######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.MisrQadima.Hindawi59607051 #META# Tags: history #META# ID: 59607051 #META# Title: مصر القديمة #META# AuthorID: 71579642 #META# Author: جيمس بيكي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71616385 #META# Translator: نجيب محفوظ #META# Related_books: 1349JamesBaikie.AncientEgypt (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - أرض ذات شهرة قديمة‏ # 2 - يوم في طيبة‏ # 3 - يوم في طيبة‏ # 4 - فرعون في القصر‏ # 5 - حياة الجندي‏ # 6 - حياة الطفل‏ # 7 - بعض الأساطير‏ # 8 - بعض الأساطير‏ # 9 - استكشاف السودان‏ # 10 - رحلة استكشافية‏ # 11 - الكتب المصرية‏ # 12 - المعابد والقبور‏ # 13 - قدماء المصريين والسماء‏ # 1 - أرض ذات شهرة قديمة‏ # 2 - يوم في طيبة‏ # 3 - يوم في طيبة‏ # 4 - فرعون في القصر‏ # 5 - حياة الجندي‏ # 6 - حياة الطفل‏ # 7 - بعض الأساطير‏ # 8 - بعض الأساطير‏ # 9 - استكشاف السودان‏ # 10 - رحلة استكشافية‏ # 11 - الكتب المصرية‏ # 12 - المعابد والقبور‏ # 13 - قدماء المصريين والسماء‏ # | مصر القديمة # | مصر القديمة # تأليف # جيمس بيكي # ترجمة # نجيب محفوظ # الفصل الأول # | أرض ذات شهرة قديمة # لو سألنا سائل عن أعظم أمم الأرض حفولا بغرائب التاريخ؛ ~~لذكر سوادنا فلسطين؛ ليس ذلك لوجود شيء غريب فيها، ولكن للحوادث ~~العظيمة التي مثلت على أرضها. وفوق ذلك فقد كانت موطن ~~نبينا. # وبعد فلسطين تأتي مرتبة مصر، وفيها تمت سلسلة القصص التي بدأت على ~~أرض فلسطين والمذكورة في العهد القديم؛ ذلك العهد الذي يخبرنا عن ~~يوسف الصبي الرقيق الذي صار نائب ملك مصر، وعن موسى الطفل ~~الإسرائيلي الذي صار أميرا في عائلة فرعون، ثم كان بطل قصة ~~خروج بني إسرائيل من مصر. وفضلا عن ذلك؛ فمصر لها تاريخها الخاص ~~بها، ترويه آثارها إلى اليوم ثم إلى غد وبعد غد، فلم يقم لها ~~بين أمم الأرض القديمة نظير له ما لها من الملوك العظام والرجال ~~العقلاء والجنود الشجعان، ولا يجد إنسان في مملكة غيرها آثارا ~~ومخلفات لها نصف ما للآثار المصرية من الروعة والجلال. # إن لنا بعض المباني القديمة - وهي الحصون والكنائس - التي يرجع ~~وقت تشييدها إلى خمسمائة أو ستمائة عام، وربما أكثر. وكم يتكبد ~~الناس من مشقات السفر ليشاهدوها. # في مصر، تعد أمثال هذه المباني من الآثار الحديثة العهد، ولا ~~يكاد يحفل برؤيتها إنسان، ويمكن أن تتصور ذلك إذا علمت أن ~~المعابد العظيمة والمقابر الهائلة الموجودة الآن في مصر شيدت قبل ~~أن يبدأ الكتاب ms01 المقدس بمئات السنين. # ولأضرب لك مثلا بالهرم العظيم الذي لا يزال أعجوبة الدنيا، فهو ~~لم يشيد قبل أي بناء قائم الآن في أوروبا بآلاف السنين ~~فقط ، وإنما شيد قبل أن يباع يوسف ويصير رقيقا في منزل ~~يوتيفار. وآلاف الأعوام قبل أن يسمع إنسان بالإغريق والرومان، كان ~~يحكم مصر ملوك عظام، يرسلون بجيوشهم لتغزو سوريا والسودان، ~~ويبعثون سفنهم لتستكشف البحار الجنوبية. وكان حكماء المصريين ~~يضعون الكتب التي نقرؤها الآن. # وفي الوقت الذي كانت بريطانيا جزيرة مجهولة مسكونة بالمتوحشين ~~والهمج - كأنهم لتوحشهم وهمجيتهم سكان جزر البحار ~~الجنوبية - كانت مصر أمة متمدينة كثيرة المدن العظيمة، ~~عديدة المعابد والهياكل والقصور، وكان سكانها من أعقل الرجال ~~وأعظمهم علما. وقد قصدت - في هذا الكتاب الصغير - أن أروي لك ~~نتفا من تاريخ هذه الأمة العجيبة، وأبين لك نوع الحياة التي ~~كان يحياها الناس في تلك الأيام الغابرة، قبل أن تبدأ الأمم الأخرى ~~في الاستيقاظ، وقبل أن يكون لها تاريخ. # ولكن قبل أن أبدأ في قصتي، دعني أكون لك فكرة عن جغرافية ~~الأرض. # ويجدر بي هنا أن ألاحظ ~~أن أعظم الممالك خطرا في التاريخ كانت من أصغرها مساحة؛ ~~فبريطانيا لا تعد مملكة واسعة رغما عن تاريخها المجيد، ~~وفلسطين التي أسدت للعالم أيادي لم تسدها أمة أخرى كان ~~يطلق عليها الأرض الصغيرة، ثم تلا فلسطين في هذه المرتبة بلاد ~~الإغريق، وما هي إلا زاوية جبلية في جنوب أوروبا، ومصر أيضا ~~أرض صغيرة. # ربما خيل إليك وأنت تراها على الخريطة أنها كبيرة المساحة، ~~ولكن ينبغي أن تتذكر أن معظم الأرض التي تقرأ عليها «مصر» صحراء أو ~~تلال صخرية، حيث لا يقدر الإنسان على الحياة. أما مصر الحقيقية ~~فهي شريط رفيع على جانبي النيل، وفي بعض الأحيان يكون امتداده ~~ميلا أو ميلين داخل الرمال التي يخترقها النيل، ولا يزيد على ~~ثلاثين ميلا في أي جهة من النهر (إذا استثنينا الجزء ~~الشمالي منه، المسمى الدلتا). وقد شبه بعضهم وادي ~~النيل بزنبق ذي ساق ملتوية، وقد صدق في تشبيهه؛ فالنيل هو ~~الساق الملتوية، ms02 والدلتا هي الزهرة، وتحت الزهرة مباشرة ~~توجد برعمة صغيرة؛ واد خصب هو الفيوم. وفي عهد مضى - قبل ~~أن يبدأ تاريخ مصر نفسه - لم يكن للزنبق زهرة . # فقد كان النيل أوسع بكثير مما هو عليه الآن، وكان يصب في ~~البحر بقرب القاهرة - العاصمة الحديثة لمصر - ولم تكن الأرض إلا ~~ذلك الوادي الضيق المحدود من الجانبين بتلال الصحراء. # ولكن على مرور الأيام قرنا بعد قرن، حفر النيل مجراه، فزاد ~~عمقه، وغارت المياه وانخفضت تبعا لذلك، تاركة أرضا خصبة بين ~~المجرى الجديد والتلال، أما الطين الذي حملته المياه، فقد كان ~~يرسب عند المصب حتى كون الدلتا كما هي الآن ~~تقريبا. # كانت مصر كذلك قبل أن يبدأ التاريخ؛ فلما ابتدأ التاريخ كانت ~~الدلتا أرض مستنقعات؛ لأنها كانت حديثة التكوين في مكان البحر، ~~قبل أن يطرد النيل بطينه مياهه. # وكان سكان الوادي يحتقرون الناس الذين يعيشون بين ~~المستنقعات، وحتى بعد أن تم تكوين الدلتا، لم تكن مساحة ~~المملكة كلها لتعادل مساحة ويلز مرتين، ومع ذلك كان يعمرها ~~عدد عظيم من السكان - عظيم بالنسبة لمساحتها - وكان يبلغ - على ~~أكثر تقدير - قدر سكان لندن مرتين. # قال مؤرخ إغريقي قديم: «مصر هبة النيل» وهذا صحيح. # لقد رأينا كيف أن النيل كونها باختراقه طريقا بين التلال، ~~وبتكوينه الدلتا، وهو لم يخلقها فقط، بل هو يحفظ لها حياة ~~مستديمة. # ولقد كانت مصر - كما هي الآن - من أخصب البلدان أرضا، ومن ~~ميزاتها أن ينمو بها أغلب المزروعات، فهي تنتج أجود أنواع القمح ~~والخضراوات والقطن. # ولما كانت روما عاصمة العالم، كانت تستورد ما تحتاجه من ~~الحبوب من مصر، بواسطة سفن الإسكندرية الشهيرة، وأنت تذكر ما ~~يروي الإنجيل عن إخوة يوسف، الذين أتوا مصر من فلسطين - التي ~~اجتاحتها المجاعة - ليشتروا من قمح مصر. # ومع هذه الخصوبة، فالمطر غير معروف في مصر؛ نعم قد تمطر ~~السماء في أحايين قصيرة من عام طويل لا تسقط فيه من السماء ~~قطرة! # كيف يتيسر لأرض لا تمطرها السماء أن ينمو بها أجود أنواع ~~النباتات؟ سر ذلك النيل؛ ففي ms03 كل عام إذا سقطت المياه في ~~أواسط إفريقيا وعلى جبال الحبشة ازداد النيل ارتفاعا، وحملت ~~الأمواج إليه طينا كثيرا، وفي هذه الحال تغمر المياه الأراضي، ~~ثم تتركها بعد أن يرسب فيها الطين. ولما كانت المياه لا تصل ~~إلى الأراضي المرتفعة؛ فإنه يوصل بها ترع، ثم تقسم هذه ~~الترع إلى قنوات صغيرة حتى تتخلل جميع الأراضي، وتسير فيها ~~المياه كما يسير الدم في الأوردة والشرايين. وقد نتج عن هذا ~~النظام أن زادت خصوبة الأرض، وارتوت منها جميع الجهات، فعوضت ~~بذلك ما يمكن أن تكسبه الأمطار من المياه في الأراضي التي تسقط ~~فيها. # ولولا نهر النيل، لكانت مصر قطعة من الصحراء ليس فيها ما ~~يميزها عن بقية أجزائها، وليس من شيء في حياة مصر يسترعي ~~الانتباه إلا تاريخها العظيم؛ ذلك التاريخ القديم الذي وسم ~~القطر بميسم سحري جعلها مصدر جاذبية لجميع الناس. وكذلك ~~آثارها المجيدة؛ ولهذا لا توجد أمة -غير مصر - تشاهد فيها ~~السكان الأصليين ومظاهر الحضارة القديمة كما كانت في بدء ~~تاريخها. # هنا تستطيع أن تشاهد معابد الآلهة القديمة وهياكلها، والقبور ~~الهائلة التي لم ترها عين إنسان، بل تشاهد السيوف والحراب ~~والخوذ التي كان يحارب بها الملوك والجند والشجعان - لأجل ~~وطنهم - قبل أن يشترك داود في حروب بني إسرائيل بآلاف السنين. # ومن الصور المختلفة على جدران المعابد والقبور، أمكننا أن نعرف ~~كيف كان هؤلاء الناس يعيشون في تلك الأيام الماضية، وكيف كانت تبنى ~~بيوتهم، وكيف كانوا يكسبون ويعملون، وكيف يلهون ويقصفون، وكيف ~~يعبرون عن هم دفين في وقت الأسى والحزن، ثم كيف يعبدون ~~آلهتهم. تراهم في هذه الصور وهم يقومون بهذه الأعمال كلها، بل ~~تستطيع أن تعرف ما كان يغرم به الأطفال من أنواع اللهو واللعب، ~~وتعرف اللعب والعرائس الجميلة التي كانوا يلعبون بها، وتستطيع أن ~~تقرأ القصص التي كانت ترويها الأمهات والمربيات ~~لأطفالهن. # كل هذا مما يجعل لمصر جاذبية خاصة، وسحرا خياليا بديعا. ~~وما قصدت إليه هنا هو أن أصور لك بعض نواحي هذه الحياة، لتستطيع ~~أن تكون لنفسك صورة ms04 في مخيلتك عن الحياة في هذه الأيام. # الفصل الثاني # | يوم في طيبة # لو أراد غريب أن يكون لنفسه فكرة صحيحة على حالتنا الحاضرة، ~~والدرجة التي بلغها من الحضارة والرقي، فأول مكان يخطر له ~~أن يقصده ليشاهده هو لندن؛ لأنها عاصمة المملكة ومدينتها ~~العظمى. # وعلى هذا القياس، لو أردنا أن نستقي أخبارا صحيحة عن الحياة ~~المصرية القديمة، وكيفية طرق المعيشة فيها وأحوال الناس ووسائل ~~معيشتهم، ينبغي لنا أن نذهب إلى عاصمتها، ثم نمعن النظر ~~فيما عساه أن يقع تحت بصرنا. # وعلى ذلك، افرض أننا لم نعد من سكان بريطانيا، وأننا لسنا من أبناء ~~القرن العشرين، بل أننا رجعنا إلى الماضي البعيد، وأننا من أحياء سنة ~~1300 قبل الميلاد، أي قبل أيام المسيح، وقبل عهد موسى أيضا. ~~••• # وصلنا من «صور» في سفينة فرعونية محملة بأنواع مختلفة من ~~الملابس والأقمشة، وأوعية من برنز ونحاس، على أمل بيعها في ~~أسواق طيبة، أعظم مدينة في مصر. # لقد رست السفينة على شاطئ البحر، على مقربة من مصب النيل، ~~بعد أن كنا هالكين - لا محالة - في عاصفة هائلة لم ننج منها ~~إلا بعد جهد جهيد. # وكان معنا على السفينة دليل مصري، وقد وقف على منحنى ~~السفينة يصيح بأعلى صوته؛ ليعين الاتجاه الذي يجب أن تسير ~~فيه السفينة، وكان مديرا المجدافين الكبيرين الملصقين بجانبي ~~السفينة عند مؤخرها- يوجهان السفينة تبعا لتعاليمه. # وكانت الريح الشمالية ~~تهب بقوة وعنف، وتدفع السفينة بقوة، حتى سارت بسرعة ~~رغما من أمواج النيل الثقيلة التي تسير في اتجاه مضاد لنا، ~~تبعا لانحدار النهر صوب البحر. # ولذلك فقد ترك العمال المجاديف بعد أن انتهكت قواهم، وسرنا ~~جهة الجنوب بعد أن أطلقنا الشراع في الهواء. وكنا نرى على ~~جانبي النيل أراضي واسعة؛ ~~بعضها سهل لين، تنمو بها نباتات مختلفة، والبعض تكتنفه ~~المستنقعات التي تنمو على حافاتها نباتات شيطانية. # وكلما تقدمت بنا السفينة صوب الجنوب كانت السهول الزراعية ~~تضيق شيئا فشيئا، وكنا قد شارفنا على مؤخر الدلتا، بل ~~أخذنا نسير في وادي النيل. # ولقد مررنا على مدينة عظيمة ms05 تناطح معابدها العالية السماء ~~الزرقاء، وعلى ساريات المعابد تتموج الرايات، والمسلات ~~منتثرة هنا وهناك. وقد أخبرنا دليلنا بأن هذه المدينة هي ممفيس - وهي ~~من أقدم مدن مصر - وكانت عاصمتها يوما من الأيام. وعلى مقربة من ~~ممفيس شاهدنا الأهرامات الثلاثة تظهر كأنها جبال عالية، وقد علمنا ~~من دليلنا بأن كل هذه الكتل الحجرية - التي لا مثيل لها في ~~الضخامة والعظمة - هي مقابر الملوك الأقدمين، وأن ما يحيط بها ~~من أهرامات - أصغر حجما وأقل خطرا - هي مقابر بعض أمراء وعظماء ~~الدولة. # ولما لم تكن ممفيس هي الغرض من رحلتنا، فقد واصلنا السير ~~صوب الجنوب، وانقضت عدة أيام والسفينة تمخر بنا عباب الماء ~~دون انقطاع. # ولقد مررنا بمدن كثيرة، وقد استوقف نظرنا من بينها مدينة ~~متهدمة خربة، لم نر من آثارها إلا أكوام الحجارة والتراب، ~~ولقد قال لنا الدليل: إن تلك الخرائب كانت مدينة من أجمل مدن ~~القطر، بل وكانت عاصمة لأحد الملوك، غير أنه آمن بآلهة جديدة، ~~وحاول أن ينشر ديانته الحديثة، فعمد إلى الآلهة القديمة، ~~وهدمها وخرب معابدها، ليمحو آثارها ويبعد عن الأذهان ~~اسمها. # وأخيرا - بعد سفر طويل - لاحت لنا عن بعد أبنية عظيمة على ~~شاطئ النيل، ثم تبين لنا أنها مدينة عظيمة، لم نر لها نظيرا ~~فيما رأيناه من مدن الأرض. # ولما اقتربت السفينة من المدينة، ميزنا أمامنا مدينتين في ~~الواقع؛ فعلى الشاطئ الشرقي للنيل تقوم مدينة الأحياء؛ بأسوارها ~~المرتفعة، وأبراجها العالية، ومعابدها العظيمة، وصفوف منازلها التي لا ~~يرى لها أول ولا آخر، من قصور النبلاء إلى أكواخ ~~الفقراء. # أما على الشاطئ الغربي فتقع مدينة الأموات، ولم يكن بها ~~قصور ولا شوارع، وكان السكون يخيم عليها، والهدوء يشملها، ولا ~~يستطيع الناظر إليها إلا أن يشعر بالخشوع والحزن والكآبة. # ولقد رأينا فيها تلالا ممتدة، بها فتحات كثيرة متراصة، تظهر ~~كخلايا النحل؛ هذه هي قبور طيبة، حيث يرقد أمواتها من سنين لا ~~عداد لها. # وفي المكان الفسيح الممتد ما بين النيل والتلال الغربية ~~توجد هياكل متتابعة يخيل للناظر أن ليس لها حصر، ms06 وبعض هذه ~~الهياكل متين الجدران، سليم البنيان، عظيم الحجم، والبعض الآخر ~~واهي الأساس، متهدم الجدران، لم يبق منه إلا أثر ضئيل. # وكانت إذا سقطت أشعة الشمس عليها، انعكست مرسلة في الجو ~~أسلاكا من ذهب، وقرمزا يبهر العين. # أخذت سفينتنا تقترب من الشاطئ لترسو هنالك؛ وبذلك تكون قد انتهت ~~رحلتنا. # ولقد أتى نحوها في الحال ضباط الجمرك المصري في قوارب ~~ليفتشوا أمتعتنا، وليجمعوا منا ما يجب دفعه عليها. ولقد ~~جلسنا نراقبهم بجذل وسرور؛ لأن مظهرهم كان غريبا عنا كل ~~الغرابة، فهم يختلفون عن ملاحينا ذوي اللحى المرسلة والمعاطف ~~ذات الألوان الكثيرة، إذ يحلق المصريون لحاهم وشعورهم، وبعضهم ~~يضع على رأسه شعرا مستعارا، ويطلقونه مسترسلا حتى الأعناق، ~~ولا ريب أنهم يتكبدون تعبا جما في تنسيقه وتمشيطه، وسواهم يرتدي ~~ملابس من الكتان قصيرة «أشبه برداء الجند ~~السكسونيين». # أما رئيس الضباط فيرتدي معطفا أبيض جميلا فوق ردائه ~~السكسوني، وحول وسطه منطقة ذهبية لها أهداب طويلة تكاد تلامس ~~ركبتيه، وفي يده اليمنى عصا طويلة، لا يتأخر عن إلهاب ظهر أحد ~~أتباعه بها إذا قصر في تأدية واجباته. # وبعد مناقشة بيننا وبينه، أعطيناه المبلغ المطلوب، وصرنا بذلك ~~أحرارا في أن نتوجه إلى أي ناحية من أنحاء المدينة. # ولم نتعمق داخل المدينة مسافة قصيرة حتى تجلى لنا ما كانت ~~عليه من العظمة، ومما وصل إلى آذاننا علمنا أنها في حركة ~~دائمة تدل على الحياة والنشاط. # ولكنا سمعنا ضوضاء داوية آتية من الشارع الضيق الذي ~~يساير النيل، ورأينا - بعد برهة - جماعة من العمال تصخب ~~وتصرخ وتتدافع بعنف في شكل مظاهرة، ويتقدمهم شخص ظهر لنا ~~- من حالته التي كان يرثى لها - أنه يجري فارا من العمال، ~~وأنه يخشى على نفسه منهم أن يصيبوه بسوء. وكان العمال في حالة ~~مزرية؛ عرايا الأجسام إلا مما يستر عوراتهم، والظاهر أن ~~الجوع عضهم، فثاروا وأضربوا عن عملهم، ولم يجدوا أمامهم من ~~يصبون عليه جام غضبهم إلا هذا الرجل العجوز، الذي يجري أمامهم ~~محاولا النجاة بحياته. # واتجه الرجل العجوز نحو قصر جميل تحيط به ms07 حديقة غناء ذات ~~أسوار ضخمة، ولما يئس العمال من اللحاق به رموه بالحجارة، ~~فأصابه بعضها، وتفجرت الدماء من عدة أجزاء من جسمه، ولكنه - ~~رغما عن ذلك - جرى بقوة نحو باب القصر، وهمس في أذن البواب ~~بضع كلمات، ثم دخل إلى الحديقة، ثم أغلق الباب في وجه ~~المطاردين، الذين اضطروا للوقوف، وقد أخذ الغضب منهم كل ~~مأخذ، وأخذوا يهزون قبضاتهم في الهواء مهددين ~~مزمجرين. # وبعد فوات مدة قصيرة فتح الباب، وخرج منه رجل جميل ~~الطلعة بادي النعمة والجاه، يتبعه ستة من العبيد ~~مدججين بالسلاح. # هذا الرجل هو الأمير باسر، الذي يهيمن على مصلحة العمل في حكومة ~~طيبة. أما العمال فكانوا بنائين يقومون بعمل فوض إليهم في ~~مقبرة طيبة. # سأل الأمير العمال عما جعلهم يحدثون هذا الشغب ~~ويطاردون سكرتيره. # وقد رد كل واحد منهم بما شاء على هذا السؤال، فحدثت ضجة، ~~ولم يفهم الأمير كلمة واحدة، فأنابوا عنهم واحدا يتكلم بلسانهم، ~~وقد ابتدأ الرجل الكلام في تلعثم واضطراب، ولكن لم يلبث أن زال ~~عنه ما ألجم لسانه من الخوف، وبلغ الأمير الشكوى. # قال إنه وزملاءه يشتغلون منذ أسابيع، ولم يأخذوا أجرا ~~مقابل أتعابهم، حتى القمح والزيت اللذان هما حق لكل عامل ~~من عمال الحكومة. # وعليه، فقد قصدوا سيدهم يضرعون إليه أن يصرف لهم جرايتهم، ~~فإن كانت المخازن خاوية فليرفع شكواهم لفرعون. إننا مسوقون إلى ~~هنا بدافع الجوع والظمأ، ولا نملك ملابس ولا زيتا ولا طعاما، ~~فاكتب لفرعون يرسل لنا ما تقوم به حياتنا. # ولما أتم الرجل كلامه وافق الجميع على أقواله، وتماوجوا هنا ~~وهنالك في حالة وعيد وتهديد، وهنا وعدهم الأمير بأنه سوف يرسل ~~إليهم خمسين كيسا من القمح في مكان عملهم، وطلب منهم أن يئوبوا من ~~حيث أتوا، وأن يستأنفوا عملهم، ويكفوا عن مطاردة سكرتيره، وإلا ~~فهو لا يستطيع أن يصنع لهم شيئا. # وترددوا مدة؛ لأنهم منوا قبل ذلك بالوعود التي لم يوف ~~واحد منها، ولكن لما كانوا ينقصهم زعيم ماهر ليقود العصيان، ~~ولما لم يكن معهم سلاح يدافعون به عن ms08 أنفسهم، وقد كانت رماح ~~العبيد تظهر مخيفة في أيديهم؛ فقد آبوا من حيث أتوا متذمرين ~~ساخطين، أما الأمير فقد دخل القصر وهو يهز كتفيه، وأما ~~إرسال الأكياس أو عدم إرسالها، فهذا شيء آخر. # فالإضراب - كما نرى - لم يكن مجهولا في تلك الأيام. # الفصل الثالث # | يوم في طيبة # بعد أن مر أمامنا منظر إضراب العمال وعودتهم إلى عملهم ~~ثانيا، واصلنا سيرنا إلى قلب المدينة، ولقد لاحظنا أن شوارعها ~~ضيقة، وتتقابل المنازل من فوق الرءوس هنا وهنالك؛ فكان يحدث ~~أننا نسير تحت منازل متصلة، كمن يسير في سرداب مظلم، وبعض ~~المنازل عظيم الاتساع شاهق الارتفاع، ولكن مظاهرها الخارجية - ~~على العموم - غير جميلة. # فقد يكون داخل المنزل جميلا فاخرا، تكتنفه الحدائق الغناء ~~الحافلة بجميع أنواع الأزهار والأشجار، وفي وسطه بركة بديعة، ~~وغرفه مؤثثة بأفخر الرياش، مزينة بأجمل الستائر، ولكن ~~أسواره الخارجية سوداء، ولها باب ضخم عظيم. # ثم مررنا بأحياء مكدسة بالأكواخ الحقيرة، مزدحمة ~~بالمارين، حتى إنه صعب على المار أن يشق طريقا لنفسه! ~~هذه هي أحياء العمال، ولا تذهب في أي جهة منها إلا وتشعر ~~بالحرارة المرتفعة، وتشم الروائح الكريهة التي لا تطاق. وكم ~~عجبت؛ كيف يستطيع إنسان أن يعيش في أمثال هذه الأماكن؟! # وبعد أن قطعنا شوطا كبيرا، انتهى بنا المسير إلى ميدان فسيح، ~~وهو سوق من أسواق المدينة، والعمل هنالك في حركة دائبة، والحوانيت ~~عبارة عن خيم أو مظلات متوسطة الاتساع ومفتوحة من الجهة ~~الأمامية، وترى البضائع موضوعة في الداخل والخارج، بينما يجلس ~~صاحب الحانوت القرفصاء متأهبا للبيع والحساب، ويلفت إليه ~~الأنظار بصوته العالي وهو يشيد بجودة بضاعته ورخص ~~ثمنها. # وكان الناس - وهم من جميع الطبقات والأجناس - يذهبون ويجيئون ~~دون أن ينقطع لهم تيار؛ فإن أمثال هذه الأسواق كانت تجذب إليها ~~الناس من جميع أنحاء القطر وأطراف العالم القديم. # فأهل المدينة يأتون ليشتروا حوائج منزلية، وليتبادلوا الأخبار ~~المختلفة، والفلاحون يبادلون ما يحملونه من قطعان الحقول ~~ومحصولاتها بالبضائع التي لا توجد إلا في المدن، ويجيء كثير ~~من السيدات النبيلات - يتبعهن الخدم - لينتقوا ms09 من بين المعروضات ~~ما يروقهن من الجلابيب المزخرفة والصنادل الجميلة. # وكنا نرى غير ذلك كثيرا من الغرباء، وقد رأينا حيثيا من قادش ~~وحوله مظهر خاص به يميزه عما سواه؛ يضع على رأسه غطاء عالي ~~القمة، وبشرته صفراء، وحذاؤه ثقيل، ويسير ملتفتا حواليه ~~وعيناه تبرقان بحب الاستطلاع والجشع، كأنه يعتقد أن طيبة خير ~~مدينة للنهب والسلب. وشاهدنا كاهنا من الطبقة العليا، ~~يسير برأسه المحلوق لافا حول كتفيه جلد نمر، ممسكا بيده ~~درجا من درج البردي، ويتبعه سرديني يسير متغطرسا، وقد ~~انعكست أشعة الشمس على قرني خوذته، وتمايل السيف ~~المعلق بجانبه، وليبي من رماة القوس يتبعه بقوسه، ~~ويلفت الأنظار إليه بريشتيه المعلقتين في غطاء ~~رأسه. # وكان الجميع منهمكين في البيع والشراء والمبادلة. والنقود ~~التي نستعملها الآن كانت مجهولة في تلك الأيام، ولهذا كانت ~~المبادلة أساس المعاملة التجارية. # وكثيرا ما كانت المناقشة تحتد والأصوات تعلو إذا ما اختلف على ~~عدد السمكات - مثلا - التي يصح أن تبادل بفراش، أو على عدد ~~أكياس البصل التي تقدم في مقابل مقعد فخم، وهكذا. ولما كان ~~المصري - بطبعه - ميالا للمساومة ماهرا فيها، فقد كانت ضوضاء ~~الكلام لا تنخفض أبدا، وكثيرا ما كان يخرج بعض التجار عن العادة ~~المتبعة في المبادلة، فيبادلون بالخواتم النحاسية والفضية ~~والذهبية بدلا من البضائع. فإذا أراد فلاح أن يبيع ثورا ~~يقدم له التجار نظيره تسعين خاتما نحاسيا، ولكن الفلاح ~~يشكو قلة الثمن، ويصرح بأن مثل هذه المبادلة تعد ~~سرقة، وبعد مشادة طويلة يرفع التاجر عدد الخواتم إلى أحد ~~عشر فوق المائة، فيتم الاتفاق بذلك؛ ولكي يتحقق الفلاح بأنه ~~لم يخدع يعمد لوزن الخواتم، ويأتي بميزان كبير، ويضع الخواتم في ~~كفة، ويضع في الكفة الأخرى أثقالا (على شكل رءوس الثيران)، ~~ولا يهدأ ثائره إلا إذا انخفضت كفة الخواتم، ولكن رغم حذره ~~وشدة احتراسه، فإنه لا يجمع الخواتم في كيسها ويسير في حال ~~سبيله، حتى يكون التاجر قد استرجع كثيرا من الخواتم إلى ~~محلها الأول. # وبعد ذلك ضربنا خيمتنا، وعرضنا فيها ما حملنا من نفائس البضائع، ms10 ~~وكانت أقمشة ذات ألوان زاهية، وكان جارنا صائغا، وهو دائما منهمك ~~في عمله، قابض على منفاخه، وأمامه فرنه الصغير، وكان يلحم ~~سوارا لامرأة تنتظره بصبر وأناة . # وفي إحدى نواحي السوق يقع منزل كبير، ولم تكن به بضائع ولا ~~معروضات، وكان الناس يدخلونه زرافات زرافات، وكان كثير من العمال ~~يدخلونه، ثم يغيبون برهة، ويخرجون وهم يمسحون أفواههم ويترنحون في ~~ضعف وانحلال. # ولقد رأيت شابا يترنح يتجه نحو باب المنزل، وكان بجانبي ~~رجلان، فلما رآه أحدهما قال لزميله: «إن بنتوير ذاهب مرة ~~أخرى ليمضي يوما في سرور؛ سوف تكون نهاية هذا الشاب ~~سيئة.» # وخرج - بعد وقت قصير - بنتوير، وكانت قدماه لا تستطيعان حمله، ~~وبعد أن تمايل ذات اليمين وذات اليسار، سقط على الأرض لا حراك به ~~كمن فقد الحياة، وترك على هذه الحالة المخزية، والمارة يضحكون ~~منه دون أن يكترثوا لشأنه، وحدث أن مر به رجل وابنه، ولما ~~تأمله قال لابنه: «انظر إلى هذا الشاب يا بني، واتعظ ~~بمصيره، وعاهد نفسك ألا تشرب خمرا، فإنها تتلف صحتك، ~~وتلوث نفسك بالأوحال، فإن صرعت يسخر منك الناس، ولا يمد ~~لك أحد يد المعونة، حتى رفقاؤك، فإنهم يتركونك ويذهبون ليشربوا، ~~ولا ترى إلا راقدا في الطين وغائبا عن الوجود.» # ولكن أمثال هذه النصائح كانت تذهب هباء؛ لأن المصري ميال ~~بطبعه لقضاء اليوم الطيب - كما كان يدعو اليوم الذي يمضيه في ~~الحان- حتى السيدات الجميلات كن يشربن حتى يتعذر عليهن ~~المشي، ويرفعن وهن في حالة إعياء إلى منازلهن. # مضينا في سيرنا ببطء وتمهل، حتى اقتربنا من الحي ~~المقدس في المدينة؛ حيث لاحت لأنظارنا المعابد العالية ~~والمسلات العظيمة من فوق أسطح المنازل. # وقد رأينا عن بعد جماعات من الناس مقبلة نحونا في مظاهرة ~~كبيرة، وسمعنا أصوات الطبول والناي، وقد سألنا بعض المارين ~~مستفسرين عن هذا الموكب وأخبرونا بأنه احتفال ديني، وأن هذه ~~الجماعة تحمل صورة صغيرة للرب آمون؛ إله طيبة العظيم، وأنهم ~~يتأهبون لحفلة دينية كبرى، سيكون على رأسها فرعون نفسه. # ووقفنا ملتصقين بأحد أبواب المنازل من شدة ms11 الزحام، وراقبنا ~~الاحتفال وهو يمر أمامنا، فمر الموسيقيون والمغنون، وأخذت ~~النساء يرقصن ويحركن في أيديهن قطعا من المعدن، ~~وشاهدنا في وسط الجماعات ستة من الرجال كانوا مركز المظاهرة ~~الدينية، وإليهم كانت تتجه الأنظار. # كانوا طوالا نحافا، حادي النظرات، محلوقي الرءوس، ملفوفي ~~الأجسام في أثواب بيضاء من الكتان المصري الجميل. وكانوا ~~يحملون على أكتافهم - بواسطة قضبان - أنموذجا لقارب نيلي مقام ~~في وسطه تمثال صغير، وكان هذا التمثال مغطى بستر، لم يظهر منه ~~شيء، كأنهم أرادوا أن يخفوا الإله عن عيون المتطفلين. # وكان أمام الباب الذي كنا مستندين عليه عمود خشبي مثبت ~~في وسط الشارع، فلما وصل الرجال إلى هذه البقعة وضعوا القارب ~~الصغير على قمته، وكان مع اثنين منها بخور فحرقاه، وتصاعد ~~دخانه حول القارب والتمثال. # ثم رفع كاهن صوته، وعدد مناقب الرب العظيم الذي خلق ~~كل شيء وصان كل شيء، وعلى أثر ذلك تقدم بعض الواقفين، ~~وقدموا للرب أزهارا أو فواكه ومأكولات أخرى. # بعد ذلك أتت الدقيقة الرهيبة، وتقدم كاهن من التمثال، ~~وأزاح الستر الذي يخفيه، في وسط سكون مخيم كتمت فيه ~~الأنفاس، ورأينا أمامنا صورة خشبية لا يزيد ارتفاعها عن ثماني عشرة ~~بوصة، مزينة بالأوسمة، وملونة بالأخضر والأسود. # ولقد كان لظهور الصورة من التأثير على الطيبين (وهي أقدس شيء ~~في العالم في نظرهم) ما جعل ألسنتهم تلهج بآيات الإعجاب ~~والعبادة. # أسدل الستر بعد ذلك على التمثال، وواصل الموكب سيره، ~~وتبعته الجموع الغفيرة، فعادت الشوارع إلى ما كانت عليه من ~~السكينة والهدوء. # وكان علينا إن أردنا مشاهدة فرعون - في أثناء مروره إلى معبد آمون ~~- أن نسرع بتناول الغداء، وعلى ذلك رجعنا إلى شاطئ النيل ~~مخترقين الشوارع المضللة التي قطعنا في سيرنا الأول، ~~وذهبنا توا إلى سفينتنا لتناول طعام الغداء. # الفصل الرابع # | فرعون في القصر # أزف الوقت الذي قرر أن يذهب فيه الملك إلى المعبد العظيم ~~بالكرنك ليقدم أضحية. لقد ذهبنا إلى الطريق الذي يوصل ما ~~بين القصر وطريق المعبد؛ لنشهد فرعون وموكبه الملوكي. # وأحب الآن أن أحدثك عن فرعون، والحياة ms12 التي يحياها. # ليست كلمة فرعون اسمه الحقيقي، وليست هي لقبه الرسمي، وكل ما ~~في الأمر أنها لفظ كانوا يدلون به على أحد العظماء الذين يتهيبون ~~من ذكر أسمائهم، كما كان يذكر التركي الباب العالي إذا عنى ~~السلطان وحكومته، وعلى هذا القياس كان المصريون يطلقون لفظة ~~فرعون على ملكهم العظيم، ومعناها اللغوي «البيت العظيم». # وقد كان ملك مصر عظيما حقا، وكان الناس لذلك ينظرون إليه كما لو ~~كان أكثر من إنسان عادي، وكان هو نفسه يعتقد أن ذلك صحيح لا ريب ~~فيه. نعم، لقد كان المصريون يعبدون آلهة متعددة، ولكن أقرب ~~هذه الأرباب كلها إلى نفوسهم، وأحوزها لاحترامهم وعبادتهم كان ~~ملكهم. # لقد حكمت الملوك مصر منذ أزمان غابرة، ولقد كانوا دائما يعتقدون أن ~~ملوكهم آلهة كامنة في لحم بشري، وكان الملك يطلق على نفسه «ابن ~~الشمس»، وعلى جدران المعابد ترى صورة الملك وهو صغير جالسا على ~~فخذ الرب الذي يدلله كما يدلل الأب ابنه. # وتبعا لهذا الاعتقاد، فهم كانوا يبذلون في سبيله كل عزيز ~~لديهم، ويقدمون له أنواع الضحايا، فإذا صعد إلى السماء ~~لاحقا بإخوته الآلهة، شيدوا له معبدا عظيما لإحياء ذكره على ~~الأرض، ويخصص لهذا المعبد جماعة من الكهنة يسلخون حياتهم في ~~عبادته والتغني بمناقبه. # ولكن يوجد فارق واحد بين فرعون وبقية الآلهة، فالأرباب أمثال ~~آمون في طيبة، وبتاح في ممفيس، وغيرها، تدعى «الآلهة العظام»، أما ~~لقب فرعون فيختلف عن ذلك. ويدعى «الإله الطيب». # وفي الوقت الذي أتحدث عنه، كان «الإله الطيب» رمسيس الثاني، ~~ولا ريب أن هذا جزء صغير من اسمه الكامل؛ لأنه مثل جميع الفراعنة، ~~له قائمة من الأسماء تملأ صفحته. # ولم تكن رعيته في طيبة قد رأته من زمن طويل؛ لأنه كان غائبا ~~في سوريا يحاول حل عدة مشكلات سياسية، فلما رجع لمصر، ~~انهمك في بناء عاصمة جديدة في تنيس أو «زون» كما يدعوها اليهود. وهي ~~واقعة بين الدلتا والحدود الشرقية، وكان يمضي معظم وقته ~~فيها. # وجميع الذين شاهدوا العاصمة الجديدة يثنون عليها أجمل ثناء، ~~ويشيدون بعظمها ms13 إشادة بليغة، ويسهبون في وصف معبدها الجديد ~~وتمثال فرعون المقام أمامه البالغ ارتفاعه تسعين قدما، ولكن، ~~حتى في ذلك الوقت كانت طيبة لا تزال مركز حياة الشعب ~~التجارية. # وكان سبب قدوم الملك إلى طيبة هو توقعه قيام حرب بينه وبين ~~الحيثيين، وقد أتى ليستشير أخاه الرب آمون، ليجمع جيشه. # وكان القصر الملكي في حركة غير اعتيادية؛ فالرسل ذاهبون ~~آئبون، والقواد والمستشارون يدخلون وبأيديهم التقارير ~~والأوامر. # ولم يكن القصر الملكي من الفخامة والمتانة بحيث يستطيع الخلود ~~على ممر الأيام، وقد كان المصريون يشيدون القبور والمعابد ~~على أن تخلد أمد الدهر، أما القصور فقد كانوا يبنونها لأجل ~~معلوم. وقد كانت العادة أن الملك الجديد لا يقيم في قصر أبيه، ~~وإنما يأخذ في بنيان قصر جديد يوافق مزاجه وذوقه، فلم يكن ~~فرعون يشيد قصره إلا ليمضي فيه حياته القصيرة، وكان ~~عالما بأن ابنه إن تولى الملك يوما سوف يبني قصرا جديدا، وعليه ~~فقد كانت القصور تبنى من مواد بسيطة، وتحاط بأسوار متينة ~~ضخمة؛ لأنه وإن كان فرعون ربا معبودا، إلا أن رعيته قد ~~تتمادى في أشد حالات العصيان والتمرد خطرا، ولم تكن ~~المكايد ضد الملوك مجهولة في ذلك الوقت، فقد حدث لأحد الفراعنة ~~الماضين أن هوجم وهو على فراش القيلولة، واضطر إلى الدفاع عن ~~نفسه بمفرده وبيديه ضد جماعة قوية من المتآمرين. # ومن ذلك الوقت رأى فرعون أن يعتمد على أسواره الضخمة، وعلى ~~حراسة السردانيين الأقوياء، وألا يجعل جل اعتماده في الدفاع ~~عن نفسه موقوفا على ألوهيته وعبادة الناس له. ويحيط هذا ~~السور بحديقة غناء حافلة بأنواع الزهور والرياحين، وفي ~~وسطها بحيرة صناعية محاطة بأنواع الأشجار والشجيرات ~~المختلفة. # وفي نهاية الحديقة يوجد باب ضخم يؤدي إلى بهو الاجتماع ~~العظيم، وهو مزين بالألوان، ومقام سقفه على أعمدة مزخرفة على ~~شكل سيقان اللوتس، وعلى كل جانب من جانبي البهو توجد غرفة ~~كبيرة، وخلف بهو الاجتماع توجد غرفتان للاستقبال، وهما أفخم ~~غرفتين في مصر كلها، وخلفهما تأتي حجرات نوم أهل القصر ~~العديدين. # ولرمسيس زوجات كثيرات، وله ms14 تبعا لذلك جيش من الأولاد والبنات، ~~وغرفة نوم الملك منعزلة في جهة وحدها، ومكللة بالزهور ~~والرياحين. # وكان «ابن الشمس» يمضي يوما مملوءا بالأعمال المختلفة، فكان ~~عليه أن يطالع كثيرا من الرسائل والتقارير ليصدر حكمه فيها، ~~وكان الأمراء السوريون قد أرسلوا للملك تقريراتهم عن تقدم جيوش ~~الحيثيين، وطلبوا معونة الملك لدفع الخطر عن أنحاء ملكه ~~الواسع. # وقد عقد الملك العزم على أن يصدر تصريحا بكل ذلك، ومن ثم ~~يتبادل المشورة مع قواد ونبلاء المملكة. وكان في إحدى نواحي البهو ~~شرفة فخمة كان يظهر فيها الملك لشعبه، وكانت واجهتها مرصعة ~~بالجواهر والأحجار الكريمة، وكانت العادة أن الملكة وبعض الأميرات ~~يقفن بجانب الملك عند ظهوره للشعب. # فتحت أبواب البهو، وتسرب إليه جماعات النبلاء وحكام ~~الأقاليم وقواد الجيش الكبار ومديرو الإدارة، وتزاحموا جميعا ~~ليقدموا فروض الطاعة لسيدهم ومولاهم، وفي لحظة اصطف ~~الجميع في نظام وأدب، وفتح باب كبير، وفي الحال ظهر الملك ~~العظيم؛ ملك الوجهين البحري والقبلي، مصحوبا بزوجته ~~وأسرته. # وكانت العادة المتبعة قديما في استقبال الملوك، أن القوم الذين ~~يحظون بمقابلة ملك من الملوك ينبغي لهم أن يركعوا له سجدا ~~ويقبلوا الأرض بين يديه، ولقد اندثرت هذه العادة الآن، فلا ~~يبلغ حب الملوك وإظهار الطاعة لهم حد السجود والركوع بين ~~أيديهم. # لما دخل فرعون انحنى الجميع أمامه باحترام لا مثيل له، ورفعوا ~~أيديهم كما لو كانوا في صلاة دينية «للرب الطيب»، وانتظروا ~~صامتين متهيبين حتى يبدأ الملك بالكلام. # وصوب فرعون نظره إلى الجمع المحتشد أمامه، ونقل بصره من ~~واحد إلى آخر، حتى استقر على قائد قوات طيبة، فسأله عن مقدار ~~استعداد جيشه. # هنا تقدم الجندي باحترام، وانحنى بتهيب وإجلال، ولكنه لم ~~يتفوه بكلمة في الموضوع؛ لأنه لم تكن العادة أن يتكلم مباشرة، ~~وراح يلقي قطعة مديح محفوظة تشيد بعظمة الملك وشجاعته وإقدامه ~~في الحروب، قائلا إنه حيث تجري جياده تفر أمامها جموع ~~الأعداء، ثم أجاب بعد ذلك على سؤال الملك. وعلى هذا المنوال تقدم ~~القواد والنبلاء والمستشارون ليجيبوا على الأسئلة الموجهة ~~إليهم، وليبدوا ms15 آراءهم فيما يبسط أمامهم من أمور ~~الدولة. # ولما انتهى الاجتماع، أصدر الملك أوامره بإعداد عربة ليحضر ~~حفلة المعبد الدينية، وخرج كما دخل بين صفوف ساجدة بين يديه ~~مستغرقة في عبادتها. # بعد ذلك رأينا الباب الحصين يفتح على مصراعيه، وخرجت ثلة ~~من الجنود رافعة الرماح، ثم وقفت على مسافة قصيرة من باب ~~القصر، وعلى أثرهم خرج الحرس السرداني مثقلا بالأسلحة، وعلى ~~رءوسهم الخوذ اللامعة، وبأيديهم الدروع المتينة والسيوف ~~الطويلة المسلولة، وقد اصطفوا على جانبي الطريق، ووقفوا ~~كالتماثيل مترقبين ظهور فرعون. # وسمعنا أصوات عجلات، وظهرت أمامنا عربة فرعون وهي تسير به شطر ~~طريق المعبد. وقد سارت الجنود الرافعة الرماح في المقدمة، أما ~~السردانيون فقد جروا بحذاء عربة الملك على كل من جانبيها، ولم ~~يتأخروا عنها قيد شعرة رغم تثقلهم بالأسلحة. # وما إن رأت الجموع المزدحمة عربة الملك، ووقعت أبصارهم ~~على فرعون، حتى سجدوا على الأرض، ومسوا التراب بجباههم، ~~وفرعون ينظر أمامه لا يلتفت يمنة ولا يسرة، وكان واقفا منتصبا ~~لا يتمايل - ولو قليلا - رغم اهتزاز العربة الشديد، وكان ممسكا ~~بيده عصا معقوفة وسوطا، وهما الرمز الملكي المصري، وعلى ~~رأسه خوذة الحرب، وفي الجهة الأمامية من هذه الخوذة أفعى مكونة ~~قمة عالية بعدة لفات حول نفسها. وكان شكلها مخيفا كأنها ~~تهدد أعداء مصر. وكان يزين طلعته الجميلة بلحية مستعارة، ~~ويغطي جسمه القوي الجميل بثوب من الكتان الأبيض، وحول وسطه ~~نطاق ذهبي تصل أهدابه إلى ركبتيه، وفي طرفيه حيتان ~~مزخرفتان، ويجري بجانب العربة حاملوا المراوح من ريش النعام، ~~يحركونها في أثناء جريهم دون أن يضطربوا لذلك، ومهارتهم تدعو ~~للإعجاب والدهشة! ويتبع عربة الملك عربات الحاشية، وهي - على ~~العموم - أقل فخامة وعظمة من عربة الملك. وقد جلست في العربة ~~الأولى الملكة، وبيدها زهرة اللوتس الجميلة يتضوع ~~شذاها. # أما الذين في العربات الأخرى فجلهم أمراء يجري في عروقهم ~~الدم الفرعوني، وقد شاهدنا بينهم الأمير الساحر خامواس، وكان ~~أعظم ساحر في مصر، ومن معجزاته قدرته على استحضار الأموات من ~~القبور! وكان الناس يجفلون أمام بصره الحاد، ويتهامسون ms16 فيما بينهم ~~وبين أنفسهم، بأن درج البردي الذي يضمه إلى صدره كان قد أخذه من ~~قبر ساحر من ساحري الأيام القديمة. # وفي دقائق معدودة مر الموكب بعد أن بهر الأنظار بفخامته، ~~وبالأشعات المنعكسة على أسلحته وجنوده والجواهر التي على أفراده ~~العظام، وجرت خلفه الجموع الغفيرة نحو معبد الكرنك. # لقد رأيت في لحظة أعظم رجل على ظهر البسيطة، والظالم ~~الجبار المذكور في قصة بني إسرائيل؛ كم كان قويا، وكم كان ~~فخورا! # وطبيعي أنه لم يكن يحلم بأن اليهودي الصغير الذي تبنته ~~ابنته، والذي تربى بجامعة الكهنة بهليوبوليس، سوف يذل مصر في ~~يوم من الأيام، ويبدل عزها هوانا، وأن اسم فرعون العظيم لم ~~يكتب له الخلود وذيوع الصيت إلا لأنه اقترن باسم موسى. # الفصل الخامس # | حياة الجندي # إنك إذا اطلعت على ما كتب عن المصريين في الكتاب ~~المقدس، خيل إليك أنهم أمة حرب وطعان، وأنهم لم يوجهوا ~~همهم لشيء في الحياة كالحرب والغزو. وحقا لقد حاربوا طويلا، ~~وانتصروا كثيرا، واستطاعوا بذلك أن يكونوا إمبراطورية عظيمة لم ~~تصغر في شأنها عن أي إمبراطورية قامت في العهد القديم. # ولكنهم لم يكونوا ميالين بطبعهم وسجيتهم إلى الحرب والقتال، ~~ولم تكن روح المصري مفعمة بذلك الميل الغريزي الذي يدفع ~~صاحبه إلى القتال في أي فرصة، ويسبب له من السرور والحبور ~~في أثناء القتال ما لا يمكن تصوره عقل إنسان، أي إنهم لم يكونوا ~~مثل أعدائهم الآسيويين والبابليين. # ونحن الذين قدر لنا أن نتصل بأحفادهم - المصريين الحديثين ~~- وأن يكون بيننا وبينهم من الأمر ما هو معروف. نعلم حق العلم أن ~~المصري ينفر من الحرب نفورا شديدا، ولقد تحققنا من ذلك في ~~أثناء حروبنا معهم وضدهم. # نعم؛ قد يظهر الجندي المصري مهارة خاصة، ويبلي بلاء ~~حسنا، إذا قاده إلى القتال قواد ماهرون، ولكنه مع ذلك يختلف عن ~~السوداني الذي يقاتل حبا في القتال. # المصري يؤثر عيشة السلام على الحرب، وليس أشهى لديه من ~~الإقامة في حقله بين أسرته وقطعانه يزرع الأرض ويرويها. هكذا ~~المصري، وهكذا كان آباؤه وأجداده، ms17 ولكن إذا أمر فرعون بالحرب فلا ~~يوجد من يتردد في طاعة أمره؛ هنالك يحاربون تحت قيادته ~~ويبلون البلاء الحسن، ولكن طول الوقت لا يشغل بالهم مثل وطنهم ~~والحنين إليه، وكم تكون سعادتهم عظيمة إذا انتهت الحرب، وأزف ~~وقت الرجوع إلى الوطن ومسراته الهادئة البسيطة! # وعلى العموم، كانوا شعبا مسالما رحيما، ميالا للسرور ~~والأخذ بأسباب المسرات، ولا تجد بينهم فظا غليظا كما تجد بين ~~الآسيويين. # وفي الحقيقة كان المصري لا يرضى لنفسه أن يحترف الجندية؛ لأنه ~~كان يعتقد أنها عمل مؤلم لا يختلف عن الأعمال الشاقة، ففيها ~~يتعرض الجندي لكل أنواع الذل والمهانة، ولا تظن أن سوء ~~ظنه هذا بالجندية كان على غير الحق. # أما ما يرجوه في الحياة، فهو أن يفوز بعمل كاتب عند أحد الأغنياء ~~أو في مصالح الحكومة، يكتب التقارير ويحسب الحسابات. ولما لم يكن ~~في الإمكان أن تتسع الوظائف لجميع الشبان، فقد كان الأب الذي ~~يتمكن من توظيف أحد أبنائه أسعد الآباء، ولو أنه من المحتمل ~~جدا أن يحتقره الابن، ويترفع عن الانتساب إليه وإلى إخوته الذين ~~يزرعون في الحقول أو يخدمون في الجيش. # ولدينا الآن كتاب قديم كان كاتبه جنديا، ثم رقي إلى ~~ضابط في الإدارة السياسية، كتبه لشاب صغير مبينا له آراءه ~~عن الجندية، محذرا إياه أن يتخذها مهنة مستقبلة. وكان ~~الشاب ولوعا بأن يكون في أحد الأيام من جنود العربات، وهم ~~الذين يقابلون الفرسان عندنا اليوم، وكان يقف في العربة جنديان ~~أحدهما يسوق ويقود الجياد، والآخر يحارب بقوسه، وفي بعض ~~الأحوال بالسيف أو الرمح. # وقد قال له إن فرسان العربات ليسوا أحسن حالا من بقية الجند، ~~وقد يظهر العمل لقليل الاختبار جذابا جميلا، فلا يركب ~~الجندي العربة حتى يظن أنه ملك على الأرض كلها، ثم يذهب إلى ~~أهله بملابسه الجديدة فخورا مختالا! # ولكنه معرض لأشد أنواع العقوبات وأقساها إذا ارتكب أقل ~~الأخطاء وأهونها، فإذا جاء يوم التفتيش ووجد أن أحد الجنود مقصر ~~أقل تقصير، أو أن إحدى معداته بها خلل لا يذكر، فإنه ~~يطرح ms18 على الأرض، ويضرب بالعصي ضربا مبرحا، حتى يشرف ~~على الهلاك من شدة الألم. ويؤكد للشاب أن هذه الحالة التي ~~وصفها تعد خيرا بكثير من حالة الجنود العادية، فإنهم كانوا ~~يجلدون في ثكناتهم لأي هفوة تصدر منهم، ثم إنهم ~~يتكبدون أشد المتاعب في أثناء الحروب، فيسيرون إلى سوريا الأيام ~~الطوال، والأرض تأكل أقدامهم التي لم تلمس إلا أرض مصر اللينة. ~~وكانوا يحملون معداتهم ولوازمهم وآلات القتال. وبالجملة فقد ~~كانوا ينوءون تحت حمل ثقيل، وكثيرا ما كانوا يضطرون إلى شرب ~~الماء القذر في أثناء اجتيازهم الصحراء، غير مبالين بما قد ~~يسببه لهم من الأمراض، وهم الذين يقاتلون الأعداء معرضين ~~أنفسهم للموت وأجسامهم للتلف، بينما يجلس القواد في أمان ~~وسلام. فإذا انتهت الحرب عاد الجندي منهم إلى بلده مثخنا ~~بالجراح، مهدم البنيان، مسلوب الملابس؛ وذلك لأن النوبيين ~~الذين يحرسون الأمتعة ينتهزون فرصة اشتباك الفريقين في القتال، ~~ثم يسرقون الأمتعة ويلوذون بالفرار. # وختم الكاتب كلامه بأن قال: «خير من كل ذلك أن تختار لنفسك ~~مهنة كمهنة الكتابة، وتعيش سعيدا في وطنك.» # وأستطيع أن أقول إن كلام هذا الكاتب صحيح، وهذه الحالة التي ~~كانوا يشكون منها قديما لا تزال على ما كانت عليه إلى الآن، ولكن ~~رغما عن كل ذلك، فقد استطاع فرعون أن يجمع الجيوش الجرارة في ~~وقت الخطر. # ولم يكن الجيش المصري كثير العدد مثل الجيوش التي نسمع عنها ~~الآن، أو التي نقرأ عنها في كتب القدماء؛ فالجيوش التي قادها ~~الفراعنة إلى أرض سوريا لم تكن تزيد على العشرين أو الخمسة وعشرين ~~ألفا، ولكن الغريب أن يكون الجيش - وهو على هذه القلة - كثير ~~الجنسيات، مثل جيشنا الموجود في الهند. # وأهم فرق الجيش هي فرق الوطنيين من رماة القوس ورجال ~~الرمح، ويحمل الأولون الأقواس والسهام، وهم أخف حملا من رماة ~~الرمح إلا أنهم أشد خطرا، فإن المصريين اشتهروا بالمهارة ~~في الرماية مثل الإنجليز القدماء، وقد كانوا سبب انتصار فرعون في ~~كثير من الأوقات، أما الآخرون فيحملون الرماح والدروع، وفي ~~بعض الأحيان الفئوس والخناجر أو ms19 السيوف القصار. # وهنالك فرقة من جنود العربات، وهم من المصريين أيضا، ~~ويعتبرون أرقى درجة من المشاة. ولم تكن مهمة جندي العربة من ~~الأمور السهلة، فقد كان عليه أن يحفظ توازنه، وأن يصيب عدوه في ~~أثناء جري الخيل وسير العربة، ولا يخفى ما في ذلك من الصعوبة، وما ~~يحتاجه من المران والثبات. وكانت خيول العربات تزين أجمل ~~زينة. # وفي كثير من الأحيان إذا خان الحظ الجندي المقاتل الموجود ~~بالعربة، يعمد الآخر - السائق - إلى مساعدته، فيلف عنان ~~الجوادين حول وسطه، ويبتدئ في الطعان، على أن يضبط الخيل ~~بتمايله ذات اليمين وذات اليسار. # ويحيط بعربة فرعون الحرس الملكي، وكان مكونا من رجال يدعوهم ~~المصريون «أرشردن» أو السردانيين، ومن المحتمل أن يكونوا من ~~القوم الذين أتوا مصر من جهة البحر؛ ليرتزقوا من الخدمة في الجيش. ~~وكانوا يضعون على رءوسهم الخوذ المعدنية ذات القرون، وحول صدورهم ~~الدروع القوية، وبأيديهم السيوف الطويلة. # وخلف هؤلاء تسير الجند المرتزقة، وهم فرق سودانية على ~~أجسامهم جلود الحيوانات المفترسة، وفي المؤخرة جنود ليبيون من ~~البدو. # ويسبق الجميع في أثناء الحرب فرق الكشافة، يستطلعون الأخبار، ~~ويتجسسون على العدو، ويمدون جيوشهم بالأخبار. # وكان للملك حارس خاص به، هو أغرب حارس في العالم القديم ~~والحديث؛ لأنه كان أسدا مستأنسا، درب لخدمة سيده ~~والدفاع عنه بأسنانه ومخالبه إذا هاجمه عدو. # أما مهمات الجيش، فكانت ترفع على ظهور الحمير ويرقبها ~~الحمالون، وكان المصريون من أعظم الناس احتمالا لمشقات ~~السفر والمشي، حتى ولو كان تحت أشعة شمس سوريا المحرقة، وخلال ~~طرقها المجهولة، وكانوا يسيرون خمسة عشر ميلا يوميا، لمدة أسبوع ~~دون أن ينهكهم التعب. والآن سأروي لك قصة جندي، حدثت في ~~معركة من «أهم» معارك التاريخ. # كان مينا من أمهر راكبي العربات في الجيش المصري، وقد ساعده نبوغه ~~على الترقي والتقدم مع حداثة سنه، حتى اختير ليكون سائق ~~عربة فرعون نفسه لما خرج الجيش من زارو (حصن مصر على الحدود) ليحارب ~~جيوش الحيثيين في شمال سوريا. # ولقد سار الجيش مسافة طويلة مخترقا الصحراء ثم أراضي فلسطين ms20 ~~عابرا الجبال، ولم يظهر للعدو أثر، وكان مينا موجها اهتمامه ~~لقيادة الخيل وإدارة العربة. # وابتدأ الجيش ينحدر إلى وادي الأورنت في اتجاه قادش، وقد تسربت ~~الكشافة إلى جميع الجهات، ومكث الجيش ينتظر قدوم العدو وقد ساوره ~~القلق. # وكانت قادش ترى على مرمى البصر، وقد ظهرت في الأفق قمم ~~أبنيتها، وانعكست في الفضاء أشعة الشمس المنعكسة على سطوح ~~أنهارها وسطح الخندق المحيط بها. وكان السهل الممدود بين الجيش ~~المصري والبلد الزاحف عليها خاليا من أثر الإنسان، بما زاد في ~~دهشة الملك وقلق جنوده، وجاءت الكشافة بالأخبار، وأعلمت الملك بأن ~~جيش الأعداء تقهقر إلى الشمال من الخوف والفرق، فظن الملك أنه ~~مستول على المدينة بلا عراك، ثم أسرع بتقسيم الجيش إلى أربع فرق، ~~وقاد الفرقة الأولى، وسار بها نحو قادش بجرأة عظيمة، وبلا روية أو ~~تدبير، بعد أن أمر الفرق الأخرى باللحاق به، على ألا تبدأ فرقة ~~بالمسير إلا إن ابتعدت منها الفرقة السابقة لها بمسافة ~~معلومة. # ووصلت الفرقة الأولى يقودها فرعون إلى شمال غرب قادش، وعسكرت هنالك ~~بعد أن أنهكها الأين والكلال، وأخذ منها التعب كل ~~مأخذ. # ثم رفعت الأثقال عن ظهور الحمير؛ لتأخذ قسطها من ~~الراحة. # وإذ كانت الكشافة تجوب الجهات المختلفة لتستطلع أخبار العدو، ~~عثرت في طريقها بعربتين، فقبضت عليهما، وسارت بهما إلى المعسكر، ~~وقدمتهما إلى فرعون، وأمر الملك بضربهما بالعصي، حتى اعترف ~~البائسان بأن ملك الحيثيين مختبئ في الجهة المقابلة لعسكر ~~المصريين، وأنه يتربص الدوائر لينزل بأعدائه هزيمة ~~منكرة. # وأسرع الملك فأنحي باللائمة على جنود كشافته، واتهمهم بقلة ~~التبصر والتسرع في نقل الأخبار، وأصدر الأوامر بالتأهب ~~للمسير. # ولكن قبل أن يقفز الملك إلى عربته - التي هيأها مينا للرحيل - ~~دوت في الفضاء ضوضاء مزعجة عند باب المعسكر، ورئيت الفرقة ~~المصرية الثانية مشتتة الشمل ضائعة اللب، وهي تفر أمام ~~جيوش الحيثيين الجرارة وعرباتهم البالغة خمسة وعشرين ألفا، ~~والآخرون يقتلون فيهم ويأسرون. # انتظر الملك في مخبئه حتى وصلته الأخبار من جواسيسه بمعسكر الفرقة ~~الأولى، ولما درى بقدوم الفرقة الثانية أمر بالهجوم ms21 عليها دفعة ~~واحدة، ولما كانت الفرقة منهوكة القوى من مشقة السفر، لم ~~تستطع المقاومة والثبات، وانتهى الأمر بفرارها وانتصار الحيثيين ~~عليها. وقد أحدث فرارهم - وما هم عليه من تعب وبؤس - خوفا عظيما ~~في معسكر فرعون، سرى في نفوس الجميع، ففر سوادهم مع بقية أفراد ~~الفرقة الثانية، ولم يبق لمقاومة الأعداء إلا فرعون وبعض أفراد ~~العائلة الذين أبت شجاعتهم أن يسلموا للخوف ويولوا ~~الأدبار. # ومع ما أظهره رمسيس من قلة التبصر وضعف النظر في قيادة ~~الجيش؛ إلا أنه أبدى شجاعة نادرة وبسالة لا مثيل لها. # فبعد أن قفز إلى عربته، أمر أتباعه المخلصين باتباعه، وأمر مينا ~~بسوق العربة للقاء الأعداء، ولم يكن مينا جبانا، ولكنه لما رأي ~~عربات المصريين التي تعد على الأصابع، ثم شاهد عربات الأعداء ~~التي لا تعد ولا تحصى، شعر، بالرغم منه، بالخوف يهز ~~قلبه. # ومع ما اختلج في نفسه من الخوف، لم يفكر لحظة في الهروب أو ~~العصيان، ولكنه وهو يميل إلى الأمام ليقود الخيل همس في أذن ~~فرعون: «يا قوة مصر العظيمة في يوم الحرب، أنقذنا.» فأجابه: ~~«الثبات ... الثبات ... سأفترس جموعهم كالباز.» # وفي الحال سابقت جياد مصر الريح قاصدة جيوش الأعداء، وكان ~~لاندفاعها غير المنتظر أثره في نفوس الحيثيين، حتى إن فرعون ~~وأتباعه اخترقوا الصفوف وغاصوا في لجتها. وكان مينا منهمكا في ~~عمله حاصرا عقله فيه، غير مبال بما قد يصيبه من آلاف السهام ~~المتطايرة في الجو، وكان فرعون يقاتل بمهارة منقطعة النظير، ~~وكان قوسه يرسل السهام باستمرار، فتصيب مقاتل الحيثيين، ~~وتصرعهم من عرباتهم. وكذا فعل الأمراء الذين كانوا يتبعون فرعون، ~~وقد تركوا خلفهم صفوفا من القتلى والجرحى. # وهكذا استطاع فرعون أن يفتح ثغرة من صفوف الأعداء، ولكنهم