة في الحب والخوف من المرأة، والتشوق إلى ~~النساء والحقد عليهن، فكانت تلك النظرة الحلوة أول نسمة تهب عليه من دنيا الوجدان فترتوي ~~بها نفسه الظمآنة ويندى بها قلبه الجاف، ولكنه ارتواء كالظمأ، وندى أشد حرقة من الجفاف، ~~فتحير وتعجب، وتساءل وهو يقلب كفيه: تري ما خطب هذه الفتاة؟ .. وما معنى هذه النظرة الفاتنة ~~التي أذابت الوجد والهيام والحنو المتجمد في قرارة نفسه؟ .. إنه لا يعرفها على وجه اليقين ولا ~~يذكر أنه رآها من قبل، وهي بغير ريب لا تعرفه أيضا؛ فلا هي قريبة ولا جارة ولا طالبة بكلية ~~العلوم. لعله التبس عليها شبهه، ولكن كيف طال بها الشك تلك المدة السعيدة التي أدامت فيها ~~النظر إليه؟! .. ومضى يتفكر تنقله الحيرة من فرض إلى فرض وقد انشغل عن الغدد والكيمياء ~~جميعا. # وكان في عزمه أول الأمر أن يعود إلى بيته، فيستمع إلى المذياع ساعة ويطالع ساعة قبل النوم، ~~ولكن عافت نفسه ذلك، ومضى يضرب في الأرض على غير هدى تاركا محرك خياله للخواطر السعيدة ~~والأحلام اللذيذة والأوهام المخدرة حتى أعياه التعب وتعناه المشي، وكان سري عنه بعض الشيء، ~~وأخذ يفيق من أثر النظر فاتجه إلى قهوة روجينا، وجالس بعض صحبة حتى شارفت الساعة التاسعة، ~~ثم خطر له أن يقضي سهرة المساء في سينما رويال - وكان قليلا ما يجذبه مزاجه إلى ذلك - فسار ~~بلا تردد إلى السينما وقطع التذكرة. وكان يكره الانتظار جالسا، فدلف إلى الصور المعلقة ~~بالردهة ms123 الخارجية وقلب فيها عينيه، ثم أدارها ظهره ملالا، وأرسل بناظريه إلى مدخل ~~السينما يشاهد جمهور الداخلين، فرأى سيارة فخمة تقف أمام مدخل السينما، وفتح بابها ونزلت ~~منها سيدة بدينة بادية النعمة والثراء تبعتها على الأثر فتاة حسناء انخلع لرؤيتها قلبه في ~~صدره، وأحس بفرح عجيب تمازجه دهشة فلم تتحول عنها عيناه، وفاته في ذهوله أن يرى ضابط بوليس ~~شابا يبرز من الباب الثاني للسيارة ويدور بسرعة ويلحق بالسيدة والفتاة، وانعطف رأس الفتاة ~~إليه، وكانت فتاته دون سواها كأنما جذبتهما قوة بصره المشوق، والتقت عيناهما، ولاح على ~~محياها الجميل الاهتمام والدهشة، ورقت نظرتها بالحنان الذي حيره وفتنه منذ حين، فتبعهم ~~في خطى مضطربة ملبيا نداء قوة عاتية، وصعدت الفتاة مع الصاعدين إلى الطابق الثاني، فوقف في ~~الردهة يتابعها بعينيه، ورآها قبل أن يغيبها عن ناظريه منعطف السلم تلقي عليه نظرة أخرى .. ~~يا لها من نظرة .. فاستخفه طرب جنوني عذب لا يتأتى لغير الموسيقى وصفه، واندفع إلى الداخل لا ~~يلوي على شيء؛ فلما اطمأن به مقعده مضى يصعد نظره في الألواج والبناوير باحثا عن الوجه ~~الحبيب ذي النظرة الفاتنة الحنون، حتى وجد ضالته في البنوار رقم 3، وكانت تتقدم السيدة ~~بقامتها الهيفاء، والتقت نظرتها بوجهه هذه المرة أيضا، وكأنها تتوقع أن تجده مجدا في ~~العثور عليها، فارتسمت على شفتيها القرمزيتين شبه ابتسامة أضاء لها وجهها بنور بهي، وجلست ~~وهي ترنو إليه بعينيها فبدت وهي تنحني قليلا وكأنها تحنو عليه، وأنقذه من سعادته التي لا ~~تحتمل انطفاء الأنوار وانهماك الشاشة في عرض أخبار الدنيا. # كان قلقا مجنونا إلى غير حد، فرحا سعيدا بغير حساب، يشعر برغبة عنيفة لا يدري ما ~~كنهها إلى القتال أو الرقص أو الصياح أو البكاء، وتندت أهدابه بدمعة أحس بتفجرها من أضلعه. ~~كان بمعنى آخر عاشقا يتلقى قلبه لأول مرة أمواج الحب الكهربائية الغامضة غموض الأثير، ~~وأغمض عينيه في الظلام وهو يتنهد في ارتياح وغبطة مستسلما للذة الأحلام، وتساءل في ~~استسلامه السعيد: ترى ما الذي ساقه هذا المساء إلى السينما ms124 ولم يكن أعد نفسه لذاك؟! .. إن كل ~~شيء يبدو وكأنه يؤكد أن القدر يرسم خطة رائعة بدأها في شارع قصر النيل وما زال ينسج فصولها ~~في سينما رويال، نعم إنه لم يرها عبثا، ولم تلتق عيناهما مصادفة، كلا ولم يأت إلى ~~السينما اتفاقا، ولكن الحب يخلق الحوادث والظروف، وإلا فما معنى هذه الحلقة المتقنة؟ وما ~~معنى هذه النظرة الحنونة العذبة الذي دل تكرارها على أنها مغرضة، أليس هذا الذي يسمونه ~~الحب من أول نظرة؟! .. بلى هو هو .. ويشهد عليه قلبه ومشاعره ونظرتها الفاتنة النافذة التي لن ~~ينمحي أثرها من نفسه. كيف حدث هذا؟ .. هل كان القدر في قسوته عليه وازوراره عنه يدخر له هذه ~~المفاجأة السعيدة وهو لا يدري؟! .. وهل وجدت أخيرا من لا يستثقل دمه كما يستثقله كثير من ~~الناس؟! .. ومن تتعرف نفسه بالنظرة الملهمة لا بتغرير الألفاظ وسحر البيان؟ .. كم سخط على الدنيا ~~ظلما، وكم أدان القدر جهلا .. والساعة الساعة ينتهي الجفاء وتتبدد الوحشة، ويندى قلبه المحروم ~~ويرطب حلقه اليابس. وفكر الأستاذ بهاء الدين إلى هذا في أمور غاية في الأهمية والجد، ~~تناولت حاضره ومستقبله، ولم يفته أن يحسب حساب الوسيلة إلى التعرف والخطبة، ولا فاته - في ~~تلك الساعة - أن يقدر المهر ويحدد تاريخا للزواج السعيد. # ولم يحس بالوقت كالسعداء، وجعل يتأمل بعين مخيلته الوجه النضير والنظرة المضلة للقلوب، ~~مستسلما للأحلام استسلام الحران إلى برد النسيم، حتى ظن أن أشهى الأماني دانيا لا ~~يكلفه جنيها إلا أن يمد يده فيقطفها في يسر واطمئنان. # وانتهت الشاشة من عرض فصولها الأولى وأضيئت الأنوار، ففتح عينيه وكأنه يصحو من نوم ~~سعيد، وصعد رأسه إلى البنوار رقم 3 فرأى فتاته في أجمل صورة ترشقه بنظراتها الفاتنة كأنما ~~كانت تنتظر انقشاع الظلمة مثله، ورآها تميل برأسها نحو السيدة البدينة - التي تدل الظواهر ~~على أنها أمها - وتهمس في أذنها، ثم شاهد السيدة تنظر إلى أسفل باحثة بعينيها عن ضالة حتى ~~استقرتا عليه .. فارتبك وتعجب وتساءل: ترى لماذا تدل أمها عليه؟! .. على أن عجبه ازداد ms125 إلى ~~غير حد لأنه رآها تعطف رأسها إلى الوراء وتحادث شخصا لا يرى سوى أعلى طربوشه . ومال هذا ~~الشخص إلى الأمام ونظر صوبه، وكان ضابط البوليس. # فلم يستطع أن يديم النظر إلى أعلى، وأدار رأسه إلى الأمام، ولكنه تذكر هذا الضابط، وذكر أنه ~~كان من زملاء فرقته في الخديوية، وأنه يدعى علي سالم، وأنه كان مبرزا في الألعاب الرياضية، ~~وظن أنه أخو الفتاة ولكنه تحير في فهم الدواعي التي بعثتها إلى توجيه الانتباه إليه بكل ~~جسارة وفيما عسى أن حدثتهما به عنه .. وغلبه الشوق وحب الاستطلاع فرفع بصره إلى البنوار مرة ~~أخرى فرأى الوجوه الثلاثة محدقة فيه، وخيل إليه أن زميله القديم يحييه فلم يصدق بصره، وظل ~~جامدا ولا يتحرك، فأعاد الضابط تحيته برفع يده إلى رأسه، ورد عليه الأستاذ التحية مرتبكا، ~~وشاهده يدعوه أن يصعد إليه فخفق قلبه خفقة عنيفة، وقام واقفا وقد لفته الدهشة والارتباك ~~وغادر المكان في ذهول شديد. وصعد السلم والتقي بصاحبه عند مدخل البنوار، واستقبله هذا ~~استقبالا وديا وشد على يده بحرارة - ولعله فعل ذلك ليطرد عنه الدهشة والارتباك - ثم ~~أوسع له وهو يقول هامسا: تعال أقدمك إلى أهلي. # ووجد نفسه في البنوار أمام السيدة والفتاة الجميلة، وقال وهو يقدمهما له وهو يشير بيده: ~~حرم الأميرالاي محمد بك جبر، الآنسة زينب كريمتها وخطيبتي. # ثم التفت إليه وقدمه لهما مكتفيا بذكر اسمه وزمالته القديمة لأنه كان يجهل حاضره، ودوت ~~كلمة «خطيبتي» في أذنيه دويا مزعجا أطفأ نشوة الفرح في حواسه جميعا وسكب مكانها خيبة ~~مرة، فجلس كما طلب إليه ذاهلا مرتبكا قانطا عاجزا العجز كله عن حصر انتباهه فيما حوله. ~~وكانت السيدة ترحب به وتشارك الضابط في التودد إليه ومجاملته، ولكنه لم يدر مما قالا ~~شيئا، واكتفى قهرا بانتزاع ابتسامة مغتصبة من شفتيه يرد بها عليهما ردا صامتا كئيبا. ~~وكان يتخبط في حيرة عمياء لا يدري لماذا دلت الفتاة عليه، ولا كيف دعاه زميله، ولا لأي سبب ~~عرفه بهما وعرفهما به .. ولاحت منه نظرة إلى الفتاة ms126 فوجدها تبتسم إليه ابتسامة حزينة فشعر ~~بامتعاض، ووجه عينيه إلى أمها كأنما يفر منها فرارا، فرأى المرأة ترنو إليه بعينين ~~مغرورقتين بالدموع، فازدادت دهشته، وبدا عليه الانزعاج، والتفت إلى صاحبه متسائلا متحيرا، ~~ودق الجرس في تلك اللحظة منذرا بإطفاء الأنوار، فقام الشاب واقفا وأحنى رأسه تحية، ودعته ~~السيدة إلى زيارة البيت فوعدها قائلا: إن شاء الله. # وهو لا يعني ما يقول. وغادر البنوار، ولحق به صاحبه، وكان يدرك ما يقوم بنفسه من الدهشة ~~والانزعاج، فقال له وهو يشد على يده مودعا: أنا آسف جدا على ما أحدثته دعوتي لك من ~~الارتباك والإزعاج، وحقيقة المسألة أنك تشبه شبها عجيبا ابنا شابا كان فقدته الأسرة ~~منذ عامين، ولعل هذا يفسر لك كل شيء أيها الصديق. # وهبط السلم في خطى بطيئة جدا، وكان يتوقف كل درجتين ويتأمل فيما أمامه بعينين لا تريان ~~شيئا، وعلت شفتيه الشاحبتين ابتسامة هازئة مريرة، وقد بدا له كل شيء كريها كئيبا تعافه ~~النفس. # | الثمن # أخذت زينتها وسارت على غير هدى، كيفما ساقتها قدماها وغيرها من النساء لا يتصدين للمرأة ~~حتى يفرغن من المهام والواجبات، وغيرها من البشر لا يسير على غير هدى عادة إلا إذا ركن إلى ~~اللهو والعبث واستقبل الراحة والفراغ. # هي بخلاف هؤلاء وأولئك، إذا توثبت للعمل وانبرت للواجب أخذت زينتها وسارت على غير هدى .. ~~وقريبا من الطوار الذي تسير عليه رأت بمؤخر عينها سيارة تدنو ثم تقف على بعد أذرع إلى ~~الأمام؛ سيارة كبيرة بحجم الحجرة التي تنام فيها إذا رقدت بمفردها، وقد غادرها سائق زنجي ~~مارد وفتح الباب ووقف جانبا كالتمثال، فبرزت حسناء هي الجمال وهي الجلال، فما يمنع من ~~الاندفاع نحوها إلا أن نورها يغشى العيون، كلسان من لهب بهي المفاتن ساحر الألوان، ولكن ~~هيهات أن يجرؤ إنسان على لمسه، فخطفت بصرها، وسرعان ما دبت اليقظة في عينيها الساهمتين ~~ولاحت فيهما نظرة تفحص واهتمام، وفي لمح البصر أقرت لها قهرا بالتفوق المطلق وغلبها الإعجاب على ~~أمرها، ثم تحفزت للنقد بغل فما عتمت أن ms127 باءت بمرارة الخيبة والسخط. وتهادت الحسناء إلى ~~المحل الذي وقفت تجاهه السيارة فخطر لها أن تتبعها ، ولم تر في ذلك من بأس؛ فسيان أن تمضي ~~إلى الأمام أو أن تعرج إلى اليسار، فوجدت نفسها في محل رائع أنيق تطالعها من جوانبه وأركانه ~~زجاجات الروائح العطرية مختلفة ألوانها وأشكالها، فسارت على مهل في جراءة وثبات، فمنذ أمد ~~بعيد تناست أن في الدنيا شيئا يخاف غير الشرطي، وتظاهرت بأنها تتفحص المعروضات النفيسة في ~~أقسام المحل، وتبعت في الحقيقة الفاتنة الحسناء. سارت رأسا إلى صدارة المتجر الأنيق، وأقبل ~~نحوها البائع بترحيب، فطلبت إليه حاجتها، وساعدها البضة تشير إلى الرف البلوري رصت عليه ~~الزجاجات الفاخرة، فأدركتها ووقفت إلى جانبها ومضت تقلب عينيها في الرفوف اللألاءة، وأتى ~~البائع بزجاجة زرقاء بديعة الصورة فتناولتها الحسناء ورنت إليه بعينين متسائلتين، فقال ~~الرجل بأدب وإجلال: «عشرون جنيها يا هانم.» فأومأت برأسها دلالة على الارتياح والموافقة، ~~فاسترد الرجل الزجاجة، وكتب لها قائمة بثمنها وقدمها لها، فأخذتها ومضت بها إلى صندوق ~~الدفع، وخفق قلب الأخرى بعنف لسماع الرقم، فكانت كمن يسمع اسما قديما رهيبا يثير في ~~النفس كوامن الشجن ويستدعي ذكرى قائمة موجعة الصدى .. رباه .. أي دور لعبه في حياتها هذا الرقم ~~المشئوم الذي لا تعرف الحسناء عنه إلا أنه ثمن زجاجة رائحة عطرية فريدة .. لو وجد يوما في ~~يدها لكان الحال غير الحال والحياة غير الحياة، ولكفاها شرا فظيعا، وهو ليس بالطلب العزيز ~~يشترى بالمهج، ألم تر كيف يبذل عن طيب خاطر ثمنا لرائحة زكية يتبخر معها من ثنايا المناديل ~~ومفارق الشعور؟! .. ومع ذلك فآه لو وجدته قبل عشرة أعوام .. ولكنه لم يوجد وخاب مسعاها وردت ~~راحتها الممدودة، سدت في وجهها السبل وضيق عليها الخناق، فتجرعت غصص القنوط ثم هوت ~~وقذف بها إلى دنيا أخرى منكرة. وهكذا الدنيا قاسية لا قلب لها، والناس لا يرحمون، والحياة ~~أشد وحشية من البحر الهائج والنار المضرمة؛ فقد لا يعدم الإنسان إذا أشرف على الغرق أن ~~يسبح وراءه السابحون، أو إذا اشتعلت النار ms128 في أطرافه أن يهرع إليه ذوو النجدة، أما في معترك ~~الحياة فالضحايا لا عداد لهم، تعركهم الرحى وإخوانهم سكارى بأطماعهم ومشاغلهم؛ فلكم ~~استصرخت بغير طائل، بل كانت ملهاة للنظارة، ثم بعد ذلك متعة للمتمتعين، والدنيا تضيق بمن ~~ينشدون صيدهم بين الضحايا البائسة شردها الجوع والحرمان والأمراض، فوجدت نفسها في دنيا ~~الشذوذ والعناد حيث تقتتل الضحايا من كل نوع، ضحايا الطموح الكاذب والشهوات البهيمية والفقر ~~المذل للأعناق، عالم البؤس حيث لا عودة لمن مضى إليه ولا إفاقة لمن نهل من سمه، قذارته لا ~~تمحى فليس على القذر إلا المزيد من القذارة والتمرغ في التراب. وكيف صارت بعد ذلك؟! .. وا ~~رحمتا .. فؤادا قاسيا وقلبا كافرا ولسانا دنسا ونفسا تنضح بالخبث واللؤم ~~والكراهية، على وجهها الطلاء، وفي جسمها المرض، وملء روحها الشر، ومن مراتعها السجون. # مرت صور الذكريات بمخيلتها مرا سريعا مضطربا، لم يستغرق زمنا يذكر، فاختلط في وعيها ~~أشتاتا من ذكريات متناثرة ومشاعر مهوشة أسبغت على خيالها لونا أسود، فشعرت بامتعاض ~~وانكسار. وكانت عيناها لا تزالان عالقتين بالحسناء فاتجهت نحوها في خطي متثاقلة غير ملقية ~~بالا إلى البائع، وقد وقف قبالتها ينتظر أوامرها .. اندفعت نحوها برغبة قوية وجعلت تحدث ~~نفسها كالهاذية: «عشرون جنيها!» .. كم كان مقدارا جسيما، وكم علمت فيما بعد أنه شيء زهيد في ~~متناول يدي، وها أنا ذا أراه ولا قيمة له. أما هي فامرأة حسناء .. ولكن لا يجوز أن توردها ~~نفسها المهالك .. كما أوردتني نفسي أنا وقطيع البائسات .. هذا جائز .. ولكن ما هو سم لأناس قد ~~يكون غذاء لآخرين، وما يوجب علينا الشقاء قد يتيح ألوانا من اللذات والسعادة .. وأوشكت أن ~~تلاصقها، وتحولت الحسناء إلى شباك التسليم فتأثرتها، وأعطاها الرجل الزجاجة ملفوفة، ورأت ~~الأخرى اللفة فثارت ثائرتها وخطر لها أن ترمي بها إلى الأرض مهشمة. # جاءها الخاطر مباغتا بغير إصرار سابق ولا نية مبيتة؛ فسرعان ما تملكها بقوة شيطانية ~~واستولى على عقلها وإرادتها، فكأنها ما تبعت المرأة إلا لتحققه مهما كلفها ذلك من ثمن، ولم ~~تدر لذلك سببا واضحا ms129 ولا هدفت إلى غاية ظاهرة، ولكنها كانت كثيرا ما تأتي بأفعال صبيانية ~~وأحيانا جنونية بغير مقاومة ولا فطنة لبواعثها. وكان الاستهتار من سجاياها الراسخة التي ~~اكتسبتها في أعوامها العشرة الأخيرة؛ فلم يكن شيء يوقفها عند حد أو يعطف بها عن شهوة، ~~فاندفعت إلى جانب السيدة المتجهة نحو الباب كأنما تريد أن تسبقها إليه، واحتكت بها وهي تلوح ~~بذراعها فصدمت يد الأخرى، فأفلتت اللفة الثمينة وسقطت على الأرض. ولم تلتفت الحسناء إليها، ~~ولكنها انحنت على عجل نحو الزجاجة، والأخرى تنظر إليها متسائلة: هل نالت المرام؟! .. وجاءها ~~الجواب سريعا، أو جاء أنفها على الأصح، قبل أن تلمس أنامل الحسناء حملها النفيس، فتصاعد ~~شذا طيب، جماله لا يوصف، عطر الجو، ونفذ إلى الحواس والروح، فانتشت ثملة كأنه بث فيها ~~غراما ووفاء وسحر هوى. واعتدلت السيدة وقد تضرج وجهها بالاحمرار، وصوبت نحو الأخرى نظرة ~~ثاقبة، ولبثت هذه في مكانها جامدة الملامح ولكنها راضية النفس مستسلمة كأنها تقول بأفصح ~~لسان: «افعلوا بي ما شئتم.» وانتظرت السيدة أن ترتبك الأخرى أو تعتذر، ولكنها ثابرت على ~~جمودها وصمتها، ورنت إليها بعينين هادئتين مستسلمتين، ومرت لحظة دقيقة فتساءلت: ترى هل تساق ~~إلى القسم؟ .. هل تشتبك في شجار مع السيدة أو سائق سيارتها أو باعة المتجر؟! .. ولكن شيئا من ذلك ~~لم يحدث؛ فقد تغير وجه الحسناء، فانبسطت أساريرها، ثم أغرقت في الضحك .. إن أفدح المواقف ~~أدعاها للضحك، فقد أضحكها أن تخسر الزجاجة النفيسة في غمضة عين، وأن ترى تلك المرأة البلهاء ~~وقد أذهلتها جريمتها ورباطة جأشها، وكان صاحب المتجر يهرول نحوها يلوح في وجهه الاهتمام، ~~فهزت منكبيها استهانة وتحولت عن البلهاء وعادت القهقرى إلى صدارة المحل دون أن تنبس بكلمة، ~~واندفعت المرأة نحو الباب كأنما تفر من المكان، ولما بلغت الطريق نظرت وراءها فرأت الأخرى ~~بمكانها الذي أدركتها فيه حين تبعتها أول مرة، فتساءلت ذاهلة: «رباه هل تبتاع زجاجة أخرى؟!» ~~ولكنها لم تقف، بل أسلمت قيادها لقدميها، وكانت فريسة انفعال طاغ تولاها بغتة، فمضت مقطبة ~~الجبين زائغة البصر، إلا ms130 أنها لم تدم على ذلك طويلا؛ فما لبثت أن عادت إلى رشدها، خافت أن ~~تبدو في هيئة قبيحة تنفر الأعين، فطاردت همومها الطارئة، وألقت نظرة على ما حولها، ثم أخذت ~~تسير الهوينى متثنية الأعطاف وقد ابتسمت أساريرها. # | نكث الأمومة # عندما دخل قطار الصعيد يهدئ من سرعته كان نور الفجر الأزرق الحالم قد اكتسى بحلة فضية من ~~ضوء الصباح المنير، وقد فتحت السيدة روحية هانم عينيها مع بزوغ أول شعاع من أشعة الشمس، ~~ولبثت لحظة مستسلمة لتراخي النوم، ثم اعتدلت في جلستها في الصالون وأدارت عينيها الزرقاوين ~~الفاتنتين في أنحاء الصالون حتى استقرتا على وجه الأستاذ عاصم الذي كان يغط في نوم عميق، ~~فلاحت فيهما نظرة حب وحنان، وكان من الضروري إيقاظه لدنو القطار من محطة مصر إلا أنها لم ~~توقظه قبل أن تقوم إلى المرآة الصغيرة الموضوعة بين صورة الكرنك وأجا ممنون، فتسوي شعر ~~رأسها وتمسح خديها وجيدها بالبودرة المعطرة. وتنبه النائم على لمس أناملها ذات الأظافر ~~الأهرامية الحمراء .. وكان أول ما مس إحساسه في عالم اليقظة رائحة أنفاسها الذكية وهي ~~تطبع على شفتيه قبلة شهية .. وفتحت النافذة وأطلت منها برأسها الذهبي كأنها شمس تشرق من ~~الأرض، فرأت بناء المحطة يدنو من بعد فالتفتت إلى الأستاذ وقالت وهي تتنهد: وا أسفاه انتهت ~~سفرتنا. # فقال لها وهو يتمطي: هذه نهاية كل رحلة، أما الحب فلا نهاية له. # فقالت بصوت جعله الشوق والوجد كلحن من الموسيقى الخافتة: أين أسوان أين؟ .. أين خلوة الصحراء ~~تحتوينا معا؟ أين جدران المعابد تستر علينا؟ أين زورق النيل يجري بنا على سطح الماء؟ أين ~~أنا وأنت لا نفترق ونشهد معا وجوه اليوم من الفجر والصباح فالضحي والأصيل ثم المساء .. واها. # فتنهد الشاب تنهدة هادئة لا كتنهدتها الحارة وقال: سنعود إلى أسوان في الشتاء القادم، أما ~~الغد فإلى عش غرامنا المعهود في شارع سليمان باشا. ~~- هيهات أن تعوضنا هذه الساعات التي ننتهبها انتهابا من ذلك الشهر السعيد الذي كنا فيه ~~جسما واحدا وروحا واحدة. # وحاول أن يجيبها بمثل ms131 حماسها، ولكن خذلته نفسه الهادئة الملولة فقنع بقوله: صدقت يا ~~عزيزتي. # ثم قام إلى النافذة الأخرى ففتحها، وكان القطار قد بلغ المحطة وأخذ يرسل صفيره المدوي في ~~جوفها العظيم، فأرسلا بناظريهما إلى إفريز الاستقبال، وكان مزدحما بالجمهور. وسمعت الأستاذ ~~يقول: ها هم أولاء .. زوجك وحياة ومدحت. # فقلقت عيناها بين الرءوس المشرئبة حتى اطمأنتا إلى رأس حياة الذهبي، فرق قلبها حنانا ~~وتحولت عن النافذة وانطلقت تعدو خارجة والأستاذ في أثرها، وعلى الإفريز هرع إليها مدحت ~~وحياة وهما يصيحان: «ماما.» فتعانقوا عناقا حارا. ولما تخلصت منهما رأت زوجها الشيخ وهو ~~في عباءته الفاخرة، وطربوشه مائل إلى الخلف يبدي عن شعره الخفيف، فجمدت عيناها وتقدمت إليه ~~ومدت يدها، فسلم عليها واجما ووضع يده أيضا في يد الأستاذ عاصم .. وساروا جميعا إلى ~~الخارج؛ الزوج في المقدمة وخلفه الزوجة بين مدحت وحياة ومن وراء الجميع الأستاذ .. واستقلوا ~~السيارة التي انطلقت بهم في طريق الزمالك. # وجلس الزوج وزوجه وحياة في ناحية، وجلس في الناحية الأخرى المقابلة الأستاذ ومدحت، واستطاع ~~عاصم أن يرى حياة عن كثب لأول مرة؛ إذ إنها تقابله في زياراته المتكررة لوالديها، يا للعجب ~~للشبه العظيم الذي بين الأم وابنتها، فلم يكن يفارق بينهما إلا ما يفارق بين نضارة الشباب ~~الأولى ونضوج الأنوثة الكاملة؛ فكانت الفتاة كالياسمينة العبقة في الغصن، وأما الأم ~~فكالوردة الناضرة في الزهرية. # وظلوا جميعا حتى قال الزوج: كيف كانت الرحلة؟ لعل صحتك تحسنت يا هانم. # فأحنت المرأة رأسها وتمتمت: «الحمد لله.» وقال الأستاذ: قل أن تغيب الشمس في أسوان، وهي ~~أنجع دواء للهانم. # فابتسم الرجل عن أسنان ذهبية صناعية وقال: يسرني أن أسمع هذا، وعسى أن تسرا بدوركما ~~لأنبائنا، فتهنئا حياة بخطوبتها القريبة. # واحمر وجه الفتاة وخفضت عينيها حياء، والتمعت عينا الأم وبدا عليها الاهتمام، ورددت ~~نظرها بين حياة وزوجها وسألت بلهفة ودهشة: وهل تمت الخطوبة؟ # فقال الرجل: لا يجوز أن تتم خطوبة فتاة في غياب أمها .. ولكنها ستتم قريبا بإذن الله. # ونظر الأستاذ إلى الفتاة وقال مبتسما: «مبروك.» أما ms132 الأم فسألت: من هو؟ # وأجابها الرجل: طلعت، ابن شريكي. # وسأل المحامي: هل هو موظف؟ # فقال الرجل بزهو: نعم وكيل نيابة. # وأطبقت روحية هانم شفتيها فلم تفه بكلمة أخرى، واستسلمت لأفكار غامضة فغابت عن الحاضرين، ~~وانتهت السيارة إلى الفيلا ودخلوا جميعا ومعهم الأستاذ عاصم. # ولكنه استأذن بعد قليل وانصرف إلى بيته القريب. ~~••• # كان السيد محمد بك طلبة من كبار تجار الشاي المعروفين بمصر، وقد ربح من تجارته ثروة ~~عظيمة تقدر بمئات الألوف من الجنيهات، وكان في أخلاقه صورة من رجال طائفته الناجحين في ~~حسن التدبير وعلو الهمة والحرص. وبالرغم مما تحفل به حياته من التجارب والمخاطرات، وبالرغم ~~مما صادفه فيها من ويلات المحن وفرص النجاح، فإنه ما يزال يعد زواجه أخطر حادث في حياته، ~~وهذا هو اعتقاده الدفين وإن لم يصرح به. وقد وقع هذا الحادث الخطير منذ عشرين عاما - ~~وهو في الخامسة والأربعين - إذ كان بإحدى رحلاته التجارية بسوريا، وقد التقى هناك بأسرة ~~زوجه وتعرف إلى والديها، وكان الأب سوريا والأم أمريكية، ورأى ابنتهما الشابة الفاتنة ~~ساعة فوقع في حبها وجن جنونا، وتحركت في أعماق غريزته التجارية، غريزة الامتلاك، فخطبها ~~إلى والديها، ولم يستدر ذلك الشهر حتى تم زواجه منها، وعاد إلى مصر «بأعظم ربح وأجمل امرأة ~~في الوجود» كما قال لنفسه حينذاك. # وبدأت الحياة الزوجية بنجاح لا بأس به، وأثمرت على مر الأيام طفلين جميلين مدحت وحياة، ~~فبشر مقدمهما الأسرة بدوام السعادة والعشرة .. ودارت السنون دورة سريعة، فوجد البك أنه أخذ ~~يجتاز الحلقة السابعة، ويقنع من الدنيا بمشاهدة مدحت وحياة، ويكتفي من الحب بتذكر أحلامه ~~المنطوية .. وأما المرأة فألفت نفسها في مكتمل الأنوثة ونضوج الشباب، فلم تجمل نفسها القناعة ~~من الدنيا بالأبناء والأحلام؛ إذ كان شبابها عنيدا جبارا دائب الثورة على الزمن .. فتصدع ~~ائتلاف الزوجين، وعجزت شيخوخة الرجل عن كبح هذه الحيوية الثائرة فانكمشت أمام سيلها العارم، ~~وخلت لها المنحدر وانزوت مطعونة باليأس مذعنة بالتسليم. # واتفق أن كان الأستاذ عاصم المحامي - صديق الزوج وجاره - السبب المباشر في انفجار هذه ms133 ~~الثورة الحيوية العنيفة، وقد تحيرت «صالونات» الزمالك في تحديد علاقته بروحية هانم؛ فمن ~~قائلة إن هذا المحامي الجميل ليس إلا صديقا للأسرة، ومن هامسة بأنه عشيق الزوجة ومتغفل ~~الزوج، ومن مؤكدة أنه عشيق الزوجة على علم وتسليم أو - على الأقل - تغاض من الزوج؛ وظل كل ~~فريق على رأيه حتى ذاع خبر تلك الرحلة الشتوية إلى أسوان التي قيل في تعليلها إن الأطباء ~~نصحوا للهانم بانتجاع الصحة في مصر العليا، وإن الزوج - الذي تمنعه أعماله في مثل هذا الوقت ~~من السفر - عهد بالزوجة إلى صديقه المخلص المحامي الذي يسافر عادة في يناير كل عام إلى ~~أسوان .. هنالك قطع الشك باليقين وارتفعت الآراء. # وكانت روحية هانم لا تهتم بشيء اهتمامها بشبابها، فكانت لا تني عن العناية به والتفكر فيه ~~حتي غدا ذلك وسواسا ومرضا ينغصان حياتها بالمخاوف والأوهام، وكانت كلما تقدم بها العمر ~~يوما تزايدت مخاوفها؛ ذلك أنها كانت تحس في أعماقها ببلوغ قمة الشباب التي لا يعقبها إلا ~~الانحدار، وكانت تعلم أن شبابها هو سعادتها؛ لأنها بدونه لا تستطيع أن تجذب إليها الرجل الذي ~~تحبه والذي تعلم - مع الألم الشديد - أنها تكبره بما لا يقل عن عشرة أعوام. # ولطالما تذكر ما قالت مرة امرأة - تعلن لها الود وتكتم العداوة - في مجلس لأخرى وهي ~~تعنيها بالذات من أن النساء اللاتي يحافظن على شبابهن بعد فوات عهده يهرمن مرة واحدة بلا ~~تدرج .. واها .. كم سخرت من رأي هذه المرأة وكم أرجعته إلى الحسد الذي تحمله لها، ولكن لا ~~سخريتها ولا تظاهرها بالاستهانة أفاد شيئا في مغالبة الذعر الذي استولى عليها، والرجفة التي ~~استحوذت على أعصابها .. فغدت كالمجنونة يخفق قلبها جزعا وإشفاقا كلما طرقت أذنيها دقات ~~الساعة. # وجعلها ذلك في حيرة بين حبها لمدحت وحياة وبين الخوف منهما؛ فهما بلا شك لذة الأمومة التي ~~تخفق في صدرها ولكنهما آيتان على كذب شبابها؛ أما حياة فقد بلغت السادسة عشرة من عمرها وهي ~~تخطو إلى النضوج بخطى سريعة تدل عليها معاني العينين ونهوض الثديين، وأما مدحت ms134 فتعذيبه لها ~~أشد؛ إذ إن هذا الشاب - الذي لم يجاوز الثامنة عشرة - ينمو نموا خطيرا؛ فهو فارع الطول جاهر ~~الفتوة عريض المنكبين، والأدهى من هذا كله غرامه بشاربه ومطاوعة الشارب له؛ فالشاب يحب ~~الرجولة ويستزيد منها حب أمه للشباب واستزادتها منه .. وقد كانت حريصة على استصحابه كلما ~~خرجت حتى قالت لها مرة امرأة من صاحباتها: «ما أحرى الذي يراكما بأن يقول ما أسعدهما ~~زوجين!» ولم تدر ما إذا كانت المرأة تثني على شبابها أو تغمزه، وعلى كل حال لم تستصحب ~~فتاها بعد ذلك أبدا. # على أنه لاح في أفقها الآن ما يستخف بجميع همومها السابقة؛ إذ ما مدحت وما شاربه إلى زواج ~~حياة المنتظر؟! # لقد بغتها الخبر، وكانت البغتة من الشدة بحيث لم تدع لها فرصة للتدبير ولا التفكير ولا ~~حتى للتظاهر بالفرح أمام ابنتها إذ هم بالسيارة .. فلما ذهبوا إلى الفيلا خلت إلى نفسها ~~بحجرتها معتذرة بتعب السفر، وفي عزلتها عاودت التفكير في هدوء وإمعان فتوالت عليها الفروض ~~والتصورات؛ فهي لا تشك في أنه لولا الحياء لغنت حياة فرحا وسرورا، وأي فتاة لا تفرح ~~للزواج؟ وخاصة إذا كان الشاب في عنفوان شبابه وجيها في بحبوحة من الغنى والجاه، سيدا في ~~وظيفة تتيه على جميع الوظائف؛ فلعلها باتت تغرد في قلبها أطيار الحب وتحلق في جوها الطاهر ~~أحلامه العذبة؛ فهي جد سعيدة بحاضرها، جد آملة في مستقبلها، ولا شك أنها تنتظر الآن أن ~~تستعيد أمها راحتها من وعثاء السفر وأن تذهب إليها لتطبع على خدها الوردي قبلة التهنئة، ~~فتعلن رضاها وموافقتها، فتتم الخطوبة وتكمل السعادة. # ولكنها إذا فعلت فستغدو الابنة زوجة وتمسي أما، فتسمع عن قريب من يناديها بقوله: «جدتي، ~~جدتي.» لقد نطقت بهذه الكلمة الشنعاء فدوت في أذنيها دوي التصويت والنواح، فارتج لها جسمها ~~البض وخفق لهولها قلبها العاشق .. وأحست ببرودة الخوف تسري في أعصابها سريان الجفاف في ~~الغصن الرطيب .. وخيل إليها الوهم أنها تجلس إلى مقعد وثير وإلى جانبها ابنتها وعلى حجرها ~~غلام كأنها تسمعه بأذنيها يهتف بها: ms135 «يا جدتي.» ورأت نفسها وقد ذوى جمالها وتغضن جبينها ~~وغارت عيناها ورق خدها وابيض شعرها، فانتفضت واقفة وكتمت صرخة رعب كادت تفلت من شفتيها، ~~وهزت رأسها بعنف لتطرد عن خيالها الأطياف المرعبة، حتى إذا عاودها اطمئنانها صاحت: «أبدا .. ~~أبدا .. لن يكون هذا.» ولبثت ملازمة لحجرتها غير عابئة بما عسى أن يحدثه غيابها في نفس ~~ابنتها العزيزة، حتي ثقل الأمر على البك فاستأذن عليها ودخل، وجلس قبالتها وجعل يرمقها ~~بعينيه الحادتين وهو يرجو أن تفاتحه بالحديث، ولما لم يدع له إصرارها أملا قال: أرجو أن ~~تكون أسوان قد شفت أعصابك. # وأغضبها قوله، وظنت أنه يتهكم عليها فنظرت إليه نظرة حمراء. ولما شاهدت عينيه الحادتين ~~وقر في نفسها أنه هو الذي سعى إلى هذه الخطوبة، وأنه سعى إليها تأديبا لها وانتقاما ~~منها، فهو أعرف الناس بها وأعرفهم على وجه الخصوص - بما يسرها وما يسوءها - واشتد بها - عند ~~ذاك - الغضب، فعضت على شفتها السفلى، وأهملت الرد عليه، فقال كالداهش: ما لك؟ لست كعادتك .. ~~والأعجب من هذا أنك لم تفرحي لما بشرتك به. # فاهتاجها الغيظ وقالت محنقة غاضبة: لن تتم هذه الخطوبة. # فبدا على وجه البك الانزعاج وقال: ما تقولين يا هانم؟ # وأجابته بصوت صارم: أقول إنه لن تتم هذه الخطوبة. ~~- كيف .. ولمه؟ ~~- إن «حياة» ما زالت صغيرة السن. ~~- ولكنها بلغت سن الزواج القانونية. ~~- ماذا يفيد القانون إذا كان الزواج المبكر يؤذي صحتها؟ ~~- لقد تزوجت يا هانم في مثل سنها، ومع هذا فإن كل من يراك يشهد لك بالصحة ~~والنضارة. # فضربت الأرض بقدميها وقالت محنقة مغيظة: أنا دائما أشكو من أعصابي. # فضيق عينيه ورفع حاجبيه وقال في تهكم: ربما كان ذلك لعلة غير الزواج. # فغلبها الغضب واشتد بها الانفعال وقالت بصوت متهدج: باختصار لن تتم هذه الخطوبة. # ولكن الزوج صر على أسنانه الصناعية وقال: لقد أطلقت لك الحبل على غاربه، وملكتك حريتك ~~الكاملة، وقلت لك منذ عامين «أنت وشأنك» .. ولكني لم أتنازل عن حقوقي كوالد، ولا أفكر في ~~التنازل عنها، وإني لأشفق من أن ms136 تضيع على ابنتي مثل هذه الفرصة الذهبية؛ ولذا فإني أعلمك - ~~وإني أعني ما أقول - بأني سأعقد هذه الخطوبة. # فقامت غاضبة وأشارت إليه بيد مرتجفة وصاحت: وأنا أؤكد لك بأنها لن تتم. # فهز الرجل كتفيه استهانة وغادر المكان وهو يقول: سنرى. # وصبرت الهانم حتى عاودها شيء من هدوئها، ثم دعت إليها ابنتها وحدثتها حديثا طويلا عن ~~حبها لها وحدبها عليها وتوخيها ما ينفعها وإشفاقها مما يضرها، ثم خلصت إلى ما دعتها - في ~~الحقيقة - من أجله، فأعلنتها بأنها لا توافق على زواجها، وأنها ترغب في تأجيله بضع سنين ~~خوفا على صحتها، ورجتها رجاء حارا أن ترفض يد ذلك الشاب ولا تذعن لإرادة والدها. # وصمتت الفتاة صمتا بليغا، ولاذت به من الرفض أو القبول، وعبثا حاولت المرأة أن تخرجها ~~من صمتها، ولكنها فهمت منه ومما طالعت في وجهها من الحزن والاستياء ما أشفى بها على اليأس ~~والقنوط. # ولبثت الفتاة في حضرتها ما لبثت ثم غادرت الغرفة ولم تنفرج شفتاها عن غير التحيتين .. تحية ~~اللقاء التي نطقت بها في مسرة وفرح، وتحية الوداع التي قالتها في صوت خافت بارد .. وجن ~~جنون الأم وازدادت تشبثا وعنادا، ووقفت من الزواج موقف المقاطعة والتحدي .. فلما جاء الشاب ~~الخطيب لزيارتها أبت أن تقابله كما رفضت مقابلة أهله من بعد، واضطر البك إلى انتحال الأعذار ~~الكاذبة لها، وبذل الرجل ما في وسعه لإقناعها بالتحول عن عنادها وتوسل إليها باسم ابنتها، ~~ولكنها ركبت رأسها وأبت أن تصغي إليه حتى انفجر مرجل الرجل وأقدم على الإفضاء بالحقيقة إلى ~~شريكه - والد الخطيب - وشكا إليه قسوة امرأته التي تضحي بسعادة ابنتها في سبيل شبابها ~~الكاذب .. وطلب إليه أن يعاونه على إتمام الزواج - رغم إرادة الأم - إنقاذا للفتاة من ~~أنانية أمها المتوحشة. # وذاعت هذه الكلمة التي قيلت سرا في جميع الأوساط الراقية، وتحدثت بها «الصالونات» حتى ~~بلغت أذني الأستاذ عاصم المحامي الذي بلغها بدوره إلى روحية هانم نفسها، ولكن لم يكن هذا ~~- ولا ما أصبح يبديه مدحت وحياة من الاستياء والنفور - إلا ليزيدها عنادا ms137 وإصرارا .. ووجدت ~~المرأة أن كل ما قيل وذاع لم يغن فتيلا في عرقلة الساعين إلى إتمام الزواج، وكانت ترى في ~~نجاح مسعاهم القضاء الأخير على سعادتها وشبابها وغرامها، فانبرت للدفاع عن نفسها دفاع ~~البائس المستميت، واهتدت - في قنوطها - إلى فكرة جهنمية شريرة لا تخطر على قلب أم أبدا، ~~وسارعت إلى تنفيذها بقلب أعماه الخوف والجنون عن البصر بالعواقب؛ فقصدت يوما إلى عشيقها ~~وطلبت إليه أن يقنع ابنتها بالعدول عن الزواج، وقد دهش الرجل وحق له أن يدهش، وقال لها: وما ~~أنا ولهذا؟ .. ثم إنه لم تسبق له معرفة وثيقة بالآنسة حياة؛ فلا أدري والحالة هذه كيف يجوز لي ~~أن أحادثها فيما هو من صميم حياتها الخاصة؟ # ولكن المرأة استهانت باعتراضاته وكذبت عليه فقالت: حقيقة إنك لم تسبق لك بها معرفة وثيقة ~~كما تقول، ولكنها تعلم أنك صديق والديها، وقد سمعت في بعض المجالس ثناء كثيرا على نبوغك في ~~المحاماة؛ فهي لا شك تقدر رأيك حق قدره وتنزله من نفسها منزلة سامية. # فتورد وجه الشاب وذكر وجه الفتاة الجميل الذي سعد برؤيته ساعة في السيارة صباح العودة من ~~أسوان، فلم يستطع أن يرفض، ولكنه قال متسائلا: فكيف لي بمقابلتها على انفراد لأحادثها في ~~هذا الشأن الخطير؟ وإذا قابلتها فكيف أفاتحها به؟ # فتنهدت المرأة ارتياحا وقالت: لقد دبرت كل شيء، سأصحبها يوم الأحد القادم لشراء بعض ~~الحاجات، وعليك أن تقابلنا - مصادفة طبعا - في شارع سليمان باشا الساعة الخامسة مساء، ~~وتقترح علينا التنزه قليلا على جسر قصر النيل فأتركها معك، وأعدك بأن ألحق بكما بعد دقائق، ~~وتنتظراني ساعة على الأكثر؛ فإن لم أعد تأت بها إلى شيكوريل حيث تجدانني، وفي أثناء ذلك ~~تستطيع أن تطرق الموضوع بلباقة المحامي وتفضي إليها برأيك في الزواج المبكر .. ما رأيك ~~الآن؟ # وقبل الشاب بسرور خفي، فتركته المرأة وذهبت إلى الفيلا على عجل، وأغلقت على نفسها حجرتها ~~وأحضرت ورقة وقلما وكتبت ما يلي بيد مضطربة وبخط جهدت أن تخرج به عن مألوف خطها: # سيدي الأستاذ .. # أنت شارع في ms138 الزواج من كريمة محمد بك طلبة، ولكن ينبغي قبل ذلك أن تذهب بنفسك كل ~~يوم إلى جسر قصر النيل الساعة الخامسة مساء وخصوصا أيام الآحاد. # ثم كتبت على الغلاف عنوان الخطيب ووضعت الخطاب فيه، وترددت لحظة رهيبة ثم نادت خادما ~~وأمرته بوضع الخطاب في صندوق البريد. # وجاء يوم الأحد وخرجت الأم وابنتها وحدثت المقابلة مع الأستاذ، وتم لها ما أرادت من تركها ~~معه، وذهبت بمفردها إلى شيكوريل وابتاعت حاجاتها، ولبثت تنتظر حتى حضر الأستاذ وحياة وقد ~~اعتذرت إليهما قائلة: أوه .. لقد تأخرت عليكما لأن المحل مزدحم كما تريان. لا بأس، أظن أنه ينبغي أن نذهب الآن، ~~نستودعك الله يا أستاذ. # وفي الطريق لازمت المرأة الصمت، وقد انتظرت طويلا أن تفاتحها الفتاة بالكلام، ولكنها ظلت ~~واجمة كأنها تجهل اللغة التي تتكلمها أمها، واختلست المرأة منها نظرة فألفتها جامدة باردة لا ~~تعير وجودها أدنى اهتمام، فانقبض صدرها وتذكرت - آسفة حزينة - كيف كانت في حضرتها لا تمل ~~الحديث والضحك والمداعبة، وضاق صدرها بصمت الفتاة فقالت تحملها على الكلام: كيف كان التنزه .. ~~وماذا قال لك الأستاذ؟ # فأجابتها بإيجاز قائلة: تحدثنا أحاديث عامة تافهة لا تستحق الإعادة. ~~- وما رأيك فيه؟ ~~- هو جنتلمان. # وكانت ترجو أن تعرف من إجابة الفتاة الأثر الذي تركه حديث الأستاذ في نفسها، ولكنها لم ~~تستطع أن تدرك شيئا. # ولما خلت إلى نفسها ذلك المساء تنهدت وقالت: «إن «حياة» لا تحاول إخفاء نفورها مني.» # نفورها! وما النفور إلى جانب ما صنعت هي؟ أي فعلة شنعاء! أي منكر! إنها تعرف نفسها أكثر ~~مما يعرف الناس، وهي تعلم أنها سيئة التصرف، كثيرة الأخطاء متسرعة هوجاء، ولكن لم يسبق لها ~~أن أخطأت خطأ منكرا كهذا الخطأ، وما لها تسميه خطأ؟ ولماذا لا تسميه باسمه الحقيقي فتقول ~~إثم وجريمة؟ فهو جريمة شنعاء لأنه ليس أقل من محاولة تلويث شرف ابنتها والقضاء على مستقبلها ~~في سبيل شهواتها هي، يا للفظاعة! لو أمكن فقط أن يبقى هذا سرا مكتوما، ولكنه لن يبقى ~~كذلك لأنها في الحقيقة وإن كانت ms139 فكرت تفكير شيطان إلا أنها دبرت تدبير أطفال؛ فالرسالة التي ~~كتبت قد تكفل لها فسخ الخطوبة ، ولكن من يضمن لها ألا يتصل خبرها بزوجها؟ ومن يضمن لها ألا ~~يسأل الرجل ابنته عما جاء فيها؟ وإذا صارحت الفتاة أباها بأنها هي - أي أمها - التي تركتها ~~مع المحامي ذلك اليوم، فما عسى أن يحدس الرجل؟ # أواه! قد لا تكترث لغضب زوجها، ولكنها على وشك أن تفقد محبة ابنتها إلى الأبد، بل ابنها ~~وابنتها معا؛ لأنه لا مدحت ولا أي ابن في الوجود يستطيع أن يبر بمثل هذه الأمومة المتوحشة. ~~وأحست عند ذاك بقشعريرة تسري في جسدها، واستولى عليها ذعر لم تشعر بمثله من قبل، وباتت فريسة ~~الآلام والمخاوف. # ولأول مرة منذ أن سمعت بنبأ خطوبة حياة اتجه تفكيرها نحو الخير فودت لو تستطيع أن تكفر ~~عن خطيئتها ببذل التضحية الغالية، وظلت تفكر صادقة مخلصة حتى قطعت عليها تفكيرها الحوادث؛ ~~فعند أصيل يوم من الأيام رأت المرأة ابنتها ترتدي معطفها وتتأهب للخروج، فسألتها برقة: إلى ~~أين؟ # وأجابت الفتاة قائلة: إلى السينما. # فسألتها بتعجب: بمفردك؟ # فأجابتها ببرود قائلة: مع الأستاذ عاصم. # وأصاب الجواب منها مقتلا فاستولى عليها ذهول شديد، وقالت دهشة: ولكنك لم تستأذني ~~أحدا؟ # فقالت الفتاة بشيء من الجفاء: استأذنت بابا وأذن لي. ~~- وهل طلب الأستاذ إليك أن تذهبي معه إلى السينما؟ ~~- نعم. ~~- متي .. وأين؟ ~~- على جسر قصر النيل ذلك اليوم. # وغشيت عينيها سحابة ظلماء فجمدت في مكانها لا ترى شيئا. ولما أفاقت كانت حياة قد غادرت ~~البيت. # وتيقظت غريزتها مرة أخرى، فطغت على عواطف الخير التي تحركت في قلبها منذ حين قليل، ~~وخنقتها كما يخنق الماء الأجاج الورد اليانع، فذهبت توا إلى زوجها وقالت له غاضبة: لم ~~أذنت لحياة بالذهاب مع الأستاذ؟ # فقال الرجل بلهجة تهكمية: ولم لا؟ أليس هو الصديق الصدوق لأمها وأبيها؟ # فاهتاجها الغضب لتهكمه، وقالت وهي تنظر إلى وجهه نظرة غيظ وكراهية: إني أعجب من تصرفك ~~هذا، أيجوز أن تأذن لها باصطحاب الأستاذ وأنت تسعى إلى تزويجها من رجل ms140 آخر؟ # فهز الرجل كتفيه وقال: فسخ الرجل الآخر خطوبته. # فخفق قلبها واصفر وجهها وتساءلت: ترى هل علم شيئا عن الرسالة؟ # واستطرد الرجل قائلا: عليك تقع تبعة ذلك يا هانم، فرفضك - وما ذاع عنه - زهد الشاب في ~~الفتاة. # ترى هل اكتفى الشاب بالانسحاب دون أن يطلع زوجها على الخطاب؟ ليت ذلك يكون! # وعاد زوجها يقول بقسوة لم يستطع إخفاءها: وقد أخبرتني حياة بأنك تركتها مع الأستاذ عاصم ~~ساعة في قصر النيل فظننت أنك تفضلينه على الشاب الآخر، فلما استأذنتني في الذهاب معه أذنت ~~لها، وقلت لنفسي لا علي من هذا؛ فعاصم شاب جميل ونابغ في فنه. # عند ذلك لم تستطع صبرا، فولت مدبرة تترنح في مشيتها كالمصاب في مقتل. # وتذكرت المثل القائل: «على الباغي تدور الدوائر.» فقد فعلت ما فعلت وارتكبت ما ارتكبت ~~وفقدت ما فقدت لتحافظ على حب الرجل، وها هي ذي توشك أن تفقد - بمسعاها هي دون غيرها - الرجل ~~وحبه. # يا له من ألم ساخر! ليتها أبقت على الخطيب الأول، أو ليتها تستطيع أن تسترده بأي ~~ثمن. # ولم تنم من ليلتها ساعة واحدة. وعند الصباح حدثت المحامي بالتليفون وقالت ما تعودت أن ~~تقول دائما: مساء اليوم في عشنا .. هه. # فأجابها بغير ما تعودت أن يجيبها به، قال: آسف جدا يا عزيزتي .. أنا مشغول جدا هذه ~~الأيام. # وقد صدمها اعتذاره صدمة شديدة وخيب آمالها، ولم يفتها مغزي قوله «هذه الأيام»، ولكنها ~~لم ترض بالهزيمة فقالت بسخرية مريرة: ومع هذا فأعمالك الكثيرة لا تمنعك من الذهاب إلى ~~السينما؟ # ماذا يستطيع أن يقول؟ قال إنه بالأمس فقط كان لديه متسع من الوقت أما الآن فلا. # ورأت أنه لا يكلف نفسه حتى الاعتذار المقبول. ولم يكلف نفسه؟ إنما يهتم بانتحال الأعذار ~~من يهمه شخص المعتذر .. وقد غدت عنده شيئا رخيصا أو لا شيء مطلقا. أواه! أهكذا تتقلب ~~القلوب؟ أهكذا ينسى الإنسان؟ أمن الممكن أن يضحى حب كحبهما ذكرى وحلما في لحظة سريعة؟ ألا ~~من تدرج؟ ألا من رحمة؟ # ولم تنقطع منذ ذلك اليوم ms141 المقابلات بين حياة والأستاذ عاصم، وشاهدتهما معا متنزهات ~~القاهرة وخلواتها وملاهيها حتى توقعت الأيام يوما بعد يوم أن يتقدم الشاب لطلب يد الفتاة، ~~ولكنه كان أحزم من أن يرتكب مثل هذه الهفوة؛ لأنه كان خبيرا بأخلاق روحية هانم عليما ~~بطباعها وعنادها وغرامها به، فرسم في عقله خطة محكمة وعزم على تنفيذها بإرادة لا يثنيه ~~عنها شيء، ولبثت روحية هانم في حيرة من أمرها تعاني أشد الآلام النفسية والقلبية، وتأسى ~~بكراهية ابنتها لها وتحديها لعواطفها وبتمزق إرادتها نهب الأمومة المحتضرة والأهواء ~~العنيفة، حتى كان مساء لا ينسى، إذ دخل عليها زوجها يهز خطابا في يده ثم يرميه في حجرها ~~وهو يقول في لهجة الغاضب: اقرئي وانظري .. أي جراءة! # فتناولت الكتاب بقلب مذعور متطير، وقلقت عيناها بين الأسطر الآتية: # سيدي المبجل، # يصلك هذا الكتاب ونحن نستقل القطار الذاهب إلى بورسعيد حيث نبحر إلى أوروبا أنا ~~وعروسي - كريمتكم - لقضاء شهر العسل، وإني أقر آسفا بأنه لم تجر العادة بأن تعقد ~~الزيجات على هذا المثال الغريب، ولكن الظروف الدقيقة التي لا تجهلونها لم تدع لي ~~فرصة للاختيار، وإني كبير الأمل أن تقدروا سلوكي تقديرا عادلا، ولست أقل أملا في ~~نيل عفوكم القريب. # ودمتم للمخلص # عاصم عادل # زاغت عيناها وحجبت غاشية الغضب الكلمات عن بصرها، فظلت منكسة الرأس لا ترى شيئا ولا تعي ~~شيئا، والقنوط يتسرب إلى قلبها كالغاز السام، ولم تحاول قط أن تقاوم نفسها المنهارة أمام ~~زوجها كأنها نسيت وجوده نسيا تاما، وكان الشيخ يحدجها بنظرة قاسية متشفية؛ فلما وجدها ~~تتهدم وتضمحل ولاها ظهره وذهب. # ولبثت في غيبوبة حينا طويلا، ثم رفعت رأسها المثقل فوقع بصرها على صورتها في المرآة ~~فارتاعت وجفلت؛ لأنه خيل إليها أنها ترى جمالها يذوي وينضب وتغشاها سيما الهرم. # | حياة للغير # ساعة الأصيل هي الساعة المختارة التي يهبط فيها عبد الرحمن أفندي إلى حديقة البيت الصغير، ~~وهي عادته التي يلازمها أو التي تلازمه أغلب شهور السنة؛ لأنه من القلة النادرة التي لا ~~ترتاح إلى ترك البيت إلا لعمل أو ms142 ضرورة. وقد نزل إلى الحديقة ذلك اليوم من أيام سبتمبر ~~المعتدلة، وألقى عليها النظرة المعهودة، وتمشى بين طرقاتها الملتوية يسرح بصره بين شجرات ~~الورد وأصص الزهور، ثم جلس على أريكة على كثب من السور المقام من الأسلاك الشائكة الذي يفصل ~~بين حديقة بيته وحديقة البيت المجاور، وبسط جريدة من جرائد المساء كانت مطوية تحت إبطه ومضى ~~يطالع. # وكان في مشيته كما كان في جلسته آية للرزانة؛ فمن كان يراه لا يشك لحظة في أنه رب بيت ~~وعاهل أسرة، فحركاته وإيماءاته تقرن دائما بالهدوء والاتزان، ونظرة عينيه تلوح فيها ~~الرزانة والرجولة والمسئولية، ورأسه الكبير وشاربه الغزير يدلان على أنه ابن أربعين وإن ~~كان في الحقيقة لم يجاوز الخامسة والثلاثين إلا بشهور قلائل. وكان مستغرقا في مطالعته حين ~~استيقظ فجأة على صوت رقيق يهتف به قائلا: سعيدة يا عمي. # فأزاح الجريدة عن وجهه ونظر إلى حديقة البيت المجاور نظرة التمع فيها الابتهاج، فرأى ~~وجها مشرقا يرنو بعينين سوداوين صافيتين يطالعانه بالبراءة، فأحس إحساس الحران هب ~~عليه نسيم بارد معطر بالياسمين، ورد تحيتها قائلا: أهلا بالآنسة سمارا. # فابتسمت إليه ووقفت تلاعب كلبها الأبيض الصغير. كانت في السادسة عشرة، يتجاذب وجهها ~~الصبوح وقدها الممشوق براءة الصبا وأنوثة الشباب. # وأشار إلى كلبها وسألها: كيف هو اليوم؟ ~~- تم شفاؤه .. الحمد لله. # فضحك قائلا: لعل هواء الإسكندرية لم يوافق مزاجه؟! ~~- على العكس كان يعدو على الشاطئ والدنيا لا تسعه من الفرح. # فنظر إلى وجهها الذي كسا الشاطئ بياضه حمرة كأنه غمسه في الشفق وقال برقة: لقد اكتسبت ~~بشرة جديدة يا سمارا. # فاستضحكت، وعدا الكلب في تلك اللحظة فولته ظهرها وعدت وراءه. # وبدا عليه تغير ظاهر، ففاضت من عينيه نظرة الجد والرزانة وخلفتها نظرة حنان وأحلام. وطاب ~~له أن يختلس منها نظرات طويلة سعيدة، فشاهدها وهي تجلس على الكرسي وتنحني لتلاعب كلبها ~~الصغير، وجعلت أناملها تتخلل شعره الأبيض الطويل، ومضى الكلب يلعق يدها مسرورا ويثب على ~~ركبتيها وذنبه يرقص طربا، وفي أثناء ذلك تدلت خصلات شعرها الحريري وحامت ms143 حول عنقها ~~وخديها. وكان في مشاهدته سعيدا مبتهجا، ولكن انقبض صدره فجأة فلوي رأسه ونظر إلى الأمام ~~بعينين لا تريان شيئا؛ لأنه تذكر أن سلوكها نحوه لم يتغير منذ كانت تدرج في الطفولة ~~والصبا، وأنها ما تزال تناديه بقولها «عمي» كما كانت تفعل وهي صغيرة تلعب بالعرائس. وكان ~~فيما مضى يفرح بهذا النداء ويعده آية على ما له في نفسها ونفس أبيها من المودة والصداقة، ~~أما الآن فهو يضيق به ويتأذى منه ولا يكاد يسمعه حتى ينقبض صدره وتتولى عنه المسرة. # واتجه بصره إليها مرة أخرى وتساءل - ولم يكن يفعل ذلك للمرة الأولى - أمن المستحيل أن ~~تصير سمارا زوجي يوما من الأيام؟ # وهز رأسه في إنكار واستغراب كأن الفرض من المستحيلات حقا، ولكنه لم يسلم بلا جدال ~~فتساءل مرة أخرى: ما وجه الاستحالة؟ .. العمر؟ .. فهو ابن ستة وثلاثين وهي بنت ستة عشر؛ فعشرون ~~عاما تفصل بينهما وهو عمر طويل يبرر «عمومته» لها، فكيف يتأتى للعم أن يصير زوجا ~~وحبيبا؟! حقا إن الكثيرين لا يعترفون بعقبة العمر ولا ينزلون عند حكمها ويذللونها بغير ~~مبالاة، ولكن كل تضحية من هذا القبيل بثمن، فما عسى أن يكون الثمن الذي يبذله لمثل كل هذه ~~التضحية الغالية؟ هو في الواقع ليس إلا موظفا منسيا في وزارة الداخلية لا يتجاوز مرتبه ~~الخمسة عشر جنيها فلا مكانة له يعتد بها، ولا مال له يسدل به على نقائصه سترا من الرواء ~~والجلال، ومع ذلك فهو يحبها، ويبدو له أن لم يكن من حبها بد. وكيف كانت تتاح له النجاة منه ~~وقد كانت تنمو تحت بصره يوما بعد يوم ستة عشر عاما؟ .. وكانت إلى ذلك الإنسانة الوحيدة من ~~الجنس الثاني التي رمته بها الأقدار في عزلته القاسية .. فتسرب الحب إلى قلبه خفية في أناة ~~وهدوء، وبلا قصد أو حذر، تسرب الكرى إلى أجفان حالم مستسلم إلى هبات النسيم اللطيفة في جلسة ~~طويلة هادئة على شاطئ النيل. # وكان في أول عهده بها يتمتع بطفولتها السعيدة ويجد فيها منفذا لحنان صدره ms144 المكتوم؛ فلما ~~أن انقلب عاشقا أنشبت فيه الحيرة أظافرها، وحرم القناعة السعيدة، وصار يعذبه كل شيء حتى ~~عطفها عليه وحديثها؛ لأنها كانت تقبل عليه ببراءة، ولم تشعر حياله شعور امرأة بإزاء رجل، ~~وقد حدجها مرات بنظرات نفذ منها لهيب الهوى قهرا فلم تستجب له ولم تحس به، وأصرت على ~~أنه «عمها العزيز» لا أقل ولا أكثر. ما عسى أن يكون ردها لو طلب يدها .. كيف يكون شعورها .. ~~وكيف تكون دهشتها .. وماذا تقول لأبيها .. وماذا تقول لنفسها .. وهل يمكن أن يراها بعد ذلك كما ~~يراها الآن في حديقتها، وأن يتمتع برؤيتها مقبلة مدبرة محدثة مداعبة أم ينقطع عهده بها ~~إلى الأبد؟ # وهب أنه وجد من نفسه الشجاعة الكافية لأن يفاتح أباها - صديقه العزيز - في هذا الشأن ~~الخطير، فما عسى أن يقول له؟ يا له من قول عسير .. وفكر طويلا، ثم أغمض عينيه وحدث نفسه ~~وكأنه يحدث صديقه: «صديقي العزيز لقد جئت أحدثك في أمر خطير لم تكن تتوقع أن أحدثك فيه ~~أبدا، وربما لم أكن أتوقع ذلك أنا أيضا، ولست واثقا من موافقتك ولا من أهليتي للطلب الذي ~~أتقدم به، ولكني لم أرد أن أضيع فرصة ذهبية لمجرد توهمي الإخفاق .. سيدي .. وصديقي.» # ولم يتم حديثه لأن صوتا عذبا أيقظه من حلمه قائلا: أنائم أنت؟ # فانتبه خافق القلب وقد تولاه ما يشبه الرعب، وقال: كلا. ~~- معذرة .. رأيتك مغمض العينين. ~~- كنت أفكر. ~~- وفيم تفكر؟ # حدق في وجهها بعينين حائرتين وتساءل بماذا يجيب .. أيقول لها فيك أنت .. ولكنها مجازفة ~~سابقة لأوانها، فلازم الصمت، وأحس رغم ارتباكه بلذعة سخرية لاضطرابه أمام هذه الطفلة. وكان ~~ينعم النظر في عينيها السوداوين، ومرت دقيقة على جموده، فشعر بسريان تخدير لذيذ، ولم يعد ~~يرى إلا سوادا جميلا، ثم لاحظ تغيرا فجائيا يطرأ عليها، فرأى وجنتيها تتوردان وشفتيها ~~تقلقان، وعينيها تتحولان إلى هدف وراءه .. وشاهدها تفر نافرة إلى داخل البيت، ونظر خلفه ~~دهشا فرأى أخاه نور يقف مبتسما ويمد له يده للسلام، وأحس بكآبة لم يدر ما سببها، وخفق ~~قلبه ms145 خفقان الخوف والخيبة، ولكنه سلم عليه مبتسما وقال له: أهلا، كيف حالك يا ~~دكتور؟ # فضحك الشاب وقال بصراحة: كم أنت سعيد يا أخي! # وأدرك ما يعني من اتجاه بصره ولهجته، وآلمه ذلك غاية الألم، ولكنه تجاهل الأمر وقال ~~بإنكار: سعيد؟! ~~- طبعا، من يحدث سمارا ينبغي أن يكون سعيدا. # فابتسم ابتسامة صفراء وقال لنفسه: إما أن هذا الشاب خبيث ماكر وإما أنه غبي لا يفقه لما ~~يقول معني. ليس السعيد حقا من تحدثه سمارا، ولكنه من تخجل من محادثته ومن يتورد وجهها حين ~~رؤيته فلا تملك إلا أن تفر هاربة .. هذا هو السعيد حقا .. أفلا يفهم ذلك هذا الشاب أم إنه ~~يتغابى ويمكر؟! # على أنه كان يحرص على ألا يبدو عليه شيء مما في نفسه، فقال يغير مجري الحديث: كيف كانت ~~ليلتك بالأمس؟ # فجلس الشاب إلى جانبه وقال: كان قصر العيني أمس حافلا بالحوادث المزعجة، ومضيت أغلب الليل ~~أستقبل صرعى القضاء والقدر. # وكان عبد الرحمن يرمق شقيقه وهو يتكلم بعينين ساهمتين وعقله دائب على التفكير .. كان ذا قلب ~~كبير يفيض حنانه؛ فهو يحب شقيقه، وقد أمده هذا الحب الأخوي بالعون والصبر، فرباه ورعاه كما ~~ربى أخوين له من قبل، ولكن يداخله أحيانا من ناحيته خوف وجفول وربما أكثر من ذلك. نعم هي ~~الحقيقة؛ فهو يكرهه أحيانا، وهو أشد ما يكون كراهية له إذا جرى ذكر سمارا على لسانه؛ فبمجرد ~~نطقه لذاك الاسم الحبيب يؤذيه ويعذبه؛ وتستحيل هذه الكراهية المؤقتة مقتا إذا وقعت عينا ~~الفتى عليها أو عيناها عليه كما حدث منذ حين قليل .. على أن هذا لا يعني أن هذه الكراهية ~~عاطفة ثابتة؛ فهي مجرد انفعال عنيف، وغير ذلك فهو يحبه وينظر إلى مستقبله كشيء جميل من صنع ~~قلبه وكده، فأي حيرة وأي عذاب .. ترى هل يفطن الشاب إلى ما يحدثه في نفس شقيقه الأكبر من ~~الشقاء؟ .. كلا .. هو بلا شك لا يتصور أن مثله يمكن أن يحب هذه الصبية الجميلة. # وكان الدكتور الشاب يفكر في تلك اللحظة من حياته السعيدة ms146 في أمور هامة، فقال لأخيه: لدي ~~أمور هامة أريد أن أفضي إليك بها. # ولم يدعه قلبه القلق يرتاح إلى هذه الرغبة، فقال: اخلع ملابسك أولا وارتح قليلا. # ولكن الشاب قال بإصرار: استمع لي أولا يا أخي؛ فإن حياتي في مفترق الطرق. # فسكت الرجل وأردف الشاب: ستنتهي بعد أشهر مدة تمريني كطبيب امتياز في القصر، وقد أخبرني ~~أستاذي الدكتور براون بأن النية متجهة إلى اختياري عضوا في بعثة كلية الطب. # فأحس الرجل بارتياح غير منتظر وقال بفرح: مبارك، مبارك. أنت أهل لذاك بغير شك. # والظاهر أنه كان لدى الشاب ما يقوله غير ذلك؛ لأنه قال بارتباك بصوت خافت: ولكني ... أعني ... ~~أريد أن أقول ... إني إذا سافرت فلن أسافر منفردا. ~~- لا أفهم شيئا. # في الواقع إنه يفهم كثيرا، أو يفهم على الأقل ما جعل قلبه يرتد إلى الجفول، وكان الشاب ~~قد تغلب على ارتباكه فقال: سأسافر زوجا إن شاء الله. # يا لها من مفاجأة .. إنه لم يسبق لك التحدث إلى أحد في هذا الموضوع .. أليس كذلك؟ ~~- كلا. ~~- هل نبت في رأسك على حين غرة؟ ~~- كلا، ولكني كنت أوثر الصمت حتى أخرجني عنه السفر المنتظر. # وسكت الأخ لحظة يغالب عواطفه ثم قال: هل أفهم من ذلك أنك وفقت إلى الاختيار؟ # فأحنى الشاب رأسه، وأشار بذقنه إلى بيت الجار وقال: سمارا. # وساد الصمت، وقلق الشاب لسكوت أخيه، فسأله بلهفة: ما رأيك يا أخي .. ألا تعجبك؟ # فقال الآخر بسرعة: نعم الاختيار .. نعم الاختيار. # فابتهج الشاب وقال: أشكرك يا أخي .. وأرجو ألا تتوانى، فعدني أن نذهب غدا إلى مقابلة ~~والدها، ولعلي لا أصدم هناك بما يخيب أملي. ~~- حسن .. ولكن ما الداعي إلى هذه السرعة؟ ~~- لا بد من السرعة؛ فليس أمامي سوى شهور قلائل ينبغي أن يتم في أثنائها الاتفاق ~~والاستعداد للسفر إلى إنجلترا. # ثم ضحك الشاب وقال وهو يهم بالوقوف: ألا ترى أني سأمضي شهر العسل خارج القطر ~~كالوجهاء؟ # فابتسم الرجل وحياه الشاب وذهب إلى داخل البيت. # وتبعته عيناه حتى غيبه الباب، ثم عادتا تنظران إلى ms147 الدنيا المحيطة نظرة ذاهلة لا تعي ~~التفاصيل، فأحس إحساسا غامضا بالسمرة التي أخذت تشوب الكون والسكون الساري في مفاصله، ~~وضاق بجلسته فقام يتمشى في الحديقة الصغيرة بائسا محزونا مختنقا، ودار دورتين ثم رجع إلى ~~الأريكة وارتمى عليها بشيء من العنف كأنه يسلم إليها حظه التعس لا جسمه المنهوك. # ووجد في تلك اللحظة رغبة خفية قاهرة في الفرار إلى الماضي .. فطار خياله في الزمان عشرين ~~عاما في غمضة عين إلى تلك الفترة من العمر التي تبدو فيها الحياة كقطعة من العجين في يد ~~الخيال يعبث بها كما يشاء، ويصنع منها ما يملي عليه هواه بعيدا عن قساوة الواقع. في ذلك ~~الوقت البعيد كان هذا الرجل الممتلئ رزانة وهما وحزنا؛ صبيا مرحا مدللا يفيض قلبه ~~بالأفراح والآمال؛ وقد ميزته الطبيعة منذ رأى النور، فكان أول من خفق له قلب والديه ~~بالأبوة والأمومة من الأبناء، ثم كان من بعد ذلك غلاما مجتهدا تضيء حياته المدرسية ~~استعدادات عالية ومواهب نامية تبشر بالنبوغ والتفوق والمستقبل البسام، ولكن الحقيقة أن ~~ما خفي من فضائله كان أعظم، وأنه كان ينتظر الفرصة فقط للظهور في أبهي الحلل، وقد جاءت هذه ~~الفرصة ولكنها لم تكن وا أسفاه سوى وفاة والده. # ترك الوالد المتوفى أسرة بائسة مكونة من أرملة وأربعة أبناء أكبرهم - عبد الرحمن - في ~~مستهل الشباب، وأربعة جنيهات معاشا. وهكذا تصدت الحياة للشاب السعيد الواسع الآمال بوجه ~~عبوس، استأدته الواجبات، وحتمت عليه أن يخلع رداء الطفولة ليحمل على عاتقه اللدن أثقل ~~التبعات .. وكان عليه قبل كل شيء أن يتناسى أطماعه، ويدرج في الأكفان آماله، ويقبر مواهبه لكي ~~يهيئ للأسرة حياة سعيدة، ويوليها بعض العناية التي كان يوليها إياها الأب الراحل، ورضي ~~كارها بوظيفة بائسة لم يتصور قط أن تنتهي إليها آماله. # كانت تلك الأيام في بدئها مؤلمة شديدة المرارة تبعث في النفس الأسى والحسرة واليأس، ~~ولكنها لم تبلغ به قط حد الثورة أو الغضب الهائل. لماذا؟ كان قلبه كبيرا ينضح بالحنان ~~والأخوة، فوهبه أمه وإخوته، وهانت لذلك تعاسته، وخففت ms148 الأيام من وقع الخيبة في نفسه، وتحددت ~~في قلبه آمال أخرى لا تتعلق بمستقبله هو، ولكن بسعادة إخوته ومستقبلهم، وذاق سعادة جديدة ~~هي السعادة التي يحدثها بذل النفس والعمل من أجل سعادة الغير؛ وبذلك شغل الشاب مكان أبيه، ~~ودخل في طور الرجولة الحق قبل الأوان. # وذكر هنا كيف أنه كان يشعر بالفراغ الأليم رغم امتلاء حياته بالآمال والأعمال، ولكنه كان ~~ينجح دائما في إبعاد فكرة الزواج من قلبه حبا في أسرته وإيثارا لإخوته، واستوصى بالصبر، ~~ولكن أثبتت له الأيام أن إخوته أقل صبرا وأعنى بنفوسهم منه، وربما كان للزمن في ذلك شأن ~~وأي شأن، فما كاد أكبرهم يتخرج ضابطا في مدرسة البوليس حتى تزوج وترك العبء له وحده، وتبعه ~~بعد قليل أخوه الثاني المهندس؛ فاضطر إلى البقاء أعزب حتى هذه السن. # ثم ذكر كيف أنه كاد يختار أخيرا ما يكمل به حياته، وكيف جاء الاختيار بعيدا عن ~~التوفيق، وكيف أتته الطعنة النجلاء من يد طالما آثرها بالحب والعطف، وقد طعنه وهو يضحك ضحكة ~~مشرقة بالأمل والسعادة كأنه ذاك الحكيم الذي يترنم بأنشودة السلام وقدمه تقتل عشرات الأحياء ~~التي لا تراها العين. # وفيما هو في أحلامه إذ سمع صوتا ينادي قائلا: عبده، لماذا تبقى في الظلام؟ # هذا صوت أمه الحبيب .. رباه .. لقد لفه الليل وهو لا يدري. # وقام من جلسته متثاقلا، وسار ببطء إلى الداخل، وبادرته أمه قائلة: هل حدثك أنور؟ # فقال: نعم. ~~- ما رأيك؟ ~~- اختيار جميل يا أماه، سأذهب غدا لمقابلة جارنا وطلب يد ابنته الجميلة لابننا ~~النابه. # فقالت بحنان: لم يبق إلا أنت. # ولازم الصمت هذه المرة. # من يعلم؟ .. ليس الذي يلقى الآن بأشد قساوة مما لقي في ماضيه، وما هذه بأول كارثة يمتحن بها ~~قلبه الكبير، وقد علمته الحياة فضيلة الصبر كما علمته حقيقة أجل؛ هي أنه يستطيع أن يسعد ~~وهو يحقق السعادة للآخرين. # | مفترق الطرق # زماننا عاثر الحظ أو نحن به عاثرو الحظ؛ فأينما تول وجهك تسمع تنهد شكوى أو تر تجهم كدر. ~~ولن تعدم قائلا إن ms149 هذا الزمان أضيق رزقا وأنضب حياء وأفسد خلقا وأقل سعادة وأنسا من ~~الزمان الماضي، ويجوز أن نكون لزماننا ظالمين، وأننا نتحامل عليه لا لعيب اختص به دون غيره ~~من الأزمنة، ولكن تبرما بقساوة الحياة وفرارا من جفاف الواقع ولياذا بظلام الماضي الذي ~~يشبه ظلام المستقبل؛ بعث أمل وطب آلام. ومهما يكن من هذا السخط فما من شك في أن جلال أفندي ~~رغيب كان على حق في شكواه التي يرددها بغير انقطاع. كان مراجع حسابات في وزارة المعارف وفي ~~السادسة والأربعين من عمره، وقد وسع الله في إحدى زينتي الحياة الدنيا وقتر عليه في ~~الأخرى؛ فرزق ستة أبناء يسعون ما بين حجر الأم والسنة الرابعة الثانوية. وأما مرتبه فسبعة ~~عشر جنيها، فناء بأثقال العيش ومتاعب الحياة، وقصمت ظهره المصاريف المدرسية. وكان كثيرا ~~ما يقول متبرما حانقا كلما آن موعد قسط أو اقتراب موسم من المواسم: «رجل مثلي؛ أب لستة ~~ذكور؛ اثنين في المدرسة الثانوية، واثنين في المدرسة الابتدائية، وواحد في المدرسة الأولية، ~~وواحد في البيت، غير زوجة وأم، ولا تراه الوزارة حقيقا بإعفاء واحد من أبنائه من المصاريف، ~~فمتى إذن تجوز المجانية .. ولمن تجوز؟» وكان كغالبية أهل هذا البلد يائسا من العدالة قانطا ~~من الخير، يعتقد اعتقادا كالإيمان الراسخ أنهما لا يصيبان إلا المجدودين من ذوي القربى ~~والأصهار والأصدقاء، فرأى أن ليس أمامه سوى الكفاح الشاق، ومعاناة الشدة عاما بعد عام، ~~والتصبر على مرارة الحياة. # ولبث على حاله لا يطمع في رجاء حتى تولى وزارة المعارف معالي حامد بك شامل، فطرق أذنيه ~~اسم الوزير الجديد، وجذبت عينيه صورته المنشورة في الصحف، فومض في أفقه المظلم بارق أمل ~~جديد، وانتعشت نفسه برجاء لا عهد له به، وقال لنفسه: «ينبغي أن أقابله .. وأن أشكو إليه .. هل ~~يرفض رجائي؟ .. لا أظن.» وقصد يوما إلى سكرتير الوزير وكتب حاجته على ورقة ليوصلها إليه، فمضى ~~الشاب بها وتركه في حالة من القلق والإشفاق لا توصف، وعاد مسرعا يقول لجلال أفندي: معالي ~~الباشا مشغول جدا اليوم، فلتتفضل ms150 بالمجيء ضحى الغد. # فعاد إلى حجرته مسرعا واجدا متألما، وكان ألف طول مدة خدمته خيلاء الرؤساء وانتهاز ~~المديرين، ولكن انشغال الوزير آلمه أكثر من أي شيء، وجعل يتساءل: ترى هل يذكرني؟ .. ولم يكن ~~شيء ليصده عن هذا الباب، فذهب ضحى الغد كما قال له السكرتير، وانتظر طويلا حتى قال له ~~الشاب: تفضل. # فقام مسرعا خافق الفؤاد، وفتح له الباب المحروس فاجتازه إلى الحجرة ذات السجاجيد ~~والزخارف، ونظر إلى صدر المكان فرأي معالي الباشا كما يدعونه يطالع في شيء بين يديه؛ فلما ~~أن شعر بوجوده رفع إليه عينيه ومد له يده وعلى فمه شبه ابتسامة وقال: أهو أنت .. لقد اشتبه ~~علي الاسم .. أوما تزال حيا؟ # فسر جلال للمداعبة الأخيرة، واطمأنت نفسه، وقال بخضوع وإجلال: نعم يا صاحب المعالي ما أزال ~~أكابد حظي في الدنيا. # فنظر إليه نظرة استفهام، ومال إلى الوراء قليلا وهو يتمتم: أفندم؟ # فقال جلال: يا معالي الباشا قصدت إلى معاليك لأشكو إليك ما أشكوه من عنت الدهر وشقاء ~~الأيام. لي أسرة كبيرة وأبناء كثيرون ومرتبي صغير، ولست طامعا في علاوة أو درجة، ولكني ~~أضرع إلى معاليكم أن تعفي ابنين لي في مدرسة شبرا الثانوية من المصروفات. ~~- الاثنين معا؟! ~~- نعم يا معالي الوزير، إن آمالي مشرقة بمعاليكم، لقد جاورت معاليكم عهدا طويلا من سني ~~الدراسة، وينبغي لمن حظي بذاك الجوار أن يربو حظه على حظوظ الناس جميعا، خاصة إذا علمتم أن ~~لي غيرهما أربعة آخرين. # فقال الوزير باقتضاب: قدم لي مذكرة. # وكان الرجل محتاطا لذلك، فأخرج من جيبه التماسا أعده لهذه الساعة وقدمه إلى الوزير، ~~فجرت عليه عيناه بسرعة، ثم أمسك قلمه ووقع عليه بكلمة وقال للرجل: اطمئن. # فانحني جلال أفندي تحية، فتكرم الآخر بمد يده له، ثم غادر الحجرة مغتبطا مثلج الصدر، ~~ولكنه ما كاد يعود إلى مكتبه بالوزارة حتى قال لنفسه متعجبا: لم يتغير «حامد شامل» البتة، ~~ولا تقدم به العمر، وكأنه في ريعان الشباب .. هل يصدق إنسان أن كلينا ابن خمس وأربعين؟ .. تالله ~~إني لأبدو لعين ms151 الناظر في سن والده .. وقضى وقته يفكر في الوزير، في حاضره وماضيه، وفي صلته ~~القديمة به .. ثم اضطجع بعد غدائه في بيته، وأشعل سيجارة، واستسلم إلى أحلام الذكريات .. فألوت ~~به إلى عهود الماضي المنطوي .. إلى الوقت الذي كان يجلس فيه إلى يسار التلميذ «حامد شامل» على ~~مقعد واحد لا يكاد يفرق بينهما فارق جوهري .. وكان التلميذ «حامد شامل» يلفت الأنظار إليه ~~ببياض بشرته واحمرار وجهه. ويلازمه عبد متهدم طويل يرتدي بذلة سوداء في الطريق إلى المدرسة ~~وفي طريق العودة، يتبعه كالظل إذا مشى، ويطمئن إلى مكانه إلى جانب حوذي العربة إذا ركب؛ ~~ولذلك كان يحلو لرفاقه أن يداعبوه فدعوه «حامد أغا». على أنه عجب غاية العجب كيف كانت ~~المنافسة تحتدم بينه وبين وزير اليوم وتلميذ الأمس كأنهما أخوا حظ واحد .. والأعجب من هذا ~~أنهما جريا معا وراء تلك العاطفة - التي تهيج الجد والنشاط ولا تتسامي عن المرارة والألم - ~~منذ أول عهد تجاورهما! وكانا في كفاحهما كأنهما يعيشان منفردين في فصل واحد، فكانت الغاية ~~التي يهدف إليها كل منهما أن يتفوق على قرينه بغير مبالاة الآخرين. وعلى الرغم من استعانة ~~حامد بالدروس الخصوصية يتلقاها على أنبه مدرسي المدرسة، فقد كانت الغلبة بينهما سجالا، ~~وكانت كفة جلال الراجحة .. وكانا في ملعب كرة القدم مثلهما في الفصل لا يريحان ولا يستريحان، ~~وكان كلاهما يزعم أنه أحق من صاحبه بقلب الدفاع، فكان مدرس الألعاب يعاقب بينهما فيه حتى ~~بدا تفوق جلال للجميع فاستأثر به، فكان آخر عهد الآخر بلعب الكرة .. يا لله! .. كانا يستبقان ~~كأنما الدنيا تضيق عنهما معا، وكأنما كان مستقبلهما ينذر بحرب مستمرة تشمل ميادينها الجد ~~واللعب والإدارة والوزارة. فكيف شالت كفته بعد ذلك؟ كيف سقط من عيون الغربال وضاع في ~~الحثالة؟ .. كيف صار رفيقا المقعد الواحد أحدهما وزيرا والآخر مراجعا للحسابات ينوء صدره ~~بآلام الحاضر ووساوس المستقبل. # ثم تمتم قائلا وهو يطفئ سيجارته ويرمي بالعقب إلى المنفضة: تالله ما يستحق أن يكون ~~وزيرا ولا وكيل وزارة ولا شيئا من هذا، وخشي ms152 أن يكون متجنيا عليه أو مائلا مع عواطفه ~~القديمة فتساءل باهتمام وجد كأنما يزمع كتابة ترجمة له: كيف اعتلى كرسي الوزارة؟ .. لقد انفصلا ~~في نهاية الدراسة الثانوية، فاضطر هو لأسباب إذا ذكرها جرت المرارة في فمه إلى الانقطاع عن ~~الدراسة، والتحق صاحبه بمدرسة الحقوق، ثم حصل على الليسانس، وكان أبوه محمد باشا شامل ~~وزيرا للحقانية فعينه سكرتيرا له في الدرجة الخامسة فكانت القفزة الموفقة الأولى، وقرأ ~~بعد ذلك في الصحف أنه اختير لبعثة في فرنسا لا يعلم كم أمضى بها وما حصل عليه فيها من ~~الإجازات، ولكن كثيرين يعلمون بزواجه بعد ذلك بسنوات من كريمة المرحوم حامد باشا حامد الذي ~~تولى الوزارة مرات، فارتقى فجأة إلى الدرجة الثالثة مديرا لإدارة التشريع، وانقطعت عنه ~~أخباره فترة وجيزة حتى علم بتوليته مديرية أسوان، ثم بترقيته محافظا للقنال بعد ذلك بقليل، ~~ثم باختياره وزيرا للمعارف. ومضى على توليته الوزارة أسابيع والمجلات لا تكف عن الإشادة ~~بمواهبه القانونية ومقدرته الإدارية ومشروعاته عن إصلاح التعليم، وكاد جلال أفندي أن يصدق ~~ما يقال لولا أنه قرأ مقالا عن تفوق الوزير في عهد الدراسة - في العلم والرياضة البدنية ~~معا - وكيف أن مفتشا من مفتشي الوزارة تنبأ على أثر مناقشته بأنه سيكون يوما وزيرا، ~~فأغرق الرجل في الضحك وقال ساخرا: «الآن فهمت سر المواهب القانونية والإدارية.» # وتنهد جلال أفندي رغيب وتمتم قائلا: «دنيا!» وأراد أن يريح نفسه من أفكاره فتناول مجلة ~~يقلب صفحاتها المصورة. والظاهر أن ذكريات الوزير كانت تأبى أن تفارقه، فرأى صفحة من المجلة ~~مخصصة للوزير تتوسطها صورة كبيرة، ما إن بصر بها حتى صاح في دهشة وغرابة: «رباه هذه صورة ~~فصلنا القديم.» # وألقى عليها نظرة سريعة فثبت بصره على صورته، وكان يقف في الصف الأول وراء المدرسين مباشرة ~~إلى يمين الوزير ينظر إلى عدسة المصور في ابتسام وثقة، وكان الوزير كالعابس وعلى حاجبه ~~الأيمن ذبابة، فضحك جلال طويلا وذكر قصة الذبابة. وكانت في الأصل من نصيبه هو وتنبه لها ~~والمصور يهم بالتقاط الصورة فهشها بسرعة ms153 فطارت عنه إلى حاجب قرينه وحطت عليه، وقد أحس ~~أسفا لذبه الذبابة؛ فلعلها كانت ذبابة الحظ السعيد سكنت إلى وجه الوزير المدخر، ورنا إلى ~~الصورة بعينين حالمتين فهامت روحه في آفاق الماضي حتى شعر بأن روح الطفولة تحل فيه مرة ~~أخرى، وأن شعيرات قذاله البيضاء تسود، وتجاعيد جبينه وما حول فمه تلين، ونظرة عينيه تصفو ~~وترق، ويمسح على ما فيها من هم وبلبال .. أحس قلبه يخفق مرة أخرى بالأمل والطمأنينة، وجرى ~~بصره على الوجوه الصغيرة وهو يتساءل: تري كيف صار هؤلاء جميعا؟ .. وعاين أول صورة في الصف ~~الأخير فعرف صاحبها بوضوح غريب، وذكر اسمه (عبد الملك حنا)، وذكر كيف كانت تنتابه نوبات ~~الصرع في الفصل حتى انقطع عن المدرسة .. أما بقية الصف فتذكر وجوههم وغابت عنه أسماؤهم ~~ومصائرهم، وعرف في الصف الثاني وجها كأنما تركه بالأمس؛ كان ابنا لأحد كبار المستشارين، ~~فكان يتمتع لذلك بنفوذ وصولة فيحييه الناظر إذا بصر به، ويلاطفه المدرسون، وقد علم فيما ~~بعد أنه عين وكيلا للنيابة وترقى قاضيا، ولعله يتأثر الآن خطى أبيه الكبير. أما من ~~يليه من الصغار فجلهم من المغمورين، وبعضهم معه في المعارف، وهو يعرفهم حق المعرفة. وأما آخر ~~هذا الصف - الذي ينظر إلى المصور بتحد غريب ويشبك ذراعيه على صدره - فكان من أشقياء ~~التلاميذ المولعين بالشجار والتصادم، وقد طرد من المدرسة لاعتدائه على أحد المدرسين. ومن ~~العجيب أنه احترف فيما بعد «البلطجة» وطاف بالسجن مرات. # وألقى نظرة أخيرة على الوجوه الأخرى فلم يعرف عنها شيئا إلا الدكتور المعروف «حنا عبد ~~السيد»، وإلا هذا الذي يتوسط الصف الأول، كان من أنبغ التلاميذ جميعا، وكان أول الابتدائية ~~ثم أول البكالوريا، والتحق بمدرسة الحقوق كبير الهمة سخي المواهب، ولكنه أصيب أول عهده بداء ~~الصدر فاضطر إلى ترك المدرسة والكف عن التحصيل، واشتغل بعد ذلك بعامين كاتبا في الصحة .. ~~فلا يقل حظه شذوذا عن حظ الوزير نفسه. # نال كل منهم نصيبه وخضع لحكم حظه وسعيه. كانت تجمع بينهم جدران واحدة، لا يكاد يتميز ~~وراءها إنسان ms154 إلا بجده وخلقه، ففرقت بينهم الحياة، فرفعت وخفضت، وأحيت وأماتت، وأذاقت ~~الفقر، ومتعت بكرسي الوزارة، وكل بما قسم له غير راض ولا قانع. # ونظر جلال أفندي عند ذاك في الساعة فوجدها تدور في الرابعة، فعلم أن موعد الصغار آن ~~واقترب، وأنهم عما قليل يملئون البيت حياة وقلبه نورا، فرمي المجلة بعيدا وطرد من عقله ~~الوسواس ليستقبلهم أجمل استقبال، وقال لنفسه متعزيا: من الخطأ أن يفكر الإنسان في شئون ~~الناس ما دام هذا لا يورث إلا الضيق، وحسبي أن معاليه قال لي «اطمئن». # | إصلاح القبور # قضى من بيده القضاء أن يكون ليل 16 أغسطس تاريخا فاصلا تهتز له جوانحها ويتصدع به ~~فؤادها، فلم يعد مجرد وحدة من الزمان الذي لا ينتهي، ولكن شيئا من ذكريات سود يجمع بينها ~~غشاء من الحزن واللوعة، وشاهد ذاك الليل صدرا ضعيفا يعلو وينخفض ورأس صاحبه مسندا إلى ~~صدرها، وسمع حشرجة ما يزال صداها يمزق مسمعيها، وفي لحظة رهيبة كأنما جفت فيها ينابيع ~~الرحمة في السموات والأرض صارت أرملة في نضارة الصبا وشرخ الشباب، فأغمضت عينان ألفت أن ~~تطالع في نظرتهما الحنان والمودة، وسكت لسان جعل يناغيها عاما وبضع عام المناغاة الحلوة ~~السعيدة، ويدللها فيناديها نعومة مرة ونعمات أخرى، وجمد الساعدان اللذان كانا يضمانها إلى ~~مرتع الوداد والهوى. انتهي تاريخ وبدأ تاريخ على عجز منها ورغم؛ لأنه كان قد قدر لها أن ~~تلقي نصيبها الكثيف من الحزن والبكاء والحسرة، وأن تجلل شبابها النضير بسواد الحداد أو سواد ~~اليأس، ثم هجرت البيت الذي كانت سيدته وربته فأخليت لها حجرة وعاشت عيشة لا تجد فيها أسباب ~~الترحيب إلا ما تقضي به تقاليد المجاملة الظاهرية. # استوحشت دنيا الأحياء، ولاحت لها معالمها غارقة في ظلال الكآبة والقنوط، فأغلقت دونها ~~نفسها، وولت عنها بقلب يأبى حبه أن يستسلم للموت، ورمت بناظريها بعيدا إلى حيث ترقد ~~القبور في سكون الأبدية ووحشة الفناء؛ فعند ذاك القبر سحت عيناها دمعا غزيرا ساخنا فروت ~~جفاف قلبها ورطبت حرارته، ولكن أي قبر كان ذلك القبر؟ # قبرا ms155 قديما انتبذ ركنا من فناء واسع موحش خال، وعلاه البلى فتهدم «شاهده» وتشقق بنيانه .. ~~وا أسفاه كان المرحوم في نضرة الشباب فلم يعن يوما بهذا القبر الذي لم تمد له يد بإصلاح ~~ما يقرب من نصف قرن من الزمان، حتي تواري بين ركامه شبيبة ناضرة في حفرة شائخة .. فكانت إذا ~~رأت الفناء المعفر والشاهد المهدم راحت زائغة البصر مكلومة الفؤاد، وأفحمت في البكاء. ~~ووجدها التربي يوما تندب القبر المهدم وتبكي بكاء مرا فانتظر حتى رآها تهم ~~بالانصراف، فدنا منها وقال لها برقة ولباقة: ألا ترين يا سيدتي أن هذا الفناء مترامي ~~الأطراف، فهلا بعت نصفه أو بعته كله وجددت بماله القبر وأصلحت حجرته؟ # واستهواها قوله فأصغت إليه برغبة ولهفة، وقد تفتحت لها سبل الأمل، ولكنها ذكرت أن مكافأة ~~زوجها لم تصرف بعد، فما الداعي إلى التفريط في الفناء؟ .. كلا، لتبق المقبرة على ما هي عليه، ~~وحين تأخذ المكافأة - ولو بعد ستة أشهر كما قيل لها - تجدد القبر وتصلح الفناء وتغرس في ~~أرضه شجيرات يانعة تستدر الرحمة وتطرد الوحشة. وعادت يومئذ وقد تخايل لعينيها في الأفق حلم ~~من أحلام العزاء؛ فغدا عندما يجدد القبر وتطلى الجدران ويفرح المكان بشذا الريحان يتنسم ~~قلبها المحزون نسائم العزاء البارد، وتجد في الأنس بالوفاء سلوى عن وحشة الوجود. # ومضى يوم ويوم وأسبوع فأسبوع وشهر ثم شهر والقبر غايتها وسلوتها وأجمل موعد يتيحه لها ~~الزمان، إلا أنها كانت تتغير - بطبيعة الحال - ككل شيء في الحياة في بادئ الأمر، كانت تبكي ~~ليلا ونهارا، ثم مضت تبكي سحابة النهار وتهدأ بالليل، ثم صارت تبكي كلما خطرت ذكراه على ~~فؤادها الحزين، ثم انشغلت بالحياة طوال الأسبوع، واستأثر بها الحزن كل صباح جمعة. وكانت أول ~~عهدها تمضي إلى المقبرة لا تلوي على شيء فلا ترى من الدنيا شيئا، أما بعد الأشهر الأولى ~~فلم يمنعها الحزن من أن تسير كبقية الخلق بعينين مفتوحتين، وفي ذاك الهدوء النسبي استطاعت ~~أن تري - في ذهابها إلى المقبرة وعودتها منها - رجلا يجلس عادة كل صباح ms156 جمعة أمام الفيلا ~~التي تشرف على مبدأ الطريق الصاعد إلى المقابر يرتدي جلبابا ومعطفا، ويقطع الوقت بقراءة ~~الجريدة وتدخين غليونه. كانت تراه دائما بمجلسه هذا؛ فإذا مرت به صعد إليها عينين ~~ثاقبتين وحدجها بنظرة يلوح فيها الاهتمام الشديد. هكذا يستقبلها وهكذا يودعها، ولعله كان ~~يطاردها بنظراته منذ أول عهدها بهذا الطريق الموحش. وعلى أية حال لم يغير من عادته ولا وهنت ~~مثابرته، وبرمت بعينيه، وكرهت تفحصه لها .. لماذا ينظر إليها هكذا .. وهل هو يتابع كل زائرة ~~لهذا الطريق بهذا النظر العنيد .. أيتسلى الرجل بهذا النظر الوقح إلى الثاكلات والأرامل؟ .. ~~إلا أنها وجدت نفسها - بمضي الأيام - كلما شارفت مبدأ الطريق مضطرة إلى تذكره وتمثل نظراته ~~العابرة التي سيلقاها بها .. بل جعلت تتذكره بعد ذلك صباح كل جمعة وهي تتلفع بسوادها وتأخذ ~~أهبتها لمغادرة البيت؛ فقد صار هذا الرجل العنيد وكأنه جزء لا يتجزأ من طريق القبر، ولم ~~ينفعها الغضب ولا أغنى عنها السخط ولا وجدت عن سبيله حولا. ويوما رأته مرتديا فحسبت أنه ~~مزمع المسير إلى بعض شأنه، وأملت ألا تجده عند إيابها، ولكنه كان بمجلسه حين عودتها كأنه ~~ينتظر في صبر وأناة، وما كادت تجاوزه بخطوات حتى نهض قائما وتبعها متمهلا .. وحسبت أنها ~~أخطأت الظن ولكنه انعطف وراءها إلى شارع البراد .. ثم إلى شارع الجميل .. ودخلت البيت مضطربة ~~لاهثة، فمر به في خطاه الوئيدة وألقى عليه نظرة جامعة .. تبا له .. ماذا يبغي من وقاحته هذه .. ~~أما يحترم السواد الحزين الذي يجلل وجهها؟! وفي الزيارة التالية لم تجده بمكانه المعهود! ~~وكانت توعدت وجوده بما شاءت من السخط المكتوم .. فلما لم تجده لم تر بدا من الارتياح ~~والسرور .. لكنها تساءلت: ترى هل اختفى لأن شاغلا قطعه عن رؤيتها أم إنه عدل عن سيرته ~~الأولى؟! # وجاءها شقيقها وزوجه يوما، وكان مضى على تاريخ الوفاة - 16 أغسطس - خمسة أشهر، وقال لها ~~الرجل برقة: أرى أنه ينبغي أن ينتهي هذا الحزن بمشيئة الله. # فنظرت إليه بعينيها الصافيتين متسائلة حيرى، فقال لها الرجل باقتضاب مفيد: جاءك ms157 رجل يطلب ~~يدك. # وذكرت لتوها رجل الفيلا، ودق قلبها بعنف، ولاحت في عينيها نظرة ارتياع، فهتفت به منكرة : يا ~~خبر .. كيف تفاتحني بهذا يا أخي؟! # فقال الرجل بهدوء ووقار وحزم: ولم لا؟! .. أصغي إلي .. أين أبونا وأين أمنا؟ الحزن إذا زاد ~~عن حده صار معصية لإرادة الله، فلينظر الأحياء إلى حياتهم، أما الأموات فلهم رحمة الله عوض ~~عن الدنيا وما فيها؛ فليس هو في حاجة إلى حزنك. كلا ولن يغني عنه وفاؤك، فتدبري أمرك بعين ~~الحكمة. # وضمت زوج شقيقها صوتها إلى صوته، وتكلمت بمثل حماسته وأكثر، فقالت نعيمة لنفسها: لقد ~~تحالفا معا، ولعلهما يرحبان بالرجل كي يريحهما منها؛ فما من شك في أنها عالة ثقيلة عليهما ~~وأنها ضيقت عليهما البيت، فاستمسكت بهذا الخاطر وأدارته في نفسها حتى ملأها، وكانت في ~~الحقيقة اقتنعت بكل ما قاله أخوها من أنها لن تقيم على الحزن إلى الأبد، وأن حياتها أولى ~~بالرعاية من موت الآخرين، ولكنها أبت أن تفكر في غير هذا الخاطر الذي توهمته توهما أو ~~فرضته فرضا وآمنت به بعناد، بل جعلت - فيما بينها وبين نفسها - تلوم أخاها على برمه بها؛ ~~الأمر الذي ربما أجبرها على اختيار ما لا تود، أما شقيقها فاستدرك يقول: ولا تخشي لومة ~~لائم؛ فالرجل على استعداد تام لتأجيل الزواج حتى ينتهي العام. # وتركها بلباقة إلى أفكارها ثم كر عليها مرة أخرى صباح اليوم الثاني وسألها عما ترى .. ورأت ~~نعيمة أن تلوذ بالصمت، فطاب أخوها نفسا وأدرك أنها وافقت، وسارت الأمور في مجراها الطبيعي. ~~ولما جاء يوم جمعة بعد الخطوبة ذكرت القبر والزيارة المعتادة وتساءلت حيري: هل يجوز أن ~~يراها في الطريق الذي تعود أن يراها فيه .. أليس الوفاء للقبر خيانة له؟ .. لشد ما يشق على ~~الإنسان قطع عادة عزيزة، ولكن ما جدوى الزيارة الآن؟ .. لقد رضيت باستقبال حياة جديدة؛ فأولى ~~لها أن تأخذ نفسها بالرضاء والقبول. نعم حسبت يوما أن ذاك القبر سيكون قبلتها إلى الأبد، ~~ولكنها لم تعمل حسابا للزمن؛ الزمن الذي يذيب الصخور ويفتت الصروح ms158 ويغير وجه البسيطة، ~~أليس بقادر أن يمسح عن قلبها شجونه؟ وقرأت هذه المرة الفاتحة على البعد، وقالت لنفسها إن ~~البعد لن يمنع رحمة الله من أن تؤنس الثاوي في قبره، ومضت الحياة في يسر فانتصف العام وتوجه ~~قلبها وجهة جديدة، فاطرح الحزن وأشرق بنور أمل جديد، وتطلع للغد بعين ملؤها الرجاء والحب. ~~وجاءتها المكافأة وهي على تلك الحال فلم تفكر في تجديد القبر المهدم ولا في غرس الفناء ~~المعفر، ولا عاتبتها نفسها على إهمالها. والحق أنها كانت عن ذلك في شغل من أمر جهازها الجديد ~~وإعداد ثياب الحياة الزوجية الجديدة، وزاد من انشغالها عجز أخيها عن مساعدتها المساعدة ~~الجدية التي تريدها، فناءت بحمل ثقيل رفعت المكافأة عن كاهلها بعضه لا كله، حتى ذكرت يوما ~~فناء المقبرة الذي اقترح الدافن عليها مرة أن تبيعه أو تبيع نصفه. # وغلبها الوجوم للذكرى العابسة إلا أن الوجوم ذهب لحال سبيله، ولبثت تفكر في ذاك الاقتراح ~~القديم، وتمنت لو تستطيع أن تسرق خطاها إلى الدافن وتحدثه بأمره .. ولكنه كان تفكيرا عقيما ~~لأن المدفن لم يعد ملكا لها فلا تستطيع التصرف في قرش من ثمنه .. ولعل هذا ما ملأ نفسها ~~أسفا، إلا إنها التمست أسبابا أخرى لهذا الأسف فجعلت تلوم نفسها على قسوة أفكارها وتلعن ~~الحياة التي تقضي سنتها بأن يكون موت الوفاء عين الحكمة أحيانا. # وقبل أن ينتهي العام بأربعة أشهر قال لها الرجل الصبور وقد اطمأن إلى ظفره بقلبها: ما ~~جدوى الانتظار هذه الأشهر الأربعة؟! ألا ترين أننا في أواسط الصيف وأنه يحسن بنا أن نمضي ~~شهر العسل في رأس البر؟ # فخفضت عينيها كي لا يقرأ فيهما ما أرادت كتمانه، وصمتت لحظات كأنها مغرقة في تفكير عميق، ~~ثم تمتمت بصوت خافت: ليكن ما تشاء. # | المرض المتبادل # فرغ الطبيب من الكشف على الزائر الخامس في صباح ذلك اليوم، ولبث ينتظر المريض السادس، ~~فدخلت سيدة مقنعة رشيقة القامة وسفرت عن وجه غاب جماله البهي خلف تجعدات الألم كوردة ~~بيضاء سفا عليها عجاج الخمسين، وقد بادرته هاتفة: ms159 الغوث أيها الطبيب! # فدنا منها وعلى وجهه ابتسامة تبعث الطمأنينة وسألها: ما بك يا سيدتي؟ # فارتمت على مقعد بين يديه وراحت تروي له قصة ذلك المرض الوبيل الذي فاجأها لدى الصباح ~~فاضطرها إلى أن تقصد إليه دون أن تتريث لحين أوبة زوجها من الوزارة، واستمع الطبيب إليها في ~~دهشة وحيرة وهو يحاول عبثا أن يوفق بين ما يروى له، وبين هيئة السيدة المتزوجة التي تنطق ~~بالحشمة والصون. # ثم أدى واجبه الدقيق بعناية فثبت لديه ما كان منه في ريب، واكفهر وجهه وهو يقول: سيدتي .. ~~إنه لأمر مؤثر .. لقد أصبت بمرض خبيث .. بمرض سري. # فانقبضت المرأة قائمة وجحظت عيناها من الهلع والذعر، وقد ضاع ألمها المبرح في تيار الخوف ~~الجديد وصاحت به: مرض؟ ~~- نعم يا سيدتي .. إني أعني ما أقول، ولكن هدئي من روعك واملكي زمام نفسك حتى لا تجر هذه ~~الكارثة وراءها كوارث أخرى أشد إيلاما. أقلت إنك متزوجة؟ # فأحنت رأسها أن نعم وهي لا تدري، فاستطرد الطبيب قائلا: وا أسفاه، إن الشهوات تعمي ~~الرجال حتى المتزوجين منهم. ومهما يكن من شيء فالواجب يحتم عليك أن تجابهي زوجك بالحقيقة، ~~وقد كان الواجب عليه أن يصونك من عواقب مغامراته. أما وقد وقع المحظور فلا محيد من تنبيهه ~~واصطحابه إلي وإلا ذهبت محاولة علاجك سدي. # ولكن خرجت من المرأة صرخة مبحوحة، وقالت بسرعة وهي تلهث: كلا .. كلا .. لا يمكن أن يكون ذلك .. ~~بادر إلى علاجي ودع أمر زوجي. ~~- ولكن ... ~~- بالله لا تجادلني .. لا ينبغي أن يعلم زوجي من الأمر شيئا .. أد واجبك وسينتهي الأمر إلى ~~خير إن شاء الله. # فاستولت الدهشة على الطبيب، وأنعم النظر في الوجه القلق الذي طغت آلام نفسه على آلام ~~جوارحه فطالع فيه الألم والرعب والإثم .. يا للهول! أيمكن أن يكون ما لم يقع له في حسبان ~~أبدا .. أيمكن أن تكون هي الجانية على نفسها، وربما على زوجها أيضا؟! # وما من شك في أن الزوج مهدد بخطر عظيم، إن لم يكن أدركه بالفعل فهو على وشك أن يدركه، ms160 ~~وربما وقع في متناول الأذى أطفال أبرياء يحبون .. فما العمل؟ وكيف يتأتى له أن ينقذ هذه ~~النفوس مما يوشك أن يحيق بها من غير أن يهتك ستر هذه المرأة الآثمة الهلعة المتألمة؟ # وأحاط به هم التبلبل والحيرة حتى ضاق صدره، فحدث نفسه: لماذا أزج بنفسي في شئون الناس ~~وآلامهم؟ .. إني طبيب، وما ينبغي لي أن أجاوز حدود مهنتي .. وبين يدي امرأة ملوثة، فلأشرع في ~~معالجتها والأمر من بعد ذلك لله. # واطمأنت نفسه إلى هذا الرأي وهم بمباشرة عمله، ولكن سرعان ما عاودته أفكاره وقسرته ~~نفسه على مراجعة التفكير في أمر هذه الأسرة المهددة، فرأى أن يتخذ طريقا وسطا فقال: سيدتي، ~~ينبغي أن تعلمي أن زوجك في خطر عظيم .. وأن إخفاءك الأمر حينا لن يمنع الحقيقة من ~~الظهور. # فاختلجت عيناها كالزئبق المترجرج وقالت: كم يقتضي العلاج من الزمن؟ ~~- أسبوعين على أقل تقدير ومع أكبر عناية. ~~- أواه .. إنه الدمار. ~~- فإصابة زوجك محتومة. ~~- من الميسور أن أدعي توعك المزاج هذه الفترة وأن أباعد ما بيني وبينه حتي أبرأ. ~~- فإن كان قد سبق السيف العذل؟ ~~- أواه يا سيدي .. لا يمكن أن أنتحر مختارة، ثم إن زوجي رجل مستقيم يصعب علي صكه ~~بالحقيقة المروعة .. فدع الأمور تجري على مشيئة الله؛ فلعل الله حفظه من الأذى، وعسى أن يجعل ~~من بعد عسر يسرا. # وساد سكون عميق مؤلم .. وكأن المرأة تذكرت شيئا فجأة فنظرت إلى الطبيب جزعة وسألته: سيدي، ~~هل يبقي هذا سرا مكتوما؟ ~~- طبعا .. طبعا .. اطمئني إلي كل الاطمئنان؛ فصدر الطبيب مقبرة للأسرار لا تنبش ~~أبدا. # فتنهدت من قلب مقروح وقالت: إذن فلنبدأ من الساعة .. وسأوالي الحضور إلى هنا كل صباح إلا ~~يوم الجمعة .. ولأنتظر ما قدر لي. # ولما انتهى من عمله وهمت بالخروج استمهلها لحظة وجلس إلى مكتبه وسألها: ما اسم ~~السيدة؟ # فبدا على وجهها الرعب وسألت: ولم هذا؟ # فقال يطمئنها: لا تخافي ولا تحزني .. إنها تقاليد متبعة .. انظري إلى هذا الدفتر تجديه ~~مزدحما بأسماء المرضى وعناوينهم .. لا تخشي شيئا واذكري أني طبيب لا أكثر ms161 ولا أقل. # فقالت وهي تتنهد: حرم محمد عباس أفندي موظف بوزارة الأشغال. ~~••• # وفي صباح اليوم الثاني جاءت السيدة وقد قالت للطبيب إن ما يبدو على وجه زوجها من الهدوء ~~والصحة ينعش الأمل المحتضر في صدرها. # فلما أن كان المساء دخل على الطبيب زائر جديد في الثلاثين، مليح القسمات طويل القامة، تسم ~~وجهه آيات الذكاء والجسارة، فحيا الطبيب قائلا: مساء الخير. ~~- مساء الخير. # فضحك ضحكة جهد نفسه أن تكون مرحة طبيعية، ولكنها لم تستطع أن تخفي القلق المساور لنفسه ~~وقال: أصبت يا دكتور. ~~- بمه؟ ~~- بالذي يصاب به من يقصدونك. ~~- وا أسفاه! ~~- أتأسف حقا يا دكتور .. أيرضيك أن يزدجر الناس عن الهوى وأن تخسر جمهور المترددين ~~عليك؟ ~~- لا أظنك قد جئت إلى هنا لتتفلسف .. اتبعني إلى هذه الحجرة .. ولكن انتظر لحظة، أرجو أن ~~تملي علي الاسم الكريم. ~~- محمد عباس .. أنا جارك يا دكتور، وإن شئت أن تعرف صناعتي فأنا مهندس بوزارة ~~الأشغال. # يا للمفاجأة! كادت تفلت من بين شفتيه آهة دهشة وانزعاج، وهم أن يرفع رأسه عن الدفتر ~~بحالة عصبية تنم عما يضطرب في صدره، ولكنه ذكر تحرج الموقف واشتماله على ما يهدد بالويل، ~~فصر بأسنانه وأحنى رأسه حتى كاد يلمس الصفحة المبسوطة أمامه ليخفي معالم وجهه عن القاعد ~~تجاهه. # إذن هذا هو الزوج المنكوب، وقد أصيب بما كانت تشفق زوجه عليه وعليها منه .. ترى كيف كان ~~وقع البلاء على نفسيهما .. كيف اكتشف المرض وكيف تحسس مصدره .. وماذا جر ذلك على حياتهما ~~الزوجية، وأين يا ترى المرأة الآن .. وكيف قرعتها الفضيحة وكيف تتجرع عواقبها؟ ليته يعرف كل ~~شيء. # أما الآن فما عليه إلا أن يؤدي واجبه. وخطا بالفعل نحو الحجرة الداخلية، ولكنه سمع المهندس ~~يقول له بلهجة حزينة: إني أخشى يا دكتور أن تعقب هذا المرض مأساة أليمة. # فسأله وهو ما يزال شارد اللب: ولمه؟ ~~- لأني زوج .. ورب أسرة. # فقطب الطبيب جبينه وبدت عليه آيات الدهشة، وفهم الرجل دهشته على غير حقيقتها فقال: هكذا ~~ترى أنه ليس العزاب فقط هم الذين يأثمون. ms162 ~~- أتعني أن زوجك مهددة؟ ~~- طبيعي يا دكتور .. إن موقفي غاية في الحرج .. والذي يضاعف لي الآلام أنها سيدة طيبة لا ~~تستحق أن تجزى هذا الجزاء السيئ .. فما العمل؟ # يا عجبا .. لقد وضح وبرح الخفاء، كلا الزوجين آثم، وكل منهما ينحي باللائمة على نفسه. وكاد ~~يستسلم لتيار أفكاره لولا أن سمع الرجل يلح عليه في السؤال ويكرر قائلا: ما العمل يا سيدي ~~الطبيب؟ # فقال له: بالحكمة تستطيع أن تصرف الأمور المعقدة إلى خير العواقب؛ فحاول أن تصحبها إلي ~~من غير أن تثير شكوكها. # فبدت على وجه الرجل الحيرة، وقال وهو ذاهل عن نفسه: أحاول. # وحدث الطبيب نفسه بعد أن غاب المهندس عن ناظريه: إن الله يريد الخير بهذه المرأة .. وكأن ~~الأمور تسير وفق مشيئتها، فسيأتي بها إلي، وأكشف عليها وأعلنه بإصابتها، فيوقن في نفسه ~~أنها ضحيته دون سواه، ويبرآن على يدي ويعود الرجل بزوجه رافعا يديه حمدا لله وطلبا ~~لغفرانه، وهو يجهل أن زوجه فرطت في حقه أضعاف ما فرط في حقها .. فيا لرحمة الله! # ولكن أليس من الظلم أن يغشى الله بستره خبيئة هذه المرأة الآثمة؟ # فيا لحكمة الله! ~~••• # وحان موعد مجيء المرأة ولم تحضر، فترجح لدى الطبيب مجيئها مع زوجها عند المساء، ولكن ~~المهندس أتى وحده وكان بادي التغير، منكفئ الوجه، مصفر اللون، منطفئ البصر كأنه تقدم في ~~الكبر أعواما، فتوقع الطبيب مفاجأة وبلاء وسأله: ما بك؟ # فهز رأسه بحزن وقال: ماذا تحدس؟ ~~- لعلك راودتها على المجيء فأبت وعصت. ~~- كان يهون. ~~- آه .. إذن قد انفضح أمرك ولم تتقن تمثيل دورك .. ونلت جزاءك على يديها. # فسها الرجل لحظة ثم قال بصوت تقطعه حشرجة اليأس: يا بؤس هذه الدنيا! # فهز الطبيب كتفيه استهانة وقال: كثيرا ما أسمع هجاء مريرا يصب على رأس الدنيا، ولكني ~~أعتقد أن الإنسان هو الخالق الأول لهذه الآلام التي يتملص من تبعتها ويلقيها على عاتق ~~الدنيا. ~~- كما تشاء .. اعلم يا سيدي الطبيب أني في الفترة القصيرة التي تغيبتها عنك أحدثت في حياتي ~~حدثا هائلا؛ فقد فصل الطلاق ms163 بيني وبين زوجي، وحرمني نور أطفالي حينا سإخاله دهرا ~~مديدا. # يا للهول .. ترى ما الذي حدث .. وكيف حدث ؟ فإن قلبه يهمس له بفحواه، ولكنه لا يدري تفاصيله ~~ولا يستطيع أن يرجم بما قلب منطق الحوادث وجعل عاليها سافلها. # واستولت عليه الدهشة وباتت عيناه تلحان بالسؤال بأفصح مما يبين اللسان .. فقال المهندس: ~~إليك قصتي بكل إيجاز؛ غادرتك ليلة الأمس وقد صدقت نيتي على دعوة زوجي إلى زيارتك كي يطمئن ~~قلبي، ولكني كنت مضطربا لا أدري كيف أبدأ باقتراح الأمر عليها ولا علم لي إن أنا اقترحته ~~بما أبرره به، فاتخذت مكاني على مقربة منها بادي الهم والفكر. وللحال لاحظت طوارئ الهم ~~والاضطراب تزحف عليها زحفا، فظننته صدى لاضطرابي وهمي واستجابة لهما. وتلبثت أنتظر أن تبدأ ~~بسؤالي عما يساورني فلم تفعل، فضقت بالأمر ضيقا استفزني إلى طرح هذا السؤال: «ألا تشكين من ~~شيء .. ألا تحسين بألم ما؟» فحملقت في وجهي بعينين هالعتين وقالت باضطراب: «كلا .. كلا .. ~~والحمد لله.» فتمالكت نفسي وقلت كاذبا: «ألاحظ عليك هذه الأيام بعض الاصفرار والتغيير، وقد ~~رأيت أن أقترح عليك زيارة طبيب .. فما رأيك؟» فردت بحدة وبلهجة من يتحمس لدفع خطر مروع: «كلا ~~.. كلا .. أنت واهم ولا لزوم لذلك البتة .. إني أكره الأطباء ويهيج وساوسي الاستماع ~~لنصائحهم.» # فطال طلابي وطال رفضها، فألححت عليها فأصرت، فرجوت وتوسلت فعندت وازدادت تشبثا، وعبثا ~~حاولت أن أثنيها على رأيها حتى دهشت لإصرارها وضقت صدرا بها، وبنفسي، فاهتاجني المرض ~~والغضب، وصحت بها بجنون جعلني أستهتر بكل شيء: «يجب أن تصغي إلي .. تعالي معي إلى الطبيب ~~لأني مصاب وأريد أن أعرف ...» ولم أتم كلامي لأنها انتفضت قائمة متصلبة كالأفعى المتوثبة ~~للافتراس، وجحظت عيناها ولم تتمالك نفسها، فسرت في جسدها رعشة شديدة، فأدهشني ذلك وسألت نفسي: ~~ما لها؟ .. وهممت أن أعاود الكلام في ملاطفة مصطنعة، ولكنها قطعت علي الطريق بهزة عصبية ما ~~زالت تكررها بعنف جنوني حتى تلبست صورتها هيئة غريبة تنذر بالويل، فازدادت بي الحيرة ~~وسألتها: «ما الذي يرعبك؟ لم تخشين الطبيب؟» فصاحت بصوت ms164 ملتو لا تكاد تميز نبراته: «الرحمة ~~.. الرحمة.» ولكن عاودني الغضب بحالة لم تأذن للرحمة أن تأوي إلى مستقرها في قلبي؛ فخطوت ~~نحوها أهدر غاضبا ساخطا فصرخت: «محمد .. الرحمة .. الرحمة .. لقد كشف الله خبيئتي .. أنا ~~الجانية على نفسي وعليك .. أنا أعرف أنك تعلم ذلك ولكني أستحلفك الله بألا تمسني .. طلقني ولا ~~تمسني.» ثم ارتمت بين قدمي مغمى عليها. # ما معنى هذا؟ .. لقد تسابقت الظنون إلى قلبي، وانصبت الشكوك في عقلي، واكتظ بها رأسي فانصهر ~~من الحرارة والالتهاب، وخلت أن شعر رأسي يقف ويتصلب كشعر القنفذ. # إن المرأة لتبهظ الرجل وتثقل كاهله وهي تؤمن بأنها لم تجاوز بعض حقوقها، أما إذا اعترفت ~~بأنها جانية وسألت الرحمة ووقعت مغشيا عليها فلن يكون ذلك إلا لأمر واحد. # يا عجبا .. فقد ذهبت جانيا آثما فإذا بي مجني عليه. رحت أكفر عن ذنبي فإذا بي ضحية ~~تعسة. ماذا يمكن أن يفعل رجل في مكاني؟ # نعم لقد قارفت من الذنب ما قارفت، وسقطت في الهاوية التي ابتلعتها، فهل من المستطاع أن ~~أسدل ستارا كثيفا على تاريخ الإثم كله، وأن أتحمل عقاب الله الصارم في صبر، وأروض نفسي ~~على العفو والصفاء؟ # إنه حل روائي قد يستحسنه غيري ويعطف عليه نفر قليل من الناس، أما أنا فقد انسقت مع طبيعتي ~~وأصخت إلى صوت الغضب في قلبي، فهويت بالطلاق على رابطة الزوجية، فخرب بيتي وانتزعت الحضانة ~~مني أطفالا أعزة، كانوا نور حياتي المشرق، فسبحان الله أحكم الحاكمين. # | حياة مهرج # توفي بالأمس السيد حسن شلضم بمنزله الكائن في حارة جعيصة بالخرنقش، وانتقل من مقره ~~الدنيوي إلى مثواه الأبدي في جناز متواضع اقتصر على أبنائه الثلاثة وشرذمة من الأصحاب عدا ~~عربة كارو حملت بناته الثلاث وأمهن وامرأتين أو ثلاث أخريات. # لم يكن السيد المتوفى إلا مهرجا، أو كان أشهر المهرجين الذين جمعت حياتهم بين الربع ~~الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين .. ومن حسن الحظ أن الفن لا يأخذ ~~بمقاييس المجتمع في تاريخ الرجال، وإلا ما كان للمتوفى حظ ms165 من الذكر. وما أجمل الفن في ~~شموله هذا؛ فقد كانت حياة السيد حسن ينبوعا دافقا من ينابيع اللذات والشهوات، كان قطب ~~حياة كاملة من الأفراح والمسرات، ومعينا فياضا للضحك والبهجة والحبور، وعزاء لنفوس لا ~~عداد لها. # ولد في عام 1879، واستقبل الشعاع الأول في الحياة في حارة جعيصة ثم في فناء بيت آل شلضم ~~وأخيرا في كتاب الشيخ هريدي. # كان منذ صغره ميالا إلى المزاح نزاعا إلى العبث، ولكن توجد حادثة في تاريخه يصح أن ~~نعتبرها مبدأ لحياته التي عرف بها فيما بعد؛ إذ كان يمر في طريقه إلى الكتاب بقهوة ~~خضراء الباب والنوافذ، فراقه لونها وجذبه إليه، وما يدري إلا وهو يمسك بحاشية جلبابه ويبلها ~~بقليل من الماء ويمسح بها رقعة من باب القهوة حتى امتصت لونها، ثم لطخ به وجهه ورقبته ~~وقفاه، ويداه الصغيرتان ترتجفان من الفرح، ثم هرع إلى رفاقه الصغار لا يلوي على شيء وصاح ~~بهم: «إلي .. إلي .. انظروا.» والتفوا حوله دهشين وأغرقوا في الضحك حتى دمعت أعينهم. ولم ~~يقنع بهذا الفوز فتقدمهم في الحارة وتبعوه وهم يصفقون تصفيقا توقيعيا وهو يرقص ويقفز ~~ثملا بخمر الفوز والفرح. # كان يستلهم ألاعيبه غريزة حية توحي إليه، وكان قلبه الصغير لا يذوق السعادة إلا حين يضحك ~~ويهيج ضحك الآخرين ولو من نفسه، بل إن نفسه ليجود بها في سبيل الضحك. # هكذا تفتقت موهبته الخارقة في حارة جعيصة، ثم لم تقف من بعد ذلك عند حد؛ فمن آياته في ذلك ~~العهد البعيد أيضا أنه كان يحاكي بمهارة فائقة أصوات الكلاب والقطط والبقر والحمير والبوم ~~والغربان، وأنه حفظ على حداثة سنه أغلب القفشات والنكات البلدية التي تلقى جزافا في ~~القهاوي و«الغرز»، بل كان إذا أعوزه سبب لإثارة الضحك يمد قفاه للرفاق فيصفعونه ~~ويضحكون. # وكان يندفع في سبيله بقوة غريزة مستحكمة قهارة كأنه فنان صادق أمين. ولم يقصد قط أن ~~يتقاضى عن فنه أجرا، ولكن المجد أتاه طوعا يجر أذياله، وإذا به يشغل مكانا عاليا بين ~~الرفاق الصغار، وإذا به قطب يهدفون إليه ms166 ويطوفون به ويبذلون في سبيل مرضاته الدوم وأبو ~~النوم وغزل البنات. # ولكن للطفولة نهاية ككل شيء في هذه الدنيا، وقد ودع عهدها الجميل واستقبل عهد الشباب ~~واشتغل في حانوت والده في أول شارع الخرنفش يبيع الخردوات. # وأراد أبوه أن يزوجه فتزوج، وكانت زيجة سعيدة وصلت ما بين آل شلضم الكرام وآل الأعمش معلم ~~العربات الكارو الشهير وسيد موقف النحاسين. وعمرت بيت شلضم الفتاة المهذبة حميدة ربيبة ~~الحجرات المغلقة، التي لم تقع على وجهها عين غريب أو لم تر نور الدنيا إلا خلال خمار كثيف ~~ألقي على وجهها ساعة انتقالها في الزفة من العطوف إلى حارة جعيصة. وقد وجد فيها حسن أول ~~شخص يحترمه ويهابه على ظهر البسيطة. كانت تدعوه «سيدي»، ولا تقعد فيه حضرته إلا إذا أذن ~~لها؛ فإذا أذن جلست عند قدميه على شلتة واستلقى هو على الكنبة في كبرياء، ولكن مع الأيام ~~بعد أن صارت أما لحسونة ومتولي وأبو سريع وزينب وخديجة ونبوية طمعت في مجالسته في طمأنينة ~~وثقة. # صار السيد حسن شابا عاملا وزوجا، ولكنه لم يقلع عن لهوه وعبثه؛ كان يقضي نهاره في ~~الحانوت، أما ليله فكان يلاحق أصحابه في قهاوي الخرنفش ومرجوش والغورية، ويساهرهم الليل ~~يشربون الزنجبيل والقرفة ويدخنون الجوزة ويتسامرون ويتضاحكون. كان يجلس على أريكة متربعا ~~ويضع إلى جانبه مركوبه، وعلي المركوب عمته، ويقذف بنكاته وقفشاته ذات اليمين وذات الشمال غير ~~مبق على إنسان، والجمع من حوله يضحك ويقهقه ويسعل. وشهدت تلك الفترة من شبابه أبدع وأكبر ~~مجموعة من النكات البلدية التي سارت مع الزمن سير الأمثال، وصارت من محفوظات أهل البلد ~~وآدابهم التقليدية يلوذون بها في مناظراتهم اللطيفة ويستعيرون منها في معاركهم الهزلية، ~~ويستشهدون بها كلما لج بهم الشوق إلى الفكاهة والمرح؛ فكان فنانا إلى درجة ما، وكان من ~~الفنانين المغمورين، ولكن من حسن الحظ أنه لم يكن يفهم من معاني الخمول ما يمكن أن تذهب ~~نفسه معه حسرات على خموله النسبي. والحق أن آيات السيد حسن شلضم التي ألفها في تلك الفترة ms167 ~~البعيدة لا تزال جارية على الألسن، وستظل محتفظة بفكاهتها إلى أن تتغير العقلية البلدية أو ~~أن يضعها مكتب الآداب في قائمة المحرمات. # ولبث الشاب يحيي السهرات الساذجة في ذاك الحي بضع سنين، ثم ولى وجهه وجهة أخرى. كان كثير ~~من رفاقه لا يفتأ يذكره بأن المرجوش والخرنفش ليسا بالميدانين الصالحين لعبقريته الفذة، ~~وأنه ينبغي أن يهاجر إلى شارع الأنس والطرب ومجمع العشاق وأهل الهوى. وأصاخ الشاب إلى ~~إغراء الهمس، وأسلم قياده لمن دله على الطريق، وهنالك اطلع لأول مرة على ذلك العالم الفائر ~~الذي تتجاوب فيه الأنوار ما بين المصابيح والكئوس وتمتزج به آهات الدلال وآهات المواويل، ~~وتتصل حركات البطون بقفزات السكارى وتلويح العصي. ولم يعدم في تلك الدنيا العامرة صديقا؛ ~~لأنها كانت مبيت عدد عديد من أثرياء الجمالية، فتلقوه بترحاب وأوسعوا له حول موائدهم. وإلى ~~هنا اختتم الشاب حياة واستقبل حياة؛ اختتم حياة ساذجة طاهرة قوامها الفن، واستقبل حياة ترف ~~وعربدة أساسها الاحتراف. وقد أكرمه أهل الهوى فنزعوا عنه الجلباب والعمامة والمركوب وخلعوا ~~عليه جبة وقفطانا وحذاء أصفر لامعا وطربوشا أنيقا، وأكل مما يأكلون لحما مشويا ~~وعصافير محمرة ونقلا لذيذا، وشرب مما يشربون خمرا معتقة ونبيذا أحمر وأبيض. وفي مقابل ~~ذلك كان يقطع لياليهم الهانئة بالنكات الممتعة والملح النادرة والقفشات البارعة، وتنقل من ~~حانة إلى حانة ومن ملهى إلى ملهى وهو يكتسب في كل مكان أصدقاء ومعجبين ومريدين. وامتدت ~~شهرته من ذاك الشارع المنير إلى جميع حلقات الغناء والسمر والطرب في القاهرة الخالدة ~~الحالمة، وعلا نجمه وشع نورا بهيجا، وطغت عبقريته واستحكم ظرفه حتى أصبح حبيبا إلى كل ~~نفس عزيزا على كل قلب، تشتهيه الأنفس وتتلهف عليه المهج، كان لكل داء دواء طاردا للهم، ~~كاشفا للكرب، أو كان روح كل مجلس أنيس، ينقلب إذا غاب عنه كئيبا واجما. # كانت غاية حياته أن يضحك ويضحك الآخرين ولو من نفسه. ولم تكن هذه الغاية فلسفة حياة ~~ولكنها طبع وغريزة يندفع في سبيلها كالأعمى وكأنها صادرة من أعماقه لا يمكن أن يوقفها ms168 شيء. ~~وكان ظاهر حياته يدل على أنه يربح من وراء هذه الموهبة جاها عريضا وسعادة متصلة وطعاما ~~وشرابا، ولكنه كان في الحق يدفع الثمن غاليا ويبذله من كرامته وكبريائه؛ لأن همه الأول ~~كان في التحبب إلى الناس وإدخال السرور على قلوبهم، وقد علم بغريزته أنه ينبغي لذلك أن يكون ~~خفيفا لطيفا؛ فلا يجوز أن يعارض رأيا ولو خالفه بقلبه، ولا أن يغضب ولو مست كرامته، ولا ~~أن يقاوم وإن هوجم وضيق الخناق عليه، فنال ما يشتهي من الحب وفق ما يشتهي ولكنه خسر ~~الاحترام إلى الأبد. # ومهما يكن من أمر فقد تسنم السيد حسن شلضم ذروة المجد للحب، ويسلط سوط الإرهاب على رءوس ~~آله جميعا، ولا يتكلم إلا آمرا أو منتهرا أو سابا، وكانت حميدة ترتجف رعبا في محضره، ~~وكان أبناؤه إذا سمعوا صوته فروا إلى ركن قصي وانكمشوا فيه. # ومهما يكن من أمر فقد تسنم السيد حسن شلضم ذروة المجد ونال من الشهرة قسطا لم ينله أحد ~~ممن سبقوه، ولن يتأتى لمحدث أو مهرج بعده أن يناله، ومضت لياليه سعيدة هانئة راضية، يحياها ~~آكلا شاربا ضاحكا. # واصطدم وجه الأرض بأحداث مروعة، فوقعت الحرب وتوالت النكبات على الدنيا ثم قامت الثورة ~~في مصر، وطفت بين من طفت بهم إلى السطح بالزنفلي أفندي الذي ظهر في أفق السيد حسن وإخوانه ~~بعد عهد الانقلاب، فأضافه السيد حسن إلى أعاجيب الثورة كيدا وحقدا، وقد أتى به ذات مساء ~~أحمد بك فائق وقدمه إلى جماعة السيد حسن قائلا: إنه شاب مثقف ومن أظرف الظرفاء. وما كان ~~يسوء السيد حسن أن تزيد جماعته واحدا، فما كاد يطمئن به المجلس حتى جرت النكت على لسانه ~~كالسيل، ومضى يعلق على آراء القوم وأحاديثهم بما تخترعه نفسه الذكية من الصور الساخرة ~~والنوادر الأخاذة، فتبعث تعليقاته وراءها عواصف من الضحك والقهقهة. ولبث السيد حسن صامتا لا ~~يتكلم يرمق صاحبه بعين فاحصة ويقول لنفسه: ترى هل هو زائر عابر أم قضي علي أن ينافسني طفل ~~على آخر الزمن؟ # والظاهر أنه ms169 قضي عليه حقا أن ينافسه الأطفال في النهاية؛ لأن الزنفلي لم يكن زائرا ~~عابرا، لكنه أصبح بسرعة عجيبة عضوا لا يبتر من الجماعة، وكان يمتهن المزاح كالسيد حسن ~~ولكن على طريقته الخاصة الجديدة، فما كان يفحش في القول ولا يقذف بالسباب والهجر ولا يحاكي ~~الأصوات والأشكال، ولكنه كان يفتن ويتفوق في إرسال النكتة الخاصة الأدبية والملاحظة الساخرة ~~والتهكم اللاذع. # وكان يصف نكاته فيقول إنها ملح أدبية وفكاهة عالية، ويغمز السيد حسن فيقول عن الفكاهة ~~القديمة إنها سباب وفحش، ويحمل على «قافية أهل البلد» فيقول إنها أقوال مكررة مبتذلة ~~ونوادر محفوظة وجناس سخيف لا روح فيه .. وكان السيد حسن يصغي إلى هذه الأقوال في عدم اكتراث ~~وهزء، وربما نال من قائلها على طريقته باستهانة، ثم لم يلبث أن حقد عليه وكرهه؛ لأنه كان إذا ~~قال نكتة ظريفة بادر الشاب إلى تعكير الصفو بسعال أو حمحمة أو بطرحه فجأة سؤالا جديا عسى ~~أن يهيج اهتمام القوم ويلهيهم عن أثر النكتة. ورأى فيه عدوا حقيقيا، فشمر للكفاح ~~والمنافسة في ميدان المزاح واللهو، وانقض على الزنفلي وانقض الزنفلي عليه واشتبكا في معارك ~~حامية، واستعمل كل ما وهبه الله من الذكاء والبداهة والفكاهة، وصنع المستحيل ليربح الأنصار ~~والمعجبين والمصفقين. # فإذا صاحت الديكة مذكرة اللاهين بأن الفجر انبثق انفض القوم فرحين، وعاد العدوان مهمومين ~~مفكرين يحصي كل منهما ما أثاره من ضحك وما أهاج من مسرة وما ابتدع من فكاهة، ويذكر أسيفا ~~حزينا ما ظفر به عدوه من آي النصر والتفوق ومن ضحك له من الرفاق. وظل كبار التجار وأهل ~~البلد على ولائهم القديم للسيد حسن شلضم، أما الزنفلي فقد اكتسب الكثيرين من الأفندية ~~والبكوات، وكان لذلك وقع شديد في نفس السيد حسن؛ فقد كانت الدنيا جميعا له يمرح فيها كيف ~~شاء فقنع مضطرا مقهورا بنصفها. # ولكن علام الأسف والحزن؟ إن هذا العالم الجديد لا يستحق أسفا ولا حزنا. أين السادة ~~الكرام الأجلاء؟ مات أكثرهم وانزوي من بقي منهم على قيد الحياة، إما لمرض أو فقر ms170 .. أين ~~السيد جلال الشابوري رحمه الله الذي كان ينقده جنيها ذهبيا للنكتة الحلوة؟ أين الشيخ ~~طلعت الإسلامبولي الذي كان يهديه كل ثلاثة شهور جبة وقفطانا لا يقدران بثمن؟ هذا إلى ~~الفواكه المختلفة في إبان نضوجها؟ ذهب الجميع، ذهبت دنياهم الحلوة وبقيت هذه الدنيا العجيبة ~~التي يخطب فيها النساء في المحافل العامة ويهدد التلاميذ معلميهم بالإهانة والضرب، ويغنيها ~~عبد الوهاب بعد عبده الحامولي ومحمد عثمان، ويباع فيها قنطار القطن بريالين، فهل هذه دنيا ~~يأسف السيد حسن شلضم على أنه ليس فارس ميدانها؟ # وكان يداعبه بعض معارفه أحيانا فيقولون له: «راحت عليك يا سيد شلضم.» فكانت تقع من نفسه ~~موقع السم الزعاف، وكان يصر على أسنانه المثرمة ويتصنع الاستهانة ويقول: سامحك الله يا ~~غلام، أتحسب أن شلضم من الهوان بحيث يرضى أن يهرج في هذا الزمان البائس المأزوم، أو أن ~~يمازح هذا الجيل الذي لا يتذوق النكتة؟! فشر وألف فشر! إن مثلي ومثل الزنفلي فكالحامولي في ~~الزمن القديم، وهؤلاء المغنين النائحين الذين يتسترون على عيوب حناجرهم بالإكثار من الآلات ~~والموسيقيين. # والحقيقة أن ظله أخذ يتقلص بسرعة، ومضى الموت يقتنص رفاقه أو المعجبين به واحدا بعد واحد، ~~وتزايد على الأيام شعوره بالوحشة والغربة. # تغير كل شيء، حتي موطن اللهو القديم الذي كان ملهى الكبراء والأثرياء أصبح مباءة السوء ~~وسوق الأوباش واللصوص والبلطجية، ولم يعد للمهرج مكانة خاصة في جماعات الهوى؛ فقد ابتذلت ~~صناعته وبات كل يهرج لحسابه الخاص. # وفي ذات مساء، وكان السيد حسن يحتسي كأسا من الكونياك في حانة بسوق الخضار، سقط بغتة فاقد ~~النطق. # ورقد أخيرا على الفراش، مسلما جسمه الهائل إلى قبضة المرض الجبار، وقد تمردت أعضاؤه ~~جميعا على إرادته، وبات عاجزا عن تحريكها إلا عينيه يقلبهما ذاهلا في سقف الحجرة ذي ~~العمد الخشبية العتيقة يبرز من شقوقها ذيل البرص أو رأسه، ويغشى ما بينها نسيج ~~العنكبوت. # إن تلك الحياة العامرة بألوان اللذات والسرور والأفراح قد اختتمت بهذا الرقاد الأليم، وإن ~~النور والغبطة والرفقاء قد تفانوا في هذه الظلمة الموحشة، ms171 وانتهى كل شيء كما ينتهي الحلم ~~الحلو، وانتهى في لحظة قصيرة كأنه لم يدم سنين وسنين، وجاءت الساعة الرهيبة التي يتساءل فيها ~~الإنسان في حسرة مريرة .. أحقا كان هذا الجسم سليما .. أحقا كان هذا القلب حيا .. ~~أحقا كانت الدنيا حلوة سعيدة لذيذة الطعم .. أحقا ذهب كل هذا إلى غير رجعة؟ # وقاوم جسمه المرض بضعة أشهر قضاها في وحدة ووحشة وقنوط، لم يزره فيها سوى أبنائه وبناته، ~~ذلك الرجل الذي كان يوما قلب القاهرة السعيد وثغرها الضاحك، حتى وافاه الأجل بالأمس القريب ~~في ذلك البيت العتيق بحارة جعيصة الذي شاهد مولده وعرسه ومجده وأخيرا .. مماته. # | عبث أرستقراطي # في ذلك المساء من شهر مارس ازين قصر الوجيه حامد بك عرفان بحلة لألاءة من الأنوار ~~المتموجة ذات الألوان، مدت أسلاكها الكهربائية على سور الحديقة فتعانقت مع الياسمين ~~والبنفسج، وتعلقت بأفرع الأشجار والنخيل، وتوجت بها شجيرات الورود المنتثرة على هيئة أهلة ~~ونجوم. وكان أعجب ما في القصر هو ذاك البهو المتسع الأنيق الذي فرش بفاخر الأثاث وحليت ~~جدرانه وأركانه برائع الفن من صور وتحف، وترك في وسطه مكان رحب للراقصات والراقصين، أما في ~~صدر المكان فقد امتدت ردهة إلى منتصف مقصف حافل، وإلى يمينها فيما يلي الشرفة المطلة على ~~الحديقة احتلت فرقة الموسيقى الإيطالية مكانا جميلا .. وانتشر فيما بين البهو والشرفة ~~والمقصف والحديقة المدعوات والمدعوون الذين لبوا الدعوة للاحتفال بعيد ميلاد كوكو الصغيرة ~~ابنة الوجيه عرفان بك وزوجه إنجي هانم عرفان .. وكانوا يجلسون أزواجا وجماعات يتجاذبون ~~أطراف الأحاديث حينا بالعربية وأحيانا بالفرنسية، ويتضاحكون بأصوات عالية رقيقة وخشنة، ~~وإذا دعت الأنغام قاموا للرقص والعناق. وقد شاع في الجو عطر وأنس وحرارة كأنها أنفاس ~~المودة نفثتها الأعين والشفاه والصدور والأماني الهامسة. # وكانت الأحاديث متنوعة، ولكنها تدور في الغالب حول موضوع واحد يتجاذبها كما يتجاذب النور ~~الفراشة، وهو المرأة، ولا يستثنى من ذلك الجماعة التي كان محدثها الأول الأستاذ علي الجميل ~~الصحافي المعروف والنائب المحترم، فما خرج الحديث فيها عن الزواج واختيار المرأة الصالحة، ~~وكان النقاش يحتدم ms172 بين المتجادلين من الجنسين بصورة عنيفة مضحكة، أما الوجيه نور الدين فكان ~~يتوسط حلقة أخرى يروي فيها ما اتفق من قصص مغامراته الغرامية في العواصم العالمية ذوات ~~الشهرة في الحب والجمال. وفي ركن منعزل امتاز بوفرة من حوي من الشابات والشبان أقيمت ~~مسابقة سرية لاختيار أقبح امرأة بين المدعوات. واتجهت أبصار المحكمات والمحكمين إلى امرأة ~~اتخذت مكانها تحت صورة الفنانة وابنتها «لفيجيه لوبرين»، وكانت عجوزا إلا أنها تتصابى ~~وتستعير من ألوان الجمال ما تظن أنه يغني عما استرده الدهر من حياة شبابها، فبدت تحت طلاء ~~الأصباغ في هيئة مضحكة، وكانت تتجنب الناس وتقنع بالجلوس منفردة حتى تعود إلى مجالستها ربة ~~الدار إنجي هانم كلما تاقت نفسها إلى الراحة. أما اسمها فدولت هانم، وقد راضت نفسها على ~~العزوبة بعد تجربة أربع زيجات غير موفقة، وكادت تيئس من الرجال والحب، وقنعت من متاع الدنيا ~~بمضغ الأعراض والخوض فيما تعلم وما لا تعلم من أسرار الناس، فصارت معجما لتواريخ السوء. ~~وكانت في تلك اللحظة التي اختيرت فيها سرا ملكة للقبح .. تجالس إنجي هانم، وكانت تلوذ بالصمت ~~قسرا بعد أن لم تبق على أحد من الحاضرات والحاضرين، حتى أتيحت لها فرصة جديدة للكلام ~~بحضور الوجيه الأستاذ محمد جلال المحامي وزوجه الحسناء صفية هانم جلال، وكانا يلفتان ~~الأنظار حيثما سارا لثراء الزوج المالك لأربعة آلاف فدان في الصعيد، وجمال الزوجة ورشاقتها، ~~وقد استقبلتها إنجي هانم بمودة ظاهرة وباطنة. ولما عادت إلى جوار دولت هانم مالت هذه على ~~أذنها وقالت بصوتها الخافت المبحوح: يا لهما من زوجين سعيدين جميلين! # فقالت السيدة بحماس: الأستاذ جلال شاب يندر أن يوجد نظيره بين الشباب الناجح الثري .. ألا ~~تعلمين أنه مرشح لكرسي النيابة؟ .. وأما صفية فهي آية للجمال والصفاء. # فابتسمت المرأة ابتسامة باهتة وقالت: نعم، نعم .. لا شيء يعيبه إلا أنه يقال إنه قد يتبارز ~~من أجل راقصة، أما إذا استثيرت غيرته الزوجية فقد يغضي. # وضاقت إنجي هانم ذرعا بحديث صاحبتها، فلم تسألها إيضاحا، وتشاغلت عنها بمشاهدة بعض ~~الراقصين، ثم ms173 استأذنت لاستقبال بعض صواحبها. # وسلم الأستاذ محمد جلال وزوجه على عدد عديد من الأصدقاء والصديقات، ثم اختارا أن يجلسا ~~إلى زوجين جميلين مثلهما هما الوجيه طه بك العارف وزوجه الحسناء هدى هانم العارف. وكان ~~الأستاذ جلال يبدي إعجابا خاصا نحو السيدة هدى؛ فلما عزفت الموسيقى دعاها إلى الرقص ~~معه، وقبلت بسرور ورقصت زوجه مع طه بك. # وطرب الجميع طويلا وشربوا كثيرا، فدارت رءوس وثرثرت ألسنة كتومة، وفاضت الأحاديث، ~~وامتلأ الجو برنين الضحكات ووميض الابتسامات وإيماءات الغزل، والتقت أعين وتماست أنامل ~~وارتعشت شفاه، حتى جاءت تلك الساعة المختارة من الليل فتوسطت المدعوين السيدة إنجي هانم، ~~وقالت بصوتها الرخيم: اسمحوا لي سيداتي سادتي أن أقدم إليكم مفاجأة العيد السعيد. # تطلعت الوجوه إليها من كل صوب، وتجمع حولها المبعثرون ما بين الشرفة والمقصف ينتظرون ~~فرحين، وبغتة أطفئت الأنوار بغير نذير، وساد المكان ظلام دامس دام خمس دقائق ما كان يسمع ~~خلالها سوى همس خافت أو ضحكات مكتومة، ثم أضيئت الأنوار مرة أخرى، فرأى القوم منظرا ~~بديعا؛ مهدا على قوائم أربع طويلة، مسقفا بستار من حرير على هيئة هرمية، وفيه جلست كوكو ~~متكئة على يديها الصغيرتين في قميص أبيض كأنها وردة بيضاء يانعة، وكانت ترمق الناظرين ~~بعينين دهشتين صغيرتين ينعكس النور على زرقتهما الصافية! فصفق الجميع تصفيقا رقيقا ~~وهتفوا باسمها، وقبل الآنسات يدها الصغيرة، ثم قدمت الهدايا النفيسة حول مهدها الجميل، ~~وشمل القوم سرور عظيم فاستأنفوا لهوهم بإرادة أشد نزوعا للصبا والمسرة. على أن فترة الظلام ~~القصيرة لم تمر بسلام كما توهم الجميع، فقبيلها بدقائق كان الأستاذ محمد جلال يجالس هدى ~~هانم في المقصف وقد دل عبثهما المرح على أنهما ثملان؛ فلما أطفئت الأنوار لم يتردد الشاب ~~فدنا برأسه منها حتى كادت تمس شفتاه أذنها وهمس قائلا: «هدي.» وارتجفت المرأة كالمذعورة ولم ~~ترد عليه، فقال لها همسا وهي تحس بلمس شفتيه لأذنيها: «هذه فرصة طيبة. قومي ~~واتبعيني.» # وكان بودها لو تتباله كما يقضي الدلال، ولكنها خشيت أن يضاء النور بسرعة، فقالت همسا: إلى ~~أين؟ ms174 ~~- إلى حجرة التدخين في الطابق العلوي؟ ~~- قد يفتقدوننا. ~~- وماذا يهم؟ .. سيظنون أننا في الشرفة أو في الحديقة أو في المقصف أو هنا أو هنالك وسنعود ~~من طريقين متباعدين. # وأمسك بكفها وقام واقفا فقامت بدورها، واتجه نحو السلم وهي تتبعه وارتقياه بسرعة، فوجدا ~~نفسيهما في ردهة مضاءة بنور بنفسجي هادئ تطل عليها أبواب متباعدة، فسارا إلى هدفهما ودخلا ~~معا، ثم ردا الباب في سكون، وكان الجو مظلما شديد الظلمة، ولكنه كان يعرف المكان فانعطفا ~~إلى اليمين وتقدما خطوات حتى عثرت يده بكنبة كبيرة وثيرة، فجلس وجلست، وتنهد من أعماق صدره ~~وقبض على كفها فوجدها ترتعش كالمقرورة، فسرت رعشتها إلى قلبه ووجد به غمزا لم يبرأ منه حتى ~~ضمها إلى صدره بعنف وانهال على وجهها يقبله بشغف وجنون، كم لبثا منفردين إنه لا يدري، ولكن ~~المحقق أن تلك الخلوة السعيدة لم تخل مما ينغصها؛ فقد خيل إليهما أن أقداما خفيفة ~~كالمحاذرة تدنو من باب الحجرة، فتباعدا واقفين وأرهفا السمع واتجهت أعينهما في الظلام ناحية ~~الباب، وخالا أكثر من هذا بأن يدا تعالج الباب بلطف .. ترى أحق هو أم وهم؟! ولكن الباب ~~تحرك ونفذ إلى الحجرة شعاع هادئ كروح محتضرة، فاشتد بهما الرعب وودا لو تبتلعهما الأرض. وما ~~لبث أن تسلل شبح في حذر وتبعه آخر، ثم رد الباب إلى ما كان عليه فساد الظلام مرة أخرى، وكان ~~الداخلان شديدي الحذر فلم يبديا حركة ولم يصدرا أصواتا وكأنهما ذابا في الظلمة الجاثمة .. ~~فسكن ذعر الآخرين وأحسا بشيء من الارتياح بل والطمأنينة، وخطرت لهما فكرة معا هي أن ~~الضيفين الجديدين مثلهما، وأن لا خطر عليهما منهما، وتأكد هذا الظن حين شعرا بهزة تصيب ~~الكنبة فعلما أن صاحبيهما اختارا كنبتهما مقعدا لهما أيضا، وتريثا في قلق صار بعد حين ~~ضيقا وكدرا؛ لأنهما لم يستطيعا أن يأتيا حركة خشية أن يتنبه الآخران فيفزعا، وربما حدث ما لا ~~تحمد عقباه. # أما الجديدان فكانا يظنان نفسيهما في أمان وخلوة فلم يحاذرا إلا بمقدار، واستطاع العاشقان ~~أن يسمعا همسا ms175 وهمهمة، وأن يسمعا الرجل يهانغ صاحبته وهي تهانغه، ولم يكتفيا بذلك بل قال ~~بصوت استطاع الآخران أن يميزاه: حبيبتي .. صفية. # وارتجف محمد بك جلال كأنما قطعة من الثلج ألقيت على ظهره، وأحس بارتجاف يد صاحبته في يده ~~.. كان الصوت صوت طه بك العارف. ومن هدي؟ أليست زوجه هو؟ .. أي كارثة تجمعت في هذه الحجرة ~~المظلمة! ودق قلبه بعنف وغلى دمه غليانا كاد يفجر الشرايين في دماغه، ولكنه لبث ساكنا ~~صامتا وزوجه على قيد ذراع منه في أحضان خليلها! ولم يكن يأسف على عجزه عن تحطيم رأس الرجل؛ ~~- فمثل هذا العمل يثير فضيحة حرية بالقضاء على مستقبله السياسي ومعركة الانتخابات على ~~الأبواب - ولكنه كان مغيظا محنقا لأن غريمه لا يدرك في تلك اللحظة أن زوجه بين يديه هو ~~أيضا. # وانتظر دقائق كالأجيال، وشعر أخيرا بحركة استدل بها على قيام الرجل، وسمعه يقبل زوجه ~~بحرية ويقول لها: لو تعدل الدنيا .. زوجك الغبي ليس أهلا لك وزوجتي ليست أهلا لي، ولكن، ~~ولكن ما العمل؟ ثم تسللا خارجين كما أتيا. # وكان الغضب قد أفسد على جلال بك مزاجه فقام هائجا، وبحث عن سترته حتى عثر عليها وأخذ بيد ~~صاحبته وخرجا في حذر ثم افترقا في الردهة. # ولبث ضيق الصدر شديد الكدر ساعة طويلة، يلعن طه بك ويلعن زوجه المستهترة. ولم تكن هذه ~~أولى خياناتها، ولكنها وقعت على كثب منه بحال بشعة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة .. فسحقا ~~لهما .. وقام يتمشى في الحديقة فارا بوجهه الممتقع من الأعين جميعا. ولفحه هواء الليل ~~البارد فرطب جبينه الساخن وأنعش فؤاده المضطرم، وصح عزمه في تلك اللحظة على أن يسلم قياده ~~لمغامرات الغرام الجنونية غير مبق على شيء، ولو أدى الجنون إلى الظهور مع هدى في المجتمعات ~~العامة وميادين السباق. وتملقته هذه الخواطر فأحس بارتياح ومضى يفيق من همومه ويتنبه إلى ~~نفسه، فاستطاع عند ذلك أن يشعر بتغير غريب، فعجب لشأنه وتناسى انشغاله، وبحث عن أسباب هذا ~~التغير فوجد يديه تجسان السترة وكأنها أوسع مما كانت .. ماذا ms176 حدث لها؟ يا للعجب .. إنها أوسع ~~مما يتصور. وخطر له خاطر غريب اضطرب له فؤاده، ولكي يتحقق من وساوسه وضع يده في جيب السترة ~~وأخرج حافظة، لم تكن حافظته، ووجد بها بطاقة مكتوبا عليها «طه بك العارف». # ووضح الأمر، وعاوده القلق والحنق، ولم يكن ثمة خوف من الفضيحة؛ فسترات بدل السهرة ~~متشابهة، لكنه يشعر بحيرة شديدة ويسائل نفسه: «كيف يمكن أن تتبادل السترتان؟!» # | مرض طبيب # قبل عامين تفشى وباء التيفود في مديرية الغربية تفشيا مخيفا فتك بنفوس الكثيرين، وصادف ~~ذلك انقضاء بضعة أشهر على تعيين الدكتور زكي أنيس طبيبا بمستشفى طنطا وفتحه عيادته الخاصة، ~~وكان في تلك الأيام يلاقي الشدائد المقضي على كل مبتدئ في فنه أن يلقاها أول عهده بالحياة ~~العملية؛ فكان ينتظر طويلا، وعبثا توارد الزوار والمرضى مستوصيا بالصبر والتجلد حتى كاد ~~يلحقه الجزع؛ فلما تفشى ذاك الوباء الخبيث تضاعف عمله بالمستشفى وشحذ نشاطه ومضى يراقب حركة ~~السيارات التي تطوف بالبيوت وتعود محملة بالضحايا بعينين كئيبتين وعزيمة متوثبة، وأحس ~~بالرغم من كل شيء بسرور خفي، وأحيا قلبه الأمل في أن يدعى يوما لعلاج مصاب من الذين تثقل ~~بهم جيوبهم عن الانتقال إلى المستشفيات العامة، ولم ييئسه تقاطر الناس على كبير الأطباء ~~وبعض الأطباء القدماء بالمدينة، وأصغى إلى هاتف تفاؤل ما انفك يهمس لقلبه بأن دوره لا محالة ~~آت. # وصدق أمله، وإنه ليجلس إلى مكتبه يوما يقلب صفحات كتاب وتجري عيناه على أسطره جريان ~~الشرود والملل إذ طرق بابه كهل يدل منظره الوجيه وزيه الريفي الثمين على أنه من الأعيان، ~~ولعله قصده بعد أن يئس من العثور على سواه، فطلب إليه بلهجة تنم على القلق أن يصحبه إلى ~~العامرية على مسير ربع ساعة بالسيارة. وكان الشاب يعد العدة لمثل هذا اللقاء، فلم يبد على ~~وجهه أثر مما اضطرب في صدره من الفرح والظفر، فألقى على القادم نظرة رزينة وقام من فوره ~~فخلع معطفه الأبيض وارتدى الجاكتة والطربوش، وأخذ حقيبته وتقدمه إلى الطريق. والتقى أمام ~~الباب بسيارة فخمة فخفق قلبه ms177 مرة أخرى، وتريث حتى فتح الرجل الباب وقال له: تفضل. # وجلسا جنبا إلى جنب وانطلقت بهما السيارة ، وحافظ على هدوئه ورزانته وصر بأسنانه ليطرد ~~ابتسامة خفيفة تحاول أن تعتلي شفتيه، وكأنه أراد أن يداري عواطفه، فسأل الرجل عن مريضه، ~~وتكلم الرجل في إسهاب فقال إن المريض ابنه، وإنه لم يجاوز العشرين من عمره، وإنه أحس منذ ~~أيام بتوعك وخور ورغبة عن تناول الطعام، ثم ارتفعت حرارته واستسلم للرقاد، فسأله: هل حقن ~~بالمصل الواقي؟ # فأجاب الرجل بالنفي، وأعلن عن رجائه الحار ألا يكون الشاب أصيب بالحمى الخبيثة، فصمت الطبيب ~~مليا يفكر في هذه الأعراض ويزنها بميزان اختباراته وعلمه، وكانت السيارة في أثناء ذلك ~~تخترق الطريق الزراعي بسرعة البرق حتى بلغت العامرية وانعطفت إلى حاراتها الضيقة ثم وقفت ~~أمام دار كبيرة، فدخلا معا واستقبلتهما أوجه كثيرة بأعين يقتتل بها الخوف والأمل، فساوره ~~القلق وتلبسه شعوره حين تعرض لأول مريض بدأ به حياته التمرينية في قصر العيني منذ ثلاثة أعوام، ~~فاستصرخ قوة إرادته ليضبط بها وجدانه ويجتاز هذه التجربة الجديدة بالنجاح، وأغضى عمن حوله ~~وسدد انتباهه إلى الشاب الراقد بين يديه، وكشف عليه بعناية فائقة وفحصه فحصا دقيقا ~~فترجح لديه أنه مصاب بالتيفود، وأبدى رأيه في تحفظ، وقال إنه ينبغي أن يفحص المريض في اليوم ~~التالي ليستوثق من رأيه، فلا آمنهم من خوف ولا أفقدهم الأمل، وظن أنه ضمن لنفسه أن يتردد ~~على المريض حتى يبلغ به الشفاء بفنه أو يودعه القبر بأمر الله، ثم أخذ حقيبته واتجه نحو ~~الباب بخطى وئيدة كأنه يريد شيئا، فلحق به والد المريض وهمس في أذنه قائلا: تفضل. # فخفق قلبه ثالث مرة ذاك اليوم، ومد يده وهو يقول: شكرا. # فأحس بثلاث قطع من ذات العشرة القروش توضع بها، ثم جلس في السيارة منفردا هذه المرة، ~~وانطلقت به في طريق العودة، وكانت هذه أول مرة يدعي فيها إلى زيارة مريض في بيته، فاغتبط ~~ورضي وأشعل غليونه وراح يدخن بحالة من السرور، ولم تخل من اضطراب عصبي، فأخذ «أنفاسا» ms178 ~~سريعة فتوهج التبغ وسخن الغليون، ولم يستمر في التدخين طويلا فوضعه في جيب الجاكتة الأعلى، ~~وأرسل بناظريه خلل زجاج النافذة يشاهد الحقول الممتدة على جانب الطريق الغارقة في الأفق ~~البعيد، وكانت تنتهي عند الطريق الزراعي بجدول من الماء ينساب صافيا تستحم فيه أشعة الشمس ~~المائلة للغروب وتغشاه بنور لألاء بهيج يخطف الأبصار؛ فاستسلم لسحر الرؤية، وشعر بتخدير ~~لذيذ حتى انتبه إلى تغير غريب يسري في صدره وجسمه فتحولت أفكاره من الخارج إلى الداخل، فأحس ~~بسخونة تنتشر في أعضائه جميعا كأن حرارته ارتفعت بغتة، فتململ في جلسته وحرك رقبته بعنف، ~~ثم لم يحتمل شدتها فخلع طربوشه وفك أزرار الجاكتة وأخرج منديلا يروح به على وجهه، وهو يعجب ~~أشد العجب لأن الجو كان معتدلا لطيفا، واشتدت وطأة السخونة والتهب جسمه بالحرارة، فجس ~~خديه وجبينه وشعر بثقل في جفنيه ورأسه وضيق في التنفس، وتساءل في حيرة عما أصابه، وخطر له ~~خاطر مخيف: هل يكون مريضا؟! .. وذكر لتوه الحمي الشيطانية التي تفتك بأهل المديرية فتكا ~~جهنميا. # وكان قد حقن نفسه بالمصل الواقي، فكيف انتقلت إليه العدوي؟! .. هل سبقت الميكروبات المصل إلى ~~دمه؟! ولفه الذعر، وكان في الحقيقة جبانا رعديدا شديد الهواجس سرعان ما يستسلم للتشاؤم ~~ويقع فريسة سهلة للمخاوف، فعاد يجس خديه وجبينه فوجدها ساخنة، وأحس بجسمه يكاد يلتهب ~~التهابا فاستولى عليه الفزع وارتعدت فرائصه وقال بذهول: «يا للويل .. لقد أصبت ~~وانتهيت.» # وقطعت السيارة مرحلتها وانتهت إلى عيادة الطبيب الشاب - وكانت عيادته ومنامه في شقة واحدة ~~- فتركها على عجل وصعد إلى حجرة نومه واستدعي التمرجي وقال له: «ناد الدكتور سامي بهجت ~~بسرعة وقل له إني أصبت بالتيفود.» فجرى الرجل مرتعبا، وأخذ الدكتور يخلع ثيابه بيدين ~~مضطربتين وارتدى البيجامة وارتمى على الفراش في حالة يأس ورعب وغم شديد، وقد خيل إليه أن ~~شرايينه ستنفجر من الحرارة، وكان يستحضر في ذاكرته أعراض المرض فلم يعد لديه ثمة شك في أنه ~~مريض، وثبت في وهمه بقوة أن هذا المرض سيختم حياته، وكان شديد الجبن متهافت الأعصاب، فلم ms179 ~~يستطع أن يأمل قط في النجاة وبات في يأس عظيم، وظل يعد الدقائق الثقيلة المرهقة ويصيح ~~غاضبا : «هيهات أن يجد الدكتور في عيادته، وسأجن هنا وحدي.» # وفي أثناء الانتظار فزعت أفكاره المجنونة إلى القاهرة، إلى أمه، ووجد حاجة شديدة إليها، ~~وإلى وجودها إلى جانبه لتسهر عليه، وفكر فعلا في أن يبعث إليها ببرقية، ولكنه لم يقبل هذه ~~الفكرة بسهولة، وأشفق من إرهاقها وإزعاج حياة والده وإخوته الصغار وربما عرضها للخطر ~~أيضا - وكان هذا أول شعور طيب يخالط قلبه منذ قدم طنطا - فصدقت نيته على أن يطلب إلى ~~الدكتور بهجت نقله إلى المستشفى، وربما تمكن من رؤيتها هناك ليودعها إذا اشتد عليه الحال. ~~وقد حن إليها في تلك الساعة حنينا موجعا .. وأغمض جفنيه هنيهة يلتمس الجمام ويطرد عن ~~قلبه الوساوس والهواجس، ولكن وجدانه الثائر أبى أن يدعه في راحة أو طمأنينة، أو أن يصرفه عن ~~الانشغال الأليم بمرضه. ولم يكن دار له بخلد أن الطبيب بمأمن من الأمراض، ومع ذلك أحس ~~بمرارة وسخط وحنق، وساءه أن يفتضح مرضه الغادر في أثناء عودته من زورة مريض. أما كان الأجمل ~~أن يجزي غير هذا الجزاء؟ .. وقر في نفسه أن العدوى انتقلت إليه في أثناء قيامه بواجبه في ~~المستشفى بالرغم من حذره ويقظته، فتضاعف سخطه وحنقه، وأسى على حياته التي لم يتح له التمتع ~~بها، وكان يدفع إلى فكرة الموت دفعا عنيفا، ويقسر على الاستغراق فيها بقوة شيطانية .. ~~وحدثه قلبه الرعديد بأن نهايته حمت، فعطف رأسه إلى المرآة وأدام النظر إلى وجهه، فخيل إليه ~~أنه محتقن بالدم الفاسد، ولكن كان ما يزال محتفظا بنضارة الحياة وأثر الصحة الآخذة في ~~الانحلال، فألقى عليه نظرة أسيفة حزينة، كأنما يودع آخر صورة للحياة والصحة عالقة به .. ثم ~~أدار رأسه قانطا، وأسلمه القنوط إلى الاستسلام، وأسلمه الاستسلام إلى الاستهانة، ولاذ بها ~~من مخاوفه، وقال لنفسه علام الخوف والذعر، الموت آت لا ريب فيه، إن لم يكن اليوم فغدا .. ~~هو النهاية المحتومة على أية حال لمهزلة الحياة .. وماذا يضيره ms180 أن يقصر دوره في هذه المهزلة؟ ~~فلعل في قصره اختزالا لآلام مروعة. على أن تعزيه لم يدم طويلا، وألحت على قلبه الآلام ~~مرة أخرى .. فذكر آماله وأطماعه في المجد والثروة، وارتسمت على شفتيه لهذه الذكرى ابتسامة ~~مريرة ساخرة .. وشعر بامتعاض يفوق الوصف .. وذكر الثلاثين قرشا التي طرب لها فرحا قبل حين ~~قصير فازداد امتعاضه، ولعن رزقه الذي يناله من أيد شحيحة لا تفرط فيه حتي يهزلها المرض، ~~فتتراخى عن الضن به، ولعل النظام الذي يجعل سعادة القوم منوطة ببؤساء آخرين .. يا لها من مهنة ~~مخيفة، يستمد رجالها حياتهم من النفوس المريضة كالجراثيم سواء بسواء .. وسخر في ذعره وتشاؤمه ~~من الإنسانية والتضحية والرحمة، تلك الألفاظ الصماء التي حفظها عن ظهر قلب ولم تختلج له ~~في شعور قط .. فهو لم يشمر أبدا لغير المجد والثروة، ولم يتصور ساعة أنه يبلغهما بغير معونة ~~المرض .. فعبده وهو لا يدري، ونصبه إلها يقدم له القرابين البشرية كبعل القديم، حتى سقط هو ~~أخيرا قربانا له، فأي حياة هذه؟ .. وذكر أيضا في هذيانه وتشاؤمه قرويا بسيطا عرض له في ~~العيادة الخارجية بالقصر العيني، وكان يريد أن يكشف على حلقه، فأمره أن يفتح فمه .. وكان كلما ~~أدني منه المجهر يرتجف الرجل الساذج ويغلق فمه، وتكرر ذلك منه حتى اشتد به الضيق، وكان مرهق ~~الأعصاب من كثرة العمل، فضرب جبين القروي بالمجهر، فشجه وأسال دمه .. وقد أسف لذلك حقا ولكن ~~أسفه لم يخفف عن الرجل شيئا .. وذكرته هذه الحادثة بما يقع خلف جدران القصر العيني من ~~أعمال القسوة التي تفزع من هولها النفوس البشرية، فذكر أنه تكاسل مرة عن إجراء عملية لمريض؛ ~~لأنه كان أجرى هذه العملية مرات عديدة بنجاح، فلم يشعر بحاجة إلى تمرين جديد، واسودت ~~الدنيا في عينيه، وعافت نفسه كل شيء في تلك الساعة الخبيثة. # ثم سمع وقع أقدام في الردهة وصوت التمرجي يحادث الدكتور، فتمشت في أعصابه موجة نشاط ونسي ~~وساوسه، وفزع إلى القادم بأمل جديد، ودعا ربه بصوت متهدج قائلا: «آه يا رب خذ ms181 بيدي، هبني حياتي مرة ثانية، أهب الناس أشرف ما في نفسي حتى الموت.» # وما انتهى من دعائه حتي برز الدكتور بهجت من باب الحجرة وهو يقول بصوت مرتفع: مساء الخير ~~يا دكتور، ما لك؟ # فقال الشاب بهدوء وإن كان في الحق يستغيث: أصبت. # ففحصه الدكتور بعينين نافذتين وأصابعه تفتح الحقيبة ثم قال: لعلها الإنفلونزا. # فقال بيأس: كلا .. لا أشكو زكاما ولا صداعا. ~~- ولكنك لم تشك تعبا أو فقدان شهية في هذه الأيام، أليس كذلك؟! # وتفكر الشاب قليلا متحيرا ثم تمتم قائلا: حرارتي فظيعة .. إني أشعر بالمرض شعورا مخيفا. ~~- هل قست الحرارة؟! # فعجب كيف فاته ذلك، وهز رأسه نفيا ولاذ بالصمت، فابتسم الدكتور بهجت ابتسامة ساخرة، ودنا ~~منه والترمومتر في يده، ثم وضعه في فمه وانتظر هنيهة، أخذه ثانية ورفعه إلى مستوى عينيه، ~~ونظر إلى وجه الشاب رافعا حاجبيه وقال ببساطة: حرارتك طبيعية .. انظر. # وقرأ الشاب الترمومتر وهو لا يصدق عينيه، وجس خده ثم قال: هذا عجيب! خدي ما زال ملتهبا، ~~كيف هبطت الحرارة؟ # وأتى الدكتور بسماعة وطلب إليه أن يفك أزرار الجاكتة ففعل. # ووقع بصر الرجل على الفانلا فبدت على وجهه الدهشة، وصاح بسرعة وهو يشير إليها: ~~انظر! # فأحنى الشاب رأسه ناظرا إلى الفانلا فرأي فوق القلب دائرة مسودة من أثر احتراق خفيف، ~~فاستولت عليه الدهشة وجلس في فراشه وهو يتساءل: ما الذي صنع بي هذا؟! # فضحك الدكتور بصوت عال وقال: ها أنت ذا تكتشف حمى جديدة يا دكتور. # وخطر للشاب فكرة فالتفت إلى المشجب وقفز من الفراش واتجه نحوها ووضع يده في جيب الجاكتة ~~الأعلى متناولا غليونه، وفحص الجيب بعينيه فرأى آثار التبغ الذي أكل البطانة وحرق القميص ~~وأثر هذا التأثير في الفانلا، ووقف مرتبكا ينظر إلى الدكتور بعينين تسألان الصفح، وقد ~~أحس بحرارة جديدة هي حرارة الخجل والارتباك. # وبعد دقائق وجد الشاب نفسه وحيدا مرة أخرى، وكان ما تزال تعلو شفتيه ابتسامة الارتباك ~~والخجل، ولكنه كان يحس بغبطة وسلام، وكان قلبه يشكر الله الذي وهبه حياته مرة أخرى. ms182 # وبر الشاب بوعده واعتزم أن يكون إنسانا قبل كل شيء، وعاد إلى عمله تنبض في قلبه أشرف ~~العواطف وأنبلها، وكان يظن أنه سيصمد للتجارب لا ينكص على عقبيه مهما امتد به الزمن، ولكن ~~وا أسفاه إن انقضاء الليل والنهار ينسي، ومن ينغمر في الدنيا يذهل على نفسه، وللحياة جلبة ~~تبتلع همسات الضمير؛ فقد أخذ يتناسى محنته ودعاءه ووعده حتي نسي ولم يعد يذكر إلا عمله ~~ومستقبله وآماله وأطماعه، ثم ارتد إلى ما كان عليه، وكانت تلك الأيام القلائل في حياته ~~كهدوء البحر الذي يصفو ويرق حتى يشف عن باطنه ثم لا يلبث أن تهيجه الرياح والعواصف فيرغي ~~ويزبد وتعلو أمواجه كالجبال. ولعله لا يذكر هذه الحادثة الآن إلا كدعابة يتندر بها ويقصها ~~على صحبه إذا دعا داعي الحديث أو السمر. # | فلفل # في قهوة السعادة أشياء كثيرة تستثير الاهتمام، منها فلفل، وهو غلام في الثانية عشرة أو ~~جاوزها بقليل، اسمه الحقيقي طه سنقر، ولكنه اشتهر بفلفل، وهو يسعي بجمرات النار إلى مدخني ~~النارجيلة والجوزة من طلوع الصباح حتى انتصاف الليل. على أن الاصطلاحات لا تخلق اعتباطا؛ ~~فللغلام من اسمه الجديد نصيب. كان خفيف الحركة متحفز النشاط، فما إن يدعي حتي يندفع نحو ~~داعيه كالنحلة ويقطع النهار كله ونصف الليل لا يقر له قرار أو يسكت له صوت، وقد اشتغل في ~~القهوة منذ عام نظير قرش في اليوم غير جوزة وفنجان شاي يقدمان له في الصباح ومثلهما بعد ~~الغداء، وكان بذلك جد سعيد، يتيه فخارا كلما ذكر أنه صار قواما على نفسه وصاحب قرش وأخا ~~«كيف ومزاج»، وفوق ذلك لم تكن حياته منحصرة في الحاضر، كان يرمق بعين الطموح ذلك اليوم حين ~~يأذن له «المعلم» بتقديم النارجيلة والجوزة أسوة بالنار والماء، فينتقل من درجة غلام إلى ~~درجة صبي، ومن يعلم بعد ذلك أين يقف به الترقي؟! وهو في سبيل طموحه لا يكف عن تمرين حنجرته ~~بالهتاف والنداء على الطلبات؛ لأن أهمية الحنجرة في القهوة البلدي تضاهي أهميتها في نادي ~~الموسيقي. # ومن أعجب ms183 ما رأى فلفل في قهوة السعادة جماعة من طلاب العلم، تجتذبهم القهوة في أماسي ~~العطل والإجازات، فيأوون إلى ركن منها يسمرون ويلعبون النرد ويحتسون الشاي والزنجبيل، ~~وكانوا كبقية رواد القهوة من جمهور الشعب الفقير، ولكن المدرسة سمت بهم إلى طبقة معنوية ~~عالية، فانتبذت الكبرياء بهم ركنا منعزلا وإن كانوا يرتدون عادة الجلابيب، بل وينتعل ~~بعضهم القباقيب؛ فإذا اجتمع شملهم وفرغوا من احتساء الشاي والزنجبيل قرأ أحدهم جريدة من ~~جرائد المساء وأنصت له الآخرون، ثم يندفعون إلى المناقشة والتعليق فيحتدم الجدل وتستمر ~~المناقشة. # وجاء مساء فاستطاع أن يفهم ما يقولون لأول مرة، بل سر به سرورا لا مزيد عليه، في ذلك ~~المساء قرأ قارئهم - فيما يقرأ - خبر قضية رشوة موظف كبير، ثم أخذ الصحاب كعادتهم في النقاش ~~والتعليق، فقال واحد منهم متحمسا: هذا واحد أمكن يد العدالة أن تصل إليه مصادفة، ويوجد غيره ~~كثيرون لا ينأي بهم عن غيابات السجون إلا أن العدالة ما تزال ضالة عنهم. # وقال آخر أشد تطرفا وأبعد عن وزن كلامه: ليس الداء قاصرا على الموظفين؛ فغيرهم - وأنتم ~~تعلمون من أعني - أفظع وأضل سبيلا. هذا بلد لو أقيم به ميزان العدالة كما ينبغي لامتلأت ~~السجون وخلت القصور. # واستبق الناقدون وتناولوا أسماء كثيرة فمزقوها إربا ولوثوها بكل منكر بأصوات مرتفعة لا ~~تبالي شيئا، فقال بعضهم: أضرب لكم مثلا بفلان .. أتدرون كيف جمع ثروته الطائلة؟ # ثم جعل يعدد وسائل الإجرام التي ابتز بها أموال الناس كأنه كان كاتم سره أو مرجع رأيه، ~~ثم تتابع النقاد والمشرحون واختار كل شخصية من الشخصيات الكبيرة يروي تاريخها كما يشاء، ~~ويكشف عن مثالبها مفتتحا كلامه بهذه العبارة المثيرة: «وفلان هل تدرون كيف جمع ثروته ~~الطائلة؟» وما زالوا في حملتهم حتي صاح أحدهم غاضبا: هذا بلد السرقة فيه حلال. # فهم فلفل هذا الحديث، فلم يعقه عن فهمه لفظ غريب أو تعبير معقد، وكان بما يتقن من أنواع ~~القذف والسباب أشبه، فطرب أيما طرب ووافق منه هوى دفينا؛ فما أجمل أن يقال إن هذا بلد ms184 ~~لصوص! ما أجمل أن يقال إن السرقة في هذا البلد حلال! فهو لص بحكم نشأته، تربى بين أحضان ~~السرقة فعرفها في المهد؛ فأمه - وهي بائعة دوم - تنفق أوقات الفراغ في اصطياد الدجاج الضال، ~~أما أبوه عم سنقر بائع الفول السوداني فمولع باختلاس القمصان والسراويل من أسطح البيوت، وله ~~في ذلك حيل يخطئها الحصر، ولكن ماذا أفادت أسرته من جهادها؟ # وانتهت تلك الليلة بغير ما يحب فلفل؛ فحين عودته إلى بيته، أو إلى الحجرة التي يبيت بها ~~أبواه وأخواته، وجد أمه لا تزال مستيقظة يعلوها الوجوم والانكسار، وأخواته من حولها باكيات، ~~فانزعج الغلام وتولاه الخوف، ورأته أمه فقالت له قبل أن يسألها: «أخذ الشرطي أباك.» فأدرك ~~الغلام ما هنالك، وتحول إلى أخته الكبرى فقالت له إنهم اتهموه بسرقة بعض الثياب وساقوه إلى ~~القسم، ثم استدركت بعد لحظة سكوت قائلة إنهم لن يردوه قبل أشهر أو أعوام. وكان فلفل في ~~العادة لا يلتقي بأبيه إلا نادرا؛ لأنه كان ينام قبل أن يرجع من تجواله، ويخرج إلى القهوة ~~صباحا قبل أن يصحو، ولكنه على رغم ذلك تأثر بالجو الحزين فداخله الحزن وبكي، ثم ذكر ما ~~سمعه في المساء فجعل يقول لأمه إن البلد كله لصوص وإن السرقة فيه حلال، وقص عليها نحوا ~~مما بلغ مسمعيه، فلم ترتح المرأة إلى ثرثرته وأعرضت عنه ونهرته أن يسكت .. ثم لطمته على وجهه .. ~~في صباح اليوم الثاني استيقظ فلفل وقد نسي أمس كله وكأنه ولد من جديد، فانطلق إلى القهوة ~~بخطاه الواسعة لا يحمل بين جنبيه هما، والواقع أنها لم تكن أول مرة يساق فيها أبوه إلى ~~السجن. # | صوت من العالم الآخر # 1 # يا إلهي ماذا يعوز هذا القبر من طيبات الحياة الفانية؟! إنه قطعة من صميم الحياة ~~حافلة بما لذ وطاب. لقد حليت جدرانه بصور الجواري والخدم، وفرش بأفخر الأثاث وأجمل ~~الرياش، وبه ما أشاء من أدوات الزينة والعطور والحلي، وفيه مخزن مفعم بالحبوب والبقول ~~والفاكهة، وها هي ذي مكتبتي حملت إليه بمجلداتها الحكمية، وما يحتاجه ms185 الكاتب من الأوراق ~~والأقلام، هي الدنيا كما عهدتها، ولكن هل ثمة طعم للدنيا في حواسي الآن؟! أبي حاجة إلى ~~متعة من متعها؟! جهد ضائع ذلك الذي بذله الذين هيئوا هذه المقبرة، بيد أني لا أستطيع ~~أن أنكر أمرا غريبا هو أنه ما فتئت نفسي تنازعني إلى القلم. يا عجبا! ما لهذه ~~الأوراق تناديني بسحرها المحبوب؟! ألا يزال بي موضع لم يمح منه الموت منازع الضعف ~~والهوى؟ أقضي علينا - معشر الكتاب - أن تشقي بضاعتنا في الحياتين؟! على أية حال لا ~~يزال أمامي فترة انتظار أبدأ بعدها رحلتي الأبدية، فلأشغل هذا الفراغ بالقلم؛ فلطالما ~~زان القلم الفراغ الجميل. # رباه! ألا زلت أذكر ذلك اليوم الذي فصل بين الحياة والموت من عمري؟! بلى. في ذلك ~~اليوم غادرت قصر الأمير قبل الغروب، بعد عمل شاق تعناني فيه الجهد، حتى قال لي ~~الأمير: «توتي .. كف عن العمل ولا تشق على نفسك.» .. وكانت الشمس قد مالت نحو الأفق الغربي ~~في سياحتها الأبدية إلى عالم الظلام، ولآلئ من أشعتها المودعة تنتفض انتفاضة الاحتضار ~~على صفحة النيل المعبود، فأخذت في طريقي المعهود متسمتا شجرة الجميز في طرف القرية ~~الجنوبي حيث يقوم بيتي الجميل. # يا آمون المعبود، ما هذا الألم في العظام والمفاصل؟ ليس ما بي أثر من جهد العمل، ~~فلطالما واصلت العمل بلا انقطاع، ولطالما ثابرت وصبرت فغلبت الإعياء بالقوة والعزم. أما ~~هذا الألم المضني، أما هذه الرعشة المزلزلة، فطارئ جديد امتلأت منه رعبا. أيكون ذاك ~~الخبيث الذي لا ينزل بجسم حتي يورده التهلكة؟ انطو يا طريق القرية بحسنك فما في جوارحي ~~قوة تقبس من جمالك، واغرب يا طير السماء فما في صدر توتي المسكين حنان يناديك. وأخذت في ~~الطريق قلقا متأوها، وعند عتبة البيت طالعني وجه زوجي رفيقة شبابي وأم أبنائي، فهتفت ~~بي: «توتي أيها المسكين، ما لك تنتفض؟ ما لعينيك مظلمتين؟!» فقلت لها محزونا مكتئبا: ~~«يا أختاه .. وقع المحظور ... وحل الخبيث بجسم زوجك، هيئي الفراش ودثريني، ونادي الحكيم ~~والأبناء والأحباب، قولي لهم إن توتي على فراشه ms186 يضرع إلى ربه فاضرعوا معه، واسألوا له ~~الشفاء.» وحملتني التي تهواني على صدرها، وجاء الحكيم يجرعني الدواء، وأشار بإصبعه إلى ~~السماء وقال لي: «توتي .. أيها الكاتب الكبير، يا خادم الأمير الجليل، أنت في حاجة لرحمة ~~الرب، فادعه من أعماق قلبك.» ورقدت لا حول لي ولا قوة. يا آمون المعبود جلت حكمتك، ألم ~~أصحب سيدي الأمير إلى الشمال في جيوش فرعون؟ ألم أشهد القتال في صحاري زاهي؟ ألم أحضر ~~قادش مع الغزاة البواسل؟ بلى أيها الرب، ونجوت من الرماة والعجلات والمعارك؛ فكيف ~~يتهددني الموت في قريتي المحبوبة الآمنة بين أحضان زوجي وأمي وأبنائي؟! وغرقت في أبخرة ~~الحمى، واشتد الدوار برأسي، وسال بلساني الهذيان، وشعرت بيد الموت ترتاد قلبي. وما ~~أقساك أيها الموت! أراك تتقدم إلى هدفك بقدمين ثابتتين وقلب صخري، لا تتعب ولا تسأم ولا ~~ترحم، لا تهزك الدموع ولا تستعطفك الآمال، تدوس حبات القلوب، وتتخطى الأماني والأحلام، ~~ثم لا تبدل سنتك ولو كان الفريسة في ربيع العمر الزاهر. توتي في السادسة والعشرين ذو ~~بنين وبنات، ألا تسمع؟ ماذا يضيرك لو تركت أنفاسي تتردد في صدري؟ دعني ريثما أشبع من ~~هذه الحياة الجميلة المحبوبة، إنها لم تسؤني قط ولم أزهد فيها أبدا. أحببتها من أعماق ~~الفؤاد ولا أزال على العهد. كانت الصحة طيبة والمال موفورا والآمال كبارا، ألم تحط ~~بكل أولئك خبرا؟ ومن حولي قلوب محبة ونفوس والهة، أفلا تنظر إلى الأعين الدامعة؟ كأني ~~لم أعش ساعة واحدة في هذه الحياة الجميلة المحبوبة. ماذا رأيت من مشاهدها؟ ماذا سمعت من ~~أصواتها؟ ماذا أدركت من معارفها؟ ماذا ذقت من فنونها؟ ماذا جربت من ألوانها؟ أي فرص ~~ستضيع غدا؟ أي نشوات ستخمد؟ أي عواطف ستهمد؟ أي المسرات ستبيد؟ ذكرت ذلك جميعه، ~~ودارت بخلدي أشياء أخرى لا حصر لها ولا حد، ما بين مفاتن الماضي وسحر الحاضر وأماني ~~المستقبل. وجرت أمام حواسي الورود والحقول والمياه والسحاب والمآكل والمشارب والألحان ~~والأفكار والحب والأبناء وقصر الأمير وحفلات فرعون والرتب والنياشين والألقاب والفخر ~~والجاه. وتساءلت: أيمضي كل ms187 هذا إلى الفناء؟ وانقبض صدري أيما انقباض، وامتلأت حزنا ~~وكمدا، وهتفت كل جارحة بي: «لا أريد أن أموت .» وتتابعت جحافل الليل، فغلب النوم الصغار، ~~ولبثت زوجي عند رأسي وأمي عند قدمي، وانتصف الليل ونحن على حالنا، ثم استدار وأوغل في ~~الرحيل، ثم بهتت ذوائبه بزرقة الفجر، هنالك داخلني شعور غريب بالرهبة وتولاني إحساس ~~بالخوف، وأطبق السكون وأنذر بشيء خطير، ثم شعرت بيد أمي تدلك قدمي وتقول بصوت متهدج: ~~«بني .. بني.» وهتفت زوجي المحبوب: «توتي .. ماذا تجد؟» ولكني لم أستطع جوابا، لا شك أن ~~أمرا استثار جزعهما، ترى ماذا يكون؟ هل لاح في وجهي النذير؟ وتحولت عيناي على غير ~~إرادة مني نحو مدخل الحجرة. كان الباب مغلقا بيد أن الرسول دخل، دخل دون حاجة إلى فتح ~~الباب، فعرفته دون سابق معرفة؛ فهو رسول الفناء دون سواه. واقترب مني في خطى غير ~~مسموعة. كان مهيبا صامتا مبتسما ذا جمال لا يقاوم سحره فلم تتحول عنه عيناي، ولم أعد ~~أري من شيء سواه. وأردت أن أضرع إليه ولكن لم يطاوعني اللسان، وكأني به قد أدرك نيتي ~~الخفية، فازدادت ابتسامته اتساعا، فآنست منه رفقا، ولم أعد أبالي شيئا. انجابت عني ~~وساوس الليل وأحزانه وحسراته، وغفلت عن دموع من حولي، ووجدت نفسي في حال من الاستهانة ~~والطمأنينة لم أعهدها من قبل. سلمت في محبة لا نهائية، وتركت جسمي في المعركة وحيدا. ~~رأيت - دون مبالاة البتة - دمي يقاوم في عروقي، وقلبي يدق ما وسعه الجهد، وعضلاتي تنقبض ~~وتنبسط، وأنفاسي تتردد من الأعماق، وصدري يعلو وينخفض، وشعرت بالأيدي الحنون تسند ظهري ~~وتحيط بي. رأيت ظاهري وباطني رؤية العين بغير مبالاة ولا اكتراث، وقد تحول الرسول عني ~~إلى جسمي، وأخذ في مباشرة مهمته في ثقة وطمأنينة والابتسامة لا تفارق شفتيه الجميلتين، ~~وشاهدت نسمة الحياة المقدسة تذعن لمشيئته فتفارق القدمين والساقين والفخذين والبطن ~~والصدر، والدم من ورائها يجمد، والأعضاء تهمد، والقلب يسكت، حتي غادرت الفم المفغور في ~~زفرة عميقة. سكن جسمي وصمت إلى الأبد، وذهب الرسول كما جاء دون ms188 أن يشعر به أحد، وغمرني ~~شعور عجيب بأني فارقت الحياة، وأني لم أعد من أهل الدنيا. # 2 # غمرني شعور عجيب بأني فارقت الحياة، وأني لم أعد من أهل الدنيا، ماذا حدث؟! وما الذي ~~تغير في؟! ما زلت في الحجرة، والحجرة كما كانت؛ فأمي وزوجي تحنوان على جسمي، ولكن حدث ~~شيء بلا ريب، بل أخطر الأشياء جميعا، لم أوخذ على غرة، ولو كان بي قدرة على الكلام ~~لأجبت زوجي حين سألتني «توتي ماذا تجد؟» بأني أموت، ولكني فقدت قدرتي على الكلام ~~وغيره فلم أوخذ على غرة كما قلت، وشعرت بزورة الموت كما يشعر المضطجع بدبيب الكرى ~~وتخدير النعاس، ثم رأيته جهرة. والذي لا شك فيه أن الموت ليس مؤلما ولا مفزعا كما ~~يتوهم البشر، ولو عرف حقيقته الحي لنشده كما ينشد الخمر المعتقة، وفضلا عن هذا وذاك ~~فلا يخامر المحتضر أسف ولا حزن، بل الحياة تبدو شيئا تافها حقيرا إذا ما تخايل في ~~الأفق ذاك النور الإلهي البهيج. كنت مكبلا بالأغلال فانفكت أغلالي، كنت حبيسا في ~~قمقم فانطلق سراحي، كنت ثقيلا مشدودا إلى الأرض فخلصت من ثقلي وأرسلت وثاقي، كنت ~~محدودا فصرت بغير حدود، كنت حواس قصيرة المدى فانقلبت حسا شاملا كله بصر وكله سمع ~~وكله عقل، فاستطعت أن أدرك في وقت واحد ما فوقي وما تحتي وما يحيط بي، كأنما هجرت الجسم ~~الراقد أمامي لأتخذ من الكون جميعا جسما جديدا. حدث هذا التغيير الشامل الذي يجل عن ~~الوصف في لحظة من الزمان، بيد أني ما برحت أشعر بأني لم أغادر الحجرة التي شهدت أسعد ~~أيام حياتي السابقة، كأن العناية وكلتني بجسمي القديم حتى ينتهي إلى مستقره الأخير، ~~فجعلت أتأمل ما حولي في سكون وعدم اكتراث. وقد غشي جو الحجرة حزن وكآبة، وأخذت أمي ~~وزوجي تتعاونان على إنامة جسمي - صاحبي القديم - بملامحه المعهودة راقدا لا حراك به، ~~وقد ابيض لونه وشابته زرقة وتراخت أعضاؤه وأطبق جفناه، ونادتا أبنائي والخدم .. وراحوا ~~جميعا يعولون وينتحبون. ومضى الحاضرون يسكبون عليه الدمع الغزير يكادون يهلكون ms189 كمدا ~~وحزنا وغما. ومضيت أنظر إليهم بعدم اكتراث غريب كأنه لم تربطني بهم يوما آصرة قربى. ~~ما هذا الجسم الميت؟ لماذا تصرخ هذه المخلوقات؟ ما هذا الأسى الذي جعل من سحنهم دمامة ~~شوهاء؟ كلا لم أعد من أهل هذه الدنيا، ولم يردني إليها صراخ أو بكاء، ووددت لو تنقطع ~~أسبابي بها لأحلق في عالمي الجديد، ولكن وا أسفاه، إن بقية من حريتي لم تزل عزيزة ~~علي أسيرة إلى حين، فلآخذ نفسي بالصبر وإن شق علي. وجاءت أمي بملاءة وسجت الجثة ثم ~~أخرجت العيال والخدم، وأخذت زوجي من يدها وغادرتا الحجرة وأغلقتا الباب. لم يغيبا عن ~~ناظري؛ لأن الجدران لم تعد حائلا يحجب شيئا عن بصري، فرأيتهما وهما تغيران ملابسهما ~~وترتديان السواد، ثم اتجهتا نحو فناء الدار وهما تحلان ضفائرهما وتحثوان التراب على ~~رأسيهما، وخلعتا النعال وهرعتا إلى باب الدار، وانطلقتا تصوتان وتلدمان، ومضت أمي تصرخ: ~~«وا ابناه!» فتصرخ زوجي: «وا زوجاه!» ثم تهتفان معا: «يا رحمتا لك يا توتي المسكين! خطفك ~~الموت ولم يرحم شبابك.» وتركتا الدار على تلك الحال من العويل والنواح، وأخذتا في ~~طريقهما، حتى إذا مرتا بأول دار تليهما برزت لهما ربة الدار في ارتياع وصاحت بهما: ~~«ما لكما يا أختي؟» فأجابت المرأتان: «خربت الدار، تيتم الصغار، وثكلت الأم، وترملت ~~الزوج، يا رحمة لك يا توتي.» .. فصوتت المرأة من أعماق صدرها وصاحت: «وا حر قلباه .. يا ~~خسارة الشباب .. يا ضيعة الآمال!» .. وتبعت المرأتين وهي تحثو التراب على رأسها وتلطم خديها، ~~وكلما مررن بدار برزت ربتها وانضمت إليهن، حتى انتظم الحشد نساء القرية جميعا، ~~وتقدمتهن امرأة دربة بالنياحة، فجعلت تردد اسمي وتعدد فضائلي، وذهبن يقطعن طرقات ~~القرية باعثات الحزن والأسى في كل مكان. هذا اسمي تردده النائحات، ما له لا ~~يحركني؟! # أجل، لقد صار الاسم غريبا غرابة هذه الجثة المسجاة، وبت أتساءل: متى ينتهي هذا كله؟ ~~متى ينتهي هذا كله؟! وعندما أتى المساء جاء الرجال وحملوا الجثة إلى بيت التحنيط ~~والصراخ يطبق علينا، ووضعوها على السرير بالحجرة المقدسة، ms190 وكانت الحجرة مستطيلة ذات ~~اتساع كبير، وليس بها من نافذة إلا كوة تتوسط السقف، وفي الصدر قام السرير، وعلى ~~الجانبين رفعت رفوف رصت عليها أدوات الكيمياء، وفي الوسط - تحت الكوة - حوض كبير مليء ~~بالسائل العجيب، وخرج الرجال فلم يبق إلا رجلان، وكان الرجلان حكيمين من المشهود لهما ~~في فنهما فأخذا في عملهما دون إبطاء، وقد جاء أحدهما بطست ووضعه على كثب من السرير، ~~وتعاونا معا على تجريد الجثة من ملابسها حتى بدت عارية لا يحجبها شيء. فعلا ذلك في ~~هدوء وعدم اكتراث، ثم قال الذي جاء بالطست وهو يغمز عضلات صدري وذراعي: «كان رجلا ~~قويا .. انظر.» فقال الآخر: «كان توتي من رجال الأمير، يؤاكله ويشاربه، وفضلا عن ذلك ~~فقد خاض غمار الحروب.» فقال الذي جاء بالطست متحسرا: «لو أن الأجسام تعار!» فأجابه ~~الآخر ضاحكا: «أيها العجوز، ما جدوي جسد ميت؟!» فقال وهو يهز رأسه: «وكان قويا ~~حقا.» # فقال الآخر ضاحكا وهو يتناول خنجرا طويلا حادا من أحد الرفوف: «فلنختبر قوته.» ~~وطعن الجانب الأيسر فيما يلي الصدر بخنجره حتى غاب نصله، وشقه حتى أعلى الفخذ، وأعمل ~~في الداخل يده بمهارة ودربة، ثم استخرج الأمعاء والمعدة وأودعهما الطست، وقفاهما ~~بالكبد والقلب، فسرعان ما رأيت باطني جميعا. ولم يستغرق ذلك إلا دقائق معدودة؛ فالرجال ~~من مهرة المحنطين الذين أتقنوا عملهم أيما إتقان، ورحت أنظر إلى باطني بعناية، وبخاصة ~~إلى معدتي التي عرفت بقوتها ونشاطها، ولم يحل غلافها دون رؤية ما بداخلها بفضل تلك ~~القوة السحرية التي اكتسبها بصري، فرأيت فيها مضغ الإوزة والتين وبقايا النبيذ التي ~~تناولتها على مائدة الأمير مساء الأمس، وذكرت قوله حين عزم علي بالطعام: «كل يا توتي ~~واشرب، وتمتع بالحياة أيها الرجل الأمين.» رأيت وذكرت دون أن يعروني أي أثر أو انفعال، ~~ودون أن يزايلني عدم الاكتراث العجيب، ثم حولت بصري إلى قلبي فرأيت عالما حافلا ~~بالعجائب، رأيت بشغافه آثار الحب والحزن والسرور والغضب، وصور الأحبة والرفاق والأعداء، ~~وقد ترك الهيام بالمجد به فجوة عمقها ما خضت من معارك ms191 في بلاد زاهي والنوبة، ولاحت على ~~رقعته مشاهد مروعة لميادين القتال، وأجزاء ملتهبة دامية من أثر ذلك الطمع العنيف الذي ~~بعثني للكفاح بلا رحمة حتي ضممت إلى أرض أسرتي قطعة أرض تجاورها نازعني عليها جار بضع ~~سنين. رأيت فيه جل حياتي وما عانيت من الأهواء، أما الرجل فمضى في عمله يحدوه الهدوء ~~والمران، فأتى بكلاب دقيق وأولجه في أنفي باحتراس حتى تمكن من هدفه، ثم وجهه بدراية ~~وعنف وجذبه بسرعة، فسال مخي الكبير من منخري مادة رخوة تذرو في الهواء ما تجمع فيها من ~~لوامع الفكر ولآلئ الآمال ودخان الأحلام. هذه أفكاري منقوشة أمام عيني، فإذا قارنتها ~~بنور الحق الذي يتخايل لروحي بدت تافهة مشوهة، لقد قاتلها المثوى الذي أوت إليه؛ رأسي ~~ومخي. ها أنا ذا أقرأ القصيدة التي صغتها في وصف قادش، وها هي ذي الخطب التي ألقيتها بين ~~يدي الأمير في المناسبات المختلفة، وهذه آرائي في آداب السلوك، وهذه الحكم التي حفظتها ~~عن حقائق النجوم كما جاءت في كتب قاقمنا؛ كل أولئك أزاحه الرجل مع فتات المخ فاستقر بين ~~الأمعاء والمعدة في الطست الدامي، غير ما تناثر على الأرض فداسته الأقدام. قال الحكيم ~~وهو يعيد الكلاب إلى موضعه: «الآن صارت الجثة نظيفة.» فقال صاحبه ضاحكا: «ليتك تجد ~~بعد موتك يدا ماهرة كيدك!» وحمل الحكيمان ما تبقى من جسمي إلى الحوض الكبير وأناماه ~~فيه، فامتلأ بالسائل الساحر وغرق فيه، ثم غسلا أيديهما وغادرا المكان، وقد أدركت أن ~~الحجرة لن يعاد فتحها قبل كرور سبعين يوما - مدة التحنيط - فمسني الجزع. وقع في نفسي ~~خاطر أن أنطلق بروحي إلى العالم لألقي عليه نظرة الوداع. # 3 # أسترق إلى نفسي خاطر أن أنطلق بروحي إلى العالم فانطلقت، لم تحدث حركة في الواقع، ~~وإنما كان يكفي أن يتجه فكري إلى شيء حتى أجده ماثلا أمامي، بل الواقع أعظم من ذلك؛ ~~فقد صار بصري شيئا عجيبا، لا يعصي أمره شيء، صار قوة خارقة تشق الحجب وتتخطى السدود ~~وتنفذ إلى الضمائر والأعماق. بيد أني - وقد حم ms192 الوداع - نازعني الفكر إلى أهلي فوجدت ~~نفسي في داري. أما الصغار فقد راحوا في نوم عميق لا يزعجه مكدر، وأما زوجي وأمي فقد ~~افترشتا الأرض ولاح في وجهيهما الهم والغم. لشد ما أعياهما الحزن والبكاء! وغدا يتضاعف ~~حزنهما عند تشييع التابوت إلى مثواه الأبدي. وقد تغلغل روحي في فؤاديهما فتحرك رأساهما ~~وتمثلت لهما في الأحلام، ورأيت القلبين المحزونين يخفقان في كمد وألم. فيم كان كل هذا ~~الكدر؟! بيد أن شيئا استرعي بصري؛ رأيت في سويداء القلبين نقطة بيضاء، فعرفتها - فما ~~عاد يخفى علي علم شيء - فهي بذرة النسيان! آه .. ستكبر هذه النقطة وتنتشر حتى تشمل القلب ~~كله. أجل أدركت هذا حق الإدراك، ولكن بغير مبالاة فلم أعد أكترث لشيء، وتساءلت مسوقا ~~بلذة المعرفة: متي يمكن أن يحدث هذا؟! فأرتني عيناي العجيبتان صورة من المستقبل؛ رأيت ~~أمي تمسك غلاما بيمناها وتشق طريقها وسط زحام شديد ملوحة بزهرة اللوتس، فعلمت أنها ~~خرجت - أو أنها ستخرج - للمشاركة في أسعد أعياد قريتنا، عيد الإلهة إيزيس، كان وجهها ~~متهللا وكان ابني يهتف ضاحكا، ورأيت زوجي تهيئ مائدة - والطعام خير ما تصنع في دنياها ~~- وتدعو إليها رجلا أعرفه؛ فهو ابن خالها ساو، ونعم الزوج هو، ولو أن ميتا يسر ~~لسررت لها؛ لأن ساو رجل فاضل، وهو خير من يسعد زوجي ويرعى أبنائي. وانصرفت روحي عن ~~داري، فمرت في سبيلها بقصر أميري المحبوب، فشاهدت عقل الأمير ووجدته متأسفا لفقدي، وهو ~~الذي قدرني أجمل التقدير وجازاني خير الجزاء. ووجدته مشغولا باختيار خلف لي، فقرأت في ~~ذاكرته اسم المرشح الجديد «آب رع»، وكان من مرءوسي النابهين وإن لم تتصل بيننا أسباب ~~المودة. # كل هذا جميل، ولكن إلام أبقى في قريتي واليوم يستقبل فرعون رسول الحيثيين لتوقيع ~~معاهدة الصلح والسلام. رأيت منف - في لمح البصر - تعج بجمهورها الحاشد، والقصر في أروع ~~منظر. وقد اجتمع في بهو العرش العظيم الملك والرسول والكهنة والنبلاء والقواد، هؤلاء هم ~~سادة الدنيا قد جمعهم مكان واحد. وهذا فرعون المظفر يحدث رسول الحيثيين الجبابرة في جو ms193 ~~بالمودة عامر. أما صدر الملك فقد امتلأ احتقارا، وترددت بأعماقه هذه العبارة: «لا بد ~~مما ليس منه بد.» وأما صدر الرسول فقد بض كراهية، وتحيرت به هذه الفكرة: «صبرا حتي يموت ~~هذا الملك القوي.» ونشطت عيناي، فرأيت الوجوه والملابس والقلوب والعقول والبطون، رأيت ~~عالمي الظاهر والباطن بغير حجاب، وتسليت زمنا بتفحص ما في البطون من طعام فاخر وشراب ~~معتق، حتى عثرت بمعدة كاهن على بصل وثوم! وهما محرمان على الكهنة، وتساءلت: تري كيف ~~غافل هذا الرجل الورع أقرانه ودس هذا الطعام في جوفه؟! ولمحت في ناحية من معدة أحد ~~النبلاء دبيب المرض الذي أودى بحياتي، وكان الرجل يحاور قائدا في سرور وانشراح، فقلت له ~~في نفسي: «على الرحب والسعة.» ثم وقع بصري على الحاكم تيتي الذي اشتهر بالقسوة والبطش ~~حتي ليوالي فرعون النصح له بالاعتدال مع رعايا إقليمه، فنظرت إليه بإمعان وسرعان ما ~~تكشف لي عن جسم مهزول مريض الأعضاء، لا يفتأ يشكو مر الشكوى أسنانه ومفاصله. وكلما ~~ألح عليه الألم تمنى لو يستطيع بتر الفاسد من جسمه؛ ولذلك تملكته فكرة البتر بقسوة فلا ~~يتردد عن بتر المعوج من رعاياه بعنف لا يعرف الرحمة. وإلى جانب تيتي شاهدت الوزير مينا؛ ~~ذلك الرجل العنيد الذي يحارب فكرة الصلح بكل قواه، وطالما حرض على القتال، وتساءلت: ~~ترى ما سر عناد هذا الوزير الخطير؟ رأيت عقله نيرا، ولكن أمعاءه ضعيفة، فستبقى فضلات ~~الطعام طويلا فتلوث دمه في دورته فيذهب إلى عقله فاسدا ويغشى نور أفكاره، حتى إذا خرجت ~~من فمه كانت ذات شر كبير. والرجل مقتنع برأيه يراه واضحا مستقيما كما أرى مخه مسودا ~~ملوثا؛ ثم دار بصري بالصدور يستقرئها خفاياها الكامنة وراء بسمات الثغور. هذا صدر ثقل ~~عليه الملل فهمس صاحبه: «متي العودة إلى القصر حيث السماع والقيان؟» وهذا صدر يتوجع ~~قائلا: «لو مات الرجل بمرضه لكنت الآن قائدا على فرقة الرماح.» وذاك صدر يقول في جزع ~~متسائلا: «متى يقوم الأحمق برحلته التفتيشية فأهرع إلى زوجه الحسناء الحيوية؟ .. آه!» ~~وقال صدر لصاحبه ms194 في الأعماق: «لا يدري إنسان متى يحين الأجل؛ فلا يجوز بعد اليوم أن ~~أؤخر بناء مقبرتي، أو فما فائدة المال إذن؟!» وتولت الحيرة صدرا كبيرا فجعل يقول ~~لصاحبه: «قال إخناتون إن الرب هو آتون، وقال حار محب إنه آمون، وهناك قوم يعبدون رع، ~~فلماذا يتركنا الرب في شقاق؟» ولم أواصل الاستطلاع طويلا في هذا الحفل الفرعوني الجليل؛ ~~إذ سرعان ما أدركني الملل فتحولت عنه، ووجدت نفسي مرة أخرى في الدنيا الواسعة. # ومرت أمام ناظري مشاهد كثيرة من الأرض والسماء، لمست حقائقها جهرة ونفذت إلى صميمها، ~~حتى وقع البصر على جنين يتكون في رحم، فرأيته يكتسي لحما وعظما، وشهدت مولده، وجرى ~~البصر معه في المستقبل فرآه طفلا وصبيا وغلاما وشابا وكهلا وشيخا وميتا، وشاهد ~~ما اعتوره من حادثات وحالات سرور وحزن ورضا وغضب وأمل ويأس وصحة ومرض وحب وملل. رأيت ~~ذلك جميعه في دقيقة من الزمان، حتى يختلط في أذني بكاء الميلاد وشهقة الموت. وغلبتني ~~على أمري رغبة جامحة في اللعب فسايرت حيوات أفراد كثيرين من الميلاد إلى الممات، ~~واستلذذت كثيرا وقوع الحالات المتنافرة لا يكاد يفصل بينها زمن؛ فهذا وجه يضحك ويقطب ~~ثم يضحك ويقطب عشرات المرات في جزء من الثانية، وهذه امرأة تتيه حسنا وتعشق وتتزوج ~~وتحبل وتلد وتهرم وتقبح وتسمج في لحظة من الزمان، ووفاء وخيانة لا يفصل بينهما زمن؛ هذا ~~وغيره مما لا يحيط به حصر جعل الحياة مهزلة؛ فلو أن ميتا يضحك لأغرقت في الضحك، وبدا ~~لي كأنه لا حقيقة في العالم إلا التغير. رغبت نفسي عن مطالعة الأفراد وحيواتهم المجنونة ~~فغابوا عن بصري، ورنوت إليهم من بعيد جمعا غفيرا لا يحده شيء، تضاءلت الحجوم وطمست ~~المعالم وانعدمت الفوارق، فصاروا كتلة واحدة، ساكنة صامتة، لا حياة فيها ولا حركة. رحت ~~ألقي البصر في دهشة وحيرة حتى ألفت المنظر، فتكشف لي عن جانب جديد كان من قبل ~~خافيا. # رأيت ذاك الظلام الساكن يشع نورا شاملا؛ فإن الأنوار الخافتة المتهافتة التي تخفق ~~في كل مخ - على حدة - ضعيفة ms195 خابية، اتصلت في المجموع الملتحم المتماسك ولاحت نورا ~~قويا باهرا. رأيت في لمعتها حقا باهرا وخيرا صافيا وجمالا متألقا فازددت دهشة ~~وحيرة. رباه لشد ما تعاني الروح وتتعذب، ولكنها تبدع وتخلق على رغم كل شيء. رباه لقد ~~رأى توتي أمورا جليلة وليرين أمورا أجل وأخطر. وأيقنت أن ذلك النور الذي بهرني إن ~~هو إلا نقطة من السماء التي سأعرج إليها. وغضضت البصر ووليت الدنيا ظهري، فوجدت نفسي في ~~حجرة التحنيط المقدسة، وقد ملأ روحي سرور إلهي لا يوصف. # وانتهت أيام التحنيط السبعون؛ فجاء الرجال مرة أخرى، واستخرجوا الجثة من الحوض ~~وأدرجوها في الأكفان، وأتوا بالتابوت وقد زانوا غطاءه بصورة جميلة لتوتي الشاب ووضعوا ~~فيه الجثة، ثم رفعوه إلى أعناقهم وساروا به إلى الخارج، فتلقاه المشيعون من الأهل ~~والجيران بالعويل واللطم، وعاد النواح كأفظع مما كان يوم النعي، وذهبوا إلى شاطئ النيل ~~وهبطوا إلى سفينة كبيرة أقلعت بهم صوب مدينة الأبدية على الشاطئ الغربي، والتفوا ~~بالتابوت يصوتون وينوحون، قالت أمي: «ولا جف لي دمع، ولا اطمأن لي قلب من بعدك يا توتي!» ~~وصاحت زوجي: «لماذا قضي علي بأن أعيش بعدك يا زوجي؟!» # وقال حاجب الأمير: «توتي أيها الكاتب المجيد، لقد تركت مكانك شاغرا.» # ولبثت أنظر بهاتين العينين اللتين تنكرتا لماضيهما، وكأن سببا لم يصلني بهذه الدنيا ~~ولا بهؤلاء الناس، ورست السفينة إلى الشاطئ فرفعوا التابوت مرة أخرى، ومضوا به إلى ~~المقبرة التي أنفقت في تشييدها جل ثروتي، وأحلوه موضعه من الحجرة. وفي أثناء ذلك كان ~~جماعة من الكهنة يتلون بعض الآيات من كتاب الموتى يلقنونني التعاليم الهادية من أقوم ~~سبيل! ثم جعلوا ينسحبون تباعا حتي خلا القبر، ولم يعد يسمع من شيء إلا العويل الآتي ~~من بعيد. وأغلقت الأبواب وهيلت عليها الرمال، فانقطعت كل صلة بين العالم الذي ودعت ~~والدنيا التي أستقبل. ~~••• # ملاحظة: هنا انقطعت الكتابة في المخطوط الهيروغليفي، ولعل فترة الانتظار التي أشار ~~إليها الكاتب في أول كتابته كانت قد انتهت، ولعل رحلته الأبدية كانت قد بدأت فشغل بها ~~عن ms196 قلمه المحبوب، وعن كل شيء. ms197