######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Maraya.Hindawi69730604 #META# Tags: novels #META# ID: 69730604 #META# Title: المرايا #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إبراهيم عقل‏ # أحمد قدري‏ # أماني محمد‏ # أنور الحلواني‏ # بدر الزيادي‏ # بلال عبده البسيوني‏ # ثريا رأفت‏ # جاد أبو العلا‏ # جعفر خليل‏ # حنان مصطفى‏ # خليل زكي‏ # درية سالم‏ # رضا حمادة‏ # زهران حسونة‏ # زهير كامل‏ # سابا رمزي‏ # سالم جبر‏ # سرور عبد الباقي‏ # سعاد وهبي‏ # سيد شعير‏ # شرارة النحال‏ # شعراوي الفحام‏ # صادق عبد الحميد‏ # صبري جاد‏ # صفاء الكاتب‏ # صقر المنوفي‏ # صبرية الحشمة‏ # طنطاوي إسماعيل‏ # طه عنان‏ # عباس فوزي‏ # عدلي المؤذن‏ # عبد الرحمن شعبان‏ # عبد الوهاب إسماعيل‏ # عبدة سليمان‏ # عجلان ثابت‏ # عدلي بركات‏ # عزمي شاكر‏ # عزيزة عبده‏ # عشماوي جلال‏ # عصام الحملاوي‏ # عيد منصور‏ # غانم حافظ‏ # فايزة نصار‏ # فتحي أنيس‏ # قدري رزق‏ # كامل رمزي‏ # كاميليا زهران‏ # ماهر عبد الكريم‏ # محمود درويش‏ # مجيدة عبد الرازق‏ # ناجي مرقص‏ # نادر برهان‏ # هجار المنياوي‏ # وداد رشدي‏ # يسرية بشير‏ # إبراهيم عقل‏ # أحمد قدري‏ # أماني محمد‏ # أنور الحلواني‏ # بدر الزيادي‏ # بلال عبده البسيوني‏ # ثريا رأفت‏ # جاد أبو العلا‏ # جعفر خليل‏ # حنان مصطفى‏ # خليل زكي‏ # درية سالم‏ # رضا حمادة‏ # زهران حسونة‏ # زهير كامل‏ # سابا رمزي‏ # سالم جبر‏ # سرور عبد الباقي‏ # سعاد وهبي‏ # سيد شعير‏ # شرارة النحال‏ # شعراوي الفحام‏ # صادق عبد الحميد‏ # صبري جاد‏ # صفاء الكاتب‏ # صقر المنوفي‏ # صبرية الحشمة‏ # طنطاوي إسماعيل‏ # طه عنان‏ # عباس فوزي‏ # عدلي المؤذن‏ # عبد الرحمن شعبان‏ # عبد الوهاب إسماعيل‏ # عبدة سليمان‏ # عجلان ثابت‏ # عدلي بركات‏ # عزمي شاكر‏ # عزيزة عبده‏ # عشماوي جلال‏ # عصام الحملاوي‏ # عيد منصور‏ # غانم حافظ‏ # فايزة نصار‏ # فتحي أنيس‏ # قدري رزق‏ # كامل رمزي‏ # كاميليا زهران‏ # ماهر عبد الكريم‏ # محمود درويش‏ # مجيدة عبد الرازق‏ # ناجي مرقص‏ # نادر برهان‏ # هجار المنياوي‏ # وداد رشدي‏ # يسرية بشير‏ # | المرايا # | المرايا # تأليف # نجيب محفوظ # | إبراهيم عقل # سمعت أول ما سمعت عن الدكتور إبراهيم عقل في مقالة للأستاذ سالم جبر. لا فكرة لي الآن ~~عن موضوع المقالة، ولكنه ذكر في سياقها الدكتور إبراهيم عقل، باعتباره عقلا فذا، بشر ~~في وقت ما بثورة فكرية في حياتنا الثقافية، لولا وشاية حقيرة أجهضته قبل أن يقف على ~~قدميه، رددها شخص لا أخلاق له، زاعما بأنه - الدكتور إبراهيم ms001 - طعن في الإسلام ~~ضمن رسالة الدكتوراه التي قدمها للسربون. وشن على الدكتور هجوم ناري في عديد من الصحف ~~والمجلات، فاتهموه بالإلحاد، وتبني آراء المستشرقين المبشرين لنيل الدكتوراه على ~~حساب دينه وقومه، ثم طالبوا بفصله من الجامعة. واهتز الدكتور من جذوره حيال الحملة ~~العاتية، ولم يكن ذا طبيعة مقاتلة ولا قبل له بتحدي الرأي العام، فضلا عن حرصه عن ~~وظيفته وشدة حاجته إليها، فأنكر التهمة، ودافع عن عقيدته، وتوسل بكثيرين - على رأسهم ~~صديقه وزميله في هيئة التدريس الدكتور ماهر عبد الكريم - لإخماد الفتنة واسترضاء ~~مؤججيها. ولما التحقت بالجامعة عام 1930 وجدته أستاذا مساعدا بها. والظاهر أن ~~المحنة التي مر بها علمته كيف يركز نشاطه في دروسه الجامعية، وينسحب من الحياة ~~الفكرية خارج جدران الكلية. ولاحظنا أن همته يطويها الفتور والملال، وأن دروسه أقرب ~~إلى التوجيهات العامة منها إلى المحاضرات الدسمة التي يلقيها علينا زملاؤه، رغم ما ~~تمتع به من صحة وحيوية، ونضج تربع فوق الأربعين من العمر. وما لبث أن انقلب في ~~مجالسنا نادرة ودعابة. ومرة سألته في أثناء مناقشة بقاعة المحاضرات: لم لم تؤلف كتبا يا ~~دكتور؟ # فرماني بنظرة متعالية وقال بصوته الجهوري: أتظن أن عالم الكتب في حاجة إلى ~~مزيد؟ # وجعل يهز رأسه الكبير فوق قامته المديدة، ثم قال: لو فرشنا بالكتب سطح الأرض لغطته ~~مرتين! # ثم بامتعاض وازدراء: ومع ذلك فلو عددنا الكتب المتضمنة جديدا من الفكر لما غطت سطح ~~زقاق! # ولم يكن من النادر أن ألقاه في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم بقصره الكبير في المنيرة. ~~وما أكثر من عرفت من أهل الفكر في ذلك الصالون العتيد، وما زلت حتى اليوم أتردد ~~عليه، وإن تغير مكانه وزمانه، وثمة ذكرى لاجتماع فيه ترد على الخاطر بوضوح ويسر، كلما ~~استدعتها الظروف والأحوال. ولعل الدكتور إبراهيم عقل كان أقرب الحاضرين تجانسا مع البهو ~~الكلاسيكي الفخم بجسمه العملاق ومهابته الطبيعية، ونظرته الزرقاء الذكية، وعلى غير ~~المألوف خاض الحديث في شئون السياسة. وكنا نتجنبها إكراما لأستاذنا صاحب الصالون؛ ~~لعلمنا المسبق بنفوره من ms002 الأحاديث الانفعالية، ولكونه من المنتمين إلى الحزب الوطني ~~بحكم أسرته ونشأته على حين أن تلاميذه جميعا كانوا من شباب الوفد. غير أن الانقلاب ~~الذي قام به إسماعيل صدقي في ذلك التاريخ طوق المشاعر، وضغط على الأفكار؛ فلم يكن من ~~اليسير تجاهله. وتكلم كثير من الطلبة الحاضرين حتى قال الدكتور إبراهيم عقل: إن حياتنا ~~الدستورية مكسب، ولكنها في الوقت نفسه فخ! # فتحفز الشبان للنضال، ولكنه قال: انحرف الجهاد الوطني عن غايته الأولى، غرقنا في ~~معاركنا الحزبية، ولدى كل انقلاب يحدث رد فعل فظيع في العلاقات والأخلاق، ويوما بعد يوم ~~يتفتت البناء الشامخ الذي ورثناه عن ثورة 1919. # فقال أحد أفراد مجموعتنا الشابة: بناء الشعب غير قابل للتفتت. # ابتسم أستاذنا ماهر عبد الكريم، وتفكر قليلا، ثم قال بصوته الناعم الهامس: شعبنا مثل ~~الوحش المذكور في بعض الأساطير الشعبية يستيقظ أياما، ثم ينام أجيالا. # فعاد الدكتور إبراهيم عقل يقول: لن نضار البتة إذا استمسكنا بالمثل العليا. # وجعل ينقل عينيه الزرقاوين بين وجوهنا المتحفزة، ثم كرر بنبرة منغومة: المثل ~~العليا ... المثل العليا. # وكان يرددها كثيرا في محاضراته عن الأخلاق حتى أطلق عليه زميلنا عجلان ثابت «دكتور ~~مثل عليا». # ولعل الدكتور تذكر موجة الإلحاد التي كانت تجتاح الكلية في ذلك الوقت فقال: أرجو ~~ألا تعتبروا المثل العليا نتيجة لعقيدة دينية، اعتبروها إذا شئتم المنبع الذي تدفقت ~~منه العقيدة نفسها. # فقال شيخ أزهري لا يحضرني اسمه الآن: السياسة ترمي بنا كل يوم في محنة ~~جديدة. # فقال الدكتور إبراهيم عقل بإصرار: المثل العليا، حسبنا أن تبقى لنا. # فقال الأستاذ سالم جبر، وهو غائص بجسمه البدين في فوتيل وثير: يا سيدي الدكتور ما الأخلاق ~~إلا علاقات اجتماعية، وعلينا أن نغير المجتمع. # فسأله بهدوء: أقرأت كتاب برجسون عن أصل الأخلاق والدين؟ # فقال سالم جبر باستهانة: إني أقرأ برجسون كما أقرأ قصيدة حالمة! # فقال له الدكتور ماهر عبد الكريم: إنك يا أستاذ تحلم بثورة كالتي قامت في روسيا منذ أربعة ~~عشر عاما، وهي تتكشف كل يوم عن مضاعفات خطيرة. # فقال سالم ms003 جبر بحدة: نحن لا نعرف عن روسيا إلا ما نقرؤه في صحف الغرب وكتبه. # وحلت هدنة ريثما نشرب أقداح القرفة، وننعم بحشوها الطيب من البندق واللوز والجوز. ثم خرق ~~الهدنة شاب قائلا: لا حل إلا القضاء على أحزاب الأقلية الطامعة في الحكم. # فقال سالم جبر: هذه ترجمة ركيكة لصراع الطبقات. # ولكن الدكتور إبراهيم عقل قال: إن رئيس الوزراء يزعم أنه يسعى للحصول على ~~الاستقلال فلندعه يسع! ~~- وإن فرض علينا معاهدة مثل تصريح 28 فبراير؟ # فقال الدكتور بشيء من العنف: الاستقلال الحقيقي في المثل العليا وبنك مصر! # طالما عذبني التناقض بين تناول الأوساط الشعبية للسياسة، وتناولها في الأوساط ~~الثقافية الرفيعة، فهي هناك انفعال مضطرم سرعان ما يسيل دما، وهي هنا مناقشات متفلسفة ~~لا تخلو من تثبيط للهمم وتخييب للآمال. # فكرت في ذلك ونحن راجعون من قصر المنيرة، وتبادلنا الآراء في سرعة محمومة: لا بد ~~من ثورة! ~~- أيكفي الإضراب لإشعال ثورة؟ ~~- هكذا قامت ثورة 1919 فيما يقال. ~~- كيف قامت ثورة 1919؟ ~~- ما أقربها وما أبعدها! # وفي صيف ذلك العام قابلت الدكتور - كان بصحبته أسرته المكونة من زوجة وغلامين - في ~~كازينو الأنفوشي بالإسكندرية. كنت أجلس هناك في الصباح - عقب الاستحمام - فأشرب القهوة ~~وأقرأ الصحف، وأشاهد في الوقت نفسه ما يجري على مسرح الكازينو من بروفات للعروض ~~المسائية، رغم نفوري الطبيعي من الغناء الإفرنجي. # وقدمنا الدكتور إلى حرمه، وأظنها كانت مفتشة بوزارة المعارف. ولاحظت بسرور غرامه ~~الأبوي بابنيه، وملاطفاته لهما مما دعا زوجه لإعلان استنكارها لتدليله لهما. واستمالني ~~لأول مرة بعواطفه الأبوية، فلم أكن أكن له احتراما يذكر لعزوفه عن التأليف، ولعدم ~~إخلاصه في عمله. وما أعجبني فيه إلا منظره وخفة روحه، وسخريته المموهة بالتفلسف، وسألني: ~~أتستحم عادة في الأنفوشي؟ # فأجبت: إن أمواجه أهدأ بكثير من الشاطبي. ~~- عندما يتم بناء الكورنيش سيتغير وجه الإسكندرية. # فوافقته على قوله فقال باسما: ولكنكم تكرهون إسماعيل صدقي! # فقلت وأنا أداري العواطف المريرة التي استفزها ذلك الاسم: ليس بالكورنيش وحده يحيا ~~الإنسان. # فضحك قائلا: لا يوجد مثل السياسة مفسدة للتفكير ms004 البشري. # ثم أشار إلى زوجه وقال: والدتها - حماتي - عضوة في اللجنة الوفدية للسيدات. # فرمقت السيدة بامتنان إكراما لوالدتها. # وفي مطلع العام الدراسي، تولى الدكتور إبراهيم عقل منصبا جامعيا كبيرا، ولكنه اغتال ~~في سبيله جميع مثله العليا. كانت الهتافات العدائية للسراي تتردد في جنبات الوادي، ~~ونشرت جريدة "التيمز" أن مظاهرة في أسوان هتفت لمصطفى النحاس رئيسا للجمهورية، وانقسمت ~~البلاد إلى أقلية موالية للملك، وأغلبية معادية تكاد تجهر بعدائها. وإذا بالدكتور ~~إبراهيم عقل ينشر مقالة في الأهرام، يدعو فيها للولاء لصاحب العرش، وينوه بأيادي أسرته ~~على نهضة البلاد، وبخاصة محمد علي وإسماعيل. كانت أزمة تهاوت فيها القيم إلى الحضيض، وتقوضت ~~كرامات الكثيرين من الرجال، ورمى الأبرياء المهزلة بأعين حمراء، ولكن حتى صفوفهم لم تبرأ من ~~فساد. عصر الزلازل والبراكين المتفجرة. عصر إحباط الأحلام وانبعاث شياطين الانتهازية، ~~والجريمة. عصر الشهداء من جميع الطبقات، وظل الدكتور يخطر بيننا، متظاهرا بالثبات ~~والشجاعة، يطالعنا بنظرات متحدية تخفي في أعماقها إحساسا بالهزيمة والذنب. وكنا ~~نلقاه بالاحترام اللائق بمركزه، على حين نضمر له الاستهانة والسخرية؛ الاستهانة والسخرية ~~أجل، لا البغضاء ولا الرغبة في القتل، كما شعرنا بهما نحو كثيرين من رجال السياسة. لم تكن ~~شخصيته تثير شيئا من ذلك، وكان لخفة روحه ومناوراته البهلوانية خليقا بأن يتبدى لنا ~~مهرجا أو دجالا لا شريرا أو سفاكا للدماء، أو عدوا حقيقيا ~~للشعب. # وفي اليوم الأخير للدراسة، ونحن ذاهبون لعطلة قصيرة نتقدم بعدها لامتحان الليسانس، ~~دعانا إلى الاجتماع به في مكتبه. كنا عشرة ذكور، هم طلاب الليسانس للقسم الذي يرأسه إلى ~~جانب منصبه العام. # أجلسنا أمام مكتبه، وراح ينقل بين وجوهنا عينيه الزرقاوين مطيلا الصمت والتأمل، وابتسم ~~وهو يهز رأسه في تعال ساخر، وقال: نحن على وشك الفراق ولا يجوز الفراق بلا كلمة. # وعاد ينقل بصره بيننا مواصلا هز رأسه، ثم قال: طالما خمنت ما دار بنفوسكم يوما، ~~ولكن ليس الأمر كما توهمتم! # ها هو يطرق الموضوع بعد صمت طويل، صمت طويل جدا، ولكن علينا أن نلزم أنفسنا الأدب ~~والحذر، علينا ms005 أن نذكر أننا سنمتحن في كل مادة تحريريا وشفويا معا، وعلينا أن نذكر ~~أن من حق مجلس القسم تعديل نتيجة الامتحان - بصرف النظر عن الدرجات الحاصل عليها الطالب - ~~لنتفق مع مستواه العام كما يقرره الأساتذة. كل ذلك يضعنا تحت رحمته بلا مراجع ولا معقب. ~~وواصل حديثه قائلا: المسألة أنني وجدت أناسا يخطبون وأناسا يعملون؛ فاخترت الانضمام إلى ~~العاملين، وكلنا في النهاية مصريون. # ولذنا بالصمت إلا واحدا فقال بجرأة: إن من يخطب مطالبا بالاستقلال والدستور خير ممن ~~يبني الكورنيش ويسفك الدماء. # كان القائل يدعى إسحاق بقطر، وكان الغني الوحيد فينا، وكان سيمضي عقب الامتحان إلى ~~مزرعته عند مشارف القاهرة لزراعة أفخر أنواع الزهور، ولم يغضب الدكتور إبراهيم عقل، ابتسم ~~وقال بشيء من الأسى: ليس كالسياسة مفسدة للعقل. # ثم بنبرة تشي بالرجاء: الحقيقة، اعبدوا الحقيقة عبادة، ليس ثمة ما هو أثمن ولا أجل ~~منها في الوجود، اعبدوها واكفروا بأي شيء يتهددها بالفساد. # ظللنا ملازمين الصمت، متذكرين الامتحان الشفوي، وحق مجلس القسم، أما هو فعاد يقول: لن ~~أناقش بقطر، لن أتفوه بكلمة في السياسة، إنما دعوتكم لنلقي نظرة معا على ~~المستقبل. # فانتشر الارتياح في نفوسنا كالضوء، نجونا من مزالق السياسة، وها هو يفتح باب المستقبل ~~الذي نرقبه بوجوم قاتم، مذ صدرت القرارات الوزارية بوقف التعيينات والترقيات والعلاوات، ~~لأجل غير مسمى. ماذا بقي لنا من أمل؟ وماذا عند أساتذتنا من وعود؟ قال: هذه أيام أزمة، ~~أزمة تطحن العالم كله، وليست خاصة ببلادنا كما يصور البعض، ماذا أنتم فاعلون؟! # وسكت قليلا ثم قال: لن تجدوا وظيفة بالسرعة المطلوبة، ولن تكونوا أسرة في أجل قريب، ~~وربما تفاوتت بينكم الحظوظ. # وتلقى نظراتنا التي أطفأ نورها الفتور بابتسام، وقال: حتى الفرص الضعيفة التي يفوز ~~بها الطبيب، أو المهندس، أو الحقوقي في الميدان الحر، حتى هذه الفرص لا نصيب لكم فيها، ولكن ~~يبقى لكم شيء هام، جوهرة لم يتعود أحد أن يتحلى بها بعد! # فاشتعلت أعيننا بالاهتمام مرة أخرى، فواصل حديثه قائلا: أمامكم طريق الحقيقة ~~والقيم! # تذكر كل منا ms006 آله وحبيبته، والآمال المعقودة على الوظيفة المنتظرة، أما هو فقال: ~~تخففوا من غلواء الطموح الدنيوي، وارضوا من الدنيا بما تجود به، أما الشوق للحقيقة فلا ~~ترسموا له حدا! # ترى أدعانا الرجل ليعذبنا ويسخر منا؟ ~~- إن الجلوس تحت شجرة في يوم صاف خير من امتلاك عزبة. # أنت تقول ذلك يا من بعت جميع القيم من أجل ... ~~- إن حكمة الحياة هي أثمن ما نفوز به من دنيانا ذات الأيام المعدودات. # وما غادرنا الكلية حتى انفجرنا ضاحكين من عنف المفارقة واليأس، واستبقنا إلى نعته بكل ~~قبيح: الوغد. ~~- المهرج. ~~- الدجال. # ومنذ تخرجنا في الكلية انقضى زمن طويل لم أره فيه مرة واحدة، غاب عن عيني كما غاب ~~عن وعيي؛ إلا في النادر من المناسبات، وكان يتجنب صالون الدكتور ماهر عبد الكريم منذ وثوبه ~~الانتهازي إلى الوظيفة الكبيرة أن يتعرض لهجوم بعض المتطرفين؛ فاقتصرت مقابلاته لصديقه ~~على الزيارات الخاصة، لذلك مرت ثلاثة عشر عاما دون أن أراه حتى عرضت مناسبة غير سارة، ~~بل مناسبة مؤسفة غاية الأسف؛ إذ فقد ابنيه الوحيدين في وباء الكوليرا الذي اجتاح البلاد عام ~~1947. عانيت صدمة وأنا أتلقى الخبر، ورجعت بي الذاكرة إلى كازينو الأنفوشي وهو يلاعب ~~الغلامين، يا لها من ذكرى ويا لها من نهاية. وذهبت إلى الجيزة للاشتراك في تشييع الجنازة، ~~جنازة مؤثرة مفعمة بالأشجان، وسار الرجل وراء النعشين بقامته الطويلة كأنها صورة ناطقة ~~لليأس الأعمى، ولا أظنه عرفني، وأنا أقدم له العزاء، لم يتلفت إلى أحد، ولم يهتم بشيء مما ~~يدور حوله، ولكن عندما تقدم الدكتور ماهر عبد الكريم لتعزيته خفض جفنيه على دمع تفجر ~~رغم إصراره على الظهور بمظهر الثبات والصبر، وعند منتصف الليل دعاني الدكتور ماهر عبد ~~الكريم إلى مرافقته في سيارته إلى المدينة، وفي أثناء الطريق تمتم بعطف: الله معه، إنها ~~كارثة لا تحتمل. # فوافقته على رأيه، وكنت في الحقيقة متأثرا جدا فعاد يقول: ولكن حديثه ~~أقلقني! # فسألته عما أقلقه فأجاب: جعل يقول بنبرة متهدجة إن الموت جميل، وإنه مظلوم، وإنه ~~لولاه لما كانت للحياة ms007 قيمة. # فصمت متفكرا فعاد أستاذي يقول: الله معه. # غاب الدكتور إبراهيم عقل عن عيني مرة أخرى، وإن لم تغب عني مأساته طويلا، وفي صالون ~~قصر المنيرة علمت بما طرأ عليه من أحوال في الأعوام التالية للحادث، قيل إنه أصبح يرى ~~كثيرا في جامع الحسين، وإنه يمضي الساعات متربعا أمام المقام، وفي كلمة أنه يتدروش ~~ويسلم للإيمان تسليما بلا قيد ولا شرط. وأثار مسلكه الكثير من الجدل عن الإيمان بصفة ~~عامة، والإيمان بالنشأة، والإيمان بالاقتناع، والإيمان بسبب الكوارث، وإيمان الفلاسفة، ~~وإيمان العجائز، وكان ماهر عبد الكريم يفند كل حجة يأنس منها هجوما، ولو من بعيد على ~~مسلك صديقه القديم، وفي عام 1950 ترك الدكتور إبراهيم عقل الخدمة لبلوغه السن القانونية؛ ~~فتفرغ تماما للدروشة، وفي يوم من عام 1953 صادفته أمام الباب الأخضر بحي الحسين - ذاهبا ~~أو راجعا من الجامع لا أدري - فجذبتني طلعته المهيبة المجللة بالمشيب. واقتربت منه مادا ~~يدي للمصافحة فصافحني وهو يحدجني بنظرة لا يلوح فيها أنه عرفني، فلما ذكرته بنفسي هتف ~~بصوته الجهوري: أنت! كيف حالك؟ ماذا تفعل؟ # فلما أجبته قال: لا تؤاخذني فأنا لا أقرأ. # وسايرته حتى موقف سيارته في ميدان الأزهر، وهناك سألني: ماذا يدور في الدنيا؟ # فذكرت من الأمور ما رأيته جديرا بالذكر، منوها بصفة خاصة بالثورة الجديدة فقال: ~~هبوط صعود، موت بعث، مدني عسكري، فلتسر الدنيا في طريقها، أما أنا فإني أستعد لرحلة ~~أخرى. # وغاب عني من جديد حتى قرأت نعيه عام 1957 على ما أذكر، وأطرف ما سمعت عنه بعد ذلك ما ~~قيل من عثور ابن أخيه على مخطوط له لترجمة غاية في الجمال لديوان «أزهار الشر» لبودلير لم ~~يعرف بالضبط تاريخ ترجمته، ولما كان ابن أخيه هو الوريث الوحيد له - توفيت زوجته في العام ~~السابق لوفاته - فقد أذن بنشره، وهكذا بقي اسمه في المكتبة العربية مقرونا باسم بودلير على ~~ديوان «أزهار الشر». # ولا خلاف في الرأي عن الدكتور إبراهيم عقل بين طلبته، فقد اعتبروه - بلا استثناء - مهرجا، ولكن ثمة مفكرا له وزنه ms008 مثل الأستاذ سالم جبر كان يراه ضحية لمجتمع فاسد، وإن لم ~~يغفر له انهزاميته، وذات يوم قال لي أستاذي ماهر عبد الكريم بصوته الهامس: إنكم تظلمون ~~إبراهيم عقل. # فلم أتكلم احتراما لعواطفه نحو صديقه، فقال: إنه عقلية فذة، وكان يبهرنا ~~بذكائه، ونحن في السربون. فقلت: لم يفد أحد من ذكائه شيئا. # فقال متجاهلا تعليقي: وهو الوحيد في مصر الذي يتمتع بعقل فلسفي، بالنظرة الشاملة ~~للأشياء. # ونظر إلي باسما ثم استطرد: لم يخلق كاتبا، ولكنه محدث موهوب، نوع من سقراط، خص ~~أصدقاءه الحميمين بزبدة أفكاره، وطرح أيسر ما عنده على الناس. # فقلت له: لعله يحتاج إلى أفلاطون جديد؛ ليرد إليه اعتباره! # ولكنه اندثر فلم يبق منه إلا مأساة، وترجمة نادرة لأزهار الشر. # | أحمد قدري # يقترن أحمد قدري في ذاكرتي بالشهد والفطائر المشلتتة والسينما، كما يقترن بواقعة لا ~~تنسى. وهو قريب لي من أسرة ريفية، كان يفد إلينا في بعض المواسم لقضاء أيام في ~~القاهرة، وكانت إقامته تنقضي في اللعب في شوارع العباسية الهادئة المحفوفة بالحقول ~~والحدائق، كنت في التاسعة أو العاشرة، وكان يكبرني بخمس سنوات، وكان وحيد أبويه، وكان ~~عفريتا بكل معنى الكلمة، واقترح ذات مرة القيام برحلة، ولكي يؤكد براءتها استأذن والدي ~~في أن يصطحبني معه، وذهبت معه مرتديا بدلتي القصيرة، وقال لي ونحن في طريقنا إلى محطة ~~الترام: سأشتري لك بسكوتا بشرط. # فسألت عن الشرط فقال: أن تحفظ تماما ما سأقوله لك ثم تردده عند عودتنا. # فسألت عما ينبغي لي حفظه فقال: إننا ذهبنا إلى سينما أوليمبيا وشاهدنا فيلما لشارلي ~~شابلن. # فوعدته بذلك وأخذت البسكوت ثم ركبنا الترام، وغادرنا الترام في شارع لم أره من قبل، فمضى ~~بي من حارة إلى حارة في عالم جديد وغريب ومثير، وجرني من يدي إلى مدخل بيت آية في الغرابة ~~كان يجلس في دهليزه ثلاث نساء يبهرن النظر بألوان وجوههن وملابسهن، ولا يبالين أن ينكشف من ~~أجسادهن ما ينكشف فوق السيقان، وتحت الأعناق، نهضت إليه إحداهن؛ فأجلسني مكانها وهو ~~يقول: لا تتحرك من ms009 مكانك حتى أرجع إليك. # ووصى بي المرأتين، ومضى بصاحبته إلى الداخل، وركزت بصري في بلاط الدهليز المعصراني ~~متجنبا النظر إلى المرأتين، شاعرا في الوقت نفسه بأن مخالفة خطيرة ترتكب على كثب مني، ~~ومتابعا من حين لآخر صوت إحدى المرأتين وهي تغني «يوم ما عضتني العضة». ثم مالت نحوي ~~الأخرى فسألتني: هل معك نصف ريال؟ # فأجبت بالنفي فسألت: معك كم؟ # فأجبت بخوف وأدب: شلن. ~~- عال، تحب أفرجك على شيء لطيف لم تره؟ ~~- ولكنه قال لي ألا أتحرك! ~~- دقيقة واحدة في هذه الحجرة أمامك. ~~- كلا! ~~- لا تخف، مم تخاف! # وأخذتني من يدي إلى الحجرة، وأغلقت الباب وهي تقول: هات الشلن. # فأعطيتها إياه بلا تردد فقالت وهي تمسحني بعينيها: اخلع بدلتك. # فقلت بفزع: كلا. # وإذا بها تنزع ثوبها فتبدو أمامي عارية، رأيت امرأة عارية لأول مرة، ملأتني الحركة ~~المقتحمة المستهترة فزعا، وملأني المنظر الذي رأيته خطفا فزعا أشد، تراجعت نحو الباب ~~وأنا أنتفض. # فتحت الباب وهرولت إلى الخارج، وضحكتها المائعة المتموجة تتعقبني كثعبان، وتلقتني المرأة ~~الأخرى بقهقهة، وأشارت إلى الكرسي كي أجلس، ولكني وقفت في وسط الدهليز لا أريد أن ألمس ~~شيئا، ولا أريد لشيء أن يلمسني، وجعل المتسكعون خارج البيت ينظرون إلي في دهشة، ويطلقون ~~في وجهي أبشع النكات، ولبثت أعاني محنة وأي محنة حتى رجع أحمد فسألني بفتور: مالك واقف ~~كالديدبان؟ # فقبضت على ذراعه كالمستغيث، فمضى بي إلى الخارج، ولم تكن العودة يسيرة كالذهاب؛ إذ ~~صادفتنا مظاهرة ضخمة فشق طريقه خلال أزقة جانبية، وأصوات الرصاص تدوي في الجو، ولما ~~جلسنا في الترام سألني بنبرة الممتحن: أين كنا يا بطل؟ # فأجبت من فم جاف: في سينما أوليمبيا. ~~- ماذا شاهدنا؟ ~~- شارلي شابلن. ~~- عظيم، ولكن ما لك مخطوف الوجه؟ ~~- لا شيء. ~~- ضايقتك المرأتان؟ ~~- كلا. # وجعل يراقبني بقلق ثم عاد يسألني: ما لك؟ # ففاض بي الحزن حتى كدت أبكي فسألني بقلق: ما لك؟ # فقلت بمرارة: لا شيء، إنه شيء خاص جدا، دورا، ليست دورا جميلة كما توهمت. ~~- دورا! من هي دورا؟ ~~- حبيبة دان. ~~- ومن هو ms010 دان؟ ~~- بطل المغامرات، ألم تقرأ مجلة الأولاد؟! ~~- أولاد؟! بم تهذي؟ ابسط وجهك، لن نرجع إلى البيت حتى ترجع إلى حالتك الطبيعية! # لم يعلم بمدى شغفي بدورا، ولم يدر بأني تخيلت جسدها من الماس النقي! # ولكن بصفة عامة كانت أيامه بالقاهرة من أسعد أيامي، علمني كرة القدم والملاكمة ~~ورفع الأثقال، وأمتعني بنوادره الفكاهية، وكان يقلد شابلن في مشيته، ويغني المنولوجات ~~المشهورة، ويحاكي عمدة القرية وشيخ الخفراء، وانتقل والداه إلى القاهرة فأقاما في عابدين، ~~فلم يعد يزورنا إلا كل حين ومين. وتعثر في دراسته الثانوية فاختار الالتحاق بمدرسة البوليس، ~~وعقب تخرجه عين في القاهرة لتقدمه، وشغل بحياته الجديدة فانقطع عن زيارتنا وبتنا ~~كالغرباء. لم أره طيلة عمله الأول بالقاهرة إلا خطفا ومصادفة وهو يتسلل خارجا من سراي ~~عصام بك عقب مغامرة غرامية. وتوفي والداه وكدت أنساه تماما، بل نسيته حتى ذكرتني به ~~الحوادث في أثناء الحرب العظمى الثانية وما تلاها بعد أن اختير عضوا في البوليس السياسي. ~~لم يعد أحمد قدري بأحمد قدري الذي عرفته، انقلب شخصية مخيفة تنسج حولها أساطير الرعب، ~~سل سوط عذاب في أيدي الطغاة يلهبون به الوطن والوطنيين. وكنت أسمع عنه وأتعجب، كيف ~~استحال الظريف الماجن شيطانا من شياطين العذاب، كيف يمثل بالشبان من ذوي العقائد الحرة ~~فيجلدهم، ويطفئ السجائر المشتعلة في جفونهم، ويخلع بآلات العذاب أظافرهم! وحدث أكثر من ~~مرة أن نوقش مسلكه على مسمع مني في بعض مجالس الأصدقاء من أهل الفكر والوطنية، مثل رضا ~~حمادة، وسالم جبر وغيرهما، وقيل إنه ما دام لا توجد ثورة شاملة فلا أقل من أن توجد جمعيات ~~سرية لممارسة الاغتيال السياسي دفاعا عن الشعب الأعزل، وقد حدثت بالفعل محاولة لاغتياله ~~أمام نادي محمد علي، ولكنه نجا بأعجوبة، وأفلت مما سموهم وقتها بالجناة ~~الهاربين. # وعقب ثورة يوليو 1952 قدم إلى التحقيق فاكتفي بإحالته إلى المعاش، ومضى بالنسبة ~~إلي يذوب في ماء النسيان، حتى دعيت في خريف 1967 تليفونيا إلى المستشفى الأنجلو ~~أمريكي، هناك وجدته راقدا مصابا بأزمة قلبية، لم أعرفه لأول ms011 وهلة، جاوز الستين وذكرني ~~بصورة أبيه في أيامه الأخيرة. قال: معذرة عن إزعاجك. # فشجعته بما حضرني من كلمات فقال: لا أحد لي غيرك في الواقع. # ثم بصوت هامس: لكي تدفنني إذا قضي الأمر. # فعدت إلى تشجيعه، وخلوت إلى الطبيب مستعلما؛ فأكد لي أنه اجتاز مرحلة الخطر، وأن ~~صحته بعد ذلك تتوقف على إرادته، ولما سمع بتلك المعلومات قال: عندي أكثر من داء! # فخمنت وراء قوله الخمر والنساء والقمار، فقلت: تجنب الانفعال لكي تتجنب أزمة ~~أخرى. # فقال باستهانة: إنها آتية لا ريب فيها! # وجعلت أنقب في وجهه المريض عن الوحش الضاري الذي نشر الفزع في الزمان القديم، أو الشاب ~~المهرج الظريف ولكن عبثا، ولم يكن في صدري حياله إلا شعور بالواجب، وعلمت أنه يقيم بشقة ~~صغيرة بالزمالك، وأنه لم يتزوج طبعا، وأنه لم يعد له من صديق سوى نفر من كهول اليونانيين ~~المدمنين لسباق الخيل، وهز رأسه ثم غمغم: يخيل إلي أنني انتهيت كما انتهوا. # ففطنت على البداهة إلى من يعني، كان 5 يونيو ما زال ممتزجا بريقنا كالعلقم. وأدركت من ~~فوري مدى الحقد الذي عاشره منذ إحالته على المعاش، وكرهت مناقشة شماتته المنغصة بسوء حاله ~~لتحديها الجارح لعواطفي الشخصية، وعلى أي حال لم تتحقق نبوءته السوداء فيما يتعلق بحياته أو ~~حياة الثورة، غادر المستشفى عقب ذلك بثلاثة أسابيع، وزارني في بيتي للشكر، تبدى في حال ~~صحية مقبولة، وراح يغازل ذكريات الجيل السابق، وطيلة الوقت وجدت إغراء لا يقاوم في نبش ~~ماضيه الغريب، حتى واتتني الفرصة فقلت: أتدري أنني لم أكن أصدق ما يقال عنك؟ # خيل إلي أنه تجاهل قولي تماما. اقتنعت بأنني أخطأت، ولكنه قال وكأنه يقرر حقائق لا ~~علاقة لها بحديثي: يحدث أحيانا أن تصدم سيارة، أحد المارة فترديه قتيلا. # وأشعل سيجارة متحديا أول نصائح طبيبه ثم قال: من الخطأ أن نحمل السيارة تبعة ما حدث، ~~التبعة تقع على السائق أو الطريق أو المصنع أو الضحية نفسها أما السيارة فلا ذنب ~~لها. # وقال أيضا: لم لم نعذب أحدا في ms012 عهود الوفد؟ المسألة أنه يوجد نوعان من الحكومة، ~~حكومة يجيء بها الشعب فهي تعطي الفرد حقه من الاحترام الإنساني، ولو على حساب الدولة، ~~وحكومة تجيء بها الدولة فهي تعطي الدولة حقها من التقديس ولو على حساب الفرد. # وقال أيضا: لم نعذب أحدا بالمعنى الذي تظنه، كنا نصب العذاب كما تملأ أنت الاستمارة ~~50 ع.ح، أو كما تكتب تقريرا بناء على طلب الوزير، عمل ليس إلا، له مقاييسه من الإتقان، ~~وتقديره في حساب الواجبات العامة، وإذا وجد بيننا من يغالي في عمله أو ينفذه بلذة خفية أو ~~ظاهرة، فكما يوجد أحيانا في أوساطكم من يفرط في العمل ليداري نقصا أو تعاسة ملحة. # وفي أثناء الحديث ثبتت عيناه على صورة قائمة على منضدة فنظر إليها مليا ثم تساءل: أليس ~~هذا هو الدكتور إبراهيم عقل؟ # فقلت بدهشة: بلى، بين بعض الزملاء القدامى، وبعض الأساتذة، أكنت تعرف الدكتور عقل؟ ~~- كلا، ولكن ظروفا معينة جعلتني أتابع ما كان ينشر له من صور في الصحف. ~~- أي ظروف يا ترى؟! # تفكر طويلا ثم قال: لعلك تذكر وفاة ابنيه؟ ~~- أجل، هلكا فيمن هلك من ضحايا وباء الكوليرا. # فضحك قائلا: يبدو - والله أعلم - أن الكوليرا لم تكن هي الجانية. # فهتفت بذهول: ماذا تقول؟! ~~- رئيسي رحمه الله همس لي يوما في مجلس صداقة حميمة بأنهما قتلا! ~~- قتلا؟! ~~- اضبط أعصابك، ذاك تاريخ مضى وانقضى. ~~- ولكن كيف قتلا؟ ومن الذي قتلهما؟! ~~- لا شيء مؤكد، صدقني لا شيء مؤكد، حتى رئيسي نفسه لم يكن لديه أكثر من همس، تسلل إليه ~~خبر عن غرام امرأة هامة وشخص من رجال الملك وجريمة قتل في بيت خلوي بالطريق ~~الصحراوي. ~~- أعطني مزيدا من المعلومات. ~~- لا مزيد عندي، ولا شيء مؤكد، صدقني لا شيء مؤكد. # وأصر على موقفه فلم أجد مبررا لتكذيبه، وقد أفضيت بما بلغني منه إلى أستاذي الدكتور ~~ماهر عبد الكريم؛ فأبدى من الدهشة ما لم يعلنه وجهه الهادئ من قبل، وقال لي: لا أصدق ~~أن المرحوم إبراهيم عقل كان يخفي عني سرا. ~~- لعل صلة الأمر ms013 بالسراي ألزمته بالصمت. # فهز رأسه وهو في شك وحيرة ، وقررت تناسي الموضوع من أساسه، أما أحمد قدري فقد اختفى من ~~حياتي مرة أخرى، وكنت ألمحه أحيانا في مقهى فنكس وسط نفر من كهول الخواجات، وفي أوائل عام ~~1970 رأيته - من بعيد - سائرا في ميدان طلعت حرب، وثبت لي من تهدل شدقيه أنه خلع أسنانه، ~~ولكن صحته بدت خيرا مما توقعت. # | أماني محمد # كان التليفون واسطة التعارف بين أماني محمد وبيني، بدأت حديثها بالتحيات والمجاملات ~~المعروفة، واستأذنتني في طرح أسئلة عن بعض المناقشات التي تتابعها في التلفزيون، وآنست منها ~~اهتماما بالفن ورغبة في التزود ببعض المراجع وحماسا للقاء تتم به الفائدة. دعوتها إلى ~~مكتبي، ولكنها عالنتني بنفورها من جو المكاتب، واقترحت لقاء في الخارج، وتم اللقاء في ~~استراحة الهرم في أواخر ربيع عام 1965. توقعت أن تجيئني طالبة أو خريجة حديثة العهد ~~بالتخرج، ولكن التي أقبلت كانت امرأة ناضجة، في الأربعين، ريانة البدن ملونة العينين، ~~تخطر على الحد الفاصل بين حرية المرأة العصرية وبهرج الغانية. ولدى رؤيتها غازلني شعور ~~مستفز بأن الفن لن يكون - وحده - ثالثنا، لم يهزني قبول ولا صدني رفض، فسلمت أمري للظروف، ~~جلسنا في طرف الحديقة المطل على المدينة، ونظراتنا المتبادلة تعكس الحياء والترقب، قالت ~~بلسان يحور الراء غينا: معذرة عن جرأتي. # ثم كالمستدركة: كان لا بد أن أقابلك. # فأكدت لها سروري باللقاء فقالت: إن فراغ حياتي لن يملأه إلا الفن، ومن حسن الحظ أنني لا ~~أخلو من استعداد. ~~- سيدتي موظفة؟ ~~- كلا، ولا حاصلة على شهادة عالية، الثانوية العامة فقط، ولكني قارئة ممتازة، وكتبت أكثر ~~من تمثيلية إذاعية. ~~- لم يسعدني الحظ بسماعها. ~~- لا غرابة في ذلك. # وتفضلت بإغداق الثناء، فشكرت لها تقديرها فقالت: إني بحاجة إلى مراجع تاريخية لأواصل ~~الكتابة. ~~- مطلب يسير فيما أعتقد. ~~- أود أن أكتب عن أشهر نساء الشرق، وبخاصة اللاتي لعبن أدوارا خالدة في الحب. ~~- موضوعات شائقة. # فابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت: أطمع أن تشترك معي في العمل ..؟ # فاعتذرت بلا تردد قائلا: إني مشغول بأعمال أخرى. ~~- ممكن ms014 أن تمدني بالمراجع والمادة العلمية، وأن تشترك فيما يعجبك من الموضوعات. ~~- سأهديك إلى المراجع. # ولكنها تجاهلت اعتراضي، وقالت وهي ترمي بنظرتها إلى رءوس أشجار الحور تحتنا: سنعمل في ~~الحدائق. # ثم بعد توقف قصير: إلا إذا تفضلت بتشريف بيتي. # نجحت الغزوة الجديدة في اقتحام ترددي فتساءلت: بيتك؟ ~~- لم أعرفك بحالتي الاجتماعية، إني مطلقة، أقيم مع خالتي العجوز، ولي ابن وابنة ~~يقيمان مع والدهما. ~~- لكن خالتك؟! ~~- لا عيب في العمل. # ثم وهي تنظر بعيدا: يمكن تدبير الأمر لنهيئ جوا صالحا للعمل. ~~- ولكن ... ~~- ولكن؟ ~~- أصارحك بأنه من المؤسف ألا تنعم سيدة مثلك بحياتها الزوجية. # فقالت بامتعاض: لم تكن حياة موفقة، ولا يوما واحدا. ~~- عجيبة. ~~- علمني كيف أمقته، ولم أحبه من قبل. ~~- ولم قبلت الزواج منه؟ ~~- زوجت إليه، وأنا بنت ستة عشر، أبعد ما تكون عن النضج وبلا وزن لرأيي. ~~- زيجات سعيدة كثيرة بدأت كذلك. ~~- إنه أناني نذل متوحش. # لم تشأ أن تنتقل من العموميات إلى التفاصيل ففتر اهتمامي بالموضوع، وبخاصة وأنه أصبح من ~~ذكريات ماض بدا أنه ذهب إلى غير رجعة، حتى الفن نفسه تراجع إلى الهامش وذاب في الظلام. ~~وبحركة غير متوقعة تسللت يدها البضة فاستقرت فوق يدي على طرف المائدة: إني في حاجة إلى إنسان أطمئن إليه. # ورغم احتمال المبالغات بل والأكاذيب فإني شعرت نحوها بعطف ورثاء. ومع ذلك سألتها ~~مداعبا: يهمك الفن لهذا الحد؟ # فقالت ضاحكة: الفن والحياة! # ولكننا نسينا الفن والتاريخ ونحن نتجول في صحراء الهرم. تركزت همومنا في الواقع المعاصر، ~~واقع البيت بالذات، وخالتها بصفة خاصة، سنها الطاعنة، ونومها الثقيل، وحواسها ~~الضعيفة. ~~- إلا إذا أردت أن نلتقي في بيت آخر! # وباندماجي في المؤامرة تدفق طوفان الرغبة في دمي فقلت: ليكن اليوم. # ولكنها قالت بسرور وبلا مكر: أمهلني حتى أهيئ الجو. # وعندما جمعتنا الحجرة هفت على حواسي أخلاط روائح مركزة من العطر والبرفان، والخمر، تسبح ~~في أمواج نور أحمر خافت، فردتني إلى ذكريات بعيدة ما كنت أتصور أنها ستعود، وجدتني مرة ~~أخرى موثقا بالحرير، مذعنا لرغبة سكري بيقظة مباغتة، ms015 وبلا حب بالمعنى الحقيقي. أما أماني ~~فكانت متفانية في المودة ، اهتدت إلى مرفأ بعد تخبط في ليل بهيم، لهفة بلا حدود على الحب ~~والحنان يزفرها قلب محروم من الحب والأمومة والثقة. وجعلت تصارحني بخباياها في لقاءاتنا ~~المتتالية: حالتي المالية حسنة، ليس لدي ما أشكوه من هذه الناحية. # أو تقول: ربنا يسامح بابا ويرحمه، كان السبب. # أو تقول: لا أمان لشبان هذه الأيام، ربنا يحفظ بنتي. # وتضخم شعوري بالمسئولية، وكان يستفحل كلما تذكرت بأن حياتنا المشتركة تقوم على غير ~~أساس مشترك، وأنه لا يمكن أن تمضي هكذا إلى الأبد، وأن العطف والجنس لا يكفيان لاستتباب ~~الأمن في أسرتنا ذات الجناح الواحد. وذات يوم من أيام العام نفسه - أواخر الصيف أو أوائل ~~الخريف - زارني في مكتبي الأستاذ عبده البسيوني، تذكرته من أول نظرة رغم التغير الهائل ~~الذي طرأ عليه، ورحبت به بحرارة كأننا لم نفترق حوالي ربع قرن على الأقل. ترى ماذا ~~غيره بهذه الدرجة، رغم أنه لا يكبرني بأكثر من بضعة أعوام؟ وسألته: ماذا تفعل ~~الآن؟ # ولكنه تجاهل سؤالي وسأل بدوره: لعلك تسأل عما دعاني إلى زيارتك بعد ذاك العمر من ~~الانقطاع؟ # فقلت ببراءة: لعله خير يا زميلي القديم. # فقال وهو يرمقني بهدوء: إني أزورك بصفتي زوج أماني محمد! # مرت ثانية وأنا لا أعي لقوله معنى، وفي الثانية التالية انفجر معناه في وعيي كصاروخ. ~~الحق أني غبت عن الوجود بمعنى ما، تلاشى المكان والزمان، لم أعد أرى إلا وجه عبده ~~البسيوني الأسمر المستدير، كأنه وجه شخص آخر، وجه تمثال يقوم أمام مكتبي منذ الأزل. لم أنبس ~~بكلمة، وطبعا لا فكرة لي عن الصورة التي انطبعت فوق صفحة وجهي، ولكنه هز رأسه بهدوء وقال ~~بنبرة مستأنسة: لا داعي للجزع. # وابتسم ابتسامة ما وقال: لا علم لك بشيء. # ثم بتوكيد: لم أحضر للانتقام. # مضيت أرجع إلى مقعدي وحجرتي، ولكن شعورا حادا اجتاحني بأن دنياي على وشك التصدع ~~والتلاشي. # وسمعته يقول: من حسن الحظ أن الأيام التي عشتها في باريس لم تضع عبثا! # وقلت ms016 وأنا مستسلم تماما للمقادر: لعلك تعني امرأة أخرى. ~~- أعني المرأة التي كنت عندها أمس! ~~- ولكنها مطلقة! ~~- بل هي على ذمتي وأنا زوجها! # فغمغمت: يا لها من كارثة! ~~- لم أزرك بدافع غضب أو انتقام. ~~- ولكني أموت أسفا وحزنا. ~~- لا ذنب عليك. # ثم بامتعاض شديد: وما أنت إلا آخر صيد لها! ~~- ماذا؟ ~~- مرة ومرة ومرة، وفي كل مرة أتدخل لإنقاذها من التدهور، لإنقاذ مستقبل ابني ~~وابنتي. ~~- يا لها من حياة! ... ولكن ... # وتريثت مرهقا ثم عدت أتساءل: ولم تتحمل ذلك كله؟ ~~- لا مفر، إني أرفض تطليقها رغم مطالبتها به. ~~- لم؟ ~~- هي أم ابنتي وابني، وهما في طور المراهقة، والطلاق يعني لها التدهور حتى ~~الاحتراف! ~~- قد تتزوج مرة أخرى. ~~- لم تعد أهلا لذلك! ~~- موقف عسير محزن. ~~- لذلك فإني مصمم على استردادها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن حسن الحظ أن حياتي في ~~باريس لم تضع هدرا! # فقلت بحزن: ما أبغض الحياة إذا فسدت! ~~- أجل، لعلها حدثتك عني، وعندي أيضا ما أقوله، ولكني مصمم على إنقاذ ما يمكن ~~إنقاذه. # فقلت متأسفا: ما تصورت يوما أن أقف منك موقفي هذا! # فلم يكترث لأسفي هذه المرة. أشعل سيجارة وراح يدخن متفكرا، بدا لي هرما متهدما، ثم ~~نظر إلي قائلا: أنت تذكر بلا شك حياتي الماضية! # أجل أذكر، زمالته في الجامعة، سفره إلى باريس في بعثة خاصة على حسابه، عودته بعد عامين أو ~~ثلاثة بلا نتيجة، انتخابه عضوا بمجلس النواب، تمتعه بجاه الأسرة والحزب والنيابة، قلت: ~~طبعا أذكرها. # فقال: لما قامت ثورة يوليو لم أجد تناقضا بينها وبين فكري الحر. ~~- معقول جدا. ~~- وعملت في نطاقها بإخلاص، ولكني اتهمت ظلما في مؤامرة اتهم بها بعض أقطاب الحزب ~~فقبض علي حينا ثم صودرت أملاكي. # وجمت لا أجد ما أقوله فقال: وجدت نفسي في الطريق متسولا! ~~- ولكن حرمك ذات مال! # فضحك قائلا: أفقر من الفقر نفسه، لها خالة غنية ولكن لها وريثا، ولعلها كذبت عليك في ~~ذلك أيضا. # وشملنا الصمت حينا حتى قلت: أذلك ما أفسد حياتكما؟ ~~- كلا، لقد توثبت للعمل الجدي ms017 من أول يوم، كرست وقتي وما أزال للترجمة والاقتباس، ~~واستعنت على النشر ببعض الزملاء القدامى المنتشرين في الصحف والمجلات، غير أن أخلاقي ~~تغيرت في سياق المحنة، ونشب نزاع متواصل بيني وبينها. ~~- ولكن تلك أمورا طارئة يمكن معالجتها. ~~- كان قد فسد الأمر. ~~- خسارة فادحة وغير مقنعة. ~~- إنها حمقاء، غير جديرة بالمحافظة عليها، لولا مصلحة ابني وبنتي. # وصمت لحظات ثم قال بنبرة اعتراف: ضربتها مرة وأنا فريسة لجنون الغضب فلم تغفرها ~~لي. ~~- يؤسفني ما صادفك من سوء حظ. # فقال بنبرة متجددة: إني أطالبك بقطع علاقتك بها. # فقلت وأنا لا أصدق بالنجاة: طبعا. ~~- وأن تحاول إقناعها بالرجوع إلى بيتها. ~~- سأبذل جهدي وفوقه. # فقال وهو يلوح بحركة قاطعة: حسبنا كلاما في هذا الموضوع البغيض. # تنفست من الأعماق. وجعل يتذكر عهدنا القديم. وذكر فيمن ذكر الدكتور إبراهيم عقل، ~~وأستاذنا الدكتور ماهر عبد الكريم. قال: لقد انقطعت عن صالونه منذ سفري إلى باريس، ولكني ~~زرته مرارا زيارات خاصة، وأفكر في الرجوع إلى اجتماعات الصالون. # وهز رأسه قائلا: لقد ضاعت أراضي أسرته في الإصلاح الزراعي، وباع قصر المنيرة وابتاع ~~فيلا في مصر الجديدة، انتقل إليها صالونه العتيد. ~~- أعرف ذلك فأنا من المترددين عليه بانتظام منذ عام 1930. # فراح ينوه بنشاطي وتقدمي ثم قال: إني أكدح بلا انقطاع للمحافظة على كرامتي. ~~- أنت مثال طيب. ~~- ولدي مشروعات ترجمة لا حصر لها .. كتب .. مسرحيات .. قصص سينمائية. ~~- عظيم .. عظيم. ~~- ولكن تلزمني عقود مع المؤسسات الثقافية. ~~- اعرض ما لديك. # فسكت قليلا ثم قال: قيل لي إنه لا جدوى من العرض وحده؟ # فتساءلت متبالها: ماذا تعني؟ ~~- قيل إن الوصول قد يقتضي مالا ولا مال لدي! ~~- لا تصدق جميع ما يقال! ~~- أو أن أكتب مقالات نقدية تقديرا للبارزين في المؤسسات. ~~- قلت لا تصدق. ~~- أنا على استعداد لتقرير أن أي بغل فيهم أعظم من أحمد شوقي، ولكن المتنافسين في ~~التقدير لم يدعوا مجالا لشخص مثلي، لم يعرف كناقد من قبل! .. وفضلا عن ذلك فلست إذاعيا ~~ولا تلفزيونيا؛ لأدعوهم إلى برامج أو أعرض أعمالهم، فلم يبق أمامي ms018 إلا الطريق الطبيعي، ~~وهو كما تعلم غير طبيعي. # وضحك لأول مرة فشعرت بالنجاة أكثر، وحاولت تبديد ظنونه وتشجيعه. وقام وهو يذكرني ~~بمطلبه الأصلي فقلت له: سأبذل ما فوق طاقة الإنسان. # وقد بررت بوعدي. وما إن طرقت الموضوع حتى هتفت أماني: الوحش وصل إليك! # واحترقت عيناها بنار الغضب فذكرتها بواجبها نحو ابنها وابنتها فصاحت: أنت لا ~~تعرفه! # فقلت: بل أعرفه من قديم، ليس شيئا كما تتوهمين، وهو خير من كثيرين. ~~- كلا .. أنت لا تعرفه. # فأصررت على نصحها فصاحت: كفى .. لا تضطهدني. ~~- بل لي عليك عتاب، كيف تخفين عني علاقتك الزوجية وأنت تعلمين أنه يطاردك؟ # فهتفت: لا غيرة عنده ألبتة! ~~- إنه يحب ابنه وابنته. ~~- بل يحب نفسه وحدها. ~~- المسألة ... # فقاطعتني بحدة: المسألة أنك لا تحبني. # ثم وهي تجفف عينيها: مات الحب في هذه الدنيا منذ زمن بعيد. # ثم رمتني بنظرة عتاب وقالت: لم تقل لي إنك تحبني ولا مرة واحدة، ولكني لا ألومك. # فقلت معتذرا: أنت تستحقين الحب أما أنا فلم أعد أهلا له. ~~- كلام .. كلام .. كلام. ~~- ستجدين في بيتك ما هو أهم. # رجعت وفي أعماقي شعور بالتحرر والنجاة والندم، ثم اجتاحني حزن عميق. وظل إحساس حاد ~~بالرثاء يطاردني نحو زميلي القديم عبده البسيوني وزوجه أماني محمد، وتوقعت أن يتصل بي ~~ولكنه لم يفعل، وأردت أن أتصل بها لأطمئن عليها، ولكني لم أجد فرصة ولا وسيلة، والتقيت بعد ~~ذلك بأزمنة متفاوتة وفي أماكن مختلفة بعبده البسيوني، فأشعرني سلوكه بأنه يتقدم في طريقه ~~المرسوم بإرادته الكادحة. وفي 1968 أو 1969 وكنت سائرا بشارع رمسيس أمام مبنى التليفون ~~وجدت أماني مقبلة نحوي على بعد خطوات! وبحركة عفوية مددت يدي فصافحتني بلهوجة وارتباك ~~أشعراني بتسرعي وخطئي، وهمست معتذرا: إن شاء الله تكونين بخير! # فأجابت وهي تمضي: الحمد لله. # تبدت مفرطة في البدانة والرزانة، غير أن ارتباكها أقنعني بأنها تعاني مسئولية السيدة ~~المتزمتة إذا ورطتها ظروف خارجة عن الإرادة في مصافحة رجل «غريب». # | أنور الحلواني # اسمه قادر على استدعاء عالم متكامل بأسره. ميدان بيت القاضي المتربع ms019 بين الجمالية ~~وخان جعفر والنحاسين، وأشجار البلح المثقلة بأعشاش العصافير، وقسم الجمالية العتيق، ~~وحوض الماء القائم في الوسط تسقى منه البغال والحمير، وكشك حنفية المياه العمومية، وهو ~~ملعب طفولتي وصباي، وكنت أتطلع باهتمام إلى أنور الحلواني في ذهابه من بيته الملاصق ~~لبيتنا أو في إيابه إليه. لم يكن شابا عاديا، كان من رواد المتعلمين الأوائل في الحي، ~~كان طالبا بمدرسة الحقوق، وربما كنت معجبا بطربوشه المفرط في الطول، وشاربه الغزير ~~المبروم، وبذلته الأنيقة، وكان يسير في رزانة لا تناسب سنه فكان يحلو لي أن أقلده ما ~~تيسر لي ذلك، وكنت أتذكر جيدا الشربات الذي شربته احتفالا بنجاحه في البكالوريا، ~~قدمته لي أمه بيدها، وهي امرأة من أصل ريفي كان يحلو لي أيضا أن أقلد لهجتها، والظاهر ~~أن أحداثا كانت تجري في خفاء من حولي، وأنا ألعب تحت أشجار البلح. # استيقظت ذات صباح على صوات يترامى من بيت جيراننا. وحدث اضطراب شامل في بيتنا فجعلت ~~أتمسح من المضطربين والمضطربات مستطلعا، وعرفت في ذلك الصباح أن جارنا الشاب أنور ~~الحلواني قد قتل برصاصة في مظاهرة، بيد جندي إنجليزي، عرفت لأول مرة فعل «القتل» في تجربة ~~حية لا في حكاية من الحكايات الشعبية، وسمعت لأول مرة عن «الرصاصة» في أول اتصال سمعي ~~بإحدى منجزات الحضارة، وثمة لفظة جديدة أيضا «مظاهرة» استدعت الكثير من الشرح والتفسير، ~~وربما لأول مرة سمعت عن ممثل جنس بشري جديد في حياتي الصغيرة هو «الإنجليزي». وتطايرت ~~الأحاديث في البيت وفي الميدان مكررة لتلك الكلمات ومضيفة إليها غيرها مثل الثورة ~~والشعب وسعد زغلول. انهمرت علي الكلمات حتى أغرقتني وانطلقت مني الأسئلة بلا حساب ~~وبإلحاح شديد، قتل .. ما معنى قتل؟ وأين ذهب أنور؟ وماذا ينتظره في العالم الذي ذهب إليه؟ ~~ومن الإنجليزي؟ ولم قتله؟ وما معنى الثورة؟ وما معنى سعد زغلول؟ وما وما وما؟ وما لبثت ~~الأحداث أن تدافعت إلى الميدان نفسه في جنون خيالي. # قبعت وراء شيش النافذة أنظر بعينين محملقتين إلى جموع البشر المتدفقة من ذوي البدل ~~والجبب والقفاطين ms020 والجلاليب، حتى النساء في الحناطير والكارو، يحملون الأعلام ويهتفون، ~~وسمعت أزيز الرصاص ، أجل لأول مرة أسمعه، ينطلق من اللوريات ومن فوق صهوات الخيل، ورأيت ~~الإنجليز رؤية العين بقبعاتهم العالية وشواربهم النافرة ووجوههم الغريبة، ورأيت الجثث ~~بالعشرات مطروحة في جوانب الميدان، ورأيت الدم البشري يلطخ الملابس وأديم الأرض، ~~وسمعت الحناجر وهي تهتف من الأعماق «يحيا الوطن»، و«نموت ويحيا سعد». # | بدر الزيادي # كان زميلا بالمدرسة الثانوية، وكان بدينا خفيف الروح، يحب الطعام واللعب والبنات ويحب ~~الوطن، وكان أبوه ضابط المدرسة، عاصرناه عامين، ثم اتهم في ظروف لا أذكرها بالعيب في ~~الذات الملكية فقدم إلى المحاكمة التي أدانته وحكمت عليه بالحبس ستة أشهر مع وقف ~~التنفيذ، ولكنه فصل من وظيفته، وكان بدر يفاخر بشجاعة أبيه ووطنيته فجاريناه في ذلك؛ إذ ~~كان العيب في الذات الملكية يعد درجة لا بأس بها من درجات الجهاد يضمن لصاحبه موضعا في ~~صفحة المجاهدين، وكان بدر تلميذا عاديا في الفصل، بل خاملا، أما مجده الحقيقي فكان ~~يتألق في فناء المدرسة. في فناء المدرسة كان قطبا ينجذب إليه بعض تلاميذ فصله، وتلاميذ من ~~الفصول الأخرى، وعندما يجد نفسه محورا تتحرك مواهبه ويجيش صدره بالعطاء، فيلقي بعض الأزجال ~~الوطنية، ويحكي النوادر اللطيفة، أو يتصدى لتحديات غريبة، سألنا مرة عن أوفق الأماكن ~~لممارسة الحب، فأجاب كل بما خطر له، ولكنه جعل يهز رأسه ساخرا حتى نضب معين خواطرنا، ثم ~~أجاب هو قائلا: القرافة! # ودهشنا، وضحكنا مما ظنناه مزاحا فعاد يقول: في المواسم يبيت الناس في أحواش المقابر، ~~نساء ورجالا، والنساء يكن عادة أضعاف أضعاف الرجال، وفي ظلام الليل تسنح فرص لا ~~تخطر على بال. # فقال بعضنا: ولكنها مناسبة لا تفتح النفس للحب! # فقال بيقين: الحب لا يتخير مناسبة فهو صالح لكل مناسبة! # وقص علينا كيف انقض على خادمة في مكان خال من البيت، وجثة عمته مسجاة تنتظر من ~~يكفنها، والنائحات ينحن في ساحة البيت، وفي ذاك المجال كانت له حكايات غريبة لا تنفد، ~~أما امتيازه الحق فقد ناله بكل جدارة في ms021 كرة القدم، كان قلب الهجوم في فريق المدرسة، ورغم ~~بدانته اشتهر بالسرعة وخفة الحركة غير أن اندفاعه المتناقض مع وزنه كان يثير في ~~الملعب عاصفة من الضحك، وعرف بقدرته الخارقة في المحاورة والمداورة، والسيطرة على الكرة ~~كأنما يشدها إلى مجال قدميه بقوة مغناطيسية، والمكر الأريب الذي يفقد أعداءه توازنهم ~~ويطرحهم أرضا، كما امتاز بقوة ضرباته للكرة. # وكان يعد نفسه للعب في النوادي، ويحلم بالاشتراك في الأوليمبيات العالمية، وكان مستر ~~سمبسون المدرب العام بوزارة المعارف يعجب به، فنصحه في ختام إحدى المباريات العامة بين ~~المدارس بتخفيف وزنه، فكانت استجابته للنصيحة أن التهم - في حفل الشاي الذي أعقب ~~المباراة - طورطة كاملة وحده مع عديد من السندوتشات والفطائر! # وذات صباح وقف بدر الزيادي يهتف - مع الهاتفين - بحياة دستور 1923 وسقوط ~~الدكتاتورية. # كان الملك فؤاد قد أقال مصطفى النحاس، وعهد بالوزارة إلى محمد محمود، فأعلن هذا تأجيل ~~العمل بالدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وأضربت المدارس جميعا، ومنها مدرستنا، غير أن ~~قوات الشرطة حاصرتنا فلم نتمكن من الخروج، ولكي نتسلح بما يلزمنا في المعركة اقتلعنا ~~الأشجار، والنوافذ، والأبواب، واقتحمنا المطعم فاستولينا على الأطباق والحلل والمغارف ~~والشوك والسكاكين. وتصاعدت هتافاتنا العدائية مقتحمة كل مقام حتى مقام الملك. وعند ذاك هجم ~~الجنود فجأة ومن جميع الأبواب وانهالوا علينا بالعصي الطويلة على حين أطلق الكونستبلات ~~الإنجليز الرصاص في الهواء على سبيل الإرهاب. ودارت معركة غير متكافئة، ولم ينج واحد منا ~~من ضربة أو أكثر، وسقط جرحى كثيرون، واستشهد فراش وتلميذ. كان بدر الزيادي هو التلميذ ~~الشهيد إذ قضت عليه ضربة أصابت مؤخر رأسه. وصممت المدرسة على تشييع جنازته في اليوم ~~التالي، ولكن الشرطة ضربت حصارا حول قصر العيني الذي كان عامرا بالشهداء من جميع المدارس. ~~وحملت الجثث رأسا من المستشفى إلى المدافن تحت حراسة الشرطة، ولكننا ذهبنا فرادى إلى بيت ~~ضابط مدرستنا القديم لنقدم له واجب العزاء. وما زال الرجل حيا حتى اليوم ولعله في ~~الخامسة والسبعين من عمره. أراه نادرا في بعض زياراتي للعباسية، وهو جالس في ms022 مقهى صغير ~~قريب من مسكنه، مهدما بالكبر وضيق ذات اليد فيما يبدو ، لا يتصور من يراه أنه كان من ~~ذوي العقائد الحرة أو أنه جابه الحياة بشجاعة، وأنه فقد في سبيل ذلك وظيفته وابنه. ومن ~~مكانه المنزوي يراقب السيارات المنطلقة حاملة الناجحين من رجال المجتمع المعتزين بإقبال ~~الحياة الذين لم يكتووا بنار تضحياتها وقيمها السامية. ترى ماذا يدور بخلده وهو يتابع هذا ~~التيار الغريب المتدفق؟ أم إن الكبر والزمن قد أعفياه من كل شيء إلا ما يعانيه في ~~لحظته العابرة! # أما بدر فما زالت الصورة التذكارية لفريق كرة القدم تجمعنا، وهو يتوسط الفريق، الكرة ~~بين قدميه، يطالع الكاميرا بنبرة مرحة مترعة بالثقة بالنفس. # | بلال عبده البسيوني # التقيت به مصادفة في فيلا جاد أبو العلا في أوائل عام 1970، ورغم أننا لم نتصادق، ~~بل ولم نلتق مرة أخرى إلا أنه ترك في نفسي أثرا يستحق أن يذكر، ولما ذهبت إلى الفيلا ~~ذلك المساء لم يكن ببهو الاستقبال إلا الأستاذ جاد أبو العلا، وزميلي القديم عبده البسيوني، ~~وشاب وسيم به شبه منه سرعان ما قدمه لي قائلا: ابني .. الدكتور بلال. # وفي الحال تذكرت قصة الابن والابنة اللذين كانا محور حديث ذي شجون بين عبده وبيني، ثم ~~بيني وبين أماني محمد منذ سنوات خمس، واشتركت في حديث مما يجري بلا هدف وقد عاودني شعور ~~بالذنب القديم، وإذا بعبده البسيوني يقول مشيرا إلى ابنه: الدكتور يفكر في ~~الهجرة! # واسترعى قوله اهتمامي فنظرت إلى الشاب من جديد بحب استطلاع آسر، إن كلمة «الهجرة» من ~~الكلمات الجديدة التي غزت قاموس حياتنا، وأثارت في جيلنا القديم العجب، ها هو واحد من ~~فرسانها فما أطيب الفرصة! # وعاد عبده يقول: إنه مرشح لبعثة دراسية قصيرة بالولايات المتحدة، ولكنه يضمر ~~الهجرة. # فسأله جاد أبو العلا: وما رأيك أنت؟ # فأجاب عبده ضاحكا: وما قيمة رأيي أو رغبتي؟ ~~- على سبيل العلم بالشيء؟ ~~- لا أوافق. ~~- وأماني هانم؟ # ضاعف من ارتباكي الخفي ذكر الاسم، ولكني عرفت لأول مرة أنها رجعت إلى أسرتها، كما ~~أدهشني أن ms023 يتحدث جاد عنها بتلك الألفة، أما عبده فأجاب: إنها ترحب بالفكرة وتتخيل أنه ~~سيكون بوسعها أن تسافر إلى الولايات المتحدة كلما شاءت. # فضحك مضيفنا وجاريته في ضحكه، ثم قال مخاطبا الشاب: ينتظرك هنا مستقبل ~~باهر. # فقال الدكتور بلال: إني أتطلع إلى بيئة علمية صحية. # فقال عبده البسيوني: إن هجرة صديق له يدعى الدكتور يسري أدارت عقله، ولكنه في اعتقادي شخص ~~شاذ لا يصلح مثلا طيبا، كان طبيبا ناجحا سواء في المستشفى أم في العيادة، ولكن ~~غضبه على كل شيء لم يكن يهدأ لحظة واحدة، ولم يكن يكف عن النقد المر، كان يفور بكراهية ~~غريبة نحو البلد ومن فيه، فانتهز فرصة وجوده في إجازة دراسية ثم قرر البقاء هناك. # فقال دكتور بلال: ونجح هناك نجاحا فريدا، في العمل والبحوث على السواء. ~~- وكان هنا ناجحا أيضا فما معنى الهجرة؟! ~~- البيئة العلمية يا أبي! وإليك قصة وكيل قسم بالمستشفى الذي أعمل به، درس حتى حصل على ~~درجة الدكتوراه بامتياز رائع، انتظر أي تقدير فلم يظفر منه بشيء، بل حورب حتى لا يحتل ~~المكان العلمي اللائق به، فما كان منه إلا أن هاجر، ولدى عرض بحثه في الولايات المتحدة ~~تلقى أكثر من عرض للعمل في الجامعات والمستشفيات. # لاحظت أنه كان يتكلم بحدة تقارب الغضب، فقلت: قد يوجد خلل، ولكن ليس للحد الذي يدفع ~~الناجحين إلى الهجرة. # فقال لي دون أن يخفف من حدته: بل الشأن في كل شيء يدعو للرثاء! ~~- حسن أن تشعر بذلك وأن تؤمن به، ولكن من ذا الذي ينبري للإصلاح سواكم؟ ~~- لن أشغل نفسي بهذه الأفكار. ~~- ولكن وطنك قيمة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها؟ # فقال بهدوء نسبي: وطني الأول هو العلم! # ثم بعد تردد كأنما حاسب فيه نفسه: الوطن ... الاشتراكية ... القومية العربية ... ماذا أقول؟ لا ~~تتصورني عابثا ... كلا ... ولكن ماذا بقي لنا بعد 5 يونيو؟! # فقلت: مضت على النكسة أعوام خليقة بأن تجعل منها درسا لا نكسة. # فقال لي عبده البسيوني: لا فائدة، إنه جيل لا يقتنع إلا بما في رأسه. ms024 # فقال جاد أبو العلا: لا بأس من ذلك ولكن لا يجوز أن ينسى وطنه. # فقال الدكتور بلال: لا منقذ لنا سوى العلم، لا الوطنية ولا الاشتراكية، العلم والعلم ~~وحده، وهو يواجه المشكلات الحقيقية التي تعترض مسير الإنسانية، أما الوطنية والاشتراكية ~~والرأسمالية فتخلق كل يوم مشكلات نابعة من أنانيتها، وضيق نظرها، وتبتكر لها من الحلول ما ~~يضاعف في النهاية من حصيلة المشكلات الحقيقية. # فسألته: وماذا يمنعك من أن تكون باحثا وعالما في وطنك؟ ~~- توجد موانع وموانع، استعداد بدائي للبحث وجو خانق للفكر والعدالة والتقدير، لذلك أفكر ~~في الهجرة، وسأكون في أمريكا أعظم فائدة لوطني مما لو بقيت فيه، فالعلم لجميع البشر، ~~باستثناء علم الحرب والهلاك فالعلم لجميع البشر. # وسأل جاد أبو العلا عبده البسيوني: وماذا عن شقيقته؟ ~~- ستحصل على بكالوريوس في الصيدلة في نهاية العام الدراسي وهي متحمسة أكثر منه ~~للهجرة. # فضحك الرجل عاليا وقال: وفتى الأحلام؟ ألم تفكر في هذه المشكلة؟ ~~- إن ما نعده مشكلة يعدونه لعبا. # فقال جاد أبو العلا: من المؤسف أن الفن لم يقدم لنا بعد نموذجا من هذا الجيل، كم أود ~~أن أسبق إلى ذلك! # فقلت له: إنه يتقدم بلحمه ودمه فوق مسرح حياتنا المسكينة! # فقال عبده البسيوني مخاطبا ابنه: إنكم تحلمون بالهروب والسفينة تواجه العاصفة! # شعرت بأن عبده غير جاد في معارضته، وأنه لا يحسن إخفاء إعجابه بابنه، وهز الدكتور ~~بلال منكبيه استهانة، فأيقنت أنه يمثل موقفا جديدا من «الوطنية»، تلك الأمانة القديمة ~~التي أرهق جيلنا حملها. وقال بلال ضاحكا وقد ذكرتني ضحكته بأمه: الحق أني أحلم بهيئة ~~علمية تحكم العالم لخير العالم. # فسألته: وماذا عن القيم؟ .. العلم لا يتعامل معها، وحاجة الإنسان إليها لا تقل عن حاجته إلى ~~الحقائق. # فنظر إلي فيما يشبه العجز ثم قال: يجب ألا يعني ذلك التمسك البائس عديم الجدوى بقيم ~~بالية، إنكم لا تتمسكون بها إلا خوف المغامرة بالبحث عن غيرها، والعلم لا يعطي قيما، ~~ولكنه يضرب مثالا حسنا في الشجاعة، فعندما تهاوت الحتمية الكلاسيكية كيف نفسه برشاقة ~~فوق ms025 أرض الاحتمال، وتقدم لا ينظر إلى الوراء. # فقال جاد أبو العلا: من العبث أن تناقش قوما ليس بينك وبينهم لغة مشتركة. # فقلت وقد أخذ رأسي يحمي بالحدة: إنكم تودون الهجرة إلى الحضارة بدل أن تنموها في ~~أرضكم. # فقال محتدا: الإنسان في الأصل كائن مهاجر، وما الوطن إلا المكان الذي يوفر لك السعادة ~~والازدهار، لذلك لا تقبل على الهجرة إلا الصفوة، أما المتخلفون ... # وتوقف كالمتردد فقلت: أما المتخلفون فيحسن التخلص منهم! # فباخت حدته وقال ضاحكا: لو سار الازدياد السكاني على معدله الحالي، وعجزت الوسائل عن ~~تغذيته فربما تقضي المصلحة العامة للحضارة بإفناء أجناس برمتها! # فهتف به أبوه: حسبك! # وقال جاد أبو العلا: ما أسعد إسرائيل بكم! ~~- فعاودت الشاب حدته وهو يقول: أتحدى إسرائيل أن تفعل بنا مثلما فعلناه بأنفسنا! # وقد بت ليلتي متفكرا في حديث الدكتور بلال، مستعيدا جمله وعباراته، متأملا ~~الموضوع من شتى جوانبه، حتى اقتنعت في النهاية بأنه لا نجاة للجنس البشري إلا بالقضاء على ~~قوى الاستغلال التي تستخدم أسمى ما وصل إليه فكر الإنسان في استعباد الإنسان، وخلق صراعات ~~مفتعلة سخيفة تستنفد خير ما فيه من إمكانيات رائعة، وذلك كخطوة أولى لجمع العالم في وحدة ~~بشرية، تستهدف خيرها معتمدة على الحكمة والعلم، فتعيد تربية الإنسان باعتباره مواطنا في ~~كون واحد، وتهيئ لجسمه السلامة ولقواه الخلاقة الانطلاق ليحقق ذاته ويبدع قيمه ويمضي ~~بكل شجاعة نحو قلب الحقيقة الكامنة في ذلك الكون الباهر الغامض. إما ذلك وإما مستقبل ~~جعلني أشعر بالامتنان لكوني من جيل يوشك أن يختم رحلته في هذه الحياة العجيبة التي تدور ~~بخيرها وشرها فوق فوهة بركان. # وقد التقيت بعبده البسيوني بعد مرور أشهر في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم فبادرته ~~بالسؤال عن ابنه فأخبرني بأنه سافر، ثم قال: وستلحق به أخته في القريب! # ثم قال بنبرة اعترافية: أجد كثيرا غمزا أليما في قلبي، ولكن زماني علمني التسليم ~~للمقادر. # وبعد قليل من الصمت عاد يقول: لا أخفي عنك أني مقتنع بقرارهما، لم لم تؤهلنا دراستنا ~~العقيمة للهجرة؟! # فقلت: ms026 العلم لغة عالمية أما مهنتنا فألغاز محلية. # وأفضيت إليه بالخواطر التي اجتاحتني عقب استماعي لحديث ابنه فضحك طويلا ثم قال: نحن ~~الكهول مطالبنا يسيرة، سعادتي اليومية تتحقق لدى شرب قدح من القهوة باللبن مع قطعتين من ~~البسكوت. # | ثريا رأفت # رأيتها أول عهدي بالوظيفة عام 1935، كانت تتردد على الوزارة لزيارة عمها فقدمني ~~إليها فتعارفنا، وكانت طالبة بالمعهد العالي للتربية، وعلى وشك أن تعمل مدرسة، وكانت ~~متوسطة الجمال، ولكن بارعة القد والقامة، تنم عيناها عن ذكاء وشخصية، ولاحظ الأستاذ ~~عباس فوزي، وكيل السكرتارية إعجابي بها؛ فقال لي يوما - عقب ذهابها مباشرة - وهو يوقع ~~لي على بعض الأوراق: آن لك أن تفتح بيتا وتستقر. # فأدركت أنني ضبطت متلبسا وقلت: أترى ذلك؟ ~~- إن صافي مرتبك ثمانية جنيهات وهي تكفي للزواج من اثنتين! # فضحكت وقلت مرددا مشاعر جيلنا: ولكن هل تحبذ الزواج من موظفة؟ # فقال بتهكمه المعهود: كما قد توجد منحرفة بين ستات البيوت فقد توجد مستقيمة بين ~~الموظفات! # فعلمت أنه يحذرني بأسلوبه الملتوي، ولكن سيطرة الفتاة الجنسية علي كانت فوق أي ~~تحذير فسعيت إلى توثيق علاقتي بها. وكانت - كطالبة - تتمتع بقدر من الحرية خليق بأن يثير ~~في سوء الظن، فضلا عن نظرة عينيها الساخنتين الجريئة، واستجابتهما المثيرة للقلق. كان ~~كل أولئك جديرا بأن يصدني عنها، ولكنه أغراني بها فانتظرتها في الخارج بدافع هو خليط من ~~حسن النية والجري وراء مغامرة. صافحتها وسرت إلى جانبها، وأنا أقول: أود أن نجلس معا ~~قليلا من الوقت. # فسألتني متظاهرة بالدهشة: لم؟ # فقلت: رغبة في مزيد من التعارف. ~~- ليس اليوم. # وأرادت أن تودعني فقلت: ولكنك لم تحددي يوما آخر؟ # فأبطأت قليلا كأنما غلبت على أمرها وقالت: ليكن يوم الاثنين، العاشرة صباحا، بحديقة ~~الحيوان. # ومع أن استجابتها لبت صميم أمنية القلب إلا أنها في الوقت نفسه ثبتت سوء ظني ~~بحريتها، وغلبت في نفسي جانب المغامرة على حسن النية، والتقينا أمام باب الحديقة، ~~ورحنا نتمشى في أرجائها ونتكلم، أعلنت عن إعجابي بها، ثم جرنا الحديث إلى تفاصيل ~~حياتينا، ومستقبلنا، وكانت عواطفي ms027 المكبوتة تعذبني، وكنت شديد الثقة في أنها ستستجيب لها ~~كما استجابت إلى الميعاد . وحاولت لدى أول فرصة لخلو المكان أن أقبلها، وتجنبتني، ~~ونظرت إلي، والظاهر أنها قرأت في عيني معاني لم ترتح لها فتساءلت في استياء: ماذا ~~بك؟ # فأشرت إلى خميلة وقلت: لنجلس هناك. # فقالت بحزم تغيرت به صورتها: يخيل إلي أنك أسأت بي الظن. # فقلت وموجة باردة تجتاحني: كلا. ~~- أو أنني أحسنت بك الظن خطأ. # فقلت بحرارة مصدرها الندم: لا هذا ولا ذاك من فضلك! # أجهضت العاصفة؛ فجلسنا جلسة بريئة، وواصلنا حديثنا الجاد السعيد، ثم افترقنا على ميعاد ~~جديد، وانجذبت إليها بقوة فحتى الزواج منها فكرت فيه جادا وراغبا. وفي اللقاء الثاني ~~أهدتني قلم أبنوس فأثرت في الهدية تأثيرا نافذا وساحرا، وقالت لي: ترددت طويلا، ~~فكرت في الانقطاع عنك. # فسألتها بجزع: لم؟ ~~- أخاف من خيبة الأمل. # فضغطت على يدها بحنو وقلت: أنت تدركين تماما أنني أحبك. # وفي المقابلات التالية تبلور الاتفاق بيننا، وفكرنا في الخطوات العملية التي تسبق عادة ~~إعلان الخطوبة، وجاءت معها مرة شقيقتها الكبرى المتزوجة، وتركز الحديث في الوظيفة، وهل ~~تبقى بها أم تتفرغ للبيت، وقلت ببراءة: لا أتصور كيف يستقيم أمر البيت إذا تمسكت ~~بالوظيفة. # فتساءلت شقيقتها: وعلام كان الجهد والتعب؟ # فقلت: إن مرتبي يغنينا عن توظيفها، ويوفر جهدها للبيت. # فقالت الأخت ضاحكة: رغم ثقافتك فأنت دقة قديمة. # وقالت ثريا: لم يسألني أحد عن رأيي بعد؟ # فقلت: ولكنك تشتركين معنا بصمتك. ~~- كلا! ~~- إذن فما رأيك يا عزيزتي؟ ~~- سأعمل فيما أهلت نفسي له حتى النهاية. # ثم كان آخر لقاء قبل الميعاد الذي حددنا لإشراك الأسرتين، وجدتها على غير عادتها قلقة، ~~مشتتة الفكر، فقلت: يوجد شيء يشغلك. # فقالت ببساطة: نعم! ~~- ما هو؟ ~~- لا يجوز تأجيله أكثر من ذلك. # وبسرعة استطردت: وأعترف أني أخطأت في تأجيله حتى هذه اللحظة. ~~- شيء خطير؟ ~~- يجب أن نتكاشف! ~~- ألم نتكاشف بما فيه الكفاية؟ ~~- كلا .. الحب يطالبنا بالصدق. # فقلت بقلق: طبعا. # فقالت وهي تغمض عينيها: يجب أن أصارحك. # اعترفت بأن شخصا ما «خدعها» وهي ms028 في سن البراءة! وفي أثناء الاعتراف القصير اغرورقت ~~عيناها، لم أفهم شيئا بادئ الأمر، ثم أدركت كل شيء ببلاهة كأنه دعابة، ثم اجتاحني شعور ~~قدري بأن كل شيء محتمل، وأنني لا شيء، ثم هبطت في هاوية من الخمود والفتور والاستسلام ~~المشلول، كأنها حفرة في قلب الشتاء ردمت بطبقات من الرماد. وجعلت ترنو إلي من خلال ~~رموشها المبتلة ثم همست بيأس: ألم أقل لك؟ # فتساءلت ببلاهة: هه؟ ~~- أنت لا تحبني. ~~- أنا! .. لا تقولي ذلك. ~~- لن تغفر لي. # فسألتها جاذبا نفسي من تيار أفكارها: من هو؟ ~~- لا يهم. # فسألت مصرا: من هو؟ ~~- وغد من الأوغاد! ~~- ولكن من هو؟ ~~- لا تعذبني. # وتناولت حقيبتها وهي تقول: أستودعك الله. # فقلت بآلية: لا تذهبي. # فنهضت وهي تقول: أعطيتني الجواب بلا كلام. ~~- ولكني لم أتكلم. ~~- إني أرفض ما دون الثقة الكاملة. # فقلت وأنا أجد ارتياحا في الأعماق لنهوضها: تلزمني دقائق للتفكير. # فقالت وهي تمضي في كبرياء: أستودعك الله. # بدت لي المشكلة عقدة غير قابلة للحل. تكشف حبي عن ولع عنيف ليس إلا، وكأن حبي القديم ~~لصفاء قد استنفد طاقتي للحب الحقيقي. وكانت تلك الهفوة مما لا يغتفر على أيامنا. كنا ~~نحارب طبقات كثيفة من الماضي العتيق كلما تلاشت طبقة برزت تحتها طبقة راسخة تتطلب ~~المعاناة والعناء لقهرها، كان علينا أن نقطع خمسة قرون وستة في ربع قرن. حزنت وخاب أملي ~~ولكني لم أشك لحظة في أن ثريا قد خرجت من حياتي إلى الأبد، وامتنعت عن الحضور إلى ~~الوزارة لزيارة عمها فلم تقع عيني عليها حتى كان المعرض الزراعي الصناعي الذي أقيم قبيل ~~نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939. كنت أمضي وقتا في لونابارك الملحقة بالمعرض، ومعي ~~صديق صباي عيد منصور، فمرت بنا ثريا بصحبة شقيقتها الكبرى وأبنائها، لم ترني ولكني ~~رأيتها، ولما رآها صديقي مال على أذني هامسا: انظر إلى تلك الفتاة! # فسألته: ما لها؟ ~~- من حي السكاكيني وجارة لخالتي. # وضحك ضحكة خبيثة، ورسم بيده حركة وقحة أدركت منها أنه الوغد المعتدي، فقلت بامتعاض لم ~~يدرك مداه: أنت ms029 وغد! # فضحك باستهتار كعادته وقال: ورغم ذلك سمعت أنها مخطوبة وستتزوج في هذا العام! # ومرت أعوام كثيرة لم أر فيها ثريا، ولم أسمع عنها حتى ذهبت لزيارة الأستاذ سالم جبر ~~عقب النكسة، فوجدت ثريا ضمن آخرين مجتمعين به في مكتبه، كنت في تلك الأيام ألتمس مجامع ~~الزملاء والأصدقاء كما يلتمس المحترق مادة - غطاء أو ترابا أو ماء - ليطفئ به النار ~~المشتعلة في ملابسه. وجدت عند الأستاذ سالم جبر نفرا من الزملاء مثل جاد أبو العلا، ورضا ~~حمادة، وعزمي شاكر، وكامل رمزي، وسيدة وقورا فوق الخمسين عرفت فيها ثريا رأفت، ألقيت تحية ~~عامة وجلست فلم تلمس يدي يدها ولكني شعرت بأنها تذكرتني كما تذكرتها، وكان الحديث يدور ~~حول النكسة، تحديد أبعادها، تحليل أسبابها، واستقراء الغيب عنها، ومضى الزملاء في الانصراف ~~ثم قامت ثريا فصافحت الأستاذ سالم وهي تقول: موعدنا يوم الاثنين. # فأكد لها الموعد، وهو يوصلها حتى الباب، ثم رجع إلى مكتبه وهو يقول: جاءت تدعوني إلى ~~مناقشة وطنية بنقابة المعلمين. # فسألته متجاهلا: من هي؟ ~~- الدكتورة ثريا رأفت، مفتشة كبيرة بالتربية. # ثم استطرد بعد قليل: زوجها من رجال العلم النادرين المكرسين حياتهم للبحث، أما هي فمن ~~وجوه نهضتنا النسائية؛ امرأة تستحق أن يفخر بها جنسها، وأن يفخر بها الوطن. # ثم قال: يندر أن تجد امرأة في قوة شخصيتها وعلمها وخلقها. # تذكرت عيد منصور، تذكرت ضعفي وانهزامي، تذكرت نفرا من أصدقاء الصبا مثل خليل زكي، ~~وسيد شعير، تذكرت أحمد قدري قريبي الذي لم أره منذ دهور، تذكرت عشرات وعشرات ممن تلاطمت ~~معهم في مجرى الحياة، برزت وجوههم وسط هالة من غبار متعفن كما تبرز الحشرات في أعقاب ~~انهيار بيت آيل للسقوط. # | جاد أبو العلا # هو موجود وهو غير موجود. # ويرجع تاريخ معرفتي الشخصية به إلى عام 1960. تلفن لي في مكتبي طالبا مقابلتي؛ فرحبت ~~به متأثرا بما يتمتع به اسمه من شهرة في دنيا الأدب، كان قد أصدر خمس روايات وربما أكثر، ~~وكانت الإعلانات عن رواياته تلفت النظر لكبر المساحة التي تشغلها في ms030 الصفحات الأولى من ~~الصحف، ويتبع نشر الرواية سلسلة من المقالات النقدية في الصحف والمجلات الأدبية، مغرقة ~~في التقدير والثناء، وقد ترجمت رواياته جميعا إلى الإنجليزية والفرنسية، كما ترجم ما ~~كتب عنها في الخارج إلى صحفنا، وهي تشيد بأعماله إشادة لا تتحقق إلا لكاتب ذي خطر وشأن. ~~وتبعا لذلك قرأت له أكثر من رواية، ولكنني لم أستطع أن أتم واحدة، ولم أجد ضرورة لقراءة ~~ما قرأت منها بعناية أو اهتمام، وأدهشني أنني لم أجد عنده موهبة تذكر، ولا على المستوى ~~المحلي، وجميع أعماله تحولت إلى مسلسلات إذاعية وأفلام سينمائية، فلم تحقق أي نجاح، ~~ولكنها كانت تشق طريقها بكبرياء كأنها درر. # ولما جاء لزيارتي، وجدته لطيفا مهذبا، لبق الحديث، سرعان ما تشعر بأنه صاحب قديم، ~~وألا مكان للكلفة بينك وبينه، صارحني بأنه يود أن يتخذني صديقا ودعاني إلى صالونه الأدبي ~~ببيته الجميل في الدقي، ومن يومها وأنا أتردد على صالونه من حين لآخر؛ فأجتمع به منفردا أو ~~ضمن مجموعة من الزملاء، ولعل عبده البسيوني كان آخر من انضم إلينا بعد عامين أو أكثر من ~~مقابلته التي لا تنسى معي، ولم يتوان عن عرض تاريخه علي منذ أول لقاء، أشار إلى صورة ~~كبيرة مموه إطارها بالذهب وقال: كان أبي رحمه الله من تجار التحف بخان الخليلي. # وضحك عاليا وقال: لو سارت الأمور في مجراها الطبيعي لسجلت تاجرا فحسب ونجوت من انقسام ~~الشخصية! # فسألته عما يعني بانقسام الشخصية فقال: شعرت منذ عهد مبكر بالموهبة؛ فألححت على أبي حتى ~~وافق على إرسالي في بعثة خصوصية - عقب حصولي على الثانوية العامة - إلى فرنسا. # وهز رأسه وهو يبتسم إلي ثم قال: لم أكن أومن بالدراسة النظامية، ولا كانت هدفي؛ ~~فالتحقت بمعهد لتعليم الفرنسية، ثم اتجهت بكل قواي نحو منابع الفن الحقيقية في المتاحف ~~والمسارح وصالات الاستماع والكتب. # وأسهب في وصف تلك المنابع وتجربته التذوقية معها. ~~- ولكني اضطررت إلى قطع دراستي بعد مرور ثلاثة أعوام؛ لوفاة والدي فعدت لإدارة معرضه ~~بصفتي أكبر إخوتي وأرشدهم. # وحكى لي كيف انقسم ms031 - وما زال - بين التجارة وبين الأدب، وكيف استطاع أن يشق طريقه العسير، ~~ويحقق موهبته باستغلال كل دقيقة من وقت فراغه القليل. وترك حديثه - والأحاديث التالية على ~~مر الأعوام - انطباعا في نفسي لا يمكن أن يوصف بالثقة، كان كثير المرح عادي الذكاء أقرب ~~إلى السطحية ذا طلاء ثقافي بلا أعماق، ومن هذا ومن قراءاتي السابقة لبعض رواياته ملت إلى ~~تصديق ما يقال عنه في مجالس الفكر؛ مثل صالون الدكتور ماهر عبد الكريم، ومجلس الأستاذ سالم ~~جبر وغيرهما. قالوا إنه أنفق أعوامه الثلاثة في فرنسا في مجالي اللهو والعبث باسم اكتساب ~~التجارب الحية ومعرفة الإنسان. وشهدوا له بالمهارة في تجارته، مما عاد عليه بثروة طائلة، ~~تزداد مع الأيام ضخامة. وهو في نظر الجميع محب للفن وربما للشهرة أكثر، ولكن بلا ~~موهبة يعتد بها؛ مما دفع به إلى طريق مليء بالمتاعب، فقد صمم على أن يكون أديبا، وأن ~~يكمل ما ينقصه من موهبة بماله، وكان يكتب تجاربه، ثم يعرضها على المقربين من الأدباء ~~والنقاد، ويجري تعديلات جوهرية مستوحاة من إرشاداتهم، بل يقبل أن يكتب له بعضهم فصولا ~~كاملة، ثم يدفع بالعمل إلى أهل الثقة منهم في اللغة لتهذيب الأسلوب وتصحيحه، غامرا كل صاحب ~~فضل بالهدايا والنقود تبعا للظروف والأحوال. ويطبع الرواية على حسابه طبعة أنيقة فتخرج من ~~المطبعة - على حد قول بعضهم - كالعروس، ومن ثم يوجه عنايته إلى بعض النقاد فيملأ نقدها ~~أنهار الصفحات الأدبية، وينفق أضعاف ذلك على ترجمتها حتى فرض نفسه على الحياة الأدبية. ~~وبنفس الأسلوب شق سبيله إلى الإذاعة والتلفزيون والسينما، دون اهتمام بربح مليم واحد، بل ~~ويضيف إلى ذلك من ماله إذا لزم الأمر. كان يحتقر بيئة التجار وهي مصدر جاهه وثرائه وهو ~~فيها كوكب محترم، ويغرس نفسه غرسا شيطانيا في بيئة الفن، وهي تأباه وهو فيها غريب ~~محتقر. وقد سألت مرة الدكتور زهير كامل وكان الحديث يدور حول جاد أبو العلا: أي لذة ~~حقيقية يجنيها من جهده الضائع، وهو أول من يعلم بزيفه؟ # فأجابني الرجل: أنت مخطئ، لعله ms032 انتهى بتصديق نفسه. ~~- أشك في ذلك. ~~- ولعله بات يعتقد أن التجربة التي يقترحها أساسا لعمله هي كل شيء، أما الشكل .. أما ~~الأسلوب .. أما الصناعة فأمور ثانوية لا وزن لها يقوم بها عبيد مأجورون! # فقال الأستاذ رضا حمادة مصدقا: لا نهاية ولا حد للغرور البشري. # فعاد زهير كامل يقول: الزيف في الحياة منتشر كالماء والهواء، وهو السر الذي يجعل من ~~باطن الإنسان حقيقة نادرة، قد تخفى عن بصيرته في الوقت الذي تتجلى فيه لأعين الجميع. # وضحك زهير كامل، ثم قال بنبرة تسليم يائسة: بت أعتقد أن الناس أوغاد لا أخلاق لهم، ~~وأنه من الخير لهم أن يعترفوا بذلك، وأن يقيموا حياتهم المشتركة على دعامة من ذلك ~~الاعتراف، وعلى ذلك تصبح المشكلة الأخلاقية الجديدة هي: كيف نكفل الصالح العام والسعادة ~~البشرية في مجتمع من الأوغاد والسفلة؟! # وظهر عبده البسيوني في صالون جاد أبو العلا متأخرا، عام 1968 أو بعد ذلك. وقلت لنفسي ~~ساعة رؤيته - ولم أكن رأيته منذ لقائنا الرهيب بمكتبي - ها هو جاد أبو العلا يظفر بصيد ثمين ~~حقا! وتصافحنا بحرارة كالأيام الخالية على عهد الدراسة، وكأن الخطيئة لم تكن. وكبحت ~~رغبة شديدة كادت تدفعني إلى سؤاله عن زوجه وهل رجعت إليه، ومن ناحيته لم يشر بكلمة إلى ذلك. ~~وقال لي: القافلة تسير والصعاب تذلل، وابني بلال في السنة النهائية بكلية طب القاهرة، وهو ~~شاب نابغة، وسيكون له شأن، وأخته لا تقل نباهة عنه، وهي في كلية الصيدلة، وعما قريب ~~سأستقبل عهدا من الاستقرار المالي والنفسي. # فهنأته بذلك وتمنيت له أصدق التمنيات، وقلت له: الظاهر أنك عرفت الأستاذ جاد أبو ~~العلا حديثا؟ # فقال لي همسا: منذ عامين، ولكني لم أتردد على هذا الصالون إلا مرات معدودات لم يتصادف ~~وجودك بها. # ثم وهو يتبسم: إن أغلب مسلسلاته الإذاعية والتلفزيونية بقلمي! # وضحكنا معا ثم عاد يقول: وحتى الآن لم أوفق إلى بيع مسلسلة باسمي! # ولما فاز الأستاذ جاد أبو العلا بجائزة الدولة التشجيعية زارني الأستاذ عجلان ثابت، ~~ومضى يضحك ساخرا وهو يقول: ألا ms033 يتقون الله؟! # وتحادثنا طويلا حتى جاء ذكر عبده البسيوني؛ فقال عجلان: لعلك لا تعرف أن زوجه كانت ~~خليلة للأستاذ جاد أبو العلا؟ # فجرى في باطني تيار مضطرب لم يدر به عجلان، ولا بأسبابه الحقيقية .. وقلت: اتق الله ~~بدورك. ~~- صدقني فأنا أخصائي في هذا النوع من الأخبار. # فسكت فعاد يقول: وعبده البسيوني يعرف ذلك أيضا، وقد ضبطهما في فيلا بالهرم، واكتفى ~~بقطع العلاقة وتسلم حرمه، ثم أعقب ذلك صداقة وطيدة بين الزوج والعشيق السابق. # قلت باذلا جهدا غير قليل لتمالك أعصابي: متى كان ذلك؟ ~~- منذ سنوات لعلها ثلاث أو أربع أو خمس! ~~- ليكن. ~~- يا له من رجل زائف! ~~- عبده البسيوني؟! ~~- هذا حمار بائس، إني أعني صاحب الجائزة الكبيرة. ~~- نعم. ~~- ومن عجب أن أبطال رواياته مثل للصدق والكرامة والفضيلة! ~~- نعم. # فهتف ضاحكا: علينا اللعنة جميعا حتى يوم الدين. # | جعفر خليل # بذكره يذكر حينا «العباسية» في العشرينيات من هذا القرن، حي الهدوء الشامل والحقوق ~~المترامية، والحدائق الغناء. شرقيه قصور كالقلاع، وشوارع شبه خالية يجللها صمت وقور، ~~وغربيه بيوت مستقلة ذوات حدائق خلفية صغيرة تزدان بكرمة وشجرة جوافة وأرض مغروسة ~~بالشيح والورد والقرنفل، تحدق بها الحقول، في طرفها ساقية تدور بين خمائل من أشجار الحناء، ~~وتزكو رقعتها بالجرجير والطماطم، وتنتثر فوق أديمها نخلات معدودات، أما فيما يلي أسوار ~~البيوت فتمتد غابة من أشجار التين الشوكي. في النهار لا يخرق صمتها إلا جلجلة الترام وفي ~~الليل لا يتردد في جنباتها إلا صيحة الخفير، وإذا هبط الليل لفها بظلامه فلا يخفف من ~~غلظته إلا إشعاعات الفوانيس المدلاة من أعالي أبواب بيوتها. ويوم انتقلنا من الحي ~~القديم إليها، ومضى الحمالون بالأثاث إلى داخل البيت الجديد تجمع في الطريق صغار ~~متقاربو الأسنان يستطلعون، فعندما خرجت مستطلعا كذلك وجدت أمامي جعفر خليل، سرور عبد ~~الباقي، سيد شعير، عيد منصور، رضا حمادة، خليل زكي، شعراوي الفحام. وقفنا نتبادل النظرات ~~حتى سألني خليل زكي: تلعب معنا؟ # ترددت بلا جواب فسألني سرور عبد الباقي: من أي حي؟ # فأجبت متشجعا بأدب اختص به: ms034 حي الحسين. # فسألني جعفر خليل: تلعب الكرة؟ ~~- كلا. ~~- تعلمها، متى تدخل المدرسة الابتدائية؟ ~~- عقب الإجازة. ~~- سندخلها جميعا في وقت واحد. # وسأل رضا حمادة: هل قابلتكم مظاهرات وأنتم قادمون؟ ~~- جئنا عن طريق الحسينية، المحال والمقاهي مغلقة في إضراب شامل. ~~- هل صادفكم إنجليز؟ ~~- دورية واحدة، هل ترونهم هنا؟ # فضحك جعفر خليل، وقال وهو يشير إلى ناحية ما: ثكناتهم هناك في قلب العباسية، ستراهم عند كل ~~خطوة تخطوها. # وسأل سرور عبد الباقي: أتممت المدرسة الأولية؟ ~~- مكثت بها عامين وعامين قبل ذلك في الكتاب. ~~- لا توجد هنا كتاتيب! # فسكت وأنا أرمقهم في عدم ارتياح، غير أن صداقتنا كانت قد بدأت، وهي لم تنقطع بعد ذلك ~~إلا بالموت في حال شخصين منهم. وفضلا عن ذلك كان جعفر خليل الوحيد الذي زاملني أيضا في ~~مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية، وكان يمتاز بخفة الروح، وحلاوة النكتة، ~~والتفوق في اللعب والجد معا. وقد دعاني إلى مصاحبتهم لمشاهدة مباراة كرة القدم بالنادي ~~الأهلي، ولما سألته عن التكاليف أجاب بكل بساطة: ولا مليم. # ذهبنا بجلابيبنا وصنادلنا مشيا على الأقدام، مخترقين شوارع الظاهر، الفجالة، ميدان ~~المحطة، عباس، ميدان الخديو إسماعيل، جسر قصر النيل، حتى بلغنا النادي، وإذا بالمجموعة ~~تتسلق شجرة كبيرة وتتخذ أماكنها فوق الغصون فلم يسعني إلا أن أفعل مثلهم، في ذلك اليوم ~~شاهدت مباراة كرة قدم لأول مرة في حياتي، وعرفت لاعبين لم يمح أثرهم من نفسي حتى اليوم ~~مثل حسين حجازي ومرعي، ورأيت الإنجليز وهم يلعبون وكنت أعتقد أنهم يقتلون فقط، وهالني أن ~~أرى علي الحسني وهو يكاتفهم فيطرحهم أرضا فلا يعقب ذلك معركة دامية. سررت وسعدت، وبدأت ~~أعشق هواية جديدة، وآمنت بأنه يمكن الانتصار على الإنجليز ولو في ملعب النادي الأهلي، ~~ولكننا تأخرنا طبعا في العودة إلى بيوتنا، وتعرضت هناك إلى حساب شديد. وانضممت إلى ~~ناديهم «قلب الأسد» واشتركت في اللعب الذي كان يجري وسط غابة التين الشوكي، وقدر لي أن ~~أنافس في المهارة جعفر خليل نفسه، بل وعيد منصور الذي توهم في ذلك الوقت أنه يعد ms035 نفسه ~~لاحتراف اللعبة. وكان جعفر خليل حسن الصوت فكان يغني لنا بعض أغاني سيد درويش ومنيرة ~~المهدية وعبد اللطيف البنا، وبتقدم السنين راح يؤلف الزجل، بل كان يحول بعض مناظر ~~الأفلام إلى مواقف زجلية ويخرجها ويشترك في تمثيلها في غابة التين الشوكي أيضا، ولم أعرف ~~له قصة حب واحدة، وإن ضبطته مرة وهو يعلم بنتا يهودية من جاراته كيف تركب الدراجة، ~~وبتوثق علاقتي به عرفت أنه فقير بحق، بل لعله كان أفقر المجموعة، إذ كان أبوه موظفا صغيرا ~~رغم تقدمه في السن، ورغم طول مدة خدمته، ولكنه كان برغم ذلك أكثر مرحا وسيطرة. ورغم تعدد ~~ميوله في اللعب والفن لم يبد اهتماما بالسياسة أو الوطنية كما كانت تعرف في تلك الأيام، ~~وظل على سلبيته تلك حتى الجامعة وبعد التخرج. وقلت له يوما: عجيب ألا تهتم بما يصهرنا ~~حتى الذوبان. # فقال ضاحكا: للوطنية رجالها، لست منهم وإن تمنيت لهم النجاح. ~~- ولكن كل مواطن فهو من رجالها. ~~- إني أجد سعادتي بين أهل الفن. # فحتى وهو تلميذ بالثانوية كان يتردد على نقابة الموسيقيين الأهلية ويشهد حفلاتهم ~~المجانية، ويحضر مجالس الزجالين بالقهوة الخديوية، وكان يتمتع في ذلك بجرأة انفرد بها ~~وحده. وعن طريق المرحوم كمال سليم عرف الطريق إلى الوسط السينمائي، فقام بدور ضمن الكومبارس ~~في بعض الأفلام، وقدم قصصا سينمائية وهو طالب بالجامعة، حتى وفق إلى المشاركة في ~~كتابة سيناريو عقب تخرجه عام 1934. وعين مدرسا للغة الإنجليزية، وعرف في المدرسة ~~بنشاطه الرياضي وإشرافه على فريق التمثيل، وسحر بشخصيته الخلابة الألباب، وقال لي: ~~الوظيفة خطوة ليس إلا ولكني عرفت هدفي. # وكان من الشاق أن تعرف له هدفا محددا، أزجال هو أم ممثل أم مطرب أم ~~سينارست؟ فسألته: وما هدفك يا صاحب الأهداف؟ ~~- السينما! ~~- السينما؟ ~~- أجل، هي مجمع الفنون، هي دنيا السحر والرفاهية والجمال، ولي فيها مجال وأي مجال في ~~التمثيل والكتابة والغناء. # ثم وهو يضحك: وشكلي مقبول، لا تحكم علي بماضي، الفقر لم يوفر لي الغذاء الكافي، ~~لكنك سوف تحكم بعينيك عندما يستفيد جسمي ms036 من اللحوم التي طالما حرمت منها ظلما ~~وعدوانا! # وفيما بين تخرجه ونهاية الحرب العظمى الثانية تقدم في نشاطه السينمائي بخطى ثابتة ~~وملموسة، اقتبس أربع قصص، وكتب ستة سيناريوهات، ومثل أدوارا ثانوية في عشرة أفلام، ~~وألف عشرات الأغاني، وتحسنت أحواله المالية بدرجة طيبة جدا، وكان بارا بأسرته ~~الفقيرة؛ فنقلها إلى عمارة جديدة بالشارع العام الذي تغير مع الزمن شكله ومضمونه، وأقام ~~معها وإن استأجر شقة خاصة في شارع شامبليون لعمله - أو قل لعمله ومزاحه - وحافظ بالمثل على ~~علاقاته القديمة بحيه وأصدقائه. وإذا به يختار عضوا ببعثة إلى الولايات المتحدة في العام ~~الذي أعقب انتهاء الحرب. ولم تكن البعثة في حسبانه، ولكنه وجدها ممكنة بوساطة صديق من الوسط ~~الفني ذي صلة طيبة بوزير المعارف. ولم تنقطع عني رسائله طوال مدة بعثته، ومنها علمت أنه ~~يعد رسالة للدكتوراه عن الفن في المجتمع العربي، ومنها علمت أيضا أنه ينوي دراسة ~~السيناريو في لوس أنجلوس. وفي رسائل تالية علمت أنه يراسل بعض المجلات بأجر طيب وأنه ~~سيجرب حظه في الكتابة للإذاعة، وأنه سيعود بمقدار طيب من الدولارات الأمريكية. # وعاد إلى مصر عام 1950، وزرته في اليوم التالي مباشرة لعودته في مسكن الأسرة، ولم يكن ~~بقي فيه سوى أمه. تعانقنا بحرارة. ووجدت في زيارته كثيرين من أهل الفن، كما وجدت أصدقاء ~~الطفولة جميعا عدا شعراوي الفحام، الذي قتل في غارة في أثناء الحرب، وسئل أيبقى في ~~الوظيفة أم يستقيل للتفرغ للفن فأجاب: سأبقى حتى أستوفي المدة الإلزامية بمقتضى البعثة ~~وهي خمس سنوات! # وقال: الحياة الأمريكية حياة غريبة وعظيمة، والأمريكي ذو مزايا لا يستهان بها، ولكنني ~~لم أستطع التخلص من إحساس عام بالنفور والكآبة بسبب قنبلة هيروشيما. # وقال أيضا: يخيل إلي أن الأمريكيين يتجهون الآن نحو الاهتمام بالشرق اهتماما غير ~~عادي، وأن علينا أن نعمل لذلك ألف حساب! # وقال بحماس: لدي أفكار قيمة سيكون لها شأنها في تطوير فن السينما في مصر. # ثم غلب المرح على الجلسة، وضجت الحجرة بالقهقهات وبخاصة عندما انضم إلينا المرحوم الشيخ ~~زكريا أحمد. ms037 # وغادرت البيت مساء بعد أن دعاني إلى الاجتماع به صباح الجمعة بمسكنه الخاص ~~بشامبليون . # وفي صباح اليوم التالي قرأت في الأهرام نعيه. # نعيه؟! # أجل نعيه. # فقد غادر مسكنه في الثامنة مساء، فزلت قدمه فوق قشرة موز ففقد توازنه وسقط فارتطم رأسه ~~بحافة الطوار وسرعان ما فاضت روحه في ثوان معدودات أمام باب العمارة. # | حنان مصطفى # سمعت صوتا يناديني فتوقفت عن السير متلفتا إلى الوراء؛ فرأيت سيدة في الحلقة ~~السادسة تنظر نحوي بعينين زرقاوين باسمتين، تطلعت إليها لحظات متسائلا ثم اقتحمني ~~التذكر، والعرفان كنفحة من عبير الأزهار، فهتفت: حنان! # فقالت فيما يشبه الامتنان: نعم .. حنان .. كيف حالك؟ # وتصافحنا بحرارة ونحن نميل إلى جانب من الطوار، وراحت تقول: تذكرتك بسهولة، لم تتغير ~~تغيرا يذكر، وخفت ألا تتذكرني، ولكن الظاهر أنني لم أتغير بصورة تدعو لليأس، ماذا جاء ~~بك إلى جليم في مايو أم إنك مقيم هنا في الإسكندرية؟ ~~- بل جئت لاستئجار شقة للصيف، وأنت؟ ~~- نفس السبب، وحدك؟ ~~- نعم. ~~- وأنا كذلك. # وتبادلنا السؤال عن الأهل فعلمنا بمن ذهب وبمن بقي، وأخبرتها عن حالي الاجتماعية، ~~فقالت: لي أربع بنات متزوجات، وأنا جدة من زمن، أما زوجي فقد توفي منذ عامين. # ومشينا على مهل على الكورنيش حتى سألتني: متى رأيتني آخر مرة؟ # فتفكرت مليا ثم قلت: منذ أربعة وأربعين عاما؟ # فهتفت ضاحكة: يا للفضيحة، وبرغم ذلك عرفتك من أول نظرة! ~~- كما عرفتك! ~~- بل ترددت قليلا. ~~- من المفاجأة. # فضحكت ثم تساءلت: أتذكر حب زمان؟ # وجعلت تتكلم بتدفق وتضحك بين ذلك بصوت عال، حتى ذكرتني بما كان يقال عن جنون أمها. ~~ولبثنا معا دقائق ثم ذهب كل إلى طريقه، ورجعت إلى عباسية الحقول والحدائق والهدوء ~~الشامل. وعاود ذاكرتي بيت آل مصطفى، الأب والأم والابن وحنان، بيت بهر أخيلتنا بسحره ~~الخاص، فعند الأصيل يجلس الأب في السلاملك المطل على الطريق، يجلس على كرسي هزاز ~~وبين يديه منضدة عليها زجاجة ووعاء ثلج، وكأس وطبق مزة. رجل بدين متوسط القامة أحمر ~~الوجه أصلع يتحدى بكل استهانة تقاليد الزمان والمكان. في ms038 أول الجلسة يبدو صامتا رزينا بل ~~متعاليا منطويا. ثم ينشرح صدره بالانتشاء فيجود بنظرات إنسانية على الطريق والعابرين، ~~وبعد ذلك لا يستنكف من مخاطبة بياعي الملانة، والبطاطة، والسحلب، والدندرمة تبعا للفصول، ~~وربما مازحهم واستعادهم الإنشاد المطرب الذي يعلنون به عن بضاعتهم على عادة ذلك الزمان. ~~وكنا نقف غير بعيدين لنسمع ونشاهد ونشارك في السرور. ونتابع تعليقاتنا مرة مستنكرة في ~~الغالب إلا ما يصدر عن جعفر خليل الذي كان يحبه، ويعجب به، ويعتبره فرجة لا تقل في ~~بهجتها عن السينما والسيرك، وتظهر خلال تلك الجلسة اليومية ربة البيت، طويلة نحيلة تتوكأ ~~على عصا لعرج خفيف بها، فتلقي على ما حولها نظرة مستكبرة متأففة، والويل لنا إذا رأتنا ~~نتفرج ونضحك فتنهال علينا قدحا وتقريعا، ولعنا لآلنا الذين لم يحسنوا تربيتنا، ثم ~~تختفي من السلاملك وهي تسب الناس والبلد. كانت تعد - مثل زوجها - غير طبيعية، وكثيرا ما ~~كانت ترى وهي تتشاجر مع الباعة والخدم، وقيل إنها كانت تكبر زوجها بعشرة أعوام، وإنها غنية ~~تملك أرضا ونقودا على حين لا يملك زوجها إلا حصة في وقف، وقد تزوجت منه - رغم أنه لا علم ~~ولا عمل - لعراقة أصله، وكان ضمن المترددين على الطريق غجرية ترعى الأغنام، حافية في جلباب ~~أسود مشدود عند الوسط بحزام، متلفعة بخمار أسود ينسدل من تحته على وجهها برقع أسود أيضا ~~يخفي الوجه ما عدا العينين. وكان بيننا وبينها معركة لا تهدأ فكلما أقبلت وراء الأغنام نصيح ~~بصوت واحد: # يا غجرية # حلي حزامك # من قدامك # فتقذفنا بما في مجال يديها من طوب، ومضى مصطفى بك يهتم بها، ويزجرنا مدافعا عنها، ~~ويوما قال لنا سيد شعير، وكان أسرعنا إلى التطلعات الجنسية: ألا ترون ما بين الخروف ~~والماعزة؟! # وأعقب ذلك مشاجرة عنيفة بين البك وحرمه، تصدعت لها جدران البيت، وعصفت بالشارع الهادئ ~~حتى ازدحمت خصاص النوافذ بأشباح الحريم، وغادر الرجل البيت فلم ير بعد ذلك، ولكن شاع في ~~الحي أنه تزوج من الغجرية، وأقام معها في الدرب الأحمر، ووجدت الزوجة نفسها بلا رجل ms039 فلعبت ~~دوري الرجل والمرأة معا. # كانت غريبة الأطوار حقا، ومن آي ذلك أنها سمحت لحنان باللعب مع أترابها على حين منعت ~~أخاها الأكبر سليمان من مغادرة البيت إلا بصحبتها! كان صبيا جميلا رشيقا، كنا نراه ~~وهو يلعب في الحديقة منفردا أو مع خادمة، وكان وديعا مهذبا أرق من أخته نفسها، وكنا ~~نبادله النظرات فنود لو يلعب معنا، ويود لو نلعب معه، ولكننا ظللنا غرباء حتى غادر مع ~~أسرته الحي، وتعلق قلبي بحنان قبل أن أناهز البلوغ، كانت بيضاء، زرقاء العينين ناعمة ~~الصوت، وكانت ليالي رمضان فرصة هنية للصغار من الجنسين، يجتمعون في الشارع بلا اختلاط، ~~ويتراءون على ضوء الفوانيس وهم يلوحون بها في أيديهم، وكنا نترنم بأناشيد رمضان ~~ونتبادل مشاعر الحب وهو كامن في براعمه المغلقة، وقنعت عواطفنا الساذجة بتبادل النظرات، ~~وإظهار الرشاقة في الجري والغناء، أو المخاطبة بالابتسام في خفاء. ولما بلغت الثانية عشرة ~~من عمرها منعت عن الطريق والمدرسة معا. لم يكن بيتها يؤمن بالتعلم أو العمل ويعتبرهما من ~~ضروريات الفقراء فحتى سليمان هجر المدرسة قبل أن يحصل على الابتدائية. وباختفاء حبيبتي من ~~الطريق اشتد ولعي بها، وصارت شغلي الشاغل. وكانت تريني نفسها خطفا من النافذة، أو ~~نتبادل المشاعر بإشعال أعواد الثقاب في الظلام فوق الأسطح، وخطونا خطوة جديدة بفضل خادمتها ~~التي ترددت بيننا خفية حاملة التحيات والورود، وسعدت بذلك سعادة لا توصف، فطمعت في ~~المزيد منها، ولكني لم أدر كيف، وتسلل إلى روحي قلق نشيط غامض تتجاذبه قوى خفية من البهجة ~~والكآبة، وإذا بأمها تزورنا ونادرا ما كانت تزور أو تزار، وبصراحة لا يمكن أن تصدر إلا عن ~~امرأة مثلها اقترحت أن نتزوج! # وأحدث اقتراحها ذهولا، وقالوا لها: إنه شرف كبير ولكنهما لم يبلغا الثالثة عشرة من ~~عمرهما. # فضربت بعصاها الأرض وقالت باستهانة: الزواج يعقد أحيانا بين أطفال في الأقمطة. # فقالوا: ولكنه لم يتم دراسته الابتدائية بعد وما زال أمامه مشوار طويل. # فقالت بعجرفة: بنتي غنية، ولن يجد حاجة إلى شهادة أو وظيفة. ~~- ولكن التعليم ضروري والوظيفة ms040 ضرورية. ~~- كلام فارغ. ~~- إنه لا يملك ولن يملك شيئا، ولن يقبل أن يكون مجرد زوج لزوجة غنية. # فتساءلت بحدة: والعمل؟ ~~- لا سبيل إلا الانتظار حتى يتم تعليمه ثم له أن يتزوج بعد ذلك. ~~- وما مدى هذا الانتظار؟ ~~- عشرة أعوام على الأقل. # فصرخت المرأة: إنكم تركلون النعمة. # ووقفت غاضبة ثم رددت بنبرة أقوى: إنكم تركلون النعمة! # وغادرت البيت عابسة متعجرفة، ودار تحقيق معي لمعرفة الأسباب المجهولة التي تقف وراء تلك ~~الزيارة الغريبة، ولم أكن أتخيل إمكان وقوع ذلك. ولم أشك في أن الأم المجنونة ~~اطلعت على سر ابنتها، فتنازلت لاقتراح الحل السعيد كما تتصوره وهي واثقة من قبوله، ~~وتأثرت لذلك غاية التأثر، ورغبت رغبة صادقة في الاعتذار إلى حنان، ولكن هالني أنها لم تعد ~~تلوح في نافذتها، كما كفت خادمتها عن المجيء إلي، ورجعت عصر يوم من المدرسة لأعلم أن ~~آل مصطفى قد غادروا البيت والحي إلى مكان مجهول. وعانيت لأول مرة في حياتي عذاب الحرمان ~~والهجر، ولكن حدته لم تقتلني بل ولم تبطش بي، أطبقت علي حينا، ثم مضت تخف وتبهت حتى ~~استحالت ذكرى مجردة من أي انفعال. # ولم تقع على حنان عيناي مذ غادرت حينا حتى التقيت بها في جليم في مايو 1969 وهي تقترب ~~من الستين من عمرها، أما شقيقها سليمان فقد ترامت إلي بعض أنبائه عن طريق المرحوم جعفر ~~خليل عقب انعطافه إلى الوسط السينمائي؛ إذ صادفه ليلة في استديو مصر وهو يعمل راقصا ضمن ~~فرقة جيء بها للتصوير في بعض مناظر فيلم استعراضي، قال: سلمت عليه وذكرته بنفسي ~~فتذكرني، وأخبرني بأنه هوى الرقص وكرس له حياته. # ودهشت يومذاك لتلك النهاية غير المتوقعة؛ فقال لي جعفر وهو يضحك ضحكته الكبيرة: يبدو لي ~~أنه يمارس هوايته وحياته في حرية مطلقة! # وفي لقاء جليم أخبرتني حنان أن أباها توفي في ختام عام انتقالها من العباسية إثر جراحة ~~لاستئصال الزائدة الدودية، وأن أمها توفيت منذ عامين فقط، أما سليمان فقد انقطع عنها ~~انقطاعا كليا فهي لا تعلم أخباره إلا من ms041 المجلات الفنية. # | خليل زكي # كان اسمه يطلق على الشر والعدوان بين أصدقاء العباسية. فرضته الجيرة فرضا لا حيلة لنا ~~فيه ولا اختيار، وأي اختلاف معه يعني معركة فلم يفلت أحدنا من عدوانه. حتى اليوم في ~~جبيني أثر من ضربة قبقابه، اختلف رأيانا في حسين حجازي ومحمود مختار، أيهما أمهر في اللعب ~~فقلت إنه حسين حجازي، وقال إنه محمود مختار، ثم كانت ضربة القبقاب فسال الدم على وجهي ~~وجلبابي، وتشاجر مع جعفر خليل لاختلاف حول شارلي شابلن، وماكس لندر. وتضارب مع عيد منصور ~~لاقتراضه منه قرشا ومماطلته في رده، ولم يكن له كفء في مجموعتنا سوى سيد شعير، ولما نشب ~~بينهما القتال شهدنا معركة عادلة لأول مرة، فسال الدم من أنفيهما معا وتمزق جلبابهما، ~~وتخيلنا ما ينتظره في البيت بسبب تمزق جلبابه فتضاعف سرورنا، ولم تجد معه المقاطعة ~~فسرعان ما يتناسى الخصام، ويقبل علينا هاتفا «صافية يا لبن» فإما نقبله وإما يتجدد ~~القتال. على أنه من الحق أن أعترف بأنه لم يخل من فائدة لنا، فقد كان قائدنا في المعارك ~~التي تنشب بيننا وبين غلمان الأحياء القريبة خاصة في أعقاب مباراة الكرة. وكان أبوه ~~عطارا في بين الجناين، وكان يعامله بفظاظة ضرب بها المثل، وكثيرا ما كان ينهال عليه ~~ضربا في الطريق على مرأى من أصحابه، كان يضربه بقسوة وحشية وبلا رحمة، وكان خليل يمقته ~~مقتا ويحلم ليل نهار بموته، وكان الأب مدمن أفيون، وكان خليل من أفشى سره وشهر به في ~~كل مكان، وكان أسوأ مثال لرب الأسرة، ولكنه خص خليل بلب كراهيته وشراسته، وكنا نتابع ~~تلك العلاقة باستغراب وفزع، وفسرها سرور عبد الباقي تفسيرا دينيا فقال: إن الله سلط ~~عليه أباه كما سلط الطوفان على آل نوح! # ولم يفلح خليل في دراسته الابتدائية، ولما تكرر سقوطه شغله أبوه في دكانه وتنفسنا ~~الصعداء كما يقولون، وخيل إلينا أننا تخلصنا من شره، ولكنه لم يغب عنا أكثر من شهر ~~واحد، وأقبل علينا ضاحكا وهو يقول: عادت ريمة لعادتها القديمة. # فقلنا ونحن ms042 نداري خيبتنا: خير إن شاء الله. ~~- طردني ابن المجنونة! ~~- من الدكان؟ ~~- ومن البيت! # وجاءنا سيد شعير بالأخبار - كان أبوه تاجرا ومن أصدقاء والد خليل - فأخبرنا بأن خليل ~~اعتدى على زبون بالضرب، وتكررت سرقاته لنقود الدكان حتى اضطر الرجل إلى طرده، ~~وجمنا للأخبار، وأدركنا أنه سيتفرغ لنا بثقله وعناده، وبالفعل تحملنا نفقاته في المقهى ~~والرحلات، وعدا ذلك فلم ندر شيئا عن أين يذهب بقية الأوقات ولا أين ينام ولا كيف يأكل. ~~وفي تلك المرحلة من دراستنا الثانوية اتصل جعفر خليل بدنيا السينما فجره معه ليعمل ضمن ~~الكومبارس فدرت عليه قليلا من النقود، وهناك التقى بسليمان مصطفى الراقص فحام حوله ~~بغريزته النفعية. وما لبثت أن نشأت بينهما صداقة غريبة فسار في ركابه وانتفع إلى أقصى حد ~~بماله. وكان جعفر خليل يحكي لنا مغامراته السينمائية تلك وهو يضحك من أعماق قلبه، حتى قال ~~لنا يوما: صاحبنا تمادى كعادته حتى ضاق به سليمان فطرده! # فهتفنا ونحن نتوقع شرا: طرده؟! ~~- وانقلب عليه يهدده ويتحرش به. ~~- وقع المسكين في شر أعماله! ~~- ولكن سليمان صديق لقوم من الكبراء فما يدري صديقنا خليل إلا وهو يساق إلى نقطة ~~الشرطة، وهناك جلد حتى بح صوته من الصراخ، ثم أفرج عنه بعد ما أخذ عليه تعهد بألا ~~يتعرض للشاب. # وعاد خليل يتسكع هنا وهناك، ثم اختفى زمنا فلم نعد نسمع عنه خبرا، وكان عيد منصور أول ~~من جاءنا عنه بنبأ إذ تسلل ذات ليلة إلى بيت دعارة سرية بالسكاكيني. ~~- فلمحته هناك يجلس مع المعلمة كأنه شريك! # ولكن جعفر خليل هو الذي جاءنا بالخبر اليقين، كان أحب مجموعتنا إليه مذ فتح له بابا ~~للزرق فأفضى إليه بسره. كان يذهب إلى أي بيت دعارة كأنه زبون، ولما يقضي وطره ويطالب ~~بالنقود يهدد بإبلاغ الشرطة، فإذا استعانوا عليه بحامي البيت جندله، وما يلبث أن يفرض نفسه ~~«حاميا» للبيت، ولم تمر فترة طويلة حتى شمل بحمايته جميع بيوت الدعارة في منطقة السكاكيني، ~~بذلك تحسنت أحواله واستقرت ميزانيته وعرف النعيم، وكانت حياة خطرة مهددة، ولكنها ms043 كانت ~~تناسبه كما كان يناسبها، وتدرج فيها في مدارج الرقي حتى وثب به نشاطه إلى بيوت الدعارة ~~الفاخرة في وسط المدينة، وابتسم له الحظ فقدم خدمة (غرامية) لطبيب كبير، وابتسم له ~~الحظ مرة أخرى عندما عين الطبيب عميدا لكلية الطب فكافأه بإلحاقه بوظيفة إدارية بمستشفى ~~قصر العيني. هكذا وجد خليل زكي نفسه موظفا في مستشفى كبير، موظفا يخطر تحت رعاية العميد، ~~مرتبه بسيط حقا ولكن أرباحه خيالية. ورجع يزورنا في المقهى وهو بادي النعمة فيطلب ~~النارجيلة والشاي الأخضر وينظر إلينا من فوق كما يجدر بموظف يجالس تلاميذ. وقد سألت جعفر ~~خليل مرة: وماذا عن المهنة الأخرى؟ # فقال ضاحكا: الظاهر أنه لا فكرة لك عن أرباح المستشفى؟! ~~- إذن قطع علاقته بالبيوت؟ ~~- طبعا ... عدا المختار من البيوت الرفيعة ... الممتازة جدا ... ومن بعيد لبعيد ... وليؤدي خدمات ~~نادرة للصفوة. # وكان على علاقة بقصاب غني من مدمني المخدرات فخطب منه كريمته. وكانت الوحيدة التي بقيت ~~من ذرية الرجل بعد أن قتل أخواها في المظاهرات التي اجتاحت البلاد في أول عهد إسماعيل ~~صدقي. وتزوج خليل من فتاة موعودة بميراث كبير عبارة عن أربع عمارات في شارع فاروق غير ~~النقود السائلة، وعقب الزواج بعام واحد ضبط القصاب الغني متلبسا بتعاطي المخدر فقبض ~~عليه وحكم عليه بالحبس عاما، ولكن صحته لم تحتمل ذلك فمات في مستشفى السجن، وانتقلت إدارة ~~الأملاك إلى يد خليل زكي، وعندما ترامت إلينا تلك الأخبار لم يشك أحد منا في أن خليل هو ~~الذي أوقع بحميه ليستولي على ثروته، وتسلطت علينا تلك الفكرة لحد الإيمان. قال عيد منصور ~~فيما يشبه الحسد: صفقة تاريخية. # وقال جعفر خليل ضاحكا: عليه العوض في العمارات الأربع. # وقال رضا حمادة: مسكينة، سنراها متسولة في الطريق عما قريب! # وجاءت الحرب وذهبت ولم أكن ألقاه إلا في النادر، ومنذ اجتمعنا في مأتم المرحوم جعفر خليل ~~عام 1950 لم أره، ولم يخطر ببالي حتى عام 1970، كنت جالسا بالتريانون في أوائل الخريف حين ~~وقفت أمامي سيارة بويك سوداء، ورأيت وجها ينظر نحوي من ms044 نافذتها، وأقبل نحوي ضاحكا ~~فسلمنا وجلس، رغم كبره بدا بجسمه القصير مدمج التكوين قوي البنيان، كما بدا شرس السحنة ~~همجي المنظر فلم ترفعه بذلته الشركسكين إلا قليلا، وظل محتفظا بطربوشه ليخفي صلعة مشوهة ~~بآثار خياطات جراح قديمة من مخلفات معاركه، تذاكرنا أخبار الصحاب ثم قال: لعلك لا تعلم ~~بأنني أصبحت من أهل الإسكندرية؟ ~~- حقا؟ ~~- آخرة العنقود طالبة بالآداب لم تجد في القاهرة متسعا فقررت الإقامة في الإسكندرية، ~~وابتعت فيلا في لوران، ستراها بنفسك! # فشكرته وسألته: ووظيفتك؟ ~~- أصبت منذ عامين بذبحة صدرية فاعتزلت الخدمة. ~~- سلامتك. ~~- صحتي عال ولكني لا أحترم كثيرا الإرشادات الطبية. # وضحك حتى كشف عن أسنانه الملونة ثم قال: لي غير البنت التي حدثتك عنها ثلاثة مهندسين ~~وطبيب! # فأبديت الإعجاب والاستحسان، فقال وهو يغرق في الضحك: عرفت كيف أكون أبا! # ثم بنبرة أسف: وددت لو جاءوا مثلي لا يهتمون إلا بأنفسهم ومستقبلهم، ولكنهم دوخوني ~~بمناقشاتهم السياسية. # وجعلت أختلس إليه النظرات متسائلا، ترى هل يثب إلى العدوان إذا تهيأت أسبابه؟ إلى أي ~~مدى تغير حقا؟ وكيف ينظر اليوم إلى ماضيه؟ وبأي صورة يتصور أمام أبنائه؟ وهل يطيق أن ~~يعيد أحد أبنائه سيرته؟ وألا يعتبر ثلاثة مهندسين وطبيب كفارة عن أي ماض أسود؟ وأي ~~الحلين كان أفضل، أينجو من القانون رغم جرائمه ليهدي للوطن أربعة من العلماء أم كان ~~يقبض عليه لتستقر العدالة فوق عرشها؟! وتذكرت قول الأستاذ زهير كامل: «بت أعتقد أن ~~الناس أوغاد لا أخلاق لهم، وأنه من الخير لهم أن يعترفوا بذلك، وأن يقيموا حياتهم المشتركة ~~على دعامة من ذلك الاعتراف، وعلى ذلك تصبح المشكلة الأخلاقية الجديدة هي: كيف نكفل الصالح ~~العام والسعادة البشرية في مجتمع من الأوغاد؟» # | درية سالم # - اسمحي لي أن أحييك. # فارتسم ظل ابتسامة على شفتيها فقلت متشجعا: غير معقول ألا نتبادل تحية بعد ما ~~كان. # فخرجت عن صمتها قائلة: بعد ما كان؟ ~~- بعد ما كان من عشرة طويلة بين أعيننا. # فضحكت ببراءة وقالت: نقبل التحية. ~~- هذه هي الخطوة الأولى. ~~- هل توجد خطوات أخرى؟ # كانت ms045 تجيء بأبناء ثلاثة إلى المنتزه، فيستحم ثلاثتهم في البحر على حين تجلس هي منفردة في ~~الكازينو تراقبهم من النافذة، لفت نظري إليها وجه بشوش، وجسم فوار بالنضج الأنثوي. ~~وعشقت في عينيها نظرة ودودا كأنما خلقت للاستقبال والترحيب. وسرعان ما شعرت بأن ثمة ~~دعوة رقيقة تطالعني كالزهرة الناعمة وأن تجاهلها فوق طاقة البشر. وتبادلنا كلمات عابرة ~~فاتفقنا على موعد في حديقة البجعة. # وآمنت وأنا في الطريق إليها بأنها امرأة من نوع خاص، ~~فلعلها أرملة أو مطلقة. ولكنها قالت لي ببساطة: أنا متزوجة! # فقلت مأخوذا: ولكنني أراك دائما منفردة. ~~- هو في بعثة قصيرة تنتهي هذا العام 1960. # فوجمت فسألتني ضاحكة: أتخاف من النساء المتزوجات؟ ~~- إني أفكر ... # فقاطعتي قائلة: فكر في إعداد مكان آمن نلتقي فيه في القاهرة! # فقلت بحماس ظاهري: اتفقنا. ~~- ولا تسئ بي الظن! ~~- وكيف ولم؟ ~~- لعلك تتساءل عما وراء امرأة لبت لك أول إشارة؟ # وكان ذلك ما يبدو ببالي ولكنني قلت: لم أكن دونك استجابة وكنت البادئ! # فقالت برقة: من حقنا أن ننعم ببركة الصراحة. # تأملت كل شيء بوعي شأن من لم يقع تحت سيطرة مجنونة، وقلت لنفسي إني أعجب بهذه المرأة ~~وأرغب فيها ولكنني لن أحبها، وتهيأ لنا المكان في طريق سقارة، وتخيلت خلوة حمراء ~~مشتعلة، ولكن ما إن أغلقت الباب وراءنا حتى وجدتني بحضرة امرأة جديدة، جلست مسترخية على ~~كنبة، حتى التلفيعة الحريرية لم تنزعها من حول عنقها، تبدت هادئة مستسلمة تطالعني بعينين ~~ملؤهما الحنان، ورحت أداعب أطرافها وألثم فاها فتبادلني عواطفي بابتسامة محبة قانعة، ولما ~~قدمت لها كأسا اعتذرت فلما دعوتها إلى الفراش همست في أذني: ليتنا نمضي وقتنا في سعادة ~~بريئة هادئة. # فقلت محتجا: لا أصدق. # فنهضت وهي تقول: ولكن لا تعتبره غاية في ذاته. # وبالرغم من أن التلاقي كان جذابا إلا أني آمنت بأنه كان من الممكن لها حقا أن ~~تمضي الوقت في سعادة بريئة هادئة. ثمة تناقض كبير بين المرأة اليسيرة المستجيبة لدى أول ~~إشارة، وبين هذه المرأة الرقيقة الزاهدة، وقلت لها: أنت شخصية غريبة! ms046 ~~- حقا! .. لم؟ # ولما تلكأت في الإجابة سألتني: هل تجد صحبتي عزيزة محببة؟ ~~- بكل جدارة. ~~- هذا ما يهمني حقا. # وتتابعت اللقاءات أسبوعيا، بلا حب حقيقي من ناحيتي، وبلا دافع يبرر الخيانة من ناحيتها، ~~ولما رفعت الكلفة بيننا قلت: أعترف لك بأنني - في كازينو المنتزه - توهمت أنك امرأة ~~لعوب! # فسألتني باهتمام: ماذا تعني؟ ~~- أعني معنى بريئا! ~~- سامحك الله! # فتناولت يدها بين يدي وقلت: إني أتساءل عما يدفعك إلى حضن رجل آخر؟ ~~- آخر؟! ~~- أعني غير زوجك؟ # فقالت وهي تسبل جفنيها في استياء: لذلك يضيق الناس بالمحققين! # ولكن باطراد اللقاءات استأنستها العادة فاستسلمت بحرية إلى تيار الذكريات الحميمة، وفي ~~مناسبة ما قالت بصدق: تزوجت بعد قصة حب، حب عميق. # وكانت تعمل ممرضة وكان هو طبيب امتياز. ~~- تبادلنا حبا جميلا كاملا، وأصارحك بأنني استسلمت في أول لقاء. ~~- وتزوج منك؟ ~~- كان شهما، كان محبا صادقا. ~~- ما أجمل ذلك! ~~- وعشنا طويلا كأسعد ما نكون فأنجبت له ثلاثة أولاد. # وسكتت فسألت: ثم ماذا؟ # فأجابت كمن تفيق من حلم: لا شيء. ~~- كيف حالكما اليوم؟ ~~- حال عادية! ~~- ماذا تعنين؟ # فقالت ضاحكة: كل ذلك الوقت الضائع على حساب حبنا! ~~- ممكن نواصل لقاءاتنا بعد عودته؟ ~~- لم لا؟! # لم يعد يربطني بها إلا المجاملة ثم العادة. وازدادت هي رقة ومودة وحنانا حتى قالت لي ~~يوما: لا أتصور حياتي بدونك. # فوجدت أن أسلم سبيل أن أجيبها بقبلة طويلة، ولكنها تساءلت في عناد: وأنت؟ ~~- مثلك وأكثر. ~~- لم تقل لي صراحة إنك تحبني. # فقلت: لكني أحبك بالفعل وهو الأهم. # ورجع الدكتور صادق عبد الحميد من بعثته القصيرة. تحدثت عنه بموضوعية كأنه ظاهرة لا ~~تربطها بها علاقة حميمة، ولكن باحترام لا مزيد عليه. وفي ذلك التاريخ كنت بدأت أتردد على ~~صالون الأستاذ جاد أبو العلا، وهناك التقيت بالدكتور صادق عبد الحميد! وقص علينا جاد أبو ~~العلا كيف زار الدكتور في استشارة طبية، وكيف توثقت العلاقة بينه وبين الدكتور، وبدأت بيننا ~~صداقة روحية نادرة، فقدمته بدوري إلى مجلس سالم جبر، وزهير كامل، وصالون الدكتور ماهر ~~عبد الكريم، وأدهشني ms047 أن أرى فيه رجلا يماثل درية في السن، أو لعله يصغرها ببضع سنوات، ~~وسيما ذكيا ذا طموح روحي لا حد له. هكذا بدأت صداقتنا بعد توطد علاقتي بزوجته بأربعة ~~أشهر! وضايقني ذلك وأزعجني لحد العذاب، ولم تتوقع درية ذلك فذهلت له، ولاحظت دون جهد ~~ارتباكي وقلقي، وجو الكآبة الذي خيم بثقله فوق لقاءاتنا فخنقها. وبدا أن تيار الحياة يمضي ~~إلى زاوية مسدودة ليشهد موته، قالت لي بتوسل: انس تماما أنه زوجي، ألم يكن من ~~المحتمل ألا أشير بكلمة إلى هويته أو اسمه؟ # فقلت بارتباك: لا فائدة من افتراض احتمالات لا أصل لها. ~~- يجب أن نحافظ على علاقاتنا فهي أهم من كل شيء. # فقلت بحزن صادق: إني أتعذب. # فقالت بانفعال غير معهود: لعله لو علم بعلاقتنا ما اكترث لها! # فنظرت إليها بذهول غير مصدق فقالت: إنه لا يحبني، لم يعد يحبني منذ ثلاثة أعوام أو أكثر، ~~صدقني. ~~- إني أصدقك وأنا آسف. ~~- وهو يعاشر امرأة أخرى، ولولا تفانيه في حب أولاده لهجرنا ليتزوج منها! ~~- إني آسف يا درية. ~~- ماذا تعني بقولك آسف؟ ~~- آسف لحالك، ولحالي التي لا أحسد عليها. ~~- لو كنت تحبني لما شعرت بأسف على الإطلاق! ~~- الواقع أني لا أطيق ذلك الموقف بحال. # أشاحت بوجهها عني محمرة العينين وتمتمت: أنت لم تكد تعرفه، هل تنشأ الصداقة من ~~العدم؟ # ثم بحزن شديد: والحب أقوى من الصداقة، ولكن الحقيقة أنك لا تحبني! # لم أجد ما أقوله فصمت، وبالصمت أسدل الستار على علاقتنا الحزينة المفتعلة. وعندما ~~غادرنا عشنا تأملت شخصها الناضج الذي يعاني أحرج فترة من العمر تحت وطأة الهجران ~~والخيبة، فتقلص قلبي ألما وحزنا، ولفحنا في الخارج هواء بارد كلسع السياط، في ظلمة ~~الليل. # | رضا حمادة # يرتبط في الخيال بالعباسية، عباسية الحقول والحدائق، مثل جعفر خليل، وخليل زكي، وحنان ~~مصطفى، ولكنه يرتبط أيضا بقيم ومبادئ لا يستهان بها، وبعنف تيار الحياة في صعوده وهبوطه، ~~وبإرادة الإنسان حيث تتوثب للصراع والتحدي وتجاوز اليأس والأحزان، وهو عملاق كصديقنا سرور ~~عبد الباقي، امتاز بالعملقة حتى ونحن ms048 غلمان نلعب في غابة التين الشوكي، ولعله من القلة ~~التي واجهت عنف خليل زكي برباطة جأش . وعرف منذ عهد المدرسة الابتدائية بالاهتمام الشديد ~~بالوطنية. كان يتكلم عن سعد زغلول أكثر مما يتكلم عن حسين حجازي، أو شارلي شابلن، أو ~~المصارع عبد الحليم المصري، ولعله ورث ذلك عن أسرته التي اشتهرت في شارعنا بالوطنية ~~والعلم فكان أبوه مدير عام مستشفى الحميات بالعباسية، وكانت أمه مدرسة من السابقات ~~إلى التعلم، ومن طلائع النهضة النسائية، ونبغت أخته في العلوم فأرسلت في بعثة إلى ~~إنجلترا. كما تفوق أخوه في مدرسة الحقوق، ولكن أسرته اشتهرت أيضا بالكوارث التي حلت ~~بها، فماتت أمه وهو طفل، وفصل أبوه من الخدمة لفرط نشاطه في خدمة الوفد المصري في إبان ~~تكوينه، وماتت أخته في إنجلترا، واستشهد أخوه في ثورة 1919. وكان يفاخر بأخيه واستشهاده ~~وينوه بذكائه واجتهاده حتى ضاق خليل زكي بذلك فقال لي مرة: لم قتل هذا المجنون ~~نفسه؟ # فقلت ببراءة: في سبيل الاستقلال. # فتساءل ساخرا: وهل كان الإنجليز يقيمون فوق صدره؟! # ولما عرفت رضا كان يعيش مع والده، وخادم عجوز، ولا رابع لهم في البيت، وكان يضيق ~~بالبيت ويعتده سجنا بلا قضبان، ويرهب جانب أبيه ويعمل له ألف حساب. اعتكف الوالد في البيت ~~عقب فصله من الخدمة، لا يغادره إلا إذا استدعي لاستشارة خاصة في أحد البيوت، والظاهر ~~أنه كان يريد أن يخلق من رضا شخصا يعوضه عن جميع خسائره، فاشتد في معاملته، وحمله ما ~~يطيق وما لا يطيق، وطالبه بالعلم والأخلاق والوطنية والتفوق، وراقبه مراقبة بلا هوادة ولا ~~تسامح؛ لذلك نشأ رضا متطهرا متقشفا مجتهدا مطلعا طموحا، ولكنه افتقد دائما ~~الحنان والعذوبة، وكثيرا ما كان يقول: حدثني عن أمك، كيف تحبها وكيف تحبك! # ويتغنى بالنشيد المعروف: # أيها الطائر أهلا # بمحياك وسهلا # ويتهدج صوته وهو ينشد: # أمكن استودعتني # شوقها إذ ودعتني # وخطابا حملتني # لفظه يشفي العليل # ومرة أهانه أبوه في الطريق لإهمال تورط فيه، فتأثر تأثرا بالغا. وسرنا وهو صامت حتى ~~وقفنا عند السبيل كعادتنا كل أصيل في ms049 العطلة، وغاب عنا بعض الوقت، ثم رجع فلم يكد يلحظ ~~أحدنا شيئا، وبغتة تكور وهو يقبض على بطنه بيدين متشنجتين ويصرخ من الأعماق، وانطرح على ~~الأرض تحت شجرة، وراح يتمرغ في التراب، ومن شدة الألم يعض أصول الشجرة الضاربة في الأرض، ~~واجتمعنا حوله فزعين واجتمع الناس، وما لبث أن جاءت الشرطة والإسعاف فحمل إلى قصر العيني؛ ~~حيث أسعف من حمض الفنيك الذي شربه بقصد الانتحار. شد ما هزني الحدث والمنظر، وسألته فيما ~~بعد: كيف هانت عليك نفسك؟ # فابتسم في حزن وتمتم: ألم تر كيف أهانني أمامكم؟ # وأعتقد أن تلك المحاولة المشئومة غيرت من سياسة أبيه نحوه كما أن تفوقه النادر ~~وفر له المزيد من التقدير والاحترام. ولم يمنعه تفوقه الدراسي من الإسهام في النشاط ~~السياسي الذي خفت حدته، وتغير لونه بعد انحسار موجة الثورة العارمة. فقد بلغنا أولى ~~درجات الوعي بعد أن انقلبت الثورة الدامية أسطورة مقدسة من أساطير الغيب، وكان كل منا ~~يحتفظ من ذكرياتها بمشهد عابر عجيب أو ذكرى شهيد أو هتاف مثير ولا شيء أكثر من ذلك، وقد ~~اشتركنا معا في المظاهرة التي قادها نادر برهان تأييدا لسعد زغلول - وهو رئيس وزارة - في ~~اختلافه الدستوري مع الملك فؤاد. وتوطدت علاقته في الثانوية مع بدر الزيادي لتقارب ~~مشاربهما، ولما تولى محمد محمود الحكم قال بدر: لم يكن لنا من عدو في الماضي إلا ~~الإنجليز. # فقال رضا حمادة: والملك. ~~- هما شيء واحد. ~~- موافق. # فقال بدر: وها هو عدو جديد ينضم إلى الميدان. # ولما قتل بدر الزيادي في فناء المدرسة حزن رضا حزنا شديدا، وقال لي: مات بدر على حين ~~يحيا خليل زكي! # فقلت له بحزن: ومحمد محمود يحيا أيضا! # وتقدم رضا في نشاطه السياسي فجالس مصطفى النحاس في بيت الأمة ضمن وفود الطلبة، وقبض ~~عليه في حكم محمد محمود، وكاد يقتل في عهد صدقي، وفي كلية الحقوق صار من زعماء الطلبة، ~~فاستمعت مرات إلى خطبه الحماسية في الحرم الجامعي، كان مثالا للوفدي الصادق في إيمانه ~~بالاستقلال والدستور والحياة الديمقراطية، ms050 وكان ينظر بامتعاض شديد إلى مجرى السياسة في مصر ~~حتى آمن بفكرة نبتت في يقينه، قال : لقد فقد الوفد أو قل الشعب قوته الضاربة يوم قبض على ~~زعماء جمعية الكف السوداء. # فقلت ببراءة: ولكن الوفد يدعو إلى الجهاد المشروع! # فضحك وقال: دعك مما يقولون. # ثم قال بحنق: لا نجاة لنا إلا بإبادة السراي وأحزاب الأقلية، ثم نواجه الإنجليز كتلة ~~واحدة! # وقد أحب ثريا رأفت وأراد أن يخطبها وهو طالب بكلية الحقوق. لم يصارحني بذلك في حينه كما ~~لم أبح له بعلاقتي بها في حينها، ولكني عرفت الحكاية عقب النكسة! كان رضا ضمن المجتمعين في ~~مكتب سالم جبر، الذي تراءت فيه ثريا رأفت، وتقابلنا بعد ذلك في بيته بمصر الجديدة فسألني: ~~أتذكر السيدة التي كانت في مكتب سالم جبر؟ # فقلت باهتمام: ثريا رأفت. # فضحك قائلا: كانت من أهل السكاكيني وقد أحببتها وأنا طالب في الحقوق حتى عزمت على خطبتها ~~لولا ... ~~- لولا؟ ~~- لولا أن رأيتها بصحبة صديقنا عيد منصور! # وعند ذاك قصصت عليه قصتي معها! # وتخرج رضا في الحقوق عام 1934 فاشتغل بالمحاماة. ومات أبوه تاركا له ثروة لا بأس بها، ~~وبزغ نجمه ككاتب سياسي، كما رسخت قدمه في المحاماة. وانتخب نائبا عن دائرتنا في انتخابات ~~1942، وكانت موقعة 4 فبراير قد هزتني من الأعماق، ورمت بوفديتي في أزمة خانقة. وصارحته بذلك ~~فقال لي: إني أعتقد أن مصطفى النحاس قد أنقذ الوطن والعرش! # فقلت بأسى: تصور أن الدبابات البريطانية تجيء بزعيم البلاد رئيسا للوزارة! # فقال بإصرار: لقد كان الإنجليز أعداءنا، ولكنهم اليوم يقاتلون في الجانب الذي نرغب في ~~أن ينتصر. ~~- ثمة خطأ يفري روحي كالسم! # فسألني: أتود للفاشستية أن تنتصر كما يود الملتفون حول الملك؟ ~~- كلا طبعا. ~~- فانظر إلى 4 فبراير إذن على ضوء ذلك الضوء. # وانتخب مرة أخرى عام 1950 عن نفس الدائرة، وكانت تعتريه نوبات حزن شديد، كلما شعر بأن ~~الوفد لم يعد على المستوى الرفيع الذي طالما تربع عليه بجدارة، أو أنه تسلل إليه خور في ~~الإرادة والاستقامة، وفتر حماس ms051 الشعب له. وكم اهتز طربا يوم ألغى مصطفى النحاس المعاهدة ~~ثم أعلن الجهاد، يوم سرت في الوادي نفحة من روح 1919، ثم تتابعت الخيبات كالمطارق حتى ~~قامت ثورة يوليو 1952، وتحمس لها فقال لي: سيعود الوفد بلا منازع! # ولما سارت الثورة في طريقها المرسوم أمل أن تتخذ من جماهير الوفد قاعدة لها، حتى إذا صدر ~~قرار حل الأحزاب تقوضت آماله وقال لي: نحن مقبلون على حكم عسكري لن يعرف مداه إلا ~~الله. # فقلت له بإخلاص: اعتزل السياسة وتركز في مهنتك! # فقال ضاحكا: لا خيار! # ولكن وفاءه لزعيمه وزملائه رمى به في موضع الشبهات؛ فاعتقل أكثر من مرة، وكان قد ~~تزوج عام 1940 فأنجب ابنا وحيدا قبل أن تصاب زوجه بما منعها من الإنجاب. وطالما ~~أعجبت بابنه لذكائه وحيويته، ولما اعتقل رضا تعرض لحملة تشهير كبقية زملائه فعانى ابنه ~~- وكان طالبا في المدرسة الثانوية - تجربة مريرة بين أقرانه، وكان شديد الحساسية فامتحن ~~بأزمة نفسية عنيفة أتلفت أعصابه. وسرعان ما كره المدرسة، واعتكف في بيته، ومضت حياته من سيئ ~~إلى أسوأ، حتى اضطر أبوه إلى إيداعه مستشفى الأمراض العقلية، ولم تحتمل أمه الصدمة فشلت ~~وماتت في نفس العام. هكذا وجد رضا نفسه كهلا وحيدا غارقا في الأحزان، وهكذا أدركته لعنة ~~أسرته، قلت لنفسي: انتهى رضا حمادة. # ولكنه لم ينته في الواقع. غادر حيه القديم إلى مصر الجديدة، وكرس حيويته لمهنته ~~ولمكتبه. ولعل العشرة الأعوام الأخيرة كانت أنجح سني حياته. إنه اليوم من أبرز ~~المحامين. وهو عاكف على تأليف ما سماه بدائرة معارف العلوم الجنائية. وقد ضمن مقدمتها ~~من الآراء الفلسفية والنظرات النفسية ما يشهد له بالموسوعية في المعرفة والمقدرة الفائقة ~~في التفكير، وليس هذا بالجديد علي فقد سمعته يناقش الأساتذة ماهر عبد الكريم، وسالم جبر، ~~وزهير كامل، وغيرهم فكأنه موسوعة في الفلسفة والسياسة والأدب، أما عن القانون فهو حجة من ~~حججه المعاصرة بلا جدال، غير أن إعجابي الأول به إنما يرجع إلى شخصيته الأخلاقية قبل ~~كل شيء، وقليلون جدا من عرفتهم يماثلونه في ذلك ms052 مثل: كامل رمزي، وسرور عبد الباقي. ولا ~~غرابة في أن تبهرني الأخلاق البناءة كرجل عاصر فترة انهيار في الأخلاق والقيم لا نظير ~~لها، حتى خيل إلي في أحيان كثيرة أنني أعيش في بيت كبير للدعارة لا في مجتمع. ففي رضا ~~حمادة عرفت رجلا نقي النوايا والسلوك، نزيها مخلصا، آمن طيلة حياته بمبادئ لا يحيد عنها ~~كالحرية والديمقراطية والثقافة إلى عقيدة دينية مستنيرة متطهرة من شوائب التعصب ~~والخرافة. # أجل وقف موقف الرفض من أي رأي يساري، وعجز عن التطور مع الزمان، فعاصرته أول ~~العهد بصداقته وهو مثال للشاب الثوري، ثم عاصرته في شيخوخته وهو محافظ عنيد، وإن لم يعترف ~~بذلك، فما برح يردد أن الليبرالية هي آخر كلمة مقدسة في تاريخ الإنسان السياسي. ولعل شخصيته ~~الأخلاقية هي التي سندته حيال الكوارث التي عصفت بحياته، وأيدته بسحرها، وهو يشهد اختفاء ~~القيم والأشخاص الذين عبدهم مثل الحرية، والديمقراطية، ومصطفى النحاس، وزوجته وابنه، توارى ~~كل جميل من دنياه فلم يتهدم، ولكن ثابر على العمل بقوة مضاعفة، وجابه الحياة بإرادة من ~~فولاذ، وظل على علاقاته الطيبة بالأصدقاء والصالونات والمجالس. وكلما أقبل علي بقامته ~~المديدة ورأسه الأبيض، أو أمتعني بأحاديثه المتنوعة، انبعث في أعماق روحي نشاط متألق ~~بالأفراح فأجدد إعجابي به وبالحياة المباركة التي خلقته. # | زهران حسونة # ثمة أصحاب من نوع خاص، أصحاب يرتبطون بمكان ما لا يتجاوزونه، حلا لي يوما أن أدعوهم ~~أصحاب المقاهي. في المقهى نتصافح بحرارة ونتجالس ونتسامر ثم يذهب كل إلى سبيله. ومنهم ~~من يختص بصفة تستحق التأمل فيترك أثرا قبل أن يذوب في النسيان. من أولئك زهران حسونة. ~~عرفته في مقهى ركس في أيام الحرب العظمى الثانية، وكنت أتردد عليه من حين لآخر بصحبة جعفر ~~خليل ورضا حمادة، وشعراوي الفحام، وعيد منصور، كان يزور المقهى مع آخرين من صحبه في يوم ~~الأحد، وكان بدينا متوسط القامة كبير الرأس جدا كأن به عاهة، وعن طريق النرد تعرفنا بهم ~~ثم صاحبناهم، قال يعرفنا بنفسه: كنت موظفا بوزارة التجارة والصناعة، ثم سويت معاشي ~~لأشتغل ms053 في الأعمال التجارية. # وكان إذا حضر وقت الصلاة قام هو وصحبه فانتحوا جانبا فيما وراء البار، وأدوا الصلاة ~~جماعة وهو يؤمهم . وهو يؤمهم لأنه الوحيد بينهم الذي أدى فريضة الحج. والحق أن الدين كان ~~يشغل حيزا من أحاديثهم لا يستهان به، وهي تفصح عادة عن إيمان بسيط صادق، تختلط فيه ~~العقيدة بالخرافة بالأساطير الشعبية، ولكن لا شك في صدقه، وكانت صحبتهم ممتعة، وكانوا ~~كرماء، وفيهم شهامة أولاد البلد، غير أن عيد منصور قال لنا يوما: جئت لكم بمعلومات ~~طريفة عن الحاج زهران حسونة. # فسألناه عنها فقال: لم يستقل ولكنه اضطر إلى الاستقالة لسوء سمعته. ~~- أي نوع من سوء السمعة؟ ~~- الرشوة! # وعيد منصور يسره دائما أن يثبت أن جميع الناس لا خلاق لهم مثله! قال وهو يضحك: إني ~~أشك في جميع الناس، ولكني أشك بصفة خاصة في المتدينين! # فقال رضا حمادة: ولكن ليس كل متدين منافقا! # فقال عيد منصور وهو يضحك أكثر: النفاق درجة لا يرتقي إليها عم زهران حسونة! # فضحكنا فراح يفسر قوله: النفاق أن تبطن الكفر، وتعلن الإيمان، ولكنه أغبى من أن ~~يكون كافرا، أنا لا أشك في إيمانه. ~~- إذن لعله تورط في الرشوة تحت ظروف ضاغطة! ~~- لعله. # ولاحظنا أن زهران حسونة يعمل بهمة في السوق السوداء، في تجارة الثقاب والويسكي، ثم ~~اشتغل في المواد التموينية، ولم يكن يخفي ذلك بل كان يبدي استعداده لتقديم الخدمات لنا، ~~فلم أملك أن أسأله: ألا ترى يا حاج في العمل في السوق السوداء ما يناقض ورعك؟ # فأجابني بثقة: للدنيا أسلوب في المعاملة وللآخرة أسلوب آخر! ~~- ولكن الله لا يمكن أن يرضى عن تجويع الفقراء. # فقال باطمئنان: إني أكفر بالصلاة والصوم والزكاة فماذا تريد؟ # فقلت لأصحابي بعد انصرافه: الرجل يرتكب الإثم عن علم لا عن جهل أو نفاق! # فقال عيد منصور: ويثرى ثم يلجأ إلى الدين ليكفر، فتتحول سرقاته بقدرة قادرة إلى ربح ~~حلال، الدين عند عم زهران هو المشجع الحقيقي على ارتكاب كافة الآثام! # ثم وهو يضحك عاليا: ولذلك فهو يسرق قوت ms054 الفقراء ويمضي ووجهه ينور بالإيمان ~~والطمأنينة! # وكنت أتابعهم وهم يصلون في المقهى بعين متأملة ساخرة، يركعون ويسجدون ويسدلون جفونهم ~~خشوعا وامتثالا ، وأتذكر كم أنهم أوغاد لصوص لا يحق لهم أن يبقوا ساعة واحدة فوق سطح ~~الأرض، ولم أجد جدوى في مناقشاته، فدائما أراه مطمئنا واثقا من نفسه، يؤمن بالشر كما ~~يؤمن بالخير، ويطيع الشيطان كما يطيع الله، ويتردد بينهما تردد التاجر الماهر في السوق ~~الحرة الذي يحرص في النهاية على أن يزيد دخله على منصرفه. وجعلني ذلك أتلمس وجوه الأعذار ~~لأوغاد مثل خليل زكي، وسيد شعير، بل وعيد منصور، ممن لم يتعاملوا معاملة جادة مع دين ~~فانطلقوا في الحياة بوحي غرائزهم وعقولهم العملية الجافة، خلال أجواء من الصراع العنيف ~~القاسي. ولذلك أيضا ترديت كثيرا فريسة لكآبة روحية معتمة كدت أرفض تحت وطأتها التجربة ~~الإنسانية كلها، وكانت تلك المشكلة مدار أحاديث لا تنتهي بيننا، قال رضا حمادة: الظاهر أنه ~~لا يوجد تاجر شريف! # فقال عيد منصور: لا يوجد إنسان شريف. # فتساءلت: ماذا عن دور الدين؟ # وتساءل عيد منصور: لم نتمسك بالأخلاق ما دامت تقود إلى الفشل؟ # وعاشت تلك المشكلة معي أعواما، وأعواما؛ حتى ناقشتها في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم، ~~بدءا من نقد الواقع المصري، وانتهاء إلى دراسة الخير والشر في ذروتها الفلسفية، ويدعونا ~~ذلك إلى تذكر الدكتور إبراهيم عقل وفلسفته في المثل الأعلى، وسلوكه المناقض لفلسفته! وأذكر ~~بالمثل قول الأستاذ سالم جبر: مهما يكن من أمر فلا يمكن تجاهل المرحلة التي قطعها الإنسان ~~من الغابة إلى القمر! # أو قول رضا حمادة: توجد سجايا قيمة جديرة باسترداد الثقة، مثل تفاني الرجل في خدمة ~~أسرته، مثل الذكاء الوقاد المولع بالحقيقة، مثل بعض مواقف البطولة النادرة. # وقوله أيضا: لا تغال في المثالية وإلا مت تقززا! # وأثرى زهران حسونة في أثناء الحرب ثراء فاحشا فارتفع إلى مرتبة أصحاب الملايين. وأسس ~~شركة للمقاولات عام 1945 ولكني أغضيت عن التشهير به مذ قتل ابنه الطالب بكلية الهندسة في ~~معركة القنال عقب إلغاء معاهدة 1936. سار الرجل وراء ms055 النعش معتمدا على ذراعي صديقين محمر ~~العينين شارد اللب، واقتصرت علاقتنا وقتذاك على تبادل المجاملات في المناسبات، ولكن عيد ~~منصور وكد لي أنه ما زال يجمع النقود ويؤدي الصلاة، وكان أوثقنا صلة به بحكم أعماله ~~التجارية. واستمر ازدهاره المالي في صعود، وأقام في قصر المعادي، وتزوج في الخمسين من فتاة ~~في العشرين بحجة زهد زوجته الأولى في المسرات الزوجية عقب وفاة بكريها، ولكن ظل الحج نزهته ~~الروحية كل عام، وازداد نشاطه بعد الثورة. لم يكن من الملاك الزراعيين، ولكن شركته أممت ~~فيما أمم من شركات عام 1961، وهكذا تقوض ذلك البناء الشامخ الذي نحتت أحجاره من الذكاء ~~والغش والإرادة والانتهازية والإيمان والفجور، وكان رضا حمادة يعلق على الأحداث بامتعاض ~~شديد، مؤكدا موقفه الثابت من الثورة، فقلت له: ولكنك عرفت الرجل تماما. # فقال: ولو، إنها مسألة مبدأ. # فقلت: ليست مسألة مبدأ ولا رجل ولكنه نظام بارك ذلك كله. # فقال بمرارة: انتظر حتى يتبين لك النظام الجديد، لقد كان زهران حسونة في البدء موظفا ~~كهؤلاء الموظفين الذين انقضوا على شركته ليديروها! # ولما أفاق الحاج زهران من الصدمة باع قصره، ففتح مقهى في مصر الجديدة، وضمن لنفسه ~~مستوى من المعيشة لا بأس به، وهو يتظاهر دائما أمامنا بالشجاعة ورباطة الجأش، ويعلق على ~~الأحوال بعبارات ذات مغزى ديني مثل الحمد لله، والأمر لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، له في ~~ذلك حكمة، ويذهب به الحذر أحيانا إلى الثناء على القرار الذي جرده من ثروته فيقول: ~~عدالة علينا أن نقبلها على العين والرأس. # ولكن تفضحه أحيانا ومضات فرح للكوارث لا يحسن مداراتها، مثل الأزمة الاقتصادية ~~وورطة اليمن، وأخيرا 5 يونيو الذي دار رأسه فيه بنشوة النصر! لقد لاطمتني في ذلك اليوم ~~المشئوم تيارات متناقضة كاد يختل لها عقلي، ولعله مما زاد إكباري لرضا حمادة أن المأساة ~~قصمت ظهره، كما قصمت ظهرنا، وأنه نسي في ذلك اليوم كل شيء إلا حبه العنيد لوطنه. # | زهير كامل # عندما التحقنا بالجامعة كان معيدا بقسم اللغة العربية تمهيدا لإرساله في ms056 بعثة إلى ~~فرنسا. وسمعنا عنه ثناء طيبا من الدكتورين ماهر عبد الكريم وإبراهيم عقل، فقال الأخير عنه ~~مرة: إنه مثال للفلاح إذا نبغ . # وحدثني رضا حمادة عنه فقال: عرفته في بيت الأمة خلال اجتماعات الطلبة، وهو من سمنود، ~~ويعرف مصطفى النحاس معرفة شخصية. # وسافر في البعثة عام 1932 ثم رجع دكتورا عام 1938 أو 1939 فعين مدرس (ب) بهيئة ~~التدريس الجامعية. وفيما بين تاريخ تعيينه وعام 1950 تركز نشاطه الفكري في الجامعة ~~والتأليف، فأصدر كتبه المعروفة عن نظريات النقد العامة، ونقاد من الشرق والغرب، ~~ودراساته عن شكسبير، وراسين، وبودلير، وإليوت، والشعراء الأندلسيين، وكان يتردد على صالون ~~الدكتور ماهر عبد الكريم؛ فتوطدت بيننا صداقة متينة. وتزوج في أثناء الحرب من فتاة ~~يونانية كانت تعمل في محل فينوس فأنجب منها ولدين وبنتا، وكان أستاذا جامعيا بالمعنى ~~الدقيق، يكرس حياته للبحوث الأكاديمية، ولا حديث له خارج مضامينها، فلم أعرف له اهتماما ~~عاما آخر. وحاولت أحيانا أن أستشف فيه الطالب الوفدي القديم فلم أفلح، ولكنه بخلاف ~~الكثيرين كان يتمنى النصر للحلفاء، ربما حبا في الديمقراطية كما قال، أو ميلا مع ~~عواطف زوجته، أو تعصبا لفرنسا التي عشقها من أعماق قلبه، وفي عام 1950 فاجأنا بما لم نتوقع ~~أبدا، فرشح نفسه على مبادئ الوفد في إحدى دوائر القاهرة، وفاز بأغلبية ساحقة، وأثار ~~سلوكه تساؤلات كثيرة، ولكن الدكتور ماهر عبد الكريم قال رغم تحفظه الشديد: إنه قرار يستحق ~~الأسف. # وقال لي رضا حمادة: لعله يحلم بوزارة المعارف. # ولقد قد يطول الزمن حتى يتحقق الحلم، فكيف يواجه أعباء الحياة بمعاش صغير ومكافأة ~~النيابة التي لا تتجاوز الخمسين الجنيه؟ قال رضا حمادة: ستخبرنا الأيام! # وأخبرتنا الأيام بأسرع مما تصورنا، فظهرت مقالاته السياسية في الجرائد الوفدية، بل برز ~~ككاتب سياسي من الدرجة الأولى، إلى مقالات في النقد في المجلات الأسبوعية. وحدث أن كان ~~لزهران حسونة أعمال في الحكومة تحتاج في إنجازها إلى واسطة فطلب منا أن نقدمه إلى ~~صديقنا النائب ففعلنا، ومن يومها توطدت بين الاثنين علاقة متينة. ثم ms057 مضت تترامى إلينا ~~همسات عن تصرفات الدكتور زهير كامل غريبة بل مريبة، وقد سألت رضا حمادة يوما: ما رأيك فيما ~~يقال عن زهير كامل؟ # فأجابني بامتعاض شديد: يقال إنه أصبح سمسار وظائف. # ثم وهو يهز رأسه في أسف: ويقال إنه يقدم خدمات لزهران حسونة وإنه ينال عن خدماته مكافآت ~~سخية. ~~- وهل صحيح ما يقال؟ ~~- نعم للأسف الشديد، وإني أتساءل أحيانا والحزن يمرر ريقي أي فارق هناك بين الوفد وبين ~~غيره من الأحزاب؟! ~~- ولكن هل تتصور أن زهير كامل نبذ الأستاذية في الجامعة ليمارس النهب والفساد؟ ~~- إني أتصوره وغدا من البدء غير أنه كان يتحين فرصة لاستغلال مواهبه حتى وجدها في ~~السياسة. # وجلسنا يوما نتبادل الأحزان على صديقنا النابغة وحزبنا العتيد، ولما أقيلت حكومة ~~الوفد عقب حريق القاهرة حاول الدكتور زهير الرجوع إلى الجامعة، ولكنه لم يفلح، وواصل حياته ~~ككاتب سياسي، وناقد، ولكنه بات ينظر إلى المستقبل بقلق، وبخاصة وأنه كان اعتاد مستوى من ~~المعيشة الرفيعة، واجتمعنا يوما عند الأستاذ سالم جبر، وكان منفعلا ويقول: ما هذا الذي ~~يحدث بالوطن؟ .. الملك جن، وكل شيء ينهار! # فقال الدكتور زهير كامل: ما أشبه حالنا السياسي بالدكتور إبراهيم عقل الذي بدأ باحثا ~~نابها، وانتهى بالدروشة! # وقال رضا حمادة: أصبح الوفد كزعيمه فهو شيخ هرم طيب يزحف عليه العجز والتدهور. # فقال سالم جبر: لا يمكن أن تدوم الحال على هذا المنوال فماذا عن الغد؟ # فقال زهير كامل: ما زال الوفد أفضل الجميع وسيضطر الملك إلى استدعائه عاجلا اتقاء ~~لانفجار ثورة شاملة! # فقال سالم جبر: الثورة أفضل من الوفد. # فقال رضا حمادة: وفي الانتظار الإخوان والشيوعيون. # فقال زهير كامل بحدة: لا أغلبية لهؤلاء أو أولئك. # فقال سالم جبر: الوطن غير مؤهل للشيوعية ولا عقيدة هناك جديرة باستيعاب الشباب المتفتت ~~بين الثورة والانحلال! # وقامت ثورة يوليو متحدية كل تخمين. وسرعان ما وجد زهير كامل نفسه في مأزق لم يعمل له ~~حسابا، أغلقت دونه أبواب السياسة والجامعة، وتحير ماذا يفعل وماذا يكتب. ولما اتجهت ~~السياسة العامة نحو تصفية ms058 الأحزاب، وتركز الهجوم عليها بصفة عامة، وعلى الوفد منها بصفة ~~خاصة، باعتباره القاعدة الشعبية القديمة؛ إذ بالدكتور يرمينا بالمفاجأة الثانية في حياته، ~~فانقض بمقالات من نار على الوفد مرجعا إلى فساده كل فساد نخر في عظام الوطن. وأثارت ~~المقالات عاصفة من الغضب المكتوم في صدور الوفديين، ولكن أحدا لم يستطع أن يقلل من ~~خطورتها لصدورها من رجل له تاريخه الجامعي الوقور، فضلا عن اشتراكه في برلمان الوفد ~~الأخير، وتعين صحفيا في إحدى الجرائد الكبرى، وسرعان ما اعتبر قلمه من أقلام الثورة، كما ~~عهد إليه بتحرير صفحتها الأدبية فقاد نقد الأدب المعاصر. وبسبب مسئولياته الجديدة، ~~وربما خجلا من انقلابه المفاجئ تجنب إلى حين التردد على صالون الدكتور ماهر عبد الكريم. ~~وتساءل الدكتور ماهر: ألم يكن الأفضل له أن يبقى في الجامعة؟ # وتساءل الأستاذ رضا حمادة: أرأيت ماذا فعل الوغد بنفسه؟ # فقلت: لعل عذره أنه فعل ما فعل لحساب قوة وطنية لا شك في وطنيتها. # وعاد زهير كامل للظهور في مجالسه المفضلة؛ كصالون الدكتور ماهر عبد الكريم، ومكتب سالم ~~جبر، فعدنا للتلاقي المنتظم كما كنا، وعاودت الاطلاع على فؤاده. قال: لم تكن ثمة جدوى من ~~المقاومة، ولم أقاوم؟ # وقال أيضا: كنت على وشك الإفلاس، ولكن لم يكن المال وحده هو الدافع فأنا مطمئن ~~الضمير! # فقلت: إذن فأنت تؤمن بثورة يوليو؟ # فقال وهو يتفحصني بعينيه الذكيتين: إنها حركة مباركة منعت بقوتها الذاتية ~~اشتعال ثورة لاحت مخالبها في الأفق! ~~- يا لها من فكرة! ~~- وأعترف لك بأنني لست ثوريا، فكما لا أوافق على رجعية الإخوان؛ فإني لا أوافق أيضا ~~على ثورية الشيوعيين، وأومن بالإصلاح الرزين الذي نتأثر خطاه، وهو طريق الوفد أيضا لو ~~قيض لجناح شبابه أن ينتصر. # ولكني لاحظت بدقة المراقبة أن عواطفه لم تنسجم تماما مع أفكاره، وأن تحمسه ~~الظاهر كان لتبرير انقلابه قبل كل شيء، وعلى مدى الأيام اضطر إلى أن يعترف لي قليلا: ألم ~~يكن الأفضل أن يتم ما تم بيد انتفاضة شعبية بقيادة شباب الوفد! # فقلت: المهم أن يتم ما ms059 تم. # فقال بعد تأمل: ولكن الإنسان لا يستطيع التخلص من عقليته الخاصة، ولذلك فقل على الحرية ~~السلام! # وكان الأستاذ رضا حمادة معتقلا في ذلك الوقت، فجاء ذكره فقال زهير: ربنا معه. # فقلت بثقة: إني أعتقد ببراءته. ~~- لم؟ ~~- إني من أعلم الناس بنقاء أخلاقه. # ترى أضايقه قولي؟ .. على أي حال قال: على ذلك الجيل من السياسيين أن يتخذ من أستاذنا القديم ~~إبراهيم عقل مثلا يحتذى. # فدهشت لقوله وقلت: الدكتور إبراهيم عقل يعاني حال دروشة كاملة، وقد لمست ذلك بنفسي في ~~لقاء عابر معه بحي سيدنا الحسين! ~~- هذا ما أعنيه تماما، فالدروشة هنا أسلوب لمواجهة الكوليرا التي قضت على ابنيه. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني إذا صادفتك كارثة يستحيل التغلب عليها فعليك بالدروشة، أي نوع من الدروشة، أما ~~المقاومة غير المجدية فترمي بك إلى المعتقل! # وزهير كامل الناقد عانى انقلابا من نوع آخر في نفس الوقت، فبكل استهانة مضى يتاجر ~~بالنقد. مضى يتقبل الهدايا والنقود، ويقيم الفن والفنانين تبعا لذلك، وبازدهار الحركة ~~المسرحية والإنتاج السينمائي تضاعفت أرباحه فشيد فيلته الأنيقة بالدقي واقتنى ~~المارسيدس، وبخلاف اعتداله القديم أفرط في الطعام والشراب، فزاد وزنه لدرجة أصبح من المتعذر ~~معها التعرف عليه من أول نظرة. لم يبق من مزاياه القديمة إلا ثقافته الواسعة، وذوقه ~~المدرب في شتى ألوان الفن، ورغم الثورية التي اتخذها مهنة كان إذا ذكر الوفد تجلى الحنين ~~في عينيه، بل علمت أنه حمل صديقا رسالة خاصة إلى مصطفى النحاس يعتذر له فيها عما ~~بدر منه في حقه، ويشرح له الظروف القاسية التي اكتنفت قراره. ولما أعلنت ثورة يوليو عن ~~سياستها الاشتراكية توثب بهمته المعروفة لدراسة الاشتراكية ليؤيدها عن علم، ويحتفظ لنفسه ~~بمستواه ككاتب من كتابها الأول. وفي أعوام قلائل متتابعة ترجم أربعة كتب عن الاشتراكية، ~~ثم أصدر في النهاية مؤلفه المعروف «اشتراكية هذا الوطن». وفي هذه الناحية بالذات يئس من ~~إقناعي بإخلاصه لسابق علمي بديمقراطيته الليبرالية، وقد سألته مرة ضاحكا: كيف انقلبت ~~اشتراكيا بهذه السرعة الجنونية؟ # أجابني ضاحكا أيضا: الناس على دين أوطانهم! ~~- أتعتقد ms060 أنهم يصدقونك؟ ~~- لم يعد أحد يصدق أحدا. # ثم قال والضحك يعاوده: المهم هو ما تقول وما تفعل! # واجتاحته موجة من الضحك ثم قال: يتساءلون كثيرا عن سر ازدهار المسرح، أتدري ما هو سر ~~ذلك؟ السر أننا صرنا جميعا ممثلين! # فقلت: وبالرغم من ذلك فقد حقق هذا العهد من الخير ما لم يحققه عهد سابق بلا ~~استثناء! # فقال وهو يتنهد: وأصبح لكل شيء قيمة إلا الإنسان! # فتساءلت بمرارة شديدة: متى كان للإنسان قيمة في بلادنا؟! على الأقل فهو يحرر اليوم من ~~عبوديته الاقتصادية، والطبقية، والعنصرية، وستجيء الخطوة الذاتية عندما يستحقها ~~بجدارة! # وقد بلغ قمة سقوطه الأدبي عندما ألف رسالة صغيرة عن أدب «جاد أبو العلا»! وكان جاد أبو ~~العلا سعى إلى التعرف به حوالي عام 1960 نفس العام الذي تعرف بي فيه. ورغم ذلك كانت ~~الرسالة مفاجأة لي لم أتوقعها بحال. ومهما يكن الثمن الذي قبضه - قيل إنه طاقم تحف عربية ~~وألف جنيه - فقد دل على أن صاحبي تمرغ في السقوط حتى فقد إحساس الحياء الذي يصاحبه، ~~وصدق عبده البسيوني عندما قال لي يوما في حديث جرى لمناسبة الرسالة المذكورة: هذا كتاب لا ~~يجرؤ على تأليفه إلا مومس! # وأوشك زهير كامل أن يعلن ارتداده في ظرفين لولا حسن حظه، أولهما الاعتداء الثلاثي عام ~~1956 والآخر النكسة عام 1967، ففي كل مرة خيل إليه أن الثورة صفيت وانتهت فتوثب للعمل ~~لمستقبله من جديد، ووضح لي في المرتين مدى ما ينطوي عليه من انتهازية وزيف، بالرغم من أنه ~~يدين للثورة بجاهه وماله، وقارنت بينه وبين رضا حمادة، فكلاهما يتمتع بثقافة إنسانية عميقة ~~وشاملة، وكلاهما من الجيل السياسي السابق الذي أجهضته الثورة، وكلاهما ينتمي إلى عقيدة ~~معادية للاشتراكية، ولكن أحدهما يحتوي على طوية عفنة تتقزز منها الحشرات، والآخر تستقر ~~في أعماقه روح نبيل يستحق الفرد من أجله أن يقدس ويعبد. وفي العام التالي للنكسة دهمته ~~أحداث في صميم أسرته لم تخطر له ببال؛ إذ صمم ابناه المهندسان على الهجرة إلى كندا! ولم ~~يستطع أن يثنيهما ms061 عن عزمهما، أما أمهما فمالت إلى تشجيعهما، وما لبث الشابان أن حققا ~~رغبتهما بالفعل، وحزن زهير لذلك حزنا شديدا وراح يقول لي: أنا فلاح، ومن طبيعة الفلاح ~~حبه لالتصاق أبنائه به. # فسألته عما دعاهما للهجرة فقال: الأمل في مستقبل أفضل. # وهز منكبيه في أسف وقال: لم يعد للوطن قيمة، تركاه في محنة قاسية، عن عدم اكتراث أو ~~يأس، وجريا وراء الأمل الخلاب. # واجتاحه غضب مفاجئ فقال: عقلي معهما، ولكن قلبي يتوجع. # وأما كريمته فقد أحبت شابا يونانيا، وهي في رحلة إلى اليونان بصحبة أمها. وبكل ~~بساطة تزوجت منه هازئة بكافة التقاليد، وجعلت زوجته تتردد بين القاهرة وأثينا حتى استقرت ~~بصفة نهائية في موطنها الأصلي قبيل انقضاء العام. ووجد الدكتور زهير كامل نفسه وحيدا في ~~الستين، مريضا بالسكر والضغط .. وهو في ذلك يشبه رضا حمادة غير أن هذا خلق نهايته بنفسه ~~متجاوزا كافة أحزانه، أما زهير فعانى مرارة الوحدة والسأم والهجر، ويوما سألني عبده ~~البسيوني في صالون جاد أبو العلا: هل تعرف نعمات عارف؟ # فأجبت بالنفي فقال: هي صحفية تحت التمرين. ~~- وماذا يعنيني من ذلك؟ # فقال ضاحكا: إنها عشيقة الدكتور زهير كامل! ~~- زهير كامل! إنه شيخ في الستين أو أكثر. ~~- ستسمع عن زواجهما في القريب. # وسمعت، وعرفت العروس وهي جميلة في العشرين، وركن الأستاذ معها إلى اللهو والراحة فلم يمسك ~~بالقلم إلا لكتابة يومياته الأسبوعية في الموضوعات اليومية العامة، مقلعا عن مراجعة ~~الكتب والمراجع، ولكن مرضه استفحل حتى أقعده بصفة نهائية في الفراش، فأطفأ الشعلة ~~المضيئة الوحيدة في حياته المعتمة، شعلة العقل. وما زلنا نزوره من حين لآخر، فتدور ~~المناقشات في حجرة نومه، ويشارك هو فيها بسمعه أو ببضع عبارات موجزة فقدت إشاراتها الذكية ~~وأفكارها الموحية، لتذكرنا بأن لكل شيء نهاية. # | سابا رمزي # زاملنا في المدرسة الثانوية. زاملنا عامين ثم اختفى، وبالرغم من أن زمالته ترجع إلى ~~عام 1925 فما زلت أتذكر بوضوح عينيه اللوزيتين الحادتين، وقامته القصيرة لحد الرثاء، ~~وكان رياضيا متفوقا في القسم المخصوص والكرة. كان الجناح الأيمن لبدر ms062 الزيادي، وكان تبادل ~~الكرة بينهما يشكل خطرا على أي فريق نلاعبه؛ لذلك اكتسب في المدرسة شهرة واحتراما رغم ~~قصر قامته، وكنا في أوقات الفراغ نقرأ المنفلوطي معا ونستظهر ما نختاره من جمله ~~الموسيقية، وحدثته مرة عن روايات ميشيل زيفاكو فتجهم وجهه وسألني: أصدقت ما جاء في ~~رواياته عن البابوات؟ # فقلت ببراءة: ولم لا أصدقها؟ # فقال بنبرة تحذير: إنه عدو للكاثوليكية، ولذلك فهو يتعمد تشويه سمعة البابا. # عرفت لأول مرة أسماء جديدة كالكاثوليكية، والبروتستنتية، والأرثوذكسية. وتحيرت بينها ~~حتى أخبرني زميلنا ناجي مرقس أن المذهب المسيحي المصري هو الأرثوذكسية، وأن المبشرين ~~أفسدوا بعض الأقباط فجروهم إلى اعتناق الكاثوليكية أو البروتستنتية. وراح جعفر خليل يداعب ~~سابا رمزي قائلا: الآن عرفنا أنك قبطي فاسد! # وجعفر خليل هو الذي أفشى سره فقال لنا يوما: فيكم من يحفظ السر؟ # فتساءلت أعيننا باهتمام فعاد يقول: الجناح الأيمن سابا رمزي يحب مدرسة بمدرسة العباسية ~~للبنات! # وراقبناه عقب انصراف المدرسة فرأيناه وهو يتبعها في طريقها حتى مشارف باب الشعرية. وكنا ~~يوما نقرأ بالتبادل في مجدولين فلاحظت تهدج صوته حتى كف عن القراءة من شدة التأثر. ~~وشعر بعيني فوق جفنيه المسدلين فتمتم: رأيتكم وأنتم تتبعوني! # ثم بمزيد من التأثر: أنا أحب مثل ستيفن وأكثر! # ووجد مني مشاركة وجدانية إذ كنت عاشقا مثله فقال: سأحبها مهما يكن الثمن! # فقلت له بعطف: ولكنها مدرسة وما زلت تلميذا صغيرا. # فقال بإصرار: الحب أقوى من كل شيء. # وقال: إني أحاول محادثتها ولكنها تتجاهلني، يقال إن ذلك أسلوب من الدلال، ما ~~رأيك؟ ~~- لا أدري. ~~- كيف أعرف إن كانت تحبني أو لا تحبني؟ ~~- لا أدري. ~~- هل نسأل جعفر خليل وبدر الزيادي؟ # فقلت محذرا: كلا .. إنهما يحبان المزاح وسيجعلان منك نادرة! # واستمرت مطاردته اليومية للمدرسة بلا نتيجة، وأخذت ثقته بنفسه تضعف ويغلبه الحزن. ~~وشهدنا عصر يوم منظرا ليس من السهل أن يمحى من الذاكرة. رأيناه يعترض سبيل المدرسة بجرأة ~~ويقول لها: من فضلك. # فمالت عنه ناحية وسارت في طريقها فتبعها وهو يقول: لا بد من كلمة. # فهتفت ms063 به غاضبة: لا يمكن أن أحتملك إلى الأبد. # فقال بتوسل: اسمعي كلمة بكل أدب. ~~- دعني وإلا ناديت الشرطي. # وابتعدت تسير بخطوات غاضبة سريعة. وقف ينظر إليها بذهول، وبحركة سريعة غير متوقعة دس ~~يده في جيبه فاستخرج مسدسا فسدده نحوها وأطلق النار! صرخت الفتاة صرخة فظيعة وارتفع وجهها ~~إلى السماء في حركة متشنجة ثم تهاوت على ظهرها. وجعل سابا ينظر إليها، ذراعه مدلاة، ~~ويده ما تزال قابضة على المسدس، وظل كذلك حتى قبض عليه. وفاضت روح الفتاة قبل مجيء ~~الإسعاف. وعرفنا فيما بعد أن سابا سرق مسدس أخيه الضابط في الجيش ليرتكب جريمته عند ~~اليأس. ولم ندر عنه شيئا بعد ذلك، ولم نره مرة أخرى. لقد طبع في خيالنا صورة لا تنسى ثم ~~ذهب. # | سالم جبر # عرفت اسم سالم جبر ككاتب مقال بجريدة كوكب الشرق عام 1926، كان بدر الزيادي أول من نوه ~~به أمامي فوصف كتابته بالبلاغة والفائدة، ووجدته داعيا متحمسا للحضارة، والاستقلال ~~الاقتصادي وتحرير المرأة، كما دعا إلى اتخاذ القبعة غطاء للرأس بدلا من الطربوش. وكان ~~حقوقيا ولكنه لم يشتغل بالقانون، وكان يقوم بجولة ثقافية في إنجلترا وفرنسا كل عام ~~تقريبا، ولما قامت ثورة 1919 اشترك فيها ضمن طلبة مدرسة الحقوق، وأصيب برصاصة في كتفه ~~يوم الهجوم على الأزهر، ثم عمل في الصحافة الوفدية، وظل يعمل في الصحافة حتى اليوم. وتغير ~~موقفه السياسي بعض الشيء منذ تولي سعد زغلول الوزارة عام 1924، وقد قال لي يوما بعد أن ~~جمعتنا صداقة متينة ملقيا ضوءا على تلك الفترة من حياته: كان من رأيي ألا يتولى سعد زغلول ~~الوزارة، وأن يظل الوفد وراءه في الميدان الشعبي حتى تتحقق رسالة الوفد الوطنية. # فسألته: خرجت وقتذاك على الوفد؟ ~~- كلا، ولكن تحول اهتمامي الحقيقي إلى ناحية أخرى. # أجل، تحول إلى اعتناق الشيوعية، وعرف بذلك منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، ولم ينس أنه ~~صحفي في جريدة الوفد، فتجنب مناقشة الموضوعات الجديرة بإحراج الزعيم، واختط لنفسه ~~منهجا خاصا في الكتابة ينفس به عن عقيدته الجديدة بطريق غير مباشر، ولا ms064 يتنافى في ~~مظهره مع سياسة الوفد، فراح يدعو إلى حرية المرأة والعلم والصناعة. وتقدم خطوة أخرى ~~فألف رسالة في المذاهب الاقتصادية مؤرخا ضمنا للاشتراكية! وحوالي عام 1930 أصدر رسالته ~~الثانية عن «كارل ماركس ورسالته» وسرعان ما صادرتها السلطة، وتعرض بسببها لحملة عاتية من ~~الجهات المحافظة التي اتهمته بالإلحاد والفوضوية. تعرفت به وأنا طالب بالجامعة في صالون ~~الدكتور ماهر عبد الكريم بالمنيرة، وكنا نلتقي كثيرا بالصالون أو في مكتبه ~~بالجريدة. # وقدمت إليه من زملائي رضا حمادة، وجعفر خليل، وكنا نتحادث في السياسة والاشتراكية، ولم ~~نفتح صدورنا لما قال عن صراع الطبقات ودكتاتورية الطبقة العاملة، وقلت له: اشتراكية تجيء ~~عن طريق البرلمان، هذا ما أحلم به! # فقال متحديا أفكاري: أنا عدو للوفد! ~~- أنت تقول ذلك؟ ~~- ونصير للملك وأحزاب الأقلية. # فضحكت غير مصدق فقال: الوفد أفيون الشعب! # ثم وهو يضرب مكتبه بقبضة يده: الوفد هو المسئول عن استسلام الشعب لأحلام لن تتحقق أبدا، ~~وسيعجز دائما عن تقديم أي خدمة حقيقية للشعب، أما إذا سيطر الملك وأحزابه، واستشرى ~~الفساد واستوطن، يئس الشعب وتوثب لثورة حقيقية! # فسألته: وما جدوى ذلك والإنجليز يكتمون أنفاسنا؟ ~~- توقع المعجزات عند اليأس. # وآنس الدكتور إبراهيم عقل مني ميلا لترديد بعض آراء سالم جبر فقال لي: احذر فلسفة سالم ~~جبر الكاذبة! # فأخذت بموقفه وقلت له: الحق أني أول ما سمعت عنكم كان لدى قراءة مقال له يدافع فيه ~~عنكم! # فقال ساخرا: لم يكن دفاعا، ولكن كان إحراجا فهو لا يرضى عن مفكر إلا إذا أشهر إلحاده ~~أو فوضويته. # وكان ذلك بحضور الأستاذ عباس فوزي بصالون المنير. # فقال عباس منضما للأقوى كعادته: إنه رجل فاجر ومن آي ذلك أنه لا يؤمن بالزواج! # فقلت بدهشة: ولكنه متزوج، وقدمني للمدام في حديقة الأورمان! # فقال عباس فوزي ضاحكا: إنها عشيقته، وهي أرملة فرنسية، فكيف تجهل ذلك؟ # وتوكد لي أنها عشيقته بعد ذلك، وظل مخلصا لها حتى توفيت عام 1960. وروى لي حكاية ~~غرامهما الأستاذ عبد الرحمن شعبان المترجم فقال: إن المرأة كانت زوجة لمهندس في شركة ms065 ~~الكهرباء، وإنها أحبت سالم جبر في حياة زوجها، فلما توفي اتفقا على المعاشرة دون زواج. ~~وكانت امرأة حرة وشيوعية مثله، أملاكها في مصر ولكنها تحب السفر كثيرا إلى فرنسا، وتكره ~~فكرة الإنجاب. # وألف سالم جبر كتابا عن الدين المقارن قبيل الحرب العظمى الثانية، عرض فيه الأديان ~~بأسلوب علمي موضوعي، فأثار الكتاب ضجة، واتهم صاحبه بالافتراء على الدين الإسلامي، ومن ~~أجل ذلك قدم الأستاذ إلى المحاكمة، ولكن المحكمة برأته وصادرت الكتاب. وفي أثناء ~~الحرب شن حملات صادقة على النازية والفاشستية كان لها صدى حسن في دار السفير ~~البريطاني. # ودعي لإلقاء محاضرات أسبوعية في الإذاعة، وقلت له بمكتبه بجريدة المصري: يقولون إنك ~~أصبحت من أصدقاء السفارة البريطانية. # فقال ساخرا: لا عداوة تدوم ولا صداقة، أعترف بأنني في هذه الحرب حليف للإنجليز! # فقلت له: يبدو أن نجمهم آخذ في الأفول! # فقال بحدة: لا خوف من انتصار النازية حتى إذا انتصرت، فإن للتاريخ قوانينه وهي أقوى ~~من الحرب والنصر. # ولما جاءت حكومة الوفد عمل معها بإخلاص كشأنه قبل أن يتولى سعد زغلول وزارته، ولما ~~زحفت جيوش رومل نحو الحدود المصرية هرب مع الهاربين إلى السودان. ثم رجع عقب انقلاب ~~الميزان ليواصل جهاده الصحفي. وأذكر أنه جلس بيني وبين رضا حمادة في مأتم المرحوم جعفر ~~خليل عام 1950 فحدثنا عن أفراح الوطن بعودة الوفد ولكنه قال: لم يعد بوسع حزب من الأحزاب ~~مهما تكن شعبيته أن يواجه الموقف. # وتكلم عن الولايات المتحدة باعتبارها روح الشر في العالم، قال: لا نجاة للعالم إلا ~~بالشيوعية العالمية. # ولما انصرف قال لي رضا حمادة: لا يوجد إنسان كهذا الرجل يجمع الكل على بغضه! # فقلت بصدق: ولكنه رجل ذو عقيدة ومنزه عن الأغراض. # ولما قامت ثورة يوليو 1952 تكشف ذلك البناء المنطقي المنسجم مع ذاته عن تناقضات كالخيال ~~في غرابتها، وهو في الظاهر لعب الدور المنتظر منه. كان حقيقة فكرية واضحة للصديق والعدو، ~~عمل في جريدة الثورة واضعا قلمه في خدمتها، ولكنه تكشف لخاصته المقربين عن حزمة من ~~المتناقضات جعلت ms066 منه في النهاية شخصا مجهول الهوية، تحمس لإلغاء النظام الملكي تحمسا لا ~~مزيد عليه واعتبره معجزة من المعجزات، ولكنه همس في فتور: ذهب الملك وحل محله عدد غير ~~محدود من الملوك! # وفرح بالقضاء على الإقطاع وتحديد الملكية الزراعية ولكنه قال: المسألة هي ملكية أو لا ~~ملكية، أما توزيع الأرض على الفلاحين فمن شأنه أن يقوي غريزة الملكية المتوارثة من عصور ~~الظلام! # ولما حلت الأحزاب التي طالما حمل عليها، حزن على الوفد حزنا غير مفهوم وقال: وكيف ~~تمضي البلاد بلا قاعدة شعبية؟! # وقال أيضا: التضحية بالحرية فعل مؤقت معقول من أجل الشيوعية، ولكننا نسير بلا حرية ولا ~~شيوعية! # ولما حاربت الحكومة الشيوعيين والإخوان المسلمين قال: ها هم يقضون على القوى الإيجابية ~~في الأمة؛ فلا شيوعية، ولا إخوانية، ولا أحزاب، فعلى من يعتمدون في تحقيق سياستهم؟ ولم يبق ~~إلا الموظفون المأجورون، وسيقيمون بنيانهم على قوائم من قش. # حتى الشيوعيون أنفسهم لم يكونوا بأحظى عنده من غيرهم، وما نالوا عطفه إلا في فترات ~~الاعتقال أو السجن، وسرعان ما يرميهم بالتفسخ والانحلال والسقوط، واقتنعت أخيرا بأنه شخص ~~غريب خلق ليكون معارضا، حبا في المعارضة قبل كل شيء، فإذا كانت الدولة إقطاعية فهو ~~شيوعي، وإن تكن يسارية فهو محافظ، أجل محافظ! فعندما ساند الاتحاد السوفييتي الثورة، ~~وعاونها في الحرب والسلام، سمعت منه ما لم يجر على بال، قال مرة والحنق يلتهم قلبه: ~~الشيوعية نظام عظيم حقا ولكن ما هو الإنسان الشيوعي؟ .. هو شيء ميكانيكي لا إنسان ~~حي! # وبغير حياء سألني مرة: لم يود الناس أن يهاجروا إلى الولايات المتحدة؟ # فأجبت بسخرية واضحة: لأنهم يجدون هناك الخبز والحرية! # فقال بامتعاض: لا قيمة للحياة بلا حرية فلا تكن متعصبا. # فقلت وأنا أضحك: أنت الذي علمتني ذلك! # فقال بمزيد من الامتعاض: متنا .. متنا .. فمتى نبعث؟ # وقلت له بشيء من الصراحة: أحيانا يتعذر فهمك. # فقال بحدة: أنا واضح كالشمس ولكنكم اعتدتم الشروح المطولة والهوامش وهوامش ~~الهوامش! # وقد علمت بوفاة صديقته الفرنسية عرضا في بار الأنجلو، بعد مرور أيام على ms067 وفاتها، ~~فبادرت إلى زيارة مسكنه بشارع قصر النيل، ولكني وجدته مغلقا لا يرد، ولم أجده بمكتبه ~~بالجريدة كذلك، ثم تبين أنه سافر عقب دفنها إلى أسوان، فخلا إلى نفسه شهرا كاملا. ولما ~~قابلته بعد ذلك وجدته يمارس حياته بنشاطه المعهود، ولكن مسحة من الكآبة طبعت وجهه بطابعها، ~~فلم تفارقه دهرا طويلا، ولم يكن يحب الخوض في شئونه الخاصة، فلم يحدثني بكلمة واحدة عن ~~حبه أو أسرته أو طفولته، وكأنه إنسان عام فحسب، عام في الظاهر والباطن، في الحضور ~~والغياب، وسألته مرة: ألم تأسف مرة على أنك لم تتزوج ولم تنجب؟ # فأجاب بسخرية: الندم عادة دينية سخيفة. # ولكني شعرت - إن صدقا وإن وهما - بأنه يعاني مرارة الوحدة في الشيخوخة، وحفلت تلك ~~الفترة من حياته بالمناقشات الحادة التي بلغت في أحايين كثيرة حد المصارحة الجارحة في ~~مخاطبة أصدقائه. قال مرة لرضا حمادة: عليك أن تعترف بأنك رجعي ترسب في مجرى الزمن. # وقال مرة أخرى للدكتور زهير كامل: أنت لا تنقد ولكنك تقتل القيم. # وسأله جاد أبو العلا عن رأيه في أدبه فأجابه على مسمع منا: من الخير لك أن توفر وقتك ~~لتجارة التحف! # وكان من بين الذين سروا في أعماقهم بالكارثة التي حلت بالوطن في 5 يونيو 1967! وهو ~~موقف غريب، ولكن تبناه جميع أعداء الثورة، وشاركهم فيه ذلك الرجل الشاذ الذي خلق ليعارض ~~الدولة، وليقف منها موقف النقيض دائما وأبدا. قال منفسا عن حقده: ما جدوى أن نتحرر ~~من طبقة لنقع في قبضة الدولة الفولاذية؟ السلطة الحاكمة أثقل من الطبقة، أثقل من الشيطان ~~نفسه! # ولكن الثورة لم تتلاش، بل مضت تضمد جراحها، وتجدد حيويتها وتتأهب لمعركة جديدة. ~~ومضى هو يحنق من جديد ويتمزق بين المتناقضات، وإن حافظ في الظاهر على شخصيته التي عرف بها ~~منذ عام 1924 وإن ظل قلما أمينا من أقلام الثورة. ورغم بلوغه السبعين من عمره، ورغم ~~وحدته وخلوه من روح الدعابة، فهو يتمتع بصحة جيدة ونشاط موفور، ولعله المصري الوحيد من ~~معارفي الذي لم أسمعه يمزح أو ينكت ms068 أبدا، ولا عرفت له هواية فنية، حتى الغناء لا يتذوقه، ~~والأدب النادر الذي يطلع عليه يقرؤه قراءة سياسية خاصة كأنه خلق شاذ مقطوع الصلة ~~بالإمتاع والجمال. وركز في الأيام الأخيرة على الإيمان بالعلم، إيمانا نسخ إيمانه القديم ~~بالأيديولوجية، ويتساءل مرارا: متى يحكم العلم؟ .. متى يحكم العلماء؟! # هذه هي آخر هتافاته، وهي خليقة بإشباع معارضته الأزلية لجميع أنواع الدول، حتى قال رضا ~~حمادة: إنه رجل مجنون، هذه هي الحقيقة! # فقلت: وثمة حقيقة أخرى وهي أن أقواله التي تنكر لها خلقت في أجيال أثرا لا ~~يمحى! # | سرور عبد الباقي # من أصدقاء العباسية، وكان أبوه محاميا ذا شهرة ومال، وكانت أمه قوية الشخصية تحكم ~~بيتها بسيطرة لا تقاوم، فخضع لها الأب والابن والبنتان، وكانت بخيلة فيما بدا، تساوم ~~الباعة المتجولين بلا رحمة، ومن أجل مليم واحد تلغي صفقة، وتزن مشترياتها في ميزان خاص ~~ابتاعته لذلك، وظهر أثر ذلك كله في سلوك سرور بيننا بالتهذيب والأدب والاقتصاد، وكانت ~~علاقته بنا ذات نوع خاص، فهو لا يفارقنا، وهو لا يندمج فينا، ويتجنب مشاركتنا في مزاحنا ~~الطليق ونكاتنا اللاأخلاقية. وتذاكرنا يوما مطربة جديدة هي أم كلثوم فقال سرور عبد الباقي: ~~سمعتها في فرح وأعتقد أن صوتها أحلى من صوت منيرة المهدية! # فكبر علينا ذلك وقال جعفر خليل: صوت منيرة يعلو ولا يعلى عليه. # وانتهره خليل زكي، رغم عدم اهتمامه بالغناء، قائلا بوقاحته المعهودة: لا تردد آراء ~~أمك بيننا! # وغضب سرور عبد الباقي وصاح به: لا شأن لك بأمي يا قليل الأدب. # وجاء الرد في صورة لطمة، ثم اشتبكا في معركة حتى فصلنا بينهما، وكان تلميذا مجتهدا، ~~ولكن نجاحه كان دائما دون اجتهاده، والحق لم نكن نؤمن بذكائه! وأوشك يوما أن يقسمنا ~~فريقين؛ إذ طالب بشدة بالتزام الأدب في السلوك والكلام، قال: يا جماعة .. يجب ألا تتردد ~~بيننا كلمة بذيئة وأن نتعامل باحترام. # وفي الحال شخر خليل زكي وسيد شعير في وقت واحد تقريبا، فعاد سرور يقول: وإلا فسأضطر إلى ~~مقاطعتكم! # فقلت بجزع لحبي له: اقترح ما ms069 تشاء ولكن لا تفكر في المقاطعة. # وقال رضا حمادة: كلامه يستحق التقدير! # فقال جعفر خليل: البذاءة في الكلام كالملح في الطعام. # وقال عيد منصور: يا جماعة أنا لا أستطيع أن أذكر والد أحدكم أو أمه إلا إذا قرنته بالسب ~~المناسب. # وقال شعراوي الفحام محذرا: يا جماعة إذا خلت اجتماعاتنا من قلة الأدب فقل عليها ~~السلام! # وتداولنا في الأمر باهتمام جدي ثم تم الاتفاق على مواصلة المعاملة الحرة فيما بيننا، ~~مع استثناء سرور عبد الباقي فيعامل معاملة مؤدبة خاصة. # وكان يتخذ من السياسة موقفا مماثلا فلا يتعامل معها على الإطلاق ولا يهتم بها، حتى ~~المظاهرة السلمية التي زحفت على ميدان عابدين تأييدا لسعد زغلول رئيس الوزراء لم يشترك ~~فيها، ويوم الإضراب الذي قتل فيه بدر الزيادي تخلف سرور في بيته. ورغم رشاقته ووسامة ~~وجهه الأسمر تجنب البنات، ولم يلعب بعينيه هنا أو هناك، وكان يشعر دائما بأن عيني أمه ~~تراقبانه وتتبعانه حيث ذهب. والأوقات التي كنا نخصصها للقراءة كان يقضيها في حديقة بيته ~~ممارسا هوايته في رعاية الزهور أو رفع الأثقال. ومن فترة مبكرة وضح ميله لدراسة الطب ~~ولكن نجاحه في البكالوريا لم يحقق له المجموع المطلوب، ولذلك أقنع والديه بوجوب الالتحاق ~~بكلية الطب في لندن، وكان المتبع أن تقبل الكلية المصرية الطالب إذا نجح عامين في إنجلترا. ~~وسافر إلى إنجلترا فدرس الطب عامين بنجاح ثم رجع إلى مصر فالتحق بكلية الطب، وناقشنا ~~تلك الواقعة يوما فقال رضا حمادة: ليس سرور غبيا كما توهمنا وإلا ما نجح في ~~إنجلترا! # فقال عيد منصور: وليس نظام القبول بكلية الطب المصرية سليما كما يظن. # فقال جعفر خليل: وليست الفرصة متكافئة بين الأغنياء والفقراء! # وتخرج سرور عبد الباقي في الكلية عام 1936، وتزوج بعد أربعة أعوام من فتاة من أسرة ~~كبيرة، وتقدم في عمله عاما بعد عام حتى عد من كبار الجراحين في مصر، وربح من ذلك ~~أموالا طائلة فشيد عمارة كبيرة في وسط المدينة، وبنى لنفسه فيلا غاية في الجمال ~~بالمعادي، ولم يتخل يوما عن ms070 مبادئه الأخلاقية حتى عرف بأخلاقه وإنسانيته كما عرف ~~ببراعته. وهو طبيب مثالي، مهارة في العمل، وغزارة في العلم، ورحمة بالمرضى، وبعدا عن ~~الجشع والاستغلال. وهو محبوب جدا من طلابه. وكثيرا ما خاض معارك حادة في مجلس الكلية ~~بسبب مثاليته التي لا تعرف المهادنة، وبالرغم من علمه الواسع وتجربته الفذة ظل طفلا ~~ساذجا بالنسبة للثقافة والعقائد والسياسة، ولم ينعم بأي نظرة شمولية للمجتمع الذي ~~يتألق فيه كنجم من نجومه. ومرت به الأحداث الكبرى وهو منها بمأمن، لا تعنيه في شيء حتى قامت ~~ثورة يوليو بثقلها الاجتماعي فشدته من مأمنه لأول مرة، بدأ يهتم بهذه الثورة التي تتعرض ~~للأرزاق وتغير الأوضاع، وتسلل إليه قلق لم يعرفه من قبل. وطبق نظام الإصلاح ~~الزراعي على زوجته فطارت من ملكية أسرته خمسمائة فدان بجرة قلم، وذهل الرجل الذي ~~تعود على تقديس المال والملكية، ونبض قلب أسرته بالعداوة، وعد هو ضمنا من الأعداء، ~~ولذلك لم يتعين عميدا للكلية رغم استحقاقه العلمي لها فامتلأت نفسه بالمرارة والحزن. قال ~~لي: فكرت طويلا في الاستقالة للتفرغ لعيادتي الخاصة. # ثم قال بإخلاص أنا أول من يقدره: ولكني لا أحب أن أتخلى عن واجبي ~~العلمي! # وبدءا من ذلك التاريخ مضى يهتم بالحياة العامة، والسياسة بصفة خاصة - التي تجنبها ~~طوال حياته - بعد أن غزته في صميم داره. وكنا نقابله في نادي المعادي على فترات ~~متباعدة كلما سمح وقته المشحون بالعمل، وكنت أنا ورضا حمادة الصديقين اللذين استمرت ~~علاقتهما به، وثمة آخر هو خليل زكي اتصل به دون صداقة حقيقية بحكم عمله في قصر العيني، ~~ولكنه كان يذكر الجميع بقدر من الحنان، وقد حزن لمصرع شعراوي الفحام، ووفاة جعفر خليل، ~~وضياع سيد شعير، فإذا ذكر عيد منصور ضحك قائلا: شيلوك! .. عليه اللعنة! # وفي تلك الأثناء ساء حظ رضا حمادة فأصيب في وحيده وزوجته، فوثق بينهما سوء مصير واحد ~~على تفاوته بينهما. وبعد صفقة السلاح المشهورة مع تشيكوسلوفاكيا جزع الدكتور سرور عبد ~~الباقي وقال: هذه هي الخطوة الأولى نحو الشيوعية! # فلما كان الاعتداء الثلاثي، ms071 وما أعقبه من انسحاب القوات المعتدية، جعل يلتمس العزاء في ~~طوايا الموقف، قال: لولا الولايات المتحدة لقضي علينا. # فقلت: بل الإنذار الروسي. # ولكنه رفض ذلك بشدة وقال: يحسن بنا ألا نفرط في الصداقة الأمريكية بعد اليوم. # ولما أعلنت القوانين الاشتراكية اجتاحه الرعب، وغشيته كآبة ثقيلة ثابتة، قلت له: إنك ~~صاحب مهنة، ولن تعرف الفقر. # فقال: لم يعد لشيء قيمة. # ثم قال: زوجتي تنصحني بالهجرة. # فقال له رضا حمادة: لا داعي لذلك على الإطلاق. # فقال: الاشتراكية تعبير عن الحقد على المتفوقين، وقد استولى حكامنا على السلطة بقوة ~~السلاح لا العلم. # فسأله: وما رأيك في مشكلة الفقر في مصر؟ # فأجاب بسذاجة: كل يتقرر موضعه على قدر طاقته، وتلك هي حكمة الله سبحانه! # فأدركت أنه مهما يكن من علم الإنسان أو أخلاقه فلا غنى له عن الوعي الثقافي المتضمن ~~طبعا الوعي السياسي، وأنه مهما يكن من تفوقه وبراعته وفائدته؛ فلن يعتصر من ذاته ~~إمكاناتها الإنسانية حتى ينظر إلى نفسه لا باعتباره جوهرا فردا مستقلا، ولكن باعتباره ~~خلية لا تتحقق لها الحياة إلا بوجودها التعاوني في جسد البشرية الحي، لذلك بدا الدكتور سرور ~~بجسمه القوي ووجهه الوسيم ومهارته العلمية الخارقة، بدا متدهورا مترنحا، لا لشيء إلا لأن ~~يدا أخذت من فائض الذين يملكون كل شيء لتضميد جراح الملايين الجائعة، وشد ما جزعت عندما ~~آنست في نبرته شماتة عقب هزيمة 5 يونيو 1967، عندما لم يحسن مداراة فرحته بما ظنه ~~النجاة. وناقشت ذلك الموقف مع الصديق كامل رمزي فقال: لا تدهش ولا تجزع، الأفضل أن تعرف ~~الحقيقة مهما تكن غريبة وقاسية، ثمة جانبان يتصارعان بلا هوادة يقف في أحدهما الروس ~~والاشتراكيون العرب وطوائف الشعب التي وجدت في الاشتراكية جنتها الموعودة، ويقف في الآخر ~~الأمريكان وإسرائيل والذين رأوا في الاشتراكية ردعا لطموحهم وجشعهم. # فسألته: والوطن والوطنية؟ # فأجاب: تغير مفهوم الوطن ومضمونه، لم يعد أرضا ذات حدود معينة ولكنه بيئة روحية ~~تحدها الآراء والمعتقدات! # | سعاد وهبي # تلك الزميلة الجامعية التي عاشت في كليتنا عاما واحدا، ولكنها بهرت خيالنا ms072 ~~عهدا طويلا، كانت الزميلات عام 1930 قلة لا يتجاوزن العشر عدا، وكان يغلب عليهن طابع ~~الحريم، يحتشمن في الثياب، ويتجنبن الزينة، ويجلسن في الصف الأول من قاعة المحاضرات وحدهن ~~كأنهن بحجرة الحريم بالترام. لا نتبادل تحية ولا كلمة وإذا دعت ضرورة إلى طرح سؤال أو ~~استعارة كراسة، تم ذلك في حذر وحياء، ولا يمر بسلام فسرعان ما يجذب الأنظار، ويستثير ~~القيل والقال، ويشن حملة من التعليقات. في ذلك الجو المتزمت المكبوت تألقت سعاد وهبي ~~كأنها نجم هبط علينا من الفضاء. كانت أجمل الفتيات وأطولهن وأحظاهن بنضج الجسد الأنثوي، ~~ولم تقنع بذلك فلونت بخفة الوجنتين والشفتين، وضيقت الفستان حتى نطق، وتبخترت في مشيتها ~~إذا مشت، وكانت تتعمد أن تدخل القاعة متأخرة بعد أن نستقر في مجالسنا ويتهيأ الأستاذ ~~لإلقاء محاضرته، ثم تهرول كالمعتذرة فيرتج ثدياها النافران فتشتعل الفتنة في الصفوف، ~~وتند عنها همهمات كطنين النحل. وعرف اسمها وجرى على كل لسان، ونحتت له الأوصاف الأسماء ~~فهي «أبلة سعاد» و«كلية سعاد» و«بانت سعاد». وكانت بخلاف زميلاتها غاية في الجرأة، ~~تواجهنا بثقة لا حد لها، ولا تخفي إعجابها بنفسها، وتناقش الأساتذة بصوت يسمعه الجميع، ~~وبالجملة تحدت الزمان والمكان، وقال محمود درويش: إنها غانية لا طالبة. # وقال لي مرة جعفر خليل: ترى كيف كانت وهي تلميذة مراهقة بالمدرسة الثانوية؟ فاتنا نصف ~~عمرنا. # فقلت: لم تلتحق بالكلية إلا لاصطياد عريس! ~~- أو عشيق! # وجرت عنها الأخبار لا أدري إن كان مصدرها الواقع أم الخيال. ~~- إنها من حي اليهود بالظاهر، ولدت وترعرعت في جو من الحرية الجنسية ~~المطلقة! ~~- وأسرتها منحلة، الأب والأم والأخوات. # وهي امرأة لا عذراء مجربة للسهر والسكر والعربدة! # وتشجع جعفر خليل بذلك فحاول أن ينشئ معها علاقة، ولكنه صد ولم يفلح، وصد غيره ولم ~~يفلح، ومع ذلك فلم تضن بصداقتها على طالب إذا التزم بحدود الأدب، وطبقت شهرتها الآفاق ~~الجامعية، فجاء طلبة من كلية الحقوق للمشاهدة والمعاينة، وكانت في الأدب الإنجليزي تتلو ~~أحيانا ما تيسر من مسرحية عطيل فتلقيه إلقاء مسرحيا ناعما يسحر الألباب، ms073 فحتى ~~الأستاذ الإنجليزي أعجب بها، وعاملها معاملة ودية خاصة، وأخذ الطلبة الوقورون - ~~الريفيون خاصة - يناقشون الظاهرة السعادية ويتساءلون عن عواقبها الوخيمة، وسرت عدوى ~~اهتمامهم إلى الدكتور إبراهيم عقل الذي يفرض بقامته المديدة رعاية أبوية على الطلبة ~~والمثل العليا معا. وانتهز فرصة اضطراب قاعة المحاضرات لارتجاج الثديين النافرين، وجعل ~~يسلط سحر عينيه الزرقاوين على الجميع حتى ثابوا إلى الرشد والسكينة، ثم قال: يجب أن ~~يوجد فرق هائل بين قاعة المحاضرات بجامعتنا وبين صالة بديعة! # فضجت القاعة بالضحك في غير موضعه. # ثم وهو يهز رأسه بطربوشه الطويل: تذكروا أننا جميعا - نساء ورجالا - هدف لمجهر ~~الناقدين وأن جمهرة منهم لم تسلم بعد بمبدأ اختلاط الجنسين في الجامعة، بل بمبدأ ~~تعليم الفتاة تعليما عاليا. # وفي نهاية المحاضرة استدعى سعاد وهبي لمقابلته في حجرته، وخمنا موضوع الحديث وتنبأنا ~~بنتيجته المحتومة، وكثيرون شعروا مقدما بالأسف لحرمانهم الوشيك من الإثارة اليومية ~~الفاتنة. وغادرت سعاد وهبي حجرة الدكتور متجهمة الوجه، ولما رأت جموع المنتظرين في ~~الخارج قالت بحدة وبصوت مسموع متحد: لن أسمح لأحد بمصادرة حريتي الشخصية. # وأصرت على التمتع بحريتها، حتى فوجئنا بصدور أمر بفصلها من الكلية! وفرح البعض وأسف ~~البعض أسفا عابرا بالرغم من اجتماع كلمة الجميع على مقاومة الحكم السياسي الرجعي ~~الذي بطش بحرية الوطن. وجاء والد الفتاة لمقابلة العميد، وما زال به حتى حمله على سحب قرار ~~الفصل بعد أن تعهد له بتحقيق مطالبه. وأعجب ما سمعت عن رجوع سعاد حدثني به جعفر خليل؛ إذ ~~سألني باسما: أما سمعت بالسر وراء عودة سعاد؟ # فسألته بدوري: أي سر؟ ~~- يقال إن وزير المعارف أوصى العميد بها. ~~- ولكن وزير المعارف رجل رجعي كثير التشدق باحترام التقاليد؟ ~~- ويقال أيضا إنه على علاقة بالفتاة. # على أي حال عادت سعاد، وعندما هلت علينا بعد انقطاع استقبلناها بالتصفيق، رأينا وجهها ~~الطبيعي لأول مرة وكان وسيما أيضا، ورأينا فستانها يحتشم طولا وعرضا لأول مرة أيضا، ~~أما ثدياها فلم يستطع تعهد الوالد بتغيير موضعهما ولا فتنتهما، فظلا نافرين يتحديان ~~العميد والتقاليد جميعا. # ويوما ms074 قال أحد الطلاب: أمس رأيتها مع الرجل الإنجليزي بالحديقة اليابانية بحلوان. # وانتشر الخبر في الكلية، وسألها صديق عنه فأجابت بأنها قابلته هناك مصادفة فسارا معا ~~يتحادثان. توكد الخبر، وبلغ جميع المسئولين في الكلية، ولكن نجمت عن ذلك مشكلة تحدت ~~الجميع بقحة لا مثيل لها. لم يكن من المستطاع اتخاذ إجراء مع المدرس خشية إغضاب دار ~~المندوب السامي، ولا كان من المستطاع معاقبة الطالبة خشية إغضاب المدرس! وأدركنا الموقف ~~بكافة أبعاده السياسية والنفسية، وقال جعفر خليل بروحه الساخرة: إنجلترا زادت من تحفظات ~~28 فبرار تحفظا جديدا خاصا بسعاد وهبي. # وقال آخر: الأسطول البريطاني يهدد باحتلال الجمارك إذا تعرضت سعاد لأي ضغط. # وقيل في الموقف أشعار كثيرة من أصحاب المواهب من الطلبة، وتبودلت السخريات على مسمع من ~~العميد نفسه. ولكن في بداية العام الدراسي الجديد وجدنا الموقف مختلفا، فالمدرس ~~الإنجليزي لم يرغب في تجديد عقده، وسعاد لم ترجع إلى الكلية، أين ذهبت سعاد؟ قيل إنها ~~سافرت مع المدرس الإنجليزي، وقيل إنها تزوجت، وقيل إنها أصبحت غانية في شارع الألفي، ومع ~~كثرة تقلبي في أنحاء القاهرة فلم تقع عليها عيناي منذ ذلك التاريخ البعيد. # | سيد شعير # كان زعيم الجماعة من أصدقاء العباسية. أجل كان خليل زكي يماثله في القوة أو يفوقه ولكن ~~الزعامة لا تقوم على القوة وحدها، لا بد لها من أساس مكين من الحب، وكان سيد شعير ~~محبوبا كما كان كريما، وفي أوقات اللعب كان مهرجا، وفي ليالي رمضان كان نجما لامعا، ~~ولا مفر من عقد المقارنات بينه وبين خليل زكي دائما، فكلاهما قوي سريع العدوان غير ~~أن خليل ينطلق من شراسة إجرامية على حين ينطلق سيد من المجون والاستهتار، وكلاهما لم ~~يوفق في الدراسة الابتدائية، وكلاهما وظفه أبوه في دكانه، وكلاهما طرد من رعاية ~~أبيه، غير أن خليل طرد لشراسته على حين طرد سيد لسلوكه مع النساء من زبائن المحل. وبطرف ~~عينه الماكرة اكتشف الهوى بيني وبين حنان، وراح يداعبني ساخرا من ترددي، حتى قال لي ~~يوما: كلام فارغ، غرامك ms075 كلام فارغ. # ولم أحب أن يجعل من حبي سخرية من سخرياته، ولكنه قال: اسمع نصيحتي وواعدها في غابة ~~التين الشوكي. # وفي مساء الأربعاء من كل أسبوع - في العطلة السنوية - كان يدعونا إلى بيته في آخر شارعنا ~~من ناحية بين الجناين، حيث يقام ذكر في الفناء فنجلس على أريكتين متقاربتين نتابع ~~الأناشيد الدينية، ونشاهد حركات الذاكرين، ونحتسي الشاي والقرفة، وكلما ابتعد أبوه عن ~~مجالنا روى لنا ما يحفظ من النوادر الماجنة عن أهل الذكر! بقدر ما كانت أسرته متدينة بقدر ~~ما كان مستهترا، وبقدر ما حيرني في فهمه. ولما يئس من مواصلة الدراسة في المدرسة ~~الابتدائية عمل في دكان أبيه في الغورية، وفي العطلة السنوية كنا نذهب إليه في المغارب، ~~ولما يغلق الدكان يمضي بنا في أنحاء الحي الحسيني، من عطفة إلى عطفة، ومن مقهى إلى ~~مقهى، فعرفنا بإرشاده مجاذيب الباب الأخضر، والفيشاوي، والمدق، وخان الخليلي. واستمعنا إلى ~~أذان علي محمود، ومواويل العربي، وعلمنا - ونحن في السنة الأولى من المدرسة الثانوية - ~~تدخين الجوزة والبوري والنارجيلة ولعب النرد والدومينو. كانت تلك الأيام من أسعد أيام ~~سيد شعير، كان يعيش في بيت والده، وينفق راتبه على مزاجه الخاص، ويتشبه بالرجال وهو في ~~الرابعة عشرة من عمره، ونشأ الخلاف بينه وبين أبيه بسبب النساء من زبائن المحل، ومرة غازل ~~امرأة وكان زوجها في الخارج فنشبت بينهما معركة وسرعان ما فصل أبوه بينهما، وانهال على ابنه ~~ضربا أمام الناس، ففقد سيد عقله، وصب غضبه على البضائع من أوان زجاجية، ومعدنية وقوارير ~~العطر وغيرها. وطرده الرجل، طرده من دكانه ومن بيته فانقطع ما بينهما إلى الأبد. اقترحنا ~~أن نوسط آباءنا في الإصلاح بينهما ولكن سيد رفض ذلك بإباء وقال: سجن البيت لم يعد يناسبني ~~ودنيا الله واسعة. # وكنا نظنها نزوة غضب، ولكن الأيام أثبتت لنا أنه بحق رجل الدنيا الواسعة، وأنه ذو قدرة ~~غريبة على تمزيق الأواصر العائلية، ونبذها من حياته كأنها نفاية من النفايات. وقد حرت في ~~تعليل ذلك في وقتها، ولكني أدركت فيما بعد ms076 أنه كان مراهقا منبوذا وسط ثلاثة إخوة ناجحين، ~~عمل أحدهم مع والده بعد حصوله على التجارة المتوسطة، وواصل الآخران تعليمهما بتفوق ساحق، ~~وقال لي بكبرياء: إن أي تاجر في الحي يتمنى أن يستخدمني! # فقلت له مخلصا: ولكن حكاية النسوان حكاية خطيرة. # فقال ساخرا: المرأة تتسكع بين دكان وآخر التماسا لغمزة عين، أو كلمة حلوة، أما البيع ~~والشراء فلا يحدثان إلا في المواسم! # وعمل بالفعل في محال كثيرة، حتى خنقت الأزمة الاقتصادية التجارة، فاستغني عنه فيمن استغني ~~عنهم، ووجد نفسه وحيدا بلا مورد ولا أهل ولا أمل. ولم يكن بوسعنا أن نقدم له - ونحن ~~تلاميذ - أي مساعدة ناجعة، ولكنه كان صديقا لصاحب مقهى في مرجوش يعمل في الوقت نفسه تاجر ~~مخدرات بالجملة، فعرض عليه أن يشتغل موزعا بالنسبة، وسرعان ما قبل. وأخبرنا بذلك في ~~مباهاة طفولية فذعرنا، وقال له سرور عبد الباقي: أنت مجنون. # وقال له رضا حمادة: لن يكون ذلك أبدا. # ولكنه سخر من ذعرنا ورجانا في الوقت نفسه أن نخفي الأمر تماما عن خليل زكي الذي كان ~~يمقته، واندفع في طريقه باستهتار غريب فانتشل نفسه من الجوع والكرب. وفي الخطوة التالية ~~عرف السبيل إلى أحياء البغايا، لا كهاو، ولكن كمحترف، وعاشر امرأة وأقام معها في بيتها، ~~ودعانا إلى الطواف بمملكته الجديدة. تخلف عن الدعوة سرور عبد الباقي، وذهبنا إليه مدفوعين ~~بحب الاستطلاع والرغبات المكبوتة وسحر المغامرة. وذكرت في الحال تجربتي القديمة مع قريبي ~~أحمد قدري، وعثرت على البيت، ودهشت للوجوه الجديدة التي طالعتني، ومضى سيد شعير بنا في ~~تلك الدروب كما فعل من قبل في الحي الحسيني، ولقننا كافة تقاليدها وأسرارها، وسهرنا في ~~مقاهي الأنس، ومجالس المعلمات والفتوات والبلطجية والبرمجية، حتى باتت أغانيها ~~الخليعة وأناشيدها الساخرة ودعاباتها الفاضحة ورقصاتها العارية، باتت تعزف في رءوسنا ~~كالسحر الأسود، وتسكب في قلوبنا عصير الأفراح والمآسي. وانضم بقدرة قادر إلى زمرة رجال ~~الأعمال، فافتتح مقهى في وجه البركة امتاز بالأناقة والخمور الرخيصة وعازف أرغول يشنف ~~آذان السكارى، ومدمني المخدرات من الزبائن، وكان يديره ms077 بحزم الفتوات، وابتسامة التجار ~~المحترفين، مرتديا بدلة كالأفندية إشارة إلى أصله العريق المختلف عن أصول أصحاب المقاهي من ~~أهل البلد البرمجية، ولما قامت الحرب العظمى الثانية تضاعفت أرباحه من المقهى غير أن ~~رفيقته هجرته فيمن هاجر من حي البغايا من المومسات الجميلات اللاتي آثرن العمل في المشارب ~~الليلية استغلالا للجنود البريطانيين، فلم يبق في الحي إلا النسوة الميئوس منهن ممن ~~تقدم بهن العمر أو ذبل جمالهن. وتدهور الحي القديم، فلم يعد صالحا لارتياد الأفندية، ولم ~~نعد نرى سيد شعير إلا كل حين ومين، وقد جمعنا مأتم شعراوي الفحام، ومرة أخرى اجتمع في ركن ~~من السرادق جعفر خليل وخليل زكي ورضا حمادة والدكتور سرور عبد الباقي وعيد منصور وسيد ~~شعير وأنا. # اجتمع أصدقاء العمر بعد أن نقصوا واحدا، وهم في ذروة الشباب ما بين الثلاثين والخامسة ~~والثلاثين من العمر، وقد عرف كل سبيله، المدرس والموظف والمحامي والدكتور والتاجر ~~والقواد والبرمجي وتاجر المخدرات. وجعلنا نرثي صديقنا الراحل فنقول: ترك فراغا لن ~~يسد. ~~- ما أجمل ذكرياته! ~~- عاش ضاحكا، ومات ضاحكا. ~~- راهن طيلة عمره على حلم لا يريد أن يتحقق. # وعاتبنا سيد شعير على انقطاعنا عن زيارته، فاعتذرنا له بأن الحي القديم لم يعد بالمكان ~~المناسب. # فقال بازدراء: اخص على أصلكم. # ثم بأسف: رحم الله شعراوي، كان الوحيد المواظب على زيارتي. # وبعد انتهاء الحرب بأعوام تقرر إلغاء البغاء الرسمي، فاضطر سيد إلى الظهور فوق سطح ~~الأرض مرة أخرى، رجلا في الأربعين، يملك بضعة آلاف من الجنيهات، وذخيرة كبيرة من التجارب ~~الفاسدة. واجتمعنا في مقهى الفيشاوي، فقال له رضا حمادة: أمامك فرصة طيبة فابدأ حياة ~~صحية جديدة! # فضحك سيد قائلا: ما أقبح الوعظ والإرشاد! # وقرر أن يستجم فترة من الزمن، أقام في فندق بالموسكي يدار بطريقة مريبة، وأسرف في تعاطي ~~المخدرات والخمور، واصطياد بنات الهوى ممن هن في حكم المومسات، أما نهاره فيمضيه في ~~لعب الكومي وتدخين النارجيلة. وظل خارج الزمن تماما فيما يتعلق بجميع الأحداث كحرب ~~فلسطين وحريق القاهرة وثورة يوليو، وتزوج وهو في ms078 الخمسين من تاجرة مخدرات مات زوجها في ~~السجن، وكانت في الأربعين من عمرها. وبالرغم من شدة العقوبات التي فرضتها الثورة على ~~تجارة المخدرات فقد تاجر فيها بكل استهانة، وبغير تقدير للعواقب. وقد شيد لنفسه بيتا ~~كبيرا في طرف الدراسة على حافة الخلاء المفضي إلى جبل المقطم، وسط حديقة مساحتها فدان ~~زرعها بالنخيل، والأعناب، والجوافة، والليمون، والحناء، والياسمين، وأثثه بالأثاث الشرقي، ~~وأقام فوق سطحه حظائر الدجاج والأوز والأرانب. # واجتمعنا بكامل هيئتنا مرة أخرى في مأتم زوجة رضا حمادة، وغادرنا المأتم معا - أنا ~~وسيد - حوالي منتصف الليل فسرنا معا نتحادث، وسألته برجاء: ألم تجمع من الثروة ما يغنيك ~~عن تجارة المخدرات؟ # فأجاب باستهانة: إني أربح كثيرا وأنفق أكثر. ~~- ولكنك لا تقدر العواقب. # فقال لي وهو يربت على كتفي: طظ في العواقب! # ثم قال بحسرة: هل تذكر رفيقتي القديمة التي هجرتني أيام الحرب؟ .. سمعت أنها أنجبت مني ~~ولدا، ولكني لم أعثر لهما على أثر! # فسألته: أتحب أن يكون لك ولد؟ # فضحك متجاهلا سؤالي، ثم قال: أنا سعيد بزوجتي، ولا أفكر في الزواج من أخرى! # ثم ضحك عاليا وقال: والزواج من أخرى يعني بالنسبة لي الخراب أو التأبيدة! # وتنهد وهو يقول: كل شيء يهون بالقياس إلى ما وقع لصديقنا الشهم رضا حمادة! # فقلت مستعيدا حزني كله: إنه أعظمنا شخصية، وأسوأنا حظا. # فقال بحنق: قارن بين حظه وحظ ابن القديمة خليل زكي. ~~- أي نعم، يا لها من مقارنة ساخرة. ~~- ذلك هو الحقير الشرير، أما أنا! .. ما عيب تجارة المخدرات؟! ~~- المسألة أني أخاف عليك العواقب. ~~- فلنذكر عاقبة رضا حمادة الذي لم يتاجر في المخدرات قط! # وأصر على اصطحابي إلى بيته العامر بالدراسة. ولكن ندر اللقاء بيننا، وربما مرت ~~أعوام دون لقاء على الإطلاق، أو يقع لقاء مصادفة في مقهى الفيشاوي، ولا أنسى يوم أقبل علي ~~في الأسبوع التالي للنكسة، كنت جالسا وحدي أجتر الهم الثقيل الذي لم أعرف له نظيرا ~~من قبل، سلم وجلس ثم بادرني متسائلا: هل يقضي احتلال سيناء على التهريب حقا؟! # أحنقني سؤاله، ms079 اعتبرته غاية ما بعدها غاية في الاستلقاء خارج الزمن، وأدرك بذكائه استيائي ~~فسكت، ومضى يدخن النارجيلة صامتا .. ثم تمتم: كعادتك دائما لا شيء يهمك مثل السياسة ووجع ~~الدماغ. # فسألته بضيق: الظاهر أنك لم تسمع بما وقع؟ # فقال وهو يشكم رغبته في السخرية: سمعنا وشفنا العجب! # ولقيته بعد ذلك بعامين في مكتب عيد منصور، رأيته في صورة جديدة، منتفخ الوجه والبطن، يشي ~~منظره بحال مرضية لا شك فيها، ولا فكرة لي عنها، فسألته: كيف حالك؟ # فأجاب ببساطة مذهلة: بخير كما ترى! ~~- ولكنك لست كعادتك! ~~- سبحان الذي لا يتغير! # فضحك عيد منصور قائلا: أخيرا عرف ربنا. # فسألته: ألم تستشر طبيبا؟ # فتساءل بدوره: أتؤمن حقا بالأطباء؟! ~~- لم أذهب ولا مرة واحدة إلى طبيب، ولم يدخل معدتي دواء! # ولما غادر المكتب ضحك عيد منصور، وقال: يبدو أن جنازة وشيكة ستجمع شملنا من ~~جديد! # | شرارة النحال # عرفت شرارة النحال أول عهدي بالوظيفة الحكومية. كان عامل التليفون، في العشرين من عمره، ~~ومن حملة الابتدائية حديثا، وكان يلفت النظر بجمال وجهه ورشاقة قده ورقة شمائله، رأيت ~~عم صقر الساعي يمازحه مرة فيقول له: اخلع بدلتك وارتد فستانا وأنا أضمن لك عريسا في ~~ظرف أربع وعشرين ساعة! # وخلت درجة سابعة لوفاة شاغلها؛ فاشتعلت أفئدة كتبة الدرجة الثامنة تطلعا إليها، ولم ~~يكن ثمة قانون ينظم الترقيات، كما كانت الشهادة العليا لعنة على حاملها لما تثيره من ~~حنق في صدور الرؤساء من حملة شهادة الابتدائية القديمة، وفزع كل موظف من الفئة الثامنة إلى ~~من يعرف من الكبراء والشيوخ والنواب، فانهالت بطاقات التوصية على وكيل الوزارة، ووجدت ~~أنا شفيعا - في ذلك السباق - في شخص زميلي القديم عبده البسيوني عضو مجلس النواب، ~~وقابلني الأستاذ طنطاوي إسماعيل في الممشى خارج السكرتارية فاستوقفني متجهما وسألني: أما ~~علمت بالذي رقي إلى الدرجة السابعة؟ # فقلت وقلبي يخفق: كلا. ~~- أسرع بتهنئة شرارة النحال! # فهتفت: شرارة النحال؟! ~~- نعم. ~~- عامل التليفون؟! ~~- نعم. ~~- ولكنه بالابتدائية ووظيفته خارج الهيئة! # فرفع الرجل رأسه إلى فوق وقال: اللهم فاشهد، ما زال بمصر أناس ms080 يحتكمون إلى ~~المنطق! # ثم مضى إلى حجرته، وذهبت إلى إدارة السكرتارية، فوجدت أن الترقية أصبحت خبر اليوم ~~دون منازع. ~~- هل سمعتم عن عامل تليفون في الدرجة السابعة؟ ~~- من قال إنه عامل تليفون؟ ... لقد انتدب للعمل بمكتب وكيل الوزارة . ~~- وكيل الوزارة على سن ورمح؟ ~~- وكيل الوزارة على سن ورمح! # وتساءلت: كيف ... ولماذا؟ # فقال لي الأستاذ عباس فوزي همسا: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا ... # وقال لي عم صقر الساعي وهو يقدم لي القهوة: لا تدهش يا بك، حضرتك موظف جديد نسبيا، ~~هذا هو كل ما هنالك، والمسألة أنه كان تقرر ترقية موظف آخر، ولكن شرارة طلب مقابلة سعادة ~~وكيل الوزارة، ولما طرد من سكرتاريته انتظر في الممشى حتى إذا خرج الوكيل في وقت الانصراف ~~رمى بنفسه بين يديه، وقال بلهجة تمثيلية كأنه فاطمة رشدي إنه مسئول عن أسرة كبيرة، وإنه ~~لا واسطة له بعد الله إلا سعادته، ونظر إليه الوكيل نظرة عابرة لا تخلو من ضيق وامتعاض، غير ~~أن شيئا في وجه شرارة جعله يعيد إليه النظر باهتمام، ولبث ينظر إليه كأنما لا يريد أن ~~يسترد بصره. # وسكت الساعي وهو يبتسم بخبث فساورني الشك. غير أني سألته: أي شيء تقصد؟ # فانسحب الرجل من أمام مكتبي وهو يهمس باسما: في العشق يا ما كنت أنوح! # ونقل شرارة النحال إلى مكتب الوكيل بصفة نهائية للعمل في أرشيفه، وتغير منظره ~~الخارجي ليناسب وظيفته الجديدة، فارتدى بدلة جديدة أنيقة بدلا من القديمة الرثة، ولبس ~~حذاء أسود بدلا من النعل المطاط، وتزين عنقه بكرافتة حريرية عليها طابع الهبة، وأطل من ~~طرف جاكتته الأعلى منديل مزركش. وصرنا إذا تقابلنا تبادلنا التحية تبادل الأنداد لا ~~تبادلها القديم بين موظف وآخر في حكم السعاة. ولعله كان على وعي بما يدور عنه ولكنه لم ~~يكترث له، إما لأنه كان مكشوف الوجه، أو لأنه آمن بأن مركز القوة خليق بمحق المعايب ~~وإخراس الألسنة. وفي ظرف عامين عين شرارة سكرتيرا خاصا للوكيل مع ترقية إلى الدرجة ~~السادسة. وتهامس الموظفون بشتى التعليقات كالعادة، ms081 وقال لي الأستاذ عباس فوزي: ستراه عما ~~قريب ضمن الهيئة الحاكمة! # وسرعان ما عرف في الوزارة كأهم شخصية في مكتب الوكيل، أهم من مدير المكتب نفسه، فصار ~~كعبة لطلاب الحاجات من الموظفين والأهالي، وانهالت عليه الهدايا أشكالا وألوانا ، وأصبحت ~~ابتسامته أو تحيته هدية يفاخر بها المتلقي وهو يحمد الله المنان. وحدث أن تولى وزارتنا ~~وزير من «أهل ذلك» فانفجرت أزمة لم تجر لأحد في خاطر، بالرغم من أن الوزير والوكيل ~~كانا ينتميان إلى حزب واحد. ودبر المؤامرة موظف كبير من محاسيب الوزير، كان يتحين الفرص ~~للانتقام من الوكيل؛ لإساءة سبقت منه إليه، فحدث الوزير حديثا مغريا عن سكرتير الوكيل ~~«الجميل». ورتب لقاء بين الوزير والسكرتير لعرض أوراق طلب الوزير الاطلاع عليها، وقيل ~~إن الوزير اقتنع بكفاءة السكرتير من النظرة الأولى، وإن السكرتير رحب بتقدير الوزير ~~ترحيب شاب ليس لطموحه حد. وأبلغ الوكيل برغبة الوزير في نقل سكرتيره إلى مكتبه فثار ~~غضبه، وصارح مبلغه بأنه لا يستغني عنه. وغضب الوزير بدوره، فأصدر أمرا بنقل شرارة ~~إلى مكتبه فما كان من الوكيل إلا أن اعتكف في قصره، وقيل إن رئيس الحزب وبخ الرجلين، ~~وإنه حذرهما من تسرب خلافهما إلى الصحف الوفدية، فرجع الوكيل إلى عمله كاظما غيظه. وتتابع ~~صعود شرارة النحال فرقي إلى الخامسة - مع قيده على الرابعة - وترامى المستقبل أمامه فسيحا ~~باهرا. غير أنه لم يشق طريقه معتمدا على جماله وحده، أو إن جماله لم يكن ميزته ~~الوحيدة، فكان إلى ذلك ذكيا عالي الهمة مزودا بأكثر من سبب من أسباب النجاح، ففي ~~أثناء عمله المرهق انقلب من جديد تلميذا مجتهدا، وحصل من «منازلهم» على شهادات الكفاءة ~~فالبكالوريا وأخيرا ليسانس الحقوق. وعلق عباس فوزي على اجتهاده متهكما وجادا في آن ~~فقال: ليس كغيره من أمثاله، فهم اعتمدوا على جمالهم وحده، وهو خاصية تفقد قيمتها سريعا ~~بالتقدم في العمر؛ لذلك تجدهم الآن كهولا منسيين في الدرجة الرابعة أو الثالثة على ~~الأكثر، أما صاحبنا فيعد نفسه للمناصب الرفيعة! # وكموظف يعتبر من أكفأ الموظفين الذين ms082 عرفتهم في حياتي، همة في العمل وجلدا عليه، ~~وحسن تصرف فيه، فهو مرجع من المراجع الهامة في الإدارة، ومن ناحية أخرى اشتهر بالطموح ~~والأنانية، والقسوة في معاملة مرءوسيه من زملائه القدامى، فلم يغفر لأحدهم هفوة أو زلة ~~لسان ، وكان قدرا كبيرا من سعادته لا يتحقق إلا بإذلالهم والتمثيل بهم. واستقالت الوزارة ~~وهو في الدرجة الثالثة مديرا لمكتب الوزير. وتولى الوفد الحكم، وأحيل الوكيل إلى المعاش ~~قبل أن يتمكن من الانتقام من محبوبه القديم، وهرع الحاسدون إلى الوزير الجديد فاتهموا ~~مدير المكتب بالحزبية المضادة والشذوذ الأخلاقي. ودافع شرارة عن نفسه باستماتة فقال إنه ~~«موظف» وموظف فحسب، ولاؤه أولا وأخيرا للعمل، وإخلاصه لمن يعمل في خدمته. وتقرر نقله ~~مديرا للمحفوظات، وهي وظيفة خلفية لا مجال فيها للطموح، ومع ذلك فقد عكف على دراسة نظام ~~الأرشيف، وأعاد تنظيمه على أسس جديدة مما بث فيه حياة لم يحظ بها من قبل. ودعا الوزير ~~لتفقده فأعجب الرجل باجتهاده وأثنى عليه، وإذا به ينشر مقاله في جريدة المقطم بعنوان «وزير ~~وفدي يثني على خصم من خصوم الوفد»، نوه فيها بعدالة الوزير وإخلاصه وإيثاره للمصلحة ~~العامة، وكيف أنه شجعه بدل أن يبطش به، وختمها بقوله: إن الإنسان ليحتاج إلى قوة خارقة ~~لتمنعه من الارتماء في أحضان الوفد. # وحدثني الأستاذ عباس فوزي بأنه كان في حضرة الوزير عندما استدعى شرارة النحال لشكره، ~~وأنه قال له: من أين لك بهذا الأسلوب البليغ؟ # فما كان من شرارة إلا أن قال على الفور: إنه فضيلة يا صاحب المعالي اكتسبتها من حفظ خطب ~~خالد الذكر سعد زغلول باشا! # ونقل شرارة النحال مديرا للمستخدمين، ثم رقي إلى الدرجة الثانية قبيل إقالة حكومة ~~الوفد. وفرح الحاسدون وقالوا «الدب وقع»، فها هو الوزير السابق يعود ومعه الوكيل أيضا، فما ~~عسى أن يصنع شرارة النحال؟ وتوقعنا أن نشهد خاتمة الرجل، ولكنا فوجئنا جميعا بترقيته إلى ~~الدرجة الأولى مديرا عاما للإدارة! ~~- ما معنى هذا؟ ~~- ماذا جرى في الدنيا؟! # ومضت الأخبار تتسرب كنقط الماء، عرفنا ما خفي علينا، ms083 فطيلة عهد الوفد لم ينقطع شرارة عن ~~زيارة وزيره السابق سرا، وكان ينفذ له رغائبه دون أن يدري أحد. وأكثر من ذلك سعى سعيه ~~حتى صالح بين الوزير السابق والوكيل المحال إلى المعاش؟ فلما رجعا قال بكل ثقة : رجع ~~عهدنا العتيد! # وقيل أيضا إنه راح يعطي دروسا خصوصية لابن الوزير الوفدي الطالب بكلية الحقوق. غير ~~أنه بفطنته أدرك أن ميزان القوة الحقيقي مضى يتركز في السراي، وأن السراي خير وأبقى ~~لمن أوتي بعد نظر حقيقي، وعليه ألف كتابه الوحيد «صانعو مصر الحديثة» أرخ فيه لمحمد ~~علي وإسماعيل وفؤاد، وأهداه إلى السدة الملكية. وجاءه من الديوان الملكي جواب شكر نشر في ~~جميع الصحف، وقال لزميله وغريمه عدلي المؤذن: الآن أصبحت من رجال السراي، ولن يفكر حزب في ~~التنكيل بي. # وفي أواخر أيام الحرب تزوج من أسرة محترمة، فأنجب بنتا وولدا، كانا - مثله - آيتين في ~~الجمال، وقد تزوجت الفتاة من سكرتيره، أما الشاب فعمل ضابطا في الجيش، وعقب انتهاء ~~الحرب العظمى الثانية وقبيل إجراء انتخابات لمجلس الشيوخ استدعاني في مكتبه، وتعطف فسمح ~~لي بالجلوس أمام مكتبه وقال لي: انتخابات الشيوخ غاية في الأهمية، ولو فاز الوفديون لحق ~~لهم تغيير العهد كله. # فنظرت إليه متسائلا فواصل قائلا: إني أفكر في إرسال اسمك ضمن المرشحين لرئاسة ~~اللجان الانتخابية. # فابتسمت ولم أنبس فقال: ستجد في الدائرة رجلا من رجال حزبنا. # فسألت بخبث: أي حزب؟ # فضحك عاليا، حتى احتقن وجهه الوردي بالدم ثم قال: لا أهمية للحزب، المهم الولاء لصاحب ~~العرش! # فقلت بقلق: لا خبرة لي بذلك العمل. ~~- أغمض عينيك ودع المأمور يعمل، لن يطلب منك أكثر من ذلك. # فوجمت وهو ينظر لي ثم قال متأسفا: الحق أني رشحتك لما أعهده فيك من خلق طيب، ولكني لن ~~أثقل عليك. # ونهض مادا يده فصافحته وغادرت الحجرة، وأسفرت نتيجة الانتخابات عن نجاح عشرة من الشيوخ ~~الوفديين في أربع وأربعين دائرة، استعملت فيها جميع صنوف الضغط والإرهاب والتزوير كالعادة، ~~فحمدت الله على أنني لم أشترك في تلك الجريمة التاريخية ms084 المدبرة. # وقد اختلفت الأقوال في نزاهته فمن قائل إنه كان نزيها بالرغم من عيوبه الكثيرة، ومن قائل ~~بأنه لص أريب شديد الحذر، ومعروف أنه امتلك فيلا جميلة في حلوان وعمارة في الدقي، ولكنه ~~كان يردد دائما بأنهما اشتريا بأموال زوجته، ولما قامت ثورة يوليو 1952 قدم إلى ~~لجنة التطهير بناء على ما قدم فيه من عرائض، ولكن الظاهر أنه لم يثبت عليه ما يدينه، ~~فاستمر في عمله. وقيل إنه استمر بفضل شفاعة ابنه الضابط والله أعلم. ورقي بعد ذلك وكيلا ~~للوزارة، ثم عين رئيسا لمؤسسة عقب تطبيق القوانين الاشتراكية. وتسلل إليه الحزن مرتين، ~~مرة عندما أصيب ابنه برصاصة غير قاتلة في حرب اليمن، ومرة عندما أصيب زوج كريمته إصابة ~~عشواء - وهو جالس في مقهى - في مظاهرات الطلبة التي تفجرت عقب هزيمة 5 يونيو 1967. ولم أره ~~منذ غادر الوزارة، وانقطعت عني أخباره إلا فيما تسوقه المصادفة بين الحين والحين، وآخر ما ~~سمعت عنه من صديق رآه في مكة عام 1970 وهو يؤدي فريضة الحج. # | شعراوي الفحام # لعله كان أطيب أصدقاء العباسية، طيبة تخالطها لا مبالاة، وبساطة بالغة في الذكاء ~~والتفكير، وأتذكره كلما تذكرته ضاحكا لسبب ولغير ما سبب، وكان يكفيه أن يسمع شتمة أو ~~ملاحظة عابرة ليغرق في الضحك، وكلما اشتد نقاشنا في السياسة ضحك، وكلما تجادلنا في الكرة أو ~~السينما ضحك، وإذا شهدنا جنازة قريب لصديق تجنبنا النظر نحوه خشية إثارة فضيحة بين ~~المعزين. حضرنا يوما جنازة شاب قريب لجعفر خليل، وخرجت أم الشاب تودع النعش أمام ~~البيت في حال جنونية، حافية القدمين محلولة الشعر تلطم خديها بشبشب، ثم من شدة الحزن ~~راحت ترقص كالمجنونة، منظر أثار حزننا جميعا وأجرى دموعنا، ولاحت مني التفاتة نحو ~~شعراوي الفحام فرأيته يعض النواجذ على ضحكة تريد أن تفلت على حين راح جسمه النحيل يرتعش ~~تحت ضغط الضحك المكتوم، ولم يكن قاسيا ولا بليدا ولا أبله ولكنه كان غريبا، كان نوعا ~~قائما بذاته. وكان يقيم مع أمه في البيت المجاور لبيت سيد شعير، بلا ms085 أب ولا أخوة، مات ~~أبوه وهو في المهد، تاركا له ولأمه البيت ومعاشا مقداره عشرة جنيهات، وكرست أمه ~~حياتها لتربيته معتمدة على معاش زوجها وريع وقف يماثله في المقدار، لذلك اعتبرت أسرة ~~ميسورة الحال، وستظل كذلك حتى يدخل شعراوي طور الشباب فتكثر مطالبه ويتغير الحال. ولم يوفق ~~شعراوي في دراسته الابتدائية، لا بسبب الإهمال والشقاوة مثل خليل زكي وسيد شعير، ولكن بسبب ~~الإهمال والشقاوة والغباء. وفصل من المدرسة لكثرة سقوطه، فلم يجد سوى البيت والمقهى ~~والطريق. ونفر بطبعه المهذب من مصاحبة خليل زكي، ولكنه وجد ملاذه عند سيد شعير، فلازمه ~~في سهرات الحي الحسيني ثم في أحياء البغايا بعد ذلك. وعن طريقه تعلم شرب الخمر، ثم لم ~~يفارقه إدمانها حتى الموت. ويوما قال لي وكان ما زال تلميذا بالابتدائية: أنا ~~عارف! # فسألته عما يعنيه فقال: أنت تحب حنان مصطفى. # فسكت ضيقا وحياء فقال: وأنا أحب حنان مصطفى! # فدهشت وتوقعت صراعا من نوع ما غير أنه ضحك وقال: يد الله مع الجماعة! ~~- ماذا تعني؟ ~~- نستدرجها معا إلى غابة التين الشوكي! # فصحت به: عليك اللعنة! # وكان ذلك قبيل رحيل آل مصطفى بأيام، فسرعان ما تلاشى سوء التفاهم، على أني لم أعرف له ~~بعد ذلك قصة حب أو زواج، واقتصر نشاطه في ذلك المجال على مصادقة المومسات. ولما يئست ~~أمه من تعليمه أرادت أن تجد له عملا، وكانت تردد دائما أن أي عمل خير من البطالة. ~~وقصدت قريبا لها من الكبراء هو أحمد باشا ندا، فوظفه في وزارة الأوقاف، ولكنه لم يستطع ~~المواظبة على العمل، وكان يمضي يومه في الفيشاوي منتظرا سيد شعير حتى يفرغ من عمله في ~~دكان أبيه، وسرعان ما فصل من الوزارة، ولم يتخلف يوما عن سهراتنا الأسبوعية سواء كنا ~~طلبة أم موظفين، وتمكن منه إدمان الخمر، فكان يشرب كل ليلة، يشرب أرخص الخمر وأردأها التي ~~تتناسب مع دخله، ويمكن تخيل ما أحدثه ذلك في أمه من قلق وأسى، وهو نفسه قال لنا ذات ليلة ~~ونحن نسمر في مقهى سيد ms086 شعير بوجه البركة: أمي لا تريح ولا تستريح، تريد أن تخلق لي ~~عملا ولكن أي عمل؟ وتريد أن تزوجني ولكن أي زوجة؟ # فقال له عيد منصور: دخلك الثابت عشرة جنيهات، وهو دخل طيب لو قنعت بسكرة واحدة في ~~الأسبوع، وما عليك إلا أن تبحث عن زوجة ذات إيراد. # فضحك كالعادة وقال: إني أنتظر الفرج، وهو آت عما قريب! # وكان يقصد قريبه أحمد باشا ندا الذي تولى رئاسة الديوان الملكي فسأله عيد منصور وهو ~~أشغفنا بالشئون المالية: ألك فكرة عن ثروته؟ # فأجاب شعراوي وهو يملأ كأسه بالكونياك الجهنمي: عشرون ألفا من الأفدنة، أما أمواله ~~السائلة فلا يعلمها إلا الله. ~~- ولا ورثة له غيركم؟ ~~- أمي هي قريبته الوحيدة الباقية. # وكان رضا حمادة يؤكد لنا تلك المعلومات نقلا عن أبيه. ومن الطريف أننا لم نعلم بقرابة ~~شعراوي لأحمد باشا ندا إلا في وقت متأخر نسبيا؛ إذ إنه أخفاها على عهد المدرسة ~~الابتدائية لسوء سمعة الباشا كرجل من رجال السلطان، وعدو من أعداء سعد زغلول. واسترسل ~~شعراوي يقول: أمي هي الوريثة الوحيدة له، وأنا الوريث الوحيد لها، والباشا الآن في ~~الخامسة والسبعين من عمره، وكل آت قريب! # وسأله جعفر خليل: حدثنا عما ستفعل بالتركة إذا آلت إليك؟ # فضحك طويلا وقال: آه لو تتحقق الأحلام، سأبني قصرا في القاهرة، وآخر في الإسكندرية ~~كالباشا نفسه، وسأملأ الخزائن بجميع صنوف الخمر المعتقة، وأما النسوان ... # فقاطعه سيد شعير: وماذا ستقدم لنا نحن الأصدقاء؟ # فأجاب: ستكون سهرتكم في حديقة القصر، وسيقدم لكم أجود ألوان الطعام والخمور والنساء، عهد ~~الله بيني وبينكم. # وهمس رضا حمادة في أذني: سوف يكون يوما تاريخيا يوم يرث صديقنا تركته ~~الخيالية. # وظل يسكر ويحلم بالتركة، يسكر ويحلم، ومع الأيام رق عوده، وجف جلده، وبرغم شبابه ~~جرى المشيب في شعره. وإذا بالباشا العجوز يفاجئ البلد بمغامرة لا تخطر بالبال، فعاد من رحلة ~~بالنمسا بصحبة غادة شقراء فتنة في العشرين من عمرها، قيل إنه ينوي الزواج منها على سنة ~~الله ورسوله. وثار الرأي العام، واضطربت جماعتنا، أما ms087 صديقنا فكاد يجن، وما ندري إلا ~~وشعراوي يقيم على الباشا دعوى للحجر عليه باعتباره سفيها. وأدهشنا ذلك وبحثنا عما خفي ~~علينا منه فوضح لنا أن خليل زكي هو الذي أشار عليه بذلك! غير أن قوى مجهولة تدخلت لتعيد ~~إلى الأمر توازنه ، فسافرت الفتاة النمساوية فجأة، وقيل إنها لم توافق على السفر حتى استولت ~~على عشرين ألفا من الجنيهات. وبتدخل السراي كفت الجرائد عن الخوض في الموضوع، وبتدخلها ~~أيضا رفضت دعوى الحجر، واعتكف الباشا في قصره لا يزور ولا يزار، ثم أعلن وقفيته المشهورة ~~التي أوقف أرضه بها للخيرات والمساجد. تذكرنا صديقنا فأحزننا مآله وخيبة آماله، وأقبل علينا ~~في مقهى الفيشاوي سكران كالعادة محمر العينين ذاهل الطرف، نظر في وجوهنا مليا، ثم أغرق في ~~الضحك! وخلع حذاءه فوثب إلى أريكة في صدر المقصورة فتربع عليها وراح يغني: # البخت لو مال حتعمل إيه بشطارتك # وأغرق في الضحك مرة أخرى حتى أعدانا فضحكنا كالمجانين. ولم يطرأ عليه من جديد بعد ذلك سوى ~~الإفراط في الشراب، فكان يشرب في النهار كما يشرب في الليل، ولم يتيسر له من أنواع الخمور ~~إلا الأنبذة الرخيصة الشيطانية، أنبذ السلسلة، ودرب المبلات، وخمارات شارع محمد علي، ~~وخبت شهواته الأخرى كشهوة الطعام وشهوة النساء، وبدا أنه يعيش في منفى من صنعه، يتخاطب ~~بلغته القائمة على الإشارة، ويضحك لخيالاته الراقصة أو يطرق في كآبة حيال أشباحه، وأنه ~~يسير بقوة نحو الذوبان. وحاول جعفر خليل أن يجره إلى دنيا السينما كما فعل مع خليل زكي، ~~ولكنه رفض الفكرة وضحك طويلا، وعرض عليه سيد شعير أن يعمل في المقهى بشرط أن يمتنع عن ~~السكر فضحك أيضا. لم تكن لديه همة ولا رغبة ولا دافع. وقامت الحرب العظمى الثانية، ~~وفي نفس العام توفيت والدته، فأجر البيت وأقام في حجرة مستقلة بمرافقها فوق السطح، وفي ~~عام 1941 أغارت الطيارات الإيطالية على القاهرة في النصف الثاني من الليل، وكان جالسا فوق ~~السطح في غيبوبة تامة من السكر. والظاهر أنه لم يغادر كرسيه إذ وجد مطروحا ms088 عليه ~~قتيلا بشظية مستقرة في رأسه. وكان مصرعه أول تجربة من نوعها في حياتنا المشتركة، فهو أول ~~من فقدنا من أصدقاء العمر، وكان جعفر خليل أشدنا حزنا؛ إذ عرف دائما بتعاطفه مع أصدقائنا ~~المنحرفين كسيد شعير وخليل زكي، وجمعنا المأتم حتى الذين باعدت بيننا وبينهم الظروف ~~الطارئة، وجعل سيد شعير يقول بأسف حقيقي: رحم الله شعراوي، كان الوحيد المواظب على ~~زيارتي. # | صادق عبد الحميد # قال الأستاذ جاد أبو العلا يقدمه لي في صالونه بالدقي: الدكتور صادق عبد ~~الحميد. # سرت في روحي رعدة وأنا أصافحه، تذكرت الاسم بقوة مخيفة، تذكرت درية زوجته وهي ~~تحدثني عنه، ترى أيكون آخر له نفس الاسم؟ ولكن هذا الأمل تلاشى عندما واصل جاد أبو العلا ~~حديثه قائلا: كان في بعثة قصيرة أخيرا في إنجلترا، ولكنه حصل على الدكتوراه من إنجلترا ~~على عهد طلب العلم، وهو باطني ممتاز ولكنه أديب وفنان وفيلسوف وسياسي أيضا. # إذن فهو زوج عشيقتي دون غيره! ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين بالكاد، والذي يفيض حيوية ~~ويتألق ذكاء، وأعجبني حديثه الذكي وجولاته المضيئة في الفن والفكر والسياسة، ووجدته يجذبني ~~بطلاوة الحديث وعمقه وتنوعه، ووجدت في روحه سرا ينفث صداقة راسخة، وازدادت مع الأيام ~~رسوخا، وصفا جوها بقطع العلاقة بيني وبين درية زوجته، وإن لم أخل من ضيق كلما ~~تذكرتها. وبتحريض حار من ناحيته قدمته إلى صالون الدكتور ماهر عبد الكريم، ومجلس ~~الأستاذ سالم جبر. كما قدمته إلى الأستاذ زهير كامل، وخيل إلي كثيرا أنه يضمر تجربة ~~نفسه في الكتابة، ولكنه قنع - ولو إلى حين - بالاستماع والمناقشة، وكان يحظى منهما بسعادة ~~لا توصف. وكان من المتحمسين لثورة يوليو عن إيمان وعقيدة. وكان يحلم بالاشتراكية منذ عهد ~~طلب العلم، ولم تكن له جذور حزبية أو إقطاعية تمنعه من الارتماء في أحضان الثورة. سأله رضا ~~حمادة يوما: أليس لك مأخذ ولو على بعض تصرفاتها؟ # فأجاب بحماس، وهو دائما يتكلم بحماس: كلا، الحق أني أيدت موقفها من الأحزاب، من ~~الإخوان، وحتى من الشيوعيين. # فسأله: وما لزوم «حتى» هذه؟ ms089 ~~- لست شيوعيا، ولكني أرحب بالتعاون بين الثورة وبينهم، فالثورة والشيوعية تياران ~~ينبعان من مصدر واحد، ويهدفان في النهاية إلى أغراض متقاربة. # وبعد صمت قصير استطرد: وأيدت موقفها من الوحدة مع سوريا، ومن حملة اليمن! # فقال رضا حمادة: إذن فليس في الإمكان خير مما كان. # فقال ضاحكا: لست غافلا عن السلبيات، ولكنها شر لا بد منه في فترات الانتقال ~~والتطور، فأنت بضربة موفقة واحدة تستطيع أن تغير نظام الحكم، أما الطبائع فيلزمها ~~وقت أطول بكثير! # وعمد إلى تفصيل رأيه فقال: قولوا في الجمعيات التعاونية ما شئتم، وقولكم حق، ولكنها ~~كنظام فهو نظام مثالي، وسوف يختفي الفساد يوما وتبقى الجمعية لتؤدي رسالتها، ويمكن أن ~~يقال ذلك بالحرف عن القطاع العام، ألا تذكرون بنك التسليف الزراعي؟ .. لقد استغله إسماعيل ~~صدقي للتنكيل بخصومه، وتفتيت وحدة الأمة ولكن إسماعيل صدقي ذهب وبقي بنك التسليف! # ولما وقعت الواقعة يوم 5 يونيو 1967 ذهل واختل توازنه، ومضى يتخبط بين الصالونات ~~والمقاهي وكأن القيامة قامت، ودار بيني وبينه حديث طويل في التليفون ختمه متسائلا: أكانت ~~حياتنا وهما من الأوهام؟! # وقابلته بعد ذلك بأيام في بيت رضا حمادة بمصر الجديدة فوجدته ممتعضا غاية الامتعاض، ~~وجعل يردد بتألم شديد: ما أكثر الشامتين، ما أكثر الهازئين، ما أكثر المازحين، لم يجن أحد، ~~لم ينتحر أحد، لم يصب بجلطة أو ذبحة أحد، يجب أن أجن أو أن انتحر. # ولكنه أخذ يسترد الثقة يوما بعد يوم، وينظر إلى الهزيمة باعتبارها تجربة مريرة نزلت ~~بنا لنعيد «تشخيص» أنفسنا، وكلما سمع عن رغبة الأعداء في تصفية الثورة ازداد إيمانا بها ~~وحماسا لها، حتى اعتقد مخلصا أن استمرارها أهم من استرداد الأجزاء المحتلة من الوطن ~~العربي؛ إذ ما فائدة أن نسترد أرضا ونخسر أنفسنا؟ ثم إن استمرارها هو الضمان الوحيد ~~لاسترداد الأرض طال الزمان أو قصر، كما إنه الضمان الوحيد لبعث الشعب العربي. ~~- إننا مطاردون، يطاردنا التخلف، وهو عدونا الحقيقي لا إسرائيل، وليست إسرائيل عدوا ~~لنا إلا لأنها تهددنا بتجميد التخلف. # وانصرفنا ذات ليلة معا من ms090 صالون الدكتور ماهر عبد الكريم؛ فجلست إلى جانبه في سيارته ~~نصر التي مضت بنا على مهل تخوض الظلام على ضوء فانوسها المطلي بالأزرق. ووجدتني أقول له: ~~عبده البسيوني حدثني بحديث عجيب. # فتساءل عن الحديث فقلت: قال إن الدكتور زهير كامل عشق أخيرا صحفية تحت التمرين تدعى ~~نعمات عارف. ~~- وما وجه العجب في ذلك؟ ~~- هو في الستين كما تعلم وهي في العشرين. # فضحك وقال: العشق هو العشق بصرف النظر! # فقلت: وقال أيضا إنه سيتزوج منها. ~~- يا عزيزي إن حربا تنشب فجأة فتقتل آلافا أو ملايين، وإن زلزالا يقع فيدمر آلافا، ~~أما زواج زهير كامل فربما مر بسلام، وربما تخلف عنه ضحية أو ضحيتان! # وسكتنا مليا، ثم قال لي: أعترف لك بأني عاشق! # فتذكرت ما قالته لي درية في آخر لقاء، ولكني تساءلت متظاهرا بالاهتمام: حقا؟ ~~- راقصة إيطالية بالأوبرج. ~~- لعلها نزوة! ~~- حب عاش أكثر من عشرة أعوام. ~~- يا له من حب عظيم! ~~- أشعر أحيانا بأنه عاش أكثر مما ينبغي! # فترددت، وصمت، بعد أن كدت أطرح سؤالا عن الزوجة، ولكنه قال وكأنه قرأ أفكاري: كما ~~أحببت يوما زوجتي. # وحدثني بفتور عن حبهما، حب طبيب الامتياز للممرضة، كما سبق أن سمعته: كانت فقيرة، ~~وبالرغم من أننا لم نكن أغنياء إلا أن أحدا من أهلي لم يوافق على فكرة زواجي بها، ~~أبدا أبدا أبدا. ~~- ولكنك تزوجتها. ~~- وغرقنا في الحب كالمجانين. # وتمرد اللسان على تحفظي فقلت: ثم جفت ينابيع الحب! # فارتفع صوته - كأنما ليستمد من ارتفاع النبرة دفاعا - وهو يقول: الحق أن نظرتها ~~إلى الحب تغيرت تماما بمجرد أن صارت أما. ~~- كيف تغيرت نظرتها؟ ~~- لا أدري! ~~- أنت تدري بلا شك. ~~- لعلها أصبحت تكن حبا أعظم من الحب العادي، ولكني افتقدت الحب الأول .. وإذا ~~بي. ~~- وإذا بك؟ ~~- إذا بي أزهد فيها نهائيا وبلا رجعة. ~~- يا لها من سيدة تستحق الرثاء! ~~- إني أوفر لها جميع أسباب الرعاية والراحة! # ثم بصراحة: أحيانا أتمنى لو توفق إلى حب رجل آخر فتذهب معه بسلام! # وخيل إلي أن قصة درية قد اكتملت، ms091 ولكن ساورتني - وما تزال - شكوك كثيرة. وشاءت ~~الظروف أن نتعرف - أنا وصادق - إلى حرم الدكتور زهير كامل معا، ودعاهما الدكتور صادق عبد ~~الحميد إلى رحلة في أوبرج الفيوم، ولم يصطحب زوجته معه بحجة انشغالها بالأولاد. وبعد مرور ~~عام قال لي الأستاذ جاد أبو العلا في صالونه: إني رأيتهما معا! # فسألته عمن يعني فقال: نعمات عارف والدكتور صادق عبد الحميد في كنج مريوط. # فقلت وأنا أداري انزعاجي: لعلها ... # فقاطعني ساخرا: # وقالوا تراها يا جميل تبدلت # وغيرها الواشي فقلت لعلها # وقلت لنفسي إن الدكتور الممتاز يحتاج إلى مزيد من الدراسة عن جانبه العاطفي. وظل ~~يتحدث في السياسة والفن ولكنه لم يشر بكلمة إلى حبه الجديد، وواصل زياراته للدكتور زهير ~~كامل، وقام بتمثيل دور الصديق والمعجب كما كان يفعل من قبل، وهو ما ساءني منه وأثار ~~اشمئزازي، وضاعف من إثارتي أني رأيت في نفس العام درية في سيارة جاد أبو العلا، وهو ~~ينطلق بها في طريق الهرم، وللحال تذكرت فيلته بالهرم التي حدثني عنها عجلان ثابت عندما ~~أخبرني بعلاقته - جاد أبو العلا - بأماني زوجة عبده البسيوني، ها هي درية تجرب حظها مرة ~~أخرى مع رجل عابث لا يوفر الأمان لأحد. وضقت بهمومي الأخلاقية، وتذكرت الكثيرين ممن ~~يصفونها بازدراء بقولهم «برجوازية»، وقلت لنفسي إنه لمن حسن الحظ أنه لم يبق لنا طويل ~~عمر في هذه الحياة المتعبة الفاتنة. # | صبري جاد # تعين بإدارة السكرتارية في أواخر عام النكسة. كان في الثانية والعشرين من عمره، ومن ~~حملة ليسانس الفلسفة، ومن أول يوم جعلت أرمقه بحب استطلاع، وأنتظر على لهف اليوم الذي ~~يكاشفني فيه بطويته فيصلني بهذا العالم الجديد الغريب. وكان من أصل ريفي ولكنه نشأ ~~وتربى وتعلم في القاهرة، في أسرة متوسطة، ابنا وحيدا بين ثلاث بنات توظفن وتزوجن. ويوما ~~سألني: حضرتك تعرف الأستاذ عباس فوزي؟ # فأجبته بترحيب: طبعا، كان رئيسنا حتى أحيل إلى المعاش منذ أعوام. ~~- أين يقيم الآن؟ ~~- في عابدين، أتريد أن تقابله؟ ~~- نعم، أريد منه حديثا لمجلة العلم. ~~- أنت صحفي بها؟ ~~- تحت التمرين. ms092 ~~- ما رأيك أن نزوره معا؟ .. فإني لم أره من مدة غير قصيرة. # وذهبنا معا إلى فيلا عباس فوزي، وهي مقامة فوق سطح عمارة يملكها في عابدين، ورحب بنا ~~بلطفه المعهود، وأجرى صبري جاد معه حديثه الذي دار حول مؤلفاته عن التراث، ولما انتهى ~~استأذن في الانصراف ولكن الأستاذ عباس فوزي قال له: لن أسمح لك بالذهاب حتى تجيب عن ~~أسئلتي. # فتساءل الشاب عما يريد فقال: ثمة أسئلة تلح علي بخصوص جيلكم فهل أنت على استعداد ~~للإجابة بصراحة! # فأجاب الشاب باسما: طبعا. ~~- بصراحة من فضلك، نحن غير رسميين، ونحن في خلوة، فلا تضن علي بالحقيقة. ~~- تحت أمرك. # وقلت أنا: الأستاذ يريد أن يعرف أشياء عن الجيل ككل لا عن شخصك. # فقال عباس فوزي: هذا ما أقصده تماما. # فقال صبري جاد: تحت أمرك. # اعتدل الأستاذ عباس فوق الكنبة التركية ثم سأله: ما موقفكم من الدين؟ # فأجاب صبري جاد ببساطة: لا أحد يهتم به! ~~- لا أحد؟! ~~- الأغلبية لا تهتم به! ~~- لم؟ ~~- لم يكن موضع بحث، ربما لأنه توجد به أشياء غير معقولة وتخالف ما ندرسه من ~~العلم. ~~- ولكني أعلم أن الدولة تهتم بتدريسه وتشترط النجاح فيه؟ ~~- ونحن نحفظه وننجح فيه. ~~- أتعني أن تعليمه غير مثمر من ناحية العقيدة؟ ~~- أجل. ~~- والبيت؟ .. ألم تلقنه في البيت؟ .. هل والداك مؤمنان؟ ~~- نعم ولكنهما لا يصليان ولا يصومان ولا يتحدثان في الدين! ~~- ألا يوجد بين الطلبة إخوان مسلمون؟ ~~- كلا .. أو عدد لا وزن له. ~~- ألا يوجد تلاميذ مؤمنون؟ ~~- في رأيي أنهم قلة. # ثم مستدركا: بعد النكسة وجد نوع من الميل للدين، البعض يقولون إن هزيمتنا ترجع إلى ~~إهمالنا لديننا. ~~- إذن يوجد ميل للإيمان؟ ~~- نعم يوجد. # فقال الأستاذ عباس باسما: إني أطمع في مزيد من الدقة. ~~- أجبت بما أعرف، مستعيدا ذكريات الثانوية والجامعة. ~~- دعني أساعدك، لعلك تقصد أن تقول إن الإيمان بصفة عامة لا يلعب دورا هاما بينكم، ~~ولكن الوضع قد يتغير بعد النكسة؟ ~~- نعم. ~~- ما مدى هذا التغير المحتمل في نظرك؟ ~~- لا أدري. # وتفكر الأستاذ عباس مليا وأنا ms093 أتابعه - أتابعهما - بحواس مرهفة واهتمام لا مزيد عليه، ~~وعاد الأستاذ يسأل: ما هي القيم التي تقدسونها؟ # فنظر إليه صبري جاد في حيرة وتمتم: القيم؟ # وقلت من فوري مخاطبا الأستاذ: أرجو أن تتجنب التجريدات ما أمكن. # فعاد الأستاذ يسأل: لم تتلقون العلم في المدارس؟ ~~- لعله خير من أن نتصعلك في الشوارع! ~~- فقط؟! ~~- ولكي نحصل على وظيفة توفر لنا الحياة السعيدة. ~~- وما الحياة السعيدة؟ ~~- هي المسكن الصحي، والمأكل اللذيذ، والملبس الأنيق، وغير ذلك من مسرات الحياة. # فتدخلت في الحديث بلا تدبير متسائلا: ألا تحبون العلم؟ .. ألا تسعون للتفوق ~~فيه؟ ~~- كلنا نطمح إلى دراسة العلم إلا من يقعده المجموع عن ذلك. ~~- لماذا؟ ~~- الشهادات العلمية هي التي توفر الوظائف الممتازة. ~~- والتفوق في العلم والحلم بخلق إضافات فيه؟ # فتردد قليلا ثم قال: أعتقد أن المتفوقين يحلمون بذلك. # فسأله الأستاذ عباس: ألا تقرءون الكتب في أوقات الفراغ؟ ~~- نفضل السينما والإذاعة والتلفزيون وقليلون يقرءون. ~~- وهل يقرءون التراث؟ ~~- لا أظن! ~~- ألم تقرأ التراث بصفتك طالب آداب؟ ~~- لغته معقدة ومحصوله ضحل، وهو مقطوع الصلة بزماننا! # فتسللت نبرة حادة بعض الشيء إلى صوت الأستاذ وهو يسأل: والوطن أما زلتم ~~تحبونه؟ ~~- طبعا. ~~- وإسرائيل هل تودون محاربتها؟ ~~- نحن الذين سنحرر الوطن بدمائنا، الوطن الذي تسببتم في هزيمته. ~~- نحن؟ ~~- نعم. ~~- ليس جيلنا الذي يحكم. # وأشرت إلى الأستاذ عباس إشارة خفية ليتجنب الحدة فثاب إلى الهدوء وجعل يبتسم في مودة، ~~ثم سأله: وماذا تفضلون: الاشتراكية أم الرأسمالية؟ # فرفع صبري منكبيه وأجاب: لا تهمنا الأسماء! ~~- الأسماء؟! ~~- أجل، مللنا ذلك ... يهمنا أن تتحقق لكل فرد حريته ونجاحه وسعادته. # فقلت متدخلا في الحديث مرة أخرى: هذا يعني أنك تفضل الاشتراكية! ~~- لا أدري! ~~- أتفضل النظام الرأسمالي؟ ~~- لا أعتقد. ~~- ألديك نظام جديد؟ ~~- كلا .. ولكننا مللنا ذلك. # ورجع الأستاذ عباس فوزي يسأل: وما موقفكم من الحب؟ .. ألا زال للحب عندكم قيمة أم أصبح الجنس ~~كل شيء؟ ~~- الجنس مسيطر، وقليلون يحبون، بل ويرغبون أن يمتد بهم الحب حتى الزواج! ~~- وماذا عن الأكثرية؟ ~~- يمارسون المغامرات الجنسية. ~~- مع من؟ ~~- التلميذات .. الطالبات .. الفتيات! ~~- هل ms094 يقبلون الزواج من المغامرات؟ ~~- كثيرون يقبلون ... والبعض يتبع تقاليد الجيل الماضي. ~~- أعتقد أن الفتيات لا يتخلين عن حلم الزواج. ~~- هذا هو عيبهن الأول. ~~- وغير مستحيل أن تتزوج أنت نفسك يوما ما. ~~- غير مستحيل وإن يكن مرتبي مضحكا ومستقبلي عدما. ~~- ولكن ثمة ما يشدك إلى الحياة ولا شك؟ ~~- غريزة حب البقاء. ~~- ربما لم تخل حياتك من سرور؟ ~~- لقمة سائغة، فيلم جيد، علاقة جنسية بريئة. ~~- بريئة؟! ~~- أي ليست استدراجا لزواج. ~~- أتعتقد أنك خير من أبيك؟ ~~- كان أبي وفديا يقدس سعد زغلول ومصطفى النحاس، وأنا أعتبر ذلك مضحكا. ~~- لم؟ ~~- ثبت أنهم أصنام لا أكثر ولا أقل. ~~- لا أجد عندك عقيدة بديلة؟ ~~- كان عندي، وتزلزل كل شيء عقب 5 يونيو. ~~- ماذا تقترح لتحسين الأحوال؟ ~~- العالم كله عدم وهباء. ~~- ماذا تقترح لتحسين أحواله؟ ~~- القضاء على جميع المسئولين فيه! ~~- وماذا يحدث بعد ذلك؟ ~~- لا يهم، ستتحسن الأحوال وحدها. ~~- لقد جئتني يا عزيزي لإجراء حديث عن التراث على حين أنك لا تؤمن به؟ ~~- إني صحفي تحت التمرين! ~~- ولكن سلوكه لا يخلو من انتهازية؟ ~~- وما العيب؟ أي وسيلة تنفع للوصول في هذا العالم المكتظ فهي مشروعة! ~~- أشكرك جدا. ~~- العفو. # وغادرنا عمارة الأستاذ وصدري يجيش بانفعال عاصف. # | صفاء الكاتب # كان بيت الكاتب من أعرق البيوت في العباسية القديمة. وكان يقع في الحي الشرقي بمبناه ~~الشامخ وحديقته المترامية ما بين محطتي ترام. وكثيرا ما سرنا بحذاء سوره، ونحن في ~~طريقنا إلى الصحراء للعب الكرة فلم أر منه إلا رءوس الأشجار وخمائل الياسمين والستائر ~~المسدلة. وذات يوم وكنت ماضيا نحو الصحراء رأيت حنطورا ينحدر من الطريق الشرقي نحو ~~الشارع العمومي، في صدره جلست عجوز تلوح من وجهها عينان ناعستان فوق حافة اليشمك، وإلى ~~جانبها فتاة تتألق بنور الشباب. وبمجرد أن وقعت عيناي على وجه الفتاة عانقت سرا من ~~أسرار الحياة المتفجرة، تفتحت بها أبواب السماء فأغدقت علي فيضا من بركات الحب، وقال ~~شعراوي الفحام، وكان أكثرنا خبرة بالحي الشرقي: هي صفاء ابنة صاحب القصر. # وقال خليل زكي وكان يسطو على حدائق ms095 الحي الشرقي كلما وجد غفلة ليخطف عنقود عنب أو ثمرة ~~من المانجو: وهي في العشرين من عمرها. # وعند ذلك همس جعفر خليل في أذني وقد لحظ تغيري: أما أنت ففي الخامسة عشرة! # ومن عجب أن صورتها - رغم العاطفة التي ابتعثتها - اختفت تماما وراء سحب الماضي ، بل ~~تعذرت على الوضوح حتى وأنا فريسة لسحرها. لا أعرف لون شعرها ولا تسريحته ولا لون عينيها ~~أو رسمهما ولا طول قامتها أو درجة امتلائها، ذاب ذلك في سائل سحري، وكنت إذا تذكرته - أو ~~خيل إلي ذلك - فعن طريق غير مباشر وبإيحاء عفوي كشذا الورد الذي يباغتك من وراء سور ~~وأنت ماض غارقا في أفكارك. وكأن قلبي لم يكن يحركه شيء إلا إذا انتهى إليها بسبب ~~خفي، ولذلك همت في أزمنة متأخرة نسبيا بقسمات وملامح وسمات ولفتات لنجوم توهمت ~~أنها تذكرني بما غاب عني منها، بل ما أحببت صفة في وجه إنساني إلا وكانت هي وراءه حقيقة أم ~~وهما. وبسبب ذلك الحب الخاطف عانت حياتي العاطفية من أزمات متواصلة معقدة كأنها السحر ~~الأسود. والعجيب أنه كان حبا بلا مواقع، ولا مواقف، ولا تاريخ يذكر. رأيتها في ~~الحنطور ثواني ليس إلا، ففقدت إرادتي، وألقي بي في طور جديد من أطوار الخلق. وكنت قريب ~~عهد بحب حنان مصطفى؛ فأدركت خطئي وآمنت بأنني أحب لأول مرة، وعرفت كيف يغيب الإنسان وهو ~~حاضر، ويصحو وهو نائم، كيف يفنى في الوحدة وسط الزحام ويصادق الألم، وينفذ إلى جذور ~~النباتات وموجات الضوء. وجعلت أحوم حول سراي الكاتب، وهو قصر مغلق النوافذ مسدل ~~الستائر لا يرى به إنسي سوى البواب والبستاني وبعض الخدم، وسمعت مرة صوتا ناعما ~~ينادي البواب، فاهتز قلبي وافترضت في الحال أنه صوتها ثم آمنت بذلك. ورأيتها للمرة ~~الثانية في مناسبة حزينة جدا، في نافذة بيت أثري بشارع محمد علي احتشد فيه نفر من النساء ~~لمشاهدة جنازة سعد زغلول، ولم أنتبه إليها عقب مرور النعش، فرأيت من خلال دموعي وجهها ~~المشرق، وهي تجفف عينيها مادة عنقها وراء النعش المبارك. ms096 خفق قلبي خفقة مباغتة، ولكنني ~~لم أنعم بالرؤية، وفقدت النشوة في قلب كسير محزون، واجتاحتني عواطف متناقضة كما اجتاحني ~~تيار الخلق المتلاطم الباكي. لم أرها بعد ذلك إلا ساعة هبطت أدراج السلاملك في ثوب العرس ~~لتستقل سيارة إلى بيت العريس، وكنت ضمن حشد وقف على الطوار المواجه للقصر للفرجة، وكانت ~~مدة ذلك التاريخ الذي مر بلا أحداث عاما إلا قليلا، ولكنه كان أعجب عام في ~~حياتي. # وانكشف أمري لأصدقائي جميعا، أما المهرجون فسخروا مني وأطلقوا علي «مجنون صفاء»، ~~وأما الآخرون فحذروني من التمادي في عاطفة لا جدوى منها البتة، وكنا صغارا وكانت أفكارنا ~~ساذجة مستعارة من الروايات، وما عرفناه من تاريخ الأدب العربي، فقال لي سرور عبد الباقي: لا ~~تستسلم وإلا جننت كمجنون ليلى. # وقال لي رضا حمادة: إن حبك هذا يقطع بأنك أحببتها في تاريخ سحيق مضى، ربما في عصر ~~الفراعنة كما يقول ريدرهجارد. # وتمثل ذلك الحب في صورة قوة طاغية متسلطة لا تقنع بأقل من التهام الروح والجسد. قذف بي ~~في جحيم الألم، وصهرني، وخلق مني معدنا جديدا تواقا إلى الوجود، ينجذب إلى كل شيء ~~جميل وحقيقي فيه. وبقي الحب - بعد اختفاء خالقه - ما لا يقل عن عشرة أعوام مشتعلا كجنون ~~لا علاج له، ثم استكن على مدى العمر في أعماقي كقوة خامدة، ربما حركتها نغمة أو ~~منظر أو ذكرى فتدب فيها حياة هادئة مؤقتة تقطع بأنه لم يدركه الفناء بعد. وكلما تذكرت ~~تلك الأيام أذهلني العجب، وتساءلت بدهشة عن سر الحياة التي عشتها، وهل كان أصابني مس من ~~الجنون، وأسفت غاية الأسف أنه لم يقدر حبي أن يخوض تجربته الواقعية، وأن تتلاقى في دوامته ~~العنيفة السماء والأرض، وأن أمتحن قدراتي الحقيقية في معاناته ومواجهة أسراره على ضوء ~~الواقع بكل خشونته وقسوته، وما أحكم رضا حمادة حين قال لي يوما وقد بلغنا درجة من النضج ~~والتجربة: صفاء ألقيت في حياتك كمثير ... لم تكن إلا «شفرة» تشير إلى شيء، تعين عليك أن ~~تحل رموزها للوصول إليه. # فقلت له: لقد ms097 تحللت حياتنا إلى سخريات، ولكني أكره أن أذكر تلك الأيام باستخفاف. ~~- استخفاف؟! كيف يستخف إنسان بأروع سني العمر؟! # ومررت بقصر آل الكاتب في الستينيات فوجدته قد هدم ورفعت أنقاضه، مخلفا أرضا فضاء ~~تحفر تمهيدا لإقامة أربع عمارات سكنية. ابتسمت وأنا أنظر إلى الأرض الفضاء، وعبرني إحساس ~~بالأسى، فتذكرت صفاء التي لم أرها منذ هبوطها في ثوب العرس، التي لم أدر عنها شيئا، حية ~~كانت أم ميتة، سعيدة أم شقية، وكيف غيرها الكبر بعد بلوغ الستين؟ وأيا كان خبرها، ورأي ~~الآخرين فيها، ألم يكن من حقها أن تعرف أنها عبدت في محراب كإله، وأنها فجرت في قلب ~~حياة ما زالت تنبض بين الحين والحين بذكراها؟ # | صقر المنوفي # كان طبيعيا أن يوصف عم صقر المنوفي بأنه الساعي بإدارة السكرتارية، ولكن جاء وقت كاد ~~يطلق على إدارتنا العتيدة بأنها إدارة عم صقر، وكان أقرب إلى القصر والبدانة، ولكنه كان ~~جم النشاط، بل فاق نشاطه عادة المهام المطلوبة منه، وكان جاسوسا بالسليقة، ولحساب نفسه، ~~وفي أوقات تقديم قهوة الصباح كان يتطوع بالهمس مفشيا الأسرار، أسرار الوزارة ~~والموظفين، ولعله كان أول من بصرني بالأسباب الحقيقية لترقية شرارة النحال من عامل ~~تليفون إلى سكرتير لسعادة وكيل الوزارة، ثم انهمرت أنباؤه تباعا عن عباس فوزي، وعدلي ~~المؤذن، وعبد الرحمن شعبان، والآنسة عبدة سليمان، والرجل الطيب التعيس طنطاوي إسماعيل ~~وغيرهم. قال لي يوما الأستاذ عباس فوزي ونحن بصدد الحديث عن ارتفاع الأسعار وبؤس الموظفين ~~ذوي المرتبات الثابتة في أيام الحرب: لا أحد يأكل ما يشتهي إلا عم صقر! # فأبديت الدهشة فقال: إنه مغرم بالطعام الجيد. # فقلت له: الغرام شيء والقدرة شيء آخر. # فقال بسخريته المعهودة: كأنه فلم مباحث، فما من فرح يقام أو مأتم إلا وعنده علم به، ~~وسرعان ما تجده بين العاملين في الفرح أو المأتم. يتطوع للخدمة ليشهد في النهاية وليمة ~~العشاء، كذلك تجده في ليالي الموالد بالجوامع الكبرى، فما من ليلة تمر إلا وهو في وليمة، ~~فأي باشا يدانيه في هذا الحظ الغذائي منعدم النظير؟! ms098 # من ذلك جاء تألقه الدائم بالصحة والعافية، وغزله الرقيق باللحوم والفطائر والحلوى، أما ~~بقية مظاهر حياته فجرت في مستواها الطبيعي البائس كساع مسكين، يقيم في حجرة أرضية بعطفه ~~دعبس بالحسينية هو وزوجته وأبناؤه، ولكن متى رسم خطة للإثراء؟ إذ من المحقق أنه رسم تلك ~~الخطة وعمل على تنفيذها بصبر ودأب، ربما منذ عهد التحاقي بالخدمة في أواخر عام ~~1924. # انطلق في ذلك السبيل بادئا من بيع قطع الحلي والنحاس ورثها عن أمه فتجمع لديه مبلغ من ~~المال راح يستثمره في إقراض الموظفين بربح فاحش. وهو نشاط غريب بالنسبة لرجل مسلم من أهل ~~البلد الفقراء، ولكنه أقدم عليه وتمادى فيه حتى النهاية، وعرف بذلك في أوساط الموظفين ~~الفقراء وما أكثرهم فأقبلوا عليه بنهم، وأصبح بذلك مركزا لحركة مصرفية سرية، ونمت نقوده ~~وتراكمت، وفي بحر ربع قرن من الزمان استطاع أن يشتري البيت الذي يسكن حجرته الأرضية بألف ~~جنيه، ثم هدمه فأقام موضعه عمارة صغيرة مكونة من دورين ودكانين. وكان له ابنان وبنت، أهملهم ~~إهمال الفقراء فعمل البكري فراشا في وحدة صحية بالريف، وانقطع كلية عن أسرته، واشتغل ~~الأوسط صبي قصاب، أما البنت فقد اختفت وهي في سن المراهقة، قيل إنها خطفت أو تاهت أو ~~هربت، وما لبث ابنه الأوسط أن قتل في مشاجرة بالمذبح، وحزن عم صقر حزنا عميقا، واعتقد ~~أن ما أصابه في بنته وابنه إنما هو عقاب من الله على إثرائه بالربا فكف عن الإقراض، ~~وأدى فريضة الحج تائبا. والعجيب أن تحسن حاله المالية لم يغير مظهره ولا سلوكه العام ~~في الحياة، بقي في وظيفته الحقيرة يقوم على خدمة الموظفين يعتبر سيدا لهم من الناحية ~~الاقتصادية، ولبث يسعى إلى الأفراح والمآتم للاستمتاع بالولائم المجانية، وظل يتشمم ~~الأخبار ليفشي الأسرار عند تقديم القهوة، فإذا خلا إلى نفسه غلبه الحزن على ابنته المفقودة ~~وابنه القتيل. وأذكر أنني كنت في مأتم جعفر خليل عندما جاء عدلي المؤذن للتعزية، وجالسته ~~بعض الوقت فقال لي: صقر المنوفي قبض عليه! # فدهشت وسألت عن السبب فقال: الرجل ms099 جن ولا شك. # ثم قال: كان في مسكنه وحده فجاءت بنت الكواء ببدلته، فاعتدى عليها وهي قاصر! # وغاب عن ذاكرتي زمنا طويلا حتى رأيته مقبلا على مجلسي بمقهى الفيشاوي حوالي عام 1960 ~~بعد خروجه من السجن بأشهر. وكلما سألته عن حاله أجاب باقتضاب: الحمد لله. # وعلمت أن زوجته توفيت وهو في السجن وأنه يعيش وحيدا. ~~- سافرت لزيارة ابني ولكني لم أرتح، فرجعت بعد أسبوع واحد! # وجعلت أواسيه وأشجعه حتى قال: إني راض بما حدث فهو جزاء حق ولكن لم لا يعامل الله ~~سبحانه بالمثل أشخاصا مثل شرارة النحال أو عدلي المؤذن؟! # | صبرية الحشمة # كانت تدير بدرب طياب - حوالي 1930 - بيتا وأربع فتيات حسان. وتأصلت بينها وبين سيد ~~شعير صداقة متينة منذ ذلك العهد البعيد، قدمنا إليها فصرنا من المقربين إلى المعلمة، ~~وتمتعنا بامتيازات غالية، وكنا نشهد السهرات الخاصة - التي تبدأ بعد وقت التشطيب في الدرب ~~- داخل البيت فنسمع الغناء ونشاهد الرقص، ونتمادى في السهر حتى مطلع الفجر، وكانت في ~~الأربعين: لحيمة مهيبة، جذابة الملامح، ذات شخصية مسيطرة تليق بالمعلمات. وكان مجرد ~~حضورها كأنه قانون طبيعي، يخضع له كل في دائرته الخاصة، لا تجرؤ على الاستهانة به جارية ~~أو قواد أو زبون أو خادم. وأعجب بها جعفر خليل، وعشقها شعراوي الفحام حتى اضطر سيد ~~شعير إلى أن يقول له: المعلمة تدير ولا تعمل. # فسأله: أتعني أن حياتها خالية من الرجال؟ ~~- كلا، المعلمة تعشق ولكنها لا تعمل بالأجرة، ولها رفيق رومي بياع نبيذ! # ولما قامت الحرب العظمى الثانية كانت بين أوائل المعلمات اللاتي استجبن للتطورات ~~الطارئة، فاستأجرت شقة كبيرة في شارع شامبليون وخصصتها للدعارة السرية، ووسعت دائرة ~~نشاطها ففتحت مشربا للخمور بشارع الملكة نازلي، واستفادت أكبر استفادة من الترفيه عن جنود ~~الإمبراطورية البريطانية. وكشفت تلك الفترة المتوترة عن مواهبها في الإدارة حتى قال لي سيد ~~شعير: خفت عليها من التوسع أن يفلت الزمام من يدها، ولكنها أمهر من الجن الأحمر! # وكان يواظب على زيارتها ويحكي لنا عن مغامراتها أول فأول، فعرفنا كيف ms100 تاجرت في السوق ~~السوداء فربحت أموالا طائلة من الخمور والخردة. قال سيد شعير: إنها أقدر من وزير ~~بالرغم من أنها أمية، لا يفوتها مليم من حسابات البيت والمشرب والتجارة، وتعرف ~~العملاء بالاسم، ويا ويل من يحاول خداعها، وهي كريمة تجود بسخاء على العاملين معها من ~~الموزعين والقوادين والفتيات، وكل شخص يحبها ويحترمها ويعمل لها ألف حساب. # فقلت لرضا حمادة: ليت حكومتنا تتبع مثالها في معاملة موظفيها! # فضحك رضا حمادة وقال: هي عندي خير من صاحبنا المتدين زهران حسونة! # فقلت: بل هي عندي خير من كثيرين من الوزراء والزعماء الذين يقومون بنفس الدور مع ~~الإنجليز، ولكن على حساب الوطن! # فقال جعفر خليل بأسى: رحم الله صديقنا خليل شعراوي الفحام فلعلها المرأة الوحيدة ~~التي عشقها في حياته القصيرة. # وعند نهاية الحرب كانت قد جمعت ثروة طائلة، وأثبتت أنها أعقل من كثيرين، وكانت قد بلغت ~~الخامسة والخمسين من عمرها، فصفت أعمالها، وأودعت في البنك ألوفها المؤلفة، وشيدت ~~لنفسها فيلا في المعادي، ولكن صاحبها الرومي قد توفي ولم يكن لها وريث ولا أهل، فعاشت ~~عيشة هنية هادئة، ثم قررت تغيير حياتها جذريا، فأدت فريضة الحج، وأغدقت الخير على ~~أصدقائها القدامى، وتبرعت كثيرا للجمعيات الخيرية. وسمعت - عام 1950 وهي في الستين - أنها ~~تزوجت من شاب في الثلاثين، موظف بمصلحة المساحة فأدركت أن فترة الهدوء قد انطوت وأن فترة من ~~القلاقل قد بدأت، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم لم يبلغني عنها جديد؛ إذ إن زواجها أغلق ~~بابها في وجه سيد شعير، وبالتالي انقطعت أخبارها عني. # | طنطاوي إسماعيل # لعله الموظف الوحيد الذي لم أجد فيه شيئا من «مضمون» الموظف المتعارف عليه. كان وقت ~~دخولي الخدمة رئيسا للسكرتارية العامة، درجة خامسة، في الخمسين من عمره، وظل يشغلها حتى ~~أحيل إلى المعاش عام 1944، ولما اطلع على ملف خدمتي الجديد سألني: أكنت في تلاميذ ~~الدكتور إبراهيم عقل؟ # فأجبت باعتزاز: نعم ومن تلاميذ الدكتور ماهر عبد الكريم أيضا. # فقال بصوت ذي رنة نحاسية: ماهر عبد الكريم رجل عظيم أما إبراهيم عقل ms101 فوغد كافر من ذيول ~~المبشرين! # فقلت وأنا لا أجد حافزا للدفاع عن الرجل: يخيل إلي أنه اعتزل الفكر ولم يبق من ~~أستاذيته إلا شبح. # فقال بحدة: لم يبق منه إلا مرتزق من المرتزقة! # وحضرته - طنطاوي إسماعيل - مرات في مكتب المدير العام فراعني منه أنه لا يحني ظهرا، ~~ولا يردد ملقا، وأنه يحافظ على كرامته تماما، ثم يغادر المكان مخلفا وراءه أسوأ ~~الأثر! ولفت نظري أنه كان يصحح الخطابات التي تعرض عليه للتوقيع من أخطائها اللغوية ~~والنحوية لا المصلحية فقط. وكان يفتش على حجرات الإدارة متفقدا النظام والعمل، فلا ~~يتسامح مع متلكئ، أو مهمل، أو متهم بسوء معاملة الجمهور. وبالرغم من ذلك كله لم أعثر ~~على موظف واحد يعترف له بفضائله، كانت تصرفاته توصف عادة بالحماقة أو بجنون العظمة، وأذكر ~~أنه قال لي قبيل حلول عيد الهجرة: أنا أول من طالب باعتبار يوم الهجرة عطلة رسمية! # ووعدني بالاطلاع على المقالة التي دعا بها إلى ذلك وقد فعل. وأذكر أيضا أنه رقي ~~ترقية جديدة بعد أعوام، تنفيذا لقرار مجلس الوزراء الخاص بالمنسيين فهنأته بذلك، ولكنه قال ~~بصوته الجهوري: لو أنصفوا لولوا المنسيين مقاليد الحكم فهم في الواقع أشرف الموظفين! # وكان عم صقر الساعي موجودا، وكان موضع عطف الرجل فقال له: لعل ذلك يدعو سعادتك إلى ~~تغيير رأيك في الوفد؟ # فقال بصراحته: ليس هذا بالإنصاف المنشود، ولكنه مداراة قلقه لشر مستحكم، نوع من أنصاف ~~الحلول، وذلكم هو شعار الوفد الحقيقي الخفي، الحق حق والباطل باطل، والخير الحقيقي أن ~~تولي من يصلح وأن تطرح في السجون الفاسدين، رحم الله زعماء الحزب الوطني، عرفوا الحياة ~~تضحية وجهادا لا سياسة ومهادنة! # واطلع يوما على أسماء كبار الموظفين الذين نالوا رتبا وأوسمة لمناسبة من المناسبات ~~فقال: لولا إيماني بالله، لولا إيماني بأن حكمته فوق العقول، لجننت! # وهمس عبد الرحمن شعبان مترجم الوزارة في أذني: ما زال يتصور أنه عاقل! # أجل، بالجنون كان يرمى دائما، ولذلك غض عن الكثير من تصرفاته. وقد عرفت ماضيه من ~~عباس فوزي وعم ms102 صقر وغيرهما، عين في الوزارة بدبلوم التجارة العليا، وهو في العشرين من ~~عمره. وفي ظرف خمس سنوات عمل مفتشا بالحسابات، وكان ذا خلق نقي طاهر، يحمل الأمانة ~~بإخلاص، ولا يحيد عن الحق، فأثار موجة من الرعب في قلوب الكتبة والمراجعين. كانوا يعملون ~~من خلال نظام محكم تعاوني يقوم أساسه على الرشوة والهدية، فانفجر الرجل في أوساطهم ~~كالقنبلة، فاتكا بمصادر رزقهم الحقيقية، ولو كانوا يملكون الشجاعة الكافية لاغتالوه، ولكنهم ~~فكروا في وسيلة تخلصهم منه، ولعبوا بإمضائه لعبة ماكرة فوجد نفسه وهو لا يدري موضع اتهام ~~وتعذر عليه تبرئة نفسه منه، وقدم إلى مجلس تأديب فقضى بفصله من عمله. ~~- تصور شخصا أمينا لدرجة الجنون يجد نفسه مفصولا بتهمة خيانة الأمانة! # غادر الوزارة وهو يصرخ بأعلى صوته: «أنا أمين ... أنا شريف ... أنا مظلوم ... حسبي الله ونعم ~~الوكيل.» وعانى الألم والجوع والجنون خمس سنوات كاملة حتى انهارت أعصابه تماما، وحتى ~~اضطر عمه إلى نقله إلى مستشفى أمراض عصبية بحلوان، فقضى فيه عاما ثم غادره بعد أن تماثل ~~للشفاء، ولكنه كان خسر شيئا صميميا لا يعوض. ومرض وكيل الحسابات فشعر بدنو الأجل، ~~فاستدعى مدير إدارة التحقيقات واعترف له بحقيقة المؤامرة التي حيكت للإيقاع بطنطاوي ~~إسماعيل. وأعيد التحقيق بصفة سرية ثم تقرر إعادة الرجل إلى الخدمة، مع إلحاقه بإدارة «غير ~~مالية» تجنبا لأي أذى قد يلحق به أو بالآخرين! وقد عملت معه عشر سنوات فعرفته عن كثب، عرفت ~~إيمانه بالله الذي لا حد له، عرفت نقاء خلقه الناصع، كما لمست فيه وطنية تبلغ درجة ~~التعصب الأعمى. وكان كثير الاطلاع على المراجع الدينية، ميالا للمحافظة لدرجة أن يعاف ~~أي حديث من فكر أو سلوك فيعده انحرافا وسقوطا. جمعني وإياه ركن بجامع الحسين في ~~الليلة السنوية التي كان يحييها الشيخ علي محمود، وكان يسأل من حوله: ترى أما زالت الفضائل ~~فضائل أم أصبحت موضة قديمة؟ # وراح يحمل على الجبن، والتملق، وفساد الذمم، والانحلال فيقول: نحن في حاجة إلى طوفان جديد ~~لتمضي السفينة بقلة الفضلاء؛ ليعيدوا خلق العالم من ms103 جديد! # طالما تشوقت إلى معرفة المزيد عنه، حياته الخاصة، نشأته الأولى، علاقاته بزوجه وأبنائه، ~~تصرفه حيال سائر مغريات الحياة، ثم قنعت بما تيسر لي معرفته، فهو إنسان يتحلى بالنقاء لكنه ~~يعيش في مستنقع مكتظ بالجراثيم، غير أن عنفه في الحق يدفعه أحيانا إلى حافة اللاإنسانية ~~وهو لا يدري ، فصراحته كثيرا ما تتسم بالإيذاء في غير ما ضرورة، مما جر عليه شعورا ~~عاما بالنفور بل والكراهية، وكان عبد الرحمن شعبان مترجم الوزارة يشير إليه بقوله «ابن ~~المجنونة»، كما كان الأستاذ عباس فوزي يقول عنه متهكما: سيدنا طنطاوي بن الخطاب رضي ~~الله عنه! # ورغم ذلك كله فلم يستطع أن يصد موجة «العصر» عن أن تغزو عرينه، فذات يوم - وأنا موظف ~~جديد - رأيت فتاة مليحة جذابة تجلس إلى جانب مكتبه قدمني إليها ثم قدمها إلي قائلا: ~~ثريا رأفت كريمة شقيقي. # ثم قال باحتجاج باسم: طالبة بالمعهد العالي للتربية! # ثم وهو يهز رأسه: العلم نور، ولكني لا أوافق على المرأة العاملة، ومن ذلك فلا سلطان لي ~~على بنت أخي الأكبر إلا النصيحة. # ولعل آخر موقف انطبع في نفسي من طنطاوي إسماعيل كان غداة يوم 4 فبراير 1942، قال لي قبل ~~أن يجلس إلى مكتبه: ما رأيك؟ .. ها هو زعيمك يرجع إلى الوزارة فوق الدبابات البريطانية. # وكنت أتجنب مناقشته، وبخاصة وهو ثائر، وجعل يتساءل وعيناه تبرقان: أسمعتم عن زعامة ~~من هذا النوع من قبل؟! # ثم اجتاحته موجة من الغضب فجعل يصيح كالممسوس: الطوفان .. الطوفان .. الطوفان. # | طه عنان # ظهر في حياتنا ونحن في السنة الرابعة الثانوية، كان أبوه مأمور قسم شرطة بأسيوط، ثم ~~نقل إلى القاهرة مأمورا لقسم الوايلي، متخذا من العباسية مقاما لأسرته، وتعرف طه ~~عنان بأصدقائي جعفر خليل ورضا حمادة وسرور عبد الباقي من زملاء المدرسة الثانوية، ولكن ~~علاقته توثقت بي وبرضا حمادة فقط لاشتراك ثلاثتنا في العقيدة الوفدية والميول الثقافية. ~~وقد اشترك في الإضراب الذي استشهد فيه زميلنا بدر الزيادي، ومما يذكر أن أباه كان ضمن ~~القوة التي حاصرت المدرسة ثم اقتحمتها بعد ذلك ms104 بالقوة والعنف. وناقشنا موقف والده، وكان ~~خجلا منه ومتألما وجعل يدافع عنه فيقول: أبي وطني، مثلنا تماما، ويؤمن بمصطفى النحاس ~~كما آمن بسعد زغلول، ولكنه يؤدي واجبه! # فقال رضا حمادة: سمعنا عن ضباط مثله انضموا إلى الثوار في سنة 1919. # فقال طه عنان مدافعا عن أبيه ما وسعه الدفاع: كانت أيام ثورة ولا ثورة الآن. # وكان يغلب على طبعه الجد فنفر من مزاح جعفر خليل. وكنا نقرأ معا بعض كتب التراث، وكثيرا ~~من مؤلفات كتاب العصر من قادة الفكر الجديد، كما كنا نناقش كل شيء بحرية وحماس. ونتطلع ~~إلى مستقبل فكري واحد، وكان يؤمن بالكتب ويرجع إليها في كل ما يهمه من شئون الحياة، ولما ~~اطلع على قصة حبي لصفاء الكاتب دهش وقال: ولكن حالك غير طبيعية! # فقلت باستياء: ولكنها واقع! ~~- أنا أحب أيضا ابنة عمي، ونفكر في إعلان خطوبتنا! # واتباعا لأسلوبه في الرجوع إلى الكتب مضى بي إلى دار الكتب ورحنا نقرأ معا عن كلمة «حب» ~~في دائرة المعارف البريطانية، ثم قال: هذا هو الحب من جميع نواحيه الفسيولوجية والنفسية ~~والاجتماعية، ومنه ترى أن ما بك ليس حبا ولكنه جنون. # فتمتمت بحنق: جنون! # فابتسم قائلا: لا تغضب، ربما احتجنا لقراءات أخرى! # ولكنا لم نواصل القراءة عن الحب، وقرأنا كثيرا - وخاصة في العطلة الصيفية - عن ~~حقائق جديدة ومتنوعة، وكل شيء كان جديدا، وتعرضنا لأزمات نفسية وعقلية وحشية، وزلزل قلبانا ~~زلزالا. # واقترح علي اقتراحا عجيبا، ونحن جالسان في مقهى الفيشاوي قال: علينا أن نبدأ من ~~العدم! ~~- من العدم؟ # فقال بثقة لا تتفق مع انهيارنا: لا سبيل إلى ما مواجهة هذا العذاب إلا بأن نبدأ من ~~الصفر. # ورمقته بنظرة متسائلة بالرغم من أنني أدركت ما يعنيه فقال: من الصفر، ثم نستعيد قصة ~~الحضارة من جديد معتمدين على نور العقل وحده. # فسألته: وإن صادفتنا أشياء لا يفصل فيها العقل بحكم؟ # فقال بحماس: لنبدأ بالعقل باعتباره الإنسان ولننظر أين يذهب بنا. # وواصلنا رحلتنا طوال العامين الأولين من حياتنا الجامعية. واعترضتنا أحداث لم تخطر لنا ~~على ms105 بال، فقد ألغى إسماعيل صدقي دستور 1923 وهب الوفد لمحاربته بكل قواه ~~الشعبية. # وكان ثمة يوم رهيب بلغ التوتر فيه مداه، احتلت مفارق الطرق بقوات الشرطة والجيش. ولم ~~يتمكن الشعب من التجمع الذي يصلح أساسا لمظاهرة ضخمة، فعمد الناس من جميع الطبقات إلى ~~التجمد في الحواري والأزقة والشوارع الجانبية، ومنها يندفعون بقوة هاتفين ملقين بالطوب ~~في جميع الجهات، ثم يتفرقون بسرعة ليعيدوا الكرة والرصاص يطاردهم، اشتركنا في مظاهرات ذلك ~~اليوم أنا وطه عنان ورضا حمادة، اشتركنا من أول اليوم في التجمعات المتفرقة والانقضاضات ~~المباغتة والتفرقات السريعة على أنغام الرصاص المتطاير. وشاهدنا المئات وهم يسقطون، كما ~~شاهدنا الجنود وهم ينقضون عليهم كالنسور فيحملونهم بعنف غير إنساني، ويلقون بهم في ~~اللوريات، ويطمسون آثار دمائهم فوق أديم الأرض بالرمل والأتربة، وقبيل المغرب خفت حدة ~~القتال، وندر ظهور التجمعات، ولكن لم يخل الجو من هتافات متقطعة متباعدة ومن طلقات نارية ~~قليلة ولكن مستمرة. وقررنا العودة إلى بيوتنا فسرنا معا مخترقين شارع حسن الأكبر، سرنا ~~متشابكي الأذرع من شدة الإعياء، ونحن نتصبب عرقا، وقال طه عنان وهو يتوسطنا: منذ أشهر ~~والشعب يقاوم، والضحايا يسقطون بلا حساب ولا مبالاة. # فقال رضا حمادة: إنه سفاح متعطش للدماء! # فقال طه: على أي حال فإيجابية الشعب خير من المناقشات الباردة التي نسمعها في صالون ~~أستاذنا الدكتور ماهر عبد الكريم. # وثقل بين أيدينا حتى سألته: هل غلبك التعب؟ # ولكنه ثقل أكثر دون أن يجيب فالتفتنا نحوه فرأينا فاه ينفث دما غزيرا، صاح حمادة: ~~أصيب برصاصة. # لم تكن الطلقات قد سكتت، ورأينا لافتة طبيب أسنان فحملناه إليها، ونحن نرتعش من الاضطراب، ~~وكانت العيادة خالية ولكن التمرجي أنامه على كنبه وهرع إلى التليفون لطلب الإسعاف. # ولفظ طه أنفاسه الأخيرة بين أيدينا قبل أن يصل رجال الإسعاف. # | عباس فوزي # جمعت بيننا مودة صميمة منذ أول يوم دخلت فيه الخدمة. وكان يجمع مكاتبنا ركن واحد ~~بإدارة السكرتارية العامة، أنا وعباس فوزي وكيل السكرتارية، وعبد الرحمن شعبان مترجم ~~الوزارة، ولما قدمه رئيسنا طنطاوي إسماعيل قائلا: ms106 الأستاذ عباس فوزي وكيل ~~السكرتارية. # نظرت إليه باهتمام وسألته: حضرتك الكاتب المعروف؟ # فأجاب بالإيجاب فشددت على يده بحماس، والموظفون يرمقوننا بفتور وقرف. وقلت له: طالما ~~انتفعنا بكتبك عن التراث. # فقال: ولكن الجامعة لا تعترف إلا بالشهادات. ~~- ولكن ثمة درجة من العلم تتخطى أي شهادة! # فقال بحنق: أستاذك إبراهيم عقل لا يؤمن بذلك. # على أي حال اعتبرته جوهرة في عالمي الجديد، زاملته في العمل، والتقيت به في صالون ~~الدكتور ماهر عبد الكريم وسالم جبر، ثم في صالون جاد أبو العلا في زمان متأخر. وعجبت كيف ~~أنه في الدرجة السادسة فقط بالرغم من شهرته وبلوغه الخامسة والثلاثين من العمر، ثم تبين ~~لي أن زملاءه يعتبرونه مغتصبا للدرجة باسم الخزعبلات التي يؤلفها. والموظف القح لا ~~يحترم عادة إلا الموظف «الحقيقي» الخبير بالإدارة واللوائح، أما تأليف الكتب فيعد ~~عندهم نوعا من العربدة التي لا تليق بالمحترمين من الرجال، ويحكون حكاية وثبته إلى ~~الدرجة السادسة فيقولون إنه كان كاتبا بالأرشيف كما ينبغي له، فحتى الابتدائية لم يحصل ~~عليها، ولكنه دأب - كلما تولى الوزارة وزير جديد - أن يحمل إليه مجموعة من مؤلفاته مصحوبة ~~بإهداء شعري، وكان الوزراء يتقبلون الهدية شاكرين، ومن ثم يرجع إلى الأرشيف ويسدل الستار ~~على الدراما المتكررة، حتى تولى الوزارة رجل يحب الأدب فأعجب به ورقاه إلى الدرجة ~~السابعة، ثم - بعد عامين - إلى السادسة مع نقله وكيلا للسكرتارية، هكذا فرض الرجل عليهم. ~~وكان الأستاذ عباس فوزي على علم بما يقال، وكان يبادلهم احتقارا باحتقار، وكثيرا ما ~~قامت بينه وبينهم معارك كلامية حتى يفصل بينهم أهل الخير. # وكان يعتبر الموظف حشرة من الحشرات السامة، وكان يعرف الإنسان فيقول: «الإنسان موظف ~~ناطق!» # غير أن رجلا فاضلا مثل طنطاوي إسماعيل قال لي مرة: احذر ذلك الرجل، إنه ذو علم ولكنه ~~بلا خلق. # المسألة أنه كان مثقلا بالعيال والفقر، وكان يكافح بكل سبيل لإسعاد نفسه وأسرته، ولم ~~أعرف رجلا مثله ينضح بالمرارة، وكان يترجم مرارته إلى سخريات لاذعة لا ترحم كبيرا ولا ~~صغيرا، موظفا أو مفكرا أو ms107 أديبا، سخر من أخلاق الموظفين رغم تشبعه بها حتى قمة ~~رأسه، ويهون من شأن الناجحين والمفكرين رغم قصوره عن بلوغ ما حققوه حتى في ميدانه، ~~ويحتفظ دائما بمدخر لا ينفد من المعلومات التي تشكك في مواهبهم أو تزري بسلوكهم ~~الشخصي، أما قيمته الحقيقية فكانت مركزة في تراث اللغة، ولا أغالي إذا قلت إنه كان يحفظه ~~كله شعرا ونثرا عن ظهر قلب، قال لي يوما: شد ما يبهركم الأدب الغربي حتى تظنونه كل ~~شيء، أما أدبكم العربي فلا تعرفون منه شيئا، إني أتحداك، اذكر لي ما شئت من مختار أشعارك ~~الغربية وسأعطيك ما يقابلها من تراثنا. # وجعلت أردد له ما حضرني من معاني الشعر والنثر؛ فكان يعطيني المقابل العربي بما ~~يقارب الإعجاز، وكان يلاحقنا - إذا تكلمنا - بتصحيح نطق الكلمات، وكان يقول: لا يجوز أن ~~تطبع كلماتنا بدون تشكيل. # وأذكر أنه مرض يوما بالكلى فذهبت مصطحبا الأستاذ عبد الرحمن شعبان المترجم لنعوده، ~~فوجدناه راقدا ملفوفا ببطانية لا يبدو منها إلا رأسه، فجلسنا قرب فراشه وسألته: كيف حال ~~«الكلى» يا أستاذ. # ونطقتها مكسورة الكاف كالمألوف فما كان منه إلا أن صحح النطق قائلا بصوت لا يكاد ~~يسمع من الضعف: الكلى. # رافعا الكاف، وعدنا والمترجم يقول لي: إذا مات هذا الرجل فسوف يصحح النطق للملاك الذي ~~سيحاسبه! # وتركز اهتمامه في تراث العربية فلم نعرف له هواية أخرى، فهو لا يتذوق أي فن آخر حتى ~~الغناء، ولا يكاد يعرف شيئا ذا بال من الثقافة الحديثة بوجه عام، ولا يهتم بالسياسة، ~~ولا يفرق بين حزب وآخر، ولا يحترم إلا الوزير القائم بالوزارة، ولا يؤمن بقيمة من القيم ~~ولا دين من الأديان، ولم يحب بإخلاص إلا نفسه وأسرته واللغة العربية. وكان مكتبه بالوزارة ~~ملتقى لكثيرين من الشعراء والكتاب والصحفيين والزجالين من مختلف الأجيال، ولعل ~~كثيرين منهم كانوا يستعينون به في مراجعة نصوصهم من الناحية اللغوية والنحوية نظير مبالغ ~~بسيطة. وكان دائما يحسن الترحيب بهم فيغدق عليهم أعذب ألحان المديح حتى إذا ذهبوا انهال ~~عليهم بالحجارة! ~~- أرأيتم ذلك ms108 الرجل؟ .. إنه لا يتملق وهو في المدينة! ~~- مسكين ذلك الزجال، طلق زوجته لوقوعه في غرام ابن لها من زوج آخر! ~~- أما هذا فلعله الشاعر المعاصر الوحيد الذي فاق في لواطه الشاعر الراحل الكبير ~~فلان! ~~- هذا الكاتب ذو قلب كبير حقا .. لقد أحب جميع الأحزاب، ولا يحلو له حب حزب إلا وهو في ~~الحكم! # وزاره مرة إنجليزي عجوز، لبث في مصر بعد إحالته على المعاش، وكان يتقن العربية ~~إتقانه للإنجليزية، ولما ذهب الرجل قال: إني معجب بالأخلاق الإنجليزية، فثمة فرق هائل ~~بين لوطي إنجليزي ولوطي مصري؛ اللوطي الإنجليزي يحمل لواطه معه إلى أقصى الأرض، فلا يمنعه ~~ذلك من خدمة الإمبراطورية حتى الموت، أما اللوطي المصري فلا يعرف لنفسه مبدأ أو ~~عقيدة! # وكما لم يرحم أحدا فلم يرحمه أحد، كان يزعم أن والده كان مهندسا، فقالوا إنه كان ~~ترابيا، وإن أمه كانت غسالة، ورموه كذلك بالشذوذ الجنسي. # لم يرحم أحدا إلا الوزير الذي عطف عليه أو الذي - على حد تعبيره - اكتشفه، فكان يقول ~~عنه: كان رجلا أديبا وشهما ومنصفا رغم أنه كان وزيرا! # ولكنه كان يكبح جماح عدوانه إزاء أصحاب النفوذ، من هم في الوزارة ومن هم خارجها، فلا ~~يتدخل في مناقشة حزبية، أو يتعرض بكلمة لرجل من رجال السراي ولو كان طاهيا، وفي أثناء ~~الحرب تظاهر بأنه من أنصار الحلفاء، فلما كانت موقعة دنكرك وظن كثيرون أن الحرب موشكة ~~على النهاية بانتصار الألمان سمعته يترنم بقول بشار: # بعثنا لهم موت الفجاءة إننا # بنو الموت خفاق علينا سبائبه # فراحوا فريق في الإسار ومثله # قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه # ولما دارت الدائرة على الألمان في موقعة العلمين استشهدت بدوري بشعر بشار فأدرك ~~مكري ومن فوره قال: لا رحم الله بشارا، كان نازيا لوطيا! # وغداة 4 فبراير 1942 ثار أذيال الأحزاب من الموظفين فاتهموا الوفد بالخيانة، أما ~~الوفديون فقد فرحوا وطربوا وراح عم صقر الساعي يرقص في الإدارة، فخاف عباس فوزي أن ~~يفسر صمته بأنه موقف غير ودي من الوفد، فانتهز فرصة غضب طنطاوي ms109 إسماعيل وهتافه ~~«الطوفان ... الطوفان ... الطوفان ...» وقال برزانة: قولوا فيما حدث ليلة أمس ما شئتم، ولكن من ~~الإنصاف أن نعترف لمصطفى النحاس بأنه أنقذ الوطن في هذه المرحلة الحرجة من حياة ~~الوطن! # ومن حسن حظه أن كان الوزير الوفدي مغرما بالأدب فرقاه إلى الدرجة الخامسة، وعينه ~~رئيسا للسكرتارية عقب إحالة طنطاوي إسماعيل إلى المعاش، على أن كتبه لم تلق من ~~الرواج ما كان يطمح إليه لمنافسة الأساتذة الجامعيين له في ميدانه وتفوقهم عليه بمنهجهم ~~العلمي الحديث. وزاد من شجاه أن أحد تلاميذه استغل معرفته بالتراث في تأليف كتب دينية عن ~~النبي والقرآن؛ فربح من ذلك أموالا خيالية فكاد الرجل أن يجن، وراح يقول: على أيامنا ~~كان الإلحاد هو الموضة فولينا وجهة أخرى! # ثم هز رأسه في أسى وتساءل: كيف فاتني ذلك الباب الذهبي؟! # ثم سألني حانقا: أتعلم ما هي الثروة الحقيقية في بلاد العرب؟ # ثم أجاب: ليست البترول ولكنها السيرة النبوية والقرآن. # فقال له الأستاذ عبد الرحمن شعبان المترجم: ما رأيك في أن نترجم معا بعض الكتب ~~الغربية التي أنصفت الرسول؟ # فرحب بالفكرة، ونفذاها، بالرغم من إلحادهما الكامل، فدرت عليهما ربحا يعتبر أول ~~ربح ذي وزن ربحه في حياته. وانطلق بعد ذلك يكتب سير الأنبياء، فتحسنت أحواله وواجه بثقة ~~ارتفاع الأسعار الذي أعقب الحرب، حتى قال لي يوما: ليت الله أرسل أضعاف أضعاف من أرسل من ~~الأنبياء والرسل. # ومضى أبناؤه يتخرجون في الجامعة ويتوظفون، فقرر في عام 1950 القيام بأول إجازة صيفية في ~~حياته. أجل، لم يكن يطلب إجازة أبدا، ولبث يعمل عاما بعد عام بصفة متواصلة حتى سألته: ~~لم لا تقوم في إجازة لتنعم بقدر من الراحة؟ # فضحك وقال: يا لك من طيب القلب، أنت لا تدري شيئا عمن يطمعون في وظيفتي، إنهم يلقونني ~~بالأحضان على حين يوارون خناجرهم وراء ظهورهم، فإذا غبت شهرا سعوا سعيهم ودسوا دسائسهم ~~ليستولوا على الوظيفة، إننا نعيش في غابة من الوحوش ولكنهم أحط من الوحوش وأقذر. # ولم أفهم منطقه وعجبت له. على أي حال ms110 وثق عام 1950 بنفسه واطمأن إلى دخله من كتبه، فقرر ~~أن يبر نفسه بإجازة، بل سافر بحرمه وكريمته إلى الإسكندرية. كان يرى الإسكندرية لأول مرة في ~~حياته، ولكنه وجد نفسه كالتائه الشريد إذ لم يتعود أبدا معاملة الفراغ. كان يومه مستغرقا ~~دائما بالعمل في الوزارة، في البيت، في صالونات الأدب، ولكنه لم يعرف مقهى أو سينما أو ~~مسرحا فضلا عن الإسكندرية، لذلك ضاق بالمصيف، وفزعت حرمه من الزحام، فقررا العودة بعد ~~أسبوع واحد، وبالرغم من توسلات ابنتهما الحارة، ولما قامت ثورة يوليو لم تكد تؤثر ~~فيه شيئا، فلا حزن على العالم المولي ولا سر للعالم الصاعد، وضاعف نشاطه في التأليف ~~الديني حتى حاز ثروة كبيرة بكل معنى الكلمة، وأحيل إلى المعاش عام 1959 فتفرغ لعمله أكثر، ~~وشيد عمارة في عابدين أقام لنفسه فوق سطحها فيلا، ولكنه ما زال حتى اليوم متمردا ~~ساخرا، وكلما زرته أتحفني بالجديد من سخرياته وشكاياته. قال: تصور أنني لم أنتخب حتى ~~الآن في المجمع اللغوي! .. كأن أعضاءه الخواجات أفقه في اللغة مني! والمجلس الأعلى للآداب لا ~~يوجد عباس فوزي ضمن أعضائه! .. هل حتم ألا يدخله على العوام؟! # ولما لاحظ همي وغمي في الأيام التي أعقبت هزيمة يونيو قال باسما: شاب شعرك ولم تتعلم ~~الحكمة بعد! # ثم تساءل بسخرية: هل ثمة فارق حقا بين أن يحكمك الإنجليز أو اليهود أو ~~المصريون؟! # | عدلي المؤذن # عندما التحقت بالجامعة كان موظفا بها، وكنت ألتقي به كثيرا في مكتبة الجامعة، كما ~~كان يحضر معنا محاضرات مسيو كوريه في الفلسفة تحصيلا لبعض فوائد رآها ضرورية في تحضير ~~رسالة الماجستير. وكنا ندعوه «الكاتب المصري» للشبه العجيب الذي بينه وبين وجه التمثال ~~المعروف بالكاتب، غير أنه كان طويلا عريض الكتفين ذا وجه أسمر غامق تتحرك فيه حركة ~~متحدية براقة عينا صقر يشعان ذكاء ودهاء، التقينا مرة في حديقة الأورمان ونحن سائران ~~إلى الكلية فتصافحنا، وأخذنا في الحديث، قال: سأقدم رسالة الماجستير في أكتوبر القادم، ~~ولكني أفكر منذ الآن في الخطوة التالية. # فسألته: الدكتوراه؟ ~~- كلا، ms111 هل لك فكرة عما يمكن أن يروج من الكتب الفلسفية؟ ~~- لا أعتقد أن الكتب الفلسفية توضع للرواج. ~~- ولكن إذا أصدرنا سلسلة من الكتب عن ضحايا الفكر الحر في الفلسفة والتصوف ألا نسهم بذلك ~~في الدفاع عن الحرية المغتالة في هذا العهد؟ # فقلت بحماس: فكرة بديعة. ~~- وناجحة، أليس كذلك؟ ~~- بكل توكيد. # ولكنه حصل على الماجستير، ولم ينفذ فكرته، ولم ينشر من الكتب إلا تحقيقا لتهافت ~~الفلاسفة وتحقيقا آخر لتهافت التهافت، وكان زميلي في الكلية عجلان ثابت، هو الذي أطلعني ~~على جانب من ماضيه المجهول، قال: إنه يسكن معنا في حي السيدة، وكان أبوه سائق ترام، وهو ~~يعيش اليوم مع أمه وشقيقته. # فقلت: إن مظهره المهيب الرزين يقطع بأنه من سلالة حكام! # فضحك عجلان ثابت وقال: توظف بالابتدائية ثم درس وهو موظف حتى بلغ ما بلغه من ~~العلم. # ثم همس: ويبدو أن شقيقته بنت لعوب عفريتة، ولذلك فاتها سن الزواج ولم ~~تتزوج! # ولم يكن يخلو من جانب مزاح، ففي أحد احتفالات آخر السنة بالكلية تطوع لتقليد بعض ~~الأساتذة، ونجح في تقليد الدكتور إبراهيم عقل نجاحا مثيرا، فما كاد يتكلم عن المثل ~~العليا حتى دوت القاعة بالتصفيق الشديد، ومع ذلك كانت علاقته بالدكتور إبراهيم عقل وثيقة، ~~ولما ولي الدكتور منصبه الخطير نتيجة لتقربه من السراي اعتمد في إدارته على عدلي ~~المؤذن، وهو الذي قدمه إلى أحد الوزراء قبيل الحرب العظمى الثانية، فنقله الوزير إلى ~~وزارته مفسحا لطموحه مجالا جديدا، أحفل بالفرص من إدارة الجامعة، هكذا وفد إلى وزارتنا ~~كرجل خطير من رجال الوزير، وزرته مهنئا ومستبشرا بقدومه خيرا، ولكني وجدت فيه ~~شخصا جديدا، شخصا إداريا خطيرا مقطوع الصلة تقريبا بالرجل الذي كان يتلمس طريقه ~~بمشقة بين مسالك الفلسفة .. وتجلت مواهبه الكامنة في خدمة الوزير والوزارة، وكان - والحق ~~يقال - حاد الذكاء ذا مقدرة إدارية فذة، وكان بارد الأعصاب لدرجة لا تصدق، ولم ~~تعهد عادة بين المصريين، ومنذ أول يوم شعر شرارة النحال بخطورته، وعمل له ألف حساب ~~وحساب. وخيل إلى الأستاذ عباس فوزي أنه ms112 طرأ على الوزارة موظف خطير مثقف لأول مرة، وأنه ~~يحسن به أن يهدي إليه مؤلفاته، وفعل، وقال له وهو يهديها إليه وبحضوري إذ كنت أنا الذي قمت ~~بالتعارف بينهما: ليس من عادتي أن أهدي كتبي إلى أحد، ولكن الكتب لا تؤلف إلا لتهدى إلى ~~أمثالك! # فقال عدلي المؤذن ببروده النادر: أعترف لك بأني اطلعت عليها . # فشاع الفرح في وجه عباس فواصل الآخر قائلا: وأعترف لك بأني وجدتها سطحية لم تكد تضيف ~~إلى الأصل إلا قليلا. # فاصفر وجه عباس فوزي غير أنه قال متظاهرا بالمرح: لا تحكم بعقلك يا أستاذ، نحن نكتب ~~للبسطاء لنعلمهم، أما الفلاسفة فلا سبيل لنا إليهم. # وعدنا إلى الإدارة والرجل يقول لي في الممشى: لا تخبر بما سمعت أحدا من الرعاع. # فقلت له برثاء خفي: طبعا. # فقال مستردا طبعه الساخر: بدأت الفلسفة بابن رشد وانتهت بابن كلب! # وفي مدة وجيزة أحاط عدلي المؤذن بشئون الوزارة والموظفين، وكان يشغل وظيفة رئيس المكتب ~~الاستشاري، فاتصل بحكم عمله بجميع فروع الوزارة، وأثبت في العمل طاقة خارقة، واستحق ~~بعمله الثقة كل الثقة دون انزلاق إلى سراديب الحزبية، مع الاحتفاظ لشخصيته بالاحترام، ومع ~~عدم الحيد إلى ما يمس الكرامة إلا عند الضرورة القصوى، فرفع الوصولية إلى أرفع مراتبها، ~~وكان في أعماقه ميالا للوفد وقيمه الشعبية والديمقراطية والاستقلالية، ولكنه كتبها ~~في الأعماق، وتغلب عليها بقوة أعصابه الباردة. ولم يعرف عنه أنه صنع خيرا في حياته، ولم ~~يتورع عن إيذاء شخص طالما وسعه ذلك، وكان بلا شك يجد سعادة خاصة في الشر والتحدي والإيقاع ~~بالخصوم، بل وبالأصدقاء، ولم يكن يهمه أن يكون محبوبا، وخيل إلي كثيرا أنه يعمل بشغف ~~على أن يكون موضع النقمة والبغض والحسد، وهو يختلف في ذلك عن شرارة النحال الذي آثر بعض ~~الأذناب بالعطف، والذي حرص دائما على معسول الكلام حتى وإن دس فيه السم، والذي سعى إلى ~~نيل الثقة ولو بالكذب والنفاق؛ لذلك كره الموظفون عدلي كإبليس، وتهامسوا بنقاط ضعفه كأصله ~~وسيرة أخته، ومنهم من فسر عزوبيته بشذوذ جنسي ms113 يخفيه بصرامته وعنجهيته، ولذلك فإن الموظف ~~الوحيد الذي ساعده كان شابا جميلا منحلا، وطالما ساءلت نفسي حائرا كيف أمكنه ~~المحافظة على كرامته ووظيفته بالرغم من تتابع الوزراء والأحزاب عليه؟ وبالبحث والتحري، ~~ولمعرفتي الوثيقة به، علمت أنه كان يبسط حمايته - وقت إقبال الدنيا عليه - على عدد محدود ~~من موظفي الأحزاب المختلفة، حتى إذا أقبلت دنيا الأحزاب على أحدهم رد الجميل إليه فزكاه ~~عند وزيره، بذلك احتفظ بمكانته في جميع العهود معللا فوزه بكفاءته الشخصية وحدها، وظل ~~يترقى من درجة إلى درجة حتى عين مديرا عاما قبل ثورة يوليو. ورغم صلتنا القديمة ~~وزمالتنا العلمية لم يتورع عن التضحية بي في أول فرصة سنحت، كان ذلك عندما رشحتني لجنة ~~شئون الموظفين لدرجة خالية بعد مقارنات طويلة بيني وبين منافسي الذي كان كاتبا بالسجلات، ~~ورفعت اللجنة قرارها فوقعه الوزير وغادرت الوزارة مترقبا متلقيا التهاني، ولما ~~رجعت إلى الوزارة صباحا فوجئت بإلغاء القرار وترقية المنافس بدلا مني، كدت أفقد عقلي، ~~وبالبحث علمت أن موظفا كبيرا بديوان جلالة الملك اتصل مساء أمس بالأستاذ عدلي المؤذن ~~موصيا بمنافسي، فما كان منه إلا أن سارع إلى مقابلة الوزير - والعهد كان ملكيا - وأخبره ~~بالتوصية، وفي الحال تمزق قرار ترقيتي وتحرر قرار جديد بالترقية الجديدة، وذهبت إلى ~~عدلي المؤذن منفعلا وناقشته فيما سمعت من أنباء ولكنه ظل طيلة الوقت صامتا باردا حتى ~~تعبت وبخت، ثم قال لي بهدوء: أعدوا بيان الميزانية الجديدة للنشر في الصحف! # وعرفت أمورا أكثر من وكيل المستخدمين الذي كان له صديقا كما كان لي عدوا، قال لي: ما ~~حصل يعتبر مخالفة صريحة للقانون، فالقرار الوزاري لا يجوز تغييره إلا بقرار وزاري مثله، ~~وقد اطلعت بنفسي على قرار ترقيتك، فمتى صدر قرار آخر بإلغاء الترقية؟ # فسألته: ألا تستطيع أن تثير المسألة رسميا؟ # فقال ضاحكا: هيهات أن يستطيع ذلك إلا السفير البريطاني نفسه! # فسألته بدهشة: ولكن ما علاقة الموظف الآخر، وهو على قد حاله مثلي تماما برجل السراي ~~الخطير؟ # فقال ضاحكا: صل وسلم على سيدنا لوط! # ومنذ ذلك ms114 الموقف فترت علاقتي به حتى كادت تقتصر على العمل الرسمي، قبل ذلك كنا نلتقي ~~صباحا في ميدان سليمان باشا، نسير كزملاء رغم فارق الدرجة، فنتناول فطورنا في الأميركين، ~~ثم نمضي في طريق الوزارة معلقين على الأحداث والمارة والأشياء، ويبدو في تلك الفترة ~~لطيفا ودودا ضاحكا محبا للمزاح حتى ليقص علي آخر ما سمع من النكات السياسية عن ~~الملك وحاشيته وأسرته، أو يدعوني إلى زيارته في مسكنه الجديد بالمعادي الذي انتقل إليه بعد ~~صعوده السريع، ثم قد يستدعيني إلى مكتبه بعد ذلك بربع ساعة؛ فيطالعني بوجه جديد، وجه صارم ~~بارد مجرد، يأمر ويكلف وينذر بلا رحمة ولا ذوق! وأغادره وأنا أضرب كفا على كف، ومرة ~~فضفضت نفسي فبحت بما يكربني للأستاذ عباس فوزي فقال لي: عنده انقسام شخصية ابن القديمة، ~~نحن موعودون في هذه الوزارة بكافة أنواع الشذوذ. # ولما قامت ثورة يوليو 1952 تهيأت له فرصة للتخلص من شرارة النحال أكبر منافس له على ~~وكالة الوزارة. وأشهد أنه كان وراء بعض العرائض التي قدم بها شرارة إلى لجنة التطهير، ~~ولكن الرجل نجا بأعجوبة ورقي وكيلا للوزارة، فتلقى عدلي المؤذن أكبر ضربة وجهت إليه ~~في حياته، وسرعان ما وجد نفسه غريبا بين موظفين جدد لم يعرف لهم أصلا ولا فصلا، اختفى ~~أغلب معاونيه في التطهير، واستقبل حياة جديدة بكل معنى الكلمة، ورجع يخطب ودي كما كان ~~يفعل في حديقة الأورمان، ورجعنا نتلاقى في ميدان سليمان باشا وراح يقول ساخرا: لقد سقطت ~~الوزارة في أيدي جماعة من الغلمان! # أو يقول: ما قيمة أن تعرف القوانين والأصول الإدارية؟ # ممكن أن تفعل الآن أي شيء كما تشاء، وكيفما تشاء باسم الثورة! # وشعرت لأول مرة في حياتي بأن موجة من العدالة تجتاح العفونة المتصلة بلا هوادة، ~~فتمنيت أن تواصل سيرها بلا تردد ولا اعوجاج، وفي نقاء وطهر إلى الأبد، وحاول الرجل ~~التسلل إلى القيادات الجديدة، ولكنه لم يفلح. وما لبث أن أصيب بسرطان الدم فاعتكف في ~~بيته فترة ثم وافاه الأجل حوالي عام 1955. ولا أنسى ساعة ms115 انتشار خبر وفاته في الوزارة، فقد ~~خرج الموظفون على تقاليدنا المرعية، وسمعت العشرات وهم يقولون بأصوات مرتفعة شامتة: الله ~~يجحمه! ~~- في ألف داهية! # وكانت جنازته أفقر جنازة شهدتها، شيعها عشرة أنفار، قريب واحد وتسعة من زملائه القدامى ~~بالجامعة، وحضرها رجل ذو شأن هو الدكتور إبراهيم عقل في عهد دروشته التي أدركته بعد وفاة ~~ابنيه وقبيل وفاته ، وعقب وفاة عدلي المؤذن بيوم واحد انتحرت شقيقته العانس. # | عبد الرحمن شعبان # شخصية لا تنسى، عندما جلست إلى مكتبي لأول مرة في إدارة السكرتارية لفت نظري بشدة ~~كهربية، عملاق في طول العقاد وضخامة زيور باشا، أنيق الملبس فخم المنظر، تخاله وزيرا ~~رجعيا أو مدير بنك. ~~- حضرته أستاذنا الكبير عبد الرحمن شعبان مترجم الوزارة. # ليس هذا فحسب، ولكني عرفت أيضا مع الأيام أن مرتبه عشرون جنيها لا غير! بدا لي ~~أول يوم منطويا متجهما كحصن فقدرت المتاعب في زمالته التي فرضتها الأقدار علي، ~~ولكنه كان يفتح قلبه بيسر وبسرعة، وسرعان ما تنفجر قهقهاته كالقنابل ويحتقن وجهه ~~المستدير الريان بالدم، ويتجلى في براءة الأطفال. وعند الحديث تنهمر منه المعلومات كالمطر ~~الغزير، فهو يحب الموضوعات التي تطرق مدخراته من المعارف بقدر ما يضيق بالموضوعات التي ~~يجهلها فتضطره إلى التزام السمع، وهو أبغض الأشياء إلى نفسه. يحب الكلام لحد العبادة، ~~ولديه معلومات لا حصر لها عن أشياء لا حصر لها؛ السيارات والأثاث والزيوت والأمراض ~~والساسة والأفلام والبلاد والنكت والتاريخ والجغرافيا والفلك والقانون والمصارف ~~والدعارة. طفل كبير في الخامسة والثلاثين، خفيف الروح، دعاباته أزهار منورة، ونوادره وشي ~~منمنم، أما غضبه فآه لو انفجر غضبه، وما أسهل أن يثور غضبه! لشيء ولغير ما شيء ينفجر ~~غضبه، وعند ذلك تزلزل الزلازل وتنفجر البراكين، وتنطلق الأعاصير، فإذا لم يقابل بتحد هدأ ~~وسكن وتراخى وتراجع فاعتذر وقدم السيجارة أو أمر بالقهوة. تناقش مرة مع أحد الموظفين ~~فعانده الرجل حتى أثاره، وأراد أن يفحمه فاستشهد بنادرة من التاريخ الإسلامي - وعبد ~~الرحمن يجهل التراث جهلا تاما - فقال: دخل بدوي على عبد الملك بن مروان فقال ms116 ... # ولكن عبد الرحمن شعبان انتتر قائما كعمود السواري، وصاح وهو ينتفض غضبا: عبد الملك بن ~~مروان! من هو عبد الملك بن مروان؟! تستشهد لي بحيوان يا حيوان، ملعون أبوك أنت وعبد الملك ~~بن مروان. # وهجم عليه كالوحش ففر الرجل من الإدارة كالنحلة، ولكنه لم يقدم فيه شكوى، حتى ~~طنطاوي إسماعيل رئيس السكرتارية كان يتجاهل ذلك التمرد الصارخ على أصول الوظيفة، وكان يقول: ~~إنه أحمق، ولكنه أنظف معدن في هذه الوزارة. # وأدركت أن معاندته غير مأمونة، وأن الخوض معه في موضوع تعرفه ويجهله مغامرة ~~جنونية. ولعل عباس فوزي كان أول من عرف كيف يداريه بمكره ولباقته، ومع أن عبد الرحمن ~~كان يحتقره في باطنه إلا أنه عامله باحترام ومودة، وكان أبوه وزيرا للحربية، أرسله إلى ~~فرنسا - بالبكالوريا - ليدرس الطب فمضى يتنقل ما بين فرنسا وإنجلترا عشرة أعوام دون جدوى، ~~مكث عاما أو عامين في كلية الطب، وعامين آخرين في كلية العلوم، كذلك الحقوق والآداب. ولكنه ~~لم يثابر ولم يحصل على شهادة. ولما توفي والده رجع إلى مصر في الثلاثين، يحمل في رأسه ~~دائرة معارف مضطربة غير متكاملة، وخبرة عميقة بالإنجليزية والفرنسية والنساء والقمار ~~والحانات والمسارح والسينما وبيوت الدعارة، كما رجع بزوجة لبنانية تقاربه في العمر أو ~~تماثله، ولم يترك أبوه له مالا، وكانت أخته الكبرى متزوجة من سفير خارج القطر، فعمل ~~مترجما في السفارة الفرنسية. ~~- لم أعمر في الوظيفة أكثر من عام ثم اضطررت إلى تركها بسبب لكمة وجهتها إلى الملحق ~~الصحفي! # واشتغل بالإذاعة - قبل تمصيرها - ثم اضطر إلى الاستقالة بعد مشاجرة عنيفة، وعمل في ~~جريدة المقطم حتى وجه إلى صاحبها كلمة نابية كاد يقدم من أجلها للمحاكمة فتركها، ~~وأخيرا التحق بخدمة الوزارة بعد نجاحه في امتحان أعلن عنه في الصحف. وكان اعتاد الحياة ~~الدسمة المضيئة على الطريقة الأوروبية فلم يف مرتبه بتحقيق مأربه، فاستغل قدراته ~~في اللغتين في الترجمة للصحف ودور النشر وروايات الجيب، مكرسا جهده الضخم لرفاهية ~~الحياة ولابنة وحيدة كان يعبدها عبادة. وأقام في شقة في شارع فؤاد ms117 الأول، وأحاط جوه العائلي ~~بصداقات أوروبية لأسر فرنسية وإيطالية وأحيانا إنجليزية، ليكفل لنفسه البيئة التي ~~يعشقها بكل مشتهياتها من أثاث جميل ومأكل طيب وشراب ممتع وصحبة راقية وأحاديث طلية ~~رفيعة، وكان يقول بوجد: أوروبا روح الدنيا وأهلها ملائكة الخلق أما من عداهم فهم حيوانات ~~أو حشرات. # ومرة قال لي: أصاب أحيانا بذهول مرضي عندما أنظر حولي ، فأجد نفسي غريبا وسط نفر من ~~الموظفين التعساء الجهلاء الخانعين المطيعين المتملقين المنافقين، الله يرحمك يا أبي، ~~لم بددت مالك في القمار؟! # ولم يكن يوجد ما يدل على إسلامه إلا شهادة الميلاد، ولا يعرف من دينه إلا اسم «محمد»، ولم ~~ألمس فيه اهتماما بقيمة من القيم وإن كان شجاعا كريما محافظا على كرامته، وكان مدخنا ~~مجنونا وسكيرا عربيدا ومقامرا متهورا وأكولا متوحشا، وكنا نسير معا عادة عقب ~~انصرافنا من الوزارة حتى محطة الترام الواقعة تحت مسكنه، فلا يكف عن الكلام دقيقة واحدة، ~~وأتابعه أنا بالسمع والبصر، وكان ينتقد كل ما تقع عليه عيناه ويقارنه بنظيره في فرنسا أو ~~إنجلترا: أتعجبك هذه المحال والدكاكين؟ إنها زنزانات سوقية. ~~- انظر إلى قذارة الشوارع في قلب المدينة! سيأتي يوم يطالب فيه الذباب بحقوق ~~المواطن! ~~- ما رأيك في هؤلاء الغلمان الحفاة في شارع سليمان باشا؟! ~~- انظر إلى هذا المنظر الفريد، الكارو والجمل والسيارة في قافلة واحدة، وتقولون ~~الاستقلال التام أو الموت الزؤام؟! ~~- أيعجبك حقا ذلك المقرئ المدعو علي محمود؟ رجل ضرير منفر المنظر يزعق كالأبله، ~~قارن ذلك بقداس كاثوليكي تسبح في جوه الموسيقى الخالدة! ~~- صدقني إن رجال السياسة الذين تعجب بهم لا يصلحون موظفين مبتدئين في سفارة ~~أجنبية. ~~- وملايين الفلاحين القذرين بأي منطق يستحقون الحياة؟ .. لماذا لا تستغنون عنهم بالآلات ~~الزراعية الحديثة؟! ~~- إن خير ما تمخضت عنه الحضارة المصرية هو الحشيش، ومع ذلك فما أقبحه بالمقارنة ~~بالويسكي! ~~- هل حقا تعجب بهؤلاء الكتاب والأدباء؟ .. صدقني إنهم أميون على المستوى ~~العالمي. ~~- اسمح لي أبول على جميع من تحبهم من زعماء وأدباء ومطربين. ~~- أتعرف ما هي أكبر نعمة أغدقت علينا؟ .. هي الاستعمار ms118 الأوروبي، وسوف تحتفل الأجيال ~~القادمة بذكراه كما تحتفلون بمولد النبي. ~~- لا يغيظني شيء كما يغيظني ضربكم الأمثال بعدالة عمر ودهاء معاوية وعسكرية خالد، عمر ~~شحاذ، ومعاوية دجال، وخالد فتوة درجة ثالثة لم يجد من يؤدبه. ~~- المرأة المصرية هي المخلوق الوحيد الذي يستحق التقدير، فهي لبؤة، ويمكنها إذا منحت ~~مزيدا من الحرية إسعاد هذا الشعب الذي يستحق الإبادة. ~~- أليس الأفضل للإنسانية أن ينتشر الأوروبيون في الأرض وأن يبيدوا من عداهم من بني ~~آدم؟! # لم يكن يقرر ذلك عن حقد، ولا عن رأي بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، ولكن عن انفعال، ووسط ~~ضحكات بريئة، ولو صادف بعد ذلك شخصا يتعصب لأوروبا لانقلب بنفس الحماس مدافعا عن ~~الشرق، فهو معارض بطبعه، إن قلت حلوا قال مرا، وإن قلت مرا قال حلوا، مغتنما ~~الفرص على الحالين للكلام. ولم أجد عنده أصالة في عواطفه إلا ما تعلق بكريمته، فهو يعبدها ~~عبادة، يروي أحداثها التافهة كأنها ملاحم، ويستشهد بكلامها الفارغ كأنه جوامع الحكم، وينقل ~~إلينا آراءها - التي ينسبها إليها كذبا وادعاء - فيما مر بالوطن من أحداث وحروب، ~~منوها بذكائها المبكر الذي يكبر سنها بعشرات السنين. وكنت دائما أخاف أن يصطدم يوما ~~بشخص قوي ومؤذ مثل عدلي المؤذن أو شرارة النحال، ولكن ضخامته أسبغت عليه مهابة فرضت على ~~كبار الموظفين احترامه، وهو من ناحية أخرى - بعد تجاربه المؤسفة في السفارة الفرنسية ~~والإذاعة والمقطم - تجنب أصحاب النفوذ ما وسعه ذلك. وكان يقول لي: لعن الله الأيام التي ~~علمتنا احترام الأوغاد، الله يسامحك يا بنتي! # وقد دعوته إلى الفيشاوي وعرفته ببعض الأصدقاء مثل جعفر خليل ورضا حمادة وشعراوي ~~الفحام، فأعجبه المكان وأحب الأشخاص، وفي جنازتي شعراوي وجعفر بكى كطفل، وبالرغم من ~~مودتنا الحميمة فإنني لم أسلم من غضبه، فيوما كنت أقرأ الجريدة فاطلعت على صفحة ~~مخصصة لذكرى سلامة حجازي، ونقلا عن كاتبها قلت للأستاذ عباس فوزي بسرور: هل تصدق أن ~~فردي قال عن سلامة حجازي إنه لو كان ولد في إيطاليا لما كان له - فردي - شأن؟! # وإذا بالأستاذ عبد الرحمن ms119 يرمي بكتاب كان يقرؤه وصاح بي كبركان: ما هذا الكلام ~~الفارغ! أتصدق أي كلام يتقوله هؤلاء الأوباش في الصحف؟ .. من هو سلامة حجازي؟ .. إن أي ~~منادي سيارات فرنسي أعذب منه صوتا، ولكن هكذا أنتم أيها المصريون، لن تزالوا غارقين في ~~أوهام الكلمات حتى تموتوا، كوكب الشرق ... مطرب الملوك والأمراء ... سلطانة الطرب ... عاهل التمثيل ~~في الشرق ... لو لم أكن مصريا لتمنيت أن أكون مصريا، ولم لا تتمنى أن تكون حمارا، ~~فيكون لك نفع على الأقل، نيلة تاخدكم أنتم وبلدكم! # وفي عام 1950 زوج معبودته «كريمته» من موظف في البنك الأهلي، واحتفل بزواجها في ~~الأوبرج، وسعد كما لم يسعد من قبل فسعدنا به، وبعد ذلك بعامين، وعلى التحديد في صباح يوم 27 ~~يناير 1952 دخل علينا معاون الوزارة وقال: البقية في حياتكم في الأستاذ عبد الرحمن ~~شعبان! # وفزعنا كأنما نسمع عن الموت لأول مرة. كان حتى أمس يتخذ مجلسه بيننا في الإدارة، ~~وسرت معه حتى مسكنه في شوارع مكتظة بالمتظاهرين والمخربين، وألسنة النيران تشتعل هنا وهناك ~~في المحال العمومية والملاهي والسينمات، وعلمنا في أثناء النهار ونحن نشيع جنازته أنه ~~كان ساهرا في الترف كلوب مع بعض أصدقائه من الإنجليز حين هاجم المتظاهرون النادي فقتلوا ~~من فيه، وقتل الرجل فيمن قتل، وانتهت حياته العجيبة. # | عبد الوهاب إسماعيل # إنه اليوم أسطورة، وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير، وبالرغم من أنني لم ألق منه إلا ~~معاملة كريمة أخوية إلا أنني لم أرتح أبدا لسحنته ولا لنظرة عينيه الجاحظتين الحادتين، ~~وقد عرفته في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم في أثناء الحرب العظمى الثانية، كان في ~~الثلاثين من عمره، يعمل مدرسا للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية، وينشر أحيانا ~~فصولا في النقد في المجلات الأدبية أو قصائد من الشعر التقليدي. كان أزهريا، لا علم له ~~بلغة أجنبية، ومع ذلك أثار اهتمامي واحترامي بقوة منطقه، وهو يناقش أشخاصا من المعروفين ~~بثقافتهم الواسعة واطلاعهم العميق على اللغات الأجنبية مثل الدكتور إبراهيم عقل وسالم ~~جبر وزهير كامل، وامتاز بهدوء الأعصاب وأدب الحديث ms120 فما احتد مرة أو انفعل ولا حاد عن ~~الموضوعية، ولا بدا في مستوى دون مستوياتهم الرفيعة، فكأنه ند لهم بكل معنى الكلمة، ~~فاقتنعت بحدة ذكائه ومقدرته الجدلية، واطلاعه الواسع رغم اعتماده الكلي على التراث ~~والكتب المترجمة، ولم يداخلني شك في أنه أذكى من إبراهيم عقل وسالم جبر وزهير كامل ~~جميعا، وحتى نقده للكتب العصرية لم يتسم بالهزال أو السطحية بالقياس إلى نقد المتخصصين ~~من حملة المؤهلات الباريسية واللندنية، وإن كان ثمة فارق دقيق فلم يكن لينكشف إلا لعين ~~العارف المدقق. # قال لي عنه يوما الدكتور ماهر عبد الكريم: إنه شاب موهوب ومن المؤسف أنه لم يرسل ~~في بعثة. # وكان الدكتور ماهر عبد الكريم ممن يزنون أقوالهم بميزان دقيق. وبالرغم من أن عبد ~~الوهاب إسماعيل لم يكن يتكلم في الدين، وبالرغم من تظاهره بالعصرية في أفكاره وملبسه ~~وأخذه بالأساليب الإفرنجية في الطعام وارتياد دور السينما، إلا أن تأثره بالدين وإيمانه ~~بل وتعصبه لم تخف علي، أذكر أن كاتبا قبطيا شابا أهداه كتابا له يحوي مقالات في ~~النقد والاجتماع فحدثني عنه ذات يوم في مقهى الفيشاوي فقال: إنه ذكي مطلع حساس وذو ~~أصالة في الأسلوب والتفكير. # فسألته ببراءة وكنت مغرما بالكاتب: متى تكتب عنه؟ # فابتسم ابتسامة غامضة وقال: انتظر وليطولن انتظارك! ~~- ماذا تعني؟ # فقال بحزم: لن أشترك في بناء قلم سيعمل غدا على تجريح تراثنا الإسلامي بكافة السبل ~~الملتوية. # فتساءلت بامتعاض: أأفهم من ذلك أنك متعصب؟ # فقال باستهانة: لا تهددني بالأكليشهات فإنها لا تهزني. ~~- يؤسفني موقفك. ~~- لا فائدة من مناقشة وفدي في هذا الموضوع، وقد كنت وفديا ذات يوم، ولكني أصارحك ~~بأنه لا ثقة لي في أتباع الأديان الأخرى! # وقد كان حقا وفديا، ثم انشق على الوفد وراء الدكتور أحمد ماهر، وكان عظيم الإعجاب ~~به، ورقي في عهد السعديين إلى وظيفة مفتش. وكم تخلى عنه حلمه بسبب مصرع الدكتور أحمد ~~ماهر، كأنما أصيب بنفس الرصاصة التي أودت بحياة الرجل، وقال لي بحزن بالغ: ضاع أعظم ~~رجل في الوطن. # وكان يشكو صحته كلما ms121 سنحت مناسبة، وبها يتعلل في إفطار رمضان، ولكنه لم يصرح ~~بحقيقة مرضه لأحد، كما أنه لم يهتم في حياته بالنساء ولم يتزوج، وعرف في تلك الناحية ~~بالاستقامة الكاملة. وعلى جدية أخلاقه، وحملاته الصادقة على المنحرفين، تكشف لي جانب ~~منه لم أكن لأصدقه لو لم أخبره بنفسي، ذلك أنه كان يوجد كاتب صاحب مجلة ومطبعة تصدر ~~سلسلة شهرية من الكتب ، وكان عبد الوهاب يحتقره ويقول عنه: لولا مجلته لما وجد مجلة تقبل أن ~~تنشر له كلمة. # وكم أدهشني أن أطالع له مقالة في الرسالة عن صاحب المجلة رفعه فيها إلى السماء! حرت ~~في تفسير ذلك، حتى علمت بأنه اتفق معه على نشر كتاب له في سلسلته الشهرية نظير أجر ممتاز ~~لم يظفر بمثله كاتب آخر! وتذكرت في الحال موقفه الأعمى من الكاتب القبطي، فأزعجني جدا ~~اكتشاف ذلك الجانب الانتهازي في شخصيته، وساورني شك من ناحية صدقه وأمانته، واستقر في ~~نفسي - رغم صداقتنا - نفور دائم منه. وظل يعمل مفتشا وكاتبا، حتى ولي الوفد الحكم عام ~~1950، فلم يرتح إلى معاملة الوزير الوفدي له، فقدم استقالته وتفرغ للعمل في الصحافة، ~~وعرف في تلك الفترة بهجومه المتواصل على حكومة الوفد، وفي نفس الوقت شرع يكتب كتبا ~~عصرية عن الدين الإسلامي، لاقت نجاحا منعدم النظير، وقامت ثورة يوليو 1952 وهو منغمس في ~~محاربة الوفد والدفاع عن الدين الإسلامي، وكان مر عامان على الأقل لم نلتق فيهما أبدا ~~وانقطعت عني أخباره الخاصة. ويوما كنت في زيارة للأستاذ سالم جبر فقال لي: الظاهر أن نجم ~~عبد الوهاب إسماعيل سيلمع قريبا. # فسألته باهتمام: ماذا تعني؟ ~~- أصبح من المقربين. ~~- ككاتب سياسي أم ككاتب ديني؟ ~~- باعتباره من الإخوان المسلمين. # فهتفت بدهشة: الإخوان؟ .. لكنني عرفته سعديا متطرفا. # فقال متهكما: سبحان الذي يغير ولا يتغير! # وقابلته بعد ذلك بعام أو نحوه، أمام بار الأنجلو؛ فتصافحنا بحرارة، وسرنا معا نتحادث حتى ~~جاء ذكر الثورة فقال بتحفظ: ثورة مباركة، ولكن من العسير أن تعرف ماذا يريدون. # ولمست في حديثه مرارة لم أقف على سرها ولم ms122 يبح به. كانت له قدرة على الاحتفاظ بأسراره ~~ليست إلا لقلة نادرة من المصريين، وقلت له: بلغني أنك انضممت إلى الإخوان ~~المسلمين؟ # فابتسم ابتسامة غامضة وقال: أي مسلم عرضة لذلك! ~~- من المؤسف حقا أنك نبذت النقد الأدبي. # فضحك قائلا: يا لها من تمنيات جاهلية! # وافترقنا وأنا أشعر بأننا لن نلتقي مستقبلا إلا مصادفة في الشوارع. وعند أول صدام ~~بين الثورة والإخوان قبض عليه فيمن قبض عليهم من أعضاء الجماعة، وقدم للمحاكمة فحكم ~~عليه بعشرة أعوام سجن. وغادر السجن عام 1956 فرأيت أن أزوره مهنئا، فذهبت إلى مسكنه ~~بشارع خيرت، والحق أنه لم يتغير كثيرا، شاب شعر رأسه، كما يتوقع لرجل في السابع أو ~~الثامن والخمسين من عمره، وزاد وزنه حتى خيل إلي أن صحته تحسنت عما كانت عليه. ~~وتبادلنا الأسئلة عن الظروف والأحوال، وكان يحافظ على رزانته المعهودة وبرودة أعصابه الفذة، ~~وخاض دون مقدمات في المسائل العامة فأدلى بآرائه بكل ثقة. ~~- يجب أن يحل القرآن مكان كافة القوانين المستوردة. # وقال عن المرأة: على المرأة أن تعود إلى البيت، لا بأس من أن تتعلم، ولكن لحساب البيت لا ~~الوظيفة، ولا بأس من أن تضمن لها الدولة معاشا في حال الطلاق أو فقد العائل. # وقال بقوة: الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا أن نجتثها من ~~نفوسنا. # وحمل على العلم حملة شعواء حتى ذهلت فسألته: حتى العلم؟! ~~- نعم، لن نتميز به، نحن مسبوقون فيه، وسنظل مسبوقين مهما بذلنا، لا رسالة علمية لنا ~~نقدمها للعالم، ولكن لدينا رسالة الإسلام وعبادة الله وحده لا رأس المال ولا المادية ~~الجدلية. # استمعت إليه طويلا ضاغطا على انفعالاتي حتى لا أخل بواجب المجاملة ثم قمت للانصراف ~~وأنا أسأله: ماذا عن المستقبل؟ ~~- هل لديك اقتراح؟ ~~- لدي اقتراح ولكني أخشى أن يكون جاهليا، هو أن تعود إلى النقد الأدبي! # فقال بهدوء: تلقيت دعوة للعمل في الخارج. ~~- وعلام عولت؟ ~~- إني أفكر. # وودعته وانصرفت، وبعد انقضاء عام على المقابلة طلعت علينا الصحف بأنباء مؤامرة جديدة ~~للإخوان، ولم أعرف وقتها شيئا عن مصير ms123 عبد الوهاب إسماعيل الذي رجحت أنه غادر الوطن ~~للعمل في الخارج، غير أن الصديق قدري رزق أكد لي أنه كان ضمن المؤامرة، وأنه قاوم القوة التي ~~ذهبت للقبض عليه حتى أصيب بطلقة قاتلة فسقط جثة هامدة. # | عبدة سليمان # لعلها كانت أول فتاة تعين بوزارتنا، ولكن مؤكد أنها كانت أول موظفة بإدارة ~~السكرتارية. عينت في أيام الحرب العظمى الثانية، في نفس الشهر الذي تولى فيه عباس فوزي ~~رياسة السكرتارية، كانت في الخامس والعشرين من عمرها، بضة ممتلئة، سمراء، متوسطة ~~الجمال، خفيفة الروح، وكانت تحمل شهادة البكالوريا، ولم ترغب في الوظيفة حتى توفي والدها، ~~وقال عباس فوزي محذرا: كونوا جديرين بالزمالة من فضلكم! # وهمس لي عم صقر وهو يقدم لي القهوة: صاحبتك من السيدة زينب! # فسألته: وما له؟ ~~- السيدة مأهولة بالطلبة ولذلك فكثيرات من بناتها ... # ورسم بيده حركة مثيرة للشك، وعموما اشتدت العناية بالمظهر في السكرتارية، واسترقت ~~الأعين النظر إلى ركن الحجرة حيث جلست عبدة إلى يمين الأستاذ عبد الرحمن شعبان. كان ~~علينا أن ننتظر طويلا حتى تصير عبدة «عادة» يومية لا تثير الأهواء ولا تلفت النظر. ~~وتواترت أخبار تصور سلوكها الخاص في حي السيدة بالاستهتار. وقال لي عم صقر: لا تصدق ~~أن فتاة «شريفة» تقبل أن تعمل وسط الرجال. # فقلت له: ولكنها مؤدبة حقا وتصد عنها جميع الطامعين دون استغلال للدعابة. # فقال بإصرار: سياسة حلوة .. حفظا على كرامتها كموظفة، ولتوقع بالمغفل ابن ~~الحلال! # ولاحظنا أن زميلا من الأرشيف أصبح يتردد على صديق له في السكرتارية على غير عادة، وكان ~~زميلا مشهورا، رغم حقارة وظيفته وبدائية تعليمه الذي لم يجاوز الابتدائية، ولكنه ~~كان جميلا، له مظهر الذوات واعتدادهم بأنفسهم، وكان من أسرة العادل - يدعى محمد العادل - ~~في الثلاثين من عمره، وكان ابن شقيق الباشا عميد الأسرة، وزوج كريمته الغنية، ورغم فقره ~~وضآلة مرتبه كان يرتدي أفخر البدل، وينفق عن سعة من مال زوجته، وعرف أنه يطارد عبدة، ~~وأنه يزور السكرتارية جريا وراء هدفه. ولم يتعرض له عباس فوزي بأية ملاحظة لعلمه بصداقة ms124 ~~عمه الباشا لوكيل الوزارة، فتجاهله على مضض، ولكن الأستاذ عبد الرحمن شعبان المترجم لم ~~يبال بذلك فمضى نحوه يوما ثم قبض على أعلى جاكتته ودفعه أمامه حتى باب الإدارة، وهو يقول ~~له: إذا رجعت مرة أخرى فسأكسر رأسك. # ولكن عم صقر أخبرني أنه يطارد عبدة حتى مشارف السيدة، وأنه يلح بجنون في التعرف ~~بها. ووضح أن الفتاة رفضت تلبية النداء وأصرت على ذلك. رفضت بكل قوة أن تكون عشيقة ~~وعاملته بخشونة، وأخذنا نناقش الموضوع همسا، فقال عباس فوزي: الولد فحل جميل ولا ~~يقاوم. # فقال عبد الرحمن شعبان: ولكنه حقير جاهل. # فقال له عباس فوزي: المرأة هي المرأة والرجل هو الرجل. # فقلت: من الطبيعي أن تبحث عن زوج، فما معنى أن ترضى بدور العشيقة. ~~- هذا هو المعقول ولكن الحب لا معقول. # ولكن مضت الأيام وعبدة سليمان ترفض أن تستسلم. ذات يوم طلبت إجازة أسبوعا، ولم يهتم ~~أحد بالطلب حتى جاءنا عم صقر، وهو يقول: محمد العادل أخذ إجازة أسبوعا أيضا! # وتضاربت التخمينات، ولكنها كانت مجرد تخمينات، ومضى الأسبوع ورجعت عبدة، ولكنا رأينا ~~فيها فتاة جديدة، كأنما فقدت في صميم روحها شيئا ثمينا لا يعوض. انتظرنا أن تقول ~~شيئا، ولكنها عكفت على عملها في صمت تكتنفها هالة حزن كأنما هي راجعة من قرافة، ومال عبد ~~الرحمن شعبان نحوها وسألها برقة: ما لك يا مدموازيل؟ # وبمجرد استشعارها العطف انهمرت دموعها! واتجهت إليها الأبصار، ومضى عباس فوزي فوقف ~~أمام مكتبها، وهو يسأل: ما لك؟ نحن زملاء، والإنسان للإنسان! ~~- لا شيء! ~~- لا نريد إكراهك على الكلام إذا كرهت ذلك. # فقالت بيأس: لن يخفى شيء! ~~- حسن فماذا يحزنك؟ # ترددت قليلا ثم قالت: أخذت الإجازة لأتزوج. ~~- لا عيب في ذلك ولا حزن. ~~- تزوجنا أنا ومحمد العادل. ~~- محمد العادل! ~~- نعم. ~~- سرا! ~~- قال لي إنه يقامر بمستقبله، وإنه إذا عرفت زوجته أو عمه الباشا فسيقضى عليه إلى ~~الأبد. # فسألها عباس فوزي بنبرة لم تخل من عتاب: وكيف رضيت أن تتزوجيه وأنت على علم ~~بحاله؟ # فقال عبد الرحمن شعبان بغضب: ms125 تذكر أقوالك عن الحب. # فتراجع الرجل قائلا: حسن، وماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- سافرنا إلى الإسكندرية فمكثنا أسبوعا! ~~- ثم ماذا؟ # وهي تحاول تمالك أعصابها الباكية: طلقني أمس! ~~- طلقك؟! ~~- نعم. ~~- لم؟ ~~- قال إنه إذا استمرت العلاقة فستعرف، وإذا عرفت خسر كل شيء! # وهمس عم صقر في أذني: طريقة جديدة للعشق! # ونالت عبدة من العطف بقدر ما نالت من اللوم. وتطوع كثيرون لمساعدتها في إجراءات القضية ~~الشرعية. ونما الخبر إلى الزوجة والباشا، واستدعى وكيل الوزراء - بإيعاز من الباشا - عبدة ~~فوبخها واتهمها بإغواء الولد الأرعن وطالبها بالتنازل عن القضية في نظير أن يحفظ لها ~~حقها، ولكنها صارحته بأنها حبلى، وبذلك تعقدت الأمور أكثر، ووضعت طفلة وكانت النفقة تقتطع ~~لها من مرتب الشاب الصغير، والحق أن محمد العادل لم يكن شبع تماما من عبدة، وكانت هي ~~من ناحيتها تحبه، وهي حقيقة لم تخف عن المجربين مثل عباس فوزي وعبد الرحمن شعبان، ~~وعادت العلاقة بينهما، غير شرعية هذه المرة، وفي تكتم لم يدر به أحد منا، حتى فوجئنا ذات ~~يوم بالوكيل يستدعي عبدة ومحمد، ويهددهما بالنقل إلى الأقاليم إذا لم يقطعا علاقتهما ~~«الآثمة» في الحال. وحدث ذلك بحضور الباشا نفسه، وترامت الأصوات إلى السعاة فالتقط عم صقر ~~الخبر وأذاعه بطريقته السادية، حتى اضطر الأستاذ عبد الرحمن شعبان إلى تذكيره بابنته ~~الضائعة، فغادر الرجل الحجرة متقلص الوجه، ونقل محمد العادل بعد ذلك إلى وزارة ~~الزراعة. وتزوجت عبدة من مقاول قبل أن تتربى ابنتها في بيته تحت شرط أن تقدم عبدة ~~استقالتها، وقد فعلت. كان ذلك على عهد حرب فلسطين الأولى عام 1948، ومر على ذلك عشرون ~~عاما حتى لقيت عبدة مصادفة في ميدان التحرير. # تصافحنا بحرارة، وكانت في الخمسين وبدينة جدا، وسرنا معا وهي تسأل عن الزملاء ~~القدامى فحكيت لها ما كان من أمر عباس فوزي، ونهاية عبد الرحمن شعبان وقد تأسفت عليه ~~بصدق، وحتى عم صقر أخبرتها بسوء مآله، أما هي فأخبرتني بأن زوجها توفي من عامين، ~~وأنها أنجبت منه ثلاثة ذكور في كليات الطب والزراعة والاقتصاد، ms126 وأن ابنتها تزوجت من ~~ضابط، ثم تساءلت: أتدري ما حصل لأبيها؟ # ولكني كنت نسيته تماما فقالت: بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي بعام واحد مات الباشا، ~~ولم يبق لابنته إلا ما تستطيع أن تربي به أولادها، فامتنعت عن إعطاء زوجها أي نقود، فلم ~~يستطيع ممارسة الحياة على المستوى الذي اعتاده، فاختلس وفصل من عمله، وهو يعيش الآن ~~كالمتشردين، واضطر إلى العمل في الإسكندرية منادي سيارات! # ثم سألتني ونحن نتوادع: خبرني ماذا عن الموقف، حرب أم صلح؟ # فبسطت راحتي في عجز عن الجواب وافترقنا. # | عجلان ثابت # زاملنا في الجامعة عاما ونصف عام، واتهم بسرقة طربوش فافتضح أمره واضطر إلى قطع ~~دراسته. حدثني عنه في ذلك الوقت الأستاذ عدلي المؤذن فقال: إنه يعيش مع أم عجوز على ~~معاش بسيط. # فقلت بأسف: لا أحد منا يستطيع معاونته، وكان النجاح والتفوق في ميسوره. ~~- ولكنه كان قليل الأدب، ألا تذكر مناقشاته الحادة مع الدكتور إبراهيم عقل؟ # فقلت بامتعاض: إنه أفضل في نظري من الدكتور إبراهيم عقل. # وفي أثناء تزاملنا اقتنعت بذكائه واجتهاده ووعيه، وكان ذا استعداد طيب لتعلم اللغات ~~الأجنبية، كما كان قارئا ممتازا، وأذكر أنه ترجم - في تلك الفترة المبكرة في حياته - بعض قصائد شيللي ونشرها في مجلة المعرفة، وكان يقول لي: لا تحترم طالبا غير مهتم ~~بالسياسة، ولا تحترم مهتما بالسياسة إن لم يكن وفديا، ولا تحترم وفديا إن لم يكن ~~فقيرا. # فقلت له: ولكن سعد زغلول لم يكن فقيرا. ~~- أما مصطفى النحاس فزعيم فقير! ~~- هل تعني أن مصطفى النحاس خير من سعد زغلول؟ ~~- كان سعد زغلول عبقريا أما مصطفى النحاس فإرادة نقية. # ولم يستطع - بعد انفصاله عن الجامعة - أن يجد وظيفة، فالوظيفة كانت مطلبا عسيرا لمن لا ~~وساطة له، ولكن أحد أعضاء الوفد استطاع أن يلحقه بدار صحفية محايدة مترجما بأجر زهيد. ~~وافترقنا نحوا من عشرة أعوام، وتقابلنا بعد ذلك مصادفة في مقهى الفيشاوي، ورحبنا ~~بالمصادفة واعتبرناها سعيدة وسألته عن حاله فقال: ما زلت مترجما صحفيا وما زال الأجر ~~زهيدا! # وضحك وكانت روحه ms127 المعنوية مرتفعة وقال: ولكني متزوج. ~~- أنت مغامر! ~~- إنه الحب، عليه اللعنة. # ودعاني إلى مسكنه بخان الخليلي فتعرفت بزوجته، وكانت فتاة حسناء، على قدر متوسط من ~~التعليم، ولاحظت أنها متفانية في الحب وذات إرادة صلبة في مواجهة حياتها المتقشفة. ~~ودار الحديث عن الحرب والسياسة، فقال: لم أعد وفديا كما كنت. # فدهشت، ولكنه صارحني بأنه «شيوعي»، وراح يؤكد لي أن الشيوعية حل لمشكلات العالم، ثم ~~وهو يضحك: وحل لمشكلتي أيضا. # فضحكت زوجته وقالت: وهذا هو الأهم! # ومضى يشرح الشيوعية باعتبارها نظرية علمية، ولكنني شعرت بأنها حلت في نفسه محل العقيدة ~~الدينية. وفي أعقاب الحرب فصل من الدار الصحفية بإيعاز من الداخلية في ظل الحكم الرجعي ~~الذي سيطر على البلاد بعد إقالة الحكومة الوفدية. وتحرج مركزه، حتى سكنه المتواضع أصبح ~~مهددا بالطرد منه لعجزه عن دفع الإيجار. وكنت أزوره، وأقدم له أحيانا مساعدات لا ~~تغني، ثم تبين لي أن مسكنه يتحول إلى شيء جديد غريب، إلى ملتقى لبعض أهل البلد من أغنياء ~~الحرب، حيث تدور الجوزة. وتجلس زوجته بينهم كربة الاستقبال والبيت! وآثرت - تفاديا ~~للإحراج - أن تقتصر مقابلاتنا على المقهى، وأخذ يبدو لي مكشوف الوجه مستهترا، وماجنا ~~عابثا، ورغم ذلك كله فإن عقيدته لم تتخلخل، ولم يتسلل إليها الفساد، وبقيت جوهرة مدفونة ~~في العفن ولكن محتفظة بقيمتها. وفي عام 1950 رجع إلى عمله بالدار الصحفية، ولكنه لم يغير ~~أسلوبه في الحياة، لزهادة المرتب من جهة ولفقدان الثقة من ناحية أخرى. ولقيت زوجته بعد ~~انقطاع طويل فهالني أن أرى غانية متبرجة ذكرتني بالمحترفات فتقطع قلبي وحزنت حزنا ~~لا حد له، ولعله لاحظ انقباضي إذ قال: مهما يكن من أمرنا فثمة جانب فينا يستطيع أن يصنع ~~المعجزات، وهو الذي خلق الله! # وبعد قيام ثورة يوليو 1952 أمكن بعض زملائه أن يهيئوا له عملا أرقى، فتحسنت أحواله، بل ~~وغير مسكنه، فانتقل إلى شقة في عمارة بميدان الجيزة، رمزا لعزمه على تغيير أسلوبه في ~~الحياة، وممارسة حياة محترمة، وبسبب نشاطه العقائدي اعتقل أعواما حتى اضطرت زوجته إلى ms128 ~~اللجوء إلى حماية أحد زبائن بيتها القديم. ولما خرج من المعتقل خرج متعبا متقززا، ~~استعاد عمله ودخله ولكنه لم يستطع استنقاذ زوجته. قال: أدمنت الأفيون. # وهز رأسه في رثاء وقال: إني أحبها، وسأحبها إلى الأبد، ولكنها لم تعد قادرة على إعطاء ~~الحب! # ثم بغضب: إني أحمل على الفساد بصدق أيان أجده، ولا يخيفني أن يشهر بي أحد. # وقدس علاقته بها، متفانيا في الإخلاص لها والتسامح معها، فهيأ لها الحياة الطيبة، ~~ولم يسمح لنفسه بمحاسبتها على تصرف، تواجدت أم غابت، استقامت أم استهترت. وزحف عليه العجز ~~قبل الأوان فلم يبق له من مسرات الدنيا إلا العمل والحديث والتسامح اللانهائي مع زوجته. ~~وبالرغم من آلامه وحرمانه وتدهور زوجته المحبوبة فقد بلغ في تلك الفترة غاية نضجه وأعطى ~~أطيب ثماره فتتابعت مقالاته السياسية والاجتماعية متسمة بالطلاوة والعمق، وإني لأعد ~~كتابه عن الفكر العربي التقدمي من أمتع الكتب المعاصرة وأقواها إيحاء وتفاؤلا، كما ~~أعد وجهه الشعبي، وتناقضات حياته الشخصية، ومتاعبه الجسمانية، ووحدة ذهنه وصفائه، ~~مثالا لعصر مضطرب جياش بعوامل هدم وبناء، وتفكك وتجمع، ويأس وأمل. ولشد ما تألمت ~~عندما لم أجد من أستاذي الدكتور ماهر عبد الكريم استعدادا للترحيب به في صالونه، فقال ~~بهدوئه المعروف: يقال إنه شخص ... # وابتسم ابتسامة استغنى بها عند تسجيل وصف لا يرتاح إليه ذوقه الرفيع! وعلمت أن الذي ~~وشى به عنده هو جاد أبو العلا، ذلك الشخص الذي لا وجود له في الواقع! # | عدلي بركات # له في الذهن صورة قديمة، كالعباسية القديمة بحقولها وسكونها الأبدي، عندما كان يتهادى ~~به الحنطور من العباسية الشرقية إلى المدرسة، فيغادره وهو يسير - رغم حداثة سنه - في ~~عظمة خيالية تناسب ولاة العرش، ويمر بنا دون أن يلقي نظرة على أحد، وحيدا بلا صاحب ~~إلا فيما ندر، ونتابعه بسخرية تخفي تحتها إعجابا وحسدا. وكان آل بركات - كآل الكاتب - ~~من أرستقراطية العباسية الشرقية المقيمين في القلاع. وكانت أم عدلي تركية، وكان الأب ~~فلاحا مصريا غنيا، فأنجبا غلامين عدلي وأخا أكبر، وماتت الأم وعدلي في الثانية عشرة، ms129 ~~فتزوج الأب بعد عام من وفاتها بسيدة مصرية، وقيل لي إن وفاة أمه رسبت الحزن في أعماق ~~روحه، كما إن حلول أخرى محلها قضى على توازنه مدى العمر. تلك أحزان يمكن تخيلها فحسب ~~أما تحليلها فلا سبيل إليه، وبخاصة وأن عدلي لم يكن يذكر سيرة أمه أمام أحد، ولا يسمح ~~لأحد بالتسلل إلى ذلك التاريخ القديم، وبالرغم من أنني عرفته في تدهوره، وهو لا يعترف ~~لشيء باحترام أو يعفيه من سخريته، فإنه كان من المسلم به بيننا أن أمه سر مغلق ~~مقدس لا يجوز مسه أو الحومان حوله أو مجرد التفكير في الاقتراب منه. وكنا في صبانا نراه ~~كثيرا، في المدرسة، وفي حديقة القصر، ولكن لم تنشأ بيننا وبينه أي معرفة أو حتى ميل إلى ~~ذلك. ومرة وكنا عائدين من ملعب الكرة في الصحراء وجدناه واقفا أمام قصره فقرر خليل زكي ~~أن يتحرش به فوقف أمامه وسأله بوقاحة: هل تعرف أين تقع دكان عم فلقوس بياع المدمس؟ # فتراجع إلى داخل القصر دون أن ينبس، ومضينا ونحن نكتم الضحك، ونلعن خليل، ولكن اجتاحنا ~~سرور لا شك فيه. وطالما كان خليل يقول: يا ما نفسي أطبق في زمارة رقبته! # ودخلنا الجامعة في عام واحد فزامل رضا حمادة في كلية الحقوق، وعارف رضا بيني وبينه، ونحن ~~نشاهد مباراة كرة حامية بين النادي الأهلي والمختلط. قلت له: نحن أبناء حي واحد منذ قديم، ~~ومع ذلك لم نتعارف إلا اليوم. # فابتسم قائلا في اقتضاب: نعم. # وتمعنته عن قرب فإذا به رغم الأناقة والعظمة المطبوعة يشبه أباه الفلاح لحد التماثل، ~~ولم يرث عن الأم التركية شيئا ظاهرا ينتفع به! وأدركت من أول وهلة أنه متعب، وأنه ~~يحتاج إلى سياسة خاصة في معاملته كي يمنح ثقته وصداقته، وأنه يحتقر كل شيء في الوجود، وأن ~~كلمة «مضحك» إكليشيه لاصق بلسانه يصف به أي شخص أو أي فعل مهما يكن رأي المتحدث فيه، فأستاذ ~~المدني «دكتور مضحك»، ومصطفى النحاس «زعيم مضحك»، وقرار الوفد بإعلان المقاطعة «إعلان ~~مضحك»، وقواعد الإسلام ms130 «قواعد مضحكة» حتى سألته مرة: من يستحق احترامك من الناس؟ # فأجاب وهو يضحك: الجميل الشرير! # ثم وهو يواصل الضحك: يقال إن إسماعيل صدقي كان كذلك في شبابه. # فقلت: ولكنك تحترم والدك بلا شك؟ # فبصق على الأرض بتلقائية ووحشية وقال: اللعنة عليه وعلى جميع الحشرات! # وعرفت ما لم أكن أعرف من مقته لأبيه. وحدثني موسيقار من جيرانه عن تلك العلاقة الغريبة، ~~فقال إنه - عدلي - لم يعد يخفي كراهيته لأبيه منذ زمن بعيد، وإن الباشا يداريه مسلما أمره ~~لله. وسألت عن السبب فقال: لا يدري أحد شيئا على سبيل اليقين، وعدلي نفسه لا يحب أن يفشي ~~ذلك الجانب من أسراره، ولكن المظنون أن مرجع هذه الكراهية إلى زواج أبيه من امرأة أخرى ~~بعد وفاة أمه. # ولما توثقت العلاقة بيننا سألته عما يدعوه إلى مقت أبيه واحتقاره فحدجني بنظرة قاسية ~~وقال: ألا يكفي لذلك أن يورثني سحنته؟! # فقلت: أنت فلاح جميل! # فعبس قائلا: لو نافقتني مرة ثانية فسأمقتك أكثر منه. # ولكي يبتعد عن مجال أبيه ويتجنب رؤيته ما أمكن أقام في مبنى مستقل بحديقة القصر كان ~~يستعمل كمضيفة، وربما مر الشهر والشهران فلا تقع عينا أحدهما على الآخر. وفي آخر عهده ~~بكلية الحقوق انتقى من الزملاء صحبة قليلة عرفت باستهتارها الأخلاقي، وجعل منها خاصة ~~أصدقائه، وبهم خرج من عزلته فعرف مواطن اللهو ومقهى الفيشاوي، وانقلب مقامه المستقل في ~~الحديقة إلى حانة وغرزة! ولا شك أن الباشا فطن إلى دبيب الحركة الجديدة المريبة، ~~ولكنه لم يستطع أن يتعرض لها إيثارا للسلامة، وقال لي يوما: عليك بصحبة الأشرار ~~فبفضلهم تعرف نفسك. # ولم أعرف ما يعنيه تماما إلا فيما بعد نسبيا، عندما تبين لي أنه بقدر ما يحب مصاحبة ~~الحسان فإنه لا يستجيب لهن، وأنه لا يستجيب إلا للمومسات ذوات السحن الوحشية، وأتم ~~دراسته عام 1938 بعد سقوط أربع مرات، وسعى الباشا إلى تعيينه في النيابة العمومية بنفوذه، ~~ولكن لم يكن يقبل أحد في وظائف النيابة إلا بعد تحريات، وقد كشفت التحريات عن الغرزة ~~المستقرة في ms131 مسكنه المستقل فرفض الطلب وأبلغ والده بالحقيقة! وفاتحه أبوه بالأمر فقال ~~باستهانة: النيابة العمومية وظيفة مضحكة! # فغضب الرجل وغضب الابن وسعى الابن الآخر بينهما حتى هدأت النفوس، واتفق على أن يفتح ~~الباشا له مكتب محاماة في مقامه المستقل على أن يجعل سهراته الخاصة في الخارج. وأعد في ~~إحدى الحجرتين اللتين يتكون منهما المبنى مكتب، ومكتبة قانونية، وألصقت على مدخل السراي ~~لافتة باسم المحامي الجديد . ولم ينفذ الاتفاق إلا أياما معدودات ثم رجعت ريمة لعادتها ~~القديمة، فعاد الأصدقاء ودارت الجوزة، وكان الحشيش قد أسره تماما. ولم يقنع الأصدقاء بذلك ~~فكانوا يجيئون ببعض المومسات باعتبارهن عميلات للمحامي الجديد، فتطورت الغرزة إلى ماخور، ~~وسكرت إحداهن ذات ليلة حتى فقدت وعيها فتجردت من ثيابها وراحت ترقص في الحديقة تحت ضوء ~~القمر. # ولأول مرة يسمح الباشا لغضبه بالانفجار، انهال على الابن سبا ولعنا، فرد له الابن ~~السبة سبتين واللعنة لعنتين، وصفعه الأب فهدده الابن بالصفع والركل، وعند ذلك ~~طرده من قصره وحذره من أن يريه وجهه مرة أخرى. وغادر عدلي القصر مطرودا في أوائل أيام ~~الحرب العظمى الثانية، وليس معه إلا ملابسه. وراح يبيت بالتناوب في بيوت أصدقائه ويفكرون ~~في المستقبل. اقترح عليه بعضهم أن يبحث عن أي وظيفة كتابية حتى يجيء الفرج، ولكنه قال ~~بكبرياء: إني أفضل الصعلكة. # وعرض عليه رضا حمادة أن يبدأ من جديد في مكتبه، ولكنه قال له: نسيت القانون ولا همة لي ~~الآن على استرجاعه. # فقال الرجل ببراءة: قم بأي عمل في المكتب! # فأدرك أنه يعرض عليه أن يعمل كاتبا بمكتبه فصاح غاضبا: إني أحتقرك وأحتقر من ~~خلقك! # واختار الصعلكة فكان يقترض مبالغ متفاوتة بضمان موت أبيه الذي جاوز السبعين من عمره، وكان ~~يتبلغ بالسندوتش ويسكت صراخ بطنه بالفول السوداني، وينتقل في الليل من غرزة إلى غرزة ~~فيدخن بالمجان، ثم يقضي الليل في بيت صديق أو في مقصورة من مقاصير مقهى الفيشاوي. وساء ~~مظهره، ووهنت صحته، ورثت ثيابه، وصار أشبه بالمتشردين، ولكن كبرياءه كان يتعقد ويتضخم، ~~حتى انقلب وقاحة وسفاهة. ms132 وكنا مجتمعين مرة بالفيشاوي؛ فإذا به يضحك عاليا ويستغرق في ~~الضحك، فسألته عما يضحكه، فقال: تصور أن أموت أنا قبل «الكلب»؟ # فقلت باسما: هذا محتمل ومتوقع أيضا! # فلعنني، وقال: إني على استعداد لأن أعبد الله إذا أخذ روحه. # ثم مستدركا: على أي حال ليس لدي ما أشكوه ما دمت أجد الجوزة في آخر ~~النهار! # وكان أيضا قابعا في الفيشاوي - 1947 أو 1948 - عندما جاءه رسول من شقيقه ينعي إليه ~~والده ويدعوه إلى القصر. كان مسطولا فلم يفهم من المرة الأولى، ولما أخذت الحقيقة ~~تلاطمه وتوقظه وقف مترنحا، فحملق في الجدار المطعم بالأرابيسك، وسرح في غيابات لا ~~يدريها أحد، ثم غادر المكان دون أن يلقي تحية وراءه. واستقبله أخوه - رئيس محكمة كان - ~~وقال له: البقية في حياتك. # ومضى به إلى الداخل وهو يقول: ما كان كان، وهذه ساعة مقدسة تنسى فيها الأحقاد. # حتى أوصله إلى مخدع الباشا فأوسع له وهو يقول: ادخل فودع أباك ليغفر الله له ولك ولنا ~~جميعا. # وتسلل عدلي إلى الحجرة - كما حكى لنا فيما بعد - ووقف وحده عند رأس الجثمان المسجى، ثم ~~أزاح الغطاء عنه قليلا حتى انكشف وجهه المطوق، ونظر إليه مليا، ثم غمغم: إلى الجحيم يا ~~قذر! # وأكثر من صوت قال: مستحيل ... مستحيل. # فنظر إليهم باحتقار لضعفهم وتمتم: كم وددت أن أمثل بجثته! # بعضنا لم يصدق كلمة مما حكى، والبعض آمن بكل حرف وخمن أنه ربما فعل أكثر مما قال، ~~على أي حال ابتسمت له الدنيا بعد عبوس، وقد ترك الباشا أملاكا منها أرض وعقار وأموال ~~سائلة، وكان نصيب عدلي عمارتين يدران دخلا صافيا قدره ألف جنيه في الشهر، بالإضافة إلى ~~أربعين ألفا من الجنيهات، وقال كثيرون من أصدقائه: لقد كانت أعوام التشرد درسا أريد به ~~أن يعرف قيمة القرش فيحسن معاملته! # والتف حوله أصدقاؤه عقب انفضاض المأتم واستبقوا إلى تخطيط صورة للمستقبل السعيد: من ~~حسن الحظ أن مطالبك في الحياة معقولة وأنه بوسعك أن تعيش ملكا حتى آخر يوم في ~~حياتك. ~~- وفر لنفسك مسكنا ms133 جميلا، واعرض نفسك على طبيب كبير، واحمد ربك أنك لم تغو القمار، ~~الطعام أمره هين، ومزاجك في النسوان متواضع، ولم نسمع عن أن الحشيش خرب بيت أحد، فمبارك ~~عليك رزقك الحلال! # وصاح بهم: كفوا عن النصائح عليكم اللعنة! # كان يمقت النصح ويعده تعاليا مرذولا، ولكنه بدا ثملا بالفرح والسعادة، وبات ~~ليلتها في فندق سميراميس، وأقام به حتى يدبر أموره، ونشط نشاطا غير معهود فاستأجر شقة على ~~النيل بخمسين جنيها شهريا. ومضى يؤثثها بأفخر الأثاث، وقد ذهلنا - نحن البسطاء - عندما ~~علمنا بأن تأثيثها تكلف عشرين ألفا من الجنيهات، وأعجب ما أذهلنا فيها كان حجرة شرقية، ~~أقام بها بارا أمريكيا وغرزة موهت أدواتها بالذهب والفضة، كما ابتاع سيارة كاديلاك، ~~وكان مجموع ما أنفقه على ذلك - بالإضافة إلى الملابس - ثلاثين ألفا. كان مبلغا خياليا، ~~ولكن اعتذر عن ضخامته أصدقاؤه بما عاناه من حرمان طويل، وقالوا أيضا إن التأسيس عادة ~~يتكلف أضعاف أضعاف ما تتكلفه الحياة اليومية، ولكن الحجرة الشرقية شهدت سهرات ليلية جمعت ~~الأصدقاء والطفيليين، وغانيات الملاهي الليلية، وبعض الفنانين والفنانات، وجرت الخمر وانتشر ~~الدخان الأزرق، وجيء بموائد الطعام من نادي السيارات، وراح يخطر بين الضيوف رافلا في ~~الحرير محاطا بالإجلال والإكبار. وما لبث أن تطايرت العشر الآلاف جنيه فلم يبق إلا دخل ~~العمارتين، وقال المتفائلون أن آن أوان الانضباط وستسير الحياة سيرتها المتزنة المعقولة، ~~ولكنه كان اعتاد عادة الإسراف وتقمص روح ليالي ألف ليلة وليلة، وعلى حين كان ينفق بسخاء ~~على غانيات الملاهي، كان يمارس العشق الحقيقي مع بنات الهوى المتواضعات، ومع بياعة فول ~~سوداني فلاحة من المترددات على مقهى الفيشاوي، ولذلك لم يوفق إلى التوازن أبدا، واضطر إلى ~~بيع إحدى العمارتين رغم توسلات الأصدقاء، ثم ألحق بها الأخرى، وتجلى في أثناء ذلك سعيدا ~~مجنونا فوق الحذر والماضي والمستقبل، وما جاء عام 1950 حتى كان قد باع شقته ورجع للإقامة ~~في فندق سميراميس، ثم باع السيارة، وبدا المستقبل واضح المعالم. وأذكر أنني تدارست حاله مع ~~الصديق رضا حمادة فقلت له: أهو مجنون؟ ms134 # فأجاب: لا يخلو من جنون. ~~- إنه لا يشعر بالغد. ~~- أو إنه مستغرق في لحظته الراهنة. ~~- أكاد - وسط همومنا التي تثقلنا - أحسده! # فضحك عاليا، وقال: على الحياة أن تكون جدا أو فلتذهب إلى الشيطان! # وعندما نفد حسابه غادر سميراميس، واجه الحياة مرة أخرى، وهو لا يملك مليما، ولا أمل له ~~من وراء وفاة أحد. ولم يكن بلا خطة، شرب زجاجتي ويسكي وبلع ربع أوقية حشيش، وهام على وجهه ، ~~وعثر عليه صباح اليوم التالي جثة هامدة على شاطئ النيل. # | عزمي شاكر # تعرفت به في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم عام 1960، وقد قلت له من فوري: أذكر أني ~~رأيتك في زيارة للأستاذ عباس فوزي في أثناء الحرب العظمى الثانية. # فقال: لم أقابله من مدة طويلة، وبالمناسبة كيف تفسر تحوله إلى تأليف الكتب الدينية، ~~أكان عن عقيدة حقا؟ # فأجبت بحذر: أنت تعلم أنه كان دائما من المهتمين بالتراث! # وكان عزمي شاكر يوم تعرفت به في الأربعين، وقد جذبني بذكائه وثقافته وصراحته، وأشعرني ~~تماما بأنه من الناس الذين يأخذون الأمور مأخذ الجد، ويلتمسون السبل إلى الأمل، وكان ~~دكتور في التاريخ من فرنسا، ومتزوجا من مدرسة دكتورة في العلوم. وكان الأستاذ سالم جبر ~~يعرفه، وقال لي عنه: إنه كان تلميذا وفديا ولكنه اهتم من بادئ الأمر بالمشكلات ~~الاجتماعية، ويعترف بأن قلمي كان له الأثر الأول في توجيهه. # ولما حادثت عزمي شاكر في ذلك قال لي: لم تكن وفديتي قوية كالحال في جيلكم، ~~وتخلصت منها تماما قبيل الثورة، ولكني بقيت على صلة حميمة بالجناح الوفدي اليساري، ~~وعددت منذ ذلك الوقت من الشيوعيين، وعرفت بذلك في أوساطهم. # وقال لي أيضا: ولما قامت ثورة يوليو استقبلتها بترحاب وحذر معا، أعجبت بإلغائها ~~للنظام الملكي، وبتحقيقها للجلاء، ولم أعجب كثيرا بإصلاحها الزراعي، وسرعان ما اعتبرتها ~~انقلابا قصد به الإصلاح وتفادي الثورة الحقيقية. # وبسبب موقفه فصل من هيئة التدريس الجامعية، ثم اعتقل أعواما، ثم أفرج عنه فعمل في ~~الصحافة، وعكف على الكتابة في الموضوعات التي تتيح له التعبير بإخلاص عن آرائه؛ فآثر ms135 ~~الكتابة في الشئون الخارجية أو التاريخية أحيانا، وعقب صدور قوانين يوليو 1961 الاشتراكية ~~تغير موقفه تغيرا ذاتيا وجذريا، وعن إخلاص حقيقي، كان قد انضم إلى أصدقائنا، وكان ~~يجتمع بنا في مكتب سالم جبر وصالون ماهر عبد الكريم، وذات يوم قال لي: الثورة هي أنسب حركة ~~تاريخية لوطننا في ظرفه الراهن. # فقلت له: إذن غيرت رأيك؟ ~~- أجل، علينا أن نضع عقائدنا بين قوسين، وأن نؤيدها بكل قوانا! # وآمنت بصدقه ، ولم أجد ما يدعو إلى التشكيك فيه، ثم إنني من المؤمنين بإخلاصه. ومن يومها ~~وهو دائب على تأييد الثورة بقلبه وقلمه، في سره وعلانيته، ولم يفهم موقفه على حقيقته في ~~أوساط زملائه. # وأذكر أن عجلان ثابت قال لي عنه: إنه وغد لا أكثر ولا أقل، ومهما خطر في لباس ~~قديس! # فقلت له: إني أعتقد بإخلاصه، لا يداخلني شك في ذلك. # فقال ساخرا: إن أقواله تبرر ترددك، هذا كل ما هنالك! # وسنحت فرصة لرجوعه إلى الجامعة، ولكنه آثر الجهاد في ميدان الصحافة. ومن المهم أن أسجل ~~أنه لم يكن مؤيدا أعمى أو متعاميا، فلم تكن تخفى عنه الأخطاء التي ترتكب، وكثيرا ما كان ~~يردد: مما يؤسف له أن الثورة لم تعتمد على الثوريين الحقيقيين، فخلقت منهم أعداء حينا، ~~أو وضعتهم تحت المراقبة حينا آخر. # وقال مرة بحزن شديد: إن الفساد ينتشر كالوباء، لا نملك إلا التحذير، وحتى ذلك لا ~~يتيسر لنا إلا فيما ندر. # وثبت لي أنه من الشيوعيين المتجددين، الذين يتطلعون دائما إلى الحرية، الذين ~~يعتقدون أن الحرية تعاني مأساة مريرة، ولكنه لم يهون أبدا من شأن النقلة التاريخية ~~التي وثبها الوطن، وكان يتعلق بالمستقبل المضيء كلما ألحت عليه عثرات الحاضر، ولما ~~عرفته بالدكتور صادق عبد الحميد لمس سريعا ما يقرب بينهما من وجهات النظر فتوثقت ~~العلاقة بينهما، ولما قبض على الشيوعيين حزن حزنا عميقا، وساوره قلق أشبه بتأنيب ~~الضمير، ولكنه قال: إنه التعصب، والإيمان بالكتب أكثر من الواقع! # وكم اغتبط لدى الإفراج عنهم، واغتبط أكثر عندما علم بأنهم تبرأوا من الحزب ms136 الشيوعي، ~~وعقدوا العزم على التعاون مع الثورة، وقال: ها هم يرجعون إلى موقفي الذي اتهمت به ~~عندهم! # فقال الدكتور صادق عبد الحميد: وفي ظروف مختلفة تماما! # وتولوا مناصب رئيسية في الدولة والصحافة تاركين إياه - نسبيا - في القاع، فلم تخل ~~نفسه من امتعاض، وأفلت منه ذلك القول مرة: أخشى أن يكتشف الكتاب يوما أن اللامعقول ~~أسلوب مناسب لمعالجة العقائد أيضا! # ولم يعد يجد في الصحافة الراحة النفسية التي نعم بها طويلا، فطلب العودة إلى ~~التدريس بالجامعة، وسرعان ما حققت له رغبته، ولما وقعت الواقعة - هزيمة يونيو 1967 - ~~تزلزل كيانه كالجميع، وشدته إليها موجة النقد العاتية فغطس فيها وقب، ولكنه لم يكتب ~~كلمة في الموضوع بالرغم من أنه كان يكتب نظرات أسبوعية في مجلة سياسية. وأشهد بأنه كان ~~من أوائل من ثابوا إلى التوازن بل لعله كان أولهم، ففي أكتوبر من السنة نفسها نشر مقاله ~~المشهور الذي حلل به الهزيمة، فاعتبرها درسا، وحذر من الاستسلام لطغيان النقد واحتقار ~~الذات وتعذيبها وفقدان الثقة بالنفس، وأكد في النهاية حقيقة ما زال يؤمن بها وهي أن ~~الثورة هي الأرض الحقيقية المتنازع عليها، لا سيناء ولا القدس، وأنها هي التي يجب أن ~~تبقى وأن تستمر. وفي الأعوام التي تلت ذلك عكف على تأليف كتابه الرائع «من الهزيمة نبدأ»، ~~وهو دستور لحياة جديدة تشق طريقها نافضة عن نفسها ركام الأتربة، وقد شهدته وهو يعمل في ~~وحدته بالاتحاد الاشتراكي بهمة مذهلة، كما استمعت إليه في التلفزيون مرارا، وهو من القلة ~~التي لم تصب بانقسام الشخصية، فهو هو سواء تكلم على الملأ أم في مجالسه الشخصية. ~~وإشادتي به كانت بلا شك من أسباب إغضاب كثيرين ممن هزمتهم الأحداث مثل عجلان ثابت وسالم ~~جبر. ولا أنسى كيف غضب الأستاذ سالم وأنا أنوه مرة بكتاب «من الهزيمة نبدأ» فقال ببرود: ~~طالما احترمته، ولكنه لم يعد إلا المعادل الموضوعي المدني! # أما ثابت عجلان فسمى الكتاب «من الانتهازية نبدأ»، وجعل يضحك ويقول: حسبنا أن يكون لنا ~~من الكتاب جاد أبو العلا وعزمي شاكر، ms137 يا بلد الاحتفال بالإسراء والمعراج في عصر الهبوط ~~على سطح القمر! # ولكن الدكتور عزمي ما زال ثابتا في إيمانه وصدقه ونشاطه. # | عزيزة عبده # عندما قدمني لها الدكتور زهير كامل في صالونه لم أكن أسمع باسمها لأول مرة، لعلي ~~اطلعت عليه في مجلة أو جريدة. كانت بصحبة زوجها، سمراء أنيقة القسمات خفيفة الروح، ~~قدرت عمرها بالثلاثين، وقال جاد أبو العلا إنها في الأربعين، وكان ذلك في عام 1960، وهي ~~وزوجها - في الخمسين - فنانان تشكيليان، وقد دعياني إلى مسكنهما في مدينة الأوقاف فاطلعت ~~على معرضهما الدائم، ودهشت وأنا أتنقل بين لوحات واقعية في زمن ندرت فيه الواقعية وطغى ~~التجريد، بل كانت واقعية ذات أهداف واضحة، وقلت مداعبا: أخيرا أظفر بفن رجعي! # ولكنها قالت باحتجاج عذب: أمامك فن تقدمي، بل الفن التقدمي الوحيد! # ونشأت بيني وبينها مودة عميقة، وكما أقنعتني بفنها، أقنعتني بأمومتها الصادقة لابنين، ~~ولكنها بدت أقدر على الصداقة من زوجها الذي لا يحب الارتباط، والذي يحضرنا بجسمه على ~~حين يغيب بروحه عن الزمان والمكان. وكانت مثقفة جدا، وتعتبر هي وزوجها من ذوي الميول ~~اليسارية، ولكنها كانت تشعرني دائما بقوتها بخلاف زوجها الرقيق، القشة التي تتلاعب ~~بها أخف الرياح. واصطحبت معي الأستاذ يوسف بدران محرر إحدى الصحف الفنية إلى بيتهما بناء ~~على اقتراح منها، فلاحظت أنهما تفاهما تفاهما روحيا عجيبا وسريعا، وأنهما تبادلا ~~احتراما ومودة. # وذهبت يوما لزيارة يوسف بدران في شقته بشارع قصر العيني، وجلسنا نتحادث وأنفاسه تتردد ~~على وجهي معبقة برائحة الخمر، وما لبث أن فتح باب حجرة النوم فخرجت منه عزيزة عبده مرتدية ~~إحدى بيجاماته! دهشت وارتبكت ولكني واجهت الموقف باللغة المناسبة فتظاهرت بعدم المبالاة، ~~وشجعتني على موقفي بضحكاتها العذبة، وحديثها الطبيعي، وكانت أنفاسها تنفث أيضا شذا ~~الخمر. # وتكلمنا في شئون كثيرة أما وجودها في الشقة بالحال التي وجدت عليها فمضى دون ضوء أو ~~تفسير كأنه حقيقة مسلم بها، وقال لي يوسف بدران فيما بعد: هكذا وقع الحب علينا من ~~السماء! # فقلت له: أنت تحب الغزل! ~~- ولكنها كانت البادئة. # فرميته ms138 بنظرة شك فقال: صدقني، وسيطرتها أقوى من جمالها. ~~- تحبها؟ ~~- هي تحبني وفي ذلك ما يكفي. ~~- وأنت؟ ~~- هي كنز لا يستهان به ولكنها لا تعكس الأسلوب الذي أعشقه! ~~- وزوجها؟ ~~- ولا أهمية له في الموضوع! # والتقيت بها بعد ذلك في صالون جاد أبو العلا، وكانت وحدها إذ كان زوجها في الإسكندرية، ~~فطلبت مني أن أوصلها إلى بيتها، وسرنا معا في الطريق فإذا بها تقول: أنا حريصة على ~~صداقتك. # فقلت بصدق: وأنا حريص على صداقتك. ~~- ولا صداقة بلا احترام. ~~- وإني أحترمك. ~~- أكاد أقرأ في نفسك تساؤلات محيرة. ~~- لست قليل الخبرة كما قد تظنين. ~~- ولكن قد يبدو لك زوجان شاذين لنظرتهما المغايرة للدنيا والحرية؟ ~~- لا أظن. ~~- أنا لم ولن أمارس الخيانة! ~~- لا تسيئي الظن بفهمي يا عزيزتي. # وحدثتني عن ماضيها فقالت إنها التحقت بالمدرسة الثانوية، وهي مزودة بإرشادات أمها ~~الطيبة المرددة لصوت الجيل السابق، ولكنها سلمت نفسها لأول شاب بادلها الحب، وهي تظنه ~~سيفي بوعوده، ثم كررت ذلك مرارا، بدافع الثورة حينا، وبدافع اللهو حينا آخر، وبدافع الحب ~~في بعض الأحوال. ~~- وكنت أشعر بالخوف أحيانا، ولكني لم أشعر بالندم قط. # وتوقفت عن السير متأثرة ثم قالت: أصبحت سيدة نفسي، وتحديت العالم كله، بكل قيمه التي ~~لم أعد أومن بها. # وواصلنا السير وهي تقول: وآمنت دائما بأنني نقية مثل الأوكسيجين. # ولما حم الافتراق شدت على يدي وهي تقول: نحن أمل المستقبل الحقيقي! # وبعد سنوات من تعارفنا اعتقل زوجها فيمن اعتقل من الشيوعيين، فحزنت حزنا عميقا ~~شاملا، ونهضت بعبء الأسرة والابنين رغم اضطراب بطنها بجنين جديد. وتوارت عن الصالونات ~~والمعارض، ولم نجد وسيلة للاطمئنان عليها إلا التليفون. وسألت يوسف بدران عنها فقال لي: ~~علمي علمك. # فسألته بدهشة: ألا تتقابلان كالعادة؟ ~~- قطعت العلاقة مذ اعتقل الرجل. ~~- حقا؟ ~~- إنها غريبة الأطوار، ولكني غير آسف. # انقطعت عنها فلم أعد أتذكرها إلا لمناسبة. وزرتها بعد ذلك بسنوات - بعد الإفراج عن زوجها ~~- للتهنئة. كان ابناها طالبين في الجامعة، وكانت ابنتها في السادسة. ودب النشاط في حياتها ~~مرة أخرى، ولكنها لم تصل ms139 ما انقطع من أسبابها بيوسف بدران الذي تزوج في تلك الفترة من ~~مهاجرة فلسطينية مثقفة. ويوما كنت ويوسف في زيارة للجبهة الشرقية ضمن مجموعة من ~~المواطنين، وجاء ذكر عزيزة فسألني: أرأيت ابنتها الصغيرة؟ # فقلت: نعم، وهي جميلة جدا! # فهمس في أذني بهدوء: إنها ابنتي! # فقلت بذهول: كلا! ~~- هي الحقيقة! # ثم قال: حاولت إقناع عزيزة بإجهاض نفسها ولكنها رفضت. ~~- متى كان ذلك؟ ~~- في الأيام السابقة مباشرة لاعتقال الرجل. ~~- ولم رفضت ؟ # فصمت قليلا ثم قال: قالت لي لقد أحببتك حبا لم أحبه أحدا من قبل وسأحتفظ ~~بثمرته! ~~- رغم أنها قاطعت الدنيا عقب اعتقاله! ~~- وزوجها هل يعلم؟ ~~- لا أدري. # وتفكرت قليلا ثم قلت: الحق أن البنت تشبهك! ~~- أجل، ولذلك أحرص على تجنب رؤيتها! # وبحلول عام 1970 أحرزت عزيزة عبده أول نجاح حقيقي في حياتها الفنية بنجاح معرضها، ~~واعترف بها كفنانة مصرية أصيلة. # | عشماوي جلال # يقع بيته في شارعنا عند طرفه الشرقي المتصل بشارع العباسية، وهو بيت رمادي اللون، ~~مكون من طابقين، وحديقة شبه مهملة لم يبق من زرعها إلا ياسمينة، ونخلتان، وشجرة مانجو ~~شامخة، وكلما مررت به ألقيت عليه نظرة مشحونة بحب الاستطلاع والنفور كحال سكان شارعنا ~~جميعا. وأنا جديد طارئ على الحي، وفي فترة التعارف والاستكشاف، أشار صديق - لعله رضا ~~حمادة - إلى البيت وسأل: أتعرف بيت من هذا؟ # فأجبت بالنفي طبعا فقال: بيت عشماوي بك جلال! # وسرحت لحظة كالمذهول ثم هتفت: عشماوي بك جلال؟! ~~- بنفسه ودون غيره! ~~- قاتل الطلبة؟ ~~- قاتل الطلبة! ~~- وهل ترونه؟ ~~- لا يعلم أحد بمكانه، لا هو ولا أهله، يخافون جمعية الكف السوداء، ولكن هذا هو ~~بيته. ~~- أكانوا يقيمون هنا؟ ~~- نعم. ~~- ومتى هجروا البيت؟ ~~- مذ اشتهر الشيطان بقتل المتظاهرين. # اقترن اسم عشماوي جلال بالرعب في وجداني منذ طفولتي، كان ضابطا كبيرا بلواء الفرسان ~~بالجيش المصري، واستحق بجدارة أن يوصف بأنه العدو الأول لثورة 1919 في الجيش المصري، ~~وجرت أخباره كحكايات الرعب بأنه يقتل بلا رحمة، ويعذب ضحاياه فيربط الطلبة بجواده وينطلق ~~به، وضحيته يسحل خلفه مرتطما بالحصى والأسفلت حتى تفيض ms140 روحه، ولما تولى سعد زغلول الوزارة ~~عام 1924 أحاله إلى المعاش، فتسلل عائدا إلى بيته المهجور بشارعنا، وقبع فيه لا يبرحه كأنه ~~سجن. وددت كثيرا أن أراه ولو مرة، أجلت البصر في النوافذ والشرفات والحديقة، لمحت زوجته ~~وابنتيه ولكني لم أره أبدا، وكان اختفاؤه مثار الأحاديث، فهو لا يغادر البيت ولا يظهر في ~~نافذة ولا يتمشى في الحديقة، وتعرض المناسبات في الشارع فلا يزور ولا يجامل، فكيف يمضي ~~وقته، وكيف يطيق سجنه ، قال جعفر خليل: إنه ينفرد بنفسه لأنه لا صديق له. # وقال رضا حمادة: إنه يخاف انتقام الشعب. # وقال سرور عبد الباقي: يقال إنه فقد البصر وعجز عن الحركة وإنه يتكتم ذلك حتى لا يشمت ~~الناس به. # وكان له ابن وابنتان، فأرسل ابنه إلى إنجلترا ليباشر دراسته الثانوية خوفا عليه من ~~انتقام الطلبة في القاهرة، وسمعنا فيما بعد أنه التحق بكلية الطب في لندن، ثم عمل هناك ~~طبيبا وتزوج، وتجنس بالجنسية الإنجليزية. وأما البنتان فكانتا تلعبان في حديقة البيت، ~~وكانتا وسيمتين جذابتين فعجبت كيف ينجب الوحش مثلهما، ولما حجبتا - عن الشباب - كان ~~عزفهما على البيان يترامى إلينا في الشارع، فعجبت مرة أخرى كيف يعاشر الوحش الموسيقى ~~والألحان، وحوالي عام 1935 تزوجتا من عريسين مجهولين، ولم يعد في البيت إلا الرجل وزوجته، ~~ثم شاع في الحي أنه هجر بيته تاركا زوجته وحدها، وقيل - وأكدت زوجته ذلك - إنه أقام في ~~الأسرة في الحجرة المعدة لاستقبال زوار المقبرة في المواسم، وإنه أوصى بأن يدفن بعد موته ~~دون جنازة أو احتفال، وكانت زوجته جميلة وطيبة، وقد خرجت من عزلتها عقب هجرته إلى المدفن، ~~فزارت الجيران، واكتسبت ودهن بيسر، وأصبح لها مكانة مرموقة في الحي، وكل ما عرف عن ~~الرجل الوحش عدا ذلك فمرجعه إلى رجال الجيل السابق من قدامى سكان الحي، قالوا عنه إنه كان ~~غلاما منطويا على نفسه، ولكنه كان مهذبا، ورغم اجتهاده فشل في دراسته حتى اضطر أبوه ~~- وكان ناظر وقف صغير - إلى إلحاقه بالمدرسة الحربية وهو ساقط ابتدائية، متشفعا بصداقته ms141 ~~لهربرت باشا ناظر المدرسة في ذلك الوقت، ولدى تخرجه عمل في السودان، فأثبت في الخدمة كفاءة ~~حازت تقدير الإنجليز، وخدمت سياستهم الموضوعة بحذق في جباية الضرائب بقسوة لتنفير المواطن ~~السوداني من الضابط المصري، ومن ثم نشأت بينه وبين الضباط الإنجليز صداقة حميمة. وكان ~~عشماوي جلال يعجب بالإنجليز إعجابا فاق الحدود، ويحبهم حبا عظيما، ويتيه بصداقتهم ~~ويعتدها عزته الأولى في الحياة، وكان يمضي إجازته السنوية في إنجلترا سائحا ومستطلعا ~~حتى آمن بأن الإنجليز هم سادة البشر، وأنهم المبعوثون من العناية الإلهية لتمدين البشر ~~وخاصة المتأخرين منهم كالمصريين. وأخبرني رضا حمادة أنه بسبب آرائه تلك احتدمت المناقشة ~~بينه وبين والده الدكتور يوما حتى تبادلا كلمات قاسية قطعت ما كان بينهما من علائق المودة ~~والجيرة. # ولما قامت ثورة 1919 دعي الجيش المصري لمساعدة جيش الاحتلال في قمع الثورة والقضاء ~~على الثوار، ولكنه لم يحز الثقة أبدا، وافتضح تعاطفه مع الثورة، وولاؤه لزعيمها، بل ~~وتصديه جهارا للدفاع عنه عندما تآمر أعداؤه على الغدر به، ولكن شذ عن ذلك عشماوي جلال ~~باندفاعه الجنوني في الهجوم على الثوار والغدر بهم وتعذيب زعمائهم من الطلبة، حتى فاق ~~الإنجليز أنفسهم في عنفهم وقسوتهم، وحتى احتل في قلوبهم منزلة لم يحتلها مصري من قبل، ~~وأبغضه مواطنوه حتى الموت، ولم يعطف عليه السلطان لعلمه بأن إخلاصه كان وقفا على سادته ~~الإنجليز لا عليه، وبذلت محاولات لقتله لم تكلل بالنجاح، وإن إصابته شظية قنبلة وطنية ~~إصابة سطحية في ساقه. ولم يكترث الرجل لموقف الشعب منه، وتمادى في ضلاله كأنما كان يؤدي ~~فريضة دينية، وقالت زوجته ضمن أحاديثها عنه مع جاراتها إن والدها طالبه يوما بالاعتدال ~~وإنه قال له: قم بواجبك بلا تورط في الأعمال المتطرفة. # فقال له: إني لا أقوم بواجبي كضابط فحسب، ولكني أدافع عن مبدأ، فإني أعتقد أن استقلال ~~مصر عن إنجلترا سيؤدي بها إلى الانحلال والفساد، وأننا إذا خرجنا من الإمبراطورية خرجنا من ~~الحضارة! # وتوفيت زوجته بالسكتة قبيل الحرب العظمى الثانية فدفنت على بعد أذرع من مقام الرجل ms142 ~~الوحيد في حجرة استقبال المدفن. ولحق بها في العام الأول من الحرب بعد أن تمكن منه تليف ~~الكبد، ومن العجيب أن اسمه لم يمح من ذاكرة جيلنا حتى اليوم، وأن الكثيرين ما زالوا ~~يحفظون الأغنية الشعبية التي وضعت بقصد التشهير به. # | عصام الحملاوي # كان بيت آل الحملاوي يطل على شارعنا بضلع كما يطل على بين الجناين بضلع آخر، وهو أكبر ~~بيوت الشارع، وذو حديقة واسعة تحيط به من جميع الجهات، ويتراءى من فوق أسواره العالية رءوس ~~النخيل والمانجو بكثرة مذهلة، وكان ربه عصام بك من الأعيان والمضاربين في البورصة، وكانت ~~أسرته تتكون من زوجة وثلاث بنات، وكان الحنطور يحمله في الذهاب والإياب، معلنا برنين ~~جرسه عن تحركاته. ولم تكن الأسرة تنتسب إلى زماننا، ولا ألوانها البراقة تنتمي إلى جنسنا، ~~وهي وحدة كانت مستقلة بذاتها، لا سبب يربطها بمن حولها من الجيران، فلا تزور ولا تزار، ~~ولا تتبع تقليدا، ولا تحترم موسما، وإذا خرجت الأم وبناتها - راكبات أو راجلات - خرجن ~~سافرات فبهرن الأعين ببشراتهن العاجية، وشعورهن الذهبية، وعيونهن الملونة. وخرق عصام بك ~~المألوف والمعقول عندما دعا إلى بيته ممثلة مشهورة، وعندما مضت تتردد عليه في أيام محددة. ~~وسرعان ما عرف أنه اتخذها عشيقة. بل نشرت مجلة الفن أنه أهدى إليها عقدا ثمنه عشرة ~~آلاف جنيه. وكنا نتجمع في الشارع لنشهد مقدمها واستقبالها ونسعد بذلك حتى قال جعفر خليل: ~~نحن نشاهدها بالمجان أما بقية المسرحية فلا يمكن تخيلها! # وتساءل خليل زكي: كيف يتصرف البك القواد أمام زوجته وبناته؟ # فقال سيد شعير: يتصرف أمامهن كما يتصرفن أمامه! # وكان بيت سيد شعير أقرب بيوتنا إلى بيت آل الحملاوي، وكان آل الحملاوي يثيرون اهتمامه ~~للدرجة القصوى، فجاءنا يوما وهو يقول: انكشف الغطاء! # والتففنا حوله متلهفين فقال: الهانم تعشق محمد الكواء! ~~- محمد الكواء! # كنا نعرفه تماما فهو كواء الشارع، وإلى ذلك كان فتوة كما كان أعور، ولم نتصور أن ~~الهانم الجميلة التي كنا نشبهها بماي موراي يمكن أن تعشق ذلك الأعور ذا الكرش المترامية ~~والرقبة الغليظة، ms143 والوجه المفلطح. وقال سيد شعير: وهي تذهب إلى بيته متخفية في الملاءة ~~اللف، رأيتها بعيني! # واستغنت المرأة عن الاستخفاء فكان الكواء يحمل الملابس بنفسه، ويذهب بها إلى البيت فلا ~~يغادره إلا بعد ساعة أو ساعتين. وحدث أن اصطحب عصام بك الممثلة إلى رحلة خارج القطر، فكان ~~الكواء يتردد على البيت لمناسبة ولغير ما مناسبة، ومضى يبيت فيه جهارا وبلا حذر. وفي ~~أثناء ذلك كان البنات الثلاث يخرجن معا إلى أطراف العباسية الشرقية فيقابلن المعجبين ، أو ~~يستقبلنهم مساء في حديقة البيت، ورأيت بين أولئك عيد منصور وشعراوي الفحام وقريبي ~~أحمد قدري وضابط قسم الوايلي وطبيب أسنان الحي ومدرس فرنسي! وتوهمنا أن واجب ~~الرجولة يطالبنا بالتحرش بالبيت وبالمترددين عليه، ولو بالقذف بالطوب من بعيد لصغر سننا ~~ولضعفنا، ولكن شرطيا انبرى لحماية البيت، ربما بإيعاز من ضابط القسم العاشق. وكنت إذ ~~ذاك غارقا في حب صفاء فغضبت أضعافا على سلوك بنات عصام، واعتبرته زراية وتلويثا لأسمى ~~عاطفة في الوجود، ولكن بدءا من عام 1930 حدث ما خيب تقديرات أهل الحي جميعا، فقد تزوجت ~~البنات الثلاث تباعا، وفزن بزيجات ممتازة! تزوجت الكبرى من مهندس، والوسطى من سكرتير وزير، ~~والصغرى من محام ناجح، والأعجب من ذلك أنهن قاطعن حياة بيتهن مقاطعة شاملة فكون أسرا ~~كانت مثالا في التوفيق والاستقامة! وفي الخمسينيات وما بعدها صادفت بعضا من أبنائهن من ~~الشباب الموفق الناجح، ومنهم من عرف بالوعي السياسي التقدمي، وقد توفي عصام بك في أيام ~~الحرب العظمى الثانية، في نفس الأسبوع الذي قتل فيه شعراوي الفحام. ووزعت التركة فورثت ~~الهانم دخلا كبيرا، وكانت في الخمسين من عمرها، ولكن حيويتها فاقت سنها، كما احتفظت من ~~جمالها بقدر موفور، ومكثت في البيت وحدها، وأصبح من النادر أن تزورها إحدى بناتها، وذهبنا ~~في تفسير ذلك مذاهب لا تخلو من سوء، والواقع أن علاقتها بالكواء كانت وما تزال مستمرة، ~~ولكن بدا أن الرجل أراد التخلص منها، حتى إنه صفعها مرة أمام دكانه وعلى مرأى من بعض ~~الخدم، وهي تحاوره بما لم ms144 يسمعه أحد، ولم تمض أسابيع حتى نشأت علاقة جديدة بينها وبين ~~القصاب، حتى قال جعفر خليل ضاحكا: الولية أرستقراطية ولكنها ذات ميول شعبية! # وفي أواخر أيام الحرب باعت البيت وغادرت الحي. ولكنها لم تغب عن ناظري طويلا؛ إذ كانت ~~ترى جالسة في مقهى اللواء أو جروبي أو الأرجنتين، تشرب كأسا، ثم تمضي، وقد اصطادت شابا، ~~حتى اشتهرت بذلك في وسط المدينة، ورأيتها في أثنيوس بالإسكندرية تلعب نفس اللعبة، وتغيب ~~فترة - طويلة أو قصيرة - ثم تظهر مرة أخرى في نفس الأمكنة لتلعب نفس الدور، هذا والكبر ~~يزحف والذبول يستفحل والفخامة تقل مما قطع بأن نقودها تنفد مثل أيامها. وكلما رأيتها من ~~جديد أدركت أنها تتدهور وتقترب من النهاية المحتومة. لم تعد إلا عجوزا معدمة أو شبه ذلك، ~~وسارع إليها الانحلال والتفسخ، وامتنعت عن الذهاب إلى تلك الأماكن الفاخرة أو اضطرت إلى ~~ذلك، فقنعت بالتجوال في الشوارع في ملابس رثة ممزقة، ثم لم تعد تظهر إلا في جلباب وشبشب، ~~وانتهى بها الأمر إلى التسول أو ما هو قريب من ذلك. لم أرها تمد يدا، ولكن بعض أصحاب ~~المطاعم الصغيرة ممن وقفوا على سيرتها المشهورة، كانوا يتصدقون عليها بالسندوتش أو ببعض ~~النقود، وما زلت كلما لمحتها أستشعر رجعا من الأسى وأستقبل فيضا من ذكريات الشارع القديم ~~بالصورة التي كان عليها على عهد الفوانيس المدلاة من أعالي الأبواب والحقول المترامية ~~والهدوء الشامل، تلك المرأة التي راحت ضحية لنهم جنوني بالحياة، والتي يسعى من حولها ~~أحفادها الناجحون وهم على جهل تام بأشجانها ووحدتها. # | عيد منصور # من مجموعتنا العتيدة، صادقها وصادقته، واتصلت بيننا الأسباب على مدى العمر، ~~ولكنه كان وما زال الصديق بلا صداقة، وكان وما زال بلا قلب، حتى خليل زكي له قلب، وحتى ~~سيد شعير له قلب، أما عيد منصور فلا قلب له. وكان يعيش مع أبيه وخادم عجوز ولا رابع لهم، ~~أما أمه فماتت عقب إنجابه مباشرة، وكان أبوه تاجر عمارات، عمل مع اليهود طويلا، ~~واكتسب الكثير من أساليبهم ومهاراتهم، وكان عجوزا فقد ms145 أنجبه وهو في الخمسين ولم يتزوج مرة ~~أخرى بعد وفاة زوجته فكان عيد وحيده، وكان بخيلا، دقيقا، فظا، جامد المشاعر فربى ابنه ~~تربية شديدة لا رحمة فيها ولا مهادنة، مصمما على إخراجه على نمطه، فلم يعرف صديقنا ~~المعاملة العاطفية، ولا جرب الحنان أو الرحمة، كأنما كان يتكون في معسكر لإعداد ~~الإرهابيين، لذلك تجلت مواهبه منذ سن مبكرة، فنشأ عمليا، صارما، ذا عقل نفعي، وبلا ~~قلب، وما زال كذلك حتى اليوم والغد، ومنذ الصغر اتخذ من القرش معبودا ومقياسا للرجولة ~~والتفوق، ولم يتسع قلبه إلا لذلك المعبود الأوحد، وكما قلت فهو الصديق بلا صداقة، صديق ~~بحكم الجوار والزمالة واللعب وعشرة العمر، ولكن بلا عاطفة ولا مودة ولا حب حقيقي، ~~يضحك للكارثة كما تضحك للنكتة، فلم يعان أي تأثر لموت شعراوي الفحام ولا لموت جعفر ~~خليل، ويوم قتل زميلنا بدر الزيادي في الإضراب لم يكن يخفي ارتياحه لخلو الميدان من ~~منافسه في رئاسة فريق الكرة، ولما شعر يومها بعيني تحرقانه عض على أسنانه ليمنع ضحكة من ~~ضحكاته القاسية فقلت له: أنت شيطان! # فهمس في أذني: ربنا يسمع منك! # ثم بمزيد من السخرية: لا فرق بيني وبينكم إلا أنني صادق غير منافق! # واعتاد أن يعيش بحكم تربيته ومزاجه خارج دائرة تقاليدنا وديننا وأشواقنا، بحكم تربيته ~~ومزاجه، وبلا دخل من تفكير أو فلسفة، وبلا دافع من الفساد والشقاوة، كما كان الحال مع خليل ~~زكي وسيد شعير، فلم تحتشد قواه إلا للعمل والربح وحدهما، حتى الجنس - وهو الترفيه الوحيد ~~الذي مارسه - لم يشغل إلا هامش وقت فراغه. وما إن حصل على البكالوريا عام 1930 حتى أشركه ~~أبوه في العمل، وظل يدربه حتى مات عام 1935 مخلفا عليه ثروة طائلة. ورغم مغامراته ~~في حديقة بيت آل الحملاوي فلا أعتقد أنه تعلق بامرأة مثلما تعلق بثريا رأفت، رآها وهو ~~يعمل مع والده فاندفع في إغرائها، وقد قال لي: مر بي وقت وقعت فيه تماما تحت سيطرتها، ولو ~~تمنعت علي تماما حتى النهاية لربما ... # وسكت فسألته: لربما تزوجتها؟ ms146 ~~- على الأقل كنت فكرت في ذلك ... # فسألته: ألم تحزن أو تخجل من الغدر بها؟ # فقال وهو يضحك: لا أظن ... # لم يعرف الحب، ولا رغب في الزواج، ولا حن إلى الأبوة، وحتى اليوم وهو في الستين أو ~~جاوزها بقليل ما زال يعمل بنفس الهمة، ويجمع المال بنفس النهم، ولم يعرف للحياة غاية ~~أخرى. وكنت أضيق به إذا سخر من عواطفنا الوطنية كما ضقت به يوم سخر من بكائي لوفاة سعد ~~زغلول، ولكنه كان يستهين بكل ذلك ويقول: لولا الإنجليز، لولا اليهود، ما كان لهذا البلد ~~حياة! # وظل يردد ذلك حتى آخر يوم للإنجليز في مصر. ومع أنه كان بخيلا كأبيه إلا أنه استن ~~لنفسه سنة جديدة في البخل، فقرر ألا ينفق مليما لغير ما ضرورة بشرط أن يهيئ لنفسه حياة ~~رغدة. ~~- أنا أعزب وسأظل أعزب، وبلا وريث فيجب أن أتمتع بحياتي. # طالما احتقر الزواج واعتبره عجزا وغباء، ويبدو أنه لا يندم على قرار اتخذه أبدا، ~~وكلما تقدم به العمر نعم برضاه عن نفسه وعن قراراته، ومنذ عام 1936 غادر حينا بعد ~~أن باع البيت، وأقام في فندق مينا هاوس إقامة دائمة مفضلا الفندق لما يوفره له من خدمة ~~شاملة، وليعفيه من هموم المسكن المستقل المتنوعة، وفي الوقت نفسه استأجر بيتا ريفيا في ~~الهرم لمغامراته النسائية المتقطعة، إذ لم يكن يحب العلاقات الطويلة، ويفضل غواني ~~الملاهي الليلية من الأجانب، ولم يضن على نفسه بفاخر الطعام والشراب مع اعتدال تام في ~~الخمور، ونفور طبيعي من المخدرات. وكان يقضي لياليه في سمر تجاري مع العاملين معه في حقل ~~تجارة العمارات، ولكنه لم ينقطع عنا في ليالي سهراتنا الأسبوعية. وكان يهمه أن يقارن ~~بين نجاحه وبين نجاح أصدقائنا أمثال الدكتور سرور عبد الباقي والأستاذ رضا حمادة، ولم يخف ~~إدلاله بالتفوق عليهما في الثروة التي يعتبرها القيمة الأولى والأخيرة في الحياة .. وقد ~~داعبته يوما قائلا: ها هو خليل زكي يناقشك في النجاح والثروة! # فقال باحتجاج: إنه قذر حقير. # فسألته: أتعتبر نشاطك المالي نشاطا شريفا؟ # فقال بصراحة ms147 معهودة فيه: الشرف تتغير معانيه من بيئة لأخرى، قد أقوم بصفقة تعتبر في ~~نظرك نهبا، ولكنا نعتبرها خبرة وذكاء، ولكني أحتقر أساليب خليل زكي التي تعد من خبرة ~~الفقراء! # وأحبته غانية إفرنجية، ومضت تراسله، فكان يقرأ علينا رسائلها ساخرا ويقول: هكذا تتوهم ~~المرأة أنها تحب إذا رغبت في الاستحواذ على رجل وامتلاكه! # وتجلت عواطفه العامة في أبشع صورة يوم نشبت الحرب بيننا وبين اليهود عام 1948، حتى ~~خيل إلي أنه يكره وطنه لأسباب لا أدريها، أو أن مصالحه التجارية أفسدت عليه الميول ~~التي نعتبرها فطرية، وتكرر ذلك الموقف منه عام 1951 لدى إلغاء المعاهدة وكفاح القنال، ~~ولذلك كان يكره الوفد بالرغم من لامبالاته السياسية بصفة عامة، على أن حياته واصلت ~~مسيرها في استقرار حتى قامت ثورة يوليو 1952. ومع أن الثورة لم تقتحمه بصفة عامة إلا ~~أنها زعزعت طمأنينته وأقلقت ثقته. توالت عليه الهموم بإلغاء النظام الملكي وإعلان الإصلاح ~~الزراعي والجلاء. توثبت في أعماقه غريزة الدفاع عن النفس، وأدرك - وإن لم يكن هدفا مباشرا ~~- أنه ضمن الجبهة التي تهب عليها العواصف، وأنها قد تقتلعه عاجلا أو آجلا، وهيأ له ~~الاعتداء الثلاثي عملية نقل دم، ولكن سرعان ما انطفأت شعلة الأمل، واختفى من الميدان ~~كثيرون من أصدقائه اليهود حتى قال لي يوما: كم أتمنى أن أهرب أموالي وأهاجر! # ولما قرأ الوجوم في وجهي قال: لم تعد مصر بالمقام الصالح للأذكياء! # ثم ضحك ضحكته القاسية وقال: لو لم أكن مصريا لتمنيت أن أكون مصريا. # وتابع نشاطه بنفس القوة بالرغم من مخاوفه، واسترد أنفاسه في يونيو 1967، ومع أنه ~~راقب الأحداث التالية للهزيمة بدهشة وذهول إلا أنه لم يفقد الأمل هذه المرة، وقال لي ~~بشماتة: لا مفر! # وقال أيضا: طبعا سمعت عن صحوة الموت! # ومرت أشهر، وعام وعامان وثلاثة أعوام، وتحسنت الأحوال، وصلبت الإرادة، وتجددت آمال ~~النضال، ولكن ذلك لم يهزمه وإن أقلقه أحيانا، واعتصم بفكرته الثابتة، وغذاها بمتابعة ~~الإذاعات المعادية والإشاعات المغرضة، ولما وجد مني ومن رضا حمادة اتهاما لوطنيته ~~قال: لا وطن بعد اليوم ms148 إلا وطن المصالح، فإما أن تكون أمريكيا وإما أن تكون ~~سوفييتيا، إما أن تقبل الحرية والإرادة الخلاقة والإنسانية، وإما أن تقبل النظام ~~والعدالة العمياء والإرادة الميكانيكية! # فقد الأمل في الإنجليز، وأصبح حلمه الذهبي أن تسيطر أمريكا على الشرق الأوسط، وأن تحدد ~~له مدارا حضاريا في مجالها الحيوي، يلعب فيه العرب واليهود دورا متكاملا. # هكذا علمته المصلحة أن يتكلم في السياسة، وما زال يعمل، يشيد العمارات ويبيعها، ~~يقيم في مينا هاوس، يستمتع بحياته كأعزب مقطوع من شجرة، ويمارس الجنس كل شهر مرة، ويزورنا ~~في أوقات محددة تحية لعشرة نصف قرن، صداقة بلا حب حقيقي ولا احترام، نراه مخلوقا شاذا ~~قد من حجر، ويرانا مجموعة من الحمقى العابثين بلا قيمة حقيقية. # | غانم حافظ # كان مدرس الرياضيات في المدرسة الثانوية، وكان وقتها شابا، عرف بالأدب والوقار ~~وحسن المعاملة، فلم يخرج تلميذ في معاملته عن حدود الأدب، حتى الذين عرفوا بالشقاوة مثل ~~جعفر خليل وبدر الزيادي وعيد منصور. طلبه عيد منصور مرة لدرس خصوصي بعد أن أقنع أباه ~~بأن أجرة الدرس الخصوصي أرحم من مصروفات سنة إعادة. وقابل غانم أفندي حافظ والد عيد ~~فسأله الرجل عما يطلب؛ فطلب ريالا في الساعة، ولكن الرجل فزع، وقال: إنه لا يدفع ~~أكثر من شلن، فابتسم غانم أفندي حياء، واقترح أن يعطيه الدرس مجانا بشرط أن يحضره مع ~~تلميذ آخر في نفس الحي، وقد كان. وتلقى عيد منصور درسا خصوصيا في الحساب مجانا طيلة ~~شهرين! وقد رأيته وهو يبكي يوم مصرع بدر الزيادي، وكان جزاؤه منا حبا واحتراما. وبعد ~~التحاقي بالجامعة عرفته عن كثب في مقهى الحي، فتحولت التلمذة إلى صداقة. وكان أهم ما ~~يميزه دماثة الأخلاق وهدوء الطبع وأناقة الملبس، كان يجالسنا في يوم واحد في الأسبوع - ~~وخاصة في العطلة الصيفية - يدخن النارجيلة، يصغي في أدب ومجاملة، وقليلا ما يتكلم. ~~وكان يعالج شتى الموضوعات في إطار طبعه الهادئ، ومهما يكن من عنف الموضوع وشدة حرارته ~~فإنه يتحول على لسانه همسا عذبا تحيطه هالة باسمة. لم ير غاضبا ms149 أو محتدا أو ~~صارخا، حتى السياسة كان يترجمها حديثا جذابا لطيفا غاية في الوداعة، ولو هوجم حزبه ~~المحبوب الوفد، وإذا تصدى للدفاع قال: إنهم ناس طيبون! # أو يقول: مصطفى النحاس؟ .. إنه رجل طيب مبارك! # وأقسى ما يذهب إليه في الدفاع أن يقول: سامحك الله! # واقتصر نشاطه السياسي على ذلك، وعلى التوجه يوم الانتخاب - إذا تقرر إجراء انتخابات ~~حرة - إلى اللجنة لإعطاء صوته لمرشح الوفد. ولذلك لم يشترك في ثورة 1919 إلا بقلبه ~~وحده. وكان جم التواضع، لا يخجل من أصله بخلاف الكثيرين من أهل طبقته، فحدثني مرة عن ~~أصله قائلا: كان أبي شرطيا. # ثم قال: وكان همه أن يجعل مني شرطيا غير أن جارا لنا - تاجرا - نصحه بإدخالي ~~المدرسة الابتدائية، ففعل، ونجحت نجاحا استحققت عليه المجانية حتى نلت البكالوريا، ولم ~~أجد مدرسة ميسرة أمامي إلا المعلمين فدخلتها! # وتزوج من كريمة مدرس اللغة العربية، وكانت حاصلة على الشهادة الابتدائية. ~~- وكانت أسرة زوجتي على تواضعها أرقى من أسرتي؛ فصادفتني متاعب مؤسفة. # ثم قال بشيء من الحزن وفي صراحة مؤثرة: كان الموقف يتطلب شخصا أصلب مني! ولكن زوجتي ~~أنجبت لي ثلاثة ذكور! # كان له يوم ترفيه واحد يمضيه في المقهى، ولا يغادر أهله بعد ذلك إلا لعمل، ومرت أعوام ~~حافلة بالتاريخ وهو قابع في عشه يراقب الأحداث من بعيد، يناقشها بهدوء، ويعلق عليها ~~برقة، مركزا على تربية أولاده الثلاثة حتى تخرج بكريه ضابطا في سلاح الفرسان، ~~والأوسط مهندسا ثم التحق بالجيش، والثالث بيطارا. وقد نجا ابناه من حرب 1956 بأعجوبة ~~فحمد الله وشكره، وواصل عمله حتى أحيل على المعاش عام 1960، وهو يتمتع بصحة جيدة وحياة ~~زوجية سعيدة، ولما احتشدت قواتنا في سينا في أواسط عام 1967 خفق قلبه بعنف بعد طول هدوء، ~~وراح يسأل كل من هب ودب: حرب أو لا؟ # ووقعت الواقعة، وانحسر الظلام عن شيء من النور، فرجع الابن الأوسط مصابا إصابة غير ~~قاتلة، أما بكريه فاعتبر من المفقودين، وهزته الصدمة من الأعماق، وتبدد هدوءه التقليدي ~~فانهار انهيارا يدعو للرثاء، وكان ms150 يحب أبناءه كأم، ورفض أن يصدق أن ابنه قتل، وظل ~~يحلم دائما بمعجزة تعيده إليه سالما. وما لبث ابنه الأوسط أن تماثل للشفاء فعاد إلى ~~الجبهة، وبقي الرجل ممزقا بين أحلامه عن المفقود وخوفه على المقاتل، وهو يتابع أنباء ~~الجبهة ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، ترجفه أخبار الغارات في الأرض والسماء، ويخذله ~~إيمانه رغم رسوخه، ويزلزله حبه العميق لأولاده، وأراه أحيانا شيخا عجوزا محني الظهر ~~قليلا، أبيض الشعر، يجلس شارد النظرة، يفكر في المجهول، لا يبشر منظره بقدرة على ~~مواجهة الحياة بمطالبها الجامحة، فأحتار طويلا بين العتب عليه والرثاء له، ثم أنضم إليه ~~مواسيا، ثم نتبادل التخمينات عن الغيب. # | فايزة نصار # تعرفت بها في بيت عجلان ثابت بالجيزة حوالي عام 1960 كما تعرفت بزوجها في نفس ~~الزيارة. كانت في الثلاثين، لوجهها طابع ريفي رائق بالرغم من أناقتها العصرية، وهي وإن ~~تكن متوسطة الجمال إلا أنها ذات جاذبية جنسية قوية، أما زوجها - عبده إبراهيم - فصاحب جراج في الخمسين، بدين مترهل خامل المظهر، يشترك في الحديث بالنظرة أو الابتسامة ~~البلهاء، ولا يكاد يتكلم. # قال لي عجلان: إنها جارتنا في نفس العمارة وصديقة زوجتي. # فقلت: زوجها غير مقنع! ~~- ولكنه ذو دخل محترم، أنجب منها طفلين، وهي أم لا بأس بها وإن تكن أمية! ~~- تبدو ذكية. ~~- في الأصل كانت ابنة بياعة جبن وزبدة، ولكن استعدادها للتأقلم قوي، وهي تتقدم بفضل ~~الإذاعة والتلفزيون والصديقات. # وفي زيارة تالية لبيت عجلان ثابت قابلت فايزة نصار، وكانت بصحبة رجل أربعيني حاد ~~البصر قوي الجسم، علمت أنه يدعى جلال مرسي وأنه صاحب كازينو الهرم، وقال لي عجلان ثابت ~~باستهتاره المعروف: في المرة السابقة عرفت زوج فايزة، وها أنت تعرف في هذه المرة ~~عشيقها! # وضجت الحجرة بالضحك، زوجة عجلان وفايزة وجلال صاحب الكازينو، وقال جلال: لا ~~تصدق! # فسألته فايزة بنبرة وعيد: هل تنكرني؟ # فأحنى رأسه بخشوع وقال لي: صدق يا سيدي. # قال عجلان ثابت: وهو صديق الزوج! # ودعتني فايزة لزيارة بيتها فتوطدت العلاقة بيني من ناحية وبينها وبين زوجها ms151 من ناحية ~~أخرى. وذهبت في صحبتهما مرات إلى كازينو الوادي، فكان ينضم إلى مائدتنا جلال مرسي، ولمست ~~مدى عمق العلاقة بينه وبين الزوجين. ولم أقطع برأي في مدى معرفة الزوج بالعلاقة بين زوجته ~~وعشيقها، وحتى عجلان ثابت لم يعلم أكثر مما أعلم، ولكنه قال لي: تعود على هذه العلاقات ~~حتى تبرأ من عبوديتك البرجوازية. # ومرة وكنا مجتمعين في بيت عجلان أنا وعجلان وزوجته وفايزة. فأشار إلي دون تمهيد، ~~وبلا مناسبة وقال لفايزة: إنه يعاني من عشقه لك! # وانتقلت إلى جانبي بخفة وطوقت عنقي بذراعها السمراء البضة وقالت: أرني! # فقال عجلان ضاحكا: بهوادة حتى لا يفزع. # فقالت: ولكن تحت شرط. # وسألها عن الشرط فقالت: ليلة واحدة. # ثم وهي تنظر في عيني: المرأة الفاضلة يكفيها زوج وعشيق واحد! # هكذا كانت في مزاحها، ولكنها - فيما علمت - كانت تحب جلال حبا حقيقيا، وكانت في ~~الوقت نفسه تحرص على نقاء بيتها، وتربية طفليها تربية حقيقية، وقال لي عجلان: إن ما يتعبها ~~حقيقة هو طموحها، فبالرغم من أميتها تحلم بأن تكون شيئا عظيما! # فتساءلت: لعله المال! ~~- حياتها رغدة، ولكنها تحب المال، وشيئا أكثر من المال. ~~- أي شيء؟ ~~- الفن إن صدق تخميني! # ثم قال لي: كلفت أن أدعوك لزيارتهم معي. # فقلت وأنا أتساءل عن السبب، فقال: يبدو أنه أمر هام، وسنعرفه في الحال. # وجدنا فايزة وزوجها وعشيقها فسلمنا وجلسنا ونحن نشعر بأن توترا ما يكهرب الجو ~~والوجوه، وسرعان ما قالت فايزة: المسألة وما فيها أن أحد المخرجين عرض علي دورا هاما ~~في فيلمه القادم! # ونظرت في وجوهنا وقالت: ما رأيكم؟ # ولما رأيت عينيها تطاردانني قلت: المسألة تتعلق بك وبالسيد عبده أولا وأخيرا. # فقال عبده إبراهيم وهو يرفع وجهه ليجد الكلام ممرا خلال لغده: سيدات العائلات يمثلن ~~في هذه الأيام. # ولكن جلال مرسي تساءل: أود أن أعرف كيف ومتى رآك، ذلك المخرج؟ # فأجاب الزوج: رآنا ونحن عندك ليلة في الكازينو. ~~- وهل تجلت له موهبتها من النظرة الأولى؟ ~~- هذا شأنه لا شأننا. # فقال جلال: كصديق مخلص لكما لا أوافق ms152 على دخولها ذلك الميدان. # فسألته فايزة وهي تبدو سعيدة رغم التوتر العام: لم؟ ~~- لم تظهري فيما سبق أي اهتمام بالفن. ~~- لم توجد مناسبة. ~~- إنه لا يولد فجأة ولا لمجرد أن مخرجا اقترحه. ~~- بل هكذا يولد. # فقال الزوج: أظن ذلك. # فقال جلال بحدة: إنهم لا يعرضون الأدوار لوجه الله. # فقال عجلان ثابت: لوجه الفن. # فقال جلال: ولا لوجه الفن! # فقالت فايزة: لست قاصرا! # وقال الزوج: إنها أهل للثقة. # فقال جلال بإصرار: كصديق مخلص لكما لا أوافق. # فقال الزوج: هذه فرصة لا يجوز إهمالها. # ووافق عجلان على رأيه كما وافقت أنا، وكأنما كانت مؤامرة بلا تدبير سابق، وقام جلال ~~مرسي فحيانا ومضى وهو يقول: قلت رأيي وأنا مصر عليه. # وقال عجلان بخبث: عليك أن تقابل المخرج في أسرع وقت. # وعندما غادرنا البيت أنا وعجلان قلت له: عبده إبراهيم بكل شيء يعلم! # فضحك عاليا وقال: وانتهز الفرصة فوجه إلى غريمه ضربة موفقة. ~~- ولكنها ماذا ستفعل فيما ترى؟ # فتفكر قليلا ثم قال: إن صح ظني فطموحها أقوى من عشقها! # وصدق ظنه، قامت بتمثيل الدور، وكانت مفاجأة فنية لا يستهان بها، ودعيت إلى تمثيل دورين ~~جديدين. # وهجرها جلال فلم تسع لاسترداده، وما لبث زوجها أن طلقها بحجة حماية بيته وطفليه من ~~الجو الفني الذي أخذ يغزو بيته، ودل بقراره ذلك على أن خموله لم يكن إلا قشرة تخفي ~~وراءها حقدا طويلا. وانتقلت فايزة إلى شقة صغيرة وأنيقة بالزمالك، وقد زرتها يوما بصحبة ~~عجلان فالتقيت عندها بالدكتور صادق عبد الحميد، وعشيقته الصحفية نعمات عارف زوجة الدكتور ~~زهير كامل التي تخصصت أخيرا في النقد الفني، ووجدت فايزة مرحة كعادتها، وسعيدة بالنجاح، ~~حتى قال لي عجلان ونحن راجعان معا: محتمل أن تحن أحيانا إلى طفليها ولكنها ليست بالتي ~~تنهار بسبب ذلك، أعترف لك بأنني أسعد بنجاح أي فلاح أو فلاحة، مهما يكن ثمن ذلك ~~النجاح! # | فتحي أنيس # لفت نظري مذ رأيته في أول يوم التحقت فيه بالوظيفة. حسبته موظفا كبيرا أو سليل ~~أسرة عتيقة، وكم دهشت عندما تبين ms153 لي أنه كاتب القيد بالسكرتارية. كان في الثلاثين من ~~عمره، شهادة ابتدائية، مرتب ثمانية جنيهات، متزوجا وأبا لخمسة أبناء، ولكنه كان طويلا ~~رشيقا عظيم القسمات، حتى قال لي الأستاذ عباس فوزي: انظر إلى عبث الطبيعة، جادت عليه ~~بمنظر يليق بموظف استقبال بالخارجية، ولكنها ضنت عليه بما ينفعه أو ينفع الناس. # وكان يقول عنه أيضا: إنه حي لا يرزق! # وكان مسئولا عن أم وأختين مطلقتين، فاستقبل أيام الحرب وارتفاع مستوى المعيشة وهو على ~~تلك الحال. ولم يكن نادرا أن يقترب من عباس فوزي أو عبد الرحمن شعبان، ويقول ببساطة: من ~~يعطيني قرشا أشتري به سندوتش فول وله الجزاء الأوفى في يوم القيامة؟ # وكان إذا لمح أحدا من الأهالي في الممشى الخارجي بادر إليه فيسأله إن كان في حاجة إلى ~~خدمة يؤديها له عن طيب خاطر. وفي الختام يسأله بلا حياء: هل أجد عندك سيجارة؟ # وعطف الأستاذ عبد الرحمن شعبان عليه يوما، فقال للأستاذ عباس فوزي: حال فتحي تستحق ~~النظر. # فصدق الرجل على قوله وقال: العين بصيرة واليد قصيرة! # فقال عبد الرحمن: أسعفوه بوظيفة يمكن أن تدر عليه رشوة! # فقال عباس فوزي باسما: يوجد فرص في المستخدمين والحسابات والمخازن والمشتريات ولكنه ~~بدون مؤهلات. # فقال عبد الرحمن في شبه غضب: يوجد مديرون بالابتدائية. ~~- أعني بالمؤهل الوساطة ويبدو أن أعظم من يعرف في الحياة هو عم صقر الساعي! # واهتدى إلى وسيلة يستغل بها منظره في مقاومة الجوع، فكان يتقدم إلى أسرة ما كخاطب، ~~فيقابل بالترحيب من ناحية المبدأ حتى تتم الاستعلامات عنه، وفي الفترة الموضوع فيها تحت ~~الاختبار يزور الأسرة فيستقبله رب البيت، ويتعمد البقاء حتى وقت الغداء أو العشاء، ولما ~~يدعى للمائدة يلبي وهو يقول: لا يأبى الكرامة إلا لئيم. # ثم يأكل بوحشية وكأنما يخزن الطعام ليجتره بقية الأيام، وتجيء نتيجة الاستعلامات ~~في غير صالحه طبعا، فيعتذرون من عدم قبوله، فيذهب وقد فاز ببضع أكلات خيالية، ويواصل ~~غزواته في أحياء المدينة حتى تسربت أنباؤها إلى الموظفين فجعلوا منه نادرة تروى. وما ندري ~~يوما ms154 إلا وهو يدخل علينا مرتديا جلبابا! وكان الأستاذ طنطاوي إسماعيل ما زال رئيسا ~~للسكرتارية فاستدعاه وسأله: ما معنى ذلك يا فتحي أفندي؟ # فقال ببساطة: البدلة استهلكت تماما، قلبتها منذ ثلاثة أعوام فلم يعد بها رمق، ولا ~~أستطيع أن أشتري زرارا! # فقال الرجل في حيرة: ولكن ذلك يخالف التعليمات! # فقال بثقة: لا نص في التعليمات على ذلك! # وتداولنا إن كان ذلك يجوز أو لا يجوز دون أن نهتدي إلى علاج. وزاد الحرج عندما فاجأنا ~~الوزير الوفدي الجديد بزيارة تفتيشية، ولما رآه الوزير ظنه ساعيا فقال له: ألم يصرفوا لك ~~بدلة السعاة؟ # فأجاب بإيمان: أنا موظف يا معالي الباشا، ولكني لا أملك ثمن بدلة جديدة! # فدهش الوزير وسأله عن وظيفته وشهادته ومرتبه وعدد أولاده الذين بلغوا التسعة عدا في ~~ذلك التاريخ، ثم سأله ضاحكا: أليس لك هواية إلا الإنجاب؟ # فقال فتحي بجرأته المعهودة: أنا من شعب الوفد ولن أضام في عهدكم! # وقد منحه الوزير علاوتين استثنائيتين، ثم أدركته علاوة الغلاء التي تقررت لأول مرة، ~~فاشترى بدلة ولكن حاله لم تتحسن إلا قليلا. وذات صباح همس لي عم صقر وهو يقدم لي ~~القهوة: أخيرا وفق ابن الشحاذة! # فسألته: فتحي أنيس؟ ~~- نعم. ~~- كيف؟ ~~- سيتزوج من أرملة غنية جدا. ~~- حقا؟ .. وجميلة؟ # فضحك قائلا: عمرها ستون عاما، وهي في الجملة كالمومياء! # وصح الخبر كجميع أخبار عم صقر، وتزوج فتحي من أرملة عجوز تركية مستحقة في وقف كبير، ~~وقيل إنه تزوج بموافقة زوجته الأولى إيثارا لسعادة الأولاد على نفسها. وتغير حاله بصورة ~~ملموسة، وظهرت عليه النعمة في ملبسه وصحته ورونقه، ورغم كل شيء أثار حسد الكثيرين، وكان ~~عباس فوزي يتهكم به فيسأله: كيف طاوعتك نفسك على معاشرة مومياء؟ # فيجيبه بصراحته وبساطته: عندما يملأ الإنسان بطنه بثلاثة أو أربعة أصناف من اللحوم وخمس ~~كئوس من الويسكي؛ فإنه يستطيع أن يعاشر عزرائيل نفسه! # وعقب حرب فلسطين الأولى 1948 توفيت زوجته الجديدة مخلفة عليه ثروة طائلة، ولم يفلح ~~في إخفاء أفراحه حتى في الأيام الأولى للحدث، واستقال من وظيفته، وفكر ms155 في إنشاء عمل حر، ~~حتى هداه تفكيره إلى فتح مقهى كبير في التوفيقية، وتحمل خسائر عام أو عامين حتى يتقن ~~مهنته الجدية، ثم نجح المشروع نجاحا منعدم النظير، وانقطعت أخباره عني بطبيعة الحال حتى ~~بعثها من الظلمات عم صقر عقب خروجه من السجن، فحدثني عن ثرائه الفاحش وما ملك من عمارات، ~~وعن معيشته الحالية في قصره بالهرم، وعن نجاح أبنائه في المدارس والكليات، وقد بلغ عددهم ~~اثني عشر ولدا. أخبرني كذلك بأنه أبقى على زوجه الأولى ولكنه اتخذ من راقصة إيطالية عشيقة ~~له. قال عم صقر: إنه اليوم في السادسة والستين من عمره، ولكنه قوي مهيب كرجل في عز شبابه، ~~ويرافق راقصة إيطالية، فهل سمعت عن عاشق في مثل هذه السن؟ ولكنه الحظ، ألف ليلة وليلة، ~~وكل ما عداه باطل. # | قدري رزق # كان يتردد على شقة عدلي بركات الفاخرة في أوائل عام 1948، وكان في الثلاثين من عمره ~~أو دون ذلك بقليل، وطالما جالسنا ببدلته الرسمية كضابط في سلاح الفرسان، فيضفي على المجلس ~~من روحه مرحا وصفاء، وبدا قليل الاهتمام بالسياسة والشئون العامة، ولولا محاولة بذلت ~~لاغتيال مصطفى النحاس ما فطنت إلى أنه ينطوي على ميول وفدية ورثها غالبا عن أبيه الذي ~~كان عضوا بالهيئة الوفدية. # وكان ممشوق القوام أسمر واضح الملامح جذابها ذا شارب غليظ لا يني يغازله في إعجاب ~~وارتياح، وفي جلسات الأنس التي اشتهر بها مسكن عدلي بركات شهدت له غزوات موفقة مع فنانات ~~كثيرات. وفي أعقاب حرب 1948 اجتمع بنا في شقة عدلي بركات، وقد زايله المرح ووشت حاله ~~عموما بامتعاض وقرف. وكنا - أنا ورضا حمادة - في غاية من الحزن، فطرحنا عليه العديد من ~~الأسئلة لعله يروي غلتنا أو يبدد من أفكارنا بعض الظلمات، ولكنه لم يمس التفاصيل ~~وقال بإيجاز: لقد ضحى بالجيش بطريقة دنيئة قصد بها القضاء على كرامته وأرواح ~~رجاله. # وهز رأسه بضيق وقال: لا يمكن أن يمر ذلك بلا ثمن! # فقلت ببراءة: لكننا لم نهزم، الفالوجة نصر مبين. # فقال بحدة: بل هزمنا، وحوصرنا بين ms156 عدوين، عدو في الخارج وعدو في الداخل. # واستجابت نفسي لغضبه بقدر ما وجدته متجاوبا معها، وقال رضا حمادة: كل ذلك نتيجة لحكم ~~أحزاب الأقلية الذي مكن لطغيان الملك. # فقال قدري رزق: ونتيجة أيضا لضعف الوفد الذي عجز عن تحقيق الإرادة الشعبية. # فاستاء رضا حمادة وقال: الوفد اعتمد دائما على ثورية الشعب، ولكن الشعب تخلى عن ~~ثوريته! # فقال قدري رزق الذي لم أره من قبل على تلك الدرجة من السخط: الوفد هو المسئول عن تخلي ~~الشعب عن ثوريته! # وتوثقت علاقته بنا في تلك الأيام، وتعددت لقاءاتنا بشقة عدلي بركات، وشهدنا معا ~~تدهوره حتى انتحاره، ولكنه لم ينقطع عنا فكان يجتمع بنا في بيت رضا حمادة أو في مقهى ~~الفيشاوي، ورجع إلى طبيعته الأصلية، فقل اهتمامه بالسياسة والشئون العامة، وعاوده ~~المرح والمجون والتفرغ لغزو الحسان. ولما قامت ثورة يوليو 1952 اكتشفنا أنه كان ضمن ~~مجموعة الضباط الأحرار؛ فعجبنا لقدرته الخارقة على الكتمان، وقد سهر معنا عشية الثورة ~~في مقهى الفيشاوي، وجلس كعادته يضاحكنا ويسامرنا، وعدت معه قبيل منتصف الليل إلى ~~العباسية مشيا على الأقدام من طريق الجبل، ثم ملت أنا إلى العباسية الغربية، وواصل هو ~~سيره شمالا إلى مسكنه بشارع أحمد ماهر كما ظننت، أما الحقيقة فإنه لم يذهب ليلتها إلى ~~بيته، ولكنه مضى صوب منشية البكري ليقود قوة صغيرة إلى احتلال مفترق طرق! وغيبته ~~الأحداث عنا فترة غير قصيرة طرد في أثنائها الملك، ثم رجع إلينا وقد رقي إلى رتبة ~~جديدة. وتتابعت التطورات الهامة مثل الإصلاح الزراعي والجلاء وغيرها، ونحن نتلاقى ~~بانتظام أسبوعي في بيت رضا حمادة قبل اعتقاله، واستمر التلاقي بعد ذلك في بيتي أو بيته ~~أو في مقهى الفيشاوي، وطيلة تلك المدة لم يخرج حديثنا عن السياسة التي لم يعد له من ~~حديث غيرها، ولم يكن بيننا خلاف جدي، استطاعت الثورة أن تستأثر بقلوبنا وآمالنا في لحظة ~~تاريخية أسطورية باهرة. وقال قدري رزق: اندثرت القوى الجهنمية التي كانت تعوق تقدم ~~الشعب مثل الملك والإنجليز والحكام الفاسدون، ورجع الأمر إلى ms157 أبناء الشعب الحقيقيين، فهو ~~حكم الشعب للشعب لخير الشعب، انتهى الفساد والانحلال، وسينطلق تيار الإصلاح والتقدم إلى ~~الأبد. # وقلنا إنه آن للحلم أن يتحقق، وأن ينعم بالحرية والرقي والعدل ذلك الشعب الذي ~~عانى الظلم والاستعباد والفقر والغربة آلاف السنين. أجل ساءنا بعض الشيء التوثب للقضاء ~~على الوفد، وسأله رضا حمادة - قبل اعتقاله - أكثر من مرة: أليس الأفضل أن تتخذوا من الوفد ~~قاعدة شعبية لكم؟ # كما ساورتنا مخاوف من ناحية أمريكا، وخشينا أن تحل محل إنجلترا بطريقة أو بأخرى، بعد ما ~~شعرنا بمدى تأييدها للنظام الجديد، ولكن قدري رزق قال: الأمريكان ذوو نفع كبير ولا خوف ~~علينا منهم بفضل وطنية زعمائنا الجدد. # وحلت الأحزاب وضرب على أيدي الإخوان والشيوعيين، وكان قدري يتحمس لكل إجراء بلا قيد ~~ولا شرط، حتى سألته مرة: ولكن من أنتم؟ # فضحك، وتفكر مليا، ثم قال: نحن أصدقاء الوطنية والعروبة والثورة، وأعداء الفساد ~~والتعصب والإلحاد! # وقال أيضا بحماسه الطيب: هدفنا تحرير الشعب مما يستعبده سواء أكان شخصا أم طبقة، فقرا ~~أم مرضا، ثم دفعه إلى المكان اللائق به تحت الشمس. # ونغص صفونا ما أصاب صديقنا رضا حمادة في شخصه وابنه وزوجته، وشد ما تأثر لذلك قدري ~~رزق وحزن، ولكن هون من وقع المأساة القوة التي لاقاها بها صديقنا الجلد الصبور القوي، ~~وكان قدري يعجب به، ويقول عنه إنه رجل ولا كل الرجال، ويتعجب كيف أن رجلا ~~مثله ورجلا مثل الدكتور زهير كامل ينبتان من أرض واحدة. وتتابعت أحداث مجيدة مثل الاتجاه ~~نحو الكتلة الشرقية للتسليح، ومثل تأميم قنال السويس الذي بلغ بحماسنا درجة لم نعرفها من ~~قبل، فثمل بذلك قدري رزق وثملنا. وقال لنا: أرأيتم؟ نحن مصريون أولا وأخيرا، لا أمريكيون ~~ولا روسيون! # وتزوج قدري في تلك الفترة من كريمة أسرة كبيرة إقطاعية ممن طبق عليهم قانون ~~الإصلاح الزراعي، وكانت مفارقة تستدعي الملاحظة وتحتاج إلى تفسير، غير أنه يمكن ~~اعتبارها ظاهرة عادية إذا نظر إليها من الناحية العاطفية البريئة، ولم يغب عني أن صديقي ~~كان فخورا بمصاهرة تلك ms158 الأسرة رغم ثوريته وإخلاصه وطيبته، وأما رضا حمادة فقال لي: ~~إنها طبقة تتطلع إلى أن تحل مكان طبقة! # ثم كان الاعتداء الثلاثي وانقلابه على المعتدين، ولكن صديقنا قدري رزق أصيب في ساقه، ~~وفقد عينه اليسرى فاضطر إلى ترك الجيش، وعين في وظيفة ثقافية كبيرة بوزارة الإرشاد. ~~وبتوليته للوظيفة الجديدة بدأ اهتمامه بالثقافة لأول مرة في حياته، فكان يعمل نهارا ~~ويدرس ليلا، وأثبت أنه عالي الهمة في التحصيل والإدارة. وكان في إجازة شهر العسل حينما ~~نشبت الحرب فاستدعي من بين أحضان عروسه للقيام بواجبه العسكري فأصابه ما أصابه. ولما ~~أعلنت القوانين الاشتراكية بعد ذلك بأعوام بدأ يدرس الاشتراكية بنفس الهمة التي درس ~~بها الثقافة، وكان على استعداد دائما للإيمان بما تدعو الثورة للإيمان به؛ إذ إن إيمانه ~~الحقيقي كان بالثورة، بالثورة وحدها. والحق أنه كان وما زال برجوازيا في أخلاقه وآماله ~~وأحلامه وتقاليده، ولكنه كان وما زال برجوازيا ذا لسان اشتراكي، ولم يجئ ذلك عن نفاق ~~أو خوف، ولكن بدافع إخلاص حقيقي للثورة وما تنادي به، وإني لأعده من أخلص الرجال ~~وأنقاهم وأنزههم، كما كان من أشدهم سخطا على المستغلين والمفسدين ممن خانوا أمانة ~~الثورة، ولما حاقت بنا هزيمة 5 يونيو 1967 زلزل لها كيانه حتى خيل إلي أنه ~~يموت وهو حي، وتساءل فيما يشبه الهذيان: أيذهب ذلك التاريخ كله هباء؟! # ونظر في وجوهنا بوجه شاحب وتساءل مرة أخرى: أنركع مرة أخرى تحت أقدام الرجعيين ~~والاستعماريين؟! # وكان يجاهد بعنف ليسترد أنفاسه اللاهثة، وليخلق في الضياع أملا جديدا، وليحول الهزيمة ~~إلى درس وعبرة، وكلما مر يوم دون استسلام استرد بعضا من عافيته، وعكف على أرض الواقع ~~الصلبة يحفرها بأظافره لعله يستخرج منها بعض قطرات من ندى الأمل. وما أشبهه في ذلك ~~بالدكتور عزمي شاكر أو الدكتور صادق عبد الحميد، وكان يقول: ما تاريخ العرب الحديث إلا ~~سلسلة من الهزائم أمام الرجعية والاستعمار، ولكن ما يكاد اليأس يخيم حتى ينبثق من ~~ظلماته نور جديد، وهكذا ذهب التتار والصليبيون والإنجليز وبقي العرب! # وهو يريد ms159 للثورة أن تبقى، وأن تنتصر، مهما كان الثمن، كيلا تتعثر النهضة في زمن لم يعد ~~يسمح بالتخلف يوما واحدا، ويتابع أنباء القتال وهو آسف على أنه لم يعد في إمكانه الاشتراك ~~فيه، ويحزنه أن نتلقى ضربة دون أن نردها بالمثل، ولذلك فهو ينتظر على جمر اليوم الذي ~~نستكمل فيه استعدادنا للقتال، إنه يعيش يوما فيوما بل ساعة فساعة في متابعة وقلق وترقب ~~وأمل ومحاسبة للنفس لا هوادة فيها. وبصرف النظر عن آراء الأستاذ سالم جبر المتناقضة، ~~وسخريات عجلان الحادة، وانتقادات رضا حمادة المرة؛ فإن قدري رزق يعتبر رجلا ~~محترما ومخلصا من رجال ثورة يوليو، وقد يتعذر تعريفه على ضوء المبادئ العالمية، ~~ولكن يمكن تعريفه بدقة على ضوء الميثاق، فهو يؤمن بالعدالة الاجتماعية إيمانه بالملكية ~~الخاصة والحوافز، ويؤمن بالاشتراكية العلمية إيمانه بالدين، ويؤمن بالوطن إيمانه بالوحدة ~~العربية، ويؤمن بالتراث إيمانه بالعلم، ويؤمن بالقاعدة الشعبية إيمانه بالحكم المطلق، ~~وعندما يقبل علي وهو يعرج ويطالعني بعينه الباقية ينبض قلبي بالمودة والإكبار. # | كامل رمزي # تعارفنا عام 1965 في بيت الدكتور عزمي شاكر، كان حديث عهد بالحرية بعد أن قضى في ~~الاعتقال خمسة أعوام. وهو أسمر نحيل طويل أصلع كبير الرأس صغير العينين براقهما في ~~الخمسين من عمره، دكتور في الاقتصاد، وكان أستاذا بكلية التجارة حتى تاريخ القبض عليه. قلت ~~له: قرأت كتابك عن المذاهب الاقتصادية وأشهد بأنه أمتعني بقدر ما أفادني. # فشكرني وقال: كانت الحياة الجامعية تناسبني جدا! # وقال الدكتور عزمي شاكر: اتهم خطأ بالنشاط العملي أما الحقيقة فهي أنه أستاذ مفكر، ~~لا يجاوز نشاطه مجال التفكير والتأليف. # وفي نفس الأسبوع الذي تعارفنا فيه ولي منصبا كبيرا، وقال لي عزمي شاكر للمناسبة: ~~إنه مثال في العلم والحزم والنزاهة. # وكان صديقا لسالم جبر وزهير كامل، وعرفته بدوري لرضا حمادة وقدري رزق والدكتور صادق ~~عبد الحميد، فنال احترامهم جميعا، ولكن لم يغال أحد في حبه! وقد أشعرني حديثه بالصدق ~~والصراحة والعلم، وهو ممن أتموا تعليمهم بإنجلترا، وذو اطلاع شامل في الاجتماع ~~والسياسة، وله قدرة فائقة في ms160 المناقشة والجدل، ويتكلم إذا تكلم بثقة وصراحة وقوة، ولا يؤمن ~~في شيء بالحلول الوسطى، ولا بالمجاملة، ولا بالتسامح، بل يؤمن برأيه لحد التعصب، ولا يطيق ~~المعارضة فهي تثير أعصابه وتخرجه عن الاتزان اللائق بمركزه، فسرعان ما يهدر غاضبا بالحجج ~~والأدلة وكأنه يخوض معركة حامية. وهو يشبه عبد الوهاب إسماعيل في تعصبه على تناقضهما ~~في الأسلوب، حتى قلت مرة للدكتور عزمي شاكر: إنه عالم ولكنه ذو عقلية ~~دينية. # فقال: إنه متعصب بلا شك، ومشتعل في مناقشته، ولكن أعصابه لم تفسد بهذه الصورة إلا ~~بعد تجربة الاعتقال. # وبمزيد من الاختلاط به عرفت زوجته وهي دكتورة في الاقتصاد أيضا، ومدرسة بكلية ~~التجارة ومثال مشرف للمرأة المصرية. وعرفت له أسلوبا في الحياة يعتبر غريبا في ~~عصرنا، فهو يميل إلى التقشف في ملبسه وطعامه الذي يشبه الرجيم، وإلى ذلك فهو لا يدخن ~~ولا يذوق الخمر، وقد قال لي مرة: لم أعرف المرأة قبل الزواج، وقاومت جميع المغريات وأنا ~~طالب في البعثة! # وأدهشني أن يصوم في رمضان رغم إيمانه الكامل بالمادية الجدلية وسألته: ما معنى ~~ذلك؟ # فضحك قائلا: كان أبي عاملا بسيطا، وكان متدينا، فربانا تربية دينية شاملة فنشأت في ~~أحضان الأخلاق الإسلامية، ولم أستطع بعد ذلك التخلي عنها إلا فيما يناقض عقيدتي الجديدة، ~~وكان الصيام فيما استبقيت من العادات القديمة، فهو رياضة تناسب سلوكي تماما. # وتفكر قليلا ثم قال: العظمة الحقيقية للدين لا تتجلى إلا عندما تعتبره لا ~~دينا! # وذكرني في الحال بالحاج زهران حسونة، فذهلت للفارق الهائل بينهما مثل الفارق بين ملاك ~~وشيطان، وقلت له: لا يمكن أن تخلو حياتنا من تناقضات كثيرة. ~~- المهم أن نعمل للمستقبل. ~~- وطبعا أنت تؤمن بالشيوعية؟ ~~- ذلك حق. # فسألته باسما: أتعتبر نفسك مخلصا للثورة التي تعمل في جهازها؟ # فقال بوضوح وقوة: خلقت لأعبد العمل وأخلص له. ~~- إني أسأل عن إخلاصك للثورة؟ # فأخذ شهيقا عميقا كأنه الترجمة الجسمانية لتفكيره وقال: لم أكن في يوم من الأيام ذا ~~وجهين، وما دمت قد قبلت العمل في جهازها فأنا مخلص لها. # فقلت باسما: ms161 هذا هو الجواب الذي أسأل عنه، ولكن ينقصه شيء ما! ~~- عظيم، أنا مخلص لها ولكني غير مؤمن بها، أو غير مؤمن بها إيمانا كاملا، حسبي في الوقت ~~الراهن أنها تمهد السبيل إلى الثورة الحقيقية! # فأشرت إلى صديقنا الدكتور عزمي شاكر وقلت: ما أشبه موقفك بالموقف الذي اتخذه هذا ~~الرجل من بادئ الأمر. # فضحك، ورغم ضحكه قال بحدة: لقد سلم قبل المعركة أما نحن فسلمنا بالأمر الواقع بعد ~~أن أثبتت المعركة عقمها. ~~- لعله كان أبعد نظرا! ~~- اسمح لي في هذه الحال أن ألعن بعد النظر! # وكان عزمي شاكر كبير الإعجاب به، وكذلك رضا حمادة على تناقضهما في المبدأ، وكانت شخصية ~~كامل رمزي تغرينا بتحليلها وتقييمها، ويوما قال رضا حمادة: لقد تشفعت به في نقل موظف ~~فأعطاني درسا قاسيا في فساد الوساطة، ومع أنني استأت في نفسي إلا أنني ازددت إعجابا ~~به. # فقال عزمي شاكر: بل أوصاه وزيره بموظف فاعتذر من عدم التنفيذ حرصا على مبادئ ~~العدالة! # فقلت بدهشة: وزيره نفسه؟ ~~- أجل، إنه خلق صلب غير قابل للثني، ولذلك أشك كثيرا في إمكانية بقائه في ~~منصبه! # فسأله رضا حمادة: هل يستغنون عن موظف لاستقامته؟ ~~- إن الأسباب التي تدعو للاستغناء عن موظف لاستقامته أكثر من الأسباب التي تدعو ~~للاستغناء عنه لانحرافه! # واعترف لي كامل رمزي نفسه بأن أحدا في إدارته لا يحبه بدءا من الفراش حتى الوزير، ~~قال: لا أستطيع أن أهتم بعواطف الناس والمصلحة العامة معا، إن منصبي يحتاج لألعبان لا ~~لموظف أمين! # ثم قال بازدراء: نحن شعب المصاطب والمجاملات والمساومات. # وضحك عاليا وقال: لقد عبدنا مصطفى النحاس يوما لا لشيء إلا لنزاهته وصلابته في الحق، ~~وهما صفتان جديرتان بكل مواطن عادي، ولكن لندرتهما جعلنا منهما دعامتين أساسيتين لزعامة ~~شعبية! # فسألته: هل عبدت مصطفى النحاس يوما؟ # فقال بصراحته المعهودة: كنت وفديا، وعطفي على الوفد عاش طويلا في نفسي حتى بعد نضوب ~~إيماني به. # وحملق في وجهي بعينيه البراقتين وقال: قل في الوفد ما شئت، ولكن لا تنس أنه كان حزبا ~~شعبيا بالمعنى ms162 الدقيق لهذه الكلمة، وأنه كان يغير سياسته أحيانا إذعانا لمشيئة ~~التلاميذ بالمدارس الثانوية! # ثم حدثني عن أحداث عام 1935، وكيف ناقش مصطفى النحاس ضمن وفد من الطلبة، وكيف احتدت ~~المناقشة بين الطرفين، وكيف عدل الوفد عن تأييد وزارة توفيق نسيم، فأعلن الثورة على لسان ~~مكرم عبيد، وكيف سالت الدماء عقب ذلك بأقل من ساعة! # ولم يعمر كامل رمزي - كما تنبأ عزمي شاكر - في وظيفته طويلا، باشرها عاما واحدا حتى ~~ضج جميع أهل الأرض من صلابته ونزاهته، وإذا بجرائد الصباح تنشر خبر نقله إلى مؤسسة ~~صحفية. # ومن عجب أن عمت الشماتة به أكثرية الناس، ولم أدهش لذلك كثيرا، وذكرت في الحال مأساة ~~الأستاذ طنطاوي إسماعيل رئيس السكرتارية القديم، كما ذكرت الدكتور سرور عبد الباقي، وقلت ~~لنفسي إن أمثال أولئك الرجال يغلقون الأبواب في وجوه الوصوليين والانتهازيين وما ~~أكثرهم، كما إنهم بقوة أخلاقهم يفضحون الضعفاء أمام أنفسهم فيمتلئون حقدا عليهم، لذلك ~~لم أسمع رثاء له إلا بين خاصة أصدقائه، وأما هو فقد غضب وفاضت نفسه مرارة وخيل إليه أن ~~نواميس الطبيعة تقلقلت وشذت عن مداراتها، ولكن ذلك لم يمنعه من مزاولة عمله الجديد بنفس ~~الهمة والنزاهة والقوة السابقة، بل إنه وجد فراغا لم يكن يجده فاستأنف نشاطه العلمي، ~~وشرع في وضع قاموسه السياسي، وكان وما زال شعلة من النشاط المتواصل، ونورا يطارد ظلمات ~~اليأس. # | كاميليا زهران # يوم أقبلت علينا في السكرتارية بفستانها الأنيق، وشعرها الأسود المقصوص المطوق لرأسها ~~تذكرت عبدة سليمان، ولكن ما أبعد المسافة بين عام 1944 وعام 1965! اختفت الوجوه القديمة ~~مثل طنطاوي إسماعيل، وعباس فوزي، وعدلي المؤذن، وعبد الرحمن شعبان، وعم صقر. اجتاحت ~~السكرتارية موجة من الشباب نصفها من الجنس اللطيف، وها هي كاميليا زهران تنضم إلينا كأحدث ~~قطفة من تلك الأزهار، وكنا ألفنا وجودهن بيننا، كما ألفنا الشائعات التي تلاحقهن في الفترة ~~الحرجة التي تسبق الزواج، وأكثرهن تزوجن من شبان خارج وزارتنا عدا واحدة تزوجت من زميل ~~في الإدارة القانونية، ولم تهجر واحدة منهن العمل بسبب الزواج. # وكاميليا زهران حقوقية ms163 في الثالثة والعشرين، وقد استقبلت عملها بامتعاض لإلحاقها بعمل ~~كتابي بعد دراسة قانونية توشك أن تذهب هباء، وسرني أن أطالع في عينيها نظرة مستقيمة ~~وجريئة جاوزت بشكل ملموس نظرة الحريم المستكينة الخاملة، ومع ذلك شعرت بطريقة ما بعمق ~~تجربتها في الحياة، وأنها لا تكاد تختلف في أمر جوهري من هذه الناحية عن زميلها الجالس ~~إلى جانبها. وسرعان ما رفع الحجاب الكلفة بينها وبين الزملاء، ولكنه لم يجاوز حدود الأدب ~~التقليدية، شأن من تنظر إلى المستقبل بحكمة وتعمل حسابا للعقد الشرقية التي يحملها الزملاء ~~من أسلافهم في البيوت. # وعقب الإجازات الصيفية حدثني زميل قديم نسبيا في الإدارة فقال: لعلك لا تدري أن ~~كاميليا زهران راقصة بارعة؟ # فسألته بدهشة: راقصة؟! ~~- رأيتها في هانوفيل تراقص شابا وكانت مندمجة في الرقص بنشوة كأنها نغمة. # فقلت متوثبا للدفاع: لم يعد عيبا ما كان يعد عيبا على أيامنا. # فهرش رأسه قليلا ثم قال: أود أن أتخيل كيف تكون الحياة مع زوجة مثلها؟ # فقلت: إن نسبة الطلاق في هذه الأيام أقل من نظيرتها على أيامنا، وكذلك نسبة تعدد ~~الزوجات! # فقال ضاحكا: الظاهر أنك رجل عصري رغم كهولتك؟ ~~- أود لو كنت من أبناء هذا الجيل، لا استخفافا بمتاعبه ولكن لتخففه من كثير من العقد ~~التي نغصت علينا صفو الحياة. # وقد قلت مثل ذلك لصديقي رضا حمادة، وهو أقرب أصدقائي القدامى إلى المحافظة، فسألني عما ~~أعني فقلت: تبادل الحب في جو من الصراحة الصحية خير من الكبت والتقلب بين أذرع ~~البغايا. # فقال بارتياب: يخيل إلي أن الحب كالديمقراطية أصبح معدودا من المهازل ~~البائدة! # وكنت أرهف السمع كلما دار الحديث بين الشباب في إدارتنا، ومن كلمات متناثرة أدركت ~~أشياء لا بأس بها، خاصة عن كاميليا التي استحوذت على اهتمامي أكثر من غيرها لحداثتها، ~~فأسرتها مثلا متوسطة وهي أول من توظف من إخوة خمس، وليس من الصعب تخيل المتاعب التي ~~تعانيها أسرة من ذلك النوع والدرجة، ولا المتاعب التي تتحدى الفتاة كإنسانة مستقلة ~~ومسئولة عن نفسها وربما عن أسرتها جزئيا، وما ms164 تطالبها به الحياة العصرية من نفقات، وما ~~يطالبها به المستقبل كفتاة تتطلع إلى عريس محترم، ولذلك فإن اهتمامها بالشئون العامة ~~اهتمام سطحي، وهي تسلم بأشياء تسليما واقعيا دون تفكير ولا إيجابية مثل الدين ~~والثورة، ولكن حياتها الخاصة هي شغلها الشاغل، وما حياتها إلا الحب والزواج وثمرات ~~الحضارة الحديثة. # وندر أن صادفتنا أنثى تهتم اهتماما حقيقيا بالدين أو الفلسفة أو السياسة، ولعل تفسير ~~ذلك أننا لا نزامل منهن إلا الأوساط أما النابغات فلهن طريق آخر في الجامعات أو ~~الحياة العامة، وللدكتور زهير كامل رأي في الموضوع. قال: عدم اهتمام المرأة بالعقائد ~~والفلسفات يقطع بأنها - العقائد والفلسفات - معطلة للنشاط الحيوي الحقيقي. # وقال أيضا: المرأة لا تعنى إلا بالخلق وما يتعلق به، هي خالق جميل، الخلق محور حياتها ~~كلها، أما ما عدا ذلك من نشاطات فهي من صنع الرجل وهي ضرورية للسيطرة لا للخلق! # وقال أيضا: الدنيا هي هدف المرأة ومعبودتها، وبمعنى آخر هي هدف الخلق، وهذا يدل على ~~أننا خلقنا لنهتم بالدنيا دون سواها، وأن كل ما عداها باطل، وأن الخلود يجب أن يتحقق ~~فيها، ولو أن الأديان تصورت الله على صورة امرأة لأهدتنا حكمة جديدة هي السعادة ~~الحقيقة! # وربما تعذر تفسير هذه الآراء على ضوء ما عرفنا من عقلية زهير كامل، ولكن لن يتعذر ~~تفسيرها على ضوء حياته؛ إذ كان يعاني الحنين إلى زوجته وابنته اللتين هاجرتا إلى الخارج، ~~كما كان يفتح قلبه لحب جديد، حب نعمات عارف، وكانت تظلنا سحابة من الغم والنكد في ~~أعقاب هزيمة يونيو عندما قال لي الزميل القديم: توجد أحداث غريبة لا صلة لها ~~بالمعركة. # فسألته عما يعني فقال: كاميليا زهران تلعب مع المدير العام تلك اللعبة القديمة. # حقا أصبح المديرون في سن الشباب لا كالعهد القديم، ومديرنا العام في الأربعين، ولكنه ~~متزوج وأب وذو سمعة - من هذه الناحية على الأقل - طيبة. قلت: ولعلها إشاعة! ~~- ولعلها حقيقة! # فسألته: وما تفسيرك للأمر؟ ~~- لعله حب، وإن صح هذا الفرض فسيخرب بيت ويقام مكانه بيت جديد. # وصمت مليا ثم ms165 عاد يقول: ولعلها اللعبة القديمة على طريقة شرارة النحال. ~~- هل تسللت انتهازية جيلنا إلى الجيل الطازج؟ ~~- إن المغريات اليوم أقوى وأعنف. # فقلت بامتعاض: لعل الانتهازية يعترف بها في النهاية باعتبارها أخلاقا جديدة، ~~ومهارات جديدة مثل التكنولوجيا! # وحدثت صديقي الدكتور عزمي شاكر في الموضوع وقلت له: إنك مفكر بارع، فلم لا تدرس ~~الأخلاق الجديدة؟ أعني الأخلاق الصالحة للعصر الحديث، التي يجب أن تستلهم من المجتمع ~~الجديد لا من القيم القديمة. # فسألني: ما الذي دعاك إلى هذا التفكير؟ # فقلت وأنا من الاستياء في غاية: انظر إلى مآل صديقنا الدكتور كامل رمزي، وعندي نظائر له ~~عرفتهم في مجرى الحياة ممن نعدهم أمثلة طيبة للإنسان، ألا يجوز أن أخلاقهم لم تعد صالحة ~~للعالم الحديث؟ # فقال باسما: إنك تنفس عن مرارة نفسك. ~~- الحق أني حائر وحزين. # وتفشت الشائعات عن كاميليا والمدير، وأصبح الشك يقينا عندما نقلت أخيرا إلى الإدارة ~~القانونية، ولكن لم يخرب بيت، ولم يقم محله بيت جديد، ولما تعين عندنا صبري جاد نشأت بينه ~~وبين الفتاة علاقة حب صادقة. ومع أنه بدا أول الأمر متمردا ومستهترا إلا أنه أحب ~~كاميليا كما أحبته، وبالرغم من أنه كان يصغرها بعامين أو أكثر إلا أنهما أعلنا خطوبتهما ~~رسميا، وسعدت أنا شخصيا بهذه النهاية السعيدة، التي شدت الاثنين إلى حياة أصيلة ~~ومسئولية جادة من شأنها أن تعيد خلق الإنسان وتضمه إلى الركب الجاد في الطريق، ويوما بعد ~~يوم فإن إيماني يرسخ بأن نقاء الإنسان يجيء من الخارج بقدر ما يجيء من الداخل، وأن ~~علينا أن نوفر الضوء والهواء النقي إذا أردنا أزهارا يانعة. # | ماهر عبد الكريم # كان أستاذا مساعدا بالكلية عندما التحقت بها عام 1930، وكان في منتصف الحلقة ~~الرابعة، يتمتع بسمعة علمية وأخلاقية وإنسانية كأنها عبير المسك، ولم أعرف أستاذا فتن ~~طلبته بسجاياه الروحية وسماحة وجهه مثله، وهو سليل أسرة عريقة، عرفت بثرائها كما عرفت ~~في التاريخ الحديث بولائها للحزب الوطني، وعد هو بالتبعية من الموالين للحزب، ولكن ذلك ~~لم ينل من حبنا له، والحق أنه لم ms166 يعلن عن ميل سياسي قط، ولم يقع في رذيلة التعصب أبدا، ~~ولم ينطق في حديث عن هوى أو تحيز أو حقد، ووهب نفسه للعلم والخير، قال لنا مرة الدكتور ~~إبراهيم عقل: لو كان جميع الأغنياء مثل ماهر عبد الكريم لقررت أن المثل الأعلى للإنسان أن ~~يكون غنيا! # والحق أن كرمه كان يلتهم ثروته، فلم يصد محتاجا قط، وكان يجود بالإحسان سرا ~~كأنما يتستر على عيب، وكان مثالا لسعة الصدر، هكذا كان في مناقشاته العلمية والعامة، بل ~~والسياسة إذا جر إليها جرا، وكأن أسارير وجهه لم تهيأ أصلا إلا للتعبير عن التأمل أو ~~الترحيب أو البشاشة، وغير قابلة للإفصاح عن الحدة أو الغضب. وكان قصره القديم بالمنيرة ~~ملتقى أهل العلم والأدب والفكر، وبه متسع دائما لطلبته فيقدمهم إلى الكبار ويعاملهم ~~معاملة الأنداد، وما أكثر الذين عرفتهم في صالونه من رجال الفكر. وكان التيار الجارف في ~~أحاديث الصالون ثقافيا بالمعنى العام، ولم تكن السياسة لتخالطه إلا في ظروف نادرة، ومع ~~ذلك لم يتردد الأستاذ سالم جبر عن إثارة موضع فوارق الطبقات يوما من أيام عام 1931 عقب ~~عودته من رحلة في فرنسا، قال: إنهم في بعض الأوساط يحتقروننا لسوء حال شعبنا! # فابتسم الدكتور ماهر عبد الكريم وقال: أعتقد أنها حالة سيئة. # فقال الدكتور إبراهيم عقل مخاطبا سالم جبر: إنك تزور في فرنسا أوساطا متطرفة لعلها ~~تضمر نفس الاحتقار لفرنسا أيضا، على أن الإنسان لا تتقرر حاله الحضارية بما يملك، ولكن ~~بما ينبض به فكره وقلبه، وأنا شخصيا أعتبر الفقير الهندي أجل إنسانية من فورد أو ~~روكفلر! # واحتد سالم جبر فاتهمه بالمثالية الرجعية، كما اتهمه بالصوفية التي يعدها ~~مسئولة عن تأخر الشرق. # ولم يكن ماهر عبد الكريم يفكر كما يفكر سالم جبر، ولكنه اعتقد دائما بأن الإسلام ~~يكفل للناس عدالة اجتماعية شاملة، كما اعتقد أن نشر التعليم يحقق الغاية نفسها بطريقة ~~أخرى. ويوما دعاني أنا وجعفر خليل - عقب إحدى المحاضرات - لمقابلته في قصر المنيرة، ~~ووجدناه وحده في بهو الاستقبال، فرحب بنا وقال: ستزورني ms167 آنسة أمريكية بناء على طلبها، وقد ~~اخترتكما مترجمين بيني وبينها. # وكان يجهل الإنجليزية، ولعله فضل أن يستعين بنا على أن يستعين بأحد من زملائه ~~الكبار، حتى تتبين له أسباب الزيارة الغريبة، وعند الغروب قدمت فتاة شقراء آية في ~~الجمال في العشرين من عمرها، فسلمت وجلست وهي تعتذر عن تطفلها، وقدم لنا الشاي ~~والحلوى، وراحت الفتاة تقص قصتها فقالت إنها تزور مصر ضمن مجموعة من الشباب، وإن أمها ~~كلفتها بالبحث عن شخص في مصر يدعى ماهر عبد الكريم كان طالبا بالسوربون في أعقاب الحرب ~~العظمى، وإن مدير الفندق دلها عليه وطلب قصره لها بالتليفون، ووضح لنا من تبادل الحديث ~~أن أمها كانت زميلة لأستاذنا في باريس، وأنها كانت صديقته أيضا، وأنها انتهزت فرصة سفر ~~ابنتها إلى مصر لتحملها تحياتها إليه. # وعلى طول الزيارة دار الحديث حول الذكريات القديمة الجميلة، وما آل إليه حال الصديقين ~~القديمين في الوقت الحاضر. وعندما غادرنا القصر قلت لجعفر خليل: الظاهر أن تأثير أستاذنا ~~فيمن حوله سجية قديمة فيه منذ عهد الشباب. # فغمز جعفر بعينه وقال ضاحكا: ولكن التأثير في النساء ذو مغزى آخر! # ثم قال بإيمان: الحق أن جمال الرجل يؤهله لدور الفتى الأول في أفلامنا! # فرددت قول الفرزدق الذي كان يذكرني دائما بوجه أستاذنا: # يغضي حياء ويغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم # وقلت لجعفر: ما أتصوره أبدا متخليا عن وقاره، فإذا كان الوقار لباسا لغيره فهو منه ~~بمثابة اللحم والعظم. # والحق أنه لم يؤخذ عليه طوال حياته ما يمس السمعة أو السلوك. وعند هذه النقطة أرى لزاما ~~علي أن أعرض لشائعة اقتحمته في فترة القلاقل التي اتسمت بالاغتيالات السياسية في أعقاب ~~الحرب العظمى الثانية. قيل إنه رفع خطابا سريا إلى الملك فاروق يحذر من مغبة التمرد ~~الذي يجتاح الشباب، مفصلا أسبابه وبواعثه ومقترحا العلاج له. سمعنا ذلك فيما نسمع من ~~شائعات في المقاهي، وحتى اليوم لم أتأكد من صدق الشائعة، وكل ما قيل عنها كان ضربا من ~~التخمين، ونتيجة للأهواء السياسية المتنازعة، فقال ms168 وفديون إنه اقترح على الملك حل ~~الأحزاب وإقامة ديكتاتورية صالحة تعجل بالإصلاح وتربي الشباب تربية دينية علمية، وقال ~~المتطرفون من تلاميذ سالم جبر إنها دعوة لثورة مضادة يراد بها تفادي الثورة الحقيقية، ~~أما أنا فساءتني الرسالة - مهما كان مضمونها - باعتبارها انتهاكا لحرية الدستور ~~واستهتارا بسلطة الشعب، ووجدتني في حرج شديد بين إجلالي لأستاذي وبين موقفي السياسي ~~الواضح، ووجدت حرجا أكثر من مفاتحته بالموضوع، غير أن جعفر خليل وجد الجرأة لمفاتحته! ~~حدث ذلك عندما زرنا الأستاذ معا ليودعه جعفر خليل قبل سفره إلى الولايات المتحدة، ~~وعند ذاك أخبره صديقي المرحوم بما يشاع وبما يقال، وأنصت الدكتور في هدوء وابتسام، ثم ~~سأله: صدقت ما يشاع وما يقال؟ # فتراجع جعفر خليل قائلا: كلا. # فاكتفى الأستاذ بقوله: عظيم! # ويدعوني ذلك إلى تذكر رأي رجلين فيه، أحدهما صديق له قديم هو الأستاذ سالم جبر، والآخر ~~مريد من مريديه هو الأستاذ عباس فوزي، أما سالم جبر فكان يحبه ويعجب به، ولكنه يرى أنه ~~من طبقة النبلاء لم يعرف الفقر ويرى الشعب من فوق وله رؤيته الخاصة، وهي رغم جاذبيتها ~~ونقائها غريبة عنا كأنها لغة كوكب آخر. # أما عباس فوزي - معجم السخريات اللاذعة - فكان يعرب عن رأيه فيه، ولكن في حذر وعلى ~~مهل، ونقطة نقطة متجنبا سكب ما في نفسه دفعة واحدة، فيوما قال عنه: إنه وجيه نبيل، ~~مملوك من نسل مماليك! # وتأملت قوله طويلا على ضوء ما أعرفه من خبثه، وساءلت نفسي عما يقصد الشيطان، ومرة ~~استمع إلى ثناء جميل مني على الأستاذ ثم قال: هذه هي فضائل الأغنياء النبلاء وهي فضائل ~~لم تتعرض للتجارب المريرة! # ومرة ثالثة قال لي: في مصر لا يجتمع النبل والثروة والعلم، ولكن النبيل الغني متعالم، ~~يستغل ذكاء الفقراء، يجمعون له مواد البحث ويقترحون عليه الأفكار، أما هو فيصغي بوقار ~~ويوقع بإمضائه! # ومرة رابعة قال لي: أستاذك ذواقة لكل طعام جيد، يلتهم في اليوم ما يكفي لغذاء لواء من ~~الجيش، خبرني يا عزيزي متى يفرغ من الهضم ليتفرغ للتفكير والبحث؟ # ولكنا ms169 كنا نتصل بعقل الأستاذ اتصالا مباشرا، وندرك مدى ما يتمتع به من دقة ووضوح ~~وغزارة في العلم، ومرت به الأحداث وهو ثابت في وقاره، ولكني استشففت قلقا في ذاته في ~~مواقف من حياتنا لا تنسى، مثل الاغتيالات السياسية، حريق القاهرة، ثورة يوليو، القوانين ~~الاشتراكية، ولكنه لم يجاوز القصد أبدا، ولا أظن أن إقطاعيا تلقى الضربة ~~التاريخية في مثل هدوئه، تلك الضربة التي نزعت من يده عشرة آلاف من الأفدنة، وقد باع قصره ~~القديم بالمنيرة، واشترى فيلا جميلة بمصر الجديدة، ما زالت حتى اليوم تستقبل أهل الفكر ~~والرأي، وواصل عمله الجامعي بنفس الهمة حتى أحيل إلى المعاش عام 1954 لبلوغه السن ~~القانونية، فعمل أستاذا زائرا، وعين عضوا في المجلس الأعلى للآداب، ونال جائزة الدولة ~~التقديرية في العلوم الاجتماعية، كما نال وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، إذن قدرت له ~~الثورة مكانته العلمية، وسمعته العطرة، واستقامته العامة التي أبعدته عن الشبهات، وهو وإن ~~لم يعلن ولاءه للثورة لبعده عن مجالات الإعلام ولرغبته عن إقحام نفسه فيها بطريقة غير ~~طبيعية أن يرمى بشيء مما يمس الكرامة، فإنه لم يتردد في إعلان ذلك الولاء في مجالسه ~~الخاصة، فقال يوما: إني مقتنع بما يقع فهو أقل ما يمكن عمله كي يصلح الوطن للحياة وتصلح ~~الحياة له. # ولم أستشعر في حديثه أو سلوكه أي أثر لمرارة، ولا معنى بعد ذلك للتنقيب في الأفئدة، فلا ~~يطالب مثله بأكثر من ذلك، أكثر من أن يواجه بحكمة ثورة تاريخية منطلقة أصلا لاقتلاع ~~طبقته، وأن يقنع نفسه بها فلسفيا كحركة تاريخية حتمية لا مفر منها طال الزمان أو قصر. ~~وفي عام 1969 احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين، فازدحم الصالون بمن بقي على قيد الحياة من ~~أساتذة الجامعة القدامى، وبالأصدقاء سالم جبر ورضا حمادة وعزمي شاكر وكامل رمزي وقدري ~~رزق وجاد أبو العلا وعباس فوزي وصادق عبد الحميد ونعمات عارف نيابة عن زوجها زهير كامل، ~~وهفت علي ذكريات إبراهيم عقل وجعفر خليل، ورأيت قلة من الشباب بينهم صبري جاد وزوجته ~~كاميليا زهران، ms170 ولكن غلب الشعر الأبيض والتجاعيد والنظرات المجردة والعصي، ولم أشعر من قبل ~~كما شعرت ذلك اليوم بمرور الزمن وثقله وجلاله وغدره وأبديته وأثره وترفعه وتواضعه ~~وحكمته ونزقه، كأنما غفوت في الديزل إغفاءة طويلة استيقظت بعدها في محطة سيدي جابر. ورغم ~~كل شيء فقد بقي لماهر عبد الكريم عيناه الزرقاوان الواسعتان وابتسامته الغازية ووقاره ~~العذب. قال أستاذنا: لا احتفال بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، فلا يجوز أن نحتفل ونحن نقاتل، ~~ولكنها فرصة طيبة للاجتماع. # وشرق الحديث وغرب ولكنه كان يرتد إلى بؤرة واحدة وهي الصراع في الشرق الأوسط، ~~ويعالج على مستويات سياسية واقتصادية وفلسفية ودينية ، ويتفرع إلى الموقف العالمي والكشوف ~~العلمية والمشكلات العامة الإنسانية والاضطرابات الخطيرة في الغرب والشرق وذبول القيم ~~والمستقبل، أجل المستقبل، وبأي وجه يطالعنا، وطغت موجة من التشاؤم، وترددت كالهنك المطرب ~~بين الشيوخ، طوبة يرمون بها الدنيا المولية، واشترك أستاذنا في الجوقة ولكن بنغمة أخرى، ~~وفجأة قال: رحم الله إبراهيم عقل. # ما الذي دعاه إلى تذكره؟ كان أحب الأصدقاء إلى قلبه، ولم أشهد دمعه إلا يوم جنازته عام ~~1957، وتذكرت بدوري كلمته لنا قبيل التخرج، وعاد يقول: سلم بالإيمان تسليمه بالموت ~~وبالحقائق الملموسة مثل شروق الشمس. # وابتسم طويلا ثم قال: قولوا في الدنيا ما شئتم، لا جديد في التشاؤم، ولكن الحياة في صالح ~~الإنسان وإلا ما زاد عدده باطراد، وما زادت سيطرته على دنياه. # | محمود درويش # كان يستلفت الأنظار بين طلبة الكلية بطول قامته ونحول قده، وسرعان ما تميز بذكائه ~~واجتهاده الخارق، فاكتسب مكانة محترمة بين الزملاء ولدى الأساتذة المصريين والأجانب، وكان ~~دقيق الملامح وسيما، ولكنه كان أيضا جافا منطويا على نفسه، يزامل ويصاحب، ولكنه لا ~~يعرف الصداقة، كان صديقه الحقيقي الكتاب، وكان أبوه إمام مسجد بالجيزة، يشكو كثرة العيال ~~وقلة المال، فكان محمود درويش يعاني حياة متقشفة، ومن أول يوم نشأ سوء تفاهم بينه وبين ~~عجلان محمود، وهو يقول إن أباه إمام مسجد فضحك، فسأله محمود درويش: ماذا يضحكك؟ # فأجاب عجلان: ألا يضحكك أن تكون الإمامة وظيفة؟ # فغضب محمود ms171 وقال له: أنت قليل الأدب. # وهتف به عجلان: اخرس! # وفصلنا بينهما، ولكنهما أصرا على الخصام إلى النهاية، وفي حادثة سرقة الطربوش التي ~~اتهم فيها عجلان شهد محمود ضده، وكان ضمن الأسباب التي أدت إلى فصله من الكلية، وقد ~~عاتبناه في ذلك ولكنه قال: لا خير في أن نقدم للمجتمع لصا متعلما. # وكانت آثار الكبت والحرمان تتجلى في عينيه كلما وقع بصره على طالبة من الطالبات. وأما ~~سعاد وهبي فكادت تتسبب في جنونه، ولكنه بدلا من أن يغازلها أو يحاول ذلك على الأقل راح ~~يحمل على «تهتكها» حملة كادت تبلغ العلانية، وكان أول من أبلغ العميد عن تبرجها، وعن الفتنة ~~التي تثيرها في قاعة المحاضرات، والظاهر أنه تعرض لأزمات عنيفة وصراعات حادة بين ~~حيويته وبين حرمانه الإجباري، فلم يجد أبوه حلا لذلك - بعقليته الريفية الدينية - ~~إلا أن يزوجه من ابنة عم يتيمة يكفلها فرجع إلى الكلية في العام الدراسي التالي متزوجا ~~من فتاة ريفية أمية، ولكنها أراحت باله، وأطلقت قواه في التحصيل دون عائق. ولم يعد له من ~~اهتمام إلا العلم والتفوق، وكان إذا احتشد لكتابة بحث ما نكلف بكتابته في أثناء السنة ~~الدراسية كتبه بذكاء واقتدار وأحاط به إحاطة تقطع باطلاعه الواسع وبدرايته في استخراج ~~المراجع، ولذلك كان يتابعنا أحيانا ونحن نهدر بأحاديث السياسة، وكأنه عاقل يستمع إلى ~~مجانين، وتساءل مرة: كيف تجدون متسعا بعد ذلك للدراسة؟ # فأجابه طالب متعجبا: كأن الإنجليز يحتلون وطنا غير وطنك، وكأن الملك يستبد بشعب ~~غير شعبك! # ولم يكن يفرق بين مصطفى النحاس وإسماعيل صدقي، وأحيانا كان ينسى اسم «الباشا» الذي ~~يرأس الحكومة، ولما اجتاحت موجة الإضراب الجامعة وقف حيالها غاضبا وعاجزا، وكان يتسلل ~~إلى المكتبة فيقرأ ويقرأ وحده، حتى تغلق أبوابها. ويوما وثب إلى منصة الخطابة عقب خطبة ~~ثورية ألقاها زعيم الطلبة، وثب إلى المنصة، وبجرأة جنونية، دعا الطلبة إلى الانتظام في ~~العمل والعكوف على الدراسة باعتبارها هدفهم الأسمى، وهاج الطلاب وماجوا، وطالبوا بإنزاله، ~~ولولا الاحترام الذي اكتسبه بتفوقه لاعتدوا عليه اعتداء مؤكدا. وصدر ms172 أمر بإغلاق الجامعة ~~شهرا، وفي أثناء ذلك قبض على زعماء الطلبة جميعا، ولما عدنا إلى الكلية وجدت همسا ~~تتناقله الألسنة قال لي جعفر خليل: سمعت؟ .. يقولون إن محمود درويش متصل بإدارة الأمن ~~العام. # فاستفظعت ذلك ولم أصدقه فقال: يقال إن الذي رشحه لذلك أبوه باعتباره من ألسنة إدارة ~~الأمن وعيونهم! ~~- ولكنه شاب مستقيم! # فقال بحزن: ويقال إنه هو الذي أرشد إلى زعماء الطلبة! # كانت إشاعة قوية، ولكن لم يكن من سبيل إلى التأكد منها، وقد تحرش به بعض الطلبة ~~وعرضوا بدوره في المؤامرة، ولكن الدكتور إبراهيم عقل استدعاهم إلى مكتبه وهددهم - ~~إذا عادوا - بإبلاغ أمرهم إلى الجهات المختصة. وعاشت الإشاعة معي زمنا طويلا، وخلقت في ~~نفسي نفورا منه، وبخاصة وأنني استثقلت ظله من أول يوم، وكدت أومن بصدقها عقب تخرجنا ~~عندما اختير محمود درويش عضوا في بعثة إلى فرنسا في فترة من الزمن توقفت البعثات فيها ~~تماما. وانقطعت أخباره عني أعواما طوالا حتى صادفته في مكتب الأستاذ عدلي المؤذن ~~بوزارتنا فتصافحنا وجلسنا نتبادل الحديث، بدا لي وقتها في صورة جديدة، مليئة بالحيوية ~~والصحة والعافية، وطالعتني عيناه من خلال نظارة أنيقة أسبغت على وجهه هيئة العلماء. قال: ~~أنا مدرس اليوم بالكلية. # فقال عدلي المؤذن: وهو شارع في إصدار سلسلة في فلسفة التصوف. # وقال محمود درويش: أدركتني الحرب في فرنسا قبل إتمام الرسالة فسافرت إلى سويسرا وهناك ~~حصلت على الدكتوراه. # ولما غادرنا قال لي عدلي المؤذن ضاحكا: عاد خواجا كما ترى ليجد في انتظاره زوجة ~~ريفية أمية. # وسألته عما قيل عنه يوما من اتصاله بإدارة الأمن العام، وخاصة وأن عدلي المؤذن ~~كان موظفا في ذلك الوقت بإدارة الجامعة فقال عدلي باقتضاب: كلام فارغ. # ولما حكيت تلك الواقعة للأستاذ عباس فوزي ضحك طويلا وقال: يا لك من رجل طيب! ألا ~~تعلم أن عدلي المؤذن نفسه كان متصلا وقتها بإدارة الأمن العام؟ # والتقيت - بعد ذلك بأعوام - بالدكتور محمود في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم بالمنيرة، ~~وكانت قدمه قد رسخت في عالم التأليف، وصدر له ms173 أكثر من ثلاثة كتب عدت من المراجع الهامة ~~في دراسة التصوف في العصر الحديث، وسمعت عنها الثناء تلو الثناء من أستاذنا ماهر عبد ~~الكريم. ويومها سألته عن أحواله فقال: لي أربعة أبناء في كليات الهندسة والتجارة والحقوق ~~والآداب وبنت متزوجة من ضابط طيار. # فسألته باهتمام: هل تمارس التصوف؟ # فأجاب ضاحكا: كلا، ولكن لا مراء في أن الإنسان لا يتخصص إلا في مادة متغلغلة في ~~نفسه. # وفكرت في زوجته التي اختارتها الظروف ربة لبيت من المثقفين وهي بدائية بكل معنى ~~الكلمة، فوددت لو أتسلل إلى أعماق ذلك الجانب من حياته، ولكنه كان يبدو متألقا بالسعادة ~~والنجاح. وقال لي: طبعا علمت بمأساة الدكتور إبراهيم عقل؟ ~~- طبعا، كارثة ولا شك، ولكني لم أرك في جنازة ابنيه؟ ~~- كنت خارج القاهرة، هل حافظت على اتصالك به مذ تركت الكلية؟ ~~- كلا. ~~- إنه أستاذ بلا تلاميذ ولا مريدين. # والتقيت به مرة أخرى في صالون المنيرة، ثم دعي للتدريس في إحدى الجامعات العربية ~~فسافر خارج القطر وانقطعت عني أخباره. # | مجيدة عبد الرازق # في زيارة لسالم جبر في مكتبه بجريدة المصري عام 1950 قدم لي فتاة حسناء قائلا: مجيدة ~~عبد الرازق محررة الصفحة النسائية. # كانت في الثلاثين من عمرها، رشيقة القوام، تطالعك من عينيها السوداوين نظرة ذكية ~~جذابة، ولها شخصية قوية تفرض نفسها لدى أول اتصال، والتقيت بها للمرة الثانية في حفل ~~انتخابي أقامه الدكتور زهير كامل للدعاية لنفسه فسألتها: إذن فأنت وفدية؟ # فقالت باسمة: أنا تلميذة للدكتور زهير كامل. ~~- آداب؟ ~~- قسم الصحافة. ~~- ووفدية؟ ~~- أبعد من ذلك بكثير! # فتساءلت وأنا أنظر في عينيها الجميلتين: ماذا تعنين؟ # فابتسمت ولم تجب. والتقيت بها للمرة الثالثة في بيت زهير كامل فشعرت بأننا ننتقل من ~~مرحلة التعارف الودي إلى مرحلة الصداقة الحقيقية، وعقب ذهابها قال لي الدكتور زهير كامل: ~~إنها مثقفة ثقافة تستحق التقدير وذات شخصية محترمة. # فقلت بحماس: أعتقد ذلك. # وهو يبتسم: وهي شيوعية أيضا! ~~- شيوعية؟! ~~- امرأة مصرية معذبة من ضحايا فترة الانتقال. # وجمعت بيننا صداقة وطيدة واحترام متبادل، وكنا نجتمع في ms174 أوقات متفرقة بجروبي مع نفر من ~~الأصدقاء، فتجالسنا مجالسة الأنداد، وتتجاهل إيماءات الغزل التي توجه إليها أحيانا، ~~باعتبارها عبثا صغيرا؛ إذ لم تكن تتبع الحيل النسائية البالية، ولا تحترم القيم ~~البرجوازية، ولكنها كانت تنشد دائما العاطفة الصادقة الأصيلة. قالت لي يوما: حذار أن ~~تظن بي البرود! # فتساءلت: ما الذي جعلك تفكرين في ذلك؟ # فقالت بحرارة: إني أعبد الحب. # ثم كالمستدركة: أعبد الحب والأيديولوجية. # ولما استتب اطمئنانها إلي قصت علي قصة حياتها في مقهى الفيشاوي، قالت: نشأت في ~~أسرة من البرجوازية الصغيرة، ربها موظف مغمور، وكنت البنت الوحيدة بين أربعة ذكور! # فقلت باسما: إذن كنت جوهرة مدللة. ~~- بالعكس، عانيت الاضطهاد من الجميع، وكان يزداد بتقدم العمر، ولكني فرضت الاحترام ~~عليهم بتفوقي في المدرسة. # فأعلنت إعجابي بابتسامة فقالت: وتقدم لي عريس بعد نجاحي في الثانوية العامة وبالرغم ~~من ترحيب الجميع به إلا أنني اشترطت عليه أن يسمح لي بإتمام دراستي الجامعية، فسألني عن ~~الحكمة وراء ذلك، فصارحته برغبتي في العمل، ولكنه لم يوافق، وانضم إليه في الرأي أهلي ~~ولكنني صممت، فذهب. ~~- وحققت مشروعك بالكامل! ~~- أجل ولكني عرفت في الكلية أستاذا كان له أكبر الأثر في حياتي، طبعا سمعت عن الأستاذ ~~محمد العارف؟ ~~- أجل. ~~- علمني العلم وما هو أخطر منه. ~~- الشيوعية؟ ~~- نعم، ثم ألف بيننا حب عميق، وسرعان ما تزوجنا بعد تخرجي مباشرة. # فقلت بدهشة: حسبتك غير متزوجة. ~~- عشت أياما سعيدة وأنجبت توأمين ذكرا وأنثى. ~~- جميل حقا. ~~- وكانت أمه هي ربة بيتنا؛ فلما توفيت اعترضتنا متاعب فتمزقت بين العمل في الجريدة ~~وبين واجبات البيت، وكان زوجي يحب النظام كما يحب أن يكون موضع الرعاية، فاقترح علي أن ~~أتفرغ للبيت. ~~- رأي لا يخلو من وجاهة. # فقالت بحدة: كلا، كانت لي آمالي الخاصة أيضا فرفضت، ولم أجد منه عطفا ولا ~~تقديرا. # فلم أنبس بكلمة فقالت: وتكشفت لي أنانيته وقلة أدبه ورغبته الدفينة في السيادة، واشتعل ~~بيتنا بالعنف والخصام، ثم انتهى الأمر بالطلاق. ~~- متى وقع ذلك؟ ~~- أيام الكوليرا! # فسألت بإشفاق: وكيف حالك الآن؟ # فقالت بمباهاة: أتقدم ms175 في عملي كما ترى، وتعاونني في تربية الطفلين امرأة طيبة، وهو ~~يمدني بالنفقة الشرعية. # ولما قامت ثورة يوليو بذرت في ساحة صداقتنا الهادئة بذور خلاف عنيد لأول مرة، ~~فاتهمتها بأنها ثورة رجعية، أو لون جديد من الفاشستية، أو انقلاب برجوازي صغير يشبع ~~تطلعات أمثالي من البرجوازيين الصغار! وأصرت على رأيها حتى اتجهت الثورة إلى الكتلة ~~الشرقية؛ فأخذ عنادها يلين ورأيها يتغير، وساءتني وحدتها كثيرا، وشعرت بأنها تعاني منها ~~مرارة حادة، ولكنها رفضت دائما رغبات الزملاء الجامحة العابثة انتظارا للحب الحقيقي الذي ~~تعبده كما قالت لي من قديم، وبصراحتها العذبة قالت لي مرة: خدعت مرة واحدة! ~~- لا أصدق. ~~- طبيب أطفالي عليه اللعنة! ~~- ولكن كيف .. ؟ ~~- وكان أيضا متزوجا! ~~- ولكن الرجل المتزوج .. ؟! ~~- خطأ حقيقة ولكنه الحب، وأفهمني أنه غير سعيد وأنه سيطلق لأسباب لا تتعلق بي! ~~- وصدقته؟ ~~- ما أفظع الخداع، إنه أنكر من القتل، وسلمت بدون قيد ولا شرط. ~~- شيء فظيع حقا. ~~- عليه اللعنة، وكانت أيامه سوداء كخداعه فكنا نلتقي في عيادته في جو غارات الاعتداء ~~الثلاثي. # ومنذ تلك التجربة المريرة استقر سوء الظن في أعماقها فتضاعف شعورها بوحدتها، وحنينها ~~إلى الحب الحقيقي، ومضى يغزوها الزمن حتى بلغت اليوم الخمسين من عمرها، وقد تزوجت ~~ابنتها، وسافر ابنها للعمل في إذاعة الكويت، فغرقت في الوحدة والكهولة حتى قمة الرأس. وما ~~زالت حتى اليوم محافظة على رشاقة قدها، ومسحة من جمالها، وإذا دعيت إلى التلفزيون فهي ~~تستأثر بالأنظار والأسماع بقوة شخصيتها ومرونة منطقها وغزارة معلوماتها، وإذا خلوت ~~إليها خيل إلي أني استمع إلى وحوحة تند من أعماقها. # وما زالت مواظبة على زيارة أستاذها القديم الدكتور زهير كامل، كما نشأت صداقة حميمة بينها ~~وبين زوجته الجديدة الصغيرة نعمات عارف، ولا شك أنها علمت بعلاقتها بالدكتور صادق عبد ~~الحميد، ولكنها تجاهلت ذلك تماما، وتمنت ألا تنكشف الحقيقة لأستاذها أبدا. وعلمت أخيرا ~~- وسعدت بذلك جدا - أنها ستقوم برحلة صحفية لزيارة بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط فقلت ~~لعلها تجد فيها تسلية عن وحدتها وتجديدا لحياتها ومادة طريفة لقلمها. # | ناجي ms176 مرقص # لا أنسى هذا الاسم أبدا، لم يمح من ذاكرتي كأنه اسم علم من الأعلام، رغم أنني لم ~~أزامله إلا ثلاثة أعوام من حياتي، ما بين 1925 و1928 في المدرسة الثانوية. أمضى فترة ~~الدراسة الابتدائية في السودان حيث كان يعمل والده، ولما عاد الرجل إلى مصر أقام في ~~العباسية وألحق ابنه بمدرستنا، وقال ناجي لي يوما: كنا إخوة أربعة، مات ثلاثة، وبقيت ~~أنا. # وقال لي مرة أخرى: أمي حزينة لا تضحك أبدا. # وكان رشيقا طويلا وسيم الوجه لطيفا مهذبا ورزينا لدرجة لا تناسب سنه، ولعله كان ~~الوحيد في سنة أولى الذي يلبس بنطلونا طويلا، وربما كان أنبغ تلميذ صادفته في ~~حياتي. كان لكل تلميذ مجال في تفوقه إن وجد، فتلميذ يتفوق في اللغات وآخر يتفوق في ~~الرياضيات وهكذا، أما ناجي مرقص فكان متفوقا في جميع المواد، في العربية والإنجليزية ~~والفرنسية والحساب والجبر والهندسة والطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا، وكان الأول ~~دون نزاع، وكان المدرسون على اختلاف جنسياتهم من مصريين وإنجليز وفرنسيين يحترمونه ~~ويعاملونه كأنه رجل لا تلميذ، وكان بدر الزيادي يسميه عبد الحليم المصري تشبيها لتفوقه ~~بقوة المصارع الشهير. وسألته يوما: كيف تفوقت في جميع المواد؟ # فأجاب بأدبه الجم: أنتبه في الفصل وأذاكر من أول يوم في السنة الدراسية. # وسأله جعفر خليل: ألا تذهب إلى السينما كل خميس؟ ~~- في الأعياد والمواسم فقط. # فسأله عيد منصور: ألا تلعب الكرة؟ ~~- كلا. # فسأله رضا حمادة: أليس لك هواية؟ # فأجاب: أعزف على البيانو في أوقات الفراغ. # فقال له رضا: إنك لا تشترك في الإضرابات أفلا تهتم بالوطنية؟ ~~- أهتم بها طبعا ولكن ... # وتردد لحظات ثم قال: ولكن أخي الأكبر قتل في مظاهرة! # ونجح في امتحان الكفاءة بتفوق فجاء ترتيبه بين العشرة الأوائل في القطر كله، وعندما ~~عدنا إلى المدرسة في بدء العام الدراسي الجديد لم نعثر لناجي مرقص على أثر لا في القسم ~~العلمي ولا القسم الأدبي. # وتساءلنا عن سر اختفائه دون أن نظفر بجواب. وكان يسكن بعيدا عن حينا في أطراف ~~العباسية المشرفة على منشية ms177 البكري، فذهبنا إلى مسكنه نستطلع فعلمنا هناك بأنه أصيب في ~~صدره، وأنه أرسل إلى جدته بصعيد مصر ليعالج، وأن علاجه سيستغرق عاما كاملا في أقل ~~تقدير. أحزننا الخبر كما أحزن جميع أقرانه ومدرسيه، وأرسلنا إليه رسالة جماعية حملناها ~~تحياتنا وتمنياتنا له بالشفاء العاجل. وحدث في ذلك الوقت أن قدم مصطفى النحاس إلى ~~المحاكمة في قضية سيف الدين فبرأته المحكمة العليا، وذهبت وفود من الشعب إلى بيت الأمة ~~تهنئه، وذهب فيمن ذهب والد صديقنا وهو موظف في وزارة الحربية، وظهرت صورته لسوء الحظ ضمن ~~صور المهنئين فقررت الوزارة فصله. وشق على الرجل الرفت، وكان فقيرا كما كان مريضا بالقلب ~~فأصيب بالفالج وقضى نحبه. وشفي ناجي من مرضه ولكنه عجز عن مواصلة التعليم فانتهز أهل ~~الخير فرصة عودة الوفد إلى الحكم وسعوا إلى تعيين الشاب الصغيرة في وزارة الحربية، فتعين في ~~وظيفة صغيرة خارج الهيئة، كذلك قضت الظروف على أنبغ تلميذ في جيلنا. وكثيرا ما كنت أتذكره ~~وأتحسر على نهايته، وكلما صادفني شيء من التوفيق في حياتي الدراسية أو العملية تذكرته ~~فداخلني الأسى وتخيلت الأمجاد التي وئدت بضربة عمياء من ضربات العبث، ومضت أعوام فأعوام ~~دون أن تقع عليه عيناي أو أسمع عنه ذكرا حتى التقيت به مصادفة في كازينو حديقة الأزبكية ~~عام 1960. مررت به أول الأمر دون أن أفطن إلى هويته إذ جذبت عيني لحيته البيضاء فحسبته ~~فنانا، ثم سمعت صوته يناديني فالتفت إلى وجهه وعرفته في الحال، وتصافحنا بحرارة ثم جلسنا ~~حول مائدة متواجهين، لم يكد يتغير وجهه لولا لحيته وشيبة رأسه، وانبعثت من جملة منظره ~~شفافية عذبة كالعبير الحلو أو الطمأنينة الشاملة، وتذاكرنا الماضي والزملاء، من رحلوا مثل ~~بدر الزيادي وجعفر خليل، ومن نبغوا في الحياة مثل رضا حمادة وسرور عبد الباقي وغيرهما، ثم ~~جاء دوره فقال: ما زلت موظفا بوزارة الدفاع، ووصلت إلى الدرجة الثالثة، متزوج وأب لفتاة في ~~العشرين طالبة بكلية العلوم. # وسكت قليلا ثم استطرد: اتجهت من قديم إلى دراسة الروحانيات، عن طريق الكتب ~~والمراسلة. # فقلت ms178 له: قرأت بعض الكتب عنها. # فابتسم قائلا: إني أدرسها وأمارسها! ~~- حقا؟! # فقال بوجد وحماس: عالم الروح عالم عجيب، أعجب من عالم المادة. # فتابعته باهتمام واحترام فاستطرد: وهو أمل الإنسان في الخلاص الحقيقي. # فقلت مجاملا وصادقا في آن: الإنسان في حاجة إلى الخلاص. # فقال بحرارة متشجعا بإقبالي: حضارتنا مادية، وهي تحقق بالعلم - كل يوم - انتصارات ~~مذهلة وتمهد لسيطرة الإنسان على دنياه، ولكن ما جدوى أن تملك الدنيا وتفقد نفسك؟ # فقلت بحذر: على الإنسان أن يملك الاثنين! # فابتسم بعذوبة وقال: لعلك لا تؤمن بقولي، أو لعلك لا تؤمن به كل الإيمان، ولكن ثق من ~~أن عالم الروح حافل بالمجاهل كعالم المادة، وأن التنقيب فيه يعد الإنسان بانتصارات ~~مذهلة لا تقل عن انتصاراته في غزو الفضاء، وأنه لا ينقصنا إلا أن نؤمن بمنهج روحي كما ~~نؤمن بالمنهج العلمي، وأن نؤمن أيضا بأن الحقيقة الكاملة هي ملتقى طريقين لا غاية طريق ~~واحد. ~~- حكمة معقولة. # فرنا إلي بنظرة حنون من عينيه السوداوين - أدركت لونهما لأول مرة - وقال برثاء ~~وشفافية: ما أضعف صوت الحق وسط هدير الآلات، ولكن ما أحوج الإنسانية اليوم إلى ~~منقذ. # فسألته بحب استطلاع: كيف تتصور المنقذ؟ ~~- أتصوره رجلا أو فكرة أو درسا باهظ الثمن! ~~- كحرب ذرية؟ ~~- ربما، على أي حال أشعر بأن ثمة حجابا يفصل بيني وبينك، ولكنه حجاب شفاف ضعيف ~~الجذور، وأن استعدادك لحب الحقيقة كبير؛ وإني أمارس تحضير الأرواح في بيتي فلعلك تزورني ~~يوما. # وأعطاني بطاقته التي لم يطبع عليها إلا الاسم والوظيفة والعنوان بشارع دير الملاك. ومع ~~أنني تلقيت كلماته بحب لا باقتناع إلا أنه خطر في جحيم حياتي كعبير زهر اللارنج. وفي مساء ~~اليوم نفسه قابلت الأستاذ سالم جبر في مكتبه بالجريدة، وحدثته عن ناجي مرقص ودعوته، ~~وبإغراء وتحد معا عرضت عليه أن نزوره معا، ولكنه استسخف الفكرة، وذكرني بأنه لم يعد ~~يوجد فاصل بين عالمي المادة والروح، وأن التوغل في حقيقة المادة هو توغل في حقيقة الروح، ~~وأن صديقك يدعوك إلى طقوس سحرية في عصر الفضاء! ولم ms179 أر ناجي مرقص بعد ذلك ولكنه يهفو على ~~قلبي أحيانا كذكريات الصبا فأدرك أنه يعيش في ركن من نفسي. # | نادر برهان # كان بطلا من الأبطال في حياتنا الصغيرة بالمدرسة الابتدائية، ما بين عامي 1921 و1925، ~~كان يكبرنا بأعوام، وكان قويا طويل القامة، ومنذ أول يوم لنا في المدرسة قيل لنا إنه زعيم ~~التلاميذ بالمدرسة، وكنا نلتف حوله في فناء المدرسة ونتابع كلامه باهتمام. وكان يقول: لا ~~تستصغروا أنفسكم فأنتم جنود سعد، أي جنود الوطن. # وكان يقول أيضا: علينا أن نوطن أنفسنا على قبول الضرب أو السجن أو حتى المشنقة، فلا ~~قيمة للحياة بلا حرية، ولا حرية بلا تضحية ، وقد أرسل الله لنا سعد زغلول زعيما، ~~وعلينا أن نكون جديرين بزعامته. # وكنت أجله وأعجب به، وكان رضا حمادة يعبده، ولم يجرؤ سيد شعير أو خليل زكي على السخرية ~~منه، أما إذا حدث عن زياراته لبيت الأمة ومحاوراته مع الزعيم فكان يبهرنا لحد الجنون، ~~ونفد مني الصبر فاقتربت منه ذات يوم وقلت: أريد رؤية سعد بالعين فهلا أخذتنا إلى بيت ~~الأمة؟ # فنظر إلي بعطف وقال: ما زلت صغيرا تسير في بنطلون قصير، وزيارة بيت الأمة مغامرة ~~خطرة لا رحلة آمنة. # وكان إذا تقرر إضراب ومظاهرة انتظر نادر برهان حتى تنتظمنا طوابير الصباح، ثم يتقدم ~~خطوات إلى الأمام ويأخذ في التصفيق بقوة، وسرعان ما تدوي الطوابير بالتصفيق، وعند ذاك ~~يبادر ضباط المدرسة إلى طوابير التلاميذ الصغار فيمضون بهم إلى الفصول بسماح من ~~التلاميذ المضربين فنمضي ونحن نهتف بحياة سعد، ويذهب الباقون في مظاهرة على رأسها نادر ~~برهان إلى الطريق فيلتقون بتلاميذ المدارس الأخرى، وفي إحدى المظاهرات أصيب برصاصة في ساقه ~~فقضى في المستشفى شهرين ثم لازمه عرج خفيف بقية عمره، وتحت زعامته اشتركت في أول مظاهرة ~~في حياتي عام 1924، دعانا إلى الإضراب وخطب فينا قائلا إن الملك فؤاد يريد التلاعب ~~بالدستور، وإن سعد زغلول رئيس الوزراء - تلك المرة - يقف في صلابة للدفاع عن حقوق الشعب، ~~وإن علينا أن نذهب إلى ميدان عابدين لتأييد ms180 الزعيم. ولما كانت الحكومة شعبية لأول ~~مرة، ولما كان رئيسها هو وزير الداخلية، فقد سمح لنا بالاشتراك في المظاهرة باعتبارها ~~مظاهرة سلمية، وسرنا في حشود هائلة من التلاميذ والطلاب وأهل البلد حتى اكتظ بنا ميدان ~~عابدين، ورحنا ندق باب القصر بأيدينا ونهتف «سعد أو الثورة». # وترامى من بعيد هدير هتاف شامل إيذانا بمقدم الزعيم لمقابلة الملك، واشتد الضغط حول ممر ~~ضيق شقه رجال الشرطة بصفين منهم لتسير فيه سيارة الزعيم، وقلت لرضا حمادة بسرور غامر: ~~سترى أعيننا سعد زغلول. # فقال بحماس: نعم ولو لبضع ثوان. # وتسللنا بخفة وعناد حتى بلغنا حافة الممر، ورأينا السيارة قادمة ببطء شديد، والخلق يحيطون ~~بها، ويتعلقون بأركانها، ويقفون فوق غطائها، وتطلعنا بأعين ملهوفة نهمة ولكننا لم نر ~~إلا أجساد البشر، ولم يتجل من الزعيم ملمح واحد، وبؤنا بحسرة لازمتنا طويلا. # ولما انتقلت إلى المدرسة الثانوية انقطعت عني أخبار نادر برهان. لم أره ولم أسمع عنه، ~~افترقت عنه عام 1925 وانقضت أربعون عاما حتى صادفته في مقهى أسترا شتاء عام 1965، كنت ~~عائدا من لقاء نهاري مع أماني محمد فملت إلى مقهى أسترا لأشرب فنجان قهوة فرأيته جالسا ~~وحده، بدينا عملاقا، ومعطفه مثني على ظهر كرسي إلى جانبه. عرفته من أول نظرة، وخيل ~~إلي أنه لم يتغير كثيرا رغم أنه كان في الستين، حتى شعر رأسه ظل أسود عدا سوالفه. وأقبلت ~~عليه باسما فنظر إلي بإنكار ولكنه صافحني، فلما ذكرته بالمدرسة الابتدائية والزعامة ~~تهلل وجهه ودعاني للجلوس فجلست، قلت له: عيني عليك باردة، لم تتغير. # فقال ضاحكا: أنا من أسرة معمرين لا يموتون إلا في الحوادث. # وذكرته بالزملاء وأخبرته عن المصائر، فاتضح أنه لا يعرف إلا رضا حمادة معرفة غير شخصية، ~~ولما سألته عن حاله رحب بالحديث جدا كأنما كان يبحث عن متنفس له. قال: بعد الابتدائية ~~التحقت بالمدرسة الثانوية في أسيوط لانتقال أبي إليها، ولكني رفت في عهد محمد محمود، ~~ورجعت في عهد النحاس، ثم رفت مرة أخرى في حكم صدقي، ثم اتهمت في قضية الشروع ms181 في ~~اغتياله وسجنت، حكم علي بعشرة أعوام ولكني خرجت بعفو في حكومة النحاس التي عقدت ~~المعاهدة، ووجدت أنه من العبث أن أحاول إتمام دراستي الثانوية، فعينني الوفد وكيلا ~~لجريدة الجهاد في الإسكندرية. # وسكت قليلا متجهم الوجه للذكريات لا أدري بها ثم قال: لم أحزن في حياتي مثلما حزنت ~~للخلاف بين مصطفى النحاس والنقراشي، كان النحاس زعيمي، وكان النقراشي أبي الروحي، ولم أتصور ~~الدنيا صالحة للحياة مع وجود عداوة بين الرجلين، وسارت الأحداث في المجرى الذي تذكره، فبلغ ~~بي التقزز مداه. ولما كانت المعاهدة قد ختمت ثورة 1919 وتحقق لنا الاستقلال ولو بعد حين، ~~فقد قررت اعتزال السياسة، وصادف ذلك وفاة أبي ووراثتي لقدر لا بأس به من المال، ففتحت مطعم ~~سمك في سيدي جابر وفتح الله علي. ~~- إذن اعتزلت السياسة؟ ~~- منذ عام 1937. # ثم وهو يعتدل في اهتمام: ولكني لم أنقطع عن متابعة الأحداث، لعلي السماك الوحيد الذي ~~يفلي الجريدة قبل أن يقول يا فتاح يا عليم. # ثم وهو يهز رأسه في أسى: وكنت أتابع تدهور الأحوال بحزن، وكلما تسلل إلى الوفد ضعف أو ~~انصرف عنه جيل من الشباب تقطع قلبي، ولكن ما باليد حيلة. # فقلت: لكل شيء شباب وشيخوخة، تلك سنة الحياة. ~~- ولكن الوفد في حياتنا يمثل عصر الفتوة والبعث، دلني على أي فترة تاريخية منذ عهد ما قبل ~~الأسر حتى اليوم ساد فيها الشعب وتعملق كما ساد وتعملق أيام الوفد! # ثم وهو يضحك: ولما قامت ثورة يوليو حمدت الله على القرار الذي اتخذته بملء حريتي قبل أن ~~أرغم عليه أو على ما هو أسوأ منه. ~~- ولكنك قدرت للثورة أعمالها المجيدة بلا شك؟ ~~- الاعتراف بالحق فضيلة، ولكني لا أغتفر لها محاولة النيل من زعامة سعد زغلول. # فقلت: للسياسة مقتضياتها، وأظنك لا تنسى موقف مصطفى كامل من أحمد عرابي. # فسألني باهتمام: هل شاهدت جنازة مصطفى النحاس؟ كانت رد اعتبار شعبي لسعد وللوفد ولأكبر ~~ثورة شعبية في حياتنا. # وأخبرني أنه يزور القاهرة من حين لآخر منذ عامين لانتقال كريمته إليها بحكم الزواج، ms182 ثم ~~حدثني عن أسرته فقال: ابني الأكبر سماك مثلي، الأوسط مهندس، الأصغر ضابط طيار. # ومنذ ذلك التاريخ واظبت لدى كل تصييفة في الإسكندرية على تناول العشاء ولو مرة في مطعم ~~زعيمي القديم. وفي صيف عام 1969 وجدته حزينا على غير عادته. وقال لي: في أواخر العام ~~الماضي هاجر ابني المهندس إلى كندا! # ثم بنبرة متهدجة: وفي شتاء هذا العام استشهد ابني الطيار في سبيل الوطن! # | هجار المنياوي # كان الشيخ هجار المنياوي مدرس اللغة العربية في مدرستنا الابتدائية، ولحق بنا في ~~المدرسة الثانوية، وكان من أهل الصعيد، ينطق بلهجتهم، قوي البنيان طويل القامة غامق ~~السمرة، قليل العناية بمظهره، فعمته أصغر مما ينبغي ولا ذوق له في اختيار ألوان ~~الجبة والقفطان، ولكنه كان يفرض الاحترام بقوة شخصيته والتمكن من مادته وشجاعته الفائقة، ~~ولم يكن متزمتا، كان يحب النكتة، ويروي لنا جميل الأشعار، ومرة تبارى في فناء المدرسة مع ~~مدرسي الرياضة البدنية في التحطيب، فلعب بعصاه برشاقة أذهلتنا وانتصر على خصمه وسط تصفيق ~~حاد، ومرة دخل جعفر خليل الفصل متأخرا بعد أن انتظمنا في مجالسنا، وكعادته في حب المزاح، ~~قلد أستاذنا فقال له: عم صباحا. # وضحك الفصل وانبسط جعفر، وتركه الشيخ هجار حتى جلس، ثم ناداه: جعفر خليل. # فوقف فقال له بهدوء: أعرب «عم صباحا». # وعجز جعفر عن إعرابها ففتح الشيخ دفتر يومية التلاميذ وأعطاه صفرا، فاحتج جعفر قائلا: ~~إنها صعبة! # فقال الشيخ بهدوء: ولم تستعمل ما لا تفهمه؟ # أما جانبه الجاد فكان فذا لا يتكرر، كان في المدرسة الابتدائية - عصر الثورة - مدرسا ~~للغة العربية والوطنية. فلدى أي مناسبة يفتح باب الحديث الوطني، يستعيد الذكريات المجيدة، ~~ويشيد بالأبطال، ونحن نتابعه والدموع في أعيننا. وكان يحدث عن سعد زغلول وكأنه ولي من ~~أولياء الله أو صاحب معجزات، معتبرا زعامته رسالة سماوية ومعجزة تاريخية، ومنه عرفنا ما لم ~~نكن نعرف عن نشأة سعد، ومهارته في المحاماة، ومواقفه في نظارة المعارف ونظارة الحقانية، ~~وزعامته، وتحديه لقوة الإنجليز، وسحره وبلاغته، وما ينتظر البلاد على يديه، وكان يقول: ms183 ~~ببلاغته عبأ الشعور، وباسمه قامت الثورة. # وكان يعرف التلميذ الكامل فيقول: هو من يحصل العلم ويثور على الطغاة. # وكنا نحبه بقدر ما نجله، ونتلقى عنه الوطنية والأصالة، وبفضله أحببنا اللغة العربية ~~وعشقنا أشعارها. # وفي المدرسة الثانوية تغير مذاق الجهاد، فتوارت عنا وجوه الإنجليز وبرزت في الصورة وجوه ~~المصريين الموالين لهم واحتلت الحزبية المكان الأول في الصراع، وخاض الشيخ المعركة الجديدة ~~بنفس القوة والصلابة، وكان يقول: المعركة هي المعركة، ولكن الأعداء ازدادوا عددا فوجب ~~علينا مضاعفة الجهاد. # ويوم أضربنا على عهد محمد محمود، اليوم الذي استشهد فيه بدر الزيادي، أخرجه ناظر المدرسة ~~فطالبه بأن يخطب التلاميذ حاثا إياهم على الانتظام في الدراسة ، وكان في طبعه حدة تثور على ~~التحدي وتنفجر غضبا أعمى، فاعتلى المنصة أمام حجرة الناظر وصاح بصوت رهيب: العلم يطالبكم ~~بالنظام والوطن يطالبكم بالجهاد وليس لكم إلا ضمائركم فارجعوا إليها. # وكتب الناظر تقريرا عنه فرفعه إلى وزير المعارف، وسرعان ما تقرر فصله، ويوم غاب عن ~~المدرسة وانتشر الخبر هاجم الطلبة حجرة الناظر حتى اضطر إلى الفرار من المدرسة، واضطرت ~~الوزارة إلى نقله حماية لحياته، وقد عاد الشيخ إلى المدرسة في عهد الوفد، ولكنه فصل مرة ~~أخرى في عهد صدقي، فعمل في مدرسة بين الجناين الأهلية التي كان يملكها رجل وفدي معروف. وفي ~~حكومة المعاهدة تعين مفتشا بالوزارة وسويت حالته تسوية عادلة، وفي انتخابات 1942 ~~رشح نفسه على مبادئ الوفد فنجح، كما نجح مرة أخرى عام 1950، وقد التقيت به مرات في بيت ~~رضا حمادة كما عرفت بعض أبنائه. ولما صدر قرار حل الأحزاب - بعد ثورة يوليو - رجع إلى ~~قريته في الصعيد فلم يبرحها، ولا أدري إن كان ما زال على قيد الحياة أم انتقل إلى جوار ربه. ~~ومما يذكر أنه في سبتمبر عام 1952 أو 1953 وكنت مارا أمام نادي الجيش القديم بالشاطبي، ~~رأيت بعض أعضاء الوفد واقفين في فناء النادي يحيط بهم جند، وسمعت من بعض المارة بأنهم ~~اعتقلوا وسيرحلون إلى القاهرة، ورأيت بين الضباط الذين يشرفون على الإجراءات ms184 الضابط محمد ~~هجار ابن شيخنا القديم هجار المنياوي. تأملت الموقف، نظرت طويلا إلى الابن، تذكرت الأب، ~~ثم خيل إلي أني أسمع هدير الزمن وهو يتدفق حاملا متناقضاته المتلاطمة. # | وداد رشدي # رأيت وداد رشدي لأول مرة عندما جاءت لزيارة كاميليا زهران بإدارة السكرتارية يوما من ~~أيام 1965، وكانت عملاقة، تمتد طولا وعرضا، ولكنها رشيقة بالنسبة لحجمها، وقسماتها كانت ~~كبيرة في ذاتها، ولكنها مقبولة وجميلة في موضعها من الجسم المترامي، وبصفة عامة يوحي منظرها ~~بالقوة والجمال والطلاقة كتمثال، وتؤثر نظرة عينيها العسليتين بجرأتها غير العادية، هذا ~~إلى جاذبية جنسية نفاذة كالعطر الفواح. وكلما اختلست منها نظرة وجدتها تنظر إلي حتى ~~ثارت تساؤلاتي. قدرت عمرها بالثلاثين، ومن ملاحظة يسراها عرفت أنها متزوجة، وجعلت أتساءل ~~عما يدعوها إلى ملاحقتي بنظراتها، وكانت علاقتي بأماني محمد ما زالت في عنفوانها، وخيل ~~إلي أني عرفت السبب عندما أقبلت هي وكاميليا نحو مكتبي، جلستا على كرسيين متقابلين أمام ~~المكتب، وقالت كاميليا: لا مؤاخذة يا أستاذ نريد استطلاع رأيك في مسألة؟ # فسلمت وأنا أقول: تحت أمركما. # فقالت كاميليا: صديقتي وداد رشدي، ستحدثك بنفسها. # وقالت وداد بصوت ناعم واضح ذي درجة عالية تناسب حجمها: المسألة بكل بساطة أني حصلت على ~~ليسانس الحقوق منذ خمسة أعوام، لكني تزوجت ولم أتوظف، وزوجي الآن معار في الكويت لمدة عام، ~~وأفكر في التوظف، فهل يمكن إتمام ذلك عن طريق إدارة القوى العاملة؟ # فقلت: كلا، ولكن جربي حظك بطلب خاص أو بالاشتراك في أي مسابقة يعلن عنها. ~~- واضح أن الأمل في تلك الحالة ضعيف. ~~- لا أقول إنه قوي، ولكن عليك أن تجربي. # وقالت كاميليا زهران: إنها أم لطفلتين ومع ذلك تريد أن تتوظف. # فقالت وداد: جميع زميلاتي متزوجات وموظفات! # فسألتها: وماذا عن الطفلتين؟ ~~- لن ألقى المتاعب من هذه الناحية. ~~- وماذا عن زوجك؟ ~~- موافق. # وقالت كاميليا: ساعدها بما تستطيعه. # وزكت وداد نفسها قائلة: نحن جيران من الزمن القديم! # فتساءلت بدهشة: حقا؟ ~~- لا تذكر لأني كنت صغيرة، ذلك تاريخ يرجع إلى عشرين عاما، وكنت في العاشرة، ثم غادرنا ms185 ~~حيكم منذ خمسة عشر عاما وأنا في الخامسة عشرة. ~~- ذلك تاريخ قديم ولكن ليس جدا فكيف لا أذكرك؟ ~~- أما أنا فأذكرك كما أذكر رضا حمادة وسرور عبد الباقي وجعفر خليل الله يرحمه، وسرور عبد ~~الباقي اليوم هو دكتورنا المفضل، وما زلت أذكر وفاة جعفر خليل الغريبة. # فقلت بحنان: يا لها من ذكريات! # وتساءلت كاميليا بمكر: أرأيت؟! # وبعد مرور أسبوع على المقابلة تلفنت إلي بخصوص الوظيفة أيضا، ولكني شعرت أنها لم تكن ~~إلا مماحكة للمحاورة. وعجبت ماذا تريد العملاقة الجميلة المتزوجة؟ وجعلت أقارن بينها وبين ~~أماني محمد، بل بينها وبين درية، واستثار الوجد فدعا من غيابات الماضي حنان مصطفى وصفاء ~~الكاتب، وسألتها: ألن تزوري كاميليا مرة أخرى؟ # فسألتني بصراحة: أتريد أن تراني؟ # فلم أجد مفرا من أن أقول: يسعدني ذلك. # فسألتني بتحد: ولماذا يسعدك؟ # فانزلقت إلى القول: مرآك يسعد الأنفس. # فضحكت وقالت: الإدارة عندكم مزدحمة وتفوح برائحة الأوراق. # فارتضيت الهاوية دون تقدير للعواقب وقلت: إذن ليكن في مكان هادئ. ~~- أتحب الأماكن الهادئة؟ ~~- جدا. ~~- بشرط! ~~- أفندم؟ ~~- أن تجيء بنية طيبة. ~~- طبعا. ~~- تذكر ذلك. ~~- وعد. ~~- فما أهدأ مكان في نظرك؟ ~~- حديقة الأسماك. # ووجدتها تنتظر بلا ارتباك ولا حياء، بلا ارتباك ولا حياء كأنما تنتظر زوجها أو أخاها، ~~وسرنا معا في شبه خلاء، حتى اخترنا مجلسا تحت سفح الهضبة، وقالت: لعلك تسائل نفسك عن ~~سر المرأة الجريئة التي رمت بنفسها في طريقك بلا سياسة ولا لباقة؟ # فقلت بسرور والرغبات تراقصني: ما دمت سعيدا فلا معنى للتساؤل. # فقالت ضاحكة: لا تنس شرطي! ~~- أنا متذكره. # فقالت بجدية: يجب أن تعرف أنني امرأة محترمة وزوجة مخلصة. # فقلت وأنا أستشعر شيئا من القلق: لا جدال في ذلك فعيني بصيرة، وسن الطيش ودعتها من قبل ~~أن تفارقي حينا! ~~- تكلم عن ذلك العهد باحترام وعاطفة من فضلك. ~~- له الاحترام والحب إلى الأبد. # فابتسمت بجرأة لم أعرفها من قبل وقالت: لم أقابلك مصادفة. ~~- حقا؟ ~~- كاميليا حدثتني عن زملائها، وعندما سمعت اسمك .. ماذا أقول؟ قررت أن أقابلك. ~~- ولكنك ترغبين في التوظف. ~~- لا ms186 أهمية لذلك. ~~- لا تتركيني فريسة للحيرة. # وهي تضحك في سعادة ناطقة: أنا أعرفك منذ عشرين سنة! ~~- أجل. ~~- كنت من سكان العمارة الخضراء، تذكرها؟ ~~- أمام السبيل بالشارع العمومي! # فقالت بعتاب: ولكني كنت في العاشرة فلم تنتبه إلي. ~~- كنا نمر تحت العمارة ولا موقف لنا تحتها وسن العاشرة ... ~~- وسن العاشرة لا يستلفت النظر، ولكني بلغت الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة ~~ولم تنتبه. ~~- سوء الحظ إذا استحكم. ~~- كنت وقتذاك أعتبر سوء الحظ من نصيبي أنا. # نظرت إليها في حرج فطالعتني بنظرة صريحة جريئة ضاحكة، وقالت: فعلت المستحيل لألفت نظرك ~~ولكني لم أفلح. ~~- يا لها من ذكريات كالأساطير! ~~- ولكنها حقيقية، وهي تعيش في أعماقي كخيبة لا دواء لها. # فقلت بارتباك: لعلك تبالغين. ~~- أبدا، كل كلام الدنيا لا شيء بالقياس إلى حقيقة ذلك الماضي. # وكنت أصغي بارتياح وافتتان وبلا عاطفة، وبصراحتها العملاقة سألتني: أحق ما يقال عن ~~الحب الأول من أنه لا يفنى أبدا؟ # وتذكرت في الحال حنان، وصفاء، ورجعت إلى قلبي الخامد، ثم قلت: لا يخلو قول مأثور من ~~حقيقة خالدة! # فقالت بحرارة: إنه عاطفة ساحرة لا تتكرر ولذلك لا يمكن أن ينسى. ~~- وما فائدة ذلك؟ ~~- لا فائدة. ~~- ولكنك زوجة سعيدة. # فقالت بأسى: أجل، لا أحب أن أكون جاحدة، ولكن العين تثبت على ما ينقصها. ~~- لذلك فالسعادة حكمة عسيرة. ~~- زوجي رجل كامل، إنه مثال تتمناه أي امرأة، ولكنه لا يشاركني ميولي الخيالية، أشعر ~~أحيانا بالوحدة، وتعضني أحيانا خيبتي القديمة! # وضحكت ثم استدركت: عندي تخمة من السعادة، ولكن روحي ظمأى! # فسألتها: ما عمر زوجك! ~~- أربعون عاما! ~~- أنت في جنة ولا يجوز لك أن تحلمي! # فقطبت قليلا ثم قالت: أنت كبرت، وأراهن أنك لم تعرف الحب! # ترى أين صفاء؟ أما زالت على قيد الحياة؟ وهل يمكن - لو صادفتها - أن يجري بيننا مثل هذا ~~الحديث؟! وتراجعت قائلة: لا مؤاخذة، صراحتي تخرجني أحيانا عن حدود اللياقة، ولكني توقعت أن ~~تحترم عواطفي. # فقلت بحرارة: إني أحترمها من أعماق قلبي. # فقالت بتأثر وامتنان: أشكرك. # ثم واصلت: أرجو ألا ينقطع ms187 الاتصال بيننا، أيضايقك ذلك؟ ~~- سأسعد به فوق ما تتصورين! ~~- اتصال روحي لن يمس احترامنا لأنفسنا. ~~- اقتراح عذب أقبله على العين والرأس. ~~- وليكن التليفون وسيلتنا حتى لا نتعرض لظلم لا نستحقه. ~~- كما تشائين. ~~- إلا إذا غلبني شوق فسنتقابل خطفا. ~~- ما أجمل أن نتقابل ولو خطفا! # ومنذ ذلك اللقاء فتحت لي حياة جديدة أبوابها فدخلتها مدفوعا بالحنان والتعلق بالذكريات ~~وحب الاستطلاع، وعايشت روابطها العائلية ومشكلاتها اليومية، وما تزخر به من أبوة وأمومة ~~وبنوة، وارتباطات عاطفية بل وجنسية، وخلافات ومسرات وأمراض وأحلام وأهواء من كل شكل ~~ولون. # وداد بعد من أبعاد حياتي لا يدري به أحد، ولكنه جزء من كينونتي لا يتجزأ. # | يسرية بشير # يرجعني الاسم إلى مهد الطفولة، ميدان بيت القاضي وأشجار البلح المثقلة بأعشاش العصافير، ~~ومن نافذة جانبية كنت أطل وأنا طفل على حارة قرمز، وهي حارة مبلطة تنحدر في هبوط، وعند ~~منعطف منها يقوم بيت آل بشير. كنت في السابعة أو الثامنة، وكان يعجبني منظر الشيخ بشير وهو ~~يجلس أمام مدخل بيته في العصاري يسبح، يضيء المكان ببشرته البيضاء، ولحيته الشيباء، ~~والألوان الزاهية التي تعرضها عمامته وجبته وقفطانه، وعندما يمضي إلى ميدان بيت القاضي في ~~طريقه إلى الكلوب المصري تظهر في النافذة يسرية، لعلها كانت في السادسة عشرة أو نحو ذلك، ~~يتجلى منها وجه كالقمر، أبيض بهيج مريح مضيء يتوجه شعر فاحم، وتناديني بصوت ناعم، ~~وتمازحني، وأنا أتطلع إليها سعيدا راضيا وعاشقا إن جاز لابن سبع أن يعشق. والحق لا ~~يمكن تفسير تعلقي بها إلا بالعشق، فما كانت قريبة ولا من سني، ولا أهدتني يوما لعبة أو ~~قطعة من الحلوى، ولا تحدثت بجمال وجهها. وكانت تغريني أحيانا بالذهاب إليها فأتسلل من ~~البيت إلى الحارة، ولكن الخادمة كانت تدركني في اللحظة المناسبة، وتحملني إلى البيت، وأنا ~~أبكي وأرفس دون جدوى، ويوما أمطرت السماء، ووقفت في النافذة أرقب المطر وهو ينهمر فوق أديم ~~الحارة ويجري نهرا ليصب في القبو القديم، وما لبث أن ارتفع مستوى الماء حتى غطى وجه الأرض، ~~وانقلبت قرمز ms188 جدولا راكدا يستحيل عبوره إلا بالحمالين أو بالكارو، ومن خلال الأمطار ~~المنهمرة رأيت يسرية واقفة أيضا في النافذة وهي تشير إلي فخطرت لي فكرة قررت في الحال ~~تنفيذها، فصعدت سرا إلى السطح وحملت طست غسيل نحاسيا ومقشة ذات يد خشبية طويلة ومضيت ~~بها إلى الطريق، ثم أرسيت الطست فوق سطح الماء ووثبت إليه وجعلت أدفعه بالمقشة فيسبح نحو ~~بيت بشير، وانتبهت الخادمة ولكن بعد فوات الأوان، لم تستطع تلك المرة أن تخوض الماء إلي ~~فوقفت عند ناصية الحارة تنادي ولا مجيب. وغادرت الطست عند باب آل بشير المثبت فوقه تمساح ~~محنط، ومرقت إلى الداخل حافيا متشبع الجلباب بالماء، وقابلتي يسرية عند رأس السلم ~~فقادتني إلى الحجرة، وأجلستني قبالتها على كنبة تركية، وراحت تداعب شعري برقة وأنا غارس ~~عيني في وجهها المضيء، ولا شك أنني رغم الجهد والبلل شعرت بالظفر والسعادة بين يديها. ~~وأرادت أن تسليني فتناولت راحتي وبسطتها وهي تقول: سأقرأ لك الطالع! # وراحت تتابع خطوط كفي وتقرأ الغيب ولكنني استغرقت بكل وعيي في وجهها الجميل. ms189