######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.KhanKhalili.Hindawi92030593 #META# Tags: novels #META# ID: 92030593 #META# Title: خان الخليلي #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خان الخليلي‏ # خان الخليلي‏ # | خان الخليلي # | خان الخليلي # تأليف # نجيب محفوظ # | خان الخليلي # 1 # انتصفت الساعة الثانية من مساء يوم من سبتمبر سنة 1941 موعد انصراف الدواوين، حين ~~تنطلق جماعات الموظفين من أبواب الوزارات كالفيضان العارم، وقد نهكها الجوع والملل‏ ثم ~~تنتشر في الأرض تطاردها أشعة الشمس الموقدة. انطلق أحمد عاكف - الموظف بالأشغال - مع ~~المنطلقين، وكان من عادته أن يتخذ سبيله في مثل تلك الساعة كل يوم إلى السكاكيني، أما ~~اليوم فوجهته تتغير فتصير الأزهر لأول مرة، حدث هذا التغير بعد إقامة في السكاكيني ~~طويلة، امتدت أعواما مديدة، واستغرقت عقودا من العمر كاملة، وادخرت ما شاءت من ~~ذكريات الصبا والشباب والكهولة، وأعجب شيء أنه لم يفصل بين التفكير في الانتقال وحدوثه ~~إلا أيام معدودات؛ كانوا مطمئنين إلى مسكنهم القديم، يخال إليهم أنهم لن يفارقوه مد ~~العمر، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى صرخت الحناجر: «تبا لهذا الحي المخيف» وغلب ~~الخوف والجزع، ولم تعد ثمة فائدة ترجى من مراجعة الأنفس المذعورة، وإذا بالبيت القديم ~~يضحى ذكرى الأمس الدابر، وإذا بالبيت الجديد في خان الخليلي حقيقة اليوم والغد، فحق ~~لأحمد عاكف أن يقول متعجبا: ‏«سبحان الذي يغير ولا يتغير!» كان الرجل من أمر هذا ~~الانتقال المفاجئ في حيرة، كان قلبه ينازعه إلى المقام القديم الحبيب؛ ويمتلئ حسرة كلما ~~ذكر أنه قذف به إلى حي بلدي عتيق، إلا أنه لم ينس ما خامره من شعور الارتياح حين علم ~~أنه ابتعد عن جحيم ينذر بالهلاك المبين، ولعله أن ينعم الليلة بأول رقاد آمن بعد تلك ~~الليلة الشيطانية التي زلزلت أفئدة القاهرة زلزالا شديدا، وبين الحزن والتعزي، والأسى ~~والتأسي، مضى يذرع الطوار في انتظار ترام يوصله إلى ميدان الملكة فريدة، وقد ~~ابتل جبينه عرقا، وكانت الحال لا تخلو من لذة طريفة، ذلك أنه مقبل على استجلاء جديد، ~~واستقبال تغيير: مرقد جديد ومنظر جديد وجو جديد وجيران جدد، فلعل الطالع أن يتبدل، ولعل ~~الحظ أن يتجدد، ولعل مشاعر خامدة أن تنفض عن صفحتها غبار الجمود ms001 وتبعث فيها الحياة ~~واليقظة من جديد، هذه لذة الاستطلاع ولذة المقامرة ولذة الجري وراء الأمل، بل هذه لذة ~~استعلاء خفية ناشئة من انتقاله إلى حي دون حيه القديم منزلة وعلما، ولم يكن رأى ~~المسكن الجديد بعد، إذ بوشر نقل الأثاث منذ الصباح الباكر وهو في وزارته، وها هو ذا ~~يقصد إليه كما وصف له، وجعل يقول لنفسه: إنه مسكن مؤقت وأنه ينبغي أن يحتملوه مدة ~~الحرب وبعدها يأتي الفرج، وهل كان في الإمكان خير مما كان؟ وهل كان من الحكمة أن يلبثوا ~~في الحي القديم على مرأى ومسمع من الموت المخيف؟ مضى يذرع الطوار لأنه لم يكن يحتمل ~~الجمود طويلا، وكأنما سويت أعصابه من قلق، وكان يدخن سيجارة بعجلة دلت على انشغاله، ~~فبدا في اضطراب حركته وقلق مظهره وشذوذ هندامه كهلا متعبا ضيق الصدر تلوح في عينيه ~~نظرة شاردة تغيب بصاحبها عما حوله، كان يدنو من ختام الأربعين، عسيا أن يسترعي ~~الانتباه بنحافة قامته وطولها واضطراب ملابسه اضطرابا يستدر الرثاء، والواقع أن تكسر ~~بنطلونه وانحسار ذراعي الجاكتة عن رسغيه، وتلبد العرق والغبار على حرف طربوشه، وتقبض ~~القميص ورثاثة رباط الرقبة، وصلعته البيضاوية، وسعي المشيب إلى قذاله وفوديه، كل أولئك ~~أوهم بتكبير سنه، وفيما عدا ذلك فوجهه نحيل مستطيل، شاحب اللون، ذو رأس صغير مستطيل ~~ينحدر خفيفا إلى جبهة تميل إلى الضيق، يحدها حاجبان مستقيمان خفيفان متباعدان، يظلان ~~عينين بالغتين في امتدادهما وضيقهما، فهما تكادان أن تملآ صفحة الوجه الضيقة، فإذا ~~ضيقهما ليحد بصره أو ليتقي شعاع الشمس بدتا مغمضتين واختفى لونهما العسلي العميق، وقد ~~تساقطت أهدابهما واحمرت أشفارهما احمرارا خفيفا؛ يتوسطهما أنف دقيق وفم رقيق ~~الشفتين وذقن صغير مدبب، ومن عجب أنه عد يوما ممن يعنون بحسن هندامهم وأناقتهم، ~~وبدا إذ ذاك في صورة مقبولة، ولكن اليأس والحرص وما اعتراه بعد ذلك داء التشبه ~~بالمفكرين نزع به عن أية عناية بنفسه أو بلباسه. # استقل الترام رقم «15» وقد افترت شفتاه عن ابتسامة ساخرة كشفت عن أسنان مصفرة من ~~فعل التدخين، ومن ms002 ميدان الملكة فريدة أخذ الترام رقم «19»، وقد ارتكب خطأ سهوا، فرمى ~~بحكم العادة بالتذكرة التي قطعها في الترام الأول وكانت توصله إلى الأزهر، واضطر أن ~~يقطع تذكرة جديدة ضاحكا من نفسه في غيظ، وآلمه حرصه على تفاهة الغرم، والحق أنه تعود ~~منذ زمن بعيد أن يكون رب أسرة، وإن بقي لحد الآن أعزب، بيد أنه لا ينفق مليما بغير ~~تململ، فحرصه ليس من العنف بحيث يغله عن الإنفاق، ولكنه لا يعفيه أبدا من التألم كلما ~~وجب الإنفاق. # وانتهى إلى ميدان الأزهر، واتجه إلى خان الخليلي يتسمت هدفه الجديد، فعبر عطفة ~~ضيقة إلى الحي المنشود؛ حيث رأى عن كثب العمارات الجديدة تمتد ذات اليمين وذات ~~الشمال، تفصل بينها طرقات وممرات لا تحصى، فكأنها ثكنات هائلة يضل فيها البصر، ~~وشاهد فيما حوله مقاهي عامرة ودكاكين متباينة - ما بين دكان طعمية ودكان تحف ~~وجواهر - ورأى تيارات من الخلق لا تنقطع، ما بين معمم ومطربش ومقبع، وملأت أذنيه ~~أصوات وهتافات ونداءات حقيقة بأن تثير أعصابا قلقة كأعصابه، فتولاه الارتباك واضطربت ~~حواسه، ولم يدر أيان يسير، فدنا من بواب نوبي اقتعد كرسيا على كثب من أحد الأبواب ~~وحياه ثم سأله قائلا: من أين الطريق إلى العمارة رقم «7» من فضلك؟ # فنهض البواب بأدب وقال مستعينا بالإشارة: لعلك تسأل عن الشقة رقم 12 التي سكنت ~~اليوم؟ انظر إلى هذا الممر، سر به إلى ثاني عطفة إلى يمينك فتصير في شارع إبراهيم باشا، ~~ثم إلى ثالث باب إلى يسارك فتجد العمارة رقم «7». # فشكره وانطلق إلى الممر مغمغما «ثاني عطفة إلى اليمين» .. حسنا ها هي ذي .. وها هو ~~ذا ثالث باب إلى اليسار، العمارة رقم «7»، وتريث قليلا ليلقي نظرة على ما حوله. كان ~~الشارع طويلا في ضيق، تقوم على جانبيه عمارات مربعة القوائم تصل بينها ممرات جانبية ~~تقاطع الشارع الأصلي، وتزحم جوانب الممرات والشارع نفسه بالحوانيت؛ فحانوت ساعاتي ~~وخطاط وآخر للشاي ورابع للسجاد وخامس رفاء وسادس للتحف وسابع وثامن ... إلخ إلخ، وتقع ~~هنا وهناك مقاه لا يزيد حجم الواحدة ms003 على حجم حانوت ، وقد لزم البوابون أبواب العمارات ~~بوجوه كالقطران وعمائم كالحليب وأعين حالمة كأنما خدرتها الروائح العطرية وذرات ~~البخور الهائمة في الفضاء، والجو متلفع بغلالة سمراء كأن الحي في مكان لا تشرق عليه ~~الشمس، وذلك أن سماءه في نواح كثيرة منها محجوبة بشرفات توصل ما بين العمارات، وقد جلس ~~الصناع أمام الحوانيت يكبون على فنونهم في صبر وأناة ويبدعون آيات بينات من أفانين ~~الصناعة، فالحي العتيق ما يزال يحتفظ لليد البشرية بقديم سمعتها في المهارة والإبداع، ~~وقد صمد للحضارة الحديثة يلقى سرعتها الجنونية بحكمته الهادئة، وآليتها المعقدة بفنه ~~البسيط، وواقعيتها الصارمة بخياله الحالم، ونورها الوهاج بسمرته الناعسة. قلب فيما ~~حوله طرفا حائرا وتساءل ترى هل يستطيع أن يحفظ هذا الحي الجديد كما كان يحفظ حيه ~~القديم؟! وهل يمكن أن يشق سبيله يوما وسط هذا التيه تقوده قدماه وقد انشغل فكره بما ~~ينشغل به من أمور دنياه؟ ثم اقتحم الباب مغمغما: «بسم الله الرحمن الرحيم» وارتقى ~~درجات سلم حلزوني إلى الطابق الثاني حيث عثر بالشقة رقم «12»، وابتسمت أساريره لرؤية ~~الرقم كأنه قديم عهد به وآنس إليه في وحشته، ودق الجرس، فانفتح الباب، وظهرت أمه على ~~عتبته تلوح في ثغرها ابتسامة ترحيب، وأوسعت له مستضحكة وهي تقول: «أرأيت إلى هذه ~~الدنيا العجيبة!» فجاز الباب وهو يقول مبتسما: «مبارك عليك البيت الجديد!» فضحكت عن ~~أسنان مصفرة لأنها كانت مولعة بالتدخين كابنها وقالت بلهجة المعتذر: قصارى ما وسعنا ~~اليوم أن نفرش حجرتك وحجرتنا ... وكان يوما متعبا حقا، ولقد كسرت قائمة أحد الكراسي ~~على ما بذلنا من حرص، وتقشر مسند سريرك في بعض المواضع. # ووجد أحمد نفسه في صالة صغيرة مزدحمة بأحزمة المتاع والمقاعد وقطع الأثاث، وضعت ~~السفرة في وسطها وحملت بالآنية ولفات الأبسطة، وكان بها بابان على يمين الداخل وفي ~~مواجهته، فنظر فيما حوله في صمت، أما الأم فراحت تقول: الله يعلم أني لم أذق للراحة ~~طعما في يومي هذا، فيا لشقاء الأم التي لم تنجب أنثى تستعين بها عند الحاجة، ولقد هربت ms004 ~~أنت إلى وزارتك وقبع أبوك في حجرته كعادته، ولم يتورع - غفر الله له - أن سألني منذ ~~هنيهة عما هيأت لكم من طعام؟ كأنما يسأل ساحرة تقدر على كل شيء! ولكن من حسن الحظ ~~أن حينا الجديد غني بمأكولاته السوقية، ولقد أرسلت الخادم لتبتاع لنا طعمية وسلطة ~~وباذنجانا ... # فتحلب ريق أحمد لسماع اسم الطعمية ولاح الرضا في بريق عينيه، ثم سأل أمه: وهل ارتاح ~~أبي واطمأن؟ # فابتسمت المرأة ابتسامة لطيفة دلت على أن بلوغها الخامسة والخمسين لم يفقدها كل ما ~~كان لها من دلال أنثوي، وقالت: ارتاح واطمأن والحمد الله، وعسى أن يصدق رأيه، ولكن ~~الشقة صغيرة والحجرات ضيقات، فحشرنا الأثاث فيها حشرا، و«اللي انكتب على الجبين لازم ~~تشوفه العين»! # وجعل يصغى إلى أمه ويتفحص ما حوله، فرأى ردهة تمتد على يسار القادم، وعلى يمينها ~~تقع حجرتان، وفي الناحية المقابلة المطبخ والحمام، وقد أشارت أمه إلى الحجرة التي تواجه ~~باب الشقة الخارجي وقالت له: «حجرتك». أما حجرتا الردهة فقد أعدت أولاهما لنوم والديه، ~~وقالت أمه عن الأخرى: «سنحتفظ فيها بأثاث أخيك ونتركها خالية على ذمته». # ومضى الرجل إلى حجرة والده فرأى الشيخ مقتعدا سريره تلوح في عينيه نظرة هدوء ~~واستسلام، وكان عاكف أفندي كابنه طويلا نحيفا، ذا لحية كثة بيضاء، وقد وضع على عينيه ~~عوينات غليظة بعثت في نظرته الذابلة بريقا خداعا، وقد حدج ابنه بحذر وريبة وتوثب ~~لرد العدوان إذا حدثت الرجل نفسه بالتهكم به بسبب النقل إلى البيت الجديد، وحياه أحمد ~~وقال له: مبارك يا أبتي! # فقال الشيخ بهدوء: الله يبارك فيك. كل شيء بأمره! # فهز أحمد رأسه وقال: ولكننا بالغنا في خوفنا مبالغة تنكبت بنا عن جادة الصواب، ~~ألا ترى يا أبتي أن ما بين السكاكيني وخان الخليلي أدق من أن يدركه الطيار المحلق في ~~السماء؟! # فقال الأب بحزم: هذا الحي في حمى الحسين رضوان الله عليه، وهو حي الدين والمساجد، ~~والألمان أعقل من أن يضربوا قلب الإسلام وهم يخطبون ود المسلمين! # فابتسم أحمد وقال: وإذا ضرب خطأ ms005 كما ضرب السكاكيني خطأ من قبل؟! # فقال الرجل وقد ضاق صدره: لا تجادل في الحق، إني متفائل بهذا المكان خيرا، وأمك به ~~راضية، وإن كانت ثرثارة لا تعرف الحمد والشكر، وأنت نفسك مطمئن راض، ولكنك تدعي حكمة ~~زائفة، وتتظاهر بشجاعة كاذبة، هلم فاخلع ثيابك ودعنا نتناول غداءنا! # فابتسم أحمد، وتراجع إلى حجرته وهو يقول لنفسه: «صدق أبي.» وألقى على حجرته نظرة ~~فاحصة، فوجدها قد وسعت أثاثه تحت ضغط محا ما كان لها من تناسق؛ فعلى الشمال الفراش، ~~وعلى اليمين صوان الملابس، تليه المكتبة كدست على كثب منها الكتب، وكان بها نافذتان ~~فرغب أن يلقي نظرة عجلى من كل منهما، فدلف من اليمنى وفتحها، وكانت تطل على الطريق الذي ~~جاء منه، ومنها استطاع أن يتبين معالم الحي من عل، فرأى أن العمارات شيدت على أضلاع ~~مربع كبير المساحة، وأقيمت في مساحة المربع التي تحيط بها العمارات مربعات صغيرة من ~~الحوانيت تلتف بها الممرات الضيقة، فكانت نوافذ العمارات وشرفاتها الأمامية تطل على ~~أسطح الحوانيت، وتأخذ نصيبها من الهواء والشمس، ولا يحجب عنها بقية العمارات حجاب، فكان ~~الناظر من إحدى النوافذ الأمامية يرى مربعا كبيرا من العمارات ينظر هو من نقطة في أحد ~~أضلاعه، ويرى في أسفله مربعات كثيرة من أسطح الحوانيت، تخترقها شبكة معقدة من الممرات ~~والطرقات، ورأى فيما وراء ذلك مئذنة الحسين في علوها السامق تبارك ما حولها، فارتاح ~~الرجل لانطلاق الفضاء أمامه لأن أخوف ما كان يخافه أن ينظر فلا يرى إلا جدرانا صماء، ~~ثم تحول إلى النافذة الأخرى التي تواجه باب الحجرة وفتحها فرأى منظرا مختلفا، ففي ~~أسفل طريق ضيق يوصل إلى خان الخليلي القديم مغلقة حوانيته فبدا مهجورا، وعلى الجانب ~~الآخر من الطريق جانب من عمارة تواجهه نوافذها وشرفاتها عن قرب، ثم تبين له أن سطحي ~~العمارتين متصلان في أكثر من نقطة، وأن أطباقهما المتقابلة متصلة كذلك بالشرفة مما جعله ~~يحسب أنهما عمارة واحدة ذات جناحين، وفي الطرف الأيسر من الطريق يبدأ خان الخليلي ~~القديم، وقد رآه الرجل ms006 من نافذته أسطحا بالية، ونوافذ متداعية، وأسقفا من القماش ~~والأخشاب تظل الطريق المتشابكة، وفيما وراء ذلك تملأ الفضاء المآذن والقباب وقمم ~~الجوامع وأسوارها، تعرض جميعا صورة من الجو للقاهرة المعزية، وكان يرى ذاك المنظر ~~لأول مرة، فأكبره على نفوره من الحي الجديد، ومضى يسرح الطرف في مشاهده الغريبة ~~المترامية، وهي مشاهد حقيقة بأن تدهش عينين لم تألفا غير الورق، ولا عهد لهما بآيات ~~الطبيعة أو الآثار، على أنه لم يجد من الوقت متسعا، فما لبث أن سمع نقرا على الباب ~~وصوت أمه يدعوه قائلا: الطعمية جاهزة يا سعادة البيك. # فأغلق النافذتين وخلع بذلته، ثم ارتدى جلبابه وطاقيته، وهو يدعو ربه قائلا: «اللهم ~~اجعله سكنا مباركا.» إلا أنه - في نفس اللحظة - وقبل أن يفارق الحجرة جاءه صوت أجش من ~~الطريق يصيح غاضبا: «الله يخرب بيتك ويحرق قلبك يابن ...» فرد صوت آخر بأقبح مما قذف به، ~~مما دل على أن اثنين يتقاذفان بالسباب كعادة أهل البلد، فامتعض الكهل ولعنهما ساخطا ~~وغمغم قائلا: «أعوذ بالله من الشؤم والتشاؤم!» ثم غادر الحجرة. # 2 # وأكل ألذ طعمية ذاقها في حياته، وأطراها بغير تحفظ، فسر أبوه وعد ذاك الإطراء ~~إطراء للحي الجديد، فقال بحماس كبير: أنت لا تدري عن حي الحسين شيئا، فها هنا ألذ ~~طعمية وأشهى فول مدمس، وأطعم كباب وأحسن نيفة وأمتع كوارع وأنفس لحمة رأس، هنا الشاي ~~المنعدم النظير والقهوة النادرة المثال، هنا نهار دائم وحياة متصلة ليلا ونهارا ... هنا ~~ابن بنت رسول الله وكفى به جارا ومجيرا. # ورجع بعد الغداء إلى حجرته، واستلقى على الفراش ينشد قسطا من الراحة، وقد أقر فيما ~~بينه وبين نفسه بأن دواعي سروره بالحي الجديد لا تقل عن بواعث ضيقه به، وقلب عينيه في ~~أنحاء الحجرة حتى استقرتا على أكداس الكتب المتراصة على كثب من المكتبة لم يهيأ لها ~~التنظيم بعد، فثبت عليها بصره في ارتياح وسخرية، هذه كتبه المحبوبة، وجميعها باللغة ~~العربية؛ لأنه - على عهد الدراسة - لم يصب تفوقا في الإنجليزية فأهملها مضطرا بعد ~~ذلك وأنسيها ms007 أو كاد، وأكثر من ثلثها كتب مدرسية في الجغرافيا والتاريخ والرياضة ~~والعلوم، وبها عدد لا بأس به من مراجع القانون ومثله من كتب المنفلوطي والمويلحي وشوقي ~~وحافظ ومطران، ومجموعة الكتب الأزهرية الصفراء في الدين والمنطق تاه بصفرتها عجبا ~~واعتبرها آية العلم العسير الذي لا ينفذ إلى حقائقه إلا الأقلون، وهي لا تخلو كذلك من ~~بعض مؤلفات المعاصرين التي يعد اقتناءها تفضلا منه، هذه هي مكتبته المحبوبة أو هي ~~جل حياته جميعا، كان قارئا نهما لا تروى له غلة، وقد أدمن على القراءة إدمانا ~~قاتلا، وأكب عليها عشرين عاما كاملة من عام 1921 - تاريخ حصوله على البكالوريا إلى - ~~عام 1941، فاستغرقت حياته الباطنة والظاهرة، وتركزت فيها مشاعره ونوازعه وآماله ~~جميعا، بيد أنها امتازت منذ البدء بخصائص لم تفارقها مدى العشرين عاما، وهي أنها ~~قراءة عامة لا تعرف التخصص ولا العمق، نزاعة إلى المعارف القديمة، سريعة مضطربة، ولعل ~~السبب في عدم تركيزها ما كان من اضطراره إلى الانقطاع عن الدراسة بعد البكالوريا، مما ~~لم يهيئ له فرصة منظمة للتخصص. # وكان لذلك الانقطاع آثار بالغة في حياته الاجتماعية والنفسية، لم ينج من شرها مدى ~~الحياة، أما سببه؛ فهو أن أباه أحيل على المعاش في ذاك الوقت - وكان يشارف الأربعين - ~~لإضاعته عهدة مصلحية بإهماله، وتطاوله على المحققين الإداريين. فأجبر أحمد عاكف على قطع ~~حياته الدراسية والالتحاق بوظيفة صغيرة لينفق على أسرته المحطمة ويربي أخويه الصغيرين ~~اللذين مات أحدهما، وصار الثاني موظفا ببنك مصر وكان أحمد طالبا مجدا طموحا واسع ~~الآمال، رغب من أول الأمر في دراسة القانون، وطمع في أن تنتهي به دراسته إلى مثل ما ~~انتهت بسعد زغلول نفسه؛ وطوحت به الأحلام والأماني، فلما أجبر على الانقطاع عن ~~الدراسة أصابت آماله طعنة قتالة دامية، ترنح من هولها، واجتاحته ثورة عنيفة جنونية ~~حطمت كيانه، فامتلأت نفسه مرارة وكمدا، ووقر في أعماقه أنه شهيد مضطهد، وعبقرية ~~مقبورة، وضحية مظلومة للحظ العاثر وما انفك من بعد ذلك يرثي عبقريته الشهيدة ويحتفل ~~بذكرها لمناسبة وغير مناسبة، ويشكو حظه ms008 العاثر ويعدد آثامه، انقلبت شكواه فصارت ~~هوسا مرضيا، واعتاد زملاؤه أن يسمعوه وهو يقول بصوته المتهدج: «لو أتممت دراستي - ~~وكان نجاحي مضمونا - لكنت الآن كيتا وكيتا!» أو يقول متحسرا: «إني أدنو من ~~الأربعين، فتصور يا صاح لو أن الحياة سارت كما ينبغي، فلم يعترض مجراها الحظ العاثر، ~~أما كنت أكون محاميا قديما يعتز بخدمة في القضاء تناهز العشرين عاما؟! وماذا كان ~~ينتظر من رجل في مثل جدي في غضون عشرين عاما؟!» وربما قال متأسفا: «فاتتنا ظلما ~~أخصب فترة في تاريخ مصر، تلك الفترة التي تستهين باعتبارات السن والجاه الموروث، ويقفز ~~فيها الشبان إلى كراسي الوزارة.» ولم يكن يفوته تتبع خطى المتفوقين من أقران المدرسة ~~الذين واصلوا دراستهم، وليس نادرا أن يرفع رأسه عن جريدة بين يديه، ويقول بإنكار: ~~«أتعرفون فلانا الذي يقولون عنه ويعيدون؟ .. زاملني عهد الدراسة فصلا فصلا، وكان ~~تلميذا خاملا لا يطمع أن يدركني يوما ما!» أو يهتف متهكما «يا ألطاف الله! .. وكيل ~~وزارة! .. ذاك الغلام القذر الذي لم يكن يعي مما يلقى عليه شيئا؟! هي الدنيا!» ثم ~~يروح محدثا إخوانه بأي نبوغه المدرسي، وما تنبأ له به المدرسون، هكذا تلوثت عواطفه ~~بتمرد ثائر وسخط خبيث وكبرياء حنق، واعتداد كاذب بمواهبه، مما جعل حياته عذابا ~~متصلا وشقاء مقيما، ثم وجدت هذه العبقرية المزعومة نفسها مهملة في الدرجة الثامنة ~~بمحفوظات وزارة الأشغال، ولكنها لم تسكن، ولم تستسلم، ولم تيأس، ومضت تلتمس السبيل إلى ~~تحطيم الأغلال، وشق الطريق إلى الحرية، والمجد والسلطان، وكابدت التجارب، وتوثبت ~~للمحاولة تلو المحاولة، وقد فكر أول ما فكر في التحضير - من بيته - لشهادة ~~القانون، فهو العلم الذي انجذبت إليه آماله من بادئ الأمر، ولم يكن عن الشهادة من محيد، ~~لأن المحاماة لم تعد اجتهادا كما كانت على عهد سعد والهلباوي، فراح يقتنى الكتب ~~القانونية، ويستعير المذكرات، وأكب على الدارسة عاما مدرسيا كاملا تقدم في نهايته ~~إلى الامتحان، ولكنه سقط في مادتين! وطعن كبرياؤه طعنة نجلاء، وأخرج أمام الذين تتبعوا ~~أنباء عبقريته باهتمام، وجعل يعتذر عن ms009 إخفاقه بوظيفته، وبادعاء مرض وهمي أقعده عن ~~مواصلة الدرس، ولم ينثن عن ادعاء المرض بعد ذلك على سبيل الاحتياط والحذر، وخاف أن ~~يجرب الامتحان مرة أخرى، وأشفق من تعريض عبقريته للتجارب الظاهرة التي يطلع الناس على ~~نتائجها فمال إلى العمل الحر، وبادر بإعلان احتقاره للامتحانات والشهادات، ثم أقنع نفسه ~~بأن إخفاقه في امتحان القانون جاء نتيجة لعدم استعداده له - لا لتقصير أو قلة كفاية - ~~وعدل عند ذاك عن دراسته ليجد المجال الطبيعي الذي خلقت له عبقريته الشهيدة، وهكذا خسر ~~عاما وربحت مكتبته عددا لا يستهان به من كتب القانون، ثم فكر في تكريس حياته للعلم، ~~وتحير بين الأبحاث النظرية والاختراعات العلمية أيها يختار! ثم أقلع عن فكرة الاختراع ~~بحجة أن البلد خال من المصانع والمعامل، وهي ميادين التجارب، ومهبط الوحي الإبداعي، ~~وركز آماله في العلم النظري، وطمع في أن يكتشف نظرية يوما ما يغير بها آفاق العلم ~~الحديث، ويقفز إلى سماء الخلود بين نيوتن وأينشتين، وتوثبت به الهمة، فراح يبتاع ما ~~وقعت عليه يداه من ملخصات الطبيعة والكيمياء، ويطالعها باهتمام وشغف، وبعد دراسة عام ~~طويل وجد نفسه حيث بدأ لم يتقدم خطوة نحو هدفه البعيد، ثم اقتنع بأن التعمق في ~~العلم يتطلب دراسة تحضيرية لم تتح له. # وغلبه الجزع وكثيرا ما يغلبه، فيئس من الدراسة العلمية النظرية، وسوغ يأسه نفسه ~~بأن البحث النظري ليس دون الاختراع حاجة إلى المعامل ومعاهد الأبحاث، وأن جو مصر بصفة ~~عامة لم يتهيأ بعد للعلم، ولم يجد ضرورة للاعتذار هذه المرة عن إخفاقه للغير، لأنه كان ~~تعلم أن يخفى أهدافه عن الناس جميعا، بيد أن ذلك لم يمنعه من أن يذيع بين الزملاء ~~والصحاب أنه يكرس وقت فراغه للمعرفة والاطلاع ... المعرفة الحرة التي تسمو على الدراسة ~~المدرسية والشهادات الحكومية، والاطلاع العميق الذي يجعل من صاحبه عالما بعيد الغور، ~~وضاع عام ثان زادت فيه المكتبة صنفا جديدا من كتب العلم، ثم تساءل متعبا متحيرا: ~~ترى لأي شيء خلقت مواهبه على وجه التحقيق ..؟ لا شك أنه لم ms010 يعرف نفسه بعد. ولو عرف ~~نفسه لحفظ وقتا - أحق به أن يحفظ - من الضياع هدرا بغير ثمرة، فما حقيقة ميوله؟! لقد ~~انتهى من القانون والعلم ولكن ليس القانون والعلم بكل شيء، هنالك ما يضارعهما جلالا ~~وجمالا فما سر ولعه بشوقي والمنفلوطي؟ ما طربه للبيان الساحر؟ ألا يجوز أن يكون ~~استعداده الحق للأدب؟ وأجمل به من فن لا يستوجب التمرس به شهادة ولا دراسة مدرسية، ~~فما عليه إلا أن يقرأ كما قرأ شوقي وحافظ ومطران من قبل. وما عتم أن استقبلت مكتبته ~~ضيوفا جددا من أزاهر الشعر والنثر أكب عليها بشغف وحماس بلغ حد الغضب، ووقع في رحلاته ~~على قول ابن خلدون: «سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة ~~دواوين وهي: كتاب الكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين ~~للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع ~~منها.» فتنهد ارتياحا كأنما وقع على كنز واقتنى الأركان الأربعة، وقرأها جميعا بما ~~طبع عليه من حماس وسرعة، فلما أن فرغ منها تساءل مسرورا: «هل صرت الآن أديبا؟» وأمسك ~~بالقلم وصدقت عزيمته على أن يكتب، وكتب موضوعا سماه: «على شاطئ النيل» أفرغ فيه فنه ~~وإلهامه، وأرسله بالبريد إلى إحدى المجلات، ومضى يتخيل ما عسى أن يستقبله به القراء ~~من الإكبار والإعجاب، وكيف أنه قد يكون أول درجات الشهرة والمجد، وحسبه هذا فما يطمع ~~في أجر غير المجد الأدبي، وظهرت المجلة وفتش عن مقاله فما وجد له أثرا، ففتر حماسه ~~وتعثرت أمانيه في الخجل، ولكنه لم ييأس فناجى نفسه يستنظرها أسبوعا آخر، ومضت أسابيع ~~دون أن تتاح للمقال فرصة الظهور، لقد قرأ أركان الأدب الأربعة التي يعد ما سواها تبعا ~~لها وفروعا منها، فهو أديب بحكم ابن خلدون، وما أدراك ما ابن خلدون! فكيف لم ينشر ~~مقاله! هل أهمل القوم نشره لأن كاتبه غير معروف؟ أو لأنه لم يستشفع إليهم بشفيع؟ أو ~~تراهم عجزوا عن فهمه؟! وفكر في أن يذهب إلى المجلة ms011 بنفسه ليقف على حقيقة الأمر، ولكنه ~~لم يستطع لأن خجله كان يقف له بالمرصاد دائما، ثم تناسى آثار الصدمة الأولى وكتب ~~مقالا ثانيا عن العدالة، فلم يكن حظه أحسن من الأول، فكتب ثالثا عن «جناية الفقر على ~~النبوغ» فلم يكن خيرا من سابقيه. وتوثب للكتابة بعناد وإصرار من ناط بها أمله الأخير ~~فحطمت محاولاته جميعا على صخرة الإهمال الباردة، وأعاد كتابة أكثرها وأرسلها إلى مجلات ~~مختلفة، فلم يجد بينها من ترحم أمله المعذب، وتنقذه من هاوية القنوط، وكان آخر مقال ~~كتبه عن «تفاهة الأدب» فضاع كما ضاع إخوته، وانكسر عن محاولاته محطم النفس مطعون ~~الفؤاد، لقد تآمر عليه سوء الحظ - عدوه القديم - وخبث طوايا النفوس ولؤم الطباع، فلم ~~يساوره شك في قيمة مقالاته الأدبية، بل ظنها خيرا مما بدأ به المنفلوطي نفسه وما يتيه ~~به كثير من المعاصرين، ولكنه سوء النية وفساد الطوية! .. وتبددت الأحلام جميعا، ألا ~~ما أضيق العيش وما أظلمه! ورمى بالقلم، وتضاعف ما به من حقد وتمرد وألم، ويئس أخيرا من ~~المجد والسلطان، وامتلأت نفسه سخطا وغضبا على الدنيا والناس، والعظمة والعظماء خاصة! ~~وما العظمة؟ .. أو ما العظمة كما تعرفها مصر؟ .. أجاب على ذلك بكلمة واحدة: «الظروف ~~المواتية»، بل قال عن سعد نفسه على حبه: «لقد مهد له صهره سبل النجاح، ولولا صهره ما ~~كان سعدا الذي نعرفه.» وكان يردد كثيرا: «إن الوظائف الكبرى في مصر وراثية.» أو يقول: ~~«إذا أردت التفوق في مجتمعنا فعليك بالقحة والكذب والرياء، ولا تنس نصيبك من الغباء ~~والجهل.» أو يقول ساخرا: «ما هؤلاء الأدباء الذين يمثلون الصحف والمجلات؟ أمن الأدب ~~الحق أن تستعين على البروز فيه بالسياسة والحزبية؟ وهل يعجز عن بلوغ ما بلغوا من مجد ~~كاذب إلا كريم؟» أو يقول محتدا غاضبا: «والله لو أردت أن أكون عظيما في مصر ما عجزت ~~.. ولكن قاتل الله الكرامة!» وحرق الغضب نفسه حتى تركها شعلة من لهب غير مقدس وحطاما ~~من رماد، ولكن الحياة لا تحتمل الغضب في كل حين، فما من معدى ms012 عن سويعات راحة وإن تكن ~~راحة القنوط، فكان يستريح إلى اليأس كلما لج به الغضب أو الحقد. وفي تلك السويعات كان ~~يقول لنفسه: ألا ما جدوى العناد في هذه الدنيا؟ .. إذا كنا نموت كالسوائم وننتن فلماذا ~~نفكر كالملائكة؟ هبني ملأت الدنيا مؤلفات ومخترعات فهل تحترمني ديدان القبر أو ~~تلتهمني كما التهمت جثتي ريا وسكينة؟ .. الدنيا أكاذيب وأباطيل وما المجد إلا رأس ~~الأكاذيب والأباطيل، وسلم نفسه إلى عزلة عقلية وقلبية مريرة، يئس من الحياة فهرب ~~منها، ولكنه خال وهو يدبر عنها يائسا عاجزا، أنه يزهد فيها متعاليا متكبرا، ولذلك ~~لم يهجر عادة القراءة، لأن الكتب تهيئ للإنسان الحياة التي يهواها، فتعالى بحياة الكتب ~~على حياة الدنيا، وظفر منها ببلسم لآلام كبريائه، واستعار ما بها من قوة، فخالها قوة ~~ذاتية، وكأن أفكارها أفكاره وسيطرتها سيطرته وخلودها خلوده، وقد عدل - بعد إخفاقه ~~المتواصل - عن القراءة المنظمة المحددة الهدف، واندفع يقرأ ما تقع عليه يداه، وعني ~~عناية خاصة بالكتب الصفراء لأنها في نظره عسيرة وعزيزة المنال، وانكب على القراءة ~~بسرعة وشراهة وأعصاب متوترة فلم يتمتع بقراءة مجدية ولا نافعة، وأصابه سوء هضم عقلي، ~~فكان يعرف أشياء وأشياء، ولكنه لم يتقن شيئا أبدا، ولم يتعود عقله التفكير مطلقا ~~ولكن كانت الكتب تفكر له وتتأمل بدلا منه، ولم يكن يعنيه التفكير ولا التأمل وإنما كان ~~همه الحقيقي أن يحدث الغد بما قرأ بالأمس، وأن يحاضر الزملاء من الموظفين والصحاب - ~~بلهجة الفيلسوف المعلم - فيما وعته الذاكرة وحفظته، ولذلك سماه موظفو المحفوظات ~~بالأشغال «الفيلسوف» فسر بالتسمية وإن كان ما بها من التوقير يعادل ما بها من التحقير، ~~ولم يكن للفيلسوف رأي يثبت عليه لأنه كان يقرأ ولا يفكر، وعسى أن ينسى اليوم ما قال ~~بالأمس القريب، وعسى أن يقول غدا ما يناقض قوليه جميعا، وهو سباق إلى أي رأي ما دام ~~فيه رضاء لكبريائه وغروره وولعه بالظهور، فلهج بالمعارضة واللجاج، فإذا قال محدثه ~~يمين قال شمال، وإن قال أبيض قال أسود، ثم يندفع في النقاش بعنف واحتداد وضيق ms013 صدر حتى ~~ليوشك أن يأخذ بتلابيب مناظره! وليس يعني هذا حتما أنه غبي، والحقيقة أنه كان عادي ~~الذكاء. # فلم يهبط عقله إلى البلادة والغباء ولم يعل للنبوغ فضلا عن العبقرية، ولكن خدعه ~~عن حقيقة نفسه طموحه للمجد وهيامه بالعبقرية، فضل ضلالا بعيدا، وزاد من أسباب ~~تعاسته ما فطر عليه من حساسية مرهفة مضطربة، فقتلت فيه روح الصبر والمثابرة، والتأمل ~~والتفكير، فصار دماغه وعاء لخليط من معارف شتى بدل من أن يكون رأسا مفكرا، ولا شك ~~أن الأرق الذي مرض به نصف عام من حياته كان من جملة الأسباب التي عقم به عقله، وقد أشفى ~~به على الجنون والموت، وسهر الليالي ذاهلا أو هاذيا، ثم أدركته رحمة الله فتعافى بعد ~~يأس، ويرجع السبب المباشر لمرضه إلى تجربة خطيرة خاض غمارها غير حافل بعواقبها، ذلك أنه ~~كان يؤمن بالسحر ولا يشك فيما يلقى على سمعه من أساطير، وعثر يوما بموظف قديم راسخ ~~الاعتقاد في السحر والشياطين فأقبل عليه بشغف واهتمام، وبعد أن توطدت الصداقة بين ~~الاثنين أعاره الرجل بعض كتب قديمة عن السحر وتحضير الشياطين ككتاب خاتم سليمان، ~~والقمقم، ويا أسيادي. وطار بها الشاب سرورا وعدها أجل ما بلغته يداه من زبد العلم ~~والحقيقة، وعكف عليها بحماس ويقين يحل رموزها ويفقه أسرارها، ويتحرق شوقا إلى وقت ~~يتاح له فيه السيطرة على القوى الكونية والاستئثار بمفاتيح المعرفة والقوة والسلطان! ~~أوشك أن يجن لهفة وأن يذوب هياما، متى يدين له عرش النفوذ اللانهائي فيأخذ ما ~~يشاء، ويدع ما يشاء، ويعبث بمن يشاء، فيرفع ويخفض ويغني ويفقر ويحيي ويميت؟ ولكن لم ~~تحتمل أعصابه الجهاد طويلا ولا قدر على قضاء الليالي الطوال مختليا بأرواح الشياطين، ~~فاضطرب حبل أمنه وأرهقت أعصابه وصرعه الخوف والوهم، فتلقفه المرض وأوشك أن يسلمه ~~للجنون أو الموت! ولم ير بدا من العدول عن سعيه والنزول عن أطماعه، فأعاد الكتب إلى ~~صاحبها، ويئس من المجد للمرة الأخيرة بعد أن جرب جميع السبل والمسالك المفضية إليه، ~~وجعل يتساءل في حزن بالغ: ماذا بي؟ هل ms014 حل في روح نجس ؟ لماذا أصرع دائما إذ لا يفصل ~~بيني وبين ما أريد سوى ذراع؟! وسقط تحت أنقاض المحاولات الفاشلة والآمال الخائبة ~~والأوهام الضائعة! واطرد مجرى الأيام وتقدم به العمر وشعوره العميق بالظلم لا يسكن ~~ولا يهدأ، بل جعل يجد لألمه لذة غامضة، وكان يتوهم حدوث الظلم بداع وبغير داع ~~ويتلقى ما يقضي به عليه من ألم ممتزج بتلك اللذة الخفية، وعسى أن يتساءل متحديا ~~ساخرا: أليس جليلا أن ينهض العالم جميعه لمقاتلة إنسان فرد؟! .. أليس مما يطيب به ~~الغرور أن يتوفر له ذلك التوفر الذي إن دل على شيء فعلى الحسد والخوف؟! بلى فقد قضى ~~لحكمة سلفت أن يكون الشقاء نصيب العقول الفذة في هذه الدنيا! # وقد كان لالتذاذه بالألم هذا أثر في توجيه ميوله السياسية المتقلبة، فمال دائما إلى ~~الحزب المغلوب على أمره بصرف النظر عن مبادئه السياسية، وسرعان ما يتمثل نفسه في موقف ~~زعيمه يتلقى ما يتلقى من ضروب الاضطهاد والاعتداء وينوء بما ينوء به من ألوان التبعات ~~والواجبات، يجد في هذا وذاك ألما لا حصر له ولذة لا شبهة فيها. # والواقع أن خلقه هذا لم يكن اتفاقا ولا تحت تأثير الإخفاق فحسب، ولكن له أصول بعيدة ~~ترجع إلى عهد نشأته الأولى، حين كان الطفل الأول لوالديه، فدرج على الرعاية والحب ~~والتدليل، ولكنه كان - كذلك - الطفل الذي ادخره حظه لكي ينهض بأعباء أسرة محطمة وهو دون ~~العشرين، فلم تتلطف معه الدنيا فضلا عن أن تدلله .. ساعة واحدة! ~~••• # لبث مستلقيا في الفراش دون أن يغمض له جفن، وجعل يقلب عينيه في سقف الحجرة وجدرانها ~~وأرضها، وتساءل قلقا ترى هل تطيب له الحياة في هذا الحي العجيب؟! ونازعه الحنين إلى ~~شارع قمر وحي السكاكيني والبيت القديم، وعلى أنه لم يفارقه كذلك، ذاك الشعور المشرق ~~بالأمل الوضاء بالتطلع، ثم ملأت البيت حركة متصلة وأتاه صوتا أمه والخادم فأدرك أنهما ~~يستأنفان نشاطهما لفرش الشقة وإعداد الحجرات، وتصاعدت إليه من الطريق ضجة مزعجة وضوضاء ~~فظيعة، فأنكرها وأصغى إليها بانتباه فتبين له ms015 أنها أصوات أطفال يلعبون ويغنون، وكأنه ~~ضاق برقاده ذرعا فنهض إلى النافذة المطلة على العمارات وفتحها وراح ينظر منها إلى ~~الطريق، فرأى جماعات من الصبيان والبنات يملئون الطريق متصايحين متضاحكين وقد انقسموا ~~فرقا، أكب كل فريق على رياضة، فبدا الطريق وكأنه ناد رياضي ساذج فهذه جماعة تلعب ~~بالجديد وتلهب الأكف بالطرة، وهذه جماعة تلعب بالبلي، وتلك عصبة تحجل وتلك أخرى تتصارع، ~~واقتعد الصغار الطوار يرقصون ويغنون ويصفقون. اضطربت الأرض وضج الجو وثار الغبار فأيقن ~~أن لا قيلولة منذ اليوم! وسمع أناشيد عجيبة «يا عم يا جمال ...» و«يا أولاد حارتنا توت ~~توت» و«الجبل ده عالي يا عمي» ... إلخ إلخ، فحار بين الدهشة والحنق والسرور! ثم تصاعد صوت ~~جهوري أجش غليظ السرات يصيح كالرعد القاصف «ملعون أبو الدنيا!» وكرر صياحه بصوت منغوم ~~على إيقاع كفين شديدتين! .. وكان الصوت صاعدا على الأرجح من دكان تحت النافذة مباشرة ~~ولكن من داخلها فلم يستطع رؤية ذلك الذي يتغنى بسب الدنيا، ولكنه لم يتمالك نفسه ~~فأغرق في الضحك حتى تورد وجهه الشاحب، واشرأب بعنقه النافذة فاستطاع أن يرى لافتة ~~الدكان وقد نقش عليها بخط جميل «نونو الخطاط» .. ترى هل يكتب الرجل لوحات في سب ~~الدنيا ويبيعها للمتذمرين والساخطين؟ .. ألا ما أجدر أن يبتاع منها ما يشفي ~~غليله! # 3 # واختفى شعاع الشمس المنعكس على زجاج النافذة العليا من العمارات التي تواجه نافذته، ~~فأدرك أن الشمس تغيب وراء قباب القاهرة المعزية بالجهة الخلفية، وصعد بصره إلى ~~مئذنة الحسين السامقة تنطلق بجلال في غلالة من ظلال المغيب فهزت مشاعره وأيقظت قلبه، ~~ثم ارتفق حافة النافذة يردد ناظريه ما بين أسطح الدكاكين التي تتوسط العمارات، والنوافذ ~~والشرفات المطلة من واجهات المباني، والممرات المتقاطعة، رأى نوافذ مغلقة وأخرى شبه ~~مفتوحة وشرفات تسعى فيها ربات البيوت يجمعن الغسيل أو يملأن القلل، وقد أوشك الطريق أن ~~يخلو من الصبية كأنما أفزعها دنو الليل، وكان يرغب أن ينطلق إلى الخارج ليرى عن كثب ~~مشاهد الحي الجديد، ويكتشف طرقاته ومسالكه، ولكن غلبه التعب على رغبته ms016 لما بذل من جهد ~~في تنظيم مكتبته، هذا إلى تعوده لزوم البيت حتى ندر أن يفارقه بعد عودته من الوزارة، ~~فأجل تنفيذ رغبته، وترك النافذة فتربع على شلتة - وهي جلسته المختارة إذا تهيأ ~~للقراءة - واستخرج من المكتبة كتابا يقرأ فيه حتى يأزف ميعاد النوم. # وكان والده في تلك الأثناء يتربع على سجادة الصلاة والمصحف بين يديه يتلو ما تيسر ~~منه في صوت مسموع، غير منتبه إلى أخطاء القراءة العديدة التي يتتابع عثوره بها، كان ~~عاكف أفندي أحمد في الستين من عمره، وقد أرسل لحية بيضاء أكسبت وجهه النحيل وقارا، ~~وفرض على نفسه عزلة قاسية عقب إحالته على المعاش وهو في أواسط العمر ومشرق الآمال وبدا ~~كأنه كرس حياته للعبادة وتلاوة القرآن، ولم يكن يفارق البيت إلا فترات متباعدة ~~للتريض المنفرد أو زيادة الأضرحة، وربما كان لعسره المالي - إذ لم يجاوز معاشه ستة ~~جنيهات - الأثر الأول فيما اتخذ في حياته من نظام، ولكنه رضي أخيرا عن طيب خاطر بحياته ~~وألفها، بل وأحبها أيضا شاكرا حامدا، وكانت أقسى أيام حياته وآلمها تلك التي أعقبت ~~إحالته على المعاش، فقد انقطع مورد رزقه أو كاد، وتهددت الفاقة أسرته البائسة، وأجبر ~~على اعتزال العمل والنشاط، وأقصي عن الوظيفة وجاهها، وهب كالمجنون للذود عن كيانه، ~~فسعى واستشفع بكل شفيع، ولكن ذهبت مساعيه أدراج الرياح، قدم العريضة تلو العريضة، ~~والالتماس وراء الالتماس دون جدوى أو رجاء، حتى علم أخيرا بالحقيقة المحزنة وهي أن باب ~~الحكومة قد أغلق دونه إلى الأبد، وكان في الحقيقة طاهر اليد، إلا أنه ثبت إهماله وجاء ~~تطاوله على المحققين فزاد الطين بلة، ثم لم يسكت بعد ذلك عن شكوى الظلم والظالمين، ~~واستنزال اللعنات عليهم أجمعين، وراح تحت تأثير الغضب والحنق واليأس يتهكم بالحكومة ~~والموظفين، ويقول إنه أحيل على المعاش لأنه أبى أن تمس كرامته، وأن الوظيفة أضيق من أن ~~تتسع لإنسان يحترم نفسه، وبعد أن كان ينكر تطاوله على هيئة المحققين، جعل يفاخر به ~~ويبالغ فيه، ولم يعد له حديث سواه، فصار ضحكة ms017 المتغامزين، وفقد عطف الصحاب والأقارب، ~~وحافظ بادئ الأمر على صلته بالناس، فتردد على قهوة فيتا بغمرة يلاعب بعض الصحاب النرد، ~~ولكن خلقه ساء بعد فاجعته، فأصبح ضيق الصدر سريع الغضب، فاحتد يوما على لاعب فانفجر ~~الآخر هائجا وصاح به: «يا طريد الحكومة!» فلم تطأ قدمه قهوة بعد ذلك، وانزوى بعيدا عن ~~الناس والدنيا، واختار العبادة ملاذا وسكنا، ولم يعد للماضي أثر في نفسه، وسارع ~~بالشفاء إليه نهوض ابنه أحمد بأعباء الأسرة، وكان الابن قد ورث عن أبيه تبعته ~~ومرضه! # على أنه لا ينبغي أن نهمل عاملا هاما في شفاء الأب، وهو الأم. حوت منذ البدء ~~مزايا لا يستهان بها في حساب السعادة العائلية، فتمتعت بنصيب موفور من الحسن الذي رمقته ~~القاهرة على أيام شبابها بعين الإكبار والإعجاب، وما زالت - وقد شارفت الخامسة والخمسين ~~- على وسامة وقسامة، وولع بالصبغ والألوان، وذوق في الأزياء، وما زالت لحيمة جسمية، وإن ~~اعتورها الاسترخاء، خبيرة بوصفات السمن والتجميل، مشهورة بخفة الروح والدعابة اللطيفة ~~والنادرة الحلوة، لا تضاهيها امرأة في قدرتها على أن تألف وتؤلف، فكثرت صويحباتها، ~~وتعددت البيوت التي تزورها وتستزيرها، واستقبلها النسوة والأوانس بالسرور والغبطة شأن ~~أعضاء الأسرة، ولذلك لم تتأثر بالضائقة التي نزلت ببيتها، فلما انقبضت يد بعلها عنها ~~انبسطت لها أيادي الصديقات الحبيبات بالهدايا، فحافظت على مستواها المعهود من الأناقة ~~والتجميل، وكانت لها على زوجها دالة، فمسحت عن صدره الحزن بلطفها ودعابتها وتفاؤلها، ~~وكانت تقول له ضاحكة: «لقد انتهيت يا عاكف أفندي من الحكومة، فافرغ لي!» أو تداعب لحيته ~~قائلة: «من أجل الورد ينسقي العليق!» ولكن كان صدرها يضيق إذا رأت بعلها مكبا على ~~القرآن، وبكرها عاكفا على مكتبه، فتصيح بهما: «هلا علمتماني القراءة لأجاور معكما؟!» ~~ولشد ما أحنقها أحمد بإهماله نفسه، فكانت تروح على خديها كأنها تلطمهما وتهتف مؤنبة: ~~«كبرت أمك وجعلت سمعتها كالطين! هاك الكواء فما لبذلتك مسترخية متقبضة؟! .. وهاك ~~الحلاق فما لذقنك مخضرا؟! .. والدنيا بالأفراح حافلة، فما انزواؤك بين الكتب ~~الصفراء؟! كيف تركت رأسك يصلع وقذالك يشيب؟! .. كبرتني .. كبرتني ms018 .. كبرتني! ..» ~~فكان أحمد يبتسم إليها ساخرا ويغيظها قائلا: «الطمي كيف شئت ألست في الأربعين؟!» ~~فيهولها التصريح بالحقيقة الفظيعة، وتنهره قائلة: «اخرس قطع لسانك الطويل .. هل رأت ~~الدنيا قبل اليوم ابنا يدعى عمر أمه؟!» # ومع ذلك فلم تخل حياتها من الحزن، كانت مريضة، أو هكذا توهمت، ولكن لم يأس على ~~مرضها أحد ممن حولها، وقد اقتنعت على مر السنين بأن عليها أسيادا، وبأن لا شفاء لها ~~إلا بالزار، وطالما توسلت إلى بعلها ليسمح لها بإقامة حفلة زار، ولكن الرجل لم يصغ إلى ~~توسلاتها، واستقبح أحمد الفكرة وإن لم يساوره شك في وجود العفاريت، وكان قريب عهد - ~~وقتذاك - بالتجربة التي أوشكت أن تنتهي بجنونه، فيئست المرأة من استمالتهما، وقنعت ~~بشهود حفلات الزار إذا اتفقت في بيوت الصديقات، حتى قال أحمد يوما متعجبا: «حقا ~~إن أسرتنا ضحية الشيطان .. ألم يغر والدي بتحد لكلب حقير من الموظفين ففقد ~~وظيفته؟! .. وألم يحضني على تعلم السحر فأشفيت على الجنون؟! وها هو ذا يركب أمي ويهيئ ~~لها خرابنا!» # ولكن الله سلم فقد غلب مرح الست دولت - أم أحمد - على حزنها، كما غلبت الحناء على ~~ومضات المشيب بمفرقها. ~~••• # لم يستطع أحمد أن يركز انتباهه في القراءة لما أحدثه تغير المكان في نفسه من اليقظة ~~والقلق، فمضى في مطالعة فاترة متقطعة ومضى من الليل ساعة فسكنت ضوضاء النهار، ولكن ~~لتحل محلها ضوضاء أشد وأفظع سرعان ما جعلت الحي جميعه كمسرح من مسارح روض الفرج ~~الشعبية، أما مصدرها فالقهاوي العديدة المنتشرة في جوانب الحي، فالراديو يذيع أناشيده ~~وأحاديثه بقوة وعنف فكأنه يذيع في كل شقة، والندل لا يكفون عن النداء والطلب في ~~أصوات ممطوطة ملحنة «واحد سادة ... شاي أحضر ... تعميرة على الجوزة ... وشيشة حمي ...» ودق ~~قطع النرد والدمينو وأصوات اللاعبين! فخال نفسه في طريق مزدحم بالمارة لا في شقة، وعجب ~~كيف يحتمل أهل الحي ضوضاءه أو كيف يغمض لهم جفن؟! # ولم يزل ملازما الشلتة حتى بلغت الساعة التاسعة فقام لينام، وأطفأ المصباح ورقد على ~~الفراش بعد أن أحكم غلق النافذتين، ms019 ولكن الضوضاء لم تزل تملأ حجرته وتدوي في أذنه، ~~فذكر سكون السكاكيني في مثل هذه الساعة من اليوم وتأسف من الأعماق، ثم لعن الغارات التي ~~أجبرتهم على هجر مسكنهم القديم الهادئ، فاستثار ذكرى تلك الليلة الجهنمية التي زلزلت ~~القاهرة زلزالا مخيفا، وملأت الذكرى شعوره وضاعف من تأثيرها جثوم الليل حتى لم يعد ~~يحس من ضوضاء الطريق ركزا ولا همسا. # كانت الدنيا نائمة - تلك الليلة المفزعة - يستقبل ليلها هزيعه الأخير وكما تعودت ~~القاهرة في مثل تلك الساعة من الليل أطلقت صفارات الإنذار نعيرها المتقطع الذميم، ~~فاستيقظت الأسرة ونهض أحمد لإطفاء المصباح الساهر في الصالة الخارجية ثم عاد إلى رقاده ~~ليغط في النوم مرة أخرى شأنه كل ليلة، إذ لم تعرف القاهرة قبل تلك الليلة إلا الغارات ~~الاستكشافية ولم تسمع سوى طلقات المدافع المضادة للطائرات. ولكنه لم يسكن إلى النوم ~~وراح يرهف أذنيه رافعا رأسه عن الوسادة في دهشة وانزعاج، فقد سمع بوضوح أزيز طيارات ما ~~في ذلك من شك، اتصل وقعه لا يغيب ولا يهن، بل جعل يزيد وضوحا ويعلو شدة، فضاق به صدرا ~~وامتلأ منه رعبا، ولكن خاطرا طمأنه بعض الاطمئنان، فلم يفصل بين سكوت الصفارة وسماع ~~الأزيز إلا دقيقة أو بعض دقيقة، وهي مدة غير كافية بطبيعة الحال لوصول الطيارات ~~المعادية، حيث يسبق الإنذار وصول الطيارات بربع ساعة على الأقل، فبات مرجحا أن تكون ~~الطيارات إنجليزية حلقت للمطاردة، وانتظر أن ينقطع الأزيز ولكنه اتصل اتصالا مرهقا ~~للأعصاب وكأن الطيارات اختارت بيتهم مركزا تدور من حوله، ونهض ثانية وغادر الحجرة ~~يتلمس طريقه في الظلام إلى حجرة والديه وقال عند الباب بصوت مسموع: «هل أنتما ~~مستيقظان؟» فجاءه صوت أمه قائلا: «لم ننم بعد، أما تسمع شيئا؟» فأجاب أحمد: «بلى أزيز ~~طيارات .. وقد سمعته عقب الإنذار مباشرة!» فقال والده: «الأغلب أن تكون إنجليزية.» فقال ~~أحمد: «لعلها!» وطمأنه اتفاق الظن بينه وبين أبيه فعاد إلى حجرته، وقبل أن يمس جنبه ~~الفراش أضاءت الحجرة المظلمة بنور عجيب آت من الفضاء أعقبه صفير مبحوح انتهى ms020 بانفجار ~~شديد دوى في سماء القاهرة دويا شديدا مزعجا، فانتفض رعبا وتولاه فزع جنوني ~~وقفز نحو الباب لا يلوي على شيء، وضاعف من رعبه أن الحجرة لم تزل مضاءة بذاك النور ~~الوهاج الذي اخترق نوافذها من الخارج داعيا القذائف إلى أهدافها وتتابعت الانفجارات ~~الشديدة واختلط تفجرها بذاك الصفير المبحوح الممقوت، فارتجت الأرض ارتجاجا وزلزل ~~البيت زلزالا، ولم ينقطع الضرب لحظة واحدة وبدا كأن السماء ستظل تقذف الأرض بهاتيك ~~الرجوم الشيطانية في ذاك العناد الشيطاني الجبار، ووجد والديه في الصالة، الأب معتمدا ~~ذراع الأم يوشك أن يسقط صريع الفزع والإرهاق، فهرع إليهما وتأبط ذراع والده وصاح بهما ~~«هلما إلى مخبأ العمارة» ومضوا مسرعين تتقدمهم الخادم، وتساءل بصوت متهدج مضطرب «ما هذا ~~النور؟ هل شب حريق في الخارج؟» فقال أحمد وهو يعالج أنفاسه المضطربة ويتبين مواقع قدميه ~~من السلم: «هي مصابيح المغنسيوم التي قرأنا عنها في الجرائد.» فقال الرجل: «ربنا يلطف ~~بنا.» وكان السلم مكتظا بالهابطين الداعين الله من قلوبهم الواجفة، وكلما حدث انفجار ~~ارتجت الجدران وتعالى صراخ يصم الآذان وصوت النسوة وأعول الأطفال، وانطفأ نور ~~المغنسيوم فجأة والضرب في عنفوانه والموت في حومانه فساد الظلام، وحدث هرج ومرج، فزلت ~~أقدام وعثر أناس وزاد الفزع والارتباك، ثم بلغوا مخبأ العمارة - البدروم - بعد جهد ~~جهيد. وكان مضاء بمصباح خافت، مغطاة نوافذه بستائر كثيفة سوداء، واعتمد سقفه على ~~عمد أفقية قامت على عمد حديدية رأسية، ووضعت حول جدرانه أكياس من الرمل. وعلى ضوء ~~المصباح الخافت لاحت وجوه تعلوها صفرة الموت، جاحظة عيونها مرتجفة أوصالها، هاذية ~~ألسنتها، ووقفوا ثلاثتهم متقاربين يذوبون لهفة أن يكف الضرب لحظة واحدة فيأخذوا أنفسهم ~~ويبلوا ريقهم، ولكن الضرب اشتد وبدا من اشتدد الانفجارات أنه أخذ يقترب منهم! وهنا ~~حرك ساقيه في الفراش فزعا من هول الذكرى وهو يغمغم: «تبا لها من ليلة!» وتنهد من ~~أعماق صدره وفتح جفنيه، فعادت ضوضاء الحي إلى وعيه، وذكر أنه رقد لينام لا ليستذكر ~~آلام أفظع ليلة في حياته، ولكن هيهات ... لقد هجمت عليه الذكرى ms021 بقوة لا تقاوم ... أجل، أخذ ~~الضرب يقترب، بل انفجرت قذيفة خال القوم الفزعون أنها انفجرت في صدورهم ورءوسهم، ~~فرفعوا أيديهم كأنما ليتقوا بها السقف إذا انهار واشتد الصراخ والدعاء وجرى اسم الله ~~على كل لسان، وقوي شعور مفزع بأن القذيفة الثانية ستسقط على رءوسهم! وهوت القذيفة ~~التالية! .. رباه هل يمكن أن ينسى ذاك الصفير المبحوح - صفير الموت - وهو يهبط عليهم ~~لا مهرب منه ولا مفر؟ .. وكيف تقلقلت العمارة وطقطقت النوافذ قبل أن تبلغ القذيفة ~~الأرض! .. ثم كيف دوى الانفجار فصك الأسماع وصم الآذان ورج الأمخاخ ومزق الأعصاب وخنق ~~الأنفاس! .. لقد تقوست الظهور في انتظار المقدور .. وقبض اليأس القلوب .. وتعجلت ~~النفوس النهاية مختارة الموت على انتظاره .. أجل لم يعد بينهم وبين الموت إلا قذيفة ~~لعلها تغادر في تلك اللحظة مكمنها من الطيارة ... ولكن القذيفة - وهنا ابتسم ابتسامة ~~حزينة - لم تسقط! .. أو سقطت بعيدا، فقد ابتعد الضرب سريعا كما جاء سريعا، لم يجئهم ~~الموت كما أوهمهم .. أراهم وجهه ولكن لم يذقهم طعمه .. أو أجل ذلك لليلة أخرى، فباعد ~~الضرب، ثم خف عن ذي قبل، وبات متقطعا ثم انقطع فلم يعد يسمع إلا طلقات المدافع، ثم ~~ساد السكوت! .. واسترد التعساء أنفاسهم، وتبادلوا نظرات الشك والرجاء، وانفكت عقد ~~ألسنتهم فهذوا كالمجانين، ومضت ربع ساعة رهيبة ثم انطلقت صفارات الأمان! .. يا رحمة ~~الله! .. هل ذهب الموت حقا؟ .. هل يدركهم نور الصباح؟ ودبت الحركة وأضيئت الأنوار ~~وانطلق أناس إلى الخارج وجاء آخرون من الجهات القريبة، وانتقلت روايات، قالوا العباسية ~~خراب .. أما مصر الجديدة فقل عليها السلام، وقصر النيل أمست أثرا بعد عين، ومخازن ~~الترام دمرت وجثث العمال أكوام! # وصعدوا إلى شقتهم يغمر صدورهم سرور عصبي، سرور من نجا من الموت وعقابيل الخوف لم تزل ~~ناشبة في صدره؛ ومضوا بقية الليل أيقاظا يتكلمون، وفي نهار اليوم الثاني بدأ الحي ~~وكأنه قد أزمع الهجرة، وتتابعت عربات النقل تحمل المتاع الضروري إلى الأحياء التي حسب ~~الناس أنها آمنة أو إلى القرى المتاخمة للعاصمة حتى خلت عمارات من ساكنيها، وضاعفت ms022 ~~مناظر الهجرة من خوف الأسرة، خصوصا الأب الذي تضعضع قلبه الضعيف من عنف الغارة، فنشأت ~~في رأسه فكرة الهجرة مع المهاجرين، وإذا كان من المتأثرين بدعاية المحور الإسلامية فقد ~~اعتقد اعتقاد راسخا في أن حيا دينيا كحي الحسين لا يمكن أن يقصده المغيرون بسوء، ~~فجد في البحث عن مسكن فيه، فاهتدى إلى هذه الشقة، وكان النقل .. وإن ينس لا ينس ~~اليوم الذي أعقب ليلة الغارة، فلم يكن للقاهرة حديث إلا حديث الليلة الماضية واستفاض ~~الناس في الكلام بأعصاب متوترة ونفوس قلقة، وضحكوا جميعا ضحكا فيه سرور النجاة ~~وتوتر الخوف، وشعر أحمد بدنو الموت دنوا جعله يحس تردد أنفاسه على وجهه، بل هنالك ~~ما هو أفظع من الموت نفسه، كأن يلقى به إلى قارعة الطريق مقطع الأوصال أو مشطور الرأس، ~~وربما ألحق بعد ذلك بذوي العاهات المستديمة، أو كأن ينجو من الموت ويدك البيت بما ~~فيه فيجد نفسه وأسرته بلا مأوى وبلا أثاث وبلا لباس! وجعل يدعو ربه ويستشفع بنبيه، ~~فالحياة محبوبة ولو كانت خائبة بائسة، وأعجب من هذا أنه مال إلى الترفيه عن نفسه وتهيئة ~~السرور لها ما أمكن، فغلب حرصه الطبيعي وابتاع لدى عودته إلى البيت صندوق بسكوت ~~بالشوكولاتة وهو طالما اشتهته نفسه وحرمها إياه حرصا على القليل من النقود التي تعود ~~أن يودعها صندوق التوفير كل شهر، ولكن عندما أتى المساء غشي القلوب هم وكآبة، وبات الكل ~~في ذعر عظيم، ولم يغمض لإنسان جفن، وتيقظت ذكريات الليلة المفترسة، واختلت الحواس، فصار ~~كل نفير صفارة إنذار، وكل صفقة باب انفجار قنبلة، وكل خشخشة أزيز طيارة! .. وها هم ~~أولاء قد انتقلوا فهل تطمئن قلوبهم حقا؟! العمارات حديثة البناء متينة، ولها مخبأ ~~يضرب بقوته المثل وهذا جوار الحسين .. ولكن ألم تدك حصون وتخرب جوامع؟! آه لكم ~~يعذبنا حب الحياة، ولكم يقتلنا الخوف، ومع ذلك فالموت لا يرحم، وبالتفكير فيه ~~يبدو أي جليل تافها. كم حمل نفسه ما لا طاقة لها به من الحزن والغضب .. ففيم كان ~~ذاك؟ وسمع عند ذاك الراديو ms023 يذيع السلام الملكي ، فأدرك أن ساعتين مضتا في أرق وقلق، فجزع ~~وراح ينشد النوم بمطاردة الأفكار، ولكنه لم يظفر بأفكاره، وبالعكس ظفرت هي به، فغمره ~~سيل الذكريات الزاخر، فذكر كيف اقترح على والديه أن يسافرا إلى أخيه الأصغر في أسيوط - ~~مقر عمله - فيبتعدا عن الخطر حقا، وكيف قالت له أمه: «بل نبقى إلى جوارك فإما أن نعيش ~~معا وإما ...» ثم استضحكت مستعيذة بالله! .. ماذا كان يفعل لو وافقها على السفر؟ .. كان ~~أسهل الحلول أن ينزل في بنسيون، والحق أنه رحب بالفكرة في أعماقه لأنه يروم التغيير ~~وهو لا يدري، وكيف يروم التغيير أعزب قضى أربعين عاما في بيت واحد يكابد حياة رتيبة لا ~~فرق بين يوم منها وبين عام ترهقها عزلة وحشية؟! .. فمهما ألف هذه الحياة وتعودها ~~لا بد أن تنزع به النفس ولو في خفاء إلى التغيير .. والتغيير الكامل! .. إلا أنه لم ~~يستسلم هذه المرة طويلا إلى أفكاره، فقد طرقت أنفه رائحة غريبة أوقفت تيار أحلامه! .. ~~ذابت في خيشومه فجأة كأنما حملتها إليه هبة نسيم كان من قبل راكدا، ونبهه إليها ~~أنه كان يشمها لأول مرة في حياته، وتحير كيف يصفها، فما كانت رديئة ولا كانت زكية ~~ولكن تطيب بها النفس، وفيها هدوء، وعمق، وإلا فما نفاذها إلى قرارة الإحساس؟! وما كانت ~~تنقطع إلا لتعود .. فهل بخور يحترق في هذه الساعة من الليل؟! أم يكون لهذا الحي ~~الغريب أنفاس تتردد في أعماق السكون؟! # وغاب به التفكير في الرائحة الغريبة عن أفكاره فتهيأ للنوم وهو لا يدري ... وما لبث ~~أن استرق الكرى خطاه إلى جفنيه فأخذ بمعاقدهما. # 4 # وعند الساعة السابعة من صباح اليوم الثاني كان جالسا إلى السفرة يتناول فطوره الذي ~~يتكون عادة من فنجان قهوة وسيجارة ولقمات من الجبن أو قليل من الزيتون، وغادر الشقة ~~فصار في الردهة الخارجية التي تفصل بين الشقق، وقبل أن يبلغ السلم سمع وقع قدمين ~~خفيفتين وراءه فنظر خلفه فرأى فتاة في أولى سني الشباب مرتدية مريلة مدرسية زرقاء ~~ومتأبطة حقيبة الكتب، وقد ms024 التقت عيناهما لحظة خاطفة ثم أعاد رأسه وقد تولاه ارتباك، ~~والارتباك طبيعته إذا التقت عيناه بعيني أنثى! ولم يدر هل الأليق أن يسبقها إلى ~~الطريق أو أن يتنحى لها جانبا فزاد ارتباكه وتورد وجهه الشاحب وبدا فيلسوف إدارة ~~المحفوظات بوزارة الأشغال كالطفل الغرير يتعثر حياء وخجلا! .. وتوقفت الفتاة ~~كالداهشة، وانتقلت إليها عدوى ارتباكه، فلم يجد بدا من أن يتنحى جانبا وهو يهمس ~~بصوت لا يكاد يسمع: «تفضلي!» فمضت الفتاة إلى حال سبيلها وتبعها متثاقلا متسائلا ~~أأصاب يا ترى أم أخطأ؟ .. وبم حدثت نفسها عن تردده وارتباكه؟! .. وعند باب العمارة ~~أيقظه صوت جهوري من أفكاره يصيح: «ملعون أبو الدنيا!» فالتفت إلى يسراه فرأى نونو - ~~كما ظن - يفتح دكانه، فسري عنه وابتسمت أساريره وغمغم: «يا فتاح يا عليم!» ثم سار ~~في طريقه والفتاة على بعد منه غير بعيد حتى بلغت السكة الجديدة، فانعطفت إلى يسارها ~~ومضت نحو الدراسة، وواصل هو مسيره إلى محطة الترام. ولم يكن رأى من وجهها سوى عينيها، ~~استقرت عليهما عيناه لحظة حين التفاتته إليها. عينان نجلاوان، ذواتا مقلتين صافيتين ~~وحدقتين عسليتين، بدتا لغزارة أهدابهما مكحلتين، تقطران خفة وجاذبية، فحركتا ~~مشاعره، وكانت الفتاة تتخطى عتبة الشباب اليافع، فلا يمكن أن يجاوز عمرها السادسة عشرة، ~~بينما هو في الأربعين، فأكثر من عشرين عاما تفصل بينهما! ولو أنه تزوج في الرابعة ~~والعشرين - وهي سن زواج معقول - لكان من المحتمل أن يكون أبا لفتاة في مثل عمرها ~~ونضارتها! وأخذ مجلسه من الترام وهو ما زال يتصور تلك الأبوة التي لم تتحقق. # وسرعان ما خمدت نشوة التأثير بالعينين، وفتر حماس الحنين إلى الأبوة، واجتاح صدره ~~انفعال عنيف قاتم شأنه إذا اقترب من أنثى أو اقتربت أنثى منه، ذلك أنه يحب النساء حب ~~كهل محروم، ويخافهن خوف غرير خجول، ويمقتهن مقت عاجز يائس. فأية أنثى جميلة تترك في ~~وجدانه انفعالا شديدا، يضرب في أعماقه الحب والخوف والمقت. وقد كان لنشأته الأولى ~~أكبر الأثر في تكييف طبيعته الشاذة، فخضعت طفولته لصرامة أبيه وتدليل أمه، صرامة ms025 ترى ~~القهر عنوان الحنان ، وتدليل محبة ومغرم لو ترك الأمر له ما علمه المشي خوفا ~~عليه، فنشأ على الخوف والدلال، يخاف أباه والناس والدنيا، ويأوي من خوفه إلى ظل أمه ~~الحنون، فتنهض بما كان ينبغي أن ينهض به وحده، فبلغ الأربعين ولم يزل طفلا، يخاف ~~الدنيا وييأس لأقل إخفاق، وينكص لدى أول صدمة، وما له من سلاح سوي سلاحه القديم البكاء ~~أو تعذيب النفس، ولكن لم يعد يجدي هذا السلاح؛ لأن الدنيا ليست أمه الحنون فلن ترق له ~~إذا امتنع عن الطعام، ولن ترحمه إذا بكى، بل أعرضت عنه بغير مبالاة، وتركته يمعن في ~~العزلة ويجتر العذاب، فهل يصدق الوالدان أن ذلك الكهل الأصلع الخائب قد ذهب ~~ضحيتهما؟! # ومع ذلك كله سجل قلبه تاريخا في حياة القلوب. # سطر أولى كلماته وهو في السنة الأولى من المدرسة الثانوية، وما يعنينا من سرده إلا ~~دلالته على طبعه، كان غلاما ناضرا متأنقا. ولعله ورث الأناقة من والدته، فجذب إليه ~~يهودية صغيرة حسناء من بنات الجيران! فأحمد عاكف - كما ترى - كان يوما ما جذابا! ~~كانت تلعب في طريقه وترقب مرجعه من المدرسة في نافذتها، ولا تضن على عينيه بملاحتها ~~ودلال أنوثتها فأصلت وجدانه نيرانا، ولكنها لم تستطع أن تبعث في قلبه الجسارة أو ~~الشجاعة، ألهبت قلبه وجدا ولكن قصارى ما كانت تدفعه إليه شجاعته أن يرمقها بلحاظ مغرم ~~وجل سرعان ما يرتد أمام نظرتها وهو كليل، ولكنه على رغم خجله طارحها الغرام صراحة بفضل ~~جسارتها هي. كانت جسورا لعوبا لا يردعها عن هواها رادع، فاستطاعت أن تعالج حياءه ~~بجسارتها، وتبعته ذات أصيل حتى أدركته، ثم نادته فالتفت إليها بوجه كالجمان، فابتسمت ~~إليه ابتسامة لطيفة فأجابها بابتسامة مقتضبة في حياء وخفر فقالت له: «هلم نتمشى في ~~شارع عباس!» فأطاع دون أن ينبس بكلمة وسارا جنبا إلى جنب والشمس تتقدمهما نحو ~~المغيب، وتعمدت أن تدنو منه وأن تلامسه في رفق، فجعل يبتعد كأنما يخاف أن تحسب أنه ~~المتعمد وهو يذوب شوقا إلى اللمس الذي بجانبه، ثم ms026 تأبطت يمناه وهي تضحك ضحكة لم تخل ~~من الارتباك، فطرفت عيناه ونظر فيما حوله بخوف فسألته في دعابة: «أتخاف؟!» فقال بصوت ~~رقيق: «أخاف أن يرانا أحد من بيتك!» فهزت كتفها استهانة وقالت: «لا تبال هذا!» فلاحت ~~في عينيه نظرة عجب فاستدركت متسائلة: «أما تزال خائفا؟!» فقال بعد تردد: «أخاف أن ~~يرانا أحد من بيتنا!» فأغرقت في الضحك وعاجت به إلى بستان وهي تغمغم: «نحن الآن في أمن ~~من الرقباء!» وتمشيا في سكون كالشمس تذوب في الشفق، وظلال المغيب تمتد في الأفق فتجعل ~~منه سرادقا قائما لاستقبال الليل الزاحف، ثم قالت الفتاة الجريئة لتحتال على حيائه: ~~«حلمت حلما يا له من حلم!» فقال وقد أخذ يأنس بها: «خيرا إن شاء الله.» فقالت: «حلمت ~~أنك قابلتني وقلت لي أريد ... ثم ذكرت كلمة لن أعطيها لك حتى تقولها بنفسك، فحزر ما ~~هي؟!» فاشتد عليه الارتباك وقال بلسان ملعثم: «لا أدري!» فقالت بصوت عذب: «بل تدري ~~وتداري .. قل!» فحلف لها بسذاجة أنه لا يدري، فقالت: «لا فائدة من الكذب علي .. أولى ~~بك أن تتذكر .. كلمة أول حروفها ق!» فصمت وقد خفق قلبه واضطربت أنفاسه فقالت: «والحرف ~~الثاني ب!» فلزم صمته وغض بصره فاستطردت تقول: «والثالث ل ... قل ما الحرف الأخير!» ~~فابتسم مرتبكا ولكنه لم يدر كيف يتكلم، فقرصته في ذراعه وهمست في أذنه: «إذا لم تخرج ~~عن صمتك فلن أكلمك أبدا!» وفعل التهديد فعله فرسمه بأصبعه في الهواء تاء مربوطة! فضحكت ~~بسرور وقالت: «الآن اعترفت بما تريد ولن أضن به عليك!» ثم أدنت منه وجهها وقد أيأسها ~~خجله الشديد من الانتظار، فأخذ قبلة مضت عقود من العمر كاملة وهو يحترق توقا إلى ~~مثلهاز وهكذا كان دائما: إحساسا عنيفا وخجلا موئسا، وكان يحلو لتلك اليهودية ~~الحسناء أن تداعبه بالسخرية من قسمات وجهه، فآمن بسخريتها، واستقبح وجهه أكثر مما ~~ينبغي، ووجد سببا جديدا يقوي به خجله الطبيعي فتضاعف، ولو أمكن رجلا أن يسدل على ~~وجهه نقابا لكان ذاك الرجل، وكان ذلك من بواعث المبالغة في تأنقه ms027 حينا التي انقلبت ~~فصارت إهمالا زريا حين أدركه اليأس. # واختفت اليهودية الحسناء من حياته فجأة، فما هو إلا أن خطبها شاب من بني جنسها حتى ~~هجرت لعبتها لتستقبل حياة الجد، غير عابئة بالجرح الدامي الذي أحدثته في قلب غض، بيد أن ~~القلوب الغضة سريعا ما تندمل جروحها، وفي الفترة النهائية من المرحلة الثانوية دانت ~~أسباب الجوار أيضا بينه وبين صبية حسناء هي صغرى بنات أرملة من صديقات والدته، فألفت ~~بينهما المودة وتشجيع الأمين اللتين ما برحتا تدعوانهما بالعروسين، ولم يكن ذاك ~~الحب الثاني كالأول الذي كان أول يقظة لقلب مفطور على الإحساس، ولكن حوت الصبية ~~مزايا نادرة من رجاحة العقل ومتانة الخلق مما جعل ضياعها من بين يديه خسارة كبيرة أسف ~~عليها أكبر الأسف. وكثيرا ما كان يحدث نفسه قائلا: إنه لو تزوج من فتاته كما أرادت ~~أمه وأمها لتمتع بحياة زوجية سعيدة قليلة الأشباه، ولكن عقب حصوله على البكالوريا حلت ~~الكارثة بأسرته، فأحيل أبوه إلى المعاش ودفع به هو إلى مواجهة الشدة، فانتزع من نعيم ~~الآمال ورمي به إلى جحيم اليأس، وأصبح حتما على الفتاة إذا أرادت أن تبقي عليه أن ~~تنتظر عشرة أعوام ريثما ينتهي من تربية أخيه. والظاهر أن أمها لم تشجع التضحية ~~المطلوبة لما فيها من انتظار طويل، وغلبت حكمة الفتاة - نفسها - على عاطفتها فانقطعت ~~الأسباب وتبددت الأحلام، وكفر أحمد بالحب وبالمرأة كما كفر بالدنيا جميعا، فالحب ~~الذي ثمل به قلبه بين يدي اليهودية وهم ضال، أو مرض ملازم للمراهقة كتوعك التسنين ~~للطفل، وقد قضت مرارة الحقيقة بالعقاب الصارم على من يركن لعهد امرأة .. سواء أكانت ~~كخطيبته عقلا وفضلا أو كاليهودية التي علقته ما شاء لها الهوى ثم هجرته كما يهجر ~~الإنسان حجرته في فندق بميدان المحطة! # وانقضت بعد ذلك عشرون عاما من حياته وقلبه من الحياة خواء بكايد مرارة عيشة فقيرة ~~مترعة بالهموم مثقلة بالتبعات ضيقة بالأمل، ولو سكنت ثائرته لأمكنه أن يجد في حياته من ~~لذات التضحية والقيام بالواجب ما يعزيه عن خيبة آماله ms028 جميعا، ولكن غضبه لم يسكت، ~~وحدته لم تلن، فلم يزل ساخطا متبرما حاقدا، لأن إنسانا ألف أن يكون المعبود ~~الذي يقدم على مذبحه القربان لا يحتمل أن يصير كبش التضحية، وشغل بأحزانه وتبعاته ~~وعزلته عن الحياة فكأنما رمى بقلبه - الذي لبث طوال أربعة أعوام كقيثارة دائمة الترنيم ~~- إلى بئر آسنة فاختنق وعاش بلا أمل، بلا حبيب، وبلا قلب، لا يأنس بالحياة ولا يدرك ~~معنى أفراحها، فدفعه القنوط من النجاح إلى العزلة ودفعه القنوط من الحب إلى البغاء، ~~وكأنه لم يكفه ما اعتنق من سوء ظن بالمرأة فألقى به سوء حظه بين يدي الأنوثة التعسة ~~المشوهة ليزداد إيمانا بعقيدته المريضة، فأقنع نفسه - بسوء نية - بأن المرأة الحقيقية ~~هي البغي! .. فهي المرأة الحقيقية وقد جلت عن وجهها قناع الرياء، فلم تعد تشعر بضرورة ~~ادعاء الحب والوفاء والطهر. على أن البغي قد نالت من نفسه أكثر من ذلك فقد أودت بالبقية ~~الباقية من ثقته بجدارته كرجل؛ إذ إنه اعتقد أن البغي إذا أحبت رجلا فإنما تحبه لما ~~يجذبها فيه من فحولته وجاذبيته الطبيعية بصرف النظر عن اعتبار القيم الاجتماعية وظروف ~~التربي والجوار، فعسى أن تكون اليهودية أحبته لأنها لم تظفر بسواه، أو أن خطيبته أحبته ~~لدواعي الجوار وإيحاء الأمهات. أما البغي فلا تختار حبيبا من بين عشرات الرجال الذين ~~يترددون عليها لداع من هذه الدواعي؛ فإذا كان لم يستطع أن يجذب إليه بغيا طوال هذا ~~الدهر فما ذلك إلا لأنه عاطل من جاذبية الجنس .. وهكذا عانى، وهم نقيصة الجنس كما ~~عانى نقيصة الدمامة من قبل. # ولما أتم أخوه رشدي دراسته وحصل على بكالوريوس كلية التجارة وتوظف ببنك مصر منذ عامين ~~- وكان أخوه الآخر توفي منذ أمد بعيد - شعر بحق بأن مهمته قد انتهت بل وكللت ~~بالنجاح، وساوره أمل - وهل ينعدم من الحياة الأمل؟ - أن يراود السعادة، فقد يظفر ~~بالسعادة وإن يئس يأسا نهائيا من الجاه والسلطان، ويسعى إلى أن يخطب كريمة أحد ~~التجار المقيمين في غمرة، ولكن والدها رده ردا جميلا، وعلم الكهل ms029 أن أمها قالت عنه : ~~«إن مرتبه صغير وعمره كبير!» وترنح من هول الضربة التي هوت على كبريائه، وثار ثورة ~~عنيفة، وكبر عليه - وهو العبقري الذي حشد الكون ما به من سوء حظ لمكافحة عبقريته - كبر ~~عليه أن ترفضه أنثى من بنات حواء، بل أن ترفضه خاصة لأنه حقير! .. أيقال عنه حقير؟! فمن ~~العظيم إذن؟! .. وكور قبضته متوعدا الدنيا بالويل والثبور والشرر يتطاير من عينيه، ~~بالأمس هجرته حبيبته لأنه صغير لا ترجى منه فائدة، واليوم ترفضه فتاة لأنه كبير لا ترجى ~~منه فائدة، فمتى كان ذا فائدة ترجى؟! أذهب العمر هباء؟! أضاع المجد وعزت السعادة ~~وانتهى كل شيء؟! .. وصار دأبه بعد ذلك ذم النساء ورميهن بكل نقيصة، فهن حيوانات ماكرة ~~ومكرهن سيئ قوامه الطمع والكذب والتفاهة، إنهن أجساد بلا روح، إنهن مصدر آلام الإنسان ~~وويلات البشرية، وما أخذهن بظاهر العلم والفن إلا خدعة يختفين وراءها ريثما يوقعن في ~~شباكهن الضحايا، ولولا شهوة خبيثة ألقيت في غرائزنا ما ظفرن برجاء ولا مودة .. وهن .. ~~وهن .. وكثيرا ما يقول لزملائه: «شرعت لنفسي - والحمد الله - ألا أتزوج على كثرة ما ~~واتتني الفرص، لأني آبى أن ينتهبني حيوان قذر لا روح له ولا عقل!» لقد جعل منه عجزه عن ~~النجاح عدوا للدنيا، فجعل منه عجزه عن المرأة عدوا للمرأة! .. ولكن أعماقه اضطربت ~~بالرغبة والعاطفة المنهومة المحرومة. # إن انفعاله لامرأة عابرة - كما حدث اليوم - حقيق بإهاجة أعماقه وسرعان ما يذكر تاريخه ~~القديم الحديث مع المرأة فيثور، ويساوره ذاك الشعور العميق الطافح بالحب والخوف ~~والمقت! # 5 # وعاد ظهرا إلى الحي الجديد، وغمغم مبتسما وهو يدنو منه: «ثاني عطفه على اليمين ثم ~~ثالث باب على اليسار!» وذكر وهو يرتقي السلم الحلزوني فتاة الصباح ذات الوجه الأسمر ~~والعينين العسليتين النجلاوين، ترى هل يراها مرة أخرى؟ وفي أية شقة وفي أي طابق من هذه ~~العمارة تقيم؟! ولبث في البيت - وقد أكملت أمه فرشه وتنظيفه - حتى العصر، ثم بدا له أن ~~يجول في طرقات الحي الجديد مستطلعا ومستكشفا، فارتدى ملابسه وانطلق إلى ms030 الخارج، ~~وتريث قليلا أمام باب العمارة، وجعل ينظر فيما حوله كأنما ليختار ناحية يبدأ منها ~~استكشافه، ولكنه قبل أن يجمع على رأي شعر بشخص يدنو منه فالتفت إليه فرأى الرجل الذي ~~حسب صباح اليوم أنه المعلم نونو، وقد أقبل بخطوات ثقيلة مبتسما ابتسامة ترحاب وسرور، ~~ومد له راحة غليظة كخف الجمل وقال: أهلا وسهلا بالجار الجديد! .. ويا ألف نهار ~~أبيض! # وسلم الجار الجديد، ولم يكن يتوقع تلك المفاجأة من صاحب «ملعون أبو الدنيا!» وقال ~~وقد ابتسمت أساريره: أهلا وسهلا بك يا معلم! # فأشار المعلم إلى كرسي موضوع أمام دكانه وقال والابتسامة لا تفارق شفتيه الغليظتين: ~~شرفنا بالجلوس دقيقة .. دا يوم سعيد! # وتردد أحمد - لا لأن قبول دعوة المعلم يناقض الغرض الذي خرج من أجله - ولكن لأن طبعه ~~النافر لا يستسيغ مثل هذه الدعوة الكريمة بغير تردد، وقرأ الآخر تردده في وجهه، فقال ~~بصوته الجهوري الخشن: حلفت بالحسين - إن لم تكن قاصدا غاية تستوجب العجلة - إلا ما ~~شرفتنا .. يا ولد يا جابر هات شايا .. وهات نارجيلة! # وقبل أحمد - بسرور يعادل تردده - الدعوة شاكرا ومضى إلى الكرسي بينا غاب المعلم ~~لحظة ثم عاد بكرسي آخر وجلسا متقابلين. كانت دكان الخطاط مثل بقية الدكاكين حجما ~~وأناقة، وقد غصت باللافتات الجميلة، وتوسطتها طاولة رصت عليها قنينات الألوان ~~والأقلام والمساطر، وأسندت إلى إحدى قوائمها لافتة كبيرة كتب في أعلاها بالألوان ~~الزاهية «محل بقالة خان جعفر» وتحت ذاك العنوان لاح اسم صاحب البقالة مرسوما بالرصاص ~~لم يلون بعد، وكان الرجل يرتدي جلبابا ومعطفا أبيض وطاقية، في الخمسين أو نحو ذلك، ~~ربع القامة، متين البنيان، كبير الوجه والرأس واضح القسمات، يمتاز وجهه بصدغين وفم ~~واسع، وشفتين ممتلئتين، ولون قمحي مشرب بحمرة. وقد جلس وهو يقول: محسوبك نونو ~~الخطاط. # فرفع أحمد يده إلى رأسه وقال: تشرفنا يا معلم، محسوبك أحمد عاكف بوزارة ~~الأشغال! # وكان لا يحب ذكر وظيفته إرضاء لكبريائه، فكانت لحظات التعارف لحظات تعذيب، بيد أنه ~~لم يتألم هذه المرة كعادته لإيقانه بما يكنه أمثال المعلم نونو ms031 للموظفين من احترام، وقد ~~رفع الرجل يديه إلى رأسه احتراما ثم ابتسم ابتسامة لطيفة، وقال بما طبع عليه من صراحة: ~~أنتم شرفتم حينا يا سادة، ولكن هل جئتم حقا إلى هنا خوفا من الغارات؟! # وعجب أحمد عاكف كيف عرف سبب هجرتهم ولما يمض عليهم في الحي الجديد سوى ليلة واحدة! ~~فحدج الرجل بنظرة إنكار وتساءل: من قال لك ذلك؟! # فقال المعلم ببساطة: الحوذي الذي نقل أثاثكم، الناس جميعا تهاجر هذه الأيام! # فقال أحمد عاكف يدافع عن «شجاعة» أسرته: الواقع أن أحياءنا المعرضة للخطر كادت تخلو، ~~وقد حملنا مرض والدي بالقلب وخوفنا عليه على هجر بيتنا القديم آسفين! # وعند ذاك جاء غلام المعلم بالشاي والنارجيلة. فوضع النارجيلة أمام المعلم، ثم أتى ~~بكرسي من الدكان وضعه أمام الضيف ووضع الإبريق عليه، وعزم المعلم على ضيفه أن يحسو ~~الشاي وأقبل على النارجيلة بلذة وشهوة، وأخذ نفسا طويلا روى به غلة خيشومه ثم استدرك ~~قائلا: حسن أن يلتمس الإنسان سبيل الطمأنينة وإن كان العمر واحدا والرب واحدا، ~~والمكتوب حتما تشوفه العين. إني يا عاكف أفندي من المتوكلين على الله، وما عرفت حتى ~~الآن طريق المخبأ. أي مخبأ يا سعادة البيك؟! .. هل يستطيع نونو أن يراوغ القدر أو يؤجل ~~قضاء الله؟! .. ألم تسمع صالح عبد الحي وهو يغني: «نصيبك في الحياة لازم يصيبك»؟! بيد ~~أني أدعو الله أن يكفينا شر الأيام، وأعود فأقول إن حظنا حلو، فلولا حكمة بعض الناس ما ~~فزنا بهذا الجوار السعيد! # ولاحظ أحمد أن كلام الرجل حوى أوله سخرية به - وإن كانت سخرية غير مقصودة - بينما حوى ~~آخره ما يستوجب الشكر! فابتسم قائلا: شكرا يا معلم، فلطالما قال لنا الحكماء إن حي ~~الحسين آمن! # فأخذ الرجل نفسا عميقا ثم زفره سحابة من الدخان كثيفة وقال: صدقوا ثم صدقوا، إنه ~~حي مبارك محبوب، مكرم من أجل صاحبه، وسوف ترى فيما يقبل من الأيام أنك لن تستطيع ~~السلو عنه أو الزهد فيه، وسوف يدعوك شيء من الأعماق إليه .. تفضل خذ نفسا من ~~النارجيلة. ms032 # فشكره أحمد معتذرا، وكان يحتسي الشاي بلذة مصغيا لصاحبه، وكأنما أراد أن يجاريه في ~~التدخين، ولكن على طريقته هو، فاستخرج سيجارة من علبته وأشعلها مبتسما، وقد أحس نحو ~~محدثه بارتياح لما وجده فيه من غرابة لم يعهدها في أحد من الناس قبله، وأعجبته بساطته ~~وصراحته وقوته، وأهم من هذا جميعه أنه شعر نحوه باستعلاء تملق غروره المعذب فمال إليه. ~~أما المعلم نونو فاستدرك قائلا: لماذا ترغب عن النارجيلة؟! إن هي إلا سيجارة بماء، أو ~~دخان مكرر مطهر، وفوق ذلك فلحضرتها سلطنة، وقرقرتها موسيقى، وفي شكلها «سكس ~~أبيل». # فلم يملك عاكف نفسه الضحك فأرسل ضحكة رفيعة ضاعت في جلجلة ضحكة المعلم التي تصاعدت ~~كخوار عال متصل انتهى بسعال متقطع استمر حتى انقطع نفسه، ثم قال وأساريره ما تزال ~~ضاحكة: أتحسب أن البلدي جاهل؟ ألم تعلم أن زوار هذا الحي من الإنجليز أضعاف أضعاف ~~أمثالهم من أولاد العرب؟! .. ودين الحسين ورب الحسين لتسرن بحينا سرورا لا مزيد ~~عليه، وليكن جوارا سعيدا وأياما سعيدة رغم هتلر وموسوليني! ~~- بإذن الله .. إن شاء الله! # وقال المعلم بلغة الإغراء: وفينا أفندية محترمون كحضرتك! # فقال أحمد بسرعة: أستغفر الله يا معلم، أستغفر الله. ~~- والحسين وجده .. بل إن جل أصدقائي أفندية من خيرة هذا الحي، فالعمارات الجديدة ~~جذبت أسرا طيبة كثيرة، يوجد هنا كل ما تريد .. القهوة والراديو واللطف والنارجيلة، بل ~~هنا متسع لمرضية الله ومعصيته على السواء! # فضحك أحمد قائلا: أعوذ بالله من معصية الله! # فحملق المعلم في وجهه، ثم قال مستدركا بصراحته الغريبة كأنه يعرفه منذ سنين طويلة لا ~~منذ دقائق: المرضية والمعصية كالنهار والليل لا ينفصلان، وفوقهما مغفرة الله ورحمته .. ~~أحنبلي أنت؟! ~~- كلا .. كلا! ~~- تعجبني! ~~- ولكن كيف يتسع هذا الحي لمعصية الله؟ ~~- أوه .. يا ما تحت الساهي دواهي .. فصبرا حتى يأتيك اليقين، ومع ذلك فليس الذنب ~~بذنب حينا، الذنب ذنب الأحياء الأخرى، لقد ضاقت بالفساد، فصدرت ما يزيد عن حاجتها ~~إلينا، على حد قول الراديو عن التجارة العالمية. هنا نحن نصدر المواد الأولية ~~والأحياء الأخرى ms033 توردها مصنوعة، فمن بعض أطراف هذا الحي تصدر الخادمات فتحولها الأحياء ~~الأخرى إلى غانيات، في هذه الحرب قلبت الدنيا رأسا على عقب، تصور يا إنسان أني سمعت ~~بالأمس بنت بائعة فجل تدعو أختها تقول: «تعالي يا دارلنج»! # وضحك أحمد بسرور، وانبسط وانشرح صدره، وقال وغرضه الأول أن يستدرج محدثه إلى الكلام: ~~حيكم طاهر يا معلم رغم هذا كله، فالفساد هناك فوق ما يتصوره العقل! ~~- اللهم احفظنا، إلا أنه من الحكمة ألا نركب الهم أنفسنا، دع الهموم واضحك ~~واعبد الله، الدنيا دنيا الله، والفعل فعله، والأمر أمره، والنهاية له. فعلام التفكير ~~والحزن؟! .. ملعون أبو الدنيا! ~~- هذا شعارك المحبوب يا معلم طالما صعد إلى حجرتي ترديدك له. ~~- أجل ملعون أبو الدنيا، هذا شعار الاستهانة لا اللعن أو السب، ولكن هل تستطيع أن ~~تلعنها بالفعل كما تلعنها باللسان؟ هل تستطيع أن تستهين بها وتضحك منها إذا أفقرتك؟ ~~وإذا أعرتك؟ وإذا كربتك؟ وإذا أجاعتك؟ صدقني إن الدنيا كالمرأة تدبر عمن يجثو بين ~~يديها، وتقبل على من يضربها ويلعنها، فسياستي مع الدنيا ومع النساء واحدة، واتكالي من ~~قبل ومن بعد على الله سبحانه، ورب يوم يستدبر ولما يفتح الله علينا بمليم، ولا يدري أحد ~~ماذا يأكل العيال وما أملك ثمن النارجيلة، فما أزال آخذا في الغناء واللعن والتنكيت، ~~وكأن العيال عيال جاري والفقر راكب عدوي، ثم تفرج، فيطلب منا عمل وأقبض مقدم ~~الأتعاب، افرح يا نونو، اشكر الله يا نونو، خذي يا زينب اشترى لحمة وأنت يا حسن هات ~~فجلا، اجري يا عائشة ابتاعي بطيخة، املأ بطنك يا نونو، كلوا يا أبناء نونو، واشكرن ~~يا زوجات نونو. # ولفت سمع أحمد قوله «زوجات نونو» فتساءل: تري كم زوجة يضم حريم نونو؟! .. وهل يحدثه ~~بأسراره الداخلية بمثل صراحته هذه عن فلسفته العامة؟! .. ولم يجد سبيلا إلى غرضه إلا ~~بالحيلة، فسأله: كان الله في العون، الظاهر أن أسرتك كبيرة. # فقال الرجل ببساطة: أحد عشر كوكبا، وأربع شموس. # ثم أشار إلى نفسه وكمل قائلا: وقمر واحد! # فتردد عاكف لحظات، ms034 ثم قال: أزواج أربع! ~~- كما شاء الله. ~~- وإن خفتم ألا تعدلوا؟ ~~- ومن قال عني أنى ظالم؟! ~~- وهل تستأجر تبعا لذلك بيوتا أربعة؟ ~~- بل شقة واحدة كشقة حضرتك، مكونة من حجرات أربع في كل حجرة أم وأبناؤها! # فلاحت الدهشة في وجه الرجل ونظر إلى محدثه بإنكار، فضحك المعلم ضحكته العظيمة بفخار، ~~وقال: ما الداعي للدهشة يا أحمد أفندي؟ # فآتت أحمد جراءة ليست من طبعه، وسأله: لماذا لم تقنع بواحدة؟ ~~- واحدة؟! .. أنا خطاط، والنساء كالخط أنواع، لا يغني نوع عن نوع، فهذه نسخ، وتلك ~~رقعة، وثالثة ثلث، ورابعة فارسي. أنا لا أوحد إلا الله. ~~- ولكن أليس الأربع بأكثر مما ينبغي! ~~- ليتهن كفينني، أنا والحمد الله أكفي مدينة من النساء، أنا المعلم نونو والأجر على ~~الله! ~~- وكيف تجمعهن في شقة واحدة؟ ألم تعلم بما يقال عن غيرة النساء؟! # فهز المعلم منكبيه العريضين استهانة وبصق على الأرض، ثم قال: هل تصدق ما يقال عن ~~النساء وغيرتهن ومكرهن؟! .. كل أولئك سجايا خلقها ضعف الرجل، المرأة في الأصل عجينة ~~طرية، وعليك أن تشكلها كما تشاء، واعلم أنها حيوان ناقص العقل والدين فكملها بأمرين، ~~بالسياسة والعصا! فما واحدة من نسائي إلا مطمئنة إلى أنها الأثيرة المفضلة، وما من ~~واحدة استوجبت أكثر من علقة واحدة، ولن تجد مثل بيتي سعادة وهدوءا، ولا مثل زوجاتي ~~حشمة وتنافسا في إرضائي، ولذلك لم يجرؤن على مغاضبتي حين علمن بأن لي خليلة! # فصاح أحمد عاكف: خليلة! ~~- سبحان الله ربي! ما لك تدهش لأتفه الأشياء؟! أقول: إن طعمية البيت لذيذة، ولكن ما ~~رأيك في طعمية السوق؟ ~~- وهل ترضى زوجاتك عن خليلتك؟ ~~- الرضا يساوي التعود على الرضا، وأنت برجولتك تستطيع أن تحمل المرأة على ما تريد ~~فتعمل ما تشاء، وتؤمن بما تشاء، والرجل القوي لا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا وافق ~~هواه. # فابتسم أحمد وقال: عوفيت يا معلم! # وأخذ المعلم أنفاسا متتابعة ثم سأل ضيفه: هل أنت متزوج يا أحمد أفندي؟ # فأجاب باقتضاب وقد امتعضت نفسه: كلا. ~~- ولا واحدة؟! ~~- ولا نصف واحدة. # فضحك الرجل ms035 وقال بصراحته المعهودة: أنت بغير شك نطاط كبير! # فابتسم أحمد ابتسامة غامضة، ولم يعرض لقوله بنفي أو إثبات، فقال نونو ضاحكا: عوفيت ~~.. عوفيت! # وبلغ المعلم نونو من نفسه ما لم يبلغه سواه، فأحدث فيها يقظة عنيفة، كأن شيئا يناقضه ~~قوة وصحة وابتساما، وإقبالا على الحياة، وفوزا وسعادة، فأعجب به إعجابا استمده من ~~عجزه عن مجاراته، وحقد عليه لتفوقه وسعادته، إلا أنه كان حقدا خفيفا لا يقاس بما ~~أحدثه في نفسه من شعور باستعلاء، فغلب ميله إليه حقده عليه، واستثار فيه رغبة جديدة ~~للاختلاط به وبحيه العجيب. # وعندما استأذن في الانصراف قال له المعلم: عليك بقهوة الزهرة هي قهوة صغيرة، ولكنها ~~تجمع أفندية هذا الحي المحترمين، وستعرف فيها الصفوة من جيرانك، هلا حضرت هذا ~~المساء؟! # فقال أحمد وهو يودعه: إن لم يكن هذا المساء، فمساء الغد إن شاء الله. # وسلم عليه شاكرا، ثم مضى إلى ما كان بسبيله من اكتشاف أنحاء الحي الجديد. # 6 # وعند مساء اليوم الثاني غادر العمارة ووجهته قهوة الزهرة، فوجدها عند مدخل شارع محمد ~~علي الكبير، وهو السابق لشارع إبراهيم باشا، وكانت في حجم الدكان ذات مدخلين أحدهما على ~~شارع محمد علي والثاني على الممر الطويل الذي يؤدي إلى السكة الجديدة، وقد وجد في الحي ~~من أمثال هذه القهوة عشرات حتى قدر قهوات الحي بمعدل قهوة لكل عشرة من السكان، وأقبل ~~على القهوة متمهلا مترددا لأنه لم يتعود ارتياد المقاهي ولا ألف جوها، وما كاد يعبر ~~بابها حتى رأى المعلم نونو يتوسط جماعة من الأفندية بينهم واحد من أهل البلد، ورآه ~~المعلم فنهض قائما مبتسما وقال بصوته الجهوري الخشن: أهلا وسهلا تفضل يا أحمد ~~أفندي. # فاقترب منه بقامته الطويلة النحيفة تلوح على شفتيه ابتسامة ارتباك وحياء، مادا يده ~~بالسلام، فتلقاها براحته الغليظة، ثم التفت إلى الجماعة قائلا: جارنا الجديد أحمد ~~أفندي عاكف الموظف بوزارة الأشغال. # فنهض الرجال نهضة واحدة في لطف واحترام زادا من ارتباكه وحيائه، ومضى يسلم عليهم ~~واحدا فواحدا والمعلم يقدمهم قائلا: سليمان بك عتة ms036 مفتش بالتعليم الأولي، سيد ~~أفندي عارف بالمساحة، كمال أفندي خليل بالمساحة أيضا، الأستاذ أحمد راشد المحامي، ~~المعلم عباس شفة من الأعيان. # وأوسعوا له مكانا بينهم ورحبوا به أيما ترحيب، فأخذ يأنس بهم وينفض عن نفسه الارتباك ~~والحياء، وما لبث أن ساوره شعور سعيد بالعزة والاستعلاء أحسن إخفاءه. بابتسامة حلوة ~~ونظرة حيية. # لم يخامره شك قط في تفوقه على هؤلاء الناس من جميع الاعتبارات والوجوه، فهو من أهل ~~السكاكيني وهم من أبناء الدراسة أو الجمالية! وهو المفكر والعقل الكامل وهم لا شيء من ~~هذا جميعه، بل خال أن وجوده بينهم تعطف جميل وتواضع محبوب، بيد أنه تساءل متحيرا ~~ترى كيف السبيل إلى تفهيم هذه الجماعة حقيقة قدره وإطلاعهم على مزاياه العقلية ~~والثقافية؟ .. كيف يقنعهم بعظمته ويدعوهم إلى احترامه؟ .. لا شك أن ذلك آت لا ريب فيه ~~إذا اتصلت المودة وتكرر اللقاء، فلا عليه من تأخيره جلسة أو اثنتين! وتقلب بصره بين ~~الوجوه الجديدة يعاينها باهتمام، فهذا سليمان عتة المفتش رجل في الخمسين أو يزيد، قبيح ~~الوجه لحد الازدراء، قميء ذو احديداب، يذكرك وجهه بالقرد في انحدار جبهته وبروز وجنتيه ~~واستدارة عينيه وصغرهما وكبر فكيه وفطس أنفه، إلا أنه حرم من خفة القرد ونشاطه، ~~فبدا وجهه ثقيلا جامدا متجهما كأنه سيؤخذ بجريرة قبحه، أما أجمل ما فيه فمسبحة ~~قهرمانية لعبت أنامل يمناه بحباتها، ومن عجب أن صورته على قبحها لم تهج مقته، ولكنها ~~استثارت هزءه وسخريته، والمدعو سيد عارف كهل في مثل سنه على وجه التقريب، صغير الحجم ~~رقيق الأعضاء، لبشرة وجهه نعومة وفي نظرة عينيه براءة، أما كمال خليل فرجل تلوح في ~~عينيه الرزانة، كبير العناية بهندامه وأناقته معتدل القامة يميل للبدانة، وكان أحفل ~~القوم استقبالا للجار الجديد، ثم تحول إلى أحمد راشد باهتمام خاص، فوجده شابا في ~~ريعان الشباب، مستدير الوجه ممتلئه كبير الرأس تكاد تخفى صفحة وجهه نظارة سوداء عميقة ~~السواد، أثار هذا الشاب اهتمامه لأنه محام، والمحامي رجل متعلم، والمحاماة مهنة طمع ~~فيها أول عهده بالآمال وعجز عنها ms037 وإن لم يقر بعجزه قط، فما يزال يحقد على المحامي حقده ~~على الأديب والعالم، وقد اعتاد أن يشعر نحو الواحد منهم كما يشعر الرجل نحو آخر تزوج من ~~فتاة يحبها، فوجد فيه عدوا وتوثب للانقضاض عليه، ولم يبق من الجماعة إلا المعلم ~~عباس شفة، وهو شاب ذو سحنة زنجية توحي ملامحه الغليظة الدميمة بالدناءة والوضاعة، وقد ~~ارتدى جلبابا فضفاضا وشبشبا وترك رأسه بلا غطاء فانتفش شعره المفلفل وزاده دمامة ~~وقبحا وبدا شيئا حقيرا لا ينقصه سوى لباس السجن! واحتلت الجماعة على صغرها أكثر من ~~ثلث القهوة، وجلس القهوجي إلى صندوق الماركات على كثب منها وكأنه - لاشتراكه في ~~أحاديثها - واحد منها! وبينما أقبل المعلم نونو وكمال خليل أفندي على أحمد عاكف أيما ~~إقبال ثابر سليمان عتة على جموده وتجهمه كأنما نسيه نسيانا تاما، أما الأستاذ أحمد ~~راشد فجعل ينصت إلى حديث يذيعه الراديو ... # ووجه كمال خليل الخطاب إلى عاكف قائلا: علمنا إن حضرتك آت من السكاكيني؟ # فحنى أحمد رأسه قائلا: أجل يا أستاذ. # فسأله الرجل باهتمام: أحقا لم ينج من بيوت الحي إلا عدد قليل؟ # فضحك أحمد قائلا: الحقيقة أنه لم يهدم سوى بيت واحد. ~~- يا للناس من الإشاعات! .. فماذا فعلت تلك الفرقعة الهائلة التي خلناها في ~~بيوتنا؟ ~~- كانت فرقعة في الهواء! # فتحول الأستاذ أحمد راشد عن الراديو - مما دل على أنه لم يستغرق كل انتباهه - وسأل ~~الجار الجديد: وهل سقط طوربيد حقا ولم ينفجر؟ # فقال أحمد وقد شعر بسرور لتحول الشاب إليه: وقيل طوربيدان ولكن أحيط بهما وعالجهما ~~الخبراء. # فقال أحمد راشد: من لنا بذاك الخبير الكندي الذي قرأنا عنه في أنباء الحرب؟ يقال إنه ~~أنقذ أحياء كاملة في لندن! # فتساءل سيد عارف كالمتهكم وكان من محبي الألمان: أما تزال توجد أحياء كاملة في ~~لندن؟! # فابتسم أحمد راشد وقال لعاكف: صاحبنا من أنصار الألمان! # وضحك المعلم نونو قائلا مكملا قول المحامي: لأسباب طبية! # وتورد وجه سيد عارف، ولكن المعلم نونو لم يرحمه فأرسل ضحكته العظيمة مرة أخرى وقال: ~~يحسب أن ms038 الطب الألماني يستطيع أن يعيد الشباب ! # وقطب سيد عارف جبينه مستاء، والظاهر أنه كبر عليه أن يصارح بمثل هذا الكلام أمام رجل ~~ما زال جديدا في جماعتهم، وأدرك أحمد عاكف أن وراء ملاحظة نونو ما وراءها، ولكنه لم ~~يبد على وجهه أنه سمع شيئا، وأراد نونو أن يستدرك هفوته فراح يحدث الضيف عن الحي ~~الجديد مثنيا عليه بما يعلم حتى علق أحمد راشد على كلامه قائلا: هذا الحي هو ~~القاهرة القديمة، فهو بقايا متداعية حقيقة بأن تهز الخيال وتوقظ الحنان وتستثير الرثاء، ~~فإذا نظرت إليها بعين العقل لم تر إلا قذارة تقتضينا المحافظة عليها التضحية بالبشر، ~~وما أجدر أن نمحوها لنتيح للناس فرصة التمتع بالحياة الصحية السعيدة! # وتنبه أحمد إلى ما في قول صاحبه من جدة عسى أن تنزله من القوم منزلة المحدث الماهر ~~والمفكر الذكي، خاصة وأن لشهادته الحكومية - ليسانسيه القانون - مكانة يدين لها الجهلاء ~~والسذج، فخاف أن يمتاز عليه، فتوثب للنضال، وأجمع على معارضته بأي ثمن؛ فقال: ليس ~~القديم من البقاع مجرد قذارة، فهو ذكرى قد تكون أجل من حقائق الواقع، فتبعث في النفوس ~~فضائل شتى! .. إن القاهرة التي تريد أن تمحوها من الوجود هي القاهرة المعزية ذات ~~المجد المؤثل، أين منها هذه القاهرة الجديدة المستعبدة؟! # ووقع هذا الكلام من نفوس القوم موقعا حسنا قرأه في أعينهم، فسر به، وأراد أن ~~يهتبل الفرصة ليعلن عن علمه فقال: معذرة يا أستاذ أحمد فقد قرأت عن تاريخنا مجلدات جعلت ~~تعلقي به أمرا مقضيا! # فقال سيد عارف: الظاهر أن أحمد أفندي من عشاق التاريخ! # فسر أحمد بما هيأه كلام الرجل من فرصة أطيب للحديث عن معارفه، فقال مبتسما: ~~الواقع أني لا أعشق التاريخ أكثر من غيره من فروع المعرفة، والحقيقة أني أنفقت أكثر من ~~عشرين عاما في تحصيل المعارف المختلفة! # فولاه القوم نظرات دلت على الاهتمام، وفسر هو ذاك الاهتمام بأنه إكبار فرقص قلبه ~~طربا، ولكم ود لو يستطيع أن ينفذ إلى عيني أحمد راشد خلال عويناته السود ليقرأهما. وقد ~~سأله ms039 كمال خليل: ولماذا تدرس هذه المعارف يا «أستاذ»؟ أتحضر لشهادة ما؟! # وعلى قدر سروره بلقب أستاذ غص ببقية السؤل فقال باستكبار: أية شهادة تستوجب هذه ~~الدراسة الطويلة الشاملة؟! ... ما الشهادة إلا لعبة يستبق إليها الشبان، أما دراستي فلا ~~غاية لها إلا العلم الحق، وربما مهدت بها يوما إلى التأليف المنتج! # فسأله أحمد راشد وعلى ثغره ابتسامة أحنقته: ما معنى أن الشهادة لعبة؟! # فقال أحمد كاظما حنقه: الشهادة ليست دليل العلم! ~~- أهي دليل الجهل؟! # فأخذ غيظه يفور حتى أجهده أن يكتمه، ثم استدرك قائلا: أعني أن الشهادة هي الدليل على ~~أن شابا حفظ بعض المواد بضع سنين، والعلم الحق غير هذا البتة! # فابتسم أحمد راشد ابتسامة غامضة وأمسك عن ~~الجدل، وكان يعطف على رأى محدثه في الشهادات، بل إنه لم يغب عنه الحدة التي يسوق بها ~~رأيه، مما جعله يميل إلى فرض احتمال وجود أسباب أخرى لذاك الرأي غير التي أعلنها، ~~ورحب أحمد عاكف بصمته لأنه يرجح كفته عليه أمام «العوام» الذين يجالسونهما! وساد ~~الصمت برهة، وجعل المعلم نونو يفرغ الشاي في أكواب الجلوس ودار عاكف ببصره في المكان، ~~فلاحظ لأول مرة أن غلاما يجلس على كرسي جنب كمال خليل أفندي، ولم يدر أكان موجودا ~~قبل مجيئه أم أنه جاء في أثناء اشتغاله بالحديث، ولكنه أيقن من أول وهلة أنه ابنه، ~~لمشابه لا تخفى عن النظر العابر، وتركه بصره إلى غيره ولكنه عاد إليه سريعا، فقد ~~استوقف انتباهه «شيء» في وجه الغلام لم يدر ما هو على وجه التحقيق، ولم يستطع أن يرمي ~~إليه بطرفه طويلا، فجعل يختلس من وجهه نظرات حائرة من وراء كوب الشاي وهو يحتسي منه ~~رشفة بعد أخرى، ما الذي جذب انتباهه إلى ذاك الوجه فكاد أن ينسى آثار المعركة التي خاض ~~غمارها؟! لعله شعور غامض بأنه رآه من قبل، بأنه رأى هاتين العينين الواسعتين ونظراتهما ~~الحلوة الساذجة، ومثل هذا الشعور لا يريح صاحبه حتى يتضح الغامض من الذكريات على ضوء ~~التذكر والعرفان، وإن كان في الغالب ms040 لا يفيد شيئا ذا بال، ولذلك ألح عليه هذا السؤال ~~«أين رأيت هذا الوجه؟ ومتى كان ذلك؟ في السكاكيني؟ .. في الترام؟ .. في الوزارة؟» وردت ~~ذاكرته على عناده وإلحاحه بعبث ساخر معذب، فجعلت تدني إلى وعيه الصورة وترميه بأطياف ~~الزمان والمكان حتى خال أنه ظفر بها أو كاد، ثم لا تلبث أن تبتلع الأطياف في ظلمة ~~عميقة، وتتراجع بالصورة عن الوعي المشوق، فيعود الغموض والإبهام والحيرة إلى ما كانت ~~عليه، ورغب أخيرا أن يعرض عن تذكر شيء ليست معرفته بالمطلب الهام، ولكن الحقيقة أن ~~ذاكرته لم تعد الشيء الوحيد الذي يحيره ويلح عليه! الحقيقة أن رغبة صادقة أو شعورا ~~عميقا راح ينزع بقلبه إلى العينين النجلاوين ونظرتهما الحلوة الساذجة! فكلما اختلس ~~نظرة استثار في أعماقه حنانا وودادا وانجذابا! وتملكته الحيرة، وتولاه الحياء، وحذر ~~أعين الجلوس حذر مريب مذنب! فأطرق ممسكا بعروة الكوب وقلبه شديد الخفقان وأبى خياله أن ~~يفارق الغلام، فعلق وجهه وتمثل نظرة عينيه، ودار قلبه عطفا ودادا وهياما، وهمت ~~عيناه أن تخونا إرادته ولكنه شد عليهما بخوف وغضب، وتساءل متحيرا عما دهاه؟! بيد أن ~~المعلم نونو انتشله من خلوته النفسية المحيرة فسأله: ألا تحب أن تتسلى بلعب شيء؟ # فنظر إليه كمن يتنبه من سبات بغتة وقال ببساطة: لا أدرى عن الألعاب شيئا! # فضحك كمال خليل قائلا: إليك الأستاذ أحمد راشد قرينا وشبيها في ذلك، فتسامرا معا ~~ريثما نلعب ساعة. # ثم التفت الرجل إلى ابنه، وقال له: هلم إلى البيت يا محمد! # فخفق قلب عاكف، وأرسل نحوه ناظريه، فتبعاه وهو يسير بخطى لطيفة حتى غيبه الباب، ~~فعاد يقول لنفسه متحسرا: «هلا ذكرت متى عرفت هذا العلام؟» وكانت الجماعة قد انقسمت ~~فريقين، فلعب المعلم نونو وكمال خليل الدومينو، ولعب سليمان عتة وسيد عارف النرد، أما ~~عباس شفة فتزحزح بكرسيه إلى مجلس المعلم «القهوجي»، وتنحى أحمد راشد ليوسع للاعبين، ~~فصار جنب أحمد عاكف، وشعر الرجل باقترابه فتغير شعوره العجيب وتوثب مرة أخرى للنضال ~~والعراك، ذهب الهيام وجاء الغضب والحقد! ... والتفت الشاب نحوه ms041 قائلا برقة: كيف حالك ~~يا أستاذ ؟! لا تحسبن أني قديم عهد بخان الخليلي، لقد سبقتك إلى هنا بشهرين! # فابتسم عاكف مسرورا بتودد الآخر إليه، وقال كالمتسائل: الغارات أيضا؟! ~~- تقريبا! .. الواقع أن مسكننا القديم في حلوان أخلي لأغراض عسكرية فرأيت أن أنتقل ~~إلى القاهرة قريبا من مكان عملي، ووجدت مشقة في البحث عن شقة خالية حتى أرشدني صديق ~~إلى هنا! # فقال أحمد عاكف وقد أخفض صوته: يا له من حي مزعج! ~~- أجل! ولكنه مسل وغريب وحافل بالفنون والنماذج البشرية المدهشة، انظر إلى القهوجي ~~الذي يحدثه عباس شفة، انظر إلى عينيه الذاهلتين! إنه يزدرد نصف درهم من الأفيون كل أربع ~~ساعات، ويمضي في عمله كالحالم لا يفيق أو بالأحرى لا يرغب أن يفيق. ~~- وهل تطيب الحياة على هذا النحو؟! ~~- لا أدري! المؤكد فقط أن اليقظة التي نحبها ونستزيد منها بالقهوة والشاي يمقتها ~~هذا الرجل وكثيرون أمثاله: وتراه إذا أجبر بسبب ما، على البقاء فيها مدة، متثائبا ~~دامع العينين، شرس الخلق، ولا تسكن ثائرته، ويصفو مزاجه حتى يغيب عن الوجود، ويهيم في ~~عوالم الذهول: أهي لذة عصبية تكتسب بالعادة؟! ... أم سعادة وهمية تهرب إليها النفس من ~~شقاء الواقع! علم هذا عند المعلم نفسه! # إنه يخاف شقاء الواقع، كواحد من هؤلاء المدمنين، ويهرب منه أيضا لائذا بعزلته ~~وبكتبه، فهل هو أسعد حالا منهم؟! ورغب عن الاسترسال في ذاك الموضوع، فسأل محدثة وقد ~~غير لهجته: هل أستطيع أن أكب على دراستي في مثل هذه الضوضاء؟ ~~- ولم لا؟ .. الضوضاء قوية حقا، ولكن العادة أقوى، وسوف تألف الضوضاء حتى ليزعجك ~~سكونها، وقد كنت بادئ الأمر ألقاها متجهما متكدرا يائسا، أما الآن فتراني أكتب ~~مرافعاتي وأراجع مواد القانون هادئا مطمئنا وسط هذا الدوي الذي لا ينقطع، ألا ترى أن ~~العادة أمضى سلاح نواجه به غير الدهر! # فهز الرجل رأسه موافقا، وقال وكأنه يستكثر أن ينفرد الآخر ولو بهذا القول المبتذل: ~~ولذلك قال ابن المعتز: # إن للمكروه لذعة هم # فإذا دام على المرء هانا # فابتسم أحمد راشد ابتسامته الغامضة، ms042 وكأن لا يحفظ ~~الشعر ويحتقر الاستشهاد به فتساءل في رفق: أأنت يا أستاذ عاكف من الذين يستشهدون ~~بالشعر؟ # فتساءل عاكف بإنكار: وماذا ترى في ذلك؟! ~~- لا شيء البتة إلا أنني أعلم أن الناس عادة لا يعدلون بالشعر القديم شعرا حديثا، ~~مما يوجب أن يكثر استشهادهم - إذا أرادوا أن يستشهدوا بشعر - بالقديم، وأنا أكره النظر ~~إلى الماضي! ~~- لا أكاد أفهم. ~~- أريد أن أقول إنني أكره الاستشهاد بالشعر لأنني أكره الرجوع إلى الماضي، أريد أن ~~أعيش في الحال وللمستقبل وحسبي ما في عصرنا من حكماء هم أهل للإرشاد والتوجيه! # وكان أحمد عاكف على عكس صاحبه يحسب أن الماضي انطوى على العظمة الحقيقية، أو أنه لم ~~يعرف غير بعض نماذج العظمة الماضية ولا يدري شيئا عن عظماء «عصرنا» فثارت ثائرته وقال ~~منكرا: وفيم إنكار عظمة الغابرين وفيهم الأنبياء والرسل! ~~- لعصرنا رسله كذلك! # وأوشك الرجل أن يعلن دهشته ولكنه كان أحرص من أن يبدي - في حديث - دهشته إلا إذا أوجب ~~ذلك جهل محدثه - لا علمه طبعا - فتساءل في هدوء: ومن رسل العصر الحاضر؟! ~~- أضرب مثلا بهذين العبقريين: فرويد وكارل ماركس! # وشعر بيد تضغط على عنقه فتكتم أنفاسه! بل شعر بجرح عميق في كرامته، لأنه لم يسمع قبل ~~الآن بهذين الاسمين! وأضمر لصاحبه غضبا جنونيا، ولكن لم يسعه إظهار جهله فهز رأسه ~~هزة العارف العالم وتساءل: أتراهما يضارعان العباقرة الأولين؟! # وكان سرور المحامي الشاب بعثوره على إنسان مثقف لا يعادله سرور فرغب في المناظرة رغبة ~~قوية، وأدنى كرسيه إلى كرسي صاحبه حتى لم يعد يفصل بينهما شيء وقال بصوت لا يسمعه سواه: ~~لقد هيأت فلسفة فرويد للفرد فرص النجاة من أمراض الحياة الجنسية التي تلعب في حياتنا ~~الدور الجوهري. ونهج له كارل ماركس سبل التحرر من الشقاء الاجتماعي، أليس كذلك؟ # وخفق فؤاد الكهل الحاقد الغاضب، ولم يدر هذه المرة كيف يعارض فضلا عن أن ينتصر، ~~فراغ عن مواجهته إلى التحايل عليه فقال بهدوء وصدره يغلي: مهلا .. مهلا يا أستاذ، لقد ~~كنا مثلك متحمسين، ولكن تقدم ms043 العمر ومداومة الفكر حقيقان بإلزام الإنسان حدا من ~~الاعتدال. # فقال أحمد راشد بلهجة لم تخل من حدة: ولكني أحسن التفكير فيما أطلع عليه؟ ~~- بغير شك إلا أنك شاب وستكتسب بالعمر حكمة حقيقية، ألم تسمعهم يقولون: «أكبر منك ~~بيوم يعرف أكثر منك بسنة»؟ ~~- مثل قديم أيضا! ~~- وحكيم! ~~- لا حكمة في الماضي! ~~- رباه! ~~- لو وجدت في الماضي حكمة حقيقية لما صار ماضيا قط! ~~- وديننا؟ # فرفع الشاب حاجبيه دهشة، ولو استطاع عاكف أن يستشف ما وراء النظارة السوداء لرأى نظرة ~~احتقار تورث الجنون. وغمغم الشاب: يا للسذاجة! # وكان عاكف قرأ فلسفة إخوان الصفاء الدينية فرغب أن يلخصها في كلمات لمحدثه البغيض ~~ليدفع عن نفسه تهمة الأخذ برأي العوام في الدين من ناحية، وليغمض على صاحبه كما غمض ~~عليه، فقال: إن في الدين ظاهرا حسيا للعوام وجوهرا عقليا للمفكرين، فهناك حقائق ~~لا يضيق المثقف بالإيمان بها مثل الله والناموس الإلهي والعقل الفعال! # فهز الشاب منكبيه استهانة وقال: إن العلماء المعاصرين يعلمون بما في الذرة من عناصر، ~~وبما وراء عالمنا الشمسي من ملايين العوالم، فأين الله؟ وما أساطير الديانات؟! وما جدوى ~~التفكير في مسائل لا يمكن أن تحل، وبين أيدينا مسائل لا حصر لها يمكن أن تحل وينبغي أن ~~نجد لها حلا؟! # ثم ابتسم الشاب ابتسامة سريعة وقال وقد غير لهجته المتدفقة: لا يجوز أن نشرك ثالثا ~~من جماعتنا في هذا الحديث! ~~- طبعا .. طبعا يا أستاذ. ولكن لا تنس أن أول العلم كفر دائما! # وقطع عليهما الحديث ارتفاع صوت سليمان عتة بالغضب، والظاهر أن ملاعبه سيد عارف أغاظه ~~بهذره فتهيج القرد وصاح به: إن الله الذي سلبك قواك عادل حكيم! # وذكر أحمد عاكف ما قيل عن سيد عارف منذ ساعة فنظر إلى أحمد راشد مبتسما، فرد الشاب ~~على ابتسامته بابتسامة ذات معنى وقال: صاحبنا يجرب الأقراص ويعقد بها رجاء ~~صادقا! # ولفت انتباههما جماعة من لابسي الجلابيب أحاطوا بمائدة عند مدخل القهوة ومضى كل منهم ~~يعد رزمة ضخمة من الأوراق المالية، وكان منظرا يستدعي الدهشة لما ms044 فيه من أوجه التناقض، ~~فقال أحمد عاكف: لعلهم من أغنياء الحرب! # فقال الآخر موافقا: سيهجرون طبقة ويلحقون بطبقة أخرى! ~~- إن الحرب ترفع كثيرين من السفلة! ~~- السفلة! .. هذا صحيح ولكن لا يوجد حد فاصل بين السفلة والطبقة العالية، فأرستقراطيو ~~اليوم كانوا سفلة الأمس، ألا تعلم أن رعاع الغزاة انتهبوا في الماضي أراضينا بحكم ~~الغزو؟ .. وها هم أولاء يكونون طبقة عالية ممتعة بالجاه والسؤدد والامتيازات التي ~~لا حصر لها. # ولأول مرة يميل إلى موافقته دون نزوع إلى المعارضة، فقال: هذا رأيي! # فاستدرك الشاب قائلا: ويري كارل ماركس أن العمال سيظفرون بالنصر النهائي، فيصير ~~العالم طبقة واحدة ممتعة بالضرورات الحيوية والكمالات الإنسانية، وهذه هي ~~الاشتراكية! # ولزما الصمت كأنما أجهدهما التعب، فجعل عاكف يفكر متألما: يا لها من آراء! .. فرويد ~~وماركس، الذرات وملايين العوالم، الاشتراكية! واختلس منه نظرات ملتهبة بالحقد والكراهية ~~والحنق، فما كان يظن قط أنه سيعثر في خان الخليلي على من يتحدى ثقافته، ويجبره على ~~التسليم بأن فوق كل ذي علم عليما! أفلا يظفر بالراحة في هذه الدنيا؟! # وعند ذاك خلع الشاب نظارته ليمسح عينيه بمنديله فاكتشف أن عينه اليسرى زجاجية! ودهش ~~أول وهلة، ثم غمره شعور بالارتياح خبيث؛ لأنه وجد في عوره وجها للاستعلاء عليه أيا ~~كان هذا الوجه! # ولبث فترة قصيرة، ثم غادر القهوة عائدا إلى البيت هائج النفس، ثائر الكرامة، ولحسن ~~حظه ذكر فجأة الغلام! .. وسرعان ما تغيرت حاله ورفت على حواسه الملتهبة بسمة رطيبة ~~أذهبت رياح الحقد والغضب، وتمثلت لخياله العينان النجلاوان، والنظرة الفاتنة، فتنهد ~~متحيرا، وهمس لفؤاده «سأراه حتما مرة أخرى!» # 7 # ونهض في الصباح المبكر نشيطا، ففتح النافذة وأطل منها على الحي العجيب فوجد الحي ~~يتمطى مستيقظا، فالدكاكين ترفع أبوابها ونوافذ الشقق تفتح على مصاريعها وباعة اللبن ~~والصحف ينطلقون إلى الطرق المتشابكة منادين بغير انقطاع، وجذب انتباهه قدوم جماعات من ~~«مشايخ» المعاهد الأولية الغلمان يسيرون زرافات نحو معهدهم في جبب سوداء وعمم بيضاء ~~فذكروه ب «الفشار» في المقلى وأنصت إليهم مستلذا وهم يرتلون معا # هل أتى ms045 على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا # وجعل رأسه يروح معهم ويجيء حتى ختموها # يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما # فذكر لتوه أحمد راشد المحامي، فهو من الذين أعد ~~لهم العذاب الأليم! .. وإنه به لحقيق! # وعند عصر ذاك اليوم وقد جلس وأمه في الصالة يشربان القهوة، قالت له المرأة بسرور: ~~زارني اليوم نساء الحي من الجيران للترحيب بي والتعرف إلي كما جرت العادة. # فابتسم أحمد الذي يقدر سرور أمه بمعرفة الناس ~~وولعها بالزيارة وقال لها: هنيئا لك! # فضحكت وهي تتناول منه سيجارة، ثم أشعلتها وهي تقول: فيهن نساء لطيفات سيملأن غربتنا ~~حرارة وحبورا! ~~- لعلك أن تنسي بهن الصديقات القديمات من نساء السكاكيني والظاهر والعباسية! # فكبر عليها قوله وصاحت به: أينسى الكريم أحبابه؟! .. هن روحي وحياتي، ولن يفرق بيننا ~~البعد مهما امتد وطال. ~~- ونساء الحي من أي نوع هن؟! # فقالت المرأة باهتمام وبلهجة من ينبري للدفاع: لسن من السفلة ولا من الفجر كما ~~ظننت، وبعض الظن إثم، وكان بين اللائي زرنني زوج موظف بالمساحة يدعى كمال خليل، وزوج ~~آخر بالمساحة أيضا يدعى سيد عارف، وجاءتني أيضا زوج صاحب مقهى الزهرة وشقيقته، ~~والزوجة امرأة طيبة القلب، أما شقيقة زوجها فينطق في عينيها المكر والشر، وإن سترت ذلك ~~كله بغلالة شفافة من الرقة والابتسام! ~~- داريها هي وأمثالها باللطف، فإنه إن يبلغها شيء عنك من وراء وراء كشفت وجهها ~~علينا! ~~- لا سمح الله يا بني، أما أعجب ما صادفت اليوم فهو أن الست توحيدة حرم كمال أفندي ~~خليل - وهي جسيمة كالمحمل أو كأمك أيام شبابها - صديقة قديمة .. عرفتها في دكان بهلة ~~العطار بالتربيعة. ~~- وأنتما تسعيان معا إلى وصفات السمن! ~~- هو ذلك .. وتبادلنا التحية هناك مرات، ولكننا لم نتقدم وراء ذلك في سبيل ~~التعارف! ~~- ها هي ذي الأيام تعارف بينكما! # ثم ذكر أن هذه السيدة أم الغلام محمد! .. ولم يكن ذكره في نهاره إلا حين جاء ذكر أمه، ~~فعجب كيف نسيه طوال ذلك الزمن، وقد كان قبل عشرين ساعة ms046 ملء القلب والخيال! ولكن أمه لم ~~تدعه لأفكاره فضحكت ضحكة عالية وقالت: وأخذنا في كذب النساء طويلا وكذب النساء لذيذ، ~~فهذه أبوها فقيه كبير يتبارك الناس بتقبيل يديه، وتلك كريمة تاجر واسع الثروة، والثالثة ~~قريبة مدير حسابات الداخلية، والرابعة مرضت مرضا أنفقت على علاجه عشرات ~~الجنيهات! # وضحكا معا، ثم سألها الكهل وما زال ضاحكا: وكيف كان كذبك؟! # فقالت وهي تحدجه بنظرة ضاحكة: يسيرا لا تثريب عليه يوم الحساب، فأبوك أحيل على ~~المعاش منذ زمن يسير، وكان مفتشا بالأوقاف، وأما أبي - جدك - فكان تاجرا، وأنت يا نور ~~عيني رئيس قلم بوزارة الأشغال، ولك من العمر اثنان وثلاثون عاما لا غير، فتذكر! ~~- يا خبر! ~~- لا فائدة من الاعتراض، وإياك وتكذيب الكذب! وأنا أكبرك بثلاثة عشر عاما، فأنا في ~~الخامسة والأربعين. ~~- هل ولدتني وأنت طفلة؟! ~~- الأنثى تلد في الثانية عشرة من عمرها؟ ~~- هذه أخت وليست بأم. ~~- صدقت فالولد الأكبر أخو والديه، أما أخوك فوكيل بنك مصر بأسيوط! # فهز الرجل رأسه عجبا وقال: كيف تؤاتيكن الجرأة على تزييف حقائق لن تخفى طويلا عن ~~أعين الجار، ولا بد أن تنكشف حقيقتها يوما ما؟! # فقالت ببساطة: غدا تؤلف العشرة بين قلوبنا ونعرف الحقيقة رويدا رويدا بلا سخرية ~~ولا تعيير، ولو أنني قلت الحقيقة بغير زيادة، لما صدقنني كما لا يصدقنني الآن، ~~ولانتقصن من رأس المال بدلا من أن ينتقصن من الفائدة! ~~- يا لكن من كاذبات لا يشق لهن غبار! ~~- وماذا عليك من هذا؟! طوبى لكذب غايته الرفعة والفخر. إن كذب النساء بلسم لجراح ~~دامية، متعك الله بعروس تعاطيك أجمل الكذب وأشهاه! # فضحك الكهل على امتعاضه لذكر العروس وكرر قوله السابق قائلا: يا لكن من كاذبات ~~لا يشق لهن غبار! # ولحظته غامزة بعينيها وسألته: وأنتم يا بني ألا تكذبون؟ # وصمت قليلا، لا لأن الجواب غائب، ولكن لأنه تفكر قليلا فيما تنوء به حياته من ألوان ~~الكذب، ثم قال: نكذب، ولكن في أمور أجل! ~~- عسى أن يكون تافها عندنا ما هو جليل عندكم، ولكن هل تعد العمر والفخر ms047 بالجاه ~~والسؤدد أمورا تافهة؟! ~~- كذب الرجال جليل كالرجولة نفسها! فأين أنتن من كذب التجار والساسة ورجال الدين؟! ~~كذب الرجال محور هذه الحياة الجليلة التي تشاهدين آثارها في معترك الحكومة والبرلمان ~~والمصانع والمعاهد، بل هو محور هذه الحرب الهائلة التي رمت بنا إلى هذا الحي ~~الغريب. # وعلم أنها لم تفهم من قوله إلا أقله، فسر لذلك سرورا مضاعفا، ثم ذكر أمرا ~~فسألها: ألم تزرك زوجة من حريم المعلم نونو؟ ~~- ملعون أبو الدنيا؟! لقد حدثتني بسيرته طويلا، ولكن الرجل يحرم على أزواجه الخروج ~~أو النظر من النوافذ، وربما انقضى العام في أثر العام وهن قابعات في دارهن راضيات ~~قانعات! ~~- حقيق بمن يتغنى بلعن الدنيا ألا يأمن إليها! ~~- والله يا بنى المرأة مظلومة كالدنيا، ولكن ما علينا من هذا فهل سمعت بشخص يدعى ~~سليمان عتة؟ ~~- المفتش؟ ~~- تدعوه توحيدة هانم بالقرد! # ولعل قولها هذا أول صدق تقع فيه! # وقالت عنه ضاحكة: إنه يفكر في الزواج! ~~- وأية فتاة ترضى بهذا القرد العجوز بعلا؟! ~~- كثيرات لا حصر لهن، فالمال نصف الجمال على الأقل، فالفتاة هي التي تتصيده وتجد ~~في طلبه حتى لا يفوتها الزواج منه قبل الخامسة والخمسين. # فسألها ضاحكا: وهل ينتهي الرجل عند هذه السن؟ ~~- لا قدر الله، ولكنها لا تستحق في معاشه إذا تزوجت منه بعدها. ~~- فهي ترغب في الزواج منه وتراهن على موته! فمن عسى أن تكون هذه العروسة ~~الحكيمة؟ ~~- قالت الست توحيدة هانم إنها كريمة يوسف بهلة العطار، وإنها الجمال عينه، فقد جمعت ~~الحسن من طرفيه: الطبيعي والصناعي! # فتمثل أحمد عاكف صورة القرد العجوز باشمئزاز، وعجب كيف يحظى بما لا يطمع هو فيه من ~~إقبال الحسان! ألم تنبذ يده امرأة - ليست بحال الجمال عينه - قائلة: إن عمره كبير؟! ~~وأراد أن يتخيل صورة كريمة العطار، فذكر فجأة وهو لا يدري السمراء الحسناء ذات العينين ~~النجلاوين التي التقى بها في الردهة الخارجية! فانقبض صدره وسأل أمه: هل يقيم العطار في ~~عمارتنا؟ # فقالت: كلا بل يسكن في بيت القاضي! # فتنهد ارتياحا! ثم تساءل ترى لأي ms048 أسرة تنتمي الفتاة؟ وما لبث أن كتم صيحة كادت ~~تفلت من بين شفتيه! .. فقد ذكر في تلك اللحظة عيني الغلام محمد، وذكر أين رآهما أول مرة ~~في وجه السمراء الحسناء في الردهة الخارجية! .. وهذا ما حاول تذكره فعز عليه ساعتئذ ~~وأضناه، فالغلام شقيق الفتاة بغير شك! وخفق فؤاده، ولكنه شعر بارتياح عميق وسرور لذيذ ~~وانجابت وساوسه وحيرته وخجله! وكان سروره باكتشافه من القوة بحيث لم يعد يلقي بالا إلى ~~حديث أمه! فما زالت تتكلم وما زال يتيه في أحلامه. # 8 # وعندما أتى المساء مضى إلى الزهرة، ولم يمض دون تردد، فإن ارتياد المقاهي حدث جديد ~~عليه لم يتعوده ولم يألفه، وكان حرصه على عزلته الثقافية يعادل تباهيه بها، فلولا ما ~~يدعوه إلى هناك مصاولة أحمد راشد والظهور على الآخرين ما وجد خروجه على عزلته أمرا ~~ميسورا، ولم يلتق في الزهرة بأحمد راشد، وسأل عنه فقيل له إنه كثيرا ما يمنعه ~~العمل عن الحضور إلى القهوة. على أن الجلسة لم تصر - رغم ذلك - فاترة، وأحياها المعلم ~~نونو والمعلم زفتة «القهوجي» بظرفهما الجميل، وتكلم أحمد عاكف كثيرا وضحك طويلا وقد ~~أخذ يستهويه الاجتماع بالناس أو بالظرفاء من الناس خاصة، ويجد في الأنس بهم ما يجد ~~التعب المنهوك أسلم جنبه للرقاد، وعاد إلى البيت في العاشرة، فعكف على المطالعة زهاء ~~الساعتين وأطياف الحياة الجديدة تتراقص أمام عينيه بين السطور - وما عهد قط الاستغراق ~~في القراءة - ثم نهض إلى فراشه وراح في النوم، ولم يدر أطال به النوم أم قصر، ولكنه ~~استيقظ على صوت منكر، لم يتنبه إلى حقيقته في الثانية الأولى من استيقاظه، ثم أدرك كنهه ~~فخفق قلبه خفقة فزعة، وقفز إلى أرض الحجرة بسرعة جنونية، وتحسس شبشبه بقدميه فوضعهما ~~فيه ثم اندفع إلى الصالة الخارجية فالتقى بشبحي والديه تتقدمهما الخادم الصغيرة. وسأله ~~أبوه بصوت متهدج: هل تعرف الطريق إلى المخبأ؟ # فأجابت الخادم عنه بسرعة: أنا أعرفه يا سيدي. # وسبقت الأسرة إلى الباب في ظلمة حالكة، وخرجوا جميعا إلى الردهة الخارجية متحسسين ~~الحائط ms049 إلى السلم الحلزوني، وهناك بلغت آذانهم جلبة اليقظة التي شملت الدور جميعا، ~~ومزق السكون صفقات الأبواب وهي تغلق، ووقع أقدام المهرولين على السلم، وتصاعد أصواتهم ~~بالكلام والضحكات العصبية، وهبطت القافلة مهتدية إلى الدرابزين تخوض بحار الظلمات، ~~ويسوقها الخوف والفزع، وفي الطريق أرشدتهم أشباح السكان وأصواتهم إلى الطريق فلم ~~يحتاجوا إلى الاستدلال بخادمهم، وكانت الطرقات المسقوفة تبدو كداخل البيوت مظلمة، أما ~~الآخر فيخفف شعاع النجوم الشاحب من شدة ظلمتها، وعاد بهم الخوف إلى ذكريات تلك الليلة ~~الجهنمية فانقبضت صدورهم وجعلوا يقلبون وجوههم في السماء كلما لاحت لهم، ثم بلغوا ~~مدخل المخبأ في تيار من القوم غير منقطع، وهبطوا مع سلمه في باطن الأرض حتى وجدوا ~~أنفسهم في مكان متسع بهر أعينهم - المخدرة بالظلام - بمصابيحه الكهربية القوية، وكان ~~سقفه وجدرانه تترك في نفس المشاهد أثرا عميقا بصلابتها وشدة مراسها، وقد التصقت ~~بجوانبه مقاعد خشبية مستطيلة، وبعثرت في وسطه كثبان من الرمل، ومضت الأسرة إلى أحد ~~الأركان واتخذت مجالسها وتفرق القاعدون إلى الأركان والمقاعد، ووقف خلق كثيرون وسط ~~المخبأ ممن ضاقت عنهم المقاعد، وشاع الخوف أول الأمر فلم ينفع الاجتماع ولا النور ولا ~~صلابة الجدران في تلطيف حدته، ومضت فترة انتظار مؤلمة نطقت فيها الأعين بعذاب الصدور. ~~ونظر أبوه في ساعته ثم غمغم قائلا: الساعة الثانية صباحا! .. نفس ميعاد الليلة ~~الفظيعة. # وكان أحمد يعاني ما يعانيه أبوه وأكثر، ولكنه قال بلهجة هادئة ما استطاع: كان الضرب ~~خطأ فلن يتكرر إن شاء الله! # ومضت الدقائق متتابعة والسكون مطبق، وطالت فترة السكون فأخذ الأمن يتسرب إلى الجوانب ~~الخافقة، وشاع الهمس والكلام، وعلا ضحك كثير، ثم طمأن القوم بعضهم بعضا، ونظر أحمد في ~~الوجوه القريبة منه فوجدها غريبة وقد استبقوا إلى الحديث في جلبة، وقال رجل منهم: لن ~~يبلغ الأذى مهبط رأس الحسين. # فقال له آخر: قل إن شاء الله! ~~- كل شيء بمشيئة الله. ~~- وهتلر ينطوي على احترام عميق للبقاع الإسلامية! ~~- بل يقال إنه يبطن الإيمان بالإسلام! ~~- ليس هذا عليه ببعيد، ألم يقل الشيخ لبيب التقي ms050 النقي أنه رأى فيما يرى النائم علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقلده سيف الإسلام! ~~- فكيف ضربت القاهرة في منتصف هذا الشهر؟! ~~- ضربت السكاكيني وهو حي غالبية سكانه من اليهود! ~~- ترى ماذا ينتظر الأمم الإسلامية على يديه؟! ~~- سوف يعيد - بعد فروغه من الحرب - إلى الإسلام مجده الأول، وينشئ من الأمم الإسلامية ~~اتحادا كبيرا، ثم يوثق بينه وبين ألمانيا بعهود الصداقة والتحالف! ~~- لذلك يؤيده الله في حروبه. ~~- وما كان الله لينصره لولا جميل طويته، وإنما لكل امرئ ما نوى! # استمع الكهل إلى المتحاورين بلذة وإنكار، وكانت غالبيتهم من أهل البلد ولكنه لم يكن ~~يتصور أن تبلغ بهم سذاجة التفكير هذا الحد من الأوهام، أو أن تؤثر فيهم الدعاية - إن ~~كان هناك دعاية - هذا التأثير المضحك، ولكنه لم ينكر على حوارهم لذته وفكاهته غير ~~المقصودة، وما كان ليحرم نفسه من متعته لولا أن وقع بصره اتفاقا على غريمه الأستاذ ~~أحمد راشد متمشيا على كثب منه، فنهض إليه فورا فتصافحا ثم قال له عاكف: لم نرك ~~اليوم. # فقال الشاب ذو المنظار الأسود: شغلت بدراسة قضية. # واستثار القول غيرته فلم ينبس بكلمة وراح المحامي يقول ملقيا نظرة شاملة على ما ~~حوله: رأيت جميع الإخوان هنا معنا إلا المعلم نونو طبعا. # فابتسم عاكف قائلا: أعجب به من رجل غريب الأطوار! ~~- يتلخص في الكلمات الآتية «ملعون أبو الدنيا». ~~- هذا شعاره أو قل إنه نشيده. ~~- ما كان أجدره أن يعيي الموت لولا قضاء الهرم. ~~- هو الإيمان! ~~- إنه يشعر بالله شعورا عميقا، ويحسبه في كل مكان يحله ويتوكل عليه بكل قلبه، ~~ويطمئن كل الاطمئنان إلى أنه لن يتخلى عنه، وتراه يلم بالمعصية دون أدنى شك في غفرانه ~~ورحمته. # فتنهد عاكف وقال: هذا رجل سعيد كما علمت! # فهز الشباب رأسه بما يشبه الاحتقار وقال: سعادة عجماوات، سعادة الجهل والإيمان ~~الأعمى، السعادة التي يعيش الطغاة بفضل تملكها رقاب البلهاء، ومن المضحك أن تجد هذه ~~السعادة الحمقاء من يأسى عليها بين الحكماء! فتش عن السعادة الحقة على ضوء العلم ~~والعرفان، ms051 فإذا وجدت مكانها قلقا وسخطا وشقاء فتلك آيات الحياة الإنسانية الفاضلة ~~الحقيقة بتطهير المجتمع من نقائصه والنفس من أوهامها، الحقيقة ببلوغ السعادة الحقة، إن ~~سعادة نونو لا تفضل شقاءنا - نحن دعاة العلم والإصلاح - إلا كما يمكن أن يفضل الموت ~~براحته المزعومة نعمة الحياة بمتاعبها وكفاحها! # ولم يجد عاكف من نفسه لتوتر أعصابه بجو المخبأ قوة يتوثب بها للنضال والمعارضة فقال ~~مبتسما: ألا ترى أنه ينعم الآن بفضل سعادته العمياء برقاد لذيذ بينما نشقى نحن جميعا ~~برطوبة الليل! # فضحك الشاب وكان أملك لجنانه من الآخر وقال: لا شك أنه ينعم الآن برقاد لذيذ لا شريك ~~له فيه إلا معشوقة الأزواج! # فبدا على وجه عاكف ما يشهد بأنه لم يفهم شيئا، فابتسم المحامي واستدرك قائلا: ألم ~~تسمع عنها بعد؟! .. إنها امرأة هائلة، وظيفتها الرسمية «زوج عباس شفة»، أما تذكره؟ .. ~~أما بيتها فيستقبل كل مساء جمهرة أرباب البيوت بهذا الحي، فسماها المعلم زفتة القهوجي ~~«معشوقة الأزواج»! # فلاح في وجه عاكف الاهتمام الذي يثيره هذا الحديث، وتساءل: أتعني ...؟! ~~- نعم. ~~- وعباس شفة؟! ~~- زوج رسمي، زوج وجد في الزوجية مهنة ومرتزقا! ~~- ألذلك تحتفون به على حقارته وقبحه؟ ~~- إنه عزيز ذو مقام عظيم! # وتمثل عاكف وجه الرجل الدنيء وشعره المنفوش باحتقار شديد، وتحرك في تلك اللحظة الشاب ~~فتحرك معه، يسيران في بطء شديد مستعرضين الجلوس والواقفين، حتى رأيا سيد عارف جالسا ~~إلى جوار حسناء نصف واضعة على حجرها طفلا، فغمغم الشاب: صاحبنا سيد عارف وحرمه! # فسأله عاكف باهتمام واستحياء: حرمه؟! .. وكيف تزوج؟! ~~- كما يتزوج الناس، وهو رجل عادي لولا حالة طارئة غير ميئوس منها، ورجاؤه كبير في ~~الأقراص الألمانية، ولن ... # ولم يتم أحمد راشد كلامه فقد قطعه دوي طلقة شديدة، تابعتها طلقات متقاربة، وارتجف قلب ~~عاكف وخال أن جسمه كله ارتجف فخاف أن يكون غريمه اطلع على رجفته، وساد سكون عميق وحارت ~~في العيون نظرة قلق وخوف، وقال أناس: «هذه طلقات مدافع مضادة» يطمئنون أنفسهم ويطمئنون ~~الآخرين، ولكن الكلام - أيا كانت مقاصده - أحدث في النفوس القلقة المنصتة ms052 جزعا ~~وحنقا، وجاء رجل من الخارج مهرولا وقال وهو يلهث: «السماء ملأى بالأنوار الكاشفة!» ~~فاشتد الخوف بالأفئدة، ثم سمعت طلقات أخرى بعيدة استمرت فترة وجيزة قبل أن يطبق السكون ~~مرة أخرى، وطالت فترة السكون وامتدت فعادت الطمأنينة إلى النفوس، وتعالى الهمس ثم ضج ~~المكان بالكلام: لن تعاد مأساة الضرب الأعمى. ~~- لقد اعتذر راديو برلين عن غارة منتصف سبتمبر! ~~- كانت غارة إيطالية فالألمان لا يخطئون. # فابتسم أحمد راشد - استطاع أن يبتسم ثانيا - وقال لصاحبه: أرأيت إلى هؤلاء المتعصبين ~~للألمان؟! .. وأنت؟! .. هل أنت كهؤلاء؟ # وكان عاكف يتلذذ - كعادته - بمشاركته المغلوبين عواطفهم، ولما كانت الغلبة للألمان ~~في ذات الوقت فقد قال بغير تردد: كلا .. إني مع الحلفاء قلبا وقالبا، وأنت؟! # فسوى المنظار الأسود على عينيه وقال: لي أمل واحد: أن ينتصر الروس ويحرروا الدنيا من ~~الأغلال والأوهام! # وابتعدا قليلا عن جماعة المتحدثين فرأيا في نهاية الجناح الآخر من المخبأ على يمين ~~الداخل صاحبهما كمال خليل وأسرته! ورمى عاكف نحوه بناظريه باهتمام شديد فرأى سيدة مفرطة ~~في السمن، والغلام محمد في بيجامة، والفتاة السمراء ذات العينين النجلاوين الساذجتين، ~~رأى جهرة ما جعله الشوق يلتمسه خطأ في غير موضعه، وجاءت الحقيقة مطابقة لما سر ~~باكتشافه منذ ساعات معدودات، ولم يسعه إدامة النظر فرد الطرف متمليا ممتلئا، ثم سمع ~~أحمد راشد يقول بصوت خافت: كمال خليل وأسرته! # فسأله: أهذه الفتاة كريمته؟ ~~- نعم، له محمد ونوال وفتاة كبرى متزوجة! # واختلس منها نظرات ليملأ عينيه من النظرة الساذجة تقطر خفة، وكانت ملتفة في معطف شتوي ~~وقد أرسلت شعرها الأسود في ضفيرة غليظة، ومضت تتثاءب مرسلة نظرة ناعسة، ورآهما كمال ~~خليل فأقبل نحوهما مبتسما ووقفوا معا يتحدثون، وأدرك عاكف أن إقبال الرجل عليهم لا بد ~~ملفت أعين أسرته إليهم وأنه لا يبعد أن تتفحصه العينان النجلاوان - إن لم تكونا ~~تفحصتاه بالفعل - في جلبابه الفضفاض، وطاقيته البيضاء، فتورد وجهه حياء وقلقا ~~وتساءل ترى هل تذكره؟ .. ولم يطل المطال بوقوفهم معا فانطلقت صفارة الأمان ودبت في ~~المخبأ حركة عامة شاملة، فحيا ms053 عاكف صاحبيه ومضى إلى والديه، وانتهره أبوه قائلا ~~بحدة: أتتخلى عنا ساعة الضرب وتهرع نحونا عند الأمان! # فقالت أمه ضاحكة: الله معنا في جميع الأوقات. # واندسوا في التيار المتجه نحو الباب يسيرون في بطء شديد حتى ارتقوا السلم إلى الطريق، ~~وعادوا إلى عماراتهم وقد أضاء الطرقات ما انبعث إليها من نور النوافذ. وصعدوا إلى شقتهم ~~في جمع من السكان، عرف أحمد صوت كمال خليل بين أصواتهم، وسارع الرجل إلى فراشه يراود ~~النوم كرة أخرى، ولكن فرقت بينهما طويلا صورة ذات العينين النجلاوين والنظرة ~~الحلوة. # 9 # واقترب رمضان فلم يعد يفصل بين هلاله وبين الطلوع سوى أيام قلائل، ولكن رمضان لا يأتي ~~على غرة أبدا، وتسبقه عادة أهبة تليق بمكانته المقدسة، ولم تغفل أم أحمد عن ذلك - ~~وكانت في الواقع المسئولة الأولى عن جلال الشهر وجماله - فجعلت منه يوما حديث الأسرة ~~قائلة: إنه شهر له حقوقه كما له واجباته، وكان قولها موجها لأحمد فأدرك مغزاه وقال ~~مدافعا عن نفسه: رمضان له حقوقه ما في ذلك من شك، ولكن الحرب ضرورة قاسية جارت على ~~جميع الحقوق! # فقالت الأم بلهجة دلت على عدم الارتياح: لا قطع الله لنا من عادة! # فاستيقظ بخله وقال بشيء من الحدة: ليمض رمضان كما مضى غيره من الشهور، ~~وسنعوض ما فاتنا منه فيما يقبل من أيام السلم! ~~- والنقل والكنافة والقطايف؟! # ووقعت هذه الأسماء من نفسه موقعا ساحرا - على استيائه - لا لاشتهائها فحسب، ولكن ~~لما دعته من ذكريات الشهر المحبوب وعهود الصبا خاصة، بيد أن الذكريات الحنونة لم تغن ~~عن حقيقة الغلاء الواقعة ولم تلطف من حدة حرصه. فقال بلهجة حازمة رغم تحرك الحنان في ~~قلبه: لندع الكماليات في ظروفنا الحاضرة القاسية ولندع الله الكريم أن يعيننا على ~~ضروريات الحياة. # وأصغى الوالد باهتمام إلى أقوال ابنه وإن تظاهر بعدم الاكتراث، ومال إلى تأييد الأم ~~فيما تقول ولكن شجاعته لم تواته، فلما صاغ الابن رأيه في تلك اللهجة الحازمة، قال ~~الوالد بصوت هادئ: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا ms054 تبسطها كل البسط ~~. # وأدرك أحمد أن أباه من حزب أمه، ولم يسعه أن يواجهه بمثل صراحته في مخاطبة أمه، ~~لتعوده مهابته منذ نعومة أظافره، وأشفق - كما أشفق دائما - من أن يعرض عن يده إذا ~~امتدت له بطلب بعد أن صار أكبر اعتماده عليه، فسكت مرتبكا متحيرا حتى قال عاكف ~~أفندي أحمد الأب: حسبنا قليل من الصنوبر والزبيب لضرورتهما في الحشو، ونصف لفة قمر ~~الدين لتغيير الريق، ولنقنع من الكنافة بمرة واحدة، ومن القطائف - وهذه لا تقلى في ~~السمن - بمرتين، وليس هذا عليك بكثير. # فهاله الأمر، وأيقن أنه سينفق في هذا الشهر ما اعتاد توفيره كل شهر من النقود ~~القلائل، وربما أجبر على سحب مبلغ آخر من صندوق التوفير، الأمر الذي ينغص عليه صفوه، ~~ثم ذكر شيئا آخر لا يقل خطورة عن الكنافة والنقل فقال: واللحوم؟! # فقالت أمه بما لها عليه من دالة: سمحت الحكومة ببيع اللحوم طوال الشهر الكريم، وما ~~ذلك إلا لأن قطعة اللحم حقيقة بأن تسند قلب الصائم المتهالك! # فقال أحمد معترضا: ولكن ميزانيتنا أصغر من أن تقوم بابتياع رطل لحم كل يوم مع ~~الحاجيات الأخرى! # فقال الوالد مستعينا بقليل من الدهاء: صدقت والأفضل أن نمتنع عن اللحوم مرة كل ثلاثة ~~أيام؟ # وانشغلت الأم في الأيام الباقية بتهيئة المطبخ، وتبييض الأواني وتخزين ما تيسر من ~~النقل والسكر والبصل والتوابل، وكان لمقدم رمضان في نفسها فرحة وسرور، ولو أنها لم ~~تؤد فريضة الصيام إلا منذ سنوات قلائل؛ إذ إنه شهر المطبخ كما أنه شهر الصيام - أو ~~لأنه شهر الصيام - وأجمل من هذا أنه شهر الليالي الساهرة والزيارات الممتعة، حيث تدار ~~الأحاديث على قزقزة اللب والجوز والفستق. ومن حسن الحظ أن رمضان وافق ذلك العام شهر ~~أكتوبر، وهو شهر معتدل وغالبا ما يصفو جوه ويطيب فيلذ فيه السهر حتى يتبين الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. # وجاء مساء الرؤية، وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشي أضاءت مئذنة الحسين ~~إيذانا بشهود الرؤية - وقد اجتزءوا بالإضاءة عن إطلاق المدافع لظروف ms055 الطوارئ - ~~وازينت المئذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء لألاء، فطاف بالحي وما حوله ~~جماعات مطبلة هاتفة: «صيام صيام كما أمر قاضي الإسلام»، فقابلتها الغلمان بالهتاف ~~والبنات بالزغاريد، وشاع السرور في الحي كأنما حمله الهواء الساري، فلم يملك أحمد عاكف ~~أن يقول: أين من رمضان شارع قمر هذا الرمضان البهيج! # فابتسم والده وقال: وماذا رأيت مما رأيت يا غلام؟ .. أشهدت رمضان في حينا الجديد هذا ~~قبل اندلاع الحرب؟ .. إنه النور والسرور: إنه الليل المنير اليقظان، إنه الليل العامر ~~بالسمار والمنشدين واللهو البريء، وفي أيام الفتوة والصحة كنت أسري قبيل السحور بساعة ~~في جمع من الإخوان من السكاكيني إلى حينا هذا نتسحر كوارع ولحم الرأس وندخن البوري في ~~مقهى الحسين، ونستمع إلى أذان الشيخ علي محمود ثم نعود مع الصباح الباكر. # فسأله أحمد: متى كان ذلك؟ # فقال الرجل بلا جهد: وأنت في العاشرة! # آه .. تلك الأيام العذاب، أيام السرور والمرح والتدليل، لقد اتفق له ولوالده عهد واحد ~~يبكيانه معا، ومضى أحمد ذاك المساء - كعادته الجديدة - إلى مقهى الزهرة، وقد استسلم ~~لهذه العادة الجديدة التي استأثرت بنصف الوقت المخصص للمطالعة، ووجد في المعاشرة لذة ~~ليست دون لذة القراءة والعزلة. # واجتمع بالصحاب الذين أخذ يألفهم ويألفون، ودار الحديث عن سهرات رمضان وكيف يقضونها، ~~فقال عباس شفة - زوج معشوقة الأزواج - بصوته المبحوح: لا تتعبوا أنفسكم في التفكير فلنا ~~في سهرات رمضان الماضية أسوة: نجيء إلى قهوتنا بعد الفطار ونسمر بها حتى منتصف الليل ثم ~~ننتقل إلى «هناك» لنصل سهرتنا بالسحور. # وتنبه أحمد إلى «هناك» هذه وتساءل ترى هل يستبيحون المنكر في شهر التوبة! على أن ~~سبيله كان واضحا فسيلبث بينهم ما لبثوا في المقهى ثم يعود إلى بيته فيطالع حتى السحور ~~وهكذا حتى يختم الشهر. # 10 # وفي اليوم الأول من أيام الصيام كابد أحمد عاكف تعبا مرهقا، فشق عليه ألا يشرب ~~قهوته ويدخن سيجارته على الريق، ومضى إلى الوزارة متوجع الرأس متثائبا، وغالب تعبه ~~مغالبة بائسة حتى دمعت عيناه من التثاؤب واسترخت جفونه، وذكر ms056 أن أحمد راشد وأمثاله لا ~~يعانون تعبا ولا حرمانا، فسره أن يحتقره ويتعالى عليه، وعاد إلى البيت ظهرا وقد نهكه ~~التعب، فاستلقى على فراشه وراح في نوم عميق صحا منه قبل الفطار بساعة واحدة، وذهب إلى ~~الحمام فرطب وجهه وأطرافه وفي طريق عودته رأى والده في حجرته متربعا على سجادة ~~الصلاة يقرأ في الكتاب، فمر به ساكنا، وعطف رأسه إلى المطبخ فرأى أمه مشمرة عن ~~ساعديها، ودعاه المطبخ إلى الوقوف بعض الوقت عند عتبته، فأجال بصره فيه متشمما فطاف ~~بطبق كبير حفل بمواد السلطة من بقدونس وجرجير وجزر وبصل وطماطم، خضرة يانعة وحمرة ~~فاقعة، فانشرح صدره وتحلب ريقه، وانتقل إلى سلطانية الفول قلم يستطع صبرا، وزايل ~~مكانه، وفي الصالة مر بالسفرة وقد هيئت فوضع على ركن منها العيش وفرقت أمام ~~كراسيها أكواب الماء وتوسطها طبق ملآن بالفجل، فهرع إلى حجرته وأغلق الباب، وكان أبقى ~~الأهرام بغير قراءة ليتسلى بمطالعته في الساعة الأخيرة المعروفة بشدتها وثقلها فأكب ~~عليه حتى فرغ منه، ونظر في الساعة فعلم أنه لا يزال عليه أن ينتظر نصف ساعة أخرى! .. ~~وتجهم وجهه، ثم لم ير بدا من فتح النافذة المشرفة على العمارات ليقطع الوقت ~~بالنظر، ورأى المعلم نونو يغلق دكانه وأطفاله ينتظرونه يكادون يسدون الطريق سدا، ثم ~~مضى يحفون به ويتعلق الصغار بساقيه ويصيحون جميعا في جلبة تحسده عليها محطة الإذاعة، ~~وقد أوشك الطريق أن يخلو إلا من باعة الزبادي، وشاهد شعاع الشمس الأخير يتقلص عن أسوار ~~العمارات التي تواجهه من وراء مربع الحوانيت العظيم، والنوافذ المفتوحة تعلن عن ~~السفر الحافلة، وعلى الشرفات انتصبت القلل لتبرد وانتثرت أطباق الخشاف المكللة ~~بغلالات بيض، وأتى الهواء بروائح التقلية ونشيش المقليات فتاه في دنيا الطعام الساحرة ... ~~ثم تحول عن هذه النافدة إلى النافذة الأخرى المطلة من جنب على خان الخليلي القديم ~~ففتحها وارتفق حافتها، ورمى بطرفه إلى الحي القديم فوجده صامتا ساكنا تلوح قبابه ~~المعزية كأنها تسجد تحية للشمس المولية، وكان يواجه نافذته عن قريب جناح العمارة الأيسر ~~بنوافذ مغلقة، ms057 ولكنه سمع حركة خفيفة هفت من عل، فرفع بصره فرأى شرفة الجيران - التي ~~تواجه نافذته ولكن في الطابق الأعلى من العمارة - ورأى في الشرفة فتاة مكبة على تطريز ~~شال انسحب ذيله على حجرها وهي جالسة على كرسي ملتفة الساقين، وعرفها من أول نظرة - حتى ~~قبل أن ترفع إليه عينيها - فاهتز صدره، فما كان يحسب أن شقة كمال خليل في هذا الجناح ~~الذي يواجهه، ولا أن فتاته دانية إليه لهذا الحد، فشعر بارتياح وسرور، ورفعت الفتاة ~~عينيها إليه ثم ردتهما بسرعة إلى إبرتها فنظر في العينين العسليتين النجلاوين لثالث ~~مرة، وفي تلك اللحظة الخاطفة من التقاء العيون اضطرب قلبه وغلبه الارتباك وتولاه الحياء ~~فتورد وجهه الشاحب واختلج جفناه ولم يدر ماذا يصنع ولا كيف يتخلص من موقفه، ونكس رأسه ~~الأصلع وهو يود لو يختفي عن النافذة ريثما يأخذ أنفاسه، ترى هل عادت إلى النظر إليه؟ .. ~~هل ترنو الآن إلى صلعته؟ .. وشعر بأن موضع نظرها من رأسه يشتعل كما تشتعل الورقة تحت ~~أشعة الشمس المتجمعة في بؤرة، ومضى وقت طويل أو قصير حتى تنبه على طقطقة الكرسي فرفع ~~رأسه فرآها قد نهضت لتذهب إلى الداخل، وخال أنه لمح على وجهها بشير ابتسامة وهي تتحول ~~لتدخل، وعاد إلى النافذة الأخرى متسائلا ما معنى هذه الابتسامة؟ .. لماذا ابتسمت ~~الصبية؟ هل تسخر من صلعته؟ .. أو تضحك من نظرته الوجلة الخجول؟ .. أم تعجب لما حسبته ~~غزل كهل في سن أبيها؟ إي والله في سن أبيها! ... فلو تيسر له الزواج في إبانه لأنجب فتاة ~~في مثل سنها، ولما أمكن أن تبعث مثل تلك النظرة في أطرافه ما بعثت من ارتباك واضطراب ~~وحياء، ولكن قضي أن يفقد جنانه لدى أية صبية، وأن تستثير جوعه وحياءه أبرأ النظرات! ~~وابتسم ابتسامة يأس وخجل فافترت شفتاه عن أسنان صفر! ودوي المدفع، وتصايح الأطفال، فعجب ~~كيف انقضت نصف الساعة بغير تفكير في الجوع أو العطش، وهتف المؤذن بصوته الجميل «الله ~~أكبر ... الله أكبر» فأجاب أحمد بصوت مسموع «لا إله إلا الله»، ثم ms058 تحول عن النافذة ذاهبا ~~إلى الصالة، والتأم جمع ثلاثتهم حول السفرة، ثم غيروا ريقهم على عصير قمر الدين حتى ~~رووا ظمأهم، وأتت الأم بطبق الفول المدمس فأقبلوا عليه بنهم شديد وتركوه أبيض من ~~غير سوء، فقال الأب وهو يعتصر بقليل من الماء: أظن الأوفق أن نؤخر الفول حتى نصيب من ~~أنواع الطعام الأخرى وإلا امتلأنا به وحده. # فقالت الأم ضاحكة: هذا ما تقوله كل عام ولكنك لا تذكره إلا عقب الفراغ من ~~الفول! # ولكن لم يزل في البطون متسع فجيء باللوبيا والفلفل المحشو واللحم المحمر وتعاونت ~~الأيدي والأعين والأسنان في عزم وسكون. ولم يكن الطعام الشيء الوحيد الذي يلذ أحمد، ~~فهناك خواطر سارة زحمت رأسه الصغير الأصلع، حدت من شهوة الطعام نفسها، من هذه ~~الخواطر: أن الفتاة جارته، وأن شقتها تشرف على شقته، فاللقاء منتظر، والتقاء العينين ~~مرتقب، والتفاعل محتمل، والانفعال مؤكد. ومن يدري بعد ذلك ماذا يحدث؟ سيرمي بالقلب في ~~بحر لجي يعلو به أمل ويسفل به قنوط، ويذهب به رجاء ويجيء به يأس، ويخيفه أفق مظلم ~~ويطمئنه شاطئ آمن، فما يدري أين المستقر ولا أيان المنتهى، وحسبه من السرور يقظة دبت في ~~قلب موات. وليقظة القلوب فرحة وإن أدى الإنسان ثمنها من دمه وراحة باله، وهل ينكر أن ~~قلبه جمد من البرد وبرم بالنوم وضاق بالراحة؟ فها هي ذي يقظة تدب، وتبشر الشرفة ~~بدوامها، ما عقباها؟ ما غايتها؟ لا يبالي في سروره الراهن ما ينطوي عليه غده، فليشرق ~~الأفق أو فليغرب، وليبتسم الحظ أو فليتجهم، فبحسبه أن قلبه صحا، وأنه منذ أيام ينتفض في ~~اضطراب، ويضطرب في سرور، ويسير في حيرة، ويتحير في رجاء، ويرجو في خوف، ويخاف في لذة، ~~هذه هي الحياة، والحياة أجمل من الموت، مهما كابد الحي من تعب ووجد الميت من ~~راحة. # 11 # وغادر البيت قبل العشاء إلى «الزهرة» فاجتمع بالصحاب، وراحوا يتسامرون ويحتسون الشاي ~~ودار الحديث حول الصيام. وكيف أن كثيرين - من أهل القاهرة خاصة - لا يؤدون حق فريضته ~~لأوهى الأسباب. # وشهر سيد ms059 عارف بالمعلم زفتة وعباس شفة فقال ضاحكا: قد يستطيعان أن يمتنعا عن ~~الطعام والشراب، أما «الكيف» فأمر يهون دونه الدين! # فقال عباس شفة متهكما: ألا تفضل أن تصير «رجلا» مثلنا، ولو قارفت ~~المعاصي؟! # فاصطنع سيد عارف لهجته قائلا: دائي له دواء ~~أما داؤك يا سيد الأزواج فلا دواء له! # فهز عباس شفة منكبيه وقال دون أن يتلعثم أو يتورد وجهه: لا تعيرني ولا ~~أعيرك! ~~- بل نحتكم إلى المعلم نونو، يا معلم نونو أيهما تفضل أن تكون: عباس شفة أم سيد ~~عارف؟! # فضحك نونو ضحكته العظيمة وقال: لا خيرت بين أن أكون أحدكما قط! # فقال سيد عارف بإيمان: سبحان من يحيي العظام وهي رميم، وغدا ترد الأقراص كيد ~~الحاسدين إلى نحرهم! # فضحك عباس شفة ضحكة داعرة وقال: وقتذاك نهنئ أنفسنا! # ونهاهم سليمان عتة عن الإلمام بمثل ذاك الهذر علانية في شهر رمضان، ولم يكن صادقا في ~~نهيه لهم ولا غاضبا حقا للشهر المكرم، ولكن «قافية» الأقراص أمست مملولة منذ دهر ~~طويل، فيئس من أن يأتي قائل بجديد، ثم راح كمال خليل يحدث عن ليالي رمضان منذ أقل من ~~ربع قرن، قبل أن تغمر موجة الاستهتار التقاليد الدينية المؤثلة، وكيف كانت بيوت ~~السراة تظل مفتوحة طوال الليل تستقبل القاصدين، وتستقرئ مشاهير المقرئين حتى مطلع ~~الفجر، وقال إن بيتهم القديم - بيت أبيه - كان ضمن تلك البيوت العامرة، وتساءل أحمد ~~عاكف: ترى هل يصدق الرجل فيما يقول أم يقتص أثر زوجه اللحيمة؟! وتسامروا ساعة طويلة ~~حتى تعبت ألسنتهم فأمسكوا عن السمر وأخذوا في اللعب، ووجد أحمد عاكف نفسه منفردا ~~بالمحامي الشاب، فأدرك أن جاءت نوبة النضال والتحدي، ولحظه بطرف لم يعلن عما يضطرم في ~~باطنه من الموجدة والمقت، وقبل أن ينبس أحدهم بكلمة مر بالمقهى جماعة من الصبيان ~~والبنات ملوحين بالمصابيح هاتفين بأناشيد رمضان سائلين «العادة» من النكل والملاليم، ~~فأتبعهم المحامي ناظريه حتى اختفوا، وابتعدت أصواتهم الرفيعة، ثم التفت إلى صاحبه ~~قائلا بلهجة مرة: نحن شعب من الشحاذين. # فأدار عاكف رأسه إليه كالمبتسم، وقد ms060 بات يوجس خيفة من الاشتباك معه في الحديث، وإن ~~تظاهر بالاستهانة ، وتوثب للانقضاض والتحدي، واستطرد أحمد راشد قائلا بنفس اللهجة: ~~شعب من الشحاذين وحفنة من أصحاب الملايين، فليس يتاح للشعب غير العمل الوضيع أو امتهان ~~الشحاذة، والعمل الوضيع لا يغني عن الشحاذة! # فهز أحمد عاكف رأسه ونظر لمحدثه نظرة لا معنى لها ولاذ بالصمت، والصمت في مثل حاله ~~مأمون العواقب. فهو يغنيه عن خوض ما ليس له به علم، ويهيئ له جوا آمنا لاهتبال الفرص ~~السانحة، أما صاحبه فاستدرك يقول: ليس يوجد شر من نظام يقضي على أناس بالانحدار إلى ~~مستوى الحيوان الأعجم. # ولست أدري كيف تطيب الحياة لقوم عقلاء وهم يعلمون أن غالبية قومهم جياع لا يدخل ~~بطونهم ما يقيم أودهم، جهلاء لا ترتفع عقولهم عن أدمغة الدواب، مرضى تستوطن الجراثيم ~~أجسادهم الهزيلة، ألم يخطر لهم أن ينادوا بمبدأ المساواة بين الفلاحين والحيوانات ~~مثلا؟ فإن للحيوان على سادة الريف حقا في الغذاء والمأوى والصحة لا مراء فيه، ولم ~~يقر بمثله للفلاح! # ولم يعد يستطيع كبح شهوة المعارضة، وكبر عليه أن يستمر الشاب في محاضرته وأن يقنع هو ~~بالإنصات كالتلاميذ فقال: إذا كان للفلاح حق فلماذا لا يطالب به؟ # فقال المحامي بحدة: الفلاح مضغوط تحت المستوى الأدنى للإنسانية، فلا يمكن أن يطالب ~~بشيء ولكن خليق بكل إنسان أهل لشرف الإنسانية أن يمد يده ليرفع عن كاهله المتهالك هذا ~~الضغط، وقديما حارب الرق الأحرار لا العبيد! # وتنازعت الكهل عواطف جد متناقضة، فجانب من نفسه ارتاح لما يقول الشاب، فلو اعتدل ~~ميزان العدالة في هذا الوطن ما عاقه عن إتمام تعليمه عائق، ولبلغ ما يشتهي من الشرف في ~~الحياة، واحتقر جانب آخر اهتمامه الحماسي بالمشكلات الاجتماعية، ورأى أنها دون ما ينبغي ~~أن يفكر فيه «المثقف» من أمور العقل كالمنطق والتصوف والأدب! ثم ذكر عنف الشاب في حديثه ~~وثقته برأيه فثارت كبرياؤه، وغلبته على أمره، فقال بحدة: لو أن الفلاح يستحق أكثر مما ~~هو متاح له لناله، والحق لمن يقدر عليه، وما عدا ms061 ذلك فهراء في هراء! # وثبت الشاب نظارته على عينيه بحركة عصبية ، وقال بلهجة غربية: أأنت من أتباع نيتشه ~~يا أستاذ؟! # رباه من نيتشه هذا؟ .. ألا يمكن أن يوجد رأي - ولو كان من وحي الغضب والحنق - من غير ~~قائل سابق من الحكماء الذين يجهلهم كل الجهل؟ .. وكيف يجيب الشيطان البغيض؟! .. هداه ~~عقله إلى سبيل واحد رأى أنه يخلصه من الفخاخ التي ينصبها له عدوه، فقال وقد غير ~~لهجته، وخفف من شدته: إنك يا أستاذ راشد تدفعني إلى أحاديث ليست بذي بال! ~~- حياتك ليست بذي بال؟! ~~- دع الفلاح إلى نفسه أو إلى من يعنيه أمره، ألم تقرأ شيئا عن أرسطو؟ .. ألم تلم ~~بفلسفة إخوان الصفا الدينية؟ .. ألم تثقف شتى المعارف الروحية؟ # فلاح الانزعاج في وجه الشاب وقال: إن مثلنا مثل ربان سفينة تمخر عباب مضيق ثائر تهب ~~عليه ريح زعزع عاصفة، فيفور زخاره ويصطخب ركامه، فتعلو السفينة وتسفل، وتميل ذات اليمين ~~وتميل ذات الشمال، مضطربة البنيان مزلزلة الأركان، فهل يجوز للربان - وتلك حال السفينة ~~- أن يولي آلة القيادة ظهره ليرمي بطرفه إلى الأفق متأملا ومنشدا؟! نحن نجتاز الآن ~~مضيق الموت تكتنفنا الآلام من كل جانب، فلنأخذ من الآلام ذخيرة لتأملاتنا، حقا إن ~~للأبراج العاجية لذتها، ولكن ينبغي أن نقاوم أنانيتنا إلى حين. ~~- فأنت في سبيل أن تنقذ البائسين من وهدة الحيوانية، تضحي بإنسانية المثقفين وتقتل ~~أرواحهم! ~~- قلت إلى حين .. ألم تر إلى فترة الحرب وكيف تحول العلماء - وهم أشرف الخلق - إلى ~~نوع من المجرمين! ~~- ومع ذلك فلك نصيبك من التأملات البعيدة كالفلك والذرة! # فضحك أحمد راشد - لأول مرة - بصوت مرتفع فلفت إليه جماعة اللاعبين وجعل المعلم نونو ~~يقول له: إن ضحكتم فأعلمونا! # فسكت المتحاوران حتى شغل عنهم اللاعبون ثم قال المحامي: لا غنى عن التسلح بالعلم ~~للمكافح الحق، لا للاستغراق في تأملاته، ولكن لتحرير النفس من أصفاد الأوهام والترهات، ~~فكما أنقذتنا الديانات من الوثنية ينبغي أن ينقذنا العلم من الديانات! # وهنا احتد سليمان بك عتة كعادته إذا خسر «عشرة» واشتبك معه سيد ms062 عارف في مصاولة ~~لاذعة لم تلبث أن انتظمت جميع المتوثبين من أهل المجون فانقطع حديث رمضان الأول! ~~••• # وعند منتصف الثانية عشرة نهض أحمد عاكف يريد الانصراف فقام معه نونو وهو يقول: سأذهب ~~إلى البيت لأحضر معطفي لأن الجو تشتد برودته عند الفجر. # ومضيا معا، وفي الطريق سأل المعلم صاحبه: لماذا لا تمد السهرة حتى السحور؟ # فقال الكهل بلهجة فاترة: إني أمضي الوقت ما بين الساعة الثانية عشرة وما بين السحور ~~في القراءة. ~~- أتقرأ كتبا! ~~- أجل، وما يقرأ غير الكتب؟! ~~- وفيم هذا التعب؟ # فابتسم أحمد عاكف وقال: هواية يا معلم نونو! ~~- ولكن الهواية ينبغي أن تكون ذات فائدة ما، فهل تطيل الكتب العمر؟! تدفع المرض؟! ~~تمنع المقدور؟! تجنب الشقاء؟! تملأ الجيب؟! # فقال أحمد وما يزال يبتسم وقد عاوده شعور الاستعلاء والسرور: بل أريد أن أكتب كتابا ~~أيضا؟ ~~- هذا أنكى وأمر، هل أنت صحفي! ~~- هبني أجبت بالإيجاب؟ ~~- مستحيل! ~~- ولمه؟ ~~- أنت ابن ناس طيبين! # فضحك أحمد ضحكة قذفت بحنق الليلة خارج صدره وقال: ولكني سأكتب كتابا. ~~- الكتب في الدنيا أكثر من بني آدم، ألم تر إلى مكتبة الحلبي تحت الكلوب المصري؟! ~~.. فيها كتب - يا دين محمد - لو صفت جنبا إلى جنب لكاثرت طلبة الأزهر، فهل تبذل ما ~~تبذل من جهد لتضيف إليها كتابا جديدا؟! ~~- نعم .. نعم .. فلكل كتاب فائدته. ~~- إليك هواية لطيفة لن تقتضيك جهدا. ~~- ما عسى أن تكون؟ ~~- أما تعرفها؟ حزر! ~~- لا علم لي يا معلم. ~~- يدعونها تسلية رمضان وفرحة الزمان. ~~- فما اسمها؟ ~~- في الأصل من التراب ولكن مرعاها فوق السحاب. ~~- عجبا! ~~- واردها إما في الليمان أو على كرسي السلطان! ~~- ليس في الدنيا شيء كهذا. ~~- يهواها الفقير والوزير! ~~- لحد هذا؟! ~~- عزاء الحزنان وشرب الفرحان! ~~- ما أشوقني إلى معرفتها! ~~- قد النبقة وتنفع في كل زنقة. ~~- هذا سحر. ~~- أحضروها من بلاد الفيل تحفة لأهل النيل! ~~- هل تجد فيما تقول؟ ~~- ألم تسمع عن الحشيش؟! # وارتاع الكهل لوقع الكلمة، فضحك المعلم وقال يغويه: تعال طاوعني. الحياة ملأى بما هو ~~ألذ من الكتب. # وأغراه حب الاستطلاع بأن ms063 يسأله: أين؟ ~~- المكان تحت أمرك إذا وافقت وشرفتنا. ~~- ألا تخاف الشرطة ؟ ~~- أعرف كيف أتقى شرها! .. فماذا قلت؟ # فابتسم أحمد وقال له: لا شأن لي بهذه الهواية الساحرة، شكرا لك يا معلم. ~~••• # ولما خلا إلى نفسه في حجرته تناسى حديث نونو وظرفه. ولاحت لعينيه صورة أحمد راشد ~~بكآبتها وحماسها وعنف حركاتها، فاستثارت حنقه وغروره ومقته، وتساءل محزونا كيف غابت ~~عنه دنيا المعرفة الحديثة؟! وكيف يستكمل ما فاته منها؟! ومتى يحاضر في فرويد وماركس كما ~~يستطيع أن يحاضر في إخوان الصفا وابن ميمون؟! وفكر في هذه الأمور طويلا فلم يستطع أن ~~يصفو للمطالعة ولا أن يركز ذهنه فيها، ولكنه ظل عاكفا على كتابه لا يحول عنه رأسه ~~لأن عكوفه على الكتاب - ولو في حال شروده - يقنعه بأن يومه لم يمض بغير ثقافة يتزود ~~منها، الأمر الذي يحرص عليه كل الحرص، وانسل الوقت وما تزال كبرياؤه تتجرع غصص ~~العذاب، ثم خطرت على قلبه فكرة، هفت على قلبه كنسمة رطيبة لطيفة فأثلجت صدره الفائر ~~بالحنق والغضب، فصفا وطاب، وابتسمت أساريره. كم كانت تكون الحياة سعيدة محبوبة لو أن ما ~~يلقاه من حظ ونصيب، ومصادفات واتفاقات، وأناس وأخلاق، كان في مثل هاتين العينين ~~النجلاوين يقطران سذاجة وخفة؟! ثم ذكر - فيما يشبه الدهشة - أن شهر رمضان ذو صلة قديمة ~~بقلبه، ففي شهر رمضان خفق قلبه خفقة الحب الأولى، وهي - كرؤية نور الدنيا لأول مرة - ~~إحساس عجيب لا يتأتى الشعور بجدته مرة أخرى، وفيه رأى الفتاة التي رغب صادقا أن ~~يشاطرها حياته وأخفق، وها هو ذا رمضان من جديد، وها هو ذا قلبه ينفض عن صفحته الضباب ~~البارد القاتم ليستقبل شعاعا دافئا منعشا، وكان عقله من العقول التي ترى دائما وراء ~~المصادفات حكمة تدق على الألباب، فإذا رأى غيره من المصادفة مجرد حادثة لا معنى لها، ~~التمس هو فيها حكمة خفية، لذلك نظر أمامه حالما وقد غاب بصره، وارتفع حاجباه الخفيفان ~~المتباعدان، وفغر فاه، وغمغم في حيرة وسرور «ماذا وراءك يا رمضان»؟! # 12 # وعند أصيل اليوم الثاني ms064 نهض نشيطا إلى المرأة ليحلق ذقنه، وكان يحلقها عادة مرتين في ~~الأسبوع ، ولا يبالي أن يبدو للناس وذقنه نابتة، فعزم على الإقلاع عن عادته هذه، وأن ~~يحلق ذقنه يوما بعد يوم من الآن فصاعدا. # ولما فرغ ارتدى جلبابا نظيفا وطاقية ناصعة البياض - مجبرا ليخفي صلعته - ثم جلس ~~على حافة الفراش يرمق النافذة بعينين مترددتين، ليست المسألة مجرد حلق ذقن أو لبس طاقية ~~بيضاء، إنما ينبغي أن يسأل نفسه عن معنى هذه اللهفة ومغزى هذا التغير، هل ينطلق بغير ~~تفكير أو ترو؟ ماذا يريد على وجه التحقيق؟ فعسى ما يكون اليوم لعبا يكون غدا جدا، ~~وما ينبغي له أن ينسى حظه العاثر وتاريخه المحزن، أفلا يحسن به أن يترك النافذة مغلقة، ~~وأن يتفادى ما ينذر به فتحها؟ على أن الحياة لا تنصت لمثل هذا المنطق، ولا تكاد تتأثر ~~بحكمته ومخاوفه، فقد أحرقه الظمأ وألهبته اللهفة، ونهض مرة أخرى يلوح في وجهه العزم ~~ودلف من النافذة ثم فتحها، وارتفق حافتها وعيناه إلى أسفل، ثم مضى يرفعهما ببطء وحذر ~~حتى بلغتا أرض الشرفة، فرأى قوائم الكرسي وحاشية الشمال - الذي كانت تطرزه مساء الأمس - ~~مدلاة بينها، ثم غلبه خجله فأطرق كالأطفال! ولبث مطرقا وهو يشعر بعينيها تثقبان رأسه، ~~وخاف أن تذهب الفرصة قبل أن يتملى برؤيتها، فرفع رأسه متغلبا على حيائه، فرأى الكرسي ~~خاليا والشال موضوعا عليه! ترى أكانت موجودة حين فتح النافذة ودعاها إلى الذهاب ~~داع؟ أم غابت قبل ذلك؟ ومهما يكن من أمر فقد أحس امتعاضا وفتر حماسه، وخاف أكثر من ~~قبل أن يغيب اليوم دون أن يراها، ولم تكن احتمالات رؤيتها في الغد لتنسيه خسارة اليوم، ~~فقد تهيأ بكل عناية لتراه في أحسن صورة ممكنة، ولن تكون ذقنه ولا طاقيته ولا جلبابه ~~غدا كما هي اليوم، وإذن فهذا رجاء خاب، وذاك تعب ضاع، وأطرق مرة أخرى كاليائس: إلا أنه ~~سمع - في اللحظات الأخيرة قبل المدفع - حركة خفيفة في الشرفة، فرفع رأسه بسرعة فرأى ~~الفتاة مقبلة، ثم رآها تنحني على الكرسي لتأخذ ms065 الشال فالتقت عيناهما لحظة، ثم استوت ~~قائمة فولته ظهرها وجرت إلى الداخل ، وما طمع في أكثر من ذلك، ولو أنها أدامت النظر ~~إليه لأربكته وأوقعته في الحيرة والحياء، أما وقد خطفت بصرها بمثل السرعة التي خطفت بها ~~روحه، فقد أولته الجميل دون عناء أو مشقة، ثم صارت بعد ذلك ساعة الغروب تلك معقد الرجاء ~~وبسمة المنى، هي خلاصة اليوم وهدفه ومعناه، حسبه أن يملأ فيها عينيه من معاني السذاجة ~~والخفة تسكبها عيناها النجلاوان، وأن يدخر منها لبقية يومه ما يشيع فيها السرور ~~والأحلام، وتواترت أصيلا بعد أصيل، والتقت العينان يوما بعد يوم، فألف منظرها المحبوب ~~ولعلها ألفت منظره، بيد أنه لبث على خجله وارتباكه، يطالعها - إذا جاءت اللحظة السعيدة ~~- بنظرة تفيض بإحساس الجد والرزانة والوجل كأنما يتحفز صاحبها للفرار! ووضحت صورتها ~~في مخيلته بعينيها النجلاوين ذواتي الصفاء والسذاجة والخفة، عينان تنطلق نظراتهما ~~بالتساؤل والاستسلام، إلا أن خفتها تضفي عليها غلالة من الفطنة والحرارة. # وكان ذات مساء يغادر حجرته - بعد العشاء - إلى المقهى فدق جرس الباب الخارجي وهو ~~يقترب منه، ففتح الباب بنفسه، فرأي أمامه الست توحيدة وكريمتها نوال! وجعل ينظر إليهما ~~بدهشة وارتباك وقد خفق صدره بما بغته من سرور، ثم انتبه إلى نفسه فتنحى عن سبيلهما ~~قائلا متلعثما: تفضلا. # ودعا أمه لتلقى الزائرتين، وذهب لا يلوي على شيء، وأدركت أم نوال ارتباكه، ولم تكن ~~تتصور أن رجلا في سنه يرتبك ارتباكه، ويبدو عليه ما بدا من الحياء لمحض أنه قابل ~~امرأتين، وهبط أحمد السلم نشوان لأنه يذكر جيدا - كما أكد لشكوكه التي لا تنتهي - أن ~~فتاته ابتسمت إليه وهو يستقبلهما ابتسامة خفيفة براقة، لعلها ابتسمت ابتسامة الضيف لمن ~~يستقبله، أو ابتسامة الارتباك والحياء، أو لعلها جادت بالابتسامة للرجل، جزاء حرصه ~~ومثابرته على التطلع إليها بعينيه كل غروب أسبوعا كاملا أو يزيد، فمهما كان الباعث ~~فهي ابتسامة حلوة، تلهف قلبه على مثلها عشرين عاما، ورغب عن الذهاب توا للمقهى ~~ليتيح لنفسه فرصة للتأمل، وكان من الذين يستحبون المشي إذا شغلهم ms066 شاغل من الفكر، فحث ~~خطاه إلى السكة الجديدة، وسار معها مبتهجا مسرورا ، وتمتع ما شاء بالسرور في صفاء ~~ورضا، وما كان غرا ولا حسن الحظ بالدنيا - وكيف يكون ذلك بعد ما لاقى من سوء الحظ ~~وعثاره؟! - ولكنه أراد السرور ساعة ولو خدع نفسه وغالط رأيه، وأراد أيضا أن يسير حظه ~~بعين جديدة ليرى أين هو من أمانيه المكبوتة، وليرى إن كان في الإمكان أن يعاود التجربة ~~من جديد، فقد بدا له أنه أصبح حرا بعد أن أدى واجبه كاملا، ألم يتلق عن والده ~~العبء عند اندحاره؟ ألم ينهض بأسرته المهددة بالشقاء؟ ألم يكفل أخاه حتى صار رجلا؟ فما ~~عليه من حرج بعد ذلك إذا شغل بسعادته مخلفا أعباءه لشقيقه الأصغر، ولا يكره ذلك أحد ~~من ذويه، فهل في العمر متسع؟! وتمادى في التأمل والتخيل يحثه شعور السرور والظفر الذي ~~غمره منذ حين، فقال إنه يملك في صندوق توفير البريد مبلغا لا بأس به في ذاته، وإن ~~عد تافها إذا قيس إلى مدة خدمته الطويلة، وأما عن شكله فليس مما يعيب الرجل ألا ~~يكون جميلا! وإنه ليستطيع بالعناية - كما فعل اليوم - أن يبدو معقولا على نحول وجهه ~~وشحوبه وصلعته، ويا حبذا لو فصل بدلة جديدة، وابتاع طربوشا غير طربوشه الباهت ~~المتقبض، بيد أنه كهل! فهو في الأربعين والصبية دون العشرين! وفارق العمر حاجز لا ~~تقتحمه إلا المعجزات، فمن أين له بالمعجزة؟! وانقبض صدره لأول مرة منذ فتح باب الشقة ~~للزائرتين، وذكر شكه في جاذبيته الجنسية، فتجهم وجهه وأفاق من نشوة السرور، وتمثلت ~~لعينيه - في ظلمة الطريق - صورة الفتاة الباسمة، فغمغم قائلا: «يا لها من غرة جاهلة!» ~~إلا أن شيئا واحدا لم يخطر له ببال، وهو أن يتطوع بمد يده إلى الحياة التي دبت في ~~قلبه فيخنقها لواذا بطمأنينة الموت، فليتركها تنبض وتترعرع ولينتظر المخبأ وراء حجاب ~~الغيب، وهو لن يكون بحال أسوأ مما عركته به الأيام، وخطر له وهو راجع أن يتساءل هل الحب ~~شيء غير ما يعاني؟ .. هل هو شيء ms067 غير هذا الشوق الغامض النابع من الحنايا؟ .. هل هو شيء ~~غير هذا الحنين الذي تزفر أنفاسه عصير القلب والكبد؟ .. هل هو شيء غير هذا الفرح ~~السماوي تطرب له النفس والدنيا جميعا؟ .. هل هو شيء غير هذا الألم المشفق من الإخفاق ~~والعودة إلى الوحدة والوحشة؟ .. هل هو شيء غير أن تسكن تلك الصورة الساذجة اللطيفة هذا ~~الصدر فتصير زاد أحلامه ومبعث آماله وآلامه؟ .. بلى هو الحب، وإنه به لخبير! # وعاد إلى الزهرة فوجد الصحاب يتسامرون ويحتسون الشاي، ورأى الغلام محمد جالسا جنب ~~والده يقلب في المكان عينيه النجلاوين، فسر لمرآه - وهو سفير هواه - وانجذبت نحوه ~~روحه، واتخذ مجلسه المعتاد جنب الأستاذ أحمد راشد، وراح ينصت لسيد عارف الذي كان يقول ~~بحماس: وسينتهز الألمان فرصة ضباب الخريف الكثيف ويهبطون على شواطئ إنجلترا وينهون ~~الحرب! # فتساءل كمال خليل ضاحكا، وفي هدوء لا يهيج الأعصاب: كما هبط هيس؟! # فاستطرد سيد عارف غير ملق بالا إلى قوله: وستخر إنجلترا المتعجرفة صريعة قبل أن ~~تفيق من هول الضربة. # فسأله أحمد راشد: كيف تغزو ألمانيا إنجلترا وجنودها مشتبكة في ذاك الصراع المخيف في ~~روسيا؟ ~~- أعد الفوهرر جيشا خاصا لغزو إنجلترا، وأرجح أن تسقط إنجلترا قبل روسيا إن لم ~~تسقطا معا! # فقال أحمد راشد: الظاهر أنك تجهل حقيقة روسيا، روسيا الاشتراكية غير روسيا القيصرية، ~~الشعب الاشتراكي كتلة من الصلب والإيمان والعزيمة، وهو ربما تقهقر ريثما يأخذ أنفاسه، ~~ولكنه لن يلقي السلاح أبدا، ولن يسلم لدواعي الهزيمة. ~~- والمخزن رقم 13؟! # فقال المعلم نونو وهو يفرك كفيه: هذا مخزن الأقراص التي تريدها؟ # وسأله أحمد عاكف: لماذا لا يستعمل هذا المخزن إن صح ما يقال عنه؟ ~~- رحمة بالإنسانية، الفوهرر لن يلجأ إلى استعمال مخزنه المخيف إلا إذا يئس من النصر ~~بالفن الحربي المعتاد لا قدر الله! # وهنا صفق المعلم نونو للنادل وأمره أن يحضر الدومينو وهو يقول كمن ضاق صدره ~~بالحديث: ملعون أبو هؤلاء وهؤلاء، فلا الألمان أمنا ولا الإنجليز أبونا، وليذهب بهم ~~الشيطان جميعا إلى الجحيم. # وفصل المعلم نونو بصيحته بين ms068 السمر واللعب، وما لبث أحمد عاكف أن وجد نفسه - كالعادة ~~- منفردا بالمحامي ، ورغب عن الحديث، وحدثته نفسه بالرجوع إلى البيت حيث توجد الآن نوال ~~وأمها .. ولكن ما عسى أن يفعل هناك إلا أن يحبس نفسه في حجرته؟ .. وإنه لفي حديثه مع ~~نفسه؛ إذ سمع المحامي يقول للغلام محمد بلهجة الأمر: يا محمد آن لك أن ترجع إلى البيت ~~لتذاكر! # ونهض الغلام قائما، وقد علت شفتيه ابتسامة دلت على ارتباكه، وغادر المقهى وثبا! ~~وعجب أحمد عاكف للهجة الشاب الآمرة وإذعان الغلام لها، فلم تكن لهجة الناصح ولا المتودد ~~إلى الأب. # وأحس الشاب بعجب الرجل فقال: البنات يتفوقن على الصبيان بدرجة تدعو للدهشة، فشقيقة ~~الغلام مجتهدة مطيعة، أما هو فيتجرع دروسه كالعلقم ويعتل على التهرب منها ~~بالعلل! # كيف يتكلم الأعور عن الفتاة بهذه الحرية؟! وخطر له خاطر انقبض له صدره فسأله: هل ~~تعطيهما دروسا خصوصية؟ # فحني الشاب رأسه بالإيجاب! وامتعض الآخر امتعاضا شديدا جعله يتكلف الابتسام حتى لا ~~يبدو على وجهه أثر من إحساسه، أيجلس هذا «الأعور» من فتاته مجلس الأستاذ المعلم؟ ~~أيلقنها الدرس ويأمرها بحفظه وربما تصنع الجد فانتهرها؟ .. ألا ينفرد بها أحيانا؟ .. ~~ألم ينظر إليها مرة بغير عين الأستاذ؟ وكيف تراه هي؟ .. إنه شاب مثقف ذو مستقبل حسن، ~~ولن يضره شكله المتجهم ولا عينه الزجاجية، بل لن يعد - أي عاكف - خيرا منه بحال إن ~~لم يعد أسوأ درجات - على الأقل في نظر العوام والأميين - فهل يولي الأدبار ولما تبدأ ~~المعركة؟! وما كان في مثل هذه المعركة ممن تتملكهم روح الأقدام والمنافسة، وعلى العكس ~~من ذلك تراه ينكمش ويسلم ساقيه للريح حياء واستكبارا وجبنا .. ولن يزال في كل شدة ~~يلتمس التدلل الذي نشأ في أحضانه، فإذا أخطأه - ولا بد أن يخطئه - انطوى على نفسه دامي ~~القلب مجترا آلامه مكيلا التهم لسوء الحظ الذي يلاحقه! ولو كان دور الذكر في الغزل ~~أن يطارد لا أن يطارد، وأن يطلب لا أن يطلب لهان الأمر وطاب له الغرام، أما والأمر ~~غير ذلك أو عكس ms069 ذلك، أما والأمر يستوجب رجولة ولباقة وجسارة فكيف يطمع في الظفر؟ ولو أن ~~السجايا رهن مشيئة الإنسان لنزل عن ثقافته ومواهبه العقلية - المزعومة - لقاء أن يصير ~~غزلا ماهرا ورجلا جذابا! ولكن هيهات أن يبلغ ما يشاء، وليس أمامه إلا أن يحتقر ~~الغزل ويمقت المرأة ويستمرئ العزلة الوحشية! # وتجنب أن يشتبك في حديث مع الشاب البغيض، وتصنع الإنصات للراديو ليصرفه عن ~~محادثته، فمضى الوقت وهما صامتان، والسكون قائم إلا أن يمزقه احتداد سليمان بك عتة إذا ~~استشاره سيد عارف، وأوردته أفكاره المحمومة - في صمته - مناهل سامة استقى منها خياله ~~المحزون، فاستسلم لأماني شيطانية مرعبة، تمنى في صمته غارة جنونية تقذف القاهرة بالحمم ~~فتدك مبانيها وتهلك بنيها فلا يبقى منها إلا خرائب وآثار، وشخصان حيان لا غير، هو وهي! ~~هنالك تصفو له بلا خوف ولا يأس ولا غيرة ولا جهد! .. وتمثلت لعينيه المظلمتين القاهرة ~~المهدمة المحطمة، والشخصان الشريدان، يفزع أحدهما إلى الآخر لائذا بجناحه ساكنا إلى ~~ذراعيه، والآخر سعيد - على ما يكتنفه من الخراب - يصاحبه متلذذا بانفراده به، انبعثت ~~هذه الأمنية الغريبة من صدره وهو يفور بشعور طاغ بالاضطهاد والقهر والعذاب. # 13 # ولما خلا إلى نفسه في حجرته بعد منتصف الليل تساءل ممتعضا ألا يحسن به أن يقلع عن ~~عادة فتح النافذة، وأن يغلق قلبه دون العاطفة الجديدة التي يسير الألم بين يديها؟ أليس ~~الموت مع السلامة خيرا من حياة القلق والعذاب؟ بيد أنه تناسى مخاوفه في اليوم التالي ~~وما بعده وصار بين النافدة والشرفة ميعاد يتجدد كل أصيل، ولم يعد شك في أن الفتاة ~~أدركت أن جارها الجديد يتعمد الظهور في النافذة - أصيل كل يوم - ليبعث إليها بتلك ~~النظرة الحيية الوجلة. ترى كيف تحدثها نفسها عنه؟ أتهزأ بشكله؟ أتضحك من كهولته؟ أم ~~باتت تضيق بخجله وجموده؟ فمن عجب أن تتواتر الأيام وما يزال حريصا على ميعاده مترقبا ~~لساعته ثم لا يستطيع شيئا إلا أن يرسل هذه النظرة الخائفة ما أن تلتقي بنظرتها حتى ~~ترتد في خفر وقد اختلجت الأجفان، وما انفك ms070 شبح أحمد راشد يطارده ويزعجه، وما انفك يسأل ~~نفسه الغيور أما ترشقه الفتاة أيضا بمثل هذه النظرة الحلوة أم تدخر له ما هو أجمل ~~وأفتن؟! بيد أن لحظات الأصيل السعيدة كانت تنتشله دائما من هاوية الشك والقنوط. وجعل ~~يهدئ روعه ويقول لنفسه إنها لو كانت تهوى الشاب البغيض لما منحته نظرتها الحنون مساء ~~بعد مساء فعاوده الأمل وراجعه الرجاء، ولكن لم يكن طبيعيا أن يقنع بهذه النظرة، وأدرك ~~أنه ينبغي أن يخطو خطوة جديدة، ولكن هل يستطيع؟ هل يستطيع أن يهجم على الحياة لحظة كما ~~استطاع أن يهرب منها عشرين عاما كاملة؟ هلا أدام إليها النظر حتى تطرق هي حياء ولو ~~مرة! .. هلا حياها بابتسامة؟ وتخيل أنه يديم إليها نظره، ثم تخيل أنه يبتسم لها ~~فتورد وجهه واضطرب اضطرابا عنيفا وغلبه الحياء والعجز على أمره! رباه أتجفل الكهولة ~~من الطفولة؟ .. أتفر الأربعون من السادسة عشرة؟ لكم حسب فيما مضى أن الخجل داء يزول مع ~~تقادم العهد ولكنه تشبث بطبعه حتى أدركه داء جديد هو داء الكهولة، فلماذا يخلق الله ~~قوما مثله لا يقدرون على الحياة؟! .. والتمس في يأسه سبيلا جديدا فقال لنفسه إن ~~الذين يخافون النظر والابتسام يستطيعون بلا شك أن يكتبوا، فلماذا لا يجرب وسيلة ~~الكتابة إليها؟ وراقه هذا الخاطر وفكر فيه تفكيرا جديا، فالأمر لا يقتضيه إلا أن ~~يكتب كلمات في ورقة ثم يطويها بعناية ويرمي بها إلى الشرفة، هذا حسن. فكيف يبدأ خطابه؟ ~~أيقول مثلا حبيبتي نوال .. هذا تصوير وقح. عزيزتي نوال؟ .. ما يزال ذكر الاسم وقاحة. ~~عزيزتي فحسب، فهذا أليق بأدبه، ثم ماذا؟ .. إن الرسائل تبدأ عادة بالتحيات، فليكتب ~~لها تحية وسلاما، ثم ماذا؟ .. هل يصارحها بحبه؟ .. كلا هذا ما ينبغي أن يختم به، وإذا ~~بدأ فليبدأ بالإعجاب والثناء، ولكن كيف ينشئ عباراته؟ .. وكيف يتخير ألفاظه؟ .. أي ~~الأساليب يعجبها؟ وأي الألفاظ يحسن وقعها من نفسها؟ .. وهبه فرغ من حل هذه المشكلات ~~جميعا فماذا يسألها؟ .. أن تجيبه؟ .. أن تقابله؟ .. بل هناك ما هو أهم من كل ذلك، ms071 ما ~~الذي يدعوه إلى الظن بأنها ستحسن استقبال رسالته؟ من يدريه أنها لا تمزقها وتقذف بها في ~~وجهه .. أو يغلبها السخط فتفضح سره وتشهر بكرامته؟ .. وعقله التردد بعد أن كاد يمسك ~~بالقلم فتراجع لائذا بالسلامة. على أن النافذة لبثت على ولائها للشرفة، وأوفت كلتاهما ~~بعهد لم يرتبطا به، فتلاقت العيون حتى تآلفت وتعارفت، وتجاذبت الأرواح دون أن يعوق ~~تجاذبها الصمت أو الحياء، وبات يظن - لما يطالع في نظراتها من العطف والصفاء - أنه ظلم ~~الأستاذ أحمد راشد بأفكاره وعواطفه، وأن الشاب - المشغول بالاشتراكية ومحو العقائد ~~البالية - لا يفرغ للغزل والحب، فذاق رحيق الأمل صافيا، ثم أدناه الحظ من الأمل والثقة ~~بمصادفة: إذ شغله أبوه عصر يوم من أيام رمضان الأخيرة فمضى الأصيل دون أن يستطيع الظهور ~~في موعده من النافذة، وانتظر الميعاد في اليوم التالي بصبر نافد، ولكنه وجد الشرفة ~~مغلقة! .. وانتظر عبثا أن تفتح وأن تبدو بها فتاته ولكن على غير جدوى! .. وظن أنه ~~عاقها عن الظهور مثل الذي عاقه بالأمس، لولا أن عثر بشبحها وراء خصاص باب الشرفة! .. ~~فلم يشك في أنها تعمدت إغلاق الشرفة دونه كما فعل هو بالنافذة في أمسه، ومعنى هذا - ~~إن صدق حدثه - أنها أحست غيابه أمس، بل لعلها استاءت منه وأضمرت ساعتها عقابه، وها هي ~~ذي تحقق إرادتها، ومال إلى تصديق ظنه، ولكنه لم يجد للعقاب ألما، وعلى العكس شعر له ~~بلذة لا عهد له بها، فطرب طربا استخفه وجعله يفرقع بأصابعه ويذهب ويجيء في الغرفة ~~ذاهلا عما حوله، وفي اليوم التالي أقبل على النافذة بروح جديد ممتلئا ثقة وأملا، ~~فشعر بوجودها قبل أن يرفع إليها عينيه المستطيلتين، وكان عزم أن يرمقها بنظرة استفهام ~~وعتاب كأنما يسألها «لماذا اختفيت أمس؟» فالآن جاء وقت التنفيذ! .. رفع رأسه الصغير ~~فالتقت العينان! ونادى شجاعته ليرفع حاجبيه ويحرك رأسه مستفهما مفكرا، أجمع عزيمته ~~كمن يتوثب لإلقاء نفسه إلى حوض السباحة لأول مرة، ودفع نفسه للقفز، ولكنه جمد لحظة أكثر ~~مما ينبغي فانتهز عقله الفرصة ورمى في طريقه بخاطر ms072 من خواطر الشك والخوف فخاف أن يعثر ~~به فاستطردت إرادته وانتشر عزمه وجفل متراجعا! وفي تلك الليلة أنب نفسه تأنيبا ~~قاسيا، وطرق صلعته بشيء من الحدة وصاح غاضبا: «أما من ذرة رجولة!» وهكذا أحبها، ~~أحبها لعينيها النجلاوين ونظرتها اللطيفة الساذجة وخفة روحها، أحبها لأن أحلامه - ~~والأحلام هي الفن الوحيد الذي أتقنه في دنياه - أبت أن تغيبها ساعة عنه، ولأنه جائع - ~~جائع في الأربعين - والجوع من بواعث الأحلام! # 14 # ثم كانت ليلة القدر من الشهر المبارك فاحتفلت بها الأسرة احتفالا بدا في الدجاجة ~~المحمرة التي ازدانت بها سفرة الإفطار وصينية الكنافة، وعند العشاء راحت الست دولت، ~~تدعو لبعلها بالصحة ولولديها بطول العمر والسعادة، أما عاكف أفندي - الأب - فذهب إلى ~~مسجد سيدنا الحسين لشهود احتفال رابطة القراء بالليلة المفضلة، فكانت ليلة سعيدة؛ وقبل ~~أن يأووا إلى أسرتهم قبيل الفجر أطلقت صفارات الإنذار فارتدوا معاطفهم وهرعوا بين ~~جموع السكان إلى المخبأ الذي باتوا يعرفون طريقه بغير حاجة إلى إرشاد الخادم، وامتزج ~~انزعاج أحمد بسرور خفي لأن المخبأ يدنيه من نوال ويمتع ناظريه باجتلاء محياها ~~المحبوب. ورأى في المخبأ أحمد راشد وسيد عارف واقفين يتحدثان فانضم إليهما - وكان ~~موقفهما قريبا من الركن المرموق - وما إن رآه المحامي حتى قال له: أما سمعت ما يقول ~~سيد أفندي؟ يقول إن خطوبة سليمان عتة لكريمة العطار تمت اليوم! # فقال سيد عارف مبتسما: نعم يا سيدي .. فرح «ميمون». # وعاد أحمد راشد يقول بحدة: انظر إلى المال كيف يستذل الحسن؟ إن أقبح ما في عالمنا ~~هو خنوع الفضائل والقيم السامية للضرورات الحيوانية، فكيف سامت الحسناء نفسها قبول يد ~~هذا القرد الدميم؟! ولن يكون اجتماعهما زواجا، ولكنه جريمة مزدوجة تعد من ناحية سرقة ~~ومن الأخرى اغتصابا، ولن يزال جمالها فاضحا لقبحه، وقبحه فاضحا لجشعها. # ثم ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة واستدرك قائلا: لا يمكن أن تقترف هذه الجريمة ~~وأمثالها في ظل الاشتراكية! # وهنا علا صوت رجل يقول متذمرا: ألم يقولوا إن الألمان لن يغيروا على مصر في شهر ~~الصيام؟ # فتحول إليه ms073 سيد عارف وقال: ولكن الإنجليز يغيرون على طرابلس وهي بلاد مسلمين ~~كذلك! # ثم قال لصاحبه بلهجة اليقين: الإنجليز لا يضربون طرابلس لفائدة حربية، ولكن ليجبروا ~~الألمان على ضرب القاهرة! # ولم يعن أحمد بالمناقشة لأنه كان يتلقى رنوة ~~ساجية من بين الجموع الغافلة، ولكنه لم يهنأ بها طويلا فإن صوتا غليظا صاح بقوة: «صه ~~.. أزيز طيارة!» وساد على الأثر صمت شامل وأرهفت الآذان حتى صاح صوت آخر: «كلا .. هذه ~~سيارة الشرطة.» فقال الأول: «بل أزيز طيارة .. اسمع!» وأنصتوا جميعا فترامى إلى الآذان ~~أزيز طيارة حقا يهبط من جو سحيق، فاضطرب قلب أحمد وتحول بصره نحو والديه فرأى أمه ~~مصوبة عينيها نحو سقف المخبأ وأباه مطرقا، ثم سمعوا طلقة مدفع مضاد بعيدة تلتها طلقات ~~كثيرة متقطعة، وسكت الضرب لحظة ثم عاد أشد مما كان، واتصلت الطلقات واختلطت، فانتشر ~~الذعر وثرثرت الألسنة في هذيان وقال واحد من الخائفين الذين يستجدون الطمأنينة: «هذا ~~الضرب في ألماظة مؤكد» .. فارتاح كثيرون إلى تأكيده وأمنوا على قوله بغير وعي، وذهب ~~إلى والديه وسأل أباه، وإن كان في مثل حاله من الذعر والاضطراب: «كيف الحال يا أبتي؟» ~~فأجابه الرجل بصوت متهدج: «ربنا موجود.» واستمر إطلاق المدافع وتعددت مصادره؛ وجعل سيد ~~عارف - على أثر كل طلقة مدفع - يذكر اسم الناحية التي أطلق منها كأنه الخبير العليم ~~فيقول: «مدفع العباسية .. ألماظة .. بولاق .. وهذا مدفع القلعة ... إلخ إلخ.» ولما انطلق ~~مدفع بعنف فاق ما سبقه شدة قال الرجل: «هذا مدفع ألماني ابتاعته الحكومة من ألمانيا قبل ~~الحرب!» ولكن أخذ كثيرون يضيقون بالمتكلمين وينتهرونهم فاشتد اللغط، ثم جاءت لحظات أخرى ~~عنف فيها إطلاق المدافع واتصل اتصالا مخيفا، فارتجت الأعصاب ووجبت القلوب، تلك لحظات ~~قصار ولكن يقاس زمانها الثقيل بتردد الأنفاس وخفقان القلوب فكأن المرء يحمل الدهر على ~~عاتقيه، ثم خف عنف الإطلاق رويدا، ثم لم يعد يسمع إلا في ناحية واحدة، ثم سكت آخر ~~مدفع وأخلف السكون، ولم يدر أحد هل يستأنف الإطلاق أو انتهت عقوبة الليلة، إلا أن ~~الأنفس أخذت تسترد ms074 من الراحة ما تبل به جوانح احترقت أو كادت، ومضت فترة وجيزة في سكون ~~ثم انطلقت صفارات الأمان، فنهض القوم متشهدين، وأرسل أحمد عاكف ناظريه إلى هدفه المنشود ~~فالتقيا بنظرة جادت بها له فسر بها سرورا مسح عن صدره الضيق آثار القلق والخوف، ~~ورآها تسبق أسرتها نحو باب المخبأ حتى إذا بلغته عطفت رأسها نحوه ورمته بنظرة ذات معان ~~ثم ارتقت السلم على عجل، فشعر الرجل - بقلبه الجذلان - أنها تدعوه إلى اللحاق بها. ~~وللأعين كما للغرائز لغة سرية صامتة، فتولاه التردد والحياء، إلا أن مروقها إلى ~~الخارج بث فيه شجاعة وقتية تغلب بها على تردده وحيائه، فاتجه نحو الباب سابقا والديه ~~والخادم، وارتقى السلم متسائلا: ترى هل يجدها أمام الباب؟ وما عسى أن يقول أو يفعل؟ ~~ولكنه رأى شبحها قد ابتعد عن مدخل المخبأ أذرعا في طريق البيت، ولم يكن في الطريق ~~غيرهما فهما أول اثنين غادرا المخبأ، فإذا أوسع خطاه أدركها في أقل من الثانية وأمكنه ~~أن يسايرها شارع إبراهيم باشا، وأن يرتقيا معا - منفردين - سلم العمارة. تخيل ذلك ~~بسرعة ولكنه لم يكد يبدي حراكا، أو تحرك بالأحرى خطوات معدودة فاتسع ما يفصل بينهما من ~~مسافة حتى باتت قريبة من مدخل العمارة، وغل الحياء والارتباك إرادته فجعل يتلفت خلفه ~~كأنه يدعو والديه إلى اللحاق به لينقذاه من ورطته، وعبثا حاول أن يقاوم حياءه أو ~~ارتباكه أو أن يجمع إرادته على اللحاق بها، فأدركه القادمون وما يزال موزع الفؤاد بين ~~الخوف والرغبة، ثم اختفت الفتاة داخل العمارة، وانتهى الخوف والتردد والرغبة والأمل! ثم ~~سار مع والديه يعالج في صمت حسرة أليمة منتزعة من صميم الضلوع، وطفق ينظر إلى السلم - ~~وهم يرتقونه - بأسف ذاكرا أنه لو قهر خوفه لانفرد بها فيه - على أنه سأل نفسه «ماذا ~~كنت أقول لها؟» .. هبه كان تشجع وحياها وردت هي تحيته بابتسامة أو كلمة أو ~~إيماءة - بصرف النظر عن أن التحية في ذاتها مشكلة فلم يكن يدري ما الأوفق أن يقول: صباح ~~الخير .. سعيدة .. السلام عليك ms075 ... إلخ؟! - هبه حياها وردت تحيته فماذا كان يقول بعد ~~ذلك؟! .. أيصمت حتى يفترقا عند شقته؟ أم ماذا يقول العاشقون في أمثال هذا الموقف؟ ألا ~~ما أكثر العاشقين! ولشد ما يتهامسون ويتناجون في الطريق والمركبات فكيف فقد النطق ~~بلغتهم المحبوبة؟ .. وعاد إلى حجرته ممتلئا أسفا، بيد أنه كان على هذا فرحا مسرورا، ~~بل كان ثملا بنشوة سرور لم تعهد القلوب ألذ منه، فمهما يكن من أمر نفسه فلا يمكن أن ~~ينسى أنها رمته بنظرة نداء - وهي من معجزات السرور في شريعة العاطفة - وهي خليقة بأن ~~يسر لها سرورا خالصا لا شأن له بحيائه ولا بحسرته! ولاحت منه نظرة إلى النافذة - ~~وقد غدا يدعوها نافذة نوال - فحن قلبه المنتشي إلى أن يرسل بنظرة إلى الشرفة، ففتح ~~النافذة ورفع رأسه فرأى لعجبه بابها مفتوحا ومصباح الحجرة مضاء، والفتاة واقفة على ~~عتبة الباب! .. ما الذي دعاها إلى باب الشرفة في تلك الساعة من الفجر؟ .. وكان يرى ~~شبحها من غير أن يميز معارف وجهها لوجود المصباح وراءها، وكذلك كان مصباح حجرته، فأيقن ~~أنها لا ترى سوى شبحه - وشجعه ذلك على الثبات والتحديق فيها - ولم يمتد به الوقوف ~~طويلا حتى فجأته بأسعد مفاجأة جادت بها حياته: فأومأت له برأسها تحية! .. وغمره ~~الذهول، ولكنه لم يغلب على أمره هذه المرة فحنى رأسه ردا على تحيتها! .. وتراجعت ~~الفتاة مسرعة حياء وأغلقت باب الشرفة - وهو ينظر - ثم أطفأ النور، ولبث الكهل بموقفه ~~مدة من الزمن لا يدريها، ولا يدري بنفسه، ثم أغلق النافذة، وجثا على ركبتيه واضعا ~~راحتيه على صدره، وهمس بصوت منخفض: «اللهم حمدا وشكرا!» # 15 # واستيقظ في صباح اليوم الثاني متعبا لأن لسرور - كالحزن - عدو للنوم قديم. بيد أنه ~~استهان بتعبه لنشوة صدره وفرحة قلبه، وهل ظفر بمثل ذاك الصباح السعيد منذ عشرين عاما؟ ~~فغادر البيت منشرح الصدر، بسام الثغر، خفاق القلب خفقان الشباب النضير، بعد أن أصبح ~~أخيرا من الزمرة التي طالما رمقها الحسد والغيرة، زمرة المحبين المحبوبين! وصفا فؤاده ~~ذاك الصباح فلم تنهشه آفة من ms076 آفات البغضاء، واستراح - ولو إلى حين - من أطياف إخفاقه ~~الجاثمة في ظلمة ذكرياته كالخفافيش، فلم يتوثب لجدال ولا تحفز لمعارضة ولا تشاجر مع ~~أحد الموظفين، وغمرت مستنقع المرارة الآسن المستقر في أعماقه موجة راقصة من ~~الحبور. # وعند عودته ظهرا وجد خطابا في انتظاره، عرف خط صاحبه من أول نظرة ألقاها على الظرف، ~~وهو جميل يشبه خطه من جميع الوجوه، فابتسمت أساريره، وفض الخطاب ثم قرأه حتى فرغ منه ~~وقال: سيأتي رشدي أخي صباح نهار الوقفة. # فاستقبل الوالدان الخبر أجمل استقبال، وإن كانا يعلمان من قبل - بالبداهة - أن الشاب ~~لا بد أن يمضي إجازة العيد في القاهرة، إلا أن الخطاب حوى أنباء أجمل مما توقع ~~الوالدان فاستدرك أحمد يقول: ويقول رشدي إنه صدر أمر بنقله من أسيوط إلى المركز الرئيسي ~~بالقاهرة، وسيتسلم عمله الجديد بعد عطلة العيد مباشرة! # وسر الوالدان سرورا كبيرا، وقالت الست دولت: سنستقبل عيدين سعيدين، لهفي على ~~الغلام العزيز، كيف قضى ذاك العام وحده في أسيوط! # فابتسم أحمد قائلا: ادعي الله أن يكون تعود حياة غير الحياة التي أدمن عليها في ~~القاهرة من قبل! # ثم أوى الكهل إلى حجرته وخلع ملابسه واستلقى على الفراش كعادته ليقيل حتى الأصيل أو ~~حتى ميعاد الحب - كما ينبغي أن يسمى منذ اليوم - فشغله الخطاب ردحا من الزمن عن النوم ~~وعن إحساسات اليوم السعيدة، وامتلأت نفسه بذكريات شقيقه الأصغر. # يندر أن يستثير إنسان من العواطف المتباينة ما استثاره رشدي عاكف في صدر أخيه الأكبر ~~من علل السخط ودواعي الحب؛ فإنه طالما استوجب سخطه في الماضي منذ أجبره واجب كفالته على ~~التضحية بمستقبله (وعبقريته!) ثم أسخطه في فتوته بتكالبه على الشهوات وإقامته على ~~اللذات وإعراضه عن النصح. ولكنه من ناحية أخرى أحبه أكثر من أي شيء في الدنيا، أحبه لأن ~~الشاب آثره بحب فاق ما يكنه لوالديه من الحب والإجلال، وذكر له دائما رعايته وكفالته ~~أجمل الذكر، وأحبه لأنه صنعه بيديه، غذاه بروحه ورباه بماله فكان الشقيق الأكبر وكان ~~الوالد الحنون؛ تمتع بطفولته؛ فحمله ms077 على يديه وعلمه النطق ودربه على المشي، ورعى صباه ~~ووجه تعليمه ثم عد نجاحه بعد ذلك - بعد تعب ولأي وعثرات - ثمرة كفاحه، ومفخرة جهاده، ~~ومذكرا دائما بتضحياته. وفضلا عن هذا جميعه، كان الشاب ذا شخصية خليقة بأن تحب، ~~كان لطيفا خفيفا مرحا، ورث عن أمه تلك المقدرة التي تفتح له القلوب بغير جهد ولا ~~تكلف، لما طبع عليه - كلاهما - من الجمال والصفاء والوفاء وحب العشرة والألفة، ولكن ~~واأسفاه أخطاه الاعتدال والرزانة والحكمة، وجرت الحياة في أعصابه زاخرة جامحة، فاستأدته ~~غرائزه الجهد الجهيد، ودفعته قفزا ووثبا بغير رادع، وقد كان منذ البدء جسورا ~~مقتحما متمرسا بالحياة. ذلك أن الذي وكل رعايته - أخاه - ظل دائما مصفدا بأغلال ~~التدلل والخوف، فمال إلى الاعتماد على الطفل الذي يربيه - فيمن يعتمد عليه - في قضاء ~~حاجاته، وابتياع لوازمه واستعارة كتبه، فاكتسب الصبي خبرة بالدنيا واعتمادا على النفس ~~وجسارة ورجولة، وصارت حاجة راعيه إليه لا تقل عن حاجته هو إلى راعيه، ولكنه عرف ~~الدنيا وجال فيها بغير المبادئ الحقيقة بأن تعصمه من زلاتها، فمنذ أن أحيل عاكف أفندي ~~على المعاش انطوى على نفسه تاركا أمر الأسرة لابنه وزوجه، ولم يجد رشدي في هذين ~~العزيزين الحزم الذي يرشده ويعصمه، فضل السبيل وتخبط على غير هدى، ولولا دماثة خلقه، ~~ورقة طبعه، لربما جاوز مفاسد الشهوات إلى مهالك الجرائم. # ولكم بشرت حياته المدرسية - في عهديها الأول والثاني - بالنجاح، حتى قال أحمد عاكف ~~إن أخاه ورث عنه بعض صفاته العقلية! ولكن الحال تغير بعد أن صار طالبا بكلية التجارة، ~~هنالك اعتوره الفساد، فانجذب نحو زمرة من الشبان ولهجوا جميعا بمعاقرة الخمر ولعب ~~القمار والتخبط في بؤرة التهتك، واندفع مع التيار في جنون، فاستدان مرات، وأهمل حياته ~~الدراسية حتى أوشك أن يفسد ما بينه وبين شقيقه، ثم بلغ ذروة جنونه حين فكر جديا أن ~~يقطع حياته الجامعية ليتوفر على تعلم الموسيقى والاشتغال بالغناء - لا لشيء - إلا لما ~~بلغه من بوهيمية المغنين وحظهم من ولع النساء، وما عهده في نفسه من رخامة الصوت ms078 ~~وحلاوته، ونفد صبر أحمد عاكف فأنذره بالكف عن الإنفاق عليه إذا لم يمسك عما هو آخذ فيه ~~من المجون والاستهتار، وبلغ منه الغضب أحيانا أن شعر بأنه يمقته مقتا، بل حقد عليه ~~أخذه بأسباب حياة يعجز هو عن الأخذ بأسبابها، ويتلهف حسرة على ألوان منها! ورغم ذلك ~~كله لم تنقطع صلات المودة بين الشقيقين بفضل مواهب الأصغر، فكان إذا شد أخوه أرخى، وإذا ~~قطب ابتسم، وإذا سب ولعن تضاحك وقبل يده أو لثم كتفه، وإذا كور له قبضته مازحه في ~~أدب ولين، ثم انتهت تلك الحياة بمعجزة، أجل انتهت بمعجزة والبكالوريوس، مما دعا أحمد ~~على أن يقول متهكما: «هكذا يحصل الطالب على الشهادة التي تفضل الحكومة حامليها على ~~أمثالي؟!» بيد أنه تنفس الصعداء، وأيقن أن مهمته قد انتهت، ولم يعد يشغل نفسه - أكثر ~~مما ينبغي - باستهتار الفتى بعد أن صار المسئول الأول عن حياة نفسه، فصفا بينهما الجو، ~~وعاد إلى الحب الذي لا تشوبه شائبة كما كانا من قبل - على عهد طفولة رشدي وصباه - بل ~~رفعت الكلفة بينهما، فربما قص الفتى على شقيقه المحبوب ما يلقى من تجارب الهوى والحب، ~~وكانت له في الهوى أهواء، وفي العشق فنون فعرف الحب الآثم والحب الطاهر! وتقلب في ~~مظان السوء كما جرى وراء الحسان في السبل والميادين، وضم «ألبومه» صورا لفتيات حسان ~~وقعن عليها بخطوطهن القلقة اللطيفة تلك العبارة الغربية: «إلى خطيبي العزيز رشدي!» ~~ولم يكن يقصد العذارى بسوء، ولا كان يسيغ الغدر بيسر وسهولة، وحقيقة الحال أنه كان يقع ~~سريعا فريسة لعواطفه المشبوبة، فليس أيسر من أن يصير عاشقا، بل وعاشقا بصدق وإخلاص، ~~ولكن في الساعة التي هو فيها، فلم يحلف كذبا قط، ولكنه حنث بأيمانه مرات! # فحدث كثيرا - في هيجان العاطفة - أن بذل وعده صادقا مخلصا فكانت خطوبة! ثم لم ~~يدم ذلك إلا ريثما تهدأ العاطفة أو يجد النوى أو يحدث أمر ما، فلم تعرف حياته ~~الهدوء، ولا السكينة ولا الراحة، وباتت مرعى خصيبا للشهوات والملاذ، فنالت منه حتى ~~أعيته ونهكته، ms079 فنحف وهزل وصار - على حد تعبير والديه - كالعود، وكان أحمد - الذي يحبه ~~ويشفق عليه - يرمقه بعينين قلقتين ويقول له: «ارحم نفسك!» فيجيبه بمرحه المألوف: ~~«يرحمنا الله وإياكم!» ومنذ عام انتدبه البنك للعمل في فرع أسيوط فسر أهله - على ~~أسفهم وحزنهم - وتعلقوا بأمل واحد أن يعتاد الفتى في المقام الجديد - مقام غربته - حياة ~~معتدلة غير حياته الأولى ترد عليه بعض صحته، وتمسك عليه بعض نقوده؛ ولذلك تلقوا خبر ~~نقله إلى القاهرة بسرور ورجاء، ينطويان على إشفاق. # 16 # ولم يبق من رمضان إلا ثلاثة أيام، وأسف أحمد على اقتراب نهاية الشهر المكرم، وهل ~~ينسى فضله ورحمته؟ .. وهل ينسى موعد الأصيل منه حيث ولى عثار حظه ووحشة قلبه مع ~~شمسه الغاربة وبات يسائل نفسه نري أين يكون الموعد غدا وماذا تخبئ الأيام؟ أما الست ~~دولت فنشطت هي والخادم ليعدا حجرة الشاب القادم من أسيوط، وكانت الحجرة تلي حجرة ~~الوالدين، وتطل نافذتها الوحيدة على الطريق المؤدي إلى خان الخليلي القديم - كإحدى ~~نافذتي أحمد - فكنست الحجرة وغسلت ثم فرشت وباتت تنتظر القادم في أجمل صورة، ثم أخدت ~~المرأة أهبتها لخوض غمار معركة موسمية - لغزو ابنها أحمد كالمعتاد - لمناسبة حلول عيد ~~الفطر أو عيد الكعك كما يحلو لها أن تسميه، فانتهزت فرصة انفرادها بالرجل بعد الإفطار ~~وراحت تودع رمضان بكلام طيب مترحمة على عهده وختمت كلامها قائلة: لم يبق إلا ~~يومان، وبات الإنسان يشم رائحة الكعك الطيبة في الجو! # وكان يتوقع مثل ذاك الكلام، ويعلم أن المعركة آتية لا ريب فيها، وأنه مغلوب على أمره ~~مهما قال أو تشكى، ولكنه لم يتعود أن يضحي بقرش قبل أن يريح ضميره بالدفاع عنه، ~~فقال متذمرا: في مثل هذا الزمان لا يتشمم الناس رائحة الكعك، ولكنهم يسألون الله ~~الستر، وأن ييسر لهم ضرورات الحياة، أما أنت يا نينة فلن تزالي متلهفة على الكماليات ~~التافهة غير راحمة جيبي، يا هوه ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء! # فحدجته بنظرة تأنيب وإغراء، ثم أرعشت حاجبيها المزججين في ابتسام وقالت: آه ms080 منك آه، ~~لكم تغضب على أمك بغير سبب كأنها غير التي أحبتك ودللتك، أتدعي الفقر وأنت الخير ~~والبركة؟ .. أتتناسى أنه جاءت نوبتك لتدلل أمك؟ ولن أشق عليك يا زين الرجال فنحن نرضى ~~بالقليل إكراما لك! # وعلم أنها لن تيأس أبدا، ولن تني حتى تظفر بسؤالها فتأوه قائلا: أف ... أف! # فقالت مبتسمة: أف لعيد بغير كعك. أنستقبل العيد بلا كعك وأنت رجلنا؟! ~~- الكعك فرحة الأطفال. ~~- والرجال والنساء، والعيد عيد الناس جميعا. ألم تر إلى أبيك كيف جهز نفسه بعباءة ~~جديدة يصلي بها العيد؟ .. وكيف ابتعت أنت بدلة وطربوشا وحذاء مباركة عليك بسم الرحمن؟ ~~.. أما سروري أنا بالعيد ففي العجن والنقش ورش السكر والحشو بالعجمية. ~~••• # وفى الصباح الباكر من يوم الوقفة أخذ سمته إلى محطة مصر ليكون في انتظار الشاب ~~القادم. وكان الجو رطبا ولكنه محتمل البرودة، فجلس على أريكة على «رصيف الصعيد» ولم ~~يبق على قدوم القطار سوى دقائق، وتولاه ما يتولاه عادة من القلق إذا وجد بمحضر القطر ~~المردة فرآها تنفث الدخان وتطلق الصفير الحاد، ولم يكن استقبل قطارا قط ولا غادر حدود ~~القاهرة، ولا هزته رغبة في يوم ما إلى الارتحال والسفر، فتخيل السجن أخف على نفسه من ~~الإقامة في بلد نازح. ولا شك أن جفوله من ملاقاة العالم الخارجي هو الذي بث في روحه ~~كراهية الأسفار، ولكنه كان يفسر تلك الكراهية - كعادته في تفسير كل ما له شأن بسلوكه ~~وطباعه - بأنها سجية المفكر الذي يحب المعنويات ويزهد في المحسوسات، ألم يعش أبو العلاء ~~رهين المحبسين؟ وخفف من غلواء قلقه سروره بمقدم رشدي، شقيقه وابنه! وما ينتظر من معونته ~~على النهوض بالتبعات الملقاة على عاتقه وحده، وما يحدثه محضره من ألوان التسلية ~~والبهجة، وما لبث أن رأى الرءوس تتطلع نحو الجنوب، والنشاط والحركة يشملان المكان، فنظر ~~مع الناظرين فرأى القطار قادما متمهلا، وما عتم أن ذاع ضجيجه فاهتزت له جوانح ~~الأرض، وملأ منظره الأعين، وأخذ يقترب رويدا رويدا وقد امتلأت نوافذ عرباته بالرءوس ~~المتطلعة حتى وقف شاغلا الرصيف الطويل ms081 وهرع نحوه المنتظرون، وجرت عينا الكهل على ~~النوافذ وهو يزحم المتدافعين حوله حتى ظفر بضالته في مقدمة عربة من عربات الدرجة ~~الثانية، وكان الشاب القادم يعطي حقيبته لأحد الحمالين، فهتف أحمد باسمه ولوح له ~~بيده وهو يدنو من العربة، فالتفت الشاب إليه، ثم قفز إلى الأرض فصار تلقاء شقيقه، وسلم ~~الأخوان بحرارة، وشد أحمد على ذراع الشاب قائلا: حمدا لله على السلامة، كيف حالك ~~يا رجل؟! # فقال الشاب بسرور وقد تورد وجهه المتعب من وعثاء السفر: الحمد لله يا أخي .. كيف ~~أنت؟ .. كيف الوالدان؟ # وسارا جنبا لجنب نحو الخارج يعلوهما البشر، كانا ذوي طول واحد ونحافة متشابهة ~~ولا يخطئ الناظر إليهما أنهما شقيقان على ذبول الأكبر ونضارة الأصغر، فملامحهما ~~متقاربة، إلا أنها بلغت في وجه رشدي مداها من الحسن، وحال بينها وبين ذلك في وجه الآخر ~~إما انحراف أو تجهم أو إعياء، فلرشدي أيضا ذاك الوجه الطويل النحيل ولكن ليس له خدا ~~أحمد الذابلان، وسمرته - وإن اعتورها شحوب - صافية يجرى فيها ماء الشباب، وعيناه ~~مستطيلتان متباعدتان إلا أن حدقتيهما أوسع، ونظراتهما أنفذ، والتماعهما خاطف يدل ~~على حدة المزاج وروح الفكاهة والجسارة. سارا متكاتفين، وسرعان ما شعرا بدبيب الرغبة في ~~الكلام يتحرك في أعماقهما شأن المتقابلين بعد فراق طويل، فلم يدريا ماذا يتركان وماذا ~~يأخذان، ثم اهتدى الشاب إلى حديث فسأل أخاه: قبل كل شيء كيف حال نينة؟ ~~- كما تحب أن تكون، وما زالت تجري وراء رغبات الأطفال دون مبالاة بإرهاقي، فتقدم ~~يا بطل وخذ نصيبك! ~~- لم أنس نصيبي وأنا في أسيوط فابتعت لها حليا عاجية وطباقا فاخرة وبخورا لطيفا ~~أرجو أن يوافق «أسيادها» (وضحك ضحكة عالية) ... وأبي؟ .. كيف حاله؟ ~~- كعهدك به .. عبادة في البيت، وزيارات لبيوت الله؛ وها قد أدنتنا الظروف من سيدنا ~~الحسين فطوبى له! # فقال رشدي مبتسما: لكم أدهشني انتقالكم إلى الحسين! # وهنا بلغا فناء المحطة فأمسكا ريثما استقلا عربة، ونقد الشاب الحمال أجرته ثم سارت ~~العربة سيرتها الثملة المريحة تخترق ميدان المحطة المترامي الأطراف، فأجال الشاب فيه ms082 ~~عينيه العسليتين الجميلتين، فتخاطفت السيارات والعربات والترامات والمارة ناظريه، فنقر ~~بإصبعه على جبهته وقال: يكاد رأسي يدور، وكأني أرى الترام والمترو لأول مرة. أتذكر ~~نادرة الريفي الذي جاء مصر لأول مرة فلما أشرف على هذا الميدان ريع وفزع، ثم تراجع إلى ~~القطار وهو يقول متأسفا: «جئت متأخرا فأهل البلد يرتحلون!» # فضحك أحمد الذي تلذه فكاهة الشاب ونوادره وبساطته، ومن حسن الحظ أن رشدي لم يكن ~~«جامعيا» بالمعنى العميق - فلا يطرق موضوعات العلم ولا يذكر اصطلاحاته - وإلا لوجد ~~فيه نوعا من «أحمد راشد»، وأجمل من هذا أن الشاب كان من المخدوعين في ثقافة أخيه فظنه ~~عالما متفقها وآمن بعقله كما يؤمن به الآخر، أما أحمد فسر بإيمان شقيقه به، ورأى ~~فيه رمزا حيا لإيمان الجامعة المصرية بعبقريته العصامية! قال الشاب بحماس: القاهرة ~~نعمة من نعم الله، هي الدنيا والدين، الليل والنهار، الجحيم والجنة، الغرب والشرق، كان ~~النقل معجزة! ~~- لا بد أنك ضقت ذرعا بأسيوط! ~~- كما ينبغي أن أضيق ذرعا بأي مكان غير القاهرة! # فتفحصه بنظرة ثاقبة وقال: السجن مفيد لأمثالك، ومع ذلك فإني لا أرى آي الراحة في ~~وجهك! # فابتسم الشاب عن أسنان بيضاء منتظمة وقال كالساخر: إذا اجتمع موظفان في بلدة كانت ~~مائدة القمار ثالثهما! # فتنهد أحمد قائلا: أقضي أن تحرم من نعمة النوم أبدا؟! ~~- نعمة النوم؟! .. النوم في الحقيقة نقمة! .. إنه اختلاس جزء طويل لا يقوم بمال ~~من حياتنا القصيرة! ~~- أنت لا تدري مما تقول شيئا! ~~- أنت يا أخي رجل حكيم، وأنا شاب مجنون، وهذه هي فلسفة المجانين. ~~- إذن ستعود إلى ... ~~- بإذنه تعالى! ... قابلت في أسيوط رجلا مولعا بالضحك كان يقول إن غذاء الصحة الحقيقي ~~هو المرح، فإذا صح ذلك فالعربدة من أنفس الفيتامينات! ~~- وإذا لم يصح؟! ~~- فلندع الله أن يكون صحيحا، ولكن قل لي متى كنت سمينا؟! ~~- أنت تعلم أني لا أكف عن التفكير والدراسة! ~~- هذا حق، وربما كانت النحافة أيضا طبيعة في أسرتنا! ~~- ووالدتك؟! # فضحك رشدي حتى بدت نواجذه، وخلع طربوشه عن شعر أسود لامع ينشق وسطه ms083 عن مفرق أبيض ~~جميل، وقال وقد رقق الحنان نبرته: ولكنها صناعة العطار! كم شاقتني رؤيتها! أما تزال ~~تذكر الزار؟ # فقال أحمد بتأفف: كفت عن ذكره صراحة، ولكنها ربما شكت - عرضا - قسوة من حالوا بينها ~~وبينه! ~~- أمنا لطيفة كالملائكة لأنها لا تغضب، ولا أكاد أذكرها إلا راضية أو ~~ضاحكة. # فابتسم أحمد، واستطرد رشدي: والعفاريت عقيدة وإن لم يتفق لي رؤية أحدها على طول ~~عهدي بالطرقات المقفرة في الهزيع الأخير من الليل. ~~- الإنسان هو شر العفاريت، انظر إلى الحرب! # فضحك رشدي، وذكرته الحرب بأمر الانتقال من السكاكيني، فقال: هكذا أجبرنا الإنسان ~~العفريت على هجر حينا القديم، يا عجبا ... ألا تعلم يا أخي بأنه لم يسبق لي أن رأيت خان ~~الخليلي هذا! # فنبه ذكر «خان الخليلي» في قلب الكهل سرورا عميقا، وهز نفسه حنانا فقال: ستراه ~~صباح مساء! ~~- أكان الحال خطيرا لحد أوجب الهجرة؟ ~~- نعم كان، وحسب كثيرون الغارات ستستمر بوحشية تودي بالقاهرة، كما أودت بلندن ~~وروتردام ووارسو، ولكن الله سلم، وكان الوالد في إعياء خطير فلذنا بالفرار! # فهز الشاب رأسه أسفا، ولاحت منه التفاتة إلى الطريق فرأى ميدان الملكة فريدة ~~والعربة تعبر جناحه إلى شارع الأزهر! فدعا منظره ذكريات مواعيد غرام لا تنسى، هفت على ~~قلبه، كما تنسمت ريح على جمرات ناعمة، فابتسمت أساريره وهزه الطرب. ثم استطرد متسائلا: ~~وكيف وجدتم المقام الجديد؟ # لو طرح عليه هذا السؤال قبل لما وسعه الكلام ذما وقدحا، أما الآن! ~~- انتظر حتى تراه بنفسك يا رشدي، وستألفه ولو بعد حين. ~~- والجيران؟! ~~- أوه ... غالبيتهم من أهل البلد ولكن كثيرين من سكان العمارات الجديدة من ~~طبقتنا! ~~- وهل وجدت فيه مكانا صالحا للتفكير والدراسة؟ # فسره السؤال، كما ينبغي أن يسره كل ما يذكره بأنه «مفكر»، وقال: يقول المثل «البس لكل ~~حال لبوسها» ولذلك تجدني أفضل أن أمضي أول الليل في القهوة مع بعض الصحاب الجدد، حتى ~~إذا كف الراديو أو سكتت الضوضاء عدت إلى حجرة الدراسة! # فضحك رشدي قائلا: أعرفت أخيرا الطريق إلى المقاهي؟ # فقال الأخ مبتسما: تلك مقتضيات ms084 المقام الجديد! # ووقفت العربة عند مدخل خان الخليلي، فغادرها الرجلان وتبعهما الحوذي حاملا الحقيبة، ~~ولما ولجا التيه قال أحمد: انتبه جيدا إلى ما يحيط بك، واحفظ المسارب عن ظهر قلب وإلا ~~ضللت في معارجها! # واقتربا من العمارة، ورأى أحمد أمه تطل من نافذة حجرته فلكز شقيقه في ذراعه مشيرا ~~إلى النافذة، فرفع الشاب رأسه فوجد أمه وقد عصبت رأسها بمنديل بني وأخذت زينتها كأنما ~~هي عروس تتصدى لعريسها، وما إن التقت عيناهما حتى فتحت له ذراعيها تدعوه إلى حضنها، ~~وقبل فوات دقيقة كان بين ذراعيها البضتين في عناق حار. # 17 # وجلسوا جميعا حول المائدة - وقد جاء أبوه أيضا ولثم الفتى ظاهر يده - وأخذوا بأسباب ~~الحديث في شوق ولذة، فتكلم الشاب عن أسيوط وأهلها والغربة والحنين إلى الأهل والوطن، ~~وتكلم الأب عن الغارة والمشاعل التي أسقطتها الطائرات، وحدثته أمه عن جارتها والمعلم ~~نونو وأزواجه الأربع، ثم لاحظت المرأة أن وزنه لم يزد رطلا واحدا، وانتقلت إلى الكعك ~~فبشرته بأنه سيأكل كعكا لذيذا لن يذوق مثله أحد في مصر جميعا، ثم سارت أخيرا بين ~~يديه إلى حجرته. وعندما خلا الشاب إلى نفسه لم يعد يحاول إخفاء استيائه فلاحت أماراته ~~في وجهه الجميل، وقد انقبض صدره منذ رسم الخطوة الأولى على عتبة خان الخليلي، فلما دخل ~~الشقة هاله ضيقها، وأيقن أنه لن يطمئن له جانب في هذا المقام الجديد، وضاعف من سخطه أن ~~أصحابه جميعا في السكاكيني وما حوله وأنه سيرغم - بعد قضاء سهرته بينهم - على قطع طريق ~~طويل إلى هذا الحي، ثم على التخبط في طرقاته الضيقة ليلا وهو ثمل! ونفخ من الغيظ، ~~ووطن نفسه على حمل آله على العودة إلى بيتهم القديم أو إلى آخر قريب منه مهما كلفه ~~ذلك. ثم فتح حقيبته واستخرج ما فيها، ومضى يهيئ صوان ملابسه مترنما - كعادته - بإحدى ~~أغنيات عبد الوهاب، وغير ملابسه ثم غادر الحجرة إلى الحمام - وهو يواجه الحجرة على ~~الناحية الأخرى من الردهة الطويلة الضيقة - فاستحم بالماء البارد ليزيل عن نفسه غبار ~~السفر ms085 ونصبه، وعاد إلى حجرته أجمل منظرا وأطيب نفسا، وأغلق الباب وراءه - ليعلو صوته ~~بالغناء إذا أراد - وفتح النافذة، ودهن شعره بالفزلين وسرحه بعناية فائقة، وتعطر ~~برائحة البنفسج الأثيرة لديه فصار في أحسن حال، وانجذب نحو النافذة فدلف منها ليرى على ~~أي منظر تطل، فرأى الممر الضيق في الأسفل يؤدي إلى خان الخليلي القديم، واعترض مدى بصره ~~فيما يواجه جناح العمارة الثاني، فضاق صدره وخال أنه رمي به إلى أعماق سجن، أين من هذه ~~النافذة نافذة حجرته بشارع قمر المشرفة على ميدان السكاكيني حيث لا تغيب عن عين الناظر ~~أسراب ظباء اليهود، وتنهد محزونا، ثم أجال بصره فيما حوله، فانجذب البصر نحو نافذة ~~تقابل نافذته من عل - على جناح العمارة المواجهة له - انفتحت على مصراعيها، وظهر فيها ~~وجه فتاة، وجه حسن تزينه عينان تقطران خفة وسذاجة، فالتقت عيناهما، في نظرة إنكار من ~~ناحيتها ونظرة تفحص - تفحص الصائد لصيد اعترضه - من ناحيته، ثم شق عليها تفحصه الثاقب ~~فخفضت بصرها وتراجعت في استحياء، فابتسم ابتسامة رقيقة وانبسطت أسارير وجهه متأثرا ~~بملاحة محياها وتحير نظرتها العذبة، ولم يزايل مكانه ولا حول عينيه عن النافذة منتظرا ~~عودتها، لأنه من الطبيعي - في نظره - أن تحاول معاودة النظر إلى جارها الجديد ذي النظر ~~العارم بغير تردد ولا حياء، ولبث على حاله من النظر والانتظار تحدوه رغبة وصبر وعناد، ~~حتى ظهر رأس الفتاة مرة أخرى في حذر، فالتقت العينان خطفا، ثم تراجعت الفتاة فيما يشبه ~~الضجر، فضحك ضحكة خافتة وتحول عن النافذة مبتسما راضيا، ثم جلس على كرسي مكتبه الصغير ~~مغمغما: «هذا أول شيء حسن نصادفه في حينا البائس!» وتفكر قليلا وهو ينقر بإصبعه على ~~مكتبه وقال لنفسه: «هي جارتنا بغير شك ... وحجرتها جارة لحجرتي!» واستدعى صورتها فأقر لها ~~بالحسن والخفة، وسر بها سرور إنسان بشيء نفيس صارت ملكيته إليه، وكان في الحب ذا ثقة ~~بنفسه لا حد لها، ثقة مرجعها السير من فوز إلى فوز، وبطانتها صبر طويل وإرادة لا تلين ~~ولباقة في الطبع والصنعة، فربما صبر ms086 - دون أن يكف عن الإلحاح والسعي والمطاردة - يوما ~~بعد يوم وشهرا بعد شهر وعاما - إن شئت - بعد عام حتى يظفر ببغيته. ومن أقواله ~~المأثورة في الغزل: «لا يجوز لمن يتصدى للحب أن يعرقل «جهاده» بالحياء أو بالجزع أو ~~بالخوف، انس كرامتك إذا كنت في أثر امرأة، لا تغضب إذا عنفتك ولا تحزن إذا سبتك، ~~فالتعنيف والسب من وقود الحب، وإذا ضربتك امرأة على خدك الأيسر فأدر لها خدك الأيمن، ~~وأنت أنت السيد في النهاية!» وقد حمله الهوى يوما على مغازلة فتاة شموس ذات صون وإباء ~~فلما أن طال به المطال دون لين من جانبها أو ميل قال لها بهدوء: «أنا رذل سمج بارد ~~لحوح، هيهات أن تقصيني نظرات التأديب أو كلمات التأنيب، كلا ولا الضرب ولا الشرطة، ~~وسأرغمك على تكليمي اليوم أو غدا أو بعد غد أو بعد عام أو بعد قرن، فاختصري الطريق ~~ما دامت النهاية محتومة!» هكذا كان. وقد جلس متفكرا يسائل نفسه: ترى أي نوع من ~~الحسان هي؟ .. أجسورة مستهترة يشق على المغرم ترويضها؟ أم محنكة مجربة يستحيل اللعب ~~بها؟ أم ساذجة حيية تجشم الصبر محبها؟ وما من شك في أن خان الخليلي يغدو محتملا ~~لطيفا بفضل هذه الأنثى وشبيهاتها. ثم وضع راحتيه حول قذاله كمن ينوي الصلاة وتمتم ~~قائلا: «بسم الله الرحمن الرحيم، نويت الحب، والله المستعان!» # واعتزم الحب حقا، ولكنه لم يدر له بخلد أي طعنة وجهها - باعتزامه - إلى سعادة ~~شقيقه الأكبر الذي يحبه ويجله. # 18 # وأسلم جسده للرقاد بعد ليلة شاقة - قضاها في القطار - فلم يطرق النوم فيها جفنيه إلا ~~لماما، واستيقظ من نومه العميق عند منتصف الرابعة مساء، فجلس في الفراش متثائبا ~~مفتحا عينيه - لأول مرة منذ عام - على نور القاهرة الضاحك. تذكر أمر نقله من أسيوط ~~فطاب نفسا واستلذ الذكر، وكانت تغشى الحجرة سمرة قاتمة فنهض إلى النافذة وفتحها، وذكر ~~لتوه الفتاة السمراء المليحة، فصعد بصره إلى نافذتها، ولكنه وجدها مغلقة، فغادر الحجرة ~~إلى الخارج وكان أبوه نائما، وأمه تنظف السمك تهيئة ms087 لقليه، فوقف على عتبة المطبخ ~~يحادثها قليلا، ثم مضى إلى حجرة أخيه، وكان الكهل واقفا وراء النافذة فلما شعر بمجيء ~~أخيه تحول عنها بسرعة - ولم يدر الآخر كم كلفه ذلك - وتلقاه بابتسامة حلوة، ثم ~~جلسا معا، أحمد على الشلتة ورشدي على الكرسي. # وتحادثا حديث أخوين متحابين جمع بينهما اللقاء بعد أن كانا شتيتين. ذكر رشدي ما علم ~~قديما من رغبة شقيقه في التأليف فسأله: ألم تشرع في التأليف يا أخي؟ # فوخزه السؤال، ولكنه لم يعي بالجواب فقال: رأسي مترع بالمعارف، فأيها أختار وأيها ~~أدع! والحقيقة أنني لو أردت التأليف ففي وسعي أن أملأ مكتبة كاملة! ولكن ما الداعي لمثل ~~هذا الجهد؟ .. هل يستأهل هذا الشعب التأليف بمعناه الحق؟ .. هل يمكن أن يهضمه؟ إلا أنهم ~~رعاع يقرءون رعاعا! # فقال رشدي وكان يؤمن بما يقول أخوه دائما: خسارة أن تضيع أفكارك القيمة! # فقال أحمد وكان يؤمن كذلك بما يقول، كأنه نسي ما يدور بينه وبين أحمد راشد من نقاش: ~~أنا من السابقين لزمنهم، فلا يرجى لي أي تفاهم مع الناس، فلكل شيء في الدنيا عيوب حتى ~~التعمق في العلم! ~~- ولكن هل ترضى يا أخي أن يضيع هذا الجهد العظيم بلا أثر ينتفع به الناس؟! # فسر الكهل بكلامه سرورا عوضه عن ترك النافذة منذ حين، وقال: من يعلم يا رشدي؟ ~~فعسى أن أعدل عن استهانتي يوما ما! # ولبثا يتحدثان حتى انطلق آخر مدفع إفطار، ثم جمعتهم مائدة رمضان الأخيرة فقدمت صحاف ~~السمك التقليدي وأكلوا مريئا وشربوا هنيئا. وبعد شرب القهوة مباشرة ارتدى رشدي بدلته ~~وغادر البيت لا يلوي على شيء، وقد أراد أن يصل إلى كازينو غمرة في الوقت المناسب، أو ~~بمعنى آخر أن يبلغه قبل أن يتحلق أصحابه - وهم يجتمعون بالكازينو كل مساء للشراب ولعب ~~الورق - المائدة الخضراء، وفي التعجيل حكمة لا تخفي على من كان مثله، فليس من شأنه أن ~~يجد مكانا حول المائدة فحسب، ولكن اللاعبين - كذلك - إذا انهمكوا في اللعب لم يحفلوا ~~باستقبال قادم ولو كان قدومه بعد فراق ms088 عام كامل! وأجمل ما يجودون به تحية مقتضبة ~~وعيونهم لا تفارق الورق، فإذا اضطروا إلى قطع اللعب لمجاملة قاسرة فويل للقادم من لعن ~~ضمائرهم وسخط سرائرهم، وفضلا عن هذا فالداخل على لاعبين - أثناء لعبهم - يعد يمنا على ~~الفائزين وشؤما على الخاسرين، فلن يخلو الحال قط من أن يجد فريقا يرمقه شزرا. وقد ~~اكتسب بعض إخوانه - بسوء المصادفات - سمعة سيئة، منهم محام شاب يقول عنه الصحاب إنه ~~إذا وجد بمقربة من لاعبين خسروا جميعا ولم يربح أحد! والمقامرون شديدو الحساسية، ~~كثيرو الوساوس، يؤمنون بالطيرة ويعبدون الحظ، وقد استقل ترام الأزهر والذكرى ترجع به ~~إلى زمان تلقينه مبادئ المقامرة، كان ذلك وهو في أولى سني دراسته بكلية التجارة، فدعي ~~إلى اللعب على أنه تسلية بريئة للفراغ، ثم رأى أن يراهنوا على ملاليم، لا لمطمع في ربح؛ ~~لأن المليم عملة تافهة، ولكن لتأريث الحماس وبعث الاهتمام، وسرعان ما صعدت الأرقام حتى ~~أتت على ما في جيوبهم جميعا، واستبدت بهم شهوة اللعب استبدادا نساهم الوقت والواجب ~~والمستقبل، فالقمار تسلية مخيفة ولذة أليمة وشهوة مجنونة، هو معابثة الغيب، ومراودة ~~الحظ، وطرق باب المجهول، ودغدغة غرائز الخوف والهجوم والتطلع والمجازفة والطمع، ثم إنه ~~بعد ذلك صدى لذاك الشعور - شعور كفاحنا اليومي - المستمد مما نبذله من قوة وتقدير في ~~معالجة الحياة، وما نخاطب به الأقدار المسيطرة علينا، وما نرجوه من الحظ والظروف ~~الملابسة لنا، وما يتعاقبنا من الظفر والخسران، ولكم تمنى في أحايين كثيرة لو لم ~~يفارق المائدة طوال عمره! ومن عجب أنه ما من مرة فصل عن المائدة - في ختام ليلة متعبة ~~مرهقة - إلا وتمنى لو يتوب الله عليه، فإذا أزف الميعاد في اليوم الثاني هرع إلى ~~الكازينو لا يلوي على شيء، وهكذا تمكن الداء العضال منهم جميعا وانقلب القاتلون للوقت ~~ضحايا! وصار واحدا من المقامرين في عبادة الحظ والخضوع للطيرة، فربما قال لنفسه وهو ~~يهم بفتح النافذة في الصباح: «إذا لقيت عددا زوجيا من السابلة فالحظ معي أما إذا كان ~~فرديا فاليوم خسارة!» أو ربما ms089 حادث نفسه وهو ماض إلى مائدة الإفطار: «إذا وجدت فولا ~~بسمن فاليوم رابح أو فولا بزيت فاليوم خاسر !» وانقطع تيار الذكريات عندما غادر الترام، ~~ثم استقل الترام رقم10، فجرى به في الطرق المؤدية إلى حيه القديم، فاستثار حنانه، ولما ~~شارف السكاكيني شعر بألم نبيل ووجد شريف يقرضان في شغاف قلبه، وغادر الترام واتجه إلى ~~الكازينو، وفي المكان المعهود من الحديقة رأى الأصدقاء - أو رأى أشباحهم لأن الظلام كان ~~تاما - فأدرك أنه وصل في الوقت المناسب - قبل أن يذهبوا إلى بهو اللعب - وأخذ يقترب ~~منهم مبتسما حتى صار في وسطهم، فعرفوه وصاحوا معا: رشدي عاكف! أهلا بقلب ~~الأسد! # وسر بسماع لقبه العزيز - وقد عرف به بين اللاعبين لكثرة مجازفاته - وتعانقوا ~~عناقا حارا، وكانوا جميعا - مثله - في منتصف العقد الثالث، منهم من زامله في ~~المدرسة أو من نشأ معه في السكاكيني، وكانوا جميعا في المجون والإباحية والاستهتار ~~والعربدة شخصا واحدا. قال أحدهم: أهكذا لا نراك إلا مع العيد وقد كنا لا نفترق ليل ~~نهار! # فقال رشدي ضاحكا وهو يتخذ مجلسه: ستراني منذ الليلة كل يوم، أو منذ اليوم كل ليلة ~~على الأصح! # فسأله آخر: وكيف كان ذلك؟ ~~- صدر أمر بنقلي إلى القاهرة! ~~- ولن ترجع إلى أسيوط؟ ~~- لا. ~~- الله لا يرجعك! # وسأله ثالث: وكيف سلوت عن المائدة عاما طويلا؟! .. لكم أوحشتنا نقودك! ~~- لأسيوط موائدها، أما عن الأخرى فالشوق متبادل! # ودار الحديث عن أسيوط، حتى سألهم بلهفة: كيف تسهرون هذه الليلة؟ ~~- كالليالي التي سبقتها، سننتقل عما قريب إلى البهو الداخلي. ~~- هذا جميل، ولكن ماذا تقولون في كأسي كونياك أو ثلاثة؟ ~~- أو أربعة أو خمسة؟ ~~- أو ستة أو سبعة؟ # ولكن واحدا منهم قال مقترحا: العيد غدا فلنؤجل السكر إلى غد! ~~- لا نؤجل عمل اليوم إلى غد! # وسأله سائل: وكيف الفسق في أسيوط؟ # فقال رشدي: أما عن هذا فلا، هناك عفة بالإكراه! ~~- الحال هنا بات قريبا من الريف، فجنود الحلفاء يلتهمون اللحوم والفاكهة ~~والنساء! # وقال آخر: واليهوديات عرفن أخيرا مزايا اللغة الإنجليزية! ~~- تراهن يرفلن في الحرير ms090 فإذا اعترضت سبيل إحداهن رمتك بنظرة شزراء وقالت لك بلهجة ~~أسكتلندية صميمة: # Behave like a gentleman, please. ~~- الخادمات يا سيد رشدي، سقيا لعهودهن، هجرن المطابخ إلى الكباريهات! ~~- كانت الحرب فرصة طيبة لاكتشاف مواهبهن الفنية! # قال رشدي - كالمتحير - مبتسما: والعمل؟! ... هل نشرع في الزواج؟! ~~- إذا طالت الحرب، وازدادت الحال سوءا على سوء، فلن يبقى أعزب غير أنا وأنت! ~~- يا إخواني لقد ظلمتم بعض اليهوديات وبعض الخوادم، والحقيقة أنهن هالهن ما رأين من ~~عدم اشتراك الأمة في الحرب فساهمن في قضية الحلفاء بأعراضهن! ~~- وبذلك صارت المرأة أغلى من السماد! ~~- بل أعز من الفحم! ~~- وغدا إذا وضعت الحرب أوزارها، فماذا يفعلن؟! ~~- تصير المرأة أرخص من اليابانية! ~~- ويصير العشق بالجملة، فيصيد الشاب في ليلة واحدة ثلاث نساء - مثلا - واحدة للقبل ~~وأخرى للنجوى وثالثة للمداعبة ... إلخ. ~~- إلا إذا تدخلت الحكومة في سوقهن للمحافظة على الأسعار! # وضحك رشدي ضحك إنسان حرم شهود هذا المجلس عاما بغير نقصان، ولبثوا يشربون ويتسامرون ~~حتى وافت التاسعة، فنهضوا إلى بهو اللعب المحبوب، وفي تلك الليلة ربح رشدي مبلغا ~~كبيرا - أو هكذا يعد بينهم - فبلغ ربحه قبيل منتصف الثانية عشرة، ثلاثة جنيهات، ~~وأضاف إليها ثلاثين قرشا حين شارفت الثانية عشرة - وهو موعد انتهاء السهرة - ثم انفضوا ~~من حول المائدة، وبدا أثناء اللعب فرحا مسرورا، لأنه ممن تقرأ سرائرهم على صفحات ~~وجوههم، وجعل يترنم بصوت حنون كالمناجاة، ولم يمسك عن الترنم حتى حين صاح به أحد ~~الخاسرين: «اصمت يا أخي فصوتك يهيج أعصابي!» وعلى أثر انطلاقهم في الطريق اقترح أحدهم ~~قائلا: ما رأيكم في أن نكمل اللعب في بيتنا؟ # فقالوا في صوت واحد: وهو كذلك! # فسأل المقترح رشدي قائلا: وأنت؟ # فقال الشاب ضاحكا: أوافق تحت شرط أن تطلقوا لي حرية الغناء! # ومضوا إلى بيت الداعي في شارع أبو خوذة، وهيئوا المائدة، واستأنفوا اللعب بنهم لا ~~يعرف الشبع، ودفئت الحجرة المغلقة النوافذ بأنفاسهم، والتهب الكحول بأفئدتهم، فتصببوا ~~عرقا، وعندما دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل قال بعضهم: حسبكم لعبا وإلا قضينا ~~نهار العيد ms091 الأول نائمين! # فكفوا عن اللعب، وقد خسر رشدي ربحه جميعا وثلاثين قرشا أخرى! # وقال له أحدهم متهكما: كيف لم تتمتع بما منحناك من حرية الغناء؟! # وضحكوا جميعا، فدارى بكياسته غضبه وجاراهم في ضحكهم، وودعهم عند ذاك ومضى إلى ~~العباسية، وقد انقطعت المواصلات جميعا، مدلجا من طريق الحسينية، ووجد الطريق خاليا ~~والسكون مطبقا والظلام جاثما، وكان جسده ساخنا مبتلا بالعرق وحلقه يابسا، فاصطدم ~~برطوبة كثيفة يزفرها الخريف بغزارة - خاصة - في الهزيع الأخير من الليل، وما عتم أن سرت ~~في أطرافه قشعريرة باردة، ولسعت البرودة صدره، وزكم منخره، وكانت ليلة السرار وقد ~~احلولك غبشها، وضاعف من غلظه انتشار سحاب دثر النجوم الساهرة، فلاحت المنازل القديمة ~~على جانبي الطريق كأشباح جالسة القرفصاء ذاهبة في سبات عميق، وجعل يحدث نفسه: أما كان ~~الأجدر أن يعتذر عن عدم المضي معهم إلى البيت؟ ولكن هيهات أن يلهم الحكمة يوما ما! ~~بيد أن أسفه كان ضعيفا كإرادته سواء بسواء، فالمقامر المدمن يلقى الخسارة عادة بهدوء ~~ولن يعدو الأمر في نظره التسليم في يومه وعقد الرجاء بغده، وتنبه إلى طول الطريق ~~وقذارته فتأوه مغيظا محنقا، ولما بلغ مدخل خان الخليلي ذكر وصف شقيقه للطريق «ثاني ~~ممر على اليمين وثالث باب على اليسار» وتلمس سبيله في الظلمة حتى انتهى إلى العمارة، ~~ومضى إلى حجرته بأقدام خفيفة وأضاء المصباح، وما إن وقعت عيناه على النافذة المغلقة حتى ~~تذكر النافذة التي تشرف عليها من عل، وجاد ثغره بأول ابتسامة صادقة منذ منتصف الليل، ~~وطاف بمخيلته الوجه الأسمر المليح، فتأسى عن هموم الليلة جميعا، وتمتم قائلا: «إذا ~~كان سوء الحظ مؤلما فحسنه غير منكور.» وغير ملابسه، ودلف من مكتبه فاستخرج من أحد ~~أدراجه كشكول مذكراته، وجلس ليدون خاطرة، قبل النوم ... # 19 # وكان الأب أول المستيقظين، فتوضأ، ثم غادر البيت حين الفجر ميمما المسجد لصلاة ~~العيد، فاستقبل أول نسمة من نسمات اليوم الجديد، ورأى الفجر الجميل يضج بجموع القاصدين، ~~يخوضون أمواجه البنفسجية الحالمة مسبحين بحمد الله العلي. # وكان أحمد ثاني المستيقظين، فنهض نشيطا ms092 حبورا، وحلق ذقنه بعناية، وارتدى جلبابا ~~جديدا وطاقية جديدة، ثم وافته أمه إلى حجرته وقد مشطت شعرها وأخذت زينتها، فقبل ~~يدها، وقبل خدها، وقبلت خديه ، ودعت المرأة للأسرة بالعمر المديد والسعادة ~~والرفاهية، ومضيا معا إلى الصالة وجلسا جنبا إلى جنب يتحدثان وينتظران بقية الأسرة، ~~من انطلق يبتغي مرضاة الله، ومن يغط في نومه غطيطا، وعاد الأب بعد مشرق الشمس بقليل، ~~فدخل عليهما يرفل في عباءته الفضفاضة، وما يزال يبسمل ويحوقل، فمثلا بين يديه، ولثمت ~~الزوجة يده، وفعل أحمد مثلها، فهنأهما الرجل بالعيد، وجلسوا جميعا وهو يقول: كل عام ~~وأنتم بخير، ربنا يجعله عيدا سعيدا لنا وللمسلمين كافة. # ورمى ببصره الذابل إلى آخر حجرة في الشقة وقال كالمتهكم: هل استيقظ الغلام أو أنه لم ~~ينم بعد؟! # فبادرت المرأة للدفاع - كعادتها - قائلة: تأخر الغلام أمس لأنه لقي إخوانه بعد فراق ~~عام، ولأنه عاد بطبيعة الحال ماشيا على قدميه. # على أنه لم يطل بهم الانتظار، فانفتح باب الحجرة الأخيرة ومرق منه الشاب إلى الحمام ~~الذي يقابله، وأقبل نحوهم - قبل مضي ربع ساعة - يخطر في بيجامته وقد سرح شعره الأسود، ~~وتعطر بشذا البنفسج، وبدا وجهه مائلا للشحوب إلا أنه يقطر منه حسن الشباب ورواؤه، ~~وتألق ثغره بابتسامة حلوة لا يضيء بمثلها في الأسرة إلا ثغر والدته الطروب، وتجاهل ~~الشاب ما ينطوي عليه والده من الانتقاد فاقترب منه، وانحنى على يده، وقبلها باحترام، ~~وانثنى إلى والدته فقبل يدها وخدها، ثم لثم جبين شقيقه، وبسطت الأم راحتها وقالت ~~ضاحكة: عيديتي يا سادة وكل عام وأنتم بخير! # وقد تعود كل منهم أن يعطيها نصف جنيه عيدية، فكانت تفرح بعيديتها فرح الأطفال، بل ~~تنفقها كما ينفقها الأطفال، فتبتاع ما تشتهيه نفسها من الشيكولاتة والملبس. # ثم أحضرت فطار العيد - كعكا وحليبا - فأقبلوا عليه في غبطة. والصائم يشعر عادة ~~بغرابة وإنكار وحذر وهو يتناول أول لقمة صباح العيد، ثم يصيب من طعامه جذلا مسرورا، ~~فليس أجمل وقعا في النفس من لحظة سعيدة تفصل بين واجب قامت بحقه وتصبرت على أدائه ms093 ~~وبين تمتعها بلذة الجزاء وراحة الضمير. وتناولوا الكعك بأناملهم، وقضموه بلذة حتى رسم ~~دوائر من السكر حول أفواههم، ثم أساغوه بالحليب، وما زالوا حتى شبعوا ، وقالت الأم بلهجة ~~أسيفة، تكلفتها لتستوهبهم الثناء والإطراء: يا حسرتاه على أيام السلم حين السمن سمن ~~والدقيق دقيق والكعك كعك! # وأدرك رشدي ما ترمي إليه والدته فقال بلباقته المعهودة: كعكنا لذيذ فلا يدع لنا حاجة ~~للتحسر على سواه! # وتفرقوا في الحجرات، وعاد أحمد عاكف إلى حجرته، وكان قلب الكهل يخفق بروح الشباب ~~النشوان، بل كان كذلك منذ كاشفته بتحية الوداد ليلة القدر فلم تغب عن مخيلته قط صورة ~~شبحها الرقيق وهي تجود بإيماءة السلام، ولا خمدت بعد ذلك العواطف التي بعثتها تلك ~~الإيماءة الساحرة فرح الكهل، واستخفه الطرب، وهيأ له مرحه وطربه أنه سيسترد شبابه ~~الريان فيخضر غصنه الباهت ويجري فيه ماء الحياة الدافق، ويسود فؤاده، وتغشى صلعته ~~لمة فينانة، وتغزر أهداب عينيه فتكحل أشفارهما المشربة بالاحمرار بيد أنه لم تقع ~~عليها عيناه منذ تلك اللحظة السعيدة، وتغيبت عن موعدها المألوف المحبوب، فلم يشك في أنه ~~الخجل الذي يتشجع بالظلمة ويفر من ضوء النهار، فدرت أضلعه حنانا وعطفا - ومن أدرى ~~به منه بأهوال الخجل - وسر سرورا كبيرا إذ وجد أخيرا من يستتر عنه - هو - حياء! ~~ولكن هذا صباح العيد وقلبه يحدثه بأنها لن تبخل عليه بنظرة تسر الروح وتحيي الأمل، وها ~~هو يرفع رأسه فيرى الشرفة مفتوحة على مصراعيها والشمس تغمرها فيشي لألاؤها بالوجه الذي ~~أطل منها، ولبث ينتظر مجيلا بصره في الحي الفرحان بالعيد، وقد بثت روح العيد في كل ~~شيء فتراها في الألوان وتسمعها في الجو وتشمها مع الهواء، وغدا ذاك التيه - الذي تحده ~~العمارات - يرقص فرحا ويغني طربا ويبعث بحرارة اللذات، جري الأطفال هنا وهناك ~~بثيابهم المزركشة ذوات الألوان الفاقعة، وتطايرت وراءها الضفائر والشرائط، وهتفت ~~الزمارات، وفرقعت قنابل السلام، ولاكت الأفواه الحلوى والنعناع، وملأت الأناشيد ~~والأغاني الأسماع، واكتظت المقاهي بأهل المدن والريف، فازدهت الأرض عيدا والسماء، ~~وتصفحت عيناه المناظر والوجود بعقل غائب، ms094 حتى جوزي على صبره أجمل الجزاء فرأى فتاته ~~تبرز من باب الشرفة في أبهى حلل، فصعد إلى وجهها الأسمر الجميل ناظريه، وتشجع على غير ~~مألوفه فلم يطرق، وابتسم وفؤاده يغلي من شدة الخفقان، وأحنى رأسه انحناءة خفيفة، وكانت ~~ترنو إليه بعينيها النجلاوين، فابتسمت ابتسامة حلوة ردا على تحيته، ولم تحول عينيها ~~عن عينيه فتولاه الاضطراب والحياء وأوشك أن يفقد شجاعته، ولكنها ابتسمت إليه مرة أخرى ~~وتراجعت في خفة حتى اختفت عن ناظريه، فتنهد بارتياح وسرور، ومناه الأمل أن يراها مرة ~~أخرى فيفوز بابتسامة ثالثة ولكن خادما جاء متعجلا وأغلق باب الشرفة، فشعر بخيبة ~~وأسف، ثم ابتعد عن النافذة، وكانت الساعة تقترب من التاسعة فذكر أنه على موعد مع الصحاب ~~في الزهرة - صار أخيرا من أصحاب المواعيد في القهوات - فارتدى ملابسه الجديدة - البدلة ~~والطربوش والحذاء والقميص - ونظر إلى صورته في المرآة فأعجبته جدته وأناقته، وذكر ~~أيام شبابه الغابر - قبل أن يعبس له الزمان - حين عرف دهرا بالأناقة! وغادر البيت ~~جذلا طروبا، فسار متمهلا ثملا بخمر الأمل والأحلام، يسائل نفسه في حيرة الفرحان: ~~«وماذا بعد الابتسام؟ ... ماذا بعد يا دهر؟!» # 20 # ورجع رشدي إلى حجرته، فأشعل سيجارة وراح ~~يدخنها وراء النافذة مصوبا بصره نحو النافذة المرموقة، متوقعا بين آن وآخر أن ~~يلمح جارته الحسناء، وصدقه الأمل فلاحت الفتاة في النافذة بفستانها الجديد وعلى كتفيها ~~معطف رمادي، إلا أنها تراجعت في غير إبطاء كأنما تفر من نظرته الثاقبة. ولمح الشاب ~~المعطف فخطر له أنها متهيئة للخروج، فدلف إلى المشجب بغير تردد وأخذ في ارتداء ملابسه، ~~وغادر البيت بعد دقائق معدودات وساءل نفسه أين يحسن أن ينتظر؟ ... وذكر لتوه الممر الضيق ~~الموصل بالسكة الجديدة، وسار نحوه مسرعا، ثم توقف، عند موضع اتصاله بالطريق، على ~~الطوار، وكان الشارع يضطرب بتيارات السابلة وقد انحدرت من الدراسة العربات الكارو غاصة ~~بالغلمان والبنات يغنون ويرقصون ويطبلون، فلبث في مكانه عينا على الشارع المائج تنظر ~~في ابتسام وعينا على الممر تترقب في رجاء، وكان خبيرا بأمثال ذاك الموقف فلم ms095 يساوره ~~الجزع، بيد أن الحال لم يقتضه صبرا طويلا فما عتم أن رأى فتاته تبدو في أول الممر ~~يسير لصقها غلام عظيم الشبه بها، فتشاغل عن النظر إليها بإشعال سيجارة وهو لا يشك في ~~أنها تراه، ولكن هل أدركت يا ترى أنه ينتظرها؟ ثم تبعها عن بعد قريب في طريقها إلى ~~الأزهر، فرآها جميلة لأول مرة، وبدت في السادسة عشرة على أكبر تقدير، متوسطة القوام ~~رشيقة اللفتات، بيد أن وجهها أجمل ما فيها حقا، وأجمل ما في وجهها عيناها النجلاوان، ~~ولم يستطع أن ينعم فيها النظر لأنها بلغت المحطة مسرعة وصعدت إلى حجرة السيدات ومعها ~~أخوها - على الأرجح - فاستقل الترام وراء الحجرة مباشرة ليتمكن من رصد نزولها، وتحرك ~~الترام وهو لا يدري أين تنتهي به المطاردة! وجعل يحدث نفسه: شابة صغيرة، وجهها 7,5 على ~~10 وجسمها 6,5 على 10، سنعلم بعد حين أيسيرة هي أم عسيرة، وهل تلهو بالحب أم تحلم بخاتم ~~الخطوبة؟ سنعلم كل شيء في حينه، ولكنها إذا كانت من الحالمات بالخاتم فسيغدو الأمر ~~شاقا وربما مضجرا أيضا، على أنه ينبغي أن نركز اهتمامنا في شيء واحد قبل أي شيء، ~~وهو أن نستدرجها إلى الكلام ولنر ما يكون! ووصل الترام إلى ميدان الملكة فريدة ~~فغادروه جميعا - هي وأخوها أولا ثم هو - ولاحت منها التفاتة على الطوار فرأته على ~~بعد أذرع منها يديم إليها نظراته الجسورة الثاقبة، فحولت عنه وجهها، وتظاهرت ~~بالانهماك في محادثة الغلام، ولم يخالجه شك هذه المرة في أنها أدركت أنه يتابعها عن ~~عمد، ثم رآهما يستقلان أول ترام قادم - وكان ترام الجيزة - فصعد إليه بغير تردد ~~متسائلا: «ترى هل يقصدان إلى قريب في الجيزة ليعيدا عليه؟!» وقرر في تلك اللحظة أن ~~يهبها اليوم جميعا عن طيب خاطر ولكنهما غادرا المركبة عند محطة عماد الدين، فغادرها ~~مسرورا وقد أيقن أنهما ذاهبان إلى سينما، وعبروا الطريق إلى شارع عماد الدين، الاثنان ~~أولا وهو في أثرهما متحفزا لما يشبه الابتسام، أو لتضمين نظرته ما يريد من المعاني ~~إذا هي ms096 التفتت وراءها، ولكنها مضت لا تلوي على شيء ممسكة بيد الغلام الذي هرول ليسير في ~~حذائها، وجعل لا يحول عينيه عن ظهرها وساقيها، ويتبين حال مشيتها ومواقع قدميها، فوجد ~~من السرور برؤيتها من وراء مثلما وجد لرؤيتها من أمام، وأعطى صورتها الخلفية جملة 8 على ~~10، وتنهد عند ذاك متذكرا وجوها أبى الحسن أن تنسى وقال لنفسه: «حقا فشا الحسن ~~في مصر هذا الزمان الحديث.» ولما بلغوا ريتز التفتت وراءها فرأت عينيه محدقتين بها ~~فاستردت عينيها بسرعة - وفوجئ فلم يسعه أن يضمن نظرته شيئا - وحثت خطاها في اتجاه ~~استوديو مصر، وأسف على ما فاته من حديث العيون ولكنه سر بالسينما التي اختارتها ~~فتاته - لأنها كانت تعرض فيلم دنانير - وأدرك أن هذه المطاردة أتاحت له لذتين ~~عزيزتين، وأراد أن يجلس جنبها في الصالة فعمل على أن يقف وراءها مباشرة في الصف الممتد ~~أمام شباك التذاكر ليتمكن من اختيار مقعد لصق مقعدها، بينا تنحى الغلام جانبا ينتظر ~~متفرجا على الصور، وصار منها على قيد خطوة، فخال أنفاسه تمس ضفيرتها، فاستثار قربها من ~~صدره إحساسا شبيها بما تستثيره رائحة زكية عميقة، وتتبع أنملتها وهي تختار مقعدين ~~لها ولشقيقها على رسم الصالة، فرأى إلى يمين الكرسيين مقعدا شاغرا وإلى يسارهما ~~ثلاثة، وتساءل ترى إلى أية ناحية تجلس الفتاة؟ .. وأجرى في سره على الناحيتين القرعة ~~المعروفة: «حطة يا بطة يا ذقن القطة عمي حسن ... ~~إلخ». فرست «حداه» على المقعد الأيمن فاختاره فيما ~~يشبه الاطمئنان، وتحول عن الشباك وأجال بصره فيما حوله فلم يجد للفتاة ولا لشقيقها ~~أثرا، بيد أنه لم ينزعج فالتذكرة في يده، وهي خليقة بأن توصله إليها مهما ضل عنها، ولا ~~يدري كيف ذكره هذا - قوة التذكرة - بعقد الزواج وقداسته وسحره فاهتز صدره الرقيق، ~~ودخل السينما منفعلا، ومضى به الدليل إلى مقعده وهو يرجو أن تكون «حداه» قد صدقته ~~الهداية، ولكنه رأى الغلام يجلس بينه وبين أخته؟ ورأته الفتاة قادما فطرفت عيناها ~~ارتباكا وتجنبت أن تحولهما إلى جهته! وجلس الشاب في ثقة وسرور، واسترق ms097 إليها النظر مرة ~~ومرة، فوجدها في المرتين شاخصة إلى ما أمامها، واستشف من تورد خدها وارتباك هيئتها ما ~~يخامرها من حياء واضطراب، فأشفق عليها، ورأى عن حكمة ألا يشق عليها ، فجعل يتسلى ~~بإجالة بصره بين البناوير والألواح والمقاعد مزجيا تحيات المودة إلى الصدور والنحور ~~والثغور والمعاصم، ولم يطل به المطال فدق الجرس ثم أطفئت الأنوار، وانحسرت الشاشة عن ~~دنيا الأحلام، وطاب له المجلس في الظلمة على كثب من الفتاة التي أضمر لها غزلا - وإن ~~لم يخفق لها فؤاده بعاطفة بعد - حتى غرد الصوت الإلهي بأغنية النبع «طاب النسيم ~~العليل» فغفل عن الوجود، وكان يحب الغناء حبا خيل إليه يوما أنه خلق ليكون ~~موسيقيا، فتسلسل الفيلم وهو هائم في نغمة روحية عالية، وانتهى العرض وأضيئت الأنوار ~~ونهض النظارة، والتفت رشدي نحو الفتاة فرآها واقفة مغمضة العينين تفاديا لتأثير ~~النور الباهر بعد طول الاستسلام للظلمة، فانتظر حتى فتحتهما على نظرته العارمة! وعني ~~خارج السينما بملاحظة أصابع يديها، فعلم أنها ليست مخطوبة، وابتسم لذلك ابتسامة ارتياح، ~~ثم تعقبها في العودة بنفس العناد الذي تعقبها به في الذهاب، إلا أنه تثاقل عن متابعتها ~~في الأزهر كيلا يشي بسره لأحد من أهل حيه الجديد. وعاد إلى البيت فوجد الأسرة في ~~انتظاره للغداء، وما عتمت أن دعتهم أمه قائلة بلهجتها المرحلة: هلموا إلى طاجن ~~العيد! # 21 # وعادت نوال إلى البيت وقد بلغ منها التأثر، راحت تسائل نفسها: ما لهذا الفتى الجسور ~~لا يكف عن مطاردتها منذ وقعت عليها عيناه غداة الوقفة؟ # جاوزت نوال في ذاك الوقت السادسة عشرة بقليل، ~~وكانت ذات حسن يستحق الإعجاب، وتحلى حسنها بميزتين لا يستهان بهما: السذاجة والخفة ~~ولكن أية سذاجة، وأية خفة؟ السذاجة التي توحي بها بساطة الجمال، والتي تطالعها في ~~الحدقة الصافية الواسعة - في غير مبالغة - والنظرة المستقيمة، بيد أنها ليست سذاجة ~~الغفلة أو البلاهة، وخفة تنبثق من أنافة الملامح ولطف الروح، فلا هي إلى الطيش والرعونة ~~تنتسب، ولا من حدة الذكاء وبراعته تستمد. وهي سمراء، وكثيرا ما تقول أمها ms098 إن السمرة ~~روح الجمال ومصدر الخفة، ولكنها كانت في الحقيقة من عشاق اللون الأبيض، ولذلك أخذت ~~تعالج نحافة ابنتها بعقاقير السمن لاعتقادها بأن السمن يكسب البشرة إشراقا، وقد تقدمت ~~الفتاة في دراستها الثانوية تقدما يبشر بالنجاح، ولكنها انضمت في الواقع إلى قافلة ~~العلم، وليس العلم ما تنشد، ولا المدرسة بالمأوى الذي يهفو إليه فؤادها، فأحلامها لا ~~تفارق البيت، ولن تزال تعد أمها أستاذتها الأولى تتلقى عنها فنون الحياة المنزلية ~~من طهي وحياكة وتطريز، وما رأت في العلم يوما إلا زينة تحلي بها أنوثتها وحلية تغلي ~~من مهرها، فتركزت حياتها في هدف واحد: القلب أو البيت أو الزواج، أليس أول دعاء دعيت ~~به «العروس»! .. وإنه لأجمل دعاء، وإنها لتتلهف على أن تكونه، وترقب حظها في صبر ورجاء، ~~ولذلك قدست الزواج قبل أهليتها له بدهر طويل، وأحبت «الرجل» وهو أمل مجهول وعاطفة ~~غامضة، فكانت ثمرة ناضجة دانية القطوف ترصد من يجنيها. وكان الأستاذ أحمد راشد المحامي ~~أول رجل - من غير محارمها - يتصل بها عن كثب لإعطائها الدروس، وتلقته منذ أول مقابلة ~~باستحياء، ورمقته بعين ملؤها التطلع والرجاء، فلم يتمثل لعينيها «أستاذا» بقدر ما ~~تمثل لهما رجلا! ولان قلبها وأوشكت الحياة أن تنبض به، بيد أن الشاب المحامي كان ~~صارما رزينا أكثر مما ينبغي، وعجزت كل العجز عن أن تقرأ عواطفه الحقيقية وراء عويناته ~~السوداء، ولما تعقب تهاونها بالتأنيب بدا لعينيها مكفهرا مخيفا فجفلت منه وخاب ~~رجاؤها فيه، وكثيرا ما كان يحدثها بكلام لا تفقه له معنى ولا تجد له طعما مثل قوله ~~لها مرة: «يخيل إلي أنك لا تحبين العلم كما يجب وإن لم ينقصك الاجتهاد أو حسن ~~الفهم، فأحبيه كما تحبين الحياة، فهو منها بمثابة العقل من شخص الإنسان، وينبغي أن ~~يتغذى به عقلك ويتمثله، كما يتغذى جسمك بالطعام ويتمثله، أين الشوق إلى أسرار الوجود؟ ~~.. أين اللهفة على المعرفة؟ .. لا يجوز أن يتخلف قلب المرأة عن قلب الرجل في طريق ~~العرفان والمجهول ..» وفي مرة أخرى سألها: «علام نويت بعد البكالوريا؟ أما ms099 عرفت بعد ~~العلم الذي ترغبين في دراسته في الجامعة؟» وهالتها كلمة «الجامعة»، أيمتد بها عهد ~~الدراسة حتى الجامعة؟! وأجابته باقتضاب: «لا أدري». فقال لها الشاب ممتعضا: «أما زلت ~~عند موقفك السلبي من العلم؟!» ولم تفطن إلى أنه يريد أن يصوغها على المثال الذي يحب ~~فحسبت أنه يحتقرها ويزدريها فاشتدت منه جفولا. # ثم جاء أحمد عاكف الجديد. وقالت الأنباء إنه أعزب، وشعرت بمزيد الغبطة والسرور أن ~~عينيه تسترقان إليها النظر فتحرك قلبها نحوه كما تتحرك الراحتان نحو مجمرة في ليلة ~~شديدة البرد والزمهرير، وقالت لنفسها: إنه رجل جاوز حدود الشباب، ولكنه ما يزال في ~~عنفوان الكهولة، ولا بد أن يكون موظفا محترما لأنه غالبا ما يصير الموظف - في مثل ~~عمره - محترما، وأيما كان فلن يسعها أن تغضي عن نظراته الحيية التي يرسلها إليها في ~~أدب وتردد، ولا أن تجد لذلك من معنى غير الوداد، وإلا ففيم يثابر على الانتظار والنظر ~~أصيلا بعد أصيل؟! على أنها تساءلت في حيرة: لماذا لا يخطو خطوة جديدة؟ لماذا يقنع ~~بالوقوف عند مخالسة النظر؟ هلا ابتسم إليها؟ .. هلا أومأ بتحية؟! ترى هل يعقل الحياء ~~الرجال كما يعقل النساء؟! .. وإذا كان هذا شأنه فلماذا لا يخاطب أباها في الأمر؟ أو ~~لماذا لا يكلف أمه بمهمة خطبتها؟! وكانت نوال حيية وفي حاجة إلى من يطاردها، فأوقعها ~~حظها على كهل في أشد الحاجة إلى من تطارده! إلا أن شجاعتها لم تخنها - خاصة بعد أن ~~يئست من شجاعته - فبدأته بالتحية من شرفتها وتلقت رده الجميل، وحدثها قلبها بأن الأمل ~~المرموق قد بات قريب المنال. # ولدى الضحى من نهار الوقفة طالعها وجه جديد من نفس الشقة، بل من الحجرة التي تواجه ~~حجرة نومها، وأدركت من النظرة الأولى أن الشاب الجديد أخو صاحبها الكهل، ولكن أين كان ~~قبل اليوم؟ .. وما باله يرميها بتلك النظرة القوية الجسورة التي دعت الدم من جميع ~~أطرافها إلى خديها وحملتها على الفرار؟! يا له من شاب نضير جم المحاسن جذاب المنظر؟ ~~ويا لها من نظرة ثاقبة ترعش ms100 القلب، ولكن يا ترى أهذا شأنه مع كل حسناء؟ .. أم جذبه إلى ~~وجهها شيء لا عهد له به؟ .. وهل يقيم في هذه الحجرة فيراها صباح مساء أم يختفي فجأة كما ~~ظهر فجأة؟ وقال لها قلبها إن مثل هذا الشاب خير من ذاك الكهل بغير جدال، ولكن الكهل لم ~~يعد غريبا، فبينها وبينه تحية متبادلة، وهو المفضل إذا طلب يدها، وما ينبغي أن تنسى ~~أن بينهما عهدا صامتا لا يلبث أن يصير - إن شاء الله - زمرا وطبلا وثريات لألاءة ~~ورملا فاقعا يسر الناظرين، وفي صباح العيد ارتدت ملابسها الجديدة، ودعاها قلبها إلى ~~الظهور بالشرفة ليراها الكهل في أبهى حلل وأجمل منظر، ووجدته في النافذة في أحسن صورة ~~ممكنة، فذكرها جلبابه وطاقيته بأبيها، وتبادلا التحية، ثم عادت إلى حجرتها. ~~ونازعتها مشاعرها إلى إلقاء نظرة على النافذة الأخرى، فوجدت الشاب الجميل وكأنه ~~ينتظرها، فتراجعت أمام نظراته العارمة، وحسبت أنه لن يتخطى بجسارته نافذته، فما راعها ~~إلا أن تجده بانتظارها في السكة الجديدة! وتساءلت في الترام ترى هل تبعها أم أنه وهم ~~ما رأت؟ .. ولكنها علمت بعد حين أنه يتعقبها عامدا، وأنه ممن لا ينثنون عن غاية، ومن ~~عجب أنه نسي وجودها في السينما بترنيم أم كلثوم، أما هي فلبثت تشعر بوجوده على كثب منها ~~طوال الوقت! وعادت إلى البيت ثملة بسرور لا عهد لقلبها بمثله وقالت لنفسها ضاحكة: «لو ~~أن جميع الشبان في مثل عناده ما بقيت فتاة واحدة بغير زواج!» ووجدت قلبها يؤنبها على ~~تسرعها ببذل التحية للآخر، ولكن هل كانت تعلم الغيب؟ وقلق ضميرها فلم تجد لطاجن العيد ~~ولا لسمكه طعما! ~~••• # وغادرت الشقة عصرا بقصد زيارة حرم سيد أفندي عارف، وخطر لها أن تصعد إلى السطح - قبل ~~القيام بالزيارة - لتجول جولة فيه مسرحة الطرف بين المآذن والقباب، وقد صار السطح ~~نزهتها بعد أن تعذر عليها مشاركة البنات لعبهن في الطرقات، ودارت مع السور على مهل ~~متصفحة المناظر مقلبة وجهها في الآفاق، وشعرت فجأة بداع يدعوها إلى النظر نحو مدخل ~~السطح، فما ms101 راعها إلا أن تراه هناك يملأ طوله فراغ الباب وينظر نحوها في هدوء وفي عينيه ~~الجميلتين شبه ابتسام! واضطرب قلبها لمرآه اضطرابة عنيفة زلزلت صدرها الصغير، وشعرت ~~بخوف وقلق، ثم استعادت رباطة جأشها بسرعة موقنة بأن الموقف أحرج من أن تلقاه بالحياء ~~فحسب، وتعلقت عيناها وهما تنظران إليه بالإنكار والذهول. # 22 # ثم حولت عنه عينيها، وولته ظهرها، وألقت ببصرها إلى الأفق البعيد دون أن ترى ~~شيئا، وقال لها عقلها إنه ينبغي أن تزايل المكان إذا أرادت، ولكنها لم تحرك ساكنا، ~~وأهاب بها شعور باطني بأن تتجاهل وجوده، وبألا تعجل بذهابها، فلبثت حيث هي لا تريم، ~~وتولاها إحساس بالحياء والقلق، وتنهد رشدي ارتياحا لما رآه من تفضيلها البقاء على ~~الرحيل، وقال لنفسه جذلا: «أصابت سن الشص مرماها، ولكن ينبغي معالجة البلطية بحكمة ~~ومهارة!» وكان علم بصعودها إلى السطح اتفاقا، إذ كان ينظر إلى نافذة حجرتها المغلقة ~~بأسف فلاحت منه التفاتة على سور السطح، فصادف ذلك مرورها به وكان انتهى من ارتداء ~~ملابسه استعدادا للخروج إلى سهرته، فحملته جسارته وحسن انتهازه للفرص إلى الصعود إلى ~~السطح من فوره، ولما اطمأن إلى بقائها تفحص المكان بهدوء حتى أدرك خلوه، ثم سار ~~متمهلا إلى موقف قريب منها، ولم تكن تخونه الجرأة الجنونية، ولكنه آثر معها الأناة لما ~~عهده بها من حياء، ورأى على السور - في موقع وسط بينه وبينها - عمودا خشبيا شد ~~إليه حبل الغسيل، ووقعت عليه يمامة فرفع رأسه إلى اليمامة وقال بصوت خافت وهو يلحظ ~~الفتاة بطرفه: «مساء الخير يا يمامتي!» ورآها تلحظ اليمامة بطرف خفي فابتسم واستدرك: ~~«ما أجمل سمرتك! السمرة حلية الجمال وروح الخفة، هلا سمعت بأغنية السمرة: «يا أسمر ~~اللون حياتي الأسمراني»؟» وأنصتت الفتاة إليه - وإن تظاهرت بعدم المبالاة - بأذنين ~~مرهفتين، وطاب لها صوته، فابتسمت ابتسامة باطنية لم ترسمها شفتاها، ثم غلبها الحياء ~~فابتعدت خطوتين وأشاحت عنه بوجهها. وجعل هو يقول محدثا اليمامة: «كيف لا تردين تحيتي؟ ~~.. كيف تعرضين عني؟! .. بل كيف اندست القسوة إلى هذا الحسن الرقيق؟!» وتساءلت ms102 أما ينبغي ~~أن تمضي إلى حال سبيلها؟ ألا تخاف أن يصعد البواب أو بعض السكان إلى السطح فيريبه من ~~موقفها ما يريبه؟ أبها مس يشد قدميها إلى الأرض؟! واستدرك رشدي قائلا: «ألا تعلمين ~~يا يمامة أني جارك؟ .. وأن السماء الرحيمة لن تستطيع أن تغيبك بعد اليوم عني؟ وأني ~~سأكون دائما حيث تكونين!» وعطفت نوال رأسها قليلا كأنما لترى اليمامة فوجدتها قد ~~طارت! وألفته ينظر نحوها بجسارته المعهودة، ولم تعد تجدي مخاطبة اليمامة، فقال لها ~~بهدوء: سعيدة. # فأشاحت عنه وجهها مرة أخرى، وحركت قدميها ببطء شديد نحو الباب، فدنا منها جزعا ~~وقال: ألا تردين علي؟ # فلم تنبس بكلمة وقد تورد خداها واختلج جفناها، فاقترب منها أكثر من قبل وقال: أما ~~تجودين بكلمة واحدة؟ .. كلمة واحدة. لتكن عذلا إن شئت، بل لتكن نهرا! # ولكنها حثت خطاها فهم باعتراض سبيلها، فقالت له بحدة مصطنعة: إليك عن سبيلي! .. ~~وا خجلتاه لسلوك الجار! ~~- هل يعيب الجار أن يتودد إلى جارته الحسناء! ~~- أجل. ~~- وإذا أجبره حسنها على أن يتودد إليها فمن الملوم؟ ~~- لا تستدرجني إلى الكلام، وإياك أن تعترض سبيلي. # ولكنه اعترض سبيلها غير مبال تحذيرها، فتملكها الخوف واندفعت نحو الباب مارقة من ~~تحت ذراعه، فلم يسعه اللحاق بها، ونزلت على عجل خافقة الفؤاد ومضت نحو شقة سيد عارف، لم ~~تكن غضبى ولا مستاءة، بل كانت أبعد خلق الله عن الغضب أو الاستياء، وجلست في الشرفة ~~تنتظر ربة البيت فلم تفارق مخيلتها صورة محياه الجميل، ولا غاب عن سمعها رجع صوته ~~الحنون، وجعلت تستذكر أحاديث أترابها في المدرسة عن حيل الشبان ورسائل الغرام ونوادر ~~الغزل، ثم تساءلت ترى هل تدلي بدلوها منذ الغد في حديث الحب الذي لا يمل؟ .. ولكن أي ~~نوع من الشبان يكون؟! ونزل رشدي بعد قليل مبتسما مسرورا، ولم يكن قلبه قد استشعر ~~عاطفة صادقة بعد، فكأنما كان يقوم بتمثيل دور محبوب، بيد أنه كان كذلك من أولئك ~~الممثلين الصادقين الذين يندمجون بتمثيل أدوارهم اندماجا يوري القلب ويقدح شرره فإذا ~~هم ضاحكون أو ms103 باكون، ثم انطلق إلى الكازينو بشهية متفتحة للسرور والشراب والطرب. # 23 # ومضت أيام العيد فلم تقع عينا أحمد عاكف عليها مرة أخرى، وحسب أنها في شغل بالعيد ~~وملاهيه فدعا لها قلبه بالسرور، وكان كل مطمعه أن تراه في البدلة الجديدة التي فصلها ~~خاصة إكراما لها، فقال لنفسه: إن البدلة لا تبلى في أيام وسوف تراه يوما ما حتما ~~وهو يرفل فيها، وشغل هو كذلك بعطلة العيد وإن كان أنفقها جميعا في قهوة الزهرة بين ~~الصحاب، ما عدا سليمان بك عتة الذي سافر ليعيد في قريته، ومن عجب حقا ألا يكون قد ~~ظفر بصديق منهم على دوام العشرة والصحبة، وذلك لأنه كان يتطلب في الصديق سجيتين لا ~~تجتمعان: أن يدين له - هو - بالتفوق والأستاذية، وأن يكون مثقفا - ولو لحد ما - ليتمتع ~~بصداقته، ولكنه غالبا ما يجد نفسه بين اثنين: واحد عامي - أو في حكم العوام - يعجب ~~بشخصه ويؤمن بعقليته، وآخر مثقف لا يذعن لمشيئته ويجادله جدل المعتد بنفسه المتحدي ~~غيره، ولعله أن يحب الأول كما يمقت الثاني، ولكن لا هذا ولا ذاك بالصديق المنشود. وقد ~~أحب المعلم نونو، وكمال خليل، وسيد عارف، ومقت أحمد راشد، ولكنه ظل بغير صديق، أو كان ~~شقيقه رشدي الصديق الوحيد في دنياه المحبوبة. # مضت إذن أيام العيد دون أن تقع عليها عيناه، ولكنه لم يكف لحظة عن التفكير فيها، ولا ~~انقطع عن إدامة النظر فيما جد في حياته من أمور، ألم تحدث عاطفة، ويستيقظ قلب، ويبتسم ~~أمل؟! ألم تحدث عاطفتان، ويستيقظ قلبان، ويبتسم أملان؟! لقد أحب بعد أن حرم من الحب ~~زهاء ثلاثين عاما، وأحب بقلب آذن شبابه بوداع، فهو يستمسك بالحب كآخر أمل مرجى في ~~سعادة الدنيا، وجاء الحب عفوا بعد أن أشفى منه على اليأس، ورجع فؤاده النغم القديم ~~فتيا نديا عذبا كأنه بعث من جديد، فوجب أن يفكر في أمره، ويقبل على تدبير شأنه، ~~ومضت أيام العيد وهو مشغول بالتفكير والتدبير، فهذي الحياة تمسح عن جبينها ما ألف من ~~تقطيبها، وتجود له بفرصة ms104 سعيدة ليعاود تجريب حظه، فلن يحجم ولن يتردد، وأراد أن يكون ~~أعظم صراحة مع نفسه فغمغم في وحدته: «الزواج!» أجل، ولكنه في الأربعين وهي دون العشرين، ~~فهو في سن أبيها، ولكن ما وجه الإنكار في ذاك؟ ألم تعلن له بميلها إليه - وقد خفق فؤاده ~~للذكرى - ألم يختره قلبها؟ .. وأما صديقه كمال خليل فيرجح أن يرحب بيده، وإن لم يخل ~~في بادئ الأمر من دهشة، وتخيل أن القوم راحوا يتحرون عنه فعلموا أنه «في الأربعين، ~~كاتب بمحفوظات الأشغال، درجة ثامنة - فهو من المنسيين في الحكومة كما أنه من المنسيين ~~في الدنيا - مرتبه خمسة عشر جنيها!» ألا ينزعج كمال خليل الذي يحسب أنه من رؤساء ~~الأقلام؟ .. ألا تقول الست توحيدة - أم نوال - إن عمره كبير ومرتبه صغير؟! .. وعض عند ~~ذاك على شفتيه، وعاوده شعور الأسى واليأس: وأوشك أن يثور به الغضب، وأن يقول كما قال ~~مرة في مثل هذه المناسبة: «إن الدنيا جميعها لا تساوي زنتها قذارة إذا سولت نفس ~~لصاحبها أن يستهين بي!» ولكن توثبه لتجربة حظه لم يدعه يستسلم لجنون الغضب، فطرد عن ~~فكره خواطر اليأس، واستعاد سروره ودواعي الأمل والسعادة من حياته الجديدة. # وانقضت أيام العيد الثلاثة وهو يفكر التفكير الذي يسبق العمل مباشرة، وجاء يوم ~~الجمعة الأول بعد العيد ولم يحقق شيئا من أفكاره، بيد أنه رآها صباح ذاك اليوم لأول ~~مرة، بعد مرة أول أيام العيد، وسر فؤاده المشوق. كان اليوم من أيام نوفمبر الأولى، ~~والجو رقيق منعش تسري في تضاعيفه من آن لآن هبات نسيم بارد، والسماء تغشاها غلالة من ~~سحاب ناصع البياض ينضح بنور الشمس المتوهج، ففتح النافذة - نافذة نوال - ورفع رأسه، وما ~~يدري إلا وفتاته تطل عليه كالأمل النضير والحلم السعيد، وحياها بابتسامة وإيماءة، ~~فردت تحيته مبتسمة، ولكم عشق ابتسامتها، ولبث يملأ عينيه من سمرتها الصافية، وخطر له ~~وقتذاك أن يحاول تفهيمها بالإشارة - وعلى قدر المستطاع - أنه يوشك أن يحدث والدها ~~بشأنهما، ولكنها سبقته فأنامت رأسها على راحتها كأنما تقول له إنها ترغب أن ms105 تنام، ~~وأشارت على رأسها وقطبت ثم لوت شفتيها تعني أن رأسها موجع، ثم حنت له رأسها وتراجعت ~~مولية، وأسف على فوات الفرصة، ولكن تصميمه تضاعف، وأراد أن يدخن سيجارة فوجد علبة ~~السجائر فارغة ، فمضى إلى حجرة رشدي ليأخذ منه سيجارة، وكان الباب مواربا فدفعه بهدوء ~~ودخل، ورأى شقيقه مرتفقا النافذة شاخصا إلى أعلى، مستغرقا حتى إنه بلغ نصف الحجرة ~~قبل أن ينتبه الشاب لمجيئه، فاستطاع أن يرى من موقفه النافذة الأخرى التي يتطلع إليها ~~أخوه، وأن يلمح حال توسطه الحجرة رأس نوال - دون غيرها - وهو يرتد بسرعة البرق! وانتبه ~~رشدي إلى مجيء شقيقه - باختفاء الفتاة الذي هو بالفرار أشبه - فالتفت وراءه، ثم ابتسم ~~للقادم بترحاب وبوغت أحمد مباغتة عنيفة منكرة كانت أعنف وقعا عليه من انفجار القنابل ~~ليلة الغارة، فزلزلت صدره - الذي جاء به مثلجا مطمئنا - قلقلة جنونية صدعته كما يتصدع ~~السحاب بشرارة البرق القوية الخاطفة، ولكن لم يغب عنه تحول الشاب إليه، فأغضى بصره - ~~ببداهة الغريزة وسرعتها - ليخفي عينيه، وأهاب بقوته الكامنة ليحافظ على هدوء مظهره، ~~وتكلف ابتسامة، ثم نظر إلى الشاب الذي أقبل نحوه مبتسما ابتسامته الحلوة البريئة ~~وقال بهدوء: سيجارة من فضلك. # واستخرج رشدي علبة سجائره من جيب بيجامته وفتحها وقدمها لأخيه، فتناول الرجل سيجارة ~~شاكرا، وحياه برفع يده إلى جبينه، ثم قفل راجعا. # 24 # ورد باب حجرته وهو لا يكاد يرى شيئا من الذهول، ورمى بالسيجارة إلى فراشه، ثم ~~اقترب من النافذة ورفع رأسه فرأى الشرفة كما تركتها مفتوحة وخالية، ثم أطرق مقطبا ~~وأغلق النافذة بشدة طقطق لها الزجاج، وعاد إلى الفراش وجلس على حافته مغمغما: «غاب عني ~~أن هناك نافذة تطل مثل نافذتي على هذه الشرفة، حقا غاب عني ذلك!» وكأن دمه استحال ~~نفطا يمد قلبه بألسنة من لهيب، ألم يرها وهي ترتد فزعة لدى ظهوره؟ فهل غير الشعور ~~بالإثم أفزعها؟ أو ما الذي دعاها إلى النافذة بعد أن أوهمته أنها ذاهبة لتنام؟ فليس ~~وراء ذلك كله سوى معنى خبيث يتخايل خلقه البشع خلف خداع ms106 الآمال الباطلة، ومن عجب أنه لم ~~يمض على حضور شقيقه إلا عشرة أيام، ففي أيام معدودات تغير كل شيء - وشعر عند ذاك ~~بصفعة - فكفر قلبه بهواه، وصارت ابتسامة الترحاب خدعة رياء، ترى كيف تحدث هذه ~~الانقلابات؟ أتقع في يسر وهوادة كأنها لا تعرك ضحايا؟ أم أنها تلقى ما هو خليق بها من ~~التردد والألم؟ أكانت تلعب بهما؟ أيمكن أن تتكشف تلك النظرة الساذجة عن مكر سيئ وخبث ~~وعر؟! ولماذا إذا بادلته التحية منذ دقائق؟ أهو الحياء والحرج أو أنه المكر ~~والحيطة؟ # أما الشاب فلا يدري من الأمر شيئا، إنه بريء من دمه، ولعل أنه رآها فراقته فغازلها ~~كعادته فاستمالها فهويته، بنظرة وإشارة نسيته، وهل خطره أكبر من ذلك؟! نسيت الكهل ~~الأصلع الفاني، فلا يلومن إلا نفسه، ألم يكن له فيما اكتسب من معرفة بحظه وسوء ظنه ~~بدنياه، وبالمرأة خاصة، ما يحرز به نفسه من غوائل الأمل وومضات السعادة الكواذب؟ ونهض ~~قائما وقد اشتد شحوب وجهه ولاحت في عينيه نظرة حزن عميق ويأس سحيق، وجعل يذرع الحجرة ~~جيئة وذهابا ما بين الفراش والمكتبة حتى عراه دوار فعاد إلى مجلسه من الفراش، وراح ~~يتساءل: أيرضى أن يستبقا - هو وأخوه - في مضمار منافسة واحد؟ ونار كبرياؤه وشمخ بأنفه، ~~محال أن يتنازل لمنافسة إنسان، فالمنافسة الحقة لا تثور إلا بين أكفاء! ومحال كذلك أن ~~يطلع شقيقه على سره، فكبرياؤه تأبى عليه أن يستجدي السعادة أو يستوهب الحب، وخليق بمن ~~كان مثله أن يترفع عن هذه الصغائر - الحب والفتاة والظافر بهما - فهو أكبر من هذا ~~جميعه، ولكن ما بال الألم لا يرحم كبيرا؟! لماذا لا يعرف هذا الألم القتال قدره ~~فيتوارى؟! كيف تلسع الغيرة قلبه بمثل شوكة العقرب؟ وإلام تئن كبده وتتوجع! الحقيقة أنه ~~مد يده ليجلو عروسه فتكشف له قناعها الموشى عن جمجمة ميت! ورأى بعين خياله صورتهما ~~المزدوجة، هو بشبابه الريان وهي بعينيها النجلاوين، فوجد ألما وإباء وعجرفة قاسية، ~~ترى لماذا يحول رشدي دائما بينه وبين سعادته وما أحب إنسانا مثله قط؟ فهو ms107 الذي أجبره ~~- قبل عشرين عاما - على التضحية بمستقبله ليقف حياته على تربيته، وها هو الآن يجني ~~ثمرة سعادته ويدوس أمله المنشود بقدم غليظة! واستولى عليه الغضب وتقيحت نفسه بالسخط ~~والحنق، وثار بركانه في عنف ودوي، ولكن الكراهية لم تجد سبيلا إلى نفسه، لم يكره أخاه ~~لحظة واحدة، حتى وهو فريسة الثورة في عنفوانها، بيد أن حبه له أصيب بنوبة وقتية أفقدته ~~وعيه، فأغمي عليه ولكنه لم يمت، بل لم يشعر نحوها - وهي الخليقة بالاتهام - بكراهية أو ~~مقت، وإن بدا سخطه كأنه لا نهاية له، ثم خمدت ثورته بسرعة عجيبة تدعو للدهشة حقا، ~~فولت أحاسيس الغضب والسخط والعجرفة، مخلفة وراءها حزنا عميقا لا يتزحزح ويأسا ~~خانقا لا يريم وخيبة متغلغلة لا تؤذن برحيل، وحين عاودته ذكريات الأمس السعيدة، لم ~~يتحسر عليها ولم يأسف، ولكنه شعر بهوان وخجل! وأنشأ يقول بصوت خافت حزين وكأنه يحدث غير ~~نفسه: برح الخفاء، ولا مفر من الحقيقة، أنت رجل سيئ الحظ، بل هذا قول دون الواقع بكثير، ~~فالحق أن الدهر نصبك هدفا لسهام الخيبة والإخفاق، ووكل بك قوة شيطانية فظيعة تلقف من ~~سبيلك كل فرصة سانحة أو مصادفة سعيدة؛ إذ أنت تحسب أنه لم يعد بينك وبين الرجاء إلا ~~كلمة تقال أو راحة تبسط، وما تكاد أن تمد حجرك لتلقي ثمرة دانية حتى ينقض عليها طائر ~~الشؤم الكاسر فيلتقطها بمنقاره ويطير بها، وتوشك أن تصعد قمة هرم من المحاولات فيندك ~~عاليه سافله ويلقي بك إلى غور سحيق. آفاقك تلتمع ببروق الآمال الكاذبة وموضعك من الأرض ~~مظلم عابس، هل يوجد في الدنيا إنسان مبتلى بمثل عناد حظك العاثر! الناس يحثون الخطى ~~باسمي الثغور ما بين ممتع بصحته، وهانئ بأسرته، وراض بمكانته، وسعيد بماله، فأين أنت ~~من هؤلاء جميعا؟! # لا صحة ولا أسرة ولا مكانة ولا مال! في البدء قصم ظهرك عثار أبيك، وبدد آمالك حدبك ~~على شقيقك ثم أعقم مواهبك العقلية بيئتك الجاهلة، ماذا يتبقى لك من أحلام دنياك؟ ذهب ~~الشباب فلم ينجب حتى ذكرى جميلة تتفيأ ms108 ظلها في هجيرة العمر، وها هي الكهولة تطعن بك ~~فيما وراء مشارف الشيخوخة، فكيف تحتمل هذه الحياة العقيمة؟ إن الرجل ليطلق الزوجة ~~الوفية إذا عقمت، ففيم احتمالك دنيا لم تعقم فحسب، ولكن تورث الألم والضنى؟! .. لماذا ~~وجدت في هذه الدنيا؟ أما من نهاية لهذا الألم الممض وذاك الملل المسقم؟ .. ثم ماذا أجدى ~~عليك هذا العقل؟ وماذا أفدت من المعرفة؟ حلفتك بهذه الآلام جميعا إلا ما أغلقت ~~الكتاب إلى الأبد وحرقت هذه المكتبة العاتية، ولخير لك أن تدمن على مخدر يذهل العقل عن ~~الوجود حتى يتداركك الذهول الأكبر، الحياة مأساة والدنيا مسرح ممل، ومن عجب أن ~~الرواية مفجعة ولكن الممثلين مهرجون، من عجب أن المغزى محزن، لا لأنه محزن في ذاته، ~~ولكن لأنه أريد به الجد كل الجد فأحدث الهزل كل الهزل، ولما كنا لا نستطيع في الغالب ~~أن نضحك من إخفاق آمالنا فإننا نبكي عليها فتخدعنا الدموع عن الحقيقة، ونتوهم أن ~~الرواية مأساة والحقيقة إنها مهزلة كبرى! وصمت قليلا متفكرا، متجهم الوجه، منقبض ~~الصدر، ثم نهض قائما في وثبة عنيفة وقال بشيء من الحدة: «إلى الكهف المظلم، كهف ~~الوحدة والوحشة، إلى القبر البارد، قبر اليأس والقنوط، لقد ركلتني الدنيا وهي الدنية ~~ولأركلنها وأنا المتعالي، إن الخصي أزهد حيوان في المرأة، فإذا استأصلت من نفسي ~~كواذب الآمال سدت باليأس الدنيا جميعا، فإلى كهف الوحشة نتزود من ظلمته غشاوة تحجب ~~عن أعيننا خدع الحياة!» # والتفت بعنف نحو النافذة - نافذة نوال - التي أغلقها منذ حين وقال بغضب: غلقا إلى ~~الأبد .. غلقا إلى الأبد؟ # 25 # ورأى أن يذهب - كعادته صباح الجمعة - إلى الزهرة، ووجد حزنه حافزا يدعوه للذهاب إلى ~~هناك ابتغاء الوسيلة إلى التسلي عن حظه، وأخذ يرتدي بذلته الجديدة وقد ذكر كيف فصلها ~~ولماذا تكلف ثمنها فنفخ من الغيظ والحنق، وغادر الشقة، ولدى نزوله السلم تذكر ~~الصباح الأول له في العمارة وكيف التفت وراءه فرأى عيني نوال لأول مرة، فكيف يمكن اتقاء ~~الشقاء المقدر ما دام يبدو في حلل آمال مشرقة وألوان ناضرة؟ ms109 على أنه لم يغب عنه أن ما ~~يعانيه من أحاسيس الألم والاضطهاد والظلم لا يخلو من لذة، لذة دفينة غامضة لا تكاد تفصح ~~عن ذاتها، وسار في الطريق بقدمين متثاقلتين متفكرا فيما يجلبه إعراض بنت قاصر على ~~كهل عاقل حكيم من الحزن واليأس فهاله الأمر وكبر عليه، وجعل يقول لنفسه كالساخر: ~~«واخزياه، كيف أمكن هذا؟! .. بنت مقمطة تفعل بي كل هذا؟! كيف سمت بي إلى نضرة ~~النعيم ثم ردتني إلى أسفل الجحيم! وما جدوى الحكمة إذا عبثت بها جراثيم الشهوة هذا ~~العبث المزري؟! ألم يكن من الأفضل - غفرانك اللهم - أن نخلق خيرا من هذا؟ وإذا كانت ~~الدنيا جميعا تمسي ظلاما ويبابا لمحض أن جرثومة - تنقض الوضوء - استاءت أو أخفق بها ~~أمل، أفليس من الحكمة أن نبول على الدنيا وما فيها؟!» ثم انقطع عن حديث نفسه لدى وصوله ~~إلى القهوة، ووجد الصحاب جميعا قد سبقوه إلى هناك - إلا سليمان بك عتة الذي لم يعد ~~بعد من بلدته - ووجد معهم المعلم نونو وكان من عادته أن يغلق دكانه يوم الجمعة من ~~الساعة العاشرة إلى ما بعد صلاة الجمعة، أما عباس شفة فأخذ مجلسه المعهود جنب المعلم ~~زفتة غير بعيدين عن حلقة الصحاب، وكان الراديو يذيع بعض الأسطوانات بينما أخذ الرجال في ~~الحديث، وأراد كمال خليل أن يشرك القادم في حديثهم فقال له متسائلا: وما رأى الأستاذ ~~أحمد عاكف في الغناء، أيفضل القديم أم الحديث؟! # ويل الشجي من الخلي! ولكن ألم يجئهم ملتمسا العزاء في لغوهم؟! بلى، وإذن فليدل ~~بدلوه وليكونن من الشاكرين، وكان مغرما بالغناء - وهل تلد أمة إلا مغرما بالغناء؟ - ~~إلا أنه يفضل القديم وما يتبع طريقته من الحديث بحكم العادة وبوحي النشأة الأولى، فقد ~~سمع أول ما سمع أغنيات القيان وأسطوانات منيرة وعبد الحي والمنيلاوي، فاختلس نظرة من ~~خصمه أحمد راشد المخبأة معارفه وراء نظارته السوداء، ثم قال: الغناء القديم هو الطرب ~~الذي يأسر نفوسنا بغير عناء! # فصاح المعلم زفتة بسرور: «الله أكبر!» وصفق المعلم نونو ثلاثا، أما سيد عارف ms110 فتساءل: ~~وأم كلثوم وعبد الوهاب؟ # فقال أحمد عاكف وقد اختلس من خصمه نظرة أخرى: عظيمان فيما يرددان من وحي القديم، ~~تافهان فيما عداه! # فقال سيد عارف: أم كلثوم عظيمة ولو نادت ريان يا فجل! # فقال أحمد عاكف: أما صوتها فلا خلاف عليه، ولكن حديثنا عن الغناء من الناحية ~~الفنية! # فقال كمال خليل: الأستاذ أحمد راشد يعجب بالغناء الحديث بل وأشاد بالموسيقى ~~الإفرنجية! # والظاهر أن الشاب المحامي كان راغبا عن الجدل فقال بغير اكتراث: رأيي في الغناء رأي ~~غير خبير، والحق أني قليل الاهتمام بالغناء! # وأبى المعلم نونو ألا أن يناقش رأيه، فقال بصوته العريض الأجش: يا إخواننا، أمة محمد ~~ما تزال بخير، هل سمعتم ولو مرة إنجليزيا - وهم بين ظهرانينا منذ أكثر من نصف قرن - ~~يغني يا ليل يا عين؟! والحقيقة أن من يفضل أغنية إفرنجية كمن يشتهي لحم الخنزير ~~مثلا! # وكان المعلم زفتة قليل الكلام لانشغاله في الغالب بعمله، ولكن الموضوع استفز اهتمامه ~~فقال بصوت دلت مخارجه على أن صاحبه قد فقد ثنيتيه على الأقل: اسمعوا القول الفصل: أجمل ~~ما تسمع الأذن سي عبده إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذن الفجر، وأم كلثوم في إمتى ~~الهوى، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب! # وأشفق أحمد عاكف من أن يتغير موضوع الحديث من غير أن يتفلسف فقال: إن الإعجاب بالحديث ~~من الغناء أو بالموسيقى الإفرنجية وحي من تقليد المحكومين للحاكمين كما يقول ~~ابن خلدون! # ولم يخرج أحمد راشد عن صمته، ولم يستثره هجوم أحمد عاكف، فوقف الحديث عن الغناء عند ~~ذاك الحد، ثم تحول مجراه إلى سليمان بك عتة بغير رابطة تداع بعد أن لاحظ كمال خليل أن ~~الرجل تأخر بالبلد أكثر من المعتاد، فقال سيد عارف متضاحكا: أراحنا الله أسبوعين من ~~وقاحة خلقه. # فقال عباس شفة بإنكار: عما قريب يصير عروسا يا هوه! # فاستدرك سيد عارف قائلا بأسف: أما العروس كريمة يوسف بهلة فوالله ما رأت عيني أجمل ~~منها قط! # فتساءل أحمد عاكف: أما يدرك صاحبكم أنه لولا ms111 الطمع في ماله ما رضي به أحد ~~زوجا! # فقال عباس شفة: بغير شك. فلا شباب ولا جمال ولا أخلاق! # وامتعض أحمد من هذا الوصف، وشعر بأنه ينطبق عليه من أكثر من وجه، لا شباب ولا جمال ~~ولا أخلاق، وأضاف إليها من عنده «ولا مال!» ثم أطرق هنيهة غارقا في الكآبة التي كان ~~انتشله منها لغو الحديث، وخاف أن يستأثر به الحزن فخاض الحديث مرة أخرى متسائلا: وما ~~الذي يحمله على الاستسلام لطمع الطامعين؟ # وهنا التفت أحمد راشد نحوه وقال بلهجة ساخرة قل أن يصطنعها في حديثه: وما الداعي ~~إلى العجب في ذلك؟ أليس المال كالشباب والجمال من المزايا التي تحبب الرجل إلى المرأة؟ ~~بل لعل المال أن يكون أبقى على الدهر من الآخرين! # وسرعان ما أقلع الشاب عن السخرية وقال بلهجته الجدية: إن شيخا في سن عتة بك لا يطمع ~~في الحب الذي يستأثر به الشباب، لكنه إذا ضم إليه عروسا نفيسة أرضى بها غريزة الحب ~~المضمحلة، وغريزة الملكية المسيطرة. # فقال عباس شفة: الشباب ينتقل بالعدوى، فالشيخ خليق بأن يكتسب من عروسه روحا من نضارة ~~الشباب، فلا يبعد والحال كذلك أن يتحول البيك في القريب العاجل من قرد إلى حمار ~~مثلا! # فتساءل المعلم زفتة: هل نفهم من هذا أن أصلك قرد! # ولم يوافق المعلم نونو على التهكم بالشيخوخة بطبيعة الحال فقال: العبرة في السن ~~بالصحة لا بالسنين؛ فأبي تزوج في الستين وخلف، وهاكم سيد عارف أفندي على سبيل المثال ~~(وضحك ضحكته المجلجلة) فماذا صنع له شبابه؟ # وضحك الجميع - وعاكف معهم - مما جعل سيد عارف يقول: لا تضحك يا معلم نونو فعما قريب ~~يتغير الحال، وقد علمت بأقراص جيدة تجرب، وسترى! # ولم يستطع أحمد عاكف أن يوليهم انتباهه أكثر من ذلك، فكان كالسابح الذي تخور قواه ~~وتوهي مقاومته فيغوص تحت سطح الماء، فلم يدر كيف انتقل بهم الحديث إلى أخبار الحرب، ~~ولا كيف راح سيد عارف يعدد انتصارات الألمان في روسيا، ويذكر بالفخار سقوط فيازما ~~وبريانسك وأوريل وأوديسا وخركوف، واقتحام شبه ms112 جزيرة القرم، ثم نهض المعلم نونو للذهاب ~~إلى المسجد لصلاة الجمعة، فاستأذن الكهل وانصرف معه راجعا إلى البيت، ووقف في الصالة ~~هنيهة متسائلا ترى أما يزال رشدي ملازما حجرته؟ وسار في الدهليز متمهلا حتى دنا من ~~باب الحجرة فشم رائحة التدخين النافذة من خصاصة الباب، ثم قفل راجعا إلى حجرته لأول ~~مرة يمضي رشدي يوم عطلة في البيت! بل الأوفق أن يقول يوم عطلتهما، والمرجح أنه لم يفارق ~~حجرته وأنها لم تزايل النافذة، والله يعلم كم تحيات تبودلت، وكم من بسمات ومضت، وكم من ~~آمال أشرقت، وخلع ملابسه وارتدى الجلباب والطاقية، وجلس على الشلتة القريبة من المكتبة، ~~كان مترعا بالكآبة، ولكن خلا قلبه من الغيرة - أو الغيرة السافرة على الأقل - وقال ~~لنفسه إن ما يحدث في الناحية الأخرى من الشقة لهو أطفال غير حقيق باهتمامه، أهذا شعور ~~وقتي؟ لا يدري، ولكن خيل إليه أنه شفي، وتساءل كيف حدث هذا بمثل هذه السرعة، أكانت ~~عاطفته سطحية توهم أنها الحب؟ واستراح إلى شعوره، ومد يده إلى المكتبة واستخرج كتاب ~~مقاصد الفلاسفة للإمام الغزالي، فهذا أحق بتفكيره، وهو من الكنوز التي لا يدري أحمد ~~راشد عنها شيئا، وفتح الكتاب عن فصل الإلهيات، وحاول مطالعة مقدمة تقسيم العلوم، ولكنه ~~أدرك بعد برهة قصيرة أنه يبذل من الجهد في تركيز انتباهه ما لا يدع له بعد ذلك لذة في ~~متابعة القراءة، فأغلق الكتاب وأعاده إلى مكانه، وقال إنه لا بأس من أن يعفي عقله اليوم ~~مكافأة له على الجهد - أيا ما كان هذا الجهد - الذي بذله في سبيل النسيان، كانت عاطفة ~~تافهة، بل كيف كان يمكن أن تسعده تلك الفتاة وهو على ما هو عليه من عقل ومعرفة، وهي على ~~ما هي عليه من بساطة وسذاجة؟! حقا أنقذه شقيقه من ورطة كادت تودي به، ومنذ الآن ينبغي ~~أن يفتح عينيه، وأن يقلع بصفة نهائية عن التفكير في الزواج، وهيهات أن يجد امرأة كفاء ~~له! بيد أن الخيانة ذميمة شوهاء، ألم تغازله؟ ألم ترض به حبيبا؟ ms113 فكيف تغيرت بمثل هذه ~~السرعة التي لا تصدق؟! حقا ما يهمه أن يعرف شيئا ولا يعبأ شيئا، ولكن هل خلق الله ~~أقبح منظرا من فتاة ذات وجهين؟! شفي والله ونسي، ولكن ما أتفه الدنيا إذا كانت القلوب ~~تنقلب في غمضة عين! وقطع عليه أفكاره المحمومة صوت دوي يصيح: «ملعون أبو الدنيا.» فأدرك ~~أن المعلم قد عاد من صلاة الجمعة إلى دكانه، ونهض مسرورا بالتخلص من أفكاره إلى ~~النافذة المطلة على الحي الجديد ففتحها، ووقف وراءها يسرح الطرف في مناظر الحي التي ~~ألفها وملها، ليتهم ما غادروا السكاكيني؛ بل وجد نفسه يتمنى في أعماقه لو أن أخاه لم ~~ينقل من أسيوط! فلو لم يحضر لما عكر صفوه معكر، وما لبث أن تألم لتمنيه هذا غاية ~~الألم، إنه يحبه ما في ذلك من شك. ولا يمكن أن يفتر حبه لأخيه وابنه وربيبه .. ولكن ~~الغريب المنكر أنه يحبه ويكره وجوده معا! لو لم ينقل إلى القاهرة لكان - أحمد - الآن ~~في عداد الخاطبين، وما يدري إلا ونفسه تسكب تحنانا للحياة الزوجية غافلة عن هواجسها ~~السالفة! فبدا له أن العدد اثنين هو العدد المقدس، ليس العدد الواحد بالمقدس كما يقول ~~الفيثاغوريون ولكنه الاثنان! الإنسان يفقد نفسه في الجماعة، ويغرق الكآبة في الوحدة، ~~ولكنه يجدها عند أليفه، فالتكاشف الصريح، والحب العميق، والألفة الممتزجة، وفرحة القلب ~~بالقلب، والطمأنينة اللانهائية لذات عميقة لا تحدث إلا بين اثنين، وكم مل الكآبة، ~~وضجر من الوحشة، وكره الفراغ، وهذه نفسه تنازعه مشوقة متلهفة إلى الحب والحنان ~~والألفة والمودة، أين ثغر يبسم إليه مشرقا بالعطف؟ أين قلب يرجع خفقان قلبه خفقة خفقة؟ ~~أين صدر يرضع منه قطرات الطمأنينة ويعهد إليه بطويته؟ وبلغ منه القهر منتهاه فتراجع إلى ~~الفراش محسورا وهو يحرك رأسه بعنف، كأنما ليصد عنه أحاسيس الحزن والخور، وليسترد حقده ~~وصرامته وغضبه وإيمانه الوحشي بالوحدة والعجرفة والتعالي عن العواطف البشرية، وقد تبرد ~~الغيرة، وتخمد العاطفة، أما ما يمس كبرياءه فيحدث حتما قرحة لا تندمل، وكيف تندمل ~~وكلما التأمت قشرها غروره الأعمى؟! ms114 ولذلك جعل يقول قارضا أسنانه: «ينبغي أن تدرك - ~~الفتاة - أنني تنازلت عنها بغير مبالاة البتة!» # 26 # واستيقظ غداة السبت متعبا بعد ليلة مسهدة، فهو يؤدي ثمن اليقظة التي فرح بها قلبه، ~~وإن كانت يقظة قصيرة، وأيا ما كان فما دام النسيان يكمن وراء الأحزان فالعزاء ~~مرجى، أين اليهودية الحسناء وحبها المثالي؟! فالزمان يسحب ذيول النسيان على الماضي ~~ويبلع الذكريات، ولكن لا ريب أنه مما تطيب به نفسه ألا يعبأ شيئا، أو أن يتظاهر بذلك ~~على الأقل، وأن يريها أنه لم يكد يشعر بأن فتاة هجرته، ومضى إلى الحمام فوجد باب حجرة ~~شقيقه مواربا، ولمحه يستكمل ارتداء ملابسه - وقد عجب لذلك لأن الشاب كان يستيقظ عادة ~~متأخرا عنه - بل رآه رافعا رأسه إلى النافذة الأخرى، فتقبض قلبه كأنما أصابته شكة ~~إبرة، وأسلم رأسه للماء البارد طويلا لينعش أعصابه المحطمة، ثم عاد إلى حجرته وارتدى ~~بذلته، وخرج إلى السفرة ليحسو قهوته ويدخن سيجارته ويتناول لقمته البسيطة، وكان وطن ~~النفس على لقاء الشاب بما يعهده منه من الأنس به مستعينا بما طبع عليه من مداراة ما ~~يعتلج بنفسه، وأقبل رشدي مرتديا البدلة والطربوش وابتسم إليه ابتسامته المحبوبة فقال: ~~صباح الخير. ~~- صباح النور. # وعجب أحمد من لبسه الطربوش إذ كان يفطر عادة عاري الرأس فسأله: لماذا عجلت بلبس ~~الطربوش؟ # فقال رشدي والابتسامة لا تفارق شفتيه: سأتناول فطوري في الخارج لأن لدي أعمال ~~مستعجلة. ~~- وما الذي دعا إلى هذه العجلة؟ ~~- إنجاز بعض الأعمال المتعلقة بوظيفتي! # وحياه الشاب - كما حيا والدته التي كانت تعد الطعام - ومضى بقوامه الرشيق وابتسامته ~~المشرقة، ولم يصدق أحمد أسطورة «بعض الأعمال» فارتاب فيها لأول وهلة، وبدا له كاليقين ~~أن رشدي بكر في الاستيقاظ على غير عادته وعجل بالخروج من البيت ليلتقي بنوال في ~~مكان ما من طريق المدرسة، هذا ما حدسه قلبه المحزون، فهل اتفقا على ذلك حقا؟ .. وذكر ~~ممتعضا كيف لبث مرتبكا جامدا - مدة علاقته بها - لا يدري ماذا يفعل، أما هذا الشاب ~~الجسور فليس في مذهبه بين التحية واللقاء ms115 سوى غمضة عين، وأعجب بجسارته حقا كما أعجب ~~به يخطر أمام عينيه بشبابه الريان وقده الممشوق منذ دقيقتين، إلا أنه إعجاب انطوى على ~~احتقار النفس والتمرد فلم يخل من حنق وغضب، فكان كمن يسبح بخلود الخالق وهو يرثي ~~فناء المخلوق، وبعد قليل لبس طربوشه وغادر الشقة، ومال إلى قطع شارع الأزهر مشيا على ~~الأقدام تخفيفا عن أعصابه المتوترة، فالتزم الطوار الأيسر وحث خطاه، وقال لنفسه بصوت ~~كالهمس ليوحي إليها بالحكمة: «دع بواعث هذا الحزن العميق لا تستحضرها إلى وعيك، اقذف ~~بها إلى هاوية النسيان، وإذا كانت القراءة لم ترشدك إلى الحكمة بعد، فخذها من شخص سعيد ~~كالمعلم نونو!» وتمثل نونو لعينيه بصحته ومرحه فتأوه من الأعماق: لماذا يحمل نفسه ~~ما لا طاقة لها به من الكآبة كأنه الثور الذي يقولون إنه يحمل الكرة على قرنه؟! كيف جهل ~~فن السعادة هذا الجهل المزري؟ ولماذا لا يقصد الضاحكين ويسترشد بهم إلى طريق الضحك ~~والسرور؟ ينبغي أن يفوز فؤاده الكسير بحظه من السعادة لأنه من العبث أن تمضي الحياة ~~هكذا في كآبة وحزن، وردد هذه الخواطر حتى بلغ ميدان الملكة فريدة واستقل الترام، وكان ~~الترام مكتظا فاضطر أن يقف بين الواقفين مضغوطا، وكان يمقت الزحمة بطبعه فثارت نفسه ~~بعد هدوء قليل، وخطر له خاطر غريب مخيف، فتمنى لو كان من الممكن أن تخلو الدنيا من ~~بني آدم! ولم يدر إن كانت وقفته هي التي أوحت إليه بذاك الخاطر المخيف أم أن هنالك ~~بواعث أخرى، فقد تمنى من قبل أو تخيل أنه يتمنى لو تقفر القاهرة إثر غارة! فخجل ~~من خواطره الجهنمية التي تحلم أحيانا بالتدمير المخيف لغاية تافهة كأن يستأثر بفتاة ~~دون شريك ولا منافس! على أنه عاد يقول لنفسه متأففا: أليس الغدر ذميما ~~كالدمار؟! # 27 # خرج رشدي عاكف مبكرا على غير عادته، ودون أن يتناول فطوره، يدفعه ما هو خليق ~~بتغيير العادات وتأخير الفطور. ولما انتهى إلى السكة الجديدة رأى الفتاة على بعد قريب ~~صاعدة طريق الدراسة إلى الطريق الصحراوي المؤدي إلى ms116 العباسية، فتباطأ قليلا حتى اتسعت ~~المسافة بينهما ثم تبعها عن بعد، وكانت على علم سابق باتباعه لها - كما أنذرها به ~~بالإشارة في النافذة - وكانت أيضا على رضى بذلك أخفى أكثره الدلال والحياء، وفضح أقله ~~- وكان به الكفاية - الابتسام أو مغالبة الابتسام، وكان الزمن المتاح لرشدي قصيرا ~~حقا، ولكن زمنه من ذهب وماس، فلم يكف منذ مقابلة السطح - بل منذ رآها أول مرة - عن ~~رصدها وموالاتها بالمطاردة والغزل حاشدا لتصيدها هباته جميعا من أفانين الشباب ~~والحسن والدعابة والصبر، حتى ظنته قطعة من النافذة، ولم يشك الفتى في ظفره من بادئ ~~الأمر، ولا شكت هي فيه! أو فما معنى مجيئها إلى النافذة كأنهما على موعد، واستسلامها ~~لنظراته وتصديها لبسماته وإشاراته! فإن كان هناك ظل من الشك فقد مسحته ابتسامتها ~~الأخيرة وقضي الأمر! على أنها لم تستسلم بغير تردد، بل كانت خائفة مما تنزع بها النفس ~~إليه، وكانت تلوح لها صورة الآخر - أحمد - فيتولاها الخجل ويساورها القلق، إلا أنها ~~رأت عيوبه واضحة على ضوء الوجه الجديد المشرق، فتساءلت لماذا يلوح الخوف في عينيه ~~دائما؟! لماذا يبدو كالفأر ما إن يسمع حسا حتى يفر إلى جحره؟! إلام يظل جامدا لا ~~يتحرك ولا يفعل شيئا؟! وإنها لعلى مثل حيائه فتحتاج بطبيعة الحال إلى جسور يقتحم ~~حياءها، فلم تجد فيه طلبتها، أو أنها أدركت ذلك حين وجدت طلبتها الحقيقية، هذا إلى بون ~~شاسع بين شباب نضير وكهولة ذابلة، وجمال صبيح وخلقة قلقة غامضة، ومرح باسم وكآبة موحشة، ~~والحق أنها مالت إلى أحمد لأنه كان الرجل الموجود، أما رشدي فحرك قلبها المشبوب وأهاج ~~عاطفتها، هكذا جازت صبره بابتسامة، وهكذا كتبت بهذه الابتسامة أول كلمة في القصة ~~الجديدة. # صعدا طريق الدراسة، وانعطفا إلى الطريق الصحراوي - هي سابقة وهو لاحق - كان الصباح ~~نديا رطيبا مائلا إلى البرودة، يعابثه نسيم رقيق يهب بأنفاس نوفمبر التي تنعي ~~الأزاهر إلى المحبين، أما السماء فسمتها محمل سحابا ناصعا، يتصل حينا، ثم يتفرق في ~~المشرق فيحدث بحيرات ثلجية تنضح شطآنها بالشعاع الصاعد من الأفق ms117 فتتوهج أهدابها وتخطف ~~الأبصار. منظر تطمئن النفوس إليه، إلا نفسين تفانتا معا! وقد أوسع خطاه بعد المنحنى ~~فأدركها، وشعرت الفتاة بوقع خطاه تقترب منها فلم تعطف رأسها إليه، ولكن أثر اقترابه بلغ ~~خديها فتوردا، وعينيها الكبيرتين الصافيتين فابتسمتا وهي لا تدري. ثم حاذاها حتى أوشك ~~أن يلامسها، وقال برقة: صباح الخير. # فمال رأسها إليه قليلا ولحظته بطرف متردد وقالت بصوت خافت: صباح الخير. # وكانت متأبطة حقيبتها كعادتها فقال مبتسما: أتأذنين لي أن أحمل عنك هذه ~~الحقيبة؟ # فابتسمت بدورها وقالت: كلا، لا داعي لذلك، فهي خفيفة على كبرها، ولا ضير من حملها ~~البتة. ~~- لا بد أن تثقل على يدين رقيقتين كيديك! ~~- بل يداي تثقلان عليها، لا تعودني الترف من فضلك! فضحك بسرور صادق وقال: أليس مما ~~يخجل حقا أن أسير طليق اليدين وأنت تحملين هذه الحقيبة الكبيرة؟! # وأخذ الارتباك يزايلها ويحل محله الأنس به. فسألته معترضة: ولماذا تخجل؟ إني أحملها ~~كل يوم بكرة وعشيا. ~~- الظاهر أنك تخافين أن أخطفها. ~~- ليتك تقدر على هذا حقا، فإنها تحوي واجبات ثقيلة أخفها الحساب! # فضحك مرة أخرى وقال: لعن الله علما يثقل عليك! # فابتسمت متشجعة وقالت: أتلعن العلم إكراما لي حقا أم لعداوة قديمة؟! ~~- بل إكراما لك وإن لم يخل الحال من عداوات قديمة، ترى ما أحب العلوم ~~إليك؟ ~~- التاريخ واللغات! # وكان على عكسها يحب العلوم والرياضة، ولكنه أبدى سرورا طافحا وصاح بعزم: اتفقنا ~~والحمد الله! # فعجبت لسروره وسألته: وما عبرة السرور لذلك؟! # فقال بلباقته المعهودة: كيف غاب عنك هذا يا عزيزتي؟! ألم يكن ذلك الاتفاق في الميول ~~العقلية أصلا وبشيرا باتفاقنا «الروحي» الذي نلتقي عنده الآن؟ # فتورد وجهها وطرفت عيناها - وهي عادتها إذا تولاها الحياء - ولم تنبس بكلمة، فسألها ~~بإغراء: ألا توافقينني على رأيي؟ # فلازمت الصمت، أو لازمها الصمت على الأرجح، وعاد يقول برفق: هل أجد في صمتك جوابي ~~المرجى؟ # ولحظها، فخالها تبتسم، فخامره الحماس وقال بصوت خافت: عرفت ذلك من أول نظرة! # فلم تتمالك أن قالت وفي عينيها ابتسامة صريحة: أول نظرة! ~~- أجل. ms118 ~~- شيء لا يصدق! ~~- ألا تؤمنين بالنظرة الأولى؟ ~~- ألا تغالي؟ .. أحقا ما يقال عن النظرة الأولى؟ # فقال بحماس تألقت له عيناه العسليتان الجميلتان: هو الحق الذي لا مراء فيه! # فقالت وقد غيرت لهجتها: نحن لم نتعارف بعد! # فأدرك أنها تحاول الإفلات من الطوق الذهبي الذي طوق جيدها به، ولكنه لم يمكنها من ~~مأربها وقال: لا تغيبي عن الحديث، سنتعارف حتما بعد حين، أو سنتم تعارفنا فلم يبق منه ~~إلا اسمي، ولكني أريد أن أقول إنه إذا لم يكن حب (وتعمد أن يذكر هذا اللفظ كأنما جاء ~~عفوا) من أول نظرة فلا حب على الإطلاق! # وتعوذت بالصمت مرة أخرى وهو يلحظها مبتسما، ثم استدرك: لا أعني أن الحب يحدث حتما ~~من أول نظرة، ولكن النظرة الأولى تكفي لاكتشاف من تربطهم بنا صلة روحية عسية أن ~~تصير الحب نفسه! أليس يقولون إن الأرواح تتخاطب بغير إحساس البتة؟! فنظرة واحدة تبلغ ~~بالروح فوق ما تريد .. أما الحب الذي تلده الأيام وتنبهه المعاشرة فمرجعه على الغالب ~~العادة أو المنفعة، أو غيرهما من القيم التي لا تدرك إلا بالروية والإمهال، فماذا ~~ترين؟ # فترددت هنيهة ثم سألته كالمتحيرة: أتقول إنه لا يوجد ... (ولم تنطق بكلمة الحب) إلا من ~~أول نظرة؟! فأدرك أنه ثرثر أكثر مما ينبغي، وخاف مغبة تفسير كلامه فقال باهتمام: كلا ~~ليس هذا ما أعنيه، وإنما أعني أن النظرة الأولى خليقة بالدلالة على الغاية التي عسى أن ~~تهدف إليها العاطفة. # فضحكت ضحكة رقيقة وقالت: فلسفتك عسيرة، فلا هي من التاريخ ولا هي من اللغات! # واستغرق الشاب ضاحكا بسرور أخذ بمجامع قلبه، وود في تلك اللحظة لو يستطيع تقبيل ~~الفم الصغير الذي تسيل جوانبه بهذه الحلاوة المشتهاة، وقال: بل هي أسهل من التاريخ أو ~~اللغات لأنها فلسفة الفطرة الصادقة، وأصدق دليل على ما أقول إننا التقينا بوحيها ولن ~~نفترق إلى الأبد إن شاء الله. # وكانا قد بلغا عند ذاك منتصف الطريق، فلاحت على يسارهما طلائع مدينة القبور خاشعة تحت ~~كآبتها الأبدية، ينبعث من قوائمها هدوء شامل ms119 عميق، وصمت مخيم ثقيل، فرمقتها بعينيها ~~النجلاوين، ثم قالت لتداري الخجل الذي سعره حديثه المطرب: قضي علي أن أستصبح كل يوم ~~برؤية هذه القبور، فيا له من منظر لا يسر! # وتساءل الشاب عما يضطرها إلى قطع هذا الطريق الطويل مشيا على الأقدام في الذهاب إلى ~~العباسية وفي الإياب منها، ولماذا لا تستقل الترام عن طريق الخليج، ثم ابتده الحقيقة ~~فأدرك أنها ترضى بهذا التعب - أو رضي لها به أبوها - توفيرا لنفقاتها، فكمال خليل ~~أفندي يعتبر من صغار الموظفين، وممن يكافحون بعزيمة صادقة - في ظروف دقيقة - للنهوض ~~بأسرهم، وذكر أن أسرته اجتازت يوما مثل هذه الشدة وعلى رأسها شقيقه المحبوب يذود عنها ~~البأساء بصبر وجلد، فتندى قلبه عطفا ومحبة وتقديرا، ثم قال لها مبتسما: لن تريها ~~بعد اليوم! # فرمته بنظرة إنكار وتساءلت: كيف؟ هل أسير معصوبة العينين؟ ~~- بل سيشغلنا الحديث عن النظر إليها! # فضحكت ضحكة رقيقة وقد أدركت ما يعنيه، وقالت: ولكنه سفر شاق ولن تحتمله طويلا. ~~خصوصا والشتاء قريب! ~~- سنرى! # وأوغلا في السير فلم يعودا يريان إلا صحراء على اليمين وقبورا على الشمال، ومرا ~~بطريق يشق القبور ويمتد غربا، فأشار رشدي إلى مقبرة خشبية ذات فناء صغير، تقع على جانب ~~الطريق الأيمن ثالثة المقابر وقال: مقبرتنا! # فنظرت الفتاة إلى حيث يشير فرأت المقبرة الصغيرة وقالت باسمة: فلنقرأ إذن ~~الفاتحة. # فقرءا الفاتحة معا، ثم قال رشدي: هنا يرقد الأجداد، وآخرهم جداي لوالدي، وأخي ~~الصغير. ~~- ومتى توفي أخوك هذا؟ ~~- من زمن بعيد ونحن بعد أطفال. # وطرحا القبور وحديثها وراء ظهريهما، واستعادا الصفاء والسرور، دون التفات إلى وجه ~~التناقض الساخر ما بين حديث الحب وحديث القبر، ولا كدرا صفوهما بأن يتساءلا مثلا عما ~~يتبقى لهما من عمر يقضيانه في الدنيا، أو عما ينتظر حياتهما من أحداث قبل أن يرقدا في ~~تلك المقبرة أو في أخت لها، لم يلتفتا لشيء من هذا ولكنها قالت مستوصية بشيء من ~~الشجاعة: ولكننا لم نتعارف بعد! ~~- ألسنا جيرانا؟! ~~- بلى ولكني لا أعرف اسمك. ~~- سامحك الله، اسمي رشدي، رشدي ms120 عاكف! ~~- كيف يسيئك هذا وأنت تجهل اسمي أيضا! ~~- معاذ الله! ~~- أعرفته من أول نظرة أيضا؟ # فضحك رشدي بسرور، وحنى رأسه أن نعم، فسألته: فما اسمي؟ ~~- إحسان! # فضحكت بصوت مسموع وقالت بإنكار: أهكذا تختلق الأسماء! ~~- بل هو اسمك ! ~~- أخطأت يا سيدي ولعلك رمت غيري فارجع بسلام! ~~- ولكني سمعت والدتي تتحدث عن والدتك مرة فتدعوها «ست أم إحسان». ~~- فحسبت أن إحسان هي أنا! ~~- نعم. # فضحكت مرة أخرى حتى تورد وجهها الأسمر وقالت: هذا اسم أختي الكبرى، وقد تزوجت منذ ~~عامين! # فابتسم رشدي كالخجل وقال: لا تؤاخذيني، فما اسمك إذن؟ ~~- نوال. ~~- عاشت الأسماء! # فترددت لحظة ثم رمقته بنظرة ماكرة وتساءلت: أأنت تلميذ؟ ~~- نعم بمدرسة العباسية للبنات. ~~- موظف إذن؟ ~~- ببنك مصر! # فابتسمت قائلة: أما أنا فموظفة بوزارة المعارف! # وضحكا معا، ثم رأيا أنهما يشارفان العباسية، فأدرك رشدي أن أول لقاء لحبه الجديد ~~يؤذن بالانتهاء، أما هي فقالت: حسبك هذا فينبغي أن نفترق هاهنا. # فتوقفا عن السير، وأخذ راحتها في يده، وضغط عليها بحنو وهو يقول: مع السلامة وإلى ~~اللقاء غدا صباحا. # فحيته بانحناءة من رأسها وغمغمت: إلى اللقاء. # وحثت الخطى، ولبث هو بمكانه يتبعها مقلتيه في سرور ونشوة محدثا نفسه: «كانت في البدء ~~متعثرة بحيائها، ثم أنست بي فصارت ألطف من نسمة عبقة، طاهرة خفيفة والله، وقاها الله شر ~~الشياطين جميعا بما فيهم شيطاني أنا». # وكان شأنه المعهود أن يغازل ثم يتعارف ثم يحب، وقد عاد ذاك الصباح وهو ينصت في صمت ~~الطريق إلى أول خفقة لقلبه ترجع مطلع لحن الهوى، أما نوال فانحدرت في طريق المدرسة وهي ~~تقول لنفسها: «ما ألطفه، ما أجمله، ما أعذب حديثه، فآه لو تصدق الأحلام!» # 28 # ولاحظ أحمد عاكف ما طرأ على شقيقه الأصغر من تغير بعين متيقظة، رآه بعد ظهر ذاك ~~اليوم - يوم السبت - نشوان بالسرور، فكأنما بات من سروره في سكرة ذاهلة، ورآه يغير ~~عادته من النوم ما بين الظهر والمغرب - موعد انطلاقه إلى السكاكيني - فيقيل ساعة واحدة ~~ثم يستيقظ مثقل الجفنين فيمشط شعره ويتعطر ويتصدى ms121 للنافذة المحبوبة! ولبث الكهل في ~~حجرته يطالع أو يحاول المطالعة ريثما يأزف موعد ذهابه إلى القهوة - تلك العادة الجديدة ~~على حياته - وقد ركز آماله جميعا في النسيان المرتقب، ينتظره صابرا كما ينتظر المريض ~~اليائس النهاية، وما برحت تتقاذف قلبه أحاسيس الحب والخيبة، والأنفة والغيرة، وحبه رشدي ~~ونفوره منه، فتحير بينها لا يقر له قرار حتى أوشك أن ينفجر رأسه الصغير، وبعد العصر ~~بقليل اقتحم رشدي عليه وحدته! ولم يكن في ذاك غرابة فرفع إليه رأسه مبتسما باذلا جهده ~~ألا يلوح في وجهه وجوم أو سهوم، فحياه الشاب بابتسامته الحلوة وقدم له سيجارة وقال ~~بسرور وبلهجة المعتذر معا: لا تؤاخذني على إزعاجك ولكنني أزف إليك خبرا ~~سارا. # فخفق فؤاد أحمد وقال: خير إن شاء الله! ~~- أخبرني صديق من الموظفين أن الحكومة تفكر في إنصاف الموظفين المنسيين. # فقال أحمد بارتياح لم يدر الآخر بواعثه الحقيقية: بشرك الله بالخير! ~~- إن بقاء رجل مثلك عشرين عاما في الدرجة الثامنة ظلم قبيح وسيئة ذميمة. # فهز أحمد منكبيه بغير مبالاة وقال: أنت تعلم أني لا أعبأ الدرجة ولا الوظيفة ~~شيئا. # وتحادثا مليا، ثم انصرف رشدي كيلا يضيع وقت أخيه الثمين ... وتفكر الرجل بعد انصرافه ~~فيما يساوره نحوه من نفور فامتعض، وتألم فؤاده غاية الألم، وهل ينسى أنه أحبه منذ كان ~~في المهد؟ وهل يجهل أن الشاب يحبه حبا لا يحبه والديه؟! # وهرع إلى الزهرة قبيل المغرب مرتاحا إلى مغادرة البيت، وجالس الصحاب ساعتين ملقيا ~~بنفسه في تيار الحديث لائذا بشجونه من نفسه وأفكاره، ثم رجع إلى البيت وكان رشدي ~~ما يزال في الخارج - طبعا - يسهر ليلته في الكازينو، فكأن فتاته استأثرت بالوقت القصير ~~- من الظهر للمغرب - الذي كان يخلد فيه إلى الراحة وجعلت من يومه وحدة متصلة من اليقظة ~~والتعب، وألقى الرجل على النافذة - التي عاهد نفسه ألا تفتح أثناء وجوده بالبيت - نظرة ~~غاضبة، وتساءل وهو يخلع ملابسه ترى ألم تلاحظ تغيبه عن النافذة؟ ألم يربها من الأمر ~~ما ينبغي أن يربيها؟ لكم يود لو تعلم ms122 باحتقاره غدرها، فكبرياؤه ما تزال جريحة تنزف، ~~ونفسه مكتوبة بنار حامية. # ونام قبل موعده لصدود نفسه عن القراءة، ثم استيقظ على صفارة الإنذار، فنهض مسرعا ~~وارتدى معطفه وغادر الحجرة فالتقى بوالديه في الصالة، وكانت أمه قلقة لأن رشدي لم يكن ~~عاد من سهرته وجعلت تتساءل عن المكان المحتمل وجوده فيه وتدعو الله أن يقيه السوء، وفي ~~الطريق وجدوا الجو باردا رطبا فقال والده: «ما ينتظرنا في الشتاء أدهى وأمر.» ومضوا ~~إلى المخبأ واتخذوا أماكنهم المعهودة، ونظر الأب في ساعته فوجدها الثانية بعد منتصف ~~الليل، فقال باستياء وتهكم: أليس الأرحم برشدي أن يبيت في الخارج حتى لا يكلف نفسه مشقة ~~الرجوع إلى البيت في مثل هذه الساعة؟ # وحدثت أحمد نفسه باستراق النظر! ولكنه رأى رشدي يهبط أدراج المخبأ متعجلا ويدور ~~بعينيه في المكان باحثا عنهم، ولما عثر بهم اتجه نحوهم مبتسما متشجعا ببقية حميا ~~الشراب على مواجهتهم - ومواجهة أبيه خاصة - وحياهم ثم قال لأحمد: أطلقت صفارة الإنذار ~~ونحن في الجمالية فعدوت في الظلام كالشياطين! # فانتهره أبوه قائلا: أنت كالشياطين بغير جدال، ألا تريد أن تخفف عن غلوائك في هذا ~~الوقت العصيب! # ولم يتجاسر أحمد على استراق النظر في حضرة الشاب! ولكن رشدي ضاق بالجلوس ذرعا فقام ~~يتمشى في المخبأ، وأطلق الكهل لعينيه العنان فانطلقت نظرتهما القلقة إلى الركن البعيد ~~حيث تجلس أسرة كمال خليل، ورآها، كانت جالسة جنب أمها مطرقة، فرأى جانب وجهها الأيمن. ~~هل رأته يا ترى؟ .. ألا تزال تحسب أنه يجهل أمرها؟ أما تعاني شيئا من القلق والعذاب؟ ~~أم أنه المقضي عليه بالقلق والعذاب وحده؟! .. وطافت برأسه في تلك اللحظة تمنياته ~~الجهنمية عن الغارة المدمرة فارتجف قلبه ورفع رأسه إلى سقف المخبأ داعيا في سره: ~~«اللهم رحمتك يا أرحم الراحمين.» ثم وقع بصره على كمال خليل وسيد عارف واقفين على كثب ~~من مجلس أسرة أولهما يحادثان شقيقه! فتولته الدهشة؛ كيف تعرف الشاب بهما؟ ومتى حدث ذلك؟ ~~وهل رمى الشاب من وراء ذلك إلى غرض معين؟! .. حقا إنه شاب جسور ms123 يعجز خياله - هو - عن ~~مجاراة أفعاله! وخامره نحوه شعور بالإعجاب ممتزجا بالحنق، بيد أنه انقطع عن التمادي في ~~مشاعره لدوي انفجار انتشر فجأة فملأ الأسماع، وانطلقت وراءه طلقات المدافع المضادة ~~بسرعة فائقة، فحلق الخوف فوق القلوب الواجفة كحدأة منهومة تنقض على أفراخ مذعورة، ولم ~~يتكرر الانفجار ولكن استمرت طلقات المدافع المضادة فترة وجيزة. ثم عاد السكون إلى ~~نصابه، فأخذ القوم أنفاسهم، ومضت ربع ساعة أخرى ثم انطلقت صفارة الأمان. وفتش أحمد ~~على أخيه فلم يجده، وكان الناس يخرجون أفواجا، فخطر له خاطر أعاد له ذكريات قديمة، ~~فبحثت عيناه عن أسرة كمال خليل فرآها قريبة من مجلسها تنتظر أن يخف التزاحم على باب ~~المخبأ إلا أنه لم ير نوال! وذكر ليلة دعته إلى اللحاق بها وكيف تردد وجبن! أما رشدي ~~فلا يمكن أن يتردد أو يجبن! # 29 # واطرد مجرى الحياة، فتوطدت أسباب الصداقة بين رشدي وكمال خليل على حداثة عهدهما ~~بالتعارف، وتفاوت ما بين عمريهما، بفضل لباقة الشباب وكياسته، ودعاه الرجل إلى قهوة ~~الزهرة فلبى دعوته وجالس صحاب شقيقه - والكهل بينهم - ونال إعجابهم بما طبع عليه من ~~دماثة الخلق وإشراق الوجه. # وطاب له المجلس فنوى أن يعاوده بين الحين والحين، ثم دعاه الرجل إلى زيارة بيته فمضى ~~إليه فرحا مسرورا، وتوثقت عرى المودة بينهما، واكتسب الشاب ثقة الرجل لحد أن قدمه إلى ~~زوجته وكريمته، ورفع الحجاب بينه وبين أسرته، وهي خطوة لم يتوقعها رشدي قط، ولا دار له ~~بخلد أن تتخذها أسرة بحي الحسين خاصة حيث تسود روح المحافظة، بل إن أسرته هو لتعتبر من ~~هذه الناحية أشد محافظة على خلوها من الفتيات، فما يجرؤ هو ولا أخوه - فضلا عن أبيه - ~~على أن يقدما رجلا غريبا إلى أمهما، على أنه سر بذلك سرورا لا يدانيه سرور، وسعد ~~بتلك الثقة الغالية، واصطبغ تفكيره بلون الجد فاستشعر الرزانة والتبعة، وتبع ذلك أن حل ~~رشدي محل الأستاذ أحمد راشد المحامي في التدريس لنوال ومحمد، ولما اتصل نبأ ذلك بالأخ ~~الأكبر عقدت الدهشة لسانه، ولم ms124 يدر كيف حدث ولا كيف أمكن أن يحدث، فأخوه صار كأنه ~~عضو في أسرة الجيران، ولو أنه وطن النفس يوما على أن يبلغ هذه المنزلة التي بلغها ~~رشدي في أيام لما كفته عشرون عاما، ولكم رمقه بعين الإعجاب المقرون بالحسد، ولكنه ~~نجح في التظاهر بالجهل المطبق، فأسبل جفنيه على القذى كما أغلق النافذة على آلامه، ~~واستسلم للصبر الذي استمرأه لطول ما عاناه، أما الأم فلم يغب عنها شيء من بادئ الأمر، ~~فلم يكن رشدي من الذين يعنون بإخفاء أسرارهم، كان يلازم نافذته إذا وجد بالبيت، ويهرع ~~إلى بيت الجيران في ساعات الدروس، وكان يغشى روحه هيمان بدت آثاره في عنايته المتضاعفة ~~بأناقته، وفي الحنان الذي اكتسبه صوته وهو يغني، وفي خروجه الباكر كل صباح الذي لم تعد ~~تخفى حقيقته على أحد، بل ما من شك أن أسرة الجيران نفسها باتت تعلم من أمره ما تعلم، ~~وتعقد عليه من الأمل ما يثلج صدرها بالسعادة، لم يغب شيء من هذا عن الست دولت، وشاورت ~~قلبها فيه فلم تجد منه إباء ولا نفورا، وكان من عادتها أن تقول أحيانا كالمتحسرة: ~~«متى يا رب أفرح بالعرائس كالأمهات السعيدات؟!» ولكن هل نوال جديرة بابنها؟! لم لا؟! ~~هي عروس حسناء متعلمة، من أسرة طيبة، ووالدها موظف، فكل شيء مناسب، اللهم إلا خاطرا ~~واحدا أحزنها وأكربها، أيجوز أن يتزوج رشدي قبل أحمد؟! ولكن ما حيلتها؟! فلتنتظر ما ~~تلد الأيام من أحداث تقضي بها مشيئة الله الحكيمة! # وفات رشدي طور اللعب، فهو يبدأ بمعابثة الغزل ولكنه ينتهي دائما بالحب الحقيقي! فأحب ~~نوال واستعرت لها في قلبه عاطفة صادقة، أليست بجارة النافذة المحبوبة، ورفيقة طريق ~~الجبل المكللة هامته بالسحاب الرقيق، وتلميذته المغرمة يطارحها الهوى على مائدة الحساب ~~والجبر والهندسة، وجليسته في السينما صباح الجمع؟ .. علق الهوى على قلبين طريين، ولصق ~~نفسين تواقتين للحب والسعادة، وصارت حياته نشاطا متصلا يشق على الجسد والأعصاب، فهو ~~إما مكب على عمله في المصرف أو هائم في غرامياته، أو ساهر في كازينو غمرة، فلم ms125 يخلد إلى ~~الراحة إلا في الهزيع الأخير من الليل، فلم ينتشله حبه من داء المقامرة أو معاقرة ~~الشراب ولا حتى من الحب الفاجر! وعالج هاتيك اللذات في يسر، وأنسته العادة أنها ~~خطايا فأنس بها بلا تردد، ولم يتخيل أن الحياة حياة بغيرها، فعبد الورق والكأس والحب، ~~وعسى أن يهوله ما تستوجبه هذه الحياة من مال ومشقة فيقول متأسيا: «غدا أودع حتما كل ~~شيء إذا تزوجت!» # وكان حريا أن يفكر في نسيان ذاك العبث ليأخذ أهبته للزواج إن كان من الصادقين، ولكن ~~هون عليه الأمر أنه أودع المصرف يوما مبلغ خمسين جنيها ربحها من السباق، ففي بحر ~~عام واحد يستطيع أن يقتصد من مرتبه ما لو أضافه إلى ذاك المبلغ لقام بنفقات الزواج، ~~ولكن متى يبدأ هذا العام؟ هذا ما كان يؤجل التفكير فيه، مستسلما لتيار الشهوات العارم، ~~فلم يتعود قط أن يروض من جماح شهوته، أو أن يحد من رغباته، أو أن يشد من إرادته، إلا ~~أنه تردد أخيرا متحيرا، عينا على الحياة التي يلبي نداءها، وعينا على الفتاة التي ~~يهواها. # 30 # وانصرم شهر نوفمبر، فاشتد البرد اشتدادا لم تعهده القاهرة إلا في النادر، وأصيب رشدي ~~عاكف بالإنفلونزا، ولعلها أصابته أثناء عودته إلى خان الخليلي في الهزيع الأخير من ~~الليل، ولم يكن يعبأ بوعكات البرد مكتفيا ببلع أقراص الأسبرين إذا اشتد عليه وجع ~~الرأس، فزاول نشاطه المعهود لا يعبأ شيئا، إلا أن حالة المرض اشتدت عليه في اليوم ~~الثاني في المصرف، فتناوبته قشعريرة، ثم شملته رعشة حتى اصطكت أسنانه، وعراه خور أظلمت ~~منه عيناه فغادر المصرف واستقل تاكسي إلى البيت، ورقد في إعياء شديد، ومنحه طبيب المصرف ~~أسبوعا، واشتدت الحالة، وتدهورت صحته بسرعة مخيفة، وغيره هزال فبدا كإنسان لازمه ~~المرض شهرا طويلا، وأدرك أحمد أن أخاه فقد مناعته الأولى التي طالما قاوم بها ~~التوعكات فلم يملك أن قال له: صرت كالخيال، لأن جسمك لم يعد يقاوم لما تكلفه به مما ليس ~~في وسعه. # وكان الفتى معتادا أمثال هذه الملاحظة من ms126 أخيه، فابتسم ابتسامة شاحبة وقال: هذا عارض ~~من أعراض البرد وسوف يزول! # فقال أحمد باستياء: ولكنه ما كان يتمكن منك لولا تفريطك في صحتك! # ولم يكن شيء يعدل به عن الدفاع عن سيرته المحبوبة فقال: ألا ترى أني لا أسهر وحدي! ~~وأن صحبي جميعا كالبغال صحة وعافية! ولكنها أعراض البرد وسوف تزول بإذن الله. # وكان يعلم أنه يستميت في الدفاع عن حياته لحد اللجاج والمكابرة فانكسر عن لومه، وكان ~~يعوده كثيرا، ويواسيه ويشجعه، وبالغ في ذلك مبالغة مردها إلى ما بات يساوره نحوه من ~~امتعاض ونفور، فكأنه كان يغطي المشاعر التي تخجله وتحزنه بالمبالغة في إظهار العطف ~~والمحافظة على مظاهر الحب، وكثيرا ما كان يحدث نفسه بصوت مسموع قائلا: «إني أحبه ~~كعهدي دائما، وما يستحق مني غير هذا الحب، ولو أنه علم بطويتي ما أقدم على ما أقدم ~~عليه، فهو بريء، وهو يحبني وأنا أحبه.» ولكن كيف يغفل عما يثور بنفسه أحيانا من الغضب ~~والثورة؟ .. وكيف ينسى أنه تمنى لو أن الشاب لم ينقل إلى القاهرة؟ .. بل كيف ينسى أنه ~~تمنى لحظة لو تخلو الدنيا من الناس والشاب فيها طبعا؟! فهذه الخواطر وغيرها كانت ترهقه ~~بالحزن وترديه في الوساوس، وفي آخر ليلة من ليالي اشتداد الحمى على الشاب، حلم أحمد ~~حلما غريبا، وكان نام بعد جهد ناصب من عذاب الفكر، فرأى فيما يرى النائم أنه جالس على ~~فراشه مرسلا الطرف من نافذته إلى شرفة نوال في إشفاق ورجاء، فما يدري إلا ورشدي يقعد ~~على كرسي بينه وبين النافذة مبتسما ابتسامته اللطيفة، فشعر باستحياء وحول ناظريه عن ~~الشرفة إلى وجه أخيه، وأراد رشدي أن يسري عنه بتظاهره بأنه لم يفطن لشيء فلم يفلح، ثم ~~رآه ينتفخ رويدا رويدا حتى صار ككرة ضخمة فأنسته الدهشة ما كان فيه من استحياء، ثم ~~أخذ منه العجب كل مأخذ حتى لم يتمالك نفسه من الصراخ إذ رأى شقيقه - وهو كالكرة الضخمة ~~- يرتفع ببطء طائرا كأنما يلتمس سبيلا إلى الفضاء خلل النافذة، ولكن النافذة ضاقت ~~عنه ms127 فانحشر بين جانبيها وحجب عن عينيه النور، وزايلته الدهشة وحل محلها الرعب، ولكن ~~الفتى جعل يضحك منه كالساخر بصوت مزعج أثار أعصابه فتولاه الغضب، وظن الشاب يسخر منه ~~بخدعة فنهره ولكنه لم يعبأ به واستمر في ضحكه الساخر، ففزع أحمد إلى مكتبه وأتى بريشته ~~وغرسها في بطنه فانقصفت فيها، واندفع من البطن بخار ملأ الحجرة بالغبار فأخذ جسم الفتى ~~يتقلص بسرعة حتى عاد إلى حجمه الطبيعي ثم سقط عند قدميه، وجعل يتلوى كالسليم، ويعض من ~~الألم قوائم الكرسي ويصرخ صراخا موجعا ويسعل حتى تجحظ عيناه ويسيل من محجريهما الدم، ~~وهلع فؤاد أحمد وأطبق عليه رعب يضني ويميت، ثم ... ثم استيقظ عند ذاك، وأدرك أنه كان ~~يحلم، رباه، تبا للأحلام، وما كاد يفيق من هول الرؤيا حتى بلغ مسمعيه صوت كالأنين ~~يأتيه من عقب بابه المغلق، فأرهف السمع فتبين له أنه صوت أخيه وأنه حقا يتأوه ويتوجع، ~~فقفز من فراشه وانتعل شبشبه ومضى على عجل إلى حجرته، وهناك وجد الشاب راقدا يتأوه ~~وأمه إلى جانبه تدلك ظهره بينما يجلس الأب على كرسي قريبا من الفراش، فتساءل أحمد ~~مروعا: ماذا به؟ # فقالت أمه: لا تنزعج يا بني، إنه ألم الحمى وهي تفارق البدن. # وتنبه رشدي إلى مجيء أحمد فكظم ألمه قليلا وقال متأسفا: واخجلتاه، أزعجت منامكم ~~جميعا. # ولكنهم شجعوه ودعوا له، وجلس أحمد جنب أمه، وأخذ راحة شقيقه بين راحتيه وراح يدلكها ~~بحنو، وكأنه يكفر بذلك عن إساءته إليه في الحلم، ومضت ساعة مؤلمة لم يكن عناء الأسرة ~~فيها دون عناء المريض، فلبثوا إلى جانب فراشه حتى مطلع الفجر. # 31 # وبرأ رشدي مما ألم به، وغادر فراش المرض، ولم يكن هينا عليه أن يلزم الفراش ~~أسبوعا كاملا، وهو الذي لا تطيب له الحياة إلا في تجارب اللهو واللعب واللذات، ولذلك ~~هاله أن ينصحه أخوه بالبقاء في البيت والإخلاد إلى الراحة ريثما يسترد قوته، فضحك ~~كعادته وقال كالآسف: حسبي أن ضاع من العمر أسبوع هدرا! # فاحتد الذي ضاع عمره كله وقال: أحذرك الاندفاع ms128 فيما أنت آخذ فيه، فإنك تستحل شبابك ~~للعدم كأنه معين لا ينفد، ولا تعبأ أبدا أن تنال حقك من الراحة، فأي جنون هذا الذي ~~تطيع؟! # ولمس رشدي في لهجة أخيه غيرته على صحته، فابتسم ممتنا وقال: دمت من أخ كريم، متعني ~~الله بقلبه الكبير. ~~- إني أرشدك لما فيه صلاحك! # فقال الشاب الشكور المحب: وهل داخلني في ذاك شك؟! # ولكنه لم يعن باتباع الإرشاد الذي لا يداخله فيه شك، وفي صباح اليوم التالي رآه ~~أحمد يستجمع لخروجه الباكر، فتولته الدهشة وسأله بإنكار: ماذا أنت فاعل! # فقال بشيء من الارتباك: إلى المصرف! ~~- وما الموجب للعجلة؟ # فعدل الفتى عن المداراة وقال بصراحة محزنة: أخي، لا أكتمك أن البيت يسقمني! # وعلم أحمد بما يغريه حتما بالاستهانة بصحته، فانقبض صدره وأخفى بصره في فنجان ~~القهوة، ومضى الآخر إلى سبيله، وأرادت الأم - وكانت جالسة إلى السفرة - أن تخفف من ~~وقع مخالفة الشاب لنصح أخيه فقالت تعتذر عن سلوكه: شفاء أخيك في الدنيا الواسعة لا في ~~البيت، فلا تؤاخذه! # ولما لم ينبس بكلمة ظنته غاضبا فقالت تستوهبه ابتسامة: أليس هو ابن أمه؟ ومن شابه ~~أمه فما ظلم، ألا ترى إلي كيف يركبني الهم إذ لزمت البيت وحيل بيني وبين زيارات ~~الأحباب! فكلانا عدو البيت. # وضحكت ضحكتها الرنانة فابتسم الكهل ابتسامة لا لون لها، وما كان شيء بمثني الشاب عن ~~حياته المحبوبة، فارتمى مرة أخرى بين أحضان الحب والقمار والشراب والتدخين والنساء؟ ~~استرد نشاطه المعهود ولكنه لم يسترد صحته، فلم يزايله الهزال، واشتد لون وجهه شحوبا ~~وبدا وكأنه بقي من مرضه شيء لا يفارقه، وإذ كان أحمد منشغلا بنصحه كان الشاب منشغلا ~~بالتفكير في أمور أخرى، فدخل على أخيه عصر يوم - قبل موعد خروج الرجل إلى القهوة بقليل ~~- وحياه بابتسامته اللطيفة وقال: هل تأذن لي بالتحدث إليك قليلا؟ # فرفع أحمد رأسه إليه وقال: تفضل يا رشدي. # وقرأ في وجهه الجميل الشاحب أمارات الرزانة والاهتمام على غير عادته، فعجب لأمره، ~~وتساءل عما دعا السادر اللاهي إلى الجد والاهتمام، وذكر ms129 أنه لم يره في مثل تلك الحالة ~~إلا في السويعات الحرجة التي تلقى فيها أنباء سقوطه في بعض الامتحانات على عهد دراسته، ~~وساوره القلق ورفع حاجبيه الخفيفين متسائلا، فقعد رشدي على الكرسي وقال: أريد أن أجد ~~في الأمر فليست الحياة كلها لعبا! # ولو أنه سمع كلامه هذا في غير الظروف النفسية التي يعانيها لما تمالك أن يضحك ويقهقه، ~~ولكن صدره انقبض، وحدس قلقا ما الشاب ماض إلى خوضه، فقال بهدوء: الحياة ليست كلها ~~لعبا، هذا حق! # فقال الشاب: أنت مرجعي عند المشورة، وقد جئتك سائلا هل توافق على زواجي؟ # فاضطرب صدره كما لو كان بوغت بالقول مباغتة لم تدر له بخلد، ولكنه لم يسمح لوجهه ~~بالإفصاح عن كآبته، وتظاهر بالدهشة البريئة، بل وبالسرور، وقال: أجئت تتحدث أخيرا عن ~~الزواج! مرحى مرحى! # فضحك رشدي بسرور وقال: هي الحقيقة يا أخي، فهل يسرك ذلك؟ ~~- يسرني طبعا، لعلنا سررنا بشيء معا لأول مرة! # وتبع ذلك صمت، وأدرك أحمد أنه من الطبيعي أن يسأل عن العروس، وكان يرجو أن يفتح الآخر ~~الحديث بغير حاجة إلى سؤاله، ولكنه لازم الصمت، فلم يجد مناصا من أن يزدرد ريقه ويقول ~~متسائلا: وهل اهتديت إلى بنت الحلال؟ # فاعتدل الشاب في جلسته وقال: أجل يا أخي، كريمة جارنا الطيب كمال خليل أفندي صديقي ~~وصديقك! # ولم يفلح ما سلف من تأهب في تحمل الطعنة إلا قليلا، فيأس المتهم من النجاة لا ~~يهون على نفسه وقع النطق بالحكم عليه، ولكنه لاذ بكبريائه وقال بهدوئه: وفقك الله لما ~~فيه سعادتك. ~~- شكرا لك يا أخي. ~~- بيد أني أريد أن أسألك سؤالا على سبيل الاحتياط، فهل زودت بالمعلومات الضرورية عن ~~الأسرة التي ستصبح واحدا منها؟ ~~- خبرت الأسرة عن كثب، وعرفت الفتاة معرفة شخصية! # ونكأ تصريحه جرحه فضاعف مجهوده ليحافظ على هدوئه الظاهري، وقال: أذكرك بأنه إذا أعلن ~~الخبر فالنكوص عنه يكون فضيحة! # فضحك رشدي قائلا بثقة: انتهى التقلب واستقر الرأي! ~~- هل فاتحت أحدا بهذا الشأن؟ ~~- كلا فيما عداها هي! # فخفق فؤاده خفقة عنيفة، وشرع ms130 خياله في استحضار صورة انفرادهما معا، وتهامسهما بهذا ~~الشأن الخطير الجميل، ثم قطع تخيله بقوة، وقال بنبرات تنطق بالرضى: على بركة ~~الله. ~~- إذن أكل إليك تبليغ والدي بالأمر، ومن ثم نأخذ في الخطوات المتبعة. # فتريث أحمد قليلا ثم قال: سأخبر أبي ، أما الخطوات الأخرى فتحت شرط! ~~- سمعا وطاعة. ~~- ألا نشرع فيها قبل أن تسترد صحتك، وتستعيد وزنك السابق للمرض على الأقل! # فقال رشدي ضاحكا: هذا علي هين، ولن يطول انتظارنا. # ثم نهض قائما وهو يقول: أشكر لك والعقبى لك (ثم غير لهجته كمن تذكر شيئا جديدا) .. ~~على فكرة! لماذا لا تفكر أنت أيضا في الزواج، أما كان ينبغي أن أبارك لك قبل أن تبارك ~~لي؟ # أيصارحه بما حال بينه وبين التفكير في الزواج؟! الفتى لا يدري مما يقول شيئا، ولذلك ~~فهو يرميه بسهام مسمومة في غفلة وصفاء! وقد امتعض لتساؤله، وخاله لسان القدر يتهكم من ~~شقائه بعد أن قضى به عليه. وقال كالمتهكم: مضى زمن الزواج! ~~- مضى؟! ~~- دع هذا يا رشدي، فأنت تعلم أنى امرؤ مشغول! والله لم يجعل لامرئ من قلبين في ~~جوفه! # ومضى الشاب يهز رأسه أسفا، وأطرق الرجل، ولاحت في عينيه نظرة حزن عميق، واستسلام ~~للقدر واليأس، سيتولى - هو - أمر زواج الشاب، فلا مناص من أن يحيك كفته بيديه، وفي ذلك ~~ما فيه من ضروب الألم وفيه كذلك ما فيه من ألوان اللذة والعزاء، لن يخلو على الأقل من ~~تلك اللذة الغامضة التي تؤلف بينه وبين الألم كما تؤلف بين الفراشة والنور، وفيه لذة ~~الاستسلام إلى القضاء القهار، وفيه لذة التكفير عن مشاعره الباطنية التي لم يرتح إليها، ~~وفيه أخيرا لذة لكبريائه الجريح. # 32 # وارتدى على أثر ذلك ملابسه، ومضى إلى الزهرة وقد فارقه ذلك الشعور بالأسف الذي يخامره ~~كلما هم بالخروج عن عادة وحدته، واشترك في أحاديث الصحاب أكثر من ذي قبل - إذ كان جل ~~حواره مع أحمد راشد وحده - واستسلم للضحك طويلا على غير عادته، وخطر له فجأة أن ~~يشاركهم سهرتهم الأخرى التي سمع عنها ms131 دون أن يشهدها، وبدا له الخاطر مغريا فمال إليه ~~بكل قلبه، بيد أنه تردد كالخائف ولم يدر كيف يقدم نفسه، ولم يغادره هذا الخاطر حتى ~~نهض القوم للذهاب إلى حال سبيلهم، وكان من عادة المعلم نونو أن يمضي إلى بيته أولا ~~ومن ثم يلحق بالصحاب في ندوتهم، فاتخذ منه رفيقا، وآتته شجاعته في الطريق فقال ~~باستحياء: يا معلم. هلا اصطحبتني إلى الإخوان؟ # فصفق الرجل بسرور وصاح به: هداك الله أخيرا! # فقال بصوت خافت: ولكني في هذا الأمر أجهل من دابة! # فقال المعلم بزهو وخيلاء: اجعلني دليلك، وأيا ما كان فهذا الأمر أسهل من كتبك وأجل ~~فائدة! # وعادا معا يخبطان في الممرات الملتوية يشملهما ظلام دامس، ودخلا عمارة وارتقيا السلم ~~إلى الطابق الثالث، وضغط الرجل زر الجرس الكهربائي وهو يقول: إذا جئت بمفردك وأردت أن ~~يفتحوا لك فآيتك أن تضغط الزر خمس دفعات متتابعات ثم تذكر كلمة السر التي سأقولها ~~الآن. # وسمعا صوت عباس شفة يسأل عن القادم فقال المعلم: ملعون أبو الدنيا! # وفتح الباب ودخل أحمد بقلب هياب وتبعه المعلم، وعبرا صالة إلى حجرة واسعة مزدحمة ~~بالجالسين مضاءة بنور أزرق هادئ كنور الفجر العليل، ينبعث من مصباح ملفوف بغلالة زرقاء، ~~فاتجهت الأنظار نحو القادمين، واستقرت على الجديد منهما حتى تعثر بالارتباك والحياء، ~~وقد تربعوا على شلت تراصت على صورة دائرة، ووضع في وسطها «العدد» كالمجمرة والجوزة ~~والطباق، فتبادلا التحية مع الحاضرين وجلسا جنبا إلى جنب، واستطاع أحمد أن يلقي نظرة ~~عامة على المكان، ويرى إخوان قهوة الزهرة - فيما عدا أحمد راشد - بين الموجودين، ثم ~~استرعى صدر المكان انتباهه حيث جلست امرأة «هائلة» على شلتة ضخمة، وإنها لهائلة حقا، ~~ففي جلستها كانت تطاول شخصا قائما، عريضة المنكبين، طويلة الجيد، مستديرة الوجه في ~~امتلاء وضخامة، واضحة القسمات، يراوح لونها بين المصري والحبشي، أما شعرها فكستنائي ~~مجعد شد إلى ضفيرة غليظة قصيرة، وأعجب ما في وجهها عينان كبيرتان بارزتان بروزا لا ~~يبلغ القبح، لنظرتهما حدة ولحورهما التماع، ويوحي منظرها بالهيبة لضخامتها وقوتها، ~~وبالشهوة ms132 لأمارات الحيوانية البادية في ملامحها، والإغراء المنعكس عن خلاعتها، وقد وضعت ~~على كتفيها شالا مجملا منمنما وجعلت تتفرس في وجهه بعينيها القادحتين. # وأدرك أحمد عاكف أنها عليات الفائزة التي يدعونها بمعشوقة الأزواج، وقد جلس زوجها ~~عباس شفة إلى يمينها بينما جلس إلى يسارها المعلم زفتة القهوجي، وسفر المعلم نونو بين ~~الرجل وبينها بالتعارف، فمدت له راحتها المخضبة بالحناء ورحبت به، وحدجه المعلم زفتة ~~بنظرة تأنيب وقال له متضاحكا: وأخيرا عرفت إن الله حق! لكم أنفقت من عمر في حجرتك! ~~وعلام ذلك التعذيب؟! .. لا أنت متزوج ولا أنت رجل عجوز، ولكنه ظلم الإنسان ~~لنفسه! # فقال المعلم نونو يزكي صاحبه ويعتذر عن «غفلته»: يا إخواني، إن نظري لا يخيب وفراستي ~~تصدقني دائما، وقد اقتنعت من أول نظرة بأن صاحبنا أحمد أفندي «ابن حظ» ولكن أضلته ~~الظروف عن منهله العذب حينا، وإنا لهادوه بإذن الله! # وخاف كمال أفندي خليل أن يضيق صاحبه - الذي جدت دواع جديدة تحمله على إرضائه - بكثرة ~~المداعبات فقال: الأستاذ أحمد عاكف يا سادة رجل مطلع، ولكن لا ضير من أن يأخذ حظا ~~من السرور، فالحياة لا يمكن أن تكون عناء متصلا. # فلوح المعلم زفتة بيده كالساخط وقال: ولماذا نقضي على أنفسنا، وبمحض اختيارنا، ~~بعناء متصل أو منفصل؟! الأستاذ موظف ذو مقام فماذا يوجب عليه أن يقرأ كالتلاميذ من غير ~~مؤاخذة؟! عاهدنا على ألا تغيب عنا ليلة بعد اليوم! # فابتسم أحمد كالمرتبك، وزاد من ارتباكه أن قالت عليات الفائزة تخاطب زفتة وهي تلحظ ~~الكهل: رويدك يا معلم، كيف يعاهدك على ذلك وقد لا يطيب بنا نفسا؟! # فتورد وجه أحمد وقال مسرعا: العفو يا هانم! # وكانوا يدعونها بست عليات فوقعت ... «هانم» من آذانهم موقعا غريبا، أما الست فقالت: ~~أهلا بك في كل وقت. # وكان عباس شفة مكبا على تعبئة «الكراسي» ثم رص الجمرات على كرسي منها وركبها على ~~الجوزة وقدمها إلى الست، واستقرت عينا أحمد على الجوزة في اهتمام مشوب بقلق وإشفاق، ثم ~~مال نحو نونو، وهمس في أذنه: ألا يحق ms133 لي أن أخاف هذه الجوزة؟ # فعاتبه المعلم قائلا بصوت منخفض: إذا خفتها أنت فماذا يفعل أبناؤنا! # وتوسط عباس شفة الدائرة، وجعل يدير الجوزة من رجل إلى رجل، مقتربا منه، حتى بلغت ~~المعلم نونو، فوضع الغاب في فيه وأخذ نفسا طويلا اتصلت قرقرته حتى ملأت الأسماع، ~~وزفره من خيشوميه قطعا من سحاب داكن! وأخيرا رأى الغاب يدنو من شفتيه والأنظار تتحول ~~إليه، فأطبقهما عليه وأخذ نفسا قصيرا كالخائف ونونو يهتف به: «شد ... شد.» ثم قال له ~~بلهجة الآمر: «ازدرد الدخان!» فازدرده ثم زفره بسرعة وقد شعر كأن يدا تكتم أنفاسه، ثم ~~سعل سعلة اضطرب لها جسمه النحيل ودمعت عيناه، وكان نونو يرقبه بقلق فسأله لما أفاق: كيف ~~الحال؟ # فقال وهو يتنهد: أولى بي أن أبدأ بأخذ أنفاس خفيفة، ألا ترى أنك مدرس قاس ~~يا معلم؟ # فقهقه المعلم قائلا: كما تشاء ففي التأني السلامة! # ودار عباس شفة بالجوزة خمس مرات متعاقبة، وتصاعد الدخان من كل جانب وانعقد سحبا، وشم ~~أحمد رائحة غريبة أثارت ذكرى قديمة، ذكرى رائحة تشابه هذه الرائحة، بل هي نفسها دون ~~غيرها، فأين شمها ومتى؟! ولم يطل به عذاب التذكر، فذكر أول لياليه بخان الخليلي، ليلة ~~التسهيد إذ تسربت هذه الرائحة الغريبة العميقة إلى حجرته فحيرته، فلم تكن إلا رائحة ~~هذا المخدر العجيب المخيف، ولعلها انطلقت ليلتئذ من هذه الحجرة نفسها أو من أخرى ~~تماثلها في ذاك الحي العجيب الذي لا يبعد أن تكون جميع الأنفاس المترددة في جوه من هذه ~~الأنفاس، وسر للذكرى وارتاح إليها أيما ارتياح لأن التخدير كان قد أخذ يسري في أعصابه ~~المتوترة فلينها، فابتسمت أساريره، وعاد عباس شفة إلى مجلسه يستريح قليلا، بينما مضى ~~المعلم زفتة في تعبئة الكراسي من جديد استعدادا للدورة الثانية وقالت الست عليات ~~الفائزة: أما هنأتم سيد عارف أفندي؟ # فالتفت إليها القوم، وقال نونو: خير إن شاء الله! # فقالت المرأة الهائلة مبتسمة: أرشده طبيب ماهر إلى أقراص جديدة وأكد له أنها مضمونة ~~النجاح! # فعلا ضحك الجميع - أصحاب قهوة الزهرة والآخرون ms134 - وقال المعلم نونو موجها خطابه ~~لسيد أفندي: أمنية قلبي أن أراك يوما مثلنا! # فقال سيد عارف كالمحتد: هذا يدل على سوء نيتك! # وسألوه عن الأقراص الجديدة، ولكنه أبى أن يذكر عنها شيئا خشية أن تصيبها نفس. # فقال المعلم زفتة: إنما الأعمال بالنيات ! # وكان كثيرا ما يستشهد في أحاديثه بالحكم والأمثال أو الأحاديث الشريفة كيفما اتفق ~~دون مبالاة بمطابقتها لمقتضى الحال، ودون أن يفطن إلى شذوذ الاستشهاد عن معنى كلامه، ~~على أنه لم يكن يتنبه إلى غفلته تلك إلا قلة من الحاضرين! وضاق سليمان بك عتة بالضجيج ~~ذرعا واشتد وجهه القبيح كآبة فقال بحنق وعنف كعادته إذا استاء أو غضب: الهدوء ... ~~يا هوه، للغرزة آدابها! # ولاحت الدهشة في وجه كمال خليل فسأله باهتمام: وما آداب الغرز؟! # فقال القرد باستياء: هذه الضجة خليقة بالحانات حيث يفقد السكارى عقولهم، الغرز على ~~عكس ذلك جديرة بالهدوء والصمت، فالحشيش سلطان يوجب على مواليه الخشوع والسكون، بالهدوء ~~والصمت يبلغ التخدير مداه فيصفو المزاج وتنثال على الخيال الأحلام فيظفر الإنسان ~~بمشكلات يومه ومتاعبه ويحسن التفكير فيها وحلها واحدة بعد أخرى! ~~- ولكننا نجيء هنا لننسى المشكلات والمتاعب لا لنفكر فيها! ~~- بئس الرأي، إن الهروب من المتاعب لا يذهبها ولكنه ينسي عذابها إلى حين كي تعود ~~أفظع مما كانت، حكمة الحشيش تهبنا ثقة نواجه بها المتاعب بقلب قادر على الاستهانة ~~وتهوين خطبها فتذوب في بالوعة النسيان وتمحى من الوجود. # فقال سيد عارف ضاحكا: فليس هذا بكرسي حشيش، ولكنه كرسي الاعتراف! # وقال المعلم زفتة: صدقت، هذا حشيش القسيس! وصدق من قال يا جحا عد غنمك! # ثم قال المعلم نونو مستنكرا وموجها خطابه لسليمان بك: وكيف يلزم الصمت من خلا من ~~المتاعب؟ ~~- وهل يخلو من المتاعب إلا حيوان؟ ~~- فكيف شعرت بها؟! # فأجابه سيد عارف: لعله مالك الحزين! # ونهض عباس شفة بشعره المنتفش كالشيطان فدارت الجوزة دورتها الثانية، ومحت القرقرة لغط ~~الحديث، وأخذ أحمد أنفاسا أشد من المرة الأولى مستوصيا بشجاعة لا عهد له بها، وبرغبة ~~قوية في الذهول، وقد أعجبته فلسفة ms135 سليمان عتة على مقته له، فحاول أن يعالج حزنه العميق ~~الذي أورده هذا المكان الخانق على طريقته لعله أن يبرأ، لكنه تسلط عليه التخدير فثقلت ~~جفونه واحمرت عيناه ومال عنقه قليلا، ثم ساوره خوف مفاجئ فأدنى رأسه من أذن المعلم ~~نونو وسأله : ألا يخشى علينا من الشرطة؟ .. هب شرطيا تسلل إلى الباب وقال ملعون ~~أبو الدنيا؟! # فضحك نونو وقال: نقول له ملعون أبوك! # وبعد انتهاء الدورة جلس عباس شفة جنب زوجه الهائلة مرة أخرى وتحركت الألسن من ~~جديد. # فقال المعلم زفتة القهوجي وهو لا يمسك عن العمل: أبشركم يا إخواني بأن هتلر - حين ~~يفتح الله له مصر - سيلغي أمر منع الحشيش ويمنع شرب الويسكي الإنجليزي! # فقال المعلم نونو: هتلر رجل حكيم ولا يداخلني شك أن الفضل الأول في مهارة خططه راجع ~~للحشيش! # فسأله كمال خليل أفندي: وكيف أوصله إليه عباس شفة؟ # فقال نونو بلهجة جدية: لا حاجة به إلى عباس شفة، فالمخزن رقم 13 ملآن بالحشيش ~~النقي! # ثم هز المعلم رأسه كالآسف وقال بحسرة ظاهرة: ألم تسمعوا بما يقال من أن اليابانيين ~~ينشرون المخدرات بين الأمم التي يغزونها! # فقال المعلم زفتة بنفس اللهجة: ليت الإنجليز كانوا حشاشين! ~~- ضاعت خمسون عاما من الاحتلال هدرا! # وهنا نهض سيد عارف بغتة وقد ارتسم على وجهه آي الاهتمام الشديد، ولبس طربوشه كأنما ~~يتأهب لمغادرة المكان، فعجب القوم له وسألته الست عليات: إلى أين يا أخانا؟ # فتخطى محيط دائرة الجلوس وهرول نحو الباب متعجلا وهو يقول: الأقراص نجحت. # وغاب عن الأنظار في لمح البصر، فانفجر القوم ضاحكين، وتساءل كمال خليل وهو يسعل: هل ~~حقا ما يقول؟! # فقال سليمان عتة بسخرية: دعاية كاذبة كدعاية أصحابه الألمان. # فقال نونو: سنعلم الحقيقة بعد تسعة أشهر! # فقالت عليات الفائزة: علم هذا علي هين! # وواصلوا الهزل حتى قام عباس شفة ممسكا بالجوزة فكان نذير الصمت، وفي هذه الدورة ~~أخلد أحمد لتخدير غريب - وكان طول الوقت صامتا راغبا عن الكلام أو عاجزا عنه - وشعر ~~بأن إرادته فقدت سلطانها على أعضائه، وقد ms136 أراد أن يحرك ذراعيه ليطمئن إلى أنه ما يزال ~~متمالكا زمامه، ولكن شعورا عميقا قويا أغراه بالعدول عن التجربة، وهيأ له أنه ~~لا يوجد في الدنيا جميعا ما يستحق التعب أو الحركة، وأن الرقاد والاستسلام والرضا خير ~~ما تجود به الدنيا ورأى القوم خلل نفثات الدخان فخالهم أشباح دنيا غريبة أو سكان ~~كوكب آخر، ولا يدري كيف ملأه ذاك الإحساس بالغرابة، فلذ له أن يضحك، فضحك ضحكة طويلة ~~واهنة شابه مطلعها التأوه وحاكى ختامها قرقرة الجوزة، فما تمالك الجالسون أن ضجوا ~~ضاحكين! وانتبه لضحكهم رغم ذهوله، فاعتدل في جلسته ليستعيد - ما أمكن - شيئا من يقظته، ~~وحدث عند ذاك شيء عجيب، حدث أن نهضت عليات الفائزة قائمة، استطال ذاك الجسم الهائل في ~~الفضاء، وامتد طولا وعرضا فملأ الأعين، وكانت مرتدية روبا شد إلى جسمها ليبرز محاسن ~~مقاطعه، ثم تحرك موكبها العظيم فسارت قابضة براحتها على طرف شالها، فلاح ساعدها مختفيا ~~وراء الأساور الذهبية، ولما مرت أمامه ارتاع الكهل على ذهوله، رأى الروب يتسع بعد ~~خاصرتيها ليكتنف عجيزة لم ير مثلها في حياته، ريانة ناهضة مترجرجة تبرز فوق الفخذين ~~كالمشربية، فما صدق عينيه! ولاحظ المعلم نونو دهشته فقال له هامسا: انتبه فالست ~~تطلعك على السر الذي أشقى أزواج الحي. ما هذه بعجيزة ولكنها كنز! # فقال أحمد بصوت لا يكاد يسمع: هذا شيء فوق ما يتصوره العقل! ~~- وأكثر من هذا أنها تحوي فضيلتين لا تجتمعان، فهي من ناحية كالكرة المنفوخة صلابة، ~~ومن ناحية أخرى تسوخ فيها الأصابع لينا! ~~- هذه لغز! ~~- نسأل الله السلامة. # فقال الكهل وهو لا يدري: آمين. # وكان عباس شفة يسترق إليهما النظر فسأل نونو متكلفا لهجة الوعيد: فيم ~~تتحدثان؟ # فضحك المعلم ضحكته المجلجلة وقال: نتآمر على أنفس أثاث البيت! # وكفوا عن الكلام فسمع صوت المعلم زفتة وهو يتحدث في الجانب الآخر من الحلقة ويقول ~~لبعض المستمعين الأغراب بلهجة الناصح: ثلاثة أشياء أشير عليكم بالإكثار من اقتنائها: ~~الذهب والنحاس والسجاد الفارسي، فقيمتها ثابتة، تبيعونها وقت الشدة أو تنتفعون بها في ~~تجهيز ms137 البنات. # فقال رجل معهم يدعى المعلم شمبكي: تبا للبنات وللأزواج وللأمهات! # فأومأ عباس شفة إلى المتحدث وقال: أما علمتم بأن حرم المعلم شمبكي هجرت بيته ~~غاضبة؟! # فتأسف الحاضرون، وهنا عادت الست عليات إلى جلستها فسمعت العبارة الأخيرة وقالت: ~~لماذا يا معلم؟ أرجو ألا أكون السبب! ~~- كلا يا ست، زواج ابني سنقر هو السبب، أردت أن يتم في هدوء مراعاة للظروف، وتأبى ~~إلا أن تزفه القيان، فقالت لي بوقاحة: مالك علي وعلى أبنائي حرام، أما هناك ~~فحلال! # فقالت الست عليات ضاحكة: هناك هذه هي أنا! # فاستدرك الرجل يقول مغيظا متأسفا: وقالت لي وهي تشد أطراف بقجة ثيابها: «سأذكرك ~~دائما بأنك الرجل الذي لم يسعدني يوما واحدا من حياتي!» .. اسمعوا يا هوه .. أهذا ~~كلام تقوله عشيرة ثلاثين عاما؟! # فقالت عليات بلهجة الانتقاد المر: تبا لها، وارحمتا لشبابك الذي أنفقته عليها، أصغ ~~إلي يا معلم، كد لها وتزوج من غيرها! # فهز الرجل رأسه وقد ارتسمت شبه ابتسامة على شفتيه ثم قال مغمغما: وهل تبقت في ~~العمر ذخيرة؟ ~~- استغفر الله يا معلم، أنت قد الدنيا. # فقال المعلم نونو متحمسا للفكرة: نعم الرأي إنه لا يؤدب المرأة إلا الزواج ~~بغيرها، وربنا أمر بالزواج من أربع! ~~- أستغفر الله العظيم، لم يأمر الله بذلك ولكنه أباحه على أن نعدل! ~~- ومن قال لك اظلم؟! ~~- صلوا على النبي، أنا رجل عجوز وما من فائدة ترجى! ~~- تزوج على بركة الأقراص الجديدة التي اكتشفها سيد عارف أخيرا! # وهنا قال المعلم زفتة متمما الحديث الذي قاطعه المعلم شمبكي بشكواه العائلية: ~~واقتنوا خاصة السجاجيد الفارسية فالذهب ربما انخفض سعره، وكذلك النحاس، أما السجاجيد ~~الفارسية فتزيد نفاسة مع الزمن، المرأة القديمة لا تساوي مليما أما السجادة ... # وعاجلته الست بلطمة على صدره فصاح: الضرس الباقي وقع ... # فقالت له: يا حشاش يا مجنون نحن نتكلم في الزواج، فما دخل السجاد؟! ~~- لا تغضبي يا ست، فالصبر مفتاح الفرج، وما دمت ترغبين في حمل المعلم شمبكي على ~~الزواج مرة أخرى فسأقص عليه نادرة تغريه بالزواج، (والتفت إلى شمبكي) ms138 واستمر يقول: عاد ~~شيخ إلى بيته بعد سهرة طويلة فرأى زوجته نائمة على فراشها، وكانت تتيه عليه إدلالا ~~بحسنها حتى كفرت عن سيئاته، فمر بها إلى فراشه وهو يقول بصوت منخفض: «الفتنة نائمة!» ~~فما كان منها إلا أن أمسكت بطرف الجبة وهي تقول «لعن الله من أيقظها!» # وشعر أحمد عند ذاك باختناق ولم يعد يحتمل جو الحجرة، ونفد صبره، فنهض قائما ~~كالمترنح، وجذبت حركته الأنظار، فسأله المعلم نونو: إلى أين؟ # فقال بصوت لا يكاد يسمع: حسبي هذا! ~~- هذه نهاية البداية! وما يزال أمامنا القافية والغناء والذهول الحقيقي. # ولكن الرجل أصر على الاعتذار، وتحرك في بطء وتثاقل فقال المعلم زفتة: أأقراصك نجحت ~~أيضا؟! # وغادر الشقة: وأمسك بالدرابزين ونزل متثاقلا وما زال يهبط ثم يهبط حتى خال السلم ~~مفضيا إلى مركز الأرض، ولكنه انتهى إلى الطريق وخبط راجعا إلى حجرته بعد أن قام بأخطر ~~رحلة في حياته، وكانت الساعة تقترب من الثانية فخلع ملابسه في إعياء، وأطفأ النور ~~واستلقى على الفراش، ولم يسارع إليه النوم كما توقع، وتبين له أن تحت جفنيه يقظة قلقة ~~حائرة وشعر بقلبه يطلق خفقات سريعة مضطربة خالها تشيل الغطاء وتحطه، وتزاحمت الصور ~~بمخيلته فالتبست وغرقت في غموض، إلا صورة واحدة غلبت ما عداها، تلك المرأة الهائلة، فهل ~~يلتمس وصالها كالآخرين؟ ولكن مهلا؟ ماذا يفعل بها، إنها إذا احتضنته صغر وضؤل وصار ~~كالبرغوث في إبط الفيل، كلا ما تلك بامرأة، إن هي إلا رمز لدنيا الشهوة الساخنة التي ~~انغرست قدماه في شاطئها وحملقت عيناه في عبابها، وتضاعفت ضربات قلبه فجف ريقه، وتهيأ له ~~أنه يهوي من عل في فضاء لا نهائي ففزع جالسا في فراشه، وداخله شعور بالخوف واليأس .. ~~ولبث حتى مطلع الفجر يعاني آلاما فظيعة، جسمية ونفسية. # 33 # ولم يفكر بعد ذلك في معاودة المغامرة، ولم يجد فيه دفاع المعلم نونو وتأكيده أن ما ~~حدث له إنما كان مرجعه إلى أنه لم يطعم حلوا بعد التدخين مباشرة، فأعرض عن إغراء ~~الرجل وقال لنفسه يتأسى كعادته: «الظاهر أن ms139 الطبائع العقلية ليست بذات استعداد للتمتع ~~بهذه الشهوات.» على أنه لن يمسي بحاجة إلى هذا المخدر الخطير كي ينسى شجونه، فغدا إذا ~~تم زواج شقيقه من الفتاة برأ هو ونسي، بيد أن رشدي ما يزال يخبط في سبيله على غير هدى، ~~ولم يخفف من غلواء عبثه واستهتاره، فلم يسترد عافيته بل وساءت حالته، ولم يعد يخفى على ~~عين إنسان هزاله، واستحال شحوب وجهه صفرة، وجعل يتناوبه سعال شديد ثم فترت شهوته ~~للطعام، فهال أحمد أمره، وقال له بلهجة حازمة: كأنك لإهمالك صحتك قد عدلت عن آمالك! ~~لماذا لم تأخذ نفسك بالاستقامة حتى تسترد صحتك؟ لذلك استعصى شفاؤك من مرضك الأول وأصابك ~~هذا السعال الشديد، وما ينبغي لك بعد اليوم أن تعاود السهر أو الشراب، فماذا أنت ~~فاعل؟! # ولم يكابر رشدي كعادته، لأن وطأة السعال كانت شديدة عليه، فقال بتسليم ليس من دأبه: ~~سمعا وطاعة! # فقال المغرم بتعذيب نفسه: تعجل الشفاء رشدي قبل أن يستنجزك وعدك أهل الفتاة! # وأبدى الشاب المريض عزيمة صادقة، فانقطع عن كازينو غمرة، ولم يغادر البيت مساء إلا ~~لإعطاء تلميذيه الدرس الخصوصي - وهو واجب يستعذبه قلبه ولا يعدل به لذة - ولأول مرة ~~مذ فارق صباه حاول أن يأوي إلى فراشه في الساعة العاشرة، مما دعا أحمد إلى الإعجاب ~~المطلق بصنع الحب الساحر، إلا أن الشاب لم يضح برحلة الصباح عن طريق الجبل على ما ~~يقاسيه فيها من شدة البرد القارص؛ لأنها كانت متعة قلبه وزاد أحلامه، وصبر على تلك ~~الحياة المستقيمة أياما دون أن يطرأ على حالته ما يبشر بالشفاء، بل نال السعال من ~~حنجرته فاخشوشنت وبح أخيرا صوته، فتعذر عليه ترديد أغانيه المحبوبة، وكان عيد ~~الأضحى قد أصبح على الأبواب، وأخذت له الأسرة أهبتها ككل عام، فجيء بكبش التضحية وشد من ~~عنقه إلى نافذة المطبخ، حيث لم يجدوا له مكانا سواه في الشقة، ومضت الست دولت تصنع ~~الرقاق. وقد تشكى أحمد - كعادته - ارتفاع ثمن الخراف، وقال إنه ربما تعذر عليهم ~~ابتياع كبش في العام القادم، فهال ms140 أمه القول وقالت له ضاحكة: ابصق هذه النية وطهر فاك ~~الشريف؟ # وجاء العيد في الأيام الأوائل من يناير سنة 1942، واستقبلته الأسرة - والحي جميعا - ~~بالبشر والفرح، وحفلت المائدة باللحوم أشكالا وألوانا، ومن عجب أن رشدي لم يخرج عن ~~نظامه الجديد في العيد، والحق أن إعياءه لم يمكنه من إشباع رغباته، أما أحمد فأمضى ~~عطلة العيد في قهوة الزهرة، ولكنه لم يذعن لإغراء المعلم نونو فخاب سعي الرجل ~~لاستدراجه مرة أخرى إلى بيت عليات الفائزة، وهل يمكن أن ينسى ختام تلك الليلة الجهنمية؟ ~~ثم كان صباح اليوم الرابع من أيام العيد، وفي ذاك الصباح حدث ما جعل أحمد يذكره على ~~الدوام، وقد استيقظ في منتصف التاسعة ومضى إلى الحمام كعادته، فوجد رشدي مكبا على ~~الحوض يسعل سعالا شديدا يضطرب له جسمه الهزيل؛ فاقترب منه حتى صار لصقه، ومد يده ~~ليربت على منكبه فلاحت منه التفاتة إلى الحوض فرأى بقعة حمراء! .. فتصلبت يده وخفق ~~فؤاده خفقة انخلع لها صدره وهتف بصوت متهدج: رباه! # ثم نظر نحو شقيقه في ارتياع، وكان كف عن السعال ولكنه لم يزل في غيبوبة منه، يعلو ~~صدره وينخفض، ويتنفس بصعوبة، وقد احمرت عيناه، فتريث الرجل حتى استعاد الفتى أنفاسه، ~~وقال بلهفة منزعجا وهو يشير إلى البقعة الحمراء: ما هذا يا رشدي؟! # فرفع إليه الفتى عينين كئيبتين وقال بصوته المبحوح: هذا دم! ~~- رباه! # فتجلى الحزن في عيني الشاب، ثم أفلت منه زمام نفسه فاغرورقت عيناه، وقال بصوت ~~لا يكاد يسمع: أصبت وانتهيت! # فقال أحمد وكأنه يتوسل إليه: لا تقل هذا: # فقال الشاب بقنوط: هي الحقيقة يا أخي! # وفتح أحمد الصنبور ليغسل الحوض. وتأبط ذراع الشاب، وسار به إلى حجرته - حجرة الشاب - ~~ومضى إلى النافذة فأغلقها، وجلس رشدي على الفراش فأتى الآخر بكرسي وجلس أمامه، ثم سأله ~~بعد أن ازدرد ريقه: ماذا تقول يا رشدي؟! صارحني بكل شيء. # فقال الشاب بهدوء: ذهبت أخيرا إلى طبيب فقال لي إن بالرئة اليسرى مبادئ سل! # 34 # والحقيقة أنه ظل يعاني آلاما بارحة منذ منتصف ms141 ديسمبر، وحدث أن اشتدت عليه نوبة ~~السعال في المصرف مرة فاستخرج منديله ليبصق فيه فما روعه إلا أن بصق فيه دما! ورمق ~~البصقة الدامية بنظرة ذعر وارتياع، ثم دس المنديل في جيبه خشية افتضاح أمره، وغادر ~~المصرف إلى عيادة طبيب أخصائي في الأمراض الصدرية، وجلس بين المنتظرين يقلب بصره ~~الزائغ في الوجوه الشاحبة والأجسام الهزيلة ويسعل مع الساعلين، واستولى عليه القلق ~~والانزعاج، وتساءل هل يقع فريسة لذاك المرض الخطير الذي تقشعر لذكره الأبدان؟ وكان سمع ~~مرة صاحبا يقول إن السل داء لا برء منه، فذكر قوله خافق الفؤاد، ولم يكن سبق أن ~~أصيب بمرض عضال، فأشفق من أن يكون ذاك الداء الوبيل أولى تجاربه القاسية، واشتد به ~~القلق في جلسته حتى تهيأ له أن يقتحم حجرة الكشف، ولكنه تصبر حتى جاء دوره فدخلها ~~يقاوم جاهدا اضطرابه وانزعاجه، وألقى على أركان الحجرة نظرة عجلى خطفت العدد والآلات ~~وأخيرا الطبيب العاكف على حوض صغير يغسل يديه، ثم انتظر واقفا، وجفف الدكتور يديه ~~والتفت نحوه. كان قصيرا نحيفا دقيق الأعضاء، إلا أنه كبير الرأس أصلعه، واسع العينين ~~جاحظ الحدقتين، حاد النظرة، فحياه الشاب برفع يده إلى رأسه، فقال له الرجل بصوت رفيع: ~~أهلا وسهلا تفضل بالجلوس. # فجلس رشدي على مقعد كبير، ودلف الدكتور من مكتب أنيق وجلس أيضا وراءه واستخرج كراسة ~~ضخمة وفتحها وسأل الشاب عن اسمه وصناعته وعمره ورشدي يجيب. ثم حدجه بنظرة الاستفهام ~~التقليدية فأشار رشدي إلى صدره قائلا: أريد أن أكشف على صدري. # وما كاد يتم قوله حتى انتابه سعال عنيف، فانتظر الدكتور حتى أمسك واسترد أنفاسه ~~وسأله: هل أصابك برد؟ .. متى؟ ~~- أصبت بالأنفلونزا منذ أكثر من أسبوعين، وكانت ~~حادة، والظاهر أني استأنفت عملي قبل أن أبرأ تماما، فلم يفارقني الإعياء، ثم كان هذا ~~السعال العنيف فتدهورت صحتي. # وأسهب الشاب في وصف السعال وآلامه وعما فقد من وزنه، فقاطعه الدكتور متسائلا: ومتى ~~بح صوتك؟ # فأجاب الشاب: منذ أسبوع على الأقل. # فأمره أن يعري نصفه الأعلى، فقام الشباب، وأخذ في فك ms142 رباط رقبته ثم خلع السترة ~~والقميص والفانلة، وتصدى للطبيب نضوا مهزولا، ووضع الرجل السماعة على أذنه وجعل ~~يتلقى بها آثار نقر سبابته على الصدر والظهر، ولاحظ رشدي أنه كرر ذلك كثيرا على موضع ~~في أعلى النصف الأيسر من الصدر، وطلب إليه أن يرتدي ملابسه، ثم سأله: هل بصقت ~~دما؟ # فانخلع قلب الشاب، وتريث قليلا، ثم قال بصوت منخفض: نعم ... لاحظت ذلك مرتين أو ~~ثلاث. # فجاء الطبيب بقنينة زرقاء وأمره أن يتنحنح بشدة ويبصق فيها، ثم مضت فترة وجيزة ورشدي ~~منتصب القامة، ثقيل الأنفاس، كمتهم ينتظر النطق بالحكم، وقال الدكتور: إني أشك في وجود ~~حالة ما في الرئة اليسرى، وليس من الحكمة الجزم بشيء الآن ولكن اذهب توا إلى الدكتور ~~(...) ليصور صدرك بالأشعة وعد إلي بالنتيجة. # وحذره من أن يشق على نفسه بأي مجهود! ولكن رشدي لم يبرح موقفه وقد تجهم وجهه وغشيته ~~كآبة ثقيلة، فاستطرد الدكتور قائلا: عسى أن أكون مخطئا! ولكن حتى لو صح ظني فالإصابة ~~بسيطة. # ومضى إلى الدكتور الآخر لتصويره بالأشعة، وانتظر أياما يعاني آلاما نفسية مروعة إلى ~~جانب آلام السعال، ولم يكن في الحقيقة مطبوعا على الخوف أو الوساوس والأوهام، ولكنه ~~وجد نفسه فجأة تحت رحمة أفتك الأمراض، وأثر فيه اسم المرض تأثيرا بالغا. ثم رجع إلى ~~الدكتور الأول ومعه صورة الأشعة، وفحصها الرجل بعناية ثم تحول إليه قائلا: كظني ~~تماما! .. سمه خدشا خفيفا أو قذارة سطحية إن شئت. # وغاض الأمل، ولاح القنوط في العينين العسليتين وهما ترمقان صورة الأشعة بنظرة ساهمة ~~لا تفقه شيئا، خدش خفيف أو قذارة سطحية! .. هل تضحي الحياة رهينة بهاتيك ~~التوافه؟! # وقال للدكتور بصوت حزين: فلنسمه بما تشاء، فهل يعني هذا إلا أنه سل لا يرجى له ~~شفاء؟! # فحدجه الدكتور بنظرة استنكار وقال بصوته الرفيع: لا يهولنك هذا الاسم، واطرح جانبا ~~المخاوف التي لا أساس لها من الحق أو العلم، واعلم أن حالتك مضمونة الشفاء إذا اتبعت ~~ما أنا موصيك به. # وأمسك قليلا كالمتفكر، فقال الشاب بإشفاق: يقولون إن هذا الداء ms143 لا شفاء منه! # فهز الرجل منكبيه باستهانة وقال: انبذ هذه الآراء، واعلم أني كنت يوما من ضحاياه، ~~بيد أنه يلزمك الغذاء الجيد جدا والراحة التامة والهواء الجاف النقي، وكل أولئك متوفر ~~في المصحة، فإلى حلوان دون تردد. ~~- وكم يستغرق العلاج من الزمن؟ ~~- ستة أشهر على أكثر تقدير! # فانقبض صدر الشاب، وأيقن أن هذه المدة تقضي عليه حتما بفقد وظيفته، وغدا إذا ذاعت ~~الحقيقة وعلم بها «الجيران» فقد فتاته كذلك! فنفر من اقتراح المصحة، وقال للدكتور وإذا ~~كانت هذه الشروط متوفرة في البيت؟ ~~- أين تقطن؟ ~~- في خان الخليلي. ~~- هذا مكان رطب فيما أعلم، والمصحة خير مأوى لك، ولا تنس العناية الطبية ~~هنالك! # وقوي أمله في أن يستشفى في البيت دون أن يعلم بسره إنسان فيطمئن على وظيفته وفتاته، ~~فقال: وإذا تعذر علي الانتقال إلى المصحة؟ # فهز منكبيه تارة أخرى وقال: هنالك ينبغي لك مضاعفة العناية في البيت، خصوصا الراحة ~~والغذاء، فإياك أن تفارق فراشك، وسأصف لك العلاج الطبي. # وفي أثناء انشغال الدكتور بكتابة «الروشتة» خطر له - أي الشاب - خاطر هام، فتردد لحظة ~~ثم قال متسائلا: ثمة سؤال آخر: هل يمكن ... أعنى متى يمكن أن يتزوج من كان مريضا ~~مثلي؟! # فابتسم الطبيب لأول مرة ثم قال: أرجو بالعناية أن تبرأ بعد ستة أشهر، ومن الضروري بعد ~~ذلك أن تبقى عاما كاملا تحت الاختبار، ويا حبذا لو صبرت نصف عام آخر ...! # ونصحه مرة أخرى بالانتقال إلى المصحة إذا وسعه ذلك، ثم وصاه - إذا لم يسعه الانتقال ~~- بزيارته من حين لآخر، وعاد رشدي ينوء بكمده وكربه، وكان كل شيء يبدو كحلم مزعج، ~~وامتلأت أذناه بل دنياه جميعا بذلك اللفظ المرعب «السل»، فهل يصدق ما يقوله الناس، ~~أو يطمئن بما قال الدكتور؟ وهل قرر الدكتور - بما قال - الحقيقة أو أراد أن يفرخ ~~روعه؟ ولكنه صارحه أيضا أنه كان من ضحايا المرض، ولا يجد مسوغا لتكذيبه، أجل إن ستة ~~أشهر زمن طويل، فليتحل بجميل الصبر وليتوكل على الله، ولو كان حرا يفعل ما يشاء ~~لفضل الاستشفاء ms144 في المصحة، ولكن دون ذلك فقدان وظيفته وحبيبته! فما العمل؟! إن صحته ~~مهددة، صحته التي لم يقدرها حق قدرها إلا الساعة، فلم يذكر أوقات العافية والنشاط ~~متحسرا متأوها قبل اليوم، ولا سبق إلى ظنه أن الصحة شيء يزول أو يتغير، ولكن ما ~~قيمة الصحة إذا فقد عمله؟ وما جدواها إذا حيل بينه وبين الفتاة التي شغف بها حبا؟ فمن ~~الحكمة ألا يبرح البيت، وأن يتعهد نفسه بالعناية والدواء دون أن يطلع أحد على سره، ~~وبذلك يسترد صحته محتفظا بسره ووظيفته وحبيبته، هكذا تسلسلت أفكاره، ويسر له الاقتناع ~~بها أن قواه كانت وما تزال متماسكة، وقدرته على النشاط والحركة متوفرة، وشرع في العلاج ~~منطويا على سره حتى شاءت المصادفة أن تطلع أخاه عليه، فبرح الخفاء! والواقع أنه لم ~~يأسف لذلك كثيرا، لا لأن أخاه قطعة من نفسه فحسب، ولكن لأن صدره بات يتصدع بسره ~~الخطير، فوجد في البوح لشقيقه ارتياحا وسلاما، فأفضى إليه بكل آلامه، ما عدا ما يتعلق ~~منها بالمصحة مستوصيا بالحذر. # 35 # وأصغى الكهل إليه في صمت وذهول وحزن عميق، ~~وزايلته الحالة المضطربة التي كانت تعتور مشاعره نحو أخيه فتسبغ عليها ألوانا متضادة ~~من الميل والنفور، فلم يعد يشعر نحوه بغير شعور واحد لا يقاوم، ودرت حناياه له حبا ~~خالصا وإشفاقا شديدا وحزنا مبرحا. # بيد أن ذكرى خطرت من الماضي القريب الأسيف، ولكنه ذبها عن مخيلته بقسوة خجلا ~~ثائرا وامتلأ صدره حنقا على الفتاة التي استثارتها! # وانتهى رشدي من قصته فتبادلا نظرة أسى وحزن وكآبة، ثم قال أحمد: هذا أمر الله، لن ~~نيأس من رحمته. فينبغي أن نصدق الطبيب فيما يقول فليس العهد بالأطباء أن يكذبوا رحمة ~~بمرضاهم، فالإصابة إذن بسيطة ولكن ينبغي أن نحشد لها كل ما في وسعنا من عناية وحكمة، ~~وإن كان يدهشني أنك لم تفض إلي بالحقيقة في وقتها! # فقال الشاب بسرعة وإن خالف الواقع: عرفت الحقيقة قبيل العيد مباشرة فلم أرد أن أزعج ~~أحدا، ولكني كنت أتحين الوقت الذي أفضي إليك بالأمر وحدك! # فقال ms145 أحمد بحزن شديد: هي إرادة الله، فلنصبر على حكمه حتى يمن علينا بالشفاء، وهو ~~أرحم بنا من أنفسنا، والآن فأخبرني عما عزمت عليه. # فساور رشدي القلق، ورمق أخاه بحذر وهو يقول: سأنفذ وصايا الدكتور بطبيعة الحال، وقد ~~أوصاني بالراحة والتغذية الحسنة وبعض الحقن! # فبدا على وجه الرجل كأنه لم يقتنع بما سمع وقال: ولكن المصابين بهذا المرض يقصدون ~~عادة إلى المصحة! # فكذب رشدي مرة أخرى قائلا: لم يجد الدكتور ضرورة للمصحة! # فلاح الأمل في نظرة الكهل الواجم وقال: لعلها إصابة تافهة يا رشدي! ~~- أجل .. أجل .. هذا ما أكده لي! ~~- عسى ألا تطول إجازتك! # فعاد القلق يساوره، وقال بصوت منخفض: ولكني لن أطلب إجازة! # فانزعج الرجل وقال بإنكار: فكيف يتم استشفاؤك؟! .. إياك وأن تستهتر بالمرض مهما قيل ~~عن بساطة الإصابة وحسبك استهتارا يا رشدي! ~~- معاذ الله أن أستهين بحياتي يا أخي، وسترى بنفسك منذ اليوم أني سآخذ نفسي بالراحة ~~المطلقة فيما عدا أوقات العمل، وسأعوض ما أبذله من قواي لعملي بالغذاء المختار والأدوية ~~المقوية، أما طلب إجازة مرضية فمخاطرة بوظيفتي وبمستقبلي! ~~- ألا تغالي في تقديرك؟! ~~- كلا يا أخي، فإذا عرف طبيب المصرف مرضي استحال علي العودة إلى العمل قبل الشفاء ~~التام، وقد يقتضى ذلك زمنا طويلا لا آمن معه أن أفصل من وظيفتي! بل الفصل محتوم في ~~تلك الحال نظرا لما منحته من إجازات مرضية هنا وفي أسيوط من قبل. # فتجهم وجه الكهل واشتد عليه الضيق، ثم قال بتألم: رباه، الصحة فوق الوظيفة، كيف ~~يتاح لك الشفاء وأنت جاهد في عملك؟! # فقال رشدي برجاء وانفعال: لقد استأذنت الدكتور في ذلك فأذن لي، وهو أدرى. وسيتم ~~الشفاء بإذن الله بغير ضياع مستقبلي، وبغير «فضيحة». # فاشتد التأثر بأحمد وقال مستنكرا: فضيحة! .. ليس في الأمر فضيحة، هذا بلاء من الله، ~~وكل إنسان عرضة للأمراض إلا من أمر الله له بالسلامة، ولكني أخاف. ~~- لا تخف، وادع لي ربك، وستجد مني ما يطمئن خاطرك! # فسكت أحمد مغلوبا على أمره، وتنهد الشاب بارتياح وراح يحدث أخاه بما ms146 سوف يتخذ من ~~تدابير الوقاية، فقال له: إنه سيحضر حامض فنيك لتطهير الحمام والحوض كل صباح، وإنه ~~سيقتني أواني خاصة لطعامه وشرابه متعللا بأنها هدية من شخص عزيز، وأنصت الرجل إليه ~~بانتباه، ولأول مرة خامره الخوف والقلق، وخشي العدوى، وكان بطبعه هيابا موسوسا، أما ~~رشدي فكان يتحفز لضراعة جديدة لا تقل خطرا في نظره عما سواها إن لم تزد فقال: وهناك ~~يا أخي أمر عظيم الأهمية أرجو أن ترعاه بالعناية التي أرعاه بها، وهو أن يبقى ما دار ~~بيننا سرا دفينا. # فدهش أحمد، وذكر ما قاله منذ لحظات من أنه سيقتني أواني خاصة متعللا بأنها هدية، ~~فغمغم قائلا: ووالدانا؟! # فقال رشدي بحزم: لا ينبغي أن يعلما بشيء، فلا داعي لإزعاجهما، ثم إن فزع أمي كفيل ~~بافتضاح السر! # فارتبك الرجل، وأيقن أنه مقبل على حياة مؤلمة غريبة فتنهد قائلا: بيدك الأمر ~~يا رشدي، فإذا توثبت للشفاء حقا أمكن أن يظل السر سرا، أما ... ~~- لا تخف لم تعد الاستهانة ممكنة بعد اليوم. # وأدرك بسهولة ما يحمل الشاب على إخفاء مرضه حتى عن والديه، فإنه ليخاف أن ينمو الخبر ~~إلى مسامع أسرة فتاته فيهون عليهم بمرضه، وتأثر لذلك غاية التأثر، وتغلغل الحزن في ~~أعماق قلبه، بيد أنه خشي أن يكون الشاب قد شق على نفسه بالاستمرار في عمله - على مرضه - ~~ليبدو أمام الفتاة وأسرتها كالسليم المعافى، خشي أن يؤذي نفسه في سبيل حرصه على الفتاة، ~~فاستجمع شجاعته وقال بصوت كالهمس: رشدي إذا كنت ترغب عن طلب الإجازة كي يبقى الأمر ~~سرا، فيمكن أن نختلق سببا نعتل به على طلب الإجازة غير هذا المرض! # ولكن رشدي هز رأسه بحدة وقال بلهجة دلت على البرم: لا تعد إلى ما انتهينا ~~منه! # فسكت أحمد، ثم نهض بعد فترة وجيزة وهو يقول: تشدد وكن رجلا كعهدي بك دائما، واعلم ~~أن الشفاء رهن بإرادتك، حفظك الله ورعاك. # ورجع إلى حجرته محزونا ضيق الصدر، وقد استثار الداء الخطير مخاوفه فاهتز فؤاده عطفا ~~على شقيقه المحبوب، نسي في تلك الساعة ms147 أنه كان الآلة التي طعن القدر بها آماله، أو أنه ~~الشخص الذي جرح كبرياءه وداس غروره، ورآه على حقيقته الأخ المحبوب الذي نشأ بين ذراعيه ~~وغذى عواطف الأبوة من نفسه عشرين عاما، ولما حانت منه التفاتة إلى النافذة المغلقة ~~التي سماها يوما بنافذة نوال تحول عنها كالغاضب، وأبى قلبه أن يذكر الفتاة كأن ~~استدعاءها إلى رأسه جريمة لا تغتفر في حق الشاب المريض، فينبغي أن تقطع هذه الكارثة ~~المحزنة ما تخلف من أسباب الذكريات، وقال لنفسه: «ذاك شيء انتهى وانقضى، والتأسف عليه ~~وخز لعواطف الحب التي يكنها قلبي لشقيقي.» وكان يتكلم بحدة دلت على السخط والاستياء، ~~والحق أنه كان ساخطا على نفسه، فلم ينس أمنيته الآثمة أن تبيد القاهرة، ولا حلمه ~~المخيف الذي استيقظ منه على تأوهات الشاب ليلة اشتداد الحمى عليه، رباه أي شيطان مقيت ~~في أعماقه ينفث هاتيك الأخيلة! # 36 # وتوثب رشدي عاكف بحماس لمقاومة مرضه الخطير، وواظب على تناول ما أشار به الدكتور من ~~الحقن والأدوية، وخص نفسه - فوق طعام البيت المعتاد - بأغذية ملحوظة الفائدة كاللبن ~~والبيض والعسل والكبد والحمام، وأنفق في ذلك عن سعة، وكان يطلع أخاه على خطى كفاحه ~~أولا بأول ليطمئن فؤاده المحب، ومضى شهر يناير جميعه ببرده القارص على حال تبشر ~~بالخير، فقنع من يومه بساعة سرور واحدة يمضيها بين تلميذيه المحبوبين، ثم لا تأتي ~~الساعة العاشرة مساء حتى يكون قد راح في نوم هادئ عميق. وزايلت البحة صوته وخف السعال ~~فأوشك أن يزول، وراعه ذلك وأيقن فرحا جذلا أنه يتماثل للشفاء ولكن هزاله، لم يزل ~~ولونه لم يسترد، وكان يزور الطبيب كل عشرة أيام فوالاه بالنصح ووصاه بمضاعفة ~~العناية. # وقد كانت أيام المرض الأولى سودا: فوقع فريسة للأوهام والمخاوف، وخامره شعور مفزع ~~بالقنوط، وتهيأ له أن حياته تؤذن بالوداع، حياته التي يكن لها حبا لا يكنه لها أحد من ~~بنيها المخلصين، وكلما ذكر أنه في القاهرة حيثما كان ينبغي أن يكون في حلوان، وأنه في ~~عمل بينما كان ينبغي أن يكون في ms148 إجازة، اشتد خوفه وفزعه، بيد أن أولئك الانفعاليين لا ~~يعرفون التردد فيما تدعو إليه أهواؤهم، ويتخذون من عقولهم ما يتخذه الآثم من المحامي ~~الماهر، فاستطاع أن يقنع نفسه - حتى في ساعات خوفه - بوجاهة الرأي الذي ارتأه ونفذه، ~~ولما زايلت صوته البحة وسكت فيه السعال أو كاد، غمره الارتياح، واسترد ثقته بنفسه، ~~وشعوره بالأمان وتعلقه الأمل، وتساقطت الطمأنينة على فؤاده المروع قطرات من السكينة ~~والرحمة، ولم يمض على ذلك أمد طويل حتى عاوده شعوره بالجسارة ونزوعه إلى الاستهتار، ~~وألح عليه حبه العميق لمسرات الحياة، فلم يعد المرض وخطره شغله الشاغل، ورمق صبره وقوة ~~إرادته بعين الإعجاب، وذكر شهر يناير - الذي أذعن فيه لما عاهد عليه نفسه أمام أخيه - ~~بالدهشة والإكبار، وكأنه لا يصدق أنه استطاع حقا أن ينزوي ويستقيم شهرا كاملا، ومن ~~فرجة الأمل الباسم سمع مسرات الحياة - مسرات حياته - تناغيه بهمساتها الساحرة كتغاريد ~~البلابل في الصباح الباكر، فذكر في وحدته الإخوان وكازينو غمرة والليالي الصاخبة، ~~فتخايلت لعينيه وجوههم المرحة، ورنت في أذنيه أصداء ضحكاتهم المجلجلة، ودعاؤهم له بقلب ~~الأسد، كنيته التي يحبها ويطرب لها ويخاف عليها عوادي النسيان. يا لهم من إخوان لا تطيب ~~الحياة إلا بهم، ما أظرفهم وما ألطفهم! وهل يمكن أن ينسى كيف انثالوا على السؤال عنه ~~بالتليفون في المصرف حين انقطع عنهم؟! أين أنت يا عم رشدي؟ ما هذه الغيبة الطويلة؟ لقد ~~كنت في أسيوط أقرب إلينا منك وأنت في القاهرة! إلام يبقى كرسي قلب الأسد شاغرا؟ ~~أوحشتنا نقودك! ولكم ضاحكهم ودافعهم واعتذر لهم بمشاغل هامة! وأهاجه الحنين إلى ~~الصحاب واستفزه الشوق إلى المرح واستهامته اللهفة على اللذات، وجعل يقول لنفسه هل في ~~لقاء ليلة حرج؟! هل تقتل سهرة أو تميت؟! والحق أن هيامه بالحياة لم يفتر بسبب الداء، بل ~~بالأرجح أنه غدا أرهف حسا وأعنف نشاطا وأضرم حبا وولعا، ثم استحر الإغراء فانعدم ~~التردد، ووجد لخلاصه من عذاب الحيرة ارتياحا فراح يدندن بصوت رخيم «ما أقدرش أنساك»، ~~ولم يكن ترنم بغناء منذ شهر ونصف. وعندما ms149 أتى المساء تلفع بمعطفه وأحكم الكوفية حول ~~عنقه ومضى إلى السكاكيني، وما إن لاحت لعينيه حديقة كازينو غمرة حتى هتف من أعماق ~~الفؤاد «أهلا وسهلا ومرحبا»، وتلقاه الإخوان بالسرور، فاستسلم لتيارهم الجارف، ~~وأخذوا في الحديث الماجن كعادتهم طويلا، ثم انتقلوا إلى البهو الداخلي يدخنون ويشربون ~~ويقامرون، وخاف أن يمتنع عن لذة فيثير الظنون، ورغب من ناحية أخرى أن يتناسى - في يقظة ~~الأمل - أنه يطوى في رئته اليسرى ما تقشعر الأبدان لذكر اسمه، فدخن بسرور وشرب كأسين من ~~الكونياك بعثتا الدفء إلى جسده البارد، وقامر أيضا وإن تردد قليلا لأن تكاليف التداوي ~~أرهقت ميزانيته، ولكن الحظ ابتسم فربح زهاء الجنيهين، وآب مسرورا وإن شعر بحرارة تلتهم ~~أنسجته، وأجهده المشي في الجو القارص، وبلغ البيت في حالة مضعضعة من الإعياء، وما إن ~~أغلق الباب في هدوء حتى انفتح باب حجرة أحمد ولاح الرجل وراءه فدعاه إلى حجرته، ومضى ~~إليها مرتبكا يمشي على استحياء، وهتف به أخوه: ماذا فعلت؟ .. هل جننت؟ .. أهذا ما ~~اتفقنا عليه؟! # فلاذ بالصمت وقد ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة تدل على الارتياح والحرج فاستدرك أحمد: ~~هذا فوق التصديق، وما دريت به حتى نبا في الفراش، وظل نومي خفيفا قلقا حتى أيقظتني ~~صفقة الباب، أهذا ما اتفقنا عليه؟ # وخرج رشدي عن صمته بأن قال بصوت منخفض: أنت تعلم يا أخي أني حافظت على الاتفاق شهرا ~~كاملا، ثم نازعتني نفسي أن أروح عنها قليل. ~~- هذا كلام إنسان يجهل الحقيقة أو يتجاهلها، ألا تعلم أن استهتار ليلة واحدة يهدم ما ~~بنيته في شهر كامل؟ ~~- ولكني في الواقع أشعر بتحسن كبير! # فقال أحمد بحدة: أنت تخدع نفسك، وتقسو عليها بجهلك، وتركك حرا خطأ كبير، ولو كان ~~الدكتور يعلم بما فطرت عليه استهتار لحتم عليك أن تنتقل إلى المصحة غداة الكشف ~~عليك. # فتجلى الحزن في عيني الشاب، وتكدر صفوه، وكان الجهد قد أعياه، فقال كالمعاتب: لا ~~تكن قاسيا على غير عهدك. ~~- ها أنت ذا لا تفرق بين الحنان والقسوة، فتدعوني قاسيا جزاء قلقي وسهادي ms150 وإشفاقي، ~~فلكم تقسو على نفسك وعلي! # واشتد بالشاب الإعياء والتأثر، فاغرورقت عيناه، مما أسكت غضب أحمد وحوله إلى إشفاق ~~وتألم وعدم ارتياح، فوضع يده على كتف الشاب وقال بهدوء: حسبك تعبا وحسبي ألما فلا ~~تبك لا بكيت أبدا، ولن أزيدك فالله وحده كفيل بأن يلهمك الصواب، إن قلبي يخاف عليك ~~ويدعو لك فامض إلى فراشك واتق الله في صحتك! # وجعل يتساءل منزعجا ترى هل يستعيد الشاب سيرته الأولى من الاستهانة بالرغم من مرضه ~~الخطير؟ # 37 # واستقبلت الدنيا أيام فبراير الأولى مشفقة من ~~رياحه العاصفة وزوابعه الباردة المزمجرة، وقد تلفعت السماء بأردية ثقيلة داكنة من ~~السحاب الجون، فأمست الأرض، كفرخ في بيضة، ترقب الربيع لتشق حجاب الظلماء عن بهجة النور ~~وعبير الأزاهر، وظل رشدي جسدا مهزولا في قرارته ضرام لا يخمد من العواطف والأحاسيس ~~وفي قلبه تمرد ثائر على الأغلال التي صفده بها المرض الخطير. وكان الطبيب أعاد عليه ~~الكشف أخيرا وقال له إن حالة الصدر لم تتحسن! فخاب أمله، وتنغص عليه سروره السابق ~~بشفاء صوته وسعاله، لقد صبر طويلا، وهجر الحياة التي يعشقها، وكان يرجو ويأمل، فمتى ~~تتحسن إذن؟ والأدهى من ذلك أن الطبيب ألح عليه أن يجد سبيلا إلى حلوان؛ فهل أيس الرجل ~~من أن يسعى الشفاء إليه في القاهرة؟! وما جدوى العذاب والصبر إذن؟ وفضلا عن هذا فأخوه ~~لا يخفي عنه عدم ارتياحه لهزاله وشحوبه، فبات ساخطا متبرما. # وكان ذات مساء يلقي درسه على تلميذيه، فكلفت ~~نوال أخاها أن يحضر كوبا من الماء، ولما خلا لهما المكان قالت للشاب بسرعة متسائلة: ~~«ألا تستطيع أن تقابلني صباحا كما كنت تفعل؟ .. ولو مرة واحدة!» فخفق قلبه خفقة السرور ~~وقال دون تردد: متعاميا عن العقبات جميعا: «غدا صباحا!» ثم ذكر أخاه الذي صار ~~سجانه فقال لنفسه: «إنه سلم بضرورة خروجي صباحا الساعة الثامنة، فما يضيره لو قدمت ~~الميعاد ثلاثة أرباع ساعة؟» ونهض مبكرا في اليوم الثاني، وتناول فطوره الدسم، ورصد ~~أخاه حتى دخل الحمام فانطلق إلى الخارج كالهارب، ورأى في الممر ms151 المفضي إلى السكة ~~الجديدة حبيبته تسبقه بخطاها الخفيفة مرتدية معطفها الرمادي، متأبطة حقيبتها، فطرب قلبه ~~طربا أنساه شجونه، ثم صعد في أثرها طريق الدراسة، فذكر كيف كان يصعد هذا الطريق في ~~أعقابها صحيحا معافى صافي أديم الفؤاد، وتنهد من أعماق فؤاده متحسرا مغمغما: «ما ~~أنفس كنز الصحة!» ورفع بصره إلى جبل المقطم وقد أطبقت السحب على قمته، وكانت السماء ~~تذكره دائما بربه فدعا الله أن يأخذ بيده! # ولحق بها بعد المنعطف، وأخذ يمناها بيسراه، فعطفت رأسها نحوه وعلى ثغرها ابتسامة، ~~وقالت تداعبه بلهجة لم تخل من عتاب: أهان عليك طريقنا هذا أيها الغادر؟ # فهز رأسه متأسفا وتمتم: لعن الله البرد! ~~- كان ينبغي أن تبرأ منذ أمد طويل، فما هذا التلكؤ؟! # فامتعض قليلا وقال: أجل، وما بقي فهو هين .. والحق أن إهمالي هو المسئول ~~الأول! # وكانت تعلم طبعا أنه انقطع عن لقاء الصباح بسبب السعال، فلما زايله السعال، ~~تشجعت ودعته إلى مرافقتها شوقا إلى الانفراد به، وقد اختلست نظرة من وجهه الشاحب ~~النحيل وقالت له: ألا تدري ماذا تقول عنك نينة؟ # فخفق فؤاده، وخشي أن يسمع تلميحا لبقا إلى مسألة «الخطوبة» وسألها: ماذا تقول ~~يا ترى؟ # قالت لي ضاحكة: ما بال أستاذك نحيفا كالخيال؟ هلا تقبل مني وصفة للسمن؟! # وضحكت نوال ضحكة رقيقة، فجاراها في ضحكها، ~~ليداري شعورا بالحزن غشي صدره، وساوره القلق، ولكنه لم ير بدا من أن يقول بلهجة ~~تكلف بها السرور: وما حاجتي إلى السمن والنحافة موضة؟! أبلغيها شكري وقولي لها إني طامع ~~في المزيد من النحافة. # وقطبت فجأة كأنما ذكرت أمرا ذا خطر وقالت بلهجة التعنيف: على فكرة يا ماكر! .. ~~يحلو لك أحيانا ونحن حول مائدة الدرس أن تداعب قدمي بقدمك متجاهلا أن قدميك منتعلتان ~~وقدمي عاريتان! # فضحك رشدي، وقد تورد وجهه، وقال: نفسي فداء لقدميك العزيزتين! # ومرا عند ذاك بالقهوة المعروفة بنادي الصحراء، فقالت له وهي تومئ إلى النادل وكان ~~يتناول فطوره: ألم تدر أن هذا النادل الخبيث فطن إلى تواعدنا كل صباح؟! فلما رآني ~~أسير ms152 وحدي الأيام الماضية جعل يصفق بيديه كلما مررت به ويقول وكأنه يحدث نفسه: «أين ~~أليفك يا بلبل؟ .. كل الأحبة اثنين اثنين!» .. رباه! .. لكم تولاني الحياء حتى كدت ~~يغمى علي! # واسترسلا في الضحك مرة أخرى وكانا يقتربان من منعطف الطريق الذي توجد على جانبيه ~~مقبرة عاكف الخشبية، ولمحتها الفتاة فقالت: أنتم مدينون لي بمائة رحمة على الأقل، لأني ~~أقرأ الفاتحة لمقبرتكم كل صباح! # فقال لها مبتسما: أنت يا نوال رحمة للجد وعذاب للحفيد! # ثم امتدت بصره إلى المقبرة فسرعان ما خطر له خاطر مخيف كأنه شيطان انشقت عنه أرض ~~الموتى، هل يجري القضاء غدا بأن تقرأ فتاته - وهي آخذة في طريقها هذا - الفاتحة على ~~روحه هو؟! وانقبض صدره، ثم استرق إلى وجهها الأسمر نظرة غريبة، فشعر بأنها كل أمله في ~~الوجود، وبأنه إذا جاز لشيء أن يسخر من الموت ويستهين بمخاوفه فهو اتحاد قلبين ~~متفانيين، ووجد دافعا قويا يدعوه إلى التعلق بها، وضمها إلى قلبه، بل إلى شغاف ~~قلبه إذا أمكن، ولاحت منها التفاتة إليه فطالعت نظرته الحالمة، فلاح في وجهها الجد، ~~وسألته: لماذا تنظر إلي هكذا؟ # فقال بصوت متهدج: لأني أحبك يا نوال ... لقد أدركت - وأنا أنظر إلى القبور على ضوء ~~عينيك - معنى القول أن الحياة الحب، وقالت لي القبور إن كل ساعة نرضى بأن تفرق بيننا ~~جريمة عقابها ظلمة القبر، وسمعت صوتا يهتف بي: لله ما أحمقكم تضنون بالتافه من ~~الأشياء عن العبث وتعبثون جزافا بنعمة الحياة! # فتورد خداها، وأضاءت عيناها الصافيتان بنور الوجد: فلم يعودا - هو وهي - يشعران ~~بهبات الهواء البارد المندفع من الصحراء، وشد على راحتها وسارا صامتين. ومضى يتساءل ~~ترى كيف يسوغ أن يمسك عن ذكر «الخطبة» بعد كل ما قال! وكانت تتوقع من ناحيتها أن ~~يطرق الموضوع المحبوب قبل كل خطوة تخطوها، ولكنه لزم الصمت حتى شارفا نهاية الطريق، ~~وتوادعا ثم افترقا، فبطؤت حركته وهو يتابع مسيرها بنظرة استجمعت في حنانها جميع ما في ~~قلبه من حب ووجد وحزن، حتى انعطفت مع الطريق إلى العباسية، ms153 وأخذ في طريقه إلى محطة ~~الترام، وعند ذاك فحسب شعر بالإعياء واضطراب الأنفاس ودوار يوشك أن يصير ~~غيثانا. ~~••• # ولذلك لم يفته أن يحدث أخاه عن الخطبة وعما عسى أن يحدثه إمساكهم عن فتح ~~موضوعها من سوء الظن في نفوس أهل الفتاة، ولكن أخاه - وكان غاضبا لعودته إلى الخروج ~~المبكر - لم يوافق على مفاتحة كمال خليل أفندي بهذا الشأن قبل الشفاء الكامل، فقال ~~للشاب: اعتل بما تشاء من المعاذير فأنت أستاذ في اللباقة، ولكن لا يجوز أن نتكلم ~~رسميا قبل أن تشفى تماما إن شاء الله، سيكون إعلان الخطوبة مكافأة الشفاء، فأرنا ~~همتك! # وعجز الرجل عن إقناعه بالعدول عن الخروج الباكر والتعرض لأذى البرد، فأيس منه وسلم ~~إلى الله سائلا إياه اللطف والرحمة، وكان ممن يشقون بآلام الأقربين، فتجد الأوهام ~~والمخاوف من صدورهم الضعيفة مرعى خصيبا للهواجس والأحزان، فصار مرض شقيقه - منذ اللحظة ~~الأولى - شغله الشاغل وهمه الملازم وشوكة سامة في جانب طمأنينته. # وامتد خوفه إلى نواح أخرى حتى ألقى به في النهاية في مواجهة مشكلة من أدق المشكلات ~~الخلقية، لم تكن لتخطر له على بال، فلم يغب عن ذهنه أن شقيقه يلتقي بالفتاة كل صباح، ~~وربما انفرد بها مساء وهو يجلس منها مجلس الأستاذ، فإذا أغراه الهوى - شأن المحبين - ~~بقبلة، أفلا تتعرض الفتاة لأذى بعيد الغور؟! ألا يدرك رشدي خطورة الأمر؟! .. ألا يجد ~~من ضميره وازعا؟! ولكن كيف بمن يستهين بحياته أن يعرف لحياة الآخرين قيمة؟ .. وتفكر ~~في الأمر طويلا، متكدرا مغتما، لا يدري كيف ينقذ من الهلاك فتاة بريئة، وبدت ~~حيرته ذات بواعث أخلاقية صافية، ولم يداخله شك في أنها كذلك ولا كانت تخلو في الواقع من ~~شعور أخلاقي عميق، ولكنه لم ير ما عداها على نزوعه الطبيعي إلى تفحص نفسه، أو أن ~~العين في أحايين كثيرة لا ترى إلا ما تحب أن تراه، فتكدر واغتم، وأفضى به الكدر ~~والغم إلى حيرة شديدة، فلا هو يستطيع أن ينمي الحقيقة إلى كمال خليل لأن خيانة أخيه ~~الحبيب جريمة نكراء لا ms154 يمكن أن يجترحها، ولا هو يستطيع أن يكاشف الشاب بمخاوفه أن يصيب ~~مقتلا من نفسه الحساسة الرقيقة، وعذبه التردد والقلق والإشفاق، ولم يكن أبدا ذا ~~عزيمة أو إرادة، فنكص على عقبيه بقلب خائر وفكر مشتت، وظلت المخاوف تطارده، وتلح على ~~ضميره حتى بلغ منه الإعياء والكلال، فتساءل في يأس وقنوط: «أليست غيبوبة المعلم زفتة ~~خيرا من هذه الحياة؟!» # 38 # وزادت حال رشدي سوءا، فاشتد هزاله وشحوبه، ولكنه بدا مستهترا سادرا كأن الأمر لا ~~يعنيه، ولم يعد يقنع برحلات الصباح في طريق الجبل، فكان كلما نازعه الشوق إلى كازينو ~~غمرة انطلق إلى الإخوان يعربد معهم حتى مطلع الفجر، وكان أحمد يقول له مبكتا: «أتروم ~~الانتحار؟!» والحق أنه انحدر في سبيل الانتحار بلا قصد، وعجز عن مقاومة ميله الطبيعي ~~للذات، وأذعن للحساسية المرهفة الجديدة التي أحدثها المرض في نفسه، وحجب العاقبة عن ~~عينيه طبيعته الجسور المتفائلة، فلم يفقد الأمل قط، أو لم يفقده إلا لحظات عابرة، وظل ~~على عهده من الجسارة والاستهانة والابتسام. ولكنه فوجئ بعودة السعال بل عاد أعنف مما ~~كان في أسوأ حالاته، ثم تتابعت عليه نوباته، وتلوث بصاقه مرة أخرى بالدم، ولفتت نوبات ~~السعال الموظفين إليه في المصرف، فساورتهم الشكوك، وأمسى عمله عديم الجدوى، وتنبه ~~الوالدان للخطر الذي يهدد ابنهما ونصحا له بالانقطاع عن عمله حتى يسترد صحته، ولكنه ~~بالرغم من ذلك كله ظل يكافح متعلقا في جنون مظاهر الأصحاء المعافين، ولم يستطع أحمد ~~صبرا فدعاه يوما إلى حجرته وقال له بحزم: إلام تتغاضى عن خطورة الحال؟ # فسأله الشاب في استسلام لم يتوقعه: بم تشير علي؟ ~~- لا يجوز بعد اليوم أن تواصل عملك فضلا عن السهر والعربدة! ~~- وإذا انفضح سري؟ # فقال أحمد بتأثر شديد: ليس المرض بالفضيحة، وللضرورة أحكام. # فأطرق رشدي وقد خارت عزيمته وتنهد من فؤاد مكلوم قائلا: الأمر الله! # ونجم استسلامه المفاجئ عن الإعياء - لا الاقتناع - ولذلك ما كاد يقرر طبيب المصرف سبب ~~مرضه الحقيقي ويمنحه أولى إجازاته المرضية حتى خارت قواه، ورقد على الفراش صريع الضعف ms155 ~~والسعال، وأخفى أحمد الحقيقة عن والديه، ولكن الحالة اشتدت اشتدادا مخيفا، ورأت الأم ~~البصاق الدامي وعلم به الوالد، ففزعا فزعا شديدا، وروع قلباهما الضعيفان، ودعت ~~الحالة إلى استشارة الطبيب، فاقترح أحمد أن يدعوه إلى البيت ولكن رشدي اختار أن يذهبا ~~إليه معا، فارتدى بذلته بمساعدة أمه، وقد اتسعت عليه أيما اتساع، واستقلا عربة إلى ~~عيادة الطبيب، وصحبه أحمد إلى حجرة الكشف، ولما وقع عليه بصر الطبيب، ولم يكن رآه من ~~أسبوعين، قال بصوته الرفيع وهو يتظاهر بالابتسام: ماذا فعلت بنفسك؟ # فابتسم رشدي ابتسامة باهتة وتمتم قائلا: السعال وضعف شديد! # وأجرى الدكتور الفحص، فساد الصمت برهة غير قصيرة، ثم قال بعد الانتهاء: كلمة واحدة لا ~~أزيد عليها: المصحة! # فتجهم الوجه المصفر، وتساءل صاحبه بصوت خافت: هل زادت الحالة سوءا! # فرفع الرجل حاجبيه وقال: هي الحقيقة، ولا شك أنك لم تتبع نصحي، ولكن لا داعي للخوف ~~إذا بادرت بالذهاب إلى حلوان. سافر اليوم إن أمكن. وستجدني هناك إلى جانبك! # وسأله أحمد: هل تطول إقامته في حلوان؟ # فقال الرجل: علم هذا عند الله، ولست متشائما، ولكن لا يجوز الإبطاء. # ورجعا إلى البيت فوجدا الوالدين ينتظران فارغي الصبر، وبادر الوالد أحمد قائلا: ماذا ~~به؟ # وعلم أحمد أن الكذب لن يجدي فقال واجما، وباقتضاب ذي مغزى: المصحة! # وساد الصمت، واحمرت عينا الست دولت منذرة بالبكاء. وتمتم الوالد: ربنا يلطف بنا. # فقال أحمد متصنعا السكينة: ليس هناك ما يدعو للقلق، ولكن لا محيد عن المصحة. # وكان رشدي لا يزال نافرا من المصحة ولكنه لا يجرؤ على قول «لا» بعد ما صار إليه ~~حاله، فدعا أخاه إلى جانبه وقال له بتوسل وعلى مسمع من أمه: لتكن المصحة إذا شئت، ولكن ~~... # وأومأ إلى النافذة، واستدرك: ولكن لا أحب أن يعرفوا الحقيقة! # فاشتد التأثر بالرجل، وخفق فؤاده بحزن عميق، وقال: لا تخف فمن السهل أن نقول إنك مصاب ~~بماء في الرئة أوجب سفرك إلى المصحة! # فتساءل رشدي محزونا: وهل يجوز هذا عليهم؟ # فقال أحمد: إن التداوي من ماء الرئة ms156 يستدعى زمنا طويلا، ومهما يكن من أمر فالعناية ~~بصحتك أولى بالاهتمام مما عداها. # 39 # ولم يضع أحمد وقتا، فقام بالإجراءات المتبعة لإلحاق شقيقه بالمصحة، مستعينا بتوصية ~~الطبيب المداوي ووجد أن سريرا سيخلى في أول مارس لانتهاء مدة علاج صاحبه، فقرر ~~انتقال رشدي من ذاك التاريخ، وفي المدة القصيرة التي سبقت السفر عانت الأسرة آلاما ~~برحاء، وكان رشدي يكابد من السعال عذابا مضنيا وسهادا متقطعا. وغرق الوالدان في ~~حزن ذاهل، وتكدر صفوهما، ولاحت في أعينهما نظرة واجمة امتزج فيها الرجاء بالخوف. ووقع ~~أحمد فريسة لهواجسه فانقلبت حياته غما وجزعا، وعاد كمال أفندي خليل الشاب، وأكد له ~~أن «ماء الرئة» لا خطر منه البتة مع العناية! ثم زارته الست توحيدة ونوال ولم يكن أحمد ~~بالبيت وقالت له إن غرامه بالنحافة هو الذي أدى به إلى المرض، وتعهدت له ضاحكة، بأن ~~تتولى تسمينه بعد الشفاء، ولم تدر نوال ماذا تقول على مسمع من الوالدتين، ولم يستطع ~~الشاب أن يديم إليها النظر، ولكن عينيه التقتا بعينيها في لمحات خاطفة فتجاوبت رسائل ~~الحب والشكر والحزن الصامتة، وسر رشدي بالزيارة سرورا لم يشعر بمثله منذ استسلم ~~للرقاد. وبعد خروج المرأة وابنتها أعرب لأمه عن خوفه من حقيقة مرضه، ولكن المرأة ~~المحزونة طمأنته قائلة إن مرضه سر مطوي في صدور محبيه. # وفى صباح اليوم الأول من مارس حملت عربة الشقيقين إلى محطة باب اللوق وكان دعاء الأب ~~آخر ما سمع رشدي في البيت، وكانت دموع الأم آخر ما رأى، وفي الطريق قال الشاب لشقيقه: ~~إذا طالت مدة التداوي فصلت من عملي حتما! # فقال له أحمد بثقة: وحتى لو حدث هذا - لا قدر الله - فعودتك إلى عملك مرة أخرى أمر ~~يسير، ولا تشغل نفسك بغير الشفاء! # ثم انتقلا إلى الديزل، فانطلقت بهما في طريق حلوان، وجلسنا جنبا إلى جنب، وكان أحمد ~~صامتا يلوح في وجهه النحيل الهم والفكر، وكان رشدي يسعل من حين لآخر، وعجب أحمد لسوء ~~الحظ الذي يلاحق أسرته، فقد فقدت غلاما، وها هو رشدي يصاب ms157 بالداء الخطير، أما هو فقد ~~نصبه الدهر هدفا للعثرات والإخفاق! ولو قنع الدهر به فدية لكفاه ولكنه لا يقنع! ~~واختلس من الشاب نظرة فهاله هزاله، وضمور رقبته، وذبول عينيه، وغياب النظرة اللامعة ~~الساحرة منهما، فتنهد وقال لنفسه متحسرا: «رباه ... متى تنكشف الغمة؟ .. متى أفتح ~~عيني فلا أجد من هذا الشقاء الماثل إلا أطياف ذكريات منقضية!» ونظر إلى الخارج خلل ~~زجاج النافذة فجرت أمام ناظريه الأبنية والفيلات في حشد طويل، ثم انسابت القاطرة بين ~~حقول ممتدة من النضرة والخضرة والمناظر الريفية الفاتنة، ثم أقبلت الصحراء اللانهائية ~~الجرداء يحف بأفقها الجبل الشامخ، فاستثار تتابع المشاهد ما بين أبنية وحقول وصحراء ~~جرداء عاطفة كئيبة في صدره، فامتلأ شجنا وأسى. # وبلغت القاطرة حلوان فتركا القاطرة وقد نهكت الرحلة الشاب المريض، واستقلا عربة إلى ~~المصحة، وسارت بهما تتهادى في طريق مقفر، وتراءت لهما المصحة فوق سفح الجبل كقلعة ~~هائلة، فرنا إليها الشقيقان بقلبين خافقين، وقال أحمد: الفاتحة إن ربنا يأخذ بيدك ويمن ~~عليك بالشفاء ويخرجك من هذا المكان مجبور الخاطر. # وانتهيا إلى المصحة، واستقلا المصعد إلى الطابق الثالث، ودلتهما ممرضة على الحجرة ~~التي يقصدانها، وكانت بالحجرة سريران، يرقد على أحدهما شاب في مثل سن رشدي وفي مثل ~~هزاله وصفرته فتبادلوا التحية باسمين. واستراح رشدي حتى استرد أنفاسه، ثم غير ملابسه ~~بمعونة شقيقه، واستلقى على الفراش، وجلس أحمد أمامه على كرسي مريح، وأومأ الرجل إلى ~~الشاب المريض الغريب. وقال مخاطبا شقيقه: ستجد في صاحبك خير رفيق، فتعاونا على قتل ~~الوقت وتبديد وحشية الوحدة، حتى يأذن الله لكما بالخروج سالمين غانمين! # ومضى يتحدث مع شقيقه حينا، ومع صاحب السرير المجاور حينا آخر - وقد علم أن اسمه ~~أنيس بشارة وأنه طالب في السنة النهائية بكلية الهندسة - والظاهر أن الرحلة أعيت رشدي ~~فاعتراه تعب شديد، واستلقى في خور وخمود، ومكث أحمد معهما حتى اطمأن على الشاب، ثم نهض ~~لينصرف، وقد شعر وهو يضغط على راحة الشاب مودعا بدمعة تتحرك في مجرى الدموع من قلبه، ~~فقرض على أسنانه ليمنعها من ms158 الصعود إلى محجريه، وغادر الحجرة. وخال في الخارج أنه رأى ~~عيني الشاب كالمنذرتين بالبكاء وهو يسلم عليه، فنازعه قلبه إلى العودة إليه مرة أخرى، ~~ولكنه قاوم عاطفته ومضى في سبيله، واخترق دهاليز طويلة تفتح عليها أبواب عنابر المرضى، ~~ورأى الأشباح الآدمية في الثياب البيض الفضفاضة، فاقشعر بدنه ووجف قلبه، وظل وهو آخذ في ~~الطريق إلى المحطة يعاود النظر وراء ظهره إلى بناء المصحة الشاهق ويتمتم ~~بالدعاء. # وفي مساء ذلك اليوم باتت أسرة عاكف في وجوم وكآبة، وقد لاحت في عيني الأب نظرة شاردة، ~~وبكت الأم حتى دميت عيناها، وحاول أحمد أن يخفف عنها بحديث الرجاء والأمل، ولكنه كان في ~~الحقيقة في حاجة إلى من يخفف عنه. # 40 # وانتظرت الأسرة يوم الجمعة - يوم الزيارة في المصحة - بصبر فارغ، وقر رأي كمال خليل ~~أفندي على أن يصحبهم هو وأسرته، وأخذت الأسرتان للزيارة أهبتهما فابتاع أحمد لأخيه ~~صندوق بسكوت بالشوكولاتة، وأعدت الست توحيدة - والدة نوال - له كعكا عرفت بإتقان ~~صنعته وعند الضحى ذهبوا جميعا - الرجال الثلاثة والسيدتان ونوال - إلى محطة باب اللوق، ~~واستقلوا قاطرة الديزل، وجلسوا متقابلين، الرجال في ناحية والنساء في الأخرى، وبذلك وجد ~~أحمد نوال جالسة لقاءه! وتجنب، منذ اللحظة الأولى، أن ينظر إليها، ولم يكن رآها منذ ذاك ~~اليوم الذي كشف له عما كشف، بيد أن وجودها على بعد قدم منه أيقظ الذكريات وحرك ~~الأشجان وخاف مغبة الاستسلام للخواطر فتشاغل بالحديث مع كمال خليل تارة، وبقراءة ~~الأهرام تارة أخرى، والواقع أنه لم ينجح إلا في تجنب النظر إليها، ولكنه غلب على أمره ~~إزاء سيل خواطره الجارف، وأنى له أن ينسى أمله الخائب! أو سخطه المر القديم على شقيقه! ~~أو مرض شقيقه الذي جعل سخطه القديم عليه جرحا في ضميره لا يلتئم! وهل ينسى أنه خاف ~~يوما على الفتاة العدوى، وأنه حام حول اتهام شقيقه بتعريض حياتها للهلاك؟! كل أولئك ~~آلام جعلت من حياته مرتعا للنار، حتى صدق قوله لنفسه مرة: «لقد أصيب رشدي في صدره ~~وأصبت أنا في عقلي!» ثم ms159 تساءل ترى ماذا يخطر لها من الأفكار حين يقع بصرها على شخصه ~~أمامها؟! هل يثير ألما؟ خجلا؟! ألا يجوز أن تأسف إن لحقت العلة بحبيبها متعامية عن ~~هذا الكهل؟ ولو فعلت ما جاوزت القصد ولا حادت عن الإنصاف، فما فائدة حياته؟ وما وجه ~~الانتفاع بصحته؟ ووجد لتوه ذاك الشعور بالاضطهاد، المؤلم اللذيذ معا! وحقيقة أخرى لم ~~تغب عنه، وهي أنه مرتاح إلى وجودها رغم تجنبه النظر إليها! لماذا يا ترى؟ هل يرغب أن ~~يمتحن قدرته على النسيان والتأسي؟! أو يريد أن يشبع رغبته القديمة في أن يريها قوته ~~على تجاهلها والترفع عنها؟! ثم أفاق لنفسه قليلا، فكبر عليه أن تكون تلك خواطره وهو ~~ماض لعيادة العزيز المريض! وبلغ منه الألم حدا تمنى معه لو كانت الجراحة تستطيع بتر ~~الفاسد من النفس، كما تبتر الفاسد من الأعضاء! # وانتهت الرحلة، وساروا في الطريق وأبصارهم عالقة بالمصحة، وقوي أمل أحمد أن يجد الشاب ~~أحسن حالا - وإن لم يمض في المصحة سوى ثلاثة أيام - لإخلاده الإجباري إلى الراحة ~~ووجوده في الجو الموافق، وتقدمهم جميعا نحو الحجرة، وسبقته عيناه إلى السرير، كان رشدي ~~راقدا، وقد شعر بحضورهم، ولكنه لم يحرك ساكنا، إلا ابتسامة خفيفة باهتة ارتسمت على ~~شفتيه الذابلتين وهو يتلقى تحيات القادمين الذين أحاطوا بفراشه، وخاب أمل الرجل، ~~وروع لما رأى من تدهور الشاب، فلم يشك أن حالته ساءت عما كانت عليه يوم أتى به، وحار ~~في تفسير ذلك وانقبض صدره، وجلس الزوار، ووضع البسكوت والكعك على خوان قريب من السرير، ~~ولما رآهما رشدي قال بصوت ضعيف: أنا لا أكاد أتناول طعاما ... لا شهية لي البتة. # فسألته أمه بقلق وهي تتفحصه بعينين حاولت ألا يلوح فيهما شيء من الانزعاج المستولي ~~عليها: ألا يعجبك طعام المصحة يا رشدي؟ ~~- الطعام جيد، ولكني فقدت شهيتي! # فقالت الست توحيدة: لا تخف فهذا شأن المرض أول عهده، وغدا تلتهم الطعام التهاما ~~بفضل هذا الهواء الجاف النقي. # فابتسم الشاب إليها - وإلى نوال بالتالي لأنها كانت لصقها - ثم قال موجها الخطاب ms160 ~~لأحمد: كانت الليالي الثلاث الماضية شديدة الوطأة علي، اضطرب فيها نومي وتقطع، ~~واشتد علي الألم، ولم يكف عني. # ولم يتم جملته، فأدرك أخوه أنه أمسك حذرا عن ذكر «السعال»، فأيقن في تلك اللحظة أن ~~اصطحابهم أسرة كمال خليل - على ما فيه من سرور - كان خطأ كبيرا، ولكنه أراد أن يشجع ~~الشاب فقال: على رأي تيزتك فهذا شأن المرض أول عهده، وستجتاز هذه الشدة بعون الله، ~~وتخرج منها سالما. # ولكن رشدي قال بلهجة دلت على التوسل: أليس الأفضل أن أعود إلى بيتنا؟ # ورأى أحمد أمه تهم بالموافقة على رغبته فبادر بقوله: سامحك الله! بل قل إنك لن تبرح ~~حجرتك حتى تسترد صحتك وفتوتك، ثم تقفل إلى القاهرة مشيا على الأقدام! ومن حسن الحظ أني ~~أراك متحسنا تحسنا محسوسا! # وقال كمال خليل يساهم في تلك الكذبة المفيدة: أجل يا رشدي أفندي أنت ... اليوم أحسن ~~حالا بلا شك! # وحدت الأم بصرها لعلها تصدق ما يقولان، بينما راح أبوه يقول بصوته الهادئ المنكسر: ~~الصبر ... الصبر يا رشدي، وربنا يرعاك ويأخذ بيدك! # فسكت رشدي، ولكن على رغمه، ولم يغب ذلك عن أخيه الذي يحسن فهمه، وكان يعلم أنه لا ~~يقتنع بغير رأى نفسه، ولا يعمل إلا بمشورتها، فأيقن أنه إذا كره المصحة فلن يصبر عليها ~~ولن تعود عليه إقامته فيها بنفع يذكر، وازداد حزنا على حزن، واسترعت انتباهه حركة آتية ~~من السرير الآخر، فنظر إليه، ورأى زميل أخيه جالسا في فراشه، فتولاه الخجل - لأنه ~~نسي - في غمرة حزنه - أن يحييه، فقال له وهو يرفع يده له بالتحية: كيف حالك يا أنيس ~~أفندي؟ .. لا تؤاخذنا! # فضحك الشاب قائلا: العفو يا بك، الظاهر إن رشدي يرغب في هجرنا! # فقال رشدي متأسفا: لكم أزعجت نومك! # فقال الشاب مبتسما: لا داعي للأسف على ذلك، فسهر الليل لا يضايقني بتاتا. # فابتسم أحمد وقال: الظاهر أنك من عشاق الليل كرشدي! ~~- نطقت بالصواب يا سيدي، وها نحن أولاء يعلمنا الدهر أنه ينبغي أن نقلع عما كنا ~~نعشق. # ودعوا لهما بالشفاء، ونهضت أم ms161 أحمد إلى الخوان، وأتت بصندوق البسكوت، ووضعته إلى جانب ~~رشدي وفي متناول يده، وقالت برجاء: هلا تناولت واحدة يا رشدي؟! # ولكنه هز رأسه على المخدة وقال بسرعة وبلهجة حازمة: ليس الآن ... فيما بعد! # فأخذت المرأة الصندوق أسيفة حزينة وإن كانت تغالب عواطفها مغالبة صادقة ناجحة، ولم ~~تنس - حتى في تلك الساعة - واجبات اللياقة، فدلفت من سرير أنيس بشارة وقدمت له بعض ~~البسكوت، وكان أحمد يتفحص أخاه بعينين كئيبتين، فإذا أرسل الشاب إليه بطرفه تبسم ~~مداريا حزنه وقد هاله ذبول أخيه، واصفرار لونه، وخوره، وأمارات التعب التي تعتوره، ~~هاله أن يراه مستسلما للرقاد، سجينا، وما كانت الدنيا تسعه حركة واضطرابا ولهوا، ~~وخيل إليه أنه يقرأ في نظرة عينيه حيرة وقلقا، إلى ما بهما من ألم واستسلام، ~~فأوحيا إليه أن الشاب ينطوي على شيء يريد أن يفضي به إليه، وقوي شعوره بذلك حتى خطر له ~~أن ينفرد به دقائق بعد انصراف عواده، ولكنه خاف أن يضرع إليه أن يعيده إلى البيت، ~~فعدل عن رأيه، وجعل يكور له قبضة يده مشجعا متظاهرا بالمزاح والاطمئنان. # وآذن الوقت بالعودة، فسلموا بحرارة، ولهجت ألسنتهم بالدعاء، وغادروا الحجرة، وكانت ~~الست دولت آخر من غادرها بعد أن قبلت الشاب في خديه وجبينه، وفي الطريق لم تعد تملك ~~أعصابها فامتلأت عيناها بالدموع، وكانت نوال تعالج دمعة لا تدري كيف تخفيها. وظل أحمد ~~منقبض الصدر حتى أوى إلى حجرته، ومضى يعلل نفسه بالأمل ويقول إنه سيجده في الزيارة ~~القادمة أحسن حالا حتما مما وجده اليوم، رباه ... متى يرد إلى ما كان عليه من القوة ~~والنشاط والنضارة؟! متى يعاود سمعه تغريده الحنون ودعابته اللطيفة وضحكته ~~الرنانة؟! # ونامت أسرة عاكف تلك الليلة على حزن وكمد كنومها ليلة الفراق! # ثم استيقظوا جميعا في الهزيع الأخير من الليل على رنين الجرس وجلس أحمد في الفراش ~~مرهف الأذنين، فسمع الرنين متصلا كأنه يصرخ في الغافلين، وانقض عليه خاطر جعل قلبه ~~يرجف كإبرة الجرس فقفز من الفراش وجرى إلى الخارج، التقى بوالديه في الصالة وهما يكادان ms162 ~~أن يعدوا عدوا نحو الباب، ولم ينبس أحدهم فقد تولاهم استسلام يائس للأقدار، ودلف أحمد ~~من الباب مزدردا ريقه وأضاء المصباح الخارجي وفتح الباب، ونظر في الردهة الخارجية فلم ~~تقع عيناه على إنسان، وكان الرنين لا يزال متصلا ... والتفت الرجل إلى والديه مندهشا ~~مغمغما: «لا أحد في الخارج.» واقترب من «بطارية الجرس»، ورفع غطاءها وفصل بين الأسلاك ~~فسكت الجرس المزعج! وأغلق الباب والدموع توشك أن تطفر من عينيه وتبادلوا جميعا نظرات ~~حائرات، ثم هتف الأب قائلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! # وقالت الأم وهي تتنهد من أعماق قلبها: أليس الأوفق أن نأتي برشدي ما دامت هذه ~~رغبته؟ # فقال أحمد وقد وشى صوته باضطراب نفسه: يا شيخة وحدي الله! # 41 # وعند عصر يوم الأحد وكان أحمد مجتمعا بوالديه يحتسون قهوة العصر، جاء البريد بكتاب ~~ما إن رأى الظرف حتى تمتم بغرابة: هذا خط رشدي. # وتنبه الوالدان، وتابعت عيناهما يد الرجل وهو يفض الغلاف، وقد كتب الخطاب بالقلم ~~الرصاص، وبخط رديء - على غير عهد صاحب الخطاب - وكان به ما يأتي: # 8-3-1942 # أخي العزيز: # تحياتي إليك وإلى والدي. # أكتب كتابي هذا وقد مضى على انتصاف الليل ساعتان ... ولا تدهش يا أخي فقد حرمت ~~نعمة النوم إلى الأبد، وما عاد لأي منوم من تأثير في، تصور أني تناولت بالأمس ~~جرعة من منوم معروف، فلما لم تجد شيئا، عاطاني الدكتور برشامة مخدرة وبشرني ~~بنوم ثقيل، وها هو الليل ينتصف وتمضي على انتصافه ساعتان وأنا متيقظ مسهد، ~~ولا نهاية لعذابي، بل لا أزال جالسا لأن الرقاد - أو ضغط ظهري على حشية الفراش ~~- يهيج السعال الذي اشتدت نوباته علي، فلا معدى لي عن الجلوس في فراشي، ~~وقصارى ما يمكن عمله لتهيئة الراحة أن أكسر مخدة وأضعها على حجري ثم أسند رأسي ~~إليها. # أخي: # يؤسفني أن أؤلمك أو أحزنك، ولكنها الحقيقة المرة، ولا حيلة لي فيها، ولا مفر ~~من أن أفضي إليك بالحقيقة فأنت ملاذي أولا وأخيرا، فاعلم يا أخي أني اطلعت ~~على نتيجة الأشعة التي صورت صدري ms163 غداة وصولي إلى المصحة، وقد كشفت إصابة جديدة ~~في الرئة اليمنى، أما اليسرى فقد حفرت الإصابة القديمة لي كهفا في حجم نصف ~~الريال، والحالة العامة خطيرة، وإليك تقرير الطبيب النوبتجي. «عدم قابلية للأكل ~~مطلقا، عدم النوم مطلقا، سعال نظيف، ونفس مكروش دائما ...» فلا شك أني في ~~طريق النهاية، لا شك في ذلك مطلقا ، إني أكتب إليك ودموعي تنهمر فتخفي عن ناظري ~~الألفاظ التي أنعى بها نفسي إليك، وكلما ذكرتكم غلبني البكاء. # هذه هي الحالة، فأستحلفك بالله يا أخي إلا ما وافقت على عودتي إليكم لأقضي ~~بينكم أيامي الأخيرة حتى يوافيني الأجل ... فلا تعرض عن توسلاتي هذه المرة. ~~وأكرر أسفي لإيلامك ولكن ما حيلتي؟! .. وعليك ألا تخبر والدي بالحقيقة والسلام ~~عليكم ورحمة الله. # أخوك المخلص # رشدي # قرأ الخطاب ذاهلا، وأعاد قراءة كثير من عباراته أكثر من مرة، وشعر عند الانتهاء من ~~قراءته بدوار، وإنكار، وغرابة ولكنه لم يرفع عنه ناظريه حتى يستعيد رباطة جأشه، فيواجه ~~أمه بشيء من السكينة يمكنه من الكذب عليها، واستطاع بفضل تفكيره في أمه، ووجودها على ~~كثب منه، أن ينسى نفسه إلى حين فيمتلك أعصابه، ثم نظر إلى والديه فرآهما ينتظران كلمته ~~بعينين معذبتين كمن ينتظر - غير معصوب العينين - إطلاق النار عليه، فتكلم قائلا ~~متصنعا لهجة السخط والتبرم: رشدي يلح في العودة إلى البيت، فماذا دهاه؟! # فسألته الأم بلهفة: ولكنه بخير! ~~- بخير والحمد الله إلا أنه كاره للمصحة! ~~- أعده إلي يا أحمد، فلا فائدة ترجى من تركه في المصحة على رغمه. # فنهض أحمد وهو يقول: سأسافر اليوم إلى حلوان وآتي به. # وأعطى الخطاب إلى والده ومضى إلى حجرته وأمه في أثره. # وسافر إلى حلوان دون تردد أو تأخير. وظل طوال الطريق مشتت الفكر موزع الفؤاد مضطرب ~~النفس، ولأول مرة - منذ أمد بعيد - يفكر في الموت كحقيقة ماثلة يطالع معالمها الرهيبة ~~ويستشعر آثارها العميقة من الألم والخوف والقنوط، وتخيل المقبرة النائية التي ابتلعت ~~شقيقه الأصغر، فخالها تنفض عن ثغرها تراب الأرض وتفغر فاها لابتلاع رشدي الحبيب الذي لا ms164 ~~يدري كيف تكون الدنيا بدونه! وكان كلما قصرت المسافة بينه وبين المصحة اشتد انقباض ~~صدره، وثقلت وطأة الخوف على قلبه، رباه! .. كيف يجده الآن؟! وما فعل السهاد به؟! ~~وغادر القطار على عجل والشمس تميل نحو المغيب وأخذ العربة إلى المصحة، ثم صعد إلى ~~الطابق الثالث لا يلوي إلى شيء، واشتدت ضربات قلبه وهو يقترب من الحجرة، ودخلها وقد ~~تركز وعيه في الفراش أمامه، رأى رشدي كما وصف نفسه في رسالته جالسا في فراشه مسند ~~الرأس إلى مخدة منكسرة على حجره! وازدرد ريقه وهتف به: رشدي! # فرفع الشاب رأسه عن المخدة بسرعة، وطالع أخاه الضامر الشاحب، وصدره المضطرب، وسرعان ~~ما لاح السرور في عينيه، وقال بصوت متهدج: أجئت؟ .. خذني .. خذني. # فقال أحمد ليدخل الطمأنينة على نفسه: لهذا جئت يا رشدي. # ثم التفت إلى أنيس بشارة فحياه، فرد الشاب تحيته وقال بلهجة جدية دلت على تأثره: ~~مسكين رشدي! إنه لا يذوق للنوم طعما، وكانت ليلته الماضية شديدة فظيعة! فالأوفق حقا ~~أن يمضي هذا الأسبوع في البيت، على أن يعود إلى المصحة فيما بعد! # فأومأ أحمد برأسه موافقا وسأل الشاب: أتدري ما هي إجراءات الاستئذان لخروجه؟ # فقال أنيس بنفس اللهجة الجدية: اسع إلى الطبيب بلا إبطاء. # ولم يلق الرجل صعوبة ما، بل ساوره الخوف والقلق لسرعة موافقة الطبيب على ~~طلبه. # وعاد إلى أخيه، وحزم متاعه، وعجز رشدي عن خلع بيجامته وارتداء البدلة، فاكتفى بلبس ~~الروب، وجاءوا بنقالة لحمله إلى المصعد. وسار أنيس بشارة في وداعه حتى الباب الخارجي ~~للمصحة، وشد على يده بحرارة، ودعا له مخلصا بالشفاء والصحة، ورأى أحمد شقيقه يستسلم ~~لأيدي حامليه بلا حول ولا قوة وقد زاغ بصره، وبدا للعين هزاله، فذكر نضارته وحسنه، ~~ورشاقته ونشاطه وفكاهته وغناءه، ثم لم يملك أن يعض على شفته متوجعا متحسرا وقد شعر ~~بقلبه ينتحب باكيا في أعماق صدره. # 42 # ووجدا في انتظارهما في البيت الوالدين وأسرة كمال خليل أفندي، وكانت الست توحيدة ~~ونوال جاءتا لزيارة أم الشاب المريض، فلما علمتا بأن شقيقه سافر ms165 ليأتي به لبثا في ~~انتظار وصوله. وأحدث ظهور رشدي أثرا عميقا في النفوس فلم يحاول أحد إخفاء انزعاجه، ~~ولكن الشاب لم يبد عليه أنه أدرك شيئا مما حوله، أو أنه فطن إلى وجود أحد، وأجلس على ~~فراشه وصدره يعلو وينخفض، مغمض العينين، والأعين محدقة به، وقد انعقدت الألسنة، واصفر ~~وجه الست دولت وارتعشت أطرافها ، فهرعت إلى فراشه، وجلست وراء ظهره لتسنده بصدرها ~~المضطرب. وفتح رشدي عينيه بعد برهة وأجالهما في الحجرة والوجوه، فلاح فيهما نور العرفان ~~واليقظة، وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة خفيفة، وقال بصوت متهدج خفيض كأنما يتصاعد من ~~أعماق صدره: الحمد الله ... الحمد الله ... أنا مسرور بعودتي إلى حجرتي. # فدعا له الجميع، وكررت الست توحيدة الدعاء، فابتسم الشاب وقال: سأشفى هنا بإذن ~~الله .. لا تبرحي مكانك يا نينة! # فقبلته المرأة في منكبه وقالت: لن أبرحه يا رشدي بإذن الله - إن قلبي لا يمكن أن ~~يكذبني! # والتقت عيناه بعيني نوال مرات، وتلقى في كل مرة ابتسامة حلوة ضمنتها عيناها ما تكنه ~~جوانحها من الدعاء والرجاء والإشفاق، وتنحى أحمد جانبا دون أن تفارق عيناه وجه ~~شقيقه، وكلما طالع في عينيه نظرتهما الذابلة ارتعش كيانه وقال لنفسه: «اللهم ~~رحمتك!» # وقال عاكف أفندي أحمد - الأب - عن حكمة: الأوفق أن نتركه حتى يسترد أنفاسه ~~ويستريح! # فخرجوا جميعا ما عدا أمه وانصرفت الزائرتان، وخلا أحمد إلى نفسه في حجرته قليلا، ~~ولكن لم يستطع صبرا فعاد إلى حجرة الشاب، ووجد رشدي لا يزال فرحا بالعودة ويحادث أمه ~~قائلا بصوته المتهدج الخافت: لشد ما يطمئن قلبي فرحا وسرورا، ولشد ما آلمني جو المصحة ~~الموحش، لم أذق فيها النوم ولا الطعام، ورأيت مريضا ينزف حتى غرق في دمه، ومروا ~~بحجرتنا حاملين مريضا آخر إلى حجرة «العزلة» حيث يودعون المرضى المشرفين على النهاية ~~.. ومن المؤسف حقا أن سوء حالتي آلم زميلي أنيس بشارة، ويغلب على ظني أنه استثار ~~مخاوفه فجعل يبكي حزنا وفرقا. الآن عاودتني الطمأنينة. # وحول ناظريه إلى أحمد، وسكت قليلا وصدره يعلو وينخفض ثم استطرد: أتعبتك ms166 كثيرا ~~يا أخي، معذرة. لا تجد علي لعصياني نصحك، أعدك بأني سأرعى منذ اليوم صحتي، وأني لن ~~أخالف لك نصيحة، وإذا من الله على بالشفاء فلن أستهين يوما بحياتي. # فعض أحمد على نواجذه ليحبس دموعه الهائجة، وقال مبتسما: لا محل للوم يا رشدي، فكل ~~شيء بأمر الله، وغدا سترد إلى صحتك بإذن الله، وستذكر هذه المحنة كما يذكر المستيقظ ~~وطأة الكابوس. # فابتسم الشاب إلى أخيه ارتياحا لقوله، وسأله أن يدني الخوان من فراشه وأن يضع عليه ~~زجاجات الدواء، وأتى أحمد بالخوان، وجعله في متناول يد الشاب، ورص عليه الكالسيوم، ~~وحق المنوم، والكارومين، فشكره رشدي، ثم قال: سأحتاج إلى ممرضة لحقني بالكالسيوم ~~يوما بعد يوم. # فقال أحمد: سأوصي الصيدلي بإحضار واحدة والاتفاق معها ... ويحسن بك أن تسكت كي لا تشق ~~على نفسك، وربنا يرعاك ويحفظك! # تناول الشاب جرعة من المنوم، فاسترخت أعصابه - وقد نال منه أرق الليالي السابقة - ~~وأخلد للنوم، إلا أن السعال انتابه مرات فمزق نومه شر ممزق. # 43 # وجاءت أيام شدة وألم، فغرق الشاب المريض في غمرة العذاب، وتقطع قلب الأم الذي يسند ~~ظهره المهزول، واستبد به الأرق فلم يغمض له جفن - مع تناوله المنوم - إلا ساعات ~~معدودات في الهزيع الأخير من الليل، وكثيرا ما أدركه الصباح وهو قاعد في فراشه وقد ~~حطم السعال أضلعه، وصدفت نفسه عن الطعام، فإذا تجلد وتناول لقمات تقيأها في نوبات ~~السعال المخيف، وتعاقبت عليه نوبات هذا السعال واجتاحته بعنف فما إن تسكت عنه واحدة إلا ~~وقد أشفى نفسه على الانقطاع، وأنذرت عروق عنقه بالانفجار، وسالت عيناه دما. فظن به ~~الهلاك وأيست من شفائه القلوب، إلا أنه بدا وكأنه يجتاز مفازة الهلاك بسلام، لا لتحسن ~~طرأ عليه، ولكن لأن الأيام تتابعت وهو يقاوم ويجالد دون أن يسقط، ثم مضت تخف ثورة ~~السعال، وتنتظم ساعات نومه، وتتقبل معدته القليل من الطعام، واستطاع أخيرا أن يرقد على ~~جنبه، وآذن كل أولئك بتحسن قريب في صحته، ولكن مضى مارس جميعا وهو على حاله من الضعف ~~والإعياء، لم ms167 يكن يستطيع مفارقة الفراش بتاتا، وهزل هزالا محزنا حتى لم يعد في برده ~~سوى جلد ذابل وعظم معروق، وبعث منظر ساقيه القشعريرة في النفوس، وضمر وجهه، وتقلص خداه، ~~وغارت عيناه، وعلت محياه صفرة باهتة، وبدا رأسه أكبر من الواقع وعنقه رفيعا يكاد أن ~~ينقصف من حمله. ولاحت في عينيه نظرة عميقة متجهمة تدل على التصبر والتجلد، والتألم ~~والاستسلام، فلم تزل تعذب أحمد حتى أضنته، كان يطالعها في عينيه كلما عاده فلا تمحى من ~~ذاكرته أبدا، وكانت تحمل فؤاده المرهف جميع ما تنطق به من التألم والتصبر، كانت تترك ~~في قلبه جروحا لا تندمل، كان يطلع منها على عوالم الألم والمرض واليأس، رباه لكم ~~قطعت فؤاده وفتتت كبده، ولكم أهاجت مجاري دموعه. # وفى مرة دخل حجرته فوجده قد استوى جالسا في الفراش، وأدلى ساقيه إلى الأرض، ولم تكن ~~أمه في الحجرة، فخاف أن يكون ذلك مقدمة لمحاولات تشق عليه، فقال له بتوسل: أليس الأوفق ~~أن تلزم الرقاد؟! # فغاضت من عينيه نظرة التألم العميقة، وحلت محلها نظرة جزع وبرم وقال بلهجة لم تخل من ~~حدة: أخي، ألا ترى كيف تمضي الأيام وأنا بمكاني هذا لا أبدي حراكا! هكذا ألقى على ~~الفراش بلا حول ولا قوة، طوال النهار وأكثر من نصف الليل، حتى يغلبني ذهول المخدر الذي ~~نسميه نوما! .. أواه، ما أضيق الحياة ... لقد سئمت هذا الفراش، وضقت به ذرعا. # فلم يدر الآخر ماذا يقول، وألقت اللهجة الشاكية على روحه غبارا من الكدر، فقال ~~برقة: صبرا يا رشدي، وما وراء الصبر إلا الفرج! # ولا معدى عن الصبر أيضا كان يعتصر غصص الزمن الثقيل بقراءة الجرائد والمجلات، ~~والحديث إلى أمه - ولم تكن تفارقه إلا للضرورة - وأبيه وشقيقه، وكان على ألمه وملله قد ~~نجا من ساعات اليأس القاتل التي أوحت إليه مرة بالرسالة التي بعثها من المصحة إلى ~~شقيقه، نجا من اليأس، وعاوده الأمل في الحياة، والرجاء في الشفاء، ولكن الألم الذي رسم ~~في عينيه تلك النظرة العميقة المتجهمة لقنه حقيقة الشقاء التي ينطوي عليها ms168 قلب ~~الدنيا، فذاق العذاب، وشعر بأنفاس الموت الباردة تتردد على وجهه، والأرجح أن الحياة ~~تحرص على أن يعرفها أبناؤها جميعا، إلا أنها تقطر حقيقتها على المعمرين وتسكبها في ~~أفواه المتعجلين. # ومن عجب أنه لم ينس قلبه! فالمرض لا يمحو الحب، ربما لم يعد يضطرب به دمه، ولكنه ~~يحسه بروحه ويخفق به قلبه، ولكم ترف عليه الذكريات فتضيء مخيلته بنور وهاج، وتدندن ~~أذنيه كسجع الألحان، فيستيقظ قلبه كزهرة نفخ الربيع فيها من روحه، وتتخايل لعينيه بروق ~~البسمات وطريق الصحراء والعينان النجلاوان، وتطن في مسمعيه العهود والمواثيق. ترى ما ~~مصير كل أولئك؟ .. ماذا يخبئ له الغيب؟ .. هل يمكن أن يعود الشباب والقوة والأمل والحب؟ ~~.. هل يمكن أن يسعى كسابق عهده متبخترا في رشاقة وخيلاء؟ .. وأن يضحك ملء قلبه دون أن ~~يهيج سعالا قتالا؟ .. وأن يذهب رأسه ويجيء بالترنيم والتجويد؟ .. وأن يراه الإخوان ~~فيتصايحوا «جاء قلب الأسد»؟ .. وأن يشبك ذراعه بذراع نوال فيقطعا معا طريق الجبل ~~وغلالة الضباب تخفيهما عن الأعين؟ .. هل ما يزال ثمة أمل في أن يبتاع خاتم الخطوبة ويزف ~~كالعرائس؟ .. وكانت نوال تعوده مع والديها، فيتبادلان نظرات خاطفة مشوقة لم يشعر ~~بوقدتها إلا هما، رباه لماذا لا يتركانهما وحدهما ولو لحظة؟ إنه يذوب شوقا إلى ~~كلمة وداد ترطب حرارة فؤاده المحموم، وهكذا مضى شهر مارس. ولما جاء إبريل تغير الحال، ~~فلم يعد يرى نوال! مضى أسبوع دون أن تزوره وانتصف الشهر فلم تحضر، وعاده والداها ~~بمفرديهما، وانتهى إبريل دون أن يراها أو تراه! عاده إخوان قهوة الزهرة وأسرهم وأصحاب ~~السكاكيني وجمهور من الأقارب والجيران القدماء، فالبيت لا يفرغ حتى يمتلئ، إلا نوال، ~~اختفت من حياته فجأة كأنها لم تكن حقيقة محسوسة وأملا مشوقا! ولا شك أن والديه وشقيقه ~~يشاركونه ألمه وإنكاره ولكنهم لا يفصحون عن مشاعرهم رأفة به، وأبى عليه كبرياؤه أن يسأل ~~والديها، لماذا انقطعت نوال عن زيارته؟ # هل عرفوا حقيقة دائه وأيسوا منه؟ هل منعها من عيادته الخوف من العدوى؟ .. هل أمسى ~~شرا وأذى بعد أن كان حبيبا ms169 محبوبا؟ .. أكذب الحب وعده؟! وجعل يجتر آلامه في صمت، ~~حتى ضاق بها فقال يوما لأحمد وقد خلت لهما الحجرة: ألم تر كيف انقطعت عن ~~زيارتي؟ # عرف أحمد من يعنيها بقوله. وتظاهر بعدم الاكتراث وقال: حذار من الفكر! أنت في نضال من ~~أجل الصحة فلا تضعف مقاومتك بنفسك! # فاستطرد قائلا وكأنه لم يع ما قال الرجل : أبشع شيء في هذه الدنيا جفاء صديق بغير ~~ذنب، أو أن يكون ذنبه أن الصحة جفته! ~~- لا تبال شيئا ولا تستسلم للأفكار السود! # فتمتم الشباب بصوت حزين: لن أبالي شيئا ولكن الخيانة قبيحة! # وسرت في الرجل رعدة لأنه ذكر أنه فاه يوما بمثل هذه الجملة، وقال يداري عواطفه: حسبك ~~قلوبنا فهي تحبك ولا تجفو أبدا. # فاتبسم رشدي وقال: لا أدري متى حفظت هذين البيتين: # ما لي أرى الأبصار بي جافية # لم تلتفت مني إلى ناحية # لا ينظر الناس إلى المبتلى # وإنما الناس مع العافية # فقطب أحمد تألما وهتف به: أترغب أن تقتلني غما وكمدا! # فقال بأسف صادق: معاذ الله، أنت أحب إلي من الشفاء! # وعاد أحمد إلى حجرته وهو يقول لنفسه محزونا: «رباه .. كيف جفته وقد راح ضحية ~~لها؟!» # 44 # والحقيقة أن كمال خليل أخذ يساوره الشك فيما قالوا عن مرض الشاب، وما لبث أن أفضى ~~بشكه إلى امرأته، ولكي يقطع الشك باليقين زار صديقا في بنك مصر وسأله عن حقيقة مرض ~~رشدي، فأطلعه الرجل على الحقيقة، وحزن كمال خليل حزنا بالغا، لأنه أحب رشدي حبا ~~صادقا، ووجد فيه خير زوج يمكن أن يرجوه لابنته، وهوى الخبر على الست توحيدة كالصاعقة، ~~وخيب أملها في سعادة نوال، وخلا الرجل بزوجه وقال لها متجهما: ماذا ترين؟ # فلاذت المرأة بالصمت إشفاقا من الجهر بالحق المؤلم، فقال كمال أفندي: لا أظن رشدي ~~بناج من مرضه الخطير! # فقالت المرأة بامتعاض: ربنا يلطف به! ~~- وحتى لو كتب الله له النجاة فلن يصلح للحياة الزوجية. ~~- فماذا ترى أنت؟ ~~- أرى طبعا أن أصون صحة ابنتي، فهي شباب غض، ودخولها حجرته كما حدث مرات ms170 استهتار ~~شديد الخطورة سيئ العاقبة، فينبغي أن تعرف الحقيقة حتى لا تعيش على الأوهام أو تتعرض ~~لعدوى مرض خبيث ندرت النجاة منه. # فقالت المرأة بلهجة دلت على الأسف والاستسلام: الأمر لله! # ودعوا بنوال، وجاءت الفتاة غافلة عما يضمرانه لها، وكان ينبعث من عينيها نظرة ~~وديعة تلوح فيها الكآبة، فطلب الرجل إليها أن تجلس قبالته على كرسي ثم راح يقول بصوت ~~رزين: نوال، دعوتك لأفضي إليك بسر هام، وعهدي بك فتاة عاقلة، والسلوك الحكيم هو ما ~~أتوقعه منك دائما، فاعلمي أن جارنا العزيز رشدي أفندي مريض مرضا خطيرا أفظع مما ~~يقولون! # فاصفر وجه الفتاة ونفذت لهجة والدها الرزينة إلى قلبها فانقبض خوفا، وتساءلت بإشفاق: ~~أي مرض يا أبتي؟ ~~- يؤسفني أن أصارحك أن الشاب مصاب بالسل، وهو مرض كما تعلمين فظيع، ورحمة الله واسعة، ~~بيد أن على الإنسان واجبا نحو نفسه لا يجوز أن يفرط فيه أو يستهين به لأي داع مهما ~~جل شأنه، فلندع لصديقنا العزيز بالشفاء، ولنذكر قوله تعالى: # ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~. # السل! .. يا رب السماوات! .. ماذا يقول أبوها؟ هل أضحى رشدي العزيز شيئا واجبا ~~اجتنابه؟! هل أوى حقا ذاك الداء الخطير إلى صدره الحنون؟ .. هل ضاعت الآمال وتبددت ~~الأحلام؟! ورددت بين والديها نظرة حائرة تستحق الرثاء، فأدركت أمها ما تعاني من ألم ~~أجبرها وجود أبيها على مداراته، فقالت: والله عالم بشدة حزننا وأسفنا، وهو القادر على ~~جبر كسرنا، ولكن صدق والدك يا نوال، فحداثة سنك تجعلك صيدا سهلا لعدوى هذا الداء، ~~فدعينا نحن نقم بالواجب عنا وعنك، ولندع له جميعا بالسلامة والشفاء إنه سميع ~~مجيب. # وجعل أبوها يتفرس في وجهها من تحت حاجبيه، ويقرأ ما تظهر وما تبطن، ثم قال مستطردا: ~~الآن أدركت ولا شك الباعث الذي دعانا إلى مخاطبتك في هذا الشأن، ولا شك أنك تقدرين ~~رأيي حق قدره، فأنا أبوك وأخاف عليك أكثر مما تخافين على نفسك، لهذا أقول لك إنه لا ~~يجوز بعد اليوم أن تعودي المريض العزيز، ولا عليك من هذا، ولن يلومك ms171 عليه إنسان عاقل ~~منصف، ومهما يكن من الأمر فما أبالي كلام الناس ولا أقيم للومهم وزنا إذا جاء مخالفا ~~العقل، فما رأيك؟! # ولم تكن تملك من الجسارة ما تستطيع معه أن تصارحه بما يدور في خلدها، وكان له من ~~المهابة في نفسها ما يمنعها من مشافهته بما يخالف رأيه، فلاذت بالصمت حتى استحثها على ~~الجواب، فقالت بصوت خفيض: أمرك مطاع يا أبتي! # ولم يكن يطمع في أكثر من هذا، وخاف إن أطال الحوار أن يشجعها على الإفصاح عن حقيقة ~~مشاعرها، فنهض قائما كالمقتنع المرتاح، وقال: لا خيبت لي رجاء أبدا. # وما إن غيبه الباب حتى أحدقت في وجه أمها وهتفت بها: كيف يكون هذا ~~يا أماه؟! # فقالت المرأة بحزن واستسلام: لا معدى عنه يا نوال. # فقالت بصوت متهدج مرتعش: كيف لا أعوده .. كيف أتجنبه؟ هل يقوم خوف الإنسان على نفسه ~~عذرا معقولا لهجر أصدقائه في أوقات محنتهم؟! وما جدوى الصداقة والمروءة في هذه ~~الدنيا؟! # ولم تتم حديثها فخنقتها العبرات، وأوشكت الأم أن تتأثر لها، ولكنها تداركت عواطفها أن ~~ترق لها فتدفع بها إلى الهلاك، فقالت بلهجة لا تدل على ذات نفسها: وما جدوى أن يصاب ~~إنسان بداء وبيل من أجل صديق لن ينتفع بمرضه فتيلا؟! إن أباك حريص على صون شبابك الغض ~~وله الحق في ذلك كل الحق. ~~- أواه يا أماه! ولكني إذا ضلت نفسي بهذا الغدر القبيح فلن أنتفع بها، ليس المرض ~~بالشر الوحيد في هذه الدنيا، فالغدر شر من المرض، ماذا يظن بي؟ بل كيف أدفع عن نفسي ~~أمامه وأمام الناس؟ ~~- تقولين إن أباك أجبرك على الامتناع عن عيادته، فعلى أبيك التبعة وعليك الطاعة، ولن ~~يجادلك إنسان في حق والد على ابنته. ~~- ما أقساك يا أماه! .. سأموت كمدا. ~~- أفضل ألف مرة أن يلعنني الناس على أن ألقي بفلذة كبدي إلى التهلكة! # فقالت الفتاة وما تزال عيناها تسحان دمعا ساخنا حتى سدت خياشيمها وتغيرت نبرات ~~صوتها: سيمقتني ويحتقرني، وغدا إذا برئ ... # وخنقتها العبرات مرة أخرى، فقالت الأم وهي تتنهد: ms172 هذا هو حظك فما حيلتنا؟! .. بيد أنك ~~ما زلت على عتبة الشباب، والفرص أمامك كثيرة، والله قادر على جبر خاطرك، فلندعه أن يصون ~~للشاب المسكين شبابه وأن يعوضك عنه خيرا! # فهتفت بها منتحبة: ما أقساك! ما أقساك! # وفرت إلى حجرتها، وكان الوقت مساء، فدلفت من الشباك محمرة العينين ورمت ببصرها إلى ~~النافذة المحبوبة، وكانت النافذة مغلقة ينبعث من خصاصها نور خافت. وتمثل لها راقدا على ~~جنبه تلوح من عينيه تلك النظرة الحزينة المتجهمة، ثم تمثل لها وهو يسعل ذاك السعال ~~القتال الوحشي: لهفي عليك يا حبيبي، وا أسفي على رقادك بلا حول ولا قوة .. ونظرتك ~~التي تنم عن أفظع الآلام البشرية؟ .. أين نضارتك؟ أين شبابك؟ أين حديثك؟ أين آمالك، بل ~~أين نضارتنا؟ أين شبابنا؟ أين حديثنا؟ أين آمالنا؟ رباه ما أتعس حظي .. وما أحلك ~~دنياي! # وارتمت على مقعد تكفكف دمعها وتتنهد من الأعماق، وأوهنها التأثر فانطلقت خواطرها بلا ~~ضابط، مرت حياتها مع رشدي أمام ناظريها في مثل لمح البصر فأيقنت أنها فتاة تعيسة الحظ، ~~ولم يغب عنها ما في حديث والديها عن مرض الشاب من يأس وقنوط، فتولاها الذعر، وما كانت ~~تعرف عن الموت إلا لفظه، فكيف وقد تمثل لها وحشا كاسرا يتوثب للانقضاض على قلبها؟ ~~رباه! ويأمرانها بألا تعوده! ويحولان بينها وبينه بعزيمة لا تعرف الرحمة! وتجهم وجهها ~~الباكي وشعرت برعدة تسري في أطرافها، فتحسست راحتها صدرها! .. شعرت في أعماقها بأنها ~~تخاف المرض قدر ما تخافه على حبيبها، الرقاد، والسعال، والهزال، والعذاب، ثم أحست تعاسة ~~وقنوطا وحزنا وخوفا، ومزقتها الحيرة إربا إربا بين حبيبها وصحتها وسعادتها! ~~رباه، ألم تكن تحيا في دعة وطمأنينة وأمل مشرق؟! فما الذي أوجب هذا الشقاء وهذه ~~التعاسة؟! # ولدى عصر اليوم التالي عادت المدرسة فوجدتهم قد نقلوا حجرتها إلى حجرة أخرى بعيدا عن ~~نافذته، وأنه حيل بينها وبين رؤية ذاك البصيص من النور. # 45 # ولم يعد رشدي إلى ذكر نوال، وعجب أحمد لصمته وتساءل أيعاني آلامه وحده أم أنه يتناسى ~~باستهانة واحتقار، ودعا له مخلصا ms173 - وهو المبتلى - بالنسيان وراحة القلب، ولم يكن من ~~الممكن استكناه باطن الشاب من محياه، لجمود ملامحه وتجهم نظرة عينيه العميقة الحزينة ~~وملازمته حالا من الكآبة لا تكاد تزايله، فظل أحمد متحيرا مشفقا، وشاركه الوالدان ~~حيرته وإشفاقه، ولم يكن الأمر يعنيهم من ناحيته العاطفية، ولكنهم خافوه على الصحة ~~المتهالكة التي تجاهد في سبيل الحياة، خصوصا وأن مضي الأيام قد بعث في النفوس الأمل ~~بعد أن أوشكت أن تشفى على اليأس، ولو سألت على بواعث الاستبشارات لما وجدت غير كرور ~~الأيام وتعود الحال، أما رشدي فلبث عاجزا عن مغادرة الفراش، ونضو هزال يستثير الذعر ~~والإشفاق، وظل لونه مصفرا مشربا بزرقة، ولم يخف عنه السعال إلا قليلا. # وفي النصف الأول من مايو جاءه طبيب المصرف، ليعيد الكشف عليه وليجدد له الإجازة حسبما ~~يرى، وفحصه الرجل فحصا سطحيا ثم قال: أظنك تعلم أن إجازتك القانونية تنتهي في 30 ~~مايو سنة 1942! # أجل كان يعلم ذلك، ولكنه كان كأنه يسمع به لأول مرة، فقال بصوت خفيض: حقا؟! .. نعم ~~.. أعلم ذلك. # فقال الطبيب بغير مبالاة: فأيامك الباقية من الإجازة منتهية لا محالة قبل الشفاء بزمن ~~طويل، وعليه فلا مناص من فصلك من خدمة البنك ابتداء من 31 مايو سنة 1942. # وكان صوت الدكتور يقع من سمعه موقعا غريبا، فتساءل بصوت أشد ضعف: ألا يوجد ثمت أمل ~~في الشفاء قبل انقضاء المدة الباقية من إجازتي؟ # فهال الطبيب السؤال وقال بإنكار: هل تتصور أنه من المستطاع أن تبرأ وتسترد قوتك ووزنك ~~الطبيعي فتستأنف عملك في بحر عشرين يوما؟! هذا محال، أمامك عام استشفاء على أقل ~~تقدير. # فسهم رشدي كالشارد، ثم أطرق كئيبا محزونا، أما الدكتور فأعطاه «استئمارة» نص بها ~~على انتهاء إجازته في 30 مايو سنة 1942، وعلى أنه يعتبر مفصولا ابتداء من 31 من مايو ~~1942، إذا لم يعد إلى عمله قبل ذاك، وقال له بلهجة دلت على أنه يريد الانصراف سريعا: ~~وقع من فضلك بإمضائك على هذه الاستئمارة للعلم. # وذكر أخاه أحمد كأنه يستغيث به في تلك الساعة الحرجة! .. وردد ms174 عينيه بين الطبيب ~~وبين الورقة فلم يغب عن ناظريه ما بالرجل من نفاد الصبر، فعراه الارتباك وتناول قلمه ~~ووقع بإمضائه بيد مرتعشة وغادر الدكتور الحجرة فجاءت أمه متطلعة إليه بوجهها الذي نال ~~منه الإعياء والهم كل منال، فقال لها بصوت مبحوح متهدج: أماه، وقعت الآن بإمضائي على ~~أمر فصلي من عملي! # فخفق قلب المرأة خفقة عنيفة، بيد أنها تداركت ~~نفسها فلم تستسلم لعواطفها أن تضاعف من أشجانه، وقالت باستهانة: أهذا ما جعلك تتكلم ~~بهذه اللهجة الحزينة؟! يا بني، إن الله أكرمنا بإنقاذك من الخطر الداهم فلا ينبغي أن ~~نغفل عن ذكره وشكره، وليهن بعد ذلك كل شيء، فلا يحزنك الأمر، فإنك إن فقدت عملك اليوم ~~واجده غدا إن شاء الله. # ولكنه قال بنفس الصوت المتهدج المبحوح وكأنه لم يع شيئا مما قالت: قضي الأمر وخسرت ~~وظيفتي، وضاع الماضي والمستقبل. # فقالت المرأة وهي تعض على نواجذها دافعة دموعها: رشدي، لا تيأس ولا تحزن، وغدا تنكشف ~~الغمة بأمر الله ورحمته، فترد إلى وظيفتك أو إلى خير منها، والله لتبسمن بعد عبوس ~~وليصدقن قلبي. # ولكنه لم يكن يصغي إليها، وتاهت عيناه في آفاق مجهولة، فغابت أمه عن ناظريه، وراح ~~يقول وكأنه يحدث نفسه: ما أفظع المرض! .. حقا إن ألمه لشديد، وعذابه لمروع، يجعل ~~القوة عجزا، والشباب شيخوخة، والأمل قنوطا، يقعد الناهض، ويعطل العامل، ويقبح ~~الحبيب، أضاع مستقبلي، وأطفأ نوري، وأوهن عظامي، وأفقر يدي، اللهم اكفهم شر المرض .. ~~اللهم اكفهم شر المرض. # وانفلت زمام المرأة من بين يديها فأجهشت في البكاء، وقالت بصوتها الباكي: هلا رحمتني ~~يا رشدي! # فقال بحدة: الله لا يريد أن يرحمنا. # وبعد ظهر ذاك اليوم - وبعد عودة الوالد من مسجد الحسين وأحمد من الوزارة - حدث ~~الرجلان رشدي حديثا طويلا يهونان به من أثر ما وقع، ويؤملانه خيرا منه، حتى بدا في ~~النهاية أنه يعيرهما أذنا واعية ويتأسى بما يقولان، ورأى أحمد أن نفقات التداوي ~~ستضحى، بل أضحت بالفعل، أكثر مما تتحمله نقود الشاب التي انكمشت إلى ربع مرتب وستنقطع ~~بعد ms175 حين، وأنه لن يغني عنه ما عسى أن يعينه به من مرتبه المثقل، فقال له: رشدي، أنت ~~الآن خير حالا مما كنت في الماضي القريب، وأظنك تحتمل البقاء في المصحة، أفلا يحسن بك ~~أن تنتقل إليها لتظفر بجو وعناية لا يتوافران لك ها هنا؟ # فقال الشاب وقد اقشعر بدنه لتذكر المصحة وعهدها: ليس في طوقي الآن أن أعود إلى الدرجة ~~الثانية ، ومحال أن أرضى بالانتقال إلى عنابر الدرجة الثالثة. ~~- أليست عنابر الدرجة الثالثة بخير من حجرتك هذه هواء ودواء؟ # فهز رأسه الذي بدا كبيرا جدا بالنسبة إلى عنقه الرفيع وقال: الحياة هناك فظيعة، ~~وأحوال المرضى مخيفة، كفاك الله شر المرض. # فلم يزد أحمد كلمة واحدة، وعند المساء، وكان رشدي وأمه كعادتهما يراوحان بين الحديث ~~وبين سماع الراديو المترامي إليهما من المقاهي المحيطة، قدم المذيع طبيبه الذي كشف عليه ~~أول مرة إلى الجمهور «.. يلقي عليكم محاضرته الأولى عن السل.» فارتعشت أمه لسماع الاسم ~~الذي يقض مضجعها، أما رشدي فانتبه بعناية وأرهف أذنيه، ولم يكونا وحدهما اللذان يرهفان ~~أذنيهما في تلك الساعة، فالأب في حجرته رفع رأسه عن القرآن ومال برأسه نحو النافذة، ~~وغاب أحمد عن حديث الصحاب في الزهرة ليلقي بانتباهه كله إلى الراديو خافق الفؤاد، ~~وتكلم الدكتور عن تاريخ كشف ميكروب المرض، والأدوار التي يمر بها، ووصف كل دور ~~بإسهاب، ثم تكلم عن مسألة زواج الناجين من الداء، وما ينبغي أن ينتظره أصحاب كل دور ~~من أعوام، واقترح في النهاية أن تنشأ الحكومة للناجين من الدور الثالث قرى في صحراء ~~حلوان تكون بمثابة معازل يقضون فيها شطرا من أعمارهم أو العمر كله. أصغت الأسرة متفرقة ~~إلى المحاضرة، فأخفت الأم عينيها الدامعتين، وتنهد الأب وعاد إلى كتابه، أما أحمد ~~فبكى قلبه وهو يتظاهر بالسرور بما يقول المعلم نونو، ولازم رشدي الصمت، ومضى يستعيد ما ~~سمع، فغمرته فجأة ذكريات حياته، الشباب الطروب واللهو العابث والحب الساحر، وصور سريعة ~~متزاحمة من الوجوه والأماكن والربوع، فتآكل صدره حسرة، وهوى من ربوة الأمل إلى هاوية ms176 ~~القنوط، ونسي وجود أمه فهتف بائسا: «رباه إذا كانت مشيئتك قد قضت بأن ينتهي بهذا الداء ~~أجلي، فأسألك الرحمة بالتعجيل به.» وارتاعت أمه، ونظرت إليه بعتاب وهي تقول: ~~رشدي! # فنظر إليها مبتسما ابتسامة حزينة وقال بلهجة تهكمية: الغالب أنك لن تفرحي بعرسي كما ~~تودين! # ولما رآها تجهش في البكاء، غلبه التأثر، فوجم .. وقال بأسف: معذرة يا أماه .. لشد ~~ما أقسو عليك يا مسكينة. حرمت عليك النوم والطعام وسودت أيامك، وها أنا ذا أعذبك ~~بهذياني، فاللهم غفرانك. # 46 # واستيقظ في صباح اليوم الثاني أهدأ نفسا وأهدأ قلبا، ولما جاء أحمد عليه طلب إليه ~~أن يعيره القرآن، وأتى الرجل بالكتاب الشريف فتناوله الشاب بسرور، وسأله: أليس من ~~الحرام أن ألمسه ولما أستحم منذ أشهر؟! # فقال له مبتسما: عذرك مقبول عند الله. # ومضى يقرأ الكتاب، ولولا خوف السعال، لتلاه بصوته العذب. ووجد في القراءة لذة ~~وسلاما، واطمأن بذكر الله قلبه، ونسي به الحنين إلى الماضي السعيد، والحسرة على ما فات ~~منه، والندم على ما فرط منه فيه، بل نسي به التوجع الدائم لما صار إليه حاله، واليأس من ~~الشفاء الذي قبض قلبه منذ أمس، والخوف من النهاية التي تتخايل لعينيه، وفر أخيرا من ~~آلامه ومخاوفه لائذا بالاستسلام والتسليم والصبر والتوكل على الله، ووجد ارتياحا في ~~الإذعان المطمئن إلى إرادة الله وقضائه، ورأى تلك الإرادة الشاملة تحيط بماضيه ومستقبله ~~فاستسلم إليها آمنا مطمئنا كما يستسلم إلى صدر أمه إثر نوبة السعال، ومرت أيام وهو ~~هادئ رزين، صابر متصبر، باش مسالم، لا يثور ولا يغضب، لا يشكو ولا يتذمر، ولا يتمرد ولا ~~يسخر، وفي المرات القلائل التي أطلقت فيها زمارات الإنذار لم يفارق الشقة منهم أحد، ~~فكانوا يتحسسون طريقهم إلى حجرته في الظلماء، ويلتفون حوله بقلوب خافقة وأعصاب متوترة، ~~واطرد الزمان في هدوء حتى وقع حادث هام! كان مايو قد انتصف، والوقت أصيلا، والأب قد ~~انطلق كعادته إلى مسجد الحسين لصلاة المغرب، وجلس أحمد في حجرة الشاب يحادثه بوجود ~~والدتهما، فدق الجرس وفتح الباب واقتربت ms177 أقدام خفيفة، ثم دخلت الحجرة امرأتان: الست ~~أم توحيدة ونوال! وحدثت دهشة لاحت أماراتها في الأعين، وخفق قلب الشقيقين بعنف، لماذا ~~جاءت نوال بعد هذا الغياب الطويل؟! وإن ظهورها مرة أخرى خليق بأن ينكأ الجرح الذي أوشك ~~أن يندمل، ونهض أحمد وتنحى جانبا حتى ارتفق النافذة ورفع رشدي عينين أحاطت بهما ~~هالتان زرقاوان، ونطقت عيناه بالإنكار، ثم زايلته الدهشة وحل محلها امتعاض شديد فتنغص ~~عليه هدوءه البديع، وحدثته الست توحيدة بلهجتها المرحة، وأكدت له أنه يتحسن تحسنا ~~محسوسا، أما نوال فرنت إليه بعينين مروعتين وقد أفزعهما ما صار إليه من الهزال والضعف، ~~وغلبت على أمرها فلم تدر ماذا تقول، ولم تزد على أن قالت بصوت لا يكاد يسمع: «كيف ~~حالك؟!» ولم يرغب في الرد عليها فاكتفى بأن رفع ذقنه وسط راحتيه كأنه يقول لها: «كما ~~ترين!» ولم يعد يخفى على أحد أن الشاب تغير، وأنه اعتراه اضطراب واستياء، وأنه يعاني ~~ألما باطنيا حادا، وأرادت الست توحيدة بلباقتها أن تخفف من توتر الجو فراحت تتحدث ~~وتضحك وتستثير الضحك ما وسعتها الحيلة، ثم قالت: أبشر يا رشدي أفندي! رأيتك في الحلم ~~حاملا أثقالا عابرا بها قنطرة طويلة، فبلغت نهايتها بسلام، وتفسيره أنك ستبرأ عما ~~قريب إن شاء الله! # فقال رشدي بلهجة لم تخل من خشونة: فسر الدكتور قبلك هذا الحلم فأكد لي أني لن أفارق ~~فراشي قبل عام طويل! # فقالت المرأة بلهجة عتاب: سامحك الله يا رشدي أفندي، هكذا أنت متطير دائما .. ~~(وأومأت إلى ابنتها واستأنفت الكلام) هذه نوال جاءت لتراك وما منعها منك إلا انشغالها ~~بدروسها، ومرضها في الأيام الأخيرة، وستؤدي الامتحان في نهاية هذا الشهر! # فقال الشاب بلا تردد: نفس التاريخ الذي أفصل فيه من عملي. # فاصفر وجه نوال التي أدركت حقيقة غضبه، وبادرت المرأة تقول بامتعاض: بعد الشر .. بعد ~~الشر. كل شدة إلى انتهاء تسير. # ولكنه بسط راحتيه على صدره وقال بحدة: إلا هذه الشدة، فلا انتهاء لها حتى تقضي على ~~الحياة. ~~- مرضك يا رشدي أفندي ليس بالخطير، وستبرأ ms178 قريبا بإذن الله. # فهز منكبيه استهانة، وعاد يقول بحدة وراحتاه على صدره: أي مرض تعنين؟! .. ها هنا سل! ~~أما سمعت به؟! .. سل سل إنه يأكل صدري، ويسيل مع ريقي دما .. إنه مرض خطير فظيع، شديد ~~العدوي، فحذار. # واشتد به التأثر، وغلبه الانفعال، فضرعت إليه أمه أن يسكت، ورجت الضيفتين أن يصحباها ~~إلى حجرة الاستقبال معتذرة عن حدة الشاب بمرضه. ولما خلت الحجرة إلا من الشقيقين، قال ~~أحمد بحزن: ليتك لم تستسلم للغضب! # ولكنه قال له بانفعال شديد: والله ما تستحق إشفاقك يا أخي! إن الخيانة قبيحة، وهذه ~~الفتاة هي سبب الكارثة التي حلت بي كما تعلم يا أخي، لولاها لتداركت خطر المرض ودفعت ~~الأذى عن حياتي، ولكن تعلقي بها هيأ لي مداراة المرض حتى انتهيت إلى ما ترى. # واستوى جالسا وقال وما يزال منفعلا: لماذا خاطرت المرأة العجوز باصطحابها إلي؟ .. ~~المرأة الماكرة ترمي بنظرها إلى بعيد، فترى الشفاء محتملا كالموت، وتأخذ الحيطة لكل ~~احتمال، ولكني يا أخي لن أفكر في الزواج، وإذا كتب الله لي الشفاء فسوف أتعهد بنياني ~~المتهالك بالعناية الواجبة، فعلى أحسن الفروض لن يبقى من عمري إلا شيخوخة حقيقة ~~بالرعاية الحكيمة. أخي.. لي في المصرف مقدار من النقود كنت ادخرته لزواجي فسأسترده وأشد ~~الرحال إلى حلوان، وهناك أضع نفسي تحت رحمة المقادير حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ~~غدا اسحب لي النقود بنفسك، وابتع لي ثيابا ولوازم، وسأكون بالمصحة قبل نهاية هذا ~~الشهر، وعلى الله الجبر. # 47 # وفي ضحى اليوم الثاني - الجمعة - نفذ أحمد مشيئة أخيه، فاسترد وديعته من المصرف ~~وابتاع له بيجامتين وثيابا داخلية وبعض اللوازم الثانوية، وعاد إلى البيت ظهرا ~~مسرورا بما قر رأي المريض عليه من الانتقال إلى حلوان، ولما دخل حجرة الشاب رآه يدخن ~~سيجارة، فانزعج انزعاجا شديدا، وكان أقلع عن التدخين منذ ظهور المرض، فارتبك لمرأى ~~القادم، وابتسم ابتسامة ارتباك وخجل. وهتف به أحمد وقد نسي المشتريات الجديدة: من أعطاك ~~هذه السيجارة؟ .. ماذا تفعل بنفسك؟! # وألقى على أمه نظرة ملؤها الاتهام، فقالت ms179 المرأة تدافع عن نفسها: ألح علي يا أحمد ~~ولم ينفع اعتراضي، فما سكت حتى فاز بطلبته. # وقال رشدي دون أن يترك السيجارة: لا تؤاخذني يا أخي .. نازعتني نفسي إلى التدخين فجأة ~~فلم أستطع مقاومتها. # فقال أحمد بامتعاض شديد: ولكن هذا هو الجنون عينه! # فقال الشاب كالمعتذر: سيجارة واحدة لا تؤذي، لكم هي لذيذة! دعني آخذ أنفاسها في ~~طمأنينة. # ودخن سيجارته في سرور عجيب ، ثم قال: لا تغضب يا أخي فهي آخر سيجارة، والآن هات ما ~~عندك من الثياب الجديدة. # وبعد الغداء بقليل اعتراه إعياء شديد ولم يطمئن إلى الاضطجاع، فجلس في الفراش مادا ~~ساقيه مسندا ظهره إلى وسادة منكسرة، فبدا ساقاه كخطين، واشتد اصفرار وجهه وشابته زرقة ~~خفيفة، ولاحت عيناه متسعتين مكحلتين بهالتين سوداوين، وارتسمت على الحدقتين نظرة غريبة، ~~غير نظرة الحزن الأولى، كأنها ترمى إلى شيء بعيد لا تراه الأعين، وجاءه أحمد يجالسه ~~ساعة العصر قبل أن يمضي إلى قهوة الزهرة، فقال له رشدي: أذاهب إلى الزهرة؟! .. سلامي ~~إلى الصحاب. لكم يشوقني أن أسهر ليلة في السكاكيني بين إخواني. # فقال أحمد بتأثر: ستبرأ إن شاء الله وتعود إلى إخوانك ولياليك! # فقال الشاب بانكسار: هل يمكن أن أبرأ حقا؟! .. انظر إلى ساقي! هل تعودان مرة أخرى ~~إلى هيئة السيقان البشرية! ~~- وما يكون هذا في قدرة الله العظيمة؟ # فهز رأسه، ثم قال لأخيه بلهجة الناصح الأمين على غير مألوفه: ارع صحتك دائما بعين ~~اليقظة ولا تتهاون بها أبدا. # ثم أطرق لحظة قصيرة واستدرك قائلا وقد تغيرت نبرات صوته: المرض كالمرأة يلتهم الشباب ~~ويبدد الآمال. # وتساءل أحمد ما بال أخيه يتكلم هكذا؟ # ونظر إليه بانكسار، فاستدرك الآخر: وميكروبه يعمل في الخفاء حتى إذا تمكن من فريسته ~~قضى عليها. ~~- رشدي! ماذا تقول؟! ~~- أجلو لك الحق قبل الفراق، فعسى ألا أراك بعد اليوم. # فقال الرجل بانزعاج: كيف لا أراك يا رشدي؟ # فتنبه قليلا وقال وكأنما عاودته سخريته المرة: أليس من المحتمل أن يذهب صبرك فتعاف ~~المرض أو تنشغل بدروسك فتنساني في حلوان؟! # فهتف به ms180 أحمد متألما: سامحك الله .. سامحك الله! # فحدجه بنظرته الغربية الغائبة وسأله: لماذا لا يحرقون المرضى فيريحوهم ويستريحوا ~~منهم؟ # فصاح به الرجل: رشدي! كيف تتكلم! # فلزم الصمت لحظة قصيرة، ثم قال بأسف: لعن الله المرض، الله يكفيكم شر المرض! # وانزعج أحمد انزعاجا كبيرا، وعادت أمه بالقهوة فاحتسى قهوته في سكون؛ وخاف أن يعود ~~الشاب إلى كلامه المزعج، ولكنه لم ينبس بكلمة، فارتاح ارتياحا خفيفا ، وحسب أنه استرد ~~حالته الطبيعية، وجعل يسترق إليه النظر، فهاله تراخيه، لون وجهه، ومنظر ساقيه، وحدث ~~نفسه متحسرا: أهذا أنت يا رشدي؟! تبا للمرض! # وذهب الرجل إلى القهوة متأخرا عن موعده، وكان يجد فيها بعض الراحة لأعصابه المتوترة، ~~ونفسه المحزونة، فمكث بها حتى منتصف العاشرة، ثم عاد إلى البيت، ومر بحجرة أخيه، فوجده ~~قد تعاطى المنوم واضطجع في طلاب النوم، ولكنه لم يكن نام بعد فرد تحية القادم ~~قائلا: مساء الخير .. هل عدت؟ # فقال أحمد وهو يتفحصه بعينيه: أجل .. كيف حالك؟ ~~- الحمد لله .. كيف شاي الزهرة؟ ~~- كعهدك به. # فقال بصوت لم يكد يسمع: هنيئا! # وتركه لينام ومضى إلى حجرته، وخلع ملابسه، كان منقبض الصدر متوتر الأعصاب، وترامت إلى ~~أنفه رائحة نتنة فازداد صدره انقباضا وأعصابه توترا، ترى هل للهواجس التي تضطرب بها ~~أعماق النفس رائحة تشم؟! وحاول أن يغيب عن أفكاره ساعة بالقراءة. ثم نهض لينام، فلم ~~يغمض له جفن حتى مضت ساعة طويلة من الأفكار والوساوس، واستيقظ في الصباح الباكر على ~~حركة في البيت فتنبهت حواسه، ونظر في الساعة فوجدها الخامسة. فتساءل ما الذي أيقظهم في ~~هذا الوقت المبكر؟! وغادر الفراش، وانطلق إلى الخارج يساوره قلق وخوف، وقبل أن يخطو ~~خطوتين في الدهليز المفضي إلى حجرة رشدي انفتح باب الحجرة بقوة وبدت أمه على عتبته وقد ~~رفعت ذراعيها فوق رأسها كمن يستغيث، ثم هوت براحتها على خديها تلطمهما بعنف ~~وجنون. # 48 # وكان يوما فظيعا مروعا، سارت قافلته في هول من الألم والعذاب والشجن، وأن أحمد ~~ليذكره ساعة ساعة لأن ذكرياته السود حفرت في فؤاده كما حفرت ms181 في فؤادي الوالدين ~~البائسين، فساعة دخوله الحجرة سار متثاقلا بقلب كسير وعين مذعورة لما ينتظر أن تراه، ~~ومد بصره نحو الفراش فرأى رشدي راقدا وقد سجته أمه بالغطاء ووالده واقفا على كثب منه ~~دامع العينين منكس الرأس، فاقترب من الفراش وحسر طرف الغطاء فرآه كالنائم لم تتغير منه ~~هيئة ولا لون، وهل ترك المرض للموت شيئا يغيره؟! وانحنى عليه فلثم جبينه البارد ثم ~~أعاد الغطاء كما كان، واستسلم لبكاء غزير تجمعت أبخرته في قلبه يوما بعد يوم تنفثها ~~الآلام حتى تكاثفت في برودة الموت فسحت دمعا فياضا. # وموقفه في حانوت بالغورية: يبتاع كفنا، ويذكر ما ابتاع له بالأمس من ثياب الدنيا، ~~انتقى له أجمل الألوان لما عهده فيه من حب الأناقة، وجعل ينظر إلى يدي البائع، وهو يقيس ~~القماش ويقطعه ثم يلفه، بإنكار وذهول. # ثم ذهابه إلى مركز الصحة لاستخراج تصريح بالدفن، سأله موظف بعدم اكتراث: «اسم ~~المتوفى؟» فأجابه وهو يود ألا يسمع صوت نفسه: «رشدي عاكف» ثم قال لنفسه بذهول: «رشدي ~~عاكف مات! أفظع بها من حقيقة» وسأله بنفس اللهجة الباردة: «عمره؟» فأجابه: «ستة وعشرون ~~عاما» فسأله: «المرض؟» فسماه والغضب يضطرب في جوانحه، وهل ينسى ما فعل بالشاب المنكود؟ ~~هل يمكن أن ينسى منظر الساقين والعنق؟ لون البشرة؟ .. قسوة السعال؟ ثم تسلم الورقة التي ~~لا يمكن أن يغيب رشدي في باطن الأرض إلى الأبد إلا بها، ومضى شاكرا! وقد أحدث عدم ~~اكتراث الموظف والدكتور ثورة في صدره على وشائج الإنسانية جميعا، كيف يلقى الموت بعدم ~~اكتراث وهو أفظع حدث في الدنيا! هل يمر يوم دون أن يرى نعش محمولا على الأعناق؟! فكيف ~~يمرون به مر الكرام كأن الأمر لا يعنيهم؟! كيف لا يرى كل فرد نفسه محمولا على هذا ~~النعش؟! # ثم مرتزقة الموت، جاءوا تباعا يحملون أدوات الغسل والنعش، براقة أعينهم، قوية ~~سواعدهم، يكتمون وراء عبارات الرثاء المصطنع سرور التاجر بالربح المرتقب، فلم يروا في ~~جثمان رشدي العزيز إلا سلعة. # ثم النعش يتهادى على الأعناق في حلة الشباب ~~البيضاء، ms182 وملأ عينيه منه وهو يسير في انحرافه المعروف تتبادله الأيدي والمناكب، وضع ~~الطربوش عليه مستويا وكان صاحبه يميله إلى اليمين فيوشك أن يمس حاجبيه فعل المختال ~~بشبابه المدل بجماله، لله ما أوفى أصحابه، لقد بكوا حتى احمرت أعينهم، وبكي كمال خليل ~~أفندي، أما أحمد راشد فجمد وجهه ولم يبن، ولم يرتح أحمد لمنظره ولا لوجوده بين ~~المشيعين، كذلك تجنب النظر إلى المعلم نونو الذي أيقن أنه لا يمكن أن يشاركه عاطفة لما ~~طبع عليه من استهانة بالأحزان وابتسام للكروب، وسار الأب وراء النعش مباشرة في حزن حفظ ~~الإيمان عليه وقاره، وبلغ التأثر بأحمد منتهاه حين بلغت الجنازة طريق الجبل، الذي يعلم ~~من أمره ما يعلم، الطريق الذي شهد رشدي عاشقا صباحا بعد صباح، والذي جرى فيه الفتى ~~وراء هواه مستهينا بمرضه الخطير، فاشترى قلبه بصدره، ثم خسر الاثنين معا. رباه هل ~~يشهد الطريق على خيانة الرفيق؟ .. هل يفضي إليه بأن التي رأى الفتى المسكين ينتحر من ~~أجل حبها خافت عدواه ونبذته نبذ النواة؟! ثم بدت المقبرة في ثوب قشيب! فرشت أرضها ~~بالرمل، واصطفت عند مدخلها الكراسي، ودار بها السقاة، وفغر القبر فاه كأنه يتثاءب ضجرا ~~من المأساة المعادة، ووضع النعش على الأرض وكشف الغطاء، ورفع رشدي ملفوفا في الكفن ~~الذي اختاره له بنفسه، وأطبقت عليه الأيدي، وغابوا به في جوف الأرض، ثم صعدوا بعد قليل ~~من دونه، وبلا رحمة حثوا عليه التراب، فاختفى القبر في دقائق معدودات، واستوى بالأرض، ~~ونضحوا الماء عليه كأن غلته لم ترو بعد، وهكذا غاب عزيز وانتهت حياة! بين انتباهه ~~عين القبر وغمضتها بغيب حبيب إلى الأبد فلا تغني عنه الدموع ولا الحسرات، ورجعوا جميعا ~~وقلوبهم شتى، الحكمة التي أوجبت بالأمس أن يكون رشدي محبوبا توجب اليوم أن يصير ~~نسيا منسيا! البيت كئيب، والوالدان ذاهلان، وقد كوم رياش حجرة الراحل وأغلق بابها، ~~ولما أوى عند منتصف الليل إلى حجرته، انثالت عليه الفكر، حتى تنبه إلى شيء في الجو، ~~يا عجبا ما زالت الرائحة الكريهة تزكم أنفه ms183 .. رائحة الموت المخيفة! وفي صباح اليوم ~~الثاني وجد أنها ما تزال تنبعث في الجو، فتهيأ له أنها ربما كانت متصاعدة من الممر ~~المفضي إلى خان الخليلي القديم، ففتح النافذة ونظر منها، فرأى على الطوار كلبا ميتا ~~وقد انتفخ بطنه وتشنجت أطرافه، فصار كالقربة، وأكب عليه الذباب وأدام النظر قليلا، ثم ~~تحول عن النافذة بفؤاد مكلوم وقد امتلأت عيناه بالدموع. # ثم كانت أيام قاسية مرة . أما عاكف أفندي الأب فقد راح يداوي بالإيمان جرحا داميا، ~~وأما الأم فقد ذهلت في حزنها عن كل شيء حتى الإيمان، بل قالت تخاطب ربها في وقدة الألم: ~~«ما ضر دنياك لو تركت لي ابني!» ثم قالت لزوجها بحدة: «هذا حي شؤم، جئته على كره مني ~~وما أحببته قط، وفيه مرض ابني وفيه قضى، فدعنا نهجره بغير أسف!» ثم انثنت إلى أحمد ~~قائلة: «إذا أردت أن ترحم أمك حقا فابحث لنا عن مقام جديد.» كرهت الحي وأهله جميعا، ~~وضاق أحمد به صدرا كذلك، ولكن كيف السبيل إلى سكن جديد والقاهرة قد ناءت بسكانها! ولم ~~يأل جهدا فوصى زملاءه جميعا بالبحث عن سكن في أي موقع من القاهرة، بل جعل يروض ~~حزنه الأليم بالاضطراب في الشوارع القريبة والبعيدة بحجة البحث عن مسكن خال، وقد لاحظ ~~المعلم نونو سهومه وكآبته فأكثر من ممازحته وجذبه إلى أحاديثهم، حتى دعاه مرة إلى بيت ~~الست عليات، ولكن الكهل أبي وظل مغبر الجبين. # 49 # وتلا وقت حافل بالأحداث الحربية الهائلة، فانسحب الجيش الثامن من جسر الفرسان، وفي ~~النصف الثاني من يونيو سقطت طبرق في يد الألمان، وتهامس الناس بخطر الغزو، وتناول ~~الصحاب، في الزهرة، الأخبار بتعليقاتهم المعتادة، فقال سيد عارف بسرور: لن يقف زحف رومل ~~هذه المرة. # فسأله الأستاذ أحمد راشد بلهجة المتهكم: يا من تحبون الألمان، هل تحسبون أنهم إذا ~~دخلوا مصر يدخلون بسلام، أو أن دون ذلك حربا ضروسا تقتلع كل قائم؟! # فأجابه المعلم زفتة باستهانة: وماذا لنا في البلد مما يخاف عليه؟! فليحزن السادة ~~الذين لا يعرفون أن الدنيا ms184 فانية! # وقال المعلم نونو: لا أملك إلا روحي وأرواح أبنائي وهي جميعا ملك الله تعالى ولا ~~سبيل لرومل عليها إلا بأمره، وقد وقت لها آجالها قبل أن يخلق رومل بملايين ~~السنين. # ثم ضحك نونو ضحكته المجلجلة واستدرك قائلا: نذرت إلى الله، لو جاء رومل وأنا على قيد ~~الحياة، لأدعونه إلى سهرة ببيت الست عليات، ليشهد أن المدفع المصري فوق المدفع ~~الألماني. # وجعل أحمد ينقل إلى والديه ما يقوله الناس، ويحدثهما بأخطار الغزو وما يتوقعه ~~الكثيرون من اشتداد الغارات الجوية، وكأنما أراد أن يلهيهما عن حزنهما ولو بإثارة ~~خوفهما! # وعاد أحمد ذات مساء إلى البيت، وكان انقضى على وفاة رشدي أربعة أسابيع فوجد أمه ~~بانتظاره، وبادرته قائلة: زارتني نوال بعد عصر اليوم! # وخفق قلبه لذكر الاسم، وأمسكت يداه عن فك رباط الرقبة، وسألها مندهشا: ولماذا ~~جاءت؟ # فقالت الأم: قابلتني في ارتباك شديد، وما إن التقت عينانا حتى انتحبت باكية، وقالت لي ~~بصوت متقطع ونبرات مختنقة: «أنا أعلم بسخطك علي، بل بسخطكم علي، ولكم العذر، ولكني ~~مظلومة والله يا تيزة، منعوني من زيارته، وحالوا بيني وبين رؤيته، وفرضوا علي رقابة ~~شديدة، وأبوا أن يصغوا إلى توسلاتي أو يرحموا دموعي، وما كنت لأفعل هذا بنفسي أبدا، ~~ومع ذلك لم أذعن ولم آيس حتى اضطرت أمي تحت ضغطي الشديد أن تصحبني معها في غياب أبي، ~~فجئنا معا ذاك اليوم الذي لا أنساه ولن أنساه ما امتد بي عمر، آه يا تيزة، ألقى علي ~~يومئذ نظرة واحدة، تنطق بالاحتقار والزراية، فقطعت قلبي المكلوم البريء، أدركت أنه ناقم ~~علي، كاره لي، لكم تألمت، ولكم أتألم .. ولكنه سيعلم الحقيقة يوما ما، ويعلم ~~أني ما بغيت عليه ولا خنت عهده!» # أصغى أحمد إليها بفؤاد خافق وصدر هائج جياش، ثم سألها: أتقول الحق يا ترى؟ # فتفكرت المرأة قليلا ثم قالت على مهل: سمعتها تتكلم بإخلاص، ولا أدري لماذا تحمل ~~نفسها عناء الكذب بعد أن انتهى كل شيء، فيغلب على ظني أنها صادقة، بيد أن مقتي تضاعف ~~لأهلها الدون. # وخلع ms185 الرجل ملابسه متفكرا، وقد مال إلى تصديق الفتاة كأمه؛ وارتاح لذلك، ولكن وا ~~أسفاه قضى رشدي نحبه يائسا من حبه يأسه من الشفاء! فيا لهما من حبيبين تعيسين الميت ~~منهما والحي! وأهاجته الذكريات فاستثارت أحزانه ومضى يقول لنفسه: «اللهم غفرانك، ألم ~~يكن الأوفق أن تختارني وتعفو عن أخي؟ فحياتي لا تستحق الوجود، وحياته الناجحة كانت ~~أهلا للدوام، اللهم غفرانك!» وأحس في تلك اللحظة داعيا باطنيا يدعوه إلى ارتياد ~~حجرة الفقيد المغلقة، وكانت نفسه نازعته إلى ذلك مرات ثم يعدل إشفاقا، أما هذه المرة ~~فلم يستطع أن يغفل عن نداء الداعي، وهزه الشوق والحزن، وما عتم أن مضى إليها والسكون ~~شامل وقد أخلد والده إلى النوم، ولما اقترب من بابها انقبض صدره وفاض به الحزن ثم أدار ~~الأكرة، وعبر مدخلها متثاقلا، وأضاء المصباح الكهربائي وألقى على الحجرة المهجورة نظرة ~~شاردة، وقد ملأت رائحة التراب أنفه، فرأى كوما من الأثاث ومكتبا تراكم عليه الغبار ~~فأحاله، وكل شيء يدل على الوداع. رباه لماذا ولج هذه الحجرة وما جفت دموعه بعد؟! ~~وأجال عينيه بها في حزن بالغ، فجذبهما درج المكتب الأوسط، فذكر أن هذا الدرج يحوي ~~مذكرات رشدي و«ألبوم» صوره! وأملى عليه قلبه أن يحتفظ بهما في حجرته ما دام الأثاث عرضة ~~للبيع اليوم أو غدا، ففتح الدرج واستخرج كراسة المذكرات والألبوم، ونفخ عنهما الغبار، ~~ثم ألقى على الحجرة نظرة وداع وغادرها كأنما ما جاء إلا ليأخذ الألبوم والمذكرات. ~~ووضعهما على مكتبه، وطفق يديم النظر إليهما باهتمام وحزن، وفتح الألبوم عن أولى صحائفه، ~~فرأى صورة كبيرة لرشدي تمثله واقفا ويداه في جيبي بنطلونه، ما أجمله وما أنضره! .. ~~وسرعان ما طرقت ذاكرته صورة الكلب الميت الذي كدر جوه يومين كاملين! فتآكلت نفسه ~~حسرات! ولم يمض في استعراض الصحائف احتراما لأسرارها، وتناول كراسة المذكرات دون أن ~~تحدثه نفسه بالتطفل على مكنونها، بيد أنه لم يقاوم رغبة في فر صفحاتها الأخيرة، فجرى ~~بصره على بعض رءوس النبذ التي تكون خاتمة المذكرات .. فقرأ: «حب جديد» «طريق الجبل» .. ~~«حديث ms186 غرام» .. «آمالنا» حتى مر بصره بهذا العنوان «القبلة القاتلة!» فخفق فؤاده بعنف ~~شديد، ما معنى هذا العنوان؟! ألم يردده في بعض هواجس حزنه يوما؟! وكان مؤرخا في 12 ~~يناير 1942 أي أول عهده بالمرض، فلم تكن ثمة قوة تستطيع أن تعدل به عن قراءته، فقرأ ~~وصدره يضطرب ويجيش بالعاطفة: # الاثنين 12 من يناير سنة 1942: ~~«رباه! أنا من اليوم وحتى يشاء الله شخص غريب، في صدره أذى للناس ، أنفاسه ~~تهدد العباد، برج متداع من الميكروبات الفتاكة، لعبت لعبة خطيرة كيلا تضيع ~~نوال من يدي، اللقاء مبذول، ولكن حذار، نوال محرمة عليك، محال لمسها! قبلتها ~~التي كانت شفاء للنفس حرام حرام، لشد ما تنكرني وتعجب لشأني ولعلها تساءل نفسها ~~ما له لا ينتهز فرصة خلو الطريق كما كان يفعل؟ هل شبع من شفتي؟ أترى فتر ~~حبه؟ .. كلا يا حبيبتي لم يشبع من شفتيك ولا فتر حبه، ولكنه يخاف عليك، ويصون ~~فاك من الهلاك المبين، ليس الذنب ذنبي، فقلبي كعهدك به ولكن دونه صدرا عشش فيه ~~عدو شرير أخافه عليك وأعيذك منه ...» # أغلق أحمد الكراسة، وجعل يذرع الحجرة وكأنه يترنح من شدة الصدمة، ثم ارتمى على الفراش ~~وهو يصك جبينه براحته ويهتف: «رباه، لكم ظلمته .. ولكم اتهمته بالباطل!» وأحس كما ~~لو أن منشارا ينشر قلبه فأن أنينا موجعا! # 50 # وتصرمت الأيام الباقية من يونيو، وجاء يوليو بقيظه الفائر. # وظلت الكآبة ناشرة رداءها على البيت الثاكل، ولم تفتر همة أحمد عاكف في التنقيب عن ~~مسكن جديد، رحمة بوالدته، ولأنه هو أيضا، ضاق بالحي صدرا، وقد خلفت الصدمة في ~~أعصابه الرقيقة آثارا عميقة، فعاوده بعض أرقه القديم، وتلبسته حال من القلق النفسي ~~بات معها سريع الانفعال، سريع التأثر، كثير المخاوف مستسلما للحزن. وألقت في صدره ~~الجياش أحزان الماضي والحاضر، وتوجس خيفة مما يخبئه المستقبل ومما عسى أن يلده من ~~الأحزان والآلام، وقال لنفسه، وهو يذكر والديه: إن سعادتنا بأحبائنا اليوم مرتهنة ~~بالدموع التي نسكبها على فراقهم غدا، وطفق يردد بيت أبي العلاء: # ومن لم تبيته ms187 الخطوب فإنه # سيصبحه من حادث الدهر صابح # فلم تكن أعصابه مما يعين على تحمل غير الدهر وآلام ~~الحياة، وأوشك أن يقع فريسة لمرضه القديم، ولذلك صدقت رغبته في هجر الحي. وفي ذلك الوقت ~~كثر إطلاق صفارات الإنذار ليلا ونهارا، ولكن لم تضرب المدينة كما حدث في سبتمبر، ثم ~~تحرجت الحالة الحربية بتوالي تقدم قوات المحور، فعبرت الحدود المصرية، وتوغلت فيها، ~~حتى جاوزت مرسى مطروح التي كانت تعد أهم خط دفاعي عن مصر، ثم استولت على فوكة والضبعة، ~~وبلغ التحرج منتهاه بتقدم القوات المعادية إلى العلمين! .. تخايلت الإسكندرية لأعين ~~الغزاة وتهامس الناس بأن الضرورات الحربية تنذر بتحويل الوطن إلى خرائب تنعق فيها ~~البوم، ومستنقعات يرعاها البعوض. # وفي مساء اليوم الذي بلغت فيه قوات المحور العلمين اجتمع الصحاب بقهوة الزهرة ~~كعادتهم، فتلاقوا بالبشر والسرور، وملئوا الجو برنين ضحكاتهم، لم يفكر أحد منهم في ~~الهجرة أو تخزين بعض المواد الغذائية، ولا شغل أحد نفسه بتقدير الحالة التي تنشأ عن ~~الغزو والحرب في المدن، أو كانوا يتمثلون هذه الحالة مازحين ضاحكين كأن الأمر لا ~~يعنيهم، ولسان حالهم يقول: «الأمر لله وليحدث لنا ما يحدث للناس جميعا!» ولم يختلف أحمد ~~عاكف عنهم في شيء، بيد أنه وجد في الاجتماع بهم - ذلك اليوم - لذة مضاعفة، كأنه وجد في ~~مجتمعهم الصغير ملاذا من القلق العام الذي أخذ يساور النفوس، لم يخل قلبه من خوف وقلق ~~ولم يخل من سرور، كان يفكر فيما يحتمل أن يحدث فينقبض صدره، تتمثل له تلك الحالة ~~التي يختلط فيها الحابل بالنابل وتمحي التبعات وتنهار القيم فيجد في أعماقه شعورا ~~بلذة خفية تعكسها أعصابه المتوترة، كأن ذاك الغزو المرتقب سيبيد فيما يبيد أحزانه ~~وآلامه، وسيمحو فيما يمحو من آثار الماضي آثار ماضيه. # قال سيد عارف بلهجة المتثبت مما يقول: اسمعوا آخر الأخبار .. قسم رومل جيشه جناحين، ~~وجه الأول نحو الإسكندرية وهبط بالثاني صوب الفيوم. # وقال أحمد راشد: سمعت أن الإسكندرية تضرب بالقنابل من الجو ومن البر حتى هجرها أهلوها ~~إلى دمنهور. ~~- هل انتهى ms188 الإنجليز حقا؟ ~~- إنهم يحرقون أوراقهم ويرحلون نساءهم! ~~- متى يبلغ الألمان القاهرة؟ ~~- غدا أو بعد غد. ~~- إلا إذا ساروا بجيشهم المظفر شرقا إلى السويس. ~~- سمعت من ثقة أن جنود الباراشوت يهبطون جماعات في الحقول. # وتساءل المعلم نونو: ما عسى أن يفعل أحدكم لو هبط عليه جندي من أولئك الجنود وأمره أن ~~يدله على موقع حربي؟! # فأجاب سيد عارف فورا: أمضي به إلى شقة سليمان بك عتة وأقول له: «هاك السفير ~~البريطاني!» # فهتف به سليمان عتة محنقا: أولى بك أن تستوهبه بعض الأقراص اللازمة لمرضك! # وقال المعلم زفتة: أما أنا فأسوقه إلى شقة عباس شفة وأريه أضخم «طابية» في ~~مصر. # فقال أحمد عاكف داهشا: أليس لهذا المزاح من نهاية؟ ألا تعلمون بأننا مهددون بهجر ~~ديارنا وربما قذفوا بنا إلى بعض القرى القذرة. # فصاح نونو: ما أحلاها عيشة الفلاح! # فسال أحمد راشد: ألا تخافون الموت؟! # فقال المعلم زفتة: أعطني عمرا وارمني على رومل! # وقال المعلم نونو باهتمام مصطنع: الحق فيما قال أحمد أفندي؛ الألمان شياطين، وهم إذا ~~هجموا على بلد انتشروا في كل مكان، وتخفوا في كل زي، فلا يبعد أن ترى غدا ألمانا ~~معممين أو في ملاءات لف ... والله إني أخاف أن أفتح الصنبور لأتوضأ فيخرج لي مع الماء ~~غواص ألماني. # وبغتة أطلقت صفارات الإنذار! # كانت الساعة السابعة مساء، فهبوا جميعا قائمين واختفت البسمات من وجوههم، وهرعوا ~~إلى طريق المخبأ، وخاف كثيرون أن تحدث غارة عنيفة مدمرة كالتي تسبق الهجوم، وذكروا ~~الإسكندرية والسويس وبورسعيد، بل ذكروا وارسو وروتردام! وبعد دقائق قلائل عج المخبأ ~~باللاجئين، وجلس أحمد مع والديه وقد شمل الجميع قلق وخوف وكأن الأم قد كبر عليها ذاك ~~الحرص على الحياة منها فدمعت عيناها، ومر ثلث ساعة في ذعر واضطراب وانتظار هو التعذيب ~~عينه، ثم انطلقت صفارة الأمان! ودهش الناس، ثم لاح في أعينهم السرور والارتياح، وهتف ~~بعضهم: «استكشاف .. استكشاف!» وهتف آخرون: «اقتربت الطيارة من حدود منطقة القاهرة ثم ~~عادت وغيرت اتجاهها!» وتحرك التيار صوب باب المخبأ، وخرج مع الخارجين، وعلى ms189 بعد قريب ~~من مدخل المخبأ رأى نوال متأبطة ذراع شقيقها الصغير محمد! والاثنان يضحكان ويوسعان ~~الخطى نحو العمارة! خفق قلبه لمرآها كما تعود أن يخفق لمرآها أو لذكراها، وظل هنيهة ~~يتبعها مقلتيه حتى غيبها المنعطف، ثم انقبض صدره ورانت عليه كآبة، وأحنقه ضحكها ~~وأغضبه فكأنه فاجأها متلبسة بجريمة نكراء! وبلغ منه التأثر مبلغا لم يستطع معه العودة ~~إلى القهوة قبل أن يروح عن نفسه قليلا بالمشي، فمضى إلى شارع الأزهر على مهل، وأخذت ~~نفسه تسكن وتهدأ، حتى عاودته حالته العادية بأسرع مما كان ينتظر، بل أنحى على نفسه ~~باللائمة لغضبه، وأنكره. ما الذي أوجب غضبه؟! ماذا أثار ثائرته؟! أوضحكها؟! يا عجبا! ~~وهل حسب أنها تظل باكية إلى الأبد؟! ألم يضحك هو مرات سواء في الوزارة أم في القهوة؟! ~~.. ألم يجر الابتسام على شفتي أمه نفسها في بعض الأحيان؟! فلماذا لا تضحك نوال؟ وماذا ~~يغضب من ضحكها؟! حقا إنه النسيان، ذاك الدواء المر الذي يعقب العزاء ويستوجب الحسرة. ~~العزاء عن آلامنا والحسرة على أنفسنا. نقول نسينا والحمد لله وهي سنة الحياة، فيهتف ~~بنا هاتف: ولسوف تنسون وا أسفاه وهي سنة الحياة! وتنهد من الأعماق، ثم خطر له خاطر ~~ليس بالجديد عليه، ولكنه كان يروغ منه، يشفق من مواجهته، بيد أنه قال لنفسه هذه المرة: ~~«حتام أهرب وأتجاهل! ألا يخلق بي أن أواجه الحقيقة وأمعن النظر! أما زلت أحب نوال؟ ~~لماذا يخفق فؤادي لمرآها ولذكراها؟» # وتفكر مليا - وهو آخذ في مشية المتمهل - ثم حدث نفسه مرة أخرى وقد تورد وجهه ~~الشاحب خجلا كأنما اطلع على سره الناس جميعا: «حب، فوقه غضب. فوقه حزن، فوقه ذكرى ~~مروعة. فلكي أخلص إلى هذا الحب ينبغي أن أدوس كرامتي وذكرى أخي وهو المحال .. بيني وبين ~~الحب أخي وكبريائي، والحياة أهون من أن أمتهن في سبيلها هذين العزيزين!» كل هذا حق فهو ~~يحب نوال، ولم يزايله حبها أبدا وإن حجبته الآلام كثيرا، ولكن محال أن يعترف لهذا ~~الحب بغاية، فدون ذلك ما هو أقوى من الحب نفسه، ms190 ولكن حتام يمكث على كثب من النار وهو ~~محموم؟! # 51 # وفي أواخر أغسطس اهتدى أحمد عاكف إلى شقة خالية بضاحية الزيتون، في بيت يملكه موظف ~~بإدارة الحسابات بالأشغال ممن كانوا يعلمون برغبته الملحة في الانتقال، وكان يسكنها ~~موظف اضطر إلى فسخ عقدها لنقله إلى إحدى البلدان، فدعا صاحب البيت أحمد وحدثه بشأنها ~~وتم الاتفاق بينهما سريعا على أن يتم الانتقال في أول سبتمبر موعد إخلائها، وسرت ~~الأسرة بقرب الرحيل عن خان الخليلي وذكرياته السود، على رغم أنها ترحل عنه مهيضة ~~الجناح، وقد ألم بالأب ضغط دم نغص عليه عزلته، ونال الحزن من الأم فأصابها بالهزال ~~وأغاض مرحها وألبسها ثوب الكبر، بيد أن أحمد - على حزنه - رأى في الأفق نجوما تخفق. ~~تحدثوا في تلك الأيام عن إنصاف المنسيين من الموظفين، وباتت الدرجة السابعة قريبة ~~المنال، وكان دائما يستهين بالوظيفة والموظفين، ولكنه سر في باطنه بالترقية ~~المنتظرة، وسره أيضا أنه سيصير رئيسا على أربعة غير ساعي بريد الوارد، ونوى صادقا أن ~~يجعل من عهد «رئاسته» فتحا جديدا في حياة الإدارة الحكومية يضرب فيه المثل الأعلى ~~للرئيس «العالم الحكيم»! ثم من يدري بعد ذلك بما يخبئه الغيب؟ فأمامه في الحكومة خدمة ~~طويلة تناهز العشرين عاما، وعسى أن يرقى درجات أخرى؟ وعسى أن تحسن الحكومة الاختيار ~~ولو أخيرا! وليس هذا كل شيء، فقد حدث أن اصطحب أمه إلى المسكن الجديد ليعايناه، وهنالك ~~دعاهما صاحب البيت إلى شقته فاحتسى معه القهوة في حجرة الاستقبال، ودعيت والدته إلى ~~حريم الرجل، وعند عودتهما معا أثنت أمه على زوج صاحبه وشقيقته، وقالت عن الأخيرة: إنها ~~أرملة في الخامسة والثلاثين على أدب وجمال. ونشط خياله! أرملة في الخامسة والثلاثين، ~~على أدب وجمال يحويهما بيت واحد، وهو أعزب في الأربعين، وزميل شقيقها، ولا فارق في السن ~~من ناحيته ينفر، ولا شباب غض من ناحيتها تتيه به عليه. والظاهر أن الحياة لا تريح من ~~الأمل، هل يعلم الغيب كله إلا الله؟ بيد أن هذه الأحلام لا تتفق ورباط رقبته الأسود! ~~رباه، ms191 ما لأحلامه تحلق في غير حياء؟ ولا يبعد في تلك اللحظة أن تكون نوال تسترق النظر ~~إلى أحمد راشد مثلا، وهكذا تسير قافلة الأحياء لا تلوي على شيء كأنها لم تفقد بالأمس ~~القريب من كان يحل منها بالمكان المرموق. حياة صماء قاسية كالتراب، ولكنها تنبت الأمل ~~كما ينبت التراب الزهرة اليانعة. حزن أحمد حزنا شديدا، ولكن لم يكن من الأمل ~~مفر. # وأخذوا للرحيل أهبتهم، فلفت الأبسطة، وفكت الدواليب والأسرة ، وجمعت الأواني ~~والكتب وقطع الأثاث، واعتزم السير غدا. # وعند عصر ذلك اليوم وفدت نسوة العمارة لتودع الأسرة الراحلة، وكان أحمد لا يزال في ~~حجرته، وجاء فيمن جاء منهن الست توحيدة ونوال، وجلسن جميعا في الصالة الخارجية لأنها ~~المكان الوحيد في البيت الذي كان صالحا للجلوس وقتذاك، ولبثت الست توحيدة ونوال بعد ~~انصراف الزائرات. وجاء موعد ذهاب أحمد إلى القهوة ليودع صحابه، فلم يجد بدا من ~~المرور أمام الزائرتين، ولكن السيدة نهضت قائمة عند ظهوره ومدت له يدها وهي تقول: كيف ~~أنت يا أحمد أفندي؟ # فسلم عليها في ارتباكه المعهود وهو يقول بصوت خفيض: الحمد لله يا سيدتي، شكرا ~~لك. # ونهضت نوال لنهوض أمها، فتحول إليها مادا يده كذلك، والتقت يداهما لأول مرة، فسرت ~~في بدنه رعشة، فلم ينبس بكلمة، ولم يرفع عينيه. # وقالت السيدة: ما زلت أعتذر لوالدتك عن سلوكنا، ولعلك تقيم لنا العذر يا أحمد أفندي، ~~ووالله كان المرحوم عزيزا علينا أثيرا لدينا وربنا يعلم. # فقال الرجل المرتبك المضطرب: كلنا نقيم لكم العذر، وللضرورة أحكام يا سيدتي. # ودارت المرأة بلباقة حول الموضوع، وشكرت أحمد لأدبه وحسن تقديره للأمور. ثم استأذن ~~الرجل في الانصراف وسلم على السيدة ومد يده لنوال مرة أخرى، وفي هذه المرة، واليدان ~~مجتمعتان، خطف من وجهها نظرة بعينيه الخجولتين، ثم اتجه نحو الباب، كانت أول مرة تلتقي ~~العينان عن قرب، ولم يكن نظر فيهما منذ مداعبات النافذة والشرفة على عهد الأمل الأول، ~~فخال أنه طالع فيهما ما كان يطالع من صفاء وحنان وتطلع، فدق قلبه وهو يحث ms192 خطاه وطرفت ~~عيناه في هياج عصبي. ربما كان موقف الوداع هو المسئول وحده عن كل ذلك، فالوداع يستثير ~~حتى عطف أولئك الذين لا يعطفون في غيره من المواقف، وهكذا اعتذر لضميره، بسيكولوجية ~~الوداع هذه، عن انفعاله وتأثره وخطفه النظرة، خاصة حين خطرت على فؤاده ذكرى رشدي ~~ولاحت لعينيه صورته المحبوبة وكأنها تبسم إليه في عتاب، وراح يحادثها بلهجة حزينة ~~مؤثرة: «معذرة يا رشدي، إنه الوداع وأنت أعلم بالوداع، وإنه الألم وأنت أخبر بالألم، ~~ولن تجد مني بعد الآن ما يستحق عتابك.» وبلغ قهوة الزهرة، والله وحده يعلم متى يتاح له ~~أن يغشى قهوة مرة أخرى، واستقبله الصحاب استقبالا حافلا يليق باللقاء الأخير، وأمسكوا ~~عما كانوا آخذين فيه من أسباب الحديث ليفرغوا لوداع الجار العزيز، وقال له المعلم ~~نونو متسائلا: أتنسانا يا ترى؟ # فقال أحمد وهو لا يدري إن كان يصدق في قوله أم يكذب: معاذ الله يا معلم. # وقال المعلم زفتة: ولكن الزيتون هذه بلدة بعيدة لا يبلغها طالبها إلا بالقطار! # فقال أحمد مبتسما: ما كان لقطار أن يمنع صاحبا عن صحبه. # ثم قال عباس شفة وهو يرفع حاجبيه كمن يتذكر أمرا هاما: أنا أعرف الزيتون كما أعرف ~~خان الخليلي. مضى زمن كنت أسافر إليها مرة على الأقل في كل أسبوع فأرجع بأحسن أنواع ~~الحشيش. # فابتسم أحمد متسائلا: فهل أرجو أن أراك كثيرا؟ # فقال عباس شفة بلهجة دلت على الأسف الشديد: تلك أيام خلت، لقد زجوا بالتاجر في السجن ~~ومات فيه. # وأعربوا جميعا عن أسفهم لفراقه، وأثنوا على أسرته أجمل الثناء وترحموا على فقيدها، ~~حتى سليمان عتة نفسه قال كلمة طيبة. وفاض قلب أحمد بمودتهم في تلك الساعة، سواء من يحبه ~~منهم كالمعلم نونو أم من يمقته كالأستاذ أحمد راشد، وعجب لقلبه الذي يأسف على ترك أي ~~شيء - وإن طال برمه به - ساعة الوداع، ثم عاودوا حديث الحرب كعادتهم، وذكروا توقف ~~الهجوم الألماني عند العلمين. # وكان من رأى أحمد راشد أن المحور خسر موقعة مصر، أما سيد عارف فقال بلهجة ms193 اليقين: إن ~~هتلر أمر رومل بالتوقف ليجنب مصر - قلب الإسلام النابض - ويلات الغزو، وإنه لولا رحمة ~~الفوهرر لكان الألمان في القاهرة منذ شهر، ولبث بينهم مستمتعا بسمرهم ومزاحهم حتى ~~انتصفت العاشرة فودعهم الوداع الأخير، وسلم عليهم واحدا واحدا، وتقبل تحياتهم ~~شاكرا، ثم قفل إلى البيت. # وفتح النافذة وأطل على الحي. كان البدر - بدر نصف شعبان - يتألق نوره السني في سماء ~~أغسطس الصافية، والنجوم من حوله تزهر باسمات في إشفاق كأنما يرثى لإدلاله بشبابه الذي ~~علمت منذ الأزل أنه لا يدوم. وقد اكتسى الحي بغلالة فضية بددت وحشة الليل، وأضفت على ~~الأركان والممرات سحرا. # الليلة نصف شعبان، ودعاء شعبان يتصاعد من النوافذ القريبة، وذاك صوت غلام يهتف بصوته ~~الرفيع: «اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه يا ذا الجلال والإكرام» والأسرة تردد الدعاء ~~وراءه. بينهم صامت وحده! وتساءل عما عسى أن يتوجه به من دعاء إلى ربه؟ .. وتفكر ~~مليا، ثم رفع رأسه إلى البدر المنير، وبسط راحتيه، وغمغم بخشوع: «اللهم يا خالق ~~الخلق، ومدبر كل شيء، تغمده برحمتك الواسعة، وأسكنه فسيح جناتك، وألهم والديه ~~الحزينين الصبر والسلوان، وأنزل على قلبي السكينة والسلام، واكتب لي فيما يستقبل من ~~الأيام عزاء عما سلف (وهنا وضع يده على قلبه) فلشد ما تحمل هذا القلب من ألم، ولشد ما ~~تجرع من خيبة!» # هل يذكر يوم أقبل على هذا الحي وفي النفس شوق إلى التغيير؟ لقد حدث التغيير وأحدث ~~دمعا وحسرة! وها هو ذا رمضان مقبل فيا للذكرى، أيذكر كيف استقبل رمضان الماضي؟ أيذكر ~~موقفه من النافذة الأخرى في انتظار أذان المغرب وكيف رفع البصر فرأى؟! # وجرى أمام ناظريه التاريخ الذي كتبته الليالي متتابعات حتى هذه الليلة بمداد الأمل ~~والحب والألم والحزن. # وهذه الليلة الأخيرة. وغدا يبيت في دار جديدة، في حي جديد، موليا الماضي ~~ظهره. # الماضي بما أحدث من أمل وما خيب من رجاء .. فالوداع يا خان الخليلي! ms194