######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.HikayatHaratna.Hindawi27250583 #META# Tags: novels #META# ID: 27250583 #META# Title: حكايات حارتنا #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الحكاية رقم «1»‏ # الحكاية رقم «2»‏ # الحكاية رقم «3»‏ # الحكاية رقم «4»‏ # الحكاية رقم «5»‏ # الحكاية رقم «6»‏ # الحكاية رقم «7»‏ # الحكاية رقم «8»‏ # الحكاية رقم «9»‏ # الحكاية رقم «10»‏ # الحكاية رقم «11»‏ # الحكاية رقم «12»‏ # الحكاية رقم «13»‏ # الحكاية رقم «14»‏ # الحكاية رقم «15»‏ # الحكاية رقم «16»‏ # الحكاية رقم «17»‏ # الحكاية رقم «18»‏ # الحكاية رقم «19»‏ # الحكاية رقم «20»‏ # الحكاية رقم «21»‏ # الحكاية رقم «22»‏ # الحكاية رقم «23»‏ # الحكاية رقم «24»‏ # الحكاية رقم «25»‏ # الحكاية رقم «26»‏ # الحكاية رقم «27»‏ # الحكاية رقم «28»‏ # الحكاية رقم «29»‏ # الحكاية رقم «30»‏ # الحكاية رقم «31»‏ # الحكاية رقم «32»‏ # الحكاية رقم «33»‏ # الحكاية رقم «34»‏ # الحكاية رقم «35»‏ # الحكاية رقم «36»‏ # الحكاية رقم «37»‏ # الحكاية رقم «38»‏ # الحكاية رقم «39»‏ # الحكاية رقم «40»‏ # الحكاية رقم «41»‏ # الحكاية رقم «42»‏ # الحكاية رقم «43»‏ # الحكاية رقم «44»‏ # الحكاية رقم «45»‏ # الحكاية رقم «46»‏ # الحكاية رقم «47»‏ # الحكاية رقم «48»‏ # الحكاية رقم «49»‏ # الحكاية رقم «50»‏ # الحكاية رقم «51»‏ # الحكاية رقم «52»‏ # الحكاية رقم «53»‏ # الحكاية رقم «55»‏ # الحكاية رقم «54»‏ # الحكاية رقم «56»‏ # الحكاية رقم «57»‏ # الحكاية رقم «58»‏ # الحكاية رقم «59»‏ # الحكاية رقم «60»‏ # الحكاية رقم «61»‏ # الحكاية رقم «62»‏ # الحكاية رقم «63»‏ # الحكاية رقم «64»‏ # الحكاية رقم «65»‏ # الحكاية رقم «66»‏ # الحكاية رقم «67»‏ # الحكاية رقم «68»‏ # الحكاية رقم «69»‏ # الحكاية رقم «70»‏ # الحكاية رقم «71»‏ # الحكاية رقم «72»‏ # الحكاية رقم «73»‏ # الحكاية رقم «74»‏ # الحكاية رقم «75»‏ # الحكاية رقم «76»‏ # الحكاية رقم «77»‏ # الحكاية رقم «78»‏ # الحكاية رقم «1»‏ # الحكاية رقم «2»‏ # الحكاية رقم «3»‏ # الحكاية رقم «4»‏ # الحكاية رقم «5»‏ # الحكاية رقم «6»‏ # الحكاية رقم «7»‏ # الحكاية رقم «8»‏ # الحكاية رقم «9»‏ # الحكاية رقم «10»‏ # الحكاية رقم «11»‏ # الحكاية رقم «12»‏ # الحكاية رقم «13»‏ # الحكاية رقم «14»‏ # الحكاية رقم «15»‏ # الحكاية رقم «16»‏ # الحكاية رقم «17»‏ # الحكاية رقم «18»‏ # الحكاية رقم «19»‏ # الحكاية رقم «20»‏ # الحكاية رقم «21»‏ # الحكاية رقم «22»‏ # الحكاية رقم «23»‏ # الحكاية رقم «24»‏ # الحكاية رقم «25»‏ # الحكاية رقم «26»‏ # الحكاية رقم «27»‏ # الحكاية رقم «28»‏ # الحكاية رقم «29»‏ # الحكاية رقم «30»‏ # الحكاية رقم «31»‏ # الحكاية رقم «32»‏ # الحكاية رقم «33»‏ # الحكاية رقم «34»‏ # الحكاية رقم «35»‏ # الحكاية رقم «36»‏ # الحكاية رقم «37»‏ # الحكاية رقم «38»‏ # الحكاية رقم «39»‏ # الحكاية رقم «40»‏ # الحكاية رقم «41»‏ # الحكاية رقم «42»‏ # الحكاية رقم «43»‏ # الحكاية رقم «44»‏ # الحكاية رقم «45»‏ # الحكاية رقم «46»‏ # الحكاية رقم «47»‏ # الحكاية رقم «48»‏ # الحكاية رقم «49»‏ # الحكاية رقم «50»‏ # الحكاية رقم «51»‏ # الحكاية رقم «52»‏ # الحكاية رقم «53»‏ # الحكاية رقم «55»‏ # الحكاية رقم «54»‏ # الحكاية رقم «56»‏ # الحكاية رقم «57»‏ # الحكاية رقم «58»‏ # الحكاية رقم «59»‏ # الحكاية رقم «60»‏ # الحكاية رقم «61»‏ # الحكاية رقم «62»‏ # الحكاية رقم «63»‏ # الحكاية رقم «64»‏ # الحكاية رقم «65»‏ # الحكاية رقم «66»‏ # الحكاية رقم «67»‏ # الحكاية رقم «68»‏ # الحكاية رقم «69»‏ # الحكاية رقم «70»‏ # الحكاية رقم «71»‏ # الحكاية رقم ms01 «72»‏ # الحكاية رقم «73»‏ # الحكاية رقم «74»‏ # الحكاية رقم «75»‏ # الحكاية رقم «76»‏ # الحكاية رقم «77»‏ # الحكاية رقم «78»‏ # | حكايات حارتنا # | حكايات حارتنا # تأليف # نجيب محفوظ # | الحكاية رقم «1» # يروق لي اللعب في الساحة بين القبور والتكية. ومثل جميع الأطفال أرنو إلى أشجار التوت ~~بحديقة التكية، أوراقها الخضر هي ينابيع الخضرة الوحيدة في حارتنا، وثمارها السود مثار ~~الأشواق في قلوبنا الغضة، وها هي التكية مثل قلعة صغيرة تحدق بها الحديقة، بوابتها مغلقة ~~عابسة، دائما مغلقة، والنوافذ مغلقة، فالمبنى كله غارق في البعد والانطواء والعزلة، ~~تمتد أيدينا إلى سوره كما تمتد إلى القمر. # وأحيانا يلوح في الحديقة ذو لحية مرسلة، وعباءة فضفاضة، وطاقية مزركشة، فنهتف كلنا: ~~«يا درويش .. إن شاالله تعيش.» # ولكنه يمضي متأملا الأرض المعشوشبة، أو يتمهل عند جدول ماء، ثم لا يلبث أن يختفي وراء ~~الباب الداخلي. ~~- من هؤلاء الرجال يا أبي؟ ~~- إنهم رجال الله. # ثم بنبرة ذات معنى: ملعون من يكدر صفوهم! # ولكن قلبي مولع بالتوت وحده. # وينهكني اللعب ذات يوم، فأجلس على الأرض لأستريح ثم أغفو. أستيقظ فأجدني وحيدا في ~~الساحة، حتى الشمس توارت وراء السور العتيق، ونسائم الربيع تهبط مشبعة بأنفاس الأصيل. علي ~~أن أمرق من القبو إلى الحارة قبل أن يدلهم الظلام. وأنهض متوثبا، ولكن إحساسا خفيا ~~يساورني بأنني غير وحيد، وأنني أهيم في مجال جاذبية لطيف، وأن ثمة نظرة رحيبة تستقر على ~~قلبي، فأنظر ناحية التكية. هناك تحت شجرة التوت الوسيطة يقف رجل. درويش ولكنه ليس كالدراويش ~~الذين رأيت من قبل. طاعن في الكبر، مديد في الطول، وجهه بحيرة من نور مشع. عباءته ~~خضراء وعمامته الطويلة بيضاء، وفخامته فوق كل تصور وخيال. ومن شدة حملقتي فيه أثمل ~~بنوره، فيملأ منظره الكون، وخاطر طيب يقول لي إنه صاحب المكان وولي الأمر، وإنه ودود بخلاف ~~الآخرين. أقترب من السور ثم أقول بابتهال: إني أحب التوت. # فلم ينبس ولم يتحرك، فأتوهم أنه لم يسمعني، أكرر بصوت أعمق: إني أحب التوت! # يخيل إلي أنه يشملني بنظرة، وصوته الرخيم يقول: «بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل ~~كرد ms02 .» # ويخيل إلي أنه رمى إلي بثمرة، فأنحني نحو الأرض لألتقطها، فلا أعثر على شيء، ثم ~~أستقيم فأجد مكانه خاليا، والظلمة تغشى الباب الداخلي. # وأقص القصة على أبي فيرمقني بارتياب، فأؤكدها له فيقول: تلك الأوصاف لا تكون إلا للشيخ ~~الكبير، ولكنه لا يغادر خلوته! # فأحلف له على صدقي بكل مقدس، فيسألني: ترى ما معنى الرطانة التي حفظتها؟ ~~- سمعتها مرارا ضمن تراتيل التكية. # فيصمت أبي مليا ثم يقول: لا تخبر بذلك أحدا. # ويبسط يديه ثم يتلو الصمدية. # وأهرع إلى الساحة فأتخلف وحدي بعد ذهاب الصبيان، أنتظر ظهور الشيخ فلا يظهر، أهتف بصوتي ~~الرفيع: «بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل كرد.» # فلا يجيب، أعاني بلاء الانتظار وهو لا يرحم لهفتي. # وأتذكر الحادثة في زمن متأخر، أتساءل عن حقيقتها، هل رأيت الشيخ حقا أو ادعيت ذلك ~~استوهابا للأهمية ثم صدقت نفسي؟ هل توهمت ما لا وجود له من أثر النوم ولكثرة ما يقال ~~في بيتنا عن الشيخ الكبير؟ هكذا أفكر، وإلا فلماذا لم يظهر الشيخ مرة أخرى؟ ولماذا يجمع ~~الناس على أنه لا يغادر خلوته؟ هكذا خلقت أسطورة وهكذا بددتها. غير أن الرؤية المزعومة ~~للشيخ قد استقرت في أعماق نفسي، كذكرى مفعمة بالعذوبة. كما أنني ما زلت مولعا ~~بالتوت. # | الحكاية رقم «2» # شمس الضحى تسطع والسماء صافية، من موقفي فوق السطح أرى المآذن والقباب، وأرى غرابا ~~واقفا على وتد مغروز في سور السطح، مربوط به حبل الغسيل، أرمق السطح الملاصق فيتحلب ~~ريقي. تحدثني نفسي بأن أذهب إلى ست أم زكي، لأحظى بشيء من الحلوى. وأعبر السور. أمضي ~~نحو المنور، أطل من نافذة فيه مخلوعة الزجاج، أرى تحت المنور مباشرة ست أم زكي عارية ~~تماما، تجلس على كنبة تتشمس، تمشط شعرها، عارية تماما .. منظرها غريب وباهر! وهي في ~~ضخامة بقرة، وأهتف: يا تيزة! # ترتعب، تنظر إلى فوق، لا تلبث أن تضحك، تصيح بي: يا عكروت .. انزل! # أهبط بسرعة ثم أقف عند الباب بحذر مبهم وأتساءل: أدخل؟ # وتسمح فأدخل، أقترب من مجلسها فترمقني بنظرة باسمة وتقول: وقعت ms03 يا بطل! # وتستلقي على بطنها وتقول: دلك لي ظهري. # أشمر عن ساعدي، أدلك ظهرها بحماس ورضا، أشم رائحة جسد بشري معبق بالصابون ~~والقرنفل، وهي تتمتم: تسلم يداك! # ثم بمزاح: أنت عفريت من الجنة! # ثم وهي تضحك: الكتكوت الفصيح يخرج من البيضة يصيح. # ويزداد حماسي في العمل، فتقول: ارفع يدك لفوق يا شيطان، هل ستخبر أمك؟ ~~- كلا. # فتضحك وتقول: وعارف أيضا أنه يوجد ما لا يقال، حقيقة إنك شيطان، هل تعلمت التدليك في ~~الكتاب؟ ماذا تدرس في الكتاب؟ ~~- الفاتحة وألف باء. ~~- ربنا يحفظك وأشوفك ماشطة، ماذا ستأكل اليوم؟ ~~- بامية. ~~- عظيم سأتغدى عندكم. # زياراتها لبيتنا ندوات للبهجة والمرح، تنثال الملح من فيها بلا حساب، وكذلك النكات ~~المكشوفة، فتحاول أمي أن تبعدني ولكني أرجع، وتشير لها إشارات خفية محذرة، فأتشبث ~~بالبقاء وتتمادى هي في الدعابة، وتسألها أمي معاتبة: متى تصلين وتصومين؟ # فتجيب: في آخر شهر قبل يوم القيامة. # في الخمسين، مهذارة مرحة طروب، ولكنها لم تنزلق لسوء، وعمل ابنها زكي نجارا في حارتنا ~~فسار بين الناس مرفوع الرأس، وهي تدمن التدخين والقهوة وسماع أسطوانات منيرة المهدية، ~~أرملة، في كل بيت لها صديقة حميمة، لم تشتبك في مشاجرة واحدة في حارتنا الحافلة ~~بالمشاحنات. ~~••• # وتتنهد أمي ذات يوم وتقول: مسكينة يا أم زكي، ربنا يرعاك ويشفيك! # تتوعك صحتها، وتأخذ في التدهور، تهزل بسرعة مذهلة كأنها كرة ثقبت، يترهل جسمها ~~فيغدو طيات من الجلد خاوية، وتخيب في شفائها كافة الوصفات، وتفتي حكمة حارتنا الخالدة بأن ~~مرضها ليس مرضا من الأمراض المعروفة، ولكنه فعل من أفعال «الأسياد» وألا شفاء لها إلا ~~بالزار، ويجيء اليوم المشهود، فيكتظ بيت جارتنا بالنساء، ويعبق بالبخور، وتتسلط عليه ~~جوقة من السودانيات يكتنفهن الغموض والأسرار، وأطل برأسي من المنور فأرى صديقتي في ~~مشهد جديد، تجلس على عرش في عباءة مزركشة بالتلي والترتر، متوجة الرأس بتاج من العاج، ~~تتدلى منه عناقيد الخرز مختلف الألوان، منقوعة القدمين في وعاء من ماء الورد، تستقر في ~~قعره حبات من البن الأخضر. وتدق الدفوف وتهزج الحناجر النحاسية بالأناشيد ms04 المرعشة، ~~فتفوح في الجو أنفاس العفاريت، ويدعو كل عفريت صاحبته المختارة من بين المدعوات للرقص، ~~فتموج القاعة بالحركات، وتتوهج بالتأوهات، وتذوب الأجساد في الأرواح، وها هي أم زكي ~~تتلوى بعنف، كأنما ردت إلى جنون الشباب، وعن فيها المزين بالأسنان المذهبة يصدر ~~صفير حاد، ثم تركض دائرة حول العرش، ويتحول ركضها إلى اندفاع رهيب، وتدور حتى تترنح من ~~الإعياء وتتهاوى مغشيا عليها. # وجلجلت زغرودة وارتفع صوت مبتهلا: ليشهدنا خاتم الرسل الكرام. ~~••• # وها هي الأيام تمر. # وصحة صديقتي لا تتحسن. # لا تمزح الآن ولا تضحك، وتتساءل في جزع: ماذا جرى لي؟ .. ماذا جرى لي يا رب؟! أين أنت يا ~~أم زكي؟! # ويضطر المعلم زكي أخيرا إلى نقلها إلى قصر العيني. وتودع عيناي الدامعتان الكارو ~~وهي تتأرجح بها. وتلمحني واقفا فتلوح لي بيدها وتقول: ادع لي فإن الله يستجيب لدعاء ~~الصغار. # فأرفع عيني إلى السماء وأتمتم: «يا رب .. رجع لنا تيزة أم زكي.» # ولكن كأن الكارو حملتها إلى بلاد الواق الواق. # | الحكاية رقم «3» # اليوم جميل ولكنه يعبق بسر. # أبي ينظر إلي باهتمام يبتسم لي برقة وهو يحتسي قهوته. وهو يهم بالذهاب يداعب شعري ويربت ~~على منكبي بحنان ثم يمضي. # وأمي تقوم بعملها اليومي بعصبية، تغضي عن عبثي وتقول لي مشجعة: العب يا حبيبي. # لا نظرات تهديد ولا زجر ولا وعيد! # وأصعد إلى السطح بعض الوقت، ولما أرجع أجد أمامي جارتنا الشامية أم برهوم. أعدو إلى ~~المطبخ لأخبر أمي، ولكني لم أجدها، وأنادي عليها بلا جدوى، فتقول لي أم برهوم: نينتك ذهبت ~~في مشوار، وأنا معك حتى ترجع! # فأقول محتجا: ولكني أريد أن ألعب في الحارة. ~~- وتتركني وحدي وأنا ضيفتك؟ # وأصبر متضايقا. # ويدق الباب فتومئ لي بالانتظار وتذهب، تغيب دقيقة وإذا بعم حسن الحلاق ومساعده يدخلان ~~باسمين، فقلت لهما من فوري: أبي خرج! # فقال العجوز: نحن ضيوف! سنريك لعبة فريدة. # وجلس على كنبة وهو يبسمل، ثم قال وهو يخرج من حقيبته أدوات بيضاء لامعة: يسرك بلا ~~شك أن تتعلم كيف تستعمل هذه الأدوات. # وأهرع ms05 نحوه متملصا من ارتباكي! # ويجيء مساعده بمقعد فيجلسني عليه أمام المعلم قائلا: هكذا أفضل. # وإذا بيديه تكبلانني من الذراعين والساقين بقوة وإحكام، فكأنها ألصقت بالغراء والمسامير، ~~فصرخت غاضبا: ابعد عني. # واستغثت بأم برهوم ولكنها كانت فص ملح وذاب! # ولم أفهم شيئا مما يحدث حتى بدأت العملية الرهيبة، ها أنا أعاني هجمة وحشية طاغية لا ~~أستطيع لها دفعا ولا منها مفرا، وها هو الألم الحاد القاسي ينشب أظافره الشوكية في لحمي ~~وينساب بمكر شيطاني إلى أطراف جسمي وصميم قلبي، وها هو صراخي يدك الجدران ويجتاح أرجاء ~~حارتنا. ~~••• # لا أدري ماذا يدور مدة من الزمن، أغوص في الماء بين اليقظة والنوم، تمر بي أجيال من ~~الألوان والمخاوف والأحزان. # وعند نقطة من الزمن، تلوح لي أمي بوجه يرنو بالاعتذار والتشجيع. # وقبل أن أفتح فمي محتجا أو متهما تضع بين يدي هدايا الشيكولاتة والملبس. # وأعيش أياما بين ذكريات أليمة، وكنوز من الحلوى بألوانها البهيجة .. ويمتلئ البيت ~~بالإخوة والأخوات. # وأنتقل من مكان إلى مكان مفرجا بين فخذي، مبعدا بيدي الجلباب عن جسدي. # | الحكاية رقم «4» # وأنا ماض نحو القبو، ينفتح باب بيت القيرواني تاجر الدقيق، وتبرز منه بناته الثلاث. منبع ~~نور يتدفق فيبهر القلب والبصر، بيضاوات ملونات الشعر والأعين، سافرات الوجوه، ينفثن ~~ملاحة نقية، الدوكار ينتظرهن، فأتسمر أنا بين الدوكار وبينهن. ويرين ذهولي فتضحك ~~وسطاهن، وهي أشدهن امتلاء، وأغلظهن شفة، وتقول: ما له يسد الطريق! # لا أتحرك فتخاطبني مداعبة: أفق يا أنت! # وأقول متأثرا بدفقة حياة مبهمة: بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل كرد. # فيغرقن في الضحك وتقول الكبرى: إنه درويش. # فتقول الوسطى: إنه مجنون! # وألقي بنفسي في ظلمة القبو، فأمضي مهرولا حتى أخرج إلى نور الساحة أمام التكية، وفي ~~رأسي حماس، وفي قلبي نذير نشوة البراعم قبل أن تتفتح. # صورهن الباهرة مستكنة في متحف الأعماق. # بذور حب لم يتح لها أن تنمو؛ لأنها غرست قبل أوانها. # | الحكاية رقم «5» # اليوم سعيد. # سأذهب في صحبة أمي إلى زيارة حرم المأمور. # هطلت الأمطار في الصباح الباكر، ولكن الجو ms06 رق وصفا عند الضحى، وأشرقت الشمس، المياه ~~تغمر فجوات الطريق، وتخدد جوانبه، ولكنني سعيد بزيارة حرم المأمور. # امرأة عملاقة، سمراء دكناء، في نقرة ذقنها وشم، ونبرتها ريفية غريبة، وضحكتها عالية، ~~وقطتها غزيرة الشعر، نقية البياض، ودائما تسبح بذكر الله. # وتعانق أمي مرحبة وأنا أنتظر، تلتفت نحوي ضاحكة وهي تعبث بشعر رأسي، ترفعني بين ~~يديها فأرتفع فوق الأرض عاليا، تضمني إلى صدرها فأغوص في أعماق طرية، وأشعر ببطنها مثل ~~حشية وثيرة ينبعث منها إلى جوارحي دفء مؤثر. # أسير وراءهما وأنا أسوي ما تشعث من شعري وملابسي، ولما أفق من نفحة الدفء. # وتقول لأمي: بت أومن بأن القبو مسكون بالعفاريت. # فتبسمل أمي، فتقول الأخرى: إنهم يخرجون عقب منتصف الليل. # فتقول لها أمي محذرة: إياك وأن تنظري من النافذة. # وألاعب أنا القطة حتى تتوارى تحت الكنبة، أنظر إلى رأس ثور مثبت في الجدار فوق ~~سيفين متقاطعين، متمنيا الوصول إليه. المضيفة تقدم لي قطعة هريسة فأتناولها. ~~أمني النفس بحضن دافئ آخر عند انتهاء الزيارة. # ويطول الحديث ويتشعب. # وتشعل المرأة المصباح الغازي المدلى من السقف. # تدور حول المصباح فراشة. # أتساءل متى تجيء لحظة الوداع الواعدة بالدفء؟ # | الحكاية رقم «6» # على حصيرة واحدة نقعد صبيانا وبنات في الكتاب، نتلو الآيات بصوت واحد، ولا تفرق ~~مقرعة سيدنا بين قدم صبي وقدم بنت. وقت الغداء يتربع كل منا مستقبلا الجدار ~~بوجهه، يفك الصرة ويفرش منديله، كاشفا عن الرغيف والجبن والحلاوة الطحينية. # تسترق عيناي النظر إلى درويشة وهي تقرأ أو تأكل. # في الطريق أتبعها حتى تميل إلى الزقاق المسدود، ثم أسير إلى بيتي حاملا لوحي ~~وصورتها. # وفي موسم القرافة، أضيق بالمكوث في الحوش فأمرق إلى الخارج، فنتلاقى - أنا ودرويشة - بين ~~القبور المكشوفة بلا تدبير. # وأشطر فطيرتي فأعطيها النصف، نأكل ونتبادل النظر. ~~- أين تلعبين؟ ~~- في الزقاق. # هي تلعب في الزقاق المتفرع من الحارة، وأنا لا أجرؤ على التسلل إليه في النهار، يمنعني ~~إحساس خفي ولكنه غير بريء، ونتواعد بالنظر وبلا كلام، ومع المساء أدخل الزقاق فأجدها واقفة ~~على عتبة الباب. # نقف ms07 شبحين صامتين يكتنفنا الذنب والظلام. ~~- نجلس؟ # ولكنها لا تجيب. # أجلس على العتبة وأشدها من يدها فتجلس، أتزحزح حتى نتلاصق، يغمرني شعور بسرور غريب ذي ~~أسرار، أمد يدي إلى ذقنها فأدير وجهها إلي، أميل نحوها فأقبلها، أحيط خاصرتها ~~بذراعي. أصمت وأهيم وأذوب في دفقة إحساس مبهمة، فأعرف السكر قبل الخمر. # وننسى الوقت والخوف. # وننسى الأهل والحارة. # حتى الأشباح لا تفرقنا. # | الحكاية رقم «7» # في ليالي الصيف نسهر فوق السطح، نفرش الحصيرة والشلت، نستضيء بأنوار النجوم أو القمر، ~~تلعب من حولنا القطط، يؤنسنا نقيق الدجاج، وتنضم إلينا في بعض الأحيان أسرة جارنا الحاج ~~بشير، وهي أسرة شامية مكونة من أم وثلاث بنات، كبراهن في العاشرة، يحلو لهن في أوقات ~~السرور أن يغنين معا أغنيات جبلية، فأتابع بشغف يقارب شغفي بالبشرة البيضاء، والأعين ~~الملونة، أهيم بالأم وبناتها، وألح في طلب السماع، ويستخفني الطرب، فأشارك في الغناء، ~~وأحرز في ذلك نجاحا وإعجابا، حتى تقول جارتنا: ما أحلى صوتك يا ولد! # وأجد في مجتمع الليل فرصة للكشف عن موهبتي الصوتية، كما يجد فيه قلبي الصغير نشوته في ~~حضرة البهاء الأنثوي، ويصبح الغناء هوايتي، وسماع أسطوانات المهدية قرة عيني، أما أغنيات ~~الجبل فينشدها قلبي وحنجرتي معا. # وتقول جارتنا لأمي ذات يوم: الولد له صوت جميل. # فتقول أمي بسرور: حقا؟ ~~- لا يجوز إهماله! ~~- فليغن كيف شاء، فهو أفضل من العفرتة. ~~- ألا تودين أن يكون ابنك مطربا؟ # فتؤخذ أمي ولا تجيب، فتواصل الجارة: ما له سي أنور وسي عبد اللطيف؟ ~~- إني أحلم أن أراه يوما موظفا مثل أبيه وإخوته. ~~- المغني يربح أكثر من مصلحة حكومية. # وأصغي باهتمام وأنا جالس على حجر الجارة مزهوا بالدفء والمجد. ~~••• # ولا تدوم أيام السعادة والفن طويلا، فذات يوم أرى أمي تهز رأسها بأسف وتتمتم: يا ~~للخسارة! # فأسألها عما يؤسفها، فتقول: جيراننا الطيبون راحلون إلى بر الشام. # ينقبض قلبي بالرغم من أنني لا أحيط بأبعاد الخسارة وأسأل: أهو بعيد؟ # فتجيب بحزن: أبعد مما نستطيع أن نبلغه. # أود من صميم قلبي أن أغير الواقع، أن أرجع ms08 الزمن إلى أمس، ولكن كيف؟ # وأودعهم للمرة الأخيرة وهم يستقلون الحانطور، وأقبل يد الحاج بشير، وأتبع الحانطور ~~نظري حتى يخفيه منعطف النحاسين. وأبكي طويلا وأعاني مذاق الفراق والكآبة والدنيا ~~الخالية. # | الحكاية رقم «8» # مراسم القرافة تعد من أسعد أيامي البهيجة. # نشرع في الاستعداد لها مع العشي بإعداد الفطير والتمر، وفي الصباح الباكر أمضي بين أبي ~~وأمي حاملا الخوص والريحان، تتقدمنا الخادمة بسلة الرحمة. # يسرني تدفق تيارات الخلق، وطوابير الكارو، وأعرف باب الحوش كصديق قديم، ويجذبني القبر ~~بتركيبه الوقور المنعزل وشاهديه الشامخين، وسره المنطوي، وبإجلال والدي له، كما تجذبني ~~شجيرة الصبار، وتحت قبة السماء تنطلق مني وثبات فرح، ودفقات استطلاع لا يكدرها شيء، ثم ~~تتم المسرات بمراقبة المقرئ الضرير، وجماعات الشحاذين المتكالبين على الرحمة. # وتتغير الصورة بدخول همام في إطارها. # تجيء أختي وابنها للإقامة عندنا فترة من الزمن، همام في الرابعة أو يزيد عليها قليلا، ~~أجد فيه رفيقا ذا حيوية وجاذبية، يخرجني بمؤانسته من وحدتي، جميل خفيف الروح، يلاعبني بلا ~~ملل ويصدق أكاذيبي وأوهامي. # وأجده ذات يوم راقدا وصامتا، أدعوه إلى اللعب ولكنه لا يستجيب، وأخبر بأنه ~~مريض! # ويطبق على الجو اهتمام وحذر، ويتفشى فيه ضيق وكدر، وأتلقى أحاسيس مبهمة وغير سارة، ~~ويزيد من تعاستي قلق أمي وجزع أختي ثم حضور زوجها. # وأسأل عما يحدث، فأبعد عن المكان، ويقال لي: لا شأن لك بهذا .. العب بعيدا. # ولكني أشعر بأن حدثا غير عادي يحدث. # إنه خطير حتى إن أمي تبكي، وأختي تصرخ، وألمح من بعيد صديقي مغطى فوق الفراش مثل ~~وسادة. لم يترك له متنفس، وأخيرا يتردد اسم الموت من قريب، وأفهم أنه فراق يطول، ~~فأبكي مع الباكين، ويتألم قلبي أكثر مما يجوز لسنه. # لا تعود زيارة القبر من أيامي البهيجة، ويتغير وقع منظره، أود أن أطلع على خفاياه، ~~وأتلقى الكآبة من صمته، ولا أتغلب على لوعة الفراق مع كر الأيام، إنه الحزن والحب ~~الضائع، والخوف والذكرى القاسية، وإرهاق أسرار الغيب. # | الحكاية رقم «9» # خبر يتردد في البيت والحارة. # تقول إحدى الجارات لأمي: أما ms09 سمعت بالخبر العجيب؟ # فتسألها عنه باهتمام فتقول: توحيدة بنت أم علي بنت عم رجب! ~~- ما لها كفى الله الشر؟ ~~- توظفت في الحكومة! ~~- توظفت في الحكومة؟ ~~- إي والله .. موظفة .. تذهب إلى الوزارة وتجالس الرجال! ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنها من أسرة طيبة .. وأمها طيبة .. وأبوها رجل ~~صحيح! ~~- كلام .. أي رجل يرضى عن ذلك؟ ~~- اللهم استرنا يا رب في الدنيا والآخرة! ~~- يمكن لأن البنت غير جميلة؟ ~~- كانت ستجد ابن الحلال على أي حال! # وأسمع الألسن تلوك سيرتها في الحارة، تعلق وتسخر وتنتقد، وكلما لاح أبوها عم رجب ~~أسمع من يقول: اللهم احفظنا! ~~- يا خسارة الرجال! # توحيدة أول موظفة من حارتنا، ويقال إنها زاملت أختي الكبرى في الكتاب، ويحفزني ما ~~سمعته عنها إلى التفرج عليها حين عودتها من العمل، أقف عند مدخل الحارة حتى أراها وهي ~~تغادر سوارس، أرنو إليها وهي تدنو سافرة الوجه، مرهقة النظرة، سريعة الخطوة، بخلاف النساء ~~والبنات في حارتنا، وتلقي علي نظرة خاطفة أو لا تراني على الإطلاق، ثم تمضي داخل الحارة، ~~وأتمتم مرددا كالببغاء: يا خسارة الرجال! # | الحكاية رقم «10» # أم عبده أشهر امرأة في حارتنا. # في قوة بغل، وجرأة فتوة، حتى زوجها سواق الكارو يتراجع أمام عنفها. # ولها بنتان جميلتان، دولت وإحسان. # في أي موقع من حارتنا تحظى بالتودد، من التاجر والعامل والبائع والصعلوك، كل أسرة ~~لها عمل وأجر، هي الوسيطة والشفيعة والخاطبة والدلالة والماشطة، وعند الخصومة فهي القوة ~~التي تبطش بالخصم. # وتزور أمي أحيانا فتحكي لها عن أحوالها، وقد يقتضي الأمر تمثيل ما وقع في آخر مشاجرة ~~شاركت فيها، فيرتفع صوتها ويتهدج بالغضب والسب والقذف، حتى يتوهم السامع أن التمثيل ~~مشاجرة حقيقة! # وهي تجاملنا في المواسم، فتجيئنا بالكارو لتمضي بنا إلى زيارة المغاوري وأبي السعود ~~طبيب الجراح. # وأنا الرسول الذي يوفد إلى بيتها عند الحاجة، أذهب إليه بقلب طروب يتوق إلى رؤية ~~الحمار المربوط إلى وتد في الفناء، ويتوق للقرب من دولت وإحسان. # دولت فتاة طيبة، تفك الخط، وتحفظ بعض سور القرآن، يحبها شاب متعلم ms10 من حارتنا ~~فيتزوج منها متخطيا الفوارق ومجازفا بمصاهرة أم عبده. # إحسان صورة مصغرة من أمها في أخلاقها، ولكنها باهرة الجمال، مطبوعة على العنف والجرأة ~~والبذاءة، تتحدى أمها نفسها، فتنشب بينهما المعارك المثيرة، ويطلب يدها فتيان كادحون، ~~ولكنها ترفضهم تطلعا لفرصة فريدة كما حدث لأختها دولت، وإني صديقها رغم فارق السن، ~~غرائزي الكامنة ترسل إنذارات خفية تمتزج في عيني بأشواق مبهمة، يبهرني حجمها ~~المترامي، وأعضاؤها الثرية المتراقصة، وتدعوني أحيانا لأساعدها وهي تغسل في الفناء، أحمل ~~إليها صفيحة الماء من عارضتها الخشبية، وأمضي كالمترنح من ثقلها، أجلس قبالتها لأتسلم ~~منها الملابس بعد عصرها لأكومها في الطشت، في أثناء ذلك تتلصص عيناي، وهي ترامق تطلعاتي ~~باسمة. # وتقول لي ذات مرة: خذ منديلي واذهب به إلى الشيخ لبيب. # وأذهب إلى الشيخ لبيب في مجلسه قبيل القبو، يتربع على فروة بجلبابه المزركش، وطاقيته ~~البيضاء، مكحول العينين، مزجج الحاجبين، أعطيه المنديل ومليما وقطعة سكر، فيشم ~~المنديل ويتفكر مليا، ثم يقول: عما قريب يمتلئ الكراز ويغني العصفور. # وأرجع إليها وأنا أردد ما سمعته لأحفظه، ويسعدني دائما أن أؤدي لها خدمة من ~~الخدمات. # ويطلب يدها صاحب محل فراشة، غني في الخمسين، ذو زوجة وأولاد، فتتزوج منه، تعاشره ~~عامين ثم تختفي من بيته ومن الحارة جميعا، مخلفة وراءها ضجة وعارا، وإصابة في كبرياء ~~أم عبده. ~~••• # وفي ذات ليلة من ليالي الزمن الجاري الذي لا يتوقف، أجدني وجها لوجه مع إحسان، ترقص ~~وتغني: # عومي على الميه # يا بت يا شاميه # وتراني فيشع من عينيها نور العرفان، أقف ذاهلا ولكنها تتلقاني ببساطة وبابتسامة ~~مشجعة. تقبل نحوي، فتأخذني من يدي إلى حجرتها، ثم تغلق الباب وتغرق في الضحك، وتقول لي ~~بعد أن جلسنا: الدنيا واسعة ولكنها في النهاية كالحق. # وأتفرس في وجهها فتسألني عن أمها قائلة: كيف حال أم عبده؟ ~~- عال. ~~- ودولت أختي؟ ~~- بكريها في المدرسة. ~~- ووالدتك وأخواتك؟ ~~- بخير. # فتقول بمودة: زرني كثيرا. # وأسألها بعد تردد: كيف جئت إلى هنا؟ # فتضحك وتقول ساخرة: من نفس الطريق التي جئت منها أنت! # | الحكاية رقم ms11 «11» # نقف في فناء المدرسة الابتدائية جماعات، ننتظر نتيجة القبول، أنهينا مرحلة الكتاب، ~~وأدينا امتحان القبول، وها نحن ننتظر إعلان النتيجة. # ويخرج ضابط المدرسة من حجرة الناظر، ويمضي في تلاوة الأسماء من كشف بيده، ثم يقول: ليبق ~~منكم من سمع اسمه، وليرجع الآخرون إلى بيوتهم. # لم أسمع اسمي، تشيع في نفسي فرحة شاملة، أعتقد أن سقوطي هو نهاية علاقتي بالتعليم وعصي ~~المدرسين، وأنني سأستقبل من الآن فصاعدا حياة ناعمة خالية من الكدر. # ويسألني أبي عن النتيجة فأجيبه بارتياح: سقطت، ورجعت إلى البيت. ~~- إخص .. تصورتك أفضل مما أنت! # فأقول بسرور: لا يهم. ~~- لا يهم! ~~- إني أكره الكتاب وأكره سيدنا الشيخ وأكره الدروس .. فالحمد لله على أنني تخلصت من ~~ذلك كله! # فيقطب أبي متسائلا: أتظن أنك ستمكث في البيت؟ ~~- نعم، هذا أفضل. ~~- لتلعب مع الأوباش في الحارة، أليس كذلك؟ # فنظرت إليه بقلق، فقال بحزم: سترجع إلى الكتاب عاما آخر، والفلقة كفيلة بمعالجة ~~غبائك! # وأهم بالاحتجاج فيقول: استعد لعمر طويل من التعلم، ستتعلم مرحلة بعد مرحلة حتى تصير ~~رجلا محترما. # ولم أنعم بفرحة السقوط إلا ساعات! # | الحكاية رقم «12» # ماذا يحدث للدنيا؟ # يجتاحها طوفان، يقلقلها زلزال، تشتعل بأطرافها النيران، تتفجر بحناجرها ~~الهتافات. # الميدان يكتظ بالآلاف، لم يقع ذلك من قبل، هديرهم يرج جدران حارتنا ويصم الآذان، ~~إنهم يصرخون، وبقبضات أيديهم يهددون، وحتى النساء يركبن طوابير الكارو ويشاركن في ~~الجنون! # وأحملق فيما يجري من فوق سور السطح، وأتساءل عما يحدث للدنيا! # وتتلاطم الأحاديث مشحونة بكهرباء الوجدان، وينهمر سيل من الألفاظ الجديدة السحرية: سعد ~~زغلول، مالطة، السلطان، الهلال والصليب، والوطن، الموت الزؤام. # الأعلام ترفرف فوق الدكاكين، صور سعد زغلول تلصق بالجدران، إمام المسجد يظهر في شرفة ~~المئذنة ويهتف ويخطب. # وأقول لنفسي إن ما حدث غريب، ولكنه مثير ومسل شديد البهجة. # غير أنني أشهد مطاردة. # يندفع أناس داخل حارتنا، يرمون بالطوب، يتحصنون بالأركان. # يقتحم الحارة الفرسان بقبعاتهم العالية، وشواربهم الغليظة، تنطلق أصوات حادة مخيفة ~~تعقبها صرخات، أنزع من مكان المراقبة إلى الداخل، فتطالعني وجوه مذعورة وهمسات تقول: إنه ms12 ~~الموت. # نرهف السمع وراء النوافذ المغلقة، لا شيء إلا أصوات متضاربة، وقع أقدام، صهيل خيل، ~~أزيز رصاص، صرخة موجعة، هتاف غاضب. # يتواصل ذلك دقائق في الحارة ثم يسود الصمت. # ويتردد الهدير ولكن - هذه المرة - من بعيد .. ثم يسود صمت مطلق. # وأقول لنفسي إن ما يحدث غريب ومزعج ومخيف. # وأعرف بعض الشيء معاني الألفاظ الجديدة: سعد زغلول، مالطة، السلطان، الوطن، وأعرف بوضوح ~~أكثر الفرسان البريطانيين والرصاص والموت. # تزورنا أم عبده في غاية من الانفعال، تحكي حكايات عن الضحايا والأبطال، وتنعي إلينا علوة ~~صبي الفران، وتؤكد أن جياد الفرسان حرنت أمام سور التكية وألقت الفرسان عن متنها! # وأقول لنفسي إن ما يحدث حلم مثير لا يصدق. # | الحكاية رقم «13» # مهذب ذكي العينين، قصير القامة في مطلع الشباب، قيل لي: ابن عمك صبري. # أعرف أباه - عمي - معرفة سطحية، فهو لا يبرح الريف إلا نادرا، أما صبري فإنه يرى ~~القاهرة لأول مرة، وأعرف أيضا من أحاديث الليل أن عمي أرسله إلى القاهرة ليلتحق بإحدى ~~مدارسها الثانوية، بعد أن ترامت أنباء نشاطه الثوري في موطنه إلى مراكز الأمن. # أسأله وأنا أرمقه بشغف: أنت من شبان المظاهرات ويحيا سعد؟ # فيبتسم ولا يجيب .. إنه يبدو أعمق من سنه. # ويقول له أبي: هذا بيتك، وأنت الآن آمن، ولكن كن على حذر. # وأقول لأبي: ولكنك يا بابا أضربت مع الموظفين؟ # فينهرني: لا تتدخل فيما لا يعنيك. # ويمارس صبري حياة تلميذ مجتهد ذي طاقة كبيرة في العمل. # غير أن القلق يلوح في عينيه الذكيتين ذات مساء، فأسأله عما يقلقه، فيسأل بحذر: ماذا ~~دعاك إلى السؤال؟ ~~- لست كعادتك. # فيدعوني إلى المشي في الحارة. نتسكع في الحارة وفي ميدان بيت القاضي حتى يهبط الليل، ~~ويهمس في أذني: تستطيع ولا شك أن تحمل ورقة إلى هذا أو ذاك من الناس؟ ~~- ولكن لماذا أفعل ذلك؟ ~~- لا تفعله إذا كان يضايقك. # وأوافق ليعهد إلي بمهمة أيا تكن. # وأمضي لأوزع أوراقا على أصحاب الحوانيت والمارة، يتناولونها بدهشة، يلقون عليها نظرة ~~سريعة، يبتسمون ثم يواصلون العمل أو المشي ms13 . # وأرجع إليه عند رأس الحارة فيسألني: مبسوط؟ # أعرب له عن سروري الذي لا حد له فيقول محذرا: إياك أن تخبر عمي أو امرأة عمي. # ولا أعلم أنني كنت أوزع منشورات سياسية إلا بعد مرور فترة غير قصيرة. # | الحكاية رقم «14» # يبدأ هذا اليوم بمظاهرة هزلية، من عجب أنهم يهزلون في الفترات القصيرة التي تفصل بين ~~المصادمات الدامية، ها هي مظاهرة ضخمة تسوق في مقدمتها حمارا بقماش أبيض نقش عليه ~~بالأحمر: ~~«السلطان فؤاد». # ابن بلد يمتطي الحمار واضعا على رأسه قبعة بريطانية، والهدير يصطخب: # يا فؤاد يا وش القملة # من قالك تعمل دي العملة # وتستقبل كالعادة بالهتاف والزغاريد. # وأحمل لأبي خبرا من الحارة أثار خيالي، فأقول له: يقولون إن اسم سعد يرى منقوشا على ~~البيض بعد خروجه من الدجاج. # فيضحك أبي، ويضحك ضيف يجالسه، ويقول الضيف عن سعد: كان أعداؤه يتجنبون النظر في عينيه ~~وهم يجادلونه تفاديا للشعاع الحاد الذي ينطلق منهما. # ويطرب أبي للكلام ويتمتم: إنه هدية السماء إلينا. # فيقول الضيف متحمسا: انتهت سنون النحس وبدأت أيام السعد. # ويتنهد أبي قائلا: يا أسفي على الرجل الشيخ المريض في منفاه. # فأذهل وأسأل: سعد مريض، كيف هذا يا بابا؟ # ولا يعيرني التفاتا فأصر قائلا: سعد لا يمكن أن يمرض. # ثم بيقين أشد: لم يبق إلا أن تقول إنه سيموت مثل همام ابن أختي! # | الحكاية رقم «15» # ويزور أبي جماعة من الأصدقاء فيدور الحديث عن الثورة، لا حديث هذه الأيام إلا عن الثورة. ~~حتى حديثنا نحن الغلمان يرطن بلغة الثورة، ولعبنا في الحارة مظاهرات وهتافات، وتصبح ~~دوريات الإنجليز منظرا مألوفا لدينا، نمعن في الجنود النظر بذهول، ونقارن بين ما نسمع عن ~~وحشيتهم وما نرى من جمال وجوههم وأناقتهم ونتعجب. # يدور الحديث بين الزوار عن الثورة. ~~- من يصدق هذا كله أو بعضه؟! ~~- إنه الله الرحمن الرحيم. ~~- يخلق الحي من الميت. ~~- الفلاحون والعمال والطلبة والموظفون والنساء يقتلون ويقتلون. ~~- الفلاح يحمل السلاح ويتحدى الإمبراطورية. ~~- انقطعت المواصلات تماما، أصبحت مصر دويلات مستقلة! ~~- والمذابح؟ ~~- مذبحة الأزهر. ~~- مذبحة أسيوط. ~~- العزيزية والبدرشين ms14 . ~~- الحسينية. ~~- لا أنا ولا أنت، ليحيا سعد! ~~- إي والله، ليحيا الساحر العظيم! ~~- ولكن الأموات يفوقون الحصر. ~~- أحياء عند ربهم. # وينبري رجل ليقص سيرة سعد كما يعرفها، ومواقفه مع الإنجليز والخديوي قبل الثورة. # وألمح أبي تغرورق عيناه بالدموع. # أراقبه بذهول محتقنا بانفعال صامت وفيض من الدموع ينهمر على خدي. # | الحكاية رقم «16» # سلومة أول شهيد من أبناء حارتنا، حقيقة إن علوة صبي الفران أول من قتل في حارتنا ~~ولكنه في الأصل من أبناء كفر الزغاري، وعم طلبة - أبو سلومة - بياع يسرح بعربة غزل ~~البنات، وكان سلومة يعاونه، وينام على مقدم العربة إذا أنهكه التعب. # وتخترق مظاهرة ميدان بيت القاضي فينضم إليها سلومة بتلقائية دون أن ينتبه إليه أبوه. ~~وتنقض على المظاهرة قوة إنجليزية في خان جعفر، وتطلق عليها النار، يصاب سلومة برصاصة في ~~رأسه ويسقط قتيلا. # وينتشر الخبر في الحارة، فيجتاحها حزن، ويهزها الفخار والإكبار، ويقبل الناس على عم طلبة ~~يعزونه وينثرون بين يديه لآلئ الكلمات، ورغم حزن الرجل وتهالكه؛ فإنه يمارس إحساسا ~~جديدا لم يعرفه من قبل، يرى نفسه لأول مرة محوطة بأهل الحارة من كافة الطبقات، يفوز ~~بإكبار من لم يبالوا من قبل برد تحياته، وتنهال عليه نفحات الموسرين من التجار ~~والمعلمين. # وتكون جنازة سلومة أعظم جنازة تشهدها حارتنا، تصغر إلى جانبها أي جنازة سابقة من جنازات ~~الفتوات والأعيان ورجال الدين، سعى وراء النعش المكلل بالعلم جميع الذكور، وحياه ~~النساء من النوافذ والأسطح، وانضم إلى المشيعين مئات من الحواري المجاورة، فبلغت الحسين في ~~ضخامة مظاهرة وجلالها. # وتصير الجنازة حديث الناس، ويمسي سلومة اسما ورمزا، ويحظى الأب الكادح المصاب بمكانة ~~مرموقة، وينوه المعلقون بعجائب الحياة المغيرة للقيم في لحظة من اللحظات ~~الساحرة. # | الحكاية رقم «17» # استيقظت ذات صباح فأجد في بيتنا امرأة وفتاة. # وتقول أمي: تعال سلم على عمتك وبنت عمتك سعاد. # أسلم بحياء من يراهما لأول مرة، المرأة تشبه أبي حقا، الفتاة غاية في الجمال. # وتسألني عمتي: في أي سنة دراسية يا حبيبي؟ ~~- الثانية الابتدائية. # وأفتن بالفتاة فتملؤني بسحر لطيف وأحلام ms15 عذبة. # وأعرف أن عمتي جاءت مع ابنتها من المنيا لتجهزها، وأن زفافها وشيك، وتشغل أيامهما ~~المعدودة بالقاهرة بالتردد مع أبي على محال الأثاث والنجارين والمنجدين. # وفي أوقات الراحة تتبدى سعاد في ثوب أنيق وزينة جذابة، تتألق بألوان العرائس وتعبق ~~بشذاهن. # وأختلس منها النظرات بقلب حنان وشوق غامض. # وتقول لي وهي تنظر إلى الحارة من خصاص النافذة: حارتكم مسلية جدا. ~~- تعالي أفرجك على أزقتها والقبو والتكية. # تتجاهل دعوتي، تتسلل نظراتي إلى عنقها وأسفل ساقيها، أتوق إلى تلاق غامض، وإشباع مبهم ~~ومغامرة مجهولة، أريد أن ألمس خدها المتورد، لا أريد أن أصدق أنها سترحل بعد أيام، ~~وأن قلبي لن يجد من يؤنسه. # وأستجمع شجاعتي وأقول: أتعرفين؟ # وينقطع الصوت والتفكير، فتتساءل هي بنبرة محرضة على مواصلة الحديث: أتعرفين؟ # ألوذ بالصمت فتسألني: لماذا تنظر إلي هكذا؟ ~~- أنا؟! ~~- نعم، رأيتك، لا تنكر. # وتضحك ضحكة قصيرة ثم تقول: أنت ولد شقي. # وينقبض قلبي من الشعور بالذنب. ~~••• # وأرى أمي وعمتي ذات يوم وهما يتناوبان النظر في صورة فوتوغرافية لسعاد، وتقول عمتي: أصر ~~العريس على رؤية الصورة. ~~- وأبوها وافق؟ ~~- يعني. # ويترامى إلينا صوت أبي من حجرته: تصرف غير لائق! # فتقول أمي: الزمان غير الزمان! # وتقول عمتي: ما هي إلا صورة، والعريس لقطة وابن ناس. # فيقول أبي بنبرة لا تخلو من احتجاج: على خيرة الله. # أتابع الحديث بحزن خفي، تطالعني من ثناياه نذر الفراق الأبدي، ووجه الكآبة في ~~الأفق. # وتمر أيام الزيارة بسرعة فائقة وأنا عاجز عن إيقافها. # وتجيء لحظة الوداع. # وأرنو إلى خد سعاد المورد كرغيف خارج لتوه من الفرن. # وتذهب الأسرة كما ذهب آل بشير من قبل. # وتضحك أمي من لوعتي دون أن تفطن إلى عمق أشجاني. # | الحكاية رقم «18» # الفرحة ترقص في القلوب، والنشوة تشتعل في النفوس، يوم عودة سعد. # أبي يرجع من الخارج كأنما هو راجع من خناقة، زر طربوشه مفقود، عقدة رباط عنقه غائصة في ~~ثنية الياقة. جاكتته تنضح بالعرق والتراب، صوته مبحوح كأنه سعل دهرا، ولكن عينيه ~~تتألقان بنور ظافر، يستلقي على الكنبة ويقول ms16 : هتفت حتى ضاع صوتي، نسيت نفسي ~~تماما. # ثم بارتياح عميق: تجمعت الدنيا كلها في ميدان السيدة، سبحانك يا ربي، ما أكثر ~~عبادك! # ويجتاح الحارة إحساس غامض بالنصر، ويعتقد كل قلب أن الحرية تدق الأبواب، وتطبق ~~المظاهرات على حينا لا تريد أن تنتهي. سعد .. سعد .. يحيا سعد! وتلهب حرارة الهتافات ~~خيالي، وآسف على أن المظاهرات لا تدخل حارتنا شبه المسدودة التي لا مخرج لها من طرفها ~~الآخر إلا الممر الضيق المحاذي للتكية، والمفضي إلى القرافة. # وأسأل أمي: سيرحل الإنجليز؟ # فتجيبني بيقين: إلى غير رجعة. # وفي الليل تحتفل حارتنا بعودة الزعيم احتفالا خاصا، تضاء الكلوبات في هامات الدكاكين. ~~ترتفع الأعلام، تدوي الزغاريد وتتطوع العالمة ألماظية بإحياء الليلة، تقيم سدتها في الوسط ~~أمام الوكالة، يحف بها تختها، ترص الكراسي أمامها، وعلى أنغام العود والقانون والناي ~~والرق يرقص الرجال، وتغني هي: # ليالي الأنس عادت بالليالي # وتغني أيضا: # يا بلح «زغلول» يا حليوة يا بلح # وتختم بأغنية ضاحكة مطلعها: # يا واد يا أللنبي كان جرى لك إيه يا بن المرة # جه الاستقلال غصبا عنك وعن إنجلترة # وتكتظ البوظة بالسكارى وتشتعل الغرز بنيران المجامر، وحتى المجاذيب ~~والمتشردون واللصوص يسهرون ويفرحون، ويشارك عم طلبة أبو الشهيد في الحفل، والشيخ لبيب ~~يحضره. # وأسهر أنا في النافذة، وقوى مجهولة تشحن قلبي الصغير بحيوية سحرية. # | الحكاية رقم «19» # أبي ينظر إلي نظرة غامضة ويسألني: ماذا فعلت؟ # فأجيبه بسرور وزهو: اشتركت في المظاهرة الكبرى. ~~- كان يمكن أن تدوسك الأقدام. ~~- كان الصغار كثيرين. # ويداري أبي ابتسامة ويسألني بنبرة ممتحن: الآن سعد زغلول هو رئيس الوزراء، فلم ~~تضربون؟ ~~- أضربنا لتأييده في موقفه ضد الملك. ~~- من قال لك ذلك؟ ~~- رئيس الطلبة، قال إن سعد زغلول قدم استقالته احتجاجا على موقف الملك من الدستور، ~~وأننا ذاهبون لتأييد الزعيم. ~~- هل عرفت وجه الخلاف بين سعد والملك؟ # وأتوقف عن الاسترسال مرتبكا، فيضحك أبي ولكني أبادره: نحن مع سعد وضد الملك! ~~- عظيم، وماذا كان هتافكم في عابدين؟ ~~- سعد أو الثورة. ~~- ما معنى ذلك؟ # وأتفكر قليلا ثم أقول: معناه واضح ms17 ، سعد أو الثورة! # وهو يبتسم: عظيم، ومن الذي انتصر؟ ~~- سعد، وهتفنا: عاش الملك ويحيا سعد. # ثم أقول بحماس: الاشتراك في المظاهرة أمتع من أي شيء في الدنيا. # فيبتسم أبي ويقول: بشرط ألا يشترك فيها الإنجليز! # | الحكاية رقم «20» # يحيى مدكور أمهر لاعب كرة في مدرستنا، وصديقي المفضل في المدرسة الابتدائية. # أجده يوما يقرأ كتابا في الفسحة فأسأله: ما هذا؟ ~~- ابن جونسون .. الحلقة الأولى من مسلسلة بوليسية جديدة. # ويعيرني الكتاب بعد فراغه فأقرؤه بسعادة لم أجد مثلها من قبل، وأواظب على قراءة السلسلة، ~~ثم أنتقل من سلسلة إلى أخرى، ومن كتاب إلى آخر، ثم أدمن القراءة. # وأصير مع الزمن بطلا من أبطال القراءة، أما صديقي فيهجرها سريعا ثم يتربع على عرش ~~الكرة. # | الحكاية رقم «21» # إبراهيم توفيق مقترن في ذاكرتي بالتهريج والتحدي، خفيف الروح نصف مجنون، بطل هواة لعب ~~الكرة «الزلط» في فناء المدرسة، ننتقي عادة من كوم التراب وراء السبيل زلطة في حجم الجوزة ~~لتقوم مقام الكرة، نخوض بها مباراة يومية في فسحة بعد الغداء، والمباراة «الزلطية» ممنوعة ~~رسميا، ولكن يغضى عنها عادة، وتمارس بعنف في أثناء تناول الضباط طعامهم، ويكف ~~عنها فورا عند مرور الناظر، أما عواقبها الوخيمة على الأحذية فيدفع ثمنها الآباء. # وفي الفسحة القصيرة يضغط إبراهيم توفيق طربوشه حتى يصير مثل طاقية، ويرتدي جاكتته ~~بالمقلوب، ويحاكي مشية شارلي شابلن ذهابا وإيابا على إيقاع تصفيقنا، ثم يختم لعبه بإنشاد ~~مونولوج: # يا عديم الخال يا قليل المال # رفعتك محال في زمن الأندال # ويوما يتباهى بالمقالب التي يدبرها لزوج أمه فيقول له أحدنا: أتحداك أن ~~تأكل قرن فلفل حامي! # والتحدي يستفزه لمصارعة المحال فيهتف: آكل عشرة! # ويتراهن فريقان، نبتاع من بياع الفول عشرة قرون فلفل حامية، وتحلقناه في حماس! # يتناول إبراهيم القرن الأول ويأكله مبديا ثباتا واستهانة. # ويتناول الثاني محافظا على ثباته واستهانته. # ويتناول الثالث فلا يتغير من مظهره شيء إلا أنه ازدرد ريقه بصورة ملموسة. # ويتناول الرابع فيسعل سعلة مكتومة. # ويتناول الخامس فتدمع عيناه رغم قوة إرادته، ويسعل بشيء من العنف ms18 . # وعقب تناول السادس يبدو كأنه يقاوم عدوا مجهولا اندس في أعماقه، وتفيض عيناه ~~بالدمع! # وهو يأكل السابع يسيل الماء من أنفه ويصطبغ أنفه بحمرة عميقة .. ويصيح بعض ضعاف القلوب: ~~أوقفوا الرهان! # ولكنه يرفض بحركة من رأسه دون أن ينبس وكأنما لا يستطيع النطق. # ويلتقي ماء عينيه بماء أنفه في مجرى على ذقنه وعنقه، وينتابه سعال متقطع. # ويستحيل وجهه قرمزيا وتنتفخ شفتاه، ولكنه يلتهم القرون حتى آخرها وسط التهليل ~~والتصفيق، ويربح! # ولكن لعله لا يشعر للنصر بلذة، إنه صامت محتقن زائغ البصر، وعلى هذه الحال ندخل حصة ~~الدين، والشيخ يطارده بالتسميع لما هو معروف عنه من الإهمال والشقاوة، يقول له: إبراهيم ~~توفيق، سمع # تبارك الذي ~~. # ويلبث إبراهيم صامتا مغمورا بهمومه الخفية، فيصيح به الشيخ: قف يا ولد وسمع. # ولكن إبراهيم لا يتحرك، على حين تصدر من الأركان همهمة يظنها الشيخ لعبة متفقا عليها ~~فيصيح: الأدب يا أولاد الكلاب، قم يا مجرم .. قم لا بارك الله فيك ولا فيمن أنجبك! # ويقترب الشيخ منه في مجلسه في آخر الحجرة، فيهوله منظر وجهه، فيتوقف متسائلا: ماذا بك؟ ~~.. لماذا تبكي؟ # عند ذاك يتكلم عنه كثيرون فيسمع الشيخ ويتعجب ويقول: أعوذ بالله .. يا أولاد الأبالسة، ~~كلكم مجرم وابن مجرم. # ويذهب بإبراهيم إلى الخارج ليسعف في حجرة الطبيب .. ولكن إبراهيم لا يكف أبدا عن ~~التهريج والتحدي! # | الحكاية رقم «22» # هاشم زايد يجلس إلى جانبي على قمطر واحد. # طويل القامة، مفتول العضلات، ولكنه وديع خجول، وطيب وحسن السلوك، أمه أرملة غنية تملك ~~بيوت زقاق برمته، وشريكة أكبر عطار في الحارة، لذلك نخصه بنظرة تجمع بين الإعجاب ~~والحسد، تتهادى إليه نكات إبراهيم توفيق من وراء، فلا يملك إلا أن يضحك، فيراه المدرس دون ~~الفاعل الحقيقي فينال جزاءه صفعة أو لكمة أو ركلة باستسلام التلميذ المؤدب. # ويفشل هاشم في المدرسة فيتركها، وتموت أمه فيصير من أكبر أعيان الحارة في لحظة واحدة. ~~وتفرق بيننا السبل، أراه أحيانا مستقلا الكارتة أو جالسا في ملابسه البلدية وسط ~~هالة من المريدين، إنه يتحول إلى شخصية ms19 غريبة فأتجنب حتى مصافحته، إنه يتكبر ويتعالى ~~ويستثمر قوته في العدوان وفرض إرادته على العباد، كيف يتحول الصبي الخجول الطيب إلى وحش ~~شرس؟ إني أتفكر وأتخيل دون جدوى! # لا يمر يوم في حياته بلا معركة، اللكمة عنده أسرع من الكلمة، والنبوت مفضل على ~~اللكمة، ويحل بالمكان فيتجنبه الناس كأنه وباء! # لو امتد زمن الفتوات إلى زمانه لفرض نفسه فتوة، وهو يزعج القسم كما يزعج الحارة، ويبيت ~~أياما بسجن النقطة، ولكنه يرشو المخبرين وشيخ الحارة. # تحف به دائما بطانة ولكن لا صديق له، ولم يتزوج رغم ثرائه، ولا يعرف عنه أي ولع ~~بالنساء. وعلاقته بذكرى أمه مثيرة محيرة، يتذكرها أحيانا بحزن عميق ويتنزل على روحها ~~الرحمات، وأحيانا ينتقدها بمرارة وسخرية، يقول: كانت بخيلة شحيحة، تهمل نفسها لحد القذارة، ~~وتعامل الخدم بقسوة جنونية. # ويغالي مرة في الحملة عليها، ثم - فجأة - يجهش في البكاء، ينسى نفسه تماما ويجهش في ~~البكاء، ثم ينتبه لضعفه فيضحك، ولكنه يصب غضبه على جميع من يشهد دموعه، ويبدو أنه يضمر ~~لهم أو أنه سيضمر لهم السوء! # ويختفي هاشم زايد من الحارة ومن البيت. # وتطول غيبته حتى يذوب رويدا رويدا في ظلمة النسيان. # وتسمع من يقول إنه هاجر، وتسمع من يهمس بأنه قتل وأخفيت جثته. # | الحكاية رقم «23» # ذات صباح تدهمني اليقظة بعنف، أستيقظ مجذوبا من عالم الغيب بقبضة مبهمة، يلفني تيار من ~~الطنين، أنصت فيقف شعر رأسي من ترقب الشر، أصوات بكاء تتسلل إلي من الصالة، تغرز ~~أفكار السوء أسنانها في لحمي، ويتخايل لعيني شبح الموت. # أثب من الفراش مندفعا نحو الباب المغلق، أتردد لحظة ثم أفتحه بشدة، لأواجه ~~المجهول. # أرى أبي جالسا، أمي مستندة إلى الكونصول، الخادمة واقفة عند الباب، الجميع يبكون! # وتراني أمي فتقبل علي وهي تقول: أفزعناك .. لا تنزعج يا بني! # أتساءل بريق جاف: ماذا؟ # فتهمس في أذني بنبرة مختنقة: سعد زغلول .. البقية في حياتك! # فأهتف من أعماقي: سعد! # وأتراجع إلى حجرتي. # وتتجسد الكآبة في كل منظر. # | الحكاية رقم «24» # القطة الأم مستلقية على جنبها مترعة الحلمات ms20 ، والصغار تتلاطم مغمضات الأعين في حضنها، أنا ~~وحيد في الحجرة، أتابع المنظر باهتمام، فجأة تتردد أنفاس على كثب مني فألتفت فأرى ~~سنية، هي بكرية جارنا ساعي البريد، دقيقة القسمات خفيفة الروح، مليئة بالحيوية والمرح، ~~تكبرني ببضعة أعوام، تنظر إلى القطة بشغف وتهمس: ما أجملها! # أوافق بإيماءة من رأسي فتقول: أحب القطط، وأنت؟ # أجيب وشعوري بتوحدنا يغمرني: وأنا ... # وتقترب لترى بوضوح أكثر، فأحس مس صدرها لكتفي، تواصل الحديث فلا أتابعها، إني أضطرم ~~فيلتهم اللهيب حيائي، أستدير فأضمها إلى صدري، وتبدأ علاقة وطيدة، مفعمة من ناحيتي بالسرور ~~والندم. # أزداد بها معرفة، جميلة جسورة بقدر ما هي حريصة، رغم سكراتها المنغومة، فبيننا حدود لا ~~يمكن تخطيها، ألبي إشاراتها، أهرع إلى ظلها، أما هي فلا تعرف النجوى ولا الحلم ولا ~~البراءة، تجذبني إلى حديقة الورد، ثم تضرم فيها نيران الجحيم، لا نعرف السكينة ولا الأمان، ~~نقطف الثمار في رعدة من الرقباء، نجري في حومة الحب خطافين نشالين مجانين، نراوح بين ~~الصراع المكتوب والنعاس المفتوح العينين، وتنقلب الحياة أغنية مجنونة تتفجر بالعذوبة ~~والعذاب. # وتتزوج سنية عقب عامين من حبنا. # ونلتقي بعد أعوام وأعوام من زواجها. # أجدها مفرطة في البدانة، غافية النظرة، رزينة، جليلة، راسخة الاستقرار والوقار، نتصافح ~~ونتبادل حديثا روتينيا عن الأحوال والناس، لا بسمة ذات معنى، ولا إشارة إلى عهد انقضى. ~~سيدة مصونة ورمز حي للأمومة، ومثال للتدين والورع. # وأتخطى الحاضر راجعا إلى عهد صباها النضير، وهي فراشة متعددة الألوان، تفاحة طازجة، ~~وردة فواحة، ينبوع متدفق. # تلك الأيام السعيدة. # | الحكاية رقم «25» # فتحية، الأخت الصغرى لسنية، تماثلني في العمر. # مثال للهدوء العذب والرصانة والعمق. # نظراتنا تتسلل في استحياء فيستحوذ علي أمل خلاب، أمد يدي فأقبض على راحتها فتسحبها ~~بلطف، وبرقة تقول لي: لا أحب العبث. # وأضيق بجديتها فأقول: إنك لا تعرفين الحب. # فتقول بأسى: أنت الذي لا تعرفه. # وتقول معاتبة: أثبت لي أنك تعرفه مثلما أعرفه. # ليست قطرات الندى مثل ذوب الشمع المحترق، ويصرفني اليأس، فأتعزى بالزهد، أمضي مصمما ~~على النسيان، ولكن ترجعني الأشواق أو ms21 رسالة عتاب، أو لقاء غير متوقع، فأجد نفسي مرة ~~أخرى حيال قلب محب وعاطفة طاهرة وإرادة لا تلين. # وطريقي شاقة وطويلة، وفتاتي محبوبة كثيرة الخطاب، يقول لها أبوها: معنى الرفض أن ~~تنتظري عشرة أعوام. # ثم يقول بحزم: القلوب تتغير بعد عشرة أعوام. # ويصر على تزويجها من رجل مناسب، فتزف إليه كسيرة القلب، وتنجب أطفالا، وترعى بيتا ~~يعد مثالا للحياة الزوجية الموفقة. # وتغيب عن عيني وخيالي دهرا طويلا. # وألتقي بها في مأتم وهي في الستين من عمرها، أرملة منذ عشرة أعوام، فنتصافح وتطالعني ~~بنظرة صافية، تتألق فيها بسمة ذكريات قديمة، يتحرك في أعماقي شيء غامض، تجتاحني موجة من ~~التذكر والأسى، وشعور فادح بطول الزمن المطروح ورائي. # وأعلم بأنها تعيش وحيدة بعد زواج بناتها مع خادم عجوز، وأجدني أحادثها رغم كل شيء بجرأة ~~مستمدة من ضآلة ما يتبقى من العمر، وأعزم على زيارتها، وأتخيل، وأسباب الابتسامة والمرارة ~~تتجاذبني، ثم أبتهل في خشوع إلى أشجان الوداع. # | الحكاية رقم «26» # ست نجية امرأة وحيدة. # عهدي بها وحيدة دائما، في بيتها وحيدة، مقطوعة من شجرة، يرد اسمها بلا لقب، لا أب ولا ~~أم ولا أخ ولا أخت، ولكنها معروفة بأنها امرأة غنية. # صورتها لا تنسى، قصيرة جدا، مطبوعة بطابع كساح يتجلى في تقوس ساقيها وبروز ذقنها، ~~ولها أنف كبير مثل أذن حمار، دميمة ولكنها غير منفرة؛ لخفة روحها وسخريتها اللاذعة من ~~نفسها ومن الناس. # تجيء معها في زيارتها لنا بالمرح والضحك، فلا نهاية لنوادرها وقفشاتها، وأتصورها دائما ~~أسعد الناس. # بيتها مزرعة قطط وكلاب، تولد وتنشأ في عزها مكرمة مدللة، لكل اسمه وخدماته ~~الغذائية والصحية والرياضية، هي مولعة بهن، وهن مولعات بها، وفي رحابها المترعة ~~بالرحمة والسخاء تنمحي الخصومة الغريزية بين الكلاب والقطط؛ فهن يعشن في إخاء ~~ومودة. # تسألها أمي: لم نرك من مدة يا ست نجية؟ # فتقول: كانت نرجس متوعكة المزاج. # أو تقول: كانت بركة تلد. # ودائما تتحدث عن عفريت من الجن يؤاخيها، وتحكي عن علاقتهما الخاصة باعتزاز وتنوه ~~بنوادره. # تقول بجدية: أمس شعرت بأنفاسه تتردد ms22 على وجهي قبيل الفجر .. أو تقول: وجدت بلاص ~~العسل فارغا، فقلت له بالهنا والشفا! # بالصدق والجدية تتكلم، لعلها لا تتخلى عن المزاح إلا حين الحديث عن أخيها الخفي. # وتزعم أيضا أن الكلاب والقطط تخاطبها بلغاتها الخاصة وأنها تفهمها، ولكي تثبت صحة كلامها ~~تمضي في محاكاة اللهجات القطية والكلبية فنغرق في الضحك. # ولها خبرة راسخة في قراءة الفنجان، والورق، وتفسير الأحلام، وتتهم أحيانا بممارسة ~~السحر والشبشبة حتى إن أم عبده لعنتها جهرا في الحارة عقب اختفاء ابنتها إحسان، ولكن ~~طيبتها خصلة يشهد لها بها أكثر الناس. # لا يكاد يطرق بابها أحد، لكثرة الكلاب يتجنب الناس زيارتها، حتى الخدم لا يطيقون ~~خدمتها، فهي وحيدة في بيتها، ولكن تؤنس وحدتها الكلاب والقطط والعفريت المؤاخي! # تقول لها أمي وهي بصدد الحديث عن وحدتها: على الإنسان أن يعمل حسابه لساعة الأجل. # فتجيبها جادة وهي تبتسم: ستنبح الكلاب حول جثتي وتموء القطط، ويحضر أخي ليغمض عيني، ~~ثم يفعل الله ما يشاء! # | الحكاية رقم «27» # تقول ضيفة لأمي: نظلة، الله يسامحها! # فتسأل أمي عن الأخبار فتقول الضيفة: ما زالت بالجدع حتى أوقعته فتزوجها، رعاها وجعلها ~~من أسعد نسوان الحارة، وها هي الفاجرة تهجره عندما أعجزه المرض! # وتسأل أمي عن حاله فتواصل المرأة: طريح الفراش، وحيد، يبصق دما ويسعل حتى تنخلع ضلوعه، ~~يتمنى الموت، ولما أزوره يقول لي: «انظري يا امرأة خالي ما فعلته نظلة» فأشجعه وأواسيه ~~وقلبي يتقطع! # وأتخيل أنا المريض والدم والمرأة الفاجرة. # ويمضي زمن ثم تزور الضيفة أمي وتقول: شوفي العجائب، لم يكد يمر شهر على وفاة المرحوم ~~حسن حتى أوقعت الفاجرة شقيقه خليل فتزوجها! # فتهتف أمي: نظلة؟! ~~- ومن غيرها يفعل ذلك؟ إلهي ينتقم منك يا نظلة يا بنت أمونة! # وأتخيل أنا الميت والعاشق والفاجرة. # ويمضي زمن، ها أنا أذاكر دروسي في حجرتي، فيترامى إلي صوت أمي وهي ترحب بضيفة قائلة: ~~أهلا بك يا ست نظلة. # وأتساءل باهتمام ترى أهي الفاجرة؟ # وأتسلل إلى الصالة محتميا بظلمتها وأرسل الطرف إلى حجرة الاستقبال، فأرى امرأة - بين ~~الأربعين والخمسين ms23 - بضة الجسم حسنة التكوين أنيقة الملبس، أعترف بأنها امرأة مثيرة، وأنها ~~تستحق أن تعشق، وأعرف عنها معلومات جديدة، منها أن زوجها الثاني - خليل - توفي أيضا ~~بعد أن أنجبت منه ولدا، وأنها تركت شقتها قبيل القبو لتقيم في شقة صغيرة في بيت قريب ~~هنا، وأدرك أيضا أن أمي لا ترحب في أعماقها بزيارتها لنا، وأقول: إنها شريرة! # ولكن أمي تقول بحذر: الله وحده هو المطلع على الأفئدة! ~~- تعطفين عليها رغم أنك لا ترحبين بها. ~~- سمعت الكثير ولكني أرى امرأة ضعيفة، وأما لولد لا رجل لها ولا مال! # وأراقبها من النافذة كلما سنحت فرصة، وتخيم علي ذكريات المرحوم حسن وخليل ولكني لا ~~أبالي. وأشعر بأنني مقبل على مغامرة أخطر من جميع ما مر بي من مغامرات، ولكن القصة لم ~~تبدأ. # ذات صباح، تهز حارتنا صرخة مدوية. # ينتشر خبر بأن جارة ألقت على وجه نظلة ماء نار، متهمة إياها بمحاولة خطف ~~زوجها. # تفقد نظلة سحرها إلى الأبد. # تضطر إلى العمل في حمام الحارة. # يشتد بي الحزن فترة من الزمن، وأردد ما سبق أن قالته أمي: الله وحده هو المطلع على ~~الأفئدة! # | الحكاية رقم «28» # يزورنا كثيرا. # أحبه لأنه يكاد أن يكون صورة متقنة لأبي؛ من أحاديثه المكررة في إلحاح أبدي أن ~~يخاطب أبي قائلا: أيرضيك حالي هذا يا خالي؟ # فيقول له أبي: يا محسن، اعتمد على الله وعلى نفسك. ~~- يؤلمني أنني غني بما أملك من مال في الأوقاف، ولكني عاجز عن صرف مليم واحد ~~منه. ~~- هذا حال كثير من المستحقين. # ويضطر إلى أن يعمل كاتبا بثلاثة جنيهات شهريا في وكالة الأخشاب بحارتنا، وتحاصره ~~ظروفه القاسية فيتزوج من سوسن بنت نعمات الدلالة العاطلة من الجمال والمال، ويتقدم به ~~العمر دون أن ينجب، فيمضي حياته متحسرا، وتضرع زوجته إلى الله ألا يحل عقدة ~~الوقف، وتقول لأمي: لولا الفقر لفجر، لولا الفقر لطردني! # لا حديث له إلا الوقف، الوقف يا خالي، الوقف يا امرأة خالي، وأسمعه يردد بحرارة: يا ~~رب، نفسي في لقمة حلوة ومسكن نظيف وملبس ms24 لائق وأنثى، أنثى حقيقية لا تمثال خشبي في هيئة ~~امرأة، يا رب نفسي في ولد أو حتى في بنت! # وتتقدم به السن أكثر، وتدمع عيناه أحيانا وهو يرثي نفسه حتى ينال مني التأثر. # وتندفع الأحداث فتغير من إيقاع الزمن ورؤيته وتنحل عقدة الوقف! # ويرقص ابن عمتي من الفرح فأسأله: ما مقدار البدل الذي سيصرف لك؟ # فيقول بزهو: أربعون ألفا من الجنيهات! # يدور رأسي، أتفرس في وجهه بعجب، إنه يدنو من السبعين، أبيض الرأس، ضعيف البصر، هزيل ~~الجسد، ليس فيه سنة ولا ضرس، أسأله: ماذا ستصنع بثروتك؟ # فيقول متهللا: قلبي يحدثني بأنني سأمرح في نعمته عز وجل. # ثم يستطرد: سأشتري بيت عيوشة الحكيمة، وأركب طاقم أسنان، وأتزوج! ~~- تتزوج؟ ~~- وسأنجب أيضا، سوف ترى! # ويجدد نفسه بتصميم كما يجدد الحياة من حوله، أبقى على سوسن، ولكنه يتزوج من توحيدة ~~بنت بياع الطرشي، وهي بنت جميلة دون العشرين. # ويخبرني ذات يوم قائلا: ولي العهد يتكون بإذن الرحمن. # ويفرط في الطعام بنهم لا يناسب سنه، ثم يلزم الفراش عقب ستة أشهر من الزواج. # وأعوده فيقول لي بصوت خافت: لست نادما، أبدا، الحمد لله رب العالمين! # وكان قد بنى مقبرة جديدة وجميلة. # | الحكاية رقم «29» # علي البنان صاحب محل البن في حارتنا صديق، يموت أبوه فيحل مكانه وهو في طور ~~المراهقة. # وذات يوم يسألني وأنا أجالسه في المحل: هل تعرف أنيسة بنت أمينة الفرانة؟ # فأجيبه ورائحة البن الصارمة تسيطر على حواسي: أعرفها طبعا، حارتنا كلها ~~تعرفها! ~~- ما رأيك فيها؟ ~~- بنت فائقة الجمال وهي تشارك أمها في العمل. ~~- ماذا تعرف عن أخلاقها؟ # فأضحك قائلا: ما أكثر ما يقال! ~~- ولكنني متأكد من الكثير! # ويحكم العمامة فوق رأسه، ويقول: أعرف أنها سقطت أول ما سقطت مع حمدان صبي ~~الفران. # أهز رأسي موافقا، فيمضي هو قائلا بنبرة اعترافية ثقيلة: ضبطت أيضا مع الحنفي صبي ~~محل الطرشي تحت القبو. ~~- إنك تتكلم بلهجة حزينة أكثر من الضروري! ~~- وقيل كلام أيضا عن علاقتها بخفير الدرك! # فأسأله ضاحكا: هل تنوي كتابة سيرة لها؟ ~~- وأيضا مع ms25 حسنين السقاء! # فأغرق في الضحك وأقول: إنه لسلوك يستحق التأمل. ~~- ولعل ما خفي كان أعظم. ~~- من يدري فلعلها ليست الوحيدة في حارتنا! # فيتنهد قائلا: ولكنها الوحيدة التي أحبها! # فأخرج دفعة واحدة من جو المرح وأسأله: أتريد أن تنضم إلى طابور العشاق؟ # فينظر إلي طويلا ثم يقول: كلا، لقد قررت أن أتزوجها! ~~- لا أصدق!! # فيقول بجد وتجهم: إنه قرار اتخذ بعد عذاب طويل، ولا رجعة فيه، ولا يهمني ما ~~يقال! # وينفذ علي البنان قراره. # | الحكاية رقم «30» # يشب بطريق الحموي فيجد نفسه متزوجا. # كان أبوه مقاول بناء أميا، فأراد أن يفرح بآخر العنقود في حياته، فاختار له بنتا ~~وزوجه منها وهو تلميذ في الرابعة عشرة من عمره. # يسعد التلميذ باللعبة الجديدة، فيجعل منها حكاية يشعل بها قلوب أقرانه المتلهفة ~~وأخيلتهم المحمومة. # وينجح «بطريق» في حياته المدرسية، ويتفوق فيكمل تعليمه العالي، ثم يبعث إلى إنجلترا ~~عامين. وعقب عودته يتعذر عليه التوافق مع ماضيه، زوجته خاصة، يتنافران في كل شيء، يضيق ~~بجهلها وخرافاتها، يتهاوى في الغربة والفشل، ويقول لخاصته: لا يمكن أن تمضي الحياة ~~هكذا! # ويتخذ قرارا حاسما وقاسيا، من خلال معاناة طويلة، فيطلقها. # ويلهج كل لسان في الحارة بلعنه ومروقه، ولكنه يلقى المد المعادي ببرود، بل ~~ويتحداه أكثر فيرجع ذات يوم بزوجة جديدة أجنبية، يزعم أنها فرنسية، ويصر أهل حارتنا على ~~أنها رومية من بين السوريين! # ويذهبان ويجيئان معا وهي تشع سفورا ونورا، ترمقهما الأعين بازدراء واستنكار، ويترحم ~~المترحمون على المعلم الحموي. # وتتطاير تساؤلات محرجة عن سلوك الزوجة الجديدة واختلاطها بالرجال، وما يقال عن إدمانها ~~الخمر، وعن صحة عقيدتها الدينية، هل يعتبر إسلامها حقيقيا؟ هل تنشئ أبناءها نشأة ~~إسلامية سوية؟ # يعاني بطريق الحموي ذلك كله، ويتصدى له بما يستطيع من قوة واستهانة. # ولكن ثمة متاعب جديدة من داخل بيته تهب عليه بلا رحمة، ها هي زوجته تضيق بالحارة وأهلها، ~~وعاداته الأصيلة تتعرض لمؤاخذتها وسخريتها، وهو كلما تهاون في حق طولب بالمزيد من ~~الاستسلام، حتى يسلم في النهاية بأنه غارق في التعاسة حتى أذنيه ms26 . # ويقال له: طلقها وأمرك لله! # ولكنه يجيب بإصرار: محال أن أسلم بالهزيمة! # أما هي فتقترح الطلاق من ناحيتها، ولكنه يرفضه بإباء. # وإذا بها تهجره ذات يوم، فتغادر الحارة والوطن. # وتمضي الأعوام وبطريق الحموي أعزب لا يفكر في الزواج. # يقترح عليه إخوته أن يرد زوجته الأولى، فيقول ساخطا: هذا سخف! ~~- هل تعتزم استرداد الثانية؟ ~~- إنه الجنون نفسه. # ثم يقول برزانة وتأمل: لا بد من الزواج، وعاجلا أيضا، لم تضع التجربة هباء، فإني ~~على الأقل الآن أعرف ما أريد! # | الحكاية رقم «31» # من قصص الحب المؤثرة في حارتنا قصة سيدة كريم. # ينشأ حب عفيف مستور في خفاء بينها وبين إدريس القاضي ابن الجيران، رغم التكتم والحياء ~~تفضحهما النظرات وأحوال العاشقين، ينشب خصام بين الشيخ كريم مدرس اللغة العربية وعم حسنين ~~القاضي بياع الحلوى: أدب ابنك، ابني مؤدب، كلمة من هنا وكلمة من هنا، فيوشك الكلام أن ~~يتحول إلى فعل، لولا تدخل أهل الخير، ولكن يستيقظ الرقباء وتحد الأعين فيعاني ~~العاشقان في صمت وقهر، وعندما ينتهي إدريس من المرحلة الثانوية يقنع أباه بأن يخطب له سيدة، ~~فيمضي الرجل على مضض إلى الشيخ كريم، طالبا يد ابنته، ولكن الشيخ يقول له بجفاء: ابنك ~~تلميذ وبنتي لا يمكن أن تنتظره. # ثم يقول الشيخ لبعض خلصائه: كيف يطمع في مصاهرتي ذلك البياع الحقير؟! # ويتقدم ابن الحلال المناسب لطلب يد سيدة. # ولكن سيدة ترفضه! ليس الرفض بالأمر الهين ولا المألوف، إنه في الواقع ثورة غير متوقعة ~~أذهلت الشيخ والجيران، وزلزلت الأسرة بالغضب والعنف والتأديب، ولكن سيدة تصر على الرفض، ~~وتصارح أباها بأنها تمارس حقها الديني! # وكالعادة المرذولة في حارتنا تغمغم الألسنة بالشائعات والشكوك وتختلق الأوهام، ويتناهى ~~ذلك إلى الشيخ كريم، فيركبه حزن ثقيل حتى ينوء به كاهله فيختطفه الموت وهو يلقي درسه في ~~الفصل. # وتتحمل سيدة مسئولية موت أبيها أمام الأسرة والناس، تصبح ملعونة، شؤما، متهمة، متجنبة ~~كالمرض المعدي. # وتتزحزح الأعوام فلا يتقدم لها خاطب. # وينجح إدريس في دراسته العالية فيتقدم إلى عم حبيبته طالبا يدها! # ولكن لا ms27 يلقى إلا الرفض والتجهم، حتى الأم لا توافق! # وتمر الأعوام، ثقيلة عند المعاناة، خفيفة لدى العد والإحصاء، سيدة شبه سجينة لا ~~يطلبها أحد، وإدريس موظف يثير التساؤلات بإعراضه عن الزواج، ولا يشك أحد من المقربين ~~إليها أو المقربين إليه في صمود الحب، وإصراره وتحديه المتواصل لكافة العراقيل. # ويندب إدريس للعمل في بعض البلاد العربية، وتنقطع أخباره أعواما، على حين تجاوز سيدة ~~ربيع الشباب، ويغيض رونق صباها، وتتلبسها صورة تعاسة مجسدة. # ويرجع إدريس من غربته رجلا في منتصف الحلقة الخامسة. لم يعد أحد يذكر قصته، ولم تعد ~~القصة تثير أي اهتمام عند من يتذكرونها. # وتعرف حقيقة غير مألوفة في حارتنا وهي أن إدريس ما يزال أعزب، لم يدخل دنيا ولم يمارس ~~أبوة. # ويمضي إدريس إلى أم سيدة يطلب يد ابنتها! # ويدهش كل من يعلم بالخبر، معلقا عليه بأن سيدة لم تعد عروسا تسر ~~الحبيب. # ويتم الزواج متوجا حياة منصهرة بالعذاب والإصرار والوفاء. # | الحكاية رقم «32» # سنان شلبي يعمل في مطحن الغلال فيما يلي السبيل القديم، تلوح منه نظرة نحو النافذة في ~~البيت القائم أمام المطحن، فيلمح وجها أسر فؤاده وسيطر على أقداره، يأسر فؤاده ويستحوذ ~~على إرادته بقوة لم يكن يتصور وجودها بحال، وقال لنفسه: «لقد جننت يا سنان وما كان ~~كان.» # والجميلة لا تغادر البيت فيما يعلم، ولكن أم سعد هي التي تتصدى للمعاملة والتسوق، وهي ~~امرأة معروفة في الحارة، والعلاقة بين أم سعد والجميلة غامضة، عرضة لشتى الاحتمالات، ~~فالأسرة لا تزور ولا تزار، فمن يكون سعد؟ أين هو؟ والمرأة أهي أم الجميلة؟ قريبتها؟ ~~خادمتها؟ ثم تنتشر أقوال تسيء ولا تسر. # يقول سنان شلبي: أريدها، إني مجنون بها، بالحلال أو بالحرام أريدها، ولو دفعت حياتي ~~الغالية ثمنا لها! # ويوثق سنان علاقته بأم سعد في ترددها الدوري على المطحن، ويلمح لها عن رغباته ~~الخيالية، ولكنها تتجاهله وتشجعه في آن، فينفحها بالهدايا الصغيرة التي يطيقها من اللبان ~~والحنتيت والسكر، وعند ذاك تقول له: الجوهرة غالية، وأنت رجل على قد حالك! # فيقبض الفقر قلبه ms28 ولكن الجنون يبسطه فيقول: ربنا يقدرنا. # ويدرك لتوه أن الجميلة تحترف الحب ولكن ذلك لا يثنيه عن سعيه؛ فإن جنون العشق يتسلط ~~على إرادته بعنف ويأسره، فلا يترك له اختيارا أو مجالا للتردد. # وتقول له أم سعد: الأمر ليس يسيرا، يوجد حراس لا تراهم، وغاية ما أستطيعه أن أدلك ~~على الطريق! # وتمد له يدها بحركة ذات مغزى فيضع لها فيها قطعة فضية من ذات الخمسة القروش، ولكنها ~~تردها بإباء ولا تقبل بأقل من عشرة قروش، أو عشر أجر سنان في شهر كامل! وتقول له: أتعرف ~~المعلم حلمبوحة؟ قل له إنك حاضر من طرفي، إنه راعيها وولي أمرها، وهو الذي جاء بها إلى ~~حارتنا من المجهول! # فيقول سنان بضيق: ظننتك ستوصلينني بغير وسيط! ~~- لا أملك إلا أن أدلك على الطريق! # ويذهب سنان إلى حلمبوحة في دكانه الصغير الذي يبيع فيه الدخان والمنزول، يجده كما يعهده ~~عجوزا أعمش جاف الخلق، فيحييه ويقول له همسا: إني قادم من طرف أم سعد. # فيرمقه بازدراء ويقول باقتضاب حاسم: جنيه مصري! # فيقول سنان بارتياع: إنه مبلغ جسيم يا معلم! # فيعرض عنه قائلا: وفر نقودك واذهب لحالك. # لا شيء يمكن أن يثني سنان عن مطمحه، إنه يبيع خاتمه الفضي الموروث عن أبيه بجنيه، ويهبه ~~لحلمبوحة مسلما أمره للمقادر. يتفحص الرجل الجنيه، يدسه في جيبه، ثم يقول لسنان: لم ~~يبق إلا هريدي الحملاوي، تعرفه؟ # يغوص قلب سنان في صدره ويسأله: ما شأنه؟ ~~- إنه خطيب البنت، ولا يرضى بأقل من جنيهين. # فيتأوه سنان قائلا: إنها ثروة، ثم إنها سلسلة بلا نهاية! ~~- هريدي ختام السلسلة. ~~- ولكن من أين لي بالجنيهين؟ ~~- خذ نقودك واذهب! # ويرد إليه الجنيه بحدة، يتناول سنان الجنيه بقلب طافح باليأس، ثم يمضي بلا هدف، وتقوده ~~قدماه إلى البوظة، فيسكر حتى يقول لنفسه: سأبلغ مناي ولو طرت إليه فوق سحابة! # ويذهب من توه إلى أم عليش بياعة البيض بحجرتها الخشبية فوق سطح أم علي الداية، فتقول ~~له مستاءة: إني لا أتعامل مع الزبائن في حجرتي! # فيرمي بثقله فوقها ms29 فجأة ويكتم أنفاسها ولا يتخلى عنها إلا وهي جثة هامدة. ~~••• # إنه يعي تماما ضرورة أن يهرب في الحال قبل أن تكشف الجريمة، لا يشك أن كثيرين رأوه وهو ~~يتخبط في الحارة، ثم وهو يتسلل إلى بيت أم علي الداية. إنه يعي تماما ضرورة الهرب، ~~ولكنه لا يفكر إلا في الحب. # ويذهب إلى المعلم حلمبوحة فينقده الجنيه ثم يمضي إلى هريدي الحملاوي بالجنيهين، فيصحبه ~~الحملاوي إلى بيت أم سعد. ~~••• # يقول الرواة إن سنان دخل حجرة محبوبته كمن يدخل الملكوت، وفي نشوة الخمر ارتمى على ~~قدميها في هيام، وما يدري إلا وهو يبكي من الوجد، واجتاحته لحظة ثراء، فأشرق وجدانه ~~بالصراحة والصدق فقال: لقد قتلت! # ولم تفهم المحبوبة كلمة، ولم يقدم هو على الفعل. # وانطرح الزمن خارج وعيه حتى هل أول شعاع للضياء. # وارتفعت من الطريق جلبة، ودقت الأرض أقدام ثقيلة، فتلقى سنان أول إشارة خفية، ~~واستسلم بأريحية للمقادر. # | الحكاية رقم «33» # مرت فترة بحارتنا يمكن أن تسمى بعصر زينب. # الأب بياع فاكهة، والأم بياعة بيض، وزينب آخر عنقود مثقل بالذكور، وهي جميلة، فلتة ~~رائعة من الجمال، وفي جمالها تتلخص حكايتها. # في طفولتها كانت لعبة تتخاطفها الأيدي، في صباها تألقت تباشير الفتنة، في الشباب ~~استوت آية من البهاء والأبهة. # ويقول زيدان الأب لزوجه: البنت يجب أن تحجب في البيت. # فتوافق الأم كارهة؛ إذ إنها تفضل بطبيعة الحال لو كان في الإمكان أن تسعى زينب ~~لرزقها. # ويتكالب الخطاب عليها، فترتبك الأسرة حيال الطلاب، وتقول الأم: من العدل أن يكون ~~حظها في قوة جمالها! # لذلك ترفض يد ابن أختها سواق الكارو، فتتمزق أواصر الأخوة، وتنشب معركة بين ~~الأختين تتفرج عليها الحارة، ما بين شامت ومتعجب ولاعن. # ويتقدم لها في وقت واحد تقريبا حسن «صبي طرابيشي» وخليل «صبي جزار» فيجران إلى ~~معركة عنيفة يخرجان منها بعاهتين مستديمتين. # وإذا بفراج الدري المدرس يطلب يدها، أفندي محترم وموظف حكومة، ويعتبر بالقياس إلى ~~بيئة زينب حلما من الأحلام، وتقول الأم: هذا من نرحب به. # ولكن علي بياع القلل يعترض ms30 سبيل المدرس ذات يوم ويهمس في أذنه: إن تكن تحب الحياة ~~حقا فابعد عن زينب! # ويستعين المدرس بقريب قوي من أهل التحرش والتحدي، فيعتدي الرجل على بياع القلل، ~~ولكن بياع القلل يضطغنها في نفسه ويتربص لفراج أفندي ثم يفقأ عينه! # عند ذاك يجفل المحترمون من أبناء حارتنا إيثارا للسلامة ولا يبقى إلا الحرافيش. # وتهتف الأم المغيظة: يا ميلة البخت! # وتحتدم المنافسات، وتتعدد الاعتداءات، وتتساقط التهديدات، ويلتزم آل زيدان الحياد ~~التام خوفا من العدوان، ورغم بلواهم وكربهم تلفحهم أنفاس الحاسدين وألسنتهم، حتى يقول ~~زيدان لبعض أصدقائه: لقد حلت بنا نقمة اسمها الجمال! # وتتكرر الخناقات وتكثر الإصابات، وتمضي زينب وأسرتها لعنة مجسدة تستقطب الكراهية ~~والحقد والحسد ورغبة خفية في الانتقام. # عم زيدان لا يجد فرصة ليتنفس في هدوء، ويخاف أن يغدر غادر بزينب نفسها. # ويطلع صباح فلا نقف لآل زيدان على أثر، ويتفشى الوجوم والكدر، وأمنى بخيبة لا يدري ~~بها أحد، وبحزن أتساءل: ألا يتيسر للجمال أن يهنأ بالبقاء في حارتنا؟ # | الحكاية رقم «34» # هنية بنت علوانة الدلالة من بطلات الحب في حارتنا. # أتساءل كثيرا عن سر حبها لحمام صبي الخياط البلدي، إنه فتى سيئ الصورة والسمعة، شرس ~~الطباع، تعكس عيناه نظرة تحد وعدوان، يرتدي جلبابه على اللحم ويمضي حافي القدمين، ثم إن ~~هنية بنت متعلمة، مكثت في الكتاب ثلاث سنوات، تفك الخط وتجمع الأرقام وتحفظ جزء ~~عم، وأمها ميسورة الحال، ووقت الغداء تفوح رائحة القلي من مطبخهم. # وهنية ترفض يد حامد المراكيبي بياع المراكيب عندما يتقدم لخطبتها، وتبكي الأم بحرارة ~~وهي تحكي مأساتها لأمي: تصوري، حامد المراكيبي الرجل الكامل صاحب القرش. # فتتساءل أمي: كيف وبنتك عاقلة وحافظة كلام ربنا؟ ~~- قالوا لي إنه معمول لها عمل، فذهبت إلى الشيخ لبيب، وزرت الأضرحة ونذرت النذور. # ولكن هنية تصر على رفض يد حامد، وتغضب أمها وتلطمها على وجهها وتصيح بها: تفضلين عليه ~~المجرم؟ بعدك، ولكن مكتوب عليك الشقا. # ويتراجع حامد المراكيبي ويتلاشى، ويبدأ حمام جادا في التفكير في أعباء الزواج وما ~~يقتضيه من التزامات جديدة ms31 نحو مظهره وسلوكه، غير أنه يتهم في هذه الأثناء بجريمة السرقة ~~مع الإكراه، فيقبض عليه ويزج في السجن عامين. # تبتهج علوانة الدلالة بالحل الذي جادت به السماء، وتقول لهنية: أرأيت؟ سبحان الله الذي ~~لا يعلو على برهانه برهان. # ولكن هنية تصر على رفض حامد المراكيبي، وتغرق في حزن عميق، حتى يشفق عليها الغاضبون، ~~ويقول كثيرون إنه لا حيلة لها في الحزن، وإن حمام لا يقتلع من قلبها بلا أثر. ولكنها ~~تصر على الرفض حتى يمر العامان ويرجع حمام إلى الحارة، وتدب الحياة من جديد في هنية ~~ويجن جنون أمها. ويلقى حمام صعوبة في العودة إلى عمله الأول أو الالتحاق بأي عمل آخر، ~~ثم يرى سارحا بلحمة رأس وطبلية، ويتساءل كثيرون: من أين جاء برأس المال؟ ولا يعلم إلا ~~فيما بعد أن هنية هي التي أمدته بأسورة ذهبية. # وتثور علوانة ثورة عنيفة، وتستعدي على ابنتها القريب والجار، غير أن هنية تعقد قرانها ~~بحمام في القسم، وتحت حماية الشرطة. # وأشهد بأنها زيجة موفقة، فهنية تشاركه في العمل وتدبره له بحكمة يعجز عنها عقله ~~المشتت حتى ينجح - أو بالأحرى تنجح هي - في فتح دكان له، أما الذكريات القديمة، فلم يعد ~~من المهم أن يذكرها أحد. # | الحكاية رقم «35» # في موسم القرافة نزور أحيانا حوشا غير بعيد من حوشنا، أرى رجلا يقيم في حجرة المواسم ~~إقامة دائمة، كما يستدل من وجود الفراش والكنبة والصوان، أسأل أمي عن هويته فتقول: ابن عمة ~~أبيك رضوان أفندي. ~~- لماذا يقيم في الحوش؟ # تتجاهل وقتها سؤالي، وألاحظ خلو الحجرة من الرجل في عام تال، وأعلم أنه انتقل من ~~الحجرة إلى القبر، ثم أسمع قصته فيما بعد لمناسبة لا أذكرها. # أسرة رضوان أفندي تتكون منه ومن حرمه ومن صبي وصبية، الأم تشغف بالصبي، على حين يشغف ~~الأب بالصبية، يناهز الأخوان البلوغ، فيمارس الأخ قوته في معاملة أخته باسم الغيرة ~~والرجولة، حتى تضيق به وبالحياة فيغضب الأب لها، وتسوء العلاقات بينه وبين ابنه، أو على قول ~~أمي: سكن الشيطان بينهما! # يتطور النزاع ms32 إلى خصام أغبر، تأديب من ناحية الأب بلا رحمة، وتمرد من ناحية الابن بلا ~~حذر، حتى تفصل بينهما الكراهية العمياء، فيتمنى كل للآخر الهلاك والفناء جهرا وبلا ~~تحفظ. # وفي ختام المرحلة الثانوية يمرض الشاب بالسل، ثم يفارق الحياة عقب اكتشاف المرض بستة ~~أشهر، موت قاس مطوي على المكر والخديعة والسخرية، فانهارت الأم وتلاشت آمالها في الحياة ~~وزلزل الأب زلزال الخوف والندم، ويقول رضوان لأبي: إنها عملية نشل، والخجل يمنعني من ~~مواجهة أمه. # وبعد مرور عام واحد لوفاة الابن تمرض أخته بنفس المرض. # وذات ليلة يجيئنا رضوان أفندي وهو يجري حافيا من أقصى الحارة، مشعث الشعر دامي العينين ~~فتهب الأسرة نحوه متسائلة وهي على يقين مما تتساءل عنه، يقول الرجل وهو يلهث ويطالعهم ~~بعينين انطفأ فيهما نور الحياة: انتهى كل شيء! # يصفي الرجل بعد ذلك تجارته، يهجر بيته إلى حوش القرافة، ويقيم هناك على مقربة من قبر ~~الفقيدين، وتصر حياته على الامتداد حتى يوافيه الأجل. # أما الأم فهي تواظب على زيارتنا، وأراها وأتصل بها وأنا صغير وهي عجوز، يبدو أنها لا تذكر ~~الماضي، وتحب التسلية باستقراء الكوتشينة عن البخت، أتذكر جلستها وراء الأوراق المفندة ~~وتكومي أمامها في تشوف، وهي تشير إلى صورة وتقول: في سكتك واحدة ليست من دمك. # وتبتسم كثيرا فأقول لأمي: تيزة وليدة خفيفة وتحب الضحك. # فتتمتم أمي: ربنا معها ومع كل جريح. # | الحكاية رقم «36» # في إحدى ليالي الأرق أرى من نافذتي هذا المنظر. # أرى شبح رجل يترنح، يتلاطم مع الجدران، يتعثر فيقع ثم يقوم بمشقة، تندلق من فيه ~~السائب أغنية «أنا أبله كنت هبلة» ثم يندفع فاقد التوازن كأنه ثور يتوثب للنطح، وبعد مغالبة ~~للقوى المجهولة ينطرح كالقتيل. # يراه بعض أهل الخير فيحمله أحدهم - لعله فران - ليطرحه على لوح عجين، ثم يتعاون مع ~~آخرين على رفعه، ويمضون به! # يصادفهم على بعد خطوات سكران آخر يترنح ويتعثر ويقوم ويقع، وإذا بالسكران الأول يضحك ~~من فوق لوح العجين ويصيح بالآخر: إخص، حقيقة إنك مرة، تسكر حتى تقع من طولك وتضحك ms33 عليك ~~الناس؟ اسفخص. # في زمن متأخر، وفي ظروف غاية في الجدية، يعاودني ذلك المنظر حاملا إلي معاني جديدة ~~لم تخطر لي على بال من قبل حين رؤيته. # | الحكاية رقم «37» # عم ينسون الصرماتي كهل لا تشوب سمعته شائبة، يموت ابنه رمضان عقب مرض لم يمهله طويلا. ~~يحزن الكهل كالمتوقع، ولكنه يقدم على فعل غريب يجعل منه أحدوثة الحارة قبل أن تجف ~~دموعه، ما ندري إلا وهو يعقد زواجه على دليلة خطيبة ابنه المتوفى، يعقد زواجه عليها ~~ولما يمر على الوفاة شهر واحد! هل جن الرجل؟ # وعلى فرض جنونه، ألا يسعه أن ينتظر عاما أو بعض عام؟ # وكيف توافق دليلة وفارق السن بينهما أكثر من أربعين عاما؟ # ولكن الخبر حقيقة لا شك فيها، وها هي دليلة تنتقل إلى بيت عم ينسون لتعيش فيه مع زوجته ~~وبقية أسرته. # وتتلوى الألسنة هامسة، كان شيء بين المرحوم رمضان ودليلة، يسره الزواج الوشيك، والثقة ~~بغد لم يأت، وتدخل الموت فقلب الميزان، وتبدد الأمان، فسقطت دليلة في مأزق بلا حماية ~~ولا أمل. # وتقف أمها على السر، تفضي به إلى أم رمضان، وترمي به هذه على زوجها المحزون، مصيبة جديدة، ~~مصيبة بكل معنى الكلمة، ولكن لا يمكن تجاهلها بحال، البنت في مأزق، الجاني هو الابن الذي ~~يسأل له الرحمة، ويفكر ويفكر ثم يعزم، ثم يقدم على أعجب زواج شهدته حارتنا. # تصبح دليلة زوجته، وتلد في بيته وليدها. # وثمة أناس باركوا فعل الرجل ودعوا له بحسن الجزاء. # وآخرون في غفلة وبراءة رموه بالحماقة والجنون. # أما غواة السخرية فيشيرون إليه ثم يتهامسون: هذا هو أبو حفيده. # | الحكاية رقم «38» # وأنا ألعب في الحارة تنطلق زغرودة من بيت الديب. # أكثر من صوت يتساءل: خير إن شاء الله! # فيبشرنا أحدهم قائلا: قرئت فاتحة نعيمة السقاف على شيخون الدهل. # يتناهى الخبر إلى فتحية قيسون وهي تغسل ملابس في طست أمام مسكنها، تنتتر واثبة كالملدوغة، ~~تفك عقدة جلبابها، تربط منديلها حاشرة ما تبعثر من شعرها تحته بلهوجة، تتناول ملاءتها من ~~فوق حجر، فتتلفع بها بسرعة ms34 مجنونة محركة طرفيها كجناحي طائر كاسر، تلوح بقبضتها ~~مهددة، ترجع رأسها إلى الوراء متوثبة ثم تندفع في طريقها على يقين من هدفها وهي تصيح: ~~والنبي ومن نبى النبي لأسود حظه وأطين عيشته وأشوه وجهه حتى إن أمه نفسها لن ~~تعرفه. # وتمضي مخلفة وراءها توقعات خطيرة، ورغبة محمومة في الاستطلاع، وعواطف تتراوح بين ~~الإشفاق والشماتة. # | الحكاية رقم «39» # صبري الجواني يثير دائما عاصفة من التساؤلات. # من بيئة كادحة، يعمل في دكان خردوات، ثم يندب للجولان بشتى الخردوات في الأحياء ~~المجاورة، يتغير جلده بسرعة تفوق كل تقدير، تتحسن صحته ويكتسي بحلة النعمة الزاهية، ~~ينتقل إلى مسكن جديد، يرى وهو راجع حاملا ورقة لحمة وفاكهة الموسم، يجلس مساء في المقهى ~~يدخن البوري، ويحتسي الزنجبيل، ويقضي بعض السهرات في غرزة المواويلي. # ويتزوج من بنت ناس، ويرتدي البدلة بدلا من الجلباب، وتنطق ملامحه بالرضى والثقة ~~والأمان. وفي ليلة دخلة صديقه الحلاج يسكر ويرقص ويغني ويبدي من فنون الانبساط ما لا ~~يتصوره عقل. # وعقب الزفة يغادر الفرح ليرجع إلى بيته، ولكنه لا يرجع إلى بيته. # يختفي فلا يقف له على أثر أو خبر. # | الحكاية رقم «40» # يجلس وراء نافذة مصفحة بالقضبان، يحملق في لا شيء، تتحجر في عينيه نظرة لا معنى لها، ~~رأسه صغير أصلع، يغمغم بين آن وآن: أين أنت يا حبيبتي! # نرمقه من بعيد بحب استطلاع، نتجنب إثارته كما نبه علينا، نتهامس: انظر إلى ~~عينيه! ~~- ماذا يعني؟ ~~- إنه مجنون. # كان يرى قديما هائما صامتا، يتابع امرأة محجبة باهتمام، يعترض طريقها فيفصل بينهما ~~أهل المروءة. # ويقال إنه رأى في حلم بنتا جميلة شغف بها أيما شغف، وأن الحلم يتكرر، وأنه يمضي ~~باحثا عنها. # ويفقد الصبر فيأخذ في التهجم على النساء، ويهم بجذب النقاب، ويتعرض بذلك للزجر والضرب ~~والعنف، ويؤمن أهله بأنه ممسوس فيطوفون به على الأضرحة والشيخ لبيب، ولكنه لا يبشر ~~بشفاء. # ويقولون لأبيه: المستشفى لأمثاله وسلم للمقادر. # ولكنه يحبسه في الحجرة ويصفح النافذة بالقضبان. # ويقبع نهاره وراء النافذة، يحملق في لا شيء، ويتقدم في السن، ويغمغم ms35 من آن لآن: أين ~~أنت يا حبيبتي؟ # | الحكاية رقم «41» # إبراهيم القرد أضخم بناء إنساني تشهده عيناي، لا أتصور أن يوجد بين البشر من هو أطول ~~أو أعرض منه، مئذنة، يتحسس طريقه بنبوت رهيب، تحمله قدماه حافيتان كأنهما سلحفاتان، ~~يقول أهل حارتنا إنه من لطف الله أن يخلق إبراهيم القرد ضريرا. # وهو الشحاذ الوحيد في حارتنا، فمنذ احترف التسول لم يتجرأ شحاذ آخر على ترديد «لله ~~يا محسنين!» # يقعد الساعات متربعا عند مدخل القبو، معتمدا على نبوته، يصمت طويلا، ينفجر بصوت ~~كالرعد «يا أكرم من سئل»، يجيئه الطعام في أوقاته، تتراكم الملاليم في جيبه، يتبادل ~~التحيات مع السابلة. # وبسبب من حدة التناقض بين قوته الخارقة وبين حرفته المستضعفة، فإنه مثار للابتسام، ولكن ~~بلا حنق أو حقد، فحسبه أنه ابن حارتنا، وحسبه أنه لا يستثمر قوته في العدوان. # ويشاء الحظ أن أشهد معركته الكبرى. # ففي أحد المواسم يهبط حارتنا زلومة - شحاذ ضرير أيضا - من القبو راجعا من القرافة ~~مثقلا بالفطير والتمر، فيختار مجلسا غير بعيد من القرد ليستريح من عناء يوم مظفر. # ها هما الشحاذان الضريران يجلسان على جانبي مدخل القبو كأنهما حارسان، ويتلقى القرد ~~بأذنيه الحادتين رسائل خفية من حركات شفتي زلومة، كما يتلقى أنفه رسائل مغرية من جراب ~~الأغذية، يتجه رأسه نحو الرجل باهتمام وتساؤل وتحفز. # ويهتف زلومة في غبطة: يا حسين يا حبيب النبي يا سيد الشهداء .. مدد. # فيقطب إبراهيم القرد ويتساءل بغلظة: من؟ # فيجيبه زلومة ببراءة: سائل على وجه الكريم! ~~- وماذا جاء بك إلى هنا يا بن الزانية؟ # فيسأل زلومة بحدة: أملكت أرض الله؟ ~~- ألا تراني؟ ~~- إني أرى بنور القلب. # فيتمتم إبراهيم القرد: عظيم. # يتمطى بنيانه قائما ويمضي نحو زلومة وكأنما يراه، يقبض على منكبه، لا أدري ماذا يفعل ~~به ولكني أرى الرجل وهو يصرخ ويتلوى ويستغيث. # ويتجمهر أناس كثيرون، يخلصون بينهما بعناء شديد، يبدر من البعض كلمات غاضبة: افتراء ~~وظلم. ~~- أنت وحش. ~~- أنت لا تخاف الله! # ويصيح إبراهيم القرد: عليكم اللعنات. # ويغضب أحدهم فيرميه بسلة محطمة ملقاة ms36 . # ويثور القرد، أجل يثور ثورة أكبر من ثورة مظاهرة زاخرة، كأنما هرست له دملا، يجن ~~جنونه، يهدر بأقذع الشتائم، يشهر نبوته ويدور به ويضرب به كل مكان فيرتطم بالجدران ~~والأشياء، ينشر الفزع في دائرة آخذة في الاتساع، يتفرق الرجال، يركضون، يتلاطمون، يعثرون ~~فيسقطون، يصيحون، يستغيثون، القرد ينقلب قوة عمياء مدمرة تجتاح الحارة، يلوذ الناس ~~بالأزقة الجانبية، تغلق الدكاكين، تتحطم الكراسي والسلع وتنقلب السلال والمقاطف. # وتتدفق قوات الشرطة على الحارة، يذهل الضابط عندما يدرك أن المعتدي ما هو إلا شحاذ ~~ضرير، ثم يأمر جنوده بإلقاء القبض عليه. # وتتجدد المعركة بين القرد والجنود، يخوضها الجنود، عزلا من السلاح بأمر من الضابط ~~ولكنهم لا يلبثون أن يتطايروا في الهواء كاللعب، إنه قوة لا تغلب. # ويتجمع الغلمان في الأطراف ويشجعون القرد بهتاف صاخب، الحق أنني لم أر رجال الداخلية ~~من قبل على حال من التعاسة كما أراهم الآن، ويصيح الضابط من داخل بدلته البيضاء ذات ~~الشريط الأحمر: يا قرد، ستضرب بالرصاص إن لم تسلم نفسك في الحال. # ولكن القرد يتمادى في التحدي منتشيا بثورة القوة والنصر، ويرحمه الضابط فلا يأمر ~~باستعمال هراوة أو بندقية، ولكنه يستدعي بعض رجال المطافئ. # ويتدفق الماء من الخرطوم كالشلال، فينصب بقوته التي لا مفر منها على القرد، يرتبك ~~القرد ويتعثر ويدور حول نفسه مترنحا منهزما حانقا قاذفا بسيل من السباب المقذع، ثم ~~يتهاوى فوق أديم الأرض بلا حول، فينقض عليه الجنود بالأغلال. # ويغيب القرد عن حارتنا فترة من الزمن، ولكنه يرجع ذات يوم ببنيانه الضخم وهامته المرفوعة ~~فيلقى استقبالا حميما وتحيات حارة .. فيواصل حياته السابقة متعملقا عند مدخل القبو مثل ~~أسطورة. # | الحكاية رقم «42» # البرجاوي منهمك في عمله بدكان الطعمية. # يمر به الكفراوي فيطلب منه شربة ماء، تتملك البرجاوي نزوة مزاح فيشير إلى حوض الماء ~~الذي منه تسقى الحمير والبغال ويقول: إليك الحوض فاشرب. # ويضحك أناس من الزبائن، فيغضب الكفراوي ويصيح به: أنت جبان وقليل الأدب. # فيغضب البرجاوي بدوره ويصيح به: ملعون أبوك وأجدادك! # وتتبادل قذائف من السباب ويتجمع مشاهدون ms37 من أعمار متفاوتة، ويسعى إمام الجامع لفض ~~الموقف ولكن أحدا لا يلقي إليه أذنا فينسحب مستاء. # ويتصاعد النضال فيتناول الكفراوي طوبة يقذف بها الدكان، فتحطم المصباح الغازي الكبير ~~المدلى من السقف، ويفقد البرجاوي أعصابه فيقبض على يد طاسة الطعمية ثم ينقض على الكفراوي ~~فيضرب بها وجهه ورأسه ولا يتركه إلا جثة هامدة. # ويهرع إلى مكان الحادث أهل الكفراوي وأهل البرجاوي فيخوضون معركة دامية يستعمل فيها ~~الطوب والعصي والسكاكين، فيقتل من يقتل، وينتهي مصير الباقي إلى السجون. # وأعيش عمرا فلا أرى في داري البرجاوي والكفراوي إلا نساء وبنات يسعين في السواد، يحزنني ~~ذلك بطبيعة الحال وأعلق عليه بما يناسبه. # غير أن كثيرين من أهل حارتنا يفخرون بذكريات الغضبات الهادرة والملاحم الدموية، ويتشرفون ~~جهرا بالسجون والمشانق. # | الحكاية رقم «43» # حواش العداد من أصحاب المزاج في حارتنا. # في ليلة عيد يقرر أن يحيي سهرة كبرى في بيته، يلبي دعوته كثيرون من الصحاب ~~والمعلمين والمطربين والعوالم والراقصات، وتلعب الأوتار وتتهادى الأنغام في جو من العربدة ~~يهيج أشواق المحرومين، ويثير استهجان أهل التقوى والورع. # ويتواصل الطرب والعربدة حتى قبيل الفجر بقليل، ثم يخلد الجميع لنوم عميق. # وعند ضحى اليوم التالي، والحارة ثملة بأفراح العيد، تصدر عن بيت حواش العداد ضجة ~~غريبة وصيحات فزع كأن صاعقة انقضت عليه. # ويهرع الناس نحو البيت وهم يتساءلون، ثم تنتشر أخبار لم يسمع بمثلها من قبل. # يقول الرواة إن الداعي والمدعوين استيقظوا فوجدوا أنفسهم مبعثرين في عالم خراب شامل لا ~~يتصور ولا يوصف، إنهم يتذكرون كيف أن النوم سرقهم من بين أحضان المسرات وهم على خير ~~ما يحبون، ولكنهم فتحوا أعينهم على عالم لا يرى إلا في أعقاب زلزال مدمر، فالأثاث ~~النفيس قد تحطم إربا، الكنب والدواوين والمقاعد والموائد تتفتت أكواما ونثارا، الشلت ~~والمساند والستائر والأغطية قد تهتكت وتمزقت، وتطاير حشوها ندفا، والقوارير ~~والكئوس والأطباق والمواقد والجوز قد تكسرت وانتشر كسارها، كذلك المصابيح والتحف، ~~وحتى السجاد والأبسطة والملابس. ماذا حدث، لماذا حدث، كيف حدث؟! # وتحضر الشرطة فتعاين وتسجل وتستجوب، ولكن التحقيق ms38 لا يسفر عن شيء، ويقال هنا وهناك ~~إن خلافا دب بين السكارى فانقلب معركة حامية لم تبق على شيء، وأن رجالا من ذوي الجاه ~~توسطوا عند المأمور فغطى على الحادث بالحفظ، ولكن لم يسمع أن أحدا من المدعوين جرح ~~جرحا عميقا أو أصيب بعاهة. # ويقال أيضا إن أعداء لحواش العداد دسوا لهم منوما حتى ناموا ثم دمروا كل ~~شيء بتصميم شامل ودقة ووحشية بالغة، ولكن ألم يكن من المنطق أكثر أن يوجهوا انتقامهم إلى ~~الأشخاص أنفسهم؟ # وعلى ذلك فلم يكن يصدق أحد هذا القول. # ويذاع كلام أيضا عن أن ما حاق ببيت حواش إنما جاء نتيجة لغضب من الله استحقه ~~باستهتاره وفسوقه وعربدته وأن الداعي والمدعوين هم الذين خربوا دارهم وهم ذاهلون في ~~غيبوبة، ثم تداعوا نياما شبه أموات. # وهذا تفسير يلقى عادة أذنا مصغية في حارتنا، ومثله ما قيل عن دور العفاريت في الأمر ~~نتيجة لنذر نذره حواش ولم يوفه. # وتمر أيام وأعوام فلا يذكر أحد من حارتنا حادث ليلة العيد بدار حواش العداد حتى ~~يبسمل ويحوقل ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. # | الحكاية رقم «44» # هذه حكاية تروى عن عهد قديم لم أشهده. # كانت الزاوية حديثة البناء وكان إمامها وقتذاك الشيخ أمل المهدي، صعد الشيخ إلى شرفة ~~المئذنة ليؤذن الفجر، فانتبه إلى صوت يصدر عن البيت المواجه للزاوية، مد بصره نحوه فرأى ~~امرأة تفتح النافذة، ورجلا يطبق يده على فيها ليمنعها من الاستغاثة، ثم يجذبها إلى الداخل ~~تحت المصباح الغازي المضيء، ثم ينهال عليها ضربا بشيء في يده حتى تهاوت ساقطة. عرف المرأة ~~كما عرف الرجل، أما المرأة فهي ست سكينة، أرملة صاحب مقلى، وأما الرجل فهو المعلم محمد ~~الزمر صاحب وكالة خشب. تسمر الشيخ أمل المهدي في مكانه متدثرا بالظلام، مرتعد الفرائص ~~من الرعب حتى أغلق المعلم النافذة، وراح يتمتم: لقد قضى على المرأة. # وخانه صوته فلم يستطع أن يؤدي الأذان. # جريمة قتل، ماذا أوجد المعلم في هذه الساعة ببيت الست؟ توجد أكثر من جريمة، ارحمنا يا رب ~~السماوات ms39 والأرض! # وهبط السلم الحلزوني بمشقة، ثم جلس على الأرض راكنا إلى المنبر ظهره، وجاء أوائل المصلين ~~فهالهم منظره وسأله بعضهم: لم لم نسمع صوتك يا شيخ أمل؟ # فأجاب لاهثا: بي مرض والله أعلم. # وكان المعلم محمد الزمر هو من تبرع ببناء الزاوية، وهو الذي اختار الشيخ إماما لها، ~~ورتب له أجره، تذكر الشيخ ذلك فقال يخاطب نفسه: يا له من امتحان عسير من رب ~~العالمين! # ورقد الشيخ في بيته ثلاثة أيام ولم يفتح فمه. # وانتشرت أنباء الجريمة في الحارة فعرف كل من هب ودب أن الست سكينة وجدت قتيلة في ~~حجرة نومها وهي بجلباب النوم، وبدأ التحقيق، واستدعي فيمن استدعوا الشيخ أمل ~~المهدي. # سأله المحقق: ألم تسمع صرخة أو صوتا ملفتا للسمع وأنت تؤذن؟ # فأجاب: كنت مريضا فلم أؤذن تلك الليلة. ~~- أنت جار للقتيل، ألا تعرف شيئا عن علاقتها بأحد؟ ~~- كانت سيدة فاضلة ولا علم لي بشيء. # وغادر الشيخ حجرة المحقق وهو يقول لنفسه: «إني لمن الهالكين.» # وجعل يبكي بشدة من الحزن والعجز. # واكتشف في أثناء التحقيق سرقة بعض قطع من الحلي فحامت الشبهات حول صبي كواء كان ~~يتردد على البيت، وفتش مسكنه فعثر على الحلي، وبذلك وجهت إلى الشاب تهمة ~~القتل. # وبدا ذلك كله منطقيا إلا عند الشيخ أمل، تابع الشيخ أنباء الجريمة باهتمام جنوني، مضى ~~يحترق في صميم أعماقه، وينهار عصبا بعد عصب، كان ورعا تقيا، ولكن شجاعته كانت دون ورعه ~~وتقواه. # ومن شدة القلق والحزن تهدم ودب الضعف في أعصابه. # والتقى ذات يوم بالمعلم محمد الزمر أمام السبيل القديم، فشد على يده كالعادة، وعند ذاك ~~انتفض كأنما مس ثعبانا، وحدق فيه بقوة غريبة حتى تساءل المعلم: ما لك يا شيخ ~~أمل؟ # فوجد نفسه يقول: لقد رآك الله! # فدهش الرجل وسأله: ماذا تعني؟ .. أنت مريض؟ # فهتف به: اعترف بجريمتك يا قاتل! # ثم هرول إلى الزاوية فأغلقها على نفسه بالمفتاح والمزلاج، لبث في سجنه يومين كاملين لا ~~يستجيب لأهله ولا لأحد من الناس. # وعند مغرب اليوم الثالث فاجأ أهل ms40 الحارة بظهوره في شرفة المئذنة، ولكن أي ظهور كان؟ تطلعت ~~إليه الأبصار بذهول وراحوا يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله! ~~- الرجل الطيب عار تماما. ~~- يا شيخ أمل وحد الله! # ومضى يدور في الشرفة متبخترا ويغني بصوت متحشرج: # أما انت مش قد الهوى # بس تعشق ليه؟ # | الحكاية رقم «45» # بحارتنا عامل بالسرجة يدعى عاشور الدنف، متزوج، أب لعشرة، في الأربعين من عمره، يتميز ~~بقوة شديدة وملامح خشنة وفقر مدقع، يتواصل عمله من الضحى حتى منتصف الليل، لا يعرف الراحة ~~كما لا يعرف الشبع، يحتقن بالحسرات إذا رأى الناعمين في المقهى أو تطايرت إلى أنفه رائحة ~~التقلية، وهو يغبط حمار الطاحونة في السرجة كما يغبط العطار أو صاحب وكالة الخشب. # ويقول ذات يوم لسيدنا إمام الجامع: الله يخلق الرزق ولكنه ينسى أبنائي. # فيغضب الإمام ويصيح به: لقد بات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بعض لياليه رابطا على ~~بطنه حجرا ليسكن به جوعه، اذهب عليك اللعنة. ~~••• # ويرجع عاشور الدنف عند منتصف ليلة من السرجة يشق الظلماء فيتهادى إليه صوت هامس ناعم ~~يقول: يا عم عاشور! # يتوقف متلفتا أمام نافذة مغلقة في دور أرضي ببيت الست فضيلة الأرملة المستحقة في وقف ~~الشنانيري، ويتساءل: من ينادي؟ # فيجيبه الصوت: أريد منك خدمة فادخل. # المكان مظلم، حتى شبح التمساح المحنط فوق الباب لا يرى، يمرق من الباب ويمضي نحو ~~المنظرة مهتديا بضوء يلوح في شراعة بابها، يرى السيدة فضيلة متربعة على كنبة تركية، ~~فيقف بين يديها ناشرا في المكان رائحة عرقه الفظة النافذة. ~~- أريد زيتا وكسبة. # تقولها ببلاهة، بلاهة تفضح مكرا ساذجا، وتنضح بشرتها باعتراف قرمزي، ويلمح في جفنيها ~~المسبلين معجزة الرضى والاستسلام، ولكنه ليس الاستسلام الذي تبادر إلى خياله، فما تزال ~~حصينة وعاقلة ومدبرة، ويغادرها بعد أن يوقن بأنها تريده في الحلال! ~~••• # ويلبث دهرا لا يصدق، يتوهم أنه يتعامل مع حلم من الأحلام، ولكنه يتزوج من الأرملة ~~الغنية، ويجري ذكره في الحارة نادرة من النوادر، ومثالا من الأمثلة، لا يبالي طبعا أن ~~يترك لها العصمة في ms41 يدها، ويترك عمله بالسرجة كما شرطت عليه، ثم يطالع الناس في زي جديد ~~وجلد جديد وهالة جديدة أضفاها عليه النعيم، وبمشيئة ست فضيلة لا يطلق زوجته القديمة، ~~وترتب لها ولأولادها ما يكفيهم، فيباركون الزواج من أعماق قلوبهم، هكذا يعيش عاشور أحلامه ~~القديمة، فيشبع ويسعد. ~~••• # وست فضيلة سيدة جميلة وكاملة، تحبه وتسهر على راحته وتعيد خلقه من جديد. # وهي لا تفرط في شيء منه، ناعمة مهذبة وفية ولكنها لا تفرط في قيراط منه، ومنذ ~~اللحظة الأولى يشعر عاشور بأنها حريصة على ملكيته ملكية كاملة، ظاهره وباطنه، أصله وظله، ~~حتى فكره وأحلامه، فهو يعيش بين يديها، في الحديقة أو المنظرة، وحتى الساعة التي يقضيها في ~~المقهى يرى شبحها وراء خصاص النافذة يطل عليه، ولكنه ينعم رغم كل شيء بالحب والراحة ~~والشبع. ~~••• # وعندما يعتاد عاشور الطيبات، عندما تطوي العادة معجزات الهناء، يتسلل إلى روحه التثاؤب. ~~يتوق إلى ساعة يخلو فيها إلى نفسه، يهيم على وجهه، يمازح صديقا، يرتكب حماقة بريئة، ولكنه ~~يشعر دوما بأنه مراقب، خاضع، مطارد. # الحق أنه لا ينقصه شيء ولكنه سجين، ثمة أغلال من حرير تحز عنقه مكان الأغلال الحديدية ~~القديمة، ويتدفق في روحه التثاؤب. # ويجد الزمن طويلا، ويجد الزمن ثقيلا، ويجد الزمن عدوا. # ويقول لها ذات يوم: افتحي لي دكانا. # فتقول له: لديك ما تشتهيه النفس، ماذا ينقصك؟ # فيقول متشكيا: كل رجل يعمل حتى الشحاذون. # ويوقن بأنها تخاف أن يستغني عنها بالعمل أو يستقل عنها بالنجاح، وهو لا يريد من العمل إلا ~~أن يهيئ له قدرا من الحرية، بعيدا عن نظرتها المستقرة. ~~••• # ويرتد عاشور الدنف إلى التجهم والاحتجاج. # ويردد لسانه ألفاظ التذمر والظلم ونوادرهما. # ويغلي غضبه ويفور، فيقرر أن يفعل ما يشاء، فتجتاح رياح الشقاق هدوء البيت ~~السعيد. # ويتمادى في غضبه فيلطمها على خدها الأسيل، فتطرده من الجنة فيذهب متحديا. ~~••• # ويتعرض في تشرده لمتاعب كثيرة، يلتقط رزقه بعناء، يتورط في أعمال مريبة، يجلد مرة في ~~القسم. # وتحن الست إليه فتعرض عليه الصلح بشروطها، ولكنه يرفض، يصر على الرفض، يمضي ms42 في سبيله ~~المحفوف بالمتاعب والمخاطر. # يستحق عند ذاك أن يكون نادرة من نوع جديد في حارتنا. # | الحكاية رقم «46» # كنت أعود سعد الجبلي في مرضه الأخير عندما ترامت إلى الحجرة من الحاكي أغنية: # ما هو إنت اللي جايبه لروحك بإيدك يا قلبي # فتنهد سعد وابتسم وتمتم: إي والله، بإيدك يا قلبي. # وتبادرت نظرة نطقت بتذكرنا لحياته المغامرة الحافلة بالمسرات والآلام. ~~••• # سعد الجبلي كاتب حسابات بدكان الرهونات بحارتنا، طموح بعيد الأحلام فيبيع أرضا يمتلكها ~~ويستقيل من عمله ثم يتاجر في الروائح العطرية، يربح أرباحا كثيرة، يصير من أثرياء الحارة، ~~ولكنه لا يتمتع في الواقع بأخلاق التجار الاقتصادية. # كل ليلة يدعو إلى بيته نخبة من الصحاب، يقدم الطعام والشراب، يعود بأوتار العود، يغني ~~من له صوت مقبول، تمتد السهرة حتى منتصف الليل. # ثم يخيب تقديره في صفقة كبيرة، لا يجد لديه من المدخر ما يسد به العجز، يشهر ~~إفلاسه. # يجد نفسه هو وقبيلة مكونة من زوجة وأبناء وأخوات على باب الله! # تمر به أيام قاسية شديدة، تؤذي صحته وكبرياءه معا، ولكنه يبدو دائما رجلا قويا راسخ ~~الأركان، يرجع إلى عمله الأصلي في دكان الرهونات، يعطي دروسا خصوصية في الحساب، يعيش عيشة ~~التقشف. # وإيمانه قوي عميق. # أجل يشرب كثيرا، لا يلتزم بالفرائض، ولكنه مؤمن حقا، يعتقد بأن لن يصيبه إلا ما كتب ~~الله له، وأنه لا مفر من المكتوب. # ولا يقعده عن العمل إلا المرض فيلزم الفراش. # وأفكر بحال أسرته فيملؤني الأسى. # وأشير إلى من يلعب في الحجرة من الصغار وأقول: ربنا يشفيك من أجل هؤلاء! # فيقول باستسلام: أما الصحة فقد انتهت. # ثم يستطرد بثقة: أما الأولاد فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # ويرفع إصبعه إلى فوق ويقول: الخوف كفر بالله، أعوذ بالله من الخوف. # ثم بنبرة ساخرة: أحسبت أن حياتي أطعمتهم حتى تخاف أن يجيعهم موتي؟ # أتمعن إيمانه منبهرا من قوته. # غير أن سعد الجبلي لا ينسى الدعابة حتى وهو في أعماق المحنة، فما أن يردد ~~الحاكي: # ما هو إنت اللي جايبه لروحك ms43 بإيدك يا قلبي # حتى يتمتم باسما: إي والله، بإيدك يا قلبي! # | الحكاية رقم «47» # وشلبي الألايلي له حكاية تستحق الرثاء. # لطيف ومحبوب ولكن ثمة لحن مميز في حديثه هو الإعجاب بأبيه، والفخر بالآباء شعار مألوف ~~في حارتنا، ولكن المغالاة فيه لا تخلو من دلالة، ولا يسلم على المدى من تهكم، وأبوه كان ~~كاتبا في دكان الخردوات، وكان طويلا عريضا، والرجال يقيمون بالطول والعرض في ~~حارتنا. # يقول لي شلبي وهو يتنهد: طالما رأيت أبي بعيني طفل أو من خلال عيني أمي أيضا! # فأقول له: هذا حال كثيرين منا. ~~- ولكن الطفل يكبر ثم يعمل عادة في حرفة أبيه فيتسنى له أن يراه على حقيقته، أما أنا ~~فدخلت المدرسة وواصلت تعليمي فظل أبي في خيالي أسطورة. ~~- أي أسطورة يا شلبي؟ ~~- أسطورة الجلال والثراء! # ثم يواصل بعد صمت قصير: ومات الرجل فهتك الستر من ورائه عن عالم غريب. ~~- عالم غريب؟ ~~- لم يترك مليما واحدا، كانت صدمة، وقلت إنه الكرم قد أهلك ثروته! # ويمضي في قصته، أو في اعترافه، فيقول إنه توظف، وطمح ذات يوم إلى الزواج من كريمة تاجر ~~الغلال، وأراد أن يزكي نفسه عنده فأخبره أنه ابن الألايلي. ~~- ودهمني الرفض، تحريت عن السبب بإلحاح شديد حتى عثرت عليه في ذكريات أبي! ~~- هكذا؟ ~~- تصور حالي إن استطعت. # ويجري لاهثا وراء مزيد من التحريات ينبش بها قبر الراحل فتتكشف له حقائق مريرة خافية، ~~أخطرها بلا شك اتهامه في شبابه بالسرقة والحكم عليه بالسجن عاما، وقد قبل تاجر الخردوات ~~بتوظيفه كاتبا عنده لصداقة قديمة بينهما. # شلبي الألايلي يجتر همومه وحده، حتى أمه لا تدري شيئا، وهو يفشي أسراره الدفينة، لا ~~ليجد شريكا يبثه همه، ولكن لتوهمه أن سيرة أبيه أصبحت نادرة على كل لسان. # وتحدث الحقائق المكتشفة آثارا قاسية مناقضة في حياته، فها هو يلتزم بحياة مستقيمة نقية ~~بل مثالية في عمله وحارته، وها هو يتحرر بالفضيحة من سيطرة آراء الناس عليه، فيعمل الصواب ~~دون مبالاة بالآخرين، ويعدل عن طموحه إلى الزواج الممتاز، ويثابر على التنويه بمآثر ms44 ~~أبيه! # ويقول لي مرة بصراحة صلبة: أهم شيء في هذه الدنيا أن نعرف الحقيقة. # ويغمغم بثقة وأسى معا: الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة! # | الحكاية رقم «48» # الأب موظف حكومي صغير وذاك أمر - على أي حال - نادر في حارتنا، لذلك ينشأ الابن - صقر ~~الموازيني - محسودا بين أقرانه، ولكنه يقول لي ذات يوم: لو كان أبي صعلوكا ما عرفت الهم ~~أو الغم! # ويتوظف صقر مثل أبيه، وبعد عام من توظيفه يتوفى أبوه موظفا صغيرا فقيرا، لا يورثه إلا ~~أسرة مكونة من أم وعمة وأختين في سن الزواج وكلبة، كما يورثه أيضا تقاليد راسخة تتعلق ~~بالكرامة وتطلعات جامحة نحو الحياة الجميلة. # وأكثرية النساء في حارتنا يرتزقن، أما في أسرة الموازيني وأمثالها فمقضي عليهن ~~بالانتظار، واجترار الأحلام، ومقضي على صقر وحده أن يعمل بمرتب ضئيل ليعول أربع نساء ~~وكلبة. # وتمضي الحياة ثقيلة مغلقة النوافذ، ولا فرجة له إلا المقهى حتى منتصف الليل. # ويجد راحته في الشكوى، فيقول: لن تتزوج أختاي أبدا، فنحن لا نرضى بالصعاليك، وأولاد ~~الناس لا يرضون بنا، ومن ثم فلن يتاح لي الزواج أبدا. # أسرة تعاني الأشواق والحرمان، حتى الأم والعمة لم يجاوزا الخمسين. # وصقر شاب مستقيم رغم حيويته، ذو استعداد شديد للحياة الزوجية ويحن لها حنينا: # بيت صغير وزوجة وأبناء، تلك هي الجنة! # ويتنهد وتذوب نظرته حسرة وأحلاما. ~~••• # وتضطرب جوانحه بعنف الكبت، فيطفر في صفحة وجهه الشحوب والشرود، وبمضي الأيام يتفجر ~~الحرمان سخطا على الأهل والنفس والناس، ثم ينطبع البيت بطابع الشحناء ومرارة ~~الملاحاة. # والنساء مجبرات على البقاء في البيت - إلا لضرورة - منعا للقيل والقال، تحبسهن التقاليد، ~~يجمعهن الحرمان، يعذبهن الفراغ، يتسلين بالنقار. # أسرة في صراع دائم مع الحرمان والأهواء واليأس، ونضال خفي مع حارسها الذي لا يقل عنها ~~يأسا وعذابا. # حتى الكلبة تضطرب في جنبات البيت مختنقة، ممنوعة من الانطلاق خوفا من القذارة، تلاعب ~~الضيف بعنف، تنقض على ساقه تتمسح بها، يجن جنونها لدى سماع نباح يترامى. ~~••• # ويتقدم العمر، صقر يغط في عزوبته، وهن يذبلن ويغصن في الماء، ويتسربل الجو ms45 ~~بالقتامة. والشاب بقدر ما يثير من عطف، بقدر ما يستوجب من ازدراء، لا علة واضحة لذلك، ربما ~~لأنه يصبح مثالا للإذعان، والانحناء حيال المصير المحتوم، ومرآة للاصطلاحات والأساليب ~~النسوية المقتبسة من البيت. # ويوما أرى كلبته في الطريق وقد تدلت بطنها وانتفخت، فأرمقها بابتسام وإعجاب: # الكلبة وحدها وهبت حارتنا ذرية جديدة. # أما صقر فبات يمقت أسرته، ويقول عنها: أسرة لا تعرف الموت، كما لا تعرف الحياة! # | الحكاية رقم «49» # أمنية كل صغير في حارتنا أن يطوف به في منامه زائر الليل. # إنه شخصية حقيقية بلا ريب، ولكن مملكتها المضيئة تستقر في القلوب البريئة، في ليالي ~~المواسم الأعياد يقولون لنا: استحم وادخل فراشك، فاقرأ الفاتحة، وتمن ما تشاء، واستسلم ~~للنوم فربما أسعدك الحظ بمجيء زائر الليل ليحقق لك أمانيك! # وتتابعت تمنياتي خلال مراحل متلاحقة من العمر، ابتهالات يزفرها القلب بين يدي زائر ~~الليل. ~~- يا زائر الليل أغلق الكتاب وخذ سيدنا. ~~- يا زائر الليل افتح لي باب التكية واملأ حجري بالتوت. # يا زائر الليل جدد مباني حارتنا القديمة. # يا زائر الليل نجنا من الفقر والجهل والموت. ~~••• # وفي صباي شهدت موكبا فخما يشق حارتنا، يتوسطه رجل بالغ الروعة، اكتظت الحارة ~~بالرجال وسدت النوافذ بالنساء، جلجلت الزغاريد والهتافات، صدحت المزامير والطبول. # زار الدكاكين دكانا دكانا، والوكالة والسرجة والفرن والحمام والكتاب والمدرسة ~~والسبيل الأثري والقبو والزاوية والساحات، حتى البوظة والغرزة والقرافة طاف بها. # بهرني منظره فانبعثت في قلبي فرحة لا حدود لها، وانتفض وجداني عن عقيدة راسخة «إن هذا ~~الرجل الرائع هو زائر الليل» وأنه جاء أخيرا استجابة لابتهالاتي في هدأة الليل. # وهتفت بصوتي الرفيع الذي لم يناهز البلوغ: ليحيا زائر الليل! # وحدث ما لم أتوقعه أبدا، فقد وجم الناس، وتقلصت وجوههم، كأنما اندلق في أفواههم ~~عصير الليمون المالح، وقرص إمام الزاوية أذني وصاح بي: يا لك من ولد قليل الأدب! # وأمر صاحب الوكالة أحد خفراءه قائلا: أبعد هذا الولد الشقي! # ودفعتني الأيدي إلى بيتي وأنا من القهر والمهانة في نهاية. # وجلست واجما محزونا دامع العينين حتى ms46 قال لي أبي: إنك أحمق، أنسيت أن زائر الليل لا ~~يجيء إلا في المنام؟! # | الحكاية رقم «50» # في زمن مضى لم أدرك منه إلا ذيله كانت الفتونة هي القوة الجوهرية في حارتنا، هي السلطة، ~~هي النظام، هي الدفاع، هي الهجوم، هي الكرامة، هي الذل، هي السعادة، وهي العذاب! # جعلص الدنانيري فتوة خطير، ومن أشد الفتوات تأثيرا في حياة حارتنا، يجلس في المقهى ~~كالطود أو يتقدم موكبه مثل بنيان ضخم، وأنظر إليه بانبهار فيشدني أبي من يدي قائلا: سر ~~في حالك يا مجنون. # وأسأل أبي: أهو أقوى من عنترة؟ # فيقول باسما: عنترة حكاية، أما هذا فحقيقة والله المستعان. # وهو عملاق مترامي الأطراف طولا وعرضا، ذو كرش مثل قبة جامع، ووجه في حجم عجيزة ست أم ~~زكي، يتمايل فوق صهوة حصانه كالمحمل، ولكنه سريع الانقضاض كالريح، ويلعب بالنبوت في ~~رشاقة الحواة، وعند القتال يقاتل بنبوته ورأسه وقدميه وأتباعه. # لا يسمع صوته إلا مزمجرا أو هادرا أو صارخا، ودائما قاذفا سيلا من الشتائم، يخاطب ~~أحباءه بيا ابن كذا وكذا، يسب الدين وهو ذاهب للصلاة أو راجع منها، لا يرى باسما أو ~~هاشا حتى وهو يتلقى الإتاوات ويصغي إلى الملق، يستوي في ذلك عنده صاحب الوكالة وحمودة ~~القواد، وعلى مسمع ومرأى من وجهاء الحارة وأعيانها يضرط أو يكشف عن عورته! # يعجز مرة أحد التجار عن دفع الإتاوة فيستمهله أسبوعا، ولكنه لا يقبل فيضطر الرجل إلى ~~البقاء في بيته مع الحريم حتى يجيئه الفرج. # ويعاقب ناظر المدرسة ابن أحد أتباعه فيعترضه لدى مغادرته المدرسة، ويأمره بأن يخلع ~~ملابسه ليذهب إلى بيته عاريا، يتوسل إليه الناظر أن يعفو عنه ويستحلفه بالحسين وقبر ~~الرسول، وجعلص متجهم متوثب ينتظر تنفيذ أمره، ويضطر الناظر إلى أن ينزع ملابسه قطعة ~~فقطعة وهو يبكي، يتوقف عندما لم يبق إلا السروال، فيزمجر الدنانيري، فيرتعد الرجل ويخلع ~~سرواله ثم يستر عورته بيديه ويجري نحو مسكنه مشيعا بقهقهات العصابة. # وهو يهزأ من التقاليد الراسخة، فلا يتردد عن إجبار شخص على تطليق زوجته ليتزوجها، وهو ~~كثير ms47 الزواج والطلاق، ولا يجرؤ أحد على الزواج من إحدى مطلقاته فيلقين الحياة وحيدات ~~يتسولن أو ينحرفن. # ويمرض يوما، فيلازم الفراش أسبوعا، ويخبره أحد قراء الغيب بأن ما أصابه إنما أصابه ~~نتيجة لدعاء بعض أهل الحارة عليه، فلما يبرأ من مرضه يأمر بألا يحتفل أحد بعيد الفطر ~~المبارك، حتى زيارة المقابر حرمت علينا، وتمر أيام العيد والحارة خالية والدكاكين ~~مغلقة والبيوت صامتة ويغشانا ما يشبه الحداد. # أيامه أيام رعب وجبن وذل ونفاق، أيام الأشباح والأنات المكتومة، أيام الشياطين ~~والأساطير المخزية، أيام التعاسة واليأس والطرق المسدودة. # ولكنه يرعب أيضا الحارات المجاورة، ويسحق فتوات الحسينية والعطوف والدراسة، فتمضي ~~زفة العريس من حارتنا بلا حراسة، ويتجنب الناس وقع خطانا اتقاء لتجهم ~~المقادر. ~~••• # ويقدر لهذا الجبل الشامخ أن ينهار فيما يشبه اللعبة. # يدعى إلى فرح في الدرب الأحمر، وعند مدخل البيت يتقدم منه غلام ويقول له: يا ~~عم. # فينظر إليه من عل باستغراب ويسأله: ماذا تريد يا ولد؟ # وبسرعة البرق. # أجل بسرعة البرق يخرج من جلبابه سكينا فيطعنه في أعلى الكرش، ثم يشد السكين وكأنه ~~يتعلق بها حتى المثانة! # بسرعة البرق وقع ذلك. # ويتجمد جعلص الدنانيري كأنما دهمه نوم، وتنحط معدته خارج جسمه، ثم يتهاوى كعمارة بكل ~~ما يتضمن من قوة وإقدام ووحشية وثقة في النفس والدنيا. # ويتبين أن الغلام ابن أحد ضحاياه من كفر الزغاري، دربته أمه وأعدته لتلك ~~اللحظة. ~~••• # ويجتاح الخبر حارتنا كالنار المستطيرة، نذهل ونفزع ونبكي ونصرخ. # ونتمعن الخبر ونتبادل النظر فيتسلل إلى جوانحنا استرخاء وأمان وامتنان وفرح. # ويستقر بنا الحال، فنؤمن بأن علينا أن نحزن رغم أننا فرحون، وأن علينا أن نغضب رغم أننا ~~راضون، وأن علينا أن ننتقم رغم أننا شاكرون. # ويضر بنا موته كما أضرت بنا حياته، وتكفهر الحياة بلعنات الشياطين. # | الحكاية رقم «51» # ألعب أمام البيت مبتهجا بشمس الشتاء. # في الناحية المقابلة يلعب عبده ابن الجيران. # وهو ذو نظرة حالمة وصوت عذب وملامح آسرة، ويعجبني صوته وهو يغني: # عجايب والله عجايب # ما يصحش يا منصفين # تهجرني وتعشق غيري # وعواذلي ms48 مهنيين # وفجأة يصمت عبده، وتعرب ملامحه عن حزن بلا سبب ظاهر، ويخيل إلي أنه يرمقني ~~باهتمام. ~~- ما لك يا عبده؟ # ولكنه لا يرد، أو بالأحرى لم يسمع، وكأنما يشرع في الضحك، ولكنه لا يضحك، وتند عنه صرخة ~~ثم يسقط على وجهه، يتصلب عوده وترتعد أطرافه ويطفح الزبد من شدقيه. # ويحمله أهل الخير إلى داخل بيته. # وأقص على أمي ما رأيت فهتفت بحرارة: الله معه ومع أمه المسكينة. # وأسمع همسا أنه ممسوس، وأنه لا يوجد له دواء عند أهل الأرض. # وتسوء حاله ويسيطر عليه البله. # ويوما يرجع جعلص الدنانيري من القرافة في موكبه فتقف له الحارة على الصفين ويركبها ~~الهول، إلا عبده، فإنه يعترض سبيل الفتوة بلا مبالاة، ويقول: إني ألعنك وطظ فيك! # وأقول لنفسي جزعا: لقد هلك عبده. # ولكن الجبار يبتسم، بل ويتأبط ذراعه، ويمضيان معا في سلام. # لم يرحم الجبار أحدا في حارتنا إلا عبده. # وتعلمني الخبرة مع الأيام أن حارتنا تقدس طائفتين: الفتوات والبلهاء. # وتحوم أحلام صباي حول الطائفتين. # أحلم حينا بالفتونة وجلالها. # وأحلم حينا بالبلاهة وبركاتها! # | الحكاية رقم «52» # يقف زيان صبي مبيض النحاس بين يدي فتوة حارتنا السناوي مبتهلا، فيقول له الفتوة: إن ~~كنت صادقا فدعني أجربك. # فيقول زيان بحماس: تحت أمرك يا سيد المعلمين. # فيقول السناوي بهدوء: اقتل أم علي الداية. # ثم يأمره بالانصراف فينصرف قبل أن يفيق من ذهوله. # ويغوص زيان في هاوية من الاضطراب ويتمتم لنفسه: إنها لمصيبة لم تجر لي في خاطر! ~~••• # قبيل ذلك اللقاء، كان زيان فردا مغمورا من أهل حارتنا، ومن الشبان الكادحين في سبيل ~~لقمة العيش. # وكان يطوي قلبه على حب مضطرم لأم علي الداية، بالرغم من أنها تكبره بعشرين عاما. # ويفكر في حاله فتراءى له طريقه مسدودا، ورزقه محدودا، وأنه لن يروق في عيني أم علي ~~إن لم يقلب حاله رأسا على عقب بضربة سحرية. # لذلك حلم بالانضمام إلى عصابة السناوي ليثب فوق حاجز الحظ وثبة موفقة. # ويتشفع لدى الفتوة بصديق لأبيه هو ميمون الأعور، فيزكيه الرجل عند السناوي ms49 ويقدمه ~~إليه، غير أن اللقاء لم يستغرق إلا دقيقة واحدة أمره في ختامها أمره المرعب: اقتل أم ~~علي الداية! ~~••• # ويهيم زيان على وجهه في الساحة أمام التكية، ولكن الله لم يهده إلى مخرج، ويتسلل إلى ~~ميمون الأعور ليلا في الغرزة، فيقبل يده ويقول له: يا معلم، إني خجلان، ولكنني لا أستطيع ~~قتل أم علي الداية. # ويظن ميمون أن عجزه راجع إلى قلة الحيلة، فيقول له: ليس أسهل من ذلك، فهي تدعى عادة ~~إلى البيوت في أواخر الليل. # فيقول يائسا: أمنيتي أن أتزوج منها ذات يوم. # فيقول ميمون باستهانة: اقتلها لتثبت جدارتك ثم تزوج من غيرها، فالنسوان في حارتنا أكثر ~~من الذباب! ~~- ولماذا أم علي بالذات؟ ~~- هذا أمر المعلم ولا مناقشة فيه، وهو يريد أن يجربك، بل لعله علم برغبتك في ~~المرأة. # فيقول متنهدا: الحق أنني لا أستطيع القتل! # فيغضب ميمون ويصفعه ثم يقول: أحسبت الانضمام للعصابة لهوا؟! ~~- أعرف الآن أنني لا أستحق هذا الشرف. ~~- فات الوقت! ~~- فات الوقت؟ ~~- لن يغفر لك تراجعك ولن تحلو لك الحياة في الحارة. # ويمضي زيان وهو يعد نفسه في الضائعين. # ويفضي بهمه إلى أمه فتنصحه بالهرب، وتحثه عليه، وقبيل الفجر يغادر زيان بيته حاملا بقجة ~~ملابسه وخمسين قرشا، هاجرا بيته وحارته وعمله، مستقبلا العناء والمجهول. # وكان فارق الزمن بين سعيه إلى الفتونة وبين ضياعه عشرين ساعة من عمر حارتنا. # | الحكاية رقم «53» # ومن فتوات حارتنا حمودة الحلواني، ويحكى أنه الوحيد بينهم الذي عمر حتى بلغ التسعين من ~~عمره، كما أنه الوحيد الذي اعتزل الفتونة بحكم العجز والكبر. # وقد تاب وحج ولزم المسجد في آخر أيامه. # ومما يؤثر من سيرته أنه جلس مع الإمام ذات مساء يتسامران عقب درس العصر، فقال للإمام: ~~كثيرون يسيئون الظن بالفتوات ولكن أولاد الحلال بينهم كثيرون! # فابتسم الإمام وقال متهكما: إنك على رأس أولاد الحلال. # فقال حمودة بإيمان: حصتي من الخير لا يستهان بها. ~~- عظيم، أعطني مثلا يا معلم حمودة؟ ~~- أتذكر رجل الفل الذي اشتهر بمغازلة الزوجات المصونات؟ أنا الذي دبرت ~~مصرعه ms50 ! ~~- ولكنها جريمة يا معلم. ~~- أبدا، وأنا الذي قتلت سمعة الدنش الذي قتل ابن زوجته. ~~- ولكن ذلك لم يثبت وقد برأته المحكمة! ~~- طظ في المحكمة، كان قلبي دليلي وهو أصدق الحاكمين! # ثم بعد استراحة قصيرة؛ إذ كان الكلام يرهقه في أواخر عمره: ومن حسناتي أنني قتلت فهيمة ~~الآلاتية القوادة المعروفة! # فقال الإمام بازدراء لم تره عينا العجوز الضعيفتان: قيل وقتها لأسباب لا علاقة لها ~~بحرفتها! ~~- لا تصدق كثيرا مما يقال! # فضحك الإمام وقال: زدني علما بحسناتك! ~~- وقتلت أيضا يمني الخيشي. ~~- وماذا كان ذنبه؟ ~~- العجرفة، كان يسير في الحارة كأنه خالقها. ~~- تعني أن نفسه سولت له أن يقلد فتوته! ~~- إنك عنيد ولا تريد أن تعترف لي بفضل. ~~- لا تغضب وزدني علما بحسناتك! # فضحك حمودة عن فم لم يبق فيه ناب واحد ولا ضرس ثم قال: حوادث القتل الباقية لا تعد ~~من الحسنات وقد تاب الله علي والحمد لله. # فقال الإمام بعد تردد: ولكن أعجب ما سمعت من حوادث القتل ما ذاع عن مقتل قرقوش ~~العبد؟! # فضحك حمودة واستغفر الله، فقال الإمام بإلحاح: حدثني بخبره يا معلم حمودة. # فقال الرجل الذي لم يبد قط أن ذكريات جرائمه تؤرقه: كنت جالسا في داخل المقهى عندما ~~جاء قرقوش العبد ليدخن البوري، لم يكن بيني وبينه شيء على الإطلاق، فدخن البوري وشرب ~~قهوته، ثم قام لينصرف وهو يقول لصاحب المقهى «غدا سأكون عندك في مثل هذا الوقت بالدقيقة ~~والثانية كما اتفقنا فلا تنس»، وما أدري إلا والغضب يجتاحني فقررت في الحال قتله، ولم ~~يطلع عليه الصبح! ~~- أذلك كل ما كان؟ ~~- بلا زيادة ولا نقصان! ~~- ولكن ما الذي أغضبك؟ ~~- لا أدري، حتى اليوم لا أدري. ~~- ولكن لا بد من سبب! ~~- ربما أحنقتني ثقته البالغة في نفسه وفي غده، كان يتكلم بثقة وطمأنينة! ~~- ولكن لا بد من سبب غير ذلك؟ ~~- قل إنه قتل بلا سبب! # فتعجب الإمام ورمق الرجل بغرابة وذهول، وكان الكبر قد أهزله فلم يبق منه إلا هيكل ~~عظمي. # | الحكاية رقم «55» # ومما يحكى أنه كان بحارتنا ms51 شاب صعلوك، يدعى عباس الجحش، لم يكن يوفق أبدا في إتقان ~~حرفة ولا يمكث في دكان أكثر من أيام، ثم يطرد شر طردة، وذات يوم رأى عباس عنباية ~~المتولي بنت بياع الدندورمة، فأترع قلبه برحيق الحب المسكر، ولم يجد سبيلا مشروعا إليها، ~~فتفتق عقله عن حيلة، أن يتآمر مع صحبه من الصعاليك على أن يمثلوا مع الفتاة دور ~~المتحرشين، وعلى أن يمثل هو دور ابن البلد الشهم، وخرجت عنباية لتتسوق في ليلة ~~عاشوراء فحاصرها الصعاليك متظاهرين بالعربدة، فوثب عباس الجحش من مجلسه على سلم السبيل، ~~فانقض عليهم كالوحش، صرعهم واحدا في إثر واحد حتى طرحهم أرضا، ثم تقدم من البنت وهو ~~يلهث قائلا: مصحوبة بالسلامة. # فشكرته ومضت معجبة بقوته الخارقة، وجعلت من مغامرته حكاية تتناقلها النساء ~~والرجال. # وصادف ذلك وقتا خلت فيه الحارة من فتوة - ولم تكن الفتونة قد زالت بعد - فتساءل ~~أناس ترى هل آن لحارتنا أن يكون لها فتوة؟ # ورأى أحدهم عباس وهو يحوم حول بيت بياع الدندورمة، فهتف به: أهلا بالجحش فتوة ~~حارتنا! # واهتز عباس بالهتاف، ولعبت برأسه الأحلام، وتحت سطوة المخدرات قال لنفسه: فلنجرب هذه ~~اللعبة! # وجمع أصحابه، ومضى على رأسهم نحو المقهى بعد أن فرش طريقه بالدعاية المناسبة، وكانت ~~الحارة في حاجة ملحة إلى فتوة لتحفظ ذاتها وكرامتها بين الحواري المتصارعة، ~~فاستقبلت عباس الجحش وصحابه بزفة وبايعته فتوة لها، وتحول الصعاليك إلى عصابة، ~~وانهالت عليهم الإتاوات، فتحسنت أحوالهم، وازدهتهم الخيلاء، فخطروا في الأرض كالجمال، ~~ورويدا رويدا صدقوا أوهامهم. # وطلب عباس الجحش يد عنباية المتولي فقال له أبوها بوجه طافح بالبشر: بشرى لنا يا ~~معلم! # وعقد القران. # أما الدخلة فلا تتم إلا بعد الزفة. # وتنبه عباس متأخرا إلى أن زفة الفتوة يجب أن تطوف بالحي كله، وأنها الاختبار الرهيب ~~للفتوة، تجابهه فيها تحديات الأعداء، فيرجع منها إلى شهر العسل وعرش الفتونة أو يمضي ~~إلى القرافة. # لا بد مما ليس منه بد، وماذا يمنع الحظ من أن يخدمه مرة أخرى؟ # وسكر وسكر أصحابه. # ومضت الزفة على أنغام ms52 المزامير وأضواء المشاعل، وسار فيها رجال الحارة. # وعند باب زويلة. # عند باب زويلة اعترض الطريق فتوة العطوف ورجاله. # رآه عباس فطارت الخمر من رأسه. # ولعب فتوة العطوف بنبوته بخفة بهلوان، فسقط قلب الجحش حتى ركبتيه. # وهتف أهل حارتنا في حماس وبراءة، فاضطر عباس إلى أن ليعب بنبوته كذلك. # لا يمكن تأجيل القضاء إلى ما لا نهاية. # وتقدم خطوات في سكون ثقيل، فتقدم فتوة العطوف في غاية من الحذر. # واندفع عباس نحو خصمه حتى ذهل أصحابه. # وفجأة. # وفجأة وبسرعة البرق انحرف نحو عطفة الحنفي، ثم انطلق في ظلماتها مثل رصاصة، لائذا ~~بالفرار! # ووجم الجميع دقيقة لا ينطقون ولا يفهمون. # ثم هدر المكان بالضحك والقهقهات والصياح. # ولم ير عباس بعد ذلك في حينا كله، وظل قرانه معقودا حتى سقط بمضي المدة. # | الحكاية رقم «54» # الويل لنا عندما يشتد النزاع بين الحارات، عندما تتصارع التحديات بين الفتوات. # نتوقع في الليل أن تجتاحنا هجمة غادرة، نتعرض في تجوالنا في الحي لتحرشات مباغتة، تنقلب ~~أفراحنا إلى معارك دامية، يسود وجه الحياة ويكفهر. # ويغدو الانطلاق إلى الميدان محفوفا بالمخاطر، أما التسلل عن طريق القرافة فيتهدده ~~الشياطين وقطاع الطرق، فننحصر في حارتنا كالفئران في المصيدة. # ذاك ما رواه الرواة عن فترة من حياة حارتنا الماضية. ~~••• # ويقترح بعض أهل الحكمة هدم جزء من السور الشرقي، يقولون: لا بأس من هدمه لنتسلل منه إلى ~~صحراء الجبل، ومنها إلى أطراف الأحياء البعيدة التي نتعامل معها ونحن في مأمن من الأخطار ~~المحدقة بنا. # والسور العتيق يكون الجناح الشرقي للحارة، ويقع على مبعدة يسيرة من سفح المقطم، وتطيب ~~الفكرة لنا فنعهد إلى أحد المقاولين من أبناء حارتنا بتنفيذ الفكرة، ويتساءل أناس: ألا يمكن ~~أن يهتدي العدو إليها فيباغتنا منها؟ # فيجيب أصحاب الفكرة: الوصول إليها عسير، فبينها وبين العمران صحراء لا تدوسها قدم، فضلا ~~عن أنه من اليسير حراستها! # ويشرع العاملون في العمل، ويتهيأ لنا ممر إلى الصحراء نطلق عليه «ممر السبيل»، حيث إنه ~~يبدأ من نقطة تقع وراء السبيل الأثري مباشرة، هكذا نخلق ms53 ممرا سريا للعالم الخارجي ~~متجنبين طريقي الميدان والقرافة اللذين يحدان حارتنا من طرفيها. # ويتحدث مدرس الجغرافيا ذات مساء في المقهى فيقول: نحن نتوهم أننا حققنا الأمان ~~لأنفسنا وأنه لم يعد ثمة ما نخافه! # فيتعجب السامعون لقوله، فيقول: كأن معاركنا مع الحارات المجاورة هي جملة ما يهدد ~~سلامتنا! # فيزداد تعجب الناس من قوله وادعائه، أما هو فيمضي قائلا: هنالك خطر هائل لا يفطن له ~~أحد ولكنه كفيل بالقضاء على حارتنا كلها بضربة واحدة. # ولما يسألونه عن الخطر المزعوم يجيب: الممر الذي شق في السور الشرقي. ~~- ممر السبيل؟ ~~- لو ينهمر من السماء سيل فيكتسح السفح وينقض على الممر فيغرق الحارة! # وتتجمع في أعينهم أمارات الذهول والسخرية، ويقولون: إنها لا تمطر في العام إلا مطرة ~~واحدة وهي مطرة خفيفة كالدعابة. # ولكنه يستطرد غير مبال باعتراضهم: الجبل فوقنا ونحن نربض عند قدميه، وحارتنا منخفضة في ~~الوسط. # ويضحك الجماعة ويقولون ساخرين: يريد منا أن نستهين بخطر داهم عاجل لاتقاء خطر وهمي لا يقع ~~إلا في خياله. ~~••• # وتمضي أعوام والحارة منهمكة في صراعها اليومي، المدرس يكرر تحذيره بين آونة وأخرى، فلا ~~يلقى إلا هازئا حتى أطلق عليه «الأستاذ مسيلمة». ~~••• # وتربد السماء ذات شتاء فتتراكم السحب وتسود وتهبط فوق المآذن، وتهب عاصفة تدك العلالي ~~فوق الأسطح وتلعب بأشجار التوت في التكية. # وينهل المطر كأنه أنهار تتدفق من عل. # ويتواصل انهلاله ثلاثة أيام كاملة. # حدث كوني لم نعرفه من قبل، غضبة فلكية كاسرة، وينصب من الجبل طوفان، فيندفع نحو الممر ~~بسرعة قطار صاخب، ويزمجر في هدير شامل تحت التماعات البرق الخاطفة وهزيم الرعد ~~المجعجع. # وتختفي أرض الحارة تحت طبقات من المياه المركزة المحصورة، وتأخذ المياه في الارتفاع ~~فتغرق البدرومات وتكتسح الدكاكين والوكالات والأدوار السفلية، وباحة السبيل وفناء المدرسة، ~~وتجعل من القبو خزانا، ومن الساحة بحيرة، ومن الممر الضيق بين التكية والسور نهرا ~~زاخرا، ثم تجتاح المياه المقابر فتجرفها وتقذف بالعظام والجثث في أخاديد لا حصر لها، ~~تغطيها الأكفان والخرق البالية. # وتنهدم بيوت وتنقلب الأسقف مصافي وثقوبا، فيهجر الحارة ms54 أهلها مذعورين وينتشرون في ~~الصحراء لاجئين مشردين، والخراب يحيط بهم وارثا الأرض وما عليها. # محنة لا تنسى. # وذكرى مبللة بالدموع. # | الحكاية رقم «56» # لعب الطموح بقلب عبدون الحلوة العامل بالوكالة، فقرر - كما فعل زيان في زمن أسبق - محاولة ~~الانضمام إلى عصابة «الدقمة» فتوة حارتنا، واسترشد بأحد كبار العارفين فقال له: احذر أن ~~تقترب منه بهذه السحنة أو هذه الرائحة أو هذا الجلباب المزيت، كن مثل الماء الصافي النقي ~~ثم جرب حظك. # وقال له أيضا: فتوتنا يحب الجمال والنقاء، وهو طراز وحده في سلسلة فتواتنا، فافهم ~~ذلك جيدا. # واقتنع عبدون بأن الطريق إلى الدقمة ممهد ميسور، فذهب إلى الحمام ليغير جلده في ~~المغطس، وأعد جلبابا ومركوبا جديدين، وفيما هو منهمك في تجديد نفسه سأله صاحب له: ماذا ~~هناك يا عبدون؟ هل تفكر في الزواج؟ # فباح له بسره، وكان الآخر صاحبا أمينا، فقال له: ليست النظافة وحدها هي ما تهم الدقمة، ~~إنه أيضا يحب الحكايات. ~~- الحكايات؟ ~~- عنترة وأبو زيد وغيرهما، فإن لم تعرف السير تعذر عليك أن تواصل الحديث دقيقة واحدة ~~مع الدقمة. ~~- ولكن تحصيل ذلك يطول! ~~- عندك الراوي في المقهى فلا تضيع وقتا إن كنت صادق الإرادة حقا! # ثم قال له وهو يمضي عنه: تغير الزمن يا عبدون، في بادئ الأمر كان الدقمة يرحب بأي رجل ~~يروم الانضمام إليه، أما اليوم فهو يستوي على عرش القوة دون منازع. # وتفكر عبدون في الأمر مليا، وكان عبدون رجلا عاقلا، قال لنفسه إنه من الحكمة أن ~~يأخذ الأمور بالهوادة والصبر والإتقان، وألا يتكالب على هدفه تكالبا يفسده عليه، لبث في ~~الوكالة يعمل بهمة، وتزوج، وواظب على السهر في المقهى يتلقى الحكايات على أنغام ~~الرباب. لم تعد الحياة يسيرة أو مريحة، فالعمل في الوكالة شاق، وأعباء الأسرة لا يستهان ~~بها، ومتابعة الحكايات مع استيعابها جهد متواصل، ولكنه كان يهادن متاعبه بتخيل حلمه ~~العذب يوم يمثل بين يدي الدقمة في نقاء الماء وثراء الرباب. # وذاع سره، وعرف كل من هب ودب أن عبدون الحلوة يعد نفسه للفتونة ms55 . # وانبرى له كثيرون من أهل الخير والنصح، فقال له أحدهم: النظافة مهمة، والحكاية مهمة، ولكن ~~الشجاعة عند الدقمة أهم من الاثنين. ~~- الشجاعة؟ ~~- أجل، واحذر في الوقت نفسه أن تستثير غيرته، فيحنق عليك بدلا من أن يرضى! ~~- وكيف أوفق بين هذا وذاك؟ ~~- تلك هي مشكلتك وعليك أن تحلها بالفطنة يا عبدون يا ابن الحلوة! # وقال له آخر: والقوة مهمة أيضا، عليك أن تثبت قوتك، عليك أن تثبت أنك قادر على توجيه ~~الضربات الحاسمة، وأنك قادر أيضا على تحمل الضربات مهما اشتدت .. وعليك أن تثبت له أيضا ~~أن قوتك لا توزن بحال بقوته. ~~- ولكن كيف يتأتى لي ذلك كله؟ ~~- تلك هي مشكلتك يا عبدون! # ساورته الحيرة، ولكنه أراد أن يطمئن نفسه فقال: أهل الخبرة يقولون إنه يحب الجمال ~~والنقاء والخير، أشهد أن معاملته للبان تقطع بميله الأصيل للخير! # فتساءل الآخر في حذر: وماذا عن معاملته للسقاء؟ # فانقبض قلب عبدون لحظة، ولكنه قال بإصرار: أخبرني أبي ذات مرة أنه يحب الفقراء. ~~- بوسعي أن أعد لك عشرة على الأقل من أفقر فقراء حارتنا قد نكل بهم وشردهم. # خرج عبدون من الأحاديث معتما مهموما حائرا، حتى العدول عن الطريق خطر له، ولكن الحلم ~~كان قد سيطر على روحه فلم يسعه النكوص، وتشعبت أهداف الحياة بين الوكالة والزوجة والرباب ~~وتجارب القوة والشجاعة ومغامراتهما، ومضى - رغم صلابته - ينوء بالعبء، وتنزلق قدمه، وتتراخى ~~قبضته، تبدد وقته وتشتت عقله، وارتكب حماقات متلاحقة، وتمادى في طرقه المتشعبة ~~بجنون حتى فقد السيطرة على حياته، وانتهى دأبه بالخيبة فطرد من الوكالة، وطلق - عقب ~~مشاحنات كثيرة - زوجته. # لم يكترث لذلك كثيرا وظن أن الوقت أزف للقاء الدقمة الذي لم يبق له غيره. # وتفحصه الفتوة مليا ثم سأله: ماذا تريد؟ # فأجاب عبدون: أن أصير من خدامك. ~~- أترى نفسك أهلا لذلك؟ # فأحنى رأسه ليخفي زهوه بمنظره الأنيق وقال: عندي ما يريد معلمي وزيادة! # فقال الدقمة بجفاء: لست في حاجة إليك. # فذهل عبدون وقال بضراعة: في سبيلك فقدت أسباب حياتي جميعا. # فقال الدقمة بلا اكتراث: أعرف ms56 ذلك. ~~- وتطردني رغم ذلك؟ # فقال الرجل بنفاد صبر: بل أطردك بسبب ذلك! # وبات عبدون الحلوة نادرة تروى. # | الحكاية رقم «57» # زغرب البلاقيطي من فتوات حارتنا المعدودين، وهو خاتم الفتوات الكبار، فمن بعده لم ~~تقم للفتونة قائمة تذكر. # رشيق، مديد القامة، أبيض الوجه، غزير الشارب، خفيف الحركة بالنبوت، لعيب، ولولا ~~إيمانه - وهذا حقيقة - بأن هيبة الفتونة لا ترسخ إلا بالنصر ما خاض معركة قط، ويصادفه ~~التوفيق في معاركه فيضرب فتوة الدراسة ويصرع فتوة العطوف، ثم يمتد ظله فوقنا ~~كالشجرة السامقة بالفخر والطمأنينة، ونحبه جميعا ونتغنى بانتصاراته وننعم بأبوته اللطيفة، ~~وهو يجلس كثيرا في المقهى ليتابع الحكايات، ويقرب إليه أهل النكتة والمنشدين والزجالين، ~~أحييه على صغر سني فيرد التحية بذوق يبعث في أعماقي النشوة والأمل، وسلوكه معنا فريد ~~غير مسبوق بشبيه، يفرض على جميع أعوانه أن يكسبوا رزقهم بعرق الجبين لا بالبلطجة، حتى هو ~~نفسه يعمل تاجر جملة للمخدرات، ولا يطالب بإتاوة إلا للضرورة القصوى. ~~••• # ولكن الفتونة هي الفتونة على أي حال. # فكلمة زغرب البلاقيطي هي الأولى والأخيرة في أي أمر من الأمور، والتحكم مر ولو كان ~~طول العمر نتيجته، إنه يحذر الرجال من العربدة، ويمنع النساء من الزينة المفرطة، ويقيد ~~حرية الغلمان في لعبهم. # ويغالي في التدخل فيما لا يعنيه حتى يحمل شاعر الرباب على التحيز لبطولة أبي زيد، ~~ويبطل الزواج الذي يراه غير متكافئ، والطلاق الذي لا يعجبه وإن رضي به الطرفان، ولم يكن ~~أحد يتجرأ على طلب الكراوية أو الأنيسون عند وجوده في المقهى لنفوره منهما. # وفي كلمة كبلنا بالأغلال رغم حسن نواياه وطيبة خلقه، وزاد من حرج الموقف تكاثر ~~المتعلمين في حارتنا يوما بعد يوم، وشدة حساسيتهم، وحدة ألسنتهم. ~~- اللعنة .. لم يبق إلا أن نتنفس بأمره. ~~- إنه مستبد ولكنه عادل. ~~- مستبد يعني أنه غير عادل. # يسمع ما لم يكن يسمع بحارتنا، لأول مرة نعاصر حملة على الفتونة في ذاتها، وبصرف النظر ~~عن مزاياها، لأول مرة يقال إنه نظام بال، وإنه آن للشرطي أن يحمي العباد، لأول مرة ~~يلعن الفتوة ms57 الطيب كما كان يلعن الفتوة الشرير. # ويترامى التهامس إلى زغرب البلاقيطي فيغضب ويصيح: أهذا جزاء من يعدل ويرحم يا أبناء ~~الزنا! # ويتجهم وينذر بالعنف. ~~••• # وتتوجه قلوب نحو هجار الأقرع. # عملاق ورع وفيه شيء لله، إذا اقتنع بخير أقدم عليه ملقيا بالعواقب جانبا. # وهو يقبع في الليالي في الساحة أمام التكية يردد الأناشيد ويحدث نفسه، يتسلل إليه في ~~الظلماء رجل داهية، ويهمس بصوت حنون: أتريد يا هجار أن ترضي ربك؟ # فيعتقد هجار أنه يسمع هاتفا من الغيب فيقول: لبيك! # فيهمس الرجل: لقد أعطيت القوة والبأس فحطم الأغلال! ~~••• # وينطلق هجار في الحارة بحماس من يحمل رسالة مقدسة. # وتوقع الطيبون أن ينهار سجن الأغلال. # ويلوح هجار المارد بنبوته، وفجأة يضرب إمام الزاوية، ويثني بامرأة ماضية في الطريق. ~~وينهال بنبوته على تجار وعمال وتلاميذ! # وهاجت الحارة وماجت، وتصايح الناس: جن الأقرع! ~~- اقبضوا عليه! ~~- حاصروه واضربوه! # ورمي بالطوب من كل موقع حتى سقط مضرجا بدمه. ~~••• # لم نفقه لما حدث معنى، وظن كثيرون أن الرجل لم يفهم الرسالة أو أنه أساء فهمها، أو أن ~~في الأمر سرا ما زال خافيا. # ولكن التذمر من زغرب البلاقيطي يتزايد، ويجهر كثيرون بما يضمرون، ويعتدي الفتوة على ~~أناس فيقابلون العدوان بالمقاومة، وتسري في الحارة روح تمرد لا عهد لنا بها من ~~قبل. # وتتتابع أحداث مؤسفة ودامية، ولكنها تقضي في النهاية على تراث خطير، وتفتح الأبواب لعصر ~~جديد. # وتستعاد حادثة هجار الأقرع في ضوء جديد من الإدراك فيصبح رمزا للحياة الجديدة. # | الحكاية رقم «58» # يجيء ربيع ونحن على شفا هاوية من الهلاك، في الحارة عصابات متخاصمة، وبين الحارات ~~المتجاورة خصام مستعر، ويغلي الحقد الأسود، وتمج القلوب كراهية وتتكاثر حوادث الاغتيال، ~~وينذر الغد بكارثة. # وعند الظهيرة من يوم مشرق يقع في مسرح الكون حدث غامض. # ثمة تجمعات من السحب القاتمة تنتشر في الأفق، غريبة في غير زمانها، ثم تنتشر بكثافة ~~متصاعدة مقبضة للنفس، وتتطاول نحو كبد السماء وتنداح فتخفي إحداها الشمس وتواري الضوء ~~المنير. # وتمضي التجمعات في التكاثر والتقارب، وتتصل وتتلاصق فتتحول إلى ms58 تكتلات شاسعة، في بطء ~~ولكن في ثبات وإصرار، حتى تشكل في النهاية سقفا غليظا من السواد العميق. # وتشخص الأعين نحو السماء متسائلة، من الطريق والدكاكين والنوافذ والأسطح تشخص الأعين نحو ~~السماء. # وتدب في السقف الأسود حركة متوترة، فيبدو متموجا متصارعا متلاطما كأنه محيط من ~~الظلمات مشتبكا في نضال ضار. # ويهرع الناس من البيوت إلى الحارة، يتابعون الأسرار الغامضة، لا يدرون عم تتمخض؟ ~~ويتوقعون مزيدا من الإثارة المقلقة. # ويمضي الجو يتشرب بلون رمادي غامق، يزداد قتامة وتجهما، ويمضي بحر السواد يقطر نتفا ~~سودا، تنتشر في الجو ثم تزحف هابطة في هدوء مخيف. # ويهجر الناس الحارة إلى الميدان، كذلك يفعل أهل الحارات المجاورة، ينشدون في الانطلاق ~~والتجمع البشري ما يفتقدون من أمان. # وتنفذ إلى حواس الشم رائحة ترابية مثيرة للأعصاب، ويأخذ الكون في الاختفاء، وتتخايل ~~الأشباح، ثم يغرق كل شيء في ظلام دامس. # وترتفع الأصوات المتهدجة: يا ألطاف الله! ~~- ارحمنا يا رب العالمين! # وتشملنا ساعة من التوقع المتوتر لأي خطر داهم لم يجر لنا في خيال من قبل. # وتتلاحم الأيدي في الظلام لا تدري يد في أي يد توضع. # | الحكاية رقم «59» # غنام أبو رابية له قصة طريفة. # من ناحية الأصل يعد من فقراء حارتنا، تفوق في المدرسة وعين بوزارة الداخلية، ~~وترقى في درجاتها حتى شغل منصب المشرف المالي على الأموال السرية. # يتميز على صعاليك أسرته بالمسكن النظيف، والزوجة الجميلة، والغذاء الطيب، وله في مظهره ~~هيبة، وفي مجلسه قطب يقصده ذوو الحاجات. ~~••• # ويختفي ذات يوم غنام أبو رابية فلا تراه عين. # يتردد السؤال عنه في البيت والمقهى، بين المعارف والأقارب والحساد، لا يظفر أحد ~~بجواب حاسم، ثمة غموض يكتنف الموضوع ويثير الحيرة والريب، ليس الرجل مريضا ولا على سفر ولا ~~صلة له بالسياسة مدها وجزرها، ولا خصوم له على الإطلاق، فلم يبق إلا أن تحوم الظنون ~~حول أمور غاية في الحساسية، وأن تختلف فيها الآراء تبعا للنوايا والعواطف الشخصية، فنسمع ~~حينا أنه هرب، ونسمع حينا آخر أنه قتل. # ويظهر غنام أبو رابية ذات ms59 يوم فجأة، كما اختفى فجأة، ويتزاحم المهنئون في داره، ~~ويفسر الرجل سر غيابه بخصام احتدم بينه وبين كبير مسئول في الداخلية، تطور إلى اعتداء ~~من جانبه باليد على الكبير المسئول، فقبض عليه، ولكنه أصر على موقفه حتى أفرج ~~عنه. # ويصدق الناس ذلك، ويعدونه بطولة، ويحال غنام أبو رابية على المعاش قبل ميعاده ~~القانوني بعشرة أعوام، فيعتبر شهيدا، والناس ذوو استعداد فطري لسوء الظن ~~بالداخلية. ~~••• # ومع الأيام تناقل الناس حكاية جديدة عن غياب غنام أبو رابية، لا أدري كيف نشأت، ولا من ~~كان أول ناشر لها، ولا مدى ما تنطوي عليه من صدق، ولكنها رغم ذلك كله تنتشر وترسخ وتنضم إلى ~~تاريخ حارتنا. # يقال، والله أعلم، إن غنام أبو رابية استغل مركزه كمشرف مالي على الأموال السرية، ~~فاختلس منها عشرة آلاف جنيه من الجنيهات، وقيل أكثر من ذلك، وأنه ضبط وحقق معه واعترف، ~~كان الموقف غاية في الدقة والحرج، فالرجل محيط بأسماء من توزع عليهم الأموال السرية في ~~جميع المواقع، وبوسعه أن يثير فضيحة شاملة تعصف بجميع العملاء وتنزع الثقة من جهاز الأمن ~~بغير رجعة، فما العمل؟ طالبوه برد المبلغ في نظير العفو الشامل عنه، ولكنه رفض، ألقوا القبض ~~عليه لإرهابه ولكنه لم يبال، لم يعثروا للمبلغ على أثر، وتجنبوا تقديمه للنيابة حتى لا ~~يبوح هناك بأسراره، وكرروا المحاولة للاتفاق معه دون جدوى، أدرك منذ بادئ الأمر أنه في ~~الموقع الأقوى وتلقى كافة التهديدات بسخرية، وقال لهم: ألوف وألوف وألوف تنفق كل يوم ~~على أوغاد بلا خلق، فما الجريمة في أن أنال قروشا لنفسي وتراب حذائي أشرف من أكبر رأس ~~فيهم؟ إني أرفض رد مليم واحد وأطالب بتقديمي للنيابة العمومية. # ولم يكن في وسعهم أن يعتقلوه إلى الأبد، ولا أن يتحملوا مسئولية القبض عليه دون تقديمه ~~إلى النيابة أكثر من ذلك، فاتفقوا معه على أن يلتزم بصون أمانة المهنة لقاء ألا يسأل عما ~~اختلس مع إحالته على المعاش في الوقت نفسه. # وقد اشترى الرجل خرابة وشيد فيها عمارة، واعتبر منذ ذلك ms60 الوقت من أعيان حارتنا. # | الحكاية رقم «60» # حليم رمانة من شباب حارتنا العاملين في نقش الأواني النحاسية، يغيب فجأة عن الدكان بلا ~~اعتذار، ويرى هائما على وجهه في الساحة أمام التكية، لا يعرف أحدا ولا يعرف نفسه، ~~وسمعت أمه بالخبر، فمضت إليه ولكنه لم يعرفها، نادته باسمه فبدا وكأنه يسمعه لأول مرة، ~~إنه غريب تماما، وكأنما ولد لساعته. # واتجهت الظنون إلى المخدرات ولكن ذهوله طال، تجاوز اليوم، ويوما بعد اليوم، ثم استقر ~~كحال جديدة ثابتة، أصبح رمانة وعاء خاليا من الذكريات والعلاقات البشرية، أصبح جثة غير ~~هامدة، وقيل - كالعادة في حارتنا - إنه ممسوس، وعولج بوصفات شتى من الطب الشعبي المناسب، ~~كالبخور وزيارة الأضرحة والزار، ولكنه لم يبرأ فسلم الأمر فيه إلى الرحمن. ~~••• # وذات صباح تقرأ أمه في عينيه نظرة جديدة، نظرة متألقة تعكس شخصية غائبة كأنما هي ترجع ~~فجأة من سفر طويل، يخفق قلب الأم بالأمل وتهتف: رمانة! # فينظر رمانة إلى شعاع الشمس الهابط من نافذة البدروم ويقول بجزع: تأخرت عن الدكان. # ويمضي مسرعا إلى الدكان وأمه تجهش في البكاء. # ويقبل على معلمه قائلا: غلبني النوم فمعذرة يا معلم. # ويرمقه الرجل في صمت وارتياب، ولكنه يتركه يزاول عمله وهو يحدس بفراسة صادقة ما طرأ على ~~الشاب، وينظر رمانة فيما حوله باهتمام، ولما لا يجد ما يبحث عنه يسأل: أين بيومي؟ # بيومي صديقه وقرين طفولته، توقع أن يراه كالعادة قبالته، ولكنه لا يوجد، ولا يريد أحد ~~أن يعير سؤاله عنه اهتماما. ~~••• # ويعلم رمانة رويدا أنه غاب عن الوجود أشهرا كاملة، يتلقى هذه الحقيقة بنعومة وأناة، ومع ~~ذلك لا يدري كيف يهضمها، ويعود للسؤال عن صديقه بيومي فيقال له: البقية في حياتك! # فيصرخ: بيومي مات! ~~- بل شنق! ~~- شنق؟! ~~- اتهم بقتل زينب بياعة الحلي الزجاجية! # ويتمتم بذهول: بيومي قتل زينب! ~~••• # قليلون جدا الذين عرفوا أن رمانة فقد صديقه الوحيد وحبيبته الوحيدة، وأولئك قالوا ~~أيضا: وهو يعلم الآن أنه فجع في الحب والصداقة أيضا! # وقالوا: لقد ذهبا مخلفين له الخيانة والخواء. ~~••• # وعانى رمانة تغيرا في ms61 الشخصية. لم يرتد إلى الغيبوبة، لكن تسلل إلى صميم روحه الخمول ~~وخيم عليه الصمت، عاش محتجا رافضا كارها، يذبل ويهزل، حتى مرض مرضا أقعده عن العمل، ~~واسود الأفق في عينيه. # وأرادت أمه أن تعزيه فقالت: لست فريدا في مصابك فمصائب الدنيا لا تعد ولا ~~تحصى! # فغادر المسكن من فوره قاصدا قسم الجمالية، مثل بين يدي المأمور وقال بهدوء: أنا قاتل ~~زينب بياعة الحلي الزجاجية. # | الحكاية رقم «61» # ابن عيشة صعلوك من صعاليك حارتنا، يعيش بالتسول وخفة اليد، تسلل ليلة إلى بيت ست ~~ماشاالله عندما ثبت له غيابها في فرح، ولسبب ما رجعت ماشاالله مبكرة على غير توقع، ~~فما يدري إلا وهي مقبلة نحو حجرة النوم، فانذعر واندس تحت الفراش وهو يرتعد. # أشعلت المرأة المصباح، رأى ابن عيشة قدميها وأسفل ساقيها وهي تذهب وتجيء، وسمعها وهي ~~تترنم بحنان: # لك علي لما تيجي تبقى ليلة أبهة # ترى متى يتاح له الهرب بأمان؟! # وغابت ست ماشاالله دقائق، ثم رجعت بأربع أقدام! ثمة طرف جلباب مقلم ومركوب أخضر، فانقبض ~~صدر ابن عيشة، وأيقن أن حبسه سيطول! # قالت المرأة: آنست ونورت. # فقال صوت غليظ: لا يتصور أحد إلا أننا في الفرح. # وتناهى إلى أذن ابن عيشة صوت مدغم بقبلات وهمسات مرحة. # قالت المرأة: لن يتخيل مهما تخيل أنني أفلت من زحمة الفرح. # فقال الصوت الغليظ: سيقتلنا يوما إن لم نقتله! # وطالت المطارحة الغرامية وهو قابع تحت الفراش، وبدأ تأثير المنزول ينمل حواسه ويزحف نحو ~~جهازه التنفسي، وينتشر في روحه منذرا بعواقبه المألوفة. # وسبح ابن عيشة في بحر لا شاطئ له، ثم مضى يطير في الفضاء بتؤدة وهيمان، حتى بلغ ذروة ~~عالية نظر منها إلى حجرة ست ماشاالله فرآها بشيء من الوضوح على ضوء المصباح، رأى العاشقين، ~~وحتى الرجل المختفي تحت الفراش رآه، تبدت المرأة عارية متموجة في سحابة من دخان رمادي على ~~حين مضى الرجل - كقرد - يثب بين غصون شجرة فارعة، وترامى اللعب بلا نهاية، غير أن عاصفة ~~اجتاحت المكان المتواري، فتطاير الدخان وتلاطمت الأوراق، وأكثر ms62 من صوت نادى بالدم، وتتابعت ~~أصوات الارتطام والدق، وتبودلت ضربات غاية في العنف والقسوة، وأقبلت قوات جديدة من قلب ~~الظلام فلم يعد للحب أثر. # وقرر ابن عيشة أن يواصل طيرانه في الفضاء مبتعدا ما أمكن عن كوابيس الأرض، ولكنه ارتطم ~~بشيء أو لعل شيئا ارتطم به. # وبمشقة استطاع أن يتملص من قبضة وأمكنه أن يحرك عنقه، وأن يرى الضوء. # وجر جرا من تحت الفراش. # وقف مترنحا في الحجرة ينظر في الوجوه المحدقة به بذهول. # وقال شيخ الحارة لضابط النقطة: هذا ابن عيشة .. نشال يا فندم. # فقال الضابط: أخيرا تعلم كيف يقتل. # وقبض عليه. # ولكن التحقيق لم يسفر عن إدانته بتهمة قتل ست ماشاالله وعشيقها، ثم قبض على القاتل في ~~أثناء التحقيق. # وكان ابن عيشة يحكي قصته مرة كل ساعة، وقد أصابه لطف في آخر أيامه، وكان يقال إن ~~الدروشة هبطت عليه تحت فراش ست ماشاالله. # | الحكاية رقم «62» # كان الحاج علي الخلفاوي من أغنياء حارتنا، عرف بالطيبة والصلاح أكثر مما عرف بالثراء، ~~يعطف على المظلومين، ويعين الفقراء، ويبر ذوي القربى، ومع الأيام ازداد ورعا وتقوى ~~ورحمة، ولكنه خص آل مهران برعاية شاملة لم يظفر بمثلها أحد ممن يظلهم عطفه، وكان آل ~~مهران قوما فقراء، وبسبب الفقر انحرف كثيرون منهم فتورطوا في الجنح والجرائم واشتهروا ~~بالعنف والبلطجة. # ولما شعر الحاج علي بدنو الأجل استدعى إليه أكبر أبنائه، وقال له: لقد رأيت ~~حلما. # فرمقه الابن بعطف واستطلاع فقال الحاج: آن لي أن أزيح عن صدري جبل الهم الأكبر. # فسأله ابنه: ما الحلم؟ وما الهم الأكبر؟ # فاستغفر الحاج ربه وقال: بخلاف الظاهر يا بني كانت حياتي مريرة! ~~- لم يا أطيب الناس؟ # فقال الحاج وهو يتنفس بمشقة: أريد أن أحدثك عن آل مهران. ~~- إنهم أناس يأخذون منك أكثر مما يستحقون، بل الحق أنهم لا يستحقون إلا العقاب. # فأسبل الحاج جفنيه وقال: إنهم يستحقون كل ما نملك! # ثم اعترف الحاج لابنه بأنه كان شريكا لمهران الأب في شبابه الأول، وأن الوفاة حضرت الرجل ~~وهما في سفر ms63 ، فسرق ماله. ~~- المال الذي استثمرته فصرنا به إلى ما نحن فيه وصار آل مهران بفقده إلى ما هم ~~فيه. # قال الابن باضطراب: إنك لا تعني ما تقول يا أبي. ~~- إنها الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان. # وغمرهما صمت مشحون بالقلق والاختناق، حتى قال الحاج: كانت الحياة مريرة، أريد أن أجنبك ~~اللعنة، أريد أن يرد المال لأصحابه. # فتساءل الابن محتجا: هل نعترف بأننا لصوص؟! # فقال الأب بضراعة: هذه هي مشكلتك يا بني. ~~- بل هي مشكلتك أنت يا أبي. ~~- إني أتردى في حضرة الموت. # فتساءل الابن بجفاء: ولم لم تفكر في التكفير من قبل؟! # وأغمض الحاج عينيه كأنما تلقى لطمة، وغمغم: اللهم مد في عمري حتى أهيئ نفسي ~~للقياك. # ولكنه مات قبل ذلك، بل إن رواة القصة يتهمون ابنه بالعبث بدوائه ليعجل بنهايته. # هكذا تروى الحكايات، وبدقة في التفاصيل لا تتاح إلا لمن شهدها. # ولكن هكذا تروى الحكايات في حارتنا! # | الحكاية رقم «63» # بذرت الكراهية بين شلضم وقرمة في ضفاف الصبا، في أحد الأعياد مزق شلضم جلباب قرمة ~~الجديد فاشتبكا في خناقة حامية، فضرب قرمة شلضم بمقدم قبقابه، فقطع حاجبه، وسجل في وجهه ~~أثرا باقيا. # منذ ذلك التاريخ القديم عششت عاصفة صفراء ضاربة للسواد في أعماقهما، ويجمعهما اللعب مع ~~الصبيان والاختلاط في المناسبات، ولكن الجرثومة الشرهة تظل رابضة ونفاثة للحنق، ويظل منظر ~~أحدهما قوة غادرة ومتحدية للآخر. # في الكتاب يتبادلان الغمز واللمز، يتحرش أحدهما بالآخر ويحرض عليه سيدنا الشيخ ~~عند أية فرصة سانحة. # ومات أبو شلضم، وأقيم سرادق العزاء كالعادة، ووقف قرمة فوق سطح غير بعيد وراح ~~يغني: # حود من هنا # وتعال عندنا # ولما خطب شلضم بنت الفسخاني حاول قرمة خطفها منه، بالحيلة وبتسويء سمعته عند أهلها، ~~وفي خلال ذلك تشاجرا بعنف، فقطع شلضم قطعة من أذن قرمة وترك به أثرا باقيا كالذي تركه ~~بوجهه من قبل. # وتزوج كل منهما وأنجب، وتفرقت بهما سبل العمل، وتقدم بهما العمر شوطا، ولكن العقدة ~~الكامنة لم تنحل، حتى إنهما تبادلا السباب مرة في أثناء صلاة الجمعة، وحتى ms64 صاح بهما الإمام: ~~لعنة الله على الشيطان وصحبه. # وصارا في حارتنا نكتة، تستثير الضحك من بعيد، وتنذر بشر متجدد. # وتحسنت أحوال قرمة، ظهرت عليه النعمة، فتح دكانا للدخان بأنواعه، لمع الذهب في أصابعه ~~وأسنانه، وادعى أمام الخلق أنه ربح ورقة نصيب فاستثمر ربحها، ولكن شلضم راح يحلف بالطلاق ~~أنه اغتال أموال معلمه، وأنه لص لا أكثر ولا أقل. # وتوهم شلضم أنه قادر على أن يشق سبيله مثله، فامتدت يده إلى مال معلمه، ولكنه ضبط ~~وحكم عليه بالسجن بضع سنين، وغادره مفلسا ضائعا يرى غريمه في عداد الأعيان فجن ~~جنونه، ولم يجد بابا مفتوحا إلا باب البلطجة، فولجه بعنف ورغبة متصاعدة في الانتقام، وجعل ~~هدفه الأول المعلم قرمة، حتى أثار مخاوف الرجل على نفسه وعلى أولاده، لم يعد قرمة صعلوكا ~~كما كان من قبل، إنه يملك الآن مالا وبنين وأسرة وجاها ويريد أن يحافظ عليهما جميعا، وأن ~~يتمسك بالحياة من خلال تمسكه بها، ولو تجشم في سبيل ذلك مهادنة شلضم وشراءه حتى يتحين ~~له فرصة للقضاء عليه. # واستجاب شلضم لسياسة خصمه ليبتز ماله وليتمادى في ذلك بلا نهاية وبلا حياء، واستحر ~~الموقف، وأصبحت الحياة لا تطاق ولا علاج لها إلا الموت. # ودبر قرمة خطة لقتل شلضم بوساطة رجل ممن يؤجرون للقتل، وتوجس شلضم خيفة فقرر أن ~~يقتل قرمة قبل أن يقتله. # وتربص له بليل ثم قتله. # ولكنه لم ينعم بالحياة بعده إلا ساعات، إذ قتله القاتل المأجور ليستوفي بقية مستحقاته من ~~أرملة قرمة. # هكذا قتل الرجلان في ليلة واحدة. ~~••• # ويقول أبي بعد أن يحكي هذه الحكاية: الكراهية من الشيطان يا بني ولكن الإنسان مثير ~~للدهشة. # | الحكاية رقم «64» # عرف الخفير سلامة بالضمير الحي .. كان من القلة النادرة التي تقدس القانون في حارتنا ~~التي لم تتعود بعد على احترام القانون لحداثة تحررها من الفتونة وتقاليدها المتحدية ~~الاستفزازية، ولاستقامته أثار دهشة أهل الحارة واستحق عن جدارة احترام المأمور والضباط. ~~وتزوج سلامة أرملة تكبره في السن ذات ابن يافع اشتهر بالفساد فوجد نفسه في محنة ms65 لم تخطر ~~له على بال، وأكد الشاب - ويدعى برهومة - المحنة بسطوه ليلا على أحد الحوانيت، وضبطه ~~متلبسا الخفير الساهر اليقظ سلامة، وأعاد الخفير المسروقات وغطى على الخبر مكتفيا ~~بضرب ابن زوجته ضربا مبرحا، وأفاق بعد حين قليل فأدرك أنه خسر جوهره الذي ميزه بين ~~الناس، وشعر بالخزي وخامره حزن عميق، وتمادى برهومة في فساده فثار غضب سلامة وجعل ينهال ~~عليه بالضرب حتى ضاق به الشاب، وقال له مرة: لا تضربني .. إني أحذرك! # فانقض عليه ليؤدبه ولكنه تراجع إلى ركن وصاح به: سأعترف، سأذهب إلى القسم وأعترف بكل شيء، ~~وأعترف أيضا بتسترك علي! إن ضربتني مرة أخرى فسأعترف! # وذهل سلامة، وسأله وهو يكتم فيضان غضبه: أنت تهددني بعد كل ما فعلت من أجلك؟ ~~- لا تضربني وإلا اعترفت. # فصاح به: إذن أقلع عن فسادك. # فهتف وهو يفر من وجهه: أنا حر! # وقال سلامة لنفسه محسورا: إني أفقد كل يوم شيئا ثمينا لا يعوض. # ولاحظ كثيرون أن الخفير سلامة قد تغير، وأن شائبة قد شابت استقامة قامته، وهو من ناحيته ~~شعر أن الناس يتغيرون أيضا، ينظرون إليه باستهانة ما، يجاملونه ولكن نظراتهم لا تخلو من ~~سخرية، لقد أوشكوا يوما مع إعجابهم به أن يحقدوا عليه لصلابة أخلاقه، أما اليوم فهم يعطفون ~~ويسخرون. ~~••• # وأنهى سلامة عذابه بأن ذهب إلى المأمور واعترف. # وتأثر المأمور، أمر بالقبض على برهومة، وقال لسلامة: قدم استقالتك كيلا ترفت، إني ~~أعطيك هذه الفرصة إكراما لتاريخك. ~~••• # ولم يهمل سلامة بلا عمل طويلا، فاستخدمه صاحب مخزن الغلال خفيرا عنده. # وعد سلوكه مثالا طيبا عند أناس، كما اعتبر نوعا من البله عند أناس ~~آخرين. # | الحكاية رقم «65» # الشيخ لبيب وجه عتيق في حارتنا، تراءى لعيني معلما من معالم الحارة مثل التكية والقبو ~~والسبيل، كان يتخذ مجلسه قبيل مدخل القبو، على فروة يجلس، وبين يديه مبخرة تنفث رائحة دسمة ~~مخدرة، ذو جلباب أبيض وطاقية خضراء، مكحول العينين ضعيف البصر، يطوق عنقه بمسبحة طويلة ~~تستقر شرابتها في حجره. # تتقاطر النسوان على مجلسه، يجلسن القرفصاء صامتات، يرمين ms66 بمناديلهن وينتظرن كلمة تخرج ~~من فمه، يغمغم ويتثاءب ثم يتمطى، ينطق بكلمة مفردة مثل «تفرج» أو بمثل من الأمثال مثل ~~«يا رايحين ربنا يكفيكم شر الجايين» فتفهم المرأة ما تفهم، فيتهلل وجهها فرحا أو يغمق ~~كآبة، ثم تدس المقسوم تحت طرف الفروة وتمضي. # عاش الرجل دهرا رزقه يجري، وكراماته تروى، واسمه يتردد على شفاه ذوي القلوب الكسيرة ~~وما أكثرهم في حارتنا. ~~••• # ويطعن الشيخ لبيب في السن وتتغير الأحوال. # يندر تردد الزائرات عليه حتى ينقطع أو يكاد، ويتكاثر التلاميذ ممن لا يرعون له حرمة، ~~ويطاردونه بالسخريات والأزجال العابثة، ويهتف الشيخ: ملعونة المدارس المفتوحة لكم. # وتسوء حاله، وصحته أيضا، ويتوعد الناس والزمان بعقاب الآخرة، ويتحسر على أيام ~~الطيبين الذاهبين. ~~••• # وأخيرا يسلم للزمن، يتسول، يمضي هاتفا مادا يده # كل من ~~عليها فان ~~. # | الحكاية رقم «66» # وراء قضبان بدروم يلوح وجه صبي صغير، إذا رأى عابر سبيل أليف المنظر هتف به: يا ~~عم! # فيقف العابر ويسأله عما يريد فيقول: أريد أن أخرج. ~~- وماذا يمنعك؟ ~~- باب الحجرة مغلق. ~~- ألا يوجد أحد معك؟ ~~- كلا. ~~- أين أمك؟ ~~- أغلقت الباب وذهبت. ~~- وأبوك؟ ~~- سافر من زمان. # ويدرك العابر الموقف على نحو ما فيبتسم إليه مشجعا ويذهب، ويلوح وجه الصبي الصغير وراء ~~القضبان وهو يتطلع بشوق إلى الناس والطريق. # | الحكاية رقم «67» # عبده السكري ابن أحد حملة القماقم والمباخر، أسرة فقيرة كثيرة العدد تضمها حجرة واحدة. ~~كان عبده آخر العنقود، فأدخله عم السكري الكتاب فأحرز التفوق من أول يوم، ونصحه ~~سيدنا الشيخ بإلحاقه بالمدرسة الابتدائية، فتردد الرجل مليا بين إرساله إلى معلم ليحترف ~~حرفة وبين طريق المدرسة الطويل، ثم قرر في النهاية إلحاقه بالمدرسة، كان قرارا صعبا، ~~يعني أن يعيش عبده عالة عليه دهرا طويلا بدلا من أن يعينه بيوميته، ولكن تفوق عبده ~~أنساه متاعبه ونفخ جناحيه بالفخر، وعند انتهاء المرحلة الابتدائية قال عم السكري بزهو: ~~أصبح لي ابن من موظفي الحكومة! # ولكن عبده أصر على دخول المرحلة الثانوية، كان يمضي إلى المدرسة ببدلته القديمة ~~المهترئة وحذائه المرقع وطربوشه المزيت، ولكن مرفوع ms67 الرأس بتفوقه، ويتكلم في السياسة ~~أيضا، واستحق بعد ذلك أن يقبل بمدرسة المهندسخانة بالمجان، وأن يختار بعد ذلك عضوا ~~بالبعثة بإنجلترا. من يومها أطلق على عم السكري «أبو المهندس»، وذاع صيته في الحارة، وضرب ~~بذكاء ابنه المثل. كان حلم عم السكري في شبابه أن ينضم إلى عصابة فتوة أو ينتصر في خناقة، ~~ولكن الزمن تغير ويأتي بالأعاجيب! ~~••• # ويشغل عبده وظيفة مرموقة في الوزارة، وبفضله قام أول مصباح غازي في حارتنا. # | الحكاية رقم «68» # من حكايات حارتنا التي لا تنسى حكاية عبدون اللاله. # الأب كان عاملا في البوظة والأم بياعة باذنجان مخلل، أما عبدون فيعمل صبيا في ~~الفرن. # يجيء بالعجين ويذهب بالخبز، ولكنه شاب ولا كل الشبان، يحب سلمى بنت ونس الكناس فيتزوج ~~منها ويمارس حياة زوجية سعيدة وهادئة. # نشيط ذو همة عالية، يعمل من طلعة الصبح حتى أول الليل، لا يرتاح ولا يهمد، لا يتذمر ولا ~~يشكو، المعلم يقدره والزبائن يحبونه، يصلي العشاء في الزاوية، يحضر الدرس يؤاخي الإمام ~~ويسترشد بآرائه فيما يعن له من مشكلات، نزهته الوحيدة سماع الشاعر في المقهى ثم يرجع ~~إلى بيته متسوقا بطيخة أو خيارا أو سمكا مقليا. # وهو حليم يتحمل نزوات المعلم، وسخافات بعض الزبائن، وسخريات الأصدقاء بأدب ~~وابتسام. # ما أعجبه في حارتنا، كأنه لا يسمع سبابها ولا يشهد منازعاتها ولا يتعامل مع أهل المعاصي ~~والفتن من أهلها. ~~••• # وذات يوم يظهر في الحارة بجلباب أبيض كالحليب وطاقية مزركشة ومركوب أحمر، وكلما التقى ~~بصاحب عانقه أو بذي مقام قبل يده، وقد أضرب عن العمل، ولم ينطق في ذلك اليوم إلا بجملة ~~واحدة قال: اقتربت الساعة. # ويختفي ساعة ثم يلوح فوق سطح القبو وهو يستقبل الحارة بوجهه صامتا، ويتعجب الناس ~~ويتجمهرون عند القبو، كيف صعد عبدون إلى سطح القبو؟ ماذا يفعل في مرتع الثعابين ووكر ~~العفاريت؟ # ينادونه فلا يرد. # ثم يثب من أعلى السطح فيتهاوى حتى يرتطم بعنف بأرض الحارة. # وأقول لنفسي كلما تذكرت مصرع عبدون اللاله: أن أعرف لماذا أحيا أسهل كثيرا من أن ~~أعرف لماذا ms68 عبدون انتحر! # | الحكاية رقم «69» # نادرا ما يخرج إلى الحارة، وإذ يخرج لحاجة يمضي مهرولا، في عينيه حذر وتوجس، في ~~أذنيه صمم يغلقهما دون اللعن ويفتحهما لما ينتفع به، لا يخترق القبو، لا يزور المقابر، يعيش ~~وحيدا في بدروم، لم يتزوج، لم يذعن لنزوة، يقرض النقود بالربا، يدعى أبو ~~المكارم. # ويلعنه الناس ولكنهم يقصدونه عند الضرورة. # وبلغ السبعين من العمر، يتجمع لديه مال وفير، ثم يكف عن العمل. # يتغير حاله، تظهر عليه أعراض غريبة، يرى من نافذة البدروم وهو متربع على الأرض مستقبلا ~~الجدار بوجهه، تمضي الساعات وهو لا يتحرك. # ويذهب ذات مساء إلى الإمام فيقف أمامه صامتا حتى يسأله الشيخ: لماذا جاء أبو ~~المكارم؟ # فيقول بلا مقدمات: حلمت حلما. # فيسأله عنه فيقول: جاءني شخص في المنام وأمرني بأن أحرق مالي عن آخره! # فيبتسم الإمام ويقول: ربنا يجعله خيرا. ~~- ولكنه يتكرر ليلة بعد أخرى! ~~- ما شكل ذلك الزائر؟ ~~- لا أدري، جفناي ينطبقان في حضرته. # فيسأله الإمام باهتمام: من نوره؟ ~~- أظن ذلك! ~~- هل أعلن عن هويته؟ ~~- كلا. # فيصمت الإمام مليا ثم يقول: أتستطيع أن تتصدق بمالك على الفقراء؟ # فيرمقه بريبة ثم يذهب. # وذات يوم من أيام الصيف، وأديم الأرض والجدران تشتعل بنار الشمس المحرقة، يتنبه الناس ~~إلى دخان يتصاعد من نافذة بدروم أبو المكارم، يهرعون إلى النافذة فيرون أبو المكارم واقفا ~~عاريا تماما والنار تشتعل في ماله. ~~••• # ويهيم بعد ذلك على وجهه عاريا، يلتقط الطعام من أكوام القمامة، ثم يقبع في ظلمة القبو. ~~ويعثر عليه يوما ميتا تحت القبو فيدفن في قبور الصدقة. # ويرى أحد الأعيان حلما، يزوره سيدنا الخضر، ويبلغه أن أبو المكارم ولي من أولياء ~~الله، وأنه - العين - مكلف بإقامة ضريح فوق قبره. # ويقيم الرجل الضريح، وبمرور الزمن تتلاشى ذكريات أبو المكارم وتبقى له الولاية. # وأسأل أبي: وكيف عرف الوجيه أن سيدنا الخضر هو الذي زاره في المنام؟ # فيجيبني: لعله صارحه بذلك. # فأسأل: لو كان أبو المكارم وليا حقا ألم يكن الأفضل أن يتصدق بماله على ~~الفقراء؟ ~~- في تلك الحال ms69 كنا نعده محسنا لا وليا! # ثم يستطرد بعد صمت: العبرة بالحلم، لقد من الله عليه بحلم، فهل تملك أنت حلما ~~مثله؟ # | الحكاية رقم «70» # سحب الخريف تتراكم فتقطر قتامة على حارتنا، ها هم الباعة يترنمون بحلاوة الجوافة ~~والبطاطا. # ويشير رجل نحو القبو ويهتف: يا ألطاف الله! # ينظرون فيرون رجلا خارجا من ظلمات القبو، عاريا كما ولدته أمه، يتأوه ويترنح، ~~تخذله ساقاه فيقع على الأرض، ثم ينهض متشبثا بالجدران، يتلفت حواليه ويبكي. # يهرع إليه أهل الخير، يغطونه، يضمدون جرحا غائرا في رأسه، يسألونه: ماذا حدث ~~لك؟ # ولكنه لا يجيب فيسألونه: من أنت، ما اسمك؟ # يواصل أنينه بلا جواب فيسألونه: من أين أتيت؟ # لا جواب ولا أمل في جواب: أي مكان تقصد؟ # وبالتخمين وحده يعرف على نحو ما ما وقع له، فيؤمن الجميع بأنه ضحية لقطاع ~~الطرق. # ويندمل الجرح ولكن العقل يذهب فيصبح من أهل اللطف، ويعيش في الحارة لا يبرحها، آنسا إلى ~~ما يلقى من ستر ورحمة، تطعمه الصدقات، ينام تحت القبو شتاء، وعند سور التكية صيفا، كلامه ~~هذيان أو أصوات مبهمة، يضحك ويبكي لغير ما سبب، ويظل مجهول الاسم والأصل والهوية ~~والهدف. # ولما كانت دواعي الإهمال والاحتقار هي نفس دواعي الإجلال والتعظيم في حارتنا، فإن عبد ~~الله - هكذا سمي باعتباره اسم من لا اسم له - يحتل مع الأيام مكانة سامية وتتحلق ~~حوله هالة مبهمة من القداسة، يحيونه، يلاطفونه، يتوددون إليه، يحيطونه بأسرار، ~~يؤولون أصواته المبهمة يتوارون وراءه إزاء المصائب المجهولة والأقدار الخفية. # وأسمع ذات يوم رجلا يدافع عن «ولاية» عبد الله، فيقول: أي فرد منا لا تتيسر له الحياة ~~إلا بفضل معرفته للأصل الذي جاء منه والهدف الذي يسعى إليه، أما عبد الله فقد تيسرت له ~~الحياة وحظي ببركاتها مع جهله بكل ذلك، ومن ينعم بملكوت الحياة وهو يجهل أصله وهدفه ومعنى ~~حياته جدير بالولاية والتقديس! # | الحكاية رقم «71» # رجل غريب في المقهى. # الغريب في حارتنا يسترعي النظر، فمن أين جاء الرجل؟ # جاء من ناحية القبو وهو ما يعني أنه جاء من ms70 ناحية القرافة غير مبارك الخطوات. # ويمضي الغريب إلى الزاوية فيسلم على الإمام وهو يقول: لا خاب من استرشد. # فيقول له الإمام: نهديك بما نعلم والهداية من الله. ~~- إنما أريد معلومات عن يوسف المر؟ ~~- لماذا يا أخي؟ ~~- كلفني بذلك أناس طيبون وأنت سيد العارفين. # فأدرك الإمام أن الرجل ينشد المعلومات لحساب أهل فتاة يريد يوسف أن يتزوج منها، فقال: ~~ولكنه متزوج! ~~- الدين يسر والحمد لله! ~~- عائلة المر قديمة في الحارة وحرفتهم العطارة. ~~- وعمره! ~~- في الثلاثين، يعمل في دكان أبيه، له ثلاثة أبناء. ~~- يغيب أحيانا عن الحارة أسبوعا أو أكثر؟ # فيبتسم الإمام ويقول: يبدو أنك تعرف عنه الكثير، ولكنه يغيب في رحلات تجارية. # ثم يتساءل الإمام: من الذي كلفك بالتحري؟ # فيقول معتذرا: لست في حل من ذكره. # فيتضايق الإمام ويسأل بجفاء: وحضرتك من تكون؟ ~~- أدعى عبد الآخر المقاول. ~~- أي مقاولات؟ ~~- كلا، إنه لقبي، أما عملي فطحان غلال. # ويودعه ثم ينصرف. # ويتناهى الخبر إلى يوسف فيدهش، فيحلف بالله على أنه لا يسعى لزواج جديد، وما خطر له ذلك ~~على بال، وتكثر التساؤلات عن الغريب وسره، تحتدم مليا ثم تخف وتتلاشى. # وذات مساء يرى الغريب قادما من ناحية الميدان. # يشق الحارة بلا توقف حتى يختفي في القبو، ثم يميل إلى الممر الضيق بين السور العتيق ~~وبين سور التكية ويمضي نحو القرافة. # ويعلم يوسف المر بخبره، فينطلق في أثره حتى يغوص في ظلمة القبو. # وتمضي ساعة فيقلق الأب، ويذهب في أثر ابنه حاملا فانوسا لينير له الطريق مصحوبا ببعض ~~عماله. # في القبو تترامى إليهم تراتيل الأوردة الأعجمية، آتية من التكية، وفي الساحة، وعلى ضوء ~~الفانوس، يعثرون على يوسف المر مطروحا على الأرض وقد فارق الحياة. # ومع أن الطبيب الشرعي قرر فيما بعد أن الرجل مات بالسكتة، إلا أن قراره لم يحترم لحظة ~~واحدة في حارتنا. # يهزون رءوسهم ويتمتمون: الرجل الغريب! # ولكن من الغريب؟ ولم قتل يوسف المر؟ # هنا تتبادل النظرات وتتناجى الهمسات وتنداح في الجو موجة من الأسرار الخارقة. # | الحكاية رقم «72» # وعكلة الصرماتي حكايته حكاية ms71 . # كان أبوه صاحب سيرك، كان قويا وخلاقا، يشتهر علكة منذ صباه بالرشاقة الخلابة في ~~الملعب. # يتوفى الأب فيهجر الابن السيرك بلا سبب مقنع، ينضم إلى عصابة فتوة، فيثبت صلابته وينال ~~حظا من الثروة، وهو ذو رائحة خفية تجذب أشواق النساء، فيستوي على عرش الهوى فتنة للقلوب، ~~ويوغر صدور الرجال حتى يقول له الفتوة: تأدب وإلا شوهت وجهك. # وكأن قلبه لا يعرف الحب الحقيقي، يهيم بالمرأة حينا ثم ينبذها، وتفوق غزواته كل خياله، ~~ويؤمن أناس بأنه يؤاخي الشياطين ويستعمل السحر. # وفجأة يتزوج. # يتزوج من أرملة تكبره بأعوام لا جمال لها، ويستقر في بيت الزوجية استقرارا يبشر ~~بالدوام. # ويزهد في الفتونة كما زهد في السيرك من قبل ويفتح دكان حلوى، ويربح ثروة لا بأس ~~بها. # وبعد أعوام قليلة يسأم تجارته الرابحة فيصفيها، ويفتح مطعم لحمة رأس وكبدة، فينجح ~~ويحقق ثروة أكبر من الأولى. # ويجتاحه حب المال، يحل من نفسه محل النساء والسيرك والفتونة، فيتاجر في المخدرات ~~والأراضي، ويبتاع بيتا ودوكارا ويتحلى بالذهب. # ويقرر ذات يوم أن ينقل مقامه من الحارة إلى المدينة الكبيرة، يبني قصرا ويعيش عيشة ~~الأكابر، ويشتري عزبة، ثم لا يرى في حارتنا إلا عند عقد الصفقات. # ويعشق الترحل، وما أن يجربه حتى يخلب لبه، فهو يوما بالإسكندرية ويوما في أسوان، ~~ويزور البلاد العربية، بل ويغامر برحلات في أوروبا. # عندما تعجبه بقعة من الأرض يفتتن بها، ويصرح بأنه لن يبرحها حتى نهاية العمر، ثم ~~يعتادها ويروم غيرها، ويعذبه عشق الأماكن كما عذبه عشق النساء والمال وغيرها من قبل، ~~وبين كل رحلة وأخرى يرجع إلى حارتنا لرؤية الأصدقاء وعقد الصفقات. # ويجلس ذات مساء بين أصدقائه من تجار المخدرات فيتساءل: ماذا يمكن أن يصنع الإنسان ~~أيضا؟ # ويحدثهم عن رحلاته وهم يتابعونه بغير مبالاة، شأن من لا يغادر الحارة إلا لضرورة. # ويتساءل عكلة: ترى أين جبال الواق؟ # ثم يتساءل مرة أخرى: وأين سور الدنيا؟ وإذا أطل الإنسان منه فماذا يجد؟ ~~••• # وتترامى عنه أخبار وأخبار. # يقال إنه أدمن الشراب، يقال إنه يدمن المقامرة، يقال ms72 إنه يرتكب حماقات لا عد لها ولا ~~حصر. # ويطول غيابه في الخارج حتى يظن أنه لن يرجع. # واعتبره الأهل مفقودا. # وتمضي السنون. # وذات صباح يعثر على جثة كهل في الساحة أمام التكية شبه عار. # ويتعرف أهل حارتنا فيه على عكلة الصرماتي، ينظرون إلى جثته ذاهلين متسائلين وهو معزول ~~عنهم بالصمت الأبدي والسر المنطوي. # كانت حياته أسطورة، وموته لطمة. # | الحكاية رقم «73» # مصطفى الدهشوري ابن سقاء، ولكنه من القلة الراسخة في العلم في حارتنا، وهو أحد ~~المدرسين بمدرستنا وصديق لأبي. # يسأل أبي وهو يجالسه ذات مساء في بيتنا: ما معنى الحياة؟ # يبتسم، ولما يجده جادا في سؤاله ومصرا عليه يحدثه بما يعلم عن الأصل والهدف، ~~والحياة والموت، والبعث والحساب، فيقول الدهشوري: إذن فأنت واثق من كل شيء، من الحياة ~~والموت وما بعد الموت، أعندك فكرة عما يحدث في القبر؟ # فيحدثه أبي عن التلقين وحساب الملكين ومستقر الروح وشفاعة النجاة في الآخرة، وعند ~~ذلك يقول الدهشوري: إليك قصة الجسد البشري ساعة بساعة من الوفاة حتى يستحيل هيكلا ~~عظميا. # ويردد حديثا مرعبا ومقززا كأنه كابوس طويل، فيهتف أبي محتجا: كفى، ماذا ~~تريد؟ ~~- أريد أن أصور لك حقيقة لا شك فيها. # فيسأله أبي ساخرا: ألا تؤمن بالله؟ # فيبتسم قائلا: بلى، لا حيلة في ذلك. # ثم يواصل حديثه: ولكنه لا يتصل بي وأنا عاجز عن الاتصال به، بيننا صمت قاتل وأرى في ~~الحالة شرا لا تفسير له، وأرى في الطبيعة عجزا ونقصا، ولا أفهم لذلك معنى، فلم أشك في ~~أنه - سبحانه - قرر أن يتركنا لأنفسنا، بلا اتصال وبلا عناية! # ويصارحه أبي بأنه يجدف تجديفا خطيرا، ولكن الدهشوري يستمر قائلا: وإذن فالإيمان ~~بالله يقتضي الإيمان بتجاهله لعالمنا، كما يقتضي منها الاعتماد الكلي على النفس ~~وحدها. # وسأله أبي غاضبا: أتتخيل حال الناس لو آمنوا بفكرتك؟ ~~- لن يكونوا أسوأ مما هم بحال من الأحوال، وثمة أمل بأن يكونوا أحسن. # ثم يشرح فكرته قائلا: لا تخش أن يأخذ الناس الحياة مأخذ العبث، إذ إنها أمانة ملقاة ~~علينا، ولا مفر من ms73 حملها بكل جدية وإلا هلكنا، وإذا أمكن أن يوجد أحيانا أمثال الخيام ~~وأبي نواس، فإنما يوجدون لا بفضل فلسفتهم ولكن بفضل الجادين الكادحين الذين يقومون بحمل ~~الأمانة عنهم، ولو اعتنق الجميع مذهب العبث، فمن يصنع لهم الخبز والخمر والرياض؟ وإذن فلا ~~تخش أن يأخذ الناس الحياة مأخذ اللهو إن وجدوا أنفسهم في عالم بلا إله، لا مفر من ~~الجدية، ومن الإبداع، ومن الأخلاق، ومن القانون، ومن العقاب، وقد يستعينون أيضا بالعقاقير ~~الطبية لمقاومة الضعف في السلوك والتفكير كما يستعينون بها في مقاومة الأمراض، وسيفعلون ذلك ~~بإصرار، ولن تهون عزيمتهم بسبب أنهم يجدون أنفسهم في سفينة بلا مرشد في بحر بلا شطآن في ~~زمن بلا بداية ولا نهاية، ولن تختفي البطولة ولا النبل ولا الاستشهاد. # ويتريث قليلا متسامحا مع غضب أبي وسخريته ثم يستطرد: وذات يوم سيحقق الإنسان نوعا ~~من الكمال في نفسه ومجتمعه، وعند ذاك، وعند ذاك فقط، ستسمح له شخصيته الجديدة بإدراك معنى ~~الألوهية وتتجلى له حقيقتها الأبدية. # ويتواصل النقاش حتى ينال منهما التعب، ثم يتساءل مصطفى الدهشوري باهتمام: كيف يمكن أن ~~أنشر أفكاري في حارتنا؟ # فيقول له أبي بحدة: أهل حارتنا غارقون في هموم الحياة اليومية، يطحنهم الفقر والجهل ~~والبطش والعداوة. ~~- ولكنها مشكلات لا تحل الحل الأمثل إلا بأفكاري؟ ~~- أهل حارتنا لا يفهمون إلا لغة واحدة هي اللغة المشتقة من همومهم، الحاوية لعذاباتهم، ~~المقدسة بأوراد الكائن المرجو عند الشدة الذي تريد أن تنزعه من قلوبهم. # ورغم حرص مصطفى الدهشوري، تنسب إليه أفكار خارقة تسيء إلى سمعته بين الناس، فيثير لغطا ~~يفصل بسببه من وظيفته وتتجهمه الحياة في حارتنا. # | الحكاية رقم «74» # الأعور يتأهل لموعد غرامي في الساحة أمام التكية، يعزم على إنعاش شجاعته بكم قرعة من ~~البوظة، ولكنه يسترسل في الشرب حتى يفقد ذاته تماما. # يغادر الخمارة عقب منتصف الليل، فيذوب في الظلام، ويذوب في الحب، ولا يدري أين يتجه، ~~يرتطم في الظلام بنؤنؤ المجنون، وهو يهيم على وجهه، حيث إن جنونه غير مؤذ، فيقبض على ذراعه ~~دون أن ms74 يعرفه، ويقول له: أرشدني إلى طريق التكية. # فيتحرك نؤنؤ المجنون وهو يقول له: لا تترك ذراعي .. لماذا تريد التكية في هذه الساعة من ~~الليل؟ ~~- أتريد الحق؟ إني ذاهب للقاء حبيبتي. ~~- عظيم .. وأنا ذاهب أيضا للقاء حبيبتي. ~~- في الساحة مثلي؟ ~~- بل في التكية نفسها. ~~- ولكن الأسوار عالية. ~~- لا مستحيل في الليل. # ويكاد الأعور أن يسقط من شدة الترنح فيقول متشكيا: نحن نسير منذ عام ولم نصل ~~بعد؟ ~~- لم يمض على سيرنا إلا أسبوع واحد. # فيعتذر الأعور عن خطئه فيقول: الزمن لا يرى في الظلام. ~~- والمحبوبة هل ترى في الظلام؟ # فيضحك السكران ويقول: إني لا أعتمد على عيني للتعرف على المحبوبة. ~~- إذن فأنت مجنون! ~~- ولكن أين التكية؟ ~~- نحن لم نسر بشهادتك إلا أسبوعا واحدا. ~~- ولكني أقطع الحارة نهارا في ربع ساعة. ~~- في الليل تطول المسافة، ألا ترى أننا لا نتوقف عن السير؟ # ويدوخ الأعور، وتعجز ساقاه عن حمله، فيسقط على وجهه، ويروح في سبات عميق لا يستيقظ منه ~~إلا مع أول شعاع للشمس، ينظر فيما حوله بذهول فيجد نفسه أمام الخمارة لم يبتعد عنها خطوة ~~واحدة. ~~••• # ويقول راوي هذه الحكاية - صبي الخمارة - إنه كان يقف عند الباب، يسمع حوار السكران ~~والمجنون، ويراهما وهما يدوران حول نفسيهما متوهمين أنهما يتقدمان. # ومن يومها والمثل يضرب بهذه الحكاية في حارتنا فيقال لمن يسترشد بمن لا يرشد: «أنت سكران ~~وهو مجنون فكيف تصلان إلى التكية؟» # | الحكاية رقم «75» # يدخل عمر المرجاني البوظة في غاية من الأبهة والأناقة. # جلبابه الأبيض يشع نورا، عمامته المقلوظة تتوج رأسه، مركوبه الأحمر يتألق، تحت ~~إبطه خيزرانة رشيقة. # يحيي الحاضرين ببشر ويقول: لتمتلئ قلوبكم بالهنا والأفراح. # ويكرع أول قرعة فتتحرك النشوة في أعماقه ويبتسم. # وعقب القرعة الثانية تعانقه فرحة شاملة فيهتز طربا ويقول لمن حوله: صدقوني إن الحزن ~~في هذه الدنيا ليس إلا وهما عابرا. # ويفرغ القرعة الثالثة في جوفه ويقول: ملعون من يلعن الدنيا، لقمة حلوة ومرة، حلوة ~~وإيمان حلو، ماذا تريدون بعد ذلك؟ # ويقف برشاقة فيلعب بعصاه ويقول: أنا سعيد يا ms75 جدعان! # ويرقص بخفة وبهجة! # وإذا بصوت خشن لم يحدد مصدره يهتف به: نريد الهدوء. # ولكنه يواصل الرقص، ويأخذ في الغناء أيضا: # شوفوا العجب حبيت فلاحة # فيعود الصوت الخشن قائلا: احترم نفسك واجلس! # ولكنه يستمر في معانقة الفرحة. # ويرتفع نبوت في الهواء ثم يهوي على رأسه! # عند ذاك يتوقف عن الرقص، يسكت عن الغناء، تتصلب سحنته نافضة عنها لآلئ السعادة .. ثم ~~يتهاوى على الأرض. # | الحكاية رقم «76» # بسرعة الشهب انتشر خبر يقول إن الحكومة ستهدم التكية ضمن مشروع للمرافق العامة، في ~~لحظة يصير حديث البيوت والدكاكين والوكالات والغرز والبوظة والخرابات في حارتنا. ~~- حارتنا ميمونة ببركة التكية. ~~- الخضرة والأزهار لا ترى إلا في التكية. ~~- والأغنيات الإلهية أين تسمع إلا في التكية. ~~- وما المكان الذي لم يضمر أذى لإنسان إلا التكية. # وبالبحث والتحري تكشف حقيقة غريبة وهي أن صاحب المشروع هو المهندس عبده السكري ابن ~~حارتنا! # ويقول عبده: التكية تعترض مجرى الحارة كالسد، وتحول دون انطلاقنا نحو الشمال. # فيقولون له: وهل علمت أننا متضايقون من ذلك؟ وألا يوجد أكثر من سبيل إلى الشمال؟ ~~- لا تنسوا أن القرافة ستنقل عما قريب إلى صحراء الخفير وسيحل محلها عمران شامل. ~~- طول عمرنا نسمع أن القرافة ستنقل. وها هي باقية لا تتحرك، فكيف هان عليك أن تقترح ~~إزالة التكية المباركة؟ # واشتد النقاش، وحمي الانفعال، وكتبت العرائض، وحل بحارتنا توتر وحزن لم تعرفهما من ~~قبل. # ويرتفع صوت معتدل يقول: لا وجه للعجلة، فلننتظر حتى يتقرر بصفة نهائية نقل القرافة، ويشرع ~~في ذلك بالفعل، عند ذاك يحق لنا أن نناقش مسألة هدم التكية. # وغلب هذا الرأي فتراجعت الوزارة وتأجل المشروع. # أما الأكثرية فقد رفضت الفكرة جملة وتفصيلا. # وأما القلة المعتدلة فهي تقول: فلتبق التكية ما بقيت القرافة. # | الحكاية رقم «77» # أنور جلال جالس على سلم السبيل الأثري وهو يضحك عاليا، أنظر إليه فيخطر لي أنه سكران أو ~~مسطول فأمضي نحوه وأجلس إلى جانبه ثم أسأله: ماذا يضحكك؟ # فيجيبني وهو لا يكف عن الضحك: تذكرت أنني طالب بين طلبة متنافسين، في مدرسة ms76 تجمع بين ~~طلبة الأزقة المتخاصمة، في حارة وسط حارات متعادية، وأني كائن بين ملايين الكائنات ~~المنظورة وغير المنظورة، في كرة أرضية تهيم وسط مجموعة شمسية لا سلطان لي عليها، والمجموعة ~~ضائعة في سديم هائل، والسديم تائه في كون لا نهائي، وأن الحياة التي أنتمي إليها مثل نقطة ~~الندى فوق ورقة شجرة فارعة، وأن علي أن أسلم بذلك كله ثم أعيش لأهتم بالأحزان والأفراح، ~~لذلك لا أتمالك نفسي من الضحك. # فأضحك معه طويلا حتى يحدجني بنظرة ساخرة ويسألني: هل تضمن أن تشرق الشمس غدا؟ # فأقول بثقة: أستطيع أن أراهن على ذلك. # فيقول وهو يضحك: طوبى للحمقى فهم السعداء. # | الحكاية رقم «78» # عرفت الشيخ عمر فكري في بيتنا وهو في زيارة لأبي، هو كاتب محام متقاعد، فتح عقب تقاعده ~~مكتبا للأعمال لمعاونة أهل حارتنا في شئون الحياة بعد أن توثقت أسباب الاتصال بين الحارة ~~وبين المدينة الكبيرة، ويقع مكتبه فيما بين الزاوية والمدرسة، ويقدم خدمات متنوعة ~~للقاصدين، مثل تأجير البيوت ونقل الأثاث وتجهيز الجنازات والسمسرة التجارية وشئون الزواج ~~والطلاق. # سمعته وهو يقول لأبي بكل ثقة واعتزاز: من خبرتي الطويلة أستطيع أن أقدم شتى الخدمات ~~في أي ميدان من ميادين الحياة! # تحركت في أعماقي رغبة قديمة كامنة فسألته: أتستطيع أن تقدم لي خدمة؟ # فنظر إلي باسما وسألني: ماذا تريد يا بني؟ ~~- أريد رؤية شيخ التكية الأكبر! # فضحك الشيخ عمر عاليا، وشاركه أبي، ثم قال: إن الخدمات التي أقدمها جدية وتتعلق بجوهر ~~الحياة العملية! ~~- ولكنك قلت إنك تقدم شتى الخدمات في أي ميدان من ميادين الحياة! ~~- ولكن التكية خارج أسوار الحياة؟ ~~- هي ليست كذلك في الواقع. # وقال لي أبي: أسمعه بعض ما تحفظ من أشعارها. # فرددت بسرور: بلبلي خون دلي خورد وكلي حاصل كرد. # فقال الشيخ عمر فكري مخاطبا أبي: ما أكثر الذين يرددون هذه الأشعار بلا فهم، «ثم ~~ناظرا نحوي» أتفهم معنى كلمة واحدة مما رددت؟ # فهززت رأسي نفيا فقال: إنهم غرباء ذوو لغة غريبة، ولكن حارتنا مجنونة بهم. # فقلت له: إنك قادر على ms77 كل شيء. # فتمتم أبي: أستغفر الله العظيم. # وسألني الشيخ: وما أهمية رؤية شيخ الدراويش لك؟ ~~- لأتأكد من تجربة مرت بي في طفولتي. # وقص عليه أبي قصتي القديمة فضحك الشيخ عمر وقال: أعترف لكما بأنني رغبت ذات يوم في رؤية ~~الشيخ الأكبر. ~~- حقا؟! ~~- قلت لنفسي إن الحارة كلها تردد ذكره رغم أنه لا يكاد يزعم أحد أنه رآه، وولعت بفكرة ~~رؤيته ولع الأطفال، ماذا يحول بيني وبين ذلك؟ ومضيت إلى التكية، طلبت مقابلة أي مسئول ~~بها، ولكنهم لاقوني من وراء السور بتجهم وقلق، ولم يبدوا أي استعداد للتفاهم، تكلمت ~~بالإشارة فأجفلوا وأوجسوا خيفة، حتى أسفت على ما أحدثت لهم من اضطراب، ورجعت معترفا ~~بحماقتي، يائسا من تحقيق فكرتي بالاتصال المباشر، مقتنعا في الوقت نفسه بأن اقتحام التكية ~~بالطريق المشروع متعذر أو مستحيل، وأن اقتحامها بالتسلل خرق للقانون لا شك فيه، لا ~~يتوقع من رجل يقوم عمله في الحياة على احترام القانون. ~~- هكذا عدلت عن رغبتك؟ ~~- لم أعدل عنها كما ظننت، ولكنني جربت وسيلة ثانية، طفت بالطاعنين في السن من أهل حارتنا ~~ممن عرفوا بالتقوى، فادعى بعضهم أنهم رأوه، ولكن لم يتفق اثنان منهم على وصف محدد ~~له، اختلفوا لحد التناقض، وهذا يعني في نظري أن أحدا منهم لم يره. # فقلت بحماس: ولكني رأيته. ~~- إنكم لا تكذبون ولكنكم تتخيلون. ~~- وما وجه الاستحالة في رؤيته، ألا يخطر له أحيانا أن يتمشى في الحديقة مثلا؟ ~~- ومن أين تعلم أن الذي تراه هو الشيخ الأكبر وليس درويشا من الدراويش؟ ~~- وهكذا نفضت يدك من المسألة؟ ~~- أبدا، كنت مجنونا أكثر مما تتصور، ذهبت إلى ديوان الأوقاف متحديا، حصلت على ~~معلومات لا بأس بها عن أوقاف التكية وعن فرقتهم الصوفية، عن الدرويش المخصص لتسلم ~~الريع، ولكن لم أعثر على كلمة واحدة تخص الشيخ الأكبر، فضلا عن كراماته التي تؤمن بها ~~حارتنا. # فغصصت بالخيبة ورمقته بحنق، ثم قلت: توجد وسائل أخرى ولا شك؟ # فقال باسما: يوجد العقل، هو الذي خلصني من رغبتي المحمومة، قال لي إننا نرى التكية ~~والدراويش ms78 ، ولا نرى الشيخ الأكبر! # فسأله أبي: هل يصلح هذا دليلا على عدم وجوده؟ ~~- إنه لا يقول ذلك، إنه يقرر حقيقة نعرفها جميعا وهي أننا نرى التكية والدراويش ولا ~~نرى الشيخ الأكبر. # فقلت: ولكن توجد وسيلة ولا شك للتثبت من وجوده ومن رؤيته؟ ~~- لن يتأتى ذلك بالطرق المشروعة فيما أعتقد، وإني كما تعلم لا أحيد عن القانون ~~أبدا. # فضحك أبي وقال: اعترف أنه توجد خدمة واحدة على الأقل لا تستطيع أن تؤديها يا شيخ ~~عمر. # فجاراه في ضحكه قائلا: ليكن، ولكن ما جدوى رؤية الشيخ الأكبر؟ ألم تكن رغبة ~~مضحكة؟! # فسألته بحرارة: لم يغلقون في وجوهنا الأبواب؟ ~~- التكية شيدت في الأصل في خلاء؛ لأنهم قوم ينشدون العزلة والبعد عن الدنيا والناس، ~~ولكن بمرور الزمن امتد العمران إليهم، وأحاط بهم الأحياء والأموات فأغلقوا الأبواب كوسيلة ~~أخيرة لتحقيق العزلة. # وابتسم ابتسامة فاترة وقال: لقد مددتك بكافة المعلومات الممكنة، وهي وإن تكن غير مجدية ~~في تحقيق رغبتك، إلا أنها قاطعة في أنه لا يمكن تحقيق الرغبة إلا بوسيلة غير مشروعة خارقة ~~للقانون. ~~••• # تلك ذكرى لا تنسى. # وحتى اليوم لم أجد الشجاعة الكافية لمخالفة القانون، ولكنني في الوقت نفسه لا أستطيع ~~تصور تكية بلا شيخ أكبر. # وبمضي الأيام لم أعد أرى التكية إلا في موسم زيارة المقابر، فألقي عليها نظرة باسمة، ~~وأستقبل ذكرى أو أكثر، وأحاول أن أتذكر صورة الشيخ أو من توهمت ذات مرة أنه الشيخ، ثم ~~أمضي نحو الممر الضيق الموصل إلى القرافة. ms79