######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.HikayaBilaBidaya.Hindawi47518047 #META# Tags: novels #META# ID: 47518047 #META# Title: حكاية بلا بداية ولا نهاية #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حكاية بلا بداية ولا نهاية‏ # حارة العشاق‏ # روبابيكيا‏ # الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين‏ # عنبر لولو‏ # حكاية بلا بداية ولا نهاية‏ # حارة العشاق‏ # روبابيكيا‏ # الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين‏ # عنبر لولو‏ # | حكاية بلا بداية ولا نهاية # | حكاية بلا بداية ولا نهاية # تأليف # نجيب محفوظ # | حكاية بلا بداية ولا نهاية # 1 # هتف المنشد في نغمة بدائية: ~~«يا سيدي الأكرم على بابك.» # فردد المريدون: ~~«الله .. الله .. الله.» # تابعت عيناه المشهد من خصاص نافذة ببهو الاستقبال. تابعتا موكب أهل الطريقة وهم ~~ينشدون ويصفقون على أنغام الناي ودق الدفوف وتحت البيارق ينشدون. تزاحموا حول ~~الضريح وأمام البيت الكبير حتى امتلأت بهم الحارة. تسللت إليه في موقفه وراء ~~النافذة نسائم دافئة من الحديقة مترعة بأخلاط من روائح الفل والياسمين والحناء ~~والقرنفل. لبث بمكانه في بذلته السوداء الأنيقة مغطى الرأس بعمامة مقلوزة، ينظر ~~ويصغي باهتمام. ~~«يا سيدي الأكرم على بابك. # الله .. الله .. الله.» # وارتفع صوت مكتسح النبرة يطالب الجميع بالسكوت، فساد الصمت. راح يخطب قائلا: ~~«هنيئا لأهل مصر. هنيئا لمصر. اختارك الأكرم مأوى ومستقرا لشخصه ولذريته. ~~هنيئا لك يوم قصدك قادما من المشارق. على قدميه جاء. يستأنس وحوش البراري. يخترق ~~الجبال، يسير فوق الماء، يفجر العيون في الصخر. وهل على القاهرة السعيدة كالبدر. ~~وتجول في أطراف متباعدة حتى استقر به المقام في هذه البقعة الطاهرة حيث يقوم ~~مسجده وضريحه. هنيئا يا مصر، وهنيئا يا حارتنا، حارة الأكرم وموطن ذريته ومريديه. ~~منذ قرون خلت انبثق في هذا المكان نور ما زال يجذب إليه فراشات من طالبي الهداية ~~والغفران، وترك لكم المسجد والبيت الكبير. البيت الكبير مركز الروح والنور والهدى، ~~تدور حوله كواكب الأكرمية ما بين سوريا والعراق وتركيا ولبنان وفلسطين والجزيرة والهند ~~وفارس وتونس والجزائر ومراكش وطرابلس. بيت هو القلب الخفاق لعالم روحي شامل. يا ~~سيدي الأكرم تحية وسلاما. يا من جبت الأقطار كلها واخترت لمقامك هذا القطر، هذه ~~العاصمة، هذه الحارة، هذا البيت. يا صانع الكرامات تحية وسلاما. ولآخر خلفائك ~~وذريتك مولانا محمود الأكرم تحية وسلاما.» # تعالت ms01 الهتافات من الأركان، ثم أنشد المنشد وردد المريدون: ~~«يا سيدي الأكرم على بابك. # الله .. الله .. الله.» # تحول عن النافذة. بوجه أسمر مستطيل ولحية سوداء قصيرة مدببة. تطلع إلى شيخ ~~في الستين يقف وسط البهو الكبير تحت نجفة برنزية على هيئة مئذنة. أنعم فيه النظر ~~فتلقى الشيخ نظرته بخشوع وقال: تحية وسلاما يا مولانا محمود الأكرم. # فتمتم الرجل باسما: طاب يومك يا شيخ عمار. # مضى - والآخر يتبعه - إلى كنبة تركية مفروشة بالسجاد الشيرازي على مقربة من باب ~~السلاملك. جلس ودعا الشيخ إلى الجلوس. تتابعت نسائم الصيف العطرة متهادية في تضاعيف ~~أصيل غابت شمسه وراء أشجار التوت المعششة بالعصافير. قال الشيخ محمود: من يرى ~~موكبنا لا يتطرق إليه شك في استقرارنا. # فقال الشيخ عمار بحماس: ما زالت الدنيا بخير. # هز الرجل رأسه في أسى متسائلا: ماذا جرى لحارتنا؟ ~~- لا شيء، سحابة صيف، عبث أطفال. ~~- إنك لا تؤمن بما تقول يا شيخ عمار، هل سبق أن نال لسان من الطريقة؟ ~~- إنه جيل جديد عجيب يمتطي مركبة الشيطان. # قطب محمود الأكرم قائلا: يسخرون من الطريقة، ومن المريدين، ومني شخصيا، ~~ويرسلون النكات في مقاهي الحارة بكل وقاحة. ~~- وباء هذا الزمن، ماذا جرى لهذا الجيل؟ كيف هانت عليه مقدساته، ولكنه عبث أطفال ~~ليس إلا. ~~- ألم يسمعهم المريدون؟ ~~- بلى يا مولاي. ~~- ماذا فعلوا؟ ~~- نصحوهم بالتي هي أحسن، وركبهم الغضب مرات، ولكن أحدا منهم لم ينس أن الحارة ~~أسرة واحدة. # قال محمود الأكرم بحدة: لولا الأكرمية ما كان للحارة شأن! ~~- هو الحق يا مولاي، وقد هيجني الغضب مرة فكدت ... # ولكنه قاطعه قائلا: لا يليق العنف بأهل الطريق! ~~- ولكن للصبر حدود. ~~- أسأل الله ألا تدفعنا الأحداث إلى تجاوز القصد. # رفع بصره إلى الساعة الكبيرة في الجدار الأوسط ثم تساءل: متى يجيئون؟ ~~- لعلهم في الطريق إلينا. ~~- ألا يوجد بينهم زعيم أو محرض، أو ما شاكل ذلك؟ ~~- ليس هناك تنظيم أو زعامة، ولكن ثمة شاب يتسم بوقاحة مركزة يدعى علي ~~عويس. # ضيق الشيخ عينيه متفكرا وقال: علي عويس! .. إني أعرف هذا ms02 الاسم أو على الأقل ~~بعضه. ~~- إنه ابن المرحوم عويس سواق الكارو. # استقام ظهر الرجل بغتة وتساءل: شقيق المدرسة؟! ~~- شقيق زينب عويس المدرسة. # نظر الشيخ محمود إلى حذائه الأسود صامتا، فقال الشيخ عمار: لعله ليس من الحكمة أن ~~نفتح المدارس لكل من هب ودب! # فتمتم الشيخ محمود وكأنما يحدث نفسه: إذن فهو شقيق زينب عويس. ~~- يغادر كل صباح بيتا قديما أعد مدخله قديما موقفا للكارو ليذهب إلى ~~الجامعة! ~~- يقال إن شقيقته شقت طريقها بإرادة من حديد. ~~- إنها عانس، مدرسة أطفال، ذات دخل ضئيل، وفي هذه الجحور يترسب الحقد يا مولاي، ~~ويتستر على نفسه السوداء بالسخرية والنكات الجارحة. ~~- ليتك دعوت شابا آخر. ~~- إنه أسلطهم لسانا! ~~- كان أبوه مريدا لأبي، وكان محمود السيرة رغم ضعته وفقره. ~~- قلت لهم اختاروا من بينكم نخبة لمقابلة مولانا فكان أجرأهم على القبول، رفض ~~البعض، وتردد البعض الآخر، ولكني أعتقد أن سيجيء منهم نفر لعلهم أصلبهم. ~~- طليعة الخاطئين. # تنهد الشيخ عمار قائلا: لم تعرف حارتنا أمثالهم من قبل. ~~- هو زمن الغرور والوقاحة. ~~- يخيل إلي أن جامعاتنا معاقل أجنبية! # حدجه الشيخ محمود بنظرة عابسة فتراجع الرجل في استحياء قائلا: إلا من هداه الله ~~وحفظه. ~~- رحم الله أبي. ~~••• ~~- لقد جئتك بالمعلمين ولكنك ترغب في دخول مدارس ~~الدنيا. ~~- لا بأس من ذلك يا أبي. ~~- كل علم فهو من عند الله. ~~- الحمد لله. ~~- ولكن العبرة بالجهاد وعليه يتوقف الطريق. ~~- سمعا وطاعة يا أبي. ~~- لكي تكون خليفة كما ينبغي لك. ~~- أجل يا أبي. ~~- إن علوم الدنيا لها نهاية أما جهاد الطريق فلا نهاية له. ~~••• # ولما خرج من أعماق صمته قال الشيخ عمار: ليرحم الله أباك. ~~- ليرحمنا الله جميعا. # وطيلة الوقت لم ينقطع إنشاد المنشدين وترديد المريدين، ولكنه انخفض درجات كأنما ~~يجيء من بعيد. تابعه الشيخ محمود بشيء من الحزن، ثم قال: يا للذكريات، عرفنا ذات يوم ~~أسماء جذابة كأرشميدس ونيوتن، وحقائق غريبة كالجزيء والحركة، ولم أتصور وقتذاك ~~أنها ستطاردنا بعنف كالزمن. # دخل خادم يستأذن للقادمين .. أشار الشيخ محمود للشيخ عمار فقام ليغادر المكان ms03 في أثر ~~الخادم ولكنه أضاء النجفة قبل أن يغيبه الباب. دخلت مجموعة من الشبان، عشرة بالتمام، ~~دون العشرين سنا، يرتدون البنطلونات والأقمصة نصف كم، ولا يخفى عن عين قدم ~~ملابسهم. وقف الشيخ لاستقبالهم فتمت المصافحة بطريقة حديثة لم يتوقعها ولم يألفها. ~~مد يده منتظرا تقبيلها ولكن شدت عليها الأيدي باحترام دون تقبيل. بدأ التعارف ~~فقدم كل نفسه. الجميع طلبة بالجامعة، بالآداب خاصة، ما عدا واحدا بالهندسة، وآخر ~~بالعلوم هو علي عويس. تفحصه بنظرة عميقة بقدر ما سمح الموقف الخاطف. لمح قسمات غير ~~غريبة كنغمة قديمة عزفت بعد نسيان، ونظرة حركت باطنه بقوة مذهلة. فسرها ~~بالحنق فاستعاذ بالله من الشيطان في سره ولكنها كانت ألصق بالقلق والحيرة. # قال باسما: حللتم أهلا وسهلا. # فأجاب أكثر من صوت: شكرا يا صاحب الفضيلة. # قلب عينيه في الوجوه الغالب عليها الشحوب وقال: لا تعجبوا لدعوتي إياكم، فهذا ~~البيت مفتوح لجميع أبناء الحارة، وبمعنى آخر، هو بيت الجميع. # فقال أحدهم: فرصة طيبة وهبة سعيدة. # لاحظ أن الآخرين جالوا بأبصارهم في المكان وصاحبهم يتكلم، فشعر بحدة التناقض بين ~~رثاثتهم وفخامة الجدران المحلاة بالأبسطة المزركشة والحصر الملونة وزينة ~~الأرابيسك، والسقف الأبيض العالي تتدلى من وسطه النجفة البرنزية ومن أركانه الفوانيس ~~الأندلسية. بدوا كحشرات حادة تغوص في شباك البساط الكبير الدسم. # قال الشيخ: نحن قوم مهمتنا في الحياة التواضع لله وحب الناس. ~~- ما أجمل أن نسمع ذلك. ~~- وإذا كان الحوار مفيدا بين الناس في كل حين فما أوجبه إذا نشب بينهم ما يدعو إلى ~~سوء التفاهم. # صدقوا على قوله بإحناءات من رءوسهم العارية فقال: وطريقتي أن أدخل الموضوع رأسا، ~~بلا لف ولا دوران، ثم أتركه يتفرع كيف شاء بعد ذلك. # استقرت في أعينهم نظرات استطلاع وتوقع فقال: بلغني يا سادة أنكم تخوضون في ~~كرامتنا وتهزءون بنا؟ # فأجاب أحدهم: لا يخلو الخبر من مغالاة. ~~- أتنكرون ذلك؟ # فأجاب آخر: لعل مزاحنا علا أكثر مما ينبغي. # قال الشيخ محمود ممتعضا: لو جاء ذلك من خارج حارتنا ما اكترثنا له، بل حتى وهو ms04 ~~من صميم حارتنا كان يمكن أن ألقاه بالصبر والحلم لولا أن بعض المريدين هموا مرة ~~بالدفاع عن مقدساتهم فآلمني ذلك جدا، إذ إننا قوم مهمتنا الأولى في الحياة هي ~~حب الناس لا الاعتداء عليهم، وبخاصة إذا كانوا من أبنائنا، لذلك قررت أن أدعوكم ~~لتتضح لأعيننا المواقف والسبل، ولنتعاون على تحكيم الحكمة والرشاد فيما ~~بيننا. # قال صوت: سلوك حميد خليق بفضيلتكم. # قلب عينيه في وجوههم مرة أخرى ثم تساءل: ألا تعرفون ماذا يعني الأكرم وطريقته ~~لحارتنا؟ # ساد الصمت قليلا حتى خرج منه علي عويس قائلا: الحق أن نوايانا حسنة وإن يكن ~~مزاحنا عاليا، ولكي تعرفنا على حقيقتنا فاعلم يا سيدي أننا طلاب علم، نحب ~~الحقيقة أكثر من أي شيء في الوجود، يؤسفنا أننا أزعجناك. # عاوده القلق لدى سماع صوته ولكنه كبح انفعالاته وقال: نحن لا يزعجنا شيء، ~~حتى الموت نفسه لا يزعجنا، ونحن طلاب الحقيقة منذ الأزل وإلى الأبد. # فقال علي عويس: لعله اختلاف في وجهة النظر. ~~- لم يطالبكم أحد بالدخول في طريقتنا. ~~- الآراء المتناقضة يا سيدي لا يمكن أن تعيش جنبا إلى جنب في سلام. # فتساءل الشيخ بحرارة: ألا تعلمون أنه لولا الأكرم، لولا الأكرمية، لما كان لحارتكم ~~ذكر ولا لأهلها شأن أو أمل. # فقال علي عويس بثبات: الدنيا تتغير بلا توقف ولا رحمة يا مولانا. ~~- ولكن الحقائق باقية خالدة. ~~- التغير هو الشيء الوحيد الخالد يا مولانا! ~~- التغير؟! ~~- التغير في كل يوم، في كل ساعة، في كل لحظة. ~~- أراك تتعلق بظاهر كاذب خداع. ~~- معذرة يا سيدي فالظاهر الكاذب هو الجمود. # ابتسم الشيخ مداراة لضيقه وقال: لا وقت الآن لمناقشة الظاهر والباطن وإلا طال ~~النقاش بنا دهرا، بيد أنه واضح أنكم لا تؤمنون بطريقتنا؟ # لم ينبس أحد منهم بكلمة فقال الشيخ: الصمت جواب، فهل تؤمنون بطريقة أخرى؟ # فأجاب أحدهم: لنا في الحياة سبيل آخر غير الطرق! ~~- إجابة مفجعة، ترى ماذا تأخذون على طريقتنا؟ # فسأله علي عويس: هل يتسع يا سيدي صدرك لصراحتنا؟ ~~- إنه أوسع مما تتصور. # فقال أحدهم: الحياة في حارتنا ms05 معاناة أليمة. # وقال آخر: إنها صحراء مخيفة مليئة بالأكاذيب. # وقال علي عويس: صغار المريدين، وهم الكثرة الغالبة، حفاة خانعون. # فقال الشيخ بعجلة: إنهم راضون، والرضا مطلب روحي مضنون به على غير أهله. ~~- لا يملكون حيال قوتكم إلا الرضا وإلا ماتوا جوعا، ولكن لا شك أنهم يمرون ~~حيارى بهذا البيت الكبير الغارق في الرفاهية. # قال الشيخ بحدة لأول مرة: بيت آبائي وأجدادي مذ أقامه القطب الأول. # فقال الشاب بجرأة جنونية: أقيم بأموال المريدين كسائر العمارات الشاهقة في وسط ~~المدينة. # قام الشيخ محافظا على هدوئه ما أمكن. تقدم خطوات مستقبلا باب البهو المفضي ~~إلى الحديقة كأنما ليرطب انفعالاته. تمتم دون أن يلتفت إليهم: قاتل الله الحقد ~~والحسد. # فقال الشاب ثملا باستهتاره: إنهما وقود الحق إذا اختل الميزان. # فقال الشيخ بازدراء: وقودنا الحب وحده. ~~- ذلك يا سيدي أنك لم تذق عض الجوع ولا ضراوة الكدح ولا رهبة القوة ~~الغشوم. # وتحول الشيخ إليهم بنظرة نافذة وهو يقول: إذن فهذه هي المسألة! ~~- المسألة؟! ~~- إنكم تريدون نقودا؟! ~~- بمعنى ما، ولكننا لا نريد رشوة. ~~- ماذا تريدون؟ .. صارحوني كما وعدتم. # أجاب أحدهم: ليس في عقولنا مطالب أوضح مما نطقت به شكاوانا. # وقال آخر: يريحنا أحيانا أن نطالب بنقيض ما هو قائم! # فعبس الشيخ قائلا: لا يخلو كلامكم من خدر هو التمويه نفسه، حسن، إني أشم رائحة ~~فوضوية! # فقال علي عويس: لا تهمنا الأسماء، وفي الوقت نفسه فهي لن تخيفنا. ~~- لعلكم تحلمون بالقتل؟ ~~- القتل؟! ~~- بدأتم بالسخرية وستنتهون بالدم. ~~- أحلامنا تحوم حول هدف واحد هو التقدم. ~~- يا فتى، إني جامعي مثلكم! ~~- نعرف ذلك يا سيدي. # فعاد إلى مجلسه وهو يقول: فلنتحدث كزملاء. ~~- هذا شرف كبير لنا يا سيدي. # فابتسم مستردا بذلك هدوءه وقال: إنكم شباب في مقتبل العمر، أمامكم فرص لا تحصى ~~للتعلم من الكتب والحياة والزمن، فأي خطأ تعثرون به قابل للإصلاح، لذلك لا يزعجني ~~كثيرا أنكم لا تؤمنون بشيء. ~~- لا نؤمن بشيء؟! ~~- أتؤمنون بشيء؟ ~~- إن من يعمل فلا بد أن يؤمن. ~~- كثيرون يعملون كالآلات. ~~- ولكننا نعمل بحماس صادق. ms06 ~~- فلعله الطموح؟ # هز علي عويس رأسه هزة غير القانع ثم تساءل: ألا يستحق العلم أن نؤمن به يا مولاي؟ ~~- إنه معرفة باهرة، وهو من أحب القراءات إلى نفسي. ~~- وما رأيك فيه؟ ~~- إنه باب من أبواب العبادة. ~~- وقدرته على السيطرة والتغيير؟ ~~- خير كثير وشر كثير. ~~- هو خير خالص أما الشر فيجيء من أوضاع إنسانية معوجة. ~~- فما الذي يوجه الإنسان نحو الخير؟ ~~- وعي حكيم في مجتمع سليم. # قال الشيخ بنبرة راسخة قوية: لا إيمان حقيقي إلا بالله ولا خير حقيقي إلا بالله وفي ~~سبيل الله. # وساد صمت فترامى من الحديقة نقيق، وخشخشة أوراق، على حين ارتفعت من الحارة ضجة ~~عابثة ضاحكة. جعل الشيخ ينقل عينيه بينهم. لم يستطع تجنب النظر إلى عويس. وقال: ~~لعلكم تؤمنون بالإنسان، هكذا يقال كثيرا في هذه الأيام، ولكن ما قيمة الإيمان ~~بالإنسان بغير الإيمان بالبطولة؟ # أجاب أحدهم: لا قيمة لشيء بغير البطولة. ~~- أي ضمان للبطولة - وهي تضحية بالنفس والمال - بغير إيمان كامل بالله؟! ~~- من المؤمنين من لا بطولة لهم والعكس صحيح! ~~- على أي أساس تقوم بطولاتهم؟ ~~- إيمانهم بأنفسهم وبعالمهم! ~~- غير كاف وحده. ~~- التربية الرشيدة. ~~- ولا هذه. # فقال آخر: قد نستعين في ذلك بالعقاقير كما نستعين بها على مقاومة الأمراض! # ابتسم الشيخ على رغمه ولكنه قال بامتعاض: حبوب للتضحية .. حبوب للشجاعة .. حبوب ~~للأمانة .. ما شاء الله! # فقال علي عويس منفعلا: لا تسخر منا يا سيدي، إن جميع ما حولنا يثير الحزن ~~الشديد، لقد ضقنا بكل شيء ونريد لكل شيء أن يتغير، وقد ورثنا هذا العالم عن ~~آباء وأجداد ظنت بهم الحكمة يوما ما، فحق لنا أن نتنكر لهم ~~ولتراثهم. # فتمتم الشيخ ممتعضا: أسفي على الآباء والأجداد. ~~- نحن أجدر بالرثاء منهم. # تفكر الرجل قليلا ثم قال: الآن عرفت لم تسخرون من الطريقة وأهلها! # فقال أحدهم: إنك يا مولانا رجل مثقف، وليس جمعك بين البدلة والعمامة عبثا، وإن ~~خيرا كثيرا يرجى منك لحارتنا. ~~- ترى ماذا يرجى مني؟ ~~- لا شيء يخفى على فطنتك. ~~- أعطني مثالا يا بني. # فقال علي عويس: أن ms07 تمزق ستار الأكاذيب الذي يغشى حارتنا. ~~- الأكاذيب؟! ~~- كالتناقض بين شعار الزهد والممارسة الفعلية للتسلط واقتناء العمارات ~~الشاهقة! # وقال آخر: والكف عن التغني بالخرافات. ~~- الخرافات؟! # فقال علي عويس: معذرة عن صراحتنا ولكننا بتنا نكره الكذب حتى الموت. ~~- زيدوني صراحة! ~~- نحن مقتنعون بأن شيئا لا يخفى عن فطنتكم. # أعقب ذلك صمت ثقيل .. طال الصمت فلم يجرؤ أحدهم على خرقه. وبذل الشيخ جهدا ~~جبارا ليخفي انفعالاته. ونهض باسما. قال: ها قد تم التعارف بيننا، وذاك من فضل ~~الحوار كما قلت في بدء الاجتماع. # فقال أحدهم: نرجو أن تغفر لنا صراحتنا. # فقال الرجل بهدوء: ليغفر لنا الله جميعا. # صافحهم واحدا واحدا. غادروا البهو. ولما خلا المكان اكفهر وجهه. وروح عن ~~انفعاله بالحركة ذهابا وجيئة. لم ينتبه إلى عودة الشيخ عمار حتى مثل الرجل بين ~~يديه. وضع يده على كتفه وهو يقول: كما أخبرتني وأكثر. # تمتم الرجل: أبالسة يا مولاي. ~~- يريدون سلب أموالنا والقضاء على نفوذنا وإهدار قيمنا. ~~- وهم يتكاثرون وتتسلل زندقتهم إلى النفوس الضعيفة. ~~- وابن سواق الكارو صاروخ مدمر. ~~- قلت إنه أسلطهم لسانا. ~~- بل هو شر من ذلك. ~~- والعمل يا مولاي؟ # ابتسم الشيخ محمود قائلا: نحن قوم الحب غايتهم الأولى والأخيرة. # فابتسم الشيخ عمار بدوره قائلا: الآن عرفت سبيلي يا مولاي. ~~- ليكن الله في عونك. ~~- سأفعل ما يمليه الحب علي، حبنا لمقدساتنا، وحبنا للمريدين الأبرياء! # وتبادلا نظرة طويلة. # 2 # جلس على الديوان تحت النجفة يرنو إلى الحديقة بعينين نصف مغمضتين. إلى جانبه ~~استكنت العمامة فبدا شعره الأسود غزيرا مفروقا بعناية لم يتطرق إليه أثر ~~لشيب. ومن الحارة ترامت نداءات باعة الصباح مترنمة. وفي الحديقة تألقت أوراق ~~التوت والحناء والأعناب تحت دفقات حارة من أشعة الشمس. استغرق في تأملات حتى ~~انتبه على حفيف ثوب. نظر نحو جارية سوداء طاعنة في السن جدت في البحث عنه بعينين ~~عمشاوين .. ناداها برقة: أم هاني. # اتجه وجهها النحيل الضامر نحو الصوت ثم همست: امرأة تريد مقابلتك. # جاءت امرأة في أواسط العمر، صافية السمرة، تعكس عيناها السوداوان نظرة جادة ~~متجهمة ms08 تستقر في أعماقها كآبة ثابتة. لبس العمامة ووقف في دهشة أوشكت أن تكون ~~انزعاجا لولا نجاحه في ضبط مشاعره. قال: زينب .. أهلا .. تفضلي. # مد لها يده فصافحته بعد تردد ودون أن يند عن وجهها أي تعبير ~~إنساني. ~~- كيف حالك، أهلا أهلا، تفضلي بالجلوس. # جلست على مقعد قريب من الديوان. ظل واقفا وهو ينعم فيها النظر ثم قال: لم أرك ~~منذ عمر طويل، عمر طويل حقا، ولكني تابعت نجاحك بإعجاب. # قالت بلهجة قاطعة في التركيز على الهدف الذي جاءت من أجله: أرجع إلي ~~أخي! # حدق فيها متسائلا وقال: ماذا عن أخيك؟ لقد اجتمعت به مع بعض زملائه في هذا المكان ~~منذ أيام قلائل. # لازمت الصمت كأنها لم تسمع شيئا فواصل حديثه: دعوتهم بعد أن بلغني عنهم ما ~~بلغني، لا شك أنك سمعت بما يقال، وتناقشنا طويلا، والتزمت في حديثي معهم بالرفق ~~والسماحة وسعة الصدر، ولم أضن عليهم بالنصح الرشيد. # فقالت دون أدنى تأثر بكلامه: أرجعه إلي من فضلك! ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت تعرف ما أعنيه تماما. ~~- صدقيني ... # فقاطعته بهدوئها الميت: لقد ألقي القبض على الجميع فجر اليوم. ~~- علمت بذلك الساعة فقط ولكني لم أفهم معنى لقولك بعد. # فقالت دون مبالاة بأقواله: لذلك أكرهت نفسي على هذه الزيارة. ~~- الحق أنني نسيت لدى رؤيتك كل شيء. ~~- إن الأخطاء ينسي بعضها بعضا. # فقال محتجا: يا للعجب، إنك تسيئين بي الظن! ~~- نعم. ~~- مغالاة جاوزت كل حد. ~~- أرجع إلي أخي. ~~- أي تهمة وجهت إليهم؟ ~~- يقيني أنهم أبرياء. ~~- إذا كان بريئا فسوف يرجع إليك دون شفاعة. ~~- لست أطلب شفاعتك، ولكني أطالبك بإصلاح خطئك. # قطب قائلا: اقتلعي هذا الوهم من رأسك. ~~- ليس وهما ما أعتقد، إنك أكبر من أي وهم! ~~- سامحك الله. ~~- إنه يسامح الولايا والضعفاء والمخدوعين والمغلوبين على أمرهم، ولكنه لا يسامح ~~الأشرار والمنافقين. ~~- صدقيني ... # فقاطعته: لا أستطيع أن أصدقك. ~~- لا دخل لي فيما حصل لأخيك. ~~- أنت أبلغت عنه أو أحد رجالك بإيعاز منك. # هز رأسه هزة المتسامح وقال: لم يكن بحاجة إلى من يشي به، ارتفعت أصواتهم ms09 في ~~كل مكان، ودوت ضحكاتهم بالآراء الهدامة. ~~- ليس فيما قالوا جريمة ولكن انقلب الحال بعد مجيئهم لمقابلتك. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أحلام شباب لا تؤذي أحدا من الأبرياء، ولكن مادت الأرض عندما تطرق الحديث إلى ~~شخصك. ~~- كلا، ولكنهم لا يؤمنون بالله، لا يؤمنون بشيء. ~~- أتؤمن بالله أنت؟ ~~- أيتها الجارة .. اتقي الله. ~~- ماذا لديك من درجات الإيمان التي تحفظها عن ظهر قلب؟! ~~- لا تحكمي على رجل لم تريه منذ عمر طويل. ~~- كثيرون - حتى من مريديك - يعرفونك على حقيقتك. ~~- لا تعرضي بقوم يدينون لي بالولاية. ~~- إنهم يطيعون نداء المصالح. ~~- ليسعك حلمي إلى ما لا نهاية. ~~- لم يغضبك كفره المزعوم ولكن أغضبك رأيه في عماراتك الشاهقة في وسط ~~المدينة. ~~- ليغفر الله لك سوء ظنك! # فعادت تقول بهدوئها الميت: أرجع إلي أخي. ~~- يتعذر علي التدخل في مثل تلك الأحوال. ~~- ما دام في قدرتك أن ترسله إلى السجن فلن يتعذر عليك إخراجه. # جلس الشيخ على الديوان. ابتسم ابتسامة من يأسى على نفسه. قال معاتبا: ليغفر الله ~~لك! # ثم واصل حديثه: أعتقد أن الإجراءات التي اتخذت معهم لا تعدو أن تكون نوعا من ~~الزجر ليس إلا، ومن أجل خاطرك سأبذل سعيا حميدا ولكني لست واثقا من النتيجة، أرجو ~~أن تعدلي عن سوء ظنك بي، إن اتهامك فوق احتمالي، ولا يليق بمركزي سواء في الطريقة أو ~~في الحارة، ولقد حرمت على أتباعي حق الدفاع عن مقدساتهم إيثارا للحب ~~والسلام. ~~- إني عاجزة عن تصديقك؛ لدي من الأسباب ما يحملني على إساءة الظن بك دائما وإلى ~~الأبد، ولكني ما كنت أتصور أنك ستلاحقني بالأذى جيلا بعد جيل! ~~- إني بريء مما ترمينني به. ~~- إني أصدق قلبي وهو خير دليل. ~~- صدقيني. ~~- كلا، ولكن أرجع إلي أخي. ~~- وعدت بالسعي. ~~- سيعرف أهل المقبوض عليهم الرجل المسئول عن ذلك آجلا أو عاجلا. # فقال بحدة: جيل شرير من الأبالسة، أوغروا الصدور بضلالهم، ولا أحد من العقلاء ~~يضمر لهم أي عطف. ~~- إنهم أفضل مما تظن. ~~- أهذا رأيك؟ ~~- يودون الخير من أعماق قلوبهم. ~~- هل حدثك أخوك عن آرائهم؟ ~~- أعرف ms10 أحلامهم. ~~- يا لخيبة الأمل، كدت أطالبك بالمعاونة على تهذيبه. ~~- لقد أحسنت تربيته. ~~- إذن كيف نشأ على الحقد والحسد والتعلق بأتفه ما في الحياة؟! ~~- أتفه ما في الحياة؟! ~~- زينة المال الكاذبة وما يتبعها من شهوات. # تنهدت زينب وقالت: يا لك من رجل تفوق جرأته الخيال! # فرق بينهما صمت. أراح رأسه بالنظر إلى الحديقة. تلقى دفقة من انفعالات طارئة. ~~قال وكأنما يخاطب نفسه: يا للذكرى، ها هي نفحة من الماضي تهب كأنما تهب من بستان، ~~حاملة عرف عرق خاص، لعله عرق الإبطين، ناشرة صورا مطوية في قلب الزمن، تثير ~~الحنين بقدر ما تثير الشجن. ~~- ماذا تعني؟ # عاد يحدق فيها ثم قال: ما زلت جميلة كما كنت. # فهتفت بحدة: يا لك من رجل مريض! ~~- ليكن لسانك نفخة من ذكريات لا نصلا للطعن والقتل. ~~- كأنك إبليس بلحمه ودمه. # فقال باسما في غموض: هيهات أن تعرفي عذابات رجال الطريق. ~~- ولكني أعرف المنافقين. # فقال متوغلا في الانفعالات الطارئة: القلب نبع يفيض بمنصهر المعادن النفيسة ~~والخبيثة، والسرور توءم الحزن. ~~- إنك تهذي. # ولكنه باخ. أفاق تماما. تراخت شفتاه امتعاضا. قال بفتور: أرجو ألا يخيب مسعاي في ~~إرجاع الجميع إلى بيوتهم. ~~- وأرجو ألا أضطر إلى المجيء مرة أخرى. ~~- بوسعك أن تفعلي شيئا لتجنيب حارتنا ويلات نزاع يوشك أن ينقلب داميا. ~~- بوسعك أنت أن تفعل هذا خيرا مني. # تساءل عابسا: أتجرين مجراهم؟! أتطمعين أنت أيضا في مالي الحلال وولايتي ~~المستمدة من كرامات جدي الأكرم؟! ~~- إني أصغر شأنا من أن أنبهك إلى ما ينبغي لك. ~~- بفضل طريقتنا يؤمن أحقر رجل في حارتنا بأنه أصل الوجود وغايته! # فقامت وهي تقول: هل أغنانا ذلك عن تعاستنا شيئا؟! # فقام أيضا وهو يقول محتدا: إنك على وشك الزيغ يا زينب. ~~- إني منتظرة وعدك. ~~- كان أبوك مريدا صادقا. ~~- رحمه الله. ~~- مات سعيدا كما يجدر بمؤمن. ~~- ولكنه عاش عيشة مريرة! ~~- أهم ما في الحياة هو الموت! # مضت نحو الباب وهي تقول: إني منتظرة وعدك. ~~••• ~~- في هذا البيت المقدس! وفي هذه الحجرة المباركة، عليك ~~لعنة الله. ~~••• # هم بقول ms11 شيء قبل أن تختفي ولكنه أطبق فاه، ثم ذهب إلى النافذة فأزاح الستارة وألقى ~~نظرة يتابع مسيرها. # 3 # دخل بهو الاستقبال فرأى الشيخ عمار في انتظاره. صافحه دون أن يخفي دهشته وهو ~~يتساءل: خير. ما جاء بك في هذه الساعة وقد أوشك الليل أن ينتصف؟ # أجابه الرجل وهو يغض البصر: لا غرابة أن نوجد في هذا البيت في أي ساعة من نهار ~~أو ليل. ~~- جواب حسن. # جلسا والشيخ يمسح وجهه بمنديله ويقول: في الخارج عاصفة ترابية أخشى أن تدفن الحارة ~~دفنا، في هذا الجو يضيق الإنسان بالحياة وتضيق الحياة بالإنسان، وعجيب أن نكون من ~~تراب ونجزع هذا الجزع للفحة منه، وفي كل خطوة يصادفك شاب من أولئك الشبان، لقد ~~بذلنا لهم مسعى طيبا ولكنهم لا يبدون شاكرين، كلا، إنهم أبعد ما يكون عن الشكر، ~~وما أجدر اللئام بأن يظنوا الاستجابة الطيبة ضعفا، وذاك الشاب المتهور حدجني ~~اليوم بنظرة متحدية، وقديما قيل: اتق شر من أحسنت إليه، اللعنة، لم تعد ~~الحارة بالحارة التي أولتنا الإمامة ولا الزمان بالزمان الذي طاب لنا، أكنت تنتظرني ~~يا شيخ عمار؟ # غمغم الرجل: نعم يا مولاي. ~~- ماذا أرى؟! .. إن وراء نظرة عينيك أنباء لا تعد بخير! ~~- حفظك الله من كل سوء يا مولاي. ~~- ماذا حدث؟ هل وقع انقلاب خطير في نظام الكواكب؟! ~~- الدنيا بخير، ولن ينال من كمالها عبث الأبالسة. # تساءل الشيخ بضيق: ماذا وراءك يا رجل؟ ~~- نحن قوم خلقنا الله لنواجه الشدائد بقلوب أشد منها. # فقال بجزع: هات ما عندك، كلما استفحلت المصيبة كان الإيجاز أليق بها! # فقال الشيخ عمار بعناد: ليس من الوفاء أن نخفي عنك أمرا باتت تلوكه ألسنة ~~الكثيرين. # قال بنبرة غاضبة: تكلم. ~~- ثمة نشرة مطبوعة كتبت بمداد حقد أسود. ~~- نشرة مطبوعة؟ ~~- نعم. ~~- للتشهير بنا؟ ~~- ما يشهرون إلا بأنفسهم. # وأخرج من جيب جلبابه نشرة على هيئة كتاب بغير غلاف مطبوعة بالرنيو، وسلمها إليه ~~مطرقا. تلقاها الشيخ متجهما، تفحص صفحتها الأولى، فرها بسرعة، ثم عاد إلى ~~صفحتها الأولى. ~~- يا له من عنوان غريب، ms12 «ماذا تعرف عن الأكرمية؟» ولكن من ذا الذي لا يعرف كل ~~شيء عن الأكرمية؟! # نظر في عيني الرجل متظاهرا بالاستهانة ثم سأله: أقرأتها؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- مهاترات؟! ~~- نفثات شيطان رجيم. ~~- هل وزعت على نطاق واسع؟ ~~- على جميع من يعرفون القراءة في حارتنا. ~~- متى حدث لك؟ ~~- لم أدر بها إلا اليوم. ~~- لقد تم الإفراج عن الأبالسة منذ عشرة أيام! # أطرق الشيخ عمار صامتا فتساءل الشيخ محمود ساخرا: هل يحرمنا ما جاء بها من ~~الحياة أو يصد الحياة عنا؟ ~~- معاذ الله يا مولاي! ~~- نحن نعرف أعداءنا كما نعرف أصدقاءنا. # ومضى يقرأ بسرعة وهو صامت وتند عنه كلمات من آن لآن. ~~- توجد مقدمة، ما شاء الله، كما يليق بالكتب العلمية، ماذا تقول المقدمة؟ .. ~~«الحقيقة هي الحقيقة، لا تحتاج إلى أسباب تبرر نشرها على الناس، علينا أن نتقبلها ~~دون تحريف وبشجاعة تليق بالبشر وإن تغير أسلوب حياتنا ليتوافق معها، فنحن لا ننشرها ~~بقصد الإساءة إلى أحد ولكن إيثارا للحق ونشدانا للخير.» ما شاء الله، أي حقيقة يا ~~أوغاد؟ أبواب ثلاثة؟ أي أبواب أيها اللئام؟ الباب الأول عن «البيت الكبير»، والثاني عن ~~«الأكرم صاحب الطريقة الأول»، والثالث عن «السلوك في الأسرة الأكرمية»، ما شاء الله .. ~~ما شاء الله. # وراح يقرأ مستغرقا صامتا والرجل يراقبه بإشفاق. وعلى حين بغتة هتف: اللعنة .. ~~الجحيم. # ورجع إلى الأسطر وقتا آخر ثم صاح بحنق: الحمقى يتناسون أن الآلات الحادة قادرة على ~~تحطيم الجماجم الخاوية إلا من ظلمات الكفر. # وواصل القراءة بوجه مكفهر وشفتين قلقتين حتى هتف: أشهد الله أني قوة إذا ~~شاءت اقتلعت أعداءها الجبناء من جذورهم المغروسة في الطين. # وانكب على النشرة بنظرات مفترسة وأسارير تنضح بالعنف حتى قال بصوت متحشرج: إذن ~~فلتتوقف الأرض عن الدوران أو فلتدر في عكس اتجاهها. # رمى بالنشرة أرضا. انتتر واقفا. ورغم غضبه الأحمر بدا منهار القوى مهدم ~~البنيان. هرول إلى مدخل الحديقة. ضرب الأرض بقدمه. ثم رجع إلى موقفه مسددا بصره ~~إلى الشيخ عمار الذي وقف بدوره تأدبا، وقال: أي وقاحة، أي جنون، ms13 أي تجديف، أي ~~دعارة! # وكور قبضته ثم استرسل: الهذيان لغة دارجة، درجة الحرارة الطبيعية هي درجة الموت، ~~التاريخ قتل غيلة، المسك سم زعاف، الأضرحة الطاهرة متاحف حشرات منحطة، لا ~~أنت أنت ولا أنا أنا، ولا تعجب للدواب إذا زحفت علينا لتعلمنا كيف يكون السلوك في ~~هذه الحياة اللعينة! # قال الشيخ عمار بإشفاق: نحن في موقف يقتضينا أقصى ما نملك من حكمة. ~~- والجنون لماذا خلق إذن؟ ~~- مولاي، علينا بالحكمة التي نبشر بها وإلا أفلت منا الزمام. ~~- أيها العجوز، لقد كنت الذي يحرضني وكنت الذي يحذرك. ~~- هذا موقف جديد لم يسبق لنا مواجهته من قبل. # فلوح بيده وهو يصيح: الويل له .. الويل لهم. ~~- نحن لا نعرف المجرم إلا ... ~~- إلا؟ ~~- إلا الظن. ~~- لا تغالط ضميرك. ~~- عيون رجالنا في كل مكان فلننتظر. ~~- سواد الكتاب برهان قاطع على مداد الحقد الذي استمد منه! ~~- الحكمة .. الحكمة. ~~- وندعه يقوم بيننا ساخرا مجدفا؟! ~~- لنتلق الضربة بعقل ولندبر بعقل آخر. ~~- لو تفشت هذه الأكاذيب لقضت علينا. ~~- الأكاذيب لا تقضي على إنسان ولكن قد يقضي الإنسان على نفسه. # صاح بغضب: أكافح أنا أمواج الغرق العاتية على حين تجلس أنت على بر السلامة تتغنى ~~بالأقوال الحكيمة! ~~- أضرع إليك باسم صاحب الضريح ألا تقدم على خطوة إلا بعد امتحان وتدبر ~~وتفكر. ~~- لقد أذهلتك الضربة. # فقال عمار بهدوء: سنضرب ضربتنا ولكن علينا أولا أن ندرأ عنا الشبهات. ~~- وكيف يتأتى لي أن أمشي في الحارة مرفوع الرأس بعد اليوم؟ ~~- المؤمنون بنا أضعاف الكافرين. ~~- ولكن الكافرين أقوى على الشر. ~~- لم يئن أوان المعركة بعد، علينا ألا ننفرد برأي، وعلينا أن نرد على النشرة ~~بالعلم واليقين فلن يبدد العراك ظلماتها. # فقال الشيخ متأوها: إجراءات من طبيعتها أن تطول أكثر من ليلتي الحالكة! # فقال الرجل بدهاء: المعركة قبل جلاء الحق اعتداء، ومن شأن الاعتداء الغاشم أن يكسبهم ~~عطفا لا يستحقونه، وسوف يشجعهم ذلك على مقابلة الاعتداء بمثله وهم عدد لا ~~يستهان به، ورجالنا ورجالهم في النهاية ينتمون إلى هذه الحارة التي كتب عليها ~~العناء. # فتساءل في جزع: ms14 متى وكيف نبدأ ؟ # فأجاب الرجل بعد تردد: هنالك رجل لا غنى عنه في هذا المأزق. # قطب الشيخ متمتما: الشيخ تغلب الصناديقي؟ ~~- نعم. # قال ممتعضا: لقد هجرنا منذ عهد بعيد، ورأيه فينا غير خاف على أحد! ~~- أعلم ذلك يا مولاي ولكنه ما زال إماما من أئمة الطريقة، ولن يتردد في الدفاع ~~عنها بعلمه الغزير. # تنهد ثم قال: عليك بإقناعه بالمجيء إلي. ~~- سأذهب إليه مع الصباح الباكر. ~~- اذهب إليه في الحال. ~~- مولاي .. لقد انتصف الليل. ~~- اذهب إليه في الحال، وإن بدا منه اعتراض فذكره بأبي إمامه وصديقه. # أحنى الرجل رأسه ومضى والآخر يقول: قل له: إن رياحا مليئة بالأوبئة انقضت على ~~الطريقة تروم اقتلاعها من جذورها المقدسة. # 4 # لاح في مدخل البهو. تقدم متوكئا على عصاه بعد أن أوصله الشيخ عمار ثم ذهب، في ~~جلباب أبيض بسيط ناصع البياض تطوق وجهه الضامر الوضيء لحية بيضاء مسترسلة حتى ~~منتصف الصدر. ورغم طعونه في العمر تألقت عيناه بحيوية جذابة ونشاط روحي أضفى على ~~أساريره جمالا يجمع بين النضارة والعتاقة اختصت به الشيخوخة المستكنة في أحضان ~~البراءة والتقوى. هرع الشيخ محمود إليه فصافحه بحرارة وهو يداري حرجه بابتسامة، ثم ~~مضى به إلى الديوان فأجلسه وجلس إلى جانبه. أرتج عليه القول لحظات ثم قال: حللت أهلا ~~وسهلا في بيتك بعد غيبة طويلة! # فقال الشيخ تغلب ببساطة: كتبت علينا التلبية عند النداء. # لم يرتح الشيخ محمود للإجابة تماما ولكنه قال: أعترف بأن غيبتك إنما ترجع إلى ~~تقصيرنا. # فقال الرجل بصراحة: هذا حق! # ابتسم الشيخ رغم غمه وكمده وقال: كأنك أصغر مني سنا، إنك رجل سعيد، إني ~~أغبطك! ~~- خفف الله عنك. ~~- دعني أشكر لك تفضلك بالمجيء في هذه الساعة من الليل. # فقال الشيخ تغلب بنفس البساطة والصراحة: كنت من دعوتك لي على انتظار! # صدمه قوله. آذى مشاعره. ولكنه تساءل: حقا؟ ~~- نعم. ~~- لعل النشرة بلغتك؟ ~~- نعم. # فقال بكآبة جديدة: لا أجد لها أثرا في وجهك الكريم! ~~- أي أثر توقعت؟ ~~- الأثر المنشود لدى إمام من أهل الطريقة. # فارتفع صوت تغلب ms15 الصناديقي وهو يقول: لم يعد للطريقة أهل! # فانقبض قلب الشيخ محمود وقال: الوقت غير مناسب لإثارة الخلافات القديمة. # فقال العجوز بحدة: لم يبق من الطريقة إلا الأغاني والأذكار والنذور ~~والعمارات! ~~- بقي الإيمان وهو كفيل بتجديد الحياة في أي لحظة. ~~- ليست الولاية أن ترث العرش ولا أن تقرأ كتب الأقدمين والمحدثين، ولكنها طريق ~~طويل شاق لا يقدر عليه إلا أهل الإيمان الحق. ~~••• ~~- تزوج، وابدأ الطريق، وإلا فاتك قطار الرحمة إلى ~~الأبد. ~~••• ~~- لم نتخل عن الإيمان ساعة، وهو يتبعنا كظل من ~~العذاب، ولكننا وقعنا في أحابيل زمان عجيب. ~~- أي زمان يمنع الرجل الصالح من التطلع إلى الأفق الأبدي؟! # تنهد الشيخ محمود قائلا: ليتنا ننسى خلافاتنا في هذه الليلة المكشرة عن أنياب ~~الشر. ~~- أنسيت أنني لم أرك منذ كنت شابا وها أنت تناهز الأربعين؟ ~~- قاطعتنا ونبذت عشرتنا يا شيخ تغلب. ~~- ذلك أني أضن بوقتي على غير الاجتهاد. ~~- لا يجوز أن تنقطع الأسباب بيننا. ~~- رحم الله أباك، أما أنت فلم تذكرني إلا حين هبت الأعاصير على مجدك! # فامتعض الشيخ محمود وقال مصححا: بل على الطريقة يا شيخ تغلب. ~~- الطريقة؟! .. لقد تقوضت على يديك. ~~- لن أناقشك ولكني أطالبك بواجب الدفاع عنها. # ثم بتوكيد: إنك رجل القلم، مؤلف أشعار الأكرمية وفلسفتها والعالم بأسرارها وأول ~~من يحق له الدفاع عنها. ~~- أقرأت النشرة؟ ~~- قرأت نفثات الأبالسة المدسوسة فيها. # هز العجوز رأسه وقال: تريد أن أرد عليها؟ ~~- هذا ما أطالبك به. ~~- لا رد عندي عليها! ~~- ماذا؟ # ندت عن الشيخ محمود صيحة توجع وقطب غاضبا، ولكن الآخر قال بهدوء: ليس عندي ما ~~أرد به عليها. ~~- ماذا تعني يا شيخ تغلب؟ ~~- أعني ما قلت حرفيا. ~~- أتعني أن ما جاء بها حق؟! ~~- أجل يا مولاي. # ضحك ضحكة جافة باردة وحملق في وجه العجوز بذهول. ~~- إنك لا تعني ما تقول. ~~- قلت: إنني أعنيه حرفيا. # ضرب يدا بيد وصاح: إلي بعقل جديد لأقترب من هذه الأحاجي! ~~- يلزمك عقل جديد حقا. ~~- عما قليل سيعتلي الجنون عرش الطبيعة! ~~- لم يجد جديد يدعو إلى ذلك. ~~- لقد اختلقوا ms16 الأكاذيب بغية القضاء علينا . ~~- لم يختلقوا أكاذيب ولكنهم عرفوا السبيل إلى مخطوطات قديمة بدار الكتب. ~~- زيفها ولا شك أعداء الأكرمية؟ ~~- بل وضعها مريدون من أصدق المريدين القدامى. ~~- مريدون صادقون؟ .. أنت تقول ذلك؟ ~~- نعم. ~~- أكنت على علم بها من قبل؟ ~~- نعم ولكني تكتمتها لاعتقادي بأنه قد يساء فهمها. ~~- لا أصدق أنهم كانوا مريدين صادقين. # فقال الرجل بنبرة تنم على الاحترام: كانوا ثلاثة، الشيخ أبو كبير أولهم وقد عكف ~~على دراسة بيوت الأكرمية، والشيخ الدرمللي ثانيهم، وكان حجة في معرفة رجال الأكرمية، ~~والشيخ أبو العلاء ثالثهم وقد ولع بتأريخ أهواء القلوب. # فصاح الشيخ محمود: أوغاد كذابون! ~~- بل مريدون صادقون، كان الأولان تلميذين للقطب الأكبر عبد الله الأكرم، أما ~~الثالث فكان مريدا لوالدك رحم الله الجميع. ~~- لن أصدق أن الشمس تشرق من المغرب ولو أجمع على ذلك المريدون. ~~- إلى الشيخ أبو كبير يرجع ما ورد في النشرة عن البيت الكبير. # فقال الشيخ محمود بحنق: هذيان ما يقول، من يصدق أن بيتنا هذا ما هو إلا فرع من ~~فروع لا حصر لها من بيوت الطريقة لا أنه الأصل الذي انبثق منه النور؟! ~~- لم يقصد الحط من بيتكم، كلا، عني بدراسة بيوت الطريقة الأكرمية فسافر من أجل ~~رسالته إلى الشام وشمال إفريقيا وإيران والهند، ثم قرر الحقيقة التي لا ضير منها وهي ~~أن هذا البيت الكبير ما هو إلا مقام أنشأه الأكرم، بيت من مئات البيوت التي سبقته إلى ~~الطريقة، بل هو آخر بيت وصل إليه النور والهدى. ~~- يا للفظاعة. ~~- قل يا للحقيقة! ~~- جدي هو مؤسس الطريقة وبيته هو الأصل والمركز. ~~- إنك غاضب للكبرياء لا للطريقة، طريق الله مفتوح للجميع، وشرف العزة فيه للواصلين ~~مهما يكن موقعهم. # فهتف محمود وكأنما يخاطب نفسه: الهواء يختفي ليحل محله الحزن، ولن يوجد بعد ~~اليوم مبرر لكي يحافظ العاقل على عقله ولا ليبرأ المجنون من جنونه. ~~- تأمل ولا تحزن، كم صادف أبو كبير في تجواله من بيوت ظن أصحابها أنهم الأصل ~~والمركز. ~~- ود أن نضيع في زحمة لا نهائية! ms17 ~~- النور لا يضيع أبدا ولا يفنى. ~~- إنك تسلبني العزة لتهبني بلاغة لفظية. ~~- إنك تعاني لأنك لم توجه إلى الطريق قلبك .. لم يشغله إلا الجاه. جاه وريث البيت ~~الكبير، أما الأكرم نفسه فقنع بأن يقبس من النور شعلة أصلها في هذه الحارة التي ~~أصبحت بفضله مباركة. # قطب الشيخ محمود وقال: سوف يحتاج الناس لرؤيتنا إلى مجهر كبير! ~~- المهم أن يروا شيئا يستحق الرؤية. # قام الشيخ محمود فذهب إلى باب السلاملك ثم رجع وهو يتنفس بعمق. وترامى من الحارة ~~صوت يصيح كالمستجير «يا سيدي الأكرم على بابك» فضحك الشيخ ضحكة قصيرة لم تنبسط لها ~~أساريره إلا لحظة ثم عادت إلى اكفهرارها. أما الشيخ تغلب فقال: وإلى الشيخ الدرمللي ~~يرجع ما ورد في النشرة عن القطب الأول، جدك الإمام الأكرم. # فقال الشيخ محمود بحدة: ذاك الذي رام نسف الأكرم نسفا. ~~- ليس في وسع إنسان أن ينسف مولانا الأكرم. # فقال الشيخ محمود برجاء: إذن فأنت تؤمن بكذب ما جاء عنه في النشرة؟! ~~- كلا! # تلقى الطعنة في صميم قلبه وهتف: يا للفظاعة يا شيخ تغلب، ألم تعد تؤمن بأن الأكرم ~~جاء مصر بين يدي سلسلة من الكرامات؟! # فلاذ الرجل بصمت قاس مغلق المنافذ حيال أية رحمة. ~~- أتصدق أن القطب الأعظم جاء مصر هاربا عقب ارتكاب جريمة شنعاء؟! # لم يخرق العجوز عن صمته الرهيب القاتل. ~~- وأن اسمه الذي عرف به ها هنا وهو الأكرم محور عما شهر به في الخارج وهو ~~المجرم؟! # أصر العجوز على صمته فقال الشيخ محمود يائسا: وأنه جاء الحارة أشعث أغبر عاري ~~الجسد لا يختلف شيئا عن الحيوان الأعجم؟! # وتبادلا نظرة طويلة وهو يلهث ثم سأله متحديا: أتصدق ذلك عن مولاك ~~الأكرم؟! # عند ذاك تمتم الشيخ تغلب الصناديقي: ما أجمل الهدى بعد الضلال، ما أجمل الاستقرار ~~بعد التشرد، ما أجمل الجلال بعد البهيمية، إنه مولاي الأكرم الذي بلغ بجده المراد ~~وكفى! # صاح الشيخ محمود: كذب، افتراء، إلحاد، حسد، حقد، من أولئك الثلاثة خلفت ذرية ~~الأبالسة التي تعيث في حارتنا فسادا. ~~- مأساتك الحقيقية ms18 هي الكبرياء والغرور. ~~- أبالسة من ذرية شياطين. ~~- لم تحسن معاملتهم كما ينبغي لرجل من رجال الطريق. # فهتف مكورا قبضته في غضب: أنصاف مجانين يحلمون بإبادة الصالحين من البشر. ~~- ماذا صنعت من أجلهم! ~~- قدمت الحلم حيث كان يجب أن أقدم العصا! ~~- ثم دسست من وشى بهم إلى السلطة! ~~- لقد ترامت أصواتهم المزعجة إلى مراكز الأمن دون حاجة إلى وشاية! ~~- لقد زاروني، حدثوني عن العلم الذي يؤمنون به فحدثتهم عن العلم الذي أؤمن به، ~~تبادلنا الاحترام طيلة الوقت، قلت: إن العالم من رجال الله إلا إذا أراد أن يكون من ~~رجال الشيطان، قالوا ليس من أهل الطريق من يلهج بالفسق والجشع، فقلت ولا من العلماء ~~من يهب قدراته للدمار! # وراح الشيخ محمود يحادث نفسه: كذب، افتراء، حقد أسود. ~~- قرب التفاهم بيننا حتى فرقت بيننا الشرطة! # فصاح الشيخ محمود بغضب: الويل، لن يبدد ظلمات الأكاذيب إلا الضربات ~~الحاسمة. ~~- العراك سلوك غير جدير بأهل الطريق! ~~- إن صدق ما قاله أبو كبير والدرمللي فلا طريق هناك ولا طريقة. ~~- بفضل اكتشافاتهم وضح الطريق. # فقال الشيخ محمود ساخرا: إني أرتدي البدلة وما علي إلا أن أنزع العمامة. ~~- لقد وضعتك الحقائق في موضع الامتحان فاختر لنفسك ما يحلو لها! ~~- لا اختيار هناك، إنه طريق ذو اتجاه واحد. # ثم خاطب نفسه: ويل لي من العذاب الذي يتبعني كالظل! .. ويل لي .. وطوبى للذين يعيشون ~~بلا ضمائر. # فصل بينهما صمت كالجدار. وطال الصمت حتى قال الشيخ تغلب: وإلى الشيخ أبو العلاء ~~يرجع ما ورد في النشرة عن السلوك. # فصرخ الشيخ محمود: ذلك الداعر! # قال العجوز بإشفاق لأول مرة: كان خادما في البيت الكبير قبل أن تولد. ~~- داعر ماجن سافل! ~~- الحق أنه اجتهد فصار من المريدين. ~~- كلماته تقطع بأنه قواد أو منحرف. ~~- لم يقصد الإساءة صدقني! ~~- ذلك الوحش الذي يتلذذ بتمزيق الأعراض؟! ~~- كان يؤمن بأن الطريقة حب خالص فتابع الحب في جميع أحواله! ~~- ذلك الداعر! ~~- كان الحب همه الأول والأخير، وآمن بأن في قلب كل إنسان بذرة حب إلهية مهما ~~يكن من ms19 مساراتها فهي تتجه في النهاية إلى الحبيب الأوحد! ~~- يا شيخ تغلب، إن هي إلا أكاذيب افتريت بقصد القضاء على أسرتنا المجيدة! ~~- لو وهبت الطريق قلبك ما أكربتك الوساوس ولا اهتزت شعرة في رأسك لأقاويل ~~الناس. ~~- يا ويلي من الذين ينثرون لي الحكم وأنا أحترق في الجحيم! ~~- لو عاصرك الرجل لوجد عندك مادة لكتاب قائم بذاته. # فقال غاضبا متحديا: إني رجل محمل بالخطايا ولكني أنتمي إلى أسرة طاهرة مقدسة، ~~وما أصحابك إلا دجالون مجرمون. ~~- لقد صارحتك بما عندي، هو الحق والصدق، ليس فيه ما يزري بقيمة حقيقية، ولا ما ~~يسد الطريق في وجه مؤمن، وكما ترى، لم يتزعزع لي إيمان بالطريقة ولا بصاحبها رضي ~~الله عنه. ~~- سأقدم لك الدليل على كذبهم. # ومضى نحو الباب المفضي إلى الداخل ونادى بأعلى صوته: يا أم هاني .. يا أم ~~هاني. # ثم التفت إلى العجوز قائلا: إذا ثبت كذب أحدهم انهار البناء كله من أساسه. # ولكن الشيخ تغلب قام وهو يقول آسفا: أستودعك الله، لا أحب أن أقوم بينك وبين ~~مربيتك، إن وجدت جديدا فاستدعني، ودعني أقول لك مرة أخرى «تأمل ولا تحزن وابدأ ~~طريقك.» # قال العجوز ذلك ومضى نحو الباب الخارجي على حين تحول الشيخ إلى الداخل وهو يصيح: يا ~~أم هاني .. يا أم هاني. # 5 # انتظرها في الردهة المفضية إلى بهو الاستقبال ثم قادها من يدها إلى المكان الذي ~~أخلاه الشيخ تغلب الصناديقي. انسابت آثار النوم في تجاعيد وجهها وعينيها الكليلتين، ~~وجعلت تتثاءب بصوت كالأنين وهي تتساءل: كم الساعة الآن؟ ~~- نحن في أواخر الليل يا أماه. ~~- وماذا يبقيك مستيقظا حتى الآن؟ ~~- إنها ليلة لم تخلق للنوم فيما أرى. ~~- لم والعياذ بالله؟ # فتفكر حائرا من أين يبدأ ثم تمتم: دعوتك لأمور هامة فأصغي إلي جيدا وافتحي لي ~~قلبك بلا تردد. ~~- ليكن خيرا ما دعوتني من أجله. ~~- الخير يتوارى هذه الأيام في بطون الزواحف السامة. ~~- ماذا بك يا بني؟ ~~- لقد عاصرت أبي وأمي وعمتي، ربيتنا جميعا وأرضعتنا. ~~- ليمد الله في أعمار الباقين وليرحم من انتقلوا إلى ms20 جواره. # فجلس إلى جانبها وهو يقول: أطالبك بالصدق والصراحة ولو زلزل ذلك السماوات السبع، ~~سنعود معا في رحلة طويلة إلى الماضي. ~~- الماضي؟! ~~- أجل، الماضي، الماضي الذي يتوارى بمكر أحيانا كاللص ولكنه لا يموت، ثم يبعث ~~بغير دعوة ولا رغبة. ~~- لا أفهم عم تتكلم يا بني؟ ~~- لا شك أنك تتذكرين عمتي؟ ~~- طبعا، يرحمها الله. ~~- حدثيني عنها. ~~- أنت تعرف كل شيء عنها، ليرحمها الله. ~~- دعيني مما أعرف، وحدثيني عما لم أعرف. # ارتسم القلق في صفحة الوجه الضامر وقلقت شفتاها دون أن يند عنها صوت. ~~- إنها لم تمت كما قيل يا أماه. ~~- ليرحمها الله. ~~- لم تمت، لا فائدة من الإنكار، عشرات وعشرات من أبناء حارتنا يعرفون اليوم الحقيقة ~~فلا جدوى من إخفائها. # هتفت المرأة مستغربة: أبناء حارتنا؟! ~~- نعم، إنهم يقرءون مغامراتها بشغف شيطاني ويتندرون بها. ~~- لا أفهم شيئا. ~~- ألم تسمعي عن الشيخ أبو العلاء؟ ~~- رضي الله عنه. ~~- فلتمزقه أيدي الأبالسة في الجحيم الأبدي. ~~- يا رب السماوات! ~~- تكلمي يا أم هاني. ~~- لم تفسد الطيبات التي أنعم الله بها عليك؟ ~~- أستحلفك بالله .. بأبي .. بمولانا الأكرم. ~~- لا تحفر في الماضي الذي مضى. ~~- أحق ما يقال من أنها عشقت في شبابها ضابطا إنجليزيا؟ ~~- يا ألطاف الله. ~~- وأنها هربت إليه بليل ثم رحلا معا إلى إنجلترا؟ # تراجعت العجوز في فزع، تمتمت: من .. كيف .. ارحم نفسك يا بني. ~~- هل مرقت من دينها حفيدة القطب الأعظم؟ ~~- اللهم ارحمنا. ~~- كذبيني إن استطعت. # أغمضت المرأة عينيها في حزن ويأس: أكان بعض كبار الإنجليز يدعون إلى بيتنا هذا ~~على عهد أبي؟ ~~- كان له أصدقاء منهم ولا عيب في ذلك. ~~- ولكن أحد أولئك الأصدقاء الكرام انقض على أخته فطار بها. ~~- قلبي يتقطع يا بني. ~~- تمنيت أن تكذبيني ولكن الحقيقة كالموت لا مهرب منها ولا نجاة. # وهز رأسه في يأس ثم عاد يقول: وقيل وقتذاك في الحارة إنها سافرت للعلاج ثم أذيع ~~بعد ذلك أنها غرقت في البحار فأقيم مأتم أمه المريدون وغيرهم من أبناء حارتنا ~~الطيبة الساذجة، كان أي شيء يجوز على حارتنا التي ms21 لم يعد يجوز عليها شيء . # أطرقت المرأة حتى خيل إليه أنها نامت أو ماتت. لم يجد في قلبه قدرة على العطف ~~ولكنه قال: لا تؤاخذيني على إزعاجك، أنت أم الأسرة وسرها، وحولك تتفجر أحداث ~~مفجعة فلا مفر من أن يصيبك رشاش منها! # وكان يغوص في ظلمات اليأس بلا توقف بيد أنه لم يجد بدا من السير في طريق ~~الأحزان حتى نهايته. قال لها: حدثيني الآن عن أختي رشيدة! # رفعت المرأة رأسها في فزع. ~~- لا تجزعي فلا يخفى اليوم سر. ~~- لتبعد عنا الشياطين! ~~- لكنها تزحف علينا من جميع الجحور. ~~- كف عن هذا العذاب. ~~- لقد خلقت هذه الليلة للعذاب. ~~- كأني لا أعرفك يا بني. ~~- ولا أكاد أعرف نفسي ولا طريقتي ولا حارتي، ولكن قيل إني مجرم من سلالة ~~مجرمين. ~~- بني! ~~- حدثيني عن أختي رشيدة، لا تخافي عليها، إنها تعيش اليوم في كنف زوج كبير المقام ~~في أقاصي الصعيد، ولكن سيرتها الخفية يقرؤها المطلعون من أبناء حارتنا. ~~- كيف تفتح أبواب الجحيم بيديك؟ ~~- لقد فتحتها الزبانية. # انتحبت أم هاني بحرارة فقال: لا تبكي، لا فائدة، ولكن تكلمي. # فهتفت: ليقطع لساني إن نطق بسوء. ~~- لقد لعبت البنت لعبة غير لائقة مع خادم، كذبيني إن استطعت. ~~- اللهم احفظنا. ~~- لعبة ليست غريبة في هذا البيت، فقد لعبتها أنا مع أخريات، هكذا يتلقانا ~~الشيطان جيلا بعد جيل. ~~- يا رب عفوك ورضاك! ~~- لا شك أن أبي حزن حزنا بليغا، أخته فابنته ثم ابنه، لعله تساءل طويلا عن ~~سر عذابه، ترى ماذا كان يقول في خلوته؟ ~~- كما يجدر بالمؤمن الصادق. ~~- ولا شك أنه عانى كثيرا قبل أن يعثر لها على زوج مناسب! # تنهدت المرأة قائلة: لقد قصرت عمري يا بني. ~~- كلانا يتلقى الضربات يا أماه. # وغشيهما صمت غير قصير، ثم قادها إلى الداخل كما جاء بها وهو يقول: سامحيني، لقد ~~حملتك من العذاب ما لا طاقة لك به. # ولما رجع إلى البهو وجد الشيخ عمار في انتظاره. وقفا متقابلين يتبادلان النظر، ثم ~~قال الشيخ عمار: آن لك أن تنام يا ms22 مولاي. # ضحك الشيخ ضحكة لا حياة فيها فقال الشيخ عمار: فلنفكر مليا ثم نشرع في العمل ~~بلا تردد. # فلوح الشيخ محمود بيده في غضب وصاح: يا شيخ عمار .. لا تحدثني بلغة الحكماء ~~فلست حكيما، إني مجرم تجري الجريمة في عروقه منذ القدم، شد على قبضتك .. اشحذ ~~سلاحك .. سدد ضرباتك، نحن نخوض معركة حياة أو موت تحتاج إلى الدهاء والقسوة والعنف ~~لا المأثورات الجميلة، إنك ثعلب ماكر وإني لفي حاجة إلى كل نقطة مكر في صدرك، لا ~~تعن بالمحافظة على المظاهر الرقيقة فقد فاحت روائح الباطن الكريهة، إلي بجميع ~~الشياطين التي تقيم في هذا البيت واستعر من تستطيع من شياطين الحي كله، كفاك خداعا ~~بالفضائل الكاذبة .. واستخرج من قبور قلبك الرذائل الرائعة المخلوقة أصلا للكفاح ~~والنصر، لنتصرف بسرعة .. وبقوة .. وبلا رحمة، ليكن سلوكنا كما ينبغي لأناس سادوا بعد ~~هرب موفق من مسرح جريمة بشعة .. ثم هاموا على وجوههم كالوحوش يأكل بعضهم بعضا .. ~~ولما شيدوا من أسلاب الضعفاء قصرا جعلوه ميدانا لألعاب الخسة والفسوق، يا شيخ ~~عمار هلم إلى ساحة الغدر والجريمة والعنف. # 6 ~~- الحال خطيرة، وستزداد مع الأيام خطورة! # قال الشيخ عمار ذلك للشيخ محمود وهما يقفان مستقبلين الحديقة في ساعة الأصيل. ~~تجاهل الشيخ محمود قوله رانيا إلى الحديقة ثم قال: ما أهدأ ساعة الأصيل! .. كأنها ~~الوقفة الصامتة بين الشهيق والزفير! ~~- لن تعرف حارتنا الهدوء بعد اليوم. # فقال الشيخ محمود بحدة: لم يبدأ الشر من جانبنا. ~~- هذا حق ولكن وقع اعتداء على بعض رجالنا الطيبين. ~~- شر لا مفر منه أما الأبالسة فقد اجتاحتهم العاصفة. # ابتسم الشيخ عمار قائلا: عليهم اللعنة، ولكن هل تأذن له يا مولاي؟ لقد تركناه ينتظر ~~طويلا! ~~- إني أمقته ولكن فليحضر! # غادر الشيخ عمار بهو الاستقبال وما لبث أن دخل علي عويس. جاء بوجه متجهم فلاقاه ~~الشيخ بنظرة جافة باردة. حياه الشاب بالسلام فرد الشيخ بغمغمة ولم يمد يده. قال ~~الشاب: لقد جئت. # ولكن غلبه الانفعال فسكت. تركزت عليه النظرة الجافة الباردة دقيقة كاملة ثم سأله: ~~ماذا تريد؟ ms23 ~~- أنت أدرى بما دفعني إلى المجيء ؟ ~~- لا تضيع وقتي بالألغاز. ~~- رجالكم يتحرشون بنا في كل موضع. ~~- أكنت تتوقع عاقبة أخرى؟ ~~- كنا نتوقع مناقشة تهيئ للجميع توازنا ونقاء! ~~- أصبح في كل بيت شقاق، وأنتم أصل البلاء والفتنة. ~~- ما أردنا إلا. # فقاطعه بحدة وازدراء: لقد عرفتم مني جانبا لينا ولكني أملك جانبا آخر ~~وعرا. ~~- سيدي ... # فقاطعه للمرة الثانية وبعنف أشد: إن من يتحدى المقدسات مثلك لا يليق به أن ~~يكون جبانا! ~~- لست جبانا وليس فينا من جبان! ~~- إن من يدس إلى الناس نشرة ملأى بالافتراءات جبان. ~~- ليس فينا من جبان، وإذا تمادى رجالكم في التحرش بنا فقد تعصف بحارتنا مأساة ~~مؤسفة! ~~- أتهددني؟! افعل ما بدا لك، وستنال التأديب الذي تستحقه. ~~- ليس نشر الحقائق جريمة، ونحن لم نقصد بنشرها إلا الخير! ~~- اخسأ أيها الوغد الكذاب! ~~- لقد اكتشفها رجال من طريقتكم يعدون من الأئمة. ~~- لم يكونوا إلا أوغادا مثلكم ومنذ قديم وأسرتنا هدف للقلوب السوداء ~~الحاسدة. ~~- لا تنظر إلى الخلاف من هذه الزاوية. # فقال بكبرياء وحنق: اعرف نفسك واعرف من تخاطب. ~~- أتعيرني بأبي؟ ~~- افهم ما تشاء. ~~- كان رجلا شريفا. ~~- كان رجلا حقيرا. # هتف الشاب بغضب: لم يرتكب جريمة. ~~- لعله كان أحقر من ذلك. ~~- ولم يلوث الدنس بيته. # جن جنون الشيخ. هم بضربه. كبح جماح غضبه متراجعا في اللحظة الأخيرة. قال: في ~~بيته الحقير ترعرعت جريمة الكفر. ~~- أشياء تسمى بغير أسمائها. ~~- وفي بيته أيضا دنس خفي لم يجد من يعنى بنشره لحقارته. # صاح الشاب: لا تتهجم على الشرفاء. # أعماه الغضب تماما فصاح بدوره: ما أبعدك عن الشرف! .. سل أختك عن معنى ~~الشرف! # فصرخ علي عويس: أختي أشرف من أسرتك! # وقبل أن يتم جملته هوت على صدغه لطمة. قبض على يد الشيخ. تلاحما بعنف غير ~~متوقع. صاح الشيخ: أتعتدي علي في داري؟! # وإذا بالشيخ عمار يندفع داخلا متبوعا بعدد من الخدم فانقضوا على الشاب، قبضوا ~~عليه، وأسكتوا مقاومته، ساقوه إلى الخارج وهم ينهالون عليه ضربا. # وأخذ الشيخ يسوي هندامه وهو من الغضب في نهاية. وجعل يذهب ms24 ويجيء ويحدث نفسه ~~لاعنا متسخطا. وحانت منه التفاتة نحو مدخل البهو فرأى زينب! تسللت الدهشة إلى ~~بركان غضبه. رماها بنظرة قاسية. اقتربت متمهلة في إشفاق حتى وقفت في وسط البهو. ~~لم يرد لها تحية ولم يدعها إلى الجلوس. ~~- معذرة .. لقد اندفعت إلى الداخل بغير استئذان. # سألها بجفاء من خلال غضبه المشتعل: ماذا تريدين؟ ~~- علمت بمجيء أخي فقررت أن ألحق به. ~~- أرأيته وهم يخرجونه؟ # أجابت بقلق: كلا .. ماذا حدث؟ ~~- أكنت تتوقعين لقاء أفضل بيني وبينه؟ ~~- كلا. ولكن لا بد من كلمة تقال. ~~- تتكلمين هذه المرة بأدب يقطع بشعورك بالإثم. ~~- لا بد من كلمة تقال. ~~- أي كلمة. ~~- أعني بسبب الأحداث المحتدمة في حارتنا. ~~- بسبب سفاهتهم شبت النار في كل بيت. ~~- ولذلك لا يجوز السكوت. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- ينعقد الرجاء الآن على الحكمة. ~~- فات أوان ذلك ولم يبق إلا التأديب والردع. # قالت زينب بإشفاق: إنه يعني الهلاك للجميع! ~~- بل الهلاك للمجرمين وحدهم. # ترددت ثم قالت: ولكنك ... # وتوقفت لحظات كأنما تعاني ضيقا، ثم قالت غاضة البصر والصوت: ولكنك الأب الروحي ~~للجميع! # تجلت في عينيه قسوة بالغة وقال: تنطقين عن كذب وضيع، إني أحتقر جبنك! # خرس لسانها تحت وطأة الضربة المهينة فقال بسخرية: كأنما تعترفين بجريمة ~~مخزية! # جمعت أطراف شجاعتها لتقول: ولكن مركزك التقليدي في الحارة حقيقة لا يمكن ~~إنكارها! ~~- لا تتمادي في الكذب دفاعا عن أخيك. ~~- لعل الأمر أصبح أكبر من ذلك. ~~- لا تصري على الكذب، لا يهمك إلا أمره وحده، ألم تطلعي على نشرته المسودة ~~بمداد الحقد؟ # لم تنبس بكلمة فقال بحنق: إنك وراء ذلك كله كالدمل الكامن وراء أورام خبيثة. ~~- ليكن ظنك ما يكون، ولكن نصف الحارة يتحرش بنصفها الآخر، وثمة عواقب وخيمة ~~تتجمع في الأفق. ~~- إني مؤمن بأنك وراء كل مقت في هذا الخصام الوبيل! ~~- لقد ذهب سوء الظن بك بعيدا. ~~- لا أشك في أنه ورث حقده الأعمى علي من حقدك الأبدي. ~~- فليسامحك الله. # ضرب الأرض بقدمه وهتف: ليس من حقك أن تلعبي دور الضحية البريئة، لم تكوني ضحية ~~قط! # ثم رماها ms25 بنظرة تحد وهو يقول: لقد كان ما كان وأنت في كامل اختيارك! # فتساءلت بفزع: ماذا يرجعك إلى ماض مضى وانقضى؟! # إنكم تهاجمون الأعراض وتنسون أنفسكم، فدعيني أذكرك بما كان، وبأنك لم تكوني ~~ضحية لأحد، ولكنك تصرفت كما يجدر بامرأة مستهترة! # فهتفت: يا لك من رجل لا يفرق بين أنبل المشاعر وأحطها! # فتمتم بحقد وغضب: مستهترة، أجل، مستهترة! # فغلبها الغضب على حلمها وصاحت: يا لك من رجل حقير! ~~- مزقي ستار الأدب الزائف، واكشفي عن الحقد المخزون في أعماقك، يا بئس الصغيرات ~~اللاتي يتلقين العلم على يديك! ~~- مجرم عريق في الإجرام! ~~- ارجعي إلى بيتك، وانزوي في ركن مظلم متلفعة بعارك. ~~- أيها الوغد. ~~- اعترفي لأخيك بعارك ليكف عن الخوض في سيرة الأعراض! ~~- لقد جننت أو أنك على وشك الجنون، هي النهاية ولا راد لها. ~~- لقد حز في نفسك يوما أن أرفض الوقوع في فخ الزواج الذي نصبته لي، حز في ~~نفسك أن تنفردي بعارك كامرأة عانس، ولعلك توهمت أنك تثأرين لنفسك بنشر الأكاذيب ~~عن أعراض الشرفاء. ~~- ليت مريديك يرونك وأنت على هذه الحال! ~~- ليتهم رأوك وأنت ترسمين الخطة الحمراء لتكوني زوجة لخليفة الأكرم. ~~- ماذا أقول لرجل لم يشعر قلبه بقيمة نبيلة قط؟ ماذا أقول لرجل يستمد معارفه عن ~~النساء من دنيا الساقطات المحترفات؟! ماذا أقول لرجل خسيس يخطر في لباس شيخ ~~طريقة؟! # لبث يرميها بنظرة قاسية متشفية، ونوازع الشر المتضاربة تقلقل عينيه. وأخيرا ~~قال كمن يود التخلص منها: اغربي عن وجهي، حتى أخوك كان دونك وقاحة. # فغرقت في صمت ثقيل لا تنبس بحرف: اغربي عن وجهي! # تنهدت وقد تملكت مشاعرها، وقالت: ماضينا لا يهم سوانا، أما الهلاك فإنه يهدد ~~الجميع! ~~- عودي إلى بيتك. ~~- لنرجع إلى الحديث الأهم. ~~- عودي إلى بيتك. # فقالت بهدوء نسبي: لم أجئ أصلا للشجار، ولكنك أنت الذي دفعتني إلى الجنون. ~~- هو خير على أي حال من الكلمات الخانعة ذات الطلاء الكاذب. ~~- أسأت فهم مقصدي. ~~- لن تهدر حياتي بلا ثمن، ألم يقل أخوك إنني بلا أصل ولا شرف؟ حسن، سأعامله كما ms26 ~~يليق برجل لا أصل له مثله ولا شرف له مثل أخته! # أحنت رأسها في حزن شديد. غلبها الإعياء فاضطرت إلى الجلوس الذي لم تدع إليه. ~~هز منكبيه باستهانة وهم بالذهاب إلى الداخل وهو يقول: خذي راحتك ثم اذهبي. # غالبت ضعفها الطارئ فقامت قائلة: انتظر. # فتحرك وهو يقول: لا وقت عندي لمهاترات النساء. ~~- آجلا أو عاجلا ستوعز بقتله. ~~- قلت لا وقت عندي. ~~- أعلم أنه في مقدورك أن تقتله وأنت آمن. # ولما لم يتوقف اعترضت سبيله قائلة: انتظر. ~~- ابعدي عن طريقي. ~~- أصغ إلي. ~~- كفاك ثرثرة. # ونحاها جانبا وسار نحو الباب الداخلي فهتفت: إياك أن تمسه بسوء، أتسمعني؟ إنه ~~... # وغصت بعبرة ولكنها صاحت بصوت خشن متهدج مختنق: إنه ابنك! من لحمك ~~ودمك. # 7 # تسمر الرجل في مكانه. استدار بعنف. عنف غاضب دارى به فزعا لم يستطع إخفاءه. ~~تراجعت المرأة إلى الديوان فارتمت فوقه ثم استسلمت لموجة عاتية من النحيب. تبعها ~~مهرولا. وقف أمامها يحملق فيها يود أن ينفذ إلى أعماقها. ~~- ماذا تقولين؟ # ولكن البكاء المتدفق لم يمكنها من النطق. ~~- ماذا قلت؟ أجيبي من فضلك! # رغم مغالبتها للبكاء لم تغلبه بعد، فعاد يتساءل بنفاد صبر: ابني! .. ماذا ~~قلت؟ # حركت رأسها بالإيجاب دون أن تنبس. ~~- أي قول؟! .. أية لعبة؟! # مضت تجفف دموعها. اعتدلت في جلستها. لم ترفع عينيها عن الأرض. ~~- ابني؟! # همست: نعم. ~~- كلا. ~~••• ~~- إنني ... ~~- لم تشيرين إلى بطنك؟ آه .. كلا. ~~- بلى. ~~- ألم تأخذي حذرك؟ ~~- رغم ذلك حصل. ~~- تصرفي .. إنك أدرى بهذه الأمور. ~~- إني خائفة يا محمود. ~~- تصرفي وإلا ساءت العاقبة. ~~- لا تكن قاسيا. ~~- لست قاسيا ولكن عليك أن تتصرفي. ~~••• ~~- لكنها الحقيقة. ~~- قول يخرق المعقول، إنه أخوك، فكيف أصدق أنه ابنك؟! ~~- ولم أدعي ذلك اليوم بعد سكوت عشرين عاما؟ # قال بارتياب: لعلك تتصورين أن ... # فقاطعته قائلة: إنه ابنك وكفى، لن يغير جدل من هذه الحقيقة! ~~- هل علم بذلك؟ ~~- كيف تتخيل ذلك! ~~- ولا أحد غيره؟ ~~- كلا، وقعت في المأزق عقب وفاة أبي بأيام، أعلنت المرحومة أمي أنها حبلى، ~~أقمنا زمنا عند جدتي بالمرج حتى وضعت، ثم ms27 عدنا إلى حارتنا وهي حاملة ابني ~~باعتباره ابنها هي. # تنفس بعمق وهو لا يحول عنها عينيه وتمتم مذهولا. ~~- ابنك وابنها! ~~- لم أتصور أنني سأبوح بسره إلى أحد ولكنك دفعتني إلى ذلك دفعا. ~~- أأنت في كامل قواك العقلية؟ ~~- ليتك كذلك؟ ~~- أتريدينني على أن أصدق أنه ابني وأنني أبوه؟! ~~- هي الحقيقة التي لا مفر منها. # رفع الرجل رأسه هاتفا: ما أعجب هذه الحارة! .. تنام أعواما نوم الأموات ثم تتفجر ~~بها شواظ العجائب كالشهب المجنونة في ليلة واحدة بغير حساب! ~~- لا مفر من الحقائق، ستطاردنا اليوم أو غدا. ~~- لا شيء هو هو، السماء فوقنا وتحتنا في آن، ماذا يجدر بنا أن نفعل؟ # قالت متأوهة: لم يجر لي في خاطر أنه سيقف أمامك يوما متحديا ولا أنك ستجيبه ~~مهددا بالموت! ~~- لقد ترامت إلي قذائفه قبل أن أسمع باسمه. ~~- شد ما أرعبني ذلك. # قال وكأنه يخاطب نفسه: كم حيرتني عيناه! كم عانيت من تناقض العواطف في أول ~~لقاء، ولكن .. رباه، حذار من الخداع يا زينب! ~~- أف .. تخل عن شكوك سخيفة لا مبرر لها. # فهز رأسه مغمغما: إذن هو ابني! # ثم واصل هز رأسه قائلا: وأنا أبوه. # وتنهد من الأعماق وقال: فلأسلم بهذه الحقيقة، سيلزمني دهر لهضمها، ولكن علي ~~أن أسلم بها. # والتفت نحو المرأة متسائلا: كيف ولدت الكراهية في قلبه نحوي؟ ~~- لا أدري. ~~- لعله لم ينشأ نشأة دينية صادقة؟ ~~- نشأ متدينا ولكنه ... ~~- ولكنه ... ~~- عانى وما زال يعاني حياة فقيرة مريرة. ~~- هو حال الأكثرية الساحقة في حارتنا. ~~- ولكن يحدث أن يتنبه إلى الفوارق في المدرسة، ثم تصادفه كلمات هنا وهناك فيقرؤها ~~باهتمام يفوق الحد، ويكثر من التساؤل والنقاش، ثم يلقي نظرات غريبة على البيت ~~الكبير، ثم تزلزل الأرض ويخلق شخص جديد! # فتفكر مليا ثم تساءل: ترى هل ينقلب إذا وجد نفسه فجأة في البيت الكبير؟ # فسألته فزعة: فيم تفكر؟ ~~- إنه محض سؤال! ~~- حسن، عهدته يفكر في الآخرين أكثر مما يفكر في نفسه، أو قل إنه لا يفكر في ~~نفسه إلا من خلال الآخرين. # فقال بكآبة: براءة ms28 مؤقتة تنطوي مع الشباب الأول! ~~- لا أظن ذلك. ~~- يالله، إنه يهزأ بجميع القيم التي يلتحم بها بنيان حارتنا. ~~- لا أدري الكثير عن ذلك! # ضرب كفا بكف قائلا: وقد دمر نفسه تدميرا وهو لا يدري. # فحدجته بنظرة حزينة متسائلة فاستطرد: شد ما اجتهد اجتهادا عبقريا ليثبت للملأ ~~إجرام جده، وهوان بيته، ودعارة أهله! ~~- زعم أنه ينشر حقائق يجب احترامها! ~~- أساذجة أنت أم ماكرة؟! ليست المسألة محض عبادة للحقيقة، ولكنها ذات عواقب محتومة، ~~فلا ضمان للنذور بعد الأخذ بها، وسرعان ما ترتفع الأصوات مطالبة إيانا بالأموال ~~المكدسة وريع العمارات! # فقالت بعد تردد وفي إشفاق: لا شك في طيبة نواياهم! ~~- بل لمست في حديثهم الحقد والحسد والرغبة في الاعتداء. ~~- إن ما دفعني إلى المجيء إلى هنا هو أن أضرع إليك لتغلب الحكمة. ~~- أخشى أن تكون الفرصة قد أفلتت. ~~- حتى بعد أن علمت بما علمت؟ ~~- الصراع الناشب اليوم أقوى من أي علاقة شخصية. # وذرع المكان ذهابا وإيابا في اضطراب واضح ثم عاد إلى موقفه أمامها وهو يقول: ~~الصراع اليوم أقوى من أي علاقة شخصية، وفضلا عن ذلك فسوف يظل جاهلا بحقيقة ~~نسبه، ولن يكف - وأصحابه - عن عنادهم المقيت، ومن الناحية الأخرى فإن كبار رجالنا ~~قد أخرجهم الغضب عن جادة الاعتدال. ~~- ولكن الحكمة تستطيع أن تقدم خيرا. ~~- أين يمكن أن توجد الحكمة في حارتنا التي زلزلت أركانها؟! ~~- أستحلفك بالله ألا تيئس. ~~- صدقيني لقد اختل ميزان كل شيء، خرجت النجوم عن أفلاكها، والكلمات عن منطقها، ~~وتمخضت قباب الأضرحة عن أوثان! ~~- ثمة طريق للنجاة؟ ~~- من أدراك؟ .. لقد سدته الزبانية! ~~- ولكنك رجل محنك ذو نفوذ شامل. # فضحك ضحكة هازئة وقال: كنت مستندا إلى عراقة أصل وامتياز بيت وكرامة أسرة، أين ~~كل أولئك؟ أين؟ ~~- الذين يؤمنون بك لا حصر لهم. ~~- مع الزمن سيرى الناس في رجلا غارقا في الخطايا ملوثا ضائعا، شيد من ~~أموالهم بفساد ذمته بناء ضخما. ~~- أكثر الناس ليسوا أفضل من ذلك. ~~- ولكنهم لا يدعون ولاية ولا يطالبون أحدا بطاعة. # فرفعت إليه عينين دامعتين وقالت: ترى هل ms29 أفشيت سره بلا ثمن؟ .. بلا ~~فائدة؟ # فقال بامتعاض: للأسف لن يرث عني إلا الخطايا وربما ضعنا في الصراع معا! ~~- حسن أن تفكر فيه بعطف لأول مرة. ~~- ألم تفكري قط في البوح له بالسر؟ ~~- لو فعلت لحطمته تحطيما. # عاد يذهب ويجيء وهو يقول: اللهم ألهمني الصواب، اللهم بدد جيوش الظلمات. # ورجع إلى موقفه وقد تضاعف تجهمه، ثم قال: كدت أنسى! لقد دفعني الغضب إلى طريق ~~وعر. ~~- أجل فقد اعتدى عليه بعضهم. ~~- هنالك ما هو أفظع من ذلك! # حدجها بارتباك ثم عاد يقول: لقد عرضت بشرفه! ~~- شرفه! .. ماذا تعني؟ ~~- أشعل غضبي لحد الجنون، عيرني متحديا فصحت به إن بيته ليس أشرف من البيوت ~~التي يعرض بها! ~~- خبر أسود! ~~- ذكرتك بطريقة ما. # هبت قائمة في فزع هاتفة: كلا. # فأجاب بأسى: بلى! ~~- أنت؟! ~~- دفعني إلى حافة الجنون. ~~- رباه .. هل لمحت إلى ذلك التاريخ القديم؟ ~~- كلا ولكنه غادر بيتي فاقد العقل ولا شك أنه يجد الآن في البحث عنك. ~~- إنه يظن الآن أنك تسعى إلى فضحه انتقاما منه، يا للكارثة. ~~- أكدي له أنها محض أكاذيب لم أرددها إلا رغبة في الانتقام منه. ~~- ترى أيصدقني؟ ~~- سيصدقك، إننا نصدق ما نحب أن نصدقه. ~~- وإن طاردني بشكوكه؟ ~~- أصري على رأيك، ما عسى أن أقول أكثر من ذلك؟ إني غارق في محيط من المشاكل التي ~~تبدو لا حل لها. # شملهما صمت. تبادلا نظرة طويلة. بدا شاحب اللون غائر النظرة كما بدت دميمة من أثر ~~البكاء والغم. وتساءلت بلهفة: أأرجع إلى بيتي بلا بارقة أمل؟ # فقال متنهدا: لا أعد بشيء لا سيطرة لي عليه، يلزمني وقت أخلو فيه إلى ~~نفسي. ~~- وكيف أذهب ولا شيء في يدي غير الخواء؟ ~~- لقد عريت مزيدا من الحقائق، حسبك هذا. ~~- ولكنه لم يغير من القضاء فيما يبدو؟ ~~- لقد أتخمت بالحقائق المفزعة ويلزمني وقت أخلو فيه إلى نفسي. ~~- دعني أكرر عليك أن الحكمة تستطيع أن تقدم خيرا. ~~- لا طافة عندي لسماع جديد. ~~- أذهب؟ ~~- بسلامة الله. # همت بالذهاب ولكنها عدلت. ترددت متفكرة. ثم قالت: لقد رميتني بشتى ms30 ~~التهم. تصورت أن أي حقد تحداك إنما يستمد من حقدي الأبدي، دعني أقول لك قبل ~~الذهاب، دعني أقول لك .. إنك .. مخطئ! # نظر إليها بعينين متعبتين وتساءل: ماذا تعنين؟ # فقالت وهي تمضي إلى الخارج: أستودعك الله. # أتبعها عينيه حتى اختفت. تساءل ماذا تعني. سرعان ما شدته الهموم إلى دوامتها. ~~جلس على الديوان وأغمض عينيه. دخل خادم فأضاء النجفة والمصابيح ثم ذهب. استشف جفناه ~~الضوء فانقبض قلبه لمقدم الليل. ترامى إلى أذنيه وقع عصا على أرض الحجرة. فتح عينيه ~~ملتفتا نحو الباب فرأى الشيخ تغلب الصناديقي. # 8 # قام الشيخ محمود إلى القادم وهو يقول: أهلا بك يا شيخ تغلب. # ومضى به إلى الديوان والعجوز يقول: هاتف دعاني إلى لقائك. ~~- أهلا بك وشكرا لك. # فسأله برقة لأول مرة: كيف حالك؟ ~~- النار أرحم من رأسي وقلبي. ~~- وأرحم من الغضب الذي يجتاح حارتنا. ~~- يا له من موقف يا شيخ تغلب. ~~- وماذا يقول رجالك الكبار؟ ~~- صدق عزمهم على مقابلة التحدي بمثله. ~~- لا غرابة أن يدافعوا عن مصالحهم! # فتساءل الشيخ محمود غاضبا: والآخرون ماذا يحركهم؟ ~~- إنهم بحكم سنهم أقرب إلى البراءة. ~~- فات وقت الجدل. ~~- ولكن ثمة مجال للعمل، بم طالبك أبوك قبل وفاته؟ ابدأ اجتهادك في الطريق وسوف ~~يقودك من خير إلى خير. # نفخ الرجل قائلا: رأسي مزلزل! ~~- أفقدت إيمانك بالله؟ ~~- كلا، صدقني، ولكن رأسي مزلزل. ~~- ألا تؤمن بالطريق؟ # صمت مليا ثم قال: إذا تهاوى بناء شامخ فما جدوى أن تسأل عن حجرة من ~~حجراته؟! ~~- إذن تريد أن تواصل حياتك كشيخ طريقة بلا طريقة. ~~- أعترف لك بأن ذلك لم يعد ممكنا. ~~- اعتراف سعيد ولكن خبرني، أكان في نيتك أن تستمر في ذلك إلى الأبد؟ # تفكر الشيخ باسما في أسى: كنت دائما أؤجل البدء، إنه الكسل وعشق الحياة، وأعترف ~~لك بأن ثمة نكدا كان لا يكف عن مطاردتي. ~~- اعتراف سعيد ثان! ~~- من السخرية أن تذكر السعادة في هذا الجحيم. ~~- ظننت أن عواقب الكسل ستضيرك وحدك ولكن ها هي تعصف بالحارة كلها. ~~- مرتكبة ما يخطر بالبال وما لا يخطر! ms31 # قال العجوز باستبشار: في صوتك نغمة جديدة لعل سرها هو الذي دعاني إليك. ~~- لا تبادر إلى التفاؤل بلا مبرر! ~~- توكل على الله واتخذ قرارا! ~~- كيف لقلب مزلزل أن يتخذ قرارا؟ ~~- اتخذ قرارا. ~~- يخيل إلي أنني لست كجدي الأول إن صح ما يقال عن اجتهاده العجيب. ~~- تقول إن صح؟ # فقال بحدة: أجل، فمن يدريني أن اجتهاده لم يكن إلا أسطورة كما كان أصله وبيته وكما ~~كانت أسرته؟ # فهتف الشيخ تغلب: حذار من الشك! # فقال الرجل بامتعاض: لقد زرعته في قلبي يا شيخ تغلب. ~~- ثمة جوهر حقيقي باق تحت ركام من أوهام لا قيمة لها. ~~- أنت نفسك لم تعد تؤمن بمعجزات الأكرم. ~~- أكرر القول بأن معجزته الحقيقية هي أنه رغم خطاياه قد بلغ المراد ~~باجتهاده. # هز الرجل رأسه بمرارة فقال الشيخ تغلب: اعزم، العمل يقتل الشك، النجاح يقتلعه من ~~جذوره، في وسع أي إنسان أن يكون نافعا للناس، على ضعفي وعجزي كنت القوة التي أقنعت ~~كثيرين من أولياء الأمور بإرسال أبنائهم إلى المدارس! # ضحك الشيخ محمود بمرارة وقال: أرسلتهم في الطريق الذي قوض أركان إيمانهم! ~~- الإيمان يتجدد تحت مظاهر شتى خلال الزمن. ~~- ما جدوى المناقشة ونحن على وشك القتال؟! وقد يقتل الأب ابنه أو يقتل الابن ~~أباه؟! # فقال العجوز برجاء: ما كان بوسع أحد أن ينالك بأذى لو أنك ... # فقاطعه بضيق: لكنهم يزيحون ملكا مغتصبا عن عرش زائف! ~~- معذرة يا بني فإني لا أنطق إلا عن صدق، وأردت القول بأنه لو أنك مارست حياة ~~الطريق الشاقة الطاهرة لما تعرض لك أحد بسوء أو لما باليت بما يتعرضون لك ~~به. # قام الرجل متوترا. مضى نحو باب السلاملك، وجعل يرنو إلى الحديقة التي ذابت تفاصيلها ~~في أمواج الظلام فتبدت أشجارها كالتلال حينا وكالوحوش حينا آخر. ومن موقفه جاء ~~صوته قائلا: يخيل إلي أنه لم يعد لي مقام ها هنا! # هتف العجوز بجزع: مولاي! ~~- لعل ذلك يحل الأزمة المستعصية. ~~- لكن الأزمة لا تحل بالهرب. # استدار نحوه مقتربا وهو يقول: ثمة خواطر مغرية تدعوني إلى طرح ms32 المتاعب أرضا ~~واستقبال حياة بسيطة سعيدة! ~~- حياة بسيطة سعيدة؟! ~~- لي من المال ما ييسر لي ذلك! ~~- معذرة مرة أخرى عن قول الصدق، لا مال لكم إلا ما جاءكم من المريدين! ~~- إنه مالي أمام القانون وكفى. # نظر نحوه بارتياب وسأل: أتؤمن بما تقول؟ # لم يجب على سؤاله ولكنه قال: ثمة حياة بسيطة سعيدة لا تعقيد بها ولا نزاع. ~~- والطريق الذي خلقت له؟ # لم يجب على سؤاله أيضا ولكنه قال: فلنحب الحياة كما يحبها أكثر ~~الناس. # فقال بثقة أو برجاء: إنك لا تعني ما تقول، ولكنك تردد الأفكار التي تناقشها ~~وأنت خال إلى نفسك. ~~- لم لا؟ .. فلأذهب إلى مكان قصي، إلى أوروبا كما فعلت عمتي، ولأترك لك ~~الطريقة فأنت خير من يقودها. ~~- ردد ما يناوشك به الشيطان في نفسك. ~~- لم لا يا مولاي؟! ~~- لقد عشت حتى اليوم عيشة الاستهتار واللذة ولكن الأمل معقود بالعذاب الذي ~~تبعك في مغامراتك الليلية كالظل. # فقال بسخرية مريرة: عند ذاك يهدأ جيل الأبالسة المتمردين! ~~- نحن في حاجة إليهم كما أنهم في حاجة إلينا. ~~- لديهم العلم والأفكار الشيطانية التي تصورنا في صورة نفايات سامة يجب ~~التخلص منها بأسرع ما يمكن صونا للصحة العامة. # فقال العجوز بإصرار: على ضوء ذلك يتحدد لنا هدف جديد. ~~- لعلها مهمة قديس! ~~- ها قد بدأنا نتقارب. ~~- ولكن عليه أن يقنع الناس بقداسته قبل البدء. ~~- بل عليه أن يقنع نفسه بقداسته قبل ذلك. ~~- ها نحن نحلم بالطيران ونحن غرقى في الأوحال. ~~- القديس لا يكترث للأوحال. # فتنهد الشيخ محمود من الأعماق وقال: فلنحب الحياة كما يحبها أكثر الناس، ولا خوف ~~من العذاب الذي أرهقني ظله فيما مضى بعد أن ثبت لي أنني جدير بها كما أنها جديرة ~~بي. # قال الشيخ تغلب غاضبا: شاهدت في حياتي حقراء لا حصر لهم ولا عد ومع ذلك فلم ~~يمح من قلوبهم التقزز من القبيح والتهليل للحق. # رفع رأسه إلى فوق وراح يتكلم وكأنما يناجي نفسه. ~~- عاصفة تجتاح رأسي، أحداث تطاردني فلا تدع لي فرصة لإنعام النظر، من أسفل يلح ~~نداء ms33 ومن أعلى يلح نداء، وأنا ممزق القلب، كأني مطالب بتنظيم الوجود وأنا محاصر ~~في ركن ضيق يهددني الموت! # فقال الشيخ تغلب باسما: وصف موجز للحياة لا بأس به. ~~- ما أجمل أن أرمي بنفسي بين أحضان اللهو. ~~- استمر في محاورة نفسك! # فهتف: ليتني بلا ضمير كهذا الجيل الساخر! ~~- صدقني إنه أمل لحارتنا. ~~- لا إيمان لهم بشيء. ~~- حب العلم ما هو إلا لغة إيمان جديدة. # وتردد الشيخ محمود مليا ثم سأله: أعرفت المدعو علي عويس؟ # أجاب الرجل بعد تذكر قصير: نعم، شاب ممتاز، قلت له مرة إذا طعمت علمك ~~بالحكمة فأنت خير حفيد للأكرم! # هتف الشيخ محمود فزعا: حفيد الأكرم؟! ~~- لا تنزعج فإن حفيد الأكرم الحق هو خير من يعيد سيرته، ويعكس صميم روحه. # ولزم الرجل الصمت وهو واقف على حين أطرق العجوز. سبحت الأفكار في الصمت محمومة ~~متلاطمة. سقطت فراشة ثملة بالضوء على لحية الرجل السوداء المدببة فهشها ~~بعصبية فتهاوت عند قدميه. وندت تنهدة بصوت مسموع ثم تساءل الرجل: ماذا تفعل لو ~~كنت مكاني يا شيخ تغلب؟ # فرفع الرجل رأسه كمن يصحو بعد غفوة وقال: لا تسل عن جواب أنت خير من ~~يعرفه! ~~- أريد أن أسمعه! ~~- كلا، إن الحياة تتموج أمام بصرك، الأركان تتهاوى، أوهام تتبخر، حقائق تنقض ~~كالقنابل، عناصر تتحلل مطالبة بتركيب جديد، أصوات جديدة تحطم جدران الخرس ~~وترتفع، أناس يتلاحمون، قوى تنطلق من مخابئها، والنفس تطالب صاحبها باتخاذ موقف، ~~اثبت .. اهرب .. احي .. مت .. تعقد .. تجدد .. ولكن لا حل إلا أن تخوض أمواج ~~الظلمات وأن تشق طريقك إلى بر النور. # وقام الرجل العجوز معتمدا على عصاه فقال الرجل: لتبق قليلا يا شيخ تغلب. ~~- لقد قلت ما عندي وقلت ما عندك. # تصافحا. مضى معه إلى باب الخروج والعجوز يقول: الليل يمضي، وقلبي يحدثني بأنه ~~سيتمخض عن أمور هامة. # وبينا كان يوصله تسلل من باب السلاملك علي عويس. ألقى على المكان نظرة حذرة ثم ~~مضى إلى الديوان فتوارى وراءه فيما يلي الجدار المطل على الحارة. رجع الشيخ محمود فذهب ~~إلى باب السلاملك ms34 متلقيا نسائم الليل. زحف الشاب نحو الباب فأغلقه بهدوء. تنبه ~~الشيخ إلى حركة فالتفت وراءه فرأى الشاب وهو يتجه نحوه. ذهل الرجل وقد قرأ ~~الشر في عينيه وسأله: من أين جئت؟ # تقدم دون أن ينبس فسأله: ماذا تريد؟ # قال الشاب وهو منه على بعد ذراعين: كدت أقتل بيد رجل من رجالك. ~~- احذر أن ترتكب حماقة. ~~- وتريد أن تشهر بشرفي؟! ~~- محض أوهام سخيفة. # ولكنه وجه إليه لكمة شديدة. قبض الرجل على ذراعه قبل أن تصكه الضربة. تلاحما ~~بعنف؛ الشاب يريد أن يصرعه وهو يقاومه بكل ما أوتي من قوة. ~~- كف وإلا دعوت رجالي! ~~- سأنالك قبل أن يأتوا! # ودفعه دفعة قوية فتراجع الرجل مترنحا ولكنه أسند ظهره إلى الجدار. ~~- كف قبل فوات الفرصة. ~~- إنك شر يجب أن يزول. ~~- دعنا نتكلم! ~~- مكيدة جديدة؟ # انقض عليه بوحشية وانهال عليه ضربا. وجعل الآخر يدفعه بقوة ولكنه لم يستطع أن ~~يتفادى من ضربات صادقة أصابته في صدره وكتفه. وأخذ الضعف يعتوره وتحاصره اللكمات ~~حتى استشعر دنو الانهيار. ~~- حسبك .. أمسك. # ولكن الآخر ضاعف له الضرب فهتف: كفاية .. ستقتلني. ~~- إلى الجحيم! # فهتف متوجعا: ستقتل أباك! # فصاح به: كف عن الهذيان يا مجرم. # فقال بصوت متحشرج وقد بدأ دفاعه يضعف ويتلاشى: ستقتل أباك، ألا تسمع؟ .. ستقتل ~~أباك .. إني أبوك! # ولما يئس من إدراكه وشعر بدنو النهاية صاح بأعلى صوته: إلي .. إلي .. شيخ ~~عمار. # في الحال اندفع خدم من باب السلاملك. فتح الباب ودخل الشيخ عمار وبعض الرجال ~~يهرولون. انقضوا على الشاب فقبضوا عليه وشلوا حركته. مضى الشيخ مترنحا نحو ~~الديوان وتهالك عليه وهو يتمتم: اقبضوا عليه .. لا تمسوه بسوء. # أخرج منديلا وراح يجفف به دما سائلا من أنفه وفيه، طارحا رأسه على المسند في ~~إعياء شديد. وتمتم مرة أخرى وهو يقرأ في الوجوه غضبا أسود: لا تمسوه بسوء. # سأله الشيخ عمار بصوت متهدج: ماذا نفعل به يا مولاي؟ ~~- صبرا! ~~- أندعو الشرطة؟ ~~- كلا. # مرت فترة لم يسمع فيها إلا تردد الأنفاس. في أثناء ذلك جيء للشيخ بقارورة ~~ورد فغسل وجهه، ms35 اعتدل في جلسته متأوها. التفت إلى رجاله قائلا : اتركوه! # فرفعوا أيديهم عنه في ذهول، فقال: تفضلوا بالذهاب. # لم يتحرك أحد منهم فقال بلهجة آمرة: اذهبوا! # غادر الرجال البهو ذاهلين. تردد الشيخ عمار ثم ذهب في أثرهم. وقف الشاب خافض ~~الرأس لا يفهم شيئا. وقال الشيخ: تذكر أنك واقع تحت رحمتي ولم أمسك بسوء. # وجعل يتحسس بعض مواضع تؤلمه ثم قال: عار عليك أن تستغل قوتك في الاعتداء على ~~رجل في مثل سني، يجب أن تخجل من نفسك. # قال الشاب دون أن يرفع رأسه: إذا كنت تدبر أمرا فنفذه بلا إبطاء لا ضرورة ~~له. # فسأله بعد وقفة قصيرة: ألم تسمع ما قلت لك؟ # لم يجب ولم يفهم. ~~- قلت لك .. ستقتل أباك. # فرفع إليه عينيه دون أن ينبس. ~~- لم تصغ إلي، كدت تقضي على أبيك، ألا تدرك معنى لقولي؟ # حرك رأسه في حيرة، فقال الرجل في هدوء واستسلام: ذلك أني أبوك وأنك ابني! # انتصبت قامته فجأة واتسعت عيناه وتساءل: ماذا تقصد؟ ~~- ليس لقولي إلا معنى واحد وهو أني أبوك وأنك ابني، لقد رميتني بحقائق عسيرة الهضم ~~وها أنا أرد التحية إليك، ولو عاصرنا أبو العلاء لعثرت على نفسك في مخطوطه، أراك ~~لا تصدق، حسن، سنبعث في طلب الشخص الوحيد القادر على إقناعك .. ثم علينا بعد ذلك أن ~~نوطن النفس على مواجهة الحقائق. # 9 # كان الشيخ يجلس على الديوان وقد ضمد جراحاته. وعلى كنبة قبالته جلست زينب وعلي. ~~وبدت نظراتهم ثقيلة بما حملت من حقائق وما تخايل لها من عواقب. وقال الشيخ: ها هي ~~الحقيقة عارية! # ثم ردد عينيه بينهما حتى ثبتهما على الشاب وقال: عرفناها معا في ليلة ~~واحدة، ها هو الماضي يعانق الحاضر فيكونان معا كلا لا يتجزأ. # وابتسم في أسى ثم مضى يقول مخاطبا الشاب أيضا: لقد وزعت على الناس نشرة تكشف ~~عن أعجب الحقائق عن جدك وبيته الكبير وأسرته، ولكن فاتك أطرف ما فيها وهو هذا الفصل ~~الأخير. # نظر الشاب نحو أمه فوجدها تجفف عينيها فتمتم: الفصل الأخير! .. أي ms36 حقيقة؟! .. ~~لن أعجب بعد الليلة لو رأى الناس بآذانهم وسمعوا بأعينهم! # فقال الشيخ: هكذا دار رأسي أيضا بلا توقف، ولكن علينا أن نحسم أمرنا فلم يبق على ~~الفجر إلا ساعة. # قالت زينب: من حقنا أن نمهل لمزيد من التفكير. # فقال الشيخ: لا وقت للانتظار، فالحارة مهددة بالانفجار بين ساعة وأخرى. ~~- والعمل؟ ~~- علينا أن نختار سبيلا من اثنين، فإما أن نهرب بأموالنا أو بمعنى آخر بأموال ~~الناس، وإما أن نبقى لنواجه الحقيقة ونتحمل عواقبها. # تنهدت زينب بصوت مسموع وقالت: حدثنا برأيك. # فنظر الرجل إلى ابنه وسأله: أود أن أسمع رأيك أولا. # انتفض الشاب كمن يستيقظ من نوم وقال: رأيي؟! .. أمهلني حتى أستعيد ~~توازني. ~~- لا وقت لذلك، دعني أساعدك، ماذا أردت أنت وزملاؤك؟ # تفكر مليا ثم قال: أردنا الاحتكام إلى الحقائق وإزهاق الأباطيل والخرافات، ~~مؤملين من وراء ذلك أن ترد أموال الناس إليهم وأن تنفق في سبيلهم، وأن ترفع ~~عن كواهلهم الوصاية والسيطرة. ~~- هذا حسن ولكنه ليس بكل شيء، الحقيقة لا تتجزأ، وإن يكن ثمة خير في أن يعرف ~~الناس الأكرم على حقيقته فمن الخير أيضا أن يعرفونا على حقيقتنا، لا نستطيع أن نبدأ ~~من جديد ونحن نتستر على آثامنا الماضية، على الاعتراف أن يكون كاملا وصريحا ليكون ~~التكفير كاملا وصريحا، ولنبدأ حياة نقية بالمعنى الحقيقي. # تساءلت زينب بإشفاق: ماذا تقصد؟ # فأجاب بإصرار: يخيل إلي أنني لن أتورع عن شيء! ~~- وأي عواقب تتوقع؟ ~~- لا أدري، قد يعيدنا ذلك إلى مجد الأكرم وقد يردنا إلى تشرده! ~~- زدني تفصيلا! ~~- إذا اعترفت بكل شيء، إذا بلغت الغاية في الأمانة، فلن يتردد عن محاربتي أخلص ~~الناس لي اليوم وهم المنتفعون بأموالنا، أما المريدون فسيقعون حيارى بين إيمانهم ~~القديم والحقائق الجديدة، ولا يبعد أن ينقسموا بين مرتد عني ومؤيد لي حتى ~~النهاية. ~~- يا لها من صورة غامضة! ~~- رجم بالغيب أن أحدس المصير. ~~- هي احتمالات وخواطر، ولكن ما الذي تضمره في قلبك؟ # التفت نحو الشاب وهو يقول: أود الآن أن أسمع رأيك؟ # لم ينبس الشاب مستغرقا في تفكيره. ms37 ~~- إنك تبدو شاحب اللون يا بني؟ ~~- ليس هذا مما يهم. ~~- لا بد من الإدلاء برأيك. ~~- أظنني أفصحت عنه فيما يخصني. ~~- ثمة ما يخصك ولا يقل أهمية عن ذلك إذ إنه يتعلق بكرامتك وسمعتك؟ # فتمتم بهدوء: يخيل إلي. # وانطبقت شفتاه فتساءل الشيخ: يخيل إلي؟ # فقال بحدة عصبية: إنني لن أتورع عن شيء. ~~- أتدرك ماذا يعني ذلك؟ ~~- أجل. ~~- أنت شجاع، وسوف يتقرر مصيرنا على ضوء ما يرى الناس فينا. ~~- ليكن ما يراه الناس. ~~- سأعيد إليك اسمك، أما الثروة فستعود إلى أصحابها، ستجيئنا بكتبك ولن تجد عندنا ~~إلا كتبا! ~~- ليكن. # وتساءلت زينب بذهول: أيمكنك مواجهة الناس بذلك؟ ~~- سأدعوهم إلى البيت الكبير صباح الغد. ~~- ألا يلزمك وقت للمزيد من التفكير؟ ~~- لا تدرين كم فكرت! # وابتسم وهو يرنو إليها بنظرة ثقيلة: لم أكف عن التفكير لحظة واحدة مذ انهالت ~~على رأسي المطارق! # ثم وهو يتنهد: وكان علي أن أختار؛ فإما الدعارة وإما القداسة. # وابتسم في هدوء ثم استطرد: وقد اخترت سبيلي، فاضت من قلبي قرارات عنيدة غير ~~متوقعة كضربات المطارق المنهالة على رأسي اكتسحت نداءات الدعارة اللزجة اللينة، ~~فرفضت الهزيمة ومججت الهناء السهل، والظاهر أن إيماني بجوهر جدي كان أكبر من ~~إيماني بمعجزاته. # وردد بصره بينهما وهو يقول: فلنستمتع بآخر هدوء يتاح لنا! # فقال علي: أمامنا حياة عسيرة. ~~- ولكنك تود مواجهتها؟ # فقال بتصميم: بلا تردد. ~~- حسن، لقد تعلمت منك أشياء وأود أن تتعلم مني شيئا! # فقالت زينب: ولكن النزاع لن ينتهي في حارتنا. # فقال الشيخ: بلى، ولكننا سنكون في الموقع الأفضل. # وتفكر مليا ثم قال: لا شك أن جدنا اعترضته نفس المتاعب وهو يتحول من ~~الجريمة إلى الولاية! # وقام في نشاط حي وقال: لقد أورثنا مثلا لا يجوز أن ينسى. # ودنا من مدخل الحديقة المستكنة في سكينة الفجر وقال: تلك كانت المعجزة. # | حارة العشاق # 1 # تربع على الكنبة في هدوء متوثب. تابعها بعينيه وهي ذاهبة تحمل صينية القهوة. ~~تابعها وهي عائدة بجسمها البض ووجهها الممتلئ البدري. جميلة فاتنة! وتزداد مع الأيام ~~نضجا وفتنة. ها هي ms38 تلقي نظرة على الحارة من النافذة الوحيدة في حجرة الجلوس . وها هي ~~تجلس إلى جانبه على الكنبة الوسطى. وها هي الغبطة تسيل من نظرتها وهي تقول: شكرا ~~للترقية! # وابتسمت بحبور ثم قالت: بفضلها أهنأ بمجالستك كل عصر. # تقلصت بعض عضلاته تحت جلبابه الأبيض الفضفاض وغمغم بألفاظ غير واضحة. جعلت تلحظه ~~بعينيها الصافيتين. ستكتشف عاجلا أو آجلا وجومه. لعلها اكتشفته. هي شديدة ~~الحساسية فطنة، ولكنها في نفس الوقت مرنة واسعة الحيلة. كم يحبها! لم يتوقف عن ~~حبها بعد الزواج. لا يتصور الحياة بدونها. قالت بنعومة: لمناسبة ما ذكرتني صاحبة ~~العمارة بأننا نقيم في هذه الشقة منذ خمس سنوات. # فصدق على قولها متمتما: أجل، خمس سنوات. ~~- خمس سنوات حقا؟ هل مرت خمس سنوات حقا؟ ~~- خمس سنوات مرت على زواجنا، العمر يجري جريا يا هنية. # فربتت على ظهر كفه وقالت بحنان: يبدو أنه يطير طيرانا في أحضان الحب ~~السعيد. # ترى هل اكتشفت وجومه؟ إنه على دراية بتسللها الناعم. قال: أجل، في أحضان الحب ~~يطير طيرانا. # فامتلأت عيناها بالحنان وقالت: وطيلة النهار جعلت أتذكر وأغني لنفسي. ~~- ثمة ذكريات لا تنسى. ~~- قبيل الخطوبة وأنت تخالسني النظر من مجلسك في القهوة. # فخفض من صوته وهو يقول: الحب جنون! ~~- وكل ركن في هذه الشقة يستطيع أن يقوم ألف دليل على حبنا. ~~- ألف دليل ودليل. ~~- هكذا مرت السنوات الخمس فلم نشعر بمرورها. ~~- أجل. ~~- بالرغم من أن متاعبك فيها لا يمكن أن تنسى. # فغلبته عواطف مكبوتة فقال: كانت متاعب سعيدة. ~~- بل كانت السعادة أقوى من المتاعب! # تنهد. تجلت في عينيه نظرة حالمة. قال: تلك الأيام! كنت موظف أرشيف خارج ~~الهيئة، أعمل عملا متواصلا من طلعة الصبح حتى أول الليل، حتى الغداء كنت ~~أتناوله تحت أرفف الأرشيف، فقير كادح وزوج عاشق، حتى النسل أجلته لحين تتحسن ~~الحال، لا وقت للتفكير، لا وقت للنظر، عمل عمل عمل، وأعود إليك مرهقا ولكن بفؤاد حي ~~مشتاق، أجد الحمام مبخرا فأغتسل وأرتدي جلبابا مزهرا، نتبادل الحديث، نتناول ~~العشاء، نسعد بالحب، ننام النوم العميق، لا ms39 أفكار ولا أكدار، ثقة لا حد لها بكل ~~شيء، بك وبنفسي وبالله، وإيمان لا حد له بك وبنفسي وبالله، كل شيء ثابت الأركان مدعم ~~البنيان. ~~- أيام شاقة وسعيدة يا عبد الله. ~~- جري بلا انقطاع وراء لقمة العيش، طمأنينة شاملة، حب يتبادل بقوة تضاهي قوة ~~دوران الأرض! # أزاحت خصلة سوداء تهدلت فوق عينها وقالت وهي تضحك في دلال: ولكننا لم نكن نهنأ ~~بجلسة سعيدة كهذه الجلسة في العصاري الطيبة. # فقال بحزن لم يعد يستطيع مداراته: فقد من الله علي بالترقية. ~~- أصبحت مراجع وحدة ينتهي عمله في تمام الثانية بعد الظهر مثل كبار ~~الموظفين. ~~- وتهيأ لي من الفراغ ما لم أكن أحلم به. # ربتت على خده وقالت بارتياب: ما لك؟ ~~- لا شيء بي. ~~- خيل إلي أنك لست كعادتك. # ابتسم. ابتسم. وهو يرنو إلى بشرتها الصافية. اعترف بأنه لا شيء يمارس سيطرته على ~~شيء كما تمارس سيطرتها عليه. عادت تسأله: ألست سعيدا بالترقية والفراغ؟ ~~- الحق أن الفراغ خلقني من جديد. ~~- وأنا كذلك. ~~- فقد رأيتك في النهار طويلا بعد أن لم أكن أراك فيه إلا خطفا! # ضحكت ضحكة ناعمة منغومة فواصل حديثه: ورأيت حارتنا في الضوء، عرفت المقهى، ~~توثقت علاقتي بالجيران خاصة الإمام والمدرس وشيخ الحارة. # هكذا الفراغ راحة ونعمة وتعارف. ~~- وعرفت نفسي بعد أن كانت حواسي مشدودة دائما إلى الخارج. ~~- يا لها من مكاسب لا تقدر بمال. ~~- رأيت أهل حارتنا، لم أكن أتصور أنهم بهذه الكثرة. ~~- ما أعجب ذلك وأجمله! # فتفكر قليلا ثم قال: ومنهم أناس أثاروا قلقي. ~~- لم، كفى الله الشر؟! ~~- يتخذون في ركن من المقهى مجلسهم، عصابة من الشبان، يتبادلون المزاح بأصوات ~~مزعجة، لا يرحمون كبيرا ولا صغيرا من مزاحهم، ويتهجمون على الأعراض بلا ~~حياء. ~~- هكذا الشبان في كل زمان ومكان. ~~- ألا يزعجك ذلك يا هنية؟ ~~- لا أحب لك أن تنزعج أنت! ~~- ولا يتركون فتاة دون غمز، حتى السيدات المصونات، حتى خيل إلي أني أقيم ~~في عالم من الدعارة والانحلال. ~~- لا تستسلم للأوهام السخيفة! # قام كأنما ضاق بمجلسه. وقف وراء النافذة ms40 دقيقة. رجع إلى وسط الحجرة ووقف مستندا إلى ~~الخوان. قال بحنق: خيل إلي مرة أن أحدهم رماني بنظرة لم أرتح لها! # نضب المرح من صفحة وجهها وتساءلت: أي نظرة؟ ~~- نظرة ماكرة ذات معنى. ~~- أي معنى؟ ~~- استفزني غضب وهممت بالقتال! ~~- يا لطف الله! ~~- وتنغص علي صفوي فلم أسترده بعد ذلك. # قالت بقلق واضح: إنك تبالغ يا عبد الله. ~~- الحق أني عانيت تجربة جديدة كل الجدة وهي الشك! # هتفت باستياء: الشك! ~~- كمن صحا عقب نوم ثقيل على لسع عود ثقاب مشتعل. # قالت بامتعاض وغضب: أطلعني على أفكارك أكثر. ~~- قلت إنه الشك وكفى. # فصاحت بغضب: لا أصدق أنني أتلقى منك إهانة صريحة! ~~- إني أسألك المعونة. ~~- غير ما بنفسك قبل أن يفسد كل شيء. # فقال دون اكتراث لتحذيرها: إنك تخرجين كل يوم للتسوق. ~~- لست في حاجة إلى من يذكرني بحياتي اليومية. # فقال بخشونة: وتذهبين إلى الفرن لابتياع الخبز! ~~- كما أذهب إلى البدال والقصاب والكواء. # فقال بحنق: ولكن الفران يستقبلك استقبالا عجيبا، يهتف دون مناسبة: أهلا أهلا ~~ويقبل عليك كأنه صديق حميم. ~~- عبد الله! ~~- إني أصف ما رأته عيناي. ~~- أكنت تتجسس علي؟ ~~- الشك له أسلوب لا مفر منه. ~~- ولو بلغ الوقاحة؟! ~~- ولو! ~~- كيف خفيت عن عيني حقيقتك طيلة ذلك العمر؟ ~~- كما خفيت عن عيني حقيقة أفظع! ~~- اقطع لسانك واخرس. ~~- رأيته وهو يكاد يأخذك في حضنه. # صاحت به: لا أسمح لك. ~~- رأيت ذلك بعيني كما رأيته قبل ذلك في عيني الشاب بالقهوة! ~~- لن أسمح لك بإهانتي! ~~- هل لديك دفاع؟ ~~- لست متهمة! ~~- هل لديك تفسير؟ ~~- أنت مجنون. ~~- لا مفر من المواجهة. ~~- كم أنك كريه أعمى! ~~- الشتائم غير مجدية. ~~- إني أشرف من أفكارك الوضيعة. ~~- هاتي دفاعك. # فصاحت بكبرياء وهي تثب قائمة في غضب جنوني: لا تردد كلمة الدفاع، لا أسمح ~~لك. ~~- يا للشيطان! .. هذا يعني أنك تعترفين. ~~- إني ذاهبة، بقائي مع شخص مثلك مستحيل! # ضرب الخوان بقبضته وهو يرتجف غضبا وصاح: تكلمي! ~~- إني ذاهبة. # غادرت الحجرة فصاح في أعقابها: تكلمي! # ثم ضرب الخوان بقبضته مرة أخرى وصاح بجنون: ms41 أنت طالق! # 2 # جلس في حجرة الجلوس وحيدا. لم يحلق ذقنه ولم يمشط شعره. زائغ البصر. ~~- إني وحيد، وحر، واليأس إحدى الراحتين. # وصمت مليا ثم قال: يجب أن أعترف بأنني غير سعيد وبأنني لا أجد لحياتي ~~معنى. # عاد إلى الصمت مرة أخرى ثم راح يقول: ويجب أن أعترف أيضا بأنني أحبها، وبأنني ~~أكرهها. # أطبق شفتيه دقيقة ثم قال: طلقتها لأنه من غير الجائز أن أبقي على زوجة خائنة، ~~أما الحب فقلعة منيعة مستقلة - بذاتها وأبراجها - عن الشك والسلوك. # وقام ليذرع الحجرة ذهابا وإيابا. ودق جرس الباب فجأة. فتح الباب فدخل شيخ بدين ~~قصير ذو لحية سوداء. تصافحا، قاده إلى الكنبة وهو يقول: خطوة عزيزة يا شيخ مروان عبد ~~النبي. # جلس الرجل وهو يقول: أوحشتنا يا رجل! ~~- أهلا بك، كيف أنت، وكيف الإخوان؟ ~~- القهوة كلها مشتاقة إليك. ~~- علم الله أني مشتاق إليكم كذلك. # فرماه الشيخ بنظرة ارتياب وهو يقول باسما: لو أنك مشتاق حقا لزرتنا! ~~- الحزن يطوينا على أنفسنا. ~~- ولكنه يتبخر عادة بين الإخوان. ~~- لم تنفتح نفسي لشيء بعد. ~~- كيف؟ .. لم؟ ~~- أنت أدرى! ~~- خطر لي أنه من المفيد أن نتعاون على محاربة ذلك العدو المدعو الحزن. ~~- أنت إمام وصديق وإنسان. ~~- إنه عدو خطير، له كل يوم فريسة، ولا يجوز أن نلقاه متفرقين. # دعاه الشيخ إلى الجلوس إلى جانبه. ربت على منكبه وقال مستطردا: وما دام سببه ~~معروفا فالاهتداء إلى سبيل الشفاء ميسور! # أطرق عبد الله مليا ثم قال باستحياء: كانت تجربة قاسية عاصفة، وليس الشفاء منها ~~بالأمر الميسور! ~~- إنك صادق في تعبيرك، ولكن لا يجوز أن تنسى أمرين هامين. # وسكت ليخلق جوا مناسبا لسماع نصائحه، ثم قال: لا تنس، الإيمان بالله هو الملاذ ~~الأخير من جميع الأحزان. # وعاد إلى السكوت مرة أخرى، ثم قال: ولا تنس أن تتثبت من حقيقة التجربة التي عصفت ~~بك! ~~- لقد رأيت بعيني رأسي. ~~- واقعة الفران؟ ~~- أجل، وقبل ذلك نظرة الشاب المستهتر إلي! ~~- دعني أصارحك بأنني لم أشاركك الاقتناع فيما اقتنعت به! ~~- لقد بهتت فلم تستطع الدفاع ms42 عن نفسها! ~~- ولا تلك بحجة تشرع ضدها؛ فللمرأة كبرياؤها! ~~- إني مطمئن إلى الإجراء الذي اتخذته. ~~- ولكنك قضيت على نفسك بالسجن كأنما طلقت الدنيا في نفس الوقت. ~~- سوف يدركني النسيان عاجلا أو آجلا. # فابتسم الإمام وقال بهدوء وثقة: إني رجل من رجال الله، خادم بيت من بيوته، أعرف ~~حارتنا وأحوالها ما ظهر منها وما خفي، أتوكل على الله في كل فكر أو عمل، ولا غرض ~~لي في الدنيا إلا الخير، وأبعد شيء عن خاطري أن أسعى إلى رد زوجة خائنة إلى عصمة ~~رجل فاضل مثلك. # غض عبد الله بصره ليداري نظرة رجاء لاحت في عينيه وتمتم: لا شك عندي في ذلك كله ~~يا شيخ مروان. ~~- يا صديقي عبد الله، لقد قرأت في وجهك رسالة، لا أجزم بصحة ما قرأت فصارحني؛ ~~أيتعذر عليك نسيانها؟ ~~- الخيانة؟ ~~- الزوجة! # فقال عابسا: كل شيء رهن بوقته. ~~- الحب ككل شيء يجري مجراه بأمر الله، فلعلك تحبها؟! ~~- لا أهمية لذلك. ~~- صدقني يا صديقي عبد الله إذا قلت لك إن زوجتك بريئة! ~~- بريئة! ~~- أجل بريئة مما رميتها به. # فسأله باهتمام بين: كيف عرفت ذلك؟ ~~- لا أدري من أين أبدأ، أأقول لك إن لرجال الله خواطرهم القلبية التي تفوق في ~~قدرتها براهين العقول؟! ولكني أخاف ألا يكون إيمانك بالقوة التي تتخيلها، كثيرون ~~يعتقدون أنهم مؤمنون ثم تراهم ينهارون لدى أول تجربة، المؤمن الحقيقي يا عبد الله ~~يحرك الجبل ويزلزل الحياة ويقهر الموت. # فتنهد عبد الله قائلا: لا ينقصني الإيمان يا شيخ مروان. ~~- ألم تعاشرها خمس سنوات كاملة بل يزيد؟ ~~- لا يمنع ذلك من وقوع شر. ~~- حدثني عن قلبك لا عن الوقائع الخارجية! ~~- لا أنكر أني اطمأننت إليها الاطمئنان كله. ~~- ألم يتسلل إليك الشك أبدا؟ ~~- كلا. # ثم مستدركا بعجلة: لم يكن لدي وقت للشك. ~~- لا أهمية للوقت في ذلك. ~~- بل هو كل شيء يا شيخ مروان فأنا لم أنتبه إلى ما يجري حولي إلا من خلال الفراغ ~~الذي أتيح لي عقب الترقية. ~~- ألاحظت تغيرا في معاملتها لك؟ # فتمهل قليلا ثم قال: ms43 لا أظن! ~~- يا صديقي، إني أعرف حارتنا، رجلا رجلا، وامرأة امرأة وصبيا صبيا، لا يغيب ~~عني شيء من أسرارها، وأشهد الله أنني لم أعرف امرأة تتمتع ببعض الخصال ~~الحميدة التي تحظى بها امرأتك! # فقال متجهما: السلوك الحقيقي سر من الأسرار. ~~- صدقت ولكن ندر أن استطاع خاطئ التستر على خطيئته إلى الأبد. ~~- لقد رأيت ولا يمكن الاستهانة بما رأيت. ~~- دعني أحدثك عن الشاب الذي هيجتك نظرته، لقد حققت بنفسي مع الشبان الذين ~~يشاركوننا الجلوس في المقهى فثبت لي على وجه اليقين ألا أحد فيهم يضمر لك سوء ظن ~~أو تقدير، فلعلك توهمت رؤية ما لا وجود له. ~~- لا يمكن أن نشك في حواسنا. ~~- حواسنا؟! عليها اللعنة، تلك المرايا المشوهة التي لم تخلق إلا لتشهد بكذبها ~~بصدق حدس القلب. ~~- ولكننا نحيا بها يا شيخ مروان. ~~- نحن لا نحيا حقا حتى يمتلئ قلبنا بالإيمان. # فقال بمرارة: كأني أيضا لم أر الفران وهو يفتح لها ذراعيه! # فابتسم الشيخ مروان وقال: صدقني فقد ظلمته ورميته بما لا يجري له في خيال. ~~- لست أعمى. ~~- إنه رجل مسكين، وزوجه تشاركه في عمله ساعة بساعة، وهي تستقبل الزبائن ~~معه! ~~- كلا! ~~- هو الحق بالتمام والكمال! # أطرق عبد الله محاصرا في ركن مسدود فاستطرد الشيخ: وإلى ذلك فهو عجوز دميم يكاد ~~يقعده الكبر! # قام عبد الله في تأثر واضطراب وهو يقول: لا تجرفني إلى هاوية يا شيخ ~~مروان! ~~- معاذ الله، إني لا أقدم على عمل قبل أن أستخير الله ذا الجلال، وكم من مرة زارت ~~مطلقتك الضريح ورجتني أن أدعو لك بالصحة والفلاح! ~~- حسبك. ~~- لعنة الله على الغضب، لعنة الله على الحواس! # تراجع عبد الله إلى الكنبة في الجناح الأيسر للحجرة وتهالك عليها مغمض العينين ~~فقال الشيخ: أصلح خطأك، كفر عنه، استرد السعادة التي سلبها الشيطان، تخلص من ~~وحدتك الغارقة في الحزن. # وتريث قليلا ثم قال: ولكن عليك أن تغير حياتك. # فقال عبد الله بتأثر شديد: دعني آخذ أنفاسي! ~~- إنك في صميم قلبك ترحب بكافة الحقائق التي كشفتها لك، لا ms44 تنكر ذلك، إنك ~~تحبها، ولا غنى لك عنها، إنك تنتظر اللحظة التي أدعوك فيها إلى ردها إلى ~~عصمتك. # فتأوه الآخر قائلا: اللهم عفوك ورحمتك. ~~- ولكن عليك أن تغير حياتك، فبادر إلى الإنجاب بعد أن من الله عليك باليسر، ~~وتردد على الزاوية في أوقات الصلاة المتاحة، ولا يفوتنك درس من دروسي ~~الدينية. # فقال عبد الله بحماس: بإذن الله لن يفوتني شيء من ذلك، والحق أني لم أكن مقصرا ~~ولكن فترة الاستغراق في العمل أورثتني عادات سيئة لا يتحرر منها إلا صادق ~~العزم. ~~- فترة ذميمة! # فتردد عبد الله قليلا ثم قال: ولكنني كنت قويا وسعيدا! ~~- تلك جنة الحيوان، أما الإيمان الحقيقي فلا تكمل أسبابه إلا بالتأمل والصلاة ~~والدرس. ~~- سمعا وطاعة! ~~- آن لك أن تؤمن كما يؤمن الإنسان الكامل، وسوف تعرف الروح بهجتها، ومعنى الحياة ~~الزوجية ومسراتها الحقيقية، وستعرف إلى ذلك كله كيف تهزم الشيطان إذا تصدى لك ~~بلعبة من ألاعيبه! # انتقل عبد الله إلى جانب الشيخ. قبل جبينه، ثم قال بامتنان: ربنا يكرمك يا شيخ ~~مروان، لقد انتشلتني من الظلمات وفتحت لي أبواب الهدى والسعادة. # 3 # دخلت حجرة الجلوس وهي تمشط شعرها. تبدى وجهها موردا رائقا بعد الحمام. ~~نظرت نحوه وهو واقف في جلبابه وراء النافذة وتساءلت: ألا تستعد لحضور الدرس في ~~الزاوية؟ # لم يلتفت نحوها. لعله لم يسمعها. جلست على الكنبة وما زالت تمشط شعرها. ~~قالت: أزف ميعاد الدرس يا عبد الله. # أجاب باقتضاب: لن أذهب. # حدجت ظهره بنظرة متسائلة ثم قالت بدهشة: لم تتخلف عن درس العصر مرة واحدة طوال ~~العام الماضي. # غادر موقفه إلى الكنبة في الجناح الأيمن وجلس وهو يقول في فتور: لن أذهب. ~~- ما لك؟! ~~- لا شيء. # جمعت شعرها في ضفيرة طويلة مليئة كالغصن الريان وهي تتساءل: هل ثمة شيء ~~ضايقك؟ # فأجاب على غير توقع منها: بل أشياء. # تيقظت تماما في قلق واضح وسألته: ماذا هنالك؟ # فقال بامتعاض ولكن بتهيب: ذلك الشيخ! # وأكمل متجنبا نظرتها المستطلعة: أصبح مضجرا! ~~- الشيخ مروان؟! ~~- نعم. ~~- إنه يكاد يستأثر بأوقات فراغك! ~~- ثبت ms45 لي أنه رجل مضجر! ~~- حدث بينكما شيء؟ ~~- يعيد ما يقول ويقول ما يعيد، بطريقة رجل يحفظ كلمات معادة عن ظهر قلب، ~~كالببغاء، كالآلة، ودائما بلا روح! ~~- شد ما تحمست له يا عبد الله. ~~- لا أنكر أنني كنت مبهورا به، ولكنه مضى يتكشف لي على حقيقته، قاومت الملل ~~شهورا، انتظرت عبثا أن يقول شيئا جديدا، ولكن لا جديد، رجل يؤدي وظيفته بلا روح، ~~ينادي على بضاعته كبياع البطاطة. ~~- متى اكتشفت ذلك؟ # فقال بنبرة لم تخل من حدة: منذ زمن قصير، ولكن ليس من اليسير أن نجازف بإنكار ~~ما تعودنا الإيمان به! # بهتت هنية. صرخ الذهول في عينيها. قالت وهي تضبط انفعالاتها: ليكن، لا تذهب إلى ~~الدرس إن يكن ذلك يضايقك، وعلى أي حال فصداقتكما أكبر من الدرس وأبقى. # فقال بمرارة: هو ليس في المقهى بخير منه في الزاوية! ~~- رباه، كيف أصدق أذني! ~~- حقا؟! ~~- عبد الله، لا تنس أفضاله علينا، من أجلها سمينا وليدنا باسمه، ولن تنكر أنك ~~طالما تغنيت بصداقته وسجاياه. # نفخ قائلا بوجه عابس: لم يعد لي به ثقة البتة. ~~- يا ألطاف الله! ~~- على أي حال كان صديقي أنا لا صديقك أنت! ~~- ولكنه صاحب فضل على كلينا، فهو الذي جمع شملنا من جديد. ~~- وتبين لي بعد ذلك أنه غير جدير بالمركز الذي يشغله! ~~- بالله كيف؟ ~~- كنت أضيق بعم مراد عبد القوي شيخ الحارة إذا احتد عليه في مناقشة ما، وكان ~~الشيخ مروان بدوره يتهم شيخ الحارة بأنه يعمل مرشدا للمباحث، ولكني بت أومن ~~بصدق فراسة عم مراد! # قالت هنية بحزن واضح: لن أناقشك ولكن فسر ما غمض علي من أمره. # فصمت قليلا ليرتب أفكاره ثم قال: لم تتكشف الحقيقة لي دفعة واحدة، ولكنها جاءت ~~كنقاط الماء التي تتجمع رويدا لتصنع في النهاية بركة آسنة! ~~- أود أن أعرف كل شيء. ~~- حسن. أول ما نفرني منه تهالكه على تصيد الدعوات إلى ولائم التجار ~~بالحارة! # ابتسمت هنية ابتسامة فاترة فقال بحنق: اتضح لي أنه شره، وأنه في سبيل إشباع ~~شراهته لا يتورع عن ms46 التودد المهين. ~~- خصال لو نظرت إليها بعين غير غاضبة لأمكن أن تمر بها مرور الكرام! # فقال بسخرية مريرة: ما أجمل أن يسعد الإنسان بمحام مقاتل مثلك! ~~- عبد الله .. ما هذه النبرة؟! ~~- آلمتك؟ ~~- إنها تذكرني ... # وأطبقت شفتيها دون أن تكمل كلامها فتساءل: بم تذكرك؟ # ولكنها تجاهلت سؤاله قائلة: لكل إنسان عيوبه! ~~- ليس الإمام كبقية الناس، وقد قال شيخ الحارة مرة: إنه عرف من الأئمة أناسا فوق ~~مستوى البشر! ~~- يمكن أن تقبله كإنسان عادي! # فقال بحدة: ومرة ضبطته وهو يقرص الزهر في لعبة النرد، الغشاش! # غمغمت بإشفاق: لا تحكم عليه من خلال لعبة تسلية! ~~- الخلق ينعكس على لهونا كما ينعكس على جدنا! # تنهدت ولم تدر ماذا تقول فتساءل بحدة: ثم ألا تذكرين كيف عاقب خادمته؟! ~~- قيل إنها سرقت. ~~- أيبرر ذلك انهياله عليها بالضرب وطردها بوحشية؟ .. خيل إلي وقتذاك أنني ~~أرى وحشا ينقض على فريسته! # صمتت تماما وراحت تعبث بضفيرتها بقلق بين. وضحك هو ضحكة ساخرة وقال: وكنت لمحت ~~أشياء اعتدتها في وقتها أوهاما تافهة فلما تبين لي من أمره ما تبين عدت ~~إليها بعين جديدة انحسرت عنها غشاوة التضليل. # تجلت في عينيها نظرة متسائلة فقال: تذكرت أنني رأيت عينيه أكثر من مرة وهما ~~يتابعان نساء حارتنا باهتمام غريب! # هتفت بانزعاج: كلا! ~~- ألا تصدقين أم أنك لا تريدين أن تصدقي؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- لم أعد أشك في أنه كان يطارد نساء حارتنا بعينين فاسقتين! ~~- يا رب عفوك ورحمتك! ~~- إنه خدعة كبرى وزنديق خطير! ~~- رحماك اللهم! ~~- رحماك يا هنية، لقد غرقت عاما في بحر من العمى والضلال! ~~- حسبك، صادق من تشاء واهجر من تشاء. # فهتف متجهما بنبرة صارمة: ثمة أشياء لا يمكن أن تمر دون حساب! ~~- ماذا تعني؟ ~~- آن لي أن أصارحك بما في نفسي. ~~- هذا ما ناشدتك الله أن تفعله. ~~- لنعد إلى حادث شهده بئر السلم بعمارتنا! ~~- عم تتحدث؟ # فقال بصوت ممزق: كان ذلك منذ أشهر مضت، رجعت ذات يوم من مشوار إلى عمارتنا وكنت ~~أنا جالسا في المقهى، أردت اللحاق بك لسبب لا ms47 أذكره الآن، صادف دخولك خروج الشيخ من ~~شقته، رأيتكما في بئر السلم ، خيل إلي ... # صرخت هنية: ماذا تقصد؟ ~~- رأيته يمد يده ... # قاطعته بغضب جنوني: ما من مرة قابلني حتى مد يده إلى رأس الطفل ليباركه وقد ~~فعل ذلك أمام عينيك مرارا. ~~- خيل إلي أن يده كانت تبارك صدرك! # فصرخت ثائرة: يا لك من مجنون قذر! # وهو يضحك بجنون: ~~- ولكن وقتها كذبت عيني. ~~- وقح .. وقح.. وقح. ~~- استردت الصورة حياتها الحقيقية على ضوء ما تكشف لي بعد ذلك. ~~- اقطع لسانك يا مجنون. ~~- أدركت أنني كنت أعمى لا مجنونا، وأدركت لم سعى للإصلاح بيننا، وأدركت كم ~~كنت لعبة بلهاء في يديه! # انتترت قائمة وهي تصرخ: أنت وحش، حيوان، مجنون، لن أبقى في بيتك لحظة أخرى. # وغادرت حجرة الجلوس وهي تنتفض غضبا. ضرب هو الأرض بقدمه بعنف وصاح وراءها: في ~~داهية .. ألف داهية وأنت طالق! # 4 # عاد الصمت إلى البيت. صمت جاف نفاث للقلق. وطيلة الوقت ذرع الحجرة من الكنبة إلى ~~الكنبة. اختفت آهات الطفل بشتى درجاتها المنغومة وأنواعها الصوتية الملونة بأطياف ~~السخط والرضا. ولكن لم يبرح مخيلته جسمه الضئيل البني المطروح على ظهره وأطرافه ~~الأربعة الصاعدة تتلاعب في الهواء عارضة أصابعه الصغيرة الدقيقة كالنقوش البارزة. ~~وجعل يقول: تجنب الوحشة، فهي أنسب جو لتقطير الحزن والأسى! # وذرع الحجرة مرتين ثم عاد يقول: تحرك .. انطلق .. حتى لا تبقى فريسة مطاردة ~~عاطفية محمومة. # وتجمع التصميم في زاويتي فيه وهو يواصل حديثه: الأسرة فخ .. والرجل الحر ~~... # ودق جرس الباب فقاطعه. فتح الباب فرأى الشيخ مروان أمامه. قطب في وحشية ولكن ~~الشيخ لم يباله. دخل وهو يتساءل: أحق ما سمعت يا عبد الله؟ # فقال عبد الله بفظاظة: اغرب عن وجهي. ~~- أتطردني من دارك؟ ~~- شر طردة! ~~- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ~~- إنك أنت الشيطان الرجيم. # فقال الشيخ وقد غلبه الحزن: ربما كان لك عذر أول مرة! ~~- اخرس، حذار من السفسطة، اذهب وإلا حطمت رأسك. ~~- يا لطف الله، لقد أفسد عقلك الرجل الماكر. ~~- لا أريد أن أسمع صوتك، اذهب. ~~- المرشد ms48 الخبيث مراد عبد القوي، الذي يتخذ من مشيخة الحارة ستارا لمؤامراته ~~الشيطانية، إنه يشعر بأنني عدوه بالفطرة، فلا يتردد عن التشنيع بي وافتراء الكذب ~~علي، ولكن كيف هان عليك أن تصدقه يا عبد الله! ~~- اذهب، إنه آخر نذير أنذرك به. ~~- صدقته، بعت صداقتنا بثمن بخس وخربت بيتك! ~~- أنت الذي خربته يا خنزير. ~~- وانقض عليه يريد أن يقبض على عنقه. صده الشيخ بذراعيه. تلاحما بشدة ما ~~بين هجوم كاسر ودفاع حكيم. وفي تلك اللحظة جاء مهرولا رجل نحيل متوسط القامة فدخل ~~بينهما حتى فصل بينهما، ثم هتف لاهثا: يا للعار .. يا للخجل! # والتفت نحو الشيخ وهو يقول برجاء: تفضل الآن بالذهاب يا شيخ مروان. # وأغلق الباب وراءه ثم مضى بعبد الله إلى الكنبة متمتما: تمالك نفسك أيها الأخ ~~الكريم. # وضرب كفا بكف وهو يقول: أي شيطان عبث بكما معا! # وهتف عبد الله وصدره يعلو وينخفض: ذلك الداعر الخائن. # جلس إلى جانبه. طوق منكبه بذراعه بحنان وقال: علينا أن نسترد هدوءنا واتزاننا قبل ~~كل شيء. # فتأوه قائلا: إني حزين لدرجة اليأس يا أستاذ عنتر. ~~- أعلم ذلك يا أخي فأنت مصاب في حب كبير وصداقة وطيدة. ~~- لم تبد لي الحياة من قبل كريهة منفرة كما تبدو اليوم. ~~- بلى، حياة ذات مائة وجه! # ثم بصوت منخفض: بيد أننا لا نعرفها على حقيقتها حتى نرى وجوهها جميعا! ~~- قلبي غاص بوحشة مخيفة يتعذر معها الاستمرار في الحياة. ~~- قلبي معك يا صديقي ولكن لا تستسلم لليأس. ~~- إنها محنة بكل معنى الكلمة. ~~- وعلينا أن نخرج منها سالمين! ~~- يخيل إلي ... # فقاطعه قائلا: بين آلاف الضاحكين في هذه اللحظة يوجد على الأقل شخص واحد كان ~~يفكر في الانتحار منذ عام. ~~- لعلك لم تعرف كل شيء عن مأساتي؟ ~~- بل أعرف كل شيء عنها، المهم أن نتجاوز الحاضر إلى المستقبل. ~~- ما أسهل الكلام يا أستاذ عنتر! ~~- وليس العمل بالمستحيل. # وسكت الرجل قليلا ثم استطرد: فكر جديا في تجديد حياتك من جذورها. # استغرقته الأفكار فلم ينبس فسأله عنتر: هل خطر لك يوما أن ms49 تسأل نفسك عن معنى ~~حياتك؟ # فرفع إليه عينين ثقيلتين فاترتين فقال الآخر: ما معنى الحياة؟ ما معنى الإنسان وما ~~معنى الحب؟ ما معنى الخيانة؟ أأدركت ما أعني؟ ~~- كلا. ~~- لقد جربت من الحياة جانبا أقرب إلى البدائية ولكن تنقصك الثقافة. ~~- وما علاقة ذلك بمأساتي؟ ~~- أوثق مما تتصور. ~~- لا أدري كيف. ~~- فلنؤجل فهم ذلك إلى حين! ~~- ولكني رجل بسيط التعليم. ~~- غير أنك تمتلك أقوى قوة في الوجود وهو العقل. ~~- إن ما يهمني الآن أكثر من سواه. # فقاطعه باهتمام: الثقافة أن تعرف نفسك، أن تعرف الناس، أن تعرف الأشياء والعلاقات، ~~ونتيجة لذلك ستحسن التصرف فيما يلم بك من أطوار الحياة! ~~- يا له من طريق طويل! ~~- لقد ضيعت في الأرشيف عمرا، وفي المقهى عمرا، وفي الزاوية عمرا، ومن حق ~~الثقافة عليك أن تهبها بعض عمرك. ~~- يخيل إلي أنني لا أحب ذلك. ~~- سوف تحبه، وستجد مكتبتي تحت تصرفك، مكتبة متواضعة فما أنا إلا مدرس، ولكن ~~كن على يقين من أنك ستحبه، أكان من الممكن أن تحب زوجتك قبل أن تراها؟ ~~- فصاح بحنق: لا ترجعني إلى تلك الذكرى. ~~- لا زلت تحبها! ~~- أود أن أقتلها. ~~- هذا يعني أنك لا زلت تحبها. ~~- ألم تسمعني يا أستاذ عنتر؟ ~~- الكراهية الحقيقية هي النسيان. ~~- يا له من حديث بغيض. ~~- لا تنس أنني ها هنا لأنتشلك من الهزيمة، فلا يجدي إلا الصدق. ~~- الصدق؟! .. أين الصدق؟ ~~- إنه جوهرة قد تختفي أحيانا تحت ركام الأوهام. ~~- من سوء الحظ أن مأساتي ليست وهما. ~~- من ذا الذي يستطيع أن يقطع برأي في ذلك؟ ~~- الضحية! ~~- بل البصيرة. # هز عبد الله منكبيه في فتور فقال عنتر: فلنناقش خيانة الشيخ مروان ~~المزعومة. # هتف عبد الله بغضب: المزعومة! # لم يعلق عنتر على صيحته فقال عبد الله: أجئت لتدافع عن ذلك الوغد؟ # فقال بهدوء: من أجل الحقيقة وحدها جئت. ~~- لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. # فواصل حديثه وكأنه لم يسمعه: لأني أحب الحقيقة ولأني أود معاونتك. ~~- لم يعد من السهل إقناعي! ~~- فلنجرب. ~~- إني أمقت ذلك. ~~- صبرك. ~~- لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني! ms50 ~~- لا تأبه بأدوات الخطأ. # ندت عن عبد الله ضحكة جافة وقال: سمعت مثل ذلك من قبل، الوغد قاله لي! ~~- حقا؟ ~~- لعن الحواس وأشاد بالقلب. ~~- وإني ألعنها أيضا ولكن لحساب العقل! ~~- لا دخل للعقل فيما رأيت. ~~- إني أعرف الشيخ مروان خيرا منك. ~~- لا أحد يعرفه مثلي. ~~- هلا حدثتني باكتشافاتك؟ # صمت عبد الله زهدا في الحديث ونفورا منه فقال عنتر برجاء: احترم رغبة صديق يحبك ~~ويتمنى لك الخير. # فقال عبد الله بحنق: إنه رجل مضجر، يعمل بلا روح، على خلاف ما يظن الناس. # فقال عنتر متوددا: أوافقك على رأيك في ذلك ولكن لا ذنب له فيما ~~استشعرته. ~~- ذنب من إذن؟ ~~- لا أهمية لذلك الآن، غيره. ~~- ذله المهين حيال التجار من أهل الحارة. ~~- لا أنكر ذلك ولكنه من خلال علاقاته معهم أقنعهم بإنشاء المدرسة التي أنا مدرس ~~بها! # بهت عبد الله. ومضت عيناه حنقا وهو يعثر بشرك، فقال الآخر برقة: لا تغرنك ~~المظاهر، إن التكالب على الولائم عيب ولكن ثمة خبرا أكبر منه وأخطر. # فتساءل عبد الله بحذر: ومعاملته لخادمته؟ .. أنسيت ذلك؟ # فضحك عنتر طويلا ثم قال: يا للرجل الضحية! # واستمر في ضحكه حتى قال: الحق يا صديقي أن البنت حاولت إغواءه! ~~- هه! ~~- أجل، تلك حقيقة لا يعلم بها أحد سواي، وأنا الذي اقترحت السرقة كعذر لطردها ~~صونا لسمعتها! # بهت عبد الله مرة أخرى. عكست عيناه نظرة حذر وخوف. تمتم: فلنغلق باب ذلك ~~الحديث. ~~- أوجدت رغبة طارئة في الهرب؟ ~~- الهرب! ~~- لعلك تخشى اكتشاف ضحايا أبرياء لك! ~~- أستاذ عنتر! ~~- لا توصد باب السعادة في وجهك. ~~- هيهات أن أنسى ما رأته عيناي. ~~- تعني حكاية بئر السلم؟ # فتنهد ولم ينبس. ~~- لم لم تصدقها في وقتها؟ ~~- لكثافة الغشاوة فوق عيني. ~~- ثم استرجعتها بعين ذاكرة حانقة غاضبة كارهة! ~~- لن أقيم قصورا على الرمال مرة أخرى. ~~- راجع عقلك وحده. ~~- كلا، الوغد الفاسق، طالما ضبطت عينيه وهما يفسقان بنساء حارتنا! # ضحك عنتر ضحكة عالية وقال: الضحية المسكين، ألا تعرف أنه لا يستطيع أن يرى إلى أبعد ~~من ذراعين؟ ~~- كلا، لم ms51 يشك ذلك قط. ~~- إنه لا يحب الشكوى على الإطلاق. # فصاح عبد الله ملقيا بآخر تحدياته وأخطرها. ~~- لقد رأيت يده في صدر زوجتي. ~~- لم يحصل يا صديقي عبد الله. ~~- حصل. # تنهد الرجل قائلا: لا بد مما ليس منه بد. # وسكت مليا، مكفهر الوجه لأول مرة، ثم قال: لا مفر من مصارحتك بحقيقة ما كان ~~يجوز إعلانها. # تابعه الآخر صامتا ولكن باهتمام متزايد فقال عنتر: الرجل مصاب بعجز جنسي منذ ~~أكثر من عام! # انكتمت أنفاس الانفعالات المحتدمة تحت طن من التراب فساد الذهول. وارتفع صوت ~~عنتر قائلا: ذهبنا من طبيب إلى طبيب ولكن لم يعدنا أحدهم بشفاء عاجل! # لم يستطع عبد الله الخروج من صمته فقال عنتر: إن كنت في شك من قولي صحبتك إلى ~~الطبيب بنفسي. # ثم وهو يرفع رأسه إلى أعلى: ليغفر لي الله ذنبي! # خلا كل منهما إلى نفسه. أغمض عبد الله عينيه. على رغمه انسابت دموع من تحت جفنيه. ~~حانت من عنتر التفاتة إليه فرأى دموعه. تهلل وجهه وانبسط. تمتم بنبرة متأثرة: صديقي ~~عبد الله، ليحفظك الله من كل سوء، ليجعل لك من عقلك مرشدا. # 5 # ضمت هنية وليدها إلى صدرها ترضعه. أما مروان الصغير فكان يحبو أسفل الكنبة. ~~عبد الله .. انفرد بنفسه على كنبة أخرى يقرأ في كتاب. وسألته هنية: متى تستعد ~~للذهاب إلى القهوة؟ # فأجاب دون أن يرفع رأسه عن الكتاب: سأذهب إلى السينما مساء اليوم مع عنتر. # ومضى الوقت في هدوء شامل حتى دق جرس الباب. فتح الرجل الباب فدخل رجل طويل نحيل ~~في بدلة رمادية. # رحب به عبد الله قائلا: أهلا بشيخ حارتنا. # حيا القادم الزوجة وجلس حيث أجلسه عبد الله إلى جانبه. ~~- زارنا النبي يا سيد مراد عبد القوي. ~~- انتظرتك في القهوة ولكنك لم تحضر كعادتك؟ ~~- سأذهب إلى السينما مع الأستاذ عنتر. # ابتسم شيخ الحارة ابتسامة غامضة فقال عبد الله: هلا ذهبت معنا يا سيد ~~مراد؟ # فقال بهدوء: جئتك لغرض آخر. # فنظر الرجل نحو زوجته نظرة خاصة لتغادر الحجرة ولكن شيخ الحارة بادره: ms52 لا ~~تزعجها، ولعله من المفيد أن تسمع حديثنا. # فتطلع إليه باهتمام حتى قال بهدوئه المألوف: سيدور الحديث حول صديقنا الإمام ~~والمدرس! # دهش عبد الله. راقب وجه الرجل الحاد باهتمام. ولما طال السكوت قال: الحق أنه ~~رغم صداقتكم فلا يخلو لقاء بينكم من مناوشات غير مريحة. ~~- لا ضرر من ذلك. ~~- ترى هل لانتصارك المتكرر عليهما في الشطرنج دخل في ذلك؟ ~~- ليس ذاك بالتفسير المقنع. ~~- بلى. ~~- ولكنك تعرف لذلك أسبابا أخرى! # فلاح الارتباك في وجه عبد الله فقال شيخ الحارة: أعرف أنهما يشيعان عني أنني ~~مرشد! # لم يخرج عبدا لله عن صمته فقال الرجل: ما عيب أن أكون مرشدا؟ ما المرشد إلا عين من ~~عيون المصلحة العامة. ~~- هذا حق. ~~- ولا يخافه إلا المنحرفون. ~~- هذا حق أيضا. # فابتسم شيخ الحارة وقال: ما علينا يا سيد عبد الله، ماذا تعرف عن الرجلين؟ ~~- كل خير يا شيخ الحارة. # وقالت هنية: نحن مدينان لهما بسعادتنا. # وقال عبد الله: وباسميهما سمينا وليدينا. # فقال الرجل بهدوء كاد يكون برودا: إنما أسأل عن الرجلين لا عنكما. # فقال عبد الله بحماس: هما ألصق الناس بي، ومنهما أستمد العلم والهداية ~~والمودة. ~~- باسم الصداقة صارحني: ألك رغبة حقيقية في خدمة المصلحة العامة؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- أتفضلها عند المقارنة على العلاقة الشخصية؟ # أجاب بعد تردد: أعتقد ذلك. ~~- حسن، قلت إنهما ألصق الناس بك، كثيرا ما تجمعكم سهرات طويلة في بيت الإمام أو ~~المدرس أو في بيتك هذا، ماذا ترى؟ .. ماذا تسمع؟ .. ماذا تلاحظ؟ ~~- سهراتنا تمضي عادة في مناقشات يتخللها شرب الشاي والقرفة، وأنا شخصيا قليلا ~~ما أشارك في الحديث إذ أنه يعلو علي كثيرا، ربما أطرح سؤالا من آن لآن، وهما رغم ~~خلافاتهما الكثيرة ينتهيان عادة إلى نوع من الوفاق. ~~- هل تستطيع أن تمدني بأمثلة مما يدور النقاش حوله؟ # فأجاب عبد الله باهتمام منتشيا بإحساس بالأهمية: إنها موضوعات خطيرة حقا، مثل ~~الحرية والخبز، الخير والشر، الخلود وهل يكون بالأرواح وحدها أو بالأرواح والأجساد ~~معا، العفاريت وهل توجد بالحقيقة أو بالرمز. # فابتسم شيخ الحارة ابتسامة ms53 غامضة وقال: يا لها من مسائل خطيرة حقا! ~~- جدا. ~~- وهل برهنا على وجود للعفاريت حقيقي؟ ~~- هذا ما يؤمن به الشيخ مروان أما الأستاذ عنتر فيتكلم عن ذلك بحذر شديد وإن ~~قرر أن احتمال وجود كائنات غيرنا في العالم مقبول عقلا. ~~- وكيف بررا وجود الشر في العالم؟ ~~- ما زال عقلي طفلا ولكن عنتر يؤكد أن ما نعده شرا ليس بشر حقيقي إذا نظر ~~إليه في موضعه من الصورة الكلية للكون. # فضحك شيخ الحارة ضحكة مقتضبة وقال: لا أظنه كذلك في نظر أي من ~~المرشدين. # فقالت هنية: ولا في نظرنا يا سي مراد. # رحب شيخ الحارة برأيها بهزة من رأسه ثم تحول إلى عبد الله متسائلا: ألم ~~يتطرق الحديث إلى موضوعات أهم؟ ~~- أهم من الخير والشر والخلود؟ # فقال وهو يداري ابتسامة: كالنساء مثلا أو المخدرات! # فهتف عبد الله: أعوذ بالله. # وقالت هنية: إنهما أفضل رجلين في حارتنا! # فسأله دون اكتراث لاعتراضاتهما: ألم تلاحظ في سلوكهما ما يدعو إلى التفكير؟ ~~- كلا يا سيدي. # فرمقه بنظرة ذات معنى وقال: أذكر أنه كانت لك جولات مع الإمام مثيرة! # فقال عبد الله بيقين: لقد انقشعت غمومها بفضل القلب والعقل. # وقالت هنية باستياء: كيف هان عليك أن تذكرنا بذلك الماضي؟ ~~- لا مؤاخذة، فإن عملي الدقيق عودني على ألا أتورع عن شيء في سبيل ~~إتقانه. # ثم مركزا خطابه على عبد الله: رئي الأستاذ عنتر عبد العظيم في ليلة ممطرة وهو ~~راجع إلى مسكنه حافي القدمين، واضعا في ذات الوقت حذاءه وجوربه تحت إبطه ملفوفين ~~بجريدة، ألم يدعك ذلك إلى التفكير؟ # فضحك عبد الله وقال ببراءة: أبدى عن ذلك منطقا غريبا ولكنه لا يخلو من سداد، قال: ~~إن القدمين بغسلهما يعودان إلى أصلهما، أما الحذاء والجورب فلو تعرضا للمطر والطين ~~لأصابهما حتما تلف كبير أو صغير! ~~- أقتنعت بمنطقه؟ ~~- اعتبرت الأمر كله فكاهة لطيفة. ~~- ألم تر فيه تصرفا غير لائق برجل من رجال التربية؟ ~~- الحق، إن احترامي له منعني من التفكير على ذلك النحو. ~~- ألم يكن عرضة لأن يراه أحد ms54 من تلاميذه؟ ~~- يا شيخ الحارة إن أكثريتهم لا تستعمل الأحذية خارج أسوار المدرسة! ~~- ألا يعني سلوكه أنه يؤمن بأن الإنسان يجب أن يكون في خدمة الحذاء لا ~~العكس؟ ~~- اعتبرت الأمر فكاهة كما قلت. # فتفكر مليا ثم سأله بلهجة ابتداء جديدة: صرح الشيخ مروان مرة أنه يفضل أن ~~يعيش في ظلام دامس على أن ينور مجلسه بمصباح وارد من بلاد أعداء الله، ما ~~رأيك؟ ~~- بيته يا سيد مراد مضاء بالكهرباء! ~~- فما معنى التناقض بين قوله وفعله؟ ~~- ما هي إلا طريقة للإعراب عن إيمانه وأصالته! ~~- هل استشهد مرة بقول الشاعر: # هل الله عاف عن ذنوب تسلفت # أم الله إن لم يعف عنها يعيدها ~~- أجل يا سيدي ولكن كان ذلك من خلال إبداء بعض الآراء في النحو. ~~- إذن ليس لديك أية ملاحظات عن الرجلين؟ ~~- بلى يا سيد مراد. # فقال الرجل وهو يهم بالقيام: آن لي أن أذهب. # فقال عبد الله بحرارة: بودي أن أدعوكم جميعا إلى جلسة مودة وتصفية في ~~بيتي. # فقام شيخ الحارة وهو يقول: فات أوان ذلك! ~~- بل ثمة فرصة طيبة. # فقال شيخ الحارة بهدوئه البارد: لقد ألقي القبض عليهما منذ ساعتين! # ندت عن هنية آهة فزع على حين صاح عبد الله منكرا: لا! ~~- هي الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان. # هتفت هنية متسائلة: كيف يقبض على أشرف رجلين في حارتنا؟ ~~- علمي علمك يا أم مروان. ~~- ولكنها كارثة عظمى! ~~- بل أحداث عادية تقع كل يوم. # وأراد الرجل أن يمضي إلى الخارج ولكن عبد الله اعترض سبيله متسائلا في هستيريا: ~~لم قبض عليهما؟ # فأجاب بوضوح وقوة: لا جواب عندي على ذلك. # وحياهما وانصرف. خلف وراءه زوبعة اجتاحت العقل والقلب. جعل الزوجان يتبادلان ~~النظر في صمت رهيب. قام بينهما حاجز مشحون بالنذر. وتمتمت هنية: أمر لا يصدقه ~~العقل. ~~- أجل. ~~- كارثة حقيقية. ~~- أجل. ~~- انظر كيف تهدد كرامة الأبرياء! ~~- نعم .. نعم. ~~- عقلي سيطير في الهواء. ~~- عقلي طار فعلا. ~~- ما معنى ذلك يا عبد الله؟ ~~- ما معنى ذلك! ~~- وشيخ الحارة لا يريد أن يتكلم. ~~- مسئولية خطيرة! ~~- ولكنه ms55 يعرف كل شيء. ~~- ربما. ~~- ولعله المسئول عن كل شيء. ~~- جائز. ~~- أليس هو بصديقك؟ ~~- ليس من السهل مناقشة عمله. # وحدجته بنظرة قلقة وقالت: الحادث قلقلك! ~~- طبيعي. ~~- لقد انفعلت به أكثر مما يجوز. ~~- بل دون ما يجب. ~~- قلبي .. قلبي غير مرتاح. ~~- ولا قلبي! # وتبادلا نظرة ثقيلة معتمة كالحة. # 6 # ترامت من الحارة أصوات متلاطمة آخذة في نقاش محتدم. ترامت من وراء النافذة ~~المغلقة فقال عبد الله: أهل حارتنا يتبادلون الرأي في القهوة. # ومضى إلى النافذة ففتحها على مصراعيها فتدفقت الأصوات في قوة ووضوح. ذهبت هنية ~~بالطفلين إلى حجرة داخلية ثم عادت بمفردها فجلست قبالة زوجها على الكنبة وراحا ~~يرهفان السمع باهتمام شديد. ~~••• ~~- شيخ الحارة، إنه شيخ الحارة! ~~- هو الذي دبر الإيقاع بهما. ~~- ولكن لم؟ ~~- الأسباب مجهولة. ~~- لعلها أسباب شخصية. ~~- ويتردد ذكر أسباب غريبة. ~~- أي أسباب غريبة؟ ~~- أسباب لها علاقة بالسلوك! ~~- السلوك! معاذ الله. ~~- الإشاعات تتطاير. ~~- اضرب لنا مثلا. ~~- كلام قيل عن المخدرات! ~~- المخدرات! .. من ذا يتصور ذلك؟! ~~- بل حتى الاتجار بالمخدرات جرى به الهمس. ~~- يا ألطاف الله! ~~- وكلام آخر عن النساء! ~~- ليقطع الله ألسنتهم. ~~- الرجلان بريئان، وما هي إلا مكيدة قذرة! ~~- أجل، مكيدة يقف وراءها شيخ الحارة. ~~- ولكن شيخ الحارة رجل مستقيم ما عرفنا عنه من سوء. ~~- كالخط المستقيم، كالماء النقي. ~~- ووسائل عمله وإن تكن مجهولة إلا أنها مؤكدة لا تخطئ. ~~- هذه مغالاة لا مبرر لها، لا يخلو الرجل من ضعف إنساني، ولا شك عندي في أنه ~~أوقع بهما لأسباب شخصية! ~~- اتهاماته لا دليل عليها! ~~- كل واحد يعرف أنه لم يكن يستلطفهما. ~~- إنه لا يستلطف آخرين فلم لم يوقع بهم؟! ~~- لكل إنسان مزاياه ونقائصه، هذا قانون ينطبق على الإمام والمدرس وشيخ الحارة، فشيخ ~~الحارة ليس بالإنسان الكامل ولكن الأمر لم يكن يقتضي القبض على الرجلين ~~المحترمين. ~~- أنا أصر على براءة الرجلين وكمالهما! ~~- وأنا أصر على امتياز شيخ الحارة. ~~- انتظروا، ستعرف الحقيقة عاجلا أو آجلا. ~~- لن يغير شيء من رأينا في الرجلين. ~~- ولن يغير شيء من رأينا في الرجل. ~~- يا لها من بلبلة، ms56 لن نتفق على رأي. ~~- ولكن الحق واضح. ~~- الحق واضح. ~~- الحق واضح. ~~- لا اتفاق على رأي . ~~- والتعصب رذيلة غير مجدية. ~~- ولكنه مبرر في حال الرجلين فهما مرجع كل كلمة طيبة أو سلوك حميد في ~~حارتنا. ~~- وهو مبرر كذلك في حال الرجل الساهر على أمن حارتنا وسعادتها. ~~- ولكننا حيال موقف يحتم علينا التفرقة بين الصواب والخطأ. ~~- لا يمكن أن يخطئ الرجلان. ~~- ولا يمكن أن يخطئ الرجل. ~~- يا لها من بلبلة، لن نتفق على رأي. ~~••• # ضاق صدر عبد الله بما ترامى إلى سمعه فقام إلى النافذة فأغلقها بعصبية. عادا ~~يتبادلان النظرة المعتمة الثقيلة. وتمتمت المرأة: إنها لبلبلة حقا لا تستخلص منها ~~شيئا. ~~- فقال بقلق: ولكنها تعصف بالقلب عصفا. ~~- لكل رأيه ولكن أحدا لا يستسلم للعاصفة! # فقال وكأنما يناجي نفسه: لا يمكن أن يلقى القبض عليهما لغير ما سبب! ~~- سمعنا كل ما يمكن أن يقال. ~~- الأمر يختلف فيما يتعلق بي! # وساد صمت لم تجرؤ على خرقه حتى عاد يقول: فأنا لم أستقر على الطمأنينة إلا ~~استنادا إلى الثقة الكاملة بهما! ~~- لعله من المغالاة أن نطالب بالثقة الكاملة. ~~- لولا ثقتي الكاملة بالأستاذ عنتر لما عاودت الثقة بالشيخ مروان! ~~- ما أكثر الذين يؤمنون ببراءتهما! ~~- وما أكثر الذين لا يؤمنون! ~~- من الحكمة أن تبقى على ثقتك بهما ما دمت لا تجد الدليل القاطع على ~~إدانتهما. ~~- ولكنها حكمة قد تقضي علي. # فتساءلت بحزن وأسى: ماذا تعني؟ # لم ينبس ولكنه طالعها بوجه مكفهر. وإذا بها تهتف بحدة: أصبحت خبيرة برصد ~~وساوسك! ~~- وساوسي؟! ~~- وساوس التردد وضعف الثقة بالنفس! # فصاح بغضب: علي أن أكون مغفلا لتشهدي لي بالقوة والثبات؟! # فقالت بوجه متقلص بالعذاب: ها نحن نعود رويدا إلى الجحيم! ~~- المهم أن يقوم صرح حياتي على حقيقة واضحة. ~~- لعل الأهم من ذلك أن تنادي الحكمة في المحن وأن تتذكر دائما أنك ~~أب! # فقال بسخرية مريرة: أجل، إني أبو مروان وعنتر. ~~- وهي حقيقة أهم مما عداها. # فقال بارتياب: بل توجد حقيقة أخرى أكبر، وليست هي بالثانوية، وأنا أريدها كما هي في ~~الواقع ولو ms57 دهمتني في هالة من النيران المتقدة. ~~- أخشى أن يقتصر حظنا من السعي في النهاية على الاحتراق بالنيران المتقدة! # فرماها بنظرة متفحصة نافذة وقال بحنق: أنت وحدك تعرفين الحقيقة الكاملة! # فقالت بإصرار: حسبي أن أعرف أنني زوجة أمينة كما ينبغي للزوجة أن تكون. # فتمتم كأنما يناجي نفسه: زوجة أمينة كما ينبغي للزوجة أن تكون. # فقالت بتحد: أجل، هذا ما عنيته. ~~- أترثين لي في صميم قلبك أم تسخرين مني؟ # فقالت بحدة: علم الله أني أرثي لك! ~~- إذن فأنت زوجة وفية. ~~- لشد ما يؤلمني تساؤلك! ~~- لا مفر من التساؤل حتى الموت. # فهتفت بغضب: اطرح أفكارك المريضة أو فلتذهب إلى الجحيم. ~~- ها أنا أتقدم من الجحيم بخطوات ثابتة. ~~- فكر مرتين، فكر مرات، فكر من أجل الطفلين. ~~- ما أحوجني إلى ضوء شمعة في هذه الظلمات المتلاطمة! ~~- حذار من الخطأ. ~~- ما أحوجني إلى ضوء شمعة! ~~- حذار من رمي الأبرياء بالتهم الباطلة. ~~- ضوء شمعة لا أكثر. ~~- إذا غادرت بيتك للمرة الثالثة فتكون الثالثة والأخيرة. ~~- أتلجئين إلى التهديد لتمنعيني من التفكير؟ ~~- إني أحذرك وأنبهك. ~~- هل رميتك بتهمة تكرهينها؟ ~~- دعني أسألك، ألا زلت تؤمن ببراءتي؟ # فتنهد قائلا: في محنتي الراهنة لا أجد قدرة على الإيمان بشيء. ~~- أرأيت؟! إني ذاهبة وعليك أن تحسم أمرك للمرة الأخيرة وإلى الأبد. # واندفعت خارجة من الحجرة وهي تردد: للمرة الأخيرة وإلى الأبد. # 7 # جلسا جنبا إلى جنب، عبد الله وشيخ الحارة. فرغا من احتساء الشاي وشيخ الحارة يقول: ~~خمنت من بادئ الأمر لم دعوتني يا صديقي. # فقال عبد الله بحرارة: بالنسبة إلي فهي مسألة حياة أو موت. # فقال شيخ الحارة بامتعاض: تجنب من فضلك المبالغات العاطفية. ~~- يهمني جدا أن أعرف الأسباب التي أدت إلى القبض على الشيخ مروان عبد النبي ~~والأستاذ عنتر عبد العظيم. # فلوح شيخ الحارة بيده متضايقا وقال: عيب أهل حارتنا أنهم يخلطون بين العلاقات ~~الشخصية والأمور العامة! ~~- ليس الفضول على الإطلاق ما يدفعني إلى سؤالي! ~~- ليس الفضول وحده ولكن علاقتك الوطيدة بالرجلين. ~~- ولا ذاك أيضا، ولكن لأن على الجواب تتوقف حياتي، ms58 حياة أسرتي، سعادتي في هذه ~~الحياة. ~~- لعلك تعني المضاعفات التي أصابت حياتك الزوجية فيما مضى؟ ~~- نعم . ~~- إنه موقف يشاركك فيه كثيرون من أهل حارتنا! # فتساءل عبد الله بذهول: حقا؟ ~~- هو الحق على وجه اليقين. ~~- أتعني ...؟! ~~- أعني أن الرجلين بحكم عملهما، اتصلا بأسر كثيرة، ونزلا منها نفس المنزلة ~~التي نزلاها من أسرتك. # فقال عبد الله باهتمام: حدثني عما وقع لتلك الأسر؟ # فقال بعدم اكتراث: منهم من خاب ظنه فيهما فطلق، ومنهم من أصر على الثقة بهما ~~فمضت حياتهم كما كانت تمضي من قبل دون أدنى تأثر. # وحدجه بنظرة نافذة ثم واصل حديثه: ومنهم من لم يستقر على رأي فتردى في هاوية ~~العذاب. ~~- يا له من مصير غير محتمل! ~~- أجل. ~~- ولكن بوسعك أنت وحدك أن تحسم الأمر. ~~- لا شأن لي بذلك. ~~- بل هو واجبك نحو أهل حارتك. ~~- يا صديقي إن مهمتي تتعلق بأمن الحارة وسلامتها ولا شأن لي بحياة الأفراد. ~~- ولكن الحارة ليست إلا أهلها. ~~- الحارة شيء وأهلها شيء آخر. ~~- لا أفهم ذلك. ~~- ولكني أفهمه بكل وضوح وبساطة، وتحت شعاره أعمل. # ثم قال بصوت مرتفع الدرجة: الحارة كل لا يتجزأ وليس من العسير أن أعرف ما ينفعها ~~وما يضرها، أما أهلها فأفراد لا حصر لهم، وتتعدد مشكلاتهم بتعدد أهوائهم. ~~- معذرة، يتعذر علي أن أسلم بذلك. ~~- دعني أضرب لك مثلا، ثمة زوج يكره زوجته، وآخر يحبها حتى العبادة، وثالث لا ~~هو يحبها ولا هو يكرهها، فهل تتصور لهم موقفا واحدا من حادثة القبض على الإمام ~~والمدرس؟! ~~- ولكن كلا منهم يود أن يتخذ موقفا على ضوء الحقيقة. ~~- لعلك تفترض فيهم شجاعة قل أن تتوافر، وفي النهاية تتحكم الأهواء ~~وحدها. # ثم التفت نحوه باسما متسائلا: أتحب زوجتك؟ # فلاذ عبد الله بالصمت فقال شيخ الحارة: لطيف أن تحب زوجتك هذا الحب كله! ~~- أعترف بأنه لعنة تطاردني. ~~- فماذا تهمك الحقيقة؟ ~~- هي كل شيء. ~~- خيل إلي أنها لا شيء في مثل حالاتك. ~~- أي قيمة لحب يقوم على كذبة؟! # وتنهد عبد الله ثم استطرد: إني أتساءل دون توقف، هل ms59 أطلق؟ هل أغمض عيني؟ هل ~~أسلم للعبث والمجون؟ هل أنتحر؟ ~~- يا له من عذاب! ~~- أنت المسئول عنه. # فابتسم شيخ الحارة ساخرا وقال: أنت وحدك المسئول! ~~- ما أسباب القبض عليهما؟ .. باسم الرحمة والصداقة أجبني. # فقال شيخ الحارة بهدوء: كثيرون يتصورون مسئوليتي في ذلك على غير حقيقتها. ~~- ولكنك قبضت عليهما. ~~- لم أقبض في حياتي على أحد. ~~- الكل يجمع. # فقاطعه بهدوء: دعنا مما يجمعون عليه، إن مهمتي تنحصر في جمع المعلومات. ~~- إذن حدثني عن معلوماتك. ~~- المعلومات - كالوسائل التي أحصل بها عليها - سر من أسرار عملي. ~~- أليس من المحتمل أن تكون خادعة؟ ~~- إني أعرف عملي جيدا. # ثم بشيء من الكبرياء: ولا أثر فيه للهوى أو للأغراض الشخصية. # فقال بنبرة اعتذار: لم أقصد شيئا يسيء إليك ولكن حدثني عن انطباعك فهل تؤمن ~~بأنهما مذنبان؟ ~~- الحكم بذلك يخرج عن حدود عملي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إني أقدم معلومات، أما الحكم عليها فمن اختصاص غيري! ~~- ولكن لا شك أن لك انطباعك عن المعلومات التي تتجمع لديك؟ # لا أستطيع الجزم بشيء، إني أعرف على سبيل المثال - أن «أ» قابل «ب» في الساعة «د» في ~~المكان «ه»، الواقعة مؤكدة ولكن ماذا تعني عند أهل الاختصاص؟ .. قد يعقب ذلك القبض على ~~«أ»، أو على «ب»، أو على «أ» و«ب» معا، وقد لا يقع شيء البتة. ~~- فإذا تم القبض فهذا يعني الإدانة. ~~- كلا. ~~- ولكن كيف؟ ~~- قد يفرج عن المقبوض عليه بعد وقت ما، وقد يتضح أن القبض على «أ» و«ب» كان بغرض ~~الإيقاع بثالث مجهول هو «و»! ~~- أي حيرة! ~~- هو الطريق إلى الحقيقة! ~~- ربما كان أفضل ما يتبع هو الانتظار. ~~- رأي يبدو وجيها، ولكن الانتظار قد يمتد عاما أو عشرة أعوام، فهل تطيق أن ~~تترك زوجتك في بيت أبيها هذه المدة دون حسم؟! ~~- إذن كيف يمكن معرفة الحقيقة؟ ~~- لا أدري ماذا أقول، ولكن لا يكفي الاعتماد على الغير، لا بد من استغلال مواهبك ~~الذاتية وخبرتك الماضية. # تنهد عبد الله من الأعماق وقال: الحق أني كنت أجد عند الرجلين إجابات جاهزة ~~وحاسمة ومريحة كلما ms60 احتجت إليها. ~~- ولكن لا تنس أنك طلقت في رحابهما مرتين! ~~- ربما كنت متسرعا. ~~- وربما كنت على حق! # صمت مليا مكفهر الوجه، ثم سأله: بم تنصحني فيما يتعلق بزوجتي؟ ~~- أرجوك، لا شأن لي بالشئون الخاصة. ~~- ولكنها كل شيء! ~~- بالنسبة لك لا للحارة التي أنا شيخها! ~~- إني أسألك كصديق. ~~- أعترف بأن صفتي العامة قد غلبت على كل شيء، ولو أنني نصحتك نصيحة ثم ثبت بعد ذلك ~~فشلها لحاسبتني على ذلك بصفتي شيخ الحارة لا الصديق فحسب. # تنهد عبد الله مرة أخرى ثم قال: إذن قد تثبت براءة الرجلين وقد تثبت ~~إدانتهما! ~~- أجل. ~~- ليس ثمة يقين؟ ~~- بلى. ~~- مجرد احتمال! ~~- نطقت بالصواب. ~~- وما النسبة المئوية لكلا الاحتمالين؟ ~~- لنقل 50٪! ~~- 50٪. ~~- أيهمك أمر الرجلين لهذا الحد؟ ~~- يهمني أمر زوجتي قبل كل شيء. # فابتسم شيخ الحارة وقال: كم تحب زوجتك! ولكن لا غرابة فأنا أحب زوجتي ~~أيضا. # فرمقه بنظرة غريبة وسأله: ألم تصادفك متاعب في حياتك الزوجية؟ # فضحك شيخ الحارة لأول مرة وقال: لا يخلو بيت من ذلك، وقد وقفت مرة على عتبة الطلاق ~~ولكن الله سلم. ~~- أكان لذلك أسباب مختلفة؟ ~~- ثمة تشابه لدرجة ما. # فسأله بلهفة: وكيف استرددت ثقتك بها؟ # تفكر الرجل قليلا ثم قال: الحق أن زوجتي تعاونني فنحن لا نكاد نفترق، ولا يجد ~~الشك ثغرة بيننا يمكن أن يتسلل منها. # نظر الرجل في ساعته. قام. قام عبد الله أيضا. ومضى شيخ الحارة نحو الباب ولكنه ~~توقف في وسط الحجرة، ثم سأله: بحكم الفضول هلا أخبرتني بما أنت فاعل؟ # فتفكر عبد الله وقتا ثم قال: لئن تكن زوجتي مذنبة بنسبة 50٪ فهي بريئة في الوقت ~~نفسه بنسبة50٪! ~~- وإذن! ~~- ولأني أحبها أكثر من الدنيا نفسها، ولأنه لا بديل عنها إلا الجنون أو الانتحار، ~~فإنني سأسلم باحتمال البراءة. # فابتسم شيخ الحارة ومضى إلى الباب. وتصافحا. ثم سأله وهو يهم بالذهاب: وهل أنت ~~سعيد؟ # فابتسم عبد الله ابتسامة لا تخلو من حزن وقال: بنسبة لا تقل عن50٪! # | روبابيكيا # 1 # كالعادة كل صباح كان أول طارئ على الطريق. مع أول شعاع ms61 للشمس تنفرج عنه السحب. أورقت ~~الأشجار فترامت خضرتها على المدى فوق كورنيش النيل. مشى على مهل مفعما بأنفاس ~~الربيع وعيناه تنظران إلى بعيد. تنظران في لهفة. وكالعادة أيضا، وقريبا من منتصف ~~الطريق لاحت لعينيه قادمة. تلاقيا تحت شجرة الأكاسيا فتصافحا باسمين. تساءل: نجلس ~~فوق السور؟ ~~- لا بأس. # وجلسا ظهراهما للنيل ووجهاهما للطريق الخالي. ~~- صباح سعيد أن أصبح على وجهك. ~~- شكرا. ~~- ورغم أننا لم نتعارف إلا أمس فإنني أشعر بأنني أعرفك منذ زمن بعيد. ~~- طالما جمعنا الطريق كل صباح. ~~- كل صباح سعيد. ~~- مشوار ضروري لي لتجنب الترهل. ~~- ألفتك، كالنسمة الرقيقة والسحابة البيضاء، ونفذت إلى أعماقي بقوة مدعمة ~~بالزمن. ~~- لعلك تساءلت كثيرا عن سر مسيرتي الصباحية؟ ~~- كثيرا جدا، خاصة وأن مظهرك لا يوحي بأنك موظفة، قلت لعلها تتمشى في ~~منطقتها السكنية لأسباب جمالية. ~~- ولكن ماذا عن خواطرك الأخرى؟ ~~- الأخرى؟ ~~- أي نوع من النساء ظننتني؟ ~~- سيدة جميلة بقدر ما هي قوية، نظرتها جريئة ورزينة ومليئة بالثقة، وتسلل بصري ~~... ~~- وتسلل بصرك؟ ~~- إلى أصابعك فلم أر خاتما! ~~- ولست في الوقت نفسه بنتا من البنات، أليس كذلك؟ ماذا قلت؟ ~~- قلت لعلها أرملة أو ... ~~- مطلقة، وفيم فكرت؟ ~~- لم يخطر ببالي عبث ... ~~- توكد لدي ذلك عند تعارفنا أمس. # فتفكر قليلا ثم قال: ولكن علي أن أصارحك بأني أحبك. ~~- تعني أنك معجب بي؟ ~~- أكثر من ذلك، أنا أحبك بكل معنى الكلمة. ~~- ولكنك لم تعرفني بعد. ~~- ثمة حب يجيء بعد المعرفة، وحب يسبق كل شيء. ~~- الآخر كثير الأعباء. ~~- الحق أني أحب المغامرة. # فضحكت ضحكة رقيقة وقالت: أتحب الصراحة؟ .. تخيلت حديثنا هذا من قبل! # فقال بفرحة: هذا يعني أني خطرت ببالك. ~~- ألا يشهد هذا الطريق على قديم زمالتنا؟ ~~- وشهد أيضا مصيري وهو يتقرر حتى من قبل أن أدري. ~~- ولكن ألم تنقض مدة طويلة قبل أن ينطق الحب الذي تزعم أنه سبق كل شيء؟ ~~- كان اللقاء يمر في سرعة الضوء. ~~- جواب غير مقنع تماما. ~~- وأول الأمر كنت في غفلة، واعتقدت فترة أخرى أنك سيدة متزوجة! ~~- وربما كنت مرتبطا بعلاقة ما؟ ~~- ربما. ~~- أي ms62 نوع من العلاقة من فضلك؟ ~~- عابرة. ~~- عظيم! # ولاذا بصمت قصير حتى خرقه الرجل قائلا بنبرة جديدة بعض الشيء: يحسن بي أن ~~أقدم ما خفي من شخصي؛ مهنتي صائغ، في الثلاثين من عمري، مركزي المالي على ما يرام. ~~- وأنا مطلقة، قدر عمري كما تشاء، ويحسن بي أن أصارحك بأني جربت الزواج أكثر ~~من مرة! ~~- ما أجمل الصدق! ~~- ألم يخفك ذلك؟ ~~- كلا! ~~- من حقك أن تقلق ولكن صدقني أني كنت وما زلت بريئة! ~~- وأنا أحبك. ~~- إذن فأنا سعيدة أكثر مما أستحق. ~~- أأفهم من ذلك أنك ...؟ ~~- إني أشاركك عواطفك! ~~- ما أسعدني من عاشق! # وحدجته بنظرة ثاقبة وهي تسأله: ألم تتحر عني؟ ~~- كلا. ~~- أما أنا ففعلت. # فضحك طويلا ثم تساءل: وهل نجحت في الامتحان؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- بأي مقياس تحكمين؟ ~~- العجز هو ما أكرهه في الرجل. ~~- العجز؟! ~~- أحبه قويا قادرا، رذائل القوة أحب عندي من فضائل الضعف. ~~- إنك واضحة وقوية. ~~- ماذا تكره أنت في المرأة؟ # فتفكر قليلا ثم قال: القبح والانحلال. ~~- الانحلال؟ ~~- أظنه لا يحتاج إلى تفسير. ~~- أأنت ممن يهتمون بالماضي؟ ~~- كلا. ~~- ماذا تقصد بالانحلال؟ ~~- الاستهتار، مثل إنشاء أكثر من علاقة في وقت واحد، أو التسليم بلا حب! ~~- ولكن ذلك مرض؟ ~~- ربما. ~~- لا توجد امرأة خائنة أبدا. ~~- هذا صحيح بصفة عامة. ~~- يخيل إلي أننا متفاهمان؟ ~~- وعلينا أن نعد أنفسنا للزواج بأسرع ما يمكن. # 2 # مضت في الطريق ووقف يتبعها ناظريه. بقلب كله هيام. ثم انتبه إلى حركة ما. التفت ~~نحو السور. وهو يقترب منه ظهر رأس رجل. لعله كان جالسا أو نائما. ها هو يقف الآن ~~أمامه في الناحية الأخرى من السور التي تلي شاطئ النيل. ترى هل سمع حديثه مع المرأة؟ ~~وطالعه الغريب بوجه شاحب، بارز العظام، غائر العينين، وذقن غير حليق. سوى جلبابه ~~المتسخ فوق جسده الهزيل ثم عبر السور فصار على كثب منه. لص؟ متشرد؟ ليكن ما يكون. ~~هم بالذهاب ولكن استوقفه صوته وهو يقول: الحب! .. ما أجمل الحب! # رمقه باشمئزاز وهم بالسير مرة أخرى، ولكن الرجل خاطبه قائلا: لدينا حديث ~~مشترك ms63 فيما أعتقد. # فسأله بتقزز: أتخاطبني؟ ~~- لم يعد يوجد سوانا في الطريق. ~~- ولكني لا أعرفك؟ ~~- ولا أنا أعرفك! ~~- إذن لا تخاطبني. ~~- ولكن لدينا حديث مشترك. ~~- من أنت؟ ~~- تاجر روبابيكيا. ~~- وأي حديث تعني؟ # فأشار بيد معروقة شبه سوداء من القذارة نحو الناحية التي سارت فيها المرأة وقال: ~~بخصوص السيدة. ~~- وما شأنك بها؟ ~~- كنت آخر زوج لها! ~~- هه؟! ~~- تكلمت بوضوح فلا داعي للتكرار. # فتفحصه بذهول وتمتم: أنت مجنون بلا شك. # فضحك قائلا: لم ينعم الله علي بالجنون بعد. ~~- لعلك تهذي! ~~- لعلك تتساءل كيف آل أمري إلى ما ترى! # فلم يجب الرجل فقال تاجر الروبابيكيا: كنت تاجر غلال ناجحا. # ثم بنبرة ساخرة: ثم أفلست! # وضحك قائلا: ولكني ما زلت تاجرا على أي حال، وهاك عربتي. # وأشار إلى عربة يد منزوية وراء جزع شجرة فوق الطوار. هز الرجل منكبيه استهانة، ~~أو تظاهرا بالاستهانة وهم للمرة الثالثة بالسير، ولكن التاجر سأله: والحديث ~~المشترك؟ # فسأله بحدة: أي حديث مشترك؟ ~~- حديثنا عنها، أي حديث عنها فهو هام بالنسبة إلي، الحق أني ما زلت أحبها. ~~- ما زلت تحبها؟ ~~- بكل جوارحي. ~~- ولم طلقتها؟ ~~- نتيجة حتمية للإفلاس. ~~- ولكن الزوجة المخلصة ... # فقاطعه: لا يمكن أن تكون زوجة لتاجر روبابيكيا. ~~- ألم تكن .. ألم تكن تحبك؟ ~~- أجل فيما أعتقد. ~~- كيف تغير قلبها فجأة؟ ~~- لا لوم عليها في ذلك. ~~- لعل إفلاسك جاء نتيجة لأخطاء لا تغتفر؟ ~~- اعتقدت أنا أن إفلاسي وقع بسببها واعتقدت هي أنه جاء نتيجة لعجزي. ~~- عجزك؟ ~~- وهي تكره العجز كما قالت لك من دقائق! ~~- زدني إيضاحا. ~~- لا أهمية لذلك. ~~- ولكنه مهم في رأيي. ~~- إنك تحبها ومن حقك أن تجرب حظك. ~~- ولكنك أثرت موضوعا وتركته مفتوحا. ~~- لا تقلق فهي امرأة ممتازة بكل معنى الكلمة. ~~- لا تحاول خداعي. ~~- لا سمح الله. ~~- إنك تعني اتهامها. ~~- أؤكد لك أنها على خلق عظيم. ~~- لعلها لم تكن تحبك؟ ~~- ها أنت تتهمها بأنها تزوجت من رجل من غير أن تحبه. ~~- أعني أنها لم تحبك الحب الكافي. ~~- جعلتني أؤمن بخلاف ذلك. ~~- المرأة المحبة الفاضلة لا تتخلى عن زوجها. ~~- أنا الذي ms64 تخليت عنها! ~~- بسبب إفلاسك؟ ~~- أليس ذلك كافيا؟ ~~- ألم تختبر استعدادها للوفاء؟ ~~- كلا، لدى تسليمي بعجزي عن إسعادها هربت بالطلاق. ~~- بذلك يصبح الأمر واضحا. ~~- لا شيء واضح في هذه الدنيا المعقدة. ~~- ولكن ما قلته واضح جدا. ~~- جرب حظك، جرب أن تبلغ الوضوح بنفسك. ~~- يخيل إلي أنك تداور وتحاور لتلقي بذور الشك في نفسي. ~~- أنت تقول ذلك. # فهتف بغضب: إذا كان لديك ما يستحق القول فقله وإلا فاذهب بغير سلام. ~~- المتاجرة بالأشياء القديمة علمتني السماح. ~~- الحديث المشترك؟ ~~- لا شيء بعد. ~~- أتهزأ مني يا صعلوك؟ ~~- أبدا، ولكني أحب الحب كما أحب المحبين. ~~- كنت تتجسس علينا؟ ~~- أبدا، ولكني أنام على شاطئ النيل في الربيع. ~~- كذاب. ~~- الربيع الذي يجدد حياة الشجر ويعجز عن تجديد حياة البشر! ~~- لا ألوم إلا نفسي على الاستماع إليك. ~~- لن تندم على ذلك أبدا. ~~- عد إلى القبر الذي خرجت منه. ~~- سمعا وطاعة، أما مجلسي المختار فهو قهوة سوق الكانتو، وشهرتي هناك ~~«الملعون». ~~- عليك اللعنة! ~~- إلى اللقاء. # 3 # أمام المرآة وقفت ترنو بإعجاب إلى العقد المطوق لجيدها. ترنو بصفة خاصة إلى ~~اللؤلؤة المدلاة من واسطته. ونظرت من خلال المرآة أيضا إلى صورة الرجل المتربع فوق ~~الديوان وراءها يتسلى بمشاهدة النيل من النافذة. وقالت وهي تتجه نحو الديوان: في ~~أصابعك معجزة. # نزع بصره من النيل كمن يصحو من غفوة وتساءل: ماذا قلت يا عزيزتي؟ ~~- من يبدع هذه اللؤلؤة فهو معجزة! ~~- المعجزة حقا من تصنع اللؤلؤة من أجله. # فجلست إلى جانبه فوق الديوان وهي تقول: جميل أن أسمع منك غزلا رقيقا حتى ~~اليوم. ~~- حقا؟ .. ما وجه العجب في ذلك؟ ~~- المألوف أن الغزل يوارى كلما أوغل المرء في الزواج. ~~- ولكنك نبع للحب لا ينضب أبدا. # فمسحت على شعر رأسه بنعومة وقالت: حقا؟! ~~- أيداخلك شك في ذلك؟ ~~- كلا ولكنك لم تعد كما كنت. # فتردد قليلا ثم قال: لا علاقة لذلك بحبنا. ~~- لا تخف عني شيئا فإني أشعر بكل شيء. ~~- أردت دائما ألا أجرك إلى متاعبي. ~~- ستجدني دائما في صميم متاعبك، لا تخف عني شيئا. # فتنهد قائلا: ms65 الحق أني محاصر بالقلق. ~~- أرأيت؟! ~~- أقاومه بكل ما أوتيت من قوة الانحدار إلى الهاوية! ~~- وأخفيت عني كل شيء. ~~- لم أكف دقيقة واحدة عن الكفاح. ~~- والجميع يضربون المثل بسعادتنا. ~~- الحق أني أندفع نحو الخراب. ~~- الخراب؟! ~~- اختل ميزان العمل في يدي ولا سبيل إلى ضبطه. # فقالت بحزن حقيقي: أي لعنة، أي لعنة، أي صحوة مباغتة من سعادة وهمية! ~~- بل كانت وما زالت سعادة حقيقية. ~~- أي لعنة تطاردني! لم أضن بعطاء، هيأت لك عشا ذهبيا، ما رأيك في ~~عشنا؟ ~~- جنة. ~~- وأصدقائنا؟ ~~- جذابون كالسحر. ~~- ورحلاتنا وليالينا؟ ~~- جمال في جمال. ~~- أينقصنا شيء؟ ~~- أبدا ولكني أنفق المال بجنون! ~~- إنك صائغ عبقري ولا حدود لقدرتك. ~~- لو كان مال قارون لنفد. ~~- لا تقل ذلك يا حبيبي. ~~- ولكنها الحقيقة. ~~- وأي طعم للحياة بغير مباهجها الحقيقية؟ ~~- أنا مهدد بالخراب العاجل. ~~- لا تخيب أملي فيك. ~~- ولكنها الحقيقة. ~~- لا تعلن عجزك. # فقال بجزع: كل شيء له حد لا يجوز أن يتجاوزه. ~~- إنما تهمني النتائج، أنا أحب الحياة الحلوة بقدر ما أحبك. ~~- أنت جميلة، أنت فاتنة، أنت عطر الحب وروحه، ولكنك تتعلقين بمسرات يمكن ~~الاستغناء عنها. ~~- لا تقل ذلك أبدا. ~~- الحب أغلى من أي شيء سواه. ~~- ولكن أزهاره لا تنور إلا في خمائل المسرات. ~~- ظننته غنيا بنفسه عما عداه. ~~- لعل حبك فتر. ~~- يا له من حكم جائر! ~~- عندما يفتر الحب ينشط التفكير والتدبير. ~~- أبدا، ليس الأمر كذلك. ~~- عندما يفتر الحب يبدأ الندم على السرور البريء. ~~- أنت تعلمين أن حبي لك لا يفتر أبدا. ~~- بل وليتني ظهرك أمس واستغرقت في النوم! ~~- بسبب انشغال البال لا فتور الحب. # فهزت رأسها في ارتياب فقال: ما أنا إلا إنسان ذو طاقة محدودة. ~~- لم تكن كذلك في أيامنا الحلوة. ~~- أنت سيدة ناضجة وتدركين من حقائق الأمور ما يقصر عن إدراكه غيرك. # فقالت بحدة: لم أحب هذا القول. ~~- ما قصدت سوءا قط. ~~- ولكني كرهته. ~~- إني أعتذر، وإني أحبك، وأقر بأنني إنسان ذو طاقة محدودة! ~~- إنك ترعبني. ~~- حتى الحب تلزمه استراحات قصيرة. ~~- إنك تحملني ذنوب الآخرين. ~~- لا يعنيني الماضي قط. ms66 ~~- إني امرأة بريئة، لا عيب فيها إلا أنها تحب الحياة حبا لا يعرف الحدود. ~~- ولكنه حب لا يتأتى لرجل إشباعه. ~~- الحق ما أنا إلا ضحية لعجز الرجال. ~~- يا حبيبتي علينا أن نحرص على حياتنا المشتركة. # فقالت بكبرياء: لم أستطع ذلك في الماضي ولا أستطيعه الآن. ~~- أليس ذلك أيضا نوعا من العجز؟ ~~- كلا، لا تسم الأشياء بأضدادها. ~~- أنت اليوم في عز نضجك. # فهتفت غاضبة: لست عجوزا بعد. ~~- معاذ الله أن يخطر لي ذلك المعنى. ~~- ولكنه خطر، ورميتني بما هو فيك. # فتنهد يائسا وقال: لا فائدة، أفلست في كل شيء. # ها هي اللعنة تطاردني من جديد. ~~- ليبعد الله عنا اللعنات! ~~- ها هي تطاردني من جديد! # ونهضت غاضبة فغادرت الحجرة. # 4 # تذكر فجأة تاجر الروبابيكيا. حاجة ملحة دفعته إلى البحث عنه لمناقشته. ولم يجد ~~صعوبة تذكر في العثور على القهوة القابعة تحت البواكي بسوق الكانتو. وقف يجيل البصر ~~في الجالسين ولكنه لم يظفر بطلبته على حين تطلعت إلى منظره الأبصار في دهشة. ورأى ~~وراء النصبة رجلا يقوم بكل شيء فقدر أنه صاحب القهوة فاقترب منه، حياه، وسأله: ~~أين تاجر الروبابيكيا الشهير بالملعون؟ # فحدجه الرجل بنظرة أشعلها انتباه طارئ وقال: لا أدري. ~~- ألا يجلس عادة في هذه القهوة؟ ~~- ولكني لم أره من مدة. ~~- وأين يمكن أن أجده من فضلك؟ ~~- لا أدري. ~~- هل يوجد أمل في رؤيته إذا انتظرت بعض الوقت؟ ~~- من يدريني؟! # وقف الرجل في وسط القهوة مترددا. وإذا برجل يدنو منه حتى يقف أمامه ثم يسأله: ~~أتريد مقابلة الملعون؟ ~~- أتعرف مكانه؟ ~~- اتبعني. # قال ذلك ومضى إلى الخارج. تبعه بأمل جديد في مقابلة الرجل. كان المغيب يضفي على ~~الدنيا ظلاله، ولفحات هواء رطيب تتردد بأنفاس الخريف. سار وراء الرجل في زقاق ~~ضيق. ~~- أنحن ذاهبان إلى بيته؟ # فلم يجب الرجل وواصل السير. ولدى أول منعطف يصادفهما هوت ضربة على رأسه فشهق ثم ~~سقط مغمى عليه. ولما أفاق وجد نفسه ملقى فوق مقعد خشن كأنه أريكة في ظلام دامس ~~لا يرى فيه شيء. جلس في حذر ms67 وهو يتساءل: أين أنا؟! # وأجال يده في الظلام وهم بالوقوف وإذا بصوت غليظ يقول بنبرة آمرة ومهددة ~~معا: لا تتحرك . # فصدع بالأمر وهو يرتعد وسأل برجاء: ما معنى هذا من فضلك؟ ~~- لا تسأل ولكن عليك أن تجيب. ~~- سل عما شئت ولكني لم أسئ إلى أحد. ~~- اخرس. # فخرس وقلبه يدق فعاد الصوت يسأل: ما مهنتك؟ ~~- صائغ. ~~- وعمرك بالسنة الهجرية؟ ~~- لا أعرف. ~~- أنصحك بأن تتجنب الكذب. ~~- ممكن معرفته إذا أعطيت ورقة وقلما ونورا! ~~- أيختلف عمرك الهجري عن عمرك الميلادي؟ ~~- طبعا. ~~- هل أفهم من ذلك أنك مصاب بانقسام الشخصية؟ ~~- أنا سليم والحمد لله. ~~- إذن لم ذهبت إلى قهوة سوق الكانتو؟ ~~- لمقابلة تاجر الروبابيكيا الشهير بالملعون. ~~- ما علاقتك به؟ ~~- لا علاقة لي به. ~~- تجنب الكذب حرصا على سلامتك. ~~- أنا لا أكذب وليس ثمة ما يدعوني إلى الكذب. ~~- ما علاقتك به؟ ~~- تقابلنا مرة في الطريق. ~~- أكرر تحذيرك من الكذب. ~~- بالحق نطقت. ~~- أي طريق؟ ~~- طريق النيل. ~~- متى؟ ~~- منذ عام وبضعة أشهر. ~~- لأي مناسبة؟ ~~- صادفني في الطريق فتبادلنا حديثا عابرا. # انهالت عليه السياط في الظلام كالنيران. اجتاحه ألم حاد فصرخ من الأعماق. توقف ~~الضرب ولكن صراخه لم يتوقف. ترك يصرخ ويتوجع بلا مصادرة لحريته في ذلك. حتى ~~همد وسكت. عاد الصوت يقول: حذرتك من الكذب. # فقال بصوت ممزق: أنا لا أكذب. ~~- ماذا كانت مناسبة المقابلة؟ ~~- كنت أجالس خطيبتي على سور الكورنيش فلما ذهبت ظهر لي الرجل من وراء السور، وقال ~~لي إنه كان آخر زوج لخطيبتي. ~~- السوط أخف أدوات التأديب هنا. # فقال بجزع: ولكني أقول الصدق. ~~- ومن كان أول زوج لها؟ ~~- لم أسأله عن ذلك. ~~- وماذا دار بينكما أيضا؟ ~~- حدثني عن حياته حديثا غامضا وفي النهاية أخبرني عن مجلسه المختار بقهوة سوق ~~الكانتو. ~~- لم؟ ~~- لا أدري. ~~- ولم ذهبت تسأل عنه اليوم؟ ~~- شعرت برغبة في محادثته. ~~- في أي موضوع؟ ~~- فشل زواجه. ~~- لم؟ ~~- ربما لأن زواجي أنذر أيضا بالفشل. ~~- ماذا توقعت أن تجد عنده؟ ~~- لا أدري، ولكن اليأس جعلني أتخبط. ~~- حذرتك من الكذب. # فهتف في رعب: ما قلت إلا ms68 الصدق. ~~- أمهلك دقيقة واحدة. ~~- أقسم على ذلك بكل غال. ~~- دقيقة واحدة. ~~- أي شيء يدعوني للكذب؟! ~~- أي شيء يدعوك إلى الكذب ؟ ~~- لا شيء ألبتة .. صدقوني. ~~- لم يبق إلا ثوان. ~~- الرحمة! ~~- انتهت الدقيقة. # وانهال عليه العذاب في الظلام. لم ينج منه رأس ولا قدم. # 5 # تراءى الملعون في الجانب الأيسر من قهوة سوق الكانتو وهو يدخن البوري. تلاقت ~~عيناهما مرة ولكن الملعون بدا مستغرقا في البوري. تقدم منه حاملا كرسيا وضعه ~~أمامه وجلس. رمقه الملعون بنظرة غير مرحبة وسأله: ماذا تريد؟ ~~- ألا تذكرني؟ ~~- من أنت؟ ~~- ألا تذكر الصائغ؟ # فانقلبت سحنة الملعون من السخط إلى الذهول وهتف: الصائغ؟ ~~- بلحمه ودمه! ~~- ولكن لا لحم هناك ولا دم. ~~- أجل! ~~- غير معقول. ~~- هي الحقيقة كما ترى. ~~- أعوام انقضت ولكنها لا تكفي لتبرير هذا التغير الشامل! ~~- أجل. ~~- كأنك خارج من قبر. ~~- كأني خارج من قبر. ~~- ماذا حدث لك؟ ~~- ذاك تاريخ طويل. ~~- ولكن زواجك فشل؟ ~~- أجل. ~~- ووقع الطلاق؟ ~~- لا أدري. ~~- وكيف تلاشى شكلك الآدمي؟ # فتردد قليلا ثم سأله: ألك أعداء؟ ~~- ليس لي أصدقاء. ~~- سأقص عليك قصتي، فمنذ ... # وتوقف حائرا ثم تمتم: الحق أنه لم يعد لي علم بالزمن. ~~- أهمله كما يهملنا. ~~- جئت يوما أسأل عنك في هذه القهوة، خطفت، جرى معي تحقيق غريب، عذبت، ~~سجنت في الظلام زمنا لا أدريه، ثم وجدتني ملقى في الخلاء! # ضحك الملعون وقال: مررت بمحنة مماثلة في زمن ماض. ~~- أنت أيضا؟! ~~- أنا أيضا. ~~- نفس الظروف والأسباب؟ ~~- تقريبا. ~~- ومن هم أولئك الشياطين؟ ~~- علمي علمك! ~~- كيف يمكن أن تقع تلك الأحداث؟! ~~- كما يقع غيرها. ~~- أمور تجنن. ~~- لا تشغل بالك بما لا حل له. ~~- لا حل له؟ ~~- أجل، بما لا حل له وحدثني عن زواجك. ~~- لم أجد أثرا لدكاني التي ضاعت في التنظيم. ~~- حدثني عن زواجك. ~~- ذهبت إلى بيتي، بيت الزوجية، فوجدته مأهولا بأغراب! ~~- ضاع كل شيء؟ ~~- كل شيء. # فقال الملعون باسما: ولكن زوجتنا ما زالت ترفل في حلل السعادة. ~~- ألديك معلومات عنها؟ ~~- هل في وسع عاشق أن ينزع عينيه من معشوقه؟! ~~- جاء دوري لأسألك. ~~- ما ms69 أكثر أخبارها وما أقلها، حدث واحد يتكرر إلى ما لا نهاية، زواج طلاق، زواج ~~طلاق، زواج طلاق، زواج ... ~~- ما أعجب ذلك ! ~~- ما أعجب ذلك! ~~- يا لها من امرأة! ~~- يا لها من امرأة! ~~- لكنها طعنت في السن؟ ~~- جمالها في عيني غير قابل للزوال! ~~- سيجيئ يوم فيجري عليها ما جرى علينا. ~~- أشك في ذلك. ~~- لكل شيء نهاية. ~~- ليس كل شيء له نهاية. ~~- أنت تمزح ولا شك. ~~- لم قصدتني في ذلك اليوم المشئوم؟ ~~- أردت أن أناقش معك أسباب الفشل. ~~- أكنت بدأت تعانيه؟ ~~- أجل. ~~- هي أسباب واحدة. ~~- حقا؟ ~~- ما العجب في ذلك؟ ~~- إذن فهي امرأة مريضة. ~~- الأصح أن تقول إننا نحن المرضى! ~~- لن يوفق معها رجل. ~~- لعله لم يخلق بعد. ~~- ولن يخلق أبدا. ~~- لا تحكم على المجهول. ~~- إنه شيء يفوق الخيال. ~~- كما أمكن أن توجد هي فمن الممكن أن يوجد هو. # فتنهد في قنوط وقال: دلني على عنوانها. ~~- لمه؟ ~~- أرغب في مقابلتها. ~~- لكنها لن تعرفك. ~~- أذكرها بنفسي فتعرفني كما عرفتني أنت. ~~- وما فائدة ذلك؟ ~~- أجل، وما فائدة ذلك؟! ~~- خير من ذلك أن تفكر في عمل تحصل به على رزقك. ~~- كنت أبرع صائغ. ~~- دعنا من كان وكنا. ~~- ماذا أعمل؟ ~~- ممكن أجد لك عملا في الروبابيكيا، ولكني من زمن أفكر في مغامرة تعود علينا ~~بالرزق الوفير. ~~- ما هي؟ ~~- مشروع لم أجد الشريك الثقة له. ~~- وهل أصلح له؟ ~~- سأجد لك غرفة للإقامة فوق سطح عمارة في حي راق. ~~- وبعد؟ ~~- ومن خلال علاقاتي الكثيرة بالبيوت والناس سأشيع أنك من رجال الأمن السريين ~~الدهاة. ~~- رجال الأمن؟ ~~- وينتشر الرعب في المساكن التي لا يخلو واحد منها من نقطة ضعف يخاف عليها من ~~القانون. ~~- وماذا نجني من وراء ذلك؟ ~~- أمثل دور السمسار الخاص لك وأتلقى الهبات والهدايا! ~~- يا له من مشروع خيالي! ~~- هو أكثر من واقعي، ستنهال علينا الأموال، لن نسترد قوانا الضائعة ولكنا سنعيش ~~في رفاهية كالأحلام. ~~- أتمنى أن تتحقق الأحلام. ~~- وإذا تحققت أمكن بفضل الرفاهية أن نجد الوسائل الكفيلة بالعزاء والنسيان. ~~- نسيان المرأة وعشقها؟ ~~- أجل، ولدينا فرص لا حصر ms70 لها لتكرار التجربة في أحياء كثيرة. ~~- لو تحقق ذلك فهو المعجزة! ~~- أجل .. المعجزة! # 6 # في بهو فاخر جلس الشريكان. بينهما مائدة حفلت بما لذ وطاب من طعام وشراب. بهو ~~كأنه متحف. وكانت أعينهما تلتمع بالنشوة حين قال الصائغ وهو يرفع كأسه: صحة الضعف ~~البشري. ~~- وليدم إلى الأبد! ~~- أصبح الآن من الممكن أن ننسى. ~~- صدقت ولكننا لم ننس بعد تماما. ~~- كلما رجعنا إلى الإفاقة رجعت الذكريات كالزنابير. ~~- يا ويلنا من الإفاقة. ~~- ولكن لدينا ما يشغلنا، لدينا الطعام والشراب والتحف النادرة وأدوات الترف ~~والحدائق والملاهي الليلية. ~~- لدينا حقا ما يشغلنا ولكنها تخطر على القلب في الإفاقة. ~~- ما دامت وسائل النسيان متوفرة فلا خوف علينا. ~~- فلنغرق فيها حتى الأعماق. ~~- إنها تطاردنا ولكنها لن تقبض علينا. ~~- نجونا من الجنون. ~~- يا له من جنون! ~~- عليها اللعنة. ~~- صحتك. ~~- صحتك! ~~- عليك أن تحصل لنا على عملة صعبة من السوق السوداء لنغزو السوق الحرة. ~~- سيتم ذلك على خير وجه .. وأظن آن لي أن أذهب. ~~- مصحوبا بالسلامة. # ودعه حتى الباب. وجعل يذرع البهو وهو ينظر في الساعة. حتى دخل الخادم وهو ~~يقول: جاءت السيدة. # فقال بلهفة: أدخلها. # دخلت المرأة تخطف الأبصار بجمالها وبريق اللؤلؤة فوق صدرها. دعاها للجلوس وهو ينحني ~~لها تحية، ثم قال: شرفت الدار. ~~- شكرا. ~~- كنت في انتظارك لتسليمك القرض كما تم الاتفاق عليه مع زوجك. ~~- ولولا المرض لجاء بنفسه. ~~- أعرف ذلك، شفاه الله، ولكن اسمحي لي أن أقدم لك كأسا. ~~- شكرا. # وتنهد الرجل وقال بأسى: إذن لم تعرفيني بعد؟ # فحدجته بنظرة غريبة فقال: أكثر من مرة تقابلنا بحضور زوجك، ولكنك لم تعرفيني ~~للأسف. # لم تحول عنه عينيها فقال: لم تتغيري، أما أنا ... # هتفت: أنت؟! ~~- أجل! ~~- أي مفاجأة! ~~- لا تعجبي فأنت العجب. # ولاذت بالصمت دقائق ثم سألته: أين كنت طيلة ذلك الدهر؟ ~~- الحق أني لا أدري. ~~- غير معقول. ~~- هو غير معقول حقا ولكنه واقع. ~~- كنت في مكان ما ولم تعن بالاتصال بي. ~~- كنت في مكان ما واستحال علي الاتصال بأحد. ~~- أين كنت؟ ~~- في الظلام. ~~- لا أفهم. ~~- وليس ms71 عندي ما أقوله أكثر من ذلك، دعينا مما مضى وانقضى. ~~- إنك لا تدري مدى تلهفي على معرفة ذلك. ~~- وأنا عاجز عن إشباعه ! # وتبادلا نظرة كئيبة حتى قال: وطلبت أنت الطلاق. ~~- اضطررت إلى ذلك. ~~- وتزوجت مرة بعد مرة. # فلاذت بالصمت، فقال: لك كمال مروع لا يحتمل. # فقالت بتبرم: دعنا من سيرته. # فتنهد قائلا: لذلك لا أجد فائدة في منح القرض! ~~- ولكنك وعدته! ~~- لن يغير من المصير المقرر. # فسكتت متجهمة فقال: لا أشك لحظة واحدة في أنك تؤمنين بقولي كل الإيمان. # فقالت بحزن: لن أنعم بالاستقرار فيما يبدو! ~~- لذلك أقترح عليك أن تعودي إلي فعلى الأقل ستجدين عندي ثروة لا تنفد! ~~- غير ممكن، أنت تؤمن بذلك أيضا. ~~- وقد تحدث معجزة! ~~- معجزة؟! ~~- إني أنتظر طبيبا يعد في هذه الشئون معجزة! # فلاحت في وجهها خيبة واضحة فقال: لا توصدي باب الأمل وانتظري. # وطبع على يدها قبلة حارة وهو يودعها. # 7 # وجاء الطبيب في ميعاده. جاء يحمل حقيبة وعصا غليظة. رحب به بحرارة، ولكن شيئا في ~~منظره جذب انتباهه فجعل ينظر إليه بدهشة حتى سأله: ما لك تنظر إلي هكذا؟ ~~- الحق أني أعجب للشبه العجيب بيننا! ~~- حقا؟ # تساءل الطبيب وهو ينظر في وجهه بإمعان فقال مستدركا: أعني أيام شبابي. # فابتسم الطبيب فقال الرجل: نفس الصورة والقوة! ~~- كل شيء محتمل. ~~- أكاد أرى فيك نفسي الذاهبة. ~~- سييسر ذلك من مهمة العلاج. ~~- يسعدني ذلك. # وجال الطبيب بعينيه في أنحاء البهو الفخم الجميل ثم قال: حدثني عن دائك. ~~- لحظة واحدة حتى أفيق من الدهشة. # وتريث قليلا ثم قال: سمعت عن براعتك الكثير فهل حقا تستطيع أن تعيد ~~الشباب؟ ~~- ذاك أيسر علي من التنفس. ~~- يا للسعادة! ~~- ولكن لم ترغب في استرداد شبابك؟ ~~- يا له من سؤال يا دكتور! ~~- يهمني أن أعرف جوابك. ~~- ولكن الرغبة في الشباب لا تحتاج إلى تبرير. ~~- أليس لحكمة الكهولة عشاقها؟ ~~- لا أظن. ~~- خبرني على الأقل ماذا فعلت بشبابك؟ ~~- ولكن ألا يعد ذلك خروجا عن الموضوع؟ ~~- بل هو في صميمه. ~~- حسن، استثمرته في كافة وجوهه. ~~- أبدا، بددت ms72 شطره الأكبر في الظلام. ~~- أعرفت ذلك؟ ~~- أجل. ~~- كيف عرفته؟ ~~- هو بعض عملي. ~~- طبيب أنت أم قارئ غيب؟ ~~- هما شيء واحد. ~~- على أي حال لم أكن مخيرا. ~~- ومن قال إنه غير مخير فقد أهدر شبابه. ~~- كانت قوة مجهولة لم أعرف كنهها حتى اليوم. ~~- أي جهد بذلت لتعرفها؟ ~~- قلت إن البعد عنها غنيمة وسلام. ~~- وهكذا أهدرت شبابك للمرة الثانية. # وتبادلا نظرة طويلة ثم قال الطبيب: أصابك ما أصابك نتيجة لعجز محقق. ~~- عجز؟! ~~- أجل، في العمل والحب. ~~- أعرفت ذلك أيضا؟! إنك مذهل حقا! ~~- قلت إنه بعض عملي. ~~- أشهد بأنك عرفت حبي وعملي وضياعي. ~~- وأكثر من ذلك. ~~- أكثر من ذلك؟ ~~- أعرف أنك دجال لص! # تراجع الرجل منذعرا فقال الطبيب ضاحكا: تاجرت بالخطايا، وحولت ثروتك الهائلة ~~إلى تحف نادرة كما أرى. # اصفر وجه الرجل وارتعشت أطرافه فقال الطبيب: لا تخف، أنا طبيب لا شرطي. ~~- سيدي. ~~- أفندم! ~~- ماذا تروم من وراء معرفتك اللانهائية؟ ~~- أروم الشفاء لمرضاي. ~~- أما زلت تنوي علاجي؟ ~~- بل بدأته منذ رأيتك. ~~- أترد إلي شبابي؟ ~~- بلا أدنى شك. ~~- وتصون الأسرار التي عرفتها؟ ~~- إنه واجب الطبيب الأول. # فقال بابتهاج: لست مرعبا كما قد يتبادر إلى الذهن. ~~- سيعود إليك شبابك الحق. ~~- متى؟ .. متى يا دكتور؟ ~~- قبل أن أغادر بيتك! ~~- إنك لساحر. ~~- ولكنك ساحر أيضا؟ ~~- أنا؟! ~~- استعضت عن الحب بالثروة ثم حولت الثروة إلى طعام، وشراب وتحف. ~~- هي الرغبة في النسيان. ~~- ولكنك كنت تخاف النسيان بقدر ما تتمناه. ~~- ربما! ~~- حسن، سيعود إليك الشباب. # وقبض على عصاه بشدة وهو يقول: آخر خطوات العلاج هي أصعبها. # وبسرعة جنونية راح يهوي بعصاه على كل ثمين في البهو. لم يبق على شيء من التحف ~~والصور والمصابيح والثريات والحلي. ولم تكف يده عن توجيه الضربات حتى أصبحت ~~الجواهر أكواما من الشظايا. وانزوى الرجل في أثناء ذلك في أحد الأركان وهو يرتعد ~~رعبا ويصرخ بصوت مبحوح. وتنهد الطبيب في ارتياح وقال بهدوء: عملية من أشق ما ~~صادفني في حياتي الطبية. # فصاح الرجل: أنت مجنون. ~~- أصدق التهاني. # فصاح الرجل: خربتني الله يخرب بيتك. ~~- أكرر ms73 التهنئة. ~~- أنت مجنون. ~~- يسعدني أن أسمع أسلوب الشباب يجري على لسانك .. وتناول حقيبته ومضى نحو الباب وهو ~~يقول: عليك الآن أن تصون شبابك بعد أن رجع إليك بمعجزة وأن تنفقه فيما يليق بروعته، ~~وإذا حدثت مضاعفات غير متوقعة فتلفن إلي من فورك. # 8 # رقد ذاهلا بين الخرائب. ضاعت الحبيبة وهلك ما يمكن أن يتسلى به عنها. لم يبق إلا ~~الفقر والتشرد والهيمان المحروم. كان يفكر في ذلك عندما تناهى إليه صوت أجش وهو ~~ينادي «روبابيكيا». نهض متثاقلا فناداه من النافذة. جاء الرجل فنظر في أنحاء البهو ~~بدهشة، ثم نظر إلى صاحبها متسائلا ولكن هذا قال له متجاهلا تساؤله الصامت: افحص هذه ~~البقايا واختر ما يصلح لك منها. ~~- أوقع زلزال في مسكنك؟ # فقال واجما: اختر ما يصلح لك. ~~- الشظايا لن تنفعني بطبيعة الحال، ولكني آخذ ما يمكن إصلاحه أو تهيئته بطريقة ~~ما. ~~- ليكن. # وانكب التاجر على بقايا التحف المتناثرة يأخذ واحدة من بين كل عشرين وسرعان ما ~~كف وهو يقول: لم يبق شيء ذو قيمة. ~~- منذ لحظات كان كل شيء محتفظا بقيمته. # فنظر إليه التاجر في ارتياب وسأله: هل زارك الطبيب؟ # فسأله بدوره داهشا: من أدراك بذلك؟ ~~- قصته أصبحت مشهورة. ~~- وأنا الذي دعوته بنفسي! ~~- هو على أي حال لا يزور إلا من يدعوه بنفسه. ~~- ولا فائدة من الندم! ~~- ولا فائدة من الندم. ~~- لعلك دعيت إلى بيوت أخرى خربها وذهب؟ ~~- يكاد عملي هذه الأيام يقتصر على شراء مخلفاته. ~~- الحق أني في مسيس الحاجة إلى نقود. ~~- لن تحصل على شيء يذكر. ~~- افحص من جديد. ~~- لا فائدة، ولكن هناك فكرة لا بأس بها. # فتساءل الرجل بلهفة: ما هي؟ # توجد تحفة قديمة لم يصبها التدمير. ~~- أين هي؟ # فأشار إليه قائلا: هي أنت! ~~- أنا؟ .. أجننت؟ ~~- هي التحفة القديمة الوحيدة التي لم تمس. ~~- أتريد أن تشتريني كالأشياء القديمة؟ ~~- خير من الموت جوعا. ~~- يا لك من مهذار! ~~- لا أعرف الهذر في العمل. ~~- اغرب عن وجهي. ~~- خير من أن تموت جوعا. ~~- سأبدأ من جديد. ~~- لعلك تأمل في مساعدة من ms74 شريكك الغني؟ ~~- أتعرفه أيضا؟ ~~- حكايتكما ذائعة في سوق الكانتو! ~~- هلكنا! ~~- كلا، فإن أهل المهنة الواحدة لا يخون بعضهم بعضا. ~~- إذن فلأنتظره. ~~- ولكنه قبض عليه في السوق السوداء. ~~- يا للكارثة! ~~- لم يبق لك إلا أن توافق على رأيي. ~~- إني أحتقر رأيك. ~~- سأنفذه أردت أم لم ترد! ~~- أتركن إلى القوة اطمئنانا منك إلى ضعفي وشيخوختي؟ ~~- إني أتعامل عادة مع الأشياء القديمة. ~~- سأقاومك والويل لك. ~~- افعل إن استطعت. # وتقدم منه بثبات فرفعه إلى كتفه كطفل، ومضى به إلى الخارج غير مبال بحركات ~~ساقيه ولا بقبضاته الواهنة المنهالة فوق ظهره. # 9 # دفع التاجر العربة والرجل راقد فيها بين الأشياء القديمة. وكان يصيح بصوته الأجش بين ~~آونة وأخرى «روبابيكيا». وبلغ طريق النيل لدى هبوط المغيب. وبدا الرجل مستسلما ولكن ~~عينيه تحولتا تلقائيا نحو كورنيش النيل. وخطف بصره شيء يلمع. أحد بصره فرأى ~~اللؤلؤة تتراقص فوق صدر المرأة الفاتنة. كانت تسير على مهل كأنما تبحث عن رجل جديد ~~ودبت فيه حيوية من لا شيء فانتظر اقترابها على لهف. ولكنها حاذته ومرت به دون أن ~~تلتفت نحو العربة. مضت في الاتجاه المضاد تضيء لؤلؤتها قتامة المغيب. # | الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين # 1 # لم يبق في الحديقة الصغيرة أحد سواه. ذهب الذين تناولوا عشاءهم سواء في الحديقة أم ~~في البهو الصغير المتصل بها من الداخل. أكثرهم صعدوا إلى حجراتهم في الفندق وقلة ~~مضت في الطريق الذي يشق الخلاء. انتظر النادل أن يذهب هو أيضا، ليخلي الحديقة من ~~الكراسي والموائد، ولكنه لم يذهب. ولم يبد استعدادا للذهاب. جلس وحده يستقبل ~~الهواء الجاف المنعش الهابط من سفح الجبل فيما وراء الخلاء. ولم يجد النادل بدا من ~~نقل الموائد والكراسي إلى الداخل عدا مائدته وكرسيه ثم حام حوله كأنما ليذكره بأنه ~~آن له أن ينصرف. وتجرأ أكثر فوقف أمامه وهو يسأل: هل من خدمة؟ # فسأله بدوره: أتوجد في الفندق حجرة خالية؟ ~~- أعتقد ذلك، تفضل بمقابلة صاحب الفندق. ~~- تلك الفتاة في نهاية البهو؟ ~~- كلا، إنه في الداخل فيما يلي البهو. ~~- ومن تكون ms75 الفتاة إذن؟ ~~- مدير المطعم وابنة المدير. ~~- شكرا. # ولما لم يزايل مكانه قال النادل: هلا تفضلت بالذهاب لأتمكن من نقل ~~المائدة؟ ~~- معذرة، يلزمني بعض الوقت لأستعيد نشاطي من تعب طارئ. # ذهب النادل فلبث وحده كما كان. ونظر نحو الفتاة كما فعل مرارا وهو يتناول عشاءه. ~~وبادلته النظر أيضا. وقال لنفسه: ليتها كانت هي صاحبة الفندق! # ثم بنبرة منتشية: ما أجمل أن يحوز الإنسان فتاة حسناء مثلها. # ومضى الوقت وهو لا يريد أن يتحرك. وإذا بصاحب الفندق يمضي نحوه على حين وقفت كريمته ~~في نهاية الممر الموصل بين البهو والحديقة رغبة في إشباع حب استطلاعها. وقال ~~صاحب الفندق للفتى: نحن في خدمتك. # فقال الشاب بارتباك: شكرا. ~~- أخبرني النادل أنك تريد حجرة خالية. ~~- أجل أريد حجرة للمبيت. ~~- تفضل بالدخول للقيام بإجراءات الحجز. ~~- إن أردت الحق ... ~~- أفندم؟ ~~- لا أدري في الواقع ماذا أقول! ~~- ولكن لديك بلا شك ما تقوله. ~~- لا أدري كيف أقوله. # اقتربت الفتاة أكثر حتى وقفت جنب أبيها وقال الرجل: ولكن لا مفر من ~~الكلام! ~~- أمهلني قليلا. ~~- لعلك ليس معك نقود؟ ~~- معي من النقود ما يكفي وزيادة. ~~- إذن فما المشكلة؟ ~~- مشكلتي أنني مرهق جدا. ~~- ولكنك تبدو في صحة جيدة! ~~- الحق أنني لا أعرف من أنا! ~~- ماذا قلت؟ ~~- لا أعرف من أنا. ~~- أأنت مالك لقواك العقلية؟ ~~- أعتقد ذلك. # وسألته الفتاة: كيف لا تعرف من أنت؟ ~~- لا أعرف لي أصلا ولا هوية ولا اسما. # فسأله الأب: كيف تواجدت في حديقة فندقنا؟ ~~- وجدت نفسي في الخلاء، الجبل ورائي، ومبنى وحيد أمامي هو الفندق، لم أجرؤ على ~~التوغل في المدينة فتسللت إلى حديقة الفندق. ~~- أليس معك بطاقة شخصية؟ ~~- كلا، لعلي سرقت. ~~- ولكن معك نقود كما تقول؟ ~~- وجدتها ملفوفة في حزام حول بطني. ~~- أليست نقودك؟ ~~- هذا ما استنتجته. # تبادلوا النظرات في صمت حتى قال الأب: ستتذكر أشياء بلا ريب، لا بد أنك تذكر من ~~أين أتيت؟ ~~- لا أدري. ~~- أين كنت ذاهبا؟ ~~- لا أدري. ~~- أسرتك؟ ~~- لا أدري. ~~- عملك؟ ~~- لا أدري. # وسألته الفتاة: ألك زوجة؟ ~~- لا أدري! # فتفكر الرجل ms76 مليا ثم سأله: وماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- لا فكرة لي بعد. # فتفكر الرجل مرة أخرى ثم قال: لا شك أنك ستجد في البحث عن أصلك وفصلك . ~~- هذا هو المعقول. ~~- كأن تنشر صورتك في الجرائد؟ ~~- تفكير صائب. ~~- وهو ما سيفعله المهتمون بأمرك. ~~- أعتقد ذلك. ~~- هي مشكلة نادرة حقا ولكنها سرعان ما تحل بنهاية سعيدة. ~~- أرجو ذلك. # وسألته الفتاة برقة: ترى بم تشعر؟ ~~- بأنني لا شيء ينحدر من لا شيء، ماض إلى لا شيء. # وتبادلوا النظرات مرة أخرى ثم قال الشاب: سأذهب أول ما أذهب إلى طبيب. ~~- عين الصواب. ~~- ولكن يلزمني مأوى مع إعفائي من الإجراءات المتبعة. # فقال الأب: إنها مغامرة قد تدفع بي إلى س و ج. ~~- وقد تمر بسلام. ~~- الله المستعان. ~~- سأذكر لك صنيعك ما حييت. # وأرسله إلى حجرة مع فراش ووقف مع ابنته يتابعانه في سيره في ذهول صامت. وتبادلا ~~نظرة طويلة ثم قال الأب: عجيبة تلك الحال لدرجة تعز على التصديق. # فتمتمت الفتاة: ولكنه صادق في مرضه. ~~- وهذا هو العجب. ~~- أجل. ~~- ترى هل أخطأت في قراري؟ # فقالت بهدوء: إنك لا تخطئ أبدا. # 2 # كانت شرفة الفيلا - فوق الجبل - تسبح في ظلام دامس. وكان يوجد بها رجلان. بدا ~~الرجلان شبحين جلس أحدهما فوق كرسي هزاز ومثل الآخر بين يديه. وسأل الجالس: ~~ماذا وراءك؟ # فقال الآخر: ساقته قدماه إلى الفندق! ~~- لا أعجب لذلك. ~~- وهو على حال من العدم. ~~- لا جديد في ذلك. ~~- بل حال جديدة تماما. ~~- حقا؟ ~~- بالدقة نطقت. ~~- كن يقظا وسجل كل شيء. ~~- سمعا وطاعة. # 3 # تفرق النزلاء بعد العشاء فلم يبق في الإدارة سوى الأب والفتاة والشاب. وكان ~~القلق بارزا في قسمات الشاب فقال له الأب بنبرة رثاء: لم تستقر بعد. # فقال الشاب: نشرت صورتي في الصحف ولم يسع ورائي أحد! ~~- ثمة شيء طيب وهو أن الشرطة لم تسع وراءك كذلك! ~~- وأكاد أجزم بأنني لن أصبر على أسلوب العلاج. ~~- طويل ومعقد! ~~- وكثير التكاليف. # وبعد صمت قصير عاد يقول: وبت أشعر بأني حمل ثقيل عليك. ~~- كلا. ~~- حقا؟ ~~- أصبحنا فيما ms77 أعتقد أصدقاء. ~~- الحق أنكم كل شيء لي في هذه الدنيا. ~~- ولم أعد أخشى مسئولية من إيوائك. # وقالت الفتاة: وستعرف نفسك عاجلا أو آجلا. # فقال بشيء من الحياء: يخيل إلي أنني لن أكتشف شيئا ذا قيمة. ~~- إنك رشيد ولا حاجة بك إلى أحد. ~~- ولكن هل أمضي وقتي كله في الانتظار؟ # فقال الأب: يحسن بك أن تفكر في الحاضر والمستقبل. ~~- قبل أن تنفد النقود؟ ~~- أجل. ~~- فعلي إذن أن أجد لنفسي عملا. ~~- ماذا تحسن من الأعمال؟ ~~- أجرب. # فتفكر الأب مليا وقال: عندي فكرة. # فنظر الشاب إليه مستطلعا فقال: الفندق يحتاج إلى تجديدات. ~~- ماذا تعني يا سيدي؟ ~~- أقترح أن تشترك فيه بمالك وأن تعاون في أعمال الحسابات. ~~- فكرة طيبة. ~~- لنبدأ إذن. ~~- ولكني أخشى أن نكتشف أن المال هو مال الغير. ~~- مضى وقت منذ إعلانك عن نفسك، وهو يكفي لإبراء ذمتك. # فالتفت الشاب نحو الفتاة وسألها: ما رأيك؟ ~~- أوافق أبي على رأيه. ~~- عظيم. # فقال الأب: اتفقنا. ~~- آن لي أن أصارحك برغبة تضطرم في نفسي. ~~- إني مصغ إليك. # فقال بعد صمت قليل: أود أن أطلب منك يد كريمتك. ~~- لا تتعجل الأمور. ~~- انتظرت من الشهور ما فيه الكفاية. ~~- ربما كنت متزوجا. ~~- لم يسع إلي أحد. ~~- لقد تبادلنا الرأي على أوسع نطاق وأنا مضطر الآن إلى الذهاب إلى مشوار ~~عاجل. # قال الرجل ذلك وذهب. وقف الشاب والفتاة يتبادلان النظر. سألها: أأنت مترددة مثل ~~أبيك؟ # فقالت بهدوء عذب: أنت تعرف رأيي تماما. ~~- أترغبين أن أنتظر حتى يتكشف لي الماضي؟ ~~- لا يهمني أن تهتدي إلى ماضيك أو أن يهتدي ماضيك إليك. ~~- أنا سعيد ولكن القلق يطاردني. ~~- وتحبني أليس كذلك؟ ~~- لا يربطني بهذا المكان إلا حبك. ~~- حسبنا ذلك. ~~- سأعمل وأتزوج ولكن والدك متردد. ~~- كلا، إني أعرف والدي تماما. ~~- يخيل إلي أني نلت ثقته. ~~- أنت أهل للثقة. ~~- لندع الله أن يهيئ لنا السعادة. ~~- لندعه من صميم قلوبنا. # 4 # وفي شرفة الفيلا - فوق الجبل - جرى الحديث في ظلام دامس. سأل الشبح الجالس فوق ~~الكرسي الهزاز: ما وراءك؟ # فأجاب الشبح الماثل بين يديه: آواه ms78 صاحب الفندق. ~~- رجل طيب وداهية ماكر. ~~- وعمل كل ما يمكن عمله للاهتداء إلى هويته. ~~- ولم لم ينظر الفتى في نفسه مباشرة؟ ~~- إنهم يفضلون الوسائل غير المباشرة. ~~- وثار فضول الناس ؟ ~~- لم يعد يثير فضولهم شيء. ~~- حسن. ~~- وظل مجهولا كاللغز. ~~- تعني في نظر نفسه؟ ~~- طبعا. ~~- وكيف مضت القصة؟ ~~- ظهر الحب. ~~- من جديد؟ ~~- أجل، وفي الوقت نفسه تطلع الأب إلى نقوده! ~~- يعز على اللص أن يسرق! ~~- إنه من رجال الأعمال يا سيدي. ~~- وهل يوجد فرق هناك بين اللص ورجل الأعمال؟ ~~- إنهم هناك يفرقون بينهما. ~~- وبعد؟ ~~- اشترك الفتى بماله في الفندق وتزوج من الفتاة. ~~- طريفة جدا هذه اللعبة. ~~- الحب والعمل يبتسمان. ~~- والبحث عن المجهول من ذاته؟ ~~- لا يكاد يخطر له على بال إلا إذا انفرد بنفسه. ~~- وهل ينفرد بنفسه كثيرا؟ ~~- زوجته لا تحب ذلك. ~~- ماكرة مثل أبيها. ~~- الحق أنها تحبه وتحب الفندق. ~~- الأمور تتعقد والأمل يتضاءل. ~~- ولكنه موجود. ~~- كن يقظا وسجل كل شيء. ~~- سمعا وطاعة. # 5 # اجتمعت الأسرة حول مائدة في الحديقة الصغيرة، الأب والزوج والزوجة. تلقت وجوههم ~~ظلال المغيب وقد غيرها على تفاوت تقدم الزمن. وكان الأب يقول: لن أشهد الصيف ~~القادم، هذا ما أشعر به. # فقالت الزوجة: ربنا يطول عمرك يا أبي. # وقال الزوج: ستتحسن صحتك. # فقال العجوز: السعيد من يذهب في هذا الزمن. # فقالت الزوجة: ليست الأحوال بذاك القدر من السوء. # فتساءل الزوج: أيمكن أن يوجد ما هو أسوأ؟ # فقالت الزوجة محتجة: يوجد دائما ما هو أسوأ. # فقال الزوج متهكما: ما أجمل حكمتك. # وقال الأب: كانت الحياة على أيامنا أبسط وأهنأ. # فقال الزوج: ثمة شكوى دائما من الحاضر والحسرة على الماضي ولكن الماضي كان حاضرا ~~يوما ما. # فقالت الزوجة: لا نكاد ننعم بلقاء، نحن نركض كأن سياطا تلهب ظهورنا. # فقال الزوج: الويل لمن يستسلم لساعة من الراحة. ~~- إني أعمل معك بقوة عشرة رجال. ~~- وأنا أعمل بقوة عشرات من الخيل. # فقال الأب: كان العمل أمتع والثمرة أشهى! # فقال الزوج: نحن نحمل فوق أكتافنا سبعة من الأبناء. ~~- حملنا أكثر وسعدنا بهم. ~~- ألا تدري ms79 ماذا يعني ابن واحد في هذه الأيام؟ # فقالت الزوجة: هكذا حال الناس جميعا. ~~- كلنا في الهم شخص واحد. # فقال الأب: كم حسدنا الناس من أجل هذا الفندق! # فقال الزوج: اليوم هم ينظرون لنا برثاء. # وقالت الزوجة وهي تتنهد: امتلأ طريق الخلاء بالفنادق. ~~- وكلها قامت على طراز حديث. # فسأله الأب: أليس لديك احتياطي كاف لتجديد الفندق؟ ~~- لم يعد التجديد بالحل الناجع! ~~- فما الحل إذن؟ ~~- أن يهدم ويبنى من جديد! ~~- ومن أين لك المال اللازم لذلك؟ ~~- لا خيار لنا وإلا تحول الفندق على أيدينا إلى وكالة. ~~- فيم تفكر؟ ~~- في الاقتراض إن أمكن. # فقالت الزوجة: لا تكن متشائما. ~~- لا وقت عندي للتشاؤم. ~~- إنك تنسى أشياء هامة. ~~- حقا؟ # فقال الأب: ينقصكم شيء هام كان متوفرا لدينا. ~~- ما هو يا سيدي؟ ~~- الإيمان. ~~- حتى هذا لا ينقصنا. ~~- لا وقت لديك للإيمان، أتدري ماذا فعل الإيمان لنا؟ ~~- ماذا فعل؟ ~~- عثر جدي الفقير ذات يوم في صحن داره على كنز مدفون! ~~- كنز مدفون؟ ~~- كان يدعو الله أن يرزقه فرزقه، وشيد بمال الكنز أول فندق في هذه ~~البقعة. ~~- كان عليه أن يبحث عن صاحبه فيسلمه له! ~~- كان الكنز هدية من الله إليه. ~~- القانون اليوم يعتبر قبول مثل هذه الهدية نوعا من النهب! ~~- اللعنة، إنكم تمارسون النهب بألف وسيلة ووسيلة. ~~- معذرة يا سيدي، أتريدني على أن أسأل الله الرزق حتى أعثر على كنز ~~مدفون؟ ~~- ولن تعثر عليه مهما فعلت. ~~- حقا! ~~- لأن الإيمان لا يفتعل. # فنظر الزوج إلى زوجته وسألها: أهذا ما تعقدين به الأمل؟ # فأجابت ببرود: ذاك مجد لم نعد له أهلا. ~~- حسن. ~~- ولكنا نملك ثروة أخرى. ~~- حقا؟ ~~- أبناءنا! ~~- إنهم الهم الذي قصم ظهري. ~~- ولكنهم غدا سيسعون إلى أصحاب الفنادق الجديدة بأسباب النسب والعمل! ~~- يا له من خيال! ~~- سيتجسد حقيقة صلبة. ~~- يا له من خيال طموح! ~~- بل علينا أن نيسر لهم سبيل العلم في أعلى درجاته. ~~- أخشى أن نموت في أثناء ذلك جوعا. ~~- إنه سباق مرير ولكن الفوز فيه للصابرين. # فقال الأب: ينقصكما الإيمان. # فقال الزوج: لا مجال اليوم للحلم ms80 بالكنوز المدفونة. ~~- لن أشهد الصيف القادم، هذا ما أشعر به. # وقام بصعوبة، ثم مضى إلى الداخل وهو يقول: السعيد حقا من يرحل عن هذه ~~الدنيا. # وما لبثت الزوجة أن ذهبت أيضا ولكنها رجعت بعد دقائق بزجاجة بيرة مثلجة وقدحين. ~~ملأتهما والظلام يتجسد متمتمة: أنعش فؤادك. # ولكنه قال: لن يكفي الاحتياطي كله لبناء دور واحد جديد. ~~- أنعش فؤادك يا عزيزي. ~~- وماذا يعني دور جديد واحد في فندق قديم؟ ~~- أنعش فؤادك، ألا تسمعني؟ ~~- والأساس القديم لن يحتمل مزيدا من الأدوار. ~~- ألا تريد أن تنعش فؤادك؟ ~~- أرى الفنادق الجديدة فتقتلني الحسرة. ~~- يلزمك قدر من الاسترخاء فأنعش فؤادك. ~~- كيف تقدمهم الحظ وتخلف عنا؟ ~~- لا تريد أن تصغي إلي! ~~- إما فندق جديد وإما الجوع. ~~- لدينا الإرادة ولدينا الأبناء. ~~- أنت تحلمين مثل أبيك. ~~- لدينا كنوز غير مدفونة. # وأرادت أن تداعب يده ولكنه نهض قائما وهو يقول: آن لي أن أذهب لمقابلة ~~الرجل. # وذهب. # 6 # لبثت الزوجة وحيدة حتى رأت رجلا قادما من باب الحديقة. انحنى لها بأدب قائلا: ~~مساء الخير يا سيدتي. ~~- مساء الخير. ~~- اسمحي لي أن أقدم لك نفسي، أنا صاحب الفندق الكبير. ~~- أهلا وسهلا، تفضل بالجلوس. # جلس الرجل وهو يرمق بعينيه القدحين المترعين ثم تساءل: هل ينضم إلينا أحد؟ ~~- كلا، كان زوجي هنا ثم ذهب. ~~- ذهب لمقابلة صاحب فندق النور. ~~- كيف علمت بذلك؟ ~~- نحن نعرف ما يهمنا يا سيدتي. ~~- همة مشكورة! ~~- لعله نسي أن يشرب قدحه؟ ~~- ما أهمية ذلك! ~~- رجال الأعمال ينسون كثيرا من الشئون السارة! ~~- أنت أدرى بذلك. ~~- ولكن الناجحين منهم لا يهملون شيئا! # فقالت بشيء من الانفعال: نحن أيضا من الناجحين. ~~- يسرني أن أسمع ذلك. ~~- ولكن لم شرفتنا بزيارتك ما دمت أنك تعلم أن زوجي غائب؟ ~~- لأقابلك أنت يا سيدتي. ~~- ولم يا سيدي؟ ~~- الحق إني أومن بتفوق حكمة النساء. ~~- إن كنت تقصد المقارنة بيني وبين زوجي فإني أرفض ثناءك. ~~- لم أحضر لأثير خلافا. # ثم نظر إلى قدح البيرة وتساءل: أتسمحين لي بأن أحل محل زوجك. ~~- لا يروقني تعبيرك! ~~- معذرة، جميع رجال الحي ms81 يعجبون بك. ~~- أجئت يا سيدي لتعرب لي عن إعجابك؟ ~~- جئت يا سيدتي لأشتري الفندق. ~~- فندقنا؟ ~~- إنه الفندق القديم الوحيد في المكان كله. ~~- يا له من اقتراح لم أتوقعه أبدا. ~~- زوجك يسعى إلى عقد قرض ولن يوفق في مسعاه. ~~- لمه؟ ~~- لأن أحدا لا يريد أن يخلق منه منافسا له خطره. ~~- لا أحب أن أناقش هذا الموضوع في غيابه. ~~- البيع أفضل، إني أخاطب حكمتك. ~~- لا أرى رأيك. ~~- إنه فندق قديم غير قابل للسكنى، ولا فائدة ترجى من تجديده، أما ثمنه فيصلح ~~للاستثمار. ~~- إنه حياتنا ومستقبلنا. ~~- ممكن التفاهم على إيجاد عمل لك ولزوجك في الفندق الجديد. ~~- لا تتكلم كما لو كان الاتفاق قد تم. ~~- إني أخاطب رأس الحكمة. ~~- الفندق الجديد سيقام بأيدينا وأموالنا. ~~- لا مال لكم، وأبناؤكم ما زالوا يتلقون العلم. ~~- دعنا وشأننا يا سيدي. ~~- توجد مصالح مشتركة. ~~- لا أظن. ~~- كأنني أخاطب زوجك العنيد. ~~- نحن شخص واحد يا سيدي. ~~- يحسن بي أن أعترف لك بما في نفسي. ~~- ترى ماذا في نفسك؟ ~~- لا أهمية في الواقع للفندق. ~~- ولكنه رغم قدمه ذو موقع ممتاز. ~~- يهمني أكثر أن أنشئ علاقات مودة إنسانية. ~~- حقا؟! ~~- صدقيني، المال لا ينقصني. ~~- حقا؟ ~~- ما أنا في حاجة إليه حقا هو الحب! ~~- انتظر رجوع زوجي لتطارحه الغرام. ~~- ولكني أومن بالمرأة. ~~- لا أشاركك رأيك يا سيدي. ~~- على أي حال قد فهم كلانا صاحبه، ولدينا من الوقت ما يكفي للتفكير واتخاذ ~~القرارات. # وقف الرجل باسما. شرب قدح البيرة حتى الثمالة. وأحنى رأسه ثم ذهب. # 7 # جرى الحديث في الظلام الذي يلف شرفة الفيلا فوق الجبل. سأل الشبح الجالس فوق ~~الكرسي الهزاز: ماذا وراءك؟ # فأجاب الشبح الماثل بين يديه: تعقدت الأمور. ~~- ماذا يفعل صاحبنا؟ ~~- يعمل بجنون، يحارب في ألف ميدان. ~~- وامرأته؟ ~~- تشاركه في كل خطوة. ~~- والآخرون؟ ~~- يعملون للاستيلاء على فندقه وامرأته. ~~- أتعلم هي بنواياهم؟ ~~- بكل وضوح، وبكل قوة ترفضها. ~~- وهل يعلم الزوج؟ ~~- بذكائه علم، وبصراحة زوجته. ~~- ولم أخبرته؟ ~~- لتؤكد له طهرها ولتحيي حبها في قلبه. ~~- ألم يعد يحبها؟ ~~- لا وقت عنده للحب. ~~- ألم يعد للتفكير ms82 في ماضيه المجهول؟ ~~- لا وقت عنده لذلك، غير أنه قال لزوجته مرة إنه ربما لو عادت إليه ذاكرته لوجد ~~نفسه ابنا لمليونير! ولكنها سخرت منه قائلة إنه يحلم بالكنز مثل أبيها! ~~- متى - في تقديرك - يرجع للتفكير في أصله؟ ~~- أي أصل تقصد يا سيدي؟ ~~- يا لك من أحمق! ~~- حسن يا سيدي، إن ذلك يتوقف على نجاحه في مهمته. ~~- لا نهاية لشيء هناك. # فأمسك الرجل عن التفوه بكلمة حتى قال الجالس: كن يقظا وسجل كل شيء. ~~- سمعا وطاعة يا سيدي. # 8 # في الحديقة الصغيرة جلس الزوجان وقد تقدم بهما العمر على حين وقف أمامهما شاب ~~مفعما حياة وقلقا. وكان الشاب يقول: انزعجت جدا لدى قراءة رسالتك. # فقالت الزوجة: قدرت ذلك يا بني. ~~- أخذت أول طائرة. # فقال الزوج: كان علي أن أستطلع رأيك. # وقالت الزوجة: رغم علمنا بأنك عاكف على تحضير رسالتك. # فسأل الشاب: هل الأمر سيئ لهذا الحد يا أبي؟ ~~- هو ذلك يا بني. # وقالت الزوجة بنبرة باكية: كان الجوع ضمن الأسباب التي أدت بأختك إلى ~~الوفاة. ~~- ولكن الفندق لا يخلو من زبائن. ~~- فقال الزوج: اضطررنا إلى تخفيض إيجار الحجرة، لا يفي الربح بالضرورات، الأمور تسير ~~من سيئ إلى أسوأ. ~~- والاحتياطي يا أبي؟ ~~- استهلك في سد نفقات المعيشة. # وتبادل الزوجان نظرة سريعة غير أن الزوج خاطب ابنه قائلا: في غمار ذلك النزاع ~~الأليم فقدنا أخويك العزيزين. # فهتف الشاب: شد ما حزنت عليهما! ~~- الكلاب يضيقون علينا الخناق مستعملين أخس الوسائل وأقساها. # وقالت الزوجة بنبرتها الباكية: وذات يوم عثرنا على جثة أخيك عند سفح الجبل. ~~- وماذا كشف التحقيق يا أماه؟ ~~- قيدت القضية ضد مجهول. # وقال الزوج: وقد مات جدك حزنا. # وقالت الزوجة: وقتل أخوك الآخر وهو يحاول الانتقام لأخيه. ~~- الويل للقتلة! # فقال الزوج: هكذا نحن محاصرون بالجوع والموت. # وقالت الزوجة: لذلك فكر أبوك في بيع الفندق والهجرة إلى مكان آخر. # فهتف الشاب: لن يحدث ذلك أبدا. ~~- والحل يا بني؟ ~~- لا أصدق أنكما قررتما ذلك، لعلكما تطرحان الفكرة للمناقشة! ~~- حتى لو صح ذلك لما تغيرت ms83 النتيجة. ~~- يلزمنا المزيد من الصبر. ~~- العمر يتقدم بنا كما ترى. # وقال الزوج: وعليك أن تعرف كل شيء فقد ورطنا النزاع في أعمال عنف لم تجر لنا ~~على بال. ~~- أعمال عنف؟ ~~- أجل يا بني ، لم نعد أبرياء في نظر القانون، لا أنا ولا أمك! # وقالت الزوجة: قد ينكشف أمرنا في أي لحظة. ~~- يا للعنة! ~~- هذه هي حياتنا بكل مرارتها. # وقال الزوج: وسيدفعنا الإصرار على البقاء إلى مزيد من الجرائم. # وتساءلت الزوجة: فما رأيك الآن يا بني؟ # نفخ الشاب، تريث قليلا، ثم قال: علي أن أكاشفكما بأخطر نبأ في حياتي. ~~- ما هو يا بني؟ ~~- إذا صبرنا بضع سنوات فسوف يمكنني إعادة بناء الفندق بلا تكاليف تذكر. ~~- أنت؟! ~~- أجل، وذلك هو موضوع رسالتي. ~~- لعله أمل، مجرد أمل؟! ~~- بل أكثر من ذلك؛ فقد كشفت عن حقائق مؤكدة. ~~- وإذا أخطأ تقديرك؟ ~~- علينا أن نقبل المغامرة بأي ثمن. # فنظرت الزوجة إلى زوجها وقالت: هذا عامل جديد لم يجر في تقديرنا. # فقال الزوج: ولكنه كالحلم. # فقال الشاب: بل إنه أنجع في إعادة بناء الفندق من أعمال العنف نفسها. ~~- سنضطر إلى ارتكاب المزيد منها ونحن ننتظرك. ~~- إذن فعلينا بالصبر وارتكاب المزيد من العنف. ~~- إنك تذكرنا بحماس أخويك. ~~- ولكني آمل في نهاية أخرى. # فقالت الأم: هذا عامل جديد لم يجر في تقديرنا. # فقال الأب: أرى أنك تميلين إلى رأيه. ~~- لا أنكر ذلك. # فقال الشاب بحماس: يجب أن أعود غدا بالطيارة. # فقالت الأم: سافر بالسلامة. ~~- سأسافر غدا. ~~- لتصحبك السلامة وليكتب لك التوفيق. # 9 # بقي الزوجان جنبا إلى جنب وساد الصمت. وجعلت المرأة تختلس النظر إلى الرجل حتى ~~خرقت الصمت قائلة: علينا أن نصبر كما وعدناه. # فهز رأسه بالإيجاب دون أن ينبس فعادت المرأة تقول: علينا أن نصبر كما ~~وعدناه. ~~- أنت متحمسة لرسالته التي لا تعرفين عنها شيئا. ~~- ولكني أعرفه وأومن به. ~~- حسن. ~~- ولكنك متردد فيما يبدو لي. ~~- خانتك الفراسة. ~~- لا أحد يعرفك كما أعرفك. ~~- هكذا كل زوجين أمينين. ~~- لا تسخر يا رجل. ~~- ولكني جاد جدا. ~~- أنت متردد. ~~- لا عيب في ms84 ذلك إذا أخذ بمعنى التفكير. ~~- وتضمر غير ما تظهر. ~~- ماذا تعنين يا امرأة؟ ~~- قلت إن الاحتياطي استهلك في سد نفقات المعيشة؟ ~~- قلت ذلك حقا. ~~- ولكنه لم ينفد بعد! ~~- لم يبق منه ما ينفع لشيء . ~~- قد ينفع من يفكر في الفرار! ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت تدرك ما أعني. ~~- إني أفكر في شيء واحد هو سلامة الأسرة. ~~- سلامة الأسرة جزء لا يتجزأ من سلامة الفندق. ~~- تحت هذا الشعار ضحيت بما ضحيت. ~~- وعليك أن تستوصي بالمزيد من الصبر. ~~- المزيد من الصبر. ~~- ولكنك تضمر أمرا آخر! ~~- أي أمر يا امرأة؟ ~~- لعله الهرب. ~~- الهرب؟! ~~- إني أستنتج مستقبلك من مقدمات ماضيك. # فسأل وهو يضحك: هل سبق لي الهرب؟ ~~- نعم. ~~- جميل أن نضحك في غمرة هذا الغبار الدامي. ~~- من أين لي بالضحك! ~~- إذن فخير ما نفعله أن نغير الموضوع. # فرمته بنظرة قاسية وقالت: يبدو أنه آن لي أن أصارحك. ~~- بماذا؟ ~~- دفاعا عن أسرتك، دفاعا عن نفسك، سأصارحك بما كتمته طيلة السنين. ~~- ألديك سر لم أعرفه؟ ~~- بلى. ~~- وما هو يا ترى؟ # فقالت بهدوء رهيب: ماضيك المجهول. # فاشتعل اهتماما مباغتا وتساءل: ماضي المجهول؟ ~~- الذي نسيته، أو الذي تصر على أن تنساه. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت تجهل ماضيك كما تجهل شخصك الحقيقي. ~~- ذاك تاريخ مشهور. ~~- ولكني أعرفه. ~~- أنت؟! ~~- كما كان أبي يعرفه! ~~- أأنت جادة؟ ~~- كل الجد. ~~- منذ متى؟ ~~- منذ وجدناك في هذه الحديقة. ~~- يا له من عبث. ~~- بل هو الجد كل الجد. ~~- أتتوقعين أن أصدقك؟ ~~- أقسم لك بروح ابني. # فهتف فيما يشبه الفزع: رباه! ~~- أجل. ~~- انتشليني من هذه الغيبوبة. ~~- سأفعل حتى لا تقع في الخطأ مرة أخرى. ~~- من أنا؟ ~~- أنت زوجي. ~~- إني أسألك من كنت؟ ~~- كنت زوجي أيضا قبل أن تفقد ذاكرتك. # نظر إليها بذهول فقالت: كنت قبل ذلك ربيب أبي، وجدك غلاما ضالا. # ظل ينظر إليها بذهول فقالت: ولم تكن لك فكرة عن والديك فرباك وشغلك في الفندق ~~ثم تزوجنا. # ما لبث ينظر إليها ذاهلا فقالت: وذات يوم سرقت الخزانة وهربت مع راقصة. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- تذكر، تذكر، سرقت الخزانة وهربت مع ms85 راقصة. ~~- رأسي يدور. ~~- وكنت كما تكون اليوم مزيجا من التمرد والتمرد على التمرد فعذبتها - الراقصة - بالقدر الذي أردت أن تعذب به نفسك. ~~- رباه .. أي عالم هذا! ~~- فاضطرت هي إلى الهرب وسرعان ما فقدت ذاكرتك . ~~- آه. ~~- وراقبك أبي من بعيد ولم يبلغ الشرطة عنك حتى رأيناك يوما قادما. ~~- آه. ~~- ساقتك قدماك أو ضميرك إلى ضحاياك. ~~- أي حلم مفزع! ~~- ما حدث بعد ذلك فأنت تذكره. ~~- أجل، ولعبتم معي تمثيلية متقنة! # آثرنا أن ننسى الماضي معك، حتى ذكرني ترددك بحالك قديما قبيل الهرب. ~~- أغمض عينيه إعياء فقالت بحزم: علينا أن نصبر كما وعدناه. # 10 # في شرفة الفيلا - فوق الجبل - وفي ظلام دامس جلس الشبح فوق الكرسي الهزاز ومثل ~~الآخر بين يديه. وسأل الشبح الجالس: ماذا وراءك؟ ~~- الأسرة تكافح في صبر وعناء وعناد لا يعرف الهوادة. ~~- وما الجديد من أنباء الصراع؟ ~~- العنف يتراكم كالجبال. ~~- وكيف حال صاحبنا؟ ~~- عرف - فيما يعتقد - ذاته وتعلم من ذلك درسا لا ينسى. ~~- وذاته الأولى ألا يفكر فيها؟ ~~- لا وقت لديه لذلك. ~~- أليس ثمة أمل في يقظة غير متوقعة؟ ~~- لا أستبعد حدوث معجزة إذا تحققت آماله في البناء. # فتفكر الشبح الجالس مليا ثم قال: دعه وشأنه. # فقال الشبح الماثل بين يديه: سمعا وطاعة يا سيدي. # | عنبر لولو # قام الكشك في الوسط من طرف الحديقة الجنوبي. كشك مصنوع من جذوع الأشجار على هيئة هرم ~~تكتنفه أغصان الياسمين. وقف في وسطه كهل أبيض الشعر نحيل القامة ما زال يجري في صفحة ~~وجهه بقية من حيوية. جعل ينظر في ساعة يده ويمد بصره إلى الحديقة المترامية ~~مستقبلا شعاعا ذهبيا من الشمس المائلة فوق النيل نفذ إلى باطن الكوخ من ثغرة انحسرت ~~عنها أوراق الياسمين. ولاحت الفتاة وهي تتجه نحو الكشك سائرة على فسيفساء الممشى ~~الرئيسي. أحنت هامتها قليلا وهي تمرق من مدخل الكشك القصير، ومضت نحو الكهل بوجهها ~~الأسمر وعينيها الخضراوين. تصافحا. ثم قالت بصوت ناعم وبنبرة اعتذار: إني خجلة! # فقال الكهل برقة: يسرني أن ألقاك. ~~- لا يحق لي أن أنهب وقتك. ~~- لا ms86 يعد ضائعا وقت نمنحه لعلاقة إنسانية. ~~- شكرا لطيبة قلبك. # أشار إلى الأريكة داعيا إياها للجلوس فجلست ثم جلس وقالت: لم تسعفني الجرأة على طلب ~~مقابلتك إلا لأني في مسيس الحاجة إلى رأي حكيم. ~~- كل إنسان عرضة لذلك، غير أن من يراك في الإدارة لا يتصور أنك تحملين ~~هما! ~~- دعك من المظاهر! # فهز رأسه موافقا فواصلت: وتساءلت طويلا إلى من يحسن بي أن ألجأ، حتى هداني ~~التفكير إليك. ~~- أستغفر الله. # وتريثت لحظات ثم قالت: إنك لا تعرفني إلا كزميلة في إدارة السكرتارية. ~~- بلى. ~~- فعلي أن أقدم لك نفسي الحقيقية. ~~- أهلا بها. ~~- هي نفس مقضي عليها بالسجن المؤبد في شقاء دائم. ~~- أرجو أن تتكشف بعد تبادل الرأي عن مغالاة عاطفية. ~~- بل هي حقيقة واقعية. # تجلى الاهتمام في عينيه وهو يقول: إني مصغ إليك. # فقالت وهي تتنهد: حسبي أن أعرض عليك الفصل الأخير من المأساة. # فتجلى الاهتمام بصورة أوضح. ~~- إني يتيمة الأبوين، لي إخوة ثلاثة صغار، نقيم في بيت زوج المرحومة أمنا. ~~- وضع معقد. ~~- وأبعد ما يكون عن الراحة. ~~- لا يمكن إنكار ذلك. ~~- وهو رجل عنيد متعجرف. ~~- زوج المرحومة؟ ~~- دون غيره. ~~- أهو عجوز مثلي؟ ~~- بل أكبر، وهو لا يحبنا! ~~- هل أنجب لكم إخوة؟ ~~- كلا، إنه عقيم! ~~- ذلك مدعاة لحب الأطفال. ~~- ولكنه شاذ، وقد أفهمني عقب وفاة والدتي بأنني المسئولة وحدي عن إخوتي. # وساد الصمت مليا حتى استطردت قائلة: لعله بقراره لم يجاوز العقل! ~~- بلى ولكنه جاوز الرحمة. ~~- على أي حال أنا لا أطمع في رحمته! ~~- مفهوم. ~~- وهو يمن علينا بالمأوى وببعض المساعدات وإن يكن يحتسبها ديونا مؤجلة. # هز الكهل رأسه دون أن ينبس فقالت متنهدة: لعلك تخيلت الصورة التي أعيش في إطارها، ~~والحق أني لا أملك النقود اللازمة لملابس فتاة موظفة. ~~- وشابة في عز شبابها! ~~- هكذا تمضي الأيام في قسوة ومرارة، تحت رعاية عنيفة لا تعرف الرحمة، بلا أمل، أي أمل ~~في غد أفضل! # فقال الكهل كالمحتج: لا يجوز أن ننظر إلى الحياة بهذه العين. ~~- ولو كانت بالحال التي ذكرت؟ ~~- ولو كانت! # ثم ms87 تساءل وكأنه يناجي نفسه: من ذا يقطع بما يخبئه الغد؟! # فرفعت منكبيها زهدا في مناقشة فكرته وقالت وهي تتنهد: وإذا بي أشعر بزحف الزمن، من ~~خلال حياة التقشف والمرارة أخذ الزمن يطاردني. ~~- ولكنك ما زلت في مطلع الشباب! ~~- إني في الرابعة والعشرين من عمري. ~~- عز الشباب! ~~- ولكنه في مثل حالتي يعد مرحلة من الشيخوخة. ~~- لا داعي للمبالغة، إن وضعك ليس الوحيد من نوعه في بلادنا، ما أكثر أشباهه وإن اختلفت ~~الظروف والأسباب. # فرمته بنظرة غامضة وقالت: ولكني لم أحدثك بعد عن المشكلة الحقيقية! ~~- الحقيقية؟! ~~- التي تتحداني في اليقظة والمنام! ~~- غير ما سبق ذكره؟ ~~- ما حدثتك عنه حال يمكن اعتيادها كما يعتاد المريض مرضه المزمن. # فرفع الكهل حاجبيه متسائلا فقالت: أصبحت أشعر بشبابي لا كفترة من العمر تتسرب في ~~ضياع، ولكن كقوة دافقة، قوة قاهرة، كهبة مقدسة، وحق إلهي! # نظر الكهل في بريق عينيها الخضراوين كالمأخوذ فقالت بنشوة وحماس: كم تنازعني نفسي إلى ~~أشياء وأشياء، إلى كل شيء، إلى الوجود كله! # ثم وهي تخفض عينيها وبنبرة معتصرة بالحسرة والحزن: أود أن أرقص وأغني ~~وأمرح! # اختبأ الكهل في صمته وهو يطبق شفتيه متفكرا. ولما طال انتظارها قالت: لعلي دهمتك ~~بصراحتي! # فأصر على الاختفاء فقالت: لم تتوقع ذلك، أصبحت الأكاذيب وجبات يومية متكررة، ولكن ما ~~جدوى هذا اللقاء إذا لم أكاشفك بدخيلة نفسي؟! # فتمتم الرجل بحذر: صراحتك مشكورة! ~~- كان علي أن أعلن ما في نفسي أو أجن، ولكن كان علي أيضا أن أختار الرجل ~~المناسب، وكنت تخطر على بالي دائما، رجل وقور ومحبوب وذو سمعة طيبة، له تاريخ مجيد قضى ~~عليه بأن يكون ضحية فتعلقت به قلوب الضحايا! ~~- أشكر لك إنسانيتك ولطفك. ~~- لا أنكر أن لي صديقتين حميمتين في المصلحة، ولكني لم أفد من رأيهما ما ~~يذكر! ~~- هل كاشفتهما بما كاشفتني به؟ ~~- كلا ولكني سألتهما الرأي في مناسبات حادة وخطيرة! ~~- بم نصحتاك؟ ~~- بدت لي إحداهما أبعد ما تكون عن الرحمة! ~~- زيديني إيضاحا. ~~- ليس الآن موضعه. ~~- والأخرى؟ ~~- إنها غاية في الغرابة، قالت لي: إن ms88 مشكلتي عامة وإن بدت خاصة، وأنها لا تحل بالحلول ~~الفردية، وأن علينا أن نغير تفكيرنا من جذوره لنحقق تغييرا عاما وشاملا. # فابتسم قائلا: ليس رأيها بالجديد على مسمعي، ولكن كيف كانت استجابتك لها؟ ~~- لم يستمر ما بيني وبينها طويلا بعد ذلك فقد ألقي القبض عليها فجأة. ~~- عرفت المعنية بحديثك، أليس هي زميلتنا السابقة بالحسابات؟ ~~- بلى، وهكذا لم أجد أحدا سواك. # فقال بلهجة أبوية: إنك تنظرين إلى الأمور بمنظار أسود، ونسيت أنك قد ترزقين بابن ~~الحلال غدا أو بعد غد! ~~- أبناء الحلال متوفرون. ~~- ألم يقع اختيارك على أحدهم؟ ~~- كلا، إنهم موظفون شبان في مستوى مادي لا يختلف عن مستواي، وقبول يد أحدهم يعني ~~التخلي عن إخوتي، ودعنا من تكاليف الزواج ومشاكلها! # فقال الكهل بإصرار: عسى أن يجيء عريس غني يقوم بكافة التكاليف ويسمح بالنزول عن مرتبك ~~لإخوتك! ~~- هذا حلم وليس عريسا! ~~- الأحلام توجد كما توجد الحقائق. ~~- أرفض أن أقيم ميزان حياتي على الأحلام، إني أعيش في جفاف قاتل وبلا أمل، ونفسي تتحرق ~~إلى الحياة والسعادة، وفي كلمة، أود من أعماقي أن أرقص وأغني وأمرح. # رجع الكهل إلى حيرته وصمته فقالت بوضوح: هذه هي مشكلتي الحقيقية! # ولما وجدته مصرا على الصمت عادت تقول: يسعدني أني وجدت أخيرا الشجاعة لمصارحتك ~~بها! # فجعل يغمغم بكلمات مبهمة؛ فقالت باسمة: وطبيعي أن أنتظر منك شيئا غير الصمت! # فجمع عزمه وقال: إني بطبعي وتاريخي أرفض التسليم بوجود طرق مسدودة! ~~- ولكن طريقي مسدودة! ~~- ما تزال. ~~- أرجو أن تعتبرها كذلك إكراما لي، أنا لم ألجأ إليك إلا مطاردة بسياط الجزع، وبعد ~~كفر بالأحلام والخوارق! # فقال بوضوح: لا رأي عندي دون مراعاة كاملة للكرامة! ~~- الكرامة؟ ~~- أعني السلوك الخليق بفتاة محترمة. # فقالت بتحد: لقد جئتك وأنا على علم غزير بالنصائح التقليدية! ~~- طيب، هل تتوقعين لدي رأيا آخر؟ ~~- نعم! ~~- أن أسوغ لك السقوط؟ ~~- نعم! # فتساءل الكهل بذهول: ألم تجيئيني مدفوعة بما ذكرت عن تاريخي وحسن سمعتي؟ ~~- بلى! ~~- وتصورت بعد ذلك أن أبارك سقوطك؟ ~~- نعم! # فضحك الكهل على رغمه وقال: الحق أني لا ms89 أفهمك. ~~- ولكنني واضحة كضوء الشمس! ~~- الرقص والغناء والمرح؟ ~~- نعم! ~~- خبريني عما تتوقعين مني؟ ~~- أن تصرح لي بأن النهل من متعة الحياة ليس سقوطا! ~~- ولكنه ينقلب كذلك أردنا أم لم نرد! ~~- وإذن فما علي إلا أن أصبر حتى أذوي وأذبل وأموت! ~~- بل حتى تفرج. ~~- كلام لن يكلفك شيئا ولكنه سيكلفني حياتي. # فقال متحايلا للهروب من حدة الموقف: حدثيني عن رأي صديقتك الأخرى، أعني التي لم ~~تعتقل؟ ~~- كان الحديث لمناسبة تقدم شاب لخطبتي، فطالبتني بأن أقبله دون تردد، وأما عن ~~إخوتي فقد قالت: إنه ليس من حق أحد أن يضحي بحياة آخر في هذه الدنيا قصيرة لأجل! # فهز الكهل رأسه في حيرة صامتا فقالت: ولكني أرفض التضحية بإخوتي! ~~- يا لك من فتاة نبيلة! ~~- ولكن من حقي أن أحب الحياة، وأن أستمتع بهذا الحب. ~~- إذا فقدنا الكرامة فإنه لا يطيب لنا شيء. ~~- من الذي خلق الكرامة؟ ~~- خلقتها السماء كما خلقتها الأرض. ~~- ألم تسمع عما يقال عن الفتاة الأوروبية؟ ~~- إنها تنتمي إلى حياة أخرى في أوروبا، ولست أملك المعرفة الكافية للحكم ~~عليها. ~~- ولكنها أثبتت لنا أنه من الممكن الاستهانة بالتقاليد الموروثة دون التضحية بقيم ~~إنسانية باهرة! ~~- قلت إني لا أملك الحكم عليها. ~~- هل تهرب من مواجهة الحقيقة؟ ~~- بل أتكلم بما أعلم. ~~- أخشى أن تعدني مسئولية ثقيلة اعترضت طريقك الهادئ؟ ~~- بل أود مساعدتك بكل قلبي. # فقالت برجاء: إذن قدم لي نصيحة مبتكرة. ~~- مبتكرة! ~~- أجل، لم أعد أومن بالماضي، لقد ورثت تعاستي عن الماضي، لذلك أكره كل ما يمت إليه ~~بصلة، هبني نصيحة مبتكرة ولو هزئت في النهاية بما سميته بالكرامة! ~~- ولكني صارحتك بما أومن به. ~~- إنك رجل غير عادي، لا بد أن تنبع منك أفكار مبتكرة، أفكار لا تستمد سدادها من ~~قول سلف أو من عادة أثرت. ~~- من حقي، ومن واجبي، أن أكون مخلصا لطبعي أبدا. # فقالت وهي تنظر في عينيه بجرأة: أحيانا يخيل إلي أن شرا عصريا أفضل من خير ~~بال! ~~- أي ثورة تنطوي عليها جوانحك الرقيقة الجميلة! ~~- الحياة توشك أن تفلت من بين ms90 أصابعي تحت شعارات متهرئة ترددها ألسنة ~~محتضرة. ~~- هذه انعكاسات أزمة كفرت بحكمة الصبر. ~~- صدقني فإن حياتنا وقف قديم متهدم تتحكم فيه وصايا الأموات. ~~- كل ذلك لأنك تودين أن ترقصي وتغني وتمرحي؟ ~~- لأني أود أن أعيش حياتي. ~~- وربما تودين غدا أن تقتلي الأنفس وتشعلي الحرائق وتهدمي الجدران؟ # فضحكت قائلة في حبور: أود حقا أن أقتل زوج أمي، وأن أحرق من يتطاول على رميي ~~بالسقوط، وأن أهدم جدران الإدارة! # ابتسم الكهل وهو يرمقها بحنان أبوي وقال: لعله الحب؟ ~~- هه؟ ~~- لعله حب يائس الذي أضرم فيك نار الثورة! ~~- لا يوجد حب معين الآن، أحببت مرات وخاب الحب مرات، أما الآن فأنا أحب الحب ~~وحده! ~~- لا شك أن للحب عندك قصة! # هزت منكبيها في استهانة وقالت: أنت تعرف حب المراهقة ومصيره المحتوم .. ذاك واحد، ~~وحلمت يوما بحب ممثل، وكان كلما تقدم لي خاطب أبدي قلبي استعدادا طيبا للحب لا يلبث ~~أن يذهب بذهابه. ~~- لا قصة حب الآن؟ ~~- أكبر قصة حب، حب الحب نفسه! # وتبادلا نظرة طويلة. ثم سألته: بم تنصحني يا سيدي النبيل؟ # فقال باسما: أنصحك بالرقص والغناء والمرح والقتل والتحريق والهدم. ~~- أتسخر مني يا سيدي؟ ~~- معاذ الله، بل إنك تغرينني بالتعلق بك! ~~- حقا؟ ~~- ما أكثر أوجه الشبه بيننا! ~~- فيم؟ ~~- في التعاسة على الأقل! # فقالت باستطلاع: لقد سمعت عنك الكثير. # فلاحت في عينيه نظرة حالمة وقال: كنت يوما ذا شباب يافع ومستقبل مرموق. # ثم وهو يبتسم: وذات يوم قررت الانضمام إلى الجموع الثائرة. # وسكت لحظة ثم تمتم: ولم أكتف بذلك فجازفت بالعمل في السراديب. # ثم واصل وهو يضحك ضحكة موجزة: ثم قضيت من حياتي خمسة وعشرين عاما في السجن. ~~- أول ما لفتني إليك حديث بعض الزملاء في المصلحة عندما أشاروا إليك وقالوا هذا الرجل ~~بطل من أبطالنا القدامى! ~~- وقد خرج البطل من السجن بعد أن جاوز الخمسين، وبعطف من البعض ألحقت بالوظيفة، ~~بمرتب مبتدئ، وعما قليل سأترك الخدمة دون أن أستحق معاشا، وقد فاتني الحب والزواج ~~والأسرة، وإن امتد بي العمر فلا مفر من ms91 التشرد والجوع. ~~- يا للبطولة! ~~- لذلك قلت إن بيننا أوجه شبه. ~~- ولكنك بطل! ~~- لا يذكرني اليوم أحد! # ترامت إليهما في الكشك ضحكات هامسة وهي تقترب. مرق إلى الداخل فتاة وشاب سرعان ما ~~تبادلا عناقا حارا. أسلمت الفتاة رأسها إلى كتف الشاب وأغمضت عينيها. قلبت رأسها، ~~ولما فتحت عينيها وقع بصرها على الكهل والفتاة السمراء ذات العينين الخضراوين. ابتسمت بلا ~~ارتباك يذكر ثم سحبت فتاها من يده وغادرا الكشك. ضحكت السمراء وابتسم الكهل. وسألته: لم ~~اخترت هذه الحديقة مكانا للقائنا؟ ~~- كنت أتردد عليها في الزمان الأول. ~~- لا علم لك بما يدور فيها اليوم؟ ~~- كلا، كنا نتخذها أحيانا مخبأ ننقض منه على أعدائنا. # فقامت برشاقة آخذة إياه من ذراعه، فمضت به إلى جدار الكشك. مدت بصرها من الثغرات ~~بين أوراق الياسمين داعية إياه إلى النظر. نظرا معا وهما شبه متلاصقين حتى فغر ~~الكهل فاه. وهمست في أذنه: انظر إلى الحديقة! # ثم وهي تكتم ضحكة: كم أنها مرصعة بالعشاق! ~~- فوق ما يتصور العقل. ~~- العقل يستطيع أن يتصور كل شيء لو تخلت عنه القبضة الخانقة. # فقال في انفعال ظاهر: انظري إلى هذه الفاجرة! ~~- يا لها من سكرى بالحب! ~~- أهذه حديقة عامة؟ ~~- لا عيب فيها إلا أنها تشبه الجنة. ~~- إنها في عمر الورد! ~~- الحديقة؟ ~~- الفاجرة! ~~- يخيل إلي أنه لا زوج أم يرهبها ولا سجن يهددها! # رجع الرجل إلى مجلسه وهو يلهث. تراجعت الفتاة إلى وسط الكشك. وقفت كأنما تستعرض جسمها ~~الرشيق. # دارت حول نفسها مرتين كأنما تشرع في الرقص. سألها وهو لا يتمالك نفسه: لم وقع ~~اختيارك علي بالذات؟ ~~- لأنك الرجل الذي قضى زهرة عمره في السجن. ~~- كيف ظننت أنك واجدة رأيا جنونيا عند رجل مثلي؟! ~~- تخيلت أنه لن ينتشلني من الموت إلا رجل كان الموت لعبته! ~~- يا له من مزاح! ~~- قلت لنفسي سأجد عنده رأيا جديرا ببطل! # فتردد قليلا ثم سألها: ألم تخشي أن أغازلك؟ ~~- ليس ثمة ما أخشاه في ذلك! # هز الكهل رأسه مغلوبا على أمره فعادت إلى مجلسها إلى جانبه وهي تسأله: أليس ms92 في حياتك ~~جانب لهو؟ # فأجاب دون اكتراث: أقرأ بانتظام، وأذهب إلى السينما بين حين وآخر. ~~- تعيش وحدك؟ ~~- نعم، لا أقارب لي في القاهرة. ~~- ولا أصدقاء لك؟ ~~- منهم من قتل في الثورة ومنهم من تبوأ يوما الوزارة فبعد ما بيني وبينه. ~~- والنساء، أليس في حياتك نساء؟ ~~- ولى موسمهن في عمري. # ففكرت قليلا وقالت: أود أن أعترف لك بسر! # في تلك اللحظة ترامى إلى سمعيهما صوت رصاص ينطلق بقوة وغزارة. فبهت الرجل وارتجفت ~~الفتاة. تساءلت: ما هذا؟ ~~- رصاص من بندقية سريعة الطلقات. ~~- كيف؟ .. لم؟ ~~- لا أدري. ~~- غارة؟! ~~- ولكن صفارة الإنذار لم تنطلق، لعله تمرين. # وسكت الضرب. لبثا يرهفان السمع ولم يزايلهما القلق. تساءلت: هل يعود؟ ~~- لا علم لي. ~~- هل تستأنف الحرب؟ ~~- من يدري؟! ~~- الكلام عن ذلك لا ينقطع. ~~- وهو ينتهي حيث يبدأ. ~~- أتفكر في ذلك كثيرا؟ ~~- إنه ظلنا ومصيرنا. # وفصل الصمت بينهما طويلا. حتى قال: إن الرصاص يحرك غرائز في أعماقي، لقد زلزل كياني ~~في هذه اللحظة القصيرة. ~~- يؤسفني أنني كدرت صفوك. ~~- لنعد إلى ما كنا فيه، أكنت تتحدثين عن سر؟! # فابتسمت قائلة: أجل .. هناك سر. # فرمقها بنظرة مستطلعة فقالت: ثمة رجل في حياتي. ~~- حقا؟ ~~- شاب غني من طنطا! ~~- ها هو الحلم يتحقق. ~~- كلا، إنه متزوج. ~~- ما مهنته؟ ~~- تاجر. ~~- أتقبلين أن تكوني الزوجة الثانية؟ ~~- لكنه يمقت فكرة تعدد الزوجات. ~~- هل سيطلق زوجته؟ ~~- ويمقت فكرة الطلاق. ~~- وماذا يريد إذن؟ ~~- إنه يحبني! ~~- كذاب! ~~- أعتقد أنه صادق. ~~- هل .. هل؟ ~~- تقابلنا في مشرب شاي مرتين. ~~- ماذا يريد؟ ~~- يريد أن أقابله مرة ثالثة. ~~- لا كرامة في ذلك. ~~- رجعنا إلى الكرامة! ~~- واضح أنه يريد العبث بك. ~~- أو أن أعبث به! ~~- كوني بريئة بقدر ما أنت صغيرة. ~~- وحدثني عرضا عن شقة يملكها في الهرم! ~~- الداعر! ~~- لم أقطع برأي بعد. # فهتف بحدة: الرقص والغناء والمرح. ~~- لا أحب لك أن تغضب. # ومالت نحوه فلثمت جبينه. وجعل ينظر إليها باهتمام وتوقد. سألته برجاء: ألا تريد أن ~~تمن علي برأي؟ ~~- عليك أن تصبري حتى يجيء الفرج كما أن علي أن أصبر حتى يجيء ms93 الموت! # فقامت وهي تقول: شكرا، وإذن فيجب أن أذهب. # هتف باستنكار: تذهبين! ~~- لم أجئ لأقيم هنا. ~~- أنت ذاهبة إلى الشاب الغني من طنطا. ~~- كلا، ليس موعده اليوم. ~~- لا يمكن أن تذهبي. ~~- آن لي أن أذهب . # قام إلى جدار الكشك ورمى ببصره إلى الخارج ثم قال بعصبية: الحب لا يتوقف لحظة ~~واحدة. ~~- متع بصرك. # تحول إليها وهو يقول بانفعال: كأنك ابنتي! # ومال نحوها فلثم جبينها وهو يقول: لا تذهبي إلى مشرب الشاي. ~~- ليس اليوم. ~~- إنه يريد عشيقة! ~~- لم يصرح بذلك. ~~- أنت ساذجة؟ أنت ماكرة؟ .. ما أنت؟ ~~- أنا مصممة. ~~- أنت جميلة، أنت فاتنة، اصبري. ~~- يجب أن أذهب. ~~- إنه يرفض أن يطلق، ويرفض أن يتزوج زوجة ثانية، لماذا؟ لعل زوجته غنية، لعلها ~~رأسماله الحقيقي، وغير بعيد أن تكون أكبر منه سنا، لذلك جهز شقة للعبث، يجيء إلى القاهرة ~~باسم التجارة ليمارس الدعارة، هذه هي الحقيقة. ~~- أشكرك، ولكن آن لي أن أذهب. # قبض على يدها، ثم على ساعدها، وقال وهو يزداد انفعالا: لن تذهبي. # ابتسمت قائلة: لقد تأثرت لحالي أكثر مما يجوز. ~~- لا حدود لما يجوز في ذلك. ~~- شد ما أزعجتك. ~~- أكثر من سبب يشد أحدنا إلى الآخر. ~~- ولكن الوقت يسرقنا وزوج أمي رجل شرس. ~~- فلنسحق رأسه ولكن لا تذهبي إلى الشاب الغني من طنطا. ~~- إني راجعة إلى البيت. # ففرقع بأصابعه وقال: جاءتني فكرة طيبة. ~~- فكرة؟ ~~- إنك مشغوفة بالحياة، ولا خوف عليك من كهل مثلي، فلنذهب سويا إلى عنبر لولو. ~~- عنبر لولو؟ ~~- حديقة في صحراء سقارة، في المركز منها بركة مترامية من ماء الورد، وتنتشر بها المقاصير ~~المغطاة بالأزهار، وشعارها غير المكتوب افعل ما تشاء. # فاتسعت عيناها دهشة وقالت: أنت تدعوني إلى ذلك؟ ~~- مع آمن رفيق! ~~- لا أصدق! ~~- لا يعز شيء على التصديق. ~~- ولكن .. ولكن ليس الوقت مناسبا. ~~- كل وقت فهو مناسب لزيارة عنبر لولو! ~~- لم أسمع بها من قبل. ~~- إنها جنة الأحلام، كل حلم فهو واقع في عنبر لولو. ~~- إنك تتكلم بصوت جديد، وعيناك تنطقان بمعان جديدة. # جذبها من يدها إلى جدار الكشك ms94 فنظر من الثغرات داعيا إياها إلى النظر وقال محموما: ~~انظري، جميع هؤلاء حمقى لأنهم لم يعرفوا الطريق إلى عنبر لولو. ~~- تلك الحدائق النائية عرضة للخطر! ~~- إنها ترقد في حضن الأمان وآي ذلك أنه لا يوجد بها شرطي واحد! ~~- وماذا نفعل هناك؟ ~~- كما تهوين، لا أحد يرى الآخر في عنبر لولو. ~~- انظر إلى هذه الفتاة الفاجرة! ~~- إنها فاجرة لأنها تلهو بعيدا عن عنبر لولو. ~~- إنك تخيفني! ~~- لا ظل للخوف في عنبر لولو. # تراجعت عن الجدار فلحق بها في نشاط غير معهود وهو يشد على يدها. وتساءل: ألم تجيئي ~~لتسمعي نصيحة من كهل؟ ~~- إني أمقت النصائح! ~~- اذهبي معي إلى عنبر لولو. ~~- رباه .. إني أتراجع، لعل حديثك الحكيم أثر في أكثر مما توقعت! ~~- حديث عنبر لولو؟ ~~- حديث الصبر والكرامة! ~~- إنك لا تؤمنين بالألفاظ الصفراء. ~~- ولكنك تؤمن بها؟ ~~- إن ربع قرن في السجن خليق بأن يخل الميزان. ~~- إنك تخيفني. ~~- كلا، ولكنها حيلة نسائية بالية! ~~- اهدأ، فلنجلس، أود أن أعترف بسر جديد. ~~- اعتراف آخر؟! # عاد إلى مجلسهما وهو يلهث. وقبل أن تفتح فاها تدافعت أقدام مهرولة تند بين وقعها ضحكات ~~شابة متوثبة. اندفعت إلى الداخل فتاة يطاردها شاب. لمحا وجود الكهل والفتاة ولكنهما لم ~~يلقيا إلى ذلك بالا. مضت تحاوره وهو يتحين غفلة للانقضاض عليها. وفجأة وثبت الفتاة ~~فوق الأريكة الوحيدة التي يستقر عليها الكهل وصاحبته وتخطت الرجل فاختفى لحظة بين ~~ساقيها ثم قفزت إلى الباب، ومنه إلى الحديقة والشاب في أثرها. سوى الكهل هندامه وتمتم ~~كأنما يناجي نفسه: ما أجمل أن يذهبا إلى عنبر لولو! # ثم قال لفتاته بضيق: نحن نضيع وقتا ثمينا لا يعوض! # فقالت تذكره: ولكن ثمة اعتراف جديد! ~~- لا قيمة الآن لأي اعتراف! ~~- أود أن أعترف لك بأن حكاية الشاب الغني من طنطا مختلقة من جذورها ولا أساس لها في ~~الواقع! ~~- حقا؟ ~~- بالصدق أعترف لك. ~~- ذاك يعقد الأمور ولا يبسطها! ~~- وعلي أن أذهب الآن. ~~- كلا، لن تذهبي. ~~- لا شيء يدعونا للبقاء. ~~- بل علينا أن نفهم الأسباب التي دعتك إلى اختراع الحكاية. ms95 ~~- لا أهمية لذلك ألبتة. ~~- كلام غير علمي، فالحلم له أسبابه كالواقع سواء بسواء. ~~- أكرر، لا أهمية لذلك. # فهز رأسه مفكرا وقال باهتمام: دعيني أفكر. # ومسح على جبينه واستطرد: شاب .. تاجر .. غني .. من طنطا .. شقة خاصة في الهرم. ~~- كدت أنسى تلك التفاصيل. ~~- لا يمكن أن تنسي. ~~- أنت ظريف ولكنك عنيد. ~~- أصغي إلي، شاب، تخيلته شابا، الشباب رمز الجنون بحب الحياة، وأنت تهيمين بحب ~~الحياة لحد الجنون. ~~- لكني تغيرت. ~~- كذب، لم يمر وقت يسمح بالتغيير. ~~- يخيل إلي أني عاشرتك في هذا الكشك عمرا. ~~- أصغي إلي يا عزيزتي، .. تاجر .. ما معنى تاجر؟ إنه نقيض الموظف، الموظف رمز الروتين، ~~التاجر رمز الحركة، الموظف ظل الأخلاق التقليدية، التاجر ظل الانطلاق واللاأخلاقية. # فتساءلت ضاحكة: أتراني حلمت بقرصان؟ ~~- وأكثر يا عزيزتي، إنك تدعيننا للإيمان بإبليس كما آمن إبليس بنفسه، إنك تنبذين آدم ~~مخلوق الخطيئة والاستغفار، وتعشقين إبليس مخلوق الإبداع والكبرياء، إنك تعيدين للنار ~~كرامتها حيال التراب. ~~- سامحك الله .. أنت خفيف الروح. ~~- وما معنى غني؟ الغني هو الذي يملك المال والقوة، ولكننا لم نعد في عصر الأغنياء، أي ~~غني اليوم إنما هو كاللص الذي لم يهتد إلى أثره بعد، ستطبق عليه يد العدالة في المساء أو ~~عند منتصف الليل، فالحلم يريد شابا غنيا، لفترة محددة، إنه يخشى المعاشرة الطويلة، ~~يخشى أن يتكشف مع الزمن عن شخص حقير شرس مثل زوج أمك، فأنت ترغبين فيه وتكرهين في الوقت ~~نفسه فكرة دوامه، سوء ظن مكتسب من ماض تعيس. ~~- أتقرأ الفنجان أيضا؟ ~~- من طنطا! .. ماذا يقول الحلم؟ طنطا هي مثوى السيد البدوي، صاحب الكرامات والمعجزات، ~~الذي كان يجيء بالأسرى من الأعداء .. فهمت يا عزيزتي؟! ~~- فهمت يا سيدنا الشيخ. ~~- وشقة الهرم؟ .. الشقة مفهومة ولكن لماذا في الهرم؟ .. الهرم في ظاهره قبر ولكنه في ~~حقيقته يشكل تحديا للزمن .. للموت. ~~- تفسير مسل وجميل، ولكن يجب أن تفكر في الذهاب. ~~- ابصقي هذه النية من فيك وهلمي إلى عنبر لولو. ~~- بل إلى البيت. ~~- ماذا في البيت مما يغريك بالعودة إليه؟ ~~- هو بيتي على أي حال. ~~- سيتغير ms96 طعمه ومذاقه عقب زيارة لعنبر لولو. # رمقته بنظرة ارتياب وسألته: ما علاقة كهل وقور مثلك بعنبر لولو؟ ~~- فيه خلوة للعجزة، كل شيء في عنبر لولو. ~~- ترى .. ترى أأنت جدير بالسمعة الطيبة التي تتمتع بها؟ ~~- أنسيت رأيك في الوقت القديم ووصايا الأموات؟ ~~- لكني تعلمت أشياء جميلة من معاشرتك الطويلة هنا! ~~- لا تسخري من رجل قضى زهرة عمره وراء القضبان. ~~- اغفر لي فإني لم أجاوز الأربعة والعشرين ربيعا من عمري! ~~- ولكنه في حالتك يعتبر مرحلة من مراحل الشيخوخة! # وقامت متجهمة فقام في أثرها بحال توحي بالاعتذار، وقال: لا معنى للغضب بعد أن تعارفنا ~~على خير وجه! # فقالت بنبرة ساخرة: شيدت قصرا ولكن على الرمال! ~~- حقا؟ ~~- الشاب الغني من طنطا حقيقة من صميم الواقع! ~~- بل خيال في خيال! ~~- حقيقة من صميم الواقع. # فقبض على ساعدها بعنف وهو يطلق على عينيها نظرة من نار. وتوثب ليقذفها بسيل من ~~الكلمات التي انصهر بها شدقاه ولكن شخصا غريبا اقتحم الكشك على غير توقع. اقتحمه ~~وكأنما ألقي به إليه. مشعث الشعر، أغبر الوجه، يتصبب عرقا. رفع بنطلونه وحبكه حول وسطه. ~~ضرب الأرض بقدميه بشدة ليزيل عن حذاءه ما يطوقه من طين. بادلهما النظر صامتا دون أن ~~ينبس. مضى إلى طرف الأريكة وارتمى عليها في إعياء. جعل صدره يرتفع وينخفض ورائحة عرقه ~~تنتشر. حل بالكشك صمت كالشلل. لكن الفتاة كانت أول من خرج منه. خلصت يدها من قبضة ~~الكهل وقالت: أستودعك الله، إني ذاهبة. # فقال الكهل برجاء: انتظري، يحسن بك ألا تسيري وحدك في الطرقات الخالية في هذه الساعة من ~~الأصيل! ~~- وإذا بالشاب الغريب يقول: ليست الطرقات بالخالية! # فرماه الكهل بنظرة مغيظة متسائلة فقال الشاب: جميع الطرقات مطوقة برجال الشرطة! # فتحول غيظ الكهل إلى دهشة وسأله: لم؟ # فسأله الشاب بدوره: ألم تسمعوا طلقات الرصاص؟ ~~- بلى، منذ وقت غير قصير، ظننته تدريبا عسكريا. ~~- لم يكن تدريبا عسكريا. # فسألته الفتاة: أكان غارة جوية؟ ~~- لم يكن غارة جوية. # فسأله الكهل: هل بلغتك عنه أنباء صادقة؟ # فهز الشاب رأسه بالإيجاب، وأجاب النظرات ms97 المتسائلة قائلا: صعد شخص إلى قمة البرج وأطلق ~~الرصاص من بندقية سريعة الطلقات. ~~- ما هويته؟ ~~- لا يدري أحد. ~~- وما الهدف الذي أطلق عليه الرصاص؟ ~~- أطلقه على كافة الجهات، على جميع الناس! ~~- يا للخبر، وكم عدد الضحايا؟ ~~- لم يصب أحد! ~~- غير معقول. ~~- يبدو أنه أراد أن يطلق الرصاص لا أن يصيب أحدا! ~~- حادث غامض. ~~- إنه لكذلك. ~~- هيهات أن يثبت عدم الشروع في القتل. ~~- ذاك واضح، ولكن ربما صفحته خالية من السوابق! # فقال الكهل باستياء: ليس خلو الصفحة من السوابق بالشهادة الطيبة دائما، ولا العكس ~~بالصحيح. ~~- قول لا يخلو من حكمة. ~~- أهنئك على حسن إدراكك. ~~- شكرا. ~~- لكن لنعد إلى مطلق الرصاص، لعله مجنون؟ ~~- كلا. ~~- إنك تتحدث عنه بيقين! ~~- بل أردد ما تناقله الناس في الطرق. ~~- ولكن لم يطلق النار في جميع الجهات دون أن يقصد إصابة أحد! ~~- ذاك بعض السر الذي يسعى وراءه رجال الشرطة. # فقالت الفتاة: لعله مجنون بالشهرة. ~~- لا يبدو كذلك. # فعادت تقول: لعله كان في حاجة ملحة إلى الترفيه! # فابتسم الشاب قائلا: لا أظن الأمر كذلك. # وسأله الكهل: ماذا يقول الناس عنه أيضا؟ ~~- يقال: إنه كان ضمن وفد دعي إلى زيارة الجبهة ومعسكرات اللاجئين. ~~- حقا! .. لعل أعصابه اهتزت فوق ما يحتمل. ~~- لكنه لم يفقد توازنه قط وإلا لقتل الناس بالعشرات! ~~- أطلق النار وهو في كامل وعيه؟ ~~- وكامل عقله! ~~- يا له من حادث غامض! # وقالت الفتاة: كم أود أن أراه! # فقال الكهل: سترينه في جرائد الغد، كذلك تجري الأمور منذ قديم! # ثم التفت إلى الشاب وهو يقول كأنما يقدم له نفسه: أنا أيضا ولعت يوما بإطلاق ~~النار! # ثم بنبرة اعتزاز: ولكن الرصاص انصب على الأعداء! # فقال الشاب بامتعاض: يقال: إن صاحب البندقية المجهول هتف قبل أن يختفي «ليستقر الرصاص في ~~قلب العدو الأكبر.» # فقال الكهل في حيرة: حتى القتل أصبح غامضا رغم أنه أوضح فعل في الوجود! ~~- ليس ثمة غموض ألبتة. # فتساءل الكهل بغيظ: أكان العدو الأكبر يسير فوق رءوس المارة؟ ~~- أو خلفهم أو أمامهم أو تحت أرجلهم! # فقالت الفتاة ms98 بانفعال: واضح أو غامض، لا يهم، كم أنه جميل أن يطوف إنسان بالجبهة ~~وبمعسكرات اللاجئين ثم يصعد إلى برج القاهرة ليطلق النار في جميع الجهات! # فسألها الكهل: هل وضح لك ما غمض علي؟ ~~- نعم. ~~- ولكن كيف؟ ~~- إني أفهم بطريقتي الخاصة! # وسادت لحظات من الصمت ارتفعت خلالها ضجة في الخارج. ثم تبين على وجه اليقين أن ثمة ~~ضجة تجتاح الحديقة. # هرعا إلى ثغرات الياسمين فرأيا العشاق يتجمعون في الممشى وقد تولاهم الوجوم ~~والارتباك. ثم رأيا رجال الشرطة وهم يحتلون الأركان. قالت الفتاة بانفعال: أصبحنا في قلب ~~الحدث. # فقال الكهل: وقد يقع صدام دام. # والتفتت الفتاة نحو الشاب وقالت له: واضح أن رجال الشرطة يعتقدون أن صاحبك المجهول في ~~الحديقة معنا! # فقال الشاب بهدوء: وهو فرض محتمل! # فقال الكهل: ولم يعد ثمة مجال للهرب. # فقال الشاب: إن من يقدم على ما أقدم عليه لا يمكن أن يركن إلى الهرب إلى ما لا ~~نهاية. # فقال الكهل وهو يحدجه بمودة: وعليه فخير سبيل أن يذهب إليهم بنفسه. ~~- أتظن ذلك؟ # وابتسم. ثم قام بهدوء. حياهما بإحناءة من رأسه قائلا: إلى اللقاء. # ومضى نحو باب الكشك فمرق منه إلى الحديقة وهما يردان وراءه: إلى اللقاء! # واقتربا من باب الكشك متلاصقين وراحا يراقبان ما يحدث في الخارج. لبثا وقتا غير قصير ~~ثم رجعا إلى مجلسهما فيما يشبه الإعياء والحزن. وقال الكهل وكأنه يناجي نفسه: فاتني أن ~~أستوضحه بعض الأمور، كان الوقت قصيرا وحرجا! # فقالت الفتاة: وفاتني أن أدعوه إلى شيء من اللهو! # فقال لها معاتبا: ما زلت قادرة على المزاح! ~~- أنسيت هيامي بالرقص والغناء والمرح؟ # فقال بامتعاض: آن لك أن تذهبي إلى شابك الغني من طنطا! # فضحكت قائلة: دعني أعترف لك بأنه حلم لا أساس له في الواقع! # فهتف بغضب: لقد أرهقتني اعترافاتك المتضاربة. # فقالت بتسليم: هلم بنا إلى عنبر لولو! # ونهضت قائمة. لكنه جذبها برقة من يدها فأجلسها مرة أخرى وقال وهو يحني رأسه: دعيني ~~أعترف لك بأن عنبر لولو لم توجد بعد. # فاتسعت عيناها دهشة ms99 وتمتمت: ماذا قلت؟ ~~- كانت مجرد مشروع! ~~- مشروع؟! ~~- أجل. ~~- ماذا تملك لتنفيذه؟ ~~- رسمنا له خطة عظيمة في غيابات السجن! ~~- السجن؟! ~~- كان حياتنا الحقيقية، أنا وبعض الزملاء، وقد اشتققنا اسمه من عنبر السجن وأضفنا إليه ~~«لولو» على مثال هونولولو. ~~- وماذا عن تمويله؟ ~~- فكرنا في ذلك بطبيعة الحال، وبالإجماع اتفقنا على وسيلتين لا ثالث لهما؛ وهما السرقة ~~والقتل! # فضحكت متسائلة: وماذا أخركم عن التنفيذ مذ تم الإفراج عنكم؟ ~~- الخيانة! ~~- الخيانة؟ ~~- إذا بالزملاء يتوبون إلى الله ويؤدون فريضة الحج في عام واحد! هكذا تعطل مشروع ~~عنبر لولو! ~~- يا للخسارة! ~~- العين بصيرة واليد قصيرة! # وفرق بينهما صمت واجم ثقيل. حتى قال الكهل: آن لنا أن نذهب ولكن لا يجوز أن ~~نفترق! ~~- حقا؟ ~~- ألا ترحبين بذلك؟ ~~- من المؤسف أنك لن تحسن الرقص ولا الغناء ولا المرح. ~~- ولكني صاحب مشروع قيم! ~~- عنبر لولو؟! ~~- أجل. ~~- لكنه لا يمكن تنفيذه بمجهود فردي؟ ~~- إذا اتفقنا أمكن أن نصنع شيئا ذا بال. ~~- وماذا في وسعي أنا؟ ~~- أصغي إلي، نحن نملك مواهب لا تقدر بثمن. ~~- ما أريد إلا أن أرقص وأغني وأمرح. ~~- لن أطالبك بأكثر من ذلك. ~~- ماذا تعني؟ ~~- عنبر لولو، جنة الأحلام، ما قيمتها بلا رقص وغناء ومرح. # فابتسمت الفتاة بأمل وتساءلت: وأنت؟ # فقال بفخار: أنا مولع بالقتل منذ قديم الزمان. # قام فقامت. أعطاها ذراعه فتأبطتها. مضيا نحو باب الكشك وهو يقول: سأطلق الرصاص في ~~جميع الجهات وسنرقص ونغني ونمرح. ms100