######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Harafish.Hindawi39429258 #META# Tags: novels #META# ID: 39429258 #META# Title: الحرافيش #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عاشور الناجي‏ # شمس الدين‏ # الحب والقضبان‏ # المطارد‏ # قرة عيني‏ # شهد الملكة‏ # جلال صاحب الجلالة‏ # الأشباح‏ # سارق النغمة‏ # التوت والنبوت‏ # عاشور الناجي‏ # شمس الدين‏ # الحب والقضبان‏ # المطارد‏ # قرة عيني‏ # شهد الملكة‏ # جلال صاحب الجلالة‏ # الأشباح‏ # سارق النغمة‏ # التوت والنبوت‏ # | الحرافيش # | الحرافيش # تأليف # نجيب محفوظ # | عاشور الناجي # الحكاية الأولى من ملحمة الحرافيش # 1 # في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى ~~من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة، طرحت مناجاة ~~متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا. # 2 # مضى يتلمس طريقه بطرف عصاه الغليظة، مرشدته في ظلامه الأبدي. مولاي ~~يعرف مواقعه بالرائحة وحساب الخطوات ودرجة وضوح الأناشيد والإلهام الباطني. بين ~~مسكنه عند مشارف القرافة وبين الحارة يخوض أشق مرحلة في طريقه إلى الحسين ~~وأعذبها. على غير المعهود تناهى إلى أذنيه الحادتين بكاء وليد. لعله ~~دوي أكبر من حجمه في ساعة الفجر. الحق قد جذبه من سكرة الرؤى ونشوة ~~الأناشيد. في هذه الساعة تهيم أمهات بأطفالهن! ها هو الصوت يشتد ويقترب، ~~وعما قليل سيحاذيه تماما. وتنحنح كي لا يقع ارتطام في مشهد الفجر. وتساءل ~~متى يكف الطفل عن البكاء ليرتاح قلبه ويعاود خشوعه. الآن صار البكاء ينخس ~~جنبه الأيسر. تباعد يمنة حتى مست كتفه سور التكية، وتوقف قائلا: ~~يا حرمة، أرضعي الطفل! # ولكن لم يجبه أحد، وتواصل البكاء، فهتف: يا حرمة! يا أهل الله! # فلم يسمع إلا البكاء. ساور الشك قلبه فولت البراءة المغسولة بماء الفجر، ~~واتجه نحو الصوت بحذر شديد جاعلا عصاه لصق جنبه. انحنى قليلا فوق الصوت، ~~مد راحته برحمة حتى مس سبابته لفافة. هو ما توقعه القلب. جال بأصابعه في ~~طياتها حتى لامس وجها طريا متشنجا بالبكاء. هتف متأثرا: تدفن ~~القلوب في ظلمة الإثم. # وصاح بغضب: لعنة الله على الظالمين. # وتفكر قليلا ولكنه قرر ألا يهمله ولو فاتته صلاة الفجر في الحسين. ~~النسمة باردة في هذه اللحظة من الصيف، والزواحف شتى، والله يمتحن عبده بما لا ~~يجري له في حسبان. وحمله برفق، ثم عزم على الرجوع ms001 إلى مسكنه ليشاور زوجته في ~~الأمر. وترامت إليه أصوات آدميين لعلهم ذاهبون إلى صلاة الفجر، فسعل منبها، ~~فجاءه صوت يقول: سلام الله على المؤمنين! # فأجاب بهدوء: سلام الله عليكم. # وعرف المتكلم صوته فقال: الشيخ عفرة زيدان؟ ماذا أخرك؟ ~~- إني راجع إلى البيت، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ~~- سلامتك يا شيخ عفرة! # فقال بعد تردد: عثرت على وليد تحت السور العتيق. # وانداحت همهمة بين الرجال حتى قال أحدهم: اللعنة على الآثمين. # وقال ثان: اذهب به إلى القسم! # وسأله ثالث: ماذا أنت فاعل به؟ # فقال بهدوء لا يناسب المقام: سوف يهديني الله إلى مشيئته. # 3 # انزعجت سكينة لدى رؤيتها زوجها الشيخ على ضوء المصباح المرفوع بيسراها، ~~وتساءلت: ماذا أرجعك كفى الله الشر؟! # وسرعان ما رأت الوليد فهتفت: ما هذا يا شيخ عفرة؟ ~~- عثرت عليه في الممر. ~~- يا رحمة الله! # تناولت الوليد برقة، جلس الشيخ على كنبة بين البئر المغطاة والفرن ~~وهو يغمغم: لا إله إلا الله! # راحت سكينة تهدهد الطفل، ثم قالت بحنان: إنه ذكر يا شيخ عفرة! # فحرك رأسه صامتا، فقالت باهتمام: يلزمه غذاء. ~~- وما درايتك بذلك وأنت لم تنجبي ذكرا ولا أنثى؟! ~~- أعرف أشياء، ومن يسترشد يجد من يرشده. ماذا أنت فاعل به؟ ~~- نصحوني بأن أذهب به إلى القسم. ~~- هل يرضعونه في القسم؟! لننتظر حتى يظهر من يبحث عنه. ~~- لن يبحث عنه أحد. # وتجلى صمت مفعما بالانفعالات حتى تمتم الشيخ عفرة زيدان: أليس من ~~الخطأ أن نبقيه أكثر مما ينبغي؟ # فقالت بحماس وحرارة: الخطأ خطأ من ضيعه. # ثم قالت وهي تتلقى إلهاما بالرضا: لم يبق لي أمل في الإنجاب! # فحسر العمامة عن جبهته البارزة مثل قبضة الجندرة وتساءل: فيم تفكرين ~~يا سكينة؟ # فقالت ثملة بإلهامها: يا سيدنا الشيخ، وهبني الله رزقا فكيف ~~أرفضه؟ # مسح بمنديله عينيه المطبقتين ولم ينبس، فقالت بظفر: أنت نفسك تريد ~~ذلك. # فتجاهلها يقول متشكيا: فاتتني صلاة الفجر في الحسين. # فقالت بثغر باسم وعيناها لا تفارقان الوجه المحتقن: الضوء شقشق والله ~~غفور رحيم. # وقام الشيخ عفرة ms002 زيدان ليصلي، على حين هبط من السلم درويش زيدان مثقل ~~الجفون من أثر النوم وهو يقول: جوعان يا امرأة أخي. # ورأى الوليد فذهل كما ينبغي لغلام في العاشرة من عمره وتساءل: ما ~~هذا؟ # فأجابته سكينة: رزق من الله العلي القدير. # فرنا إليه مليا، ثم تساءل: ما اسمه؟ # فترددت المرأة، ثم غمغمت: ليكن اسم أبي اسما له؛ عاشور عبد الله، ~~وليشمله الله ببركته ورضوانه. # وارتفع صوت الشيخ عفرة بالتلاوة. # 4 # وتتابعت الأيام على أنغام الأناشيد البهيجة الغامضة، وذات يوم قال الشيخ ~~عفرة زيدان لشقيقه درويش: بلغت العشرين من عمرك فمتى تتزوج؟ # فأجاب الفتى بفتور: عندما يشاء الله. ~~- إنك حمال قوي، والحمال ذو رزق موفور. ~~- عندما يشاء الله. ~~- ألا تخشى على نفسك من الفتنة؟ ~~- الله يحفظ المؤمنين. # فحرك المقرئ الضرير وجهه يمنة ويسرة وقال بأسف: لم تنتفع بالكتاب ~~ولم تحفظ من كتاب الله سورة واحدة! # فقال بامتعاض: العمل هو ما يحاسب عليه، وإني أحصل على رزقي بعرق ~~الجبين. # فتفكر الشيخ مليا وقال: في وجهك ندوب فما شأنها؟ # فأدرك درويش أن امرأة أخيه قد وشت به، فرمقها مقطبا وهي عاكفة على ~~إشعال الفرن بمساعدة عاشور، فقالت باسمة: أتتوقع مني يا درويش أن أخفي ~~عن أخيك ما يضرك؟ # وسأله الشيخ عفرة معاتبا: أتقلد أهل العنف والشر؟ ~~- أحيانا يتحرش بي أهل الشر فأدافع عن نفسي. ~~- يا درويش، لقد نشأت في بيت خدمة القرآن؛ شرفه وعزته، ألا ترى إلى ~~سلوك أخيك الطيب عاشور؟ # قال بحدة: ليس عاشور بأخي! # لاذ الشيخ بالصمت مستاء. # وكان عاشور يتابع الحديث باهتمام فصدم، صدمة متوقعة على أي حال، إنه ~~يفعل ما بوسعه ولا يدعي أكثر مما له؛ يقوم بتنظيف البيت، وشراء الحوائج من ~~السوق، ويمضي كل فجر بولي نعمته إلى الحسين، ويملأ الدلو من البئر، ويشعل ~~الفرن، وعند الأصيل يجلس عند قدمي الشيخ فيحفظه ما يتيسر من القرآن، ~~ويلقنه آداب السلوك والحياة. الحق أن الشيخ أحبه ورضي عنه، وكانت سكينة ~~ترمقه بإعجاب وتقول: سيكون فتى طيبا وقويا. # فيقول الشيخ عفرة زيدان: ms003 لتكن قوته في خدمة الناس لا الشيطان. # 5 # جادت السماء ببركاتها على عاشور، فسعد به قلب الشيخ عفرة زيدان عاما في ~~إثر عام، بقدر ما سخط على درويش شقيقه وربيبه. لم يا ربي وقد نشآ في حظيرة ~~واحدة؟ ولكن درويش نأى عن ظل الشيخ سعيا وراء الرزق بعد أن رفض التعلم ~~قلبه. انطلق إلى العالم غلاما طريا فتربى في أحضان المرارة والعنف قبل أن ~~يستقيم عوده، قبل أن تتشرب روحه بالصلابة والنقاء. أما عاشور فتفتح قلبه ~~أول ما تفتح للبهجة والنور والأناشيد، ونما نموا هائلا مثل بوابة ~~التكية؛ طوله فارع، عرضه منبسط، ساعده حجر من أحجار السور العتيق، ساقه جذع ~~شجرة توت، رأسه ضخم نبيل، قسماته وافية التقطيع، غليظة مترعة بماء الحياة. ~~تبدت قوته في تفانيه في العمل، وتحمله لمشاقه، ومواصلته بلا ملل أو كلل، ~~وفي تمام من الرضا والتوثب. وأكثر من مرة قال له الشيخ: لتكن قوتك في خدمة ~~الناس لا في خدمة الشيطان! # وذات يوم أعلن الشيخ رغبته في أن يجعل منه مقرئا للقرآن مثله، فضحك ~~درويش ساخرا وقال معلقا على رغبة شقيقه: ألا ترى أن هيكله الضخم جدير بأن ~~يلقي الرعب في قلوب المستمعين؟! # ولم يحفل الشيخ بتعليق درويش، ولكنه اضطر إلى العدول عن رغبته عندما وضح ~~له أن حنجرة عاشور لا تسعفه بحال، وأنها عاجزة عن تطويع النغم، لا حظ لها ~~من الحلاوة والمرونة وكأنها بخشونتها ترن في جوف قبو، فضلا عن قصوره عن حفظ ~~السور الطويلة. # وقنع عاشور بعمله كما قنع بحياته، وظن أنه سيبقى بالفردوس حتى آخر ~~الأجل، وصدق ما قيل له من أن الشيخ تكفل به بعد وفاة والدين طيبين ~~مقطوعين من شجرة، وحمد الله الذي قدر ولطف، فرعاه برحمة لا يستظل بمثلها ~~مأوى آخر في الحارة. وفي ذات الوقت رأى الشيخ عفرة أنه استأثر به مدة كفت ~~لتعليمه وتهذيبه، وأنه آن له أن يرسله لتلقن حرفة من الحرف، غير أن حتم ~~الأجل كان أسرع؛ فمرض الشيخ بحمى لم تنفع في علاجها الوصفات ms004 الشعبية، فانتقل ~~إلى جوار ربه ، ووجدت سكينة نفسها بلا مورد أو قدرة على العمل، فرحلت إلى ~~قريتها بالقليوبية. كان الوداع بينه وبين سكينة مؤثرا ودامعا. قبلته ~~ورقته ومضت، وسرعان ما شعر بأنه وحيد، في دنيا بلا ناس، اللهم إلا سيده العنيد ~~درويش زيدان. # وأسبل جفنيه الغليظين متفكرا. شعر بأن الخلاء يلتهم الأشياء، وأنه ~~يود أن يتسلق شعاع الشمس، أو يذوب في قطرة الندى، أو يمتطي الريح ~~المزمجرة في القبو، ولكن صوتا صاعدا من صميم قلبه قال له إنه عندما يحل ~~الخلاء بالأرض فإنها تمتلئ بدفقات الرحمن ذي الجلال. # 6 # تفحصه درويش وهو مقرفص على كثب من الفرن منكسر القلب. يا له من ~~عملاق! له فكا حيوان مفترس، وشارب مثل قرن الكبش. قوة بلا حيلة ولا عمل ~~ولا رزق. من حسن الحظ أنه لم يتعلم حرفة، ولكنه لا يمكن الاستهانة به. ترى ~~لم لا يحبه؟ تذكره صورته المغروسة في الأرض بصخرة مدببة تعترض ~~الطريق، بهبة من هبات الخماسين المثقلة بالغبار، بقبر يتجلى في ~~الأعياد متحديا، يجب الانتفاع به، عليه اللعنة! # سأله دون أن ينظر نحوه: كيف ستحصل على لقمتك؟ # ففتح عينيه العميقتين العسليتين وقال باستسلام: في خدمتك يا معلم ~~درويش. # فقال ببرود: لست في حاجة إلى خدمة أحد. ~~- علي أن أذهب. # ثم مستدركا في رجاء: هلا تركتني آوي إلى البيت الذي لا أعرف ~~سواه؟ ~~- إنه بيت لا فندق. # تبدت فوهة الفرن خامدة مظلمة، وندت عن الرف خشخشة رجل فأر ~~ترتطم بأعواد الثوم الجاف. # وسعل درويش، ثم سأله: أين تذهب؟ ~~- دنيا الله واسعة. # فقال متهكما: ولكنك لا تعرف عنها شيئا، وهي أقسى مما ~~تتصور. ~~- سأجد على أي حال عملا أرتزق منه. ~~- جسمك أكبر عائق، لن يقبلك بيت، ولا معلم حرفة، ثم إنك تقترب من ~~العشرين! ~~- لم أستغل قوتي قط فيما يضر. # فضحك عاليا وقال: لن تحوز ثقة أحد؛ الفتوة يظنك متحديا، والتاجر يحسبك ~~قاطع طريق. # ثم بهدوء وعمق: ستهلك جوعا إذا لم تعتمد على قوتك. # فقال بحرارة: أهبها عن رضا لخدمة الناس ms005 والله شهيد. ~~- لا فائدة من قوتك إن لم تغسل مخك من الغباء! # فمد إليه بصرا حائرا، ثم قال: شغلني حمالا معك. # فقال ساخرا: لم أشتغل حمالا ساعة واحدة من حياتي. ~~- ولكن ... ~~- دعك مما قلت، أكان بوسعي أن أقول غيره؟ ~~- فما عملك يا سيدي؟ ~~- صبرك، سوف أفتح لك باب الرزق، لك أن تدخل ولك أن تذهب. # ترامى من القرافة صوات يشي بتشييع جنازة، فقال درويش: كل من عليها ~~فان. # فقال عاشور وقد نفد صبره: إني جوعان يا معلم درويش! # فمد له يده بنكلة وهو يقول: إليك آخر هبة مني. # غادر عاشور البيت والمغيب يهبط على القبور والخلاء. أمسية من أماسي ~~الصيف، وثمة نسمة رقيقة تتهادى حاملة أخلاط التراب والريحان. مضى في الممر ~~حتى بلغ ساحة التكية. بدا لعينيه القبو مظلما، وترامت أشباح أشجار التوت من ~~فوق الأسوار. تصاعدت الأناشيد بغموضها فصمم على طرح الهم جانبا وقال ~~لنفسه: لا تحزن يا عاشور؛ فلك في الدنيا إخوة ليس لعدهم حصر. # ومضى تلاحقه الأناشيد: # أي فروغ ماء حسن # إز روى رخشان شما # ابروى خوبي از جاه # رنخسدان شما # 7 # امتلأ عاشور بأنفاس الليل. انسابت إلى قلبه نظرات النجوم المتألقة. هفت ~~روحه إلى سماء الصيف الصافية. قال ما أجدرها ليلة بالعبادة؛ كي يجثو فوق ~~الأعتاب، كي يناجي رغبات نفسه الكظيمة، كي ينادي الأحبة وراء سياج ~~المجهول. # وثمة شبح يقف منه على بعد شبرين يعكر عليه صفوه، ويشده إلى عالم ~~القلق، فرفع صوته الأجش متسائلا: ماذا تنتظر يا معلم درويش؟ # فلكزه درويش في صدره وهمس بحنق: أخفض صوتك يا بغل! # كانا يلبدان وراء تعريشة عند طرف القرافة بمشارف الصحراء. الجبل في أقصى ~~اليمين والقبور إلى اليسار. لا نأمة، لا عابر سبيل، حتى أرواح الموتى ~~مستكنة في مقر مجهول. في تلك الساعة من الليل، والخواطر تتجسد في الظلمة ~~كالنذر، ويخفق القلب الطيب في غير ما ارتياح، همس عاشور: نورني نور الله ~~قلبك. # فنهره هامسا: انتظر، أليس عندك صبر؟ # ثم وهو يميل نحوه: لا أطالبك بعمل، سأقوم بكل ms006 شيء، عليك أن تحمي ظهري إذا ~~اقتضى الأمر حماية. # ولكني لا أدري عما تنوي شيئا. ~~- اسكت، سيكون لك الخيار. # وتمخض جانب الصحراء عن نأمة. وحمل الهواء عطر حي، وارتفع صوت ~~موسوم بالشيخوخة يقول: توكلي على الله. # وعند القرب وضح أن العجوز يمتطي حمارا. وعندما حاذاهما تماما وثب عليه ~~درويش. ذهل عاشور وتحققت مخاوفه. لم ير شيئا بوضوح، ولكنه سمع صوت درويش ~~وهو يقول متوعدا: هات الصرة وإلا ... # فتردد صوت مرتعشا بالكبر والذعر: الرحمة ... خفف قبضتك! # اندفع عاشور إلى الإمام بلا وعي وهتف: دعه يا معلمي! # صرخ به درويش: اخرس! ~~- قلت لك دعه! # وطوقه بذراعيه وحمله بلا جهد، فضربه الآخر بكوعه قائلا: الويل ~~لك! # لم يتحرك في درويش بعد ذلك إلا لسانه، أما عاشور فخاطب العجوز قائلا: ~~اذهب بسلام! # حتى إذا اطمأن إلى نجاة الرجل أطلق درويش وهو يقول معتذرا: اغفر لي ~~خشونتي. # فصاح به: أيها اللقيط الجاحد! ~~- لقد أنقذتك من شر نفسك. ~~- أيها البغل الخسيس المخلوق للتسول. ~~- فليسامحك الله. ~~- أيها اللقيط القذر. # فصمت عاشور محزونا، فعاد الآخر يقول: لقيط، ألا تفهم؟ هذه هي ~~الحقيقة. ~~- لا تستسلم للغضب، لقد قال الشيخ المرحوم كلمته. # فقال بحقد: الحقيقة هي ما أقول، لقد وجدك في الممر مهجورا من أم ~~فاسقة! ~~- رحم الله الطيبين. ~~- بشرفي ورحمة أخي إنك لقيط ابن حرام! لماذا يتخلصون من وليد ~~بليل؟! # فاستاء عاشور وصمت، فراح درويش يقول: ضيعت جهدي! أغلقت باب الرزق في ~~وجهك، إنك قوي ولكنك جبان، وهاك الدليل. # وهوى بكفه على وجهه بجامع قوته، فبوغت عاشور بأول لطمة يتلقاها في ~~حياته، وصاح درويش بجنون: أيها الجبان الرعديد! # عصف الغضب بعاشور. اجتاحت عاصفته جدران معبد الليل. وجه من راحته ~~الكبيرة ضربة إلى رأس معلمه هوى على أثرها فاقد الوعي. لبث يصارع غضبته حتى ~~تراخت للسكون. أدرك خطورة ما أقدم عليه. غمغم: غفرانك يا شيخ عفرة. # انحنى فوق الرجل فحمله بين يديه. مضى به يشق سبيله بين القبور حتى دخل به ~~البيت. أنامه على الكنبة. أشعل المصباح. مضى ينظر إليه ms007 في قلق وإشفاق. تتابعت ~~دقائق ثقيلة حتى فتح عينيه وحرك رأسه. # تطاير من عيني درويش شرر ينم على التذكر. ترامقا مليا في صمت. ~~خيل إلى عاشور أن عفرة وسكينة حاضران ينظران في وجوم. # غادر عاشور البيت مغمغما: توكلت على خالق السموات والأرض. # 8 # هام عاشور على وجهه. مأواه الأرض، هي الأم والأب لمن لا أم ولا أب ~~له. يلتقط الرزق حيثما اتفق. في الليالي الدافئة ينام تحت سور التكية، في ~~الليالي الباردة ينام تحت القبو. ما قاله درويش عن أصله قد صدقه. طاردته ~~الحقيقة المرة وأحدقت به. لقد عرف من حقائق الدنيا على يد درويش في ليال ما ~~لم يعرفه طيلة عشرين عاما في كنف الشيخ الطيب عفرة زيدان. الأشرار معلمون ~~قساة وصادقون. خطيئة أوجدته، توارى الخطاة، ها هو يواجه الدنيا وحده، ولعله ~~يعيش الآن ذكرى محرقة في قلب مؤرق. # ومن شدة حزنه استمع إلى أناشيد التكية بحب. معانيها المترنمة تختفي وراء ~~ألفاظها الأعجمية كما يختفي أبواه وراء وجوه الغرباء. وربما عثر ذات يوم على ~~امرأة أو رجل أو معنى، وربما فك ذات يوم رمزا، أو أرسل دمعة رضا، أو ~~تجسدت إحدى رغائبه في مخلوق حنون. ويتأمل الحديقة بأشجارها الرشيقة ~~الحانية، ووجهها المعشوشب، وعصافيرها المعششة الشادية، ويتأمل الدراويش ~~بعباءاتهم الفضفاضة، وقاووقاتهم الطويلة، وخطواتهم الخفيفة. # وساءل نفسه مرة: لماذا يقومون بالخدمة كالفقراء؟ لماذا يقومون بالكنس ~~والرش والسقي؟ أليسوا في حاجة إلى خادم أمين؟! ~~- البوابة تناديه، تهمس في قلبه أن اطرق، استأذن، ادخل، فز بالنعيم ~~والهدوء والطرب، تحول إلى ثمرة توت، امتلئ بالرحيق العذب، انفث الحرير، وسوف ~~تقطفك أيد طاهرة في فرح وحبور. # وملكه الهمس الناعم فمضى إلى الباب المغلق وهتف بخشوع وأدب: يا أهل ~~الله. # وكرر النداء مرات. # إنهم يتوارون، لا يردون، حتى العصافير ترمقه بحذر، يجهلون لغته ويجهل ~~لغتهم. الجدول كف عن الجريان، الأعشاب توقفت عن الرقص، لا شيء في حاجة إلى ~~خدماته. # فتر حماسه، انطفأ إلهامه، جلله الحياء، عاتب نفسه، عنف عشقه، شد على ~~إرادته، قبض على شاربه الشامخ، ms008 قال لنفسه: لا تجعل من نفسك حديث كل من هب ~~ودب. # وتراجع وهو يقول: انصرف عن الذين يرفضون يدك لأنهم في غير حاجة إليها، ~~وابحث عمن هم في حاجة إلى خدماتك. # ذهب وجاء وراء اللقمة. يجد زفافا فيتطوع للخدمة، أو يصادف مأتما ~~فيتطوع أيضا. يتقدم لمن يريد حمالا أو رسولا، يرضى بالمليم أو بالرغيف ~~أو حتى بكلمة طيبة. # وصادفه رجل ربعة قبيح الوجه كأن أصله فأر، فناداه قائلا: يا ~~ولد! # فذهب إليه عاشور بأدب واستعداد للخدمة فسأله: ألا تعرفني؟ # فأجابه مرتبكا: اعذر غريبا جهلك. # ولكنك من أبناء حارتنا؟ ~~- ما عشت فيها إلا منذ قريب. ~~- كليب السماني من رجال فتوتنا قنصوه. ~~- تشرفنا يا معلم. # وتفحصه مليا، ثم سأله: تنضم إلينا؟ # فقال عاشور بلا تردد: لا قلب لي على ذلك. # فضحك كليب ساخرا ومضى وهو يقول: جسم ثور وقلب عصفورة! # وكان يرى حمير المعلم زين الناطوري وهي ترابط في الحظيرة عقب يوم طويل في ~~قضاء المشاوير، يتطوع بتنظيفها وتقديم العلف لها وكنس الفناء ورشه على ~~مرأى من المعلم، ثم يذهب دون أن يسأله شيئا. # وذات يوم ناداه المعلم زين وسأله: أنت صبي المرحوم الشيخ عفرة ~~زيدان؟ # فأجاب بخشوع: نعم، رحمه الله رحمة واسعة. ~~- بلغني أنك رفضت الانضمام لرجال الفتوة قنصوه؟ ~~- لا مأرب لي في ذلك. # فابتسم المعلم وعرض عليه أن يعمل ~~عنده مكاريا، ومن فوره قبل وقلبه من الفرحة يرقص. # ومضى بحماره متحمسا لعمله بكل قواه وحيويته، وكلما مضى يوم اطمأن ~~المعلم إلى سلوكه وأدبه وتقواه، وأثبت عاشور بدوره أنه أهل للثقة. # وكان وهو يعمل في فناء البيت يتجنب النظر إلى الناحية التي يحتمل أن ~~يلمح فيها زوجة المعلم، ولكنه رأى ابنته زينب وهي ذاهبة إلى الطريق فخانه طرفه ~~لحظات خاطفة ولكنها جديرة بالندم. وتفشى الندم أكثر عندما اجتاحته شعلة ~~ألهبت الصدر والجهاز الهضمي واستقرت في الجوهرة الحمراء المشعة للرغبة ~~الجامحة. غمغم وهو ثمل بنشوة دسمة نهمة: ليحفظنا الله! # ولأول مرة يردد اسم الله بطرف لسانه وفكره مشدود إلى غيره؟ وحضرته ~~تجاربه ms009 الجنسية البدائية المحدودة في رجفة من الحيرة والقلق والغربة. # واقتنع المعلم زين الناطوري بمزاياه كحارس أمين فسأله: أين تسكن يا ~~عاشور؟ # فأجاب ببساطة: سور التكية أو تحت القبو. ~~- يسرك ولا شك أن تنام في الحظيرة؟ # فأجاب بسرور: نعمة أشكرها لك يا معلم. # 9 # يستيقظ في الفجر. إنه يألف ظلمته المشعشعة بالبسمات، ودبيب أهل التقوى ~~والفجور، وأنفاس الكون النقية المسربلة بالأحلام. ينفض عن قلبه صورة زينب ~~المتحدية ويصلي. يلتهم رغيفا مع الزيتون المخلل والبصل الأخضر. يربت على ~~ظهر حماره، ثم يسوقه أمامه نحو الميدان مستقبلا يوم الرزق والعمل. يفيض بحيوية ~~متدفقة، يمتلئ بثقة غير محدودة في قدرته وصبره وامتلاكه للمجهول، تكتنفه ~~دوامة تكاد تقتلعه من جذوره، دائما تتقدمه زينب فتغلبه بنداء غامض. ~~وجهها مشوب بشحوب، أنفها بارز، شفتاها غليظتان، جسمها صغير ومدمج، ولكنها ~~تستمد تأثرها عليه من مصدر مسحور، دائما تشعل جذوة في أعماقه، وأحيانا لا ~~يرى الحمار وراكبه. # وفي أويقات الراحة يقف أمام البيت يتابع تيار السابلة. ما أكثر العاملين ~~في الدكاكين أو وراء عربات اليد والسلال والمقاطف! وما أكثر المتشردين من ~~الحرافيش بلا عمل! من أبوه بين هؤلاء الرجال؟ من أمه بين هؤلاء النسوة؟ رحلا ~~عن الدنيا أم يبقيان؟! هل يعرفانه أم يجهلان؟ من الذي أورثه هذا الكائن الهائل ~~المفعم بمعروف الشيخ عفرة زيدان؟ ويطرد عن رأسه الأفكار العقيمة المضنية، ~~فتبادر إليه زينب زين الناطوري بندائها الغامض. وقال لنفسه: كل شيء يتحرك فلا ~~بد أن تحدث أمور. # وقال لنفسه أيضا: ليكن الطيب حليفي جزاء نيتي البيضاء. # وترامى إليه صوت زين الناطوري وهو يحتدم غضبا. رآه في الفناء مشتبكا في ~~معركة لفظية مع أحد العملاء، وبعنف صاح به: أنت لص لا أكثر ولا أقل! # فصاح العميل: احبس لسانك القذر! # وإذا بالمعلم يصفعه فيمسك الرجل ~~بتلابيبه. هرع عاشور إليهما وهو يهتف: وحدوا الله! # رمى نفسه بينهما فركله العميل وهو يسبه. ضمه عاشور إلى صدره بقوة حتى ~~صرخ. تركه يفلت وهو يقول له: اذهب بسلام فهو خير لك. # سرعان ما خلا منه ms010 الفناء، وتكأكأت النساء في النافذة، وصاحت الأم: لم يبق ~~إلا أن يعتدي علينا في بيتنا! # ورمق زين الناطوري عاشور بامتنان، وقال مداريا حياءه: الله يفتح ~~عليك. # ومضى المعلم إلى الداخل، ولم يبق في النافذة إلا زينب، عاد عاشور عند ~~موقفه عند الباب وهو يقول لنفسه: لم يبق إلا أن نتبادل النظرات! # واستند إلى الجدار فلمح قطة تتوثب لتخويف كلب أسود يتنحى تجنبا ~~للمعركة، وقال لنفسه: حذار يا عاشور، هذه وصية والديك! # واستسلم لأنامل الأحلام الناعمة حتى حرقته أشعة الصيف. # 10 # قالت عدلات لزوجها زين الناطوري: إنك تؤكد أنه أهل للثقة؟ ~~- أجل، صار لي به ابن. # فقالت بنفاد صبر: عظيم، زوجه لزينب ... # فقطب زين الناطوري متفكرا، ثم قال: آمل فيمن هو خير منه! ~~- طال الانتظار، وكلما جاء عريس لإحدى أخواتها رفضته إكراما لسنها، فقال ~~باستياء: لو كانت من لحمك ودمك ما قلت ذلك. ~~- أصبحت عقبة في سبيل بناتي، وهي في الخامسة والعشرين ولا جمال لها، ~~وطباعها تسوء يوما بعد يوم. # فكرر عابسا: لو كانت من لحمك ودمك ما قلت ذلك. ~~- ألا يكفي أنك تثق به؟ وأنت في حاجة إلى من تثق به في كبرك. ~~- وزينب؟ ~~- ستفرح، أنقذها من يأسها. # 11 # سمع عاشور المعلم زين يناديه من المنظرة. ولما ذهب إليه أفسح له مكانا ~~إلى جانبه على الأريكة الخشبية المفروشة بفروة خروف. تردد عاشور، ثم جلس. عند ~~ذاك سأله المعلم برقة: ألا تفكر يا عاشور في ضمان نصف دينك؟ # 12 # الفرحة والنور. عندما يصير الحلم نعمة تشدو في الأذن والقلب. عندما تشرق ~~وجوه العباد بضياء السماح، وحتى الحشرات تمسك عن ارتكاب الأذى. # ذهب عاشور إلى حمام السلطان فأزال الشعر والعرق، مشط شعره وهذب ~~شاربه، تطيب بالجلاب، ونظف أسنانه بالسواك، رفل في جلباب أبيض ~~ومركوب فصل خاصة لقدميه الضخمتين. # احتفل بزفاف مناسب في بيت الناطوري، ثم أقام العروسان في بدروم مكون ~~من حجرة ودهليز يقع أمام بيت الناطوري. واندلق عاشور في الحب حتى قمة رأسه، ~~وكان بعض أهل الفجور عقب انطلاقهم من الغرز ms011 في النصف الثاني من الليل يقرفصون ~~في الظلام لصق شباك البدروم يتنصتون ويحلمون. # وأنجب مع الأيام حسب الله ورزق الله وهبة الله. وفي أثناء ذلك توفي ~~المعلم زين وزوجه، وتزوجت البنات. # تمتع عاشور بحياة زوجية سعيدة. ظل يعمل مكاريا وأصبح مالكا للحمار ~~الذي وهبه إياه الناطوري ليلة زفافه. وعملت زينب من ناحيتها بتربية الدجاج وبيع ~~البيض، فتيسرت المعيشة وفاح الدهليز برائحة التقلية. # وتقدم الأولاد صوب الشباب فعملوا في مختلف الحرف؛ عمل حسب الله صبي ~~نجار، ورزق الله مبيض نحاس، وهبة الله صبي كواء بلدي. ولم يرزق أحدهم ~~عملقة أبيه، ولكنهم كانوا أشداء لدرجة تستوجب الاحترام في الحارة. # ورغم ما عرف به عاشور من دماثة الخلق فإن واحدا من رجال قنصوه الفتوة لم ~~يتحرش به. ولم تكن زينب تماثله في دماثته؛ كانت عصبية، سيئة الظن، طويلة ~~اللسان، ولكنها كانت مثالا طيبا للجد والاجتهاد والوفاء. # وكانت تكبره بخمس سنوات، وبقدر ما حافظ هو على حيويته وشبابه سارع إليها ~~التغير والنضوب قبل الأوان؛ على ذاك لم تزغ له عين، ولم يزهد في ~~حبها. # وبمرور الزمن ابتاع بنقوده ونقود زينب كارو فترقى من مكار إلى سواق. ~~وقالت له زينب بنبرة وعيد: كان زبائنك من الرجال، ومن الساعة لن تحمل إلا ~~النساء! # فضحك متسائلا: وهل يقصدني إلا زائرات الأضرحة والقبور؟! # فهتفت به: بيني وبينك ربنا! # وأحزنه أنه مضى ينسى ما حفظه من القرآن فلم تبق له إلا السور الصغيرة ~~التي يتلوها في الصلوات، ولكن حبه الخير لم يفتر قط. وتعلم أن درويش ~~زيدان ليس الشرير الوحيد في الحياة. تعلم أن الحياة حافلة بالمكر والعنف ~~ورذائل لا حصر لها، ولكنه واظب على الاستقامة ما وسعه ذلك، وكان يحاكم نفسه ~~محاكمة قاسية كلما تورط في خطأ. ولم ينس أنه استولى على جميع مدخرات ~~زينب وبعض أجور أبنائه لكي يبتاع الكارو، وأنه في سبيل ذلك قسا عليهم بعض الشيء ~~وغضب غضبات كاسرة! # وكان يشاهد ما يصيب بعض جيرانه من عنت الفتوة ورجاله، فيكظم غيظه ~~ويطيب خاطر المظلومين بكلمات ms012 لا تغني، ويدعو للجميع بالهداية، وحتى قال له ~~جار ذات يوم: إنك لقوي يا عاشور، ولكن ماذا أفدنا من قوتك؟! # علام يلومه الرجل؟! علام يحرضه؟ أليس حسبه أنه رفض الانضمام إلى الطغاة؟ ~~أليس حسبه أنه لا يستغل قوته إلا فيما ينفع الناس؟! # رغم ذلك هفت في ضميره الوساوس كما يهفو الذباب في يوم قائظ، وقال إن الناس ~~لا يرونه بالعين التي يرى بها نفسه، وتساءل في حزن: أين صفاء البال؟ ~~أين؟! # 13 # كان يتربع في الساحة أمام التكية مودعا الغروب، مستقبلا المساء، ~~ينتظر انسياب الأناشيد ونسمة من نسائم الخريف معطرة بالبرد والأسى، تنزلق ~~من فوق السور العتيق، تشد بذيلها طيفا من أطياف الليل. بدا عاشور متخما ~~بالسكينة ولم تشب له شعرة واحدة. كان يحمل فوق كاهله أربعين عاما وكأنها هي ~~التي تحمله في رشاقة الخالدين. # همسة في باطنه جعلته يحول عينيه نحو ممر القرافة فرأى رجلا يخرج ~~منه يسير في تكاسل. لم يستطع أن يسترد عينيه، عرفه في بقية ضوء المغيب، دق ~~قلبه، وخمد سروره. أقبل الرجل نحوه حتى وقف أمامه حاجبا عنه التكية، ومضى ينظر ~~إليه باسما. # تمتم عاشور: درويش زيدان! # قال درويش معاتبا: هلا بدأت بالتحية؟ مساء الخير يا عاشور! # فنهض باسطا يده وهو يقول بنبرة محايدة: أهلا بك يا درويش. ~~- لم أتغير كثيرا فيما أظن. # مؤسف هذا الشبه بينه وبين المرحوم عفرة، ولكن غلظت قسماته وتحجرت، قال: ~~بلى. # فحدجه بنظرة ذات معنى وقال: رغم أن كل شيء يتغير! # فتجاهل عاشور ملاحظته متسائلا: أين غبت طوال ذاك العمر؟ # فقال باستهانة ساخرة: في السجن! # ورغم أنه لم يدهش فقد هتف: السجن! ~~- الجميع أشرار ولكني سيئ الحظ! ~~- الله غفور رحيم. ~~- عرفت أن أحوالك رائعة؟ ~~- الستر لا أكثر من ذلك. # فقال باقتضاب: إني في حاجة إلى نقود. # تضايق عاشور، ولكنه دس يده في صدره فاستخرج ريالا، أعطاه له قائلا: ~~إنه قليل ولكنه كثير بالقياس إلى حالي. # تناوله بوجه مكفهر وقال بنبرة ذات مغزى: لنقرأ الفاتحة على روح أخي ~~عفرة. # فقرأها، ثم ms013 قال: لم أنقطع عن زيارة قبره. # فسأله بجرأة: هل أجد عندك مأوى حتى أقف على قدمي؟ # فبادره قائلا: لا مكان في حجرتي لغريب. ~~- غريب؟! # فقال بإصرار وجرأة: لولا ذكرى مولاي ما مددت لك يدي! # فقال بقحة: أعطني ريالا آخر وسوف أسدد ديني عند الميسرة. # فلم يضن عليه بالنقود وهو من الضيق في غاية. # ومضى درويش نحو القبو صامتا، على حين تهادى من التكية صوت عذب ~~ينشد: # زكريه مردم جشم نشسته در خونست # 14 # رأى عاشور وهو ينطلق بالكارو جماعة تتجمهر في خرابة على كثب من مدخل ~~الحارة، وعندما اقترب منهم وضح له أنهم عمال بناء يحدقون بأكوام من ~~الصفائح والأخشاب وسعف النخل، ورأى بينهم درويش زيدان. انقبض صدره وقال إن ~~الرجل يشيد لنفسه مأوى. وصاح به درويش حين مر به: إني أبذل ما في وسعي ~~لخدمتكم. # فقال له بجفاء: حسن أن يكون للإنسان بيت. ~~- بيت؟! # وضحك درويش ضحكة عالية، ثم واصل: سيكون بيت من لا بيت له! # 15 # وقال حسب الله لأبيه عاشور: وضح الأمر، الرجل يبني بوظة! # فذهل عاشور متسائلا: خمارة؟! # فقال رزق الله: الجميع يقولون ذلك. # فهتف عاشور: رباه. لقد أسهمت نقودي في بنائها! # فقال هبة الله: إنما الأعمال بالنيات. ~~- والحكومة؟ ~~- أخذ الرخصة ولا شك. # فقال عاشور محزونا: حارتنا لم يشيد بها سبيل للعطشى ولا زاوية ~~للمصلين بعد، فكيف تقام بها بوظة؟! # وافتتح البوظة قنصوه الفتوة ورجاله، فزادت كآبة عاشور وتمتم: وأيضا وجد ~~الحماية! # 16 # ثمة ضجة وراء شباك البدروم. ما هذا؟ ألا تكف هذه الحارة عن الشجار؟ ~~عاشور فوق الكنبة الوحيدة بالحجرة يحتسي قهوته، والمصباح لم يشعل بعد. ضلفة ~~الشباك ترتعش بهبة من أنفاس الشتاء الباردة، وزينب عاكفة على كي ملابس ~~بالجندرة. رفعت زينب رأسها وقالت بانزعاج: هذا صوت رزق الله! ~~- الأولاد يتشاجرون؟! # وهرعت زينب إلى الخارج، وسرعان ما جاءه صوتها وهي تصيح: يا مجانين ~~احتشموا! # وثب عاشور ناهضا. في لحظة كان يقف وسط أبنائه. صمتوا ولكن الغضب لم ~~يتلاش من وجوههم. هتف: ما شاء الله! # لاحت ms014 منه نظرة إلى الأرض فرأى مخطط سيجة مبعثرة فوق حصوات اللعب، ~~فتساءل بحدة: تلعبون أم تقامرون ؟ # لم يجبه أحد. اشتعل غضبا. تساءل: متى تصيرون رجالا؟ # وجذب إليه حسب الله قائلا: أنت الأكبر، أليس كذلك؟ # وفغمته رائحة غريبة تتناثر من فيه فجزع. جذب الآخرين وتشمم أنفاسهم. ~~آه، فلتخسف الأرض بمن عليها! ~~- سكارى؟! يا كلاب! # وراح يعصر آذانهم وعضلات وجهه تموج بسحب حمراء. وتجمع غلمان يتفرجون، ~~فهتف حسب الله متوسلا: فلندخل البيت. # فصاح بصوته الأجش: تخجلون من الناس ولا تخجلون من الله. # وشدته زينب من ذراعه وهي تقول: لا تجعلنا جرسة بين الأوباش. # فاستسلم ليدها وهو يقول: هم ... هم الأوباش! # فهمست بحدة: ليسوا أطفالا. ~~- لا خير فيهم ولا فيك. ~~- البوظة لا تفرغ من الناس! # فانحط على الكنبة وهو يتمتم: يا للخسارة! لا فائدة ترجى منك. # أشعلت المصباح ووضعته داخل الكوة، ثم قالت بنبرة لطيفة: إني أعمل أكثر ~~منك، لولاي ما ملكت الكارو وما اشتعل لك كانون. # فقال بضجر: لم يبق منك إلا لسان مثل السوط. # فهتفت بحدة: ذبل الشباب في خدمتكم. ~~- لا بد من تأديبهم. ~~- ليسوا أطفالا وسيذهبون. # إنها تعلم أن الخصام سيتلاشى سريعا، وأن الكلمات القارصة والهمسات العذبة ~~تمتزج في قدح واحد. # وفكر عاشور في أمر أولاده بقلق. # لم يفلح أحدهم في الكتاب، لم يجد أحد منهم عناية من والديه ~~لانشغالهما بعملهما المتواصل، لم يحظوا بما حظي هو به في كنف الشيخ عفرة، ~~تشربوا بعنف الحارة وخرافاتها وغابت عنهم فضائلها، حتى قوته لم يرثها أحد ~~منهم. لم يتعلق أحدهم به أو بأمه، حبهم سطحي متقلب، قلوبهم متمردة من ~~قديم وإن لاذت بالصمت. لا موهبة ولا ميزة. سيظلون صبيان ولن يترقى أحد منهم ~~إلى درجة معلم أبدا، وها هم يهرعون إلى البوظة عند أول إشارة، ولن يقفوا عند ~~حد. # قال بحزن: لن يجيئنا منهم إلا ما يكدر القلب. # فقالت بتسليم: إنهم رجال يا معلم! # 17 # مرة وهو مقبل بالكارو فيما أمام الخمارة تصدى له درويش قائلا: ~~مرحبا. # لم يتجاهله هذه المرة، رغم ms015 مقته له لم يتجاهله. شد اللجام فتوقف ~~الحمار عن السير، ووثب واقفا أمام درويش وقال له بحزم : هذا العمل لا يليق ~~بذكرى أخيك. # فابتسم درويش متهكما وقال: أليس خيرا من قطع الطريق؟ ~~- إنه سيئ مثله. ~~- معذرة فإني أحب المغامرات. ~~- بحارتنا من الشر ما يكفي وزيادة. ~~- البوظة كما أنها تضاعف من شر الشرير، فإنها تضاعف من طيبة الطيب، شرف ~~وجرب. ~~- عليها اللعنة. # عند ذاك لمح داخل البوظة مخلوقا يمر بسرعة من جانب إلى جانب، فذهل ~~متسائلا: النساء أيضا؟ ~~- لعلك رأيت فلة؟ # لم يكن رأى منها شيئا ذا دلالة فسأله: هل يجيئك نساء أيضا؟ ~~- كلا إنها بنت يتيمة تبنيتها. # ثم مواصلا بلهجة ذات مغزى: أنت لا تتصور أني قادر على فعل الخير، ~~ولكن أليس تبني لقيطة خيرا من بناء زاوية؟ # تلقى الغمزة صابرا وسأله: ولماذا تجيء بها إلى الخمارة؟ ~~- لتكسب رزقها بعرق جبينها! # فغمغم آسفا: لا فائدة. # ووثب إلى مقدم الكارو وهو يصيح «حا»، فمضى الحمار مرسلا بحدواته طقطقاته ~~الموسيقية. # 18 # لم يعد عاشور يرى من النهار إلا غباره، ولا من الليل إلا ظلامه، وكلما ~~أقدم على عطفة توقع عثرة ليست في الحسبان، وترف عينيه فيغمغم اللهم ~~اجعله خيرا. ترى هل أصاب البنيان شدخ يتعذر ترميمه؟ # وكان يستنيم إلى مضجعه عقب منتصف الليل عندما ترامى إليه صوت يزعق من وراء ~~النافذة: يا معلم عاشور، يا معلم عاشور. # هرع إلى الشباك ففتحه وهو يغمغم «الأولاد!» فرأى شبحا منحنيا فوق ~~القضبان، سأله: ماذا هناك؟ ~~- أدرك أولادك! إنهم يتقاتلون في البوظة بسبب البنت فلة! # وهتفت زينب: ابق أنت ودعني أذهب إليهم. # فأزاحها عن طريقه، دس قدميه في المركوب، انطلق مثل عاصفة. # 19 # ملأ هيكله فراغ الباب. اتجهت نحوه أبصار السكارى المطروحين على الجانبين. ~~وثب نحوه درويش وهو يهتف: سيهدم أولادك المكان! # رأى هبة الله ملقى على الأرض بلا حيلة. رأى حسب الله ورزق الله مشتبكين ~~في صراع حقود، على حين انطرح السكارى غير مبالين. صاح بصوت فظيع: تأدب يا ~~ولد! # انفصل الشابان وهما ينظران نحو ms016 مصدر الصوت برعب. بظهر كفه لطم الأول ~~فالثاني فتهاويا فوق الأرض التربة العارية. وقف يقلب عينيه في الوجوه ~~متحديا فلم ينبس أحد. قذف درويش بنظرة متحجرة وصاح به: ملعون أنت وملعون ~~جحرك الموبوء! # عند ذاك ظهرت فلة لا يدري من أين جاءت وتمتمت: إني بريئة! # وقال درويش: إنها تقوم بالخدمة ولكن أولادك طمعوا فيها! # فصاح به: اخرس يا قواد! # فتراجع درويش قائلا: سامحك الله. ~~- في قدرتي أن أهدم هذه البؤرة فوق رءوسكم. # تقدمت فلة خطوة حتى مثلت أمامه تماما وقالت: إني بريئة! # قال لها بخشونة وهو ينتزع عينيه منها: اغربي عن وجهي. # دفع بأولاده المترنحين إلى الخارج بعنف واحدا في إثر واحد. عادت فلة ~~تتساءل: ألا تصدق أني بريئة؟ # انتزع عينيه منها مرة أخرى هاتفا: بل شيطانة صغيرة من صنع شيطان ~~كبير! # وغادر المكان وهو يتجنب النظر إليها. # في ظلام الحارة تنفس بعمق. شعر بأن سراحه قد أطلق، وأنه تملص من قبضة ~~شريرة. الظلام كثيف لا عين له. أحد بصره ليعثر على أشباح أولاده ولكنهم ~~ذابوا. هتف: حسب الله! # لا شيء سوى الصمت والظلام. بصيص ضوء ينساب من القهوة هناك ولا شيء بعد ~~ذلك. قلبه يحدثه أنهم لن يرجعوا. سيهجرون مهدهم وسلطانه، سيتراءون في ~~المستقبل كالغرباء. لا أبناء يلتصقون بأصولهم في هذه الحارة إلا أبناء ~~الوجهاء. # شعر وهو يشق طريقه في الظلام بأنه يودع الطمأنينة والثقة. ها هو تيار ~~مضطرب يلفه في دوامته، وهو يساوره الخوف كما يساوره النوم. وقال لنفسه إن ~~البنت بهرتهم بجمالها. وقال أيضا إن البنت بهرتهم بجمالها الفتان، لماذا لا ~~يتزوج الحمقى؟ أليس الزواج دينا ووقاية؟ # 20 # في انتظاره كانت زينب أمام الباب. اهتدى إلى مسكنه بضوء مصباحها الموضوع ~~على عتبة المدخل، سألته بلهفة: أين الأولاد؟ # فتساءل بوجوم: ألم يرجعوا؟ # فتنهدت بصوت مسموع، فتمتم: لتكن إرادة الله. # وهو يجلس على الكنبة قالت له بحدة: كان يجب أن تدعني أذهب! ~~- تذهبين إلى البوظة في خضم السكارى؟! ~~- ضربتهم، ليسوا أطفالا، ولن يرجعوا إلى البيت. ~~- يتسكعون يوما، ثم يرجعون. ms017 ~~- إني أعرف بهم منك. # فلاذ بالصمت فواصلت تسأله: وما هذه الفلة التي رمانا بها درويش؟ # تجنب النظر إليها وقال بازدراء : فيم تسألين؟ بنت تقيم في خمارة! ~~- جميلة؟ ~~- داعرة. ~~- جميلة؟ # فقال بعد تردد: لم أنظر نحوها. # فقالت متأوهة: لن يرجعوا يا عاشور. ~~- لتكن إرادة الله. ~~- ألا تسمع عما يفعل الشبان؟ # فلم ينبس، فقالت: علينا أن نتسامح مع الأخطاء. # فتساءل بذهول: حقا؟! # وتبدت لعينيه ناضبة شاحبة طاعنة في السن مثل جدار الممر العتيق، ~~فتمتم: إني أرثي لك يا زينب. # فقالت بحدة: سنتبادل الرثاء كثيرا. ~~- على أي حال فليسوا في حاجة إلينا. ~~- بغيرهم لا أنفاس في البيت تتردد. ~~- إني أرثي لك يا زينب. # أسندت رأسها إلى راحتها وتمتمت متشكية: لدي عمل في الصباح ~~الباكر. ~~- جربي النوم. ~~- في هذه الليلة؟ # فقال بضجر: في أي ليلة! ~~- وأنت؟! # فقال بتصميم: الحق أني بحاجة إلى نسمة هواء في الخارج! # 21 # الظلام مرة أخرى. يتجسد في القبو، يغطي المتسولين والصعاليك، ينطق ~~بلغة صامتة. يحتضن الملائكة والشياطين، فيه يختفي المرهق من ذاته ليغرق في ~~ذاته. إن قدر الخوف على أن ينفذ من مسام الجدران فالنجاة عبث. # 22 # خرج من القبو إلى الساحة. انفرد بأناشيد التكية والجدار العتيق والسماء ~~المرصعة بالنجوم. جلس القرفصاء دافنا وجهه بين ركبتيه. منذ نيف ~~وأربعين عاما تسللت به أقدام خاطئة لتواري خطيئتها في ظلمة الممر. كيف وقعت ~~تلك الخطيئة القديمة؟ أين؟ في أي ظروف؟ ألم يكن لها ضحية سواه؟ تخيل، إن ~~استطعت، وجه أمك الحالم ووجه أبيك المحتقن، استعد، إن استطعت، كلمات ~~التغرير المعسولة، استحضر اللحظة الحاسمة التي تقررت بها مصائر. كان يقف إلى ~~جانبهما ملاك وشيطان، ولكن الرغبة تهزم الملائكة. تخيل صورة أمك، لعلها ~~مثل! لكي تحتدم المعركة لا بد من بشرة صافية وعينين سوداوين مكحولتين ~~وقسمات دقيقة مثل البراعم. لا بد من الرشاقة والسحر وعذوبة الصوت. وقبل ذلك ~~لا بد من القوى الخفية المتدفقة المناسبة الغادرة المغتصبة بلا ضمير. ~~والطعم الفواح تضعه الحياة في الفخ وتنتظر، وتودع ذلك كله خمسة عشر عاما ~~من ms018 عمر البشر. # لذلك دق باب الأناشيد ولكنه لم ينفتح. الحق كان بوسعك أن تدفعه بقوتك ~~ولكنك لم ترد. ومن يتزوج الحياة فليحتضن ذريتها المعطرة بالشبق، ولكن لا ~~مفر من أن تعترف بأن ما يحدث لا يمكن أن يصدق، وأن تعاني إحساس المطارد ~~إذا سبق. فالبسمة قدر، والدمعة قدر، وها هو مخلوق جديد يولد مكللا بالطموح ~~الأعمى والجنون والندم. ويسأل الغوث من الرحمن فتنسكب عليه خمر الفتن. # وثقل رأسه فغفا. # رأى الشيخ عفرة زيدان أمام قبره. حمله بين يديه فسأله في جزع: إلى القبر ~~يا مولاي؟ # ولكنه مضى به إلى الممر، ومن الممر إلى الساحة، ومن الساحة إلى القبو، ~~واستيقظ على شيء. # فتح عينيه فسمع صوت زينب وهي تقول: هذا ما خمنته، تنام حتى مطلع ~~الفجر؟ # نهض فزعا. أسلم لها يده. مضيا صامتين. # 23 # ما يدرون إلا وهيكله العظيم يملأ باب البوظة. # اختلجت الجفون الثقيلة، وترددت التساؤلات تحت غيوم الأعين: ماذا جاء ~~يفعل؟ ~~- مطاردة أولاده؟ ~~- لا تتوقعوا من ورائه مسرة! # مسح المكان ببصره حتى وجد فراغا في الجناح الأيسر فمضى إليه وتربع هناك ~~في هدوء تستر به على ارتكابه. هرع إليه درويش قائلا: خطوة عزيزة. # ثم وهو يبتسم: فليعني الله على التصديق! # تجاهله تماما، وفي الحال جاءت فلة تسعى بالقرعة وقرطاس الترمس المدعوك ~~بالشطة. أسبل جفنيه وتذكر قصة الطوفان. نحى القرعة جانبا، وأدى الثمن ~~بلا كلام. وجعل درويش يراقبه بحيرة، ثم همس له وهو يهم بالابتعاد: نحن في ~~الخدمة أيا تكن! # سرعان ما نسيه الآخرون، أما فلة فساءلت نفسها عما يزهده في ~~الشراب. اقتربت منه مرة أخرى وقالت وهي تومئ إلى القرعة: إنها جيدة فوق ~~الوصف! # فحنى رأسه فيما يشبه الشكر. وقال لها أحد السكارى: ابعدي عنه يا ~~بنت. # فرجعت ضاحكة وهي تقول بصوت مسموع: ألا ترى أنه يشبه الأسد؟! # قطرت السماء فرحة من أفراح الطفولة، ولكن عضلات وجهه تصلبت أكثر، ولم ~~تعد ملابسه تحجب عريه عن الأعين. واختصر طريق حياته بين زاوية الممر وهذا ~~المجلس بالبوظة، ما عدا ذلك طوي ms019 وتلاشى في نغمة جديدة غامرة. وسرعان ما ~~استنام إلى الهزيمة جذلان بإحساس الظفر. # ووقفت فلة بين الأوعية الفخارية ترنو إليه باهتمام، على حين اقتحم الباب ~~حسب الله ورزق الله وهبة الله. # سرى التوقع في ثنايا الخمول واشرأبت الأعناق. هتف حسب الله: سلام ~~الجدعان. # ولمح أباه فتشنج حلقه وجمد، وخمد حماس رزق الله وهبة الله. وقفوا لحظة ~~مذهولين، ثم استداروا فتلاشوا كشيء لم يكن. وارتفعت ضحكة هازئة. ونظرت فلة ~~نحو درويش فلم ينبس، ولكن تجلى الضيق في وجهه. # 24 # احتجت قسمات زينب وسألته: وهل يستمر ذلك إلى الأبد؟ # فتساءل عاشور في قهر: ما الحيلة؟ ~~- عظيم أن تصدهم عن البوظة، ولكن بأي ثمن؟ # فحرك رأسه الكبير بحيرة صامتا، فهتفت بحدة: النتيجة أنك بت الزبون ~~الدائم عند درويش! # 25 # كان يمضي بالكارو عندما مرقت فلة من باب الخمارة فاعترضت طريقه. شد ~~اللجام وهو يقول لنفسه: «لتدركني رحمة السماء.» ودون كلمة وثبت إلى الكارو ~~برشاقة. تربعت وهي تحبك ملاءتها حولها، وكانت سافرة الوجه. نظر إليها ~~مستفهما، فقالت بعذوبة: وصلني إلى مرجوش. # وظهر درويش باسما وهو يقول: في رعايتك، وحسابها عندي. # رأى خيوط العنكبوت ولكنه لم يبال. طرب حتى ثمل. هرس تراثه تحت حوافر ~~الحمار. سارت الكارو وظهره ينصهر بالسخونة. # وإذا بصوتها يقول: لو أنصفت نفسك لكنت الفتوة. # فامتلأ بشاشة وتساءل: أترينني شريرا؟ # فضحكت برقة وتساءلت بدورها: وما جدوى الخير مع أناس لا خير فيهم؟ ~~- ما زلت صغيرة. # فقالت بنبرة لاذعة: لم أعامل كصغيرة قط. # فتجهم وجهه مقطبا. وحتى تلك اللحظة لم تغب عن عينيه النظرات ~~المتطلعة إلى حمله الثمين، ووجد نفسه يسألها: لماذا تذهبين إلى مرجوش؟ # ولما لم تجبه ندم على ما فرط منه، وطلبت منه التوقف عند مدخل ~~مرجوش، ثم قالت: تمنيت لو كان المشوار أطول. # ثم وهي تهم بالذهاب: ولكن الليل ليس ببعيد! # ربت على عنق الحمار وهمس في أذنه: انتهى صاحبك. # 26 # مع أول شعاع للشمس اقتحم باب البوظة. استيقظ درويش صاخبا محتجا، ثم ~~ذهل لمرآه، ثم تساءل: ماذا وراءك؟ # فأقامه ms020 بيده وحدجه بنظرة هائجة وتمتم: لا بد مما ليس منه ~~بد. ~~- ماذا جاء بك يا عاشور؟ # فقال بغلظة: إنك خبيث وشرير وتعرف كل شيء. # فدعك درويش قفاه وهو يطالعه بعينيه المحمرتين وتمتم: هذا وقت ~~الرزق! # فقال ملقيا بنفسه في اليم: قررت أن آخذها. # فقال باسما: لكل شيء وقته! # فقال باستسلام نهائي: على سنة الله ورسوله! # اتسعت عينا درويش من وقع المفاجأة وراحا يترامقان في صمت حتى تمتم: ما ~~معنى هذا؟ ~~- لست كما تظن. ~~- أجننت يا عاشور؟! ~~- ربما. # فكساه الفتور وقال: إني لا أستغني عنها! ~~- سوف تستغني عنها يا درويش! ~~- هل فكرت في العواقب؟ ~~- لا دخل للتفكير في ذلك! # فتساءل في خبث: ألا تعلم أنه ما من رجل ... # وقاطعه صوت فلة وافدا من فوق أريكتها مما قطع بمتابعتها للحديث وهو ~~يقول: ماذا تريد أن تقول؟ لو كان في حاجة إلى شهادتك لسألك! # فثار درويش وصاح: ستصير أحدوثة الصغير والكبير. # فصاحت فلة: إنه قادر على حماية ما يملكه. # فانقض عليها فلطمها حتى صرخت، فوثب عاشور نحوه وطوقه بذراعيه وشد ~~حتى صاح متأوها: أنا في عرض النبي! # فتركه وهو يزمجر غاضبا، فتهاوى درويش على الأرض وهو يصرخ: في ألف ~~داهية. # 27 # جرى عاشور مع عزمته بجرأة مستهترة، حتى حزنه لزينب وذكرياتها لم يوقفه. ~~وقال لها حاني الرأس: قضاء الله لا حيلة لنا فيه. # فنظرت إليه ببراءة مستطلعة فقال: سأتزوج من أخرى يا زينب! # وصعقت المرأة. ذهلت تماما وطارت من رأسها عصافير مصوصوة وصاحت: أنت ~~الرجل الطيب! # فقال بخشوع: قضاء الله. # فصرخت: لم تتمحكون باسم الله؟! لم لا تعترف بأنه الشيطان؟ ترميني قشرة ~~وتذهب؟! # فقال بتوكيد: مصونة جميع حقوقك! # فصاحت وهي تشرق بالدمع: لي الله وحده يا غادر يا خائن العيش ~~والملح! # 28 # زفت فلة إلى عاشور في حفل صامت. استأجر لها بدروما في طرف الحارة من ~~ناحية الميدان. وسعد الرجل بزواجه حتى خيل لمن يراه أنه رجع إلى شبابه ~~الأول. # 29 # واجتاح خبر الزواج الحارة كالنار. تساءل كثيرون: ألم يكن بوسعه أن يفعل ms021 ~~مثل الآخرين؟! # وقال حسب الله: إذن كان يصدنا نحن أبناءه ليستولي هو عليها! # وضاعف من أثر الخبر ما عرف به عاشور من الطيبة والاستقامة. أهكذا يقع ~~الناس الطيبون؟ أين الوفاء لزينب؟ وأين الوفاء لزين الناطوري؟ من الذي جعل منه مالك كارو بعد أن كان مكاريا؟ ومن الذي انتشله ~~من التشرد فجعله مكاريا؟ # وكان عاشور يقول مدافعا عن نفسه: لولا أنني عاشور ما تزوجتها! # وتمضي الأيام وهو يزداد سعادة وامتنانا، واستهانة بالأقاويل. وتعلقت ~~به فلة تعلقا لم يحلم به. صممت على أن تثبت له أنها ست بيت مطيعة، بعيدة ~~كل البعد عما يثير غيرته. ومما جعلها أثيرة عنده أكثر أنه وجدها - مثله - ~~مجهولة الأب والأم. وبسبب من شدة حبها له تسامح مع جهلها بكثير من الشئون ~~النافعة، كما تسامح مع كثير من العادات السيئة. ومن أول الأمر أدرك أنها بلا ~~دين إلا الاسم، وبلا أخلاق، وأنها تتبع في مسيرتها الغرائز وملابسات الحياة، ~~فتساءل متى يجد وقتا ليلقنها ما ينقصها حقا في الحياة؟ الحب وحده ما ~~يحفظها ولكن متى يكفي ذلك؟ # ولم ينقطع عن زينب، ولم يغمط لها حقا. ومضت هي تألف الحياة الجديدة، ~~وتعاشر جرحها معاشرة التسليم، فلا تكدر زياراته بمكدر. # وجعل درويش يراقب الأمور ويقول بحقد: العقرب تعبده، ما زالت تعبده، فمتى ~~تلسعه؟ # وتمضي الأيام فتحبل فلة، ثم تنجب ذكرا يسميه أبوه «شمس الدين»، ويفرح ~~به عاشور فرحة كبرى كأنما هو بكريه. # وتمضي أيام صفاء وسعادة لم يجدهما عاشور فيما سلف من عمره. # 30 # ماذا يحدث بحارتنا؟ # ليس اليوم كالأمس، ولا كان الأمس كأول أمس. أمر خطير طرأ. من السماء هبط ~~أم من جحيم الأرض انفجر؟ وهل تجري هذه الشئون بمحض الصدف؟ ومع ذلك فالشمس ما ~~زالت تشرق وتقوم برحلتها اليومية، والليل يتبع النهار، والناس يذهبون ويجيئون، ~~والحناجر تشدو بالأناشيد الغامضة. # ماذا يحدث بحارتنا؟ # وجعل يراقب شمس الدين الثمل بالانهماك في الرضاع ويبتسم، رغم كل شيء فهو ~~يبتسم. وقال: ميت جديد، ألا تسمعين الصوات؟ # فتساءلت فلة: بيت من يا ترى؟ ms022 # فمد بصره من خلال قضبان النافذة متصنتا، ثم تمتم: لعله بيت زيدون ~~الدخاخني! # فقالت فلة بقلق: ما أكثر أموات هذا الأسبوع! ~~- أكثر ممن يموتون عادة في عام! ~~- وقد يمر العام بلا ميت واحد. # ولم تهدأ ثائرة الطارئ الجديد. # وكان عاشور ماضيا بالكارو عندما اعترضه درويش وقال له: الأقاويل كثيرة، ~~ألم تسمع شيئا يا عاشور؟ ~~- عم تتحدث؟ ~~- يتحدثون عن قيء وإسهال مثل الفيضان، ثم ينهار الشخص ويلتهمه ~~الموت. # فتمتم عاشور بامتعاض: ما أكثر ما يقال في حارتنا! ~~- أمس أصيب زبون عندي بذلك حتى لوث المحل. # فرمقه بازدراء، فعاد درويش يقول: حتى بيوت الأعيان لم تسلم، ها هي ذي حرم ~~البنان توفيت صباح اليوم! # فقال عاشور وهو يمضي: إذن فهو غضب الله! # 31 # تفاقم الأمر واستفحل. # دبت في ممر القرافة حياة جديدة. يسير فيه النعش وراء النعش. يكتظ ~~بالمشيعين، وأحيانا تتتابع النعوش كالطابور. في كل بيت نواح. بين ساعة ~~وأخرى يعلن عن ميت جديد. لا يفرق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي ~~وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل. إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء. وترامت أخبار ~~مماثلة من الحارات المجاورة فاستحكم الحصار. ولهجت أصوات معوجة بالأوراد ~~والأدعية والاستغاثة بأولياء الله الصالحين. # ووقف شيخ الحارة عم حميدو أمام دكانه وضرب الطبلة براحته، فهرع الناس ~~إليه من البيوت والحوانيت. # وبوجه مكفهر راح يقول: إنها الشوطة، تجيء لا يدري أحد من أين، تحصد ~~الأرواح إلا من كتب الله له السلامة. # وسيطر الصمت والخوف، فتريث قليلا، ثم مضى يقول: اسمعوا كلمة ~~الحكومة. # أنصت الجميع باهتمام. ترى أفي وسع الحكومة دفع البلاء؟! ~~- تجنبوا الزحام! # فترامقوا في ذهول. حياتهم تجري في الحارة، والحرافيش يتلاصقون بالليل تحت ~~القبو وفي الخرابات، فكيف يتجنبون الزحام؟ ولكنه قال موضحا: تجنبوا ~~القهوة والبوظة والغرز! # الفرار من الموت إلى الموت! لشد ما تتجهمنا الحياة! ~~- والنظافة، النظافة. # تطلعت إليه في سخرية أعين الحرافيش من وجوه متوارية وراء أقنعة من ~~الأتربة المتلبدة. ~~- اغلوا مياه الآبار والقرب قبل استعمالها. اشربوا عصير الليمون ~~والبصل. # ساد الصمت، وظل ظل الموت ms023 ممتدا فوق الرءوس حتى تساءل صوت: أهذا ~~كل شيء؟ # فقال حميدو بنبرة الختام: اذكروا ربكم وارضوا بقضائه. # رجع الناس إلى البيوت والدكاكين واجمين، وتفرق الحرافيش في الخرابات وهم ~~يتبادلون الدعابات الساخرة ، ولم يتوقف موكب النعوش ساعة واحدة. # 32 # دفعه القلق إلى الساحة في جوف الليل. الشتاء يطوي آخر طية في ردائه. ~~الهواء منعش لين القبضة. النجوم متوارية فوق السحب. في ظلمة داجية تهادت ~~الأناشيد من التكية في صرحها الأبدي. لا نغمة رثاء واحدة تنداح بينها. ألم ~~تعلموا يا سادة بما حل بنا؟ أليس عندكم دواء لنا؟ ألم يترام إلى آذانكم ~~نواح الثكالى؟ ألم تشاهدوا النعوش وهي تحمل لصق سوركم؟ # رنا عاشور إلى شبح البوابة، إلى هامتها المقوسة، بإصرار حتى دار رأسه. ~~تضخمت البوابة وتعملقت حتى غابت هامتها في السحب. ما هذا يا ربي؟ إنها ~~تتمخض عن حركة بطيئة دون أن تبرح مكانها. تتموج وقد تنقض في أي لحظة. وشم ~~رائحة غريبة لا تخلو من نفحة ترابية. إنها تتلقى من النجوم أوامر صارمة. ~~جرب عاشور الخوف لأول مرة في حياته. نهض مرتعدا. مضى نحو القبو وهو يقول ~~لنفسه إنه الموت. تساءل في أسى وهو يقترب من مسكنه: لماذا تخاف الموت يا ~~عاشور؟! # 33 # أشعل المصباح فرأى فلة نائمة، وشمس الدين لا يبدو من الغطاء إلا شعر ~~رأسه. جمالها مستسلم لسطوة النوم. ثغرها مفتر بلا بسمة. منديلها منسحب ~~وخصلات شعرها نافرة. دق الرعب أبواب رغبته الغافية. تمطى نداء مثل لسان من ~~لهب. جن بالشهوة فاندفع بلهوجة المطارد. همس باسمها حتى فتحت عينيها. نظرت ~~إليه منكرة حتى عرفته. فقهت وقفته ونظرة عينيه، فتزحزحت من تحت الغطاء بارزة، ~~وتثاءبت، وابتسمت، وتساءلت: ماذا دهاك في الليل؟ # ولكنه من شدة الانفعال صمت. امتلأ صدره العريض بالعنف والأسى. # 34 # نام ساعتين. # رأى في وسط الحارة الشيخ عفرة زيدان. هرع نحوه مجذوبا بالأشواق. كلما ~~تقدم خطوة سبق الشيخ خطوتين. هكذا اخترقا الممر والقرافة نحو الخلاء ~~والجبل. وناداه من أعماقه ولكن الصوت في حلقه انكتم. # واستيقظ في غاية من ms024 القهر. # وقال لنفسه أن ليس هذا لغير سبب. وفكر طويلا، وعندما نضح الشباك بلون ~~الفجر تلقى عزمته، ونهض مرحا بعزمته. أيقظ فلة. بكى شمس الدين. غيرت ~~لفته ودست برفق ثديها الثري في ثغره، ثم التفتت إلى الرجل تعنفه. # مسح على شعرها بحنان وقال: حلمت حلما مذهلا. # فقالت محتجة: لم أشبع من النوم. # فقال بجدية غير متوقعة: علينا أن نهجر الحارة بلا تردد. # فرمقته غير مصدقة، فعاد يقول: بلا تردد. # فتساءلت مقطبة: ماذا حلمت يا رجل؟! ~~- أبي عفرة أراني الطريق. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الخلاء والجبل! ~~- إنك ولا شك تهذي. ~~- بل رأيت الموت أمس، ورائحته شممت. ~~- وهل الموت يعاند يا عاشور؟ # فقال وهو يحني رأسه في حياء: الموت حق والمقاومة حق. ~~- ولكنك تهرب! ~~- من الهرب ما هو مقاومة! # فتساءلت في قلق: وكيف نعيش في الخلاء؟ ~~- الرزق في الساعدين لا في المكان. # فتنهدت قائلة: سيضحك الناس من جهلنا! # فقال بوجوم: لقد جفت ينابيع الضحك. # فأجهشت في البكاء، فتساءل في قلق: هل تتخلين عني يا فلة؟ # فقالت وهي تنتحب: لا أحد لي سواك، سوف أتبعك. # 35 # اجتمع عاشور بأسرته الأولى، زينب وحسب الله ورزق الله وهبة الله، وباح لهم ~~بحلمه وعزمته، ثم قال: لا تترددوا فالوقت ثمين. # ذهلوا جميعا وارتسم في وجوههم الرفض، وقالت زينب ساخرة: ها هي وسيلة ~~جديدة لتجنب الموت! # وقال حسب الله: أرزاقنا هنا، ولا مجال لنا سواه. # فقال عاشور غاضبا: لنا سواعدنا، ولنا أيضا الكارو والحمار. # فسأله هبة الله: ألا يوجد الموت في الخلاء يا أبي؟ # فقال عاشور وهو يزداد غضبا: علينا أن نبذل ما في وسعنا وأن نقدم الدليل ~~للمولى على تعلقنا ببركته. # فهتفت زينب: أفسدت البنت عقلك! # فقلب وجهه في وجوههم وتساءل: ما قولكم؟ # فأجابه حسب الله: عفوا يا أبي، نحن باقون ولتكن مشيئة الله! # هام عاشور في حزن عميق، ثم غادر المكان. # 36 # رفع شيخ الحارة حميدو رأسه عن مكتبه ليرى عاشور واقفا أمامه مثل الطود، ~~فسأله بحدة: ماذا تريد يا عاشور؟ # وقبل أن يجيبه عاشور قال: ms025 حدثني ابنك حسب الله عما عزمت، ولله في خلقه ~~شئون! # فقال عاشور بهدوء عجيب: جئتك لتدعو ~~الناس إليه بنفسك فهم أجدر أن يسمعوا لك! # فصاح شيخ الحارة: أجننت يا عاشور؟! أتفهم أنت خيرا من الحكومة؟! ~~- ولكن . # فقاطعه بحدة: حذار أن تعطل الأرزاق وتنشر الفوضى. ~~- لقد رأيت الموت والحلم! ~~- هذا هو الجنون بعينه! الموت لا يرى، ونصف الأحلام مصدرها إبليس! ~~- إني رجل طيب يا معلم حميدو. # ألم تذهب يوما إلى البوظة لتنقذ أبناءك من امرأة، ثم وقعت أنت في هواها ~~واستأثرت بها لنفسك؟ # فقال بغضب: لقد أنقذتها من الشر، ثم إنني لا أبرئ نفسي من ~~الذنوب. # فصاح شيخ الحارة: افعل بنفسك ما تشاء، ولكن لا تغرر به أحدا وإلا ~~أبلغت عنك القسم! # 37 # هاجر عاشور في الفجر، وتحركت به الكارو نحو القبو كما تفعل في مواسم ~~القرافة. تربعت فوق سطحها المترجرج. فلة محتضنة شمس الدين، أمامها بقجة ~~مكتظة، وراءها أجولة من الفول السوداني وبلاليص من الليمون والزيتون المخلل، ~~وزكائب من العيش المقدد. ولما خلصت العربة إلى الساحة استقبلتها تراتيل آخر ~~الليل وهي تشدو: # جز آستان تو أم درجهان بناهي ينست # سر مرا بجز أين در حواله كاهي ينست # استمع عاشور إليها بحزن، ~~ثم دعا لحارته بالهداية من أعماق قلبه. # واخترق الممر الطويل، ثم شق سبيله بين القبور، قبور لا تكاد تغلق ~~حتى تفتح ثانية، ثم انتهى إلى الخلاء. غمره تيار خفيف بارد، منعش وودود، ولكنه ~~قال: احبكي الغطاء حولك وحول الولد. # فقالت متشكية: لا حي موجود. ~~- الله موجود. ~~- أين نقف؟ ~~- عند سفح الجبل. ~~- هل نتحمل جوه؟ ~~- أقوى مما تتحمله التلال، وتوجد ثمة كهوف. ~~- وقطاع الطريق؟! # فقال هازئا: فليقدم من كتب عليه الهلاك! # وراحت الكارو تتقدم والظلام يخف. تذوب الظلمة في ماء وردي شفاف فتتكشف ~~عوالم في السموات والأرض. تنساب منها ألوان عجيبة متداخلة حتى اصطبغ الأفق ~~بحمرة نقية متباهية، تلاشت أطرافها في زرقة القبة الصافية، وأطل من وراء ~~ذلك أول شعاع مغسول بالندى. وتراءى الجبل شاهقا، رزينا، صامدا، لا مباليا. ~~هتف ms026 عاشور: الله أكبر! # ونظر نحو فلة وقال مشجعا: انتهت الرحلة. # ثم وهو يضحك: بدأت الرحلة! # 38 # قضى عاشور وأسرته في الخلاء ما يقارب الستة الأشهر. # لم يكن يغادر موقع الكهف إلا ليحضر ماء من حنفية الدراسة، أو يبتاع ~~علفا للحمار، أو بعض الضرورات في نطاق ما يملك من مدخر قليل. واقترحت فلة أن ~~تبيع قرطها الذهبي ولكنه رفض. وأخفى عنها أسباب زهده؛ لقد جاءته والقرط في ~~أذنيها فهو من مال حرام جاء! # وتبدت الحياة في الأيام الأولى نزهة ومغامرة ورياضة، ولم تشعر بخوف ~~في ظل زوجها الجبار. وسرعان ما تبدت خالية مضجرة لا تحتمل. ماذا؟! هل ~~جئنا نحسب الزمن بدبيبه المتتابع فوق جلودنا؟ هل جئنا لنعد حبات الرمال ~~والنجوم الساهرة؟ # وقالت له فلة: حتى الجنة لا تطاق بلا ناس وبلا عمل. # فلم يعترض ولكنه قال: نحن مطالبون بالصبر. # وقت طويل من وقته مضى في العبادة، ووقت طويل مضى في تذكر أسرته هناك ~~وأهل حارته، حتى قال لزوجه مرة: ما أحببت الناس قط كما أحبهم ~~اليوم. # وكان يحظى بنصيبه من النوم في النهار ويسهر الليل بطوله. وترامت تأملاته ~~حتى شعر شعورا عجيبا بأنه عما قريب سيسمع أصواتا ويرى أشباحا. بات صديقا ~~للنجوم وللفجر، وقال إنه من ربه قريب، لا يحجزه عنه شيء، وإنه لا يدري لم ~~يستسلم أهل حارته للموت، ولا لم يقرون بعجز الإنسان؟ أليس الإقرار بعجز ~~الإنسان كفرا بالخالق؟ واشتبك في أحاديث صامتة لا نهاية لها مع ماضيه، الشيخ ~~عفرة، ست سكينة، الناطوري، زينب، وأحاديث حميمة حزينة مع حسب الله ورزق الله ~~وهبة الله. حسب الله كان مرشحا دائما لصداقته فيا للخسارة! رزق الله لا خير ~~فيه ولكنه ذكي. أما هبة الله فمتعلق بأمه بدرجة لا تليق. على ذلك فهو ~~يقر بأنهم خير من كثيرين من أضرابهم، ودعا لهم ولأمهم طويلا. ولاحت له ~~حارته مثل جوهرة غارقة في الوحل. إنه الآن يحبها حتى بسوءاتها، ولكن ثمة ~~فكرة تتسلل إليه خلال عباداته المتواصلة بأن الإنسان يستحق ما يعانيه! ~~الوجهاء والحرافيش ms027 ودرويش يدورون حول محور منحرف يرغب حقيقة في القبض على ~~سره الماكر العسير، وها هو الله يعاقبهم جميعا كأنما قد ضاق بهم! ورغم ذلك ~~يثمل الفجر بغبطته الوردية، ويرقص شعاع الضياء في مرح أبدي! إنه على وشك أن ~~يسمع أصواتا، ويرى أشباحا، إنه يتمخض عن ميلاد جديد. # 39 # وثمة فرصة سنحت ليملأ قلب فلة بالإيمان. إنها امرأة صغيرة جميلة لا دين ~~لها، لا تعرف الله ولا الأنبياء ولا الثواب ولا العقاب. يحفظها في هذه الدنيا ~~المرعبة حبها وأمومتها. حسن، إنه يلقى عناء في تعليمها، ولولا ثقتها فيه ~~ما صدقت كلمة واحدة مما يقول. تحفظ سور الصلاة في عناء. يغلبها الضحك ~~فتخرج من الصلاة، وتصلي اتقاء لغضبه واستجلابا لمرضاته. # وسألته ببراءة: لماذا ترك الله الموت يفتك بالناس؟ # فأجابها بعنف: من يدري؟ لعلهم في حاجة إلى تأديب. # فقالت مداعبة: لا تغضب مثل الله. ~~- متى تهذبين ألفاظك؟ ~~- عظيم، ولم خلقنا بهذا القدر من السوء؟ # فضرب الرمل براحته وتساءل: من أنا حتى أجيبك نيابة عنه عز وجل؟ # ثم برجاء: علينا أن نؤمن به فقط، علينا أن نضع قوتنا في خدمته. # فانسحبت من الحديث جملة، وهتفت متشكية: الأيام تمر والوحدة ثقيلة أفظع ~~من الموت. # فحول عنها ناظريه في صمت. إنها تنذر بالتمرد. هل تغادره هاربة بشمس ~~الدين؟ وماذا يبقى له في الحياة؟ # شمس الدين سعيد. يزحف فوق الرمل، يجلس ليعبث بالحصى، يعرف النوم ولا يعرف ~~الملل، ينضج في الهواء والشمس، يجد غذاءه الطبيعي متوافرا. الحمار أيضا ~~سعيد. يأكل، ينعم براحة كبيرة، يهش الذباب بذيله، يهيم في ملكوته مزودا بصبر ~~لا نهائي، ويرمقه عاشور بعطف وتقدير. إنه صاحبه ورفيقه ومصدر رزقه، وبينهما ~~مودة راسخة. # 40 # وتمضي الأيام. يقتربون من حافة الانهيار. # وذات يوم قال لها عقب عودته من الدراسة: يقولون هناك إن الهلاك يولي ~~مدبرا. # فصفقت فلة وصاحت: لنرجع في الحال! # فقال بحزم: بل ننتظر حتى أتحقق من الخبر. # 41 # رجعت الكارو تشق طريقها بين القبور في الهزيع الأخير من الليل. طفحت قلوب ~~أصحابها بالسعادة تحت ms028 النجوم، وانتفضت بأماني النجاة. ولما انعطفت إلى ~~الممر واستقبلتها الأناشيد دمعت الأعين، وقالت الأناشيد إن كل شيء سيكون ~~كالعهد به. # ها هي الحارة مستغرقة في النوم، الإنسان والحيوان والجماد. عجيبة في ~~سباتها كما هي عجيبة في يقظتها، ولسوف تتندر به طويلا . عند مسكن زينب ~~توقف قلبه ولكنه أشفق من إزعاجهم، وأجل ارتباكه ساعتين. من القلوب انسابت ~~قبلات تلثم الجدران والأديم والخدود وترقص بالطرب. الموت لا يجهز على الحياة ~~وإلا لأجهز على نفسه، ولكن ثمة شعور بالندم والخجل. # وضمتهم أخيرا حجرتهم فامتلأت خياشيمهم برائحة التراب والعطن، وبادرت ~~فلة تفتح النافذة وهي تقول: كيف يلقاك الناس يا عاشور؟ # فقال بتحد كاذب: كل يعمل بإيمانه. # 42 # قبع وراء قضبان النافذة يترقب بصبر انطواء آخر ذيول الظلام. ها هو أول ~~ضياء يتطامن فوق الجدران. ها هي معالمها تتحدد كوجه صديق قديم. من أول ~~قادم يكون؟ لعله اللبان أو خادم من بيوت الوجهاء، سيجيبه بصوت يمزق الصمت، ~~وليلق من السخرية حظه المقسوم. ها هو النور يشعشع في الحارة، وحتى دكان ~~الفول لم يفتح. # تراجع متململا وهو يقول: الظاهر أن تعاليم الحكومة قد غيرت من عادات ~~حارتنا. # ودس قدميه في المركوب قائلا: سأذهب لزيارة الأولاد. # 43 # انطلق في خلاء بين أبواب ونوافذ موصدة، إلى بدروم زينب. دفع الباب فانفتح، ~~وجد نفسه في حجرة خالية عبقة برائحة محزنة. الفراش كما هو مغطى بطبقة من ~~التراب، والكنبة الوحيدة عليها أشياء كالخرق البالية، والمقعد الخشبي مقلوب ~~على مسنده، وتحت الفراش تكومت الحلة والأطباق والكانون ومقطف مملوء بالفحم ~~إلى منتصفه. والسحارة ليست خالية، توجد بها الملاءة وجلباب ومشط ومرآة ~~ومنشفة. ~~- هاجروا؟ ولكن لم يتركون الملابس؟! # عبثا حاول أن يدفع البلوى أو أن يؤجل تجرعها. ضرب جبينه براحته. ~~تأوه. أجهش في البكاء. قال إنه سيعلم من الآخرين الخبر، وإنه لم يفقد بعد ~~الأمل. # غادر المكان مترنحا. # 44 # اندفع في الحارة حتى مطلعها عند الميدان. يا له من صمت! ويا له من خلاء! ~~لا باب مفتوح ولا نافذة. تقدم ببطء وذهول. الخمارة ms029 مغلقة، البيوت، الوكالة، ~~القهوة، لا نأمة، لا قطة، ولا كلب، لا رائحة لحياة، الدور التربة غارقة في ~~نفس الفناء. # الشمس ترسل أشعتها بلا جدوى، هواء الخريف يتموج في فتور وبلا ~~هدف. # وصاح بصوته الأجش الباكي: يا هوه! يا أهل الله! # فلم يجبه أحد. لم تفتح نافذة. لم يشرئب رأس من جحر. ليس سوى صمت ~~اليأس العنيد، والرعب المتحدي، والقهر الصليد. # اخترق القبو إلى الساحة فطالعته التكية كما هي دائما. رنت إليه أوراق ~~التوت فرأى رحيقها يسيل دما. سكتت الأناشيد وتلفعت بطيلسان اللامبالاة. رنا ~~إليها طويلا والحزن يعصف بجذور قلبه ودموعه تسيل. # وبصوت كالرعد صاح: يا درويش! # خيل إليه أن غصون الأشجار تميد من صوته ولكن لم يجبه أحد. # وراح يصيح دون توقف، وبلا جدوى. # وقهقه كالأبله، ثم تساءل: من ذا يسمع أناشيدكم اليوم؟ ألا تعلمون؟ # 45 # قال لفلة وهو يجفف دمعه: لا حي في الحارة! # رأى في حمرة عينيها أنها فطنت إلى الكارثة بطريقة ما. سمعها وهي تقول ~~منتحبة: من الخلاء إلى الخلاء يا عاشور! # وراح يتأوه فقالت: فلنهاجر إلى مكان معمور. # فنظر إليها بحيرة وصمت، فتساءلت بحدة: أنبقى في هذه القرافة؟! # فتمتم بفتور: سنتجول فوق عربتنا. لن نبقى في البيت، أما المأوى فلا ~~مأوى لنا إلا هنا. # صاحت: بيت في حارة خالية؟! # فصاح بغضب: لن تبقى خالية إلى الأبد! # 46 # لا حزن يدوم ولا فرح. # عاد عاشور إلى ممارسة عمله كسواق كارو، وكان يأخذ معه فلة وشمس الدين ~~النهار كله وشطرا من الليل، ثم يأوون إلى البدروم في كنف الرجل ~~العملاق. # أدرك عاشور أن الحارة أصبحت منسية في غمار المسئوليات التي واجهت ~~الحكومة بسبب انتشار الشوطة في جميع الأحياء. لا أحد يدري به في هذا الركن ~~الفاني ولكنهم سيأتون، يوما ما سيأتون. سيجيء أناس من هنا وهناك، وستردد ~~الأنفاس من جديد وترسل دفأها في البقاع. # وكلما خرج مبكرا ليعد العربة جذبت عينيه دار البنان. تعجبه هامتها ~~الأرجوانية وضخامتها المهيبة وأسرارها المنطوية. ماذا بقي في الداخل؟ ألا يوجد ~~من آل ms030 البنان من يهمه استردادها؟ # ويرسخ الإغراء في أعماقه وينفث أحلاما سحرية. كما اشتاق يوما إلى ~~الاطلاع على أسرار التكية. غير أن دار البنان قريبة ولا حي سواه في الحارة. ليس ~~بينه وبين تحقيق الحلم إلا حركة، حركة مغلفة بالأمان! # 47 # هز منكبيه العريضين استهانة ودفع الباب فانفتح . التراب يغطي ~~الفسيفساء، كما يغطي أرض السلاملك الرخامية. التراب هو ما يسود في كل مكان. ~~وقف عند البهو مرتاعا. إنه ميدان يا عاشور. سقفه عال جدا لا تبلغه رءوس ~~الجان، في وسطه نجفة مثل قبة الغوري، ومن أركانه تتدلى القناديل. على ~~جوانبه أرائك مغطاة بالسجاجيد المزركشة، كما تغطى جدرانه بالحصر الفاخرة ~~وأطر الآيات المذهبة. # ترامى إليه صوت فلة وهي تنادي فجرى ~~نحوها. رمقته بذهول. تساءلت: ماذا فعلت؟ # فأجاب بحياء: أمنية طارئة حققتها! ~~- ألا تخشى أن يعلم أصحابه؟ ~~- لا صاحب له. # وترددت تلعب بها الأهواء، ثم أشارت إلى الكارو وقالت: تأخرنا. # فقال بحياء أشد: إني أدعوك للمشاهدة يا فلة. # أمضيا النهار في التنقل من حجرة إلى حجرة، وقفا طويلا في الحمام ~~والمطبخ، جربا الجلوس على دواوين ومقاعد وأرائك. طفر الجنون من عيني فلة ~~الجميلتين. قالت: نبيت ليلتنا هنا. # صمت عاشور وهو يعاني ضعفا أشد، فقالت: نستحم في الحمام العجيب، نرتدي ~~ثيابا جديدة، وننام فوق هذا الفراش. ليلة واحدة نعود بعدها إلى الكارو. # 48 # لكنها لم تكن ليلة واحدة. # كانا يغادران الدار فجرا ثم يتسللان إليها مع الليل. في النهار تمضي ~~بهما الكارو من حي إلى حي. يتناولان طعامهما عدسا وفولا وطعمية، وفي الليل ~~يرفلان في الثياب القطنية والحريرية، يستريحان في السلاملك الداخلي أو فوق ~~الدواوين، وينامان فوق فراش وثير يصعد إليه بسلم قصير من الأبنوس. وتتحسس ~~فلة الستائر والوسائد والطنافس براحتيها وتهتف: لم تكن حياتنا إلا ~~كابوسا. # وتتبدى لهما الحارة، في الليل من المشربية ظلمة وهياكل أشباح غارقة في ~~التعاسة، فيتمتم عاشور في أسى: حكمة الله تعز على العقول! # فتجيبه بتحد: ولكنه يهب الرزق لمن يشاء. # ويبتسم متسائلا حتى متى يدوم هذا ~~الحلم؟ ولكنها ms031 كانت تفكر في أمور أخرى فقالت: انظر إلى التحف حولنا، لا شك ~~أنها غالية الثمن، لم لا نبيع بعضها لنأكل مثلما نعيش؟! # فقال بإشفاق: ولكنه مال الغير. ~~- لا صاحب له كما ترى، هو رزقنا من الله. # وتفكر عاشور مليا. زحف عليه الإغراء كما يزحف النوم على المكدود، ~~وصمم على أن يجد لأزمته حلا. واهتدى إلى حكمة جديدة فقال: المال حرام ما لم ~~ينفق في الحلال! # فقالت متوثبة للخصام: هو رزقنا يا عاشور، وما نريد إلا أن نأكل. # ومضى يذرع السلاملك حائرا، ثم تمتم: هو حلال ما دمنا ننفقه في ~~الحلال! # 49 # وبمرور الأيام هان كل شيء فأصبحت إقامة عاشور وأسرته بدار البنان دائمة. ~~سرح الحمار في الفناء الخلفي، وووريت الكارو في البدروم. خطر عاشور في الدار ~~مثل الوجهاء، بعمامة مقلوظة وعباءة فضفاضة، وعصا ذات مقبض ذهبي. وتجلت ~~فلة في نضارة النعيم كأجمل هانم عرفتها الحارة، أما شمس الدين فكان يبول على ~~سجاد شيرازي يقدر ثمنه بالمئات. وشاع الدفء في المطبخ، وتطايرت منه روائح ~~اللحوم بأنواعها. # وبمضي الأيام أخذت الحياة تتسرب إلى الحارة. جاء حرافيش فآووا إلى ~~الخرابات، وكل يوم يعمر بيت بأسرة جديدة. ومضت الدكاكين تفتح أبوابها. ~~ترددت أنفاس الحياة، ارتفعت الحرارة، تجاوبت الأصوات، هلت الكلاب والقطط، ~~عادت الديكة تصيح في الفجر، ولم تبق خالية إلا دور الأغنياء. # وعرف عاشور بوجيه الحارة الوحيد. ~~يشار إليه بإكبار، ويقال بإخلاص: سيد الحارة. # وشاع أنه الوحيد الذي نجا من الشوطة، فأطلق عليه «عاشور الناجي». ~~وتحمس الجميع لإغداق الثناء عليه لجوده وإحسانه وعطفه. كان راعي الفقراء، ~~يتصدق عليهم، ولم يقنع بذلك؛ فكان يشتري الحمير ويسرح بها العاطلين، أو ~~يبتاع لمن يريد عملا السلال والمقاطف وعربات اليد، حتى لم يبق عاطل واحد في ~~الحارة عدا العجزة والمجاذيب. # الحق أنه لم يعرف عن وجيه من قبل مثل ذلك؛ لذلك رفعوه إلى مرتبة ~~الأولياء، وقالوا إنه لذلك نجاه الله من دون الآخرين. # وهدأ عاشور واستكن ضميره الحي، وشرع في تحقيق أحلام كانت تراوده من ~~قبل، فجاء بعمال ms032 لتنظيف الساحة والممر، وتطهيرها من تلال الأتربة ~~والزبالة، وشيد حوض مياه الدواب، والسبيل، والزاوية، تلك المعالم التي رسخت ~~في وجدان حارتنا مثل التكية والقبو والقبور والسور العتيق، وبها وبه صارت ~~الحارة جوهرة الحي كله. # 50 # ترامت إلى أذنيه حركة غريبة آتية من ناحية الخمارة! # كان في طريقه إلى الحسين فتوقف . رأى عمالا يرممون المكان ~~ويعدونه لحياة جديدة. مال نحو المدخل، ثم تساءل بصوت مرتفع: لحساب من ~~تعملون؟ # فجاءه صوت من ركن مظلم إلى يمين الداخل يقول: لحسابي أنا يا سيد ~~الحارة! # وبرز درويش من الظلام فتراءى أمامه. دهمته قشعريرة مفاجئة مختلطة بوثبة ~~غضب. هتف: أنت حي يا درويش! # فقال حانيا رأسه بامتنان: بفضلك يا سيد الحارة! # ورآه في حاجة إلى إيضاح، فقال بنبرة لم تخل من سخرية: عملت بحكمتك ~~فهاجرت إلى الخلاء، لم أكن بعيدا عنك طيلة الوقت. # فصمم على مواجهة الموقف بالقوة الضرورية فقال: لن أسمح بفتح ~~البوظة! ~~- إنك سيد الحارة ووجيهها الأوحد، ولكنك لست القانون ولا الفتوة! # فسأله بحنق: لم لا تذهب إلى أي حارة أخرى؟ ~~- هنا وطني يا سيد الوجهاء. # وتبادلا نظرة طويلة، حتى قال درويش: بل إني أتوقع أن يشملني إحسانك ~~العميم! # ها هو يخطط للابتزاز! وأرعشه الغضب فسحبه من يده إلى الخارج، ثم قال له: ~~لعلي لا أستطيع أن أغلق خمارتك ولكني لن أخضع لأي تهديد. ~~- ولكنك تجود على كل محتاج؟! ~~- في سبيل الخير أعطي لا في سبيل الشر. # فقال بنبرة ذات مغزى: إنك حر في «مالك» يا سيد الحارة! # وضغط على «مالك» ضغطا موحيا، فرفع عاشور منكبيه استهانة وقال: قد ~~تسول لك نفسك أن تشي بي، وأن تفشي سري بين الناس، هذا ممكن يا درويش، ولكن ~~أتدري ماذا ستكون عواقب ذلك؟ ~~- تهددني يا عاشور؟ ~~- أعجنك ورأس الحسين حتى لا يعرف لك رأس من قدم! ~~- تهددني بالقتل؟! ~~- وأنت تعرف أنني على ذلك قادر! ~~- من أجل أن تستأثر بمال لست صاحبه؟ ~~- إني صاحبه ما دمت أنفقه فيما ينفع الناس. # تبادلا نظرة طويلة مرة أخرى. تجلى التخاذل ms033 في عيني درويش، فقال ~~ملاينا: ما أريد إلا أن تجود علي مثل الآخرين. ~~- ولا مليم لأمثالك. # وساد صمت، فرجع عاشور يتساءل: ماذا قلت؟ # فتمتم درويش بأسف: ليكن، رغم أننا أخوان فسنعيش كالغرباء! # 51 # تلقت فلة الخبر بانزعاج شديد حتى تجهم وجهها العذب بالتعاسة، ثم قالت ~~برجاء: غير معاملتك له، أعطه ما يطمع فيه، أبعد عنا شبح الغدر. # فقال عاشور مقطبا: ألم يطهرك هواء الخلاء من الضعف؟ # فلوحت له بخمار من الحرير الدمشقي وقالت: أخاف على هذا. # فحرك رأسه بحدة، فقالت: لم يعد الأمان كما كان يا عاشور. # فقال باستهانة: إنه شرير حقا ولكنه جبان. # 52 # وأشرقت الشمس من جديد في أعقاب ليلة عاصفة باردة. ها هو دكان شيخ الحارة ~~يفتح أبوابه، ويحل به شيخ جديد؛ عم محمود قطائف. أدرك الناس أن الحكومة أخذت ~~تفيق من هجمة الموت فتعين أحياء مكان من هلك من عمالها. # وتفاءل كثيرون بالحدث، ولكنه كان ذا رجع مختلف في دار عاشور. انقبض قلب ~~عاشور لا شك، وفزعت فلة فضمت شمس الدين إلى صدرها وتمتمت: لا شيء ~~يبتسم. # فتساءل عاشور في قلق: أليس ما مضى قد مضى؟ ~~- ولكنك تشاركني مخاوفي يا عاشور! ~~- ماذا جنينا؟ وجدنا مالا بلا صاحب فأنفقناه فيما ينفع الناس. ~~- ألا ينذر وجه ذلك الرجل بشر؟ # فغضب عاشور وصاح: فلنثق بصاحب المال الأصلي جل جلاله. # فهدهدت فلة شمس الدين وقالت: أما أنا فأرغب في أن يمتد نهر الخير حتى ~~يسبح فيه هذا الولد! # 53 # وقرر عاشور أن يواجه التحدي بلا تسويف. # مال في طريقه إلى دكان شيخ الحارة ليحييه. استقبله الرجل بحرارة وهو ~~يقول: أهلا بسيد الحارة وراعيها. # فشاع السرور في صدر عاشور وقال: أهلا بشيخ حارتنا! # وإذا به يقول: أتدري يا معلم أنني كنت على وشك الذهاب للقائك؟ # فخفق قلبه ولكنه قال: أهلا بك في أي وقت. ~~- أجدني في حاجة إلى رأي الناجي أحق الناس بالكلام عن الحارة ~~الهالكة. # 54 # هكذا دخل محمود قطائف دار عاشور، وجلسا متجاورين على ديوان بالبهو، على ~~حين توارت ms034 فلة وراء الباب الموارب. احتسيا القهوة وهما يتبادلان كلمات ~~المجاملة حتى قال الرجل: بحاجة أنا إلى رأي رجل يعده الجميع ولي ~~نعمتهم! # فقال عاشور بفتور: في خدمتك يا شيخ حارتنا. # فتريث الرجل قليلا، ثم قال: تكونت لجنة منذ قليل لجرد دور الأغنياء ~~ومحسوبك عضو فيها. ~~- ليرحم الله من مات. ~~- وقد تبين لنا أن الدور قد نهبت يا صاحب النجاة! ~~- ولكن لم يكن بالحارة حي! ~~- ذاك ما كشف عنه الجرد. # فقال عاشور بحنق: إنه لغريب. أسأل الله أن يكون المال قد وقع في يد من ~~يستحقونه! ~~- يستحقونه؟! ~~- أعني الفقراء من أبناء حارتنا. # فابتسم محمود قطائف وقال: هذه نظرية، ولكن للحكومة نظرية أخرى. ~~- وما نظرية الحكومة؟ ~~- الدور تعتبر ملكا لبيت المال، وسوف تعرض للبيع في المزاد. # فحدجه عاشور بحدة وسأله: وماذا عن النهب؟ # فهز منكبيه قائلا: رأت اللجنة أن تتغاضى عنه منعا لتعريض الأبرياء ~~للتهم! # أدرك عاشور أن اللجنة قد نهبت الدور، ورغم شعوره بالازدراء فقد استعاد ~~الكثير من طمأنينته، وقال مداعبا: لعل اللجنة تعمل بنظريتي يا شيخ ~~محمود. # فقال شيخ الحارة بإشفاق: تبقى مشكلة واحدة. # فتساءل عاشور بعينيه وهو يشعر بأنه وافى شاطئ الأمان. وقال شيخ الحارة: ~~تريد اللجنة أن تطلع على وثائق ملكيتك لهذه الدار، وبذلك تنتهي ~~مهمتها. # اغتيل الأمان بطعنة غادرة، فاختطفت عينيه نظرة من الباب الموارب، ~~وتساءل: أثمة شك في ملكيتي لها؟! ~~- معاذ الله، ولكنها الأوامر! # فقال بحدة بصوته الخشن: أريد أن أعرف ما تعنيه أوامرك؟ # فقال محمود قطائف بصوت منخفض: اغتصبت بعض دور الهالكين في الأحياء ~~المجاورة! # وغرقا معا في صمت ثقيل مشحون بالتوجس والريب، حتى رفع عاشور صوته ~~قائلا: هبها فقدت في فوضى الموت والهجرة! # فتمتم شيخ الحارة بأسف: ستكون ورطة أي ورطة! # فصاح عاشور غاضبا: ورطة! ... أ لم تقنع اللجنة بما نهبت؟ # فارتعد الرجل من شدة الصوت، وقال كالمعتذر: ما أنا إلا عبد الأمر. ~~- عندك معلومات فصرح بما في نفسك. ~~- المسألة أن عضوا من أعضاء اللجنة أعلن بعض التساؤلات. ~~- عليه اللعنة! ~~- الوثائق تحسم كافة الريب. ms035 ~~- ولكنها ضائعة! # فقال بلين وخوف: ستكون ورطة يا معلم عاشور. # عند ذاك اقتحمت الحجرة فلة ثائرة وهتفت مخاطبة شيخ الحارة: لندع ~~اللف والدوران. # فنهض الرجل مرتبكا، فقالت بصراحة مثل ضربة نبوت: لن يصعب عليك صعب. ~~فلنسو الأمر فيما بيننا. # فقال الرجل بأسف: لو كان الأمر بيدي لهان! # ونهض عاشور محتدا وهو يقول: لتكن إرادة الله. # 55 # تحدث أمور في السر والعلانية. الحارة الغارقة في نشاطها الدائب لا تفطن ~~لها. قليلون جدا من يلاحظون أشياء دون أن يرتبوا عليها نتائج ذات بال، ~~والقلوب ثملة بالآمال مؤمنة بالضياء. # وذات صباح خرج عليهم عاشور الناجي منكس الرأس. بجسمه العملاق، ولكنه منكس ~~الرأس ومكبل اليد بقيد حديدي أيضا. هو عاشور الناجي دون غيره. يحف به ~~جنود، يتقدمهم ضابط ويسير محمود قطائف في ذيل الموكب. # انتشر شرر الذهول الغاضب بين الناس، فشدهم من الدكاكين والبيوت وملأ بهم ~~النوافذ. ~~- ماذا نرى؟! ~~- ماذا وقع للدنيا؟! ~~- الرجل الطيب في الحديد! # وهتف الضابط بحدة: أوسعوا الطريق! # ولكنهم تجمعوا وراء الموكب وتبعوه كالظل، حتى صاح الضابط مرة أخرى: ~~الويل لمن يقترب من القسم! # وجعل درويش الخمار يتساءل عن معنى ما يرى ويرفض تصديقه، وبصوت مرتفع قصد ~~أن يسمعه عاشور قال: ورحمة أخي ما خرجت من لساني كلمة واحدة. # وتبدت فلة آية في الجمال والحزن، متوركة شمس الدين، حاملة بقجة، ~~محمرة العينين من البكاء. # 56 # وكانت محاكمة عاشور من الأحداث المستعصية على النسيان. شهدها جمع غفير من ~~الحارة، وخفقت لها القلوب. لأول مرة تحب الحارة وتعشق. ووقف عاشور في القفص ~~مزهوا بحرارة القلوب من حوله. ولعل القضاة أعجبوا بعملقته، وبصورة الأسد ~~المرسومة في صفحة وجهه. ولم ينس الناس صوته الأجش وهو يقول: لست لصا، لم ~~أعتد على أحد، صدقوني. كان الموت قد أهلك الحارة. رجعت من الخلاء فوجدتها ~~خالية، وجدت الدار بلا صاحب، ألا تستحق أن توهب للوحيد الذي نجا؟ ولم أستأثر ~~بالمال لنفسي، اعتبرته مال الله، واعتبرت نفسي خادما له في إنفاقه على عباده، ~~فلم يعد يوجد جائع ولا متعطل، ms036 ولم يعد ينقصنا شيء؛ فعندنا السبيل ~~والحوض والزاوية. لماذا قبضتم علي كاللصوص؟ لماذا تعاقبونني؟ # وقال الناس آمين. وحتى القضاة ابتسم باطنهم طوال الوقت، وحكموا عليه بعام ~~واحد. # 57 # رجعت فلة إلى البدروم وهي لا تملك مليما واحدا. وجدت رعاية صادقة؛ ~~جاءها الطعام، وحمل إليها الماء والوقود، وعبق مسكنها بالكلمات الطيبة. ~~وانحسار الستر عن سر عاشور لم ينل من حب الناس له أو احترامهم، بل لعله ~~خلق منه أسطورة أغنى بالبطولة والجود. # ولكنها قررت ألا تعيش على جود المحسنين، وأن تعمل في سوق الدراسة ~~بعيدا عن الأعين. # واعترض طريقها درويش وقال لها بخشوع: قلبي معك يا أم شمس الدين. # فقالت له بحدة: اشمت بنا ما تشاء يا درويش! # فقال لها بحرارة: لا دخل لي فيما كان، ومحمود قطائف شاهد على ذلك. ~~- ولكنه جاء على هواك. ~~- سامحك الله! ماذا أفيد من سجنه؟! ~~- لا تخف فرحك يا درويش. # فقال متوددا: سامحك الله. دعي الخصام واقبلي مشورتي. ~~- مشورتك؟! ~~- لا يصح أن تعملي في سوق الدراسة وحدك. # فسألته ساخرة: عندك عمل أفضل؟! ~~- تحت رعايتي أفضل من العمل وحدك في سوق! ~~- في البوظة؟! ~~- مع الحفظ والصون! # فصاحت به: ملعون أنت في الدارين! # وغادرته بلا تحية. # وفي المساء ترامت إليها أنباء بأنه يكون عصابة لينصب نفسه فتوة ~~للحارة. # 58 # ولما زارت عاشور ورأته في لباس السجن اغرورقت عيناها، وتواثب شمس الدين ~~مرحا حتى تلقى قبلة أبيه من وراء الحاجز. وسألها عن حالها فقالت: أعمل في ~~السوق والحال معدن. # وبدا ممتعضا متمردا، وقال: الظلم أقبح من السجن نفسه! # وأكثر من مرة قال: لا أستحق العقاب. # وبلغت نبرته غاية الاحتجاج وهو يقول: ليس بين المساجين من يماثل درويش في ~~شره. # فقالت ساخرة: ألا تعلم، لقد دعاني إلى العمل عنده! ~~- الوغد! وماذا عن شيخ الحارة؟ ~~- يعاملني باحترام. ~~- وغد آخر ، ولص حقيقي. ~~- أحمل إليك تحيات لا عد لها. ~~- مباركة تحياتهم، وكم أتوق إلى سماع الأناشيد! ~~- سترجع إلى سماعها، أما الزاوية والسبيل والحوض فأصبحت تذكر مقرونة ~~باسمك. ~~- بل يجب أن تقرن باسم ms037 صاحبها الحقيقي جل شأنه. # وابتسمت فلة بفتور، وقالت: من أخبارنا التعيسة أن درويش أصبح ~~فتوتنا. # فقطب عاشور وتمتم: لن ينفعه ذلك. # وعجبت فلة؛ فقد خيل إليها أن عاشور يزداد صحة ونضارة. # 59 # لم ينقطع الناس عن التفكير في عاشور الناجي طيلة مدة سجنه. انتظر الحرافيش ~~على لهف يوم عودته، وعمل آخرون لذلك اليوم ألف حساب. حصن درويش نفسه ~~بالأتباع ، وأغدق عليهم النقود من حصيلة الإتاوات المفروضة على العباد، وشجعه ~~على ذلك محمود قطائف قائلا: إن الكثرة تغلب الفرد مهما تكن قوته. # وأيده الأعيان خوفا من حب الحارة للغائب، حتى اتفق الرأي على إخضاعه ~~أو اغتياله. # وتتابعت الفصول، وظلت التكية تشدو بالأناشيد الغامضة، حتى جاء اليوم ~~الموعود. # وتلفت شيخ الحارة فيما حوله وغمغم حانقا: ما شاء الله! # رأى الأعلام ترفرف في أعالي الدكاكين والأسطح، رأى الكلوبات تعلق، رأى ~~الأرض تفرش بالرمل الفاقع، سمع موجات الأصوات وهي تهدر بتبادل التهاني. وعاد ~~يغمغم: كل ذلك من أجل عودة لص من سجنه! # ورأى درويش قادما فسأله: هل أعددت العدة لاستقبال الملك؟ # فهمس درويش بصوت مضطرب: أما علمت بما حدث؟ # وقص عليه حكاية العصابة، كيف انفضت من حوله وذهبت إلى الميدان ~~لاستقبال العائد فلم يبق معه رجل واحد. اصفر وجه شيخ الحارة وتمتم: ~~الأوغاد! # وهمس في أذن درويش: علينا أن نعيد التفكير لمواجهة الخماسين. # فمضى درويش وهو يقول: إنه الفتوة الجديد بلا منازع. # ومن الميدان ترامى طبل وزمر. # وفي الحال خرج إلى الحارة أهلها نساء ورجالا وصغارا. وتهادت كارو من ~~ذوات العجلات الأربع قد تربع في وسطها عاشور، تتقدمها الزفة، ويحدق بها ~~رجال العصابة. # صفق الناس وهللوا ورقصوا، ومن شدة الزحام قطعت العربة المسافة بين ~~مدخل الحارة والزاوية في حوالي الساعة. # وتواصل الرقص والطرب حتى فجر اليوم التالي. # خاتمة # وجد عاشور الناجي نفسه فتوة للحارة دون منازع. وكما توقع الحرافيش أقام ~~فتونته على أصول لم تعرف من قبل؛ رجع إلى عمله الأول ولزم مسكنه تحت الأرض، ~~كما ألزم كل تابع من أتباعه بعمل يرتزق منه، ms038 وبذلك محق البلطجة محقا. ولم ~~يفرض إتاوة إلا على الأعيان والقادرين لينفقها على الفقراء والعاجزين. وانتصر ~~على فتوات الحارات المجاورة فأضفى على حارتنا مهابة لم تحظ بها من قبل؛ فحف ~~بها الإجلال خارج الميدان، كما سعدت في داخلها بالعدل والكرامة ~~والطمأنينة. # وكان يسهر ليله في الساحة أمام التكية، يطرب للألحان، ثم يبسط راحتيه ~~داعيا: «اللهم صن لي قوتي، وزدني منها؛ لأجعلها في خدمة عبادك ~~الطيبين.» # | شمس الدين # الحكاية الثانية من ملحمة الحرافيش # 1 # في ظل العدالة الحنون تطوى آلام كثيرة في زوايا النسيان. تزدهر ~~القلوب بالثقة وتمتلئ برحيق الموت. ويسعد بالألحان من لا يفقه لها معنى، ولكن ~~هل يتوارى الضياء والسماء صافية؟ # 2 # لأول مرة تستيقظ فلة فلا ترى عاشور جنبها يغط في نومه. قلقت عيناها ~~المثقلتان بالنوم وانقبض صدرها. استعاذت بالله من همسات الغيب في القلب العاشق، ~~وأسفر عالمها العذب عن خلاء. أين الشاب العجيب البالغ الستين من عمره، ~~القوي النشيط الفاحم الشعر؟ هل غلبه النوم في سهرته الليلية أمام ~~التكية؟ # ونادت شمس الدين حتى فتح عينيه متذمرا. طالعها بوجهه الجميل متسائلا، ~~فقالت له: أبوك لم يرجع من سهرته! # ولما استوعب قولها أزاح عنه الغطاء ونهض بجسمه الرشيق المائل إلى الطول، ~~وبقلق غمغم: ماذا حدث؟ # فقالت تتحدى هواجسها: لعل النوم قد غلبه. # تجلت رشاقته أكثر وهو يرتدي جلبابه، ووسامته المكللة ببراءة الشباب ~~الأول. ومضى وهو يقول: كيف يطيب السهر في فجر الخريف؟! # 3 # في الجو نسيم رطيب، وذيول شابورة تتلاشى في المجهول، وفي الجنبات تتدفق ~~حياة البشر. عما قليل سيلقى أباه. سيجده مستلقيا بلا غطاء. سيعاتبه بما له ~~عليه من دالة. # واخترق القبو إلى الساحة. سبقته عيناه وهو يتأهب لملحمة اللقاء، ولكنه ~~وجد المكان خاليا. جال ببصره فيما حوله في صمت وقهر. الساحة والتكية والسور ~~العتيق ولا أثر لإنسان. في هذا الموضع يجلس العملاق عادة، فأين ذهب؟! # وألقى على التكية نظرة حانقة. هي شاهد لا يدلي بشهادته. وتساءل مرة ~~أخرى: «أين ذهب؟!» # 4 # لعله يجد الجواب عند غسان أو ms039 دهشان أقوى مساعدين للرجل، ولكنهما ~~تلقيا السؤال بعجب، وقالا إنه يذهب إلى الساحة قبيل منتصف الليل فيمكث ~~ساعة أو أكثر، لا يتقدم ولا يتأخر. وسأل شمس الدين: ألم يكن هناك ميعاد ~~به ارتبط؟ # فنفيا علمهما بأي شيء عدا ما ذكر. # وبعد تردد قصد شيخ الحارة محمود قطائف فتلقى الرجل الخبر بدهشة، وراح ~~يفكر ويفكر، ثم قال: لا تقلق لغياب الأسد، عذره معه، وسيرجع قبل ~~الضحى. # 5 # وخذلت فلة إرادتها فهتفت: أفزع إليك يا ربي من قلبي ومخاوفه! # وجلس شمس الدين بين رجال أبيه في القهوة يتناقشون وينتظرون، ينظرون نحو ~~القبو تارة، ونحو مدخل الميدان تارة أخرى. وانتشرت سحائب الخريف مفضضة ~~بالنور المستتر. وانتصف النهار ولم يظهر لعاشور أثر. عند ذلك تفرق الرجال في ~~شتى الأنحاء وراء شهادة أو خبر. وعرفت الحارة الواقعة فاشتعلت بها، وشغلت ~~بها عن الرزق والكدح. # 6 # ونما الخبر إلى الأعيان والتجار فدهمهم الذهول، وتفشى في جوهم سحر ~~كالمعجزة. أجل؛ فعندما تستحكم القبضة ولا يوجد منفذ واحد للأمل، تؤمن القلوب ~~القانطة بالمعجزة. ولولا الإشفاق من خيبة عاجلة لأسدلوا الستائر وجهروا ~~بالشماتة والفرح. ماذا ينقذهم من سطوة الجبار وشبابه المتجدد وإرادته ~~الحديدية إلا معجزة؟! فليدم الغياب، ولتطو الأسطورة، ولينقلب الوضع إلى ~~الأبد! # وسعى درويش الخمار إلى محمود قطائف وسأله: أين ذهب الرجل؟ # فقال شيخ الحارة بنبرة ساخرة: وهل أنا على الغيب مطلع؟ # فحرك درويش رأسه الأبيض وتمتم: ثمة احتمال لا يجوز أن يغيب وهو ضعفه ~~المباغت أمام النساء! # فابتسم محمود قطائف بازدراء ولم ~~يعلق، فواصل الآخر: كنت أحسب له للبقاء مائة سنة! ~~- فغمغم شيخ الحارة: # ويخلق ما لا ~~تعلمون ~~. # 7 # وهبط المساء، وساقت أمواج الليل برودة غير متوقعة، ولم يظهر لعاشور ~~الناجي أثر. وغشيت الكآبة القهوة والبوظة والغرز. ولم ينم من أسرته أو رجاله ~~أحد. وتأوهت فلة قائلة: ما أكثر الرجال وما أقل الحيلة. # فتساءل شمس الدين بحزن: هل أغفلنا بابا أو تهاونا في عمل؟ # فتركت دموعها تسيل وقالت: قلبي رفض من بادئ الأمر أن يخدع ~~بالأمل. # فصاح ms040 بحنق: إني عدو القلوب الضعيفة المتشائمة! ما كان أبي لعبة ~~ليختطف، ولا كان غرا ليمضي إلى شرك بلا حذر، وما يحزنني إلا انسداد ~~السبل. # 8 # وفي ضحى اليوم التالي اجتمع رجال عاشور في القهوة، بينهم شمس الدين وفلة، ~~وانضم إليهم محمود قطائف شيخ الحارة وحسين قفة إمام الزاوية. لفتهم الحيرة ~~جميعا وغصت قلوبهم بالنذر. وساورتهم مخاوف ولكن لم يجرؤ أحد على التصريح ~~بما يساوره. وقال دهشان: معلمنا لم يخرج عن عاداته مرة طوال عشرين سنة. # فقال الشيخ حسين قفة: في الأمر سر! # فقال غسان: لا يخفي عنا سرا. # وقالت فلة: ولا عني من باب أولى. # فتساءل حسين قفة: ألا يكون قد انضم إلى التكية؟ # فارتفع أكثر من صوت يقول: خيال لا يقبله عقل! # فقال محمود قطائف: قلبي يحدثني بأنه سيظهر فجأة كما اختفى فجأة. # فقالت فلة بنبرة باكية: لا يوجد أمل! # وعند ذاك صاح دهشان: لعله الغدر! # وخفقت القلوب وتطاير من الأعين الشرر، فعاد دهشان يقول: حتى الأسد يجري ~~عليه الغدر. # فصاح محمود قطائف: الصبر الصبر يا رجال، لا يوجد بحارتنا كاره واحد لخير ~~من حملت الأرض. ~~- يوجد كارهون وغادرون! ~~- احذروا الفتنة واصبروا، والله شهيد. # 9 # وكان درويش يقدم قرعة لسكير فقبض الرجل على ذراعه وهمس في أذنه: سمعت ~~الرجال وهم يقولون إنه لا يغدر بعاشور إلا درويش! # ففزع الخمار وهرع إلى دكان محمود قطائف وأفضى إليه بما سمع وهو يرتعد ~~من الذعر، حتى ضاق به شيخ الحارة وقال له بحدة: لا تفعل كالنساء. ~~- كيف أتهم وأنا لا أغادر البوظة ليلا ونهارا؟! # فتفكر شيخ الحارة مليا وقال له: اهرب، لم يعد أمامك إلا ~~الهرب. # وقد اختفى درويش زيدان فجأة، فلم يعد يعرف إن كان هرب أم قتل، ولم ~~يسأل أحد عنه، وتجاهله محمود قطائف تماما، وما لبث أن حل محله عليوة أبو ~~راسين بياع المنزول وكأن درويش لم يكن. # 10 # ومضت الأيام لا تحمل بصيصا من أمل. تسير بطيئة ثقيلة مسربلة بالكآبة. ~~ويئس كل قلب من أن يرى من جديد ms041 عاشور الناجي وهو يمضي بهيكله العملاق، يكبح ~~المتجبرين ويرعى الكادحين وينشر التقوى والأمان. # وترتدي فلة الحداد، ويبكي شمس بلا حساب، ويغرق الأعوان في الحزن ~~والتفكير. وقد اعتقد قوم أن درويش غدر بالرجل في مجلس السماع، ثم سحبه إلى ~~القرافة فدفنه في قبر مجهول. وأصر الناس رغم اليأس على أنه سيرجع ذات يوم ~~هازئا من كافة الظنون. ومن شدة الحزن تصور آخرون أن اختفاءه كرامة من كرامات ~~الأولياء. # ومضى سحر العادة القاسي يفعل فعله بالخطب، يعاشره ويألفه ويهونه، ~~ويدفعه في تيار الأحداث اللانهائية فيذوب في عبابها. # لقد اختفى عاشور الناجي. # ولكن الزمن لن يتوقف وما ينبغي له. # 11 # وكان لا بد من اختيار فتوة جديد للحارة قبل أن ينفرط نظامها أو تدوسها ~~أقدام الحارات المتربصة. وانحصر الاختيار بين غسان ودهشان باعتبارهما أقوى ~~الرجال وألصقهما بالناجي، ولم يلتفت إلى شمس الدين لحداثة سنه ونعومة مظهره. ~~وانحاز رجال لكل رجل، فتقرر اتباع ما يتبع عادة في هذه الأحوال؛ وهو أن ~~يتصارع المتنافسان في صحراء المماليك، ثم يتوج الفائز فتوة للحارة. # تلقت فلة تلك الأنباء، ورأت شمس الدين وهو يرتدي جلبابه استعدادا ~~لشهود المعركة ضمن الأتباع، ففاضت دموعها وراحت تندب حظها. وضاق الشاب بذلك ~~فقال: لا يمكن أن تعيش الحارة بلا فتوة. # فتساءلت بحدة: وهل تخلف القطط الأسود؟ ~~- لا حيلة أمام قضاء الله. ~~- سوف ترتد الفتونة إلى عهد البلطجة والطغيان. # فقال الشاب بحرارة: ليس من اليسير النكوص عن تراث الناجي. # فتنهدت وقالت وهي تخاطب نفسها: أمس كنت رغم الفقر السيدة، ومن الغد ~~سأكون الأرملة الحزينة المهجورة، أبتهل للمجهول بلا أمل، أحلم بالفراديس ~~المفقودة، أنزوي عند الأفراح، أخاف الظلام، أحذر الرجال، أتجنب النساء، ولا ~~صديق إلا الإهمال والنسيان. # فقال بعتاب: ولكنني لم أمت بعد يا أمي! ~~- فليمد الله في عمرك حتى تلعن الحياة، ولكنه تركك يافعا، سواق كارو، ~~لا مال ولا جاه، ولا عملقة تضمن لك الفتونة. # فتمتم في كآبة: آن لي أن أذهب، أستودعك الحي الذي لا يموت. # وتأبط عصا أبيه العجراء وذهب. # 12 ms042 # نشأ شمس الدين في مسكن متقشف؛ فلم يعرف من الحياة إلا البساطة والكدح. ~~لم تحتفظ ذاكرته بصورة واحدة من دار البنان السامقة. وكان عاشور يتملى وجهه ~~الوسيم، المقتبس من وجه أمه، ويقول باسما: لن يصلح هذا الولد للفتونة. # وأرسله إلى الكتاب، وسكب في قلبه أعذب ألحان الحياة، ولم يهمل جانب ~~القوة فعلمه ركوب الخيل واللعب بالعصا والمصارعة، وإن لم يفكر أبدا في ~~إعداده للفتونة. ولما درج شمس الدين في الوعي بنفسه وبما حوله، أدرك سطوة ~~أبيه غير المحدودة، وسرعان ما ارتطم بالتناقض الحاد بين «عظمته» وبين حياته ~~الفقيرة الكادحة. وقال له مرة عند قدوم عيد: أريد يا أبي أن أرتدي عباءة ~~ولاثة. # فقال عاشور بحزم: ألا ترى أن أباك لا يرتدي إلا الجلباب؟ # وكانت فلة تضيق بالحياة مثل ابنها، وكانت تقول لعاشور على مسمع من شمس ~~الدين: لو أخذت من الإتاوات ما يضمن لك حياة كريمة ما لامك أحد. # فيقول لها عاشور: بل عليك أن تربي الدجاج لتهبي حياتنا شيئا من اليسر ~~المشروع. ثم يقول مخاطبا شمس الدين: لا قيمة لبريق في هذه الحياة بالقياس إلى ~~طهارة الضمير وحب الناس وسماع الأناشيد! # ودربه على الكارو، وتبادلا العمل عليها، ولما شارف الستين تركها له ~~أكثر الوقت. وكان شمس الدين يعجب بأبيه ويجله، ويحن في الوقت ذاته إلى ~~الحياة السائغة، ويؤيد أحيانا أماني أمه الجميلة، وبدافع من هذه الرغائب ~~الكامنة قبل بسلامة نية «عيدية» قدمها له صاحب الوكالة، فبادر إلى شراء ~~عباءة ولاثة ومركوب، وخطر مزهوا بها صباح يوم العيد. وما إن رآه عاشور حتى ~~أخذه من تلابيبه إلى البدروم، ثم لطمه لطمة دار بها رأسه، وصاح به: يتسللون ~~إلي من ثغرة ضعفك بعد أن أعيتهم إرادتي الصلبة! # وألزمه برد الملابس إلى البائع، ثم برد العيدية إلى صاحب الوكالة. وأدرك ~~شمس الدين أنه لا قبل له بغضب أبيه، وخجل من نفسه، وخذلته أمه فلم تجرؤ على ~~الدفاع عنه أو الوقوف إلى جانبه. ~~- ولكن الحب - لا العنف - كان ما يربط شمس الدين بأبيه، ms043 فكان تلميذه ~~ونجيه وصديقه، وتشبع بكلماته وبمثاله وبتقواه ونزوعه إلى الألحان والنجوم، ~~ومضى بالكارو فخورا، وقاهرا لنزعات الضعف التي تومض بين الحين والحين في ~~أعماقه. # ورغم الفقر كان الحب والإجلال يحفان بهم حيثما ذهبوا، فهل يستمر الحال ~~كما كان؟ # ها هي أمه ترنو إلى الغد بأعين طافحة بالهواجس! # 13 # في صحراء المماليك الوحشية المترامية لاح الرجال كحفنة من رمال. أرض ~~الهاربين وقطاع الطرق، مأوى الجن والزواحف، مقبرة العظام المطمورة. غسان ~~يتقدم هلالا من رجال، يقابله غير بعيد دهشان ورجاله. الأعين تترامق تحت أشعة ~~شمس محرقة، وتتلقى من لظى الرمال جحيما. الخلاء المحيط يرنو بعين باردة ~~ساخرة قاسية منذرا المنهزم بالضياع الأبدي. # أقبل شمس الدين هادئا، اختار موقفه في مركز بين الجماعتين، معلنا ~~حياده، ومعلنا في الوقت ذاته استعداده للانضواء تحت راية المنتصر. ورفع يده ~~تحية وقال بصوته الجهوري الخشن الذي لم يرث عن عاشور سواه: سلام الله على ~~رجال حارتنا. # فتمتمت شفاه جافة من التحفز والإصرار: سلام الله على ابن العظيم ~~الطيب. # وتذكر شمس الدين أن أحدا من الفريقين لم يسع إلى ضمه إليه ولا إلى ~~نيل بركة أمه. أجل ففي ميدان الصراع الوحشي لا يكترث بالنساء ولا ~~باليافعين. # وانضم شعلان الأعور إلى موقف شمس الدين وهو فتوة متقاعد بالكبر، ويقوم ~~من الجماعة مقام الناصح الأمين. قال شعلان يمهد للمصارعة: سيبدأ الصراع بين ~~غسان ودهشان، فليتذكر كل واحد من الجماعة واجبه. # وحرك يده محذرا وواصل: يلزم كل مكانه، يرضى بما يقع، وخرق العهد ~~معناه الضياع للجميع. # لم ينبس أحد. ظل الخلاء يرنو بنظرته الباردة القاسية الساخرة، ونعق ~~غراب في القبة الصافية، فعاد شعلان الأعور يقول: للفائز الحق، وعلى الجميع ~~الطاعة وأولهم الخاسر. # استسلمت الجباه المبللة بالعرق للمقادر ولم تعترض، فخاطب شعلان غسان ~~متسائلا: تتعهد بالطاعة إذا الآخر انتصر؟ # فقال غسان: أتعهد والله شهيد. ~~- وأنت يا دهشان؟ ~~- أتعهد والله شهيد. # فقال شعلان: اللمسة كافية لتقرير النصر، والحذر الحذر من عنف لا يورث ~~إلا الضغينة. # واتسعت الدائرة فاقتصرت الحلقة على غسان ودهشان. ms044 جسمان متينان يلعبان ~~بالنبوت لعب الحواة ويتحفزان. وثب غسان إلى الأمام فانقض عليه دهشان. ~~التحم النبوتان وتحاورا برشاقة ومكر ودهاء. يجهد كل للنفاذ إلى ملمس، ~~فيقابل بالصد والرد والإفلات، ويستحر الهجوم والحذر والإصرار، وتبارك ~~الشمس النضال بجحيمها المستعر. # وبحركة خاطفة مباغتة يعمى الحذر فيلمس نبوت غسان ترقوة دهشان. # وتهتف جماعته بحماس متقد: غسان! غسان! اسم الله عليه! # وتراخى دهشان وهو يلهث ويتجرع ~~الأسى. ومد له غسان يده وهو يقول: نعم الأخ أنت ! # فشد عليها دهشان وهو يتمتم: ونعم الفتوة أنت! # ورددت الأفواه بنبرة منغومة: اسم الله عليه! اسم الله عليه! # ودار غسان حول نفسه في رشاقة وسعادة وهو يتساءل: هل من معترض؟! # استبقت الحناجر إلى المبايعة. ولما هدأت العاصفة ارتفع صوت يقول: إني ~~أعترض يا غسان. # 14 # انجذبت الأنظار نحو شمس الدين في ذهول. كان يقف بقامته الرشيقة المائلة ~~للطول، رافعا وجهه الوسيم، وبشرته بأشعة الشمس تحترق. تمتم غسان: أنت يا شمس ~~الدين؟! # فأجابه بثبات: نعم يا غسان! ~~- أتطمع حقا في الفتونة؟ ~~- هي واجبي ومصيري. # فقال شعلان الأعور بإشفاق: أبوك نفسه لم يعدك لها! ~~- تعلمت أشياء، وعرفت أشياء لا يستثمرها مثل فتوة! ~~- الخير وحده لا يكفي! # فلعب شمس الدين بنبوت أبيه في ~~رشاقة خلابة، فصاح غسان: يعز علي أن أسيء إليك. ~~- لندع النبوت يتكلم! ~~- إنك غلام يا شمس الدين! # فقال بإصرار: إني رجل من صلب رجل. # فرفع غسان وجهه إلى السماء تحت النار المندلعة وصاح: عفوك يا عاشور ~~ومعذرة! # لم يرتح أحد لما يجري. التوت الشفاه بالامتعاض، وتبدت نظرة الخلاء ~~أبرد وأقسى وأسخر مما كانت. # وبدأ شمس الدين المعركة فتلاقى الخصمان، وتفجرت معجزة في اللحظة الأولى ~~فتسلل نبوت شمس الدين إلى ساق غسان والتصق. وقف غسان ذاهلا، وخيل إلى ~~كثيرين أنه استهان بخصمه فحدث ما حدث. المعركة لم تبدأ فكيف هكذا تنتهي؟ وتمادى ~~غسان في ذهوله، ولم يهتف أحد. ومد شمس الدين يده وهو يقول: نعم الأخ ~~أنت! # فتجاهل غسان يده، وتوثب بين حاجبيه الغضب. وصاح شعلان الأعور مشفقا ~~ومحذرا: ms045 غسان امدد يدك! # فهتف غسان: إنها ضربة حظ وقدر. ~~- ولكن شاء الله أن ينتصر. # فهتف غسان بإصرار: النبوت حكم فاصل لمتماثلين في القوة، ولكن شمس الدين ~~عود أخضر ما أيسر أن ينكسر، أم تريدون أن تكونوا لقمة سائغة لكل حارة، ولعبة ~~بيد كل فتوة مقتدر؟! # عند ذاك رمى شمس الدين نبوته، ونضا عنه ملابسه إلا ما للعورة يستر، ووقف ~~بقامته الرشيقة المتألقة بلعاب الشمس ينتظر. # وابتسم غسان ابتسامة ثقة، وفعل مثل ~~صاحبه وهو يقول: سوف أحميك من شر نفسك. # وتقاربا خطوة فخطوة حتى التصقا تماما، ولف كل منهما ذراعه حول الآخر. ~~وشد كل بما فيه من عزم وإصرار وقوة حتى انتفخت منه العضلات ونفرت العروق. ~~انغرزت الأقدام في الرمال، وتعملقت إرادة صلبة تروم اعتصار الخصم وتصفية ماء ~~حياته. وحملقت الأعين في ذهول وتوقعت لدم أن ينفجر. وتتابعت الثواني ~~منصهرة في الأتون الملتهب. وانحبست الأنفاس فلم تسمع نأمة واحدة. حتى ~~تلاقى حاجبا غسان في عبوسة حاقدة. وبدا متحديا للمستحيل والقدر، أو أنه ~~يغالب الغرق، ويدافع المجهول ولو بالجنون. ويطلق الحقد الأعمى على اليأس ~~الزاحف، ويتخاذل رغم الإصرار والكبرياء والغضب، ويتخبط وتترنح ساقاه، ~~ويتهاوى في العجز ويشهق، فلا يرحمه شمس الدين حتى تسقط ذراعاه وتتداعى رجلاه ~~وينهدم. # ويقف شمس الدين لاهثا غارقا في العرق، ويغلب صمت الذهول، حتى يمضي شعلان ~~الأعور إليه بملابسه وهو يقول: نعم الفتى، ونعم الفتوة! # وتنطلق الحناجر هاتفة: اسم الله عليه! اسم الله عليه! # وصاح دهشان: ها قد بعث عاشور الناجي! # فقال شعلان الأعور: اسمه الجديد شمس الدين الناجي. # وظل الخلاء محيطا متراميا مثابرا على جلاله وتعاليه. # 15 # وكانت الحارة تنتظر زفة الفتوة الجديد. راهن كثيرون على غسان، كما راهن ~~كثيرون على دهشان، ولكن لم يخطر ببال أحد الفتى المليح شمس الدين. ولما ~~ترامت الأخبار ذهل الجميع، وسرعان ما انقلب الذهول فرحة شاملة. فرح ~~الحرافيش ورقصوا وقالوا إن هذا يعني أن عاشور حي لم يمت. # وتساءل محمود قطائف بامتعاض شديد: هل رجع عصر المعجزات؟! # واستقبل شمس الدين بالبهجة ms046 والأفراح، وحتى فلة زغردت رغم ~~الحداد. # واستمع شيخ الحارة إلى القصة كما رواها شعلان الأعور بكآبة دفينة، وراح ~~يتساءل: ترى هل يمتد عهد التجهم والفقر؟! # 16 # وقال شمس الدين لأمه فلة مزهوا: كنت أعد نفسي لذلك. # فقالت بابتهاج: حتى أبوك لم يصدق. # فقال بجدية: ما أشق أن يكون مثلي خليفة لأبي. # فقالت بدهاء: لا تنس عدوك غسان، ولكن بيدك أن تملك قلوب رجالك! # فتجهم وجهه وقال: إني اليوم الأمل فلا خاب الأمل. # فقالت بإغراء: الاعتدال سيد الأخلاق. # فقال بإصرار: إني اليوم الأمل فلا خاب الأمل. # 17 # ومضت الأيام هازجة بالأفراح، وآمن الناس بأن عاشور الناجي لم يمت. وكان ~~غسان يسهر في البوظة فيسكر ويغني: # البخت إن مال حتعمل إيه بشطارتك؟ # وذات مرة قال له شعلان الأعور: ألم تشبع من هذا الموال؟! ~~عليك أن تنقي قلبك. # فقال دهشان: إنه يفتحه للشياطين. # فقال غسان بغلظة: إنك لا تغفر لي انتصاري عليك يا دهشان. ~~- عليك اللعنة، بل عاملتك بالأصول. ~~- لولا الحقد ما رحبت بفتونة غلام! # فتساءل دهشان بحنق: ألم ينتصر بكل جدارة؟ # وعند ذاك تساءل عليوة أبو راسين الخمار: قلبي يحدثني بأن فتوتنا الجديد ~~سيكون من زبائني الكرام. # فقهقه غسان وقال: أحلق شاربي لو فعل، ولن نحظى منه إلا بالفقر. # فصاح شعلان الأعور: لن تمر الليلة على خير! # فقال غسان ساخرا: هذيان سكران يا شعلان. ستمر الليلة مثل كل ليلة، ومثل ~~الليالي السعيدة الغابرة التي شهدت ست الستات وهي تخطر بين السكارى بجمالها ~~الفتان! # ورماه دهشان بالقرعة فأصاب صدره وصرخ في وجهه: يا وغد! # ووقف غسان متحديا، فوثب شعلان نحوه وقال له بحزم: لا حياة لك في هذه ~~الحارة! # فأدرك خطأه رغم سكره، وغادر البوظة وهو يترنح. # 18 # ولم يفكر أحد في إبلاغ شمس الدين بما قيل عن أمه. قال شعلان لدهشان: لا ~~علم للفتى بذلك التاريخ القديم. # فقال دهشان: ولكن من حقه علينا أن نبلغه بتمرد غسان. # وصمم شمس الدين على حسم الأمر بالسرعة الواجبة، فقصد غسان في مجلسه ~~بالقهوة. وقف أمامه ms047 بوجه يموج بالغضب، وسأله: يا غسان هل يمكن أن تخلص لي كما ~~أخلصت لأبي؟ # فقال غسان: لقد عاهدتك على ذلك. ~~- ولكنك كاذب وغير أمين. ~~- لا تصدق الوشاة. ~~- أصدق المخلصين. # ومال نحوه وهو يقول: لن تكون بعد اليوم من رجالي. # ولم ير غسان بعد ذاك اللقاء في الحارة. # 19 # لم يتغير شيء من عهد عاشور الناجي. خلفه شمس الدين راعيا للحرافيش، ~~شاكما للسادة والأعيان. وثابر الفتوة على عمله سواقا للكارو، كما اشتغل كل ~~رجل من رجاله بحرفته. ولم يتخل عن شقته الصغيرة مسكنا، وسد أذنه دون ~~همسات أمه المتوسلة. امتلأت أعطافه بالعظمة الحقيقية، وروى ظمأ قلبه بحب ~~الناس وإعجابهم، وسرعان ما صار من رواد الزاوية وأصدقاء الشيخ حسين قفة. ومن ~~أموال الإتاوات جدد أثاث الزاوية، ورحب باقتراح للشيخ حسين قفة فأنشأ ~~كتابا جديدا فوق السبيل. # ولم يغفل عن مسئوليته حيال الحارة والناس أبدا. شعر بثقل الأمانة ~~وخطورتها شأن المخلصين من الرجال. ولا شك أن فتوات الحارات المجاورة قد ~~استردوا أنفاسهم باختفاء العملاق المهيب، وراحوا يتحرشون ببعض الباعة ~~المتجولين من أبناء الحارة. فلكي يؤكد قوته وينفض عنها شبهات الظنون، ولكي ~~يثبت أن ملاحته ورشاقته لا ينقصان من فتونته، قرر أن يتحدى أقوى ~~الفتوات وهو فتوة العطوف. وتحين فرصة زفة عطوفية فتعرض لها في ميدان ~~القلعة، فدارت بين الفريقين معركة حامية انتصر فيها انتصارا حاسما اجتاحت ~~أنباؤه الحارات جميعا، فأيقن كل من داعبه أمل التحدي أن شمس الدين لا يقل ~~عن عاشور قوة وبأسا. # هكذا حافظت الحارة على نظامها المثالي في الداخل، وعلى سمعتها خارج نطاق ~~الميدان. # 20 # رغم ذلك رجع شمس الدين من معركة العطوف مبلبل الخاطر. الزوبعة الثملة ~~بالقوة والنصر تتشرب بالأتربة والقاذورات. لقد قال له فتوة العطوف وهو ~~يتوثب للالتحام: أقدم يا ابن الزانية! أقدم يا ابن عاهرة خمارة ~~درويش! # وملأ سبابه الأسماع. هلل له رجاله وزمجر الآخرون. أهو محض سباب مما ~~تتفتح به المعارك؟ أم هو تاريخ يعلمه الجميع ويجهله هو بحكم حداثة ~~سنه؟ # وخلا إلى شعلان الأعور وسأله ms048 عما ~~يعنيه الرجل، فقال له شعلان بحدة: نباح كلب جريح! # وقال له أيضا: إن امرأة يختارها عاشور الناجي زوجة له ووعاء لذريته لا ~~يمكن أن ترتقي إليها شبهة من الشبهات. # واطمأن قلبه، ولكن لفترة قصيرة. لم يسترد الصفاء. وهامت في صدره ~~الهواجس مثل السحائب في اليوم المطير. وفي وقت راحته جعل يسترق النظرات إلى ~~فلة. إنها في الأربعين أو دون ذلك، مليحة ملاحة فائقة، صغيرة الجسم، رشيقة ~~فاتنة. عيناها تنفثان سحرا خالصا. تقية محترمة وذات شخصية مؤثرة. لا ~~يمكن أن يتصور ذلك، والويل لمن تسول له نفسه اقتحام محرابها! كم تعلق ~~بها لدرجة الهوس، حتى قال له عاشور الناجي يوما: الرجل الحق لا يتعلق بأمه ~~مثلما تفعل. # واستصحبه معه وهو صغير، فكان يأكل وينام فوق الكارو، ودار في فلك أبيه ~~منتزعا من الأحضان الدافئة. # ترى ماذا شهدت خمارة درويش؟ هل يوجد رجال يعرفون من خفايا أمه ما لا ~~يمكن أن يعرف؟! # وغمغم بغضب: الويل لمن تسول له نفسه اقتحام محرابها! # 21 # وذات يوم رأى وجها أرجعه سنوات إلى عهد الطفولة. كان يمضي بالكارو نحو ~~الميدان فاعترضته معركة عجيبة ناشبة بين فتاة وفتى؛ كانت الفتاة تثب ~~كالنمر فتلطم الفتى، تبصق على وجهه، قاذفة إياه بسيل من الشتائم، وهو يتفادى ~~من هجماتها، يرد الشتائم بأقبح منها، والناس من حولهما يتفرجون ~~ويتضاحكون. # ولما رأى الناس شمس الدين حيوه، وتوقفت المعركة، فهرب الفتى، وراحت ~~الفتاة تلتقط ملاءتها من الأرض وتلتف بها وهي ترامقه في حياء. # أعجب شمس الدين بحيويتها، ونضارة وجهها، ومرونة جسدها. ورأته يرنو إليها ~~فقالت معتذرة: قل أدبه يا معلمنا فأدبته. # فتمتم باسما: أحسنت، ما اسمك؟ ~~- عجمية. # ثم بمزيد من الحياء: ألا تذكرني يا معلم؟ # وتذكرها فجأة فقال بدهشة: بلى، كنا نلعب معا. ~~- ولكنك لم تتذكرني. ~~- تغيرت كثيرا، أنت ابنة دهشان؟ # فحنت رأسها وذهبت. # ابنة معاونه دهشان، ولكن لشد ما تغيرت. # وأشعلت حواسه فتدفق شبابه مثل أشعة الظهيرة. # 22 # وعند مشارف الغورية رأى عيوشة الدلالة وهي تشير إليه فتوقف. تبين له ~~أنها ms049 بصحبة سيدة أخرى، سيدة ذات بهاء يلفت الأنظار بملاءتها الكريشة ~~وعروس برقعها الذهبية، وعينيها المكحولتين الجميلتين، وجسمها المدمج ~~الريان. وسرعان ما اتخذت المرأتان مجلسهما فوق العربة وعيوشة تقول بنبرتها ~~العجوز: الدرب الأحمر يا معلم. # وثب إلى مقدمة الكارو وهو يتمنى لو يخطف من المرأة نظرة أخرى. # وجعلت عيوشة تقول: ما أجمل أن تسوق الكارو يا فتوتنا وأنت إن شئت أن تعيش ~~حياة الوجهاء ما منعك مانع! # فسعد بقولها ولكنه لم ينبس. إنه يسعد بدفء الحب، ويمتلئ بأريج العظمة ~~الحقيقية، ويمحق بذلك خطرات الضعف والغواية. وتوقع أن تقول الجميلة شيئا ~~ولكنها لاذت بالصمت حتى غادرت العربة في الدرب الأحمر. هناك ملأ منها عينيه، ~~وأتبعها ناظريه وهي تمضي نحو رواق المشايخ. # ولبثت عيوشة بمحلها فنظر نحوها متسائلا فتمتمت: القلعة. # مضت العربة وهو صامت. صمت رغم أنه رغب في التكلم. وإذا بالعجوز تسأله: ~~ألم تر من قبل ست قمر؟ # فشكر للمرأة فتحها الحديث وأجاب: كلا. ~~- هذا شأن السيدات المصونات! ~~- من حارتنا؟ ~~- نعم، أرملة غاية في الجمال والغنى. # فتساءل: ولم لا تستقل الحنطور؟ ~~- رغبت في عربة فتوتنا! # فالتفت نحوها فقرأ في عينيها الكليلتين نظرة باسمة ماكرة. اشتعلت ~~حواسه مرة أخرى. استحضر صورة عجمية فتراقصت الصورتان في وجدانه وثمل. وقالت ~~عيوشة: أعجبتك ولا شك؟ # فسألها بخشونة مصطنعة: عم تسألين يا ولية؟ # فقالت ضاحكة: مهنتي بيع الملابس والسعادة للناس. # فانقطع عنها في حذر. # وعند ميدان القلعة غادرت العربة وهي تقول له: للكلام بقية فلا تنس ~~عيوشة. # 23 # وتلاقت به أكثر من مرة فوق الكارو، عيوشة الدلالة. الغزو يطرق بابه ~~بعنف، ولكن ضعفه الحقيقي يكمن في قلبه الفتي، في شبابه المتوقد. قمر تناوشه ~~بأبهتها، وعجمية تناوشه أيضا بشبابها، ولعله يتجاوز عمره اليافع في إدراك ما ~~يعنيه زواجه من سيدة في مركز قمر، وما يعنيه زواجه من فتاة مثل عجمية. ثمة ~~عاصفة تتوثب في الأفق. من المستحسن أن تقصف بوادرها وأن يخوض ضرباتها ليحظى ~~في النهاية بالهدوء والاستقرار. # وفي جلسة المساء عقب العشاء رأى أمه في حال غير ms050 عادية. عيناها الجميلتان ~~تبرقان بالمكر، وتنفذان إلى دوامة هواجسه. وها هي تسأل في عتاب: ماذا يجري ~~وراء ظهري؟ # حسن. إنه يرحب بالمكاشفة، ويرغب في هتك أسرار قلبها المتمرد. ~~- عم تسألين؟ # فرفعت رأسها في كبرياء من يتعالى على الانخداع وتساءلت: أي لعبة تلعبها ~~عيوشة الدلالة؟ # وقال لنفسه إنه لا سر يصان في فم عيوشة المثرم. وابتسم مستسلما وهو ~~يتمتم: إنها تمارس مهنتها. # فقالت بحدة: قمر في مثل سن أمك وهي عقيم! # فقال رغبة في الإثارة ليس إلا: ولكنها جميلة وغنية! ~~- لم يبق من عمر جمالها إلا أيام، وإذا كنت ترغب حقا في الثراء فماذا ~~يصدك عنه؟ # فتساءل منكرا: أترضين لي خيانة عهد عاشور الناجي؟ ~~- ولكن الإثراء عن طريق امرأة لا يقل عن ذلك عارا! # فقال لا عن إيمان ولكن تماديا في إثارتها: لا أظن ذلك. ~~- حقا؟! إذن دعني أختر لك عروسا مناسبة من بنات الوجهاء! ~~- هو أيضا إثراء عن طريق امرأة! ~~- ولكنه طبيعي لا شذوذ فيه، وأصارحك بأن هذا ما يتمناه قلبي! فرنا ~~إليها بقلق وقال: إنك لا تسلمين بحياتنا المجيدة إلا مضطرة، أصدقت حقا ~~أني أستهين بحب الناس وبالعظمة الحقيقية؟ ~~- أكنت تمكر بأمك؟ ~~- كنت أداعبها! # فقالت باستياء: لست أنانية كما تتصور. أمس فقط رفضت يد سيد وجهاء ~~الحارة! # فقطب منزعجا وقد تخضب وجهه بالدم، فقالت: وعيوشة كانت الواسطة ~~أيضا! ~~- عليها اللعنة! ~~- قلت لها إن أرملة عاشور الناجي لا تقبل أن يحل محله رجل آخر. # فقال بجفاء: أقل ما يمكن أن يقال. # فقالت بتحد: قلته إكراما لأبيك لا خوفا منك. ~~- ومن الوغد؟ ~~- ليس وغدا، وما طلبه مشروع. ~~- من هو؟ ~~- عنتر الخشاب صاحب الوكالة! # فقال بازدراء: إنه متزوج ويماثلني في السن! # فهزت منكبيها استهانة وقالت: هذا ما كان! أما حالنا فنحن نجري ~~العدل بين الناس ونظلم أنفسنا! # فقال بحزم: لقد قال أبي كلمته وما علي إلا الطاعة. # وقال لنفسه إن قلبها لطموح، إنها متمردة، ترى ما حقيقة تاريخك أيتها ~~السيدة التي أحبها أكثر من أي شيء في الوجود؟ # 24 # اعترف شمس الدين ms051 بأن أمه قوية وعنيدة. اعترف أيضا بأنه يحبها ويحترمها، ~~لا باعتبارها أمه فحسب، ولكن بصفتها أرملة عاشور الناجي أيضا. أجل إن ~~عاشور الناجي أبوه، ولكنه يمثل في الوقت ذاته حقيقة أكبر من الأبوة. وهو ~~يهيم بهذه الحقيقة أكثر من الأبوة نفسها، هي محور حياته. ومعقد أمله، وسر ~~افتتانه بالعظمة الحقيقية. # لذا قرر أن يصيب هدفه دون مشاورة عقيمة. # مضى بصديقه دهشان إلى الساحة أمام التكية في أول الليل. كانت ليلة من ~~ليالي الصيف الرائقة، والحناجر تشدو بألحانها، والنجوم فوقها تتوامض في ~~سلام. # وقال شمس الدين لدهشان: في هذا المكان الطيب كان عاشور يخلو إلى نفسه ~~ويواصل أسمى أفكار الحياة. # فدعا دهشان لمعلمه القديم بالرحمة في السموات، فقال شمس الدين: وقد اخترته ~~لتحل بركته بما سأطلبه منك. # فتمتم دهشان: إني رهن أمرك ولتحل به البركة. # فقال شمس الدين بهدوء: أريد ابنتك عجمية على سنة الله ورسوله! # وأخذ دهشان بما لم يتوقع فانعقد لسانه، فسأله شمس الدين بلطف: ما قولك ~~يا دهشان؟ ~~- يا له من شرف لم أحلم به يا معلمي! # فمد له يده قائلا: إذن فلنقرأ الفاتحة. # 25 # ولدى رجوعه إلى بيته من الساحة مارس شعورا أليما، شعور التحدي لسطوة ~~أمه، السطوة القوية الناعمة. قال وهو يجالسها في هدوء غامض: أمي، قرأت الآن ~~فاتحة عجمية بنت دهشان. # وللحظة لم تفهم فلة شيئا، ثم رنت إليه في ذهول: ماذا قلت؟! # فقال بإباء داخلي: قرأت فاتحة عجمية بنت دهشان. ~~- مزاح من جديد؟ ~~- هي الحقيقة يا أمي. # فتساءلت محتجة: أما كان يجب أن تشاورني قبل أن تفعل؟ ~~- بنت مناسبة وأبوها رجل مخلص. ~~- أبوها رجل مخلص ولكن أما كان يجب أن تشاورني؟ # فقال بهدوء: إني أعرف رأيك مقدما وهو مستحيل. # فتمتمت محزونة: يا للخسارة! # فتساءل باسما: ألا أستحق تهنئة طيبة؟ # وترددت قليلا، ثم اقتربت منه فلثمت جبينه وتمتمت: فليبارك المولى ~~خطواتك. # 26 # واستأذن شيخ الحارة محمود قطائف في مقابلة شمس الدين. وتذكرت فلة خطوة ~~مثل هذه في العهد القديم، فغمغمت «عليه اللعنة». فاستقبله شمس الدين ms052 فأجلسه إلى ~~جانبه على الكنبة الوحيدة في الحجرة. ورغم تجاوزه الستين بدا متمتعا بالصحة ~~والحيوية، وأقدر على الصمود لضآلة جسمه وخفته. وقدمت فلة القهوة وقد لفت ~~رأسها بخمار أسود، وجاملته قائلة: كيف حالك يا معلم محمود؟ # فدعا لها الرجل بالصحة والبركة وقال: ليتك تشرفين مجلسنا بحضورك لننتفع ~~برأيك! # فتبادلت فلة نظرة مع شمس الدين، ثم جلست على حافة الفراش؟ وتوثب شمس ~~الدين للاستماع وهو لا يتوقع خيرا. كان يعد محمود قطائف بين كارهيه ~~المكظومين، مثل الأعيان، ومن فقدوا بفتونته الجاه والسيطرة. وقال شيخ الحارة: ~~الحلم سيد الأخلاق، والكمال من شيم القادرين. # فهز شمس الدين رأسه دون أن ينبس، فواصل الرجل: بكل أمانة يا معلم شمس ~~الدين إني مفوض من الأعيان للحديث معك. ~~- ماذا يريدون؟ ~~- لهم رغبة شريفة صادقة في الاحتفال بزفافك. # فقال شمس الدين ببساطة: سيجري زفافي في نطاق قدرتي كسواق كارو. ~~- ولكنك فتوة الحارة أيضا؟ ~~- لن يغير ذلك من وضعي كما تعلم. ~~- إنك فتوة الجميع، فتوة الأعيان، كما أنك فتوة الحرافيش، ومن حق كل فريق ~~أن يحتفل بك بطريقته وفي نطاق قدرته. # والتفت شيخ الحارة نحو فلة وسألها: ما رأيك يا ست أم شمس الدين؟ # فأجابت فلة بدهاء: الكريم يقبل التكريم ولكن الرأي رأيه. # فقال محمود قطائف بارتياح: بالحق دائما تنطقين. # وتجهم وجه شمس الدين فقال: كيف أقبل تكريم أناس أعلم أنهم ~~يكرهونني؟ ~~- كلا لا أحد يكره العدل، ولكنهم يرغبون في تصفية الجو. ~~- إنه لن يصفو بالألاعيب، وإني أخمن أن عندك الكثير فهات ما عندك. ~~فتحرج محمود قطائف مليا، ثم قال: إنهم يقولون إن جميع الناس يتمتعون ~~بالعدل والكرامة عدا الأعيان وأصحاب النشاط الحقيقي، فهل هذا من العدل؟! # ها هي جيوش الظلام تتحرك. تريد أن تطمس قبسات النور في زوايا الحارة ~~وأزقتها. يتوهمون أن شمس الدين صبي يافع تخلب لبه الزينة كما تخلب ~~لب أمه الجميلة. فارفع عصا عاشور العجراء واهو بها على نبضات الفتنة ~~والغرور والإغراء. # وتساءل بخشونة: ألا يعيشون في أمان وراحة بال؟ ~~- حلمك يا معلم، لم ms053 لا تؤخذ الإتاوات إلا منهم؟ ~~- هم وحدهم القادرون. ~~- ولكن الناس تفسر ذلك على هواهم ويستهينون بهم! # فقال بغضب: إنهم يأبون إلا الرفعة لأنفسهم والدونية للآخرين. # فصمت محمود قطائف مليا، ثم قال: من حقهم أن يطالبوا باحترام يكافئ ~~أعمالهم. ~~- ماذا تعني؟ ~~- ماذا كانت تكون حارتنا لولاهم؟ دورهم زينة، أسماؤهم نجوم في الحي، من ~~حوانيتهم يتدفق الغذاء والكساء لحارتنا، ومن أموالهم شيدت الزاوية والحوض ~~والسبيل والكتاب الجديد، ألا يكفي ذلك كله؟! # فاحتد شمس الدين غاضبا وقال: لولا أبي ما انتفع بأموالهم أحد، انظر إلى ~~نظرائهم في الحارات الأخرى ماذا يفعلون؟! # فلاذ شيخ الحارة بالصمت مرة أخرى، بدا مترددا، فقالت فلة: تكلم، ما ~~على الرسول إلا البلاغ. # فتشجع محمود قطائف قائلا: إنهم يرون أنهم مظلومون، كما يرون أنك ~~ورجالك مظلومون أيضا. يقولون إن منزلة الفتوة الحقيقية بين الأعيان، وإن ~~الأعيان فضلهم الله درجات على الناس، ولن ينتقص ذلك من حق الفقير في ~~العدل! # فصاح شمس الدين: وضح الأمر يا شيخ الحارة، إنهم يغرونني بنبذ العهد ~~والارتماء في أحضان البلطجة. ~~- معاذ الله! ~~- هي الحقيقة وإنك لتؤمن بما أقول. ~~- معاذ الله يا معلم. ~~- إليك رأيي النهائي ... # فقاطعه واقفا وهو يقول بتوسل: بل فكر في الأمر قليلا. لا أطالبك إلا ~~بتأجيل الحكم حتى تفكر. ومرق من الحجرة كالهارب. # 27 # اختفى محمود قطائف تاركا خلفه رائحة تبغ وعرق، وترك صمتا تتلاقى فيه ~~النظرات وتتباعد. وثمة تناحر بين الفتى وأمه، بين الفتى وغرائزه، وزينة ~~الدنيا ذات رائحة نفاذة ينجذب إليها لحل الأهواء المكبوتة. في هذه الحجرة ~~الحقيرة تضطرم أحلام باللآلئ والنعيم والضجعة الطيبة. همسات النفس يحمر لها ~~الوجه خجلا؛ أمه الجميلة المتمردة ذات الالتفاتة الساحرة، جمالها مجهول ~~النسب يتجسد ضعفه البغيض المستتر. # وقال لها متحديا: الفتوة كما تعلمت هو حامي الحارة وراعيها وكابح قوى ~~الشر فيها. # فقالت ساخرة: وهو لا يتميز عن أي متسول فيها! # فقال بحرارة: أمي، كوني معي لا علي! ~~- إني معك دوما والله شهيد. # فهتف منقضا على أمه ونفسه معا: أريد أن أكون جديرا باسم ms054 الناجي ~~وعهده. # فقالت أمه بظفر: عاشور لم يتردد عن وضع يده على دار البنان ~~الخالية! # فقال غاضبا: العبرة بالخاتمة! ~~- بل أعطانا في كل حال مثلا يحتذى. # فقال بازدراء: سيجيء زمن نلصق فيه بعاشور العظيم كل خلجة ضعف تضرب في ~~نفوسنا. # 28 # مشى شمس الدين بحذاء الحمار مطمئنا ومثخنا بالجراح. طالما رأى الشعاع ~~يسيل مبتهجا عقب الغيوم الممطرة. لا خجل من الضعف إذا المرء عليه انتصر. وما ~~معنى القوة إذا لم تستو فوق خلجات الخور. فانهل من رحيق الحياة السامي ~~النابع من علو الهمم. # وأمام دكان محمود قطائف شد اللجام فتوقفت العربة. # وهرع إليه الرجل متلهفا، ~~فتخطاه بنظرة باردة وقال بحزم: عاشور الناجي لم يمت! # 29 # وكان شمس الدين ماضيا نحو مسكنه ليلا عندما اعترضه شبح امرأة. همست: ~~مساء الخير. ~~- عيوشة! ماذا جاء بك؟ ~~- هلا تبعتني إلى حجرتي؟ # خفق قلبه. خاف الدعوة. ثار فضوله. اشتعل شبابه. مضى وراءها صاغرا. # 30 # همست العجوز وهي تتقدمه في الدهليز: أمرك عجيب! ~~- ماذا؟ ~~- ألا يحق لنا أن نسأل لم يرفض البدر في تمامه؟ # فتحت باب الحجرة فارتمى ضوء المصباح على الأرض. تنحت من أمامه وهي تدفعه ~~بيدها. رأى ست قمر جالسة على حافة الفراش، وهو الموضع الوحيد الصالح للجلوس، ~~مبرقعة ملفوفة في ملاءتها، غاضة البصر من الحياء. # وقف يرنو إليها في غاية من الانفعال. # وتساءلت عيوشة من موقعها فوق العتبة: هل بلغك عنا ما يسوء؟ # فأجاب بارتباك: أبدا. ~~- هل في جمالنا نقص أو عيب؟ # فقال والحذر يسري في حواسه: معاذ الله. ~~- هل هون من شأننا البوح بسرنا؟ # فغمغم بأصوات مغضوضة وجف ريقه. # وأغلقت العجوز الباب فدفعت به إلى الحافة. # وتمتمت قمر بصوت لا يكاد يسمع: إني خجلى، لا أدري ماذا صنعت ~~بنفسي. # فقال ببلاهة: كل خير. ~~- لا تسئ بي الظن. # وتهاوى تحت دفعة طوفان فالتهمت الغريزة الكون كله، وأذعن لمشيئة القوة ~~الملكية المزهوة بالاستهتار والخيلاء والعمى. # وهمست قمر وهي تقاوم مقاومة لا معنى لها: لا تسئ بي الظن. # 31 # وجد شمس الدين نفسه في الدهليز ms055 مرة أخرى. عقب إغلاق الباب وراءه. سبح ~~الظلام في المكان وتسرب إلى حنايا نفسه. أخلفت النار رمادا خانقا وزفرت ~~الدنيا فتورا وأسى. # وعند نهاية الدهليز رأى شبح عيوشة على ضوء النجوم الباهت. همست له وهو ~~يمضي: الأمل في شهامة الرجال لا يخيب. # فتجهم حانقا ومضى مثقلا بالأسى. # 32 # لقد أخطأ ولكن خطأ الآخرين أفدح. وهو مبلبل البال ولكنها امرأة داهية. لن ~~يقع في الشرك كأبله. لن يقامر بمعدنه النفيس، ولو تحمل ألما وكدرا. إن ~~قوى الظلام تتآمر عليه، كما تتآمر عليه أمه ونزعات ضعفه، ولكنه جدير بخوض ~~المعارك. # 33 # وزفت عجمية دهشان إلى شمس الدين الناجي. # وتصدى له شعلان الأعور وهو يقول: هذه ليلة يطيب فيها الخروج على ~~الأصول. # ومضى به إلى غرزة خليل سكر، ومن الغرزة مضى به إلى بوظة عليوة أبو ~~راسين. # وسارت الزفة التقليدية تجوب أطراف الحي يتقدمها الطبل والزمر، وتحدق ~~بها النبابيت. لم يعترضها معترض، وبها رسخت مهابة الفتوة الأكبر. # ورأى شمس الدين أنه يطير بلا توقف، وعند كل محطة تهزه نشوة سرور ~~وإلهام. وباركه عاشور الناجي وهو يمتطي مهرا أخضر. وهزجت له الملائكة فوق سطح ~~السحاب. وانفتح باب التكية وتدفق منه اللحن الملكي وثمار التوت. # أما عجمية فقد حملت على هودج مكلل بالستائر المزركشة. # واستقبلتها فلة بوجه مشرق وقلب كئيب. # 34 # في الصباحية جلس على أريكته المختارة بمدخل القهوة. # لمح عيوشة تتسلل نحوه، ثم تقرفص تحت يمينه. حجبت سحابة ضوء الشمس. همس ~~الصوت المثرم: ألف نهار أبيض! # فشكر، فاستدركت: ولو أني لم أشهد الفرح! # فقال بخمول: دعوتك مباحة في جميع الأفراح. ~~- على أي حال نتوقع أن يشملنا عدل فتوتنا كالآخرين! ~~- أي ظلم تشكين؟ ~~- إني أدافع عن ضعف سيدة جليلة. # فقال بامتعاض: أنت الغاوية! ~~- هل تصح الغواية على القوي الأمين؟! # فتمتم متكدرا: عليك اللعنة. # فنهضت لتذهب وهي تقول: لن نمل انتظار العدل. # 35 # وتمر الأيام. # تزمجر زوابع أمشير، ثم تعقبها رياح الخماسين. تتراكم السحب، ثم يسفر بحر ~~الصفاء الأزرق. # من أول شهر ينشب صراع حام بين ms056 فلة وعجمية، يستحر ويستفحل بلا أمل في ~~سلام، وتنجب العروس ولدا بعد ولد، ويتجاهل شمس الدين الصراع. ~~يشفق من مساندة المظلوم كما يشفق من زجر ~~الظالم. ثبت له أن دخول معركة آمن من الدخول بين امرأتين متعاديتين. وتبدت ~~فلة عنيدة شرسة لا ترحم، كما تبدت عجمية قوية سليطة اللسان متوحشة عند ~~الغضب، رغم مزاياها النافعة في النشاط والتفاني في العمل والإخلاص للزوج ~~والولد. # وسمع ذات يوم فلة تعير زوجته بجد لص، وما يدري إلا وعجمية تصيح بها ~~«يا ربيبة البوظة». عند ذاك فقد صوابه وصفع زوجه صفعة كادت تفقدها ~~الحياة. # ومضى إلى ساحة التكية منفردا بنفسه في الظلام. لم يسمع الألحان ولا رنا ~~إلى نجم. انصهر في نار باطنه الموقدة. هي الحقيقة بلا مراء. يعرفها الأعداء ~~والأصدقاء. لولا سطوته لتغنى بها الكارهون. هي حكايتهم المفضلة وراء ~~الأبواب المغلقة. إنه يعانق الجنون. يعانق الجنون ويرفض أن يحتقر أمه. لو لم ~~تكن بريئة وفاضلة ما تزوج منها عاشور الناجي. اقترانها بعاشور شهادة أبدية ~~بفضلها وخلقا جديدا لها. الويل لمن تسول له نفسه المساس بها. ولكن تبقى بعد ~~ذلك الحقيقة قرحة دامية. وقد جاء الوباء ليهلك أي رجل من العابثين بها. ولكن ~~تبقى الحقيقة قرحة دامية. قدح الحياة حتى في أسعد أحوالها لا يخلو من كدر ~~وسم. الويل الويل للحزن والكدر. # ومن شدة أساه حمل السور العتيق المترامي فوق عاتقه. # 36 # رغم كل شيء اعتبرته أمه متهاونا في حقها، واستسلمت للغضب فرمته بطعنة ~~مفاجئة. انتهزت فرصة غياب عجمية في الخارج وقالت له بجرأة سافرة: قررت أن ~~أتزوج! # فذهل شمس الدين ورماها بنظرة متأججة وهو يتساءل: ماذا؟! ~~- قررت أن أتزوج! ~~- إنك تمزحين. ~~- بل هو الجد. # فصاح: هو الجنون. ~~- لا جنون فيما الله به أذن. # فصرخ بغضب: لن يقع ذلك وأنا حي! # وصار عنتر الخشاب غريمه فأهانه وهدده، حتى اضطر الرجل إلى لزوم داره، ~~وراح يقول لأصحابه: انظروا ماذا يفعل الفتوة العادل؟! # وقال أيضا: إنه يتحدى شريعة الله ذي الجلال. # ويتضاعف غضب شمس الدين، ويتضاعف ms057 حزنه، ويشعر بأن الأرض الطيبة تميد به ~~وأنه ينحرف عن الجادة. # وتصاب فلة بحمى. تتدهور صحتها ولا تنفع معها وصفات العطار. وترنو إليه ~~صامتة، وتعجز حتى عن البكاء، وتسلم الروح في جوف الليل. # 37 # شعر بأنه يقتلع من جذوره وأن الشمس لم تعد تشرق. # وتطايرت شائعات في الحارات المعادية بأن شمس الدين دس السم لأمه ليمنعها ~~من الزواج. وتمادوا فقالوا إنه اكتشف علاقة غير مشروعة بينها وبين عنتر ~~الخشاب. وهاج شمس الدين فخاض معارك حامية دون أن يتحداه أحد، وتمثل في ~~الحي جبارا لا يعرف الرحمة. # وغشيته كآبة دائمة مثل المرض المزمن. وتهولت في خياله انحرافاته ، ~~واجتر مواقفه المؤسفة مع قمر وفلة وعنتر الخشاب وعنفه الجنوني في ~~المعارك. # وراح يقول محزونا: إني أحمل اسم الناجي لا صفاته. # وذات ليلة اضطربت أعصابه تحت ضربات قدره فمضى كالنائم إلى مسكن عيوشة ~~الدلالة. جلس على الفراش دون أن ينظر إليها وهي تحملق فيه بذهول. # وقال بلا أي انفعال: إلي بقمر! # 38 # وتمضي الأيام. # يكبر الأبناء ويتأهلون بشتى الحرف. # يموت شيخ الحارة محمود قطائف فيحل محله سعيد الفقي. يموت شعلان الأعور ~~ويتقاعد دهشان. ويموت شيخ الزاوية حسين قفة فيحل محله الشيخ طلبة القاضي. ويموت ~~عليوه أبو راسين فيشتري الخمارة عثمان الدرزي. # وولدت عجمية آخر العنقود «سليمان». وجاء نموه خارقا للمألوف حتى ذكر ~~أباه بعملقة عاشور؛ لذلك قرر أن يؤهله للفتونة، وأن يربيه التربية المثالية ~~الخليقة بعهد الناجي وتقاليده. # ورغم ما عانى شمس الدين من انحرافات شخصية فإنه حافظ على نقاء فتونته ~~للحارة. ظل يعمل سواق كارو رغم سطوته وتقدمه في العمر. ورعى الحرافيش ~~بالرحمة والعدل والحب. وعرف بالتقوى والعبادة وصدق الإيمان. وتناسى الناس ~~أخطاءه، وعبدوا طيب خصاله، وأصبح اسم الناجي مرادفا عندهم للخير والولاية ~~والبركة. # 39 # تنساب عربة مكللة بالزهور والحياء. صلصلة عجلاتها المدوية لا ~~يسمعها أحد. الأذن لا تسمع إلا ما ترغب في سماعه. يتوهم الفحل أنه اقترن ~~بالدنيا قران دوام، ولكن العربة لا تتوقف والدنيا زوج خئون. # 40 # دأبت عجمية على صبغ ms058 شعرها بالحناء. غزاها المشيب منذ بلغت الخمسين، ~~فلما شارفت الستين لم يبق برأسها شعرة سوداء واحدة. الحناء تروي الشعر ~~بماء الغسق، وتضفي عليه حرارة وشموخا. وهي ما زالت قوية، تفيض بالحيوية، ~~متحركة لا تهمد، تواصل العمل مع الشمس وأحيانا مع الشمس والقمر، ولم ~~تزايلها النضارة، واكتسبت مع الأيام بدانة فاخرة. لم يتسلل إلى هيكلها ~~المتين ما يثير هواجس الحذر. # ويداعبها شمس الدين فيقول لها وهو ~~يلحظ عجينة الحناء: ما جدوى الكذب يا ولية؟! # فتسائله ساخرة: إذا كان الشيب علامة صادقة فلم يبق رأسك أسود؟ # فاحم الشعر، قوي البنيان، مستمسك بالقوة والرشاقة والبهاء، إنها تضمر ~~نحوه حبا وإعجابا بلا حدود ، ومسا من الغيرة والخوف؛ لم يتزوج بأخرى، لم ~~يرتكب إلا هفوة عابرة لم تتكرر مع عجوز في سن أمه، ولكن من ذا يضمن ~~المستقبل؟! # 41 # وذات صباح وهو يمشط ذؤابته حملقت عجمية في رأسه، وبفرحة لم تفلح في ~~مداراتها هتفت: شعرة بيضاء! # التفت نحوها باهتمام كما يلتفت إلى صوت النذير في المعركة. حدجها ~~باستياء فقالت: شعرة بيضاء وحق النعمة! # فنظر إلى المرآة الصغيرة بيده وتمتم: كاذبة. # فاقتربت منه مركزة بصرها على هدفها كالقطة عندما تنقض على الفأر. ~~استخلصت من الذؤابة شعرة وقالت: ها هي يا معلم. # تفحصها في المرآة. لا مفر ولا مكابرة. كأنما في سوء ضبط، كما ضبط ~~منذ أعوام وأعوام وهو يتسلل إلى بدروم عيوشة. امتلأ قلبه بالاستياء والحنق، ~~والخجل. وتجنب النظر إليها متمتما باستهانة: وماذا يعني هذا؟! # ومضى وهو يقول: يا لك من حقود! # 42 # لم يمر الاكتشاف بسلام كما توقعت. كان يتفحص رأسه كل صباح بتدقيق ~~واهتمام. ندمت على ما بدر منها، وقالت مداهنة: لا علاقة البتة بين الشيب ~~والعافية. # ولكنه كان يتساءل عما بلغ من عمر: متى بلغه؟ كيف قطع ذلك الشوط الطويل؟ ~~ألم يهزم غسان أمس؟ وكيف هرم دهشان وبات يمشي مثل طفل؟ وأي قيمة لفتوة بغير ~~قوة دائمة؟ # وعادت عجمية تقول: الصحة هي ما الله نسأل. # فسألها بغيظ: لماذا تكثرين من الحكم الفارغة؟! # فضحكت ms059 لتهون من حدته وقالت: الصبغة لا تعجب الرجال. # فهتف: لست من الحمقى. # لأول مرة يتساءل عما فات وعما هو آت، ويتذكر الأموات، ويتذكر ~~الأولياء الذين عمروا ألف عام، والخراب الذي يعبث بالأقوياء، وأن الغدر ليس ~~وقفا على ضعف النفس والرجال، وأن هدم زفة مسلحة أيسر ألف مرة من صد ~~ثانية بما لا يقال، وأن البيت يجدد والخرابة تعمر لا الإنسان، وأن ~~الطرب طلاء قصير الأجل فوق موال الفراق. # وطوق رأسه باللاثة وسألها: أتدرين ما هو الدعاء؟ # ولما لم تجبه قال: أن يسبق الأجل خور الرجال! # 43 # وقالت عجمية عقب ذهابه إن ما يبقى للإنسان هو الإيمان. وجاءها نعي أبيها ~~دهشان فصرخت صرخة ارتجت لها قضبان الشباك. # 44 # بكت عجمية أباها دهشان طويلا. جعلت تقول إن الإنسان يصبح بطول العمر ~~عادة محبوبة يتعذر تصور الدنيا بغيرها. وحزن شمس الدين لوفاة صديقه وصديق ~~أبيه من قبل، ولكن لم يزعجه موت كما أزعجه موت عنتر الخشاب صاحب الوكالة؛ فهذا ~~رجل يماثله في السن، يقف معه في صف واحد، وتدهورت صحته بغتة عقب شلل مفاجئ. ~~ولكن الموت لا يهمه، لا يزعجه بقدر ما تزعجه الشيخوخة والضعف. إنه يأبى أن ~~ينتصر على الفتوات وينهزم أمام الأسى المجهول بلا دفاع. وتساءل في دهشة: ألم ~~يكرم عاشور الناجي بالاختفاء وهو في عز القوة والكرامة؟! # 45 # وجرت أمام عينيه بمجلسه بالقهوة مصارعة ودية بين ابنه سليمان وبين شاب ~~آخر من رجاله يدعى عتريس. تعادلا في القوة والمهارة دقائق حتى تمكن سليمان ~~من هزيمة صديقه. # اشتعل باطن شمس الدين بالغضب، وكبر عليه أن يصمد عتريس أمام سليمان أكثر ~~من دقيقة. لم يسر بانتصاره. لم يتصور أن القوة تعوزه وهو الشبيه بعاشور ~~في عملقته ولكن تنقصه ولا شك المهارة الكافية. # 46 # ومضى بسليمان إلى سطح البيت الذي يقيم في شقة منه. خلع ثيابه إلا ما يستر ~~العورة مغموسا في أشعة الغروب الذهبية، وقال لسليمان: افعل مثلي. # فتساءل الشاب متراجعا: لم يا أبي؟ ~~- إنه أمر. # وتراءيا وجها لوجه. شمس الدين بجسمه ms060 القوي الرشيق، وسليمان بهيكله ~~العملاق كأنه عاشور. # قال شمس الدين: بكل ما أوتيت من قوة صارع. # فقال سليمان: أعفني من العار. ~~- صارع وتعلم فليست القوة بكل شيء. # وأطبق عليه بالقوة والإصرار. # تلاحما فانتفخت منهما العضلات وهو يقول: بكل قوتك. # فقال سليمان: إني أمهلت عتريس مودة لا عن عجز. # فزمجر شمس الدين: بكل قوتك يا سليمان! # وشعر شمس الدين بأنه يغالب السور العتيق، وأن أحجاره المترعة برحيق ~~التاريخ تصكه مثل ضربات الزمن. وحمي الصراع حتى خال شمس الدين أنه يصد ~~الجبل. منذ دهر لم يخض معركة. قوته راكدة في ظل سمعته الشامخة. تناسى أنه ~~يدرب فلذة الكبد. الموت أهون من التراجع. ركبه عناد ذو عين واحدة . شد على ~~عضلاته بالإصرار والكبرياء. رفع البنيان بين ذراعيه، ثم طرحه أرضا. # وقف يلهث ويتألم ويبتسم. # ونهض سليمان وهو يضحك قائلا: أنت الناجي الأصيل المقتدر. # راح شمس الدين يرتدي ثيابه. تنازعته انفعالات متضاربة. لا حزين هو ولا ~~سعيد. غابت الشمس واستكن الهدوء الشامل بين يدي المساء. # 47 # جلس شمس الدين على الكنبة فلم يفارقه سليمان. لم يفارقه؟ هل يشي وجهه ~~بآلامه؟ ~~- لم لا تنصرف بسلامة الله؟ # فتمتم سليمان: إني خجلان بما جرى. ~~- اذهب مصحوبا بالسلامة. # أراد أن يكرر الأمر ولكنه صمت. لم يتحرك لسانه ونسي. أقبل الليل قبل ~~موعده. # 48 # أغمي على شمس الدين الناجي. # فتح عينيه فرأى تلالا حمرا فوقها سماء تقطر غبارا. غازلته ذكرى، ~~وسرعان ما تلاشت. إنه يتنفس في كهف تسكنه اللامبالاة. ينحسر الضباب فيتراءى ~~وجه عجمية ووجه سليمان. يدهمه الوعي بغلظة وضحكة صفراء. شم رائحة ماء الورد ~~المتطايرة من عنقه ورأسه. # همست عجمية بوجه شاحب: هربت دمنا! # وسأله سليمان بصوت متهدج: بخير يا أبي؟ # غمغم: الحمد لله. # ثم بنبرة المعتذر: حتى شمس الدين لا ينجو من المرض. # فقالت عجمية بحيرة: ولكنك لم تشك! ~~- ما أبغض الشكوى إلي. # وبقلق تساءل: تسرب الخبر إلى الخارج؟ ~~- كلا، غبت دقيقتين. ~~- عظيم، لا يجوز أن يعرف الخبر، حتى الأبناء لا يجوز أن يعرفوا. # ونظر إلى سليمان ms061 وقال: ستنسى كل شيء عقب خروجك. # فحنى رأسه امتثالا، ولكن عجمية سألته: أنت بخير؟ ~~- كل خير. ~~- عند العطار وصفة ولا شك تفيدنا. # فقال بامتعاض: إنه من أعدائنا. ~~- الحلاق مفيد أيضا وهو من محبيك. ~~- قلت إنه لا يجوز أن يعرف الخبر، وأنا بخير. # فتساءل سليمان بجزع: ولكن لم حصل ما حصل؟ # فقال متظاهرا بالثقة: إنه الجهد عقب الإفراط في الطعام! # استرد الوعي تماما فاسترد الثقة. نهض وتمشى في الحجرة الصغيرة. ~~ألا يحسن به أن يسهر بعض الليل في الساحة كما كان يفعل عاشور؟ # ثم ناداه النوم بإغراء لا يقاوم. # 49 # مضى نحو الساحة عند الأصيل. كانت الشمس تسحب أذيالها من الأسطح والمئذنة. ~~مر بعتريس وهو يسقي حماره من الحوض ، فحياه الشاب تحية الصبي لمعلمه ~~المهيب. وعند زاوية السبيل التقى بسعيد الفقي شيخ الحارة، فوقف يتبادل معه ~~حديثا عابرا. من مكمنه وراء جناح السبيل ترامى إليه صوت عتريس وهو يخاطب آخر ~~قائلا: معلمنا شمس الدين ليس كعادته. # فقال الآخر بأسف: لعله مريض. # فقال عتريس مشاركا في الأسف: أو لعله العمر! # اجتاحته شعلة غضب. غادر مكمنه فرجع إلى عتريس وهو يهتف: أيها ~~الجماد! # ورفعه بين يديه عاليا ورمى به في الحوض. تفرق الواقفون تاركين الحمير ~~وقد جفلت من رجرجة الماء عقب سقوط الجسم. # ولم يعد يصلح لزيارة الساحة فعدل عنها. وباندفاعة عمياء بادر إلى ~~الخمارة فمرق من بابها مثل عاصفة. سكتت الأصوات المخمورة، وحدقت به الأبصار ~~في توقع ودهشة. جعل ينظر إليهم في تحد غير مفهوم حتى وقفوا مترنحين ~~وخاشعين. # دارت برأسه أفكار شيطانية، وسرعان ما هرع إليه عثمان الدرزي. أفاق من ~~جنونه فتلاشت نواياه المستهترة. استسخف سلوكه. كلا، لن يتحدى الهواء، لن ~~يتمادى في ارتكاب الحماقات. ستسنح فرصة فينتهزها، ستعرض تجربة ~~فيخوضها. # وغادر المكان دون أن ينبس بكلمة أو يفعل شيئا تاركا وراءه ذهولا ~~شاملا. # 50 # الأيام تتلاحق. ثمة مصير يتخايل عن بعد، ولكنه راسخ ويقترب. لا شيء ~~يؤخر خطوته. إنه يشد عضلاته ويسل إرادته وينتظر. لماذا تتمسك بالقوة ~~ولست عابدها الأوحد. ms062 الشيب ينتشر. أيضا التجاعيد حول الفم وتحت العينين. ~~البصر يفقد حدته وكذلك الذاكرة. # ويزحف التغير على عجمية بسرعة أشد ودون تدرج. تفتر شهوتها للطعام ~~ويسوء الهضم، وتصاب بآلام مجهولة في الظهر والساقين، وتهزل وتنضب، ثم تستسلم ~~للرقاد. ماذا دهى هذه المرأة القوية؟ وتجرب الوصفة بعد الوصفة، ولكن ثمة ~~شيئا جوهريا فقد. # ويكثر من الجلوس في القهوة تاركا الكارو لسليمان. يجتمع برجاله، يسمع ~~الأخبار، يزن كل يوم سطوته، يمتحن في النفوس أثره وهيبته. ويقول أحد أتباعه ~~ذات يوم: ظهر في العطوف فتوة جديد. # فيقول باستهانة: لعل القدر يعميه عن وزنه الحقيقي لنؤدبه! # وفي المساء يخلو إلى نفسه ساعة في الساحة يستمع إلى الأناشيد، ثم يسرع ~~إلى البيت ليجلس إلى جانب عجمية، ويلاحظ بلا جهد أنها تمضي من سيئ إلى أسوأ. هل ~~تقدر عليه الوحدة في آخر أيامه؟ كل وصفة جربت، ولكنها تمضي من سيئ ~~إلى أسوأ. # 51 # وكان راجعا إلى البيت ظهرا عندما ارتطمت قدمه بنحلة يلعب بها طفل. وجاء ~~صوت الطفل وهو يصيح مغيظا: يا عجوز يا أعمى! # التفت نحوه فرآه في طول عنزة وهو يحدجه بنظرة جريئة متحدية. ود لو ~~يهرسه بقدمه. كظم غيظه ومضى. هذا جيل يجهله. إنه يعيش بفضله ويجهله. ويصرح ~~بعفوية بما يكتمه الراشدون. أليس من الأفضل أن نموت مرة واحدة؟ # 52 # عند الفجر من تلك الليلة استيقظ على حركة مبعثها عجمية. أشعل المصباح ~~فوجدها جالسة في الفراش متألقة بحيوية طارئة بعثت في نفسه الأمل. قال ~~لها: لقد شفيت يا عجمية! # ولكنها لم تجبه. نظرت إلى الجدار وهمست: أبي. # فامتلأ كآبة وتمتم برجاء: عجمية! # رآها تغيب في المجهول وتتلاشى، فهتف: لا تتركيني وحدي! # أسندها إلى صدره. # رفيقة العمر تحتضر. # ودهمه البكاء مجردا، ولكن لم تسل من عينيه دمعة واحدة. # 53 # تناوبت زوجات أبنائه خدمته. لم يخل البيت من أصوات وأنفاس، ولكنه كان ~~يناجي نفسه: ما أفظع وحدتي! # لم يحزن لموت عجمية كما توقع. شعر بأنه على بعد خطوات قلائل منها. ~~الحزن في مثل سنه لا يعني ms063 شيئا. إنه لا يخشى الموت ولكن الضعف يخشى. أصبح ~~طاعنا في السن، وسيجيء يوم لا تبقى له فيه من الفتونة إلا الاسم ~~والذكرى. # وقال له بكريه سماحة وكان قد جاوز الخمسين: من حقك أن تخلد إلى ~~الراحة. # وأكثر من واحد قال: ستجدنا جميعا في خدمتك. # فتساءل محتدا: ماذا تريدون؟ # فلم ينبس أحد فقال: لولا ثقتي بقوتي لاعتزلت! # فقال سماحة: دع سليمان يحمل العبء. # ولكن سليمان بادره: ما زال أبي هو الأقوى. # فرمق ابنه بامتنان وتساءل: ماذا تعرفون عن لعنة العمر؟ # فقال سماحة: إنه ينقلب نعمة بين أحضان الراحة. ~~- ويطمع الآخرون فينا، ما أبغض قفا الحياة! # وساد الصمت، حتى قال بضيق: انصرفوا مشكورين. # 54 # صلاح كار كجا ومن خراب كجا # ببين تفاوت ره أز كجاست تابكجا # كان يذوب في السماع تحت ضوء البدر الذي حول بكيميائه بلاط ~~الساحة إلى فضة. # وقبيل منتصف الليل غادر مجلسه. مر بدكان سعيد الفقي شيخ الحارة وهو به، ~~فلما رآه الرجل مضى إليه وهو يتساءل: أما علمت يا معلم؟ # فلما استوضحه ما يعني قال سعيد الفقي: رجالك يتربصون لزفة فتوة العطوف ~~الجديد! # انتفض غاضبا وهتف: كذب. ~~- هي الحقيقة وسينتصرون بإذن الله. ~~- أين؟ ~~- عند بوابة المتولي، يريدون أن يشكموا الفتوة الجديد. # فتساءل شمس الدين محتدا: من وراء ظهري؟! # وضرب الأرض بعصاه العجراء واندفع في الظلام. # أتبعه سعيد الفقي عينيه حتى اختفى، ثم تمتم ساخرا: أيها العجوز المخرف ~~الذي يبول على نفسه! # 55 # بدأت المعركة قبل وصوله بدقائق. رآه بعض رجاله فصاحوا: شمس الدين ~~الناجي! # الزفة تفور بضربات النبابيت. سليمان يفعل الأعاجيب. فتوة العطوف يحمل ~~حملات صادقة تزلزل الرجال. # اندفع شمس الدين بلهفة إلى قلب المعركة. وثب برشاقة أمام ابنه سليمان ~~فصار وجها لوجه مع فتوة العطوف. تفادى من ضربة شديدة، ثم وجه ضرباته السريعة ~~في خفة وحذر. امتلأ بقوة عجيبة لا يدري من أين جاءته، فقاتل كخير ما قاتل من ~~قبل. تجلى مندفعا فياضا ملهما شديد البأس. تضاعف حماس رجاله وتصاعدت ~~جعجعة النبابيت. وثمل بنشوة القتال فخلق ms064 المعجزات. أصابته ضربات لم تعجزه ولم ~~توقفه. ونال من خصمه ضربة أخرجته من النضال. وسرعان ما تفشى الخور في رجال ~~العطوف وأخذوا يتقهقرون. # وما هي إلا ساعة حتى انقلبت الزفة مأتما. تحطمت الكلوبات وديست ~~الورود وتحطمت المزامير والدفوف، ولاذ الرجال بالهرب. # وقف شمس الدين وهو يلهث والدم يخضب جبهته. التف حوله رجاله. وجاء ~~سليمان فلثم يده، ولكنه قال له: لي معك حساب. # فقال سليمان معتذرا: إنه الوفاء لا الغدر. # وصاح الرجال: صلاة النبي ترضي النبي. # 56 # رجع الرجال، على رأسهم شمس الدين الناجي، يخوضون الظلام على ضوء الشموع، ~~وأنشدوا بأصوات أيقظت النيام: # اسم الله عليه، اسم الله عليه. # ثم غنى ذو صوت حسن: # يا عود قرنفل في الجنينة منعنع # ولكن شمس الدين لم ينعم طويلا بفوزه المبين. سرعان ما ~~انفصل عن الجمع فوجد نفسه وحيدا. وحيدا في وحدة متعالية وموحشة. ووردت كلمة ~~تقول إن كل شيء هباء حتى الفوز، وتقول أيضا إن الهتاف كثير، ولكن ما أكثر ~~الآذان التي تتعاقب على سماعه! وأقبل نحوه عاشور الناجي حاملا على ذراعيه ~~أمه الجميلة في كفنها الكموني، وفرح لظهور عاشور بعد اختفائه الطويل، وقال ~~إنه كان على يقين من ظهوره ذات يوم، ولكن ألم تدفن أمه بعد؟ وفي لحظات الرضا ~~تهبط سحابة فيمتطيها ذو الحظ السعيد فترتفع به في جوف القبة. عند ذاك لا يبالي ~~بالموجات المثبطة التي يتلقاها من المجهول. يستوي لديه أن تحمله ساقاه أو ~~تخذلانه. ولكنه وحيد، وحيد يتألم. ما معنى هذا الضعف الزاحف؟ الأنوار الخافتة ~~تنطفئ. إنه يقترب من الحارة، وفي الحقيقة هو يبتعد. يبتعد إلى ما لا نهاية. لم ~~يعد له من مطمح أكثر من أن يبلغ فراشه. # وتجلجل الأصوات: # اسم الله عليه، اسم الله عليه. # ويصارع شمس الدين المجهول في وحدته. إنه يصده عن السير، ~~يرفع أديم الأرض حيال قدميه، يسرق فوزه العظيم ببسمة ساخرة، ويكور قبضته، ~~ويسدد إليه ضربة في الصدر لم يعرف لعنفها مثيلا من قبل. # وتأوه شمس الدين الناجي، ثم تهاوى فتلقفته أيدي الرجال. ms065 # | الحب والقضبان # الحكاية الثالثة من ملحمة الحرافيش # 1 # خفقت الأفئدة لموت شمس الدين الناجي. أسهمت الحارة في تشييد قبر له يليق ~~بمقامه، وشيعته إليه في جنازة مهيبة لم يتخلف عنها رجل أو امرأة. وعدت ~~صلابته البطولية أسطورة وكرامة من كرامات الأولياء، حتى سمي بقاهر الشيخوخة ~~والمرض. وبقيت ذكرى فتونته النقية العادلة خالدة مثل فتونة أبيه العظيم، ~~وتنوسيت هناته الانفعالية، ولم ينس أحد أنه عاش ومات كادحا، كما عاش ومات ~~فقيرا. # وبفضله وفضل أبيه عاش وجدان الحارة مثلا أعلى ترنو إليه الأعين والقلوب ~~على تعاقب الأزمان. # 2 # تولى الفتونة سليمان شمس الدين الناجي. عملاق مثل جده عاشور، دون ~~أبيه في الجمال والرشاقة، ولكنه مكتس بروعة الصورة الشعبية الأصيلة. لم ~~يتقدم لمنافسته أحد، وانضم إليه عتريس بحماس وحب. ولم يتغير مذاق الحياة ~~في شيء. لعب الأمل بقلوب السادة والوجهاء أياما، ثم خمد. لم يكن عمره يتجاوز ~~العشرين ولكنه اتبع خطى أبيه بلا تردد. ظل حامي الحرافيش وشاكم ~~الأغنياء، وعدو البلطجة، ومارس مهنة أبيه برضى واقتناع. # وكالمتوقع واجه تحديات من فتوات الحارة المجاورة فلم ينكص عن خوض ~~المعركة بعد المعركة، وأحرز في كل معركة انتصارا، أجل لم تكن انتصاراته ~~بقوة انتصارات أبيه أو جده، ولكنها كانت ~~كافية لتأمين الحارة وبسط قدر لا يستهان به من هيبتها. وترك العراك آثارا ~~مستديمة في الجبين والعنق، ولكنها عدت شهادة طيبة لبطولته ~~الرائعة. # ومن الحق أن يقال إن قلبه كان ينازعه أحيانا إلى الحياة الطيبة الرغيدة، ~~وأنه كان يقرأ مثل ذلك في وجوه أعوانه وإخوته، ولكنه تجهم الضعف ولم يشجعه، ~~وفتح قلبه الغض لسحر العظمة الحقيقية. # 3 # وكانت فتحية - شقيقة صديقه عتريس - زميلته في الكتاب. وغابت عنه دهرا ~~حتى رآها مرة أخرى في جنازة أبيه. ورغم حزنه مال قلبه إليها. كانت تقاربه في ~~السن، في أنفها فطس، عميقة السمرة، جميلة العينين، ذات حيوية فائقة، وشعر ~~بأن الزواج جدير بأن يصون فتونته من مباذل لا تليق بالفتونة النقية. هكذا طلب ~~يدها من عتريس، وسرعان ما زفت إليه، واستبشرت ms066 الحارة بالزواج خيرا، وعدته ~~نصرا للحرافيش والفتونة النقية. # 4 # ومضت عشرة أعوام هادئة. كان سليمان يعمل شاعرا بأن الفتونة عبء ثقيل ~~وبهجة عابرة. وكانت فتحية تعمل كما عملت عجمية وفلة من قبل، وتلد بنتا بعد ~~بنت. # وفي العام الأخير من أعوامه الهادئة رأى سنية السمري. # من مجلسه في القهوة في أوقات الراحة يراها والدوكار يمضي بها. كريمة ~~السمري كبير تجار الدقيق، براقة المنظر في طزيرتها، تطل من فوق برقعها ~~الأبيض عينان سوداوان ساجيتان ساحرتان، يبعث مرورها السريع الدفء ~~والإلهام. # تعلق بالدوكار اهتمامه. امتد بصره إلى دار السمري السامقة. حلم على ~~إيقاع جرس الدوكار برقص الفتوات في أعقاب الظفر. تاه بعملقة الفتوة على تواضع ~~الكارو. وتساءل من يجلس إذا سليمان وقف؟ وعدا بوابة التكية فأي باب يغلق ~~في وجهه. والضعف قبيح، ولكن ألم يعشق عاشور فلة جدته. أليست دار السمري أنقى ~~من خمارة درويش؟ هل كان عاشور ينكص إذا كانت فلة كريمة للبنان؟ هل غير ~~استيلاؤه على دار البنان من عدله وطيبته؟ وهو قادر على قهر الفتوات ومحق ~~الإغراء، ولكن الحب قدر. وحتى شمس الدين في هوى قمر وقع. سيجزع الحرافيش ~~ويفرح السادة، ولكن سليمان لن يتغير. ثم ما الحيلة إذا كان الحب حكم. أجل ما ~~زالت فتحية الزوجة المخلصة والأم الولود، وهي أيضا شقيقة عتريس الوفي. الحب ~~الجديد غطاها كالموجة الصاخبة، ولكن جذورها هناك راسخة. ما أعذب الألم في ~~محن الأهواء الجامحة! # 5 # عقب صلاة الجمعة سار سعيد الفقي شيخ الحارة إلى جانبه. قبيل القهوة قال ~~له: رأيت يا معلم حلما عجيبا. # فحدجه سليمان بنظرة متسائلة فقال: حلمت بأن أناسا طيبين يتمنون ~~لقاءك. # فخفق قلب سليمان وشعر بأنه تجرد فجأة من ملابسه، وتمتم ساخرا ليداري ~~اضطرابه: حلم شيطاني. # فواصل شيخ الحارة بجدية: ولكنهم ينتظرون أن تجيء الخطوة الأولى ~~منك. # وتساءل سليمان متخابثا: ماذا يريدون من سواق كارو؟ # فأجاب سعيد الفقي بإجلال: أن يوصلهم إلى سيد الحارة دون منازع. # 6 # ارتفعت موجة الإغراء كالجبل فاستدعى سليمان عتريس إلى مجلسه بالقهوة وقال ms067 ~~له: عندي سر أريد أن أفضي به إليك. # فتطلع إليه عتريس في امتثال، فتساءل سليمان: أنت صديقي، فكيف تراني لو ~~تزوجت مرة أخرى؟ # فسأله عتريس ببساطة: تنوي التخلص من فتحية؟ ~~- بل ستبقى في أعز مكان. # فضحك عتريس وقال: أنت تعلم يا معلمي أني شارع في الزواج من ~~الثالثة! ~~- الرجال لا يتنابذون بسبب النساء، ولكن توجد مشكلة في الأمر. # فابتسم عتريس وقال: إن الجديدة من دور السادة؟! # فتمتم سليمان بارتياع: ذاع السر لهذا الحد؟ ~~- الحب ذو رائحة نفاذة! ~~- ماذا يقول الناس؟ ~~- وماذا يهمنا من الناس؟ ~~- ماذا يقول الحرافيش؟ # فقال عتريس باندفاع: اللعنة على ~~الحرافيش، أما أعوانك المخلصون فسيرقصون طربا. # فبادره سليمان عابسا: أخطأت التصور يا عتريس، سليمان الناجي لن ~~يتغير. # فانطفأ تألق الآخر وقال: هل تشرك الهانم في بدروم فتحية؟ ~~- أيا كان الحل فسليمان لن يتغير. الحق أنكم تضيقون بالعدل ضيق ~~الوجهاء. ~~- معلمي، من من الفتوات يرضى بما نرضى به من العيش؟! # فقال سليمان بإصرار: سليمان لن يتغير يا عتريس! # 7 # حمل سعيد الفقي رغبة سليمان إلى السمري، وسرعان ما قوبلت بالرضا. كان ~~السمري في أعماقه يحتقر سواق الكارو وأصله، ولكنه كان يتطلع إلى مصاهرة الفتوة ~~الجبار سيد الحارة وشاكم الأغنياء. ورجا رجاء واحدا أن يخصص لكريمته جناحا ~~في داره حتى يشيد لها دارا مناسبة، فلم يعارض سليمان في ذلك. وصعقت فتحية ~~وبكت، ولكنها سلمت بالمقدر. وفرح السادة وتوجس الحرافيش، ولكن سليمان ~~أعلن أنه لن يتغير. # وشهدت الحارة زفافا لم تشهد له مثيلا من قبل. # 8 # هكذا ربطت المصاهرة بين الفتوة سليمان وبين الوجيه السمري. وقال عنها شيخ ~~الحارة سعيد الفقي: مصاهرة مباركة بين الفتونة والوجاهة. # وقد امتلأ جيبه جزاء سعيه المشكور. بالرغم من أن سليمان أعلن أنه لن ~~يتغير، ولكن الحياة جادت بمذاقات جديدة، وحملت السحب ماء سلسبيلا. وقال ~~سليمان لنفسه إن من النساء من هن جبن «قريش»، ومنهن من هن زبدة وقشدة. ~~أسكرته الرائحة الزكية، وداهنته البشرة الملساء، وأطربته النبرة العذبة. وحلت ~~دنياه الرشاقة اللعوب. وبإقامته في دار السمري ms068 أياما معدودات كل أسبوع عرف ~~نعومة المجلس ودفء المرقد وسلاسة الملبس وأبهة الماء الساخن في الحمام ~~الفسيح، والستائر والوسائد والنمارق، والتحف والتهاويل، والسجاجيد والأبسطة، ~~والحلي والجواهر، والأهم من ذلك كله الأطعمة الفاخرة واللحوم المتنوعة ~~والحلوى الساحرة. وذهل الفتوة، وعجب كيف تستكن هذه الجنة الخلابة في طوايا ~~الحارة المتقشفة. أجل حافظ على مظهره في الخارج، وأصر على ممارسة عمله ~~المتواضع، ولم يتلفع أمام الأعين إلا بعظمته الحقيقية، غير أنه آنس رياحا ~~جديدة تهب على جوه المستقر، وشررا يتطاير يوشك أن يشعل حرائق الأركان. ~~ثمة نظرات نافذة تهتك ما يستقر في معدته من أطايب الأطعمة والأشربة. ~~وهمسات تدور حول الجنة الخفية، بخاصة من رجاله وأتباعه. واضطر - ولأول ~~مرة - أن يوزع عليهم في المواسم والأعياد، وفي سرية بالغة، نقودا من ~~الإتاوات، دون غبن يذكر للفقراء والحرافيش . شعر وهو يفعل ذلك بأنه يخطو الخطوة ~~الأولى في طريق كريه شديد الانحدار، وأنه يحيد نوعا ما عن سبيل الناجي. ثم ~~هاله أن ينعم بما ينعم به في دار السمري، على حين تعاني فتحية وبناتها ~~حياتهن الجافة الشاحبة، فامتدت يده مرة أخرى إلى الإتاوات وخصهن ~~بنفحات محدودة، منحدرا درجة جديدة في الطريق الكريه. ومضى يقول متعزيا: ~~لن يمس ذلك حقوق الفقراء والحرافيش إلا قليلا! # ولم يسكت حواره مع نفسه، ولم تصف الحياة من شوائب الكدر. وها هي سنية ~~تلح عليه في أن يكف عن ممارسة مهنته، أن يؤجر آخر ليسوق الكارو، وها ~~هو يرفض بإباء، ويحاول أن يسيطر سيطرة الفحل القوي، وهي تحب وتتظاهر بالطاعة ~~تاركة الفعل والتأثير لحبها المتسلل المقتحم. # وكلما شعر سليمان بأنه يتغير قال لنفسه بحزم: ما تغيرت، ولن ~~أتغير. # 9 # وجمعت مائدة العشاء بدار السمري بينه وبين وجهاء الحي. كانوا يتجنبونه ~~خوفا أو إيثارا للسلامة، الآن يحدقون به آمنين كما يحدق المشاهدون ~~بالأسد في حديقة الحيوان. # وتبودلت الأنخاب، وجرت الدماء بالشجاعة، وهلت تباشير الآمال، حتى قال ~~صاحب الوكالة: لعلك ظننت يوما أننا لا نذعن لك إلا بالقهر، ألا تدري يا ~~معلم أن العدل ms069 قيمة يحبها في النهاية من ينتفع بها ومن يخسر؟! # فتمتم متسائلا: ومن يخس؟ ~~- حسبك أنك جنبتنا الحقد والحسد واللصوص. # وهنا قال البنان: ولكننا وجدنا في عدلك الشامل شيئا من الظلم! # فتساءل مقطبا: الظلم؟! ~~- ظلمك نفسك وأتباعك. # وتساءل العطار: أي ظلم في أن تنال نصيبك كاملا وأن ينالوا ~~نصيبهم؟ # وتساءل حموه السمري: ألا تسفك دماؤكم دفاعا عن كرامتنا؟ # وقال تاجر الغلال: الفتوة ورجاله من الوجهاء، أو هذا ما ينبغي أن ~~يكون. # فقال معترضا: كلا، ما فعل ذلك أبي ولا جدي. # فقال صاحب الوكالة: لولا إقامة جدك العظيم في دار البنان ما عرفت ~~الحارة معنى الفلاح. # فقال بإصرار: كان فتوة أعظم منه وجيها. # فقال صاحب الوكالة: خلق الفتوة ليكون وجيها، وليلعني الله إن كنت ~~كاذبا أو مغرضا فيما أقول! # وضحك ساخرا ودفء الخمر يغزوه! # 10 # وأنجبت سنية له «بكر»، ثم «خضر»، فنعم بما يعده أبوة حقيقية. وفي أثناء ~~ذلك تم تشييد دار جديدة لسنية. وبات سليمان يسعد بأيامه في الدار بقدر ما ~~يشقى بعودته الإجبارية إلى بدروم فتحية. استولت سنية على قلبه تماما كما ~~استحوذت دارها على رغباته. وبتعاقب الأيام زحف على وجدانه مخدر فعال؛ كف ~~عن عمله وأحل فيه أحد رجاله، وزاد من الهبات لنفسه ولأعوانه، فمضت العصبة ~~ترتفع نحو منازل الوجهاء حتى هجروا في النهاية حرفهم البسيطة أو أهملوها، ~~وتناقصت أنصبة الفقراء والحرافيش وإن لم يحرموا من الهبات. تغير وجه ~~الحارة المشرق، وأخذ الناس يتساءلون: أين عهد عاشور؟ أين إخلاص شمس الدين؟ ~~وتحفز الأتباع للمتسائلين وأرهبوا الساخطين. # وأنشأت سنية بكر وخضر نشأة مرفهة ناعمة، ثم أدخلتهما الكتاب، ~~وأعدتهما للتجارة؛ فلم يبشر أحدهما بأنه سيخلف أباه ذات يوم. ولما بلغا ~~سن المراهقة فتحت لهما محلا لبيع الغلال؛ وبذلك صارا تاجرين ~~وجيهين. # وتجنب سليمان المعارك ما وجد إلى ذلك سبيلا، وآثر في النهاية أن يحالف ~~فتوة الحسينية ليتفادى من مواجهة التحديات وحده، وفقدت الحارة مركز السيادة ~~الذي تبوأته منذ عهد عاشور الناجي. # وتغيرت صورة العملاق ومنظره؛ ارتدى العباءة والعمامة، واستعمل الكارتة ~~في ms070 مشاويره، نسي نفسه تماما، ثمل حتى أصابه خمار الانحراف، ومضى يمتلئ بالدهن ~~حتى صار وجهه مثل قبة المئذنة، وتدلى منه لغد مثل جراب الحاوي. # وكان سعيد الفقي عندما يهنئه بأحد الأعياد يقول له: أيامك كلها أعياد يا ~~معلم سليمان! # 11 # كان الشقيقان بكر وخضر مختلفي المظهر؛ بكر يشابه أمه سنية هانم في ~~جمالها ورقتها، يبدو دائما هاشا مترفعا. أما خضر فرغم جماله ورث عن ~~أبيه وجنتيه البارزتين وطوله دون عملقته، وإلى الرقة كان أقرب. ولعله لم يكن ~~في ترفع شقيقه، ولكنه لم يعد على أي حال متواضعا. واكتسبا معا من دار ~~السمري أسلوبا راقيا في الحياة وعادات عالية وتهذيبا أنيقا، فلم يعرفا ~~حارتهما إلا من الشرفات العالية، ولم تطأ أقدامهما أرضها المبلطة، وأدارا ~~محلهما من حجرة فاخرة لا يتلاقيان إلا بكبار التجار، تاركين المعاملات ~~اليومية مع الجمهور لوكيل المحل. ولم يفهما والدهما. رغم أنهما لم يرياه إلا في ~~أفخم صورة، فإنهما لم يقتنعا بالفتونة ولا أضمرا لها الاحترام الكافي. لم يفطنا ~~إلى أنه لولا سطوة أبيهما لما نجحت تجارتهما، ولعبث العملاء والتجار ~~بسذاجتهما التجارية، فحصلا الخبرة والمهارة في أسعد الظروف المواتية وهما ~~لا يعلمان. # 12 # وذات مساء جلست الأسرة حول المدفأة المطلية بالفضة في بهو المعيشة. كان ~~شهر طوبة يستوي على عرشه الثلجي، والرذاذ لم ينقطع منذ الصباح الباكر. ونظر ~~سليمان إلى ابنيه الرقيقين المتلفعين بالعباءة المخملية المنزلية، ثم قال ~~باسما: لو رآكما عاشور الناجي لأنكركما وتبرأ منكما. # فقالت سنية وهي ترمقهما بحب وإعجاب: حتى الملوك يتمنونهما! # فقال سليمان بوجوم: إنهما ابناك وحدك، وما منهما أحد يخلفني! # فبادرت متسائلة: ومن أعلمك أنني أود لهما الفتونة؟ # فسألها بجفاء: ألا تحترمين الفتونة؟! # فتراجعت بلباقة قائلة: أحترمها كما أحترم رجلها، ولكنني أكره أن يتعرض ~~ابناي لمخاطرها. # وتساءل ما جدوى الخصام؟ وماذا بقي من العهد؟ لقد تزوجت بناته الكبريات ~~من حرافيش، أما الصغيرة المعاصرة للوجاهة فقد تزوجت من «محترم»، وسوف تنجب ~~ذرية غريبة مثل أبيها. وقد استنام الضمير إلى الدعة، واستسلم الجسد الشره ~~إلى ms071 تيار الإغراء والاستهانة، والمعارضة في هذه الحال حركة ساخرة. # قال ابنه بكر: ولكن جدنا عاشور الناجي كان يحب الحياة الفاخرة! # فسأله بغضب: من أنت لكي تفهم المعلم عاشور؟! ~~- هكذا قيل يا أبي. ~~- لا يفهم عاشور إلا من اشتعل قلبه بالشرارة المقدسة. ~~- ألم يحتل دار البنان؟ # فقال سليمان محتدا: معجزته في الحلم والعهد. # فقال بكر بجرأة غير محمودة: كان يستطيع أن يهرب من الشوطة بلا ~~حلم. # احتقن وجه سليمان بالدم وهتف: هكذا تتكلم عن الناجي؟! # تمخض الوجيه عن وحش في لحظة من الزمان وكأن عاشور الأسطوري قد بعث من ~~جديد، فجفلت سنية وقالت مخاطبة ابنها بحدة: جدك رجل مقدس يا بكر! # وصاح به أبوه: إنك لا تصلح لشيء نبيل. # وغادر الرجل مجلسه إلى مخدعه، فقالت سنية لبكر: لا تنس أنك بكر سليمان ~~شمس الدين عاشور الناجي! # وتمتم خضر : أجل. # فقال بكر وما زال متأثرا من غضبة أبيه: ولكني تاجر ومن آل السمري ~~أيضا. # 13 # وقررت سنية هانم أن تفرح ببكريها. وكانت معجبة برضوانة رضوان كريمة ~~الحاج رضوان الشوبكشي العطار فخطبتها له. لم يرها بكر من قبل، ولكنه كان يثق ~~بشهادة أمه. # وكان الحاج رضوان الشوبكشي واسع الثراء وفير الذرية وعاشقا للهو ~~والطرب. وزفت رضوانة إلى بكر، وخصص لهما جناح في الدار. # 14 # بزواج بكر وفد إلى الدار جمال جديد. فرح بها بكر وعشقها من أول ليلة. ~~كانت ذات عينين زرقاوين وشعر ذهبي. ذات قامة فرعاء رشيقة. شيء واحد ضايق ~~بكر مضايقة عابرة؛ أنها كانت تماثله في الطول، وتبدو أطول منه بحذائها ذي ~~الكعب العالي. وقالت له أمه تطمئنه من ناحية أخرى: ستجدها ذات قابلية ~~للامتلاء، وستصير مع الأيام في وزن أمها بإذن الله. # وكانت العروس تتعثر في الحياء ولا تكاد تنظر في وجه أحد، ولكنها مع ~~الأيام بدأت تكتشف ما حولها، وتحدق بنظرات نافذة في وجه الأب العملاق، ~~وخضر شقيق زوجها، وسائر الأشياء المحيطة بها. # وقال خضر لأمه مرة: العروس لا تستقر. # فقالت باسمة: ستستقر عندما تنجب، إني أعرف هذا النوع ms072 النفيس. ألا تود ~~أن أخطب لك فتاة مثلها؟ # فقال خضر: ليس قبل أن أبلغ العشرين. # وتردد وهو يرنو إلى عينين فارسيتين ترنوان إليه من سجادة معلقة فوق ~~الجدار، ثم قال: وأفضل الشعر الذهبي والعينين الزرقاوين. # فبسطت سنية ضفيرتها الفحماء أمام عينيها وتساءلت باسمة: هل ولى زمان ~~الشعر الأسود؟! # 15 # وانعقدت بين رضوانة وخضر صداقة وأخوة. وكان يقوم بخدمتها كلما غاب بكر ~~في إحدى رحلاته التجارية. وفي أثناء ذلك عرف شقيقتها الصغرى وفاء. كانت صغيرة ~~الجسم، باهرة الجمال، ولكنها ذات شعر كستنائي وعينين عسليتين. وقام بخاطره ~~أن رضوانة قد تقترحها عليه زوجة بطريقة أو بأخرى، فأشفق من أن يغضبها رفضه. ~~وسألته أمه ذات يوم: هل تعجبك وفاء؟ # فقال بحزم: فتاة ممتازة، ولكن ليست لي. # فتمتمت أمه بأسف: أراها ممتازة حقا. # وعند ذاك قال لأمه: أخشى أن تغضب رضوانة إذا علمت. # فقالت سنية: رضوانة ذات كبرياء، وهي لا تعرض شقيقتها للبيع، ثم إن الزواج ~~قسمة ونصيب! # 16 # وقام بكر برحلة تجارية تستغرق بضعة أيام. # وعندما رجع خضر من المحل مساء إلى الدار وجد رضوانه واقفة عند مدخل ~~جناحها. تصافحا، وعندما هم بالسير قالت له: أريد مشورتك في أمر. # تبعها إلى بهو الجلوس. جلس على ديوان. جلست أمامه على أريكة وراحت تتطلع ~~إليه في صمت كأنما لا تدري كيف تبدأ حديثها. تنسم في الجو عبق بخور ~~مخدر، وراح ينصت لهسيس الصمت. ولكي يشجعها على الكلام قال: إني رهن ~~إشارتك. # فلم تنبس، ولما لاحظت شدة انتظاره قالت: لا أدري ماذا أقول، هل ضقت ~~بسرعة من وجودك معي؟ ~~- أبدا، المسألة إني أود خدمتك. # فقالت بغموض: لا أريد أكثر من ذلك. # انتظر وهو يقلق تحت شعاع العينين. تضاربت في رأسه التخمينات. حدث شيء لم ~~يقع له في بال؟ هل سيفاجأ باقتراح محرج؟ قال: تحت أمرك. # فقالت بنبرة غريبة: أنت تجهل حالي؛ ولذلك فإني أغفر لك تسرعك. ~~- دعيني أطمئن عليك. ~~- أهذا ممكن؟ ~~- لم لا؟ يجب أن يكون ممكنا. # فتساءلت وهي تهرب من عينيه: هل ذقت الهزيمة في ms073 حياتك؟ ~~- لا أظن، ولكن أي هزيمة؟ من عدوك؟ ~~- لا عدو لي، إنها هزيمة من الداخل. # فهز رأسه متحيرا، فقالت متشجعة بصورة أوضح: هزيمة الإنسان أمام ~~نفسه، رضاؤه بالدمار إذا شئت. # فقال متجهما: أعوذ بالله! صارحيني كأخ. # فقالت بنبرة قاطعة: كلا، إخوتي هناك في الدار الأخرى. ~~- ولكني أخوك أيضا. ~~- كلا، ولكن لم لا تسمع القصة من أولها؟ # فقال بتلهف: إني مصغ. # فقالت بقلق واضح: حدث وأنا بنت في دار أبي أنني رأيتك مرة، ومرة على ~~تباعد في الزمن، وسمعت من يقول إنك ابن الفتوة سليمان الناجي. # هز رأسه صامتا، وتلقى في الوقت نفسه رسالة مقلقة من المجهول. ~~أما رضوانة فواصلت حديثها: لم أر بكر أبدا، هكذا حدث، لم أعرف حتى إن لك ~~شقيقا، فلا لوم على أحد. # ازدادت نذر المجهول، نفثت المخاوف في الجو المعبق بالبخور، استحضر ~~صورة بكر وأمه وأبيه، جاءت الأسرة لتسمع القصة العجيبة. ~~- لماذا لا تتكلم؟ ~~- إني أصغي. # فقالت ضاحكة في ارتباك: ولكن القصة انتهت. ~~- ولكني لم أفهم شيئا. ~~- إنك لا تريد أن تفهم. # فقال بيأس خفي: كلا. # فقالت وهي تحدجه بنظرة ماكرة وجريئة: سأجاريك ليس إلا؛ ذات يوم أخبرتني ~~أمي أن سنية هانم السمري خطبتني لابنها. # رفعت عينيها إلى السقف حتى ترامى جيدها كالشمعدان الفضي. شيء هتف به ~~أن الجمال الآسر قد خلق للقتل، وأن الأسى أثقل من الأرض وأشمل من الهواء، وأن ~~الإنسان لا يتنفس بحرية إلا في منفى الهجر. # واعترفت قائلة في استسلام ناعم عذب: بصعوبة شديدة واريت فرحتي! # ثم فيما يشبه الغناء: ولم يداخلني شك في أنه أنت! # خرس وجفل، فقالت وهي تحدجه بجرأة: هذه هي القصة، فهل فهمت؟ # فقال بصوت متهدج: ساق الحظ إليك خير الشقيقين. # فقالت برقة وعتاب: لا تسمعني صوت الخوف! ~~- إنه صوت النجاة. ~~- طالما أشعرتني بودك. ~~- طبعا؛ فإنك زوج أخي المحبوب! # فنهضت نحوه بحركة رشيقة ومالت قليلا حتى غزته بشذاها الطيب وقالت: بل ~~حدثني عن مكنون قلبك. # فوقف مذعورا، وتباعد قائلا: صارحتك بكل شيء. ~~- أنت خائف! ~~- كلا! ~~- تخاف أخاك، تخاف ms074 أباك، تخاف نفسك. ~~- كفى عذابا. ~~- ليس للحيطان آذان ولا عيون. # فانفلت نحو الباب وهو يتمتم: وداعا. # وغادر البهو أعمى العين والقلب والبصيرة. # 17 # تجنب خضر رؤيتها. حتى الغداء كان يتناوله في المحل، والعشاء في أي ~~سهرة مفتعلة. لم تلاحظ سنية شيئا، ومرت الساعات في هدوء ودعة في دار سنية ~~السمري. # وعصفت الأحزان والقلق بقلب خضر. ماذا عليه أن يفعل؟ إنه مهجور مع مشكلة لا ~~يجوز فيها المشاورة. نازعته نفسه إلى هجر الحارة كلها، ولكن أين يذهب، وبأي ~~عذر يتعلل؟ إنه صاحب مبادئ طالما قال عنه سليمان إنه تشرب ببعض روح الناجي ~~وإن حرم من قوته وسيطرته، بخلاف شقيقه بكر الذي عشق التجارة والمغامرة ~~والربح. # إنه يتعذب ولا يفعل شيئا، ويسلم للمقادر بلا ثقة ولا ~~اطمئنان. # 18 # رجع بكر من رحلته فقصد المحل قبل الدار. استقبله خضر بحرارة. أقبل بكر ~~متهللا بالفوز وهو يقول : صفقة رابحة والحمد لله. # فابتسم خضر مرحبا، فتساءل بكر: كيف حال العمل؟ ~~- عال. # وإذا به يسأله: لست كعادتك، ما لك؟ # فارتعد، وتعلل بوعكة عابرة. كيف يمكن أن تطيب المعاشرة بعد ذلك؟ سجل ~~تفاصيل الصفقة في الدفتر والأفكار تتلاطم في رأسه. الإفضاء إليه بالسر جريمة، ~~وإخفاؤه عنه جريمة أخرى. كيف يمكن أن يختفي؟ # وقام بكر وهو يقول: إني مرهق ويحسن بي أن أذهب إلى الدار. # 19 # في هذه اللحظة يلتقي بكر برضوانة. في هذه اللحظة أيضا يدرك خضر مدى خطئه ~~ببقائه في الحارة. كيف تلقاه الجميلة الجريئة؟ هل تستطيع تمثيل دور الزوجة ~~المشتاقة المنتظرة؟ هل تقبل عليه كما أقبلت نحوه بنظرتها المشتعلة وأشواقها ~~المحمومة؟ هل يسدل الستار على نزوة الماضي ويمضي تيار الحياة في مجراه ~~المألوف، أو يغلبها الفتور والعواطف الدفينة فتتعلل بالمرض؟ هل يدب الفساد في ~~الحياة الزوجية الجديدة فتتعقد الأمور ويتجهم وجه الحياة؟ # وارتعدت مفاصله وغمغم: بوسعها أيضا أن تنتقم! # ها هو بكر يسألها عما بها فتقول باكية: أخوك غدر! # أي أكذوبة؟ أي شر يبتدر! # ولكن مهلا. لم لم تخبر حماها أو في الأقل حماتها؟ على ms075 أي حال ستجد من ~~يصدقها ولن يجد هو من يصدقه. # كلا. إنها ماكرة وجريئة. ستتظاهر بالحزن، وتقول في غموض: أود أن نعيش ~~بعيدا عن هذه الدار. # سيسألها بكر عما يضايقها فتقطب ولا تجيب. تشاجرت مع أمي؟، مع أبي؟ ~~كلا، كلا. لا يبقى إلا خضر. ألم يحسن خضر خدمتك؟ إنها لا تطيق سماع اسم ~~خضر. أي خطأ ارتكب؟ ثم تتضح الحقيقة مثل سواد الليل تحت سماء ملبدة ~~بالغيوم. في هذه الحال تلوذ الجميلة الماكرة بانطباع شخصي قد يصدق وقد لا ~~يصدق، ولكنه يترك أثره المحتوم. لن تصرح بأكثر من أن نظراته لم تعجبها، لم ~~ترتح لها؛ وأنها لذلك تفضل العيش بعيدا عن دار السمري! # كيف يدافع عن نفسه؟ هل يهدم سعادة أخيه وسمعة أسرته؟ هل يهرب حاملا الإثم ~~وحده؟ # ولكن أليس من الجائز أن أوهامه محض هواجس لا أساس لها، وأنهما الآن ~~ينعمان بالحب بعد الغياب؟! # عند ذاك سمع وقع أقدام متوترة، ثم رأى بكر يسد الباب مرتجفا من شدة ~~الغضب. # 20 # صرخ بكر: يا لك من وغد خسيس. # انقض عليه كالوحش وراح يكيل له الضربات والآخر لا يرد. دميت شفتاه ~~وأنفه ولكنه لم يرد، فصاح بكر: شلك العار! # فتراجع متسائلا: ماذا جرى لك؟! ~~- ألا تعرف حقا؟! ~~- لا أفهم شيئا. # فصرخ: تطمع في زوجة شقيقك. # فهتف خضر: أي جنون! # واستأنف الحملة عليه حتى هرع عمال إلى مدخل الحجرة، وتجمهر نفر في ~~الحارة أمام المحل. # وترامى من بعيد صوت سليمان الناجي وهو يزمجر. # 21 # تفرق الناس ورجع العمال إلى أماكنهم. صاح سليمان: إذا رفعت يد فإني ~~قاطعها. # تراجع بكر، ومضى خضر يجفف دمه بمنديله. قال بكر: إنه غادر يستحق ~~التأديب. ~~- لا أريد أن أسمع كلمة هنا. # وردد بصره بينهما في غضب، وأمر قائلا: اتبعاني. # ومضى نحو الدار مثل أسد جريح. # 22 # وقفوا أمامه جميعا، بكر وخضر ورضوانة وسنية. صاح بفظاظة: الحقيقة! # لم ينبس أحد، فصاح: الويل لمن يخفي همسة! # ورمى رضوانة بنظرة حادة آمرا: تكلمي يا رضوانة! # فأجهشت في البكاء، فهتف متبرما: ms076 لا أحب الدموع. # فتمتمت وهي تشهق: لم أقل إلا أنني أريد أن أعيش بعيدا. ~~- هذا وحده لا يعني شيئا ذا بال! # فقال بكر: فهمت من حديثها أنها تكره أن تعيش في دار واحدة مع خضر! ~~- لماذا؟ أريد حقيقة ملموسة. # فقال بكر: تجسدت لي الحقيقة دون تصريح. # فصاح سليمان: الحقيقة الحقيقة حتى أقوم بواجبي. # ثم نظر نحو رضوانة وأمر: تكلمي بالصراحة الكاملة! # فأجهشت في البكاء مرة أخرى، فلوح بيده ساخطا، ثم التفت نحو خضر وسأله ~~بحنق: ماذا فعلت؟ # فتمتم خضر: لا شيء، والله مطلع. ~~- أريد أن أعرف كل شيء فلا تثور زوبعة بلا سبب. # هنا قالت سنية: يوجد سوء تفاهم ليس إلا. # فقال لها سليمان بحدة: اسكتي! # فقالت بيأس: إنه الشيطان يندس بيننا. # فقال سليمان بحنق: الشيطان لا يندس إلا بإذن منا. # فقالت سنية مولولة: حلت بنا اللعنة! # فقال سليمان: فلتحل اللعنة بمن يستحقها. # وبغتة غادر خضر البهو ، فصاح به سليمان: ارجع يا ولد! # ولكنه اختفى، فصاح بكر: ألا ترى أنه يهرب يا أبي؟ # فصرخ سليمان وهو ينهض: ها أنت تعترف يا مجرم! # ولكنه لم يرجع ولم يلحق به أحد. # 23 # جرت فضيحة آل سليمان الناجي على كل لسان. وترحم الحرافيش على عهد الناجي ~~القديم، واعتبروا ما نزل بسليمان وابنيه جزاء عادلا على انحرافه وخيانته. ~~قالوا إن عاشور كان وليا، أيده الله بالحلم والنجاة، وأكرمه حيا وميتا. ~~أما الكارهون فقالوا إنها ذرية داعرة متسلسلة من أصل داعر لم يكن إلا لصا ~~فاسقا. # واجه سليمان ذلك بوحشية غيرت من شخصيته للمرة الثانية، فكان يشق ~~الحارة بجسمه العملاق وبدانته الآخذة في التمادي، متربصا لأي هفوة حتى ~~خافه أقرب المقربين إليه، ولم يعد منظره ينسجم مع الفتونة؛ فهو يترهل ~~ويعلوه الخمول ويغرق في الإدمان والترف. وانتفخت كرشه وتدلت عجيزته، ومن ~~إفراطه في الطعام كان يغلبه النوم وهو متربع على أريكته في القهوة. # 24 # وذات صباح وقف سليمان الناجي يحادث سعيد الفقي شيخ الحارة وسط وحل تكدس ~~في جنبات الحارة من أثر مطر انهل شطرا ms077 من الليل. وكان سعيد الفقي يقول له: ~~إن الله يمتحن من عباده المؤمنين. # وأراد سليمان أن يعلق، ولكنه حملق بغتة في وجه عدو ينقض عليه من ~~الغيب، وتهاوى على الأرض كمئذنة. حاول النهوض مرات ولكنه عجز، ثم استسلم لما ~~يشبه النوم. وهرع إليه سعيد الفقي وآخرون، ولكنه أصدر أصواتا مبهمة ولم ~~يستطع النطق. # وحمل سليمان الناجي إلى دار سنية هانم السمري كطفل عاجز. # 25 # دهمه شلل نصفي فرقد فوق فراشه عاجزا، وكل من رآه أدرك أن سليمان الناجي ~~قد تحول إلى لا شيء. وعادته فتحية وبناته مثل الغرباء. وقامت سنية برعايته ~~وتمريضه في صبر وحزن وهي تغمغم دائما: حلت بنا اللعنة! # وانقضت بضعة أعوام قبل أن يستطيع ~~أن يتحرك. غدا في قدرته أن يسير على نصف، جارا نصفه الآخر وهو يتوكأ على ~~عكازين. وكان ينشد الفرجة بالجلوس أمام الدار أو في القهوة، ينطق بالكلمة ~~أو الكلمتين، ويلقي على ما حوله نظرة غائبة وقد هجرته معاني ~~الأشياء. # 26 # وناب عتريس عن سليمان في الفتونة. ظل على ولائه له بادئ الأمر، يزوره، ~~ويعطيه نصيبه كاملا من الإتاوات، ويمارس السلطة الفعلية في العصابة، ويقول له: ~~أنت سيدنا وتاج رأسنا. # ثم شغلته واجبات الفتونة - هكذا قال - عن واجب الزيارة، فكف عن ورود دار ~~السمري إلا يوم حمل الإتاوة. # ثم أعلن فتونته واستولى على نصيب سليمان من الإتاوات فلم يصادف من أحد ~~الأعوان ما يكدر، بل لعلهم أملوا أن يتحرروا على يديه من الالتزامات ~~المحدودة التي ظل سليمان ملتزما بها حيال الحرافيش. # وسرعان ما عادت الفتونة إلى سابق عهدها قبل عاشور الناجي. فتونة على ~~الحارة لا لها، ولا خدمة تؤديها إلا خدمة الدفاع ضد الفتوات الآخرين. وحتى في ~~هذه الناحية اضطر عتريس إلى مهادنة أعداء ومخالفة آخرين، بل حتى الإتاوة دفعها ~~إلى فتوة الحسينية ليتجنب معركة خاسرة. وكلما هان خارج الحارة زاد طغيانا ~~وصلفا داخلها. وأهمل أخته فتحية. وأكثر من الزواج والطلاق. واستأثر ~~بالإتاوات هو وعصابته، على حين أغدق على الحرافيش الزجر والتأديب، وأنزل ~~الوجهاء ms078 - على حد قول سعيد الفقي شيخ الحارة - حيث أنزلهم الله سبحانه ~~وتعالى. # 27 # لم يفقد سليمان الناجي الفتونة فحسب، ولكنه فقد نفسه أيضا. لم يعد ~~شيئا، وتلاشت الدوافع والمعاني، واستمسك بأمل شارد في الشفاء، حتى سأل رضوان ~~الشوبكشي العطار حما ابنه بكر: أليس لحالي دواء عندك؟ # فأجابه الرجل وهو يداري ازدراءه: لقد بذلت العطارة جميع ما في ~~وسعها. # وقال رضوان الشوبكشي لنفسه: «يطمع في استرداد قوته وفتونته عليه اللعنة ~~وعلى أصله.» # وطاف سليمان بالأولياء، الأحياء منهم والأموات. وناجى الأمل كل مناجاة. ~~وظل يزحف على عكازين، ويجمد فوق الأريكة مثل قدر المدمس. وانتابته حكمة ~~لم يعرفها في حياته، فقال إن الإنسان لعبة هزيلة والحياة حلم. وتجاهله عتريس ~~تماما، كما تجاهله الأعوان، وتجاهله الحرافيش بلا رحمة، وعدوه المسئول الأول ~~عما حاق بهم. # ثم تغلغلت التعاسة في جوف داره. بدا أن سنية هانم برمة بالحياة في ~~جواره. تركت مهمة رعايته إلى جارية، وتجهمت الحياة بقدر ما تجهمتها ~~الحياة. ولم تنس قط ابنها الهارب خضر، وفترت لذلك العلاقة بينها وبين ~~رضوانة. ومضت تتغيب عن الدار كثيرا ناشدة التسلية في دور الجيران. ~~وتألم سليمان لذلك غاية الألم، وقال إن أثر الشمس يمحى وراء الغيوم، وإنه ~~لا كرامة لعاجز. # وقال لها مرة: غيابك عن الدار يطول أكثر مما يليق. # فقالت له بحدة: لم يبق بها شيء! # وخطر له كثيرا أن يطلقها، ولكنه أشفق من ألا يجد في مسكن فتحية ~~الراحة الضرورية. وتجرع الذل والمهانة متصبرا. # 28 # وجالسه سعيد الفقي ذات يوم في القهوة. طالعه بوجه ودود، وقلب ذي حقد ~~دفين قديم. وقال له بنبرة الصديق: يا معلم سليمان يعز علينا حالك. # فرمقه بنظرة لا معنى لها، فواصل الرجل: ولكن لك علينا حق الصدق ~~والإخلاص. # ماذا يريد الرجل؟ ~~- الرأي عندي يا معلم أن تطلق سنية هانم! # فاختلج جفناه وارتعشت يده، فقال سعيد: هذه نصيحتي كصديق قديم. # غمغم سليمان: لم؟ # فأجاب الرجل: لن أزيد حرفا. # 29 # لم يعد رد الفعل عنده ذا شأن. غدا ألمه مجردا؛ لا السرور ms079 يضحكه ~~ولا الحزن يبكيه، ولكن لا بد من الطلاق. سيسير في الطريق حتى نهايته ~~المسدودة. # ورجع من القهوة إلى مسكن فتحية الذي استأجره لها عقب انقلابه الخطير. ~~استدعى المأذون وطلق سنية هانم، وقد جزع لذلك بكر وقال له: ما كان ينبغي أن يقع ~~ذلك. # فقال له: بل عليك أن تصون أمك يا بكر! # فصرخ بكر: قطعا لألسنة الوشاة! # وافترقا شبه متخاصمين. وجعل سليمان ينفق من مدخره ويقول: أسأل الله أن ~~يجيء موتي قبل أن أمد يدي إلى بكر. # 30 # في أثناء ذلك تحسنت أحوال بكر التجارية والمالية، وأنجب من رضوانة ~~رضوان وصفية وسماحة. وقد زلزله طلاق أمه، وترامت إليه شائعات أليمة، حتى اضطر ~~إلى أن يبصرها بسلوكها وما يثيره حولها. وغضبت سنية ولعنت الحارة ووصمتها ~~بكل خسيس، ولم تغير من تحررها وانطلاقها. # إلى ذلك كان بكر قلقا مضطربا في حياته الزوجية. لم يشعر أبدا بأنه ملك ~~رضوانة، ولم يكف عن التفاني في حبها. ليست هي بالمطيعة ولا بالمتفاهمة ولا ~~بالمستجيبة، وبها حدة مجهولة الأسباب تستفحل مع الأيام. إنها تنال ما ~~تريد بلا امتنان ولا سعادة، وهو لا يطيق الدنيا إذا جفته أو خاصمته. ويجن ~~جنونا إذا خطر له أن حبها له ليس بالقوة اللائقة. ماذا ينقصها؟ ماذا تريد؟ ~~أليس هو بالزوج المثالي؟ إنه يتجنب ما يثيرها من قريب أو بعيد، ولكن ما ~~يثيرها يدهمه من حيث لا يحتسب. وبدت المعاشرة بلا أثر، وبدت الذرية بلا أثر ~~كذلك. وانطوى على قرحة أفسدت عليه مذاق حياته الخاصة. ~~- رضوانة، بوسعك أن تجعلي من دارنا عشا للسعادة. # فتساءلت بغموض: أليست هي كذلك؟ ~~- ولكنك تهملين حبي يا رضوانة؟ # فقالت متأففة: إنك لا تفكر إلا في مسراتك، وتنسى أنني أم ~~لثلاثة. # فقال بأسف: إني أفتقد حرارة تكافئ حبي العظيم! # فضحكت بفتور وتمتمت: أنت طماع، أما أنا فأبذل خير ما عندي. # وضاعف من تعاسته تمزق العلاقات الطيبة بين أمه وزوجته. منذ اختفاء ~~خضر تغيرت سنية، وسرعان ما قابلت رضوانة التغير بمثله أو بأسوأ منه. ~~وتنافرتا مرة بعنف ms080 حتى قالت سنية لها بحدة واتهام: قلبي يحدثني ~~ببراءة خضر! # فأجابتها بحدة أشد: الأصوب أن تصوني سمعتك! # فهاجت سنية ورمتها بشمعدان صغير لم يصبها. ولما رجع بكر وجد رضوانة ~~شعلة من الكراهية والغضب. وخلا إلى أمه يعاتبها ولكنها قالت له: نصيحتي لك ~~كأم أن تطلقها. # فذهل بكر، فقالت ساخرة: كانت قدم الشر الذي قضى على أخيك وأبيك ~~وأمك. # ثم بصوت حاد متهدج: إبليس نفسه يعجز عن فعل ذلك كله، حتى أنت حفيد ~~الناجي الكبير تؤدي الإتاوة لصعلوك من خدم أبيك وجدك. # وقال بكر لنفسه: إنها اللعنة قد حلت بنا حقا! # ودارت عجلة الأيام بلا توقف كعادتها. ومات السمري الكبير أبو سنية، ~~فورثت عنه مالا لا بأس به، واستوهبها بكر بعض المال ليزيد من رأس ماله فلم ~~تمنعه، ومضى في طريق الثراء بلا حدود. أخذ يتسلى عن همومه بالإغراق في العمل ~~وخوض المغامرات الناجحة والمضاربات الخطيرة، حتى كادت أن تستأثر به شهوة ~~المال لدرجة الجنون. كان يكنز المال كأنما يتحصن به حيال الموت والأحزان ~~والفردوس المفقود، وكان ينطلق نحو الكفاح من مركز منغرس في أرض الأحزان ~~والهموم، متحديا الألم والمجهول. ولم يكن بكر كريما ولكنه أيضا لم يكن ~~بخيلا. لم يكن ينفق في الخارج مليما لغير ما فائدة تعود عليه، أما في داره ~~فكان بحرا؛ أهدى إلى رضوانة جواهر تساويها وزنا، وجدد أثاث الدار ورياشها ~~وتحفها حتى صارت متحفا. وقال والحسرة تقرض قلبه: ليت السعادة بالمال ~~تشترى! # 31 # وذات يوم أشهر رضوان الشوبكشي - أبو رضوانة - إفلاسه. كان الرجل مسرفا، ~~مولعا باللهو والطرب والليالي الملاح، فأفلت منه توازنه التجاري وهوى. ~~ورحب بكر بالفرصة ليثبت لزوجته المتمردة حبه وكرمه، فلما عرضت دار ~~الشوبكشي للبيع في المزاد اشتراها بثمن فاحش لييسر لحميه تسديد ديونه. ~~وألحق بمحله إبراهيم الشوبكشي شقيق رضوانة الأصغر وجعله وكيله وأمين سره، غير ~~أن رضوان الشوبكشي لم يتحمل الصدمة فمات بالسكتة، وشيعه بكر بما يليق ~~بمقامه، وأقام له مأتما استمر ثلاثة أيام، وتوقع بعد ذلك أن تغير ~~رضوانة من سلوكها أو ms081 تهذب من طبعها، ولكنها كانت مثل الصلب لا تلين، وزادتها ~~الأحزان فتورا ونفورا، حتى قال بكر لنفسه: إن قيام القيامة نفسها لن ~~يغيرها. # 32 # وأطبق الظلام عندما اختفت سنية أمه من الدار والحارة! كارثة لم يستطع لها ~~دفعا. وسرعان ما عرف أنها أخذت مالها وهربت مع شاب سقاء وتزوجت منه. ~~كارثة حقيقية نكست رأسه، فنفض منها يديه، ولم يهتم حتى بمعرفة مقامها ~~الجديد، وتوارى وراء سجلاته ورحلاته. # وسعى إليه عتريس الفتوة وقال له: إني في خدمتك إن أردت خدمة. # فكره منظره، وداراه بابتسامة ممتنة، وقال له: الشكر لك يا معلم، ~~وليفعل الله بها ما يشاء. # وتبدت له الدنيا رمادية ضاربة للحمرة. وتساءل لماذا نحب هذه الحياة ~~ونحرص عليها هذا الحرص كله؟ لماذا نذعن لمشيئتها الحادة القاسية؟ ألا يحق ~~لها بعد ذلك أن تسلط علينا دود أرضها؟ اللعنة على عاشور الناجي الأسطورة ~~الكاذبة! اللعنة على الدراويش المجانين الذين لا يكفون عن الغناء! وتساءل ~~أيضا: يوجد خطأ جسيم ولكن أين هو؟ # 33 # وذات مساء أرسل سليمان الناجي في طلبه. تذكر أنه لم يزره منذ أشهر ~~فخجل. كان قد مر على شلله عشرة أعوام، وكان قد لزم الفراش منذ عام في رعاية ~~مخلصة من فتحية. ذهب إليه، قبل يده، جلس إلى جانب فراشه وهو يعتذر عن إهماله ~~بشواغله وهمومه. # وقال سليمان الناجي: نهايتي اقتربت يا بكر. # فدعا له بطول العمر والعافية، فقال الرجل: حلمت بجدك شمس الدين ثلاث مرات ~~في ثلاث ليال متعاقبة. ~~- هذا لا يعني شيئا ضارا يا أبي. ~~- هذا يعني كل شيء، وقد قال لي إن الدنيا لا تساوي شيئا حتى يهبها ~~الإنسان روحه. ~~- رحمه الله يا أبي. # فقال بأسى: ما مضى قد مضى، ولكني أسألك من من أبنائك يصلح لها؟ # فأدرك أنه يعني الفتونة، فدارى ابتسامة وقال: ما زالوا صغارا ولن يصلحوا ~~لها. ~~- ولا أحد من أبناء أخواتك لأبيك؟ # فقال بعد تردد: لا أدري يا أبي. ~~- لأنك لا تدري عنهم شيئا. # وتأوه، ثم قال: إني أودع الدنيا مثل سجين. أستودعك ms082 الحي الذي لا ~~يموت! # 34 # في جوف ذلك الليل فاضت روح سليمان شمس الدين عاشور الناجي. وبالرغم من ~~عزلته الطويلة مشى في جنازته جميع أهل الحارة، حتى عتريس ورجاله، ودفن إلى ~~جانب شمس الدين. # وثارت مكامن الأحزان في قلوب آل الناجي والحرافيش، وانسابت عليهم الذكريات ~~مترعة بالأسى. # 35 # وطرأت حركة جديدة غير مألوفة، ندت عن تيار الأحداث الرتيبة والساعات ~~التوائم مثل شهاب يمرق في سماء باهتة. # وتساءلت رضوانة في حيرة: «ماذا يفعل الرجل؟» # على غير عادة أخذها بكر من يدها وراح يتفقد جنبات داره الكبرى ~~طابقا بعد طابق. إنه جاد أكثر مما تتصور، عظيم الاهتمام، كأنما يستعد ~~لرحلة أو لمضاربة خطيرة: ماذا تفعل بالله؟ # فلم يجب، لم يبتسم، مضى بها من حجرة إلى حجرة، من بهو إلى بهو، من قاعة ~~إلى قاعة، طائفا بقطع الأثاث النادرة، بالتحف، بالطنافس والستائر والسجاد، ~~بالقناديل، والشمعدانات والتحف، بمخدع نوم رضوان وصفية وسماحة. # وتمتمت بضيق: تعبت. # فأشار إلى مرآة تحتل جدارا كاملا مؤطرة بالذهب الخالص وقال: لا نظير ~~لها في البلد كله. # وأشار إلى نجفة شامخة مترامية الأبعاد، مرصعة بالكواكب وقال: إحدى ثلاث ~~في مدينتنا الكبرى. # ثم أشار إلى القبة الزجاجية التي تعلو المنور بألوانها الشتى وقال: ~~صنعت وزخرفت في عام كامل وكلفت ثمن مئونة جيش! # ثم بسط راحتيه نحو سجادة عملاقة تغطي أرض البهو الكبير وقال: حملت ~~إلي خاصة من أرض العجم! # لم يترك صوانا إلا أشاد به، لم يغفل جوهرة حتى قدم لها فروض الطاعة ~~والثناء. # عند ذاك توثبت رضوانة للتحدي، فجذبت معصمها من قبضته وتساءلت: ما ~~الحكاية؟! # فشبك ذراعيه على صدره وهو يحدقها بنظرة غريبة غامضة، ثم قال: الحكاية ~~أنني محبوب الأقدار! ~~- ماذا تعني؟ ~~- الأقدار تعشقني فهي لا تغفل عني لحظة ولا تنام! ~~- إنك تبدو لعيني غاية في الغرابة؟ ~~- انظري إلي جيدا، تأمليني طويلا ما استطعت، أنا الدنيا بلا زيادة ~~ولا نقصان. ~~- لم تعد أعصابي تتحمل أكثر. # فابتسم لأول مرة وقال: الحكاية يا رضوانة العزيزة المحبوبة المدللة ~~المتمردة أن بكر سليمان شمس ms083 الدين عاشور الناجي قد أفلس! # 36 # لم تفهم شيئا. لم تصدق المستحيل. نطح رأسها سقف الصوان. تخايلت لها ~~الدنيا في صورة امرأة تغمز بعينها اليسرى. تهيأت لتستقل العربة الماضية ~~إلى جبال الواق. تبدى لها وجه بكر أجمل من الواقع وأتعس من الممكن. مرقت من ~~فيها شهقة سرعان ما تجسدت في صورة عقرب. # تمتم بكر: هي الحقيقة يا رضوانة. # رآها تتمخض عن تمثال للذهول، فقال بقهر ويأس وحقد: لا فتونة ولا مال ~~ولا سعادة! # تساءلت بريق جاف: ولكن ... لكن كيف وقع ذلك؟! ~~- كما يقع الشلل والفضيحة والموت، لم تتعجبين؟ ما هي إلا مغامرة ~~أخطأت الهدف! # فقالت بعذاب: طالما حذروك من المغامرات! # فقال بازدراء: الذين لا يعلمون ينتقدون ويعظون ويحسدون، عليهم ~~اللعنة! # وساد الصمت دقيقة فرقصت أشباح المخاوف، وارتطمت الأحلام المستحيلة بجدران ~~الواقع الصلد المكفهر، ثم تساءلت: وماذا بعد؟ ~~- سوف تصفى التجارة وتعرض جميع الأملاك في المزاد، أما بعد ذلك ~~.. # وتوقف فتساءلت: أما بعد ذلك؟ ~~- بعد ذلك ننضم إلى قافة المتسولين. ~~- لا شك أنك تحاول إرعابي. ~~- أحاول إيقاظك ليس إلا. # فصاحت: إنه جزاء الجنون. # فقال ساخرا: إنها التجارة فحسب، فيها شريك خفي هو القدر. ~~- أنت الذي غامرت لا القدر. ~~- وأنت طالما جحدت وتنكرت، ولكن لا شأن لذلك بالسوق. # فانهمرت دموعها وقالت: الآن أعرف كيف مات أبي. # فقال بمرارة: كان سعيد الحظ! ~~- والأولاد ما مصيرهم؟! # فقال بامتعاض: فلندعهم ينعمون بنوم سعيد. # 37 # توقفت الحارة عن نشاطها المألوف لتشهد المزاد الخاص بالرجل الذي كان ~~أغنى أغنيائها من قبل أن ينزلق في هاوية الإفلاس. # ثمة سحائب كانت تركض فوق سطح الشمس في اليوم الأخير من أمشير. ووقف بكر ~~سليمان الناجي وسط الشركاء الذين انقلبوا دائنين. جفت فوق شفاههم بسمات ~~التودد، انداح فوق خدودهم شحوب القلق، وارتباك التحفز، ولكن الأشداق ~~انتفخت بحتمية التصميم. # ومال سعيد الفقي شيخ الحارة على أذن عثمان الدرزي الخمار وسأله ~~متهكما: لم لم ير حلم النجاة مثل جده الأول؟ # فهمس الخمار: أحلام المتخمين كوابيس! # وقبيل المناداة بدقيقة ترامى رنين جرس مؤثر. # اتجهت ms084 أبصار نحو مدخل الحارة فرأوا كارتة قادمة يتوسطها رجل. ترى ~~أهو مزايد طارئ من الخارج؟ وقفت الكارتة عند الحلقة. غادرها شاب في عباءة ~~سوداء، وعمامة مقلوظة، طويل رشيق، ذو سحنة غير غريبة. # وأكثر من صوت هتف: يا ألطاف الله! هذا خضر سليمان الناجي! # 38 # تطايرت التوقعات من رأس إلى رأس. سرت الهمهمة مثل الطنين. دارى سعيد ~~الفقي ابتسامة. اصفر وجه بكر وارتعشت أطرافه، أما خضر فقد رفع يده بالسلام، ~~وتلقى الرد بترحيب ورجاء، وقال سعيد الفقي: جئت في وقتك! # وتساءل عثمان الدرزي: أجئت متزايدا؟ # فقال خصر بأسى: بل جئت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. # أدرك الجميع أنه يتكلم من موقع القوة والثقة، وأن الفتى نجح في مهجره ~~وأثرى، فانتعشت أنفس الدائنين وقال صوت: فليبارك الله خطاك. # فقال خضر: إذن فليؤجل المزاد لعلنا نصل إلى اتفاق. # عند ذاك صرخ بكر: كلا! # تركزت عليه الأبصار في ذهول فصاح مخاطبا أخاه: لن يطهرك الزمن من ~~جريمتك، فاخسأ ملعونا غير مشكور! # وتناثرت الاعتراضات مثل الرذاذ وقد تلاحقت السحائب الراكضة، فانعقدت ~~خيمة دكناء. # وقال خضر برجاء: دعني أقم بواجبي. # فصرخ بكر في هياج: الخراب أحب إلي من النجاة على يدك! # فقال الشيخ طلبة القاضي شيخ الزاوية: لا يجوز تبديد رحمة من ~~السماء. # فصاح بكر: ما جاء إلا للشماتة والانتقام. # وأحاط الدائنون ببكر يهدئونه ويقنعونه، وقال الشيخ طلبة القاضي: ~~فليؤجل المزاد حتى نستقر على رأي لا يعقبه ندم. # 39 # ختم بكر حديثه، ثم نظر نحو رضوانة وقال: هذه هي الحكاية. # انتظر التعليق بشغف محموم ولكنها ارتبكت وقهرت ولم تجد ما تقوله. ~~انحصرت في قفص من نظراته الحادة المستطلعة. وتساءل بكر: ما لك لا ~~تتكلمين؟ # غاصت أكثر في الصمت، وغلبت على أمرها. فعلت السخرية في نبرته وهو يقول: ~~خبريني برأيك؟ # فهربت ببصرها نحو البسملة المؤطرة بالذهب المثبتة فوق الجدار، وقالت ~~مدفوعة بإرادة يائسة: ماذا أقول والأولاد مهددون بالتسول؟! ~~- أسمعيني رأيك صريحا مثل النار. # فقالت وقد استردت بعض عنادها: أرى أنه يرغب في إنقاذ سمعة ~~الناجي. # فقال بحنق: كلا، ms085 لو كان يقيم وزنا للسمعة ما طمع في زوجة ~~شقيقه! # فتمتمت في حرج: لعله ينشد التكفير. ~~- لا تكفير لمن لا ضمير له. ~~- لم يضحي بماله إذن؟ # فاجتاحه الغضب وقال: لعله يرغب في إنقاذك أنت! # فلوحت محتجة وقالت بحدة: كلا! ~~- كلا هذه لا تعني شيئا. ~~- أعتقد أنه يسعى لإنقاذ سمعة أسرته. # فاشتعل غضبه وقال: إنك تكذبين! # فقالت محتدة: لا تزد الأمور سوءا. ~~- دعيني أشك في كل شيء، حتى أنت! # فصاحت به: إنك في حال لا يمكن أن تحاسب معها على قول. ~~- إني في تمام قواي العقلية. الإنسان قد تجنه النعمة، ولكنه يلقن الحكمة ~~على يد الإفلاس والمحن، ما أنت إلا امرأة قذرة تتطلع إلى عاشقها ~~القديم. # فصرخت: لقد فقدت عقلك. ~~- المعجزة أنني لم أفقده طيلة معاشرتي لك، هل وجدت منك إلا الجحود ~~والتمرد والنفور؟ هل وجدت منك إلا الغدر والخيانة المكبوتة؟ أعطيتك كل ~~شيء ولم آخذ إلا الهواء، وكنت اللعنة وراء جنوني وإفلاسي، فلتحل بك ~~اللعنة والخزي. # وتلوث قائمة مثل لسان من لهب وصرخت في وجهه: اقطع لسانك القذر! # فجن جنونه. # انهال عليها ضربا وصفعا وركلا حتى تهاوت مغمى عليها. ومن خلال النار ~~المشتعلة في عينيه حملق فيها ذاهلا. اعتقد أنها تحتضر أو أنها ماتت، وبسرعة ~~تملص من هموم حياته ومن عذابات الحيرة؛ وثب من فوق أسوار الواقع فغادر المكان ~~مكتظا بتصميم مدمر. # 40 # كان خضر سليمان الناجي مجتمعا بالدائنين في دكان شيخ الحارة عندما ~~اقتحمها بكر. قبض بيده على سكين وثمل برحيق الجنون الأحمر. صاح: لقد قتلتها ~~وسأقتلك يا تيس! # ووجه نحو أخيه ضربة. انحرفت الضربة بسبب تدخل البعض فاخترقت العمامة ~~دون الرأس. تكالبوا عليه، انتزعوا السكين من يده، طرحوه أرضا. ~~- جن الرجل. ~~- بل هو مجرم. # رفع بكر رأسه عن الأرض قليلا وصاح: أنتم وراء المال ولو في بؤرة ~~فسق! # وقال شيخ الحارة: نسلمه إلى القسم. # هتف خضر بجزع: لقد قتل زوجته. ~~- يسلم للقسم. # وعاد بكر يصيح: جميعكم أوغاد وكلاب! # 41 # سرعان ما تكشفت الحقائق. لم تمت رضوانة كما توهم ms086 بكر. أطلقوا سراح ~~بكر. توارى بكر عن الأنظار واختفى من الحارة. # أدى خضر ما تم الاتفاق على أدائه من أنصبة الدائنين. صفيت التجارة، ~~أما دارا السمري والشوبكشي فبقيتا في حيازة رضوانة. # ودعت ست فتحية خضر للإقامة في مسكنها الصغير - مسكن أبيه - حتى ينظم ~~حياته. ووضح أن خضر ينوي الإقامة في حارته. وبلا تردد اتخذ الإجراءات لشراء ~~محل الغلال ومواصلة نشاطه التجاري السابق. وفكر أيضا في شراء دار السمري ~~أو الشوبكشي ليجد لنفسه مقاما مناسبا من ناحية، ولتفيد رضوانة من ثمن الدار ~~ما تعيش به عيشة كريمة هي وأبناء أخيه رضوان وصفية وسماحة. # وقالت له فتحية زوجة أبيه: جميع ما ينبع من قلبك نبيل. # فأجابها بفتور: لم أنس أسرتي، ظلت تعيش معي في الخارج. # وحارته أيضا. وتعلم في مهجره أن الناجي معنى حي، أما السمري فلا وزن ~~له يذكر. تعلم أن البطولة الحقة مثل المسك تطيب بها النفوس وتهفو إليها ~~الأرواح ولو لم تؤت القدرة على استعمالها. ولكن أهذا هو ملاك الأمر كله ~~وراء رجوعه إلى الحارة ؟! # وسألته فتحية: لم لم تكمل نصف دينك؟ # فأجابها مبادرا: كرهت الزواج في الغربة! # 42 # وبوحي من تفكيره طلب مقابلة عتريس. تم اللقاء في دار عتريس الفخيمة. ~~واستقبله الفتوة بترحاب واحتفاء، وقال له: شرفت الدار يا سليل ~~البطولة. # فقال خضر بتواضع: إنه واجب من يروم الإقامة نحو فتوتنا. # فقال عتريس بارتياح: أنتم أصل الخير والبركة. # بذلك خمدت تساؤلات مريبة في مهدها. # 43 # حتام ينتظر؟ إنه يمارس عمله في محل الغلال، ويعاني شتى الانفعالات ~~المتضاربة، وها هي الخماسين تسفع الجدران، تثير الغبار، ترفع الحرارة، تلون ~~الجو بالكدر، وعما قليل يتهادى الصيف بجلاله الشعبي وصراحته الحامية ~~وأنفاسه اللزجة. حتام ينتظر؟ لقد أرسلت رضوانة إليه من يشكره، فرد الرد ~~الجميل، وعن لسانه قالت فتحية لرضوانة إنه يتذكر دائما أنه تبودلت الرسل ~~بينهم كالأغراب، حتى أرسل إليها ست فتحية طالبا مقابلتها. وذهب إليها ليلا ~~متجنبا الأنظار حتى لا تصبح ذكريات الماضي حكاية مرة أخرى على الألسنة. ~~ذهب يحمل بين ms087 جنبيه دوامة، ويضمر أيضا تصميما. # استقبلته رضوانة في بهو الاستقبال. طالعته محتشمة الملابس، مطوقة الرأس ~~بخمار أسود كأنها في حداد. وتصافحا، وتلاقت عيناهما مقدار ثانية، ولكنها ~~مشتعلة مثل شرارة متطايرة عن احتكاك حجرين، ثم جلسا صامتين متحرجين ~~يودان الخلاص. # قالت رضوانة: إنها لفرصة كي أشكرك بنفسي. # فقال متحررا من حرجه بعض الشيء: وفرصة لي لأضع نفسي في خدمتك. ~~- ماذا عن بكر؟ ~~- لم أهمل واجبي في ذلك الشأن ولكن لم يعثر له على أثر. ~~- متى يرجع في تصورك؟ ~~- إنه ذو كبرياء فيما أعلم وأخشى أن تطول غيبته. كيف حال الأولاد؟ ~~- على خير ما تحب. # فتردد خضر قليلا، ثم قال: أود أن أشتري دار الشوبكشي إذا ~~أذنت. # فقطبت قليلا وهي تقول: تريد أن تقدم مالا لامرأة مفلسة! # فقال متلعثما: إني بحاجة إلى دار بصفة عاجلة! # ثم بتسليم: وأولادك أولادنا على أي حال. # فقالت وهي تتفحصه: تشكر على نواياك الطيبة. # وصمتت لحظة، ثم تساءلت: ترى هل نسيت الإساءة القديمة؟ # فبادر يقول: من يحمل الماضي تتعثر خطاه. ~~- ولكن هل ينسى الماضي حقا ؟ ~~- أجل، إن يكن من الخير أن ننساه. ~~- لا أدري. ~~- لولا ذلك ما رجعت، وما تم بيننا لقاء. # فلاحت نظرة حذرة في عينيها الجميلتين وتساءلت: هل جئت حقا من أجل ~~شراء الدار؟ # فدارى ارتباكا تهدده لحظة وقال: أجل. ~~- ولكنك تعلم أنها ما زالت ملك بكر الغائب! # فتورد وجهه وهو يقول: قد نجد لذلك حلا. # فهزت رأسها في ريبة، فقال: على الأقل لأكون في خدمتك. # فقالت بكبرياء: في الدارين من التحف ما يكفل لنا حياة رغيدة! ~~- ولكني مسئول أيضا. # فقالت وهي ترمقه بنظرة غامضة: لست في حاجة إلى مساعدة والشكر لك. # فحنى رأسه امتثالا، وتحرك حركة توحي بوجوب إنهاء المقابلة، فتساءلت ~~بقلق: أم جئت لغرض آخر؟ # فتطلع إليها بنظرة دهشة فقالت بجرأة: من أجل الزجر والتأديب؟ # فهتف بصدق: أعوذ بالله من خاطر لم يدر لي في بال! # فلاذت بالصمت فعاد يقول بحرارة: ما نطقت إلا بالصدق. # فانقشع التوتر من شفتيها وحل مكانه سلام. وعند ms088 ذاك قلبت الصفحة ~~قائلة: لقد نجحت في مهجرك والحمد لله. ~~- أجل. انتفعت بمدخري الذي حملته معي. ~~- تسعدنا ولا شك سعادتك. # فتوقف قليلا، ثم قال: النجاح لا يوفر دائما السعادة. ~~- تلك حقيقة عرفتها بنفسي، ولكن ماذا حرم عليك السعادة أنت؟ # فلاذ بصمت ذي مغزى، فارتبكت وقالت: نحن أيضا خسرنا السعادة. # فتمتم: يا لها من لعنة! ~~- كانت سنية هانم تردد دائما أن اللعنة قد حلت بنا. # أدركت من تجنبه السؤال عن أمه أنه علم بمصيرها فندمت على ذكرها، ولكنه ~~قال: لعلها صدقت. # فقالت بأسى: كانت تعدني اللعنة. # فقال بصوت منخفض: نحن نبالغ في أحزاننا. # فقالت بجرأة: أعترف بأنني كنت شريرة وأنني ظلمتك ظلم الحسن ~~والحسين. # فغمغم: لا عودة إلى الماضي. # فقالت متمادية في جرأتها: لا أحد يعترف للعواطف بحق. # فلم يجد ما يقوله، فقالت: ولو كانت صادقة! # ها هي لحظة طالما يئس من العثور عليها. لعله من أجلها جاء. لعله من أجلها ~~رجع إلى الحارة. لعله بسببها لم يذق للسعادة طعما. # وقال منحدرا في عذوبة: حتى أصحاب العواطف قد يتنكرون لها. # فتألقت عيناها، وجرى في لونهما المشرق التماع التفكير والنهم للمعرفة، ~~تساءلت: ماذا تعني؟ # فصمت معانيا الإثم، فعادت تتساءل: ماذا تعني؟ # فتساءل في حيرة: ماذا قلت؟ ~~- أصحاب العواطف قد يتنكرون لها، لا تهرب! # فهرب في الصمت فقالت وهي تثمل بنشوة طارئة: من ناحيتي لم أتنكر! # ظل صامتا فواصلت بانفعال شديد: لا تصمت، لماذا جئت؟ # فقال متهالكا: لقد قلت. ~~- أعني قولك الأخير. # فقال بنبرة اعتراف: تكلمت أكثر مما يجوز. # فهتفت وهي تفقد الوعي: ما الذي يجوز؟! ما الذي لا يجوز؟! لماذا جئت؟! إنك ~~ما جئت إلا لتقول ذلك. # فقال وهو يتدهور أكثر فأكثر: في البدء كانت اللعنة، والآن الجنون. # فبعث جمالها جارفا الأسى وقالت: اسمعني بصراحة ووضوح. ~~- إنك تدركين كل شيء. ~~- لا أهمية لذلك. أسمعني صوتك. # فرنا إليها بنظرة هشة تسيل اعترافا. بعثت النظرة في أوتارها عزف النغم ~~فتوهج جمالها كالشعاع، واكتسى بحلة الظفر المبهرجة: إذن لم يكن أنت الذي قال ~~لا. # فقال ms089 بأسى: شخص في قالها. ~~- ثمة شخص آخر، ماذا يقول؟ # قال بجدية بالغة: كنت أحبك، ما زلت أحبك، ولكن علينا أن نفكر ~~طويلا. # واستقر الصمت بإرادة الطرفين في وقار الليل، وفي الصمت عزفت في الآذان ~~دقات القلوب. # 44 # لو أن شيئا يمكن أن يدوم على حال فلم تتعاقب الفصول؟ # 45 # الانتظار محنة. في الانتظار تتمزق أعضاء الأنفس. في الانتظار يموت الزمن ~~وهو يعي موته. والمستقبل يرتكز على مقدمات واضحة، ولكنه يحتمل نهايات متناقضة. ~~فليعب كل ملهوف من قدح القلق ما شاء. # متزوجة، غير متزوجة، أيضا عاشقة. تكاشف الأولياء، تستشير المحامي، تجن ~~من التفكير في الخطوة التالية. # في محل الغلال تمارس التجارة بمهارة، تحاور العواطف بشغف، تداري الأشواق ~~بعذاب، تصارع الغرائز بعنف، ترفع إلى السماء أماني وابتهالات. # الناس تراقب وتتذكر، تحصي اللفتات والنوايا، تؤول الأوهام بأوهام، ~~تتعجل تحقيق الظنون، تتستر بالتقوى والبراءة. # ويقول سعيد الفقي شيخ الحارة: الشهامة قناع، والفاسق أبرع من ~~الشيطان. # ويسأل عثمان الدرزي السكارى في البوظة: لم لم يتزوج حتى الآن؟ # 46 # زحف مد الأسى حتى غطى إبراهيم الشوبكشي شقيق رضوانة ووكيل خضر. ~~الأقاويل تدهمه مثل الشرر. خسر الجاه، وها هو على وشك أن يخسر الشرف. الحياة ~~تدبر رويدا رويدا منذرة بمأساة. # وسأل خضر ذات يوم: أليس من حقك أن تطالب بداري الشوبكشي والسمري نظير ~~ما سددت من دين؟ # فأجابه خضر بدهشة: ما خطر لي ذلك ببال. # فقال إبراهيم بمكر: جميل أن تحفظ عهد بكر رغم أنه ضيعه. # فقال خضر ببراءة: أبناء بكر أبنائي. # ما أجمل الكلام! ولكن ماذا عن النوايا؟ # 47 # ولقي إبراهيم الشوبكشي نفسه في الجحيم. بين يديه سهل منبسط، وحياة واعدة ~~لا بأس بها، ولكن ثمة قوى نابعة من المجهول تدفعه إلى طريق وعر، وهو لا يسير ~~مغمض العينين، ولكنه يمتلئ بوعي حاد كالنصل، ويدرك أنه يطرق باب ~~الرعب. # ذهب في المساء لزيارة شقيقته رضوانة، طالما تبادلا الحب صافيا ~~والرعاية. # ولكنه لم يجد بدا من مصارحتها بما يتردد على ألسنة الخلق. واستاءت ~~رضوانة استياء جليا، وقالت ms090 بحدة: هكذا الناس دائما وأبدا. # فقال إبراهيم: من واجبنا أن نقطع الألسنة. ~~- أود أن أقطعها بلا رحمة! # فقال إبراهيم بمكر: نالنا ما نالنا من اختفاء زوجك، إنه لوغد! # فانزلقت قائلة: هو كذلك، ومن حقي ألا أسكت على ذلك. # فاشتعلت هواجسه وتساءل: ماذا تعنين؟ ~~- من حقي أن أطالب بالطلاق! # فصرخ إبراهيم بغضب: الطلاق! ~~- أجل، ماذا أغضبك؟ ~~- النساء المحترمات لا يفعلن ذلك. ~~- لا يفعل ذلك إلا النساء المحترمات! ~~- وكيف تبررينه؟ ~~- بأنه تركني بلا مورد! # فتساءل بتربص: وهل يجيئك الطلاق بمورد؟ # أدركت أنها جاوزت الحد بتصريحها فارتبكت قليلا، ثم تمتمت: على الأقل أن ~~أقطع صلة لم يبق لها معنى. # فقال برجاء: أجلي ذلك من فضلك، ثم إنه طريق معقد لا ندري شيئا عن ~~مسالكه. ~~- كلا، المحامي له رأي آخر! # فتساءل في ذهول: استشرت محاميا أيضا؟ # فلاذت بصمت متحرج فهتف: يا للعار! ومن وراء ظهري؟! ~~- محض استشارة لا ضرر منها. ~~- يحق للناس عند ذاك أن يقولوا إنك تسعين إلى الطلاق تمهيدا للزواج من ~~خضر! ~~- عليهم اللعنة! ~~- ولكنه أمر خطير بالنسبة لسمعتنا! # فقالت بحدة: سلوكي طاهر لا شائبة تشوبه. # فقال وهو يحملق في وجهها بوحشية: سيرجح لديهم - ولهم العذر - أنك كنت ~~شريكة في جريمته. ~~- سيجدون دائما ما يقولونه. ~~- ولكنه خطير جدا وسينسف سمعتنا نسفا. # فقالت بغضب: لست قاصرة يا إبراهيم! ~~- المرأة قاصرة حتى تدخل القبر. # وجفلت من غضبه فقالت: فلنؤجل الحديث إلى وقت آخر. # فقال بعناد: إنه غير قابل للتأجيل. # فهتفت بعصبية: دعني وشأني! # فصرخ: الآن أدرك أنك شريكة له! ~~- أنسيت ما حدث؟ ~~- ولكني أعرف قصة امرأة العزيز. # فصاحت غاضبة: حسبي أني واثقة من نفسي. # فوقف شاحبا وسأل: بصراحة أجيبيني، هل تنوين الزواج من خضر؟ ~~- أرفض الاتهام كما أرفض التحقيق. ~~- يا للكوارث التي لا تريد أن تقف عند حد! # فوقفت بدورها وهي تتساءل: أليس الزواج علاقة مشروعة؟ ~~- أحيانا يكون هو والزنا سواء. ~~- لم أسمع عن ذلك من قبل. # فقال بهدوء طارئ: إذن فأنت تنوين الزواج من خضر؟ # فلاذت بالصمت وأطرافها ترتعش. ~~- إنك تنوين الزواج من ms091 خضر! حقا إن للناس غريزة لا تخيب. # فقالت بأسى: تبرأ مني إذا شئت، لننفصل يا إبراهيم! # فقال بهدوء: سوف ننفصل يا رضوانة. # وانقض عليها بغتة. بكل وحشية وجنون طوق عنقها بيديه. شد بقوة ~~حتى ثمل بالعنف وتمادى في القتل. ودافعت رضوانة عن حياتها بيدين عاجزتين، ~~بانتفاضات عشوائية، بصرخات لم تخرج، باستغاثات لم تسمع، بأماني لم تذعن، ~~بيأس بدد النور والأشياء. # مضت تسترخي، تستسلم، تهن، تهمد، معلنة العدم! # | المطارد # الحكاية الرابعة من ملحمة الحرافيش # 1 # الشمس تشرق، الشمس تغرب، النور يسفر، الظلام يخيم، الأناشيد تشدو في جوف ~~الليل. غابت رضوانة في بطن الأرض، غاب إبراهيم في السجن، غاب بكر في ~~المجهول. # لم يرث أحد للقتيلة، فاز إبراهيم بالعطف والتقدير، انطوى خضر على أحزانه ~~لا يشاركه فيها أحد. كثر تداول الحكم عن فساد طبيعة المرأة، الأمثال تضرب على ~~خيانة الإخوة، تردد المواعظ اللعنة النازلة بآل الناجي. # تنكرت لهم الفتونة، رفل في ثوبها الزاهي عتريس حتى انتقل إلى الآخرة، ~~حل محله الفللي أقوى أتباعه، اندرج عاشور وشمس الدين وحتى سليمان ضمن ركب ~~الأساطير. # ها هو كبيرهم خضر سليمان الناجي يتربع فوق كرسيه بمحل الغلال، يثرى ~~يوما بعد يوم، يؤدي الإتاوة للفللي في حينها. مبتور الصلة ببطولة ~~الأبطال. # شيد دارا جديدة، عكف على تربية رضوان وصفية وسماحة، لبث أعزب حتى قارب ~~الأربعين، دفن فتحية زوجة أبيه، شهد موت الشيخ طلبة القاضي إمام الزاوية، وسعيد ~~الفقي شيخ الحارة، وعثمان الدرزي الخمار. # وأخيرا تزوج خضر من ضياء الشوبكشي صغرى أخوات رضوانة، وهي بنت بها من ~~رضوانة مشابه، وفيها جمال أليف، وسرعان ما تبين له طيبتها غير العادية، طيبة ~~النقاء والبساطة التي تقف على حافة السذاجة والبله. لم تلعب في الدار دورا ~~ذا شأن، ولم تنجب أطفالا، وتركت جمالها للفطرة بلا تأنق ولا تزويق. ورضي ~~خضر بحظه ولم يخطر له ببال أن يتزوج من أخرى. ومال إلى الورع والتقوى، ~~وأكثر من السهر في الساحة أمام التكية كما فعل جده عاشور من قبل. # وتزوجت صفية من بكري صاحب ms092 وكالة الخشب، وعمل رضوان في محل الغلال ~~وكيلا لعمه في المكان الذي خلا بسجن إبراهيم الشوبكشي. ومن خلال العمل تجلت ~~رزانته وأمانته ومواهبه التجارية، فبشر بمستقبل رائع. # أما سماحة فقد بدا أنه مشكلة. # 2 # كان سماحة متوسط الطول، فائض الحيوية، قوي العضلات، في وجهه ملامح شعبية ~~من وجه جده سليمان، تنبسط تحت رأس نبيل وبشرة صافية تذكران بأمه ~~رضوانة. # أتم تعليمه في الكتاب، واكتسب من عالم الفضيلة شهامة وكرما وبعض ~~الورع، ولكنه ولع بمغامرة الشباب، والجسارة، وعبادة البطولة، أما العمل في ~~المحل فلم ينشرح له صدره، ولا تجلت له فيه مواهب. واتخذ من بعض أفراد عصابة ~~الفللي أصدقاء، فشاركهم سهراتهم في الغرز، وحتى البوظة طاف بها مرات. # وقلق لذلك خضر، وكثيرا ما كان يقول له: يلزمك قدر كبير من الإرادة ~~والتركيز. # فينظر سماحة إلى شقيقه رضوان بفضول ويقول: لم أخلق للتجارة يا ~~عمي. # فيسأله قلقا: لم خلقت إذن يا سماحة؟ # ويشرد ببصره في حرج، فيقول خضر: إن مصاحبة الفتوات واللهو معهم ليس هدفا ~~لأمثالك. # فيتساءل سماحة: ماذا كان أجدادنا يا عمي؟ # فيقول خضر بجدية : كانوا فتوات حقا لا بلطجية، ولم يعد لنا من أمل إلا ~~في التجارة والجاه! # رغب في إرشاده وتوجيهه مدفوعا بقوة حبه لأمه، وقد تركزت فيه وفي ~~رضوان وصفية عواطف أبوته المغتالة. حقا لم تعد رضوانة إلا ذكرى، ولكنها ~~ذكرى لا تريد أن تموت. # 3 # وما يدري خضر سليمان الناجي إلا وسماحة ينضم إلى عصابة الفللي رجلا من ~~رجاله. احتفل الفتوة بانضمام حفيد الناجي إلى أعوانه، وعده أكبر نصر له في ~~حارته. أما الحرافيش فاعتبروا ذلك طورا جديدا من أطوار المأساة التي ~~تطحنهم. وقيل - فيما قيل - إن الله قادر على أن يخلق أحيانا من صلب الأبطال ~~أوغادا لا وزن لهم، وأن عاشور صاحب الحلم والنجاة والعدل الشامل ظاهرة خارقة ~~لا تتكرر. # وحزن خضر حزنا عميقا، وعانى مرارة الخيبة والمهانة. وقال لابن أخيه: إنك ~~تمرغ ذكرى الناجي والسمري والشوبكشي في التراب! # فقال له سماحة: رأسي مليء بالآمال يا ms093 عمي. ~~- ماذا تعني يا سماحة؟ ~~- سوف يرجع عهد الناجي ذات يوم إلى أصله! # فتساءل خضر جزعا: هل تراودك فكرة الفتونة؟ # فقال بثقة: لم لا؟ ~~- ولكنك لا تملك القوة الكافية. # فقال بحرارة: هكذا ظن بشمس الدين! ~~- ولكنك لست شمس الدين. # فقال: عندما يحين وقت المعركة. # فقاطعه خضر: احذر الفللي، إنه شيطان ماكر، احذر أن تجرفنا مغامرتك فتلقي ~~بنا في الهوان والضياع. # وقال له شقيقه رضوان: أقلع عن طموحك. للفللي مائة عين. لقد طواك تحت ~~جناحيه حتى لا تغيب عنه حركة من حركاتك. # فابتسم سماحة، وتجلت الأحلام في عينيه مثل حمرة الغسق. # 4 # في تلك الليلة سهر خضر في الساحة أمام التكية. دفن قلقه ومخاوفه في الظلمة ~~المباركة. رفع عينيه إلى النجوم الساهرة طويلا. رنا بإجلال إلى شبح السور ~~العتيق. ابتهل إلى بوابة التكية الشامخة. تأمل ممر الفناء بأسى. حيا ~~أشباح أشجار التوت. تذكر بوجد الثاوين في القبور والضائعين في المجهول، ~~والعواطف المشبوبة التي لم تنهل من رحيق الحياة، الآمال التي تلاشت في الأبدية، ~~الأحلام المنطلقة من وهدة السكون مثل الشهب، العرش الهائم فوق كافة احتمالات ~~الخير والشر . وتساءل: ماذا يخبئ الغد؟ لم اختص عاشور وحده بالرؤيا ~~الهادية؟ # وانتبه إلى الأنغام وهي تصعد مثل الهداهد هاتفة: # آنا نكه خاك را بنظر كيميا كنند # آيا بودكه كوشه جشمي بما كنند # 5 # وفكر خضر في تزويج سماحة من بنت الحلال. اعتقد أنه يعيش طور مغامرة ~~هوجاء، وأنه ينقصه العقل، والارتباط بأسرة كريمة مدعاة إلى إعادة التفكير، ~~والنزول بدار فاخرة وإنجاب ذرية كريمة ومصاهرة الأكابر من شأنه خلق دنيا ~~جديدة تقتضي أن يغير الإنسان جلده وعينيه. ورأى في أنسية كريمة محمد ~~البسيوني العطار أمله المنشود. وجس النبض فلقي ترحابا كما قدر ~~وأكثر. # عند ذاك قال لسماحة: وجدت لك ابنة الحلال. # فتساءل سماحة: أليس من الواجب أن نبدأ بأخي الأكبر رضوان؟ ~~- أو نبدأ بالجواد الجامح! # فقال سماحة بعذوبة وجرأة: الحق أني سبقتك يا عمي. ~~- حقا؟! # فحنى رأسه بهدوء فسأله بلهفة: من السعيدة المحظوظة؟ # فقال وعلى شفتيه ms094 ابتسامة تحد: مهلبية! # ضحكت ضياء ضحكة عالية دون أن توضح نظرتها البريئة سعادتها بالخبر ~~أو أساها، أما رضوان فتمتم بذهول: مهلبية! # فقال سماحة بهدوء: كريمة كودية الزار صباح! # عبس خضر واحتقن وجهه. ضربت ضياء بيديها دفا مجهولا وهي تغرق في ~~الضحك. تساءل خضر: ماذا وراء تنكيلك بنا؟! # فقال سماحة بهدوئه: عمي إني أحبك وأحب مهلبية! # 6 # رآها لأول مرة في موسم القرافة بصحبة أمها فوق كارو. من موقفه أمام ~~حوش شمس الدين رآها وهي تثب من العربة. سمراء غامقة السمرة، ضاربة للسواد، ~~ممشوقة القد، واضحة القسمات، مفصلة الأعضاء، باسمة الوجه، فائضة الحيوية ~~والأنوثة مثل نافورة، فاضطرم بالرغبة والاندماج. تلاقت الأعين في حب ~~استطلاع متبادل، واستجابة عامة مثل أرض خصبة. انصهر بأسرارهما الهواء ~~المطهو بأشعة الشمس، والأنفاس الحارة، والأحزان، وشذا الخوص والريحان ~~والفطائر. مال نحو منعطفها مثل عباد الشمس. واستحثه الموت المحيط بأن ~~يسرع وألا يتردد. # لم يكن في الأمر مفاجأة. كان يعلم من نوازع نفسه أنها ميالة بنهم إلى ~~السود. وكافة مغامراته البدائية وقعت في أحضانهن، في ظلام القبو أو الخرابة ~~وراء البوظة. # 7 # اعتمد على نفسه وحدها. اختار للتحري أسوأ الناس طرا أول ما اختار. ~~سأل صديق أبو طاقية عن مهلبية وأمها. وقال الرجل: إني لا أبرح البوظة ولكن ~~الأخبار تجيئني متطوعة ساعة بعد ساعة. # وجعل الرجل يتذكر، ثم قال: للبنت معجبون، ولكني لم أسمع عنها كلمة ~~سوء. # ارتاح سماحة وعد شهادة أسوأ الناس خير شهادة. ولم يقنع بذلك فسأل ~~الشيخ إسماعيل القليوبي شيخ الزاوية فقال له: حرفة أمها ملعونة. ~~- إني أسأل عن البنت؟ # فتساءل الشيخ باستياء. ~~- لم تختار زوجتك من مسكن تستقر بأركانه العفاريت؟ # أما محمد توكل شيخ الحارة فكان واضحا وهو يقول: سمعة البنت لا غبار ~~عليها. # وقال سماحة لنفسه: إنها أنقى سمعة من جدتي سنية هانم السمري. # 8 # مضى سماحة إلى مسكن صباح كودية الزار المطل على حوض الدواب. اعتقدت ~~بادئ الأمر أنه يقصدها كزبون، وجرى خاطرها إلى ضياء هانم الشوبكشي. قالت له: ~~أهلا بسليل المجد. ms095 # وجعل ينظر إليها بهدوء، وشذا البخور السوداني يفعم أنفه ويخدره، وعيناه ~~تتابعان دفوفا مختلفة الأحجام، وسياطا وسيوفا ودراعات من الخرز الملون ~~مبعثرات بين الكنبة والرفوف، ثم تعودان إلى الجسد البدين مثل زكيبة الفحم. ~~قالت صباح: في الخدمة يا سيد الكل. # فتمتم: ليس كما تتوقعين. ~~- في الخدمة على أي حال. # فقال وهو يغرز عينيه في الحصيرة المزركشة: طالب القرب في بنتك ~~مهلبية. # دهشت المرأة أول الأمر. تغير جوها بغتة. أشرق الوجه بابتسامة كاشفا ~~عن أسنان نضيدة بيضاء، وتمتمت: زين! # فرفع رأسه باسما وقال: الله أسأل التوفيق. # فقالت بنبرة ذات معنى: لا أحد من الأسرة معك؟ # فقال بغموض: قلت أبدأ بنفسي. ~~- حقا؟! ما أسعدني بالرجل الحر! # فابتسم متشجعا فتمتمت: زين! # وتلاقت يداهما فقرآ الفاتحة. # 9 # ولم يفرط خضر في أنسية كريمة محمد البسيوني العطار فتزوج منها رضوان، ~~وأقام بنيانه على أساس متين. # وسأل سماحة عمه: هل تشهدون زفافي؟ # فأجابه خضر بلا تردد: نحن أهل، والظفر لا يقتلع من لحمه. # فارتاح سماحة وطرح السؤال نفسه على رضوان فقال بحماس: ستجدني دائما إلى ~~جوارك. # أما الحزن الدفين فلم يكن ثمة سبيل إلى محقه. # 10 ~~- أهلا بالناجي سيد الكل! # هكذا رحب به الفللي وهو متربع وسط أقوى أعوانه في غرزة ترباسة، وهكذا ~~يرحب به دائما. وهو ليس غرا. قلبه يهمس له دائما بالحذر. يشعر بأنه ثمة ~~من يحصي عليه الحركات ويستقرئ النظرات واللفتات. يشعر بأنه يتحرك وسط ~~دائرة من التوجس والترصد. ولكنه كان يمثل دوره كما ينبغي. هرع نحو ~~المعلم الأكبر ولثم كتفه في خشوع، واتخذ مكانه المتواضع بين الأعوان فوق ~~الحصيرة. # قال سماحة في بشاشة: جئت أدعو المعلم والإخوان إلى حفل زفافي. # فقهقه الفللي في انشراح وقال مخاطبا حمودة قواده الخاص: زغرد يا ابن ~~الفنجرية! # فزغرد حمودة زغرودة لا تتأتى لامرأة قارحة. وقال الفللي: مبارك عليك، ~~متى؟ ~~- الخميس القادم بمشيئة الله. ~~- من السعيدة المولودة في ليلة القدر؟ ~~- كريمة صباح كودية الزار. # وجم الرجال. تطلعوا في ذهول نحو الفتوة. لاحوا في ضوء المصباح الواني ~~أشباحا ms096 شائهة الوجوه. وقال الفللي: ليس لصباح إلا بنت وحيدة! ~~- هي المقصودة يا معلم. # في الصمت لم تسمع إلا القرقرة، وسعلات متناثرة، وتلوت أسرار مبهمة في ~~الدخان المنتشر. # وهتف الفللي: يا حسين يا سيد الشهداء! # ونظر إلى رجاله متسائلا: ما رأيكم في لعب هذه الدنيا العجيبة يا ~~جدعان؟! # مصمصت الشفاه من وطأة العبرة، وتتابعت الأصوات: يا لها من دنيا! ~~- يا للعجب! ~~- يا هوه! # وصفع الفللي حمودة صفعة ودية وقال له: عليك أنت أن تبلغ السر سليل ~~المجد والشرف. # فقال حمودة مخاطبا سماحة: منذ ساعة واحدة تصور! منذ ساعة قرر ~~المعلم الأكبر اختيارك لتكون رسوله إلى صباح لتطلب يد كريمتها له! # ذهل سماحة. مادت به الأرض، رأى الجب فاغرا فاه ينتظر جثته. لم ~~يستطع أن ينبس بكلمة. # قال الفللي: إنه القدر. لم يستقر اختياري إلا أمس فقط. منذ ساعة قررت ~~اختيارك رسولا لي. # ها هي الحقيقة تنجلي. لقد قبله عضوا بلا امتحان. كان يتربص به، وينتظر ~~الفرصة المواتية. وها هي قد جاءت بأبعادها القاسية، وها هو في مفرق الطرق بين ~~الحياة والموت. إما الهلاك وإما الضياع. # ونظر الفللي إلى رجاله وتساءل: ما العمل؟ # فتتابعت الأصوات: من ينكر الشمس في السماء؟ ~~- هل تعلو العين على الحاجب؟ ~~- يا بخت من اختاره المعلم رسولا. # وسأله حمودة: متى تتكلم يا سماحة؟ # عليه أن يتكلم. الشرر يملأ الغرزة. عليه أن يغوص في الأرض، ويرحب ~~بالعدم. عليه أن يتجرع السم الزعاف. # قال سماحة سليمان الناجي: السمع والطاعة يا معلم. # 11 # انضم إلى مجلس الأسرة قبيل منتصف الليل بساعة. قال له عمه خضر: كانت ~~ضياء تقص علينا حلما رأته عنك. # لم يسمع. قالت له أنسية زوجة رضوان: رأتك تمتطي بغلا، تلهبه بسوط ولكنه ~~يتشبث بالأرض. # وقال له رضوان: أحلام امرأة عمنا تستحق التأويل كما تعلم. # فقالت ضياء: إنه عريس، لا تزعجوا العريس. # وزفر سماحة بصوت مسموع فتفحصه رضوان باهتمام وتمتم بقلق: أنت شخص آخر ~~يا سماحة! # فقال خضر: ذلك ما لاحظته وتجاهلته إلى حين. # فقص عليهم القصة بحذافيرها. سقطت ms097 على السامعين كتل من الرمال. حتى ~~ضياء ارتسم الذعر في وجهها الجميل. وتمتم خضر: طالما حذرتك. # وقال رضوان: وجود مثلك في العصابة مثار للمخاوف، وحتى إذا لم تمس ~~المخاوف الفللي نفسه فإنها خليقة بأن تجتاح الأتباع الطموحين المتربصين ~~بالمستقبل، ولا شك أن دأبهم كان الإيقاع بينك وبين الفتوة. # صدق خضر على قوله وقال: ها هو يدفع بك إلى مأزق لا مخرج منه إلا بضياع ~~الكرامة أو فقدان الحياة نفسها. # وقال رضوان: ضاعف من حذرك فإن عينه ترى حتى ما يكمن في شقوق ~~الجدران! # وقالت ضياء بحزن: البغل متشبث بالأرض! # فسألته أنسية: علام نويت؟ # ولكن سماحة لاذ بالصمت، وبدا تعيسا. # وقال خضر بحزم ووضوح: احذر أن تفكر في أي نوع من المقاومة! # 12 # ذهب سماحة إلى مسكن الكودية في الصباح الباكر. شعر في طريقه بوقع الأعين ~~مثل لسعات الجمر. لثمت صباح جبينه وهي تقول: لم يبق إلا يومان، ثم يجيء ~~الخميس السعيد. # فابتسم ابتسامة فاترة وتمتم: وقعت أمور! # فحدجته بنظرة متوجسة، فقال باقتضاب وصراحة حادة: ما أنا إلا رسول ~~الفللي لأطلب يد كريمتك مهلبية! # انزلقت الكلمات فوق وعيها دون أن تترك أثرا. كرر القول. طالب بحضور ~~مهلبية فحضرت. راح يقص عليهما القصة وهما يتابعانه في وجوم، ثم هبط الصمت بكل ~~ثقله. # وكان سماحة أول من خرج من الصمت فقال: إنها محنتي أولا. # استنزلت صباح اللعنات وقنعت بذلك، فقال سماحة: علينا أن نتدبر ~~الأمر. # فقالت صباح: إنه الرعب! # وسألته مهلبية: ماذا نويت؟ # رغم كآبة الموقف انبعث منها إليه إثارة حادة. قال: يهمني أن أعرف ~~رأيكما. # إذا بصباح تقول: يا بني من ذا يفكر في معاندة الفللي؟ ~~- نستسلم؟! ~~- هو عين العقل ولا رأي غيره. # ومال ببصره نحو مهلبية فقالت: رأيك أولا؟ # فقال بوضوح: لا يمكن أن أتخلى عنك! # فهتفت صباح بذعر: هو الهلاك وخراب بيتي. # فقالت مهلبية: إني معك. # فخفق قلبه واشتعلت في حواسه لذة عنيفة، أما صباح فقالت: هو ~~الجنون. # فقالت مهلبية: نهرب. # فهز رأسه موافقا، فتساءلت صباح: وأنا؟ ~~- لا شأن لك ms098 في الأمر. ~~- هل للانتقام عقل؟ ~~- اهربي معنا! ~~- رزقي هنا. ~~- الرزق في كل مكان. # فقالت مهلبية: سيكون لدينا نقود. # فهتفت صباح: آه من الجنون إذا استحكم. # ومضى سماحة يخطط لتدبير محكم. # 13 # ومن فوره ذهب إلى الفللي بمجلسه في القهوة. لثم كتفه وقال بسرور: مبارك ~~عليك يا معلم. # فرنا إليه مليا، ثم قال: عفارم يا ابن الأصول. # 14 # ها هو يلبد في ظلمة الممر بين السور العتيق وسور التكية. هنا، منذ ~~أجيال، ألقي بعاشور، بلا اسم ولا شكل، في لفافة. هنا انهمرت فوقه الأناشيد ~~بلا وعي منه. هنا امتدت إليه يد الرحمة تنتشله من الضياع. ها هي الأناشيد ~~تتسلق أمواج الظلام: # درين زمانه رفيقي كه خالي أز خللست # صراحي مي ناب وسفينه عز لست # ستجيء مهلبية متلفعة بالظلام، يضيء قلبها في الظلمة بما ~~ينبض به من ابتهال للحب والحياة. سوف يتلامسان في الممر، ممر الأبدية ~~المترعة بالآمال الملتهبة، والآمال المتجددة. # حق إنه مضطرب. أكثر من مرة طوى جلبابه وبال. تصنت يحلم بالنجاة ~~ويقارع التحديات والظنون. نذر لآل البيت خروفا. استحضر مثال عمه خضر الذي ~~فر ضائعا ثم رجع وجيها، لعله يرجع ذات يوم ليعيد عهد الناجي إلى ~~عرشه. # الفللي الآن يغط في نومه. يحلم بالزفاف غدا. خدرته الزغاريد والعهود ~~والبسمات. الآن أيضا تزحف مهلبية لصق الجدار نحو القبو. لعلها في هذه اللحظة ~~تشق الساحة والأناشيد. جسمها الحار يسوقها، وقلبها الخافق يرشدها. الأناشيد ~~تنتظم دقات قلبها، تباركها، تبدد وحشة الظلمة. # 15 # من مكان ما في مملكة الظلام انطلقت صرخة. صرخة ممزقة بالفزع واليأس. ~~سرعان ما تجسدت في صورة فريسة موءودة الفرحة. تتطلع بعينين محتجتين ~~نحو النجم اللامع. متلاطمة مع تموجات الأنغام. مسلمة في النهاية إلى قبضة ~~الصمت القاسي الساخر. # 16 # وثب سماحة من مكمنه كالمحترق. مهلبية ولا أحد سواها. اندفع نحو الساحة بلا ~~حذر. ترامى إليه وقع أقدام من ناحية الساحة. قادمة منذرة بنواياها الدموية. ~~افتضح السر بطريقة ما. بينه وبين الضحية عشرات النبابيت والخناجر. لا جدوى ~~من الإقدام. توقف. تقهقر والأقدام ms099 تتقدم. عند منتصف الممر ترامى إليه وقع ~~أقدام من ناحية القرافة. إنه محاصر. إنه الموت. السور العتيق مرتفع جدا. ~~سور التكية مدجج سطحه بقطع الزجاج المدبب المغروس. وثب بكل قوته متعلقا ~~بطرف السور. انبطح فوق سطحه متلقيا نارا تسري في البطن والصدر والأطراف. فوق ~~ما يتحمل البشر. # تلاقى الجمعان وتجاوبت الأصوات: أين الثعبان؟ ~~- مؤكد أنه تسلل إلى الساحة. ~~- لا أثر له في الساحة. ~~- ولا في الممر. # الألم يمزق الجسد وينداح في الروح. يخمد الأمل ويستعذب الموت. # 17 # السحب تهبط. تتهادى في المكان مثل الضباب. تومض في ثناياها نجوم. الأرواح ~~ترقص مثل الأطياف. السقاء يوزع قربة مليئة بالدموع. عاشور الناجي ~~يتفقد الحارة الخالية. يقطع الحزن قلبه على الشهداء. يعنف الشرطة ويأخذ ~~بتلابيبها، ثم يرقص رقصة النصر. يتلاقى مع سيدنا الخضر في الساحة. إني قادم ~~لأقودك إلى السدرة. يسيران مشتبكي الذراعين فوق شعاع كوكب مضيء. # وشمس الدين يرفض استقبال الشيخوخة. يتركها متسولة عند الباب. يحمل ~~السبيل فوق عاتقه ويمضي به نحو القبو. المتسول لا يبرح موقفه. شمس الدين يرقص ~~رقصة النصر. ولكن أين سيدنا الخضر؟ المتسول لا يبرح موقفه. يا له من متسول ~~عنيد! لا يرق لشلل سليمان، ولا لدموعه. يتركه يهوي درجة بعد درجة. أين ~~المعجزات؟ أين الأحلام؟ ثمة دم يملأ حوض الدواب، ويملأ صهاريج السبيل، ويجف في ~~العروق، غير أن المتسول تحرك حركة عفوية. ولأول مرة يتكلم فيقول: ~~عاشور لم يمت! عاشور سيرجع قبل بزوغ الهلال! # 18 # يشعر أول ما يشعر بحركة في الجفون، بوجود مجرد، بنفحة من وعي. يرى ~~شابورة. تنجلي عن نقوش لا نهائية في سقف المخدع. يا ألطاف الله! أين تسمع هذه ~~الهمسات، هذه الألوان؟ أما زالت الدنيا على قيد الحياة؟ هذا الكائن امرأة. ~~ضياء زوجة عمه خضر. تميل فوقه في براءة وتتمتم: ما أكثر الأحلام! # دار خضر. ها هو صوت عمه الطيب يردد: نحمد الله. # ها هي الذكريات تدهمه في طوفان. كيف تسلل إلى داره سائل الدم، وسور ~~التكية المسلح؟ ما أقسى قلوب الحناجر الذهبية! وصرخة ms100 مهلبية في جوف الليل ~~طارت بكل الآمال الحية فألقتها وراء السور العتيق. بقي القلب المعذب الدامي ~~وحده. تأوه من الأعماق. همس عمه في أذنه: إنك هنا سر من الأسرار ~~الخفية. # وقال رضوان: لا ضمان لحياة أحدنا لو ذاع السر! # ها هي الحقيقة مخضبة الوجه بالخجل والعار. ولكن كيف هتك سر هربه؟! # 19 # تمضي صحته في التحسن يوما بعد يوم. وتستعاد الحكاية بتفاصيلها ~~الوحشية. مهلبية قتلت. شهد عشرات بأنه - سماحة - استدرجها بحيلة إلى الساحة، ~~ثم قتلها انتقاما منها لإيثارها الفللي عليه. شهدت بذلك أمها أيضا. آثرت ~~المرأة الحياة على الموت فشهدت لصالح القتلة؛ وإذن فقد قتل، ثم لاذ بالفرار. ~~وقال سماحة: صباح المسكينة هي التي اضطرت إلى البوح بسرنا! # وما العمل الآن؟ # لا مفر من الهرب. كما هرب أبوه بكر وجدته سنية، كما اختفى عاشور. ~~فليودع التكية والقبوة والزاوية والسبيل والحوض والوجوه الحميمة، كما ودع ~~السعادة. # وسأل عمه: كيف تعاملون؟ # فقال خضر بأسى: بالازدراء والغلظة. # فتأوه. غير أن عمه قال له: يجب أن يكون هربك هذه المرة سرا لا ~~يفشى! # 20 # وجاءت أخبار مؤكدة بأنه قد صدر عليه حكم غيابي بالإعدام. وقال له خضر: بات ~~الهرب واجبا لأكثر من سبب. # إنه يختنق تحت ضغط الظلم والحنق. عاد خضر يقول: يجب أن تمر خمسة عشر ~~عاما قبل أن يعثر عليك أحد. # وقال له رضوان: الحكومة تجد في أثرك، وأعداؤك يجدون. احذر بصفة ~~خاصة حمودة ودجلة وعنتر وفريد فقد كانوا على رأس الشهود. # آه! متى يقف على قدميه؟ متى تخف آلامه؟ متى ينسى أنه نكص عن نجدة ~~مهلبية؟ متى ينزل انتقامه بأعدائه؟ ومتى كيف يفلت من حبل المشنقة؟ # وعانى آل الناجي شر معاملة، حتى الفقراء والحرافيش منهم لم يسلموا من ~~الأذى. ثمة غلمان قذفوا خضر بالطين. نهبت عربة له محملة بالغلال. كانوا ~~يأوون إلى بيوتهم مع المساء، غير أن خضر لم يغال في التشاؤم، وقال: سوف ~~يذعنون في آخر الأمر لسحر النقود. # 21 # بتماثله إلى الشفاء الكامل نبض قلبه بدم جديد. جعل يفكر ms101 في المستقبل ~~ويرسم الخطط. لا مسرة في الطرق حقا ولكنه لم ينهزم. ودب من جديد في ~~أعماقه حب الحياة. اجتاحته رغبة ملهمة. تحفز للعناد والإصرار والبقاء. # 22 # عندما عدى النيل آمن بأنه انتقل إلى وطن جديد. كاد وجهه أن يختفي وراء ~~لحية مسترسلة ولاثة تطوق الرأس فوق الحاجبين. أصبح اسمه بدر الصعيدي، ~~وحرفته بيع التمر والحلبة والعدس. أقام في بدروم ببولاق وعرف بسلوك ~~عذب. # ونصب أمام مخيلته حبل المشنقة كأنه الميزان الذي لا يفارقه. أدرك أن الموت ~~يرصده، أن الشياطين تقتفي أثره، وراح يسجل في دفتر خاص الأيام في مرورها كما ~~يسجل في الدفتر الآخر معاملاته التجارية. وغاب العالم القديم، كما غاب أهله ~~وأهل حارته. طموحه في الفتونة، حبه، الآمال الحارة. لم يبق معه إلا المنفى ~~والعمل والتقوى. # ووجد بادئ الأمر وحشة في بولاق. أجل إن المعالم متشابهة؛ فثمة السبيل وحوض الدواب والكتاب والزاوية وشيخ الحارة، طموحه في ~~الفتونة، حبه الآمال الحارة، لم يبق معه إلا المنفي الناجي العظيم؟ ولم ~~يثر في الناس فضولا ذا خطر؛ فبولاق ميناء نهري يلتقي عندها العديد من ~~المراكب الشرعية كل يوم، ويؤمها الأغراب عبورا وإقامة؛ لذلك لا يلوذ بها ~~الفارون من وجه القانون، ولا تضيق بالغريب، وهي ممتدة ومتفرعة، بخلاف ~~حارته المكنونة، فتكاثف في أعماقه الغربة والضياع، ولكنها غربة مسربلة بالأمان ~~على أي حال. ثمة وقت غير محدود لتأمل حياته، ودراسة مشاريعه، واحتضان ~~نوازعه الثابتة للانتقام وفرض سيادة العدل. هكذا قبع الحالم الكبير في دكانه ~~الصغير، يتعامل باللطف، ويدرع بالأمانة، ويقنع بالرزق الحلال، ويتحدى ~~المجهول. # وقال له شيخ الحارة: الطيبون أمثالك نادرون. # فقال بأدب: من بعض ما عندكم. ~~- ترى ما سبب هجرتك من الصعيد؟ # فأجاب بدهاء وقلبه يخفق: كيف يسأل صعيدي عن ذلك! # فضحك الرجل، وواصل بدر الصعيدي قائلا: وأجدادي الأوائل من بولاق! # فقال الرجل وهو يتناول منه لفافة بدينة حافلة بالمتنوعات: جميل أن ~~يحن الإنسان إلى أصله. # 23 # ثمة فتاة في الجانب الآخر من العطفة. ملمح من ملامح الحارة الثابتة. ~~تدعى محاسن بياعة ms102 الكبدة. دكانها متحرك يمكن حمله بجهد قليل. طبلية ~~موضوعة فوق قائم أسطواني من الجريد، منسوج الفراغات بالخوص المجدول، ترص على ~~سطحها كبد العجول والضأن، يتوسطهما ميزان وساطور. والفتاة طويلة القامة، ثرية ~~الأعضاء، ذات نظرة عسلية، فيها من الجاذبية بقدر ما فيها من حدة الطبع وطول ~~اللسان. # يتوق الغريب إلى ما يؤنس وحدته ويبدد وحشة قلبه القلق. يتابع نشاطها ~~باهتمام، يلاحظ عنفها بشغف. إنها مطمع كل شاب، وسرعان ما تشهر أسلحة الدفاع ~~من لسان سام وأظافر حادة. إنه خير من الاستسلام، ولكن لم لم يطلبها ابن ~~الحلال؟ # انفتحت شهيته للكبد. أدرك أنه ينساق في طريق مجهول العواقب، وأنه يمضي ~~مدفوعا بقوة في داخله قبل أن تكون في الجانب الآخر من الحارة. وزنت محاسن له ~~رطلا ولفته في ورقة، ثم قالت ببساطة: خذ يا سنى! # سر بدعابتها واعتبرها تحية. إنها تذكره - برشاقتها وثراء أعضائها ~~وغمقة سمرتها - بفقيدته التعيسة مهلبية، وتذكره بالتالي بنكوصه المزري عن ~~نجدتها وبآلام الماضي الحزين. ولكنه ما زال يكابد الحياة، وربما كابدها طويلا ~~تحت المطرقة. وكما طرح الموت ظله عليه تشبث أكثر بأهداب الحياة. # ومن ناحيتها كانت محاسن تبتاع منه العدس والفول والحلبة. خذ يا سنى هات ~~يا سنى. خذي يا ست محاسن. خذي يا ست الكل. لم يجاوز الاحتشام في تعامله معها. ~~لعلها قرأت في عينيه أكثر مما يقول أو يفعل. لعلها عجبت أيضا لما ينفرد ~~به من سلوك طيب. # وعلى جانبي الحارة، وبعيدا عن أي شبهة، نضجت عاطفة قوية. # 24 # عقب صلاة العصر تعمد أن يشير إلى سيرتها في حديث له مع إمام الزاوية: ~~أهي وحيدة يا مولانا؟ ~~- كلا، إنها تعيش مع أم عجوز ضريرة. ~~- ولا أهل لها سوى ذلك؟ ~~- قتل أبوها في خناقة، ولها أخ في الليمان. ~~- أظنها في العشرين، فلم لم تتزوج؟ # فاستغفر الإمام وقال: كانت أمها سيئة السمعة! ~~- ولكن هل البنت؟ # فقاطعه الشيخ بصدق: لا غبار عليها والله أعلم! # زكاها عنده زهد الآخرين فيها. ليس الغريب المطارد بالصالح للمنافسة، ~~الزواج يؤصله في المكان ويجلب ms103 له الثقة. وهي خير من أخرى ذات أهل يهمهم أن ~~يعرفوا الأصل والفصل. وأهم من ذلك كله لم لا يعترف بأنه يرغب فيها بكل ~~شبابه؟ # 25 # انتهز فرصة وجودها بدكانه لشراء حوائجها، مشجعا بدلالها ومرحها، ~~فسألها: ماذا ترين يا محاسن إذا طلبك رجل على سنة الله ورسوله؟ # فرمقته باهتمام، اهتمام غطته بنظرة ساخرة وضاءة، وتساءلت: أيوجد ~~مثل هذا المجنون؟ ~~- أجل، إنسان من لحم ودم، ومستور برعاية الله. # وتبادلا النظر مليا في رضا وسلام، ثم غلبها المرح فتساءلت: أله لحية ~~مثل فروة الخروف؟ ~~- هو ذلك. ~~- وماذا أفعل بلحيته؟ # فقال ضاحكا: لحية مستأنسة ولا ضرر منها على الإطلاق. # نم وجهها على الرضا، ولكنها ذهبت دون أن تنبس. # ومضى يتذكر مهلبية بأسى عميق. # 26 # أعلنت الخطبة، وبعد أشهر تم الزفاف. # رغم أن العروسين كانا بلا أهل فقد اكتظ الفرح بالمدعوين من الجيران ~~والزبائن. أنفق بدر الصعيدي عن سعة. جالت زفته بالحي في حمى الفتوة فمرت ~~بسلام. # وجهزت شقة مكونة من حجرة وصالة، حجرة للنوم وصالة للجلوس والمائدة، ~~وأسهمت محاسن وأمها في الجهاز بما يرفع الرأس. # وسعد سماحة بعروسه ولكن تنغص صفوه بعض الشيء بإقامة حماته معهما، ~~واحتلالها الصالة ليل نهار. كانت عجوزا ضريرة، تشهد قسماتها العتيقة بجمال ~~دابر، وكانت وقحة سليطة اللسان، قدت كلماتها من رصاص، فلم تعرف المجاملة ~~حتى في شهر العسل والمجاملات. ولكن الحب اكتسح كل شيء في فصله ~~الوردي. # 27 # تفرغت محاسن للبيت. أحبت زوجها. اكتشفت أنه ميسور الحال أكثر مما ~~يعلن، وأنه في الداخل أجمل منه في الطريق. # قالت له مرة: لو حلقت لحيتك لكنت من أحسن الناس صورة. # فقال متهربا: إنها سر نجاحي في الحياة. # وإذا بحماته تبغته قائلة وهي تقهقه بصوت داعر: استعمليها بدل ~~المقشة! # ولم يكن يستخف لها ظلا ولا يغفر لها ماضيا، فحنق عيها وقال بحدة: ~~أوافق بشرط أن نكنسك بها! # فاشتعلت العجوز بالغضب وهتفت: احترسي من هذا الرجل فإن قلبه أسود! # رماها بنظرة حاقدة وعدها ضمن سوءات الحظ التي تطارده. # 28 # حتى محاسن لم ms104 تنج من سهام العجوز. كانت فاسدة الطبع مشاكسة سيئة ~~الظن بكل شيء، كثيرا ما تقول لابنتها: تضنون علي بأطايب الطعام، وترمون ~~إلي بأسوئه. # فتقول لها محاسن: تأكلين مما نأكل. # فتقول بإصرار: كذابة لا تخفى علي حقيقة رائحة، كذابة مثل زوجك! # فيغضب سماحة ويقول: ما دخلي أنا؟! ~~- أنت رأس البلوى. ~~- الصبر، الصبر، حتى يجيء الفرج! # فتصرخ العجوز: الفرج! ستسبقني إلى القبر! ~~- طريقنا مختلف على أي حال. # فتقهقه قائلا: أراهن على أنك قتلت أباك في الصعيد وجئتنا هربا من حبل ~~المشنقة! # ارتعد حنقا وحقدا، وتمنى لو يحطم رأسها. # 29 # لكنه سعد بمحاسن حقا، ولاذ بحضنها من همومه الراسخة. هي أيضا تستجيب له ~~وتسعد به. أجل آمن منذ الشهر الأول بأنها ليست الزوجة الطيبة المطيعة. إنها ~~جريئة، حادة، واثقة من نفسها، مداعباتها تخشن أحيانا لحد القسوة، وهي تبالغ ~~في عنايتها بنفسها، تكثر من الاستحمام والتعطر بالقرنفل، ولكنها تتزين لحد ~~البهرج. وعد ذلك من مزاياها، ولكنه كره أن يطلع عليها غريب. ومن جراء ~~ذلك نشب بينهما أول خلاف جدي. قال لها مرة: لا تطلي من النافذة وأنت على ~~هذه الصورة. # فقالت باستياء: طالما عملت في الطريق. ~~- كنت تظهرين كما خلقك الله. # فقالت بحدة: وكنت ترى كيف أؤدب السفلة! # وتدخلت العجوز وقالت: ألم أقل لك إن قلبه أسود؟! # فنهرها قائلا: اقطعي لسانك القذر. # فولولت العجوز: فليحمك الله من قاتل أبيه! # فأعرض عنها وهو ينتفض غضبا، وقال لمحاسن: تشجعك على الفساد. # فاشتد بها الاستياء وقالت: لست عرضة للفساد. ~~- في هذا الأمر أطالبك بالطاعة التامة. ~~- لست طفلة ولا خادمة! # فانهارت فرامله وصاح: سأقذف بك من النافذة! # فجنت محاسن وهتفت: سأقذف بك في المرحاض. # فصاحت العجوز: عفارم! # فصرخ سماحة: أتحدى أن تتجاهلي أمري! # وقف الخصام عند ذاك الحد. وسرعان ما تصافيا في اليوم التالي. وفي مساء ذلك ~~اليوم بشرته بأنها في طريقها إلى الأمومة. # 30 # ماتت حماته العجوز الضريرة ميتة غريبة. # سقطت من نافذة الصالة المطلة على المنور فتهشم رأسها. لعله من حسن حظ ~~بدر الصعيدي أنه كان ms105 وقت ذاك في دكانه. وجرت الإجراءات سراعا وبلا عرقلة حتى ~~شيعت القتيلة إلى قبرها. احتفل بدر بالجنازة والمأتم إكراما لمحاسن ولمركزه ~~في الحارة. ووجد رغم ذلك حرجا لسابقة العداء المستحكم بينه وبين ~~الراحلة. # وبكت محاسن بكاء مرا حتى قال لها: لا تبكي فأنت حبلى. # فسألته بعتاب قاس: ألا تهمك المرحومة؟ # ولما لاذ بالصمت اتهمته قائلة: لا تدار فرحتك! # فقال محتجا: الموت يفرض احترامه. # وعددت محاسن مزايا أمها التي لا يجوز أن تنسى. كانت تحبها رغم ~~مشاكستها السطحية، ومن قبل أحبت أباها لدرجة العبادة. وشد ما تحطمت عند ~~مصرعه في عز شبابه. وشد ما تحطمت عندما قضي على أخيها بالتأبيدة. ~~وأدمنت الأفيون فاضطرب سلوكها واتهمت بكل سوء. هكذا فقد بصرها فزادت ~~تعاستها. وتكالبت عليها الأحزان وهي مهملة في بيت رجل لم يرحب بوجودها ~~قط! # وقالت أيضا إنها كانت في شبابها من أجمل بنات بولاق، وأنها آثرت الزواج ~~من أبيها على الاقتران بقصاب غني، فلم تكن تافهة أبدا. # تابع سماحة سيرة العجوز وهو يتذكر جدته سنية هانم السمري التي هربت مع ~~سقاء في سن ابنها، وتساءل بحزن ترى أين تقيم؟ وماذا فعل الزمان بها؟ ~~وماذا فعل بأبيه بكر؟ وكم ينطوي الماضي على مخاز وأحزان! # 31 # وجاء الصيف زافرا أنفاسه الحارة. إنه يحب ضياءه، لا يضيق بلفحاته، ~~ويستعذب أماسيه الرقيقة، ويعشق الملوخية والبامية والبطيخ والشمام، ويستبشر ~~بالاستحمام كل شروق. # وأنجبت محاسن ذكرا. وسر الرجل به سرورا فخورا. ود لو يسميه شمس ~~الدين، ولكنه خاف الاسم كأنما سيزيح عنه الأمان، فوافق على الاسم الذي اختارته ~~محاسن، رمانة، اسم أبيها. # وتضاعف نجاحه وثراؤه، وحول ساعدي محاسن تكاثرت الأساور الذهبية، وبدا وجه ~~الحياة بساما. ويوما بعد يوم سجل في دفتره السري جريان الزمان البطيء. ~~وعند كل مرة يتذكر حبل المشنقة، ويتساءل هل تكتب له النجاة حقا؟ ويتذكر ~~أهله، وأهل حارته، ترى ماذا فعل الزمان بهم؟ ويتذكر أعداءه، الفللي ودجلة ~~وعنتر وحمودة القواد، هل يقف فوق رءوسهم يوما وقفة المنتصر؟ هل يعيد إلى ~~حارته عهد الناجي؟ هل ms106 يرجع إلى سماع الأناشيد؟ # 32 # وبعد رمانة أنجبت محاسن قرة ووحيد. استوى بدر وجيها من وجهاء الحارة ~~ومحسنا من رجالها الطيبين. أصبحت له منزلة خاصة عند المساكين. # ولم تتخل محاسن عن عنايتها التقليدية بجمالها ونظافتها. لم تشغلها ~~الأمومة عن الأنوثة وحب الحب. وإلى ذلك ولعت بالحشيش حتى صار مزاجا ملازما. ~~جربته أول الأمر على سبيل المشاركة العابثة مع زوجها الذي يدخنه في بيته كل ~~ليلة. خرت بعد ذلك بين أنامله الناعمة الشرهة وهامت به. # ومرت الأيام وتعاقبت الأعوام حتى أمن الرجل إلى مصيره، وانجلت عنه ~~المخاوف أو كادت. # 33 # وسرى إلى بولاق خبر عجيب. # ثمة صداقة تتوطد أركانها بين فتوة بولاق والفللي! # صعقه الخبر. انفتحت بغتة تحت قدميه فوهة جب. زلزلت أركان دنياه ~~الأربعة. # وسأل شيخ الحارة عما يقال فقال الرجل: أبشر، إنه يعني مضاعفة لقوة ~~الفتوتين! # تظاهر بدر بالسرور، فقال شيخ الحارة: ستكثر الأفراح والليالي ~~الملاح. ~~- هذا هو المأمول. ~~- ثق من ذلك، سوف تتبادل الزيارات، وهذا يعني الغناء والرقص ~~والسكر. # فتمتم بدر بريق جاف: ما أطيب ذلك وأجمله! # تسلل ثعبان إلى المسكن المطمئن. لم يخطر له ذلك على بال. طالما ظن ~~أن النيل حاجز لا يعبر. هكذا سيجيء الفللي وعصابته. سيمرحون في الحي، سيدعى ~~إلى الأفراح. لم يزل نصف المدة قائما، قابضا على حبل المشنقة. لن تخفى ~~حقيقته من الأعين الثاقبة. ورسم خطة. # ادعى المرض قبيل الزيارة بأيام. حتى محاسن صدقته وحلت في الدكان ~~محله. # 34 # في الليلة الموعودة قبع وراء خصاص النافذة. # غيرت الدنيا سحنتها. كل شيء ينطق بالغرابة. السخرية متجسدة حول ~~الكلوبات مثل وجه ساحرة. نفايات الأمان مكومة في المزابل، أما الحارة ~~فتتموج برقص الراقصات والراقصين، ورائحة السمك تملأ الهواء. إنه الشتاء فلم ~~لا تمطر السماء؟ أين الرعد والبرق؟ أين قسوة الرياح؟ وعلا الطبل والزمر، وضج ~~المكان بالهتاف والزغاريد. ها هو موكب الأصدقاء يقترب، تتقدمه جياد راقصة ~~مجلجلة بأهلتها الفضية. ها هو أبغض خلق الله، الفللي القبيح اللئيم ~~الطاغية، شابكا ذراعيه بذراع فتوتنا. يبتسم عن أسنان ذهبية. ms107 ها هو دجلة، ~~عنتر، فريد، أين حمودة؟ قتل، سجن، مات. الأوغاد مجتمعون. أين القضاء ~~والقدر؟ ما جدواك أيها الحقد؟ إنهم يبتعدون ولكن الضوضاء تتفشى. ليلة صاخبة، ~~معربدة، مضمرة للعذابات المبهمة، متوعدة بكل شر. عزرائيل يباركها. حبل ~~المشنقة يطوقها. الأحلام تختنق فيها. الأحبة - محاسن ورمانة وقرة ووحيد - ~~يتحولون إلى أطياف، قد تتلاشى في أي لحظة، ويحل ظلام دامس، ويحل يأس ~~قاتل، ويحل فراغ شامل. # 35 # رجع إلى دكانه مستقبلا التهاني. القبوع في البيت مفسدة للروح، مثير ~~للمخاوف، مهول للأحزان. أما الحركة فبركة. المعاملة تجديد للدماء وبعث ~~للشجاعة. اختفى الأعداء. توارى عزرائيل. رحيق الحياة يجري في ريقه. التوكل ~~على الله ينعش روحه. الأمل يخطر من جديد. الإلهام يفعم وجدانه. اطمئن يا ~~بدر ولا تخف، تحصن وراء لحيتك واعتمد على رب العدل. # واشتدت ارتباطاته الوجدانية بمحاسن ورمانة وقرة ووحيد، بالطعام والشراب ~~والعبادة والحياة، حتى الشتاء وجد في سحبه شغفا. طرب لكل شيء حتى أصوات ~~الشتائم المتبادلة. أسف على أنه لا يستطيع أن يلقن الأبناء حكايات عاشور ~~وشمس الدين، أن ينشئوا جاهلين لأصلهم المبارك، لبركة الحلم، وصداقة سيدنا ~~الخضر. متى يعرف رمانة أنه رمانة سماحة الناجي؟ # وقال لنفسه: افرح عند كل شروق شمس ولا تحزن عند غروبها! # 36 # كان يسجل مرور يوم جديد بدفتره السري عندما أمره شعور داخلي بأن يرفع ~~عينيه . رفع عينيه فرأى محمد توكل شيخ حارته الأصلية على بعد متر من ~~دكانه. رآه يمر وهو يلقي نظرة عابرة. # انخلع قلبه. اخترقه الفزع مثل بلطة. تلاشى كل شيء. # هل رآه الرجل؟! هل تذكره؟! # ولمحه عن بعد جالسا في دكان شيخ الحارة. يتحدثان ويتضاحكان. وتنظر ~~عيناه كيفما اتفق. إنه الموت. شد ما يسعده أن يقدم خدمة للداخلية. شد ~~ما يسعده أن يهنئ الفللي بالقبض عليه. لو عمي الرجل ما عرف - هو - الأمان ~~بعد الساعة. أصبحت بولاق مباحة للأعداء. # وها هو خبر ينتشر أن محمد توكل يسعى إلى مصاهرة تاجر الخردة. لعله جاء ~~في صحبة الفللي فقادته عيناه إلى زوجة جديدة. سوف يمسي من ms108 أهل بولاق بقدر ما هو ~~من أهل الحسين. لم تعد بولاق بالمأوى الآمن. # أجل، لم تعد بولاق بالمأوى الآمن. # 37 # قالت له محاسن وهي تتفرس في وجهه: في قلبك شيء. # كان الأبناء قد ناموا، وكانت تحوم حوله في زينتها الحلوة، فآنست منه ما ~~خيب حلمها. قال: في قلبي أشياء. # سلمت للخيبة وتساءلت: التجارة؟ # فتمتم بحزن: التجارة رابحة، ولكن أمامي رحلة طويلة ... ~~- الصعيد؟ ~~- ربما. ~~- ولكن ما السبب؟ # فتجاهل سؤالها قائلا: سوف تطول أعواما. ~~- أعوام؟! خذنا معك. ~~- أتمنى ذلك ولكنه مستحيل. # فقطبت في ريبة، فقال: رحلة مطارد لا رحلة تاجر! ~~- مطارد؟! # فتنهد قائلا بأسى: إليك قصة المطارد المظلوم يا محاسن! # 38 # ودع الرجل زوجته وأولاده وغادر داره متسللا قبيل الفجر. # مع الصباح الباكر وقفت محاسن في الدكان تمارس حياتها الجديدة. كانت كئيبة ~~حزينة ضائقة بسرها، وكانت تقف بين الشك واليقين مما حكاه زوجها. لقد ~~خدعها أعواما، وربما له عذره، ولكنه خدعها، فهل صدقها أخيرا أم تمادى في ~~خداعه؟ # ومر بها شيخ الحارة فسألها عن زوجها، ماذا أقعده في البيت، فقالت بوجوم: ~~سافر إلى الصعيد. # فدهش الرجل وقال: أمس قابلته فلم يخبرني بشيء. # فقالت باستسلام: سافر! ~~- صاحب همة عالية، ولكنك لست كعادتك يا ست محاسن. ~~- بخير يا ريس. ~~- متى يرجع؟ # فلاذت بصمت واجم، فتساءل الرجل بحذر: امرأة أخرى؟ # فقالت بحدة: كلا. ~~- هل تطول غيبته؟ ~~- ستطول أعواما يا ريس! ~~- يا للخبر! ~~- قسمتي. ~~- ولكنك تخفين أشياء. # فقالت بفتور: كلا. # فمضى الرجل وهو يقول: لا أمان للصعايدة! # 39 # ونشر شيخ الحارة الخبر حتى علم به محمد توكل وكان ينزل ضيفا ~~عليه. # وبخلاف ما توقع اهتم الضيف بالخبر وتساءل: أهو الصعيدي ذو ~~اللحية؟ # فأجاب شيخ حارة بولاق بالإيجاب. # عند ذاك أغمض محمد توكل عينيه متفكرا. # 40 # عقب ساعة اهتزت الحارة على كبسة عسكرية. # اقتحمت قوة منها مسكن بدر الصعيدي بقيادة ضابط، وقد اقتحمت دكانه بقيادة ~~المخبر حلمي عبد الباسط. # زحف الأهالي نحو المواقع كالنمل. # سأل حلمي عبد الباسط محاسن بخشونة: أين سماحة سليمان الناجي؟ # فأجابت بثبات: لا ms109 أعرف أحدا بهذا الاسم. ~~- حقا؟! أين بدر الصعيدي؟ ~~- لا أدري. ~~- كذابة! ~~- لا تسب يا مخبر، ماذا تريدون من رجل شريف؟ ~~- شريف؟! أنت تعلمين أنه هارب من حبل المشنقة! ~~- أعوذ بالله! الحارة كلها تعرفه. # فصاح: أمامي إلى القسم. # فهتفت: لي أبناء ثلاثة لا أحد يرعاهم. ماذا تريدون مني؟ # 41 # فتش الدكان كما فتش البيت. جرى تحقيق دقيق مع محاسن. أفرج عنها، وطار ~~الخبر في الحارة مثل النار. ذهل الناس ذهولا. ~~- بدر الصعيدي! ~~- صاحب اللحية! ~~- المحسن! ~~- قاتل هارب من المشنقة! ~~- لم يكشفه إلا حماته وإن تكن امرأة سوء مثله! # 42 # مضت العادة تستل من العجائب روحها وجدتها. أدخلت محاسن أبناءها ~~الكتاب، وكانت تجيء بهم عقب الكتاب إلى الدكان أو تتركهم يلعبون أمام ~~عينيها. شد ما حزنت على زوجها، وشد ما حزنت لحظها الأسود. ورغم نوبات ~~الحنق لم تنس أنه تركها مستورة، بل غنية بتجارة رابحة. # ومنذ يوم الكبسة لم يتخلف المخبر حلمي عبد الباسط عن المرور بالحارة أو ~~الجلوس أحيانا بدكان شيخ الحارة. ترى أما زال يراقبها؟ إنها تشعر بنظراته ~~وتضيق بحركاته ولكنها تتجاهله. رجل فظ غليظ، طويل القامة، كبير الوجه، ذو ~~عينين صغيرتين وأنف غليظ، وشارب مثل مخرطة الملوخية. يا له من منظر شؤم! ~~وشؤم ما اقترن به من ذكريات. إنه يراقبها بلا أدنى شك، فماذا يظن؟ يمر بالدكان ~~فيرمي بنظرة غريبة مثيرة للتساؤل، أو يجلس بدكان شيخ الحارة فيسدد بصره ~~بلا هوادة. ماذا يظن وماذا يريد؟ تساءل عقلها وتساءلت غريزتها. توثبت للنضال كما ~~توثبت للاستطلاع. # ومرة توقف أمام الدكان. اقترب خطوة فانحشر في أفكارها. تبسم ~~متسائلا: أتؤمنين حقا ببراءة زوجك؟ # فأجابت دون أن ترفع عينيها إليه: إني أصدقه. # فقال بنبرة الوعظ وهو يمضي: حتى يلتف الحبل بعنق القاتل يظل مصرا ~~على براءته! # 43 # ورأت يوما محمد توكل شيخ الحارة فدعته إلى دكانها. أكرمته وقالت له: ~~لعلك تدرك ما أعانيه من متاعب. # فقال الرجل مجاملا: كان الله في عونك. ~~- ولكنك وحدك من يعرف الحقيقة. ~~- الحقيقة؟! ~~- حقيقة التهمة. # فقال توكل بلباقة: لا ms110 أعرف إلا ما أسفر عنه التحقيق. ~~- ولكنه أقسم لي بأنه بريء. ~~- ثبت أنه قتل البنت، ثم هرب. # تنهدت محاسن يائسة، ثم قالت: حدثني عن أهل زوجي وأبنائي. # فقال محمد توكل باسما: إنهم من صلب فتوات قدامى يروون عن سيرهم ما ~~يشبه المعجزات، ولكني لا أصدق خيال أهل حارتنا؛ فهم يؤمنون بأن الخير بدأ ~~وانتهى في ماض غامض، ولا يفرقون بين الحقيقة والحلم. يفكرون بعواطفهم، ~~ويحكمون على الأشياء بتعاستهم، ويصدقون أن الملائكة هجرت سمواتها ذات يوم ~~لتحمي هذا أو ذاك من أجدادهم. ~~- هل الفللي منهم؟ ~~- كلا، انتهى زمان فتونتهم، لم يعد أحد منهم يفكر فيها، أكثرهم اليوم ~~فقراء أو من أهل الحرف، ولكن زوجك ينتمي إلى الأسرة الغنية الوحيدة فيهم؛ ~~فعمه المعلم خضر من كبار التجار، وكذلك شقيقه رضوان، هل تنوين تسليمهم ~~الأبناء؟ # فبادرت تقول: كلا، لن أتخلى عن أبنائي، ولست في حاجة إلى أحد، وما سألتك ~~إلا لأعرف ما ينبغي معرفته. ~~- قد يطالبون بهم ذات يوم؟ # فقالت محاسن بحرارة: سأحتفظ بهم ما وجدت إلى ذلك سبيلا. # فقام شيخ الحارة وهو يقول: كان الله في عونك. # 44 # مع الأيام أصبح حلمي عبد الباسط من زبائن الدكان. أكان ذلك ضمن خطته في ~~المراقبة؟ ولكن كفى خداعا للنفس. هذه النظرات الجائعة لا تصدر عن تجسس، وليس ~~في حياتها ما يستحق المراقبة. إنه يحوم حولها بنظرات مشغوفة، وابتسامة ~~متوددة، وارتباك ينم عن نواياه الدفينة. إنها تعرف ذلك بغريزتها ولكنها ~~تتجاهله، وهي تشعر بنفور ولكنها تتجنب الحزم، وقلقها من المستقبل يتزايد ~~يوما بعد يوم. # ومرة قال لها: سامحه الله. # فنظرت إليه مستطلعة رغم أنها عرفت من يقصد فقال: يتركك وحيدة مع ثلاثة ~~أبناء. # فلم تنبس، فقال: وحتى إذا كتبت له النجاة فعليك أن تنتظري ثمانية ~~أعوام. # فقطبت، فقال بيقين: ولن تكتب له النجاة! # فقالت بحزن: الله مع المظلومين! # فقال بإصرار: طيلة حياتي لم أسمع أن قاتلا أفلت حقا من حبل ~~المشنقة! # 45 # ومرت الأيام ثقيلة متشابهة. أرهقها الجهد المتواصل والضجر، وأرهقها ~~الحرمان من الذي كان ms111 يملأ حياتها. ووجدت مشقة في تموين دكانها بالسلع؛ فهبط ~~الدخل رغم أنه ما زال فوق الكفاية. وراحت تحاكم سماحة وتدينه لما نزل بها، ~~وتشتد في محاسبته كلما أثقلها الضجر أو عذبتها الوحدة. وأكثر الوقت ضاع ~~رمانة وقرة ووحيد في الطريق بلا رعاية، حتى قال لها شيخ الزاوية: الأولاد ~~معرضون للشر يا ست محاسن. # فقالت بأسى: ما العمل؟ لم يبلغوا بعد السن التي يعدون فيها ~~للعمل في الدكان. ~~- أليس الأفضل أن يلقنوا حرفة ولو على سبيل حفظهم من الطريق؟ # فقالت مقطبة: لن أتركهم تحت رحمة أناس لا ثقة لي فيهم! # وتضاعف سخطها وقلقها. # 46 # ولم يكف حلمي عبد الباسط عن الحومان حولها. ومرة قال لها بحنان: إني ~~أرثي لك يا ست محاسن. # فقالت بإصرار: إني قوية وناجحة. ~~- ولكنك لست حرة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- ما زلت مرتبطة بحبل المشنقة. # فقطبت قائلة: إني راضية. ~~- بل عليك أن تتحرري لخيرك وخير الأولاد. # ماذا يريد أن يقول؟ ~~- في مثل ظروفك تطالب المرأة بالطلاق! # فضحكت ساخرة، فقال: سيطلبك ابن الحلال فإنك في الحق جوهرة. # وغادر الدكان متجنبا سماع جواب لا يرضيه. # 47 # عقب اختفائه بدقائق سمعت صرخة عصفت بجذور قلبها. اندفعت من الدكان ~~مجنونة، فرأت وحيد يتمرغ في التراب مخضب الوجه بالدماء. وعن بعد ثمة ~~غلمان يجرون فزعين. تجاهلت مضطرة الجناة، ورفعت ابنها بين يديها وهي ~~تصوت، ولما تفحصت وجهه صرخت بأعلى صوتها: ضاعت عين الولد ! # 48 # سحب الهموم تراكمت. أمطرت قلقا وكآبة، وحلت بالأركان الضجر. تجلت ~~همسات الإغراء مثل قوس قزح. # 49 # أمام الدكان وقف دوكار. نهضت محاسن مستطلعة. غادر الدوكار كهل ثم شاب، ~~يرفلان في عباءتين من وبر الجمل. أقبلا عليها والكهل يقول متسائلا: ست ~~محاسن؟ # أجابت بالإيجاب، فقال الكهل: أنا خضر سليمان الناجي عم زوجك سماحة، وهذا ~~شقيقه رضوان. # خفق قلبها بعنف. قدمت لهما مقعدين وقلبها يخفق. وتمتمت: أهلا بكما، ~~وشرفتما. # فقال خضر: كان ينبغي أن نتعارف من قبل ولكن الأخبار لم تتسلل إلينا ~~إلا أمس! ~~- أفهم ذلك جيدا. # همت أن تقول إنها عرفت ms112 عنهما الكثير، ولكنها سرعان ما عدلت عن ~~ذلك. # وقال خضر: شرفنا أن نعرفك، نحن أهل زوجك، وأهل أبنائه، ويسرنا أن ~~نكون في خدمتك! ~~- تستحق الشكر يا معلم خضر. # فقال رضوان: ثقتنا في الله كبيرة، وسوف ينكشف الظلم عن المظلوم. ~~- حدثني سماحة بكل شيء، ولكن ألا تستطيعون إثبات براءته؟ # فقال خضر بأسف: نخاطر بأرواحنا في سبيل قضية خاسرة. # وتساءل رضوان: أين الأولاد؟ ~~- في الكتاب. # وانخطف لونها وهي تقول: فقد أصغرهم عينه في مشاجرة مع الأولاد. # تجلى التأثر في وجهي خضر ورضوان، وقال خضر: حملك ثقيل يا ست ~~محاسن. # فقالت بحذر: لست ضعيفة ولكنه سوء الحظ. # فقرأ خضر أفكارها، ولكنه تساءل: كيف تتصورين المستقبل؟ ~~- أن يعملوا في الدكان. # أجال خضر عينيه في الدكان، فقالت: الرزق موفور والحمد لله. # فقال برقة: لعله توجد فرصة أطيب عندنا! # فقالت بلهفة: لا أحب أن أتخلى عنهم. # فقال بوضوح: ولن نحملك على ما تكرهين، ولكن أليس من الظلم أن يحرموا من ~~حياة أفضل؟ # فراحت تقضم أظافرها وهي لا تدري، فعاد الرجل يقول: لن نحملك على ما ~~تكرهين. # وقال رضوان: اعتبري زيارتنا للتعارف والمودة. # وقال خضر: واعلمي أنك لست وحيدة، نحن أهلك أيضا، فكري على مهل فيما ~~أعرضه عليك، تعالي معهم إذا شئت، زريهم في أي وقت، أو أبقيهم في كنفك، ~~الأمر بيدك على أي حال. # 50 # ما إن غاب رنين جرس الدوكار حتى كان حلمي عبد الباسط في الدكان . سألها ~~باهتمام: ماذا يريد السادة؟ # لم يعد غريبا أن تباسطه في الحديث. كفت من زمن عن صده وتحديه. ~~أصبح عادة يومية في حياتها، حتى قبحه لم يعد منفرا أو مزعجا. هكذا ~~وافته بما لديها. وبادرها قائلا: عين الصواب. ~~- أهجر أبنائي؟ ~~- بل ترسليهم إلى حظهم السعيد. ~~- ماذا تعرف عن قلب الأم؟ ~~- الأمومة الحقة تضحية! # فقالت بمكر: ربما كان الأصوب أن أذهب معهم. # فهتف: معاذ الله! ~~- إنهم أهلي أيضا. ~~- ولكنك غريبة! أنت من بولاق وهم من الحسين، هنا عزتك وكرامتك. # وحدق في وجهها بعينيه الصغيرتين النهمتين وتمتم: وهنا من يحبك ms113 أكثر ~~من نور عينيه. # 51 # لا دائم إلا الحركة، هي الألم والسرور. عندما تخضر من جديد الورقة، ~~عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة؛ تمحى من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة ~~الشتاء. # 52 # كل ما يحدث مألوف لا ينكره عرف ولا دين. والقشرة الصلبة تنطوي على سائل ~~الرحمة العذب مثل جوزة الهند. هكذا انتقل رمانة وقرة ووحيد من بولاق إلى دار ~~خضر الناجي. لم يدرك الغلمان ما يراد بهم. أجهشوا في البكاء فبكت محاسن ~~بحرارة. بررت قرارها بزعم أن آل الناجي هددوها بالالتجاء إلى القضاء. ~~اعتذرت عن سلوكها ولكنها حزنت بصدق ومن الأعماق. نبض قلبها بالعواطف المتناقضة ~~مثل مشمشة حلوة النسيج مرة النواة. ثمة إيثار الأبناء بالنعمة والتضحية بهم ~~في آن. ثمة صراع بين الوفاء لسماحة ومحاسبته الدائمة على خداعها، ثم تركها ~~وحيدة، وثمة صراع أعنف بين الصبر والحرمان من ناحية، وبين الاستسلام لتيار ~~الحياة المتدفق من ناحية أخرى. بين الزلل والفتنة، وبين الحق الشرعي لغريزة ~~نهمة. أقنعت نفسها بأنها امرأة ضعيفة وأن عليها أن تتصرف من منطلق الضعف ~~والمحافظة على السلوك السوي. وأيدها في تفكيرها شيخ الزاوية وشيخ الحارة ~~وكثرة من الجيران. ~~- لا خير في الوفاء لقاتل. ~~- ولا خير في بقاء شابة جميلة بلا زوج. # وهل يمكن أن تنسى ما التصق بالمرحومة أمها من سوء السمعة؟ إلى ذلك كله ~~فإن زواج امرأة من مخبر أمر مرغوب فيه من غالبية أهل الحارة. # هكذا سلمت محاسن أبناءها إلى أهل سماحة، وهكذا حصلت على الطلاق من سماحة ~~القاتل الهارب. # 53 # وتم زواجها من المخبر حلمي عبد الباسط في جو من الترحيب والمرح. جددت ~~جهازها ولكنها لبثت في شقتها، وظلت تعمل في دكانها لتحافظ على استقلالها ~~وكرامتها كثالث زوجة في حياة الرجل. ووجدت عناء في الانتقال من معاشرة سماحة ~~إلى معاشرة عبد الباسط، ولكن الجديد يطمس القديم عادة ويغطي على ذكرياته، ~~وبخاصة إذا تمتع بجدارة ذات شأن؛ لذلك ألفته مع الأيام، وأحبته، وأنجبته ~~له. ودأبت على زيارة رمانة وقرة ووحيد في دار خضر. تستقبل بالترحاب ms114 والاحترام ~~من أهل الدار، وبالحب الشديد من الأولاد. ووجدت أنهم يتأقلمون بسرعة، ويتبدون ~~في صورة مختلفة، ولكنهم لا ينسون أمهم ولا ملاعبهم ولا أقرانهم، ولا حتى ~~أباهم الذي طال غيابه. ولكن بمرور الأيام وكثرة الإنجاب تباعدت الفترة بين ~~الزيارة والزيارة، وطالت أكثر مما يتوقع حتى ندرت، وذهب الأولاد لزيارة ~~أمهم في الدوكار ولكن عبد الباسط استقبلهم استقبالا جافا جعلهم لا ~~يفكرون مرة أخرى في تكرير الزيارة. وأخذت العلاقات تفتر حتى أنذرت بالقطيعة، ~~حتى حصون القلوب يغزوها الزمن بانسيابه بين النعومة والصرامة. # 54 # لم ينفق عبد الباسط من نقوده إلا في أيام شهر العسل، ثم قال لها بصراحة ~~حادة: أنت غنية وأنا فقير، والتعاون مشروع بين الزوجين. # واحتجت على موقفه، واعتبرته استهانة بحبها، ولكن لم يجد الاحتجاج ~~شيئا. كلاهما يتسم بالعنف والعناد، وهي لا تفكر في التضحية بحياتها الزوجية ~~الجديدة بعد أن عانت في سبيلها ما عانت. # ولم يقنع عبد الباسط بذلك فكان يقترض منها عند الضرورة، وتراكمت القروض ~~دون أن يلوح أمل في السداد، ونشبت بسبب ذلك خصومات وتبودلت لعنات. الضرب ~~أيضا تبودل، والعنف احتدم أيما احتدام، ولكن تيار الحياة لم ينقطع. وحملت ~~أمواجه المتتابعة الملاطفات والتنهدات والرغبات مع السباب واللطمات. وجاء ~~الوليد في أعقاب وليد حتى اكتمل لها ستة. الشيء الوحيد الذي لم يمسه ~~التغيير كان حرصها الأبدي على أنوثتها وجمالها. # 55 # وتمر الأيام، وتنمو الحياة وتتفرع، وتتجمع المصائر في الأفق. # 56 # وكان سماحة بكر الناجي يعاني الحياة وهو يسمع صلصلة عجلة الزمن تجد ~~وراءه. إن الإنسان يشقى بساعة انتظار، فكيف إذا صارت الحياة كلها مفرغة إلا ~~من انتظار متواصل؟ ومن أول الأمر صمم على ألا يقيم في مكان واحد. عمل ~~بائعا سريحا يجول بين القرى، مرسلا لحيته وشاربه، مخفيا عينه اليسرى بزعم ~~العور. وظل يسجل مرور الأيام في دفتره السري، ويسجل أيضا أعمار أولاده ~~رمانة وقرة ووحيد. وتركزت أوقات فراغه في تذكر أسرته، محاسن وأولادها. وفي ~~أعقاب الجهد والعناء، قبيل النوم، يتعزى بالأحلام. الحلم باليوم الموعود، ~~يوم النجاة ms115 من المشنقة والعودة إلى الأهل، يوم يرجع إلى حارته مشهرا عصا ~~التأديب، باعثا من ظلمات الحاضر عهد الناجي بعدله المرموق. وتحدثه نفسه ~~أحيانا إذا اشتد خفقان قلبه بالحنين أن يزور أهله متخفيا في ثياب امرأة، ~~ولكنه يكظم أشواقه، وينثني عن عزمته، متقهقرا أمام العواقب الوخيمة الجديرة ~~بإهدار صبر الأعوام. # وعاش وحيدا، بل عاش في ظل أطياف متجسدة لا تبرحه. أطياف الظلم والحنان ~~والحرمان والخوف المستمر من انكشاف أمره. واعتاد محاورة نفسه وأطيافه. يحاورها ~~من خلال الصمت، أو بصوت يسمعه الخلاء والشجر والنيل. وجن مرة إذ خيل ~~إليه أنه يرى محاسن. وحلم مرة بأنه التقى بمحمد توكل في سوق الدومة. ~~وخير أحلامه ما رأى فيه سيدنا الخضر، ومن عجب أنه لم يبق من الحلم شيئا سوى ~~ثقل في القلب وحزن في الوجدان، وأمل غامض، وقال لنفسه: إنه لا يجيء إلا ~~لخير. # وقال أيضا: لا يوجد ألم بلا معنى، وسوف يجيء الضياء ذات يوم. الحق أنه ~~كان قد فقد كل شيء؛ فإن شجاعته لم تنضب وقوته لم تهن. لعله يزداد بالإصرار ~~شجاعة وقوة، ويزداد بالشجاعة والقوة إصرارا، ولكن ماذا صنعت الدنيا بمحاسن ~~ورمانة وقرة ووحيد؟ سيرجع ذات يوم فيجدهم رجالا في الدكان. سينظرون إليه ~~بذهول أول الأمر، ولكنه لا يمكن أن يمحق من ذاكرتهم. # وكلما مر عام تنهد قائلا: ها هو الجبل يتزحزح! # 57 # وكان العام الأخير أشد الأعوام عذابا، وكلما مر منه يوم اشتد ~~العذاب. إنه يستمسك بالصبر ويلاطفه ويتوسل إليه أن يثبت حتى الدقيقة ~~الأخيرة. إنه يصارع الألم بعنف لا هوادة فيه، يغرق أفكاره في هموم الحياة ~~اليومية ولكنها تأبى إلا أن تغرق في مجرى الزمن، أن تتابعه لحظة بعد أخرى، أن ~~تندس في اللحظة حتى تتضخم فتصير دهرا، حتى تنغرز في أساس التجمد ~~وتنعدم الحركة تماما. # 58 # ولم يبق إلا يوم واحد. صباح الغد وينتهي كل شيء. سينطلق إلى العمل لكي ~~ينسى، ولكنه عجز عن العمل، عجز عن أي شيء إلا معانقة الزمن. عزيمته تتبدد ~~وتتبخر. ويقول بصوت مرتفع ms116 كأنما يستمد من ارتفاع الصوت قوة ويجعل منه ~~تعهدا أمام الكون: سأبيت ليلتي هنا، ثم أذهب مع الصباح إلى البيت. # ولكن تمردت أعصابه على حيلته. هزئت بتعهده. أرسلت أوامرها إلى أعضائه ~~فكفت عن العمل، فلا طعام ولا شراب ولا حلم. راقب قرص الشمس المدقوق في ~~السماء. جفت آخر قطرة للصبر. # سيبيت الليلة في حضن أسرته. وقذف بنفسه صوب الأمل. # 59 # سمعت محاسن طرقا خفيفا على الباب. # كان الأولاد قد ناموا على الشلت في الصالة، وكانت قد تزينت وتأهبت ~~للنوم. # من الطارق والليل يكاد أن ينتصف؟ # فتحت الباب عن زيق فرأت شبحا فسألته: من؟ # دفع الباب فانقض عليها. هكذا خيل إليها. قبل أن تصرخ أطبق على ~~فيها. صارا كائنا واحدا تحت ضوء المصباح المشتعل في الكوة. رفع فاه مطبقا ~~براحته على فيها وهو يقول: أنا سماحة يا محاسن، سماحة رجع! # عند ذاك سحب راحته فراحت تحملق في وجهه المغطى بالشعر بذهول. ~~- ليطمئن قلبك، سماحة رجع، انتهى العذاب! # لم تخرج من ذهولها، فقال: انقضت المدة، لم يبق إلا ساعات، خانني ~~الصبر. # هنا ظهر حلمي عبد الباسط في باب الحجرة وبيده جندرة وهو يقول: جئت لقضائك، ~~سلم نفسك. # تلقى سماحة ظهوره كضربة فوق يافوخه. تمتم: من هذا؟ رجل في حجرتك! ما ~~معنى هذا يا محاسن. # لاذت محاسن بزوجها. ازدردت ريقها وقالت: إنه زوجي. # وأشارت إلى الأولاد الذين رآهم لأول مرة وقالت: أبو هؤلاء. # ارتفعت يسراه، ثم انحطت فوق رأسه والأرض تميد به، وراح يقول : حقا؟ ~~زوجك! ما تصورت شيئا كهذا! # ولوح عبد الباسط بالجندرة قائلا: سلم نفسك، أنا مخبر النقطة! ~~- حقا؟! # وتشنج بنوبة من الضحك، فصاح عبد الباسط: إذا قاومت حطمت رأسك. # فهمست محاسن: دعه يذهب. # فقال لها بلهجة آمرة: صوتي في النافذة. # وبسرعة انقض سماحة على طفل فرفعه بيد وأطبق بالأخرى حول عنقه، وقال ~~والطفل يصرخ: حذار، لا حركة ولا صوت وإلا هلك الطفل. # صرخت محاسن: دع ابني يا مجرم! ~~- لا حركة ولا صوت، لا تهاجم ثعبانا جريحا. ~~- اترك الولد. ~~- هو بخير ms117 ما دمت بخير. # قالت محاسن: رمانة وقرة ووحيد في كفالة عمك. # فهز رأسه وهو يقول: طيب، ولكن الويل لمن تحدثه نفسه بتسليمي إلى ~~المشنقة. # فتوسلت محاسن إلى زوجها قائلة: دعه يذهب. # فقال عبد الباسط بنبرة تسليم: فليذهب إلى الجحيم. ~~- ارم الجندرة أولا. # رمى عبد الباسط الجندرة. هرعت محاسن إلى سماحة فأخذت الطفل. وبسرعة ~~التقط عبد الباسط الجندرة ورمى سماحة بها فمست قمة رأسه. لم يكن التسديد ~~محكما، وقد أصاب اللاثة، فالتقط سماحة بدوره الجندرة وانقض على الرجل وضربه ~~ضربة صادقة على عنقه فتهاوى على الأرض فاقد الوعي. # غادر البيت وثبا وصوات محاسن يلاحقه. عندما بلغ الطريق كان بعض الساهرين ~~يتجهون نحو مصدر الاستغاثة. اندفع بكل قوته نحو الطريق الموصل إلى النيل، ~~وسرعان ما بدأت مطاردة من نوع جديد، ولكنه وثب إلى قارب وراح يجدف مبتعدا ~~عن الشاطئ. # وعند منتصف النهر جاءه صوت غير غريب، صوت شيخ الحارة وهو يصيح به: سلم ~~نفسك يا سماحة، قتلت حلمي عبد الباسط مخبر الحكومة. # 60 # صاح خضر سليمان الناجي وهو يرنو إلى سماحة: سماحة أخيرا! # تعانقا عناقا حارا، ثم هتف خضر: طالما حلمت بيوم النجاة فالحمد لله رب ~~العالمين، دعني أوقظ رضوان. # ولكن سماحة أمسك بيده وتمتم: الأولاد؟ ~~- انتظر حتى الصباح. عليك أن تحلق لحيتك أولا. # فهمس سماحة بإصرار: الأولاد. # 61 # اقترب من الأسرة المتجاورة وهو يرنو إلى الوجوه الهائمة في وادي النوم ~~المجهول. ثغور مفترة، وأقنعة متحررة من حركة الزمن، وملامح صبا واشية ~~بحرارة المراهقة، وبذور ناضجة يكمن في نواتها مستقبل غني بالمتناقضات. # أطل الحنان من عينيه مبللا بالدمع، وتدفق الشوق في حناياه ينبوعا ~~ساخنا، واهتزت جوارحه حتى شهق. # ضغط على شاربه ولحيته ليحرر شفتيه، فهمس خضر في أذنه: أخاف عليهم ~~الفزع. # ولكنه لثم الخدود بخفة ورشاقة وهو يراقب حركات صغيرة سريعة غامضة، ثم ~~تراجع بهدوء وحذر وأسى. # 62 # وقال له خضر: عليك أن تنام. # فقال وهو يهز رأسه: لا وقت للنوم. ~~- ولكنك متعب جدا يا سماحة. ~~- وأمامي تعب بلا نهاية. # فراح يحدثه ms118 عن موت الفللي منذ عامين وحلول الفسخاني محله، عن موت دجلة ~~أيضا وحمودة، وسجن عنتر وفريد، وسماحة يتابعه بلا اكتراث. # ووضع يده على منكبه وقال: ما زلت مطاردا يا عمي. # فتساءل خضر بانزعاج: ألم تنقض المدة؟ # فقال وهو يتنهد: اضطررت إلى قتل وغد منذ ساعة! # 63 # في طريقه إلى الاختفاء وقف في الساحة أمام التكية. ها هو يمتلئ برائحة ~~الحارة وأنفاسها، ولكن أين النشوة؟ كم حلم بهذه الوقفة كمنطلق لدفقة جديدة من ~~الحياة، تؤدب الأوغاد وتبعث روح العهد! ما هي الليلة إلا بدء رحلة طويلة ~~جديدة في دنيا العذاب والمطاردة. سيرجع إذا رجع شيخا بلا حول. # ومضى نحو الممر والأصوات تترنم في جلال الليل: # درد مارا نيست درمان الغياث # هجر مارا نيست بابان الغياث # | قرة عيني # الحكاية الخامسة من ملحمة الحرافيش # 1 # كان لعودة سماحة بكر الناجي المباغتة واختفائه الخاطف زلزلة عنيفة في ~~نفوس آل الناجي والحرافيش. ولعل أبناءه كانوا أقل الناس تأثرا إذ إنه جاء ~~وذهب وهم نيام، فضلا عن أنه لم يعد بالقياس إليهم إلا ذكرى باهتة مثل ذكرى ~~أمهم محاسن البولاقية. ورويت مأساته بالطول والعرض فأصبحت أسطورة ~~وموعظة. # 2 # وانتظم رمانة وقرة ووحيد في العمل بمحل الغلال مع عمهم رضوان وعم أبيهم ~~خضر. وترامى إلى الحارة خبر عجيب يقول إن المخبر حلمي عبد الباسط لم يمت كما ~~توهم المتوهمون. وإنه شفي من ضربة الجندرة، وواصل حياته في خدمة الحكومة ~~والبلطجة على محاسن. عند ذاك تجلى العبث في هرب سماحة، واشتد الحزن عليه، ~~فهب خضر للبحث عنه. من أجل ذلك سعى سعيه لدى مأمور قسم الجمالية، من أجل ذلك ~~فاوض فتوة الحارة «الفسخاني»، مضاعفا له الإتاوة وواعدا إياه بمكافأة مغرية، ~~ومن أجل ذلك أيضا رصد مكافأة كبيرة لمن يعثر عليه. # وأثار نشاطه ريبة الفسخاني. وذكره رجال من أعوانه بتطلع سماحة إلى ~~الفتونة، فقلق الرجل وقلق معه وجهاء الحارة وأعيانها. # وما تدري الحارة إلا والرجل الطيب خضر يعثر عليه مثخنا بالجراح في عطفة ~~الكبابجي حيث كان في سهرة أخرته ms119 لما بعد منتصف الليل. ولم يجد الإسعاف ~~في إنقاذ الرجل، فقضى نحبه عقب يومين من الحادث. ورغم إجماع القلوب على معرفة ~~المجرمين فقد قيد الحادث كالعادة ضد مجهول، وضاع خضر مثل ذرة من ~~رمال. # 3 # زلزل آل الناجي لمصرع عميدهم، وعدوا ذلك نهاية من نهايات الهوان ~~المقدر عليهم. رغم ذلك استسلموا لقدرهم وأقروا بعجزهم، غير أن وحيد - ابن ~~سماحة الأصغر - غضب غضبة مجنونة أنذرت بوخيم العواقب. # قال بحنق: قاتل عمنا يمرح ويدعى الفسخاني! # وتساءل بمرارة: أكان عاشور الناجي يتصور هذه النهاية لذريته؟ # ومثله في الانفعال كانت ضياء أرملة خضر، ولكنها انفعلت بأسلوبها الموائم. ~~دفعتها الجريمة فتهاوت في أحضان المجهول، جفلت من عالم الإنس، لقنت لغة ~~الجماد والطير، واحتمت من نصال الألم بكهف الأشباح. صارت شيخة، الحلم ~~رؤيتها، والفنجان نافذتها، والنبوءة الغامضة ترجمانها. وعشقت الجلباب الأبيض ~~والخمار الأخضر والمبخرة النحاسية، تتهادى عند الأصيل بين الساحة والميدان، ~~تنفث الدخان العطر، تلوذ بالصمت، تتبعها جارية، تحدق بها الأعين. # ويسخر رجال من رجال الفتوة فيقول قائلهم: ذلك آمن من الطمع في ~~الفتونة. # وآلم سلوكها الشبان، كما آلم رضوان وزوجته أنسية وشقيقته صفية، ولكنهم ~~عجزوا عن ترويضها. حتى وحيد الغاضب قال لها: دارك يا امرأة عمي. الزمي دارك ~~إكراما لذكرى عمنا خضر. # فنظرت إليه ببلاهة وقالت: رأيتك في نومي متمطيا جرادة خضراء. # فيئس وحيد من مناقشتها، ولكنها سألته: ألا تدري معنى ذلك؟ # فلم يكترث، ولكنها قالت تجيب نفسها: إنك خلقت للهواء! # 4 # وبقوة الغضب اخترق وحيد جدار الحذر. ما أضجره بمحل الغلال! ما أبعده عن ~~رمانة وقرة! تقول الشيخة إنه خلق للهواء. ترى هل يصلح للتحدي؟ # كان متوسط القامة وسيما رغم عوره، قويا ولكنه بالقياس إلى الفسخاني ~~مثل هرة بالقياس إلى خروف. لم يندفع في مغامرة، ولكنه يضطرب كثيرا بحركة ~~غامضة وقلق معذب. طالما قال له عمه رضوان: احذر الخيال وأقبل على ~~العمل. # وطالما قالت له عمته صفية: لا تؤول أحلام ست ضياء على هواك. # وانحرف عن خط الأسرة فصادق شيخ الحارة محمد توكل رغم ms120 فارق السن، وسهر ~~معه كثيرا في غرزة الصناديقي. وأنشأ علاقة طيبة مع صديق أبو طاقية الخمار ~~من خلال تردده بين حين وآخر على البوظة. له صبوات في العربدة، ولكن لم تفته ~~أبدا صلاة الجمعة، حتى قال له مرة الشيخ إسماعيل القليوبي: هل يجمع الله في ~~قلب واحد بين الخمارة والزاوية؟ # فتساءل وحيد بمرارة: ألا ترى قاتلا يمرح وبريئا يتعذب في ~~الغربة؟! # 5 # وفي أعقاب ليلة معربدة رأى حلما طويلا. رأى نفسه في الساحة أمام ~~التكية ولم يكن من المولعين بالساحة. وجاءه درويش فقال له: الشيخ الأكبر ~~يخبرك بأن العالم قد خلق فجر الأمس. # فصدقه وحيد ثملا بسعادة تفوق التصور. وحمل على هودج فراح يشق ~~الحارة بين صفين من الرجال والنساء. ورأى أمه محاسن البولاقية وهي تشير ~~إليه وتقول: اصعد. # فارتفع به الهودج، فحملته الريح إلى خلاء يحدق به جبل أحمر. ووجد نفسه ~~يتساءل: أين الرجل؟ # فانحدر عملاق من سفح الجبل وقال له: اثبت في مركز النجاة. # فقال له بيقين: إنك أنت عاشور. # فتناول ساعده ودلكه بدهان قائلا: هذا هو السحر! # 6 # عندما استيقظ وحيد وجد نفسه مفعما بإلهام. أذعنت له القوة والتفاؤل ~~والنصر. لم يشك في أنه قادر على المعجزة، وأنه يستطيع أن يقفز من سطح الدار ~~إلى الأرض دون خوف من الكسر. # أطاع الريح الهوجاء فارتدى ملابسه ومضى من توه إلى مجلس الفسخاني ~~بالقهوة. رماه بنظرة قاسية وقال له: إني أتحداك أيها المجرم! # رفع الفتوة جفنيه الثقيلين. تصوره مجنونا. رحب على أي حال بالبطش ~~بأحد أشبال الناجي. سأله: مسطول يا ابن القديمة. # فبصق على وجهه. # ووثب الفسخاني قائما. تجمع خلق للمشاهدة. # لم يتردد وحيد. انقض على الفتوة، وبكل قوته ضربه بيده المسحورة في ~~عنقه فتقهقر الرجل حتى وقع على ظهره وهو يشهق. خطف وحيد نبوته وضربه على ~~ركبتيه فشله. والتحم مع نفر من أتباعه فجندلهم بقوة وسرعة ~~مذهلتين. # لم ينقض النهار حتى كان وحيد سماحة الناجي فتوة للحارة! # 7 # عصفت الدهشة بالحارة. # خفقت قلوب الحرافيش بالأمل. اضطربت خواطر الوجهاء ms121 بالخوف. حلمت أسرة ~~الناجي بالعرش المضيء. ومضى وحيد ينوه بالحلم الذي رآه، والمعجزة التي ~~أحدثتها يده المسحورة، والثقة الخارقة في النصر التي هونت عليه مجابهة الموت. ~~وسرعان ما أحس حرارة الأمل المتطلعة إليه، وبرودة الخوف المتوجسة منه، ~~ولكنه آثر التمهل والتدبر، فترك الأمور تسير في طريقها المعهود عدا نفحات ~~جاد بها على المعسرين من الحرافيش. # وسأله عمه رضوان: متى تحقق حلم أبيك الغائب؟ # فأجابه بحذر: خطوة خطوة، وإلا أفلت زمام العصابة من يدي. ~~- هذه سياسة لا بطولة يا ابن أخي. # فقال بغموض: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه. # ولم يفقد رضوان الأمل، على حين طال بوحيد التأمل. وكلما مضى يوم تذوق ~~جلال الفتونة، ونعمة الثروة، ومداهنة الوجهاء، وأخذ يستسلم لتيار الإغراء، ~~فتقوى في نفسه نوازع الأنانية، وتضعف أحلام البطولة والعهد. وإذا به يشرع في ~~إنشاء دار خاصة به، ويتمتع بكل جميل وطيب في الحياة، ويولع أكثر بالبوظة ~~والمخدرات، ويتمادى في ممارسة شذوذه حتى خرج به من السر إلى العلانية، حتى قال ~~رضوان لزوجته أنسية: أليس الأفضل أن يكون الوغد من غيرنا! # وتذكر الحرافيش تدهور سليمان الناجي، فقالوا إن الشر وحده هو ما يورث ~~في آل الناجي. وتألم لذلك قرة كما تألم عمه رضوان، أما رمانة فقال: حسبنا ~~العزة التي عادت إلى الناجي. # وكان رمانة يشبه أخاه وحيد في تكالبه على المسرات واستهانته بعهد الناجي ~~القديم. وأطلق وحيد على نفسه «صاحب الرؤيا»، ولكن الحرافيش دعوه سرا ~~بالأعور. وعرف بشذوذه فلم يتزوج، وأحاط نفسه بفتية مثل المماليك؛ هكذا ~~استقرت فتونة وحيد الأعور. # 8 # تعب قلب رضوان. غدا العمل يرهقه رغم أنه كان دون الأربعين. ما أسرع أن ~~يتصبب عرقا باردا وتظلم الدنيا في عينيه! وتراكمت فوقه الأحزان بسبب مأساة ~~أخيه سماحة وسلوك وحيد؛ لذلك عزفت نفسه عن التجارة والحياة، ومال إلى العزلة ~~والعبادة. هكذا هجر المحل تاركا إدارته لرمانة وقرة. # 9 # احتل رمانة وقرة حجرة الإدارة، يشتركان في عمل واحد وقلباهما مفترقان. ~~كان قرة وسيما، تشع من عينيه جاذبية، ورث من أمه ms122 محاسن دقة قسماتها ورشاقتها، ~~فضلا عما عرف به من تهذيب واستقامة، كأنه شمس الدين في جماله وعذوبته دون ~~قوته. أما رمانة فكان قصيرا بدينا مثل برميل، غامق اللون غليظ القسمات، به ~~استهتار وخشونة. وكان قرة أقدر منه في الإدارة والتجارة، وأنقى منه في ~~المعاملة، وقد أحبه العمال لسماحته وجوده. وكان رمانة يخالط أخاه وحيد في ~~الغرزة، ويتورط في المغامرات بنهم، وينتقد - إذا سكر - شقيقه قرة حاسدا ~~وساخرا. # قال مرة لقرة: إنك تبدد مالك لتشتري به حب العمال، أي حكمة في ~~هذا؟! # فقال له قرة: العطف ليس تجارة. ~~- ماذا هو إذن؟ ~~- جربه يا رمانة! # فضحك ساخرا وهو يقول: ما أنت إلا ماكر. # ورغم أن قرة كان يصغر رمانة بعام إلا أنه كان يشعر بأنه مسئول عنه، حتى عن ~~وحيد كان يشعر بمسئوليته أيضا. وضاق رمانة ووحيد بمثاليته. وغضب وحيد مرة ~~فقال له: صرتم سادة الحارة بعد أن كنتم أذلاءها، ألا تقر لي بهذا ~~الجميل؟ # فقال له قرة بحدة: وما فقدنا سمعتنا القديمة إلا بك. # فقال بحنق أفقده ضبط النفس: لا أصدق الخرافات! # فتساءل قرة ساخرا: ألست «صاحب الرؤيا»؟ # فغادره ساخطا محتدما. # كذلك ساءته مغامرات رمانة، فقال له يوما: تزوج، أكرمنا بزواجك. # فقال له رمانة بحنق: أنت أخي، أصغر مني بعام، لا تسع للتسلط على ~~حريتي. # وقلق رضوان مما لاحظ بين الشقيقين من منافرة، فقال لقرة: يهمني أن ~~يستقر الوئام بينك وبين أخيك. # وقالت له عمته صفية: بنا من الجروح ما يكفي، ولن تغير الكون. # هذا وما زالت الشيخة ضياء تتهادى بمبخرتها في الحارة كل أصيل ، تناجي ~~المجهول، دامعة العينين. # 10 # وكان قرة عائدا إلى الدار ليلا عندما اعترضته في الظلمة عجوز وهي تقول: ~~مساء الخير يا معلم قرة. # فرد تحيتها متعجبا، فقالت له: ثمة من ينتظرك الآن في ساحة ~~التكية. # فثار في نفسه حب الاستطلاع وتساءل: من؟ ~~- ستي عزيزة كريمة المعلم إسماعيل البنان! # 11 # تبع العجوز يشقان الظلمة الكثيفة تحت القبو حتى خرجا إلى ظلمة الساحة ~~المشعشعة بأضواء النجوم. كان الزمان ms123 صيفا والنسمة لطيفة وانية، وعذوبة ~~الأناشيد تملأ الجو. قادته العجوز إلى شبح واقف تحت السور العتيق. لم يتبين ~~منها شيئا، ولم يكن رآها أو سمع عنها من قبل. ولما طال السكوت همس ~~مشجعا: إني في خدمة الهانم. # فجاءه صوت ناعم مضطرب النبرة يقول: أشكرك. # ثم مستدركة في توسل: لا تسئ بي الظن! ~~- معاذ الله. # وحجز السكوت بينهما كالأول، فأدرك أنها تنادي شجاعة مفتقدة، وذهبت به ~~الظنون كل مذهب، حتى اضطر إلى أن يقول: إني مصغ إليك. # فقالت وهي تزداد اضطرابا: سمعتك كالورد، وما هي إلا كلمة واحدة، فليعني ~~الله على قولها. ~~- إني أصغي إليك بكل اهتمام. ~~- أخوك رمانة. # وانقطع الصوت كأنه اختنق فخنق قلبه. تبددت ظنون، حل محلها الظلام، ~~تمتم: أخي رمانة؟ # بدت عاجزة عن مواصلة الحديث، وتخايلت الحقيقة مثل حشرة تزحف في ~~الظلام. عند ذاك همست العجوز: كان قد وعدها بالزواج. ~~- هكذا! # فقالت العجوز: إن لم يف بوعده في الحال حق علينا الهلاك! # وابتعد الشبحان. وصوت نحيب مكتوم يتكلس حول طبلة أذنه. # 12 # وتناول عشاءه مع عمه رضوان وزوجه أنسية. ضياء لا تبارح جناحها، ورمانة ~~دائما في سهرة خارج الدار. وقال له عمه: لست كعادتك. # فتمتم: إني بخير. # فقالت أنسية: لست كعادتك ورأس الحسين! # كيف يبدأ الكلام؟ رأى أن يفاتحهما بالأمر. هكذا تصور وهو عائد من ~~الساحة. إنه الآن يتراجع، قوة تمنعه وتحذره. لقد أودعته الفتاة سرا وعليه ~~أن يصونه. يجب أن يبدأ برمانة رغم كراهيته لذلك. # 13 # نامت الدار ولكنه لم ينم. رجع رمانة قبل الفجر بساعة واحدة. # رأى عينيه محمرتين ثقيلتين بالخمار. أدرك في الحال صعوبة مهمته، ~~ولكن كيف يتصرف وهو يعلم أنه يستيقظ في الضحى، وأنه - قرة - يفتح المحل في ~~الصباح الباكر، وأن حجرة الإدارة لا تتسع لمثل هذا الحديث؟ ~~- ماذا أيقظك؟ # فمضى به إلى حجرته. ارتمى على ديوان وهو يقول في حذر: موعظة الفجر؟ # فتجاهل سخريته وقال برقة: عندي حديث هام أرجو أن يتسع له صدرك يا ~~رمانة. ~~- حقا؟! ~~- هذا مؤكد! # فقال بتربص: تحت شرط ms124 ألا يكون له علاقة بالأخلاق! ~~- لا شيء مقطوع الصلة بالأخلاق. # فقال بعناد: أرفض الاستماع. ~~- صبرك. ليس كما تتصور. إنه أمر يهمك أكثر مما يهمني، ولا يمكن ~~إهماله. ~~- أثرت فضولي؟ # فوضع راحته على منكبه برقة وهمس: إنه يتعلق بعزيزة! # تراجع رأس رمانة كأنما ضرب بحجر وتمتم: عزيزة؟! ~~- كريمة إسماعيل البنان. ~~- لا أفهم شيئا، ماذا تريد أن تقول؟! # فقال بهدوء ناعم وقوي في آن: عليك أن تتزوج منها، وفي الحال! # أزاح اللاثة عن رأسه. تخلص من راحة أخيه بهزة من منكبه وقال بحدة: لا ~~حياء! أين الحياء؟! كيف اتصلت بك؟! ~~- لا يهم، المهم أن نمنع وقوع مأساة. # فقال بسخرية: لا مأساة إلا في خيالك! ~~- أعتقد أنها مأساة حقيقية. # فقال رمانة وهو ينفخ: كلا، لا رغبة لي في ذلك! ~~- لم لا؟ لا شك أنها أعجبتك مرة، ثم إن أباها وجيه حسن السمعة! # فقال ببرود: لا ثقة لي فيمن تستسلم! ~~- أيا ما كان الرأي فثمة أحكام للشهامة أيضا. ~~- أي شهامة؟! ... إني أحتقر ذلك. # فقال برجاء: المطلوب الستر، ثم افعل بعد ذلك ما بدا لك. # فهز رأسه في حيرة وقال: ثمة عقبة في الطريق. ~~- ما هي؟ ~~- حب بيني وبين شقيقتها رئيفة! # فقال قرة بجزع: لا يمكن أن تذبح واحدة ثم تتزوج من الأخرى. # فغمغم بكلام غامض، فقال قرة: وربما علمت رئيفة بالمأساة ذات يوم. ~~- إنها تعلم بالفعل! ~~- وتوافقك على ما تريد؟ # فهز رأسه بالإيجاب، فقال قرة: إنها لشريرة يا أخي. ~~- بل هي مثلي تحتقر من تستسلم! ~~- ولكنها شقيقتها! # فقال بحنق: لا توجد الكراهية الحقة إلا بين الإخوة والأخوات! # فجفل قرة، ثم غضب وهتف : عليك أن تتزوجها في الحال. # فصاح به: لا أسمح لك! # ونهض متحديا، مضى وهو يقول: إن تكن رحيما حقا فتزوجها أنت! # 14 # تسقط الأمطار فوق الأرض ولا تتلاشى في الفضاء. وتومض الشهب ثانية ثم ~~تتهاوى. والأشجار تستقر في منابتها ولا تطير في الجو. والطيور تدوم كيف شاءت ثم ~~تأوي إلى أعشاشها بين الغصون. ثمة قوة تغري الجميع بالرقص في منظومة واحدة. ~~لا ms125 يدري أحد ما تعانيه الأشياء في سبيل ذلك من أشواق وعناء، مثلما تتلاطم ~~السحب فتنفجر السماء بالرعود. # وقد فكر قرة في همه طويلا، وقال لنفسه إنه ما عليه من بأس إن هو ~~مضى في سبيله وقد بذل ما في وسعه من جهد. ماذا في وسعه أن يفعل أكثر مما فعل؟ ~~ولكنه لم يستطع أن يمضي على هواه. استغاثة عزيزة تتردد مع الأناشيد، راسخة ~~مثل السور العتيق. نحيبها متكلس حول طبلة أذنه. إنه مسئول، وآل الناجي ~~أيضا، حتى عاشور المعجزة، لا يستطيع أن يهز منكبيه ويمضي. تشده القوة ~~الجاذبة. لن يكون أكثر حرية من الطير والشهاب والمطر. إلى مركز العذاب ~~والمعاناة، إلى جحيم القوى المتخاصمة المتعادلة. ~~- إن تكن رحيما حقا فتزوجها أنت! # الوغد يتحداه. الوغد يمتحنه. الوغد ينتقم منه؟ أهذا هو حظه من الزواج؟ ~~كلا وألف مرة كلا. ولكن أين المفر؟! إنه يحتقر الاستسلام، ولكنه أيضا يقدس ~~العذاب. كأنه قدر لا يتزحزح. ولكن ألم يقل للوغد: المطلوب الستر ثم افعل ما ~~بدا لك. # أجل إنه الستر أولا، ثم يفعل ما بدا له. # 15 # قال لعمه رضوان: قررت أن أكمل نصف ديني! # فضحك الرجل وقال: رمانة سبقك في ذلك بساعة واحدة! # فخفق قلبه مؤملا أن يكون الله قد هداه، فسأل عمه: من يا عمي؟ ~~- رئيفة كريمة إسماعيل البنان. # فخاب أمله وصمت، فسأله رضوان: وأنت؟ # فرسم ابتسامة على شفتيه متظاهرا بالدهشة وقال: يا للمصادفة العجيبة! ~~تصور يا عمي أني أريد شقيقتها عزيزة! # فضحك رضوان ضحكة عالية وقال: فليبارك الله لكما. إني سعيد، وإسماعيل ~~البنان جار نبيل وتاجر أمين. # 16 # لم يتطهر بالقرار من هواجسه . الغبطة مازجها قلق وجفاء، كما يغرق المطر ~~النقي في الوحل. وضاعف من أساه اطلاع رمانة ورئيفة على سره. وإلى ذلك فقد ~~خاف أن تأبى عزيزة يده المجللة بالإحسان وتدهمهم بكارثة، ولكن جاء البشير ~~بالرضا. وانغرز النصل الطاهر الحامي في اللحم حتى النخاع. # وتعجل الأمر بصورة أذهلت الجميع وأثارت الدعابة. # 17 # زفت عزيزة ورئيفة إلى قرة ورمانة في عرس واحد. ms126 عرس ابتهجت له الحارة ~~كلها. وفي حفل الزفاف رأى قرة الشقيقتين لأول مرة في حياته. هاله تماثلهما ~~كأنهما توءمتان. توسط في الطول والامتلاء، لون خمري نقي البشرة، سواد عميق في ~~العينين، تناسق بديع في القسمات. وفتش عن فروق بين الاثنتين حتى ظفر به في ~~ثغرة في ذقن عزيزة وهي الكبرى، وامتلاء أشد في الشفتين. هذا كله لا وزن له، ~~ولكنه عثر على فارق ملموس في نظرة العينين المتماثلتين؛ نظرة عزيزة ثابتة ~~وهادئة موحية بالطمأنينة، أما نظرة رئيفة فقلقة خاطفة البريق كأنما تستقرئ ~~أعين الآخرين بلا توقف، ويلوح فيهما ذكاء أسود، فسرعان ما توكد في قلبه ~~النفور منها. ولم تحاول إخفاء فوزها، ولعله الوحيد الذي أدرك ذلك، أما عزيزة ~~فكانت تنظر طول الوقت إلى حذائها الأبيض المزين بالأطلس والترتر. وقال لنفسه ~~إنها عروس غير سعيدة، وهو أيضا عريس غير سعيد، وسوف يهون ذلك عليهما اتخاذ ~~القرار المتوقع. ومضى بها إلى الجناح المخصص لهما على دق الدفوف وغناء ~~العالمة وهو يتساءل ترى ماذا فعل بنفسه؟! # 18 # ولما خلا إليها وجدها متعثرة في الارتباك حتى قمة رأسها. لا تجرؤ على ~~النظر إليه ولا على إتيان أي حركة، بلا حول ولا كرامة، فريسة إحسانه. رق لها ~~بقوة، وضاعف من رقته تأثره بجمالها الفتان الحزين. ولكنه لم ينس أن قلبها ~~مغلق، وأنها غريبة تماما، وأن فستان الزفاف بمثابة بدلة السجين. ما هي إلا ~~فترة عبور لا دوام لها. وفي هذه اللحظة تستكن رئيفة في حضن رمانة مفعمة ~~بالرغبة والفوز. ترى ماذا عليه أن يقول؟ وأعفته من ذلك فجاءه الصوت الناعم ~~قائلا: الشكر لك. # فرق أكثر وقال: إني آسف وحزين. ~~- إني أشعر بفداحة الظلم الذي تتحمله. # فقال مجاملا: ولكنك تتحملين ما هو أفدح. ~~- إنه خطئي على أي حال! ~~- يا له من حديث في ليلة الدخلة. لم تند عن أحدهما حركة، حتى طرحة ~~الزفاف بقيت في موضعها فوق الرأس، غير أنه تفرس في وجهها بحرية في غيبة من ~~عينيها المنكستين، وتأثر أكثر بجمالها وجاذبيتها حتى اعترف فيما ms127 بينه ~~وبين نفسه بأنه لولا شذوذ الظرف لالتهمها. وقال بهدوء: لن ترغمي تحت سقفي على ~~شيء ترفضينه. # فقالت بحرارة: إني واثقة من شهامتك ولكني .. # وأمسكت لحظة، ثم قالت: ولكني أؤكد لك أنه لم يبق من الماضي إلا ذكراه ~~المؤلمة. # ترى ماذا تعني؟ فيم تفكر؟ ألم تدرك أبعاد إقدامه على ما فعل؟ متى ~~يصارحها بكل شيء؟ ومتى يتحرر من تأثير أنوثتها الطاغية؟ وتجاهل قولها، وقال ~~متهربا ربما: إني أعجب لشقيقتك فهي لا تقل عن أخي سوءا! # فقالت بازدراء: ما أليقهما ببعضهما! ~~- ماذا بينكما؟ ~~- شر ولا شيء إلا الشر. ~~- ولكن ما سببه؟ ~~- تريد أن تستأثر بكل شيء؛ بالتفوق والحب، ولكني تفوقت، وتوهمت أن ~~والدي يحبانني أكثر فأضمرت لي الحقد والكراهية. إنها فظيعة. ~~- أخي أيضا فظيع. # ثم مستطردا: ولكنك .. # وصمت فقالت بحرارة: انتهى، أبصرت بعد عمى! # رباه. واضح أنها تعيش في حلم. وهي صادقة. حقا؟ أجل صادقة. ما قيمة ~~ذلك؟ المهمة شاقة. وأي خوف من تأثير جمالها وجاذبيتها؟! الضعف في أعماقه أقوى ~~من القوة في أنوثتها. ها هي ترفع عينيها لأول مرة فتلتقي العينان، ويواصل ~~الشمع ذوبانه في الشمعدان الفضي. # سألته باستسلام: أود أن أعرف ما يجول بخاطرك! # يا لها من ليلة صيف دافئة! ولم ينبس. قالت: تراني غير لائقة بك؟! # فقال باندفاع: إنك صادقة وأصيلة ومحترمة! ~~- أشكرك وأقدر عطفك، ولكن العطف لا يصلح أساسا للحياة! # إنه يناقش، يتعذب، ويقاوم الإغراء. سألها: ماذا يجول في خاطرك ~~أنت؟ # فقالت بحرارة وشجاعة استمدتها من الحديث: إني حرة، حرة تماما، ~~ولكن كل شيء يتوقف عليك. # بصراحة قال: لا أنسى أنك طالبت بالزواج منه! # فبادرته: كان الخوف ورائي لا الرغبة ، صدقني. # فقال مخدرا: إني أصدقك! # فقالت بتسليم: ولكن لك الحق كل الحق في التصرف بما تراه ~~لائقا. # أي هاوية؟ أي إغراء؟ أي جنون يعربد في قلبه؟ أي قلق؟ أي رغبة في دفن ~~القلق؟ عند الأرق المعذب، يسف المؤرق الخشخاش، فينحسر الجبين عن ثغرة ~~تسلل منها أنامل النوم الناعمة. # 19 # ومضت الأيام المتأججة بالصيف. استسلم قرة تماما وعشق ms128 عزيزة. آمن بأن ~~الحب إذا شاء قهر التراث. ومثلت عزيزة ورئيفة دورهما بإتقان كشقيقتين، ~~فلم تلاحظ أنسية شيئا يكدر البال. وفي حجرة الإدارة بمحل الغلال واصل قرة ~~ورمانة عملهما، ولم يتبادل بينهما حديث إلا في شئون العمل. هكذا تجاور الحب ~~والمقت. # وسرعان ما حبلت عزيزة. وشمل الفرح آل البنان وآل الناجي. قرة وحده تمنى ~~لو تأخر الحبل. وتساءل متى بدأ؟ تسللت حشرة إلى قلب الزهرة النابض ~~بالنضارة. أظلم المعبد المنير بروح شريرة. إبر الشك المحماة المسمومة. ولكنها ~~لا تقرأ أفكاره. إنها تمرح في البراءة والحب الصادق. ولم يعد للتراجع موضع. ~~إنه رجل حر وصادق وعاشق، وهو مؤمن أيضا وثقته بالله عظيمة. وأصبح رفيقا ~~للسرور والألم. # 20 # لم لم تحبل رئيفة؟ # تردد السؤال بقلق في دار آل البنان وآل الناجي. وانطحنت به رئيفة ~~وعيناها تطفحان بالحنق. لا يؤخر الحبل إلا علة، فالطبيعة لا تعرف التأجيل. ~~وحامت الشبهة كالعادة حول رئيفة. ولم يهدأ لأمها بال. واستفتيت الداية ~~فأفتت بالمشورة تلو المشورة. وبمضي الأيام رسخ الخوف وتوكد الجزع فتجمعت ~~سحب الأحزان. # وقال رمانة وهو ثمل في مخدعه: يا لها من ضجة! # فقالت رئيفة بحدة: لا يرحمون، إنه الجحيم. # قال رمانة ممتعضا: إنكما متماثلتان، فما النقص بك؟ # فتملكها غضب شديد وتساءلت: ألهمك الله أن النقص بي وليس بك؟! # فقال غاضبا: إني رجل كامل! ~~- ما من رجل إلا ويتصور ذلك! # فجن جنون غضبه المخمور وصاح: أجرب نفسي مع زوجة أخرى؟ # ارتفع رأسها والتوى عنقها إلى الوراء مثل حية وتمتمت بازدراء: ~~سكران! # فتمادى في غضبه قائلا: لعل لي جنينا ينمو في بطن أخرى. # فصاحت: مجنون! ~~- احفظي لسانك القذر. ~~- أنت أنت القذر . # فنهض مهددا فتراجعت متوثبة للدفاع، فلم يتحرك، ولكنه قال بحقد: ~~شيطانة وعقيم! # كانت أول مشاجرة زوجية وقد دهش لعنفها. # ولكن رغبتيهما المتلاحمتين كانتا أقوى من الأعاصير الطارئة. # 21 # كان محمد توكل شيخ الحارة يجالس صديق أبو طاقية الخمار عندما مرت ~~الشيخة ضياء بمبخرتها. فضحك الخمار وهمس: رجعت الفتونة إلى آل الناجي فلم ~~تواصل المرأة المجنونة ms129 البكاء؟ # 22 # في أوائل الربيع ونداءات الباعة تتردد بالملانة والعجور وضعت عزيزة ~~طفلا أسموه عزيز. وطوقت الشواغل قرة حتى هدأ كل شيء، فرقدت عزيزة في فراشها ~~وراح هو يحنو على الوليد متأملا. تأمله بقلب مضطرب بشتى الانفعالات ~~المتضاربة. ورنت عزيزة إليه برقة وإعياء وفخار وتمتمت: ما أشبهه ~~بك! # لم توكد ذلك؟ إنه لا يجد له شكلا ولكنها تتكلم ببراءة. لقد نسيت ~~الماضي تماما وهي غريقة البراءة والحب. عاد الرفيقان - السرور والألم - ~~يتجاذبانه. ولكنه كان مصمما على الحياة والسعادة. # 23 # ومحافظة على المظاهر زار جناحه رمانة ورئيفة. أهديا الوليد مصحفا مذهب ~~الغلاف. وقال له رمانة: يتربى في عزك. # ورنت رئيفة إلى الوليد طويلا وهي تقول: ما أجمله! # وتقلص قلب عزيزة وهي ترى نظرة رئيفة فوق وجه عزيز. وتصرف قرة التصرف ~~الطبيعي المرح. وطيلة الوقت سأل ربه أن يلهمه الصواب، أن يضيئه بالحقيقة، ~~ألا يعرض حبه لمحنة مضللة، أن يعبر به الوساوس والظلمات، أن يرفعه إلى ~~براءة عزيزة وصدقها، ألا يتردى في الجحيم بإرادته. # 24 # وحمل الطفل في لفافته ومضى به ليلا إلى ساحة التكية. استقبل فيض الأناشيد ~~في أوله. دعا الله أن يجعل من الصغير غصنا في دوحة البطولة والخير، أن ~~تتجسد فيه الأحلام المقدسة لا الأهواء الجامحة الشريرة. وسرح فكره إلى ~~الممر الضيق حيث ترك عاشور في مثل سن ابنه. وكما تعبر سحابة وجه القمر ~~فتحجب نوره اقتحمه خاطر مظلم. تذكر ما يتقول به الأعداء عن عاشور وأصله. ~~غشيته كآبة عفنة. لاذ بالأناشيد ليغتسل من عرقها الحامض. وغمغم: «اللهم هبني ~~القوة.» # انغمس في الأنغام تماما وهي تردد: # نقدها را بود آياكه عياري كيرند # تاهمه صومعه داران بي كاري كيرند # 25 # لما خرج من القبو عائدا سمع صوتا غليظا يتساءل: من القادم؟ # عرف صوت أخيه وحيد الفتوة، فأجاب باسما: قرة سماحة الناجي. # فقهقه الفتوة. وقفا شبحين في الظلام. تساءل وحيد: كنت في الساحة مثل ~~الأجداد الطيبين؟ ~~- بل ذهبت بالوليد، ها هو بين يدي. ~~- مبارك عليك. نويت أن أزورك غدا في المحل ms130 مهنئا. ~~- لم لا تزورني في البيت؟ ~~- أنت تعلم أني أتجنبه! # فقال قرة برقة: إنه بيتك والله الهادي. # فقال وحيد مغيرا نبرته: وكان في نيتي أن أفاتحك بأمر آخر؟ ~~- خير؟ ~~- أخونا رمانة. # تنهد قرة ولاذ بالصمت، فقال وحيد: إنه يعبث بماله بسفاهة. لست واعظا، ~~ولكني أعلم أنه لا يقدر على السفاهة إلا فتوة! ~~- أنا عارف، النصيحة غير مجدية، ولا ينجم عنها إلا الغضب! # فقال وحيد بحنق: إنه ينتحر. # 26 # كأن ما يربط رمانة برئيفة شيء أقوى من الخير والشر والنزاع. لا يفرط ~~أحدهما في الآخر مهما نشب بينهما من خلاف. النقار متواصل والحب متواصل. يختلط ~~العنف بالدلال، الزجر بالتنهدات، سوء الظن بالقبل. هي في اعتقاده عقيم وهو ~~في حدسها عقيم، هو رجلها الوحيد، وهو أيضا لا يخطر له أن يتزوج عليها. ~~ويقول وهو ثمل: إنها قدر! # 27 # وتوفي رضوان بكر الناجي عقب مرض قصير. كان قد اعتزل الحارة حتى نسي ~~تماما، فتذكره الناس بالموت بضعة أيام. وزعت تركته بالاتفاق حتى يخلص ~~المحل لرمانة وقرة، ووزعت بقية التركة بين أنسية زوجته وصفية أخته. # 28 # ولم يعد رمانة يقنع بالبوظة والمخدرات، فانزلق إلى القمار يدفن فيه ~~ضجره. وتصبر قرة ما تصبر حتى فاض به الكأس، فقال له يوما وهما في حجرة ~~الإدارة: إنك تبعثر مالك بلا حساب. # فقال بجفاء: إنه مالي! ~~- تضطر أحيانا إلى الاقتراض مني! ~~- هل أكلت عليك قرضا؟ # فقال قرة باستياء: ولكن ذلك ضار بعملنا المشترك، ثم إنك لا تكاد تبذل ~~فيه أي جهد! # فقال رمانة بامتعاض: إنك لا توليني ثقتك. # فصمت قرة مليا، ثم قال: من الخير لكلينا أن ننفصل، فليستقل كل ~~بتجارته قبل أن نغرق معا. # 29 # عرف الخصام فاضطربت له أفئدة الأسرة . # أما وحيد فقد زار قرة وقال له بكل صراحة: افعل ما تراه في صالحك. # وقال له أيضا: ابنك يكبر يوما عن يوم. # ثم قال عن رمانة بازدراء: إنه خنزير مثل زوج أمه! # واجتمعت صفية بقرة ورمانة وقدمت اقتراحها قائلة: ليستقل قرة بالإدارة، ~~وليأخذ رمانة نصيبه من ms131 الربح وهو حر فيه. # فقال رمانة: لست طفلا يا عمتي. # فدمعت عيناها وقالت: سمعة الناجي أمانة بين يديكما. # فقال قرة بحزن: سمعة الناجي! لنا الفتونة وما هي بالفتونة. أبونا ضائع بلا ~~ذنب. أخي إما في البوظة وإما في الغرزة، ثم يمضي إلى القمار! # فتوسلت إليه قائلة: أنت أنت الأمل يا قرة. # فقال بشدة: لذلك أريد أن أستقل بتجارتي! # 30 # انذعرت رئيفة لفكرة الانفصال وأعلنت عن مخاوفها، حتى قال لها رمانة: أنت ~~أيضا لا تثقين في! # فقالت بلين ومداهنة: إنك أهل للثقة إذا أقلعت عن عاداتك السيئة. ~~- سأقلع عنها حتما إذا اضطررت لتحمل مسئوليتي! ~~- وهل تعرف العمل حقا؟ # فقطب متسائلا فقالت: يلزمك وقت للتدريب يا رمانة، احذر العناد ~~والغرور، كان الرأي دائما رأي أخيك، هو عاقد الصفقات، هو الرحالة، هو كل ~~شيء، وأنت متربع وراء مكتبك لا شيء! # فتلظى بالحقد مليا، ثم قال: وما العمل إذا صمم على تحقيق ~~فكرته؟ # فقالت والشر يتراقص في عينيها: يجب منعه بأي ثمن. ~~- بالقوة؟ ~~- بأي ثمن! أتدري ما معنى أن تستقل الآن؟ أن تفلس في أيام أو ~~أسابيع، أخ وجيه وأخ فتوة وأخ شحاذ! ~~- والعمل؟ ~~- بادر بالملاينة، في الوقت نفسه غير حياتك، اشترك في العمل، ثم نفكر ~~في كل شيء. # صمت متجهما، فرجعت تقول: خسائرك فادحة، ماذا يبقى لك لو وقع الانفصال ~~الآن؟ تذكر ذلك، وتذكر أيضا. # وسكتت قليلا، ثم واصلت: وتذكر أيضا أنه لا يوجد مستحيل. # 31 # مضى قرة يستعد لسفر عاجل. اقترح رمانة عليه أن يؤجل فكرة الانفصال لحين ~~عودته، وقال له برقة غير معهودة: ربما وجدتني لدى عودتك شخصا آخر. # 32 # وفي الليل تطرق الحديث بين قرة وعزيزة إلى الموضوع، ولم تخف عزيزة ~~مشاعرها فقالت: إنه لا يستحق الثقة . # فقال قرة: بلى، ولكن الوقت لا يتسع الآن لإجراءات الانفصال. ~~- ليكن، ولكن لا تتردد. إنه لا يحبك، هو وزوجته يتمنيان لنا الهلاك! ~~وتابعت عزيز وهو يلاعب قطة بيضاء، فرقت عيناها وهي تقول: تلقيت من السماء ~~هدية جديدة لك. # فرمق بطنها بحنان وبهجة. وأشارت ms132 عزيزة إلى عزيز وتمتمت: أهلك يحلمون له ~~بالفتونة. # فابتسم قائلا: هكذا آل الناجي! # فقالت عزيزة: أما أنا فأومن بأن أبواب الخير كثيرة. ~~- وعاشور؟ ~~- دائما عاشور! أتحن إلى أحلامهم؟ ~~- سأنشئه كما أنشأني المرحوم خضر، وليفعل بنفسه بعد ذلك ما يشاء. ~~- كم تريحون أنفسكم لو تتناسون أنكم ذرية عاشور الناجي! ~~- سنظل ذريته على أي حال. # ورنا إلى عزيز طويلا، ثم تساءل: متى أجلسه أمامي في حجرة ~~الإدارة؟! # 33 # اتخذ السائق مجلسه بالدوكار. وقف قرة بين مودعيه. وحيد ورمانة والشيخ ~~إسماعيل القليوبي شيخ الزاوية ومحمد توكل شيخ الحارة وآخرين. وأمسك محمد ~~توكل بيد رمانة وتساءل بلهجة ذات معنى: من يحل محلك يا معلم عند السفر ~~إذا استقل كل منكما بتجارته؟ # فتجاهل قرة الملاحظة مواصلا حديثا جانبيا مع الشيخ إسماعيل. وفي تلك ~~اللحظة مرت الشيخة ضياء بمبخرتها وعينيها الدامعتين. لم يعد منظرها يثير ~~استياء أحد من آل الناجي، وقال وحيد: الشيخة تبارك سفرك! # وصافحهم واحدا بعد واحد، واستقل الدوكار ورمانة يقول: بالسلامة في ~~الذهاب وفي الإياب. # ورن الجرس وتهادى الدوكار نحو الميدان. # 34 # كانت الرحلة عادة تستغرق أسبوعا. مضى الأسبوع ولكن قرة لم يرجع. # تبودلت الأفكار في الدار مساء، فقال رمانة: عذر الغائب معه. # وتمتمت أنسية: لا يحسب الوقت في رحلته بالساعة والدقيقة. # وقالت رئيفة: مرة تأخر يومين عن ميعاد عودته. # ولاذت عزيزة بالصمت. # 35 # مر اليوم التالي كما مر الأول. ترددت الكلمات الملتمسة للطمأنينة. ~~قالت عزيزة لنفسها: ما أبغض قلقا لا مبرر له! # 36 # يذهب الدوكار مع الصباح إلى ميناء بولاق، ثم يرجع مع الليل خاليا. ~~ويعذب السهاد عزيزة حتى الفجر. # 37 # باتت الحارة تتساءل عن غياب قرة. دعت عزيزة وحيد وسألته: ماذا ترى يا معلم ~~وحيد؟ # فقال الفتوة: اعتزمت السفر بنفسي. # 38 # غاب وحيد أياما ثلاثة، ثم رجع في مساء الرابع. رأت عزيزة وجهه فغاص قلبها ~~في صدرها وهتفت: ليس وراءك خير! # فقال وحيد بوجوم: قرر عملاؤه أنه لم يصل إليهم. # فتساءلت عزيزة بوجه شاحب: ما معنى ذلك؟ # فقالت أنسية وهي تداري ms133 اضطرابها: قلبي يحدثني بالسلامة. # فقالت عزيزة: قلبي لا يحدثني بذلك. # فقال رمانة: لا تستسلموا للتشاؤم. # فهتفت عزيزة: الغائبون في أسرتكم أكثر من الحاضرين. # فقالت أنسية: فليخيب الله الظنون السيئة. # فتمتمت رئيفة: آمين. # عند ذاك ولولت عزيزة: ما العمل وأنا امرأة لا حول لي؟! # فقال وحيد: لقد قمت بالخطوة الأولى وتوجد بعد ذلك خطوات. # وقالت أنسية: إنه لا أعداء له. # فقال رمانة: هذا حق، ولكن للطريق أخطاره. # فتأوهت عزيزة، وقال وحيد: سأفعل المستحيل. # 39 # مضى أسبوع في إثر أسبوع. تتابعت الأيام بلا مبالاة. شغل الناس بالشمس ~~والليل والنهار والطعام. أيقنوا أن المعلم قرة لن يرجع إلى حارته. # 40 # أصرت عزيزة على مصارعة النسيان واللامبالاة. غياب قرة كارثة يتجدد ~~وقوعها في قلبها كل صباح. وهي تتمزق بالحزن والغضب. تأبى أن تصدق أن سنن ~~الكون يمكن أن تتبدل بغتة في لحظة من الزمان. ومن شدة الانفعال أجهضت ~~فرقدت مريضة أسبوعا. واستدعت وحيد وقالت له: لن أسكت، لن أهمد، ولو مضى ~~العمر كله على ذلك! # فقال وحيد: إنك لا تدركين حزني يا ست عزيزة، إنه لعار أن يقع ذلك لشقيق ~~فتوة! ~~- لن أسكت ولن أهمد. ~~- لم يعد لأحد من رجالي من مهمة مقدمة على البحث والتحري، استعنت ~~أيضا بأصدقاء من الفتوات. # وتمهل قليلا، ثم قال: ذهبت إلى أمي في بولاق، إنها اليوم ضريرة، وذهبت ~~معي إلى فتوة بولاق، الدنيا كلها تبحث عن قرة! # 41 # من ناحية أخرى زار أبوها إسماعيل البنان مأمور القسم فوعده الرجل بتقديم ~~كل مساعدة ممكنة. وجعل أبوها يشجعها ويواسيها، ولكنها قالت له: كأن قلبي ~~يعرف السر. # وقرأ أبوها خواطرها فقلق وقال: إياك وسوء الظن بالأبرياء! ~~- الأبرياء! ~~- أصغي إلي، اضبطي لسانك. ~~- لا أعداء لنا سواهما. ~~- قطاع الطريق أعداء كل إنسان. ~~- لا أعداء لنا سواهما. ~~- لا دليل لديك إلا سوء ظنك القديم. # فقالت بإصرار: لن أهمد ولو مضى العمر كله على ذلك. # 42 # اقتحمت جناح الشيخة ضياء وهو ما لا يجرؤ عليه أحد. وجدتها متربعة على ~~شلتة مستغرقة في تهاويل السجادة. ركعت ms134 إلى جانبها. لم تلتفت المرأة إليها، لم ~~تشعر بها. همست: يا شيخة ضياء، ما رأيك؟ # فلم يطرق الصوت باب دنياها المسحورة، فهمست بحرارة: قولي شيئا يا شيخة ~~ضياء! # ولكن ضياء لم تسمع، لم تحس، لم تولد. # شعرت عزيزة بأنها تصارع مجهولا لا سبيل إليه، وأنها تتحدى ~~المستحيل. # 43 # وعاشت شبه منعزلة في جناحها منفردة بعزيز. حتى الطعام كان يحمل إليها. ~~وزارها في الجناح رمانة ورئيفة. وكان حزنهما على الغائب جليا مشهودا، وقالت ~~لها رئيفة: عزلتك تضاعف من أحزاننا. # فقالت وهي تتجنب النظر إليهما: لم أعد صالحة لمعاشرة الآخرين. # فتمتم رمانة: نحن الأهل الأقربون. # فقالت بضيق: الحزن كالوباء يوجب العزلة. # فقال رمانة: بل المعاشرة تعالجه، واعلمي أنني لا أكف عن البحث. # فقالت بإصرار: أجل، علينا أن نعرف القاتل! # فهتفت رئيفة: لا أصدق أنه قتل. # فقاومت عزيزة دموعها بكبرياء، ولم تهش لكلمة من الكلمات الطيبة، فلم ~~يسفر اللقاء عن خير. ولم تنقطع عزيزة عن وحيد أو أبيها، لم يتسلل اليأس إلى ~~إرادتها، وجعلت الأيام تمضي، والمعلم قرة يذوب في المجهول. # 44 # فسر اختفاء المعلم قرة في الحارة باعتباره نتيجة لعدوان قطاع ~~الطريق. هكذا يقال جهرا كلما جاء للحادث ذكر. أما همسات الاتهام في البوظة ~~والغرزة فكانت تحوم حول رمانة، لقد قضى على شقيقه بالقتل قبل أن يقضي عليه ~~بالفصل والإفلاس. وها هو يستقل بإدارة المحل، متصرفا في ماله ومال ابن ~~أخيه اليتيم، وقد أقلع عن العربدة والقمار حتى لا يقال بأنه يبدد مال ~~اليتيم، وعمل ألف حساب لوحيد فتوة الحارة. رغم ذلك فقد تضاءلت عملقة المحل، ~~واختصرت معاملاته، واعتذر رمانة عن ذلك بقلة درايته ومهارته التجارية. # وقال لشقيقه وحيد: ليس في وسعي أفضل من ذلك، وإني أرحب بأن تعمل معي إذا ~~شئت. # ولكن وحيد قال له ببرود: أنت تعلم ألا خبرة لي بهذه الشئون. # 45 # ولم تكترث عزيزة كثيرا لما يطرأ على المحل من تحول أو ضمور. كانت ~~تحلم باليوم الذي يحل فيه عزيز في مكان أبيه، فيستقل عن عمه ويعيد إلى ms135 المحل ~~سيرته الأولى. في سبيل ذلك وقفت نفسها على تربية وحيدها. أرسلته إلى الكتاب ~~في سن مبكرة، وزودته بمعلم خاص ليزيده علما بالحساب والمعاملة. ولم تأل في ~~تذكيره بسير أجداده من آل البنان، بل دفعها إخلاصها لقرة إلى التنويه له ~~ببطولات الناجي ومثله العليا وأمجاده الأسطورية. وبثت فيه - بلا وعي وبوعي ~~أحيانا - الحذر من عمه وزوجته، والنفور منهما، وشحنت قلبه بأنباء العداوة التي ~~اضطرمت بين أبيه وعمه، واختفاء أبيه الغريب المريب. # وكان قرة قد نسي. لم يبق حيا إلا في قلب عزيزة، ولدرجة ما في خيال ~~عزيز. وثمة حلم يقظة كان متعة تأملاتها، أن تجوب البلدان بحثا عنه، أن ~~تعثر عليه، أو أن تكتشف بالبينة قاتليه، أن تنتقم، أن تعيد ميزان العدل إلى ~~استوائه الأبدي، أن يستعيد القلب صفاءه. # 46 # وما إن جاوز عزيز العاشرة حتى طالبت عزيزة بأن يتدرب في محل أبيه. ~~وسرعان ما وافق رمانة وهو يقول: أهلا بالعزيز ابن العزيز. # وعقب ذلك توفي إسماعيل البنان أبو عزيزة، فورثت عنه قدرا من المال لا ~~بأس به، فقررت أن تكنزه ليستثمره عزيز في التجارة عندما يستقل عن عمه! ~~وماتت أنسية عقب وفاة أبيها بعام ونصف، فخلت الدار من الأحباب. لم يبق إلا ~~رمانة ورئيفة، والشيخة ضياء إن عد وجودها وجودا. وقد عجزت الشيخة عن ~~مواصلة مسيرتها اليومية في الحارة فاعتزلت تماما في جناحها، وعند الأصيل من كل ~~يوم كانت تدلي بالمبخرة من مشربية حجرتها، وحتى الدموع لم تعد ~~تسعفها. # 47 # وينظر رمانة متأملا كلما وجد الفراغ. # ها هو عزيز يجلس في مكان أبيه بحجرة الإدارة. إنه يتقدم بخطوات ثابتة ~~تنبئ عن رجاحة عقل. يطرق بلا شك باب المراهقة. صبي جميل مفعم حيوية. قامة ~~طويلة رشيقة، عذب الملامح، يلوح القلق في عينيه كما يلوح التفكير. وبينهما ~~مجاملة محسوسة ولكن بلا ألفة حقيقية . وثمة نفور أيضا يتوارى وراء الكلمة ~~المهذبة والابتسامة الحلوة. حلوى كذبة أبريل المرة. مشحون بنفثات أمه السامة، ~~وقد يستوي يوما عدوا ذا خطر! يتصور أحيانا أنه ابنه! ولا ms136 يتخلى عن ~~تصوره رغم أن وجه الصبي مزيج متعادل من وجهي عزيزة وقرة، ولكن ما الفائدة؟ ~~العبرة بالروح لا بالدم. إنه ابن أخيه، بل إنه عدوه، وهو لا يستطيع أن يحبه ~~مهما تصور، وقد لا يقوم تصوره على أساس، ولعله لو علم بخواطره لازداد له ~~كرها. # وقال له: إنك منطو على نفسك يا عزيز، لماذا؟ # حدق فيه الصبي بحيرة كأنه لم يفهم، فقال: أين أصدقاؤك؟ لم لا تخالطهم ~~في الحارة؟ # فتمتم: أحيانا أستقبلهم في الدار. ~~- هذا لا يكفي. # وضحك رمانة، ثم قال: لم أسمعك تخاطبني مرة بقولك يا عمي. # فارتبك عزيز، فقال رمانة: إني عمك، صديقك أيضا. # فابتسم عزيز وقال: طبعا. # وكف عن مضايقته بلباقة. وقال لنفسه إن عليه أن يحاول مستقبلا أن يصطحبه ~~إلى مجالس الرجال، أن يخرجه من قوقعة النفور، أن يسرقه من قبضة أمه. # ونظر في دفتره ولكن سرعان ما اشتعل خياله بالصور الجامحة. رأى عزيز وهو ~~يحتضر، إثر حادث أو مرض. # 48 # وكان يكاشف رئيفة بهواجسه، وكانت تقول له: طالما حذرتك بما تعده ~~الأفعى. # فقال بضيق: لم أكن بحاجة إلى تحذير! ~~- ولا أنت في حاجة إلى من يرشدك إلى ما ينبغي عمله. # ما أكثر ما تردد ذلك بينهما! ها هو الشيطان يطل من عينيها ~~الجميلتين. # قال بحنق: ما كل مرة تسلم الجرة. # فقالت ساخرة: فلننتظر المصير. ~~- أصبح الآن يتعامل معي فثمة أمل! ~~- تتصور أن تخطفه من حضن أمه المغلي بالحقد! ~~- إنه لم يعرف بعد أن في الدنيا طربا وسرورا! ~~- الأفعى مغروسة في أعماقه. # فنفخ متجهما. وساد الصمت إلا من هسيس الخواطر الدامية. وترامى من ~~الحارة صياح غلمان، وتتابع نقر فوق خصاص المشربية فتمتمت رئيفة: رجع ~~المطر. # تسلى بفحص الجمرات في المدفأة بعود من الحديد، قال: يا له من ~~برد! # فقالت مارقة من أفكاره: إنه لحلم. ~~- ما هو؟ ~~- ليس مستحيلا أن يغرى مثله بأمجاد الناجي! ~~- عزيز؟! ~~- أجل، إنه سن الأحلام، مثل أبيك المطارد! # رنا إليها بذهول. خافها بقدر ما أعجب بها. ولكنه قال بخمول: لا ثقة له ms137 ~~في! ~~- ولكنه يشحن إذا لم ير اليد التي تشحنه. # وتنهدت بعمق وهي تقول: ثم يحذر وحيد في الوقت المناسب! # ما جدوى ذلك كله؟ إنه يشعر أحيانا بالضجر، ولكن طاب له أن يتسلى بحلم ~~يقظته الدامي. # 49 # اصطحبه معه إلى مجالس الرجال بحجة تقديمه إلى العملاء، فلم تستطع عزيزة ~~أن تمانع. ودارت الجوزة ولكنه لم يدعه إليها قط. وقال له: إنها ضرورة في مجالس ~~الرجال، ولكن تجنبها فهي لا تليق بك. # وتعرف عزيز بكثيرين. أسعده أنهم يحفظون لأبيه خالص الود وجميل الذكرى. ~~وتتلاحق الأقوال: لم نعرف له نظيرا في أمانته ودقته. ~~- الأخلاق في المرتبة الأولى، ثم تجيء التجارة. ~~- كان في التجارة كما كان جده في الفتونة! ~~- وا حسرتاه على عهد الناجي وأمجاده! ~~- سيجيء يوما من يعيد العهد إلى عرشه. # دائما تتردد تلك الأقوال في كل لقاء. وفي طريق العودة إلى الدار يقول ~~له رمانة: هؤلاء الناس لا يكفون عن الأحلام. # ويقول له أيضا: لولا عمك وحيد ما كان لنا قيمة في هذه الحارة. # ومرة قال عزيز: ولكن وحيد ليس مثل عاشور. ~~- لا أحد مثل عاشور، لقد انتهى عصر المعجزات، حسبنا أن رجعت الفتونة إلى ~~آل الناجي. # تمنى أن ينفذ إلى أعماقه. وكان - في الاجتماعات - يسترق النظر إليه ~~فينشرح صدره بضوء الحماس المشع من عينيه. # 50 # وذات مساء قالت عزيزة لعزيز: جاء اليوم الموعود. # أدرك ما ترمي إليه، ولكنه انتظر فقالت: تستطيع الآن أن تضطلع بشئونك، لم ~~تعد صبيا، استقل بتجارتك، عندي من المال ما يضمن لك نجاحا مثل نجاح ~~أبيك. # فهز رأسه موافقا، ولكنها لم تلمس الحماس الذي توقعته فقالت: أبعد ~~عنك عدو أبيك، وحسبه ما نهب من مالك. ~~- هذا متفق عليه! ~~- ولكنك لا تبدي الحماس الواجب. ~~- الحماس متوفر، طالما انتظرت هذا اليوم. ~~- ستنفذه فورا؟ ~~- أجل. ~~- ولكنك مشغول البال، أكثر من مرة لاحظت ذلك فعللته بمتاعب ~~العمل. ~~- هو ذلك! # فقالت بارتياب: كلا يا عزيز، عيناك تحدثانني بأن هناك شيئا آخر. # فضحك قائلا: لا تجعلي من الحبة قبة. # سره حقيق بأن يخفيه ms138 عنها بقدر ما هو حقيق بأن يخفيه عن وحيد نفسه. ~~إنه يعرف تماما موقفها ومشاعرها، غير أنها قالت بقلق: لا تخف عني شيئا يا ~~عزيز، نحن محوطون بالأعداء، عليك أن تطلعني على كل شيء. # فقال متظاهرا بالمرح: سأنفذ ما اتفقنا عليه، ما عدا ذلك فهو ~~وهم. # فقالت بمزيد من القلق: أي وهم؟! ما أكثر الأوهام القاتلة! # ارتعد لنفاذ بصيرتها المستلهمة من غريزة الأم وحبها وخوفها معا. غمغم ~~متهربا: لا شيء! # فهتفت بحرارة: لا تسلمني للجنون! أمك حزينة أبدية، تحملت ما لم ~~تتحمله زوجة مخلصة. أنت أملها الوحيد، عزاء صبرها وتصبرها، استيقاظها من ~~كابوس طويل، وقد قضي علينا أن نعيش في غشاء من المكر السيئ، ولن يقدم لنا ~~السم إلا في قطعة من الحلوى. لا خوف عليك من العداء السافر، ولكن الخوف واجب ~~من البسمة الحلوة والكلمة العذبة والدواء الشافي وأقنعة الإخلاص التي لا حصر ~~لها. # فتمتم وهو يتلوى في الحصار: لست غرا يا أماه. ~~- ولكنك بريء والبراءة فريسة الأوغاد. # وانزلق إلى أن يقول وهو لا يدري: إنه خارج الموضوع! ~~- رمانة؟! ~~- أجل. ~~- حدثني عن الموضوع. وا حزناه! هل أصبحت غريبة عن قلبي وروحي فلا أعلم ~~شيئا عن أخطر الأمور إلا ما تلقيه إلي المصادفة العمياء؟! ~~- لم أضمر إخفاء شيء عنك، ولكني أعلم بهواجسك؟ ~~- صارحني فإن قلبي يوشك أن يتوقف. # فنهض. راح يتمشى في الحجرة، ثم وقف أمامها وتساءل: ألا يحق لي أن ~~أفكر بنبل؟ # فدهمتها أفكار مفزعة وقالت: ما العواقب يا عزيز؟! هذا ما يهم. سبق أن ~~فكر جدك سماحة بنبل وها هو طريد كالمتسول لا يدري أحد عنه شيئا. ~~حدثني عن أفكارك النبيلة يا عزيز! # مضى بنبرة اعترافية يحدثها عما دار في اللقاءات مع العملاء، تابعته ~~بوجه شاحب حتى خضبته في النهاية صفرة الموت. # وقالت بصوت متهدج: إنه تحريض واضح على عمك وحيد! ~~- لست غرا . ~~- إني أرى رمانة في نسيج المؤامرة. # فبادرها: لم ينبس بكلمة، وهو دائما في صف وحيد، ودائما ~~يحذرني. ~~- لا تصدقه! إنهم يرددون ما يشحنهم به. هل ms139 صارحتهم بأفكارك ~~النبيلة؟ # فقال بصدق: كلا، لست غرا، قلت لهم إني لا أخون عمي وحيد. ~~- هذا حسن، هل قلت لعمك قولا آخر؟ ~~- كلا، تظاهرت بالميل لقوله. # تنهدت بعمق، اغرورقت عيناها، غمغمت: حمدا لله. # ثم بحدة: لقد أعطياني الحبل، ما عليك إلا أن تتوفر لعملك. استقل ~~عن عدو أبيك، بل عن قاتله. توفر لعملك، لقد أعطياني الحبل. # 51 # ثمة صمت ينذر بهبوب عاصفة. نظرات عزيز لا تبشر بخير. منذ شارف بلوغ ~~الرشد وهو يتوقع منه ضربة قاسية. لم يفلح في كسب ثقته. بادله ملاينة ~~بملاينة. لم تزل قدمه رغم دهنه الأرض تحت قدميه بالزيت، وها هو يتحفز ~~للانتقام. # وخاطبه ذات صباح بقوله: عماه! # لأول مرة ينطق بها فأيقن أنها مقدمة لشر. ~~- ماذا يا ابن أخي؟ # فقال بهدوء كريه ذكره ببعض أحوال أبيه قرة: أرى أن أستقل ~~بتجارتي! # رغم أنه توقع ذلك، توقعه منذ طويل، إلا أن قلبه غاص في صدره، وتمتم: ~~حقا؟! طبعا أنت حر، ولكن لماذا؟ لماذا نفتت قوتنا؟ ~~- أمي ترغب في مشاركتي! ~~- هذا ممكن مع المحافظة على الوضع الراهن. ~~- كان أبي يرغب في ذلك كما تعلم! ~~- قال ذلك يوما ما ولكنه لم يصمم عليه وإلا ما منعه مانع. فقال عزيز ~~ببرود: منعه اختفاؤه الغريب. # فانقبض قلب رمانة، ولكنه تجاهل الطعنة وقال: كان بوسعه أن يؤجل السفر ~~حتى يفعل ما يشاء. # ثم باستياء واضح: لا تصدق كل ما يقال. # فقال بجرأة لم يبدها من قبل: إني أصدق ما يستحق التصديق. # فقال رمانة بيأس: أكرر أنك حر، ولكنه ضار بكلينا. ~~- ليس هو كذلك بالنسبة إلي. # تلقى طعنة ثانية وهو يتلظى بالحقد الدفين. وقال لنفسه إن يكن ابني ~~حقا فلكيف ألفته إلى الدور الساخر الأليم الذي يلعبه؟! كيف أكبح الشيطان الذي ~~يتمطى في قلبه الأسود لينتقم مني؟ قال: تعبير لا يجدر بك، ألا تفكر في ~~الأمر مليا؟ # فقال برقة ما استطاع: إنه أمر متفق عليه. # فقال بيأس: حتى إذا رجوتك أن تعدل عنه؟ ~~- يؤسفني أنني لا أستطيع تحقيق الرجاء. ~~- لعلها أمك؟ ~~- تريد ms140 أن تشاركني كما قلت. ~~- إنه سوء الظن الذي يخلق الكراهية على أساس من الأوهام. # فتردد قليلا، ثم قال: ليست أوهاما. الحسابات غير مقنعة، والشركة لم ~~تكن في صالحي. ~~- من الآن ستلعب دورك كاملا. # فتمتم عزيز بضيق: لا فائدة يا سيدي. # فاجتاحه الغضب وهتف: إنها الكراهية، إنه الحقد الأسود، إنها اللعنة التي ~~تطارد آل الناجي! # 52 # رجع رمانة إلى رئيفة محطما. وسرعان ما أخبرها بكل شيء، ثم قال: بذرة ~~الكراهية تلفظ ثمرتها السامة. # فقالت رئيفة بوجه مخطوف من الحقد: الأمل معقود بوحيد. ~~- ولكن الماكر الصغير لم يقع بعد في الشرك. ~~- لا تنتظر حتى يقع. ~~- ليس الأمر باليسر الذي تحلمين به. # ثم بهدوء: الأمل معقود بميراثك! ~~- ميراثي؟! ~~- عزيزة ستمده بميراثها. ~~- لأنها كانت تعده لساعة الانتقام. ~~- بميراثك أستطيع أن أبدأ من جديد! # فتساءلت بذهول: ومالك أنت؟ # فقال بقنوط: لم يبق منه ما يصلح لإقامة محل كريم. # فهتفت: التهمه القمار! ~~- ماذا؟ أهذا وقت الزجر؟ ~~- لم أكنز ميراثي مثلما فعلت الأفعى، وتريد أن تبدد ما بقي منه ~~لنتسول معا! # فقال محتدا: سأبدأ بسلوك جديد! # فضحكت ساخرة، فاشتعل غضبه وقال: لم يبق إلا أن أكاشفه بأنه ابني! # فانتقل اللهب إليها وصاحت: أفق! ألم تقتنع بعد بأنك عقيم؟! # فصاح بحنق: بل أنت العقيم! ~~- ما وجدت الداية بي من عيب! # هم بأن يلطمها، ولكنها تحفزت للرد مثل لبؤة غاضبة. لم تقنع بتراجعه ~~فتمادت في الحنق وهي تقول: أشمت بنا الأعداء، لعل وهم الأبوة الفارغ هو ~~ما صدك عن التخلص منه طيلة الأعوام الماضية! # فتمتم وهو يهز رأسه دهشة: تحسبين القتل لهوا! # عند ذاك أقبلت جارية لتستأذن في حضور محمد توكل شيخ الحارة! # 53 # استقبله في بهو الاستقبال بالدور الأول. جاء الرجل في هالة من العجلة ~~والاهتمام والقلق حتى انقبض قلب رمانة، وجلس وهو يتساءل بلا أي تمهيد: هل ~~أغضبت أخاك وحيد؟ # فذهل رمانة وقال: ما بيني وبينه إلا كل خير! ~~- رأيته الساعة في البوظة هائجا ثملا، يلعن ويسب، متهما إياك بأنك ~~تحرض عزيزا عليه! # فانتثر منفزعا وهو يصيح: ms141 افتراء وكذب! # فبادره محمد توكل: لا تتوان عن إقناعه، عجل. # فتساءل رمانة محتدا: ماذا تعني؟ ~~- إن لم تسرع فسيصيبك أذى لا تتصوره. ~~- ولكنه أخي! # فقال توكل وهو لا يفطن إلى أبعاد قوله: ليس نادرا أن يقتل الأخ أخاه في ~~حارتنا! # فازدرد رمانة ريقه بامتعاض وغمغم: هكذا! # فقال شيخ الحارة: لقد أعذر من أنذر، فتحرك وحق الحسين. # 54 # لم يجرؤ رمانة على مقابلة وحيد وهو سكران، فقرر أن ينتظر حتى الصباح. ~~غير أن الشيخ إسماعيل القليوبي شيخ الزاوية اقتحم عليه داره عند منتصف الليل ~~حاملا إنذارا من وحيد بأنه إذا غادر داره فقد عرض نفسه للهلاك. # وأدرك رمانة أن عزيز هو الذي أوقع بينه وبين وحيد فتهجم على جناحه ~~وانهال عليه سبا حتى أوشك أن يلتحم الاثنان في عراك عنيف. عند ذاك اعترفت ~~عزيزة بأنها هي التي فطنت إلى المؤامرة التي دبرها لابنها، وأنها أفضت ~~بظنونها إلى وحيد. وصب رمانة عليها غضبه حتى صرخت في وجهه: ابعد عن وجهي يا ~~قاتل قرة! # هكذا اشتعلت الدار بالغضب والكراهية على مشهد من الخدم. # وفي الحال انتقلت عزيزة وعزيز إلى دار البنان، ولم يبق في الدار إلا ~~رمانة ورئيفة والشيخة ضياء. # واستقل عزيز بمحل الغلال، فجدده، وأعاده إلى أيام ازدهاره كما كان ~~أيام قرة، ولم يساور وحيدا ارتياب فيه، ووجد في تنبيه عزيزة له ما طمأنه من ~~ناحية عزيز فزاره مهنئا ومضفيا عليه أمام الحارة رضاه وحمايته. وأقلع عزيز ~~عن أحلامه. أقلع عنها وهو حزين، غير مبرأ من ازدراء نفسه. وقنع بممارسة ~~الخير في محله، مع عماله وعملائه وزبائنه ومن يتيسر له مساعدتهم من ~~الحرافيش. # 55 # قبع رمانة في داره. قضى على نفسه بالسجن بلا حكم. يحيط به الخوف ~~ويستكن في قلبه الخزي. ينفق من ماله غير المستثمر ومن مال رئيفة. يقتله ~~الضجر. يهرب من الضجر في الخمر والمخدرات. يمارس غضبه على الخدم والجدران ~~والأثاث والمجهول. # ومضت العلاقة تتوتر بينه وبين رئيفة، وتسوء يوما بعد يوم. اشمأزت من ~~جبنه وبطالته وغيبوبته وصراخه. وسرعان ما ms142 اشتد الخلاف والنقار، وحل النفور ~~محل الوئام. وكلما نشبت بينهما مشاجرة طالبته بالطلاق حتى فقد وعيه ذات مرة ~~فطلقها. كان القرار أهوج؛ إذ كان كل منهما لا يستغني عن حب الآخر، ولكن ~~الغضب مجنون، والكبرياء عربيدة، والتمادي مرض. وكأنما أراد كل شريك أن يثبت ~~للآخر أنه هو العقيم، فسرعان ما تزوجت رئيفة من قريب لها، على حين تزوج ~~رمانة من جارية في داره. وثبت لهما باليقين تقريبا أنهما عقيمان. وتزوج ~~رمانة من ثانية وثالثة ورابعة حتى تجرع كأس اليأس لآخر نقطة فيه. # عاش رمانة كما عاشت رئيفة في الجحيم، في دنيا الضجر بلا حب. # 56 # ذات صباح جاء الحارة رجل غريب. معتم بعمامة سوداء، متلفع بعباءة ~~أرجوانية، ضرير يسترشد في مسيره بطرف عصاه، ذو لحية بيضاء وجبين نبيل. مرت ~~فوقه الأعين بلا اكتراث، ترك وشأنه، تساءل البعض عما جاء به. # عندما ابتعد عن مدخل الحارة بأذرع هتف: يا أهل الله! # فسأله الخمار صديق أبو طاقية: ماذا تريد؟ # فقال بنبرة حزينة: دلوني على دار خضر سليمان الناجي. # تفرس صديق أبو طاقية في وجهه مليا. سرعان ما رأى حلما. سرعان ما ~~دهمه الماضي. صاح بذهول: يا ألطاف الله! المعلم سماحة بكر الناجي! # فقال الضرير بامتنان: نور الله قلبك! # على عجل جاء كثيرون في مقدمتهم وحيد وعزيز ومحمد توكل وإسماعيل ~~القليوبي. وحمي العناق والتبريك والدعاء. ~~- يوم السعد يا أبي! ~~- يوم العدل يا جدي! ~~- يوم النور يا معلم! # وكرر سماحة مرارا ووجهه يضيء بالإشراق: بارك الله فيكم، بارك الله ~~فيكم. # وكل دعاه إلى بيته ولكنه قال بإصرار: داري دار خضر! # وانتشر الخبر فدعا الرجال من الدكاكين وجمع الحرافيش من الجحور ~~والخرابات، وتعالى التهليل والدعاء، ثم زغردت النساء في النوافذ ~~والمشربيات. # وقال صديق أبو طاقية: سبحان الله العظيم، لا غيبة تخلد ولا ظلم ~~يدوم. # 57 # تربع سماحة فوق ديوان، وجلس أمامه على الشلت وحيد ورمانة وعزيز. هكذا ~~اجتمع وحيد ورمانة وعزيز. هكذا اجتمع وحيد ورمانة وعزيز في سلام كظيم. كما ~~يتجاور البلسم والسم في محل ms143 العطار. امحت الخصومات في حضرة الأب المعذب ~~شهيد النقاء. # وقال له وحيد: أعددنا لك الحمام والطعام. # فتمتم في هدوء: مهلا، لقلبي أن يطمئن أولا. # وحرك رأسه، ثم تساءل: أين خضر؟ # فقال وحيد: سبحان من له الدوام! # فوجم قليلا، ثم تساءل: وزوجته ضياء؟ ~~- في جناحها، شيخة غائبة في ملكوت الله. # وتردد سماحة في إشفاق، ثم تساءل: وقرة؟! # فساد الصمت، فتأوه الرجل وقال: قبل الأوان! طالما حلمت بأن ضرسي ~~انخلع. # وبسط راحته وهو يقول: يدك يا عزيز. # قبض على يده بحنو وسأله: تذكره ولا شك؟ # فقال عزيز: اختاره الله وأنا طفل. ~~- يا رحمة الله! ومن أمك يا بني؟ ~~- كريمة إسماعيل البنان ... ~~- أنعم وأكرم، وأين هي؟ ~~- هي وعمتي صفية في الطريق إلينا. # وسأل الرجل: وأنت يا رمانة؟ # تبادل وحيد ورمانة نظرة سريعة، وقال رمانة: لي أكثر من زوجة هن من ~~سيقمن بخدمتك. ~~- أولادك؟ ~~- لم أرزق بذرية بعد! # فشهق بعمق متمتما: إرادة الله وحكمته، وأنت يا وحيد؟ # فساد الصمت حتى تحرك رأس الرجل بقلق فعاد يتساءل: وأنت يا وحيد؟ # فقال وحيد مقطبا: لم أتزوج بعد! ~~- أعجب ما سمعت، لم تكن الكوابيس التي أراها بلا سبب. ورضوان؟ ~~- البقية في حياتك. ~~- حقا؟! لم تبق إلا الأسماء. # وسكت مليا ليهضم أنباء الزمان بلا انتباه للتوتر المستحوذ على ~~الجالسين، ثم سأل: من الفتوة اليوم؟ # فقال وحيد بشجاعة لأول مرة: ابنك وحيد! # فانتفض الرجل من التأثر وقال: حقا؟! ~~- ابنك وحيد يا أبي. # وقص قصة الرؤيا والوثوب إلى الفتونة، فتهلل وجه سماحة وهتف: أول ~~نبأ من السماء. # وشبك ذراعيه فوق صدره ممتنا وقال: إذن قد رجع عهد عاشور! # ركبهم الارتباك والحرج، ولكن وحيد قال بجرأة: عهد عاشور رجع! # فهتف الضرير: يا بركة السموات السبع! # وتجلى الرضا في وجهه وفي حركاته المرحة، وقال: ليهنأ عاشور في غيبته ~~الملائكية! وليسعد شمس الدين في جنات النعيم. # لم يفكر أحدهم لحظة واحدة في إيقاظه من الحلم أو الاستهانة بسعادته. ~~وبدا هو كأنما قد نسي الغربة والمطاردة ونعم بحسن الختام. وقال بهدوء: إلي ~~بالحمام والطعام، ms144 ولتحل بركة الله بالأرض. # 58 # نام سماحة بقية النهار كله، وسهر الليل في ساحة التكية. عرفها هذه ~~المرة عن طريق الأذن والأنف واللمس. ودعا بقوة الخيال صورة التكية والتوت ~~والسور العتيق. وراح يملأ قلبه بالأنغام في ارتياح وغبطة. # وبسط راحتيه وقال: حمدا لله الذي شاءت إرادته أن أدفن إلى جوار شمس ~~الدين. حمدا لله الذي أذنت رحمته للعدل أن يظل في حارتنا. حمدا لله الذي ~~أورث ابني خير إرث للإنسان؛ الخير والقوة. # وجرى شكره في ظل نشيد يترنم: # هو آنكه جانب أهل خدا نكهدرد # خداش در همه حال أزبلانكه دارد # | شهد الملكة # الحكاية السادسة من ملحمة الحرافيش # 1 # تدهورت صحة سماحة فاضمحل سريعا، وما لبث أن أسلم الروح وهو يتأهب ~~للنوم عقب صلاة الفجر، وكأنه لم يرجع من منفاه إلا ليدفن في جوار شمس الدين. ~~غير أنه مات سعيدا، مات وهو يتوهم أنه إنما يهجر فردوسا إلى فردوس. وقال ~~عزيز: لقد أنكرنا حقيقة حياتنا أمامه فاعترفنا بذلك - بما فينا وحيد نفسه - إن ~~حياتنا منكر لا يجوز إفشاؤه على مسمع من الطيبين. # 2 # ونجح محل الغلال نجاحا عظيما، وأثرى عزيز ثراء واسعا. وقنع من البطولة ~~بإيمان القلب، وحب الخير وممارسته في نطاق محدود. أقلع عن أحلام النبل مؤثرا ~~السلامة، ومعتذرا عن تقصيره أمام ضميره أنه لم يعد للبطولة ولم يملك ~~وسائلها. # وخطبت له عزيزة ألفت الدهشوري كريمة عامر الدهشوري صاحب وكالة الحديد، ~~فرضي باختيار أمه ملهمة حياته وراعية أمنه ونجاحه. وزفت إليه بعد ~~مرور عام على وفاة جده سماحة. وأقام معها في دار البنان التي اشتراها ~~وجددها فأصبحت دار عزيز. وكانت العروس حسناء فارعة بدينة مثقفة في فنون ~~البيت وآدابه، فوجد فيها بغية قلبه، وسرعان ما ربطهما الحب برباط متين. ~~واستقبلا حياة مترعة بالسعادة والذرية. # 3 # ولبث رمانة حبيس داره حتى بعد زوال الأسباب الداعية إلى ذلك؛ فقد تراجع ~~وحيد عن وعيده بمجرد عودة سماحة، ولكن رمانة كره الخارج، وغاب عن الوعي ~~والكرامة، وكان يعيش في شبه عزلة عن زوجاته الأربع، ms145 ولم يسل قط عن رئيفة، ~~ودأب على السكر والمخدر. # وذات مساء اشتد به السكر فمضى مترنحا إلى جناح الشيخة ضياء، فدار ~~حول مجلسها وهو يقهقه، وراح يقول لها ساخرا: إنك أصل البلاهة والبلاء. # وظلت المرأة غائبة فقال: إني في حاجة إلى نقودك فأين تكنزينها يا ~~معتوهة؟! # وقبض على يدها وأنهضها بعنف ففزعت المرأة وضربته بالمبخرة في وجهه. عند ~~ذاك جن غضبه فقبض على عنقها وشد بعنف فلم يتركها إلا جثة هامدة. # 4 # ارتجت الدار بالفزع. انقض الخبر على الحارة. أبلغ شيخ الحارة الجديد ~~جبريل الفص القسم. قبض على رمانة. حوكم وقضي عليه بتأبيدة. ودعا عزيز إليه ~~قبيل حمله إلى الليمان وقال له: أعترف لك بأنني مدبر قتل أبيك. # فقال عزيز بأسى: أعرف ذلك. # فقال بحزن: إنه مدفون بملابسه في قبر وحيد لصق مقام الشيخ يونس. # 5 # واستخرج عزيز جثة أبيه قرة بحضور شيخ الحارة ومخبر، فضلا عن وحيد وعزيزة. ~~هكذا ظهر قرة وهو هيكل عظمي فجدد الأحزان. وكفن ثم شيع في جنازة ~~مهيبة، ثم أعيد دفنه في قبر شمس الدين. # وقالت عزيزة: ليرتح اليوم قلبي. كان ذلك بعض حلمي، وقد ضمنت به أن أرقد ~~إلى جواره إذا حان الأجل. # 6 # وناوش الألم من جديد ضمير عزيز. وكلما ساءت سمعة وحيد اشتد ضغط الألم ~~عليه. لقد غدا الفتوة مضرب الأمثال بشذوذه وشراهته في الحي كله لا في الحارة ~~وحدها. وقد عاش بضعة أعوام بعد وفاة أبيه، ومات إثر هبوط في القلب نتيجة ~~الإفراط في البلبعة. # وفي أثناء ذلك كله كان عزيز يتحرى عمن يصلح للفتونة من آل الناجي ~~الكثيرين لعله يبعث عهد عاشور بعد موات، ولكنه وجد آل الناجي قد ذابوا في ~~الحرافيش، فهصرهم الفقر والبؤس، واستل من أرواحهم خير ما فيها. هكذا فوجئ ~~بموت وحيد دون أن يعد له خليفة لائقا. وسرعان ما واجهته مشكلة غاية في ~~الحساسية؛ هل يدفن إلى جوار شمس الدين؟ لقد أبى قلبه ذلك. قالت له ألفت ~~الدهشوري: إنه عمك على أي حال. # ولكنه ظل على ms146 إبائه، ودفنه في قبر من قبور الصدقة بحوش الناجي. ومن عجب ~~أن ذلك التصرف لم يقابل بارتياح في الحارة. وقال سنقر الشمام الخمار ~~الجديد: جامله حيا وانتقم منه ميتا. # 7 # ووثب إلى الفتونة نوح الغراب. كان فظا غليظا نهما. هادن فتوات ~~الحارات واستثمر قوته في الاستبداد بالحارة حتى صار من كبار الأثرياء في عام ~~واحد. وتحمل الناس وطأته بلا مبالاة، ولم يعد أحد يتحسر على فتونة ~~الناجي بعد أن تلاشت أحلامها العذبة على يد وحيد. وابتهج الوجهاء، وانحشر ~~الحرافيش في طور جديد من أطوار الصعلكة والبؤس. # 8 # ودارت الشمس دورتها. تطل حينا من سماء صافية، وحينا تتوارى وراء ~~الغيوم. وقد جدد عزيز الزاوية واختار لها شيخا جديدا هو الشيخ خليل الدهشان ~~عقب وفاة إسماعيل القليوبي. وجدد أيضا السبيل وحوض الدواب والكتاب ~~القديم. # وترملت رئيفة فعاشت وحيدة في دارها مع الخدم. وورثت عن زوجها الجديد ~~ثروة غير قليلة، ولكن انقطع ما بينها وبين شقيقتها عزيزة تماما كأنهما ~~غريبتان، بل عدوتان. ومن عجب أنها كانت تتهمها بأنها سبب كل شر حاق بها، ~~وأنها نفخت فيها روح التعاسة مذ كانتا في المهد. # وخرقت مألوف التقاليد في الحارة عندما مضت تزور رمانة في سجنه، فأعلنت ~~بذلك حبها له رغم كل ما حصل. # هكذا مضت السنون بخير لا يذكر، وشر لا يحصى. # 9 # وذات يوم علم عزيز قرة الناجي أن أحد عماله لقي حتفه وهو ينقل حمولة من ~~الغلال. كان يدعى عاشور وينسب نفسه بصدق إلى آل الناجي لانحداره من فتحية أم ~~البنات زوجة سليمان الناجي الأول. امتلأ قلب عزيز الرقيق بالحزن، فدفن الرجل ~~ورتب لزوجته معاشا شهريا. وبالتحري عن أسرته عرف أن بناته تزوجن، عدا ~~بنت صغيرة في السادسة تدعى زهيرة ما زالت في حاجة إلى الرعاية. اقترح عزيز ~~على الأم أن يضم الصغيرة إلى داره لتكون في خدمة أمه عزيزة هانم فرحبت بذلك ~~أيما ترحيب. وانتقلت زهيرة إلى جناح عزيزة وكأنما انتقلت إلى الفردوس؛ تجلى ~~لونها الحقيقي لأول مرة، نعمت بالغذاء والكساء، مارست ms147 واجبات الدار. واستحقت ~~عطف عزيزة فخصتها بمعاملة رقيقة دون الجواري والخدم، بل أرسلتها فترة إلى ~~الكتاب. ولم يهتم عزيز برؤية البنت، ولكنها أوصى أمه بها وهو يقول في ~~دعابة: لا تنسي أنها من آل الناجي. # 10 # وزارت أم زهيرة المعلم عزيز في حجرة الإدارة وقد نسيها تماما. ذكرته ~~بنفسها، وبالعامل عاشور الذي مضت عشرة أعوام على مصرعه، ودعت له طويلا، ثم ~~قالت: يدوم عزك، عبد ربه يرغب في الزواج من زهيرة. # وتذكر المعلم عزيز البنت وكان قد نسيها أيضا، فسأل المرأة: هل ترينه ~~كفئا لها؟ # فقالت باعتزاز: شاب كامل، رزقه كاف. # فتمتم عزيز بلا اكتراث: على خيرة الله. # 11 # على مائدة العشاء أنهى عزيز إلى عزيزة هانم وألفت هانم قراره. وسرعان ما ~~قالت ألفت ضاحكة: عبده الفران! إنه بغل. # وقالت عزيزة محتجة: البنت ممتازة وتستحق من هو خير من عبده ~~الفران! # فتساءل عزيز ضاحكا: هل تتوقعين أن يتقدم لها تاجر؟ ~~- جمالها يؤهلها لذلك. # فقال عزيز بلا مبالاة: الولد كفء لها. أمها راضية، لا يصح أن نفرط في ~~واقع ملموس من أجل خيال قد لا يتحقق أبدا. # ثم مواصلا بنبرة من قرر أن ينهي الموضوع: لقد وعدتها بالموافقة فضلا ~~عن أنها صاحبة الحق الأول في ذلك. # 12 # جهزتها عزيزة هانم بالفراش والثياب والنحاس. دائما كانت تردد: يا ~~للخسارة! # وكان عزيز يحتسي قهوة الصباح قبيل ذهابه إلى المحل عندما جاءته عزيزة ~~بزهيرة لتودعه شاكرة ضيافته لها قبل مغادرتها الدار. دخلت الأم وهي ~~تنادي: تعالي يا زهيرة لتقبلي يد سيدك. # وهمس عزيز معترضا: ما ضرورة ذلك يا أمي؟! # دخلت الفتاة مسربلة بالحياء والارتباك، ثم وقفت عند الباب. نظر نحوها ~~مشجعا. ثبت بصره عليها ثواني، ثم سرعان ما استرده. فر ببصره. حافظ على ~~وقاره الظاهر تحت عيني أمه وزوجته. كتم الدهشة في أعماقه. دهشة عنيفة جامحة. ~~كيف دفن هذا الكنز في جناح أمه؟ كيف أخفي سره عنه؟ إنها قوام رشيق لا يتأتى ~~لراقصة، وصفاء بشرة لا يحظى به بشر ، وفتنة عينين مسكرة مخدرة. إنها ms148 روح ~~الجمال الفتاك. لحظ ألفت هانم فوجدها منهمكة في إرضاع طفل، فتمالك نفسه ~~وقال متشبثا بالنجاة: مبارك عليك يا زهيرة. # فقالت عزيزة: قبلي يد سيدك. # مد يده. اقتربت حتى اجتاحته رائحة القرنفل المتطايرة من شعرها الفاحم ~~المسترسل. شعر بانطباع شفتيها فوق ظاهر يده. خطف منها نظرة أخرى وهي راجعة، ~~وسرعان ما دهمه إلهام بأنه سيرى ذات يوم معجزة. # 13 # من عادته صباحا أن يمضي بالدوكار إلى الحسين فيقرأ الفاتحة، ثم يميل إلى ~~السكة الجديدة فالصاغة فالنحاسين، ثم ينتهي إلى المحل. فقد نفسه طيلة الطريق. ~~روحه تهيم في سموات ويبقى جسده في الدوكار بلا روح. هل عرف أخيرا لم تشرق ~~الشمس؟ لم تتألق النجوم في الليل؟ عم تفصح أناشيد التكية؟ لم يتعذب ~~المجانين بالسعادة؟ لم نحزن للموت؟ وتمر عشرة أعوام وهذا الجمال يتنفس في ~~كنفه! كيف غاب السحر عن أمه وزوجته؟ هل تفطن البنت إلى ثرائها؟ أهي مثل الريح ~~تزعزع الأركان بلا تيه؟ هل جنت الأم لترحب بعبده الفران ذلك الترحيب ~~الأعمى؟ هل بوسعه أن يحول بين المطر وبين أن ينهمر؟ يا لتعاسة القلوب ~~الغافلة! # في عشية الزفاف زارته أم زهيرة لتشكره. تفرس في وجهها بحب استطلاع. عجوز ~~تشي مخلفاتها بجمال دابر. رمقها بحنق خفي. قال: كل شيء على ما يرام؟ ~~- بفضل الله وفضلك. ~~- ألم تتعجلي؟ # فقالت بتسليم: فاتحتها مقروءة منذ مولدها. # ومضت وهو يلعنها في سره. وتساءل محزونا لم لا نفعل ما نشاء؟! # 14 # زفت زهيرة إلى عبد ربه الفران في حفل متواضع. لم يرها مذ كانت في ~~السادسة، ولكنه اعتاد أن يعتبرها حليلته. ولما رآها ليلة الدخلة صعقه جمالها، ~~ولكنه كان مشحونا بتعاليم وتقاليد أوجبت عليه التظاهر بالثبات والسيادة. كان ~~فوق العشرين بعام، طويلا مفتول العضلات، ذا سحنة شعبية صميمة بنتوء خديه ~~وفطس أنفه وغلظ شاربه. حليق الرأس مثل زلطة عدا ذؤابة نافرة في المقدمة. صلى ~~ركعتين، واتخذ من الخشونة إهابا يخفي به عذوبة الأعماق. # أعجبت برجولته، استنامت إلى حرارته، سلمت به مثل قدر. # وجدت نفسها في بدروم مكون ms149 من حجرة ودهليز يستعمل مطبخا وحماما. ~~وتذكرت الفردوس المفقود، ولكن غريزتها همست بأنه كان فندقا للعبور لا ~~للإقامة، وأنها كانت به ضيفة، أما هذا البدروم فهو بيتها ومصيرها، فيه ملكت ~~رجلا، وحققت حلما، واطمأن القلب. # 15 # وتمكن الحب من قلبه فكاد يهتك ستره، ولكنه غلا في إظهار الرجولة. # وحتى قبل أن ينتهي الشهر الأول سألها: هل تقبعين في البيت كما تفعل ~~الهوانم؟ # فتساءلت بدورها: ماذا تريدني أن أفعل؟ # فقال بحزم: اليد البطالة نجسة! # 16 # هكذا سرحت زهيرة بالملبن وبراغيث الست. ارتدت جلباب العمل الأزرق يغطيها ~~من العنق حتى الكاحل، وخطرت وهي تنادي: الملبن يا أولاد! # بانطلاقها إلى الطريق اكتشفت ذاتها. تنبهت إلى سحرها وقوتها. الأعين ~~تلتهمها، الألسنة تتغنى بالثناء عليها، منظرها يبعث السحر ويخلق الحركة. إنها ~~قوية مدللة بالطبيعة والناس. وهي تقابل الغزل بالترفع والكبرياء، وتزداد ~~تيها وثقة بالنفس. # 17 # وتوثقت العلاقة بينها وبين عبد ربه. في الأعماق هو رجلها وهي معبودته. ~~يعاملها بتقاليد الرجولة ولكنه يجدها صلبة بقدر ما هي محبة، غضوبة أحيانا ~~بقدر ما هي مخلصة. وأنجبت له «جلال» فسرى رحيق الأمومة في أعطافها وتلقت ~~سعادة جديدة. # 18 # وكان عبد ربه الفران يحمل الخبز إلى دار رئيفة هانم، فسألته ذات يوم: ~~لماذا تترك زوجتك تسرح في الطريق؟ # فقال الرجل بتسليم: الرزق يا ست هانم. ~~- الرزق متعدد السبل، إني امرأة وحيدة وفي حاجة إلى وصيفة، وخدمتي ~~توفر رزقا أكثر، وتقي من شر الطريق. # فأخذ عبد ربه وتساءل في حيرة: وجلال الصغير؟ # فقالت بإغراء: لن أفرق بين الأم وابنها. # فغزا الطموح قلبه وقال: الأم والأب والابن في خدمتك يا ست هانم. # 19 # تمتمت زهيرة بقلق: رئيفة هانم! # فقال عبد ربه: هانم واسعة الثراء ووحيدة. ~~- ولكنها عدوة عزيزة هانم اللدود! ~~- لا شأن لنا بذلك، وخدمتها أيسر وأغنى من التسول في الحارة، وأنت حاملة ~~القفة بذراع والطفل بذراع. ~~- الأفضل أن أعمل في خدمة عزيزة هانم. # فقال عبد ربه باستياء: ولكنها لم تطلبك، وهذا يعني أنها لا تريدك. # وصمتت زهيرة ولكن حلمها بالفردوس ms150 نشط من جديد. # 20 # استشاطت عزيزة هانم غضبا عندما علمت بالخبر وهتفت: يا لها من بنت ~~متعجلة! # فقالت ألفت هانم: لم تقصدك بسوء ولكنها تسعى للرزق. ~~- نحن أولى بها! # فقالت ألفت هانم معترضة: إنها ذات وليد لا تستطيع فراقه في هذه السن، ~~وصحبته مدعاة للقذارة. # تابع عزيز الحوار باهتمام. شعر بأن زوجته لا ترتاح لرجوع زهيرة إلى الدار ~~فاشتعل وجدانه بالتوجس وكأن أصبعا يشير نحوه بالاتهام، فقال بحزم: رأي ألفت ~~عين الصواب! # 21 # كانت زهيرة تمشط شعر رئيفة في قاعة الجلوس عندما دخلت خادمة لتستأذن ~~لقادم قائلة: المعلم محمد أنور. # من تعليق رئيفة عرفت زهيرة أن القادم هو ابن المرحوم زوج رئيفة، وأنه ظل ~~على ولائه لها حتى من بعد ما ذاع عن زيارتها لرمانة في سجنه. وسرعان ما جاء ~~القادم فسلم وقدم لفافة أنيقة لأرملة أبيه وهو يقول: البطارخ! # فتهلل وجهها وشكرته. كان شابا متوسط الحال مقبول الملامح، جميل ~~الجبة والقفطان. قالت له: فيك الخير يا محمد. # فقال بانشراح: يهمني أن تذوقي البطارخ قبل أي زبون من زبائن دكاني. # فسألته بدعابة: متى تدعني أدفع الثمن مثل بقية عشاق البطارخ؟ # فقال وهو يتناول قدح قرفة محشوة باللوز والجوز والبندق: عندما تشرق ~~الشمس من الغرب! # فضحكت رئيفة وقالت: فيك الخير يا محمد. # وهو يحتسي القرفة وقعت عيناه على زهيرة وهي منهمكة في تمشيط سيدتها. ~~ذهل. لم يصدق عينيه. ركز عينيه في القدح وكأنه يهرب. قال في سره: ~~«الغياث بالله من صنع الله!» # وسألته رئيفة: كيف حال تجارتك؟ # فاسترد نفسه من عالم الافتتان وقال: عال ولله الحمد. # ولاحظت زهيرة نظرة منه إليها متسولة تبرق بالانبهار فافتر باطنها عن ~~بسمة. # 22 # كان محمد أنور يتردد على دار رئيفة في كل مناسبة تسنح. غدا بالقياس إلى ~~زهيرة عادة، كما غدت نظراته الملتاعة عادة أخرى. وكان يحاذر من إثارة أدنى ~~شبهة عند رئيفة، ويهب دارها ما تستحقه من الولاء والاحترام. ما من رجل ~~رآها إلا وجن بها. أصبحت تؤمن تماما بأنها أجمل من جميع هوانم ms151 الحارة. وهي ~~أيضا من آل الناجي مثل المعلم العظيم عزيز. ولكن كم أنها عجيبة الحظوظ في هذه ~~الدنيا! توفر لامرأة دارا ولأخرى بدروما. تعطي واحدة تاجرا ثريا وتعطي ~~أخرى فرانا. لقد تقرر مصيرها وهي عمياء. حتى ميلها الفطري لزوجها لا ~~يقنعها بالرضا. ليست الحياة شهوة وأمومة. ليست فقرا وكدحا ونعيما كاذبا ~~مستعارا من خدمة هانم غنية. ليست أن تملك قوة مذهلة، ثم تبددها في الخنوع. ~~باطنها يتغير ببطء ولكن بثبات وإصرار. يتمخض كل يوم عن حركة، كل ~~أسبوع عن وثبة، كل شهر عن طفرة. إنها تكتشف ذاتها طية وراء طية. تنبثق من ~~جوفها أنواع شتى من المخلوقات المتحفزة الصارمة. وتحاكم في الخيال ~~أمها وزوجها ومسكنها وحظها. تحقد على كل ما يطالبها بالرضا، على حكمة ~~الأمثال وعطف الهانم وفحولة زوجها. وتتلقى من المجهول شرابا ملتهبا به ~~يستفحل الخيال ويثمل القلب ويطلع الفجر الأحمر. # وقال محمد أنور لرئيفة هانم ذات يوم: أما سمعت بالخبر؟ لقد وثبت إلى ~~الفتونة في برجوان امرأة! # فضحكت رئيفة هانم وقالت: أود أن أرى امرأة وهي تصرع الرجال. # ودارت زهيرة ابتسامة إعجاب واشتعلت في قلبها نيران غامضة. ورماها محمد ~~أنور بنظرة متلهفة متوسلة، فتساءلت: ترى أيكون حلمها رجلا مثل محمد ~~أنور؟ لم تجد من قلبها أي خفقة تنبئ عن جواب. وتأمله عقلها بلا حماس ~~وبلا فتور. ودهمتها فكرة متحدية تقول إن قلب المرأة هو ضعفها، وإن علاقتها ~~بالرجل يجب أن تتحدد بعيدا عن الغريزة والقلب. الحياة غالية مترامية ~~الأبعاد لا حد لآفاقها، وما الحب إلا متسول ضرير يزحف في أركان ~~الأزقة. وتنهدت وقالت لنفسها: ليس أتعس من الحظ السيئ إلا الرضا ~~به. # 23 # وكانت زهيرة ترضع جلال في قاعة الجلوس عندما رأت فجأة محمد أنور يقتحم ~~المكان. بسرعة دست ثديها في ثوبها وحبكت الخمار حول رأسها مرتبكة بالحياء. ~~رنا إليها مضطرب النظرة، ثم تساءل: أين رئيفة هانم؟ # أيقنت بكذبه، لم تشك في أنه رأى الهانم في الدوكار وهو ماض بها إلى ~~الميدان، ولكنها أجابت بأدب: خرجت في مشوار. ms152 # فتردد مليا، ثم قال: أنتظر؟ كلا ، يجب أن أرجع الآن إلى الدكان، أليس ~~كذلك؟ # فقالت بحسم ودون مبالاة بالمجاملة: مع السلامة يا سيدي! # ولكنه لم يكن ينوي الذهاب. تسمر تحت وطأة قوة طاغية، واقترب ببصر ~~زائغ يشي برغبة جنونية جامحة. تراجعت مقطبة، اقترب أكثر، فقالت بحدة: ~~لا! # فتمتم في هلوسة: زهيرة! # فهتفت: سأذهب إن لم تذهب أنت! ~~- حلمك ... إني ... إني أحبك! # فقالت بحزم: لست ساقطة! ~~- معاذ الله ... إني أحبك ... # واضطر إلى التراجع خوفا من شبح رئيفة، فقال وهو يمضي: كيف أتزوج من ~~امرأة متزوجة؟! # 24 # عاشت في دوامة من التمرد والتحفز. على الحياة أن تغير وجهها. ~~القوة كفيلة بأن تغير أبعاد الكون. كل دقيقة تمر بلا تغيير انتصار ~~للذل والتعاسة. # ولكن كيف تخوض المعركة؟ وانتهزت فرصة صداع ألم برئيفة هانم فتطوعت ~~قائلة: سأبيت معك يا ست هانم. # فتساءلت رئيفة: وزوجك؟ ~~- لن يقتله الرعب إذا بات وحده! # وعندما مضت ساعتان على موعد رجوعها جاء عبد ربه مستطلعا فقابلته وقالت ~~له: الهانم مريضة. # فسكت الرجل لا يدري ماذا يقول، ثم تساءل بمرارة: أما كان يجب أن ~~تخبريني؟ # فقالت بعجلة وضيق: الهانم مريضة، ألا تريد أن تفهم؟! # 25 # لدى رجوعها إلى البدروم في مساء اليوم التالي أدرك عبد ربه أن الهانم كانت ~~متوعكة توعكا خفيفا لا يقتضي البيات خارج المسكن. واجتاحه الغضب فقال: ~~الهانم ليست في حاجة إليك فالدار ملأى بالجواري. # فغضبت أيضا إذ كانت تتمنى الغضب بأي سبيل وتساءلت: أهذا جزاء ~~الإحسان؟! # فقال بحزم: أخلاقك تسوء يوما بعد يوم، وقد قررت ألا تعودي إلى ~~الدار. ~~- يا للعار! # فصاح: ملعونة الدار وصاحبتها! # فصاحت بدورها: أنا لا أنكر الجميل! # فلطمها على وجهها وغادر البدروم. # جنت زهيرة بالغضب. انفجر الحنق المكتوم. صكت الحجرة بنظرة رفض ~~نهائية. استغرقتها اللطمة فتضخمت واستفحلت وانداحت في وجدانها حتى قتلت ~~حواسها. وانهالت بقبضتها على الفراش دون مبالاة بصراخ جلال. # وغادرت البدروم قاذفة بالماضي في أحضان الفناء. # 26 # عجبت رئيفة هانم لعودة زهيرة السريعة عقب ذهابها بساعة واحدة، ولكن الفتاة ~~سألتها: ms153 هل تتسع دارك يا ست هانم لإيوائي؟ ~~- لم كفى الله الشر؟! # فقالت بمسكنة: لن تطيب الحياة بعد الآن مع الرجل. # وهزت الهانم رأسها مستطلعة، فقالت زهيرة: يريد أن يمنعني من ~~خدمتك! # فقالت رئيفة بامتعاض: الناكر للجميل. ~~- وانهال علي ضربا. ~~- يا له من وحش لا يدري أي كنز يحوز! # وتفكرت الهانم قليلا، ثم قالت: ولكني لا أحب تخريب البيوت. # فقالت زهيرة بإصرار: إني راضية عما أفعل. # فقالت رئيفة باسمة: الدار دارك يا زهيرة! # 27 # تلعثم عبد ربه الفران بالخجل تحت نظرات رئيفة هانم. غمغم مستغفرا ولكنه ~~ركز على هدفه بإصرار ورجولة. قال: ماذا تعني لطمة؟ ليست بعاهة ~~مستديمة! # فقالت الهانم باستياء: إنك مخطئ وجهول. # فتمتم بأدب وتصميم: عليها أن ترجع معي الآن. # فقالت رئيفة بحدة: عندما تعرف قيمتها لا قبل ذلك. # وانتزع قدميه من موقفه وقد احمرت الدنيا في عينيه. # 28 # جلس عبد ربه في الخمارة يعب من القرعة ويجفف شاربه بكم جلبابه ~~الأزرق. لا حديث له إلا زهيرة. قال: هربت ومعها الولد. # فقال أحد السكارى: أنت خرع. # فهتف محتجا: رئيفة هانم تشجعها! # فقال له الخمار سنقر الشمام: تصرف كرجل. ~~- ماذا تعني؟ ~~- طلقها! # فتقلص وجهه وقال: أحقر شعرة في جسدي تستطيع أن تقتل امرأة. # فقهقه نوح الغراب الفتوة وصفعه على قفاه مداعبا وهو يقول: يا ~~عنترة! # فباخ غضبه وقال بخشوع: من معلمي الأكبر تجيء المشورة. # فقال نوح الغراب وقد احمرت عيناه بالخمر والسطل: دسها بقدمك حتى تصير ~~خرقة بالية. # أما جبريل الفقي شيخ الحارة فقال: في الطلاق راحة للبال. # فقال نوح الغراب: الطلاق في مثل هذه الحال عجز. # وراح عبد ربه الفران يتساءل: من قال إن الزواج نصف الدين؟ ألا إنه نصف ~~الكفر! # 29 # مضى عبد ربه مترنحا في الظلام حتى وقف تحت دار رئيفة هانم. جاش صدره ~~بالخمار والغضب. تصارعت في قلبه المحتقن تقاليد الرجولة وهمسات الحب المستبدة. ~~وبصوت غليظ متحشرج صاح: انزلي يا بنت يا زهيرة. # وجعل يخور وهو يترنح، ثم يعاود الصياح: معي نار الفرن وشياطين ~~القبو. # وفتحت ms154 نافذة فأطل منها الشيخ خليل الدهشان شيخ الزاوية وتساءل بغضب: ~~من المجنون ؟ ~~- أنا عبد ربه الفران. ~~- انجر يا سكران يا رجيم. ~~- أريد زوجتي والشرع معي! ~~- كفاك عربدة وتهجما على دار الطيبين! ~~- من ينصفني إذن إلا إبليس؟ # فصاح به: عليك اللعنة. # انقض على باب الدار وجعل يضربها بقبضته حتى لحق به جبريل الفص شيخ ~~الحارة، فشده من ذراعيه وهو يقول: اخرس يا مجنون، سر معي، سأكون شفيعك لدى ~~الهانم! # 30 # وجد جبريل الفص رئيفة هانم غاضبة ثائرة. أصبحت المعركة بينها وبين عبده ~~الفران بعد أن كانت بين زهيرة وبينه. قالت بحدة: الفران الحقير! # فقال شيخ الحارة: ما هو إلا خادمك. ~~- ألم تشهد وقاحته؟ أأسلمها له لينتقم منها؟ ~~- أعتقد أنه يحبها يا ست هانم! ~~- الحيوان لا يعرف الحب. # فتساءل جبريل الفص: وإذا طلبها لبيت الطاعة؟ # فقالت بإصرار: لن تضيق بي الحيل! # 31 # استدعى نوح الغراب عبد ربه الفران إلى مجلسه بالمقهى. نظر إليه مليا، ~~ثم قال بنبرة آمرة: طلق المرأة! # فذهل عبده الفران. اجتاحه اليأس. أدرك أن رئيفة هانم عرفت كيف تنتقم. ~~واستثقل الفتوة صمته فهتف: فقدت النطق؟! # فقال بخشوع: ألم تقل يا سيد الناس إن الطلاق في مثل حالتي عجز؟ # فقال بسخرية: وإنك لعاجز! ~~- الشرع معي يا سيد الناس! # فقال الفتوة بنبرة قاطعة: طلق يا عبد ربه. # 32 # وقع الطلاق. سيق عبد ربه إليه كما يساق المحكوم عليه إلى المشنقة. انتهى ~~الحلم وضاعت الجوهرة. وثملت زهيرة بنشوة الانتصار وبهجة الحرية. في الوقت نفسه ~~وجدت نبضة أسى في الأعماق أسفا على حرارة ستفقدها إلى الأبد. وضمت جلال ~~إلى صدرها فتبدى لها ثمرة لحب لا يستهان به. وسرعان ما طالبها طموحها ~~بالتعويض الكامل. وتجلت لها شخصيتها في صورة واضحة قاسية مجللة بالسمو ~~والألم. # وقالت لها رئيفة هانم بمباهاة: هذه إرادتي إذا صممت! # أجل. إنها امرأة قوية رفيعة الشأن، غير أنها لم تنفذ مشيئتها إلا ~~باللجوء إلى الفتوة. الفتونة حلم الخيال الأبدي، حسرة آل الناجي المهلكة، ذروة ~~الحياة المتلفعة بأضواء النجوم. # 33 # وابتسمت مشجعة! ms155 # ها هو محمد أنور تاجر البطارخ يقول لها: مباركة عليك الحرية ~~والكرامة. # وينتهز فرصة ذهاب رئيفة هانم لشأن من شئونها فيهمس: إني وقلبي في ~~الانتظار. # وتشع عيناه ببريق الرغبة فيواصل ابتهاله: على سنة الله ورسوله! # ترى بأي عين ينظر إليها؟ عين تاجر إلى خادمة؟ الحق أنه لم يملأ ~~عينيها قط. طالما رأته هشا وذليلا، ولكنه قادر على أن يجعل منها هانما من ~~نوع ما. هل يمكن أن تطمع في خير منه؟ # وابتسمت له مشجعة. # 34 # سكر عبد ربه تماما حتى مادت به أرض البوظة الثابتة. وسأل سنقر الشمام: هل ~~يعيب الرجل أن يبكي؟ # فضحك الخمار قائلا: إذا كان في حجم البغل مثلك. # فحمل عبد ربه القرعة بين يديه وجعل يميل بها يمنة ويسرة كأنما يرقص، ~~وراح يقول: تلاش يا عبد ربه، اندفن في الظلام، حتى تراب الحارة أقوى منك. هل ~~جربت قوتك إلا مع العجين وأنت تدفع به داخل الفرن؟ الله يرحمك يا عبد ~~ربه! ~~- ماذا جرى لعقلك؟ ~~- طلق، طلقت، بكلمة انتهيت، حتى القملة تقاوم، يا فرحة العدا فيك يا ~~عبد ربه! # فقال له سنقر محذرا: إطاعة الفتوة شرف! # فانذعر عبد ربه رغم سكره وتمتم: الحمد لله. # ثم وهو يتنهد: وقوة أخرى تطحنني! ~~- ما هي؟ ~~- حب الملعونة بنت الملعونة! # فضحك سنقر وقال: هذا ما يعيب الرجل حقا! # فغنى عبد ربه بصوت مثل النهيق: # عجايب والله عجايب # فقال له سنقر الشمام: اشتغل بالغناء فالمغنون فيما يبدو خائبون مثلك في ~~الحب. # 35 # رجع عبد ربه يحمل الأرغفة إلى دار رئيفة هانم بعد أن تشفع له أكثر من ~~رجل طيب. وذات مرة سألها بخشوع: لعلك عني راضية؟ # فقالت له ببرود: ما فات مات! # فتردد قليلا، ثم قال بضراعة: دعيني أنفرد بها دقيقة. # فرمقته بحذر، ثم قالت: كلا. ~~- أكلمها إذا أذنت لي حضرتك. # فتفكرت قليلا، ثم نادت زهيرة فجاءت في جلباب كحلي كوردة نضرة. ترامقا ~~مليا فلم ترمش أو تغض بصرها. بدت غريبة بعيدة باردة. صورة متناقضة ~~تماما مع صراع ناشب في الأعماق. قال ms156 عبد ربه: قلبي أبيض، لننس ما ~~فات. # فلم تنبس بكلمة، فقال: ندمت على ما كان مني. # فواصلت الصمت حتى قالت رئيفة هانم: تكلمي يا زهيرة. # فقال عبد ربه متشجعا: رغبتي أن أردك، والعشرة لا تهون. # فتمتمت زهيرة: لا. ~~- العشرة لا تهون ولا تنسى، وكانت لنا أيامنا الحلوة! # فغضت بصرها لأول مرة وقالت بحزم: لا أنت لي ولا أنا لك! # 36 # تسلل محمد أنور إلى الدار في غيبة الهانم. قابل زهيرة بلهفة وهو يقول: ~~ليس من حقي الحضور، ولكني أجازف من أجلك بكل شيء. اتبعيني في الحال لنعقد ~~زواجنا! # فتساءلت في كبرياء: من ضمن لك موافقتي؟ # فقال بذل: إني أحبك يا زهيرة. ~~- ولم تدعوني إلى الهرب كأني لصة؟ # فتنهد وهو يقول: لا فائدة، لا تريد الهانم أن توافق أبدا! # فسألته بدهشة: فاتحتها في الموضوع؟ # فحنى رأسه في غم وقال: عنيدة ومتكبرة! # تلقت طعنة في صميمها فقالت بزهو: إني من آل الناجي! ~~- عنيدة ومتكبرة، أمرتني أن أنقطع عن زيارتها أنا الذي ولدت في هذه ~~الدار. # واجتاحها الغضب فقالت له: سأتبعك في الحال. # 37 # زفت زهيرة إلى المعلم محمد أنور تاجر البطارخ. غضبت رئيفة ورمتها ~~بالخيانة والخبث. دهشت الحارة وجعلت من الزيجة حديثها، فتردد كثيرا ذكر ~~الحظ السعيد وليلة القدر وعجائب الحب. وحملت معها جلال فرحب به الرجل، ~~وعد نفسه أسعد خلق الله. # وجدت زهيرة نفسها - لأول مرة - ست بيت. ها هي تملك شقة متعددة الغرف، ~~ثمينة الأثاث، فيها الحمام والمطبخ، وبها خزان يملؤه السقاء كل يوم. ~~وملكت أيضا الفساتين والملاءات القريشة وعرائس البراقع الذهبية. وباتت في ~~عنقها قلادة، في أذنيها قرط، في ساعديها أساور ذهبية، في ساقها خلخال من ~~فضة. # وحفلت سفرتها بالأطعمة اللذيذة، لا تكاد تقل نفاسة عن أطعمة دار ~~عزيز أو دار رئيفة، وهي صاحبته كما هي طاهيته. # وما إن مضى الشهر الأول حتى قررت أن تحطم القضبان فهي تخرج لزيارة ~~أمها أو جارة أو زيارة الحسين. ورآها الناس في زيها الجديد فهتفت ~~أعماقهم سبحان الله الخلاق العظيم. # 38 # سعد ms157 محمد أنور بزهيرة سعادة تفوق الخيال. لم يقتصد في إعلان حبه ~~وإعجابه وتعلقه الجنوني بها، وتدليله غير المحدود لها. ومن بادئ الأمر ~~لم يرتح لخروجها وعرضها فتنتها الباهرة على الأعين. وأفضى إليها بملاحظاته ~~في رقة بالغة ولكنه كدر صفوها، فسرعان ما تراجع وهو يبالغ في ملاطفتها. ~~اكتشف أنه يتحمل أي مكروه إلا أن يغضبها أو يحرم من رضاها ومرحها. # وأدرك أنه ضعيف حيالها، مستهتر بالوصايا التقليدية، ولكنه استسلم ~~لتيار لا قبل لقلبه بمقاومته. عرف نفسه تماما، عرف أنه أسير الحب ~~ولعبته. # وثمة شعور عميق وضح له مثل صورة حيوان خرافي، وهو أنه لم يملك معبودته ~~بعد، لعله لا يستطيع أن يملكها؟ لعلها تستعصي على أن تمتلك، إنه شعور مهزوم ~~ذو وجه أصفر، يتعلل بالعلل، ويستنجد بالأوهام، ويغطي مرارته بالعطايا ~~وحلو الكلام. إنه عبد الحب لا نده ولا سيده، وزنه في يده لا في قلبه أو ~~جسده، تستوي لديه حمرة الشروق وحمرة الشفق. إذن فليتوار وراء الرقة ~~والعذوبة ليحظى ببسمة الثغر الوردي، ونظرة العين الساجية، ورشاقة الجيد ~~وهو يتمايل في رضا. # 39 # وزارت يوما ولية نعمتها عزيزة هانم فقبلت يدها وقالت: دفعت بي ظروف ~~إلى دار أخرى ولكن قلبي لم يتحول. # وصفا قلب عزيزة بالكلمة الطيبة. لثمت خدها وأجلستها إلى جانبها ~~فعاملتها كند لها. امتلأت بنفحة سعادة وخيلاء. شربا القرفة وأكلت طبق علي ~~لوز بالمكسرات. وسألتها عزيزة عن حالها وزوجها وجلال ابنها. وجاءت ألفت هانم ~~فرحبت بها. وقالت لها عزيزة: هذا ما يستحقه جمالك والجمال سيد ~~الأكوان. # فقالت زهيرة: بل دعاؤك وعطفك يا سيدة النساء. # 40 # وعقب محمد أنور على الزيارة متسائلا: ورئيفة هانم ألا تزورينها ~~أيضا؟ # فقالت بغصة: المتكبرة! عليها اللعنة. ~~- سيجن جنونها! ~~- فليجن جنونها. # فساوره القلق وتمتم: لا حد لشرها! # فتساءلت وهي تسبل جفنها على نظرة ماكرة: ألست رجلا؟ # فتقلص قلبه وصمت. # 41 # وذات أصيل شهدت الحارة منظرا لا ينسى. # كانت زهيرة سائرة تخطر في ملاءتها الفاخرة عندما وقف دوكار رئيفة هانم ~~على كثب منها. وأطل رأس الهانم، وسمع ms158 صوتها وهي تقول بنبرة عتاب لا ~~تخلو من مسحة من مودة: زهيرة! # فالتفتت زهيرة مرتبكة، فقالت الأخرى: يا خائنة! # لم تملك إلا أن تقترب مادة يدها على مرأى ومسمع من كثيرين، بينهم ~~جبريل الفص وخليل الدهشان وعبد ربه الفران. وقالت رئيفة: متى ~~تزورينني؟ # فأجابت زهيرة وهي تزداد ارتباكا: في أقرب فرصة يا هانم، ما منعني إلا ~~... # وغمغمت في حيرة، فقالت رئيفة بنبرة عدوانية قاسية متحدية مباغتة: ~~يسعدني أن أرحب بخادمتي المخلصة. # وسرعان ما اشتعل الغضب بقلب زهيرة فهتفت: إني هانم مثلك! # واندفعت في طريقها وقد أعماها الانفعال. # 42 # وكان عبد ربه الفران يسكر في البوظة ورياح أمشير تزمجر في الخارج. وإذا ~~به يقول: حلمت أمس حلما عجيبا. # ولما لم يسأله أحد عما رأى واصل حديثه: رأيت الخماسين تهب في غير ~~أوانها. # فقال الخمار سنقر الشمام ضاحكا: حلم من صنع الشيطان. ~~- اقتلعت الأبواب، أمطرت التراب، طيرت عربات اليد، أطاحت بالعمم ~~واللاثات. ~~- وماذا صنعت بك أنت؟ ~~- تركتني أرقص فوق جواد أصيل. # فقال له سنقر: أحكم الغطاء فوق دبرك قبل النوم! # 43 # شعر محمد أنور بالخوف يزحف نحوه. أشباح الأخطار تتراقص في أركان دنياه ~~الضيقة. هل يحيق به مصير مثل الذي حاق بعبد ربه الفران؟ وجعل يختلس النظرات ~~من وجه زهيرة ويستجمع همته. قال لها: إنك حبلى يا زهيرة في الشهر الرابع ~~فيحسن بك أن تستقري في بيتك. فقالت باستهانة: لم أشعر بالعجز بعد! # فراح يداعب جلال بحنو ليخفف من وقع كلامه وقال: لقد تحديت قوة لا ~~يستهان بها، فمن الحكمة أن ننطوي على أنفسنا. # فقالت ببرود: كأنك خائف! # فقال مداريا استياءه: بل أرغب في توفير السعادة لبيتنا! ~~- إني أمارس حرية مشروعة. # فقال بوضوح أكثر: الحق أني غير مرتاح لذلك. # ففكرت قليلا، ثم قالت: الحق أني لا أطيق ما تدعونني إليه. # فقال بإشفاق: ولكني زوجك. ~~- أيعني هذا أن تدوسني بقدمك؟ ~~- معاذ الله، ولكني ذو حق غير منكور. # فعبس وجهها حتى اكفهر جماله، وقالت بحدة: لا! # فتردد بين الصمت والعناد، ثم آنس منها ازدراء ms159 أثاره، فقال بغضب: إني ~~ذو حق. # فقالت باستهانة: لا توجع رأسي بحقك. # فغلبه الغضب أكثر وقال بحدة غير معهودة: لي حق الطاعة. # فحدجته بدهشة ضاعفت من غضبه فعاد يقول: حق الطاعة الكاملة! # فطفح وجهها بالرفض والصلابة وفسد الجو أيما فساد. # 44 # استمد محمد أنور من يأسه شجاعة. وكان في صميمه مشفقا من فقدها؛ لذلك ما ~~كاد يراها - من دكانه - خارجة إلى طريقها حتى فقد رصانته فاعترض سبيلها وقال ~~لها بحزم: ارجعي إلى البيت! # فذهلت وهمست له: لا تثر فضيحة. # فقال بعناد: ارجعي إلى البيت. # ولمحت الأعين تزحف نحوها مثل الأفاعي، فاضطرت إلى الرجوع وهي ~~تغلي. # 45 # في المساء، وعند ذهابه إلى بيته، وجد محمد أنور عاصفة في انتظاره. كان ~~يتوقعها تماما. وكان أبغض شيء إلى قلبه أن يتمادى في الغضب، أن يفسد الجو، ~~أن يطمس الجمال المعبود بالسخط. وأبدى استعداده لأي تنازلات تحت شرط الإذعان ~~لرغبته المشروعة. قال لها: لا تتصوري أنى أسعد بإهانتك، ما أريد إلا المحافظة ~~على سعادتنا. ولكنها بدت مثل هبة من غبار. اصفر الوجه وانقلبت السحنة ~~وتطاير من العينين شرر. تجسد الغيظ مقتا أسود، وطفرت الكبرياء حية ~~متوثبة. وقال لنفسه أعوذ بالله من هذا الشر، أعوذ بالله من هذا القلب، ألا ~~يشفع لي ما صنعت معك؟ # 46 # ووجدت زهيرة نفسها في سعير. إنها تأبى أن تنهزم، ولا تنسى موقفها الأليم ~~بين يديه في الحارة. وهي لا تحبه ولم تحبه قط. ولكن كيف تتصرف وأين تذهب؟ ~~في مثل حالها تذهب الزوجة إلى أهلها وهي لا أهل لها. فإما سيدة في ذلة، ~~وإما هائمة على وجهها. تتربص بها الشماتة في أكثر من دار، وفي بدروم عبد ~~ربه أيضا. # وتذكرت سيدها الأول المعلم عزيز سماحة الناجي، وجيه الحارة، وصديق ~~زوجها. سيعلم الزوج أنها ليست مقطوعة من شجرة على الأقل. ‏وتسللت إلى محل ~~الغلال ورذاذ يتساقط فبل ملاءتها ووجنتيها. اقتحمت عليه حجرة الإدارة. ~~وجدته وحده، مجللا بوقاره الجميل وقد وخط المشيب - متعجلا بعض ~~الشيء - ‏ شاربه. عرفها من أول نظرة. عرفها ms160 رغم البرقع. لم يكن في حاجة ~~إلى تذكر هاتين العينين الساحرتين المطلتين حول العروس الذهبية. ~~خيل إليه أنه القدر يقتحم حصنه.‏ # تهادت إلى أذنيه نبرتها الناعمة وهي تقول: لم أجد سواك ملجأ ~~لحيرتي. # فتساءل وهو يضبط عواطفه المتضاربة: ما الحيرة كفى الله الشر؟ ~~- زوجي! ~~- إنه رجل طيب فيما أعلم. ~~- ولكن معاملته ساءت جدا في الأيام الأخيرة. ~~- بلا سبب؟ ~~- يرغب في إذلالي. # وقصت عليه موقفه في الحارة، فتفكر عزيز قليلا، ثم قال: التصرف ~~بعيد عن الحكمة، ولكن حقه المشروع لا جدال فيه. # فقالت بحرارة: لا يفرض السجن على امرأة في حارتنا. # فتبسم المعلم عزيز وقال لها: سأتحدث عنك باعتبارك من آل الناجي، ولكن ~~عليك أن ترضي بالمعقول. # 47 # شفاعة المعلم عزيز لم تحقق لها إلا ما هو دون القليل. لم يعد أمامها ~~إلا الإذعان ولو إلى حين. إنها تذعن وتضمر السوء معا. غير أن لقاء المعلم ~~عزيز أسفر عن أشياء لم تجر لها في خاطر من قبل. أشياء مثيرة جنونية رائعة ~~الجمال. أشياء قذفت بها إلى دنيا مغمورة بالأحلام. قالت لنفسها إن المعلم ~~عزيز معجب بها. بل أكثر من ذلك. لقد أدلت عيناه باعترافات فاتنة فمتى بدأ ~~ذلك؟ حقا ما من رجل رآها إلا وفتن، ولكن هل المعلم عزيز مثل سائر الرجال؟ ~~ثم إنه متزوج وهي متزوجة. وهو كهل أيضا ومثال للنبل وحسن السمعة. مثله ~~لا يمد الطرف إلى امرأة متزوجة، متزوجة من صديق. # وما أزهدها هي في علاقة غير مشروعة! ما فائدتها؟ إنها تطمح إلى اكتساب ~~حق. في سبيل ذلك وطئت قلبها بلا رحمة، في سبيل ذلك تحس أحيانا ~~بجيشان. # الجنون السامي في قدح من الخمر المقدسة. وتراءى لها عزيز سماحة الناجي في ~~هالة حلم وردي لم تدر كيف يمكن أن يتجسد لها في عالم الحقيقة. هل يمكن ~~ذات يوم سحري أن تصبح ضرة لألفت هانم، وشبه ابنة شرعية لعزيزة ~~هانم؟ # هل يمكن أن تتسلطن يوما في دار فاخرة، وتستقل بالدوكار ذي الجرس ~~الرنان؟ # وتضاءل محمد أنور حتى انقلب ذرة ms161 من سخام متطايرة فوق أديم طريق ~~طويل ليس له نهاية. # 48 # وعندما وفدت الفلاحات يبشرن بالفيضان ويبعن البلح، كانت زهيرة تعاني ~~ولادة عسيرة أنجبت في أعقابها راضي الابن الثاني لها. # وسعد به محمد أنور سعادة خففت عنه ويلات الهموم والقلق، وأمل أن ~~يكون فاتحة عهد جديد من زيجة حكيمة موفقة. # وكانت أم هشام الداية تعودها يوما بعد يوم حتى اجتازت العناء ~~بالسلامة. # وفي آخر زيارة همست في أذنها: عندي لك رسالة. # فرمقتها زهيرة بنظرة متسائلة، فقالت العجوز: رسالة من السماء! # فجرى خاطرها إلى عزيز وتساءلت: ماذا عندك يا أم هشام؟ # فقالت ووجهها يكتسي بقناع الإثم الشاحب: رسالة من نوح الغراب فتوة ~~حارتنا. # دق قلبها بالمفاجأة. توقعت شهابا من الشرق فمرق شهاب من الغرب. ~~تمالكت أعصابها وقالت: ألا ترين أني زوجة وأم؟! # فقالت العجوز: ما يمر يوم إلا ونرى الشمس وهي تشرق، ثم نراها وهي ~~تغرب، وما على الرسول إلا البلاغ. # 49 # سرعان ما تقهقر محمد أنور. تخلى عن صلابته الطارئة الزائفة فآوى إلى ~~ضعفه الفطري. لشد ما آمن بأن زهيرة جوهرة، بلا قلب، وأنها تفلت من قبضته ~~مثل الهواء. غير أنه لم يتصور الحياة بدونها. هي روح الحياة وعادتها ~~المسيطرة، وهي شديدة الخطورة لا يؤمن لها جانب. وهل ينسى ما حاق بعبد ربه ~~الفران؟ لا ثقة له فيها، وكلما تزعزعت ثقته نزع أكثر إلى الالتصاق بها ~~والاستحواذ عليها بأي ثمن. وفشله في ذلك يعني فشله في الحياة كلها، في ~~الدنيا والآخرة معا. وسوف يظل الخصام بينها وبين رئيفة مصدر إزعاج له ~~على طول المدى. إنه يعي تماما أنه أتعس الناس، وأن عليه ألا يضن ~~بتضحية. # ها هو مجلس المساء يضمهما معا. هي ترضع راضي فوق ديوان، هو يدخن ~~البوري، جلال يلاعب قطة. الحق أنه لم يعد يطيق جلال. طالما عطف عليه ~~وأحبه في الماضي، ولكن ما إن جاء راضي حتى مقته وتمنى زواله من الوجود، ~~غير أن معاملته له لم تتغير، ظل يغمره بأبوة باسمة كاذبة، يضيف بها ~~إلى أشجانه ms162 عناء جديدا. # وقال لزهيرة وهو يعتقد أنه يفعل المستحيل لاسترضائها وامتلاكها: عندي ~~لك مفاجأة سارة. # فنظرت نحوه بفتور فقال: هدية السلامة! # فابتسمت، فواصل: عقد شراء صوري تصبحين به مالكة لبيتي! # تورد وجهها وقالت بحبور: يا لك من رجل كريم! # إنه بيت من ثلاثة طوابق، وأسفله دكان الفول. وسعد الرجل بفرحتها ~~فاسترد بعض طمأنينته. وأسعدها حقا أن تصبح مالكة. ومن أعماقها شكرته. ~~وشكرته أيضا لاعترافه الضمني بقوتها وندمه على تحديها. ولم يخل ~~وجدانها من ازدراء له، ولم يوقف ذلك انشغالها الدائم بعزيز ونوح ~~الغراب. # عزيز الغني، ونوح القوي. وعزيز ذو قوة أيضا، كما أن نوح ذو ثروة ~~تتزايد مع الأيام. عزيز له زوجة، ونوح له أربعة وقطيع من العيال. لا غنى عن ~~القوة، ولا غنى عن المال. المال يخلق القوة، والقوة تخلق المال. ترى كيف ~~تسير الأمور؟ إنها تؤمن بأنها لم تكد تبدأ بعد. وهي تفكر في ذلك كله وهي ~~قريبة من أنفاس محمد المترددة. # 50 # قرر محمد أنور أن يحصن سعادته بنوح الغراب. زاره في داره وجلس بين ~~يديه في بهو الضيوف كما يجلس الغلام بين يدي شيخ الكتاب. ودون أن ينبس ~~قدم له صرة موحية. تناولها الفتوة. مضى يعد ما فيها، ثم قال: لقد ~~أديت الإتاوة، فلم هذا القدر الجسيم؟ # فقال محمد أنور: أريد أن أستظل بحمايتك. ~~- لك أعداء؟ ~~- وقاية من القدر! # فأعاد إليه الصرة بلا اكتراث وابتسم. خفق قلب محمد بانزعاج غير ~~متوقع، فاتسعت عيناه في ارتياب وجزع. وتمتم نوح الغراب: سبق ~~القدر! # يا للويل! هل لعبت رئيفة لعبتها؟ هكذا تصور؛ لأنه لم يخطر له ببال أن ~~نوح الغراب يعمل لحسابه الشخصي. وقال نوح الغراب: كنت على وشك أن أرسل في ~~طلبك. # فقال محمد أنور بريق جاف: ما الخبر يا معلم؟! # فقال بهدوء مقيت: لأنصحك بتطليق زوجتك! # غاص قلبه في صدره وشعر بالموت. تساءل مذهولا: أطلق؟ لا يوجد في حياتي ~~ما يتطلب ذلك! # فقال له بنبرة قاطعة: طلق زوجتك! # 51 # غادر محمد أنور دار نوح الغراب وهو فاقد ms163 لحواسه الخمس. هل جاء دوره ~~ليعامل كما عومل عبد ربه الفران؟ هل كابد تاجر محترم معاملة مثل هذه من ~~قبل؟ هل تهون عليه حياته وسعادته وكرامته كأنها لا شيء؟! # واجتاحه غضب يائس عصف بتردده ونثره في الهواء. # جن محمد أنور تماما: أقدم على ما لم يقدم عليه أحد من قبل في ~~الحارة. # 52 # ذهب جبريل الفص شيخ الحارة إلى الفتوة نوح الغراب في مجلسه بالقهوة ~~فحياه وقال: حضرة فؤاد عبد التواب مأمور القسم يطلب مقابلتك. # عجب الفتوة وتساءل مقطبا: لماذا؟ ~~- لا علم لي يا معلم، وما على الرسول إلا البلاغ. # فتساءل بتحد: وإذا رفضت؟ # فقال شيخ الحارة بملاينة: لعله يريدك لتقديم خدمة للأمن العام يا معلم، ~~ولا موجب للتحدي بلا ضرورة! # فهز الفتوة منكبيه استهانة وصمت. # 53 # استقبل المأمور فؤاد عبد التواب الفتوة نوح الغراب بترحيب. جلس الفتوة ~~أمام مكتب المأمور متحليا بابتسامة لطيفة وروائح الجلد تفعم أنفه. قال: ~~يسعدني ورب الحسين أن أقابل المأمور. # ابتسم المأمور. كان بدينا متوسط القامة، كث الشارب، حسن ~~الملامح. # قال: يسرني أن أقابلك يا معلم. الفتوة في الواقع من رجال ~~الأمن! ~~- تشكر يا حضرة المأمور. ~~- والفتوة هو فارس الحارة وحاميها أيضا، هو المروءة والشهامة، يد ~~الشرطة وعينها في مجاله، هكذا تقدركم الداخلية. # فكرر وقلقه يتكاثف: تشكر يا حضرة المأمور. # فقال بحزم يتناقض مع مجاملاته: لذلك أتوقع أن يجد المعلم محمد أنور ~~الأمن في كنفك. # فاحمر وجه الرجل وتساءل: هل شكاني إليك؟ ~~- لي وسائلي في معرفة الأخبار، وهبه لجأ إلي فهذا من حقه، ومن واجبي ~~أن أوفر له الأمن، ولكني أقنع بمطالبتك بذلك! # وفصل بينهما صمت. أدرك أن المأمور يحذره وينذره بأسلوب لطيف. # ولما طال الصمت سأله المأمور: ما قولك؟ # فقال نوح الغراب بهدوء مريب: نحن أول من يحترم القانون. # فقال المأمور بحزم: أعتبرك مسئولا عنه! # 54 # لم يحدث شيء كهذا من قبل في الحارة. لم يكن يدخلها شرطي إلا عند ~~الضرورة القصوى، وكافة جرائم الفتوة تنسب عادة إلى مجهول حيال ~~تصميم شهود الزور. فهل ms164 يفعل المأمور فؤاد عبد التواب ما لم يفعله غيره إذا ~~عثر على جثة محمد أنور تحت القبو أو في الممر؟ وكيف واتت الجرأة محمد أنور ~~على الاستغاثة بالمأمور؟ وكيف قبل المأمور أن يتحدى نوح الغراب بأسلوبه ~~اللزج ؟ وبدا لأول مرة أن مأمورا يضع نفسه في كفة ميزان واحد مع فتوة، ~~مخاطرا بهيبته المزركشة! # ولكن ثمة جانبا مجهولا خفي على الناس هو شخصية فؤاد عبد التواب. كان ~~رجلا شجاعا وعنيدا. وقد عرف في ريف الصعيد قبل نقله إلى القاهرة ~~بالسفاح! ولولا تقاليد الداخلية نفسها في سياستها المرسومة مع الفتوات ~~لأقدم بدافع ذاته الجريئة على تصفية الفتونة من الحارات كلها. # لذلك ما كاد يبلغه أن محمد أنور لم يستشعر الأمان المنشود حتى قام ~~بمظاهرة حاسمة ألجمت الألسنة وهزت جذور القلوب. ما تدري الحارة ذات ~~يوم إلا والمأمور يغزوها على رأس قوة مسلحة! ترامت نداءات عسكرية جاذبة ~~للأسماع والأنظار، ثم تراءى جبريل الفص وهو يتقدم بين ثلة من المخبرين، ~~يتبعه ضابط القسم، فالمأمور في حلته الرسمية، وأخيرا طابور ضخم من الجنود ~~المدججين بالسلاح. سار الموكب في تؤدة وحزم حتى اخترق القبو إلى الساحة، ~~وهناك قام بتكوينات عسكرية مدمدمة، ثم رجع على مهل وقد اصطف الناس على ~~الجانبين كأنهم في يوم المحمل. لم يأبه المأمور بالنظر نحو الناس، ولكن ~~عينيه كانتا تتسللان أحيانا إلى النوافذ المكتظة بوجوه النساء. # وعلى مبعدة يسيرة من السبيل اقترب شيخ الحارة من المأمور، ولفت نظره ~~إلى زهيرة في نافذتها باعتبارها محور المعركة الدائرة. ولبث نوح الغراب في ~~مجلسه بالمقهى، أما محمد أنور فقد انقبض صدره في دكانه وتوقع مزيدا من ~~الشر لا الأمان، على حين راح عبد ربه الفران يتابع الموكب بذهول ويقول ~~لمن حوله: سنشهد قريبا قيام القيامة! # 55 # وأكثر من مرة لاحظت زهيرة أن المأمور فؤاد عبد التواب «يصادفها» في ~~السكة الجديدة وهي راجعة من زيارة الحسين. وأكثر من مرة لاحظت أنه يثقبها ~~بنظرة حادة جامحة جائعة. وغمغمت لنفسها «حتى المأمور»! وبدا الميدان ~~ساخرا وحافلا بالفتن مثل ms165 جراب الحاوي المليء بالفئران والقطط والثعابين. ~~وهزها طرب الخيلاء. وتهيأ لها أنها تمتطي نسرا خرافيا يرف ~~جناحاه بالقوة والإلهام والخلق. عزيز، نوح الغراب، فؤاد عبد التواب، السحر ~~والحب وقمة المجد المكللة بالنجوم. وتتابع نبض قلبها، وعند كل نبض ~~تتشكل صورة براقة تخرق كل مألوف. # 56 # واستدعى المأمور محمد أنور إلى مقابلة في سرية مطلقة. أجلسه أمامه وقال: ~~لقد رفعت راية القانون بقوة لم تعرفها حارة من قبل، فهل أتاك ~~الأمان؟ # فهز محمد أنور رأسه في حيرة وقال: لا أدري. # فقال فؤاد عبد التواب بتسليم: صدقت، أنا مثلك، الحق أني أخاف ~~عليك. # فقال محمد أنور بقلق: لا تساوي الحياة مليما في حارتنا! ~~- صدقت، قد يقتلك أي وغد حقير، ماذا يفيدك بعد ذلك لو سحقنا الفتونة ~~واقتلعنا جذورها؟ ~~- أجل ماذا يفيدني! # فتساءل المأمور: هل تسمع نصيحة وإن بدت غريبة؟ ~~- ما هي؟ ~~- طلق زوجتك! # ذهل محمد أنور وتمتم: أنت تنصحني بذلك؟! ~~- إنه أشق على كرامتي مما هو على كرامتك، ولكني أخاف على ~~حياتك. ~~- أكاد أجن يا حضرة المأمور. # فقال المأمور بدهاء: ما هو إلا إجراء مؤقت حتى أسوي الحساب مع ~~الطاغية. ~~- إجراء مؤقت؟ ~~- ثم يعود كل شيء إلى أصله! # تفكر محمد أنور مليا، ثم قال: سأفكر في الأمر بكل جدية. # 57 # رجع محمد أنور إلى بيته وهو يتخبط في اليأس. ومن جوف اليأس دهمه ~~إلهام مباغت، فقال لزهيرة: اجمعي ما خف وغلا، سنهرب الليلة بعد أن تنام ~~الحارة. # ذهلت زهيرة وتمتمت: نهرب! # حتى المأمور نصحني بأن أطلقك! ~~- المأمور؟! ~~- اعترف بعجزه عن حمايتي فلم يبق إلا الهرب. # فطنت إلى ما وراء نصيحة المأمور، ولكنها لم تدر كيف تتصرف مع زوجها. ~~تساءلت بارتياع: أين نذهب؟ ~~- بلاد الله واسعة، معي مال لا بأس به، سننشئ عملا جديدا. # يا للشيطان! يريد أن يبدد أحلامها بضربة واحدة؛ كي تصبح طريدة، ولكي ~~ترتبط به إلى الأبد، كي تئد القوة والوجود، كي تذوب في عتمة الشقاء مثل ~~سماحة. ومن يدري فقد تضطر إلى العمل بيدها من جديد مثل المتسولات؟ ألا ms166 ~~فليهرب الجبان وحده! فليختف من حياتها إلى الأبد! ~~- لا تضيعي الوقت. # فقالت بفتور: بل فكر في الأمر مرتين. ~~- فكرت مائة مرة فلم يبق إلا الهرب. ~~- كلا. ~~- كلا! ~~- إنه مستحيل. ~~- إنه ممكن، ستعرفين ذلك قبل طلوع الفجر. # فقالت بعناد: كلا. # فرمقها بذهول فقالت: إنه التشرد والضياع. # فقال بارتياب: لدي ما يكفينا. ~~- كلا. ~~- ألا ترين أني ها هنا مهدد بالقتل؟ ~~- لقد أخطأت وأنت تعرف ذلك! ~~- ما من حيلة أخرى كانت بوسعي! ~~- وما ذنبي أنا؟ # فقال بنبرة جنونية: على الزوجة أن تتبع زوجها! # فتبدت صلبة نافرة متحفزة للتملص والمقت، ثم قالت: ليس في وسعك أن ~~تحميني! # فضرب صدره بقبضته وهتف: أيتها الأفعى! # وبحركة غريزية تراجعت إلى النافذة، فهتف: تريدين أن تلعبي لعبتك ~~القديمة! # وقرأت الموت في صفرة نظرته اليائسة وتكور قبضته وتصلب عوده، ~~فصرخت بأعلى صوتها مستغيثة من النافذة، على حين وثب نحوها كالنمر. # 58 # كسر الباب. تدفق إلى الداخل نوح الغراب، المعلم عزيز، وجبريل الفص ~~شيخ الحارة. تراجع محمد أنور. سقطت زهيرة مغمى عليها. دوى صوتا جلال ~~وراضي. # شغل الرجال بإعادتها إلى الوعي. أفاقت. اختفى محمد أنور تماما. نظر ~~نوح الغراب إلى جبريل الفص نظرة ذات معنى، فقال شيخ الحارة بنبرة رسمية: ~~جريمة شروع في القتل وهرب! # فتمتم عزيز: يكفي أنه هرب. # فتساءل نوح الغراب: والجريمة؟ # وقال جبريل الفص: الجريمة واضحة مثل الشمس ونحن شهودها! # وقال عزيز مخاطبا زهيرة: أدعوك إلى البيات عند أمي هذه الليلة! # 59 # اختفى محمد أنور دون أن يطلقها. سرعان ما رجعت إلى شقتها. ثملت بادئ ~~الأمر بشعور الحرية، ثم آمنت بأنها ما زالت مشدودة إلى زوجها برباط الزوجية. ~~رغبت بشدة في الانطلاق، واجتاحتها نفثات الأحلام الذهبية. # صممت على ألا تضيع دقيقة من حياتها. وزارت المعلم عزير سماحة الناجي ~~وقالت له: هرب وهو الآن يمارس انتقامه من بعيد. # أدرك عزيز ما تعنيه. وجد فيه عذوبة وسحرا. ثمل بالغبطة والأمل. # سألها: كيف تتيسر لك الحياة؟ ~~- إيراد البيت يوفر لي عيشة الكفاف. # فقال برقة: لست وحيدة فثقي من ذلك. # فحنت ms167 رأسها امتنانا وقالت: الشكر لك، ولكني أريد أن أؤمن حياة ~~الطفلين. # فتساءل وقلبه يخفق: ماذا عندك من رأي؟ # فقالت بجرأة: أطالب بالطلاق باعتباره مجرما هاربا. # هكذا انفتح أمامه باب المجهول عن مغامرة مزلزلة، فقال: علينا أن ~~نفكر في ذلك. # 60 # وشغل المعلم عزيز بمتابعة محاكمة محمد أنور غيابيا وتوكيل محام ~~للمطالبة بالطلاق، وظل قلقا معذبا بين رغبته وبين سمعته، بين قلبه وبين ~~احترامه لألفت وصديقه محمد أنور، على حين تتابعت الأحداث من وراء ستار ~~معلنة عن أهوائها الحارة الجنونية. # 61 # وجاء أول طارق في الليل. فتحت الشراعة فرأت شبحا، وشمت رائحة ~~مثيرة للحنان والتقزز. تساءلت بريبة: من في هذه الساعة من الليل؟ # فجاءها الصوت القديم قائلا: عبد ربه الفران. # تحركت أعماقها بالرغبة والغضب معا. هربت من ضعفها متسائلة بحدة: ~~ماذا تريد؟ # فقال بنبرة مخمورة متوسلة: لنرجع إلى حياتنا. ~~- مجنون وسكران. ~~- أنا زوجك الوحيد. ~~- اذهب وإلا ناديت الناس. # أغلقت الشراعة وهي تموج بالغضب والمقاومة. # 62 # تسلل إلى بابها في نفس الليلة جبريل الفص شيخ الحارة. دخل متلفعا ~~بالحذر والخوف، وسرعان ما قال عقب جلوسه مباشرة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~ولكن لا مفر من إبلاغ الرسالة. # قالت وهي تخمن ما وراءه كما تخمن مخاوفه: هات ما عندك. ~~- حضرة المأمور يطلب يدك! # صدق التخمين. إنه يخشى في الوقت نفسه أن يفطن نوح الغراب إلى دوره. ولكن ~~ما المأمور؟ ماذا يستطيع أن يعطيها إلا اسما ومظهرا فارغين؟ # ربما كان عزيز أفضل الثلاثة، ولكن نوح الغراب قوة لا يمكن تجاهلها، وهو ~~أيضا القوة الحقيقية والسيطرة غير المحدودة. ~~- ما قولك يا ست زهيرة؟ ~~- هل يسكت نوح الغراب؟ ~~- المأمور متكفل بأمره! # فقالت بمكر: لي طفلان، دخلي محدود، والمأمور متزوج وأب. ~~- هو أدرى بطاقته. # فترددت قليلا، ثم قالت: وأنا أدرى بما أريد! # فتساءل جبريل الفص: تفضلين أن تكوني خليلة للغراب على أن تكوني حليلة ~~لحضرة المأمور؟! # فهتفت بحدة: إني أشرف هانم في الحارة! # 63 # قبل أن يذهب جبريل الفص جاءت أم هشام الداية فأخفتها في حجرة أخرى. ms168 ولما ~~خلت إليها قالت العجوز: لا شيء يقف في سبيلنا الآن. # فقالت زهيرة: نوح الغراب على العين والرأس، ولكنه متزوج من أربع! ~~- تحلين محل إحداهن! # فقالت بكبرياء حادة: زهيرة لا تكون ضرة لامرأة! # فتساءلت العجوز بدهشة: يطلق الأربع؟! # فقالت بإصرار: هو حر فيما يفعل وما يشاء ! # 64 # وطلق نوح الغراب زوجاته الأربع. # زلزلت الحارة بالخبر، كما زلزلت به أسرات أربع، وتردد اسم زهيرة على ~~الألسنة كأنشودة للجبروت والقسوة. تلقى المأمور الخبر فعض عل شفته، وعلم به ~~عزيز فذهل، ولكنه انطوى على أساه في صمت. # ومن المصادفات أن جاء خبر موت رمانة في سجنه في يوم الزفاف، وفي اليوم ~~نفسه انتحرت رئيفة هانم حزنا على رمانة مشعلة النار في نفسها! # وسارت زفة نوح الغراب في موكب ضخم، وفي أمان من عهود الصداقة بينه وبين ~~فتوات الحارات المجاورة. غير أنه حدثت مفاجأة في الدراسة لم يتوقعها أحد؛ ~~إذ تحرش فتوة العطوف بالزفة خارقا العهد والذمة. # كيف حدث ذلك؟ ولماذا حدث؟ # على أي حال نشبت المعركة دامية. وسرعان ما ظهرت قوات من الشرطة كأنما كانت ~~متربصة للحظة مناسبة. # عملت القوات على فض المعركة بلا هوادة. # وإذا برصاصة تصيب العريس فترديه قتيلا. # 65 # اشتعلت الحارة بالخبر. شيعت فتوتها في جنازة مهيبة. وفزعت زهيرة للخبر ~~أيضا. فزعت أكثر مما حزنت. اغتمت لاقتران زفافها بالفجيعة. # أسفت لأنها لم تستمتع بالفتونة إلا ساعات. تقول الحاسدون - وما أكثرهم ~~-‏ بأن زيجتها الجديدة صادفت مصيبتين وجرت ست مصائب. # صادفت موت رمانة وانتحار رئيفة. وجرت القضاء على محمد أنور، وتطليق ~~أربع نساء، ومصرع نوح الغراب؛ فأي شؤم يسير بين يدي هذه المرأة الجميلة ~~التي لا يقف طموحها عند حد! اكتأبت لذلك، ولكنها صرفته عن بالها بإرادة من ~~حديد. وحسبت الثروة التي ستئول إليها ببهجة عميقة استقرت تحت قشرة ~~الحداد. سرعان ما أفاقت من الصدمة فغمرها الارتياح. ها هي تتمتع ببعض جاه ~~الفتونة دون أن تؤدي ثمنها لرجل لم تشعر نحوه بأي عاطفة طيبة قط. # الأجدر أن تعترف بأنه قتل في اللحظة ms169 المناسبة قبل أن ينتهك حرمة ~~جسدها الجميل. وإنه لقي الجزاء الذي يستحقه كل طاغية قذر. وأي امتهان ~~كان يلحق بالناجي العظيم إذا استسلمت حفيدته الرائعة لمجرم فاسد في لباس ~~فتوة؟ وقالت إنه لا ملامة عليها إلا إذا ليمت ريح أبية لاقتلاع شجرة خاوية ~~نخرها السوس. # 66 # وجرى همس متوتر بأن المأمور فؤاد عبد التواب يكمن وراء التدبير المحكم ~~الذي انتهى بهلاك نوح الغراب، وأنه أزاحه من طريقه لا دفاعا عن الأمن، ولكن ~~طمعا في الاستحواذ على زوجته الفاتنة زهيرة. # وضاعف من سوء الظن به تدخله العجيب لمنع اختيار فتوة جديد للحارة، ~~فمضت الحياة في الحارة بلا فتوة يضبطها لأول مرة في حياتها الطويلة ~~العريقة، وشعر الناس بمذلة لم يشعروا بمثلها من قبل. # وتساءل المتسائلون متى يحسر المأمور القناع ويتقدم للزواج من ~~زهيرة؟! # 67 # واستأذن شيخ الحارة في مقابلتها. أدركت في الحال ما وراء المقابلة. بدت ~~فاترة حيال المأمور. إنها اليوم أغنى من المأمور وقسمه جميعا. عزيز سماحة ~~الناجي لؤلؤة ثمينة صالحة لتتويج أحلامها. عيبه أنه سيد محترم نبيل ورث عن ~~جده نبله دون قوته وجرأته. لقد عشق الجد ذات يوم امرأة يتنافس فيها ~~ابناه، فأدب الابنين وتزوج المرأة! أما عزيز فعاشق يكتم الحب، ينطوي ~~عليه، يتجنب الخطأ، ويتوغل في العمر. ربما كان بوسعها أن تسحره وتملكه، ~~ولكن ما جدوى ذلك وثمة رجل عنيد مجرم ‏- المأمور- لا يتورع عن أن يدبر ~~لعزيز مثلما دبر لنوح الغراب؟! # آه يا نسمة الأمل المضيء الهائمة فوق السحاب! # 68 # وقالت لجبريل الفص: ليكن معلوما أني لا أرضى بضرة! # فقال شيخ الحارة: معروف أن زوجة المأمور تكبره مثل أم، وهي غنية، فهل ~~تسدين الفراغ؟ ~~- ماذا يوجب علي ذلك؟ # فقال شيخ الحارة محذرا: إنه مصيبة من مصائب الزمان. # غضبت. كتمت غضبها تماما. نشط خيالها وتصلبت إرادتها. تظاهرت ~~بالاستسلام وهي تقول: لينتظر العدة وعند الله التوفيق. # فتهلل وجه شيخ الحارة وتمتم: الحمد لله رب العالمين! # 69 # لم تفرط في دقيقة بلا عمل. اقتحمت حجرة المعلم عزيز مثل نسمة ثملة ms170 ~~بالندى والعطر. أنيقة حزينة المظهر، ذات نظرة فاتنة مبتهلة. لمحت تورد ~~وجهه، واختلاج عينيه، وجيشانه بالانفعال، فقالت بنعومة مستغيثة مؤثرة: ~~ما حيلتي وليس لي في الضيق سواك؟! # ها هو يعترف بالحب كل شيء فيه إلا لسانه. قال: أهلا بك يا زهيرة ~~هانم! ~~- فانتشت بالأدب وتساءلت: ماذا أفعل؟ هل أستسلم للمأمور السفاح ؟ # فتساءل عزيز مستنكرا: طلب يدك؟ ~~- بلا حياء. # قطب الرجل، فقالت: أي خاتمة لامرأة سيئة الحظ لم تحظ مرة ~~واحدة بحرية اختيار شريك حياتها. # فقال بتأثر واضح: لا ترضي بما تكرهين. ~~- أعترف لك بأني أخشاه! # فقال بحدة: كلا! ~~- إنه مجرم كما يعلم الجميع، هو الذي قتل نوح الغراب. ~~- مجرم قتل مجرما! # فقالت بهدوء: أجل، لو استجوبت الداخلية رجال العطوف لوقفت على ~~الحقيقة. # ونظرت إليه مليا، ثم قالت: القضية تتطلب رجلا محترما يمكن أن ~~تسمع كلمته في الداخلية! # وانجابت سحابة الصيف عن وجه الشمس المنير. # 70 # صدر أمر مفاجئ بنقل المأمور فؤاد عبد التواب إلى الصعيد. خلت السماء ~~من نذر العواصف المهلكة. وتربع صيف مزدهر بالبطيخ والشمام والعنب. ~~سرعان ما وثب إلى الفتونة سمكة العلاج. أما زهيرة فقد أسكرتها الخيلاء، ~~فآمنت بأنها الفتوة الحقيقي وراء الأحداث. قالت أنا العقل، أنا الإرادة، أنا ~~الجمال، أنا الفوز. رمقت جلال وراضي بحنان وهمست: ليكن مجدكما فوق كل ~~مجد! # 71 # وبادرت إلى زيارة المعلم عزيز الناجي لتشكره، فقالت منشرحة الصدر: هكذا ~~يكون الرجال وإلا فلا. # فابتسم الرجل المفتون وتمتم: يسعدني أنك سعيدة. # فقالت بدلال: نجوت من الوباء مثل جدنا العظيم. # ثم بحزن: أما السعادة .. # فرنا إليها مستطلعا، فقالت: ما هي السعادة حتى يحق لنا أن ~~ندعيها؟ ~~- لعلها تعرف بالفطرة! ~~- متى يمكن أن تصف امرأة مثلي بأنها سعيدة؟ # فقال مخفيا اضطرابه: لا ينقصك اليوم شيء. # فقامت في رشاقة. نظرت إليه طويلا حتى ذابت إرادته أو كادت. قالت وهي ~~تمضي: ينقصني أهم شيء في حياة الإنسان! # 72 # استسلم المعلم عزيز لقدره، أقر لضعفه بالقوة الخارقة، كأنه السور ~~العتيق، كأنه بوابة التكية. كما وقع لجده ذات ليلة في ms171 الخمارة. وأغرب ~~الجنون ما يصيب المرء في كهولته. استرق النظر طويلا إلى أمه عزيزة طويلا ~~وهو منفرد بها في جناحها. تمتم: أمي. # قالت وهي تشعر بغرابة الجو: هات ما عندك. # فقال بهدوء: تشاء إرادة الله أن أتزوج مرة أخرى. # ذهلت الهانم. رنت إليه طويلا. تساءلت: حقا؟! ~~- أجل. ~~- من؟ # قال بعد تردد: زهيرة! # هتفت عزيزة محتجة: كلا! ~~- هي الحقيقة. # فهتفت: الأفعى! # فقال بتوسل: أمي لا تتسرعي في الحكم! ~~- الأفعى! ~~- طالما أحببتها يا أمي. ~~- وطالما أحبتها ألفت، ولكنها أفعى! ~~- إنها امرأة سيئة الحظ. # فابتسمت عزيزة في حزن وتمتمت: رئيفة أخرى. # فقال بتوسل: لا تأخذي بالظواهر. ~~- كيف سحرتك يا سيد العقلاء؟ ~~- أمي، إني أدري ما أفعل تماما. # فتأوهت الأم وتساءلت: وألفت الأصيلة؟ # فقال بتصميم: ستظل سيدة الدار وأم الأبناء. ~~- ترى ألا زلت تحترم أمك؟ ~~- كل الاحترام يا أمي. ~~- إذن فاعدل عن رأيك! # فقال بأسى: لا أستطيع. ~~- سحرتك يا بني. ~~- من حقي عليك أن تسعدي لسعادتي. ~~- أنسيت ما حصل لعبد ربه ومحمد أنور ونوح الغراب؟ # فقال باستياء: ظلموها جميعا! ~~- كانت هي الظالمة، وإنك تهب نفسك للشقاء. # فتمتم بهدوء: إنما الأعمال بالنيات. # فقالت عزيزة بحنق: هذه الوضيعة الخسيسة. # فقال محتجا: أصلنا واحد يا أماه! ~~- أصلكم الذي تفخرون به هو الخير لا الدم! ما حصل لعبد ربه ومحمد من أصلكم. ألم يكن رمانة قاتل أبيك من ~~أصلكم؟! ألم يكن وحيد من أصلكم؟ # قال بهدوء: ما قدر كان. # 73 # زفت زهيرة إلى عزيز قرة الناجي. قاطعت عزيزة هانم الفرح. لم تعترف به، ~~وعاشت في الدار مع ألفت والأبناء في كدر أبدي. وابتاع عزيز دار نوح الغراب ~~من ورثته فأهداها إلى زهيرة. جدد أثاثها ورياشها وتحفها جاعلا منها ~~عش حبه الخالد. وقد احترم حقوق ألفت هانم كاملة، لم يضن عليها وعلى ~~أولادها بالرعاية المثالية والحب الوقور، غير أنه لم يعرف الحب الحقيقي ~~إلا في مغيب كهولته. # 74 # ونعمت زهيرة بشعور رهيف خيالي مثل الإلهام المشرق، هو الفوز في جلاله ~~والحلم في أبهته وكماله. الدار والثروة والجاه وسيد الوجهاء. ms172 لم تبتئس بغضب ~~عزيزة ولا حزن ألفت، وإن كان ثمة كبرياء فهي سيدة الكبرياء وأحق الناس بها ~~بما وهبها الله من جمال وذكاء. آمنت بأنها فتوة في إهاب امرأة، وأن الحياة ~~المقدسة لا تمتثل إلا للأقوياء. ولأول مرة تجد بين يديها زوجا تحترمه ~~وتعجب به ولا تفرط فيه، أما الحب فطالما قهرته في سبيل ما هو أعظم ~~وأجل، وطالما قالت لنفسها: «لست امرأة ضعيفة مثل غيري من النساء.» # واستمتعت بجاهها بكل سبيل؛ فعند الأصيل تتوسط الدوكار مجلسة جلال ~~وراضي في المقعدين أمامها، ويمضي الدوكار على مهل مجلجلا برنين جرسه الفضي، ~~وهي متسلطنة كملكة، تومض عيناها الساحرتان من وراء الياشمك. والناس يتطلعون ~~إليها في إعجاب وحقد وذهول. تتذوق جمال اللحظة في أناة واستيعاب، منتشية ~~بإلهام سام مجنح يجعل من الدنيا ماسة في أصبعها، تعكس صورتها المليحة ~~الفاتنة. # وتزور الحسين، وتسر بتجمهر الشحاذين حولها، وتهب العطايا ~~والصدقات. # 75 # وأنجبت لعزيز ذكرا أسماه شمس الدين، فازدادت الدنيا جمالا وكرما. وعلى ~~حين مضت هي تتألق جمالا وشبابا، مضى المعلم عزيز ينحدر نحو شيخوخة ~~مبكرة‏. وعاملت أسرتها بكرم فاق كل تصور، فعاشت أمها وأخواتها ~~حياة رغدة. وحيرها سؤال لحوح؛ ماذا عليها أن تفعل كي تخلق لنفسها سيرة ~~فذة لم تحظ بها امرأة من قبل؟! # 76 # وذات مرة غادرت جامع الحسين كالعادة وسط مظاهرة من الشحاذين والمجاذيب. ~~أجلست جلال وراضي على مقعديهما، وهمت بالصعود عندما سمعت صوتا قريبا يهمس: ~~زهيرة. # نظرت نحو الصوت فرأت محمد أنور يطالعها بوجه الموت. انذعرت مندفعة نحو ~~الدوكار، ولكن الرجل رفع عصا غليظة وهوى بها بكل قوته على رأسها النبيل ~~الجميل فتهاوت على الأرض صارخة. وظل يضرب الرأس بوحشية حتى هشمه تماما ~~غير مبال ببكاء جلال وراضي. # لم يبق من وجه البهاء والجمال إلا عظام محطمة غارقة في بركة من ~~الدم. # | جلال صاحب الجلالة # الحكاية السابعة من ملحمة الحرافيش # 1 # أصاب مصرع زهيرة المعلم عزيز بطعنة وحشية لا دواء لها. تراءى في ~~الجنازة والمأتم كشبح فقد النعمة والأمل، ونبذ تماما من ms173 جسد الحياة. تضاعف ~~ألمه بقدر ما تماسك أمام الناس. تبدت له الدنيا عجوزا ماكرة قاسية لا ~~حد لمكرها ولا لقسوتها، فأضمر نحو كافة وعودها الرفض والمقت. # وزارته أمه عزيزة هانم، فاستقبلها بفتور وعتاب صامت، ولكنها بكت ~~وضمته إلى صدرها وهمست في أذنه: لا يجوز أن نتخاصم تحت ضربات ~~القدر! # ولثمت جبينه، ثم واصلت متنهدة: كأني ما خلقت إلا للحزن والأسى. # وانزلقت فوق قلبه كلمات العزاء فلم تترك أثرا. # 2 # وعقب الوفاة بأشهر أصيب المعلم عزيز بالفالج. لم يمهله المرض إلا ~~أسابيع، ثم فاضت روحه، وحزنت عزيزة حزنا مهلكا. لم يجر لها في خاطر أنها ~~ستدفن وحيدها النبيل، وأنها ستبقى بعده يوما واحدا تتنفس. عاودها الحزن ~~كأشد ما كان على فقد قرة، وكأنها مخلوق مهيب لا يتجلى جلاله إلا في ~~رحاب الحزن الكبير. عزيزة الجميلة النبيلة التي قطعت حياة معاندة تبذر ~~الصبر وتحصد الألم. # واحتراما لوصية عزيز ضمت راضي إلى دارها مع شمس الدين، ورغم العناية ~~البالغة بشمس الدين فإنه مات في شهره الثامن، أما جلال فأخذه أبوه عبد ربه ~~الفران. # 3 # اهتزت الحارة لمصرع زهيرة. هزها صراع الحظ مع القدر. التمست ~~العبرة في ثنايا الأحداث وتقلبها. تساءلت لم يضحك الإنسان؟ لم يرقص ~~بالفوز؟ لم يطمئن سادرا فوق العرش؟ ولم ينسى دوره الحقيقي في اللعبة؟ ~~ولم ينسى نهايته المحتومة؟ ولم تخل الحنايا من أسى، ولكن سرعان ما غرق ~~الأسى في خضم الحقد والغضب. وانصبت اللعنات، وقيل هذا جزاء الظالمين. وعزيز ~~النبيل لم يحترم أحد حزنه، واتهم بخطف زهيرة من عبد ربه الفران، ولم يحزن ~~أحد لموته الحزن الذي يستحقه. وقال الحرافيش إن أسرة الناجي أصبحت مسرح ~~الحزن وأمثولة العبر جزاء خيانتها لعهد جدها العظيم صاحب الكرامات ~~والبركات. # وفي ذلك الوقت تنكر الجو في برمودة، فتلبدت السماء بالغيوم على ~~غير ميعاد، وانهل مطر غريب، ثم تساقط وابل من البرد، فذهل الناس وعجبوا. ~~وجفت قلوبهم، ولكنهم غمغموا حيارى: «لعله خير يا رب العالمين!» # 4 # لم يكتب على طفل ما كتب على جبين جلال ms174 بن زهيرة بن عبد ربه الفران ~~من المعاناة والألم. منظر تهشيم رأس أمه الجميلة انغرز في أعماقه. كابوس ~~دام يعذب يقظته ويكدر أحلامه. كيف تأتى لهذه القسوة أن توجد؟ كيف ~~أمكن أن يلقى جمال نبيل تلك النهاية البشعة؟ لماذا وقع ذلك؟ لماذا صمتت ~~أمه؟ لماذا اختفت؟ وماذا جنى حتى يحرم من جمالها وحنانها وأبهة الحياة ~~النابعة منها؟ لم لا ترجع الأيام إلى الوراء كما تتقدم إلى الأمام؟ لم نخسر ~~ما نحب ونعاني ما نكره؟ لماذا تذعن الأشياء لأوامر صارمة؟ لماذا ينقل من ~~الدار الفاخرة إلى مسكن عبد ربه الفران؟ ومن هو عبد ربه الفران؟ ولم ~~يطالب بالاعتراف به أبا له؟ إنه ابن أمه بلا شريك. هي أمه ومبدعه ~~ومهده وحبه. إنها روحه ودمه، صورتها مطبوعة على وجهه، صوتها يشدو في أذنه، ~~وأمل استرجاعها ذات يوم لا يخبو في قلبه. # إن العظام المحطمة الغارقة في بركة الدم لا تنسى إلى الأبد. # 5 # تغيرت دنيا عبد ربه الفران أيضا. بفضل الثروة التي ورثها جلال انتقل ~~من البدروم إلى شقة محترمة. ابتاع الفرن من صاحبه باسم ابنه، وراح يديره ~~إدارة سيئة لإدمانه الخمر. ارتدى الجلباب الأبيض والعباءة الملونة، توج ~~رأسه باللاثة المزركشة، واختفت قدماه الغليظتان لأول مرة في مركوب أحمر. ~~وقال لنفسه بتشنج: «تمتع يا عبد ربه بجاه زهيرة.» ولم يجد من يحاسبه على ~~العبث بمال جلال الصغير. ورغم الخمر والأسى تعلق قلبه بجلال. رنا مبهورا إلى ~~جمال زهيرة المطبوع على محياه. إنه يذكره بأسعد أيامه وأشقاها. ولا يألو ~~جهدا في استئناسه وطمأنته وكسب مودته، ذلك الصغير الجميل النافر. # 6 # واستيقظ جلال ذات ليلة قبيل الفجر وهو يبكي، فأيقظ أباه المخمور. انزعج ~~عبد ربه ومسح على شعره الأسود الناعم متسائلا: حلمت يا جلال؟ # فسأله وهو يجهش: متى ترجع أمي؟ # وضاق به من ثقل رأسه، فقال له: ستذهب إليها بعد عمر طويل فلا ~~تتعجل. # 7 # وجاءت سيرة زهيرة ذات ليلة في البوظة، فقال سمكة العلاج الفتوة: أول ~~امرأة يقتل بسببها فتوة عظيم. # فتظاهر عبد ms175 ربه بالرجولة وقال: نالت جزاءها! # فقال جبريل الفص شيخ الحارة: لا تدع الشفاء من الحب. # فقال عبد ربه متحديا: أخاف أن يكفر مصرعها عن شرها فتقسم لها ~~الجنة! # فقال سنقر الشمام الخمار ضاحكا: إنك تتمنى لها النار لتضمن لنفسك ~~لقاءها! # فتأوه وقال متخليا عن تظاهره: يا للأسف! هل بات الجمال الفتان ~~حقا طعاما للدود! # ثم قال بصوت هادر: صدقوني، أحبتني لدرجة العبادة، ولكنها كانت ~~مجنونة . # وراح يغني بصوت كالنهيق: # يا بو الطاقية الشبيكة قل لي مين شغلها لك؟ # شبكت قلبي إلهي ينشغل بالك # 8 # ودخل جلال الكتاب. ولد مليح ذكي فائق الحيوية قوي المبنى. ويوم ~~طولب أن يحفظ # كل نفس ذائقة الموت # سأل سيدنا: لماذا الموت؟ # فأجابه الشيخ: حكمة الله خالق كل شيء. # فتساءل جلال بعناد: ولكن لماذا؟ # فغضب الشيخ. مده على الفلقة، ثم ألهب ظهره بالجريدة. صرخ باكيا. لم ~~يسكن غضبه طيلة اليوم. ما كان يقع له شيء من ذلك لو أن أمه ما زالت ~~تتألق بالحياة، والحياة تتألق بها. # 9 # وتعرض جلال في الكتاب والحارة لحملة صفراء قاسية. كل ولد ~~يعيره هاتفا «ابن زهيرة». دائما ابن زهيرة. أهي سبة يا أشقياء! ويرجمونه ~~بشظايا من سيرتها المجهولة له: الغادرة، الخائنة، المزواجة، المتكبرة، ~~القاسية، الخادمة، الهانم المزيفة. # ويهرع إلى أبيه فيسأله: لماذا يسبون أمي؟ # فيلاطفه مواسيا فيقول: كانت أجمل من الملائكة. # فينصحه أبوه قائلا: أخرسهم بالصبر. # فيتوارى جماله خلف عبوسة ناقمة، ويتساءل محتجا: الصبر؟! # فيرمقه أبوه بانزعاج. # 10 # وتتسلل إليه سيرة أمه؛ كلمة من هنا وكلمة من هناك. إنه يرفض أن ~~يصدق. وإذا أرغم على التصديق رفض أن يعتبر الأمر مخزيا. ستظل أمه ~~ملاكا مهما فعلت. وما العيب في أن يتطلع الإنسان إلى هلال المئذنة؟ ولكن هل ~~يجدي منطق مع أولاد شياطين؟! # هكذا اضطر جلال إلى أن يخوض معركة بعد معركة. الحق أنه كان ~~يتمنى غير ذلك. طالما أحب الود والتمس حسن العلاقة والصداقة. الأولاد ~~يستهينون بذلك ويرومون المشاكسة، وهو صلب عند التحدي، عنيد حيال ~~المستحيل، ادرع بخشونة ليست من ms176 طبعه، رد على الكلمة بضربة، تكاثرت ~~مشاجراته وتوكدت انتصاراته، انقلب غلاما مخيفا وعرف بالشيطنة، رفعته القوة ~~وأخرست خصومه فثمل بها وعبدها. # 11 # وفي الكتاب التقى من جديد بأخيه راضي. إنه ابن القاتل، ولكنه ضحيته ~~أيضا، وهو غلام رقيق مهذب وضعيف، ومثله يعير بابن زهيرة فيجهش في ~~البكاء. وتصدى للدفاع عنه حتى أسكت خصومه. وتعلق به الغلام وقال له: إنك ~~أخي وإني بك لفخور! # كان راضي دونه قوة وجمالا، ولكنه كان بالغ التهذيب. وقال له مرة: ~~أدعوك للغداء معي. # 12 # وذهب جلال إلى دار المرحوم عزيز الناجي. رأى عزيزة هانم العجوز النبيلة، ~~كما رأى ألفت هانم. قبل يديهما، فرحبا به، ودهشا لجماله وصحته. ورأى ~~أيضا قمر صغرى بنات المعلم عزيز. بنت جميلة خفيفة الروح تصغره ~~بعامين. # بهره جمالها. نظر إليها طويلا في أثناء الغداء وبعده، ولما انفرد ~~براضي قال له: ألا ترى أن قمر جميلة مثلما كانت أمنا؟ # فهز راضي رأسه بلا اكتراث، فقال جلال: يا لك من سعيد بمشاركتها دارا ~~واحدة! # فقال راضي: لا يعجبني إلا صوتها! # 13 # ناهز جلال المراهقة. أدرك أبعاد حياته؛ خيرها وشرها. آمن بعناد أن ~~أمه كانت أعظم امرأة عرفتها الحارة، وبأنه سليل الناجي العظيم الذي لم ~~يعرف سر اختفائه حتى اليوم. لم يكن فتوة مثل سمكة العلاج، ولكنه كان ~~وليا وصديقا للخضر. وحطم جلال في الخيال رءوسا مليئة بالعناد والشر، ~~وصادق ملائكة ذوات أجنحة ذهبية، وطرق باب التكية ففتح له على مصراعيه، ~~وطارده قلق متلفع بظلمة الليل، وظلت قمر تومئ إليه من نافذة ~~المشربية. # وتساءل بزهو: ما عيب أمي؟ كانت تبحث عن رجل مثلي فلم يسعدها به ~~الحظ في حياتها التعيسة القصيرة! # 14 # وأشركه عبد ربه الفران في إدارة الفرن. وأثبت جدارة وذكاء وهمة ~~عالية. وأعجب به الأب أيما إعجاب، ومضى يتخلى له عن مسئولياته، مسلما ~~بكليته لقرعة البوظة. تدهور عبد ربه، وزاده توفر النقود بين يديه ~~تدهورا. وبفخار وإعجاب مضى ينظر إلى ابنه جلال. يراه وهو يسيطر بقوة ~~شخصيته على العمال، ويستحق احترام العملاء ms177 رغم سمعة أمه السيئة. ~~ويراه وهو يصلب عوده، وتشتد أطرافه، ويتعملق هيكله، وتتدفق الحيوية ~~في بنيانه، ويتألق بالجمال الفريد وجهه. # ولم يبق لجلال من ثروته إلا الفرن، ومن الماضي إلا ذكريات أليمة، حتى ~~بسمات المجاملة فوق الشفاه لا تخدعه؛ فهو على يقين من أن وراءها تتلاطم ~~همسات السوء عن أمه الجميلة، ولكن المستقبل يعد بخير كثير لمن كان في ~~مثل قوته وجماله، وصورة قمر بنت عزيز تعد أيضا بأعذب الآمال. # 15 # كان يجلس في العصاري أمام الفرن يراهن على ديكه في مصارعات الديوك، تلك ~~كانت هوايته المفضلة. ويرنو أحيانا بهيام إلى قمر وهي جالسة إلى جانب ألفت ~~هانم في الدوكار، ويتذكر عهد صباه، وتردده على دار عزيزة هانم، ~~وملاعبته لراضي وقمر، تلك الأيام السعيدة. ولكنها انقطعت بسرعة عندما أنس ~~من عزيزة وألفت فتورا في استقباله. لماذا احتضنتا راضي ونفرتا منه، على حين ~~أنهما معا ابنا زهيرة؟ لا سبب إلا احترام وصية المعلم عزيز من ناحية، والشبه ~~الملموس بين وجهه ووجه المرحومة أمه، فهو يذكر المرأتين بالراحلة ~~المقيتة. # وتبقى بعد ذلك الهوة الفاصلة بين فران سيئ السمعة مثله، وبين كريمة ~~المعلم عزيز ذات الأصل والأبهة. ولكنه يحبها حبا ملك عليه حواسه وعقله، ~~ويلمس في نظرة عينيها المتألقتين استعدادا طيبا وميلا واضحا، فهل ~~يتهيب حظه السعيد كالجبناء؟! # 16 # وأدرك ما فعله أبوه بثروته فعاتبه على ذلك معاتبة ساخنة. ومنعه من ~~التدخل في العمل وهو يقول: ستعيش راضيا مكرما. # ولكن أباه كان مصدر إزعاج لا ينتهي. إدمانه الخمر مهلك للصحة والكرامة. ~~يسهر كل ليلة في البوظة، ويتسلى ببث شكاته من ابنه، يقول: يعاملني كما ~~لو كنت أنا الابن وهو الأب، يحاسبني حساب الملكين. # أو يتساءل وهو يقهقه: هل سمعتم عن ابن يزجر أباه لأنه يروح عن نفسه ~~بقرعة أو قرعتين؟ # وكان يتكلم بحب لا عن حقد، ويمضي في التساؤل: هل نسي وصية ربنا ~~بالوالدين؟ # وعجز جلال عن أن يجعل من أبيه رجلا محترما. وقد أراد ذلك عن حب من ~~ناحية، ورغبة في محق ms178 عقبة من العقبات التي تعترض طريق حبه من ناحية أخرى. ~~وحزن عبد ربه لإساءته غير المقصودة لابنه الجميل. قال له مرة كالمعتذر: ~~أمك كانت السبب. انظر إلى نهايات من أحبوها من الرجال. # وقطب جلال محتجا، فقال عبد ربه: محمد أنور شنق، نوح الغراب قتل، ~~المأمور نفي، عزيز مات غما، أما أنا فأسعدهم حظا. # فقال جلال متوسلا: تجنب ذكر أمي بسوء يا أبي. # فتمتم: لا تحزن ولكن فكر. تريد أن تتزوج من قمر، لا تظنني عقبة يا ~~بني، ذكرى المرحومة هي العقبة، كيف تصورت أن ألفت هانم تعطي كريمتها لابن ~~زهيرة؟! # فهتف جلال: لا تعبث بجراحي. # فقال له الرجل بحنان: أنصحك ألا تتزوج من امرأة تحبها، وألا ~~تحب امرأة إذا تزوجتها. اقنع بالمعاشرة والمودة، واحذر الحب فإنه ~~مكيدة. # 17 # وعلم جلال ذات ليلة أن أباه يعربد في ساحة التكية. هرع إليه من فوره ~~فوجده يحاكي الأناشيد بصوت منكر، فساقه إلى البيت من ذراعه وهو يقول له: ~~الحارة تغفر أي شيء إلا هذا. # ولما نام الرجل وجد جلال من نفسه رغبة حارة للعودة إلى الساحة. لم ~~يخل إلى نفسه أمام التكية من قبل. وكانت الليلة حالكة السواد. تتوارى ~~النجوم فوق سحب شتوية كثيفة، وكان البرد قارسا فحبك العباءة حوله ~~وطوق وجهه باللاثة. وغمرته الأناشيد مثل أمواج دافئة. تذكر رواد ~~المكان من آل الناجي؛ الجد الأول الذي ذاب فيه مثل سر مكنون. وهمس له صوت: ~~إنما يمتاز الرجال بتحدي الصعاب. وسرعان ما ملأ أعطافه إلهام سخي ~~بالبشر والفوز. # عقد صداقة مع الظلمة، مع الصوت، مع البرد، مع الدنيا كلها. صمم على ~~الطيران فوق العقبات مثل طائر خرافي. # 18 # وفي أثناء ذلك اشترى راضي محل الغلال بماله الموروث عن أمه، وتزوج ~~من نعيمة حفيدة نوح الغراب. تشجع جلال فقابل عزيزة هانم، وقال لها بثبات: يا ~~ستنا النبيلة، أريد يد قمر حفيدتك. # فنظرت إليه طويلا بعينيها الذابلتين، وقالت بصراحة العجائز: اقترحت ~~يوما أن يتزوجها راضي ولكن ألفت رفضت! # فقال جلال بثقة: إنه جلال من يطلبها ms179 هذه المرة. ~~- ألا تعلم لم رفضت؟ # فسكت مقطبا، فقالت بصراحتها السافرة: علما بأن راضي ذو مزايا ليست ~~لك! # فقال بحدة: لست فقيرا، ثم إنني من آل الناجي. # فقالت بضجر: قد قلت ما عندي. # فقال بإصرار وعناد: أبلغيها الطلب. ~~- لك هذا. # وغادرها وهو يغص بخيبة ترابية. # 19 # ولكن ثمة مفاجأة مزلزلة كانت تتربص بدار المرحوم عزيز؛ فقد رفضت ~~ألفت هانم الدهشوري يد جلال، غير أن قمر انطوت على نفسها ~~كالمتوعكة. # وسألتها جدتها عزيزة هانم: تريدينه زوجا لك؟ # فأجابتها بشجاعة نادرة: نعم. # فهاجت ألفت هاتفة: إنه ابن زهيرة! # فهزت منكبيها استهانة، غير أن الأم تجاهلت رغبة ابنتها بعناد ~~وحشي. # ورحبت بخاطب من آل الدهشوري، ولكن قمر أعلنت رفضها له بلا ~~تردد. # وانهالت ألفت على ابنتها باللوم والتقريع، ولكنها أصرت على رأيها حتى ~~قالت: فلأبق بلا زواج! # فصاحت أمها: حلت بك روح زهيرة الشريرة. ~~- فبكت قمر ولكن ألفت لم ترق لها وقالت بعناد: ابقي بلا زواج فهو ~~عندي أفضل. # 20 # وتدهورت صحة عزيزة هانم فجأة بحكم الشيخوخة والأحزان. ذبلت ذبولا ~~شديدا، وتغير لونها، وسرعان ما عجزت عن الحركة فلزمت الفراش. لم تفارقها ~~ألفت. جزعت للوحدة التي تتهددها في الدار الكبيرة، غير أن عزيزة قالت لها: ~~لا تخافي، سيمن الله علي بالشفاء. # وصدقتها كما اعتادت أن تصدقها دائما، ولكن العجوز تمتمت بصوت ~~كأنه صوت شخص آخر: إنها النهاية يا ألفت. # وضعف بصرها حتى لم تعد ترى. ورغم ذلك تطلعت إلى لا شيء، وراحت تنادي ~~قرة وعزيز، فارتعدت ألفت وشعرت بأن الموت اقتحم المخدع، وأنه ينتظر في ~~ركن، وأنه أقوى الثلاثة حضورا. وتمتمت بنبرة باكية: ليرحمنا الله. # فقالت عزيزة: إني المعذبة أم المعذبين. أملي الأخير في ذي ~~الجلال. # فهتفت ألفت: اللهم خفف عنها! # فقالت: أوصيك باثنتين! # فحملقت فيها باهتمام، فقالت العجوز: لا تعذبي حفيدة قرة. # وتنهدت بعمق، ثم قالت: لا تعذبي ابنة عزيز.‏ # وجاءها الاحتضار، ثم فاضت روحها مجللة بالحب والنبل. # 21 # مضت ستة أشهر من عام الحداد. ‏ تمنت ألفت الدهشوري ألا ينتهي هذا ~~العام ms180 أبدا، ولكنها أضمرت لوصية عزيزة كل إجلال. داعبها أمل في أن تتغير ~~قمر نفسها، ولكنه أمل لم يتحقق. # واستدعى المعلم راضي أخاه جلال وقال له: أهنئك بالقبول. # فاجتاحه تيار سماوي من الأفراح أخرسه. # واقترح راضي أن تعلن الخطوبة فورا على أن تؤجل الدخلة لما بعد ~~الحداد. # ولم يعد في الإمكان أن تقتلع هذه اللحظة من ذاكرة جلال إلى ~~الأبد. # 22 # وما كاد يمر شهران على الخطبة حتى طالب جلال بإلحاح بعقد القران ~~بلا حفل، على أن تؤجل الدخلة والحفل حتى ينتهي عام الحداد. وتم له ما ~~أراد. # كأنما أراد أن يستحوذ على الطمأنينة ويمحق الأوهام، وأن يبتدر حظه ~~مغلقا الأبواب في وجه القوى المجهولة. صار بذلك «الرجل السعيد». وشهدت ~~الأيام أقصى درجة من الثراء في سجاياه الحميدة. حتى أبوه السكير لم ~~يعد يحاسبه. ودلل عماله وذويهم. وترنم بالغناء، وهو يعمل وهو يتابع ~~مصارعة الديوك. ازدهر جماله وتضخمت قوته. وسهر الليالي بالساحة يستمع ~~الغناء ويبتهل الدعاء. # وتردد على عروسه محملا بالهدايا، ومنها تلقى مسبحة من القهرمان ~~ينتظمها سلك من الذهب هدية معطرة. غدت حياته وأمله وسعادته ورؤيته ~~الذهبية. # رآها أجمل خلق الله رغم أن كثيرين نوهوا بتفوق جماله الباهر، ولكن ~~عذوبتها فاقت كل الحدود. # وتراجعت ألفت هانم عن فتورها فأبدت الرضا والألفة، ونعتته بالابن الطيب، ~~وشرعت ترسم للمستقبل صورة جديدة، مقترحة عليه مشاركة راضي في محل الغلال ~~مستعينا بمال قمر. # ومرة قال جلال لقمر: لقد تجلت عظمة آل الناجي في أشياء وأشياء، ها هي ~~تتجلى اليوم في الحب. # فابتسمت في دلال، فقال: الحب يصنع المعجزات. # فقالت بعذوبة: لا تنس دوري في صنع المعجزة! # فضمها إلى صدره وهو يهيم من الوجد. # 23 # وجاء بأبيه ليزور ألفت هانم وقمر. جاء الرجل مفيقا ولكنه بدا كالسكران ~~بنظرته الثقيلة الغائمة، ونبرته المترنحة ورأسه المتقلقل. أدرك أنه يمثل ~~دور الوجيه، وأنه غريب عن ذاته وأحواله. ونظر إلى ألفت هانم بتهيب، وشعر ~~بأنه يتحول من شخص إلى مخلوق آخر، وعجب كيف أنه ملك ذات يوم جمالا يزري ms181 ~~بهذا الجمال كله. وقال لألفت هانم: إني كما تعلمين يا هانم، ولكن ابني ~~جوهرة. # فتمتمت ملاطفة: أنت رجل طيب يا معلم عبد ربه. # واهتز لذلك الاحترام الذي لم يحظ بمثله أبدا، وقال مشيرا إلى جلال: ~~إنه يستحق السعادة جزاء بره بوالده. # وضحك ضحكة عالية بلا سبب، وسرعان ما ارتد إلى الوقار مرتبكا. # وعندما غادر الدار هو وجلال، سأله ابنه: لم لم تقدم الهدية ~~للعروس؟ # تذكر الهدية التي أعطاه جلال إياها ليقدمها للعروس بيده فلم ينبس، ~~فسأله جلال بضيق: نسيت؟ # فقال برقة : إنها جوهرة ليست عروسك في حاجة إليها، على حين أنني في ~~أشد الحاجة إليها. # فقال جلال بعتاب: هل قصرت في حقك؟ # فربت على ظهره قائلا: أبدا ولكن مطالب الحياة كثيرة. # 24 # وجاءت الأيام الأخيرة من عام الحداد في خريف أبيض يتنفس في عذوبة ~~فائقة. وامتلأت السحب الشفافة بالأحلام. ‏ وألمت وعكة برد بقمر، غير ~~أنها لم تعطل الاستعدادات المتوثبة للزفاف. واندفعت الوعكة في طريق ~~مجهول فارتفعت الحرارة واضطربت الأنفاس واشتدت الآلام وتسلل الذبول ~~إلى الوردة الناضرة مثل عدو ماكر خسيس خائن. ولزمت الفراش بلا حول فخبت ~~نظرتها واصفر لونها ووهن صوتها. توارت تحت الأغطية الثقيلة، متأوهة، ~~تتغذى بالكراوية والليمون، وتعصب بمكمدات الخل. وسهدت ألفت هانم متشنجة ~~الأفكار، وقلق جلال فنفد صبره في انتظار ساعة الشفاء. # وخيم على الدار شعور غامض لا يريد أن يفصح عن ذاته، وطافت بخيال ~~ألفت اللحظات الأخيرة من حياة عزيز وعزيزة، وخيل إليها وهي تكاد تجن أن ~~كائنا مهولا قد حل بالدار، وأنه يكمن في ركن من أركانها لا يريد أن ~~يبرح. # وذات ليلة حلم جلال بأن والده يغني بطريقته الهمجية الساخرة في ساحة ~~التكية. واستيقظ ثقيل القلب فتبين له أنه إنما استيقظ حقا على صوت ~~يدوي في الخارج، صوت من نوع خاص لا علاقة له بالغناء ولا بالتكية. صوات ~~في جوف الليل يعلن صعود روح إلى مستقرها! # 25 # شعر جلال بأن كائنا خرافيا يحل في جسده. إنه يملك حواس جديدة، ويرى ~~عالما غريبا. عقله يفكر ms182 بقوانين غير مألوفة، وها هي الحقيقة تكشف له ~~عن وجهها. # رنا إلى الجثة المسجاة طويلا. طوى الغطاء عن الوجه. إنه ذكرى لا ~~حقيقة، موجود وغير موجود، ساكن بعيد منفصل عنه ببعد لا يمكن أن يقطع. ~~غريب كل الغرابة، ينكر ببرود أي معرفة له. متعال متعلق بالغيب. غائص في ~~المجهول. مستحيل غامض مندفع في السفر. خائن، ساخر، قاس، معذب، محير ~~مخيف، لا نهائي، وحيد. وغمغم بذهول وتحد: كلا! # يد غطت الوجه فأغلقت باب الأبدية. تهدمت الأركان تماما. لسان ~~يلعب له هازئا. ثمة عدو يتحرك وسوف ينازله. لن يتأوه. لم يذرف دمعة ~~واحدة. لم يقل شيئا. تحرك لسانه مرة أخرى مغمغما: كلا! # رأى رأس أمه المهشم. خيال تراءى واختفى قبل أن تطبع صورته في وعيه. ~~رأى الديك وهو يفقأ بمنقاره الوردي عين خصمه. رأى السماء تشتعل ~~بالنيران. رأى بركة الدم الأحمر. ووعده المجهول بإدراك كل شيء إذا كشف ~~الغطاء عن الوجه مرة أخرى. مد يده ولكن يدا أمسكت بيده وصوت قال: ~~وحد الله! # رباه أيوجد معه آخرون؟ أيوجد آخرون في الدنيا؟ من قال إذن إن الدنيا ~~خالية. خالية من الحركة واللون والصوت. خالية من الحقيقة. خالية من الحزن ~~والأسى والندم. إنه في الواقع متحرر. لا حب ولا حزن. ذهب العذاب إلى الأبد. ~~حل السلام، وثمة صداقة متوحشة مطروحة على القوى العاتية. هنيئا لمن ~~يروم أن تكون النجوم خلانه، والسحب أقرانه، والهواء نديمه، والليل ~~رفيقه. # وللمرة الثالثة يغمغم: كلا! # 26 # تخلى جلال عن العمل لوكيله. وجد الراحة في المشي. يتمشى في الحارة، ~~وفي الحي، بين البوابات والقلاع. يجلس في القهوة وحده يدخن البوري. # وفي الليل وقف قبالة التكية. مرت به الأنغام. باستهانة طرق الباب. لم ~~يتوقع ردا. عرف لم لا يردون. إنهم الموت الخالد الذي يتعالى عن ~~الرد. # تساءل: أليس للجار حق؟ # وأنصت للغناء فانساب الصوت في عذوبة: # صبحدم مرغ جمن باكل نوخاسته كفت # نازكم كن كه درين باغ بي جون نو شكفت # 27 # واعترض مسيرته ذات يوم الشيخ خليل الدهشان شيخ الزاوية، ms183 فابتسم إليه ~~برقة وقال: لا بأس من كلمة تقال. # فنظر إليه ببرود، فقال الشيخ: إن الله يمتحن من عباده الصديقين. # فقال بازدراء: لا جديد؛ فهذا ما يقوله الديك عندما يصيح في الفجر. # فقال الرجل: كلنا أموات أولاد أموات. # فقال بيقين: لا أحد يموت. # 28 # وكان يمر أمام البوظة في جوف الليل عندما رأى شبحا مترنحا عرف فيه ~~أباه عبد ربه. تأبط ذراعه فتساءل الرجل: من؟ ~~- جلال يا أبي. # وصمت السكران قليلا، ثم قال: إني خجلان يا بني. ~~- لماذا؟ ~~- كان الأجدر أن أذهب أنا لا هي. ~~- لماذا ؟ ~~- هو العدل يا بني. # فقال باستخفاف: يوجد شيء حقيقي واحد يا أبي هو الموت. # فقال عبد ربه معتذرا: ما كان يليق أن أشرب في هذه الأيام، ولكني ~~عاجز. # فقال له وهو يسنده: تمتع بحياتك يا أبي. # 29 # ومضى الخريف يولي، ويقبل الشتاء بقسوته القاهرة. وراح الهواء البارد ~~يسفع الجدران ويلسع العظام. وتطلع جلال إلى سحابة مظلمة فهام بالمستحيل. ~~ورأى ذات مرة ألفت هانم وهي راجعة من القرافة، فكرهها من صميم فؤاده، ~~وبصق في خياله على صورتها المتورمة. قبلته كارهة، ثم تخلصت منه بالموت. ~~والموت عندها طقوس وفطائر. كلهم يقدسون الموت ويعبدونه، فيشجعونه حتى صار ~~حقيقة خالدة. لا شك أنها اغتاظت عندما تسلم نصيبه من تركة قمر؛ لذلك أخذه ~~كاملا، ثم وزعه على الفقراء خفية. وقال لنفسه إن علامة الشفاء عنده أن ~~يحطم رأس الهانم المتعجرفة. # 30 # وصادف في طريقه جبريل الفص شيخ الحارة فحياه الرجل وقال: لا ترى يا ~~معلم جلال إلا ذاهبا أو آيبا، عم تبحث؟ # فأجابه بازدراء: أجد ما لا أبحث عنه، وأبحث عما لا أجد. # 31 # وانفرد بنفسه تلك الليلة في ساحة التكية، لا التماسا للبركة، ولكن ~~تحديا للظلمة والبرد. هنا خلوة عاشور، هنا اللاشيء. وقال إنه يعترف بأنه ليس ~~عاشقا. لا حزن على حب ضائع. أنا لا أحب. أنا أكره. الكراهية والكراهية فقط. ~~أكره قمر. هذه هي الحقيقة. هي الألم والجنون. هي الوهم. لو عاشت لانقلبت على ~~مثال أمها. تحكم ms184 بالغباء وتضاحك التافه وتقلد الأمراء وهي حفنة من ~~تراب. كيف هي الآن في قبرها؟ قربة منتفخة تفوح منها روائح عفنة، وتسبح في ~~سوائل سامة ترقص فيها الديدان. لا تحزن على مخلوق سرعان ما انهزم. لم يحفظ ~~العهد، لم يحترم الحب، لم يتمسك بالحياة، فتح صدره للموت. إننا نعيش ونموت ~~بإرادتنا. ما أقبح الضحايا! دعاة الهزيمة، الهاتفون بأن الموت نهاية كل حي، ~~وبأنه الحق. إنه من صنع ضعفهم وأوهامهم. نحن خالدون ولا نموت إلا بالخيانة ~~والضعف. عاشور حي. أشفق على الناس من مواجهة خلوده فاختفى. أنا خالد. وجدت ما ~~أبحث عنه. وما يغلق الدراويش الأبواب إلا لأنهم خالدون. من شهد جنازة ~~لهم؟ # إنهم خالدون. يتغنون بالخلود، ولكن لم يفهمهم أحد. # وثمل بشراب الليل المثلج. # مضى نحو القبو وهو يغمغم: آه يا قمر. # 32 # وتجسدت الأفكار المحمومة في صورة نسر محلق ذي صرير يدك ~~الأبنية. # وسأله أبوه ذات صباح وهو يتثاءب: لم تأخرت عن تسليم الإتاوة لسمكة ~~العلاج؟ # فأجابه ببساطة وثقة: لا يفعل ذلك إلا الضعفاء الجبناء. # حملق الأب في وجهه برعب وسأله: تتحدى الفتوة؟ # فقال ببرود: أنا الفتوة يا أبي. # 33 # وتعمد أن يمر أمام مجلس الفتوة بمجلسه في المقهى، فسرعان ما جاء صبي ~~القهوة قائلا: المعلم سمكة يسأل عن الصحة؟ # فقال بنبرة عالية: أخبره بأن الصحة طيبة تتحدى الجهلاء. # اقتحم الجواب الفتوة مثل لفحة نار. وسرعان ما اندفع معاونه خرطوشة - ~~الوحيد من رجاله الذي تصادف وجوده معه - وبسرعة خاطفة رفع جلال مقعدا خشبيا ~~وضربه به ضربة صادقة فانطرح على ظهره فاقد الوعى. وأخذ جلال نبوته ووقف ينتظر ~~سمكة العلاج الذي أقبل مثل وحش ضار. وتدفق سيل المتفرجين، وتنادى ~~رجال الفتوة من الأركان. وتبادل الرجلان ضربتين، ولكن حسمت المعركة في ~~ثوان؛ كان جلال قوة خارقة حقا. تهاوى سمكة العلاج مثل ثور ذبيح. # 34 # وقف جلال بجسمه العملاق في هالة من لهيب التحدي والغضب. وغزا الخوف قلوب ~~الرجال فلم يكن في العصابة من هو جدير بخلافة سمكة إلا خرطوشة المنطرح إلى ~~جانبه. ms185 وبعض الرجال ممن يضمرون الحقد للعصابة انهال على أفرادها بالطوب ~~منضمين إلى جلال. وسرعان ما تقررت السيادة لمن يستحقها. # هكذا وثب جلال عبد ربه ابن زهيرة إلى الفتونة بكل جدارة، وهكذا رجعت ~~الفتونة إلى آل الناجي. # 35 # قال له أبوه ووجهه يومض بالفرح: ما تصورت أن تكون فتوة رغم قوتك ~~الهائلة. # فقال جلال باسما: وما تصورت ذلك ولا جرى لي في بال. # فقال عبد ربه بفخار: كنت مثلك في القوة، ولكن الفتونة قلب وطموح! ~~- صدقت يا أبي. كنت أعد نفسي للوجاهة، ثم جاءني ذلك في جوف خاطر ~~مباغت. # فضحك الأب وقال: كأنك عاشور نفسه في قوته فأسعد نفسك، وأسعد أهل ~~حارتك. # فقال بتؤدة: فلنؤجل الحديث عن السعادة يا أبي. # 36 # أصبح يتحرك بإلهام القوة والخلود. رسم لنفسه طريقا. تحدى فتوات ~~الحارات ليستثمر فائض قوته. تغلب على العطوف والدراسة وكفر الزغاوي ~~والحسينية وبولاق. كل يوم كان المزمار يزف للحارة بشرى نصر جديد. غدا ~~فتوة الفتوات وتاج القوة والسيادة كما كان عاشور وكما كان شمس الدين. # وسعد الحرافيش مؤملين فيما عرف عنه من كرم وسجايا حميدة، كما انزعج ~~الوجهاء وتوقعوا حياة موسومة بالكبح والعناء. # 37 # وتاه عبد ربه عزة وكرامة، وراح يبشر في البوظة بالعهد الجديد. إنه ~~يستقبل الآن بالإجلال والإكبار، ويلتف حوله السكارى يتنسمون منه الأخبار، ~~فيقول: رجع عاشور الناجي. # ويفرغ القرعة في جوفه ويواصل: فليسعد الحرافيش، ليسعد كل محب للعدل، ~~سيتوفر الرزق لكل مسكين، سيعرف الوجهاء أن الله حق! # فيسأل سنقر الشمام الخمار: وعد بذلك المعلم جلال؟ # فيقول بثقة وثبات: ما طمح إلى الفتونة إلا من أجل ذلك! # 38 # دان له الأصدقاء والأعداء. ليس ثمة قوة تتحداه، ولا مشكلة تشغل ~~باله. # يتمتع طيلة الوقت بالسيادة والجاه والمال. اكتنفه الفراغ وتسلل إليه ~~التثاؤب. # تركز تفكيره في ذاته. تجسدت له حياته في صورة بارزة واضحة المعالم ~~والألوان حتى النهاية الحادة العابثة، بدءا من رأس أمه المهشم، ~~ومعاناة الحارة المهينة، وموت قمر الساخر، وقوته المهيمنة بلا حدود، وقبر ~~شمس الدين الذي ينتظر الركب ms186 راحلا في إثر راحل. ما جدوى الحزن؟ ما فائدة ~~السرور؟ ما مغزى القوة؟ ما معنى الموت؟ لماذا يوجد المستحيل؟ # 39 # وسأله أبوه ذات صباح: الناس يتساءلون متى يتحقق العدل؟ # فابتسم جلال بامتعاض وتمتم متسائلا: ما أهمية ذلك؟ # فقال عبد ربه بدهشة: إنه كل شيء يا بني! # فقال بازدراء: إنهم يموتون كل يوم وهم مع ذلك راضون! ~~- الموت علينا حق، أما الفقر والذل فبيدك محقهما! # فصاح جلال: اللعنة على الغباء. # فتساءل عبد ربه بأسى: ألا تريد أن تحتذي مثال عاشور الناجي؟ ~~- أين عاشور الناجي؟ ~~- في أعلى عليين يا بني. # فقال بازدراء: لا أهمية لذلك. ~~- أعوذ بالله من الكفر ! # فقال بوحشية: أعوذ بالله من اللاشيء! ~~- لا أتصور أن يمضي ابني كما مضى سمكة العلاج. ~~- لقد انتهى سمكة العلاج كما انتهى عاشور. ~~- كلا، جاء كل من طريق مختلف وذهب إلى طريق مختلف. # فنهض محتدا وقال: لا تزد من همي يا أبي، لا تطالبني بشيء، لا ~~يغرنك ما بلغت واعلم أن ابنك رجل غير سعيد. # 40 # يئس عبد ربه وكف عن الحديث عن الفردوس المعهود. وقال وهو في غاية من ~~السكر: إرادة الله فوق كل إرادة، وما علينا إلا الرضا. # ويئس الحرافيش وتساءلوا: لم لا نشك في الماضي ليرتاح بالنا؟! # واستنام الوجهاء إلى الطمأنينة، أدوا الإتاوات، وقدموا الهدايا بلا ~~حساب. # ومضى جلال بقلب أجوف تتلاطم فيه رياح الكآبة والقلق، وبظاهر متألق ~~ينضج بالقوة والسيادة والنهم. بدا أول ما بدا أنه وقع أسيرا لعشق المال ~~والتملك. شارك أخاه راضي في محل الغلال، كما شارك الخشاب والبنان ~~والعطار وغيرهم. لا شبع من ناحيته. وترحيب حار من ناحيتهم ليثبتوه في ~~أرض الوجاهة والسؤدد. غدا أكبر تاجر وأغنى غني، وفي الوقت نفسه لم يتهاون في ~~جمع الإتاوات وتقبل الهدايا، ولم ينعم بخيره إلا رجال عصابته حتى عبدوه ~~عبادة. وشيد عمارات كثيرة، كما شيد إلى يمين السبيل دارا خيالية، سميت ~~بحق بالقلعة لجلالها وكبرها، وفرشها بفاخر الأثاث، وحلاها بالتحف، كأنه حلم ~~الخالدين. ورفل في الثياب الغالية، وتنقل بالدوكار والكارتة، ms187 وتوهج ~~الذهب في أسنانه وأصابعه. # ولم يكترث لحال الحرافيش ولا عهد الناجي، لا عن أنانية أو ضعف أمام ~~مغريات الحياة، ولكن ازدراء لهمومهم، واستهانة بمشكلاتهم. والعجيب أنه كان ~~بطبعه أميل إلى الزهد، واحتقار مطالب البدن، وكان ما يدفعه إلى الجاه والمال ~~والتملك قوة عمياء مجهولة، جوهرها القلق والخوف، كأنما كان يتحصن ضد ~~الموت، أو يوثق علاقته بالأرض حذرا من غدره. لقد غرق في خضم الدنيا ولكنه ~~لم يغفل قط عن خداعها، لم تخدره ابتسامتها، لم يطربه عذب حديثها، كان ~~حاد الشعور بلعبتها المرسومة، وغايتها المقصودة. لم يأنس للخمر ولا المخدر ~~ولا الهوى ولا التكية، وكان إذا خلا إلى نفسه تأوه قائلا: ما أشد عذابك ~~أيها القلب! # 41 # ويوما ما سأله أخوه راضي ولعله كان صديقه الوحيد: لم لا تتزوج يا ~~أخي؟ # فضحك جلال ولم يجب، فراح راضي يقول: الأعزب موضع تساؤل دائما. # فسأله ساخرا: لم الزواج يا راضي؟ ~~- إنه المتعة والأبوة والخلد. # فضحك جلال عاليا وقال: ما أكثر الأكاذيب يا أخي! # فتساءل راضي: لمن تجمع هذه الأموال؟ # يا له من سؤال! أليس الأجدر بمثله أن يحيا حياة الدراويش؟ ها هو الموت ~~يطارده دائما. ها هو رأس زهيرة ووجه قمر يتجسدان من جديد. لن تنفعه القلعة ~~والنبوت. سيذوي بهاء هذا الجمال المتألق، ستقوض أعمدة هذه القوة ~~الشامخة، سيرث المال قوم آخرون وهم يغمزونه بالسخريات، ستعقب الانتصارات ~~الباهرة هزيمة أبدية. # 42 # على أريكة الفتونة يتربع في المقهى. تمثال من الجمال والقوة يبهر ~~الأنظار ويهز القلوب. تتكاثف الظلمات في جمجمته لا يدري بها أحد. يتسلل شعاع ~~إلى الظلمات في صورة بسمة متألقة بالتحية والإغراء. بسمة تترك أثرا في ~~الظلام. من هذه المرأة؟ امرأة من بنات الهوى، تقيم في شقة صغيرة فوق بنك ~~الرهونات، يعشقها الوجهاء. تحييه كلما مرت التحية اللائقة بسيد ~~الأحياء. # لا يرفض التحية ولا يستجيب لها، ولا ينكر أثرها الملطف لعذاباته. ~~متوسطة التكوين، ريانة الجسد، جذابة الملامح. زينات. ولأنها تصبغ ~~شعرها بلون الذهب دعيت بزينات الشقراء. لا ينكر أثرها الملطف لعذاباته، ms188 ~~ولكنه لا يريد أن يستجيب لها. طالما كبحت شهواته تحت ضغط انهماكه في القتال، ~~والبناء، وجمع المال، ومعانقة الملل. # 43 # وذات مساء استأذنت زينات الشقراء في مقابلته. استقبلها في بهو الضيوف. ~~تركها تنبهر بالأثاث، بالتحف، بالقناديل المزركشة. تجردت من ملاءتها ~~وبرقعها. جلست على ديوان قطعة من الفتنة المسلحة. وتساءلت برشاقة: ترى كيف ~~أعلل حضوري؟ أأقول مثلا إنني أريد تأجير شقة في عمارتك الجديدة؟ # فوجد نفسه يجاملها قائلا: لن يطالبك أحد بتعليل. # فضحكت راضية وقالت بصراحة: قلت لنفسي فلنزره ما دام يبخل علينا ~~بالزيارة. # شعر بأنه هبط أولى درجات الإغراء، ولكنه لم يحفل بذلك وقال: حللت أهلا ~~وسهلا! ~~- شجعني لطفك الذي تقابلني به كل أصيل. # ابتسم. وتردد سؤال خلف الابتسامة: إلام آل حال قمر في قبرها ~~اليوم؟ # وسألته بجرأة عجيبة: ألم أعجبك؟ # فقال بصدق: إنك تحفة. ~~- وهل مثلك يشعر ولا يفعل؟! # فتمتم في حيرة: غابت عنك أشياء. ~~- إنك أقوى الرجال فكيف تنام كما ينام الفقراء؟ # فقال ساخرا: الفقراء ينامون نوما عميقا! ~~- وكيف تنام أنت؟ ~~- لعلي لا أنام! # فضحكت بعذوبة وقالت: سمعت من أهل العلم أنك ما شربت في حياتك قرعة، ولا ~~دخنت نفسا، ولا مسست امرأة، أهذا صحيح؟ # لم يدر بماذا يجيب، ولكنه شعر بأنها ستحقق ما تريد. أما زينات ~~فواصلت: أقول لك إن الحياة ليست إلا الحب والطرب. # فتساءل متظاهرا بالدهشة: حقا؟ ~~- ماعدا ذلك فإننا نتركه وراءنا للغير! # فقال بامتعاض: ونترك أيضا الحب والطرب! ~~- كلا، إنهما يمتصان بالجسد والروح ولا يرثهما أحد! ~~- يا لها من لعبة سخيفة! # فقالت بحرارة: لا عشت يوما بلا حب أو طرب. ~~- إنك امرأة مدهشة. ~~- امرأة وكفى! ~~- لا يهمك الموت؟! ~~- إنه علينا حق، ولكني لا أحب سيرته. # حق؟ حق! وسألها: أتعرفين شيئا من سيرة شمس الدين الناجي؟ # فقالت بفخار: طبعا، من حارب متحديا الكبر. ~~- تحدى الكبر بعناد. # فقالت بنعومة: السعداء حقا من ينعمون بشيخوخة هادئة! # فقال بتحد: السعداء حقا من لا يعرفون الشيخوخة! # فانقبضت لتغيره، وقالت بإغراء: أنت لا تملك إلا هذه الساعة. # فقال ضاحكا: موعظة ms189 مناسبة لمقدم الليل. # فأغمضت عينيها مرهفة السمع حتى وضح زفيف الريح، وسمع هطول الأمطار ~~فوق النوافذ المغلقة. # 44 # سرعان ما صارت زينات الشقراء عشيقة لجلال عبد ربه الناجي. دهش الناس ~~ولكنهم قالوا هو خير على أي حال من سيئ الذكر وحيد. وتجنبها عشاقها ~~القدامى فأصبحت له وحده. علمته كل شيء. انضمت إلى تحف الدار قرعة ~~مذهبة وجوزة مدندشة. لم يأسف على شيء، وقال إن للحياة مذاقا لا بأس به. ~~وأحبته زينات حبا ملك عليها نفسها، وداعبها حلم غريب أن تصبح حليلة له ~~ذات يوم. ومن عجب أن حبه القديم لقمر بعث أيضا كذكرى خالدة مفعمة ~~بالعذوبة. أدرك أنه لم يهجره أبدا. لا شيء يزول، ولا حب أمه، سيظل مدينا ~~لرأس أمه ووجه قمر بمعرفة مأساة الحياة، ولحن الحزن الخافت التردد تحت ~~سطح الأنوار الباهرة والانتصارات المتألقة. ولم يعرف لزينات عمرا، لعلها ~~تماثله في عمره أو تكبره، وسيظل ذلك سرا. وقد تعلق بها، أهو حب جديد؟ ~~وتعلق بالقرعة والجوزة. إنه مدين لها أيضا بمفاتن جوهرية مثيرة للفرح ~~والقلق، ولا يرى بأسا من التسليم للتيار. # 45 # ورأى أباه «المعلم» عبد ربه يخلو إليه باهتمام، ويسأله: لم لا تتزوج؟ ~~أليس الحلال أفضل من الحرام؟ # فلم يحر جوابا، فقال عبد ربه: ولتكن زينات كما فعل عاشور. # فهز رأسه منكرا، فقال الأب: على أي حال لقد صدقت عزيمتي أنا على ~~الزواج! # فقال جلال بذهول: إنك يا أبي في الستين! ~~- لم لا؟! # وضحك عبد ربه، ثم قال: صحتي حسنة بالرغم من كل شيء، واعتمادي بعد الله على ~~المعلم عبد الخالق العطار. ~~- ومن العروس؟ # فقال بمباهاة: بنت زويلة الفسخاني، بنت حلال في العشرين من عمرها. # فسأله باسما: أليس الأفضل أن تختار سيدة تقاربك في السن؟ ~~- كلا، لا يرجع الشباب إلا الشباب. # فتمتم جلال: فليسعدك الله يا أبي. # وجعل عبد ربه ينوه بالعطار وسحره، وقدرته على رد الإنسان إلى ~~شبابه. # 46 # زفت فريدة الفسخاني إلى المعلم عبد ربه، وأقاما في جناح بالقلعة؛ دار ~~جلال الفخيمة. وطيلة الوقت كان ms190 جلال يفكر في سحر المعلم عبد الخالق ~~العطار. # ودعاه ذات ليلة إلى داره فانسطلا معا، وتسليا بتناول الفاكهة ~~والحلوى. وقال له جلال بجدية: ما يدور بيننا فهو سر. # فوعد المعلم عبد الخالق بذلك سعيدا بالمنزلة الجديدة التي أنزله الفتوة ~~فيها. # وسأله جلال: علمت أنك ترد الكهول إلى الشباب؟ # وبابتسامة ثقة أجاب العطار: بعون الله تعالى. # فقال جلال باهتمام: لعله أيسر لك أن تحافظ على الشباب؟ ~~- هذا مسلم به. # فتنور وجه جلال بالارتياح وتمتم: لعلك أدركت ما تعنيه دعوتي لك يا معلم ~~عبد الخالق. # فتفكر العطار مليا متهيبا ثقل الأمانة وقال: ولكن العطارة ليست ~~بكل شيء، لا بد أن تسبقها وتسايرها إرادة عاقلة. ~~- ماذا تعني ؟ # فقال عبد الخالق بحذر: لا بد من المصارحة، فهل تشعر بأي ضعف من ~~أي نوع كان؟ ~~- إني في تمام العافية! ~~- عظيم، عليك أن تتبع نظاما دقيقا لحد التقديس. ~~- تكلم ولا تلغز! ~~- الطعام ضروري ولكن المغالاة ضارة. # فقال جلال بارتياح: هذا ما تتطلبه تقاليد الفتونة الرشيدة. ~~- الشرب قليله منشط وكثيره ضار. ~~- معقول. ~~- الجنس يجب أن تتم ممارسته في نطاق الطاقة بلا تحمل. ~~- لا بأس. ~~- الإيمان عظيم الفائدة. ~~- جميل. # فقال المعلم عبد الخالق: عندما يتوفر ذلك كله تجيء وصفة العطار ~~بالمعجزات. ~~- أهي مجربة؟ ~~- بشهادة كثيرين من الوجهاء! بعضهم يحافظ على شبابه حتى يرعب من ~~حوله! # فلمعت عينا جلال بضوء بهيج، فقال عبد الخالق: بنصيحتي وبإذن الله يجب أن ~~يعمر الإنسان حتى المائة، وليس ما يمنع من أن يعيش بعد ذلك حتى يتمنى ~~قدوم الأجل! # فابتسم جلال بشيء من الوجوم، ثم تساءل: وبعد ذلك؟ # فقال العطار باستسلام: الموت علينا حق. # ولعن جلال في سره الشيطان، وقال إنهم متفقون أجمعون على تقديس ~~الموت. # 47 # وذات ليلة سألته زينات الشقراء وهما في غاية من الانسجام والانبساط: لم ~~لا تحقق آمال الحرافيش؟ # فرمقها بدهشة وسألها: ماذا يهمك من ذلك؟ # فقبلته وقالت بإخلاص: كي تطارد الحسد فالحسد قتال! # فهز منكبيه استهانة وقال: أصارحك بأنني أحتقر الناس. ~~- ولكنهم مساكين! ~~- لذلك أحتقرهم! # وتقلص وجهه الجميل ms191 تقززا، ثم قال: لا تشغلهم إلا لقمة ~~العيش. # فقالت بإشفاق: أفكارك تخيفني. ~~- لم لا يسلمون للجوع كما يسلمون للموت؟! # اجتاحتها ذكريات صباها مثل عاصفة ترابية خانقة، فقالت: الجوع أفظع ~~من الموت! # ابتسم مسبلا جفنيه على نظرة احتقار باردة. # 48 # مضت الأيام وجلال يزداد قوة وجمالا وبهاء. يمشي الزمن على أديمه غير ~~تارك أثرا كأنه الماء يمشي على مرآة مصقولة. زينات نفسها تتغير كما يتغير ~~كل شيء من حولها، رغم عنايتها الكبيرة بجمالها. وأدرك جلال أنه يخوض بعناد ~~المعركة المصيرية الحقيقية المقدسة. وقال لنفسه إنه من المؤسف حقا أن ~~الختام حتم، قد يؤجل بعض الوقت، ولكن أين منه المفر؟ # 49 # وتوثقت الصداقة بينه وبين المعلم عبد الخالق العطار . وكان من رأي المعلم ~~عبد الخالق أنه لولا فداحة تكاليف الوصفة لصارت حارتهم حارة ~~المعمرين. # وفكر جلال أكثر من مرة في أن يشرك زينات في الوصفة السحرية، ولكنه ~~كان يتراجع عن فكره دائما. لعله بدأ يخشى سيطرتها وسحرها فكره تحصينها ~~ضد الزمن الجبار. كان يحبها أكثر الوقت، ولكن تمر لحظات يود أن ~~ينتقم منها ويبصقها في أقرب مزبلة. لم تكن علاقته بها بسيطة وواضحة. كانت ~~تنداح في شبكة معقدة من العلاقات فتتداخل مع ذكرى أمه، ذكرى قمر، ~~عداوته للموت، كرامته، وتعلقه الآسر بها. وكان ما يحنقه أكثر من سواه ما ~~يبدو عليها أحيانا من طمأنينة راسخة وثقة بالنفس لا حدود لها، ها هي ~~ترهق بالشراب والسهر، ويلتهب جلدها بالمساحيق، فهل تلاحظه خفية ~~بالحسد؟ # 50 # وسأل مرة المعلم عبد الخالق: سمعت ولا شك عن حكاية عاشور الناجي؟ ~~- حكاية محفوظة يا معلم. # فقال جلال بعد تردد: إني أعتقد أنه ما زال حيا! # فذهل عبد الخالق ولم يدر بماذا يجيب. كان يعلم أن عاشور ولي عند قوم، ~~ولص لقيط عند آخرين، ولكنهم يسلمون جميعا بموته. وواصل جلال قائلا: وأنه ~~لم يمت! # وقال عبد الخالق: كان عاشور رجلا صالحا والموت لا يخطئ الصالحين. # فتساءل جلال محتجا: أينبغي أن يكون الإنسان شريرا كي يخلد؟ ~~- الموت حق، ولكن لا ms192 يتطلع إلى الخلود مؤمن! ~~- أعلى يقين أنت من ذلك؟ # فخاف عبد الخالق وقال: هكذا يقولون والله أعلم. ~~- لم؟ ~~- أعتقد أن الخلود لا يتاح لإنسان إلا بمؤاخاة الجن. # فاشتعل جلال باهتمام داهم حاد وقال: حدثني عن ذلك. ~~- مؤاخاة الجان، الخلود واللعنة الأبدية، التحام الإنسان بالشيطان إلى ~~الأبد. # فتساءل جلال وهو يتمادى في الاهتمام: حقيقة هذا أم هذيان؟ # فتردد عبد الخالق، ثم قال: لعله حقيقة! ~~- زدنا تفسيرا. ~~- لماذا؟ أتفكر حقا في تلك المغامرة؟ # فضحك جلال ضحكة عصبية وقال: ليس إلا أني أحب أن أعرف كل شيء. # فقال عبد الخالق ببطء: يقال .. إن .. شاور .. # فتساءل جلال: ذلك الشيخ المجهول الذي يدعي قراءة المستقبل؟ ~~- ذلك عمله الظاهر، ولكنه ينطوي على أسرار مرعبة . ~~- لم أسمع عن شيء من ذلك. ~~- إنه يخاف المؤمنين. ~~- وهل تصدق ذلك؟ ~~- لا أدري يا معلم ولكنه أمر لعين. ~~- الخلود؟ ~~- مؤاخاة الجن! ~~- إنك تخاف الخلود! ~~- يحق لي ذلك، تصور أن أبقى حتى أشهد زوال دنياي، يذهب الناس رجالا ~~ونساء، وأبقى غريبا وسط غرباء، أفر من مكان إلى مكان، أبيت مطاردا ~~أبديا، أجن، أتمنى الموت. ~~- وتحافظ على شبابك إلى الأبد؟ ~~- وتنجب أبناء وتفر منهم، وكل جيل تعد نفسك لحياة جديدة، ~~وكل جيل تبكي الزوجة والأبناء، وتتجنس بجنسية الغربة الأبدية، لا ~~يربطك بأحد اهتمام أو فكر أو عاطفة. # وهتف جلال: كفى! # وضحك الرجلان طويلا، وتمتم جلال: يا له من حلم! # 51 # كان شاور يقيم في بدروم كبير يقع أمام حوض الدواب مباشرة. متعدد ~~الحجرات، وبه للنساء قاعة استقبال، وللرجال قاعة. وهو شخصية خفية لم تقع عليها ~~عين. يستقبل مريديه في حجرة مظلمة في الليل، فيسمع صوته ولا يرى له أثر. ~~أكثر زبائنه من النساء، ولكن الملمات قد تدفع ببعض الرجال إلى حجرته ~~المظلمة. يسأل ويجيب، ويقدم الحلوان عادة إلى جارية حبشية تدعى ~~حواء. # أرسل جلال في طلبه ولكن طلبه قوبل بالرفض، وقيل له إنه يفقد خواصه ~~الساحرة خارج حجرته. كان على جلال إذن أن يتستر، يتسلل بليل إلى مقامه، ~~متأخرا حتى يضمن خلو المكان. ms193 # مضت به حواء إلى الحجرة. أجلسته على شلتة طرية وذهبت. وجد نفسه في ظلام ~~حالك. حملق فلم ير شيئا كأنما فقد الزمان والمكان والبصر. وقد نبه عليه ~~أن يلوذ بالصمت، ألا يبدأ بالكلام، أن يجيب على قدر السؤال. مضى الوقت ~~ثقيلا خانقا. كأنه نسي تماما أي سخرية. لم يلق مهانة كهذه منذ ~~تبوأ عرش الفتونة. أين جلال الجبار؟ حتام يصبر وينتظر؟ الويل للإنس ~~والجن إذا تمخضت مغامرته عن لا شيء. # 52 # انطلق من الظلام صوت عميق مؤثر هادئ. يسأل: اسمك؟ # تنهد في ارتياح وأجاب: جلال الفتوة. ~~- أجب على قدر السؤال، اسمك؟ # فوسع صدره وأجاب: جلال عبد ربه الناجي. ~~- على قدر السؤال اسمك؟ # فأجاب بحدة: جلال. ~~- اسم أمك؟ # غلى دمه بسرعة مخيفة. رأى رغم الظلمة ألوانا جهنمية. سأل الصوت بآلية ~~وتحد: اسم أمك؟ # أجاب كاظما: زهيرة. ~~- ماذا تريد؟ # تردد قليلا، ولكن الصوت لم يمهله فتساءل: ماذا تريد؟ ~~- أن أعرف ما يقال عن مؤاخاة الجن. ~~- ماذا تريد؟ ~~- لقد قلت. ~~- ماذا تريد؟ # فاجتاحه الغضب وتساءل منذرا: ألم تعرف من أكون؟! ~~- جلال بن زهيرة. ~~- أستطيع أن أطحنك بضربة واحدة. ~~- كلا. # قيلت بكل ثقة وطمأنينة، فهتف جلال: تريد أن تجرب؟ # فتساءل الصوت ببرود ولا مبالاة: ماذا تريد؟ # لم يجب. لم يقدم على فعل. عاد الصوت: ماذا تريد؟ # أجاب متنازلا عن كل شيء: الخلود. ~~- لماذا؟ ~~- هذا شأني. ~~- المؤمن لا يتحدى إرادة الله. ~~- أريد ذلك وأنا مؤمن. ~~- إن ما تطلب خطير. ~~- فليكن. ~~- ستتمنى الموت ولم تناله. ~~- فقال بقلب خفاق: ليكن. # سكت الصوت. هل ذهب؟ وقع مرة أخرى في الضياع. تلهف عليه بأعصاب ~~ممزقة. حملق بقوة ولكنه لم ير شيئا. # 53 # ورجع الصوت بعد عذاب. تساءل: أأنت على استعداد لتقديم ما يطلب ~~منك؟ # أجاب بلا تردد: أجل. ~~- أن توقف على جاريتي حواء كبرى عماراتك للتكفير بريعها عن ~~ذنبي. # تفكر قليلا، ثم قال: أوافق. ~~- أن تشيد مئذنة ارتفاعها عشرة طوابق. ~~- في الزاوية؟ ~~- كلا. ~~- زاوية جديدة؟ ~~- كلا، مئذنة مستقلة. ~~- ولكن! ~~- دون مناقشة. ~~- أوافق. ~~- عش عاما كاملا في جناحك، لا ترى ms194 أحدا، لا يراك إلا خادمك، تجنب ما ~~يذهلك عن نفسك. # فانقبض قلبه ولكنه قال: أوافق. ~~- في اليوم الأخير يتم الالتحام بينك وبين الجني، ثم لا تذوق الموت ~~أبدا. # 54 # أوقف جلال عبد ربه الناجي كبرى عماراته على حواء الجارية ~~الحبشية. # اتفق مع مقاول على تشييد المئذنة العملاقة في إحدى الخرابات، وقد امتثل ~~الرجل لما يطلب منه طمعا في المال وخوفا من البطش. وعهد بالعصابة إلى وكيله ~~مؤنس العال، مزودا إياه بكافة الإرشادات. أعلن عن عام اعتزاله معتلا ~~بأنه يوفي بنذر نذره. وقبع في جناحه يسجل الأيام كما فعل سماحة في مهجره، ~~متجنبا القرعة والجوزة وزينات الشقراء. ومنى نفسه بالفوز في أكبر معركة ~~خاضها بشر. # 55 # تلقت زينات الشقراء قراره كأنه ضربة قاتلة. قطيعة أليمة غير مسبوقة ~~بتمهيد، وبلا سبب مقنع. إنها المرارة والخوف واليأس. ألم يكونا كالزبدة والعسل ~~حلاوة وامتزاجا؟ وآمنت بأنها ملكته إلى الأبد. ها هو يغلق الباب مثل دراويش ~~التكية هاجرا أحبابه في الحيرة والعذاب. بكت طويلا والخدم يصدونها عن ~~الجناح. زارت أخاه المعلم راضي فوجدته في حيرة مماثلة. # جالست أباه عبد ربه في جناحه. لقد تغير العجوز فلم يعد يزور البوظة ~~إلا فيما ندر، استقام وخشع، وهو مثلها في حيرة من أمر ابنه. قال: لا أستطيع ~~رؤيته رغم أننا في دار واحدة. # عانت زينات حياة معذبة. لم يكن المال ينقصها ولكنها فقدت تاج ~~الحياة، تزعزعت ثقتها بنفسها، وتجهمها المستقبل الغامض. # 56 # وجزعت العصابة واضطربت. لم يملأ مؤنس العال عين أحد، ولكنهم التزموا ~~بطاعته. وتساءلوا أي نذر نذره، ولم يعهد بالفتونة لآخر، وتجارته وأملاكه ~~لأخيه راضي؟ # وتسرب النبأ الخطير إلى الحوارى المتنافسة، وبمرور الزمن أعلن الفتوات ~~التحدي من جديد. وتلقى مؤنس العال أولى هزائمه على يد فتوة العطوف، ثم ~~تتابعت الهزائم أمام كفر الزغاري والحسينية وغيرهم، حتى اضطر مؤنس العال لشراء ~~أمن الحارة وسلامتها بالإتاوات. وأراد رجاله إبلاغه بما آل الحال إليه، ولكن ~~حيل بينهم وبين ذلك، وكأنه الموت قد انتزع فتوتهم منهم ودفنه في جناح محكم ~~الإغلاق. ms195 # 57 # وتابع الناس بذهول بناء المئذنة الغريبة، وتواصل ارتفاعها إلى ما لا ~~نهاية. من أصل ثابت في الأرض بلا جامع أو زاوية، لا يعرف لها هدف أو ~~وظيفة، حتى الذي يقوم بتشييدها لا يعرف شيئا عنها. وتساءل قوم: هل مسه ~~جنون؟ # أما الحرافيش فقد قالوا إنها اللعنة حلت به جزاء خيانته لعهد جده ~~العظيم، وتجاهله لرجاله الحقيقيين، وجشعه الذي لا يقنع بشيء. # 58 # ومرت الأيام وهو مستغرق في عزلته. يقتلع كل يوم من قلبه جذور ~~العالم الخارجي؛ الفتونة والمال والمرأة المحبة الجميلة. يستسلم للصمت ~~والوعي والصبر. يسلبه الأمل والفوز الذي لم يطمح إليه إنسان من قبل. عاشر ~~الزمن وجها لوجه بلا شريك. بلا ملهاة ولا مخدر. واجهه في جموده وتوقفه ~~وثقله. # إنه شيء عنيد ثابت كثيف ، وهو الذي يتحرك في ثناياه كما يتحرك ~~النائم في كابوس. إنه جدار غليظ مرهق متجهم. غير محتمل إذا انفرد ~~بمنعزل عن الناس والعمل. كأننا لا نعمل، ولا نصادق، ولا نحب، ولا نلهو إلا ~~فرارا من الزمن. الشكوى من قصره ومروره أرحم من الشكوى من توقفه. عندما ~~يدركه الخلود سيجرب آلاف الأعمال بلا خوف وبلا كسل. سيخوض المعارك بلا ~~تدبر. سيسخر من الحكمة كما يسخر من الحماقة. سيتقلد ذات يوم عمادة ~~الأسرة البشرية. أما اليوم وهو يزحف فوق الثواني فهو يبسط راحتيه سائلا ~~الرحمة. ويتساءل متى يجيء الجان؟ وكيف يؤاخيه؟ هل يراه رؤية العين؟ هل ~~يسمع صوته، أم إنه يلتحم به مثل الهواء الذي يتنفسه؟ إنه مرهق ضجر، لكنه ~~لن يلين للخور. لن يخسر المعركة. ليتألم وليبك إذا شاء. إنه مؤمن بما ~~يفعل. لن يتراجع، لن يخشى الخلود، لن يعرف الموت. سيظل الكون خاضعا ~~لتقلبات الفصول الأربعة، أما هو فربيع دائم. سيكون طليعة كون جديد، ~~أول مستكشف للحياة بلا موت، أول رافض للراحة الأبدية. القوة الظاهرة ~~الخفية. إنما يخشى الحياة الضعفاء، أما معاشرة الزمن وجها لوجه فعذاب ~~لا يعرفه الخيال. # 59 # وقف جلال عاريا أمام نافذة مفتوحة في آخر يوم من العام المكتوب. ~~استقبل شعاع ms196 شمس مغسولا برطوبة الشتاء، وتلقى نفحات باردة من ريح ~~متأنية. آن للمتصبر أن يجني ثمرة تصبره. آن لليل الضنى والإرهاق ~~والوحدة أن ينتهي. لم يعد جلال عبد ربه الإنسان الفاني. إنه ثمل بروح جديدة ~~تملأ أعطافه، تسكره بالإلهام، تنفحه بالقوة والثقة. بوسعه أن يحدث نفسه ~~فيحدث الآخر في آن، وأن يثق كل الثقة بما يهمس في ضميره. انتصر على ~~الزمن بعد صموده أمامه وجها لوجه بلا رفيق. لا خوف منه بعد اليوم. # فليهدد غيره بجريانه المنحوس. لن يبتلى بالتجاعيد ولا بالشيب ولا ~~بالوهن. لن تخونه الروح، لن يحمله نعش، لن يضمه قبر. لن يتحلل هذا الجسد ~~الصلب، لن يتحول إلى تراب، لن يذوق حسرة الوداع. # تجول عاريا في الحجرة وهو يقول بطمأنينة: مباركة هذه الحياة ~~الأبدية. # 60 # فتح الباب بعصبية واقتحمت الحجرة زينات الشقراء. طارت نحوه مجنونة ~~بالأشواق، فذابا في عناق حار طويل. انتحبت باكية. سألته بعتاب حار: ماذا ~~فعلت؟ # قبل خديها وشفتيها فعادت تتساءل: كيف هنت عليك؟ # اجتاحه الحنين إليها. شيء ثمين جميل عابر. يراها شابة جميلة ~~وعجوزا دميمة. كذبة عذبة. كأن الإخلاص أصبح مستحيلا. قال لها: لننس ما ~~فات. ~~- ولكني أريد أن أعرف. ~~- كأنه مرض وانتهى. ~~- يا لك من خائن! # يا لك من امرأة مليحة! ~~- أتدري ماذا حصل للدنيا في غيابك؟ ~~- فلنؤجل الحديث عن ذلك. # فتراجع رأسها وقالت بانبهار: ما أجمل منظرك! # فانقبض قلبه وتمتم وهو يرمقها برثاء: آسف على ما عانيت. # فقالت بعناد: سأسترد صحتي في ساعات، ولكن ما سرك؟ # فقال بعد تردد: كنت مريضا وشفيت. ~~- كان ينبغي أن ألزم جانبك. ~~- كان العلاج هو الوحدة! # وضمته إلى صدرها وهي تقول بشغف: دعني أرى إن كان الحب ما زال هو ~~الحب، أما آلامي وأحزاني فسأحدثك عنها فيما بعد. # 61 # جلس في بهو الضيوف فاستقبل المعلم عبد ربه والمعلم راضي في عناق صادق. ~~وسرعان ما جاء مؤنس العال ورجال العصابة. قبلوه باحترام، وقال له مؤنس ~~محزونا: ضاع كل شيء. لم يكن باليد حيلة. # وفي موكب من رجاله خرج إلى ms197 الحارة، ومضى إلى المقهى. اجتمعت الحارة كلها ~~في الطريق تحييه فاختلط المحب بالكاره، والمعجب بالحاسد. ومال نحو مؤنس ~~العال فسأله: ألم يظن أحد بي الجنون؟ # فهتف الرجل: أعوذ بالله يا معلم! # فقال له وهو يرمق الجمهور بازدراء: فليذهبوا إلى أعمالهم ~~مشكورين. # ثم غمغم: ما أكثر الكره وما أقل الحب! # 62 # وزار المئذنة وبصحبته عبد ربه وراضي. رسخت قاعدتها وسط خرابة. أزيل ~~الحصى والقاذورات مما حولها. قاعدة مربعة في مساحة بهو ذات باب خشبي ~~مقوس مصقول، ويواصل جسمها المتين ارتفاعه، لا ترى له قمة، لا يعلوه ~~بناء، ويعلو أضعافا فوق كل شيء، توحي أضلاعه بالقوة، ولونه الأحمر ~~بالغرابة والرعب. # وتساءل عبد ربه: لو سلمنا بأنها مئذنة فأين الجامع؟ # فلم يجب، فقال راضي: كلفتنا مبلغا طائلا. # وعاد الأب يسأل: ما معنى هذا يا بني؟ # فضحك جلال وقال: الله أعلم. ~~- منذ تم بناؤه ولا حديث للناس سواه. # فقال جلال بازدراء: لا تهتم بالناس، إنه من النذر يا أبي، وقد يرتكب ~~الإنسان حماقات كثيرة ليبلغ في النهاية حكمة فريدة. # وهم الأب بمعاودة السؤال، ولكنه سبقه بنبرة قاطعة: انظر، ها هي ~~المئذنة، سيفنى كل شيء في الحارة وتبقى هي. اطرح عليها أسئلتك وسوف تجيبك ~~إذا شاءت. # 63 # وانفرد بالمعلم عبد الخالق العطار وسأله بجدية مخيفة: ماذا ظننت ~~باعتزالي؟ # فقال الرجل بصدق وقلبه يخفق بالخوف: رددت قولك بلا زيادة. ~~- وماذا ظننت بالمئذنة؟ # فقال الرجل بعد تردد: لعلها من النذر يا معلم. # فسأله متجهما: ألست رجلا حكيما يا عبد الخالق؟ # فبادر الرجل يقول: إن تفشت همسة واحدة فاعتبرني المذنب! # 64 # في جوف الليل تسلل إلى المئذنة. رقى سلمها درجة درجة حتى انتهى ~~إلى شرفتها العليا. تحدى جو الشتاء القارس في تسلطه الشامل على ~~الوجود. تطاول رأسه إلى مهرجان النجوم الساهرة المنتشرة فوقه كمظلة. آلاف ~~الأعين تومض فوقه، وكل شيء تحته غارق في الظلام. لعله لم يصعد، ولكن قامته ~~طالت كما ينبغي لها. عليه أن يرتفع، أن يرتفع دائما؛ فلا سبيل إلى النقاء إلا ~~بالارتفاع. وفوق القمة تسمع ms198 لغة الكواكب، وهمسات الفضاء، وأماني القوة ~~والخلود، بعيدا عن أنات الشكوى والخور وروائح العفن. الآن تشدو ألحان ~~التكية أغنيات الخلود، وتعرض الحقيقة العشرات من وجوهها الخفية، وينكشف ~~الغيب عن شتى المصائر. من هذه الشرفة يستطيع أن يتابع الأجيال في ~~تعاقبها، وأن يلعب لكل جيل دورا، وأن ينضم بصفة نهائية إلى أسرة ~~الأجرام السماوية. # 65 # وقاد رجاله ليؤدب أعداءه وليعيد إلى حارته مكانتها السابقة. في ~~فترة قصيرة أحرز انتصارات باهرة على العطوف والحسينية وبولاق وكفر الزغاري ~~والدراسة. كان يرمي بنفسه على خصومه فيتطايرون أمامه تسحقهم الهزيمة ~~والذل. عرف بأنه القوة التي لا تقاوم، التي لا تجدي معها قوة أو ~~شجاعة. # 66 # وتغير أسلوبه في الحياة؛ أصبح يأكل فيفرط في الأكل، ويشرب فيفرط في ~~الشرب، ويدخن فيفرط في التدخين، وكلما غازلته غانية استجاب لها مستعينا ~~بالسرية والستر، وسرعان ما تحرر من سطوة زينات فلم تعد إلا وردة جميلة ~~في حديقة ملأى بالورود. وترامت أنباء مغامراته إلى المرأة فاشتعل ~~بجوانحها جنون الغيرة والخسران، ورأت وجهها في مرآة المستقبل متلاشيا في ~~ظلمة النسيان والضياع. طالما وجدت فيه الطفل البريء ذا المذاهب الخارقة. ~~وفتحت لها براءته أبواب الأمل البعيد، فضمنت الحب وطمحت إلى الزواج. ولعل ~~السلو عن الحياة نفسها أهون من السلو عنه وقد تجسدت فيه القوة والجمال ~~والشباب والعظمة غير المحدودة. ولكنه خرج من عزلته مخلوقا آخر. مخلوقا ~~يبهر بالقوة والجمال، ويرعب بالتقلب، والجنون والحنكة والاستهانة. وشعرت ~~بأنها تدق وتنحل وتتضاءل، بل وتتلاشى أمام سيادته المرعبة المجهولة. ولم ~~تجد ما تتذرع به حياله إلا الضعف والابتهال والهزيمة، ولكنه ~~اعترضها بنعومة متكبرة، معتزة بشموخها، متعطفة بحنان بارد، متحصنة ~~بتعال لا متناه، وقال لها: اقنعي بمنزلة تحسدين عليها. # ورأت أنها تذبل بقدر ما يزدهر، وأنهما ينطلقان في طريقين متضادين، ~~فاحتقن قلبها بالحب والتعاسة. # 67 # ورزق عبد ربه الأب بذكر سماه خالد. وسرعان ما تاب وأقلع عن البوظة ~~بصفة نهائية، ووجد سروره في الصلاة، فاتخذ من الشيخ خليل الدهشان نجيه ~~وصديقه. # وداخله قلق مرعب من ناحية جلال، ms199 وقلق أشد من ناحية المئذنة المخيفة. ~~خيل إليه أن علاقة الأبوة تتهتك، وأن ابنه أصبح غريبا لا يمت إليه ~~بصلة، بل أصبح غريبا بين الناس غرابة المئذنة بين الأبنية. إنه مثلها قوي ~~وجميل وعقيم وغامض. وقال له: لن يطمئن قلبي حتى تتزوج وتنجب. # فقال جلال: في الوقت متسع يا أبي. # فقال بتوسل: وحتى تبعث عهد الناجي العظيم. # فابتسم ولم يجب، فقال الأب: وحتى تتوب عن المنكر وتتبع سبيل ~~الله. # وتذكر ماضي أبيه القريب والبعيد فقهقه بصوت كالطبل. # 68 # مرت الأيام لا يخشى من مرورها، وتتابعت الفصول بلا جزع، وارتفعت ~~الإرادة الصلبة فوق قوى الطبيعة المتصارعة، ولم يعد الغيب يضمر ما ~~يخيف. # وفي هاوية اليأس والحزن تلقت زينات الشقراء دعوة للحب. طالما ~~انتظرتها، طالما تلهفت عليها، طالما تهيأ لها قلبها المكلوم. # ها هو يجود بليلة من لياليه ، ها هي تمضي إلى داره ينطق ظاهرها بالرضا ~~والقناعة. وفتحت النوافذ وانجابت الستائر لتوسع لنسائم بشنس. لقيته ~~بالبشر والمرح، وكتمت في الأعماق أحزانها. تعلمت أن تعامله بحذر الخائف، ~~فراحت تعد الشراب والأقداح، وتهمس في أذنه: اشرب يا حبيبي. # فيقول لها وهو يعب من الخمر عبا: ما ألطفك! # وقالت لنفسها إنه فقد قلبه كما فقد براءته، وأنه يتباهى وهو لا يدري ~~بقسوته مثل الشتاء، وقالت لنفسها أيضا إنها تنتحر بوعي وإرادة. # ورمقها وهو يتوغل في السكر، وتمتم: إن صح نظري فلست كالعهد ~~بك. # فقالت بعذوبة: إنه وقار الحب. # فضحك قائلا: لا وقار لشيء. # وعابث خصلة من شعرها الذهبي وقال: ما زلت في أعز مكانة، ولكنك ~~امرأة طموحة. # فاندفعت قائلة: ما أنا إلا امرأة حزينة. ~~- تذكري نصائحك الغالية عن قصر الحياة. ~~- كان ذلك في زمان الحب. ~~- ها أنا أعمل بها فشكرا لك. # وقالت لنفسها: إنه لا يدري ما يعنيه كلامه، وإنها تعلم الغيب أكثر منه ~~بقيراط، وإن الشر يرفع الإنسان على رغمه إلى مرتبة الملائكة. ورنت إليه ~~طويلا بشغف وهي تقاوم رغبة في البكاء. واستنامت إلى نسائم بشنس وقالت ~~لنفسها: إنه شهر غدار، سرعان ما تدهمه ms200 الخماسين فينقلب شيطانا مغيرا ~~يفتك بالربيع. واحتواها بين ذراعيه فضمته إلى صدرها بقوة جنونية. # 69 # تخلص من ذراعيها ومضى ينزع عنه ملابسه حتى بدا كتمثال من نور، ونهض ~~قائما. راح يتمشى في المخدع، وسرعان ما ترنح حتى ضحك. قالت: شربت ~~بحرا. ~~- ما زلت ظمآن. # فغمغمت كأنما تخاطب نفسها: ذهب زمان الحب. # وترنح متطوحا حتى تهاوى فوق ديوان. وضحك عاليا. قالت: إنه ~~السكر. # فقال متجهما: كلا، شيء أثقل، كأنه النوم. # حاول القيام ولكنه استسلم متمتما: إنه النوم يجيء بلا دعوة. # عضت على شفتها. هكذا سينتهي العالم ذات يوم. وأتعس الناس من ينشد ~~النصر في الهزيمة. # وقالت له بصوت مبحوح: حاول أن تنهض. # فقال بتراخ وقور: لا داعي لهذا. ~~- ألا تستطيع يا حبيبي؟ ~~- بلى، إنها نار الجحيم والنوم. # فانتفضت قائمة. تراجعت إلى مركز المخدع وهي تنظر إليه بوحشية حلت ~~محل العذوبة الحزينة. أصبحت قطعة من التحفز المشرب بالمرارة والحزن. نظر ~~نحوها بعينين غائمتين، حول بصره إلى لا شيء، قال بنفس ثقيل: ما بال ~~النوم يزحف! # فقالت بنبرة اعتراف مقدسة: ليس النوم يا حبيبي. ~~- لعله الثور الذي يحمل الدنيا على قرنه؟ ~~- ولا هو الثور يا حبيبي. ~~- إنك مضحكة يا زينات، لماذا؟ ~~- بل إني أنتحر. ~~- هه؟ ~~- إنه الموت يا حبيبي! ~~- الموت؟ ~~- لقد جرعت من السم ما يكفي لقتل فيل. ~~- أنت؟ ~~- أنت يا حبيبي. # وضحك، ولكنه سرعان ما كف عن الضحك في إعياء، فقالت وهي تبكي: قتلتك ~~لأقتل حياة العذاب! # حاول الضحك مرة أخرى وتمتم: جلال لا يموت. ~~- الموت يطل من عينيك الجميلتين. ~~- الموت مات يا جاهلة. # واستجمع كل قوته حتى وقف ممتدا في فضاء الحجرة. تراجعت إلى الوراء في ~~رعب، ثم اندفعت هاربة مجنونة. # 70 # كأنه يحمل المئذنة المرعبة فوق كاهله. الموت ينطحه كما ينطح أي حيوان ~~أعمى صخرة صلدة. وهتف بلا خوف: ما أشد الألم! # سار مترنحا نحو الخارج وهو عار تماما. تمتم وهو يغادر الدار إلى ظلام ~~الحارة: جلال يتألم ولكنه لا يموت. # تقدم ببطء شديد يخوض الظلمة الحالكة مغمغما بصوت غير ms201 مسموع: النار، ~~أريد ماء. # وجعل يتحرك في الظلام ببطء شديد، يغمغم متشكيا وهو يعتقد أنه يملأ ~~الدنيا صياحا. وتساءل أين الناس؟ أين الأتباع؟ أين الماء؟ أين زينات المجرمة؟ ~~وقال إنه الكابوس في ثقله وسماجته، ولكنه ليس الموت، القوى المجهولة تعمل الآن ~~بكل طاقتها لترده إلى الحياة والسخرية، ولكن ما أشد الألم! ما أفظع ~~الظمأ! # وعثر في تخبطه بجسم بارد. آه إنه حوض الدواب. اجتاحته فرحة النجاة. ~~انحنى فوق حافة الحوض، فتهاوى إلى أسفل. مد ذراعيه فغرق في الماء. لامست ~~شفتاه الماء المشبع بالعلف. شرب بنهم، شرب بجنون. صرخ صرخة مدوية ممزقة ~~بوحشية الألم. غاص نصفه الأعلى في الماء العكر، تقوض نصفه الأسفل فوق أرض ~~مغطاة بالروث، كفنته الظلمة الحالكة في تلك الليلة المثيرة المفزعة من ~~ليالي الربيع. # | الأشباح # الحكاية الثامنة من ملحمة الحرافيش # 1 # دهر طويل كان ينبغي أن يمر قبل أن تنسى الحارة منظر جثة جلال ~~المنطرحة على حافة حوض الدواب. جثة عملاقة بيضاء ملقاة بين العلف والروث. ~~هيكلها العظيم يوحي بالخلود، سلبيتها المتهافتة تشهد بالفناء، وفوقها يتشبع ~~الجو على ضوء المشاعل بالسخرية المرعبة. # انتهى القوي الشامخ في عنفوان شبابه. تلاشى ظله ذو المائة عين ~~والألف قبضة. حمله أبوه عبد ربه وأخوه راضي إلى داره العظيمة. شيع في ~~جنازة مهيبة إلى قبر شمس الدين الناجي. خلد ذكراه في سجل الفتوات العظام ~~بالرغم من صفاته الشيطانية. # يذهب الإنسان بخيره وشره، ولكن تبقى الأساطير. # 2 # تولى الفتونة بعده مؤنس العال. ورغم ما خلفه موت جلال من ارتياح عام ~~إلا أن الحارة فقدت توازنها وداهمتها مخاوف جديدة. وسرعان ما نزلت عن ~~مكانتها المرموقة فمضت في ركب الحي حارة من الحارات، وتلاشت فتونة فتوة ~~الفتوات، وراح مؤنس العال يهادن ويصادق، أو يخوض معارك خاسرة، ويضطر ~~أحيانا لشراء السلامة بالإتاوة والهدايا. أما داخل الحارة فلم يتصور ~~أحد أن يخلص مؤنس العال للعهد الذي خانه جلال حفيد الناجي ومعجزة القوة ~~والنصر. # 3 # وورث التركة الضخمة رجلان؛ الأب عبد ربه، والأخ راضي. وعلل موت جلال ~~بإفراطه ms202 في الخمر والمخدرات. أما انطراحه بين العلف والروث عاريا فاعتبر ~~جزاء إلهيا لصلفه وشموخه وتعاليه على البشر. وبقيت المئذنة بلا وريث، ~~متمادية في الضخامة والارتفاع والعقم، آية على الغطرسة والجنون. # 4 # وبعد حين فتح المعلم عبد الخالق العطار فاه. همس بالمغامرة العجيبة، ~~بمؤاخاة الجان، بدور الرجل الغامض شاور. هكذا ذاع السر وتناقله الناس، ~~وأكدت زينات الشقراء الظنون بما روت عنه من اعتقاده بأنه لا يموت. # واختفى شاور وجاريته هربا من غضب الخلق. واقترح كثيرون هدم المئذنة، ~~ولكن الأغلبية خافت أن يكون الجني قد سكنها حقا، فيخشى على الحارة من ~~هدمها أن يلحقها من الأذى ما لا يدريه بشر. هكذا تركت، يتجنبها القوم، ~~يلعنها الرائح والغادي، تمتلئ جوانحها بالحيات والخفافيش ~~والعفاريت. # 5 # وقال الحرافيش إن ما حل بجلال هو الجزاء العادل لمن يخون عهد الناجي ~~العظيم. من ينسى دعاءه الخالد بأن يهبه الله القوة ليجعلها في خدمة الناس. ~~وعندما يخون حفدة الناجي عهده تحل بهم اللعنة ويفتك بهم الجنون. حتى ~~المعلم عبد ربه ناله من ازدراء الحرافيش ما ناله، وكذلك المعلم راضي، ولم ~~يغن عنهما مالهما الغزير. # 6 # وعاشت زينات الشقراء فترة من الرعب والترقب، ولكن أحدا لم يشر إليها ~~باتهام، حتى من ساوره شك في دورها تغاضى عن ظنونه حامدا لها فعلها المجهول. ~~ولم تنعم المرأة بانتقامها؛ فعاشت وحيدة زاهدة بلا قلب ولا راحة. # واكتشفت عقب موت جلال بفترة من الزمن أن حبهما قد خلق في بطنها ثمرة، ~~فحرصت عليها بقوة حبها الخالد، وملكها شعور بالفخار رغم أنها ثمرة غير ~~مشروعة. وأنجبت ذكرا فسمته جلال بكل جراءة وصراحة متحدية به ~~التقاليد. # 7 # ووهبته حبين؛ حب الأمومة، وحب العاشقة الخالدة لأبيه الراحل. ~~ونشأ جلال في أحضان أمه حياة متواضعة، آثرتها أمه على العودة إلى حياة ~~الغانيات، ولم تنس قط أنه الوريث الحقيقي لتركة جلال الخيالية. وسعت إلى ~~المعلم عبد ربه، ثم إلى المعلم راضي، لينزلا للصغير عن شيء من ماله، ولكنهما ~~قاطعاها بحدة دلت على أنهما يتهمانها بدور فاصل في مصرع ms203 جلال. وقال ~~المعلم راضي: امرأة مثلها كيف تعرف من يكون أبا لابنها؟! # 8 # وترعرع جلال كابن من أبناء الحارة، مجهول النسب، يشار إليه باعتباره ابن ~~حرام، كما كان يشار إلى أبيه باعتباره ابن زهيرة. ولكن نموه المطرد ~~أثبت لكل ذي عينين أنه ابن جلال دون غيره. أجل، لم يكن له قوته ولا جماله ~~ولا عملقته، ولكن لا يخطئ أحد في ربط الصورة المتواضعة بالأصل ~~البائد. # 9 # ودخل جلال الكتاب عامين، ثم عمل سواقا عند «الجدع» صاحب العربات ~~الكارو. وكانت زينات قد أنفقت مدخرها فلم تستطع أن توفر لجلال عملا ~~أفضل، وكانت فخورا بابنها، كما كانت فخورا بصبرها واستمساكها بالحياة ~~الشريفة. ورغم تجاوزها للأربعين كانت ما تزال على قدر من الجمال جعل ~~المعلم الجدع يطمع في ضمها إلى حريمه. لم ترحب زينات برغبة المعلم، وخافت ~~في الوقت نفسه أن يسيء معاملة ابنها، ولكن الرجل نبذ رغبته عندما قال له ~~مجاهد إبراهيم شيخ الحارة الذي خلف خليل الفص بعد وفاته، قال: كيف تركن ~~لامرأة قتلت ذات يوم رجلها؟! # وعرف جلال - مع الأيام - أنه ابن جلال صاحب المئذنة وحفيد زهيرة، ~~وأن عبد ربه جده، والوجيه راضي عمه. عرف تاريخه الحزين كما عرف تاريخ الناجي، ~~ولبسه لقب ابن الحرام كقدر لا مفر منه ولا تكذيب له. وقال له المعلم الجدع ~~ذات يوم: إياك أن تعمد إلى العنف. اصبر وما صبرك إلا بالله، وإلا فابحث عن ~~رزقك في مكان آخر. # وقال له الشيخ سيد عثمان شيخ الزاوية (خليفة المرحوم الشيخ خليل ~~الدهشان): مؤنس العال يرقبك باهتمام باعتبارك من حفدة الناجي، حذار أن ~~تستغل قوتك فتهلك. # فصبر جلال مؤثرا السلامة، واستحق باجتهاده وأمانته تقدير ~~الجدع. # 10 # وتمر الأيام وتنبت من جديد آمال. تشجعت زينات بعطف الجدع على جلال ~~وراحت تخطب له عفيفة ابنة المعلم. وكان الرجل فظا صريحا عندما أجاب قائلا: ~~جلال ولد طيب، ولكني لا أزوج ابنتي من ابن حرام. # وبكت زينات منفعلة، أما جلال فقد تحمل الطعنة صابرا. # 11 # ومات الجدع عقب تناوله صينية ms204 فول بالخلطة وصينية كنافة بالقشدة، وقد تجاوز ~~السبعين من عمره. وانتظرت زينات عام الحداد، ثم طلبت عفيفة من أمها، ~~فوافقت المرأة بناء على ما آنست من ميل ابنتها للفتى. # هكذا زفت عفيفة الجدع إلى جلال عبد الله. # 12 # وبالزواج ترقى جلال عبد الله من سواق كارو إلى صاحب كارو، وإن لم تكن ~~عفيفة هي المالكة الحقيقية. أحسن الإدارة وتحسنت أحواله المعيشية، ثم ~~توج حظه بالأبوة. وتتابعت أيام مريحة أنجب فيها بنات، ثم رزق بذكر ~~سرعان ما أسماه شمس الدين جلال الناجي. أعلن بالتسمية عن كبريائه الدفينة مثل ~~النار في الصوان. وسلم الجميع بصدق التسمية، غير أن آل الناجي الأكابر - ‏ ~~مثل الوجيه راضي - امتعضوا لها، أما الحرافيش وسائر الناس فلم ينسوا أن جلال ~~الاب ابن غير شرعي للمجنون صاحب المئذنة الشيطانية. وقال عنبة الفوال صاحب ~~البوظة وخليفة المرحوم سنقر الشمام: ما أكثر الذين يسمون بعاشور وشمس ~~الدين في حارتنا! # أجل لم يبق من تراث الناجي الخالد إلا الأسماء، أما العهود والأفعال ~~فتعيش في الخيال مع الأساطير والمعجزات المسربلة بالحسرات. # 13 # وتمر أيام رتيبة ومريحة في حياة جلال عبد الله وأسرته، ويعرف ~~الرجل بالطيبة والأمانة وحسن الخلق والورع. ويتوفر له الرزق، ويعشق ~~العبادة، ويصبح من أقرب المقربين للشيخ سيد عثمان شيخ الزاوية، وتتوثق ~~علاقته بزوجته عفيفة ويقنع بمعاشرتها، ويحسن تنشئة شمس الدين، ويظل الابن ~~البار لأمه زينات رغم ما أورثته من سوء سمعة وألم. وتدل البشائر على أن ~~هذه الأسرة ستشق طريقها في يسر وبلا تاريخ. # 14 # عندما بلغ المعلم جلال عبد الله الخمسين من عمره انقلب حاله ودهمته ~~العجائب من زوايا المجهول؛ في البدء كانت وفاة أمه. ماتت زينات فجأة عن ~~ثمانين عاما. ومن عجب أن جلال - رغم كهولته ورغم شيخوخة أمه - قد صدم ~~صدمة عنيفة زعزعت توازنه. رئي في الجنازة وهو يبكي وينتحب، ثم غشيته كآبة ~~ثقيلة خنقته ثلاثة أشهر، حتى ظن به التدهور. ولم يفهم حزنه وسخر منه ~~كثيرون. وهو نفسه كان يقول إنه طالما أحبها حبا جما، ولكنه ms205 ما كان ~~يتصور أن يفعل به موتها ما فعل. أما الأعجب من ذلك فهو ما حصل له عقب ~~انقشاع الكآبة؛ لقد ولد شخص جديد مجهول الأصل، كأنما قذفه قبو مسكون ~~بالعفاريت. تبدى له حبه لأمه عاطفة غريبة مضللة كأنها سحر ~~أسود. تبخرت في الهواء مخلفة حجرا باردا شديد القسوة. أصبح يثور ~~لذكراها ويلعنها. لم يبق في قلبه أثر حزن أو بر أو وفاء، وثمة صوت ~~يهمس له في ذهوله بأنها كانت ينبوع العداوة والمقت في حياته، وأنه ~~ضحيتها الأبدية. # وتساءل ذات يوم: هل حزنت لموتها حقا؟ يا لها من نزوة جنونية أمام ~~الموت! # ومرة كان يجالس مجاهد إبراهم شيخ الحارة، فقال له: كانت أمي ذات ~~صفات كريهة وسمعة سيئة ونوايا خبيثة. # فدهش شيخ الحارة وقال له: لا أكاد أصدق أذني. ~~- أومن الآن بأنها حقا قتلت أبي، وقد كانت عربيدة مدمنة للمخدرات. ~~إني أتقزز من ذكراها. ~~- اذكروا حسنات موتاكم. # فهتف بحقد لم يعرف عنه: لا حسنة واحدة لها! # ثم بغيظ أشد: لقد تمتعت بعمر طويل مريح لا تستحقه. # 15 # وتغير سلوكه فيما يشبه الانهيار. # كف عن الصلاة، هجر الزاوية، ماج بانفعالات عنيفة. وإذا به يقتحم ~~البوظة لأول مرة في حياته. كان هناك الفتوة مؤنس العال وبعض رجاله، ~~فلما رآه صاح ساخرا: أخيرا عرف الحمار الضال حظيرته. # وضج الحاضرون بالضحك، أما جلال فابتسم في شيء من الارتباك، ثم رفع ~~القرعة إلى فيه الظمآن. # وسأله مؤنس العال: ماذا أغراك بتقليد الرجال؟ # فقال بسرور: الاقتداء بالرجال شرف يا معلم. # ولما انصرف الفتوة راح جلال يغني: # على باب حارتنا حسن القهوجي # وسكر وانبسط وراح يقول: حلمت أمس بأنني تسللت إلى مئذنة أبي، وأن شخصا ~~جميلا صعد بي إلى شرفتها العليا، ثم دعاني إلى ملاعبته الحجلة، فرحت أحجل حتى ~~اختل توازني فسقطت من الفتحة العالية، ولكنني لم أصب بأدنى أذى. # فقال له عنبة الفوال الخمار: خير ما تفعل أن تجرب ذلك في ~~يقظتك. # فراح يغني من جديد: # باسمع نغم بالليل عشق البنات البكاري # هد مني الحيل ms206 # 16 # وجد عفيفة مستيقظة تنتظر. لم يسبق له مثل هذا السهر. وتطايرت إلى أنفها ~~رائحة البوظة، فضربت صدرها براحتها هاتفة: سكران! # فراح يرقص ويقول: أنا جدع يا بنت الجدع. # 17 # وذاعت أخباره فعجب الناس وقالوا: «مجنون ابن مجنون.» واعترضه الشيخ سيد ~~عثمان ذات يوم وسأله: ماذا قطعك عنا؟ # فلم يجبه، فسأله بأسى: أحق ما يقال عنك؟ # فهجره ماضيا في سبيله. # 18 # وكان إذا سكر وفقد الوعي تقتحمه مغريات جديدة كأنما تتفجر عنها غرائز ~~رجل آخر. كان ينجذب إلى البنات المراهقات أو من دونهن بقليل، بقوة غشوم، ~~فيعاكسهن ويغازلهن، وإذا خلا إلى إحداهن انبثق من إهابه وحش نهم؛ لذلك ~~كان يتحاشى السكر في النهار خشية العواقب، ويتسلل ليلا إلى الخرابات مثل ~~ذئب جائع. وقادته قدماه ذات ليلة إلى مسكن «دلال» الغانية، وانفرط منه ~~الزمام. # 19 # غدا رجل الانحلال والفضائح. أوتي قوة كبيرة على الاستهانة بكل شيء. ~~ولعل ما ربطه بدلال أنها كانت صغيرة السن وذات وجه مطبوع بطابع ~~الطفولة، وأنها كانت تتسامح في نزواته الغريبة فتوفرها له بدلا من أن ~~تقصيه عنها أو تعنفه بسببها. وقالت له مرة بصراحة: إني أحب الجنون فلا ~~يهمك ما يقال! # فهتف جلال: أخيرا عثرت على امرأة عظيمة مثل جدتي زهيرة! # وانطرح على ظهره في تراخ وارتياح وراح يعترف لها قائلا: استيقظت ~~ذات صباح فوجدتني سكران بلا خمر. كان يخفق بصدري قلب جديد. كرهت حاضري ~~وذكرياتي، حتى التجارة والربح، ومشاكل البنات المتزوجات. وكرهت امتثال ابني ~~شمس الدين الذي يعمل سواقا عندي وكأنه حمار يسوق حمارا، وكرهت أمه ~~التي يمضي محصنا ببركاتها، ورأيتها تستنزفني بلا وجه حق، كما استنزفتني ~~أمي من قبل بطريقة أخرى. وثار القلب والعقل والكبد وأعضاء التناسل ~~وهتفت: بشرى للشياطين! # فقالت دلال ضاحكة: إنك ألذ رجل في العالم. # فقال بثقة: سمعت أن الرجال يولدون من جديد في سن الخمسين. # فقالت بيقين: ومرة أخرى في الستين، والسبعين. # فتأوه قائلا: لولا غيرة امرأة شريرة لخلد أبي وحطم كأس ~~المنون. # فقالت له دلال: لولا أنك معجزة ما ms207 أحببتك قط. # 20 # تتابعت الضربات وانهالت بعنف على رأس عفيفة. تقوضت دنياها، تبدد ~~حلمها، تبخرت سعادتها، اعتقدت أن «عملا» عمل لزوجها فطافت بأضرحة الأولياء ~~وقراء الغيب، التزمت بكل نصيحة نصحت بها، ولكن جلال توغل في ضلاله بلا ~~هوادة. لقد أهمل عمله أو كاد، واظب على السكر والعربدة، التصق بدلال، استباح ~~كرامته في مغازلة البنات. # لولا الخوف من العواقب لفكرت في أن تشكوه إلى مؤنس العال. ولم تجد في ~~حزنها ووحدتها إلا ابنها شمس الدين، فبثته حزنها ومأساتها، وقالت له: ~~حدثه يا شمس فربما لان لك. # وكان بين عفيفة وشمس الدين علاقة حميمة فاقت كل تصور، فحزن الفتى ~~لأمه، حزنه على سمعته وكرامته. وتشجع فصارح أباه بأحزانه، ولكن الرجل ~~غضب، وهزه بعنف قائلا: أتريد أن تربيني يا ولد؟ # فانطوى الفتى على أحزانه. كان يماثل أباه في قوته وملاحته وأخلاقه ~~المأثورة التي تقوضت فجأة، ولم يدر ماذا يفعل، وراح يعاني ثورة من عواطفه ~~تتحدى بنوته وبره ودماثته. ولم تكف أمه عن شكواها، فتلقى منها ~~نفحات متواصلة من المرارة والحنق. وطالما حذرته: سيبدد كل شيء، ~~سيتركك متسولا. # وبدا له أن أسرته تعاني من لعنة أبدية. تستعين بالجنون والدعارة والموت. ~~وتقلص قلبه فأخذ يجف من الوفاء والحب، ويتحدى المجهول بالقوة ~~والقهر. # وعجب متسائلا: لم قبلت أمي الزواج من مثل هذا الرجل؟ # 21 # وجعلت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ كعقود نهار الصيف الماضية نحو الظهيرة ~~المتلظية. وأخذ قلب شمس الدين يتلون بالسواد ويتشرب بالرفض والحنق. وترامى ~~إليه وهو جالس في القهوة أن أباه يرقص في البوظة شبه عار. وجن الفتى فانطلق ~~من فوره إلى البوظة بقلب محزون وإرادة مصممة. رأى أباه وهو يرقص وليس عليه ~~إلا سرواله، والسكارى يصفقون ويغنون: # عومي على الميه # لم ينتبه المعلم جلال لمقدم ابنه فواصل الرقص في غاية من الانسجام، ورأى ~~بعض السكارى شمس الدين فكفوا عن التصفيق والغناء، داعين الآخرين إلى ذلك، ~~وقال أحدهم بإغراء شرير: فلنشهد منظرا طريفا! # وبتوقف التصفيق والغناء توقف المعلم جلال عن الرقص محتجا. ms208 وعند ذاك ~~انتبه إلى وجود ابنه، كما فطن إلى غضبه وتحديه، فغضب بدوره وصاح به متسائلا: ~~ماذا جاء بك يا غلام؟ # فقال شمس بأدب: تفضل يا أبي بارتداء ملابسك. # فصاح المخمور: ماذا جاء بك يا وقح؟ # فقال بإصرار: أتوسل إليك أن ترتدي ملابسك. # فانقض عليه مترنحا ولطمه لطمة شديدة صفقت في البوظة الصامتة، ~~وصاح أكثر من صوت في تحريض وسرور: عفارم! # وانهال الرجل على ابنه لطما حتى خارت قواه من شدة السكر فتهاوى على الأرض ~~فاقد الوعي. # وندت ضحكة، ثم ساد الصمت وقال صوت: قتلت أباك يا شمس الدين. # وقال آخر: حتى الشهادة لم ينطق بها! # وانكب شمس الدين على أبيه يلبسه ثيابه، ثم حمله بين يديه، ومضى به ~~مشيعا بقهقهات غليظة ساخرة. # 22 # أفاق المعلم جلال بعد قليل فوق فراشه بمسكنه الشرعي. جالت عيناه الحمراوان ~~فيما حوله فرأى عفيفة وشمس الدين ومعالم الحجرة الكريهة. سرعان ما تذكر كل ~~شيء. إنه الليل، وكان ينبغي أن يكون في فراش دلال. وهذا الفتى قد جعل منه سخرية ~~السكارى وأعدم هيبة الأبوة. جلس في الفراش وهو ينفخ. وثب إلى الأرض. انقض على ~~شمس الدين وراح يكيل له الضربات. رمت عفيفة نفسها بينهما باكية. تحول جلال ~~إليها فاقد الرشد. قبض على عنقها وشد بوحشية. عبثا حاولت المرأة التخلص ~~من قبضتيه. تجلت في وجهها اليائس معالم الاختناق والموت. صاح شمس الدين: ~~دعها، إنك تقتلها! # لم يحفل به منتشيا بوحشية الجريمة. فزع شمس الدين إلى مقعد خشبي فرفعه ~~وهوى به على رأسه بقوة جنونية. # 23 # حل هدوء ثقيل محل الصراخ والانفعال الأحمر. استلقى المعلم جلال فوق ~~فراشه مضرجا في دمه. اقتحم المسكن جيران، وجاء أيضا مجاهد إبراهيم شيخ ~~الحارة. وقدم الحلاق لتقديم الإسعافات الضرورية وإيقاف الدم السائل، على حين ~~انزوى شمس الدين في زاوية مستسلما للأقدار. # وغاب الزمن تماما. وانداحت لحظة ساخرة مفعمة بكافة الاحتمالات. # لحظة عشوائية أقوى من كافة وسائل التفكير والتدبير. وأدركت عفيفة كما أدرك ~~شمس الدين أن الحاضر يدفع الماضي ويعدمه ويدفنه. وتمتم ms209 مجاهد إبراهيم: أي قدر ~~يعبث بأب ووحيده؟ # فولولت عفيفة هاتفة: إنه الشيطان. # وخيم صمت فوق جلال مثل جبل. ما زال صدره يعلو وينخفض. هتف مجاهد ~~إبراهيم: يا معلم جلال! # وهتفت عفيفة: لتشملنا رحمة الله القدير. # وسأل شيخ الحارة الحلاق: ماذا تجد؟ # فأجاب الحلاق وهو لا يكف عن عمله: العمر بيد الله وحده. ~~- ولكن لك خبرتك أيضا؟ # فاقترب منه وهمس في أذنه: لا نجاة من تلك الضربة. # 24 # فتح جلال عبد الله عينيه المظلمتين. لم يكد يعرف أحدا. طال صمته حتى ~~حطم أعصاب من حوله، ولكنه أخذ يستعيد قبسات من إدراكه. تمتم: إني ~~راحل! # فتأوهت عفيفة قائلة: بعد الشر عنك! # فعاد يتمتم: إني لا أخشى الظلام. ~~- إنك بخير. ~~- لتكن إرادة الله. # اقترب مجاهد إبراهيم من الفراش وقال: يا معلم جلال، أنا مجاهد إبراهيم، ~~تكلم أمام هؤلاء الشهود. # فتساءل جلال بصوت ضعيف: أين شمس الدين؟ # فدعاه مجاهد إبراهيم إلى الاقتراب فاقترب، وقال شيخ الحارة: ها هو ~~ابنك. ~~- إني راحل. # فسأله شيخ الحارة: ماذا حصل ؟ ~~- قضاء الله. ~~- من الذي ضربك؟ # وسكت الرجل، فألح مجاهد إبراهيم قائلا: تكلم يا معلم جلال! ~~- إني راحل. ~~- من الذي ضربك؟ # فقال متنهدا: أبي! ~~- الأموات لا يضربون، يجب أن تتكلم. # فتنهد مرة أخرى وقال: لا أدري. ~~- كيف؟ ~~- الحارة مظلمة. ~~- هل اعتدي عليك في الحارة؟ ~~- أو في مدخل البيت. ~~- لا شك أنك عرفت الجاني. ~~- كلا، أخفاه الظلام والغدر. ~~- لك أعداء؟ ~~- لا أعرف. ~~- هل تشك في أحد؟ ~~- كلا. ~~- أنت لا تعرف الجاني ولا تشك في أحد؟ ~~- بلى، استغثت بابني فجاء ليحملني، ثم غبت عن الوجود. # سكت مجاهد إبراهيم. حدقت الأعين بجلال وكان يحتضر. # 25 # ذهل شمس الدين وهو يصغي إلى صوت أبيه قبل أن ينقطع. خانته الشجاعة فلم ~~ينبس بكلمة. تلقى حنان أبيه المحتضر بخشوع وجبن وندم. زاغ من نظرات مجاهد ~~إبراهيم فدفن وجهه في يديه وبكى. وطيلة يوم الجنازة وأيام المأتم لم يغمض له ~~جفن. تحرك بين الناس شبحا تطارده أشباح الجحيم. لقد جن جده وجنت جدة ~~أبيه، وارتكب نفر ms210 من السلالة أبشع الانحرافات، ولكنه أول من يقتل أباه من آل ~~الناجي الملعونين. # ولما خلا إلى أمه قالت تشجعه: إنك لم تقتل أباك ولكنك دفعت إلى ~~الدفاع عن أمك. # وأيضا تساءلت: أليس الله بعالم كل شيء؟! # ثم قالت بحرارة: إن الشهادة التي حماك بها خليقة بالتكفير عن ذنوبه ~~جميعا، وسوف يلقى ربه بريئا طاهرا مثل طفل وليد. # وأغرق شمس الدين في البكاء وتمتم: لقد قتلت أبي! # 26 # ودعاه المعلم عبد ربه للقائه في «القلعة» دار جلال صاحب المئذنة. كان يعلم ~~أنه والد جده جلال، وأنه في المائة من عمره. وجده هرما لا يفارق داره، ولا ~~حجرته، ولكنه كان بالقياس إلى عمره موفور الصحة والنشاط، وقورا، يرى الأشياء ~~ويسمع الأصوات ويعي الأمور. عجب شمس الدين لتعمير الرجل بعد وفاة ابنه وحفيده، ~~ولم يحمل له ذرة من حب أو احترام. ولا ينسى مقاطعته لأبيه. # تفحصه طويلا وهو يقربه من وجهه، ثم قال: البقية في حياتك. # فرد عليه ببرود، فقال عبد ربه: في وجهك شبه من جلال بن زهيرة. # فقال ببروده: لقد قاطعت أبي. # فقال بهدوء: كانت الأمور معقدة. # فقال بتحد: بل الطمع في التركة! ~~- كل تركة عدا عهد عاشور فهي لعنة. ~~- ولكنك تتمتع بها لآخر لحظة في حياتك. # فقال العجوز بنبرة مضطربة: دعوتك لأعزيك، خذ نصيبك من التركة إذا ~~شئت. # فقال شمس الدين وكأنه يكفر عن جريمته: إني أرفض كرمك. ~~- إنك عنيد يا بني. ~~- إني أنكر من أنكر أبي. # عند ذاك أغمض العجوز عينيه، فغادر شمس الدين المكان. # 27 # لم يجد شمس الدين بدا من مواجهة الحياة. انطبع وجهه بجدية تكبره بنصف ~~قرن. أخذ نفسه بالتقوى والاستقامة. حل محل أبيه في إدارة العربات فهرب من ~~ذاته بالإغراق في العمل. عرف في الحارة بقاتل أبيه. اعتبر لعنة متحركة ~~مقابل المئذنة، تلك اللعنة الثابتة. ويتساءل أناس ماذا تتوقعون من شاب أبوه ~~ابن حرام وجده صاحب المئذنة؟ صمم شمس الدين على تحدي اللعنة بوجهه الصارم ~~وإرادته الصلبة وقلبه المترع بالندم. أخلص لدينه، تصدق على الفقراء، ms211 عامل ~~زبائنه بالحسنى، مضى في الحياة منفيا ملعونا. استقرت في عينيه نظرة ~~كئيبة، كره الفاكهة، تجنب الغناء والطرب، حذر من البوظة والغرزة، لفحته مشاعر ~~الناس فكره الناس ولكنه تمسك بالحياة. # 28 # لم تجد عفيفة الجدع من دواء لحال شمس الدين خيرا من أن تزوجه. أعجبتها ~~صادقة بنت بياع الفول فخطبتها له مزكية إياه بعمله وأصله، ولكن الأسرة أبت ~~أن تزوج ابنتها من قاتل أبيه. ولم يكن شمس الدين يهتم كثيرا بالزواج، ولكن ~~الرفض عمق جراحه فصمم على الزواج بأي ثمن. # وكانت توجد راقصة تدعى نور الصباح العجمي، مجهولة الأصل متهتكة. أعجبه ~~منظرها فزارها متسترا بالظلام، لا ليعاشرها كما توقعت، ولكن ليخطبها! ~~ودهشت البنت، وظنته يرسم لاستغلالها، ولكنه قال لها بصدق: بل أريدك ست بيت ~~بكل معنى الكلمة. # فأضاء وجهها بالفرح وقالت: إنك شاب نبيل وإني أستحق ذلك! # 29 # وحزنت عفيفة فقالت محتجة: إنها بنت داعرة! # فقال شمس الدين بكآبة: مثل جدتي زينات! # ثم متمتما بسخرية: ما أكثر الداعرات في أسرتنا المجيدة! ~~- لا تيأس بسرعة يا بني. # فقال بامتعاض: إنها الوحيدة التي تقبلني بلا امتعاض. # 30 # وزفت نور الصباح العجمي إلى شمس الدين جلال الناجي. وهتك شمس الدين ~~ستار الانكماش فأقام حفلا شهده عماله وأهل أمه، وتجاهل من يتجاهلونه. وسخرت ~~الحارة من الزيجة فجرى على الألسنة ذكر زينات وزهيرة، وذكريات الأسرة التي هبطت ~~من السماء لتتمرغ أخيرا في الوحل. # بكل قحة قال عنبة الفوال الخمار: ألم يكن عاشور نفسه لقيطا؟ ألم ~~تكن أم الأسرة الأولى عاملة في هذه البوظة؟! # 31 # وقيض للزواج أن ينجح. تحولت نور الصباح العجمي إلى ست بيت. سعد بها ~~شمس الدين فاستقر جانب من جوانبه القلقة. ولم ينغص صفو البيت من آن لآن ~~إلا المشاحنات بين عفيفة ونور الصباح. وبقدر ما كانت عفيفة صارمة غير متسامحة، ~~كانت نور الصباح حادة سليطة اللسان. ولكن المعاشرة لم تتحطم، وأنجبت صباح من ~~البنات ثلاثا، وأخيرا جادت بسماحة شمس الدين الناجي. # 32 # وبتقدم الزمن تناسى شمس الدين همومه وذنبه ما أمكن، ms212 ولكن الكآبة كانت قد ~~صارت له طبعا. ونشأ سماحة وليس له جمال أبيه أو جده، ولكنه يبشر ببنيان أشد. ~~وولعت به أمه وجدته، فحافظا عليه ككنز غال. ولم يحقق نجاحا في الكتاب. ~~وتشاجر ذات يوم مع قرين فضربه باللوح فكاد يفقده عينه، وأوقع أباه في مشكلة لم ~~يخلص منها إلا بتعويض لا يستهان به. وقسا عليه فضربه حتى أحزن أمه وجدته. ~~وجره إلى العمل في الحظيرة قبل الأوان وهو يقول له: تعلم أدب الحياة بين ~~الحمير! # ونما سماحة تحت رعاية أبيه الكئيب، وسرعان ما شارف المراهقة. # 33 # رغم أن الفتى لم يكن يغيب عن عيني أبيه من الصباح حتى النوم إلا أنه لم ~~يطمئن إلى أحواله تماما، فآنس منه جموحا وتوقع منه المتاعب. # وذات يوم جاءه مجاهد إبراهيم شيخ الحارة وقال له: أول ما شطح نطح! # شعر بأنه يعني ابنه سماحة، ولكنه لم يصدق لشدة إحكام قبضته حول الفتى. ~~وتساءل عما هنالك، فقال شيخ الحارة: هل تصدق أن ابنك مرافق كريمة ~~العنابي؟ # فذهل شمس الدين. متى يفعل ذلك؟ قال: إنه لا يغيب عن ناظري حتى أودعه ~~فراشه! # فضحك مجاهد إبراهيم وقال: ثم يتسلل من البيت وأنت نائم. # وذهل شمس الدين مرة أخرى لأن كريمة العنابي أرملة تقترب من الستين من ~~عمرها وابنه مراهق ليس إلا. وقال له مجاهد إبراهيم: احذر أن يعتاد الولد ~~البرمجة! # 34 # وتربص شمس الدين في الظلام أمام باب دار كريمة العنابي. جاء بعد أن ~~تأكد من أن الولد قد غادر فراشه وها هو ينتظر. وقبيل الفجر بساعة فتح الباب ~~وتسلل منه شبح. سقط في يد أبيه، فزع أول الأمر، هم بضربه لولا أن عرف صوته ~~فانقهر. ~~- أيها الخنزير! # وشده بعنف فشم رائحته فصاح: وسكران أيضا! # ولطمه لطمة طيرت الخمر من رأسه. وفي البيت عنفه وضربه حتى استيقظت ~~نور الصباح وعفيفة، ومضت الحقيقة تتكشف لهما من خلال اللطمات والكلمات. وقال ~~سماحة: كفى يا أبي وجهي يتحطم. ~~- إنك تستحق القتل، تخدعني؟ ~~- تبت وأنا في عرضك! # وقالت عفيفة: إنها ms213 أكبر مني المجرمة. # فصاح شمس الدين وهو يشير إلى سماحة: هو المذنب ولا أحد سواه! # 35 # وقال شمس الدين لنفسه إن المقدمات تنذر بأوخم العواقب، وإن من يبدأ بعشق ~~امرأة في سن جدته فكيف ينتهي؟ وقد رأى كريمة هانم العنابي في بعض مشاويرها ~~فهاله تصابيها وزواقها وبدانتها المفرطة، وآمن بأن أسوأ ما ينشأ عليه مراهق أن ~~يألف أن تنفق عليه امرأة. # وفي ذلك الوقت توفي مؤنس العال فخلفه في الفتونة سمعة الكلبشي فازدادت ~~أحوال الحارة حطة وإظلاما. وتلقى الحرافيش البلوى كقدر مكتوب لا مفر ~~منه، فلم تعد الفتونة - بصرف النظر عن هوية الفتوة - إلا بلوى قائمة. # 36 # وتوفي الجد عبد ربه فشيع في جنازة كبيرة لم يشترك فيها شمس الدين ولا ~~سماحة. وعرف بعد ذلك أنه أوصى للفتى سماحة بخمسمائة جنيه. وطالب سماحة بميراثه ~~ولكن أباه أبى أن يسلمه إياها إلا أن يبلغ رشده. وشدد الرقابة عليه حتى ~~عانى الفتى حياة مريرة. وذات مرة حانت من شمس الدين نظرة إلى الفتى وهما ~~يعملان في الحظيرة، فضبط في عينيه نظرة جدباء انقبض لها صدره، فقال لنفسه: ~~الولد لا يحبني! # وتنهد مغتما وقال: لا يدرك الأحمق أنني أعمل لما فيه خيره. # 37 # وتدافعت الأحداث مثل زبد النهر الأغبر. ولاحظ شمس الدين ذات صباح وهو ~~يحتسي قهوته في بيته قلقا أسود يلف عفيفة ونور الصباح، فخفق قلبه وتساءل: ~~سماحة؟! # فتلقى صمتا مريبا ضاعف من أحزانه، فسأل بحدة: ما الجديد من ~~متاعبه؟ # بكت نور الصباح وقالت عفيفة بنبرة متشنجة: ليس في البيت. ~~- رجع إلى التسلل؟ ~~- بل غادرنا! ~~- هرب؟ # ومضى مشحونا بسوء الظن إلى السحارة، فاكتشف اختفاء الميراث فصاح: لص ~~أيضا! # فقالت أمه: حلمك يا بني إنه ماله. # فقال بإصرار: لص هارب! # ونقل عينيه بارتياب بين المرأتين وتساءل: ماذا يحدث وراء ظهري؟! # 38 # تصور أنه لائذ بدار كريمة العنابي. أفضى بظنونه إلى شيخ الحارة مجاهد ~~إبراهيم. وقام الرجل بتحرياته ثم قال له: لا أثر لسماحة في حارتنا! # وأيقن أن الله يعاقبه على جريمته. عليه أن ms214 يكفر عن جريمته كما كفر عن ~~جرائم الآخرين، ولا يبعد أن يقتله الفتى ذات يوم. لم لا؟ إنه لا يحسن بهذه ~~الدنيا ظنا. وألقى على المئذنة نظرة وحشية وتساءل: لم يبقون على هذه ~~اللعنة قائمة؟! # 39 # لم يعثر على أثر لسماحة رغم أن شمس الدين أوصى جميع السواقين عنده ~~باليقظة والتحري. ها هو الفتى يمضي في أثر المختفين من رجال الأسرة ونسائها. ~~وتتلاحق الأعوام. أما عفيفة فقد ماتت في أعقاب مرض طويل، وأما نور الصباح ~~فقد أمرت الأيام ما كان منها حلوا. ومضى شمس الدين يحمل أثقاله، ويغمغم ~~كلما حزبه ألم: «أمرك يا رب.» # 40 # ولكن غيبة سماحة لم تدم كما دامت من قبل غيبة عاشور أو قرة. رجع إلى ~~الحارة ذات يوم وقد بلغ رشده، بلغ رشده‏ ولكنه فقد أشياء ثمينة لا ~~تعوض. # امتلأ جسده بالقوة والشراسة. اختفى جماله وراء غلالة من التجهم ونسيج ~~متقطع من الكدمات والعاهات المستديمة. أكان يعاشر قطاع الطرق؟ حتى أبوه لم ~~يعرفه لأول وهلة. ولما اكتشف حقيقته واجتاحته موجة من السرور والأسى، اضطرب ~~بين الشكر والحنق. تمزق بين الحب والسخط. وتبادلا النظر طويلا في الحظيرة ~~بين السواقين والحمير. وتنحى به جانبا وسأله بإشفاق: ماذا فعلت ~~بنفسك؟ # وجعل يرددها والآخر صامت مستغنيا بمنظره عن أي بيان. وسأله: بددت ~~النقود؟ # فحنى رأسه: آه. البعض يستثمر والبعض يبدد. وتنهد من الأعماق وتمتم: ~~لعل الحياة قد لقنتك درسا مفيدا. # ولما ضاق بصمته قال له: اذهب إلى أمك. # 41 # وسرعان ما انطفأ الأمل الضعيف الذي ساور شمس الدين. أفاق من عاطفة الأبوة ~~الملتاعة التي اجتاحته. رأى العناد والاعوجاع والسفه في صورة جديدة من قوة شرسة ~~متحجرة. ومع ذلك لم يستسلم لليأس فقال له برقة: إلى العمل يا بني. درب ~~نفسك على إدارة ما ستكون صاحبه غدا. # وشجعته نور الصباح بحنانها وتوسلاتها. أما سماحة فقد أبى العمل ~~كسواق، فأبقاه أبوه معه في الحظيرة مشركا إياه في صميم عمله. غير أنه تململ ~~وغالى في طلب النقود. ولم يعد في وسع الأب ms215 أن يعامله كغلام، فراح يسهر في ~~البوظة والغرزة وبيوت الدعارة، متجاهلا صاحبته الأولى كريمة العنابي. # وقال له شمس الدين بحضور أمه: خير ما تفعل أن تتزوج. # فقال ساخرا: لا توجد بنت جديرة حقا بحفيد الناجي العظيم. # فسأله أبوه: هل تدرك ما يعنيه اسم الناجي؟ # فقال بقحة ما بعدها قحة: معناه التفرد بالمعجزات مثل بناء مئذنة ~~العفاريت! # فهتف شمس الدين مغيظا محنقا: إنك لمجنون! # ومضى الأب لحاله وهو يقول لنفسه: إنه يكرهني ما في ذلك من شك. # وتهرب من هاجسه حينا غير أنه قال بوجوم: سيقتلني ذات يوم. # 42 # واكتشف المعلم شمس الدين سرقة قدر من مال العمل لا يستهان به. عرف في ~~الحال ما يعنيه ذلك. وأدرك أنه قد يفلس يوما من جراء حماقة كهذه. ولم ~~يتردد فذهب من توه إلى البوظة. وجد سماحة يجالس سمعة الكلبشي ورجاله كأنه ~~واحد منهم. أشار إليه أن يتبعه ولكن الفتى لم يستجب. تاه في سكره وطالع أباه ~~بنظرة متحدية. وكظم الأب غيظه وقال له: أنت تعلم بما دفعني إليك. # فقال ببرود: إنها نقودي كما هي نقودك، وإني أنفقها على خير وجه. # فقال سمعة الكلبشي: أحسنت. # فقال شمس الدين لسماحة: إنك تعرضني للخراب. # فقال سماحة بلسان ملتو: أنفق ما في الجيب؛ يأتك ما في الغيب. # فقال سمعة الكلبشي: هذا الولد حكيم! # واقترب عنبة الفوال من شمس الدين وهمس في أذنه محذرا: وحد ~~الله! # ولكن الغضب اجتاحه فصاح: اشهدوا جميعا على أنني أطرد هذا الابن العاق من ~~بيتي، وإنني أتبرأ منه إلى يوم القيامة. # 43 # وتلقت نور الصباح الخبر كمصيبة دهماء فصرخت: لن أفرط في ابني ~~أبدا! # فكرهها شمس الدين في تلك اللحظة بكل قوة حنقه وغيظه وصاح: لن يدخل هذا ~~البيت ما حييت! ~~- ابنى، لن أفرط فيه! # فقال بلا وعي: إنه ينضح بأصلك القذر! # فأجابته فاقدة الوعي أيضا من اليأس والغضب: ليس في أصلي دعارة أو ~~جنون. # فلطمها لطمة أسقطتها على أرض الحجرة، فجنت من الغضب وبصقت على وجهه. عند ~~ذاك صرخ: اذهبي فأنت ms216 طالق بالثلاثة! # 44 # أقامت نور الصباح وسماحة في شقة واحدة. انخرط الفتى في عصابة سمعة الكلبشي ~~ولكنه لشدة إسرافه لم يذق الرضا قط. ولم يخف كراهيته لأبيه عن أحد، وخاض في ~~معايب آل الناجي بكل قحة كأنه أكبر أعدائهم. # وعاش شمس الدين وحيدا. ولم يعد ينعم بالأمان أو الطمأنينة. وتوقع ~~لنفسه نهاية مثل نهاية أبيه أو أفظع. وتوثب للدفاع عن نفسه بكل وسيلة. كان ~~يغدق على عماله ليريح قلوبهم، ويحكم إغلاق شقته بابا ونوافذ، وبذل العطاء ~~لسمعة الكلبشي وتودد إليه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. # 45 # وزاره يوما شيخ الحارة مجاهد إبراهيم وقال له: أنصحك بالحكمة يا معلم شمس ~~الدين. # فسأله بوجوم: ماذا تعني؟ ~~- خفف من العداوة، أجر عليه بعض المال. # فلاذ شمس الدين بالصمت، فقال شيخ الحارة: سمعته أمس في البوظة يمني ~~الندماء بسهرات خلابة عندما .. # وتوقف الرجل، فقال شمس الدين بكآبة: عندما أموت أو أقتل! ~~- لم يجر للقتل ذكر، ولكن ليس هناك أبشع من أن يتمنى الابن موت أبيه، ~~أو يتمنى الأب موت ابنه. ~~- ولكنني لا أتمنى موته. # فقال مجاهد إبراهيم بوضوح: نحن بشر يا معلم! # 46 # شعر شمس الدين بطائر الخوف يحلق فوقه. وذات يوم مضى إلى دار سمعة ~~الكلبشي طاويا جوانحه على مغامرة فريدة. حياه بإجلال وقال: أريد أن أتشرف ~~بيد كريمتكم. # فتفحصه الفتوة مليا ثم قال: من ناحية السن فليس ثمة ما يمنع من أن ~~تتزوج بنت السادسة عشرة من رجل في الأربعين. # فحنى شمس الدين رأسه في خشوع، فقال سمعة الكلبشي: أصلك كريم ومالك ~~وفير! # فواصل شمس الدين خشوعه ورضاه، فسأله الفتوة: كم تدفع مهرا؟ # فقال شمس الدين بقلق دفين: ما تأمر به يا معلم. ~~- خمسمائة جنيه. # فقال بحكمة: إنه مبلغ جسيم ولكن المطلوب أغلى وأعز. # فمد له يده قائلا: لنقرأ الفاتحة. # 47 # زفت سنبلة سمعة الكلبشي إلى شمس الدين جلال الناجي. احتفلت الحارة كلها ~~بالزفاف. صار شمس الدين في أعز وآمن مكان. لم تكن سنبلة جميلة ولكنها كانت غضة ~~الشباب، كما كانت ابنة ms217 الفتوة. # 48 # تولى الذعر نور الصباح وابنها سماحة. وقال سماحة: تبدد حلم ~~الميراث. # فقالت عفيفة وهي لا تصدق نفسها: ولكن حقك لا يمس. # فقال سماحة: هل تتصورين أن الكلبشي سيترك الأمور للشرع؟! # فقالت نور الصباح محذرة: الحياة أغلى من المال. # فقال بغضب: إن أعين رجاله ترقبني ليل نهار، كالمتبع مع المخيفين من آل ~~الناجي، وها هو ظرف جديد يدفعه إلى المزيد من الحذر! # فتأوهت نور الصباح وقالت: الحذر يا بني، لعنة الله على أبيك، وليحفظك ~~الله. # 49 # اقتنع سماحة بأن حياته باتت مهددة ليخلص الميراث لسنبلة وحدها، وليأمن ~~الفتوة جانبه على فتونته بصفة نهائية. # والعجيب أن شمس الدين نفسه لم يستنم طويلا إلى سبات الطمأنينة العذب. ~~ماذا يحول بين سماحة وبين الانتقام منه وهو أدرى الناس بطبعه المستهتر؟ وهل ~~يوجد سيد للموقف اليوم أقوى من سمعة الكلبشي؟ لقد وضعه الخوف من الموت بين ~~فكي الموت نفسه، ولن يستكن الفتوة حتى ينتزع منه ماله إلى آخر مليم. وهو لم ~~يمل حقا لسنبلة، وعاوده حنينه إلى نور الصباح، ولكن كان عليه أن يحمل ثقل تلك ~~المعاشرة مع أثقال حياته الأخرى. وثمة حقيقة تنشب أظافرها في لحمه وهي أن الأمس ~~لا يمكن أن يرجع أبدا. # 50 # وزاره سمعة الكلبشي ذات ليلة. أشار إلى ابنته فغادرت الحجرة فتوقع أمرا ~~لا يسر. ما معنى زيارة ليلية؟ كره منظر وجهه الشبيه بكرة كثيرة الندوب، كما كره ~~ثقته الموحية بأنه يجلس في بيته وبين أهله. وراح يتكلم عن عجائب المصادفات ~~ونوادر الدهر والقوى الخفية المسيطرة على مصائر البشر، وشمس الدين في حيرة من ~~تأملاته، حتى قال الفتوة: انظر مثلا كيف أن وجود شخص معين غير مريح ~~لكلينا! # أدرك من أول وهلة ما يعنيه. تجسدت لعينيه صورة ابنه سماحة. انذعر ~~لموافقة الرأي لأمانيه الخفية أكثر من انذعاره إشفاقا على وحيده. وتساءل ~~متجاهلا ومتغابيا: أي شخص تعني يا معلم؟ # فقال الكلبشي بازدراء: لا، لا! لا تستغفل الكلبشي يا أبا سماحة! # فتساءل بارتياع: تقصد سماحة؟ ~~- هو ما تقصده أنت! ~~- إنه ms218 ابني. ~~- كما كنت ابن أبيك! # فقطب متألما وقال: إنك قوة لا يجوز عليها أن تخشى أحدا. ~~- دعك من هذا الكلام الفارغ، ثم إنك لم تفهم غرضي! # قال شمس الدين بامتعاض: زدني إيضاحا! ~~- بع أملاكك بيعا صوريا لزوجتك؛ ييأس سماحة ثم يرحل! # فغاص قلبه في صدره وقال كالمستغيث بأي شيء: أو يحفزه ذلك على الانتقام ~~مني! ~~- لن يمسك سوء ما دمت حيا! # رأى الشرك فاغرا فاه. رأى الصائد مكشرا عن أنيابه. الفقر أو الموت أو ~~الاثنان معا. محال أن يقبل ومحال أن يرفض.‏ قال بتوسل: أعطني مهلة ~~للتفكير. # فعبس الفتوة محنقا وقال: ما سمعت مثل ذلك من قبل. # فقال بضراعة: مهلة قصيرة. # فنهض الرجل وهو يقول: صباح الغد. عندك الليل بطوله. # 51 # لم يغمض لشمس الدين جفن. ترك سنبلة في زينتها تنتظر حتى غلبها النوم. أطفأ ~~المصباح، تدثر بعباءته اتقاء للبرد. رأى في الظلمة الأشباح، أشباح الماضي ~~كلها. ما هذا التدهور بعد الصمود؟ ألم يحمل أثقاله ويمضي بها؟ ألم يكفر عنها ~~بالصبر والألم؟ ألم يلتزم بالجدية والاستقامة والجلد؟ كيف جاء التدهور ليرث ~~نضاله كله بلا دفاع؟ لقد حدث ذلك بسبب سقوطه في هاوية الخوف. الخوف أصل البلاء. ~~خاف ابنه فطرده ، ثم طلق أمه، ثم مضى بقدميه إلى وكر الشيطان. بلا تفكير ~~سليم مضى. وكيف يتهيأ التفكير السليم لمنذعر؟ عندما صرع الخوف واجه الحياة ~~بكبرياء. لم تقض عليه نوائب السمعة السيئة والجريمة البشعة واحتقار الحارة. ~~واجه الحياة بكبرياء. طوع اليأس لخدمته. بنى على أساس داعر أسرة كريمة. نجح ~~في العمل. حاز القوة والثراء عندما صرع الخوف. اليوم يطالب بالنزول عن ثروته. ~~غدا يقتله سماحة. بعد غد يؤخذ سماحة بجريمته. يفوز الكلبشي بالمال والأمان. ~~يقول شبح في الظلام: لا تقتل ابنك، لا تحمل ابنك على قتلك، لا تذعن للطاغية، ~~لا تستسلم للخوف، طوع اليأس لخدمتك، ابحث في الموت عن عزاء كريم إذا تعذرت ~~الحياة. # وعصفت ريح الشتاء في الخارج كالنواح، فتخيل ‏- مأخوذا بنشوة الخيال ‏- ~~أن عاشور أصغى لها ذات ليلة في بدرومه الخالد. ms219 # 52 # في الصباح سقط رذاذ مشبعا بروح أمشير النقية المتقلبة الثائرة، ~~ونفذت البرودة إلى نخاع العظام. مضى شمس الدين فوق الأرض الزلقة متوكئا على ~~عصاه الغليظة. رحب به سمعة الكلبشي وهو متربع فوق أريكته بالقهوة. ~~- أهلا بالمعلم شمس الدين. # دعاه إلى الجلوس إلى جانبه فجلس، ثم سأله هامسا: نشرع في إجراءات ~~البيع؟ # فأجاب شمس الدين بهدوء مريب: كلا. ~~- كلا؟! ~~- لا بيع ولا شراء. # فاصفر وجه الفتوة وتمتم: يا له من قرار جنوني! ~~- بل هو عين الصواب. # ارتسمت في أساريره صورة كالحة للشر وقال: تعتمد على مصاهرتي؟ # فقال شمس الدين بهدوئه المصمم: أعتمد بعد الله علي نفسي! ~~- تتحداني؟! ~~- بل أصارحك برأيي ليس إلا. # اجتاح الغضب سمعة فلطمه بقسوة. جن جنون الآخر فرد اللطمة بأشد منها. ~~وثب الرجلان في لحظة واحدة شاهرين نبوتيهما. وسرعان ما التحما في معركة ~~قاسية. كان شمس الدين قويا وأصغر من سمعة بعشر سنوات، ولكنه لم يمارس ~~المعارك. وجاء رجال الفتوة من جميع الأنحاء وبسرعة مذهلة وبينهم سماحة. أحاطوا ~~بالمتعاركين دون تدخل من جانبهم احتراما للتقاليد المرعية. وتمكن سمعة ~~الكلبشي من خصمه واستجمع قوته ليوجه إليه ضربة قاضية. في تلك اللحظة وثب ~~سماحة وثبة مفاجئة فهوى بنبوته على رأس الفتوة فتقوض بنيانه وانطرح أرضا. ~~وقع ذلك بسرعة خاطفة. صرخ الرجال وانقضوا على شمس الدين وسماحة، ولكن ثمة ~~مفاجأة أخرى كانت متربصة، انضم نفر من الرجال إلى سماحة وشمس الدين! هتفت ~~أصوات: خيانة وضيعة! # والتحم الفريقان بضراوة ووحشية. تصادمت النبابيت، تلاطمت الأجساد، فرقعت ~~الصكات، تطايرت اللعنات تحت الرذاذ، سالت الدماء، استحرت الأحقاد، أغلقت ~~الدكاكين، هرولت العربات، تجمع الناس في طرق الحارة، اكتظت النوافذ ~~والمشربيات، علا الصريخ والعويل. # 53 # حمل شمس الدين إلى بيته محطما. استطاع سماحة أن يرجع إلى مسكنه بجهد ~~شديد، ثم رقد وهو بين الحياة والموت. أما سمعة الكلبشي فقد أصابه العجز ~~وتلاشت أسطورته، وانهزم رجاله. # 54 # وتكشفت حقائق في اليوم نفسه. عرف أن سماحة طمح إلى الفتونة، وأنه نجح ~~في ضم بعض الرجال إليه سرا، وأنه ms220 كان يرسم للقضاء على الفتوة والسيطرة على ~~أبيه، فلما بوغت بالمعركة بين الفتوة وأبيه انقض في اللحظة المناسبة لحماية ~~شمس الدين وإعلان ثورته، ونجح مشروعه ولكنه رقد بين الحياة والوت. # 55 # تواصل سقوط الرذاذ طيلة النهار. تشرب الجو بظلال كستنائية ونعاس. نقش ~~أديم الأرض الزلقة بحوافر الدواب. أما المعلم شمس الدين فقد انطرح فوق فراشه ~~يحتضر في رعاية جاره بعد أن هجرته سنبلة. لم يفتح عينا، لم ينبس بكلمة، ندت ~~عنه حركات مبهمة، تبدى متخليا عن كل شيء، وعند جثوم الليل أسلم ~~الروح. # | سارق النغمة # الحكاية التاسعة من ملحمة الحرافيش # 1 # كتبت لسماحة شمس الدين جلال الناجي النجاة من الموت. استعاد صحته رويدا، ~~ثم استرد قوته. وأضافت المعركة الأخيرة إلى وجهه تشوهات جديدة، فانقلب ذا ~~وجه قبيح ينذر بالشر والإرهاب. وتبوأ الفتونة دون منازع، فبشرت فتونته ~~بسيطرة غير محدودة. وسرت نور الصباح العجمي أمه بحظها، وبانتصارها الحاسم ~~على ضرتها سنبلة بنت الفتوة السابق سمعة الكلبشي. # ورجعت سنبلة إلى أبيها العاجز حيث أنجبت وليدها ابن شمس الدين الذي أسمته ~~فتح الباب باسم جدها لأمها. واقتسمت ثروة شمس الدين بين ابنيه سماحة وفتح ~~الباب وأرملته سنبلة. وصار سماحة وصيا على أخيه بحكم القرابة، ولم ينازعه أحد ~~في ذلك خوفا من بطشه، هكذا عاد جل ثروة أبيه إلى قبضته الحديدية. وقال سماحة ~~لسنبلة: لقد هجرت أبي، تركته يحتضر وحيدا، وإنه لظلم أن ترثي بعض ماله، فلا ~~تنتظري مليما من مستحقات فتح الباب. اعتبري بعضه إتاوة والبعض الآخر عقوبة ~~لك! # 2 # وخلق سماحة أسطورة حول ذاته. أذاع أنه ما خاض المعركة ضد الكلبشي إلا ~~دفاعا عن أبيه رغم ما كان بينهما من خلاف وعداوة، وأن انضمام من انضم إليه ~~من رجال العصابة كان بدافع الشهامة وحدها، ولكن ذلك لم يجز على أحد. كان قد ~~عرف ما عرف عن ائتماره على فتوته وإغرائه بعض الرجال للانضمام إليه، وأنه انتهز ~~فرصة نشوب المعركة بين أبيه والكلبشي لينفذ مؤامرته دفاعا عن أبيه. بل لقد ~~اتهم من بعض ms221 كارهيه بأنه لم يدافع عن أبيه شمس الدين كما يجب، وأنه سر ~~لوفاته، غير أن شيئا من همساتهم لم يبلغه، وظل مزهوا بالأسطورة التي ~~خلقها. وانداحت فتونته على الحارة كجبل شاهق، ولكنه أدب فتوات الحارات فرفع ~~منزلتها في الحي جميعه، وأرجع إليها الهيبة والجلال. وأنشأ بماله ومال أخيه فتح ~~الباب دارا جميلة أقامت بها نور الصباح العجمي أمه، أما هو فكان يتنقل ما ~~بين البوظة والغرزة وبيوت العاهرات. # 3 # ومات سمعة الكلبشي فورثت سنبلة عنه ثروة لا بأس بها كان لها من الأخوات ~~عشر. وما لبثت أن تزوجت من كاتب في بنك الرهونات. ولم يلق فتح الباب ترحيبا ~~من زوج أمه، وضاق به أكثر عندما أنجبت له سنبلة بنين وبنات. نشأ الغلام في جو ~~حزين، فكان يلوذ بأمه ويتجنب رب البيت، وضاعفت حساسيته من ألمه ووحدته، ولم ~~يشفع له تفوقه في الكتاب ولا حسن خلقه ووداعته؛ لذلك ما إن بلغ التاسعة ~~حتى مضت به سنبلة إلى الفتوة سماحة وقالت له: هذا أخوك فتح الباب وقد آن له أن ~~يعيش تحت جناحك. # وتفحصه سماحة فوجده جميلا رقيقا حزينا، ولكن قلبه لم يرق له، ~~وقال: ماله يبدو جائعا؟! # فقالت سنبلة: كلا، لكنه غلام رقيق. ~~- لا يصدق من يراه أنه ولد من صلب فتوات من ناحيتي أمه ~~وأبيه! ~~- هكذا هو! # فقال محاولا التخلص منه: لك أن تحتفظي به. # فاغرورقت عيناها وقالت: لا يوفر بيتي له السعادة. # واضطر سماحة إلى احتضانه، ومضى به إلى أمه نور الصباح، ولكنها كرهت ~~إيواءه وقالت لابنها: لم تعد لي طاقة على رعاية الأطفال. # الحق أنها أبت تربية ابن ضرتها سنبلة. وحار سماحة ماذا يفعل، وتجرع ~~الغلام الذل والأسى بصبر. وعند ذاك تطوعت عجوز من صديقات نور الصباح ~~باحتضانه. تلك كانت سحر الداية، أرملة بلا ذرية، ومن سلالة الناجي. وكانت تقيم ~~في بدروم من حجرتين بإحدى عمارات جلال صاحب المئذنة، وكانت طيبة القلب ومعتزة ~~بأصلها، فلقي فتح الباب في رحابها أول حياة دافئة خالية من الكدر، وأعانه ذلك ~~على ms222 تحمل فراق أمه سنبلة. # 4 # ورأى سماحة الفتوة ذات يوم فتاة جميلة وصغيرة فأعجبته. لم تكن في ~~متناول اليد كغيرها من نسائه. رآها في دوكار وعرف الدار. وآنس من وجهها الحسن ~~ألفة تنم عن تقارب روحي خفي ما لبث أن كشف أسبابه. تبين له أنها فردوس ~~حفيدة المرحوم المعلم راضي محمد أنور من زهيرة، أخي جلال صاحب المئذنة. وكان ~~إعجابه شهوة ورغبة في الامتلاك، ولكنهما كانا من القوة بحيث جعلاه يفكر في ~~الزواج جادا لأول مرة في حياته البهيمية. وأغراه بها إلى ذلك ملكيتها لمحل ~~الغلال وانتماؤها مثله لآل الناجي. وقد دهشت أمه عندما طلب إليها أن تخطبها ~~له، ولكنها سرت لذلك سرورا لا مزيد عليه. وقال لها سماحة وهو يقهقه: حسبي ~~وحسبها أننا ننتمي إلى زهيرة الجميلة المجنونة قتالة الرجال! # وكان قبحه وسلوكه جديرين برفضه، ولكن من ذا الذي يرفض يد فتوة؟! # 5 # زفت فردوس إلى سماحة. التحم ذو الوجه القبيح بذات الوجه العذب. وقد ~~كان جميلا ذات يوم، ولكن النبابيت أعادت خلق وجهه. أما اعتزازه بأصله ~~وفحولته فلا حدود له؛ فرغم كل شيء نجح الزواج وجاد بسعادة ساخنة. # وبفضله أصبح سماحة مديرا لمحل الغلال ومالكه الفعلي. ومن حجرة الإدارة ~~استلت إرادة من صوان تتصرف في شئون المال والمعارك معا. ووهبه الزواج ~~عطايا من العذوبة والنضارة، ورغدا من حياة القصور وأساليب المعيشة الرفيعة، ~~وإطارا ثريا من الرياش، والتحف ومباهج الترف. ولم ينقطع عن العربدة ولكنه ~~وفرها لعشه الشرعي، فانتقلت إلى القائمة المذهبة الجوزة والقرعة. وعلمه ~~محل الغلال وأبهة الإدارة حب المال وجمعه، فقرر أن يعيد سيرة جده جلال صاحب ~~الخوارق المجنونة، وأن يفرض سيطرته ‏- بعد الناس - على الأشياء الثمينة. # 6 # وأثبتت فردوس أنها ذكية بقدر ما هي حسنة الحظ. لقد أحبت زوجها، ومضت ~~تنجب له ذرية من خلق الحب ودفئه. فلم تأل جهدا في تهذيبه وامتلاكه ~~بتسلل عذب لا تحدي فيه ولا كبرياء. لم تكن تحترم الفتونة، ولكنها لم تنكر ~~مزاياها. وكسائر آل الناجي كانت تنوه بذكريات الفتونة الأسطورية ms223 القديمة، ~~بعدالتها ونقائها، ولكنها في الوقت نفسه - بحكم انتمائها إلى الوجاهة - تنفر من ~~تلك الفتونة النقية التي تؤثر الفقر والبطولة، وتشكم السادة والوجهاء. # وإذن فلتبق الذكرى موضعا للتبرك والفخر، ولتبق فتونة اليوم واقعا ~~يحقق القوة والسيادة والثراء. وما من بأس على سماحة أن يفعل ما يشاء تحت شرط ~~أن يفعله في دارها، وفي غشاء من خيوطها الذهبية المحكمة. # وتمر الأيام وهي سعيدة بحياتها، والأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون ~~فقرا. # 7 # واصل فتح الباب تعلمه في الكتاب وحفظ ما تيسر من القرآن. طابت نفسه ~~بجو الحنان في مقامه الجديد فانزاح غطاء الخوف من نفسه عن كنوز من عواطف غنية ~~وخيال بديع. غلام قمحي اللون، أسود العينين، رائق البشرة، في ذقنه ثغرة، وفي ~~قده رشاقة، ينضح بالعذوبة والفطنة. تناسى أمه كما تناسته، وتعلق بسحر ~~الداية قلبه. أحبها وقدسها، وتلقى منها أنوارا لم تخطر له على ~~بال. # كانت تقول له في ليالي السمر: نحن من أصل واحد مبارك هو عاشور ~~الناجي. # طالما تحدثت بيقين عن ماض غابر كأنما كانت حقا تتنفس فيه. # أنبل الأصول كان أصله، وخاف عليه أبوه من غضب فتوة ظالم، وجاءه في المنام ~~من أمره بأن يترك وليده في الممر في رعاية التكية، وما تردد أن فعل. # ولعن فتح الباب من تقولوا على جده بأنه كان لقيطا، فقالت سحر: من ~~أنبل الأصول كان أصله، وقد ترعرع في أحضان رجل خير، ونما شابا قويا. وذات ~~مرة أمره ملاك في المنام أن يهجر الحارة اتقاء للوباء، ودعا الناس إلى الهجرة ~~ولكنهم سخروا منه، فمضى محزونا بزوجه وولده، ولما رجع أنقذ الحارة من العذاب ~~والذل، كما أنقذه الله من الموت. # وراحت تحكي له قصة عاشور؛ عودته، مقامه في دار البنان، فتونته، عهده، حتى ~~امتلأت عينا الصبي بالوجد والدموع، فقالت سحر: وقد اختفى ذات يوم، وطال اختفاؤه ~~حتى آمن الناس بموته، أما الحقيقة التي لا شك فيها فهي أنه لم يمت. # فسألها فتح الباب بدهشة وأمل: حتى الآن يا جدتي؟ ~~- وحتى الغد! ~~- ولم لا ms224 يرجع؟ ~~- علم ذلك عند الله وحده. ~~- قد يرجع فجأة؟ ~~- لم لا؟! ~~- هل علم بما فعل أخي سماحة؟ ~~- طبعا يا بني. ~~- ولم سكت عنه؟ ~~- من يدرى يا بني؟ ~~- هل يرضيه الظلم يا جدتي؟ ~~- كلا يا بني. ~~- لم يسكت عنه؟ ~~- من يدري يا بني؟ ربما لسخطه على تهاون الناس مع الظالم؟ # وسكت فتح الباب مليا، ثم عاد يسأل: كل ذلك حقيقي يا جدتي؟ ~~- هل كذبت جدتك قط؟! # 8 # ويذهب فتح الباب إلى الكتاب ويجيء. يرى جده عاشور في كل مكان. إنه ينبض ~~في قلبه وخياله، ويشتعل في أشواقه وآماله. يراه في الزاوية والسبيل والحوض، ~~يراه في الممر وفي الساحة أمام التكية. طالما نظرت عيناه إلى هذا السور العتيق، ~~إلى هذا الباب المغلق، إلى أشجار التوت الفارغة، كما ينظر هو إليها الآن. ما ~~زال الجو مخضلا بأنفاسه ونجواه، ورغائبه وأحلامه، وسره مطوي في الغيب لا ~~تكشفه هذه الأشعة السائلة. حتما سيجيء ذات يوم. هكذا تكلمت جدته الصادقة. ~~سيلوح بعصاه العجراء فيتلاشى سماحة ذو الوجه القبيح. يتلاشى بظلمه الأسود وجشعه ~~الأحمر وماله المكتنز. ويهلل الحرافيش ليوم الخلاص ويسبحون في بحر النور. ~~وتتقوض مئذنة الجنون فتتراكم أنقاضها فوق الغدر والخيانة والسفه. أم إنه ~~يتجاهلنا لتهاوننا مع الظالم حقا؟ إنه يحب جده، ‏يود أن يحظى برضاه. ولكن من ~~أين له القوة وقد خلق رقيقا كالخيال؟ من أين له القوة؟! # 9 # ولما ناهز فتح الباب المراهقة فكرت سحر بمستقبله، وشاورت عم مجاهد ~~إبراهيم شيخ الحارة فقال لها: اختاري له حرفة. # فقالت باعتزاز: إنه من خيرة من تعلم في الكتاب. # فسألها الرجل: ألست داية فردوس هانم! # فأجابت بالإيجاب، فقال لها: حدثيها بشأنه، ومن ناحيتي سأمهد له عند ~~المعلم سماحة. # 10 # وقالت سحر لفردوس هانم: فتح الباب ولد ممتاز، وهو من دمكم، وأولى الناس ~~بالعمل في محل أخيه. # ورحبت الهانم بذلك ووعدت بإقناع زوجها. # 11 # وتفحص سماحة أخاه فتح الباب بعناية وتمتم بازدراء: رقيق مثل ~~فتاة. # فقالت سحر: هكذا خلق ولكل شيء نفعه. # فتساءل ببرود: وما نفعه؟ ~~- يحفظ القرآن، ms225 يكتب ويعرف الحساب. # فتحول نحو الفتى وسأله متهكما: أأمين أنت أم طويل اليد مثل بقية ~~الأسرة المجيدة؟ # فقال فتح الباب بحرارة: إني أخاف الله وأحب جدي. ~~- جدك جلال صاحب المئذنة؟ ~~- جدي عاشور الناجي! # قطب سماحة وتغير وجهه، فبادرت سحر تقول: إنه طفل بريء. # فقال سماحة بوحشية: جدك عاشور أول من علمنا السرقة! # ذهل فتح الباب وتألم. خافت سحر أن ينبس بكلمة تسد طريقه فقالت: إني ~~أضمن أمانته وجده والله شهيد. # هكذا ألحق فتح الباب بالمخزن مساعدا لأمينه. # 12 # تفانى فتح الباب في عمله. كان المخزن يشغل بدروما متراميا يماثل في ~~اتساعه مساحة المحل كله. ترمى فيه أجولة الغلال على الأرفف والأرض، ولكنها ~~تتعرض لحركة يومية بين المجيء والذهاب، فلم يكن الميزان يكف عن العمل ولا يده ~~تكف عن التسجيل. وبحكم عمله كان يحظى بمقابلة أخيه سماحة مرة على الأقل كل ~~صباح ليطلعه على حركة الوارد والصادر. وارتاح الفتوة إلى نشاطه ويقظته، ووجد ~~فيه عينا تلقائية على أمين المخزن، وقال له بأسلوبه: إني أشجع المجتهد ~~وأبطش بالكسول. # 13 # وعملا بنصيحة سحر زار نور الصباح العجمي أم معلمه ليقدم لها فروض ~~الطاعة. لم يكن قد بقي من جمالها شيء، وقد رحبت به بفتور دل على أنها لا ~~يمكن أن تنسى إساءة. وإذا بها تسأله: كيف حال سنبلة أمك ؟ # وأجاب بذل: لم أرها منذ فارقتها لكراهية زوجها لي! # فقالت بحنق: لا عذر لها سوى أنها بلا قلب. # وغادرها مضمرا ألا يراها مرة أخرى. # 14 # وبتوجيه جدته أيضا زار فردوس هانم. وقد عطفت عليه فبهره جمالها وأناقتها. ~~قالت: سمعت عن نشاطك ما يسر الخاطر. # ولكنه لاحظ أنها لم تعرفه إلى أبنائها. لعلها أبت أن تقدم عاملا ~~بسيطا مثله بصفته عمهم. وآلمه ذلك ولكنه صمم على تجاهله وتناسيه. وغادرها ~~معطرا بشذا جمالها وأناقتها، ومضمرا في الوقت نفسه ألا يزورها مرة ~~أخرى. # 15 # وبالعمل اكتسب ثقة وعزة. مضى يتشبه بالرجال فربى شاربه، وطوق رأسه ~~باللاثة، وعرف طريقه إلى الزاوية فتوثقت صلته بالشيخ سيد عثمان. وكان يجلس ms226 في ~~القهوة ساعة من الليل فيشرب القرفة ويدخن البوري، ثم لا يرجع إلى جدته حتى ~~يطوف بالساحة؛ فقد أدركه عشق الأناشيد. # 16 # واضطرمت أعصابه بألم مجهول. وفاض قلبه بالحنين، وتلظى بلهب خفي. مناظر ~~النساء سحرته، أصواتهن أرعشت قلبه. ومن أقرانه تلقى سيلا من دعوات الإغراء ~~للتعرف إلى البوظة والغرزة وبيوت الدعارة، ولكن الماضي كان يصرخ في أذنيه ~~محذرا. الماضي المرهق بذكريات المئذنة والانحرافات والشهوات التي قضت على ~~أصالة أسرته. وكأن جدته كانت تقرأ أفكاره فقالت له ذات يوم: آن لك أن ~~تتروج. # وطرب للفكرة ووجد فيها الخلاص المنشود. # ولكن سرعان ما اكفهر الأفق وأنذر بعواصف لا تخطر على البال. # 17 # جاءت الهمسات من خارج الحارة حاملة نذرا من نوع غريب. قالت إن فيضان ~~ذلك العام شحيح أو أنه لن يأتي. ما معنى ذلك يا ترى؟ قالت إنها الويلات تتلاحق ~~حتى لا تبقي على شيء. حقا؟ سيندر الطعام، وربما اختفى تماما، والعاقل من ~~يخزن اليوم ما يتبلغ به غدا. وعمل بالحكمة القادرون، وترامق الحرافيش وهم ~~يضحكون، ولم يصدقوا أنهم سيحرمون من اللقمة التي ينتزعونها بالعرق، أو ~~يتصدق بها عليهم المتصدقون. # وامتلأ الجو بالطنين، واصطبغ بصفرة منفرة، فزحفت أشباح القلق بالليل ~~والنهار. # 18 # واندفعت عجلة البلاء بلا تدرج. ارتفعت الأسعار ساعة بعد ساعة. تلبد ~~الأفق بسحب سوداء. عملت حوانيت الغذاء نصف يوم لندرة الأطعمة. تلاطمت الشكاوى ~~والأنات، وتكونت أمام محال الدقيق والفول مظاهرات. لم يعد للناس من حديث ~~إلا الطعام. لهجوا به في البوظة والغرزة والقهوة. اندلع الشرر فاشتعل نارا. ~~حتى الوجهاء جهروا بالشكوى، ولكن لم يصدقهم أحد، وفضحتهم وجوههم الريانة ~~الموردة. وقال عنبة الخمار: إنه الوباء! # وتمادت الأسعار في الارتفاع وبخاصة الغلال، وراح سماحة يصيح: لم يعد ~~يبقى ما يكفي العصافير! # غير أن فتح الباب قال لجدته ليلا: ما أكذبه يا جدتي! المخزن ملآن! # وقال لها أيضا: ما الأسعار التي يفرضها إلا إتاوة جديدة. # فقالت له بإشفاق: احفظ لسانك يا بني. # فقال متألما: إنه وحش لا تعرف الرحمة قلبه. # 19 # وازداد ms227 الجو عبوسة ودمامة. وامتطت الأسعار الجنون. ندر الفول والعدس ~~والشاي والبن، واختفى الأرز والسكر، وتدلل الرغيف. وندت عن الأعصاب المرهقة ~~بوادر استهانة؛ فتعددت السرقات، وتعاقب خطف الدجاج والأرانب، وبعض السائرين ~~ليلا نهبوا أمام بيوتهم، وانبرى رجال العصابة ينذرون ويبددون، ويدعون إلى ~~الأخلاق والتضامن بحناجر قوية وبطون مكتنزة. # وكشفت الأيام عن أنيابها الحادة القاسية، وتضخم شبح الجوع كالمئذنة ~~المجنونة، فشاع أن الناس يأكلون الخيل والحمير والكلاب والقطط، وأنهم عما ~~قليل سيأكل بعضهم بعضا. # 20 # وفي ذلك الوقت البارد الأصفر تصدى يوم غريب كأنما هبط من كون آخر؛ فقد ~~زفت إحسان بنت الفتوة سماحة إلى ابن صاحب وكالة الخشب. أقيم حفل خيالي لم ~~تشهد له الحارة مثيلا، تحدى الزمن والجوع. وأعلنت فردوس هانم أنها ستطعم ~~جميع الحرافيش. وتجمهر الجياع في ساعة العرس. # وما إن ظهرت الصواني على رأس الخدم حتى هجم الحرافيش كالوحوش الضارية. ~~تخاطفوا الطعام وتخالطوا مثل ذرات الغبار في يوم عاصف. وانتشر الشد والجذب ~~والخطف، ثم التلاحم والشجار، حتى امتزج الدم بالمرق. وثمل الناس بالفوضى ~~والشغب، واندفعت موجة منهم إلى البوظة فاكتسحتها. التهمت المزة وعبت من ~~براميل البوظة، ثم انطلقوا في الحارة مهللين، وقذفوا بالطوب أشباح الخرابات، ~~وخضعت الحارة للعربدة الهوجاء حتى مطلع الفجر. # 21 # في اليوم التالي تعرضت الحارة لحملة تأديب وإرهاب. انتشر فيها رجال ~~سماحة، ومضى الفتوة يقطعها من القبو حتى مشارف الميدان ذهابا وإيابا. ولم ~~ينج حرفوش من علقة أو إهانة، وتفشى الذعر فخلت الحارة من السابلة، وأغلقت ~~الدكاكين، وهجرت القهوة والغرز، حتى الزاوية لم يقصدها عابد في ذلك ~~النهار. # 22 # وجلس فتح الباب إلى جدته كئيبا محزونا، وجعل يقول: جدي عاشور لن ~~يرجع! # فرمقته العجوز بنظرة حزينة فقال: ما زال غاضبا علينا! # فتمتمت سحر: أيام أشد من أيام الوباء. ~~- وفي التكية ما زالوا ينشدون للطرب! ~~- لعلها دعوات يا بني! # فتساءل فتح الباب بقلق: ألا يجدر بهم أن يجودوا على الناس ببعض ما ~~عندهم؟ # فقالت سحر بحرارة: لا يجوز عتابهم. ~~- عندهم التوت، والأرض مزروعة بالخضر. # فلوحت بيدها ms228 محذرة، فقال متنهدا: أما أخي سماحة فهو الشيطان ~~نفسه. # 23 # في الظلام مرقت ذرة نور. في الصمت اندست همسة حنان. ولم يجاوز السر ~~خرابات الحرافيش. حرصوا على الكتمان ووجدوا في الكتمان حياتهم. # فثمة صرة حاوية لطعام تدس في يد أحدهم، تعقبها همسة تقول «من عاشور ~~الناجي». وسرعان ما يذوب شبح في الظلام. حدث ذلك أول مرة في القبو، ومرة ~~ثانية وقع في الممر، وتكرر في الخرابات. وتهامس به الحرافيش. عرفوا بالفطرة ~~أن السر يسعى وراءهم وأنهم المقصودون بالاتصال. تلقوا من الغيب لقمة. أدركوا ~~أن معجزة تتخلق في ظلام الليل. أن نافذة للرحمة قد فتحت. أن عاشور الناجي ~~أو روحه تضرب فيما بينهم. أن الكون الصلد المصمت تتشقق جدرانه ويطل منها ~~مجهول. وجرت الدماء في عروقهم، ونبضت قلوبهم بالحياة من جديد. # صرة الرحمة وهمسة عاشور الناجي. # 24 # وبعثت نشوة الفرح حياة في الألسنة فرقصت على أنغام أمانيها. تردد اسم ~~عاشور حتى تجسد. لم يذكر شيء عن الصرة، ولكن انتشر أن عاشور يبعث في ظلام ~~الليل. وسخر رجال سماحة من الخرافة. قالوا إنهم يسهرون الليل فلا يلقون أحدا. ~~ودعا سماحة الشيخ سيد عثمان شيخ الزاوية وقال له: جن الناس من الجوع. # فحنى الشيخ رأسه فسأله: هل بلغك ما يقال عن عودة عاشور؟ # فحنى الشيخ رأسه بالإيجاب فسأله: ما رأيك فيه؟ ~~- لا يصدق. ~~- لكنه كفر أيضا! # فقال الشيخ بإشفاق: إنه لكفر. # فقال سماحة بنبرة حاسمة: قم بواجبك. # وراح الشيخ يخطب الناس محذرا إياهم من الخرافة والكفر. وقال الرجل: لو ~~بعث عاشور حقا لجاءكم بالطعام. فسخر منه الحرافيش وازدادوا إيمانا. # 25 # انقلب الظلام قناة سحرية للاتصال بين الأرواح. ثمل الفضاء بالهمسات ~~السحرية في غفلة من الرقباء. تدفقت النجوى مفعمة بالحرارة. ويتساءل الرجل: ~~أأنت عاشور الناجي؟ # ولكن الهامس سرعان ما يذوب في الظلام مثل روح شارد. # همسة تدعو النائم أن يستيقظ. همسة توكد أن المخازن مليئة بالخير. همسة ~~تلعن الجشع، الجشع عدو الإنسان لا القحط. همسة تتساءل: أليست المغامرة أفضل من ~~الموت جوعا؟! وهمسة تنبه ms229 إلى أنه توجد ساعة ينام فيها رجل العصابة فتتخلى ~~عنهم قوتهم. وهمسة تسأل ماذا يمكن أن يقف في وجه الكثرة إذا اندفعت؟ وهمسة ~~تتحدى، كيف تترددون ومعكم عاشور الناجي؟! # انقلب الظلام قناة سحرية للاتصال بين الأرواح. ثمل الفضاء بالهمسات ~~السحرية. شحن الغيب بالقوى المجهولة. # 26 # وكانت ثمة قوة أخرى تعمل بلا هوادة حتى وقفت على سر الطعام والمجهول. وكشف ~~سماحة عن الخزي في صميم محله. وسرعان ما صرخ ضامر الحسني أمين مخزن الفتوة من ~~الرعب وقال بحرارة: إني بريء يا معلم وليشهد الله! # فقال سماحة بوحشية: سرق من المخزن أكثر من نصفه. ~~- إني بريء يا معلم! ~~- إنك مجرم حتى تثبت براءتك. ~~- لا تخسر رجلا وهب لك حياته لخدمتك! ~~- معك أنت المفاتيح. ~~- أسلمها لك كل مساء. ~~- ولكني أجدها مكانها كل صباح وأعيدها إليك. ~~- ممكن أن تؤخذ فيما بين ذلك وتعاد! ~~- وأنا لا أدري؟ # فقال ضامر الحسني بابتهال: إذا كان السارق ممن يترددون على حجرتك بلا ~~إذن! # استقرت في عيني سماحة نظرة صلبة محتقنة بالنار كأنما تنادي الشياطين من ~~أوكارها، وتمتم ووجهه ينضح بالدمامة والغل: إن تكن كاذبا فقد هلكت، والويل ~~للمجرم! # 27 # من وراء السبيل، في ظلمة كثيفة، تسلل فتح الباب إلى باب المخزن. أدار ~~المفتاح بحذر ودفع الباب برقة. ورد الباب وتقدم خطوات مستهديا بنور ~~الذاكرة. # اشتعل مصباح فجأة فألقى على المكان ضوءا فاضحا. انذعر فتح الباب ~~وتسمر في موضعه . برزت من الظلمة على ضوء المصباح وجوه مخيفة قاسية، وجه ~~سماحة، وجه ضامر الحسني، وجوه نفر من أشداء العصابة. تلاطمت النظرات في ~~ارتطام عنيف. انغرز الصمت في النفوس، وأز في الآذان مثل فحيح الأفاعي. احترق ~~الجو بأنفاس حارة منطلقة من غرائز بدائية وحشية. وملأته نظرة أخيه. نفذت إلى ~~أعماقه فاقتلعت أعضاءه من جذورها. شعر بالسم يسري في جوارحه، وبالهزيمة ~~المطلقة، بالضياع في غياهب الفناء. انجلت عنه هموم الأمل فخاص في اليأس، وانتظر ~~كلمة القضاء كأنها تخص شخصا آخر. وجاءه الصوت يسأل باردا ساخرا حانقا: ماذا ~~جاء بك في هذه الساعة ms230 من الليل؟ # لم يبق له إلا الاعتراف والشجاعة والتوكل على الله. أجاب بهدوء غير ~~متوقع: لقد علمت كل شيء. ~~- ماذا جاء بك في هذه الساعة من الليل؟ # فقال بشجاعة أكثر: جئت لأنقذ أرواحا من الموت. ~~- أهذا جزاء من يحسن إليك؟ # فقال بهدوء: هذا ما ينبغي فعله. ~~- إذن فأنت عاشور الناجي؟! # فلاذ بالصمت، فقال سماحة بغل: ستعلق من قدميك في السقف يا معلم عاشور ~~حتى تصفى روحك نقطة بعد نقطة. # 28 # ووقعت الواقعة. رسبت الهمسات في أعماق الحرافيش فتحولت إلى قوة ~~مدمرة. اجتاح الحارة طوفان لم تعرفه من قبل. هكذا قسم الحرافيش أنفسهم ~~إلى جماعات، وتسللت كل جماعة إلى مسكن رجل من رجال العصابة. تم ذلك قبيل ~~الفجر في ساعة النوم العميق. هوجم الرجال في أسرتهم، دهمتهم الكثرة، غلبوا ~~على أمرهم، انهزموا، نهبت دورهم، زالت عنهم غشاوة السحر مخلفة وراءها ~~عاهات مستديمة. ولم يسمع أذان الفجر من صياحهم. خرجوا من دور العصابة ~~كالسيل، غمروا الحارة، اقتحموا المخازن، نهبوا كل مخزون بها، دمروها ~~تدميرا. وأول هدف لهم كان مخزن سماحة الفتوة. بل لم يترك قائم في المحل كله. ~~نهب الغلال حتى آخر حبة. ورئي فتح الباب معلقا في عرق من عروق السقف، ~~مدلى الذراعين، مغمى عليه أو ميتا، ففك وثاقه وطرح على الأرض بين ~~الحياة والموت. سيطروا على الحارة تماما حتى شعشع أول ضوء للنهار. ذعر الناس ~~في النوافذ والمشربيات وارتفع الصراخ، عند ذاك فتح باب الفتوة سماحة، وتجلى ~~الرجل مثل وحش قابضا على نبوته. # 29 # تطلعت إليه الأبصار. تسمروا في حقد وتصميم ولكن استبقوا إلى السكوت ~~والتوقع. ها هو الوحش المخيف ولكنهم سكارى بالنصر لا يخافون، وفي الوقت نفسه ~~يترددون. لعله انتظر أن ينضم إليه رجاله فلم يعرف بعد ما حاق بهم. لا شك أنه ~~سيفطن إلى ما وقع إن لم يكن قد فطن إليه بالفعل. إنه وحده يواجه الحرافيش، هو ~~وقوته ونبوته وسحره الخرافي. وتساءل بصوت فاجر: ما معنى هذا؟! # فلم يجبه أحد، ومن النوافذ هبطت إليه استغاثات، وأنباء النهب ms231 والسلب. ~~تساءل مرة أخرى: ماذا فعلتم يا أولاد الزواني؟! # لم ينبسوا، لم ينخذلوا ولم يتشجعوا، فتساءل بوحشية: ماذا فعلتم يا أبناء ~~الزواني؟! # فانطلق صوت كالحجر صائحا: جدك كان ابن الزانية! # وارتفع هدير من القهقهات فوثب سماحة وثبة قوية ملوحا بنبوته وصاح: ~~اثبتوا إن كان في أسمالكم رجل! # فانحط الصمت عليهم كصخرة ولكن لم يتراجع أحد. وتهيأ سماحة للانقضاض. ~~عند ذاك ظهر فتح الباب شاحبا مخلخل القدمين، وهتف وهو يستند إلى جدار: اقذفوه ~~بالطوب! # سرعان ما انفجر الحرافيش وانهال الطوب على الرجل. توقف هجومه تماما تحت ~~المطر. استبقت الدماء من جراحه حتى تخضب بها وجهه والثياب. ترنح متراجعا ~~وهو يخور. أفلت النبوت من يده. تقوض بنيانه فوق عتبة الدار، وانقض الجميع ~~على الدار. فر عنها أهلها من السطح إلى الأسطح المجاورة. # نهبت ودمرت، ثم تركت خرابة مسورة. # 30 # سرعان ما عرف دور فتح الباب في المعركة. تجسد أسطورة ونودي به فتوة ~~للحارة. وقد ارتبك الفتى وتحير. لم يغره النصر، ولم يضل في تقدير ذاته؛ ~~فهو لم يقبض في حياته على نبوت، وجسمه الهش لا يصمد لضربة يد. وقال لمحبيه: ~~نختار فتوة ونأخذ عليه عهدا بأن يحكم كما حكم عاشور. ~~- ولكنهم وقعوا في أسر الانفعال فصاحوا: أنت أنت الفتوة ولا فتوة ~~غيرك! # هكذا وجد فتح الباب شمس الدين جلال الناجي نفسه فتوة دون منازع. # 31 # وبفضل رجلين في العصابة - ‏ دنقل وحميدة - حافظت الفتونة على هيبتها سواء ~~في الحارة أم في الحارات المجاورة. وكان دنقل وحميدة من رجال العصابة السابقين، ~~وكذلك كان غالبية رجالهما، ولكن فتح الباب سيطر سيطرة مطلقة بسحره الخاص وقوة ~~الحرافيش المتمثلة في كثرتهم المنتشية بالنصر والثورة. # وفي تلك الأيام ماتت نور الصباح العجمي، وآوت فردوس هانم وأبناؤها إلى دار ~~أسرتها من آل راضي بعد أن فقدت جل ثروتها فهبطت من طبقة إلى طبقة. # 32 # وتطلع الناس إلى العدل. عمرت قلوب الحرافيش بالأمل، وامتلأت أنفس ~~الوجهاء بالمخاوف، واقتنع فتح الباب بأن العدل لا يجوز أن يتأخر يوما ~~واحدا. # وقال لمعاونيه: ms232 علينا أن نحيي عهد عاشور الناجي. # ونشط الرجلان في توزيع الخيرات والوعود والآمال، ومضت الجراح تندمل. ولاحظ ~~فتح الباب أن الرجلين ينوبان عنه في جمع الإتاوات وتوزيعها، كما لاحظ أن رجال ~~العصابة ما زالوا يتمتعون بامتيازاتهم؛ يستولون على أنصبة من الإتاوة، ~~ويعيشون عيشة البطالة والبلطجة. ساورته المخاوف، وأشفق من أن ترجع الأمور ~~رويدا إلى مجراها القديم. واجتمع برجاله وقال لهم: أين العدل؟ أين عهد ~~عاشور؟ # فقال له دنقل: تغير الوضع، ولكن علينا أن نسير بعد ذلك خطوة ~~خطوة. # فقال فتح الباب بامتعاض: العدل لا يقبل التأجيل. # عند ذاك قال دنقل بجرأة جديدة: لا يمكن أن يرضى رجالك بحياة بسيطة مثل ~~بقية الناس! # فهتف بحرارة: إذا لم نبدأ بأنفسنا فلن يتحقق خير! ~~- إذا بدأنا بأنفسنا تزعزعت أركان الفتونة. ~~- ألم يكن عاشور يتعيش من عرق جبينه؟ # فقال حميدة: تلك الأيام لا يمكن أن ترجع. ~~- لا يمكن؟! # فقال دنقل بفتور: خطوة، خطوة. # ولو كان فتوة حقا لحسم الأمر بكلمة واحدة. وساءل نفسه محزونا: ما ~~الفائدة ما دمت لا أملك قوة جدي عاشور؟ # والحرافيش ترى هل نسوا قوتهم المدمرة؟! # 33 # وفي لحظة يأس وغضب معا صارح فتح الباب دنقل وحميدة بأنه سيعلن تخليه عن ~~الفتونة. وجزع الرجلان واستمهلاه واعدين إياه بتحقيق مطالبه. واجتمع الرجلان ~~بصديقهما مجاهد إبراهيم شيخ الحارة، وقال له دنقل: فتوتنا ناقم، لا وفاق بيننا ~~وبينه، فما رأيك؟ # فأجاب العجوز بحنق: يريد أن يرجع عهد الناجي، أليس كذلك ؟ ~~- نعم. ~~- أن يسود الحرافيش ويستذل الوجهاء ويجعلنا أضحوكة بين الحواري! # فقال له دنقل بكآبة: لقد هدد بالتخلي عن الفتونة. # فهتف مجاهد إبراهيم: ليس الآن، ليبق الصورة والأمل حتى نطمئن تماما إلى ~~أن الحرافيش لم يعودوا إلا الحرافيش فقط، وأنهم نسوا تماما هبتهم الجنونية. ~~حققوا له نصف مطالبه. # فقال حميدة ساخطا: الكل أو لا شيء، ذلك مطلبه! # فتفكر مجاهد إبراهيم مكفهرا، ثم قال بإصرار: فليبق فتوة فترة أخرى ~~ولو بالقوة والقهر! # 34 # وزار دنقل وحميدة فتح الباب في مسكنه المتواضع. انفردا به وقال له دنقل: ms233 ~~نحن نبذل الجهد ولكننا نلقى عقبات كالجبال، ورجال العصابة غاضبون، يتوعدون ~~بالشر والدم. # فتمتم فتح الباب بذهول: ولكنكما أقوى الرجال! ~~- هم الكثرة وهم الغدر. # فقال بإصرار: سأتخلى عن الفتونة! # فقال حميدة: لا نضمن لك الحياة إن فعلت. # وقال دنقل: لا تغادر مسكنك، أبدا. ستلقى لدى أول خطوة خارجة ~~مصرعك! # 35 # أدرك فتح الباب موقفه عاريا. قال لجدته سحر: ما أنا إلا أسير ~~محاصر! # فتأوهت العجوز وقالت: ما باليد حيلة، اقنع بنصف الأمل. # فهتف بأسى عميق: علي اللعنة إن خنت جدي لحظة واحدة! ~~- وكيف تتحدى القوة؟ # فتفكر متحيرا وهو يغمغم: الحرافيش! # فقالت بإشفاق: سيقتلونك قبل أن تتصل بأحد منهم! # 36 # لبث فتح الباب في الأسر، لا يدري أحد ما سر انزوائه، ويؤول بالزهد ~~تارة أو بالمرض. كانت الأعين ترصده نهارا وليلا، وحتى جدته حيل بينها وبين ~~الخروج. وكان يعلم علم اليقين بأن حياته رهن بتحمس الحرافيش، وأنه سيتلاشى ~~يوم تتلاشى أسطورتهم ويركبهم الهوان. واشتد الحذر بالعصابة، ولم يتوانوا عن ~~مراقبة الحرافيش وممارسة الإرهاب والعنف. # وذات يوم وثب حميدة على دنقل فبطش به واستأثر لنفسه بالمركز الأول في ~~العصابة. وعندما اطمأن جانبه من ناحية الحرافيش أعلن نفسه فتوة على ~~الحارة. # وظن فتح الباب أن أسره قد انتهى ولم يعد له مبرر أو معنى. قال ~~للفتوة الجديد: ما مضى قد مضى، دعني أمارس حياتي العادية وأرتزق من عمل مثل ~~بقية خلق الله. # ولكن حميدة رفض مطلبه وقال له: إنك غير مأمون الجانب ، فابق حيث أنت، ~~وسيجيئك رزقك بلا تعب! # 37 # هكذا انتهت سيرة فتح الباب وجهاده مثل صحوة قصيرة مشرقة في يوم طويل ~~ملبد بالغيوم. وذات صباح عثر عليه جثة مهشمة في أسفل المئذنة المجنونة. ~~خفقت قلوب كثيرة في أسى، وفرحت قلوب. وقيل في تفسير ذلك إنه جن حزنا على ~~ضياع الفتونة من بين يديه، فتسلل ليلا إلى مئذنة جده المجنون، فرقي فيها ~~إلى أعلى شرفة، ثم رمى بنفسه للهلاك والكفر. # هكذا انتهت سيرة فتح الباب وجهاده. # | التوت والنبوت # الحكاية العاشرة من ملحمة ms234 الحرافيش # 1 # بموت فتح الباب صحت الحارة من حلمها الوردي، ارتطمت بصخرة الواقع، انطوت ~~على أحزانها، تكاثف ظل حميدة السفاح حتى حجب نور الشمس. # لم يبق من صفوة ذرية الناجي إلا بنات فردوس أرملة سماحة ذي الوجه القبيح ~~وبكريها ربيع سماحة الناجي. أما البنات فقد ذبن في عامة أهل الحارة، ~~وأما ربيع فقد نشأ فقيرا، ولم تكن أمه تملك مالا يذكر، فعمل في محل ~~البنان، ومارس حياة غاية في البساطة. رغم ذلك كان يعد خير آل الناجي. لم ~~يستدر ذلك رحمة أحد؛ فعلى تعلق الحرافيش بسير عاشور وشمس الدين وفتح الباب، ~~فقد أضمروا الاحتقار والمقت لسائر آل الناجي لخيانتهم لعهد جدهم العظيم، ~~ولانخراطهم في سلك المجرمين والبلطجية. # وقد أراد ربيع أن يتزوج من أسرة كريمة، ولكن طلبه رفض، فأدرك أن أصله ~~لا يغني عن فقره وتفاهة عمله، وإن الفقر يفضح معايب يسترها الثراء عادة؛ مثل ~~انتمائه إلى سماحة ذي الوجه القبيح، وجلال المجنون، وزهيرة السفاحة، وزينات ~~الشقراء الداعرة، ونور الصباح العجمي الغانية. سلسلة صدئة من الدعارة والإجرام ~~والجنون؛ لذلك غشيته كآبة ثقيلة ممتدة فقرر أن يمضي حياته أعزب متسربلا ~~بالوحدة والكبرياء. وماتت فردوس هانم بعد أن جاوز الخمسين، فاضطر إلى أن يقيم ~~في شقة صغيرة من حجرتين وحيدا. ولم يطق الوحدة المطلقة، وضاق بإهمال بيته ~~الصغير فبحث عمن يقوم بخدمته، فجاءه أولاد الحلال بأرملة في الثلاثين من آل ~~الناجي تدعى حليمة البركة. وجدها جادة وأمينة مقبولة الصورة، قوية الشخصية ~~رغم فقرها ، فكانت تنظف البيت وتعد الطعام، ثم تذهب للمبيت في بدرومها.‏ ومع ~~الأيام مالت نفسه إليها فرغب أن يتخذ منها خليلة، ولكن المرأة أبت ذلك في حزم ~~وقالت له: سأذهب يا سيدي ولكني لن أعود. # وجد نفسه وحيدا بائسا كما كان أو أشد بأسا، ولم يعد في وسعه أن ~~يتحمل الوحدة والحرمان العاطفي، إلى خوف من المرض والموت، وحنين إلى الذرية، ~~فعرض على المرأة الزواج وسرعان ما قبلت وهي سعيدة. هكذا تزوج ربيع سماحة ~~الناجي من حليمة البركة بعد أن ms235 عبر الخمسين بثلاث سنوات. وسعد بحياته الزوجية، ~~ووجد في شريكته سيدة بيت حازمة، ورعة متدينة، فخورا بانتمائها إلى الناجي، ~~مسحورة بأمجاد الأسرة الأصيلة، وأنجب منها ثلاثة؛ فائز وضياء وعاشور. ومات ~~ربيع، وبكريه فائز في العاشرة، وضياء في الثامنة، وعاشور في السادسة. مات ~~دون أن يترك لأسرته مليما واحدا. # 2 # تركت حليمة البركة لتواجه الحياة وحيدة. كان أهلها من الحرافيش فقررت ~~أن تعتمد على نفسها، مستعينة بالعزيمة لا بالدموع. انتقلت إلى بدروم مكون ~~من حجرة ودهليز. باعت فائض الأثاث البسيط. استغلت مواهبها في بيع المخلل ~~والمفتقة والخدمة كبلانة ودلالة. لم تولع بترديد الشكوى والحسرة على الماضي، ~~وواجهت زبائنها بوجه مشرق كأنه سعيد، ولم تخل من أحلام عذبة عن مستقبل ~~مجهول. # أدخلت أبناءها الكتاب، وعند السن المناسبة عمل فائز سواق كارو، وضياء ~~شيالا في محل النحاس. وهانت شدة الحياة قليلا، ولكن لم تزل تطالب حليمة ~~بالعمل وقد بلغت الخمسين. # وكان فائز أول من واجه الحياة من أسرته. وجدها معادية معاندة، وأنه ~~يؤاخذ فيها على جرائم أجداد وجدات لم يعرفهم. كان طويلا نحيلا، بارز الأنف، ~~ضيق العينين، قوي الشدقين، وكان يزدرد السخريات ويكبت مشاعره ويمضي في عمله. ~~عرف عن أمه جانبا مضيئا من تاريخ الأسرة، ولكنه عرف جانبها المظلم في الحارة ~~بين الناس. في البيت تلقن معاني الزاوية والسبيل والكتاب والحوض، وفي ~~الخارج دهمه مغزى المئذنة العملاقة المجنونة. وهذه الدور الرائعة التي كانت ~~مقاما لأجداده، ثم أصبحت مساكن للتجار والوجهاء الأغراب. كم يتأملها بغرابة ~~ويحلم ! كم يتخيل تلك الأيام الخوالي! ولا يخلو دماغه منها حتى وهو ينخز ~~الحمار لينطلق بالكارو في أرجاء الحي العتيق. إذن فهذه هي الدنيا، ولكن كيف ~~ينبغي أن نتعامل معها؟ # 3 # وأعلن سخطه على مسمع من أمه وأخويه، فقالت له حليمة: كان جدك عاشور ~~وليا! # فقال فائز بحدة: مضى زمن المعجزات، أما الدور فهي في قبضة ~~الآخرين. # فقالت الأم بحرارة: من الحرام جاءت وفي سبيل الحرام هلكت. # فهتف بتذمر كالمحتج: الحرام! ~~- اقنع بنصيبك، ماذا تريد؟ ~~- ما أنا إلا خادم ms236 حمار، وما أنت إلا خادمة أوغاد. # فقالت باعتزاز: نحن نعمل ونحن شرفاء. # فقهقه. وكان قد طاف بالبوظة قبل رجوعه وشرب قرعتين. # 4 # واشتغل عاشور الابن الأصغر صبيا لغنام يدعى أمين الراعي، تعهد إليه ~~الأسر بما تملك من ماعز، فيسرح بها في الخلاء تمرح وتنعم بالشمس والهواء ~~والأعشاب، وذلك نظير أجر معلوم. بذلك ارتاح بال حليمة البركة؛ فقد أصبح أبناؤها ~~الثلاثة عمالا يرزقون، ووهبتها الحياة بسمة صافية. ومضت الحياة ~~بمسراتها الصغيرة وأحزانها المألوفة حتى بلغ فائز العشرين من عمره. # وسألته أمه في ساعة صفاء: متى تكمل دينك يا بني؟ # فابتسم ابتسامة غامضة وقال: صبرك يا أمي وما صبرك إلا بالله. # 5 # ولم يرجع فائز من مشاويره في ميعاده المألوف. مضى أكثر الليل ولم يرجع. ~~ذهب عاشور إلى البوظة يبحث عنه، وتشمم ضياء أخباره في الغرز، ولكن لم يعثر ~~له على أثر. وفي الصباح مضت حليمة البركة إلى المعلم موسى الأعور صاحب الكارو ~~مستطلعة عن خبر ابنها فوجدته قلقا ساخطا، وقال لها: لا خبر عنه. # فانزعجت الأم وقالت: نذهب إلى القسم؟ # فقال المعلم: ولا خبر عنه في القسم. # ثم تمتم بحنق: فلننتظر والله المستعان! # ومضى يوم في قفا يوم، القلوب مشتعلة وفائز لا يعود. # وصاح المعلم موسى الأعور: سرقه ورب الكعبة، سرق الكارو واختفى، ولكن له ~~الويل! # وهتفت بركة في جزع: ألم تجرب أمانته طوال تلك الأعوام؟! # فقال بغضب: إنه مؤذ كثعبان. # 6 # وبكت حليمة طويلا كما بكى ضياء وعاشور. وتعاقبت الأيام والأسابيع ~~والأشهر. لم يعد يشك أحد في الهارب وجريمته. وقال حسونة السبع الفتوة الجديد ~~ساخرا: كانوا يسرقون الدور الفخمية فأصبحوا يسرقون الكارو! # ولجأ موسى الأعور إلى الشيخ جليل العالم شيخ الزاوية وعم يونس السايس شيخ ~~الحارة فأفتيا بأن على ست حليمة وابنيها ضياء وعاشور أن يؤدوا ثمن العربة ~~والحمار إلى موسى الأعور. وأدت الأسرة الثمن مقسطا وهي حزينة ~~وصابرة. # 7 # وقعت حادثة لا تعتبر غريبة بمقايس ما يقع في الحارة، ولكنها هزت قلوب ~~الأسرة هزا. كانت حليمة تقدم كافة الخدمات ms237 لدار الفتوة حسونة السبع بلا ~~مقابل، بلا كلمة شكر. حتى هنا لا غرابة ولا تعجب؛ فقد كان حسونة من أفظع ~~الفتوات الذين سيطروا على الحارة وأذلوها. كان يستغل حتى أفقر الفقراء. وكان ~~يجادل بيده وقدمه لا بلسانه، وينشر الرعب مع الهواء. وكان على شراسته وقوته ~~حذرا كثعلب. هو الذي أوجب على جميع أتباعه بأن يستأثروا لأنفسهم بزقاق لا ~~يقيم فيه أحد غيرهم ليتجنبوا مؤامرة كالتي دبرت للفتوات أيام فتح الباب. ~~وهو نفسه شيد داره في نهاية الزقاق. # وقد حدث أن تأخرت حليمة في صنع صفيحة مفتقة بسبب وعكة طارئة، ولما ~~ذهبت بها إلى الدار لعنها بعنف وصفعها. ورجعت المرأة دامعة العينين، ولكنها ~~أخفت الخبر عن ابنيها ضياء وعاشور. غير أن ضياء كان يتردد أحيانا على ~~البوظة، وفي مرة سأله زين علباية الخمار: ألم تعلم بما حدث للست ~~الوالدة؟ # هكذا تلقى ضياء الإهانة، ثم قذف بها دامية في قلب عاشور. وتلظى ضياء ~~بالغضب، ولكن شرره لم يجاوز جدران البدروم، أما عاشور فغاص في الحزن حتى قمة ~~هامته. كان قويا ومهذبا. غطى تهذيبه على قوته فواراها عن ~~الأعين. # وكان نبيل الرأس غليظ القسمات غامق السمرة، وفي وجنتيه بروز وفي فكيه ~~صلابة. ولم يطق البقاء في البدروم مع أحزانه فخرج إلى الظلام، مسوقا بقوة ~~خفية نحو ساحة التكية، نحو خلود جده عاشور. جلس القرفصاء دافنا رأسه بين ~~ركبتيه في جو جامد لا يتنفس، تسبح فيه الأناشيد وحدها. أصغى طويلا وغمغم: ~~ما أشد ألمي يا جدي! # وناجته الأناشيد بلغتها الغامضة: # في مهر رخت روز مرا نور تماندست # وزعمر مرا جز شب ديجور نماندست # 8 # واستقرت الإهانة في الأعماق؛ فهي لا تهضم ولا إلى الخارج فتقذف. وكان ~~عاشور ينمو نموا فذا كشجرة توت، يذكر هيكله المتمادي في العملقة وملامحه ~~الغليظة الجذابة بما قيل في وصف جده عاشور. أصبح منظر راعي الغنم جديرا بلفت ~~الأنظار. وخافت حليمة أن تثير قوته هواجس الوحش حسونة السبع فحذرته قائلة: ~~تناس قوتك. تظاهر بالجبن فهو أرحم. ليتني ما سميتك بعاشور! ms238 # ولكن الفتى كان فطنا، مستغنيا بفطنته عن التحذير. وكان يمضي طيلة نهاره ~~في الخلاء بين الماعز بصحبة معلمه أمين الراعي. لم يظهر قط في البوظة أو الغرزة ~~أو القهوة. لم يستعمل قوته قط إلا في المثابرة والصبر. أجل مزقته الإهانة. ~~غضب حتى تخيل أركان الحارة وهي تهدم ويبعث من في القبور، ولكنه لم ~~يتهور، ضبط نفسه، لم يتجاهل القوة الغشوم المتربصة الحذرة القاسية ~~ونبابيتها المتأهبة، وكلما ضاق صدره مضى إلى ساحة التكية، يؤاخي الظلام، ~~ويذوب في الأناشيد. وتساءل مرة في حيرة: ترى أيدعون لنا أم يصبون علينا ~~اللعنات؟ # وتساءل مرة أخرى في أسى: من ذا يحل لنا هذه الألغاز؟ # وتنهد طويلا، ثم استطرد: إنهم يغلقون الأبواب لأننا غير أهل لأن تفتح ~~في وجوهنا الأبواب! # وكان يجد ضياء في البدروم صاخبا بالغضب. ومرة قال ضياء: لولا أننا صرنا ~~حرافيش ما تعرضت أمنا للإهانة! # فقال له عاشور: حرافيش أم وجهاء لا يهم، ستدرك الإهانة دائما من ~~يتقبلها! ~~- ماذا علينا أن نفعل؟ # فصمت عاشور مليا، ثم تمتم: لا أدري يا أخي! # 9 # خافت حليمة عواقب الأفكار المحتدمة، فقالت ببساطة وصراحة: ما أصابني لا ~~يعد إهانة في حارتنا! # وصممت على أن تجتاز بهما تلك المحنة ففكرت جادة في تزويجهما. لقد ~~فقدت فائز وها هو الزمن يمضي مسرعا بلا أمل. سيبعث الزواج وثبات جديدة في ~~هذه الحياة الراكدة. سيجعل منهما رجلين أكثر تعقلا، وأشد حذرا، وأبعد عن ~~المغامرات الفاتكة. وسألتهما: ما رأيكما في بنت الحلال؟ # ورحبا بارتياح. كانا فقيرين مكبوتين فرحبا. وقالت حليمة: ننتقل إلى ~~بدروم أكبر يسعنا جميعا فهو للمعيشة أوفر. # ووقع اختيار المرأة على فتحية وشكرية ابنتي محمد العجل العلاف بحظيرة ~~المعلم موسى الأعور. ولم يكن أحد منهما قد رأى فتاته، ولكنهما كانا يغليان ~~بوقدة الشباب، ويتوثب خيالهما الجامح لمعانقة أي أنثى. # هكذا قرئت الفاتحة. # 10 # وجاء إلى الحارة فتى غريب. نطق وجهه بالعافية، رفل في عباءة بنية، انتعل ~~مركوبا أحمر، طوق رأسه بلاثة من الشاهي المنمنم، في يده مسبحة من الكهرمان. ~~أول ms239 من رآه كان زين علباية الخمار. لم يعرفه إلا حين ابتسم فهتف الخمار: من؟ ~~فائز بن ربيع الناجي! # وتطلعت إليه الأعين، غير أنه مضى من توه إلى القهوة، إلى أريكة حسونة ~~السبع. انحنى فوق يده فلثمها، ثم وقف ممتثلا. قال حسونة وهو يتفحصه: ما شاء ~~الله ها قد رجع الهارب! # فقال فائز: مصير الحي إلى أصله! # فقال حسونة السبع بلهجة ذات مغزى: آثار الشطارة بادية عليك. # فقال فائز بخشوع: هذا من فضل ربي. # ودخل القهوة عند ذلك موسى الأعور، وفي أعقابه دخل شيخ الحارة يونس السايس، ~~وهتف موسى: في ساحة فتوتنا يتحقق العدل. # فنهره الفتوة قائلا: لا تنهق كالحمار. # فقال الرجل: باع العربة والحمار ثم تاجر بمالي! # فسأل الفتوة فائز: ماذا فعلت بماله؟ # فقال فائز: ورأس الحسين لقد سرقت الكارو وأنا نائم؛ لذلك هربت. # فقال موسى: كذاب! من أين لك هذا الجاه؟ ~~- العمل والحظ وفضل ربي. # فتمتم يونس السايس: قضية طريفة حقا. # فقال فائز: إنه مالي، لو كنت لصا ما رجعت، وما أرجعنى إلا حرصي على ~~تسديد ديوني. # وقدم للفتوة صرة وهو يقول: عامان مضيا بلا إتاوة. # تناولها الفتوة. ابتسم لأول مرة. قال فائز: من أجلك يا معلم جئت أولا، ~~ولأرى أهلي أخيرا! # قال حسونة السبع: لص؟ لا يهم، ولكنك فهلوي، إني أصدقك؟ # فتساءل موسى الأعور: وأنا يا معلم؟ # فقال يونس السايس: لقد قبضت ثمن الكارو والحمار من ست حليمة ~~البركة. # فقال موسى الأعور: ماله في الواقع هو مالي أنا. # فقال حسونة السبع: من حق موسى صرة مثل صرتي. # فلم يتردد فائز فقدم للفتوة صرة أخرى. فطرب الرجال بالحكم العادل ~~فهتفوا معا: اسم الله عليه، اسم الله عليه. # ولكن حسونة السبع أبقى الصرة الجديدة في قبضته، على حين تجلت في عيني ~~موسى الأعور نظرة يائسة. قال الفتوة يخاطب فائز: آن لك أن تذهب إلى ~~أهلك. # 11 # أمام البدروم وجد حليمة في انتظاره. لدى بلوغ الخبر إليها خرجت إلى ~~الطريق. كأنه حلم أو خرافة أو معجزة، ولكنه على أي حال سعادة ms240 تفوق الاحتمال. ~~ضمته إلى صدرها وأجهشت في البكاء وظلت تردد: الشكر لك يا رب! الشكر لك يا ~~رب! # واجتمع شمل الأسرة عقب عودة ضياء وعاشور. امتزجت الدهشة بالسعادة مرة ~~أخرى. لبث فائز بينهم في الحجرة الصغيرة كماسة في كوم من الهشيم. يشع منه نور، ~~ويسيل أمل يتجلى المستقبل على ضوئه في صورة خلابة لم يحلم بها أحد. تغيرت ~~أحاسيس الأسرة، خلقت خلقا جديدا. مضى فائز يقول: الناجح محسود، ستفتعل حولي ~~الأقوال، ولكني بريء والله شهيد. # فقالت حليمة بحرارة: قلبي يصدقك. # ما الحكاية؟ بكل إيجاز لقد سرقت الكارو وأنا نائم. تحيرت، قررت ~~الهرب، لعله كان قرارا خاطئا ولكنه ما حصل. # تركزت عليه الأبصار بقلوب مرحة مستعدة للتصديق. قال: همت على وجهي ~~أياما بلا عمل حتى انتشلني خواجا. الحكاية طويلة. عملت عنده خادما وسواقا، ~~حميته من تحرش بعض الأراذل، تعلمت على يديه سر العمل، ثم جاءني الحظ ~~ببسمته العذبة، لا بد من الحظ، ربحت ورقة نصيب، قررت أن أعمل لحسابي، صادفني ~~نجاح فاق كل تقدير. # وسأله عاشور باهتمام: ما عملك بالضبط يا أخي؟ ~~- ليس من اليسير شرحه، هل سمعت شيئا عن السمسرة والمضاربة؟ حسن، لا دكان ~~لي ولا محل، نعقد الصفقات في الطريق، في المقاهي. إنها أمور معقدة، سنعود ~~إليها بتفصيل أكثر، ولكنني لن أشرككما فيها، لقد رسمت للمستقبل صورة محدودة ~~ومتنوعة ومضمونة. # فتوردت الوجوه من البهجة وعذوبة الحلم، ولاذت بالصمت والابتهال، فمضى ~~يقول: إرادة الله العلي القدير أن يعود آل الناجي إلى مركزهم المرموق! # فتساءل عاشور هامسا: تعني الفتونة يا أخي؟ # فضحك قائلا: لا، لا، أعني الوجاهة والأبهة! # فقال ضياء بإشراق: ما أجمل هذا! ~~- يجب أن تتغير هذه الحياة الضحلة، لن نكون بعد اليوم من الحرافيش، لا ~~راعي غنم ولا شيال، هي إرادة الله العلي القدير. # فهتفت أمه: إنك ثمرة حبي ودعائي. # فقال بجدية بالغة: علينا أن نفكر فيما ينبغي عمله بلا تردد؛ فإن نشاطي ~~يتطلب مني رحلات بلا نهاية! # 12 # وحلت تغيرات حاسمة مثل تغيرات الفصول الأربعة. ما بين يوم ms241 وليلة ~~تحولت حليمة البركة إلى ست بيت فلا خدمة ولا بيع. استقال ضياء من محل النحاس، ~~كما استقال عاشور من رعي الأغنام. انتقلت الأسرة إلى شقة مؤقتة مكونة من ~~أربع حجرات، والأهم أنه شرع في تشييد دار للأسرة في خرابة أمام بنك الرهونات، ~~واشترى فائز وكالة الفحم تاركا إدارتها لأخويه، فجلس ضياء وعاشور في حجرة ~~الإدارة، رافلين في العباءة الفضفاضة، ناشرين من أعطافهما شذا المسك ~~والعنبر. # تداخل الحلم في الحقيقة، وتداخلت الحقيقة في الحلم، وانبهرت الأعين وشخصت ~~الأبصار. عند استبدال الثياب الفاخرة بالأسمال البالية شعر الأخوان بذهول ~~ورهبة، ثم بسعادة مسكرة. خرجا إلى الطريق كأنهما يخوضان معركة. شد منظرهما ~~الأبصار، أحدق بهما أناس من الحرافيش والصغار. # انهال عليهما طوفان متضارب من السخريات والبركات والعبث والجد والغمز ~~والتهنئات. وما إن ارتفع الضحى حتى فاز الجاه بامتيازاته واستقر في ~~مركزه. # وسلم الجميع بقضاء المقادر. وكم من قلوب أحرقها الحسد! وكم من قلوب ~~دوخها الانبهار! وكم من قلوب ثملت بآمال مجهولة! # ووقف جليل العالم شيخ الزاوية ويونس السايس شيخ الحارة يتناجيان. قال يونس ~~وهو يرمق عاشور: يقال إن هذا الفتى يشابه جده الأول. # فقال جليل: ثمة فرق هو ما بين الذهب الخالص والنحاس المطلي بالذهب! # 13 # واعترضت الطريق المنبسط عقبة كالحة، هي قراءة فاتحة شكرية وفتحية! # فرضت نفسها عليهم من أول يوم. وقال ضياء لأمه معاتبا: لم تسرعت يا ~~أمي؟ # فلم تدر حليمة بم تجيب. لم تعد سعيدة بالخطوبة ولا متحمسة لها، ~~ولكنها تكره عادة أن تفعل ما تخجل منه، كما أن تقوى الله تملأ قلبها . ~~وتمتمت: قسمة ونصيب! # فسالها بحدة: ماذا؟ # فقالت باستسلام: يقول المثل «خذوهن فقيرات يغنكم الله». ~~- ولكن الله قد أغنانا من قبل أن نأخذهن! ~~- ألم يكونا قدم السعد؟ # فتمتم ضياء في ضيق: إنه لعبث! # ولبث عاشور صامتا متجهما. إنه لم يعد سعيدا بالخطوبة، ولكنه يكره ~~عادة أن يفعل ما يخجل منه - ‏ مثل أمه - تملأ التقوى قلبه. سألته حليمة: وأنت ~~يا عاشور؟ # فأجاب مغلوبا: لقد قرأنا الفاتحة. ~~- فهتف ضياء: كلا، ms242 إنه قرار مؤسف لا يسر، ولكن كلا ثم كلا. # فقالت حليمة بحزم: افعل ما تشاء، بنفسك، ولا تعتمد علي. # 14 # وقابل ضياء ربيع الناجي عم يونس السايس شيخ الحارة فرجاه أن يحمل اعتذاره ~~إلى محمد العجل. وتأمل شيخ الحارة وجه ضياء الصغير وقسماته الدقيقة ووسامته ~~الشاحبة بلا معنى، وقال في نفسه إنه وغد حقا بالصورة والمضمون، ولكنه قال له ~~مداهنا: إنه لعدل ما تفعل، ولن يلومك عليه إلا حاسد أو حاقد. # فقال ضياء مداريا خجله: ما باليد حيلة. # وعاشور، ماذا عنه؟ # فقال ضياء بحنق: إنه طيب أحمق! # فضحك يونس السايس وقال: ستمتدحه ألسنة وهي تسخر من سذاجته! # 15 # وأثار فسخ خطوبة ضياء عاصفة من السخط والتهكم أسهم فيها الطيبون ~~بطيبتهم، والحاقدون بحقدهم وحسدهم. وغطت نذالة ضياء على شهامة عاشور، فسرعان ~~ما تجوهلت وانصبت اللعنات على الأسرة الخائنة التي تتجسد قسوتها وأنانيتها ~~في أمثلة حية، وتذوب قداستها في أساطير غابرة لم يشهدها أحد. # وكان المعلم عاشور ربيع الناجي ماضيا إلى وكالة الفحم عندما ترامى إليه ~~صوت غليظ ينادي بنبرة آمرة: عاشور! # رأى الفتوة حسونة السبع متربعا فوق أريكته وسط نفر من أتباعه، فمضى ~~إليه بلا تردد، وأدى التحية اللائقة. ولم يدعه الفتوة للجلوس وقال له ~~متحديا: إنكم أنذال يا آل الناجي! # أدرك عاشور ما وراء ذلك من سبب، وعجب لم لم يوجه سبه إلى أخيه. أدرك ~~أنه يمتحن رجل الأسرة العملاق القوي. سرعان ما لاذ بنصيحة أمه ودهائه الفطري، ~~فقال بأدب: ليغفر الله الذنوب! ~~- بسرعة تنسون أصلكم، تنسون الجنون والدعارة، أليس محمد العجل أشرف ~~منكم؟ # فقال عاشور كاظما انفعالاته: إنه رجل شريف، وعما قريب سأنضم إلى ~~أسرته. ~~- كلا. ~~- ولكنه الحق. ~~- رفض الرجل النبيل أن تسعد إحدى ابنتيه على حساب الأخرى. ~~- ولكن خطوبتي لم تفسخ! ~~- بل فسخت من ناحيته، وها أنا أبلغك بقراره. # فصمت عاشور متجهما، فقال الفتوة: عليكم أن تعوضوه عما ~~أصابه. ~~- نفعل ما يراه فتوتنا صوابا. # 16 # وانقشعت السحابة المثقلة بالحقد والمرارة والندم. ومضت الأيام مترقرقة ~~بالسعد والإقبال. غدت وجاهة ms243 ضياء وعاشور عادة يومية مألوفة. واستقرت الدار ~~الفاخرة أمام بنك الرهونات. وحمل الدوكار حليمة البركة إلى مشاويرها. أما ~~فائز ربيع الناجي صاحب الجاه وباعثه فكان يزور أهله ويتفقد ملكه على فترات ~~متباعدة. # 17 # وعشقت الأسرة الجاه واستنامت إليه. عاشور نفسه فرح في أعماقه بفسخ خطوبته، ~~وبخاصة أن فسخها لم يحمله إثما. وسعد بحياة النعيم فاعتبر أخاه فائز معجزة من ~~معجزات الأسرة وعبقرية من عبقرياتها. وكان يتطلع بشغف إلى أقمار الأسر في ~~العربات؛ إذ كان يحب الجمال كما يحب التكية، وكما يحب مجد أسرته الحقيقي الذي ~~عبق الماضي بشذاه الطيب النقي. وكان يغدق بلا حساب على الفتوة وشيخ الحارة، ~~وجدد الزاوية والسبيل والحوض والكتاب، وتصدق على الحرافيش. وفيما ~~يتعلق بالحرافيش قالت له أمه: لا تثر مخاوف حسونة السبع، دعهم لي فإني ~~أستطيع أن أوزع الصدقات في الخفاء! # ووافق عاشور إذ كان يعلم أن ثورة الحرافيش لا تمحى من ذاكرة ~~الفتوات! # ولعل ضياء كان أسعد الجميع. عشق الجاه بشغف وشراهة، نعم بالكبرياء في حجرة ~~الإدارة، بالترف في دار الناجي الفاخرة، بالكارتة والدوكار. هام بالثياب ~~الأنيقة والأطعمة الفريدة، اقتنى أجود أنواع البوظة والحشيش والأفيون والمنزول، ~~عبد في أعماقه أخاه فائز، كما عبد رجال الأسرة الأخيار منهم والأشرار على ~~السواء، وكان يقول متباهيا: المهم أن تخرق المألوف! # ولعل حليمة كانت أقرب الأسرة إلى القصد، ولكنها أيضا نعمت بالعز والجاه. ~~وفي المواسم كانت تهرب الصدقات إلى الحرافيش، وغمرت أم فتحية وشكرية بخيرها ~~حتى نسيت المرأة الإساءة وصارت من أقرب المقربات إليها. # 18 # وظل نداء خفي يدعو عاشور إلى ساحة التكية ليطرب مع الأناشيد ، كما كان ~~يدعوه أحيانا إلى الخلاء حيث كان يرعى الأغنام. وكانت سعادته سماء تظهر في ~~جنباتها قطع السحاب، وأحيانا تركض حتى تخفي وجه الشمس،‏ وقد يدهمه في أعذب ~~اللحظات قلق غامض فيفتر حماسه ويتساءل عما يعنيه ذلك. # ولاحظت حليمة ذلك فقالت له مرة: ما أضيع الرجل بلا زوجة يسكن ~~إليها! # فقال بارتياح خفي: هو ذلك، ولكنه ليس كل شيء! # فسأله ضياء: ماذا ms244 تريد أكثر من ذلك؟ # فقبل يده ظهرا وبطنا، ولكنه قال لنفسه إن إهانة الفتوة تستكن في جوفه ~~مثل خنجر، وإنه لا يدري بأي وجه يلقى جده عاشور؟ وإن سعادته ينقصها شيء جوهري. ~~تساءل: لم يساور القلق إنسانا وهبه الله النعمة والكمال؟ # فأجابت أمه بلا تردد: إنه الشيطان يا بني! ~~- حقا إنه الشيطان، ولكن أي شيطان؟! # 19 # وأعجب الشقيقان ضياء وعاشور بفتاتين من أعرق الأسر، فخطب ضياء سلمى ~~الخشاب كريمة صاحب وكالة الخشب، كما خطب عاشور عزيزة العطار كريمة أكبر عطار في ~~الحارة. وتبدى فائز في حفل الخطوبة في أبهة ملك الملوك. # ومضت الأيام مترقرقة بالسعد والإقبال. # 20 # وفي ذات ليلة جاء فائز في غير ميعاده. # كانت الأسرة مجتمعة في قاعة الجلوس، وثمة مدفأة كبيرة من النحاس تشتعل ~~جمراتها. كانت الأم تسبح، وعاشور يدخن البوري، وضياء ينسطل، على حين عزفت في ~~الخارج ريح باردة منذرة بالمطر. # جاء فائز في غير ميعاده؛ إذ كان يجيء عادة - إذا جاء - ‏ في الضحى ~~مستعرضا أبهته ودوكاره. هب الجميع لاستقباله. وسرعان ما لاحظوا أن معجزة ~~الأسرة فاتر النظرة متجهم الوجه. جلس على ديوان. أزاح العباءة عن منكبيه رغم ~~شدة البرد. تساءلت بقلق: ما لك؟ # فتمتم في خمول: لا شيء. ~~- بل يوجد شيء يا بني! # فقال بلا مبالاة: وعكة. # وصمت وهو محط الأنظار فتجلى وجهه بالتصلب الذي كان يطالعهم به قديما ~~قبل أن ينتصر على الحياة. قامت حليمة وهي تقول: أغلي لك كراوية. # وتمتم ضياء: وتنام! # وأسبل جفنيه مليا، ثم قال: لا مفر في بعض الأحيان من أن يحن الإنسان ~~إلى بيته. # فقال عاشور: شتاء هذا العام لعين. # ألعن مما تتصورون. ~~- وأنت تعمل بطاقة تفوق احتمال البشر. # فردد بغموض: احتمال البشر. # فقال ضياء: للإنسان حق في الراحة. # فقال بتسليم: قررت أن أحظى براحة عميقة. # وساد الصمت. ثم ما لبث أن نهض قائلا: سآوي إلى فراشي. # ومضى إلى مخدعه. # وجاءت حليمة بقدح الكراوية فمضت في إثره. # كان الشمعدان يضيء المخدع، وكان فائز راقدا فوق الفراش بملابسه. # قالت حليمة: ms245 لم لم تغير ملابسك؟ # وسرعان ما سقط القدح من يدها، وصرخة ممزقة انطلقت من فيها. # 21 # وقفوا يحدقون بأعين تطفح بالذهول والجنون. # فائز شاخص البصر، ملقى الوجه بلا حول كأنه متجمد منذ ألف عام، يسراه ~~مدلاة من حافة الفراش الوثير، تتكون تحتها بحيرة من دم فوق السجادة ~~الشيرازي، وثمة خنجر منطرح فوق القفطان الكموني، ذو مقبض ذهبي. # جرى ضياء يفتش تحت الديوان والفراش والصوان في الحجرة المغلقة النوافذ وهو ~~يصيح: مستحيل! ما معنى هذا؟! # وهتفت حليمة بصوت مبحوح: ليدركنا سيد الرسل! # وصرخ عاشور: الحلاق! # وغادر الحجرة بسرعة جنونية. وراحت حليمة تصوت، فصاح بها ضياء: إنه ~~حي! # فصرخت: انتهى، لم فعلت بنفسك هذا يا بني؟! # سرعان ما جاء الحلاق، تبعه يونس السايس والشيخ جليل العالم، ثم رجال ونساء ~~من آل الخشاب وآل العطار. # وتراجع الحلاق وهو يتمتم: سبحان من له الدوام! # اجتاحت الدار الأنيقة عاصفة من الجنون. # 22 # قبيل منتصف الليل جاء رجال السلطة، فباشروا التحقيق مع الأهل والخدم، ~~وتفحصوا الأمكنة بدقة وعناية بالغة. # سأل المأمور: ما تفسير ذلك في تقديركم؟ # فقالت حليمة: حتى أمس كان أسعد خلق الله. ~~- أتعرفون أعداء له؟ ~~- كلا. ~~- ماذا كان يعمل؟ ~~- كان رجل أعمال وسمسرة ومضاربات. ~~- أين مكان عمله؟ ~~- لا مكان محدد له، له دار في الدراسة عند مشارف الجبل. ~~- ماذا تعرفون عن شركائه وعملائه؟ ~~- لا شيء البتة! ~~- كيف كان ذلك؟ ~~- هو الحق بلا زيادة ولا نقصان! # 23 # أعلن أن فائز ربيع الناجي قد انتحر لأسباب لم يكشف التحقيق عنها ~~بعد. # ورغم انتحاره فقد شيع في جنازة جليلة ودفن إلى جوار شمس الدين. # ومضت أيام المأتم الثلاثة والأسرة في الذهول لا تدري شيئا عن كارثتها ~~الكبرى. # 24 # لماذا انتحر فائز ربيع الناجي؟ # ظل التساؤل يشد قلوب الأسرة، يقرع وعيهم المترع بالحزن والذهول. # وها هي السلطة ‏- كما يؤكد يونس السايس شيخ الحارة - ‏ جادة في البحث ~~والتحري. ولكن كيف خيم عليهم الجهل حتى اللحظة الأخيرة؟ كيف أصابهم العمى فلم ~~يروا شعاعا واحدا من النور؟ كان يغيب طويلا، ويحتفظ ms246 بكافة أسرار عمله ~~لنفسه، ولكن زياراته المتقطعة المتباعدة كانت تملأ الدار بهجة وسرورا ~~وأملا متواصلا في الحاضر والمستقبل. حتى آخر زيارة كان شخصا آخر، ماذا غيره؟ ~~كيف صار الموت بغيته وملاذه؟! # وولولت حليمة قائلة: لقد حلت بنا اللعنة. # وتساءل ضياء: ما السر؟ أكاد أن أجن! # فقال عاشور: لن يكشف السر عما يسر؛ فالناس لا ينتحرون بلا سبب. # 25 # وتلاقت أفكار الشقيقين على تفقد دار الراحل كقراءة أولى لأسراره ~~ومعاملاته ومصادر أمواله. وتم الاتفاق بينهما وبين السلطة على ذلك. كانت ~~دارا ضخمة ذات فناء مترام من ناحية الجبل. ولفت الأنظار كثرة المخادع ~~الوثيرة، ومخازن الخمور والمخدرات، وغزارة التحف والرياش. ولما فتحت ~~الخزائن وجدت خالية تماما. لا عقد ولا خطاب ولا دفتر ولا مليم واحد. # وتبادل الشقيقان نظرات حائرة. تساءل عاشور: ما معنى هذا؟ # وتساءل ضياء: أين ثروة المرحوم؟ # وسأل عاشور المحقق: هل عرفتم جديدا من الأمر؟ # فأجاب الرجل: لن يفلت منا خيط من الحقيقة. # 26 # رجع ضياء وعاشور من رحلتهما الاستكشافية الخائبة مذهولين. اشتد اللغز ~~غموضا واكتنفته سحب دكناء فتوزعت القلوب الهواجس. حقا لقد أمن لهما ~~شقيقهما الحياة قبل أن يذهب؛ فهما وأمهما الوارثون لوكالة الفحم ولدارين ~~رائعتين، ولكن ماذا عن ثروة فائز، وماذا عن حياته المبهمة؟! # وتفكر ضياء، ثم قال: لعله فقد ثروته فانتحر. # فقال عاشور معترضا: ولم ينتحر وهو ما زال مالك الوكالة ~~والدارين؟ # فهز ضياء رأسه في حيرة وتمتم: ترى لم ينتحر المنتحرون؟! # 27 # واستأثر انتحار فائز باهتمام السكارى في البوظة. تساءل زين علباية ~~الخمار: لم ينتحر رجل مثل فائز؟ # فقال يونس السايس شيخ الحارة: ليس بسبب الإفلاس؛ فقد ترك ثروة تجعله من ~~كبار أغنياء الحارة. # فقال له زين علباية بلهجة تحريض: لا شك أن عندك معلومات باعتبارك من رجال ~~السلطة. # وعز على يونس أن يعلن إفلاسه، فقال بنبرة الحذر: إنهم يكتشفون جميع من ~~كانت لهم صلة بالرجل. # عند ذاك قال حسونة السبع الفتوة متهكما: هناك سبب أقوى من ~~الإفلاس. # واتجهت إليه الرءوس بكل إجلال فقهقه قائلا: الجنون! ms247 في دمائهم جنون موروث ~~عن رجال ونساء، حتى كبيرهم الأول المقدس ألم يكن لقيطا ولصا؟! # 28 # ومضت حياة آل الناجي ثقيلة كئيبة. أجل الزفاف بطبيعة الحال، وواصل ~~ضياء وعاشور حياتهما اليومية وقد انطفأت في نفسيهما جذوة الإبداع والسعادة، ~~أما حليمة البركة فقد اعتزلت في جناحها، تجتر الأحزان وتتعزى ~~بالعبادة. # 29 # وذات مساء - ‏ وكان الشتاء ما زال يسفع الحارة بسياطه - ‏ جاء عم يونس ~~السايس إلى الدار، يسير بين يدي مأمور القسم وقوة من المخبرين. اجتمع المأمور ~~وشيخ الحارة بالأسرة في قاعة الاستقبال، وسرعان ما سأل المأمور: لمن وكالة ~~الفحم والداران؟ # فأجاب ضياء: كانت ملك المرحوم وعنه ورثناها. ~~- إلي بوثائق الملكية. # ذهب ضياء ثم رجع بصندوق فضي متوسط الحجم، فمضى المأمور يطالع الوثائق، ~~ثم ردد عينيه بين حليمة وابنيها وقال: كل شيء ملك للغير. # لم يفقه أحد معنى لقوله، ولم تعكس وجوههم أي أثر، فقال يونس السايس: جميع ~~ما في حوزتكم من تجارة وعقار ملك للغير، لم يكن ملكا لفائز، وبالتالي لا حق ~~لكم فيه. # صرخ ضياء: ما معنى ذلك؟! # فقال شيخ الحارة: الأمر لله، عليكم أن تسلموا الدار والوكالة في ~~الحال. ~~- في الأمر خطأ ولا شك! ~~- لقد باع فائز كل شيء، وقدم المالك الجديد المبايعة وهي صحيحة لا شك ~~فيها! # تساءل عاشور بذهول: أحقا ما تقول؟ # فقال المأمور بهدوء وحزم معا: لم نأت في هذه الساعة للمزاح. ~~- إنه فوق ما يتصور العقل! ~~- ولكنه الواقع الذي لا شك فيه. # فتساءل ضياء بفزع: إذن فأين ثمن البيع؟ ~~- علم ذلك عند الله والمنتحر. # وسكت المأمور لحظات، ثم استدرك: لعله كان بيعا صوريا، ولعله تم خلال ~~مقامرة جنونية. التحقيق ماض في سبيله القذر! # وقال ضياء: فوق ما يتصور العقل! # وقال عاشور: إنها جريمة تسمى السرقة! # فتساءل المأمور: لم انتحر بدل أن يبلغ عن السرقة؟ # في الأمر جريمة يا حضرة المأمور. ~~- بل سلسلة من الجرائم! ولكن لا بد أولا من التفتيش! # 30 # لبثت الأسرة تنتظر مهيضة تحت حكم الإعدام. رجع المأمور وهو يقول سلسلة من ~~الجرائم، ms248 الجرائم البشعة. هلموا معنا. # تساءلت حليمة بصوت متهدج: إلى أين؟ ~~- إلى القسم. # وقال يونس السايس ملاطفا: لا بد من استكمال التحقيق. # تساءل عاشور: أنحن متهمون؟ # قال المأمور بحزم: صبرك، وما صبرك إلا بالله. # 31 # جرى التحقيق طويلا مرهقا، وعلى ذمته حجزت الأسرة في سجن القسم ~~أسبوعا،‏ ولكن ثبت بالدليل وشهادة الشهود أنه لم توجد علاقة بينهم وبين عمل ~~فائز السري الخارجي، فثبتت براءتهم وأطلق سراحهم فرجعوا إلى الحارة، ثلاثة ~~يركبهم الخزي والعار لا مأوى لهم. # 32 # وكانت الحقائق قد سبقتهم إلى الحارة مثل رائحة عفنة. عرف الكبير والصغير، ~~الصديق والعدو، أن فائز بدأ مغامرته ببيع الكارو، أنه استثمر ماله في الدعارة ~~والقمار والبرمجة والمخدرات. وكان يقامر بثروات خيالية، وفي حال الخسران كان ~~يستدرج الغريم مستعينا بالنساء والمخدرات فيقتله ويستولي على النقود، ثم ~~يواربه في فناء داره. وفي آخر مقامرة خسر أمواله جميعا، ثم اضطر إلى المقامرة ~~بأملاكه في شكل عقد بيع صوري فخسرها أيضا. ولم يتمكن من قتل غريمه الذي فر ~~بروحه وماله. ولما خسر كل شيء، وأصبح سره مهددا بالانفضاح انتحر. وقد ~~تلقى رجال الأمن رسالة من مجهول لعله كان شريكا، ‏وهي التي دلت السلطة على ~~سر الجرائم ومدافن الضحايا. هكذا كشف الغطاء عن سر فائز المفزع، نجاحه ~~وانتحاره! # 33 # رجعوا إلى الحارة، ثلاثة يركبهم الخزي والعار لا مأوى لهم. غدت حكايتهم ~~نادرة الشامتين ومفزع المتخيلين. وأضرم نارها السبع وعلباية والعجل. وبقوة ~~الحقد أمطرتهم الأفواه بصقا والأكف صفعا حتى هرولوا نحو القبو، ومنه تسللوا ~~إلى الممر، ثم استقروا في القرافة. # وأراد الشيخ جليل شيخ الزاوية أن يتشفع لهم فقال: لاتزر وازرة وزر ~~أخرى. # فصاح به حسونة السبع: اسكت يا كافر وإلا شنقتك بشال عمتك! # وكان آل الخشاب وآل العطار في مقدمة من تبرأ منهم. # 34 # أقامت الأسرة المطاردة في حجرة الرحمة بمدفن شمس الدين. في الجيوب قروش ~~معدودة، وفي القلوب أسى جديد أنساهم أحزان الموت والإفلاس. تحجرت الأعين، ~~حتى عينا حليمة البركة، جلسوا متقاربين، ينشدون النجاة من تلاصقهم، ويستدفئون ms249 ~~بنبضات قلوبهم الشامل، وريح الشتاء تزمجر بين شواهد القبور. وإذا بضياء يصيح: ~~الكلاب! # فقالت حليمة برجاء: فلنفكر بحالنا! # فقال ضياء بمرارة وسخرية: لم يبق أمامنا إلا أن نعمل ترابية. # فقالت الأم: معاشرة الجثث أطيب. # وتساءل عاشور بذهول: أقضي علينا حقا بهجر حارتنا؟ # فقال له أخوه: ارجع لتغسل وجهك مرة أخرى ببصاقهم! # فقال عاشور بتحد: سنعيش حياتنا على أي حال. ~~- لنرجع إلى التسول. # وكانت الريح تزمجر في الخارج بين شواهد القبور. # 35 # وفي اليوم التالي دخلوا في حال جديدة من الحزن امتازت بالهدوء ~~والركود. # قالت حليمة البركة: لا وقت لدينا نضيعه. # فعلق ضياء على قوله بأنه لا وقت لديهم ولا مال ولا صديق ولا شيء، ~~فتساءلت: أين يجدر بنا أن نذهب؟ # فأجاب ضياء: بلاد الله لا حدود لها. # أما عاشور فقال: لنبق في المدفن غير بعيدين عن حارتنا حتى يتاح لنا ~~الرجوع. # تمتم ضياء بازدراء: الرجوع؟! ~~- أجل، لا بد من الرجوع ذات يوم، وأكثر من ذلك، لا حياة لنا إلا في ~~حارتنا. # فحسمت حليمة الخلاف قائلة: لنبق هنا بعض الوقت على الأقل. # عند ذاك قال ضياء: لم أنم ليلة أمس. فكرت حتى سمع الأموات نبضات فكري، ~~صدقت عزيمتي على قرار. ~~- ما هو؟ ~~- ألا أبقى هنا. # فتجاهلته أمه وقالت: عن نفسي أعود إلى ممارسة مهنتي السابقة في أطراف الحي ~~البعيدة. # فقال عاشور: سأسرح بفاكهة. # تضايق ضياء من تجاهلهما رأيه، فراح يؤكده قائلا: سأذهب ولو اضطررت إلى ~~الانفصال عنكما. # فسألته أمه: أين؟ وماذا تفعل؟ # فقال مواصلا انفعاله: لا أدري، سأتحدى الحظ والقدر. # فتسألت بحزن: كما فعل الآخر؟ # فصاح بإصرار: كلا! توجد سبل أخرى. ~~- أعطني مثلا؟ ~~- لست نبيا. # وقال له عاشور برقة: ابق معنا فما أحوج بعضنا إلى بعض . # فقال بإصرار نهائي: كلا، لقد قضي الأمر. # 36 # ودع ضياء أمه وأخاه وذهب. دمعت عينا حليمة وهي تودعه، ولكن لم يكن ثمة ~~متسع للحزن. واستقبلت وعاشور حياة معاناة شاقة. سرحت بالمفتقة والمخلل ~~كالمتسولات، وسرح عاشور بالفاكهة، عملاقا يحمل مقطفا. كأنما قد تعاهدا على ~~الصبر وتجنب ms250 الشكوى وعدم نبش ذكرى ما مضى، ولكن الماضي لم يقتلع من ~~أعماقهما. ذكرى الدار ذات الأجنحة، والعيش الرغيد، وأبهة الدوكار وحجرة ~~الإدارة، ذكرى العباءة الفضفاضة والمسبحة القهرمانية وروائح المسك والعنبر ~~والكلمات الطيبة، وعزيزة العطار باليشمك والابتسامة الهائمة، وإقبال يونس ~~السايس مداهنا وقوله المأثور في الصباح: «صبحك الله بالسعادة يا من يشرق النور ~~من جبهته.» آه يا فائز ماذا فعلت بنفسك وبنا؟! # حتى جلال المجنون لم يقتل ويدفن الجثث. ما هذه اللعنة التي تطارد ذرية ~~صاحب الولاية والمعجزة؟ # ودأب على قضاء وقت راحته في الخلاء حيث رعى الغنم، حيث لجأ عاشور صاحب ~~العهد وتلقى النعم، ذلك الجد الذي أحبه وآمن بعهده، وعبد خيره وقوته. أليس ~~هو مثله حبا في الخير وامتلاكا للقوة؟ ولكن ماذا فعل كلاهما بخيره وقوته؟ ~~أما الجد فقد حدثت على يديه المعجزة، وأما هو فيسرح بالخيار والقثاء ~~والرطب. # وفي الليل دأب على التسلل إلى ساحة التكية. يتلفع بالظلام ويستضيء ~~بضوء النجوم، يردد البصر بين أشباح التوت والسور العتيق، يقتعد مكان الناجي ~~ويصغي إلى رقصات الأناشيد. ألا يبالي رجال الله بما يقع لخلق الله؟ # متى إذن يفتحون الباب أو يهدمون الأسوار؟ يريد أن يسألهم لماذا ارتكب فائز ~~جرائمه. حتى متى تشقى حارتنا وتمتهن؟ لم ينعم الأنانيون والمجرمون؟ لم يجهض ~~الطيبون والمحبون؟ لم يغط في النوم الحرافيش؟ # هذا والجو يمتلئ بالأناشيد: # ديدي كه بار جز جور وستم نداشت # بشكست عهد وز غم ماهيج غم نداشت # 37 # وقالت حليمة لنفسها إنه يبدو دائما منشغل البال، شارد اللب، فيم يحلم يا ~~ترى؟ هل يمكن أن تمضي الحياة في معاناة متصلة بلا نسمة ترطبها؟ وسألته ~~بحنان: ماذا يشغلك يا عاشور؟ # فلم يجب، فتساءلت: ألا يحسن بنا أن نجد لك زوجة تؤنس وحشتك؟ # فقال باسما: ما نجد اللقمة إلا بشق الأنفس. ~~- إذن فهناك ما يكدر صفوك؟ # فقال بصدق: كلا يا أمي. # فلتصدقه ولكن ماذا يشغله؟ في باطنه حياة كاملة مجهولة؛ لذلك تشعر ~~بالغيرة كما تشعر بالخوف. # 38 # وضاق بأسراره ذات ليلة. كان الوقت ربيعا ms251 وقد طاب الجلوس في مكان غير ~~مسقوف من المدفن. وانبسطت السماء متبرجة بما لا يحصى من نجومها. # كانا يتناولان عشاء من المش والخيار. وقال عاشور: أتساءل أحيانا عما ~~يفعل ضياء. # فتنهدت حليمة وتمتمت: إنه نسينا تماما. # وغرق عاشور في الصمت فلم يسمع إلا صوت تمطقه ونباح الكلاب عند مشارف ~~القرافة. ثم عاد يقول: أخاف أن يفعل كما فعل فائز من قبل. # فقالت الأم محتجة: لقد ضرب لنا المرحوم مثلا لا يمكن أن ينسى. ~~- ولكننا ننسى دائما يا أمي. ~~- أهذا ما يشغلك يا عاشور؟ # فحنى رأسه بالإيجاب في ضوء هلال شاحب. مضى يتساءل: لم سقط فائز؟ لم جن ~~جدنا جلال؟ لم يفترسنا حسونة السبع؟ ~~- أليس عندنا من الهم ما يكفي؟ ~~- إنه هم واحد متصل الحلقات. # فاستعاذت حليمة بالله وقالت: اسمه الشيطان. ~~- أجل، ولكن لم يغرر بنا بلا عناء؟ ~~- إنه ينهزم أمام المؤمنين. # ورجع للصمت وقد فرغ من العشاء وراح يدخن جوزة من المعسل، ونباح ~~الكلاب في اشتداد حتى انقلب في بعض خيوطه إلى عواء. وقال بغتة: إليك رأيي يا ~~أمي؛ الشيطان ينتصر بالتسلل من نقاط الضعف فينا. # فاستعاذت بالله من الشيطان الرجيم، فواصل عاشور قائلا: إليك رأيي أيضا؛ ~~حبان يشكلان أضعف ما فينا؛ حب المال، وحب السيطرة على العباد. # فتمتمت حليمة: لعلهما شيء واحد. ~~- ربما، المال والسيطرة. ~~- حتى عهد جدك انتكس ... # فردد بغموض: جدي! # فحدجته بنظرة متسائلة، فتساءل بدوره: ماذا كان ينقصه؟ ~~- ينقصه؟! ~~- أعني لماذا انتكس؟ ~~- لم يكن الذنب ذنبه. # فتمتم بعجلة: طبعا. # ولكنه تساءل في سره عما كان ينقصه، عما أفشل سعيه النبيل عقب وفاته أو ~~عقب وفاة شمس الدين. ما دام يوجد خطأ فلا بد أن يوجد صواب. وإذا وجد الصواب ~~مرة فيمكن أن يوجد مرة أخرى . وإذا كان قد انتكس بعد وجوده فيمكن أن نضمن له ~~حياة لا تعرف الانتكاسة. # وعادت حليمة تتساءل: أليس لديك من الهم ما يكفيك وزيادة؟! # 39 # كلا، لم يقنع بما لديه من هم. وكيف يقنع من أدمن الوجود كل يوم ساعة في ~~الخلاء ms252 وساعة أو ساعتين في ساحة التكية؟! كيف يقنع من ينطوي صدره على جذوة ~~دائمة الاشتعال؟ كيف يقنع من تؤرقه الأحلام الملونة؟ كيف يقنع من بات يعتقد ~~بألا جد له إلا عاشور الناجي؟ # ورسم فوق رمال الخلاء طريقا، وتخيله على ضوء النجوم في ساحة التكية. ~~وناجاه في تجواله ومنامه، حتى تجسد له كالسور العتيق قوة وصلابة ~~وجلالا. # 40 # وتلكأ طويلا في سوق الدراسة. في سوق الدراسة يتصعلك كثيرون من ~~حرافيش الحارة. لقد كان يتجنبه لذلك السبب، ومن أجل ذلك يتلكأ اليوم في ~~جنباته. ومر أمام تجمعاتهم وهو ينادي مترنما بالخيار. سرعان ما عرفه ~~بعضهم. هتف هاتفهم: المعلم عاشور! # وسخر صوت قائلا: أخو السفاح يسرح بالخيار! # وأقبل عاشور نحوهم يحمل البشاشة في قسماته الغليظة. مد يده وهو يقول: ~~أترفضون هذه اليد مثل الآخرين؟ # فصافحوه بحرارة وقال أحدهم: عليهم اللعنة! # وقال ثان: ما وجدنا منك إلا الخير. ~~- وأمك الطيبة كيف حالها؟ # فقال عاشور: برؤياكم رجعت روحي الشاردة إلى وطنها. # وقضى بينهم ساعة سعيدة مترعة بالحنين والبهجة. ومنذ ذلك اليوم لم ينقطع ~~قط عن سوق الدراسة. # 41 # بلقاء الحرافيش اشتعلت النار في كيانه كله. تجمعت قواه الحيوية كلها، ~~ودقت جدران قلبه تريد أن تنطلق. لا يمكن أن ينام من تضطرب جوانحه بهذه القوة ~~كلها. إنه يتحدى المجهول كما تحداه فائز من قبل، وكما يتحداه ضياء اليوم، ~~ولكنه يشق طريقا آخر، ويتطلع إلى آفاق أبعد. إنه يواجه المجهول ويصافحه ~~ويرمي بنفسه في خضمه. كأنما كتبت عليه المغامرة والمقامرة وركوب المستحيل. إنه ~~يحمل سرا عجيبا. ينبذ الأمن والسلامة، ويعشق الموت وما وراءه. ولقد رأى في ~~منامه من اعتقد أنه عاشور الناجي. ورغم أنه كان يبتسم فقد سأله بنبرة عتاب ~~واضحة: بيدي أم بيدك؟ # وكررها مرتين فوجد عاشور نفسه يجيبه وكأنما أدرك ما يسأل عنه: ~~بيدي! # فظل الناجي باسما، ولكنه توارى كالغاضب مخلفا وراءه الخلاء. وتساءل ~~عاشور لدى استيقاظه عما عناه جده بسؤاله، وعما عناه هو بجوابه، وتحير ~~طويلا ولكن قلبه امتلأ بإلهام التفاؤل والإقدام. # 42 # وذات ms253 يوم طرح هذا السؤال على الحرافيش في سوق الدراسة: ماذا يرجع ~~حارتنا إلى عهدها السعيد؟ # وأجاب أكثر من صوت: أن يرجع عاشور الناجي. # فتساءل باسما: هل يرجع الموتى؟ # فأجاب أحدهم مقهقها، قال بثبات: لا يحيا إلا الأحياء. ~~- نحن أحياء ولكن لا حياة لنا. # فسأل: ماذا ينقصكم؟ ~~- الرغيف. # فقال عاشور: بل القوة! # الرغيف أسهل منالا. ~~- كلا! # فسأله صوت: إنك قوي عملاق فهل تطمح إلى الفتونة؟ # وقال آخر: ثم تنقلب كما انقلب وحيد وجلال وسماحة! # وقال ثالث: أو تقتل كما قتل فتح الباب. # فقال عاشور: حتى لو صرت فتوة صالحا فما يجدي ذلك؟ ~~- نسعد في ظلك! # قال آخر: لن تكون صالحا أكثر من ساعة! # فتساءل عاشور: حتى لو سعدتم في ظلي فماذا بعدي؟ ~~- ترجع ريمة لعادتها القديمة. # وقال رجل: لا ثقة لنا في أحد، ولا فيك أنت! # فابتسم عاشور قائلا: قول حكيم. # وقهقه الحرافيش فعاد عاشور يتساءل: ولكنكم تثقون في أنفسكم! ~~- وما قيمة أنفسنا! # فتساءل عاشور باهتمام: أتحفظون السر؟ ~~- نحفظه من أجل عيونك! # فقال عاشور بجدية: لقد رأيت حلما عجيبا، رأيتكم تحملون النبابيت. # وقهقهوا طويلا، ثم قال رجل مشيرا إلى عاشور: هذا الرجل مجنون ولا شك؛ ~~لذلك فإني أحبه. # 43 # طرق طارق باب حجرة الرحمة. كان عاشور يجالس أمه عقب العشاء متدثرين ~~ببطانيتين اتقاء برد الشتاء القارس. وفتح عاشور الباب فرأى على ضوء المصباح ~~وجها يعرفه، وسرعان ما هتف: أخي ضياء! # وثبت حليمة البركة وضمته إلى صدرها. ذابوا دقائق في حرارة، ثم أفاقوا ~~فجلسوا على الشلت يتبادلون النظرات. تجلى ضياء بعباءته الغامقة ومركوبه ~~الأخضر ولاثته المنمنمة. تجلى بادي الصحة والسعادة. وانقبض قلب عاشور وثارت ~~هواجسه. وختمت حليمة على ظنونها بابتسامة وحنان. وخرج ضياء من الصمت القصير ~~قائلا: ما أطول الأيام! # ثم وهو يضحك: وما أقصر الأيام! # وتمتمت حليمة البركة وقد اغرورقت عيناها: نسيتنا تماما يا ضياء. # فقال ضياء بلهجة جمعت بين التشكي في ظاهرها والظفر في أعماقها: كانت ~~الحياة شاقة فوق ما يتصور العقل. # وآن أوان التحدث عن «الحاضر»، ولكن حليمة وعاشور ms254 أحجما بادئ الأمر عن ~~الخوض فيه. ذكرهما المنظر بمنظر سابق لا يمحى من الذاكرة، واستحوذ عليهما قلق ~~خفي. وقرأ ضياء أفكارهما فقال: أخيرا أخذ الله بيدنا! # فتمتمت حليمة تملصا من حرج الصمت: الحمد لله. # وطالعته بوجه مستطلع، فقال بهدوء: إني اليوم مدير أكبر فندق ~~ببولاق! # ونظر نحو عاشور متسائلا في مرح: ما رأيك؟ # فقال عاشور بصوت لا حياة فيه: عظيم! ~~- إني أقرأ ما يدور بخاطرك! # فتساءل عاشور: أليس الأمر مثيرا؟ ~~- ولكنه عادي جدا، ومختلف جدا عن مأساة المرحوم. ~~- ذلك ما أتوقعه. ~~- لقد عملت في الفندق خادما، ثم عملت كاتبا لمعرفتي القراءة والكتابة، ~~ثم حصل استلطاف بيني وبين كريمة صاحب الفندق. # سكت مليا ليغرز أقواله إلى عمق معقول، ثم واصل: خفت أن أطلب يدها من ~~أبيها فأخسر كل شيء. ولكن وافاه الأجل، تزوجنا، أصبحت مدير الفندق وصاحبه ~~الفعلي. # وتمتمت الأم: ليكتب الله لك التوفيق. # فرنا إلى عاشور مليا، ثم تساءل: أخالجك شك في أقوالي؟ # فقال عاشور بعجلة: كلا. ~~- إن مأساة فائز لا تريد أن تمحى من ذاكرتك. ~~- لا يمكن أن تمحى أبدا. ~~- لقد سلكت طريقا آخر. ~~- الحمد لله. ~~- تصدقني؟ ~~- نعم. # فقال باعتزاز: لدى إقبال الدنيا سرعان ما تذكرت أمي وأخي. # فقالت حليمة البركة: ليحفظك الله. ~~- ذلك أنني لم أتخل عن حلم قديم. # فتساءل عاشور: حلم قديم؟ ~~- أن نرجع إلى حارتنا، أن نسترد جاهنا، أن نتلقى تحيات من بصقوا في ~~وجوهنا. # فقال عاشور بحزم: تخل عن حلمك يا أخي. ~~- حقا؟ ماذا تخاف؟ إن سحر النقود يصنع المعجزات. ~~- لقد فقدنا الاحترام الحقيقي حتى ونحن أغنياء. # فتساءل باستياء: ما الاحترام الحقيقي؟ # هل يفضي إليه بحلمه أيضا؟ ولكنه لم يجد فيه أي ثقة. # يمكن التفاهم مع الحرافيش، أما هذا الشخص الناجح المتهور فلا تفاهم ~~معه. # أجاب بأسى: هو ما فقدناه من قديم. # رفع ضياء منكبيه استهانة وقال بضيق: على أي حال آن لكما أن تودعا هذه ~~الحياة مع الأموات. # فقال عاشور بحزم: كلا. ~~- كلا! ترفض معونتي؟ ~~- نعم. ~~- إنه الجنون بعينه. ~~- المال مال زوجتك ولا شأن ms255 لنا به. ~~- إنك تجرحني. ~~- معذرة يا ضياء، دعنا فيما نحن فيه. ~~- ما زلت تسيء بي الظن! ~~- كلا، أعتقد أني واضح تماما. # فقال باستياء باد: لن أترك أمي. # فقالت حليمة بعجلة: إنك ابن طيب، ولكنني لن أهجر أخاك. ~~- أنت أيضا تسيئين بي الظن! ~~- معاذ الله، ولكني لن أهجره، دع الأمور للزمن. ~~- حتى متى تقيمين في مدفن بين الأموات؟! ~~- لم نعد كما كنا فقراء دقة، حالنا تتحسن يوما بعد يوم. # فقال بقوة: بوسعي الآن أن أرجعكما مكرمين إلى حارتنا. # فقالت حليمة متوسلة بحرارة: دع الأمور للزمن. # حنى ضياء رأسه متمتما: يا لها من خيبة أمل! # 44 # وعقب انصراف ضياء قالت حليمة: صددناه بعنف يا عاشور. # فقال بإصرار: لم يكن من الأمر بد. ~~- ألم تثق بأقواله؟ ~~- لا. ~~- إني أصدقه. ~~- إني على يقين من انحرافه. ~~- من ذا الذي لا يتعظ بعد مأساة فائز؟ ~~- نحن، ما تاريخ أسرتنا إلا سلسلة من الانحرافات والمآسي والدروس ~~الضائعة. ~~- ولكني أصدقه. ~~- كما تشائين. # وتفكرت قليلا، ثم قالت: حتى أسرارك لم تأتمنه عليها؟ # فقال عاشور بأسف: لا، إنه لا يؤمن بما أومن به. ~~- ألم يكن من المحتمل أن ينضم إليكم؟ # فقال عاشور بهدوء: إنه لا يؤمن بما أومن به. # حقا لقد جاء ضياء في وقت غير مناسب؛ إذ كان عاشور يتوثب - بعد عناء ~~طويل - ‏ للخطوة الحاسمة. # 45 # وذات يوم عجيب، والحارة تعاني حياتها اليومية المألوفة الكئيبة، والشتاء ~~يولي مودعا، انحدر من تحت القبو رجل. عملاق الهيكل، يرفل في جلباب أزرق ~~وطاقية بنية وبيده نبوت. سار بهدوء وثقة كأنه راجع من غيبة ساعة لا بضع سنين. ~~رآه أول من رآه محمد العجل فمد إليه عينيه بذهول وتمتم: من؟ عاشور! # فقال له عاشور بهدوء: سلام الله عليك يا عم محمد. # سرعان ما شخصت إليه الأبصار بدهشة، من الدكاكين والنوافذ وأرجاء الحارة ~~شخصت إليه. لم يلق بالا إلى أحد، وشق طريقه إلى المقهى. # وكان حسونة السبع متربعا فوق أريكته، وفي حاشيته جلس يونس السايس شيخ ~~الحارة والشيخ جليل العالم شيخ الزاوية. دخل عاشور ms256 المقهى فاتجهت نحوه الأعين ~~في ذهول. أما هو فمضى إلى ركن وهو يقول: السلام عليكم. # لم يسمع ردا. وواضح أن الفتوة انتظر منه تحية خاصة مشفوعة باستعطاف، ~~ولكنه مضى إلى مقعد بلا مبالاة وجلس. سرعان ما توقع الناس أحداثا. ولم يطق ~~السبع صبرا فسأله بخشونة: ماذا أرجعك يا ولد؟ # فأجاب بهدوء: لا بد يوما أن يعود الإنسان إلى حارته. # فصاح به: ولكنك طردت منها منبوذا ملعونا. # فقال عاشور بهدوئه المطمئن: كان ظلما ولا بد للظلم من نهاية. # فتدخل الشيخ جليل قائلا: تقدم إلى فتوتنا واسأله العفو. # فقال عاشور ببرود: لم أجئ لطلب العفو. # فهتف يونس السايس: ما عرفناك مغرورا ولا وقحا. # فقال بسخرية: بالصدق نطقت. # عند ذاك نتر حسونة السبع ساقيه المتشابكتين نحو الأرض وسأله منذرا: ~~علام تعتمد في رجوعك إن لم يكن على عفوي؟ # فقال بصوت جهوري: اعتمادي على الله جل شأنه. # فصاح السبع: اذهب على قدميك وإلا ذهبت على نقالة.‏ # فوقف عاشور وشد على نبوته. اندفع صبي القهوة خارجا مناديا رجال ~~العصابة. هرع الآخرون إلى الحارة خوفا. انقض السبع بنبوته، وانقض عاشور ~~بنبوته، فارتطم النبوتان بعنف جدار متهدم. ونشبت معركة غاية في الشدة ~~والقسوة. # وجاء رجال العصابة من شتى الأنحاء فاختفى الناس من الحارة وأغلقت ~~الدكاكين، وامتلأت النوافذ والمشربيات. # وإذا بمفاجأة تدهم الحارة كزلزال. مفاجأة لم يتوقعها أحد. تدفق ~~الحرافيش من الخرابات والأزقة، صائحين، ملوحين بما صادفته أيديهم من طوب ~~وأخشاب ومقاعد وعصي. تدفقوا كسيل فاجتاحوا رجال السبع الذين أخذوا، وبسرعة ~~انقلبوا من الهجوم إلى الدفاع. وأصاب عاشور ساعد السبع فأفلت منه النبوت، عند ~~ذاك هجم عليه وطوقه بذراعين، عصره حتى طقطق عظامه، ثم رفعه إلى ما فوق رأسه ~~ورمى به في الحارة فتهاوى فاقد الوعى والكرامة. # أحاط الحرافيش بالعصابة، انهالوا عليهم ضربا بالعصي والطوب، فكان السعيد ~~من هرب وفيما دون الساعة، لم يبق في الحارة إلا جموع الحرافيش وعاشور. # 46 # كانت معركة لم تسبق بمثيل من حيث عدد من اشترك فيها؛ فالحرافيش أكثرية ~~ساحقة. وفجأة تجمعت الأكثرية ms257 واستولت على النبابيت فاندفعت في البيوت ~~والدور والوكالات رجفة مزلزلة. تمزق الخيط الذي ينتظم الأشياء وأصبح كل شيء ~~ممكنا، غير أن الفتونة رجعت إلى آل الناجي، إلى عملاق خطير، تشكل عصابته ~~لأول مرة أكثرية أهل الحارة. ولم تقع الفوضى المتوقعة، التف الحرافيش حول ~~فتوتهم في تفان وامتثال، وانتصب بينهم مثل البناء الشامخ، توحى نظرة عينيه ~~بالبناء لا بالهدم والتخريب. # 47 # واجتمع بعاشور ليلا يونس السايس وجليل العالم. كانا واضحي القلق، وقال ~~شيخ الحارة: المأمول ألا يقع ما يقتضي تدخل الشرطة. # فقال عاشور في استياء: كم من جرائم ارتكبت تحت بصرك وكانت تقتضي تدخل ~~الشرطة. # فقال الرجل بلهفة: معذرة، إنك أدرى الناس بظروفنا، أود أن أذكرك أنك ~~انتصرت بهم، ولكنك غدا ستقع تحت رحمتهم! # فقال عاشور بثقة: لن يقع أحد تحت رحمة أحد. # فقال الشيخ جليل العالم بإشفاق: لم يكبحهم في الماضي إلا التفرق ~~والضعف! # فقال عاشور بثقة أشد: إني أعرفهم خيرا منك، عاشرتهم في الخلاء طويلا، ~~والعدل خير دواء. # فتردد يونس السايس قليلا، ثم تساءل: والسادة والأعيان ماذا يكون ~~مصيرهم؟ # فقال عاشور بقوة ووضوح: إني أحب العدل أكثر مما أحب الحرافيش وأكثر ~~مما أكره الأعيان. # 48 # ولم يتوان عاشور ربيع الناجي ساعة واحدة عن تحقيق حلمه، ذلك الحلم الذي ~~جذب به الحرافيش إلى ساحته، ولقنهم تأويله في الخلاء، وحولهم به من صعاليك ~~ونشالين ومتسولين إلى أكبر عصابة عرفتها الحارة. # سرعان ما ساوى في المعاملة بين الوجهاء والحرافيش، وفرض على الأعيان ~~إتاوات ثقيلة حتى ضاق كثيرون بحياتهم فهجروا الحارة إلى أحياء بعيدة لا تعرف ~~فتوة ولا فتونة. وحتم عاشور على الحرافيش أمرين؛ أن يدربوا أبناءهم على ~~الفتونة حتى لا تهن قوتهم يوما فيتسلط عليهم وغد أو مغامر، وأن يتعيش ~~كل منهم من حرفة أو عمل يقيمه لهم من الإتاوات . وبدأ بنفسه فعمل في بيع ~~الفاكهة، وأقام في شقة صغيرة مع أمه، وهكذا بعث عهد الفتوة البالغ أقصى درجات ~~القوة وأنقى درجات النقاء. ولم يجد الشيخ جليل العالم بدا من الثناء عليه، ms258 ~~والجهر بالتنويه بعدالته، وكذلك يونس السايس فعل، ولكنه ارتاب في ضميرهما، ولم ~~يشك في أنهما يتحسران على الهبات التي كانت تتسرب إليهما من الأعيان، ~~وعند توزيع الإتاوات بين أفراد العصابة الهاربة. # وما لبث الشيخ جليل العالم أن هجر الحارة فعين مكانه الشيخ أحمد بركات. ~~ولما كان يونس السايس معينا من قبل السلطة فقد تعذر عليه هجرها، وكان ~~يغمغم وهو منفرد بنفسه في دكانه: لم تبق في الحارة إلا الزبالة! # وكان يفضي بذات نفسه إلى زين علباية الخمار، فيتساءل الرجل في قلق: حتى ~~متى تدوم هذه الحال؟ # فيقول يونس السايس: لا أمل مع بقاء الوحش على قيد الحياة. # ثم يتنهد مواصلا: لا شك أن أناسا مثلنا تناجوا بما نتناجى به الآن ~~على عهد جده الأول، فاصبر وما صبرك إلا بالله. # 49 # وجدد عاشور الزاوية والسبيل والحوض والكتاب، وأنشأ كتابا جديدا ~~ليتسع لأبناء الحرافيش، ثم أقدم على ما لم يقدم عليه أحد من قبل، فاتفق مع ~~مقاول على هدم مئذنة جلال. وقد كان يصد السابقين عن ذلك خوفهم من إغضاب ~~العفاريت التي تسكنها، ولكن الفتوة الجديد لم يخف العفاريت، وقام وهو في ~~الحارة عملاقا كالمئذنة، ولكنه في الوقت نفسه مستقر للعدل والنقاء والطمأنينة. ~~ولم يبدأ بتحدي أحد من فتوات الحارات، ولكنه كان يؤدب من يتحداه ويجعل منه ~~عظة للآخرين، فتهيأت له السيادة بلا معارك. # 50 # واعتقدت حليمة البركة أنه آن له أن يفكر في ذاته. وجاءه ضياء أخوه ~~سعيدا، وفي نيته أن يستعيد وكالة الفحم، وأن يصير كبير الأعيان في كنف أخيه ~~الفتوة، ولكنه لم يلق منه تشجيعا، فاضطر إلى الاستقرار في فندقه. # واقترحت حليمة عليه أن يتزوج قائلة: ما زال في حارتنا نفر من الأعيان ~~الطيبين الذين لم يفرطوا فيها. # فتذكر عاشور موقف أسرتي الخشاب والعطار بامتعاض شديد، وقال لأمه: أشعر ~~يا أمي أنك تطمحين إلى حياة أفضل مما نحن فيه. # فقالت المرأة بصدق: ليس العدل أن تظلم نفسك! # فقال بقوة محتجا ورافضا: لا. # قالها بقوة. ليست قوة الرفض الحقيقي، بل ms259 قوة يداري بها ضعفا يحس به ~~أحيانا في أعماق خواطره؛ فكم يحن أحيانا إلى رغد العيش والجمال، كما يحلم ~~بحياة الدور والمرأة الناعمة! لذلك قال لا بعنف وقوة. وقال لها: لن أهدم بيدي ~~أعظم ما شيدت من بناء شامخ! # وأصر أن يجيء الرفض من ذاته لا حذرا من الحرافيش. إنه يريد أن يتفوق ~~على جده نفسه. لقد اعتمد جده على نفسه على حين خلق هو من الحرافيش قوة لا ~~تقهر، ولقد مال مرة جده مع هواه، وسوف يصمد هو مثل السور العتيق. # ومرة أخرى قال بقوة: لا! # 51 # وتم له أعظم نصر، وهو نصره على نفسه. وتزوج من بهية بنت عدلات الماشطة ~~بعد مشاهدة واستقراء من جانبه. وعندما اقتلعت مئذنة جلال من جذورها أحيت ~~الحارة ليلة رقص وطرب. وعقب منتصف الليل ذهب إلى ساحة التكية لينفرد بنفسه في ~~ضوء النجوم ورحاب الأناشيد. تربع فوق الأرض مستنيما إلى الرضا ولطافة الجو. ~~لحظة من لحظات الحياة النادرة التي تسفر فيها عن نور صاف، لا شكوى من عضو أو ~~خاطرة أو زمان أو مكان، كأن الأناشيد الغامضة تفصح عن أسرارها بألف لسان، ~~وكأنما أدرك لم ترنموا طويلا بالأعجمية وأغلقوا الأبواب. ~~••• # وسبح في الظلام صرير فرنا إلى الباب الضخم بذهول. رأى هيكله وهو ينفتح ~~بنعومة وثبات، ومنه قدم شبح درويش كقطعة متجسدة من أنفاس الليل. مال نحوه ~~وهمس: استعدوا بالمزامير والطبول، غدا سيخرج الشيخ من خلوته، ويشق الحارة ~~بنوره، وسيهب كل فتى نبوتا من الخيزران وثمرة من التوت، استعدوا ~~بالمزامير والطبول. ~~••• # عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب ~~الرؤية فغاصت قبضته في أمواج الظلام الجليل. وانتفض ناهضا ثملا بالإلهام ~~والقدرة، فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون ~~الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة. # وهتفت الحناجر شادية : # دوش وقت سحر أز غصه نجاتم دارند # وأندر آن ظلمت شب آب حياتم دارند ms260