######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Jarima.Hindawi47303707 #META# Tags: novels #META# ID: 47303707 #META# Title: الجريمة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المطاردة‏ # تحقيق‏ # الحجرة رقم 12‏ # الطبول‏ # العريس‏ # العري والغضب‏ # الجريمة‏ # المقابلة السامية‏ # أهلا‏ # المطاردة‏ # تحقيق‏ # الحجرة رقم 12‏ # الطبول‏ # العريس‏ # العري والغضب‏ # الجريمة‏ # المقابلة السامية‏ # أهلا‏ # | الجريمة # | الجريمة # تأليف # نجيب محفوظ # | المطاردة # مسرحية من فصل واحد # 1 ~~(المسرح خال تماما. يدخل شابان في ميعة ~~الصبا. يرتدي أولهما قميصا أبيض وبنطلونا رماديا قصيرا، ~~وحذاء من المطاط، ويرتدي الآخر قميصا أحمر، وبنطلونا أزرق ~~وحذاء من المطاط. سنطلق على الأول «الأبيض» نسبة إلى قميصه ~~والآخر «الأحمر» نسبة إلى قميصه أيضا، ينظران فيما حولهما ~~باستطلاع واهتمام.) # الأبيض ~~: # مكان مناسب وبه كل ما نحتاج إليه. # الأحمر ~~: # إنه مكان على أي حال ونحن في حاجة إلى مكان. # الأبيض ~~(كمن يتذكر) ~~: # يخيل إلي أننا لعبنا فيه من قبل. # الأحمر ~~(هازئا) ~~: # دائما تقول ذلك. # الأبيض ~~: # أو لعله قريب الشبه منه. # الأحمر ~~: # المهم أنه مكان صالح للعب. # الأبيض ~~: # هذا هو المهم حقا. # الأحمر ~~: # وهو بعيد فلن يهتدي إليه. # الأبيض ~~: # أرجو ذلك. # الأحمر ~~: # لعله يجد ما يشغله عنا. # الأبيض ~~: # لعله. # الأحمر ~~: # كأنه لا هم له إلا التطفل علينا. # الأبيض ~~: # لو نوفق إلى تجاهله! # الأحمر ~~: # كيف وهو لا يتركنا لحالنا؟ # الأبيض ~~: # فلنلعب. # الأحمر ~~: # فلنلعب. # الأبيض ~~: # لنلعب لعبة الأحلام. # الأحمر ~~: # إنها مضجرة وخير منها الملاكمة. # الأبيض ~~: # الملاكمة رياضة عنيفة فلنجر في الهواء ~~الطلق. # الأحمر ~~(ساخرا) ~~: # أنت جبان. # الأبيض ~~(باسما) ~~: # أنت حيوان. ~~(يتوثبان لبعضهما في تحد - يتراجعان ~~وهما يرهفان السمع في قلق.) # الأبيض ~~: # ماذا هناك؟ ~~(الأحمر يشير إليه بالسكوت ويرهف ~~السمع.) # الأبيض ~~: # سمعت شيئا؟ # الأحمر ~~: # وقع أقدام! # الأبيض ~~: # حقا؟! # الأحمر ~~: # اسمع ولا تتكلم. # الأبيض ~~(مرهفا السمع، وقع الأقدام ~~يتضح) ~~: # وقع أقدام حقا. # الأحمر ~~: # هو؟ # الأبيض ~~: # أو أي ذي قدمين. # الأحمر ~~: # لا تتظاهر بعدم الاهتمام. # الأبيض ~~: # أنا لا أحسن التظاهر ولا أحبه. # الأحمر ~~: # ألا يزعجك حقا؟ # الأبيض ~~: # بلى، ولو لدرجة ما. ~~(تقترب الأقدام. يدخل رجل متين البنيان، قوي بصورة ~~واضحة، يرتدي قميصا أسود وبنطلونا أسود وبيده سوط. رغم ~~قوته وشباب ملامحه، فإنه لا توجد شعرة سوداء واحدة في ~~رأسه الأبيض. # تنحى الشابان جانبا وهما ينظران إليه ms01 في حذر. ~~أما هو فوقف منتصب القامة ناظرا فيما أمامه نظرة ~~مجردة بعيدة المرمى، وهو يحرك قدميه (محلك ~~سر) طيلة الوقت.) # الأحمر ~~: # أرأيت؟ # الأبيض ~~: # نعم. # الأحمر ~~: # نذهب إلى مكان آخر؟ # الأبيض ~~: # فلنلعب إن تكن لك رغبة في اللعب حقا. # الأحمر ~~: # تحت عينيه؟ # الأبيض ~~: # ولم لا؟ # الأحمر ~~(ملاحظا الرجل) ~~: # إنه لا يكف عن الحركة رغم أنه لا يبرح مكانه. # الأبيض ~~: # المهم ألا يتدخل في شئوننا. # الأحمر ~~: # ولكنه يتبعنا أينما سرنا. # الأبيض ~~: # لا يعد ذلك تدخلا في شئوننا. ~~(صمت.) # الأبيض ~~: # فلنلعب «وطي البصلة». # الأحمر ~~(يهز منكبيه استهانة) ~~: # فليكن، «وطي». # الأبيض ~~: # وطي أنت أولا. # الأحمر ~~: # بل أنت الأول. # الأبيض ~~: # لا تكن أنانيا. # الأحمر ~~: # لا هم لك إلا المعارضة. # الأبيض ~~: # وأنت تتصرف كأن لا وجود لأحد معك. # الأحمر ~~: # لاعبني «برادي فير» والمغلوب يوطي. ~~(الأحمر ينطرح على بطنه، ويركز ذراعه ~~على كوعه، ناظرا إلى الأبيض في تحد فيضطر هذا إلى أن يفعل ~~مثله، يتصارعان، الأحمر يميل ذراع الأبيض حتى يلصقها ~~بالأرض.) # الأحمر ~~: ~~(صائحا بفرح) # غلبت ... ~~لم يوجد بعد الذي يستطيع أن يغلبني ~~(تلوح منه نظرة نحو الرجل القوي ~~المتحرك، فيبوخ حماسه نوعا) # لم يوجد بعد ~~... ~~(الأبيض ينهض مستسلما، ~~يوطي واضعا يديه على ركبتيه. الأحمر يتراجع ~~مسافة، ثم يجري نحو الآخر، ويثب من فوقه، معتمدا ~~بيديه على ظهره المنحني، ثم يوطي بدوره فيثب ~~الأبيض من فوقه، هكذا تستمر اللعبة حتى يتعثر الأبيض ~~وهو يثب فيرتطم بالآخر ويقعان معا، ويغرقان في الضحك. ~~يقفان وهما يضحكان، ويكف الأبيض عن الضحك ويواصله ~~الأحمر. الأبيض يشير إلى صاحبه بالسكون وهو يرهف ~~السمع، ثم يتراجع به بعيدا عن ~~الرجل.) # الأبيض ~~: # يخيل إلي أنه طالبنا بالكف عن اللعب. # الأحمر ~~: # لم أسمع شيئا. # الأبيض ~~: # ولكني سمعته. # الأحمر ~~: # سمعي أقوى من سمعك. # الأبيض ~~: # ولكنك كنت تضحك. # الأحمر ~~(غاضبا) ~~: # أرى أن نوقفه عند حده ... # الأبيض ~~: # يحسن بنا أن نتجاهله ... # الأحمر ~~: # بأي حق يتدخل في حريتنا؟ ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # وكلما سكتنا زاد في غيه. # الأبيض ~~: # تذكر أنه كان صديقا لوالدنا! # الأحمر ~~: # لا نستطيع أن نحكم، كنا وقتها ms02 صغارا . # الأبيض ~~: # ولكنه لم يكف عن زيارته حتى آخر يوم في حياته. # الأحمر ~~: # لعله كان يتدخل في شئونه، كما يريد أن يفعل ~~معنا. # الأبيض ~~: # لا يبدو أنه شرير. # الأحمر ~~: # ولكن غير بعيد أن يكون به لطف! # الأبيض ~~: # لعل متابعته لنا حيثما نذهب نوع من الرعاية، بحكم صلته ~~القديمة بوالدنا. # الأحمر ~~: # أنت عبيط، ولعله كان ضمن الأشياء التي نغصت صفو أبينا ~~في أواخر أيامه. # الأبيض ~~: # ولكن والدنا لم يذكره بسوء. # الأحمر ~~: # كنا صغارا لا نفقه لما يقال معنى. # الأبيض ~~: # لم يكن لوالدنا أعداء. # الأحمر ~~: # من أدرانا بحقائق ذلك الزمن؟ ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # لماذا يطاردنا؟ # الأبيض ~~: # إن صح أنه يطاردنا حقا فلماذا يطاردنا؟ # الأحمر ~~: # انظر إلى حركته المستمرة، إنه مجنون. # الأبيض ~~: # لا تتسرع في الحكم. # الأحمر ~~: # هل يقبل عاقل أن يقف كما يقف ويحرك ساقيه كما ~~يحركهما؟ # الأبيض ~~: # بعض الناس لا يطيقون السكون. # الأحمر ~~: # ترى ما مهنته؟ # الأبيض ~~: # إنه قوي، خالي البال، فلعله من الأعيان. # الأحمر ~~: # دعنا نناقشه جهارا. # الأبيض ~~: # كلا، مظهره لا يشجع على المناقشة. # الأحمر ~~: # دعني أسأله بضعة أسئلة. # الأبيض ~~: # مثل ماذا؟ # الأحمر ~~: # لماذا يطاردنا؟ # الأبيض ~~: # لن يعترف بذلك، ولا دليل عليه. # الأحمر ~~: # ألم تسمعه وهو يطالبنا بالكف عن اللعب؟ # الأبيض ~~: # حتى ذلك غير مؤكد. ~~(صمت.) # الأبيض ~~: # خير ما نفعل أن نتجاهله. # الأحمر ~~: # لا أستطيع. # الأبيض ~~: # لولا عصبيتك ... # الأحمر ~~(مقاطعا) ~~: # دائما ترميني بعجزك. # الأبيض ~~: # لا حد لمكابرتك. # الأحمر ~~: # أحيانا أود أن أدق عنقك. # الأبيض ~~: # سأضيق بك يوما فأهجرك. ~~(يتواجهان في غضب. الرجل يضرب الهواء ~~بسوطه فيحدث طرقعة شديدة ... يدب الخوف في قلبيهما. ~~ينسيان خلافهما الطارئ. يغادران المكان. الرجل يقف وقفته ~~وهو يحرك ساقيه (محلك سر) ... المكان يظلم.) # 2 ~~(يضاء المسرح. نفس المسرح الخالي. يقف ~~الأحمر والأبيض متواجهين. لقد تغيرا تغيرا ملحوظا. ارتدى ~~كل منهما جاكتة من لون القميص وحذاء جلديا، وأصبح لكل شارب ~~صغير يتبادلان النظر في ارتياح.) # الأحمر ~~: # هيهات أن يتعرف علينا الآن. # الأبيض ~~: # تغيرنا لدرجة لا بأس بها. # الأحمر ~~: # ولكنها كافية لتضليله. # الأبيض ~~: # هذا هو المأمول. # الأحمر ~~: # لا تبدو ms03 واثقا ولا مطمئنا. # الأبيض ~~: # يخيل إلي أحيانا أن التغير سطحي! # الأحمر ~~: # أنت مولع دائما بالتهوين من مهارتي. # الأبيض ~~: # أبدا، استعدادي طيب للاعتراف بمواهبك. # الأحمر ~~: # إذن فلماذا تبدو مرتابا؟ # الأبيض ~~: # أخشى ألا يخدعه مظهرنا الجديد. # الأحمر ~~: # لن يصل إلى حقيقتنا الكامنة وراء الشارب والجاكتة ~~والحذاء. # الأبيض ~~: # عظيم، هذا هو المأمول. # الأحمر ~~: # نحن الآن موظفان من قوة الدولة! # الأبيض ~~: # هذا صحيح و... ~~(يصمت فجأة متنصتا. الآخر يتنصت ~~أيضا.) # الأبيض ~~: # وقع أقدام ... # الأحمر ~~: # لا أظن. # الأبيض ~~: # إنه قادم. # الأحمر ~~: # لعله عابر سبيل مجهول. # الأبيض ~~: # بت أعرف إيقاع قدميه. # الأحمر ~~: # لا تدع امتلاك الحكمة كلها. ~~(يصبح وقع الأقدام مسموعا. يدخل الرجل ~~بنفس الصورة التي ظهر بها أول مرة، ولكنه لا يقف إنما يمضي ~~ذهابا وجيئة في بطء ملحوظ بعرض المسرح وفي عمقه. الشابان ~~ينظران نحوه بذهول. ينتحيان جانبا بعيدا عن مسمعه.) # الأبيض ~~: # أرأيت؟ # الأحمر ~~: # مهلا .. أرجح أنه لم يتعرف علينا. # الأبيض ~~: # أتؤمن بذلك حقا؟! # الأحمر ~~: # لعل الذي يجمعنا هو الطريق والمصادفة ولا شيء ~~سواهما. # الأبيض ~~: # لا بأس من أن نسلم بذلك ... # الأحمر ~~: # فلنتجاهله، ولنمارس عملنا في هدوء وسكينة. ~~(يرجعان إلى وسط المسرح، يتظاهران ~~بالانهماك.) # الأحمر ~~(بنبرة عظمة) ~~: # حررت استمارات الصرف؟ # الأبيض ~~: # لم تبق إلا واحدة. # الأحمر ~~: # أسرع من فضلك لتتم مراجعتها اليوم. # الأبيض ~~: # على أي حال فالخزانة لا تغلق قبل منتصف ~~النهار. # الأحمر ~~: # لا يجوز تأجيل عمل اليوم إلى غد. # الأبيض ~~: # ألا ترى أنه يجب مراجعة ميزانية المصروفات؟ # الأحمر ~~: # أعلم أنها تسمح بالصرف حتى نهاية العام المالي. # الأبيض ~~: # إذن يحسن أن أكتب المذكرة. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # هل لك علاوة هذا العام؟ # الأبيض ~~: # كلا وأنت؟ # الأحمر ~~: # أستحق علاوة هذا العام. # الأبيض ~~: # مبارك. # الأحمر ~~: # ستغرق في خضم أعباء المعيشة. ~~(الأبيض يتنصت فجأة وهو يمد أذنه نحو ~~الرجل المتحرك، ثم يأخذ الآخر من يده بعيدا عن ~~مسمعه.) # الأبيض ~~: # أسمعت؟ # الأحمر ~~: # كلا. # الأبيض ~~: # عاد يطالبنا بالكف عن اللعب. # الأحمر ~~: # متأكد؟! # الأبيض ~~: # بلا أدنى شك. # الأحمر ~~: # اللعنة. # الأبيض ~~: # من السهل خداعه. # الأحمر ~~: # ماذا يريد منا؟ # الأبيض ~~: # الله أعلم. # الأحمر ~~: # واضح ms04 أننا لا نلعب. # الأبيض ~~: # واضح جدا. # الأحمر ~~: # أيظن أنه ولي أمرنا؟ ~~(الأحمر يغضب. يأخذ الأبيض من يده ~~ويذهبان إلى وسط المسرح. الأحمر ينظر نحو الرجل المتحرك ~~متحديا.) # الأحمر ~~: # هل تخاطبنا يا حضرة؟ ~~(الرجل يواصل حركته صامتا.) # الأحمر ~~: # يجب أن تتكلم ... ~~(الرجل يواصل حركته صامتا.) # الأحمر ~~: # نحن موظفان محترمان، ولا نقبل إلا المعاملة اللائقة ~~بكرامة الدولة. ~~(الرجل يواصل حركته صامتا.) # الأبيض ~~: # هل لك حاجة في المصلحة؟ # الأحمر ~~: # عليه أولا أن يجيب ... # الأبيض ~~: # هل لك طلب؟ ... شكوى؟ ... أموال متأخرة؟ ~~(الرجل يواصل حركته صامتا.) # الأحمر ~~: # كيف دخلت الإدارة؟ ... أمعك بطاقة شخصية؟ # الأبيض ~~: # نحن في خدمة الجمهور ... # الأحمر ~~(ثائرا) ~~: # كف عن حركتك اللعينة فقد أدرت رءوسنا! # الأبيض ~~: # وتذكر أن الخزانة تغلق في تمام الثانية عشرة. # الأحمر ~~: # لو رآك المدير وهو ذاهب إلى دورة المياه فلن تحمد ~~العواقب. # الأبيض ~~: # ما زلت أقول إننا في خدمة الجمهور. # الأحمر ~~: # يا ويلك من رجال أمن الوزارة لو رأوك! # الأبيض ~~: # ماذا جاء بك يا سيدي؟ # الأحمر ~~: # طبعا عندك فكرة عن العقوبة التي ينالها من يعتدي على ~~موظف في أثناء قيامه بأعمال وظيفته؟ # الأبيض ~~: # هل تضايقك بعض الشكليات السخيفة؟ # الأحمر ~~: # أنت أدرى بما يضايقك، ومن حقك أن تشكو، ولكن لكل ~~إجراء نظمه المتبعة الواجبة الاحترام. # الأبيض ~~: # وحتى إذا احتاج الأمر إلى رعاية خاصة أو وساطة لها ~~وزنها؛ فستجد عندنا ما يحقق رغباتك المشروعة. # الأحمر ~~: # عليك أولا أن تكف عن الحركة، وأن تتفاهم كما يجدر ~~بالناس الطيبين. ~~(الرجل يواصل حركته، وفجأة يضرب الهواء ~~بسوطه فيحدث فرقعة شديدة ... يتراجع الشابان في ~~خوف.) # الأحمر ~~(بلهوجة) ~~: # أذن موعد الانصراف. # الأبيض ~~: # هيا بنا إلى معركة المواصلات. ~~(يغادران المكان بسرعة، وفي خوف لم ~~يفلحا في إخفائه. يستمر الرجل في حركته. يظلم ~~المسرح.) # 3 ~~(يضاء المسرح. الأحمر والأبيض متواجهان بنفس ~~الحال التي رأيناهما عليها، عدا الشارب الذي امتد ونما فأضفى ~~عليهما مظهر رجولة لم تجاوز حدود الشباب.) # الأحمر ~~: # أليست فكرة بارعة؟ # الأبيض ~~: # وطبيعية، وتهيئ لنا استقرارا. # الأحمر ~~: # الزواج هناء، ومصاهرة تقوي مركزنا وسواعدنا، وفي ~~إطار الصورة الجديدة ms05 لن يتعرف علينا . # الأبيض ~~: # هو خير من العزوبة على أي حال. # الأحمر ~~(في عصبية) ~~: # لا أراك متحمسا. # الأبيض ~~: # بل إني مرحب جدا بالفكرة. # الأحمر ~~: # لا أرى أثرا للحماس في وجهك. # الأبيض ~~: # الزواج فكرة طيبة، ولكن هل يغيرنا للدرجة التي ~~تضلله عنا؟ # الأحمر ~~: # أعتقد ذلك. # الأبيض ~~: # فلنجرب والله معنا. # الأحمر ~~: # أظن يكفينا زوجة واحدة؟ # الأبيض ~~: # فكرة مبتكرة. # الأحمر ~~: # واقتصادية، ولكني أخشى قيام نزاع يهدد كل ~~شيء. # الأبيض ~~(باسما) ~~: # طالما واجهنا الحياة كشخص واحد. # الأحمر ~~: # كثيرا ما نختلف ونتخاصم. # الأبيض ~~: # ولكن شيئا لم يستطع أن يقضي على الرابطة التي ~~تجمعنا. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # وقع اختياري على زوجة ممتازة، ولكن هل تتفق ~~أذواقنا؟ # الأبيض ~~: # بيننا تقارب لا شك فيه، ولا تنس تسامحي. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # إني أحب اللون الخمري. # الأبيض ~~: # اللون الأبيض لا يعلى عليه. # الأحمر ~~: # بدأ الخلاف. # الأبيض ~~(بسرعة) ~~: # ومع ذلك فجميع الألوان واحدة. # الأحمر ~~: # وأحب العود الممتلئ. # الأبيض ~~: # نحن في عصر الرشاقة. # الأحمر ~~: # لا أتصور ذلك أبدا. # الأبيض ~~: # ليكن ... ليكن ... بشرط ألا يزيد وزنها بعد ~~المعاشرة. # الأحمر ~~: # بل لا بأس من أن يزيد، وأن تمتلئ المواقع التي يريد ~~الله لها أن تمتلئ. # الأبيض ~~(متنهدا) ~~: # لتكن إرادة الله. # الأحمر ~~: # ورأيت من الحكمة أن تكون ذات مال، ولو في الحدود ~~المعقولة. # الأبيض ~~: # يا له من تفكير تجاري! # الأحمر ~~: # أنت جاهل بالدور الذي يلعبه المال في ~~الحضارة! # الأبيض ~~: # ليكن ما تريد، لا تغضب. # الأحمر ~~: # ولا أقبل بحال أن تكون كاملة التعليم، حسبها التعليم ~~الابتدائي؛ فالعلم زينة غير مقبولة للمرأة، وهو ~~يغريها دائما بالعمل الذي يحولها في النهاية إلى ~~رجل. # الأبيض ~~: # رأيك هذا كان رأيا عصريا في العصر الحجري. # الأحمر ~~: # أنا لا يخيفني التعيير بالعصور القديمة. # الأبيض ~~: # ما دمنا نرغب في أن نكون ثلاثة فأكثر، وما دام ذلك في ~~صالحنا، وضمانا لأمننا المهدد، فلا يعني إلا ~~القبول. # الأحمر ~~: # وطالبت بأن تكون لعوبا في نطاق الشرع! # الأبيض ~~: # المرأة اللعوب لا يسعها إلا أن تكون لعوبا سواء في نطاق ~~الشرع أو خارجه. # الأحمر ~~: # بل في نطاق الشرع وحده وسوف ms06 ترى. # الأبيض ~~: # فلنجرب على أي حال. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # هل لك مواصفات أخرى؟ # الأبيض ~~: # مواصفات هامشية، ولكنها لا تخلو من فائدة، مثل البراعة ~~في الحديث. # الأحمر ~~: # لا أهمية لذلك، أنا أعرف زوجا سعيدا، ترجع سعادته ~~أولا إلى كون زوجته خرساء. # الأبيض ~~: # ويا حبذا لو كانت تجيد الغناء! # الأحمر ~~: # لا أهمية لذلك أيضا؛ فلدينا الكفاية في الإذاعة ~~والتلفزيون. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # هل من مواصفات أخرى؟ # الأبيض ~~: # كلا. # الأحمر ~~: # أعتبر اتفاقنا كاملا؟ # الأبيض ~~: # كاملا. ~~(الأحمر ينظر إلى الجانب الأيمن من المسرح ~~ويزغرد. تسمع موسيقى زفة العروس.) ~~(تدخل العروس وهي تسير بين شيخ وشرطي. ~~يقفون أمام الشابين ثم يستدير الرجلان ويذهبان. ~~تتبادل النظرات بين العروس وبين الشابين.) # الأحمر ~~: # أهلا بك يا عروس. # العروس ~~(في حياء) ~~: # أهلا بك. # الأبيض ~~: # فلتحل بحلولك النعمة والهناء. # العروس ~~: # آمين. ~~(يقبلانها في وقت واحد، كل في ~~خد.) # العروس ~~(بحيرة) ~~: # توقعت قبلة واحدة. # الأبيض ~~: # سيتكرر ذلك كثيرا. # الأحمر ~~: # وعلى كل موقع مختار! ~~(ذهول من العروس وضحك من ~~الشابين.) # الزوجة ~~(في حيرة أكثر) ~~: # إني أتزوج لأول مرة فمعذرة. # الأحمر والأبيض معا ~~: # ونحن كذلك! # الزوجة ~~: # نحن؟! # الأبيض ~~: # نعم. # الأحمر ~~: # لسنا من أنصار تعدد الزوجات. # العروس ~~: # ولكن ... # الأحمر ~~: # أنت الزوجة ونحن الزوج. # العروس ~~: # معا؟ # الأحمر ~~: # نعم. # العروس ~~: # ولكنكما اثنان. # الأبيض ~~: # اعتبرينا شخصا واحدا. # العروس ~~: # لا أفهم شيئا. # الأحمر ~~: # ثمة أمور لا تفهم إلا بعد ممارسة الحياة الزوجية ~~بالفعل. # العروس ~~: # لم يكن ذلك ضمن المعلومات التي زودتني بها ~~أمي. # الأحمر ~~: # طيبة منها ولا شك. # العروس ~~: # وكيف تستقيم المعيشة معكما معا؟ # الأحمر ~~: # ستعلمين ذلك في حينه. # العروس ~~: # أليست حالا غير طبيعية؟ # الأحمر ~~: # هذا ما جرت به الطبيعة منذ الأزل. # العروس ~~: # قيل لي إن التوفيق مع زوج واحد أمر ليس بالهين، فكيف ~~يتيسر مع اثنين؟! # الأبيض ~~: # هو غير هين لذلك وليس لسبب آخر. # الأحمر ~~: # ستتعلمين كل شيء في حينه ... تعالي. ~~(ينهالان عليها قبلا وأحضانا وهي ~~مرتبكة.) # العروس ~~: # ستوجد مشاكل؟ # الأحمر ~~: # مشاكل؟ # العروس ~~(في حياء) ~~: # من سيكون أبا الوليد؟ # الأبيض ~~: # سيحمل اسم من يسجله في المكتب المدني. # العروس ~~: # ولكن ms07 ذلك شيء عرضي جدا. # الأبيض ~~: # الأسماء كلها عرضية. # العروس ~~: # أعجب ما سمعت في حياتي. # الأحمر ~~: # هكذا سيبدو لك كل شيء. # العروس ~~: # لم أسمع بذلك من قبل. # الأحمر ~~: # ولذلك فإني من أنصار تعليم الجنس في المدارس! ~~(صمت.) ~~(يترامى وقع أقدام. يخرجون بعنف من جو ~~الموقف ويرهفون السمع.) # الأحمر ~~: # غير معقول. # الأبيض ~~(متنهدا) ~~: # لم أكن مغاليا. # العروس ~~: # من القادم؟ # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # ولكن ... هيهات أن يعرفنا! # الأبيض ~~: # فليحقق الله ظنك. # العروس ~~: # أتتوقعان قدوم أحد؟ # الأحمر ~~: # كلا. # العروس ~~: # فمن القادم؟ ~~(صمت مع إرهاف السمع.) ~~(يدخل الرجل بصورته الثابتة، ويمضي ~~ذهابا وإيابا في حركة أسرع قليلا مما كانت عليه في المنظر ~~السابق.) ~~(الأحمر والأبيض والعروس يتراجعون بعيدا عن ~~مسمعه.) # الأحمر ~~: # قلبي يحدثني بأنه لم يعرفنا. # الأبيض ~~: # طالما منينا أنفسنا بذلك. # العروس ~~(بضيق واضح) ~~: # ماذا جاء به إلى هنا؟ # الأحمر ~~(للعروس) ~~: # أرأيته من قبل؟! # العروس ~~: # أكثر من مرة! # الأحمر ~~: # أنت أيضا؟! # العروس ~~: # وأنتما؟ ... أليس كذلك؟! # الأبيض ~~: # لعله من سكان الحي! # الأحمر ~~: # أكاد أوقن بجنونه. # العروس ~~: # كان من المترددين على أبي. # الأحمر ~~: # أيضا! # العروس ~~: # ظننته سينقطع عن الظهور عندما أصير في عصمة رجل، ولكنه ~~مصر رغم أنني صرت في عصمة رجلين! # الأحمر ~~: # لا داعي للتشاؤم فلعله لم يعرفنا. # الأبيض ~~: # لعله! # العروس ~~: # رباه ... ما أشد قلقي ... ماذا يجدر بنا أن نفعل؟ ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # فلنتجاهله ... ولنغن احتفالا بحياتنا الزوجية. # بشرى لنا # نلنا المنى # زال العنا # وافى الهنا. ~~(يرجع الأحمر بهما إلى موقفهما السابق وسط ~~المسرح ثم يغنون): ~~(الأبيض يرهف السمع باهتمام ~~واضح.) # الأبيض ~~(للأحمر) ~~: # عاد يتكلم. # الأحمر ~~(منفعلا) ~~: # ماذا قال؟ # الأبيض ~~: # كالعادة. # الأحمر ~~(مخاطبا الرجل) ~~: # ماذا تريد؟ # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # سيدي ... لم تضيع وقتك هدرا؟! # الأحمر ~~(للرجل وحدته ترتفع) ~~: # هل تغرك قوتك؟ هل تستند إلى أحد من ذوي الشأن؟ إذن ~~فاعلم أننا أصهرنا إلى واحد منهم هو والد هذه الزوجة ~~الكريمة، وقد أصبحنا ثلاثة تؤيدهم حلقة متينة من العائلات ~~الأصيلة. # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # أخي شاب ذو حدة، ولكننا في النهاية من صلب الرجل ~~الطيب الذي كان صديقا لك. # الأحمر ~~(مستسلما للحدة) ms08 ~~: # لم أعد أطيق هذا التدخل السخيف! # العروس ~~: # ولا أنا. # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # ماذا تريد يا سيدي؟ كأنه لا يروق لك شيء مما نفعله، ~~فماذا تريدنا على أن نفعل؟ # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # تكلم ... يجب أن تتكلم. # العروس ~~(للرجل أيضا) ~~: # احترم الحياة الزوجية المقدسة. # الأبيض ~~: # نحن ندعوك لحفل زفافنا، ما رأيك؟ ~~(صمت.) # الأحمر ~~(موجها خطابه للزوجة ~~والأبيض) ~~: # لا فائدة! # العروس ~~: # يا للأسف! # الأبيض ~~(وهو يتنهد بصوت مسموع) ~~: # أصبح لنا أسرة على أي حال! ~~(الرجل وهو يواصل حركته ذهابا وإيابا، ~~يضرب بسوطه الهواء فتسمع طرقعة شديدة ... يتراجعون بعيدا عنه ~~في ذعر واضح.) # العروس ~~: # لا أطيق ذلك. # الأحمر ~~: # ولا أنا. # الأبيض ~~: # لنبدأ رحلة شهر العسل! # الأحمر ~~: # لنبدأها فورا. # العروس ~~: # هيا ... هيا. # الأحمر ~~: # سيسقط يوما من الإعياء جثة هامدة. # العروس ~~: # آمين. ~~(يتأبط كل منهما ذراعا لها، ويغادران ~~المكان وهم يسترقون النظر إليه في حذر، يواصل الرجل حركته ~~على حين يظلم المسرح.) # 4 ~~(يضاء المسرح. الأبيض والأحمر بنفس الملابس ~~ومعهما الزوجة. واضح أن العمر قد تقدم بهم فجرى المشيب في ~~رءوسهم، وذبلت نضارتهم، أصبحوا كهلين وسيدة.) # الزوجة ~~: # مهما يكن من متاعبكم، فلا يجوز أن ننسى الأبناء! ~~(الرجلان يتبادلان نظرات عميقة، وكأنهما ~~لم يسمعا صوت الزوجة.) # الأحمر ~~: # إذا طارت درجة المدير العام هذه المرة فقل عليها ~~السلام. # الأبيض ~~: # ما زالت اجتماعات اللجنة مستمرة! # الأحمر ~~: # ككل مرة، ثم يرقى شخص مجهول لا يخطر ببال أحد. # الأبيض ~~: # هل تطيق الصحة أعباء جديدة يا عزيزي؟ # الأحمر ~~: # لا شيء يهمك حتى الأعماق، أبدا، هل فكرت في تحسين ~~المعاش كما ينبغي لرجل مسئول؟! # الزوجة ~~: # المعاش في النهاية أهم من المرتب نفسه! # الأحمر ~~: # كرري ذلك على مسامعه! # الأبيض ~~: # إني أود الترقية أيضا، ولكني أكره حرق الدم. # الأحمر ~~: # سرعان ما تضيق بأي شيء. # الأبيض ~~: # فليهتم بالمعاش من لن يملكوا سواه، أما أنت فإن نشاطك ~~الحر أضعاف نشاطك الرسمي. # الأحمر ~~: # لولا ذلك ما توافرت لنا الحياة التي ننعم بها. # الأبيض ~~: # غرقنا في العمل طيلة عمر، للدولة ولأنفسنا، بت أتطلع ~~لحياة أخرى، لشيء من الهدوء والراحة. # الأحمر ~~: # عما ms09 قريب ستشبع من الهدوء والراحة وتبكي الأيام ~~الخالية. # الأبيض ~~: # لا أظن. # الزوجة ~~: # كفا عن النزاع، ولندع الله أن يهبنا القوة والصحة، ~~ولكن فكرا قليلا في الأبناء. # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # أنت مثبط للهمم. # الأبيض ~~: # كلا، لي طموح بعيد أيضا. # الأحمر ~~: # لا أعترف به. # الأبيض ~~: # تلزمنا فترة تأمل عقب الجنون المحتدم. # الأحمر ~~: # من أين لنا بها؟ ثلاثة اجتماعات في اليوم، ورابع في ~~المساء مع سمسار من السوق الحرة، وعلينا بعد ذلك أن نقيم ~~وليمة عشاء للعملاء ... # الزوجة ~~: # ستكون وليمة يشهد لها العدو قبل الصديق. # الأبيض ~~(للأحمر) ~~: # ولكن ألا ترى أن وظيفة المدير العام ستلتهم وقتنا ~~الضيق؟ # الأحمر ~~: # كلا، فهي من ناحية أخرى تذلل كثيرا من ~~الصعاب. # الأبيض ~~: # لا تنس أمراضك المزمنة. # الأحمر ~~: # إني مسيطر عليها تماما. # الزوجة ~~: # نسأل الله السلامة. # الأحمر ~~(للزوجة) ~~: # لن أنسى أفضالك فأنت ممرضة ماهرة! # الأبيض ~~: # هي نفسها لا تخلو من أمراض مزمنة. # الأحمر ~~: # هذا يدعونا إلى مضاعفة النشاط. # الزوجة ~~: # والأبناء؟ # الأحمر ~~(في ضيق) ~~: # الأبناء ... الأبناء ... لا حكاية لك إلا الأبناء، ~~وحكاياتهم لا تسر الخاطر. # الزوجة ~~: # ولكنها جديرة بكل اهتمام وعناية. # الأحمر ~~: # اللعنة ... إنهم أعقد من درجة المدير العام. # الزوجة ~~(للأبيض) ~~: # قل شيئا. # الأبيض ~~: # في ذلك المجال فإني أفعل أكثر مما أتكلم. # الزوجة ~~(متأوهة) # حسادنا كثيرون على حين أننا تعساء. # الأحمر ~~(غاضبا) ~~: # كفي عن الولولة! # الزوجة ~~(غاضبة أيضا) ~~: # أنت رجل أناني. ~~(يخرصهم السكوت فجأة، فيرهفون السمع في ~~قلق واضح.) # الأحمر ~~: # كلا ... لا شيء ... # الزوجة ~~: # ماذا هناك؟ # الأحمر ~~: # خيل إلي ... # الزوجة ~~: # يا رحمن يا رحيم ... # الأبيض ~~: # ليست المرة الأولى. # الأحمر ~~: # ماذا تعني؟ # الأبيض ~~: # سمعنا الأقدام مرات، ولكن الرجل لم يظهر، منذ مدة لم ~~يظهر. # الأحمر ~~: # بل كدنا ننساه تماما. # الزوجة ~~: # ليس تماما. # الأبيض ~~: # ولكنه كثيرا ما يسمعنا وقع أقدامه ... # الأحمر ~~: # مجرد ظنون. # الزوجة ~~: # لعله مات. # الأبيض ~~: # مات؟! # الزوجة ~~: # وإلا ما اختفى طيلة تلك المدة ... # الأبيض ~~: # لكنه لم يختف تماما. # الأحمر ~~: # أقسم أنني كدت أنساه. ~~(وقع الأقدام يسمع بوضوح. ينصتون بقلق ~~واضح.) # الأحمر ~~: # ليتنا ما ذكرناه. # الزوجة ~~: # ليتنا ... # الأبيض ~~: # ولكن لا حيلة ms10 لنا في ذلك. # الأحمر ~~: # لا تنقصنا الهموم. # الزوجة ~~: # وكل الهموم تهون بالقياس لهمه. # الأبيض ~~: # ونحن نخلق من الهموم ما يكفي. # الأحمر ~~(للأبيض في غيظ وحنق) ~~: # يخيل إلي أحيانا أنك حليفه علينا! # الأبيض ~~: # ليتك تزداد مع العمر حكمة. # الأحمر ~~: # الإعجاز أن نزداد مع العمر حماقة! # الأبيض ~~: # أشهد أن ذلك الإعجاز لا ينقصنا! # الأحمر ~~: # ما زلنا شبابا. # الأبيض ~~: # ظننت أن الشباب قد ولى. # الأحمر ~~(مشيرا إلى قلبه) ~~: # الشباب هنا وليس في مكان آخر. # الزوجة ~~: # ما زلنا شبابا! # الأبيض ~~: # إذن فعليكم ألا تهتموا بمطاردة الرجل لنا. # الأحمر ~~: # ولكنني لا أرتاح إليه. # الزوجة ~~: # وأما أنا فإني أمقته ... ويخيل إلي أنه سيقتلنا ~~يوما ما. # الأبيض ~~: # نحن نقتل أنفسنا أيضا. # الأحمر ~~: # لقد حققنا أعمالا مجيدة. # الزوجة ~~: # أعمال غير قابلة للموت. # الأبيض ~~: # لا يجوز أن نخشى الموت أكثر مما ينبغي. # الأحمر ~~: # كلام فارغ، أنت أول من يخاف الموت. # الزوجة ~~: # كيف لا نخشى الموت؟! # الأبيض ~~: # لا يبعد أن يكون آخر مغامرة في الحياة. # الأحمر ~~: # لا تتعلق بالأوهام. ~~(وقع الأقدام يشتد. يدخل الرجل. ~~منظره لم يتغير. يمضي في حركته ذهابا وإيابا بسرعة أكبر ~~مما كانت عليه في المنظر السابق. يتابعونه بذهول. يتراجعون ~~بعيدا عن مسمعه.) # الأحمر ~~: # قلبي يحدثني بأنه لم يعرفنا. # الأبيض ~~: # لا تتعلق بالأوهام! # الزوجة ~~: # إنه يزداد سرعة! # الأحمر ~~: # ذلك يعني أنه يزداد جنونا. # الأبيض ~~: # ترى ما معنى ذلك؟ # الأحمر ~~: # لا تحمل الأمور أكثر مما تعني. # الزوجة ~~(في عصبية) ~~: # ما له يسرع هكذا! # الأحمر ~~: # علينا أن نفزعه. # الزوجة ~~: # كيف؟ # الأحمر ~~(غامزا بعينه) ~~: # فلنمثل دورنا بإتقان. ~~(يرجع بهما إلى المكان الأول وهو يتظاهر ~~بالثقة والعظمة.) # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # هل أضفت الأموال إلى حسابنا الجاري؟ # الأبيض ~~: # نعم. # الأحمر ~~: # عظيم ... لا يجوز أن نترك مليما بلا استثمار. # الزوجة ~~: # عين الصواب. # الأحمر ~~: # سأقابل غدا بعض كبار المسئولين. # الزوجة ~~: # لعلهم ضمن المدعوين إلى مأدبة العشاء؟ # الأحمر ~~: # كلا، ستكون الوليمة قاصرة على الوزراء! # الزوجة ~~: # ولا تنس السفراء يا عزيزي. # الأحمر ~~: # ذلك ما لا يمكن نسيانه. # الزوجة ~~: # سيتم كل شيء على خير وجه قبل أن تسافر ms11 إلى ~~الخارج. # الأحمر ~~(وهو يضحك عاليا) ~~: # طبعا ... طبعا. ~~(الأبيض يرهف السمع باهتمام وقلق، يتجه ~~نحو الأحمر.) # الأبيض ~~: # تكلم مرة أخرى كالعادة! # الأحمر ~~: # أنت وحدك تسمع رغم أنك أضعفنا سمعا! # الأبيض ~~: # عليك أن تصدقني. # الأحمر ~~(للرجل وهو يتقد غضبا) ~~: # ماذا تريد؟ # الزوجة ~~(للرجل) ~~: # ماذا جاء بك إلى بيتنا؟ # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # نحن نطالبك بالأدب واللياقة. # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # لم يعد يمكن أن يقال إننا نبدد وقتنا في ~~اللعب! # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # وماذا يهمك من سلوكنا؟ # الزوجة ~~(للرجل) ~~: # ألا تخاف على أعصابك وأنت تجري بهذه السرعة؟ # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # يوجد قانون وتقاليد. # الزوجة ~~(للرجل) ~~: # صن صحتك من أجل خاطر أولادك، أليس لك أبناء؟ # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # ليتك تصارحنا بما تريد. # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # إني أحذرك عواقب الاستهتار. # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # المصارحة مفيدة للطرفين. # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # لا تلاينه فإنه لا يزداد بالملاينة إلا ~~عتوا. # الزوجة ~~(للأحمر متوسلة) ~~: # دعه يجرب! ~~(يتراجع الأحمر والزوجة تاركين الأبيض ~~يجرب حظه.) # الأبيض ~~: # علاقتك القديمة بوالدنا لا يمكن أن تنسى. ~~(الرجل يواصل حركته وكأنه لا يسمع ~~شيئا.) # الأبيض ~~: # إنك لا تدري مدى الإزعاج الذي تسببه لنا بحسن ~~نية. ~~(الرجل يواصل حركته وكأنه ... إلخ.) # الأبيض ~~: # أأنت مكلف بمهمة؟ ما هي؟ من كلفك بها؟ ... صارحنا ~~وأعدك بالمساعدة! ~~(الرجل يواصل ... إلخ.) # الأبيض ~~: # لا تسئ بنا الظن، لنا أخطاء بلا شك، ولكن أعمالنا لا ~~تخلو من قيمة ... وخيرنا أكثر من شرنا. ~~(الرجل يواصل ... إلخ.) # الأبيض ~~: # صارحنا بما في نفسك، وإلا فمن العدل أن تتركنا ~~وشأننا. ~~(صمت مع استمرار الرجل في حركته.) # الزوجة ~~(لنفسها) ~~: # الكلام الطيب لا يؤثر فيه. # الزوجة ~~(للرجل بصوت مرتفع منفعل) ~~: # هذه أرضنا، لنا فيها أبناء وأموال وأعمال؛ فليس من ~~الإنصاف أن تزعجنا على هذا النحو. # الأحمر ~~(بنبرة تهديد) ~~: # لا فائدة، ولا مفر من اللجوء إلى المسئولين. ~~(الرجل مستمر في حركته على حين ينضم ~~الأحمر والزوجة إلى الأبيض.) # الأحمر ~~(بنفس النبرة المهددة) ~~: # قوى شر كثيرة تعترض مجرى الحياة، مستهترة بالقوانين ~~والتقاليد، ولكن كيف تكون عاقبتها ولو على المدى البعيد؟ ~~تغلب على أمرها، ويحق عليها الجزاء والقهر، هذه هي ms12 ~~سنة الحياة وإلا حق عليها الفناء. ~~(الرجل وهو مستمر يضرب الهواء بسوطه ~~فيحدث طرقعة رهيبة فينكمش الثلاثة، ثم يرون من الأوفق ~~أن يغادروا المكان فيغادروه متعثرين، الرجل مستمر ~~والظلام يهبط.) # 5 ~~(يضاء المسرح. الأحمر والأبيض والزوجة وقد ~~طعنوا في السن وركبتهم الشيخوخة. الأحمر يرتدي عباءة حمراء ~~وطاقية حمراء، والأبيض عباءة بيضاء وطاقية بيضاء، أما الزوجة ~~فترتدي روبا يجمع بين اللونين. يتحركون حركات تنم عن الضعف ~~والشيخوخة.) # الأحمر ~~: # آه. # الأبيض ~~: # آه. # الزوجة ~~: # آه. # الزوجة ~~: # الحمد لله على أي حال. # الأبيض ~~: # له الحمد والشكر. # الأحمر ~~: # اللهم احفظنا. ~~(صمت.) # الأبيض ~~(مرهفا السمع) ~~: # هل تسمعان وقع أقدام؟ # الأحمر ~~: # ثقل السمع! # الزوجة ~~: # إني أسمعها عن غير طريق الأذن! ~~(صمت.) # الزوجة ~~: # أتذكران عندما كنا أطفالا؟ # الأحمر ~~: # ولكننا عرفناك بعد مرحلة الطفولة! # الأبيض ~~(في حنان) # عندما كنا أطفالا! # الزوجة ~~: ~~(متنهدة) عندما كنا أطفالا! ~~(صمت.) # الزوجة ~~: # كأنه الأمس. # الأبيض ~~: # كأنه الأمس. # الأحمر ~~: # كأنه ... كأنه ... كأنه ... عليكم اللعنة! ~~(صمت.) # الزوجة ~~: # الأيام الحلوة. # الأبيض ~~: # والأحلام الحلوة. # الأحمر ~~: # كنا نبول على أنفسنا وها نحن نبول على أنفسنا مرة ~~أخرى! ~~(صمت.) # الأبيض ~~(مرهفا السمع) ~~: # هل ... # الأحمر ~~(مقاطعا) ~~: # تسمعان وقع أقدام؟ # الزوجة ~~: # إنها تدب بلا انقطاع. # الأبيض ~~: # أعتقد أننا ألفناها. # الأحمر ~~: # أعتقد أنك مزعج مثله. # الزوجة ~~: # لا داعي للخلاف الآن. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # فاتتنا فرص عظيمة ولكننا قمنا بأعمال تستحق ~~الذكر. # الزوجة ~~: # نحمده على ما نلنا، ونستعيضه عما فاتنا. # الأبيض ~~: # نحمده. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # ترى هل أخطأنا في توظيف أموالنا؟ # الزوجة ~~: # العمارات أثبت من السوق المتقلبة! # الأبيض ~~: # سبحان من له الدوام. # الأحمر ~~: # وفكرة البيع الصوري للأبناء رائعة من ناحية ~~الضرائب! # الأبيض ~~: # هي أروع فكرة قانونية للخروج عن القانون. # الأحمر ~~(غاضبا) ~~: # أنت عنيد وأحمق. # الأبيض ~~: # دائما لا تعجبك الحقيقة. # الزوجة ~~: # لا تضاعف من مخاوفنا. # الأحمر ~~(ساخرا) ~~: # الابن الوحيد الذي يحمل اسمك ضاع، إخوته رجال أعمال ~~يفخر بهم الوطن، أما هو فماذا يعمل؟ ... ملحن، ملحن ... ~~ها ... ها. # الأبيض ~~: # لا يقل عن إخوته شأنا، ولا يتطلع مثلهم للهجرة إلى ~~الولايات المتحدة. # الأحمر ~~(وهو يضحك) ~~: # ماذا يعمل بالله؟ # الأبيض ms13 ~~: # إنه يلحن فيقول الناس آه . # الزوجة ~~(متأوهة) ~~: # آه. # الأحمر ~~(متأوها) ~~: # آه. ~~(صمت.) # الزوجة ~~(معاتبة) ~~: # كفا عن النزاع فلم تعودا صغيرين. # الأحمر ~~(فخورا) ~~: # لولاي ما دامت لنا الحياة الزوجية. # الأبيض ~~(في امتعاض) ~~: # الحق أنه لولاي لانفصمت عروة الزوجية في أعقاب شهر ~~العسل! # الأحمر ~~(ساخرا) ~~: # أي فضل لك في شهر العسل؟! # الزوجة ~~(مغطية وجهها) ~~: # يا للفضيحة! ... أخفضا صوتكما! ~~(صمت.) # الأحمر ~~(متذكرا أوجاع الكبر) ~~: # آه. # الزوجة ~~: # آه. # الأبيض ~~: # آه. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # آن لي أن أذهب إلى النادي. # الزوجة ~~: # يحسن بك ألا تخرج في فصل الشتاء. # الأحمر ~~: # لا أريد أن يشمت بي أحد من الأعداء. # الأبيض ~~: # لا تبالغ في تصور الأعداء. # الأحمر ~~: # الناس بطبعهم أعداء للرجل الناجح. ~~(وقع الأقدام يرتفع لدرجة لا تخفى على ~~أحد. يرهفون السمع في رهبة صامتين، يدخل الرجل بمنظره ~~المألوف. يمضي ذهابا وإيابا في سرعة أكبر من المنظر السابق ~~وهم يتابعونه بذهول.) # الزوجة ~~: # إنه يكاد يجري. # الأحمر ~~: # يزداد جنونه استفحالا. # الأبيض ~~: # لا يبدو عليه الكبر مثلنا. # الزوجة ~~: # ما فائدة أن نتساءل عما يجعله يتبعنا؟! # الأبيض ~~: # ولا تؤثر فيه وسائل دفاعنا. # الأحمر ~~: # مهما يكن من أمر فلا يجوز أن نطلعه على ضعفنا. # الأبيض ~~: # أتؤمن بجدوى ذلك؟ # الأحمر ~~: # بلا أدنى شك، فلولا علمه بعملنا ونجاحنا وعلاقاتنا بذوي ~~الشأن لقضى علينا من قديم! ~~(صمت.) # الزوجة ~~: # أتوجد فائدة من مناقشته؟ # الأحمر ~~: # يقينا لا. # الأبيض ~~: # واضح أنه يتبعنا أينما نذهب ولكنه لا يتعرض لنا ~~بسوء. # الأحمر ~~(في غيظ) ~~: # ألم يجعلنا طول العمر نتوقعه ونفكر فيه، ونضيق به ~~ونتوجس منه؟ # الأبيض ~~: # نحن الذين نفعل ذلك لا هو. # الأحمر ~~: # يا لك من مكابر! # الزوجة ~~: # كان وما زال هما ثقيلا على القلب. # الأحمر ~~: # كيف فاتنا طيلة عمرنا أن نهاجمه ولو مرة؟! # الزوجة ~~: # حذار أن تفكر في ذلك. # الأبيض ~~: # لم نعد أهلا للمعارك. # الأحمر ~~: # ولكننا كنا أهلا يوما ما! # الأبيض ~~: # شغلتنا المعارك الأخرى. # الأحمر ~~: # لا يخلو صوتك من تأنيب أبدا. # الأبيض ~~: # دائما ألام على قول الحق! # الأحمر ~~: # أنت عبء طالما حملته فوق عنقي. # الأبيض ~~: # علم الله أنك كنت العبء ms14 لا أنا، وأنني تحملتك بصبر ~~يفوق طاقة البشر. # الأحمر ~~: # يا لك من مكابر جاحد. # الأبيض ~~: # يا لك من جاهل. # الأحمر ~~: # لولاك ما جرؤ هذا المجنون على مطاردتنا والاستهزاء ~~بنا. # الأبيض ~~: # إنه يستهزئ بك وحدك. ~~(الزوجة تفصل بينهما لتلطف الجو. يسود ~~الصمت. تتعلق الأبصار بالرجل المتحرك بسرعته ~~المفزعة.) # الأحمر ~~: # عندي فكرة. # الأبيض ~~: # كل ما فعلناه كان من وحي فكرك ولكنه لم يجد. # الأحمر ~~: # أتستهين بما فعلنا؟ # الأبيض ~~: # كلا، إنه عظيم، ورغم مخالفته للقانون أحيانا فهو ~~عظيم، ولكنه لم يرحنا من مطاردته. # الأحمر ~~: # لم لم نلجأ إلى المسئولين عن الأمن؟ # الأبيض ~~: # لأننا كنا وما زلنا نخشاهم! ~~(يتبادلان نظرة تحد، ولكن الزوجة تفصل ~~بينهما مرة أخرى.) # الزوجة ~~: # لجأ كثيرون إلى رجال الأمن، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ ... ~~لا شيء، وهو لا يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون، ولعله ~~يعتمد على صلاته بأناس في أقوى مواقع السلطة، بل علمت ~~أن كثيرين من رجال الأمن أنفسهم يعانون منه ~~مثلنا. # الأحمر ~~: # لعله يطمع في شيء مما نملك؟ # الأبيض ~~: # ولكنه يطاردنا مذ كنا لا نملك شيئا. ~~(الأحمر يضرب الأرض بقدمه مغيظا ~~محنقا.) ~~(صمت.) # الأبيض ~~(وكأنه يحدث نفسه) ~~: # أهو يطاردنا حقا؟ وإن صح ذلك فلماذا يطاردنا؟ وهل ~~يعمل لحسابه أو لحساب شخص آخر؟ ~~(صمت.) # الأبيض ~~(مسترسلا في تفكيره) ~~: # أضعنا وقتا طويلا دون أن نعنى عناية حقيقية ~~بذلك. # الأحمر ~~(هازئا) ~~: # لو عنينا بذلك عناية حقيقية، لما تبقى لنا وقت ~~لتحقيق شيء ذي قيمة! # الأبيض ~~: # نحن الآن على المعاش وبلا عمل جدي. # الأحمر ~~: # ولكننا طاعنون في السن، ومرضى، ولا قدرة لنا على ~~البحث! ~~(صمت.) # الزوجة ~~(بغيظ) ~~: # ترى ما الذي يجعله يحافظ على قوته رغم مرور ~~الزمن؟ # الأحمر ~~(في سخرية) ~~: # ربما لأنه لم يتزوج! # الزوجة ~~(غاضبة) ~~: # يا لك من جاحد أناني. # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # لا داعي لطرح أسئلة والانشغال بها على حين أنها واضحة ~~الجواب؛ فهو يطاردنا بلا ريب، ويطاردنا ليقضي علينا، ولا ~~يهم بعد ذلك أن يكون عمله لحسابه أو لحساب شخص ~~آخر. # الأبيض ~~: # ولكن يخيل إلي أحيانا أنه بفضله حققنا ما ~~حققنا ms15 من عمل. # الأحمر ~~: # ليس بفضله ولكن دفعا لمطاردته الملحة. # الأبيض ~~(بنبرة اعتراف) ~~: # الحق أنني قمت سرا بتحريات كثيرة عنه. # الأحمر والزوجة ~~(معا) ~~: # حقا؟ # الأبيض ~~: # بلا نتيجة تذكر. ~~(صمت.) # الأبيض ~~: # حسبته مندوبا لمصلحة الضرائب أو مرشدا للمخابرات أو ~~موظف إحصاء، أو من شرطة الآداب! # الأحمر ~~: # جميع أولئك ثقلاء ولكن ليس لهذا الحد. # الأبيض ~~: # وحتى تلك المراكز الهامة تبين لي أنهم لا يعرفونه ~~أكثر منا، ويعانون من مطاردته مثلنا. # الأحمر ~~: # ولم سكتوا عنه وهم يقضون على الآلاف بلا حساب؟ # الأبيض ~~: # بل إن محاولات قتله وفيرة ولكنها تبوء عادة ~~بالفشل. # الزوجة ~~(في عصبية) ~~: # سرعته تدير رأسي! ~~(ينظرون إليه بحنق. يضرب الرجل الهواء ~~بالسوط محدثا الطرقعة المخيفة. يتجمعون ويغادرون المكان ~~ببطء حسبما تسمح به سنهم المتقدمة.) ~~(الرجل يستمر في حركته على حين يهبط ~~الظلام.) # 6 ~~(يضاء المسرح. الأحمر والأبيض والزوجة ~~ولكنهم تغيروا تغيرا مذهلا، عادوا إلى منظر الشباب وملابسه ~~كما رأيناها سابقا. واضح أنهم صبغوا الشعور، وشدوا الجلود، ~~وفعلوا المستحيل لاستعادة شبابهم الضائع. يتبادلون النظرات وهم ~~يبتسمون في ارتياح وسرور.) # الأحمر ~~: # آخر حيلة ولكنها تجوز على الجن الأحمر نفسه. # الزوجة ~~: # ما أحلى الرجوع إلى الشباب! # الأبيض ~~: # ما أحلاه! # الأحمر ~~: # لن يعرفنا ولو دار حول الأرض. # الزوجة ~~: # استجب يا رحمن. # الأحمر ~~: # من اليسير أن يتابع أناسا وهم يكبرون، ولكن كيف يخطر ~~له أنه يمكن أن يرجعوا يوما إلى الشباب؟! # الزوجة ~~: # قلبي يحدثني بأننا نجونا من مخالبه. # الأحمر ~~: # وليعوضنا الله عما بذلنا من جهد ومال. # الزوجة ~~: # طبيب التجميل وما أخذ نظير تجديد جلد الوجه. # الأبيض ~~: # والصبغة العجيبة وارد الخارج. # الأحمر ~~: # والحقن، لا تنسوا الحقن. # الزوجة ~~: # والهرمونات والحمامات الطبية والتدليك الفني. # الأحمر ~~(في حبور) ~~: # حل لغز ما وراء الموت أقرب إليه من التعرف علينا. # الأبيض ~~: # هي على أي حال آخر ما في الجراب من حيل. ~~(صمت.) # الأحمر ~~: # وثمة مفاجأة جديدة تتم بها اللعبة، وتحقق كمالها ~~المنشود. # الأبيض ~~: # أكثر مما تحقق بالفعل؟ # الأحمر ~~: # نعم. # الأبيض ~~: # ترى ما هي؟ # الأحمر ~~: # عروس جديدة! ~~(الزوجة تصرخ غاضبة محتجة ~~مهددة.) # الأحمر ~~: # لا ms16 تسيئي فهمي. ~~(الزوجة مستمرة في صراخها الغاضب.) # الأحمر ~~: # اعلمي أنني أعمل من أجل سعادة الجميع! # الزوجة ~~: # غدر وإجرام! # الأحمر ~~: # من أجل عذابك حيال مطاردته لنا اللعينة. # الزوجة ~~: # لا داعي مطلقا لهذه المفاجأة، ما حققناه كاف ~~وأكثر. # الأحمر ~~: # انضمام العروس إلى الصورة الجديدة يغيرها تغيرا ~~مطلقا. # الزوجة ~~: # أنت تستطيع خداعه، ولكنك لا تستطيع خداعي. # الأحمر ~~: # لا مجال للشهوات، ولكننا ندافع عن حياتنا. # الزوجة ~~: # لا تحاول خداعي، أنا أعرفك أكثر مما تعرف نفسك. # الأحمر ~~: # مضى زمان الحب، وما شبابنا الراهن إلا قناع، هل تجدين ~~رغبة في الجنس؟ # الزوجة ~~(بتحد) ~~: # نعم. # الأحمر ~~: # يا لك من عجوز مستهترة. # الزوجة ~~: # وعندك أضعاف ذلك. # الأحمر ~~: # لا تضيعي من أيدينا آخر فرصة لنا. # الزوجة ~~: # إن أردت عروسا جديدة فهاك أنا! # الأحمر ~~: # اتقي الله يا ولية، وجربي قرعتك في الحج هذا ~~العام. # الزوجة ~~: # إني صالحة للحب كما أني صالحة للحج. # الأحمر ~~: # ألم تزجريني كثيرا مذكرة إياي بالأبناء ~~والأحفاد؟ # الزوجة ~~: # لا تذكرني بتلك الأيام اللعينة. # الأحمر ~~: # أؤكد لك أنك غير صالحة للحب. # الزوجة ~~: # جرب ... العبرة بالتجربة. # الأحمر ~~: # أنت مجنونة! # الزوجة ~~: # أنت غدار خائن. # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # هل خرست؟ ... أسعفنا برأيك. # الأبيض ~~: # أمهلنا وقتا للتفكير. # الزوجة ~~(للأبيض) ~~: # حتى أنت تريد أن تفكر! # الأحمر ~~: # فات الوقت، العروس الجديدة حقيقة مفروغ منها. ~~(الزوجة تعاود الصراخ.) # الأبيض ~~: # كان يجب أن نتشاور! # الزوجة ~~: # لن يكون ذلك أبدا. # الأحمر ~~: # لا أسمح بكلمة أخرى ... وإلا اضطررت إلى الطلاق! # الزوجة ~~: # تطلقني وأنا جدة؟ ... حتى الوحوش تستنكف ذلك. # الأحمر ~~: # اذهبي إلى أولادك قبل أن يعصف الغضب برأسي. ~~(الأبيض يتدخل لإنقاذ الموقف. يأخذ ~~الزوجة من يدها إلى الخارج، وهو يحادثها بصوت غير مسموع ... ~~ثم يعود الأبيض وحده.) # الأبيض ~~: # يا لك من جريء حقا. # الأحمر ~~: # أظهر سرورك الآن يا منافق! # الأبيض ~~: # لن تجد عروسا مناسبة أبدا. # الأحمر ~~: # عروس في السادسة عشرة مثل لهطة القشدة. # الأبيض ~~: # أصغر من حفيدتنا. # الأحمر ~~: # ليست حفيدتنا على أي حال. # الأبيض ~~: # لا تحرجنا. # الأحمر ~~: # ستعلم أنها أقوى أثرا من كافة العقاقير. # الأبيض ~~: # يا لها من مغامرة! # الأحمر ms17 ~~: # لن تكون أفظع من المطاردة اللعينة . ~~(الأحمر يصفق بيديه. نسمع موسيقى ~~الزفة. تدخل العروس بين شابين هما أمين من أمناء الشرطة ~~حاملا جهازه اللاسلكي، ومأذون عصري متأبطا دفتره، مرتديا ~~بنطلونا وقميصا أمريكيا متعدد الألوان. يقدمان العروس ~~ويذهبان ... الثلاثة يتبادلون النظرات.) # الأحمر ~~: # مبارك يا عروس. ~~(العروس تضحك ضحكة عذبة دون أدنى ~~ارتباك.) # الأحمر ~~: # خذي راحتك على آخرها فأنت في بيتك. # العروس ~~: # شكرا ... ولكن ... # الأحمر ~~: # أفصحي عما تريدين بكل حرية. # العروس ~~: # أشعر كأني في حاجة إلى تشجيع. # الأحمر ~~: # قلت لك إنك في بيتك. # العروس ~~: # أعني أنه من المفيد ... أعني أن قليلا من ... الويسكي ~~...! # الأحمر والأبيض ~~: # ويسكي! # العروس ~~: # قليل منه مناسب. # الأحمر ~~: # هل لك تجربة سابقة به؟ # العروس ~~: # في نطاق ما يسمح به عمري. ~~(الأحمر والأبيض يتبادلان النظر في ذهول. ~~ينتحيان جانبا.) # الأحمر ~~: # في نطاق ما يسمح به عمري! # الأبيض ~~: # سمعت كل كلمة ... ما رأيك؟ # الأحمر ~~: # ما كان كان. # الأبيض ~~: # عظيم. # الأحمر ~~: # ولكن الخمر مضرة لنا، ونحن لم نجدد الكبد. # الأبيض ~~: # ولم نجدد القلب ولا العروق. # الأحمر ~~: # الله معنا. ~~(يرجعان وهما يبتسمان.) # الأحمر ~~: # ما أجمل أن نستغني عن الخمر! # العروس ~~: # أتسمعني وعظا في ليلة الزفاف؟ # الأحمر ~~: # كلا، ولكنها الصحة. # العروس ~~: # أأنت مريض؟ # الأحمر ~~: # كلا ... ما زلنا بعيدين عن سن الأمراض! # العروس ~~: # اتفقنا! # الأحمر ~~(ضاحكا) ~~: # يبدو لي أنك فتاة ذات ذكاء وتجربة. # العروس ~~: # هذا هو طابع القرن! # الأحمر ~~: # لا أستبعد أن تكوني على إلمام بالتربية ال... ~~العاطفية. # العروس ~~: # العاطفية؟ # الأحمر ~~: # أعني الجنسية؟ # العروس ~~: # أووه. # الأحمر ~~: # لكنها لم تقرر بعد في المدارس! # العروس ~~(ضاحكة) ~~: # لكنها مقررة في أماكن كثيرة! # الأحمر ~~: # يا لك من عروس مثيرة! # العروس ~~: # إذا كنت ممن يخافون فلم زججت بنفسك في الحياة ~~الزوجية؟ # الأحمر ~~: # لا خوف هناك ولكن للأسر العريقة تقاليدها. # العروس ~~: # طظ! ~~(الأحمر يتظاهر بالضحك وكذلك ~~الأبيض.) # الأحمر ~~: # أسلوبك بديع ولكنه جريء، أجرأ من أساليب ~~العذارى! # العروس ~~: # لم يعرف التاريخ إلا عذراء واحدة! ~~(الرجلان يتبادلان النظر في ذهول. العروس ~~تفتح حقيبة يدها، وتخرج منها زجاجة ويسكي ... وتشرب ... وتمد بها ~~يدها إليهما.) ms18 # العروس ~~: # يبدو أنك بخيل، خذ واشرب وإلا غضبت. ~~(الأحمر يحرج فيتناول الزجاجة، ويشرب ثم ~~يعطيها للأبيض فيشرب، وتنتقل الزجاجة بينهم.) # العروس ~~: # ذلك مفيد جدا في التغلب على الحياء! # الأحمر ~~(مندهشا) ~~: # الحياء؟! # العروس ~~: # نعم الحياء، أنت لم تر شيئا بعد. # الأحمر ~~: # نخب الحياء. ~~(الزجاجة تدور. في نشوة يقبلان العروس ~~في الخدين في وقت واحد.) # الأحمر ~~(للعروس) ~~: # لعلك مندهشة لأن القبل تنهال عليك من رجلين لا ~~من رجل واحد. # العروس ~~(وهي منتشية) ~~: # القبل نعم مشكورة لا يجوز أن نفسدها بالتساؤل! # الأحمر ~~(ضاحكا) ~~: # الحقيقة أن لك زوجين لا زوجا واحدا! # العروس ~~(منقلة البصر بينهما) ~~: # أرجو أن أجد في ذلك الكفاية حتى أنعم بالاستقرار ~~المنشود. ~~(الرجلان يتبادلان النظر ثم يغرقان في ~~الضحك. الزجاجة تدور مع القبلات.) # الأحمر ~~: # لم نفلح في إثارة دهشتك ولو مرة واحدة! # العروس ~~: # عسير جدا أن تثار دهشة في هذه الأيام. ~~(الأبيض يتنصت في ترقب مفاجئ.) # الأبيض ~~(للأحمر) ~~: # سمعت شيئا؟ ~~(الأحمر ينصت. يترامى وقع أقدام.) # الأحمر ~~: # لعله عابر سبيل ... # الأبيض ~~: # ولكنها أقدامه هو. # الأحمر ~~: # غير معقول، وحتى لو كان هو فلن يتعرف علينا. # العروس ~~: # هل تتوقعان قدوم أحد؟ # الأحمر ~~: # كلا. # العروس ~~: # أظن أن اثنين فيهما الكفاية! ~~(الرجل يدخل. هو هو كما رأيناه. يذهب ~~ويجيء في سرعة تفوق سرعاته السابقة كلها.) # الأحمر ~~: # اللعنة. # الأبيض ~~: # أعوذ بالله. # العروس ~~: # هذا الرجل أذكره. # الأحمر ~~: # أنت أيضا تعرفينه؟ هذا ما توقعته، إنه مجنون. # العروس ~~: # مثل جميع الطاعنين في السن فيما يبدو. # الأبيض ~~: # ولكنه ليس طاعنا في السن فيما يبدو. # العروس ~~: # كان صديقا لأبي ... # الأحمر ~~(بإصرار) ~~: # لنشرب. ~~(تدور الزجاجة بينهم.) # الأحمر ~~: # لا مفر. # الأبيض ~~: # لا مفر. # العروس ~~: # ظننته يوما يطاردني للحب. # الأحمر ~~: # إنه مجنون بداء المطاردة. # العروس ~~: # لا يبعد أن يكون لطيفا خفيف الروح. # الأحمر ~~: # عرفناه أكثر منك. ~~(صمت.) # الأحمر ~~(للرجل متحديا وهو ثمل) ~~: # اجر ... اجر ... افعل ما تشاء ... ماذا يهم؟ ... ولكن لا تعد ~~نفسك منتصرا ... لم نقتنع بأنك تتعرف علينا بحاسة ~~مجهولة ... أبدا ... الحكاية أن البلد ملأى بالجواسيس ... أنت ~~على صلة بالشرطي، أو المأذون، أو طبيب ms19 التجميل، أو ~~الصيدلي ... لا سر هناك ولا معجزة ... افعل ما تشاء ... اجر ~~... اجر حتى تقع مغشيا عليك ... وسوف نضحك كثيرا وطويلا ~~... # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # ليتك تشرب معنا، الشرب صنع لنا معجزات ... # العروس ~~: # كيف أنساكما هذا الرجل عروسكما؟ ~~(يدور الشراب والقبلات والأحضان.) # الأحمر ~~(للرجل) ~~: # سنفعل ما يحلو لنا تحت سمعك وبصرك، سينبت في رأسك قرنان ~~وأنت تجري كالمجنون. # الأبيض ~~(للرجل) ~~: # معذرة، للخمر سلطان وللحب سلطان، ولكننا في الواقع ~~نحترمك، صدقني فأنت تشغل من وقتنا أكثر مما تتصور، وأنا ~~مقتنع بأنك لا تتعرض لنا بأذى، وأننا في الواقع ~~مسئولون عن كل شيء، فنحن الذين نعمل ونحن الذين نتغير، ~~ونحن الذين نكبر، ولا حق لنا في أن نعلق عليك الأخطاء ~~والمتاعب، وبودي أن تقبل دعوتي للشراب. # الأحمر ~~(للأبيض) ~~: # يا لك من منافق. # الأبيض ~~: # لا تفسد شهر العسل بسوء الأدب. # العروس ~~: # هل تزوجتماني لقتل الوقت بالشجار والجدل؟ ~~(يرجعون للقبل والأحضان والضحك. العروس ~~والأبيض يرقصان. الأحمر ينظر نحو الرجل وهو يترنح من ~~السكر.) # الأحمر ~~: # اجر ... لا يهم ... سيدور رأسك وتقع جثة هامدة ... ~~(العروس تتخلص من ذراع الأبيض، ثم تقبل ~~نحو الأحمر فيرقصان معا. الأبيض وهو يترنح ينظر نحو ~~الرجل.) # الأبيض ~~: # أود أن أقابلك على انفراد. ~~(الرقص مستمر وكذلك الرجل.) # الأبيض ~~: # سيجري بيننا حوار مفيد، وإن كان ثمة جديد فلعله يكمن ~~في صدرك الصامت ... ~~(الرجل يضرب الهواء بسوطه محدثا طرقعة ~~رهيبة.) ~~(الأحمر والأبيض يتلاصقان. يحاولان ~~مغادرة المكان ولكن قدميهما لا تسعفانهما، يسقطان، ~~يزحفان على أربع إلى الخارج حتى يختفيا تماما. العروس مستمرة ~~في الرقص وحدها ... الرجل تأخذ حركته في التباطؤ رويدا ~~رويدا، حتى يقف تماما، وهو يحرك قدميه (محلك سر). ~~العروس ترقص وحدها أمام الرجل.) ~~(ستار) # | تحقيق # دق جرس الباب. انفصل جسداهما في حركة متشنجة بالفزع، وثبا إلى ~~ملابسهما وهو يهمس: قلت إنك لا تتوقعين قدوم أحد. # فقالت هامسة أيضا: لعله الكواء. # وكان يرتدي ملابسه بيديه وقدميه ويقول: يجب أن أستعد للاختفاء ولكن ~~أين؟ ~~- لا أظن أنك ستضطر إلى ذلك، وإذا وقع المستحيل فادخل تحت ~~السرير. # وغادرت ms20 الحجرة وهي تحبك الروب حولها، ثم ردت الباب. نظر إلى أسفل ~~السرير ولكنه مضى بخفة إلى ما وراء الباب يتنصت. سمع صوت الباب وهو ~~يفتح، ثم وهو يغلق، ووقع قدمين ثقيلتين. في لحظات خاطفة توارى ~~تحت السرير، من القادم؟ ليس الزوج وإلا لجاء إلى حجرة النوم ليخلع ~~ملابسه. ليس الزوج على وجه اليقين فقد اتصلت به تليفونيا في ~~الإسكندرية منذ ساعة واحدة. إنه فيما يبدو من المترددين على البيت، ~~بل هو من أهل البيت على نحو ما وإلا ما اقتحمه في هذه الساعة من ~~الليل. لبد في مكمنه يمزقه القلق والإحساس بالنكد بعد أن ثمل بدفء ~~اللذة. وليصبر فسيذهب عاجلا، لا يمكن أن تطول الزيارة إلى ما لا ~~نهاية، وسينتهي بالتالي عذابه. انقضت عليه فكرة كحشرة طائرة، ألا ~~يحتمل أن يدخل القادم حجرة النوم فيرى زجاجة الكونياك وعلبة ~~الشيكولاطة؟ هل يزحف إلى الخارج ليعود بالزجاجة والعلبة؟ لكنه لم ~~يتحرك، لم يجد الجرأة الكافية، وأطبقت عليه التعاسة أكثر فأكثر. ~~ومضى الوقت وطال وثقل. تلهى بالنظر إلى نقوش السجادة وألوانها، وقد ~~اختلطت وغامت تحت نور الأباجورة الأحمر الخافت، وإلى أرجل المقاعد ~~والشيفونيرة المغروزة في وبر السجادة. وارتعد لسماع صوت طارئ، ثم ~~رأى باب الحجرة وهو يفتح في هدوء. دخل شخص بلا ريب، ها هو حذاؤه ~~الأبيض ذو السطح البني وطرف بنطلونه. واتجه يسارا نحو الصوان ففتحه، ~~وقف أمامه دقيقة أو دقيقتين ولكن أين لطيفة؟ وأغلق الصوان ثم مضى نحو ~~الباب في هدوء كما جاء، ترى ما معنى ذلك؟ ومتى يخرج من زنزانته؟ ~~واشتد به التوتر والإرهاق واليأس، خيل إليه أنه وقع في شرك، ~~وأن يدا حديدية تمتد للقبض عليه وأن قدميه تندسان في حذاء ~~أبيض ذي سطح بني، وأن عليه أن يرسم خطة كاملة للتملص من مأزقه في ~~زنزانته. وقال له صوت باطني يضطرم بالرعب والإلهام إن نجاته رهن ~~بقوة خياله، وإنها وحدها القادرة على تحويل الكابوس إلى حلم. وهو لن ~~يبقى تحت السرير إلى الأبد في هذا الصمت العميق العجيب. إنه ms21 يمد ~~ذراعه لينظر في الساعة، ويخرج رأسه في حذر كالسلحفاة ليتنفس هواء ~~نقيا بعض الشيء ويرهف السمع فيجد هدوءا مخيفا، ولكنه يشجع على ~~مغادرة الزنزانة، كأن الموت يربض في الظلام مجمدا كل حركة ~~مسكتا كل صوت، وأرهقه التعب لحد التهور، وتجمعت كل قواه ~~المضمحلة في وثبة جنونية للدفاع عن النفس في مغامرة مرتجلة ~~يائسة. ~~••• # طلع الصبح دون أن يغمض له جفن. سمع دقات رقيقة على باب حجرته. ~~وجاءه صوت محشرج هاتفا: سي عمرو، اصح. # ما أجدر أن يتغيب اليوم بعذر ما، ولكنه نبذ الفكرة بلا تردد قائلا ~~لنفسه: «هو الجنون بعينه»، وصاح: صحيت يا أم سمعة! # ولما جلس إلى المائدة الصغيرة في الصالة رأى طبق المدمس، وقدح الشاي ~~باللبن، والرغيف المجمر فمد يده إلى القدح وهو يقول: سأكتفي ~~بالشاي. # فلم يفصح وجه العجوز عن تعبير، وجه ذو سحنة واحدة، ولكنها قالت: ~~كل لقمة تسند قلبك. # المنظر المرعب لا يبرح مخيلته، يعذبه ويطارده. فر بقوة ~~تركبه وتدفعه بلا حذر، نسي زجاجة الكونياك وعلبة الشيكولاطة، فلم ~~يذكرهما إلا في ظلام حجرته. ارتدى ملابسه وغادر الشقة، حمل الأرض فوق ~~رأسه، ابتاع جريدة الصباح وهو يخترق شارع القبة بالجيزة، ولكنه قال ~~لنفسه: «لم يكتشف شيء بعد.» وأخيرا وجد نفسه جالسا إلى مكتبه ~~بالإدارة، وجاء الرئيس في أعقابه وامتلأت المكاتب إلا واحدا، ونظر ~~إلى المكتب الخالي بعين متلصصة، وهو يقع فيما أمامه على الجانب الآخر ~~للحجرة، وشرع في العمل وهو يختلس إليه النظر، إذا تمت له النجاة ~~فسيحزن عليها طويلا، أما الآن فلا وقت لديه للحزن، وتساءل الرئيس: ~~ست لطيفة لم تحضر، ألم تعتذر؟ # ولما لم يسمع جوابا عاد يقول: الموظفات أعذارهن لا تنتهي. # وأثار قوله ضحكات على سبيل التشفي أو الملق. لم يشترك في الضحك، ~~تساءل فيما بينه وبين نفسه: ترى ألم يلاحظ أحد شيئا مما كان يتبادل ~~في صمت بينه وبين المكتب الخالي؟ ربما أدلى شاهد بملاحظة عابرة ~~تقلب دنياه رأسا على عقب، أو يكون آخر رآهما في أحد منعطفات شارع ~~الهرم، ثم ms22 إنه نسي هناك زجاجة الكونياك وعلبة الشيكولاطة، أي أسرار ~~يمكن أن تبوح بها الزجاجة والعلبة؟ إن كل شيء ينطق أمام شياطين ~~المحققين ويخلق الأساطير، وغير بعيد أن يكون قد نسي أشياء أخرى، ~~وبصماته انطبعت بلا حساب ولا حذر، وربما وقع المحققون في الشرك ~~وأغمضوا العين عن القاتل الحقيقي. # وجاءه صوت الرئيس، وهو يقول بصوت آمر رنان: يا سيد عمرو، سأحول ~~إليك الأوراق العاجلة الداخلة في اختصاص ست لطيفة ... # لماذا اختاره هو بالذات؟ ربما لأنه أحدث الموظفين عهدا بالوظيفة، ~~أم تراه يعني شيئا وراء ذلك؟ إنه قصير ماكر ذو نظرة تحتانية، فهل ~~يعني شيئا آخر حقا؟! واسترق نظرة من الوجوه ليرى أثر الأمر ~~الإداري، ولكنه لم يقرأ شيئا. كل شيء هادئ وعادي، والقاتل مجهول فما ~~معنى الخوف؟ وكان يصارع التشتت والتمزق عندما سمع صوتا غريبا يسأل ~~بأدب: هل الست لطيفة موظفة في هذه الإدارة؟ # فأجابه موظف: أجل ولكنها لم تحضر اليوم. # نظر إلى القادم باهتمام فرأى شابا طويلا نحيلا، غامق السمرة، ~~يرتدي قميصا أزرق وبنطلونا رماديا، سرعان ما غادر الحجرة على أثر ~~الإجابة التي تلقاها، لم يسأله أحد عن هويته، ولم يعلن هو عنها، ~~ونسي تماما بمجرد اختفائه. فكر فيه طويلا وساورته مخاوف شتى، ~~وتجسدت لمخيلته الجثة ربما للمرة الألف، وتذكر كيف انهزم لدى ~~رؤيتها ففر كالمجنون. غرق في أفكاره ثم صحا بعد وقت لا يمكن تحديده ~~على حديث يدور حول حذاء أبيض، ارتعد قلبه، ماذا يقولون؟ أحدهم يقول: ~~إن الأحذية البيضاء باتت نادرة الاستعمال، فقال آخر إن الحذاء ~~يعجبه. فعاد الأول يقول إنه يتسخ لأوهى الأسباب، ويصعب تنظيفه ~~وتلميعه بسبب سطحه البني. اشتدت به الرعدة فتساءل: ما حكاية ~~الحذاء؟ # فأجابه الموظف الأول: حذاء أبيض ذو سطح بني من النوع الكلاسيكي، ~~رأيناه في قدمي الشاب الذي جاء يسأل عن لطيفة. ~~- لا! ~~- ندت عنه بعصبية ملفتة للانتباه، وهو يتهاوى في انهيار كامل، ~~ولما شعر بالأعين المحدقة فيه قال: آسف، الظاهر أني أصبت ~~بالأنفلونزا! # وضحك ضحكة عالية لا تناسب المقام، ولم يستطع صبرا ms23 فسأل الموظف ~~الآخر: أكان الشاب ينتعل حذاء أبيض ذا سطح بني؟ ~~- أجل، وهو يعجبني، هذه هي المسألة. # واستأذن في الذهاب إلى دورة المياه، ولكنه اندفع في الطرقة الموصلة ~~إلى الباب الخارجي، ودار دورة عشوائية حول مبنى الوزارة، ولكنه لم يعثر ~~للشاب على أثر، ولبث مذهولا وهو يقول لنفسه: هكذا تقع الأحداث التي ~~نسمع عنها من بعيد دون مبالاة. ~~••• # احتلت الحادثة مكانها في صفحة الحوادث، قرأ بعناية وانتباه كامل؛ ~~بدأت بملاحظة عابرة من البواب لباب شقة المقاول حسنين جودة الذي لم ~~يكن مغلقا كعادته، وانتهت باكتشاف جثة زوجة المقاول الموظفة، اتصل ~~بشرطة النجدة، تبين أن المرأة خنقت بينا كان زوجها في رحلة ~~تجارية بالإسكندرية. لم تكتشف سرقة، عثر على زجاجة كونياك وعلبة ~~شيكولاطة، وطبعا التحقيق ماض في طريقه إلى الكشف عن أسرار الجريمة ~~والقبض على القاتل. ووجد الموظفين واجمين والجو مشحونا بأخبار الجريمة ~~وتأويلاتها، ثمة حسرة ورثاء وتساؤل عن بواعث الجريمة، وعن معنى وجود ~~الكونياك والشيكولاطة في غياب الزوج. وقال أحدهم: كل شيء مفهوم ولكن ~~لم قتلها؟ # أجل لم قتلها؟ وقعت الواقعة في مجال تنفسه وهو لا يفقه لها معنى، ~~ليس الواقع كما يتصورون، وسوف يندفعون جميعا كالسكارى في طريق الضلال؛ ~~ليرتكبوا جريمة أخرى. وقد جاءهم صاحب الحذاء بقدميه ولكنهم يتساءلون ~~عن صاحب الخمر والشيكولاطة، هو وحده يتشوق لمعرفته وكشف سره المغلق ~~فلعله يعثر عليه في الجنازة، بل يجب أن يعثر عليه في الجنازة كما يقضي ~~به المنطق، وذهب ممتلئا بالتصميم بقدر ما هو ممتلئ بالشجن، وتفحص ~~بعين ثاقبة أهل الفقيدة من المستقبلين. رأى الزوج الذي يوشك أن يصرعه ~~المرض، ورأى آخرين، ولكنه لم يعثر لضالته الماكرة على أثر، وسار وراء ~~النعش وهو يختلس إليه النظر بقلب منقبض، وكاد إلى حين ينسى مخاوفه ~~تحت موجة الحزن التي غمرته، وتذكر قصة حبه القصيرة العميقة التي مضت ~~في عناء، ولم تخلف إلا التعاسة والرعب. ~~••• # من هو صاحب الحذاء الأبيض؟ هل رآه البواب ليلة الجريمة وهل يعرفه؟ ~~أما هو فقد رآه البواب، ولما سأله ms24 عن مقصده أخبره أنه ذاهب إلى طبيب ~~الأسنان بالدور الثالث، وإلى العيادة ذهب فعلا للكشف والتنظيف تنفيذا ~~لتدبير حكيم اتفق عليه مع الفقيدة، فمن تلك الناحية لا خوف ~~عليه. # وقال موظف بالإدارة بعد أن فرغ من قراءة الجريدة: الأمور تتضح؛ ~~فالزوج مريض جدا، وله مطلقة أنجب منها شابا وشابة جامعيين، ~~والعلاقة بينه وبين أسرته الأولى سيئة جدا. # فقال ثان: وإذن فيهم أسرته الأصلية التخلص من الزوجة الجديدة ~~قبل أن تستولي على أموال أبيهم ... # وتساءل ثالث: هل من علاقة بين ابن المقاول وبين الخمر ~~والشيكولاطة؟ # فقال الأول: لن يفوت المحقق شيء من ذلك. # فقال رابع: سيصلون إليه عن طريق الزجاجة والعلبة ... # فقال عمرو وهو يداري حنقه: توجد آلاف الزجاجات وآلاف العلب! ~~- ولكن العلبة تدل على الدكان، والدكان تدل على الشاري، وقد ~~يعثرون على لفافة الزجاجة فيعرف المخزن أو المحل ... ~~- ثم يعرض الشاب أو المتهم على عمال المحل والمخزن. # جميع الأدلة متوفرة إذا تركزت الشبهات في الزجاجة والعلبة، فكر في ~~ذلك طويلا وقلبه يغوص في أعماق من الكآبة، وعاد الموظف الأول يقول: ~~الأمر واضح، ابن المقاول أنشأ علاقة مع المرحومة ثم قتلها. # لعل ذلك كذلك، أو لعل القاتل هو صاحب الحذاء الأبيض، أو لعل ابن ~~المقاول هو صاحب الحذاء الأبيض، إن صح احتمال من تلك الاحتمالات فقد ~~نجا هو من كل سوء كما ينبغي له، أما إذا أصر المحقق على تتبع أثر ~~صاحب الخمر والشيكولاطة فلن يعجز عن الوصول إلى مصدريهما، وهو - عمرو - ~~معروف بشخصه دون هويته لدى صاحب محل «الزهرة» كما هو معروف عند فتاة ~~حلواني «ألف ليلة»، وغير بعيد أن أوصافه تتردد في هذه اللحظة على ~~الشفاه بين جدران حجرة التحقيق. ~~••• # ونشرت صور لطيفة، وحسنين زوجها، ومحمد ابنه لأول مرة في الجريدة، ~~وتبين لعمرو أن ابن المقاول شخص آخر غير الشاب صاحب الحذاء الأبيض، ~~وتابع تعليقات الموظفين بالإدارة باهتمام وتركيز: تقول الجريدة إن ~~الشرطة عثرت على خيوط يمكن أن تؤدي إلى القاتل ... ~~- لعلها تقصد الشاب ابن المقاول؟ ~~- أو الزجاجة والعلبة؟ ms25 ~~- سر الجريمة كامن في الزجاجة. # ورفع الرئيس رأسه عن رسالة كان يقرؤها بإمعان ثم قال: يا جماعة، نحن ~~مطلوبون جميعا لسماع أقوالنا. ~~••• # شهد كل موظف بما يعلمه ولم يكن ذا بال، مثل تاريخ التحاق لطيفة ~~بالعمل منذ عشرة أعوام، وزواجها منذ عامين. وشهد لها الرئيس بحسن السير ~~والسلوك والمعاملة، وبأنها كانت موظفة ممتازة، ولكن الفراش - عم ~~سليمان - أدلى بواقعة مهمة فقال: إنه رآها مرة بصحبة شاب قبيل ~~زواجها هو نفس الشاب الذي جاء الإدارة صباح الجريمة سائلا عنها. وأكد ~~الجميع واقعة الزيارة الصباحية، وأعطوا أوصافا تقريبية للشخص، واهتم ~~المحقق بالواقعة بطبيعة الحال. ولما دعي عمرو لأخذ أقواله عن الشخص ~~المجهول، وصفه بدقة ملحوظة، طوله وحجمه ولونه وملابسه حتى الحذاء، ~~فقال له المحقق: يبدو أنك تفحصته بعناية! # فتضايق عمرو من الملاحظة ولكنه قال بثبات: كان يقف أمامي ~~مباشرة. # وكان يشعر طيلة الوقت بضيق وتوتر فزادته الملاحظة ضيقا وتوترا، ~~وضاعف من همه ما ذاع في حجرة المحقق من أنه ثبت أن ابن المقاول ~~كان في رحلة جماعية ليلة الجريمة، وأن الشبهات تبددت - بالتالي - ~~من حوله. ~~••• # تقمص دماغ المحقق فطارد نفسه بنفسه، من الشاب الذي رآه عم ~~سليمان مع الفقيدة، ولم زار مكتبها صباح ارتكاب الجريمة؟ محتمل ~~أن يكون صاحب الخمر والشيكولاطة، أو يكون شخصا آخر لا علاقة له ~~بالجريمة. السر قابع وراء الزجاجة والعلبة، فلنتخيل القصة من ~~بدايتها عندما بدأت بغرام، انتهز العاشقان فرصة سفر الزوج فتواعدا في ~~بيت الزوجية، وفي الموعد المضروب تسلل الشاب إلى العمارة، يسير ~~التسلل إلى عمارة ضخمة بها أكثر من عيادة طبية، وها هو يجالسها كما ~~يفعل العشاق، كيف ومتى سيطرت فكرة القتل؟ إنها لا تخلق بغتة وبلا ~~مقدمات، ربما جاء بها جاهزة معه، وغير بعيد أن تنشأ عقب خلاف ~~طارئ أو إثر ميل من المرأة نحو إنهاء العلاقة. لعله شاب غر ومحب حتى ~~الجنون، وقع في هوى امرأة طموح لا حد لطموحها، فتزوجت من المقاول، ~~وأبقت على علاقة الشاب بها لتستحوذ على المال والجاه والحب فكرهها ms26 بقدر ~~ما أحبها، ولما قالت له بدلال وهي تلاطفه «اخنقني» طوق عنقها ~~بقبضتيه، وشد بكل عنف فلم يتركها إلا جثة هامدة. ارتكب جريمته ثم ~~هرب ولكنه نسي وراءه الزجاجة والعلبة، سيظل مهددا بأن تراه فتاة ~~حلواني دمشق أو صاحب محل «الزهرة» أو يساق إليهما في ظرف ما ~~فيتعرفان عليه. ويتضح أنه زميل للفقيدة في إدارة واحدة؛ فتقوى ~~الشبهة وتتوطد، وإذا اعترف بأنه صاحب الزجاجة والعلبة، وبأنه كان ~~عشيق المرأة، فأي قوة يمكن أن تدفع عنه التهمة، أو تنقذه من حبل ~~المشنقة مهما أنكر وأصر على الإنكار؟! ~~••• # من الحكمة أن يكمل علاجه عند طبيب الأسنان، ها هو الطريق مرة أخرى ~~وها هي العمارة، ترى أما زال حسنين جودة يشغل العمارة؟ وجد البواب فوق ~~الأريكة وراء الباب مباشرة، إنه صعيدي فيما يبدو، ويلف سيجارة، ومضى ~~إلى الداخل فقام الرجل وتبعه، دخل المصعد وراءه فقال باقتضاب: ~~الدكتور نصر طبيب الأسنان. # وهو يغادر المصعد في الدور الثالث حانت منه نظرة إلى الأرض ~~فرأى حذاء البواب فارتعدت مفاصله، حذاء أبيض ذو سطح بني! مضى إلى ~~العيادة بذهن مشتت، أيكون البواب هو القاتل؟ ولكنه يذكر تماما أنه ~~رأى الحذاء تحت طرفي بنطلون لا جلباب، أم يكون البصر قد خدعه؟! وغرق في ~~ذهوله حتى دعي إلى حجرة الكشف، جلس وهو يتساءل: هل ينتهي التنظيف في ~~هذه الجلسة؟ # فقال الطبيب: أراك نافد الصبر. # فسأله: ما أخبار الجريمة؟ ~~- آه ... تلك المرأة! كنت أعرفها جيدا؛ فقد حضرت مع زوجها عند تركيب ~~ضرسين له! ~~- حقا؟! # وندم على ثرثرته أما الطبيب فقال: عم خليل التمرجي اعتقد أنه رأى ~~القاتل. ~~- حقا؟ ~~- إنه يسكن في حجرة فوق السطح، وكان يمر أمام شقة القتيلة عندما ~~رأى رجلا يغادرها. ~~- أرآه جيدا؟ ~~- لا أدري. ~~- كان يجب أن يدلي بشهادته. ~~- وقد فعل. # من الذي رآه التمرجي؟ ولأي درجة تمكن من رؤيته؟ هل ساوره شك من ~~ناحيته؟! ~~••• # وكان يغادر باب الوزارة عندما شعر بشخص يلاحقه فالتفت وراءه، فرأى ~~عم سليمان الفراش. نظر إليه متسائلا فقال الرجل: عمرو بك، الحق ms27 ~~أني لم أشهد في التحقيق بكل ما أعرف! # فرمقه في دهشة فقال الرجل: كتمت شهادة لو سمعها المحقق لأتعب ~~الأبرياء بلا موجب. ~~- ماذا تعني؟ # فقال الرجل وهو يبالغ في الأدب: رأيت حضرتك يوما وأنت تقبل ~~المرحومة في المصعد! # فهتف: ماذا تقول؟ ~~- رأيتك وأنت تقبلها. # خذلته أعضاؤه في الواقع، ولكنه تماسك بقوة فوق طاقة البشر. وقال: أنت ~~أعمى بلا شك. ~~- كتمتها خشية أن تدفع بك إلى موطن الشبهات! # فهتف: أنت أعمى! # فتراجع الرجل قائلا: لا مؤاخذة يا بك، ما قصدت سوءا قط. # فتراجع بدوره قائلا: إنك على أي حال تستحق الشكر. # فقال الرجل وهو يمضي: الشكر لله. # إنه يتمزق إربا، لا أمان ولا سلام، ولا قدرة على تحمل مزيد من ~~العذاب. ~~••• # قال عمرو: لا خبر عن الجريمة في الجرائد. # فقال موظف: أكبر الأحداث يشغل الصحف أياما ثم يختفي كأن لم ~~يكن. # وقال آخر: في رأيي أن النيابة هي التي منعت النشر. # فسأل عمرو: لماذا؟ ~~- هكذا يتصرفون إذا اكتشفوا حقائق يجب إخفاؤها عن القاتل. # وشعر بنظرات تلسع وجهه، فالتفت بالغريزة ناحيتها، فالتقت عيناه ~~بعيني عم سليمان، وهو يحمل القهوة للرئيس، جن بالقهر دقيقة ثم ~~تساءل متى وكيف يشرع في ابتزاز أمواله؟! ثلاثة تمنى أن يتخلص منهم؛ ~~فتاة الحلواني، وصاحب محل الزهرة، وعم سليمان، تمنى أن يتخلص منهم ~~ليتغلب على الأرق الذي احتل لياليه المضنية، وتتابعت المعجزات فصدمت ~~سيارة نقل الفتاة الجميلة، وقتل صاحب محل الزهرة في معركة غادرة مع ~~أحد العمال، أما عم سليمان فقد مات فجأة وهو يعمل في ~~المقصف. # ولم يكد يتذوق قطرة من الراحة حتى دهمه صوت الرئيس وهو يقول: ~~متى تبدأ العمل يا سيد عمرو؟! ~~••• # وهبطت عليه فكرة من السماء، أوحت إليه بأن البواب ليس بالمالك ~~المناسب للحذاء الأبيض، الحذاء لا يناسبه لا من الناحية الذوقية، ~~ولا من الناحية الاقتصادية، الأرجح أن يكون قد تلقاه هدية، فمن هو ~~المهدي ومتى أهداه إليه؟ لعلها فكرة لا تقوم على واقع ولكنها جديرة ~~بالاختبار، ومضى لتوه قاصدا عيادة الأسنان. وفي المصعد ms28 قال للبواب: ~~حذاؤك جميل! # نظر إليه الرجل نظرة جامدة، ولم يعلق فعاد يسأله: جاهز أم ~~تفصيل؟ # أجاب الرجل: ممكن تفصل حذاء مثله عند أمين علي بممر ~~الديلمي. # هي إجابة وتخلص من الإجابة معا، قوى سوء الظن به، وكان ممر ~~الديلمي قريبا، ودكان الإسكافي في مطلعه على اليمين، حيا الرجل ~~وقال: أريد تفصيل حذاء أبيض ذي سطح بني. # فأجلسه الرجل على كرسي من القش المجدول، وراح يسجل مقاسات ~~قدميه، وفي أثناء ذلك قال له: رأيت حذاء مثله في قدمي بواب العمارة رقم ~~11 بشارع 26 يوليو فأعجبني، وهو الذي دلني عليك. # فقال الرجل بهدوء: ليس بين زبائني بواب! # فخفق قلب عمرو سرورا بسلامة تفكيره وقال: لعله أخذه هبة من أحد ~~زبائنك. ~~- يمكن. ~~- هل الطلب كثير على هذا النوع؟ ~~- من النادر أن يطلبه أحد، وطلبك هذا هو الثالث من نوعه في العامين ~~الأخيرين. # فسأله باهتمام متصاعد: والآخران من أي طبقة؟ ~~- أحدهما قارئ والآخر ... # وتردد تردد من خانته الذاكرة فانحنى فوق دفتر متهرئ، وفر ~~صفحاته بسرعة، وعمرو ينظر من فوق كتفه، وقال الإسكافي: حسام فيظي ... ~~غالبا موظف ... لا يوجد في الدفتر إلا العنوان. # وغادر الدكان وهو يحفظ العنوان عن ظهر قلب! ~~••• # انبعث إلهام في صدره بأنه سيرى القاتل، وأنه سيجد فيه نفس الشخص ~~الذي اقتحم الإدارة صباح ليلة الجريمة، وما عليه بعد ذلك إلا أن يقابل ~~المحقق ليعترف بين يديه بكل شيء، أو الأفضل أن يحرر رسالة متضمنة ~~لكافة التفاصيل، وكان البيت يقع في شارع المتولي بمنشية البكري، وهو ~~شارع سكني نصف مساكنه عمارات حديثة، والنصف الآخر بيوت قديمة من دور ~~ودورين، وليس به من محال عامة سوى فرن وكواء، فهو شارع يشعر الغريب ~~الطارئ بغربته، مر أمام البيت عصرا، فرأى في شرفته فتاة فوق ~~العشرين ودون الخامسة والعشرين، أخذ منظرها بلبه فحلم بسعادة الحياة ~~الزوجية واستقرارها الهانئ، قديما أسرته لطيفة بحيويتها وعذوبتها ~~الجنسية، وتعلقها الجنوني به لدوافع قدرية مجهولة، أما هذه الفتاة ~~فمثال كامل للرزانة والحياء والصبر والخلق المتين، وهي زوجة القاتل ms29 ~~ولعلها أخته، ولاحظ أن في دكان الكواء امرأة قميئة عوراء تتابعه ~~باهتمام، واستنتج من سلوكها أنها صاحبة الدكان، فأقبل نحوها - ~~اكتسابا للوقت - وسألها عن بيت حسام فيظي فأشارت إلى البيت، وهي ~~تتفحصه بخبث بعينها اليسرى، وقالت: وتلك أخته التي تجلس في ~~الشرفة. # لعلها ظنت أنه يحوم حول الفتاة فشكرها، وهم بالذهاب فقالت ~~المرأة: أسرة طيبة. # فوافق بإحناءة من رأسه فسألته: هل تعرفهم؟ # فأجاب بالنفي، واقتنع في ذات الوقت بأن المرأة تقوم بدور الخاطبة، ~~وحدثته عن حسام ودولت، وأبدت استعدادا طيبا لتقديم أي خدمة ~~شريفة، وقالت له بغتة وهي تغمز بعينها: ها هو حسام ذاهبا إلى ~~المقهى. # التفت عمرو وقلبه يدق بعنف. # ولكنه رأى رجلا لم تسبق له رؤيته، مضى بدينا أنيقا فاقع البياض ~~غزير الشارب لا يمت بصلة للرجل الذي يبحث عنه، انهارت تقديراته وخاب ~~مسعاه، وأدرك أن البواب ما دله على عم أمين إلا باعتباره أقرب ~~إسكافي، أما سر حذائه هو فما زال سرا، وما زال احتمال أن يكون ~~هدية قائما، وغير مستحيل في النهاية أن يكون صاحبه. # ورجع إلى النقطة التي منها بدأ. ~~••• # لو تنكشف تلك الغمة؛ فيملأ رئتيه بالهواء النقي بعمق وتوبة، ~~ويعزم جادا على إكمال نصف دينه بالاقتران من دولت فيظي! لقد تجنب ~~الاقتراب من شوارع برمتها، كما يتجنب عيني عم سليمان، وثمة نسيان ~~جاحد يسدل أهدابه على لطيفة ومأساتها، وهو الوحيد الذي يحترق في خفاء ~~بذكرياتها. وفكر ثم فكر، وكتب رسالة مطولة للمحقق استهلها بقوله: ~~«أنا صاحب الخمر والشيكولاطة، وإليك الشهادة الوحيدة التي تنفعك.» ~~كتبها بعناية وحشدها بالتفاصيل، ولكنه لم يوقع عليها بإمضائه، ولم ~~يرسلها، أجل ذلك حتى يستوفي التفكير في كافة وجوهها واحتمالاتها، ~~وقال لنفسه: إنه لن يذوق للراحة طعما حتى يلقى القبض على القاتل. ~~وتساءل أي بواعث يا ترى دفعته إلى قتلها بعدما ثبت من التحقيق أنه لم ~~تكتشف سرقة وراء الجريمة؟ أما كان الأجدر أن يقتلها هو - عمرو - وقد ~~توفرت لديه لذلك أسباب وأسباب؟ كان يمقتها بقدر ما كان يحبها، ولم ~~يغفر ms30 لها نهمها الجنوني للمال والسلطان، وتضحيتها به في سبيل ذلك، ~~وكان يشد عليها بقوة وهي بين ذراعيه رغبة وحنقا، على أي حال فلا يجوز ~~له أن يمني النفس بحياة زوجية سعيدة مع دولت فيظي حتى تنكشف الغمة ~~تماما، وتهدأ أعاصير الوجود. وذهب من فوره إلى العمارة المشئومة ~~ليكمل علاج أسنانه، وانتهز فرصة هبوط المصعد فصعد إلى الدور الرابع ~~بقوة لا تقاوم، وجد المصباح فوق باب شقة المقاول مضاء، فتح الباب ~~فظهر المقاول وهو يوسع لضيف فتوارى عمرو في نهاية الطرقة، وسمع حوارا ~~بينهما فقال المقاول: لا تنس عيد الأضحى. # فأجاب الرجل. ~~- كل عام وحضرتكم بخير. # فقال المقاول: سنذبح هذا العام بقرة. # فقال الرجل: ونصنع من جلدها حذاء كلاسيكيا. # فخفق قلب عمرو، وشعر بأنه قريب من النصر أكثر مما يتصور، وخرج ~~الضيف، فأفلتت من عمرو صيحة فوز، رأى أمامه غريمه دون سواه، القاتل ~~المجهول المحوط بالأسرار، وانقض عليه كالوحش وقبض على ذراعيه وهو ~~يصيح: أنت القاتل! # وذعر الرجل واختفى المقاول مغلقا الباب، فضاعف ذلك من وحدة ~~الرجل الغريب وهتف: أي قاتل! # فلطمه بقوة هدامة وصاح به: اعترف! # فتمتم الآخر بصوت كالأنين: رحماك! ~~- أنت الذي قتلت دولت فيظي! # وفطن إلى هفوة لسانه أما الآخر فلم يفطن، وانهار تماما فقال: ~~أعترف ... ولكن لا تضربني. # فدفعه أمامه وهو قابض على ذراعيه بوحشية. ~~••• # وفكر طويلا في موضوع الرسالة دون حسم، وهداه تفكيره إلى وجوب ~~كتابتها على آلة كاتبة ما دام مصرا على إخفاء إمضائه - وبالتالي ~~شخصه - إذ ليس من حسن الفطن أن يرسل خطه إلى المحقق، واقتنع بذلك ~~لحد أنه عزم على شراء آلة كاتبة صونا للسرية اللازمة، وكان يتخبط في ~~فراغ مخيف بين صمت الصحف، وعيني عم سليمان حتى اعتقد أن بقاءه في ~~المدينة حمق ما بعده حمق ولكن أين المفر؟! وقال له عم سليمان مرة ~~وهو يقدم له القهوة: لست على ما يرام يا أستاذ عمرو. # فغلى دمه لظنه أنه يطبق عليه الحصار، ولكنه قال ببرود، وهو يكبح ~~انفعالاته المتطايرة: بخير والحمد لله. ms31 # واشترى في ذات اليوم الآلة الكاتبة - وهو آسف - لارتفاع ثمنها. ما ~~أجدره بالتوفير! لا بالتبذير ما دامت فكرة الزواج من دولت تغزو خياله ~~بسحرها، ونظر إلى حذائه الأبيض ذي السطح البني وابتسم فهو لا ينسى أنه ~~كان المناسبة التي هيأت له التعرف بحسام فيظي، وبالتالي بمنية القلب ~~دولت، فما كاد الرجل يغادر دكان عم أمين علي حتى قال له عمرو: فصل ~~لي حذاء مثل حذائه. # فابتسم الرجل وقال: ندر في أيامنا الإقبال على هذا الصنف رغم ~~فخامته. # فتردد عمرو قليلا ثم سأله: من الرجل؟ ~~- حسام فيظي، موظف، لا أدري في أي وزارة رغم أنه زبون قديم مثل ~~حضرتك! ~~- ومن الفتاة؟ ~~- أخته، اسمها دولت. ~~- لعلك تعرف عنوانه؟ # فضحك وقال: 14 شارع المتولي بمنشية البكري. # فحق له أن يأسف لشراء آلة كاتبة، ولكنه اشتراها على أي حال، وكتب ~~عليها رسالته المثيرة، ثم عنونها، ثم أودعها صندوق البريد. # عند ذلك شعر بشيء من الراحة لأول مرة. ~~••• # وكان عاكفا على عمله بالإدارة عندما طرق أذنيه صوت وهو يسأل ~~قائلا: أين الست لطيفة؟ # رفع رأسه بقوة وفزع فرأى أمامه الشاب المجهول، الذي اقتحم ~~الإدارة غداة ليلة الجريمة، وأحدث ظهوره المفاجئ دهشة عامة أما سؤاله ~~فأذهلهم، وتكهرب عمرو من الرأس إلى القدم، ها هو الشيطان الخفي، حتى ~~الحذاء لم يغيره، أين كان، ولماذا جاء، وماذا يعني بسؤاله؟ وفي لحظات ~~أغلق عم سليمان باب الحجرة ووقف وراءه متحفزا أما الرئيس فسأل ~~القادم: من أنت؟ # فتجاهل سؤاله وعاد يسأل: أين الست لطيفة؟ ~~- ولم تسأل عنها؟ ~~- ذاك أمر يعنيها وحدها. ~~- ولكن من أنت؟ # فأجاب بحياء: لا أهمية لذلك. ~~- ألم تسمع بما وقع للست لطيفة؟ ~~- خير إن شاء الله! ~~- لم لم تزرها في بيتها؟ ~~- لا علم لي بمكانه! ~~- ألم تعرف بأنها قتلت منذ عشرة أيام؟ # فارتسم الذهول في وجهه وتمتم: قتلت؟! ~~- ألم تقرأ الصحف؟ ~~- أنا لا أقرأ الصحف! ~~- على أي حال فالمحقق يرغب في مقابلتك. ~~- أنا؟ لماذا؟ ~~- طبيعي أن يرغب في استجواب جميع من كانت لهم علاقة بالفقيدة. # صمت الرجل ms32 مليا حتى أفاق بعض الشيء من وقع الخبر ثم قال بهدوء: ~~إني على تمام الاستعداد للقائه. ~~••• # ها هو ذا الشبح، ها هو الحلم، جاء يسعى على حذائه الأبيض، أي قاتل، ~~وأي مناورة يلعب بها! وقد استدعي عم سليمان للمواجهة، وعن عم ~~سليمان علمت الإدارة بأنباء الرجل، علمت بأنه يدعى محمود الغر ~~وأنه سواق تاكس، وقد تعاقدت الفقيدة معه - قبل زواجها بعام - لاستغلال ~~تاكس تملكه، وحرصت من بادئ الأمر على سرية الموضوع لكونها موظفة من ~~ناحية، ولأنها أخفت صفقة التاكس عن أهلها حتى لا تسأل عن مصدر المال ~~الذي ابتاعته به، فكانت تلقى السائق في الجراج. وظل الرجل على جهله ~~بمسكنها ولكنها دلته على مكان عملها ليهتدي إليها في الطوارئ، ولما ~~وقع الطارئ ذهب للقائها في الإدارة صباح ليلة الجريمة، فلما لم يجدها ~~اضطر للتصرف بمفرده فسافر بأسرة عربية إلى الإسكندرية، ولبث في ~~خدمتها هناك حوالي الأسبوع أو أكثر، وانتظرها في ميعاد اللقاء ~~المعتاد، ولكنها لم تحضر فذهب إلى الإدارة مرة أخرى لمقابلتها، وتم ~~التحقق من أقواله واختبرت بصماته ثم أفرج عنه! # دار رأس عمرو، ها هي الأمور تتعقد كما لم تدر له في حسبان، وها هو ~~ينحدر في تيه، وشد ما ندم على كتابة رسالته المذهلة، ولكن واقعة التاكس ~~حقيقة لا شك فيها، استيقظت في وجدانه الآلام الغافية، ألم يقل لها ~~بصراحة: «إني أحتقر تصرفاتك؟» وكيف استجابت؟ ... قالت برزانة مرعبة: ~~ليكن رأيك ما يكون ولكنك تحبني! # فقال بحنق: تبيعين نفسك لوحش بسيارة! ~~- ولكنك تحبني؟ # فصمت صمتا ذا مغزى لا يخفى فضحكت وقالت: لا تغتم بتصرفاتي ولا ~~بزواجي نفسه ما دام قلبي لك وحدك. # وقال لنفسه بأنه قضى على قلبه بأن ينقسم إلى قسمين، تلك العذابات ~~الجهنمية، التي لم تقتلع من وجدانه تماما حتى وهما يذوبان في ضوء ~~الأباجورة الأحمر، واستقر حذاء أبيض ذو سطح بني على السجادة بين ~~الصوان والخوان الحامل للزجاجة والعلبة، وتموجت تهاويل غشاء الجدران ~~الورقي، وتفشت في الجو هينمات منسالة من كون مجهول، وتخطت الذروة ~~عندما راحت ms33 تغازل يديه بنشوة جنونية، وتقول له بدلال ~~«اخنقني». ~~••• # ودخلت أم سمعة الشرفة وهو وحيد يستجدي نسمة من ليل الصيف وقالت ~~له: ضيوف على الباب. # فسألها: تعرفينهم؟ ~~- كلا، قالوا افتحي فجئت لأخبرك. # فتح شراعة الباب فرأى وجها لم يره من قبل فغاص قلبه، فتح الباب ~~مستسلما فدخل الرجل وتبعه ثلاثة. # اندفع الثلاثة يفتشون وقال له الرجل: معذرة، تفتيش لا بد منه، هاك ~~أمر النيابة! # فسأله بصوت ضعيف: عم تفتشون؟ ~~- آلة كاتبة. # وجيء بالآلة فتفحصها الضابط وقال: هي التي كتبت عليها ~~الرسالة. # وبسط أمام عينيه الرسالة التي تطوع بإرسالها وسأله: ~~رسالتك؟ # فقال يائسا: لا علم لي بشيء مما تتحدث عنه. ~~- متى اشتريت هذه الآلة؟ ~~- اشتريتها ولم أسرقها، ولست مطالبا بتفسير سلوكي! ~~- ستعرض أنت على عمال المحلين اللذين اشتريت منهما زجاجة ~~الكونياك وعلبة الشيكولاطة، فهل أنت مصر على الإنكار؟ ولم تصر ~~على الإنكار ما دمت بريئا؟ # وفي سيارة الشرطة سأل الضابط عما جعله يشك في أمره، فيفتش مسكنه؟! ~~ولكن الرجل ابتسم ولم يجب. وفطن عمرو إلى الخطأ الذي ارتكبه بإرسال ~~الرسالة، فإن كتابتها على الآلة الكاتبة تشي بخوف كاتبها من الاهتداء ~~إليه بمعرفة خطه، مما يرجح معه أن خطه غير بعيد عن متناول التحقيق، وما ~~يثير - بالتالي - الشبهات حول المتصلين بالفقيدة ومن بينهم زملاؤها في ~~الإدارة. هكذا استوجب خطؤه تفتيش مسكنه - ضمن مساكن الآخرين - وهكذا تم ~~العثور على الآلة الكاتبة، وعرف صاحب الرسالة والزجاجة ~~والعلبة. # وقال: ولكني بريء وكل كلمة في الرسالة صادقة. # فقال الضابط ببرود: علمنا من بادئ الأمر بعلاقتك بالقتيلة! # فاعترضت مخيلته الممزقة صورة عم سليمان، ولكنه قال: اعترفت بذلك ~~في الرسالة ولكني بريء. # فقال الضابط بغموض: وأعجبني خيالك! # فقال دون أن يتمعن معنى قوله: وأطلقتم المجرم الحقيقي! ~~- جميع من اشتبهت بهم أبرياء. # فتساءل بإنكار: فمن القاتل إذن؟ # فأجاب الرجل بهدوء وثقة: لم يبق إلا أنت! # | الحجرة رقم 12 # يتذكر مدير الفندق بصورة لا تنسى أنه جاءته ذات يوم امرأة لاستئجار ~~غرفة لمدة أربع وعشرين ساعة، وكان الوقت وقتذاك العاشرة صباحا، ms34 ~~وحدجها الرجل بنظرة خاصة لندرة من يقصده من الجنس الآخر منفردا، ~~وإنه ليتذكر بصورة لا تنسى أيضا أنها تبدت لعينيه امرأة شديدة التأثير ~~بقوة بنيانها، ووضوح قسماتها، وحدة نظرتها، وهي تقف أمام الطاولة ~~منتصبة القامة في معطفها الأحمر وقلنسوتها البيضاء. ولم تكن تحمل ~~بطاقة شخصية، غير عاملة ولا متزوجة، ولكنها على الأرجح مطلقة أو ~~أرملة، اسمها بهيجة الذهبي، قادمة من المنصورة، سجل الرجل ما يلزمه ~~من معلومات ثم عهد بها إلى فراش تقدمها حاملا حقيبتها، حقيبة كبيرة ~~الحجم فوق المألوف، فقادها إلى الحجرة رقم 12 بالفندق الصغير. # رجع الفراش بعد نصف ساعة بوجه متعجب فسأله المدير عما وراءه؛ فأجاب ~~بأن المرأة غريبة الأطوار. ~~- ماذا تعني؟ # أجاب بأنها طالبته بأن يطبق حشية الفراش والغطاء والملاءة وأن ~~يودعها ركن الغرفة حتى يجيء الليل أما السرير نفسه فأمرت بإخراجه ~~من الحجرة معتذرة بأنها لا يغمض لها جفن طالما أنه يوجد تحتها ~~فراغ يتسع لشخص قد يختبئ فيه، فقال لها: إن مخاوفها لا تقوم على أساس، ~~وإن الفندق لم يقع به حادث واحد منذ نشأته، ولكنها أصرت فأذعن ~~لمشيئتها. ~~- كان عليك أن ترجع إلي أولا. # فاعتذر بأنه لم يجد في طلبها - رغم غرابته - خروجا على التعليمات ~~الواجب الالتزام بها في الفندق، ثم واصل حديثه، فقال إنها أمرته بأن ~~يفتح صوان الملابس على مصراعيه، وأن يبقيه كذلك فأدرك من توه أنها ~~تخاف أن يغلق في غيبة منها على غريب يتربص فصدع بأمرها في تسليم ~~باسم. ~~- العجيب أنها تبدو قوية وجريئة. # وتفكر الرجل مليا ثم سأله: هل وهبتك بقشيشا؟ ~~- نصف جنيه بالتمام والكمال. ~~- واضح أنها غير طبيعية، ولكن لا أهمية لذلك. # فقال الفراش: وكنت مارا أمام حجرتها المغلقة في طريقي إلى ~~المغسل فسمعت وراء الباب صوتا يتكلم بحدة وحرارة ... ~~- ولكنها بمفردها. ~~- رغم ذلك كانت تتكلم بحدة ويرتفع صوتها تدريجيا. ~~- كثيرون يفعلون ذلك، ليس بالضرورة أن يكون مجنونا من يخاطب ~~نفسه. # فهز الرجل رأسه ولم ينبس، فعاد المدير يسأله: هل وضح لسمعك شيء ~~مما كانت تقوله؟ ~~- كلا، ms35 عدا عبارة واحدة وهي «لا يهم». # وأشار المدير إشارة حاسمة إعرابا عن رغبته في إنهاء الموضوع، ثم ~~قال للفراش وهو يمضي: مزيدا من الانتباه، فهذا واجب على أي ~~حال. # وقصف الرعد فنظر المدير إلى السماء من نافذة زجاجية فرآها ~~ملبدة بالغيوم، وكان الجو شديد البرودة، والمطر متوقعا بين آونة ~~وأخرى، وعند تمام الواحدة بعد الظهر تلفنت له الحجرة 12: ممكن أطلب ~~غداء؟ ~~- لا يوجد مطعم بالفندق، ولكن يوجد مطعم بالشارع، طلباتك يا ~~أفندم؟ ~~- تورلي، أرز بالخلطة، مع كيلو كباب مشكل، تشكيلة سلطات، رغيف بلدي ~~مجمر، عيش سراي، برتقالتان ... # أمر المدير بإحضار المطلوب، ولكنه دهش لكمية الطعام المطلوبة، خاصة ~~اللحوم، وهي تكفي وحدها لستة أشخاص. # وقال لنفسه إنها مصابة بجنون الخوف والنهم. ~~- محتمل أن تغادر الفندق عصرا، وسأجد فرصة لإلقاء نظرة داخل ~~الحجرة. # وجاء الطعام، وبعد ساعة رجع خادم المطعم ليأخذ الصينية والأطباق، ~~ولم يستطع المدير مقاومة رغبة ملحة في النظر إلى الأطباق، وجدها ~~فارغة تماما إلا من بقايا عظام وصلصة متجلطة، وقرر أن يتناسى الموضوع ~~كله، ولكنه وجد المرأة - صورتها ونوادرها - تطارده وتلح عليه، لا يمكن ~~القول بأنها جميلة، ولكنها ذات سطوة كالجاذبية، وبها شيء يخيف ~~وأشياء تثير حب الاستطلاع والإذعان، ومع أنه رآها اليوم لأول مرة إلا ~~أنها تترك انطباعا بالألفة التي لا تكون إلا للوجوه المستقرة في ~~أعماق الذاكرة من قديم. # ورأى رجلا وامرأة قادمين نحوه، وسأله الرجل: هل السيدة بهيجة الذهبي ~~تقيم هنا؟ # فأجاب بالإيجاب، واتصل بالمرأة، فطلبت السماح للقادمين بالصعود إلى ~~حجرتها، وكان واضحا أن القادمين من الصفوة، من الناحية المادية على ~~الأقل، واندفع الهواء في الخارج بقوة رقصت لها القناديل المعلقة في ~~مدخل البهو الصغير. وسرعان ما قدم ثمانية أشخاص - أربعة رجال وأربع ~~نساء - فتكرر السؤال: هل السيدة بهيجة الذهبي تقيم هنا؟ # وتم الاتصال وجاءت الموافقة فصعدوا بجلال - كانوا على مستوى ~~السابقين - إلى الحجرة رقم 12. أصبح الزوار عشرة أقارب من أسرة واحدة، ~~أو أصدقاء، أو أقارب وأصدقاء، ولكن لا شك أن بهيجة سيدة غير ~~عادية. ~~- ترى ms36 لم اختارت فندقنا الصغير؟ # ودب النشاط في كافتيريا الاستراحة، وحملت إلى فوق أقداح الشاي، ~~وشغلته بعض الوجوه في المجموعة الأخيرة، فظن أنه سبق له رؤيتها، ~~ولكنه قال لنفسه إن خير ما يفعله أن يغسل مخه من شئون بهيجة هانم، ~~وأنها غدا ستكون ذكرى من مئات الذكريات الضائعة التي يجيش بها صدر ~~الفندق. # ورأى أمامه سيدة في الخمسين غاية في الرزانة والوقار، سألت: هل ~~السيدة بهيجة الذهبي هنا؟ # ولما أجاب بالإيجاب قالت: بلغها من فضلك أن الدكتورة ~~موجودة. # واتصل بالمرأة فسمحت لها بالصعود، وأذعن لرغبة ملحة طارئة فسأل ~~الدكتورة قبل أن تغادره: ما تخصص حضرتك؟ # فأجابت وهي تذهب: طبيبة مولدة. # لاحظ أنها قدمت نفسها بصفتها المهنية وبلا ذكر الاسم، فهل هي تزور ~~المرأة بهذه الصفة؟ ... هل المرأة تعاني من مرض نسائي؟ ... أهي حبلى؟ ... ~~ولم يستطع الاسترسال في أفكاره إذ جاءه رجل بدين قصير متجهم الوجه؛ ~~فقدم نفسه بصفته المقاول يوسف قابيل، وطرح السؤال الذي يتكرر: هل ~~بهيجة هانم الذهبي هنا؟ # وعقب الاتصال التليفوني المعتاد سمح للرجل بالصعود، والمدير يودعه ~~بابتسامة ساخرة حائرة، ورجع أحد فراشي الفندق من مشوار وهو يرتعد من ~~البرد داخل جلبابه البلدي السميك، فقال: إن الظلام يتراكم في أركان ~~السماء، وإن النهار سينقلب ليلا عما قليل. فألقى المدير نظرة من ~~النافذة الزجاجية، ولكنه كان يفكر بامرأة الحجرة 12، المرأة الغامضة ~~جلابة الضيوف، وخيل إليه أن روحا نفاثة للإثارة والقلق تتسلل ~~في أنحاء الفندق مذ قدمت، وأنه يشعر بها تتسلل إلى زوايا نفسه موقظة ~~بها أحلام المراهقة، وأبهة الآمال الدنيوية الدسمة. وانتبه من استغراقه ~~على صوت يسأل: بهيجة هانم الذهبي هنا؟ # رأى رجلا ضخما يرفل في جبة وقفطان، طربوشه جانح إلى الوراء، وبيده ~~مظلة رمادية، قدم نفسه قائلا: بلغها أن سيد الأعمى الحانوتي قد ~~جاء. # انقبض صدر المدير، انكمشت أعضاؤه، لعن الرجل والمرأة معا، ولكنه قام ~~بواجبه فاتصل بها، ولأول مرة يتلقى جوابا مخالفا، فقال للرجل: انتظر ~~حضرتك في الاستراحة. # ماذا جاء يفعل؟ ولم لا ينتظر في الخارج؟ لقد عمل ms37 في الفندق زهاء ~~نصف قرن فلم يشهد مثيلا لما يحدث اليوم ، وأخوف ما يخاف أن يهطل المطر، ~~فيضطر الفندق إلى إيوائهم وقتا مجهول المدى، وبخاصة رجل الموت ~~ذاك؟! # وجاء زوار جدد، جاءوا متفرقين ولكن تباعا، صاحب معرض أثاث ~~وبقال وقصاب، وصاحب محل عطور وأدوات زينة، وموظف كبير بمصلحة ~~الضرائب، ورئيس مؤسسة، وصحفي معروف، وتاجر جملة للأسماك، وسمسار شقق ~~مفروشة، ووكيل شخصية عربية من أصحاب الملايين، وظن المدير أن ~~المرأة ستنقل الاجتماع إلى الاستراحة، ولكنها أشارت بالسماح لهم ~~بالصعود، فصعدوا واحدا في أثر واحد، وحملت كراسي جديدة ومضى ~~الفراشون بالشاي، وتساءل المدير ترى كيف يجلس الزائرون، هل يربطهم ~~تعارف سابق؟ وماذا جمعهم على وجه التحديد؟ واستدعى شيخ الفراشين ~~وسأله عن ذلك فأجاب الرجل: لا علم لي بالداخل، الأيدي تتسلم الكراسي، ~~والشاي من زاوية الباب ثم تغلقه فورا. # فهز الرجل منكبيه، وقال لنفسه: إنهم ما داموا لا يشتكون فلا ~~مسئولية علي. # وإذا بسيد الأعمى الحانوتي يقبل نحوه فيقول: أرجو أن تذكر الهانم ~~بأني في الانتظار! # فقال المدير بجفاء: وعدت بأن تستدعيك في الوقت المناسب. # ولم يتحرك الرجل فتلفن للمرأة ليتخلص منه، ثم ناوله التليفون ~~بناء على رغبتها فيما بدا، فقال سيد الأعمى: يا ست هانم العصر فات ~~ونهار الشتاء قصير. # وأصغى إلى السماعة مليا ثم أعادها ورجع إلى الاستراحة غير ~~مرتاح، والمدير يلعنه من صميم قلبه، ويحمل المرأة مسئولية استدعائه إلى ~~الفندق، ويرمق باب الاستراحة بنفور وتقزز، ونزل بعض النزلاء في طريقهم ~~إلى الخارج، فأبدوا للمدير ملاحظات عن الحجرة 12 المقلقة للراحة ~~فقال الرجل معتذرا: يوجد بها زوار وسيذهبون عاجلا أو آجلا، لن ~~يبقى أحد منهم في الليل. # بات يخشى أن تدفعه مسئوليته إلى الصدام معهم، وهم من الصفوة القوية، ~~وضاعف من كآبته صفير الرياح في الخارج، وروح الأسى التي تغشى الطريق. ~~ورغم ذلك تراءى عند مدخل الفندق جماعة من الرجال والنساء، أقبلوا ~~نحوه في معاطفهم فغاص قلبه في صدره، وبادرهم وهو لا يدري: بهيجة هانم ~~الذهبي؟ # فضحك أحدهم وقال: أبلغها من ms38 فضلك أن مندوبي جمعية إحياء التراث قد ~~جاءوا. # واتصل المدير بالمرأة فلما طلبت السماح لهم قال لها: عددهم عشرة يا ~~هانم، وتحت أمرك في الدور الأرضي استراحة تتسع لأي عدد! ~~- ولكن في الحجرة متسعا! # وصعد المندوبون والمندوبات، والرجل يهز رأسه في حيرة، سيقع ~~الصدام عاجلا أو آجلا، سيتفجر غضب السماء في الخارج، سيتمخض ذلك ~~التكتل الشاذ في الحجرة 12 عن شيء غير سار، وحانت منه التفاتة نحو ~~الاستراحة فرأى سيد الأعمى، يزحف نحوه فنقر بأصابعه على سطح الطاولة ~~بعصبية، أوصله بالمرأة قبل أن يفتح فاه، سمع شكواه ثم سمع إذعانه، ~~وتركه يعيد السماعة بنفسه، ولكن الرجل قال له وهو يهم بالذهاب: ~~الانتظار بلا عمل ممل جدا. # فغضب المدير، وكاد يوبخه لولا أن المرأة اتصلت به طالبة إيصالهم ~~بالمطعم، واستمرت المكالمة دقائق قبل أن تنقطع، وتساءل هل يبقون حتى ~~العشاء؟ وأين يتناولون عشاءهم، كم يود أن يعاين الحجرة بحالتها ~~الراهنة، إنه منظر يفوق الخيال، منظر جنوني بلا أدنى ريب. # ولم يقف الطوفان عند حد فجاء نفر من أساتذة الجامعة ورجال الدين، ~~أمست المناقشة عقيمة، تركهم يصعدون، بدا الأمر مزاحا كابوسيا، وجاء ~~رجل غامض فصعد دون أن يمر به، وقد ناداه فلم يلتفت إليه، وتبعه ~~فراش ولكنه توقف عندما رآه يدخل الحجرة 12. وشعر المدير بأنه وحيد ~~وبأنه يفقد سيطرته القانونية على المكان، وبأن شيطان الأحلام البهيمية ~~يطرق بابه بعنف، وفكر بأن يشاور شيخ الفراشين ولكن ظهر له رجل ~~ما إن رآه حتى تشهد في ارتياح، تصافحا وهو يقول للقادم: جئت في وقتك ~~يا حضرة ~~المخبر. # فقال المخبر بهدوء: أطلعني على السجل. ~~- تحدث أمور غريبة هنا. # راح الرجل يراجع بعناية الأسماء، ويدون بعض الملاحظات فقال ~~المدير: أراهن على أنك جئت من أجل الحجرة 12. ~~- هه؟ ~~- الأمور تجري في شذوذ جنوني. ~~- كل ما يقع ضمن الطبيعة فهو طبيعي! # ثم غادره وهو يقول: إذا طلبني التليفون فإني في الحجرة 12! # ذهل المدير، ولكنه اطمأن نوعا ما في الوقت نفسه، فما يحدث إنما ~~يحدث بعلم الحكومة، وتحت سمعها ms39 وبصرها، وتذكر أنه فكر بمشاورة شيخ ~~الفراشين، وهم بالضغط على الجرس عندما رأى سيد الأعمى زاحفا نحوه ~~ففقد أعصابه وصاح به: قالت لك أن تنتظر حتى تستدعيك. # فابتسم الرجل بخنوع المعتاد للانتهار وقال: ولكن الانتظار قد ~~طال. ~~- انتظر بلا مناقشة، وتذكر أنك في فندق لا قرافة! # فرجع الرجل متصبرا، وتذكر المدير شيخ الفراشين فاستدعاه وسأله: ~~كيف تجري الأمور في الحجرة 12؟ ~~- لا أدري يا سيدي، ولكنها تضج بالأصوات. ~~- كيف يتواجدون معا، وهي لا تتسع لهم ولو جلس بعضهم فوق بعض؟ ~~- علمي علمك، ولكن على أي حال؛ فإن الضابط بالداخل أيضا. # وذهب الرجل فنظر المدير من النافذة فرأى الليل جاثما في الفضاء، ~~وقد أضاءت المصابيح فشعت أنوارها وانية خلال الجو المشحون بالرطوبة ~~العاصف بالرياح المزمجرة، وجاء طابور من خدم المطعم يحملون الصواني ~~المكتظة بالأطعمة، فازداد عجبه، وقال لنفسه إنه لا يوجد بالحجرة إلا ~~خوان واحد، فأين تصف الأطباق، وكيف يتناولون الطعام؟ وأخبره أحد ~~الفراشين أن باب الحجرة لم يعد يفتح، وأن الأطعمة أدخلت من ~~شراعة الباب، وأن الضحكات الصاخبة تجتاح الدور كله، وأصبح المشهد كله ~~يعز على التصديق. # ورجع الفراش بعد نصف ساعة ليؤكد له أن القوم يسكرون، فقال له: لم ~~أر زجاجة واحدة! ~~- لعلها هربت في الجيوب، إنهم يغنون ويصرخون ويصفقون، ~~تلك حال سكر وعربدة، وفسق أيضا فالنساء هناك لا يقلون عن الرجال ~~عدا. ~~- والمخبر؟ ~~- سمعت صوته يغني «الدنيا سيجارة وكاس». # وقصف الرعد في الخارج، فقال المدير لنفسه «جائز جدا أني أحلم، ~~وجائز أني جننت». وإذا بجماعة من عامة الشعب - تنطق وجوههم وملابسهم ~~بشعبيتهم - قدموا، وسأل سائلهم: هل السيدة بهيجة الذهبي تقيم ~~هنا؟ # فابتسم المدير يائسا، واتصل بالمرأة، فرجته أن يجعلهم ينتظرون في ~~الاستراحة، وأن يقدم لهم المشروبات، فأشار الرجل لهم نحو ~~الاستراحة، فأمر بتقديم الشاي لهم، فامتلأت الاستراحة وازداد سيد ~~الأعمى قلقا. وجعل المدير يبتسم يائسا ويغمغم: لم يعد الفندق فندقا، ~~ولم أعد مديرا، لم يعد اليوم من الزمان، فليرقص الجنون ما شاءت له ~~اللحوم والخمور. # وبدأ تساقط المطر، وأرعدت ms40 السماء، ولمع الأسفلت عند مدخل الفندق ~~بأضواء المصابيح ودغدغة المطر، وتتابع دبيب الأقدام ، وارتفعت صيحات ~~غلمان مهللة، ولجأ عابرون إلى عنق المدخل، وتوالت الضربات المرجفة ~~فوق زجاج النافذة، غادر مكانه إلى مقدم المدخل فقلب وجهه في السماء ~~المظلمة، ثم نظر إلى الأرض فرأى السيل المنهمر، ينصب عليها كالحصى، ~~ويجرف منحدراتها كالطوفان، لقد تلبد واحتدم ثم انفجر. ~~- إنه مطر لم يسقط نظيره منذ جيل على الأقل. # وتذكر سيلا شبيها بهذا حفر ذكراه في رأسه منذ صباه، تذكر كيف ~~انقطعت المواصلات، وسدت الحواري، وغرقت الحجرات تحت الأسقف ~~المتهرئة. ورجع إلى مكانه فالتزمه حرصا على السجلات والخزانة، ولكنه ~~أصدر أوامره بتشديد المراقبة في الحجرات وفوق السطح، واستدعى شيخ ~~الفراشين وسأله: ما أخبار الحجرة 12؟ # فلوى الرجل شفتيه وقال: تواصل الغناء والضحك، إنهم مجانين ... # ولمح على باب الاستراحة سيد الأعمى فصاح به بأعلى صوته: ارجع إلى ~~مكانك. # استأذنه الرجل بإشارة من يده فصاح به مرة أخرى: ولا كلمة. # وجعجع الرعد كانفجار القنابل، وانهل المطر في سرعة وغزارة ~~جنونيتين، فقال لنفسه بقلق: إن الفندق قديم لم يشيد بالخراسانة ~~المسلحة، وإن الليل ينذر بالمتاعب. # وجاءه فراش فقال: تصاعدت الشكوى من الحجرة 12 من رشح السقف ~~والبلل! # فقال بحنق: سكت الغناء والضحك؟ فليغادروا الحجرة! ~~- ولكنهم لا يستطيعون! # فصرفه واستدعى رئيس الفراشين وسأله فيما قال الرجل فقال: الحجرات ~~كلها ترشح، سأجند الفراشين لسد الثغرات فوق السطح ~~بالرمال. ~~- والحجرة 12؟ ~~- لقد انحشروا، انزنقوا، امتلأت بطونهم فانتفخت، تعذر فتح الباب، ~~تعذرت الحركة. # اجتاح الهياج الكوني الفضاء في الخارج، أما في الداخل؛ فقد دبت ~~حركة نشاط شاملة، وانطلق الفراشون بأكياس الرمال، وحدثت مفاجأة غير ~~متوقعة، إذ هب المنتظرون في الاستراحة، متطوعين للاشتراك في العمل، ~~راقب المدير ذلك بارتياح، وارتاح بصفة خاصة لتخلف سيد ~~الأعمى. # وبعد نصف ساعة رجع شيخ الفراشين ليطلعه على سير العمل، قال: إنهم ~~يعملون بهمة عالية. # ثم بعد تردد: أما أصحابنا في الحجرة 12 فحالهم سيئة، وهي تزداد بتقدم ~~الوقت سوءا على سوء. # وغضب المدير. عصف به الغضب، وكأنما عصف ms41 به فجأة، عصف به بعد توتر ~~عنيف حصره طيلة اليوم، تملكه الغضب أعصابا ولحما ودما ، جن واندفع ~~ينشد المزيد من الجنون، صاح بشيخ الفراشين: اسمع، احفظ ما أقول. # فحملق الرجل في وجهه بخوف طارئ فصاح بتصميم: أهملوا الحجرة 12 بجميع ~~من فيها! ~~- سيدي، الرجال يصرخون والنساء يبكين. # فزمجر كالوحش: ركزوا على السطح فوق حجرات النزلاء أما الحجرة 12 ~~فأهملوها بجميع من فيها. # تردد الرجل مقدار ثانية فصاح وهو يزداد توحشا: نفذ تعليماتي ~~حرفيا، وبلا تردد. # والتفت نحو النافذة الزجاجية، ينظر إلى الخارج، فرأى الزوبعة ~~تتلاطم في قلب الليل، وتزداد عنفا، ولكنه كان قد تخفف من عبء ثقيل، ~~واسترد الثقة وصفاء الذهن. # | الطبول # دق جرس المنبه في رنين متصل فدبت في الأسرة حركة شاملة، ~~ثمة تثاؤب هنا وهناك، يند وسط همهمات كطنين النحل، وضحكات طافحة ~~بالبشر، وتأوهات مرحة، وفتحت النوافذ فتدفق الفجر الغامض ~~متسربلا بنسيم ندي مفعم بشتى الطيوب وأنفاس الطبيعة النقية، ~~وارتفع صوت القائد دسما واضح النبرات يقطع بأنه سبقنا إلى الاستيقاظ ~~منذ أمد وتأهب لاستقبال اليوم الخطير، قال: السرعة والنظام والجد، ~~لديكم ثلث ساعة حتى تجتمعوا حول مائدة الإفطار. # وانتشرت الحركة في نشاط بهيج، أقيدت الأنوار في المغاسل، طرقعت ~~الشباشب فوق البلاط، سالت المياه من الصنابير، وهدرت السيفونات، ~~وأزت الحلاقات الكهربائية. ~~- الفجر يبشر بجو طيب. ~~- يجب أن نقطع شوطا ملحوظا قبل أن ترتفع الشمس. ~~- لكن الظهيرة آتية والصيف لا قلب له. # سرعان ما امتلأت الكراسي الخشبية حول المائدة المستطيلة ببهو ~~الطعام، استقرت الجاكتات الكاكية والبنطلونات القصيرة فوق الأجساد ~~الرشيقة، عقد كل حمالة صفارته حول عنقه، وأرسى عصاه إلى طرف ~~المائدة جنب زمزميته وحقيبته. وصب الشاي في الأقداح، وتخاطفت ~~الأيدي الفطائر والجبن والعسل الأسود. وتتابع التمطق في سرعة تنذر ~~بتوقعات متربصة. والحق أن القائد لم يمهلنا طويلا، كأنما ~~أراد أن يمتحن مرونتنا، أو أن يذكرنا بسلطاته منذ البدء، فنفخ في ~~صفارته مقدرا ربع دقيقة، نهضنا عجلين، ركبنا الحقائب فوق ~~الظهور، وعقدنا الزمزميات بالأكتاف، وتناولنا العصي، وهرعنا إلى ~~الفناء. انتظمنا طابورا ms42 طويلا في ظلام شامل عدا شفافية لا تكاد ~~ترى في الأفق الشرقي، ومثل شبحه أمامنا بقامته الطويلة ومضى يقول: ~~لتكن كل رحلة جديدة خيرا من سابقاتها. # فقلنا في نفس واحد: آمين. # فعاد يقول: لنكن مثالا طيبا للآخرين. # فكررنا في صوت واحد: آمين. ~~- ولنستفد من كل خطوة وكل تجربة. ~~- آمين. ~~- سيروا على بركة الله. ~~- آمين. # ونفخ في الصفارة والديكة تصيح فتكونا في أربعات، واتخذنا خطوات ~~«محلك سر» حتى احتل مكانه على رأس الطابور، ثم بدأ السير فسرنا ~~وراءه على دقات الطبول، وتبعتنا على الأثر عربة يجرها جواد تحمل ~~المطبخ والمستشفى، سلمنا الفناء إلى ممر طويل ضيق محصور بين جدارين ~~مرتفعين تفوح منه رائحة الكلس، وعطن البول، وتظلل نهايته سعف ~~نخلات مغروسة في الجانبين. شاب مشيتنا الرياضية حذر شديد لما ~~توقعناه من وجود روث دواب أو قاذورات آدمية؛ إذ إنه رغم الحيطة ~~والتفتيش يتسلل إلى الممر في هدأة الليل أناس لممارسة حرياتهم ~~بلا حياء. سرنا في حذر حتى خرجنا إلى الخلاء فلفحتنا نسمات نقية ~~مطلولة، ولم نكد نقطع خطوات حتى ترامى إلينا صوت السواق، وهو يحث ~~الجواد على السير، ويفرقع بسوطه في الهواء، وتنبه قائدنا إلى ذلك ~~فصاح بصوته الدسم: قف. # فضربنا الأرض متوقفين فقال بنبرة آمرة: 1 و2 يذهبان للاستطلاع ~~وتقديم ما يلزم. # انفصل الزميلان من الطابور، فرجعا إلى موقف العربة. أدركنا من ~~حوارهما أن حجرا اعترض العجلة اليمنى، وأنهما يتعاونان على زحزحته. ~~وتساءل قائدنا محنقا: متى يبلغ معسكرنا كماله المنشود؟! # وعاد الزميلان إلى الطابور فنفخ القائد في صفارته، واستأنف الطابور ~~سيره، سرنا أشباحا ذائبة في ظلام، وفي السماء نجم واحد، وكنا نحب ~~ظلمة الفجر؛ لأنها سريعة الزوال، ولأننا نطمئن إلى الاختفاء في ~~غلالتها، فنخرق تقاليد الطابور الصارمة بالمداعبات والملاعبات ~~الخفية، سعداء بشقاوتنا وعبثنا كاتمين ضحكاتنا فترتعش فوق الشفاه ~~بلا صوت. في ظلمة الفجر يتلقى سيئ الحظ ضربة عصا في ساقه، أو قرصة ~~في ذراعه، أو نواة نبقة في قفاه، ولما كان الفاعل مجهولا؛ فإنه ~~ينتقم من أي كان، وبأي وسيلة ms43 تتفق له، لم تكن تلك الشقاوة مريحة، ~~ولكنها كانت متعة محبوبة، ولا تتم الرحلة إلا بها؛ ولذلك كنا ~~حريصين على احترام سريتها لنضمن استمرارها. ونهنأ - رغم انزعاجنا - ~~بها. فالجدية المثالية الواجبة شعار نردده ونلتزم به، ولكن يبدو أن ~~لا مفر من التمرد عليه بين الحين والحين، وما يدري تكوين من ~~تكوينات الطابور الرباعية إلا ورشاش سائل يبلله في مواضع متفرقة ~~من أجسام أصحابه. وتبين لهم من رائحته أنه بول! كاد النظام يختل، وضاعت ~~الضحكات المكتومة في هدير غاضب لم يتوقعه أحد، تجاوزت الدعابة حدود ~~الاحتمال وانفجر صوت خشن بلا مبالاة: عليكم اللعنة. # فصاح القائد غاضبا: قف. # توقفنا عن السير، انقلبت الدعابة علينا هذه المرة، وأنذرت بالنكد، ~~وتساءل القائد: من الوقح؟! # فصاح الآخر متحديا: كلب بال علينا. # فصرخ القائد: الويل لكم. # ولكن سبقته الأحداث فندت صرخات، واختلطت أشباح ونشبت معركة عمياء، ~~تبودلت اللكمات والركلات واللعنات، ومضى القائد يهدد وينذر في ~~الهواء. اشترك كل واحد منا في المعركة، هاجما أو مدافعا، بلا ~~حساب ولا حذر، وكأننا نقاتل المجهول في الأركان الأربعة، اندثر ~~لحظتئذ الود الجامع بيننا، وتلاشت روح الزمالة العتيدة، وحلت ~~محلهما وحشية كاسرة تنفث حقدا وشهوة طاغية للأذى، كأنها قوة مدمرة ~~تفجرت في قلب الظلام. تواصل الضرب بلا رحمة، وصمت قائدنا كأنما قد ~~ترك لأيدينا وأرجلنا مهمة إنزال العقاب الشامل بنا، وما ندري إلا ~~والظلمة تخف وتتهافت، ومعالم الدنيا تطل علينا من حولنا، ورقعة الأفق ~~الشرقي تبتسم ببهجة الضياء. عند ذاك تراءى المتعاركون، رأى كل وجه ~~زميل أو صديق، فعقد الحياء أيدينا، وتطايرت انفعالاتنا السوداء، ~~وتراجعنا بوجوه أسيفة، وقلوب منكسرة، وجعلنا نجفف عرقنا، ونضمد ~~جراحنا، ونتبادل نظرات حسيرة، متجنبين النظر نحو قائدنا الواقف ~~كتمثال للغضب والازدراء، وساد صمت ثقيل مشحون بالندم، ~~وتلقينا أول شعاع للشمس بوجوه كالحة. # وراح القائد ينقل عينيه من شخص لآخر، ثم قال: بداية على أي حال ~~جديرة بكم. # لم ينبس أحد بكلمة، ولا انبرى أحد للدفاع يستوي في ذلك الظالم ~~والمظلوم، وعاد القائد يقول: إن زيكم الرفيع ms44 ليخجل منكم. # وهز رأسه في أسى ثم تساءل: هل لدى المذنب منكم الشجاعة ~~للاعتراف؟ # ولما لم يسمع صوتا قال : ليس من مبادئنا إلغاء رحلة بدأناها، ولكن ~~لن يمر ذنب بلا عقوبة تناسبه. # مضى إلى موقفه، نفخ في الصفارة، هوت المطارق على الطبول، تحرك ~~الطابور في ضوء الصباح الباكر. انتقلنا من الصحراء إلى المدينة، ~~فقابلتنا طلائع العمال والباعة، وتبعا لتقاليدنا رحنا ننشد الأناشيد ~~متناسين المعركة وآلامها، ولم يكن شيء يؤثر فينا مثل أناشيدنا ~~الجميلة المتغنية أبدا بالبطولة والمجد والأخوة، فسحرها يخاطب ~~منا القلوب والسرائر. ومر بنا السابلة بلا اهتمام، وقليلون من ~~تابعونا بنظرات محايدة، أما الغلمان الذين يهرعون وراءنا فلم يكن قد ~~استيقظ منهم أحد بعد، وزالت آثار المرارة تماما، وانتصر الشباب ~~بقوته الخارقة، وأنعشتنا الأناشيد، فعدنا أهلا للرحلة الطويلة الشاقة ~~أمامنا، وسيطر علينا الإيمان بما نفعل وبما نقول، بالمثل التي نستظل ~~بها، والمجد الذي نمضي إليه، والقوة التي سنحقق بها المعجزات. ~~وكنا سعداء، رغم الجهد المتوقع والنظام الصارم، والعقوبة ~~المتربصة كنا سعداء، وسرنا وسرنا، وأنشدنا وأنشدنا، على دقات ~~طبول لا تتوقف، حتى نفخ القائد في الصفارة فتوقفنا وسط الضحى، وهتف ~~القائد بوجه لم يزايله الغضب: استراحة. # غسلنا وجوهنا في مقهى قريب، ثم قصدنا العربة، فتناولنا شراب ~~الليمون، وبعضا من البسكوت، وكان الطريق غاصا بالمارة والسيارات ~~والعربات، وحرارة الشمس تحرق الرءوس وتستدر العرق، وتبادلنا الأحاديث ~~في صفاء كأن لم تكن بيننا معركة، وتذكرنا ملابساتها بقلوب ضاحكة، ~~ولكننا لم نخل من قلق من ناحية عواقبها. ~~- هل تمر بسلام؟ ~~- بعيد ذلك كل البعد. ~~- حبس انفرادي أو صيام نهار كامل. # وطوينا الموضوع بقرفه؛ لنواجه ما هو أهم في حاضرنا، فهدف الرحلة يظل ~~مجهولا لا ينبئ عنه قائدنا حتى نستدل عليه من خط السير، وكنا ~~معسكرين عند مشارف الميدان، ولكن الميدان مفترق طرق مليء ~~بالاحتمالات. ~~- أنتجه جنوبا أم نمضي شمالا؟ ~~- الجنوب يعني الأهرام. ~~- أهرام الجيزة أم سقارة أم دهشور؟ ~~- ولا تنس الفيوم. ~~- والشمال يعني هليوبوليس أو عين شمس. ~~- وهناك الصحراء في الجنوب والشمال معا. ~~- وهي ms45 أسوأ الاحتمالات. # ونفخ القائد في الصفارة، فتوالت دقات الطبول كالنداء الملح ~~فهرعنا إلى الطابور، وما كدنا نتوسط الميدان حتى أدركنا أننا نتجه ~~نحو الجنوب، فعرفنا الهدف بلا تحديد، ولن يتحدد حتى نبلغ هضبة الأهرام. ~~مضينا بأقدام نشيطة وحيوية رائعة، تستغرقنا الأناشيد، فلم نشعر بمرور ~~الوقت؛ لذلك دهشنا عندما دعينا للتوقف لتناول وجبة الغداء، وتبين لنا ~~أن الساعة تمت الثانية بعد الظهر. عسكرنا على حافة حقل مزروع ~~بالجرجير، نزعنا الأحذية وغسلنا أقدامنا في جدول ماء، فرشنا الحصر ~~وجلسنا لتناول الغداء بعد أن جاء كل منا بتموينه من العربة، وهو ~~عبارة عن طبق يحوي بامية وقطعة من الضأن، ومغرفة من الأرز وموزة. ~~وأنسانا تناول الطعام همومنا الصغيرة، كما أنسانا الوقت فأثملتنا لذته ~~الموشاة بأطايب الأحاديث والنوادر. ولما فرغنا من الطعام استلقينا ~~على ظهورنا لنستمتع بالراحة في الفترة القصيرة المخصصة للقيلولة. ~~وداعبنا النعاس، ونحن مستسلمون لأحلام اليقظة، وكدنا نستسلم للنوم لولا ~~أن همس هامس: انظروا. # تحولت الأنظار إلى الحقل الذي يغوص تحت مستوى الطريق بمتر، فرأينا ~~زميلا يتوارى وراء عربة مقلوبة وهو يحتضن كائنا لم نره، ولكنا رأينا ~~جانبا من فستانه هفا به الهواء فتحرك كالعلم. ~~- أي جرأة! ~~- سيجلب لنا متاعب جديدة. # وتطوع زميل للذهاب إليه لتحذيره، وسرت شهامة التطوع إلى آخرين ~~فمضوا في أثره، وتطلعت الرءوس إلى العربة المقلوبة باهتمام وإشفاق ~~وتوتر، وبحثت أعين عن القائد حتى عثرت عليه نائما على سريره السفري ~~وراء عربة التموين، ورأينا الزملاء وهم يتحاورون عند العربة ~~المقلوبة، ولكننا لم نسمع كلمة مما يدور فقال أحدنا: إنهم يقنعونه ~~بالعودة. # فقال آخر ضاحكا: أو بالاشتراك معه! # وجرت الفتاة إلى مبنى من البوص غير بعيد؛ فاختفت داخله دقيقة، ثم ~~ظهرت مرة أخرى في مدخله، وهي تتوسط عددا من الفتيات! وهرع الزملاء ~~إلى مبنى البوص؛ فدب نشاط محموم فينا جميعا، وثبنا قائمين، وزحفنا ~~نحو المبنى كجيش من المجانين، وكانت الشمس تصب على المبنى دفقات ~~حامية من أشعتها فيكاد أن يشتعل ولم يبال أحد بالحر ولا بالجو ~~الخانق، وفاح المكان برائحة ms46 عرق آدمي حريف، واضطربت أركانه بالصحة ~~والعافية، وأنفاس الشباب الملتهبة، وشحنت بالعربدة المكتومة، ~~والزفرات الضاحكة والأطوار المستهترة. وفي حمأة الطرب المشبوب ~~تردد صوت ماجن بغناء، رقص مستهتر متهتك، واشتبك اثنان في معركة ~~مازحة. وعدنا واحدا في أثر واحد، وارتمينا فوق الحصر مستسلمين لراحة ~~عميقة، وما لبثت أن دوت الصفارة، وتتابعت دقات الطبول، قمنا ننفض عن ~~أنفسنا الكسل، انتظمنا في الطابور، ولمحنا القائد متجهم الوجه فلم ~~ندر إن كان تجهمه بسبب ذنبنا الأول أو أنه فطن أيضا لذنبنا ~~الثاني، ولكنا كنا أبعد ما يكون عن الندم. وهمس صوت: نجونا ~~بمعجزة. # فقال آخر: أو علينا أن نتوقع عقوبة مضاعفة. # وأخذنا في السير، بعزائم قوية مضينا، أسعفتنا روح التحدي والصبر، ~~وقلنا لأنفسنا إنه مهما كان، ومهما يكن ومهما سيكون فليس أخلد من ~~البهجة والمسرة والمرح، ولبثنا على تلك الحال ساعة ونصفا أو ~~ساعتين، ورغما عن إرادتنا سلمنا بأن الشمس عنيفة، بل أعنف مما ~~تصورنا، بل هي في الواقع لا تحتمل، وتصبب العرق حتى بلل ملابسنا، ~~وضاعف من تذمرنا إحساسنا بعدم طهارته. الحق أن التعب بدأ يزحف ~~على عضلاتنا وأعصابنا مبكرا بالقياس إلى الرحلات السابقة. وكلما ~~تقدمنا اشتدت وطأته وعنفت ضرباته أما الحر فأصبح خانقا قاتلا، كلا ~~لم نذق هذا الجحيم من قبل، ولم تخر قوانا كما خارت اليوم، وتراخت ~~أوتار أصواتنا وهي تنشد الأناشيد، ولأول مرة نشعر بوزن الوقت، وهو ~~يتمطى فوق مناكبنا، تغير كل شيء، حال لونه وفسد طعمه، ففتر حماسنا ثم ~~خمد، حتى الأناشيد تبدت لنا رتيبة مكررة فاقدة المعنى والروح ~~فخجلنا من ترديدها. وخيل لنا أننا موضع سخرية المارة والمنتظرين تحت ~~مظلات الباص، ولم تقف مشاعرنا المدمرة عند حد فأوشكت أن تلتهم ~~الرحلة نفسها التي بدت طويلة بلا نهاية، معذبة بلا رحمة، خالية من ~~أي معنى أو عزاء، غير جديرة بالطقوس التي تحكمها، والنظام الذي ~~يضبطها، والآمال المعقودة عليها، وقائدنا نفسه لاح قائدا بلا قيادة ~~ولا جيش، مضحكا في غضبه، هزيلا في عنفه. ألحت علينا تلك الأفكار، ~~وكلما اشتد إرهاقنا ms47 اشتدت إلحاحا وعنفا، ونفد صبر البعض ~~فتوقف عن الإنشاد أو جعل يحرك شفتيه بلا صوت، وجن البعض الآخر ~~فجازف بالخروج من الطابور مع علمه بما يعنيه ذلك من فصله من الفريق ~~مجللا بالعار، منبوذا من الروح الرياضية، وهي فضيحة لم تغب عنا ~~عواقبها، وآثارها البعيدة في نفس القائد والمشرفين هناك في المدرسة، ~~ولكنها في الوقت نفسه ميزتنا بشيمة الصبر، وأملتنا في تخفيف ~~العقوبة، وإن لم تغير شيئا من فتورنا وإرهاقنا وحال الخذلان التي ~~ركبتنا، وتتابع السير والغناء. ولم يعد شيء يحتفظ بعنفوانه إلا دقات ~~الطبول وصلابة قائدنا غير المبالية، وأقران يعدون على أصابع اليد ~~مضوا بهامات مرفوعة وعضلات مشدودة يرددون الأناشيد بحماس وإيمان، حتى ~~أثاروا الحنق والازدراء. وعندما لاحت لأعيننا الأهرام الشامخة كانت ~~الشمس قد مالت نحو الغرب، فوهنت حدتها، ودبت في الجو نسمة جعلت ~~تلاطفنا في استحياء، وأخذ الطريق في الارتفاع؛ فتضاعف إرهاقنا واشتدت ~~آلامنا وتداعت أصواتنا. وبلغنا سطح الهضبة، وقد اختفت الشمس وتدثر ~~الكون بغلالة داكنة هادئة رددت أنفاسا ضعيفة، كأنها أنفاس شيخوخة ~~فانية، ودوى صوت الصفارة فتساقطنا من الإعياء، ونحن نتأوه بأصوات ~~غير مبالية. خمنا أننا سنمكث تحت الهرم ساعة أو أكثر قبل أن نستأنف ~~السير إلى معسكرنا الموغل في الصحراء، ولكن قائدنا المنتقم قال ~~بصوت سمعه الجميع: لديكم ربع ساعة كاملة! # ذهلنا! تبادلنا النظر في صمت، ونحن نعلم أن الأوامر لا تناقش، ~~ولم نضيع الوقت في التحسر العظيم، ولم يكن بد من التضحية بالراحة؛ ~~فقمنا لابتياع ما يلزمنا في مقامنا الأخير، في حدود ما تسمح به ~~اللوائح، ومدة الإقامة مجهولة لا يعلم بها إلا القائد، ولكنا آثرنا ~~الأخذ بالأحوط، اشترينا ما نحتاجه من سجائر وصابون، وفاكهة وقوارير ~~المياه الغازية. ضاع وقت الراحة في الشراء والمساومة وتنظيم السلع. ~~وما فرغنا من ذلك حتى عادت الصفارة تدوي ودقات الطبول تدق بلا نهاية؛ ~~فانتظمنا في الطابور الرهيب، يحمل كل منا سلة موز على يد وبطيخة على ~~اليد الأخرى حاشيا جيوبه بالعلب والقوارير فضلا عن أدواته الأصلية، ~~كالعصا والزمزمية والحقيبة. ms48 وواصلنا الرحلة من غير أن ننال قسطا من ~~الراحة، بعضلات منهكة وأعصاب متوترة وأنفس غاضبة، وضاعف من ~~متاعبنا مقاومة الرمال الغزيرة لأقدامنا، واختفاء معالم الدنيا في ~~جوف الظلام الهابط، استحالت أصواتنا عواء محشرجا، وتقلصت عضلاتنا من ~~حدة الآلام، فنسينا نسيانا تاما مسرات الرحلة كأنها لم تكن ~~وتمنينا الموت، وداعبنا أمل أن يعدل القائد عن خطته، وأن يقنع بما ~~أنزل بنا من عقاب صارم، فتسترد الرحلة بهجتها المأمولة، وأحلامها ~~الضائعة، ولكنه واصل سيره بلا مبالاة، ولم يكتف بذلك فصاح بصوت ~~كالرعد: حركة سريعة، ابتدئ! # لم نصدق بادئ الأمر آذاننا، ثم بهتنا من شدة المباغتة، الحركة ~~السريعة ندعى إليها عادة في مطلع الرحلة وفي ضوء النهار، أما أن ~~تفرض علينا قبيل النهاية فشيء خارق وغير إنساني يراد به القضاء ~~علينا. وإلى ذلك فهي نوع من الوثبات المتلاحقة في صورة جري متقارب ~~الخطو، يقتضي استخراج البطاريات من جيوبنا الخلفية؛ لتنير لنا الطريق ~~خشية أن نتعثر في نقرة أو نرتطم بحجر، فكيف يتاح لنا ذلك مع حملنا ~~الثقيل، وتعبنا الأليم؟! ولا فرصة للتمرد فليس أمام الهارب من ~~الطابور في ذلك المكان إلا الضياع في الصحراء والظلام، فلا مفر من ~~الانصياع والإذعان. ومضى القائد يثب، فاندفعت دقات الطبول في تلاحق ~~سريع، وشرعنا في الحركة السريعة، جربنا أن نمارسها مع الاحتفاظ ~~بأحمالنا، ومع استغناء عن البطاريات، ولكن بدا ذلك ضربا من المحال، لا ~~مفر من التخلص من أحمالنا العزيزة، لا مفر، حتى لو تعرضنا للكآبة ~~والقرف والحرمان، لا مفر. وتخلصنا من البطيخ والسلال، تركناها لقى ~~في الصحراء للحشرات والهوام، وأخذنا نثب بسيقان متهافتة، وعزائم ~~خائرة، وقلوب باكية. مضينا يلفنا الظلام على ضوء البطاريات المتحركة ~~في أيدينا كأننا نجوم متداعية، تبعث بإشعاعها الأخير قبل اندثارها ~~النهائي، وتذكرنا بحسرة ساخرة فرحة الاستيقاظ، وبهجة الأناشيد، ~~ودعابة الطريق ونشوة الحقل ومتعة الشراء، تذكرنا ذلك كله بذهول، ونحن ~~نتقدم شبه عرايا منهوكي القوى إلى معسكرنا الرابض في أعماق الخلاء. ~~وتقدمنا كما قدر علينا؛ وحتى الأسف لم يعد يجدي، ولم نهتم كذلك ms49 ما ~~إذا كان ينتظرنا عقاب جديد أم سيكتفي بما حل بنا. وتاقت أنفسنا ~~للنوم باعتباره الشفاء الأخير لجميع الآلام ، وأخذت دقات الطبول تبطئ ~~رويدا رويدا إيذانا بتغيير الحركة وتقارب المعسكر، وعدنا ~~تدريجيا إلى سيرنا العادي، ومن شدة الجهد لم نجد حاجة لتبادل همسة ~~واحدة؛ فغاص كل في وحدته، وما ندري إلا ونحن ندخل في الممر الطويل ~~الضيق؛ فتفعم أنوفنا روائح الكلس وعطن البول ... وفي الفناء امتدت ~~تكويناتنا الرباعية لتصنع طابورا واحدا، فوقفنا متصبرين لنتقي ~~التقوض والانهيار، وصمت قائدنا مليا، ربما ليتم تعذيبه لنا، ثم ~~قال بصوت هادئ مليء بالنذر: انتهت رحلتنا، وغدا يجمعنا الحساب، ~~أما الآن فتناولوا عشاءكم ثم أخلدوا للنوم. # ولم يهمنا إلا النوم. # أجل، ليكن الآن نوم، وليكن في الغد حساب. # | العريس # عند تلك النقطة من الحديث مال نحوي حتى شعرت بأنفاسه تنداح فوق صدغي ~~وقال: اعزم وتزوج. # استجبت لاقتراحه، كنت في الواقع أتلهف عليه، بت مؤمنا بأن ~~الزواج هو المغامرة الوحيدة القيمة الباقية لي في الحياة. # قلت: فكرة طيبة. ~~- وماذا تنتظر؟ ~~- أنتظر العروس بنت الحلال. ~~- هل بحثت عنها بجد؟ ~~- لا وقت عندي للبحث. # فقال واهتمامه بالموضوع يزداد بقوة: يوجد حل لكل موقف معقد، ما ~~هي شروطك؟ ~~- عروس مناسبة، هذا ما أريد. ~~- ست بيت أم عاملة؟ ~~- ست البيت مفيدة والعاملة لها مزاياها غير المنكورة. ~~- العاملة تملك إيرادا؟ ~~- الفقيرة مقبولة عندي وذات الإيراد مقبولة أيضا. ~~- لك مواصفات خاصة في الجمال؟ ~~- حسبي أن تكون مقبولة. ~~- شروطك يسيرة، أنت تريد امرأة حسنة المعاشرة. ~~- بلا زيادة. # فقال بثقة: طلبك موجود، هل تعرف أسرة ميري؟ عابد ميري؟ كريمته هي من ~~أرشحها لك. # وقادني ذات يوم إلى أسرة عابد ميري فقدمني لهم، الأب والأم والفتاة، ~~والحق أني غادرت بيتهم عاشقا أو قريبا من ذلك، تبدت لي الفتاة ~~مثالا للرزانة والأنوثة والكمال البيتي، أحببت وقار الأب وأبهة الأم، ~~وفي ذلك اللقاء تم الاتفاق الأولي، وهو ما يقابل الترشيح للوظيفة في ~~اصطلاحاتنا الحكومية، وبقي الأهم وهو مسوغات التعيين وتقرير مكتب ~~الأمن، ومن ناحيتي تحريت عنهم فجاءتني ms50 تقارير متناقضة كالمتوقع، قيل ~~لي: نعم التوفيق، أسرة ولا كل الأسر، ضمنت الطمأنينة والسلام في ~~الحياة والموت. # وحذرني آخر قائلا: لا تغرنك المظاهر، ستخنقك أغلال العبودية. # وسمعت حكايات عن جنون بعض أفراد الأسرة، وانتحار آخرين، ولكن لم ~~يوهن ذلك من عزمي، تحصنت بخبرتي الطويلة بالحياة والبشر، وأسكرتني ~~نشوة متحفزة للمغامرة ودق أبواب المجهول، وقلت لنفسي إن الحياة ~~نفسها شبيهة بهذا الذي يقال، تلقيناها وهي مثال للأمان حتى بعد ~~الموت، ثم تكشفت لنا عن مجهول جليل، واحتمالات مبهمة، وما زلنا ~~نعشقها، ونتعلق بأذيالها حتى الموت. # وفي الوقت نفسه تعقبتني التحريات تغوص في أعماق ذاتي وتاريخي، ~~فساورني قلق غير قليل، ورجوت أن يسود التسامح وينتصر في النهاية، ~~وجاءني صديقي الوسيط وقال لي: لم أعرف أسرار صحتك إلا هذه ~~الأيام. # فدهشت وتساءلت: حتى عن الصحة يتحرون؟ ~~- طبعا، كثيرون لا تزكيهم في الختام إلا صحتهم القوية! ~~- إني بحمد الله أتمتع بصحة جيدة. ~~- ولكن توجد رصاصة مستقرة من قديم في صدرك تحت الترقوة! # فضحكت منتشيا بالذكريات وقلت: ذلك تاريخ قديم. ~~- ولكن كيف نفذت إلى صدرك؟ # فقلت بعد تردد: في مظاهرة وطنية. ~~- تلك حجة كل مصاب برصاصة قديمة. ~~- أيمكن أن يشكوا في ذلك؟ ~~- العجوز أصبح يشك في الثورة نفسها مع أنه كان من معاصريها، هو ~~اليوم يقول إنه لم تندلع ثورة، ولم يطلق رصاص، ولم يستشهد أحد. ~~- هذا جنون رسمي! # فابتسم الصديق قائلا: على أي حال فمن حسن الحظ أنه قيل له - عابد ~~ميري - إنك أصبت بها في ملهى للغناء والرقص! ~~- أتعد ذلك من حسن الحظ؟ ~~- نسبيا، يمكن الدفاع عن عبث الشباب وطيشه، أما التورط في شئون ~~السياسة فيعرض الإنسان لأخطار مجهولة؛ وبالتالي تتعرض لها أسرته، ~~على أنني دافعت عنك في هذا الشأن. ~~- ماذا قلت؟ ~~- قلت إنك لم تنتم لحزب، ولا تنتمي لرأي، وأنك مخلص للدولة، لم ~~تكن من الليبراليين، ولا الشيوعيين، ولا الإخوان، وذلك بلا شك يزكيك ~~كزوج مأمون المستقبل! # فقلت بانقباض: ولكن من الظلم أن يقال إنني تعرضت للقتل في ملهى ~~للرقص! ~~- ما علينا، ms51 وما حكاية خوفك من الصراصير؟ # فضحكت عاليا وقلت: حتى هذا؟ ~~- قيل إنك تهدر وقتا ثمينا في رش المطبخ والحمام والحجرات، وإن ~~منظر صرصور خليق بأن يفزعك لدرجة الصراخ، حتى ولو كان من النوع ~~الألماني الصغير الرشيق! ~~- أهكذا تصفه؟ ~~- الأمر تافه، يبدو تافها، ولكن ماذا يعنيه؟ هذه هي المسألة، ويقال ~~أكثر من ذلك إنك تتوهم أن البلد ستتحسن أحواله كثيرا إذا نجحت في ~~إبادة الصراصير. # غضبت ولا شك وأنا أتابعه ثم سألته بازدراء: أيهتمون حقا في بيت ~~عابد ميري بتلك السخافات؟ ~~- يا عزيزي، إنهم يحترمون بعض الذكريات المتعلقة بالصراصير. ~~- كلا! ~~- هو الحق، كانت لهم جدة تؤمن بأن الصراصير تحمل بعض أسرار ~~الوجود. # فقلت ساخرا: إذن نحاول احترام الصراصير حبا في آل ميري. # ورحت أفكر - عقب انفرادي بنفسي - في طريق الزواج المعقد وهوس ~~التحريات التي تسبقه، كأن الناس يطمحون إلى الظفر بالتوافق المنشود ~~بين الزوجين كاملا غير منقوص، جاهزا بلا عناء التجربة، قبل خوض ~~الحياة الزوجية، متناسين قدرة الإنسان الخارقة على التكيف من تحديات ~~الواقع؛ فالإنسان الذي عاشر عصور الصيد والرعي، والزراعة والقحط ~~والجليد، فتغلب على عناء المواجهة وحل التناقضات القاسية، وحقق ذاته ~~على الوجه المقبول الذي قرر له البقاء في الحياة، ذلك الإنسان قادر - ~~بلا شك - على التكيف مع عروسه الجديدة مهما يكن من تنافر ماضيه ~~وماضيها. وفكرت أيضا فيما كان يؤخذ علي في الماضي من عدم الانتماء ~~لحزب من الأحزاب، وما رميت به بسبب ذلك من تهم البلادة وقلة التربية ~~الوطنية، وغلبة العبث، والتفاهة والأنانية، وكيف انقلب ذلك إلى نقطة ~~قوة تزكيني في غمار التحريات التي تنهال علي منقبة عن المستور من ~~خطاياي! ~~••• # وجاءني صديقي الوسيط بعد ذلك بأسبوعين؛ فتفحصته بقلق وقلت: طبعا ما ~~زالت التحريات جارية؟ # فضحك باقتضاب وقال: الحديث كان عن السلوك الشخصي. ~~- هو على أي حال من ذيول الماضي الذي قررت تغييره من ~~جذوره. ~~- أنا نفسي قلت ذلك، ولكن الماضي يتمثل لبعض الناس وكأنه الحقيقة ~~الوحيدة الراسخة. ~~- يا له من موقف سخيف حقا! # فقال برقة ليخفف من ms52 وقع حمولته: كلام قيل عن القمار. # فهتفت من فوري: كلا، لست بطبعي مقامرا، لعبت مرات معدودات ثم لم ~~أعد إليه. ~~- والخمر؟ ~~- اسمع، صدقني، دائما كنت وما زلت معتدلا، لم أفقد الوعي إلا مرة ~~واحدة. ~~- آل ميري لا يخافون الشراب بقدر ما يخافون عواقبه. ~~- لم تكن ثمة عواقب وخيمة. ~~- عابد ميري نفسه يشرب، وهو يغني إذا شرب، ولكن قيل له: إنك طولت ~~لسانك مرة على الاستبداد، وأنت فاقد الوعي! # قلت لك إنني لم أفقد الوعي إلا مرة واحدة. ~~- ربما وقع ذلك في تلك المرة، وعابد ميري يخاف أن يتكرر ذلك بعد ~~أن تكون قد صرت زوجا وأبا؟ # فقلت بحدة: لا أساس لخوفه صدقني، ثم لماذا تذكر تلك الزلة، وتنسى ~~مجاملاتي الطويلة للاستبداد، وأنا في تمام الوعي؟! ~~- الموضوع قابل للمناقشة؛ فلنتركه إلى حين، ولكن ما الرأي في ولعك ~~بنسوان شارع محمد علي؟ # فقلت وكل شيء يتجهمني: ماضي أي رجل لا يخلو من عبث مثل ذلك. ~~- عابد ميري يسلم بالمبدأ، ولكنه يحتج على الذوق، وقال: إن يكن ~~ذا ولع خاص بأولئك النسوة فكيف أتصور أنه يمكن أن ينسجم مع فتاة ~~كريمة مثل ابنتي! ~~- وهل يوجد فارق حقيقي بين كريمته وبين نساء محمد علي؟ # فضحك صديقي وقال: آه لو سمعك تقول ذلك. # وساد صمت يغلفه الأسى، وارتسم الإشفاق على وجه صديقي، ولكني أشرت ~~إليه أن يواصل، فقال: يتحدثون عن شقة مفروشة تملكها بناء ~~وأثاثا! ~~- وفي نيتي أن أقيم فيها بعد الزواج، ماذا في ذلك؟ ~~- الشقة لا تهم، ولكن من دأبت على استقبالهم فيها! ~~- ماذا يقصد الأوغاد؟ ~~- ها أنت تغضب فيحسن بي أن أسكت. ~~- هات ما عندك، وإن أردت جوابا فإني كنت أستضيف بها نخبة من ~~الأصدقاء. ~~- أصدقاء من نوع خاص، من إخواننا العرب الأثرياء. ~~- استضفتهم بصفتهم أصدقاء لا أثرياء، وقد توطدت علاقتي بهم مذ أيام ~~إعارتي للعمل في بلادهم. ~~- أما أنا فأصدقك ولكنك تعلم كيف تترجم تلك العلاقات البريئة على ~~ألسنة السوء؟ # فاستشطت غضبا وهتفت: للصبر حدود. ~~- لا تغضب، فذاك امتحان يتعرض له كل ms53 طالب زواج. # وعجبت - وحق لي أن أعجب - من تشدد الناس في تحرياتهم، وعجبت ~~أكثر بالنظر إلى أننا نعايش فترة من الانحلال والفساد بات يضرب بها ~~المثل، فلم يتشدد الناس في تحرياتهم كل ذلك التشدد، وهل يعتقد ~~الآباء أنه يمكن أن ينتقوا أزواجا لبناتهم من منطقة مجهولة تقع خارج ~~الزمن والتاريخ؟ وهل عش الزوجية أهم في حياتنا العامة من الوظيفة؟ ~~وألا يضج الناس بالشكوى ليل نهار من الخدمات المبتورة - وضمنا - من ~~المسئولين عنها؟ فكيف تزوج أولئك القادة، وكيف تفادوا من مطاردة ~~التحريات؟! # ومضى حماسي للزواج بفتر، وندمت على تعريض نفسي لألسنة لا تعرف ~~الرحمة ولا الحياء. ~~••• # وبعد مضي ثلاثة أسابيع رجع إلي صديقي فبادرته من فوري: لن ~~أستمر. # فقال بحدة: إني أحتقر الضعف، اصمد حتى النهاية، ولا تهز ثقتك الكاملة ~~بنفسك. ~~- سأخفق في الزواج وأبوء بسوء السمعة. ~~- اعتبرني لم أسمع شيئا، واسمع أنت ما قيل عن عملك! # وأثار حب استطلاعي بقوة فلم يسعني تجاهله، قال: شهد لك كثيرون ~~بالتفاني في العمل. # فلم أعلق وانتظرت متوقعا ما لا يسر. ~~- ولكن قيل إنك تحب السلطة وتركيز كل نشاطك في يديك، ثم تنطلق ~~شاكيا من عدم تعاون الموظفين معك! ~~- لن أناقش، ولكن ما علاقة ذلك بلياقتي للحياة الزوجية؟ ~~- كل سلوك مهما بدا عرضيا فله دلالته. ~~- استمر. ~~- وقيل كلام عن تحقيق أجري معك بخصوص بناء مجمع! ~~- وماذا كانت نتيجته؟ التحقيق مجرد إجراء؛ فلا هو خير ولا هو شر، وها ~~هم يرونني مستمرا في عملي، بل ترقيت مرتين بعد التحقيق، فما حكمة ~~التنديد بي بسببه؟ ~~- لك حق. ~~- إذن فلنعتبر تلك النقطة منتهية. ~~- ولكن قيل أيضا إنك هددت بجر آخرين أكبر منك معك فحفظ ~~التحقيق! ~~- عليهم اللعنة! ~~- إنهم يستحقونها. ~~- أتحداهم أن يثبتوا ذلك! ~~- عليهم اللعنة، ولم يقفوا عند ذلك، بل جعلوا يتساءلون، كيف يعيش ~~حياته المرفهة؟ كيف ملك الشقة المفروشة؟ والسيارة؟ من أين له ~~ذلك؟ # فكورت قبضتي غضبا وقلت: يتجاهلون ما ورثته عن والدي، كما ~~يتجاهلون حقيقة أخرى؛ وهي أن بعض مؤلفاتي المدرسية مقررة في مدارس ~~البلاد ms54 العربية ... فكل مصدر لإيراد عندي واضح وشريف. # توقعت أن يتكلم عن الذين قرروا كتبي وعن علاقتهم بالأصدقاء الذين ~~أستقبلهم في الشقة المفروشة، ولكنه لم يفعل، كأنما نكص حيال درجة ~~الحرارة التي ارتفع إليها حنقي، بيد أنه حدجني بنظرة قصيرة قرأت فيها ~~ما تورع عن ترديده، وجعل يضحك ويقول: الرجل المخرف عابد ميري يميل ~~إلى تصديق الأكاذيب، وفي آخر لقاء قال لي: إن سوء الظن من الفطنة، وأني ~~بت أعتقد أن ذلك العريس هو المسئول عن 5 يونية؟ # فصحت في ذهول: إذن فإني المسئول عن 5 يونية! # وغادرت المكان مسرعا لا أكاد أرى طريقي من الغضب، ماذا يعرف المخرف ~~عن 5 يونية؟ إني مع التسليم بكافة جرائمي الخلقية، أعد أو يجب أن ~~أعد من أشرف الرجال، وهل أغراني بالخطايا إلا الاقتداء بالآخرين؟! ~~وكنت في الوقت نفسه ضحية، أجل ضحية لرؤسائي الذين ضربوا لي أسوأ مثل، ~~وها أنا أحرم من جنة الاستقرار العائلي كأنني المجرم الوحيد! # وقررت العدول عن فكرة الزواج نهائيا. # وقلت لنفسي إنه ليس بالمرأة وحدها يحيا الإنسان. # وندمت أشد الندم على تعريض نفسي للزوبعة التي عصفت بها. ~~••• # وكنت جالسا بمكاني المختار عندما لمحت صديقي قادما من بعيد، رددت ~~في نفسي الكلام الفظ الحاسم الذي سأجابهه به، وقررت أن أعلن تمردي على ~~الزواج إلى الأبد. # وبادرني الصديق قبل التحية، قائلا: عابد ميري يحييك، ويرجو أن تحدد ~~موعدا لإعلان الخطوبة في أقرب وقت ممكن! # | العري والغضب # ناعمة مستكينة، مهذبة غارقة في الطمأنينة، ملهمة لأحلام البيت ~~السعيد، تنتشر كالشذى في أعماقه، فتشكل بضعفها المنساب طاقة ~~مسيطرة بعون الإغراء والرغبات الدفينة، وكانت بمجلسها أمامه في ~~الترام صورة مجسدة لأمنية عذبة غامضة، منعشة للروح، مبدعة للألفة ~~الحميمة، فقال لنفسه إن هذا هو ما أبحث عنه. والتقت عيناها في حركة ~~عفوية بعينيه المركزتين، فانتبهت من أحلامها، واعتدلت في جلستها، ونحت ~~وجهها مدارية ابتسامة خفيفة جدا لإدراكها بأنها كانت موضع نهم ~~والتهام. ودفعته الابتسامة إلى اتخاذ قرار جريء بتأجيل زيارته للمحامي ~~- رغم دقة المرحلة التي تمر ms55 بها القضية - إذا دعت إلى ذلك فرصة طيبة، ~~ولم يغادر مجلسه في محطة «المحامي»، لبث ينتظر حظه المجهول، ولكنه ~~تذكر على رغمه المحن التي عاناها - هو وأسرته من قبل - ما يقارب ربع ~~القرن، والتي احتوتها في النهاية القضية، فلم يمض قراره بلا قلق، ولكن ~~هل تقوم القيامة إذا تأجلت الزيارة أسبوعا؟ وانقبض قلبه وهو يتخيل ~~محاميه في غضبه لتخلفه عن الميعاد دون اعتذار، فإنه محام صارم، يحتقر ~~المزاج ولا يحنو على الضعف البشري. # ولما رجع بوعيه إلى الجالسة قبالته ضبطها تنظر إليه في دهشة، فأدرك ~~من توه أن انفعالاته قد ترجمت إلى تشنجات في قسمات الوجه وعضلاته، ~~وربما تعدت ذلك إلى اليدين، أجل فإن ذلك مما يلاحظ عليه ~~أحيانا، ولكنه ابتسم إليها بجرأة لا تعوزه في أمثال هذه المواقف فأحنت ~~رأسها باسمة، عند ذلك حل الرضا بصدره، واطمأن إلى أن تضحيته لن ~~تضيع في الهواء، وقامت فقام وراءها بتلقائية وبلا أدنى ارتباك، وبعد ~~ثوان كانا يترامقان مواجهة على الطوار، على حين امتد وراءهما ميدان ~~الضاحية، شبه خال، وقد احمر قرص الشمس إيذانا بالمغيب. تمتم: فرصة ~~سعيدة. # فمضت إلى الطريق الوسطي دون أن تجيبه، ولكنها دعته بأسلوبها ~~المشجع الصامت للحاق بها، ومشى إلى جانبها فتقبلت ذلك دون اعتراض ~~فعاد يقول: فرصة سعيدة. # كان الطريق سكنيا بلا دكاكين، به قلة من المارة، وكثرة من ~~السكان تتواجد في الحدائق، ولما لم يتبين لها هدفا قريبا فقد ~~قال: يوجد قريبا من هنا فرع للفردوس. # ولكنها واصلت السير فسار إلى جانبها، وهو ينظر فيما أمامه متسائلا، ~~ووجدها تتجه نحو بيت صغير من دور واحد، فاقتحمته دهشة وتلقى رد ~~فعل حاد وأليم، صدق ما يرى بصعوبة واحتجاج وتبرم، وقال لنفسه: «حقا ~~إنه لزمان زالت فيه الفوارق بين الأنواع.» وبتبدد الحلم لم تبق إلا ~~الحقيقة القاسية المبتذلة، فشعر بتأنيب لتفويته ميعاده الهام بشأن ~~القضية، وتبعها إلى الداخل بلا حماس يذكر. ووجد البيت صغيرا حقا، ~~يتكون من صالة طويلة وحجرة وحيدة في النهاية. حجرة نوم آية في البساطة ms56 ~~أو في الفقر، بها فراش ومشجب ومقعد وحيد، وحتى الفراش اقتصر تجهيزه على ~~حشية ووسادة بلا غطاء، ولا ملاءة، وانبسطت أرض الحجرة الخشبية بلا ~~سجادة ولا كليم، ولا حصيرة. ابتسم بفتور وهو يتذكر أحلامه المنتشية، ~~وقال إنه لم يبق ما يستحق الاهتمام إلا المرأة نفسها، الجميلة ذات ~~المظهر الخداع، ورجع المحامي يلح على وجدانه فسألها، وهو يعلم ~~بالجواب مسبقا: يوجد تليفون؟ # فهزت رأسها بالنفي وهي شارعة في خلع ثيابها، فقال مداعبا يأسه: ~~صحتك. # فنظرت نحوه باهتمام، فرفع كأسا متخيلة في الهواء، ثم رشف رشفة، ~~فابتسمت وواصلت خلع ثيابها في رسوخ المحترفات، حتى تبدى جسدها عاريا ~~جميلا محايدا، ونظرت نحوه كأنما تحثه على الاقتداء بها، فأذعن ~~لدعائها الصامت، وهو ينادي بإصرار حماسه الهارب. ~~••• # وغادرت الحجرة فأشعل سيجارة، تابع الدخان بفتور وأسى، عاد يفكر ~~بالقضية، وبالنقاط التي عن له أن يناقشها مع المحامي. لو وجد ~~تليفونا لانتحل عذرا للرجل، واتفق معه على موعد آخر، ولا فائدة ~~ترجى من الذهاب الآن لأنه سيجده منشغلا بموعد آخر، أو يجده قد غادر ~~المكتب. وقد عاش زهرة عمره، ولا أمل له إلا كسب القضية، ولكن الله وحده ~~يعلم ما عانت أعصابه طيلة تلك الفترة الغالية من العمر. ~~- لا تلجأ إلى المحاكم، المحاكم حبالها طويلة. وهيهات أن تظفر في ~~ساحتها بحاجتك. ~~- وما عسى أن أفعل؟ ~~- كما كان يفعل أجدادك، بل كما يفعل خصومك. ~~- ولكن الزمن تغير. ~~- الزمن لا يتغير، أنت الذي تغيرت. ~~- إني رجل متعلم. ~~- عليه العوض! # اليوم لا يدري إن كان أصاب أم أخطأ، ولكنه وقع في أسر القضية، ~~فوكل المحامي، وتبارى المحامون، وتكلم الشهود، ولم يعد في الإمكان ~~تغيير الخطة، وها هو عار ملقى على فراش عار على حين ينتظر المحامي ~~ويتعجب! ولكن ألم تغب الفتاة في الحمام أكثر مما يجب؟ أي مظهر خداع، ~~وأي آمال قد تبددت، يبدو أن الدنيا تتغير بأسرع مما يدرك، وقد ينزلق ~~في هاوية مخيفة بسبب رغبته الملحة في الزواج والاستقرار، وفضلا عن ~~ذلك فعليه أن يؤجل مشروع الزواج، حتى ms57 يتم الفصل في القضية، وإلا فما ~~جدوى أن يتزوج اليوم ثم يشهر إفلاسه غدا؟! ~~- هل تلجأ للقضاء لأنك متعلم حقا أو لأنك ضعيف؟ ~~- إنك تتكلم يا عمي بلغة هيروغليفية. ~~- ابصق على ذقني إن نجحت في ذلك السبيل مقاصدك. ~~- نحن نتفاهم بلغة حية جديدة. # لا بد للحق أن ينتصر ولو طال الزمن، ولكن ما بال المرأة قد تأخرت؟ ~~ماذا تفعل في الحمام؟ وبرم بالانتظار فغادر الفراش، فتح الباب نصف ~~فتحة، أخرج رأسه فرأى الصالة غارقة في الظلام إلا شعاعا يترامى من ~~منعطف جانبي، خمن أنه الحمام، تنحنح فلم يرد أحد، صفق فلم يرد أحد، ~~سار على أطراف أصابعه نحو الضوء حتى وجد نفسه في الحمام ولكنه وجده ~~خاليا. أدرك أنها اغتسلت ثم ذهبت إلى مكان ما - لعله المطبخ - فقرر أن ~~يأخذ دشا، وتحت سيال الماء المتدفق انتعشت روحه وخف شعوره بالذنب ~~حيال المحامي. أجل سيرميه بالإهمال؛ فهذا دأبه كلما قعد به عن ~~الاتصال به عذر، ومع ذلك فعندما واظب على ملاحقته في الشهر الماضي ضاق ~~به وقال له: يلزمك أعصاب من حديد لكي تواجه حياة العصر. # وقال له أيضا مازحا: إني أتوقع أن تجيئني المرة القادمة حافي ~~القدمين، مرسل شعر اللحية والرأس، مسطولا كما يفعل شباب العالم ~~الحر! # والمسألة في حقيقتها أن القضية هي حياته أما بالنسبة للمحامي فهي ~~النشاط رقم كذا في جدول أعماله الحافل بأمور لا نهائية وهو - المحامي ~~- رغم رسوخه في العلم، وقدرته الفائقة على الإنجاز، ورغم عطفه الشديد ~~عليه، فإنه لا يكن له احتراما كافيا، وفي ساعة صفاء وهما يتناولان ~~الغداء معا قال له: لولا اندفاعك الجنوني لما كان للقضية وجود ~~أصلا. # فقال له بإصرار: إنها مسألة كرامة ... ~~- ولكن حتى الاندفاع الجنوني يجب أن يقوم على أساس من العقل! ~~- الحقيقة أنك لا تفهمني. ~~- حقا! أأنت لغز؟ ~~- إني أحترم أمورا تعتبرها أنت بكل بساطة خرافات وأباطيل. ~~- لقد تأخرت يوما عن موعد هام لتشهد صلاة العيد فما معنى ~~ذلك؟ ~~- قصصت عليك عشرات القصص، ولكنك لا تصدق. ~~- حقا؟ ... فماذا يعني ms58 جريك وراء النسوان وتقلبك في الحانات؟ # عند ذاك قال بانفعال: أأنت محام أم مرب؟! # وغادر الحمام عائدا إلى الحجرة وهو يضمر لها - المرأة - عتابا على ~~طول اختفائها، ولكنها لم تكن قد رجعت بعد، وذرع الحجرة ذهابا وجيئة ثم ~~قرر أن يرتدي ملابسه. اتجه نحو المشجب ولكنه لم يجد لملابسه أثرا. ~~ذهل، أجال بصره في أنحاء الغرفة ولكنه لم يعثر على شيء. أية مداعبة ~~سخيفة. ~~- رباه! # ندت عنه في ذهول أشد عندما تبين له أيضا أن ملابس المرأة ~~غير موجودة. تفحص أنحاء الحجرة بغضب، نظر أسفل السرير، مضى نحو ~~الباب وصفق بشدة. ولم يكن عرف لها اسما فصاح: يا ست! # وبنبرة أشد: يا هوه. # واندفع يفتش الشقة الصغيرة، الحمام مرة أخرى والمطبخ ولكنه لم يجد ~~أثرا لإنسان، ومضى نحو باب الشقة فوجده مغلقا بإحكام فرجع إلى ~~الحجرة، وهو يتميز غيظا وحنقا، واضح أن المرأة قد ذهبت، من السهل ~~تصور أنها كانت مختفية في ظلام الصالة عندما دخل الحمام، ثم ارتدت ~~ملابسها بسرعة، وأخذت ملابسه وذهبت، ما معنى ذلك؟ هل أرادت سرقته مع ~~منعه من اللحاق بها؟ افتراض غير مطمئن، وثمة سؤال آخر، بيت من هذا؟ ... ~~وأي علاقة للمرأة به؟ وكيف تتركه عاريا في هذه الشقة الجرداء؟! # وشعر بالعجز والقهر والضياع اللانهائي، لن يرجع إلى ما كان عليه، ذلك ~~الرجل المحترم. إنه يودع حياة يعرفها ليستقبل حياة مجهولة مدمرة، ~~ولكنه لا يريد أن يصدق، لعله مزاح ثقيل سخيف ليس إلا ... # ولكن الوقت يمر بلا مبالاة، وفجأة ضرب بيده على جبينه وهتف: مكيدة، ~~إنها لمكيدة مجرمة! # لا تقع هذه الأمور مصادفة، إن أيدي خصومه تتراءى له، وهي تدبر ~~بخبث وإحكام رامية في النهاية إلى إفشال القضية. يتذكر الآن أنه لمح ~~المرأة في مشرب الشاي قبل أن يغادره ليستقل الترام، وأنها جاءت في ~~أعقابه لتجلس أمامه، وسألته عن الساعة لتضبط ساعتها، وفي الحقيقة لتلفت ~~نظره إليها، وأنها لم تكن ملاكا كما تصور - كيف تصور ذلك - فقد ~~فرجت بين ساقيها العاريتين لحظة ثم ضمتهما بسرعة ms59 وحياء مصطنع، ~~فظنها حركة بريئة طاهرة، ثم استسلمت لأحلام مجهولة في استرخاء ناعم، ~~فكان بوسعه أن يدرك حقيقتها، ولكنه ثمل بخياله الجامح ، ورغباته ~~الدفينة، فرأى ما لا وجود له وبنى عليه العلالي، واندلق كغر أبله، ~~لقد أحاط خصومه بتحركاته وأهوائه فرسموا خطة محكمة، وأوقعوه بسهولة ~~مخجلة ثم تركوه عاريا في مسكن مجهول ليتوقع قدرا مجهولا، وبمقتضى ~~ذلك المنطق السليم القاسي فعليه أن ينتظر ضربة قاضية في ~~المصيدة. ~~- ما العمل؟ # كيف يفر قبل أن يدهمه الخطر؟ وجال في المسكن مرة ومرة بلا جدوى على ~~الإطلاق، ليس إغلاق الباب بمشكلة، فبوسعه أن يقفز من النافذة، ولكن كيف ~~يواجه الطريق عاريا، هذه هي المشكلة، وأدرك أن خلو السرير من الغطاء ~~والملاءة، لم يكن عن فقر أو مصادفة، ولكنه ضمن الخطة التي رسمت ~~لحرمانه من أي شيء يستر به جسده. وقف وراء النافذة ينظر من خصاصها إلى ~~الطريق المضيء الذي لا يخلو لحظة من عابر، كيف يمكنه أن يمضي فيه ~~عاريا؟ وماذا يفعل عندما يبلغ الشوارع المزدحمة بفرض أن أمكن عبور ~~هذا الشارع دون حادث؟! وسواء أبقي أم انطلق متخطيا حدود العقل، فسوف ~~يقع تحت طائلة إحدى تهمتين خطيرتين، السطو أو الجنون، وكلتاهما ~~خليقتان بزلزلة أركان القضية، فما العمل؟ ولم يشعر في وقت مضى بما ~~يشعر به الآن بالحاجة الماسة إلى مشاورة محاميه لعله يهديه إلى ~~منفذ في عالم القوانين المتشعب الذي يجهله كل الجهل. قال له ذات مرة: ~~احرص على الجدية والاستقامة، فإن أي هفوة ماسة بسمعتك ستبدد مجهودي ~~هباء. # فسأله ضاحكا: أتطالبني بالتقشف حتى يصدر الحكم؟ ~~- ولم لا؟ ~~- ومتى تراه يصدر في تقديرك؟ ~~- آسف على أنك لا تحترم التقشف، وبخاصة في ظروفك الراهنة ~~التعيسة! # واشتعل غضبا فهم بتعنيف الرجل. أكثر من مرة هم بتعنيفه، ~~ولكنه كان يتذكر أنه لم يدفع له مليما واحدا سوى رسوم التوكيل، وأن ~~الأتعاب مؤجلة ومنوطة بكسب القضية، فيرجع إلى عقله ويكظم غيظه ويسكت. ~~والحق أنه لا يحب التقشف، بل إنه يضيق بمحاميه لتقشفه المعروف عنه، ~~وأي قيمة ms60 للحياة بلا طعم لذيذ، وشراب هنيء، وعناق حار ومقام وثير؟! ذلك ~~جميل حقا ولكن تحت شرط ألا يجد نفسه عاريا في بيت غريب، متوقعا ~~بين لحظة وأخرى أن تدهمه ضربة قاضية. # وتساءل عما يراد به، هل يتركونه حتى يضطره الجوع إلى الخروج؟ هل ~~يجيئون ليخيروه بين التنازل عن القضية، وبين استدعاء الشرطة لضبطه ~~بالحال التي هو عليها؟ # هذا أو ذاك أو غيرهما من الاحتمالات، كلها طريق واحدة تفضي إلى ~~الضياع. # وغلى دمه. # كل شيء محتمل إلا تخيل ابتسامة الشماتة فوق شواربهم ~~الغليظة. # وسمع صوتا فهرع إلى النافذة فرأى سيارة تقف أمام البيت. ~~- كما توقعت قد جاءوا. # واندفع دمه في الغليان. ومن شدة القهر جن غضبه، واكتسح الغضب ~~الخوف، فلم تبق في صدره إلا ألسنته المشتعلة. كان لعبة بأيديهم طيلة ~~الوقت، ولكنه رفض أن يستمر لعبة وأضاء المصباح فتبدى عاريا، متجردا ~~من الخجل والخوف، ها هي الحركة تدب خارج الحجرة، ستطالعه نظرات باردة ~~وبسمات ساخرة فليبتسم وليسخر مثلهم. سيقول مقدمهم وهو يصطنع دهشة ~~مقيتة: ماذا نرى؟ # فيقول بهدوء تام: طال انتظاري لكم! ~~- هكذا عاريا! ~~- كما ترون! # وليكن ما يكون ولكن اللعبة لن تستمر. # واقتربت الأقدام ثقيلة وتطايرت الضحكات. # وانتظر ينظر في هدوء وتصميم وعناد. # غير مبال بالعواقب. # | الجريمة # تلاشى الهدوء في رحاب التاريخ، تغيرت أشياء كثيرة، برزت معالم ~~جديدة، ولكن بقي الحي الشرقي يزخر بالأزقة والحواري، والبيوت البالية، ~~يقابله الحي الغربي بفيلاته الكلاسيكية، وعمائره الأنيقة الحديثة، ~~هكذا وجدت الضاحية التي ولدت فيها بعد غيبة دامت ربع قرن، بهرني ~~ميدان المحطة باتساعه، ومبانيه الحديثة وتمثال الفلاحة الناهضة، ~~والشارع العريض الطويل الغائص في أعماق الضاحية، حتى المسلة القائمة في ~~الحديقة الكبرى، كما بهرتني المصانع الجديدة بضخامتها ومداخنها ~~النفاثة وضجيج آلاتها. # ورغبة مني في الاختلاط بالناس، وتوثيق علاقتي بهم قررت الإقامة في ~~الضاحية فذهبت إلى مكتب سمسار للشقق، وجلست في الانتظار بين جمع من ~~الرجال والنساء. جلست بوجه بسام مشحوذ الهمة للاستجابة لأي بادرة ~~ودودة، ولكنهم كانوا منهمكين في الحديث: ألم يستدل على شخصية ms61 صاحبة ~~الجثة؟ ~~- كلا، وجدت مدفونة من سنين ومحترقة تماما. ~~- كم سنة؟ ~~- أربع أو خمس سنوات، هذا ما كتب في الخبر. ~~- والقاتل؟ ~~- لم يعرف بعد، والأرجح أنهم عصابة؛ فالقتل والإحراق والدفن تحتاج ~~إلى أكثر من مجرم واحد ... # وتداخلت في الحديث سائلا: ألم يعلن في الضاحية وقت ارتكاب الجريمة ~~عن اختفاء امرأة؟ # فساد صمت انقطع به الحديث مليا ثم قال شخص: لا يمكن تذكر ~~ذلك. # فقلت: ولكنه لا يمكن أن يغيب عن تفكير المحقق. # لم تحز ملحوظتي قبولا فيما بدا لي، فأكدت غربتي بدلا من أن ~~تفتح لي مدخلا إلى علاقة حميمة. وخفت أن أكثر من الأسئلة؛ فيساء بي ~~الظن، وخاصة لشدة حساسيتي من ناحية المهمة التي أحمل أمانتها، وليقيني ~~المستند إلى خبرة مهنتي بأن الأعين يجب أن تكون منتبهة تماما نحو أي ~~دخيل قد يهدد أمن الضاحية وسرها العجيب، وجاء دوري للمثول أمام السمسار ~~فوجدت في حجرته نفرا من المتعاملين، ووجدت أن حديث الجريمة يطوف بهم ~~رغم انهماكهم في إنجاز أعمالهم، وحتى السمسار نفسه يشارك فيه: لا حديث ~~للضاحية إلا الجريمة، يتردد في السوق والمكاتب والمصانع والأكواخ ~~والفيلات. ~~- ذلك طبيعي جدا. ~~- وما الفائدة؟ # فقال السمسار: ثرثرة، معالجة عقيمة للخوف والعجز، ثرثرة لا جدوى ~~منها. ~~- ثرثرة وأمان فارغة. ~~- ولم الخوف، بالله، كأنما كل فرد من الضاحية يخشى نفس ~~المصير؟ # غادرت المكتب بعد أن أجرت حجرة مفروشة في مبنى بالحي الشرقي، ~~وسط الجمهور الذي أعتمد عليه في استخلاص الحقيقة المنشودة، وتذكرت ~~مقابلتي لرئيسي التي كلفت في ختامها بالمهمة. قال: ستذهب إلى الضاحية ~~لجمع التحريات والمعلومات. # وقال أيضا: من حسن الحظ أن أحدا من رجال الأمن هناك لا ~~يعرفك. # فسألت باهتمام وأدب: ولكن لم سوء الظن يا سيدي؟ ~~- حسن، طمست معالم جرائم قبل ذلك، وقيدت ضد مجهول، لم تكن بفظاعة ~~جريمة اليوم، ولكن ليس ما يمنع من أن يكون مصيرها كمصير ~~سابقاتها. ~~- ورجال الأمن هناك ماذا يفعلون؟ ~~- أتريد رأيي؟ ... إنهم متواطئون، لعلهم يقومون بالدور الرئيسي في طمس ~~معالم الجريمة ... ~~- ولكن لماذا؟ ~~- ذلك ما أود ms62 أن توافيني بأسبابه. ~~- وأهل الضاحية ما موقفهم؟ ~~- هذه هي المسألة. ~~- أليست القتيلة منهم وكذلك القاتل؟ ~~- إني أومن بذلك كل الإيمان. ~~- إذن لم لا تكتشف الحقائق، ويقبض على المجرمين كما يحدث في كل ~~مكان؟ ~~- هذه هي المسألة. # كذلك دار الحديث قبيل تكليفي بالمهمة، لم تكن مهمتي إجراء أي ~~تحقيق بصفة سرية لمعرفة شخصية القتيلة أو القبض على القاتل، وما كان ~~ذلك بوسعي؛ لأنه لا يقع في اختصاصي من ناحية؛ ولأنه أمسى متعذرا ما ~~دام قد مضى على تاريخ الجريمة حوالي الخمس السنوات. مهمتي كشف السر ~~عن الأسباب الخفية لطمس معالم الجرائم في الضاحية، عن المصلحة المشتركة ~~التي تشد الناس إلى ذلك؛ الفقراء والأغنياء ورجال الأمن. # غادرت حجرتي لأمارس العمل الذي اخترته عندما قابلني رسول جاء ~~يستدعيني إلى مكتب الأمن. ذهبت من فوري قلقا متشائما، ما معنى ~~الاستدعاء؟ ... هل رابهم شيء في سلوكي؟ هل أواجه التحدي وأنا لم أكد أشرع ~~في العمل؟ # ومثلت أمام الضابط الذي سألني عن اسمي وعملي، ذكرت الاسم وقلت: سواق ~~تاكسي. # وقدمت بطاقة الشخصية والرخصة فراح يتفحصهما بعناية، وأنا مطمئن ~~إلى أنه لن يجد ما يريبه فيهما، ثم تفحصني بنظرة ثاقبة وسألني: لم ~~اخترت هذه الضاحية للعمل؟ # فقلت بعد تفكر: إنه حق مشروع لكل مواطن ولا يستدعي في اعتقادي ~~استجوابا. # فأعاد سؤاله ببرود: لم اخترت هذه الضاحية للعمل؟ # فآثرت السلام حرصا على نجاح مهمتي وقلت: عملها المحدود مناسب لرزقي ~~وصحتي، واتجه اختياري إلى هنا لأني أصلا من مواليد الضاحية. ~~- ألك بها أهل أو أقارب؟ ~~- كلا ... هجروها منذ حوالي ربع قرن ... ~~- الجريمة خلقت نفورا عاما من الغرباء. # كدت أسأله هل عرفوا هوية المجرمين، ولكني أمسكت عن حكمة وتساءلت: ~~هل تقرر إبعادي من أجل ذلك؟ # فرد إلي البطاقة والرخصة وقال ببرود: اذهب ... # ذهبت وأنا أفكر بمدى ارتياب الرجل بي، ولكنني لم أجد في سلوكي ما ~~يسوغ ذلك على الإطلاق، فنحيته عن شعوري لأمضي في طريقي بلا ظنون ~~وهمية قد تربكني وتكشف سري. وكنت أوصل رجلين في التاكسي إلى المحطة ~~عندما ms63 سمعتهما يتحاوران عن الجريمة: فظيعة فظيعة، أي قسوة! ~~- كانت بارعة الجمال! ~~- ولكن النار لم تبق منها على شيء؟ ~~- أعني لو لم تكن جميلة لما تعرضت للقتل، أنت تفهمني طبعا. ~~- طبعا، انقضاء خمس سنوات على دفنها يجعل العثور على دليل أمرا ~~مستحيلا. # فتدخلت في الحديث قائلا: قرأت في الجرائد أنه يمكن بفحص ~~الموميات علميا معرفة أسباب الوفاة، فإذا كان السبب جريمة أمكن ~~بمناقشة الملابسات التاريخية تحديد القاتل في شخص أو طائفة. فضحك ~~الرجلان وقال أحدهما: على عهد الفراعنة كان الناس يموتون أو يقتلون ~~لأسباب مقنعة. # وضحك الرجلان مرة أخرى. # قلت لنفسي إن أحاديث الناس لا تدل على أنهم متواطئون، وتقطع بأنهم ~~غير راضين حتى ولو كانوا متواطئين، فلماذا يشتركون في إخفاء معالم ~~الجريمة، والتستر على القاتل أو القتلة رغم إرادتهم أو رغم ~~نفورهم؟! # ومرة كنت أوصل أسرة إلى عيون المياه، فدار الحديث أيضا حول ~~الجريمة. ~~- ما يقال بخلاف ذلك فهو مجرد إشاعة. ~~- أنت تعلم - كما نعلم - أنها الحقيقة ... # وتوثبت لإرهاف السمع، ولكني لمحت في المرآة امرأة تحذر المتكلمين ~~مشيرة بذقنها نحوي! وجعلت أتقلب في شتى الأماكن كما أتابع الأحاديث في ~~التاكسي، أسجل الكلمات في ذاكرتي، أناقشها، أفكر بأبعادها، أستنتج ~~متعاملا مع الاستقراء والقياس، مستفيدا من كل ملاحظة. # وقد سألت رئيسي وكنت أزوره كلما أوصلت راكبا إلى العاصمة: ألا يوجد ~~احتمال أن يكون مرتكب تلك الجريمة من خارج الضاحية؟ ~~- ليس ذلك بالمستحيل، وفي تلك الحال تكون الجريمة عادية، وتأخذ ~~العدالة مجراها. ~~- ما الذي يحمل فقراء الحي الشرقي على الاشتراك مع سادة الحي الغربي ~~في إخفاء جريمة رغم حدة التناقضات بين الجانبين؟ ~~- تساؤل يقطع بأنك بدأت تضع قدمك في الطريق الصحيحة. ~~- أرجح أن يكون القاتل من السادة! ~~- تفكير سليم جدا! ~~- هل يعني ذلك أن القتيلة من الجانب الآخر؟ ~~- قد وقد ... ~~- السر إذن يكمن في المصلحة المشتركة بين الجميع حتى رجال الأمن ~~أنفسهم؟ ~~- هذه هي المسألة. # وعلمت مما يقال في الضاحية أن الجثة اكتشفت وهم يحفرون الأساس ~~لبناء مصحة الأمراض العقلية، وعرفت أول من ms64 عثر عليها من البنائين، ~~وهو صعيدي من هواة الجلوس في مقهى الشمس بالحي الشرقي. وعملت على ~~التعرف به ومجالسته فشربنا الشاي معا ، وسألته: كيف كان شعورك عندما ~~عثرت على الجثة المطمورة؟ # فقال بفخار: ناديت أصحابي ثم جاءت الشرطة ... # تبادلنا حديثا سطحيا مؤجلا الأسئلة الهامة للقاء آخر، ولكني لم ~~أعثر عليه بعد ذلك، وقيل إن ظروفا اضطرته للسفر فورا إلى الصعيد ... ~~ترى هل وقع ذلك بمحض الصدفة؟ ساورني القلق فخفت أن أكون مراقبا على ~~غير ما أتصور، وشحذت انتباهي ما وسعني ذلك، ولكني لم أكف دقيقة عن ~~نشاطي المرسوم. فتحت صدري لكل علاقة، استكثرت من الأصدقاء، قدمت ~~الخدمات بلا حساب، وظل حديث الجريمة يجري على كل لسان، في البيت ~~والمقهى والسوق والتاكسي، يتردد بغيظ وحنق، وأحيانا بسخرية، ولكنه لا ~~يشق حجاب الغموض أبدا، ثمة شيء في الأعماق يعوزه التعبير، يكبته أنه ~~في اللاوعي، أو الخوف أو الخجل أو الرغبة المحمومة في الهرب، ولاحظت ~~ذات يوم - وأنا في السوق - أن امرأة فقيرة دمعت عيناها وهي تصغي إلى ~~حديث الجريمة الذي لا ينقطع، جذب وجهها عيني بفقره وجماله الذابل ~~المتواري وراء غلاف من الإهمال والتعاسة، ترى هل تبكي بدافع عاطفة ~~إنسانية عامة أو لأسباب أشد خصوصية؟ وقررت في الحال تعقبها من ~~بعيد لعل وعسى، ولما وصلت إلى آخر منطقة في السوق اعترضني صوت ~~قائلا: ها أنت تهيم على وجهك مهملا عملك! # التفت فرأيت الضابط واقفا يرمقني بنظرته الباردة، فقلت: جئت ~~أتسوق. ~~- وأين التاكسي؟ ~~- في الميدان الجديد. # ومضى إلى سبيله تاركا إياي في حيرة، فتشت بعيني عن المرأة، ولكنها ~~كانت قد ذابت في الزحام، ورجح لدي أنني أواجه تدبيرا محكما لا ~~صدفة عمياء، وأن علي أن أضاعف من الحذر. # وتفرغت لعملي كسواق تاكسي أياما متتابعة، وكلفت خاطبة أن تبحث لي ~~عن عروس مناسبة، ثم تسللت ذات ليلة، عند منتصف الليل، إلى الحانة ~~الموجودة عند مشارف السوق، وجدتها مكتظة بالشاربين، تضج بالنكات ~~والأغاني، حارة بالأنفاس والدخان والهواء الفاسد. شربت قليلا ولكني ~~تظاهرت بالنشوة والمرح، وأرهفت ms65 حواسي لتصيد الفلتات والشوارد. وكالعادة ~~تطعم كل حديث، كل مزاح، بحديث الجريمة. قلت لنفسي متعجبا: كأنهم ~~جميعا مجرمون أو ضحايا أو الاثنان معا. # وسمعت ضمن الأحاديث حوارا ذا دلالة فيما أعتقد. قال الرجل ~~محتجا: نحن ضعفاء. # فأجابه بحدة: بل جبناء. ~~- ماذا تفعل إذا اعترض سبيلك سياج من النيران؟ ~~- أرمي بنفسي فيها؟ ~~- ارم بنفسك وأرنا شجاعتك. # وعربدوا ضاحكين، وانثال علي نثار من الكلمات صالح لدى ربطه، وإعادة ~~تكوينه لإعطاء اعترافات خطيرة أو ما يشبه ذلك. تابعت ذلك وأنا ألهث من ~~شدة الانفعال، وشيء جذب رأسي نحو مدخل الحانة كما يقع لدى توارد ~~الخواطر، فرأيت الضابط يتسلل خارجا! أفقت من نشوتي وانفعالي، ~~وتنبهت في غريزة المهنة فأدركت فداحة الخطر الذي يحدق بي، امتلاك سر ~~خطير من هذا النوع يعني الهلاك، وأنا خبير بأساليب مهنتي؛ ولذلك ~~فعلي أن أفكر بصفاء ذهن. يجب مغادرة الحانة قبل أن تفتعل معركة من ~~أجل القضاء علي قضاء وقدرا، يجب تجنب السير في الشوارع الخالية، ~~لا تستقل التاكسي حذرا من انفجاره لأسباب مجهولة، لا ترجع إلى حجرتك ~~حتى لا يغتالك كائن جاثم في ركن منها، إلى المحطة رأسا عن طريق ~~شارع المسلة، وهناك تتعدد الوسائل للوصول إلى العاصمة. # وفي صحن المحطة شعرت بيد توضع على كتفي فالتفت متوثبا فرأيت ~~الضابط، وقفنا نترامق مليا حتى ابتسم قائلا: جئت لأودعك بما تقضي ~~به أصول الزمالة. # عدلت عن المكابرة وتمتمت ساخرا: شكرا. # وهو يضحك: ولم تترك التاكسي وراءك بلا سائق؟ # فقلت ساخرا أيضا: أتركه في أيد أمينة! # وهو يعاود الضحك: ترى ما الملاحظات التي تمضي بها؟ # ففكرت غير قليل ثم قلت: إنكم لا تؤدون واجبكم! ~~- الناس لا يتكلمون. ~~- أعلم أن أرزاق البعض بيد البعض الآخر، ولكن الغضب يتجمع في الأعماق ~~وللصبر حدود. # فهز رأسه باستهانة وتساءل: ما واجبنا في رأيك؟ ~~- أن تحققوا العدالة. ~~- كلا. ~~- كلا؟! ~~- واجبنا هو المحافظة على الأمن. ~~- وهل يحفظ الأمن بإهدار العدالة؟ ~~- وربما بإهدار جميع القيم! ~~- تفكيرك هو اللعنة. ~~- هل تخيلت ما يمكن أن يقع لو حققنا العدالة؟ ms66 ~~- سيقع عاجلا أو آجلا. ~~- فكر طويلا بلا مثالية كاذبة، قبل أن تكتب تقريرك، ماذا ~~ستكتب؟ # فقلت بامتعاض: سأكتب أن جميع القيم مهدرة ولكن الأمن مستتب! # | المقابلة السامية # قمت بجولة في العمارة الجديدة الخالية، هي جديدة بكل معنى الكلمة، ~~فواحة برائحة الطلاء ما زالت، تحتل مربعا صقعا، وعما قليل تعلق في ~~أعلى مدخلها لافتة كبيرة تحمل اسم مصلحتنا العتيدة، وكنت وراء ~~الملابسات السعيدة التي أدت إلى اختيارها وتأجيرها للمصلحة. كنت ~~كاتبا منسيا بالأرشيف، ولكني اخترت كاتبا للجنة التي شكلت للبحث ~~عن مقام جديد للمصلحة، يضم أشتاتها المتناثرة في أحياء متباعدة ~~بالمدينة الكبيرة، وكنت أعبر الطريق كل صباح أمام موقعها في مسيرتي ~~اليومية إلى المصلحة القديمة، فدعوت اللجنة لمشاهدتها، وسرعان ما ~~اتخذت الإجراءات الإدارية ثم توقع العقد مع مالكها. # قمت بجولة في العمارة الجديدة الخالية، لم تكن إجراءات النقل قد ~~بدأت بعد، وكنت مارا كالعادة في الصباح، فأغراني الزهو وشعور ~~وهمي بالملكية، بالقيام بجولة بيروقراطية، وكان البواب قد عرفني في ~~الزيارات الرسمية السابقة فاستقبلني باحترام جاهلا - لطيبة قلبه - ~~مدى البؤس الذي أعانيه كموظف منسي حقير، ذلك البؤس الذي أكده ~~كوني رب أسرة مكتظة لا تذوق اللحوم إلا في المواسم. # وفي فناء العمارة صادفت رجلا لا أدري من أين جاء، غاظني منه بصفة ~~خاصة أنه كان يسير بأقدام ثابتة شديدة الرسوخ والثقة. ظننته جاء ~~يبحث عن شقة يستأجرها، فتوقعت منه تحية متوددة، ولكنه تجاهلني بادئ ~~الأمر تماما، ومضى يلقي على ما حوله نظرات متعالية خليقة بأن تثير ~~حنق موظف - مهما قيل عن تعاسته - فهو مكتشف العمارة، فضلا عن أنه ممثل ~~السلطة التي ستحتلها بعد أيام قلائل، وتحفزت للتحرش به ولكن في حدود ~~المعقول إذ كان ربعة متين البنيان مهيب الطلعة، وإذا به يبادرني - ~~بلا تحية - قائلا: أنت من طرف أصحاب العمارة؟ # فقلت باعتزاز: أنا عضو لجنة المصلحة التي استأجرت العمارة. # فقال بهدوء: عظيم، أريد أن ألقي نظرة عامة على الداخل. ~~- ولكن من حضرتك؟ # فقال بتلقائية وبساطة: أنا مدير المصلحة! # صعقني قوله فتشنجت أطرافي، ms67 وسرعان ما انحنيت بطريقة آلية كرد فعل ~~سريع للشحنة الكهربائية التي بعثها شخصه في كياني المتهالك، وقلت ~~بخشوع: لا مؤاخذة يا صاحب السعادة. # فقال بعدم اكتراث: تقدمني. # اعتبرت أن السماء فتحت أبوابها في وجهي وأغدقت علي بركة ورحمة ~~باختياري مرشدا لسعادته، وتقدمته في رشاقة، من مكان لمكان، ~~واصفا الموقع، معددا المزايا، مستجديا نظراته الكريمة إلى ~~الحجرات والأبهاء والردهات، مشيرا بمنتهى الذوق واللباقة إلى المرافق، ~~وتطوعت قائلا: أعتقد يا صاحب السعادة أن الدور الثالث هو أليق ~~الأدوار بمقامكم؛ فهو مرتفع لدرجة لا بأس بها تعتبر مانعا حاسما ~~لضوضاء الطريق، وفي الوقت نفسه لا تعد مشكلة في الصعود أو النزول في ~~حال تعطل المصعد. # وفي فرصة تالية قلت: الركن البحري ذو مزايا جغرافية لا يستهان ~~بها فالطريق يحده من جهتين، أما الجهة الثالثة فتقع بها محطة ~~بنزين منخفضة، فهو ممر دائم للهواء وضوء الشمس. # وفي فرصة ثالثة قلت مشيرا إلى أضخم حجرة: هذه حجرتكم، وممكن ~~وصلها بالحجرة التالية، بهدم الجدار لتتسع للاجتماعات، وشق باب في ~~الجدار القبلي ليفتح على السكرتارية الخصوصية. # وقرأت أثر ذلك كله في وجهه السمح رضا وارتياحا، ورجعنا إلى الفناء ~~بعد جولة سعيدة موفقة، وأنا ثمل بإلهام سماوي من عنف الفرح. # وتفضل سعادته فسألني: وأنت في أي إدارة؟ # فقلت متلقيا طاقة النجاة ببراعة: كاتب بالأرشيف يا صاحب السعادة، ~~كاتب منسي، ولي شكوى قديمة ... # ولكنه قاطعني قائلا: فيما بعد ... فيما بعد. # فاعتذرت عن تسرعي قائلا: لا مؤاخذة يا صاحب السعادة، سأرفع مظلمتي ~~فيما بعد! # ومضى إلى الخارج وأنا أهرول في أثره فصادفه بياع جرائد، فأخذ ~~مجلة وكتابا بلغ ثمنهما خمسة وعشرين قرشا، وتبين لي أن المدير ~~لا يجد نقودا صغيرة تفي بالثمن وأن البياع لا يملك فكة لورقة كبيرة، ~~حتى هم المدير بإرجاع المجلة والكتاب، ولكنني بادرت - مدفوعا ~~بأريحية ملهمة - بدفع المبلغ المطلوب، وتردد المدير قليلا ثم ~~سلم بالواقع قائلا: تعال من فورك إلى مكتبي لأخذ نقودك. # وذهب يتمتم: شكرا. # تركني في دوامة من انفعالات السعادة والأشواق إلى المجهول، بحيث ms68 ~~كان من أيسر الأمور أن تصدمني سيارة، وأنا غارق في بحر الوجد والأمل، ~~وثبت في يقيني أن صفحة جديدة من الإشراق تفتح في تاريخي المليء ~~بالمتاعب والمحن؛ فقد تعرفت بالمدير العام، وعملت له مرشدا، ~~وأطلعته على سوء حالي، ووعد بالنظر في مظلمتي، وفي لحظة مباركة ~~محفوفة بأنفاس الملائكة أصبحت له دائنا بخمسة وعشرين قرشا. ومعاذ ~~الله أن أطالبه بالدين أو أن أذكر أحدا به؛ فهو القربان الذي يهبني ~~عطفه ويفتح لي عند الضرورة بابه. أجل إنه مبلغ جسيم يقتضي اتخاذ ~~إجراءات تقشف جديدة حتى يتحقق نوع من التوازن يكفل لي أدنى مراتب ~~الحياة حتى ينقضي الشهر، ولكن كل شيء يهون إلا أن أقطع بيدي أسباب ~~القربى التي تشدني إلى رحمته. # وتم النقل إلى العمارة الجديدة، وكالعادة استقر بنا المقام - نحن ~~موظفي الأرشيف - في البدروم، ولم أكف عن التفكير في العلاقة الخفية ~~السعيدة التي تربطني بصاحب السعادة، ولم أذهب إلى مكتبه للمطالبة ~~بالمبلغ كما أمر ولم يرسله إلي مع أحد موظفي مكتبه والحمد لله. ~~ومرت الأيام تباعا حتى ساورني خوف أن يكون قد نسيني في غمار شواغله ~~الكثيرة اللامحدودة، وأن تفلت من يدي فرصة العمر. واستخرت الله، وتحوطت ~~عليه ثم قررت أن أطلب مقابلة المدير العام، وقصدت حجرة السكرتير ~~الخاص ولكن الساعي اعترض سبيلي، وأفهمني أن السكرتير مشغول جدا، ~~وأبدى استعدادا لإبلاغه عن حاجتي، فقلت له: أرجو تحديد موعد للتشرف ~~بمقابلة المدير العام. # فخطف الساعي نظرة جانبية من بدلتي المهلهلة، ولكنه غاب عني دقيقة ~~وراء الباب المغلق ثم رجع وهو يقول: اكتب حاجتك على عرضحال تمغة، ~~وأرسلها بالطريق الإداري المتبع. # ولم تجد معه أية محاورة فقد وجدته مغلقا صامدا، مثل الباب الذي ~~يجلس أمامه، ورجعت إلى مكتبي فريسة لقهر معذب، ولكن بإرادة مصممة على ~~الوصول مهما كلف الأمر، ومن توي لجأت إلى رئيسنا في الأرشيف وهو كهل ~~يشاطرنا البؤس والهوان، ولا يتقدمنا إلا في العمر، فطمعت أن أجد عنده ~~تجاوبا ورحمة. كاشفته برغبتي في مقابلة المدير العام وسألته الرأي ~~والنصيحة فسألني: ms69 ولم تسعى إلى هذه المقابلة العسيرة؟ ~~- أريد أن أعرض عليه شكواي. ~~- ألسنا كلنا في البلوى سواء؟ ~~- ولكنه شجعني على ذلك! ~~- حقا؟! ... متى وكيف؟ # فقصصت عليه الجانب الذي يهمه من لقاء العمارة، فتفكر قليلا ثم قال: ~~تلك كلمة طائرة عابرة لا يعول عليها. ~~- لن أضيع على نفسي وأولادي فرصة قل أن تجود بمثلها السماء. ~~- نصيحتي أن تقلع عن تصميمك. # فهتفت بحماس: إنه أمل حياتي الوحيد. # فجعل يهز رأسه مفكرا فلم أر مفرا من إطلاق الرصاصة الأخيرة، ~~فهمست في أذنه: سأودع لديك سرا في ضميرك النقي، لقد اقترض سعادته مني ~~خمسة وعشرين قرشا! # نظر الكهل في وجهي بذهول متجسم فقلت بحرارة: صدقني فأنا أحادثك، ~~وأنا في كامل قواي العقلية. # وقصصت عليه قصة النقود التي أدينه بها فسألني بارتياب: هل سبق لك أن ~~رأيت مديرنا العام؟ ~~- كلا. ~~- من أدراك أن ذلك الرجل هو المدير؟ ~~- لا شك في ذلك ألبتة. ~~- ولم لا يكون رجلا عابثا استغل طيبة قلبك؟ ~~- مستحيل ... دعني أصفه لك ... # ولكنه قاطعني قائلا: لا جدوى من ذلك؛ فأنا لم أره إلا لمحا منذ ~~سنوات ومن بعيد. ~~- على أي حال أنا واثق من أنه المدير العام. ~~- حكايتك حكاية ... # فقلت متجاوزا الجدل: خذني على قد عقلي، ودلني على كيفية رفع شكوى ~~للمدير العام. ~~- عظيم، تكتب الشكوى على عرضحال تمغة، وتقدمها إلي بصفتي رئيسك ~~المباشر، فأعتمدها، ثم ترفع إلى مدير الإدارة ليعتمدها بدوره، ثم ترفع ~~إلى المراقب العام ليعتمدها بدوره، ثم ترسل إلى مكتب المدير العام، ~~وثمة نصيحة لوجه الله، وهي ألا تذكر أمام أحد حكاية الخمسة والعشرين ~~قرشا! # وكتبت الشكوى بعناية، قدمتها لرئيسي المباشر، وقع عليها برجاء ~~العطف، ومضيت بها إلى سكرتير مدير الإدارة، دسها تحت تل من ~~الشكاوى، ثم انصرف إلى عمله، سألته: متى تتفضل بعرضها على مدير ~~الإدارة؟ # فأجاب دون أن يرفع بصره عن أوراقه: لا شأن لك بذلك. ~~- ولكنها شكوى من نوع خاص، أعني أنني ما كتبتها إلا بإيعاز من سعادة ~~المدير العام نفسه! # فرمقني بنظرة غريبة وتساءل ساخرا: سعادتك قريبه؟ ms70 ~~- تلك هي الحقيقة بلا سخرية. ~~- ستعرض في حينها أو خذها واذهب. ~~- لا تزعل، متى أرجع لآخذها؟ ~~- بعد أن يتم عرضها. ~~- ومتى يتم عرضها إن شاء الله؟ ~~- ستعرض في حينها. # وانصرف عني بحركة حاسمة طاردة فرجعت إلى مكتبي، وأنا أسب الكادر ~~وشاغليه ما عدا سعادة المدير العام طبعا، ورجوت رئيسي أن يتشفع لي ~~عند سكرتير مدير الإدارة، ولكنه رفض بغرور الشاب وقلة أدبه، ومرت ~~الأيام وأنا أنتظر وأتصبر. # وذات صباح وزميل لي يراجع معي ميزان الوارد مال نحوي وسألني ~~هامسا: هل حقا أقرضت المدير العام خمسة وعشرين قرشا؟ # فانزعجت جدا وتولاني الذعر وسألته عمن أخبره بذلك، فقال إنه ~~سمع همسا يدور حول الموضوع في الأرشيف. يا دافع البلاء ارحمنا، ~~واتهمت رئيسي ولكنه أقسم لي بأولاده أنه لم ينبس بكلمة واحدة، ~~فاتهمت زوجتي - ولها صديقات بين زوجات الموظفين - ولكنها أنكرت إما عن ~~صدق أو عن خوف، انسكب سم القلق في نفسي، وتوهمت أن الأنظار تلاحقني ~~بدهشة وسخرية، وأن أصحابها عما قليل سيرمونني بالعته أو الجنون؛ ~~ولذلك كان علي أن أسرع في مسيرتي قبل أن يقع ما ليس في الحسبان. ~~وذهبت إلى سكرتير مدير الإدارة، فلم يرد تحيتي ولكنه أشار بامتعاض ~~إلى شكواي فتناولتها شاكرا، وهرعت من فوري إلى سكرتير المراقب العام، ~~قدمت الشكوى، أردت أن أشرح له أهمية الموضوع ولكنه بادرني قائلا: ~~اتركها واذهب. # ولكي أرضيه تحركت نحو الباب غير أنني سألته: متى أرجع ~~لتسلمها؟ ~~- لا ترجع. # فمن اليأس تجرأت على أن أسأل: والشكوى؟ # فرفع عينيه إلى السقف كأنما يشهد الله على قحتى، وعند ذاك ~~تطوع أكثر من شخص من المحتشدين في الحجرة ينصحونني بالامتثال وتنفيذ ~~الأمر، حتى بهت واجتاحني الخوف، وتطوع الساعي لأخذي من ذراعي بلطف ~~يوحي بالعطف، وأفهمني في الردهة بأن مكتب المراقب العام يرسل بريده ~~مباشرة إلى مكتب المدير العام. ~~- وكيف أعرف أنها أرسلت؟ ~~- تعال بعد أسبوع أو عشرة أيام، وقابل كاتب الصادر بمكتب المراقب ~~العام، فيعطيك الرقم والتاريخ وبهما تستدل على مصير شكواك في مكتب ~~المدير العام. # فقلت ms71 مداريا عجزي: تصور أنني سألقى من الاحترام في مكتب سعادة ~~المدير العام، ما لم ألق واحدا على مائة منه في مكتبكم! # فدعا لي الساعي قائلا: ربنا يرفع قدرك أكثر وأكثر. # رجعت إلى مكتبي، قلت لنفسي اشتدي أزمة تنفرجي، وقلت أيضا إن عذاب ~~تلك الأيام سيكفل لي دخول الجنة بغير حساب، وقلت أيضا إنه ليس بعد ~~الظلام إلا النور، وإنه إن عاجلا أو آجلا فسوف تدركني رحمة مفرج ~~الكروب. أما الأعين الساخرة فلم تعتقني، لم ترحمني، ولم تقنع ~~باستراق النظر، فهذا زميل يتساءل: كيف ... متى ... في أي ظروف غريبة أقرضت ~~المدير العام خمسة وعشرين قرشا؟! # وهذا آخر يسأل: ألم يرد المدير العام دينه؟ # ومرة لاحقني صوت يقول: هذا هو الشحاذ الذي أقرض المدير ~~العام. # فدعوت الله أن يمدني بصبر نبيه أيوب، وظل أملي في رحمته قويا لا ~~يتزعزع، وتذكرت سخرية آل نوح منه وكيف كانت العاقبة للمتقين، ولم أذهب ~~إلى كاتب الصادر بمكتب المراقب العام إلا بعد مرور أسبوعين كاملين، ~~فأعطاني رقم وتاريخ الكتاب الذي أرسلت معه الشكوى إلى مكتب المدير ~~العام وسألته بأدب: متى يمكن أن أعرف النتيجة في مكتب المدير ~~العام؟ # فأجابني بامتعاض وحنق لا مبرر لهما على الإطلاق: علم ذلك عند ~~علام الغيوب! # على أي حال قد وصلت الشكوى إلى مكتب المدير العام، وسوف يتذكرني من ~~فوره، ولعله يستدعيني إلى مقابلته، أو يجبر في الأقل خاطري، وانهارت ~~علي الأحلام السعيدة، ومنيت نفسي بترقية أو علاوة تدعم رزق الأولاد، ~~وكنت راجعا إلى الأرشيف حاملا البريد، وأنا أتلو آية الكرسي عندما ~~اعترضني موظف ومضى يسألني: هل حقا ... # وكنت قد ضقت بتحرش الساخرين فقاطعته قبل أن يتم كلامه: اخرس يا قليل ~~الأدب. # فتراجع الرجل ذاهلا وهو يقول: أنت مجنون بلا شك. # فصحت به: اذهب وإلا خلعت الحذاء ومزقته على رأسك. # وسرعان ما حال بيننا أهل الخير والشر، وبعد يوم استدعيت إلى إدارة ~~التحقيقات، قال لي المحقق: أنت متهم بالاعتداء بالقول على مراجع ~~الحسابات، وبالشروع في ضربه. # فقلت بذل: أنا رجل مسكين، ms72 لقد أراد أن يسخر مني فزجرته، هذا كل ما ~~حصل. # وقال مراجع الحسابات إنه أراد أن يسألني عن ورود مكاتبته من ~~الخزانة ، وشهد على صدق قوله زملاء له وزميلان من الأرشيف. وصح صدقه حتى ~~لي أنا، وأدركت أنني أسأت الفهم والتصرف، ودافعت عن نفسي قائلا: ~~كثيرون يسخرون مني وقد حسبته واحدا منهم. # وسألني المحقق: لم يسخرون منك؟ # فلذت بالصمت ولكن كثرة من الشهود فضحت حكاية القرض حتى هتفت: ذاك محض ~~افتراء، واقعة لا أساس لها، ألصقت بي ظلما. # وكادت المناقشة بيني وبين الشهود تجاوز حدود الأدب إلى العنف، ~~وغادرت إدارة التحقيقات مغلوبا على أمري تماما، وبعد أيام استدعاني ~~رئيسي الكهل وقال لي بحزن: تقرر خصم خمسة أيام من مرتبك. # فصرخت: ذلك ظلم بين، أنا لا أكاد أجد قوت الأولاد. ~~- ليتك تمالكت أعصابك. ~~- أخطأت، ولكن لي عذري، ترى هل تبلغ حكاية القرض مسامع سعادة المدير ~~العام؟ # فقال الكهل بثقة: لا يجرؤ أحد في المصلحة على إبلاغها له. # رغم أحزاني جميعا؛ فإن ثقتي بالله لم تتزعزع، وقلت لنفسي إنه - جل ~~جلاله - سيخرجني من أحزاني كما أخرج يوسف من سجنه، وبقدر ما حل بي ~~من سوء تماديت في تخيل السعادة الموعودة وآمنت بإقبالها القريب، ~~وانتظرت طويلا ثم ذهبت إلى كاتب الوارد بمكتب صاحب السعادة لأسأله ~~عما تم في شكواي، فقال لي بجفاء مجهول الأسباب: إني أخصص يوم الخميس ~~للاستفسارات. # وكان اليوم الأحد، ولكني كنت قد لقنت الحكمة في إدارة التحقيقات ~~فرجعت بلا تعقيب، وشكوت حالي إلى رئيسي فمضى بي إلى وكيل المخازن، وهو ~~صديق رئيسي وقريب لكاتب الوارد، فقبل الرجل أن يتلفن إلى قريبه ~~مستفسرا عن شكواي، ولبث يصغي إلى كلامه غير المسموع لنا، ثم أعاد ~~السماعة وقال: آسف، لقد حفظ الطلب! # اغتالني الخبر فسقطت آمالي جثة هامدة، وقلت وأنا مطمور تحت الأنقاض: ~~هل عرض الطلب على سعادة المدير العام؟ ~~- طبعا، هو الذي أمر بالحفظ. ~~- مستحيل! # فابتسم الرجل بلا تعليق فقلت: كنت أتوقع أن يدعوني لمقابلته! # فحدجني الرجل بنظرة غريبة دون أن ينبس، ms73 وعدت مع رئيسي وأنا أقول: ~~لا أصدق. # فقال الكهل بنبرة مواسية: ولكنه المصير المحتوم لجميع ~~الشكاوى. ~~- ولكنه أوعز إلي بكتابتها. ~~- ما زلت أعتقد أنك كنت ضحية رجل مهذار. ~~- كلا ... كلا. ~~- إذن فلعله نسي، وشواغل المدير تنسي. ~~- والعمل؟ ~~- سلم لله أمرك. # ولكن الإصرار كان قد ملك علي أمري، وبكل همة رحت أتحرى مواعيد ~~المدير وحركاته وسكناته، وقررت ألا أذعن للقوة الباغية ولا للأوامر ~~المكتبية العمياء. ~~••• # وتحركت سيارة المدير لتنتظره أمام العمارة، وقف البواب والسعاة صفين ~~بالإضافة إلى شرطي الحراسة، وكنت متواريا وراء لافتة كبيرة في المدخل ~~سجل عليها دعوة لمزايدة، وترامت من ناحية الفناء ضجة وتراءى موكب ~~المدير قادما، وعندما حاذاني في سيره بسملت ثم وثبت نحوه لأجثو بين ~~يديه مستعطفا. # وصاح رجل: المجنون ... حذار يا صاحب السعادة ... # ووقع اضطراب شامل وضوضاء عالية. # لم أدرك بوضوح ما حدث، مادت بي الأرض، حوصرت تحت ضغط عشرات من الأيدي ~~القوية. # ماذا أقول بعد ذلك؟ لقد جرى معي تحقيق خطير باعتباري مجرما ~~سياسيا، ولما تبين لهم خطأ الرأي وجهوا لي تهمة الشروع في الاعتداء ~~على المدير، انتقاما لحفظ شكواي. # وقد تعلمت في السجن حرفة النجارة، وفي ميدانها أكدح اليوم لتربية ~~الأولاد. # | أهلا # دقة أيقظته من شروده، دقة ماسح الأحذية التقليدية، رفع عينيه عن ~~النارجيلة، فرآه واقفا يرمقه بعين صياد، مضت لحظة وهما يترامقان ثم ~~تهلل وجه الرجل، هو أيضا ابتسم. ~~- حمدا لله على السلامة يا بيك. ~~- أهلا ... كيف حالك؟ # وأشار إليه فقرفص عند قدميه فأعطاه حذاءه، لم يره منذ عشرين عاما، ~~منذ انقطع عن المقهى القديم، كان فتى يافعا متين البنيان، متدفق ~~الحيوية، يطوف بأرجاء الحي في رشاقة النحلة، يمسح الأحذية، ويروي ~~النوادر والملح ... ها هو قد جف عوده وتغضن وجهه وأدركته شيخوخة ~~مبكرة. ~~- لم أرك منذ عمر طويل يا بيك؟ ~~- الدنيا! ~~- سافرت؟ ~~- كلا. ~~- وكيف هان عليك مكانك المفضل؟ ~~- ها أنا أرجع إليه عند أول فرصة فراغ. ~~- هل مرت الأعوام في عمل متواصل؟ ~~- نعم. ~~- ربنا معك. # منذ عشرين عاما كانا يكافحان عدوا مشتركا هو ms74 الفقر على اختلاف ~~موقعهما منه. ~~- لم تتغير يا بيك والحمد لله. ~~- أنت أيضا لم تتغير! ~~- أنا؟! # وضحك في سخرية ورثاء. ~~- ربنا يقويك ! ~~- كنت فقيرا حقا، ولكن الدنيا كانت رحيمة ويسيرة. # هكذا كانت، ترى هل يخطر بباله أنه يملك عمارة وفيلا وسيارة؟ هل يتصور ~~أنه يخاطب لصا أريبا في ثوب موظف كبير؟! ~~- الحياة أصبحت شاقة. ~~- جدا جدا جدا يا بيك. ~~- ولكنك مؤمن والإيمان كنز لا يقدر بمال. ~~- الحمد لله. ~~- قديما كان العيش يتيسر لك ببضعة قروش حقا، ولكن كان يتسلط على ~~البلد إقطاعيون يبذرون الملايين على ملاذهم. ~~- انتهى أمرهم يا بيك ولكن حالي ازداد سوءا. ~~- بسبب عملك فقط أما ملايين الفلاحين والعمال فقد تحسنت ~~أحوالهم. ~~- إني لا ألقى إلا شاكيا مثلي. ~~- أنت محصور في بيئة معينة، هذه هي المسألة. ~~- ومتى نتحسن بدورنا؟ ~~- كل آت قريب. ~~- ولكن مرت عشرون سنة! ~~- ما هي إلا لحظات في عمر الزمان. ~~- علينا أن ننتظر عشرين سنة أخرى؟ ~~- لا أدري، قد يضحى بجيل في سبيل الأجيال القادمة. ~~- ولكني أرى يا بيك كثيرين من المحظوظين السعداء. ~~- مظاهر خادعة، لكل شكواه ومتاعبه. ~~- أراهم في السيارات الفاخرة كأيام زمان. ~~- هل تصورت أعباءهم القاتلة؟ هل تصورت ما يؤدون للدولة من خدمات؟ ~~ثم أمن يعمل كمن يرث؟ # ابتسم مستسلما وهو مكب على عمله في تكاسل ليطيل فرصة الحوار، ~~وجعل ينظر إليه بمودة صافية، وفي نظرته تتجلى أشواق للذكريات ~~المشتركة الماضية. ~~- هل أضايقك يا بيك؟ ~~- أبدا ... هات كل ما في قلبك. ~~- الله يكرمك، كنا نضحك ملء قلوبنا من الماضي. ~~- وممكن نضحك الآن أيضا. ~~- ولكن ... ~~- ولكن داءنا أننا ننظر دائما إلى الوراء، دائما نتوهم أن ~~وراءنا فردوسا مفقودا. ~~- ألم نكن نضحك من أعماق قلوبنا؟ ~~- تذكر، لقد رقصت يوم قامت الثورة. ~~- طبعا، سكرت بالآمال، سكرنا جميعا بالآمال. ~~- ولقد تحققت الآمال، ولولا سوء الحظ، ولولا الأعداء ... ماذا كنت ~~تتوقع؟ ~~- زوال الظلم والفقر، لقمة متوفرة، مستقبل للأولاد. ~~- حصل ذلك كله. ~~- دائما نسمع ولكن الأولاد ضاعوا جميعا. ~~- واضح أنك تشكو كثرة العيال؟ ~~- إني أحمد الله. ~~- المدارس مفتوحة لاستقبال ms75 الجميع. ~~- دخلوها وخرجوا كما دخلوا، ولم ينجح أحد. ~~- وما ذنب الثورة؟ ~~- لا ذنب لها، ولكننا نسكن جميعا في حجرة واحدة! وفي المدرسة لا ~~يفهمون شيئا. ~~- إنكم تنشدون معجزة لا ثورة. ~~- إنه حال أبناء الفقراء جميعا. ~~- كلا. ~~- الاستثناء لا يعول عليه. ~~- كان اليأس القديم أنسب لكم! ~~- ما زال المال يملك الحظ كله. ~~- المسألة أن الأمور معقدة، أمور الدنيا كلها معقدة. ~~- خلنا في أنفسنا. ~~- ولكننا جزء من الدنيا. ~~- هل أنتظر حتى تحل مشاكل الدنيا؟ ~~- ليس كذلك بالضبط، ولكنه تساؤل لا يخلو من حقيقة. # وضحك ليخفف من وقع قوله ثم استطرد: ولا تنس أننا في حال ~~حرب. # أرجع فردة الحذاء وتناول الأخرى ثم قال: وسبق ذلك الهزيمة. ~~- لا داعي لتذكيري بما لا يمكن أن ينسى. ~~- بعد أن نفختنا الآمال حتى طرنا في الجو. ~~- قيل كل ما يمكن أن يقال. ~~- متى نحارب يا بيك؟ ~~- هل تنتظر من وراء الحرب حلا لمشاكلك؟ ~~- الحركة بركة. ~~- ربما اللقمة نفسها لن تجدها. # فهز منكبيه استهانة. ~~- سنحارب عندما نضمن النصر. # لم ينبس ولكن وضح أنه لم يقتنع. ~~- هل تعرف معنى الحرب؟ ... هل تتصور حالنا إذا خربت المصانع والسدود ~~والمواصلات؟ ~~- نفعل بهم مثلما يفعلون بنا. ~~- ستتوقف الحياة هنا. ~~- ليكن، المهم أن نحرر أرضنا. ~~- هل تهمك الأرض حقا أم أنك تريد الخراب؟ ~~- أريد أن أحيا في ظل العدل. ~~- يبدو أنك تريد أن تهدمها على رءوس من فيها. ~~- لا والله يا بيك. # خيل إليه أنه يقصده بشيء ما. ~~- المهم النصر لا الانتقام. ~~- أنا لا أفهم. ~~- الأمور واضحة. ~~- يا بيك أنا أريد النصر والحياة المعقولة، خبرني كيف ومتى يتم ~~ذلك؟ ~~- لا أدري متى، ولكنه يتم بالصبر والعمل والإخلاص. # كأنه أصم، يرفض التصديق والاقتناع، وقد أنجز عمله، أعطاه خمسة قروش ~~بدلا من قرشين، تهلل وجهه ودعا له بالستر، واعترف فيما بينه وبين ~~نفسه بأنه في حاجة ماسة لذاك الدعاء، وبأنه يشاركه حيرته فضلا عن ~~المخاوف التي ينفرد بها وحده، ورآه يهم بالذهاب فسأله: ما رأيك فيما ~~قلت؟ # ابتسم مداريا شكوكه وتمتم: كلام جميل ... ~~- وحقيقي ms76 أليس كذلك؟ ~~- مثل كلام الراديو. # شعر بأنه يذكره بكلام الراديو طيلة عشرين عاما، شعر بأنه يوبخه ~~فأوشك على الانفعال. ~~- ولكن بروح جديدة تماما. ~~- نرجو ذلك. ~~- ألا تريد أن تصدق؟ # فرفع درجة صوته ليقنعه بإيمانه قائلا: ما دمت تصدق فأنا ~~أصدق. # ضحك ضحكة فاترة مقتضبة، وسأله الرجل: هل ترجع إلى المقهى كالأيام ~~الخالية؟ ~~- إن شاء الله كلما سنحت فرصة. ~~- عندما رأيتك فرحت ورجعت فجأة إلى الشباب. # ثم حياه وانصرف. # وصفق يطلب وقودا للنارجيلة الخابية. ms77