كانوا ~~جموعا زاخرة يزيدون عليه وعلى أتباعه آلاف المرات. وكانت بعض ~~العربات المصريات قد اتجهت جهة الجنوب؛ لتأتي بنجدة من جنود ~~الفرقتين الباقيتين، ولكن كان يلزم لوصولها مضي وقت غير ~~قصير. # وكان مما يزيد الحالة حرجا أن ملك الحيثيين، على رأس جيش ~~يبلغ الثمانية آلاف كان معسكرا على ms22 شاطئ النهر الآخر، ولو أنه ~~أسرع بعبور النهر لقضى على رمسيس ومن معه. ولم يبق أمام فرعون ~~إلا القتال، فقاتل بشدة هو وجنوده، واستطاع بمهارته أن يجعل بعض ~~عربات الحيثيين بينه وبين النهر، وأمن بذلك شر نبال الجنود ~~المعسكرة على الشاطئ الآخر. وبعد فوات زمن غير قصير، ظهرت ~~طوالع الفرق المصرية، وفي الحال انضموا إلى إخوانهم، وأخذ الفرق ~~بين الجيشين يقل نوعا ما عما قبل، وكانت جعبة المصريين قد ~~خلت من السهام، فسلوا السيوف وأطلقوا الرماح، وهنا حمي ~~وطيس القتال، وأخذ الأعداء في التقهقر صوب النهر، وقد وقف ملك ~~الحيثيين على الشاطئ الثاني من النهر مندهشا لما رآه أمامه. ~~وقد فات الوقت لعبوره النهر واشتراكه في القتال، أما الآن فلم يكن ~~في الإمكان عبور النهر؛ لامتلاء الشاطئ الآخر بعربات الحيثيين ~~وجنودهم، بما لم يدع مكانا لجنود جديدة. # ومما زاد في فرح المصريين وقوى ساعدهم، وصول الفرقة ~~الأخيرة، وأسرع بقدومها الهلاك إلى جنود الأعداء، وأخذوا يتساقطون في ~~النهر، وكانت مذبحة عظيمة. # وانتهت بهروب الأعداء، وقد رصد لهم رماة القوس المصريين من ~~يرمونهم بسهامهم، فيقتلون منهم من يقتلون، ويجرحون من يجرحون. ~~وقتل من الحيثيين شقيقا الملك ورئيس حراسه، وأعظم كتابه، ~~وحامل درعه. # أما ملك الحيثيين، فقد سقط في النهر وهو يجتاز مخاضة فيه، ~~وكاد يموت غرقا، لولا أن رمى أحد أتباعه بنفسه في الماء وأنقذ الملك ~~من يد الهلاك المحقق، فترك ميدان القتال بعد أن ضاعت من يده فرصة ~~عظيمة للقضاء على عدوه اللدود، وآب بالفشل والخذلان. # وبعد انتهاء المعركة دعا فرعون قواد الجند أمامه، وقد وقفوا ~~متخاذلين تعلو وجوههم حمرة الخجل؛ لما بدر منهم من دلالات ~~الجبن في بادئ المعركة، أما فرعون فقد خلع عن رقبته الملكية طوقا ~~ذهبيا ووضعه حول رقبة تابعه الأمين مينا، ثم وبخ قواده عن ~~تركهم له ليواجه الأعداء بمفرده وفرارهم جبنا وخوفا، ثم ~~حدثهم عن مينا، وكيف أنه لم يتركه ساعة الخطر، وختم الحديث ~~بقوله: «ولا أنسى جوادي عربتي، وسوف يتناولان طعامهما يوميا - ~~أمامي- في السراي الملكية.» ms23 ولما كان الجيشان قد خسرا خسارة ~~عظيمة وأخذ التعب منهما كل مأخذ، فقد تعذر عليهما مواصلة ~~القتال، وقبلا عن رضاء خاطر الهدنة، وانسحب الحيثيون إلى ~~الشمال، ورجع المصريون إلى وطنهم، ولم يربحوا شيئا رغما ~~عما بذلوه من جهد وأبدوه من بسالة، ولكن فرحهم بالنجاة من ~~الهلاك المحقق أنساهم ما خسروه. وكم كان مينا فخورا وهو يسوق عربة ~~الملك داخل أسوار زارو. # وسار الجيش بين جموع الشعب التي أتت لاستقباله، ولنثر الورود ~~على جنوده، وكانوا من جميع الطبقات؛ فيهم الكاهن والتاجر ~~والنبيل. # ولم يكن يوجد بعد رمسيس الذي أنقذ جيشه ووطنه وشرفه من يستطيع أن ~~يفتخر بعمله مثل مينا، الذي وقف بجانب سيده في أشد حالات ~~الخطر. # الفصل السادس # | حياة الطفل # كيف كانت حياة الأطفال في تلك الأرض القديمة منذ هذه الآلاف من ~~السنين؟ # ماذا كانوا يضعون على أجسامهم من الملابس؟ وما هي أنواع اللعب التي ~~كانوا يغرمون بها؟ وما هي العلوم التي كانوا يدرسونها؟ # لو أنك كنت من أحياء مصر في ذلك العهد القديم، لتبينت ما بين ~~حياة طفلنا الآن وبين حياة الطفل القديم من تباين، ولا يمنع ذلك من ~~ذكر أوجه التشابه بين أطفالنا وأطفالهم. # كان الصبيان والبنات صبيانا وبنات كما هم الآن، لا تختلف ~~تصرفاتهم عن تصرفات أطفالنا، ولا تفترق ألعابهم - تقريبا - عن ~~ألعابهم. # إنك لو تقرأ بعض القصص الخرافية، تجد أن للصبي الصغير فيها ~~«جدة خرافية» تحوم حوله أثناء الليل، وتنير فراشه، وتهديه ~~الهدايا، وتتنبأ له عن المستقبل، وهكذا كان في الأزمنة القديمة، ~~فكان إذا ولدت «تاهوتي» الصغيرة أو «سن سنب» في طيبة قبل الميلاد بآلاف ~~السنين، وجدت لها «جدة خرافية» تتنبأ لها بالحوادث والمستقبل، ~~وكان في مصر طائفة يطلق عليهم المصريون اسم «هافورز»، ليس لهم من ~~عمل إلا التنبؤ عن المستقبل، وكان عهد الطفولة أطول مما هو ~~الآن، فكان على الأم السعيدة ألا تترك طفلها يغيب عن ناظريها ~~ثلاث سنين متوالية، فتحمله على كتفها أينما توجهت. # وإذا مرضت الطفلة ودعت أمها طبيبا، فإنه يصف لها ~~من ms24 الأدوية ما يختلف عن أدويتنا كل الاختلاف؛ فلم يكن الطبيب ~~المصري يعرف الشيء الكثير عن الأمراض والأدوية، وهو لجهله هذا ~~كان يجرع مريضه أقذر ما عرف الإنسان من جرعات الأدوية، ولا ~~أظن أنك ترضى ببلع حبوب مصنوعة من عصير مياه أذن الخنزير، ~~ودماء الضب، ولحمة قذرة. وكان الطبيب إذا فحص المريض كثيرا ~~ما يقول: «ليس هذا الطفل مريضا؛ إنما هو مسحور.» وعلى ذلك يكتب ~~هذه «الوصفة»: # علاج يقي من السحر ~~«خذ خنفساء كبيرة، واقطع رأسها وجناحيها، ثم اسلقها، وضعها في ~~زيت واتركه بعد ذلك، واطبخ أجنحتها ورأسها، واسق الخليط ~~للمسحور.» # وأظن أن القارئ يؤثر عذاب السحر على أكل مثل هذه الوصفة! ~~وفي أحيان أخرى يكتفي الطبيب بكتابة كلمات سحرية غامضة على ورقة ~~قديمة يربطها بالعضو الموجوع. # وكان كثير من الأمهات إذا ظهرت على أطفالهن أعراض مرض ~~ظنن أن عفريتا يزعج الأطفال، فإذا صرخ طفل من ألم المرض ~~قامت أمه وجابت أنحاء الغرفة وهي تقرأ هذه الكلمات - مخاطبة ~~الشيطان: # هل أتيت لتقبيل الطفل؟ # لا أسمح لك أن تقبله! # هل أتيت لتهدئة خاطره؟ # لا أسمح لك أن تهدئ خاطره! # هل أتيت لتؤذيه؟ # لا أسمح لك بأن تؤذيه! # هل أتيت لتخطفه مني؟ # لا أسمح لك أن تخطفه! # فإذا برئ الطفل من مرضه وذهب عنه العفريت، خرج ليلعب، ~~والطفل وأخته يستحمان كل صباح، ولكنه لما كان الجو ~~حارا عظيم الجفاف لم يحتاجا للملابس التي تغطي الأجسام، فكانا ~~يلعبان عرايا إلا مما يستر عورتيهما. # وكانت أدوات لهو الأطفال كثيرة الشبه بأدوات أطفالنا الآن، ~~فكان تاهوتي يلعب برجل خشبي إذا شد فتيلة متصلة بوسطه ~~وذراعيه، انحنى مثل الخباز، وكان يلهو أيضا بتمساح إذا ضغط على ~~ظهره فتح فاه. أما الطفلة فكانت تلعب بعروس مزخرفة ~~وبخادمة لها نوبية، وفي كثير من الأحايين كانا يلعبان الكرة مع ~~بعضهما. # هكذا كان يمضي الطفل الأربع سنين الأولى من سني حياته، فإذا ~~تجاوزها أرسلوه إلى «الكتاب»، ويظل تاهوتي عاريا إلا من هذه ~~القماشة التي تحيط بوسطه وهو في المدرسة، كما كان ms25 وهو في البيت. ~~أما شعره الأسود فيضفر ويرسل من فوق أذنه اليمنى. # ويبدأ بتعليمه القراءة والكتابة، ولم يكن ذلك أمرا بسيطا، إلا ~~أن الكتابة المصرية وإن ظهرت في شكل بديع يثير الإعجاب ~~والدهشة إذا نسختها يد ماهرة متمرنة، فإن تعلمها ~~أمر من أشق الأمور، خاصة وأن المبتدئ كان عليه أن يجيد كتابة ~~أسلوبين مختلفين. ولا أظن أنك لو طالعت في كتب - أمليت في ~~عهد قديم للتلاميذ - تعثر على شيء عظيم الأهمية. ولدينا ~~الآن عدة كتب مصرية مملاة أو منسوخة من كتب أخرى، وقام بنسخها ~~التلاميذ أثناء تمرينهم على الكتابة، ومن هذه الكتب يتبين لنا ~~بوضوح ما كان يغرم بقراءته قدماء المصريين؛ لأن هؤلاء ~~التلاميذ كانوا يكتبون كلمات حكمائهم وبعض القصص القديمة أثناء ~~تمرينهم على إجادة الخط. هذا ما نفهمه من هذه الكتب التي كلفت ~~كاتبيها من المشقة والعناء ما لا يحكم به كاتب الآن. ولما كان ~~المدرسون المصريون يعتمدون على العصا في تأديب التلاميذ ~~وتعليمهم، فكثيرا ما كانت تاهوتي الصغيرة تذرف الدمع وهي ~~في المدرسة. وكان التلميذ المسكين ينتظر يوميا الجلد كما ~~ينتظر الطعام الذي تحضره له أمه، وكان مدرسه يقول له: ~~«أذنا الطفل فوق خديه، وهو يصغي جيدا كلما ~~ضرب.» # وقد كتب تلميذ إلى معلمه القديم بعد أن ترك المدرسة بمدة ~~طويلة، يقول: «كنت تحوطني برعايتك أثناء تربيتي وتعليمي وأنا طفل ~~صغير، ولقد ضربتني بعصاك على ظهري فرسخت كلماتك في أذني.» # أما إذا كان الطفل عنيدا؛ فإنه يعاني أنواعا من ~~العقوبات يهون بجانبها ضرب العصا، فلقد كتب تلميذ لمعلمه: ~~«لقد كنت شديدا علي وأنا تلميذك، وإني لا أزال أذكر ثلاثة ~~أشهر قضيتها في المعبد عقابا لي.» # وكان وقت العمل المدرسي نصف يوم، يخرج بعده التلاميذ إلى ~~منازلهم وهم يصيحون من الفرح والسرور. ولم تتغير هذه العادة ~~رغما عن طول ما بيننا وبينهم من الزمن. # ولا أظن أنهم كانوا يقومون ببعض الواجبات المدرسية في منازلهم، ~~وربما كان وقتهم في المدرسة أقل فظاعة مما نتخيل عنه؛ بسبب ~~ما ذكرنا من وصف ms26 عقوباتهم. # وإذا كبر «سن سنب» عن ذلك قليلا، وأتقن أصول الكتابة، يطلب ~~معلمه منه - على سبيل الامتحان - أن ينسخ له عدة صحائف من ~~خيرة الكتب المصرية، وكان غرضهم من ذلك أن يتقن الناشئ كتابة ~~الخط، ولينمي ملكة إنشائه، فكان ينقل من كتب شعرية أو دينية ~~أو من الأساطير. # ولم يكن هم المعلم من إملاء تلميذه القطعة أو أمره ~~بنقلها من كتاب أو نحوه أن يحسن خطه فقط، وإنما كان يأمل ~~فوق ذلك أن يثقف عقله وينير إدراكه بالأفكار ~~السامية. # لذلك كان يختار موضوعات مفيدة، مثل نصيحة ملك لابنه وغيرها. ~~وفي بعض الأحيان كان المعلم يكاتب تلاميذه كما لو كانوا أصدقاء ~~فرق بينهم الدهر. # وتعليم الحساب لحسن الحظ لم يكن يستوجب حفظ قواعد كثيرة. ~~وعلى العكس كانت قواعده محدودة، فيبدأ المعلم بتلقين التلميذ ~~مبادئ الجمع والطرح والضرب، والطريقة التي كانت حينذاك عقيمة ~~وبطيئة، أما القسمة فلم يكن التلاميذ يتعلمونها؛ ليس لسبب ~~إلا أن المعلم نفسه كان يجهلها. # وكان التلميذ يتعلم شيئا عن قياس مساحة الأراضي بطريقة ~~بدائية عقيمة، وينتهي تعليمه الأولي إذا أتقن ما قدمنا من ~~العلوم. # بعد ذلك يتعلم ما يؤهله لعمل يسترزق منه في المستقبل، وإن ~~أراد التلميذ أن يعمل ككاتب عادي، فلا يحتاج للاستزادة من العلوم ~~عما قدمنا؛ لأن عمل الكاتب الصغير لا يخرج عن القراءة ~~والكتابة والحساب، أما إن كان في نيته أن يكون ضابطا في الجيش؛ ~~فلا بد له من الالتحاق بالمدرسة الحربية. # ولكي يكون كاهنا، كان يلتحق بجامعة معبد من معابد الأرباب، حيث ~~يتلقى - كما كان موسى يتلقى - كل ما أنتجه العقل المصري في ~~مختلف العلوم، ويقرأ كتب الدين التي تبحث عن الآلهة، والتي تكشف ~~النقاب عن سر الحياة بعد الموت، وعن المكان الذي تحل فيه ~~الروح بعد أن تترك أجسامها الفانية. # ونحن نجهل بعد ذلك ما لو كان التعليم يتناول تقويم الخلق وإعداد ~~الشاب للحياة الاجتماعية أم لا، وكل ما نعلمه أنهم كانوا ~~يعتنون عناية خاصة بتخريج الطفل، ويعودونه على احترام ~~الكبار؛ فلا يجلس ms27 وهم واقفون، ولا يخل بأدبه ووقاره أمامهم، ~~وعلى رأس هؤلاء الواجب احترامهم وتبجيلهم يضع الطفل والديه، ~~وخاصة أمه؛ لأن المصريين كانوا يخصون أمهاتهم ~~باحترام لا يطمع فيه كائن آخر. ولكي أبين ذلك أنقل للقارئ ~~نصيحة من أب لابنه؛ قال: ~~«يجدر بك ألا تنسى ما تكلفته أمك من المتاعب من أجل ~~راحتك وتربيتك، فلقد حملتك في بطنها، وغذتك صغيرا، ولم ~~تتركك أبدا، ثم تعهدتك بالتربية والتقويم ثلاث سنوات، ~~وأحاطتك بعين العناية والرأفة. ولما دخلت المدرسة لتنهل من ~~موارد العلم، كانت تحضر لك كل يوم غذاءك من الخبز ~~والجعة، فإن أهملتها بعد ذلك حق عليك لومها، وإن الرب ~~ليسمع شكواها ويستجيب دعاها.» # وربما كان أبناء اليوم لا يعملون بهذه النصائح، التي بقيت لنا ~~في أقدم كتب في العالم. # ولكن لا إخالك تظن أن حياة الطفل المصري لم تكن إلا ~~تربية وتعليما. # ففي أثناء العطلة تذهب العائلة المصرية إلى الغابات لتمضية ~~يوم في صيد الأسماك أو صيد الطيور، فإذا كانوا قاصدين صيد الأسماك ~~أنزلوا في الحال قاربا من قصب البردي، ثم حركوا مجاديفهم ~~وهم مسلحون بالحراب، وكانت حربة الصيد ذات شعبتين من ~~الأمام. وكانوا إذا رأوا الأسماك في باطن مياه البحيرات الهادئة ~~الصافية صوبوا نحوها الحراب ليصطادوها، وإن ساعد الحظ فقد ~~تصطاد الحربة سمكتين؛ سمكة في كل شعبة. # أما صيد الطيور بين المستنقعات فأعجب من ذلك بكثير، وفي هذه ~~الحالة لا تستعمل الحراب، وإنما يتسلحون بعصي مقوسة ~~تستعمل للرماية، ويستصحبون معهم مساعدا غير مألوف. # في هذه الأيام، يستصحب الصائد معه كلبا يدربه على إحضار ~~الصيد الذي يسقط من رشاش بندقيته، وكان للمصريين كذلك ~~كلاب يستعملونها في صيد الحيوانات، أما في صيد الطيور فكانوا ~~يدربون القطط بدلا من الكلاب. # يسير القارب بهم في المستنقع بين الغاب الكثيف؛ حيث يعيش البط ~~وغيره من الطيور المائية، ثم يقف في جهة تخفيه عن عيون ~~الطير. # فاذا طارت بطة أو إوزة صوب الأب أو ابنه نحوها عصاه، ~~وأطلقها بمهارة، فإذا أصابت الهدف ووقع الطير، جري نحوه القط ~~وأتى ms28 به إلى سيده من بين الغاب. # وكان فرح الأطفال بالصيد عظيما، ولم يكن ألذ عندهم من وجودهم ~~في القارب ينتظرون طيران طائر ليصطادوه. وإنه وإن لم يكن يعرفون من ~~فنون اللهو ما نعرف الآن؛ إلا أنهم فرحوا بما كان بين أيديهم كما ~~نفرح بما بين أيدينا. # الفصل السابع # | بعض الأساطير # كان الأطفال ذوو الوجوه السمر الذين يعيشون في مصر منذ ثلاثة آلاف ~~سنة مغرمين مثل أطفالنا بالقصص التي تبدأ ب «يحكى أن»، وسأقص ~~عليك الآن بعض القصص التي كانت تحكى لتاهوتي و«سن سنب» إذا خيم ~~الليل، وإذا انتهيا من عملهما المدرسي ولهوهما. # وهي أقدم قصص خرافية ولو أنها منسية الآن، وقد اخترعت قبل أن ~~يفكر أحد في كتابة قصة «جاك» و«بينستوك» بقرون ~~عديدة. # في ذات يوم دعا الملك خوفو(وهو الذي بنى هرم الجيزة الأكبر) أولاده ~~وعقلاء مملكته، ثم قال لهم: «هل فيكم من يستطيع أن يروي لي قصص ~~قدماء الساحرين؟» وهنا وقف الأمير بوفرا - ابن الملك - وقال: «مولاي، ~~سأروي لكم قصة غريبة حدثت في عهد الملك سنيفرو أبيكم ~~العظيم.» # فقد تضايق الملك يوما، وشعر بالسأم والضجر، ولم يجد ما ~~يفرج به عن نفسه الملل، وأخيرا قال لضباطه: «أحضروا إلي ~~الساحر زازامانخ.» فلما مثل بين يديه قال له الملك: «أيها ~~الساحر زازامانخ، لقد بحثت في جميع قصري، فلم أجد ما يذهب عني ~~الملل.» # فقال الساحر: «تفضل يا مولاي بالركوب في القارب، ودعه يسير ~~بنا في بحيرة القصر، ومر بإحضار عشرين فتاة ليحركن المجاديف، ~~وركب في القارب مجاديف من الأبنوس المرصع بالذهب والفضة، ~~ولا بد أن تفرج عنك يا مولاي بالنظر إلى طيور الماء، وشواطئ ~~البحيرة الجميلة، والحشائش الخضراء، وتعيد لنفسك سرورها.» # وركب الجميع في السفينة الجميلة، التي سارت بهم في بحيرة القصر، ~~وكان على كل جانب من جانبي السفينة تجلس تسع فتيات يجدفن، ~~أما الاثنتان الباقيتان، وكانتا أجمل الفتيات، فقد جلستا في مؤخر ~~السفينة بجانب الدفة، وأخذتا تنشدان لحنا خاصا للتجديف، ~~وابتدأ السرور يعاود الملك كلما توغل القارب داخل البحيرة، ~~وكانت ms29 المجاديف ترتفع في الهواء وتغوص في الماء على نغم الفتاتين ~~الجميلتين. # ولكن حدث أن مجداف إحدى الفتاتين الجميلتين لمس خطأ رأس الفتاة ~~الثانية، فسقط تاج فيروزي صغير كان على رأسها، فتوقفت عن ~~التجديف وعن الغناء، وتوقفت الفتيات اللائي في صفها كذلك. فسأل ~~الملك: «لم توقفتن عن العمل؟» # فأجابت الفتاة: «ذلك لأن تاجي الفيروزي سقط في الماء.» فقال الملك: ~~«استمري في الغناء، وسأعطيك واحدا غيره.» ~~- «أريد تاجي القديم، ولا أرغب في امتلاك سواه.» # فدعا الملك الساحر، وقال له: «لقد سر قلبي لاتباعي مشورتك، ~~ولكن سقط تاج هذه الفتاة في الماء، ودعاها ذلك للسكوت، مما جعل ~~جميع فتيات صفها يتوقفن عن