######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.KhammaratQattAswad.Hindawi85362902 #META# Tags: novels #META# ID: 85362902 #META# Title: خمارة القط الأسود #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة غير مفهومة‏ # الصدى‏ # الخلاء‏ # البارمان‏ # المتهم‏ # السكران يغني‏ # جنة الأطفال‏ # فردوس‏ # الرجل السعيد‏ # معجزة‏ # المجنونة‏ # خمارة القط الأسود‏ # زيارة‏ # حلم‏ # رحلة‏ # المسطول والقنبلة‏ # صورة‏ # صوت مزعج‏ # شهرزاد‏ # كلمة غير مفهومة‏ # الصدى‏ # الخلاء‏ # البارمان‏ # المتهم‏ # السكران يغني‏ # جنة الأطفال‏ # فردوس‏ # الرجل السعيد‏ # معجزة‏ # المجنونة‏ # خمارة القط الأسود‏ # زيارة‏ # حلم‏ # رحلة‏ # المسطول والقنبلة‏ # صورة‏ # صوت مزعج‏ # شهرزاد‏ # | خمارة القط الأسود # | خمارة القط الأسود # تأليف # نجيب محفوظ # | كلمة غير مفهومة # تثاءب المعلم حندس طويلا، وهو يزيح الغطاء عن جسده، وجلس في الفراش معتمدا بذراعيه ~~على ساقيه، متقوسا تحت وطأة غم لاحت آياته في وجهه الممتلئ العريض، ورأى زوجته واقفة ~~وسط الحجرة، وهي تجمع شعرها المشعث تحت منديلها البني، فقال بنبرة ناعسة: حلم ~~غريب! # التفتت نحوه باهتمام قائلة: خيرا إن شاء الله. ~~- طول الليل مع حسونة الطرابيشي. # تجلت في عيني المرأة نظرة فارغة من كل معنى، فراقبها بعيني صقر تطلان من سحنة ~~أطبقت على أديمها آثار طعنات وجراح قديمة، ثم قال: حسونة الطرابيشي! .. أنسيت الرجل ~~الذي طمع يوما في الفتونة؟ # ندت عنها آهة وتمتمت: نعم .. يا له من عمر! ~~- حوالي خمسة عشر عاما. ~~- وماذا رأيت؟ ~~- رأيته كما رأيته آخر ليلة في الخيامية، صريعا تحت قدمي، والدم يغطي فاه وذقنه ~~وأعلى جلبابه! ~~- أعوذ بالله. ~~- وردد آخر كلماته: «سأقتلك يا حندس وأنا في القبر.» ~~- أعوذ بالله. ~~- رأيتني بعد ذلك أجالسه في مكان غير محدد المعالم، وكنا نضحك عاليا كما كنا ~~نفعل قبل أن تفرق بيننا البغضاء، وقال لي معاتبا: أنت قتلتني. فقلت له: وأنت ~~توعدتني بالانتقام. فضحك طويلا ثم قال: انس كل شيء، أنا نسيت، وأمس زرت ابني وقلت ~~له: لا تفكر إلا في الحياة ودع الموت والأموات للخالق. وجعلنا نضحك حتى ~~استيقظت. # تجمدت ملامح المرأة، وغشيتها سحابة مظلمة من الذكريات، فقال حندس بصدر منقبض: ~~أنت خائفة؟! ~~- أبدا، ولكني أتساءل عن تفسير للحلم. ~~- المهم أنه ذكرني بأشياء نسيتها. # سألته عن «الأشياء» بهزة من رأسها، وهي غارقة في التفسير، فقال: ذكرني بما قيل يوم ~~دفن حسونة ms001 من أن زوجته رفعت طفله فوق القبر، ونذرت إن عاش الطفل أن يكون مقتلي على ~~يديه. ~~- ولكن زوجة حسونة اختفت منذ دفنه. ~~- نعم، ولعل طفلها اليوم في عز الشباب! # قالت ملتمسة الطمأنينة له ولنفسها: أنت سيد الحي، رجاله رجالك، وربنا ~~الحافظ. # فقال مقطبا: أنا لا أبالي بعدو ما دمت أعرفه، أما الذي لم أعرفه ولم أره ...! # جلست المرأة على كنبة واجمة، فقال: الحلم يفسر بعكس ظاهره، وهذا يعني أنه يحرض ~~ابنه على الانتقام. ~~- كيف وهو ميت من خمسة عشر عاما؟ ~~- كما خاطبني الليلة الماضية! # غالبت المرأة نكدها بابتسامة، وقالت: حينا معروف لا يختفي فيه غريب، وأنت سيده، ~~والله هو الحافظ. # وغادر المعلم حندس منزله، يسير وسط هالة من الأتباع، ويتقدمه سائق الكرتة، ومال من ~~درب الأعور إلى قهوة حلمبوحة، فجلس على الأريكة التي لا يمسها أحد غيره، وراح المعلم ~~يروي حلمه لأتباعه، فضحك طمبورة باستهانة وقال: أي أم تحرض ابنها عليك يا ~~معلم؟ # ولكن سمكة كان أميل إلى الحذر، وهو يقول: حارتنا يقتل بعضها البعض مذ خلق الله ~~الأرض وما عليها. ~~- لكن أحدا لم يسمع عن ابن حسونة ولا أمه. # فقال القهوجي عنارة، وكان لحندس بمنزلة الأب: هذا يعني أنه يستطيع أن يوجد في أي وقت، ~~وفي أي مكان! # وضحك المعلم حندس معلنا عن استهتاره، فقال طمبورة: نحن حولك كالجدار. # ولكن عنارة قال وهو يرمش بعينيه الدامعتين المرمودتين: الحلم له معنى، إنه يذكرك ~~بما نسيت! # وذاع الحلم في الحي كله، وكثرت التأويلات، وتوثب الرجال للبطش، وجعل حندس يذهب ويجيء ~~وكأنه لا يبالي شيئا. وذات مساء جاء القهوة الشيخ درديري، وهو مقرئ ضرير، يتعيش ~~من التلاوة في المقاهي والغرز، وتروج سوقه في المواسم. صافح المعلم ثم تلا الصمدية، ~~وقال وهو يتخذ مجلسه بين يديه: يا معلم، إن كنت تريد ابن حسونة، فأنا ~~أعرفه! # سرعان ما تركزت فيه الأعين، وأحدق به الرجال، حاز في ثوان أهمية لم يحظ بعشر ~~عشرها طيلة عمره البالغ الستين. وانتبه إليه حندس لأول مرة في حياته، وكأنما ms002 يكتشف ~~عينيه الممطورتين وجبينه البارز كمشربية، وسأله: متى عرفته؟ ~~- منذ عام أو أكثر. ~~- كيف؟ ~~- صدفة وأنا أتجول بين المقابر. ~~- أين يقيم؟ ~~- لا أدري، ولكني دعيت للقراءة في المدفن بالمجاورين في موسم، وهناك عرفته كما عرفت ~~أمه. ~~- ما اسمه؟ ~~- لم يناد به على مسمع مني. ~~- ولم تر وجهه طبعا! ~~- ولكني أعرف صوته! # سأله بازدراء: متى زرت المدفن آخر مرة؟ ~~- في عيد الفطر الماضي. ~~- ماذا يقولان وهما في المدفن؟ ~~- يستمعان للتلاوة أو يتبادلان حديثا لا يستحق الذكر. ~~- ألم يجر الحديث مرة عن الميت؟ ~~- لم أسمع. # نفخ قائلا: لم تقل شيئا يا أعمى! # ولكن عنارة قال بنبرة ذات مغزى: قال إنه يعرف المدفن. # ولما ذهب الشيخ درديري، قال طمبورة: نذهب في العيد الكبير، لنرى بأعيننا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- دعوا الباقي لي! ~~- أنقتله من غير أن يثبت لنا سوء نيته؟ ~~- إنه لن يزيد الميتين عدا، ولن ينقص الأحياء! # وفي موسم العيد، تفرق حندس وأعوانه في البقعة حول المدفن الذي دلهم عليه الشيخ ~~درديري. وقد ذابوا في الزحام الذي ناءت به الأرض بمنجى من الريب، وظلت أعينهم تدور حول ~~المدفن الذي تراءى وراء سوره المتهرئ قبر مكشوف ونخلة وحيدة، على حين قام بابه الخشبي ~~في هزال منحوت القشرة، مزعزع المفاصل، خليقا بأن يقتلع لدى أول لطمة قوية من ~~الهواء. ومر النهار كله دون أن يطرق الباب طارق، وكان الشيخ درديري يسترزق هنا ~~وهناك، وكلما جاء المدفن وجده مغلقا فيمضي في تجواله، واقترب سمكة من الشيخ درديري، ~~وهمس في أذنه: كذبت علينا يا أعمى. # فهتف الشيخ: والله ما كذبت على أحد. # فلكزه بكوعه قائلا: اسأل الترابي ثم عد إلينا. # غاب الشيخ قليلا، ثم عاد إليهم ليخبرهم بأن الترابي لا يعرف شيئا عما عاق الأسرة عن ~~المجيء. ~~- ألم تسأله عن مسكنه؟ ~~- في باب الربع، ولكنه لا يعرف أكثر من ذلك. # وبعد وقفة قصيرة استطرد الشيخ قائلا: ومن عجب أن الرجل لا يعرف اسمه ولا عمله، وختم ~~حديثه عنه بقوله: «حد الله بيني وبينه.» فلما سألته عما جعله يقول ms003 ذلك، دفعني قائلا: ~~«توكل على الله!» # رجع الرجال إلى درب الأعور بوجوه متجهمة. وضح لهم أن الشاب غامض حقا، أو أنه ~~يحيط نفسه بالأسرار، وأنه خطير يجب أن يحسب له حساب. # وتساءل طمبورة: إن يكن حقا كما يقال عنه، فما الذي أقعده حتى الآن عن ~~الانتقام؟ # فقال عنارة بكآبة: لا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا المستقبل. # ثم وهو يعصر عينيه الملتهبتين: والأحلام لا ترى عبثا! # عند ذاك قال الشيخ درديري: سأسأل عن مسكنه بحجة الاطمئنان عليه. # وغاب الشيخ يوما كاملا، ثم رجع ليعلن في ظفر ~~اهتدائه إلى بيت الشاب، قال إنه جالسه وعلم بسبب تخلفه عن زيارة قبر أبيه، وهو مرض ~~أمه، وأخبرهم بأقصر طريق إلى المسكن من ناحية الخلاء؛ إذ لا يدري بهم أحد، ولكن هل ~~يقتلونه أو يكتفون برؤيته وإرهابه؟ # وأدرك الأعوان من صمت المعلم أنه يترك لهم الكلمة لغرض لم يعد يخفى عليهم بحكم ~~معاشرته الطويلة، فقال طمبورة ساخرا: وجد المسكين مقتولا بيد مجهول! # فاعترض عنارة متسائلا: ماذا تدرون عن قوته وأعوانه؟ # وتبادلوا نظرات قاسية، ثم استقر رأيهم على خطة عركوها منذ القدم. # وفي ليلة شديدة الظلام، خرج حندس وأعوانه، وقد استقل هو وخلصاؤه الكرتة، موسعين ~~للشيخ درديري مكانا عند الأقدام، وأوغلوا في الصحراء حتى صعدوا ما يشبه التل عند مفترق ~~تتجه طريقه الرئيسية نحو باب الربع، وعند ذاك قال السائق: لا يمكن أن تتقدم العربة ~~قيراطا واحدا في هذا الخراب. # غادروا الكرتة، وحثهم الشيخ درديري على البحث عن سبيل ماء قائم على رأس منحدر ~~طويل، وكان قائما على مبعدة أمتار منهم، كما لاح شبحه تحت ضوء النجوم، وقال الشيخ: في ~~نهاية المنحدر يقع البيت، وهو في عزلة؛ إذ تحيط به الخرائب من جهتين، ويحدق بالثالثة ~~فناء واسع لوكالة، توكلوا على الله، أما أنا فإني ذاهب. # قال له حندس: انتظر حتى لا تضل الطريق في الظلام. # فقال وهو يهم بالذهاب: الأعمى لا يضل طريقه في الظلام. # مضوا في الطريق متمهلين حذرين؛ لوعورته ولكثرة ما يعترضه من أحجار ms004 ونفايات، ~~وأحدقت بهم خرائب تفوح منها روائح عطنة، وأحيانا نتنة كريهة، كأنما تصدر عن ~~جثث في جوف الليل، وغلظت الظلمة حين بلغوا ممرا مسقوفا بغطاء لم يتبينوه، تقوم على ~~جانبيه المتقاربين جدران مبان غير مرئية، فكأنما فقدوا الأبصار. مات كل شيء في ظلمة ~~الممر حتى أشباحهم، وند عن أقدامهم ارتطامات كخشخشة زواحف، وعن أفواههم زفرات كالفحيح، ~~وعلى بعد سحيق تراءى نور خافت، فقال عنارة: سنطرق الباب ثم نندفع كالمصيبة، ولا من ~~سمع، ولا من رأى. # فرددت أصوات بهيمية: ولا من سمع ولا رأى. # ثم ارتفع صوت حندس قائلا بوحشية: وينتهي الحلم! # وإذا بصرخة تنطلق من حلقه كالعواء، وإذا بجسمه الضخم يتهاوى على الأرض. صرخوا في صوت ~~واحد «معلم حندس»، وتطايرت زعقات الغضب والويل، وحملقوا في الظلمة المستحيلة، ولكنهم لم ~~يروا إلا العمى، ونادى سمكة بأعلى صوته السائق أن يحمل إليهم فانوس العربة، وتأوه ~~حندس فساد الصمت، ثم قال بصوت متقطع محشرج: عنارة، قتلت .. بينكم. # وعلى ضوء الفانوس تبدى المعلم حندس منكفئا على وجهه، عاري الرأس، مكشوف الساقين، ~~ودمه ينساب بطيئا بين الحصى. قتلهم الغيظ وأذلهم الحنق. لم يشعروا من قبل بعجز مهين ~~كهذا العجز، فهم لم يرفعوا نبوتا ولا سلوا خنجرا ولا قذفوا طوبة، وخطف الرجل وهم ~~يبادلونه الحديث. وأين القاتل، بل أين منزله؟ وجدوا مكان المنزل ضريح ولي في خلاء ~~تشتعل في كوة بجداره شمعتان، ولم يشعر أحد منهم بالقاتل عند تسلله، ولا عند انفلاته، لم ~~يسمع له حس، ولا عثر له على أثر. # | الصدى # اعتمد على عصاه وانتظر، تلاشى رنين الجرس، ولا صوت يجيء من وراء الباب؛ كأن الشقة ~~خالية، بعد لحظة سينفتح الباب عن الوجه القديم، الوجه الذي لم تره منذ عشرين سنة، والزمن ~~لم يطمس صورته القديمة الباكية المتصبرة المتأففة. وهي وإن تكن اليوم في الثمانين، ~~فما أكثر المعمرات في أسرتنا، أما الرجال ...؟! الرصاص والمآسي والأعين التي لا تذرف ~~الدمع. # وسمع صوت شبشب يزحف فوق البلاط، فتهيأ للمفاجأة وعواقبها، ولكن الشراعة فتحت عن ~~وجه ذابل عليل ms005 ، أم محمد الخادمة، ارتاح لذلك ونظر إليها من عل وهي تتطلع إليه بحذر ~~ونظر كليل: من؟ ~~- افتحي يا أم محمد. ~~- من حضرتك؟ # قالتها بلهجة من لا ينتظر زائرا على الإطلاق، بيت مهجور كأن القطيع كله لم ينطلق منه ~~إلى الساحات الدامية. ~~- حقا نسيتني يا أم محمد؟ # رمشت عيناها طويلا، ثم أضاءت بانتباهة مذهلة: سيدي عبد الرحيم! .. يا خبر! # دخل وهو يحبك عباءته السوداء حول قامته الفارغة، ثم ترك لها يده تلثمها بحرارة ~~قائلة: من يصدق؟! .. من يصدق؟! # ثم وهي تضبط أنفاسها: سأذهب لأخبر ستي. # فاعترضها بعصاه قائلا: لا .. أين حجرتها؟ # أشارت إلى باب في نهاية الصالة الممتدة إلى يمين الداخل، وقالت: يجب يا ... # فقاطعها بحزم وهو يسير: أعرف ما يجب، أعرف كل شيء، ولا أريد أن يزعجني أحد. # دخل الحجرة متمهلا، وبلا صوت، وبقلب يزدرد انفعاله بصلابة معهودة، ثم أغلق الباب ~~وراءه. وقف في وسط الحجرة وهو ينظر إليها بتمعن واستطلاع، ورغم غلظته تأثر بعض الشيء، ~~تسربت إلى أنفه الأفطس رائحة غريبة وأليفة معا، كما تنبلج ذكرى ضائعة، فدفعته إلى ~~أحضان الماضي. ها هو يعود إلى صميم نفسه، وتربعت المرأة على كنبة قابضة بأصابعها على ~~مسبحة طويلة لامست شرابتها البساط، ولكنها لم ترفع رأسها إليه، وكأنها لم تشعر له ~~بوجود، وقد تلفعت بخمار غامق لم يتضح لونه في جو الحجرة الغامض المحجوب عن النور ~~بنافذتين محكمتي الإغلاق، إنها تتجاهلك بلا شك، لعلها سمعت ما دار من حديث في الصالة ~~فتأهبت لتجاهلك. لا تعجب لبرودها، فكم قاست وكم عانت! وهي على أي حال أم المآسي، ~~فكيف تخلو من روح العنف! .. وماذا توقعت عندما اضطرتك الحال إلى العودة؟ وابتسم ~~ليلين من قسوة وجهه الداكن كجلد مدبوغ، ولكنها لم تأبه له البتة، وراحت تسبح ~~بصوت مهموس ثم تثاءبت! اختفت الابتسامة من وجهه. إنها أشد مما تصور، إنها أقسى من ~~تاريخ الأسرة الدامي، لكنني عنيد أيضا، لم أقطع الوادي لأسلم بهزيمة عاجلة. توقعت ~~سخطا ولعنا وبكاء ومرارة، ولكن ليس الصمت والتجاهل، تلك صدمة أجلت ms006 فكرة تقبيل ~~اليد إلى حين، والانسحاب أبعد ما يكون عن الخاطر، لم يبق إذن إلا طريق وسط، قال بهدوء: ~~نهارك سعيد يا أمي. # واقترب خطوتين مادا يده، ولكنها لم تشعر له بوجود. صدمة أشد من الأولى، الماضي بكل ~~مآسيه لن يخفف من قسوة اللطمة، حق أنك آخر من يعجب لقسوة ما، وعليك أن تؤدي حساب ~~عشرين عاما من المقت، وهي كما ترى لا تبرأ من صفة الضجر، وابتسم ابتسامة مفجعة وهو يتقهقر ~~نحو الفراش ثم جلس على حافته، وضع طربوشه على الوسادة، واعتمد براحته على العصا. ما دمت ~~قد رجعت إلى مهدك، فلا بأس من الجلوس على الفراش. ~~- الحق أني لم أتوقع مقابلة لطيفة، ولكني لم أتصور هذه القدرة على الإعدام! # وضحك ضحكة قصيرة ميتة، وقال: نحن أسرة الأنياب والأظافر، ولكني مشوق إلى معرفة ~~النهاية. # رفعت رأسها قليلا، ربما لتريحه، ثم عادت إلى الانطواء على المسبحة في عالم لا يشاركها ~~فيه أحد. ~~- من يدري، فلعل حضوري خطأ من أساسه، ولكني مصمم على ألا أندم عليه. # لا كلمة .. لا حركة .. لا اهتمام. ~~- أتتوقعين أن أعتذر؟! .. أن أعترف بخطأ .. أن أعلن الندم؟ .. أنت تعرفيننا خيرا ~~مما نعرف أنفسنا، والكلام لم يعد يجدي، وكلانا قد تغير كثيرا، ولكن صحتك ما ~~زالت بحمد الله جيدة، لعلها أفضل من صحتي. # العبارة الأخيرة غير قابلة للتجاهل إلى ما لا نهاية، سوف تدب حركة. أجل، ستنفجر أولا ~~في غضب وتصب اللعنات، ثم تلين رويدا، وأخيرا ستسمع هذه الجدران دعاء! ~~- أعلم ماذا يقول صمتك، جاء اللص، جاء المجرم، جاء أخيرا، بالله خبريني، هل ~~تطلبت حياتك هنا مالا أكثر مما لديك؟ # وركبته رغبة يائسة في المزاح، فتساءل: هل أردت مالا لتجربي حظك في الزواج من ~~جديد؟ # وضحك عاليا، لكنه ضحك وحده، وحده. لله هذه القدرة الجهنمية على الإعدام! ~~- ما مضى قد مضى، الدم والأرواح مضت، لسنا أول مجموعة دموية ولن نكون آخرها، وكم هلك ~~لي من أعزة، وقطنت في صدري رصاصة إلى الأبد، ولا تعدي بقايا الطعنات في الفخذ ms007 ~~والبطن والرأس، وكنت تبكين وتمزقين شعرك، وكنا وما زلنا نعاني في حياتنا، ما الفائدة؟ ~~ما مضى قد مضى. # ألم تعاهد نفسك على تجنب الذكريات؟ ولكن كيف؟ إنها مستمرة في قتلك، وأنت لم تقطع ~~الوادي من أقصاه لتجلس أمام تمثال من حجر. ~~- إذن، تودين أن أذهب؟! لا أعجب كثيرا ولكني أتيت، وهذا جزء لا يتجزأ من الحكاية، ألم ~~تغضبي بما فيه الكفاية؟ لعنت الأبناء حتى جف صوتك، هالك أن يخرج من بطنك هذا العدد ~~العديد من الأعداء، ولكنه بطنك على أي حال. وخبريني بالله كيف مات أبي، وأعمامي؟ وقيل لي ~~لماذا تذهب بعدما كان، ولكن لا أحد يعلم بسري سواي، وأنا أومن بالغيب إيماني بالدم، ~~والوقت قد فات فيما بدا لهم، ولكني رأيت رأيا آخر، غير أني أود أن أعلم حتام ~~تتعلقين بالصمت؟! # آه! .. فلتعجب بها بقدر ما تحنق عليها، ما أصدقها لنا من أم! لكنك تمثل عناد من ~~تربص يوما في حقل الذرة ثماني ساعات دون حركة. وكم غنيت فوق أشلاء الجثث، وأيدي ~~الإخوة التي قطعتها! وقولك الساخر عن ابني عميك في البلد: «يتحابان رغم أنهما ~~أخوان!» ~~- لا تطرديني دون كلمة، اسأليني على الأقل عما جاء بي، الغبار لم يعد يطاق، والشوك ~~أدمى الأقدام، وأعترف بأن نفسي نازعتني إلى مأوى منسي لأسترد فيه أنفاسي، شعور طبيعي ~~بالحاجة إلى الظل بعد احتراق لعين، وسمعت - إن صدقا وإن كذبا - أشياء وأشياء عن غرابة ~~أطوار الأم، أي أم كما قالوا، ومع أن آخر صورة احتفظت بها منك كانت عابسة باكية ~~لاعنة، إلا أني غامرت بالتجربة. # يا رب السموات! ها هي تتثاءب مرة أخرى، من الضجر لا من التعب، ولكن طلاء القسوة ~~سيتقشر عاجلا أو آجلا ثم يتساقط، والأحزان قد أنضبت في نفسك موارد سخية، ولكني أجلس ~~أمامك بشخصي وشهادة ستين عاما من البنوة، وإن تكن بنوة مفلسة جدباء. ~~- أصغي إلي، أنا لا أسافر عبثا. هكذا خلقت، قيل لي لماذا تذهب بعد ما كان، ولكن لا ~~أحد يعلم بسر ذلك سواي، ومذ قدمت وأنا ms008 أتكلم وأنت تقتلين، سأذهب أقسى مما جئت، ~~والساقية تدور ولا تحمل من باطن الأرض إلا العلقم، لم يجئ الأبناء خيرا منا، هيهات أن ~~أعترض، اليوم يقطبون ويتبادلون نظرات ممتعضة، وغدا ينطلق الرصاص، ها أنا أرى المستقبل ~~بعين الماضي الدامية، واليوم تجمعهم صورة عائلية، كما جمعتنا صورة يوما ما، ولكن ماذا ~~عن الغد؟ وكان أن ضجرت، ضجرت حتى الموت، ولكننا نكره الكلمات الطيبة ولا نصدقها، وإذن ~~فلتمض القافلة مثيرة للغبار ولرشاش الدم. ولكن تمادى بي الضجر حتى وقعت، وبعد عشرين ~~عاما من العقوق والنسيان ذكرني الضجر بك! ولكن ماذا أريد؟ أن أرجع إليك؟ ولكن ماذا وراء ~~ذلك؟ ونحن نخجل من العواطف ونتباهى بالكلمات، غير أني أصبحت ذات يوم مقوس الظهر، أزحف ~~على أربع، وكتمت الألم خشية الشماتة، لا شيء سوى الشماتة، وما جاء الظهر حتى أعلمني ~~الطبيب بأني مريض بكل معنى الكلمة، ولست أصدق الأطباء، ولكني لم أجد مفرا من تصديق ~~الألم، وخصوصا وأنه لا يؤلمني إلا الألم الأليم، وانزويت في حجرتي أياما، وأحدقت بي ~~نذر الشقاق بين الأبناء حتى رأيت صفحة المستقبل دامية كالصفحة المنطوية، وتجهمتني ~~الدنيا، وأبيت في الوقت نفسه تذكر كلماتك القديمة، ولكني رأيت حلما. # آه هل تستسلم لليأس؟ وما هذا الألم الذي يدب في أعماقك، أهو نذير نوبة جديدة؟ إذن ~~ماذا تفعل العقاقير؟ ولم هي ليست حاسمة كالرصاص والفأس؟ وأنت أيتها العجوز ماذا بالله ~~يمكن أن يحركك؟ أأقول إنك أقسى منا جميعا؟ لا تضطريني إلى هزك حتى تفيقي، إني إذا ~~صرخت تقوضت الجدران! ~~- حلمت حلما، فلماذا لا تسألينني عما رأيت؟ هل فقدت ولعك بالأحلام وتأويلها؟ اعذريني ~~إذا اعتقدت بأننا إنما ورثنا القسوة عنك، عنك أنت أكثر مما ورثناها عن أبي أو أي جد ~~غابر، لا أحد يمكنه المحافظة على بروده كما تفعلين، وجهك لا يفصح عن شيء، أنت لا ~~تتجاهلين وجودي ولكنك تجهلينه، تجهلينه بكل معنى الكلمة، أنت لا تسمعينني ولا ترينني، ~~من أين لك هذه القوة كلها؟ # وانتفض واقفا في انفعال، ذهب مرة وجاء، ثم وقف ms009 ~~قبالتها معتمدا على عصاه بيمناه متجهم الوجه: أهذه طريقتك في العقاب؟ لا شك ~~أنك تخيلت هذا اللقاء وتمنيت وقوعه وانتظرته طويلا، قلت سيجيء يوما، سيجيء إذا ~~ألمت به كارثة أو صرعه مرض، سيذكر عند ذاك أمه المنسية، ويهرع إليها سائلا ~~العفو والبركة، وعند ذاك أجد فرصتي للانتقام، سيكفر عن السرقة والنهب والاعتداء ~~والقتل، عن دموعي التي لم يجففها أحد، عن استغاثاتي التي قوبلت بالنهر، عن حبسي الطويل ~~في هذه الغربة، هذه هي الحقيقة، وإنك لأمنا حقا، فأسلوبك هو أسلوبنا، وقسوتك هي قسوتنا، ~~وفي بعض أويقات الإرهاق والملل كنت أتساءل عما شكلنا بهذه الصورة الوحشية التي لا ~~تعرفها الكلاب ولا الحمير ولا البقر ولا الجاموس، وها هي الحقيقة تتكشف لي، إن ~~السيل الذميم المنصهر ينحدر منك يا امرأة! # وضرب أرض الحجرة بعصاه مرتين حتى طقطق زجاج ~~النافذة، وإذا بأم محمد تنقر على الباب المغلق مستطلعة مستأذنة، فصاح بها غاضبا ~~«اذهبي»، ثم التفت إلى المرأة التي واظبت على التسبيح في هدوء، وقال: كفى، كفي عن ~~التسبيح، نحن لا نعرف الله، ولا نذكره إلا عند شراء النقل أو صنع الكعك، الحق أننا لا ~~نعرف الله ولا نريد أن نعرفه، والحلم الذي رأيت كان حلما كاذبا، وما كان ينبغي أن ~~أحلم، أو أن أكترث للحلم إذا حلمت، وما كان ينبغي أن أمرض، على الذين يعيشون للرصاص والدم ~~ألا يمرضوا أو يحلموا، وعليهم ألا يبحثوا عن راحة إلا في الموت، عليهم أن ينتحروا قبل أن ~~يقتلوا، فأي شيطان دفعني إلى زيارتك يا امرأة؟ # ولما لم تخرج عن تجاهلها الرهيب، قطب في عزم، وتقدم منها خطوتين، ثم مد يده ~~فأمسك بيدها، ارتفع رأسها متراجعا في دهشة، تركت المسبحة في حجرها وأراحت يدها الأخرى ~~على يده، تحسست ظهرها الجاف المعروق ومنابت الشعر الأبيض عند أصول الأصابع، ارتسم ~~الفزع في وجهها، ثم ندت عنها صرخة وصاحت: من؟ .. من؟ .. أم محمد! # وسرعان ما ألمت بها نوبة سعال، ثم عادت تصيح بصوت مخنوق شرق: أم محمد .. أم .. ~~محمد. # انفتح الباب ms010 في دفعة متمردة، وهرولت المرأة إليها في اللحظة التي أخذ هو فيها يتراجع ~~في وجوم شديد. احتوت الخادم يد سيدتها المرتعشة بين راحتيها في حنو، ثم راحت تربت ~~ظهرها النحيل في إشفاق، قال الرجل كالمعتذر: لا أدري ماذا أفزعها! # فقالت الخادم بصوت خائف: أردت أن أقول لك، فلم تسمع لي يا سيدي، ثم منعتني من ~~الدخول! # لبس طربوشه وتناول عصاه، وهو يقول: ماذا أفزعها؟ .. كنت طوال الوقت أتودد إليها، وكان ~~أملي كبيرا في أن تلين إذا رأتني بين يديها. # أرخت الخادم جفونها، وهي تقول بحسرة: يا سيدي، إنها لا ترى! # اتسعت عيناه الغامضتان في ذهول، وراح يتفحص أمه، وهو يقول: تعنين ...؟ ~~- نعم يا سيدي، إنها لا ترى. # وحل بالحجرة خرس مقدار دقيقتين، ثم تمتم: لم أتصور ذلك، النور خافت كما ~~ترين. # ثم بنبرة مرة، وكأنه يحادث نفسه: ولكني حدثتها طويلا فتجاهلتني على نحو ~~أليم! # قالت الخادم بصوت منكسر: يا سيدي، إنها لا تسمع! # بذهول أشد: تعنين ...؟ ~~- نعم يا سيدي، إنها لا تسمع. # لطمه الفهم لطمة مفزعة أدارت رأسه: كلية؟ ~~- نعم. ~~- أئذا صرخت ...؟ ~~- لا فائدة يا سيدي. ~~- لا بصر ولا سمع؟ ~~- لا بصر ولا سمع. ~~- يا ألطاف الله، متى حدث ذلك؟ ~~- من أعوام يا سيدي، بدأ أمر الله بالعينين، ثم تلاه السمع، ولم ينفع طب ~~الأطباء. # تردد مليا ثم تساءل في حرج واضح: ألم تكن هناك طريقة للاتصال بي؟ ~~- أردت ذلك عقب إصابة العينين ولكنها منعتني، منعتني بشدة ورجاء معا، فاحترمت ~~رغبتها إلى النهاية. # لم يكن الموقف كما تصورت، ولكنه في الحقيقة أفظع، وأنت شريك في الجناية لا مفر، جئت ~~تتخفف من أثقالك فضاعفتها أضعافا مضاعفة، وها هي أنفاسها تتردد على يدك، ولكنها ~~أبعد من نجم، كالموت، غير أنه ينضح بالعذاب. وها هو الصمت، وها هو السد، وعليك أن تؤول ~~حلمك بنفسك، أو سوف يبقى الحلم بلا تأويل. # | الخلاء # لتكن معركة حامية وحشية، ولتشف غليل عشرين عاما من التصبر والتربص والانتظار. ~~قدح وجه الرجل شررا وهو يحيط به الأعوان، وامتدت جموعهم ms011 خلفه قابضين على العصي ذوات ~~العقد، كل عقدة تنذر بحفر ثغرة في العظام، وقد انخرط في أحضان الموكب حملة ~~المقاطف المملوءة أحجارا وزلطا. تقدم الرجال في طريق الجبل المقفر بعزائم متوثبة ~~للقتال، جاءك الويل يا شرداحة. وبين آونة وأخرى يتطلع زبال أو ترابي إلى الموكب ~~الغريب مركزا بصره على الرجل الذي يحتل القلب في استطلاع ودهشة وإنكار، يتساءلون عن ~~الفتوة الذي لم يره من قبل أحد، سوف تعرفونه وتحفظونه عن ظهر قلب يا ذباب الخليقة. ~~وألقت الشمس المائلة على اللاثات المزركشة أشعة حارة، ودار هواء خماسيني مجنون، ~~فلفح الوجوه، ونفخ في الجو اكفهرارا ومقتا، ومال أحد الأعوان إلى أذن الرجل، وسأله: ~~معلم شرشارة، هل تقع شرداحة على طريق الجبل؟ ~~- كلا، علينا أن نخترق إليها حي الجوالة. ~~- سيطير خبرنا إليها فيستعد عدوك. # عبس وجه شرشارة، وهو يقول: عز المطلوب، فالغدر يحقق النصر، ولكنه لا يشفي ~~الغليل. # غليل عشرين عاما في المنفى، بعيدا عن القاهرة الساهرة، وفي مجاهل الميناء ~~بالإسكندرية، ولا أمل لك في الحياة إلا الانتقام. الأكل والشرب والنقود والنساء والسماء ~~والأرض غرقت في عماء، وانحصر الإحساس في التحفز الأليم، ولا فكرة تخطر إلا عن الانتقام، ~~لا حب ولا استقرار ولا إبقاء على ثروة، ضاع كل شيء في الاستعداد لليوم الرهيب. هكذا ذابت ~~زهرة العمر في أتون الحنق والحقد والألم، لم تهنأ بتفوقك المتمهل الأكيد بين عمال ~~الميناء، لم تجن ثمرة حقيقية من انتصارك على الجعافرة في معارك كوم الدكة. ما كان أسهل ~~أن تعيش فتوة مهابا، وأن تتخذ من الإسكندرية موطنا يدوي تحت سمائه اسم شرشارة، ولكن ~~عينك الدامية لم تر من الوجود إلا شرداحة بطرقها الضيقة، وحاراتها المتفرعة ~~الصاعدة، وفتوتها الجبار البغيض لهلوبة. الويل .. الويل. # انتهى طريق الجبل المقفر عند البوابة، فمرق منها الموكب إلى حي الجوالة المزدحم، ~~وصاح شرشارة بلهجة آمرة حادة كضرب الفأس في الحجر: لا كلام مع أحد ولا جواب. # أوسع المارة للموكب، واشرأبت إليه الأعناق من الحوانيت والمشربيات، وتطلعوا إلى ~~القائد الجديد، ثم شاع الاضطراب ms012 والخوف، وقال صاحبه محذرا: سيظنون أننا نقصدهم ~~بسوء! # قلب شرشارة عينيه في الوجوه الشاحبة، وقال بصوت مسموع: يا رجال، لكم منا ~~السلام. # انفرجت الأسارير، وارتفعت الأصوات بالتحيات، وإذا به يقول مخاطبا القوم، وهو يلحظ ~~صاحبه بنظرة ذات معنى: نحن قاصدون شرداحة! # ولوح بعصاه المخيفة وهو يتقدم في طريقه. ما زالوا يتطلعون إليك باستغراب، كأنك ~~لم تولد في هذا الحي، في صميم شرداحة، ولكن لا ذكر يبقى إلا للقتلة والمجرمين. شاب في ~~العشرين، عامل في السرجة، هوايته لعب البلي تحت شجرة التوت، يتيم، حتى مرقده لا يجده إلا ~~في السرجة صدقة من عم زهرة صاحبها، وأول مرة حمل الزيت الحار إلى بيت لهلوبة، صفعه هذا ~~على قفاه، تلك كانت تحيته. وزينب ما كان أجملها! لولا جبار شرداحة لبقيت زوجتك منذ ~~عشرين عاما. كان بوسعه أن يطلب يدها من قبل أن تطلبها أنت، ولكنها لم تحل في عينيه إلا ~~ليلة الزفة، وتحطمت الكلوبات، وفر المطرب، وتكسرت آلات الطرب، وخطفت أنت كأنك ~~وعاء أو قطعة من أثاث. لم تكن ضعيفا ولا جبانا، ولكن المقاومة كانت فوق طاقتك، ورمي ~~بك تحت قدميه، وأحدقت بك عشرات الأقدام. # وضحك ضحكة كريهة، وقال متهكما: أهلا بعريس الزيت الحار! # تمزق الجلباب الجديد، وفقدت اللاثة، وسرقت بقية تحويشة العمر، وقلت: أنا من ~~شرداحة يا معلم، كلنا رجالك وفي حماك. # فصفعه على قفاه معلنا عطفه، وخاطب رجاله قائلا في سخرية: أي معاملة يا ~~أنذال؟! ~~- أنا خدامك يا معلم، ولكن دعني أذهب. ~~- العروس في انتظارك؟ ~~- نعم يا سيد الحي، وأريد نقودي، أما الجلباب فالعوض على الله. # قبض على قصتك وجذبك منها، وقال بلهجة جديدة جادة ومرعبة: شرشارة! ~~- أمرك يا معلم؟ ~~- طلق! ~~- ماذا؟ ~~- أقول لك طلق، طلق عروسك، الآن. ~~- لكن ... ~~- هي جميلة، ولكن الحياة أجمل! ~~- كتبت كتابها العصر. ~~- وتكتب طلاقها في الليل، وخير البر عاجله! # ندت تأوهات يائسة، وركله ركلة قاسية، وفي ثوان جرده من ثيابه الممزقة. ~~انطرح أرضا على أثر ضربة في الرقبة، وانهال عليه بخيزرانة حتى أغمي عليه، وغرز وجهه ms013 في ~~نقرة مليئة ببول فرس، وعاد يقول: طلق! # بكى من الألم والقهر والذل، ولكنه لم يعترض بكلمة، وقال الآخر بلهجة عطف ساخرة: لن ~~يطالبك أحد بمؤخر الصداق. # فهزه رجل من الأعوان بعنف قائلا: احمد ربنا، واشكر سيدك! # الألم والهوان والعروس الضائعة، وها هي روائح العطارة بالجوالة ترجعك إلى الماضي ~~أكثر مما أرجعتك العودة الحقيقية. الملاعب القديمة، ووجه زينب الذي أحببته مذ كانت ~~في العاشرة، وطوال العشرين عاما لم يتحرك بغير الحقد قلبك. قبل ذلك لم يعرف إلا الحب ~~واللهو، وبعد قليل، فلن أتحسر على ضياع ما ضاع من عمر، عندما أطرحك يا لهلوبة تحت ~~قدمي، وأقول لك «طلق» .. بذلك أسترد عشرين عاما مفقودة في الجحيم، وأتعزى عن مالي ~~الذي بعثرته على هذه العصابة، المال الذي دبرته بالشقاء والجهد والسرقة والنهب والتعرض ~~للمهالك. # ولما لاح عن بعد قريب القبو المفضي إلى شرداحة، التفت إلى رجاله قائلا: احملوا ~~على الأعوان، ودعوا لي الرجل، ولا تمسوا بسوء أحدا من غير هؤلاء. # لم يداخله شك في أن نبأ غزوته قد سبقه إلى شرداحة، وأنه عما قليل سيقف أمام لهلوبة ~~وجها لوجه، ولم يعد يفصله عن هدفه إلا قبو قصير. تقدمهم في حذر، ولكنه لم يصادف ~~داخل القبو أحدا، واندفعوا مرة واحدة وهم يشدون على عصيهم، ويطلقون صرخات مرعبة، ~~ولكنهم وجدوا الطريق خاليا، لاذ الناس بالبيوت والحوانيت، وامتد طريق شرداحة مقفرا حتى ~~الخلاء الذي يحده من ناحية الصحراء، وهمس صاحبه في أذنه: مكيدة! .. مكيدة وسيدي أبو ~~العباس! # فقال شرشارة باستغراب: لهلوبة لا يستعمل المكائد! # وبأعلى صوته صاح: لهلوبة .. اظهر يا جبان! # ولكن لم يجبه أحد، ولم يخرج إلى الطريق أحد، نظر فيما أمامه بترقب وذهول وهو يتلقى ~~تيارا من الغبار الخانق الحار، كيف يفرغ شحنة عشرين عاما من الغضب والحقد؟! ورأى باب ~~السرجة القصير المقوس المغلق، فمضى إليه في حذر، وطرقه بعصا، حتى جاءه صوت مرتعش ~~النبرة، وهو يهتف في ضراعة: الأمان! # فصاح بظفر: عم زهرة! تعال ولك الأمان. # ظهر وجه العجوز من كوة في ms014 الجدار أعلى من الباب، ورمى ببصر زائغ كليل. ~~- لا تخف، لا أحد يريد لك السوء، ألم تتذكرني يا رجل؟! # نظر العجوز إليه طويلا، ثم تساءل في حيرة: من أنت يحفظك الله؟ ~~- أنسيت صبيك شرشارة؟ # اتسعت العينان الغائمتان، ثم صاح: شرشارة؟! وكتاب الله هو شرشارة ولا أحد ~~غيره! # وسرعان ما فتح الباب، وهرع إليه فاتحا ذراعيه في ترحيب ظاهر وخوف باطن فتعانقا، ~~وصبر شرشارة حتى انتهى، ثم سأله: أين لهلوبة؟ ما له لم يجئ للدفاع عن حيه؟ ~~- لهلوبة! ~~- أين فتوتكم الجبان؟ # شهق العجوز رافعا رأسه عن رقبة نحيلة معروقة، ثم قال: ألم تدر يا بني؟ لهلوبة مات من ~~زمان! # صرخ شرشارة من أعماق صدره، وهو يترنح تحت ضربة مجهولة: لا! ~~- هي الحقيقة يا بني. # بصوت أقوى وأفظع من الأول: لا .. لا يا مخرف! # قال العجوز وهو يتراجع خطوة في خوف: لكنه مات وشبع موتا. # تراخت ذراعاه، وتهدمت قامته، فعاد العجوز يقول: منذ خمسة أعوام أو أكثر. # آه! ما بال جميع الكائنات تختفي ولا يبقى إلا الغبار! ~~- صدقني لقد مات، دعي إلى وليمة في بيت أخته، فأكل الكسكسي، ثم تسمم هو وكثيرون من ~~أعوانه، ولم ينج منهم أحد. # آه! إنه يتنفس بصعوبة كأن الهواء استحال طوبا. وهو يغوص في أعماق الأرض ولا يدري ماذا ~~بقي منه فوق سطحها. وحدج زهرة بنظرة ثقيلة خابية وتمتم: إذن مات لهلوبة؟ ~~- وتفرقت البقية من أعوانه، إذ سهل على الناس طردهم. ~~- لم يبق منهم أحد؟ ~~- ولا واحد والحمد لله. # وصاح فجأة بصوت كالرعد: لهلوبة .. يا جبان .. لماذا مت يا جبان؟! # انذعر العجوز من عنف صوته، فتوسل إليه قائلا: هون عليك ووحد الله. # هم بالتحول إلى أصحابه في حركة متهاوية، ولكنه توقف في فتور، وعاد يسأل: وماذا ~~تعرف عن زينب؟ # تساءل العجوز في حيرة: زينب؟! ~~- يا عجوز، أنسيت العروس التي أجبرني على تطليقها ليلة دخلتها؟ ~~- آه .. نعم .. هي اليوم بياعة بيض في عطفة الجحش! # نظر إلى رجاله في انكسار وهزيمة، العصابة التي استنفدت عمره وماله وصبره، ها هو ms015 العمى ~~يهبها للعدم، وقال بضجر: انتظروني عند الجبل. # تجمد نظره تجاههم وهم يختفون داخل القبو رجلا في إثر رجل، هل سيلحق بهم؟ متى يلحق ~~بهم، ولماذا؟! وهل يرجع من طريق الجوالة أو من طريق الخلاء؟ ولكن زينب، أجل زينب. من ~~أجلها احترقت عشرون عاما من العمر، أمن أجلها حقا؟! لن تصل إليها فوق جبار منهزم كما ~~رسمت، مات ولا جدوى من نبش القبور، ما أفظع الفراغ! وها هي في دكانها. هي هي دون غيرها، ~~من كان يتصور لقاء كهذا اللقاء الفاتر الغامض الخجلان! وجلس على مقعد في قهوة صغيرة ~~في حجم زنزانة، وراح يرقب الدكان الغاص بالزبائن، ها هي امرأة غريبة ممتلئة لحما ~~وخبرة، وقد أنضجت الأعوام قسماتها الساذجة، ملتفة بالسواد من الرأس حتى القدمين، ~~ولكن وجهها متشبث بقسط وافر من الوسامة، وهي تساوم وتناضل، وتلاطف وتخاصم، ~~كامرأة سوق لا يمكن أن يستهان بها، ها هي إن أردت، وبلا معركة، بلا كرامة أيضا. فاتك ~~إلى الأبد أن تقف فوق صدر لهلوبة وأن تأمره بالطلاق. ما أفظع الفراغ! ولم يحول عينيه ~~عنها لحظة واحدة، وانهمرت عليه الذكريات في غرابة وحزن وحيرة قاتلة، ولا فكرة عنده عما ~~سيفعل، كم آمن بأنها كل شيء في الحياة، ولكن أين هي؟! # وهبط المغيب كآخر العمر، وذهب الزبائن تباعا، وجلست في النهاية على مقعد قصير من ~~القش المجدول، وراحت تدخن سيجارة، قرر أن يلقي بنفسه بين يديها هربا من حيرته، ~~وقف حيالها وهو يقول: مساء الخير يا معلمة. # فرفعت إليه عينين مكحولتين مستطلعة، ولم تعرفه، فتابعت دخان سيجارتها متمتمة: ~~طلباتك؟ ~~- لا طلب لي. # أعادت النظر بشيء من الاهتمام المفاجئ، فتلاقيا في نظرة ثابتة، ارتفع حاجباها وانحرف ~~جانب فيها في شبه ابتسامة. ~~- هو أنا! ~~- شرشارة! ~~- هو نفسه، ولكن بعد عشرين سنة! ~~- عمر طويل. ~~- كالمرض. ~~- حمدا لله على سلامتك، أين كنت؟ ~~- في بلاد الله. ~~- عمل وأهل وأبناء؟ ~~- لا شيء. ~~- وأخيرا رجعت إلى شرداحة. ~~- عودة الخيبة. # التمعت في عينيها نظرة ارتياب وتساؤل، فقال بغضب: سبقني الموت! # تمتمت في غير ms016 ما ارتياح: كل شيء مضى وانقضى. ~~- دفن معه الأمل. ~~- كل شيء مضى وانقضى. # وتبادلا نظرة طويلة، ثم سألها: وكيف حالك؟ # أشارت إلى مقاطف البيض، وقالت: كما ترى، معدن! # بعد تردد: ألم ... ألم تتزوجي؟ ~~- كبر الأولاد والبنات. # جواب لا يعني شيئا، واعتذار واه كأنه مصيدة، ما جدوى العودة قبل أن تسترد الكرامة ~~الضائعة؟ ألا ما أفظع الفراغ! وأشارت إلى مقعد خال في زاوية الدكان، وقالت: ~~تفضل. # نغمة ناعمة كأيام زمان، ولكن لم يبق إلا الغبار، قال: في فرصة أخرى. # وتردد في حيرة معذبة ثم صافحها وذهب. لن تتكرر الفرصة. هكذا وجدت نفسك قبل عشرين ~~سنة، ولكن الأمل لم يكن قد قبر، وكره فكرة الذهاب إلى الجبل من طريق الجوالة، كره أن ~~يرى الناس أو أن يروه، وكان ثمة طريق الخلاء، فمضى نحو الخلاء. # | البارمان # مهما يكن من أمر فقد اقتران بأطيب الأوقات وجهك، وأنت معتمد على الطاولة الرخامية ~~البيضاء بكوع يسراك وراحة يمناك، تنظر وتنتظر، ودائما تبتسم، وبين حين وحين تتناول ~~منشفة صفراء كبيرة فتمسح السطح برشاقة، ثم تعود إلى موقفك، ووراء ظهرك على رفوف أربعة ~~صفت زجاجات الخمور من كل صنف، مستكنة في خمول، ناضحة بسوائل ذهبية وبنية وحمراء، ~~ولا مشابهة أو مقاربة بين ظاهرها الأنيس الوديع وخميرها العامر بالقوى الغامضة ~~الملهمة المفجرة. ورأسك المستدير الكبير، وشعرك الأسود المفروق من الوسط، وحاجباك ~~الغزيران المتباعدان، وشاربك الكث المتعرج كقوس، وذقنك العريض القوي، وعيناك ~~الواسعتان الزرقاوان اللامعتان، وأنفك الأقنى؛ كل أولئك آيات منظر لا يمكن أن ينسى، ~~أنت حقا ملك قهوة وبار أفريقيا. # وفي بعض الأوقات كنا نغادر مكاتبنا بالوزارة فنتسلل إلى «أفريقيا» لنشرب فنجالا من ~~القهوة، ولم يكن من النادر أن يدور حديثنا عنك وأنت لا تدري. ومرة تساءلت بين إخوة من ~~الموظفين: كيف يختارون البارمان؟ # فأجاب صديق من أهل الخبرة وهو يرمقك بإعجاب: لعله في الأصل جرسون، ولكنه ينتقى بمنتهى ~~الدقة. # وقال ثان: إنهم يتقاضون مرتبات خيالية. ~~- وله دراية مذهلة بالنفس البشرية. ~~- وفي المعلومات العامة، أستاذ بكل معنى الكلمة. ~~- ألا ms017 ترى كيف يحادث، وكيف يضاحك، وكيف يناقش؟ ~~- ولذلك، فالشريب العتيق هو زبون البارمان قبل كل شيء. ~~- هو كل شيء، وكل ما يجيء من ناحيته طريف، حتى اسمه، فاسيليادس .. فاسيليادس .. أصغ إلى ~~موقعه من الأذن! # فنظرت إليه بإكبار، واندفعت إلى الإعجاب به اندفاعا لا يصدر عادة إلا عن يافع ~~الشباب، وكانت مودته قيمة أعتز بها حقا، ويستخفني الفرح كلما استقبلني بابتسامة ~~متفتحة مشرقة، تنجاب معها هموم القلب، وفي مساء العطلة الأسبوعية، كان يدعوني إليه ~~الشباب قبل السهرة، أي سهرة، وما أكاد أجلس على المقعد الطويل، حتى تمتد يده إلى زجاجة ~~الديوارس، فيصب لي منها في الكأس المضلعة، ويتابعني وأنا أشرب، ثم يسأل باهتمام: أين ~~تذهب هذا المساء؟ # فأجيبه بما أنوي الذهاب إليه من سينما أو مسرح أو صالة غناء، فيقول: كل هذا جميل في ~~عهد الشباب. # فأقول ضاحكا: شباب .. شباب .. لم التغني الدائم بالشباب؟ .. أليس لكل فترة من ~~العمر قيمتها؟ ~~- إنك تتطاول على الشباب؛ لأنك شاب، بالله انتبه إلى قيمة الكنز الذي في قلبك. ~~- لا تبالغ يا فاسيليادس، الحياة ليست دماء وساعات ودقائق. ~~- إذن ما هي الحياة؟ ~~- هي المال قبل كل شيء يا فاسيليادس. ~~- المال مهم جدا، ولكن الشباب أهم، ثم إن مظهرك ... # فقاطعته: دعك من مظهري، ماذا تعرف عن موظف صغير بتلك الوزارة المشئومة، التي ترى ~~مدخلها من موقفك وراء البار؟ الرغائب كثيرة واليد قصيرة، فلا تحدثني عن ~~الشباب. ~~- أتدري كيف كان صاحب هذه القهوة عندما هاجر إلى مصر؟ ~~- جاء فقيرا معدما، ثم شق سبيله في عالم غير عالم الوزارة والوظائف، جميع ~~الترقيات والعلاوات موقوفة لأجل غير مسمى، فماذا بقي للشباب؟ ~~- الموقوف اليوم يسير غدا، ولا يبقى شيء على حاله .. خذ. # ويملأ الكأس من جديد، فسرعان ما أصدقه وأستحلي منطقه، ثم أودعه بقلب ممتن ~~ودود. # وفي صباح يوم عيد وأنا راجع من القرافة، وجدت في البيت بطاقة معايدة من ~~فاسيليادس، فطرت بها فرحا، وجلست حين المساء أمامه وأنا أقول: هذا يوم الشراب والورد ~~والأفكار الطيبة. # فملأ الكأس وأهداني قرنفلة وابتسامة ms018 ، وحلا كل شيء وطاب حتى نسيت فاسيليادس نفسه، ~~وجعلت أردد بصوت منخفض: # كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم # ولامك أقوام ولومهم ظلم # وإذا به يتساءل: شعر؟ # فقلت وأنا أضحك من غفلتي: نعم. ~~- خبرني عن معناه؟ # فرحت أشرحه له كلمة كلمة، وهو يتابعني باسما، ثم قال: جميل حقا، ولكن أأنت عاشق أم ~~شاعر؟ # فقلت بنبرة اعتراف: عاشق! ~~- جميل حقا، ولكن لماذا الكتم، ولماذا الظلم؟ ~~- هكذا الحب في بلادنا. ~~- الحب أن تتكلم، وأن تحب، وأن تمرح مع من تحب. ~~- هذا عند اليونان. ~~- والرومان .. وكل الناس. # فهتفت منتشيا: بالله احكم العالم يا فاسيليادس. ~~- أنت شاب مهذب وقوي، أي بنت يمكن أن تحبك، ولكن لا تكتم وإلا فكيف يعرف ~~المحبوب أنك تحبه، ولا تهتم بلوم الظالم .. خذ. # وملأ لي الكأس من جديد، فآمنت بقوله واستعدت الثقة المفقودة، ثم ذهبت بقلب ~~شكور. # وتمر الأيام ولا تشيب لك شعرة يا فاسيليادس أو يخبو لعينيك ضياء. وذات مساء سألته، ~~وأنا أرمقه بإعجاب: كيف تحافظ على شبابك؟ # فأجاب مبتسما في لباقة: بمعاشرة الأحباب من أمثالك! # فتناولت الكأس قائلا: كلامك دائما حلو. # فسألني بإشفاق: كيف حال الوليد؟ ~~- يتقدم إلى الشفاء، وفي الطريق آخر فيما يبدو! ~~- مبارك، هذا عهد الإنجاب، أنت رجل محترم ولا عيب فيك، إلا أنك سريع الشكوى. ~~- الحق أن الحياة لا تسر. ~~- كيف لا وأنت موظف محترم وزوج وأب؟ ~~- أقصد البلد، وحياتنا السياسية، لعلك لا تهتم بذلك؟ ~~- من بعيد، كثيرا ما أرى من موقفي وراء البار المظاهرات وأسمع الهتافات، وأرى عساكر ~~البوليس وهم يطاردون الطلبة، ثم تجيء اللوريات وعربات الإسعاف، كثيرا .. كثيرا، لماذا ~~أنتم عصبيون هكذا؟ ~~- بلد تعيس الحظ يا فاسيليادس. ~~- هكذا السياسة في كل مكان، عندنا في اليونان سالت دماء كثيرة. لا تحزن، أين كنت أمس ~~وأين أنت اليوم؟ وستشرب هنا نخب انتصارات قادمة، وسوف أذكرك، خذ. # وملأ الكأس من جديد، وزايل وجهي العبوس، وطربت لغير ما سبب، وغادرته وأنا أدعو ~~لمودتنا المتبادلة بالخلود. # وازددت مع الأيام إعجابا بحيويته، وكنت أسترق إليه النظر مستطلعا، ولكني لم ms019 أعثر ~~على آية من آيات الكبر، وها هما عيناه تشعان بقوة كبلورتين لا يعتورهما تلف، فمن ~~أين تجيئه القوة المتجددة؟ ~~- هل تشرب كثيرا يا فاسيليادس؟ ~~- كلا يا حبيبي، كأس واحدة قبل الغداء. ~~- والعشاء؟ ~~- عشائي لبن زبادي، وخس، وتفاحة. ~~- أليس في حياتك أحزان؟ ~~- مثل جميع الناس، ولكني لا أستسلم للحزن كأكثر الناس! # ولاحظ أنني هجرت مجلسي التقليدي إلى مقعد وراء البرافان، الذي يفصل القهوة عن ركن ~~الشراب، فقال: ألاحظ أنك تفضل الاختفاء. # فضحكت عاليا، وقلت: ابني اليوم في سن الشباب، وقد رأيته مرة وهو يمر أمام القهوة في ~~رفقة بعض الصحاب. ~~- عجيب أن يخاف الأب ابنه! ~~- شد ما أعاني من الأبناء. ~~- لماذا يا سيدي، وأنت الرجل الطيب؟ ~~- لا نكاد نتفق في رأي أو ذوق، وأشعر حقا بأني غريب. ~~- ولماذا تريدهم على أن يكونوا مثلك؟ ~~- على أيامنا ... # ولكنه قاطعني: أيام الترقيات والعلاوات الموقوفة! # فلم أتمالك نفسي من الضحك، وقلت: إذن، فأنت لا يزعجك تمرد الأبناء! ~~- تعلم منهم! .. تعلم منهم إن استطعت .. خذ. # فرفعت الكأس وأنا أهتف: «في صحة التمرد والعصيان!» # ورغم أن الشخص هو آخر من يعلم بفعل الزمن في ذاته، فقد أقنعتني علامات لا سبيل ~~لإخفائها بمدى التغير الذي طرأ علي، ومع ذلك لم أكد ألاحظ في فاسيليادس شيئا، وذهبت ~~إليه ذات مساء، فحدجني بإنكار لم أجهل بواعثه، وبادرني وهو يملأ الكأس: لست ~~كعادتك. # فقلت وأنا أخفض جفني: أحلت أمس إلى المعاش! # فلوح بيده قائلا: برافو. ~~- ما معنى التحية يا فاسيليادس؟ ~~- أنك أتممت رحلة موفقة لتبدأ رحلة أخرى. ~~- أي رحلة يا رجل؟ ~~- الحياة تبدأ بعد الستين. ~~- في قهوة أفريقيا؟ # فقال وهو يهز رأسه: كنت تتعامل مع تفاصيل الحياة، وآن لك أن تتعامل مع ~~خلاصتها. ~~- الحق أني وجدت نفسي لا شيء! ~~- هكذا تكلمت يوما عن الشباب. ~~- لم يعد أحد معي إلا المدام، ولولا الشعور بالواجب ما زارني أحد من الأبناء! ~~- اهتم بأمر واحد، هو كيف تستمتع بالحياة بعد الستين. ~~- وهل بقي من الحياة شيء؟ ~~- الحياة القديمة انتهت، أما الجديدة فلم تبدأ بعد ms020 . # فقلت واجما: أصاب أحيانا بالدوار، فيخيل إلي أن كل شيء لا شيء. ~~- صحتك حسنة، ولك أصدقاء، والحياة في البلد لم تعد تسير على وتيرة واحدة. ~~- في أعماقنا حزن دفين، ينتهز الفرص غير المواتية؛ ليطفو فوق السطح. ~~- ولكنه لا يستطيع أن يمحو أفراح الحياة الماضية والراهنة. ~~- المسألة أن لسانك لا ينطق إلا بالشهد. ~~- ما زال أمامنا أيام كثيرة للقاء والحديث وتبادل المودة. ~~- لتكن مشيئة الله. ~~- وزر من جديد حديقة الحيوان والأسماك والآثار .. خذ. # وملأ الكأس فعجبت أي كنز هو فاسيليادس! # ويوما، وأنا أتأهب لاستقبال شهر رمضان، هاجمني مرض الكلى، وعادني الأبناء، وعادني ~~الأصدقاء فتسلينا بأحاديث الأمراض والسياسة. وذات صباح، جاءت زوجتي لتخبرني بأن «خواجا» ~~يرغب في مقابلتي، وما هي إلا دقيقة حتى كان فاسيليادس يعانقني بحرارة وشاربه الكث ~~ينهش فمي وخدي. رأيته بالبدلة الكاملة والقبعة لأول مرة، وقال ضاحكا: ما أوحش البار من ~~غير ضحكتك! # فقلت وأنا أتحسس أسفل الظهر: المغص! أجارك الله يا فاسيليادس. ~~- دعابة سخيفة، ولا بد أن تنتهي، وأعترف لك أن فاسيليادس لا يساوي شيئا بدونك. ~~- وماذا أساوي أنا بدونك يا عزيزي؟ ~~- ومتى ترجع لنا؟ ~~- ربما في نهاية الأسبوع، أين الشباب أين؟ ~~- قلت إنها دعابة سخيفة، ثم نواصل حياتنا الطيبة. # الحق أن زيارته أنعشت روحي أكثر من الأبناء أنفسهم، وليلة عدت إلى «أفريقيا» تعانقنا ~~أمام الجميع، ورفعت الكأس وأنا أقول: في صحة فاسيليادس، رمز الحب والوفاء. # وقصصت عليه حلما زارني فيه الموت، فقال: لا تصدق، الموت لا يجيء إلا مرة واحدة، ~~وإذا جاء أعقبته سعادة كبرى. ~~- ها أنت تتحدث عما وراء الموت. # فقال بثقة: من أين أتيت؟ ألا يشبه الظلام الذي أتيت منه الظلام الذي ستذهب إليه بعد ~~عمر طويل؟ وقد أمكن أن خرج من الظلام الأول حياة، فما يمنع من أن تستمر الحياة في ~~الظلام الثاني؟! # فصحت وأنا ثمل: برافو فاسيليادس .. يا صوت القديسين. # وقمت بجولة طويلة بين الحدائق والآثار، وجلست في الخلوات تحت أشعة الشمس المشرقة، ~~ولكن شيئا لم يمنع الواقعة، وغبت عن الوجود زمنا لم ms021 أدره، ولما عدت إلى الوعي، ~~وجدتني ممددا فوق الفراش كميت، وخطر لي أنها النهاية، ولكن تعلقي بالحياة لم يهن، ~~وقال صديق من العواد: فاسيليادس يبلغك تحياته. # فاختلج جفناي باهتمام حقيقي لأول مرة منذ الرقاد وسألته: ترى هل علم بحقيقة ~~حالي؟ ~~- أجل، أخبره بعض الأصدقاء فحزن جدا. # وقلت لزوجي بعد ذهاب الصديق: إذا جاء الخواجا فأدخليه فورا. # وقلت لنفسي إنه لمعجزة حقا، وسوف يجدد حياتي بسحره العجيب، وكلما دق جرس الباب ~~اختلج جفناي وتأهبت للقاء. وجاء كثيرون، ولكن لم يجئ فاسيليادس، وتساءلت عما ~~أقعده، وعبثت بي الظنون وأرهقني القلق، وقلت للصديق ذات يوم: فاسيليادس لم ~~يزرني! # فقال كالمعتذر: الرجل مرهق بالعمل. ~~- ولكنه لم يتأخر عن زيارتي في مرضي السابق. # وصمت الرجل، فقلت متأثرا: أبلغه أنني زعلان. # وقلت إنه سيجيء حتما مهما تكن شواغله، ولكن طال الانتظار بلا أمل، ومضى الحزن ~~يتحول إلى غضب، وقلت إنه كان يجاملني ليس إلا، ولما عرف النهاية أسقطني من الحساب، ~~وها هو الوغد يتكشف عهده الطويل عن أكذوبة سمجة، ومودته الحارة عن مهارة ~~محترف. # وجاء الصديق لزيارتي مرة ثالثة، وأنا بين الحياة والموت، وسمعني أغمغم باسمه الرنان في ~~أسى، فأدنى رأسه مني وقال: البقية في حياتك في فاسيليادس. # هتفت رغم ضعفي: لا! # فقال: هكذا قلنا جميعا، لم نصدق أعيننا ونحن نراه وهو يتهاوى وراء البار، وقبيل ~~ذلك بثوان كان يضحك ويتحدث وهو واقف كتمثال، ولكن بالله خبرني كيف كان يمكن أن يموت ~~رجل في مثل قوته إلا بضربة قاضية؟! # | المتهم # لأنه وحيد في سيارته الصغيرة، لم يجد تسلية إلا في السرعة، طار فوق شريط الأسفلت ~~المنساب وسط الرمال في طريق السويس، ولا تنوع في المنظر؛ مما ضاعف من شعوره بالحدة، ~~ولا جديد يذكر في سبيل يقطعه ذهابا وإيابا مرة كل أسبوع، وتراءت له عن بعد ~~سيارة نقل ضخمة، فقرر اللحاق بها، ثم ضاعف من سرعة سيارته «رمسيس» ومضى يقترب ~~منها. سيارة بترول ضخمة كقاطرة، وثمة راكب دراجة يمسك بركن مؤخرها، وينطلق بحذاء ~~عجلتها اليسرى الخلفية دون ms022 عناء، وهو يغني. ترى من أين جاء راكب الدراجة، وأين يقصد، وهل ~~كان يطوي الطريق بدراجته لو لم يجد سيارة تجره؟! وابتسم إعجابا وهو ينظر إليه في ~~إشفاق، ومر بمجموعة من التلال عن يمينه، تترامى وراءها بقعة خضراء زرعت ذرة، ~~واكتنفتها أرض معشوشبة ترعاها الماعز، فهدأ من سرعته مؤجلا السباق حتى يتملى ~~الخضرة اليانعة، وإذا بصرخة تمزق الصمت. انجذب وجهه إلى الأمام بعنف، رأى عجلة ~~السيارة تدوس الدراجة وراكبها وتمضي في طريقها. صرخ فزعا، وصرخ ينادي السائق، وأوقف ~~سيارته على مبعدة مترين من الدراجة، ثم غادرها دون تفكير، ودون أن يكف عن مناداة ~~السائق، واقترب في تهيب من مكان الحادث، فرأى جسما ملقى على جانبه الأيسر، وذراعه ~~اليمنى منطرحة إلى جانبه سمراء صغيرة اليد، بارزة من قميص أغبر نصف كم، مغطاة الأديم ~~بالسحجات والكدمات، لا يظهر من وجهه إلا عارضه الأيمن، ورجلاه ما زالتا مطوقتين ~~للدراجة داخل بنطلون رمادي متهتك ينز منه الدم، وقد هصرت العجلتان وتهشمت ~~أسلاكهما، وانكسر جانب المقود، وثمة حركة تنفس ثقيل عميق سريع تجتاح صدر الضحية الذي ~~بدا شابا في العشرين أو فوق ذلك بقليل. تقلص وجهه وثبتت في عينيه نظرة حزن ورثاء، ~~ولكنه لم يدر ماذا يفعل. شعر بعجزه في الخلاء، ونبذ فكرة حمله إلى سيارته التي قد يكون ~~فيها القضاء عليه، وأخيرا، وجد المهرب من حيرته في أن يركب سيارته، وينطلق بها في إثر ~~السيارة الجانية حتى يلحق بها، ولعله يجد في الطريق نقطة مراقبة أو تفتيش فيبلغ عن ~~الحادثة. # ورجع إلى سيارته وهم بالدخول فيها عندما ارتفع صوت، بل أصوات، وهي تصيح: قف .. لا ~~تتحرك. # التفت وراءه فرأى جمعا من الفلاحين يركضون نحوه، آتين من ناحية الأرض الخضراء، منهم ~~من يحمل عصا أو يقبض على حجر، واضطر إلى العدول عن الركوب خشية أن تنهال عليه ~~الأحجار، والتفت نحوهم وهو يرجف من دقة موقفه، وأيأسته الوجوه الغاضبة المتوثبة من ~~أي أمل في التفاهم، فمد يده بسرعة إلى الخزانة، فاستخرج مسدسه ثم سدده نحوهم، وصاح ms023 ~~بنبرة مختلجة: مكانكم. # أدرك بسرعة خاطفة مضطربة أنه بحركته هذه قد قضى على أي أمل أيضا في التفاهم ~~مستقبلا، ولكن لم يكن ثمة وقت لحسن التدبير، وهدءوا من اندفاعهم حتى توقفوا تماما ~~على مبعدة عشرة أمتار. استقرت في أعينهم نظرة مكفهرة حاقدة، وأضرم من نيرانها ~~العجز غير المتوقع حيال المسدس، وتبدت الوجوه غامقة جافة مرهقة تحت أشعة الشمس، ~~وتهاوت الأيدي بالعصي والأحجار، وتشبثت الأقدام الغليظة الحافية بالأسفلت، وقال ~~رجل منهم: أتريد أن تقتلنا كما قتلته؟ ~~- لم أقتله، لم أمسه، ولكن داسته سيارة البترول. ~~- سيارتك أنت. ~~- أنتم لم تروا شيئا. ~~- رأينا كل شيء. ~~- إنكم تمنعونني من اللحاق بالسيارة الجانية. ~~- أنت تريد أن تهرب. # ازدادوا حقدا وازداد خوفا، وأرعبته لحد الموت فكرة أن يضطر إلى إطلاق النار، أن ~~يقتل، وأن يجره القتل إلى مأزق لا نجاة منه. كيف حل الكابوس بلا نوم. ~~- صدقوني ما مسسته، وقد رأيت السيارة وهي تدهسه. ~~- لم يدهسه أحد غيرك. ~~- كان يجب أن تبلغ أقرب مستشفى. ~~- حصل. ~~- ونقطة البوليس؟ ~~- حصل. ~~- إذن، أرجو أن ننتظر في سلام، وسوف يظهر الحق. ~~- لا تهرب وسوف يظهر الحق. ~~- بالله، لماذا الإصرار على الباطل؟ ~~- لماذا تقتله؟! # أي جحيم من العناء والكذب؟ ومتى تنقضي فترة الانتظار الجهنمية، العذاب البطيء والخوف ~~والفكر المحموم؟ لماذا وقف؟ وكيف تظهر الحقيقة؟ حتى سائق السيارة الكبيرة لا يدري، ولا أمل ~~في أن يكون الموقف كله حلما مزعجا. # وندت عن الشاب الطريح تأوهة، أعقبتها آهة محشرجة وأنين طويل هبط حتى الصمت مرة ~~أخرى، وهتف رجل: الله ينتقم منك. ~~- الله ينتقم من الفاعل. ~~- أنت الفاعل! ~~- الحق علي لأني وقفت. ~~- ظننت نفسك وحيدا. ~~- بل ظننت أن أسعفه. ~~- تسعفه! ~~- لا فائدة من الكلام معكم. ~~- لا فائدة! # لو أدار لهم ظهره ثانية واحدة لالتهمته الأحجار، لا مهرب من موقف العذاب، ولا سبيل ~~إلى السيارة الكبيرة، هو وحده الفداء، ودون حلم النجاة أهوال وأهوال، ترى كيف تحدد ~~المسئولية، وكيف تقدر العقوبة؟ وهل يمكن أن ينجو الشاب المسكين؟ وتجلى الحنق في ~~نظرته تجاه حقد ثابت في ms024 نظراتهم. ~~••• # وتراءت في أقصى الأفق سيارتان، وأخذتا تقتربان حتى تنهد في ارتياح، وصلت إلى مكان ~~الحادث سيارة الإسعاف وسيارة البوليس، انتقل رجال الإسعاف إلى الدراجة فورا وأحاط بهم ~~الجميع، خلصوا الدراجة من بين ساقيه بأناة، ثم حملوه بعناية إلى السيارة، ورجعوا من ~~حيث أتوا، وأبعد العساكر الجمع عن الدراجة وراح الضابط يعاين المكان صامتا، ثم ~~التفت إليه قائلا: أنت؟ # فصاح الفلاحون بإيجاب حتى أسكتهم الضابط بإشارة من يده، وهو ينظر إليه مستطلعا، ~~فقال: كلا، كنت أسير وراء سيارة بترول، وكان قابضا على مؤخرها، انتبهت إلى صرخة، ~~فرأيته تحت عجلتها الخلفية. # وصاح كثيرون: هو الذي داسه. ~~- لم أمسه، كنت شاهدا فحسب. # وعادت الضجة، فصاح الضابط: الكلام بنظام. # وسأله: هل رأيت الحادث وهو يقع؟ ~~- كلا، عندما التفت إلى مصدر الصرخة، رأيت الدراجة تحت العجلة. ~~- ولكن كيف وقع تحتها؟ ~~- لا أدري. ~~- وماذا فعلت؟ ~~- أوقفت السيارة لأرى ما حل به وما يمكن عمله، وأردت اللحاق بالسيارة، ولكني ~~رأيتهم يجرون نحوي بالعصي والأحجار، فاضطررت إلى تهديدهم بمسدسي. ~~- هل تحمل رخصة؟ ~~- نعم، إني صراف بالسويس وكثير السفر. # والتفت نحو الفلاحين متسائلا: لماذا تتهمونه؟ # فاستبقوا هاتفين: رأيناه بأعيننا، ومنعناه من الهرب. # فقال الشاب حانقا: كاذبون، لم يروا شيئا. # أمر الضابط جنديا بحراسة المكان، وآخر بإبلاغ النيابة، ثم مضى بالجميع إلى النقطة ~~لكتابة المحضر، وأصر علي موسى على أقواله كما أصر الفلاحون على أقوالهم، وجعل علي ~~يردد بأن التحقيق سيكشف عن الحقيقة. وعرف أن الضحية اسمه عياد الجعفري، وهو تاجر ~~متنقل، وله معاملات متبادلة مع أكثر الفلاحين. وتساءل علي موسى: ما الذي يدعوني إلى ~~الوقوف لو كنت حقا الجاني؟ # فقال الضابط ببرود: ليس المفروض أن تدهس وتهرب. # ولبث الجميع ينتظرون، جلس الفلاحون القرفصاء، وجلس علي موسى على كرسي بإذن من ~~الضابط، ومر الوقت ثقيلا كئيبا غليظا، وبانتهاء المحضر تناساهم الضابط ولم يعد ~~يعنيه من الأمر شيء، وراح يتسلى بقراءة الصحف. ولماذا يصر الفلاحون على اتهامه؟ ~~والأدهى أنهم مطمئنون بشهادتهم كأنهم حقا صادقون. هل خدع البصر؟ هل فسر أحدهم ms025 ~~الموقف بما يحدث عادة، لا بما حدث بالفعل، ثم تبعه الآخرون بغريزة عمياء؟ آه .. لا أمل ~~إلا في نجاة عياد الجعفري، هو قبل أي إنسان آخر الذي يستطيع أن يوقظه من الكابوس ~~بكلمة واحدة. # وقال علي موسى للضابط برقة ورجاء: أيمكن الاطمئنان على حال المصاب؟ # فرمقه الضابط بنظرة لم يرتح لها، غير أنه اتصل بالمستشفى بالتليفون، ثم أعاد السماعة ~~قائلا: في حجرة العمليات، نزف كثيرا، ولا يمكن التنبؤ بالنتيجة. # فتردد لحظات ثم سأل: ومتى تجيء النيابة؟ ~~- ستعرف ذلك بنفسك عند مجيئها. # فقال وكأنه يخاطب نفسه: لماذا يجد أناس أنفسهم في مثل موقفي هذا؟ # فأجاب الضابط وهو يعود إلى الجريدة: لعل عندك الجواب! # وارتمى في وحدته الموحشة، وهو يلقي على المكان نظرة مقت. هؤلاء الفلاحون يودون ~~القضاء عليه، ولو تمكن هو من القضاء عليهم لفعل، وهذا الضابط يمارس مهنته كآلة، وثمة ~~قوة عمياء مجهولة تطحنه وكأنها لا تدري، وهو له أخطاء كثيرة، ولكن من السخف ربط أطراف ~~الفوضى بأسباب منطقية. # وتنهد متمتما: يا رب. # فردد أكثر من صوت لأسباب مناقضة. ~~- يا رب! # وفقد أعصابه فصاح بهم: أنتم لا ضمائر لكم. # فصاحوا: ربنا بيننا وبينك يا ظالم. # ورفع الضابط وجهه من فوق الجريدة، وقال بغضب: لا .. لا أسمح بذلك. # فقال علي ممتعضا: لولا الكذب والزور، لكنت الآن في بيتي آمنا. # فقال رجل: لولا استهتارك لكان عياد المسكين في بيته آمنا. # رماهم الضابط بنظرة وعيد عقلت الألسنة، وساد السكون فاستشرى ألم الانتظار، ومر الوقت ~~كأنما يسير إلى الوراء، ومضى علي في إرهاق غير محتمل حتى اضطر إلى الاستغاثة بالضابط من ~~جديد، فسأله بلهجة غاية في الأدب: سيدي، لا أخالك تجهل ما أعانيه من عذاب، هل يمكن أن ~~أعرف متى تأتي النيابة؟ # فأجاب من وراء الجريدة في ضجر: أتظن أن حادثتك شيء يذكر بالقياس إلى الحوادث؟ # كل هذا العذاب شيء لا يذكر، الآمال المهددة بالتلف شيء لا يذكر، العداوة ~~الغامضة الأسباب بينه وبين الفلاحين شيء لا يذكر، والسماء المترامية التي وقع تحتها ~~الحادث أهي ms026 شيء أيضا لا يذكر؟ بمرور الوقت ركبه الإرهاق وخنقه، ولم يعد يكترث كثيرا ~~للمجازفة، فقال: سيدي الضابط ... # فقاطعه وكأنه كان يتربص به: أنت لا تريد أن تسكت! ~~- ولكني في الواقع معذب. ~~- لو شاركت في عذابات كل من يشرف النقطة لمت كمدا من أول يوم. ~~- ألا يمكن السؤال على الأقل عن حال المصاب؟ ~~- سأبلغ بأي جديد عنه دون سؤال من جانبي. # حياتي رهن بحياتك يا عياد، وقد تهزأ الملابسات بذكاء النيابة، وهل إدخالي إلى السجن بلا ~~ذنب شيء لا يذكر؟! ومن الخير - إن أمكن - أن ترمي بالأعباء من فوق كاهلك، وأن تبتسم في ~~استهتار وبلاهة، وكانت الدموع تراودك، وها هو الضحك يوشك أن يجتاحك. بالله تذكر ~~ذنوبك الماضية لتتعزى عن مأزقك، ولكن لا علاقة ولا رابطة. من قال إن الفوضى تعالج ~~بالفوضى، وأعين هؤلاء الفلاحين ترى من خلال منظار أسود، ركبته الأجيال فوقها، ولكنني ~~لم أسهم في صنعه، أو لعلني أسهمت وأنا لا أدري، وها أنا أفكر لأول مرة في حياتي، وسوف ~~أفكر طويلا وراء الجدران، وقد تم التعارف اليوم بيني وبين أشياء لم أعرفها قبلا ~~بالسماع؛ المصادفة، القدر، الحظ، النية والعمل، الفلاح والضابط والأفندي، الرياح الموسمية، ~~البترول، سيارات النقل، قراءة الصحف في النقطة، ما يذكر وما لا يذكر. كل شيء يجب أن ~~يعاد التفكير فيه، كل شيء كشيء وككل. يجب أن نبدأ من الألف لنفهم كل شيء، ولنسيطر على ~~كل شيء، وحتى لا يوجد شيء لا يذكر. وليس الزلزال بمسئول، ولكن المسئول هو الجهل، ~~وعليك ألا تذعن بعد اليوم لدكتاتورية المجموعة الشمسية ولا للغة النجوم الغامضة، فكيف ~~ترهب الضابط الذي يقرأ صفحة الوفيات دون أن يعزي أحدا؟ # وقال بصوت قوي: شيء لا يطاق! # ظهر وجه الضابط فوق الجريدة حاملا نظرة إنكار، فقال بحدة: حضرتك تقرأ الجريدة ولا ~~تفعل شيئا! ~~- أنت تقول ذلك؟! ~~- كما سمعت. ~~- ألا تخاف؟ ~~- لا أخاف شيئا. ~~- إن كنت فقدت أعصابك فعندي لكل داء دواء! ~~- وأنا عندي لكل داء دواء. # وقف الضابط وهو يقول بغضب: أنت؟! ~~- أنت تؤخر ms027 حضور النيابة، أنت تمنع القانون. ~~- سأضعك في السجن. ~~- أهو أفظع من هذه الفوضى؟ ~~- أتريد أن تدعي الجنون؟ # ووقف علي محتدا وفي عينيه نظرة زائغة، ونادى الضابط العسكري، ولكن جرس التليفون رن. ~~تناول الضابط السماعة واستمع بعض الوقت، وأعاد السماعة وهو ينظر إلى علي بشماتة وحقد، ~~ويداري في ذات الوقت ابتسامة، ثم قال: مات المصاب متأثرا بجراحه! # وجم علي موسى قليلا. تلقى النظرة الشامتة بغضب جنوني، وصاح بصوت مرتجف: القانون لم ~~يقل كلمته بعد، وإني لمنتظره. # | السكران يغني # خلت الحانة من الزبائن تماما، ومسح الجرسون العجوز على صلعته وهو يتثاءب بصوت ~~مرتفع كالتوجع، ومضى يكوم المقاعد الخشبية والمناضد العارية، ومشى صاحب الحانة بين ~~أرجائها المتقاربة متفقدا الأركان والمرحاض، وعد القروش على مهل، وأغلق الأدراج ~~المدسوسة تحت الطاولة، ودرج منضدة الماركات، ثم أطفأ المصباح المدلى فوق الطاولة، فانخفض ~~الضوء بالمكان وزاده كآبة على كآبة، وقال مخاطبا الجرسون: أسرع، فالساعة تدور في ~~الثانية صباحا. # فانتهى الرجل من تكويم المقاعد والمناضد، ثم خلع المريلة المتسخة في أكثر من موضع، ~~وعلقها بمسمار منغرز في الجدار، وسار نحو الباب يجر قدمين ثقيلتين مدفونتين في ~~حذاء من المطاط، وجسمه النحيل يتأرجح في جلباب فضفاض. وأطفأ صاحب الحانة المصباح ~~الآخر، فساد الظلام، وغادر المكان إلى الخارج، ثم أغلق الباب وذهب، باعثا من حذائه ~~الثقيل أطيطا متواصلا كدر صمت الطريق. # ثمة رجل لابد تحت البرميل الأوسط يترقب ذهاب الرجلين بفارغ الصبر، تسمع ~~أطيط الحذاء حتى سكن، وتنهد في ارتياح، ثم زحف خارجا من تحت البرميل. وقف في ظلام ~~دامس، يحملق في الظلام ولا يرى شيئا، ولا شبح شيء، أعمى بكل معنى الكلمة، وضائع كأنما ~~ألقي به في عالم الغيب، ولكن إذا كان البرميل الوسطاني وراءك فالبار إلى اليسار، وعند ~~طرف البار يرقد صندوق النقود، وسار بحذر إلى اليسار مادا ذراعيه حتى مست أصابعه ~~الطاولة، ثم مشى بحذائها معتمدا عليها حتى المنضدة العالية، ورائحة قوية من مزيج من ~~المخلل والسردين والجبن تملأ أنفه. ضائع تماما، ولكن ها هو الدرج المنشود ms028 ، ها هنا توجد ~~نقود مانولي التي يكسبها من بيع أقداح النبيذ المقطر من نيران الجحيم، وأخرج من جيبه ~~آلة كالمبرد، ومضى يعالج بها القفل حتى فتحه، واقتحمته عطسة آتية من الخارج فشلت ~~يده، وفي سره سب ولعن، وتخيل حانقا المتسكع في الشارع الضيق، شبه المظلم، ~~الذي يضيئه فانوس واحد في طرف منحدره عند اتصاله بشارع البواكي. ودس يده في الدرج ~~بلهفة، وتحسس أرضه من طرف إلى طرف، ولكنه لم يعثر على شيء، لا شيء البتة. يا مانولي ~~الكلب، أتأخذ الإيراد معك؟ ألا تترك مليما؟ أليست الحانة آمن على النقود من الطريق ~~والبيت؟ وقطب في غيظ وحنق، واشتد ضيقه بالظلام. هل تضيع المغامرة هباء! ويهزأ ~~الفراغ من الحيلة والعدة ودهاء التدبير! ودفعه الغيظ إلى فتح أدراج الطاولة جميعا، ~~ولكنه لم يعثر إلا على بقايا الجبن الرومي والزيتون والفول النابت. ولبث واقفا وراء ~~الطاولة بمكان العجوز الداهية يفكر في لا شيء، ويتناول حبات من الفول بلا تذوق. ~~وسلم أخيرا بهزيمته، ولكنه عزم على الترفيه عن نفسه قبل أن يعالج النافذة ليفر. ~~مد يده وراء ظهره إلى الرف، فتناول زجاجة نبيذ، فض سدادتها وأطبق عليها فاه، وراح ~~يشرب بشراهة ونهم حتى أفرغها. وركز انتباهه ليتابع تقلب الدوامة في جوفه. ~~رهيب .. جليل .. لا مثيل له .. ولا يقدر بثمن. ولا وجه لإنفاق النقود خير من الخمر، ~~فلا موجب للزعل. المؤسف حقا أن يفوت عربتك الكارو موسم القرافة غدا، فلعنة الله ~~عليك يا مانولي. ومد يده فتناول زجاجة ثانية، ما أفظع الظلام والعماء! ليشرب حتى ~~يروى، وليؤجل الشروع في الهرب حتى يقوم العسكري بدورة المرور، ولكن الظلام يقوم ~~كالسد، وله أنفاس مخمورة وقبضة من الصخر، وها هي زجاجة ثالثة من المياه النارية، ويجب أن ~~تجلس وليكن فوق البار. مضى مانولي والنقود معه، فإلى الجحيم يا مانولي. وليس ألعن من ~~الجحيم إلا الظلام، وتنحنح بلا حذر، فسرت النحنحة في ظلام الحانة، ولكنه لم يبال ~~كثيرا. لا يبالي أن يبالي، والحق أنك عدو الظلام. إني أعمل في الشمس ms029 ، وأنام تحت ~~النجوم، وفي ليالي الشتاء يضيء فانوس الحارة حجرتي في البدروم، وضربت من الرجال عددا ~~يفوق الحصر، وأرمي بجسدي على العصي بلا خوف، ولكني أخاف أن يمزق جلبابي الوحيد. وحماري ~~يجرني وهو عار، فلا يتعرض له أحد، أما أنا فلا غنى لي عن الجلباب والخمر. ورفع ~~الزجاجة الرابعة، فقرقر صوت الشراب وهو ينصب في حلقه، ويجلجل بين الجدران الغارقة في ~~الصمت والظلام، وقال لي الشيخ زاوي لا تسكر، فقلت له أنا سلطان الترك والعجم، فقال لي عليك ~~لعنة الله، فحلفت يمينا لأسمين حماري بالزاوي، وراح يدندن بصوت سري «أوان الوصل»، ~~ولما تناول الزجاجة الخامسة اضطجع على راحتيه ومد ساقيه فوق الطاولة، وتذكر شاعر ~~الربابة، فتساءل لماذا تختفي الأشياء الجميلة، واندفع يغني كأنه في بيته: # أوان الوصل قرب بالتهاني. # وتلوت النغمة المخمورة، ولكنه هز رأسه في إعجاب، وعند الهنك ارتفع صوته إلى طبقة ~~عالية، واعتدل في جلسته وراح يصفق بيديه. # وإذا بقبضة تهوي على الباب، وصوت العسكري يصيح: من بالداخل؟ # ولم يكف أول الأمر عن الهنك، ولكن تتابع الخبط أزعجه، فأمسك وهو يتمتم بغيظ: «لا منكم ~~ولا كفاية شركم»، وتساءل في عظمة: من أنت؟ ~~- أنا العسكري. ~~- وماذا تريد؟ ~~- عجيبة! .. قل من أنت؟ # فأجاب وهو يضحك: زبون! ~~- الدنيا نامت، فكيف بقيت أنت في الداخل؟ ~~- وما شأنك أنت؟ ~~- يا سكير، يا عربيد، ستدفع ثمن وقاحتك. ~~- ليس معي مليم واحد! ~~- إني أعرف صوتك، رغم السكر فإني أعرف صوتك. ~~- من الذي لا يعرف أحمد عنبة! ~~- عربجي الكارو! ~~- بعينه .. هل من خدمة يا شاويش؟ # وصفر العسكري، فأرهب سكون الليل، وتحسس الرجل الجدار فوق الطاولة حتى عثر على ~~مفتاح الكهرباء، فأضاء المصباح، وقطب وهو يضيق عينيه، ومضى يتفحص المكان بعناية، حتى ~~استقرت عيناه الحمراوان الجاحظتان على موقد الجاز وصفيحة الجاز، ودار رأسه ودارت به ~~أفكار في سرعة، فلم يكد يمسك بإحداها ثانية واحدة، وكاد ينسى العسكري وصوته، ولكن ~~ترامت إليه من الخارج ضجة وضوضاء. آه! .. ضابط النقطة، وعساكر، وسكان الأرصفة من جامعي ~~الأعقاب، وآخرون، وميز صوت ms030 مانولي، فصاح بغضب: مانولي! # فقال الرجل باضطراب: أنا مانولي يا عم أحمد. ~~- لا تفتح الباب .. عند أول حركة في الباب، ستصبح حانتك شعلة من النيران. ~~- لا .. لا تحرق نفسك! ~~- لا شأن لك بي يا مانولي، الجاز في كل مكان، فوق الأرض والبراميل والمقاعد والمناضد، ~~وها هو عود الكبريت في يدي .. احذر يا مانولي. # قال الرجل باضطراب واضح: هدئ أخلاقك، لن أفتح حتى تأمر. ~~- من أين لك هذا الأدب يا مانولي؟! ~~- طول عمري مؤدب .. هدئ أخلاقك، وقل لي ماذا تريد؟ ~~- عندي كل ما أريد. ~~- ألا تريد أن تخرج؟ ~~- ولا أن يدخل أحد. ~~- لا يمكن أن تبقى في الداخل إلى الأبد! ~~- ممكن جدا، عندي كل ما أريد. ~~- أنا آسف، لقد أغلقت الباب عليك خطأ! ~~- أنت تكذب، وأنت تعرف أنك كاذب. ~~- ولكن ذلك حصل بالفعل. ~~- تعرف أني هنا لأسرق! ~~- لا شيء عندك يستحق السرقة. ~~- وبراميل النبيذ السام؟ ~~- كل ما شربت هدية مني إليك. ~~- ولا مليم في الدرج! ~~- ليس الدرج للنقود. ~~- لماذا تغلقه إذن يا مانولي؟ ~~- عادة سيئة، هدئ أخلاقك ولا تحرق نفسك. ~~- أنت خائف علي؟ ~~- طبعا .. البراميل طظ، ولكنك روح. ~~- كذاب يا مانولي، وسل العساكر حولك. # في أثناء ذلك قام رجال الشرطة بنشاط واسع، أخلوا البيت الذي في أسفله الحانة، واتصلوا ~~بأصحاب الحوانيت الملاصقة للحانة من تجار الخشب والبوية والخردوات، العاملين في الطريق ~~المهدد بالدمار، وسرعان ما أقبلت سيارات الحريق وأخذت أهبتها، وقهقه أحمد عنبة طويلا، ~~وصاح: العود في يدي يا مانولي. # فقال الرجل بانكسار: لا ذنب لي، هدئ أخلاقك. ~~- شربت خمس زجاجات في صحة خراب بيتك. ~~- اشرب السادسة، ولكن لا تحرق نفسك. # وراقته الفكرة، فمد يده إلى الرف، ثم استأنف الشرب، وشعر بأنه يستمتع بآخر وقت ~~طيب متاح، وجاءه صوت هادئ يقول، وقد سكنت الضوضاء: يا أحمد! # آه .. لا يمكن أن يخطئ هذا الصوت العميق الغليظ. ~~- حضرة الضابط؟ ~~- نعم. ~~- أهلا وسهلا. ~~- يجب أن تعقل، وتتركنا نفتح الباب. ~~- لم؟ ~~- ليتسلمه صاحبه. ~~- الخمارة لمن يشرب! ~~- اعقل يا أحمد. ~~- وأنا؟ ~~- ستخرج آمنا سالما. ~~- وبعد ذلك ms031 ؟ ~~- لا شيء البتة. ~~- حتى أنت تكذب كمانولي! ~~- ستسأل عن وجودك في الحانة، ولكن واضح أنك نمت من السكر، وفقدت وعيك، ولا ذنب ~~عليك. ~~- والأدراج المكسورة؟ ~~- فعلت ذلك دون وعي، وتحت تأثير السكر. ~~- آه منك! .. والصفع والضرب والسب والسجن؟! ~~- لا .. لا .. أعدك بأحسن معاملة. # وأفرغ الزجاجة أو كاد، ثم صاح: أحمد عنبة سلطان الترك والعجم، وكلكم ركش. ~~- الله يسامحك. ~~- يا حضرة الضابط أنا فاهمك. ~~- الله يسامحك. ~~- أتذكر يوم بال الحمار أمام النقطة وأنت خارج؟ ~~- لم أفعل شيئا. ~~- تركت الحمار وصفعتني أنا. ~~- مجرد مداعبة. ~~- جاء دوري في المداعبة! ~~- ولكن لا تقتل نفسك. ~~- نفسك! .. هل تهمك نفسي حقا؟ ~~- طبعا! وتهمني سلامة الناس والدكاكين. ~~- الناس في الخارج والدكاكين أشياء لا أتعامل معها. ~~- ولكنك تخاف الله. ~~- أنت لا تخاف الله! ~~- وتكره الأذى. ~~- أنت تحب الأذى. ~~- الله يسامحك. ~~- عود الكبريت في يدي، فابتعدوا عن الباب. # وأتى على بقية الزجاجة، وراح يغني «في العشق ياما كنت أنوح»، ولما انتهى من المقطع الأول ~~جاءه صوت الضابط: أحسنت يا عم، ولعلك عدت إلى عقلك. # فأجاب ساخرا: قضيت على الزجاجة السادسة. ~~- ستقتل نفسك. ~~- اسمع، كلمة أخيرة. ~~- نعم؟ ~~- قل «أنا مرة». ~~- لا يرضيك ذلك. ~~- يرضيني كل الرضا، وهذا شرطي لكي أترككم تفتحون. # فصاح مانولي: أنا مرة. ~~- أنت مرة بلا شرط، ولكن على الضابط أن يقولها. ~~- عيب يا أحمد! # وقهقه طويلا، ثم صاح بلهجة آمرة: اهتفوا بحياتي. # وانقضت دقيقة من الصمت، ثم دوت عاصفة من أصوات الغلمان والأهالي: «ليحي أحمد ~~عنبة!» وتواصل الهتاف، فوثب إلى أرض الحانة وراح يرقص في زهو وابتهاج، ودار في الفراغ ~~المحدود، فدارت معه المقاعد والمناضد والسقف والدنيا جميعا. وانفتح الباب فجأة في غفلة ~~منه وانقض الجنود، ووقف يترنح بين أيديهم القابضة على جلبابه وساعديه وعنقه. ورغم ~~ذلك كله، ألقى على الجميع نظرة سلطنة متعاظمة، كأنما هي هابطة من السماء، وقال بنبرة ~~ثقيلة نائمة، كأنها مسجلة بالتصوير البطيء: ليس معي عود كبريت واحد. # | جنة الأطفال # - بابا. ~~- نعم. ~~- أنا وصاحبتي نادية دائما مع بعض. ~~- طبعا يا حبيبتي، فهي صاحبتك ms032 . ~~- في الفصل، في الفسحة، وساعة الأكل ... ~~- شيء لطيف، وهي جميلة ومؤدبة. ~~- لكن في درس الدين، أدخل أنا في حجرة، وتدخل هي في حجرة أخرى! # لحظ الأم فرآها تبتسم رغم انشغالها بتطريز مفرش، فقال وهو يبتسم: هذا في درس الدين ~~فقط. ~~- لم يا بابا؟ ~~- لأنك لك دين، وهي لها دين آخر. ~~- كيف يا بابا؟ ~~- أنت مسلمة وهي مسيحية. ~~- لم يا بابا؟ ~~- أنت صغيرة، وسوف تفهمين فيما بعد. ~~- أنا كبيرة يا بابا. ~~- بل صغيرة يا حبيبتي. ~~- لم أنا مسلمة؟ # عليه أن يكون واسع الصدر، وأن يكون حذرا، ولا يكفر بالتربية الحديثة عند أول ~~تجربة. # قال: بابا مسلم وماما مسلمة، ولذلك فأنت مسلمة. ~~- ونادية؟ ~~- باباها مسيحي وأمها مسيحية، ولذلك فهي مسيحية. ~~- هل لأن باباها يلبس نظارة؟ ~~- كلا، لا دخل للنظارة في ذلك، ولكن لأن جدها كان مسيحيا كذلك. # وقرر أن يتابع سلسلة الأجداد إلى ما لا نهاية حتى تضجر وتتحول إلى موضوع آخر، ولكنها ~~سألت: من أحسن؟ # وتفكر قليلا، ثم قال: المسلمة حسنة، والمسيحية حسنة. ~~- ضروري واحدة أحسن؟ ~~- هذه حسنة، وتلك حسنة. ~~- هل أعمل مسيحية لنبقى معا دائما؟ ~~- كلا يا حبيبتي، هذا غير ممكن، كل واحدة تظل كباباها وماماها. ~~- ولكن لم؟ # حق أن التربية الحديثة طاغية! .. وسألها: ألا تنتظرين حتى تكبري؟ ~~- لا يا بابا. ~~- حسن، أنت تعرفين الموضة، واحدة تحب موضة وواحدة تفضل موضة، وكونك مسلمة هو آخر موضة، ~~لذلك يجب أن تبقي مسلمة. ~~- يعني نادية موضة قديمة؟ # الله يقطعك أنت ونادية في يوم واحد، الظاهر أنه يخطئ رغم الحذر، وأنه يدفع بلا رحمة إلى ~~عنق زجاجة. وقال: المسألة مسألة أذواق، ولكن يجب أن تبقى كل واحدة كباباها ~~وماماها. ~~- هل أقول لها إنها موضة قديمة، وإنني موضة جديدة؟ # فبادرها: كل دين حسن، المسلمة تعبد الله، والمسيحية تعبد الله. ~~- ولم تعبده هي في حجرة، وأعبده أنا في حجرة؟! ~~- هنا يعبد بطريقة، وهناك يعبد بطريقة. ~~- وما الفرق يا بابا؟ ~~- ستعرفينه في العام القادم أو الذي يليه، وكفاية أن تعرفي الآن أن المسلمة تعبد الله، ~~والمسيحية ms033 تعبد الله. ~~- ومن هو الله يا بابا؟ # وأخذ، وفكر مليا، ثم سأل مستزيدا من الهدنة: ماذا قالت أبلة في المدرسة؟ ~~- تقرأ السورة وتعلمنا الصلاة، ولكني لا أعرف، فمن هو الله يا بابا؟ # فتفكر وهو يبتسم ابتسامة غامضة، وقال: هو خالق الدنيا كلها. ~~- كلها؟ ~~- كلها. ~~- ما معنى خالق يا بابا؟ ~~- يعني أنه صنع كل شيء. ~~- كيف يا بابا؟ ~~- بقدرة عظيمة. ~~- وأين يعيش؟ ~~- في الدنيا كلها. ~~- وقبل الدنيا؟ ~~- فوق. ~~- في السماء؟ ~~- نعم. ~~- أريد أن أراه. ~~- غير ممكن. ~~- ولو في التليفزيون؟ ~~- غير ممكن أيضا. ~~- ألم يره أحد؟ ~~- كلا. ~~- وكيف عرفت أنه فوق؟ ~~- هو كذلك. ~~- من عرف أنه فوق؟ ~~- الأنبياء. ~~- الأنبياء؟ ~~- نعم .. مثل سيدنا محمد. ~~- وكيف يا بابا؟ ~~- بقدرة خاصة به. ~~- عيناه قويتان؟ ~~- نعم. ~~- لم يا بابا؟ ~~- الله خلقه كذلك. ~~- لم يا بابا؟ # وأجاب وهو يروض نفاد صبره: هو حر يفعل ما يشاء. ~~- وكيف رآه؟ ~~- عظيم جدا، قوي جدا، قادر على كل شيء. ~~- مثلك يا بابا؟ # فأجاب وهو يداري ضحكة: لا مثيل له. ~~- ولم يعيش فوق؟ ~~- الأرض لا تسعه، ولكنه يرى كل شيء. # وسرحت قليلا، ثم قالت: ولكن نادية قالت لي إنه عاش على الأرض. ~~- لأنه يرى كل مكان، فكأنه يعيش في كل مكان! ~~- وقالت إن الناس قتلوه؟! ~~- ولكنه حي لا يموت. ~~- نادية قالت إنهم قتلوه. ~~- كلا يا حبيبتي، ظنوا أنهم قتلوه، ولكنه حي لا يموت. ~~- وجدي حي أيضا؟ ~~- جدك مات. ~~- هل قتله الناس؟ ~~- كلا، مات وحده. ~~- كيف؟ ~~- مرض ثم مات. ~~- وأختي ستموت لأنها مريضة؟ # وقطب قليلا وهو يلحظ حركة احتجاج آتية من ناحية الأم: كلا .. ستشفى إن شاء ~~الله. ~~- ولم مات جدي؟ ~~- مرض وهو كبير. ~~- وأنت مرضت وأنت كبير، فلم لم تمت؟ # ونهرتها أمها، فنقلت عينيها بينهما في حيرة، وقال هو: نموت إذا أراد الله لنا ~~الموت. ~~- ولم يريد الله أن نموت؟ ~~- هو حر، يفعل ما يشاء. ~~- والموت حلو؟ ~~- كلا يا عزيزتي. ~~- ولم يريد الله شيئا غير حلو؟ ~~- هو حلو ما دام الله يريده لنا. ~~- ولكنك قلت إنه غير حلو. ~~- أخطأت يا حبيبتي ms034 . ~~- ولم زعلت ماما لما قلت إنك تموت؟! ~~- لأن الله لم يرد ذلك بعد. ~~- ولم يريده يا بابا؟ ~~- هو يأتي بنا إلى هنا، ثم يذهب بنا. ~~- لم يا بابا؟ ~~- لنعمل أشياء جميلة هنا قبل أن نذهب. ~~- ولم لا نبقى؟ ~~- لا تتسع الدنيا للناس إذا بقوا. ~~- ونترك الأشياء الجميلة؟ ~~- سنذهب إلى أشياء أجمل منها. ~~- أين؟ ~~- فوق. ~~- عند الله؟ ~~- نعم. ~~- ونراه؟ ~~- نعم. ~~- وهل هذا حلو؟ ~~- طبعا. ~~- إذن، يجب أن نذهب؟ ~~- ولكننا لم نفعل أشياء جميلة بعد. ~~- وجدي فعل؟ ~~- نعم. ~~- ماذا فعل؟ ~~- بنى بيتا وزرع حديقة. ~~- وتوتو ابن خالي، ماذا فعل؟ # وتجهم وجهه لحظة، واسترق إلى الأم نظرة مشفقة، ثم قال: هو أيضا بنى بيتا صغيرا ~~قبل أن يذهب. ~~- لكن لولو جارنا يضربني، ولا يفعل شيئا جميلا. ~~- ولد شقي. ~~- ولكنه لن يموت! ~~- إلا إذا أراد الله. ~~- رغم أنه لا يفعل أشياء جميلة؟ ~~- الكل يموت، فمن يفعل أشياء جميلة يذهب إلى الله، ومن يفعل أشياء قبيحة يذهب إلى ~~النار. # وتنهدت ثم صمتت، فشعر بمدى ما حل به من إرهاق، ولم يدر كم أصاب ولا كم أخطأ، ~~وحرك تيار الأسئلة علامات استفهام راسبة في أعماقه، ولكن الصغيرة ما لبثت أن هتفت: ~~أريد أن أبقى دائما مع نادية. # فنظر إليها مستطلعا، فقالت: حتى في درس الدين! # وضحك ضحكة عالية، وضحكت أمها أيضا، وقال وهو يتثاءب: لم أتصور أنه من الممكن مناقشة ~~هذه الأسئلة على ذاك المستوى! # فقالت المرأة: ستكبر البنت يوما، فتستطيع أن تدلي لها بما عندك من حقائق! # والتفت نحوها بحدة ليرى مدى ما ينطوي عليه قولها من صدق أو سخرية، فوجد أنها قد ~~انهمكت مرة أخرى في التطريز. # | فردوس # كل شيء يتحرك بلا ضابط، والجدران على الجانبين تتموج. لا غرابة في ذلك، ولكن ~~الغريب حقا هو تهافت الأضواء التي كاد يبتلعها الظلام، وأغرب من كل شيء ذلك الصمت - أو ~~ما يشبه الصمت - كأن النوم يلف الطريق، إما أن الذاكرة خداعة كاذبة تختلق ما لا أصل ~~له، وإما أن الدنيا تتغير بقوة لا ترحم الذكريات. على ms035 ذاك لم يخطر له التراجع على بال، ~~ولم يفتر حنينه؛ حنينه إلى فترة من العمر ذهبت إلى غير عودة، ولعن من الأعماق إحساسا ~~ملحا لم يعن بتسميته، ولكن أليس التغير أفدح مما تصور؟! ما معنى وقوف سيارات ~~النقل هنا وهناك؟ أين المقاهي الكثيرة والحانات؟ وعلى أي ضوء تخطر النساء بحليهن ~~الزائفة وملابسهن المتهتكة؟ تكلم يا طريق السرور والحزن، لا تقف متجهما كأنك لا ~~تعرفني، ها هي البواكي على الجانبين، ولكنها لا تنطوي على ضوء يذكر، ولا منظر، ولا صوت! ~~ماذا جرى؟ وها هو السلم الصاعد إلى الدرب، ولكن أين العسكري؟ ولا حنجرة تغني ولا وتر ~~يعزف ولا شتمة واحدة، والصيدلي العجوز السيئ السمعة ودكان كل شيء لزوم الشيء أين؟ لا ~~نكتة، لا صرخة، لا معركة ولا تهديد بمعركة، لا قدم تزل ولا استغاثة، لا سحنة غريبة ولا ~~أحد يقيء، لا أحد يرقص ولا أحد يحاول الانتحار، لا خلاف على الحساب، ولا نشال ولا ~~نصاب ولا قواد، لا عصا ارتفعت ولا كرسي طار في الهواء، لا يوجد إلا سيارات النقل ~~والحوانيت المغلقة، والظلام الشامل وبضعة فوانيس متباعدة. # عند مطلع الدرب، رأى قهوة صغيرة فتحول نحوها ~~كالمندفع، لعلها النقطة الوحيدة التي يلتقي عندها الماضي والحاضر. جلس في نفس المكان، ربما ~~على نفس المقعد، ولكن واضح أن صبي القهوة وجه جديد، وكذلك المعلم صاحبها، لم ير من ~~مجلسه شيئا يستحق الذكر، وثمة شيء غامض في الجو كالنذير، وقال للصبي الذي مثل بين ~~يديه: أين أهل الحي؟ # فأجاب الغلام الذي توقع سؤالا آخر: في بيوتهم. ~~- لا يوجد أحد في الطريق، ولا توجد أنوار؟ # دارى الغلام ابتسامة، فقال الرجل لنفسه إنه قد أفرط، وإن منظره ولا شك مثير للغاية. ~~وسأله الغلام: ماذا تحب أن تشرب؟ ~~- واحد كونياك. # لم يعد في وسع الغلام إخفاء ابتسامته، ولبث متحيرا. ~~- واحد كونياك من غير مزة. ~~- قهوة .. شاي .. قرفة .. جوزة. ~~- قلت واحد كونياك. ~~- لا يوجد. ~~- لكني شربته هنا مرات ومرات. ~~- غير مصرح بها في الأحياء البلدية. # هذا الغلام أبله أو ms036 أن رأسه هو يتطور تطورا شاذا. ~~- ومن مطرب القهوة؟ ~~- أي مطرب؟ .. لا مطرب للقهوة. # أشار له أن يذهب. ثمة سر سينجلي عن قريب، وأراد ~~أن يناقش صاحب القهوة، ولكن ظهرت أول امرأة في الطريق، جاءت من ناحية السلم ملفوفة ~~في ملاءتها، سافرة الوجه، فانتزعته من هواجسه. هي نقطة الالتقاء الحقيقية لا القهوة ~~الخربة، وثمة امرأة واحدة تمشي بملاءتها في الحي كله. فردوس، فردوس دون غيرها من نساء ~~الحي، ولما اقتربت ابتسم إليها. هم بدعوتها لمجالسته، ولكنها مضت داخل الدرب دون أن ~~تعيره التفاتة تصاحبها دقات كعبها العالي فوق البلاط. لعلها لم تره، لا يمكن أن ~~تنسى العشرة الطويلة والسرور والحزن، والأحاديث التي لا تنتهي حتى مطلع الفجر. وغادر ~~القهوة ليتبعها على الأثر، ومالت نحو ثالث باب، فدفعته بيدها ودخلت. أوسع خطاه ثم دخل ~~وراءها. # جعل يقترب منها في الطرقة، في جو تغشاه الظلمة، لولا بصيص من النور يترامى إليه من ~~الدرب خلال الباب الموارب، التفتت متسائلة: من؟ # أجاب بثقة: أنا. # فسألت بحدة وحذر: من أنت؟ ~~- صاحب هذا الصوت، ألا تذكرين؟ ~~- كلا. ~~- فردوس. ~~- اذهب. ~~- فردوس. ~~- فردوس في عينك يا قليل الحيا! # فضحك قائلا: هذه هي فردوس، إني أعرف ألاعيبك. # ومد يده ليمسك بساعدها، فأفلتت منه وهي تصرخ ~~غاضبة، ثم هوت على وجهه بقبضتها. توقف منزعجا، وهرولت أقدام فوق السلم. وتلاطمت ~~الجدران بزمجرة ولغط، ثم تجلت أوجه غاضبة على ضوء مصباح تحمله امرأة، وقال في جفول: ماذا ~~جرى؟ .. أنا زبون! # أحيط به، وانهالت عليه الصفعات: لص! ~~- دعوني أتكلم. ~~- تكلم يا جبان. ~~- أنا زبون. ~~- زبون! .. من قال إن بيتنا قهوة؟! # وانهالت عليه الأكف حتى صرخ، وأمسكوا عن ضربه مليا، وهم يقربون المصباح من وجهه ~~مستطلعين. ~~- أفندي! ~~- عجوز! ~~- سكران! # توسل قائلا: لنتفاهم بلا ضرب. ~~- ماذا جاء بك إلى هنا؟ ~~- زبون والله .. ومستعد أن أدفع إلى آخر مليم! # وانهالت عليه اللطمات بشدة حتى سقط تحت الأقدام، وحال أحدهم دون الاستمرار في ضربه؛ ~~خشية أن يموت، ثم جرى لاستدعاء البوليس. ترك ملقى فوق أرض تربة وهو ms037 يغمغم: الله يسامحك ~~يا فردوس! # ووقف الجميع أمام ضابط القسم، أدلت المرأة والرجال بأقوالهم، وسأله الضابط: ما ~~أقوالك؟ # أطل الوجه النحيل المتجعد المتورم في هيئة زرية، وقد انبسطت صلعته مكان الطربوش ~~المفقود، وتدلى البابيون من بنيقة القميص الممزق، وتلطخت جاكتته السوداء بالجير ~~والتراب، وتراقص شدقاه حول فم أثرم، وقال بصوت متعب: أقوالهم دليل عليهم، شهدوا ~~بالاعتداء علي بلا سبب، إني أطالب بكشف طبي عاجل. ~~- إنك سكران لحد الموت. ~~- هذا شأني ما دمت لم أعتد على أحد. ~~- ولكنك اعتديت على السيدة! ~~- بل ذهبت وراءها إلى البيت كما تقضي الأصول! ~~- الأصول؟ ~~- نعم، كأي رجل. ~~- بأي حق؟ ~~- الحق المشروع، وأنت سيد العارفين. ~~- تكلم ولا تضع وقتي! ~~- طلبتها وفي نيتي أن أدفع لها أجرها، فانهالوا علي ضربا. ~~- أتعترف بذلك؟ ~~- طبعا، لست لصا ولا نصابا، ولكنني زبون قديم. ~~- زبون؟! ~~- نعم، ولا أطلب ذلك للهو أو الفجور، ولكنني أقدم للمجتمع خدمة مشكورة! ~~- ما شاء الله! ~~- إني أدرس أحوال النساء بالحي، وخدماتي مقدرة ومشكورة. ~~- من كلفك بذلك؟ ~~- واجب إنساني تطوعت له بلا تكاليف. ~~- لا تتوهم أنك تخدع أحدا بسكرك الفاضح. # ابتسم الرجل ابتسامة بلهاء، ضرب كفا بكف، أجال بصرا زائغا متعبا في الوجوه، ثم ~~تهاوى مغمى عليه. ~~••• # فتح عينيه، فوجد نفسه مستلقيا فوق سرير في حجرة صغيرة ناصعة البياض، ذات رائحة طيبة. ~~ومضت دقائق قبل أن يعرف أنه هو هو، وأنه في مكان. ودخل رجل لم يره من قبل، ولكنه ذو وقار ~~وطابع رسمي. قال إنه المأمور، فنظر إليه باستغراب، وقال إنه يعرفه من قديم، ويذكر نشاطه ~~مذ كان يكتب في الجرائد والمجلات. ~~- الحق أنني كنت من قرائك المغرمين. # تمتم الرجل، وهو يتحسس جبينه وفكيه: فرصة طيبة. ~~- عرفتك في القسم وأنت مغمى عليك، فأمرت لك بالإسعافات الضرورية، أرجو أن تكون ~~أحسن. ~~- أظن ذلك، ولكن لا فكرة عندي عما جرى. ~~- لذلك قصة مؤسفة، ستتذكرها في حينها. # تجلت في عينيه نظرة ممتعضة، فقال المأمور: دعني أولا أتلو عليك المحضر. ~~- المحضر؟ # تلا عليه المحضر بأناة ووضوح، تابعه مقطبا ذاهلا. أجل ms038 ! شيء كذاك الجحيم قد لفحه ~~على نحو ما، وسأله المأمور: كيف حدث ذلك؟ # تمتم بارتباك وحزن: لا أدري. ~~- ثابت أنك كنت في حال سكر بين، ولكن هذا لا يكفي. # لم ينبس. ~~- وقد شك الضابط فيما هو أخطر من السكر، واقترح علي عمل تحليل للمعدة. ~~- لا. ~~- لم يحصل. ~~- لا أدري كيف أشكرك. # ابتسم المأمور، وقال: كنت من المتابعين لدراساتك القيمة، ولكن كيف حدث ذلك؟ # تأوه الرجل قائلا: واضح أنني فقدت عقلي تماما. ~~- ولكنك اعتديت على امرأة في بيتها، وتلك جريمة مزدوجة. ~~- لا أصدق! ~~- وسنجد مصاعب حقيقية في محاولة التفاهم مع المرأة وأهلها. ~~- يا له من مصير أسود! ~~- حادث خرافي، أرجو ألا يتسرب إلى الصحافة. # تنهد الرجل لدى ذكر الصحافة، قال إنه كان من أعلامها قبل الاعتزال، قبل أن يعتزلها ~~منذ خمسة عشر عاما. رجع إلى قريته كهلا، جفت به بواعث النشاط. عاش في خمول دهرا، ثم ~~تاقت نفسه إلى زيارة القاهرة. ذهب إلى تافرنا كالأيام الخالية، ثم ساقته قدماه كالعادة ~~إلى الدرب إياه. ~~- ولكنك أول من يعلم بأنه لم يعد حيا للبغاء، وأول من يعلم متى ألغي ~~البغاء. ~~- غاب عني ذلك تماما وأنا فاقد الوعي. ~~- وكان ما كان. ~~- وكان ما كان! # ضحك المأمور بروح مطمئنة لن تتوانى عن مساعدته، وجعل ينوه بكتابه الضخم عن البغاء ~~والبغايا، فقال الرجل: كانت جولة رائعة، وزرت من أجل تأليفه بلدانا كثيرة في الشرق ~~والغرب، كان دائرة معارف. ~~- وكنت تطالب بإلغاء البغاء، والعناية الإنسانية بالبغايا! ~~- وعندما وقع الإلغاء، توجت حياتي بالنصر، وأقام لي الزملاء حفل تكريم في ~~شبارد. ~~- أجل، كأني أذكر ذلك، ولكن لماذا هجرت الصحافة؟ ~~- كان البغاء المشكلة الجوهرية التي كرست لها قلمي؛ تاريخه وأشكاله وضحاياه وجميع ~~ما يتصل به، وجعلت من إلغائه هدفي، فلما تحقق، ولما شبعت من النصر، وضح لي أنه لم ~~يعد لي شيء يثير اهتمامي! ~~- ولكن قلمك ... أعني أن البغاء ليس إلا مشكلة من مشكلات لا حصر لها. ~~- لم يعد لي قلم، مات ميتة غريبة، وتمزقت الأسباب بيني وبين الأشياء. ~~- الحق ms039 أني ... # ولكنه قاطعه في ضجر: لقد وقع الإلغاء على البغاء وعلي في آن، ذهبنا معا، أصبحت ~~غير ذي موضوع، وبلا عمل ولا حماس ولا هدف. # تبادلا نظرة، ثم استطرد: رجعت إلى قريتي، وسرعان ما ابتلعني النسيان. # وتبادلا نظرة أطول، ثم ابتسم المأمور قائلا: كان الحي ضمن منطقتي وأنا ملازم، وكنت ~~أراك كثيرا في قهوة العربي! ~~- ذاك كان بعض عملي. ~~- ولكنك ... أعني ... كنت تمرح وتلعب. ~~- أجل، كنت القلب الذي يصغي إلى أناتهن في الهزيع الأخير من الليل. # وخيل إليه أن المأمور يجد حرجا في الإفضاء بما لديه من ذكريات، فقال: كأننا جزء من ~~الشر الذي نحاربه! # ومد يده للمأمور، فأعطاه يده، فشد عليها ممتنا وهو يقول: أرجو - بفضلك - أن أعود ~~إلى قريتي مصونا، ولن أغادرها ما حييت. # | الرجل السعيد # استيقظ من نومه، فوجد نفسه سعيدا، تساءل: ما هذا؟! لم يحظ بكلمة هي أدق وأصدق في ~~التعبير عن حاله من «سعيد»، وهي حالة تعد غريبة بالقياس إلى الأحوال التي تنتابه عند ~~الاستيقاظ من النوم؛ عادة ما يستيقظ مثقل الرأس من طول السهر في الجريدة، أو مرهق ~~الأعصاب والمعدة لإفراط في الأكل والشرب في حفلة ما، ودائما تنثال عليه هموم اليوم ~~السابق وشواغل يومه الراهن، فيستقبل الحياة في معاناة وتفكير، ثم ينهض من فراشه وهو يشحذ ~~همته لملاقاة المتاعب وتحدي المصاعب. أما اليوم فهو سعيد، مترع بالسعادة، وبحال لا ~~تقبل المناقشة، ولا تمتحن ذكاءه للبحث لها عن صفة مناسبة، فهي من القوة والوضوح بحيث ~~تفرض ذاتها فرضا على الحواس والعقل جميعا. أجل، إنه سعيد، وإذا لم تكن هذه هي السعادة ~~فماذا تكون؟ إنه يشعر بأن أعضاءه كاملة البناء، كاملة الوظيفة، وأنها تعمل بانسجام رائع ~~مع بعضها البعض، ومع الدنيا حوله، وهو يجد في باطنه قوة لا تحد، وطاقة لا تفنى، وقدرة ~~على تحقيق أي شيء بثقة وإتقان وفوز مبين، وقلبه يفيض بالحب للناس والحيوان والأشياء، ~~وبإحساس غامر بالتفاؤل والبشر، وكأنه لم يعد يحمل هما - أي هم - حيال الخوف والقلق ~~والمرض والموت والمنافسة والرزق ms040 ، وهناك ما هو أخطر من ذلك كله، وما يتعذر تحليله في نفس ~~الوقت، إنه إحساس متغلغل في كل خلية من خلايا جسده وروحه، يعزف لحن البهجة والرضا ~~والطمأنينة والسلام، ويناغم في طربه البديع همسات الكون المضنون بها على غير ~~السعداء. # ثمل بنشوته، تذوقها في تمهل وعجب، تساءل من أين وكيف جاءت، لا الماضي يفسرها، ~~ولا المستقبل يبررها، فمن أين وكيف جاءت؟! وحتى متى تبقى؟ هل تصاحبه حتى الإفطار؟ هل ~~تمهله حتى يذهب إلى الجريدة؟ ولكن مهلا، إنها حال لا تدوم؛ لأنها لا يمكن أن تدوم، ~~ولو دامت لإنسان لانقلب ملاكا أو شيئا فوق ذلك، فليمعن في تذوقها، في معايشتها، ~~في تخزين رحيقها قبل أن تصبح ذكرى لا سبيل إلى إثباتها، أو حتى التأكد منها. # تناول إفطاره بشهية، لم يصرفه عنه شاغل ما، ونظر نحو عم بشير وهو يقوم على خدمته بوجه ~~مشرق باسم، حتى ساور الرجل شيء من القلق والتساؤل، فهو لا ينظر نحوه عادة إلا ~~لإلقاء أمر أو استجواب، وإن عامله في أغلب الأحوال معاملة لا بأس بها. وسأله: خبرني ~~يا عم بشير، أأنا رجل سعيد؟ # ارتبك الرجل، أدرك سر ارتباكه، فهو يخاطبه - لأول مرة - كزميل أو صاحب، وشجعه على ~~الخروج من ارتباكه، فطالبه بالإجابة بإلحاح غير معهود، حتى قال الرجل: سيدي سعيد بحمد ~~الله وفضله. ~~- تعني أنني يجب أن أكون سعيدا؛ فمن يشغل مركزي، ويقيم في مسكني، ويتمتع بصحتي، يجب ~~أن يكون سعيدا، هذا ما تود قوله، ولكن هل تراني سعيدا حقا؟ # وبإلحاح جديد منه أجاب الرجل: سيدي يجهد نفسه أكثر مما يحتمل البشر ... # وتوقف كالمتردد، فأشار إليه أن يأتي بما عنده، فقال: ويغضب كثيرا، المناقشات ~~الحامية التي تدور مع زوارك ... # فقاطعه بضحكة عالية، ثم سأله: وأنت .. أليس لديك هموم؟ ~~- طبعا! لا يخلو الإنسان من هموم. ~~- تعني أن السعادة الكاملة مطلب مستحيل؟ ~~- هذا هو الغالب على حال الدنيا. # من أين له أن يتخيل سعادته العجيبة؟ هو أو سواه من البشر؟ إنها سعادة غريبة فريدة؛ ~~كأنها سر قد خص ms041 به وحده. وفي بهو الاجتماعات بالجريدة، رأى منافسه الأول في هذه ~~الدنيا جالسا يتصفح مجلة، الرجل سمع وقع قدميه، ولكنه لم يرفع عينيه عن المجلة، لا شك ~~أنه لمحه بطريقة ما؛ ولذلك فهو يتجاهله محافظة على راحة باله. إن الخلاف يحتدم بينهما في ~~الاجتماعات الدورية حتى يتطاير الشرر، ويتبادلا أقسى الكلمات فلا تبقى إلا خطوة واحدة على ~~التشابك. ومنذ أسبوع نجح منافسه في انتخابات النقابة وسقط هو، باء بطعنة حادة سامة، ~~واسودت الدنيا في عينيه، ها هو يقترب من مجلسه، فلا يستفزه منظره، ولا تعكر ذكريات ~~النضال صفوه. إنه يقترب بقلب خلي صاف، ثملا بسعادته العجيبة، طافح النظرة بالتسامح ~~والغفران، كأنما يقبل على إنسان آخر لم تقم بينهما عداوة قط، أو لعله يعد بصداقة ~~جديدة. ولم يجد حرجا البتة وهو يحييه قائلا: صباح سعيد. # رفع الرجل عينيه في دهشة، صمت لحظات قبل أن يفيق من دهشته، ثم رد تحيته بإيجاز، وكأنما ~~لا يصدق أذنيه وعينيه. جلس على مقربة منه، وهو يقول: الجو بديع اليوم! # فقال الآخر بتحفظ: فعلا. ~~- جو يقذف بالسعادة في القلوب. # تفحصه بإمعان وحذر، ثم تمتم: يسرني أنك سعيد. # فقال ضاحكا: فوق ما يتصور العقل. # فقال الرجل بلهجة مترددة بعض الشيء: أرجو ألا أعكر صفوك عند اجتماع مجلس ~~الإدارة. ~~- كلا البتة، رأيي معروف، ولكن لا بأس من أن يأخذ الأعضاء برأيك، لن يفسد ذلك علي ~~سعادتي! # قال الرجل باسما: لقد تغيرت كثيرا ما بين يوم وليلة! ~~- الحق أني سعيد، فوق ما يتصور العقل. # سأله وهو يتفرس في وجهه بعناية: أراهن أن نجلك العزيز قد عدل عن فكرة الإقامة في ~~كندا! # ضحك عاليا، وقال: أبدا، أبدا يا عزيزي، ما زال عند رأيه. ~~- ولكن كان ذلك مصدر حزنك الأول. ~~- أجل، طالما رجوته أن يعود رحمة بوحدتي وخدمة لوطنه! ولكنه أخبرني بأنه سيفتح ~~مكتبا هندسيا مع شريك كندي، بل ودعاني إلى اللحاق به، فليعش حيث يطيب له المقام، ~~وها أنا - كما ترى - سعيد، سعيد فوق ما يتصور العقل. # لم تخل نظرة ms042 الآخر من ارتياب، ولكنه قال: شجاعة نادرة المثال! ~~- لا أدري ما هي، ولكني سعيد بكل معنى الكلمة. # أجل، ها هي السعادة، دسمة متينة ذات وزن وكينونة، راسخة كقوة مطلقة، ذائعة كالهواء، عنيفة ~~كالشعلة، ساحرة كالشذا، خارقة للطبيعة فلا يمكن أن تدوم. # وآنس الآخر إلى تودده، فاستنام إليه، وقال: الحق أني أتصورك دائما إنسانا ذا طبيعة ~~حادة عنيفة، من شأنها أن تشقي صاحبها، وأن يشقى بها. ~~- حقا؟! ~~- لا تعرف المهادنة ولا الحلول الوسطى، تعمل بأعصابك، بنخاع عظامك، تقاتل قتالا ~~عنيفا؛ كأن أي مسألة إنما هي مسألة حياة أو موت! ~~- أجل، هذا حق. # تقبل النقد ببساطة، بصدر واسع، انداحت موجته في محيط من السعادة لا محدود، وغالب ~~ضحكة صافية بريئة، حتى غلبها أن يفسرها الآخر تفسيرا بعيدا عن بواعثها النقية، ~~وتساءل: إذن، فأنت ترى أنه لا بد من قدر من التوازن أمام الأحداث؟ ~~- طبعا، أذكر على سبيل المثال مناقشتك أول أمس عن العنصرية، إن رأينا فيها واحد، وهي ~~جديرة بالحماس لحد الغضب، ولكن أي نوع من الغضب؟ غضب فكري، غضب تجريدي لدرجة ما، وليس ~~الغضب الذي يزلزل الأعصاب، ويفسد الهضم، ويهبط بنبض القلب، أليس كذلك؟ ~~- واضح ومفهوم. # وغالب ضحكة ثانية حتى غلبها، قلبه يأبى أن يفرط في قطرة واحدة من أفراحه. العنصرية .. ~~فيتنام .. أنجولا .. فلسطين .. أي مشكلة .. عجزت جميعا عن اقتحام حصن السعادة الذي يطوق ~~قلبه، لدى تذكر أي مشكلة يقهقه قلبه. إنه سعيد سعادة جبارة، مستهينة بكل تعاسة، ~~باسمة لأي شقاء، تريد أن تضحك، أن ترقص، أن تغني، وأن توزع ضحكاتها ورقصاتها وأغنياتها على ~~مشكلات العالم. # وضاق بحجرته في الجريدة، ولم يجد أي رغبة في العمل، عاف مجرد التفكير في يومياته، وعجز ~~عجزا تاما عن استنزال عقله من معتصمه في ملكوت السعادة. وكيف يتأتى له أن يكتب عن غرق ~~التروللي باس في النيل، وهو ثمل بهذه السعادة المخيفة؟ أجل، إنها لمخيفة، كيف لا وهي بلا ~~سبب، عنيفة لدرجة الإنهاك، مشلة للإرادة، فضلا عن أنها ما زالت تصاحبه نصف نهار دون أن ms043 ~~تخف حدتها درجة واحدة؟! ترك الأوراق بيضاء، وراح يقطع الحجرة ذهابا وإيابا وهو يضحك ~~ويفرقع بأصابعه. # وساوره شيء من القلق، لم يغص القلق في أعماقه فيفسد سعادته، ولكنه تردد فوق سطح ~~العقل كفكرة مجردة، وخطر له أن يستحضر مآسي حياته ليمتحن أثرها في سعادته؛ لعلها تعيده ~~إلى توازنه أو تطمئنه في الأقل إلى أن سعادته قابلة للفتور. تذكر على سبيل المثال ~~وفاة زوجه، بكافة ظروفها وملابساتها، فماذا حدث؟ تراءى له الحدث سلسلة من الحركات بلا ~~معنى ولا تأثير؛ كأنه حدث امرأة أخرى، زوج رجل آخر، وقع في عصر من عصور التاريخ ~~البعيدة، بل لم يخل من أثر سار، داع للابتسام، بل مثير للضحك، وما تمالك أن ضحك، وإذا به ~~يقهقه ها .. ها .. ها. # تكرر ذلك، وهو يتذكر أول خطاب جاءه من ابنه معلنا عن رغبته في الهجرة إلى كندا، أما ~~عن قهقهاته وهو يستعرض مآسي العالم الدامية، فلولا سمك جدران حجرته، لجذبت إليه ~~العاملين في الجريدة والسائرين في الطريق. لم ينل شيء من مناعة سعادته. لاطمته ~~ذكريات الأحزان كما تلاطم أمواج البحر المستلقي فوق رمال الشاطئ تحت الشعاع الذهبي، ~~وغادر الجريدة دون أن يكتب كلمة، معتذرا في ذات الوقت من عدم حضور مجلس الإدراة. وهجع ~~إلى فراشه - كالعادة - عقب الغداء، ولكنه لم ينم، بل شعر أن النوم مستحيل، ليس ثمة ما ~~يبشر باقترابه ولو على مهل، إنه يثوي في مقام مشتعل متوهج يضج باليقظة والأفراح، لا ~~بد له من هدوء وسكينة وشيء من فتور الحواس والأعضاء، وأين منه ذلك؟ وضاق بالرقاد فغادر ~~فراشه وراح يدندن وهو يتمشى في مسكنه، وقال لنفسه إنه إذا استمرت هذه الحال، فسيتعذر ~~عليه النوم كما تعذر عليه العمل أو الحزن. وأزف موعد ذهابه إلى النادي، ولكنه رغب عن ~~لقاء أي صاحب. ماذا يعني تبادل الرأي في الأمور العامة والهموم الشخصية؟! وكيف يكون ~~الرأي فيه إذا وجدوه يضحك من كل كبيرة وصغيرة؟ ماذا يقولون؟ كيف يتصورون الأمر؟ كيف ~~يفسرونه؟ كلا، لا حاجة به إلى أحد، ولا ms044 رغبة عنده للسمر، عليه أن يخلو إلى نفسه، أن ~~يمشي طويلا ليتخلص من بعض فائض حيويته، وأن يفكر في أمره، ماذا حل به، كيف دهمته هذه ~~السعادة العجيبة، وحتى متى يحملها فوق كتفيه، وهل تصر طويلا على حرمانه من عمله وأصحابه ~~ونومه وراحة باله؟! هل يستسلم لها؟ هل يترك نفسه للتيار يعبث به كيف شاء هواه؟ أو أن عليه ~~أن يلتمس لنفسه مخرجا، بالفكر أو بالعمل أو بالمشورة؟ ~~••• # وقد شعر بالحرج وهو يدعى إلى حجرة الكشف بعيادة صديقه الباطني الكبير، وشمله الطبيب ~~بنظرة باسمة، ثم قال: لا يبدو عليك أنك تشكو المرض؟! # فقال له بصوت متردد: لقد جئتك لا لأني مريض، ولكن لأنني سعيد! # فنظر في أعماق عينيه متسائلا، فقال مؤكدا: أجل، لأنني سعيد! # مضت فترة صمت مشحونة بالقلق من ناحية، والتساؤل والدهشة من الناحية الأخرى. ~~- إحساس عجيب لا يمكن تعريفه بصفة أخرى، ولكنه جد خطير. # ضحك الطبيب، مسه مداعبا وهو يقول: أتمنى أن يكون مرضك معديا. ~~- لا تأخذ الأمر ببساطة، إنه جد خطير كما قلت لك، وإليك قصته. # وقص عليه قصته مع السعادة منذ استيقاظه صباحا، حتى اضطر إلى زيارته. ~~- ألم تتناول مخدرا أو شرابا أو عقارا من العقاقير المهدئة؟ ~~- لا شيء من ذلك مطلقا. ~~- هل صادفك توفيق في مجال هام مثل العمل .. الحب .. المال؟ ~~- لا شيء من ذلك مطلقا، ولدي من أسباب الكدر أضعاف ما لدي من أسباب ~~السرور. ~~- لعلك لو صبرت قليلا. ~~- صبرت النهار كله، وأشفقت من قضاء الليل هائما. # كشف عليه بدقة وعناية وشمول، وقال له وهو يهز منكبيه في حيرة: إنك مثال جيد للصحة ~~والعافية. ~~- وإذن؟ ~~- يمكن أن أنصحك بتناول منوم، ولكن من الأفضل أن تستشير أخصائي أعصاب. # وتكرر الكشف في عيادة أخصائي الأعصاب بنفس الدقة والعناية والشمول، وقال له الطبيب: ~~أعصابك سليمة، وبحال تحسد عليها! # فسأله برجاء: أليس لديك تفسير مقنع لحالي؟ # فهز رأسه نفيا، وقال: استشر طبيب غدد! # وتكرر الكشف لثالث مرة في عيادة أخصائي الغدد بنفس الدقة والعناية والشمول، وقال له ~~الطبيب ms045 : أهنئك على سلامة غددك! # ضحك، اعتذر عن ضحكه وهو يضحك، وكان الضحك وسيلة للإعراب عن قلقه ويأسه. # غادر العيادة وهو يشعر بأنه وحيد، وحيد بين يدي سعادته الطاغية، بلا معين ولا مرشد ولا ~~صديق، وإذا به يتذكر لافتة الطبيب التي يراها أحيانا من نافذة حجرته بالجريدة. أجل، إنه ~~لا يثق في الأخصائيين النفسيين رغم اطلاعه على مضمون التحليل النفسي. فضلا عن ذلك، فهو ~~يعلم بأن حبالهم طويلة، وأنهم يلزمون مرضاهم بنوع من المعاشرة الطويلة. وضحك وهو ~~يتذكر طريقة العلاج بالتداعي الحر، وما تكشف عنه في النهاية من عقد. كان يضحك وقدماه ~~تحملانه إلى العيادة النفسية، وتخيل الدكتور وهو يستمع إلى شكاته العجيبة من السعادة، هو ~~الرجل الذي اعتاد الإصغاء إلى الشاكين من الهستيريا والفصام والقلق ... إلخ. ~~- الحق يا دكتور أنني جئتك لأنني سعيد! # ونظر في وجه الرجل ليمتحن أثر قوله فيه، ولكنه رآه محافظا على هدوئه، فباح بعض الشيء، ~~وقال بلهجة اعتراف: إني سعيد، فوق ما يتصور العقل. # وشرع في قص قصته، ولكن الدكتور أوقفه بإشارة من يده، وقال بهدوئه: سعادة غامرة، عجيبة، ~~منهكة ... # رمقه بذهول، هم بالكلام، ولكن الطبيب سبقه إليه قائلا: سعادة جعلتك تضرب عن العمل، ~~تزهد في الأصدقاء، تعاف النوم. # هتف: أنت معجزة! # فتابع الرجل في هدوئه: وكلما ارتطمت بشقاء ما، أغرقت في الضحك. ~~- سيدي .. أأنت مطلع على الغيب؟ # ابتسم قائلا: كلا، لست من ذلك في شيء، ولكن عيادتي تستقبل حالة مماثلة مرة على الأقل ~~كل أسبوع! # فهتف: أهو وباء؟ ~~- لم أقل ذلك، ولا أزعم أنه أمكن تحليل حالة واحدة حتى الآن إلى عناصرها ~~الأولية. ~~- ولكنه مرض؟ ~~- جميع الحالات ما زالت تحت العلاج. ~~- ولكنك مقتنع بلا شك أنها حالات غير طبيعية؟ ~~- هو فرض ضروري للعمل ليس إلا. # فسأله بقلق: هل لاحظت على أحد منهم أن به خللا أو اضطرابا في ... # وأشار إلى رأسه بخوف، ولكن الدكتور قال بيقين: كلا البتة، أؤكد لك أنهم جميعا عقلاء بكل ~~معنى الكلمة. # وتفكر الدكتور مليا، ثم قال: يلزمنا جلستان في الأسبوع ms046 ؟ # فقال بتسليم: ليكن. ~~- لا يصح أن تجزع أو أن تحزن. # الجزع، الحزن؟! ابتسم، اتسعت ابتسامته لغير نهاية، أفلتت ضحكة منه، وما لبث أن أغرق ~~في الضحك، صمم على ضبط نفسه، ولكن مقاومته انهارت تماما، فراح يقهقه ~~عاليا. # | معجزة # سرى الدفء في أطرافه، هفت النشوة إلى رأسه، لم يعد في «فينيسيا» مقعد واحد خاليا، ~~اختنق المكان بالأنفاس ودخان السجاير، تراءى له وجهه في أكثر من مرآة، تتابعت على بصره ~~وجوه النساء والرجال والشواء ودوارق النبيذ الأحمر والأبيض وأصص الأزهار وصحاف السلطة ~~الخضراء، كان يجلس وحيدا، لعله الزبون الوحيد الذي انفرد بمائدته، وقد ولى الضجر، وانتعشت ~~روحه، فوثب فائض النشاط ينشد متنفسا. # أومأ إلى الجرسون، فجاءه من فوره، فسأله: تعرف السيد محمد شيخون الماوردي؟ # امتحن الرجل ذاكرته قليلا، ثم أجاب: كلا يا سيدي. ~~- إنه من زبائن فينيسيا. ~~- لكني لم أسمع باسمه من قبل. ~~- عجيبة! ~~- حضرتك على ميعاد معه؟ ~~- كلا، ولكني أريده لأمر هام. ~~- سأتحرى لك عنه. # ذهب الجرسون فغاب برهة ثم رجع ليؤكد له أن أحدا من موظفي المحل وعماله لا يعرفه، أو ~~يسمع باسمه من قبل. شكره، ثم تفرغ لدورق النبيذ الأحمر. راح يبتسم متسليا باستعراض ~~الوجوه، والتجسس على المداعبات اللطيفة الخفية. # وإذا بصوت يرتفع مناديا: السيد محمد شيخون الماوردي! التفت نحو مصدر الصوت التفاتة ~~مذهول بالمفاجأة، رأى مدير المحل قابضا على سماعة التليفون وهو يكرر النداء، وعيناه ~~تنتقلان من ناحية إلى أخرى، ولم يلب نداءه أحد، أبلغ المتحدث في التليفون أن محمد ~~شيخون الماوردي غير موجود، ثم أرجع السماعة إلى موضعها. # ابتسم الجرسون إليه وقال: ثاني شخص يسأل عن نفس الرجل في ساعة واحدة! # دار رأس الرجل، لا من النبيذ هذه المرة، ولكن من النداء الذي لم يتوقعه، من سماعه اسم ~~«محمد شيخون الماوردي»، هو في الحقيقة لا يعرف أحدا اسمه محمد شيخون الماوردي، ولا ~~يتصور أن يتسمى شخص به، وعلى وجه اليقين لم يرد لقاءه كما زعم. أجل قد سأل عنه ~~الجرسون، ولكنه أراد بذلك أن يسلي وحدته، أن ms047 يعبث عبثا بريئا، أن يفعل شيئا لا معنى له ~~ولا ضرر منه، فقرر أن يسأل الجرسون عن شخص ما، بأي اسم يرد على ذهنه، فكان ذلك الاسم ~~الغريب، الذي لوحظت الغرابة في اختياره لتتم اللعبة، وكان محتملا أن يخترع اسما آخر، ~~زيد زيدان زيدون مثلا، لذلك لم يدهش البتة لجهل الجرسون به، ولكنه ذهل حقا عندما ~~ارتفع النداء به، ذهل أن يسأل عنه سائل في هذه الحانة التي لم تسمع به من قبل! كيف ~~حدث هذا؟! وكيف يمكن تفسيره؟! # شرب قدحا جديدا وهو يفكر؛ إن معابثة جرسون ليست بمستحيلة، ولا ضرر منها، وهي ~~تسلية لا بأس بها لمن ألحت عليه الوحدة أو ثقل عليه الضجر، ولكن كيف تم تركيب اسم «محمد ~~شيخون الماوردي»؟ محمد اسم شائع يرد على الذهن بسهولة، أما شيخون فما أغربه من اسم، أين ~~ومتى سمعه؟ أتراه قرأه في كتاب مدرسي قديم؟ ولكن كيف وثب إلى خاطره؟ ولماذا؟ وما يقال عنه ~~يقال كذلك عن الماوردي، وباجتماعهما - شيخون والماوردي - يبلغ عسر التركيب الملفق ~~ذروته، بل إعجازه، فكيف يتبين بعد ذلك أنه اسم رجل حقيقي، رجل يحتمل أنه زار الحانة ~~لأول مرة هذا اليوم، ثم يطلبه آخر بالتليفون في نفس الساعة، ألا يدعو ذلك للدهشة ~~والتأمل؟! # وشرب قدحه الخامس فتطايرت نشوته مشعشعة بالدهشة والتأمل. # يجدر به منذ الساعة أن يولي نفسه ما يستحق من الاحترام، أن يتعجب ويتساءل، أن يحكي ~~الحكاية لكل من هب ودب، أن يبحث لها عن تفسير. لقد وقعت معجزة، وقعت ببساطة بين ~~جدران حانة، وسط السكارى والمعربدين من الجنسين، ولا سبيل - للأسف - لتنبيههم إلى ~~مغزاها، أو التماس تصديقهم لها، فهم لم يفدوا إلى الحانة ليشهدوا معجزة أو ~~ليتأملوا معناها، سيرمقونه - إذا حدثهم بها - باستغراب، ثم باستنكار، وسرعان ما ~~يعرضون عنه راجعين إلى لهوهم، أو يتناولونه بألسنة الهزء والسخرية، ماذا يريد هذا الرجل؟ ~~لعله لا يملك ثمن طعامه وشرابه، أو لعله نصاب أو مجنون. محمد شيخون الماوردي؟! أسمعتم عن ~~المعجزة الجديدة؟ إنه لم يحي الميت ولم ms048 يسر إلى المسجد الأقصى، ولكنه عرف بإلهام خارق ~~أن محمد شيخون الماوردي اسم، وأنه اسم سكير من زبائن فينيسيا. أرأيتم؟! أعرفتم الآن في ~~أي عصر نعيش؟! # ليكن من رأيهم ما يكون، فلن ينال ذلك من قيمة المعجزة، ولو عن لأحد أن يعتبرها مصادفة ~~لجاز أن نرجع المعجزات جميعا إلى مصادفات، لجاز أن نفسر الخلق بمصادفات لا معنى لها، ~~ولكن ما عسى أن تكون هذه المعجزة؟ نوع من قراءة الغيب؟ موهبة غريبة بدأت تعلن عن نفسها؟ ~~لقد بلغ الأربعين دون أن يفطن إلى موهبته الحقيقية. قنع عمرا طويلا بأن يكون كاتب حسابات، ~~بأن يقتصر عمله على التعليمات المالية؛ لائحة المخازن والمشتريات، الأوامر المنفذة لها، ~~الشطب والمراجعة والميزانية والحساب الختامي، على حين تستقر في أعماقه موهبة فذة، أن ~~يحمل عبء أسرة، أن يرضى بالكفاف، أن يعتنق التقشف، على حين تستكن في قلبه جوهرة ~~غالية. لندع السكارى جانبا، فثمة آخرون سيدهشون لها حقا، ويقدرونها حق قدرها، ~~هناك زوجة، وبعض الزملاء الطيبين، وهناك شيخ الزاوية التي يصلي بها من حين ~~لآخر. # وأفرغ ثمالة الدورق في القدح الأخير، فاقترب الجرسون من مائدته ليكون رهن إشارته، وما إن ~~رآه حتى قال له بلا تدبير سابق: تعرف زيد زيدان زيدون؟ # فأجاب الرجل وهو يرمقه بدهشة: كلا يا سيدي، أهو أيضا من زبائن المحل؟ ~~- أجل. ~~- حضرتك على ميعاد معه؟ ~~- كلا، ولكني أريده لأمر هام أيضا. # وغاب الرجل برهة، ثم رجع ليؤكد له أن أحدا من موظفي المحل أو عماله لا يعرفه، أو ~~يسمع باسمه من قبل. شعر - بعد فوات الأوان - أنه تسرع بلا حكمة، ما كان ينبغي أن يتحدى ~~موهبته الوليدة على هذا النحو. من يتصور أن تقع معجزتان في ساعة واحدة، وفي حانة ~~واحدة؟! وإذا فشلت التجربة الثانية، كما هو متوقع، فهل ينال من فشلها من مغزى التجربة ~~الأولى؟! كلا، مهما يكن من أمر فلن يسمح. # ورأى الجرسون مقبلا نحوه، فلما بلغ مجلسه، قال له: تليفون يطلبك. # تساءل بدهشة: لا أحد يعرفني هنا، ولا أنت نفسك، فكيف ms049 عرفت أنني الشخص المطلوب؟ ~~- اتصل صاحب حضرتك بالمدير و... # قاطعه متسائلا: أي صاحب تعني؟ ~~- السيد زيد زيدان زيدون! # زلزلته هزة عنيفة، فغض بصره ليخفي عينيه عن الجرسون، وتابع الرجل قائلا: اتصل ~~بالمدير، عرفه بنفسه، وسأله هل يوجد في الحانة أحد يسأل عنه؟ # لم يجد بدا من الانتقال إلى التليفون وهو يتخبط في ذهوله وارتباكه. ~~- آلو. ~~- أنا زيد زيدان زيدون. من حضرتك؟ ~~- إني قادم إليك في الحال وشكرا. # هكذا أنهى المكالمة بلباقة، دون أن يفطن أحد إلى ما دار فيها، وقرر أن يغادر المكان ~~فورا تفاديا من وقوع مضاعفات جديدة، غادره وهو يترنح من الذهول والوجل ~~والفرح. # لم يكن له من حديث فيما تلا ذلك من أيام إلا محمد شيخون الماوردي وزيد زيدان زيدون. قال ~~البعض إنها مصادفة، مصادفة خارقة، ولا شيء وراء ذلك، وما أكثر المصادفات في دنيانا، ~~ألا تذكر كيف تزوج رئيس القلم؟ ألا تذكر كيف قتل جارك في ليلة العيد؟ ألا تذكر ~~كيف تولى وزير وزارة العدل لانطباق اسمه على اسم آخر كان هو المقصود بالوزراة؟! وقال ~~آخرون إنها ظاهرة عجيبة حقا، ولكن يمكن إخضاعها للتفسير الطبيعي، فالأسماء الغريبة مأخوذة ~~من مخزون الذكريات البعيدة، وغير مستحيل أن الرجلين كانا يجلسان على مقربة منك، وأن ~~اسميهما لاطما وعيك - رغم انشغالك طوال الوقت بدورق النبيذ - فلما أغراك العبث بتلفيق ~~اسمين وجدتهما طافيين على سطح شعورك أو عالقين بمسمعك، ولا غرابة بعد ذلك في دعوات ~~التليفون، فهي مما تقع كل يوم في المقاهي والحانات! # إذن، فهي إما أن تكون مصادفة خارقة جدا، وإما أن تكون ظاهرة طبيعية جدا. # لا هذا ولا ذاك أرضاه؛ إنه يطمح إلى تفسير جديد يواكب انفعاله المحلق فوق الطبيعة، ~~تفسير خليق بأن يرفعه درجات، بأن يغير وجه حياته، بأن ينتشله من هموم الحياة ومآزقها، ~~ومن حسن الحظ أن كان لشيخ الزاوية رأي آخر، هو وحده الذي استعاده الحكاية مرات، وقرب ~~منه وجهه وهو ينظر في أعماق عينيه، وقال: أتريد رأيي بالحق والصدق! .. أنت فيك شيء ~~لله! # وامتحن ms050 أثر قوله في وجهه، ثم تابع: لا عجب لذلك، فأنت رجل طيب، ولا تفوتك صلاة ~~الجمعة. # وتفكر الشيخ قليلا، ثم قال: ولكن أين اكتشفت الموهبة؟ في حانة! ألا تدري ماذا يعني ~~هذا؟ ~~- كنت أتناول عشائي ليس إلا. ~~- ولو، إنه امتحان وتحذير. # فسلم برأيه حتى لا يشتت تيار أفكاره. فتابع الرجل: وهناك معنى لا يجوز أن يخفى ~~عليك! ~~- ما هو يا ترى؟ ~~- إن من يوهب كنزا، فعليه أن يستثمره لخير الناس ولخيره. # وتركه الشيخ لنفسه، روى له بعض سير الأولياء، ونوه ببعض الكتب، ثم تركه لنفسه وقرر ~~هو أن يبدأ بالمعرفة، فراح يطالع الكتب المأثورة. كلفه ذلك مالا، ولم يكن يملك فائضا ~~منه، ومشقة في الاستيعاب، ولم يكن من المدربين على القراءة العسيرة، ومن بادئ الأمر لم ~~يلق من زوجه تشجيعا. الحادثة عجيبة حقا - قالت - ولكنها لا تعني أكثر من ذلك، مثلها ~~كمثل العجائب الكثيرة التي تقع بين كل مطلع شمس وغروبها. ما كان يجوز أن يجعل منها نادرة ~~في كل مجلس، ألا يخشى أن يصير هو في النهاية نادرة المجالس! وما كان يجوز أن يجعلها ~~شغله الشاغل، أن يقبع بسببها في حجرته ليقرأ ويقرأ، مهملا واجباته الحقيقية في هذه ~~الحياة. وضرب كفا بكف وهو يقول: هذا هو منطق المرأة! وهل كان ينتظر رأيا أفضل من امرأة؟! ~~وفضلا عن ذلك كله فإن قسوة المعيشة قد أفسدت تفكيرها، وألصقتها بتوافه الأرض. # ولكنه عرف سبيله ولن توقفه قوة، هناك أمل، عند الأفق، وراء حياته الذابلة التافهة ~~الجدباء، أمل يعده بالقوة والنور والامتياز، سيتحول الرجل المسكين إلى شخص نوراني ~~باهر يأتي بالمعجزات، وسوف يوارى بعد عمر طويل في ضريح مبارك. # وازدادت معلوماته يوما بعد يوم، ولكنه كان يدرك أن جوهر المسألة لا ينهض على العلم، ~~وإنما على قطع طريق طويلة، خطوة خطوة، مقاما فمقاما، وحالا بعد حال. أين يجد الصبر؟ ~~كيف يسعفه الوقت؟ ومن أين له بالقوة والعزم؟ ولكن هل ينسى أن المعجزة قد وقعت في «فينيسيا» ~~بلا مقدمات ولا تمهيد، بلا معرفة ولا ms051 ثقافة، وبلا أدنى فكرة عن الطريق ومشاقه؟! حدث ذلك ~~فعلا، بعد عمر طويل من الخمول واليأس، حدث أن تجلت موهبته فجأة في حانة وهو يشرب النبيذ ~~الأحمر! وإذن فما عليه إلا أن يتابع قراءاته وتأمله، وأن ينتظر بعد ذلك المعجزات، وهي آتية ~~لا ريب فيها، وكان عجيبا أن يرتفع صوت زوجه مرة أخرى لينعى عليه كفه عن العمل على الآلة ~~الكاتبة في غير الأوقات الرسمية لزيادة دخله، ها هي تفكر في الآلة الكاتبة وما تدره من قروش ~~في اليوم، غافلة عن همومه الحقيقية، جاهلة بالحقائق الجدية في هذه الحياة. ها هي تنعى عليه ~~انزواءه وتأمله، وإهماله أسرته ومظهره، ووقوفه موقف التسليم وعدم الاكتراث من مضاعفات ~~الفقر التي اجتاحتهم، إنه يلقى نعيها بالصمت والصبر الجديرين به، تاركا الفصل في القضية ~~للزمن وحده. ستصبح ذات يوم، فإذا بها زوجة لولي من أولياء الله الصالحين، ستطرق أبوابهم ~~رحمة الرحمن، وسيرتفعون فوق الناس درجات ودرجات. # وطال به عهد القراءة والتأمل، حتى اقتنع بأنه آن له أن يجرب موهبته. # مضى إلى أقرب مقهى من داره متوكلا على الله، سأل الجرسون عن اسم شخص وهمي كما اتفق له ~~النطق به، نفى الرجل معرفته به كما توقع، جلس ينتظر من التليفون أن يخف لنجدته، انتظر ~~حتى ميعاد التشطيب ولكن دون ثمرة. # وتنقل من مقهى إلى مقهى، وخطر له أن المعجزة ربما لا تريد أن تتحقق إلا في حانة، فراح ~~يطوف بالحانات، ولكن بلا جدوى. لم يستسلم لليأس وإن شقي بتجاربه، وهصرت التعاسة قلبه، ~~وأخيرا قادته قدماه إلى حانة «فينيسيا»، وكان طيلة الوقت يدور حولها ولا يقترب منها خوفا ~~من إجراء تجاربه فيها؛ إذ خيل إليه أن الفشل في فينيسيا إنما يعني فشلا نهائيا يسد ~~أبواب الأمل. طلب دورق نبيذ أحمر، لا ليسكر، ولكن مجاراة لتقاليد المحل، ومضى يتساءل عما ~~يجدر به فعله، وفيما هو في حيرته إذ خطر له أن أحد الزبائن سيسقط عن مجلسه ميتا! أتكون هذه ~~هي المعجزة المنتظرة؟! لقد وردت على ذهنه من تلقاء ms052 نفسها، وهي ليست باسمة ولا خيرة، ~~ولكنها ستكون معجزة بلا ريب، ولعلها تخفي في طياتها خيرا غير منظور ولا ملموس، ومضى ~~يجول ببصره بين الوجوه الضاحكة متسائلا عن صاحب الوجه الذي ستتحقق ولايته على يديه. وفيما ~~هو يجول ببصره، إذ لمح شخصا وهو ينفصل عن مجموعة معربدة ليستقر إلى مائدة خالية إلى ~~جانبه. جذب سلوكه انتباهه، فغلب على ظنه أنه الشخص الموعود. نظر نحوه، فرآه يرنو إليه ~~بعينين باسمتين، بسمة لا تخلو من قحة، فتوقع أن يمازحه على طريقة السكارى، كلما نظر ~~نحوه طالعته ابتسامته الجريئة، فسرعان ما يتحول عنه، ولاحظ إلى ذلك أن أصحابه المعربدين ~~يسترقون النظر إليه - إليهما على الأصح - كأنهم يتابعون مشهدا مثيرا، أو يتوقعون حدثا ~~يتخذون منه زادا لعربدتهم، تولاه شيء من القلق، فصمم على تجاهله، ومضى يجول ببصره بين ~~الوجوه، وإذا بالآخر يهمس له متسائلا: لم لا تشرب؟ # ها هو يبدأ لعبته، ليكن على حذر منه، وتجاهله تماما، فعاد الآخر يقول: كان ينبغي أن ~~نكون أصدقاء منذ زمن بعيد! # إنه يستدرجه ليثب من فوقه إلى عربدته، فليصر على تجاهله. ~~- إنني أتذكرك جيدا، كنت تجلس في نفس المكان. # عم يتحدث السكران؟ لو في المكان مقعد خال لانتقل إليه. ~~- كنت ليلتها تشرب وتبتسم، وكنت وحيدا، أنت دائما وحيد. # ترى هل شهد ليلة المعجزة؟! وأخذ يهتم به على نحو جديد. ~~- كنت أجلس إلى جوارك بين عدد من الأصدقاء. # متى يسكت؟ متى يذهب؟ متى يموت؟ ~~- وسمعتك تسأل الجرسون عن شخص اسمه .. اسمه؟! # نظر إليه بحركة مفاجئة لا إرادية، وقد طفح بصره بالاهتمام. ~~- كان اسما غريبا ومضحكا، كأنه اسم رجل من الجاهلية! # غلب على أمره فخرج من صمته متسائلا: محمد شيخون الماوردي؟ ~~- عليك نور، محمد شيخون الماوردي. # حدجه باهتمام، متلهفا على مزيد، ولكن الآخر مد ساقيه ولاذ بالصمت. # خانه الصبر فسأله: ماذا تريد أن تقول؟ ~~- لا شيء. # تحول عنه متظاهرا بعدم الاكتراث، لزم الآخر الصمت دقائق، ثم قال: لا تتظاهر ~~باللامبالاة. ~~- ليس الأمر بذي بال. ~~- بل إنك تود أن تعرف ms053 ، بخصوص التليفون مثلا؟! # دق قلبه بعنف، ولم يتمالك أن يسأله: ماذا عن التليفون؟ # ضحك ضحكة قصيرة، وقال: سمعتك تسأل الجرسون عن محمد شيخون الماوردي، وهو يعتذر عن عدم ~~معرفته، وقع الاسم من آذاننا - أنا وأصدقائي - موقع الدهشة، كنا سكارى كما تعلم، حسن .. ~~من يكون شيخون هذا؟ وهل ثمة مطابقة بين اسمه وشخصه؟ عندك فكرة طبعا عن عبث السكارى، قررنا ~~البحث عنه، بأي ثمن، أردنا أن نرى صاحب الاسم العجيب. # هز رأسه يستحثه على الاستمرار، فقال الآخر: ما العمل؟ تطوعت لتنفيذ فكرة لا بأس ~~بها، وهي أن أتسلل إلى المقهى المجاور للحانة، هناك طلبت رقم فينيسيا، ورجوت المدير أن ~~يدعو إلى التليفون محمد شيخون الماوردي! ~~- لا! # ندت عنه كزمجرة منطلقة بشظايا الحنجرة. ذهل الآخر فتساءل: ما لك؟! ~~- أنت! # انقطع صوته مختنقا بشدة انفعاله: أستاذ، هل أخطأت؟ ماذا حل بك؟! # رماه بنظرة غاضبة كاسرة متحفزة قاتمة من اليأس؛ انتفخ وجهه، احتقن بدم أسود، برزت ~~عروق الجبين نافرة وانعقدت كدمات زرقاء، أراد أن يتكلم، أن ينفجر صارخا، ولكن شفتيه ~~انطبقتا كأنهما ألصقتا بالغراء، إنه يصارع قوة خفية، يدافع هجمة ضارية غير مرئية، ~~يقاوم زحفا حانقا. وبسرعة مذهلة قبض على دورق النبيذ، وقذفه به بأقصى قوة فأصاب رأسه فوق ~~الجبهة، تحطم الدورق، سال النبيذ على وجهه وعنقه ممزوجا بالدم. صرخ الرجل ألما وغضبا. ~~انقض عليه وهو يترنح، يريد أن يقبض على عنقه، فتناول الآخر الشوكة وطعن بها عنقه بكل ~~قوة يأسه، انكفأ فوق المائدة وهو يصرخ، ثم تهاوى على الأرض. # | المجنونة # ما أكثر المعارك في حارتنا! للسبب الخطير والتافه على السواء تنشب المعارك في حينا، ما ~~من ساعة من نهار أو ساعة من ليل إلا وتتطاير شتمة أو سخرية أو طوبة، يتشاجر اثنان أو أكثر، ~~يستوي في ذلك الصغار والكبار، والويل لنا إذا طالت معركة فاتسعت دائرتها، وانضم إلى كل ~~شخص فريق، فانتشرت كالنار والتهمت الأرجاء، وإذا كانت المعارك لا تدوم، أو لا يمكن أن تدوم، ~~فإن رواسبها لا تزول أبدا، ومضاعفاتها تستفحل يوما ms054 بعد يوم، حتى أمسى جونا مشحونا ~~بالتربص والحذر والكراهية والخوف، جو سريع الاشتعال قابل في أي لحظة للانفجار، ربما لمجرد ~~نكتة أو غمزة عين أو نحنحة. # من بين المعارك التي ابتلينا بها، برزت معركة بروزا داميا لا ينسى، معركة غريبة فظيعة ~~غامضة، غطت على جميع ما سبق أو لحق بها من المعارك، فلذلك سميت بالمجنونة، وجرت في ~~تاريخنا أسطورة من الأساطير. # في ذات يوم اجتاحت الحارة معركة شاملة، اشترك فيها جميع من اتفق وجودهم على أرضها من ~~عاملين وعاطلين. تضاربوا بادئ الأمر بالأيدي والأرجل والرءوس، وكلما جذبت إليها أحدا ~~بدافع من حب الاستطلاع، أو الاطمئنان على عزيز، أو المصالحة بين متخاصمين، وجد نفسه ~~بعد حين مشتركا فيها بطريقة أو بأخرى، واشتد القتال وتضخم، واستعمل وسائل جديدة ~~كالطوب والكراسي والعصي والآلات الحادة، وقد استمرت حوالي الساعتين قبل أن يترامى نبؤها ~~إلى القسم، ولما جاء رجال الأمن، وجدوا أرض الحارة مغطاة بالقتلى والمحتضرين والمصابين ~~إصابات قاتلة، وقد علا الصوات واحتدم اللطم. لم يسلم رجل واحد، وما من أسرة إلا وفقدت ~~رجلا أو أكثر، وكان للخبر وقع شديد لدى الجهات المسئولة، وبمجرد نشره في صحف تلك الأيام ~~مصحوبا ببعض الصور الدامية، اهتز الرأي العام هزة عنيفة غاضبة، ووقف رجال الأمن حيارى. ~~هل تقتصر مهمتهم على دفن الموتى؟! ما السبب؟ من البادئ؟ من المسئول؟ ومن عسى أن يجيب ~~بعد أن سوى الموت بين المعتدي والمعتدى عليه، وحتى متى ترتكب هذه الفظائع بلا خوف أو ~~اكتراث أو تقدير للعواقب؟! ~~- علينا أن نصل إلى الحقيقة مهما كلفنا الأمر. # ولكن أي جدوى تنتظر من وراء ذلك، وأي جديد هناك؟! ثمة عداوات قديمة وجديدة، ومنافسات ~~على الفتونة، ولكن قد هلك الجميع بلا استثناء، لم يبق شخص واحد من الذين اشتركوا في ~~المعركة، لم ينج إلا من كان يسعى وراء رزقه خارج الحارة، ولدى أوبتهم اكتشف كل أنه ~~فقد ابنا أو أبا أو عما أو خالا. ~~- يمكننا أن نتصور كيف تبدأ المعارك وكيف تتسع، ولكن من المحرك الأول؟ من ms055 ~~المسئول؟ # قالت امرأة: خرجت من بيتي لأرمي ماء الغسيل في الحارة، فرأيت العجل يجري وهو يحلف ~~بأيمانه ودينه لينتقمن. # ينتقم ممن ولمن؟ لم تسمع أكثر من ذلك، عادت إلى حجرتها، وبعد وقت قصير ارتفعت ضجة ~~كبيرة. ~~- نظرت من الشباك، فرأيت عددا من الرجال لا يعد ولا يحصى، يضربون ويضربون ~~ويسقطون! ~~- أرأيت العجل بينهم؟ ~~- كان يقاتل والدماء تغطي وجهه وصدره. ~~- ومن الآخر الذي قاتله؟ ~~- كان من المستحيل أن أعرف من مع من، أو من ضد من. # حسن، محتمل أن تكون المعركة قد بدأت بالعجل، ومحتمل أن تكون بدأت قبل ذلك، وأنه جرى ~~لينتقم للجانب المعتدى عليه، ولكن من هو العجل؟! هو دقاق طعمية، ومن رجال عجرمة، فهل ~~ترجع المعركة إلى العداوة التقليدية بين رجال عجرمة ورجال المناديلي؟! ولكن شهد كثيرون بأن ~~العلاقات بين عجرمة والمناديلي كانت تنعم بما يشبه الهدنة، وإن يكن من المستحيل التأكد من ~~هذه النقطة بعد أن قتل العجل وعجرمة والمناديلي جميعا. ~~- إذن، من هم الأشخاص الذين يخاطر العجل بروحه للانتقام لهم؟ # أجاب كثيرون: شقيقه حتحوت. # وتبين أنه كان بياع بطاطة، وقد قتل أيضا في المعركة. ~~- فمن هم أعداؤه؟ ~~- جميع رجال المناديلي، وقد قتلوا عن آخرهم. # وسئل من ضحايا المعركة من استطاع أن يتكلم، قبل أن يسكته الموت، قال أحدهم: رأيت ~~صديقا في المعركة، فانضممت إليه، ولكني لم أعرف أسبابها. # وقال ثان: ظننت أن المعركة تدور بين عجرمة والمناديلي، فانضممت إلى رجال المناديلي ~~بطبيعة الحال. # وقال ثالث إنه اشترك في المعركة لأنه لا يستطيع أن يشهد معركة ويقاوم إغراء الاشتراك ~~فيها. # وقال رابع إنه لمح بين المتعاركين غريما له في حب امرأة، فهاجمه بلا تردد. # وخامس قال إنه كان يغادر بيته، فأصابته طوبة عمياء، فراح يرمي بالطوب على غير هدى، حتى ~~أصابته سكين. # وهكذا وهكذا، حتى تبين أن شخصا هاجم آخر، لا لشيء إلا أنه يتشاءم برؤية وجهه، وعلى ~~كثرة ما قيل، فإن التحقيق لم يفد منها شيئا ذا بال، ظل دور العجل محوطا بالغموض، وظلت ~~الأسباب الأولى ms056 للمعركة مجهولة. ~~- ألم ير أحدكم العجل وهو يقتل أحد ضحاياه، أو عندما قتل؟ # قالت امرأة: رأيت العجل وهو يقتل القللي. # وقالت أخرى: رأيت العجل وهو يقع قتيلا بيد دقلة. # إذن، فالعجل قد قتل القللي، ودقلة قد قتل العجل، وليس عجيبا أن يقتل دقلة، وهو من رجال ~~المناديلي، رجلا كالعجل من رجال عجرمة، ولكن لماذا قتل العجل القللي، وكلاهما من رجال ~~عجرمة؟! # وتحاور المحققون: إنه للغز! ~~- إنه للغز! ~~- أجل، ولكن قد نجد في حله الحل الأخير للمسألة. # تركز اهتمام الباحثين على القللي، فدلت التحريات على وجود شقيق له على قيد الحياة ~~يدعى الزين، وسئل الزين عن علاقة شقيقه القللي بالعجل، فأجاب ببساطة: ثلاثتنا من رجال ~~عجرمة، وكنا أصدقاء. ~~- ألم تتغير علاقتهما في الأيام الأخيرة؟ ~~- كانا صديقين حتى اللحظة التي تركت فيها الحارة، في صباح اليوم المشئوم! # ثم أدلى بما لديه من معلومات، فقال: خرجت في الصباح الباكر بعربتي لأبيع الفول، وعادة ~~ما يذهب معي حتحوت شقيق العجل، وهو بياع بطاطة، فنسرح معا أو نستريح من تجوالنا ~~معا. ~~- متى علمت بالمعركة؟ ~~- رجعت إلى الحارة ظهرا، كان كل شيء قد انتهى، ووجدت أخي والعجل وحتحوت بين ~~القتلى. ~~- قلت إن حتحوت كان معك، فكيف قتل في المعركة؟ ~~- وقع له حادث اضطره إلى العودة مبكرا عن ميعاده. ~~- كيف كان ذلك؟ ~~- من عاداتنا - أنا وهو - أن نتسلى في أوقات الفراغ بالمصارعة، تصارعنا كالعادة، ~~وإذا به يسقط مغمى عليه، رششت الماء على وجهه حتى أفاق، وعند ذاك اعترف لي بأنه مسطول ~~وأنه يشعر بخور، فلذلك رجع إلى الحارة وهو لا يدري أنه ذاهب إلى حتفه! # ما زال اللغز لغزا، لم قتل العجل القللي وهو صديقه، وكلاهما ينتميان إلى فتونة ~~واحدة؟ # هل كان هو الرجل الذي أقسم العجل لينتقمن منه، أو أن القللي تصدى للدفاع عن الآخر ~~الذي اندفع العجل للانتقام منه؟! # وتطوع للشهادة رجل ليس في الأصل من أهل الحارة، ولكنه من زبائن العجل، قال: ذهبت إلى ~~دكان العجل لأدق طعمية، فرأيته يغادرها مسرعا غاضبا وهو يهتف ms057 : «يقتلك المجرم! .. الويل ~~له!» # ها هي شهادة أخرى تؤكد شهادة المرأة الأولى، وتضيف إليها تفاصيل جديدة، العجل تبعا ~~لهذه الشهادة يريد أن ينتقم لشخص قد قتل، شخص قتل قبل أن تبدأ المعركة، ربما في اليوم ~~السابق لها، أو في أثناء الليل، وتابع الشاهد المتطوع قائلا: جلست أنتظر في الدكان ~~دقائق، ثم حدثني قلبي بأن أحداثا ستقع، وكنت أعرف كيف تشتعل النار في الحارة لأوهى ~~الأسباب، فذهبت مؤثرا السلامة. ~~- ألم تر أحدا في الدكان؟ ~~- رأيت غلاما في العاشرة يقف في مدخلها، فسألته عن المكان الذي ذهب إليه العجل، ولكنه ~~تراجع كالخائف، ثم جرى بسرعة حتى اختفى. # وعرض عليه جمع من غلمان الحارة، ولكنه لم يتعرف على الغلام المعني، واتجه البحث ~~إلى معرفة القتيل الذي هب العجل للانتقام له. من كان ذلك الرجل؟ هل قتل أحد من أهل ~~الحارة أو من أصدقاء العجل قبيل المعركة؟ كلا، لم يقتل أحد من هؤلاء قبيل المعركة، ~~سواء بساعات أو بأيام! ~~- أنظل ندور وندور حول أنفسنا دون أن نتقدم خطوة واحدة؟! # وإذا بالتحريات الدقيقة تقطع بأن المحور الذي دارت حوله المعركة كان في الخرابة الواقعة ~~لقاء مقلى القللي، وإذن فمن المحتمل أن العجل جرى إلى القللي في المقلى ليعتدي عليه فنشبت ~~معركة، واتسعت مندفعة نحو مجالها الطبيعي في الخرابة؛ وإذن، فلعل القللي هو الذي قتل ~~الشخص الذي جاء العجل للانتقام له، ولكن كيف يؤخذ بهذا الاستدلال ولم يثبت بعد مقتل ~~أحد قبل المعركة؟! ~~- لعلنا نقترب من الحقيقة، وما علينا إلا أن نعثر على الخيط الذي يجمع أشتاتها. # لقد علم العجل بأن القللي قتل أو حرض على قتل شخص ما عزيز عليه، فغادر دكانه إلى ~~المقلى لينتقم من قاتله، لم يجد المكان خاليا ولا القللي لقمة سائغة، فتدخل كثيرون ~~بينهما، بدأت معركة، اشترك فيها كثيرون لأسباب شتى، انجر إليها عن سوء نية أو سوء ~~فهم رجال عجرمة والمناديلي، ثم سرعان ما اجتاحت الحارة كلها، حتى أهلكت جميع من ~~اشتركوا فيها. حدث ذلك كله انتقاما لمصرع شخص مجهول ms058 ، لم يثبت مصرعه حتى الآن؟! # وتحاور رجال الأمن: ولكن من الغلام الذي كان في دكان العجل؟ ~~- لقد جيء بغلمان كثيرين، فلم يتعرف الشاهد على أحد منهم. ~~- لعله غلام غريب عن الحارة! ~~- ولعله الخيط الذي نبحث عنه! ~~- ماذا كان يفعل في الدكان؟ ~~- ولماذا جرى كالخائف؟! # وأكد تلك الظنون رجل من غير أهل الحارة، ولكنه يبيع الكنافة في المنعطف الموصل ~~إليها. # قال في شهادته: رأيت غلاما في العاشرة يجري نحو الحارة، وهو يصيح يا عم عجل .. حتحوت ~~أخوك قتل! # انفجرت تلك الشهادة كالقنبلة، جمعوا غلمان الحارة وعرضوهم عليه، ولكنه لم يتعرف على ~~الغلام المقصود. ماذا يعني قول الغلام؟ إن حتحوت شقيق العجل قد قتل حقا، ولكن في ~~المعركة، لقد جاء والمعركة مستعرة بشهادة شهود كثيرين، ثم رأى جثة أخيه العجل، ولما علم ~~بأن قاتله هو دقلة، حمل عليه حتى قتله، ثم قتل بعد ذلك! # وسئل بياع الكنافة: أرأيت الغلام قبل المعركة أم في أثنائها؟ ~~- قبل المعركة. ~~- أتستطيع أن تعطينا فكرة عن الوقت الذي مضى بين رؤية الغلام وبدء المعركة؟ ~~- حوالي ربع ساعة. # وتحاور رجال الأمن. ~~- لا شك أن ذلك الغلام هو الذي أشعل الفتيل! ~~- بلى، جرى إلى العجل فأخبره بمقتل شقيقه! ~~- ولكن شقيقه كان في ذلك الوقت حيا يرزق! ~~- كيف؟ ولم كذب الغلام؟! ~~- لعل شخصا حرضه على ذلك لغرض في نفسه؟ ~~- ولكن، أين اختفى؟ ~~- لعله ليس من غلمان هذه الحارة. ~~- ولا شك أنه نفس الغلام الذي رئي في دكان العجل. # طال التحقيق وتشعب، ولكنه لم ينته إلى نتيجة مريحة أو مقنعة. وأخيرا، قال المأمور ~~لرجاله، وقد أنهكهم البحث والتفكير: لقد راجعت التحقيق والتحريات، فاقتنعت بأن ~~الحقيقة أفلتت منا إلى الأبد، ولكني أتخيل أنها ربما جرت على الوجه الآتي: # الزين (شقيق القللي) وحتحوت (شقيق العجل) سرحا معا كعادتهما كل يوم، وكعادتهما أيضا ~~تصارعا في وقت الفراغ طلبا للترويح عن النفس، اجتمع حولهما نفر من الغلمان ليتفرجوا ~~على المصارعة، سقط حتحوت مغمى عليه من أثر المخدر الذي تعاطاه، رآه الغلام المجهول ~~فاعتقد أنه قتل ms059 في المصارعة، جرى إلى الحارة ليبلغ العجل، أخبره أن الزين قتل أخاه، ~~صدق العجل الخبر دون أن يتثبت منه، فوقع فريسة للغضب والجنون، غادر دكانه لينتقم ~~لأخيه، ولما لم يكن له من سبيل إلى القاتل الذي حدس هربه، فقد قصد إلى شقيقه القللي؛ ~~ليصب عليه انتقامه. تعارك الرجلان، انضم إلى كل رجال من صحبه، ظن رجال عجرمة ~~والمناديلي أنهم المدعوون للمعركة، فرموا بأنفسهم فيها، ثم اشترك كثيرون لأسباب شخصية أو ~~عرضية حتى شملت المعركة الحارة كلها، ثم كان ما كان من هلاك جميع من اشتركوا ~~فيها! # دهش رجال المأمور وهم يصغون إليه، ومع أن تخيله لم يكن إلا فرضا، إلا أنه جاء ~~مقنعا ورابطا بين الحقائق المتناثرة، ويمكن على أساسه حل لغز المعركة. ~~- يا له من خيال صادق! ~~- وإذن، هلكت الحارة لغباء غلام! ~~- أو غباء رجل وهو الأرجح! ~~- بل هو غباء الحارة، وهو الأصدق! # وجرى خبر المعركة مجرى الأمثال والأساطير، وركز الرواة على دور الغلام المجهول فيها، ~~لا لاطمئنانهم إلى حقيقته، ولكن لطرافته قبل كل شيء. أما سرها، فقد ضاع إلى الأبد، ~~مخلفا وراءه ذكرى مغلفة بالسواد والأحزان. # | خمارة القط الأسود # كانوا يرددون أغنية جماعية عندما ظهر في الباب رجل غريب. # لم يكن بقي في الخمارة كرسي واحد خاليا، وهي - الخمارة - عبارة عن حجرة مربعة ~~تقوم في أسفل عمارة عتيقة بالية، تضاء نهارا وليلا لقتامة جوها المدفون، وتطل على ~~حارة خلفية بنافذة وحيدة من خلال قضبان حديدية، طليت جدرانها بلون أزرق فاتح، يرشح ~~رطوبة في مواضع شتى على هيئة بقع غامقة، ويفتح بابها على ممشى ضيق طويل يمتد حتى ~~الشارع، وعلى جانب منه تصطف براميل النبيذ الجهنمي. زبائنها أسرة واحدة تتوزع فروعها ~~على الموائد الخشبية العارية، منهم من يرتبطون بأسباب الصداقة أو الزمالة، وجميعهم ~~يتآخون بوحدة المكان والمعاشرة الروحية ليلة بعد أخرى، ويجمعهم جامع السمر ~~والنبيذ الجهنمي. # كانوا يرددون أغنية جماعية عندما ظهر في الباب رجل غريب. # ليس بالنادر أن يتلقى أحدهم هذا السؤال: لماذا تفضل خمارة القط الأسود؟ # النجمة ms060 اسمها الحقيقي، ولكنها تسمى اصطلاحا بخمارة القط الأسود، نسبة لقطها ~~الأسود الضخم، معشوق صاحبها الرومي الأعجف المدبب، وصديق الزبائن وتعويذتهم. ~~- أفضل خمارة القط الأسود لجوها العائلي الحميم، ولأنك بقرش أو قرشين تستطيع أن ~~تحلق بلا أجنحة. # يتنقل القط الأسود من مائدة إلى مائدة، وراء لباب الخبز وفتات الطعمية والسمك، ~~يتلكأ عند الأقدام، ويتمسح بالسيقان بدلال من بطرته النعمة، وصاحبه الرومي يعتمد ~~الطاولة بمرفقيه رانيا للا شيء بنظرة ميتة، أما الجرسون العجوز فيدور بالنبيذ أو يملأ ~~الأكواب الصغيرة المضلعة من صنابير البراميل. ~~- وهي أرحم خمارة بذوي الدخول الثابتة. # وتتبادل الملح والنوادر، وتتواد النفوس ببث الشكايات، ويترنم صاحب الصوت ~~السالك بأغنية، فيطفح المكان المدفون الرطب بالسعادة. ~~- لا بأس من أن ننسى ساعة من الزمان كثرة العيال وقلة المال. ~~- وأن ننسى الحر والذباب. ~~- وننسى أنه يوجد عالم خارج القضبان. ~~- وأن ننعم بملاطفة القط الأسود. # في ساعات اللقاء تصفو نفوسهم، تفيض بالحب لكل شيء، يتحررون من التعصب والخوف، ~~يتطهرون من أشباح المرض والكبر والموت، يتصورون في صورة منشودة، يسبقون الزمن بقرون ~~كاملة. # وكانوا يرددون أغنية جماعية عندما ظهر في الباب رجل غريب. # نظر الرجل الغريب في أرجاء المكان، فلم يجد مائدة خالية، اختفى عن الأنظار في الممشى حتى ~~ظنوا أنه ذهب إلى الأبد، ولكنه رجع حاملا كرسيا من القش المجدول - كرسي الخواجا الرومي ~~نفسه - ثم وضعه لصق الباب الضيق، وجلس. # جاء متجهما وعاد متجهما ثم جلس متجهما، لم ينظر نحو أحد، تجلت في عينيه نظرة ~~حادة صارمة ولكنها غائبة، لائذة بعالم بعيد مجهول، لا ترى أحدا ممن يملئون المكان ~~الصغير. منظره في جملته قاتم وقوي ومخيف؛ كأنه مصارع أو ملاكم أو رافع أثقال، وملابسه ~~متوافقة تماما مع قتامته، ومؤكدة لها بالبلوفر الأسود والبنطلون الرمادي الغامق ~~والحذاء المطاط البني. لم يشرق في ذاك البناء المظلم إلا صلعة مربعة توجت ~~رأسا كبيرا صلبا. # أطلق حضوره غير المنتظر شحنة كهربائية نفذت إلى أعماق الجالسين؛ سكت الغناء، انقبضت ~~الأسارير، خمد الضحك، ترددت الأبصار بين التحديق فيه وبين استراق ms061 النظر إليه، ولكن ذلك ~~لم يدم طويلا، أفاقوا من صدمة المفاجأة وهول المنظر، أبوا أن يسمحوا للغريب بإفساد ~~سهرتهم، وتداعوا بإشارات فيما بينهم للإعراض عنه واستئناف لهوهم، عادوا من جديد إلى ~~السمر والمزاح والشراب، ولكنه في الحقيقة لم يغب عن وعيهم؛ لم ينجحوا في تجاهله تماما، ~~وظل يثقل على أرواحهم كالضرس الملتهب. وصفق الرجل بقوة مزعجة، فجاءه الجرسون ~~العجوز وحمل إليه النبيذ الجهنمي، وسرعان ما أفرغه في جوفه، وألحق به آخر، ثم أمر ~~بأربعة أكواب دفعة واحدة، وراح يشرب كوبا في إثر كوب حتى أتى عليها، ثم جدد الطلب. ~~عاودهم الإحساس بالرهبة والخوف، ماتت الضحكات على شفاههم، تراجعوا إلى الصمت والوجوم. ~~أي رجل هذا؟! إن ما شربه من النبيذ الجهنمي يكفي لقتل فيل، وها هو يجلس كالحجر الصلد، ~~لا يتأثر ولا ينفعل، ولا تنبسط له أسارير، أي رجل هذا؟! # واقترب القط الأسود منه مستطلعا، انتظر أن يرمي له بشيء، ولما لم يشعر له بوجود ~~مضى يتمسح بساقه، ولكنه ضرب الأرض بقدمه فتقهقر القط، متعجبا ولا شك لهذه المعاملة ~~التي لم يعامل بها من قبل، وحول الرومي رأسه نحو الحجرة بوجهه الميت، رمق الغريب ~~مليا، ثم عاد ينظر إلى لا شيء، وخرج الغريب عن جموده؛ حرك رأسه بعنف يمنة ويسرة، ~~عض على أسنانه، جعل يتحدث بصوت غير مسموع، مع نفسه أو مع شخص في مخيلته. تهدد ~~وتوعد وهو يحرك قبضته، استقرت في صفحة وجهه أقبح صورة للغضب، استفحل الصمت ~~والخوف. # وسمع صوته لأول مرة، صوت غليظ كالخوار، تردد بقوة وهو يقول: اللعنة .. ~~الويل. # وكور قبضته وتابع: ليأت الجبل .. وما وراء الجبل. # وصمت مليا، ثم عاد يقول بصوت انخفض درجة: هذه هي المسألة بكل بساطة وصراحة. # اقتنعوا بأنه لم يعد للبقاء من معنى، قضي على السهرة بالفشل ولما تكد تبدأ، ~~فليذهبوا في سلام. تم التفاهم فيما بينهم بالنظرات، ثم تفشت فيهم حركة تأهب وقيام؛ ~~عند ذاك تنبه إليهم لأول مرة، خرج من غيبوبته، نقل عينيه بينهم في تساؤل، أوقفهم ~~بإشارة وهو يسأل ms062 : من أنتم؟ # يا له من سؤال جدير بالتجاهل والاحتقار، ولكن أحدا لم يفكر في تجاهله أو احتقاره، ~~وأجاب أحدهم متشجعا بكهولته: نحن زبائن المحل من قديم. ~~- متى جئتم؟ ~~- جئنا مع المساء. ~~- إذن، كنتم هنا قبل حضوري؟ ~~- نعم. # أشار إليهم أن يعودوا إلى مجالسهم، ثم قال بحزم صارم: لن يغادر المكان أحد. # لم يصدقوا آذانهم، عقدت الدهشة ألسنتهم، ولكن أحدا لم يجرؤ على الرد عليه بما ~~يستحق، وقال الكهل بهدوء مناقض تماما لمشاعره: ولكننا نريد أن نذهب. # فرماهم بنظرة وعيد كالحجر، وقال: ليتقدم المفرط في عمره! # لم يوجد بينهم من يفرط في عمره، تبادلوا نظرات ذاهلة حائرة، وتساءل الكهل: ولكن، ~~ما وجه اعتراضك على ذهابنا؟ # هز رأسه بقسوة ساخرة، وقال: لا تحاولوا خداعي، لقد سمعتم كل شيء. # قال الكهل بعجب: أؤكد لك أننا لم نسمع شيئا. # فصاح بغضب: لا تحاولوا خداعي، لقد عرفتم الحكاية! ~~- لم نسمع شيئا، ولم نعرف شيئا! ~~- كذابون مخادعون! ~~- يجب أن تصدقنا. ~~- أصدق سكيرين معربدين؟! ~~- إنك تسب أناسا أبرياء وتهدر كرامتهم! ~~- ليتقدم منكم المفرط في عمره. # وضح لهم أن الموقف لا يعالج إلا بالقوة، وأنه لا قوة لديهم، واضطروا تحت تأثير نظراته ~~المخيفة إلى الجلوس، رجعوا إلى مقاعدهم بغضب مكتوم ومهانة لم يجربوها من قبل، وسأله ~~الكهل: وحتى متى نبقى هنا؟ ~~- حتى يجيء الوقت المناسب. ~~- ومتى يجيء الوقت المناسب؟ ~~- اقطع لسانك وانتظر. # مضى الوقت في توتر وألم، اجتاحهم الكدر والنكد فطارت الخمر من رءوسهم. وحتى القط ~~الأسود استشعر في الجو رائحة معادية، فوثب إلى حافة النافذة الوحيدة، ثم رقد عاقدا ~~ذراعيه تحت رأسه، وأغمض عينيه طارحا ذيله بين القضبان. وألحت عليهم أسئلة واحدة: من ~~الرجل؟ أهو سكران؟ أهو مجنون؟ وما الحكاية التي يتهمهم بسماعها؟! وطيلة الوقت ظل ~~الخمار الرومي ملازما لصمته الميت، على حين قام الجرسون بخدمته وكأنما هو لا يرى ولا ~~يسمع. # وجعل الرجل الغريب ينظر إليهم بسخرية وشماتة، ثم قال متوعدا: إن يقدم أحدكم على ~~غدر فسأعاقبكم جميعا بلا رحمة. # تشجعوا بمعاودته الخطاب، على الكلام، فقال ms063 الكهل بصدق: أقسم لك، نقسم لك جميعا ~~... # ولكنه قاطعه متسائلا: بم تقسم إن طالبتك بقسم؟ # دب أمل طفيف في النفوس، وقال الكهل بحرارة: بما تشاء، بأولادنا، بالله العظيم! ~~- لا قيمة لشيء عند زبائن خمارة حقيرة كهذه الخمارة! ~~- لسنا كما تظن، نحن آباء صادقون، ومؤمنون مخلصون، ولا يمنع ذلك، أو لعله بسبب ذلك تشتد ~~حاجتنا إلى الترويح عن النفس المثقلة. # فصاح بصوت مدو: أوغاد أنذال، تحلمون ببناء القصور بلا جهد، ولكن بالاستغلال الدنيء ~~للحكاية! ~~- نقسم بالله العظيم بأننا ما علمنا بالحكاية، ولا فكرة لنا عنها. ~~- من منكم بلا حكاية يا جبناء! ~~- إنك لم تتكلم، كانت شفتاك تتحركان، ولكن لم يصدر عنهما صوت! ~~- لا تحاول خداعي يا مخرف. ~~- يجب أن تصدقنا وتتركنا لحالنا. ~~- الويل لكم إذا تحركتم، الويل لكم إذا غدرتم، وإذا وقعت الواقعة فسوف أهشم ~~رءوسكم وأقيم منها متاريس أسد بها الممشى. # الرجل مخيف حقا، ولعله خائف أيضا، وسيضاعف ذلك من سوء المصير. وزحف اليأس إلى ~~القلوب كموجة من البرد المميت، ولم يكف عن الشراب، رغم أنه لا يسكر ولا يفتر ولا ~~يهمد، وها هو يعترض المنفذ الوحيد للمكان، قويا عنيفا فولاذي المبنى مثل قضبان ~~النافذة. # راحوا يتبادلون النظرات بلا أمل، كلما لمحوا شبحا ما وراء القضبان، هفت أنفسهم إليه، ~~ولكن دون أن تند عنهم حركة ما، وحتى القط الأسود بدا أنه هجرهم تماما ومضى ينعم ~~بالسبات، واشتد الحصر بأحدهم فتساءل في إشفاق: أذهب إلى المبولة؟ # فهتف الغريب غاضبا: من قال لك إني مرضعة؟! # فتأوه الكهل قائلا: هل كتب علينا أن نبقى هكذا حتى الصباح! ~~- أنتم سعداء إذا طلع الصباح عليكم. # المناقشة عبث؛ الرجل مجنون أو مطارد أو كلاهما معا، وقد تكون وراءه حكاية، وقد يكون ~~وراءه لا شيء، وهم سجناء رغم كثرتهم، وإنه لقوي شديد، وهم لا قوة لهم ولا عزم، ولكن ~~ألا يوجد سبيل للمقاومة؟ المقاومة من أي نوع كان؟ # عادوا يتبادلون النظرات، وقد تجسد النكد في أعينهم، وجرى الهمس تحت مستوى سمع الغريب: ~~أي داهية؟ ~~- أي ذل؟ ~~- أي ms064 خزي؟ # وإذا بنظرة عين تشي بما يشبه الابتسامة، بل هي ابتسامة، ابتسامة حقا! ~~- لم لا، إنه لموقف مضحك. ~~- مضحك؟! ~~- تأمله بحياد مؤقت تجده مهلكا من الضحك! ~~- حقا؟ ~~- أخشى أن أنفجر ضاحكا. # وقال الكهل بصوت مسموع بعض الشيء: تذكروا أننا ما زلنا بعيدين عن ميعاد انصرافنا ~~المعتاد. ~~- ولكن لم تعد هناك سهرة! ~~- لأننا أوقفناها بلا سبب. ~~- بلا سبب؟! ~~- أعني بلا سبب يمنع من مواصلتها «الآن». ~~- وبأي روح نواصلها بعد ما كان؟ ~~- لننس إلى حين الباب، ولنر ما يكون. # لم يرحب بالاقتراح أحد ولم يرفضه أحد، وجاءت الأكواب الجهنمية على مرأى من الرجل ~~الغريب، ولكنه لم يعبأ بهم. وأفرطوا في الشراب، دارت الرءوس، استخفتهم النشوة، انزاحت ~~الهموم بسحر ساحر. أخذ الضحك يتعالى، رقصوا فوق مقاعدهم، تبادلوا القافية، وغنوا ~~معا: # عيد الأنس هلت بشايره. # وطيلة الوقت تجاهلوا الباب، نسوا وجوده نسيانا تاما. استيقظ القط الأسود وراح ~~يتنقل من مائدة إلى مائدة، ومن ساق إلى ساق، شربوا بنهم، طربوا بنهم، عربدوا ~~بنهم، كأنما يستمتعون بآخر لياليهم في الخمارة. # وحدثت معجزة؛ إذ تقهقر الحاضر حتى ذاب في مد النسيان، وتحللت الذاكرة فنفضت من ~~خلاياها كل مكنوزها. لم يكن الواحد يعرف صاحبه، إنه لنبيذ جهنمي حقا، ولكن، أجل ولكن ~~... ~~- ولكن أين نحن؟ ~~- خبرني من نكون، أخبرك أين نحن؟ ~~- كان ثمة غناء؟ ~~- أو كان بكاء على ما أذكر. ~~- وكان ثمة حكاية .. ترى أي حكاية؟ ~~- وهذا القط الأسود، هو شيء محسوس لا شك فيه. ~~- أجل، إنه الخيط الذي سيوصلنا إلى الحقيقة. ~~- ها نحن نقترب من الحقيقة. ~~- كان هذا القط إلها على عهد أجدادنا. ~~- وذات يوم جلس على باب زنزانة، ثم أذاع سر الحكاية. ~~- وهدد بالويل. ~~- ولكن ما الحكاية؟ ~~- كان في الأصل إلها ثم انسخط قطا. ~~- ولكن ما الحكاية؟ ~~- كيف لقط أن يتكلم؟ ~~- ألم يفض إلينا بالحكاية؟ ~~- بلى، ولكنا ضيعنا الوقت في البكاء والغناء. ~~- ها قد اكتملت الخيوط، وتمهد الطريق لاقتناص الحقيقة. # وارتفع صوت الجرسون العجوز وهو ينهر شخصا ما مهددا ومتوعدا، ويصيح به: اصح يا ~~كسلان وإلا هشمت ms065 رأسك. # وأقبل رجل ضخم محني الهامة من الانكسار، راح يرفع الأقداح والصحاف، وينظف ~~الموائد، ويجمع النفايات من فوق الأرض. كان يعمل دون أن ينبس بكلمة أو ينظر إلى أحد، وقد ~~غشيه حزن عميق واغرورقت عيناه بالدموع. # تابعوه برثاء وإشفاق، وسأله أحدهم: ما الحكاية؟ # ولكنه لم يلتفت إليه، وتابع عمله صامتا حزينا مغرورق العينين. # وتساءل الكهل: متى وأين رأيت هذا الرجل؟! # ومضى الرجل نحو الممشى بملابسه القاتمة، المكونة من بلوفر أسود، وبنطلون رمادي ~~غامق، وحذاء بني من المطاط، فعاد الكهل يتساءل: متى وأين رأيت هذا الرجل؟! # | زيارة # ملقاة على الفراش بلا حول، عاجزة تماما عن أي حركة جدية عدا حركة الجفنين ~~والعينين، أو رفع اليد إلى مستوى الصدر من حين لآخر، وقد امتص المرض حيويتها ~~ولحمها، فلم يبق إلا جلد أصفر مشوب بزرقة وعظام بارزة تكاد تمزق الجلد عند ~~المفاصل، وهي تنظر إلى لا شيء أو تغمض عينيها، وفي أحسن الأحوال لا ترى أبعد من جدران ~~حجرتها. # نادت بصوت ضعيف رفيع كصوت طفل: عدلية. # ولكن عدلية لم تسمع، ستدعي أنها لم تسمع، وستجد عذرا في ضعف الصوت أو بعد المطبخ ~~أو وش موقد الغاز، وهي لا تستطيع أن ترفع صوتها، ولا تستطيع أن تهدر مطالبها الصغيرة، ~~ونادت مرة ثانية: عدلية. # ستجبن كالعادة عن لومها، إنها واقعة تحت رحمتها، تحت رحمتها تماما، هي لا تألو أن ~~تسترضيها بالأجرة المحترمة والكساء والغذاء، إلا أنها تستأثر بتدبير شئون البيت، فهي سيدته ~~الحقيقية، وما الحيلة في ذلك؟ إذا قررت عدلية يوما التخلي عن خدمتها، تركتها للضياع ~~والموت، وهي تتجنب أن تثقل عليها أكثر مما تقتضيه الضرورة الملحة، ولكن ما العمل ~~ونداء الحياة لا يكف عن التردد حتى النفس الأخير. # واستجمعت قواها الخائرة ونادت للمرة الثالثة: عدلية! # وتجمع الغضب بين عظام صدرها، ولكنها لم تستسلم لطغيانه. عدلية على أي حال مرهقة ~~بالعمل، إنها تكنس وتغسل وتطبخ، تتسوق وتستبضع، وتقوم من شخصها مقام اليدين والقدمين ~~والحواس جميعا، هي كل شيء لها، فهي تطعمها وتسقيها وتنظفها، تجلسها وتنيمها ms066 ~~وتريحها من جنب لجنب. # وارتفع صوتها قليلا متشكيا متباكيا وهي تنادي: عدلية! # ترامى وقع أقدام ثقيلة، ثم ظهرت عدلية عند باب الحجرة، بوجه جامد يحمل طابع تذمر ~~ثابت، وتساءلت بنبرة لا تخلو من جفاء: تنادينني يا ستي؟ ~~- بح صوتي وأنا أناديك يا عدلية. # اقتربت من الفراش، فقالت المرأة: سيجارة يا عدلية. # تناولت عدلية علبة السجائر من فوق الترابيزة، أشعلت سيجارة، ثم وضعتها بين شفتي ~~سيدتها، وهي تقول: أنت تعلمين أن التدخين مضر بصحتك. # وغادرت الحجرة. # إذا ضاقت بها يوما قضي عليها بالهلاك، لا أحد لها في الواقع سواها، أما عن أبناء ~~وبنات إخوتها، فمن ذا الذي يهتم بالخالة عيون؟! إنها ملقاة منسية، تتعلق بأذيال ~~الحياة بخوف ويأس، وتتمنى الموت بلسانها. والقلب قبل أن يهتصره الداء، قتله الحزن ~~لفقد الابن الوحيد في مظاهرة دامية. من عجب أنها لا تفقه للسياسة معنى، ولا يتحرك ~~في نفسها لها ساكن، ورغم ذلك فقد التهمت وحيدها، وتوفي الأب بعد استشهاد ابنه بعام ~~واحد، وها هي ذكريات الأحزان تختلط بأنات المرض ومخاوف الضياع. # في العيد زارتها بثينة ابنة المرحومة أختها، ناظرة مدرسة ابتدائية، والوحيدة التي ~~تتذكرها في المواسم، وقد أهدتها باقة ورد وعلبة حلوى، وجلست على كرسي على كثب من ~~الفراش. دمعت عينا عيون، وهي تقول: أشكرك يا بثينة، كيف حالكم؟ كيف حال الجميع؟ كم أني ~~متشوقة لرؤيتكم، ولكن لا يسأل عني أحد. # اعتذرت بثينة بابتسامة، وقالت: الدنيا شواغل يا خالتي. ~~- لا أحد لي غيركم، وحتى الأموات يجدون من يتذكرهم. ~~- كم تردين على خاطري يا خالتي، ولكن الدنيا شواغل. ~~- نسوني تماما يا بثينة. # لاذت بثينة بالصمت، فقالت عيون: إني خالتهم الوحيدة الباقية على قيد الحياة، ولو تركتني ~~عدلية لمت جوعا فوق فراشي. # وزفرت لوعة، ثم قالت: كنا - أنا وأمك وخالتك - أخوات سعيدات، وكانت أياما ~~سعيدة. ~~- رحمهما الله! ~~- كنت الصغرى، ولم يكن يعجبني العجب! ~~- ربنا يشفيك يا خالتي. ~~- يا له من دعاء لن يتحقق يا بثينة، إني وحيدة مهجورة، وقد وكلت عني أحد الجيران ~~لتسلم معاشي. # وجففت ms067 دمعة بيدها النحيلة المعروقة الزرقاء، وقالت: إني خائفة يا بثينة، وأعمل ألف ~~حساب لليوم الذي تذهب فيه عدلية. ~~- هيهات أن تجد بيتا كبيتك يا خالتي. ~~- إن خدمتي الشخصية شاقة وغير سارة؛ لذلك لا يفارقني القلق. ~~- إنها في الواقع تهيمن على بيتك ومعاشك، فكيف يهون عليها أن تهجرك؟ ~~- ولكنني قلقة، دائما قلقة، لا يتخلى عني الوسواس، وخوفي منها لا يقل عن خوفي ~~عليها. # وسكتت بثينة؛ إما لأنها لا تجد ما تقوله، وإما لأنها ملت تكرار الأكليشيهات، فقالت ~~عيون: آسفة يا بثينة، نفد رصيدي من الكلام الطيب، ولكن لا يصح أن أضايق أكثر من ذلك، ~~الإنسانة الوحيدة التي حافظت على الوفاء لي. # وغيرت لهجتها من التشكي إلى الحياد أو الإشفاق، ثم سألت: خبريني الآن عن العلاقة ~~بينك وبين زوجك؟ # فتنهدت بثينة، وقالت بإيجاز: بين بين يا خالتي. ~~- كيف، وأنت شابة ولا كل الشابات؟! # ثم مستدركة، وابتسامة باهتة ترف على شفتيها الجافتين الممتعضتين: أنت جميلة يا ~~بثينة، وكما قالوا، فأنت أشبه نساء الأسرة بخالتك عندما كنت في سنك! # أحنت بثينة رأسها بالإيجاب وهي تبتسم أيضا. ~~- عندما كنت أسير في الطريق أو أطل من نافذة، كانت الأعين تلتهمني التهاما! # فضحكت بثينة، وهي ترنو إليها بعطف. ~~- وتقولين إن حالك مع زوجك بين بين؟! .. متى يشعر بنعمة الله التي نعمه بها؟! ~~- هكذا هي الدنيا يا خالتي. ~~- دنيا لعينة يا بثينة. ~~- ولا أمان لها يا خالتي. # ها هي عدلية قادمة بصينية الغداء، أجلستها مسندة ظهرها إلى وسادة، ثم شرعت في ~~إطعامها. # وأرادت هي أن تتودد إليها، فقالت: طعامك لذيذ يا عدلية. # لم تبتسم ولم تشكر، وكأنها لم تسمع، وكالعادة تبدد ثناء الضعيف في الهواء. ~~- ما لك يا عدلية؟ # أجابت بنبرة لم تخل من خشونة: أفكر في بنتي. ~~- ربنا يسعدها يا عدلية. ~~- ولكنها شقية مع الرجل. ~~- مهما يكن من أمره، فهو لن يفرط في أم أبنائه السبعة. ~~- إنك لا تعرفينه يا ستي. ~~- عليك دائما أن تعقليها وتصبريها! ~~- ولكن ما العمل إذا طلقها؟ # أجل ما العمل؟ ما العمل لو ms068 جاءتها بابنتها وعيالها؟ لو أرادت ذلك ما وسعها هي الاعتراض، ~~إنها تحت رحمتها تماما؛ سيضيق المسكن الصغير بهم، وسينقلب سوقا، كيف تتحمل الضوضاء ~~والشقاوة، ومن أين لها أن تطعمهم وتكسوهم! تهديد جديد يا عيون، ترى كيف قال لك الشيخ طه ~~وهو يباركك ليلة دخلتك: «العز قدامك والسعد خدامك.» ولم كانت أمها مزهوة بها ~~لحد الهوس؟ وقد بادأها الحظ بزيجة سعيدة حقا، من قاض أصيل تزوجت، رآها ذات يوم ~~مع والديها في بنوار بسينما كوزمو جراف. كانت زوجة مدللة وأما سعيدة، وكان يتأبط ~~ذراعها إلى الأوبرا متباهيا بجمالها، وغازلها مرة أحد الباشوات، فكادت تنشب معركة من ~~أجلها، وقد انتهى ذلك التاريخ كله فوق هذا الفراش الكئيب، وتحت رحمة هذه المرأة الصلبة ~~التعيسة، التي تأبى أن تجود عليها بابتسامة. ودق جرس الباب الخارجي، فاختلج جفناها ~~بلهفة، هل من زائر جديد؟ ~~- من يا عدلية؟ ~~- السباك يا ستي. # السباك أيضا! دائما السباك، لصنبور المطبخ جاء أو الحمام، أو لعلها الماسورة أو ~~البالوعة، فلتتجنب السؤال فضلا عن الاستجواب؛ اتقاء للعواقب الوخيمة. سيجيء السباك ~~مرة ثانية وثالثة ورابعة، كلما طاب له المجيء أو دعته الخنزيرة! # وأغلقت عدلية باب حجرتها كيلا تقع عيناه عليها! من قديم والشكوك تساورها، ولكن ما ~~الحيلة؟ هكذا تقع الحوادث في مسكنها الصغير، خارج الباب المغلق، الذي يغلق بلا إذنها ~~أو إرادتها باسم حمايتها، وهي لا حيلة لها ولا قوة ولا معين. ولو طمع الرجل في أكثر ~~مما بين يديه، لو ظن يوما أنها عقبة في سبيله، لو خطر له أي خاطر شيطاني، فمن ذا ~~يدفع عنها الأذى؟! أرهفت السمع وهي في غاية من الكدر، وغلى الدم في عروقها، لا شك أن ~~وحيدها الفقيد قد عانى انفعالا كانفعالها هذا، هو الذي دفعه إلى الموقف الذي أودى بعمره ~~اليافع، ولكنها نصف ميتة وطريحة الفراش. # وفتحت عدلية الباب، وهي تقول: ذهب. # ألم يستغرق من الوقت أكثر مما يتصور العقل! وسألتها دون أن تشير إلى ذلك: ماذا ~~فعل؟ ~~- ماسورة الحوض. # غالبت الغيظ حتى غلبته، ثم قالت ms069 : ولكن ماسورة الحوض ... # فقاطعتها بحدة: إنها قديمة وبحاجة إلى إصلاح متواصل! # لن تنتهي حاجتها إلى الإصلاح، ولو استبدلت بها أخرى جديدة، فسيوجد دائما ما يستدعي ~~حضوره من أسبوع لأسبوع. فليأت كلما شاء هواه أو شاء هواها، وليقنع بذلك. على أي حال، ~~فعدلية بمثابة يديها وقدميها وحواسها جميعا، ومهمتها في هذا البيت ليست بالمريحة ولا ~~السهلة ولا السعيدة، وإلى ذلك كله، فالشقاء لا يعفيها من ضريبته، ولن يخلو رأسها من أسباب ~~الأرق. # وذات يوم طرق الباب طارق غريب، وقالت عدلية لسيدتها: شيخ ضرير يا ستي، يدعي أنك ~~تعرفينه من قديم. # وقبل أن تضيف كلمة، جاء من الخارج صوت الغريب وهو يهتف: الشيخ طه الشريف يا ست عيون ~~هانم! # ذلك الصوت، ذلك الاسم، فلتسعفها الذاكرة المحتضرة. وتلقى قلبها رعشة، ثم انساب من ~~شغافه المهزوز فيض من الذكريات، كدفقة نسيم عطرة، فاجتاحها إحساس بالسعادة غامر: ~~تعال يا شيخ طه، خذي بيده يا عدلية. # أقبل مقودا، يتحسس الأرض بطرف عصاه، قد انحسرت عمامته البالية عن جبين بارز، وغار ~~جفناه في محجريهما. منحني الظهر من الكبر، تطوق جبته الباهتة المنجردة الأطراف ~~جسدا مهزولا، وقالت له عيون بعد أن اتخذ مجلسه: هاك يدي ممدودة يا شيخ طه، ولكن لا تشد ~~عليها فهي ضعيفة. # صافحها برقة وحنان وهو يقول: سلامتك يا ست عيون! ~~- حمدا لله على سلامتك يا شيخ طه، متى رأيتك آخر مرة؟ # هز رأسه يمنة ويسرة، وقال: يا له من عمر! ~~- تلك الأيام الحلوة يا شيخ طه. ~~- ربنا يجعل أيامك كلها حلوة. ~~- ولكن كيف؟ إني طريحة الفراش، وحيدة تماما يا شيخ طه. # فأشار إلى فوق وتمتم: عنده الرحمة. ~~- وكيف اهتديت إلى مسكني؟ ~~- صادفني عم آدم بواب البيت القديم. # رنت بعينيها الكليلتين إلى أخاديد وجهه، وهو يقتعد الكرسي كتمثال للفاقة، كم كان ~~قويا ممتلئا أيام كان مقرئ البيت القديم، يزورهم كل صباح، فيشرب القهوة، ويقرأ ما ~~تيسر من القرآن، ويفتي أمها فيما تستفتيه فيه، وهو الذي قال لها ليلة دخلتها: «العز ~~قدامك والسعد خدامك.» ومن حنايا ms070 الماضي تدفق شعور ودود أليف، ممزوجا بالحنين ~~والدمع، وإذا به يسلت من قدميه الحذاء المتهرئ، فيتربع فوق الكرسي، ثم يتلو: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ~~ودعك ربك وما قلى ~~. # ولما شرب القهوة وخلت لهما الحجرة، راحت تقول له: إني وحيدة يا شيخ طه. # فقال كالمحتج: لكن الله موجود يا عيون هانم. ~~- دائما قلقة وخائفة. ~~- الله موجود يا ست عيون. ~~- ليتك تزورني بقدر ما تستطيع! ~~- هي أمنية الأماني عندي. ~~- وكيف تسير الأمور يا شيخ طه؟ ~~- جرت مشيئة الله بأن يقطع الراديو أرزاقنا، ولكن الله لا ينسى عبده، المهم ألا ~~تستسلمي للحزن ولا لليأس. ~~- إنه القلق، لا أحد لي إلا عدلية، وإذا تخلت عني ... ~~- لن يتخلى الله عنك. ~~- ولكني وحيدة بكل معنى الكلمة. # فلوح بيده آسفا، وقال: يا للخسارة! ~~- أأنا مخطئة يا شيخ طه؟ ~~- كلا، ولكنك غير مؤمنة! ~~- ولكني مؤمنة، لقد فقدت ابني وزوجي في عامين متعاقبين، ولكني ما زلت مؤمنة. ~~- لست مؤمنة يا عيون هانم. # غلبها الكدر، فلاذت بالصمت، فعاد يقول: لا تغضبي، المؤمن حقا لا يعرف الخوف ولا ~~القلق ولا اليأس قلبه. ~~- إني مؤمنة، ولكني طريحة الفراش، وتحت رحمة عدلية. ~~- المؤمن لا يكون تحت رحمة أحد إلا ربه. ~~- ما أسهل الكلام، ولكن ما أصعب العمل. # فاهتز رأسه يمنة ويسرة، وقال بصوت ينم عن النصر: أجل .. ما أسهل الكلام! ولكن ما ~~أصعب العمل! ~~- لم أعد أفهم شيئا. ~~- اسمحي لي بزيارتك كل يوم! ~~- أستحلفك بالله أن تفعل. ~~- ولكن بغير الإيمان لن تجدي خيرا في عجوز ضرير مثلي. # ترددت قليلا، ثم قالت بجزع: أخشى أن تضيق بك، أعني عدلية؟ ~~- ولكني سأجيء. ~~- وإذا ... وإذا ... هبها ... ~~- صدقيني، سأزورك كل يوم، وإذا لم يعجبها ذلك فلتنطح الجدار! # فتمتمت بإشفاق: اخفض صوتك يا شيخ طه، فعلينا ألا نغضبها. ~~- انسي يا ست عيون أنك تحت رحمتها، أنت تحت رحمة الله وحده. ~~- أجل .. أجل .. كلنا تحت رحمة الله وحده، ولكن تصور ما سيحيق بي لو غضبت ~~مني! ~~- لن يصيبك إلا ما كتب الله لك. ~~- هذا حق يا شيخ طه ms071 ، ولكن تصور بالله وحدتي إذا هجرتني! ~~- لن تهجرك يا ست عيون، فهي تعتمد عليك أضعاف ما تعتمدين عليها! ~~- إني عاجزة، أما هي فقوية ويمكن أن تعمل في أي بيت! ~~- يمكن أن تعمل في أي بيت، ولكن كخادمة، أما هنا فهي ربة البيت! ~~- كلامك جميل ومعقول، ولكن الحقيقة مرة جدا، فأنا عاجزة تماما. # فضرب الأرض بعصاه الغليظة، وقال: إن نصف عجزك راجع إلى اعتمادك الكلي عليها! ~~- ولكن مرضي حقيقة، حقيقة واقعة بشهادة الأطباء. ~~- أنا لا أومن بالأمراض ولا بالأطباء، ولكني سأجاريك في أفكارك إلى حين، إذا هجرتك ~~يا ست عيون كما تتوهمين، فسوف أجيئك بابنتي الكبرى المطلقة. # شع من عينها الغائمتين نور طارئ، وتساءلت بلهفة: حقا؟! ~~- سأستغني عنها من أجل خاطرك. # فشعرت بخجل من نفسها، وقالت: ولكنك لا تستطيع العيش بمفردك! # فضحك لأول مرة، وقال: عجوز ضرير، فكيف يعيش بمفرده؟! طالما عشت بمفردي قبل طلاقها! ~~- لا أريد أن أثقل عليك. ~~- إنما تثقلين على نفسك، كان الله في عونك. # وساد الصمت مليا؛ صمت مشبع بالطمأنينة والسلام. # وتنحنح، ثم راح يتلو: # تبارك الذي بيده ~~الملك # وآن له أن يذهب، فصافحها بحنان ثم ودعها وانصرف. # شعرت عيون بأنس لم تشعر به منذ دهر طويل، ونادت عدلية ثم قالت لها: عدلية، إذا جاء ~~الشيخ طه فاستقبليه بلطف وإنسانية. # قطبت عدلية ساخطة، وقالت بتأفف: لكنه رجل قذر يا ستي! ~~- إنه مقرئ بيتنا القديم، وقد ورثت صداقته عن أمي وأبي. ~~- لقد رأيت قملة على جبته يا ستي. # فقالت بحنق: لا يهمني ذلك، إنه رجل مبارك. # فقالت المرأة بنبرة وشت بوعيد: ولكنني لا تنقصني المتاعب! # فقالت عيون بإلحاح: صبرك بالله، إنها رغبتي وأنتظر أن تحترميها! ~~- قلت إنني رأيت ... # فقاطعتها بتصميم: إنه رجل مبارك، وعليك أن تنفذي مشيئتي. # تجهم وجه عدلية وهمت بالكلام، ولكن بادرتها عيون بإصرار: عليك أن تنفذي مشيئتي ~~دون مناقشة! # تراجع وجه عدلية إلى صورته العادية في دهشة أو ذهول، ورمقتها بنظرة قلقة مستطلعة، ~~ترامقتا طويلا فلم تجفل عيون تحت نظرتها النافذة. وجدت نفسها تصر على ms072 التحديق أو ~~التحدي، واستهانت بعجزها ومخاوفها، وتمادت في التحدي. وارتعدت في باطنها، ولكن بحمى ~~النصر، فتهيأ لها أنها تتعملق. # واختلج جفنا عدلية مليا، ثم غضت البصر، وغادرت الحجرة وهي ترطن بكلام غير ~~مفهوم، ولكن عيون طمحت إلى مزيد من الطمأنينة والثقة، فنادتها مرة أخرى، وجاءت عدلية ~~وهي تقول بتذمر وضيق: الأكل فوق النار. # فسألتها بإصرار وتحد: # خبريني عما ستفعلين إذا جاء الشيخ طه؟ # حدجتها المرأة بنظرة متسائلة، ثم سألت: من هو الشيخ طه؟ # اجتاحها الغيظ، فقالت: تعبثين بي يا عدلية؟! ~~- ماذا أغضبك؟ إني أسألك من هو الشيخ طه؟ ~~- ألا تعرفين من هو الشيخ طه؟ ~~- ما سمعت باسمه من قبل! # فقالت وهي تجمع عزيمتها على نضال مرير: ألم تري الشيخ الذي كان يجالسني منذ دقائق؟ ~~ألم تقدمي له القهوة بنفسك؟ # تفرست المرأة في وجهها بريبة وقلق، وقالت: لم يدخل بيتنا اليوم أحد، لا شيخ ولا ~~أفندي، عم تتحدثين؟ # هتفت بغضب: عم أتحدث؟! ما شاء الله، أتبلغ بك القحة ...؟! ~~- إنك ترعبينني، من هو الشيخ طه؟ ~~- جننت أم تريدين أن تجننيني؟ # قالت عدلية، وهي تزداد قلقا: أقسم بالله، برأس بنتي، ما رأيت الشيخ طه ولا سمعت ~~عنه. # ارتفع صوت عيون كما لم يرتفع منذ سنوات، وهتفت: تقسمين أيضا، إذن فأنت تتآمرين على ~~عقلي، توهمينني بأنني أرى أشياء لا وجود لها، بأنني مجنونة، أهذا هو غرضك؟ أهذا هو ~~تدبيرك الأخير لسد الطريق في وجه الصديق الوحيد؟! # اتسعت عينا عدلية من فزع، تهاوى صلفها فتبدد، وهتفت بصوت متهدج: اسم الله على ~~عقلك يا ستي! ~~- اخرسي، أنا لا أخشاك، لست تحت رحمتك، سيزورني كل يوم، هذه هي مشيئتي وعليك أن ~~تنفذيها بلا مناقشة، إياك وأن تعترضي سبيله، سأقطع عيشك! # اصفر وجه عدلية وجحظت عيناها، وقالت بضراعة: لا ترهقي نفسك، ليهدأ خاطرك، سأنفذ ~~مشيئتك على العين والرأس! # صاحت بها: كذابة، مجرمة، لصة، زانية، تحملتك سنين بلا ضرورة، لست في حاجة ~~إلى وجهك المطين، وأنت بدوني لا تساوين مليما خردة، لا أريدك، اذهبي في داهية، في ستين ~~داهية ms073 ، بطرتك النعمة، لم تقنعي بامتلاك كل شيء في بيتي، فعملت ليل نهار على إذلالي ~~وتخويفي وتعذيبي، إني أطردك، لا تريني وجهك بعد اليوم، اذهبي، في ألف داهية، في ألف ~~مليون داهية. # تراجعت عدلية خطوات، ركبها الذعر حتى زعزع جذور عقلها، استدارت وهي تتلفت، ثم ~~اندفعت كريح هوجاء وهي تصرخ بأعلى صوتها. # | حلم # شجرة طويلة عريضة من الألقاب والأوصاف، ولكن بلا ثمرة؛ فهو عامل ميكانيكي بشركة الشرق ~~للمعادن، وله من الأولاد سبعة، ولكن يوميته ثلاثون قرشا، وهو لا يطلق لحيته توفيرا ~~لتكاليف حلقها فحسب، ولكن لأنه أيضا من رجال الطريق، ومريدي الشيخ. عند انطواء نهار ~~العناء، يهرع إلى زاوية الكومي ويجلس بين يدي الشيخ، ما أنبله! وما أطيبه ذلك البحر الذي ~~يزخر بعلم الله، إنه يلقنه آداب الدنيا والدين، ولكن برجوعه آخر الليل إلى البدروم، ~~يجد في انتظاره المتاعب، هناك المرأة التي أحدها الدهر؛ أحد لسانها وأطرافها ~~ومزاجها. ~~- طبعا لا تعرف ما فعل الأولاد، وما حصل؟ ~~- يا سيدي يا كومي، أكان الأولاد يكدرون صفاء روحك؟ لماذا لا يحدث الشيخ عن الأولياء ~~في بيوتهم؟! ~~- إني أعطيك جميع ما أملك، فلا تبقى معي إلا اللعنات. # ويجمح به الغضب، فيزل اللسان وينحرف عن أدب الدنيا والدين، ويتبدد جهاد الليل ~~سدى. # وذات صباح، وجد نفسه أمام المدير وجها لوجه في الجراج الكبير، حياه بخير ما يجود به ~~الولاء، وهتف بالدعاء له، وقال: يا سعادة المدير، رأيت لك حلما يجب أن تسمعه. # لكنه لم يوله أي اهتمام، ومضى في سبيله. ~~••• # أي حلم رآه ذلك الأحمق! # لم يعد للأحلام معنى، لم يعد للطمأنينة مستقر، الشركة وحديقة الموز بالشرقية وعمارة ~~الخازندار، انقلبت تهما موروثة، وتبخر الطموح السياسي، أي حلم أيها السني ~~القذر! والشائعات تنتشر في الجو مخلفة وراءها ذيلا طويلا من القلق. أليس عجيبا بعد ~~ذلك أن يقول له صديق إن الغد هو الأمل؟ أي أمل يا صاحبي؟! وقال له: لنكن ~~واقعيين. # فقال صاحبه: الأمل واقعي أيضا. ~~- إن كل شيء مهدد بالزوال. ~~- إنك متشائم. ~~- كلا، ولكني لا أدري ms074 ماذا أفعل؟ ~~- افعل ما يفعله المطارد. ~~- وما ذاك؟ ~~- لا تعتمد كل الاعتماد على الحديقة أو العمارة أو الشركة، لا بد من خزانة في ~~البيت، واحرص على الحلي والجواهر. ~~- وماذا عن جو القحة الذي يحاصرنا؟ ~~- ضع أعصابك في ثلاجة! # تذكر السني بحنق، الخبيث الذي يحترف الطيبة، على حين تقدح عيناه شرا متأصلا، ~~ثم يزعم أنه رأى له حلما! وإذا بصاحبه يقول: دعني أحدثك عن حلم رأيته ليلة ~~أمس! # فضحك ضحكة عالية، لم يفطن الآخر بطبيعة الحال إلى مغزاها أو سببها! ~~••• # أصبح يؤمن بأن المدير يتجنب النظر نحوه بازدراء صامت كلما مر به في طريقه إلى ~~السيارة، ولا شك أنه يضيق به ويلعن وجوده، وأفضى بهواجسه إلى زميله في الجراج، فقال ~~الرجل: إنك تخلق أوهاما لا أساس لها، وأقسم لك إنه لم يدر بك قط. # وحمل نفسه على تصديق ذلك. أجل، فإن العدم الكامل خير من أن يكون مثار سخطه، وأراد أن ~~يعترف بمخاوفه للشيخ، ولكنه وجد نفسه يقول: حلت بركتك بابني فهد، فهو يتقدم نحو ~~الشفاء. # فقال الشيخ: لو أصاب مرضه أحد أبناء الأغنياء لحشد له الأطباء، فالله جل جلاله مع ~~الفقراء. # فسأله: لماذا كان المؤمن مصابا؟ # فأجاب بثقة وإيمان: ذلك أنه لا يرتضي عن الجنة بديلا. # إن جلسات الليل في الزاوية أو في منظرة البيت، شفاء للقلوب الجريحة، وكلمات الشيخ أثمن ~~من أشياء كثيرة يعدها أهل الدنيا سعادة وزينة، والجوزة التي يستعملها الضالون ~~لإشباع الأهواء، تعتبر هنا بحق وعاء للنور والحكمة الإلهية، وما أجمل أن تكون محبوبا ~~كالشيخ، أن يهبك الناس - حتى أغنياؤهم - القلوب. لذلك تتهادى إليه العطايا الطيبات، وهو ~~يقبلها بسماحة نفس؛ إكراما لهم، لا حرصا عليها أو ولعا بها، وقد سأله ذات يوم أخ ~~في الطريقة: لم لا يعطينا مما أعطاه الله؟ # فغضب وقال له: يا أخي، إنه يعطينا ما لا يقدر بمال. ~~••• # قوانين يوليو .. قوانين يوليو، الكل يردد: قوانين يوليو. وجعل يذهب ويجيء وهو كالمجنون، ~~وقالت له زوجه: الصحة أغلى من أي شيء! ~~- أتدركين حقا ما الخسارة ms075 التي حلت بنا؟ ~~- نعم، لست غرة ولا جاهلة، ولكن ما زال عندك الشركة والعمارة والحديقة. ~~- والضرائب الجديدة؟ ~~- الصحة وحدها هي التي لا تعوض! # وتأمل شحوب وجهها الذي يشهد بعكس ما ينطق به لسانها، وتمتم: لا أحد يدري أين يقف ~~الطوفان. ~~- ربنا موجود. # لم ينتبه إلى قولها إلا بعد مرور وقت، والحق قد أذهله، وكاد رغم الكرب يبتسم، ~~وتخيل مرحها الطويل فشعر بأسى، وتمتم: ربنا موجود، ولكن أهو معنا أم علينا؟ # فقالت بقوة: ليس في أموالنا مليم حرام. # حتى ذلك لم يعد يصدقه بلا تحفظ، الأصوات التي ترتفع كل يوم وتؤكد أننا شر ~~لصوص سعوا فوق ظهر الأرض؛ ذكاؤنا خبث، اجتهادنا انتهازية، سعينا أنانية، ربحنا ~~سرقة، وجودنا شر واستغلال. كيف يصدق؟! الوجوه تبتسم، لا للتودد ولكن لتداري الشماتة، ~~وأحيانا يتسلل إليه صوت وهو يدخل السيارة: «على الباغي تدور الدوائر»، وإنه لشر أن ~~يغضب أو أن يجادل، وشر منه أن يفكر في رد الاعتداء بمثله. البوليس الذي كان درعه ~~أمسى مطارده، ومعبد القانون تتهاوى أركانه فوق رأسه، ولكن هل يسعه إلا أن يردد مع ~~زوجه: ربنا موجود. ~~••• # قال للشيخ بصوت متهدج من الفرح: يا له من يوم! # فقال له الشيخ بود: لنبدأ الدرس. ~~- ولكن النفس ... أعني أنه يجب أن نتكلم. ~~- لندع الخلق للخالق، ولنمض في طريقنا. ~~- الدنيا تتغير يا مولانا .. من كان يظن ... ~~- ألا تود أن تسمع شيئا عن سيدنا الخضر؟ # ولكنه وجد عند زوجه أذنا تسمعه، فقال لها: أخذوا أموال الأغنياء! # لم تفهمني الغبية، وتساءلت: أليست هي رزق الله لهم؟ # لوح بيده مغيظا، فعادت تسأل: ماذا أعطوا للفقراء؟ # لا تريد المرأة أن تشاركه فرحه، رأته مسرورا فصممت - كالعادة - على تكدير صفوه، ~~وقد ترامى إليه نبأ عن حال المدير التي رئي بها، وهو يستقل سيارته، ولكن فاته أن يراه ~~بنفسه، ولم يغب الرجل عن ذهنه طويلا، ووجد زميله يصخب بالحماس، ولما رآه أقبل عليه ~~قائلا: # إذا زلزلت الأرض زلزالها ~~. ~~- ماذا تقول يا ابن والدي؟ ~~- أقول: # إذا زلزلت الأرض زلزالها ~~! # وأوشك أن يسأله ms076 عما أعطوه للفقراء مرددا كلام زوجه، ولكنه لم يجد من نفسه مشجعا، ~~وسرعان ما انهلت من السماء قرارات التحسين. أجل يا ابن والدي، إننا نخلق من ~~جديد. # وقال له الشيخ: أصغ إلي. # وأراد أن يصغي، ولكنه كان مكتظا بالمشاعر، فقال له الشيخ: احذر الشماتة. # فقال إنه لا يشمت بأحد، ولا عدو له في الحقيقة، ولكنه بدا رغم قوله كالثمل، فقال ~~الشيخ: إنك تتقهقر في الطريق. # فأغمض عينيه ليحجب عن بصره الدنيا التي تثيره، فقال الشيخ: استغفر الله. # فقال متشكيا: لم أذنب يا مولاي، والمال والبنون؟ # واعتدل استعدادا للاستماع، ولكن الشيخ قال: ما أبعدك عن مجلسي! ~~••• # ذلك السني لا أمر به حتى يصر على الترحيب بي بصوت كأصوات المنشدين! لا يختلف ~~باطنه عن الآخرين، ولكن له طريقته الشريرة الخاصة به، ولا يبعد أن يفاجئني ذات يوم ~~بحلم جديد. لم أشغل نفسي به، كأنه المكروه الأوحد في هذه الدنيا؟ إن أمراض الأحزان تزحف ~~على أصحابنا، وعلي أن أقاوم، ألا أبالي، وغير ذلك من الكلمات التي لم يعد لها أي ~~معنى البتة. وزوجه تبالغ في إعلان المرح، وخاصة في النادي. جدران النادي تضج بالضحك ~~كل ليلة، ضحك المجانين. ويقولون - رغم ذلك - إننا وقعنا في شرك كبير، ما زال به ~~متسع للحركة، ولكنه قد من صلب لا ينكسر ولا يلين. وإذا به يقع في شرك آخر من ~~صنع يده. أجل، قرر أن يعشق الراقصة الألمانية بملهى الكونتننتال الليلي. أسرته ~~كبرياؤها قبل شقرتها، عندما قالت له خلال حوار طويل: كنا وما زلنا الأسياد! # فقال لها بتأثر: إني أعشق حزنك كما أعشقك. # وهي حادة كالنصل، ولكنها مستكنة في غطاء حريري، أما زوجه فقد تدهور بها الحال ~~رغم المرح التمثيلي، وقد رثى لها، ولكن حبها مضى سريعا نحو موت غير متوقع، وعندما ~~أممت الشركة، جرى كل شيء نحو الموت، وقالت زوجه إنه يجب الإسراع ببيع الحديقة ~~والعمارة. هذا رأي، ولكن أين الشاري؟ وأين يضعون الأموال؟ وقال: خير ما نفعل ألا نفعل ~~شيئا. # واستسلم بكليته إلى غرامه، وقال ms077 إن عناصر بيولوجية وفسيولوجية تتعاون على تحطيمه من ~~الداخل، فلا يجوز أن يقويها بتعاسة إرادية في سلوكه الخارجي. # وخطر السني على باله، وهو يحلق ذقنه ذات صباح، فغمغم: أي حلم يا فاجر؟! ~~••• # سأله الشيخ: أتصغي إلي حقا؟ # فأجاب بارتباك وحياء: نعم يا مولاي. # رمقه بأسف، وقال: إنك لا تواظب على الحضور. ~~- الحق. ~~- شغلتك الدنيا. ~~- أبدا، ولكنني أبحث عن شقة فوق سطح الأرض. # بدا الشيخ فاترا على غير عادة، فتمنى الرجل ألا يكون انقطاع العطايا - نتيجة لتغير ~~الظروف - وراء ذاك الفتور. وعاد الشيخ يقول: علاوات ومشاركة في الأرباح، ماذا تفعل بما ~~من الله به عليك من نعم؟ ~~- ما يفعل العطشان إذا وجد فنجال ماء. ~~- ولكن الدنيا لم تشبع طالبا لها. ~~- ما طلبت إلا الستر. ~~- لقد غرتك الحياة الدنيا. ~~- أبدا، والله شهيد. ~~- أقول لقد غرتك الحياة الدنيا. # وفصل بينهما الصمت مليا، ثم قال الرجل بحذر: هل من بأس في أن أرشح نفسي لمجلس ~~الإدارة؟ ~~- الإدارة؟! ~~- عمل نافع، وأنا رجل محبوب بين الزملاء. ~~- لا تسل أهل الطريق عن ذلك. ~~- قال رجل صادق إن الحياة في عبادة كما في الخلوة. # فغض الشيخ بصره وهو يقول: لم يبق إلا أن تحلق لحيتك. # وفرق الصمت بينهما. ~~••• ~~- بلوانا أخف إذا قيست ببلوى الآخرين. # فسأل صاحبه عما يعني، فقال باقتضاب: الحراسة، على سبيل المثال. ~~- لا يدري أحد شيئا عما يقع غدا. # وتبادلا نظرة طويلة، ثم سأل صاحبه: ماذا جنينا؟ ~~- التاريخ حافل بالأحداث الدامية. ~~- إني أكاد أصدق أحيانا ما يقال عن إجرامنا! # فرنا إليه صاحبه بنظرة متسائلة، فقال: إذا لم يكن ذلك كذلك، فلم قد تخلى الله ~~عنا؟ # وغرق في الغرام حتى أذنيه، وتدهورت حال زوجه من سيئ إلى أسوأ، وقرأ ذات صباح اسم ~~السني بين أسماء الناجحين في انتخابات مجلس الإدارة، فهتف بحنق شديد: صاحب الحلم ~~الفاجر! # وأضرب عن قراءة الصحف. # وأثار دهشته صديق بمرحه المتزايد، رغم ما حاق به من خسائر مذهلة، وقال له: إنك ~~تمثل دورا غير لائق. # فضحك الرجل عاليا، وقال: حق أن أموالنا قد ms078 اغتصبت، ولكن هل أدلك على رجل، قد ~~تنازل عن أموال لا تعد ولا تحصى بلا اغتصاب؟ # وراح يستعرض في ذاكرته الصحاب من الباشوات والبكوات، ولكن صاحبه عاجله قائلا: اسمه ~~الجوتاما بوذا! # وحثه على السماع بإشارة من غليونه، وقال: سأقص عليك قصته العجيبة. # | رحلة # لفت الأنظار، كان لا بد أن يلفت الأنظار، فرجل طاعن في السن وغاية في الوقار - إذا ~~جلس في قهوة بلدية صغيرة مزدحمة بالصعاليك - لا بد أن يلفت الأنظار، ولما زالت الدهشة ~~عنهم، رجعوا إلى ما كانوا فيه، وراح هو ينظر إلى الحارة من مجلسه، ويلامس قدح الشاي ~~بأنملته دون أن يفكر في تناول رشفة منه، لا شك أنهم يظنونه ضيفا غريبا طارئا لا ~~تفسير له، أو عابر سبيل أقعده التعب، كلا .. إنهم هم الضيوف، هم الطارئون، أما هو ~~... # أما هو فقد كان في ذلك الموضع مولده. # لقد زال البيت القديم تماما، وقامت القهوة في مقدم الخرابة التي حلت محله، قامت مكان ~~مدخل البيت القديم ودهليزه، وتحت موضع حجرة الجلوس التي كانت حجرة جلوس منذ سبعين سنة، ~~وقد جاء لأن شيئا ما نزع به إلى رؤية الحي القديم، وها هي الحارة لم تكد تتغير. كلا، لقد ~~تغيرت كثيرا، فعند مدخلها ترتفع عمارة جديدة، كذلك مهدت أرضها بالبلاط. ودكاكين ~~كثيرة فتحت مكان الأدوار التحتانية من البيوت القديمة؛ لذلك اجتاحتها ضوضاء غريبة، بعد ~~أن لم يكن يسمع بها إلا أصوات الغلمان وهم يلعبون ويغنون ويتشاجرون. لقد تغيرت ~~كثيرا، ولم يكد يبقى من ذكراها المستكنة في النفس إلا القليل. # شيء ما نزع به إلى زيارة الحي القديم، ورغم اختفاء بيته، فها هي البيوت الأخرى، قديمة ~~كما كانت وازدادت قدما، أما سكانها ... # لا أهمية للسؤال عنهم، تمزقت العلاقات القديمة وفنيت صلاتها الحميمة، كابدت ~~جميعها تجربة صارمة حادة كالموت تماما. إن الشيء الذي نزع به إلى هنا لا يبحث عن ~~الآخرين، ومع ذلك، أو رغم ذلك، فإنه استوقف صاحب القهوة وهو يمر أمامه، وسأله: من يقيم في ~~ذلك البيت؟ ~~- إنه وكالة خشب. ~~- وذلك ms079 البيت؟ ~~- عائلات كثيرة، كل عائلة في حجرة. ~~- وذلك البيت؟ ~~- آيل للسقوط. # كان لأرباب البيوت هيبة، فإذا ظهر أحدهم في الحارة سكت ضجيج الغلمان، وتوقفوا عن ~~اللعب أو تواروا عن الأنظار. ~~- وأين الكتاب والسبيل؟ ~~- لا يوجد، ولم يوجد. ~~- كان هناك كتاب وسبيل. ~~- ولكني أعمل هنا منذ عشرين سنة! # يحسب أنه ملك التاريخ! وابتسم ابتسامة لم يرتسم منها شيء على تجاعيد وجهه، وسأله ~~الرجل باهتمام: أتريد شراء أرض؟ # فشكره وهو يعجب لغرابة الفكرة، ولحظه - وهو يبتعد - بجانب عينه كما ينظر الأصيل إلى ~~المحدث. # لماذا جاء؟ لقد مات كل شيء أو أصبح في حكم الميت، وبعدت الذكريات لدرجة لم يعد ~~يخفق القلب لها إلا قليلا، ومن الخير له ألا يخفق فوق ما يحتمل. أما ذلك الغلام الذي ~~مات في صباه، فلأمر ما لم يمحه النسيان، حتى اسمه - رفاعة - لم ينعدم. كان يقيم في ~~البيت الآيل للسقوط، ينتعل التراب توفيرا لصندله، وينظر إليك بعينين واسعتين ناعمتين ~~لا أثر فيهما للعنف أو الشقاوة، ويلعب الحجلة في ذاك المكان تحت النافذة؛ نافذة زينب. ~~لتهنأ الذاكرة بما حفظت من أسماء قليلة نادرة، ولكن مفعمة بحيوية خارقة تتحدى الزمن. ~~لا يذكر من زينب إلا اسمها، ولا يذكر من جمالها إلا سحره الباقي كعبير مستحيل الوصف، ~~وأنها كانت «كبيرة» بالقياس إلى أعمارهم وقتذاك، وكانت تطل من فرجة في شيش الشباك وهم ~~يلعبون تحتها، وأحيانا تناديه بنبرة دسمة مؤثرة، قد تغير مع الزمن حتى جهاز السمع ~~الذي كان يطرب لها، عشقها في العاشرة كما يعشق ابن العاشرة، عندما يرفع عينيه ليرى وجهها! ~~أجل عندما يرى وجهها. وقالت له ذات يوم: «يا ولد، إنك تثير الغبار، فاحتشم.» يا له من ~~يوم ذلك اليوم! ولعلها اليوم في الثمانين من العمر، إن تكن معدودة من الأحياء، أو لعل ~~النباتات والهواء امتصت مخلفاتها من النيتروجين وثاني أكسيد الكربون والماء وبرادة ~~الحديد والنحاس والكالسيوم. أجل، لا يبعد أن يكون - هو - قد استنشق بعضها، أو أكل ~~البعض الآخر وهو لا يدري. كان يغسل وجهه ويمشط شعره ms080 ويتأنق في جلبابه وينتعل حذاءه ~~المطاطي، ويبدي أقصى ما عنده من مهارة في اللعب والقفز والشقلبة تحت عينيها؛ ليسرها ~~ويحظى بإعجابها، ويتيه زهوا إذا سمع همسها الضاحك: «أنت بهلوان يا ولد!» فيضاعف ~~من الشطارة والعفرتة. وقد لازمته تلك العادة في أطوار متأخرة من حياته، وهو يعرض ~~ألاعيبه في ركاب الوزراء والحفلات العامة؛ ليستجلب التصفيق الحاد من الجنسين. حدث ذلك ~~تحت النافذة التي لم يعد يطل منها أحد، والتي تنتظر بين حين وآخر من يقتلعها ويرمي بها ~~فوق ركام من الأخشاب والحجارة والتراب. ولم تكن هذه القهوة قائمة، ولم يكن أحد يحلم ~~بها، وهي الآن خلية للشبان الذين لا يرحمون عجوزا من زعقاتهم وضحكاتهم، وضرب الموائد ~~الخشبية بقبضاتهم. # وذات صباح، فتح عينيه فرأى جدته تنظر إليه باستغراب، وتسأله: من هي زينب؟ # فدعك عينيه ولم يجب، أو بالأحرى لم يفهم، فقالت: تنادي زينب وأنت نائم، فمن هي ~~زينب؟ # ولما لم يجب، حركت يدها برثاء: تسقط في الحساب والديانة وتحلم بزينب! .. يا خيبتك ~~القوية! # ولما قرأ # يوم يفر المرء من أخيه * ~~وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه # في وصف ~~القيامة، أرعبته الصورة، وبخاصة ما يتعلق بإمكان الفرار من زينب وتركها لشأنها، ~~واستقرت الصورة في قلبه طويلا كمأساة لا شفاء منها. ومن عجب أنه جاء الحارة وهو لا يذكر ~~زينب البتة، حتى رأى النافذة! أما رفاعة فكان يلعب تحت النافذة، وكان نحيلا لدرجة ~~تستثير الضحك، فكان يبتسم لضحكاتنا ولا يحنق أو يغضب. لا يذكره حانقا أو غاضبا قط، ~~ولكنه كان يذعر إذا تحرش به الشربيني. ولم يكن الشربيني يتحرش به لسبب محدد، ~~ولكن لأنه كان من طبعه أن يتحرش بالجميع، وبخاصة الضعفاء منهم، كان باختصار فتوة ~~العصابة. وقلت له مرة: «حرام عليك .. يجب أن تخاف ربنا.» فأعاد كلماتي بصوت كالنهيق، وكان ~~ذا قدرة غريبة على الاستهزاء بكافة القيم، رغم أنه لم يجاوز العاشرة، ولم يكن التحدي ~~ليجدي معه ولو اجتمعنا عليه كلنا؛ فقوته وجرأته كانتا كالإعصار الذي يطيح بأي شيء ~~يعترض سبيله. كان رئيسنا بالانتخاب الطبيعي ms081 ، ولكن بلا خلق ولا مبادئ ولا يهاب أبا ولا ~~أما، ولا أذكره إلا ضاحكا أو غاضبا، أما العواطف الرقيقة فلم تعرف مكانا في قسمات ~~وجهه، ولكنه كان رجلنا عند الشدائد، عند أي اقتحام لحارتنا، أو اعتداء على أحد منا، ~~وكان أيضا كريما لا يستأثر بمليم وحده، وكان أمامنا في التجارب الجديدة، يشدنا إليها ~~واحدة بعد أخرى، والآخرون يلهثون وراءه مشدوهين. ~~- هل سمعتم عن السيرك؟ ~~- وما السيرك يا شربيني؟ # فيمضي بنا إليه، ونكتشف بفضله دنياه الساحرة، أو يقول باستعلاء: طبعا أنتم لا تعرفون ~~الجبل! # ويقودنا إلى المقطم، فنرقى في معارجه فوق العالم كله، حتى يئن رفاعة متشكيا: ~~كفاية .. تعبت. # فيقول له بازدراء: تقدم يا بنت! # ويوم جاءنا قابضا على ذيل قط ميت، وسألنا: ما فائدة هذا؟ # فأجاب رفاعة: ندفنه فنكسب ثوابا! ~~- يا تربي يا حقير! # وأمرنا أن نتبعه، فسرنا وراءه والمغيب يهبط فوق المآذن والقباب، حتى وقفنا في عطفة ~~تنحدر إلى شارع الخليج. وقف مخفيا القط وراء ظهره، حتى رأى الترام قادما من بعيد. ~~انتظر حتى مر الترام أمام العطفة، ثم رمى القط في مقصورة الدرجة الأولى، فارتطم بالرءوس ~~وأسقط الطرابيش، ثم انطلقت العصابة بأقصى سرعة في الظلام، وما زال يقودنا من فتح إلى ~~فتح، حتى قال لنا ذات يوم: إنكم لا ترون المرأة إلا وراء الشيش، أو في ملاءة مثل ~~زكيبة الفحم! # تطلعنا إليه باهتمام - عدا رفاعة الذي لم يبق منه وقتذاك إلا ذكرى - أجل، ~~تطلعنا إليه باهتمام، فقال: سترونهن بلا حجاب ولا حاجز ولا تمنع! # تجلى الشك في الأعين، فقال بمباهاة: موعدنا يوم السينما، وليرتد كل منكم ~~جاكتة فوق جلبابه. # وقد غاب الشربيني عني دهرا، حتى كنت في جولة تفتيشية بجرجا، فصادفته على غير ~~انتظار، عرفته من أول نظرة كما عرفني، كان معتما بعمامة خضراء مطلق اللحية، ~~يدعى «عبد الله المدني»، ويزعم أنه مهاجر من جيرة رسول الله، ويبيع للبسطاء ترابا في ~~لفافات من الورق، قال إنه من تراب القبر النبوي، وإنه يشفي من جميع الأمراض. رآه وسط ~~حلقة ms082 من مريديه فترامقا مليا، ثم لحق به في نادي الموظفين، وما كاد يخلو إليه ~~حتى صاح: بالأحضان! # فتعانقا، وتساءل الرجل عن صناعته الغريبة، فقال الشربيني: الرزق له أحكام! ~~- ولكن ... ~~- طول عمرك تقول «لكن» .. الحق أن كل شيء سخيف. # وجعل الرجل يضحك، حتى قال الشربيني: لي زوجة وأولاد في القاهرة، ولكن ضاق بي الحال مذ ~~ولت أيام الفتونة، فهاجرت إلى البلاد أعمل طبيب أسنان أو وليا من أولياء الله ~~.. وهو خير على أي حال من القتل! ~~- ومستقبل أولادك؟ # فضحك كأيام زمان، وقال: لا خوف عليهم، ما دام أولاد الكلب يرتفعون إلى أعلى ~~المناصب. # وعندما تصافحنا للوداع، بسط لي يده دون أن ينبس، فدسست يدي في جيبي وأنا أقول: لك في ~~ذلك حق، فطالما جدت علينا بسخاء. # ترى ماذا لقي من الحياة بعد ذلك اللقاء الذي مضى عليه ربع قرن من الزمان؟ ماذا لقي يا ~~زينب؟ كلا .. لقد تغيرت الحارة تماما، أين الحوض الذي كانت تسقى منه بغال عربات الرش؟ ~~أين كشك الحنفية العمومية؟ وهؤلاء الزبائن المزعجون ألا يريدون أن يسكتوا؟ وكيف تشعر ~~أنت بهذه الغربة وأنت جالس في مسقط رأسك، وبين ذكرياتك الحميمة؟ # ورفاعة يخجل مؤثرا السلامة على أي شيء، إنه يخاف الشربيني ويضاعف من تودده إليه. ~~وزرنا القرافة في أحد المواسم قبيل وفاة رفاعة بأيام، كنا نفرح كثيرا بزيارة القرافة في ~~المواسم، ونلعب في الحوش. أما إذا ترامى إلينا نبأ ميت جديد، فنهرع إلى القبر لنشهد ~~الدفن ولو من بعيد، ووقفنا عند قبر أم رفاعة نتبادل الأحاديث، وسأل سائل لم أعد أذكره: ~~ماذا يفعل الأموات في القبور؟ # فأجاب رفاعة بإيمان: إنهم يروننا ويسمعوننا، أمي تراني الآن وتسمعني، كانت تقول لي ذلك، ~~وهي صادقة. ~~- والظلام؟ ~~- يذهب بتلاوة القرآن، وتوزيع الرحمة على المساكين. # وتلا الصمدية. ~~- والحساب؟ ~~- يكون في أول ليلة فقط. ~~- والمرزبة؟ ~~- فظيعة! ولأنها تركتني صغيرا يتيما، فذلك خفف من الحساب، هكذا قال أبي. ~~- وكلنا سنموت! # فتساءل الشربيني بارتياب: كلنا؟ ~~- نعم كلنا، حتى سيدنا النبي مات. # وهز الشربيني رأسه هزة غامضة. ~~- وهي ms083 الآن في الجنة؟ ~~- الجنة لا توجد قبل يوم القيامة. ~~- ويعاد الحساب مرة أخرى؟ ~~- قال سيدنا ذلك في الكتاب وأكده. # وتمتم الشربيني باسما: عليه العوض. # كم كان مؤثرا محزنا مذهلا أن نقف في نفس المكان بعد ذلك بأيام، لنشهد دفن ~~صديقنا الرقيق المهذب العزيز رفاعة، رأيناه في كفنه وهو يحمل من النعش، وهم يختفون به ~~في القبر ليضعوه إلى جانب أمه، لم أصدق وبكيت طويلا، وعدت أنا والشربيني وآخرون ونحن لا ~~نمسك عن الكلام، وقلت إنه لن يحاسب لصغر سنه، فقال لي أحدهم إن الحساب يبدأ من ~~العاشرة، واختلفنا في ذلك، وطال الشد والجذب. ~~- على أي حال، فحسابه يسير. ~~- وسيكون من السقاة في الجنة. # عكفنا على ذلك حتى رجعنا إلى الحارة، والظاهر أني بكيت أكثر مما احتمل الشربيني، فقال ~~وهو يرمقني بحدة: أنت خائف! # فقلت: إنني حزين. # فعاد يقول: أنت خائف. # فغضبت، فقال: يجب على أي حال أن نلعب! # ووقفنا في المكان الذي ألف أن يلعب فيه، ومربعات الحجلة ما تزال مرسومة على سطح الأرض، ~~وشيء جعلني أرفع رأسي، فرأيت زينب في النافذة، تطل بوجه غير باسم، وتلاقت عينانا ~~ولكنها لم تبتسم، وحولت عني وجهها. تمنيت أن أجري إليها لأبكي بين يديها، وأقول لها ~~إني حزين يا حبيبتي! # ولكن الصحاب كانوا كثيرين، كانوا عصابة تملأ الحارة، لكنهم ضاعوا من الذاكرة فلم يعد ~~لهم وجود، ولم يعد من المهم أن أسأل عن مصائرهم، ولا أدري إن كنت ما أزال حيا في ~~بعضهم، أم أنني ميت أكثر مما أتصور. على أي حال عشنا في الحارة حياة الحضور الكامل، ~~وهي أقصى ما نستطيع أن نمارس من الخلود؛ حياة حاضرة تبدو عادة راسخة ممتدة ممتنعة عن ~~التغيير أو الاضمحلال فضلا عن الزوال، ولم تخل من مقومات الحياة الجوهرية بين طرفي ~~العبث والغيبيات. وامتلأت بالحب ولكني آمنت بأنه بلا ثمرة .. وعرفت الموت كفراق مروع ~~فظيع لا يخفف من بلواه شيء، ولا الإيمان نفسه، ولم أشعر بما بين أبعاد دنياي من ~~تناقضات، ولكنني عشت السرور بلا حدود ms084 ، كما عشت الحزن بلا عزاء. ~~••• # وتثاءب. # ولفت الأنظار مرة أخرى بتثاؤبه. # وخلع النظارة الذهبية فجلاها ببفرتين ثم لبسها. وغامت السماء فحجبت شمس الظهيرة عن ~~أرض الحارة، وتمتم صاحب القهوة: «لا إله إلا الله.» والرحلة، وإن تكن عبثا، إلا أنها ~~أيقظت القلب دقائق، وقرر - فيما يشبه نشوة الانتصار - أن يزور الحي القديم من ~~حين لآخر، ولكنه عندما غادر الحارة، ومضت به السيارة إلى المدينة، استيقظ من غفوته، ~~من سطوة الماضي، وتذكر مواعيده، واسترد اهتماماته اليومية. # تحرر تماما، وتمتم: بعيد أن تتكرر. # وتثاءب للمرة الثانية، ثم تمتم مرة أخرى: النافذة لم تكد تتغير. # | المسطول والقنبلة # ليس الطريق هو الطريق، ولا الدنيا هي الدنيا. الناس في عجلة ولهوجة، الطوار مزدحم، ~~والشارع يموج بحركة لا تنقطع، والجنود يرمون بنظرات جهنمية من تحت الخوذات. ما الخبر؟! ~~وكلما رغب أن يركز ذاكرته تطايرت كغبار الأعاصير، كل ما يذكره أنه ذاهب إلى دكان ~~صديقه محسن الكواء. يا عم محسن، أين أنت؟ .. الطريق لا نهاية له؛ كأنه يسير إلى القمر، ~~وهو ثقيل جدا، تكاد تخذله قدماه. والشمس ترسل أشعة سوداء، ورغم حيرته ابتسم. وندت عنه ~~ضحكة، ونظر إلى الناس باستغراب. أي شيء يستحق هذه العجلة؟! وتساءل، ترى هل لبس ~~طربوشه؟ إنه يشعر بقشعريرة في دماغه، ولكنه ليس متأكدا من الطربوش، ولم يجد لا ~~القدرة ولا العزيمة ليرفع يده ليتأكد من وجود الطربوش، ولكنه صادف دكان أثاث ~~قديم، فمال إليه ونظر في مرآة مسنودة إلى ضلفة بابه، فرأى طربوشه منطرحا إلى الوراء ~~كاشفا عن مقدم شعره الأسود. وسوى رباط رقبته وهو ينظر، وخيل إليه أن عينيه منتفختان ~~وأنهما شبه مغلقتين، واشتدت الحركة بالطريق وانتشرت الضوضاء. ما الخبر؟ وفتح فاه ~~ليدندن أغنية، ولكنه سرعان ما نسيها، وساءه ذلك جدا ونغص صفوه، ولكن حركة زئبقية ~~رقصت في باطنه فانبسط وابتسم، وقال إنه بما يملك من قوة يمكنه أن يطير، وأن يغوص في ~~الأرض، وأن يخاطب ساكني القطب، وها هو أخيرا دكان محسن الكواء، ونسي تماما أسئلة ~~الطريق وحيرته، ولما صار أمام ms085 عم محسن، انحنى تحية كأنه حيال ملك، ولبث منحنيا إعرابا عن ~~امتنانه وكسلا، وابتسم الكواء، فقال ويده لا تكف عن العمل: أستغفر الله يا أيوب ~~أفندي. ~~- أنت تستحق أكثر من ذلك. # ووضع له الصبي كرسيا عند باب الدكان، فاعتدل في موقفه، وكرر التحية برفع اليد، ثم ~~مضى إلى الكرسي فانحط عليه، وأشار إلى رأسه وهو ينظر إلى الكواء، وقال: ليس بالإمكان ~~خير مما كان. # فقال الكواء بفخار: ألم أقل لك؟ ~~- صنف لا مثيل له. ~~- وقلت لك خذ أوقية قبل أن ينفد، ولكنك لم تصدقني. # وبالجلوس في الشارع، عاد مرة أخرى إلى الحيرة والأسئلة، وتساءل عن معنى ذلك، فقال ~~الكواء: عما قليل ستشهد الموكب. ~~- الموكب؟! ~~- هووه .. عاد الرجل من لندن، وها هم الجنود ينتشرون للصيد الحرام! # ودارت عينا أيوب بلا إرادة، واشتد شعاع الشمس إظلاما، واكتظ الطريق تماما، ~~وتساءل: لماذا؟ # لم يفهم الكواء المقصود بالسؤال، ولكنه قال: عودة مظفرة سيعقبها سقوط ~~الوزارة. # ونظر أيوب إلى السماء، فانطرح رأسه على ظهر الكرسي بلا حراك، فابتسم الكواء، وتساءل: ~~ألا يسرك أن تغور الوزارة؟ # لم يبد أيوب حركة أو اهتماما، فكتم الكواء ضحكة وسأله: خبرني، من الذي يحكمنا ~~الآن؟ # أرجع رأسه إلى وضعه الطبيعي وكأنه لم يسمع، فعاد الآخر يتساءل: ألا يسرك أن يعود ~~الدستور؟ # فراح يدندن بنغمة غامضة، فضحك الكواء قائلا: يا بختك! # وترامى هتاف من بعيد، فانطلقت شرارة الحماس في الطريق، وصاح المأمور بصوت ملؤه ~~الوعيد: «النظام.» وخرج الكواء من الدكان واندفع يهتف مع الهاتفين. وضحك أيوب دون أن ~~يبرح مجلسه، ومر الموكب كزلزال، وجرى في إثره ألوف وألوف، ولم يبق قاعدا في الطريق ~~كله إلا أيوب، وتراجع لصق الجدار ليتفادى من الراكضين، وراح يغني بصوت لم يسمعه ~~أحد: # البخت لو مال حتعمل إيه بشطارتك. # ووقف المأمور ببدلته البيضاء وشريطه الأحمر في وسط الطريق، والتيار المندفع يتجنبه ~~فينحرف إلى يمينه أو إلى يساره. ولم يحدث من الجنود اعتداء إلا حوادث شبه فردية، وإذا ~~بشاب ينقض على المأمور فجأة، ويوجه إلى بطنه لكمة ms086 ضارية. ترنح المأمور ثم سقط، ~~وفر الشاب كالريح، ووقفت النغمة في حلق أيوب، وحملق وهو يداري إغراء بالضحك، ورأى ~~الجنود وهم ينفجرون، فيهوون بهراواتهم على الناس جزافا، وطارد المخبرون الشاب، ولكن ~~فصلت بينهم وبينه موجات متلاطمة من البشر، وتتابعت الأحداث بسرعة جنونية؛ دوت ~~طلقات نارية، وفي ثوان تفرق الناس في كل عطفة حتى خلا الطريق، وأغلقت الدكاكين، ~~ونهض المأمور معتمدا على ذراع ملازم، وصاح برئيس المخبرين: الويل لك إذا لم تأت ~~به. # وأرهقت الأحداث عيني أيوب، ولم يبق في الطريق أحد سواه، حتى الجنود ركضوا في أعقاب ~~الهاربين، وأغمض عينيه ليستريح، وأخذته نوبة من الضحك في الطريق الخالي، والتفت إلى ~~دكان الكواء فوجده مغلقا، ورغب في تذكر الأغنية ولكنه لم يفلح، وأغلق عينيه مرة ~~أخرى، غير أن وقع حذاء ثقيل دعاه إلى فتحهما، رأى المخبر يقبل نحوه بنظرة صلدة. كيف ~~انشقت عنه الأرض؟ ومضى يقترب منه حتى أخفى عنه الطريق والسماء، وحملق أيوب فيه دون أن ~~ينبس وهو يعاني قساوة الوحدة، وصاح المخبر بصوت كالسوط: ماذا يضحكك يا مجرم؟ # فانكمش أيوب فوق الكرسي مغمغما: لم أضحك. # فصاح وهو يقرب منه وجهه: تضرب المأمور ثم تضحك؟ # فمد أيوب ذراعيه، كأنما ليتقي الشر، وقال: معاذ الله .. أنا لم أبرح مكاني. ~~- فاهمني أعمى يا ابن الحية؟ # ولطمه لطمة شديدة طرحته أرضا، وأطاحت بطربوشه عشرين مترا. تأوه أيوب دون أن يحاول ~~النهوض، ولكن المخبر شده من رباط رقبته حتى احتقن وجهه، ثم قام وهو يترنح، وقال بصوت ~~منكسر: حرام .. والله ما تركت مكاني طول الوقت. ~~- اخرس .. عيني لم تتحول عنك لحظة. # وصفعه مرة أخرى، وأخرج صفارته ونفخ فيها، وجاءت قوة من الجنود، فأشار إلى أيوب ~~قائلا: اقبضوا على المجرم الذي ضرب مأموركم. # ودوى انفجار شديد فتجمدوا في أماكنهم، وقال جندي: صوت قنبلة. # وأرهفوا السمع صامتين، ثم أفاقوا من دهشتهم، فقبضوا على أيوب وهو يصيح بأعلى صوته: أنا ~~بريء .. لم أضرب أحدا، ولم أتحرك من مكاني. # وساقوه إلى القسم، ثم أدخلوه حجرة المأمور، وأدى المخبر ms087 التحية، وقال: الجاني يا ~~فندم. # وهتف أيوب: حرام عليك، أنا بريء. # وسأل المأمور المخبر، وهو يحدج أيوب بنظرة قاسية: أين قبضت عليه؟ ~~- لحقت به في ميدان عابدين، جريت وراءه دون أن أرفع عيني عنه، قاوم مقاومة شديدة، ~~ولكنني ارتميت عليه حتى أسعفني الجنود. # واستمر المأمور في طعنه بنظرته، ثم قال بحنق: تضربني يا كلب! # وهتف أيوب يائسا: أقسم بالله ... # ولكنه لطمه لطمة أسكتته، ثم أشار إلى المخبر إشارة خاصة، وهو يقول: لا تترك به ~~أثرا يمكن أن تراه النيابة. # أحنى المخبر رأسه إحناءة الفاهم، ودفع أيوب إلى الخارج، ودعا بمعاونيه فأوثقوا يديه ~~وراء ظهره، وانهالوا على وجهه بأكفهم وهو يصرخ من العذاب، حتى سقط مغشيا ~~عليه. # وأفاق، فوجد نفسه مطروحا على أريكة خشبية في نطاق من الجنود، وجذبه المخبر من ذراعه، ~~فاستجاب في إعياء وذهول، وسيق إلى حجرة المأمور، وأجلس هذه المرة أمام مجموعة من ~~الرسميين في ملابس مدنية، وهو يشعر بأن وجهه منتفخ حتى ليوشك أن يملأ الحجرة، وكل ~~موضع في جسده وروحه انهار انهيارا، وسأله من ظنه رئيسهم: أنت مستعد للتحقيق؟ # فقال باستسلام: أنا بريء. # وطلب أن يشرب، فجيء له بكوب، وسأله المحقق عن اسمه، فأجاب: أيوب حسن طمارة. ~~- عملك؟ ~~- كاتب بالدفترخانة. ~~- عمرك؟ ~~- ثلاثون عاما. ~~- رآك الجنود والمخبرون. # فصاح مقاطعا: أنا بريء، وحق كتاب الله بريء. # قال الرجل بحزم: أجب على أسئلتي دون ضوضاء. ~~- لم أفعل شيئا، ولا أدري لماذا جيء بي إلى هنا. ~~- أجمع الشهود على أنك أنت الذي ألقيت القنبلة أمام المحكمة المختلطة! # لم يفقه شيئا، إنهم مجانين أو مساطيل، وقال مكذبا أذنيه: لم أغادر الكرسي أمام ~~دكان محسن الكواء، ولم ألمس المأمور. ~~- إنك تهذي، وهذا سيعقد الأمور في وجهك. ~~- ولم أفعل شيئا. ~~- أنت الذي ألقيت القنبلة! # قنبلة! .. حضرتك تقول قنبلة؟! ~~- عشرات من الجنود والمخبرين رأوك بأعينهم. # ضرب جبهته بكفه، وصاح: لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- كلامي واضح جدا، مثل فعلتك الشنعاء. ~~- يا حضرة البك، أنا لم يقبض علي بتهمة إلقاء قنبلة، لقد قبض المخبر علي ms088 بلا ~~سبب، ثم ألصق بي ظلما وعدوانا تهمة الاعتداء على حضرة المأمور. ~~- اعترف، فالاعتراف في صالحك، وإذا اعترفت بمن دفعك إلى الجريمة، فلن تندم. # فهتف أيوب بصوت محشرج: يا ناس حرام عليكم، أنا رجل مسكين لم أعتد في حياتي على أحد، ~~اسألوا عم محسن الكواء. ~~- اعترف ولن تندم. # وقال رجل يجلس إلى يمين المحقق: نحن نعرف الذين وراءك، سنذكر لك أسماءهم ونطلعك ~~على صورهم لتتأكد من صدق كلامنا، وأنت مسكين حقا، ولا شك أنهم غرروا بك، لم تكن في ~~أيديهم سوى لعبة لعبوا بها بسفالة، وسوف يخفف ذلك من ذنبك، سيجعله لا شيء، ولكن يجب أن ~~تعترف. ~~- أعترف! .. ولكنني لم أضرب المأمور. ~~- من أين أتيت بالقنبلة؟ ~~- يا رب السموات والأرض ... ~~- إذن، فأنت لا تريد أن تعترف! ~~- أعترف بماذا؟ .. ألا تخافون الله؟ ~~- احذر العناد العقيم. # نظر إلى الوجوه المحدقة فيه، فرآها سورا صلدا يسد أبواب الرحمة والأمل، وخطر له ~~خاطر يأس في أعماق محنته، فقال: أتريدون حقا أن أعترف؟ # فعكست أعينهم اهتماما كاد أن يكون ودا، وقال المحقق: تكلم يا أيوب. # فقال بصوت منخفض: أعترف بأنني مسطول. # فحل محل الاهتمام غيظ وحنق: أتهزأ بنا؟ ~~- ربع قرش في معدتي، وبيني وبينكم الطبيب الشرعي. ~~- إنك تحرق مستقبلك. ~~- أنا مسطول، ككل يوم، هل سمعتم عن مسطول ألقى قنبلة؟ ~~- حيلة صبيانية للهرب. ~~- أنا أيضا مدمن، ولم أضرب المأمور أو ألقي قنبلة؟! ~~- حذار يا أيوب. ~~- لماذا؟! .. لماذا؟! .. عمري ما شغلت نفسي بسياسة، ولا بدستور 930 أو دستور 923، ولا ~~هتفت مرة واحدة، هاتوا الطبيب الشرعي. ~~- طاوعني واعترف، والأسماء تحت يدك والصور. ~~- صدقوني لا عمل لي في الدنيا إلا حفظ الوثائق القديمة، واستحلاب ربع قرش كل ~~يوم. هاتوا الطبيب الشرعي، واسألوا الناس جميعا. ~~••• # وانقضى عام قبل أن يرجع أيوب مرة أخرى إلى دكان عم محسن الكواء، وجهت إليه تهمة ~~إلقاء قنبلة أمام المحكمة المختلطة، نشرت صورته في الجرائد، عده الشعب بطلا فدائيا. ~~تقدم للدفاع عنه نخبة من كبار المحامين. حكمت المحكمة ببراءته، ودوت القاعة ~~بالهتاف، ولما عاد إلى ms089 دكان الكواء تعانقا عناقا حارا طويلا، ثم اتخذ مجلسه ~~المعتاد أمام الدكان، وقال محسن تحية ومودة: عندي صنف يا هوه! # فضحك أيوب، وقال: مضى عام بلا كيف حتى نسيته. ~~- آن لك أن تتذكر. # فلم ينبس بكلمة، فقال محسن بدهشة: الله يجحمهم! .. لقد تغيرت حتى ما أكاد أعرفك يا ~~أيوب أفندي. # فابتسم دون أن يتكلم، فقال الآخر مشجعا: ولكن كثيرين يحبونك اليوم ~~ويعظمونك! # فضحك ضحكة بريئة سعيدة، فاستطرد عم محسن: ولا يصدق أحد بأنك مدمن، ولكنهم يؤمنون ~~بأنك ضربت المأمور وألقيت القنبلة. # فقال بفخار: كانت المحاكمة قنبلة! # فتساءل محسن بارتياب: وماذا تنوي بعد ذلك؟ # فتفكر الرجل قليلا، ثم قال: أشار علي بعضهم بأن أرشح نفسي في الانتخابات ~~القادمة! # نظر محسن نحوه بذهول، وقال: لكنهم يعرفون صاحب القنبلة! ~~- ولو! .. قالوا إنني رفضت أن أشترك في تلفيق تهمة ضد أحد منهم. ~~- ولكنك لا تهتم بشيء في هذه الدنيا؟! # فقال وهو يبتسم: لقد تزوجت الاهتمام في المجلس الاحتياطي والمحكمة. # | صورة # يسري عبد المطلب يتناول فطوره المكون من قطعة من الجبن القريش والخبز المحمص وفنجال ~~قهوة، وفي قبالته جلست زوجته منهمكة في مطالعة الجريدة، وتنفس جو الشقة هدوءا ~~كهدوء الشيخوخة، هو طابعها دائما أبدا، عدا أيام الزيارات التي يحييها الأبناء. وقربت ~~المرأة الجريدة من عينيها في اهتمام طارئ، ولكن الرجل رمقها في غير اكتراث، ونادرا ما ~~يثير اهتمامه شيء مذ أحيل إلى المعاش، وتمتمت المرأة في رثاء: مسكينة! # وقال لنفسه: دائما صفحة الحوادث أو صفحة الوفيات! ومدت له يدها بالجريدة، وهي تقول ~~في حسرة: شابة، وجميلة .. انظر. # يا فتاح يا عليم! جثة ملقاة على الرمال، الوجه واضح المعالم، وسيم يافع، مغمض ~~العينين إلى الأبد. ونظر في الجريدة دون أن يتناولها، وتساءل: قتيلة؟ ~~- في الصحراء، وراء الهرم، مؤخر الرأس مهشم، لم يسرق منها شيء، مجهولة. # فقضم لقمة وهو يقول: قصة قديمة معادة. ~~- لكنها لم تسرق! ~~- حب، زفت، أي شيء، لم تقتل طبعا بلا سبب. ~~- جميلة وشباب، المسكينة! # وأمعنت النظر في الصورة، وقالت: يا قلب أمها! # ووضعت ms090 الجريدة على السفرة، واستطردت: إني أعجب كيف يقدم إنسان على قتل ~~إنسان! # فقال باسما: لا تنكري أنك عاصرت حربين عالميتين، وعشرات الحروب المحلية. ~~- الحرب شيء آخر، ليس كأن تقتل إنسانا وجها لوجه، بقصد وغدر وقسوة، والمسكينة - ~~ولا شك - ذهبت مع القاتل وهي مطمئنة. ~~- اللعنة، ولماذا ذهبت معه؟ # تنهدت المرأة قائلة: الله أعلم، والله غفور. ~~••• # وفي شقة بالعمارة رقم 50 بشبرا، كانت فتاة تنظر إلى صورة القتيلة بذهول، لا تكاد تصدق ~~عينيها، ثم هرعت إلى أمها بالجريدة هاتفة: ماما .. انظري! # نظرت الأم إلى الصورة، وقرأت الخبر، ثم رفعت عينيها إلى ابنتها متسائلة، فقالت هذه ~~بانفعال: شلبية يا ماما، ألا تذكرين شلبية؟! # أعادت المرأة النظر إلى الصورة بإمعان، حتى اتسعت عيناها دهشة وانزعاجا، وصاحت: يا ~~ربي! هي هي شلبية، شلبية دون غيرها. # قالت الفتاة برثاء وتأثر: كانت عندنا منذ خمس سنوات. ~~- أجل، ترى كيف ولم قتلت؟! # غمغمت الأم بكلام غير مفهوم، ولم يسكن انفعال الفتاة، فقالت: كانت طيبة جدا يا ~~ماما، تتلقى أي أمر بصبر وابتسام، وكانت تغني في الحمام أغاني ريفية بصوت ساذج ~~لطيف. # ثم بنبرة كالعتاب: وقد طردناها بلا سبب! ~~- هي مسكينة، ربنا يرحمها، ولكنا لم نظلمها. ~~- كانت لطيفة وساذجة ومؤدبة، ولكني لم أدر لأي سبب طردت! # فقالت الأم بوجوم: لم تطرد بلا سبب، وكل شيء قسمة ونصيب. # فتنهدت الفتاة قائلة: لعلها لو بقيت عندنا لما ... # فقاطعتها بحدة: أنت مجنونة؟! .. أليس كل شيء بإرادة الله؟ # فانخفض صوتها وهي تقول: مسكينة، كنت أحبها، وبابا لم يرغب أبدا في طردها. # وقطبت الأم عند ذكر «بابا»، وغامت عيناها بذكريات مقلقة فيما بدا، وقالت بصوت جاف: ~~كفى، الله يرحمها، وكفى. # وأعادت النظر إلى الصورة، وتمتمت: ليست الملابس بملابس خادمة. ~~- لعلها ... # فقاطعتها قائلة: ليكن السبب ما يكون، ولكنني لم أظلمها، والله يرحمها. # وساد صمت، ثم قالت الفتاة: البوليس يناشد من يتعرف على الصورة أن يتقدم للإدلاء ~~بمعلوماته. # فقالت الأم بحزم: لقد انقطعت صلتها بنا منذ خمسة أعوام، ولن نفيد التحقيق شيئا، وأنت ~~لا تتصورين المتاعب ms091 التي يتعرض لها من يذهب إلى البوليس. # ورمت بالجريدة بعيدا، وهي تقول: أي صباح هذا يا ربي؟! ~~••• # ووقع بصر السيد أنور حامد على الصورة، وهو يتصفح الجريدة في فترة استراحة قصيرة في ~~أثناء عمله بإدارة التفتيش. حملق فيها بانزعاج لم يخف عن زميله في الحجرة، فسأله: خيرا ~~إن شاء الله! # فطوى الجريدة وهو يتمالك نفسه، قائلا: صديق توفي. # ولكن اجتاحه اضطراب لم يفارقه طوال الوقت، شلبية العاملة بالمشغل، الجميلة العذراء، ~~التي اضطر آخر الأمر إلى أن يتزوج منها زواجا عرفيا، وبسوء نية اشترط عليها ~~ألا تنقطع عن العمل، ولما حملت اغتصب منها موافقة على الإجهاض، وقالت وهي تبكي: ~~أنت لا تحبني، ولا تعدني زوجة! # فقال ملاطفا: بل أنت زوجتي، ولكني لا أريد خلفا! # ولما تنغص العيش في الأيام التالية، حزم أمره وسرحها، وصديقه عبيد رئيس الحسابات ~~كان الشاهد وحافظ السر، ومن شدة اضطرابه انتقل إلى حجرته، فأطلعه على الصورة، وهز الرجل ~~رأسه وتمتم: مسكينة، ترى كيف قتلت؟ ~~- سنعرف غدا أو بعد غد، وليس من العسير تخيل ذلك. # وتبادلا نظرة لم يرتح لها أنور حامد كثيرا، فقال: كانت عنيدة، فماذا كان يمكن أن ~~أفعل؟! # فقال المدير بنبرة مخففة: كانت تحبك جدا، ورغبت في الأمومة. ~~- ولكن الناس والأهل! .. لا يخفى عليك ذلك. ~~- طبعا، فليغفر الله لنا جميعا! # امتعض مليا، ثم تساءل: هل أذهب إلى البوليس؟! ~~- أظن هذا. ~~- ولكن، ألا يجر ذلك إلى متاعب، وأنا شارع في الزواج؟ # فتفكر الرجل قليلا، ثم قال: إذن لا تذهب، وإذا جاء ذكرك في التحقيق مستقبلا، ~~فادع أنك لم تر الصورة. ~~••• # ولم يطلع حسونة المغربي على الصورة إلا حوالي العصر، وهو موعد استيقاظه من النوم ~~عادة كل يوم، وفرك عينيه كأنما لا يصدق، وقال: درية! .. يا للشيطان! # وأدام النظر إلى الصورة، ثم غمغم: لماذا قتلت؟! # ومضى إلى الحمام وهو يتجشأ حموضة الخبر، وسرعان ما استرد هدوءه، فقال: ولكنك ~~شيطانة مجرمة! # ثم مواصلا، وهو يغسل وجهه: الجزاء من جنس العمل. # وراح يحلق ذقنه، ويقول وكأنه يخاطب صورته في ms092 المرآة: عرفتك مطلقة ذليلة، بعد أن ~~جربت شهامة الأفندية، أعطيتك الحب وجعلتك نجمة في هذا البيت، وعشقك أحسن ناس في ~~البلد، وماذا كان الجزاء؟ .. هربت، أجل هربت لكي تقتلي في الصحراء، فإلى الجحيم. # وحوالي التاسعة مساء، جاء الرجال وجلسوا حول مائدة القمار، ودارت عنايات وبهيجة ~~بالويسكي والمزات، وعلموا بالخبر، فقال فهمي رمضان: قد تجر إلى التحقيق يا حسونة. # فقال باستهانة: لكنني لم أرها منذ عام. ~~- ولو! # وقال سعيد الإمام بحذر: من الحكمة أن نمتنع عن الحضور، حتى يقبضوا على القاتل. # فصاح حسونة بقلق: لا شأن لي بالجريمة. # فقال حسني الديناري: اذهب إلى البوليس، وأدل بمعلوماتك. # فتساءل الرجل بذهول: أتريدني على أن أعترف بأنها كانت تعمل هنا؟ # فقاطعه: كلا .. قل فقط إنها كانت صديقتك، واختفت منذ عام. ~~- وإذا سئلت عن عملي .. أو بطاقة الشخصية .. أو تحروا عن مسكني؟! ~~- في السكوت خطر أفدح. # فلوح بيده بغضب وسخط، وهتف: كان ضروريا أن تقتل لتربك حياتي! # فقال الرجل في غيظ: ياما نصحتك! .. ولكنك كنت وحشا في معاملتها! كنت وحشا رغم ~~تفانيها في حبك. ~~••• # واستيقظت فتحية السلطاني حوالي المغرب، في الحجرة التي تقيم فيها مع دولت ونعمات وأنيسة ~~وعلية، وكانت درية (شلبية) أول ما خطر ببالها، وانفجر في رأسها بركان من الغضب لم يفارقها ~~طيلة الوقت الذي قضته في الحمام، وهي تغير ريقها، ثم وهي واقفة أمام المرآة تتبرج: ~~الخنزيرة .. الكلبة .. ماذا تظن بنفسها؟! # وتثاءبت دولت، وقد أدركت من تعني، وقالت وكأنما تعتذر عن الأخرى: كانت سكرانة! ~~- ولو! .. إنها تشرب البرميل فلا يدور لها رأس. # ونسيت الموضوع دقائق وهي تروض شعرها المتمرد، ثم عادت تقول: نظرت إلي من فوق! ~~.. العفو .. العفو يا مولاتي! .. أنسيت عرشك تحت الجاموسة؟ # وقالت نعمات: كانت سكرانة وهي غير معتادة، ورغبت في مداعبتك، ترى أين باتت ~~ليلتها؟ ~~- في أي داهية مع أي جربوع، وستعرف الليلة من أنا! # وذهبت أول الليل، فتجولت طويلا على كورنيش النيل دون ثمرة، ثم قصدت حلواني كوكب ~~الشرق، فاتخذت مجلسها المعهود بالدور الثاني، وأخذت ترامق الموجودين وتنتظر، ms093 ومن آن ~~لآخر تنظر نحو المدخل، وهي تتوثب للقاء غريمتها. ولما مر النادل سألته: ألم تر ~~درية؟ # فأجاب دون أن يتوقف: زمانها جاية. ~~••• # وأمضى عادل اليوم متسكعا بين الحدائق على شاطئ النيل، لم يذهب إلى الكلية، ولم ينم ~~ليلة أمس ساعة واحدة، وتأبط الجريدة، وكلما وجد نفسه في خلاء، فتح صفحة الحوادث وأدام ~~إلى الصورة النظر، وقال إنه سيسقط آخر الأمر من شدة الإعياء، وقال إن ريقه جاف ومر، ~~وتنفسه بطيء، وها هي الزوبعة الهوجاء قد سكتت، والأسئلة المندلعة قد خمدت، والنية ~~المبيتة قد نفذت، ومع ذلك فلا يشعر مطلقا بأنه حقق مطلبا، أو بلغ أملا. لا شيء، ~~خواء، انهيار، وقد قضي عليك. ولا مهرب، فإن يكن البقاء خطرا فالهرب أشد، وأين تهرب؟ وكم ~~من راء يحتمل أن يكون رآك وأنت ماض بها؟ وخيل إليك أن صوتا ناداك في المرقى إلى ~~الهرم، وفضلا عن هذا وذاك، فالبوليس كالهواء يملأ الأماكن المغلقة. ~~- إلى أين تسير بي؟ ~~- ما أجمل أن نبتعد في الصحراء! # هم يسألون عنك في الكلية، وينتظرونك حول البيت. ما أعجزنا عن أن نرجع دقيقة واحدة إلى ~~الوراء! ~~- درية .. أنت دائما تكذبين! ~~- أنا لا أكذب، ولكنك لا تصدق. ~~- كم أحببتك من كل قلبي، ولكنك لا قلب لك. ~~- ما أشد الظلام حولنا! ~~- قاسية كالحجر. ~~- عادل .. صوتك متغير .. وأنا لا أحب الظلام. ~~- لن تري بعد الساعة إلا الظلام. # انتهى كل شيء، وها أنت تنكلين بي في موتك كما نكلت بي في حياتك، لم تكوني امرأة، ~~ولا آدمية، ولم ينبض قلبك بالحب أبدا. قوة شريرة خلقت من الشر لتمارس الشر. # | صوت مزعج # كان بمجلسه الصباحي بكازينو الشجرة، يحتسي القهوة ويدخن سيجارة، ينظر إلى مياه النيل ~~الساكنة أو ينظر إلى سماء يوليو الصافية والباهتة من حدة إشعاع الشمس، ويفكر بقلق، ~~ويغمض عينيه إمعانا في التفكير، ثم يفتحهما فيرى كراسته المفتوحة على صفحة بيضاء، ~~وقلمه الرصاص مطروحا عليها بالعرض رهن الإشارة. ويجيل بصره في الحديقة، فيرى اثنين ~~هنا واثنين هناك، ولا أحد ثمة غيرهم، والنادل ms094 نفسه قعد فوق السور المطل على النيل في شبه ~~عطلة. هو وحده يجيء للعمل، ليستوحي نهار يوليو المشاكس المعاند موضوعا جديدا، يملأ به ~~صفحة «أمس واليوم» بمجلته الأسبوعية، وهو موضوع يجب أن يتجدد أسبوعا بعد أسبوع، وإلى ما ~~لا نهاية، وعلى توفيقه فيه، تعتمد سعادة شقته الأنيقة وزوجته وطفله البالغ عامين وسيارته ~~الأوبل، فضلا عن جرسنييرة بعمارة الشرق معدة للطوارئ. ~~- يا سماء جودي بالأفكار. # وامتد بصره من خلال النظارة إلى قصر قائم قبالته على الشاطئ الآخر، مغلق النوافذ ~~والأبواب، متوهج الجدران بالأشعة المتدفقة، ولا حركة واحدة تدب في ركن من أركانه، ~~حتى أشجاره استكنت وجمدت كأنها تماثيل. ~~- أن تعيش في قصر! غير مطارد بمطالب الرزق، ولا هم لك إلا التأمل! # وتنهد وقال وهو ينظر إلى نفاية القهوة الراسبة في قعر الفنجان: عندي أفكار، عندي ~~مشروعات، ولكنني أبدد العمر في تسجيل ملاحظات فارغة، واقتراح حلول معروفة لمشكلات ~~معروفة .. أف! # وباغته صوت رقيق من فوق رأسه، قائلا: أستاذ أدهم، صباح الخير. # التفت إلى الوراء، مداريا انزعاجه بابتسامة، ثم قال مستخلصا نفسه من أفكاره: ~~نادرة! .. فرصة سعيدة حقا. # تصافحا، ثم جلست تجاهه وهي تضع حقيبتها البيضاء فوق الصفحة البيضاء. ~~- رأيت ظهرك من الطريق فعرفتك. ~~- متى تعرفينني من وجهي كما تعرفينني من ظهري؟ # فقالت مازحة: ولكن وجهك مطبوع في صدري! # ورنا طيلة الوقت إلى بنائها الدقيق التكوين، ووجهها المتألق بالصبا، ورغم تلاحم ~~الطفولة بالشباب في عمرها، فإن الزخرف شمل بشرتها والعينين والجفنين والرموش والأظافر ~~والحاجبين، وسألها دون اكتراث لمزاجها: كنت ذاهبة إلى ميعاد أم راجعة؟ ~~- لا أحب مواعيد الصباح، ولكني كنت أتسكع بالسيارة بلا هدف. # بلا هدف! اصطلاح وبائي، غير أنك في الخامسة والثلاثين، وهي في السابعة عشرة، وهي ~~متحررة لدرجة تثير إعجاب أي شخص يملك جرسنيرة، وقارئة مولعة بفرانسوا ساجان، وكم ~~أثارت دهشته ليلة تعرف بها في مجلس من الزملاء بسان سوسي! محدثة بارعة في الفن ~~والحياة، ولا تجد بأسا عند الضرورة من التندر بنكتة مكشوفة، وهي تدرس السيناريو مذ ~~أهملت دراستها الجامعية، ms095 ولعلها تتطلع إلى سماء النجوم، ولها محاولات فنية، فشلت رغم ~~جمالها في نشرها بالمجلة أو الإذاعة. وفي آخر لقاء معا، وبحضور بعض الزملاء، أعلنت ~~إعجابها بالوجودية الإلحادية! ~~- ماذا أطلب لك؟ # ثم مستدركا بلهجة شبه جدية: أم نؤجل ذلك لحين ذهابنا إلى شقتي الخصوصية؟ ~~- اطلب قهوة، ولا تحلم. # قدم لها سيجارة وأشعلها، وراحت تشرب القهوة غير مكترثة لإلحاح عينيه، حتى سألها ~~مداعبا: كيف حال القلق الوجودي؟! ~~- عال، ولكنني لم أنم أكثر من ساعتين. ~~- فكر وفلسفة؟ ~~- شجار مع ماما وبابا كما تعلم. # تذكر بقلق الموضوع الذي جد في البحث عنه، أما هي فاستطردت مقلدة لهجة ~~الوالدين: كملي تعليمك .. تزوجي .. لا تسهري كالشبان. # أسطوانة معادة، لكن البنت جميلة والجلسة موحية، ومن يدري؟! غير أنه يجب الانتهاء من ~~الموضوع اليوم، ولو ألغيت مواعيد المساء، وتساءل: من أين لهما أن يفهما فيلسوفة ~~صغيرة؟ # حذرته - بتقطيبة - من التمادي في العبث، وقالت: لا يريد أحد أن يعترف بأنني أجاهد ~~لتكوين نفسي، ولكنني أعاشر أهل الكهف! # وتذكر أكثر من حديث لوالدها في التليفزيون، فقال: ولكن والدك رجل عصري. ~~- عصري! ~~- على الأقل بالقياس إلى والدي. # وهي تداري ضحكة: بالقياس إلى العصر الحجري؟ # رمى بنظرة إلى بعيد كالحالم، وقال بافتتان: العصر الحجري! .. لو نرجع إليه ساعة واحدة، ~~لحملتك على كتفي دون زاجر، ولمضيت بك إلى كهفي بعمارة الشرق! ~~- قلت لك لا تحلم، ودعني أحدثك فيما جئت من أجله. ~~- آه! .. إذن لم نتقابل مصادفة؟ ~~- أنت تعرف أنني أعرف أنك تكتب هنا كل صباح. # فقال بجدية مازحا: إذن، هيا بنا إلى عمارة الشرق لنجد مكانا مناسبا لحديث هام! # أشعلت سيجارة من سيجارة، وقالت: ألا ترى أنني لا أهزل؟ # ثم وهي تحدجه بنظرة ثاقبة من عينيها الصافيتين كالشهد: وعدتني مرة بأن تعرفني ~~بالأستاذ علي الكبير. # فقال باهتمام: أكنت جادة؟ ~~- كل الجد. ~~- لا شك أنك معجبة به كممثل! ~~- طبعا. # وتبادلا نظرة، ثم قال: إنه في الخامسة والأربعين! ~~- مفهوم، ألم تسمع عن سحر الزمن؟ ~~- كلا، ولكنني سمعت كثيرا عن مأساة الزمن. ~~- قد تحتمل كواعظ في ms096 صفحة «أمس واليوم»، أما هنا ... ~~- وما دوري أنا في القصة؟ ~~- أنت صديقه الأول. ~~- له بنت في سنك. ~~- أجل، أظنها بكلية الحقوق. # وتفكر مليا، ثم سأل: كاشفيني بأفكارك، هل تفكرين مثلا في تخريب بيته والزواج ~~منه؟ # ندت عنها ضحكة، وقالت: لا أفكر بتاتا في الخراب. ~~- مجرد حب؟ # فهزت منكبيها دون أن تنبس. ~~- طريق إلى الشاشة؟ # فقالت بازدراء: لست انتهازية. ~~- وإذن؟! ~~- عليك أن تفي بوعدك. # وثمل رأسه بفكرة طارئة، فهتف: ألهمتني موضوعا! ~~- ما هو؟ # فكر بأناة، ثم قال: حرية الحب بين الأمس واليوم. ~~- زدني. # فقال مدفوعا بعنف لم يحاول هدهدته: إليك مثالا من نقاط الموضوع، قديما عندما كانت ~~تزل فتاة، كان يوصف سلوكها بالسقوط، اليوم يوصف بأنه قلق العصر، أو قلق ~~فلسفي. # فقالت بحدة: أنت متحجر رغم ادعاءاتك المتقدمة. ~~- ماذا تتوقعين من خلف لسلف من العصر الحجري؟ ~~- ألا تستطيع أن تنظر إلي كإنسان مثلك تماما؟ ~~- إذا كنت نرجسيا. ~~- ها أنت تهزل، كما أن أبي يزعق. ~~- وأنت؟ ~~- ما زلت أطالبك بالوفاء بوعدك. ~~- دعيني أعطك فكرة عنه أولا؛ هو فنان كبير، ممثل الشاشة الأول في تقدير ~~الكثيرين، وله سياسة معروفة لا يحيد عنها، فإذا تعرف إلى فتاة مثلك أخذها من ~~فوره إلى مسكنه الخاص بالهرم، ثم يبدأ من حيث ينتهي غيره. ~~- أشكرك على جميل وصايتك. ~~- أما زلت عند طلبك؟ ~~- بلى. # فقال متحديا: حسن، ولكني أطالب بالثمن مقدما! # فتساءلت بحركة من رأسها، اضطربت لها خصلة سوداء من شعرها، معقوصة في دائرة فوق ~~حاجبها. ~~- أن تشفيني بزيارة في عمارة الشرق. # ابتسمت دون تعليق، ودون تصديق. ~~- موافقة؟ ~~- أنا واثقة من أنك أنظف تفكيرا من ذلك. ~~- لكني مصاب بشيء من القلق العصري! ~~- لا .. لا تخلط بين الهزل والجد. # ثم بأسف: بددت وقتك الثمين. # وأشعلت سيجارة ثالثة، وتبادلا نظرة طويلة، وابتسما معا، وعاود التفكير قليلا في ~~موضوعه، وصفا الجو تماما من سوء الظن، ورجع الإحساس المضطهد بالحرارة والرطوبة، ~~وداعبته قائلة: أنت رجعي بقشرة عصرية. ~~- كلا، أنت لا تصدقين نفسك، ولكنك ممتعة وتلذ مداعبتك، سيتم التعارف في ~~مكتبي بالمجلة، فتعالي ms097 يوم الأربعاء - مصادفة - الساعة التاسعة مساء. ~~- شكرا. ~~- أنا مدين لك بمقالة الأسبوع القادم. ~~- سأرى كيف تعالجه. ~~- ولكني عند الكتابة أتقمص شخصية جديدة! # فضحكت قائلة: وتراعي حتما ما يجب أن يقال، ولو بالكذب على ضميرك. ~~- ربما، الحق أن خير ما في لم يعبر عن ذاته بعد. # ولما رأته ينظر في الكراسة، أقلعت عن مناقشته، وأخذت حقيبتها إلى كرسي خال، ~~ومد بصره مرة أخرى إلى القصر النائم الغارق في فخامته المغلقة، أعجب بشرفته المتصلة ~~بالحديقة، وأعجب أكثر بشرفة الدور الأعلى القائمة على عمودين كمسلتين. ما أحلى ~~الجلوس في الشرفة في ضوء القمر، والتفكير الحر غير المقيد بمواعيد ولا بتقاليد! أو ~~يخت يطوف بك البحار لتعرف أناسا وبلدانا بلا حدود، وتحت شرط أن تبقى زوجتك في ~~القاهرة! واللعب بالورد في جزر هاواي، ونبذ موضوعات الأمس واليوم، وسائر مشكلات الفقر ~~والجهل والمرض، والتطلع للمجهول وطي التاريخ البشري في لحظة واحدة، وأنت لا تخلو من شك ~~في موهبتك، ولكن الانفجارات تغطي على الشك؛ انفجارات غريبة مثيرة للدهشة، متخطية ~~لأي مسئولية، لا تفهم ولا تسأل، ويتعذر الحكم عليها، ويتطوع المفسرون لتفسيرها ~~من الحانات والغرز! ~~- ما رأيك يا نادرة في اللامعقول؟ # فقالت بحماس: معقول جدا! ~~- إنه يلاعبني كحلم. ~~- وأنا أفكر في كتابة مسرحية لا معقولة لمسرح العرائس. # وتنهدت في حسرة، وقالت: لولا أبي، لكتبت قصة جنونية عن تجاربي. # وغلبه المزاح، فقال: ويا حبذا لو تضمينني إلى التجارب! ~~- لا تهزل، وتخيل النجاح الجدير بها. # وانطوت فترة تخيل ممتعة، وغابا في صمت طويل. # وبغتة، انفجر صوت حاد انخلع له قلباهما في لحظة واحدة؛ صوت آدمي صاح: «هو!» ورأيا ~~رجلا يشد مركبا مطوي الشراع، كأنه واقف لا يتحرك، أو يتحرك في بطء شديد ثقيل ~~كالوقوف، يكاد يلتصق بالسور من الخارج، متأخرا عن مجلسهما مترين، ويجذب المركب بحبل ~~طويل ملفوف حول منكبيه، وهو يلقي بنفسه إلى الأمام، شادا على عضلاته بكل قوة ~~وإصرار، والمركب يزحف أبطأ من سلحفاة فوق ماء راكد وفي هواء ميت، وقد نهض في مقدمتها ~~عجوز مجلبب معمم، ms098 تابع صراع الآخر ببصر كليل وإشفاق. ذهب الرعب وحل محله ~~في صدريهما حنق وغيظ، ولكنهما لم ينبسا بكلمة، وظل الرجل يهب عمله الشاق جميع ~~حيويته في عناء مضن حتى حاذى مجلسهما. شاب في العشرين، غامق اللون، غليظ القسمات، ~~عاري الرأس حليقه، حافي القدمين، يرتدي جلبابا لا لون له، يكشف عن أعلى الصدر، وينحسر عن ~~ساقين بارزتي العروق من الحزق، وقد جحظت عيناه، وتصلب شدقاه، وأحنى رأسه ليجنب ~~وجهه شمسا حامية، وكلما أعياه الجهد، توقف لحظة ليأخذ نفسا عميقا، فيصيح به ~~العجوز: شد حيلك. # فيصيح بدروه: هو. # ويواصل نضاله القاسي الفظ، وفي الدقائق التي حاذاهما فيها، لفحتهما رائحته الآدمية ~~الملبدة بالعرق والتراب، فتقلص وجهاهما، وأخفت نادرة أنفها الدقيق في منديل ~~معبق بشذا جميل، ولكنهما تجاهلا تقززهما وانزعاجهما وهما يراقبان النضال الأليم، ~~وراقباه خطوة خطوة، حتى أرهقتهما المشاركة، فحولا عنه عينيهما، وتبادلا نظرة، ثم ~~ابتسما في رثاء، وأشعلا سيجارتين. # | شهرزاد # 1 ~~- ألو! ~~- الأستاذ محمود شكري؟ ~~- نعم يا فندم، من حضرتك؟ ~~- لا تؤاخذني على إزعاجك دون سابق معرفة. ~~- العفو، ممكن أتشرف؟ ~~- الاسم غير مهم، ولكني واحدة من الآلاف اللاتي يعرضن عليك مشاكلهن. ~~- تحت أمرك يا آنسة. ~~- سيدة من فضلك. ~~- تحت أمرك يا سيدتي. ~~- ولكن حكايتي طويلة. ~~- لعل من الأفضل أن تكتبي لي؟ ~~- ولكني لا أحسن الكتابة. ~~- هل تتفضلين بزيارتي في المجلة؟ ~~- لا أجد الشجاعة الكافية، على الأقل الآن. # وقف انتباهه عند «الآن» لحظات. ابتسم وهو يستطعم صوتها الرخيم، ثم تساءل: ~~وإذن؟ ~~- أطمع في أن تأذن لي بدقائق كل يوم، أو كلما سمح وقتك الثمين. ~~- طريقة طريفة، تذكرني بطريقة شهرزاد! ~~- شهرزاد! اسم جذاب، اسمح لي باستعارته اسما لي مؤقتا. # فضحك وقال: ها هو شهريار يصغي إليك. # ضحكت أيضا فوجد ضحكتها ممتعة كصوتها، أما هي فتابعت: لا تتوقع أن أعرض عليك ~~مشكلة معينة محددة، إنها حكاية طويلة كما قلت لك، وهي تعيسة أيضا. ~~- أرجو أن تجديني عند حسن ظنك. ~~- وأرجو أن توقفني بأي طريقة إذا جاوزت الوقت الذي تهبه لي. ~~- تحت أمرك. ~~- ولكني أخذت اليوم ms099 من وقتك قدرا لا يستهان به، فلنؤجل الحديث إلى غد، ~~حسبي الآن أن أعترف لك بأن قلمك الإنساني هو الذي جذبني إليك. ~~- شكرا. ~~- ليس قلمك فقط، ولكن صورتك أيضا! # تساءل باهتمام زائد: صورتي؟! ~~- أجل، قرأت في عينيك الواسعتين نظرة ذكية رحيمة إنسانية، جديرة بأن تدعو ~~الملهوفين على العزاء. ~~- أكرر الشكر .. (ثم وهو يضحك) .. كلامك لطيف كأنه غزل. ~~- إنه إعراب عن أمل أن يكون في الدنيا - بعد - أمل. # أعاد السماعة، ابتسم، قطب مفكرا، عاد يبتسم. # 2 ~~- ألو. ~~- شهرزاد! ~~- أهلا، أنا في انتظارك. ~~- سأدخل في الموضوع رأسا كيلا أضيع وقتك. ~~- ها أنا مصغ إليك. ~~- نشأت يتيمة الأم، وقد تزوج والدنا - أعني أنا وشقيقة تصغرني بعامين - ~~فأمضينا طفولتنا وصبانا محرومتين من الحنان والعطف، ولم ننل من التعليم إلا ~~القليل، ولما مات والدنا انتقلنا إلى بيت خالنا، وكان لكل منا معاش حوالي الخمسة ~~الجنيهات. ~~- لعله تاريخ قديم؟ ~~- بعض الشيء، ولكنه ضروري لا غنى عنه. لم نكن سعداء في بيت خالنا، كان يعدنا ~~عبئا حقيقيا، شعرنا بغربة وألم، نزلنا عن آخر مليم من معاشنا، وقمنا بخدمة ~~البيت دون اعتراض، المسألة كانت سوء حظ لا أكثر ولا أقل. ~~- مفهوم، ويا للأسف! ~~- ثم كان أن تقدم لطلب يدي ضابط، وكنا ورثنا عن أبينا بيتا قديما، فباعه خالي، ~~وجهزني بنصيبي جهازا عاديا، وقد فهم زوجي من أول الأمر حقيقة وضعنا فلم ~~يتراجع، والواقع أننا عشنا قصة حب كما تقولون، واستمرت حتى فيما بعد ~~الزواج. ~~- ترى، هل ينم حديثك عنها - قصة الحب - على شيء من التحفظ؟ ~~- ما علينا، المصيبة أنه كان مسرفا، ينفق ما في الجيب بسفه ودون تقدير ~~للعواقب، ولم أعرف كيف أعالجه، حاولت وحاولت ولكن بلا نتيجة. ~~- عن هذه النقطة .. أعني .. ألا تتحملين شيئا من المسئولية؟ ~~- كلا، صدقني كنت راغبة في الحياة الزوجية، حريصة عليها بكل قوة حبي، وما ~~قاسيت قبل ذلك من بؤس وذل ويأس. ~~- معقول! ~~- كأنك لا تصدقني! ما زلت أذكر آراءك عن مسئولية الزوجة عن انحراف زوجها، ~~ولكن ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ توسلت ms100 إليه بالملاطفة والتحذير والاحتجاج ، طالبته ~~بإعطائي المصروف الضروري للبيت في أول الشهر، وكان جوابه المعتاد أن يجيئني بزمرة ~~من أصدقائه، وهات يا أكل وهات يا شرب حتى مطلع الفجر، نمسي في وليمة ونصبح على ~~الحديدة! ~~- وكيف كانت تمضي الأمور بقية الأيام؟ ~~- يطالبني بأن ألجأ إلى خالي، وكان ذلك مستحيلا، أو أن أقترض من أختي، وكان ذلك ~~مستحيلا أيضا؛ إذ كانت موشكة على الزواج، ومن ناحية أخرى كان هو يقترض من أهله، ~~فانقلبت حياتنا مسخا مزريا يستحق الرثاء! ~~- هذا حق. ~~- فشل الزواج وانتهى إلى مصيره المحتوم وهو الطلاق، فانتقلت إلى بيت أختي، وقد خسرت ~~معاشي لأعاني حياة مريرة ذليلة. ~~- لعل هذه هي المشكلة؟ ~~- صبرك، نحن ما زلنا في الماضي، ولن أطيل عليك، فقد دعاني زوجي - مطلقي - بعد ~~مرور عام على طلاقنا لمقابلته، كاشفني برغبته في استئناف حياتنا الزوجية، ~~مؤكدا لي أن الحياة أدبته وهذبته، ومضى بي إلى بنسيون يقيم به في شارع قصر ~~النيل لنرسم خطة المستقبل، وبمجرد أن رد باب حجرته ضمني إلى صدره مرددا ~~أنه لم يذق للحياة طعما بعد فراقي. ~~- واستسلمت؟ ~~- لم أشعر بأنني أعامل رجلا غريبا، وجعلنا نناقش أكثر الوقت إجراءات زواجنا ~~من جديد، وافترقنا وهو يعدني بزيارة خالي في اليوم التالي مباشرة. ~~- صوتك يهبط ويتغير! ~~- أجل، ثبت لي بعد ذلك أنه دعاني إلى مقابلته وهو كاتب كتابه الثاني، وتمت ~~دخلته بعد لقائنا بأسبوع، وأن المسألة كانت مجرد نزوة أراد أن يتحرر منها قبل أن ~~يبدأ حياته الجديدة. ~~- يا له من وغد! ~~- أجل، ولكني لن أثقل عليك أكثر من ذلك، فإلى اللقاء. # 3 ~~- ألو. ~~- شهرزاد! ~~- أهلا. ~~- ترى، هل أضايقك؟ ~~- بالعكس، استمري من فضلك. ~~- أقمت عند أختي زمنا، ولكنني شعرت مع الأيام بأنها إقامة غير مرغوب ~~فيها! ~~- لم؟ ~~- ذاك كان شعوري، وهو لم يخطئ. ~~- كيف، وهي أختك التي قاسمتك في الماضي العذاب؟ ~~- قدر فكان! ~~- زوجها؟! ~~- تقريبا! ~~- ضاق بوجودك في مسكنه؟ ~~- تقريبا، المهم أنني اضطررت إلى مغادرة البيت إبقاء على رابطة ~~الأخوة. ~~- ولكنك لم تذكري السبب صراحة، دعيني أخمن. ms101 لعلها الغيرة؟! ~~- وهم الغيرة، وهو الأصح! ~~- ذهبت إلى خالك؟ ~~- كان قد توفي، فاستأجرت شقة صغيرة. ~~- ولكن من أين لك بالنقود؟ ~~- بعت ما يمكن بيعه من جهازي، ورحت أبحث عن عمل، أي عمل، كانت فترة بحث عقيم ~~وجوع، صدقني لقد عرفت وحشية الجوع، كان اليوم يمضي بلا طعام، أو بلا طعام ~~يذكر، ووجدتني سألبي مرة ما إحدى الدعوات - إياها - التي توجه إلي في ~~الطريق، ولكني كنت أؤجل الاستسلام؛ آملة أن تدركني رحمة الله قبل أن أهوي، ~~وكنت أطل من النافذة في سكون الليل، فأنظر إلى السماء وأهتف من أعماقي: «يا إلهي ~~الرحيم، إني جائعة .. إني أموت جوعا!» وكنت أزور أختي كلما خارت قواي؛ لأتناول ~~وجبة متكاملة، ولكن أحدا لم يسألني عن حالي؛ خشية أن يحمله الجواب مسئولية ~~يريد أن يتجاهلها! ~~- فظاعة لا تصدق! ~~- ويوما قرأت إعلانا يطلب مدبرة منزل لرجل عجوز نظير أجر، غير الإقامة ~~والغذاء والكساء. ~~- نجدة من السماء. ~~- سارعت إليه بلا تردد، وأجرت شقتي. ~~- نهاية رحيمة، وبخاصة إذا كان العجوز في حاجة للرعاية وحدها، أعني دون ~~غيرها! ~~- كان طاعنا في السن، فخدمته بإخلاص، وأنا ماهرة بكل معنى الكلمة في شئون البيت، ~~كنت الطاهية والخادمة والممرضة، وحتى الجريدة كنت أقرؤها له. ~~- جميل .. جميل. ~~- شبعت بعد جوع، واطمأننت بعد خوف، ودعوت الله أن يمد في عمره إلى ~~الأبد. ~~- ترى، ماذا جد بعد ذلك؟ ~~- كنت أقرأ له الجريدة عندما وقع بصري على إعلان يطلب مدبرة منزل لرجل عجوز، ~~ويحيل قارئه إلى عنوان منزلنا! ~~- كلا؟! # ندت عنه بدهشة واستنكار. ~~- بلى، وقد ذهلت، تلوت عليه الإعلان فحول عني عينيه، ولكنه لم ينكره، سألته ~~لم يريد الاستغناء عني؟ ماذا ضايقه مني؟ ولكنه لم يفتح فمه. ~~- شيء غريب حقا! ولكن لا بد من سبب؟ ~~- لا سبب من ناحيتي إطلاقا! ~~- ألم يكن بينك وبينه سوى التدبير المنزلي؟! ~~- تقريبا! ~~- ما معنى تقريبا؟! .. صارحيني من فضلك؟ ~~- كان يطلب مني أحيانا أن أقف أمامه عارية! ~~- ورفضت؟ ~~- كلا .. أذعنت لإرادته. ~~- إذن، لماذا يطلب أخرى؟ ~~- من أين لي أن أعلم؟ قال إنه ms102 رغب في التجديد، وأيا ما كان أمره فقد توسلت ~~إليه أن يعدل عن رأيه، قلت له إنني وحيدة وفقيرة، وليس لي في الدنيا سواه، ولكنه أصر ~~على الرفض والصمت، بدا لي كريها كالموت، فلم أجد بدا من الذهاب. # 4 ~~- ألو! ~~- شهرزاد تحييك يا أستاذ! ~~- أهلا أهلا، حكايتك أصبحت شغلي الشاغل يا شهرزاد. ~~- شكرا يا أستاذ، الحق أن قلبي لم يخدعني عندما دلني عليك، والآن فلنواصل ~~حكايتنا. عدت إلى مسكني وقلت لمستأجره - موظف بسيط في الأربعين - إنني في حاجة ~~إليه، رفض فكرة إخلاء الشقة، ولما وقف على حقيقة حالي، قال لي ببساطة: «أقيمي ~~معي!» فلم أتردد في القبول، الواقع أن إرادتي تحطمت، وهان أي شيء. ~~- أفهمت من دعوته ...؟ ~~- نزل لي عن إحدى الحجرتين اللتين تتكون منهما الشقة، وكان كل شيء مفهوما بعد ~~ذلك! ~~- المرة الأولى؟ ~~- نعم، والحق أنه كان رجلا لطيفا ودودا وإنسانا. ~~- عظيم. ~~- صبرك، فهي السجايا التي بسببها فقدته! ~~- حكايتك حكاية! ~~- قال لي ذات يوم: «أنت متعلقة بي وأنا كذلك، وعليه فيجب أن نفترق!» ~~- نفترق؟! ~~- أجل «نفترق» .. توقعت أن يقول «نتزوج»، ولكنه قال: نفترق. ~~- فوق ما يتصور العقل! ~~- استوضحته عما يعنيه، فقال بلهجة قاطعة: «عندي من الأسباب ما يمنعني من ~~الزواج، وعليه فيجب أن نفترق.» فقلت له بضراعة: «لم أطالبك بالزواج، ولن أطالبك ~~به، فلنبق كما نحن.» فقال: «كلا، إنها حياة شاذة، وستجدين نفسك يوما ما وحيدة ~~طاعنة في السن بلا مورد ولا حقوق، فلا مفر من الافتراق.» ~~- رجل غريب! ظاهره طيب، ولكنه أناني أو ماكر. ~~- المهم، إنه ذهب، فوجدت نفسي مرة أخرى وحيدة مهددة بالجوع. ~~- يا للأسف! ~~- ومررت بتجارب مرة، أنت فاهم طبعا، ولكنني سمعت عن قانون جديد للمعاشات ~~يسمح بإعادة المعاش للمطلقة أول مرة، وتبين أنه ينطبق علي. ~~- حمدا لله! ~~- هو دون الكفاية بلا شك، ولكنني اعتدت التقشف، وقد تعلمت التفصيل، فأصبح لي ~~مورد رزق بسيط، ولكنه - بالإضافة إلى المعاش - حماني من الموت جوعا أو التدهور في ~~الطرقات. ~~- وصلنا أخيرا إلى بر السلامة. ~~- الحمد لله، غير أني وصلت ms103 أيضا إلى المشكلة الحقيقية! ~~- المشكلة الحقيقية ؟! ~~- إنها تتلخص في كلمة واحدة: الوحدة. ~~- الوحدة؟ ~~- لا زوج ولا ابن ولا صديق ولا حبيب لي، نهاري وليلي حبيسة شقة صغيرة، محرومة من ~~كافة أنواع التسلية، وقد يمر شهر طويل لا أتبادل فيه كلمة مع مخلوق، دائما ~~كئيبة متململة مقطبة، أخاف أحيانا أن أجن، وأخاف أحيانا أن أنتحر. ~~- لا لا، لقد تحملت ما هو أمر من ذلك بشجاعة، وسوف يرزقك الله يوما بابن ~~الحلال. ~~- لا تكلمني عن ابن الحلال، لقد طلب يدي رجل، أرمل وأبو طفلين، ولكني رفضته ~~بلا تردد، لم تعد لي ثقة في أحد. والطلاق الثاني يعني قطع المعاش، وهو رأسمالي ~~الحقيقي. ~~- ولكن رجلا هو أب لطفلين لا شك يحرص على الزوجة بقدر حاجته إليها. ~~- إني أمقت فكرة الزواج، إنها تقترن في ذهني بالغدر والجوع. ~~- عاودي التفكير. ~~- مستحيل، أي شيء إلا الزواج، لا شجاعة عندي لدخول التجربة من جديد. ~~- وكيف إذن تتخلصين من الوحدة! ~~- هذه هي المشكلة! ~~- ولكنك ترفضين حلا موفقا؟ ~~- أي شيء إلا الزواج! # وتفكر قليلا، ثم سألها: ما رأيك في أن نتقابل؟ ~~- يحصل لي عظيم الشرف! # ابتسم، سرح به الخيال وهو يبتسم، إنها بكل بساطة تدعوه إلى مصادقتها، ~~وتطمئنه في ذات الوقت بأنها لن تطالبه يوما بالزواج. إنه ليس غبيا، وهو في حاجة ~~إلى مغامرة جديدة أيضا. لم لا؟ المهم أن تكون جميلة كصوتها، ولكن ما حقيقة ~~قصتها؟ قد تكون حقيقية، لا شيء بمستحيل، وقد تكون مختلقة من أساسها أو في بعض ~~مضاعفاتها. السينما فجرت القوى الخلاقة في النساء. قد وقد وقد، المهم أن تكون ~~جميلة كصوتها، وعند ذاك سأقدم لها تجربة جديدة تضيفها إلى تجاربها السابقة، لن ~~تخلو من حلاوة، وستنتهي بالمرارة التي لا بد منها لكل شيء في هذه الدنيا. وجعل ~~يبتسم وهو ينقر على سومان مكتبه بإصبعه. ~~••• # وجاءت شهرزاد. # تفحصها بنظر ثاقب وهو يستقبلها، ثم وهو يدعوها للجلوس، في الثلاثين من عمرها، لا ~~بأس بها بصفة عامة، يلفها جو ينضح بالمرارة بطريقة ما، حتى نظرتها الباسمة لا ms104 ~~تخلو من حزن ونضج أليم، ولكنها في جملتها لا بأس بها، بل هي مقبولة لدرجة محترمة، ~~ليس ببعيد أن تكون قصتها حقيقية، ولعلها لم تكذب إلا في صياغة رأيها عن الزواج، فهي لا ~~يمكن أن تمقته، ولكنها مضطرة لإعلان ذلك؛ التماسا للصداقة التي تودها بحنين ~~صادق غالبا. # لكن، ما له هو وذلك كله؟ هي ليست بالمرأة التي تليق به، لا شكلا ولا موضوعا، لا ~~فكرة لها - المسكينة - عن الفرص المتاحة له؛ وإذن، فعليه أن يداري خيبة أمله، وأن ~~يعاملها بجدية. ~~- أهلا أهلا، الحق أن قصتك أثرت في أعماقي. # تنهدت قائلة: إني ممتنة يا أستاذ. ~~- ولكن عليك أن تواجهي حياتك بشجاعتك المعهودة. ~~- ولكني ... # فقاطعها قائلا، وقد ألحت عليه رغبة مفاجئة في إنهاء المقابلة بأسرع ما يمكن: ~~أصغي إلي، إنك سيدة عظيمة، من فضل الشقاء علينا أحيانا أن يجعل منا عظماء، ~~إنك سيدة عظيمة، وكنت عظيمة حتى في عثراتك العابرة، وأنت عظيمة في وحدتك، ~~وستتحقق عظمتك أكثر عندما تقضين على وحدتك بضربة شجاعة فائقة. سيدتي، لا قيمة ~~لحياتنا، لا معنى لها، لا جدوى من استمرارها إلا بالإيمان بالناس مهما يصبنا من ~~الناس، والإيمان بالله سبحانه وتعالى إيمانا لا يتزعزع، مهما وكيفما جرت ~~مقاديره! # ونظر في عينيها، فتلقى نظرة مغرورقة بالخيبة والإخفاق، إنها ذكية أيضا، أذكى ~~مما قدر، وها هي تبتسم ابتسامة خفيفة، ولكنها أخجلته لدرجة ما، وتمتمت: إني مؤمنة ~~بالله يا أستاذ. # فلوح بيده في حماس، وقال: كل ما عداه باطل، سبحانه وتعالى. ms105