######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Miramar.Hindawi85804642 #META# Tags: novels #META# ID: 85804642 #META# Title: ميرامار #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عامر وجدي‏ # حسني علام‏ # منصور باهي‏ # سرحان البحيري‏ # عامر وجدي‏ # عامر وجدي‏ # حسني علام‏ # منصور باهي‏ # سرحان البحيري‏ # عامر وجدي‏ # | ميرامار # | ميرامار # تأليف # نجيب محفوظ # | عامر وجدي # الإسكندرية أخيرا. # الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب ~~الذكريات المبللة بالشهد والدموع. ~~••• # العمارة الضخمة الشاهقة تطالعك كوجه قديم يستقر في ذاكرتك، فأنت تعرفه ولكنه ينظر ~~إلى لا شيء في لا مبالاة فلا يعرفك. كلحت الجدران المقشرة من طول ما استكنت بها ~~الرطوبة. وأطلت بجماع بنيانها على اللسان المغروس في البحر الأبيض، يجلل جنباته النخيل ~~وأشجار البلح، ثم يمتد حتى طرف قصي حيث تفرقع في المواسم بنادق الصيد. والهواء المنعش ~~القوي يكاد يقوض قامتي النحيلة المقوسة، ولا مقاومة جدية كالأيام الخالية. # ماريانا، عزيزتي ماريانا، أرجو أن تكوني بمعقلك التاريخي، كالظن وكالمأمول، وإلا ~~فعلي وعلى دنياي السلام. لم يبق إلا القليل، والدنيا تتكرر في صورة غريبة للعين ~~الكليلة المظللة بحاجب أبيض منجرد الشعر. # ها أنا أرجع إليك أخيرا يا إسكندرية. ~~••• # ضغطت على جرس الشقة بالدور الرابع. فتحت شراعة الباب. فتحت شراعة الباب عن ~~وجه ماريانا. تغيرت كثيرا يا عزيزتي. ولم تعرفني في الطرقة المظلمة. أما بشرتها ~~البيضاء الناصعة وشعرها الذهبي فقد توهجا تحت ضوء ينتشر من نافذة بالداخل. ~~- بنسيون ميرامار؟ ~~- نعم يا فندم. ~~- أريد حجرة خالية. # الباب فتح. استقبلني تمثال العذراء البرنزي. ثمة رائحة ما لعلي أفتقدها أحيانا. ~~وقفنا نتبادل النظر. طويلة رشيقة، الشعر ذهبي، والصحة لا بأس بها، ولكن بأعلى الظهر ~~احديداب، والشعر مصبوغ حتما، واليد المعروقة وتجاعيد زاويتي الفم تشي بالعجز ~~والكبر. إنك يا عزيزتي في الخامسة والستين رغم أن الروعة لم تسحب منك جميع أذيالها. ~~ولكن هل تتذكرينني؟ # نظرت باهتمام تجاري بادئ الأمر، ودققت النظر، ثم اختلجت العينان الزرقاوان. ها أنت ~~تتذكرين، وها أنا أسترد وجودي الضائع. ~~- أوه .. أنت! ~~- مدام! # تصافحنا بحرارة، غلبها الانفعال فقهقهت ضاحكة، كنساء الأنفوشي قهقهت. وأطاحت بالوقار ~~بضربة واحدة. ~~- يا خبر أبيض، عامر بك، أستاذ عامر، ها .. ها. # جلسنا على كنبة الآبنوس ms001 تحت العذراء وشبحانا يتخايلان في زجاج صوان المكتب القائم ~~للزينة. # نظرت فيما حولي وقلت: مدخل البنسيون هو هو لم يتغير. # فقالت محتجة، ملوحة بيدها بفخار: بل تجدد وطلي مرات، وعندك أشياء جديدة ~~كالنجفة والبارفان والراديو. ~~- إني سعيد يا ماريانا، الشكر لله على أنك في صحة جيدة. ~~- وأنت أيضا يا مسيو عامر، المس الخشب. ~~- عندي المصران الغليظ والبروستاتا، نحمده على أي حال. ~~- أتجيء بعد زوال الصيف؟ # قلت باهتمام: بل جئت للإقامة، متى تلاقينا آخر مرة؟ ~~- منذ .. منذ .. أقلت للإقامة؟ ~~- نعم يا عزيزتي، رأيتك آخر مرة منذ حوالي عشرين عاما. ~~- واختفيت طيلة ذلك العمر! ~~- العمل، الهموم ... ~~- أراهن على أنك زرت الإسكندرية مرات ومرات في تلك الأعوام. ~~- أحيانا، ولكن وطأة العمل كانت شديدة، وأنت أدرى بالصحافة. ~~- وأعرف أيضا جحود الرجال. ~~- ماريانا يا عزيزة، أنت أنت الإسكندرية. ~~- تزوجت طبعا. ~~- كلا بعد! # تساءلت مقهقهة: ومتى تتم النية وتقدم؟ # قلت بنبرة لم تخل من امتعاض: لا زواج، لا أبناء، اعتزلت العمل، انتهيت يا ~~ماريانا. # شجعتني بحركة من يدها فواصلت قائلا: عند ذاك نادتني الإسكندرية، مسقط رأسي، ولما لم ~~يكن لي فيها من قريب حي فقد قصدت الصديق الباقي لي في دنياي. ~~- جميل أن يجد الإنسان صديقا يقاسمه وحدته. ~~- أتذكرين أيام زمان؟ # قالت بصوت مأساوي: ذهبت بكل جميل. # ثم في شبه غمغمة: ولكن علينا أن نعيش. # وجاء وقت الحساب والمساومة. قالت إنه لم يعد لها من مورد إلا البنسيون، ولذلك فهي ~~ترحب بنزلاء فصل الشتاء ولو كانوا من الطلبة المزعجين، وفي سبيل ذلك تستعين بالسماسرة ~~وبعض خدم الفنادق. رددت ذلك بحزن عزيز قوم ذل. واختارت لي الحجرة رقم 6 في الجناح ~~البعيد عن البحر. واتفقنا على أجرة معقولة تصلح لشهور العام عدا فصل الصيف، على أن يكون ~~لي حق الاستمرار في الإقامة صيفا إذا دفعت أجرة المصيفين. تم الاتفاق على كل شيء بما ~~فيه الفطور الإجباري، وأثبتت المدام أنها تستطيع في الوقت المناسب أن تستنقذ قلبها من ~~الذكريات لتحسن المساومة والتدبير. وسألتني عن حقائبي، فأجبت بأنها في ms002 أمانات المحطة. ~~فقالت ضاحكة: لم تكن متأكدا من وجود ماريانا. # ثم واصلت بحماس: لتكن إقامة دائمة. # فنظرت إلى يدي التي ذكرتني بيد مومياء في المتحف المصري. ~~••• # لا تقل حجرتي في شيء عن الحجرات المطلة على البحر، مستوفية لحاجتها من الأثاث ~~والمقاعد المريحة ذات الطابع القديم. ولتبق الكتب في صندوقها إلا ما ندر مما قد ~~أراجعه فيمكن وضعه فوق الترابيزة أو التسريحة. لا يعيبها شيء إلا أن جوها يسبح في ~~مغيب دائم لأنها تطل على منور كبير يتسلق على جدرانه سلم الخدم حيث تهر القطط ~~ويتناجى العاملون. وزرت الحجرات كلها. الوردية والبنفسجية والسماوية وكانت جميعها ~~خالية. في كل أقمت صيفا أو أكثر في زمن مضى. ورغم اختفاء المرايا القديمة والسجاجيد ~~الفاخرة والقناديل المفضضة والفنايير البلورية فما زالت مسحة أرستقراطية باهتة ~~تعلق بالجدران المورقة والأسقف العالية الموشاة بصور الملائكة. # قالت وهي تتنهد وقد لمحت لأول مرة طاقم أسنانها: كان بنسيون السادة. # فقلت مواسيا: سبحان من له الدوام! # فعادت تقول وهي تلوي بوزها: أكثر النزلاء شتاء من الطلبة، وأما في الصيف فأستقبل ~~كل من هب ودب. ~~••• ~~- عامر بك، كن شفيعي عند دولة الباشا. # وقلت للباشا: يا دولة الزعيم، ليس الرجل ذا كفاءة ممتازة ولكنه فقد ابنه في الجهاد وهو ~~جدير بأن يرشح عن الدائرة. # وافق على اقتراحي، أسكنه الله أعز مكان في جنته. كان يحبني ويتابع مقالاتي ~~باهتمام صادق. ومرة قال لي: أنت كلب الأمة الخافك. # كان رحمه الله ينطق القاف كافا. وسمع بها بعض الزملاء القدامى من رجال الحزب الوطني؛ ~~فكانوا كلما رأوني صاح صائحهم: «أهلا بكلب الأمة.» # لكنها كانت أيام المجد والجهاد والبطولة. # كان عامر وجدي شخصا فريدا، له في الرجاء جانب يرده الأصدقاء، وفي الخوف جانب يتجنبه ~~الأعداء. ~~••• # في الحجرة أتذكر أو أقرأ أو أستسلم للنعاس. وفي المدخل مجال سمر مع الراديو وماريانا. ~~وإن شئت تنويعا في التسلية ففي أسفل العمارة مقهى الميرامار. من البعيد جدا أن أعثر على ~~أحد أعرفه أو يعرفني، ولا في التريانون نفسه. ذهب الأصدقاء وذهب ms003 زمانهم . وإني لأعرفك يا ~~إسكندرية الشتاء. تخلين ميادينك وشوارعك مع المغيب فيمرح فيها الهواء والمطر والوحشة، ~~وتعمر حجراتك بالمناجاة والسمر. ~~••• ~~- ذلك العجوز الذي يخفي جسده المحنط تحت بدلة سوداء من عهد نوح. # وقال من عينه الزمن الهازل رئيسا للتحرير: زمن البلاغة ولى، هل عندك عبارة تصلح ~~لراكب طيارة؟ # راكب طيارة! أيها «القره جوز» المفعم شحما وغباء .. إنما خلق القلم لأصحاب العقول ~~والأذواق لا للمجانين المعربدين من ضحايا الملاهي والحانات .. ولكن قضي علينا طول ~~العمر بالسير في ركاب زملاء جدد في المهنة، لقنوا علمهم في السيرك ثم اجتاحوا الصحافة ~~ليلعبوا دور البهلوانات. ~~••• # جلست على الفوتيل مرتديا الروب، استسلمت ماريانا إلى مسند الكنبة الأبنوس تحت تمثال ~~العذراء، وانبعث من المحطة الإفرنجية موسيقى راقصة. وددت أن أسمع لونا آخر، ولكني ~~تجنبت إزعاجها. استرخت جفونها كمن تحلم وحركت رأسها في طرب كأيام زمان. ~~- كنا وما زلنا أصدقاء يا عزيزتي. ~~- طول العمر. ~~- لم نتبادل العشق ولا مرة! # ضحكت ضحكة عالية وقالت: ذوقك بلدي، لا تنكر. ~~- عدا مرة عابرة، هل تذكرين؟ # ضحكت طويلا ثم قالت: نعم، جئت مرة بخواجاية فاشترطت عليك تكتب في السجل «عامر وجدي ~~وحرمه». ~~- وسبب آخر أبعدني عنك، كنت حسناء فاخرة يحتكرك الوجهاء. # تهلل وجهها في سعادة شاملة، ماريانا، مهم عندي جدا أن يمتد بك العمر بعدي ولو ~~يوما واحدا حتى لا أضطر إلى البحث عن مأوى جديد. ماريانا، إنك شاهد حي على أن ~~التاريخ ليس وهما، من عهد الإمام إلى اليوم. ~~••• ~~- سيدي الأستاذ، أستودعك الله. # رمقني في ضجر، وهو يضيق بي كلما رآني. قلت: آن لي أن أعتزل. # قال وهو يداري ارتياحه: خسارة كبيرة ولكنني أرجو لك حياة طيبة. # انتهى كل شيء. # انطوت صفحة تاريخ بلا كلمة وداع ولا حفلة تكريم ولا حتى مقال من عصر الطائرة. أيها ~~الأنذال، أيها اللوطيون، ألا كرامة لإنسان عندكم إن لم يكن لاعب كرة؟ ~~••• # قلت وأنا أرنو إليها تحت تمثال العذراء: ولا هيلانة في زمانها! # ضحكت وقالت: قبل أن تجيء كنت أجلس وحدي، لا أنتظر أحدا ms004 أعرفه . مهددة دائما بأزمة ~~كلى. ~~- سلامتك، ولكن أين أهلك؟ # وهي تتنهد: هاجر النساء والرجال. # ولوت بوزها المجعد ثم واصلت: قلت أين أذهب؟ لقد ولدت هنا، لم أر أثينا أبدا في ~~حياتي، ثم إن البنسيونات الصغيرة لن تؤمم على أي حال. ~~••• # يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل، وأن تقوم المحبة بين الناس مكان القانون. لا ~~فض فوك. لقد أكرمك الله بتمثالين والموت. ~~••• ~~- مصر وطنك، والإسكندرية ليس كمثلها شيء. # عزف الهواء في الخارج. والظلام يهبط خلسة. قامت فأشعلت من النجفة ثلاثة مصابيح في ~~أسفلها مثل عنقود العنب. عادت إلى مجلسها وهي تقول: كنت سيدة، سيدة بكل معنى ~~الكلمة. ~~- ما زلت سيدة يا عزيزتي. ~~- هل تشرب كأيام زمان؟ ~~- كأس واحدة عند العشاء، طعامي خفيف جدا، وذاك سر حيويتي رغم تقدم العمر. ~~- آه يا مسيو عامر، تقول إن الإسكندرية ليس كمثلها شيء؟ كلا، لم تعد كما كانت على ~~أيامنا، الزبالة ترى الآن في طرقاتها. # قلت بإشفاق: عزيزتي، كان لا بد أن تعود إلى أهلها. # قالت بحدة: ولكننا نحن الذين خلقناها. ~~- عزيزتي ماريانا، ألا تشربين كأيام زمان؟ ~~- كلا، ولا كأس واحدة، عندي ضغط من الكلى. ~~- ما أجمل أن نوضع في متحف جنبا إلى جنب، ولكن عديني بألا تموتي قبلي. ~~- مسيو عامر، قتلت الثورة الأولى زوجي الأول، أما الثورة الثانية فجردتني من مالي ~~وأهلي، لماذا؟ ~~- إنك مستورة والحمد لله، ونحن أهلك، والعالم يشهد أمثال هذه الحوادث كل شروق ~~شمس. ~~- يا له من عالم! ~~- ألا نغير المحطة الإفرنجية؟ ~~- عدا ليلة أم كلثوم، فلا محطة غيرها! ~~- أمرك يا عزيزتي. ~~- خبرني لماذا يعذب الناس بعضهم البعض، ولماذا يتقدم بنا العمر؟ # ضحكت دون أن أنبس. # أجلت البصر في الجدران المنقوش عليها تاريخها. هاك صورة الكابتن بقبعته العالية ~~وشاربه الغزير في البدلة العسكرية، زوجها الأول، ولعله حبيبها الأول والأخير، الذي قتل ~~في ثورة 1919. في الجدار المقابل وفوق المكتبة صورة أمها العجوز، كانت مدرسة. على مرمى ~~البصر في الصالة فيما وراء البارفان صورة الزوج الثاني ملك البطارخ وصاحب قصر ~~الإبراهيمية، أفلس ms005 ذات يوم فانتحر. ~~- متى فتحت البنسيون؟ ~~- قل متى اضطررت لفتحه من فضلك! # ثم أجابت: عام 1925. # عام محنة وكدر. ~~••• ~~- ها أنا شبه سجين في بيتي، وعرائض التأييد تزف إلى الملك. ~~- زيف وكذب يا دولة الزعيم. ~~- حسبت الثورة قد طهرت النفوس من ضعفها. ~~- الجوهر سليم والحمد لله ... سأسمع دولتكم مقالة الغد. ~~••• # راحت تدلك بشرة وجهها بليمونة وهي تقول: كنت سيدة يا مسيو عامر، أحب الحياة الحلوة ~~والنور والفخامة والأبهة والملابس والصالونات، وكنت أهل على المدعوين ~~كالشمس. ~~- رأيت ذلك بعيني. ~~- لكنك لم تر إلا صاحبة البنسيون. ~~- كانت تهل أيضا كالشمس. ~~- وكان النزلاء من السادة، ولكن لم يعزني ذلك عن تدهوري. ~~- ما زلت سيدة بكل معنى الكلمة. # هزت رأسها ثم سألت: والأصدقاء القدامى ماذا حل بهم؟ ~~- حل بهم المكتوب عليهم. ~~- لماذا لم تتزوج يا مسيو عامر؟ ~~- سوء الحظ، ليتنا أنجبنا ذرية. ~~- أوه .. كان كلا الزوجين عاقرا! # يغلب علي الظن أنك أنت العاقر، إنه أمر مؤسف إذ إننا لم نوجد إلا لكي ننجب. ~~••• # ذلك البيت الكبير الذي تحول مع الأيام إلى فندق، يراه السائر في خان جعفر كقلعة صغيرة، ~~وحوشه القديم الذي شق فيه طريق إلى خان الخليلي، قد نقش في قلبي هو وما يكتنفه من بيوت ~~قديمة والكلوب العتيق، صورة تذكارية لنشوة الحب المشبوب المرتطم بخيبة الأمة. العمامة ~~واللحية البيضاء وقسوة الشفتين وهما تلفظان «لا» فتقضي في تعصب أعمى على الحب الذي ~~هبط إلى الدنيا قبل الأديان بمليون سنة. ~~- مولاي، إني أنشد القرب منكم على سنة الله ورسوله. # صمت وبيننا فنجان قهوة لم يمس، فقلت: إني صحفي، ذو مال، وابن شيخ كان خادما لمسجد ~~سيدي أبي العباس المرسي. # قال: رحمه الله، كان من التقاة المؤمنين. # وقبض على المسبحة ثم استطرد: يا بني، كنت منا، جاورت الأزهر زمنا. # ذاك التاريخ متى ينسى! قال: ثم طردت من الأزهر، أنت تذكر ...؟ ~~- مولاي، ذلك تاريخ قد انقضى، لأتفه الأسباب كان يحق الطرد، شاب هزه الشباب فاشترك ~~في تخت مطرب ذات ليلة، أو طرح بعض أسئلة ببراءة. # قال بامتعاض: ms006 قضى عليه قوم عقلاء بتهمة شنيعة. ~~- مولاي من ذا يستطيع أن يقضي على إنسان بتهمة كالإلحاد، ولا مطلع على الفؤاد ~~إلا الله؟ ~~- يستطيع ذلك من يسترشد بالله. # اللعنة! من ذا يزعم أنه عرف الإيمان! قد تجلى الله للأنبياء ونحن أحوج منهم إلى ~~ذاك التجلي. وعندما نتحسس موضعنا في البيت الكبير المسمى بالعالم فلن يصيبنا إلا ~~الدوار. ~~••• # لنحذر الكسل. لا بأس من تجربة المشي في الصباح المشمس. ما أحلى أيام الدفء في البالما ~~والبجعة. ولو وجدت نفسك وحيدا بين أسر تعمر بالأجيال. الأب يطالع جريدة والأم ~~تطرز رقعة، والأبناء يلعبون. لو يخترع المخترعون للمعتزلين جهازا يبادلهم الحديث ~~والسمر، أو شخصا إلكترونيا يلاعبهم النرد، أو يركب لهم عينا جديدة تولع مرة أخرى ~~بنبات الأرض وألوان السماء. # وقد عشنا دهرا طويلا حافلا بالأحداث والأفكار، نوينا أكثر من مرة أن نسجله في ~~مذكرات - كما فعل الصديق القديم أحمد شفيق باشا - ولكن لم تصدق النية ثم تبددت بين إمهال ~~وإرجاء. اليوم لم يبق من النية القديمة إلا الحسرة بعد أن وهنت اليد وضعفت الذاكرة ~~واضمحلت القوة. ففي ذمة الله ذكريات الأزهر، وصحبة الشيخ علي محمود وزكريا أحمد وسيد ~~درويش، حزب الأمة ما أعجبني فيه وما نفرني منه، الحزب الوطني بحماساته وحماقاته، الوفد ~~بثورته العالمية الخالدة، الخلافات الحزبية التي قوقعتني في حياد بارد لا معنى له، ~~الإخوان الذين لم أحبهم، الشيوعيون الذين لم أفهمهم، الثورة ومغزاها وامتصاصها ~~للتيارات السابقة، غرامياتي وشارع محمد علي، موقفي العنيد من الزواج. لو قيض ~~لذكرياتي أن تكتب لكانت عجبا حقا. # زرت بحنان أثنيوس وباستوريدس وأنطونيادس. جلست وقتا في بهو وندسور وسيسل، ملتقى ~~الباشوات والساسة الأجانب في الزمن القديم، وخير مجال لالتقاط الأخبار ومتابعة الأحداث، فلم ~~أر إلا قلة من الأجانب شرقيين وغربيين. رجعت ولي عند الله دعاءان: دعاء بأن يمن ~~علي بحل مشكلة الإيمان، ودعاء بألا يصيبني بمرض يقعدني عن الحركة فلا أجد من يأخذ ~~بيدي. ~~••• # ما أجمل هذه الصورة النابضة بالشباب! قد وضعت على المقعد ركبة الساق اليمنى وأراحت ~~الأخرى ms007 على الأرض، ومالت بجذعها نحو مسند المقعد ملقية معصميها عليه، واستدار وجهها ~~ليواجه الكاميرا باسما معتزا بملاحته، وقد انحسر ديكولتيه الفستان الكلاسيكي الفضفاض عن ~~قاعدة العنق الطويل ونحر منبسط كالمرمر. # كانت قد ارتدت معطفها الأسود والإشارب الكحلي تأهبا لزيارة الطبيب، وجلست تنتظر ~~الوقت المناسب للذهاب. سألتها: أقلت إن الثورة جردتك من مالك؟ # فرفعت حاجبيها المزججين وقالت: ألم تسمع بكارثة الأسهم؟ # لعلها قرأت في عيني تساؤلا ففطنت إلى ما يدور بخلدي فقالت: ضاع ما ربحته أيام ~~الحرب الثانية. صدقني، لقد ربحته بشجاعتي إذ أصررت على البقاء في الإسكندرية عندما هاجر ~~الكثيرون إلى القاهرة والأرياف خوفا من غارات الألمان، طليت النوافذ باللون الأزرق وأسدلت ~~الستائر، ودار الرقص على ضوء الشموع، ولن تجد من يضاهي ضباط الإمبراطورية في البذل ~~والكرم. # وجدتني وحيدا بعد ذهابها أنظر إلى عيني زوجها الأول وينظر إلي. ترى من قتلك وبأي ~~سلاح؟ وكم من جيلنا قتلت قبل أن تقتل؟ جيلنا العتيد الذي فاق الأجيال جميعا في غزارة ~~ضحاياه. ~~••• # الغناء الإفرنجي لا ينقطع. أقسى ما حكم الزمان به علي في عزلتي. ماريانا أخذت حماما ~~ساخنا عقب عودتها من عند الطبيب، ها هي تجلس ملفوفة في برنس أبيض وقد عقصت شعرها ~~المصبوغ غارسة فيه عشرات المشابك المعدنية البيضاء. خفضت صوت الراديو إلى حد الهمس ~~لتبدأ هي إذاعتها وقالت: مسيو عامر .. لا شك أن لديك مالا وفيرا. # فسألتها بشيء من الحذر: هل عندك مشروعات؟ ~~- كلا، ولكن في مثل عمرك - وعمري أيضا مع الفارق الكبير - لا يتهددنا شيء مثل الفقر ~~والمرض. # قلت والحذر لم يفارقني بعد: لقد عشت مستورا وأرجو أن أموت مستورا. ~~- لا أذكر أنك كنت مسرفا قط. # ترددت قليلا ثم قلت: أرجو أن يكون عمر المدخر من نقودي أطول من عمري. # لوحت بيدها باستهانة وقالت: الطبيب شجعني هذه المرة فوعدته بألا أحمل ~~هما. ~~- جميل ألا نحمل هما. ~~- يجب أن نفرح ونلهو عندما تأتي ليلة رأس السنة. # قلت ضاحكا: نعم، على قدر ما تسمح قلوبنا. # راحت تهز رأسها في تلذذ وتقول في ms008 مناجاة : يا ليالي رأس السنة ... # فقلت منفعلا بذكريات بعيدة: كم أحبك الكبراء! ~~- لم أعرف الحب إلا مرة واحدة. # ثم أشارت إلى صورة الكابتن. وعادت تقول: قتله طالب من الطلبة الذين أخدمهم ~~اليوم! # ثم قالت بخيلاء: كان بنسيون السادة .. يعمل به طاه ومرمطون وسفرجي وغسالة وخادمان، لا ~~أحد يخدم به اليوم سوى غسالة أسبوعية. ~~- كبراء كثيرون يغبطونك على ما أنت فيه. ~~- أهذا عدل يا مسيو عامر؟ ~~- هو على أي حال طبيعي يا مدام. # اربد وجهها فضحكت متوددا وملاطفا. ~~••• # الرحمن * علم القرآن * ~~خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس ~~والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع الميزان # مضيت أقرأ سورة الرحمن الحبيبة إلى قلبي مذ كنت في الأزهر. كنت غائصا في مقعد كبير ~~طارحا قدمي على وسادة. هطل المطر بغزارة فارتفع رنينه فوق درجات السلم المعدني في ~~المنور. # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام # ثمة أصوات تقتحم الصمت خارج الحجرة في البنسيون. رفعت رأسي عن الكتاب وأنصت. ضيف ~~أم نزيل جديد؟ صوت ماريانا يرحب بحرارة لا تليق إلا بصديق حميم. وثمة ضحك أيضا. ثم ~~وضحت نبرة غليظة من صوت أجوف. ترى من القادم؟ الوقت بعد العصر بقليل. والمطر ينهل ~~بشدة، والغيوم تريق في الحجرة ظلمة كالليل. ضغطت على زر الأباجورة حين لمع برق خاطف نضح ~~به الشيش، وهزم الرعد. # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان ~~••• # يميل إلى القصر والبدانة، منتفخ الشدقين واللغد، وله عينان زرقاوان رغم سمرة بشرته، ~~ذو طابع أرستقراطي لا تخطئه العين وينم عنه صمته المتكبر إذا صمت، وحركات رأسه ويديه ~~المتزنة المرسومة بدقة إذا تكلم. قدمته المدام باسم «طلبة بك مرزوق» في مجلس ~~المساء، ثم قالت تزيدني معرفة به: كان وكيلا لوزارة الأوقاف ومن الأعيان الكبار. # لم يكن عندي في حاجة إلى تعريف. عرفته من بعيد بحكم مهنتي على عهد النضال السياسي ~~والحزبي. كان من المنتمين إلى أحزاب السراي، وبطبيعة الحال من أعداء الوفد. وتذكرت ms009 أيضا ~~أنه وضع تحت الحراسة منذ عام أو أكثر وأنه جرد من موارده عدا القدر المعلوم. أما ~~المدام فقد تبدت في أحسن أحوالها مرحا وعاطفية، نوهت مرارا بصداقتها القديمة ~~لطلبة بك. وبرز حماسها المتدفق عندما دعته بمحبها القديم. # وقال لي الرجل ونحن نتبادل الحديث: قرأت لك كثيرا فيما مضى. # فضحكت ضحكة ذات مغزى فضحك بدوره قائلا: كنت تعطيني مثلا حيا لقوة البلاغة عندما ~~تتصدى للدفاع عن باطل! # وضحك طويلا ولكنني لم أجادله. وقالت المدام تخاطبني بشماتة: طلبة بك تلميذ قديم ~~للجزويت، سنسمع الأغاني الإفرنجية معا ونتركك لتتعذب وحدك. # ثم بسطت راحتيها في ترحيب وقالت: جاء ليقيم معنا. # فرحبت به فعادت تقول في رثاء: كان يملك ألف فدان، كان يلعب بالمال لعبا. # هنا قال الرجل بامتعاض: انقضى عهد اللعب. ~~- وأين كريمتك يا طلبة بك؟ ~~- في الكويت مع زوجها المقاول. # وكنت أعلم أن الحراسة قد فرضت عليه لشبهة تهريب، بيد أنه فسر مأساته قائلا: خسرت ~~أموالي جميعا ثمنا لنكتة عابرة! # فسألته: هل دعيت إلى تحقيق؟ # فقال بازدراء: المسألة بكل بساطة أنهم كانوا في حاجة إلى مالي. # وكانت المرأة تنظر إليه بإمعان فقالت: تغيرت كثيرا يا طلبة بك. # ابتسم فوه الصغير المطوق بشدقيه ثم قال: أصابتني جلطة كادت تقضي علي. # ثم بشيء من العزاء: ولكنني أستطيع أن أشرب الويسكي في حدود الاعتدال. ~~••• # غمس الكروسان في الشاي الممزوج باللبن ثم أكل بأناة من لم يألف الطاقم الجديد بعد. ~~لم يكن على مائدة الإفطار سوانا. وكانت الأيام القلائل الماضية قد قربت بيننا وأزالت ~~حواجز الحذر فغلب الأنس بروح الجيل الواحد على الخلافات البالية، وإن انطوى كل منا في ~~أعماقه على مزاج متفرد مناقض لصاحبه: ولكن تجيء أوقات يبرز فيها المزاج الثاوي في الأعماق ~~ليثير الغبار والتحديات. أجل، قد سألني بلا مناسبة: أتدري ما السبب وراء المصائب التي ~~حلت بنا؟ # فتساءلت بدهشة: أي مصائب تعني؟ ~~- أيها الثعلب، إنك تعرف تماما ما أعني. ~~- ولكن لم تحل بي المصائب من أي نوع كان. # رفع حاجبيه الأشيبين وقال: لقد ms010 اغتيلت شعبيتكم كما اغتيلت أموالنا. ~~- لعلك تذكر أنني خرجت من الوفد، بل من الأحزاب جميعا، منذ حادث 4 فبراير. ~~- ولو .. ثمة لطمة قد أحاطت بكبرياء الجيل كله. # فقلت زاهدا في الجدل: بصرف النظر عن موقفي فإني مشوق إلى معرفة رأيك. # قال بهدوء وازدراء: يوجد سبب بعيد في طرف الحبل المشدود حول أعناقنا، شخص لا يكاد يذكره ~~أحد. ~~- من هو؟ ~~- سعد زغلول! # لم أتمالك من الضحك فراح يقول بحدة: أجل، منذ دأب على إثارة الإحن بين الناس، ~~والتطاول على الملك، وتملق الجماهير، رمى في الأرض ببذرة خبيثة، ما زالت تنمو وتتضخم ~~كسرطان لا علاج له حتى قضى علينا. ~~••• # لم يكن بالبالما إلا آحاد. مضى طلبة مرزوق ينظر إلى ماء النيل شبه الساكن في ترعة ~~المحمودية على حين مددت ساقي واستلقيت على مسند الكرسي كأنما أضطجع تحت شعاع الشمس ~~النقي الدافئ. هاجرنا إلى أطراف الإسكندرية المزدحمة بالنبات والأزهار، التي تنعم أيام ~~الصحو بالدفء والسلام، فآوينا إلى ركن من الجنة عامر بالبركات. # مهما يكن من غلو صاحبي وعصبيته فهو يستحق قدرا من الرثاء. عليه أن يبدأ حياة ~~جديدة مريرة بعد الستين. إنه يغبط كريمته في مهجرها ويرى أحلاما غريبة، لا يطيق أن يسمع عن ~~نظرية تبرر مأساته التاريخية. ويؤمن بأن الاعتداء على ماله إنما كان اعتداء على كون ~~الله وسننه وحكمته. ~~- كدت أعدل عن الإقامة في البنسيون عندما علمت بوجودك. # لم أصدق وسألته عن السبب: وقع اختياري على بنسيون ميرامار بأمل ألا أجد فيه إلا ~~صاحبته الخواجاية. # فسألته عما بدد سوء ظنه بي: فكرت، ثم اقتنعت بأن التاريخ لم يعرف عميلا فوق ~~الثمانين! # ضحكت طويلا ثم سألته: ولم تخاف العملاء؟ ~~- لا شيء في الحقيقة غير أني أروح عن نفسي أحيانا بالكلام. # ثم واصل حديثه بعصبية: لم يعد لي مقام في الريف، وجو القاهرة يصر على إشعاري بهواني. ~~عند ذاك فكرت في عشيقتي القديمة، وقلت لقد فقدت زوجها في ثورة، ومالها في الثورة ~~الأخرى، وإذن فسوف نعزف لحنا واحدا. # وأثنى على صحتي رغم طعوني ms011 في السن ، وجعل يغريني على مصاحبته في دور السينما ~~والمقاهي الشتوية. تم تساءل: لماذا عدل الله عن سياسة القوة؟ # لم أدرك مرماه، فقال متبسطا في الشرح: أعني الطوفان والرياح وغيرها. # فسألته بدوري: أتحسب أن الطوفان قد أهلك من البشر أكثر ممن أهلكتهم قنبلة ~~هيروشيما؟ # فلوح بيده ساخطا وقال: ردد دعايات الشيوعيين أيها الثعلب! إن أكبر خطأ في حق ~~البشرية قد وقع لدى تردد أمريكا في الاستيلاء على سلطان العالم عندما كانت تملك وحدها ~~القنبلة الذرية. ~~- خبرني هل تجدد غرامياتك مع ماريانا؟ # ضحك عاليا وقال: يا لها من فكرة جنونية، إني شيخ هدمه العمر والسياسة وهيهات أن ~~تحركني إلا المعجزات، وأما هي فلم يبق لها من الأنوثة إلا ألوانها ~~المجردة. # وضحك مرة أخرى ثم قال: وأنت هل نسيت تاريخك؟ لقد قرأت عن فضائحك في مجلة الكشكول، عن ~~جريك وراء الملاءات اللف بشارع محمد علي. # ضحكت بلا تعليق فتساءل: هل رجعت أخيرا إلى الدين؟ ~~- وأنت؟ .. يخيل إلي أحيانا أنك لا تؤمن بشيء. # فقال بحنق: كيف لا أومن بالله وأنا أحترق في جحيمه؟! ~~••• ~~- لقد خلق أمثالك للجحيم، لن يبارك الله لك في شيء، اخرج مطرودا من هذا المكان ~~الطاهر، كما طرد إبليس من رحمة الله. ~~••• # دقت الساعة الكبيرة في الصالة معلنة انتصاف الليل. تجاوبت أركان المنور بصفير هواء ~~قوي. أقعدني الكسل والدفء وأنا غائص في المقعد الكبير عن القيام إلى الفراش. وثقلت علي ~~وحدتي بعد أن انفردت بي في الحجرة الخالية؛ فقلت لنفسي: ما جدوى الندم بعد الثمانين! # وإذا بالباب يفتح دون استئذان ويقف طلبة مرزوق على عتبته قائلا: معذرة، أدركت من ضوء ~~الحجرة أنك لم تنم. # نظرت نحوه باستغراب. لقد شرب الليلة أكثر مما يشرب عادة. وسألني متهكما وحركات رأسه ~~تواكب نبرته: أتعلم كم كان يكلفني في الشهر الواحد الدواء والفيتامينات والهرمونات ~~والروائح والدهون وخلافه؟ # انتظرت أن يتكلم ولكنه أغمض عينيه كأن الجهد أرهقه، ثم تراجع فأغلق الباب ~~ومضى. ~~••• # السرادق مكتظ بالخلق، ساحة المولد كيوم الحشر، والصواريخ تنطلق في الفضاء. انشق ~~النور ms012 وانعدم الظلام لمولد أحمد. وتهادت الرولزرويس حتى وقفت أمام السرادق. هبط منها ~~طلبة مرزوق فخف لاستقباله أقوام وأقوام من السادة الدمرداشية؛ طريقة الرجل الذي جمع في ~~قلبه بين الرسول والمندوب السامي. ولمحني صاحب الرولزرويس فأعرض عني في كبرياء. وقيل ليلتها ~~إنك جئت ثملا كما جئتني الليلة. ودعي سيد المطربين إلى وسط السرادق فأنشد «يا سماء ~~ما عليك سماء.» وفي الهزيع الأخير من الليل غنى «أحب أشوفك» فأطاح بعقول المريدين. متى ~~كانت تلك الليلة العجيبة؟ على التحديد لا أذكر ولكنها حتما سبقت وفاة الرجل الجليل ~~وإلا ما صفا لي الطرب. ~~••• # كنت أجلس في المدخل ولا أحد معي في البنسيون عندما دق الجرس. فتحت الشراعة على ~~طريقة المدام فرأيت أمامي وجها انشرح لمرآه صدري. من النظرة الأولى انشرح له صدري. وجه ~~أسمر لفلاحة مطوقة الرأس والوجه بطرحة سوداء، أصيلة الملامح، مؤثرة جدا بنظرة ~~عينيها الحلوة المترقبة: من أنت؟ ~~- أنا زهرة! # قالتها ببراءة وثقة كأنما تنطق باسم علم من الأعلام. سألتها وأنا أبتسم: ماذا تريدين يا ~~زهرة؟ ~~- الست ماريانا. # فتحت لها الباب فدخلت حاملة بقجة صغيرة. نظرت فيما حولها ثم سألت: أين الست؟ ~~- ستجيء بعد قليل. اجلسي. # جلست على مقعد واضعة البقجة على حجرها فعدت إلى مجلسي في نشاط جديد. جعلت أنظر ~~إليها، إلى تكوينها القوي الرشيق، وملاحتها الفائقة، وشبابها الغض، وأنا في غاية من ~~الارتياح. واستسلمت لرغبة في محادثتها فقلت: قلت إن اسمك زهرة؟ ~~- زهرة سلامة. ~~- من أين يا زهرة؟ ~~- من الزيادية بحيرة. ~~- على ميعاد مع المدام؟ ~~- لا. ~~- إذن؟ ~~- جئت لأقابلها. ~~- تعرفك طبعا؟ ~~- نعم. # تمليت جمالها وشبابها بارتياح لم أشعر بمثله من دهر، ثم عدت أسألها: هل تعيشين في ~~الإسكندرية من زمن طويل؟ ~~- لم أعش في الإسكندرية، ولكن زرتها مرارا مع المرحوم أبي. ~~- وكيف عرفت المدام؟ ~~- كان أبي يجيئها بالجبن والزبد السمن والدجاج، وكنت أجيء معه أحيانا. ~~- فهمت، تنوين يا زهرة أن تحلي محل أبيك. ~~- لا. # حولت عينيها إلى البارفان كأنما لتتفادى من المزيد، فاحترمت سرها وازددت لها حبا. ~~وبكل حنان دعوت ms013 لها في سري أن يحفظها الله. ~~••• # قلت وأنا أقبل يدها المعروقة المدبوغة: «ببركة دعواتك أصبحت رجلا ولا كل الرجال، ~~هلمي معي إلى القاهرة.» فقالت وهي تتطلع نحوي بحنان: «فليزدك الله من خيره وبركاته، ~~أما أنا فلن أغادر البيت، إنه حياتي وعمري.» # بيت نحيل، مقشر الجدران، تلطمه الرياح وتستقر أملاح البحر على أحجاره، وتلفحه روائح ~~السمك المكدس على شاطئ الأنفوشي. # قلت: «لكنك تعيشين هنا وحدك.» # فقالت: «معي خالق الليل والنهار.» ~~••• # دق الجرس فقامت زهرة ففتحت الباب. نظرت إليها المدام بدهشة ثم هتفت: زهرة! .. غير ~~معقول! # لثمت الفتاة يدها مشرقة الوجه لحرارة الترحيب. ~~- جميل أن أراك، الله يرحم والدك، تزوجت يا زهرة؟ ~~- كلا. ~~- غير معقول! # وضحكت عاليا ثم التفتت إلي قائلة: زهرة بنت رجل طيب يا مسيو عامر. # ومضتا معا إلى الداخل حين جاش صدري بحنان وأبوة. ~~••• # ولما جمعنا مجلس الليل - أنا وطلبة وماريانا - قالت المدام: أخيرا ارتحت. # وسكتت لحظة ثم واصلت: زهرة ستعمل عندي. # اجتاحني إحساس غريب بالفرح والضيق معا ثم سألت: أجاءت لتعمل خادمة؟ ~~- نعم، لم لا، ستكون على أي حال في مركز ممتاز. ~~- ولكن ما ... ~~- كانت تستأجر نصف فدان وتزرعه بنفسها، ما رأيك في ذلك؟ ~~- جميل، ولكن لم تركت أرضها؟ # نظرت إلي مليا ثم قالت: لقد هربت. ~~- هربت! # قال طلبة ساخرا: اعتبروها إقطاعية! ~~- أراد جدها أن يزوجها من عجوز مثله لتخدمه، والباقي معروف. # قلت بحزن: حدث خطير لا تهضمه القرية. ~~- لا أحد لها بعد جدها إلا شقيقتها الكبرى وزوجها. ~~- وإذا عرفوا أنها هنا؟ ~~- محتمل، ولكن ما يهم؟ ~~- ألا تخشين ...؟ ~~- ليست صغيرة، وما فعلت إلا أنني آويتها وأعطيت لها عملا شريفا. # ثم بإصرار: مسيو عامر، لن أتخلى عنها. ~~••• # لن أتخلى عن واجبي ما دام في عرق ينبض، ولتفعل بنا القوة ما تشاء. ~~••• # وراحت تعلمها وزهرة تتعلم بسرعة فائقة، وماريانا تقول بسرور: البنت مدهشة يا عامر ~~بك، مدهشة، ذكية وقوية، من مرة واحدة تعرف المطلوب، أنا بختي عال. # وقالت لي في مرة أخرى: ما رأيك، خمسة جنيهات غير الأكل واللبس؟ # أعلنت ms014 ارتياحي ثم قلت برجاء: لا تلبسيها بطريقة عصرية! ~~- أتريدها أن تلبس كالفلاحات؟ ~~- عزيزتي، البنت جميلة، فكري في الأمر. ~~- أنا عيني مفتوحة دائما، والبنت طيبة يا مسيو عامر. # هكذا خطرت زهرة في فستان من الكستور فصل على جسمها الرشيق ليبرز محاسنه، ربما لأول ~~مرة، بعد طول اختفاء تحت الجلباب الفضفاض المسترسل حتى الكعبين، ومشط شعرها جيدا بعد ~~أن غسل بالجاز ثم فرق في وسط الدماغ ليجتمع في ضفيرتين انسابتا في امتلاء وراء ~~الأذنين. # ورآها طلبة مرزوق فنظر إليها متفرسا ثم مال نحوي بعد ذهابها وهمس قائلا: سنشاهدها ~~في الصيف القادم في الجنفواز أو مونت كارلو. # فقلت باستياء: فال الله ولا فالك يا شيخ! # ثم مر بها وهو في طريقه إلى الخارج فسألها مداعبا: هل فيك عرق أجنبي يا ~~زهرة؟ # شيعته بنظرة متسائلة. واضح أنها لم تستلطفه. ونظرت نحوي فقلت لها: إنه يداعبك، ~~فاعتبري قوله نوعا من الثناء. # ثم قلت باسما: وأنا أيضا من عشاقك يا زهرة. # فابتسمت ابتسامة صافية، فلم أشك في أنها تبادلني مودة بمودة وسررت بذلك جدا. ~~وكانت المدام تدعوها - بعد انتهاء العمل - للجلوس معنا في المدخل حول الراديو، فكانت تختار ~~مقعدا بعيدا بعض الشيء عنا وعلى كثب من البارفان وتتابع أحاديثنا برغبة جادة في ~~الاستطلاع والفهم، واستأنستها بمودتي فصرنا صديقين، وتبادلنا الكلام كثيرا في الفرص ~~المتاحة. # وقصت علينا ذات ليلة قصتها بنفسها وهي تظن أننا نسمعها لأول مرة. ثم قالت تعليقا ~~على بعض ظروفها: أراد زوج أختي أن يأكلني، فزرعت أرضي بنفسي. ~~- ألم يشق عليك ذلك يا زهرة؟ ~~- كلا، إني قوية بحمد الله، لم يغلبني أحد في المعاملة، لا في الحقل ولا في ~~السوق. # فقال طلبة مرزوق ضاحكا: ولكن الرجال يهتمون بأمور أخرى أيضا؟ # فقالت بتحد لطيف: أكون رجلا عند الضرورة. # فأمنت على قولها بحماس. وقالت المدام: زهرة ليست غشيمة، كانت تصحب أباها في جولاته، ~~كان يحبها جدا. # فقالت بحزن: وكنت أحبه أكثر من عيني، أما جدي فلا يفكر إلا في الانتفاع من ~~ورائي. # ولكن طلبة عاد إلى ms015 معاكستها قائلا : لو كان باستطاعتك أن تكوني رجلا فلم اضطررت إلى ~~الهرب؟ # فقلت مدافعا عنها: يا طلبة بك، أنت أدرى بجو القرى، وقداسة الأجداد، والتقاليد ~~الرهيبة، كان عليها أن تبقى لتصير زوجة زائفة أو أن تهرب. # رمقتني بامتنان، ثم قالت بأسف: تركت أرضي. # وإذا بطلبة يقول: سيقولون إنك هربت لكيت وكيت ... # حدجته بنظرة غاضبة، واكفهر وجهها كأنما اتخذ من ماء الفيضان بشرة جديدة، وفردت ~~سبابتها والوسطى وهي تقول بخشونة: أغرزهما في عين من يتقول علي بالباطل. # هتفت المدام: زهرة، ألا تفرقين بين الجد والدعابة؟ # وقلت بدوري ملاطفا وقد أخذت بغضبتها: إنه يداعبك يا زهرة. # وملت نحوه متسائلا: أين لباقتك يا عزيزي؟ # فأجابني باستهانة: موضوعة تحت الحراسة! ~~••• # عيناها عسليتان، وجنتاها دسمتان موردتان، في ذقنها غمازة. بالكاد حفيدتي الصغرى، ~~أما جدتها المحتملة فقد مرت في لمح البصر. لم يدركها حب ولا زواج. المستحيل تذكر ~~ملامحها. بيرجوان والدرب الأحمر وسيدي أبو السعود طبيب الجراح. ~~••• ~~- حتى متى تبقى هنا يا سيدي؟ # كانت تجيئني في حجرتي بقهوة العصر فأستبقيها حتى أفرغ؛ رغبة في حديثها. ~~- إني مقيم هنا يا زهرة. ~~- وأسرتك؟ # قلت ضاحكا: لا أحد لي في الدنيا سواك. # فضحكت من أعماق قلبها في مرح. يدها صغيرة صلبة خشنة الأنامل. قدماها مفلطحتان كبيرتان. ~~أما الجسم والوجه فسبحان الله العظيم! # ومرة همست لي: إنه ثقيل الدم! # قلت لها مستعطفا: إنه رجل كبير سيئ الحظ، وبه مرض. ~~- يظن نفسه باشا وقد مضى عهد الباشوات. # وقع قولها من أذني موقعا غريبا، فدار رأسي في دائرة سحرية قطرها قرن كامل. ~~••• ~~- يأبون زيارة وزير الحقانية لأنه أفندي. ~~- يا دولة الزعيم، لرجال القضاء مهابتهم! ~~- إني فلاح قبل كل شيء، أما هم فشراكسة. # ثم ماضيا في تصميم: اسمع، طالما عيروني بالغوغاء ففاخرتهم بأنني زعيم الرعاع ذوي ~~الجلاليب الزرق. اسمع، لا بد أن تتم الزيارة .. وبكل احترام. ~~••• # حتى أنواع الويسكي حفظت أسماءها وهي تبتاعها من بقالة الهاي لايف. وكانت تقول لي: كلما ~~طلبتها رمقتني الأبصار وضحكت الوجوه. # فرددت في نفسي «ليحفظك الله!» ~~••• # يا لها ms016 من ضوضاء . الأصوات ليست بالغريبة ولكنها تصرخ محتدمة. ماذا يجري خارج الغرفة؟ ~~غادرت الفراش والساعة تدق الخامسة مساء. تلفعت بالروب ومضيت إلى الخارج. لمحت طلبة وهو ~~يختفي في حجرته ضاربا كفا على كف. رأيت زهرة جالسة مقطبة وشبه باكية مقوسة الظهر، ~~والمدام واقفة أمامها في غاية من الكدر. ماذا هناك؟ قالت المدام لما رأتني: زهرة سيئة ~~الظن جدا يا عامر بك. # تشجعت زهرة بحضوري فقالت بخشونة: أراد أن أدلكه! # بادرتها المدام: إنك لا تفهمين، إنه مريض، كلنا نعلم ذلك، في حاجة إلى تدليك، كان ~~يسافر كل سنة إلى أوروبا، وما دمت لا تريدين فلن يرغمك أحد. # قالت زهرة بحدة: لم أسمع عن ذلك من قبل، دخلت حجرته بنية سليمة فرأيته منطرحا على ~~وجهه شبه عار! ~~- كفي يا زهرة، الرجل كبير، أكبر من والدك، ليس إلا سوء تفاهم، قومي فاغسلي وجهك ~~وانسي الأمر كله. # جلسنا على كنبة من الآبنوس وحدنا. الهواء يصرخ في الخارج والنوافذ تصطك. غشانا صمت ثقيل ~~مرهق، فقال المدام: هو الذي طلب. وأنا لا أشك في نيته. # تمتمت بلهجة ذات معنى: ماريانا! # تساءلت بحدة: أتشك في نيته؟ ~~- العبث لا حدود له! ~~- لكنه شيخ كما تعلم. ~~- وللشيوخ عبثهم أيضا! ~~- قلت إنها أولى بالنقود من أخرى غريبة. ~~- إنها فلاحة. # ثم ذكرتها قائلا: وقد وضعتها في حماك! ~~••• # وجاء طلبة فاتخذ مجلسه في بساطة البريء وانطلاقته. وراح يقول: الفلاح يعيش فلاحا ~~ويموت فلاحا. # فقلت بضيق: دعها تعيش وتموت على ما فطرها الله عليه. # قال بامتعاض: قطة متوحشة، لا يغرك منظرها في الفستان، وجاكتة المدام الرمادية، ~~إنها قطة متوحشة. # إني حزين من أجلك يا زهرة. أدرك الآن مدى وحدتك. وليس البنسيون بالمكان المناسب لك. ~~المدام - حاميتك - لن تتورع عند أول فرصة عن اتهام براءتك. # وتساءل طلبة مرزوق بعد الكأس الأولى قائلا: من ذا يحدثني عن حكمة الله في ~~خلقه؟ # فهتفت ماريانا مرحبة بتغيير مجرى الحديث: حاسب أن تكفر يا طلبة بك! # فأشار إلى تمثال العذراء وسأل: خبريني يا سيدتي، لماذا رضي الله بأن ms017 يصلب ~~ابنه ؟ # فقالت بجد: لولا ذلك لحلت بنا اللعنة! # فضحك طويلا ثم قال: ألم تحل بنا اللعنة بعد؟ # وكان يسترق إلي النظر وأنا أتجاهله حتى لكزني بكوعه وهو يقول: أيها الثعلب، عليك أن ~~تصالحني مع زهرة. ~~••• # نزيل جديد؟ # شيء في وجهه الأسمر الواضح الملامح يشي بأنه فلاح، معتدل القامة في غير امتلاء، سمرته ~~أميل إلى الغمق، له نظرة قوية، في الثلاثين من عمره. دعته المدام إلى مقعد من مائدة الإفطار ~~وهي تقول: مسيو سرحان البحيري. # ثم قدمتنا إليه، وطلبت منه أن يزيدنا تعريفا بنفسه إن شاء، فقال بصوت قوي ذي طعم ~~ريفي متمدن: وكيل حسابات شركة الإسكندرية للغزل. # وعقب خروجه ضحكت المدام معلنة عن سرورها وقالت: نزيل مقيم أيضا وبنفس الشروط. # ولم يكد يمضي أسبوع حتى جاء حسني علام للإقامة أيضا: وهو شاب يصغر سرحان بقليل، ~~ربعة أبيض اللون، ذو بنيان متين يليق بمصارع، وقالت المدام: إنه من أعيان طنطا. # وأخيرا جاء منصور باهي مذيع بمحطة الإسكندرية، في الخامسة والعشرين، وقد أثر في ~~وجهه الرقيق وقسماته الصغيرة الجميلة، أجل فيه شيء من الطفولة ولا أقول الأنوثة، ولكن بدا ~~من أول الأمر أنه يعيش في ذاته عسير الألفة. # إذن قد شمل العمران الحجرات جميعا وطارت المدام من الفرح. وتوثب قلبي للترحيب والتعارف ~~ولإشباع عواطفه المتعطشة. وقلت للمدام: شباب مرح جميل، فلعلهم لا يزهدون في مجلسنا ~~العجوز. # فقالت بسرور: وليسوا طلبة على أي حال. # لم يتجاوز التعارف حدوده الرسمية، حتى اقتربت الليلة الأولى لموسم أم كلثوم فعلمت أنهم ~~سيسهرون معنا حول الراديو وأنها ستكون ليلة طيبة عامرة بالشباب والغناء. ~~••• # أعدوا فيما بينهم عشاء من الشواء وشرابا من الويسكي .. جلسنا حول الراديو وزهرة تقوم ~~على خدمتنا كنحلة. الليلة باردة ولكنها صامتة لم نسمع للرياح فيها صوتا وقالت زهرة: إن ~~السماء صافية وإنك تستطيع أن تعد النجوم. ودارت الكئوس وزهرة جالسة عند البارفان ~~تراقبنا بنظرة باسمة. عانى طلبة مرزوق وحده قلقا خفيا. قال لي قبل السهرة بأيام: «سينقلب ~~البنسيون جحيما.» إنه يخاف الأغراب، ولم ms018 يشك في أنهم يحيطون بتاريخه وظروف حراسته علما، ~~إن لم يكن عن طريق الصحف فعن سبيل المذيع منصور باهي. # وكانت المدام كعادتها قد استخلصت منهم المعلومات الخليقة بأن تشبع تطفلها الأبدي: ~~مسيو سرحان البحيري من أسرة البحيري! # لم أسمع عن الأسرة من قبل ولا بدا على طلبة مرزوق نفسه أنه سمع بها. ~~- وقد دله صديق على البنسيون لما علم بضيقه بشقته القديمة. # وحسني علام؟ ~~- مسيو حسني من أسرة علام بطنطا. # وخيل إلي أن طلبة يعرفها ولكنه تجنب الحديث ما أمكنه. ~~- وهو يملك مائة فدان! # قالتها بزهو كأنها هي المالكة. ~~- لم تزد ولم تنقص فالثورة لم تمسه. # وتهلل وجهها كأنما النجاة كانت لها. ~~- وقد جاء الإسكندرية لينشئ لنفسه عملا. # هنا سأله سرحان: ولم لا تزرع أرضك؟ # فقال باقتضاب: مؤجرة. # فتفحصه سرحان بنظرة مداعبة ثم قال: قل إنك لم تزرع في حياتك قيراطا. # وضحك ثلاثتهم ولكن برزت ضحكة حسني المجلجلة. # ثم أشارت المدام إلى منصور باهي وقالت: أما هذا فهو شقيق صديق قديم يعتبر من أحسن ~~ضباط البوليس الذين عرفتهم الإسكندرية. # خيل إلي أن أشداق طلبة قد ازدادت انتفاخا. ~~- وقد أشار عليه لدى نقله من الإسكندرية قريبا بالإقامة في بنسيون ميرامار. # مال طلبة نحوي منتهزا فرصة انشغالهم بالشراب وهمس: وقعنا في وكر للجواسيس! # فهمست له بدوري: لقد ولت أيام الوحشية، فلا تكن سخيفا. # وإذا بالسياسة تفرقع في السمر. وبدا سرحان متحمسا بلا حدود: لقد خلق الريف خلقا ~~جديدا. # كان صوته يتغير تبعا لامتلائه بالطعام أو خلوه منه: كذلك العمال، إني أعيش بينهم ~~في الشركة فتعالوا وانظروا بأنفسكم. # وسأله منصور باهي - إنه أميلهم للصمت وقد ينفجر ضاحكا كأنه شخص آخر: أتشتغل بالسياسة ~~بالفعل؟ ~~- من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي، واليوم فأنا عضو بلجنة العشرين وعضو مجلس الإدارة ~~المنتخب عن الموظفين. ~~- ألم تشتغل بالسياسة من قبل؟ ~~- كلا. # وقال حسني علام: إني مقتنع تماما بالثورة؛ لذلك أعتبر ثائرا على طبقتي التي جاءت ~~الثورة لتصفيتها. # فقال منصور باهي: على أي حال فالثورة لم تمسك. ~~- ليس ذاك ms019 هو السبب ، فحتى فقراء طبقتنا قد لا يحبون الثورة. # وأخيرا قال منصور باهي: إني مقتنع تماما بأن الثورة كانت أرفق بأعدائها مما ~~يجب! # والظاهر أن طلبة مرزوق ظن أنه إن لزم الصمت فقد يضره الصمت، لذلك قال: لقد حاق ~~بي ضرر بالغ فأكون منافقا لو قلت إنني لم أتألم، ولكنني أكون أنانيا كذلك لو أنكرت ~~أن ما عمل هو ما كان ينبغي أن يعمل. ~~••• # عندما آويت إلى حجرتي قبيل الفجر لحق بي فسألني عن رأيي فيما قال، فأجبته بصوت غريب ~~بعد أن نزعت طاقم أسناني: رائع. ~~- أتظن أن أحدا صدقني؟ ~~- لا يهم. ~~- يحسن بي أن أبحث عن مقام آخر. ~~- لا تكن سخيفا. ~~- كلما سمعت ثناء على إجراءات قتلي تعرضت لأزمة روماتزم! ~~- عليك أن تروض نفسك عليه. ~~- كما تفعل أنت؟! # فقلت ضاحكا: إننا مختلفان منذ الأزل كما تعلم. # فمضى وهو يقول لي: أتمنى لك أحلاما مزعجة! ~~••• # وقالت المدام ولم تكن تشارك في الشراب وقنعت من الطعام بشريحة شواء وكوب حليب دافئ: عيب ~~ثومة أنها تبدأ في وقت متأخر! # ولكن الشبان نجحوا في التغلب على آلام الانتظار. وفجأني منصور باهي قائلا: إني أعرف ~~من تاريخك الشيء الكثير. # اجتاحني فرح صبياني كأنما رددت إلى فترة من فترات الشباب، فمضى يفسر قوله: راجعت ~~الصحف القديمة مرات وأنا بصدد إعداد برنامج إذاعي. # تطلعت إليه مستزيدا في اهتمام فقال: تاريخ طويل حقا، أسهمت بقدر ملحوظ في شتى ~~تياراته، حزب الأمة، الحزب الوطني، الوفد، الثورة. # قبضت على الفرصة بجنون، مضيت به إلى رحلة في رحاب التاريخ، نوهت بمواقف لا يجوز ~~أن تنسى، استعرضنا الأحزاب؛ حزب الأمة ما له وما عليه، والحزب الوطني ما له وما عليه، ~~والوفد وحله للمتناقضات القديمة وقاعدته الشعبية من الطلبة والعمال والفلاحين، ~~لماذا جنحت بعد ذلك للاستقلال، ثم لماذا أيدت الثورة. ~~- ولكنك لم تهتم بالمشكلة الاجتماعية الجوهرية. # فقلت ضاحكا: لقد نشأت عهدا بالأزهر فلم يكن غريبا أن أعمل كمأذون شرعي رسالته في ~~الحياة أن يوفق بين الشرق والغرب في الحلال! ~~- أليس غريبا أن ms020 تحمل على النقيضين معا، أعني الإخوان والشيوعيين؟ ~~- كلا، كانت فترة حيرة، ثم جاءت الثورة لتمتص خير ما فيهما معا. ~~- إذن فقد انتهت حيرتك؟ # أجبت بالإيجاب. ثم تذكرت حيرتي الخاصة التي لا تحل بحزب أو ثورة فرددت في نفسي ~~الدعاء الذي لا يدري به أحد. # وآن الأوان فدفعت بقاربي المضطرب إلى بحر الأنغام والطرب. نشدته أن يكون من ~~الأعضاء المتنافرة المتناحرة جسما ينبض بالروح والانسجام. نشدته أن يعلمني التوافق ~~والتوازن في بناء ترعاه عين الحب والسلام. أن يصهر عذاباتي في نغمة تنعش القلب والعقل ~~بجمال البصيرة. أن يسكب الشهد المصفى على عناد الوجود. ~~••• # ألم تسمع بالخبر العجيب؟ .. لقد اجتمع مجلس النظار أمس بعوامة منيرة ~~المهدية. ~~••• ~~- شبان ظرفاء وأغنياء! # هكذا جعلت تردد ماريانا، وقد زادت أعباء زهرة ولكنها حملتها بهمة عالية حقا. ~~أما طلبة مرزوق فراح يقول: إني لا أطمئن إلى أحد منهم. # فسألته ماريانا: ولا حسني علام؟ # فواصل حديثه قائلا: سرحان البحيري أشدهم خطورة، لقد انتفع بالثورة إلى أقصى حد، ودعك ~~من أسرة البحيري التي لم يسمع بها أحد، ثم إن كل مولود في البحيرة فهو بحيري، حتى زهرة فهي ~~زهرة البحيري. # ضحكت كما ضحكت المدام. ومرت بنا زهرة في طريقها إلى الخارج لأداء واجب من واجباتها، ~~فرأيتها مطوقة الرأس بإشارب أزرق ابتاعته بنقودها، تخطر في جاكتة المدام الرمادية، ~~فاتنة من فاتنات الأعشاب الندية والزهور البرية. وعدت أقول: منصور باهي فتى ذكي، ما ~~رأيك؟ ... لا يحب الكلمات الجوفاء، ويخيل إلي أنه ممن يعملون في صمت، ثم إنه من جيل ~~الثورة الخالص. ~~- ما الذي يدعوه، هو أو غيره، إلى الالتصاق بالثورة؟ ~~- إنك تتكلم كأنما لا يوجد بالوطن فلاحون ولا عمال ولا شبان! ~~- لقد سلبت البعض أموالهم وسلبت الجميع حريتهم. # فقلت ساخرا: إنك تتكلم عن حرية بالية، وحتى هذه لم تحظ باحترامكم أيام سطوتكم. ~~••• # وأنا خارج من الحمام رأيت في الطرقة شبحين، زهرة وسرحان البحيري. في مهامسة أو مناجاة. ~~لعله أراد أن يداري موقفه، فرفع صوته متحدثا في بعض الشئون التي تعد الفتاة ms021 ~~مسئولة عنها . مضيت إلى حجرتي كأنما لا أرى ولا أسمع ولكن اجتاحني القلق. كيف تحافظ زهرة على ~~راحة بالها في خلية غاصة بالشبان؟ وعندما جاءتني بقهوة العصر سألتها: أين تقضين ~~عطلتك الأسبوعية مساء الأحد؟ # أجابت بابتهاج: في السينما. ~~- وحدك؟ ~~- مع المدام. # قلت من قلب محب: فليحفظك الله! # ابتسمت قائلة: إنك تخاف علي كما لو كنت طفلة. ~~- وإنك لطفلة يا زهرة. ~~- كلا، تجدني في وقت الشدة كالرجال. # قربت وجهي من وجهها الجميل المحبوب وقلت: زهرة، هؤلاء الشبان لا يعرفون للهو ~~حدودا، أما عند الجد ... وفرقعت بأصابعي، ولكنها قالت: حدثني أبي عن كل شيء. ~~- إني في الواقع أحبك وأخاف عليك. ~~- أنا فاهمة، لم أعرف رجلا مثلك منذ أبي، وأنا أحبك أيضا. # لم أسمع بكلمة الحب من قبل بهذه النعومة الرائقة. وكان من الجائز أن تخاطبني بها عشرات ~~الأفواه البريئة لولا تهمة ألقيت بغباء، تهمة لا يمكن أن يقضي فيها أحد من الناس. ~~••• # البرقع الأبيض. # خرجت العجوز من الباب إلى الحارة وهي تقول: هلمي، قد كف المطر. # تبعتها صاحبة البرقع الأبيض تمشي في حذر على أرض زلقة متجنبة نقرة مملوءة بماء ~~المطر. عفى الزمان على ذكريات جمالها إلا الأثر. تنحيت جانبا وأنا أردد في نفسي ~~سبحان الخلاق ذي النعم. واهتز الفؤاد من أعماقه، فقلت أتوكل على الله وخير البر ~~عاجله. ~~••• # في المدخل وحدنا وقد جلست تحت العذراء تعكس عيناها الزرقاوان نظرة مثقلة بالفكر. وكان ~~المطر يهطل بلا توقف منذ الظهر والسحب تنتابها نوبات رعدية متفجرة. قالت المدام: ~~مسيو عامر، إني أشم رائحة غريبة. # رمقتها بحذر فقالت باستياء: زهرة! # ثم بعد وقفة قصيرة: وسرحان البحيري! # انقبض صدري ولكنني تساءلت بسذاجة: ما تعنين؟ ~~- أنت تفهم تماما ما أعني. ~~- ولكن الفتاة ... ~~- قلبي لا يخونني في هذه الأمور! ~~- البنت طيبة وشريفة يا عزيزتي ماريانا. ~~- مهما يكن من أمرها فإني لا أحب أن يلعب أحد من وراء ظهري! # إما أن تبقى زهرة شريفة وإما أن تعمل لحسابك. إني أفهمك تماما أيتها العجوز. ~~••• # حلمت - وأنا مستغرق في القيلولة - بالمظاهر ms022 الدامية التي اقتحم الإنجليز على أثرها ساحة ~~الأزهر. وفتحت عيني وأصوات المتظاهرين وطلقات الرصاص تدوي في رأسي. كلا، إنها أصوات ~~من نوع آخر تجتاح البنسيون خارج حجرتي. ارتديت الروب وغادرت الحجرة وأنا من الانزعاج في ~~نهاية. وجدت الجميع قد سبقوني إلى المدخل. البعض في حال استطلاع مثلي، أما سرحان البحيري ~~فكان ثائرا متسخطا وهو يسوي الكرافتة وياقة القميص، كذلك زهرة كانت مصفرة الوجه ~~من الغضب وقد تمزقت طاقة فستانها وراح صدرها يعلو وينخفض، على حين مضى حسني علام إلى ~~الخارج بالروب آخذا معه امرأة غريبة وهي تصرخ وتسب، وقد بصقت في وجه سرحان البحيري قبل ~~أن يغيبها الباب. وصاحت المدام: لا يجوز هذا في بنسيون محترم. # وجعلت تردد بحدة: «لا .. لا .. لا.» # ثم خلا المدخل إلا من ثلاثتنا - أنا وهي وطلبة مرزوق. سألت ولما أفق من النوم ~~تماما: ماذا حدث؟ # فأجابني طلبة مرزوق: لم أر أكثر مما رأيت إلا القليل. # وذهبت المدام إلى حجرة سرحان للاستماع فيما بدا، أما طلبة فواصل الحديث قائلا: يبدو ~~أن صاحبنا البحيري دون جوان عتيد! ~~- ما الذي حملك على هذا الظن؟ ~~- ألم تر إلى المرأة وهي تبصق عليه؟ ~~- ولكن من المرأة الغريبة؟ ~~- امرأة، أي امرأة! # ثم وهو يضحك: امرأة جاءت تسعى وراء رجلها الهاجر! # وجاءت زهرة وهي ما زالت منفعلة فمضت تقول دون سؤال من أحد: فتحت الباب للأستاذ سرحان وإذا ~~بامرأة تتبعه وهو لا يدري ثم اشتبكا في عراك حام. ~~- ورجعت المدام فقالت وهي واقفة: الفتاة كانت خطيبته، أو هذا ما فهمته. # وضح كل شيء فيما أعتقد غير أن طلبة مرزوق سأل بخبث: وما دخل زهرة في الموضوع؟ # فأجابت زهرة: أردت أن أخلص بينهما فتحولت إلي ثم كان ما كان. # فقال الرجل: إنك ملاكمة جبارة يا زهرة. # فقلت برجاء: فلنعتبر الموضوع منتهيا من فضلكم. ~~••• # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون * إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ms023 أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ~~. # سمعت يدا تنقر على الباب مستأذنة في الدخول. دخلت المدام باسمة ثم جلست أمامي على ~~مقعد بلا ظهر أطرح عليه ساقي أحيانا. ثمة زوبعة كانت تعوي في المنور وأنا مدثر ~~بالروب، والحجرة نعسانة في جوها شبه المظلم الذي لا يدل على وقت. قالت وهي تغالب ضحكة: ~~إليك نبأ عجيبا ... # أغلقت الكتاب ووضعته على الكوميدينو وأنا أغمغم: ليكن سارا يا عزيزتي. ~~- زهرة قررت أن تتعلم. # نظرت إليها ببلاهة ولم أفهم شيئا: حقا قررت أن تتعلم، قالت لي إنها ستغيب ساعة كل ~~يوم لتتلقى درسا. # قلت: هذا مذهل حقا. ~~- عندنا في العمارة بالدور الخامس أسرة فيها ابنة مدرسة اتفقت معها. ~~- أكرر أنه قرار مذهل حقا. ~~- من جانبي لم أعارضها وإن أشفقت على أجرتها التي ستستولي عليها المدرسة. ~~- جميل منك هذا يا مدام، ولكني مذهول بكل معنى الكلمة. # ولما جاءتني زهرة بقهوة العصر قلت لها: تخفين عني أسرارك يا ماكرة! # قالت بحياء: لا أسرار تخفى عليك. ~~- وقرارك عن التعليم؟ .. خبريني كيف فكرت في ذلك؟ ~~- كل البنات تتعلم، إنهن يملأن الشوارع. ~~- ولكنك لم تفكري في ذلك من قبل. # ضحكت بسرور فقلت: إنك قلت لنفسك إنك أجمل منهن، فلم يتعلمن ولا تتعلمين .. ~~هه؟ # جعلت تنظر إلي بابتهاج دون أن تنبس فقلت: ولكن ليس ذاك بكل شيء. ~~- ماذا هناك أيضا؟ # ترددت لحظة ثم قلت: هناك صاحبنا سرحان البحيري. # تورد وجهها وغضت البصر فقلت بإشفاق: أما التعليم ففكرة مدهشة وأما سرحان ... # ترددت في الإفصاح، فتساءلت: ما له؟ ~~- هؤلاء الشبان طموحون. # قالت بامتعاض: كلنا أبناء حواء وآدم. ~~- هذا حق ولكن ... ~~- الدنيا تغيرت، أليس كذلك؟ ~~- الدنيا تغيرت، ولكنهم لم يتغيروا بعد. # امتلأت نظرتها بالتفكير وهي تقول: بعد الكتابة والقراءة سأتعلم مهنة كالخياطة. # خفت إن تكلمت أكثر أن أجرح مشاعرها فسألتها: هل يحبك حقا؟ # فأحنت رأسها بالإيجاب فقلت: ليحفظك الله ويسعدك. # ورحت أساعدها من حين لآخر وهي تدق باب المجهول، عالم ms024 الكلمات والأعداد . وعلم الجميع ~~بقرارها وناقشوه طويلا ولكن لم يسخر منها أحد. على الأقل أمامها. كان الجميع يميلون ~~إليها فيما أعتقد. كل على طريقته. وتابع طلبة مرزوق القضية فلم يخف عليه شيء من ~~أسرارها، ثم قال لي: ما هو الحل السعيد لمشكلة زهرة؟ .. أن ينزل عندنا يوما منتج سينمائي. ~~ما رأيك؟ # فلعنت رأيه. ~~••• # وذات أصيل ذهبت كالعادة إلى مجلسي بالمدخل فرأيت زهرة جالسة إلى جانب فتاة غريبة على ~~الكنبة. من لمحة أدركت أنها المدرسة. فتاة ريفية وجميلة. وقد تكرمت بالحضور إليها ~~بسبب وجود زوار في شقتها. وكالعادة كانت المدام قد استجوبتها وعرفت عنها بعض ما ~~تتطلع إليه، فأخبرت بأنها تقيم مع والديها وأن لها أخا يعمل في السعودية. وتكرر ~~حضور المدرسة للبنسيون، وكانت تثني على اجتهاد تلميذتها. # ولاحظت مرة - وزهرة قادمة بقهوة العصر - أنها متجهمة فسألتها عن الصحة فأجابتني ~~بفتور: كالبغل! ~~- والدروس؟ ~~- لا شكوى من هذه الناحية. # فقلت بقلق: لم يبق إلا صديقنا البحيري! # وصمتنا بعض الوقت كأنما لنصغي إلى صوت المطر المنهمر، ثم قلت: لا أطيق أن أراك ~~متألمة. # فقالت بامتنان: إني أصدقك. ~~- ماذا حدث؟ ~~- الحظ يعاندني. ~~- قلت لك من أول يوم ... ~~- ليس الأمر بالسهولة التي تتصورها! # ثم نظرت إلي بكآبة وقالت بانفعال: ما العمل؟ إني أحبه، ما العمل؟ ~~- هل تبين لك كذبه؟ ~~- كلا، إنه يحبني أيضا، ولكنه يتكلم دائما عن العقبات. ~~- ولكن الرجل إذا أحب ... # فقالت بإصرار: إنه يحبني ولكنه دائما يتكلم عن العقبات. # فقلت بحنان: ولكن ما ذنبك أنت؟ يجب أن تعرفي لنفسك طريقا. # فمضت وهي تقول: ما قيمة أن أعرف ما يجب عمله ما دمت لا أستطيعه! ~~••• ~~- يا سعادة الباشا، كيف هان عليك؟ # فقاطعني قائلا: كان علي أن أختار بين أمرين، فإما الانتفاع ببنك التسليف الزراعي مع ~~إعلان خروجي على الوفد وإما الخراب. ~~- ولكن الكثيرين فضلوا الخراب. # فصاح غاضبا: صه .. إنك لا تملك قيراطا ولا ابن لك ولا بنت، ولقد ضربت واعتقلت في ~~قشلاق قصر النيل، ولكن ابنتي أعز علي من الدنيا والآخرة. ~~••• # قالت لي المدام ms025 هامسة: تعال معي، أهل زهرة حضروا. # مضيت معها إلى المدخل فرأيت شقيقة زهرة وزوجها جالسين والفتاة واقفة في وسط المكان تنظر ~~إليهما في صلابة وعناد. وكان الرجل يقول: حسن أن تذهبي إلى المدام، ولكن عار أن ~~تهربي. # وقالت أختها: فضحتنا يا زهرة في الزيادية كلها. # فقالت زهرة بغضب وحدة: أنا حرة ولا شأن لأحد بي. ~~- لو كان جدك يستطيع السفر ... ~~- لا أحد لي بعد أبي. ~~- يا للعيب! .. هل كفر لأنه أراد أن يزوجك من رجل مستور؟ ~~- أراد أن يبيعني. ~~- الله يسامحك .. قومي معنا. ~~- لن أرجع ولو رجع الأموات. # وهم زوج أختها بالكلام ولكنها بادرته: لا شأن لك بي! # وأشارت إلى المدام قائلة: إني أعمل هنا كما يعمل الشرفاء وأعيش من عرق جبيني. # خيل إلي أنهما يودان أن يصارحاها برأيهما في المدام والبنسيون وتمثال العذراء ~~ولكنهما لا يستطيعان. وقالت المدام: زهرة ابنة رجل كنت أحترمه، إني أعاملها كابنة، فأهلا ~~بها إن أرادت البقاء. # ونظرت المدام إلي كأنما تستحثني على الكلام، فقلت: فكري يا زهرة واختاري. # لكنها قالت بإصرار: لن أرجع ولو رجع الأموات! # انتهت الرحلة بالفشل فمضى الرجل بزوجته وهو يقول لزهرة: القتل لك حق وعدل. # وجعلنا نناقش الموضوع، ونقول ونعيد، حتى قالت لي زهرة: خبرني عن رأيك صراحة؟ # فقلت: أتمنى أن ترجعي إلى قريتك! ~~- أرجع للهوان؟ ~~- قلت «أتمنى» يا زهرة .. أقصد أن ترجعي وأن يكون في الرجوع سعادتك. ~~- إني أحب الأرض والقرية ولكني لا أحب الشقاء. # وانتهزت فرصة ذهاب المدام إلى بعض شأنها فقالت بحزن: هنا الحب والتعليم والنظافة ~~والأمل. # أدركت أشجانها. لقد هاجرت مثلها مع والدي من القرية. وأحببت القرية مثلها ولكني ضقت ~~بالعيش فيها. وعلمت نفسي كما تود أن تفعل. ورميت مثلها بتهمة باطلة فقال أقوام إني ~~أستحق القتل. ومثلها فتنني الحب والتعليم والنظافة والأمل. # الله أسأل أن يجعل حظك أسعد من حظي يا زهرة. ~~••• # دنا الخريف من نهايته، ولكن جو الإسكندرية يسير على هواه. وقد أنعمت بركاته علينا ~~بصباح مضيء دافئ، فابتهج ميدان الرمل تحت أشعة الشمس ms026 الهابطة من سماء صافية الزرقة. ~~ابتسم إلي محمود أبو العباس بائع الجرائد وأنا أقف أمام معرضه الملون بأغلفة المجلات ~~والكتب، ابتسم وقال لي: سعادة البك! # ظننت أن ثمة خطأ في الحساب. نظرت إليه متسائلا وهو قائم أمامي بجسمه الفارع فقال: ~~سعادتك تقيم في بنسيون ميرامار؟ # أجبت بهزة من رأسي فقال: لا مؤاخذة، توجد في البنسيون بنت اسمها زهرة؟ # أجبت بانتباه مفاجئ: نعم. ~~- أين أهلها؟ ~~- لكن لماذا تسأل؟ ~~- لا مؤاخذة، أريد أن أخطبها. # فكرت قليلا ثم قلت: أهلها في الريف، وأظنها على خلاف معهم، هل فاتحتها في ~~الأمر؟ ~~- إنها تجيء أحيانا لشراء الجرائد ولكنها لا تشجعني على الكلام. # وزار المدام مساء اليوم نفسه ليطلب يد زهرة. وخاطبت المدام زهرة في الأمر بعد ذهابه. ~~ولكنها رفضته بلا تردد ولا تفكير. ولما أعادت على مسمعنا - أنا وطلبة - الحكاية، قال ~~الرجل: لقد أفسدتها يا ماريانا، نظفتها ولبستها ملابسك، وها هي تختلط بالشبان ~~الممتازين فتلعب بعقولها الأحلام، وليس لذلك كله إلا نهاية محتومة واحدة. # وفي خلوتنا اليومية - عندما جاءتني بقهوة العصر - تحادثنا في الموضوع. قلت لها: كان ~~يجب أن تفكري في الأمر. # فقالت محتجة: ولكنك تعرف كل شيء. ~~- لا ضرر البتة من التفكير والمشاورة. # فقالت معاتبة: إنك تراني شيئا حقيرا لا يجوز له أن ينظر إلى فوق! # فلوحت بيدي معترضا وقلت: المسألة أنني أراه زوجا كفئا، هذا كل ما هناك. ~~- سأعود معه إلى مثل حياة القرية التي هربت منها. # لم أرتح إلى حجتها، فواصلت حديثها قائلة: ومرة سمعته يتكلم مع صاحب له وهو لا ~~يراني، فيقول له إن النساء تختلف في الألوان ولكنها تتفق على حقيقة واحدة، فكل امرأة ~~حيوان لطيف بلا عقل ولا دين، والوسيلة الوحيدة التي تجعل منهن حيوانات أليفة هي ~~الحذاء! # نظرت إلي كالمتحدية ثم تساءلت: أمن العيب أن أحب لنفسي حياة كريمة؟ # لم أجد ما أقوله. ورغم تظاهري بالأسف فإنني شعرت بإعجاب بها لا يحد. لن أضايقك ~~بنصائح العجائز. لقد كان سعد زغلول يستمع إلى نصائح الشيوخ، ولكنه اتبع غالبا آراء ms027 ~~الشباب. ليحفظك الله يا زهرة! ~~••• ~~- أحداث هامة تقع من حولك وأنت لا تدري أيها العجوز. # قال طلبة مرزوق ذلك وهو يبتسم ابتسامة خبيثة. كنا نجلس في المدخل وحدنا ولا أنيس لنا ~~إلا صوت هطول المطر. سألته وأنا أتوقع أنباء سوء: ماذا هناك؟ ~~- دون جوان البحيرة يدبر انقلابا في الخفاء. # همني الأمر لصلته بزهرة فسألته عما يعني فقال: غير الهدف القديم، وهو يسدد الآن ~~بإحكام نحو هدف جديد. ~~- تكلم بلا تلذذ بالمصائب. ~~- حسن، جاء دور الأستاذة! ~~- المدرسة؟ ~~- بالضبط، لمحت نظرات متبادلة وأنا - كما تعلم - لي خبرة قديمة بهذه اللغة. ~~- يا لك من رجل تتجسد له أفكاره الشريرة في صورة حقائق. # قال وهو يسخر ضاحكا، وشامتا: بابا عامر .. أدعوك إلى متابعة ألطف دراما في ~~ميرامار! # عزمت على ألا أصدقه ولكن كدر صفوي القلق. وإذا بحسني علام يحدثنا في نفس ~~اليوم عن معركة دارت بين سرحان البحيري ومحمود أبو العباس بائع الجرائد في ميدان الرمل. ~~خمنت ما وراء المعركة من أسباب، ولكن تخيل تطوراتها كان فوق المستطاع. وقال حسني: ~~تبادلا الضرب حتى خلص الناس بينهما. # فسأله طلبة مرزوق: هل شهدتهما وهما يتضاربان؟ ~~- كلا، علمت بما كان بعد وقوعه بفترة وجيزة. # وتساءلت المدام بإشفاق: وهل وصل الأمر إلى القسم؟ ~~- كلا، انتهى بسيل من السباب والوعيد. # ولم يشر سرحان إلى الواقعة فتجنبنا ذكرها. ورجعت أفكر فيما قال طلبة عن سرحان ~~والمدرسة فاعتراني غم ونكد. # الوفاء عند الملاح صدف # أسعفيني يا دموع العين # واستعدناها مرات ومرات بالتصفيق والهتاف، فراح يغني حتى مطلع الفجر. كنت ليلتها ~~مكتظا بالشباب والقوة والطعام والخمر. والقلب يعاني وحده أسرار الشجن. # حلمت بوفاة أبي. # كنت مستغرقا في النوم في الهزيع الأخير من الليل. رأيتهم وهم يحملونه من رواق مسجد أبي ~~العباس حيث أدركته الوفاة ثم يمضون به إلى البيت. بكيت. ودوى في أذني صوات أمي. ومضى ~~يدوي حتى فتحت عيني. # يا إلهي! ماذا يحدث في الخارج؟ كالمرة السابقة؟ لقد انقلب بنسيون ميرامار إلى ميدان ~~قتال. ولكن عندما غادرت حجرتي كان كل شيء ms028 قد انتهى . ولمحتني ماريانا فأقبلت نحوي كالمستغيثة ~~فدخلنا الحجرة وهي تهتف: لا .. لا .. فليذهبوا جميعا إلى الجحيم. # نظرت إليها بعيني المثقلتين بالنوم فقصت علي القصة الجديدة. استيقظت على صوت عراك، ~~غادرت حجرتها فوجدت سرحان البحيري وحسني علام وهما يتضاربان. ~~- حسني علام؟! ~~- نعم، لم لا، يجب أن يأخذ كل نصيبه من الجنون. # فسألتها بامتعاض: ولكن ما السبب؟ ~~- آه، فلنرجع خطوة إلى الوراء، إلى حادثة لم أشهدها لأني كنت مثلكم مستغرقة في ~~النوم. ~~- وهي؟ ~~- قالت زهرة: إن حسني علام رجع من الخارج سكران فحاول أن ... ~~- لا! ~~- إني أصدقها يا مسيو عامر. ~~- وأنا أيضا، ولكن حسني لم يلاحظ عليه أنه ... ~~- لا يمكن أن نلاحظ كل شيء. وقد استيقظ سرحان في الوقت المناسب، فكان ما كان. ~~- يا للأسف! # مسحت على عنقها كأنما لتزيل عنه الألم الذي ألم بأوتار صوتها من الزعق، ورجعت تقول: ~~لا .. فليذهبوا إلى الجحيم. # فقلت بامتعاض: على الأقل يجب أن يذهب حسني علام. # لم تعلق على قولي، بل ولم تتحمس له، ثم غادرت الحجرة متجهمة. # ولما جاءتني زهرة عصر اليوم التالي تبادلنا نظرات ذات معنى. غمغمت: أسفت جدا يا ~~زهرة. # فقالت بسخط: رجال بلا شهامة. ~~- للحق إن المكان لا يليق بك. ~~- بوسعي دائما أن أدافع عن نفسي، وقد فعلت. ~~- ولكن ليست هذه بالحياة المطمئنة التي ترجى لبنت طيبة مثلك. # فقال بعناد: يوجد أرذال في كل مكان، حتى في القرية. ~~••• # غادرت البنسيون عقب أيام حبست فيها داخله لشدة البرد وثورة الرياح وانهلال المطر. ~~كانت أياما فظيعة فانطوينا على أنفسنا في الحجرات، ولكن لم يكف الجو عن مهاجمتنا في ~~قواقعنا، لطمت المياه النوافذ، وزلزلت الجدران بصواعق الرعد، وومض البرق كالنذر، وصرخت ~~الرياح كعزيف الجان. # ولما غادرت البنسيون استقبلني الوجه الآخر للإسكندرية، الذي أفرخ غضبه. وثاب إلى ~~وداعته، تلقيت الشعاع الذهبي المغسول بامتنان، نظرت إلى الأمواج وهي تتتابع في براءة، ~~على حين نقشت السماء بسحائب صغيرة متهافتة كالأنفاس المترددة. جلست في التريانون لأشرب ~~القهوة باللبن. كما كنت أجلس في الأيام الخالية مع الغرابلي باشا ms029 والشيخ جاويش ، ومدام ~~لبراسكا الإفرنجية الوحيدة التي جربتها وسط طوفان من الملاءات اللف! جلس معي طلبة ~~مرزوق بعض الوقت ثم انصرف إلى بهو وندسور لمقابلة صديق قديم. وإذا بسرحان البحيري يقبل ~~نحوي فيسلم ويجلس ثم يقول: فرصة سعيدة. دعني أودعك فقد لا ألقاك وأنا أغادر ~~البنسيون. # سألته بدهشة: هل عزمت على الرحيل؟ # فأجاب بصوته العريض: نعم، انتهت الإقامة، ولو ذهبت دون أن أودعك لأسفت على ذلك طيلة ~~العمر! # شكرت له رقته، ولكني وجدت أسئلة تلح علي، غير أنه لم يهبني فرصة لمزيد من ~~الكلام إذ يلوح بيده لشخص قادم ثم صافحني وذهب. # وسألت نفسي في قلق وكآبة: ماذا عن زهرة؟ ~~••• # قبض بشدة على قضبان قفص الاتهام وهو يستمع إلى النطق بالحكم ثم صاح بأعلى صوته في ~~المحكمة: يا فرحتك في يا دنف، يا فرحتك في يا نعيمة يا ضباطي! ~~••• # ولما رجعت إلى البنسيون وجدت المدام وطلبة مرزوق وزهرة مجتمعين في المدخل، مغلفين ~~بكآبة أبلغ في إفصاحها عن أي تفجع أو ندب! جلست صامتا وقد وضح لي ما وددت أن أسأل ~~الآخر عنه. قالت المدام: تكشف أخيرا ذاك السرحان عن حقيقته. # تمتمت: قابلني منذ ساعات في التريانون فأخبرني بأنه سيغادر البنسيون. ~~- الحق أني طردته! # ثم وهي تشير نحو زهرة: هاجمها بلا حياء، ثم أعلن بأنه ذاهب ليتزوج من ~~المدرسة. # نظرت إلى طلبة فنظر إلي وقال ساخرا: أخيرا استقر رأيه على الزواج! # وقالت المدام: لم يرتح له قلبي أبدا، من أول نظرة فهمته، شرير لا خلاق له. # ثم واصلت حديثها: أراد مسيو منصور باهي أن يناقشه وإذا بمعركة جديدة تنشب فجأة، عند ذاك ~~صرخت في وجهه أن يخرج إلى غير رجعة. # نظرت إلى زهرة بإشفاق، أيقنت أن اللعبة قد انتهت، وأن الوغد قد ذهب بلا جزاء. وغضبت ~~غضبة كغضبات الأيام المريرة ثم قلت لزهرة: إنه وغد لا يستحق أن تأسفي عليه! # ولما خلوت إلى طلبة قلت له: ليتها تقبل الزواج من محمود أبو العباس! # فقال لي بلهجة من يوقظ محدثه من غفلة: ms030 يا رجل ، أي محمود! ألم تدرك بعد أنها فقدت الشيء ~~الذي لا يعوض؟ # قطبت محتجا، وقد أخذت في الوقت نفسه، فقال ساخرا: أين عقلك أيها العجوز؟ .. وأين ~~فطنتك؟ ~~- ليست زهرة كالأخريات. ~~- الله يرحمك! # وبقدر ما حنقت عليه بقدر ما اجتاحني الشك. وقلت لنفسي بحزن عميق: يا للخسارة! # وعاد طلبة يقول: المدام أول من نبهني، ولكني لم أكن في حاجة إلى تنبيه. ~~- امرأة سوء! ~~- إنها كما تعلم على استعداد دائما لحمايتها أو لاستغلالها. # فقلت بغيظ: لا هذا ولا ذاك، أقسم على ذلك. # وجاء لقاء العصر حزينا مؤثرا. رجتني ألا أذكرها بنصائحي القديمة وألا ألوم أو ~~أعتب. تبرأت من ذلك كله وقلت إن عليها أن تواجه مستقبلها بشجاعة هي جديرة بها. ~~- ترى هل يفتر حماسك للتعليم؟ # فقالت بتصميم وبلا أدنى ابتهاج: سأجد مدرسة أخرى. # فهمست: وإن احتجت إلى أي مساعدة ... # مالت نحوي حتى لثمت منكبي ثم عضت على شفتها لتمنع الدموع. مددت يدي المعروقة ~~المدبوغة حتى مسحت بحنان شعرها الأسود وتمتمت: ليحفظك الله يا زهرة! ~~••• # لزمت حجرتي تلك الليلة مذعنا لإحساس شامل بالإعياء، وأقعدني التعب بضعة أيام أخر. ~~وجعلت المدام تحثني على مقاومة الضعف لأشهد ليلة رأس السنة الجديدة. وفي سياق ذلك سألتني: ~~نقضيها في المونسنيير كما يقترح طلبة بك أم نقضيها هنا؟ # غمغمت في فتور: هنا أفضل يا عزيزتي. # كم احتفلت بها في صولت وجروبي وألف ليلة وحديقة لبتون. وقد مرت بي عاما وأنا معتقل ~~في سجن القلعة الحربي. ~~••• # وفي صباح اليوم الثالث لاعتكافي اقتحمت المدام غرفتي في غاية من الانزعاج ثم قالت لاهثة: ~~أما سمعت بالخبر؟ # ثم وهي تغوص في المقعد الكبير: قتل سرحان البحيري! # هتفت: هه! ~~- وجد قتيلا في طريق البالما! # ولحق بها طلبة مرزوق قابضا بعصبية على الجريدة وهو يقول: خبر مزعج جدا، وقد يجر ~~علينا متاعب لم تكن في الحسبان! # وجعلنا نتبادل النظر والرأي دون جدوى. استعرضنا كافة الاحتمالات، فكرنا في خطيبته ~~الأولى، حسني علام، منصور باهي، محمود أبو العباس، وحتى قالت المدام: قد يكون القاتل ~~شخصا ms031 آخر لا يخطر لنا ببال. # فقلت: لم لا، نحن لا نكاد نعرف عن الشاب شيئا، لا عن حياته ولا علاقاته ولا ~~ظروفه. # فقالت المدام بقلق: كم أتمنى أن يكتشفوا القاتل عاجلا وأن يكون بعيدا عنا كل ~~البعد، وألا أرى وجه رجل من البوليس. # فأيدها طلبة مرزوق قائلا: كم أتمنى ذلك أيضا! # وسألت عن زهرة فتنهدت المدام قائلة: صعقت المسكينة، صعقت بكل معنى الكلمة. # قلت بحزن: ألا يمكن أن أراها؟ ~~- إنها منهارة تماما في حجرتها وقد أغلقت الباب. # وعدنا نتبادل الرأي والنظر دون جدوى. # أخيرا أغمضت عيني فتردد في خاطري: # كل من عليها فان ~~* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام * فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~. # | حسني علام # فريكيكو .. لا تلمني. # وجه البحر أسود محتقن بزرقة. يتميز غيظا. يكظم غيظه. تتلاطم أمواجه في اختناق. يغلي ~~بغضب أبدي لا متنفس له. # ثورة. لم لا؟ كي تؤدبكم وتفقركم وتمرغ أنوفكم في التراب. يا سلالة الجواري، إني ~~منكم وهو قضاء لا حيلة لي فيه. وقد عرفتني ذات العين الزرقاء بقولها: «غير مثقف، والمائة ~~الفدان على كف عفريت.» وقبعت تنتظر ثورا آخر. # الكورنيش لا يرى من شرفة سيسل. إن لم أنحن فوق السور فلا سبيل لرؤيته. البحر يمتد ~~مباشرة كأنما أراه من سفينة. وهو يترامى حتى قلعة قايتباي محصورا بين سياج الكورنيش وذراع ~~حجري يضرب في الماء كالغول. بينهما يختنق البحر. يتلاطم موجه في تثاقل وهو كظيم. بوجه ~~أسود ضارب للزرقة منذر بالغضب. يضطرم بباطن محشو بأسرار الموت ونفاياته. # أما الغرفة فتنطبع بسحنة كلاسيكية. تذكرني بسراي آل علام بطنطا؛ لذلك أضيق ~~بها. وقد غرب مجد الريف وجاء عصر الشهادات يحملها أبناء السفلة. حسن، لتكن ثورة. ولتدككم ~~دكا. إني أتبرأ منكم. سأنشئ عملا. أتبرأ منكم يا فتات العصور البالية. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # ذات يوم - ومحمد النوبي يقدم لي الإفطار في الحجرة - خطر لي أن أقول له: كم أشعر بالضجر ~~في فندقكم العظيم! # عادة قديمة لي أن أقيم علاقات طيبة مع خدم الفنادق التي أنزل بها، بالمؤانسة ~~والسخاء، لحين ms032 الحاجة إليهم ! وإذا بالرجل يسألني: هل تقيم في الإسكندرية مدة ~~طويلة؟ ~~- جدا! ~~- أليست الإقامة في بنسيون معقول أفضل لك في تلك الحال؟ # نظرت إليه مستطلعا، فقال: هناك بنسيون نظيف ومعقول. ستجد فيه تسلية أكثر ونفقات أقل، ~~ولكن ليكن ذلك سرا بيننا. # ظريف ومفيد وخائن. يخدم في جهة ويعمل لحساب أخرى ككثيرين من مواطني الأعزاء. وحق ~~أن للبنسيون جوا عائليا حميما، وهو أنسب لمن يفكر في مشروع جديد. وهل ساقني إلى ~~سيسل إلا عادة قديمة متأصلة وكبرياء لم يخفف من غلوائه بعد! ~~••• # فتحت شراعة الباب عن وجه جميل. أجمل مما يليق بخادمة. أجمل مما يليق بسيدة. يا ~~لها من شابة مليحة. وسوف تعشقني من النظرة الأولى. ~~- نعم؟ # فلاحة؟ عجبا. ليدفن سيسل في جوف الأمواج السوداء. ~~- من طرف محمد كامل بفندق سيسل. # أجلستني في المدخل ومضت إلى الداخل. جعلت أنظر إلى الصور كمقدمة لمعرفة أصحابها. من ~~هذا الضابط الإنجليزي؟ ومن الحسناء المتكئة على ظهر الكرسي؟ جميلة ومثيرة. ولكنها ~~قديمة، موضة الفستان تقطع بأنها كانت معاصرة للعذراء. # وجاءت عجوز مضيئة مذهبة. صاحبة البنسيون بلا ريب. الطراز الكامل لقوادة إفرنجية ~~متقاعدة. أو غير متقاعدة كما أرجو. وتلك صورتها قبل أن يخربها الزمن. ها هي الأمور تتضح. ~~لقد ترجم محمد كامل شكواي من الضجر بلغته الخاصة. وخيرا فعل. وكلما توفر الترفيه ~~تهيأ الجو للتفكير في المشروعات الجديدة. ~~- حجرة خالية يا مدام. ~~- كنت تقيم في سيسل؟ # بهرها ذلك بلا شك. تمنيت أن ترجع إلى الوراء أربعين عاما. وأجبت بالإيجاب، فسألت: كم ~~يوما؟ ~~- على الأقل شهر، وقد يمتد عاما. ~~- إلا أشهر الصيف فلا بد من اتفاق خاص. ~~- ليكن ... ~~- طالب؟ ~~- من الأعيان. # جاءت بالسجل وهي تسألني عن اسمي، فقلت: حسني علام. # غير مثقف وذو مائة فدان على كف عفريت، وسعيد الحظ لأنه لم يعرف الحب الذي ~~يتغنى به المطربون. ~~••• # حجرة مقبولة بنفسجية الجدران. ها هو البحر يترامى في زرقة صافية حتى الأفق. ونسائم ~~الخريف تلاعب الستائر، وفي السماء قطعان مبعثرة من السحائب. التفت نحو الفلاحة وهي تفرش ~~السرير ms033 بالملاءات والأغطية . جسمها قوي رشيق مفصل المحاسن، وإن صدق ظني فهي لم تحبل، ~~ولم تجهض بعد. على أي حال، من المستحسن أن أتأنى حتى أحيط بأسرار المكان. ~~- اسمك يا حلوة؟ # أجابت بوجه جاد: زهرة. ~~- عاش من سمى. # شكرتني برأسها وبلا ابتسامة. ~~- يوجد في البنسيون نزلاء آخرون؟ ~~- رجلان وشاب مثل حضرتك. ~~- وأي اسم أختار لك للدلاعة؟ # أجابت بأدب ودون تشجيع: اسمي زهرة. # جادة أكثر مما يليق. سوف تكون زينة أي شقة أستأجرها في المستقبل. وهي أجمل من قريبتي ~~الحمقاء التي قررت أن تختار عريسها على ضوء الميثاق. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• ~~- أأنت جاد فيما تقول؟ ~~- طبعا يا عزيزتي. ~~- ولكنك في رأيي لا تعرف الحب. ~~- أريد أن أتزوج كما ترين. ~~- يخيل إلي أنك لا يمكن أن تحب. ~~- أريد أن أتزوج منك، ألا يعني هذا أنني أحبك؟ # ثم قلت وأنا أراوغ الغيظ والغضب: وإني كفء للزواج، أليس كذلك؟ # بعد تردد قالت: ما قيمة الأرض الآن؟ # حملت نفسي مسئولية الموقف المهين ثم مضيت وأنا أقول: سأتركك لتفكري في هدوء. ~~••• # على مائدة الإفطار تم التعارف بيني وبين النزلاء الآخرين. عامر وجدي صحفي متقاعد في ~~الثمانين على أقل تقدير، نحيل مع ميل إلى الطول، وذو صحة يحسد عليها، ووجهه المتجعد ~~الغائر العينين البارز العظام لم يدع للموت شيئا يلتهمه. كرهت منظره، وعجبت كيف يبقى حيا ~~على حين تهلك أجيال من الشباب كل يوم. # طلبة مرزوق لم يكن بالغريب علي. وقد علق عمي ذات يوم بعطف على وضعه تحت الحراسة، ~~ولكني لم أشر إلى ذلك بطبيعة الحال. كنا وما زلنا نتابع أخبار الحراسة بشغف شهواني مخيف ~~كأفلام الرعب. وقد سألني: من آل علام بطنطا؟ # أجبت بالإيجاب، وبسرور خفي، فقال: عرفت والدك. كان مزارعا ممتازا. # ثم التفت إلى عامر وجدي - وكان يغادر المائدة - وقال ضاحكا: ولم يقع - رحمه الله - ~~طويلا تحت تأثير المهرجين. # ولما أدرك أنني لم أفهم ما يعنيه قال: أقصد الوفديين. # فقلت بعدم اكتراث: مدى علمي أنه كان وفديا عندما كانت البلاد كلها وفدية. # أمن على قولي، ms034 ثم عاد يسألني: أظن لك إخوة وأخوات؟ ~~- أخي قنصل بإيطاليا، وأختي زوجة لسفيرنا في الحبشة. # فتحرك شدقاه حركة راقصة ثم سألني: وأنت؟ # كرهته في تلك اللحظة حتى وددت له الموت غرقا أو حرقا، ولكنني أجبت باستهانة: لا ~~شيء. ~~- ألا تزرع أرضك؟ ~~- إنها مؤجرة كما تعلم ولكني أفكر في إنشاء عمل جديد. # كان يتابعنا سرحان البحيري - النزيل الثالث ووكيل حسابات شركة الإسكندرية للغزل - وكذلك ~~المدام العجوز. وسألني سرحان: أي عمل؟ ~~- لم أستقر على رأي بعد. ~~- أليس الأضمن أن تبحث لك عن وظيفة؟ # كرهته في تلك اللحظة هو الآخر. به لهجة ريفية خفيفة لصقت به كرائحة طعام في إناء لم ~~يحسن غسله. وهو حيوان لا يسع مرفت أن تصمه بأنه غير متعلم أو غير مثقف. وإذا ~~سولت له نفسه أن يسألني عن شهادتي فسأقذفه بقدح الشاي. ~~••• ~~- من أين جاءك هذا الحماس للثورة؟ ~~- هذا ما أعتقده يا عمي. ~~- لا أصدقك. ~~- بل صدقني بلا تردد. # ضحك ضحكة فاترة وقال: الظاهر أن اعتذار مرفت قد أطاح بعقلك. # فقلت باستياء: الزواج كان فكرة عابرة. # فقال باستياء أيضا: رحم الله والدك، أورثك عناده دون حكمته! ~~••• # وكم أغراني الغيظ بالهجوم على الثورة ممثلة في شخص سرحان المنتفع بها بلا شك، ~~ولكني لم أستسلم للتهور. وسألتني المدام العجوز: لم لا تحدثنا عن مشروعك؟ ~~- لم أجده بعد. ~~- إذن فأنت غني؟ # ابتسمت بثقة دون أن أجيب فراحت تنظر إلي باهتمام. ~~••• # غادرت البنسيون أنا وسرحان فحملنا المصعد معا. جعل ينظر إلي بعينين باسمتين داعيتين ~~إلى مزيد من التعارف، فخف سخطي عليه درجات. وقال وكأنه يصحح خطأه دون شعور منه: الوظيفة ~~اليوم أضمن مما عداها، ولكن العمل الحر إذا اختير بحكمة ... # تركنا المصعد قبل أن يتم جملته ولكن لهجته المؤيدة أغنت عن الكلام. وافترقنا فمضى ~~نحو محطة الترام، ومضيت نحو الجراج. مررت أمام مقهى الميرامار القائم أسفل العمارة ~~فتذكرت جلوسي به مع عمي في الأيام الخالية، وقبل وقوع الكارثة. كان يذهب إليه في ~~الأصائل ليدخن النارجيلة، فيجلس متلفعا بعباءته الخفيفة كملك متنكر في ms035 ثياب ~~العامة ، يتوسط مجموعة من الشيوخ والنواب والأعيان! أجل تلك أيام خلت، ولكنه يستحق ~~أكثر مما حاق به. # استقللت سيارتي الفورد بلا هدف معين سوى رغبتي الأبدية في التجوال والسرعة. وقلت ~~لنفسي إنه من المستحسن ألا أنبذ سرحان البحيري؛ فقد أجد نفعا في خبرته ومعارفه بالمدينة. ~~وانطلقت بالسيارة إلى الأزاريطة فالشاطبي فالإبراهيمية إلخ، في سرعة خاطفة استجابت لها ~~أعصابي المتوثبة. اخترقت هواء نشيطا لطيفا منعشا تحت سماء ظللها الغمام. وبدا ~~الكورنيش المحفوف بزرقة البحر نظيفا نقيا، قد تطهر من عرق المصيفين وصخبهم، وقلت ~~بتصميم لن أعود إليك يا طنطا إلا لأقبض نقودا أو لأبيع أرضا، فلتذهبي بذكرياتك إلى ~~الجحيم. # ملت إلى مستعمرة السيوف ثم مرقت إلى شارع أبي قير، سيد الشوارع، فازددت سرعة وطربا ~~وتحديا. وتساءلت بأسى: أين الأوروبيات .. أين الجمال .. أين سبائك الذهب؟ وحضرت ~~الحفلة الصباحية بسينما مترو. غازلت فتاة في الاستراحة أمام البوفية. تناولنا الغداء في ~~عمر الخيام. نمنا القيلولة معا في مسكنها بالإبراهيمية. عدت إلى البنسيون عصرا وقد ~~نسيت اسمها تماما. كان المدخل والصالة خاليين فأخذت دشا، وتحت الماء تذكرت ~~الفلاحة المليحة. ولما عدت إلى حجرتي طلبت قدح شاي لأراها من جديد. وقدمت لها قطعة ~~شيكولاتة فترددت، ولكني ألححت عليها قائلا: كيف لا ونحن أسرة واحدة! # وجعلت أنظر إليها بسرور وهي تنظر إلي بلا ارتباك أو تنظر إلى الأرض. خائفة؟ .. ~~ماكرة؟ ~~- زهرة، هل يوجد مثلك كثيرات في الريف؟ # قالت متجاهلة مقصدي: لا عد لهن ولا حصر. ~~- ولكن كم منهن جميلة مثلك؟ # فشكرت لي هدية الشيكولاتة وذهبت خائفة؟ ماكرة؟ على أي حال، لست بحاجة إليها الآن. ومن ~~حقها شيء من التمنع والدلال. ومن حقها كذلك أن أعترف بأنها فائقة الجمال. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # نظرت طويلا إلى صورة المدام القديمة حتى ضحكت متسائلة: تعجبك؟ # وقصت علي قصة زواجها الأول، ثم الثاني. ~~- كيف تراني الآن؟ # فقلت وأنا أرى عروق معصمها النافرة وبشرتها المتكاثفة كقشرة السمكة: جميلة كما ~~كنت! # فقالت بتسليم: المرض كبرني قبل الأوان. # ثم بلا تمهيد: ولكن هل من ms036 الحكمة أن تجازف بنقودك في مشروع جديد؟ ~~- لا بأس بذلك أبدا. ~~- وإذا استولت عليه الحكومة؟ ~~- توجد أعمال مضمونة. # خمنت أنها تتردد في زحزحة البلاطة فقلت معابثا: ما أجمل أن نشترك معا في عمل ~~مثمر! # تظاهرت بالدهشة وقالت ضاحكة: أنا! .. أوه .. البنسيون لا يجيء إلا بالكفاف! # وانضم إلى مجلسنا قلاوون الصحافة. جاء متدثرا في روب سميك. ووجدته بشوشا رغم ~~شيخوخته الكريهة. وقال كمن يعلق على حالي وحاله: الشباب يبحث عن المغامرة، الشيخوخة تنشد ~~السلامة. # تمنيت له صحة طيبة فسألني: أجئت الإسكندرية من أجل المشروع؟ # فأجبته بالإيجاب، فعاد يسأل: وهل أنت جاد في سعيك؟ ~~- لقد ضقت بالفراغ. # فردد قائلا: # إن الشباب والفراغ والجدة # مفسدة للمرء أي مفسدة # ولكني أكره الشعر كما أكره سيرة الشهادات. وشعرت باستعلاء فارس تركماني يعيش بين رعاع. ~~حق قد صقل الحظ بعضهم. نفس الحظ الذي ينفخ شمعتنا لتنطفئ. وقلت لنفسي إن الثورة ظاهرة ~~غريبة مثل الكوارث الطبيعية. وإنني كمن يستقل سيارة فارغة البطارية. # وإذا بشاب جديد يظهر من وراء البارفان متجها نحو الباب الخارجي فدعته المدام للجلوس ~~وقدمته إلينا قائلة: مسيو منصور باهي. # مذيع في محطة الإسكندرية. شهادة عالية جديدة، ووجه وسيم دقيق، ولكنه خلو من الرجولة. ~~وهو أيضا من الرعاع المصقولين. وفي تحفظه ما يغري بلكمه. وقد سألت المدام بعد ذهابه: ~~نزيل عابر أم مقيم؟ # فقالت بتيه: مقيم يا عزيزي، أنا لا ينزل عندي العابرون. # ورجعت زهرة من الخارج بحافظة من البلاستيك مثقلة بالبقالة. تابعتها وهي تمضي بنهم. ~~البلد مكتظة بالنسوان، ولكن البنت مثيرة لغرائزي. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• ~~- أخيرا وقعت في الحب؟ ~~- طانط .. لا حب ولا هيام .. لكنها فتاة ممتازة .. ومن لحمي ودمي .. وأنا أريد أن ~~أتزوج. ~~- على أي حال فأنت شاب تتمناك أي فتاة. ~~••• # ليلة أم كلثوم متوجة حتى في بنسيون ميرامار. أكلنا وشربنا وضحكنا. خضنا في كل موضوع ~~حتى في السياسة. لكن الخمر نفسها لم تستطع أن تقهر عاطفة الخوف. صال عامر وجدي وجال فحكى ~~على الربابة أساطير مجد لا شاهد عليها إلا ضميره. صمم ms037 الرجل الخرب على إقناعنا بأنه ~~بطل قديم، وإذن فلا يوجد إنسان عادي في هذه الدنيا اللعينة. كذلك لا يوجد فرد واحد غير ~~متحمس للثورة. حتى طلبة مرزوق، حتى حضرتي. علينا بالحذر. سرحان منتفع ومنصور غالبا ~~مرشد، حتى العجوز فمن يدري، والمدام نفسها لا يبعد أن تكلفها جهات الأمن بنوع من ~~المراقبة. ولما جاءتني زهرة بزجاجة صودا سألتها: وأنت يا زهرة .. تحبين الثورة؟ # فقالت المدام: أوه .. انظر إلى الصورة المعلقة في حجرتها! # هل أعتبر ذلك إذنا بالتسلل إلى الحجرة؟ ورغم أن الويسكي صهرنا في بوتقة ألفة حميمة ~~إلا أنني شعرت بأنها عابرة، وستظل عابرة. لن تقوم صداقة حقيقية بيني وبين سرحان أو ~~منصور. مودة عابرة ستمضي كما مضت البنت التي التقطتها من بوفيه مترو. وقلت لنفسي إن ~~علي أن أجد عملا أفرغ فيه طاقتي وأملأ به وقتي، وإلا تعرضت لأن أرتكب حماقة ~~خرقاء أو جريمة قتل تناسب المقام. ومن المسلم به أنني سأبقى عازبا إلى الأبد كي لا ~~أرتطم بلفظة «لا» مرة أخرى، ولأنه لن توجد الفتاة الكفء لي في مجتمعنا النامي. يمكن بعد ~~ذلك أن أعتبر جميع النساء حريما متنقلا لمزاجي، إلى خادمة ممتازة لملء فراغ شقتي ~~المستقبلة؛ خادمة مثل زهرة، بل هي زهرة بالذات. وسوف ترحب بذلك بكل امتنان. ستمارس مهنة ~~ست البيت مع الإعفاء من متاعب الحمل والولادة والتربية. وهي جميلة، وسوف تروضها حقارة ~~أصلها على تحمل نزواتي وغرامياتي اللامتناهية. وإذن فالحياة مقبولة رغم كل شيء، وواعدة ~~بمسرات لا بأس بها. # وبالغ سرحان في حكي النوادر حتى سقطت قلوبنا من الضحك. ومنصور قد ينفجر ضاحكا ثم ~~سرعان ما يتقهقر إلى قوقعته. ~~••• # اسمعوا ... اقرءوا ... هذا حكم بالإعدام ... هل يقف الإنجليز مكتوفي الأيدي حتى تجتاحنا ~~الشيوعية! ~~••• # بدأ الغناء. بدأ السماع. كالعادة شملني توتر. أجل، إني أستطيع أن أتابع مقطعا أو ~~مقطعين ثم يدركني التشتت والملل. ها هم يهيمون في الطرب. وها أنا أغرق في وحدة. والذي ~~أدهشني حقا أن المدام تحب أم كلثوم كالآخرين. ولعلها لاحظت دهشتي فقالت: سمعتها ~~عمرا ms038 طويلا. # وراح طلبة مرزوق يستمع بعمق، ثم مال إلى أذني هامسا: من نعم الله أنهم لم يصادروا ~~أذني! # أما قلاوون فقد أغمض عينيه وراح يسمع أو راح في سبات. استرقت النظر إلى زهرة فوق مقعدها ~~عند البارفان. جميلة حقا ولكن هل تسمع؟ فيم تفكر؟ أي أمل يراودها؟ هل تحيرها الحياة ~~كما تحيرنا؟ ومضت بغتة إلى الداخل والجميع بالطرب سكارى، فقمت إلى الحمام لألتقي بها ~~في الطرقة، داعبت ضفيرها وهمست: لا شيء أجمل من الطرب إلا وجهك. # جفلت في صلابة فتقدمت منها لأضمها إلى صدري، ولكني توقفت أمام نظرة باردة ~~منذرة. ~~- طال انتظاري يا زهرة! # تراجعت بخفة ثم ذهبت إلى مقعدها. حسن. في سراي علام بطنطا عشرات من أمثالك، ألا ~~تفهمين؟ أم ترين ثقافتي دون الكفاية يا روث الجاموسة؟ رجعت إلى مجلسي. وبتأوهات ~~مفتعلة إعجابا بغناء لا أتابعه داريت غيظي. ثم وثبت بي رغبة ملحة في الجهر برأيي ~~لأكون صادقا مع نفسي ولو مرة واحدة في السهرة الطويلة، ولكني لم أفعل. وفي الاستراحة ~~انتهزت فرصة التفرق المؤقت للمجتمعين، فغادرت البنسيون. # انطلقت بالسيارة إلى كيلوباترا. كان الجو باردا عاصفا ولكنني كنت مشتعلا بحرارة ~~الخمر. قصدت مسكن قوادة مالطية كنت أتردد عليها في ليالي الصيف. وقد دهشت لحضوري بعد ~~انتصاف الليل وفي ذلك الوقت الموحش المقفر من العام. وقالت لي: لا أحد في البيت سواي، ~~ولا أستطيع أن أدعو واحدة الآن. # وقفت أمامي في قميص النوم، في الخمسين أو أكثر، بدينة مترهلة، لا تخلو من مسحة ~~أنثوية، وثمة زغب يعلو شفتها كالشارب. دفعتها إلى حجرتها وهي تقول بدهشة: ما هذا! .. ~~لست مستعدة. # فقلت ضاحكا: لا أهمية لذلك، ولا أهمية لشيء. # ثم أمضينا ساعة أخرى في ثرثرة حتى سألتني عما جاء بي إلى الإسكندرية. ولما حدثتها عن هدفي ~~قالت: إنهم الآن يصفون أعمالهم ويذهبون. # فقلت لها وأنا أتثاءب: لن أنشئ شركة ولا مصنعا. ~~- إذن فابحث عن خواجة مناسب لتحل محله. ~~- فكرة لا بأس بها ولكن علي أن أدرس كل شيء. # وفي طريق العودة هطل ms039 المطر بشدة . رأيت طريقي بصعوبة رغم نشاط ماسحة المطر. وقلت لنفسي ~~بغضب إن الوقت يتبدد سدى! ~~••• # جميلة .. رغم رائحة المطبخ، جميلة. ~~- قطعتان من السكر من فضلك. # دعوتها بذلك لإذابة السكر في الشاي، وللبقاء دقيقة. ~~- كنت جافة معي يا زهرة. ~~- كلا، ولكنك جاوزت الحدود. ~~- أردت أن أعرب لك عن مشاعري. # فقالت بصراحة حادة: إني هنا للعمل وحده. ~~- هذا أمر مفروغ منه. ~~- الظاهر أنك لا تصدقه. ~~- أخطأت فهمي يا زهرة! ~~- إنك سيد طيب فكن طيبا معي. # وذهبت فطاردها صوتي قائلا: سأحبك إلى الأبد! ~~••• # هلم معي إلى رحلة غريبة. يوم رهيب، زجر وتأنيب من أخي، تأنيب من عمي، المدرسة ~~المدرسة، بنا إلى الطريق الزراعي، رحلة طويلة وغريبة، شمالا وجنوبا، ليلا ونهارا، عند ~~كل بلدة نتزود بالطعام والشراب، لم أعد قاصرا. ~~••• # إني رأيتكما معا. # في الطرقة أمام الحمام رأيتكما معا. إذن فهو ذلك السرحان. قرص خدك بحنان. لم يرتفع ~~رأسك في غضب. وجهك الجميل ابتسم وشع منه نور أسمر. وتحركت ضفيرتك في دلال كالحال في ~~حقول الذرة. سبقني الفلاح بأيام. لا ضير من ذلك البتة إذا روعيت العدالة في التوزيع. ~~ولو يكون لي يوم وله يومان. ~~••• # ضحكت طويلا وأنا أستقل الفورد. وهتفت: فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # أوصلت طلبة مرزوق بالسيارة إلى التربانون فدعاني للجلوس معه. مررنا في طريقنا إلى مجلسنا ~~بسرحان البحيري وهو ينفرد بشخص آخر فتبادلنا التحية. سألني طلبة كيف أمضي وقتي، فأجبته ~~بأنني أتجول بالسيارة وأفكر في المشروع الجديد. سألني: ألك خبرة في نشاط معين؟ # أجبت بالنفي، فقال: لا تلق بنقودك في بئر. ~~- ولكنني مصمم. ~~- تزوج لتتعلم الحكمة! # فقلت وأنا أكظم غيظي متورما: إنني مصمم على العزوبة والمشروع. # أشار صوب سرحان البحيري وقال: ولد ذكي. # فسألته باهتمام: أعرفت عنه شيئا؟ ~~- ثمة صديق قديم على صلة بالشركة، يصفونه هناك بأنه شاب ثوري، وفي هذا ~~الكفاية. ~~- أتظنه مخلصا؟ ~~- نحن نعيش في غابة يتعارك وحوشها على أسلابنا. # داخلني ارتياح خفي فمضى يقول: ما تحت البدلة إلا مجنون بالترف. # فقلت بتسليم وأنا مطمئن إلى وحدتنا: ولكن ثمة ms040 إصلاحات لا يمكن إنكارها. # حرك شدقيه حركة غريبة وقال: قصد بها أناس لم يرتقوا بعد إلى درجة الوعي. وهم - مثلنا ~~- تحت رحمة البدل. # ولما آن لي أن أرجع إلى البنسيون لحق بي سرحان في الخارج فأركبته معي في السيارة. ~~كأنما خلق اللعين لكي يألف ويؤلف. ورغم ازدرائي له فإني أبقي عليه لعلي أنتفع به في ~~وقت الحاجة. وقد لكزته بكوعي وأنا أقول ضاحكا: حلال عليك يا عم. # نظر إلي باسما ومستطلعا فقلت: زهرة! # رفع حاجبيه الكثيفين ولكنه أرخى عينيه في تسليم، فقلت: إنك فلاح كريم فلا تبخل ~~علي. # فقال بوجوم: الحق أني لا أفهمك. # ضحكت ساخرا وقلت: سأكون صريحا معك كما يجدر بالأصحاب، أتعطيها نقودا أم تعطي ~~المدام؟ # فقال بإنكار: لا .. لا .. ليس الأمر كما تتصور. ~~- إذن فكيف أتصوره على حقيقته؟ ~~- إنها فلاحة طيبة، ليست ... صدقني ... ~~- ليكن. الظاهر أني استوقفت سيارة «ملاكي» بظن أنها تاكسي. # فريكيكو، لا تشغل بالك بأشياء تافهة. الخطأ أنني صادقت زمنا عدوا وأنا أحسبه الصديق. ~~ولكني سعيد بحريتي. لقد قذفت بي طبقتي إلى الماء والقارب يميل إلى الغرق، ولكني سعيد ~~بحريتي. ولا ولاء عندك لشيء. سعادة عظمى ألا يكون لك ولاء لشيء. لا ولاء لطبقة أو وطن أو ~~واجب. لا أعرف عن ديني إلا أن الله غفور رحيم. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # انفجرت في الخارج ضجة لا عهد للبنسيون بها. # كنت مستيقظا لتوي من القيلولة فخرجت إلى الصالة. وضح لي أن ثمة معركة في المدخل. ~~نظرت في فرجة البارفان فرأيت مشهدا مسليا حقا. امرأة غريبة ممسكة بتلابيب صديقنا ~~البحيري تنهال عليه ضربا وسبا. وزهرة واقفة متوترة الأعصاب تنطق بكلمات سريعة وتحاول ~~التخليص بينهما. المرأة تنقض على زهرة فجأة، ولكن زهرة أثبتت أنها مصارعة ذات جبروت. ~~لكمتها مرتين، وفي كل مرة أطاحت بها حتى ألصقتها بالجدار. إنها جميلة ولكنها خفير ذو قبضة ~~حديدية. لبثت متواريا لأتيح لنفسي أكبر قدر من تسلية فريدة حقا. ولكني عندما ترامى ~~إلي صرير أبواب خرجت من مكمني، فأخذت المرأة الغريبة من معصمها، وذهبت ms041 بها خارجا وليس ~~علي - عدا البيجاما - إلا الروب. دفعتها برقة أمامي، معلنا لها عن أسفي، واضعا نفسي ~~في خدمتها. كانت تغلي بالغضب غليانا، وتسب وتلعن، ولم يبد عليها أنها أحست بوجودي ~~بعد. إنها امرأة لا بأس بها وقد أوقفتها عند بسطة السلم بالدور الثاني وأنا أقول: ~~انتظري لحظة، يجب أن تصلحي حالك قبل الخروج إلى الشارع. # سوت شعرها، وشبكت طوق فستانها الممزق بمشبك من شعرها، ثم أعطيتها منديلا معطرا ~~لتمسح به وجهها. ~~- سيارتي أمام العمارة، سأوصلك إذا سمحت بها. # نظرت إلي لأول مرة. شكرتني بعجلة، ثم نزلنا معا، جلست في السيارة إلى جانبي فسألتها عن ~~المكان الذي تود الذهاب إليه فتمتمت بصوت مبحوح: الأزاريطة. # سرنا تحت سماء ملبدة بالغيوم وقد عاجلنا الظلام قبل أوانه. قلت مستدرجا: لعنة الله ~~على الغضب. # فهتفت: السافل الحقير! ~~- يبدو أنه فلاح طيب. ~~- سافل حقير. # تساءلت بسخرية خفية: خطيبك؟ # لكنها لم تجب. ما زالت مشتعلة. وهي امرأة لا بأس بها، ومحترفة بطريقة ما على وجه اليقين. ~~أوقفت السيارة أمام عمارة بشارع الليدو فقالت وهي تفتح الباب: أشكرك، إنك رجل كريم. ~~- لا أريد أن أتركك وحدك لأطمئن عليك. ~~- أشكرك، إني على خير حال. ~~- إذن فهو الوداع؟ # مدت يدا لتصافحني ثم قالت: إني أشتغل في الجنفواز. # درت بالسيارة وأنا متحمس لمعرفة مزيد من المعلومات، بيد أن تحمسي فتر قبل أن ~~أبلغ العمارة. الأمر واضح وتافه. عشق وهجر ثم معركة تقليدية. وها هو يلقى زهرة فيبدأ حكاية ~~جديدة. والمرأة لا بأس بها وقد أحتاج إليها ذات ليلة. ولكن ما الذي دفعني إلى تكبد مشاق ~~هذه الرحلة السخيفة؟ # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # السيارة تطير فوق أرض الشوارع السنجابية، المصابيح وأشجار الكافور تركض في الاتجاه ~~المضاد. السرعة الانسيابية تنعش القلب فتنفض عنه الخمول والملال. ويزمر الهواء ويرعش ~~الأغصان فتتشتت في انتشارات جنونية. أو ينهمر المطر فيغسل الزرع فتضيء الحقول بخضرة ~~متألقة. من قايتباي إلى أبي قير، من بحري حتى السيوف، البطن والأطراف، وكل أرض ممهدة أهيم ~~فوقها بسيارتي. # والوقت يمر ولا خطوة ms042 جدية أخطوها لتحقيق المشروع. # وخطر لي أن أقوم بجولة استكشافية في مراكز الإشعاع الأصيلة. زرت قوادة قديمة بالشاطبي ~~فجاءتني بفتاة مقبولة للصبوح. وتناولت الغداء عند قوادة ثانية باسبورتنج فأمدتني بامرأة ~~أرمنية فوق المتوسط. أما قوادة سيدي جابر فأهدت إلي فتاة رائعة من أم إيطالية ~~وأب سوري، فأصررت على دعوتها إلى سيارتي. حذرتني من الغيوم المنذرة بالمطر، فقلت لها ~~إني أتمنى أن يهطل المطر. وفي الطريق الزراعي إلى أبي قير هطل المطر واختفى البشر فأحكمت ~~إغلاق النوافذ ورحت أنظر إلى الماء المنسكب والأشجار الراقصة والخلاء النقي الذي لا نهاية ~~له، وقد ذعرت الجميلة وقالت إن هذا جنون، فقلت لها تصوري مخلوقين مثلنا عاريين تماما في ~~سيارة وآمنين رغم ذلك من أي تطفل يتبادلان القبل على انفجارات الرعد ووميض البرق ~~وانهلال المطر، فقالت إنه المحال. فقلت ألا تودين أن تخرجي اللسان للدنيا ومن عليها ~~وأنت في حماية هذه الغضبة الكونية؟ فقالت محال .. محال. فقلت ولكنه سيتحقق بعد ثوان ~~وشربت من فوهة الزجاجة وكلما جعجع الرعد استحثثته على المزيد وتوسلت إلى السماء أن تفرغ ~~مدخرها من الماء. فقالت الجميلة قد تتعطل السيارة فقلت لها آمين .. فقالت: وقد يدركنا ~~الظلام. فقلت وليدم إلى الأبد. فقالت: إنك مجنون .. مجنون. فصحت بأعلى صوتي: فريكيكو .. ~~لا تلمني. ~~••• # على مائدة الإفطار بلغتني الأنباء العجيبة على القرار الذي اتخذته زهرة للتعلم. سمعت ~~تعليقات شتى لم تخل من مزاح، ولكن غلبت عليها روح تشجيع. حز في نفسي الخبر فنكأ الجرح ~~القديم. لقد نشأت بلا رقيب حقيقي فاجتاحني اللهو. ما أسفت على شيء وقتذاك ولكنني أدركت ~~متأخرا أن الزمن عدو وليس بالصديق الذي توهمته. وها هي الفلاحة تقرر أن ~~تتعلم. وقد شرحت لي المدام ظروفها ما بين القرية والإسكندرية. تؤكد لي أنها ليست من ~~توابع المدام، ولعلها ما تزال عذراء إلا يكن سرحان ممن يضيقون بالعذارى، ولكنني قلت ~~للمدام بخبث: ظننت زهرة ... # وأشرت بيدي إشارة، فقالت: لا .. لا. # فتجاهلت الموضوع بغتة قائلا: يجب أن تفكري في المشروع المشترك. # فتساءلت بدهاء قوادة: ms043 من أين لي بالمال؟ # فهمست باهتمام مصطنع: ماذا لو أردت أن أدعو صديقة إلى هنا؟ # هزت رأسها آسفة وقالت: البنسيون مشغول كله، وإذا سمحت لواحد فكيف أرفض لآخر؟ ولكن يمكن ~~أن أدلك على مكان إذا أردت. # ولما صادفت زهرة في الصالة هنأتها على قرارها وقلت لها ضاحكا: شدي حيلك، فعندما ~~يتحقق مشروعي سأكون في حاجة إلى سكرتيرة. # فابتسمت في ابتهاج حتى أطلت آي الملاحة من قسماتها. الحق أن رغبتي فيها لم تمت. ~~ومع سابق علمي بأنني سأشبع منها في أسبوع إلا أنه أسبوع ضروري فيما بدا لي. ~~••• # راحت السيارة تجوب الشوارع والأحياء. في جو صاف هادئ معتدل لدرجة أثارت أعصابي. ولكي ~~أستمتع بأكبر قدر من السرعة الجنونية بلا عائق اتجهت إلى الطريق الصحراوي، فانطلقت فيه ~~بسرعة مائة وعشرين كم، مقدار ساعة، ثم رجعت بنفس السرعة. تناولت الغداء في «بام بام». ~~والتقطت فتاة لدى مغادرتها لمحل حلاق. ثم رجعت إلى البنسيون حوالي العصر. رأيت زهرة ~~جالسة إلى فتاة بالمدخل فأدركت من النظرة الأولى أنها المدرسة. جالست المدام واسترقت إلى ~~المدرسة النظر. لا بأس بها. ثمة احديداب خفيف لا يكاد يلحظ، وفطس بالأنف مقبول بل ~~ومثير. من المؤسف أن فتاة مثلها لا تقبل ليلة حب عابرة. لا بد لأمثالها من علاقة وطيدة ~~طويلة. وقد لا ترضى بذلك أيضا فترمي بنظرها البعيد إلى الزواج متخطية دعوة الثورة إلى ~~تحديد النسل. # تم التعارف عن طريق المدام. وقد قدمتني كعادتها بالكامل، أي بالمائة فدان والمشروع، ~~فسررت لذلك وحمدت لها لباقتها المستقاة من خبرة السنين. وركزت في جولاتي على حي ~~محرم بك حيث تقع مدرستها. وأثمرت خطتي فرأيتها مرة قبيل العصر واقفة في محطة الباص. ~~أوقفت السيارة ودعوتها إلى الركوب. ترددت قليلا ولكن شجعها على قبول دعوتي تلبد ~~السماء بالغيوم. أوصلتها إلى عمارتنا وأنا أشكو لها وحدتي في الإسكندرية، وحاجتي إلى ~~المشورة والرأي فيما يتعلق بمشروعي، وقلت لها وأنا أودعها: أظنني بحاجة إلى لقاء ~~آخر. # فقالت بترحيب: تفضل بزيارتنا! # الحق يا فريكيكو أن سني وثروتي يرشحانني ms044 بمنطق حاسم للزواج. لذلك يتعذر علي أن ~~أرافق مدرسة أو طبيبة أو مذيعة أو موظفة. وعلي إن أردت توسيع مجالي الحيوي أن أخدع ~~الأبصار بدبلة زواج وهمي. # ولم أجد ما أشغل به نفسي بقية اليوم إلا أن قصدت القوادة المالطية بكليوباطرة، فطلبت ~~منها أن تدعو أكبر عدد ممكن من بناتها، وسهرت سهرة عجيبة معربدة وموشاة بأبهج الحماقات ~~التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا منذ عهد خليفتنا خالد الذكر هارون الرشيد. ~~- إنه لم ير أمه .. وتركه أبوه وهو في السادسة .. لذلك لا أقسو عليه. # كان يتكلم بهدوء أما أخي فكان ينتفض من الغضب. ~~••• # حوصرت بالعجائز. الواقع أنني لا أحب قلاوون الصحافة وهيهات أن أوفق إلى خير ما دمت ~~أصبح على وجهه. وسألني طلبة مرزوق عن مدى تقدمي في مشروعي. وتشممت في الجو رائحة ~~بخور فتساءلت عنها فضحك طلبة بك وقال: كان يجب أن ترى المدام وهي تطوف بالحجرات حاملة ~~المبخرة. # نظرت إليها قائلا: إذن فأنت تحبين أم كلثوم وتؤمنين بالبخور؟ # ابتسمت ابتسامة عابرة لشدة متابعتها لأغنية يونانية. وقلت لطلبة بك: يجب أن أجد خواجة ~~ممن ينوون الهجرة لأشتري عمله. ~~- فكرة حسنة، ما رأيك يا ماريانا؟ # أجابت بعجلة حتى لا تنقطع عن الأغنية: نعم، انتظر، أظن صاحب مقهى ميرامار يفكر في ~~ذلك. # فسألتها: ماذا تعني الأغنية؟ # أجابت بدلال: عن البنت في سن الزواج، ماما تسألها وهي تجيب معددة المزايا التي ~~تتطلبها في العريس. # نقلت بصري بين صورة الكابتن وصورة شبابها فغمغمت: كان من الممكن أن أبقى سيدة حتى ~~اليوم. ~~- إنك سيدة تماما. # فقالت محتجة: أعني سيدة في قصر الإبراهيمية. # والتفت نحوي قلاوون الصحافة وقال: لا تدع الوقت يمر دون أن تفعل شيئا. # لعنته في سري، كان الجو قارص البرودة صامتا. وكنت على موعد من الفتاة ~~الإيطاسورية في سكن القوادة بسيدي جابر. # فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # علمت بزيارة شقيقة زهرة وزوجها على مائدة الإفطار. ~~- قررت البقاء معنا بصفة نهائية. # قالت المدام ذلك بارتياح، فقلت: لنحمد الله على أن المقابلة مرت بسلام، أعني دون شروع ms045 ~~في القتل . # ثم قلت لسرحان البحيري ساخرا: الظاهر أن البحيرة خرعة. ~~- خرعة؟! ~~- يقال إن قربها من الإسكندرية قد أضعف من ضراوة تقاليدها الريفية. # فقال بصوته الرنان متباهيا: ذاك يعني أنها أعظم تمدينا من سائر الريف. ~~••• # ركب طلبة مرزوق معي لكي أوصله إلى فندق وندسور لمقابلة صديق قديم. إنه الشخص الوحيد الذي ~~أضمر له حبا واحتراما. وهو يقوم أمام عيني كتمثال أثري لملك قديم دالت دولته ~~وولى زمانه، ولكنه يحتفظ بكافة مزاياه الذاتية. قلت له والخبث يسيطر على أفكاري: ألم يكن ~~الأجدر بالفلاحة أن تذهب مع أهلها؟ # فقال ضاحكا: كان الأجدر بها ألا تهرب من أول الأمر. ~~- أعني أن لديها من الأسباب ما يمنعها من العودة حتى لو تمنتها! ~~- تقصد الفتى البحيري؟ ~~- ليس هذا بالضبط ما أعنيه، ولكنه يرجع إليه على أي حال. # ضحك الرجل وقال: محتمل جدا، ومحتمل أنه بريء مما تظن، وأن آخر كان وراء الدافع ~~لهروبها في القرية. # وقد تضاعف سوء ظني عندما علمت - عقب ذلك بأيام - برفضها الزواج من محمود أبو العباس بياع ~~الجرائد. وكان محمود قد شاورني في الأمر - كزبون قديم له - قبل أن يقدم على الذهاب إلى ~~المدام لطلب يد الفتاة. وعندما وقفت أمام معرضه في اليوم التالي لمسعاه الفاشل كنت واثقا ~~من مناقشته للموضوع ومتأهبا له. كان يبدو ممتعضا وحانقا. تبادلنا نظرات تغني عن قول ~~الكثير، ثم قلت له مواسيا: هاك عينة من بنات اليوم. # فقال بغضب: هيهات أن تجد مثلي الحمقاء. ~~- سيعوضك الله بخير منها، وإن أردت الحق فليس البنسيون بالمكان المناسب لاختيار ~~عروسك. ~~- ظننتها بنتا طيبة. ~~- أنا لم أقل إنها ليست كذلك ولكن ... # فسألني باهتمام: ولكن ماذا؟ ~~- ماذا يهمك منها وقد انتهى أمرها بالنسبة إليك؟ ~~- ليرتاح قلبي. ~~- أيرتاح قلبك لو قلت لك إنها تحب سرحان البحيري؟ ~~- المجنونة! .. وهل سيتزوج الأستاذ سرحان منها؟ # فقلت وأنا أودعه: تكلمت عن الحب لا الزواج! # كنت أكره سرحان من أول يوم. أجل، قد تهبط كراهيتي له لدرجة الصفر في الأوقات التي يفتح لي ~~قلبه المطبوع على الألفة ms046 والمعاشرة ولكن سرعان ما يرجع الحال إلى أصله. ولا دخل لزهرة في ~~هذه الكراهية فهي أتفه من أن تجعلني أكره أو أحب إنسانا. ربما لصراحته العمياء أحيانا، ~~وربما لإصراره على الإشادة بالثورة لمناسبة ولغير ما مناسبة. لذلك فكثيرا ما أرغمني على ~~مجاراته ولو بالسكوت. وقد فاض بي الكيل مرة فقلت له: نحن مؤمنون بالثورة ولكن لم يكن ما ~~سبقها فراغا كله. # فقال بعناد مثير: بل كان فراغا. ~~- كان الكورنيش موجودا قبلها، كذلك جامعة الإسكندرية. ~~- لم يكن الكورنيش للشعب، ولا الجامعة. # ثم سألني ضاحكا، وبلا حقد ظاهر: خبرني لم تملك وحدك مائة فدان على حين أن كل ما ~~تملكه أسرتي عشرة فقط؟ # فسألته وأنا أكظم غيظي: ولم تملك عشرة على حين لا يملك ملايين من الفلاحين قيراطا ~~واحدا؟ ~~••• ~~- مهما تقل فلن أصدق كلمة واحدة مما تقول، إن رفض مرفت لك أطاح بعقلك، ولا تصدق ما ~~يقال عن العدالة والاشتراكية، المسألة تتلخص في كلمة واحدة: القوة، إن من يملك القوة يملك ~~كل شيء، ولا بأس بعد ذلك من أن يتغنى أمام الناس بالعدالة والاشتراكية، وإلا فخبرني ~~بالله، هل رأيت أحدا منهم يسير في الأسواق شبه جائع مثل سيدنا عمر؟! ~~••• # على أي حال سرعان ما بلغني الخبر اللذيذ عن القتال بين محمود أبو العباس وسرحان ~~البحيري يا بصل! وتجاهلت الأمر احتراما لصمته، بل انتهزت فرصة اجتماعي به في مدخل البنسيون ~~فسألته الرأي عن المشروع، وإذا به يقول لي في اهتمام: اصرف النظر عن مشروع المقهى وما شاكل ~~ذلك، إنك ابن ناس، وعليك أن تختار مشروعا مناسبا. ~~- مثل ماذا؟ ~~- أنا أقول لك، مشروع تربية دواجن وعجول مثلا، إنه يدر ذهبا. # ثم بعد تفكير قليل: ممكن أن نؤجر قطعة أرض في منطقة سموحة، وممكن أن أساعدك بما لي خبرة ~~وأصدقاء وربما شاركتك إذا ما أسعفتني الظروف. ~~••• # ما أضيق الإسكندرية في عيني سيارة مجنونة! إني أمرق فيها كالهواء، ولكنها انقلبت علبة ~~سردين، الليل يتبع النهار في إصرار غبي ولكن لا شيء يحدث على الإطلاق. ورغم أن ms047 السماء تتزين ~~كل يوم برداء. والطقس كالبهلوان لا يمكن التنبؤ بحركته التالية، والنساء يقبلن في ألوان لا ~~حصر لها، فلا شيء يحدث على الإطلاق. الكون في الحقيقة قد مات وما هذه الحركات إلا ~~الانتفاضات الأخيرة التي تند عن الجثة قبل السكون الأبدي. # وتذكرت الجنفواز. # إنه يقع على الكورنيش متحديا البحر والشتاء ولكن بابه يقع في شارع خلفي ضيق. له مسرح ~~للغناء والرقص، وتتوسطه باحة للرقص المشترك، وينتشر اللون الأحمر الكابي في السقف والجدران ~~والمصابيح كأنه مأوى للجان، ومن نظرة إلى فتياته وزبائنه يتسرب إلى النفس إحساس محتوم ~~بأنه ماخور. # رأيت فتاة البحيري ترقص رقصة فولكلورية مبتذلة. دعوتها إلى مائدتي فلم تعرفني بادئ الأمر ~~ثم اعتذرت بحالها يوم التعارف. وسرعان ما قالت إنها انتظرت مقدمي طويلا فاعتذرت بضيق ~~الوقت وكثرة المشاغل. عرفت أن اسمها صفية بركات والله أعلم باسمها الحقيقي. وهي أجمل من ~~المدرسة ولكن يعيبها ميل إلى البدانة، وتستقر في وجهها المليء نظرة محترفة. شربت ~~كثيرا حتى أوشكت أن أفقد الوعي ثم دعوتها إلى سيارتي ومضيت بها إلى شارع الليدو ~~بالأزاريطة، ولما هممت بمصاحبتها اعتذرت بعذر قهري فرجعت إلى البنسيون وأنا من السكر وسوء ~~المآل في حال. # التقيت وأنا ذاهب إلى حجرتي بزهرة وهي راجعة من الحمام في قميص النوم. اعترضت سبيلها ~~مفتوح الذراعين. توقفت متوثبة. اقتربت منها فقالت بحزم: ابعد. # أشرت بإصبعي إلى حجرتي فقالت متوعدة: ابعد واذهب لحالك. # انقضضت عليها بالرغبة والسكر فضربتني بقبضتها في صدري ضربة مذهلة أشعلتني بالغضب. جن ~~جنوني فلطمتها بوحشية. وصممت على الانقضاض حتى النهاية ولكن يدا وضعت على كتفي وجاءني ~~صوت سرحان اللاهث وهو يقول: حسني .. أجننت؟ # دفعته بوحشية، ولكنه شد على كتفي قائلا: ادخل الحمام وضع إصبعك في فمك. # استدرت نحوه ولطمته بشدة على غرة منه. تراجع وهو يهدر ثم لطمني بقوة. وإذا بالمدام ~~قادمة وهي تحبك حولها الروب متسائلة في جزع: ماذا يحدث؟! # ثم دخلت بيني وبين سرحان وهي تقول بغضب: لا، هذا تخريب، ولا يمكن أن أقبله. ~~••• # الملائكة تسبح أو ms048 ترقص في السقف. المطر يعزف فوق النوافذ وهدير الأمواج يصك الأذنين ~~بانفجارات معركة محتدمة. أغمضت عيني مرة أخرى تحت لطمات الصداع. تأوهت ثم لعنت كل ~~شيء. ثم اكتشفت أنني نمت بقية الليل بالبدلة والمعطف والحذاء. وانهالت علي ذكريات ~~الليلة الماضية فلعنت كل شيء. # وجاءت المدام بعد أن أذنت لها بالدخول. وقفت تنظر إلي وأنا أتزحزح متثاقلا متكاسلا ~~إلى الوراء لأجلس مستندا إلى رأس الفراش، وقالت: تأخرت عن موعدك؟ # ثم غاصت في المقعد الكبير وهي تقول في عتاب: ها هي عاقبة السكر الشديد! # تلاقت عينانا فابتسمت وقالت: إنك أعز من عندي ولكن لا تعد للسكر. # رفعت عيني إلى السقف المزركش بصور الملائكة وتمتمت: إني آسف. # ثم بعد فترة صمت: يجب أن أعتذر لزهرة. ~~- حسن، ولكن عدني بأن تسلك السلوك اللائق بأسرتك. ~~- اعتذري عني لزهرة حتى أعتذر لها بنفسي. # وقد انقطع ما بيني وبين سرحان، أما زهرة فصالحتها بعد إباء وتمنع. ولا أنكر أن ~~مخاصمة سرحان قد خلقت فراغا في نفسي. الآخر - منصور باهي - لا أكاد أعرفه، ولا علاقة لي ~~به سوى كلمات عابرة نتبادلها على مائدة الإفطار فلا يبقى منها في الذاكرة شيء. إننا نتبادل ~~- بلا شك - كراهية صامتة. وإني أحتقر انطواءه وغروره وأنوثته وما يحلي به نفسه من أدب ~~ظاهري رخيص. وقد سمعته مرة في الراديو فهالني صوته - الكاذب مثله - الذي تحسبه صادرا من ~~فارس خطيب. ومن عجب أنه لم تنشأ مودة بينه وبين أحد سوى قلاوون الصحافة مما جعلني ~~أقطع بأن العجوز الأعزب لوطي سابق! # يحسن بي ألا أغادر الحجرة! ولكن ثمة حادث سعيد يقع في الخارج. في حجرة البحيري؟! أجل، ~~مناقرة .. بل مشاجرة .. بل معركة .. بين روميو البحيري وجولييت البحيرية .. ما معنى ذلك؟ هل ~~طالبته بإصلاح غلطته؟ هل رام التملص والهرب كما فعل مع صفية؟ إنه لأمر بالغ اللذة، ~~ولكن يحسن بي ألا أغادر الحجرة. أين كانت تختبئ جميع تلك المسرات؟ فريكيكو، انتبه جيدا ~~واستمتع باللحظة البديعة. وصاح الصوت الرنان: أنا حر .. أتزوج بمن أشاء .. سأتزوج من ~~علية. ms049 # يا سيد يا بدوي! علية! الأستاذة! هل لبى الدعوة لزيارة بيتها؟ هل تحول من التلميذة ~~إلى الأستاذة؟ اشهد يا فريكيكو. أي يوم بهيج يا إسكندرية لتحيا الثورة. ولتحيا قوانين ~~يوليو. ها هو صوت المدام يرطن بالعربية. وها هو صوت المذيع الهمام بلحمه ودمه، أخيرا ~~تنازل بالاهتمام بشئون الرعية. وسيجد ولا شك حلا لهذه المشكلة الريفية. يا أهلا ~~بالمعارك. فريكيكو .. يجب أن تتحرك. احذر أن تسبقك الأحداث. # وقد سمعت القصة مرة أخرى على ربابة المدام. وقالت لي في الختام: لقد طردته، ما كان يجب ~~أن يقيم بيننا يوما واحدا! # أثنيت على شهامتها، ثم سألت عن زهرة فقالت بأسف: معتكفة في حجرتها متوعكة. # أجل، القصة القديمة، المتجددة مثل فصول السنة. وقد هنأ البحيري بالطرد. فاز بترقية ~~إلى الدور الخامس. ولا يدري أحد أين ينتهي به الطريق. # وقالت المدام: إن صاحب الميرامار يفكر جديا في بيعها. # فقلت بثقة: إني على استعداد لمفاوضته. # وغادرت البنسيون مدفوعا برغبة حامية في مسح الإسكندرية بالطول والعرض. # فريكيو .. لا تلمني. ~~••• # لأول مرة أراها منهزمة منسحقة. شحب لونها الخمري وفقدت عيناها العسليتان الرونق ~~والبريق. صبت لي الشاي وهمت بالانصراف فرجوتها أن تبقى. كان الهواء يزأر في هبات ~~متقطعة، وجو الحجرة القاتم يشي بتجمع السحب. ~~- زهرة .. الدنيا مليئة بالسفالات ولكنها لا تخلو من خير. # لم يبد عليها أنها تهتم بالإصغاء إلي أو أنها تهتم بأي شيء. ~~- انظري ماذا فعلت أنا، ضاق بي العيش بين أهلي في طنطا فهاجرت إلى الإسكندرية. # لم تنبس ولا دبت فيها نسمة اهتمام. ~~- أقول لك إنه لا حزن يدوم ولا فرح، وإن على الإنسان أن يجد طريقه، وإذا ساقه الحظ إلى ~~طريق مسدودة فعليه أن يتحول إلى أخرى. ~~- كل شيء طيب، لست آسفة على شيء. ~~- بل أنت حزينة، حزينة جدا يا زهرة، ولك حق، ولكن عليك أن تختاري النجاة، هذا ~~الاختيار نصف النجاة إن لم يكن النجاة كلها. # قاومت التأثر بإرادة جبارة طبعت وجهها بطابع دميم عابر، فقلت: أصغى إلي، إليك ~~اقتراحا، لا تبتي فيه برأي ms050 الآن، ولكن فكري فيه على مهل. # وتريثت لحظات ثم قلت: عما قريب سيكون لدي عمل. # تململت، فقلت: ستجدين عندي إذا شئت وظيفة محترمة. # ارتسم سوء الظن في عينيها فقلت: هذا المكان لا يصلح لك .. بنت محترمة بين أشكال وألوان ~~من مريدي اللهو والتسلية، من يقر ذلك؟ # لم تأخذ كلمة من قولي مأخذ الجد، ذلك واضح جدا، فقلت: ستكونين عندي في حصن .. عمل ~~شريف وحياة ممتازة. # غمغمت بما لم أسمع ثم حملت الصينية وذهبت. # غضبت عليها وعلى نفسي، غضبت لحد المقت. شهوات المحرومين أعمتها عن حقارتها. ملعونة ~~الأرض التي أنبتتك في طينها. وقلت بذلة ومرارة: فريكيكو .. لا تلمني. ~~••• # سهرت بين الجدران الحمراء الكابية في الجنفواز، دعتني صفية إلى المبيت في بيتها ~~فلبيت. عرضت همومي للمناقشة وأنا سكران تماما. ولما جاء ذكر المشروع وثب صوتها قائلا: ~~جاء الفرج! # ثم قالت وهي تشعل سيجارة: الجنفواز .. صاحبه يرغب في بيعه. # فقلت بلسان مخمور: ولكنه حقير كئيب. ~~- فكر في موقعه الممتاز .. ممكن أن يصير ملهى ومطعما ممتازا! وأكدت أنه يدر ربحا ~~كثيرا وهو بحالته الراهنة وتنبأت له بمزيد من النجاح إذا جدد. قالت: أنت ابن ناس، وسيضع ~~البوليس ذلك في اعتباره، وعندي خبرة لا حد لها، الصيف مضمون، وبقية العام مضمونة كذلك ~~بفضل الليبيين الذين يفدون علينا محملين بنقود البترول. # قلت وكأني في حلم: رتبي لي مقابلة مع الخواجة. ~~- في أقرب فرصة وسوف أختص أنا بالجانب النسائي. ~~- اتفقنا. # قبلتني وهي تتساءل: لم لا تجيء للإقامة معي؟ ~~- فكرة، ولكن يجب أن تعرفيني على حقيقتي من أجل تعاون دائم، أنا لا أعرف ذلك الشيء الذي ~~تسمونه الحب. ~~••• # حوالي العاشرة صباحا عدت إلى البنسيون. التقيت بسرحان البحيري، في مدخل العمارة، تجاهلته ~~كما تجاهلني ووقفنا ننتظر هبوط المصعد وأنا أقول لنفسي لعله جاء لزيارة آل عروسه، وفجأة ~~التفت نحوي وقال: إنك كنت السبب فيما بيني وبين محمود أبو العباس. # تجاهلته تماما كأنني لم أسمع صوتا، فاستمر يقول: لقد اعترف لي بذلك. # ولما أصررت على تجاهله في احتقار وبرود قال ms051 بعصبية: على أي حال، فقد خلا سلوكك من ~~شهامة الرجال. # تحولت إليه بغضب صائحا: اخرس يا ابن الكلب! # وسرعان ما تبادلنا الضربات حتى جاء البواب ورفاق له فخلصوا بيننا، توقف الضرب وبدأ ~~السباب. حتى هتف: سأؤدبك .. انتظرني. # فهتفت بدوري: تعال لأريحك من حياتك القذرة. ~~••• # في مجلس الأصيل حول الراديو وجدت المدام وطلبة بك، فقالت لي المدام: اشترك معنا في ~~التفكير، كيف نقضي ليلة رأس السنة؟ # ثم أشارت إلى طلبة بك وقالت: من رأيه أن نسهر في المونسنيير ولكن عامر بك يفضل البقاء ~~هنا. ~~- أين عامر بك؟ ~~- إنه معتكف، عنده برد. ~~- دعيه في اعتكافه، ولنذهب إلى المونسنيير، يجب أن نلهو بعنف حتى الصباح. # وبعد صمت قليل قلت لها: أخيرا تحقق المشروع. # وقصصت عليها الخبر حتى عكس وجهها خيبة أمل واضحة، ثم قالت: لا تتسرع .. يجب أن ~~تفكر. ~~- كفاني تفكير. # ثم صرحت قائلة بعد تردد: مقهى الميرامار أفضل .. وإني أفكر جديا في ~~مشاركتك. # فقلت ضاحكا: ربما فكرت في التوسع مستقبلا. # وانبعثت في أعماقي رغبة جامحة في الاستمتاع لأقصى حد بليلة رأس السنة الجديدة. ~~••• # وقد تعرفت بصاحب «الجنفواز» في نفس الليلة في حجرة مكتبه بالملهى. وتم الاتفاق على ~~البيع من حيث المبدأ، ثم دعاني إلى سهرة في مسكنه بكامب شيزار بعد موعد الإغلاق. وشهدت ~~صفية السهرة واشتركت في مناقشة التفاصيل. وجاء ذكر لليلة رأس السنة فاتفقنا أيضا على ~~الاحتفال بها معا في «الجنفواز» على أن نكمل السهرة في بيت الخواجة أو في أي مكان آخر، ~~فهنأت نفسي على الخلاص من سهرة العجائز. # وفي صباح اليوم التالي لاحظت أن حجرة الإفطار تطالعني بوجه غريب. أجل كان قلاوون الصحافة ~~معتكفا في حجرته ما يزال، ولكن منصور باهي لم يفارق حجرته أيضا، ولم أر أثرا لزهرة. ~~وقرأت في وجهي المدام وطلبة بك وجوما ينذر بالشر، وإذا بالرجل يقول: أما علمت ~~بالخبر؟ # رمقته بنظرة متسائلة فقال: لقد عثر على سرحان البحيري جثة هامدة في طريق البالما. # لبثت لحظات ذاهلا قبل أن يستقر الخبر في وعيي وإدراكي. واكتسحني ms052 شعور من الانزعاج ~~والإشفاق والقلق حيال طبيعة الموت الغامضة المقتحمة. وسألت: ميتا؟ ~~- بل قتيلا. ~~- ولكن ... # فقاطعتني المدام: اقرأ الجريدة، إنه خبر مزعج، وقلبي يحدثني بمتاعب كثيرة. # تذكرت المعركة الأخيرة أمام المصعد فامتعضت نفسي. وخشيت أن تمتد إلي المتاعب التي ~~تنبأت بها المدام. وسألت وأنا أدرك سخف السؤال وعمقه: ترى من يكون القاتل؟ # فقالت المدام: هذا هو السؤال طبعا. # وقال طلبة مرزوق: وعندما يسألون عن أعدائه ... # أجبت وقد استعدت شيئا من روح السخرية: في الحق لم يكن له صديق بيننا! # فقال طلبة مرزوق: وهل يكون له أعداء آخرون؟ ~~- ستعرف الحقيقة عاجلا أو آجلا. # وسألت عن زهرة فأجابت المدام: في حجرتها على أسوأ حال. # أفقت من وقع الخبر فرددت قائلا: لتكن مشيئة الله. # كان في نيتي أن أخبر المدام بما استقر عليه رأيي من الانتقال من البنسيون ولكني أجلت ~~ذلك إلى وقت آخر. ولما هممت بالخروج قال لي طلبة بك: محتمل أن ندعى جميعا لسماع ~~أقوالنا. # فقلت وأنا أمضي: فليدعنا من يشاء. # صممت على غسل رأسي بجولة من جولاتي الانطلاقية في أنحاء الإسكندرية. كانت السحب ~~البيضاء دانية يقطر منها لون رائق، والهواء خفيفا سريعا لاذعا. # إنه آخر يوم في السنة وقد تضاعفت رغبتي في إحياء ليلة جنونية حتى الصباح. # ولقد وضحت لي معالم الطريق، فليمت من يموت وليعش من يعيش. # دفعت السيارة وأنا أقول لصورتي في المرآة الصغيرة: # فريكيكو .. لا تلمني. # | منصور باهي # قضي علي بالسجن في الإسكندرية وبأن أمضي العمر في انتحال الأعذار. # قلت ذلك لأخي وأنا أودعه، ثم ذهبت رأسا إلى بنسيون ميرامار. فتحت شراعة الباب عن ~~وجه عجوز ذي طابع أنيق متعال، رغم الكبر ورغم المهنة، فسألتها: مدام ماريانا؟ # أجابت بالإيجاب، فقلت: منصور باهي. # فتحت لي الباب مرحبة وهي تقول: أهلا .. حدثني أخوك بالتليفون .. اعتبر نفسك في ~~بيتك. # انتظرت عند الباب حتى وصل البواب حاملا الحقيبتين، ثم دعتني إلى الجلوس وجلست هي على ~~كنبة تحت تمثال للعذراء: أخوك ضابط بوليس عظيم، كان ينزل عندي قبل أن يتزوج، وقد أقام ms053 في ~~الإسكندرية عمرا وها هو ينتقل إلى القاهرة. # تبادلنا نظرات مودة وهي تتفحصني بدقة وعناية ثم سألتني: كنت تقيم معه؟ ~~- نعم. ~~- طالب؟ .. موظف؟ ~~- مذيع في محطة الإسكندرية. ~~- ولكنك أصلا من القاهرة؟ ~~- نعم. ~~- اعتبر نفسك في بيتك ولا تحدثني عن الإيجار. # ضحكت مستنكرا، ولكني شعرت أنها على استعداد لقبولي بالمجان لو أردت. حسن، العفن ~~يجري في الهواء ولعله يصدر أصلا من ذاتي أنا. ~~- وأي مدة ستقيم معنا؟ ~~- غير محدودة. ~~- سنتفق على أجرة مناسبة ولن أطالب برفعها في الصيف. ~~- شكرا، لقد أرشدني أخي إلى ما يجب عمله وسوف أدفع في المصيف كالمصيفين. # انتقلت بلباقة إلى موضوع آخر فتساءلت: أعزب؟ ~~- نعم. ~~- متى تفكر في الزواج؟ ~~- ليس الآن على أي حال. # فضحكت عاليا وهي تسأل: فيم تفكر إذن؟ # جاريتها في الضحك بلا روح، ودق الجرس فقامت ففتحت الباب فدخلت فتاة حاملة لفة كبيرة ~~من البقالة أو غيرها ثم مضت إلى الداخل. من نظرة أدركت أنها خادمة وأنها جميلة. ثم عرفت - ~~والمدام تخاطبها - أن اسمها زهرة. وهي في سن طالبة جامعية وكان ينبغي أن تكون ~~كذلك. # قادتني المدام إلى إحدى الحجرتين المطلتين على البحر وهي تقول: هذا الجانب غير مناسب ~~للشتاء، ولكنها الحجرة الوحيدة الخالية. # فقلت بلا اكتراث: إني أحب الشتاء. ~~••• # وقفت في الشرفة وحيدا. ترامى البحر تحتي إلى غير نهاية، ينبسط في زرقة صافية بديعة، ~~وتلعب أمواجه الهادئة بلآلئ الشمس. غمرتني ريح خفيفة في ملاطفة منعشة، ولم يكن في السماء ~~إلا سحابات متفرقة. كاد يغلبني الحزن ولكن سمعت حركة خفيفة في الحجرة فالتفت مستطلعا ~~فرأيت زهرة وهي تفرش السرير بالملاءات والأغطية. عملت بهمة دون أن تنظر نحوي فتمليتها ~~على مهل وسرعان ما أكبرت ملاحتها الريفية الباهرة. وقلت راغبا في إنشاء علاقة ومودة: ~~أشكرك يا زهرة. # فابتسمت إلي ابتسامة تشرح الصدر، فطلبت فنجال قهوة فجاءتني به بعد دقائق معدودة. وقلت: ~~انتظري من فضلك حتى أفرغ. # وضعت طبق الفنجال على سور الشرفة ومضيت أحتسيه فاقتربت حتى وقفت عند العتبة رانية إلى ~~البحر، فسألتها: تحبين الطبيعة؟ # لم ms054 تجب، ولكنها لم تفهم. ترى ماذا يشغل بالها؟ ولكن لا ريب أنها بالغريزة المرتوية من ~~الأرض تتحفز للعمل الأول الذي تهتم به الطبيعة الخلابة. قلت: لدي في الحقيبة الكبرى كتب ~~ولا صوان لها في الحجرة. # استعرضت قطع الأثاث بعينيها ثم قالت ببساطة: دعها في الحقيبة. # ابتسمت ثم سألتها: تعملين هنا من قديم؟ ~~- كلا. ~~- والمكان أهو مناسب لراحتك؟ ~~- نعم. ~~- ألا يضايقك الرجال الذين يجيئون ويذهبون؟ # هزت منكبيها ولم تجب بلا أو نعم، فقلت: إنهم مخيفون أحيانا، أليس كذلك؟ # تناولت الفنجال ثم قالت وهي تهم بالذهاب: أنا لا أخاف! # أعجبت بثقتها بنفسها. وإذا بي أعاني إحساسا بالحسرة. وكعادتي جعلت أفكر فيما هو كائن ~~وما ينبغي أن يكون. وتهددني الحزن مرة أخرى. # تفقدت قطع الأثاث ثم قر عزمي على شراء مكتبة صغيرة للكتب، أما الترابيزة المستديرة ~~القائمة بين صوان الملابس والشيزلونج فصالحة للكتابة. ~~••• # لبثت في دار الإذاعة بضع ساعات لتسجيل البرنامج الأسبوعي. تناولت الغداء في مطعم بترو ~~بشارع صفية زغلول. جلست في «على كيفك» لأحتسي فنجالا من القهوة. مضيت أتسلى بمشاهدة ~~الميدان المغطى بمظلة من السحب. وقد انتشرت معاطف المطر المطوية على الأذرع. وفجأة ~~دق قلبي عندما مر أمامي ذاك الرجل. فوزي! انحنيت إلى الأمام قليلا حتى أوشك جبيني أن ~~يمس الزجاج لأتأكد من هويته. كلا، ليس بفوزي، ليس بفوزي على وجه اليقين. ولكن ما ~~أعظم التماثل بينهما، ودرية حضرت بالتداعي كما يقال. وهي تحضر بلا قانون إلا قانونها ~~الأزلي. أجل درية. ماذا لو كان هو فوزي حقا؟ وماذا لو تلاقت الأعين؟ إذا رأيت صديقا ~~حميما وجبت عليك معانقته. وهو أيضا بمنزلة الأستاذ. لتكن معانقة حارة وإن أدمتك ~~الأشواك. وادعه إلى فنجال قهوة فبذلك تقضي آداب الضيافة. ~~- أهلا .. أهلا .. ماذا جاء بك إلى الإسكندرية في هذا الوقت من العام؟ ~~- زيارة عائلية. # هذا يعني أنه جاء ليمارس نشاطا ولكنه يخفيه عني كما يجدر به. على أنني قلت: أتمنى ~~لك إقامة دائمة. ~~- لم نرك منذ عامين، وبالدقة منذ تخرجك. ~~- بلى، فقد عينت في محطة الإسكندرية ms055 كما تعلم ! ~~- أعني أنك هجرتنا تماما. ~~- بعض المتاعب .. أعني صادفتني بعض المتاعب. ~~- قد يكون من الحكمة ألا يستمر الإنسان في عمل لا يناسبه. # اجتاحتني كبرياء عمياء فقلت: وقد لا يستمر في العمل أيضا إذا كف عن الإيمان ~~به. # تمهل كعادته ليزن كلماته ثم قال: قيل إن أخاك ... # قاطعته باستياء: لست قاصرا. # فضحك قائلا: أغضبتك؟ .. معذرة. # توترت أعصابي. درية. وتساقط رذاذ فتمنيت أن ينهل المطر ليخلو الميدان من البشر. ~~عزيزتي، لا تصدقي. قديما قال حكيم إننا قد نكذب أحيانا لنقنع الآخرين بأننا صادقون. ~~وعددت ألحظ صديقي المخيف فسألني: ألم تعد تهتم بشيء؟ # فضحكت. كادت تند عني ضحكة. وقلت: ما دمت أحيا فلا بد أن أهتم بشيء. ~~- مثل ماذا؟ ~~- ألا ترى أنني حلقت ذقني وأنني أحكمت عقد الكرافتة؟ # فسألني جادا: وماذا أيضا؟ ~~- هل شاهدت فيلم مترو الجديد؟ # ابتسم ثم قال: فكرة .. فلنشاهد فيلما رأسماليا. ~~••• # زارتني مدام ماريانا في حجرتي زيارة مجاملة. ينقصك شيء؟ أي خدمة؟ كن صريحا، كان أخوك ~~صريحا وكان شهما بكل معنى الكلمة، وهو قوي ضخم عملاق، أما أنت فدقيق متناسق ولكنك قوي ~~أيضا، اعتبر البنسيون بيتك. واعتبرني صديقة، صديقة بكل معنى الكلمة. # ولكنها لم تأت في الحقيقة للمجاملة، أو لم تكن المجاملة إلا وسيلة فحسب، لقد جاءت أصلا ~~للاعتراف، أو لتحقيق الذات عن طريق شفوي. هكذا تطوعت برواية تاريخ حياتها، نشأتها الناعمة ~~المنعمة، حبها وزواجها الأول من كابتن إنجليزي، زواجها الثاني من ملك البطارخ وقصر ~~الإبراهيمية، ثم فترة الانحدار، ولكن أي انحدار؟! كان بنسيون السادة، الباشوات والبيكوات، ~~أيام الحرب. # ودعتني إلى البوح بأسرار حياتي، طوفان من الأسئلة، امرأة غريبة ومسلية ومرهقة، امرأة ~~عند الزوال، لم أشهدها وهي عروس الصالونات، ولكن يمكن تخيلها، على ضوء الفاتنات والطغاة ~~يمكن تخيلها، ولكني لم أعرفها إلا وهي خرابة أثرية تتعلق عبثا بأذيال الحياة. # وعلى مائدة الإفطار تعرفت بالنزلاء. أسرة متنافرة غريبة. وإني لفي حاجة إلى تسلية. إذا ~~تغلبت على ما يشدني إلى الداخل فقد أنعم بصاحب أو بصديق. لم لا؟ لنطرح جانبا عامر ms056 ~~وجدي وطلبة مرزوق فهما من جيل راحل. ولكن ماذا عن سرحان البحيري وحسني علام؟ في عيني ~~سرحان جاذبية فطرية وهو ودود فيما يبدو رغم صوته المزعج ولكن ماذا عن اهتماماته؟ أما ~~الآخر .. حسني علام .. فهو مثير للأعصاب، هكذا يبدو لأول وهلة على الأقل، متغطرس الصمت ~~والتحفظ، غاظني بنيانه المحكم ورأسه الكبير المرتفع وتربعه على كرسيه كأنه حاكم، ~~أجل حاكم ولكن بلا ولاية وبلا محتوى، ولعله لا يتبسط في الحديث مع أحد إلا إذا وثق من ~~أنه أتفه منه. وقلت لنفسي: على الذي يرضى بهجر الدير أن يوطن النفس على معاشرة الأرذال. ~~وكالعادة تملكني الانطواء حيال الغرباء. وقلت سيقولون .. سيظنون. وقديما خسرت بذلك الفرض ~~حياتي. ~~••• # دهشت عندما رأيت سرحان البحيري داخلا علي في حجرة مكتبي بالإذاعة. تألق وجهه ببشاشة ~~صديق قديم، ثم صافحني بحرارة وهو يقول: كنت مارا تحت الإذاعة فقلت أسلم وأشرب ~~القهوة. # رحبت به، وطلبت القهوة، فقال: سأطالبك يوما بإطلاعي على أسرار الإذاعة! # بكل سرور يا رجل المصطبة العتيدة التي لم أنعم بالجلوس عليها .. وبإيجاز حدثني عن ~~عمله بشركة الإسكندرية وعضوية مجلس الإدارة وعضوية الوحدة الأساسية. وقلت له: يا له من حماس ~~جميل يعد درسا للمتواكلين. # فنظر إلي بإمعان، ثم قال: إنه طريقنا للمشاركة في بناء عالمنا الجديد. ~~- آمنت بالاشتراكية من قبل الثورة؟ ~~- الحق أني آمنت بها مع الثورة. # ودغدغني ميل إلى مناقشة إيمانه ولكني كبحته. وجرى الحديث إلى البنسيون فقال: إنه أسرة ~~طريفة لا يشبع الإنسان منها. # فسألته بعد تردد: وحسني علام؟ ~~- شاب ظريف هو الآخر. ~~- يبدو كأنه أبو الهول. ~~- في الظاهر فقط، ولكنه ظريف، وذو استعداد أصيل للعربدة. # ضحكنا معا. لم يدر أنه يعرفني بنفسه أكثر مما يعرفني بالآخر. وعاد يقول محذرا: ~~إنه من الأعيان، بلا وظيفة، فيمكن القول إنه بلا شهادة، خذ بالك من هذه النقطة. # ثم واصل بلهجته الحكيمة المحذرة: إنه يملك مائة فدان، فهو يخندق في الخطوط الأمامية، ~~ولا يحمل شهادة علمية، وعليك أن تفهم البقية. ~~- ولماذا أقام في الإسكندرية؟ ~~- إنه ولد حكيم، يبحث ms057 عن مشروع تجاري ناجح. # فقلت ضاحكا: عليه أن يغير سحنته المتعجرفة وإلا هرب الزبائن. ثم خطر لي أن أسأله ~~عما يدعوه إلى الإقامة في بنسيون رغم أنه قديم عهد بالإسكندرية، فتفكر قليلا ثم قال: ~~فضلت بنسيونا عامرا بالناس عن شقة موحشة داخل البلد. ~~••• # ليلة أم كلثوم، ليلة الخمر والطرب، فيها تزحزح النقاب عن أشياء من خبايا ~~النفوس. # إلى سرحان البحيري يعود أكبر الفضل في إحيائها ولعله تكلف أقل نصيب من نفقاتها! ~~استرقت نظرات إلى طلبة مرزوق لم يقرأ معانيها أحد. أجل، عاودتني ذكريات حميمة، أحلام دموية، ~~صراعات طبقية، كتب وتجمعات، بنيان من الأفكار راسخ الأساس. راعني ترهله وانكساره. ~~وحركات شدقيه، وقبوعه فوق مقعده في استسلام، وتودده إلى الثورة بلا إيمان، وكأنه لم يكن ~~من السلالة التي شيدت قلاعها من اللحم والدماء. أخيرا جاء دوره ليمارس النفاق بعد أن ~~خلف مجده المتهدم الذابل أمة من المنافقين. وما حسني إلا جناح من النسر المهيض، ~~لكنه جناح ما زال يرفرف ولا يخلو من قدرة على الطيران. ~~••• ~~- أقول إن تلك التناقضات قد محيت تماما. ~~- كلا .. إنها أزيحت بتناقضات جديدة، وسوف تثبت لك الأيام. ~~••• # أما سرحان البحيري فسرى فينا كالروح بمرح حار لا يفتر وهو طيب القلب، ومخلص، لم ~~لا؟ طموح بلا ريب، إنه التفسير المادي للثورة، وسرعان ما تبين لي أن عامر وجدي هو أعظم ~~الحاضرين فتنة وأحقهم بالتقدير والحب. عرفت أنه عامر وجدي الذي راجعت العديد من مقالاته ~~عند إعدادي لبرنامج «أجيال من الثورة». لقد استولت علي أفكاره المتطورة بل والمتناقضة، ~~وسحرني أسلوبه الذي بدأ بالسجع وانتهى إلى بساطة نسبية لا تخلو من فخامة وجزالة. وقد سر ~~باطلاعي على مقالاته سرورا دل على عمق إحساسه بالزوال والنسيان والجحود، فأثر ذلك في ~~نفسي تأثيرا حادا محزنا. وقبض على القشة التي ألقيتها إليه في الماء فمضى يقص ~~علي تاريخه الطويل، جهاده المستمر، التيارات التي لاطمته، والأبطال الذين آمن بهم. ~~••• ~~- وسعد زغلول؟ .. لقد عبده الجيل السابق عبادة. ~~- ما قيمة المعبودات القديمة؟ لقد طعن الرجل الثورة الحقيقية ms058 وهي في مهدها. ~~••• # ولكن ما بال طلبة مرزوق يرمقني بحذر؟ لقد ضبطت عينيه المرتابتين الكارهتين في مرآة ~~المشجب. لا يهم. ومثله خليق بأن يخاف خياله. وقد صببت له كأسا فشكرني فسألته عن رأيه في ~~نظرات عامر وجدي التاريخية، ولكنه قال كالمعتذر: ما مضى قد مضى، دعنا نتهيأ ~~للسماع. # أعجبت بزهرة وهي تقوم على خدمتنا ولكنها لا تكاد تبتسم إلا للنادر من نكاتنا، وتجلس ~~عند البارفان لتراقبنا من بعيد بعينين جميلتين غير مبينتين. وقد سألها حسني علام وهي ~~تقدم له شيئا: وأنت يا زهرة .. هل تحبين الثورة؟ # فتراجعت في حياء عن دائرة المعربدين، ولكن المدام أجابت عنها إجابة شافية. وقد بدا أنه ~~يحييها بسؤاله ويدعوها إلى المشاركة في الحديث، ولكني لمحت في أعماقه ضيقا يداريه فقلت: ~~إنها تحبها بالفطرة. # ولكنه لم يسمعني أو أنه - الوغد - تجاهلني. وقد اختفى قبل نهاية السهرة، وأخبرت زهرة بأنه ~~غادر البنسيون، وقد أعجبت بعامر وجدي الذي ظل ساهرا يسمع ويطرب حتى مطلع الفجر. وسألته ~~وقد نهضنا للنوم: هل سمعت في ماضيك صوتا كهذا الصوت؟ # فأجاب باسما: إنه الشيء الوحيد الذي لا نظير له في الماضي. ~~••• # رجوتها أن تجلس ولكنها لبثت واقفة مستندة إلى صوان الملابس، تنظر معي إلى الأفق ~~الملبد بالغيوم من زجاج الشرفة المغلق، وتنتظر أن أفرغ من احتساء الشاي. وكنت أعطيها ~~قطعة من البسكوت الذي أحتفظ بقدر منه فتقبلها عربونا لصداقة نامية. إن قلبها الأبيض ~~يشعر بمودتي واحترامي وإعجابي وكنت بذلك سعيدا. وتساقط رذاذ، فانسابت قطراته على الزجاج ~~فاهتزت صورة العالم الخارجي. سألتها عن بلدتها فأجابت. خمنت السبب الذي اقتلعها من ~~أرضها، ولكني قلت: لو بقيت في قريتك لسارع إليك ابن الحلال. # فقصت علي قصة ضارية، عن الجد والزوج العجوز .. ثم قالت: وهربت. # انزعجت للخبر فقلت: ولكنك لن تسلمي من الألسنة. # فقالت باستهانة: إنه خير مما هربت منه! # أعجبت بها لحد الإكبار، ولكن أشجتني وحدتها، غير أنها كانت تقف مليئة بالثقة كمعدن ~~غير قابل للكسر. وكان الرذاذ قد نقش الزجاج بالغبش فاختفى العالم أو ms059 كاد. ~~••• # قنبلة ؟ صاروخ؟ فكرة جنونية. كلا إنها سيارة، الأحمق، يا للشيطان! إنه حسني علام. ~~ماذا يدفعه إلى الطيران؟ سر لا يعلمه إلا هو، كلا .. فإلى جانبه تجلس فتاة، كأنها صونيا، ~~أهي صونيا؟ صونيا أو غيرها فليذهب إلى الجحيم. # وما كدت أجلس في مكتبي حتى لحق بي زميلي وهو يقول: قبض على أصحابك أمس. # غشيتني لحظة غيبوبة. خجلت من أن أعلق بكلمة واحدة فقال: والسبب فيما يقال ... # قاطعته بحدة: لا أهمية لذلك. ~~- ثمة همس عن ... ~~- قلت لا أهمية لذلك. # اعتمد على مكتبي بذراعيه الممدودتين وقال: كان أخوك حكيما. # فقلت وأنا أنفخ: نعم الحكيم أخي! # وقلت لنفسي لا شك أن حسني علام قد بلغ الآن أقصى الأرض، وأن صونيا ترتعد من الخوف ~~واللذة. ~~••• ~~- ولا كلمة، سأقتلعك من الوكر! ~~- ولكني لم أعد طفلا. ~~- ألم تسرع بأمك إلى القبر؟ ~~- اتفقنا على ألا نذكر ذلك الماضي البعيد. ~~- ولكني أراه حاضرا، ستذهب معي إلى الإسكندرية ولو اضطررت إلى أخذك بالقوة. ~~- عاملني كرجل من فضلك. ~~- إنك ساذج، أتظننا غافلين، لسنا غافلين. # وتفرس في وجهي بقوة ثم قال: إنك غر جاهل، ماذا تحسبهم؟ أبطالا .. هه؟ إني أعرفهم ~~خيرا منك، وستذهب معي طوعا أو كرها. ~~••• # فتحت لي الباب. كنت خافق القلب، جاف الحلق، مشتت الفكر. برز لي وجهها من الدهليز ~~القاتم أبيض شاحبا. حدقت في بعينين جامدتين، لم تعرفني أول الأمر، ثم اتسعت عيناها ~~لوقع مفاجأة غير متوقعة، وهمست: أستاذ منصور! # تنحت جانبا فدخلت وأنا أقول: كيف حالك يا درية؟ # تقدمتني إلى حجرة الجلوس، وقد أضفى منظرها الحزين على كل شيء كآبة وتجهما. جلسنا على ~~مقعدين متقاربين، وعلى الحائط أمامنا صورته تطل علينا من إطار أسود وهو يسدد إلينا ~~الفوتوغرافيا كأنما يلتقط لنا صورة، تبادلنا نظرات صامتة حزينة، ثم سألت: متى جئت إلى ~~القاهرة؟ ~~- جئت من المحطة رأسا. ~~- إذن علمت ...؟ ~~- أجل، في مكتبي، ثم أخذت ديزل الساعة الثانية مساء. # ونظرت إلى صورته وأنا أتشمم رائحة التبغ الذي يدخنه وهي مستكنة ما تزال في جو ~~الحجرة، ثم سألت: هل قبض ms060 عليهم جميعا ؟ ~~- أظن ذلك. ~~- وأين ذهبوا بهم؟ ~~- لا أدري. # تشعث شعرها في إهمال، وشحبت بشرتها البيضاء، وضعضعت عينيها نظرة ذابلة مسهدة. ~~- وأنت؟ ~~- كما ترى. # وحيدة بلا مورد. كان أستاذا مساعدا بكلية الاقتصاد ولكن بلا مدخرات. كل شيء واضح ~~وضوح الكآبة التي تخنق المكان كله. ~~- درية، أنت زميلة قديمة، وهو صديق، أعز صديق رغم كل شيء. # ثم استجمعت شجاعتي وواصلت: أنا موظف، ولي إيراد لا بأس به أيضا، ولست مسئولا عن أحد ~~كما تعلمين. # حركت رأسها في ضيق. تمتمت: ولكنك تعلم أنني لا ... # قاطعتها بحرارة: لا أظنك ترفضين مساعدة تافهة من صديق قديم. ~~- الطبيعي أن أجد عملا مناسبا. ~~- عندما يتيسر ذلك، ولن يتيسر قبل مضي وقت. # ما زالت الحجرة مطبوعة بروحه. كعهدي بها في الأيام الخالية. الكنبة الاستديو ومكتبتها ~~العامرة، المسجل، الجرامفون، التليفزيون والراديو، الفوتوغرافيا والأفلام وألبوم الصور، ~~ولكن أين الصورة التي جمعت بيننا في أوبرج الفيوم؟ لا شك أنه رمى بها في لحظة الغضب. وكانت ~~عينانا تلتقيان ثم تنفصلان في حذر، ولا شك أن مشاعر متجانسة طاردتنا، وأن ذكريات مشتركة ~~ناوشتنا، وأن الماضي والحاضر والمستقبل يتمثل في صورة طريق مجهول. وسألتها: لديك ~~خطة؟ ~~- لم أجمع أفكاري بعد. # ترددت قليلا ثم سألت: ألم تفكري في الكتابة إلي؟ # ترددت قليلا ثم أجابت: كلا. ~~- ولكن احتمال حضوري لا شك خطر ببالك. # لم تجب. قامت فغابت دقائق ثم رجعت بالشاي، وأشعلنا سيجارتين. خيل إلي أني أسترجع ~~رائحة قديمة مفتقدة. وكان لا بد مما ليس منه بد، فقلت وعذاباتي القديمة تجتاحني: أظنك ~~علمت بمحاولاتي الفاشلة في العودة. # لازمت الصمت فقلت: لم ألق أي تشجيع، وهذا أخف تعبير يمكن اختياره. # تمتمت برجاء: لننس الماضي. ~~- حتى فوزي نفسه تجاهلني! ~~- قلت لننس الماضي. ~~- كلا يا درية. # ثم قلت بامتعاض وألم: ولست أجهل ما قيل عني، قالوا إنني أسعى للعودة لأعمل عينا ~~لأخي! # هتفت بتبرم وضيق: ألا يكفيني ما بي من حزن! # اعتذرت إليها بنظرة ذليلة وقلت: درية، إنك تدركين شعوري تماما. ~~- إني ممتنة. # فهتفت كالملدوغ: أعني شعوري بأنني ms061 كان يجب أن أكون معهم. # فقالت بحزن: لا جدوى من تعذيب نفسك. ~~- أود .. أود أن أعرف رأيك في بصراحة؟ # ساد الصمت فترة قصيرة مشحونة بالعذاب ثم تمتمت: لقد استقبلتك في بيتي، أو إن شئت في بيته، ~~وفي هذا الكفاية. # تنهدت بصوت مسموع. لم يطمئن قلبي تماما. وكنت على ثقة من أني سأرد إلى الجحيم ~~كما كنت، ولكن لم يكن الوقت مناسبا لتبرير الأخطاء. وقلت: سأزورك بين حين وآخر، وعليك أن ~~تكتبي لي لدى أي طارئ. ~~••• # أرهقني السفر ذهابا وإيابا، فقررت البقاء في البنسيون. انضممت إلى الجالسين حول ~~الراديو في المدخل، ومن حسن الحظ أنهم كانوا أحب أهل الدار إلى نفسي: عامر وجدي والمدام ~~وزهرة. شغلتني أفكاري عن الحديث حولي حتى سمعت المدام وهي تقول لي: إنك دائما غائب عنا ~~بأفكارك. # فقال عامر وجدي وهو يرمقني بمودة: ذاك شأن الأذكياء. # وظل يرمقني بعينيه الغائمتين ثم تساءل: ألا تفكر في استخلاص مادة كتاب من برامجك ~~الثقافية؟ # فقلت دون مبالاة بالحقيقة: إني أفكر في كتابة برنامج عن تاريخ الخيانة في مصر. ~~- الخيانة! .. يا له من موضوع غزير متشعب! # وضحك طويلا ثم عاد يقول: عليك أن ترجع إلي، سأمدك بالمراجع والذكريات. ~~••• ~~- أنا أحبك، وأنت تحبينني، دعيني أكلمه. ~~- إنك مجنون! ~~- إنه عاقل ومعقول وسيفهمنا تماما، وسيغفر لنا. ~~- لكنه يحبني، ويعدك صديقه الأوحد، ألا تفهم؟ ~~- إنه يكره الزيف، إني أفهمه تماما. ~~••• # واستمر عامر وجدي قائلا: برنامج عن الخيانة، يا له من برنامج! ولكن احرص في النهاية ~~على أن تؤلف كتابا وإلا نسيك الناس كما نسوني، لم يبق من الذين لم يدونوا أفكارهم ~~إلا سقراط. # وكانت المدام تتابع أغنية يونانية طلبتها فيما يطلبه المستمعون، أغنية على لسان عذراء ~~تعدد المزايا التي تتمناها في فتى الأحلام أو هكذا قالت المدام. إن منظرها وهي تستمع إلى ~~الأغنية مغمضة العينين من الطرب منظر مؤثر حقا، خلاصة مبكية مضحكة لحب ~~الحياة. # وقال عامر وجدي: وقد خلد بفضل تلميذه أفلاطون. ولكن غريب أن رضي بتجرع السم متجاهلا ~~فرص الهرب. # فقلت بمرارة: أجل، ms062 ورغم أنه لم يكن يعاني شعورا بالإثم أو الخطأ. ~~- وكم من أناس إذا قارنتهم بسقراط اقتنعت بأنهم لا يمكن أن يرجعوا معه إلى أصل جنسي ~~واحد. # فقلت بمرارة وجنون: أولئك هم الخونة. # ثمة حقائق وثمة أساطير، الحياة يا بني محيرة حقا. ~~- ولكنك من جيل الإيمان. # فضحك وهو يقول: الإيمان .. الشك .. إنها مثل النهار والليل. ~~- ماذا تعني من فضلك؟ # فسكت لحظات ثم قال: أعني أنهما لا ينفصلان. وأنت يا بني، من أي جيل؟ # فقلت بضجر: العبرة بما نعمل لا بما نفكر، وإذن فأنا مجرد مشروع. # وضحكت المدام قائلة: نعمل .. نفكر .. ما هذا؟! # وضحك العجوز أيضا وقال: في كثير من الأحيان يخيل إلى المفكر المرهق أن أثمن ما في ~~الوجود يتلخص في أكلة شهية وامرأة جميلة. # قهقهت المدام وقالت: برافو .. برافو. # وضحكت زهرة أيضا، فسمعت ضحكتها لأول مرة، فانجابت عني الهموم إلى حين. وأعقب ذلك دقائق ~~صمت فتجلى صوت الهواء وهو يدوي في الخارج ويلطم الجدران فتصطك النوافذ المغلقة. ~~وعاودني القلق والكآبة فقلت مخاطبا عامر وجدي: أن تؤمن وأن تعمل فهذا هو المثل الأعلى، ~~ألا تؤمن فذاك طريق آخر اسمه الضياع، أن تؤمن وتعجز عن العمل فهذا هو الجحيم. ~~- أجل، إنك لم تشهد سعد في شيخوخته وهو يتحدى النفي والموت. # نظرت إلى زهرة، المنفية الوحيدة، وهي تجلس مفعمة ثقة وأملا فغبطتها، بل ~~حسدتها. ~~••• # زرت درية بعد مضي أسبوع من الزيارة الأولى. استعاد مسكنها أناقته المعهودة، وتبدت ~~هي في مظهر لا تعوزه العناية، ولكني قرأت في عينيها السقم. أجل، وحيدة وبلا عمل أو أمل، قلت ~~لها: أرجو ألا تضايقك زياراتي. # فقالت بصوت لم أتبين فيه معنى: على الأقل فهي تشعرني بأنني ما زلت على قيد ~~الحياة. # تقبض قلبي ألما. تخيلت الحال على حقيقتها الخشنة الجرداء. وددت أن أعرب عن عواطفي ولكن ~~الماضي عقد لساني. واتفق رأينا على أن في العمل النجاة من السقم، ولكن كيف؟ إنها تحمل ~~ليسانس آداب في اللغات القديمة ولكن ثمة عقبات لا يستهان بها. ~~- لا تحبسي نفسك في البيت. ms063 ~~- فكرت في ذلك، ولكني لم أتحرك بعد. ~~- لو كان في الإمكان أن أزورك كل يوم. # ابتسمت. تفكرت. ثم قالت: يحسن أن نتقابل خارج البيت. # لم أرتح لقولها ولكني اقتنعت به فقلت: فكرة مقبولة. # وتم اللقاء الثالث في حديقة الحيوان. طالعني وجه الزمان الأول عدا نظرة العين. بجماله ~~ورونقه وإن خلا من روح المرح والبهجة. وسرنا دقائق إلى جانب السور المطل على طريق ~~الجامعة، طريق ذكريات مشتركة لا يمكن أن تنسى. وقالت: إنك تكلف نفسك ما لا يطاق. ~~- أنت لا تدرين كم أني سعيد بذلك. # أكان أجدر بي أن أصرح بالسعادة المزعومة؟ وعدت أقول: الوحدة يا درية، إنها شر ما ~~يبتلى به الإنسان. # قلت ذلك بنبرة المجرب، ربما عن قصد، فقالت: لم أزر الحديقة منذ أيام الجامعة. # فقلت دون مبالاة بجملتها الاعتراضية: إني وحيد أيضا، وأعرف مذاق الوحدة. # بدت كالمحاصرة. ضايقني ذلك وزاد عواطفي تعقيدا والتواء. ورغم ذلك أوشك الفيضان أن يجرف ~~السد. وعندما التقت عينانا خيل إلي أنها جفلت. وإذا بها تقول: يحزنني أنني أتريض ~~على حين أنه .. هناك. # ولحظت وجومي فتساءلت: ما لك؟ ~~- لا أكاد أتحرر من الإحساس بالذنب. ~~- أخشى أن تجد في صحبتي مصدرا للعذاب. ~~- كلا، ولكن ذلك الإحساس الجهنمي يتغذى على اليأس. ~~- علينا أن نجد في اللقاء شيئا من العزاء. ~~- واليأس يدفع للتهور، ولأن يداوي المريض الداء بالداء! ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني ... # ترددت قليلا ثم واصلت: أعني ... أن تعذري حماقتي لو قلت لك يوما تحت دفعة تيار جارف ~~إني أحبك، كما أحببتك في زماننا الأول. # وأفقت من تهوري. أي حماقة، أي جنون، ما أبغي؟ كنت مندفعا وراء غاية محددة. كمن يلقي ~~بنفسه في الماء ليطفئ ملابسه المشتعلة. وقالت بعتاب: منصور! # فتراجعت كمن تلقى لطمة شديدة، وقلت بخذلان: لا أدري ماذا قلت، ولا كيف قلته. ولكن ثقي ~~من أنني لا يمكن أن أسعى للسعادة. # وقلت لنفسي وأنا أستقل الديزل: «في الرسائل يجد الإنسان شجاعة أكثر.» ~~••• # استيقظت على ضوضاء وصخب .. أهو صوت يند عن الصراع الذي يتلاطم في باطني؟ كلا ms064 .. هناك ~~صراع من نوع آخر في البنسيون. غادرت حجرتي فرأيت المنظر الأخير من معركة. أدركت من آثارها ~~المطبوعة على الوجوه أن سرحان وامرأة غريبة وزهرة كانوا أبطالها أو ضحاياها. ولكن من ~~المرأة؟ .. وما علاقة زهرة بالأمر كله؟ # وجاءتني زهرة بالشاي كالعادة، فراحت تقص علي الواقعة كما وقعت، باندفاع امرأة وراء ~~سرحان وهو عائد إلى البنسيون، واشتباكها معه في عراك. وكيف جرت إلى العراك وهي تخلص ~~بينهما. ~~- ولكن من المرأة يا زهرة؟ ~~- لا أعرف. ~~- سمعت من المدام أنها كانت خطيبة لسرحان؟ # ترددت مليا ثم قالت: ربما. ~~- ولم انقضت عليك أنت؟ ~~- قلت إني أردت التخليص بينهما. ~~- ولكن ذلك لا يبرر اشتباكها معك. ~~- حصل. # نظرت إليها برقة ومودة ثم سألتها: هل بينك وبين ...؟ # لكنها تجاهلت سؤالي فقلت: لا عيب في ذلك، وأنا صديق، وباسم الصداقة أسألك. # فأحنت رأسها بالإيجاب. ~~- إذن فأنت مخطوبة وتخفين عني؟ # حركت رأسها نفيا. فقلت: لم تعلن الخطوبة بعد؟ # وأقلقني سكوتها فسألت: متى تعلن؟ # أجابت بثقة: كل شيء بأوانه. # هجس هاجس الخوف في صدري فقلت: لكنه هجر الأخرى كما رأيت؟ # فقالت ببراءة: إنه لا يحبها. ~~- فلم خطبها إذن؟ # نظرت إلي بإشفاق ثم تشجعت قائلة: لم تكن في الحقيقة خطيبته، إنها امرأة ساقطة. ~~- الخيانة هي الخيانة على أي حال. # وقع القول من مسمعي موقعا غريبا فاجعا فوجدت له في فمي طعم السم وعواقبه. وحنقت على ~~سرحان ضمن حنقي على نفسي فلعنته ألف لعنة. # وعندما جاءتني في نفس الموعد بعد ذلك بأيام قالت لي بروح مرحة عالية: أستاذ .. هل أبوح لك ~~بسر؟ # نظرت إليها مستطلعا، ومتوقعا المزيد عن علاقتها بسرحان ولكنها قالت لي: ~~سأتعلم. # لم أفهم في الواقع شيئا، وظللت أنظر إليها مستطلعا. فقالت: اتفقت مع جارتنا ست علية ~~محمد المدرسة على تعليمي. # ذهلت .. وهتفت: حقا؟ ~~- نعم .. اتفقنا على كل شيء. # شيء رائع يا زهرة، كيف فكرت في ذلك؟ # قالت بفخار: فكرت فيه بنفسي. ~~- نعم .. ولكن ماذا جعلك تفكرين فيه؟ ~~- قلت لن أبقى جاهلة إلى الأبد، ثم إن لي غرضا آخر. ~~- غرض ms065 آخر؟ ~~- نعم .. سأتعلم مهنة! # رمقتها بإكبار وسعادة وهتفت: رائع .. رائع .. رائع يا زهرة. # لبثت منفعلا بالسعادة والإكبار وأنا منفرد بنفسي في الحجرة المغلقة. كان المطر يهطل، ~~وهدير الأمواج يتتابع في دفعات مدوية متقطعة راطنا بلغته المجهولة. ثم مضى الانفعال ~~يهدأ وينخفض ويبرد حتى انداح في مستنقع من ماء آسن يغشاه زبد الكآبة. إن الصعود يذكر ~~بالهبوط، والقوة بالضعف، والبراءة بالعفن، والأمل باليأس. وللمرة الثانية لم أجد من أصب ~~عليه جام غضبي إلا شخصية سرحان البحيري. ~~••• # اخترنا مجلسنا تحت شجرة كافور بكازينو الشاطئ. وكانت الشمس المائلة عن السمت تريق علينا ~~شعاعها الدافئ فتذيب برد القاهرة القارص. وقالت وهي تتفادى طيلة الوقت من تلاقي عينينا: ما ~~كان يجب أن أجيء. # فقلت بطمأنينة: ولكنك جئت فحسم مجيئك التردد. ~~- لم يحسم شيئا، ثق من ذلك! # نظرت إليها وبي تصميم على القفز إلى الهاوية: إني مقتنع بأن مجيئك ... ~~- كلا، المسألة أني لم أرض أن أبقى وحيدة مع رسائلك. ~~- لا أظن أن رسائلي تتضمن جديدا. ~~- ولكنك أرسلتها لشخص لا وجود له! # فلمست يدها المطروحة على المائدة كأنما لأثبت لها الوجود، ولكنها سحبتها وهي تقول: لقد ~~أرسلتها بعد زمانها بأربع سنوات! ~~- إنها تتضمن أشياء تجاوز بطبعها الزمان والمكان. ~~- ألا ترى أنني ضعيفة وتعيسة! ~~- وأنا كذلك، إني في رأي أصحابنا جاسوس. وفي رأي نفسي خائن. ولا ملجأ لي إلا أنت. ~~- أي دواء. ~~- لا يبقى غيره إلا الموت أو الجنون. # نفخت في توتر معذب ثم تمتمت: إني خائنة من قديم الزمان. ~~- بل كنت مثال الإخلاص الزائف. ~~- تعريف آخر للخيانة التي مزقتني. # فقلت بغضب: إننا نتمزق بلا سبب حقيقي، وذاك جوهر المأساة. # ونظرنا إلى النيل بلونه الرصاصي وأمواجه شبه الساكنة. ثم تسللت يدي من وراء النافذة ~~إلى يدها فاحتوتها بحنان، وشدت قليلا لتسكت مقاومتها الضعيفة. وهمست: لا يجوز أن نذعن ~~لرواسب غير صحية. # فقالت بحزن: إننا نتدهور معا بأكثر مما تصورت. ~~- لكنا سنخرج من التجربة كالمعدن النقي. # ووجدت رغبة طاغية تدفعني إلى الحضيض كأنما الحضيض غاية منشودة تطلب لذاتها، أو ms066 كأنما ~~الجحيم أمسى هدف الإنسان النهم إلى السعادة. ~~••• # التقيت في محطة مصر بصديق قديم، صحفي وذي ميول تقدمية ولكنه لم يشتغل بالسياسة. جلسنا ~~في البوفيه، أنا في انتظار الديزل وهو في انتظار شخص قادم من القنال. قال: علي أن أشكر ~~هذه الفرصة الطيبة فقد كنت أود أن أقابلك. # حسن، ماذا يريد؟ إنني لم أره منذ تعييني في الإسكندرية. وإذا به يسألني: ماذا يجيء بك ~~إلى القاهرة؟ # حدجته بدهشة. أجل .. وكان يدرك أن سؤاله سيثير دهشتي .. فقال: لتشفع صداقتنا لصراحتي، ~~يقولون إنك تجيء من أجل مدام فوزي. # لم أنزعج الانزعاج الذي توقعه. فقد ساورتنا - أنا ودرية - الشكوك من قبل، فقلت بفتور: ~~إنها في حاجة إلى صديق كما تعلم. ~~- وأعلم أيضا ... # فقاطعته باستهانة: وتعلم أنني أحبها من قديم! # فتساءل بإشفاق: وفوزي؟! ~~- إنه أعظم مما يظن الآخرون. # فقال بضيق: إني - كصديق - غير سعيد بما يقال. ~~- حدثني عما يقال. # ولكنه سكت .. فقلت بعصبية: إنني جاسوس، إنني هربت في الوقت المناسب، ثم تسللت إلى بيت ~~الصديق القديم! ~~- لم أقصد إلا ... ~~- وأنت تصدق ذلك؟ ~~- لا .. لا .. ولن أسامحك إذا توهمت ذلك. ~~••• # تساءلت في طريق عودتي إلى الإسكندرية: هل أستحق نعمة الحياة؟ إني أبحث عن حل لمتناقضات ~~شتى، حل عسير فيما يبدو. فلم لا يكون الموت هو الحل الأخير؟ وأردت أن أجلس بعض الوقت في ~~التريانون، ولكنني لمحت في الخارج سرحان البحيري وحسني علام جالسين يتحادثان فعافتهما ~~نفسي وعدلت عن الدخول. كانت سحب متقاربة الألوان تركض بسرعة ملحوظة وهي دانية، والهواء ~~يهب في دفعات منعشة. سرت والكورنيش متحديا وقد ارتفع الماء وتطاير رشاشه إلى الطريق. ~~وقلت لو أنني كنت أملك أشياء ثمينة لحطمتها. وقلت إن التوازن لن يرجع إلى الأشياء إلا ~~بزلزال شامل. # وجاءتني زهرة بالشاي. قالت لي باعتداد الواثق من اهتمامي بشئونها: جاء أهلي ليأخذوني ~~ولكنني رفضت. # ورغم فتور مشاعري عامة فإن اهتمامي بزهرة لم يمت، فقلت لها: أحسنت! ~~- حتى الرجل الطيب، عامر بك، نصحني بالرجوع إلى القرية. ~~- إنه يخاف عليك، هذا كل ما هنالك. # فرمقتني ms067 بإمعان ثم قالت: ولكنك لا تبتسم كعادتك. # ابتسمت إليها بلا روح فقالت: أنا فاهمة! ~~- فاهمة؟ ~~- نعم، سفرك كل أسبوع وانشغال بالك! # ضحكت على رغمي، فقالت بسعادة: أتمنى أن أشهد فرحك! ~~- ربنا يسمع منك يا زهرة. # وتم التفاهم على ضوء نظرة متبادلة. وأشارت بيدها كأنما تدعوني إلى المرح فقلت: هناك شخص ~~ينغص علي صفوي. ~~- من هو؟ ~~- شخص خان دينه! # فحركت يدها مستنكرة. ~~- وخان صديقه وأستاذه! # واصلت حركتها الاستنكارية فسألتها: هل يغفر له الذنب أنه يحب؟ # فقالت مستفظعة: حب الخائن نجس مثله! ~~••• # انغمست في العمل. وكلما اضطربت أعصابي أو تشتت فكري سافرت إلى القاهرة. هنالك سعادة ~~الحب. ولكن أي سعادة؟ لقد سعدت حقا عندما كفت عن المقاومة فتركت يدها في يدي. ولكني ~~عانيت بعد ذلك شعورا محموما قلقا، وسيطرت علي فكرة غريبة وهي أن الحب طريق الموت، ~~وأنني بالإفراط في كل شيء قد أبلغ نهاية الطريق. وقلت لها مرة: أحببتك من قديم، إنك تذكرين ~~ذلك، ثم فوجئت بخطوبتك. # فقالت بحزن: إنك تبدو مترددا فيسهل إساءة فهمك. # ثم قالت بنبرات اعتراف: قبلت فوزي تأثرا بشخصيته. إنه كما تعلم يستحق كل ~~إكبار. # وكان يجلس حولنا كثيرون من العشاق فسألتها: هل نحن سعداء؟ # فحدجتني باستغراب وقالت: يا له من سؤال يا منصور! ~~- أعني ربما ساءك أنني جعلت منك حديث المجالس. ~~- لا يهمني ذلك، أما فوزي ... # أرادت بلا شك أن تردد ما قلته مرات عن سعة إدراكه وكبر قلبه ولكنها سكتت. وكرهت إدارة ~~الأسطوانة من جديد. وإذا بي أسألها: درية، هل داخلك الشك في كالآخرين؟ # قطبت في استياء لأنها حذرتني أكثر من مرة من طرق ذلك الموضوع ولكني قلت برغبة ~~ملحة: لو فعلت لكان أمرا طبيعيا. # تحولت إلي محتجة وسألت: لم تنبش عن العذاب؟ # تراجعت باسما وأنا أقول: طالما أسأل نفسي عما دعاك للخروج عن الإجماع؟ # فقالت بضجر: الحق أنه ليس لك طبيعة الخونة! ~~- وما طبيعة الخونة؟ إني ضعيف، إذعاني لأخي ضعف لا شك فيه، وإني أرشح الضعفاء ~~للخيانة. # تناولت يدي بين يديها وقالت برجاء: لا ms068 تعذب نفسك .. لا تعذبنا. # وقلت لنفسي إنها لا تدري أنها أداة من أدوات التعذيب. ~~••• # دخلت المدام حجرتي فأيقنت من أنني سأسمع أنباء. إنها تطير بالأخبار - كفراشة - من ناحية ~~إلى أخرى. حسن. أما سمعت يا مسيو منصور؟! محمود أبو العباس بياع الجرائد خطب زهرة، ولكنها ~~رفضته. ~~- هو الجنون نفسه يا مسيو منصور! # فقلت ببساطة: إنها لا تحبه يا مدام. ~~- قلبها سائر في طريق خاطئ. # وغمزت بعينها. وقلت لنفسي الويل له إذا غدر بها، وتملكتني بغتة فكرة غريبة، أو رغبة ~~منحرفة، وهي أن يغدر بها لأنزل به العقاب الذي يستحقه! # ومالت نحوي هامسة: انصحها من فضلك، ستعمل برأيك .. إنها تحبك. # وأثارني فعل الحب فبذلت أقصى جهدي لكي أكظم غضبي. ~~••• ~~- إنها من أصل طيب، شبه أرستقراطي، ولكنها لم تعد قديسة، للعمل ظروفه القهرية كما ~~تعلم، ولولاي لأخليت شقتها وصودرت أموالها. ~~••• # الريح تسفع النوافذ بوابل المطر. هدير الأمواج يقتحم أعماقي. لم أشعر بدخول زهرة حتى وضعت ~~قدح الشاي على الترابيزة أمامي. رحبت بها لتنتشلني من أفكاري السوداء. تبادلنا ابتسامة. ~~قدمت لها قطعة البسكوت. وقلت ضاحكا: ها هو ثاني عريس ترفضينه. # رمقتني بحذر فواصلت قائلا: أتريدين رأيي يا زهرة؟ إني أفضل محمود على سرحان. # فقطبت قائلة: لأنك لا تعرفه. ~~- وهل عرفت الآخر كما يجب؟ # فقالت بحدة: لا أحد يصدق أنني كفء له! ~~- قولي ذلك لغير أصدقائك. ~~- إنه لا يفرق بين المرأة وبين الحذاء! # وضحكت فقصت علي نادرة من تصرفاته وآرائه. فقلت: إنك تستطيعين أن تردي له التحية ~~بأحسن منها. # ولكنها تحب سرحان وستظل تحبه حتى يتزوج بها أو يغدر بها. وقلت: زهرة .. إني أحترم رأيك ~~وفعلك، بودي أن أهنئك في القريب. ~~••• # تخلفت عن السفر إلى القاهرة لإنجاز أعمال عاجلة وهامة. اتصلت بي درية بالتليفون ~~مستغيثة من وحدتها المضنية. ولما تلاقينا في الأسبوع التالي قالت لي بعصبية: جاء دوري ~~لمطاردتك! # فقبلت يديها ونحن نستقل بحجرة منفردة بفلورينا، ثم أوجزت لها أخباري المتضمنة ~~عذري. وكانت قلقة متوترة الأعصاب فأكثرت من التدخين، ولم أكن على حال أحسن. وقلت ms069 لها: كنت ~~أدفن نفسي في العمل ولكني أطفو رغم إرادتي ويهمس لي صوت غريب بأن ثمة خطأ في العمل، أو ~~أن أمرا هاما فاتني تدبره، وكثيرا ما أكتشف أنني نسيت شيئا ضروريا في البنسيون ~~أو في المكتب. # فقالت بلهفة: ولكنني وحيدة، ولم أعد أحتمل وحدتي. ~~- نحن في دوامة، ولا نحرك يدا لحل مشكلتنا. ~~- والعمل؟ # تفكرت قليلا مطاوعا المنطق وحده، ولكن أي منطق؟ لا منطق لمن تعتصره الانفعالات. كأنما ~~كنت أنقب عن تحديات جديدة. قلت: لو سألنا العقل لأجاب بأن علينا أن نفترق أو أن نسعى ~~إلى الطلاق. # اتسعت عيناها الرماديتان في فزع، ربما لاستجابتها لا لنفورها، وهتفت: الطلاق! # فقلت بهدوء: ثم نبدأ حياة جديدة. ~~- تصرف خارق! ~~- لكنه طبيعي، وأخلاقي إن شئت. # أسندت رأسها إلى يدها ثم سكتت معلنة إفلاسها، فقلت: ألم أقل إننا لا نحرك ~~يدا؟ # ثم بعد فترة صمت: خبريني عن فوزي لو كان مكاني؟ # فقالت بصوت متهافت: أنت تعلم أنه يحبني. ~~- ولكنه لن يبقي عليك إذا علم أنك تحبينني. ~~- ألا يتسم تفكيرك بطابع نظري جدا؟ ~~- ولكني أعرف فوزي، وهذا واقع! ~~- تصور .. تصور أن يقول ... ~~- إنك تخليت عنه وهو في السجن، أليس كذلك؟ لا قيمة لذلك، تتخلين عنه لا عن ~~مبادئه. # تخيلته وهو مستلق على الكنبة الاستديو، يرمقني بعينيه اللوزيتين السوداوين، ~~يدخن غليونه، يعالج هموما لا حصر لها ولكنه لا يشك في سعادته الزوجية. وسألتني: ~~فيم تفكر؟ # فقلت: إن الحياة الحقة لا تجود بنفسها إلا للأكفاء. # ثم تناولت يدها وأنا أقول: لنشرب كأسين ولنكف عن التفكير. ~~••• # غبت عما حولي. صهرني الغضب. مذ علمت بتهجم حسني علام على زهرة صهرني الغضب. كان ~~يجلس معي في المدخل عامر وجدي والمدام، ولكني لم أسمع من حديثهما إلا وشا. وعلمت أيضا ~~بمشاجرة سرحان وحسني فتمنيت لو أنها استمرت حتى الموت، الموت لكليهما. تمنيت أيضا ~~أن أؤدب حسني ولكن لم يداخلني شك في قدرته على سحقي فكرهته حتى الجنون. وغادرت المدام ~~المكان فنبهتني إلى ما حولي. نظرت إلى عامر وجدي فرأيته يرنو إلي باهتمام ms070 ومحبة ~~فتخففت من انفعالات القتال المحتدمة في صدري، وتلقيت فكرة عجيبة بأن الرجل العجوز كان ~~صديقا حميما لأبي أو لجدي. وراح يسألني عن أحلامي فقلت باقتضاب: يخيل إلي أنه لا ~~مستقبل لي. # فابتسم ابتسامة مجرب لكل شيء، وكأنما مر به سخطي مرات بشتى الصور، ثم قال: الشباب ~~عدو الرضا، هذا كل ما هنالك. ~~- لقد استغرقني الماضي فبت أعتقد أنه لا يوجد مستقبل. # قال بجدية وقد زايل الابتسام وجهه: ثمة صدمة، عثرة، سوء حظ، ولكنك تستحق الحياة ~~بكل جدارة. # كرهت أن أناقش معه همومي، حتى المشروع منها، فتساءلت متهربا: ماذا عن أحلامك أنت يا ~~أستاذ؟ # ضحك طويلا ثم قال: نوم الشيوخ يقل للدرجة التي تنعدم فيها الأحلام، غير أني أتمنى ~~ميتة رفيقة. ~~- إذن فالموت أنواع؟ ~~- ما أسعد الرجل الذي نام عقب سهرة طيبة ثم لم يصح إلى الأبد. # فسألته مأخوذا بلذة محادثته: أتعتقد أنك ستبعث ذات يوم؟ # ضحك مرة أخرى وقال: أجل، إذا جمعت برامجك في كتاب! ~~••• # يعجبني جو الإسكندرية .. لا في صفائه وإشعاعاته الذهبية الدافئة .. ولكن في غضباته ~~الموسمية .. عندما تتراكم السحب وتنعقد جبال الغيوم .. ويمتلئ رواق السماء بلحظة صمت مريب ~~.. ثم تتهادى دفقة هواء فتجوب الفراغ كنذير أو كنحنحة الخطيب. عند ذاك يتمايل غصن أو ينحسر ~~ذيل .. وتتتابع الدفقات ثم تنقض الرياح ثملة بالجنون .. ويدوي عزيفها في الآفاق .. ~~ويجلجل الهدير ويعلو الزبد حتى حافة الطريق .. ويجعجع الرعد حاملا نشوات فائرة من ~~عالم مجهول .. وتندلع شرارات البرق فتخطف الأبصار وتكهرب القلوب .. وينهل المطر في هوس ~~فيضم الأرض والسماء في عناق ندي .. عند ذاك تختلط عناصر الكون وتموج وتتلاطم أخلاطها ~~كأنما يعاد الخلق من جديد. # وعند ذاك فقط يجلو الصفاء ويطيب .. إذا انقشعت الظلمات .. وأسفرت الإسكندرية عن وجه مغسول ~~.. وخضرة يانعة، وطرقات متألقة، ونسائم نقية، وشعاع دافئ، وصحوة ناعمة. # عايشت العاصفة من وراء الزجاج. حتى نعمت بالصفاء. شيء حدثني بأن تلك الدراما إنما تحكي ~~أسطورة مطمورة في قلبي .. وتخط طريقا ما زال غامض الهدف .. أو تضرب موعدا في غمغمة لم ~~تفهم ms071 بعد. # دقت الساعة الكبيرة فوضعت إصبعي في أذني حتى لا أعرف الوقت. ثم ترامت إلي أصوات ~~غريبة. استمرت في إصرار وارتفعت. مشاحنة؟ .. شجار؟ إن الأحداث التي تقع في البنسيون تكفي ~~قارة بأكملها. وحدس قلبي بأن زهرة محورها كالعادة. وفتح باب بعنف فوضحت الأصوات ~~تماما. زهرة وسرحان! وثبت إلى الباب ففتحته. رأيتهما في الصالة وجها لوجه كديكين ~~والمدام تحول بينهما. # وكان سرحان يصرخ في غضب هادر: أنا حر .. أتزوج بمن أشاء .. سأتزوج من ~~علية. # زهرة غاضبة كبركان، عز عليها أن يعبث بها، أن تنهار آمالها ثم ترتد وهي الخاسرة. إذن ~~قد نال أربه ويريد أن يولي وجهة أخرى. اقتربت منه ثم أخذته من يده عائدا إلى حجرتي. ~~كان ممزق البيجاما في أكثر من موضع، دامي الشفتين. وراح يصيح: شريرة متوحشة! # فطالبته بالهدوء ولكنه تمادى في الغضب وهو يقول: تصور .. تريد حضرتها أن تتزوج ~~مني! # فعدت أنصحه بالهدوء فصاح: مجنونة فاجرة! # وضقت به فسألته: لم أرادت أن تتزوج منك؟ ~~- اسألها .. اسألها. ~~- إني أسألك أنت. # نظر إلي لأول مرة في انتباه، فقلت: لا بد من سبب يبرر طلبها؟ # تحول الانتباه في عينيه إلى حذر ثم سألني: ماذا تعني؟ # فقلت بغضب: أعني أنك وغد. ~~- أستاذ! # فبصقت في وجهه وأنا أصرخ: على وجهك، ووجه كل وغد، وكل خائن. # وسرعان ما اشتبكنا في عراك عنيف. بيد أن المدام اقتحمت الحجرة قبل أن يستفحل ~~الضرب. # دخلت بيننا وهي تقول: من فضلكم. لقد ضقت بذلك كله. سووا خلافاتكم في الخارج لا في ~~بيتي. # وذهبت به خارج الحجرة. ~~••• # مظلم الرأس، مثقل القلب. مشتت الفكر، هكذا ذهبت إلى دار الإذاعة. ولما دخلت حجرتي ~~رأيت امرأة جالسة أمام مكتبي. امرأة؟! درية! أجل درية دون غيرها. عقدت الدهشة لساني، ~~تسمرت أمامها لحظات، ثم انجابت الظلمات عن رأسي فهتفت: درية! # وابتسمت. يجب أن أبتسم، بل يجب أن أتهلل. وأخذت يدها بين يدي فضغطت عليها بحنو، ~~واجتاحتني عاطفة ثرية بالفرح، اكتسحت القلق والمخاوف التي تنهش قلبي، وقلت: يا لها من ~~مفاجأة! أي سعادة يا ms072 درية! # قالت وهي تطالعني بوجه شاحب: كان يمكن أن أنتظر يومين حتى نلتقي ولكنني لم أستطع ~~الانتظار، واتصلت بك تليفونيا فلم أجدك. # وساورني قلق لم أعرف كنهه. جئت بكرسي فجلست قبالتها وأنا أقول: ليكن خيرا ما جاء بك ~~يا درية. # قالت وهي تغض البصر: بلغتني رسالة من فوزي عن طريق صحفي صديق. # خفق قلبي. إنه الصحفي الصديق. لا خير هناك على وجه اليقين. قالت: إنه يمنحني الحرية ~~للتصرف في مستقبلي كما أشاء. # اشتد خفقان قلبي. وضح الأمر بحذافيره ولكني صممت على تقطيره نقطة نقطة. والعجب أن ~~الاضطراب شملني لدرجة لم أنعم فيها بأي شعور مريح أو سعيد. بل خيل إلي أنني غير ~~سعيد. وسألت بعناد: ماذا يعني؟ ~~- واضح أنه علم بأمرنا. ~~- ولكن كيف؟ ~~- بأي طريق كان، ليس ذلك بالمهم. # تبادلنا نظرا حائرا. شعرت بأنني أكبل بالحديد. وقلت لنفسي كان يجب أن أحظى بقدر من ~~السعادة أو الارتياح، فماذا جرى؟ وسألت: ترى هل غضب؟ # فقالت بعصبية: لقد تصرف على أي حال كما توقعت أنت! # أحنيت رأسي في تسليم ذاهل، فقالت: عليك الآن أن تمدني برأيك؟! # أجل، لا يبقى إلا أن أعطيها إشارة البدء، أن تمضي الإجراءات في سبيلها، أن أبني ~~عش الزوجية كما اقترحت وتمنيت. ها هو الحلم يستأذنني ليتسرب إلى عالم الحقيقة. ~~ولكنني غير سعيد، يجب أن أكون صريحا مع نفسي، بل أبعد ما يكون عن السعادة. إني قلق وخائف. ~~وليس ما بي شعور بالندم أو الخجل. إنه ملتصق بذاتي دون غيري. ملكي الشخصي. وإذا لم أكن في ~~موقف دفاع عن سعادتي ففي أي موقف أكون؟ # وقالت بنبرة لا تخلو من استياء: كلما فكرت وأمسكت عن الجواب، أشعرتني بأنني منبوذة في ~~وحدة قاتلة! # ولكني كنت في حاجة إلى المزيد من التدبر. وكان الخوف والقلق قد بلغا بي مبلغا لم أعد ~~أكترث فيه لعواطفها أو حتى مجاملتها. أفقت من سحرها كأن هراوة صكت رأسي. تحررت من ~~سيطرتها. ارتفعت في باطني المضطرب القلق المذعور موجة سوداء من النفور والتمرد والقسوة. ~~لم أجد ms073 لذلك تفسيرا إلا يكن الجنون نفسه. # وتساءلت هي بحدة: لم لا تتكلم؟ # قلت بهدوء مخيف: درية .. لا تقبلي هبته الكريمة. # حملقت في وجهي. حملقت في وجهي ذابلة غير مصدقة تعيسة غاضبة، فقلت ممعنا في وحشيتي: ~~افعلي ذلك بلا تردد! ~~- أنت تقول ذلك؟! ~~- نعم. ~~- إنه لمضحك، إنه لمبك، إني لا أفهم شيئا. # فقلت بيأس: فلنؤجل الفهم إلى حين. ~~- لا يمكن أن تدعني بلا تفسير! ~~- لا أملك أي تفسير. # انبثق شعاع غضب من أعماق عينيها الرماديتين وقالت: إنك تجعلني أشك في عقلك. ~~- أعتقد أنني أستحق ذلك. # فصاحت بحنق: أكنت تعبث بي طيلة الوقت؟ ~~- درية! ~~- صارحني .. أكنت تكذب علي؟ ~~- أبدا. ~~- إذن هل مات حبك فجأة؟ ~~- أبدا .. أبدا. ~~- إنك تصر على العبث بي. ~~- ليس عندي ما أقوله، إني أكره نفسي، هذا ما يجب أن أصارحك به، وعليك ألا تقتربي من رجل ~~يكره نفسه. # عكست عيناها المحملقتان هبوطا في قواها الداخلية. ثم انتزعت بصرها من وجهي بازدراء ~~وحنق. ولبثت فترة صامتة كأنما لا تدري ماذا تصنع بنفسها. ثم تمتمت وكأنما تحادث نفسها: ~~إني حمقاء. وعلي أن أدفع ثمن حماقتي. لم تشعرني بالثقة قط، ولا الأمان، كيف تجاهلت ذلك؟ ~~لقد دستني في اندفاعك المجنون. أجل، إنك مجنون. # تخشعت كطفل مذنب مطيع. ولذت بالصمت كذريعة أخيرة لإنهاء الموقف المعذب. تجنبت النظر ~~نحوها. تجاهلت وقع عينيها، صوت أصابعها فوق حافة المكتب، نفخها المضطرم. تحولت ~~إلى جثة هامدة. # وجاءني صوتها متهافتا: أليس لديك ما تقول؟ # فثابرت على الموت. قامت بشيء من العنف فقمت بدوري. غادرت المكان فتبعتها حتى بلغنا ~~الطريق. وعبرناه معا. ثم أوسعت خطاها معلنة رفضها لمرافقتي فتوقفت. أتبعتها عيني ~~كمن ينظر في حلم. وتضخم الحلم وامتد رواقه. وتراجع الواقع حتى توارى وراء الأفق. رنوت ~~إلى مشيتها المألوفة المحبوبة بغرابة، وبحزن، وحتى تلك اللحظة الجنونية لم يغب عني أن ذاك ~~الكائن المخلخل المقهور الذي يختفي رويدا في تيار السابلة. لم يغب عني أنه حبي الأول ~~وربما الأخير في هذه الدنيا. وباختفائها هويت إلى الحضيض. ورغم شقائي المؤكد فقد ms074 داخلني ~~ارتياح غامض غريب. ~~••• # البحر يترامى تحت سطح أملس باسم الزرقة، فأين العاصفة الهوجاء؟ والشمس تهوي إلى المغيب ~~مرسلة شعاعا ماسيا يلتحم بأهداب سحائب رقيقة، فأين جبال الغيوم؟ والهواء يلاعب سعف ~~النخيل في غابة السلسلة بمداعبات شفافة رقيقة، فأين الرياح الهوج المزلزلة؟ # ونظرت إلى وجه زهرة الشاحب، ودموعها الجافة على الوجنتين، ونظرتها الكسيرة الذابلة، ~~فخيل إلي أنني أنظر في مرآة، وأن الحياة تطالعني بفطرتها الخشنة الفظة الرهيبة، ~~بإمكانياتها المجردة، بصمودها الصلب المغطى بالأشواك، بآمالها الخبيثة في قوقعة ~~مسمومة الأطراف، بروحها الأبدية التي تجذب إليها المغامرين واليائسين فتقدم لكل ~~غذاءه. لقد سلبت الشرف وهجرت بلا كبرياء. أجل، إني أنظر في مرآة. # رمقتني بتحذير وقالت: لا لوم ولا عتاب من فضلك. # فقلت بحزن: سمعا وطاعة. # لم أكن أفقت بعد من تجربة درية المريرة، ولا وجدت الوقت الهادئ لتحليلها وفهمها. ~~ولكني كنت ممتلئا بها حتى الجنون. وكنت على يقين من أن العاصفة آتية لا ريب فيها، وأن ~~ثمة ذروة للمأساة لم أبلغها بعد. وكان من المستحيل أن أبقى صامتا فقلت مواسيا: قد يكون ~~الخير فيما حصل. # لم تنبس .. فسألتها: ماذا عن المستقبل؟ # تمتمت بلا روح: إني أحيا كما ترى. ~~- وأحلامك يا زهرة؟ ~~- سأستمر ... # قالتها بعناد وإصرار ولكن أين الروح؟ قلت: سيذهب الحزن كأن لم يكن، وسوف تتزوجين وتنجبين ~~أطفالا. # قالت بمرارة: خير ما أفعل أن أتجنب جنس الرجال. # ضحكت أول ضحكة منذ دهر. إنها لا تدري بالدوامة التي تعصف بي، ولا بالجنون الذي يتربص ~~بي. # وخطرت لي فكرة، أخطرت فجأة بلا مقدمات؟ كلا، لا شك أن لها جذورا مطمورة لم أفطن ~~لها. إنها جنونية ولذلك فهي مغرية. فكرة غريبة باهرة وأصيلة. وغير بعيدة أن تكون هي ما أبحث ~~عنه. أن تكون البلسم لالتهاباتي المزمنة. نظرت إليها بحنان، وقلت: زهرة، لن تطيب لي الحياة ~~وأنت حزينة. # اغتصبت من شفتيها ابتسامة شكر، فقلت وموجة الحماس ترتفع بي درجة جديدة: زهرة .. اطردي ~~الأحزان .. كوني كما كنت دائما. خبريني متى أرى ابتسامة السعادة على شفتيك! # ابتسمت برأس ms075 حان. ارتفعت موجة الحماس درجة جديدة. ها هي الفتاة المنفية الوحيدة ~~المهجورة المسلوبة الشرف. وقلت بانفعال غريب: زهرة .. لعلك تجهلين كم أنك عزيزة عندي .. ~~زهرة .. اقبليني زوجا لك! # التفتت نحوي بحركة سريعة، ذاهلة وغير مصدقة. انفرجت شفتاها لتتكلم، ولكنها لم تنبس ~~بحرف. # قلت وأنا واقع تحت سيطرة انفعالي الغريب: اقبليني يا زهرة .. إني أعني ما أقول. # قالت ولما تفق من دهشتها: لا. ~~- فلنتزوج في أقرب فرصة. # تحركت أصابعها القوية بعصبية وهي تقول: إنك تحب واحدة أخرى! ~~- لم يكن هناك حب، إنها حكاية اختلقها خيالك، فأسمعيني جوابك يا زهرة. # تنهدت .. تنهدت وهي ترمقني في ارتياب وقالت: أنت كريم نبيل، وعطفك يدفعك في طريقه بلا ~~تفكير، كلا، لن أقبل ذلك، وأنت لا تعنيه، كلا، لا تعد إلى ذلك. ~~- إذن ترفضينني يا زهرة؟ ~~- إني أشكرك، ولكن ليس هناك طلب حتى أرفضه أو أقبله. ~~- صدقيني، أقسم لك، امنحيني وعدا .. أملا .. وسأنتظر. # قالت بإصرار ودون أن تأخذ كلامي مأخذ التصديق الحقيقي: كلا، إني أشكر عطفك وأقدره، ~~ولكنني لا أستطيع أن أقبله. عد إلى فتاتك، إن كان هناك خطأ فلا شك أنها هي المخطئة ~~ولكنك ستسامحها. ~~- زهرة .. صدقيني. ~~- كلا .. لا تعد إلى ذلك من فضلك. # قالتها بإصرار رهيب، ثم تبدى الإعياء في أعماق عينيها وكأنما ضاقت بالموقف كله، ~~فشكرتني بإيماءة وهي تمضي خارجا بتصميم قاطع. # ارتددت إلى الفراغ. نظرت فيما حولي كأنما أبحث عن غوث. متى يقع الزلزال؟ متى تهب ~~العاصفة؟ وماذا قلت؟ كيف قلته؟ ولم؟ أيوجد شخص آخر يتخذ مني وسيطا له كلما شاء هواه؟ وكيف ~~يمكن أن أضع حدا لذلك كله؟ ~~••• # كيف يمكن أن أضع حدا لذلك كله؟ # كررت السؤال وأنا أغادر الحجرة بجنوني. رأيت في الصالة سرحان البحيري وهو يتكلم في ~~التليفون. ولمحت حقيبته وراء الباب مؤذنة برحيله الأبدي. نظرت إلى مؤخر رأسه المائل إلى ~~سماعة التليفون بمقت. كأنما أنظر إلى عدو لدود ورائي. إنه يملأ حياتي أكثر مما ~~تصورت. وإذا اختفى حقا إلى الأبد فماذا أصنع بحياتي؟ وكيف أعثر عليه مرة أخرى؟ ms076 إنه ~~يشدني إليه شدا كالنور والفراشة. إنه الجرعة السامة التي قد أتداوى بها. # وارتفع صوته الرنان وهو يقول للتليفون: طيب .. الساعة الثامنة مساء .. سأنتظر في كازينو ~~البجعة. # إنه يضرب لي موعدا .. وربما يحدد لي هدفا. إنه يدعو جنوني إلى الرقص. صوته الرنان ~~يغريني بالانتحار. إنه يأمرني بأن أتبعه. وسيمن علي بانتشالي من الفراغ. # تراجعت إلى حجرتي خشية أن أندفع مع عواطفي الجامحة. ولما غادرت البنسيون لم يكن به أثر ~~لسرحان. # ذهبت إلى أثنيوس. فكرت أن أكتب رسالة إلى درية ولكن الجنون عصف برغبتي كما عصف ~~بعقلي. # واتخذت مجلسي في ركن البهو الداخلي بكازينو البجعة، كمن قرر الهجرة فودع المدينة ~~وهمومها جميعا. وجدت شيئا من الراحة وشيئا من صفاء الذهن. توارى الركن وراء موائد ~~مشغولة برجال ونساء. وطلبت كأسا من الكونياك ثم أتبعتها بأخرى وعيناي مصوبتان نحو ~~المدخل. وقبيل الثامنة بربع ساعة جاء البطل المنشود. جاء يتقدمه طلبة مرزوق. أكان هو ~~الشخص الذي كلمه في التليفون؟ ومتى جمعت بينهما هذه الصداقة الطارئة؟ جلسنا على مبعدة ~~عشر موائد من مجلسي، وجاءهما الجرسون بكونياك كذلك. وتذكرت أنني وافقت صباحا - على مائدة ~~الإفطار - على اقتراح لطلبة مرزوق بأن نمضي سهرة رأس السنة في المونسنيير. أجل، وعدت ~~بالاحتفال بليلة رأس السنة الجديدة. ومضيت أنظر إليهما من وراء وهما يشربان ويتبادلان ~~الحديث والضحك. ~~••• # حرصت على ألا يراني، ولكنه لمحني في المرآة. تجاهلته ومضيت وأنا ألعن سوء الحظ. كانت ~~الطريق خالية تماما، وكنت أسمع أطيط حذائه ورائي. وأبطأت في السير حتى أوشك أن يدركني ~~وكنا أوغلنا في الطريق الخالية، وحاذاني وهو يرمقني بارتياب. وتباطأ في السير حتى لا يعرض ~~لي ظهره بلا دفاع، وقال: إنك تتبعني .. لقد رأيتك من البداية. # فقلت ببرود: نعم. # ازداد حذرا وهو يتساءل: لماذا؟ # نزعت المقص من معطفي وأنا أقول: لأقتلك. # تحجرت عيناه على المقص وهو يقول: أنت مجنون بلا شك. # وتوثب كلانا سواء للهجوم أو للدفاع، ومضى يقول: لست بولي أمرها! ~~- ليس من أجل زهرة .. ليس من أجل زهرة فقط. ~~- إذن لماذا؟ ms077 ~~- لا حياة لي إلا بقتلك! ~~- ولكنك ستقتل أيضا، أنسيت؟ # فاجتاحني شعور المهاجر الذي ودع المدينة بكافة همومها، وثملت به. وإذا به يسألني: كيف ~~عرفت مكاني؟ ~~- سمعتك في البنسيون وأنت تتكلم في التليفون. ~~- وعزمت عند ذاك على قتلي؟ ~~- أجل. ~~- ألم تعزم على ذلك من قبل؟ # ذهلت، لم أجب، ولكني لم أتراجع. ~~- إنك في الواقع لا تريد قتلي. ~~- بل أريده، وسأقتلك! ~~- هبك لم ترني ولم تسمعني في تلك اللحظة. ~~- ولكني رأيتك وسمعتك .. وسأقتلك. ~~- ولكن لماذا؟ # ذهلت مرة أخرى، ولكن تأكدت نيتي على القتل ورسخت إلى الأبد. وصحت به: لذلك أقتلك، ~~خذ .. خذ. ~~••• # ترامت إلي ضحكة سرحان وهو يحادث طلبة مرزوق. وأكثر من مرة غادر مكانه ثم رجع ~~إليه. # لعنت طلبة مرزوق وقلت إن مجيئه قد أفسد كل شيء. غير أنه قام بعد مضي ساعة أو نحوها ~~فصافح سرحان مودعا وذهب. بقي سرحان وحده فتلهفت على اللحظة التي يمحي فيها العذاب. ~~وواصل الشراب ولكنه لم يتلفت كثيرا نحو مدخل المكان. ووضح في لفتاته التوتر والقلق. ~~أينتظر شخصا آخر؟ هل يجيء الآخر فيضيع الفرصة إلى الأبد؟ # ودعاه الجرسون إلى التليفون فمضى مسرعا ملهوفا. غاب بعض الوقت ثم رجع إلى مجلسه واجما ~~متجهما. رجع في الحقيقة متهدما. ماذا حدث؟ لم يجلس، دفع حسابه ثم غادر المكان. راقبته ~~من الزجاج الفاصل بين البهو والداخل فرأيته متجها نحو البار، ربما لمزيد من الشراب. ~~تربصت به حتى فارق مكانه ماضيا نحو الباب الخارجي، فغادرت مجلسي في هدوء وتمهل. ولدى ~~خروجي كان قد عبر الطريق. أحكمت المعطف حولي اتقاء لهواء خفيف ولكن لاسع كالسياط. الطريق ~~خال تماما، وأضواء المصابيح متلفعة بهالات من الضباب، وهسيس النبات على الجانبين يخرق ~~الصمت الشامل. سرت حذرا، أكاد ألاصق الجدران، ولكنه بدا غائبا في أفكاره ذاهلا عما حوله ~~منهمكا بكليته في عالم وحده، حتى إنه نسي المعطف مطروحا على ذراعه. ماذا حصل؟ لقد ~~ظل طيلة الوقت يتحدث ويضحك، فماذا قلبه؟ أما أنا فقد تركزت في فكرة واحدة كأنما هي ~~وجه الخلاص الوحيد لي. وإذا ms078 به يميل إلى الطريق الزراعي الموصل للبالما. طريق خال ومظلم، ~~مهجور تماما في تلك الساعة، ماذا يروم منه؟ وأي قضاء يتصرف كأنما ليسلم عنقه بين يدي؟! ~~أسرعت قليلا حتى لا أضله وأنا ألامس سياج الحدائق، وقد غرقنا معا في الظلام. وجعلت ~~أتوثب وأنا أتابع شبحه، ولكنه توقف فجأة فوقفت عن التقدم وأنا أرتعد. سيقع شيء ما. ~~ربما جاء شخص غريب، علي أن أنتظر. وإذا بصوت يند عنه كلمة .. إشارة صوتية. قيء! وتحرك ~~ببطء مسافة قصيرة ثم سقط على الأرض. سكران مخمور. لقد شرب فوق طاقته وها هو يفقد الوعي. ~~وانتظرت وأنا أرهف السمع ولكن لم يقع شيء. اقتربت منه حتى كدت أعثر به. انحنيت فوقه، أردت ~~أن أناديه ولكن صوتي انحبس. لمست جسمه ووجهه فلم يستجب، غرق تماما في غيبوبة الخمر، وسوف ~~يفارق العالم بلا ألم أو خوف، كما يتمنى عامر وجدي العجوز. هززته برفق فلم ينتبه، هززته ~~بشيء من الشدة فلم ينتبه أيضا، حركته بعنف فلم تبدر منه بادرة أمل في إفاقة. انتصبت ~~قامتي في حنق. دسست يدي لأستخرج المقص ولكني لم أجد له أثرا. فتشت عنه في جميع مظانه ~~عبثا. أسهي علي أن آخذه! كنت مضطربا، متأزما، يائسا، ثم جاءت المدام لتستطلع ~~رأيي في سهرة رأس السنة. أجل، لقد غادرت الحجرة دون أن أحقق الغرض الوحيد من رجوعي إليها. ~~تضاعف غضبي على نفسي، تضاعف غضبي على السكران المنعم بغيبوبة لا يستحقها. ركلته في ~~جنبه. ركلته مرة أخرى بقوة أشد. ركلته الثالثة بعنف. وجن جنوني فانهلت عليه بطرف ~~الحذاء في شتى أطرافه حتى أفرخت غضبي وهياجي. تراجعت إلى السياج وأنا أترنح من ~~الإعياء مرددا: «لقد قضيت عليه.» كنت أتنفس بصعوبة وأشعر بتقزز، وسيطر علي إحساس ~~مضن بأنني مجنون يمارس حركات جنونية عنيفة في الظلام، وتذكرت درية. تذكرتها وهي تنظر ~~في أعماق عيني، وهي تضيع في زحمة الطريق. # ورجعت إلى البنسيون مشيا على الأقدام. تخيلت زهرة وهي تغط في نوم مرهق ثقيل ~~خانق. # وتناولت حبة منومة ثم استلقيت على الفراش. ms079 ~~••• # دفعني بإصرار وهو يقبض على منكبي فصرخت غاضبا: إنك تقضي علي إلى الأبد! # | سرحان البحيري # هاي لايف. # معرض أشكال وألوان مثير للشغب، شغب البطون والقلوب. موجة هائلة من الأنوار الباهرة تسبح ~~فيها قدور فواتح الشهية، العلب الحريفة والمسكرة، اللحوم المقددة والمدخنة والطازجة، ~~الألبان ومستخرجاتها، القوارير المضلعة والمنبسطة والمبططة والمربعة والمنبعجة ~~المترعة بشتى الخمور من مختلف الجنسيات. # لذلك تتوقف قدماي بطريقة أتوماتيكية أمام كل بقالة يونانية. # وهواء الخريف يلفحني بدسامته الجنسية. وعيناي ترنوان إلى الفلاحة بين الزبائن أمام ~~الطاولة. طوبى للأرض التي غذت وجنتيك ونهديك. وأنا أراجع أسعار القوارير لمحتها. امتد ~~إليها بصري من موقفي فوق الطوار، مارا فوق برميل الزيتون، نافذا من فرجة بين الهيج ~~والديوارس، مائلا عن قطاعة البسطرمة، حتى استقر على عارض وجهها الأسمر المرفوع إلى ~~البقال ذي الشارب البلقاني. وقد تأبطت حقيبة من القش المجدول ملئت بالمشتريات، وقد ~~برزت من جانب غطائها رأس زجاجة الجوني ووكر. # تصديت لها وهي تغادر المحل فتلاقت عينانا، ارتطمت نظرتها المستطلعة الصلبة بنظرتي ~~الضاحكة المعجبة. سارت في طريقها فسرت وراءها ولا غاية إلا تحية الجمال ذي العبير الريفي ~~الذي أحبه. تعرضنا في طريق الكورنيش لدفقات هواء الخريف المشعشع بالشعاع الواني الغارب، ~~وهي تتقدمني في مشية عسكرية سريعة حتى انعطفت فيما وراء عمارة الميرامار. التفتت ناحيتي ~~وهي تمرق إلى مدخل العمارة فتلقيت نظرة عسلية محايدة. # وتذكرت موسم جني القطن في قريتنا. ~~••• # كان عبيرها قد تبخر من نفسي أو كاد عندما رأيتها للمرة الثانية في نهاية الأسبوع. ~~لمحتها أمام معرض محمود أبو العباس وهي تبتاع الجرائد. أدركتها قبل أن تذهب وأنا أقول: صباح ~~الفل. # رد محمود أبو العباس التحية دونها ولكنها نظرت نحوي فتلقيت نظرتها بعين صقر تود أن ~~تشدها إليها إلى الأبد. سرعان ما ذهبت وقد هيجت عبيرها من جديد فملأ حواسي جميعا، ~~وقلت لمحمود: هنيئا لك! # فضحك في براءة فسألته: من أين؟ # فأجاب دون مبالاة: تعمل في بنسيون ميرامار. # رددت إليه مبلغا كنت اقترضته في زنقة من مطالب الأسرة ثم مضيت أتمشى ms080 حول الفسقية في ~~انتظار المهندس علي بكير. فلاحة حلوة، حلوة بكل معنى الكلمة، وها هي تسلب لبي. ~~انتشيت بالانفعال وشعاع الشمس وبالوجوه الكثيرة الواقعة في حبائل الانتظار حولي. # وتذكرت موسم جني القطن في قريتنا. ~~••• # جاء علي بكير حوالي العاشرة صباحا، فذهبنا إلى مسكني بشارع الليدو بالأزاريطة. كانت ~~صفية قد ارتدت ملابسها فذهبنا إلى سينما مترو. غادرنا السينما في الواحدة بعد الظهر ~~فسبقاني إلى الشقة وذهبت إلى هاي لايف لابتياع زجاجة نبيذ قبرصي. # رأيت الفلاحة واقفة تستبضع. كملاطفة الأحلام وابتسام الحظ. شيء نبهها إلى وقفتي فيما ~~وراءها، فالتفتت مستطلعة فرأت وجهي المبتهج. أرجعت رأسها ولكنني لمحت في مرآة تتوسط ~~أسرابا من قوارير الخمر ابتسامة انفرجت عنها شفتاها الورديتان. رأيت - فيما يرى الحالم ~~اليقظان - نفسي مقيما في البنسيون، أستمتع فيه بالدفء والحب. لقد تسللت إلى نفسي، أنعشت ~~قلبي كما حدث له مرة في كلية التجارة. وهذه الابتسامة صريحة كشمس النهار المشرق. فلاحة ~~.. بعيدة عن منبتها .. غريبة في بنسيون .. غريبة كالكلب الضال الأمين في سعيه وراء ~~صاحب. # وقلت لها ونحن نغادر المحل: لولا ضوء النهار لأوصلتك. ~~- فقطبت ساخرة وهي تقول دون غضب حقيقي: دمك خفيف! # فحلمت أحلاما سعيدة بعبير الريف والحب البكر. ~~••• # وجدت علي بكير متربعا فوق شلته بحجرة الشلت، وصفية تعد الطعام في المطبخ. ارتميت ~~إلى جانبه ثم وضعت الزجاجة أمامي وأنا أقول: نار .. هذا هو آخر تعريف علمي للأسعار. # شد على ذراعي ثم سألني: مرت أزمة العام الدراسي الجديد؟ ~~- مرت ولكن بغير سلام. # أخبرته ذات يوم بتنازلي لأمي وإخوتي عن إيراد ميراثي من الأرض البالغ أربعة أفدنة، ولكن ~~ما الفائدة؟! # وقال مشجعا: ما زلت في مقتبل العمر والحياة، وأمامك مستقبل باهر. # فقلت في ضجر: حدثني عن الحاضر من فضلك، وخبرني بالله عن معنى الحياة بلا فيلا ~~وسيارة وامرأة! # ضحك علي بكير موافقا، وسمعت صفية حديثي وهي قادمة بالصينية فرمقتني بنظرة ضارية وخاطبت ~~المهندس قائلة: لا ينقصه شيء، ولكنه جاحد ابن جاحدة! # فتراجعت قائلا: لا أملك في الواقع إلا المرأة. # قالت صفية ms081 متشكية: نحن نعيش عيشة مشتركة منذ أكثر من عام، عزمت على تعليمه الاقتصاد ~~فجرفني معه إلى التبذير. # شربنا وأكلنا ونمنا. # وغادر ثلاثتنا المسكن قبيل الغروب فذهبت صفية إلى الجنفواز، وذهبت وعلي بكير إلى ~~الكافيه دي لابيه. سألني ونحن نحتسي القهوة: أما زالت تطمح إلى الزواج منك؟ ~~- مجنونة .. ماذا تتوقع من مجنونة؟ ~~- أخاف أن ... ~~- نجوم السما أقرب إليها مني، ثم إنني مللتها جدا. # نظرنا من الزجاج إلى جو رائق. شعرت بعيني علي بكير وهما تتحولان إلي فتجاهلتهما ~~وأنا أستشعر نذير الخطر. وما لبث أن قال: لندخل في الجد. # حولت نظري إليه. صرنا وجها لوجه. لا مفر الآن ولا مهرب، قلت: لندخل في الجد. # فقال في هدوء غريب: حسن، تمت دراسة الموضوع بدقائقه. # انقبض قلبي. # انقبض قلبي. نظرت إليه بتسليم واهتمام وقلق. قال: أنا المهندس المختص وأنت المشرف على ~~حسابات القسم، سواق اللوري مضمون، وكذلك الخفير، لم يبق إلا أن نجتمع للقسم على ~~القرآن. # ضحكت رغما عني. نظر إلي متسائلا، ثم أدركت النكتة التي أفلتت منه بلا قصد. ضحك ~~أيضا، ثم قطب قائلا: ليكن، إنه مال بلا صاحب، تصور ما يعنيه لوري من الغزل في السوق ~~السوداء، عملية مأمونة ويمكن أن تتكرر أربع مرات في الشهر. # رحت أفكر وأحلم. وواصل علي حديثه قائلا: الخطوات المشروعة سراب، صدقني. ترقيات ~~وعلاوات ثم ماذا؟ بكم البيضة؟ .. بكم البدلة؟ وها أنت تتحدث عن فيلا وسيارة وامرأة. ~~حسن، أفتني إذن، وقد انتخبت عضوا في الوحدة فماذا أفدت؟ وانتخبت عضوا في مجلس الإدارة ~~فماذا جد؟ وتطوعت لحل مشكلات العمال، فهل فتحوا لك أبواب السماء؟ والأسعار ترتفع ~~والمرتبات تنخفض والعمر يجري، حسن، ما الخطأ؟ كيف وقع؟ أنحن أرانب معمل؟ عزيزي .. اعدلني ~~على القبلة. # سألته وصوتي يقع من سمعي موقع الصوت الغريب: متى نشرع في العمل؟ ~~- لن نبدأ قبل شهرين وربما ثلاثة، يجب أن يكون التخطيط أساس عملنا، وبعدها حياة خالد ~~الذكر هارون الرشيد. # رغم أن مقاومتي الحقيقية كانت قد انهارت من زمن بعيد إلا أن قلبي ناء بهم ثقيل. ms082 ~~وجعل ينظر في عيني ببصر حاد. ثم سألني: هه؟ # فانفجرت ضاحكا: ضحكت حتى دمعت عيناي، وطالعني وجهه طيلة الوقت صلبا باردا متسائلا. ~~ملت نحوه فوق المائدة ثم همست: أوكي أيها الزميل العزيز. # شد على يدي ثم ذهب. لبثت وحدي موزعا بين أفكاري. ~~- أستاذ .. سأحتاج قريبا إلى خبرتك. # سألته عما يريد فقال: سأشتري - إن شاء الكريم - مطعم بنايوتي عندما يقرر السفر إلى ~~الخارج. # ذهلت حقا. نظرت إلى معرضه المكتظ بالكتب والجرائد والمجلات، هل مكنه حقا من ~~ادخار ما يبتاع به مطعم بنايوتي؟ وسألته: ماذا تريد مني وأنا لا أعرف عن الطعام إلا أنه ~~يؤكل؟ ~~- أن تساعدني في الحسابات. # وعدته خيرا، ثم خطر لي أن أبيع الأفدنة وأشاركه، فسألته: لعلك تحتاج إلى شريك؟ # فأجاب بنفور واضح: كلا، لا أحب الشركة، ولا أريد للمطعم أن يكبر فيلفت نظر ~~الحكومة. ~~••• # ذهبت إلى المقر العام للاتحاد الاشتراكي، فاستمعت إلى محاضرة عن السوق السوداء، ~~أعقبتها مناقشة عامة. ولما انفض الاجتماع سمعت صوتا يناديني وأنا ماض نحو الباب ~~الخارجي. توقفت في تيار الزحام وأنا أتلفت فرأيت رأفت أمين مقبلا نحوي. لم أكن رأيته ~~منذ عهد الدراسة بالجامعة فتصافحنا بحرارة، وسرنا في الزحام حتى خرجنا إلى الطريق. أخبرني ~~بأنه حضر الاجتماع باعتباره - مثلي - عضوا في الوحدة الأساسية لشركة المعادن المتحدة. ~~واتجهنا نحو الكورنيش بإغراء من لطافة الجو، ولما خلونا إلى أنفسنا أو كدنا أغرقنا في ~~الضحك معا. ضحكنا بلا مناسبة ظاهرة، ولكن بدافع من ذكريات مشتركة لم يكن في الإمكان ~~نسيانها أو تجاهلها. ذكريات اجتماعية مماثلة، شهدناها جنبا لجنب، فصفقنا معا وهتفنا ~~معا. حدث ذلك عندما كنا عضوين في لجنة الطلبة الوفديين بالكلية. أتذكر؟ طبعا، من ذا ~~ينسى؟ كنا وقتذاك أعداء الدولة. أجل .. أما اليوم فنحن الدولة. وجرى الحديث هكذا بين الماضي ~~والحاضر حتى قلت له: لا أصدق أنك - أنت بالذات - تبرأت من وفديتك؟ فعاوده الضحك وهو ~~يقول: وأنت لم تكن وفديا مخلصا، واحدة بواحدة والبادي أظلم .. ثم لكزني بكوعه متسائلا: ~~ولكن أأنت اشتراكي مخلص؟ ~~- طبعا. ~~- لم من ms083 فضلك؟ ~~- للثورة أعمال لا يسع الأعمى إلا الإقرار بها. ~~- والبصير؟ # فقلت بجدية: إني أعني ما أقول. ~~- إذن فأنت ثوري اشتراكي؟ ~~- بلا أدنى شك. ~~- مبارك، خبرني الآن أين نقضي ليلتنا؟ # فدعوته إلى الجنفواز. سهرنا حتى منتصف الليل. أردت أن أنتظر صفية، ولكنها أخبرتني بأنها ~~مدعوة للذهاب مع زبون ليبي. ~~••• # كنت خارجا من سينما ستراند عندما رأيت الفلاحة الحلوة. كانت قادمة من شارع صفية ~~زغلول بصحبة عجوز يونانية. رائقة السمرة، ساحرة النظرة، ريانة الشباب. كان الطوار ~~مكتظا بالخلق، والهواء يهب منعشا حاملا رائحة البحر، وهالة ضخمة من القطن المندوف ~~تغشى القبة فتضفي على الجو لونا أبيض ناعسا ناعما كبهجة الرضا. مضتا تشقان ~~طريقهما وسط الزحام فتراجعت خطوة موسعا وأنا أحيي بإغماضة من عيني. ابتسمت بحذر، أجل ~~.. استجابت باسمة في حذر. وقلت لنفسي إن الصنارة قد نشبت. وشاع في نفسي سرور كالسائل ~~العذب الذي يخالط الريق بعد مضغ الفول الأخضر البكر الطازج المقطوف لتوه من الأرض ~~الخضراء. ~~••• # اختلست من وجهها نظرة وأنا أحتسي قهوة الأصيل. كانت عيناها منتفختين محمرتين من أثر ~~النوم العميق، وشفتاها الغليظتان منفرجتين، في أقبح أحوالها كالعادة، وغافلة تماما عما ~~دبرت لها. فقلت بلهجة أسيفة مصطنعة: صفية! # رمقتني مستطلعة فقلت: جدت ظروف سخيفة ولكن علينا أن نتوافق معها. # فاستقرت في عينيها نظرة حذرة، وهزت رأسها داعية إياي إلى الإفصاح، فقلت: سنضطر ~~إلى تغيير نظام حياتنا، أعني الإقامة في شقة واحدة. قطبت فتجمع الغضب في حاجبيها كما ~~يتجمع ماء المطر في نقرة مطينة وتحفزت للنضال، فقلت: إنها كارثة، كارثة تماما ~~بالنظر إلى أزمة المساكن، ولكن زميلا في الشركة لمح لي، أجل، حدثتك مرة عن الرقابة ~~الإدارية، ولا شك أن مستقبلك يهمك كما يهمني. # قالت بضيق محتجة: ولكن مضى على حياتنا المشتركة حوالي عام ونصف. ~~- كانت أهنأ أيام حياتي، وكان يمكن أن تمتد إلى الأبد دون أن يدري بها أحد. # ونظرت في قعر الفنجال كأنما أقرأ البخت ثم واصلت قائلا: ولكن سوء الحظ أدركني، سأرجع إلى ~~شقة العازب المبعثرة، وربما اضطررت إلى ms084 الإقامة في فندق حقير أو بنسيون مزعج. # نفخت بوحشية وقالت: يوجد حل، يوجد حل، ولكنك خسيس ابن حرام! ~~- أنا رجل صريح، أحبك حقا، وسأحبك حتى آخر يوم في حياتي، ولكني قلت لك من أول يوم إن ~~الله لم يخلقني للزواج. ~~- لأنه خلقك ناقص المروءة. ~~- وإذن فلا داعي للرجوع إلى مناقشات لا خير فيها. # تفرست في عيني كأنما لتنفذ إلى أغوارهما، ثم قالت: تريد أن تهجرني. # فبادرتها: صفية، أنا رجل صريح، لو في نيتي أن أهجرك لقلتها بصريح العبارة ~~وذهبت. # ران الكدر على روحها ووجهها، وضاعف العبوس من دمامتها العابرة، فتمنيت أن تعافني ~~وتكرهني ليذهب كل منا إلى حال سبيله. # وقلت لنفسي إنه عند الحساب ستتعادل كفتانا. كانت حياتنا مشتركة بكل معنى الكلمة عدا ~~المجاملات التي كانت تنفحني بها في المناسبات والتي عجزت - لظروفي الخاصة - عن ردها. ~~غيري آخرون يستغلون عشيقاتهم استغلالا فاحشا. الحق أني لم أعتد بذل النقود للنساء. ~~وعلى أي حال فإني أتوقع معركة ختامية، وقد جربت ذلك أكثر من مرة. وقد عرفت الحب في الكلية ~~ولكني جئت متأخرا فضاعت الفرصة. فرصة سعيدة كانت. جميلة وذات مستقبل وكريمة لطبيب تتدفق ~~عليه أموال المرضى. ولكن ما فائدة «لو»؟ # ها هو قلبي يخفق مرة أخرى. أجل .. إني أحب الفلاحة. مجرد شهوة كالتي ساقتني إلى ~~صفية في الجنفواز. ~~••• ~~- أريد حجرة لإقامة طويلة. # تجلت نظرة ارتياح في العينين الزرقاوين المستطلعتين، ثم تراخت مستندة إلى ظهر الكنبة ~~تحت تمثال العذراء. في لفتاتها رشاقة متخلفة عن ماض سعيد، وشعرها الذهبي المصبوغ يشي ~~برغبة مزمنة في التشبث بذلك الماضي. ساومتني بصراحة تجارية مؤكدة الأسعار الخاصة ~~بالصيف. ~~- ولكن أأنت قادم جديد إلى الإسكندرية؟ # لم يكن سؤالا عارضا ولكنه حلقة من سلسلة استجواب طويل مفهوم. جاريتها لأوثق علاقتي ~~بها فقدمت لها اعترافا بعملي وسني وبلدتي وحالتي الاجتماعية. في أثناء ذلك رجعت ~~الفلاحة من مشوار خارجي، رأتني فخفضت عينيها، أدركت حقيقة الموقف بنظرة واحدة، ومضت ~~متعثرة في ارتباكها، ولكن المدام لم تفطن بطبيعة الحال إلى ارتباكها، ولا رأت تورد ms085 ~~خديها. وعندما تقدمتني إلى الحجرة الخالية - آخر حجرة خالية مطلة على الشارع - كنا ~~بمثابة صديقين ترجع صداقتهما إلى عهد غابر في الزمان. ~~••• # تفقدت الحجرة بارتياح ثم جلست على المقعد الكبير مستبشرا. عرفت من مجلسي - ودون سؤال ~~- اسم الفلاحة وهي تنادى. وما لبثت أن دخلت حجرتي حاملة الملاءات والأغطية لتعد ~~السرير. مضيت أراقبها بسعادة متفحصا أجزاءها بعناية وشغف، الشعر والقسمات والقامة. يا ~~سيدي أبو العباس البنت جميلة، جميلة لدرجة السحر، وتملك شخصية أيضا. أرادت أن تختلس مني ~~نظرة ولكن عيني كانتا لها بالمرصاد. وابتسمت قائلا: أنا سعيد يا زهرة. # استمرت في عملها كأنها لم تسمعني فقلت: ربنا يطول عمرك فقد أرجعت إلي الريف الذي جئت ~~منه. # ابتسمت فقلت: محسوبك سرحان البحيري يا زهرة. # فلم تملك أن سألت: بحيري؟ ~~- من فرقاصة بالبحيرة. # كتمت ضحكتها وهي تقول: أنا من الزيادية. # فهتفت بنشوة كأنما وحدة المحافظة معجزة قد وجدت لضمان سعادتي وحبي: يا ربنا. # وكانت انتهت من عملها فهمت بمغادرة الحجرة فرجوتها قائلا: ابقي قليلا فلدي الكثير ~~مما أود قوله. # ولكنها حركت رأسها بدلال بريء ثم ذهبت. سعدت بتنكرها لرجائي واعتدته معاملة «خاصة» لا ~~يمكن أن تعامل بها «زبونا» مجردا. نعم إنها ثمرة ناضجة وما علي إلا أن أقطفها ولكن ~~جسمها بريء فيما يبدو ولا علم لي باستعداداتها. إني أحبها، ولا غنى لي عنها. وددت أن ~~يضمنا مسكن واحد بعيدا عن هذا البنسيون الذي لا يخلو عادة من متطفلين ثقلاء. ~~••• # على مائدة الإفطار تعرفت بعجوزين غريبين. أكبرهما حي ميت، مومياء، ولكنه لا يخلو من ~~مرح، وهو - كما قيل - صحفي قديم. والآخر طلبة مرزوق، ليس اسمه بالغريب على أذني وإن كاد ~~يمحى، وهو ممن وضعوا تحت الحراسة، ولا علم لي بما جاء به إلى هذا البنسيون. وقد أثار ~~تطلعي من أول مرة، فكل شاذ مثير سواء كان مجرما أو مجنونا أو محكوما عليه أو موضوعا ~~تحت الحراسة. إلى ذلك كله فقد كان من الطبقة التي علينا أن نرثها بطريقة ما. ها هو يخفي ~~عينيه في ms086 قدح الشاي ، متجنبا النظر نحوي، عن حذر أو كبرياء. وتلاطمت في نفسي - حياله - ~~أحاسيس متباينة تتراوح ما بين الشماتة من ناحية والرثاء من ناحية أخرى، غير أن إحساسا منها ~~استقر في وضوح وهو ذعري الغريب من فكرة مصادرة الثروات، كأنما أومن بأن من يقتل مرة ~~يعتاد القتل! # وأراد عامر وجدي أن يجاملني فقال: يسرني أنك من رجال الاقتصاد، إن الدولة اليوم تعتمد ~~أول ما تعتمد على الاقتصاديين والمهندسين. # تذكرت علي بكير فلم أهنأ بالثناء. وعاد العجوز يقول: على أيامنا كان جل اعتمادها على ~~بلاغة البلغاء. # ضحكت هازئا متوهما أني بذلك أجاري رأيه غير أنه استاء فيما بدا فأدركت أنه لم يكن ~~ينتقد، ولكنه كان يؤرخ. وراح يقول مدافعا عن جيله: يا بني، كان هدفنا إيقاظ الشعب، ~~والشعوب تستيقظ بالكلمات، لا بالمهندسين ولا بالاقتصاديين. # وسرعان ما تراجعت قائلا في اعتذار: لو لم يقم جيلكم بواجبه لما تحقق لجيلنا ~~وجود. # وظل طلبة مرزوق ملازما الصمت. ~~••• # قلبي يستعيد براءته وفتوته. مثل هذا الصباح المشرق. مثل زرقة البحر الصافية. مثل هذا ~~الدفء المبارك. وحب الحياة يتردد مع أنفاسي، يجري مع ريقي، ينعش روحي بفرح ونهم. عملت ~~نهارا طيبا بالشركة ثم تناولت الغداء مع صفية في مسكني القديم. نظرت إلي ببصر فأسدلت ~~على وجهي قناع الكآبة. شكوت إليها وحشة البنسيون وبرودته. حياة لا تحتمل يا عزيزتي ولذلك ~~وصيت سمسارا بالبحث لي عن شقة. # وترددت ألفاظ مألوفة مثل خسيس وابن حرام، ولما آن لنا أن نستريح بعد الغداء ساءلت نفسي ~~متى أتحرر من السخرة؟ # ولمحت زهرة وهي تحمل القهوة إلى حجرة عامر وجدي. دقت الساعة الكبيرة الخامسة مساء فطلبت ~~قدحا من الشاي. جاءتني منورة كالنرجسة. أو أغنية تتغنى بسواد الشعر وصفاء السمرة وشهد ~~العين. لمست يدها وأنا أتناول القدح وهمست: من أجلك سجنت نفسي في هذه الحجرة. # قطبت لتداري عواطفها ثم استدارت لتذهب فقلت لها قبل أن تختفي عن ناظري: أحبك .. لا ~~تنسي ذلك أبدا. # ولكنها استجابت لمحادثتي عصر اليوم التالي. رغبت أن أعرف عنها أقصى ms087 ما يسعني معرفته ~~فسألتها: ماذا جاء بك من الزيادية إلى هنا؟ # أجابت باللهجة الريفية الأليفة: الرزق. # وحدثتني عن أهلها، وظروف هربها، والتجائها أخيرا إلى المدام بوصفها عميلة أبيها. قلت ~~بإشفاق: ولكنها خواجاية .. والبنسيون كما تعلمين سوق. # قالت بثقة واعتزاز: عرفت الحقل والسوق. # ليست بالغرة ولا بالهشة. ولكن هل آخذ القصة بحرفيتها؟ إن اللاتي يهربن من القصة ~~إنما يهربن ... هه؟! وقلت وأنا أرامقها مفتونا بها: حدث ذلك كله لكي نلتقي هنا. # رمتني بنظرة مستطلعة لا تخلو من ارتياب ولكنها ندية بالميل، فقلت: أحبك. هذا ما أود ~~قوله ولا أمله يا زهرة. # تمتمت: كفاية! # لن أكف حتى أسمع مثلها من شفتيك، حتى تطمئن إلى حضني. ~~- أهذا ما تفكر فيه؟ ~~- لن يكون لشيء طعم حتى أناله ... # ذهبت بوجه صاف لا أثر فيه للكدر أو الغضب. هنأت نفسي على بلوغ المراد. ووجدتني أجتر ~~حنيني القديم إلى الزواج، إنه لحنين قديم، وقد فاض من جديد كنبع يتفجر. أود من أعماقي ~~يا زهرة لولا .. أجل، لولا ... سحقا للبديهيات السخيفة القاتلة! ~~••• # انضم إلينا شابان جديدان؛ حسني علام ومنصور باهي. تطلعت إلى التعرف بهما بغريزة لا ~~تني عن الإكثار من المعارف والصحاب، ودائما تنظر إلى الوجه الجديد بعين صياد. وحسني علام ~~من أسرة قديمة بطنطا، وجيه من الوجهاء، ومالك لمائة فدان، جميل الوجه قوي البنيان، كما ~~يتمنى أي واحد منا أن يكون. وأنا قد أكره فكرة طبقته، ولكني أفتن بأي شخص منها إذا ~~ساقتني الظروف الممتازة إلى صحبته. ومن السهل تخيل الحياة التي يمارسها شاب مثله رغم ~~تغير الأحوال، فإن يكن بعد ذلك كريما كما ينبغي له فحدث عن الليالي الملاح بغير ~~حساب. # أما منصور باهي فنوع آخر من الشبان. إذاعي بمحطة الإسكندرية وشقيق ضابط كبير من رجال ~~الأمن. ذاك جميل ومفيد أيضا، ولكنه يبدو ملتصقا بذاته فوق ما يتصور العقل. إنه تمثال دقيق ~~جيد الصنع ذو ملامح بريئة لا يحظى بها عادة إلا طفل. أين يمكن العثور على مفتاحه أو ~~الاهتداء إلى الدرب الضيق الوعر الموصل إلى ms088 قلبه. ما أكثر الذين يفدون من القرية سعيا ~~وراء عمل، وما أكثر المشكلات التي يتطلب حلها الاستعانة بضابط كبير من رجال ~~الأمن. ~~••• # جذبتها من ساعدها بغتة. انتظرت حتى وضعت قدح الشاي على الترابيزة ثم جذبتها من ساعدها ~~بغتة. اختل توازنها فتهاوت علي بمجلسي على المقعد الكبير فاحتويتها بذراعي وقبلت ~~خدها - المتاح لي من وجهها - قبلة خاطفة متوترة نهمة متعجلة. اعترضت ساعدي بيدين ~~قويتين ثم تملصت مني. انتصبت متراجعة مقطبة. نظرت نحوها في حذر وتوقع، ثم ابتسمت ~~مستعطفا. تجملت بالصبر فيما بدا. ثم راق وجهها وصفا كالبحر في صباح خريف دميث. توسلت ~~إليها بإشارة أن تقترب فلم تلب ولم تذهب. وثبت إليها محموما برغبة مجنونة فضممتها إلى ~~صدري بلا مقاومة تذكر، ثم التقت شفتانا في قبلة طويلة نهمة. وهمست في أذنها ورائحة شعرها ~~الآدمية تملأ أنفي: تعالي إلي ليلا. # تفرست في وجهي قليلا ثم سألتني: ماذا تريد؟ ~~- أريدك أنت يا زهرة. # لاحظت نظرة جادة في عينيها وهي تفكر، فسألتها: ستأتين؟ # سألتني بمرارة: ماذا تريد مني؟ # أفقت قليلا من سكرتي وقلت بحذر: نتحادث ونتبادل الحب. ~~- لكننا نفعل ذلك الآن. ~~- في عجلة وخوف يفسدان السرور. ~~- لا أرتاح لأفكارك. ~~- إنك تسيئين فهمي. # هزت رأسها كأنما تؤكد فهمها. وذهبت وهي تبتسم رغم ذلك. # داخلني حزن وتعاسة. جعلت أقول متحسرا: لو كانت من أسرة ... لو كانت على علم أو مال! ~~وانهمر من لساني سيل من اللعنات. ~~••• # وكانت ليلة أم كلثوم. # نازعني المزاج إلى قضائها في بيت علي بكير لنتلقى السماع في جو هادئ جدير به، كما ~~دعاني رأفت أمين إلى السماع في مسكنه، ولكني فضلت - بعد تفكير - السهرة في أسرة البنسيون ~~لأوثق علاقاتي بأفرادها. رأيت صينية كبيرة مليئة بالشواء فتعجلت الشراب لأتزود ~~بالشجاعة الضرورية للهجوم. وهيمن علينا جو أسطوري فأنشدت أسطورة عن «آل البحيري» ومركز ~~وكيل الحسابات، لا على سبيل الفخر الكاذب وحده، ولكن تمهيدا للطريق أمام الثروة المنتظرة ~~من مغامرة علي بكير. وانقض علينا حديث السياسة كالقضاء المحتوم. أما سمعتهم ...؟ ما قولكم؟ ~~.. أتريدون رأيي صراحة؟ ms089 أدركت بالغريزة أنني ممثل الثورة، مع احتمال مشاركة منصور في ذلك. ~~وانهال الثناء وتبادلنا الأنخاب. ولمحت زهرة فقلت لنفسي إنها ممثلة الثورة الأولى، وتذكرت ~~كيف دعت لها أمامي مرة وكيف لفحني صدق الدعاء وحماسه البريء. ترى أيرتاب منصور باهي في ~~صدقي؟ يا صاحبي إني بطبعي عدو أعداء الثورة ألا تفهم؟ وإني من الموعودين ببركاتها، ألا ~~تفهم؟ ~~••• # لقد أغلقت من الأبواب بقدر ما فتحت. ~~- تذكر الملايين ثم احكم من جديد. ~~- حسن، وما رأيك في المنعمين الجشعين؟ ~~- رأيي أنهم أعداء للثورة؛ فلا يحكم بهم عليها. ~~••• # وقد عشقت مدام ماريانا، لا لأنها تحب غناءها فحسب ولكن لخفة روحها، ولأنها شريط مسجل ~~يعيد ذكرياتها الخاصة بحنين يوناني عتيد. ومن خلال ذكرياتها رأيت لمحات من حياتي الخاصة، ~~كالحب القديم، كحب الحياة الطيبة الناعمة. وهي ترجع في الأصل إلى قوم مهاجرين، والمهاجرون ~~قوم وطنهم هو البلد الذي يوفر لهم السعادة. # وعامر وجدي أثر قديم اكتشفه منصور باهي. فترة جذابة من تاريخنا الذي لا نكاد نعرف منه ~~شيئا. # وعندما نوه طلبة مرزوق بمآثر الثورة لم أملك إلا أن أحيي - في نفسي - نفاقه ~~الممتع. واقتنعت بأن الإنسان رغم ابتكاراته وانتصاراته ما زال غارقا حتى أذنيه في الحماقة ~~والسخف. ولعله من المفيد أن نجمع الأعداء على فترات ليقضوا معا ليلا طويلا وهم يسكرون ~~ويطربون ويملئون أنفسهم بأعذب الألحان. ~~••• ~~- إذن فأنت لا تؤمن بوجود الجنة والنار؟ ~~- الجنة هي المكان الذي يتمتع فيه الإنسان بالأمن والكرامة، أما النار فهي ما ليس ~~كذلك. ~~••• # وعندما يضحك منصور لقفشاتي يتبدى كطفل رائع، فراودني أمل بأنني سأهتدي إلى الدرب الموصل ~~إلى قلبه، وبأن صداقة حارة ترصدنا في نهاية السهرة. أما حسني علام - ليحيا حسني ~~علام - فقد قدم وحده للسهرة زجاجتين من الديوارس. تسلطن على مقعده كعمدة، يملأ الكئوس ~~ويوزعها، ويجلجل بضحكاته، وعندما اختفى فجأة عقب منتصف الليل منيت الجلسة بخسارة ~~فادحة. # ولم أستمتع بأم كلثوم كالعادة، ولا رددت معها بعض المقاطع، ولكن نشواتي تفاعلت كسيال ~~كهربائي مع زهرة. عندما تجيء وعندما تذهب، وهي جالسة عند ms090 البارفان تتفرج على عربدتنا بعين ~~داهشة باسمة. وبالنظرات المختلسة تعانقنا، وتبادلنا القبلات والأشجان. ~~••• # لا شك أنني رأيت هذا الرجل من قبل. كلا، كان مقبلا على التريانون من ناحية شارع سعد ~~وكنت مقبلا عليه من ناحية الميدان. سرعان ما عرفت طلبة مرزوق! رأيته لأول مرة بملابسه ~~الكاملة متدثرا بمعطفه والكوفية مغطيا رأسه بطربوش غامق الحمرة. صافحته بإجلال ثم دعوته ~~إلى فنجال قهوة. أذعن لإلحاحي فجلسنا معا إلى مائدة خلف الزجاج المغلق المطل على البحر. ~~كان الهواء يلعب بسعف النخيل المحدق بتمثال سعد وفي السماء غيم رقيق تضيء الشمس أطرافه بلون ~~ماسي. تبادلنا حديثا عاديا لا معنى له ولا طعم، ولكني حرصت طيلة الوقت على احترامه ~~ومجاملته والتودد إليه. شيء في أعماقي قال لي إنه لا يمكن أن يكون خالي الوفاض تماما. ~~أجل، هناك طريقة أو أخرى، ولعله يود أن يستثمر ما لديه ولكن الخوف يكبله. وقلت ~~تفريعا عن حديث المعيشة: من العبث أن يعتمد شاب مثلي على مرتب وظيفته. ~~- وما حيلته في ذلك؟ # خفضت صوتي كأنما أودعه سري وأنا أقول: مشروع تجاري .. هذا ما أفكر فيه. ~~- ومن أين لك بالمال؟ # فقلت وأنا أداري أفكاري بابتسامة بريئة: أبيع بضعة أفدنة ثم أبحث عن شريك. ~~- ولكن هل يمكن أن تجمع بين الوظيفة والتجارة؟ # قلت ضاحكا: على المشروع أن يبقى سرا من الأسرار. # تمنى لي التوفيق ثم بسط الجريدة ليلقي عليها نظرة. كأنما قد نسي الموضوع تماما. ~~جائز أن يكون صادقا، ومحتمل أن تكون مناورة، ولكن أدركني إحساس باليأس منه. # وأشار إلى عنوان أحمر عن ألمانيا الشرقية، وقال: ولا شك أنك سمعت بعض ما يقال عن بؤس تلك ~~المنطقة، وبخاصة إذا قورنت بالمنطقة الغربية. # ها هو يتحدث في السياسة الداخلية بلغة السياسة الخارجية. أجبته موافقا فعاد يقول: ليس ~~لدى روسيا ما تقدمه إلى بلد يدور في فلكها، أما أمريكا ... ~~- ولكن روسيا قدمت لنا بالفعل مساعدات قيمة. # فقال بعجلة: الوضع مختلف، نحن لا ندور في فلكها. # وبدا حذرا حتى ندمت على اعتراضي. وراح يقول: الحق ms091 أنهما - روسيا وأمريكا - سيان في ~~رغبة التسلط على العالم، لذلك فموقف عدم الانحياز الذي اعتنقناه حكمة وأي حكمة. # أسفت على أنه أفلت من يدي، وأنه لا سبيل إلى استرداد الأرض المفقودة قريبا. وقلت: الحق ~~أنه لولا ثورة يوليو لاجتاحت البلد ثورة دموية لا تبقي ولا تذر. # فوافقني بطربوشه وهو يقول: الله كبير، وقد أنقذنا بحكمته. ~~••• # أين كنت؟ لم تشرفنا منذ ثلاثة أيام. كيف تذكرتني أخيرا؟ لماذا تعود إلى الأشياء ~~القديمة الموضوعة على الرف؟ ألم أقل لك إنك خسيس وابن حرام؟ لا توجع رأسي بالأعذار ~~السخيفة. لا تحدثني عن عملك الخطير بالشركة. لو كان لوزير رفيقة لما أهملها كما تهملني. ~~جعلت أبتسم وأصب النبيذ في كوبين وباطني يضيق بها لحد التقزز. ها هي تلعب معي دور ~~الطاغية فلا بد من التخلص منها. يجب أن أتحرر منها إلى الأبد. ولكن انجابت هموم ~~الأرض عن صدري، انجابت جميعا بمقدم زهرة حاملة الشاي إلي. تعانقنا طويلا. قبلت ~~شفتيها وخديها وجبينها وعنقها. استمتعت بشفتيها بوعي مركز وهي تطبع شفتيها على شفتي. ثم ~~ابتعدت قيراطين عني وهي تتنهد وتقول هامسة متشكية: يخيل إلي أحيانا أنهم ~~يعرفون. # فقلت باستهانة ممسوس بنشوة الحب: لا يهمك. ~~- أنت لا يهمك شيء ولكن ... ~~- يهمني شيء واحد يا زهرة. # ورنوت إليها مليا لأترجم لها ما أعنيه بعيني ثم قلت برغبة صادقة: لنعش معا بعيدا عن ~~هنا! # فتساءلت بارتياب: أين؟ ~~- في مسكن خاص بنا. # لاذت بصمت متلهف على مزيد من القول، ولما لم تلق مني ما يشبع لهفتها غامت عيناها ~~بخيبة أمل، وتساءلت: عم تتحدث؟ ~~- إنك تحبينني كما أحبك. # قالت بصوت خافت: أنا أحبك ولكنك لا تحبني. ~~- زهرة! ~~- إنك تنظر إلي من فوق كالآخرين. # قلت بصدق كامل: إني أحبك يا زهرة، من كل قلبي أحبك، والله شهيد. # فكرت قليلا بكدر ثم ساءلتني: أتعتبرني إنسانة مثلك؟ ~~- وهل في ذلك من شك؟ # هزت رأسها نفيا. أدركت بطبيعة الحال ما يدور بخلدها فقلت: توجد مشاكل لا حل ~~لها. # واصلت هز رأسها مقطبة هذا المرة عن غضب ms092 وقالت: واجهتني مشاكل كذلك وأنا في القرية ~~ولكنني لم أخضع لها. # لم أتصور أنها معتزة بنفسها لذاك الحد. شعرت بأن الحب يجرفني معه إلى الهاوية فغرزت ~~قدمي في الحافة راميا بثقلي إلى الوراء. تناولت يدها بين يدي، قبلت ظهرها وبطنها، ~~وهمست في أذنها: أحبك يا زهرة. ~~••• # كلما نظرت إلى وجه حسني علام القوي الجميل حلمت بالليالي الملاح. ولكني علمت ذات يوم ~~بالمشروع الذي جاء الإسكندرية من أجل دراسته وتنفيذه فتغيرت نظرتي إليه. طلبة مرزوق وهم ~~مناقض للواقع، ومن المستحسن أن أسقطه من الحساب، أما حسني علام فرجل قد عقد العزم على ~~العمل، وعلي أن أجد لنفسي دورا في ذلك المشروع. ليس الأمر مجرد عمل ونجاح ولكنه قد ~~ينقذني في اللحظة الأخيرة من أفكار علي بكير الجهنمية. المؤسف حقا أن حسني علام مثل ~~الزئبق لا يسهل القبض عليه. إنه يتحدث أحيانا عن المشروع ولكنه يهيم على وجهه طيلة ~~الوقت دافعا بسيارته في سرعة جنونية ولا يخلو المقعد جنبه من امرأة. قلت له مرة: الرجل ~~العملي لا يضيع وقته في اللهو. # فضحك وسألني: كيف يضيعه إذن؟ # فقلت بلهجة من يغير على مصلحته: يدرس ويفكر ثم ينفذ. ~~- جميل ما تقول، ولكني لا يحلو لي الدرس والتفكير إلا وأنا ألهو. # ثم وهو يقهقه: نحن نعيش الأيام التي تسبق مباشرة يوم القيامة! # تركته وأنا أحدث نفسي قائلا: «يا ربي .. أريد أن أفيد وأن أستفيد فما عسى أن ~~أصنع؟» ~~••• # تطايرت الشتائم بيننا كالأحجار أو كالشظايا. وصحت غاضبا: كل مرة! .. هو حساب ~~الملكين؟! # وتطايرت الشتائم بيننا. وقد ذهل محمود أبو العباس الذي صحبني إلى بيتها ليأخذ درسه الثالث ~~في الحساب ومسك الدفاتر. وقمت مصمما على الذهاب فمضى الرجل معي. وعند باب العمارة ~~رجوته أن يرجع فيعلنها بأنني قررت الذهاب بغير رجعة. # ومضيت إلى ميرامار ولكنني لم أدرك أنني مطارد إلا وزهرة تفتح لي الباب. عند ذاك شعرت ~~بيد تقبض على قفاي وصوت صفية يزعق: تريد أن تهجرني؟ .. تظنني طفلة أو لعبة؟! # تخلصت منها بجهد، ولكنها كانت قد ms093 اقتحمت الشقة . قلت لها هامسا ولاهثا: اذهبي .. الناس ~~نيام. # فصرخت بصوت غليظ: تنهبني وتهرب! .. أكلتك وشربتك وكسوتك وتريد أن تهرب يا ابن ~~الحرام! # لطمتها فلطمتني. اشتبكنا في صراع مرير. حاولت زهرة التخليص بيننا فلم تفلح، فقالت لها: ~~من فضلك .. هذا بيت محترم. # ولما لم يجد القول صاحت بها: اذهبي وإلا استدعيت البوليس! # تراجعت خطوة وهي تلتفت نحو زهرة. دهشت لمنظرها. # رددت عينيها بيني وبينها، ثم هتفت بها بعجرفة: أنت يا خدامة، كيف ...؟ # قبل أن تكمل عبارتها كانت يد زهرة قد صكت فاها. انقضت على زهرة فانهالت عليها لكمات ~~الفتاة القوية حتى انهارت أو كادت. واستيقظ البنسيون ففتحت الأبواب ودبت الأقدام، وإذا ~~بحسني علام يسبقهم إلينا فيأخذ صفية من يدها ويذهب بها خارجا. # ذهبت إلى حجرتي أعمى من الغضب. لحقت بي المدام وهي تتساءل عما جرى في انزعاج. أعلنت لها ~~أسفي ولكنها سألتني: من هي؟ # قلت مختلقا كذبة إنقاذا للموقف: كانت خطيبتي ثم فسخت خطبتها. # قالت وهي تهز رأسها: إن سلوكها يثبت أنك كنت على حق في معاملتها ولكن ... # وسكتت لحظات ثم استأنفت قائلة: ولكن أرجو أن تسوي حسابك معها بعيدا عن هنا. # ثم قالت وهي تغادر البنسيون: إني أعيش بفضل سمعتي الطيبة. # ولما جاءت زهرة في موعدها كان وجهها ما يزال منطبعا بآثار الحادث، وقد شكرتها، واعتذرت ~~لها عما أصابها. تبادلنا نظرات عميقة أليمة حتى اضطررت أن أقول لها: لقد هجرتها من ~~أجلك. # سألتني بخشونة: من هي؟ ~~- امرأة ساقطة، من الماضي، اضطررت إلى أن أكذب على المدام فأقول لها إنها كانت ~~خطيبتي. # لثمت خدها في امتنان وأسف. ~~••• # صوت الريح ينطلق في الخارج كرعد متصل، جو الحجرة يقطر عصارة المساء رغم أن النهار ~~لم يشارف الأصيل بعد، فتخيلت الغيوم المتراكمة في السماء وتخيلت جبال الأمواج. ولما ~~جاءت زهرة - ولم أكن رأيتها منذ لقاء أمس - أضاءت المصباح. كنت أعاني انتظارها طيلة الوقت ~~فبادرتها بحرارة ورجاء: لنذهب يا زهرة! # وضعت القدح على الترابيزة وهي ترمقني بعتاب مر فقلت: سنعيش معا إلى الأبد، إلى ms094 ~~الأبد. # سألتني متهكمة: ولا توجد مشاكل في تلك الحال؟ # أجبت بصراحة مؤسفة: المشاكل التي أعنيها إنما يخلقها الزواج! # تمتمت بغضب مكتوم: يجب أن أندم على حبي لك. # فقلت بحرارة وصدق وإخلاص: لا تقولي ذلك يا زهرة، عليك أن تفهميني، أنا أحبك، ومن غير ~~حبك فلا معنى للحياة ولا طعم، ولكن الزواج سيخلق لي مشاكل من ناحية الأسرة ومن ناحية ~~العمل، إنه يهدد مستقبلي فضلا عن أنه سيهدد حياتنا المشتركة، فما العمل؟ # قالت بغضب أشد من الأول: لم أكن أعرف أنني يمكن أن أخلق جميع تلك المصائب! # ليس أنت، لكنه الغباء، الحواجز الصلبة، الحقائق العفنة، ما العمل؟ # ضيقت عينيها بحنق وقالت: ما العمل حقا؟ .. أن تجعل مني امرأة مثل امرأة أمس! # هتفت بيأس: زهرة .. لو كنت تحبينني كما أحبك لفهمتني بوضوح لا لبس فيه. # فقالت بحدة: إني أحبك، خطأ لا حيلة لي فيه. ~~- الحب أقوى من كل شيء، من كل شيء. # فاعترضت ساخرة: لكنه ليس أقوى من المشاكل! # تبادلنا نظرات صامتة. أنا محموم يائس وهي عنيدة غاضبة. ولولا قوة إرادتي، أو لولا خوفي ~~لانهرت تماما. وفكرت بسرعة أشد من البرق ثم قلت: زهرة، توجد طرق وسطى، مثل الزواج ~~الإسلامي الأصلي. # حل التساؤل في عينيها محل الغضب، فقلت وأنا لا أعرف عن الموضوع أكثر من ذكريات غامضة: ~~نتزوج كما كان يتزوج المسلمون الأوائل. ~~- كيف كانوا يتزوجون؟ ~~- أعلن بيني وبينك أنني أقبلك زوجة على سنة الله ورسوله. ~~- بلا شهود؟ ~~- أمام الله وحده! # فقالت محتجة في استياء: جميع من حولنا يتصرفون وكأنهم لا يؤمنون بأن الله ~~موجود! # ثم هزت رأسها وقالت بإصرار: لا! ~~••• # هي عنيدة كالصلب. ليست رحلة سهلة كما حلمت. ويئست من إقناعها تماما. إني على استعداد ~~- إذا وافقت - أن أعاشرها إلى الأبد مضحيا بالزواج وآمالي المعقودة عليه. وفكرت أن ~~أهجر البنسيون كخطوة أولى للنسيان، ولكن حبها بقي عنيدا - مثلها - ومتشبثا بقلبي. ولم تقع ~~بيننا جفوة. كانت تجيئني بالشاي في وقته ولا تصدني إذا قبلتها أو ضممتها إلى صدري. وقد ~~أذهلني أن أراها ms095 - في المدخل - مكبة على كتاب المطالعة لتلاميذ السنة الأولى ~~الابتدائية. ثبتت عيناي عليها غير مصدقتين. وكانت المدام جالسة تحت العذراء كما كان عامر ~~وجدي مستسلما للفوتيل، فقالت لي المدام باسمة: انظر إلى التلميذة يا مسيو سرحان. # وألقت عليها نظرة تشجيع وهي تقول: اتفقت مع جارتنا المدرسة .. ما رأيك؟ # إنه لحدث. أوشكت لحظة على الضحك ولكن سرعان ما أخذت به فقلت بحماس: برافو! .. برافو ~~زهرة! # وكان العجوز يرمقني بعينيه الغائمتين فداخلني منه خوف لا أدريه فغادرت البنسيون. بلغ بي ~~التأثر مبلغا هز أعماقي. وصوت باطني قال لي إنني إذا استهنت بحب الفتاة فإن الله لن ~~يبارك لي قط. ولكنني لم أهادن فكرة الزواج المرعبة. الحب عاطفة يمكن معالجتها على نحو أو ~~آخر. أما الزواج فهو مؤسسة، شركة كالشركة التي أعمل وكيلا لحساباتها، له لوائح ومؤهلات ~~وإجراءات. إذا لم يرفعني من ناحية الأسرة درجة فما جدواه؟ إذا لم تكن العروس موظفة على ~~الأقل فكيف أفتح بيتا جديدا يستحق هذا الاسم في زماننا المتوحش العسير؟! أما مرجع تعاستي ~~فهو أنني أحب فتاة غير مستوفية لشروط الزواج. ولو قبلت حبي بلا قيد لضحيت في سبيلها ~~بالزواج الذي أحن إليه منذ البلوغ. ~~- همتك عالية يا زهرة! # قلت لها ذلك وأنا أرمقها بإعجاب، ثم قلت بأسف: ولكنك ترهقين نفسك وتبددين أجرك. # قالت بكبرياء وهي واقفة أمامي تفصل بيننا الترابيزة: لن أبقى جاهلة! ~~- وما فائدة العلم؟ # سأتعلم بعد ذلك مهنة، فلن أبقى خادمة. # عض الألم قلبي وعقد لساني، أما هي فقالت بنبرة جديدة: جاء أهلي اليوم ليقنعوني ~~بالرجوع إلى القرية! # رفعت إليها عيني مستطلعا وأنا أداري قلقي بابتسامة فتجاهلتني خافضة جفنيها. ~~- وماذا كان جوابك؟ ~~- اتفقنا على الرجوع في أوائل الشهر القادم. # قلت بجزع: حقا! .. ترجعين إلى العجوز؟! ~~- كلا، لقد تزوج. # ثم بصوت خافت: تقدم لي رجل غيره. # قبضت على يدها بشدة وتوسلت قائلا: لنذهب معا، غدا، اليوم إن شئت. # اتفقنا على الرجوع أول الشهر. ~~- زهرة، هل قد قلبك من حديد؟ ~~- إنه حل بلا مشاكل! ~~- ولكنك تحبينني يا ms096 زهرة! # فقالت بامتعاض: الحب شيء والزواج شيء آخر، أنت علمتني ذلك. # عند ذاك خانتها شفتاها فوشتا بابتسامة خفيفة فهتفت: يا لك من شيطانة يا زهرة! # وغمرني فيض من الارتياح والفرح. ودخلت الحجرة عند ذاك المدام وهي تحتسي الشاي من قدح في ~~يدها. جلست على حافة الفراش وهي تقص علي قصة أهل زهرة وكيف رفضت الفتاة العودة. ~~وتساءلت بمكر كاذب: ألم يكن من الأفضل أن ترجع إلى أهلها؟ # فابتسمت المدام ابتسامة قوادة عالمة ببواطن الأمور ثم قالت: أهلها الحقيقيون هنا يا ~~مسيو سرحان. # تجنبت النظر إلى عينيها. تجاهلت مغزى قولها تماما. ولكني خمنت أن الفراشة تطير ~~بالأنباء من حجرة إلى حجرة. ولعل سوء ظنها قد جاوز الحدود. ووجدتني في النهاية سعيدا ~~بنصر وهمي أما في الواقع فإن العناد الذي سد في وجهي باب الأمل لم يلن لحظة واحدة. ~~وساءلت نفسي متى أجد الشجاعة لأهجر البنسيون نهائيا؟! ~~••• # بدا المنظر مألوفا وفاترا إلى حد ما. المدام تجلس لصق الراديو، تكاد تطرح رأسها وهي ~~تتابع أغنية إفرنجية. أما عامر وجدي فقد راح يسمع لزهرة بعض الكلمات. ودق الجرس فإذا ~~بالقادمة مدرسة زهرة. معذرة .. الشقة مزدحمة بالضيوف، فإذا سمحتم أعطيت الدرس هنا. كرم ~~منها بلا ريب. واستقبلناها بترحاب وأدب. وهي وسيمة وأنيقة وموظفة. راقبتها وهي تدرس ~~لزهرة، وجدتني منساقا للمقارنة بينهما بتأمل وأسى. هنا الفطرة والجمال والفقر والجهل، ~~وهناك الثقافة والأناقة والوظيفة. آه لو تحل شخصية زهرة في بيئة الأخرى وإمكانياتها. ~~وتطفلت المدام على الدرس لتشبع حب استطلاعها الأبدي؛ فعرفنا الاسم والأسرة وحتى الأخ ~~المنتدب للعمل في السعودية. وإذا بي أسألها: أمن الممكن أن يرسل لنا بعض البضائع النادرة من ~~هناك؟ # فأجابت في تحفظ بأنها ستسأل عن إمكان ذلك. # وغادرت البنسيون إلى كافية دي لا بيه لمقابلة المهندس علي بكير. نظر إلي بثقة وقال: كل ~~خطوة ترسم بدقة، والنتائج مضمونة! # حسن، فلنثب وثبة موفقة تجعل من زيارتنا للدنيا رحلة لها معناها وقيمتها. ثم سألني علي ~~بكير: قابلت صفية بركات في ديليس فهل حقا ...؟ # قلت بامتعاض: ms097 عليها اللعنة ! # ضحك وهو ينظر في عيني باهتمام ثم عاد يسألني: ولكن هل هجرتها حقيقة من أجل ...؟ ~~- لا تصدقها من فضلك، متى كانت ممن يعتمد الإنسان على صدقهن؟! # فازداد اهتماما وتفكيرا وهو يقول: إن سرنا من الأسرار التي يضن بها حتى على ~~الزوجة والابن! # فهتفت به مؤنبا: الله يسامحك! ~~••• # قلت لنفسي: يا للعجب! إنها نظرة يطيب بها غرور الرجل، لم تلح فيها ابتسامة ولا رعش ~~هدب، ولكنها - المدرسة - حولت رأسها بغتة عن زهرة وكتابها ورشقتني بها. لم تدم أكثر ~~من ثوان. هربتها إلي في غفلة من زهرة وعامر وجدي. لم تدم أكثر من ثوان. وقد أتلقى ~~عشرات مثلها فلا تهزني شعرة وأعتدها نظرة عابرة، غير أنها عكست ومضة معبرة لا توصف ~~وكأنما أبلغتني رسالة كاملة. غيرت خط سيري فقبعت وراء الزجاج بمقهى الميرامار أراقب ~~السحب وأنتظر. تدبير بلا هدف، وليس وراءه عاطفة، ولكنه تطلع - من فراغ ويأس - إلى ~~مغامرة، أية مغامرة. ولم تكن بالمثال الذي يمكن أن يفتنني ولا حتى يثيرني، ولكنها - فيما ~~بدا - دعتني إلى نزهة في يوم عطلة شديد الملالة. # وإذا بها تمر أمام المقهى واضعة يديها في جيبي معطفها الرمادي. تبعتها عن بعد حتى ~~لحقت بها في أثنيوس. ابتاعت بعض الحلوى ووقفت كالمترددة فاقتربت منها وحييتها. ردت ~~التحية فدعوتها إلى قدح شاي، فقالت لي إنها كانت تفكر في الجلوس بعض الوقت. احتسينا ~~الشاي وتناولنا قطعتين من الجاتوه، ثم دار حديث تعارف سطحي ولكن لا يخلو من معلومات مفيدة ~~عن الأسرة والعمل. وسياق الحديث وحده هو الذي جعلني أطالب بموعد قريب. وتقابلنا في بوفيه ~~سينما أمير، ثم شهدنا الفيلم معا، وكان علي أن أحدد نوع المغامرة ولونها، ولم أجدها ~~بالقياس إلى قلبي جديرة بالمثابرة والتعب، ورغم ذلك فعندما دعتني إلى زيارة أسرتها قبلت. ~~أدركت أنها تبحث عن زوج. وزنتها بعقل بارد، قدرت المرتب والدروس الخصوصية وتذكرت في ذات ~~الوقت يأسي المتزايد من زهرة، وفي أسرتها عثرت على إغراء جديد وهي ملكية والديها لعمارة ~~متوسطة بكرموز. وجدتني أفكر في ms098 الأمر بجدية لا طمعا في مالها ولا حبا فيها، ولكن ~~انسياقا لحنيني القديم إلى الزواج. وزهرة؟! قد أجد شيئا من عزاء من غدري بها في الزواج ~~نفسه الذي سيربطني إلى الأبد بامرأة لا أحبها، ولكن هل أستطيع حقا أن أقهر الحب ~~المشبوب في قلبي؟! ~~••• # أشار إلي راجيا أن أنتظر. كنت هممت بالانصراف بعد شراء الجريدة وكان يحاسب زبونا، ~~فلما فرغ منه أقبل علي وهو يقول: أستاذ .. سأخطب زهرة! # داريت انزعاجي بابتسامة وسألته: مبارك، هل تم الاتفاق بينكما؟ # أجاب منتفخا بالثقة: تقريبا! # نبض قلبي بألم أليم وأنا أسأله: ماذا تعني بقولك «تقريبا»؟ ~~- هي زبونة يومية، لم نطرق الموضوع صراحة، ولكني خير من يفهم النسوان. # كرهته في تلك اللحظة لحد الموت، أما هو فسألني: ما رأيك يا أستاذ في أخلاقها؟ ~~- طيبة جدا، والحق يقال. # سأخطبها من مدام ماريانا حتى أهتدي إلى أهلها. # تمنيت له التوفيق ثم ذهبت، ولكنه لحق بي بعد خطوتين وهو يسأل: ماذا تعرف عن الخلاف ~~بينها وبين أهلها؟ ~~- كيف علمت به؟ ~~- أنبأني به عامر بك، العجوز. ~~- جملة ما أعرفه أنها عنيدة وأبية النفس. # فضحك وهو يقول في مباهاة: إني أعرف الدواء لكل داء. ~~••• # كانت خطبة .. وكان رفض. # وبقدر ما أرضاني ذلك بقدر ما ضاعف من إحساسي بالمسئولية. مزقني القلق، اجتاحني ~~الحب، تراجعت علية من مقدم الصورة حتى لاحت خلفية باهتة. # وقبضت على معصمي زهرة بحنان وضراعة وقلت بحرارة وتوسل: أنقذيني .. ولنذهب في ~~الحال. # تخلصت مني بجفاء وهي تقول: لا تعد إلى ذلك، إني أكره سماعه! # لن نتلاقى أبدا. هي تحبني ولكنها ترفض التسليم بلا قيد، وأنا أحبها ولكني أرفض ~~القيد. ولا هذا ولا ذاك بالحب الحقيقي الذي تمحى عنده الإرادة والعقل. # وقد دعاني السيد محمد والد علية للغداء فلبيت الدعوة. ودعوت الأسرة في نهاية الأسبوع ~~للعشاء في باستوريدس. انقلب الجو بعد أن استقر بنا المجلس فصفرت الريح وانهمر المطر. ~~ومضيت أقنع نفسي طوال الوقت بأن علية فتاة ممتازة وأنها تعد بزواج موفق. وسيمة .. ~~أنيقة جدا .. موظفة .. مثقفة .. ماذا تريد ms099 أفضل من ذلك؟ ولو لم أرق في عينيها ... مالي ~~أتحفظ لهذا الحد؟ إنها تحبني بلا ريب، الراغبة في الزواج راغبة في الحب أيضا. ثم ما هذا ~~الذي يعدنا بالفراديس دون أن يفي ولو بشيء من وعده؟ واشتدت العاصفة في الخارج حتى خيل ~~إلي أنها ستقلع المدينة الجميلة من جذورها فتضاعف شعورنا بنعمة الدفء والأمان في الداخل. ~~وقلت لنفسي إنني اقتحمت أبواب هذه الأسرة المحترمة مدفوعا بانفعالات عفوية ولكن بلا خطة ~~موضوعة أو نية صادقة، وبلا إمكانية مالية مناسبة، وإن علي أن أصارحهم بحقيقة مركزي ~~وبمسئوليتي العائلية تاركا لهم بعد ذلك الخيار. وقد جر الحديث المتشعب إلى «الزواج» ~~كموضوع عام فقال والد علية: على أيامنا كنا نتزوج مبكرين فنهنأ برؤية أولادنا وهم رجال ~~مسئولون. # فحركت رأسي حركة تنم عن الحسرة وأنا أقول: تلك أيام خلت، أما هذه الأيام فهي منحوتة ~~من العسر والصخر. # فمال نحوي قليلا ثم قال بصوت كالهمس: ابن الحلال ثروة في ذاته، وعلى الأمناء من الناس أن ~~يذللوا له العقبات. ~~••• # يا له من وجه مكفهر. كان قد انتبه إلى اقترابي من معرضه وأنا على بعد خطوتين منه ~~فسرعان ما اكفهر وجهه. رماني بنظرات غاضبة حتى عجبت لشأنه. ثم تساءل متهكما دون أن ~~يقدم لي الجريدة كعادته كل يوم: لم أخفيت عني أنك عشقتها؟ # بوغت بقوله، ولهجته الوقحة، وهتفت به: أنت مجنون! # فصاح بي: أنت جبان! # فقدت صوابي فلطمت وجهه بظهر كفي. وإذا به يهوي براحته الكبيرة على خدي. وتبادلنا ~~الضرب بلا وعي ولا رحمة حتى فرق الواقفون بيننا. انفصلنا ونحن نتبادل أقذع الشتائم. وسرت ~~وقتا على غير هدى وأنا أسائل نفسي عمن وضع تلك الفكرة الخبيثة في رأسه الخاوي. # وقد مضى زمن طويل قبل أن أراه مرة أخرى. دخلت آنذاك لأتناول عشاء خفيفا في مطعم ~~بنايوتي فوجدته جالسا في مقعد صاحب المحل وراء صندوق الماركات. هممت بالتراجع فوثب من ~~مجلسه إلي ثم احتواني بين ذراعيه وهو يقبل رأسي، وأبى إلا أن يدعوني للعشاء على ~~حسابه. واعتذر إلي عما ms100 سلف ثم اعترف لي بأن حسني علام هو الذي افترى علي تلك ~~الكذبة. ~~••• ~~- عزيزتي .. أرجو ألا تعلم زهرة بما بيننا! # كنا نجلس على شاطئ المحمودية بكازينو البالما تحت الشعاع الدافئ. وكان اتصالها المنتظم ~~بزهرة يقلق خيالي. إنها لا تدري شيئا عن الأسباب الحقيقية التي ساقت زهرة إلى التتلمذ ~~عليها، كما أن زهرة لا تتصور أن مدرستها قررت الاستيلاء على رجلها. وقد رمقتني علية ~~بارتياب وهي تسأل: لم؟ ~~- إنها ثرثارة! .. والثرثرة غير مستحبة في اللحظة الراهنة من علاقتنا. # لم تزايل الريبة نظراتها وقالت: ولكن علاقتنا ستعرف عاجلا أو آجلا. # فقلت بصراحة فجة: يخيل إلي أحيانا أنها تنظر إلي نظرة خاصة. # قالت وهي تبتسم ابتسامة شاحبة فاترة: لعل لديها من الأسباب ... # فقلت بجدية: جميع النزلاء يمازحونها أحيانا، وقد فعلت مثلهم، هذا كل ما ~~هنالك. # كانت العلاقة قد تطورت من ناحيتها إلى حب. ولم يكن يهمني أن تصدقني بالكامل بقدر ~~ما يهمني أن تأخذ حذرها من زهرة! وإذن فقد انتصر العقل على القلب ولم يبق إلا أن أعلن ~~الخطبة. على ذلك ترددت، وجعلت أؤجل اليوم الموعود بحجة الرجوع إلى القرية ليلعب الأهل ~~دورهم التقليدي. وكلما مر يوم توترت مشاعري حيال زهرة وحز في نفسي غدري المخزي ~~بها. وكنت أتنهد بحسرة وأقول: آه لو تلين .. لو تذعن .. فأهبها قلبي إلى الأبد. ~~••• # رعد! .. زلزال؟ .. مظاهرة؟ .. سقوط جسم بالحجرة؟! # أخرجت رأسي من تحت الغطاء إلى ظلام دامس. أنا هو أنا .. هذا فراشي ببنسيون ميرامار .. ~~ولكن ما هذا؟ .. رباه .. إنه صوت زهرة .. إنه يطرق بابي. # هرعت إلى الخارج. رأيتها على ضوء المصباح السهري مشتبكة مع حسني علام في صراع مميت. من ~~نظرة واحدة أدركت حقيقة الموقف كله. أردت أن أنقذها بلا فضيحة ومع الإبقاء على علاقتي ~~بحسني. وضعت يدي على كتفه برفق هامسا: حسني! # لكنه لم يسمعني فشددت على كتفه وأنا أقول بنبرة أقوى: حسني .. أجننت؟! # دفعني بظهره بوحشية ولكني قبضت على منكبه وقلت له بحزم: ادخل الحمام وضع إصبعك في ~~فمك! # وإذا به يستدير نحوي ويلطمني ms101 على جبهتي . جننت من الغضب فانهلت عليه ضربا. ولم يقف الضرب ~~بيننا حتى أدركتنا المدام. وقد عاملت المدام المعتدي برفق لا يستحقه. إني أفهم العجوز ~~جيدا. من خلال نفسي أفهمها حقا. كلانا حام حول حسني ممنيا النفس بالاستفادة من ~~مشروعه الخيالي. وهي مترددة تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وأنا متحفز طيلة الوقت ~~للوثوب. ها هو الباب يغلق في وجهي نهائيا، أما هي فتكاد تعنف المضروب من أجل خاطر ~~الضارب. # وعقب ذلك بأيام رأيته - حسني علام - خارجا من الجنفواز حوالي الواحدة صباحا مصطحبا ~~معه صفية بركات. لم أدهش إلا قليلا ثم تذكرت يوم مضى بها من البنسيون. إنها تماثله ~~في التهور والحلم بالمشاريع، وسيجمع بينهما الحب والأحلام. وكنت - تلك الليلة - قد سهرت ~~في حانة جورج مع علي بكير ورأفت أمين. وسرنا في الكورنيش متشجعين بصفاء الجو وحرارة ~~الخمر. ولا حديث لرأفت أمين - وبخاصة إذا سكر - إلا الوفد. وقد وضح لي أن علي بكير لا ~~يكاد يعرف الفارق بين الوفد والنادي الأهلي. من ناحية أخرى لم أكن أهتم في أعماقي بالسياسة ~~رغم نشاطي الموفور فيها. # أما رأفت أمين فراح يتحدث بلسان مخمور عن الوفد وأيامه. وسألته ساخرا: ألا تعترف ~~بالموت؟ # فقال بصوت دوى في الطريق الخالية: قل في الثورة ما تشاء، لا أنكر قوتها الشاملة، ~~ولكن الشعب مات بموت الوفد! # عند ذلك وقع بصري على حسني علام وصفية بركات وهما ينحدران إلى الكورنيش كدبين ~~قويين، قلت ضاحكا وأنا أشير إليهما من بعيد: ها هو شعب الوفد يواصل جهاده بعد منتصف ~~الليل! # وعندما آن لنا أن نفترق همس علي بكير في أذني: عما قريب سنعطي إشارة البدء في ~~العمل. ~~••• # دخلت البنسيون والنوم يخيم على أرجائه. وتراءى لي باب منصور باهي الزجاجي وهو ينضح ~~بالضوء فاندفعت بسحر الخمر إلى الاستئذان فالدخول، بلا باعث حقيقي. نظر إلي بشيء من ~~الدهشة وهو جالس على المقعد الكبير. تتجلى في عينيه الصغيرتين الجميلتين كآبة وتفكير. قلت ~~وأنا أتخذ مجلسا على كرسي قريب: لا تؤاخذني .. أنا سكران! # فقال دون مبالاة: ms102 هذا واضح . # ضحكت، ثم قلت معاتبا: الحق أني عجزت عن جذبك إلي، يبدو أنك شديد الانطواء. # أجاب بأدب ولكن دون تشجيع ما: لكل طبعه. ~~- لا شك أن رأسك يرهقك. # أجاب بغموض: الرأس أصل البلاء! # فقلت ضاحكا: طوبى لنا نحن أصحاب الرءوس الفارغة! ~~- لا تبالغ فإنك مركز نشاط لا يخمد. ~~- حقا؟ ~~- نشاطك السياسي .. أفكارك الثورية .. غرامياتك! # صدمتني العبارة الأخيرة من قوله ولكن ضاعت الصدمة في مد الموجة الخمرية. ووضح لي أنه لا ~~يرحب بي - إنه لا يرحب بأحد - فصافحته ثم ذهبت. ~~••• # عندما تجيء زهرة إلى حجرتي بالشاي أتخلى عن أفكاري ومشروعاتي ويتفرغ قلبي للحب ~~الحقيقي وحده. ولكن وجهها تبدى صلبا متحجرا مصفرا من الغضب. ونظرتها الثابتة ~~الكالحة المتحفزة المخيفة ملأت قلبي بالقلق والتشاؤم. قلت بإشفاق: زهرة .. لست ~~كعادتك! # قالت بحنق متفرس: لولا أن لله حكمته التي هي فوق العقول لكفرت! # ماج صدري بالقلق فسألتها: هل من هم جديد يضاف إلى همومنا المستعصية؟ # قالت باقتضاب وازدراء: بعيني رأيتكما. # عرفت من تعني، فغاص قلبي في هاوية عميقة من صدري وسألت بيأس: من تعنين؟ ~~- الأستاذة! # ثم بضراوة وحقد: الخطافة الداعرة! # ضحكت. يجب أن أضحك، وأن أضحك ضحكة الاستهانة التي نواجه بها عادة غضبة خاطئة في غير ~~محلها. ضحكت وأنا أقول: يا لك من ... صادفت أستاذتك في طريقي فأديت لها ما ... قاطعتني ~~بقسوة: كذاب .. لم تكن مصادفة .. وقد عرفت ذلك منها اليوم. # هتفت بانزعاج: لا! ~~- اعترفت الخنزيرة بمقابلتك، ولم يدهش أحد من والديها، ولكنهم دهشوا جميعا لتطفلي ~~أنا. # خرست، خرست تماما. وقالت هي بتقزز وغضب: لم يخلق الله أمثالك من الجبناء؟ # انهزمت .. تهدمت .. ومن أعماق هاوية اليأس توسلت إليها قائلا: زهرة! .. كل ذلك ~~يقوم على غير أساس .. إن هو إلا تخبط يائس .. راجعي نفسك يا زهرة .. يجب أن نذهب ~~معا. # لم تسمع كلمة مما قلت إذ واصلت كلامها قائلة: ماذا أفعل؟ .. لا حق لي عليك .. وغد ~~حقير .. غر في ألف داهية! # وبصقت في وجهي! # غضبت، رغم موقفي المخزي غضبت، ثم صحت بها: زهرة! # فبصقت في ms103 وجهي مرة أخرى. أعماني الغضب فصرخت: اذهبي وإلا كسرت رأسك. # انقضت علي ولطمتني على وجهي بقوة مذهلة. انتترت واقفا وقد جن جنوني. قبضت على ~~يدها بقسوة ولكنها انتزعتها بعنف ولطمتني للمرة الثانية. فقدت وعيي فانهلت عليها ضربا ~~وصفعا وهي تبادلني الضرب والصفع بقوة فاقت تصوري. وإذا بالمدام تهرول نحونا وهي ترطن ~~بألف لسان. أبعدتها عني فصحت في جنون الغضب: أنا حر .. أتزوج بمن أشاء .. وسأتزوج ~~علية. # وجاء منصور باهي فمضى بي إلى حجرته. لا أذكر أي حديث تبادلنا، ولكني أذكر تهجمه علي ~~بوقاحة غريبة، وكيف اشتبكنا في صراع جديد. جاء موقفه مفاجأة لي وأي مفاجأة. لم يجر لي في ~~خاطر أنه أيضا من عشاق زهرة! هكذا عرفت سر نفوره الغريب مني. ولحقت بنا المدام. قررت ~~أن تجعل مني كبش الفداء، العجوز القوادة. قالت إن البنسيون لم يعرف الهدوء منذ جئته، ~~وإنني قلبته إلى سوق همجية للمعارك وقلة الأدب. وبصراحة وقحة قالت لي متحدية: ابحث لك ~~عن مسكن آخر. # لم يعد ثمة ما يدعوني للبقاء، ولكني أصررت على الإقامة حتى عصر الغد، آخر الأسبوع الذي ~~دفعت إيجاره مقدما، وهو إصرار يرجع أولا إلى العناد والكبرياء. # وغادرت البنسيون فهمت على وجهي طويلا تحت سماء ملبدة بالغيوم متعرضا لدفقات ~~متواصلة من الهواء البارد. وجعلت أتسلى بمشاهدة معارض الحوانيت المتلألئة بهدايا السنة ~~الجديدة وأنظر بفتور إلى بابا نويل العتيد. # وذهبت إلى بدرو لموعد سابق مع المهندس علي بكير. وقد سألني: هل دبرت مسألة ~~الاستثمارات؟ # فأجبته بالإيجاب فقال لي: فجر الغد، سوف نبدأ مع فجر الغد. ~~••• # قلت لنفسي وأنا ذاهب إلى الشركة في الصباح الباكر «مضى الفجر .. وتمت اللعبة.» # كنت مضطربا، ونهما إلى الأخبار. اتصلت بالمصنع تليفونيا طالبا علي بكير فقيل لي إنه ~~في المرور. إذن فقد نفذ التدبير بإحكام ونجاح، وها هو يزاول عمله اليومي. واجتاحني ~~الاضطراب فغادرت الشركة قبل الميعاد متعللا بعذر ما، ولدى مروري أمام دار الإذاعة لمحت ~~منصور باهي وفتاة حسناء يغادرانها معا. ترى من تكون؟ .. خطيبة؟ .. عشيقة؟ هل تجد زهرة ms104 ~~نفسها على الرف مرة أخرى؟ تذكرت زهرة بحزن. لم أبرأ تماما من حبها، وهو العاطفة الصادقة ~~الوحيدة التي خفق بها قلبي الممزق بالأهواء. # ومضيت لزيارة علية محمد وأسرتها فاستقبلت استقبالا فاترا، بل متجهما. هممت بطرح ~~بعض الأكاذيب كالعادة، ولكن والدها قال لي بغضب: تصور موقفنا وتلك الخادمة تناقشنا ~~الحساب! # ولما جاء ميعاد الغداء لم أدع له. غادرت الشقة بلا أمل في وصل ما انقطع من الأسباب. ~~والحق أني لم أكترث لذلك كثيرا. لم يعد يفصل بيني وبين الثراء إلا ساعات، وسوف أجد الزوجة ~~الفاخرة المناسبة. # تناولت الغداء عند بنايوتي (محمود أبو العباس) ثم ذهبت إلى مسكن علي بكير ولكني لم أجده. ~~مضيت إلى البنسيون والنهم إلى الأخبار يحرقني حرقا. أعددت حقيبتي وحملتها إلى المدخل. ~~وتلفنت إلى علي بكير وكم غمرني الارتياح الساحر وصوته يرد علي قائلا: ~~«آلو». ~~- سرحان يقدم تحياته .. كيف الحال؟ ~~- كل شيء طيب .. لم أقابل السواق بعد. ~~- متى نعرف النتيجة النهائية؟ ~~- قابلني مساء اليوم الساعة الثامنة بكازينو البجعة. # فقلت باستجابة متلهفة: طيب .. الساعة الثامنة مساء .. سأنتظرك في كازينو ~~البجعة. ~~- إلى اللقاء. ~~- إلى اللقاء. # غادرت بنسيون ميرامار إلى بنسيون إيفا. تسكعت بين المقاهي أشرب كأسا هنا وكأسا هناك، ~~مبذرا نقودي بلا حساب. بالشراب أسكت وساوس القلق وأنات الحب المحتضر. ووعدت أهلي ~~بخير لم يحلموا به منذ وفاة أبي. وذهبت إلى كازينو البجعة قبل الموعد بقليل. التقيت عند ~~المدخل بطلبة مرزوق فضايقني جدا، ولكني صافحته متظاهرا بالارتياح. وقد سألني: ماذا جاء ~~بك إلى هنا؟ ~~- موعد هام. ~~- دعني أرد إليك تحية من تحياتك، فلنجلس معا حتى يجيء صاحبك. # جلسنا في البهو الشتوي وهو يسألني بصوته الأجوف من انتفاخ شدقيه: كونياك؟ # كنت ثملا ولكن كانت بي رغبة في المزيد. شربنا وتحادثنا وضحكنا. وإذا به يسألني: ترى هل ~~يسمح لي بالسفر إلى الكويت لزيارة كريمتي؟ ~~- أعتقد ذلك، أتريد أن تبدأ من جديد؟ ~~- كلا، ولكن زوج كريمتي - هو ابن أخي أيضا - قد أثرى ثراء كبيرا. ~~- لعلك تفكر في الهجرة؟ # لاحت في عينيه نظرة حذرة ms105 ثم قال : كلا .. أريد فقط أن أرى ابنتي. # قربت رأسي منه وأنا أقول: هل أدلك على عزاء حقيقي؟ ~~- ما هو؟ ~~- البعض يضيقون بالثورة، ولكن أي نظام يمكن أن يحل محلها؟ فكر قليلا أو كثيرا فلن ~~تجده خارجا عن واحد من اثنين، فإما الشيوعية وإما الإخوان، فأيهما تفضل على ~~الثورة؟ # قال بعجلة: لا هذا ولا ذاك. # فقلت وأنا أبتسم في ثقة وانتصار: هذا هو يقيني، فليكن لك في ذلك عزاء. # وأزف الميعاد ولم يجئ علي بكير. انتظرت نصف ساعة أخرى مرت في عذاب أليم. قمت إلى ~~التليفون وطلبت مسكنه فلم يرد أحد. لعله في طريقه إلى هنا ولكن ماذا أخره؟ ألا يقدر ~~ما يفعله التأخير بي؟ ونظر طلبة مرزوق في ساعته ثم قال: «آن لي أن أذهب.» ثم صافحني وذهب. ~~ولم أكف عن الشراب. وأخيرا جاء الجرسون ليخبرني بأن شخصا يطلبني في التليفون. وثبت ~~واقفا ثم هرعت إلى التليفون. تناولت السماعة وقلبي يضرب بشدة: آلو .. علي؟ .. لم ~~لم تجئ؟ ~~- سرحان .. أصغ إلي .. انكشف الأمر! # تفاعلت كلماته مع وش الكحول في أذني، وانداحت جميعا في دوران شمل السماء والأرض: ماذا ~~قلت؟ ~~- قضي علينا! ~~- ولكن كيف؟ .. قل ما عندك دفعة واحدة. ~~- ما الفائدة؟ .. أراد السواق أن يفوز بالغنيمة وحده فوقع في شر عمله .. سيعترف بكل شيء ~~.. إن لم يكن قد اعترف بالفعل. # سألت بريق جاف: والعمل؟ .. ماذا أنت صانع؟ ~~- قضي علينا .. سأفعل ما يمليه علي الشيطان. # وأغلق السكة. # إني أرتجف ولا تكاد تحملني قدماي. فكرت لحظة في الهرب، ولكني عدت - تحت عيني الجرسون - ~~إلى المائدة. لم أجلس، شربت الكأس، أديت الحساب. اليأس يزحف بسرعة مذهلة. وخوف مثل ~~الشيطان. فارقت موقفي إلى البار رأسا. بطريقة غير شعورية. طلبت من البارمان زجاجة واندفعت ~~في الشراب بلا وعي وهو يرمقني بقلق. أصب وأشرب ثم أصب، دون كلمة أو لفتة أو تريث. ثم ~~رفعت رأسي إليه قائلا: موسى حلاقة من فضلك؟ # تردد قليلا، ولما قرأ الإصرار في وجهي نادى الجرسون وسأله عن موسى. رجع الجرسون ~~بموسى مستعملة ms106 عارية فتقبلتها شاكرا ثم أودعتها جيبي. انفصلت عن البار بشيء من المشقة ~~ثم مضيت نحو الباب الخارجي. مترنحا .. يائسا .. متعجلا. عبرت الطريق وبودي لو ~~أركض ركضا. # كنت يائسا .. يائسا .. يائسا. # | عامر وجدي # تنغص علي صفوي بالأحداث التي ألمت بالبنسيون. لقد ركنت إليه لأنعم بشيء من الهدوء ~~الضروري لشيخوختي. وبشيء من عزاء الذكريات عن الخيبة المريرة التي منيت بها في ختام حياتي ~~العملية. لم يجر لي في الظن أنه سينقلب ميدانا لمعارك وحشية قدر لها أن تنتهي بجريمة ~~قتل دامية. # ودب في بعض نشاط فغادرت حجرتي منضما إلى ماريانا وطلبة مرزوق بمجلسنا المعهود ~~بالمدخل. وددت أن أرى زهرة ولكن اضطراب ماريانا وتهجم طلبة منعاني من استدعائها إلى جو ~~سيضيق حتما بأحزانها ولن يوليها الاحترام اللائق. وعلمت أن حسني علام غادر البنسيون في ~~ميعاده المألوف تقريبا. إنه انفعل ساعة بالخبر الدامي ثم مضى إلى حال سبيله، أما منصور ~~باهي فقد تأخر به النوم على خلاف عادته. وقالت ماريانا بتأفف: ها هو اليوم الأخير من ~~السنة، ختمها أسوأ ختام، فماذا يخبئ لنا العام الجديد؟! # فتساءل طلبة مرزوق في ضجر عصبي: أي متاعب ستلاحقنا هنا! # فتمتمت بصوت واهن: ما دمنا أبرياء ... # فقاطعني بحدة: أنت متحصن بشيخوختك، فلن يضيرك شيء. # وترامى إلينا صوت باب منصور وهو يفتح. ذهب إلى الحمام. رجع إلى حجرته بعد نصف ~~ساعة. # وما لبث أن ظهر من وراء البارفان، مرتديا بدلته ومعطفه، ولكنه طالعنا بوجه شديد ~~الشحوب ونظرة معتمة وقسمات متصلبة. أخبرته المدام بأن إفطاره معد، ولكنه رفضه ~~بهزة من رأسه دون أن ينبس. أقلقنا منظره بلا شك، وكانت المدام أسرعنا في الإفصاح عن ذاك ~~القلق فقالت له: اجلس يا مسيو منصور .. أأنت على ما يرام؟ # قال دون أن يجلس: على خير ما يرام، لقد نمت أكثر من المعتاد، هذا كل ما هنالك! # فقالت وهي تشير إلى الجريدة المطروحة على الكنبة: أما سمعت الخبر؟ # لم يبد أي اهتمام بشيء فقالت: سرحان البحيري .. وجد قتيلا في طريق البالما. # نظر إليها طويلا. لم ms107 يدهش، لم ينزعج، ولكنه ظل ينظر في عينيها. كأنما لم يسمع قولها، ~~أو لم يفهمه، أو أنه يعاني مرضا أخطر مما نتصور. ودعته ماريانا إلى قراءة الخبر في ~~الجريدة فألقى عليه نظرة متمهلة هادئة، وأبصارنا مركزة عليه، ثم رفع رأسه وهو يقول: أجل ~~.. وجد قتيلا. # قلت له بإشفاق: إنك متعب فلتجلس. # فقال ببرود أو لعله ذهول: إني بخير. # فقالت ماريانا: نحن كما ترى في غاية من الاضطراب. # نقل بصره بين وجوهنا ثم سأل: لم؟ ~~- نتوقع أن يجيء البوليس فيقلق راحتنا. ~~- لن يجيء. # فقال طلبة مرزوق: ولكن البوليس كما تعلم ... # فقاطعه قائلا بهدوء: أنا قاتل سرحان البحيري. # ومضى نحو الباب قبل أن نفقه قوله ففتحه ثم نظر إلينا قائلا: سأذهب إلى البوليس ~~بنفسي. # وأغلق الباب وراءه .. تبادلنا نظرات ذاهلة، مضى وقت ونحن نترامق في ذهول وصمت. ثم هتفت ~~ماريانا بخوف: إنه مجنون! # فقلت: بل إنه مريض. # تفكر طلبة مليا ثم قال: ولعله هو القاتل. # فصاحت ماريانا: ذلك الشاب المهذب الخجول! # وقلت بإشفاق: إنه مريض بلا شك. # وتساءلت ماريانا: ولم يقتله؟ # فتساءل طلبة بدوره: ولم يعترف بأنه القاتل؟ # قالت ماريانا: لن أنسى صورة وجهه، لقد مس عقله شيء. # فقال طلبة مؤيدا رأيه: لقد كان آخر المتشاجرين معه. # فقلت معترضا: ما من أحد إلا وتشاجر معه. # فأشار ناحية حجرة زهرة وقال: هناك يستقر السبب. # فقلت محتدا: ولكنه الوحيد الذي لم يبد نحوها أي اهتمام خاص. ~~- لا يعني ذاك أنه لم يحبها، أو أنه لم يرغب في الانتقام من غريمه فيها. ~~- يا سيدي، لقد تركها سرحان وذهب. ~~- ولكنه أخذ قلبها، كما أخذ شرفها! ~~- صه .. لا تفتري على الناس بغير يقين. # وتساءلت ماريانا: ترى هل يذهب حقا إلى البوليس؟ # وتواصل الحديث محموما حتى أرهقنا، وعند ذاك هتفت: فلنكف .. كفاية .. ولنسلم إلى ~~المقادر. ~~••• # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ms108 ~~* ألم تر أن الله يسبح له من في السموات ~~والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله ~~عليم بما يفعلون * ولله ملك السموات والأرض ~~وإلى الله المصير ~~. # سرعان ما تعبت عيناي من القراءة. غادرت الحجرة إلى المدخل والساعة تدق الرابعة مساء. ~~وجدت ماريانا غارقة في الكتابة فراحت تقول لي: أول ليلة رأس السنة تمر بي وكأنها ليلة ~~مأتم. # فقال طلبة مرزوق بحزم: إياكم والعودة إلى حديث الهم والكدر. # فقالت المدام بغضب: لقد سقط النحس على البنسيون، إني واثقة من ذلك، وعلى زهرة أن تذهب، ~~فلتبحث عن رزقها في مكان آخر. # أصابت غضبتها قلبي فقلت بإشفاق: إنها بريئة يا ماريانا، سيئة الحظ، وقد لجأت إليك في ~~محنتها. ~~- أصبحت أتشاءم منها. # فرقع طلبة بأصابعه كأنما قد تلقى فكرة جديدة سعيدة وقال: ماذا يمنعنا من الاحتفال ~~بليلة رأس السنة؟ # فقلت بدهشة: ماذا يمنعنا! .. يا له من قول مضحك. # تجاهلني .. وقال لماريانا: استعدي يا عزيزتي .. سنسهر معا كما اتفقنا! # تشكت المرأة قائلة: أعصابي ... أعصابي يا مسيو طلبة. ~~- لذلك أدعوك للسهر. # تغير الجو. بالقياس إليهما على الأقل. وراحا يناقشان الاقتراح بجدية. وجاء آنذاك ~~حسني علام من الخارج فأعلن عن عزمه على الانتقال من البنسيون إلى مقام جديد. وقصت عليه ~~المدام قصة منصور باهي الغريبة فتلقاها بدهشة كبيرة وناقشها وقتا، ثم هز كتفيه ~~العريضين كأنما ينفضهما عنه، وراح يعد حقيبته، ثم ودعنا وانصرف. # وتمتمت عقب انصرافه بحزن: عدنا وحدنا كما كنا. # فقال طلبة بمرح: لنحمد الله على ذلك. # انبعثت فيهما روح نشاط دفاق جرفت من قلبيهما شوائب القلق والكآبة. ازينت ماريانا ~~كالأيام الخالية. # ارتدت فستان سهرة كحلي اللون فأضفى على بياض بشرتها نصاعة وبهاء، ومعطفا أسود ذا طوق من ~~الفرو الأصيل. وانتعلت حذاء مذهبا. وتحلت بقرط من الماس وعقد من اللؤلؤ. ارتدت ~~غانية جذابة نبيلة، وتوارت أمارات الكبر تحت قناع المساحيق. ترامقنا هنيهة وهي واقفة ~~وسط المدخل وقفة استعراضية. ثم ضحكت بفرح بنت مراهقة ومضت هي تقول لطلبة: سأنتظرك عند ~~الحلاق. ~~••• # وجدت نفسي وحيدا، لا ms109 أنيس لي إلا عواء ريح عاتية. ناديت زهرة. ثلاث مرات ناديتها قبل ~~أن تظهر من وراء البارفان. وقفت تعلوها مظاهر الحزن والهزيمة والانكسار حتى خيل إلي ~~أنها ضؤلت واحدودبت. # أشرت إلى الكنبة فدلفت إليها في صمت، ثم استقرت تحت تمثال العذراء. شبكت ذراعيها على ~~صدرها ورنت إلى الأرض. عصر قلبي عطف وحنان حتى امتلأت قنوات عيني بدمع غدة مضمحلة لم ~~يعد من الميسور لها أن تروح عن صاحبها بالبكاء. قلت: لماذا تبقين وحدك كأنك بلا صديق؟ ~~أصغي إلي، أنا رجل عجوز بل عجوز جدا كما ترين، وقد تعثر تيار حياتي ثلاث مرات أو ~~أربع، تمنيت عند كل مرة أن أقتل نفسي، وكنت أهتف من قلب مكلوم: «لقد انتهى كل شيء.» ~~وها أنت ترينني على رأس عمر مديد لا يظفر به إلا الأقلون، ولم يبق من عثرات اليأس إلا ~~ذكريات غامضة بلا طعم ولا رائحة ولا معنى كأنما كانت من تجارب شخص آخر. # استقبلت كلماتي بلا حماس وبلا فتور. قلت: لنترك أحزاننا لزمن يبري الحديد ويفتت الحجر، ~~ولكن عليك أن تفكري في مستقبلك، الحق يا زهرة أن المرأة لم تعد تريدك. # فبادرتني بشدة: لا يهمني ذلك. ~~- ماذا أعددت للمستقبل؟ # قالت وهي ترنو إلى الأرض ما تزال: كالماضي تماما حتى أحقق ما أريد. # تنسمت في قولها عزيمة ردت إلي الروح فقلت: حسن أن تواصلي تعليمك وأن تتدربي على ~~مهنة، ولكن كيف توفرين لنفسك الأمن والرزق؟ # قالت بثقة وتحد: في كل خطوة أجد من يعرض علي عملا. # قلت برقة أستعين بها على إقناعها: والقرية .. ألا تفكرين في العودة إليها؟ ~~- كلا .. إنهم يسيئون بي الظن. # فقلت فيما يشبه التوسل: ومحمود أبو العباس؟ .. له عيوبه بلا شك، ولكنك قوية وستستطيعين ~~أن تقوميه وأن تدفعيه إلى ما هو خير. ~~- ليس دونهم سوء ظن بي. # تنهدت في تسليم أسيف وقلت: أود أن أطمئن عليك يا زهرة، إني أحبك. هو حب متبادل ~~فيما أعتقد. وباسمه سأرجوك أن تقصديني عند الشدة. # رمقتني بامتنان وحب فقلت: مهما يكن من مرارة ms110 التجربة الماضية فلن تغير مرارتها من ~~طبيعة الأشياء، ستظل غايتك المنشودة هي العثور على ابن الحلال. # أحنت رأسها وهي تتنهد. ~~- وستجدين حتما ابن الحلال الجدير بك .. إنه موجود الآن في مكان ما، ولعله يتحين ~~اللحظة المناسبة. # غمغمت بكلام لم أتبينه، ولكن حدثني قلبي بأنه كلام طيب، فقلت: ما تزال الدنيا بخير، ~~وستكون كذلك إلى الأبد. # لبثنا جالسين نراوح بين الصمت والمناجاة. وبعد وقت غير قصير استأذنت في الانصراف ثم ذهبت ~~إلى حجرتها. # مكثت وحدي طويلا حتى استيقظت - تسلل النوم إلي وأنا لا أدري - على صوت الباب وهو ~~يفتح. # دخلت ماريانا وطلبة مرزوق ثملين وهما يغنيان، وصاح بي الرجل: ماذا أبقاك هنا أيها ~~العجوز؟ # تثاءبت في ذهول وأنا أتساءل: كم الساعة؟ # فأجابت ماريانا بلسان مخمور: مضت ساعتان من العام الجديد. # وإذا بالرجل يشدها إلى حجرته وهو يقبلها فتطاوعه بعد تمنع لا خطورة له، ثم أغلق ~~الباب وراءهما. جعلت أنظر إلى الباب المغلق وكأنني في حلم! ~~••• # جمعتنا مائدة الإفطار صباحا وكنا وحدنا. لم تظهر ماريانا على حين ذهبت زهرة بعد إعداد ~~المائدة. # نظرت إليه فوجدته مريضا أو كالمريض. قلت له مداعبا: صباحية مباركة! # تجاهلني مليا، ثم تمتم: يا لك من نحس! # رفعت إليه عيني مستطلعا فضحك رغما منه وقال: كان فشلا مزريا ومضحكا معا. # تساءلت متغابيا: عم تتحدث؟ ~~- إنك تعرف تماما عما أتحدث يا ثعلب. ~~- ماريانا؟ # غلبه الضحك مرة أخرى ثم قال: حاولنا المستحيل، فعلنا كل ما يمكن تخيله، ولكن بلا ~~فائدة، ولما تجردت من ملابسها تبدت كمومياء من شمع مذاب، فقلت لنفسي: يا ~~للتعاسة! ~~- لقد جننت! ~~- وإذا بآلام الكلى تنتابها! تصور، وبكت، واتهمتني بأنني أمثل بها! ~~••• # تبعني إلى حجرتي بعد الإفطار. جلس على كرسي أمامي مباشرة وهو يقول: يخيل إلي أنني ~~سأسافر إلى الكويت قريبا، أفتاني المرحوم بذلك. ~~- المرحوم؟ ~~- سرحان البحيري. # وضحك ضحكة قصيرة ثم قال بلا مناسبة ظاهرة على الأقل: أراد أن يقنعني بالثورة بمنطق ~~غريب. # نظرت إليه متسائلا فقال: أكد لي أنه لا بديل للثورة إلا واحد من اثنين ms111 .. الشيوعيين ~~أو الإخوان. فظن أنه دفعني إلى ركن مسدود. # فقلت بإيمان: ولكن ذلك هو الحق. # ضحك ساخرا ثم قال: بل يوجد بديل ثالث. ~~- ما هو؟ ~~- أمريكا! # هتفت بغيظ: أمريكا تحكمنا؟ # فقال بهدوء حالم: عن طريق يمينيين معقولين، لم لا؟ # ضقت بأحلامه فقلت: اذهب إلى الكويت قبل أن تجن. ~~••• # ها هي الصحف تحمل إلينا أنباء الجريمة. إنها تترادف غريبة ومتناقضة. لقد اعترف منصور باهي ~~بالقتل، ولكنه لم يقنع أحدا بالباعث عليه. قال إنه قتل سرحان البحيري لأنه - في نظره - ~~يستحق القتل. ولماذا يستحق سرحان البحيري القتل؟ لصفات وتصرفات هي مرذولة في ~~ذاتها، ولكنها ليست بقاصرة عليه، فلم اختاره بالذات؟ بمحض الصدفة، وكان من المحتمل أن ~~يختار غيره. هكذا أجاب. من ذا الذي يقتنع بذلك الكلام؟ أيكون الفتى مجنونا؟! هل يدعي ~~الجنون؟ # وإذا بتقرير الطبيب الشرعي يؤكد أن الوفاة نتجت عن قطع شرايين رسغ اليد اليسرى بموسى ~~حلاقة، وليس بضرب الحذاء كما اعترف القاتل، وبذلك رجح أن تكون الوفاة نتيجة انتحار لا ~~قتل. # وأخيرا اكتشفت العلاقة بين القتيل وبين جريمة تهريب الغزل، وبذلك توكد ~~الانتحار. # وتساءلنا عن العقوبة التي يستحقها منصور باهي. أجل .. ستكون حتما عقوبة طفيفة، وسوف ~~يستأنف حياته ولكن بأي قلب وبأي عقل؟ وقد قلت بحزن: إنه فتى رائع ولكنه يعاني داء خفيفا، ~~عليه أن يبرأ منه. ~~••• # ها هي زهرة كما رأيتها أول مرة لولا مسحة من الحزن. أنضجتها الأيام الأخيرة أكثر مما ~~أنضجتها أعوام العمر السابقة جميعا. تناولت الفنجال من يدها وأنا أداري انقباضي ~~بابتسامة. # قالت بصوت طبيعي: سأذهب صباح الغد. # كنت حاولت إثناء ماريانا عن رأيها، ولكنها أصرت عليه بعناد. ومن الناحية الأخرى صارحتني ~~زهرة بأنها لن تقبل البقاء حتى لو عدلت المدام عن رأيها. # وعادت تقول بثقة: سأكون أحسن مما كنت هنا. # فقلت بحرارة: حمدا لله! # فافتر ثغرها عن ابتسامة حنون وهي تقول: ولن أنساك ما حييت أبدا. # أشرت إليها أن تقرب وجهها مني، ثم قبلت خديها بامتنان وأنا أقول: أشكرك يا ~~زهرة. # ثم همست في أذنها: ms112 ثقي من أن وقتك لم يضع سدى؛ فإن من يعرف من لا يصلحون له فقد ~~عرف بطريقة سحرية الصالح المنشود. # وكعادتي لدى جيشان الصدر، هرعت إلى سورة الرحمن، فرحت أتلو: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان ~~* علمه البيان * الشمس والقمر ~~بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * ~~والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان * والأرض وضعها للأنام * ~~فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام * والحب ذو ~~العصف والريحان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان ~~. ms113