التجديف، وهي ترغب في استعادة التاج ~~المفقود.» # وهنا وقف الساحر في القارب، وفاه بكلمات غريبة غامضة. # وعلى أثر ذلك ارتفعت المياه الموجودة في نصف البحيرة، وتجمعت على ~~سطح مياه النصف الآخر، حتى ارتفعت بذلك المياه إلى علو عظيم، ~~ووقفت سفينة الملك على سطح المياه العالية، وظهر قعر البحيرة في النصف ~~الآخر منها وما فيه من الأصداف المتلألئة تحت أشعة الشمس، ~~ورؤي التاج الصغير على صدفة مكسورة، فقفز الساحر وأتى به، ~~ورجع إلى السفينة، ثم فاه مرة أخرى بكلمات غريبة، فرجعت ~~البحيرة إلى ما كانت عليه أولا. # أمضى الملك يوما سعيدا، ووهب للساحر مالا وهدايا. # ولما أتم ابن الملك قصته سر بها الملك، ولهج لسانه ~~بمدح القدماء والثناء على أعمالهم. # ثم قام ابن آخر له هو الأمير «هورداديف» وقال: «أيها الملك، هذه ~~قصة من قصص الأيام الغابرة، ولا يستطيع أحد أن يجزم بصحة ~~خبرها أو كذبه، أما أنا فسوف أقدم بين يديك ساحرا يعيش في ~~زماننا هذا.» ~~- «من هذا الساحر يا هورداديف؟» ~~- «اسمه ديدي، وعمره مائة وعشرة أعوام، وطعامه اليومي خمسمائة ~~رغيف، وشرابه مائة إبريق من الجعة، وهو - بفنونه السحرية - يستطيع ~~أن يثبت رأسا فصل عن جسمه، وله القدرة على أن يخضع أسد ~~الصحراء له ويجعله يتبعه ذليلا مستكينا، ويعرف سر منزل ~~الرب الذي طالما تشوقت لمعرفته.» # وفي الحال أمر الملك ابنه ms30 بإحضار الساحر، وصدع الأمير للأمر، وأتى ~~به في القارب الملكي. # وخرج الملك إلى فناء القصر، ومثل ديدي بين يديه، فسأله الملك : ~~«لم لم أرك من قبل يا ديدي؟» وأجابه الساحر: «وهبك الرب ~~الحياة والصحة والقوة أيها الملك؛ إن المرء لا يحظى ~~بالمثول بين يديك إلا إذا دعوته!» ~~- «هل صحيح أنك تستطيع أن تثبت رأسا فصل عن جسده؟» ~~- «هذا صحيح يا مولاي.» # فقال الملك: «أحضروا سجينا، واقطعوا رأسه، وسنري كيف تثبته في ~~جسمه.» ~~- «أطال الرب عمرك أيها الملك؛ الأوفق أن نقطع رأس حيوان أو ~~طير على أن نفصل رأس إنسان.» # وأتوا بإوزة وقطعوا رأسها، ثم وضعوا الرأس في ركن والجسم في ~~ركن آخر، ووقف الساحر يتمتم بكلمات غامضة، فحدث ما يعد ~~معجزة؛ إذ تحرك الرأس نحو الجسم، وسار الجسم ناحية الرأس، ثم ~~التصقا ببعضهما كما كانا، وقامت الإوزة على قدميها أمام عرش ~~الملك، ثم صاحت. # ثم أعاد ديدي التجربة على رأس ثور ضخم، ولما شاهد الملك ذلك ~~قال للساحر: «وهل حقيقي تعرف سر منزل الرب؟» ~~- «نعم؛ هذا صحيح، ولكني لست أنا الذي أستطيع أن أعلمك ~~به.» ~~- «إذن من الذي يستطيع؟» ~~- «هو الولد الأكبر للسيدة «رد ديديت»، زوجة كاهن رع إله الشمس ~~وقد وعده رع بأن أولاده الثلاثة سوف يحكمون مملكتكم.» # ولما سمع الملك هذه الجملة اضطرب قلبه، وظهرت على وجهه علامات ~~القلق، فقال ديدي: «لا تضطرب أيها الملك؛ فسوف يحكم بعدك ابنك، ~~وسوف يحكم بعده ابنه، ولكن بعد هذا الحفيد سيئول العرش إلى أحد ~~الأبناء الثلاثة». # وأمر الملك بأن يقيم الساحر في القصر، وأن يقدم له يوميا ~~مائة رغيف، ومائة إبريق من الجعة، وثور، ومائة بصلة. # ولما ولد الأولاد الثلاثة أرسل إليهم رع أربع ربات ليكن ~~مربياتهم. # وقد جئن في لباس الراقصات المرتحلات، وجاء معهن رب في زي ~~حمال، فلما ربين الأطفال الثلاثة قال لهن زوج رد ديديت: ~~«أيتها السيدات، أي أجر تطلبن؟» # ثم أعطاهن أكياسا مملوءة شعيرا، وذهبن بعد أن أخذن ~~أجرهن. # ولما بعدن مسافة قصيرة قالت رئيستهن وهي إيزيس: ms31 «لم لا ~~نفاجئ الكاهن بأعجوبة؟» وعليه فقد صنعن تيجانا منها تاج مصر ~~الأحمر، وتاجها الأبيض وأخفينها في كيس الشعير، ووضعنه في مخزن «رد ~~ديديت»، وذهبن إلى حال سبيلهن. # وبعد مضي أسبوع - وكانت رد ديديت تصنع بيرة لأهل المنزل - ~~أرسلت خادمة لها إلى المخزن؛ لتحضر كيسا مملوءا شعيرا. وذهبت ~~الفتاة إلى المخزن، ولكنها لم تمكث فيه دقيقة حتى سمعت نغمات ~~شجية وصوت غناء ورقص مما لا يسمع مثيله إلا في قصر الملك، ~~فارتعبت الفتاة، ورجعت لسيدتها وأخبرتها بالأمر، ونزلت السيدة ~~فسمعت الموسيقى الملكية، ولما حضر زوجها أخبرته عن قصة الغناء، ~~وعلم من ذلك أن أولاده سيحكمون مصر، وقد باتت الأسرة هذه الليلة ~~على أسعد ما يكون. وبعد مدة قصيرة من هذه الحادثة، بدا من تصرف ~~الخادمة ما حمل سيدتها على طردها بعد ضرب موجع. وقالت ~~الخادمة لخدم المنزل وهي تودعهم: ~~«هل يصح أن تعاملني هذه المعاملة؟ لقد ولدت ملوكا، وسأنقل ~~خبرهم إلى الملك خوفو.» وانصرفت إلى عمها، وأخبرته بما عقدت العزم ~~على عمله، ولكنه غضب من ذلك، ولم يرض أن تخون الأطفال الأبرياء، ~~وضربها بسوط ضربا أليما. # وتركت منزل عمها وهامت على وجهها، وبينما هي تسير على شاطئ ~~النيل، ظهر تمساح فجأة وجذبها إليه، واختفى بها في الماء. # وهنا - للأسف - تنتهي القصة، ولم نعرف هل حاول خوفو قتل الأطفال ~~أم لا؛ فإن أوراق البردي مفقودة، لا يعلم أحد عنها شيئا. # ولكنا نعلم أن الملوك الثلاثة الذين خلفوا أسرة خوفو في حكم ~~مصر، كانوا يحملون أسماء كأسماء أولاد كاهن رع. # هذه هي أقدم الأساطير في العالم، وقد لا تكون جميلة جذابة بحيث ~~تستثير إعجابك، ولكن يلزم أن تعلم أن لكل شيء بداية، وأن الذين ~~كتبوا هذه القصص لم يكونوا مدربين في فن القصص كما نحن ~~الآن. # الفصل الثامن # | بعض الأساطير # أما هذه القصة التي سأرويها الآن، فقد كتبت في زمن أحدث بمئات ~~السنين من القصص التي رويتها في الفصل السابق. وأستطيع أن أقول ~~إن الأطفال المصريين القدماء كانوا ينظرون إليها كما ينظر ms32 الأطفال ~~الآن إلى قصة السندباد البحري، وإنهم كانوا يشعرون بلذة في ~~أثناء تلاوتها تعادل ما يشعر به أطفالنا الآن في أثناء قراءة ~~السندباد البحري. # وهي تدعى «قصة ملاح السفينة المكسورة»، والملاح نفسه هو ~~الذي يقصها لنبيل مصري؛ حدث الملاح، قال: # أبحرت سفينتي على قصد التجوال حول ملك فرعون العظيم، وكانت ~~سفينتنا من أعظم السفن؛ لا يقل طولها عن 225 قدما وعرضها عن ~~60 قدما، وكان عدد ملاحيها 150 رجلا من صفوة ملاحي القطر؛ ~~شداد القلوب كالأسود، وكنا جميعا سعداء، يصور لنا الأمل ~~رحلة جميلة وعودا هنيئا. ولكن عند اقترابنا من أحد الشواطئ هبت ~~عاصفة عظيمة أثارت الأمواج ثورانا عظيما، حتى ارتفعت ~~كالجبال العالية، فغرقت سفينتنا الجميلة وغمرتها المياه، وذهب ~~كل مجهود بذلناه لإنقاذها سدى. # وكان من حسن حظي أن تعلقت بقطعة خشب كبيرة، حملتها المياه ~~وأنا عليها ثلاثة أيام طوال، حتي رست بي على شاطئ جزيرة، وكنت ~~إذ ذاك وحيدا؛ فقد غرق كل من كان معي على ظهر الباخرة، فرقدت ~~تحت غصون بعض الأشجار وقد أنهكت قواي. # ومكثت على هذه الحالة مدة لم أعرف قدرها، حتى استرددت بعض ~~نشاطي، فقمت باحثا عن طعام، ولم أبذل جهدا في ذلك؛ لأن الجزيرة كانت ~~غنية بالفواكه، كالتين والأعناب وكافة الحبوب وأنواع الطيور، ~~فأكلت حتى شبعت، وأوقدت نارا، ثم قدمت تضحية للآلهة؛ ~~معبرا عن الشكر والحمد لتفضلها علي بالحياة والنجاة بعد ~~الموت المحقق. # وجلست مفكرا، ثم دوى في الفضاء صوت صارخ كالرعد القاصف ~~أزعج السكون الشامل، وهز الأشجار، وزلزل الأرض. فنظرت حولي ~~بخوف مستطلعا فرأيت ثعبانا هائلا يزحف نحوي، وكان طوله خمسين ~~قدما، وطول شوكته ثلاث أقدام، وكان جسمه يتلألأ تحت أشعة الشمس ~~كالذهب. ولما اقترب مني التف حول نفسه، حتى صار كعمود ~~مرتفع ذي حلقات، فارتعبت، وسقطت على وجهي من شدة الخوف والفزع، ~~فابتدرني قائلا: ~~«ما الذي أتى بك إلى هنا أيها الشيء الصغير؟ ما الذي أتى بك ~~إلى هنا؟ تكلم؛ إنك إن لم تخبرني سريعا عما أتى بك إلى هذه ~~الجزيرة فسأفنيك ms33 كما يفنى اللهب.» # ولم يتم حديثه حتى أخذني في فمه، وحملني إلى وجاره، وتركني ~~على الأرض، ولم يمسني بأي سوء، ثم قال ثانيا: # ما الذي أتى بك إلى هنا أيها الشيء الصغير؟ ما الذي أتى بك إلى ~~هذه الجزيرة؟ # وهنالك قصصت عليه تاريخ رحلتي، من وقت إبحارنا إلى مصر، حتى ~~ساعة غرق السفينة، وأخبرته كيف غرق زملائي ونجوت وحدي، فقال ~~لي: ~~«لا تخف أيها الصغير، وامسح مسحة الحزن عن وجهك. إذا كنت أتيت ~~إلى هنا، فالرب هو الذي أرسلك إلى هذه الجزيرة المملوءة بالخيرات. ~~اسمع الآن؛ ستقيم هنا أربعة أشهر، وفي نهايتها ستقدم سفينة من ~~وطنك إلى هذه الجزيرة، وستعود فيها إلى وطنك آمنا، حيث تموت في مسقط ~~رأسك. وإن أردت أن تعلم شيئا عني فاعلم أني أقيم هنا مع رفقاء ~~لي ومع أولادي، وعددنا جميعا خمسة وسبعون، وبجانب ذلك كانت توجد ~~فتاة صغيرة أتى بها القدر إلى هنا، وقد حرقت بنار من السماء. ~~وإذا كنت قويا وصبورا فسوف تعانق أولادي وزوجتي، وتعيش معنا ~~سعيدا حتى تعود إلى وطنك.» # وهنا انحنيت أمامه باحترام، ووعدته بأن أقص خبره لفرعون، وأن ~~أعود إليه بسفن محملة من جميع كنوز مصر، التي لا يوجد مثيل ~~لها في البلدان الأخرى. ولكنه ابتسم لكلامي، وقال: ~~«ليس في بلادك ما أرغب فيه، لأني أمير بلاد «بنت»، وكل كنوزها ~~ملك لي، وفوق ذلك فإنك بعد أن ترحل من هنا لن ترى هذه الجزيرة ~~مرة أخرى؛ لأنها ستكون حينذاك أمواجا كأمواج البحر.» # وانتظرت أربعة أشهر، وقد صدقت كلمة الثعبان، وأتت السفينة ~~الموعودة، وقد حدثني الثعبان قائلا: «وداعا وداعا، اذهب الآن ~~إلى وطنك أيها الصغير وتمتع برؤية أطفالك بعد هذا الغياب، ولا ~~تذكر اسمي إلا بالخير؛ هذا كل ما أرغب فيه.» # وودعته، وركبت السفينة بعد أن زودني بعطايا نفيسة، مثل العاج ~~والأخشاب وغيرهما. # وقد وصلنا أرض مصر بعد شهرين في الماء، وسأحظى بالمثول بين يدي ~~فرعون، وأقص له قصتي، وأقدم له هدايا الثعبان، وسوف يشكرني ~~الملك في حضرة عظماء مصر ms34 ا.ه. ~~••• # أما القصة الأخيرة، فقد كتبت بعد قصة السفينة السابقة ~~بمدة طويلة. # في سنة 150 قبل الميلاد، حكمت مصر أسرة مالكة اشتهرت بميلها ~~الحربي ، وقد أسس أفرادها إمبراطورية كانت من السودان جنوبا إلى ~~سوريا وناهارينا شمالا، وكانت هذه الإمبراطورية أرضا مجهولة قبل ~~فتحها وامتلاكها، فكانت هذه الأرض مثل أمريكا على عهد الملكة ~~إليزابث. # وهذه القصة هي «الأمير المقضي عليه بالهلاك» التي سأرويها لك، ~~تمثل بعض أدوارها في ناهارينا، والبعض الآخر في مصر، وهي - كما ~~سترى - تمت بأسباب كبيرة إلى قصصنا الخرافية الحديثة. # يحكى أنه كان بمصر ملك لم يلد وارثا لعرشه، وقد أورثه ذلك ~~حزنا دائما، وكان كثيرا ما يصلي للآلهة ويضرع إليها أن تهبه ~~طفلا؛ فأصغت الآلهة إلى تضرعاته ووهبته طفلا. ولما جاءت ~~«جداته» ليكشفن الستار عن مستقبله، قلن: «سيكون موته على يد ~~تمساح أو ثعبان أو كلب.» ولما سمع الملك ذلك زال عنه السرور، ~~وعاد إلى الحزن والألم، وبعد تفكير طويل عزم على حفظ الطفل في ~~مكان حريز حيث لا يمكن أن يصل إليه ضرر أو سوء، وبنى له قصرا ~~بعيدا في الصحراء، وأثثه بأفخم الأثاث، وأرسل إليه الطفل تحت ~~رعاية خدم أمناء يحرسونه ويسهرون على راحته. وهكذا نما الطفل ~~وكبر في هذا القصر، بعيدا عن العالم وما فيه. # ولكن في ذات يوم وكان الطفل واقفا على سطح القصر رأى رجلا يسير ~~في الصحراء يتبعه كلب، فقال للخادم الذي معه: «ما هذا الذي يتبع ~~الرجل؟» ~~- «إنه كلب.» ~~- «أحضر لي واحدا مثله.» # ثم إن الخادم ذهب إلى الملك وأعلمه بالخبر، فقال الملك: «ابحث ~~له عن جرو (كلب صغير) وخذه إليه حتى لا يحزن.» # ونفذ الخادم أمر الملك، واشترى للأمير كلبا صغيرا. # وشب الأمير وترعرع، وشعر بالملل والضجر من وجوده وحيدا في ~~القصر، ولما نفد صبره أرسل لأبيه رسالة جاء فيها: ~~«ولماذا تحبسني هنا دائما؟ إن كان الموت مقدرا لي على يد أحد ~~الحيوانات الثلاثة، فدعني أنال في الدنيا ما أشتهي، وليقض الرب ~~ما يريد.» # واقتنع الملك برأي الأمير، فأعطوا ms35 للأمير سلاحا، وذهبوا معه إلى ~~الحدود الشرقية، وقالوا له: «اذهب حيث تشاء.» فسار صوب الشمال ~~وكلبه يتبعه، حتى وصل إلى ناهارينا. # وكان لحاكم هذه البلاد بنت واحدة بنى لها قصرا عجيبا، شيده ~~على قمة صخرة شاهقة يزيد ارتفاعها على مائة قدم، وكان بالقصر سبع ~~نوافذ. # وقد جمع الحاكم أبناء حكام البلد الصغار، وقال لهم: ~~«ستكون ابنتي زوجة من يستطيع منكم تسلق الصخرة والدخول من ~~إحدى النوافذ.» # وقد عسكر الأمراء حول الصخرة المشيد عليها القصر، ثم أخذوا ~~يحاولون تسلق الصخرة كل يوم، ولكن واحدا منهم لم يستطع ~~الوصول إلى النافذة؛ لأن الصخرة كانت مرتفعة وعظيمة ~~الانحدار. # ففي ذات يوم وهم في محاولتهم مر بهم الأمير المصري وكلبه ~~الأمين، فرحبوا به، وأعطوا له زادا هو وكلبه، وسألوه: ~~«من أين أتيت أيها الشاب النبيل؟» # ولم يرغب في أن يخبرهم بأنه ابن فرعون مصر، فأجاب: ~~«أنا ابن ضابط مصري، وقد تزوج أبي أخرى، ولما ولدت أطفالا ~~كرهتني أشد الكره، وطردتني من منزل أبي.» # فضموه إلى رفقتهم، وعاش بينهم، ثم سألهم: ~~«لماذا تقيمون هنا؟ ولماذا تحاولون تسلق هذه الصخرة؟» # فأخبروه عن الأميرة الجميلة التي تعيش في القصر، وكيف أن أول من ~~يصل إلى نافذتها يتزوجها. # واشترك الأمير معهم، ونجح في الوصول إلى الغرض، ولما رأته أحبته ~~وقبلته. # وفي الحال نمى الخبر إلى مسامع الحاكم، ولما سأل الذي أوصل له ~~الخبر عن الأمير الذي ظفر بابنته أجاب الرجل: ~~«هو ليس أميرا؛ إن هو إلا ابن ضابط مصري، طردته زوجة أبيه من ~~المنزل.» # فثار غضب الحاكم، وقال: «هل تتزوج ابنتي مصريا متشردا؟ ~~أرجعوه إلى مصر.» # ولما رجع الرسول إلى الأمير، وأعلمه بإرادة الحاكم القاضية ~~بإقصائه عن ملكه، أمسكت الأميرة بيده، وقالت: «إذا أبعدتموه عني، ~~فسوف لا آكل ولا أشرب حتى أموت في أقرب وقت.» # فأرسل الأب رسلا ليقتلوا المصري، ولكن الأميرة تعرضت لهم، ~~وقالت: «إن قتلتموه ستجدونني ميتة قبل غروب الشمس؛ لن أعيش ساعة ~~واحدة بعيدة عنه.» # وعلى ذلك وافق الحاكم على كره وتزوج الأمير من الأميرة، ms36 ووهب ~~الحاكم لهما قصرا وعبيدا وخيرا جزيلا. # وبعد مضي زمن طويل قال الأمير للأميرة: «كتب لي الموت إما ~~بيد تمساح أو ثعبان أو كلب .» ~~- «إذن، لماذا تحفظ بجانبك هذا الكلب؟ دعنا نقتله!» ~~- «كلا؛ لن أقتل كلبي الأمين، الذي نشأ عندي منذ كان جروا ~~صغيرا.» # وامتلك قلب الأميرة الخوف على حياة زوجها، فما كان يبعد عن عينها ~~لحظة. # وبعد أعوام رجع الأمير وزوجته وكلبه إلى مصر؛ حيث أقام الجميع في ~~سعادة واطمئنان. # وفي ذات مساء، استولى نوم عميق على الأمير، وملأت الأميرة إناء ~~لبنا، ووضعته بجانبه، ثم جلست ترقبه بعينيها الساهرتين، فرأت ~~حية عظيمة تزحف نحو الأمير، فأمرت الخدم أن يقدموا لها اللبن، ~~فأقبلت عليه تشرب منه حتى لم تستطع حراكا. # وهنا قتلت الأميرة الحية بعدة طعنات من خنجرها. # ثم إنها أيقظت زوجها، الذي كانت دهشته عظيمة عندما رأى الحية ~~الميتة بجانبه. وقالت زوجته: ~~«لقد نجاك الرب من الخطر الأول، وسينجيك من ~~الآخرين.» # هنالك قدم الأمير للآلهة تضحية، وشكرها من أعماق قلبه. # وفي يوم من الأيام ذهب الأمير للتمشي في أملاكه يتبعه كلبه ~~كالمعتاد، وفي أثناء سيرهما جرى الكلب في جهة معينة لغرض خفي عن ~~الأمير، ولكنه تبعه في الحال حتى اقتربا من النيل، وسار الكلب ~~ناحية الشاطئ والأمير خلفه، وهنا ظهر للأمير تمساح عظيم أمسك ~~بالأمير، وقال: ~~«أنا مقدورك؛ أتبعك حيثما سرت.» # وهنا تنتهي القصة بلا نهاية، ولم توجد بعد بقية لفات البردي، ~~ونحن تبعا لذلك لا نعرف ما حدث للأمير، وأظن أنه نجا من التمساح ~~بمساعدة الكلب، ثم إنه مات بواسطة الكلب الأمين الذي يحبه ويخلص ~~له. # وعلى كل حال، فنهاية القصة كانت حتما بموت الأمير؛ لأن ~~المصريين كانوا راسخي الإيمان بالقدر، وبأنه لا يمكن لإنسان أن ~~يحول إرادته عما ينوي فعله بالإنسان. ولربما يعثر بعض ~~المستكشفين الذين يجوبون أرض مصر بحثا عن آثارها، بأوراق البردي ~~الباقية، وسنعرف وقتئذ ما إذا كان الكلب هو الذي قتل الأمير، أو أن ~~الآلهة نجته من الأخطار الثلاثة كما أملت بذلك زوجته. # هذا ms37 مثل من القصص التي كان يستمع إليها الأطفال كل مساء إذا ~~أنهكهم التعب من اللعب والجري، وقد تراها بسيطة عارية من كل ~~جمال أو لذة، ولكن لا ريب عندي أنه لما كانت تروى قديما، فإن ~~عيون الأطفال السود لمعت بنور الإعجاب والدهشة، ولا بد أن ~~الساحر الذي يفصل الرأس ويثبته ثانيا كان موضع إعجاب الجميع، ~~وأن التمساح الذي يتكلم كان يخيل إليهم أنه حقيقة لا مراء ~~فيها ولا جدال. # وعلى كل حال، لقد قرأت الآن أقدم الأساطير، وهي أجداد - إن صح أن ~~نقول ذلك - القصص العظيمة الحاضرة، التي تنال إعجاب الأطفال، وتدخل ~~السرور لقلوبهم الصغيرة في كل زمان ومكان. # الفصل التاسع # | استكشاف السودان # لا توجد رواية أمتع من رواية استكشاف القارة المظلمة «أفريقيا»؛ ~~لقد استكشفت جزءا جزءا، حتى انتهى الأمر بمعرفة الأسرار العظيمة ~~التي ظلت مدفونة في جوفها أعواما لا عداد لها. # ولكن هل يمكن تصور طول هذه القصة، التي بدأ الفصل الأول منها ~~منذ أحقاب لا تعد؟ # ونحن نقرأ هذا الفصل باللغة المصورة الأنيقة - التي كان يكتب بها ~~قدماء المصريين - على جدران المقابر، في الجزء الجنوبي من مصر، ~~في مكان يدعى «أليفانتين». # في الأزمنة القديمة، كانت حدود مصر الجنوبية تقف عند الشلال ~~الأول، حيث تنصب مياه النيل في سيول عظيمة. # ولقد اختفى ذلك الشلال الآن؛ لأن المهندسين الإنجليز بنوا ~~سدا عظيما في عرض النهر في هذه النقطة، وتحول الجزء الذي ~~يلي هذا السد من جهة الجنوب إلى بحيرة كبيرة، أما في تلك ~~الأيام الغابرة، فكان المصريون يعتقدون أن النيل - الذي يدينون ~~له بكل شيء - ينبع عند الشلال الأول. # ومع ذلك فكانوا يعرفون شيئا عن مملكة نوبيا المتوحشة الكائنة خلف ~~الشلال؛ لأنه قبل خمسة آلاف سنة كان المصريون يرسلون - بين ~~آن وآخر - حملات استكشافية إلى الأرض شبه الصحراوية، التي نعرفها ~~الآن باسم السودان. # على مقربة من الشلال الأول، كانت توجد جزيرة إليفانتين، ~~ولما كانت المملكة المصرية صغيرة تركت أمر تأديب القبائل النوبية ~~التي كانت تغير على الحدود الجنوبية، إلى الأمراء ms38 الذين كانوا يحكمون ~~الجزيرة المذكورة، وحملتهم مسئولية حماية القوافل المصرية، فكانوا ~~في كثير من الأحايين يقودون القوافل داخل الصحراء. # وكانت القافلة في ذلك الوقت تختلف تمام الاختلاف عما تتصوره الآن ~~عند ذكر اسمها من صف الجمال الذي يخترق الصحراء. نعم؛ لقد وجد ~~الجمل في مصر قبل بدء التاريخ، ولدينا صور تثبت ذلك ولكنه - ~~لسبب نجهله - اختفى منذ مئات السنين؛ فلم يستعمله الفراعنة الأمراء، ~~واستبدلوا به الحمار، الذي كان يحمل لهم العاج والذهب، والأبنوس ~~الذي كان يستجلب من السودان. # وكان أمراء جزيرة أليفانتين يحملون لقب حرس الباب الجنوبي، أو ~~قواد القوافل. ولم تكن قيادة القافلة أمرا سهلا، ولم يكن الرجوع ~~بها وبكنوزها مع النجاة من غزو القبائل النوبية متيسرا دائما، ~~وكم من أمير رحل على رأس قافة لا ليعود بالكنوز؛ بل ليترك عظامه ~~وعظام رفقائه بين رمال الصحراء. # ويخبرنا أحدهم كيف أنه لما علم بموت أبيه في الصحراء جمع ~~أتباعه وسار جنوبا وخلفه مائة حمار، ثم أنزل بالقبائل التي قتلت ~~والده وأبادت قافلته أشد أنواع العقاب، وأحضر معه عند عودته لوطنه ~~جثة والده؛ ليدفنها بما تستحقه من الشرف والتقدير. # ويمكن قراءة أخبار هذه الرحلات - وهي أول مجهود إنساني بذل ~~في سبيل الاستكشاف - على جدران مقابر عظماء المستكشفين القدماء. وقد ~~أخبرنا أحد الأمراء المدعو هيركوف عن أربع رحلات قام بها إلى ~~السودان. ففي الرحلة الأولى كان مع أبيه، وقد غاب عن وطنه ما ~~يقرب من سبعة أشهر، وفي الرحلة الثانية سمح له أن يذهب بمفرده، وقد ~~عاد بقافلته آمنة بعد غياب ثمانية أشهر، وقد توغل في رحلته ~~الثالثة أكثر من قبل، وجمع كميات كبيرة من العاج والذهب؛ ~~حتى إنه اقتضى حملها ثلاثمائة حمار، ولما كانت مثل هذه القافلة مما ~~يغري نفوس النوبيين ويثير جشعهم؛ فقد اتفق هيركوف مع أحد ~~رؤساء القبائل على إرسال حملة معه لحمايته. وهكذا سارت القافلة في ~~مأمن من طمع رجال القبائل وكيدهم، الذين لم يفكروا في مهاجمتها؛ ~~بل أظهروا استعدادهم لمد يد المعونة للقائد المصري، وتزويده ~~بالقطعان والرجال. ms39 # ولما رجع هيركوف إلى مصر محملا بالكنوز سر الملك بنجاحه، ~~حتى إنه أرسل إليه رسولا خاصا في قارب مملوء بما لذ وطاب؛ ~~إظهارا لإعجابه وتقديره. # وكانت الحملة الرابعة أعظم نجاحا من سابقاتها، وكان الملك الذي ~~تمت الرحلات الثلاث الأولى في عهده قد مات، وتولى عرشه طفل ~~يدعى «بيبي»، وكان في السادسة من سني حياته، وقد حكم تسعين ~~عاما، وهو أطول عهد أمضاه ملك على عرشه. # ففي العام الثاني لجلوس بيبي على العرش، خرج الرحالة على رأس ~~قافلته للمرة الخامسة، وقد أحضر معه شيئا آثره الملك أكثر على ~~الذهب والعاج. # أنت تعلم أنه لما ذهب ستانلي في البحث عن أمين باشا اكتشف قوما في ~~غابات أواسط إفريقيا، كلهم أقزام يعيشون في عزلة عن العالمين، ~~ويخشون لذلك الغرباء. # والظاهر أن أجداد هؤلاء الأقزام كانوا يعيشون في مكان أقرب ~~للسودان ومصر من المكان الذي عثر عليهم فيه ستانلي. وقد حدث أن أحضر ~~أحد رحالة المصريين قزما من هؤلاء إلى قصر فرعون؛ ليسر ~~الملك بشكله الغريب. # وكان من حسن حظ هيركوف أن فكر في إحراز قزم يهديه للملك ~~الصغير، ليضمه إلى لعبه الخشبية، ولما سمع الملك الطفل عن ~~هذا القزم سر سرورا عظيما، وقد كان مجرد التفكير فيه ~~يدخل لقلبه سرورا يصغر بجانبه سروره بالكنز العظيم الآتي إليه مع ~~القزم. # وأمر بكتابة خطاب لهيركوف، يظهر فيه سروره وإعجابه، ويطلب منه ~~أن يعتني بالقزم اعتناء عظيما؛ حتى لا يصيبه ضر أو ~~سوء. # والخطاب بما فيه من جمل غريبة، لا يختلف عن أي خطاب يكتبه ~~طفل ينتظر لعبة جديدة. كتب فرعون الصغير: ~~«ترغب جلالتي في امتلاك هذا القزم أكثر من جزية بلاد بنت، وإذا ~~أحضرته إلى القصر سليما، فسيجزيك جلالتي خيرا مما جزى الملك أسا ~~مستشاره بورديد» (وهذا المستشار هو الذي أحضر القزم في الأيام ~~القديمة). # ثم أرسل الملك أناسا يوافونه بالأخبار عن القزم، بعد أن أمرهم ~~بحراسته. # فكانوا يسهرون أمام الغرفة التي ينام فيها، وينظرون إلى وجهه عشر ~~مرات ليتأكدوا من وجوده حيا سليما. ولا ms40 شك أن القزم قد كابد ~~آلاما كثيرة من هذه المراقبة، فكيف يذوق الراحة مثلا إذا كانوا ~~يوقظونه عشر مرات ليلا ليتأكدوا أنه حي يرزق ، وأنه سليم ~~معافى؛ لربما كان الخطر الذي يهدد حياته من شدة عنايتهم به ~~أعظم مما ينجم لو ترك لنفسه! وعلى كل حال، فقد وصل هيركوف ~~سليما ومعه القزم، ولا ريب أن القزم كان أحسن من جميع لعب الملك، ~~كما كان أحبها إلى نفسه. # ويعجب الإنسان؛ كيف كانت حال القزم وهو يشاهد المدن المصرية ~~العظيمة بقصورها الشاهقة؟ وهل لم يحن يوما إلى حريته الكاملة ~~في موطنه؟ # وقد بلغ افتخار هيركوف برسالة الملك أن أمر بنقشها على جدران قبره ~~حرفا حرفا، ويمكن قراءتها إلى اليوم، وهي تخبرنا عن أول حملة ~~استكشافية ذهبت إلى السودان، وتدلنا بذلك على قدم عهد رواية ~~استكشاف القارة المظلمة، كما تدلنا على أن الطفل طفل دائما، ~~ولو عاش قبل الآن بآلاف السنين وكان على عرش مملكة عظيمة. # الفصل العاشر # | رحلة استكشافية # منذ 3500 سنة، حكمت مصر ملكة عظيمة، ولم يكن ذلك مألوفا في مصر، ~~ولو أن النساء كن موضع الاحترام والتجلة دائما؛ فقد كانوا ~~يجلون أم الملك، ويضعونها في منزلة تماثل منزلة أبي الملك ~~احتراما وتعظيما. # وقد جلست على العرش، وأدارت شئونه بمهارة فائقة، وتركت خلفها ~~كنزا من الشهرة والعظمة خلد على مر السنين والأعوام، وهي ~~تعد من بين أعظم النساء في العالم، أمثال الملكة إليزابث والملكة ~~فيكتوريا. # وقد بقيت الملكة حتشبسوت عهدا طويلا، وهي تشترك مع زوجها في حكم ~~مصر، وفي أواخر أيامها أشركت معها في الحكم ابن أخيها ووريثها، ~~ولكنها حكمت بمفردها ما لا يقل عن عشرين عاما، ساست في ~~أثنائها الرعية بحذق وحكمة. # وأهم ما يلفت الأنظار في قراءة تاريخها، هو هذه الرحلة التي ~~أمرت جزءا من أسطولها بالقيام بها. ولقد قام المصريون برحلات ~~بحرية في البحر الأحمر إلى أرض تدعى «بنت» أو «الأرض المقدسة»، ~~قبل حكم حتشبسوت بقرون، ومحتمل أن تكون بنت هذه جزءا من الصومال ~~الحالي. # ولكن أوقف تيار ms41 هذه الرحلات، ولم يعد يعرف الناس شيئا عن هذه ~~الأرض؛ اللهم إلا ما تناقلته العامة عاما بعد عام، وجيلا بعد ~~جيل، أو ما روته القصص القديمة. # وتخبرنا الملكة أنها في يوم من الأيام وكانت تصلي في معبد ~~آمون شعرت بوحي ينزل عليها من الإله، يأمرها بأن ترسل حملة إلى ~~تلك الأرض المنسية. «سمع أمر الإله في المعبد بأن الطريق المؤدية ~~لبنت ينبغي استكشافها، وأن الطريق الموصل لأشجار البخور يجب أن ~~يمهد للسير.» # وطاعة لهذا الأمر؛ جهزت الملكة أسطولا صغيرا، وملأته بنخبة من ~~الملاحين، وكان منهم مندوب لها، وأبحرت السفن في البحر الأحمر ~~للبحث عن الأرض المقدسة، وقد حملوا في السفن بضائع مصرية على ~~أمل أن يبادلوها بكنوز بنت. # ونحن نجهل الزمن الذي استغرقه الأسطول في البحث عن الأرض المجهولة، ~~وقد كان السفر في البحر في تلك الأزمان محفوفا بالمخاطر والأهوال، ~~ولكنا نعلم أن السفن وصلت آمنة. # وأول ما رأوا أمامهم منازل البنتيين، وكانت مبنية على تلال، ~~حتى إنه لا يمكن الصعود إليها إلا بواسطة سلالم، وكانت ضيقة ~~وملتصقة مثل خلايا النحل. # ولم يكن سواد الأهالي زنوجا ولو أنه وجد ذلك العنصر بينهم ~~وكانوا على العموم يشبهون المصريين في مظهرهم. لهم لحى طويلة، ~~وعلى أجسامهم جلود الأسود، وترتدى النساء ملابس صفراء بلا أكمام، ~~وتصل أطرافها إلى وسط الساق. # وقد نزل «نيهسي» نائب الملكة إلى البر، وصحبه ضابط وثمانية من ~~الجنود، ولكي يبين أنه آت في حملة سلمية؛ قدم لرئيس ~~البنتيين بعض الهدايا، كالحراب والسيوف والخناجر الذهبية، ~~ومثل هذه الهدايا يقدمها المستكشف الأوربي - الآن - إلى رئيس ~~القبيلة الإفريقي. # وقدم الأهالي من جميع الجهات ليشاهدوا الغرباء وسفنهم وهداياهم، ~~فملكتهم الدهشة، وسألوا المصريين: # كيف وصلتم إلى هذه الأرض وهي مجهولة من جميع الناس؟! هل جئتم عن ~~طريق السماء، أم عن طريق البحر المقدس؟ # وتقدم إلى المصريين الحاكم واسمه «باريهو» وامرأته «آتي» ~~وابنتهما. وكانت زوجته راكبة حمارا، فنزلت عن ظهره لتتأمل الأغراب، ~~ولا شك أن الحمار حمد الإله على ذلك؛ لأن المرأة كانت في غاية ms42 السمن ~~والضخامة، وكذلك كانت ابنتها على صغر سنها. # وتبادلوا مع رسول الملكة السلام، وابتدأ المصريون في العمل، ~~فضربوا خيمة كبيرة ليعرضوا فيها بضائعهم، وقد وقف بجانبها بعض ~~الجنود؛ ليدفعوا من يفكر في السلب والنهب، وفتح السوق جملة ~~أيام، والأهالي تبادل كنوز بلادها ببضائع المصريين، ففرغت ~~السفن المصرية، ثم ملئت ثانيا بكنوز بنت، وهي الذهب، ~~والأبنوس، والقرود، وجلود النمر والأسد، وأخشاب البخور والصمغ. وعاد ~~مع المصريين على سفنهم كثير من نبلاء بنت؛ ليشاهدوا البلاد ~~التي لم يسمعوا عنها. # ولم يكن الرجوع سهلا؛ خاصة وأن السفن كانت مثقلة بالكنوز ~~والرجال. ووصل الأسطول إلى طيبة عن طريق قناة توصل بين البحر الأحمر ~~والنيل. # وقد سر جميع المصريين بنجاح الحملة، فكان يوم وصولها إلى طيبة ~~يوم احتفال عظيم، اشترك فيه جميع المصريين على اختلاف طبقاتهم، ~~وخرج الأهالي في صفوف منظمة يستقبلون الجنود المستكشفين، وقاد ~~الأسطول المستكشف أسطول ملكي إلى رصيف المعبد؛ حيث رست السفن ~~كلها. # واستطاع الطيبيون أن يروا الكنوز التي أتى بها المستكشفون، ~~وكانت دهشتهم عظيمة عندما وقعت أبصارهم على البنتيين، ولفت أنظارهم ~~خاصة زرافة أحضرها المصريون معهم. وقد يتساءل كيف حملت ~~الزرافة المسكينة التي أثارت دهشة المصريين برقبتها الطويلة ~~وبقع جلدها الجميلة؟! # وقد وضعوا البخور في المعبد، بعد أن وزنته الملكة بنفسها بميزان ~~مصوغ بالذهب والفضة، وهكذا انتهت الرحلة بالنجاح والفوز، ~~ولكنها لم تكن كل أغراض الملكة، بل ولم تكن نصفها. # كان والد الملكة قد ابتدأ في تشييد معبد في مكان يبعد عن طيبة ~~عدة أميال، على مقربة من أطلال معبد متخرب، ولكن الموت حال ~~بينه وبين إتمامه، فأخذت الملكة على عاتقها هذه المهمة، وابتدأت ~~في العمل، وقام البناء، وكان على طراز جديد مخالف للمعابد المصرية ~~التي سبقته. # ففي جهته الأمامية بنوا على رمال الصحراء طبقات مدرجة من ~~الأرصفة، كل واحدة تعلو على سابقتها، ومحدودة على الجانبين ~~بأعمدة مرتفعة، ويؤدي ذلك البناء المدرج إلى الحجرة المقدسة ~~المنحوتة في الصخر الشاهق. # وكانت قد شيدت المعبد ليكون «جنة آمون» وهو الرب الذي أوحى ~~إليها ms43 بإرسال الأسطول للاستكشاف، وغرست حول المكان المدرج السابق ~~الذكر شجر البخور الذي أحضرته من بلاد بنت، ولكي يهيئوا له ~~الحياة المستديمة؛ فقد حفروا بالقرب منه بئرا في الصحراء لتروى ~~منها الأشجار. # وأمرت الملكة بنقش قصة الرحلة على جدران المعبد في شكل صور ~~مختلفة تمثل الرحلة من مبتداها إلى منتهاها. # فأنت تستطيع أن ترى السفن وهي تجاهد أمواج البحر في سبيل غرضها ~~المجهول، ومقابلة المصريين بالبنتيين، ثم المبادلة ~~التجارية ونقل المواد إلى السفن، ثم المواكب العظيمة من الجنود ~~المصرية التي استقبلت رجال الأسطول المنتصر. # ولم تترك صغيرة إلا صورتها، وبفضل دقتها ودقة حفاريها ~~علمتنا كيف كانت حياة البحارة وأعمالهم في تلك الأزمان، وكيف كانت ~~المعاملات التجارية في الأراضي الغريبة، وكيف كانت تعيش القبائل في ~~البلاد المتوحشة. # والعادة الآن أن الرحالة يضمن ملاحظاته عن البلاد التي جابها، ~~ويجمع صورا عن أغرب المشاهدات فيها في مجلد كبير ينشره بين ~~مواطنيه، ولكن واحدا منهم لم ينقش قصته كما نقشتها الملكة ~~حتشبسوت، وواحدا منهم لم يزين كتابه بصورة بلغت من الدقة ~~والجمال ما بلغته هذه الصور التي ظهرت للوجود حديثا، بعد أن طويت ~~قرونا عدة. # وقد تركت الملكة بعد موتها غير المعبد وقصة الرحلة ما يكفي ~~وحده لتخليد ذكراها على مر العصور. # وهي تخبرنا كيف أنها كانت جالسة يوما في قصرها تفكر في خالقها، ~~حين لاح لها فجأة أن تشيد مسلتين أمام معبد الكرنك، وقد ~~أمرت بتنفيذ الفكرة، وفي الحال سافر مهندسها الماهر «سن مت» إلى ~~أسوان، وقطع من حجر الجرانيت ما يكفي لتشييد المسلتين، وأتى به عن ~~طريق النيل. # ويبلغ ارتفاع مسلة كليوباطرة المقامة على ضفاف التيمز ثماني ~~وستين قدما ونصفا، ونحن نظن أن مثل هذه الكتلة لا تستطيع صنعها ~~يد بشر. ولقد تكلف مهندسونا الشيء الكثير في نقلها إلى هنا ~~وإقامتها حيث هي على شاطئ التيمز. # أما هاتان المسلتان اللتان شيدتهما حتشبسوت، فلا يقل ارتفاع ~~الواحدة منهما عن ثمانية وتسعين قدما ونصف، وتزن كل منهما ~~ثلاثمائة وخمسين طنا، ومع ما وصفنا فقد استغرق ms44 المهندس المصري ~~في نقل الحجارة من أسوان إلى طيبة وفي صنعهما سبعة أشهر! # ولا تزال إحداهما باقية إلى الآن في الكرنك، وهي أطول مسلة في ~~المعبد. أما الأخرى، فقد تهدمت وتكومت أطلالها بجانب ~~المسلة الباقية، وهما تدلان دلالة واضحة عما كان عليه ~~المصريون من التقدم العقلي والفني في عهد تشييدهما. # ولربما كان الإله الذي تعبده الملكة والذي كانت تفكر فيه في ~~قصرها، قريبا من قلب خادمته حقيقة. # الفصل الحادي عشر # | الكتب المصرية # إن لم يكن المصريون هم أول من دون آراءه بالكتابة - ~~وبعبارة أخرى أول من اخترع الكتب فقد كانوا بلا ريب بين أوائل من ~~اخترعوا هذا الفن. وإن أحد كتبهم - المملوء بالحكم والنصائح ~~يسديها أب لابنه - لهو أقدم كتب الدنيا جميعا. # ونحن كثيرا ما نستعمل كلمتين جديرتين بأن يذكرانا دائما بفضل ~~المصريين القدماء؛ أولهما # The ~~Bible ~~، ومعناها الكتاب، والثانية Parer ~~، ومعناها الورق، ونحن إن ~~كتبنا الأولى فإننا نستعمل كلمة من الكلمات الإغريقية التي أطلقت ~~قديما على النبات الذي اتخذ منه المصريون كتبهم (يعني ورق ~~البردي)، وإذا كتبنا الكلمة الثانية فإننا نستعمل اسما آخر، ~~وهو الأشيع لنفس النبات؛ لأن المصريين كانوا أول من صنع ~~الورق، وقد استعملوه قرونا قبل أن يعرفه الناس. ومع ذلك فلو رأيت ~~كتابا مصريا قديما لعجبت من شكله ونظامه، ولعلمت أنه يختلف كل ~~الاختلاف عن كتبنا الجميلة التي نمسكها بقبضة يدنا ~~ونطالعها. # كان المصري إذا أراد أن يصنع كتابا جمع سيقان البردي الذي ~~ينمو في بعض جهات القطر التي تكتنفها المستنقعات، وهذا النبات ~~ينمو لارتفاع اثنتي عشرة قدما، وقد يبلغ خمس عشرة قدما، أما سمك ~~سيقانه فلا يقل عن ست بوصات، وكان يقشر الجزء الخارجي من ~~الساق، ثم يقطع الجزء الباقي قطعا طوليا إلى طبقات رقيقة بآلة ~~حادة. وتوضع هذه الطبقات بجانب بعضها حتى تتصل أطرافها، ~~ثم يراق الصمغ على سطحها الأعلى، ثم يأتي بطبقة أخرى ويضعها ~~عرضا على الجزء الأعلى من الطبقة الأولى، ثم تضغط الطبقتان ~~وتجففان. # ويختلف اتساع العرض تبعا للغرض الفني الذي صنعت ms45 الأوراق له، ~~وأعظم عرض عثر عليه للآن لا يزيد على سبع عشرة بوصة، ومعظم النسخ ~~الأخرى أضيق من ذلك. # فإذا انتهى المصري من صناعة ورقه، فإنه لا يجمعه ملازم ~~ويغلفه كما نفعل الآن، ولكنه يوصل الورق من الطرف الأعلى، ~~ثم يكتب، فإن احتاج لورق ألصق ورقة بورقة، وهكذا. ويلف الجميع ~~إن أراد أن يسير وكتابه في يده. وعليه؛ فالكتاب كان لفة من ~~الأوراق قد تبلغ - أحيانا - عدة أقدام طولا. وعندنا في دار الآثار ~~البريطانية كتاب مصري طوله مائة وثلاثون وخمس أقدام، ونحن نعجب من ~~الكيفية التي كانوا يحملون بها أمثال هذا الكتاب. # ولكن الأغرب من الكتاب نفسه هو ما يتضمنه من الكتابة، التي ~~تعد بحق أغرب الكتابات كلها، وربما أجملها أيضا، ونحن ~~نسميها الهيروغليفية، ومعناها: النقش المقدس، وهي عبارة عن ~~صور صغيرة. وكان المصريون في أول عهدهم بالكتابة يرمزون ~~للكلمة التي يرغبون في التعبير عنها بصورة المعبر عنه، وبعد ~~ممارسة ذلك الفن عهدا تمكنوا من وضع حروف هجائية، ووضعوا علامات ~~تمثل مقاطع الكلمات، ولم تكن هذه العلامات إلا صورا صغيرة؛ ~~فمثلا كانت إحدى علاماتهم للحرف P # وجه ~~نسر، وعلاماتهم للحرف م أسدا. # فإذا تصفحت كتابا مصريا مكتوبا بالهيروغليفية، رأيت سطورا ~~من الطيور والحيوانات والزواحف والرجال والنساء والقوارب وجميع ~~الأشياء الأخرى تسير في الصحيفة. # وكان إذا أراد المصريون أن يخلدوا كتابتهم تركوا أوراق البردي ~~الواهية، ويكتبون في كتب مختلفة اختلافا تاما عن البردي ~~وأوراقه. # لا بد أنك سمعت عن النصائح المنقوشة على الأحجار، وفي الواقع أن ~~معظم الكتابة المصرية التي تخبرنا عن الفراعنة وأعمالهم، منقوشة على ~~الأحجار. نقشت في وضوح وعمق على سطوح المسلات وجدران المعابد، ~~وكانت العادة أن الملوك إذا رجعوا من إحدى الحروب، نقشوا وصف المعارك ~~وما لاقوه في الذهاب والإياب على جدران أشهر المعابد في أيامهم، ~~أو على الأعمدة المقامة في تلك المعابد؛ حيث بقيت إلى الآن، وهي على ~~حالتها الأولى ليقرأها الباحثون. # وكانت إذا نقشت الهيروغليفية على الحجارة طبعت الخطوط بالألوان ~~المختلفة، حتى إن الكتابة كانت تظهر ms46 مثل لهب من جميع الألوان ~~الخفيفة، وتظهر الجدران كما لو كانت مغطاة بستائر ذات ألوان ~~جميلة. # ولقد نصلت الألوان الآن، ولكنك تستطيع أن تشاهد أثرها واضحا في ~~بعض المعابد والقبور. ومن شرحي هذا، تستطيع أن تتصور ما كانت عليه ~~هذه الكتابة من الجمال والرونق. # وكان الكتبة والحفارون عالمين بمكانة فنهم من الجمال والحسن؛ ~~لذلك لم يألوا جهدا في إبرازه في شكل جميل جذاب. # وبلغ اعتناؤهم بالجمال أنهم كانوا إذا وجدوا أن الصور التي ~~تتكون منها الكلمة أو الجمل تظهر قبيحة المنظر بسبب اتصالها ~~وترابطها حذفوا الصور التي تقبح منظر الصفحة، وضحوا بصحة ~~هجاء الجمل في سبيل إبرازها في نسق جميل. # ونحن نخطئ أحيانا في هجاء بعض الكلمات، ولكن ليس الداعي في ذلك ~~أن نكونها في صورة جميلة طبعا! والآن نعود ثانيا إلى لفات ~~البردي، ولنفرض أنه فرغ من صناعتها، وأنها أصبحت مهيأة للكتابة، ~~ونحب أن نعلم كيف كان الكاتب يقوم بعمله. # أهم أدواته صندوق خشبي طويل وضيق جدا، وهو يختلف عن ريشة ~~المصور، وهو عبارة عن كتلة خشبية في وسطها تجويف طويل، وحوله ~~تجويفان أو ثلاثة أقل غورا وأضيق من التجويف الأول. ويوجد في ~~هذا التجويف أقلام قلائل مصنوعة من قصب دقيق، مرضوضة من نهاياتها ~~كالفرشاة، ويوضع في التجاويف الأخرى حبر أسود وهو يستعمل في معظم ~~الكتابة، وأحمر، وتكتب به بعض كلمات، وربما أضاف الكاتب لونين ~~آخرين؛ لتكون الكتابة في أبهى حلة. ويجلس الكاتب القرفصاء، ~~ويغمس قلمه القصبي في الحبر ثم يكتب. # وهو إذا كتب أجزاء مهمة في الموضوع استعمل لونا ~~زاهيا. # والآن نستطيع أن نفهم أن الكتابة بالصور لم تكن أمرا سهلا، ~~خاصة وأنه لم يكن مع الكاتب إلا قلم من البوص. # ولكن على مرور الزمن تطورت الكتابة، وأخذت في النقصان ~~والصغر، حتى اكتفوا أخيرا بأن يرمزوا بعلامات تدل على ~~المعبر عنه، بدلا من رسم صورته، وهكذا أصبحت الكتابة الهيروغليفية ~~سهلة التدوين، ككل الكتابات. # وقد كتبت كثير من المؤلفات باللغة الجديدة، وكانوا يسمونها ~~اللغة الكهنوتية أو الهيراطيقية، ولكن جزءا ms47 كبيرا من الكتب ~~العظيمة كانت تكتب باللغة القديمة. # ولقد ترك المصريون في لفات البردي عصارة أفكارهم ومشاعرهم، ~~وخلاصة تجاريبهم. فمن النصائح الحكيمة، إلى القصص الخرافية - وقد ~~أوردنا بعضها - إلى أساطير الآلهة، وكذلك وصف الأسفار والرحلات، ~~وغير ذلك بما ليس له حصر. # وأهم كتاب في هذه المخلفات يختص بالديانة المصرية، واسمه ~~كتاب الموتى، والبعض يدعوه الإنجيل المصري. وليس هذان الاسمان صحيحين، ~~وهو - مهما كان - لا يشبه الإنجيل. ولقد سماه المصريون «فصول عن ~~البعث»، والسبب في وضعه هو اعتقاد المصريين بأن من يقرأ نصائحه ~~يأمن أخطار الدنيا الأخرى. # وكان الكتبة ينسخون من الكتاب أعدادا كثيرة، يحفظونها كرأس مال ~~احتياطي، وكانوا يتركون في بعض الصفحات مسافات خالية، وهي التي تشمل ~~أسماء الأموات الذين يشترون الكتاب في أثناء حياتهم. # وكان إذا مات فرد - لم يكن قد اشترى الكتاب - يذهب أحد أهله إلى ~~كاتب، ويشتري نسخة من كتاب الموتى، ثم يملأ الأمكنة الخالية بأسماء ~~الميت. وينبغي دفن الكتاب مع الميت في قبره، حتى إذا اعترض طريقه ~~إلى السماء حيات أو أرواح نجسة استطاع - بما هو مكتوب في الكتاب ~~- أن يدفع شرهم وينحيهم عن طريقه، وإن قامت في طريقه العقبات ~~كوجود بعض الأبواب التي يتعذر عليه فتحها، ويلزمه المرور منها ~~لمواصلة السير، أو لوجود بعض الأنهار التي لا يمكنه عبورها؛ فإنه ~~بعد تلاوة الكلمات السحرية الموجودة في الكتاب يتمكن من تذليل كل ~~هذه الصعاب. # وقد كتبت بعض هذه النسخ بإتقان وجمال بلغا حد الكمال، ~~وشرحت بصور صغيرة هي غاية في الدلالة والتنسيق، وكلها ~~تمثل نواحي مختلفة من حياة العالم الثاني، ومن هذه الصور ~~تمكنا من معرفة عقائد قدماء المصريين عن الحساب بعد الموت، وعن ~~السماء. # ولكن باقي النسخ مكتوب بإهمال؛ لأن الكتبة كانوا يعلمون أن ~~مصير الكتب - التي يسهرون في كتابتها - الدفن مع الميت، حيث لا ~~يمكن أن تقع عليها عينا إنسان، وعليه فلم يعتنوا في كتابتهم، ولم ~~يروا بأسا في وجود غلطات كثيرة، بل كان يبلغ الإهمال بهم أحيانا ~~إلى حذف بعض فصول برمتها من ms48 الكتاب، ولم يكن يدور بخلدهم أنه ~~بعد موتهم بآلاف الأعوام ستنبش القبور، ويستولى على ما فيها، ويظهر ~~إهمالهم للملأ. # وما لا ريب فيه أن كثيرا مما يتضمنه هذا الكتاب سقط وسخف - وهي ~~أبعد ما تكون عن تعاليم الإنجيل النبيلة - وسأنقل للقارئ فصلا ~~موجزا ليحكم بنفسه: # فصل في دفع خطر الثعابين # كان المصريون يعتقدون أن الميت لا يحتاج للنجاة من الثعبان ~~إذا اعترضه في طريقه إلى السماء إلا أن يذكر هذه الجملة، وهي ~~كفيلة بأن تحل قوى الثعبان؛ ليتمكن الميت من السير بأمان. ~~وهذه الجملة هي: ~~«تحية أيها الثعبان، لا تتقدم من مكانك، قف حيث أنت وسوف ~~تأكل جرذا يكرهه رع «رب الشمس» وسوف تمضغ عظام قطة ~~قذرة.» # هي حماقة ليس إلا، وتوجد فصول أخرى لا تقل عن الفصل ~~السابق غباوة وبلاهة. وإني أعجب كيف كان أناس عقلاء كالمصريين ~~يعتقدون في هذه الخزعبلات! # ولكن بجانب هذا السخف نجد فصولا تحوي أفكارا غاية في السمو ~~والنبل، كأنما أوحيت إليهم من الله نفسه. وأهم هذه الأفكار هو ~~اعتقادهم بأن الإنسان يحاسب على أعماله في الدنيا - بعد الموت - ~~وأن الآلهة لا ترحم في الآخرة إلا الذين عدلوا ورحموا وتواضعوا ~~وخضعوا لأوامرها. # الفصل الثاني عشر # | المعابد والقبور # إن السائح الذي يجوب بلادنا إنجلترا لمشاهدة الآثار القديمة، لا ~~يجد أمامه إلا كنائس وحصونا، فهنا الكاتدرائيات الفخمة، وهنالك ~~القصور العظيمة التي كان يسكنها الملوك والأمراء، والتي كانوا يتخذون ~~منها قصورا تؤويهم، وحصونا تدفع عنهم شر أعدائهم. # ولكن الأمر يختلف إذا كان هذا السائح يجوب أرض مصر. # يوجد عدد وافر من الكنائس أو بالأحرى المعابد، وهي غاية في ~~الإبداع والفخامة، أما الحصون والقصور فلم يبق منها شيء، وبدلا ~~منها توجد القبور. وفي الحق إن مصر بلد المقابر والمعابد. # لأنه لما كان الشعب المصري عظيم التدين، يخص آلهته ~~بكل تبجيل وتقدير؛ فقد أكثر من تشييد المعابد لها. # ولكن ما السبب في تلك الحماية الموفورة التي وجهوها إلى بناء ~~القبور؟ # السبب في ذلك - وسنشرحه شرحا وافيا في فصل قادم - أنه ms49 لم ~~يوجد شعب آثر الحياة الأخرى على الحياة الدنيا كالشعب ~~المصري القديم. # فهم كانوا يبنون منازلهم وقصورهم بأخف المواد كالخشب والصلصال، ~~علما منهم بأن تعميرهم فيها لن يطول، أما قبورهم أو المساكن الأبدية ~~- كما كانوا يسمونها - فقد شيدوها باعتناء ودقة حتى ~~خلدت على الدهر. # وسأصف لك الآن معبدا، وهو في أكمل صورة؛ أي كما كان وقت تشييده. ~~والناس يقصدون مصر الآن من جميع أنحاء الدنيا ليشاهدوا خرائب ~~تلك المعابد، وهم يعدونها - كما هي الآن - من أغرب ما خلف العالم ~~القديم، بل هي تعد من غرائب فن البناء في الوقت الحاضر. # وهي الآن لا تزيد عن أن تكون الهيكل العظمي للمعابد الأصلية، ولا ~~تدل على الأصل القديم إلا بمقدار ما يدل الهيكل العظمي على ~~الجسم الإنساني في جماله وحياته. # هب الآن أننا قادمون نحو مدخل معبد عظيم، وهب أن المعبد لا يزال ~~مقرا لرب من الأرباب تعبده آلاف من البشر. # فإذا تركنا الشوارع الضيقة المؤدية للمعبد، نجد أنفسنا ~~واقفين في طريق ممهدة تمتد أمامنا مئات الأقدام، وعلى جانبي ~~ذلك الطريق يوجد صفان من تماثيل أبي الهول ذات أجسام الأسود ~~ورءوس البشر أو أي مخلوق آخر. # بعض آباء الهول لها رءوس إنسان مثل أبي الهول الكائن بجانب الهرم، ~~ولكن التي توجد على جانبي طريق المعبد يكون لها في الغالب رأس كبش ~~أو رأس ابن آوى. # وفي نهاية الطريق يرى السائر برجين عظيمين بينهما مدخل المعبد ~~الكبير، وأمام كل برج من برجي المعبد تقف مسلة عظيمة منحوتة ~~من حجر الجرانيت، وهي أشبه شكلا بمسلة كليوباطرة المقامة على ضفاف ~~التيمز، وكل مسلة منقوشة نقشا بديعا، ومكتوب عليها باللغة ~~الهيروغليفية والصور مطعمة بالألوان الجميلة الزاهية. # وقمة المسلة مصوغة بالذهب؛ ما يجعلها تتلألأ تحت أشعة ~~الشمس المرسلة. # وبجانب كل مسلة يوجد تمثال أو تمثالان للملك الذي أمر ~~بتشييد المعبد، والتمثال يصور ملك مصر جالسا على عرشه، واضعا ~~على رأسه تاج مصر المزدوج الأبيض والأحمر. # وإنك حين تنظر إلى وجه الملك تعجب؛ كيف استطاعت أيد بشرية أن ms50 ~~تنحت من الأحجار الصماء وجها ناطقا بالغا حد الكمال في ~~تمثيل مقاطع الوجه مثل هذا! # ولا يزال إلى الآن بقية تمثال رمسيس الثاني قائما أمام أحد معابد ~~طيبة. ولما كان هذا التمثال جديدا كان ارتفاعه سبعا وخمسين ~~قدما، وكان وزنه ألف طن، وهو أعظم كتلة حجرية أخرجتها يد البشر، ~~وعلى كل برج مثبت عمودان في نهاية كل منهما راية ~~مزينة بالألوان. # أما جدران البرج، فكلها صور تمثل الملك في أثناء حروبه، ~~فهنا تراه مطاردا في عربته، وهنا تراه ممسكا ببعض الأسرى من ~~شعورهم، ورافعا سيفه ليقتلهم. # وهذه الصور تظهر الملك قويا وأعداءه مستضعفين؛ إما أسري ~~وإما هاربين. وواجهة المعبد مزينة بالألوان مزدانة بالنقوش، ~~وهي على العموم، بما فيها من نقوش ورموز تاريخية، تاريخ تصوري ~~لحكم الملك. # نحن الآن واقفون أمام باب المعبد المصنوع من خشب الأرز، والذي لا ~~تستطيع أن تتبينه لما عليه من النقوش والصور المزينة ~~بالألوان. # فإذا دخلنا من الباب، رأينا أمامنا بهوا عظيم الاتساع، وهو يشبه ~~الدير، وسقفه مقام على أعمدة طويلة منقوشة، وهي منحوتة على قد ~~النخلة وشكلها، وفي وسط المكان يرتفع عمود عظيم منقوش على سطحه ~~أعمال فرعون، وصوره وهو يقدم الهدايا لرب المعبد، وهذا العمود ~~مزين بالأحجار الكريمة. # وفي نهاية البهو يرى الداخل برجين بينهما باب، وهذه الوجهة ~~تشبه الوجهة الخارجية، وهي تؤدي إلى بهو آخر. وإذا اجتزت هذا ~~الباب، وجدت نفسك في بهو آخر يكاد يكون مظلما؛ لأن النور لا ~~يصله إلا من الباب السابق الذكر، ومن طاق ضيق في السقف، ~~وهذا البهو هو أوسع حجرة شيدتها يد البشر. # وفي وسط المكان يوجد صفان من الأعمدة التي ترفع السقف، وهي ~~تكون صحن البهو، وحول ذلك ممرات ضيقة مرفوعة سقوفها على أعمدة ~~صغيرة عديدة متراصة. # والأعمدة التي تكون صحن البهو ترتفع فوق رأسك سبعين قدما في ~~الهواء، ورءوسها منحوتة على غرار زهرة مفتحة، ومساحة قمتها تسع ~~مائة رجل. # كيف أحضروها إلى هذا المكان، وكيف صنعوها على هذا الارتفاع ~~العظيم؟ # وكانت الأعمدة مغطاة بالنقوش والصور ms51 كما قدمنا وكذلك كانت ~~جميع الجدران المحاطة بالبهو، ولكن ليست هذه الصور تمثل الحروب؛ ~~لأن ذلك المكان أقدس من أن يرسم فيه أمثال هذه الصور. # بدلا من ذلك ترى صور الآلهة، وصور الملوك تهدى إليها الهدايا، وهي ~~كثيرة متعددة؛ لأن كل هدية كان يقدمها الملك كانت تنقش ~~صورته وهو يهديها. # وأخيرا نصل إلى قدس الأقداس، وهي حجرة أصغر حجما وأخفض سقفا ~~من البهوين السابقين، والنور لا يجد إليها منفذا، وعلى ذلك فهي ~~في ظلام دامس، ولولا شعاع المصباح الذي يمسكه الكاهن وهو يقودك ~~لما استطعت التقدم خطوة واحدة. # هنالك يوجد المقام المقدس، وهو مأوى يسكنه رأس الإله، وهذا ~~المقام منحوت من الجرانيت، وله أبواب من خشب الأرز، وهي مغلقة ~~دائما. # ولو استطعنا فتحها لوجدنا تمثالا خشبيا كهذا الذي رأيناه محمولا ~~محتفلا به في شوارع طيبة، وعليه أفخر الثياب، وحواليه الهدايا ~~والمأكولات والمشروبات؛ وما ذلك إلا لأنه الخالق لكل ما وصفنا لك ~~من عظمة هذه الأمة القديمة. # ويوجد جيش من الكهنة يقومون بخدمته ليل نهار، يزينونه ~~بالنقوش، ويقدمون له الطعام والشراب والضحايا، يترنمون ~~بمدحه وعبادته. # وخلف المعبد توجد مخازن مفعمة بالحبوب والفواكه والنبيذ، وهي ~~كفيلة بتموين مدينة كبيرة في أثناء حصار عصيب. والإله - فوق ذلك - ~~مالك من أغنى الملاك، له من الأراضي الواسعة ما ليس لنبيل أو ~~عظيم، ويوازي دخله دخل فرعون نفسه، وله جيشه الخاص الذي لا يأتمر ~~إلا بأمره، وكذلك أسطول في البحر الأحمر، ويحمل إليه البخور من ~~الأراضي الجنوبية، وأسطول آخر في البحر الأبيض يورد إليه الملابس ~~وخشب الأرز من لبنان. # وطبيعي أن يكون الكهنة في منزلة من القوة والسلطان دونها جميع ~~الأمراء والنبلاء، بل لقد كان فرعون نفسه لا يقدم على إغضابهم، ~~ولنفوذهم الذي قد يهز أركان عرشه، وهكذا كان المعبد المصري منذ ~~ثلاثة آلاف سنة؛ أي في الوقت الذي كانت فيه مصر سيدة الأرض، ومع ما ~~وصفت لك من جمال المعابد وفخامتها، فإن ذلك كله لا يعد شيئا ~~لو قابلناه بجمال القبور وعظمتها. # لقد دفع المصريين ms52 اعتقادهم الراسخ بالحياة السفلى إلى تشييد ~~قبور خالدة، تحفظ أجسادهم على مرور الأعوام والأجيال، حتى إن الملوك ~~- الذين حكموا القطر قبل بدء التاريخ - حفروا لأنفسهم قبورا حصينة ~~في باطن الأرض، ووضعوا فيها من الأثاث والأطعمة كل ما ظنوا أنهم ~~يحتاجون إليه في حياتهم السفلى. # ولكن أعظم مثل للقبر المصري القديم في العظمة والفخامة هو ما ~~بني في عهد خوفو، الذي خبرتك عنه في خرافات زازامانخ وديدي. # على مقربة من القاهرة - عاصمة مصر في الوقت الحاضر - يرى أعظم ما ~~ترك السلف من الأبنية، ترى الأهرام - قبور ملوك مصر القدماء - ~~وإن من يشاهد هذه القبور يدرك ما كان البناءون المصريون عليه ~~من المقدرة قبل الميلاد بأربعة آلاف من السنين. # وأكبر هذه الأهرام هرم كيوبس وهو خوفو الذي ورد اسمه علينا في ~~الخرافات السابقة، ولم يشيد مثله فيما مضى قبل زمن تشييده، ولا ~~بعد ذلك حتى أيامنا هذه. ويقدر ارتفاعه بأربعمائة وخمسين ~~قدما، وقد هدم جزء من قمته يبلغ ارتفاعه ثلاثين قدما، ويبلغ طول ~~الجانب الواحد من جوانب قاعدته خمسا وستين قدما، أما مساحة الأرض ~~التي يشغلها فيقدر باثني عشر فدانا؛ وهذا اتساع حقل ~~جميل. # ولكي أقرب إلى ذهنك صورة من عظمته، أقول إنه لو استعملت أحجاره ~~للبناء لكفت لتشييد مدينة تسع سكان أبردين، ولو قسم كل حجر ~~من أحجاره إلى أحجار مكعبة لا يزيد ضلع الواحد منها عن قدم، ثم ~~رصت هذه الأحجار في خط، لتجاوز هذا الخط نصف محيط الكرة الأرضية، ~~ولكن الصعوبة في كسر الأحجار؛ لأن معظمها يزن من أربعين إلى ~~خمسين طنا. # وجميع أحجار الهرم متلاصقة بعضها ببعض؛ بحيث لا يمكن إدخال ما ~~يساوي سمكه سمك صفحة كتاب رقيقة بين حجرين. # وفي داخل ذلك الجبل العظيم توجد ممرات تؤدي لحجرات صغيرة، ~~ومن هذه الحجرات «حجرة الملك»، وفيها كان يرقد الملك أعظم بناء عرف ~~من بدء الخليقة وكانت الممرات مسدودة بكتل حجرية عظيمة، حتى ~~لا يزعج الملك في رقدته متطفل. # ولكن رغم كل هذه الحوائل، وجد اللصوص طريقهم إلى حجرة ms53 الملك، ~~وسرقوا التابوت، وتركوا جثة الملك العظيم تذروها الرياح، كما ~~قال الشاعر بيرون: ~~«لم يبق من كيوبس ولا قبضة تراب.» # أما باقي الأهرام فأصغر من الأول، وأقل ضخامة منه ، ولكن مما ~~لا ريب فيه، أنه لو لم يوجد الهرم الأكبر لعدت من عجائب ~~الدنيا. # ويوجد بجانب الهرم الثاني تمثال أبي الهول، وهو تمثال ضخم له ~~جسم أسد ورأس إنسان، ونحن لا نستطيع أن نجزم بمعرفة ناحته، ولا ~~السر في تصويره على هذا الشكل، وهو رابض في مكانه منذ أجيال ~~عديدة، كأنه يحرس قبور الفراعنة! # ويقدر ارتفاعه بسبعين قدما، وطوله بمائتي قدم. # وهو أغرب تمثال نحتته يد الإنسان. # وبعد مرور أعوام عدة، تعب الملوك من تشييد الأهرامات، وتغيرت ~~عاداتهم؛ فبدلا من أن يرفعوا القبور إلى هذا الارتفاع العظيم، حفروها ~~في الأرض لحفظ رفاتهم. وعلى ضفاف النيل الغربية عند طيبة توجد هذه ~~المقابر، وهي لتعددها تظهر في التلال مثل خلايا النحل. ووجدت ~~هذه القبور مزينة بالصور ومنقوشة بالهيروغليفية، وتمثل صورها ~~حياة الملك في مظاهرها المختلفة. # ففي صورة تراه جالسا وبجانبه زوجته، ومن حولهما الخدم وهم يقومون ~~بأعمالهم المختلفة، يروون الأرض ويبذرون البذور، ويجمعون الكروم، أو ~~يصنعون النبيذ. وفي صورة أخرى ترى صاحب القبر وهو ذاهب إلى السوق ~~يشتري حوائجه. # وجملة القول أنه بعد التأمل في هذه الصور يمكننا أن نعرف أسرار ~~الحياة المصرية في ذلك العهد، وفي الواقع أن معظم معلوماتنا عن ~~المصريين القدماء وأحوال معيشتهم مستمدة من هذه القبور ~~وأمثالها. # وفي أحد الوديان الضيقة المسمى «وادي الملوك» دفن كل ~~الفراعنة المتأخرين تقريبا، ومقابرهم الآن من أهم ما يذهب ~~السائح من أجله إلى طيبة. # وسوف أصف لك أجملها وهو قبر سيتي الأول والد رمسيس الثاني ~~السابق الذكر. # تدخل الباب الصخري فتجد نفسك في ظلام، ولا تترك ممرات إلا ~~لتسير في أخرى، حتى تصل إلى الحجرة الرابعة عشرة «منزل أوزوريس ~~الذهبي»، وهي على بعد أربعمائة وسبعين قدما من المدخل، وفيها يرقد ~~الملك في تابوته الجميل، وجميع الجدران والأعمدة منقوشة ومزينة ~~بالألوان والصور. # وبعض ms54 هذه الصور وهي المرسومة على الأعمدة تمثل الملك وهو يقدم ~~الهدايا للآلهة، أو تصور الآلهة وهي ترحب بالملك. أما الصور ~~التي على الجدران فهي في غاية الغرابة؛ لأنها تمثل رحلة الشمس في ~~مملكة الدنيا السفلى، وتبين جميع الصعوبات التي تلقى ~~الروح في أثناء سياحتها في الشمس. والروح الشريرة تتبعها ~~الحيات والوطاويط المسلحة بالحراب. وهي تسوم سيئ الحظ الذي ~~يقع تحت رحمتها أقسى أنواع العذاب؛ فتمزق قلبه، وتقطع رأسه، أو ~~تضعه في قدر تغلي، أو تعلقه من قدميه وتترك رأسه يتدلى في بحيرة ~~من نار. # وتدخل الروح - إذا تخلصت من هذه الأخطار - في حقل الرحمة؛ حيث ~~تجني ثمار أفعالها الطيبة في الدنيا، وحيث تنال السعادة ~~الأبدية، وفي نهاية الرحلة يصل الملك، وترحب به الآلهة في مسكن ~~السعداء؛ حيث يعيش عيشة إله في حياة أبدية. # والتابوت الذي كان يرقد فيه سيتي موجود الآن بدار الآثار ب ~~لندن، ولما اكتشف كان فارغا، ولم يعثر على جثة الملك حتى ~~سنة 1872م؛ إذ وجدها بعض لصوص المقابر المحدثين (نعني المستكشفين) ~~مخفية في حفرة عميقة بين الصخور، ومعها جثث ملوك ~~آخرين. # وهو الآن في دار العاديات بالقاهرة، وتستطيع أن ترى وجهه وملامحه، ~~ولم تتغير كثيرا عما كانت عليه لما حكم قبل الآن بثلاثة آلاف ~~ومائتي سنة. # وفي هذا المتحف يمكن رؤية تحتمس الثالث أعظم ملك حربي مصري، ~~ورمسيس الثاني مضطهد بني إسرائيل، ومنفتاح الذي كفر بدين موسى، ~~ورفض طلبه بخروج بني إسرائيل من مصر، والذي غرق في البحر الأحمر وهو ~~يطارد عبيده الفارين. # كم يكون عجيبا لو استطاع واحد منا أن يرى الوجوه الحقيقية لأبطال ~~قصة الإنجيل! # لقد كان المصريون يعتقدون أنه إذا مات إنسان تنتقل روحه إلى ~~حياة أخرى، وهي تحب أن ترجع إلى جثمان أرضي، ويسرها أن تستقر ~~في نفس الجسم الذي كانت فيه قبل طلوعها إلى العالم الثاني، وأن هدوء ~~الروح واستقرارها في العالم الثاني يتوقفان - بطريقة ما - على ~~حفظ الجسم سليما. # وطبيعي بعد ذلك أن يوجهوا عنايتهم إلى تحنيط الجثث؛ فكانوا ~~ينقعونها ms55 أياما في قار وطيب حتى تحنط، ثم يلفونها في ~~طبقات كثيفة من الكتان. # بهذه الطريقة بقيت الجثث دون أن يصيبها التلف أو التغير، ~~وكأنما كتب لها أن تسكن المتاحف، وأن يراها من كانوا همجا يسكنون ~~الغابات حين كانت مصر إمبراطورية عظيمة ذات قوة وسلطان. # الفصل الثالث عشر # | قدماء المصريين والسماء # أريد - في هذا الفصل - أن أشرح لك ما كان يظن قدماء المصريين ~~عن السماء. # ما هي السماء، وأين توجد؟ وكيف يسكنها الناس بعد الموت؟ وأي ~~نوع من الحياة يعيشون فيها؟ وقد كان لهم أفكار غريبة عن كل ~~ذلك. # كانوا يعتقدون مثلا أن السماء الزرقاء صحن حديدي يشمل الفضاء ~~الموجود فوق الدنيا، وأن هذا الصحن مرفوع على جبال في أربعة ~~أركان؛ هي الشمال والجنوب والشرق والغرب، والنجوم مصابيح ~~معلقة في بطن القبة العظيمة، وكانوا يتصورون أن حول العالم ~~يجرى نهر عظيم، وهو الذي تسبح فيه الشمس يوما بعد يوم في ~~سفينتها مرسلة الأنوار للدنيا، ونحن نستطيع رؤيتها في أثناء سيرها ~~من الشرق إلى الغرب، أما بعد ذلك فيجري النهر خلف جبال شاهقة ~~تحجب الشمس عنا، وهنالك تبدأ رحلة الشمس في عالم ~~الظلام. # ويتبع الشمس في سيرها القمر، وهو يبحر في سفينة خاصة، ~~وتحرسه عينان لا تغفلان عنه أبدا، ومما يدعو لهذه الحراسة أن القمر ~~يصطدم كل شهر بعدو لدود يظهر له في شكل خنزير، ففي بحر أسبوعين ~~يسير القمر مطمئنا، يكبر ويستدير إلى أن ينتصف الشهر ويكون قد ~~بلغ تمامه، فيتمكن الخنزير من طعنه ويزحزحه عن مكانه، ويطرحه في ~~النهر، فيأخذ في النقصان والزوال حتى مستهل الشهر ~~الثاني؛ حيث تعود الحياة إليه رويدا رويدا. # هذه هي أفكار قدماء المصريين عن دورة القمر وزيادته ونقصانه، ~~وكان لهم أفكار أخرى لا تقل عن هذه غرابة. # لا أقصد أن أقول شيئا عن اعتقادهم في الله؛ لأنهم كانوا يعبدون ~~آلهة كثيرة، وكان لكل إله من هذه الآلهة مذاهب ومعتقدات خاصة، ~~وإني أتعبك لو حاولت أن أشرح لك كل هذه الديانات وما يتصل ~~بها من المعتقدات ms56 المختلفة. # وأهم ما يسترعي الانتباه حقا هو اعتقاداتهم عن الحياة التي ~~يحياها الناس في السماء، بعد انتهاء حياتهم على الأرض؛ فإنه لم ~~يوجد شعب من الشعوب كان يصدق ويؤمن بخلود الأرواح بعد ~~الموت مثل المصريين، وفوق ذلك كانوا يعتقدون بأن كل ميت يبدأ ~~حياة جديدة، يسعد فيها أو يشقي تبعا لما كان يفعله في الدنيا ~~من الخير أو الشر. وعلى العموم كانت أفكارهم عن الدنيا السفلى ~~مختلفة يصعب على العقل فهمها، وسأشرح لك أهم وأبسط هذه ~~الأفكار. # كانوا يظنون أنه في بدء تكوين الخليقة، لما كانت الأرض صغيرة، ~~كان يحكم مصر ملك نبيل يدعى أوزوريس، وكان محبا للرعية، قضى ~~حياته في تعليمهم أنواع المعرفة المفيدة. # وكان للملك أخ شرير حسود يدعي سيت، يكرهه ويحقد عليه؛ ففي ذات ~~يوم دعا سيت أخاه لتناول العشاء معه، وكان قد جمع بعض رفقائه ~~ودبروا مكيدة ضد أوزوريس النبيل. # وجلس الجميع، وبينهم الملك، يقصفون ويلهون، حتى قام سيت وأتي ~~بصندوق جميل، ووعد بمنحه لمن يماثله طولا وحجما، وقام كل ~~واحد منهم يقيس نفسه على الصندوق طمعا في إحرازه دون جدوى. ولما ~~جاء دور أوزوريس انتظر المتآمرون حتى وضع نفسه في الصندوق - ~~الذي صنع على قده - ثم أغلقوا بابه ورموا به إلى النيل، ~~وحملته الأمواج مسافات طويلة، حتى رسا بجانب الشاطئ. # وكان لأوزوريس زوجة مخلصة هي إيزيس، خرجت تبحث عنه في كل مكان، ~~حتى عثرت على الصندوق، وجلست بجانبه تبكي زوجها المحبوب. ولكن ~~فاجأها سيت، وخطف الجثة من بين يديها، وقطعها إربا إربا، ~~ونثرها في الهواء، فزاد ذلك في حزن إيزيس، حتى هامت على وجهها تجمع ~~ما تناثر من لحم زوجها، وتدفنه حيث تجده. # وكان لإيزيس طفل يدعي هوروس، فلما كبر وصار رجلا تبارز مع ~~سيت وقتله انتقاما لوالده. هنالك اجتمعت الآلهة وتبين لها من ~~محاسبة الشقيقين ما كان أوزوريس عليه من الحق والهدى، وما كان ~~أخوه عليه من الغي والضلال، ثم إنهم رفعوا أوزوريس إلى مصاف ~~الآلهة، وعينوه قاضيا يحاسب الناس بعد الموت. # واستنتج المصريون ms57 من هذه القصة الاعتقاد بالحياة بعد الموت، ~~فقالوا: إذا كان أوزوريس قد بعث بعد الموت، فإن الذين يعبدونه ~~يبعثون كذلك ويعيشون معه. # وتشابه هذه القصة ما ترويه الكتب المقدسة عن موت المسيح، وبعثه ~~حيا بعد ذلك. # وكانوا يعتقدون كذلك أنه إذا مات الإنسان على الأرض تصعد روحه - ~~بعد تحنيطه ودفنه - إلى أبواب قصر أوزوريس في الدنيا الأخرى؛ حيث ~~تحاسب الأرواح في المحكمة الإلهية، وكان لا بد للروح من معرفة ~~أسماء الأبواب السحرية لكي تدلها على المحكمة. # وكان بالمحكمة ميزان كبير يقف بجانبه إله لتدوين نتائج حساب ~~الأرواح، وكان يجلس في جوانب المكان اثنان وأربعون مخلوقا مفزعا؛ ~~وهم الذين يعاقبون الخطاة الذين اقترفوا ذنوبا معينة، فإذا ~~دخلت روح إلى المحكمة تتقدم من هؤلاء، وتعترف لهم بأنها لم تقترف ~~ذنبا من الذنوب المنصوص بعقاب من يقترفها. بعد ذلك يحضر قلب صاحب ~~الروح، ويوضع في إحدي كفتي الميزان، ويوضع في الكفة الأخرى ~~ريشة، وهي رمز الصدق، فإذا رجحت كفة القلب كانت الروح خاطئة، ~~وجزاء صاحبها أن يقذف بقلبه بين براثن وحش عظيم، يتكون نصفه من ~~التمساح، والنصف الآخر من فرس النهر، وكان دائما يربض خلف ~~الميزان ليلتهم القلوب الخاطئة. أما إن رجحت كفة الصدق ~~«الريشة» فإن هوروس يقود الرجل إلى حضرة أوزوريس؛ حيث يسمح له ~~بالدخول في السماء. # ولكن ما هذه السماء؟ لقد كون المصريون عنها عدة أفكار ~~متباينة، منها ما هو ظريف؛ وهو أن الأرواح العادلة تصير نجوما تضيء ~~العالم إلى الأبد، ومنها أن هذه الأرواح ترافق الشمس في سفينتها، ~~وتسير معها في سياحتها الأزلية. # ولكن الفكرة التي كانوا يرجحونها هي ما يتصورونه عن وجود ~~بلد عجيب يدعي «حقل البردي» في مكان قاص جهة الغرب؛ حيث تنمو ~~شجرة القمح، وترتفع ثلاث ياردات ونصفا في الهواء، وتكون سنبلتها ~~ياردة كاملة، وتكتنف أرض الحقل القنوات الجميلة المفعمة بالأسماك، ~~حولها الغاب والبردي، فإذا تركت الروح المحكمة سارت في طرق ~~غريبة محفوفة بالأخطار، حتى تصل إلى ذلك المكان الجميل حيث يقضي ~~الميت، - وهو حينئذ حي خالد ms58 - حياة أبدية في سعادة لا تشوبها ~~شائبة، يزرع ويحصد، أو يتريض في قاربه، أو يلعب في المساء تحت شجرة ~~الجميز. # ومثل هذه السماء تجذب قلوب من تعودوا الأعمال العظيمة، ومارسوا ~~أشق الحرف، وكابدوا الكثير من متاعب الحياة؛ أما النبلاء ~~فلم تستهوهم هذه السماء، فهم لا يقومون بأي عمل على الأرض، ~~فلماذا يكلفون أنفسهم ذلك في السماء؟ # وأعملوا الفكرة ليهتدوا إلى طريقة يستطيعون بها أن يستصحبوا معهم ~~عبيدهم إلى السماء، وأظنهم حاولوا ذلك في بادئ الأمر بقتل العبيد ~~في قبر سيدهم، حتى يرافقوه إلى السماء ويقوموا بأعماله كما ~~كانوا يفعلون في الأرض. # ولكن لما كان المصريون ميالين بطبعهم إلى الرأفة، فقد ~~نفروا من هذه الطريقة الشنيعة، ووجد الأشراف طريقة أخرى لتنفيذ ~~فكرتهم، وهو أنهم كانوا ينحتون من الأحجار وجوها تشبه أوجه ~~العبيد، وكانوا ينحتون مع كل عبد آلة للعمل؛ فهذا على كتفه ~~مجرفة، وذاك في يده صندوق، وهكذا. # وكانوا يسمون هذه الوجوه المجيبين # Answerers ~~، فإذا دفن أمير دفنوا معه جملة منها، ~~حتى إذا وصل السماء ودعي للقيام بعمل في حقل البردي، ناب عنه في ~~العمل المجيبون؛ ولهذا نجد مع الأجسام المحنطة كثيرا من هذه ~~الوجوه، مكتوبا عليها أسطر تخبر العبد عن العمل الذي سوف يقوم به في ~~الدنيا السفلى، وإليك مثل منها: # أيها المجيب، إذا دعاني أحد لأعمل أي شيء في السماء كأن ~~أروي حقلا أو أحمل رملا، ينبغي عليك أن تصيح «أنا هنا.» # يالها من فكرة غريبة عن السماء! والأغرب منها ظن الأمراء ~~بأنهم يستطيعون تجنب العمل والتعب في الدنيا الأخرى بهذه الوجوه ~~الطينية. # ولكن يجب علينا ألا ننسى أن المصريين توصلوا كذلك لمعرفة ~~جانب عظيم من الحقيقة التي قررتها الأديان التوحيدية، فكانوا ~~يعتقدون بأن أفعال الإنسان في الدنيا هي التي تقرر مصيره في ~~الآخرة، وأن الشرير وإن نجا من العقاب في الدنيا، فالآلهة لا ~~تتركه في الدنيا الأخرى بلا حساب أو عقاب. # ومن الإنصاف أن نذكر أن هؤلاء القوم الذين دلوا على عبقريتهم ~~في أحوال كثيرة، لم يكونوا إلا ms59 أطفالا بالنسبة للزمن والعلم، ~~وهم مثل الأطفال في تكوينهم الأفكار الخاطئة المضحكة عن الأشياء التي ~~يجهلونها ولا يستطيعون فهمها، ومثل الأطفال، أيضا يمدون أيديهم في ~~الظلام، يبحثون عن أبيهم المحبوب وهم يجهلون مكانه. # فلا حاجة للغرابة إذا أخطئوا في ذلك الزمن وضلوا ~~الطريق. # وإنما يحق لنا أن نعجب كيف أن الله الذي هداهم إلى تلك ~~الأفكار السامية، وعلمهم تلك الفنون العظيمة، قد ترك لنفسه شواهد ~~تدل عليه حتى في تلك الأيام المنطوية. ms60