######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.QahiraJadida.Hindawi74604738 #META# Tags: novels #META# ID: 74604738 #META# Title: القاهرة الجديدة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القاهرة الجديدة‏ # القاهرة الجديدة‏ # | القاهرة الجديدة # | القاهرة الجديدة # تأليف # نجيب محفوظ # | القاهرة الجديدة # 1 # مالت الشمس عن كبد السماء قليلا، ولاح قرصها من بعيد فوق ~~القبة الجامعية الهائلة، كأنه منبثق منها إلى السماء، أو عائد ~~إليها بعد طواف، يغمر رءوس الأشجار والأرض المخضرة وجدران الأبنية ~~الفضية والطريق الكبير الذي يشق حدائق الأورمان بأشعة لطيفة ~~امتصت برودة يناير لظاها، وبثت في حناياها وداعة ورحمة. وقد قامت ~~القبة على رأس صفين من الأشجار الباسقة امتدت مع الطريق، فلاحت ~~كإله يجثو بين يديه كهنته العابدون ساعة العصر والسماء متجلية ~~في صفاء، مطرزة بعض نواحيها المترامية بسحائب رقاق، والهواء يتخبط ~~بين الأشجار باردا فترجع أوراقها أنينه ونحيبه. # في السماء دارت حدآت حيارى، وعلى الأرض انطلقت جماعات الطلبة. ~~كانوا يغادرون الفناء الجامعي إلى الطريق مشتبكين في أحاديث ~~شتى، ثم لاحت بينهم جماعة من الطالبات لا يتجاوزن الخمس، يسرن في ~~خفر ويخلصن نجيا. وكان ظهور الفتيات في الجامعة لا يزال حدثا ~~طريفا يستثير الاهتمام والفضول، خاصة للطلبة المبتدئين؛ فجعل ~~هؤلاء يتبادلون النظرات ويتهامسون، وربما علت أصواتهم فبلغت آذان ~~زملائهم. قال طالب: لا يوجد وجه واحد بينهم يوحد الله؟ # فأجاب طالب آخر بلهجة لم تخل من تهكم: إنهن سفيرات العلم لا ~~الهوى ... # فقال ثالث بحمية انتقادية، وهو يتفحص ظهور الفتيات المهزولات: ~~ولكن الله خلقهن ليكن سفيرات الهوى! # فقهقه الأول ضاحكا، وقال مدفوعا بروح الاستهتار والادعاء: ~~اذكر أننا في الجامعة، وأن الجامعة مكان لا يجوز أن يذكر فيه لا ~~الله ولا الهوى. ~~- منطقي جدا ألا يذكر الله، أما الهوى ...؟ # فقال أحدهم بلهجة تقريرية تنم عن أستاذية ليس وراءها مطمع ~~لعالم: الجامعة عدو لله لا للطبيعة ... ~~- نطقت بالحق، ولا يؤيسنكم قبح هؤلاء الفتيات؛ فهن دفعة ~~أولى للجنس اللطيف، وسيتبعهن أخريات. الجامعة موضة حديثة لا تلبث ~~أن تنتشر، وإن غدا لناظره قريب ... ~~- أتحسب أن فتياتنا يقبلن على الجامعة كما أقبلن على السينما ~~مثلا؟ ~~- وأكثر، وسترى هنا فتيات على غير هذا المثال السيئ. ~~- وسيزحمن الشباب بلا رحمة. ~~- الرحمة هنا رذيلة. ~~- ولن ms001 يكلفن أنفسهن مشاق الحشمة؛ فالقوي لا يحتشم! ~~- وربما استعرت بين الجنسين نار! ~~- ما أجمل هذا ...! ~~- وانظر إلى الأشجار والخمائل! إن الحب يتولد فيها من تلقاء نفسه ~~كما تتولد الديدان في قدور المش. ~~- رباه! هل ندرك ذلك العصر السعيد؟! ~~- بيدك أن تنتظره إذا شئت ...؟ ~~- نحن في بدء الطريق والمستقبل باهر. # وانتهوا من الحديث العام، وتناولوا الفتيات - فتاة فتاة - ~~بالتهكم المرير والسخرية اللاذعة ... ~~••• # وكان أربعة يسيرون معا على مهل، يتحادثون أيضا، وربما أصغوا ~~بانتباه إلى ما يبلغ آذانهم من هذر الشباب. كانوا من طلبة الليسانس، ~~يشارفون الرابعة والعشرين، وتلوح في وجوههم عزة النضوج والعلم ... ~~ولم تكن تخفى عليهم خطورة شأنهم، أو بالحري كانوا يشعرون بها أكثر ~~مما ينبغي. قال مأمون رضوان بلهجة انتقادية: لا حديث للفتيان إلا ~~الفتيات! # فقال علي طه معقبا على انتقاد زميله: وماذا عليهم من ذلك؟ إنهما ~~نصفان يطلب أحدهما الآخر منذ الأزل. # وقال محجوب عبد الدايم: اعذرهم يا أستاذ مأمون؛ فاليوم الخميس، ~~والخميس عند الطلبة يوم المرأة بلا منازع. # فابتسم أحمد بدير ابتسامة خفيفة - وهو طالب وصحافي معا - وقال ~~بنبرات خطابية: أدعوكم أيها الإخوان إلى إعلان آرائكم في المرأة، ~~على ألا يزيد البيان عن كلمات معدودات. ماذا تقول يا أستاذ مأمون ~~رضوان؟ # فارتبك الشاب، ثم ابتسم قائلا: أتريد أن تحملني على حديث أنتقد ~~الغير على خوضه ...؟ ~~- لا تحاول الهرب، هلم، كلمات معدودات، أنا صحافي والصحافي لا ~~ييئس من حديث أبدا ... # وكان مأمون رضوان يعلم أن مراوغة أحمد بدير أمر عسير، فاستسلم ~~قائلا: أقول ما قال ربي؛ فإن رغبت في معرفة أسلوبي الخاص، فالمرأة ~~طمأنينة الدنيا، وسبيل وطيء لطمأنينة الآخرة. # وتحول أحمد بدير إلى علي طه، ودعاه للكلام بإيماءة من رأسه. # فقال الشاب: المرأة شريك الرجل في حياته كما يقولون، ولكنها شركة ~~دعامتها - في نظري - ينبغي أن تكون المساواة المطلقة في الحقوق ~~والواجبات. # فالتفت أحمد بدير إلى محجوب عبد الدائم وسأله ضاحكا: ورأي شيطاننا ~~العزيز؟ # فقال محجوب عبد الدائم باهتمام مسرحي: المرأة ... صمام الأمن في ~~خزان البخار ... # فضحكوا كما ms002 تعودوا أن يضحكوا عقب سماع آرائه، ثم سألوا أحمد ~~بدير: وأنت ما رأيك؟ # فقال الشاب باستهانة: على الصحافي أن يسمع لا أن يتكلم، خاصة ~~في عهدنا الحاضر. # 2 # وانعطفوا مع أول طريق مقاطع لطريق الجامعة، وساروا في اتجاه ~~المديرية. كان مأمون رضوان أطولهم قامة، ومحجوب عبد الدائم في مثل ~~طوله تقريبا، أما علي طه فربعة متين البنيان، وأما أحمد بدير فقصير ~~جدا، كبير الرأس جدا. وكان مأمون رضوان يريد أن يختم ساعات العمل ~~أجمل ختام قبل أن يستقبل يوم اللهو، فقال بصوته المتهدج الصاعد من ~~قلبه: أنسانا حديث المرأة ما نحن بصدده، فما تعليقكم النهائي على ~~المناظرة التي شهدناها ...؟ # دارت المناظرة حول «المبادئ» وهل هي ضرورية للإنسان أو الأولى أن ~~يتحرر منها. # فقال علي طه مخاطبا مأمون رضوان: نحن متفقان على ضرورة المبادئ ~~للإنسان، هي البوصلة التي تهتدي بها السفينة وسط المحيط ... # فقال محجوب عبد الدائم بهدوء ورزانة: طظ ... # ولكن علي طه لم يلق إليه بالا، واستدرك مخاطبا مأمون: بيد أننا مختلفان في ماهية المبادئ ... # فقال أحمد بدير وهو يهز كتفيه: كالعادة دائما ...! # فقال مأمون وقد تألقت عيناه بنور خاطف شأنه عند الاهتمام: ~~حسبنا المبادئ التي أنشأها الله عز وجل. # فقال محجوب عبد الدائم كالمتعجب: لشد ما يدهشني أن يؤمن إنسان ~~مثلك بالأساطير ... # فاستطرد علي طه قائلا: أومن بالمجتمع، الخلية الحية للإنسانية، ~~فلنرع مبادئه على شرط ألا نقدسها؛ لأنه ينبغي أن تتجدد جيلا بعد ~~جيل بالعلماء والمربين. # فسأله أحمد بدير: ماذا يحتاج جيلنا من مبادئ؟ # فقال علي بحماس: الإيمان بالعلم بدل الغيب، والمجتمع بدل الجنة، ~~والاشتراكية بدل المنافسة ... # فعلق محجوب عبد الدائم على كلامه قائلا: طظ ... طظ ... طظ ... # فسأله أحمد بدير: وأنت يا أستاذ محجوب، ما رأيك في المناظرة؟ # فأجابه بهدوء: طظ ... ~~- هل المبادئ ضرورية؟ ~~- طظ ... ~~- غير ضرورية إذن؟ ~~- طظ ... ~~- الدين أم العلم؟ ~~- طظ ... # في أيهما؟! ~~- طظ ... ~~- أليس لك رأي ما؟ ~~- طظ ... ~~- وهل طظ هذه رأي يرى؟ # فقال محجوب بهدوئه المصطنع: هي المثل الأعلى ... # والتفت مأمون رضوان إلى علي طه ms003 وقال، وجل همه أن يذكر رأيه لا أن ~~يجذب أحدا إلى عقيدته: الله في السماء، والإسلام على الأرض، هاكم ~~مبادئي ... # فابتسم علي طه وقال بدوره كما قال محجوب عبد الدائم من قبل: لشد ~~ما يدهشني أن يؤمن إنسان مثلك بالأساطير ... # فقهقه محجوب قائلا: طظ ... # وألقى عليهم نظرة سريعة وهم آخذون في مسيرهم، وقال: يا عجبا! كيف ~~تجمعنا دار واحدة؟ ... أنا رأسي هواء، والأستاذ قمقم مغلق على ~~أساطير قديمة، وعلي طه معرض أساطير حديثة. # ولم يلقيا بالا إلى قوله؛ لأنه طالما أعيتهما معرفة الحد بين جده ~~وهزله، ولأن مناقشته متعبة؛ فهو يروغ من التطويق بالتهريج. # وكانوا شارفوا دار الطلبة على ناصية شارع رشاد باشا، فودعهم أحمد ~~بدير وذهب إلى الجريدة التي يعمل بها مساء، ومضوا ثلاثتهم إلى الدار ~~ليأخذوا أهبتهم لسهرة الخميس. # 3 # تقع دار الطلبة على ناصية شارع رشاد باشا. هي قلعة هائلة ذات فناء ~~مستدير واسع، يقوم بنيانها على محيطه في شكل دائرة، مكونة من ~~طباق ثلاثة، يتركب كل واحد منها من سلسلة دائرية، من الغرف ~~المتلاصقة تفتح أبوابها على ردهة ضيقة تطل على الفناء. كان ~~الأصدقاء الثلاثة يسكنون ثلاث حجرات متجاورة في الطابق الثاني، وقد ~~صعد مأمون رضوان إلى حجرته الصغيرة، وأخذ في تغيير ملابسه، وكانت ~~الحجرة مؤثثة بفراش صغير، يقابله صوان، يتوسطهما وراء النافذة ~~الصغيرة مكتب متوسط وضعت عليه الكتب والمراجع. وكان الشاب ممن ~~يحبون الكتب حبا بالغا؛ فما إن وقعت عيناه على معجم «لالاند» حتى ~~لاحت على شفتيه ابتسامة خفيفة وشت بحبه وولعه، بيد أنه لم يضع ~~وقتا، فتوضأ وصلى العصر، ثم ارتدى «ملابس العطلة» وغادر الحجرة ~~إلى الطريق، ومضى يرسم جسمه الرشيق هيئة عسكرية جذابة في مسيره، ~~وكان ذا قوام ممشوق، نحيفا في غير هزال، أبيض الوجه مشربا ~~بحمرة، أجمل ما فيه عينان سوداوان نجلاوان، تلوح فيهما نظرة لامعة، ~~تذكي ضياء وجمالا وذكاء، وكان يتقدم في مسيره لا يلوي على شيء، ~~لقدميه وقع شديد، ولعينيه هدف لا تحيدان عنه، كان هدفه ذلك اليوم ~~بيت خطيبته ms004 بمصر الجديدة. وكان مأمون يعالج أمور قلبه بنفس النزاهة ~~والاستقامة اللتين يعالج بهما جميع أمور حياته ... خطب الفتاة - وهي ~~كريمة قريب له من ضباط الجيش العظام - بعد مشورة أبيه، وتم الاتفاق ~~على أن يعقد عليها عقب الانتهاء من دراسته، وصار يتردد على بيتها كل ~~خميس، فيجالس الأسرة مجتمعة، ويمضي بضع ساعات في سمر لذيذ، ولم ~~يخطر له على بال قط أن يدعو فتاته إلى السينما، أو أن يدبر حيلة ~~للانفراد بها؛ ذلك أنه كان من الكافرين بالبدع الحديثة - على حد ~~تعبيره - الثائرين عليها، فلقي سلوكه من أسرة الفتاة - أسرة حافظت ~~على تمسكها بالتقاليد القديمة - كل إعجاب وتقدير، بيد أن ذلك لم ~~يمنع قلبه من الخفقان وهو آخذ في طريقه المعهود، فبلغ طريق الجيزة ~~بعد دقائق واستقل الترام. وبدا في جلسته المعتادة، ونظرته ~~الصافية، وقامته العالية، شخصية غنية بعناصر الجمال والجلال؛ فلو ~~أراد أن يكون عمر بن أبي ربيعة لكان، ولكنه كان ذا عفة واستقامة ~~وطهر لم يجتمع مثلها لشاب. كان ضميرا نقيا، وسريرة صافية، كان ~~قلبا مخلصا ينشد الدين الحق والإيمان الراسخ والخلق القويم، وقد ~~نشأ في طنطا، وكان والده مدرسا بالمعاهد الدينية - رجل ذو دين وخلق ~~- فشب في بيئة أقرب إلى البداوة بساطة ودينا وخلقا وقوة، وعرض ~~له في صباه عارض ترك في حياته أثرا قويا؛ ذلك أنه أصيب بمرض ~~أقعده عن اللحاق بالمدارس حتى الرابعة عشرة، فذاق مرارة العزلة، وعرف ~~الألم، وانصهر في أتون تجربة قاسية، ولكنه استطاع أن يدرس الدين ~~على والده فتفقه فيه غلاما يافعا. ولما دخل المدرسة الابتدائية ~~دخلها فتى مراهقا، وقلبا كبيرا، وروحا حيا، وذكاء وقادا. ~~على أنه لم يخل من تعصب وحدة، بل كانت تعتريه لحظات قسوة ~~جنونية، تنضب فيها خصوبة نفسه، فينطلق كلسان من لهب يلقف ما يلقاه، ~~ويلتهم ما يتصدى له، فيضاعف العمل إن كان يعمل، أو يستغرق في ~~العبادة إن كان يعبد، أو يحتد في النقاش إن كان يناقش، أو تعلوه ~~الكآبة والانقباض إن كان يعتزل. وفي تلك الحياة البسيطة ms005 لم يجد الفتى ~~سبيلا إلى تحقيق ذاته إلا في العمل، فبز الأقران جميعا، وكان في ~~قدرته أن يتعبد ساعات متتابعات لا يسكت لسانه عن ذكر الله، وكان ~~يذاكر في الأيام الأخيرة من العام الدراسي عشرين ساعة في اليوم، فكان ~~أول الناجحين في البكالوريا، كما ينتظر أن يكون أولهم في الليسانس، ~~فصار التفوق من أحلامه العليا كالإسلام والعروبة والفضيلة، ولم يسمح ~~لمخلوق أن يدانيه في تفوقه، ولكن لم ترسب للمنافسة في صدره أبخرة ~~خبيثة، بفضل قوته الخارقة، وثقته الكبيرة بنفسه، وإيمانه الراسخ ~~بالله، فسما بإنسانيته إلى أعلى المراتب؛ ولذلك لم يجعل من إيمانه ~~سبيلا إلى الزهد العاجز أو الفناء في الغير، فكان يقول: إن الإيمان ~~امتلاء بالقوة الربانية لتحقيق مثل الله العليا على الأرض. فكان ~~شابا عظيما، وإن أخفق أن يكون محبوبا؛ لأن تفوقه مثار لحسد ~~الحاسدين، وسلوكه احتقار صامت لحياة الآخرين، ثم إنه لم ينج من ميل ~~للوحدة تأصل في طبعه منذ عهد مرضه العصبي الطويل، هذا إلى جهل بأصول ~~اللباقة الاجتماعية، ونكران لروح الفكاهة، وولع بالصراحة جعلت من ~~حديثه أحيانا سوط عذاب؛ فسماه منتقدوه تارة بالجامعي الريفي، ~~وتارة بالمهدي غير المنتظر. وقال عنه طالب مرة: «الأستاذ مأمون ~~رضوان إمام الإسلام في عصرنا هذا، وقديما أدخل عمرو بن العاص الإسلام ~~في مصر بدهائه، وغدا يخرجه منها مأمون رضوان بثقل دمه.» وظل ~~الشاب على ولائه للتفوق وإن خافه ومقته في أحايين كثيرة. أجل، كان ~~يخاف ذلك الشعور بالتعالي والتفوق، ويستعيذ بالله من شره، ولكنه عجز عن ~~قهره؛ ولذلك لم يرمق عظيما بعين الإعجاب الحق، وأعلن في صراحته يوم ~~افتتح الملك الجامعة استهانته برجال الدولة الذين حضروا الاحتفال؛ ~~ولذلك أيضا جعل يهز منكبيه استهانة كلما رأى الطلبة يتحمسون لمن ~~يدعونهم بالزعماء، وكان ينكر الأحزاب جميعا، ويأبى الاعتراف ب ~~«القضية المصرية»، ويقول بحماسه المعهود: إن هناك قضية واحدة هي قضية ~~الإسلام عامة، والعروبة خاصة. ومن عجب حقا أنه لم يتأثر بموضة ~~الإلحاد التي كانت ذائعة بين طلبة الجامعة على عهده بها، وإنما مرد ms006 ~~ذلك إلى أنه التحق بالجامعة، في الثالثة والعشرين، وقد آمن إيمانا ~~راسخا بثلاثة أشياء لم ينكرها بعد ذلك طول حياته؛ الله، الفضيلة، ~~قضية الإسلام. فلم يزغ بصره حيال نور الجامعة الجديد، ولبثت صخرة ~~إيمانه القائمة تتكسر عليها أمواج السيكولوجي والسسيولوجي ~~والميتافيزيقا. تحدى بإيمانه العلم والفلسفة جميعا، وجعلهما من ~~ذرائعه ومقوماته، وسره أيما سرور أن يجد أعلام الفلاسفة في ظل ~~الله دائما؛ أفلاطون وديكارت وبسكال وبرجسون. كما رحب قلبه المخلص ~~بالوفاق الذي بشر به القرن العشرون بين العلم والدين والفلسفة؛ ~~فاليوم تنحل المادة إلى شحنات كهربية أشبه بالروح منها بالمادة، ~~واليوم تسترد الروحية عرشها المسلوب، واليوم يشغل العلماء ~~بالتفكير الديني، ويرد رجال الدين شرائع العلم والفلسفة؛ فطوبى ~~للشاب الفيلسوف المؤمن! غير أن شاب الجيزة تغير عما كان عليه ~~فتى في طنطا المصاب، صار أوسع صدرا وأرحب فهما، أمكنه أن يصغي ~~إلى مجون محجوب عبد الدائم مبتسما، وأن يناقش علي طه في قيمة الدين ~~والإلحاد، وأن يتلقى صابرا سهام الناقدين والساخرين، إلا إذا ~~احتد واتقدت عيناه وعرته تلك اللحظة الرهيبة؛ فهناك يرتد عنه ~~البصر وهو حسير! وكان الشاب يجد بين زملائه مؤمنين صادقين، فلم يشعر ~~في إيمانه بعزلة، ولكنه لم يظفر بواحد يشاركه حماسه في الدعوة إلى ~~الإسلام والعروبة؛ فقد استغرقت الأذهان أمور أخرى في ذلك الوقت ~~كالقضية المصرية، ودستور سنة 1923، ومقاطعة البضائع الأجنبية، ولكن ~~الفتى لم ييئس في وحدته، ولا كان من الممكن أن يخالط اليأس قلبا ~~كقلبه. # عاش مشغولا بالآمال الكبار، إلا أن قلبه استطاع أيضا أن يتنسم ~~الحياة، وأن يخف مسرورا إلى استقبالها ... بل جعل ينظر من نافذة ~~الترام إلى الخارج في شبه جزع، يود لو يطوي الترام في غمضة عين ~~الطرق إلى مصر الجديدة ... # 4 # ولبث علي طه في حجرته حتى مالت الشمس إلى المغيب، وكان يجلس إلى ~~النافذة وعيناه إلى شرفة دار صغيرة قديمة، تقع عند مدخلها دكان سجائر، ~~تقوم على ناصية شارع العزبة - امتداد شارع رشاد باشا من ناحية عزبة ~~الدقي - فيما يواجه دار الطلبة. كان ms007 مرتديا ملابسه إلا طربوشه ، ~~متأنقا كعادته، يحسب الناظر إلى منكبيه العريضين أنه من هواة ~~الرياضة البدنية، وكان فتى جميلا ذا عينين خضراوين، وشعر ضارب ~~لصفرة ذهبية، ودلالة واضحة على النبل. لبث ينظر إلى شرفة الدار ~~الصغيرة القديمة بعينين تتحير فيهما نظرة انتظار ولهفة حتى دبت ~~فيهما حياة ويقظة بدخول فتاة إلى الشرفة، فنهض ملوحا بيديه، ~~فابتسمت إليه وأومأت إلى الطريق، فلبس طربوشه وغادر الحجرة ثم الدار، ~~وانطلق إلى شارع رشاد باشا، ومضى يتمشى متمهلا في الشارع الكبير، ~~قامت على جنبيه الأشجار الباسقة تقبع وراءها القصور والفيلات، وجعل ~~يرسل الطرف فيما وراءه بين لحظة وأخرى، حتى رأى - على ضوء الغروب ~~الهادئ - صاحبة الشرفة قادمة تخطر، فدار على عقبيه خافق الفؤاد ~~من السرور، واتجه نحوها مورد الوجه، حتى التقت أيديهما، فاشتبكت ~~اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى، وغمغم الفتى: أهلا ... # فغمغمت ووجهها يشرف بابتسامة لطيفة: مساء الخير ... # واستخلصت يديها برفق، وتأبطت ذراعه، واستأنفا السير إلى شارع ~~الجيزة يمشيان مشية المتمهل الذي ليس له وراء المشي من غاية. ~~هي فتاة في الثامنة عشرة، تضيء محياها بشرة عاجية، وعينان ~~سوداوان يجري السحر في حورهما والأهداب، أما شعرها الفاحم وما ~~يحدثه تجاوب سواده مع بياض البشرة فيخطف الأبصار، وقد حوى ~~معطفها الرمادي جسما لدنا ناضجا ينتشر سحرا ووهجا. سارا ~~متمهلين يبهج منظرهما الشباب والحياة. وجعل علي طه يرقب أنحاء ~~الطريق بطرف حذر كأنما يطلب غرة، والفتاة تلحظه بطرف خفي ~~منتظرة على شوق وسرور، حتى اطمأن الفتى إلى غفلة العيون، فضم ~~أصابعه تحت ذقنها، وأدار وجهها إليه، وألصق شفتيه بشفتيها حتى ~~رطبتا برضابها، ثم رفع وجهه متنهدا من الأعماق، وتتابع ~~خطوهما صامتين، ورأته يلقي نظرات فاحصة، فذكرت - على سحر ~~الموقف وفتنته - معطفها الذي كاد يبلى، ففتر سرورها، وقالت بالرغم ~~عنها: أيسوءك أن ترى دائما هذا المعطف العتيق؟ # فلاح الإنكار في وجه الشاب، وقال مؤنبا: كيف تلقين بالا إلى ~~هذه الصغائر؟ إن في المعطف كنزا جعله الحظ السعيد من نصيبي. # ولم توافقه على أن المعطف من «الصغائر»، ms008 بل كانت تقول لنفسها ~~مرات متأسفة: إن العيش السعيد شباب وثياب! ولحظت بذلته الصوفية ~~الأنيقة فرغبت في لومه، وقالت: يا لك من مراء! أتعد اللباس من ~~الصغائر وأنت تتأنق مزهوا ...؟ فتورد وجهه حياء، وبدا كالطفل ~~المرتبك، ثم قال كالمعتذر: البدلة جديدة ... وليس من الممكن ابتياع ~~بدلة قديمة، ولكن الملابس أعراض تافهة، أليس كذلك يا حبيبتي؟ # بيد أنها خافت مناقشته؛ لأنه كان يتوثب للمناقشة باهتمام، ويقف ~~منها موقف المعلم، ولم تكن ترتاح إلى ذلك، والواقع أنه لم يكن يخلو ~~من تناقض. كان كثيرا ما يستهين بالملابس والمآكل ونظام الطبقات، ~~ولكنه كان يلبس فيتأنق، ويأكل لذيذ الطعام حتى يشبع، وينفق عن سعة. ~~أما إحسان شحاتة فكان لديها ما تقوله، وما تعلم أنه ينتظر رأيها ~~فيه، فقالت بصوته الرخيم الذي يعابث الغرائز: كدت أتم الكتاب الذي ~~أعرتنيه. # فبدا الاهتمام على وجهه؛ لأنه كان يرغب أن يحب عقلها كما يحب ~~شخصها، وسألها: ورأيك؟ # فقالت بصراحة: فهمت أقله، ولم أفز من هذا القليل بطائل. # فشعر بخيبة وسألها: ولمه؟ # فابتسمت إليه لتخفف من وقع كلامها واستدركت: محور الكتاب - الذي ~~تسميه قصة - أفكار وآراء، وأنا أرتاد في الكتب الحياة ~~والعاطفة! ~~- ولكن الحياة فكر وعاطفة! # فلمت أطراف شجاعتها وقالت: لا تطوقني بمنطقك؛ فربما لا أستطيع ~~دفعه، ولكنه لن يغير من ذوقي، الموسيقى مقياس الفن الحقيقي في نظري، ~~فما تجاوز مادة الموسيقى في الكتاب لا ينبغي أن يعد من الفن في ~~شيء. # فهاله رأيها، وابتسم ابتسامة باهتة، وقال بأسف: إنك تحرمين على ~~نفسك أشهى ثمار الفن الحقيقي ... # فقالت ضاحكة: مجدولين، آلام فرتر، آلام رفائيل؛ تلك آيات الفن الذي ~~أحبه. # قالت ذلك بلهجة من يقول: «لكم دينكم ولي دين.» فأمسك الشاب عن ~~الكلام، وتساءل: هل ييئس حقا من تغيير رأيها؟ إنه يريد صادقا أن ~~يتحابا بقلبيهما وعقليهما، وأن تكون شركة حياتهما تامة منسقة، ~~وأن يجد فيها الحبيبة والزميلة والند المحترم. إنه يحبها حبا ~~يملك عليه قلبه ونفسه، ولكنه يرجو أن يجعل منها في المستقبل زوجا غير ~~الزوج التي تعرفها البيوت ms009 الشرقية. وانتهى بهما المسير إلى شارع ~~الجيزة، فانعطفا إلى يسارها، وتنهد الشاب بارتياح؛ فالشارع ~~كالمقفر، وجوه كالمظلم، ورفع راحتها إلى فمه، ولثمها بشغف، ثم ~~مال نحوها فأخذ قبلة مطمئنة لذيذة الطعم، من شفتين ممتلئتين ~~طريتين، ولمحها تسبل جفنيها لوقع القبلة، فانتفض جسمه القوي، ~~وشاعت في روحه شرارة سرور مكهربة، وقال وهو يزدرد ريقه: ما ألطفك ... ~~ما أجملك! # ومضت فترة سكون لذيذة ساحرة، ثم تنهد وقال في شبه حسرة: بيني وبين ~~الامتحان النهائي أشهر معدودات، أما أنت؟ # فقالت: امتحان البكالوريا في يونيو. ماذا تختار لي؟ # فقال الشاب بحماس: كليتي ... # وهي وإن كانت الضرورة تحتم عليها أن تتم دراستها، إلا أنها ~~ودت لو قال لها مثلا: «حسبك دراسة وهلمي إلى عشنا!» فشعرت ~~بشيء من الاستياء وسألته: لماذا أختار كليتك؟ ~~- لنكون عقلا واحدا، وفنا واحدا، ومهنة واحدة ... ~~- مهنة واحدة؟ # فقال بحماسه الذي لا ينضب: أجل يا حبيبتي، وظيفة المرأة أخطر شأنا ~~من عمل الجارية. محال أن أخون مبادئي، أو أن أرضى بحرمان المجتمع ~~عضوا جميلا نافعا مثلك! # وكانت مقتنعة برأيه على وجه آخر؛ لأن الضرورة تملي عليها أن ~~تختار مهنة يوما ما، بيد أنه ضايقها - وإن لم تدر لماذا - حماسه ~~لرأيه، وودت لو كانت هي التي حملته على قبوله على تمنع وتردد ~~منه. # ومضيا في الطريق المقفر، يستلهمان آمالهما الحديث، ويفصلان ~~حديثهما بالقبل. # كانت إحسان شحاتة عظيمة الشعور بأمرين؛ جمالها وفقرها. كان جمالها ~~فائقا، وقد استأسر سكان دار الطلبة، وجعل سكان الحجرات يرسلون ~~شواظ أنفسهم فتلتقي جميعا في شرفة الدار الصغيرة البالية، وترتمي ~~عند قدم الفتاة الحسناء الفخور، ولكن لم توجد بالدار مرآة حقيقة بأن ~~تعكس ذلك الجمال الصبيح؛ فالفقر حقيقة ماثلة كذلك، وقوى شعورها به ~~إخوتها السبعة الصغار، وأن لا مورد لهم إلا دكان سجائر مساحتها متر ~~مربع، وجل زبائنها من الطلبة! وطالما خافت على جمالها عوادي الفقر، ~~وسوء التغذية. والواقع أنه لولا وصفات أمها - كانت الأم من قيان شارع ~~محمد علي قبل أن يتزوجها المعلم شحاتة تركي - لهزل جسمها، ولذبل ~~ردفاها ms010 اللذان مدحهما أحد شعراء كلية الطب بمعلقة رنانة. وقد ~~عرفت علي طه، اختاره قلبها من دار الطلبة جميعا، وحظي بإعجابها ~~شبابه وجماله ونبله ومستقبله، بيد أن أمرين هامين جعلا يتنازعان ~~قلبها من أول لحظة؛ حياة قلبها وحياة أسرتها، أو بمعنى آخر علي طه ~~والإخوة السبعة الصغار. وكانت عرفت - قبل علي طه - شابا موسرا من ~~طلاب القانون، وقد أدركت من سلوكه أنه يطمع فيها متعة لقلبه ولهوا ~~لشبابه، فأخذت حذرها، وكان والداها يطلعان على أسرار حياتها، فما ~~راعها إلا إغراء أمها وطمع أبيها في مال الشاب! وتنبهت إلى حقائق ~~حياتها المرة، وخوافيها المحزنة. والواقع أن والديها لم يضمرا ~~للأخلاق احتراما قط، وكانت شركتهما عشقا قبل أن تصير زواجا، وظل ~~أبوها يرتزق في سوق الجمال بجماله وصفاقته حتى تزوجته أمها ووهبته ما ~~ادخرت من مال ليتاجر به، فبدد ما بدد على المخدرات والقمار، ~~وبقيت له دكان السجائر الصغيرة، ولكنه كان يقول لنفسه متعزيا: ~~«ضاعت حياتي حقا، ولكن البركة في إحسان.» فوجدت فيه الفتاة كما وجدت ~~في أمها عونا للشيطان والسقوط، ولكنها لم تسارع إلى السقوط؛ فقد ~~تلقت إهانة عن غير قصد، فثار كبرياؤها وأنقذها؛ إذ رأت الشاب صديقها ~~يجالس أباها يوما في الدكان، فأدركت أنه يساومه على عرضها، وثار ~~غضبها، وشعرت بالخزي والعار، ثم قطعت الشاب بقسوة لم تدع له أملا! ~~خرجت من التجربة ظافرة، ولكن بعد أن علمت أنها تعيش في بؤرة، ثم ~~إنها شعرت في قرارة نفسها بأنها تخلصت فجأة من الرقابة والقيود، ~~وأنها صارت حرة تفعل ما تشاء بغير حساب. وأحدث شعورها بتلك الحرية ~~المطلقة في نفسها ثورة، لبثت حينا بغير هدف ولا وازع أيضا، ولكن ~~يقظة جنونية دبت في عواطفها فتمطت ترتاد متنفسا، وإن عقلها ~~الحياء والتردد. كان الجو خانقا، والرئتان سليمتين، فدلت الظواهر ~~على أن النهاية محتومة ما منها مناص، وجعل أبوها الفاجر يقول لها ~~متأسفا على ضياع الشاب الموسر: «إنك مسئولة عنا جميعا، وخصوصا ~~إخوتك السبعة.» رباه، هل تستطيع أن تعتصم بإرادتها حيال تلك الدوافع ~~الفاجرة؟ ms011 ألا يمكن أن يتواصوا بالصبر حتى تتم تعلمها بمعهد ~~التربية وتجد مهنة شريفة ترتزق منها؟! واستسلمت للمقادير في غير ثقة ~~ولا إيمان شأن ضعاف الإرادة ... حتى جاء علي طه. وجدت في علي ودا ~~صادقا، وإخلاصا قويا، ومقصدا نبيلا، فدعم إرادتها المزعزعة، ~~وأنقذها من غمرة الحيرة والخوف، وأعاد إليها شعور الاحترام ~~والكبرياء؛ فأحبته وناطت به آمالها، ورمق عم شحاتة تركي الشاب الجديد ~~باستياء، وقال عنه: «إنه شاب فقير، حتى السجائر لا يدخنها!» وقال ~~للفتاة مرة ساخرا: «مبارك عليك الشاب الجميل الذي بعثه الله ~~ليجوعنا!» ولكنها أعرضت عنه، ووضعت أملها في المستقبل؛ فهو كفيل بأن ~~يهيئ لها مهنة محترمة، وأن يحقق لها أحلام قلبها ... # أما علي طه فكان شابا ذا مزايا حسنة كثيرة، كان مثالا طيبا للروح ~~الاجتماعية الحقة؛ ففي عهد دراسته الأول كان عضوا بارزا في القسم ~~المخصوص، وجمعية الرحلات المدرسية، وجماعة الخطابة والصحافة، ~~يجيد الحديث والخطابة وطهي الطعام والغناء، مع ميل محمود للاطلاع ~~والثقافة، واستمساك مخلص بالفضيلة. وبانتقاله إلى الجامعة ضاق ميدان ~~نشاطه، ولكنه عمق وارتفع، فصار «الأستاذ» علي رئيسا لجماعة ~~المناظرات، وتميز على الأقران بقوته الخطابية وثقافته العامة وحضور ~~بديهته، وكان يهتم بالمثل العليا، ويتحدث بحماس وإيمان عن المدينة ~~الفاضلة، فصدقه عارفوه، ولكن بعض المغرمين بالنقد أشاعوا عنه أنه ~~داهية لا يشق له غبار، وأنه يغزو الأوساط جميعا ملثما ~~بالفضيلة، فيصيد الحسان باسم العلم والفضيلة، وأنه يتحدث عن الأخلاق ~~كما تتحدث الخاطبة عن عروس لم ترها، ولكنهم غالوا وكذبوا. والحقيقة ~~أن الشاب كان صادقا مخلصا، وأنه إذا كان يحب الجمال فقد أحبه ~~بنزاهة وإخلاص. بيد أن حياته لم تخل من أزمات عنيفة؛ فقد تزعزعت ~~عقيدته منذ مستهل حياته الجامعية، وتعرض لآلام التحول الفتاكة، ~~ولكنه كان شجاعا صادقا، فاستقبل الحياة الجديدة بإرادة متوثبة، ~~وعقل شغوف بالحق، ولم يكن من الهازئين الماجنين، ولم يكتم إعجابه ~~بمأمون رضوان لصدقه وشجاعته، ولكنه ارتمى بين أحضان الفلسفة المادية؛ ~~هيجل وستولد وماخ، وآمن بالتفسير المادي للحياة، وارتاح أيما ارتياح ~~للقول بأن الوجود مادة، وأن الحياة ms012 والروح تفاعلات مادية معقدة ، وأن ~~الشعور صفة ملازمة عديمة الأثر كصوت العجلة الذي يلازم دورانها دون ~~أن يكون له فيه أي أثر. وطالما قال له مأمون رضوان: إن الفلسفة المادية ~~فلسفة سهلة، ولكنها لا تحل مسألة واحدة حلا مقبولا. ولكن علي طه ~~كان شابا اجتماعيا، لا يصبر على التأمل طويلا، ويذاكر في أسبوع ~~ما ربما ذاكره مأمون في يومين؛ فإلى جانب وقت القراءة هناك وقت ~~للرياضة، وآخر للمناظرة، وثالث للرحلة، ورابع للحب ... إلخ. فحسبه من ~~الفلسفة هذا التفسير الجامع، وليستأنف سيره في الحياة، ولكن هنالك ~~عقبة كأداء تنذر بأن تصير هاوية جارفة: الأخلاق؟ ... نهضت أخلاقه ~~فيما مضى على دعامة من الدين، فعلام تنهض اليوم؟! ... ما الذي يمسك ~~على الفضائل قيمتها بعد الله؟! أم تراه يزدريها كما ازدرى عقيدته من ~~قبل، ثم يلقي بنفسه في تيار الحياة الجارف بلا وازع ولا ضمير؟! إن ~~المنطق واضح، والنهاية محتومة، ولكنه تردد وتماسك، واتقى بقوة ~~القصور الذاتي، وتساءل: ألا يمكن أن يحيا كما حيي أبو العلاء؟ ولكن ~~أبا العلاء كان ضريرا مجدورا سوداويا، أما هو فشاب جميل مفتول ~~العضلات، اجتماعي المزاج، فأنى يكون له الزهد والتقشف؟! ووجد ~~نفسه في مثل الحيرة التي وجدت فيها إحسان شحاتة عقب تحررها من ظل ~~والديها. وأخيرا ظفر بمنقذه كما ظفرت بمنقذها، التقى بأوجست ~~كونت رجل المجتمع، وبشره الفيلسوف بإله جديد هو المجتمع، ودين جديد ~~هو العلم. آمن بالمجتمع البشري والعلم الإنساني، واعتقد أن للملحد - ~~كما للمؤمن - مبادئ ومثلا إذا شاء وشاءت له إرادته، وأن الخير أعمق ~~أصولا في الطبيعة البشرية من الدين؛ فهو الذي خلق الدين قديما، وليس ~~الدين الذي أوجده كما كان يتوهم، وجعل يقول عن نفسه: «كنت فاضلا ~~بدين وبغير عقل، وأنا اليوم فاضل بعقل وبلا خرافة!» وثاب إلى مثله ~~العليا آمنا مطمئنا، ممتلئا حماسا وقوة، وشغف بالإصلاح ~~الاجتماعي، وحلم بالجنة الأرضية، فدرس المذاهب الاجتماعية، حتى طاب ~~له أن يدعو نفسه اشتراكيا ... وانتهى المطاف بروحه - التي بدأت ~~رحلتها إلى مكة - إلى موسكو! وطمع يوما أن يجذب ms013 أصدقاءه المقربين ~~إلى الاشتراكية ، ولكنه لم يفلح. قال له أحمد بدير معتذرا: «إني ~~صحافي وفدي، والوفد حزب رأسمالي.» وقاله له مأمون رضوان بإيمانه ~~المعروف: «للإسلام اشتراكيته المعقولة، فيه الزكاة التي تضمن لو ~~طبقت بدقة العدالة الاجتماعية دون جور على الغرائز التي يستمد ~~الإنسان منها العون في كفاحه؛ فإذا أردت للدنيا نظاما يهيئ لها ~~الأخوة الحقة والسعادة والعدالة، فدونك والإسلام.» أما محجوب عبد ~~الدائم فهز منكبيه استهانة وقال باقتضاب: «طظ.» ومهما يكن من أمر ~~فقد عرف لحياته هدفا أنقذه من الحيرة والفوضى والفساد، وحق له أن ~~يقول على نفسه مسرورا: «هاكم بطاقتي الشخصية وهي تغني عن كل تعريف؛ ~~فقير واشتراكي، ملحد وشريف، عاشق عذري!» # 5 # انتظر محجوب عبد الدائم في حجرته كذلك، ولكن دون أن يغير ملابسه؛ ~~لأنه لم يكن كصاحبيه يملك بدلة خاصة ليوم الخميس، وكان يرقب ~~الطريق من نافذته، فرأى مأمون رضوان وهو يغادر الدار في مشيته ~~العسكرية، ولاحظ إيماءة الهوى بشرفة الدار الصغيرة القديمة، ثم رأى ~~العاشقين الشابين يوافي أحدهما الآخر إلى شارع رشاد باشا، وشيع ~~كل واحد منهم جميعا ب «طظ» مفعمة سخرية وحقدا؛ فسخريته تضمر ~~دائما حقدا. وكان ينتظر ميعاده، إلا أنه يؤثر الظلمة ويحب ~~الستر، فخلت الدار تقريبا إلا منه. كان محجوب عبد الدائم كمأمون رضوان ~~طولا ونحافة، إلا أنه شاحب مفلفل الشعر، يميز وجهه جحوظ عينيه ~~العسليتين وصعود شعيرات حاجبيه إلى أعلى، هذا إلى نظرة قلقة ~~متقلبة يوحي بريقها بالتحدي والسخرية، ولم يكن به كصاحبيه - ~~جمالا، ولكن لم يكن بقسماته كذلك قبح منفر. ولا يخطئ الناظر إليه ~~ما يدل عليه منظره من التحدي؛ فما ينفك في خوف من أن يقذفه بنكتة ~~أو دعابة أو ملاحظة لاذعة. وكان يرى حياته مليئة بالمشكلات، ويضع ~~على رأسها جميعا مشكلته الجنسية، ويصفها بأنها مشكلة عسيرة الحل ~~كالقضية المصرية سواء بسواء! وقد رأى إحسان شحاتة، وطالما أثارت بركان ~~شهوته، رآها - كما يرى أي امرأة أخرى - صدرا وعجزا وساقين، وكانت ~~إحدى مفاتنها هذه كافية لإطلاق شرارة كهربائية في صدره، ولكن ms014 الفتاة - ~~على حد قوله - أحسنت الاختيار، وآثرت الفتى الأشقر ذا العينين ~~الخضراوين، ولبثت حياته مقفرة موحشة؛ فقلبه في ظلام، وعقله في ~~ثورة دائمة. كان صاحب فلسفة استعارها من عقول مختلفة كما شاء هواه، ~~وفلسفته الحرية كما يفهمها هو، وطظ أصدق شعار لها، هي التحرر من كل ~~شيء، من القيم والمثل والعقائد والمبادئ، من التراث الاجتماعي ~~عامة! وهو القائل لنفسه ساخرا: «إن أسرتي لن تورثني شيئا أسعد ~~به؛ فلا يجوز أن أرث عنها ما أشقى به!» وكان يقول أيضا: إن أصدق ~~معادلة في الدنيا هي: الدين + العلم + الفلسفة + الأخلاق = طظ. وكان ~~يفسر الفلسفات بمنطق ساخر يتسق مع هواه؛ فهو يعجب بقول ديكارت: ~~«أنا أفكر فأنا موجود.» ويتفق معه على أن النفس أساس الوجود، ثم ~~يقول بعد ذلك إن نفسه أهم ما في الوجود! وسعادتها هي كل ما يعنيه. ~~ويعجب كذلك بما يقوله الاجتماعيون من أن المجتمع خالق القيم ~~الأخلاقية والدينية جميعا؛ ولذلك يرى من الجهالة والحمق أن يقف مبدأ ~~أو قيمة حجر عثرة في سبيل نفسه وسعادتها! وإذا كان العلم هو الذي ~~هيأ له التحرر من الأوهام، فليس يعني هذا أن يؤمن به أو أن يهبه ~~حياته، ولكن حسبه أن يستغله وأن يفيد منه؛ فلم تكن سخريته من رجال ~~العلم دون سخريته من رجال الدين، وإنما غايته في دنياه اللذة والقوة، ~~بأيسر السبل والوسائل، ودون مراعاة لخلق أو دين أو فضيلة. لقد ~~استعار هذه الفلسفة بإرشاد هواه، ولكن تهيؤه لها نما معه منذ أمد ~~بعيد؛ فهو مدين بنشأته للشارع والفطرة. كان والداه طيبين جاهلين، ~~ولظروفهما الخاصة أتم تكوينه في طرق بلدة القناطر، وكان لداته ~~صبية شطارا ينطلقون على فطرتهم بلا وازع ولا تهذيب، فسب وقذف، ~~واعتدى واعتدي عليه، وتردى إلى الهاوية. ولما انتقل إلى جو جديد - ~~المدرسة - أخذ يدرك أنه كان يحيا حياة قذرة، وعانت نفسه مرارة العار ~~والخوف والقلق والتمرد، ثم وجد نفسه في بيئة جديدة، طالبا من طلاب ~~العلم بالجامعة، ورأى حوله شبانا مهذبين يطمحون إلى الآمال البعيدة ~~والمثل ms015 العالية، ولكنه عثر كذلك على نزعات غريبة وآراء لم تدر له ~~بخلد. عثر على موضة الإلحاد والتفسيرات التي يبشر بها علماء النفس ~~والاجتماع والأخلاق والظاهرات الاجتماعية الأخرى، وسر بها سرورا ~~شيطانيا، وجمع من نخالتها فلسفة خاصة اطمأن بها قلبه الذي نهكه ~~الشعور بالضعة. لقد كان وغدا ساقطا مضمحلا، فصار في غمضة عين ~~فيلسوفا! المجتمع ساحر قديم، جعل من أشياء فضائل، وجعل من أشياء ~~رذائل، وقد وقف على سره وبرع في سحره، وسيجعل من الفضائل رذائل، ومن ~~الرذائل فضائل! وفرك يديه سرورا، وذكر ماضيه أطيب الذكر، ورمق ~~مستقبله بعين الاستبشار، وألقى عن عاتقه شعور الضعة. بيد أنه أدرك منذ ~~اللحظة الأولى أن فلسفته سرية، يجوز أن يدعو مأمون رضوان إلى ~~الإسلام جهارا، ويجوز أن يعلن علي طه اعتناقه لحرية الفكر ~~والاشتراكية، أما فلسفته فينبغي أن تظل سرية - لا احتراما للرأي ~~العام؛ فإن من مبادئها احتقار كل شيء - ولكن لأنها لا تؤتي أكلها إلا ~~إذا كفر الناس بها، وآمن بها وحده! ألا ترى أنه إذا آمن الناس جميعا ~~بالرذيلة لم يتميز بينهم بما يتيح له التفوق عليهم؟ لذلك احتفظ بها ~~لنفسه، ولم يعلن منها ما هو في حكم الموضة كالإلحاد وحرية الفكر، إلا ~~إذا ضاق صدره أو غلبه شعور الوحشة، فإنه ينفس عن قلبه بالمزاح ~~والسخرية، فبدا للقوم ماجنا لا شيطانا مجرما، ومضى في سبيله ~~فقيرا بلا خلق يرصد الفرص، ويتوثب للانقضاض عليها بجرأة لا تعرف ~~الحدود. ~~••• # لبث في حجرته ينتظر الظلام، فلقلبه أيضا مغامرات، ولكن حبه كفلسفته ~~لا يحيا في النور، وما فتاته في الواقع إلا جامعة أعقاب سجائر. ولشد ~~ما أغضبه حظه في الحب، ولكن ما الحيلة ونقوده لا تكاد تفي بضرورات ~~الحياة؟ وكثيرا ما يهزأ بنفسه فيقول: «لست خيرا منها؛ فهي جامعة ~~أعقاب سجائر، وأنا جامع أعقاب فلسفة، ثم إني في نظر المجتمع شر ~~منها!» وقد رمت بها المصادفات بين يديه، فلم يدع الفرصة تفلت، وقال ~~متعزيا: من تواضع لله رفعه. رآها ذات مساء - وكان يتمشى في طريق ~~العزبة ms016 المقفر - وراء شجرة تين مع أحد بوابي شارع رشاد باشا، ~~فتربص بها حتى رآها تسير بمفردها بعد أن عاد النوبي إلى الشارع ~~الآخر، واقترب منها بجرأته، ولمس منكبها وهو يقول مبتسما: رأيت كل ~~شيء. # فتوقفت الفتاة عن المسير، ورمقته بعين داهشة، وتبينها على ضوء ~~الطريق فوجدها شديدة السمرة، كاعب الثديين، فاضطربت أنفاسه، وحدجها ~~بعين نمر مفترس ... وأفاقت الفتاة من دهشتها، فسألته باستهانة: ماذا ~~رأيت؟ # فأجاب محجوب وعيناه تقولان لها «برح الخفاء»: شجرة التين ... البواب ~~... # فسألته بنفس اللهجة الدالة على الاستهانة: وماذا تريد؟ # فقال بصوت مضطرب: مثله. ~~- أين؟ ~~- ليكن نفس المكان. # فدارت على عقبيها، ولكنها قالت قبل أن تهم بالمسير، وبصوت يدل ~~على الإنذار: ثلاثة قروش! # فغمغم بارتياح: جميل. # ثمن زهيد لا تنوء به ميزانيته والفتاة لا تخلو من ثدي كاعب. بيد ~~أنه يرجو أن تكون سمرتها القاتمة لونا طبيعيا لا ترابا متلبدا، ~~وما عليه بعد ذلك إلا أن يتحمل الرائحة الكريهة المنبعثة من جسدها. ~~لا بأس؛ فشيء خير من لا شيء. وهل ينسى أنه نفسه لم يكن يستحم - في ~~القناطر - إلا في المواسم؟ بل إنه ليتساءل: ألا يسوي الظلام بين ~~النساء جميعا؟ وسألها وهما عائدان: ألك عهد طويل بالبواب؟ ~~- كلا. هذه أول ليلة. ~~- ألم تتواعدا مرة أخرى؟ ~~- كلا. # فقال محجوب بارتياح: ولكن لن تكون الليلة آخر ليالينا. # فتمتمت وهي تثبت الخمار على رأسها: وجب. ~~••• # وكان الظلام يبتلع الكون، وما زال بموقفه من النافذة ينتظر موعد ~~صاحبته، ثم سمع نقرا على الباب، فدلف منه وفتحه، فرأى بواب الدار ~~يلوح له بخطاب، وأخذ الخطاب ورد الباب، وألقى على الظرف نظرة ~~سريعة فرأى ختم القناطر، ثم لاحظ بسهولة أن الخط غير خط أبيه، فمن عسى ~~أن يكون كاتبه؟ إنه يرى ذلك الخط أول مرة ... # 6 # وفض الغلاف متعجبا وقرأ ما يأتي: # حضرة الشاب الفاضل محجوب أفندي عبد الدايم: # السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فإنه يؤسفنا أن نخبركم ~~بأن والدكم العزيز مريض وملازم الفراش، ونسأل الله أن يجعل ~~العواقب سالمة، ولكن لا بد من ms017 حضورك في أقرب وقت لتطمئن عليه ~~بنفسك، وقد طلبوا إلي أن أكتب هذا إليك فلا تتأخر، ~~والسلام. # شلبي العفش (صاحب بقالة القناطر ~~الخيرية) # هذا يعني أن أباه في حالة عجز تمنعه من أن يمسك بالقلم، فماذا ~~أصابه؟ وقرأ الكتاب للمرة الثانية وقد لاح الوجوم في وجهه الشاحب، ~~وجعل يشد حاجبه الأيسر بأنامله، ومن عجب أنه لا يذكر أن أباه شكا ~~المرض يوما ما. كان دائما متين البنيان ثقيل الخطوات؛ فلا شك أن ~~مرضا خطيرا غدر به وأعجزه. ترى ما الذي يخبئه الغيب؟ ... وماذا ~~يدخر له ولوالدته؟ # ولكن لا يجوز أن يضيع الوقت سدى، أو أن يؤخر سفره دقيقة، وكتب ~~كلمة لمأمون رضوان يشرح سبب سفره المفاجئ، ولف جلبابه في جريدة ~~قديمة، ثم غادر الدار. لم يمض إلى الشارع العزبة كما كان يرجو منذ ~~دقائق، ولكنه أخذ في شارع رشاد باشا أو شارع علي وإحسان كما يدعوه ~~ساخرا، ومضى يحدث نفسه قائلا: «لو انتهى أجل الرجل لوئدت آمالي ~~جميعا ... رباه! أيمكن أن يحدث هذا وما عاد بيني وبين الامتحان ~~النهائي سوى أربعة أشهر؟!» وجد في الطريق المقفرة الغارقة قصوره في ~~جلال الصمت لا يسمع إلا وقع قدميه، حتى بلغ الجيزة، واستقل ~~الترام، تظلل الكآبة وجهه وعينيه، وفي جلسته المحزونة سرح به فكره ~~إلى صاحبيه المقربين، مأمون رضوان وعلي طه، فنفس عليهما ما ~~يتمتعان به من طمأنينة وثقة. مأمون رضوان أبوه مدرس بالمعاهد، ذو ~~مرتب حسن؛ فلا تعيش أسرته في ظل الخوف، وهو يعطي الشاب ما يكفيه ~~وأكثر، ولولا حمق مأمون الذي جعله يوقف حياته على العلم والعبادة لكانت ~~له لذات الحياة، ولكنه أحمق، والحمقى دائما مجدودون. أما علي طه ~~فأبوه مترجم ببلدية الإسكندرية ذو مرتب ضخم، والشاب يقبل على ~~التمتع بالحياة في حدود مثله؛ فهو شاب سعيد، وحسبه إحسان كي ~~يكون سعيدا، ولعل إنسانا ما لم يثر حسده كما يثيره هذا الشاب ~~الجميل الموفق، هو هو البائس! ... أبوه - ترى ألا يزال أباه؟ - كاتب ~~بشركة الألبان اليونانية بالقناطر، خدمة خمسة وعشرين عاما ms018 ومرتب ~~ثمانية جنيهات، وإذا انقطع عن العمل فمكافأة أشهر معدودات، وكان ~~الرجل يبذل له من مرتبه ثلاثة جنيهات شهريا أثناء السنة الدراسية، ~~فنهضت بالضرورات من مسكن ومأكل وملبس، ورضي بها الشاب رضاء ~~المتمرد المغلوب على أمره، وجعل يرمق ملاذ القاهرة من بعيد، ~~ويسترق السمع إلى أخبارها بنهم وألم. كان ينطوي على شهوة جامحة بقدر ~~ما يضيق بطموح جشع. تواردت عليه هذه الخواطر، فساءته تلك الساعة أكثر ~~من أي وقت مضى، ثم فكر في العلاقة التي تربطه بهما، وفيما يسمونه ~~بالصداقة، غافلا عن مشاهد الحقول والمياه التي يطويها الترام في جريه ~~السريع. أله صديق حقا؟ كلا، وما الصداقة إلا إحدى الفضائل التي كفر ~~بها؟! حقا إنه يميل إليهما كثيرا؛ فنقاش مأمون يستهويه، وروح علي ~~تجذبه إليه، ويلذه أن يجتمع بهما يتحادثون ويتحاورون، ولكن ما شأن ~~ذلك كله بما هو معروف عن الصداقة؟! إنه مع ذلك يحسدهما ويمقتهما؟ ولا ~~يتردد عن إبادتهما لو وجد في ذلك نفعا. ومضى يقول لنفسه بلهجة ~~التحريض: «الحرية المطلقة ... طظ المطلقة ... ليكن لي أسوة حسنة في ~~إبليس ... الرمز الكامل للكمال المطلق ... هو التمرد الحق، والكبرياء ~~الحق، والطموح الحق، والثورة على جميع المبادئ! وانتهى الترام إلى محطة ~~الإسعاف، فتركه واستقل تراما آخر إلى ميدان المحطة، ومن ثم إلى ~~المحطة نفسها، ثم انطلق إلى شباك تذاكر الدرجة الثالثة، وابتاع ~~تذكرة. ولما تحول عن الشباك وجد نفسه أمام شاب في الثلاثين، متوسط ~~القامة مع ميل إلى القصر والبدانة، مثلث الوجه كبيره، كثيف ~~الحاجبين، حاد البصر، مستدير العينين، يلقي على ما حوله نظرة ~~متعالية كلها ثقة وزهو، فعرفه، ودنا منه مادا إليه يده باحترام ~~هاتفا: الأستاذ سالم الإخشيدي! ... السلام عليكم ... # فالتفت إليه دون أن تتغير ملامح وجهه، ونادرا ما يتغير وجهه؛ فهو ~~لا يندهش ولا ينزعج، ولا يبدو عليه سرور ولا حزن؛ فإذا أراد أن يعلن ~~غضبه - وكثيرا ما يفعل - استعان بنبرات صوته الغليظ. التفت نحو محجوب ~~وقال بهدوء ورزانة: كيف أنت يا محجوب؟ ~~- شكرا لك والحمد لله ... ولكن ما الذي ms019 جاء بالأستاذ إلى ~~المحطة؟ # فقال الإخشيدي بصوته الرزين: مسافر إلى بلدتنا القناطر لزيارة ~~والدي، ولكن ما الذي جاء بك أنت وليس الوقت بموسم إجازات؟ # فقال محجوب بأسف ظاهر: إلى القناطر أيضا لعيادة والدي ~~المريض. ~~- عبد الدايم أفندي مريض؟ ... كتب الله له السلامة. بلغه ~~تحياتي. # ثم سارا جنبا لجنب في اتجاه موقف القطار، وكانت أخبار الإخشيدي ~~انقطعت عن محجوب فترة يسيرة، فسأله: ألا تزال يا أستاذ سكرتيرا لقاسم ~~بك فهمي؟ # فلاحت شبه ابتسامة في عيني الإخشيدي، وقال: أنا مرشح الآن ~~لوظيفة مدير مكتبه. المذكرة في المستخدمين. # فقال بسرور ظاهر لا ظل له في نفسه: مبارك ... مبارك يا ~~أستاذ! # فرفع الرجل حاجبيه بزهو، وقال باقتضاب: درجة خامسة. # فهتف محجوب: مبارك ... مبارك، العقبى للرابعة. # فقال الإخشيدي متفلسفا: بلدنا منهوب مسلوب، مسئولياته بيد ~~الضعفاء الأغبياء، ومهما نرتق فلن نزال دون ما نستحق! # فأمن محجوب على قوله قائلا: صدقت يا أستاذ. # ثم استأذن الإخشيدي واتجه نحو عربة الدرجة الأولى، وأتبعه الشاب ~~عينيه حتى اختفى، ثم سار إلى الدرجة الثالثة تعلو وجهه الكآبة ~~والأحلام، واتخذ مجلسه من العربة ورأسه لا يني عن التفكير، ~~والإخشيدي لا يبرح خياله. منذ عامين كان الإخشيدي طالب ليسانس مثله ~~- محجوب - الآن، ولعله كان مثله أيضا يكفر بالمبادئ، ولكن دون جلبة ~~أو ضوضاء، وربما كانا لا يختلفان اختلافا جوهريا في شيء فهما في ~~الذكاء سواء، وهما في الأخلاق- أو عدم الأخلاق - سواء. ولكنهما جد ~~مختلفين في الأعصاب: فسالم الإخشيدي يزن كلامه وزنا دقيقا، ولم ~~يعرف عنه أنه مس مبدأ من المبادئ أو خلقا من الأخلاق بكلمة سوء، ~~أما محجوب فعلى حذره سخر من كل شيء. ومما يذكره محجوب ولا ينساه أن ~~صاحبه عرف آخر عهده بالكلية كزعيم خطير من زعماء الطلبة، وكان من ~~أبطال لجان المقاطعة وموزعي المنشورات ضد الدستور الجديد. ومما ~~يذكره ولا ينساه كذلك أن الإخشيدي دعي يوما لمقابلة الوزير، فذاعت ~~عن المقابلة الأقاويل، وتوقع كثيرون أن يقع اضطهاد أو بغي، ولكن ~~الفتى انقلب فجأة وبغير تدرج، انسحب من ميدان السياسة ms020 كله، وتوقف ~~نشاطه الذي لم يكن يعرف الحدود، ولم يعد يرى إلا في حجرات ~~المحاضرات، ولكن إذا واجهه أحد بسؤال عن سر انقلابه أجابه ببروده ~~المعهود: «ميدان الجهاد الحقيقي للطلبة: العلم!» ثم حصل على الليسانس، ~~وعين - قبل أوائل الطلبة - سكرتيرا لقاسم بك فهمي، وكان واسطته ~~الوزير نفسه، بل وضع في السادسة - وهي وقتذاك فردوس مفقود - وها هو ~~يرشح للخامسة قبل أن يمضي على تعيينه سنتان، وبعد أن استقال بمدة ~~كبيرة الوزير الذي عينه؛ مما يدل على أنه حاز ثقة قاسم بك نفسه، ~~وأنه يسير قدما. يا له من مثال يحتذى! يا له من رجل يستحق من ~~الإعجاب قدر ما يستوجب من الحسد! ... لكم يبدو عليه جاه المنصب وإقبال ~~الحياة! ... ماذا يضيره إذا احتقره مأمون رضوان أو علي طه؟! ... طظ ... # وكان القطار يطوي الأرض طيا، والبرودة تنفذ إلى الداخل على الرغم ~~من إحكام غلق النوافذ، ولكنه لم يشعر بالبرودة تماما إلا حين كف عن ~~التفكير، فزرر الجاكتة واعتدل في جلسته. سرعان ما عاد إلى تذكر ~~أبيه المريض، فأدرك أنه يغرق في الأحلام متغافلا عن الهاوية تحت ~~قدميه. وعاد إلى وجومه مرسلا نظرة حزينة كئيبة، حتى وقف القطار ~~في القناطر، فأخذ لفافته وغادره، ثم ترك المحطة إلى الطريق العام، ~~وألقى على المدينة نظرة شاملة، وهتف: «يا قناطر يا بلدنا ... وزعي ~~الحظ بين أبنائك بالعدل!» # 7 # ولم تمض سوى دقائق معدودات حتى وجد نفسه أمام البيت الصغير الذي ~~ولد فيه؛ بيت من طابق واحد، يتقدمه فناء ترابي مسور بدرابزين ~~خشبي، يدل مظهره على البساطة والتقشف. # وكان يواجه المحطة في الجانب الآخر من الطريق، ويطل سطحه على ~~الحقول فيما وراء السكة الحديدية، وبدا البيت مظلما غير بصيص نور ~~يلوح من خصاص نافذة أبيه، فخفق قلبه خفقانا متداركا، وصرخ به الخوف ~~والرجاء، واجتاز الفناء إلى المدخل وطرقه بخفة، فسمع وقع قبقاب، ~~وعرف صاحبته وفتح الباب، وبدا شبحها وراءه، فأقبل نحوها قائلا: مساء ~~الخير يا أماه. # فسمع صوتا متنهدا: «أنت!» ثم أخذت يده بين يديها، وقالت ms021 بنفس ~~الصوت المتعب: كيف أنت يا بني؟ حدثني قلبي بأنك الطارق. # وكان الدهليز مظلما فلم يتبين ملامح وجهها، فرد الباب وهو ~~يتساءل بلهفة: أماه ... ماذا حدث؟ ... كيف حال أبي؟ # فقالت المرأة بصوت محزون: ربنا يأخذ بيده. # ووضع لفافة الجلباب على خوان، ودخل الحجرة بقدمين محاذرتين، ~~وسبقته عيناه إلى الراقد على الفراش، واقترب منه، وكان رأس الرجل ~~مائلا نحو الجدار، غمغم بصوت خافت: مساء الخير يا أبي ... كيف ~~حالك؟ # ولم يبد على الأب أنه سمع حسا أو أدرك شيئا، فانحنت الأم على ~~رأسه وقالت: محجوب يمسي عليك ... # واعتدل رأس الرجل ببطء، وتحرك جفناه، ثم أبرز يسراه، فأخذها ~~محجوب بين يديه وقبلها، وبدا الرجل مريضا جدا، وبدت عيناه ~~مظلمتين كأنهما تقطران من ماء آسن، وفمه معوجا. قال محجوب: أبي ~~... كيف أنت؟ ... لا حول ولا قوة إلا بالله ... # وثبت الرجل عينيه عليه، وتكلم بصوت متحشرج، متقطع المخارج، ~~قائلا: لم يعاودني النطق إلا ظهر اليوم! # فارتاع محجوب وسأل أمه: هل عجز وقتا عن النطق؟ # فقالت المرأة المتعبة: أجل يا بني، كان في عمله عصر الثلاثاء ~~الماضي كالعادة، فسقط فجأة فاقد النطق، وجاءوا به محمولا، ودعوا ~~بالطبيب، وأتى الطبيب فحجمه وحقنه، ولا يزال يعوده كل صباح، ولكن لم ~~يعاوده النطق إلا قبل ظهر اليوم. ~~- ماذا قال الطبيب؟ # فلاحت في عينيها نظرة حيرى، وتحركت شفتاها دون أن يسمع لها ~~صوت، فقال أبوه: قال إنه شلل ... شلل ... جزئي ... # وارتاع الشاب لفظاعة الاسم، وإن كان يجهل حقيقته كل الجهل. # وأرادت أمه أن تفرخ روعه فقالت: ولكنه أكد صباح اليوم زوال الخطر ~~... # فاستطرد الأب بصوته المتقطع الغامض: إني ... أفهم ... ما يقال ... لن ~~أعود كما كنت أبدا ... # فعض محجوب على شفتيه وسأل والدته: هل وقع الأمر بغتة؟ ~~- كلا يا بني، كان أبوك كعهدنا به صحة وعافية، بيد أن ثقلا ~~اعتور ساقه اليمنى، وصداعا شق عليه مساء الإثنين ... # وساد الصمت، فأغمض المريض جفنيه، ولبث بلا حراك، كأنما راح في ~~سبات عميق، وعطف الشاب رأسه إلى أمه، فأيقن أول وهلة أنها لم ms022 تذق ~~للنوم طعما منذ مساء الثلاثاء ، عيناها محمرتان ذابلتان، تطوقهما ~~هالتان زرقاوان، وبشرتها شديدة الصفرة، وامتلأ حزنا وكمدا، ولاح ~~والداه لعينيه مخلوقين بائسين مثله تماما، وجلس على كرسي قريبا من ~~الفراش ثم أطرق متفكرا: هذه أسرة يتعلق مصيرها بحياة رجل مهدم، ~~فماذا تحت الجفنين المطبقين؟ ... أحياة أم موت؟ ... أنجاح أم تشرد؟ ~~لماذا لم يتأخر الشلل عاما آخر؟! وذكر شارع رشاد باشا الصامت الجليل، ~~والقصور القائمة على جانبيه، والباشوات والبكوات تحملهم السيارات ~~منه وإليه، والنساء اللاتي يلحن وراء ستائره وبين خمائله، فأين من ~~أولئك والداه البائسان؟! وهذا البيت المتداعي! وجعل يقول لنفسه: إنه ~~لو كان وريث أحد تلك القصور وأشفى أبوه - الباشا - على الموت، لانتظر ~~موته بفارغ الصبر، وتنهد من قلب مكلوم وقد احتدم الغيظ في قلبه، ثم ~~تساءل وهو لا يتحول عن إطراقه: ترى كيف تنتهي هذه المأساة؟! ~~••• # واسترق النظر إلى أمه، وكانت تجلس مطرقة عند قدميه، فرآها غارقة ~~في السواد الذي حلفت ألا تخلعه مدى الحياة منذ ماتت له أختان بالتيفود، ~~ذابلة الوجه، تبدو أكبر من سنها الذي جاوز الخمسين بقليل، تنوء ~~بأثقال عمر أنفقته أمام لهب الكانون ووهج الفرن، تعجن وتخبز وتغسل ~~وتكنس، فتحجرت أصابع يديها، وبرزت عروق ظاهر كفيها، لم تجد في ~~حياتها وقتا للثرثرة، كانت كالبترول الذي يحرك آلة كبيرة دون أن ~~تدركه الحواس، وكانت تحب ابنها حب عبادة، وقد تضاعف هذا الحب بعد ~~وفاة شقيقتيه في ميعة الصبا، ولكنها لم تترك أثرا يذكر في تكوينه ~~وتربيته، وكانت لا تجد في حياتها من تكلمه، فعاشت كالبكم في صمت ~~وجهالة. وقد أقسرت الظروف أباه على الاختفاء من حياته كذلك، فكان ~~يواصل العمل في الشركة من الصباح حتى ما بعد العشاء، ثم يهرع بعد ذلك ~~إلى حلقات الأذكار حتى منتصف الليل، فكان لا يكاد يرى ابنه. وكان رجلا ~~مجدا دءوبا، مخلصا لبيئته، وصورة منها، لا يشذ عنها في شيء، ~~يفاخر كثيرا بقرابته لأحد كبار الموظفين - قريب زوجته - وكان كزوجه ~~لا يعرف الراحة، فلم يهنأ بحياته الزوجية، واقتصرت رعايته ms023 لابنه على ~~إلزامه بالقيام ببعض فروض دينه مستعينا بالعصا في أحايين كثيرة؛ لذلك ~~جميعه نشأ محجوب على خوف من أبيه، وانطلق إلى الشارع الذي أتم ~~تربيته وتكوينه؛ ولذلك كانت صلته بوالديه واهية باهتة. كان يحب أمه ~~أكثر من أبيه، ولكنه بات على استعداد دائما لأن يخضع صلته بهما ~~لفلسفته المدمرة التي لا تبقي على شيء؛ فلم يكن حزنه حزنا على ~~والده بقدر ما كان إشفاقا على الرجل الذي ينفق عليه ثلاثة جنيهات ~~كل شهر. # 8 # في صباح اليوم الثاني جاء الطبيب وفحص المريض وحقنه بالكافور، ثم ~~صرح بارتياحه للحالة مؤكدا أن الخطر زال تماما، وغادر الرجل ~~الحجرة يتبعه محجوب حتى أدركه في الفناء، والتفت الطبيب إليه وقد ~~أدرك الباعث الذي حمله على اللحاق به: الحقيقة ما قلت لأبيك، الإصابة ~~جزئية، وإلا كانت القاضية، بيد أني صارحته كذلك بأنه لن يعود إلى ~~عمله، وسيلازم الفراش بضعة أشهر، ولكنه سيحرك جنبه المشلول، بل ~~ربما عاود المشي. # ووقف انتباهه عند «لن يعود إلى عمله»؛ فلم يدر شيئا مما قال بعد ~~ذلك، وأظلمت الدنيا في عينيه، وعاد إلى الحجرة ذاهلا، وكان أبوه ذا ~~طبيعة عملية، لا يدع أمرا معلقا إذا أمكن أن يبت فيه برأي، فدعا ~~ابنه إلى الاقتراب من الفراش، وقال بلسان ثقيل: أصغ إلي يا بني، ~~لن أعود إلى عملي بالشركة، هذه هي الحقيقة، فماذا ترى؟ # فازداد صدر محجوب انقباضا، ولازم الصمت في انتظار النطق بالحكم، ~~فاستدرك الرجل: ربما منحتني الشركة مكافأة صغيرة، ستفقد بلا ريب ~~قبل مضي أشهر قلائل، بل المؤكد أنه لن يبقى منها شيء بعد ثلاثة ~~أو أربعة أشهر على الأكثر، ولكن لن أعدم نصيرا يجد لك وظيفة تنهض بنا ~~جميعا ... # فقال محجوب بتوسل وقد نطقت عيناه بالألم والقنوط: الامتحان يا أبي ~~على الأبواب، نحن في يناير وهو في مايو، أما إذا وظفت الآن ~~فسأعد كحامل البكالوريا، وفي ذلك ضياع لمستقبلي عظيم ... # فقال الأب بحزن: أعلم ذلك، ولكن ما الحيلة؟ أخاف أن نتعرض للفضيحة ~~أو نهلك جوعا! # فقال الشاب ms024 بتوسل حار، وبصوت ملأه حماسا وقوة: أربعة أشهر، ~~أربعة أشهر فقط بيني وبين ثمرة كد خمسة عشر عاما ... أمهلني قليلا يا ~~أبتي، ستكفينا المكافأة حتى أنهض على قدمي، لن نجوع، ولن نتعرض ~~للفضيحة بإذن الله. ~~- وماذا يكون من أمرنا إذا أخطأ تقديرك؟ ... إذا خاب سعيك لا قدر ~~الله؟ إن حياتنا بيديك؟ # فقال محجوب وهو يعض بنواجذه على أهداب الأمل: أنت لا تدري يا أبي ~~كيف سيكون اجتهادي! لن يحول بيني وبين النجاح حائل! # وتردد الشاب لحظة ثم قال: وهناك قريب والدتي أحمد بك ~~حمديس! # ولكن والده رفع يسراه محتجا، وقطب استياء، فخاف الشاب أن ~~يفقد عطفه، وأن يذهب ما بذل في إقناعه هباء، فقال بسرعة: لا حاجة بنا ~~إلى معونة أحد، وستسير الأمور بإذن الله وفق آمالي. # وأدرك أنه أخطأ بذكر قريبهم العظيم الذي تناساهم واحتقر صلته بهم ~~منذ تبوأ مركزه الرفيع. أجل إن والدي يفاخر جهارا - على مسمع من ~~الغرباء - بقرابته، ولكن طالما أنحى عليه باللائمة أمام والدته، ~~وطالما أضمر له الاستياء واللوم. أدرك محجوب ذلك نادما، وعاد يقول: لا ~~حاجة بنا إلى معونة أحد، ولكن ينبغي أن نستوصي بالصبر، وأن نطمئن ~~إلى رحمة الله. أربعة أشهر فحسب، وبعدها الفرج! # وكان أبوه يعلم أن المكافأة تكفيهم - مع التقتير - خمسة أشهر أو ~~ستة، فتفكر مليا ثم سأله: تستطيع أن تعيش بجنيه واحد في ~~الشهر؟ # جنيه واحد! أو ما يساوي إيجار حجرة بدار الطلبة؟ ... رباه، بالأمس ~~ضاقت به الدنيا ونفقته ثلاثة جنيهات، فماذا هو صانع غدا بجنيه واحد؟ ~~ولم يمهله الرجل طويلا، فاستدرك قائلا: لا حيلة لي، والخيار بين ~~يديك! # هل يملك خيارا حقا؟ كلا، إن أباه مكره، وما عليه إلا الإذعان ~~والتسليم. قال: لتكن مشيئتك. # فقال الشيخ: لتكن مشيئة الله، والله مسئول أن يوفقك لما فيه ~~الخير، وأن يصل بك جناحنا المهيض. # واقترح الرجل على ابنه أن يرحل مساء حتى لا يضيع وقتا هو في أشد ~~الحاجة إليه، وعند المساء ودع الشاب والديه، فقبل يد والده، ~~واستسلم لأمه تقبله وتباركه، ms025 وحين هم بمغادرة الحجرة سمع والده ~~يقول له: الله معك، اجتهد وتوكل على الله، ولا تنس أنك أملنا ~~الوحيد ... # ومضى إلى المحطة، ومهما يكن من أمر فقد استنقذ من الحيرة التي ~~نهكته عند مجيئه، وعلم الآن أن أمله لا يزال معلقا بخيط لم يقطع ~~بعد. أما ما ينذر به المستقبل من متاعب فسيعرف كيف يعالجها مهما ~~كلفه الأمر، وودع البلد وداعا فاترا، واتخذ مكانه بالقطار، ~~وسرعان ما تناسى البيت والأسرة فلم يعد يذكر إلا نفسه. تساءل وهو ~~ينتف حاجبه الأيسر: لماذا قدر له أن يولد في ذلك البيت؟ وماذا ورث ~~عن والديه سوى الهوان والفقر والدمامة؟ أليس من الظلم أن يرسف في هذه ~~الأغلال قبل أن يرى النور؟ ولو كان ابن حمديس بك مثلا لكان له جسم ~~غير هذا الجسم، ووجه غير هذا الوجه، وحظ غير هذا الحظ، ولذاق ~~الطمأنينة والسلام، ولاقتنى سيارة. وتفكر محزونا في الفقر الذي ~~يتربص به، فرآه يبتسم إليه هازئا كأنما يقول له: «ما استطعت دفعي ~~بثلاثة جنيهات، فهل تدفعني غدا بجنيه واحد؟!» أين يسكن؟ ... كيف يأكل؟ ... ~~وهز رأسه في كمد، ولكنه لم يشعر بخور أو تخاذل. كان عظيم الثقة ~~بنفسه، جريئا إلى أقصى حد، بيد أنه تميز غيظا وحنقا. # 9 # وشارف شارع رشاد باشا والشمس تذوب في بحيرة الشفق الدامية، ~~والسمرة تلون حواشي الآفاق، ولاحت منه التفاتة وهو ينعطف إلى ~~الشارع، فرأى علي طه قادما من ناحية الجامعة، فوقف ينتظره، وتصافحا، ~~ثم قال علي باهتمام: حدثني الأستاذ مأمون عن مرض والدك، فأسفت لذلك ~~غاية الأسف، وإنه ليسرني أن أستدل بسرعة عودتك على ~~اطمئنانك! # وكره أن يطلع مخلوقا على أحزانه، فقال باقتضاب مبتسما: شكرا ~~لك ... ~~- أليس هو بخير؟ ~~- بلى ... شكرا. # وسارا جنبا لجنب على مهل كأنهما يتنزهان، وتساءل محجوب: ترى ~~أآت صاحبه من موعد غرام أم ذاهب إليه؟! هذا الشاب الذي يجد في ~~محضره من دواعي السرور قدر ما يجد من دواعي الألم. واسترق إليه النظر، ~~فرآه يسير حالما يضيء الابتسام وجهه، ويقبس جبينه من نور ms026 البشر ~~والبشاشة، ويهتز طربا من نشوة الحب. أليس توفيق العاشق كظفر ~~المحارب لذة وخيلاء؟ وشعر برغبة لا تقاوم في استدراجه إلى هذا ~~الحديث الجميل، فقال مشيرا إلى مغارس الشجر مبتسما ابتسامة لها ~~معناها: آه لو ينطق هذا الشجر! # ففطن علي طه إلى مرمى إشارته، وكان وجدانه من اليقظة بحيث ألحت ~~عليه الإبانة والحاجة إلى التعبير، فقال بتأثر: أستاذ محجوب، هو ما ~~تظن، ولكن لا تنظر إلى الأمر بعين السخرية، كلا، ما هو بالهزل، إن ~~هزة قلب خطير له من المغزى في هذا الوجود ما لحركة الأفلاك في ~~السموات، فلا تذكر أبدا خزان البخار وصمام الأمن. # وشعر محجوب نحو محدثه باحتقار شديد، ضاعفه ما نمت عليه نبراته ~~من التأثر، وضاعفه أيضا ما يكنه له من الحسد، وقال في نفسه ~~ساخرا: حتى وظيفة التناسل يريد الأحمق أن يجعل منها محرابا ~~مقدسا. ثم قال بهدوء وبرود: يا أيها العاشقون، لا أعبد ما ~~تعبدون! # فابتسم علي قائلا: ولا نحن عابدون ما تعبد. # وخاف محجوب أن تعيد سخريته الشاب إلى رشاده، فندم على ما فرط ~~منه وأراد أن يداريه، فغير لهجته، وتساءل باهتمام ظاهري: غريب ~~أمر هذا الحب! ... بيد أن فتاتك متفوقة حقا! # فقال علي بحماس: ليس الجمال فضيلتها الوحيدة؛ روحها لطيف، وفؤادها ~~ذكي، ويعجزني وايم الحق أن أعبر لك عن امتزاج روحينا، هذه إحسان! ~~... # واضطربت نفس الآخر لدى سماع الاسم، فامتلأ حنقا فجأة. ترى أهذه هي ~~الغيرة التي يقولون عنها؟ ... يا للعار! كيف يقع في ذل الغيرة من ~~يطمح إلى تحطيم الأغلال جميعا؟ وعاد يقول بلهجة جديدة يخفي بها ~~سخرية جديدة: أظن كمال هذا الامتزاج يوجب أن تكون فتاتك محررة ~~من الدين، مؤمنة بالمجتمع والمثل العليا والاشتراكية! # فقال علي برزانة: حسبنا أن نحيا حياة وجدانية روحية واحدة، وسوف ~~يتحد عقلانا بالاختلاط، فنكون أسرة سعيدة يوما ما ... # فقال محجوب باستغراب: أبلغتما هذا الحد؟ ~~- نعم. ~~- هل تكاشفتما؟ ~~- نعم، سأنتظر حتى تنتهي من دراستها العليا ... ~~- مبارك يا أستاذ. # وعز عليه أن يهنئ وهو أحق إنسان بالعزاء، وامتلأ ms027 شجنا ~~وانقباضا. فاز علي بأجمل مليحة في القاهرة ، وغدا الجسد اللدن ~~الطري من نصيبه، واندفع إلى السؤال بغير روية: كيف عرفتها؟ ... في ~~الطريق؟ ... # فقال علي بدهشة: كلا ... من النافذة! ~~- ولكن غيرك نظر أيضا؟ # أفلتت منه الجملة بغير روية أيضا، فندم عليها أشد الندم، وخاف ~~أن يفهمها صاحبه على حقيقتها، فاستدرك يضلله: جيراننا الطلبة ينظرون ~~كذلك ... # فصمت علي مبتسما، وسكت محجوب أن يورده لسانه عثرة جديدة، وشارفا ~~دار الطلبة: بدت كالثكنة العسكرية، ببنائها الضخم ونوافذها العديدة ~~الصغيرة، ورأيا في مقابلها - عند ناصية شارع العزبة - دار عم شحاتة ~~تركي. كان الرجل واقفا أمام دكانه، كان في الخمسين، أبيض البشرة، حسن ~~الوجه، فقال محجوب لنفسه ساخرا: «نعم الصهر!» ودخلا الدار ~~الكبيرة؛ أسعد الناس وأشقاهم. # 10 # واجتمع الأصدقاء الثلاثة في حجرة مأمون رضوان، وكانت النافذة ~~مغلقة، والمدفأة وسط الحجرة يعلوها غشاء من الرماد، وكان مأمون ~~ينتقد خطبة الجمعة التي استمع إليها ظهرا، وجعل يقول: إن خطب الجمعة ~~في حاجة ماسة إلى التجديد، وإنها بحالتها الراهنة دعوة صريحة للجهل ~~والخرافة. # ولم تكن خطبة الجمعة مما يأبه له صاحباه، بيد أن علي طه قال: ~~الحاجة ماسة حقا إلى وعاظ من نوع جديد، من كليتنا لا من ~~الأزهر، يبينون للشعب أنه مسلوب الحقوق، ويدلونه على سبيل الخلاص ~~... # وكان من عادة محجوب عبد الدائم أن يشترك في أحاديث صاحبيه، لا عن ~~إيمان برأي؛ فلم يكن له رأي يؤمن به، ولكن حبا في الجدل والسخرية، ~~ولكنه شعر ذلك المساء - أكبر من ذي قبل - أنه من الشعب البائس الذي ~~يعنيه علي، فأراد أن ينفس عن صدره المحزون بالكلام، ولم يكن الشعب ~~شيئا يهمه، ولكنه لم يستطع أن يطرق همومه الخاصة إلا عن سبيله، ~~فقال: جميل ... إن علتنا الفقر. # فقال علي طه بحماس: هو الحق، الفقر الذي يختنق في جوه الفاسد، ~~العلم والصحة والفضيلة، إن من يرضى بحال الفلاح حيوان أو ~~شيطان! # فقال محجوب في نفسه: أو عاقل مثلي على شرط أن يكون غنيا. ثم ~~تساءل بصوت مسموع: عرفنا الداء، وهذا ms028 شيء ميسور، ولكن ما ~~العلاج؟ # فقال مأمون رضوان وهو يثبت طاقيته: الدين، الإسلام بلسم لجميع ~~آلامنا ... # ومد علي طه ساقيه حتى كادتا تمسان المدفأة، وقال دون مبالاة ~~لما قال صاحب الحجرة: الحكومة والبرلمان ... # فقال محجوب: الحكومة ... أي الأغنياء أو الأسر، والحكومة أسرة ~~واحدة، الوزراء يعينون الوكلاء من الأقارب، الوكلاء يختارون ~~المديرين من الأقارب، المديرون ينتخبون الرؤساء من الأقارب، الرؤساء ~~يختارون الموظفين من الأقارب، حتى الخدم يختارون من خدم البيوت ~~الكبيرة؛ فالحكومة أسرة واحدة، أو طبقة واحدة متعددة الأسر، وهي ~~حقيقة بأن تضحي بمصلحة الشعب إذا تعارضت مع مصلحتها. ~~- والبرلمان؟ # فقال محجوب مبتسما بخبث: النائب الذي ينفق مئات الجنيهات قبل أن ~~ينتخب لا يمكن أن يمثل الشعب الفقير، والبرلمان في ذلك شأنه شأن ~~المؤسسات الأخرى. انظر إلى قصر العيني مثلا؛ فالاسم مستشفى الشعب ~~الفقير، وبالفعل حقل تجارب لإجراء اختبارات الموت على الفقراء ~~... # فقال علي طه بهدوء: السخط شعور مقدس، أما اليأس فمرض، ومهما يكن ~~من أمر فالبرلمان بحيرة تلتقي فيها جداول متباينة المصادر، لا ~~محيد عن أن تمتزج أمواهها، وينشأ عنها نبع جديد ... # فابتسم محجوب ابتسامة مرة وتمتم: تعجبني هذه الأسماء؛ أحمس ~~والهكسوس، منفتاح واليهود، عرابي والجراكسة! # فقال مأمون رضوان ضاحكا: أعجب شيء أن طه شيوعي بناء بينما أنت ~~مدمر ... أنت أحق الناس بلقب فوضوي. # فقهقه محجوب حتى سعل وقال: نحن نشق على أنفسنا أكثر مما ينبغي، ~~كأن هذه الحجرة مسئولة عن رفاهية الدنيا ... # فقال علي طه: سوف تصغي جدرانها إلى آمال الأجيال المتعاقبة ما ~~دامت حجرة للطلبة ... # فقال مأمون رضوان باهتمام متسائلا: هذه الحجرة معمل تفريخ، فما ~~الخطوة التالية؟ # فقال محجوب بسرور شرير: السجن إن كنا من الصادقين! # ثم ذكر الهموم التي جاء بها من القناطر ففقد حماسه للحديث، ونهض ~~مستأذنا في الانصراف بتعب السفر، ومضى إلى حجرته، وجلس إلى مكتبه ~~الصغير محزونا متفكرا: إذا انتهى يناير انتهت معه «رفاهية» حياته ~~الراهنة! أجل بدت له هذه الحياة فيما مضى جحيما، ولكنها إلى ما ~~ينتظره من حياة الغد نعيم مفقود! ولا ms029 شك أن الأشهر الثلاثة القادمة ~~تحمل في طياتها ألوانا من الشقاء لم يحلم بها قط، فماذا هو صانع؟ ~~ومضى يشد حاجبه الأيسر يلوح في وجهه الشاحب العزم والتحدي ... # 11 # ونشط في الأيام الباقية من يناير للبحث عن حجرة رخيصة، ولم ~~يظفر بحاجته بسهولة؛ لأن الحي من الأحياء المأهولة، ولأنه مكتظ ~~بالطلبة، وهؤلاء يتقاتلون على الحجرات المنعزلة فوق الأسطح، ثم ~~عثر في النهاية على حجرة سطحية بعمارة جديدة بشارع جركس - على ~~مقربة من ميدان الجيزة - ولكن جدتها كانت طامة عليه؛ لأن صاحب ~~العمارة أبى أن يكري الحجرة بأقل من أربعين قرشا، فاضطر محجوب ~~إلى القبول مغلوبا على أمره، وأخبر أصحابه بأنه سينتقل إلى حجرة ~~بعمارة جديدة، وقال لهم - وهو يغمز بعينه - إن أسبابا خاصة ~~دعت إلى ذلك. قال ذلك وهو يعلم أنه سيعجزه غدا وصال جامعة ~~الأعقاب، ولكنه آثر كذبا من هذا النوع على إذلال كبريائه، ووجد ~~نفسه في حاجة إلى نفقات النقل وابتياع مصباح غازي، فنظر في أثاثه ~~البسيط فلم يجد شيئا يمكن الاستغناء عنه، سوى صوان الثياب الصغير ~~- أشبه بصندوق منه بصوان - باعه سرا بمساعدة البواب بثلاثين ~~قرشا. وفي أول يوم من فبراير حزم متاعه وودع صحابه، وانتقل إلى ~~الحجرة الجديدة، وأدى الإيجار مقدما فلم يبق معه من نفقته ~~الجديدة إلا ستون قرشا هي جماع ما يملك طوال الشهر، قرشان لليوم ~~الواحد، للغذاء والغاز، وهناك الغسل ضرورة لا محيص عنها - وليترك ~~الكنس جانبا - ثم الحلاقة، أما فنجان القهوة فمن الكماليات ~~المحرمة. وليس فيما بقي من أثاثه الحقير ما يمكن الاستغناء عنه ~~أو ما يطمع أن يأتيه بثمن يذكر؛ فالفراش وهو أهم ما لديه لا ~~يكاد يساوي نصف جنيه، ونفعه مع ذلك لا يقدر؛ فعليه يرقد، وتحت ~~حشيته يحفظ ثيابه. وهز رأسه ذا الشعر المفلفل وغمغم: «ستكر ~~الأشهر الثلاثة كما يكر غيرها من الأيام، ولن أموت جوعا على ~~أي حال.» وبات ليلته الأولى بالمسكن الجديد. # وفي صباح اليوم الثاني غادر الحجرة بعد أن أغلقها، وأراد البواب ~~أن ينظفها له، ولكنه ms030 رده مشكورا. وكان في الحقيقة يهرب؛ لأنه لا ~~يستطيع أن يتنازل له عن مليم واحد. وبلغ ميدان الجيزة، وجال ببصره ~~حتى استقر على دكان فول مدمس، فتوجه إليه واجما، ووجد جماعات ~~العمال يقتعدون الإفريز أمام الدكان يلتهمون طعامهم ويتحادثون ~~ويتضاحكون، فقال لنفسه: «أصبحت واحدا من هؤلاء العمال الذين يرثي لهم ~~علي طه ...» وطلب نصف رغيف وانتحى جانبا يأكله بشهية، فانتهى ولما ~~يشبع، وكان بطبعه عظيم الشهية، يتناول في إفطاره صفحة فول ورغيفا ~~غير البصل والمخلل، ولكنه لا يستطيع أن يأكل أكثر من وجبتين صغيرتين ~~في اليوم. وهز منكبه ومضى في سبيل الجامعة وهو يقول: «لشد ما أنا ~~في حاجة إلى صفاء الذهن؛ فإما النجاح وإما الانتحار!» ومضى وقت الدراسة ~~كالعادة، وقابل أصحابه جميعا، وأنفقوا في حديقة الأورمان وقتا غير ~~يسير يتناقشون في المحاضرات، وعندما أزف وقت الغداء انفصل عنهم فذهبوا ~~إلى المقصف، وعاد هو إلى ميدان الجيزة. بالأمس فقط تناول غداءه بالمقصف ~~مع علي ومأمون وأحمد بدير، وكان مكونا من صفحة سبانخ باللحم الضاني ~~وأرز وبرتقالة، أما اليوم ...! وأقبل على دكان الفول وقد استقبله صاحبها ~~بابتسامة وهو يقول: «أهلا وسهلا.» فآذته تحيته ونالت من كبريائه، ~~وكان إلى جانب دكان الفول دكان كباب، فحمل الهواء دخان الشواء إلى ~~أنفه، فسال لعابه وتوجعت معدته، ثم أخذ الرغيف، ومضى فارا من ~~الرائحة الشهية، وعاد إلى حجرته وفتح بابها، فشم رائحة هواء فاسد؛ ~~لأنه كان قد ترك النافذة مغلقة، ورأى الغبار يعلو المكتب والكتب، ~~والبطانية مكومة على الفراش، فأدرك أن عليه منذ الساعة أن يكون ~~طالبا وخادما، وربما «غسالة» أيضا، وشرع في القيام بوظائفه الجديدة ~~ممتعضا ثائرا. الحياة الجديدة شاقة متعبة، سيواصل دراسته بلا ~~ريب، وسيواصلها بعزم وعناد، ولكن لن يسكت له جوع أو يطمئن له جانب، ~~وسيسهر الليالي طاويا، يجلس إلى مكتبه الساعات الطوال مثلج الأطراف ~~مقوس الظهر، وربما فضحه مظهره وعرضه للهزء والسخرية، وربما نال ~~منه الجوع فأسقمه. # ولكن ليس له إلا أن يكافح بصلابة وعناد، وأن يتحدى الناس والحظ ~~والدنيا جميعا، ms031 وأن يغضب وأن يحقد وأن يجن جنونا. استمر في عمله ~~حتى انتصف الليل، ثم ترك مكتبه إلى فراشه، ورقد عليه منهوك القوى، ~~وهو يغمغم: انتهت أولى ليالي محنتي! ... # 12 # وفي صباح اليوم الثاني استيقظ متعبا موجع الرأس، ومن عجب أنه ~~لم يكن جائعا، ولكنه ذكر آلام جوع الليلة الماضية؛ فإن رغيف الفول لم ~~يصمد بعد العشي، وتركه لجوع قاس أليم. وقد خطر له أن يضرب عن طعام ~~الإفطار على أن يتناول في غدائه رغيفا ونصفا، فيضمن راحة الليل ~~ويذاكر رخي البال، أما ساعات النصف الأول من النهار، فالدروس كفيلة ~~بأن تشغله عن معدته في أثنائها. فكرة طيبة جديرة حقا برأس فقير ~~معدم، والعادة كفيلة بأن تجعل الألم غير أليم، بيد أنه ما كاد يكرع ~~كرعة روية ويستروح نسائم الصباح في الطريق حتى تمطى وحش معدته، ~~فانهارت عزيمته، وهرول إلى دكان الفول لا يلوي على شيء. وراح - وهو ~~يتناول طعامه - يذكر ما يقال عن سير متصوفي الهنود، وعجب كيف ~~يقاومون الجوع تلك المقاومة الخارقة، وكيف يصبرون على الألم ذلك الصبر ~~المر، ويجدون في هذا وذاك لذة عالية! ... رباه ... لشد ما احتارت هذه ~~الكلمة البديعة «اللذة» بين أمزجة البشر، أما هو فلذاته بينة، ~~وحرمانه بين كذلك، حتى جامعة الأعقاب أمست عزيزة المنال! وذهب إلى ~~الكلية، وحضر الدرس الأول، ثم مضى إلى الحديقة ينتظر الدرس الثاني الذي ~~يبدأ بعد ساعتين، وجلس على أريكة وسط جمع من الطلبة يستمتعون بأشعة ~~الشمس اللطيفة التي يجود بها فبراير جود مقتر شحيح، وكانوا يتحادثون ~~بحمية الشباب، وينتقلون من موضوع إلى موضوع كيفما شاءوا؛ تلك الآنسة ~~البدينة التي تضطرب نبراتها ويتهدج صوتها إذا نهضت لقراءة نص من ~~النصوص، ومستر أرفنج مدرس اللاتيني ذو الشعر الذهبي ... ألم يكن من ~~الإنصاف لو خلق أنثى، وخلقت آنسة درية ذكرا؟! السينما وتهديدها ~~للثقافة الحقة والفن الرفيع، والويسكي والحشيش وأيهما أمتع، هل يعود ~~دستور سنة 1923؟ من صاحب الفضل الأكبر في إنشاء الجامعة؟ الملك أم ~~المغفور له سعد زغلول؟ جماعة مصر الفتاة هل هم ms032 مخلصون أم دسيسة؟ من ~~أحق بالفضل في نهضة المسرح؛ يوسف وهبي أم فاطمة رشدي؟ أيهما خير ~~للوطن أن يتم الأمير فاروق دراسته في إيطاليا كما يريد والده، أم ~~في إنجلترا كما يريد الإنجليز؟ امتلأ الجو آراء وملاحظات، وضج ~~بالضحكات والصياح، واشترك محجوب في الكلام بقدر، وأصغى لما يقال ~~بسخريته كالعادة، ثم نهض يتمشى في أرجاء الحديقة الواسعة، حتى أزف ~~وقت الدرس فانطلق إلى الكلية، وبعد انتهاء الدرس خرج متأبطا ذراع ~~أحمد بدير، وقد قال له الشاب الصحافي: مبارك عليك السكن ~~الجديد. # فقال محجوب مبتسما: بارك الله فيك. # فسأله الشاب وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة: من أسرة أم من بنات ~~الهوى؟ # فأدرك محجوب في الحال عم يتساءل صاحبه، وارتاح لذلك، وأجابه ~~بابتسامة غامضة قائلا: هذا سر لا يذاع! ~~- هل تقيم معك في الحجرة أم توافيك إليها الليلة بعد ~~الليلة؟ # فقال محجوب بزهو: الإقامة مجلبة للشبهات كما تعلم! # فهز الصحافي رأسه وهو يمصمص بفمه وقال: يا حظك! ... # وتتابعت أيام فبراير ومتاعب الحياة تصكه صكا، ولاحقه شبح الجوع ~~ليلا نهارا، فلم تطمئن معدته إلا سويعات معدودات في اليوم ~~الطويل، وكان إلى عمله الدراسي يكنس حجرته، وينظف مكتبه، ويرتب ~~فراشه، ويغسل مناديله وجواربه وقمصانه. ولم يدر كيف يقتني الحوائج ~~التي يعدها غيره تافهة كابتياع قطعة من الصابون، أو غاز المصباح، أو ~~حاجته من الورق؛ فاضطر أياما أن يقتصر على وجبة واحدة، وطحنه الجوع ~~طحنا، واشتد هزاله، وشحوب وجهه، حتى خاف على نفسه، نفسه التي ~~يحبها أكثر من الدنيا جميعا، أو التي يحبها وحدها دون الدنيا ~~جميعا. لبث جائعا وحيدا في الحجرة التي يحسب بعض صحبه أنها مهد ~~غرام مستعر. لماذا لا يسأل إخوانه أن يطعموه؟ لو سأل علي طه ما ~~تأخر أو تردد، ولو سأل مأمون رضوان لنزل له عن طعامه ولو كان كسرة ~~خبز، فما الذي يمنعه؟ الكرامة؟ ... الكبرياء؟ ... تبا له! ألم يكفر بكل ~~شيء؟ ألم يستهزئ بالقيم؟ فما له يأبه للكرامة والكبرياء؟ تبا له! لا ~~تزال فلسفته كلاما وهراء، متى يصير رجلا حقا؟ ms033 متى يفرط في ~~كرامته وعرضه كأنه ينفض ترابا عن حذائه؟ # وبلغ الكرب ذروته حين طالبته الكلية باقتناء كتاب في اللغة ~~اللاتينية ثمنه خمسة وعشرون قرشا، فأسقط في يده، ولم يجد من ثمنه ~~مليما واحدا، وقد بات الامتحان قريبا! ماذا يصنع؟ أما اللجوء إلى ~~أحد من أصحابه فحل بغيض مقيت، خصوصا وهو يعلم أنه لن يقضي دينه ~~إذا استدان، فماذا يصنع؟ ومضى يوم ويوم، واضطربت حياته أيما اضطراب، ~~وأوشك أن يدركه القنوط لولا أن ذكر قريب والدته الكبير أحمد بك ~~حمديس! أيجوز أن يقنط وله مثل هذا القريب الكبير؟ أجل، إن والده يجد ~~عليه وجدا عظيما، ويقول إنه رجل جحود، نسي أهله، وتنكر لهم. هذا ~~هو الواقع حقا، ولكن والده مخطئ في غضبه وليس البك مخطئا في سلوكه، ~~إذا كان قريبه يتكبر فجميع أمثاله يتكبرون، ومن حقهم التكبر، ~~ولولا آداب الريف الحمقاء لما غضب والده، بيد أن تكبر البك لن يمنعه ~~من أن ينظر إلى مسألته بعين العطف، ويمد له يد المعونة؛ فليقصد إليه ~~آمنا، وسوف يكفيه شر اللجوء إلى البغضاء! # 13 # وغادر حجرته وقد صدقت نيته على زيارة قريبه وتجربة حظه، ولم ~~يقتصد في تهيئة نفسه، فكوى طربوشه، ولمع حذاءه بقرش كامل أو بثمن ~~وجبة كاملة، ولكنه بدا رغم ذلك كالعليل شحوب وجه وهزال جسم، وبحث في ~~دفتر التليفون عن عنوان قريبه؛ شارع الفسطاط بالزمالك، وحث إليه ~~الخطى ... # وحلق به الخيال - في مسيره - في عالم الذكريات المنطوية، فأضاءت ~~فترة بعيدة من الزمن إذ هو في الثامنة، وإذ قريبه لا يزال أحمد أفندي ~~حمديس المهندس بالقناطر، وكانت أسرة المهندس مكونة من زوجه الحسناء ~~وتحية ابنتهما - في الرابعة - وطفل في الثانية من عمره. كانت أسرة ~~سعيدة تزينها ربة مفرطة في الحسن. وفي ذلك الوقت لم يكن آل حمديس ~~يترفعون عن مخالطة آل عبد الدائم، ولم يأل عبد الدائم أفندي جهدا ~~في إكرام الأسرة العزيزة، ولكم جاب الأسواق يبتاع الدجاج والحمام ~~يهيئ لهم مائدة شهية. ولقد فاز هو بعطف حرم حمديس بك، فكانت ms034 تثني ~~على ذكائه وتعجب بشطارته، وتترك له تحية يلاعبها في فناء الدار ~~وفي الطريق. ترى كيف صارت تحية الآن؟ ... وهل تذكره؟ لقد انطوى ذاك ~~العهد منذ خمسة عشر عاما، فنسي واندثر وانتهى، وذهب بذكراه الزمن ~~والإهمال، ولو كانوا شيئا ذا بال لرسبت منهم آثار في باطن الذاكرة، ~~ولكن آل حمديس كبروا وعظموا ولبثوا هم على ضآلتهم وتفاهتهم، فامحت ~~القناطر من سجل الحياة، وغاصت ذكرياتها في غياهب الماضي، ونبذ عبد ~~الدائم أفندي موظفا بالشركة اليونانية. ترى كيف صارت تحية؟ ... ألا ~~يمكن أن تتذكره؟ ذلك الغلام الذي كان يحملها بين يديه ويجري بها ~~ما بين البيت والمحطة! ... أما حمديس بك فلا يمكن أن ينسى وإن تناسى، ~~سيذكره بمجرد أن يقع عليه بصره، ولن يقبض دون يده. # وبلغ الزمالك، واهتدى - بعد سؤال - إلى شارع الفسطاط، كان كشارع ~~رشاد باشا ضخامة وسكونا، وتحتشد على جانبيه الأشجار الباسقة، وتشتبك ~~أغصانها من الجهتين، فتجعل فوق أديمه ظلة من الأزهار الحمر، فرمق ~~القصور بنظرة غريبة من عينيه الجاحظتين، نظرة يقول لسان حالها ~~متسائلا: «هل يمكن أن ينفذ الشقاء من هذه الجدران الغليظة؟ أحق ~~ما يقول مدعو الحكمة أم إنهم يخدرون القلوب الملتاعة؟!» واقترب ~~بقدمين ثابتتين من الفيلا رقم 14، وسأل البواب بلهجة رفيعة ونبرات ~~رزينة عن البك، وأخبره أنه قريبه وأنه جاء لمقابلته، فدعاه النوبي إلى ~~السلاملك، ودخل حجرة كبيرة فاخرة الأثاث، لم يسبق له أن دخل بيتا ~~كهذا البيت، أو وجد في حجرة كهذه الحجرة، فألقى على ما حوله نظرة ~~متفحصة مقرونة بالدهشة والإعجاب والحسرة؟ وتطلع بناظريه من نافذة ~~قريبة، فرأى ناحية من حديقة حافلة بآي الجمال المعطر. ترى كيف ~~يكون استقبال البك له؟ هل تدعوه حرمه لترى كيف صار الغلام شابا ~~يافعا؟! هل يتذاكرون عهد القناطر ويسألون بشوق عن عبد الدائم أفندي ~~الصديق القديم؟ ... هل يتأثرون لمرضه ويدركون الباعث الذي حمله على ~~طرق بابهم فيمدون له يد المعونة عن طيب خاطر؟ يا لها من حجرة ~~نفيسة! ... ألا يمكن أن يملك يوما قصرا كهذا يقصد إليه ذوو ms035 الحاجات؟ ~~... # وسمع وقع أقدام، فاتجه بصره نحو الباب ثم رأى البك، وقد عرفه من ~~النظرة الأولى على تغير صورته وتقدم عمره، قادما، فنهض قائما ~~وتقدم منه في أدب مادا يده، فتصافحا والبك يمعن فيه النظر، ثم ~~قال مبتسما: هو أنت إذن! ... بدا الاسم غريبا بادئ الأمر ثم أسعفتني ~~الذاكرة، الآن صرت رجلا، كيف حال والديك؟ # بدا الاسم غريبا بادئ الأمر! ... هو أنت إذن! وتناسى محجوب ذلك كله ~~وقال بإجلال: والدتي بخير، ولكن والدي مريض، بل في حالة خطرة! # وعند ذلك جلسا، وكان البك يرتدي معطفه يدل مظهره على أنه متأهب ~~لمغادرة البيت، وقال الرجل وهو يسند ظهره إلى مقعده: لا بأس عليه، ~~ماذا به؟ # فقال محجوب بعناية وبصوت واضح: أصيب والدي بشلل ألزمه الفراش، ~~فانقطع عن عمله، وساءت الحال. # وناط أمله بالعبارة الأخيرة «ساءت الحال»، فاسترق إلى البك النظر على ~~أثر النطق بها، ولكنه لم يجد لها أثرا يذكر، وقال البك دون أن تتغير ~~ملامح وجهه الباردة: أمر محزن، أرجو أن تبلغه تحياتي، وأنت يا ~~محجوب هل انتهيت من الدراسة؟ # وأحنقه تغير مجرى الحديث، وأثاره برود محدثه، ولكنه لم يجد ~~بدا من أن يجيبه قائلا: امتحان الليسانس في مايو القادم. ~~- عظيم ... مبارك مقدما ... # ثم نهض وهو يقول: آسف جدا أن أتركك الآن؛ لأني على موعد ~~هام. # فنهض الشاب قانطا حانقا يلعن في سره المقابلة التي لم تستغرق ~~دقيقتين بعد فراق خمسة عشر عاما! ألم يدرك الباعث الذي رمى به إلى ~~بيته؟ ألم تدله «ساءت الحال» على ما جاء من أجله؟! وتبعه إلى الخارج ~~في حيرة شديدة، هل يمسك بذراعه ويهتف به: «إني فقير معدم وفي شدة ~~الحاجة إلى معونتك، فمد إلي يدك!» وتوثب للعمل مجازفا بكل ~~شيء، ولكنه رأى على بعد قريب فتاة شابة وفتى يافعا يرقيان ~~السلم في هدوء، فانهار توثبه وجمد بصره على القادمين. عرف تحية ~~من النظرة الأولى على رغم التفاوت الكبير بين الصورة الماثلة للحسن ~~والصورة الثاوية في الذاكرة، وعرف من أوجه الشبه بينها وبين الفتى ms036 أنه ~~شقيقها. نسي عزمته، وانقلب إلى حالة من الجمود ... والكبرياء، ونظر ~~البك إلى ابنيه مبتسما، ثم أومأ إلى محجوب قائلا: الأستاذ محجوب ~~قريبي ... تحية ابنتي، وشقيقها فاضل. # وتصافحوا، وقال محجوب مبتسما: إني أذكرهما جيدا. # فقال البك وهو يتحرك نحو السيارة التي تنتظره: إذن امكث معهما بعض ~~الوقت. # هل يمكث معهما؟ وتبادلوا النظرات في تطلع وابتسام، أما فاضل ~~فشاب جميل نبيل المنظر، فكرهه من النظرة الأولى؛ لأناقته وجماله ~~ونبله، وأما تحية ففتاة حسناء فائقة الحسن، ربما كانت إحسان شحاتة ~~أفتن منها حسنا، ولكن تحية مثال كامل للتعبير عن الأناقة والكبرياء، ~~وأنموذج حي للأرستقراطية، فسرعان ما بهرت حواسه، وسرعان ما وجد فيها ~~الرمز الحي للحياة العالية التي يتآكل قلبه حسرة عليها، وقد سعرت ~~عواطفه وهيجت طموحه، بيد أنها لم تثر شهوته كما فعلت إحسان، ولا ~~أيقظت بنفسه عاطفة سامية؛ فلا عهد له بالعواطف السامية، ولكن حركت ~~به إعجابا مقرونا بالحنق، ورغبة ممتزجة بالتحدي؛ فشعر في أعماقه ~~بنزوع إلى السيطرة عليها والبطش بها! وقر عزمه في الحال على أن يمكث ~~معهما! وجلس ثلاثتهم في الثوى الفخم، وأيقن أنه لن تخفى عليهما رثاثة ~~هيئته، ولكنه تلقى هذه الحقيقة بالاستهانة. والواقع أنه كان يتمتع ~~بقدرة عجيبة على قهر الحياء والارتباك، وعلى الادراع باستهانة لا ~~تعرف الحدود! وقال فاضل مبتسما: هل تذكرنا حقا يا أستاذ؟ # فقال محجوب بهدوء: عشنا معا في بلدة واحدة منذ خمسة عشر عاما، ~~كان البك مهندسا بالقناطر، وكنا نلعب معا في «حديقة» بيتنا. # فقال له الشاب بدهشة: لا أذكر شيئا عن هذا العهد. # وقالت تحية بصوت مهذب كمنظرها سواء: ولا أنا تقريبا ... # فآلمه ذلك، وقال مداريا عواطفه بالابتسام: كنتما صغيرين، أما أنا ~~فكنت في الثامنة ... # فهز فاضل رأسه مبتسما وسأله: وهل انتهيت من الدراسة؟ # ترى هذا السؤال من تقاليد الأسر الأرستقراطية؟! وأجاب: سأنتهي في ~~مايو. ~~- أية كلية؟ ~~- الآداب ... # فقال فاضل بلهجته الرفيعة: نحن سعداء إذ وجدنا قريبا مثلك. # فقال على الفور: وأنا أسعد؛ لأني وجدت قريبين. # وكانت تحية تتفحصه بعينين أنثويين، فقالت ms037 لمجرد الرغبة في ~~الحديث كما يقضي الأدب: لم نزر القناطر منذ تركناها . # وارتبك محجوب على غير عادته، هل يدعوهما لزيارة القناطر ومشاهدة ~~البيت ذي «الحديقة» التي كانوا يلعبون فيها؟! بيد أن فاضل أنقذه من ~~ورطته بأن قال موجها خطابه لشقيقته بلهجة ساخرة: وهل زرت القاهرة ~~التي تعيشين فيها؟ أنت لا تعرفين إلا الصالونات والسينما. # فابتسمت تحية وقد تورد وجهها وقالت: يا لك من مغال ساخر! ألا ~~تعلم أني أعرف القاهرة جميعا حتى دار الآثار والأهرام زرتها ~~كالسائحين ...؟! # فخطر لمحجوب خاطر بديع فقال على الفور وقد خلص من ارتباكه: دار ~~الآثار والأهرام باتت مناظر مملولة، هل زرت الحفريات ~~الجديدة؟! # فتساءلت تحية ملتفتة إلى المتكلم: الحفريات الجديدة؟! # فأشار إلى صدره كأنه هو الذي اكتشفها وقال: حفريات الجامعة، بعد سير ~~دقائق من الهرم الأكبر دنيا غريبة محاطة بالأسلاك الشائكة، وجميع ~~مفتشيها من أصدقائي وزملائي، فمتى نذهب معا لمشاهدتها؟ # فقالت بسرور: لا أدري، ولكنني سأذهب يوما ما ... أليس كذلك يا ~~فاضل؟ # فقال فاضل بلا وعي منه وقد أخذ يعتوره الفتور: طبعا ... طبعا ~~... # وشعر محجوب عبد الدائم وهو يعبر حديقة الفيلا بعد انتهاء الزيارة ~~أنه من الممكن أن ينشأ بينه وبينهما نوع مما يسميه الناس بالصداقة، ~~وتفكر فيما يمكن أن يفيده من هذه الصداقة إذا حدثت، أم يخرج منها ~~كما خرج من زيارة البك صفر اليدين ... # 14 # ووجد نفسه في شارع الفسطاط مرة أخرى، ولفحته ريح باردة عاتية لم ~~يدر متى هبت، تهز الأغصان فيضج الطريق بحفيفها، وتصفر بين ~~الجدران فيصم الآذان زفيفها، فسرت إلى جسمه المتعب رعدة ~~تمشت في مفاصله؛ فأمشير أقسى من أن يحتمله ضعيف جائع. بيد أن ~~أفكاره شغلته عما حوله، فاقتحم طريقه نصف شاعر بقساوة الجو. ذكر ~~فاضل، وقارن بينه وبين نفسه، هنالك الصحة والجمال والغنى، وهنا المرض ~~والدمامة والفقر، ومع ذلك فهما قريبان! أما تحية ففتاة أرستقراطية، ~~صورة حية للدنيا التي يطمح إليها. ترى هل يذهب بها يوما إلى ~~الأهرام؟ إن فتاة مثلها لحقيقة بأن تكون مفتاحا سحريا يفتح ~~الأبواب ms038 المغلقة ويصنع المعجزات. تفكر في ذلك طويلا، ولكن يا ~~أسفا. أيجوز أن يغرق في تلك الأحلام وينسى همومه الراهنة؟ من أين له ~~النقود ليبتاع كتاب اللاتيني؟ وكيف له بمقاومة الجوع الذي بات يهدد ~~جسده وعقله؟! ... يا عجبا! ... هل من دليل على حقارة الإنسان أكبر من ~~ضرورة الطعام لحياته؟! أيكون هذا الطعام الذي يقتلع من الطين ويسمد ~~بالقاذورات زبدة الحياة وقوامها؟ وعماد التفكير؟ والمبدع الحق ~~للمثل العليا؟ أليس هذا دليلا على أن جوهر الإنسان قذارة وحقارة؟! ~~وحث خطاه، وكانت الرياح لا تزال تزمجر كاسرة، والسماء تتلبد ~~بالسحاب المظلم، ومياه النيل الزمردية تصطخب وتعربد، فألقى على ~~ما حوله نظرة غاضبة، وبصق على الأرض باحتقار كأنما يناصب الدنيا ~~العداء! ... ألا يحسن به أن يقترض؟ ... ممن؟ ... وكيف يقضي دينه؟ لن يكون ~~الشهر القادم بخير من سابقه، بل لعله أسوأ، فما العمل؟ لو كان يعرف فن ~~النشل؟ ... النشل فن سحري، والنشال يملك ما في جيوب الناس جميعا، ~~وقد عرف سادة هذا البلد مغزى هذه الحكمة، ولكن ما العمل؟ هل يعيد على ~~حمديس بك الكرة؟ أيقابله في الوزارة ويسأله صراحة المعونة؟ ~~واعترضت سبيل أفكاره صورة تحية؛ تحية بنبلها وأرستقراطيتها، ~~أيرضى أن تعلم أنه بائس شحاذ! ... هذه الفتاة تحرك مشاعره، ليس ~~مجنونا فيهذي كما هذى علي طه؛ فهي شهوة جديدة كتلك التي علقت إحسان ~~لا أفلاطون ولا هيام. ومن عجب أنه كان عظيم الثقة بنفسه لحد غير ~~معقول، ربما كان مبعث هذا ما طبع عليه من جسارة وجرأة، وفضلا عن ~~ذلك كان يشارك العامة اعتقادهم في التفوق الجنسي على الأغنياء؛ ~~فاعتقد صادقا أن تحية ليست بمنأى عن طموحه. كانت أحلامه لا توقفها ~~السموات، وزادها الجوع جنونا؛ ذلك الجوع الذي جعل من دراسته كفاحا ~~مريرا، ومن لياليه عذابا أليما. وكتاب اللاتيني، تبا له! كيف ~~يحصل على النقود؟! # 15 # واستيقظ في صباح اليوم التالي أهدأ نفسا، فهمدت الأخيلة التي ~~بعثتها في عقله زيارة آل حمديس؛ ولذلك أمكنه أن يثوب إلى رأي، وأن ~~يقرر أن يقصد إلى حمديس بك في ms039 الوزارة مادا يده بالسؤال، مضحيا ~~بصداقة تحية وفاضل، ولم ير بدا من العدول عن الذهاب إلى الكلية، ~~وامتنع عن تناول الإفطار ليوفر ما يركب به الترام في الذهاب ~~والإياب، ومضى إلى حال سبيله فبلغ وزارة الأشغال في تمام العاشرة، ~~وعرف السبيل إلى سكرتير قريبه، فوجده رجلا في الأربعين، فحياه بأدب ~~وقال له: أريد مقابلة سعادة البك. ~~- من حضرتك؟ ~~- قريب البك ... محجوب عبد الدائم. # فاستنظره الرجل لحظة وغاب عن عينيه، ولبث محجوب يفكر فيما عسى أن ~~يقوله البك، ويرتب الكلام ترتيبا مؤثرا، وعاد الرجل بعد قليل ~~وجلس إلى مكتبه وهو يقول: البك يرأس المجلس الاستشاري، فيحسن أن تعود ~~يوما آخر. # وبغته ذاك الجواب، وكبر عليه، فشعر بضربة تهوي على أم رأسه، وقال ~~برجاء: ولكني أريده لأمر هام جدا. ~~- لا شك في هذا، إن شاء الله، ولكن يوما آخر. ~~- أستطيع أن أنتظر ساعة أو ساعتين. # فقال الرجل بلهجة من يريد أن يفرغ إلى شيء آخر: تعال مساء إذا ~~شئت. # وغادر المكان مغيظا محنقا، هل يبتلع الترام ما تبقى من ~~نقوده؟ ألا فليذهب البك ومجلسه الاستشاري إلى الجحيم. وأدرك أول وهلة ~~أنه ينبغي أن ينتظر في المدينة حتى العصر - إذا أراد أن يقابل البك - ~~توفيرا لنفقات الانتقال، ثم لم يعد يقاوم الجوع الذي ينهش معدته، ~~فمضى إلى ميدان الأزهار باحثا عن دكان فول! وتناول الطعام الذي داوم ~~على تناوله لثلاثة أسابيع مضت، وانطلق في طريق قصر النيل ليقضي وقت ~~انتظاره الطويل في حدائقه. وكان الجو باردا، والسماء ملبدة بالغيوم! ~~وكان يسير مطرقا مرددا بحقد وغضب: «أهانني الرجل المجرم، ~~أهانني المجرم!» ومع ذلك فهو مرغم على الجري وراءه مرة أخرى! ... هو ~~عدو ما من صداقته بد، وهو بعض الألم الذي تمتحنه به الدنيا. وأمر ~~أصابعه على جبينه المحترق وقال: «لن أبكي، سأحافظ على جبروتي، ~~ومهما بلغ مني الجوع فلن أصرخ مع الجبناء هاتفا: يا رب!» وانتهت به ~~قدماه إلى الحديقة، وراح يمضي الوقت ما بين الجلوس والمشي ضجرا ~~مملولا. وبردت أطرافه، وأحس تعبا في ms040 معدته، وتساءل خوفا وفزعا: ~~«ألا يمكن أن تترك هذه الأيام السود آثارا لا تزول أبد العمر؟!» ~~وتجهم وجهه الشاحب، ولاحت في عينيه نظرة قلق محزنة. ومر على ~~انتظاره نصف ساعة، وكان يتمشى في الطريق المحاذي للنيل، لا يدري كيف ~~يؤاتيه الصبر حتى يأزف الموعد، وعلى مقربة من باب الحديقة الأندلسية ~~الخلفي رأى فتاتين تدنوان منهمكتين في الحديث والابتسام، فألقى ~~عليهما نظرة عابرة، فعرف إحداهما؛ كانت تحية حمديس دون سواها! كانت في ~~شغل عنه بصاحبتها! أما هو فقد أحدث ظهورها المفاجئ في نفسه أثرا أي ~~أثر، انقطع حبل أفكاره، نسي أباها ومجلسه الاستشاري، تناسى آلامه ~~وجوعه، وتركز همه في شيء واحد أن يلقاها، ولم يحفل بمظهره، ~~ولا بوجود الفتاة الغريبة، ولم تتحول عيناه عنها في معطفها السنجابي ~~الملتف حولها في أناقة أرستقراطية، ولعلها شعرت بعينيه فنظرت نحوه، ~~وكانت أصبحت على بعد أذرع منه، فاعترض سبيلها - وحنى رأسه تحية، ~~ولاحت الدهشة في وجهها، ثم تورد، وألقت عليه نظرة سريعة، ثم مدت ~~إليه يدها، وقدمت إليه صديقتها، وقدمته إليها، ثم وقفوا ثلاثتهم في ~~شبه ارتباك. لقد اندفع إلى تنفيذ غرضه، ثم لم يجد ما يقوله، ثم عمد ~~إلى الأحاديث التقليدية، فسألها: كيف حال الأسرة الكريمة؟ # فقالت برقتها الطبيعية: بخير شكرا لك. # وأنقذه عقله من ارتباكه، فذكره بحفريات الجامعة، فسر لعثوره ~~على موضوع للحديث وقال: هذه فرصة سعيدة تهيأت لي لأذكرك ... أنجز ~~حر ما وعد؟ # فقالت مقطبة دهشة: لا أفهم شيئا. # فقال بلهجة تنم عن العتاب: الحفريات ... حفريات الجامعة. ~~- آه ... كلا لم أنس. ~~- متى؟ ~~- متى! ~~- نعم. لنكن عمليين. ما رأيك في عصر الجمعة القادم؟ # فترددت قليلا ثم قالت وقد راق لها الاقتراح: حسن. ~~- وفاضل بك؟ ~~- سأخبره ... ~~- لنتفق على موعد. ~~- لا نريد أن نتعبك؛ فسم موعدك. ~~- الساعة الرابعة مساء، أمام محطة الأتوبيس بميدان الجيزة. # وسلموا وافترقوا، واستأنف مسيره. نجاح باهر فاق كل ما تمنى، ~~فصار الحلم موعدا. أجل، لاحظ أن صاحبتها تفحصت منظره بدقة، ولكن ~~ماذا يهم المنظر، أليس أحقر رجل بامرأتين؟ فما بالك إذا ms041 كان الرجل ~~محجوب عبد الدائم؟! إذن محتمل جدا أن تمسي العلاقات وثيقة، وليس ~~هذا بالأمر الهين؛ فتحية من ذرائع الحظ التي يرفع بها المجدودين، وهي ~~بعد شيء نفيس أنيق، ومن يعلم ...؟! بيد أنه أدرك أنه لم يعد من ~~الممكن استجداء حمديس بك؛ إذ ليس من المنطق في شيء أن يمد يده اليوم ~~إلى الأب سائلا، وأن يلقى كريمته غدا لقاء المودة والاحترام. ولو ~~فعل لأبى الرجل على كريمته أن تذهب إلى موعد فتى بائس مثله، ولأبت ~~ذلك عليها نفسها الغالية؛ فإما الاستجداء وإما اللقاء، ولكن لم يعد ~~هناك اختيار، أو أنه اندفع إلى الاختيار وهو لا يدري. لقد سد هذا ~~الباب في وجهه ...! ووجد نفسه بعد كل ما بذل من جهد يتساءل متحيرا: ما ~~العمل؟ ... كيف أحصل على النقود؟ وكان يحث الخطى مرتبكا مهموما، ~~ويعمل فكره دون توقف، فذكر الأستاذ سالم الإخشيدي، ولمعت عيناه ~~الجاحظتان فجأة! ... أجل، هذا جار قديم، وهو غير مأمون رضوان أو علي ~~طه، ولن يجد غضاضة في أن يمد له يده، فلماذا لا يقصد إليه؟ يا لها ~~من فكرة، واليوم لم يكد ينتصف بعد، وبينه وبين الوزارة مسير نصف ساعة ~~على الأكثر، فليذهب بغير تردد. وقد ذهب. # 16 # وسأل عن مكتب الأستاذ سالم الإخشيدي سكرتير قاسم بك فهمي، فقيل له بل ~~مدير مكتبه، ودلوه عليه، ووقف على الباب ساع طويل القامة عريض ~~المنكبين، غزير الشارب، فطلب أن يؤذن له عليه، فغاب الرجل لحظة ~~وعاد يقول بصوت غليظ: «تفضل.» ووجد الحجرة مكتظة بالجالسين نساء ~~ورجالا، وغاب الإخشيدي ومكتبه وراء نصف دائرة من الموظفين يعرضون ~~أوراقهم، ونظر الشاب فيما حوله وتساءل: متى ينفض هذا الحشد من الخلق؟ ~~... متى تتهيأ له فرصة للكلام؟ وعلا صوت الإخشيدي في الحجرة، ورنت ~~نبراته الدالة على الأمر والسلطان، تلاحظ وتنتقد وتعنف، وأصوات ~~الموظفين تئن بالشرح والتفسير والأعذار، وجعل الموظفون يحملون ~~أوراقهم ويغادرون المكان واحدا إثر واحد حتى فرغ المدير منهم، ~~فانتبه إلى وجود الشاب، ومد يده ودعاه إلى الجلوس، ثم التفت إلى ~~الزوار، ms042 وأشعل سيجارة، وأخذ نفسا عميقا، ونفخ الدخان في لذة ~~وارتياح، وقد لاح في وجهه السرور والخيلاء، واختلس محجوب إليه نظرات ~~خاطفة، إنه شبعان وسعيد، ولا شك أنه أفطر زبدة وقشدة وعسلا، تبدو عليه ~~آي الصحة، والاطمئنان إلى كرسيه الكبير، وأحس نحوه مقتا، وتساءل في ~~سره ساخرا: لماذا لا يعلق في حجرته الكبيرة صورة صاحبة العصمة ست أم ~~سالم بجلبابها الأسود الملوث بالتبن؟! وكان الزوار أصحاب حاجات ~~كالعادة، فقدم بعضهم طلبات إعفاء من المصروفات المدرسية، واستشفعته ~~سيدة في ترقية ابنتها إلى الدرجة الخامسة، ورجاه آخر أن ينقل له قريبه ~~إلى القاهرة وقد قضى في الأرياف عشرين عاما من سني خدمته، وسأل شاب ~~أن يؤذن له في مقابلة البك ليهدي إليه مؤلفه عن حياة الطفل حتى ~~الخامسة، وسمع الجميع يدعونه بإجلال واحترام: «سعادة البك.» وهو ~~يجيبهم بتؤدة وكبرياء وغطرسة. وتصبر محجوب في قلق وعذاب حتى يفرغ ~~البك المدير له. وحدثت المعجزة فخلت الحجرة، وتحول الإخشيدي إليه ~~وقال: هكذا أقضي نهاري، ثم أستأنف ليلا في قصر البك! # وتساءل محجوب في سره حانقا: هل تريدني أن أدعو الله أن يريحك من ~~عملك؟ ثم قال بملق مبتسما: على قدر أهل العزم تأتي العزائم! # فهز الإخشيدي رأسه الكبير، وكان لا يني عن الإشادة بعظمته، والهزء ~~بفضل الغير. وقد عرف بحدة اللسان ومهاجمة أعدائه وأصدقائه على ~~السواء، وقد قيل عنه بحق إنه شيد حياته على العمل المتواصل، ~~والدعاية لنفسه، والتشهير بمنافسيه، على أن أنانيته كانت تصور له ~~أكثرية المتصلين به كمنافسين؛ ولذلك قل من نجا من شره. ولم يكن ~~يأبه رأي الناس فيه، وكأنه يؤثر في بطنه أن يقال عنه ما أفظعه عن أن ~~يقال ما أطيبه. وكان إذا بلغه قول سوء عنه يقول باحتقار: «كل عاشق حق ~~مكروه.» هز رأسه الكبير وقال للشاب: عمل متصل، لكن هل كفاني شر ~~الألسنة؟ ... هيهات ... ولن يفتأ قوم قائلين رقي الإخشيدي إلى الخامسة ~~وما مضى في السادسة عامين! # فتظاهر محجوب بالإنكار وقال: وهل وضع نظام الأقدمية لقتل ~~الكفاءات؟! ~~- الظاهر أني ms043 في وزارة، والحقيقة أني في مزبلة. والآن يا عزيزي ما ~~حاجتك؟ # فازدرد محجوب ريقه، واعتدل في جلسته، ثم قال بلهجة تنم عن الرجاء: ~~سالم بك، إنك جار قديم وزميل قديم، وملاذنا وقت الشدة. يا سعادة ~~البك، والدي طريح الفراش، ونحن في بأساء، وأنا في أزمة مؤيسة، وقد ~~نفدت نقودي؛ فدعني أسألك بعض المعونة ... # وتفحصه الإخشيدي بعينيه المستديرتين، فأدرك أنه جائع! ولكنه لم ~~يتعود على أن يعطي أبدا، ولا عهد له بفن الإحسان، ولا كان من ~~«الضعفاء» الذين تلين مظاهر البؤس من قلوبهم، فاعتبر الشاب وحاجته ~~عائقا سخيفا اعتاق تيار أفكاره، فتوثب لمحوه، ولكن ماذا يجمل به ~~أن يفعل؟ يعتذر له؟ ولكنه يكره الاعتذار خاصة لمن لا حول له، ثم ~~تذكر أمرا فسأل الشاب: هل تجيد الفرنسية والإنجليزية؟ # وشعر محجوب بخيبة رجاء؛ لأنه كان يتوقع شيئا آخر غير هذا السؤال؟ ~~ولم يدر ما حكمة توجيهه إليه! ولكنه أجاب قائلا: نعم أجيدهما ~~... ~~- حسنا ... أتعرف مجلة النجمة؟ ... صاحبها صديقي وزميلي، وربما رحب بك ~~إكراما لي ... ~~- هل أكلف بترجمة بعض الموضوعات؟ ~~- نعم ... مقالات ... فكاهات. خذ بطاقتي هذه واذهب إليه! وسأحدثه عنك ~~بالتليفون، ولا تؤاخذني؛ فأنا ذاهب لمقابلة البك وعرض أوراقي عليه ... ~~أليس هذا أكرم بك وأنفع! # ونهض الإخشيدي قائما، وأخذ ملفا في يسراه، ومد يده للشاب، ~~فمد له الشاب البائس يده وهو يسأله: أيدر هذا العمل ربحا ~~معقولا؟ # فضحك الإخشيدي - ولشد ما بدا لعينيه بغيضا - وقال: لعلك سمعت ~~عن ثراء الصحفيين! على أنك ستجد ما أنت في مسيس الحاجة إليه ... وتقدمه ~~الإخشيدي نحو الباب، فجزع جزعا شديدا، وأوشك أن يهتف به سائلا بضعة ~~قروش، ولكن الباب فتح قبل ذلك، وبدا الساعي بجسمه الضخم الطويل، ~~فغادر الحجرة حاملا البطاقة، وغادر الوزارة واجما متحيرا، ما ~~زالت أزمته قائمة، ومجلة النجمة على فرض نجاح مسعاه إليها علاج آجل، ~~فما العمل؟ ... وكيف يحصل على النقود؟ وكانت الساعة تدور في الثالثة، ~~والجو بارد كما كان في الصباح، فخبط في الطريق على غير هدى، مثقل ~~الرأس قانطا، وضاقت الدنيا في ms044 وجهه، حتى كور قبضته مهددا، وقال ~~حانقا غاضبا بصوت أشبه بالنحيب: «سيدفع العالم ثمن هذه الآلام!» وقد ~~أدرك أنه لم يبق إلا علي طه أو مأمون رضوان! ... لكم كره أن يمد ~~لهما يدا، ولكنه لم يعد يملك حيلة، ولا بد مما ليس منه بد. ومضى إلى ~~الترام متسائلا: أيهما يفضل؟! كلاهما شاب نبيل، ولكنه لا يحب ~~علي، بينما لا يكره مأمون، وفضلا عن ذلك فمأمون رجل دين وورع؛ فهو ~~حقيق بأن يصون سره، ويحفظه بالغيب، جدير بأن يغضي عنه إذا تأخر ~~عن قضاء دينه. # ومضى إلى دار الطلبة، وقصد إلى حجرة مأمون رضوان، واستقبله الشاب ~~بسرور وسأله: لماذا تغيبت اليوم عن الكلية؟ # فقال محجوب: مكره أخاك، لشد ما أعاني من الاضطراب. # وتفرس مأمون في وجهه بعينيه النجلاوين السوداوين، فهاله ما يرى ~~من الهزال والقنوط، وسأله باهتمام وإشفاق: ما بك يا أستاذ ~~محجوب؟! # فقال دون تردد: ظروف قاسية، فقدت آخر مليم من نقودي، لا أملك من ~~ثمن كتاب اللاتيني مليما واحدا ... # ونهض مأمون قائما دون كلمة، واقترب من المشجب، ودس يده في جيب ~~جاكتته، وأخرج ثلاث ورقات من ذات العشرة، وأتى بها إلى الشاب، فأخذها ~~محجوب وهو لا يصدق، وفتح فمه ليشكر صاحبه، ولكن صاحبه سارع بوضع ~~أصبعه على شفتيه متمتما: «هس.» # وغادر دار الطلبة لا يلوي على شيء، حتى دار إحسان لم يلق عليها ~~نظرة عابرة، وكان راضيا وساخطا معا، راضيا لحصوله على النقود، ~~ساخطا لأنه بات مدينا لمأمون رضوان. # 17 # وجاء يوم الجمعة الموعود، فذهب إلى محطة الأتوبيس قبيل الميعاد ~~بزمن يسير، ومضى يسأل نفسه: ترى هل يفيان بوعدهما؟ ... وفي الموعد ~~المضروب جاءت سيارة فخمة وقفت أمام المحطة، وأطل من نافذتها الوجه ~~الجميل، فخفق فؤاده وهرع نحوها، وفتح له الباب واتخذ مكانه، ثم أدرك ~~وقتئذ فقط أن تحية جاءت بمفردها. وعجب لذلك، ولكن لم يطل عجبه، ~~وغمره سرور شامل، وإن سأل بإنكار متكلف: أين فاضل بك؟ # فأمرت الفتاة السائق بالمسير، ثم التفتت إلى محجوب وقالت بلهجة ~~انتقادية: ركبنا معا، ms045 ثم رأى في الطريق «بعض الناس» فتخلف عن ~~الرحلة وحملني اعتذاره إليك. # فأطرق محجوب ليخفي سروره ، وسألها بأدب: وكيف الوالدان ~~الكريمان؟ ~~- الحمد لله، وهما يشكران لك هذه الرحلة الجميلة. ~~- عفوا ... عفوا ... # فقالت بصوت ينم عن الرجاء: سنرى أشياء لذيذة ... أليس كذلك! # فقال بيقين وإن كان في الحقيقة يذهب إلى هناك أول مرة: بكل تأكيد ~~... # وساد الصمت، وراحت الفتاة ترسل ببصرها من النافذة، وراح هو يسترق ~~إليها النظر. هذه أول مرة يخلو فيها إلى أنثى تستحق أن توصف بالأنوثة ~~حقا، وأين؟ ... في سيارة فخمة تحزن الحاسدين - فضل هذا التعبير ~~عن تسر الناظرين - فأسكرت أنفه رائحة ذكية، لا رائحة العرق ~~الملبد بالتراب، فدخله شعور المختنق إذا حمل إلى حجرة مليئة ~~بالأكسجين، ولم تكن به ذرة استعداد لخلق الصور السامية الطاهرة، ~~فتركزت رغبته في تخيل صورة واحدة؛ أن يلقي بنفسه عليها! ... وشعر ~~بدبيب الرغبة يسري في دمه، فألقى ببصره إلى الخارج، وتساءل: لماذا ~~تخلف فاضل؟ هل رأى فتاة حسناء فجرى وراءها؟ أم إن تحية نفسها عملت ~~على التخلص منه؟ وداعبه غروره الجنسي فقال: إنهما (هو وهي) من دم ~~واحد، وكما يقولون «فالدم يحن»، ليس شيء بمستحيل. أما لو صدق حدسه ~~فسترى أشياء لذيذة كما تحب! ... والسائق؟! ... لا يهم ... فهو لا يستطيع أن ~~يتصور الثراء والعفاف في كائن بشري معا. ولا شك أن هؤلاء السائقين ~~مدربون على التغاضي ...! أجل ... أجل ... أو فما الداعي إذن لمجيئها ~~منفردة؟! إن أجمل حكمة هي التي تقول: «إذا خلا رجل بامرأة كان ~~الشيطان ثالثهما.» فأين هذا الشيطان ليجثو بين يديه، ويلثم قدميه؟ ~~طالما كان للشيطان تابعا ومريدا، أفلا يجزيه الشيطان عطفا ~~بإخلاص؟ # واسترد بصره من الخارج، وشعر برغبة إلى جرها إلى الحديث، فسألها: ~~والآنسة في الجامعة؟ # فهزت رأسها نفيا وقالت مبتسمة: كلية بنات الأشراف. # فقال بسرور: جميل ... جميل جدا ... # وسألته تحية: ماذا تنوي أن تعمل بعد الليسانس؟ # وبغته السؤال، إن أقرانه يتحدثون عن المستقبل بحزن ويأس، والسابقون ~~منهم يقبعون وراء المكاتب في الوزارات يروحون بالشهادة على وجوه ~~أحرقتها حرارة ms046 الدرجة الثامنة ... ولكنه بجسارته المعهودة تخلص من ~~ارتباكه، وقال بثقة ويقين معا، وإن كان يعلم أنه من الكاذبين: علي ~~أن أختار بين طريقين؛ فإما الانخراط في السلك السياسي، وإما التحضير ~~للدكتوراه فالتدريس في الجامعة ... # فقالت مبتسمة: جميل ... # لماذا استعملت تعبيره الخاص؟ ... أتسخر منه الشيطانة أم تجهل هذه ~~الأمور؟ ... وأراد أن يسبرها فسألها: أيهما تفضلين! ~~- أنا؟ ... هذا شأن يعنيك ... # فقال بمكر ودهاء: ويعنيك أيضا ما دام يعني قريبك. # فتورد وجهها وقالت: السلك السياسي أجمل ... # وتمثل له حمديس بك ذاهبا إلى الخارجية للتوسط في تعيينه ثم قال: ~~هذا رأيي ... ما أجمل أن تمضي الحياة كلها ما بين بروكسل وباريس ~~وفيينا. # فاستضحكت قائلة: أو ما بين دمشق وأنقرة وأديس أبابا! # فجاراها في ضحكها، ولكنه قال بدهاء: هذه عواصم لا يذهب إليها من كان ~~حمديس بك قريبه! # وابتسما معا، وقال لنفسه راضيا إن اللبيب بالإشارة يفهم، وحسبه ~~ذلك الآن، أما عن المستقبل فقلبه يحدثه بأن هذه الفتاة لن تذهب من ~~حياته كأنها شيء لم يكن. ومن يعلم؟ إن الجسارة لا تنقصه، بل لعل عيبه ~~أنه جسور أكثر مما ينبغي، واستسلم لتيار أفكاره، حتى انتبه إلى ~~السيارة وهي ترقى الطريق الملتوي الصاعد على هضبة الأهرام، ونزلا عند ~~سفح الهرم الأكبر وهو يقول: الحفائر وراء أبو الهول بفراسخ ~~معدودات. # وسارا سيرا غير يسير، وجعلت أقدامهما تنغرس في الرمال وتقلع بقوة. ~~وكان الوقت أصيلا، والجو باردا، ولكن السماء صفت، وأشرقت الشمس دون ~~حجاب. بدت ملابسه في وضح النهار غير ذات أناقة أو جمال، فقلق، وقال ~~لنفسه ساخرا: «لعلها تسأل نفسها لماذا لا يرتدي حضرة السفير معطفا؟» ~~وبعد مسير ثلث ساعة لاحت منطقة الحفائر تحيط بها الأسلاك الشائكة، ~~فتمتم محجوب: وصلنا. # واقترب الشاب من الخفير وأرسله بورقة إلى مفتش المنطقة، وعاد الرجل ~~وأذن لهما بالدخول، فدخلا، ثم قابلهما المفتش وهو شاب دون ~~الثلاثين، وكان من أصحاب محجوب، فرحب بهما وقال لهما معتذرا: ~~ستريان الأماكن المسموح بزيارتها، وهي التي تم الكشف عنها، ولكني لن ~~أرافقكما إليها لأني مشغول جدا، ms047 ولا أظنكما في حاجة إلى دليل ~~(وهنا هز محجوب رأسه موافقا)، حسنا. هاكما معبد الشمس، وهو تابع ~~للمعبد القديم المعروف بمعبد أبي الهول، وإلى جانبه الجزء الخلفي ~~لمقبرة الأمير سنفر ... # وقال محجوب لنفسه: «قضى الله لحكمة يعلمها أن نظل اليوم ~~منفردين، وإذا كانت حكمة الله كلها على هذا المنوال فأنا من ~~المؤمنين!» وأخذ كنزه النفيس إلى معبد الشمس، وهبط أدراجا صنعت ~~حديثا، فوجدا نفسيهما في بهو أرضه في الصوان، وعلى جانبيه صفان ~~من الأعمدة، ولا سقف له، ولم يكن به شيء يروح أو يثير العجب، فألقت ~~الفتاة على ما حولها نظرة تنطق بعدم الاكتراث، ولم يكن محجوب أقل ~~خيبة منها، ولكنه تعمد أن يكبر من شأن رحلته فقال: انظري إلى هذه ~~الأعمدة وكيف قاومت الدهور! # فابتسمت كالهازئة وقالت: وماذا كان عليها لو أنها اندثرت؟ # فأشار إلى النقوش على الأعمدة وقال: لو كنا نقرأ الهيروغليفية ~~لعرفنا أمورا تستثير الإعجاب والدهشة. ~~- حقا! ~~- بكل تأكيد، ألم تلمي بتاريخ الفراعنة؟! # فهزت رأسها نفيا؛ وبذلك انتهت زيارة الأثر الأول، وفيما هما ~~يدنوان من المقبرة وراء المعبد سألته تحية: ألا توجد آثار أخرى غير ~~هذه المقبرة؟ # وأحس ما وراء التساؤل من ملل، فارتبك وقال: توجد آثار كثيرة، ولكن ~~لم يصرح بزيارتها ... # وهبطا أدراجا فوجدا نفسيهما في حجرة صغيرة مستطيلة، تتحلى ~~جدرانها بالنقوش والصور، ولا يكاد يعلو سقفها كثيرا على طول الهامة، ~~وألقيا على المكان نظرة عامة، ثم تعلق الشاب بالصور، فقال بصوت ~~خافت: فلنشاهد الصور، انظري إلى ألوانها الزاهية ... # وبدآ بالحائط القريب من المدخل، وقد حلي بصور تمثل صاحب ~~المقبرة وعلى يساره زوجه، بينهما أطفال، ويحيط بهم جميعا خدم وحشم، ~~وعلى الحائط الذي يليه شاهدا منظر حقل مترامي الأطراف، تحرثه محاريث ~~تجرها الثيران، ووقف هنا وهناك فلاحون عرايا، وتحولت تحية من ~~المنظر بلا ريث، وانتقلت إلى الحائط الثالث، وأدرك محجوب أنها مرت ~~خجلة من صور العرايا، وتفحص الصور بعينيه الجاحظتين، فجرت على ~~شفتيه ابتسامة خبيثة، واضطرب مجرى دمه، وقوي شعوره بأنهما ~~منفردان. ولم يتحول عن منظر ms048 الحقل، ولا حول عينيه عن صور ~~العرايا، حتى ملأت عليه نفسه تلك الحقيقة الرائعة، وهي أنهما منفردان ~~أمام العرايا، وخيل إليه من إدمان النظر أن الصور تتجسم لعينيه، ~~وأن الحياة تدب فيها، والدماء تتدفق في عروقها، فتكتسي بشرتها بذاك ~~اللون الخمري ذي الوهج، وتلتمع في محاجرها نظرات خاطفة، ثم تشرئب ~~أعناقها نحو ... الفتاة الهاربة، موردة الخدين من الخجل. وخفق فؤاده ~~بعنف، والتهبت جوارحه من قوة العاطفة، وعبثا حاول أن يملك زمام نفسه، ~~وذكر مجيئها بمفردها، وحديثهما في السيارة، ورقة حاشيتها، وانفرادهما ~~معا، ثم وجودهما في هذه المقبرة تغشاهما وحشة الأجيال، فخال الثمرة ~~دانية القطوف، وعنف هياجه حتى صار وحشا فاقد العقل والإرادة، وازدرد ~~ريقه بصوت غريب، وعيناه ثابتتان على العرايا وإن باتا لا يريان ~~شيئا: هلا نظرت إلى هذا الحقل الحافل ... # فقالت باقتضاب وبلهجة ناطقة بالملل: ليس به ما يستحق الرؤية ~~... # فعطف رأسه وقال بصوت كالهمس: لشد ما أنت ملولة يا آنسة. # ودنا منها خطوة فحاذاها، وجعل ينظر معها إلى صورة خادم تعجن، وانحنى ~~قليلا كأنما ليعاين جزءا من الصورة، فلامس كتفها ويمناها، ثم ~~اعتدل ونظر في عينيها، وقال بصوت متهدج: ألم يعجبك شيء؟ # فضحكت ضحكة رقيقة وقالت بصراحة: الحق أننا لم نجد ما يستحق ~~عناء الرحلة ... # فقال محجوب بصوته المتهدج وعيناه تثقبان عينيها: ولكن المكان ~~جميل وهادئ ... # وانتبهت إلى تهدج صوته، وشعرت بحدة نظرته النارية، فاختلج ~~بصرها، ونظرت إلى الأرض، ثم قطبت في حيرة وقالت: آن لنا أن نذهب ~~... # فهز رأسه، وهم أن يقول شيئا، ولكن أعياه القول، فأمسك بيدها، ~~ولكنها سحبت يدها بسرعة، وألقت عليه نظرة إنكار، فلم يبالها، واسترد ~~يدها بقوة، وقال وصفحة وجهه تموج بعاصفة: «دعينا نمكث قليلا.» ~~وتملكه شيطان الشهوة، فجذبها نحوه بعنف، وأحاطها بذراعيه، وأهوى ~~إليها بفم يحترق إلى التهامها، ولكنها صدته بيمناها، وباعدت رأسها ~~عنه، ولاح في وجهها الجميل الغضب، وصاحت به صوت رن رنينا مزعجا في ~~المقبرة الصامتة: أجننت! ... دعني ... اترك يدي ... # فاستصرخها قائلا يكاد يجن من العذاب: لا تغضبي ... أرجوك ... تعالي ms049 ~~... تعالي إلى صدري ... ولكنها تخلصت من ذراعيه بقوة جنونية لا تدري ~~كيف أتتها، وصاحت بعزم وقسوة : مكانك ... إياك أن تلمسني ... إياك أن ~~تعترض سبيلي ... # واتجهت نحو الباب، فتنحى لها، وتبعها مطرقا، صامتا، ~~مثقلا بشعور الخزي والخجل، وسارا صامتين يقطعان الطريق الذي جاءا ~~منه صديقين سعيدين، وقد اكتسى وجهها الجميل بلون الغضب القاني، وارتفع ~~رأسها كبرياء وصلفا، ولم يدر كيف يصلح من خطئه. وكلما طال الصمت ~~يئس وغلب على أمره، حتى تساءل نادما: أما كان ينبغي أن يمد حبل ~~الصبر؟ وقال لنفسه متأسفا: الظاهر أن فتاة مثل تحية لا تؤخذ كما ~~تؤخذ جامعة الأعقاب ... لعله لم يوفها حقها من اللباقة والغزل، ولو أنه ~~اصطنع معها التريث والأناة لربما فاز بها. تبا للشهوة الجامحة، لقد ~~ضيعت عليه فرصة سانحة، وبلغا السيارة، وقالت تحية بلهجة آمرة دون ~~أن تنظر إليه: مكانك. # وصعدت إلى السيارة، وأغلقت الباب، وأمرت السائق بالمسير، وأتبعها ~~عينيه حتى هبطت تحت مستوى البصر، وغابت عن ناظريه تاركة إياه ~~وحيدا عند سفح الهرم، ولبث هنيهة مكانه - كما أمرته - واجما، ثم ~~هز منكبيه، وأخذت روح الاستهانة تعاوده حتى أوشك أن يضحك من نفسه، ~~ونظر إلى الهرم طويلا، ثم غمغم ساخرا: «إن أربعين قرنا تنظر إلى ~~مأساتي من فوق هذا الهرم!» ثم غلبته موجة غضب مفاجئة، فاحمر وجهه ~~الشاحب، واضطربت أرنبة أنفه، فود لو يستطيع أن يقذف القاهرة بأحجار ~~الأهرام الهائلة، وتحركت قدماه وما يزال يأكله الغضب. علام الحزن؟ ... ~~ما هي إلا أنثى! ... ولن تزيد على فتاته - جامعة الأعقاب - شيئا! ... أجل، ~~بيد أنه أضاع فرصة، وخسر تحية وأباها إلى الأبد! وتذكر لحظة، ثم ~~غمغم وهو يهز كتفيه استهانة: طظ. # 18 # وجاءت فترة استقرار نسبيا ... # تناسى محجوب إخفاقه وتوثب للعمل، فقابل رئيس تحرير «النجمة»، ~~وكلفه الرجل بترجمة بعض المختارات نظير خمسين قرشا في الشهر، فصار ~~دخله مائة وخمسين قرشا، واستطاع أن يتقي به ويلات الموت جوعا، وأن ~~يجعل الحياة محتملة على أية حال. وانبرى للعمل يواصله ليلا ونهارا، ~~ما بين دراسته الجامعية وعمله الصحفي ms050 البسيط. وخلت حياته من الفراغ، ~~فنذر تفكيره في نفسه، واجتراره الهموم، ومضت أيام كاملة لا يكور ~~فيها قبضته غضبا أو يهتف ساخطا ساخرا قائلا: طظ. أجل، كانت توجد ~~أويقات غيظ ما منها بد، إذا تهيأ لتناول طعامه الحقير مثلا، أو ~~رأى علي طه بجسمه الرياضي وابتسامته السعيدة، أو ذكر طرقه الأبواب ~~التماسا لبضعة قروش، ولكن فيما عدا ذلك سارت الحياة سيرا هونا ~~محتملا. # وولى مارس بجوه اللطيف، ورياحه الطيبة، وسمائه الآخذة في خلع ~~أردية الشتاء لاستقبال حرارة الربيع وشذاه، وتبعه على الأثر أبريل ~~بشمسه المزهوة، شأن كل حديث نعمة، ورياحه المغبرة، وجوه الأصفر ~~الكدر. وجاءه في أول مايو كتاب والده الشهري المعهود، قال له فيه إنه ~~أرسل إليه آخر جنيه يستطيع الاستغناء عنه، ودعا له بالتوفيق والنجاح، ~~ثم قال له إنه سينتظر من الآن فصاعدا معونته التي بات في أشد الحاجة ~~إليها، وبشره بأنه سيستطيع إن شاء الله أن يتحرك قريبا، وربما أمكنه ~~المشي متوكئا. لم يكن في الرسالة شيء لم يسبق الاتفاق عليه، بيد أنه ~~لم يستطع مدافعة الغيظ الذي هاجمه، وعاودته ذكريات الليالي السود، ~~ليالي الجوع والهذيان، وعاد يقول عن والديه لو كانا لكنت، ولو كانا ~~لكنت ... # ثم كان الامتحان في أول مايو، وظهرت النتيجة قبل الثلث الأخير منه، ~~ونجح الصحاب الأربعة الذين تزاملوا أربعة أعوام كاملة. ولم يكن ~~الامتحان - بالنسبة لمحجوب - مجرد امتحان مدرسي، كانت في الواقع الفرصة ~~الوحيدة والأخيرة كي يجني ثمار كفاح خمسة عشر عاما، فسر سرورا ~~مضاعفا، وتنهد ارتياحا من الأعماق، ولكن سرور الطالب المتخرج ~~بالنجاح سرور قصير المدى، بل هو سرور لا يجاوز ليلة ظهور النتيجة، ~~فإذا أدركه الصباح غشيه بهموم من نوع جديد، هموم شاب يطرح عنه رداء ~~التلمذة ليلقى منفردا - خصوصا إذا كان حاله كحال محجوب - ذلك ~~الجبار المقنع المشتمل على جميع فرص السعادة وجميع عثرات الشقاء ~~الذي يسمونه المستقبل، ومضى الصحاب يجتمعون كل مساء تقريبا بنادي ~~الجامعة، وكانت تترامى إليهم أخبار الزملاء ذوي الحسب والنسب، ممن ~~تفتح لهم أبواب الحكومة ms051 بقدرة قادر، وتناولوا مستقبلهم بالكلام ~~والنقد، متفائلين أو متشائمين، واعتاد أحمد بدير أن يقول باطمئنان: ~~«لن يتغير مجرى حياتي؛ فلن أبحث عن مهنة جديدة، بالأمس كنت طالبا ~~وصحافيا، فالآن أتفرغ لعملي في الصحافة.» ولم يكن مأمون رضوان ~~يدري إن كان يبعث إلى فرنسا أم يبقى في مصر، ولكن هدفه بقي واحدا في ~~الحالتين، وهو الإسلام. وقد تساءل مرة قائلا: «ألا يمكن أن نبدأ ~~كفاحنا الحقيقي في جمعية الشبان المسلمين؛ فنظهر الإسلام من غبار ~~الوثنيات، ونرد إليه روحه الفتية، وننشر منها دعوة لا تلبث أن تشمل ~~الشرق العربي جميعا ثم بلاد المسلمين؟!» أما علي طه فلم يكن ذا ~~هدف واضح، ولكن اختلطت عليه الوسائل، كان مهيأ للاشتغال بالسياسة، ~~ولكن السياسة كما يعرفها هو لا كما يعرفها الناس، ولو وجد حزبا ذا ~~مبادئ اجتماعية لاشترك فيه بلا تردد، ولكن أين هذا الحزب؟ فهل ينتظر ~~حتى تنشأ الأحزاب الاجتماعية ثم يشترك فيها، أم يأخذ هو في الدعوة ~~إليها منذ الآن؟ لا شك أن الانتظار أسهل، وأحكم؛ إذ ما جدوى الدعوة إلى ~~الإصلاح الاجتماعي في بلد لا يشغله شاغل عن الدستور والمعاهدة؟ ولعله ~~من الخير أن ينتظر قليلا ليستكمل عدته من العلم والمعرفة وغير ذلك؛ ~~فلم ينط أمله في الوظيفة، ولا كان يرفضها لو أتيحت له. # محجوب عبد الدائم وحده أدركه الجزع؛ الإسلام، السياسة، الإصلاح ~~الاجتماعي، كل أولئك مسائل لا يكترث لها، أما شغله الشاغل فهو اتقاء ~~الموت جوعا، أو هو وظيفة توفر له الرغيف! وإذا أخفق في الحصول على ~~وظيفة فالجوع لن يتهدده وحده هذه المرة، ولكن يتهدد والديه معه، وهو ~~لا يشفق عليهما بقدر ما يشفق من مضايقتهما له، فما العمل؟ ... كان ~~في الحقيقة بلا معين، والحكومة لا يدخلها أحد بلا معين، وتفكر ~~طويلا، ولكنه لم يفعل شيئا إلا أن كتب لوالده كتابا قال فيه إنه ~~بصدد البحث عن وظيفة، وإنه يرجو أن يتمكن قريبا من تأدية واجبه نحو ~~أسرته، وشرح له الصعاب التي تعترضه. وفي ذلك الوقت رشح أستاذ ~~الفلسفة الفرنسي ms052 مأمون رضوان لبعثة السوربون، ووصى بتعيين علي طه في ~~المكتبة ليتهيأ له جو حسن لتحضير رسالته. سمع محجوب بهذه الأنباء، ~~وقارن بين حظه وحظ زميليه. غدا ينتقل مأمون ربيب أحقر قرية في ~~الغربية إلى باريس ... وغدا يطمئن علي إلى كرسيه في المكتبة فيحضر ~~الماجستير ويعقد على إحسان! ... مرحى ... مرحى ... وماذا هو فاعل؟ هل ~~تعود أيام فبراير السود؟ وذهب لمقابلة علي طه في المكتبة وقد مر ~~على تعيينه أسبوع، وكان يتوقع أن يجده فرحا مسرورا، وقابله ~~الشاب بابتسامته المعهودة، فلم يقرأ في وجهه ذلك السرور الذي ~~توقعه، بل خال أنه يرى مكانه فتورا لم يتعوده صاحبه، وعجب لذلك ~~أيما عجب، وغمضت عليه أسبابه، حتى حسب أن الشاب يداري فرحه بهذا ~~المظهر الفاتر. وتجاذبا الحديث طويلا، وأعرب له عن نيته في عدم ~~الاستمرار في الوظيفة، قال: هذه فترة انتظار وتفكير ريثما أجد سبيلا ~~للاشتغال بالحياة العامة ... وربما اخترت الصحافة في الوقت المناسب ~~... # وذكر محجوب عمله في النجمة وما يدر عليه من رزق واسع! فجرت على ~~شفتيه ابتسامة ساخرة، وعاد علي طه يقول: إني أتهيأ لكتابة موضوع عن ~~توزيع الثروة في مصر. # وضاق محجوب صدرا بآمال صاحبه، وسأله صراحة عما إذا كان في ~~الإمكان أن يجد وظيفة في المكتبة؟ ومضى به الشاب إلى موظف المستخدمين ~~يستفتيانه، وكان الرجل صريحا جدا، فأمسك بيد محجوب وقال له بحدة: ~~اسمع يا بني، تناس مؤهلاتك، ولا تضع ثمن طلب الاستخدام، المسألة ~~لا تعدو كلمة واحدة ولا كلمة غيرها: هل لديك شفيع؟ أأنت قريب أحد مما ~~بيدهم الأمر؟ أتستطيع أن تطلب يد كريمة أحد من رجال الدولة؟ إن أجبت ~~بنعم فمبارك مقدما، وإن أجبت بكلا فلتول وجهك وجهة أخرى ~~... # وغادر المكتبة مظلم العينين من اليأس ومرارة الإخفاق، ولم يكن ~~شيء مما سمع بالجديد عليه، ولكنه أحنقه كأنما سمعه أول مرة، ومضى ~~يخبط في حديقة الأورمان واجما مكتئبا. آه لو كان أبقى على علاقته ~~الحسنة بآل حمديس، آل لو لم يقطع تلك العلاقة بوحشية يوم الهرم؟ ترى ~~لماذا لا ms053 يستقيم له أمر؟ لماذا لا ينال حظه من السعادة والطمأنينة؟ ... ~~لماذا يرصده الجوع كأنما لا يجد فريسة سواه؟ الدنيا جميعا فرحة لا ~~تأبه له؛ هذا الربيع يجري في خضرة الغصون وحمرة الأزهار، ويطير مع ~~العصافير والأطيار، ويرقص على الشفاه الموردة الغارقة في النجوى عن ~~يمين وشمال. الدنيا كلها فرحة مطمئنة، والوجوه مشرقة. هذه حديقة ~~الأورمان مجمع أفراح الإنسان والحيوان والنبات، والأرض نفسها، والسماء ~~تشملها غبطة صامتة فوق كل كلام. أيموت جوعا في هذه الدنيا؟ وبدا له ~~سؤاله غريبا نافرا، وضحك هزءا وسخرية وتحديا، وقال متحديا: ~~«أأموت جوعا؟ ... فلا نزل القطر ... فلا نزل القطر.» ... كيف يموت جوعا ~~ثائرا على جميع القيود؟ ... كيف يموت جوعا كافرا بالضمير والعفة ~~والدين والوطنية والفضيلة جميعا؟ ... وهل جاع في هذه الدنيا أحد ممن ~~يتصفون بالرذيلة؟ ... بل هل كانت الشكوى إلا من أنهم يستأثرون بكل ~~طيب في هذه الحياة؟ ماذا عليه لو نشر في الإعلانات المبوبة ~~بالأهرام يقول: «شاب في الرابعة والعشرين، ليسانسيه، طوع أمر كل ~~رذيلة، عن طيب خاطر يبذل كرامته وعفته وضميره نظير إشباع طموحه.» ~~ألا يقتتل عليه العظماء؟ ولكن من له بنشر هذا الإعلان؟ ... من عسى أن ~~يأخذ بيده؟ ... لا فائدة من السعي لدى الزملاء، ولا الأساتذة، ولا حمديس ~~بك ... إلا واحدا كان يجب أن يفكر فيه دون سواه ... سالم الإخشيدي ... ليس ~~بذي مروءة ولا نجدة، ولكن هل لديه سواه؟! ... # 19 # ورأى عن حكمة أن يزور الإخشيدي في بيته؛ لأن حجرته بالوزارة لا ~~يتهيأ لها الجو الهادئ، فمضى إلى المنيرة حيث يقطن الأستاذ في شقة ~~بشارع السيد المفضال، واختار يوم الجمعة صباحا ليضمن وجوده، واستقبله ~~الأستاذ في حجرة استقبال صغيرة أنيقة، وكان يقيم في القاهرة بمفرده ~~ومعه طاهية ... وأدرك الأستاذ الباعث على الزيارة بداهة، ولكنه ترك ~~القادم يفصح عن رغبته، دون مبالاة. وقال محجوب: معذرة عن مجيئي إلى ~~البيت؛ فإنني أعلم أن عملك بالوزارة لا يسمح لك بسماع الأحاديث ~~الخاصة. # فقال الإخشيدي ببرود: الواقع أنني لا أترك العمل إلا فترة قصيرة يوم ~~الجمعة! # وفطن ms054 محجوب إلى ما في إجابته من مغزى، ولكنه تغاضى عنه بجسارته ~~المعهودة، وقال: حصلت على الليسانس. # فابتسم الإخشيدي ابتسامة تشجيع فاترة، وتمتم قائلا: مبارك ~~... # فشكره الشاب بحماس وقال: يا سالم بك، أنت جار قديم، وزميل قديم، ~~وأستاذنا في العلم والوطنية على السواء، ولن أنسى ما حييت أن توصيتك ~~لدى رئيس تحرير النجمة أنقذت حياتي ومستقبلي من الضياع؛ لهذا أقصد إليك ~~كبير الرجاء. يا سعادة البك، الشهادة بغير شفاعة أرخص من ورق اللحم، ~~فهل آمل أن تلحقني بوظيفة ما؟ # أصغى الإخشيدي بلا تأثر؛ لأنه تعود سماع هذه الخطب الحارة، وكان ~~يحتقر الشاب ويستهين به لفقره وعوزه، فلم يتحمس لمساعدته، وكان يوجد ~~بالوزارة وظيفتان خاليتان، ولكنه وعد شخصا إحداهما، وتقبل نظير ~~الأخرى هدية فاخرة، وقد يصير محجوب ذا فائدة يوما ما، ولكن العاجلة ~~خير من الآجلة، وجعل محجوب يرمقه بعينين تنطقان بالخوف والرجاء، ~~ويشعر أنه بات تحت رحمة إنسان لا يراعي إلا مصلحته الذاتية. ولما وجد ~~منه صمتا قال بصوت مؤثر: إني أملتك وكفى. # فأشعل الإخشيدي سيجارة، وهز رأسه كالآسف وإن لم تدل عيناه على ~~شيء، وقال بهدوء: لا توجد وظائف خالية عندنا الآن. # فلاح اليأس في وجه الشاب وتساءل: أما من فائدة ترجى؟ ~~- لا داعي لليأس المطلق، ليس عندنا وظائف، ولكن توجد في الدولة ~~وظائف كثيرة، ويمكن أن أدلك على سبيل الخير. # ولم يجد في قوله ما يبعث على الأمل، ولكنه لم ير بدا من أن يقول: ~~شكرا لك يا بك، شكرا لك. # فنظر إليه الإخشيدي نظرة غامضة قوية وقال: أرجو أن تكون رجلا ~~عمليا، وأن تحسن فهم الدنيا، وأن تعلم أن كل فائدة بثمن ... لست ~~أسالك شيئا لنفسي، فما أنا إلا دليل. ~~- عفوا، عفوا ... أستغفر الله ... # فابتسم الإخشيدي وقال: إذا أخذت بقولي فهنالك أناس قادرون يستطيعون ~~أن ينفعوا أمثالك! # وسكت الإخشيدي لحظات ثم استدرك: هناك مثلا عبد العزيز بك رضوان ... ~~ألم تسمع عنه؟! ~~- بلى ... أظنه من رجال الأعمال المعروفين. ~~- هو ذلك ... وله كلمة نافذة في العهد الحاضر ... ودائرة اختصاصه وزارة ms055 ~~الداخلية. # فسأله الشاب متحيرا: ومن لي بمعونته؟ ~~- الطريق ميسور، ولكن ينبغي أن تعلم أنه يأخذ ممن يعينه نصف ~~مرتبه لمدة عامين بضمان! # وهال الثمن الشاب المعدم، ونظر إلى صاحبه بخوف، ثم سأله بعد ~~تردد: أليس يوجد من هو أيسر شرطا؟ # فقال الإخشيدي فورا كأنه نادل يقرأ ثبتا: المطربة المعروفة ~~الآنسة دولت ... # فلاحت الدهشة في وجه الشاب الشاحب، فلم يباله الآخر واستدرك: منطقة ~~نفوذها السكك الحديدية ووزارة الحربية وبعض الدوائر الكبرى ... # وأخذ الإخشيدي نفسا عميقا من سيجارته، واستطرد قائلا: والأسعار ~~كما يأتي: الدرجة الثامنة ثلاثون جنيها، والسابعة أربعون، والسادسة ~~مائة جنيه. والدفع فورا. # وتنهد محجوب يائسا، ثم تفكر قليلا وقال: أظن شرط عبد العزيز بك ~~راضي أرفق؛ فإني لا أملك مما تطلبه المطربة مليما، ولكني أستطيع أن ~~أتنازل عن نصف مرتبي إذا صار لي مرتب، فكيف أتصل به؟ ~~- ليس الآن ... ليس قبل شهر ونصف، بعد عودته من أداء فريضة الحج ~~... # تبا له! ولكن الجوع لن يبقي عليه حتى يعود الحاج. وقال بصوت ~~خافت وهو يخشى أن يضيق به صاحبه ذرعا: الانتظار معناه الجوع ... فما عسى ~~أن أصنع؟ # فقال الإخشيدي ضاحكا لأول مرة: لست بالفتى الأمرد، ولا أمك ~~بالفاتنة اللعوب، فما عسى أن أصنع أنا؟! # وساد الصمت، وبات في حكم المقرر أن ينهي الإخشيدي المقابلة، لولا ~~أن خطر له خاطر، وتفكر سريعا ثم قال لنفسه إن استفادة محجوب ~~محتملة، أما استفادته هو - إذا حقق هذا الخاطر - فمؤكدة! ثم قال: ~~هنالك السيدة إكرام نيروز. ~~- منشئة جمعية «الضريرات»؟ ~~- نعم. ~~- ولكنها مثرية جدا، ويضرب بثرائها المثل ... ~~- نعم ... نعم ... السيدة لا تطلب مالا، ولكنها مغرمة بالشهرة ~~والثناء، ويمكن أن أقدمها إليك في إحدى المناسبات، وعليك بعد ذلك ~~بقلمك ومجلة النجمة؛ فإذا وفقت إلى رضاها ضمنت مستقبلك، إنها صاحبة ~~نفوذ واسع يمتد إلى وزارات كثيرة، وأحزاب كثيرة. # وكان يرمي إلى استغلال الشاب في الدعاية لها، بعد أن يقدمه كأحد ~~تابعيه الذين يأتمرون بأمره، فقال: ستقيم السيدة نيروز حفلة خيرية ~~يوم الأحد القادم بدار «الضريرات»، فاحضر الحفلة وسأقدمك ms056 للسيدة، ~~واكتب عن الحفلة وصاحبتها، ولننتظر، ولننتظر. ~~- أيبلغني هذا ما أريد؟ ~~- ربما توقف هذا على قلمك! ... وعليك أن تبتاع تذكرة بخمسين قرشا؛ ~~لأنك لست صحافيا محترفا، وربما عرفت فيما بعد أن هذا المبلغ ~~الزهيد أجل فائدة من ستين جنيها تؤديها للآنسة دولت ... فهلم ~~دون تردد. # وعلى جسارته لم تؤاته شجاعته على أن يستلف منه ثمن التذكرة، فنهض ~~قائما، وصافحه شاكرا، وغادر الحجرة. # 20 # خمسون قرشا! مبلغ زهيد حقا، ولكن كيف يحصل عليه؟ حقا إنه ~~يدخر مكتبه وكتبه لينتفع بثمنها في الشهر الذي يسبق صرف أول مرتب ~~إليه - ترى هل ينتظر يوما حقا هذا المرتب؟ - فمن يعطيه ثمن ~~التذكرة؟ # مأمون رضوان ارتحل إلى طنطا ليودع أسرته قبل السفر إلى أوروبا، فلم ~~يبق إلا علي طه، ولا بد مما ليس منه بد. # وذهب إلى مكتبة الجامعة صباح السبت، واستقبله علي بالابتسامة ~~المعهودة، ولكن محجوب أدرك من أول نظرة أن صاحبه حزين! ليس هذا علي طه ~~الذي يعرفه، انطفأ نور عينيه البهيج، وهمدت روحه المتوثبة الحية، ~~وكل هذا حقيق بأن يوليه سرورا لو وجده في ظروف غير هذه، أما اليوم ~~فهو يشفق من أن يلقى هذا الحزن عثرة في سبيل الغرض الذي تجشم من ~~أجله هذه الزيارة! وتعامى عما قرأه في وجه صاحبه وسأله: أين بلغ بك ~~موضوع بحثك؟ # فنفخ علي طه ضجرا وقال بيأس ملموس: لا أدري، إني الآن مهيض ~~الجناح. # فقطب محجوب متظاهرا بالإشفاق، وقال وهو يلعن في سره نحسه ~~الملازم: كفى الله الشر، ماذا تقول؟ # وكان علي عصبي المزاج، لا يكاد يطوي سرا، فقال: كما ترى ... الأمر ~~يتعلق بإحسان! # وكأن ماء باردا رش على وجهه، فثار اهتمامه، وغمغم متسائلا: ~~خطيبتك! # فتنهد علي وقال بانكسار وحسرة: خطيبتي! # فازدادت دهشة محجوب، وقال بلهجة من يود معرفة كل شيء: لا أفهم ~~شيئا ... # وتردد علي ثانية، أيبوح بسره؟ ... وكان بطبعه غير كتوم، وكان ~~محجوب من أصحابه الذين أفضى إليه بقصة حبه، وكان إلى هذا وذاك في أشد ~~الحاجة إلى الترويح عن نفسه، فقال بصوت ms057 أبان عن تأثره العميق ~~ويأسه: ولا أنا، لشد ما أنا ذاهل حائر، ولشد ما أسائل نفسي، ما ~~الذي حدث ؟! ما البواعث الخفية الأسيفة التي تنفث سمومها في الظلام؟ ~~... كانت الحياة تسير سيرا جميلا، كنا متحابين ونزداد على الأيام ~~حبا، وكنا متفاهمين ونزداد على الأيام تفاهما. عرفنا ماضينا ~~وأحببناه، وخبرنا حاضرنا ورضينا به، وأملنا مستقبلنا وانتظرناه، ~~وتتابع اللقاء، وتمت الألفة، ورسخت المودة ... # وسكت علي لحظة، وعينا صاحبه لا تفارقان وجهه المتجهم، ثم اندفع ~~يقول مسحورا بحرارة الحديث: ما الذي بث الفساد في حياتنا؟ إنه شيء ~~لا يصدق، ولكنه الحقيقة دون زيادة، كيف حدث هذا؟! بدأت تتغير! وكان ~~التغير طفيفا بادئ الأمر، ولكنه لم يخف عن قلبي اليقظ الساهر. ~~رأيت في عينيها نظرة قلقة حائرة، تناوبها الشرود وفترت ~~ابتسامتها، ومضت تتجافى عن حديث الحب، وتتقي ذكر آمالنا وعهودنا، ~~فأخذت نفسي بالصبر عهدا عرفت فيه مرارة الحيرة وعذاب الشك، ولكن دون ~~جدوى، فلم يتغير الحال، وكاشفتها بوساوسي، وقلت لها ما أجدر حبنا ~~بأن يكون هباء إذا طوت دوني سرها! ولكنها اتهمتني بالمبالغة، ~~واعتذرت عن تغيرها بتوعك مزاجها، فتضاعف عذابي وألمي ... كيف أصدق ~~أن حبا كحبنا يموت فجأة وبغير نذير؟ وجددت بها، فصارت اللقيا ~~جحيما، ثم انقطعت عني، أتصدق؟ لقد جننت، فرصدتها في كل مكان، ~~وراسلتها، وثابرت على مطاردتها بعناد، فجاءت لمقابلتي، جاءت تتعثر ~~بالحزن والخجل، فصحت بها أن تحولها سيورثني الجنون. # وأمسك الشاب، وكان محجوب يتابعه بحواس مرهفة، ويوليه اهتماما ~~كاد ينسيه غرضه من الزيارة، وتظاهر بالتأثر الشديد ليشجع صاحبه ~~على الاسترسال، فقال علي: قلت لها إن تحولها سيورثني الجنون، فقالت ~~لي إن لقاءنا أورثها الجنون بالفعل، وقالت لي إن آمالنا مقضي عليها ~~بالفناء؛ فينبغي أن نعالج حزننا بالحكمة، وأن نرضى بالنهاية المحتومة. ~~هل أرضى بالشقاء دون دفاع؟! أأفرط في سعادتي دون سؤال؟! قالت لي إنها ~~رغبة والديها، وإنها يئست من إقناعهما، وإنها لم تدع وسيلة، وضرعت ~~إلي في النهاية أن نفترق وألا أضاعف لها العذاب. # ونظر الشاب إلى محجوب طويلا، حتى أفاق ms058 قليلا من سكرة الحديث، ~~فتورد وجهه وقال: لماذا أطيل عليك؟ ... لقد انتهى كل شيء، تحطمت ~~آمالي. إن دراسة الحكمة لا تغني عني شيئا. # وعجب محجوب أيما عجب، لماذا يرفض عم شحاتة تركي بائع السجائر ~~الأستاذ علي طه؟ أيراه غير أهل لنسبه! ... أم يطمع الرجل أن تتم ~~كريمته دراستها لتنفق على أسرته؟! ثم خطر له خاطر فسأل صاحبه: ألا ~~يجوز أن مثريا كبيرا طمع في الفتاة فأراد أبوها أن يزوجها له؟! ~~فرفع علي حاجبيه حيرة ولم ينبس بكلمة. وكان محجوب قد ذكر غرضه الأول ~~من هذه الزيارة، فأراد أن يمهد له، وكان اعتراف علي قد أحدث في نفسه ~~لذة كبيرة، فسالت نفسه نشاطا وحبورا، ولكنه قال لصاحبه بلسان ~~الواعظ: لا يجمل بك على أية حال أن تستسلم للحزن، والحق أقول إنه مهما ~~يكن السبب الحقيقي لهذه القطيعة فلا شك في تبعة فتاتك؛ فهبها كشيء ~~لم يكن، وأودع العلة والمعلول سلة المهملات ... # فقال علي بحزن: لم يلتئم الجرح بعد! ~~- هذا جزاء من يهتم بنظريتك في الحب، ألا ترى أن الكلاب تعالج ~~الحب بطريقة أدعى إلى السعادة والراحة؟ ... نحن المسئولون عن شقائنا ~~دائما ... # فلازم علي الصمت، واستطرد الواعظ: النسيان ... النسيان ... أترضى أن ~~تكون من المجانين الذين يفسد الحب حياتهم؟ # وساد الصمت، وفي تلك اللحظة امحى سبب قوي مما كان يبغض علي طه ~~إليه، فلم يعد يمقته كما كان، خفت وطأة البغضاء، ومضى يقول لنفسه: ~~ما يضيره لو فقد إحسان؟ فلا يزال ذا وظيفة وشباب وجمال! إحسان التي ~~طالما أصلته نارا؛ فمن الراحة ألا يفوز بها منافسه وإن فاز بها ~~ثالث غيرهما! ثم نهض قائما متوثبا للهجوم على غرضه، فمال نحو ~~صاحبه وهو يصافحه، وقال بصوت لا يكاد يسمع: أستاذ علي، أخوك في حاجة ~~إلى خمسين قرشا حتى آخر الشهر؟ # ودس علي يده في جيبه ومدها إليه بما يريد، فتناولها محجوب قائلا: ~~شكرا لك ... شكرا لك أيها الصديق الكريم. # وغادر المكتب راضيا، وتساءل وهو ينتف حاجبه الأيسر: متى يمتلئ جيبي ~~بنقود الحكومة؟! # 21 # وأخذ ms059 أهبته؛ استحم، وكوى البدلة والقميص والطربوش، ولمع ~~الحذاء، وحلق ذقنه، ورجل شعره، فبدا شخصا جديدا، وإن لم يزايله ~~الهزال ولا الشحوب. # ذهب إلى دار جمعية الضريرات مبكرا، ووجدها دارا كبيرة، أنيقة، ~~تحيط بها حديقة غناء وارفة الظلال، فسار إلى بهو عظيم مستطيل، ~~يتصدره مسرح كبير، وقد تراصت به صفوف المقاعد الخضر، وعلى ~~الجانبين أبواب الشرفات المطلة على الحديقة، ولم يكن سبقه إلى ~~المكان إلا نفر قليل، فاتخذ مجلسه هادئا، ومضى يتفحص المكان ~~بعينيه الساخرتين، ويتساءل: ترى هل يمكن حقا أن تنتهي به رحلته في ~~هذه الدار إلى الحكومة؟! وكان تيار القادمين لا ينقطع، وكان في ~~استقبالهم جماعة من الأوانس الحور، وبعد ثلث ساعة من جلوسه تكاثر ~~عددهم، وتزاحموا نساء ورجالا، في أبهى الثياب وفاخر الحلل، فشاع ~~الحسن في كل موضع، وتطاير في الجو شذا العطور، وزاغ بصر محجوب، ~~وترددت عيناه الجاحظتان بين الوجوه الصبيحة، والنحور المتألقة، ~~والظهور العالية، والصدور الناهدة. وجرى دمه بحيوية فائضة، وسرى القلق ~~في أعصابه. وعجب لهذه الدنيا الباهرة، أين كانت خافية؛ هذه الثياب ~~الفاخرة، وتلك الحلي النفيسة؟ إن واحدة منها تكفي للإنفاق على طلبة ~~الجامعة جميعا. وهؤلاء النسوة، ما أكثرهن وما أجملهن، ولكن من المؤسف ~~حقا أن كل امرأة يحوم حولها رجل أو أكثر، وأكثرهن يتكلمن الفرنسية ~~بطلاقة، وهن المسلمات الظوالم! كأن الفرنسية لغة الدار الرسمية. ترى ~~كيف يتفاهمن مع الضريرات؟! واجتاحته موجة من السخرية مفعمة حقدا، لا ~~لغيرة على لغة البلاد، ولكن تلمسا لأسباب الكراهية. وتساءل: أين ~~صاحب السعادة ابن الست أم سالم؟ وأرسل بصره ناحية المدخل فصادف مجيء ~~سيدة باهرة المنظر، عرفها من النظرة الأولى، فذكر القناطر لعهد خلا، ~~وذكر مهندس القناطر الشاب وزوجه الحسناء. أجل، كانت حرم حمديس بك دون ~~غيرها، وقد جاء وراءها البك نفسه، وتبعته تحية وفاضل! وعلق بصره ~~بالأسرة وهي تمضي إلى مقاعدها من الصف الأول، وتورد وجهه الشاحب، ~~وعادت على ذاكرته رحلة الأهرام، فخال أنه يسمع صفقة باب السيارة وهو ~~يغلق دونه! ... وقرض أسنانه وشعر برغبة جهنمية إلى البطش ms060 بهذه ~~الفتاة الأنيقة المتعجرفة! ... آه لو تأبطت ذراعه حسناء من هؤلاء ~~الحسان فسار بها أمام أسرة «قريبه»! تلك الأسرة الكريمة التي تجشمت ~~المجيء إلى هذا البهو في سبيل الإحسان والرحمة! ينبغي أن يسود بلا قيد ~~ولا شرط؛ فلا ضمير ولا خلق، ولكن متى يجلس معهم في الصفوف الأمامية؟! ~~في لباس السهرة الفاخر في بدلة الصحافة هذه؟! وقبل أن يفيق من أفكاره ~~رأى عن بعد الأستاذ سالم الإخشيدي يشق طريقه إلى الأمام في مشيته ~~المتمهلة، ورزانته المعهودة، كأن البهو لا يحوي سواه ... وكان يحيي ~~برأسه كثيرا من الطبقة العالية نساء ورجالا، فظل يتابعه بناظريه ~~حتى جلس، وقد ملأه إعجابا وحسدا. هذه هي الحياة الحقة؛ الحياة ~~الممتعة، الحياة التي ترضي الغرائز جميعا. الإخشيدي مثله الأعلى، ~~ونعم المثل الأعلى هو. وشعر عند ذاك بيد توضع على كتفه، فالتفت ~~إلى يمينه فرأى الأستاذ أحمد بدير يجلس في المقعد الملاصق، فتصافحا ~~بحرارة، وسأل محجوب قائلا: ما الذي جاء بك يا أستاذ؟ # فنظر إليه الشاب نظرة كأنما يقول له: ما الذي جاء بك أنت؟ # وأجابه كالداهش: عملي! ... ألست مندوب الجريدة؟ # فقال محجوب: وأنا مندوب مجلة النجمة! # وضحكا معا، وهم أحمد بدير أن يسأل صاحبه عما إذا كان ينوي ~~الاشتغال بالصحافة، لولا أن رفعت الستار، وبدت على المسرح سيدة ~~جليلة، ذات جبين وضاح، ووجه مستدير مهيب، لم يذهب كل جماله على ~~اقترابها من الستين، وقوبلت بتصفيق حاد متواصل، فتلقته برزانة ~~من يألفه، وحنت رأسها تحية للمعجبين، وبسطت بين يديها ورقة، ونظر ~~محجوب إليها طويلا، ثم سمع أحمد بدير يقول بصوت منخفض: السيدة ~~إكرام نيروز منشئة الدار ... # أجل. عرف ذلك بداهة. ترى أي دور ستلعبه في حياته؟ # واستدرك أحمد بدير قائلا: إنها عجوز، ولكنها مغرمة ~~بالشباب! # وأدرك أن أحمد بدير لن يمسك - كعادته - وسر لذلك أيما سرور؛ ~~لأنه من المحنق أن يقتحم الإنسان دنيا جديدة بغير دليل. أما السيدة ~~إكرام نيروز فراحت تلقي كلمة الافتتاح بصوت هادئ متزن جميل. ~~رحبت بالحاضرين، وأثنت على عواطف الخير التي تعمر صدورهم، ms061 ثم ~~تكلمت عن جمعية الضريرات وهدفها السامي. ألقت كلمتها بالعربية، فلم ~~تكد تنجو كلمة من خطأ نحوي ولحن، وتبادل الصاحبان الابتسام، وقال ~~أحمد: لا تحزن؛ فالدار خالية ممن قد يفطن إلى الخطأ ... # فقال محجوب كالمعتذر: مغفور لها الخطأ، أليست تخطب بلغة ~~أجنبية؟ # ثم شاهد الحاضرون فصلا من مسرحية لموليير، وغنت مدام تارد أغنية ~~فرنسية عالمية، وتركت في النفوس أبلغ الأثر، ثم دعي الجميع إلى بهو ~~آخر مستدير، أعد للرقص، فتصدرته فرقة موسيقية إيطالية، ورصت ~~إلى جوانبه الموائد، وعزفت الموسيقى، ورقص الراقصون، ودارت الكئوس ~~مترعات، ووقف الصديقان عند مدخل إحدى الشرفات يشاهدان الرقص ~~ويتحدثان. كان محجوب يرى الرقص لأول مرة، فأثار دهشته وإعجابه، رأى ~~الصدور تكاد تلمس الصدور، والأذرع تحيط بالخصور، فعجب كيف يتمالك ~~هؤلاء أنفسهم! وتمنى لو كان من الراقصين، وتفحص الوجوه بعينيه ~~الجاحظتين القلقتين، وهمس لنفسه: «المال، المال هو السيادة، وهو ~~القوة، هو كل شيء في الدنيا!» وعثرت عيناه بثدي ناهد تكاد حلمته ~~تثقب الفستان الأبيض الشفاف، فحمي دمه، ورفع بصره ليرى وجه ~~صاحبته، فرأى عجوزا دميمة على فرط تهتكها، فلكز صاحبه ولفته إلى ~~السيدة هامسا: كيف يكون هذا الثدي لهذه العجوز؟ # فألقى أحمد بدير على المرأة نظرة شاملة، وابتسم كالساخر، ثم قال: ~~وكيف تكون هذه الحفلة الخيرية في حانة؟! # فقطب محجوب غاضبا، أو متظاهرا بالغضب، وقال: لتذهب الضريرات إلى ~~الجحيم ... الحانة خير وأبقى! # وجال ببصره مرة أخرى فرأى تحية حمديس! رآها تراقص شابا جميلا ~~مفتول العضلات، له طول مأمون رضوان، ومتانة بنيان علي طه، فشعر أنه - ~~الشاب - يستطيع أن يقبره بضربة واحدة، وتجهم وجهه، وسأل أحمد بدير ~~عنه، فقال: الشاب وكيل نيابة، وأحد أبطال التنس المعدودين ... # وتنهد محجوب، ولو أمكنه - في تلك اللحظة - أن يصير عظيما ولو ~~بجريمة ترمي به إلى حبال المشنقة لما تردد! ما الذي منع من أن يكون ~~أحد هؤلاء الشبان؟! الدنيا جميعا! القوى الكونية التي خلقت ~~التاريخ، وصنعت الطبقات، وقسمت الحظ، وجعلت عبد الدائم أفندي أباه، ~~والقناطر مسقط رأسه. وهنا سمع أحمد بدير يهمس ms062 إليه متعجلا: «انظر ~~إلى الشرفة.» وأدار رأسه إلى داخل الشرفة، فرأى سيدة تكاد تخفي ~~وجهها بمروحة من ريش النعام، وعلى يدها ينحني رجل متقدم في السن، ~~فلما استوى واقفا عرفه من الصورة التي تنشرها له الجرائد من آن ~~لآخر. قال أحمد بدير: هذه حرم أنيس بك إبراهيم، والباشا من المعجبين ~~بها، ويقال إنها تسعى لمنح زوجها الباشوية! # وكفت الموسيقى، وهرع كثيرون إلى الشرفات والحديقة، فتحول ~~الشابان إلى الشرفة، دخلا معا. قال أحمد بدير: في أول عهدي بحياة ~~المجتمعات كان يكلفني موقفنا هذا عناء ما بعده عناء؛ كنت إخال ~~الناس جميعا وكأن لا عمل لهم إلا تفحصي من الرأس إلى القدم. ~~وأنت؟ # فذكر محجوب ملابسه، ووجهه الذابل الشاحب، فتصاعد الدم إلى خديه، ~~ولكن سرعان ما استعدى جسارته واستهانته، فقال بصوت هادئ: في موقفنا ~~هذا يداخلني شعور بأني رجل يجول بين ماشية! # ولم يكد يتم كلامه حتى وجد نفسه أمام حمديس بك، وجها لوجه، وخفق ~~قلبه بعنف، ونظر إليه نظرة حاول ما استطاع أن ينقيها من آي الخوف ~~والاضطراب، وتساءل: ترى كيف يواجهني؟ ... ما عسى أن يقول؟ ما عسى أن ~~يفعل؟ ... أما حمديس بك فقد عرفه، ولاحت في وجهه ابتسامة، ومد له يده ~~قائلا: كيف حالك يا محجوب؟ # وتصافحا، وافترقا بسلام! ... وتولته الدهشة ... إذن أخفت تحية الأمر! ~~... ولم يدر له هذا بخلد، وتنبه إلى أحمد بدير يسأله للمرة الثانية: ~~أتعرف حمديس بك؟ # فأجابه بزهو: طبعا ... طبعا. ابن عم والدتي! ~~- وكيف لم تحدثنا عن هذه القرابة العظيمة؟ # فأجابه محجوب بنفس اللهجة، وكان لا يزال متأثرا بسرور النجاة: طظ! ~~... # وهبطا الأدراج إلى الحديقة، ومضت عيناه تبحثان عن سالم الإخشيدي، ~~ومتى يقدمه إلى السيدة؟ ... وهل من فائدة ترجى؟ ... ومر بجماعات ~~النساء والرجال، وشاهد نخبة من الرجال المعروفين، منهم المتحفظون، ~~ومنهم من أطلقوا لأنفسهم العنان. ولفت نظره شخص غريب المنظر، ضخم ~~الجسم في غير تناسق، مكرش، كأنه مادة حيوانية لم تسو بعد، يمشي ~~منفرج الساقين كأنه ذو داء، بيد أنه بدا أثيرا محبوبا مكرما، ~~يحادث العظام ms063 بغير كلفة، ويمازحهم ويعلو صوته بينهم بغير مبالاة، ~~ويقهقه عاليا. وعجب محجوب لشأنه، وسأله صاحبه عنه قائلا: ومن هذا ~~أيها العارف بأمر الناس؟ # فضحك أحمد بدير وقال: كيف لا تعرفه؟ ... عزوز ضارم. كان يوما ~~موظفا محترما، ثم اضطر إلى الاستقالة لأسباب خلقية، فاشتغل ~~بالأعمال الحرة، وعرفه أناس من ذوي النفوذ، فأعيد إلى الخدمة وسار ~~قدما ... ولكنه لم يهجر أعماله الحرة! ~~- وكيف يجمع بين الاثنين؟ ~~- عمله الحر شقته الأنيقة، فيها مائدة للقمار، وفيها الحسان الكواعب ~~الحور! ... # وتفكر محجوب مليا، وانقبض صدره، وتكدر صفوه. كيف يتاح له ~~التفوق في مثل هذا المجتمع؟! إنهم يعلون بمبادئه بغير حاجة إلى ~~تفلسف، ولن يمتاز دونهم باستهتار أو جرأة، فما الفائدة؟! أليس من ~~الأفضل أن ينقلب مصلحا كمأمون رضوان أو كعلي طه؟! وقطع أفكاره ظهر ~~شاب كالقمر، ممشوق القوام، بديع الحسن، ناعم البشرة، فاتن العينين، ~~أخاذ الملامح، لامع الشعر، يخطر كالغزال نافثا سحر الأنوثة والذكورة ~~معا، فما تمالك أن تمتم قائلا: لله ما أجمله! ... أتعرفه؟ # فقال أحمد بدير مبتسما: أحمد مدحت، أشهر من نار على علم، يدعونه ~~بحق كوكب الشرق! ~~- موظف؟! ~~- ببنك مصر، متخرج في الحقوق منذ عام، مرتب ثلاثون جنيها. ~~- ثلاثون جنيها! ومن كان شفيعه؟ # فضحك بدير قائلا: هو شفيع نفسه يا أحمق! # ورن جرس يدعو المبعثرين في جوانب الحديقة إلى بهو التمثيل، ~~فعادوا جميعا وأخذوا مجالسهم بهدوء ونظام، ورفعت الستار بعد قليل عن ~~مجموعة من بنات الطبقة الراقية في أردية فرعونية رائعة، ورقصن ~~جميعا رقصة فاتنة التصوير، دقيقة التعبير، أخذت بمجامع القلوب، حتى ~~همس أحمد بدير بأغنية سيد درويش: «دا بأف مين اللي يألس على بنت مصر ~~بأنه وش.» وصفق الجمهور للراقصات بحماس وإعجاب. # وأعلن بعد ذلك عن مسابقة الجمال، فسرت في الحاضرين هزة شوق ~~واهتمام، وشملهم سرور عجيب، وظهرت على المسرح هيئة المحكمين. كانت ~~المسابقة أمتع ما في السهرة، بل كانت المشهد الوحيد الذي أجمع الحاضرون ~~على الاهتمام به، وقد تفحص أحمد بدير المحكمين بإمعان، ثم جرت على ~~شفتيه ابتسامة خفيفة ساخرة، وأبرز ms064 من جيبه بطاقة كتب عليها كلمة أو ~~كلمتين وطواها حتى صارت كالعويد، ودسها في جيب محجوب وهو يقول: دع ~~هذه البطاقة حيث هي حتى تعلن النتيجة، ثم ابسطها تجد اسم ملكة ~~الجمال! # فسأله محجوب بدهشة: وكيف عرفته؟ ~~- صه ... انتباه! # وتركز انتباه الجميع في مكان واحد، ودعا الداعي أولى المتسابقات، ~~فطلعت في سماء المسرح كالكوكب النير في بهاء وأناقة، وكانت ترفل في ~~ثوب من الحرير الأبيض، وتبسم ابتسامة توحي بالهدوء واللطف، بيد أنها ~~أخفقت في إخفاء ارتباكها. وقال أحمد بدير بأسف: في أوروبا تبدو ~~المتسابقات عرايا! أما نحن فنقنع بالحكم على الظواهر ... # فتساءل محجوب ساخرا كعادته: ولماذا لا يختارون المحكمين من ~~المطلعين؟! # وحملقت الأعين، وأمسك كثيرون بالنظارات المكبرة، وأثبت البعض ~~ملاحظاتهم في مذكرات، واستمر العرض والفحص بلا سأم ولا ملال. ~~وتتابعت الوجوه كالأقمار، ثم اختفت هيئة المحكمين للمداولة فتصاعد ~~اللغط، وعلا النقاش، وتراهن كثيرون، وعادت اللجنة بعد قليل وأعلنت اسم ~~الفائزة: آنسة هدى حيدر. فصفق الجميع، وصفق والدها في مقدمة ~~الجميع، وأبرز محجوب البطاقة من جيبه، وبسطها، فوجد فيها اسم الفائزة ~~«هدى حيدر» بخط واضح، فلاحت الدهشة في وجهه، وسأل رفيقه: ما معنى ~~هذا؟ # فابتسم أحمد بدير فخورا بفراسته وحسن اطلاعه على البواطن، ورغب أن ~~يترك صاحبه لحيرته، ولكن الآخر ألح عليه، فلم ير بدا من إسكاته، ~~فقال بصوت لا أثر للفخر فيه: عرفته بطريق المصادفة! رأيت الفائزة منذ ~~يومين مع الأعضاء الصحافيين من لجنة التحكيم عند سفح الهرم، أيدهشك ~~هذا؟! # وكره محجوب عبد الدائم أن يدهش حقا، فتمالك نفسه، وقال بضجر: ~~كلا لا يدهشني شيء، اختيار الموظفين تزييف، رسو العطاءات تزييف، ~~الانتخابات نفسها تزييف، فلماذا لا يكون انتخاب ملكة الجمال ~~تزييفا؟ ~~••• # وأوشك الجمع أن ينفض، فذكر محجوب غرضه، ورأى الأستاذ سالم الإخشيدي ~~يتجه نحو أحد الأبواب، فودع صاحبه ومضى نحوه. وكان الأستاذ قد ~~نسيه تماما، فتصافحا وسارا معا إلى الباب المقصود، ودخلا حجرة ~~كبيرة فاخرة الأثاث، جلست السيدة نيروز في صدارتها مع نفر قليل من ~~أصحابها، وأهاب محجوب بجسارته أن ms065 يخونه الارتباك، واقترب مع صاحبه من ~~السيدة الجليلة، وانحنى الإخشيدي على يدها مسلما، وقدمه إليه ~~بصوته الرزين الهادئ: «الأستاذ محجوب عبد الدائم، مندوب النجمة! من ~~خريجي الجامعة المعجبين بما أحدثت عصمتك من نهضة رائعة.» وانحنى ~~لها محجوب فمدت له يدها قائلة: إني فخور بالجيل الجديد ... (وأتمت ~~بالفرنسية) فقد طفح الإناء بالماء القذر، ولا بد من تطهيره وملئه من ~~جديد ... # فقال محجوب بالفرنسية: هذا حق يا سيدتي ... # وكان الإخشيدي يقوم لها بدعاية في بعض الصحف إما بنفسه أو بواسطة بعض ~~أصدقائه، فرجا أن تضيف ما عسى أن يؤديه محجوب إلى أفضاله السابقة. ~~وألقت السيدة على الشاب أسئلة تتعلق بثقافته وتخصصه وآماله، فأجاب ~~محجوب بلباقة، وجرى الحديث مجرى جديدا، فاستأذن الإخشيدي وصاحبه، ~~وغادر المكان وهو يقول له مودعا: الشيء الكثير يتوقف على قلمك ~~... # حقا؟ ... أتحقيق أمله رهن بمقاله عن حفلة اليوم؟ ... وعاد إلى الجيزة ~~متفكرا تستأثر به الأحلام، وأرق تلك الليلة كما كان يؤرقه الجوع ~~في ليالي فبراير، تاه في وادي الأحلام والآمال، ثم ذكر طويلا السهرة ~~التي عاش فيها نصف الليل كله؛ جمال الرفاهية، ومشاهد النعيم، ومجالي ~~الحسن، وروعة العشق، وجنون الإباحية؛ تلك الحياة الباهرة التي تذوب ~~روحه شوقا إليها ... # 22 # وعند ضحى اليوم الثاني كان يقطع حجرته الصغيرة ذهابا وجيئة ~~مفكرا في المقال الخطير. ماذا يقول؟ كيف يبدأ؟ وبم يختم؟ ثم ركز ~~ذهنه في حصر النقط الهامة، ثم هداه منطقه إلى طريقة لبقة في كشف ~~النقط الخطيرة، فبسط صفحة، وشطرها نصفين بخط رأسي، وجعل لكل شطر ~~عنوانا: # الحقيقة # ما ينبغي أن يكتب ~~(1) إكرام نيروز كريمة رجل من صنائع الاحتلال. ~~(1) أسرة إكرام نيروز وعراقتها في الوطنية. ~~(2) غرامها بالشبان. ~~(2) زوج وفية وأم بارة. ~~(3) تفوقها في الفرنسية وعجزها في العربية. ~~(3) اغترافها من الثقافتين العربية والفرنسية. ~~(4) دار الضريرات حانة. ~~(4) مشروعاتها الخيرية. ~~(5) مدعووها على مثالها. ~~(5) مدعووها على مثالها. ~~(6) المدعوون يهتمون بكل شيء إلا الضريرات. ~~(6) عاطفة الخير. # هكذا استخرج نقط الموضوع الخطير، ثم جلس إلى مكتبه يتهيأ ~~للكتابة، ولكنه لم يكد يمسك بالقلم حتى سمع طرقا ms066 على باب حجرته - ~~لأول مرة منذ انتقاله من دار الطلبة - فنهض منزعجا ساخطا وفتح ~~الباب. رأى جسما ضخما يملأ عليه الفراغ ، فتذكره وخفق قلبه خفقة ~~مروعة، كان ساعي سالم الإخشيدي دون غيره. ورفع عينيه إلى الرجل في ~~تساؤل ولهفة، فقال الرجل مبتسما ولكن بصوت غليظ: سعادة البك يريدك ~~على أن تقابله الآن. ~~- سالم بك؟ ~~- نعم! ~~- أين؟ ~~- في مكتبه بالوزارة! # ثم قص عليه الرجل كيف قصد إلى دار الطلبة كما أمره سيده، وكيف وصف ~~له البواب مسكنه الجديد، ولكن محجوب لم يسمع شيئا، كان يرتدي ثيابه ~~بسرعة وهو يقول لنفسه: ماذا هنالك؟! ... أيمكن ...؟! ولكن بهذه السرعة! ... ~~إنه لسحر مبين! ... هذه المرأة إمبراطورة ... بل شيطانة ... بل إلهة ... آه ~~... لشد ما أخاف أن تكون الدعوة لسبب آخر فيضيع هذا السرور الجنوني ~~سدى! ... ولكن لأي سبب يدعوه إن لم يكن لهذا؟ ... # وذهبا إلى الوزارة فبلغاها في منصف الثانية عشرة، وقصد إلى حجرة ~~الإخشيدي، فاستقبله هذا بلطف لم يعهد مثله من قبل، وأمر الساعي ألا ~~يأذن لأحد حتى يأمره، وجلس محجوب على كثب منه، فالتفت إليه الرجل بوجهه ~~المثلث الهادئ، ولكن كان الهدوء هذه المرة قناعا يخفي انفعالات ~~عارمة، وقال مبتسما: دعوتك لأمر خاص بمستقبلك! # هي الكلمة المرجوة! ... لن يضيع السرور سدى ... وغلبه الانفعال، فقال ~~بصوت متهدج: لم أفرغ من المقال بعد! ~~- دع المقال الآن، وانس إكرام نيروز. سنحت فرصة أجل فائدة، ~~كالثمرة الدانية تروم من يقطفها ... # فتساءلت عيناه المحملقتان، وقال وهو يزدرد ريقه: بعونك ~~أقطفها! # فتريث الإخشيدي متفرسا في وجهه بدهاء لم يلاحظ الآخر - لم ~~يلاحظ شيئا - ثم قال: وجدت وظيفة. # وساد صمت وقد تورد الوجه الشاحب، فاستدرك الإخشيدي: درجة ~~سادسة! ~~- سادسة! ~~- سكرتير. # فتساءل لاهثا وهو لا يصدق أذنيه: سكرتير من؟ # فأشعل الإخشيدي سيجارة، غير راحم لهفة صاحبه، وقال متغافلا عن ~~سؤاله: الفرصة الجميلة كنز لمن يهتبلها، حسرة للمتردد. أتذكر كيف ~~كان فيضان المسيسبي من سنوات بركة على قطن بلادنا البائر؟ # فاحترق الشاب لهفة وقال بعزم أكيد: محال أن أتردد يا سعادة ~~البك. # فسر ms067 الإخشيدي لتلهفه، واطمأنت نفسه القلقة بعض الشيء، ثم ~~قال: سبق أن أفهمتك أنك يمكن أن تأخذ إذا رضيت أن تعطي! # أن تعطي؟! ماذا يملك لكي يعطي؟ ... وغص بخيبة لم يتوقعها، فانطفأ ~~بريق عينيه، وقال بصوت كسير متسائلا: ولكن ... ولكن كيف ~~أعطي؟ ~~- ليس المال بالعملة الوحيدة المطلوبة في سوق الفرص، «وتنهد محجوب ~~بصوت مسموع»، ومن سجايا الإنسان ما لا يقوم بمال. المسألة لا تعدو ~~هذا؛ أأنت جسور ذكي حقيق بالطيبات، أم أنت ممن تلقي بهم ~~الأوهام على شاطئ الحياة فتطؤهم النعال كالتراب؟ # فلاحت الحيرة في العينين الجاحظتين، حتى خلع الشاب طربوشه ومسح ~~على شعره المفلفل، ثم لبسه بسرعة، وقال: أرجو أن أكون عند حسن ظنك ~~... ~~- لهذا دعوتك، وما خابت فراستي قط. # ونظر إلى محجوب بعينيه المستديرتين وسأله: أتقبل أن ~~تتزوج؟ # فتولته الدهشة، لم يخطر الزواج على بال، فلم ينبس بكلمة، وكان ~~الإخشيدي لا يزال مصوبا إليه عينيه، فقال بلهجة ساخرة: جاء دوري ~~لاستحثاثك. ~~- ألا يمكن أن أعطى مهلة للتفكير؟ # فهز الإخشيدي منكبيه استهانة وقال: ظننتك أشد رغبة، لماذا ~~أنتظر؟ يوجد ألف عروس وعروس، ولا بد من اختيار واحد اليوم ... ~~- اليوم؟ ~~- بل الساعة. # فتنهد محجوب، وواتته جسارته المعهودة، فقال بتسليم: إذن قبلت ~~... # فابتسم الإخشيدي ابتسامة ماكرة، وقال: بداية حسنة، ولكنها ليست كل ~~شيء. # ماذا يريد الشيطان؟ ... ليس الأمر كما حسب أول وهلة، ليس الزواج كل ~~شيء، فماذا تحوي «كل شيء» هذه؟ ... وسمعه يقول بصوته البغيض: ولكني ~~متفائل بجسارتك وبسرعة بتك في الأمور. الوظيفة في مكتبنا هذا، وكنت ~~شاغلها لأسابيع خلت وظيفة سكرتير قاسم بك فهمي. # يا للعجب، أيصدق هذا؟ أيمكن حقا أن يجود الدهر بكل هذه ~~السعادة؟ ولماذا يختاره الإخشيدي وما يعهده ذا مروءة أو أريحية؟ إنه ~~يطالبه - نظير هذه الوظيفة - بالزواج، فأي زواج هذا؟ أجل، أي زواج هذا ~~... وأخفى حيرته وقال بسرور: يا لها من سعادة كالحلم. جزاك الله عني ~~خيرا. # فابتسم الإخشيدي وقال وقد ازداد اطمئنانا وجسارة: دعني أتكلم عن ~~الزوجة. # فأحدث لفظ «الزوجة» في نفس الشاب هزة، وتطلع إلى ms068 الإخشيدي ~~بعينين متسائلتين كأنهما تسألانه: «من هي؟ ... ما صورتها؟ ... ما معنى ~~زواجي بها؟» فقال الإخشيدي: فتاة كريمة من «دائرة» قاسم بك ~~فهمي. # دائرة، وتساءل الشاب بارتياع: قريبته؟ ~~- قاربت الحقيقة ... هي من معارفه! # فتغابى محجوب وتساءل مزدردا ريقه: معرفة جوار، صداقة ~~والدين. # فقال الإخشيدي ببساطة واستهانة: قاربت الحقيقة، سعادته صديقها هي ~~بالذات! # وبدت الحقيقة سافرة، وأدرك ما يراد بهن، وعرف ثمن الوظيفة الفاخرة. ~~إن الإخشيدي لا يرسل الساعي في طلبه حبا في سواد عينيه، ولكن ~~ليستغل بؤسه. وإنه ليمقت الإخشيدي، ولكن ليس هذا بيت القصيد. لقد ~~تضرج وجهه بالاحمرار، وأحس الحرارة تسري في رأسه، فجعل يستصرخ ما ~~جبل عليه من جسارة وفجور. أجل، ما الذي يخجله؟ ... ما الذي يؤلمه؟ ... ~~أيؤمن بالزواج؟ أيؤمن بالعفة؟ أيشعر بإهانة في تصريح صاحبه؟ إن ~~الحياة تنبري لامتحان فلسفته؛ لتثبت بالتجربة المحسوسة إن كانت سفسطة ~~وجدلا أو عقيدة وعملا. فيا أيها الاضطراب زل، ويا أيها الغضب اسكت، ~~وليتحدث عن الزوجة الساقطة كما لو كان يتحدث عن درجة حرارة الجو في ~~البرازيل. فدعا استهانته وسخريته، وسأل صاحبه: عذراء؟ # فقال الإخشيدي مبتسما: كانت! # ولاذ بالصمت هنيهة، وكان الوجه الشاحب لا يزال متوردا، ~~واستدرك الإخشيدي: لا تحسبن عظماء الرجال بمعصومين، والبك جاد في ~~إصلاح خطئه؛ فإذا شاطرته مقصده النبيل ظفرت برضاه، وهيأت لنفسك ~~مستقبلا حسنا. ومثل هذا العمل يتطلب قلبا كبيرا، وعقلا واسعا، ~~وثقافة عميقة. أما إذا تناولت الأمور بمعيار العوام فهذا فراق بيني ~~وبينك. ولا تتوهمن أني أجري وراءك؛ فالذين يرضون بما يعرض عليك لا ~~حصر لهم، بيد أني أوثر أن تعمل معي أنت في هذا المكتب لما أعهده فيك ~~من الذكاء والإخلاص، ثم إننا جيرة من قديم، ودرجة سادسة كنز ...! # إنه يدرك البواعث الخلفية التي جعلت الإخشيدي يرسل إليه ساعيه، ~~إنه يروم خدمة مولاه، واكتساب رضاه، ولعله إن لم يظفر بزوج طيب ~~للفتاة التي اعتدى البك عليها اضطر أن يقدم نفسه كبشا للتضحية. ~~هذا واضح ومفهوم، ولكن هناك حقائق أخرى أولى بها أن تذكر؛ هنالك ~~وظيفة سكرتير، وهنالك ms069 الدرجة السادسة، أفيجوز أن يضحى بها؟ ولماذا؟ ... ~~أيشعر بما يدعونه غيرة على العرض؟ ... حاشاه. أيصدق فيما يسمونه ~~الشرف؟ ... تبا له. لقد قال كلمته الأخيرة في كل هذه الأشياء، فينبغي ~~أن يختار دون تردد. التردد معناه أنه لا يزال غير أهل لفلسفته ~~الجسور. تبا له. أينسى ليالي الجوع؟ أينسى الفول المدمس؟ أينسى ~~التخبط في شوارع القاهرة شحاذا متسولا؟ علي طه في المكتبة ~~ومأمون رضوان في طريق باريس ويتردد؟! حمديس بك لا يكلف نفسه ~~مجالسته خمس دقائق ويتردد؟! وتحية - وهنا تميز غيظا - أغلقت باب ~~السيارة في وجهه ويتردد؟! ونتف حاجبه الأيسر، ورفع عينيه إلى صاحبه، ~~وسأله: من هي؟ أريد أن أعرف كل شيء. # فقال الإخشيدي: ستعرف كل شيء في حينه، ولن تكون من الآسفين. # فرفع محجوب حاجبيه استهانة وقال: ليكن، فمتى يكون التعيين؟ # 23 # فتنهد سالم الإخشيدي بارتياح، وقال وهو ينهض قائما: تعال أقدمك ~~إلى البك. # وتبعه على الفور باذلا جهده لضبط عواطفه. ودخلا حجرة فاخرة، رأى ~~في صدرها مكتبا كبيرا يجلس إليه البك، واقتربا من المكتب في احترام ~~حتى كادا يلمساه، ورأى الإخشيدي يتنازل مرة واحدة عن جلاله، وينحني ~~على يد البك في خشوع، ففعل مثله، ولما اعتدل في وقفته ألقى على الجالس ~~نظرة خاطفة. كان في الأربعين، معتدل القامة، جميل المحيا، أنيق ~~الملبس والهندام، صغير الشارب جميله، يدل مظهره على أنه إمام من ~~أئمة مدرسة الغزل، وقد قدمه الإخشيدي إليه، وأثنى عليه، فرحب به في ~~تحفظ مقصود، وسأله: هل أنت من متخرجي هذا العام؟ # فأجاب محجوب بالإيجاب، فقال له البك: أرجو أن تكون عند حسن ظن ~~الأستاذ الإخشيدي بك. # ثم مد له يده إيذانا بانتهاء المقابلة! وقد تعمد أن يجعلها ~~مقابلة رسمية حتى لا يلعب الغرور برأس الشاب. وعاد إلى حجرة ~~الإخشيدي، ورآه محجوب مختالا فخورا، فامتلأ حنقا عليه، ولكن حنقه ~~لم يدم طويلا؛ لأنه - رغم كل شيء - كان راضيا، وسأل بأدب: متى يتم ~~التعيين؟ ~~- هذا علي هين. ستكتب اليوم مذكرة تعيينك، فجهز مسوغات ~~التعيين، ويتم كل شيء إن شاء ms070 الله في بحر أيام، أما الآن فدعنا ننجز ~~الأمر الآخر ... (وسكت لحظات) تكرم بالحضور إلى بيتي عصر اليوم. ~~فتساءل محجوب بدهشة: لماذا ؟ # فقال الآخر بهدوء: لتعقد زواجك. # فقال محجوب بانزعاج: أليس من الأفضل أن تؤجل هذا إلى ما بعد إتمام ~~التعيين؟ ~~- ولمه؟ # فقال الشاب مبتسما: حتى أتريش ... ~~- أستاذ محجوب، خير البر عاجله، سيدفع لك بمبلغ محترم تستعين به ~~على الزواج حتى تقبض أول مرتب، ولن يكلفك الزواج شيئا، شقة العروس ~~في انتظارك، وما عليك إلا تجديد ملابسك! # فاستولت الدهشة على الشاب الذي لم يكن يتصور أن كل شيء مهيأ على ~~هذا الوجه. كانت المصيدة مجهزة تنتظر فأرا، ووقع الفأر. ترى أبها ~~عسل أم سم؟ ~~- ألا تعطيني مهلة أسبوعا؟ ~~- العقد اليوم ليطمئن قلب والدي العروس، أما الزفاف فبعد ~~التعيين. فتنهد محجوب مستسلما، وسأله: وأين شقة ... العريس ...؟ ~~- شارع ناجي، عمارة شليخر، شقة رقم 4. # فقال الشاب بدهشة: هذا حي إفرنجي، إيجاره مرتفع بغير شك! ~~- لا تكترث لهذا ... # فتساءل الآخر بانزعاج: كيف يمكن هذا؟! ~~- أنت كثير الأسئلة، قليل الصبر. اعلم يا أستاذ أن البك قد اكترى هذه ~~الشقة لمدة عام! # فتبلبل فكر الشاب، وسأل بمكر: لو ترك لي الخيار لاخترت مسكنا ~~مصريا. # وابتسم الإخشيدي ابتسامة دلت على احتقاره لمكر صاحبه، وقال ~~باستهانة: المساكن الإفرنجية ينعدم فيها التطفل، فإذا رأى البك أن ~~يزورك، زارك في أمن من المتطفلين: # وصوب بصره نحو المتكلم، فوجده يتظاهر بالنظر في بعض الأوراق، وشعر ~~مرة أخرى بالدم يتصاعد إلى رأسه، وخفق قلبه بعنف، وذكر - لا يدري كيف ~~- زميله أحمد بدير وحفلة السيد إكرام نيروز، وتخيل نفسه جالسا في ~~الحفلة، وصاحبه الصحافي يومئ إليه خفية من بعيد ويحدث! دائما ~~الناس، الناس دائما ... أيترك الناس يحطمون سعادته؟ # أيهما يفضل؟ أن يكون من المجدودين وليقل أحمد بدير ما يشاء، أم ~~يكون من البائسين ولا يجد الصحافي ما يقوله عنه؟ ... وقطب غاضبا، ألا ~~يزال مترددا؟ ... كيف نسي «طظ» العزيزة؟ يا له من جبان حقير. واشتد ~~غضبه، ثم نظر إلى صاحبه وقال بحدة: ليكن ... # فقال ms071 الإخشيدي: سأنتظرك عصر اليوم. # وفيما هو يغادر حجرة المدير وقع نظره على حجرة تقابلها كتب على ~~لافتتها «السكرتير الخاص»، فخفق فؤاده، ومضى إلى الخارج، وجعل يحدث ~~نفسه: قرنان في الرأس، يراهما الجاهل عارا، وأراهما حلية نفيسة. ~~قرنان في الرأس لا يؤذيان، أما الجوع ... سأكون أي شيء، ولكن لن أكون ~~أحمق أبدا؛ أحمق من يرفض وظيفة غضبا لما يسمونه كرامة، أحمق من ~~يقتل نفسه في سبيل ما يسمونه وطنا ... أحمق من يضيع على نفسه لذة ~~لأي وهم من الأوهام التي ابتدعتها الإنسانية. كل هذا حق وجميل، بيد ~~أني منفعل هائج. لماذا؟! ذلك أن العقل لا ينفرد بتوجيه سلوكنا، ~~وبينما يحدث العقل حكمة، يخلف الشعور حماقة؛ فعلى الحكمة أن تمحق ~~الحماقة، وليكن لي أسوة حسنة في الإخشيدي؛ ذلك الأريب، ظفر بوظيفته ~~لأنه خائن، ورقي لأنه قواد؛ فإلى الأمام ... إلى الأمام. # وكور قبضة يمناه ولوح بها، وحث خطاه وقد انبعث من عينيه ~~الجاحظتين نور خاطف ... # 24 # وغادر حجرته عصرا بعد أن ارتدى بدلته بعناية وأخذ حظه من ~~التأنق والزينة! ومضى إلى طريق المنيرة إلى بيت الإخشيدي. لبث طوال ~~يومه متفكرا، وكان يقطع تفكيره بالتعجب، ثم يقول لنفسه وكأنه لا ~~يصدق: «سأتزوج اليوم.» وكانت الورقة التي أثبت بها نقط الموضوع ~~الخاص بحفلة جمعية الضريرات لا تزال على مكتبه! فكيف قطعت الأمور هذا ~~الشوط البعيد؟! تفتحت أبواب الوظيفة، وها هو ذاهب لأداء الثمن؛ ~~الزواج؟! ... لا ينبغي أن يدع اسما يهوله، فما هو إلا اسم! ... وكثير مما ~~نحسبه حقائق أو قيما ما هي إلا أسماء. هو عادة اجتماعية، وفي بعض ~~البلاد يتعدد الأزواج كما تتعدد الزوجات في بلاد أخرى، وقد يباح ~~الزنا في بلاد، وكانت الإباحية قانونا في بعض المجتمعات؛ فليس هناك ~~قانون مطلق للزواج، وليتحل بما أثر عنه من شجاعة وجسارة. هكذا ~~مضى يحادث نفسه، ثم ذكر في طريقه والديه! ... وانقبض صدره على رغمه، ~~وفرق، وتفصد جبينه عرقا. تمثلت له والدته التي تؤمن بأنه لا ~~يخطئ أبدا، وتمثل له والده الريفي، بطيبته وتقواه وغيرته. إنه ms072 ~~يتزوج دون علمهما، ولا يدري متى يعلمان، ولكن هل يحتمل أن يعلما ~~بالحقيقة، لا فلسفته ولا أعصابه بمستطيعة أن تجعله يواجه مثل هذا ~~التحدي! ... إن ذكرى والديه شبح مخيف، فليطرده عن مخيلته. ما ~~أحوجه الآن إلى صفاء الذهن وحضور البديهة ورباطة الجأش! أليست عروسه ~~في انتظاره؟! ... يا لها من حقيقة بالخيال أشبه. ترى من عروسه؟ ... ما ~~صورتها؟ ما أسرتها؟ ما أخلاقها وأحوالها؟! قلبه يحدثه بأنها جميلة، ~~وإلا ما جذبت شخصا كقاسم بك، ولكن لا شك كذلك في أنها فقيرة كما يدل ~~اختياره زوجا لها، والفتاة الغنية لا يعوقها عن الزواج عائق، والشرف ~~قيد لا يغل إلا أعناق الفقراء. ترى ماذا تخبئ له هذه الحياة ~~الزوجية؟ كيف يكون شعوره نحو زوجه غدا؟ وكيف يكون شعورها نحوه؟ وما هي ~~حقيقة الرابطة التي ستربطهما معا؟! وكيف يستقبل البك إذا جاء لزيارته! ~~يا لها من حياة، ويا لها من تجربة. غدا تمتحن فلسفته وقوته. إنه ~~يسير نحو هدفه لا يلوي على شيء، ولا يستطيع عقله الآن أن يجد حلا ~~لجميع المشكلات التي ينطوي عليها الغد، ولكنه إذا واجهها فسيعرف كيف ~~يقهرها، وينتصر عليها كما انتصر على كل عقبة في ماضيه، وداخله شعور ~~بالثقة والزهو والخيلاء، فسار بقدمين ثابتتين، وانتهى إلى بيت ~~الإخشيدي، وفتح له الرجل بنفسه، ثم مضى به إلى حجرة نومه وسأله: أأنت ~~مستعد؟ # فقال محجوب وهو يبتسم ليستبقي ثقته بنفسه: كما ترى يا بك. # ونظر إلى الإخشيدي فلم ير ما اضطره قديما إلى إجلاله، وشعر في ~~أعماقه برغبة في تحديه والاستهانة به. قال الرجل: سيأتي المأذون ~~عما قليل ... # فابتسم محجوب وقال بغرابة: المأذون! # فقال الإخشيدي مبتسما أيضا: ستدخل دنيا يا عم، والآن دعني أقدمك ~~إلى العروس ووالديها. # وتبع الإخشيدي خافق الفؤاد، تلوح في عينيه نظرة تطلع وما ~~يشبه الخجل والتردد، وكان لا يكف عن دعاء جراءته وقحته، ويرسل ~~ناظريه لرؤية حياته ومستقبله ... وسبقه الإخشيدي إلى الدخول وهو يقول: ~~هاكم عضو جديد في أسرتكم المحترمة ... # ودخل وراءه، فوقعت عيناه على وجه غريب، رأى ms073 إحسان شحاتة، إحسان ~~شحاتة تركي دون غيرها، والتفت عيناهما ... # 25 # كانت إحسان شحاتة دون غيرها، ولكن غير الفتاة الطاهرة التي أحبها ~~علي طه فتعاهدا على الحب والزواج. حدث تاريخ جديد، بدأ بنظرة عين ثم ~~أعقبتها أمور. حدث ذلك وهي عائدة عصرا من المدرسة، عند رأس شارع رشاد ~~باشا فيما يلي شارع الجيزة، أمام القصر المعروف بالفيلا الخضراء. ~~ولكم مرت بهذه الفيلا ذهابا وإيابا منذ أعوام، ولكن في ذلك ~~اليوم وقعت عليها عينان جميلتان خبيرتان، مغرمتان بكل حسن صبيح، ~~وشعرت الفتاة بالنظرة الثاقبة فلم يخل وقعها من أثر. رأت رجلا جليل ~~الشأن، إن لم يكن باشا فهو بك، أنيق المنظر، جميل المحيا، ذا شارب ~~صغير فاتن، يكتنفه جلال وجمال على دقة جسمه وميله إلى القصر نوعا. ~~ولعل ذلك وحده ما جعلها تلتفت إلى الوراء بعد أن ابتعدت أذرعا، ~~فوجدته مصوبا نحوها عينين أحست - في حياء - نفاذهما وحرارتهما! ~~كانت الفيلا ملكا لمدير شركة إيطالي، باعها إلى هذا البك منذ ~~أشهر، وقيل يومئذ إنه موظف خطير، ونوه البعض باسمه، ولكنها نسيت ~~ذلك جميعه. وما بلغت دارها الباهتة حتى كادت تنسى البك ونظرته. في عصر ~~اليوم الثاني - وعند عودتها من المدرسة أيضا - رأته بموقف الأمس. ~~التهمتها العينان الجميلتان وهي مقبلة نحوه، وتبعاها بعد أن ~~جازته، وتساءلت: ترى هل وجد ذلك الوقت مصادفة كالأمس أم إنه انتظر ~~اليوم على عمد؟! وسارت دون أن تلتفت وراءها، وإن ظل ذهنها ~~متفكرا. وعند منتصف الطريق شعرت بدنو سيارة من الطوار الذي تمشي ~~عليه، فعطفت رأسها إلى يسارها فرأت سيارة تكاد توازيها؛ سيارة رائعة ~~كأنها فيلا متحركة، ولمحت وراء نافذتها عيني البك ترسلان إليها ~~بنظرة غريبة، فيها ابتسام مستتر، وإعجاب ظاهر، وفجر فاضح، ~~وبطؤت حركة السيارة حتى سارت تسايرها، فتولاها الحياء والارتباك، ~~وحثت خطاها، وابتعدت داخل الطوار. ولما اقتربت من دار الطلبة اندفعت ~~السيارة مسرعة، ودارت إلى طريق الجامعة، واختفت عن الأنظار. قطع ~~الشك؛ فهذا غزل. وخالط فؤادها شعور بالسرور والخيلاء، وغلبتها ~~خفة ودلال ورثتهما عن أمها، فترنمت بصوت ms074 خفيض بأغنية: ~~«التاكسي على الباب مستنيني.» ثم قالت لنفسها: «ليس تاكسيا، ولكنها ~~سيارة ولا سيارات عابدين!» بيد أنه كان شعورا بريئا أحدثه زهو ~~الصبا ، أما الرجل العظيم الجميل فلم يمسك، بل تمادى في غزله يوما ~~بعد يوم، فلم تر بدا من الاستياء والتجهم له، وقالت له عيناها: ~~«هذا سلوك لا يليق.» ولكنه لم يأبه لإنذارها. ويوما رأت إلى جانبه في ~~السيارة شخصا جديدا مثلث الوجه مستدير العينين، ثم استمرت ~~المطاردة وعنفت، حتى باتت الفتاة في حيرة. كانت تحب علي طه، فرأت ~~أن من المنطق أن تنتهي هذه المطاردة الملحة، ومن ناحية أخرى لم ~~يترك البك الجميل في نفسها أثرا سيئا، وعلى العكس من ذلك أبهج نفسها ~~ولوعه ونظرة عينيه الجذابتين. وقالت لنفسها متألمة: إنه على ~~كهولته أجمل من علي وأروع منظرا، ولولا أن قلبي قال كلمته لما دريت ~~كيف أصده عن صاحب السيارة العظيم! وجعلت تتساءل مغيظة: هل ارعوى؟ ~~متى يغيب عن ناظري؟ متى يبعد عن سبيلي؟! ولكن هل كانت صادقة في ~~تساؤلها؟ أو لأي درجة كانت صادقة؟ فلم تجد لذلك جوابا صريحا. باتت في ~~حيرة من أمر نفسها، وراحت تقول لنفسها كالمعتذرة ... إن كانت تسر ~~لمطاردته ... فما ذلك إلا إرضاء لغرورها الأنثوي وتأثرا بمقامه ~~الكبير. وما تدري يوما إلا وأبوها يقول لها بلهجة ذات معنى - وكانت ~~راجعة من المدرسة - «ألم تثوبي إلى رشدك بعد؟!» واضطرب فؤادها، ~~وتوردت وجنتاها. هل يعلم الرجل بما يحدث في شارع رشاد باشا؟! ~~رباه، أدائما هو بالمرصاد لها؟! ونظرت إليه نظرة المتسائلة ~~المتجاهلة، فقال وكانت أمها لحقت به: «رجل لا يقل مقاما عن وزير، ~~وأعظم جاها وثروة، ألا ترين سيارته؟ ألا ترين قصره؟ فماذا تريدين؟!» ~~فسألته الفتاة بحدة: «ماذا يريد هو؟» فقال المعلم شحاتة تركي بصوت ~~غليظ أخافها على غير عادته: «يريد بك خيرا، ويريد بنا خيرا. يريد ~~الله أن يرفعك إلى طبقة السادة، وأن يزقق إخوتك الجياع ... كلمني ~~مدير مكتبه الذي أعرفه منذ عهد تلمذته، سيتزوج منك. نعم. لم لا؟ ~~أنت جميلة، وأنا رجل ms075 من صلب كريم. لعن الله الزمن، فحتام تلوي ~~بوزك؟ افتحي عينيك. أبوك يستغيث بك، وأمك تستغيث بك، وإخوتك ~~يستصرخونك!» واستفاض الحديث، واشتركت فيه أمها . في تلك الليلة لم ~~يغمض لها جفن حتى مطلع الفجر. قضت الليلة تتقلب على جنبيها ~~وتفكر، وعند عصر اليوم الثاني في الموعد المعهود، اقتربت السيارة منها ~~وفتح الباب. وترددت قليلا، ثم صعدت إليها ... # كيف وقع هذا؟! ألم تكن تحب علي طه؟ بلى كانت، ولكنه ليس الحب ~~الذي يعمي ويصم. ليس الحب الذي يصمد للتجارب الشديدة والمغريات ~~العنيفة. كانت تحب الجاه كذلك وتكره الفقر، كانت تئن تحت حمل ~~أسرتها الثقيل. كانت الفيلا منظرا بديعا، والسيارة كنزا نفيسا، ~~والبك إلها من آلهة الذهب والسلطان. لقد قاومت أول مرة الشاب ~~الحقوقي؛ لأنها كانت أول مرة، ثم راح والداها لا يسكتان عن الإلحاح، ~~وقد جعلاها منذ التجربة الأولى في حل من كل استهتار، بل جعلا عصمتها ~~بيدها، ولولا علي لهوت وانتهت من زمن بعيد، بيد أنها لم ترد فيما ~~بينها وبين نفسها أن تعترف بضعفها. تجاذبتها في ليلتها المسهدة ~~عهود كثيرة وعواطف متباينة، ترددت بين البك وعلي طه، بين زوج اليوم ~~وزوج الغد البعيد، بين الراحة والتعب، بين حياة الدعة والاطمئنان ~~وحياة الكد والكفاح، بين عيش رغيد لها ولأسرتها وحياة جلها مغالبة ~~لفقر لا يغلب وضنك لا يزول، ثم اختارت دامعة العينين، خافقة ~~الفؤاد، وأوهمت نفسها أنها تضحي بسعادتها في سبيل الآخرين، وأن الليل ~~استقبلها فتاة معذبة، وطلع عليها شهيدة من الشهداء. قالت لنفسها: ~~«إني أحب علي، ولكني أحب إخوتي كذلك، ولا يجوز أن يذهب إخوتي ~~ضحية لأنانيتي؛ لذلك - لا لشيء آخر - ينبغي أن أذعن لأبي. أنا ~~لا أحب البك، ولا أحب الجاه، والله يعلم بذلك!» وهكذا صعدت إلى ~~السيارة التي ظلت تطاردها بعناد وإصرار. كانت السيارة سحرا، وكان ~~صاحبها ساحرا كذلك. كان علي طه عاشقا وناقدا في آن واحد، يحب ~~ولكنه ينقد ويعلم ويرشد أيضا، أما البك فرجل فاتن، منظره جميل، ~~وكلامه لذيذ، ودعاباته جنون وفتون. كانت عيناه بأعين ms076 المنومين ~~أشبه، وكان إذا نظر في عينيها الجميلتين وعاطاها الحديث شعرت ~~بتخدير عام واستسلام حالم. وجزى الله صبر المعلم شحاتة تركي خيرا، ~~فجاءته يوما سيارة شيكوريل، وأفرغت حمولتها من الثياب الفاخرة! ~~وحركت أم إحسان رأسها على طريقة العوالم وغنت: «حود من هنا ~~وتعال عندنا.» ولاح السرور في عيني إحسان وهي تقلبهما في ألوان ~~الحرير لتختار ما يروقها. وهكذا بدأ تاريخ جديد، ثم كانت نزهة الهرم ~~بعد ذلك بأسابيع. انطلقت السيارة بالبك الجليل، إلى يمينه فلقة قمر ~~تبعث الجنون. والحق أن إحسان بعد أن تريشت وأخذت زينتها، وصار ~~شيكوريل ومدام جريكور الخياطة في خدمتها، أصبحت، على حد قول البك، ~~جنونا رسميا. في ذلك اليوم بيت أمر؛ تعطلت السيارة في الطريق ~~فتركها الراكبان، وقال البك إن له فيلا على مقربة من المكان، واقترح ~~أن يستريحا فيها حتى يتم إصلاح السيارة، ومضيا إلى فيلا جميلة ~~تحيط بها حديقة غناء، ثم قال البك إنها وقد شرفت بيته الخلوي ~~فينبغى أن يحتفل بزيارتها الميمونة، وأمر خادما فهيأت لها مائدة من ~~التفاح والشمبانيا، وقشر لها تفاحة، وقدم لها كأسا من الشمبانيا ~~وهو يقول لها إنها شراب غير مسكر، ولذيذ. كان الوقت أصيلا، والحياة ~~في أطيب أحوالها. كانت النافذة تشرف على خضرة يانعة يتيه فيها ~~البصر، والسماء موردة الوجنات بحمرة الشفق، والحدأة تولي ~~مودعة ضاربة بجناحيها، ووسائد الكرسي الكبير تتلقاها وكأنها ~~تضمها بحنو، وقدماها منغرستين في سجادة وثيرة. وبعثت الشمبانيا ~~الدفء في العقل، والعقل إذا أحس دفئا تهيأت له قوة سحرية يحول ~~بها عالم المحسوس إلى عالم أطياف روحية، خال من الخوف والهم والأحزان. ~~وتصاعد همس محبوب أشهى من نفثات الأماني، ونقرت على معصمها أصابع ~~مسحورة، تدغدغ حواسها وتحمل دمها رسائل الاستفزاز، ونفذت أنفاس ~~حارة مترددة كشكات الإبر من جيب فستانها إلى ثغرة صدرها وما بين ~~ثدييها، وجعلت تدافع بساعدين مخذولتين، حتى يئست، فضمت ~~بهما. ~~••• # ونطقت عيناها بالفزع والارتباك والحياء، فقال لها البك بلهجة ~~مطمئنة: لا تحسبي أني غدرت بك، إن مستقبلك أمانة بين يدي، والله ~~على ms077 ما أقول شهيد ... # 26 # التقت عيناهما - محجوب وإحسان - في صمت وذهول، وذكر كلاهما صاحبه ~~فتولته الدهشة والانزعاج واضطراب أيما اضطراب. ذكرها محجوب فكاد ~~يفقد رشاده ، وذكرته إحسان فتولاها الذهول، وذكرت علي طه، ودار ~~الطلبة، والماضي الذي تود أن تفر منه فرارا. ونظر محجوب فيما ~~حوله فرأى عم شحاتة تركي في معطف جديد، وسيدة بدينة أدرك أنها ~~زوجه، وفطن الإخشيدي إلى ارتباك الجماعة، فقال مبتسما: لعلكم لا ~~تحتاجون إلى تعارف ... # فقال عم شحاتة: محجوب أفندي جارنا منذ أربع سنوات ... # ولم يكن الإخشيدي يجهل هذا - وهو ما جعله يحرص على ألا يعرف أحد ~~الطرفين بالآخر قبل مفاجأة اللقاء - قال: مصادفة جميلة، والناس ~~تقول: «اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش.» سلم واجلس يا أستاذ ~~محجوب. # وأفاق الشاب من ذهوله، فاقترب من آله الجدد وسلم عليهم واحدا ~~واحدا، ومدت له إحسان يدها خافضة العينين، بوجه كالجمان. كانت ~~تريد أن تسدل على الماضي ستارا كثيفا، وأن تفر منه إلى الأبد، ~~فرمى بها الحظ بين يدي واحد من صميم ذاك الماضي، وكأنه - الحظ - لم ~~يشبع بها تنكيلا! وأراد الإخشيدي أن يعالج توتر الجو بالحديث، ولكن ~~محجوب لم يلق إليه بالا. وكيف له بأن يغفل ثانية عن العجيبة ~~الماثلة أمامه؟! هذه إحسان شحاتة بلحمها ودمها! أهذا سر مأساة علي طه؟! ~~يا عجبا، كيف غوت؟! كيف استولى البك عليها؟! كانت ثقة علي بها ~~عمياء! ... أهكذا تقع إحسان؟ ... أما هو فلا يعرف الثقة العمياء أبدا، ~~ومع ذلك فلم يذهب به سوء الظن يوما إلى التنبؤ بما وقع! ... انتهت إحسان ~~التي أحبها علي طه، وانتهى ذاك الحب القديم، وها هي إحسان أخرى جديدة ~~تمد إليه يدا ليرتبطا بميثاق الزواج ... إحسان التي طالما تمناها ~~معذبا محسورا! أفليست الحقيقة أغرب من الخيال؟ وتنبه إلى صوت ~~الإخشيدي يقول له معاتبا: أما تستفيق؟ # فنظر إليه بعينين ذاهلتين وتمتم قائلا: إني أعجب لهذه ~~المصادفة. # فسأله الإخشيدي مبتسما: كيف ترى هذه المصادفة؟ # فقال محجوب بلا تردد: مصادفة سعيدة بلا جدال! # وجعل الإخشيدي يتكلم عن المصادفة ms078 متفلسفا، وقالت أم إحسان كلمة ~~أو كلمتين، وظن عم شحاتة أنه أحاط بالموضوع حين قال: إن المصادفة من ~~صنع الله وبأمره سبحانه، ولكن بالرغم من هذا كله ظل العروسان ~~غارقين في أفكارهما، وغلب الوجوم والارتباك على جو الجلسة، ثم رن ~~الجرس، فنهض الإخشيدي ظافرا بالخلاص من التوتر الشائع حوله، ومضى ~~إلى الخارج وهو يقول: لعله المأذون يا سادة ... # وخفقت القلوب جميعا، ثم دخل الحجرة شيخ يتبعه الإخشيدي، وسلم ~~على الحاضرين، ثم دعا الله أن يجعل محضره مباركا، وجلس الشيخ إلى ~~نضد، شمر عن ساعديه، وأخذ في عمله البسيط الخطير، وجرت يده ~~المغطاة بالشعر الغزير على القرطاس، وتابعه عم شحاتة والإخشيدي، ~~أما محجوب فقطب قليلا وأحد بصره ليركز انتباهه ويطرد أفكاره، ~~وخفضت إحسان عينيها الساجيتين وقد امتقع لونها. وجاءت الدقيقة ~~الفاصلة، فالتفت المأذون إلى محجوب عبد الدائم وقال له: «كرر ما ~~أقوله: الآن قبلت زواج الست إحسان كريمة السيد شحاتة تركي، البكر ~~البالغ الرشيد ... إلخ.» وكرر محجوب قوله بنبرات هادئة، وصوت واضح، ~~لم يعتوره اضطراب، حتى نطقه كلمة «البكر»، بيد أنها وقعت من مسمعه ~~موقعا غريبا أثار سخريته الكامنة، وحقده الراسخ. وذكر إجابة ~~الإخشيدي حين سأله عن العروس: عذراء؟! فأجاب الفاجر باستهانة: كانت؟! ... ~~أجل كانت، فلماذا لا يكتب المأذون: التي كانت البكر؟! تزوير في أوراق ~~رسمية! ... زواجه تزوير، حياته تزوير، الدنيا كلها تزوير ... # ومضى المأذون يلقي الخطبة: الحمد لله الذي أحل النكاح وحرم ~~السفاح. واستمر في محفوظاته، واستمر محجوب في تأملاته. وقال ~~لنفسه: ولكن البك حرم النكاح وأحل السفاح! وجاراه هو على ~~اعتقاده، فوقع على عقد نكاح في الواقع هو عقد سفاح! وصارا زوجين ~~أمام الله والناس! ... واسترق الشاب إلى عروسه نظرة فرأى عينيها ~~محمرتين تنذران بالدموع، فقال لنفسه ساخرا: أول الغيث قطر. ~~وتبودلت التهاني، ودارت أكواب الشربات. كان زواجا غريبا، شعر ~~كل من شارك فيه بأنه يؤدي واجبا ثقيلا يود الفراغ منه في أقصر ~~وقت. ارتاح الوالدان دون أن يستخفهما فرح أو سرور، وغرق العروسان في ~~وجوم وتفكر، وغلبهما شعور ms079 بالقلق والخجل. قد عجبت إحسان في أول ~~الأمر، حين علمت أنه يراد تزويجها، وتساءلت حيرى: أين الذي يرضى ~~بعروس مثلها؟ ثم ذكرت والدها المحترم، فلم تستبعد شيئا؟ والدها ~~الذي تعامى عن سقوطها، والذي وصاها بعشيقها ولم يوصها بزوجها، ~~فلماذا لا يوجد أناس على شاكلته؟ وقد وجد بالفعل واحد، وها هو يجلس ~~إلى جانبها كزوجها، وإنها لتذكره، وتذكر كيف صدت هواه حين كانت ~~تملك الصد عن هواه. وخالطها شعور نحوه بالاحتقار، ولكنها لم تتماد ~~فيه، وقالت لنفسها ممتعضة: ألست مثله أو أضل سبيلا؟! كلانا باع ~~نفسه للجاه والمال. # أجل، صارا زوجين ... # 27 # وقعت التجربة إذن، وتلقتها فلسفته بساعدين شديدتين، إلا أن نفسه ~~لم تخل من قلق، بيد أن هذا القلق لم يقعده عن العمل، بل على العكس ~~جعله أشد رغبة فيه، فلم ينس غرضه لحظة واحدة، ولم يضع ثانية بلا ~~نشاط، وكأنما وجد في العمل ملهاة عن وساوسه. راح يعد مسوغات ~~تعيينه، وكانت أعجبها شأنا شهادة بأنه «حسن السير والسلوك»، ووقع ~~عليها الإخشيدي وزميل له؛ مما جعل محجوب يقول ساخرا: «من يشهد ~~للعروس؟» # وتسلم عشرين جنيها ليستعين بها على إصلاح شأنه، فأخذ الأوراق ~~ذاهلا؛ لأنه لم يكن رأى شيئا كهذا من قبل، وجعل يعبث بها باهتمام، ~~ويتفرس فيها بغرابة وإنكار. هذا ثمن القرنين اللذين يحلي بهما ~~رأسه، كل قرن بعشرة جنيهات! ورأى على إحدى الورقات صورة الفلاح، ~~فجرت على فمه ابتسامة خفيفة، وذكر أباه طريح الفراش، المهدد ~~بالجوع، وتساءل: لماذا لم يصوروا أحد الباشوات ... أو العلم التركي؟! ~~وقال لنفسه ساخرا: إن هذه الصورة شبيهة بإمضائه على عقد الزواج. ومضى ~~بجيبه المنتفخ إلى الخياط، وابتاع قماشا لبدلتين، فأدرك الرجل أن ~~الطالب صار موظفا، ولم يكن فصل له سوى بدلة واحدة في مدى أربع ~~سنوات الدراسة، ثم ذهب إلى الموسكي، واشترى بيجامتين، وقمصانا، ~~وفانلات وجوارب، وحذاء وطربوشا، كما ينبغي لعروس! وحزم ثيابه الجديدة ~~في حقيبة كبيرة وقد تورد وجهه سرورا وحياة، وألقى على حجرته ~~الصغيرة نظرة شامتة، وذكر ليالي فبراير البشعة، ودكان الفول ms080 بميدان ~~الجيزة. تبا لهاتيك الأيام السود! لن تعود أبدا مهما كان الثمن! ~~... ينبغي أن يتورد هذا الإهاب الشاحب، وأن يمتلئ ما بين هذا الجلد ~~وهذا العظم ، وأن يصفو هذا الذكاء الجبار، وأن يهلك شبح الجوع ~~المقيت. إن النعامة لكي تعيش جعلت رقبتها كالثعبان طولا، والأسد لكي ~~يعيش جعل قبضته كالقنبلة فتكا، والحرباء لكي تعيش اصطنعت كل لون، وهذا ~~ما فعله هو على اختلاف الوسائل! أجل، وليكن طموحه لا نهائيا، وطمعه ~~لا حد له؛ فقد غرم ثمنا باهظا، ويجب أن يكون الجزاء كالعمل. ~~وتفكر مليا، ثم وصى نفسه قائلا: الحذر! ليفعل ما يشاء، ولكن لا ~~يجوز أن يقول إلا ما يشاء الناس. وقد فطن إلى هذه الحقيقة منذ البدء؛ ~~فإذا امتدح الفضيلة بكلمة أو كلمتين لم يعدم من يسبغ عليه لقب ~~الفاضل، أما إذا صارحها العداء فسينقلب عليه الناس جميعا، وعلى رأسهم ~~الملوثون. وليكن له أسوة في الإخشيدي الذي يرى في كل حفلة خيرية! ... ~~بل لماذا لا يفكر جديا في الاشتراك في بعض الجمعيات الخيرية؟! ثم ~~ذكر زواجه! وعاد يتساءل: كيف هان علي طه على إحسان؟ كيف زلت قدمها؟! ~~وما عسى أن يفعل علي إذا علم غدا أن إحسان صارت زوجه؟ سيسقط في ~~يده، ويتشتت ذهنه حيرة، ولا يصدق أنه - محجوب - كان سبب شقائه؛ ~~فإذا لم يجد بدا من التسليم بهذه الحقيقة الغريبة اتهمه حاقدا ~~ثائرا بكل خسة ودناءة وغدر ذميم. ليكن، فليتهمه كيف شاء، وليحقد ~~عليه ما وسعه الحقد. بيد أنه ذكر دينه الذي لم يقضه؛ الخمسين ~~قرشا، فصدق عزمه على ردها إليه في يومه، وكره أن يواجهه بنفسه ~~لشعوره بذنبه، فأرسلها بالبريد، وارتاح لذلك أيما ارتياح، وشعر بأنه ~~قطع آخر خيط يربطه بعلي طه، وأنه لا يجوز له بعد الآن أن يعبأ بما ~~يتوهمه الآخر أو بما يحسه أو بما قد يفعله. ودعا البواب وكلفه ~~بيع أثاث حجرته، ووعده بالتنازل عن ثلث ثمنه نظير أن يحتفظ له بما قد ~~يصله من خطابات باسمه. وكان يفكر وقت ذاك في والديه، ms081 ولعلها كانت ~~أول مرة يذكرهما بلا سخط أو تذمر أو غضب، وقد بات في نيته أن ~~يرسل لوالده جنيهين كل شهر، بل يزيدهما إلى ثلاثة إن أمكن. # أما غدا، فصباحا يذهب إلى الوزارة، ومساء يأخذ عروسه إلى عشها ~~الجديد. # 28 # واستيقظ مبكرا، ومضى إلى الوزارة، وانتظر الإخشيدي في حجرته، وجاء ~~المدير عند تمام التاسعة، فتصافحا بمودة ظاهرة، وشربا القهوة ~~معا. وقال له الإخشيدي وهو يهيئ مكتبه: لا شيء يصدق! أتعلم أن ~~أكثرية طلبات الإعفاء من المصروفات مقدمة من ذوي اليسار؟ # ولم يكن محجوب - في ذلك الوقت على الأقل - ليهتم بأمثال هذه ~~الأمور، ولكنه لم ير بدا من التظاهر بالدهشة، وقال: شيء لا يصدق ~~حقا! ... وكيف يسوغون التماساتهم؟ # وقال الإخشيدي: لا حاجة ماسة إلى التسويغ، حسب أحدهم أن يقهقه ~~ضاحكا، وأن يقول لقاسم بك: «ألا يكفينا هبوط أسعار القطن؟» ثم مزاح ~~فمداعبة فموافقة! # ثم جعل كعادته يتهكم من أحوال البلد وتصرفات كبار الموظفين ~~وصغارهم، فلم يسلم من لسانه سوى قاسم بك، ولعل ذلك إلى حين ... والتفت ~~إلى محجوب قائلا: لا تنس أن عملك يحتاج إلى لباقة وحسن تصريف للأمور. ~~(ثم غلبه طبعه في التهوين من شأن الغير وأعمالهم فقال) ... هو سهل في ~~ذاته، بل هو لعب، لا يحتاج بطبيعة الحال إلى فلسفة أو علم، ولكن إلى ~~لباقة ... # فقال محجوب باهتمام: أرجو أن أنتفع بإرشادك ... ~~- يسرني أن أجد مساعدا مخلصا لي؛ ولذلك احتفظت لك بهذه ~~الوظيفة على كثرة المتقاتلين عليها؛ ولذلك أيضا ينبغي أن نكون يدا ~~واحدة لأن أعداءنا كثيرون. لا يغرنك ما تلقى من بشاشة؛ فالعادة أن ~~الموظفين يقبلون على صاحب السلطان ما أقبلت الدنيا عليه، فإذا أفل ~~نجمه فأكرمهم من يدبر عنه دون أن ينشب فيه أظفاره؛ فلنكن يدا ~~واحدة. # وتحدث الإخشيدي طويلا على غير عادته، وفكر محجوب طويلا فيما ~~يدعو إليه الآخر من أن يكونا يدا واحدة، فقال مخاطبا صاحبه في سره: ~~وقعت في شر منك، وساقك الحظ إلى مساعد من طينتك، يفهم الخلاص كما ~~تفهمه، ولكل شيء آفة ms082 من جنسه، وليست منزلتي عند البك دون منزلتك؛ ~~فإذا كنت مهرجه أو قواده فأنا زوج عشيقته. # وجاء الساعي الضخم، وأعلن حضور قاسم بك، فنهض الإخشيدي واصطحب محجوب ~~إلى حجرته، وصافحهما البك بسرور، وهنأ الشاب على تسلمه العمل، ~~وقال له برقة: أرجو لك التوفيق، والمستقبل الباهر ... # ومضى الإخشيدي يعرض عليه بعض الأوراق، أما محجوب فوقف انتباهه عند ~~«المستقبل الباهر». يقولون: «يا بخت من كان النقيب خاله.» والنقيب أقرب ~~إليه من خاله! واختلس من البك نظرات ليملأ عينيه من الرجل الذي صاد ~~إحسان، وأفقدها رشدها. نظر إليه بغرابة كأنما ينقب عن سره السحري، ~~أيوجد في محاسنه؟ أم جاهه؟ أم في مكان اكتشفته إحسان لحسن حظها أم ~~لسوء حظها؟! أعجب بهؤلاء الرجال ذوي السلطان، إنهم يأتون الكبائر ~~باستهانة، ويتجاهلون ما يسميه السذج ورطة أو مشكلة، ويخلقون الحل ~~اليسير للأمر في غمضة عين، وكان هو الحل اليسير! ... كيف غوت إحسان؟ ~~سيظل متحيرا حتى يعرف الحقيقة. ليس علي طه دون البك جمالا، وهو ~~يفوقه بشبابه، فكيف غوت؟ ... ولو كانت تزوجته لقال آثرته لماله، ~~ولكنها ... رباه ... تبا لهؤلاء الرجال الأقوياء، إنهم لا يعرفون ~~المستحيل. أم تكون إحسان خدعة كبرى جازت على المصلح الاجتماعي ~~الأحمق، وما هي إلا ... لا بد أن يعرف الحقيقة. # وغادرا حجرة البك، وسار به الإخشيدي إلى حجرة «السكرتير الخاص»، وقد ~~قام ببابها ساع طاعن في السن، وكانت حجرة مستطيلة اصطفت على ~~جانبيها المقاعد الجلدية، وتصدرها مكتب كبير. قال الإخشيدي: ~~أستودعك الله، سأبلغ المستخدمين أنك تسلمت عملك اليوم. # وكان الإخشيدي يقول لنفسه: أما كان الأحكم أن يلحق الشاب بوظيفة ~~بعيدة عن المكتب؟ فليس مما يرتاح إليه أن يوجد في نفس المكتب شخص له ~~هذه العلاقة الوثيقة بالبك! ولكن ماذا كان بيده أن يفعل؟ كانت الحالة ~~حرجة، والبك مضطربا خائفا، والوظيفة خالية، ولو لم يعثر على محجوب ~~لربما كان هو الزوج! ولعل الأيام تثبت أن الشاب أهل لصنيعه! # وترك محجوب وحده في الحجرة، استخفه سرور عجيب كاد يرقص له، وجلس ~~على الكرسي المتحرك ضاحك الثغر، ms083 ووضع يده على سماعة التليفون، ولم ~~يكن استعمل التليفون قط! وجعل يحرك الكرسي ذات اليمين وذات الشمال. ~~موظف خطير بغير شك، وغدا يمتلئ بطنه باللحوم والفواكه. تبا ~~للفلاسفة الذين يقولون: إن السعادة في البساطة. أليست أمراض البطنة ~~بخير من عذاب الجوع؟ # واليوم والغد، أما الماضي فسحقا له ... ~~••• # ولبث ساعة وحيدا حتى ضاق بوحدته، ورغب أن يفعل شيئا أيا كان، ~~فضغط على زر الجرس، وفتح الباب، وجاء الساعي العجوز وقال بأدب: «أفندم ~~يا سعادة البك.» وتورد وجهه! ووقعت الرتبة الجديدة من أذنيه ~~موقعا موسيقيا مطربا، وإن تظاهر بعدم المبالاة، ثم قال ~~باقتضاب: «قهوة.» وما كاد الباب يغلق مرة أخرى حتى رن جرس ~~التليفون، فرنت أوتار قلبه، ورفع السماعة بقلق ووضعها على أذنه، ثم ~~قال بصوت هياب: أفندم. ~~- سكرتير قاسم بك فهمي؟ ~~- نعم يا فندم. ~~- البك موجود؟ ~~- نعم يا فندم. ~~- دعني أكلمه ... قل له محمد رشاد. # وظن أنه ينبغي أن يذهب إلى حجرة البك ليخبره، فأعاد السماعة إلى ~~موضعها الأول، فأقفل السكة وهو لا يدري، ومضى إلى حجرة البك وقال ~~باحترام: محمد رشاد ... بك، يريد أن يكلم سعادتك. ~~- خله يدخل ... ~~- إنه يتكلم في التليفون. # فسأله البك بدهشة: ولماذا لم تحول السكة إلي ...؟ # فلم يحر جوابا، ولاح في وجهه الارتباك على غير عادته، فضحك البك ~~وقال: حول السكة علي، استعمل الموصل في مثل هذه ~~الأحوال. # وغادر الحجرة مرتبكا، وقد أدرك أنه أخطأ. كيف تحول السكة؟ وأي ~~شيء هذا الموصل؟ وعاد إلى مكتبه، ورفع السماعة إلى أذنه، فسمع نقيقا ~~متصلا فقال: يا سعادة البك ... # فلم يجبه أحد مع معاودة الدعاء، ولم يسمع إلا النقيق المستمر، ~~فاشتد ارتباكه، وخاف أن يكون قد ارتكب خطأ جديدا، ولبث ممتعضا. ~~ما كان يعلم أن للتليفون ثقافة خاصة ينبغي أن يعلمها، ودعا الساعي ~~على مضض ليلقنه سر التليفون، ودون بعض الملاحظات على ورقة كي لا ~~ينسى ما يجب ذكره في المستقبل، ثم دبت الحياة في الحجرة، فتوارد ~~عليها أناس مختلفون من طبقات متباينة يستأذنون في مقابلة قاسم بك ~~فهمي، ms084 فاستقبلهم دون ارتباك، وعاونته جسارته الطبيعية على تمالك ~~أعصابه، والظهور بمظهر الرزانة والثبات، واستقبل أحد الباشوات ~~المعروفين الذين لم يكن يراهم إلا من بعيد، فسلم عليه، واستأذن له، ~~ودعاه إلى مقابلة البك. وعلى رغم تظاهره بالهدوء كان يكتم بعنف ~~انفعال السرور والفرح. ومضى نهار العمل في حركة دائبة ونشاط متصل ~~وسرور لا مزيد عليه؛ وبهذا النشاط غير المنقطع نسي أفكاره ووساوسه، ~~فارتاح باطنه وهو لا يدري، وغادر الوزارة معافى كأنما ينهض من نوم ~~عميق. # وكان غير الفتى الذي جاء الصبح ساعيا؛ فقد عرف بكوات وباشوات، ~~وثقف فن التليفون، ودعي «محجوب بك» عشرات المرات، فكان أعظم ثقة ~~وخيلاء، بل أوشكت أن تتغير مشيته ونظرة عينيه، وذكر - في نشوة المجد ~~المباغت - قريبه أحمد بك حمديس، فود لو يأتي يوما لمقابلة قاسم بك ~~ليجيء حجرته مستأذنا، فأي دهشة تتولاه؟! وكيف يتصافحان تصافح ~~الأنداد، ثم يقص ما رأى على أسرته فتسمع تحية، وتعلم أنها أغلقت باب ~~سيارتها دون فتى ذي نباهة ومجد! ... ولكم يود أن تراه تحية مع زوجه ~~الحسناء! فزوجه تفوقها حسنا وفتنة، وإنه ليود أن يتفرس في ~~وجهها وهي تنظر شزرا إلى زوجته وقد أدركت مدى حسنها الفتان! # صبرا صبرا، إن الحياة بدأت تبتسم ... # 29 # وفي ذلك اليوم نفسه ذهب محجوب عبد الدائم إلى الإخشيدي - كوعد سابق ~~- ومضى به الرجل إلى الشقة ليسلمها له، وحمل محجوب معه حقيبة ثيابه ~~وكتبه القلائل، وأعطاه الإخشيدي مفتاح الشقة وهو يقول: الشقة وما ~~تحتوي - لكما - إلا صوانا صغيرا في حجرة النوم. # أدرك محجوب أن الصوان خاص بقاسم بك فهمي، وتورد وجهه، وشعر محجوب ~~برغبة قوية في أن يركله بما أوتي من قوة! وقال الإخشيدي: يحسن أن ~~يجدد العقد باسمك. ~~- أهو الآن باسم قاسم بك؟ # فقال الإخشيدي ببرود: باسمي أنا ... # فأحس محجوب ارتياحا وسأله: وكم إيجار الشقة؟ ~~- عشرة جنيهات! # فابتسم محجوب قائلا: ما يعادل ماهيتي تقريبا ... ~~- سيؤديها البك، كما سيؤدي عنك أجر الطاهية ... وغير ذلك ... # ودارا معا في الشقة دورة استكشافية، وكانت على صغرها آية في جمال ms085 ~~البناء ونفاسة الأثاث، فتولته الدهشة، وأدرك أنه يرى كثيرا من قطع ~~الأثاث لأول مرة، ولم يدر لها أسماء. كانت الشقة مكونة من ثلاث ~~حجرات وصالة؛ فعلى يمين الداخل تقع حجرة الاستقبال، وهي تفتح على ~~دهليز يؤدي إلى صالة معدة للجلوس، وبها جهاز الراديو، وعلى ~~جانبها الأيمن بابان؛ أحدهما لحجرة النوم، والآخر لحجرة السفرة، ~~ولحجرتي النوم والسفرة شرفة طويلة واحدة تطل على شارع ناجي. وذكر ~~في موقفه بسرعة بيت القناطر، ودار الطلبة، وحجرة السطح بعمارة شارع ~~جركس. أدرك في موقفه ذاك أن الحقائق قد تفوق الأحلام سحرا وجمالا. ~~والواقع أن مادة الأحلام مستمدة في العادة من محسوسات الحالم ~~ومدركاته، وها هو ذا يرى أدوات ترف لأول مرة في حياته، لم تكن من ~~محسوساته ولا من مدركاته! الفرق بين هذا البيت وبيت القناطر هو الفرق ~~بين إحسان وجامعة الأعقاب، كلتاهما امرأة، أجل، ولكن شتان بين هذه ~~وتلك. ونسي في تلك اللحظة ما كان يقوله لنفسه دائما من أنه لا يوجد ~~ثمة فرق بين امرأة وامرأة، وأن إحسان وتحية وجامعة الأعقاب كلهن ~~سواء! ... # وقال له الإخشيدي وهو يودعه: غدا مساء تجد عروسك في ~~انتظارك! # وذهب الرجل والشاب يرمقه شزرا. # وعند أصيل اليوم الثاني انطلق إلى الجيزة، وذكر في الحال علي طه، ~~ترى في أي موقع يقيم؟ كان يعلم أنه في الجيزة، ولكنه جهل عنوانه، ~~فهل ما يزال الشاب مقيما على عهده واهتماماته بالفتاة؟ أيدعوه هواه ~~إلى ربوعها، وهل نما إليه خبر زواجها؟ أيمكن أن يلتقي به وهي ~~متأبطة ذراعه؟ ساوره قلق، وإن كان لا يبالي شيئا، بل ود في تلك ~~اللحظة لو يلقاه علي ويعلم كل شيء، ومضى إلى بيت عم شحاتة تركي، فوجد ~~الأسرة في انتظاره - ما عدا إحسان - فأيقن أن تعليمات الإخشيدي سبقته ~~إلى آله الكرام. وكان الجميع - عم شحاتة وزوجه والأبناء الستة الصغار ~~- يرفلون في الثياب الجديدة الناطقة بكرم قاسم بك وحدبه، وسلم ~~وسلموا بحرارة، فقبله عم شحاتة في جبينه، وقبل يد حماته، وداعب ~~الصغار، وقبل أصغرهم في خديه. وفي ms086 جلسته أنعم نظره في الوجوه ~~تتطلع إليه، فأقر لتوه بأن بيت عروسه حافل بالحسن؛ أبوها حسن ~~القسمات، وأمها حسناء، وإخوتها لآلئ منثورة. وقال لنفسه إن الجمال ~~سلاح نافع حقا في يد الفقير. واستفاض الحديث، وساهم فيه الشاب ~~كما ينبغي وإن ود لو يغادر البيت في أقرب وقت، وتكلم عم شحاتة عن ~~دار الطلبة، وعن الطالب محجوب عبد الدايم المهذب المجتهد، وكيف أنه ~~لم يكن من عملائه لأنه لا يدخن، وكيف أنه - عم شحاتة - يحترم الطلبة ~~الذين لا يدخنون وإن (وقد ضحك عند ذاك) لم ينتفع باستقامتهم، وقال ~~إنه لم يحيي حفلا لعرس ابنته؛ لأن الزوج الطيب هو الفرح الحقيقي، ~~وإنه لم يدع أحدا من أقربائه وآله - وهم ريفيون - حتى لا يجشمهم ~~مشقة السفر. وغلب على ظن محجوب أن الرجل يكذب كما يكذب المولعون ~~بالفخر الزائف، ولكنه ذكر والديه بامتعاض، وقال إنه طير نبأ زواجه ~~إلى والديه، ولولا أن أباه، وهو مزارع ذو شأن بالقناطر، وهو مريض، ~~لشهد يومه وباركه بنفسه. وتحدثت أم إحسان عن أبنائها، وعن إحسان ~~خاصة، وأدرك محجوب من حديث حماته، من لهجتها، وحركات رقبتها وحاجبيها ~~وعينيها، أنها امرأة ذات دلال وأنوثة ودعابة ومكر - وكان يجهل ~~تاريخها بشارع محمد علي - وقد سألته عن وظيفته، واقترحت عليه أن تقرأ ~~كفه، وتنبأت له بذرية صالحة ومركز حكومي ممتاز. وكان محجوب يتكلم ~~ويستمع، ويسترق النظر إلى باب الحجرة الموارب، وعيناه تتساءلان: ~~«حتام الانتظار؟» وأخيرا جاءت إحسان، جاءت في ثوب العرس الأبيض ~~الشفاف، وقد عقصت شعرها وجعلته على هيئة عمامة، فتجلى سواده ~~اللامع، وأكسب بشرتها صفاء، وجاء في صحبتها نسوة أربع - قيل إنهن ~~قريبات أمها - ولكنه لم يلق بالا إلى أحد. جذب حسنها عينيه فأطاح ~~باستهتاره المعهود، حتى تمشت شرارة الكهرباء في صدره، وقرض على ~~أسنانه، والتقت عيناهما وهما يسلمان، فامتلأ بالسحر الجاري في ~~لحظيهما، وشعر بأنه ثمل يترنح، وعاودته ذكريات عذابه القديم، ~~ومآسي شهوته المضطرمة، فلم يصدق - على استهانته وجسارته - أنها صارت ~~ملكا له، أو حتى ملكا له على المشاع كما ms087 يقولون، وذكر الشريك، ~~وكيف سبقه، فتألم، وعاود النظر إلى الجسد البض الذي يشف عنه ~~فستان العرس الأبيض وما يزداد إلا تألما. وكان عم شحاتة قد هيأ ~~للحاضرين عشاء فاخرا كلفه ثمنا غاليا، فدعاهم إلى المائدة، ~~ونهضوا تسبقهم ضجة الصبيان. وكانت أم إحسان على مرحها مستاءة في ~~أعماقها، وكانت تود من كل قلبها أن تحتفل بيوم إحسان السعيد، وأن ~~تجعل منه يوم سرور للحي جميعا، ولكن الإخشيدي صارحها بأن محجوب ~~أعجز من أن يحقق لها رغبتها، وكانت تعلم أن زوجها أعجز من زوج ~~كريمتها، فطوت نفسها على رغبتها الحانقة، وقد أكلوا مريئا، وعادوا ~~إلى جلستهم هانئين، ولم يكن يوجد ثمة داع إلى بقاء العروسين، فنهضا ~~يودعان الحاضرين. وجيء بتاكسي حملت إليه ثياب العروس في حقيبة ~~كبيرة، وأخذ محجوب إحسان من يدها وسار بها وسط نصف دائرة من ~~المودعين، وهبط السلم على مهل، وكأن أم إحسان قد نفد صبرها، ~~فأطلقت زغرودة رنت بين الحيطان رنينا نفاذا، خفق له فؤاد الفتى، ~~وارتج جفناه، وتلقت النسوة تلك الزغرودة كما يتلقى الجنود علامة ~~الهجوم، فأطلقن الزغاريد تتجاوب أصداؤها، ويشتد صفيرها المتقطع، ~~يهتز له صدور الحسان. واحتوى التاكسي العروسين، وقد نسيا في شدو ~~الزغاريد نفسيهما، فابتسما في بشاشة وحياء، وظلا ينظران إلى ~~الواقفات بالباب حتى جاوزت السيارة دار الطلبة إلى شارع رشاد ~~باشا. # 30 # وأراد أن يتكلم، ولكنه لم يدر ماذا يقول، وكان كلما طال صمته طال ~~حصره، فعدل عن رغبته وهو كظيم، وتفحصها بعناية، رآها تنظر إلى ~~الطريق من النافذة، مولية إياه مؤخر رأسها. ولم يشك في أن ~~أعينا كثيرة في الطريق ستنفس عليه هذا الحسن البديع الذي يستأثر به، ~~وسر لذلك أيما سرور. ليت آل حمديس يرونه في جلسته هذه، وخصوصا ~~تحية حمديس! ... وخطر له في تلك اللحظة - وقد اطمأن إلى أن تحية ~~تكتمت فضيحته - أن يمضي يوما إلى زيارة قريبه العظيم ليقدم له ~~عروسه كما جرت العادة، وداعب هذا الخاطر فؤاده حتى أسكره. وكانت لا ~~تزال عاطفة رأسها إلى الخارج، فألقى بنظره الجائع ms088 إلى جسمها اللدن، ~~فجرى على الجيد، فالمنكب، فالثدي الناهد، ثم الخاصرة الخميصة، ~~وأخيرا الفخد اللفاء. وتنهد من أعماق صدره، وقال لنفسه: ما أشد ~~جوعه، واضطرام دمه. ووقف التاكسي أمام عمارة شليخر، ونزل ونزلت ~~مستندة إلى يده، وسارا إلى المصعد، ودخلا الشقة يتبعهما البواب ~~بالحقيبة، ودلها على حجرة النوم، فتقدمت إليها وردت الباب! ووقف ~~مترددا، ثم تراجع إلى مقعد في الصالة وارتمى عليه، لم يرتح أول ~~وهلة لإغلاق الباب، وذكر باب السيارة في الهرم! ولكنه سرعان ما أقام ~~العذر بالارتباك الذي يحدثه الموقف، بيد أنه لم ينج من مرارة طبعه ~~الساخر، فقال لنفسه: يا له من حياء هو بالأبكار الساذجات أولى؟! ثم ~~قطب وتساءل: ترى ماذا تخبئ له حياته الجديدة؟ أسعادة أم شقاء؟! ~~إنه لا يطمع أن تنظر إليه كزوج بالمعنى المفهوم؛ لأنه هو نفسه لا ~~يستطيع أن ينظر إليها هذه النظرة، وحتم أن تراه - في قرارة نفسها - ~~قوادا، كما يراها - في قرارة نفسه - عاهرة. فهل يمكن أن يسعد قواد ~~وعاهرة معا؟ هذه هي مسألته دون زيادة ولا نقصان. إنه لا يروم من ~~حياته الزوجية معنى اجتماعيا، ولا ذرية صالحة، ولا احتراما ~~متبادلا، كل ما يريده رغبة متبادلة، ميل يعادل ميله، شهوة بشهوة، ~~وحسبه هذا من زواج هو وسيلة لا غاية. إنه يروم حبا بلا غيرة، يرد ~~ماءها الحين بعد الحين، دون قلق أو فكر أو هم، وتوكله أولا وأخيرا ~~على نفسه الجسور التي حطمت القيود ومزقت الأغلال. كان يفكر ونظره ~~عالق بالباب المغلق، أينتظر حتى يفتح؟ وإذا ظل مغلقا، فهل يلبث ~~مكانه حتى الصباح؟ ونهض قائما، ودنا من الباب ونقره بخفة، فلم ~~يجبه صوت ولا حركة، فأدار الأكرة ودفعه. وجد الظلام يوشك أن يبتلع ~~الحجرة إلا نورا خافتا آتيا من ناحية الشرفة، فأدرك أنها في ~~الشرفة، تستجم، فمضى إليها في خطى رقيقة، ورآها جالسة في ناحية ~~مسندة ذراعها إلى حافتها، ملقية بنظرها إلى الطريق. ولم تبد حركة ~~لدخوله، فوقف ينعم فيها النظر على ضوء مصباح الشرفة، ثم قال: ~~فعلت خيرا ms089 بدخولك الشرفة؛ فهذه الليلة من ليالي يوليو الحارة! ~~فحولت رأسها إليه، وقالت بعد تردد: أجل هذه ليلة حارة ... # سر لمبادلتها إياه الحديث، فأتى بمقعد، وجلس عليه على كثب منها ، ~~وألقى عليها نظرة، فراعته صورتها، وحرقه تكوين جسمها البديع المشتهى، ~~وذكر أنه سيتمتع بهذا الجسد الفاتن هذه الليلة، بل هذه الساعة، ~~فجن جنونه، وأسكرته هذه الحقيقة الماثلة بين يديه، كأنه يكتشفها ~~لأول مرة. ولم تعد تحتمل عرامة نظرته فأطرقت، فمد يده إلى ذقنها، ~~ورفع رأسها إليه، وهو يقول بصوت متهدج: دعيني أطالع وجهك الجميل ~~... # والتقت عيناهما لحظة، فامتلأ حماسا وقال بحرارة: تآلفت حياتنا ~~بمعجزة، وما كنت أحسب قبل اليوم أن المصادفة تلعب هذا الدور الخطير في ~~حياة الإنسان، فما أحقها أن تسخر من منطقنا ومن سنن الوجود جميعا، ~~ولعلك تجدين وحشة، ولكنك ستتغلبين بذكائك وثقافتك. وكما أن الحب ~~يكون مقدمة للزواج، فالزواج يكون مقدمة للحب، والمعاشرة كفيلة بمزج ~~النفوس وتوحيد الآمال ... أليس كذلك؟ # فتحركت شفتاها كأنما لتتكلم، ثم جمدتا ارتباكا، وارتسمت عليهما ~~شبه ابتسامة. وازداد حماسا فقال: # ستدركين معنى قولي هذا، وستعملين على تحقيقه، لنعملن معا على ~~تحقيقه، وسنرى ... # وقال لنفسه: إن النساء لا يعشن بلا حب - حقيقة تعلمها من القراءة ~~- فهي لا شك تحب، ولكن من المحبوب المجدود؟! ... # حسبه يوما علي طه، ثم ظنه قاسم بك فهمي، وقد يكون المال دون ~~غيره؛ فعلى هذه الحقيقة تتوقف سعادته، وقد يكون صادقا في قوله لها: ~~«ولعلك تجدين وحشة؟» فالحقيقة أنها كانت تجد هذه الوحشة. وقد أدرك ~~ذلك من أول نظرة، بل أدرك أنه لو أعتقها هذه الليلة لكان ذلك أدنى إلى ~~التهذيب والرقة، ولكنه نبذ هذا الخاطر، موقنا أن الحيوان الهائج ~~في باطنه لا يعرف التسويف ولا التأجيل، ولا يقدر على انتظار مهما كان ~~الثمن، ثم كف عن التفكير وقد عاودته جسارته الطبيعية: هلمي ندخل ~~... # وأمسك بمعصمها برفق ونهض، فنهضت طائعة، ثم أحاط خصرها بذراعه، ~~ودخلا معا ... # 31 # وفتح عينيه في الصباح الباكر فوقعتا على مرآة الصوان الفاخر، ~~فرأى صورته وإلى جانبه ms090 يرقد الكنز النفيس، وارتفق ساعديه، ثم ثبت ~~عينيه وقد غمرته ذكريات الليل التي لم تمح آثارها من نفسه وجسده، ~~وكانت لا تزال مستغرقة في النوم مبعثرة الخصلات على الوسادة ~~الحريرية . ما أجمل صفاء هذه البشرة، ما أعمق سواد هذا الشعر! واهتز ~~صدره طربا، فهوى بشفتيه الممتلئتين على خدها الأسيل ... # ومضى الأسبوع الأول من هذه الحياة الجديدة، وقد أقبل ينهل من الشراب ~~العذب المبذول بشراهة جنونية، وسرعان ما أدرك منذ اللحظة الأولى أن ~~لذته - لذتهما - لن تتم إلا بشيء جديد ضروري جدا كي ينسى هو ما ~~ينبغي أن ينساه، وكي تنسى هي ما يحسن أن تنساه، فيصفو الجو، ويستمتعا ~~بحياتهما أجمل استمتاع. وجرب بالفعل ذلك الشيء الضروري الذي سمع عنه ~~كثيرا؛ الشراب! وقليل منه كفاهما، ولكنه نفعهما نفعا سحريا، بفضله ~~وجدها تذوب رقة، وتنفث سحرا، وسكن بين ذراعيها يرشف من طيبات رزقه. ~~كانت الحياة في ظاهرها ثملة باللذة، مخمورة بالشهوة. أما في الأعماق ~~فاضطربت تيارات خفية، فلم يفتأ محجوب يتساءل عن علي طه وقاسم فهمي ~~وقلب إحسان، وربما ثار شكه، وراح يؤنب نفسه ويعنفها، ويقول: إنه ~~الحمق، ولا شيء غيره، الذي يوسوس له فيوقظه من لذته ليصلى نار ~~الفكر. وحاول مرات أن يعوذ بسخريته، وجعل يوصي نفسه قائلا: «اقتل ~~الشك، امح الكرامة من قاموسك، احذر الغيرة، أفرغ شهوتك، توثب ~~للطموح، واذكر أن ما أنت فيه هو الامتحان الأول والأخير لفلسفتك، فقل ~~الآن طظ، قلها بلسانك وبقلبك وبإرادتك ...» # ولم تخل إحسان كذلك من خواطر تضطرب في أعماقها. عرفت أخيرا المصير، ~~واستقر بها المستقر. أسدل الستار على أحلام الحياة الأولى، وخاب ~~الرجاء فيما طمعت فيه من أن تصير زوجا للبك العظيم، ووجدت نفسها ربة ~~هذا البيت العجيب الذي يتنازعه صاحبان. لم تعد تقول لا، فما خوف ~~الغريق من البلل؟ ورأت من الحكمة أن تنظر فيما بين يديها. إن القلب ~~الذي أيقظه علي طه اندثر وذهب، والأمن الذي لوح لها به قاسم فهمي خاب ~~وانطفأ، فلم يبق لها إلا تلك الغريزة الحيوانية التي أطلقها ms091 والدها من ~~عقالها منذ البدء. ربما حنت إلى علي طه، أو حقدت على قاسم بك، أو ~~عافت نفسها محجوب عبد الدائم، ولكنها لم تسمح لإحدى هذه المشاعر ~~بالتمادي والتضخم، ومالت بمزاجها وبالدوافع التي تحيط بها إلى ~~الاستسلام التام. ما من فائدة ترجى من التحسر على ماض لن يعود، ~~وأولى بها أن تولي الحاضر والمستقبل عنايتها، فلتستمتع باللذة، ~~ولتستأثر بالقوة، ولتنفق عن سعة، ولتغمر أسرتها بكل خير عميم؛ وبذلك ~~وحده لا تذهب التضحية عبثا، وزوجها أولى الجميع بتفكيرها. لقد همت ~~بأن تحتقره أكثر من مرة، ولكن لماذا؟ لأنه ...؟ ولكنها هي أيضا ...؟ فلا ~~تعيره ولا يعيرها؟ بل هنالك وجه آخر يقرب بينهما، فهو فيما يبدو ~~ضحية مثلها للعوز والطمع، وكلاهما ضحية لشر واحد، فما أجدرهما ~~بالتصافي والتعاون. كان كلاهما يعالج همومه بالحكمة، ويحاول ما ~~استطاع أن ينفي عن نفسه نوازع الشقاء، واطردت الحياة في لذة ~~يهيئها الشراب والرغبة في السعادة. وكان محجوب أقدر منها على التغلب ~~على أمثال هذه الهموم لاستهانته المعروفة، أما هي فكانت حديثة عهد ~~بالشذوذ؛ فربما تولتها الكآبة إذا خلت إلى نفسها، وربما وجدت حنينا ~~إلى الآمال المشرقة الأولى في الحب والحياة الشريفة، مثلها مثل ~~النازح إلى بلد غريب إذا احتواه بيته الجديد في أول لياليه، ولكنها ~~كانت تتغلب على مرضها - والحنين مرض - بتلك الواقعية التي اشتهرت بها ~~النساء، وبتلك الرغبة الصادقة في طيب الحياة؛ ولهذا السبب سألها محجوب ~~يوما - من أيام الأسبوع الأول - وهو يقرصها في خدها: أنت ~~سعيدة؟ # أجابته من فورها: نعم، والحمد لله ... # فقال لها الشاب بسرور: الحياة أمامنا منبسطة، والفرص دانية، فلنثب ~~بين الأزهار، ولنجن الثمار ... # فقالت مبتسمة عن درها النضيد: نثب ... ونجني. ~~- لا تصدقي الحكم الجامدة التي يعرفون بها السعادة. السعادة ~~ليست في الحياة، وجميع ظروف الحياة لديها سواء، هي حقا في الإرادة؛ ~~فمن يردها إرادة تأته طوعا أو كرها ... # فحدجته بنظرة متفكرة بعينيها السوداوين البديعتين، فقال بحذر ~~وتواضع: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون ...! # فقالت بهدوء: لا داعي لهذا ... (وهنا ذكرت ms092 شطر بيت للمتنبي ~~فقالت) ... كل مكان ينبت العز طيب ... # فأخذ يدها في يده كأنه يعاهدها، تريث قليلا، ثم قال وقد غير ~~لهجته: وثمة شيء آخر، لا ينبغي أن نعيش في عزلة، لنقتحم الحياة ~~العريضة، ولنأخذ من مظاهرها بأوفى نصيب. # كان يريد أن يتمتع بحياته الاجتماعية على أكمل وجه، وأن يقدس ~~مظاهرها الكاذبة التي يكبرها الناس جميعا، واشتدت إليها حاجته ~~ليخفي بها ما في حياته من شذوذ؛ ولذلك فكر جديا أن يذهب وعروسه ~~إلى آل حمديس ليبرئ جرحا قديما، وليشبع شهوته إلى الظهور، ولكن ~~ألا توجد ثمة عقبة حقيقية؟ # 32 # ولم ينثن عن رغبته الجريئة، وأراد أن يجعل منها أولى خطاه في غزو ~~المجتمع الراقي. ورأى عن حكمة أن يمهد للزيارة بمحادثة حمديس بك ~~بالتليفون، وسيعلم من إجابته إن كانت حكاية الهرم قد بلغته أم إن ~~الفتاة الأريبة أخفتها عنهم. وحادثه، ووجد منه خطابا رقيقا، فأخبره ~~بزواجه، وكاشفه برغبته في تقديم زوجه إليه، فرحب بها البك أيما ~~ترحيب. وهرع محجوب إلى زوجه، وقال لها بسرور وخيلاء: دعيني أقدمك ~~إلى أقربائي العظام ... # وعند عصر اليوم العاشر من حياته في البيت الجديد أخذا أهبتهما ~~للزيارة الخطيرة، فارتدت إحسان ثوبا جميلا من ثيابها الجديدة، ~~وتجلت صورتها الفاتنة، وتهيأ سحرها باجتماع الشعر الأسود الفاحم، ~~والبشرة العاجية الصافية، والشفتين الورديتين، وبدا الشاب في منظر ~~حسن قد أخذ يستعيد عافيته ورونقه، واستقلا تاكسي إلى الزمالك. لم ~~تكن إحسان تخلو من قلق ووحشة، أما محجوب فكان يبتسم ابتسامة هادئة ~~مطمئنة كأنه ذاهب إلى بيته الذي شب وترعرع فيه. وقد عبرا الحديقة ~~إلى سلاملك الاستقبال وهما على تلك الحال، فما راعهما إلا منظر الأسرة ~~الكريمة في انتظارهما عند مدخل السلاملك. وقفوا الأربعة صفا؛ أحمد بك ~~حمديس، حرمه، تحية، فاضل. وسر محجوب لنجاح الاستقبال، وقد اطمأن ~~إلى نجاحه من قبل لما هو معهود في النساء كافة من الميل إلى تفحص ~~بنات جنسهن ونقدهن، وتبادلوا التحية والسلام، ولم يخف عن عينيه ~~الجاحظتين الأثر الذي أحدثته زوجه في المستقبلين، فأحس ارتياحا ~~وغبطة. ms093 وجلسوا، وما زالوا يتبادلون ألفاظ الترحيب والمجاملة، وجعلت ~~عيناه القلقتان تدوران في جميع الأنحاء، وتتفرس في الوجوه، ووجد ~~نفسه وهو لا يدري يقارن بين زوجه الحسناء وتحية حمديس. إن لتحية ~~جمالها ، ولها إلى جمالها سمت أناقة ورفعة، ولكن هيهات أن تبلغ مدى هذا ~~الحسن الرائع. إن زوجه أجمل من تحية، بل أجمل من أم تحية في صباها، ~~وأعينهم لا تنكر هذا ولا تماري فيه. وطرب لذلك أيما طرب، وقال ~~لنفسه بشماتة: «لقد هزمت في المقبرة يوم الرحلة، وتم لي الانتقام ~~اليوم.» وأراد أن يعرفهم بزوجه كما ينبغي، فقال بجسارته المعهودة وهو ~~يشير إلى فتاته: إحسان كريمة شحاتة بك تركي من كبار تجار الدخان، ~~ألا تعرفه يا سعادة البك؟ # وتورد وجه إحسان، وأطرقت لتخفي ارتباكها، أما أحمد بك حمديس فزوى ~~ما بين حاجبيه باحثا في ذاكرته، ثم قال بلهجة الاعتذار: لا أذكر ~~للأسف، (والتفت إلى إحسان) لنا عظيم الشرف! فقال الشاب ضاحكا وهو ~~يشير إلى زوجه مرة أخرى: زميلة قديمة، عرفتها في الجامعة ... # فابتسم البك وابتسمت زوجه، وابتسمت إحسان أيضا وقد هالها اندفاع ~~محجوب، ولم تدر أين يقف. وكان فاضل ينظر إلى العروس بفتور، أما تحية ~~فلم تحول عنها عينين ثاقبتين. وقد فطنت ببداهتها إلى البواعث ~~الحقيقة التي أغرت الشاب بهذه الزيارة، فازدادت له احتقارا، ~~وتجلى في نظراتها إلى العروس الاستهانة والسخرية. وراحت حرم حمديس بك ~~تتحدث عن فتيات الجامعة، فقالت: إن الجامعة تمهيد للوظيفة، وإنها لذلك ~~اختارت لتحية سبيلا آخر. (وسألت العروس) ألم تخامرك فكرة التوظف وأنت ~~تلتحقين بالجامعة؟ # وكانت إحسان برمة بالحديث، مشفقة من مغبة الكذب، ولكنها لم تر ~~بدا من الإجابة، فقالت: بلى يا هانم، ولكن كل شيء قسمة ونصيب كما ~~يقولون. # فسألتها تحية بمكر: ألم تأسفي لتغير مجرى حياتك؟ # وابتسموا جميعا، وضحك محجوب كأنما راقته دعابتها، وقال: سامحني ~~الله، كانت إحسان طالبة بارعة، وطالما أثارت إعجاب المسيو ليشو أستاذ ~~الفلسفة بذكائها، وقد اعترض طويلا على انقطاعها عن المدرسة ... # ونظر إلى تحية ليرى ما ترك من أثر في ms094 عينيها، فوجدها تنظر إليه ~~باحتقار وسخرية، فلم يغضب، بل سر سرورا خفيا، ودخل عند ذاك خادم ~~نوبي بالمرطبات، فشربوا هنيئا، وسادت فترة سكون كالاستراحة. # وطرقت حرم حمديس بك الحديث مرة أخرى ، فنادت الذكريات البعيدة، وذكرت ~~الغلام الصغير الذي يطالعها الآن زوجا رشيدا ورب أسرة ناشئة، ~~وتكلمت عن الزمن وسرعته العجيبة، ثم سألت الشاب قائلة: كيف حال ~~والديك؟ ~~- الحمد لله. # أجاب محجوب بسرعة، وسرعان ما انقبض صدره، فسألته السيدة مرة أخرى: ~~ألم يحضرا زفافك؟ ~~- لم يمكنهما ذلك لمرض والدي ... # فدعت السيدة للرجل بالشفاء، واستدركت سائلة أيضا: وكيف ~~القناطر؟ ~~- جميلة كعهدك بها ... ~~- يا عجبا، لم نعاودها منذ فارقناها ... # وسأله أحمد بك مبتسما: هل تقضيان شهر العسل في القاهرة؟ # فسر محجوب بالسؤال؛ لأنه فتح له أبوابا للحديث، فقال: عملي كسكرتير ~~لقاسم بك فهمي لا يدع لي فراغا في الوقت الحاضر ...! # وهنا قالت تحية لتشرح للشاب أسباب وجودهم في القاهرة في يوليو إذا ~~كانت غابت عنه: والدي يقوم عادة بإجازته في أغسطس فنسافر جميعا إلى ~~أوروبا ...! ثم غيرت لهجتها وسألته باهتمام: ألم تأخذ إحسان هانم إلى ~~حفريات الجامعة؟ # واضطرب فؤاده، وجرى بصره بحذر على وجوه الجالسين، فوجدهم مبتسمين لا ~~تدل وجوههم على شيء مما أثاره الخوف في نفسه من سوء الظن، فتنهد ~~ارتياحا، وقال وقد تمالك نفسه: كلا ... # ثم قال بخبث: سنذهب بلا شك عندما نبتاع سيارة قريبا ... # فقالت بخبث أيضا: المشي في الرحلات ألذ ... # وسأله حمديس بك عن قاسم بك فهمي، وقال له إنه كان زميله في البعثة، ~~ووعده أن يوصيه به خيرا، وضايقته هذه الصلة التي لم يتوقعها، ماذا ~~يحدث لو وقف حمديس بك على سر زواجه؟ وشعر بيد ثلجية تقبض على قلبه. ~~ولما كانت الزيارة للتعارف فأحب ألا تطول أكثر مما طالت، ونهض ~~مستأذنا في الانصراف ... ~~••• # وفي طريق العودة قالت له إحسان وهي تنفخ: أعوذ بالله منك ... # فقهقه ضاحكا، وقال بسخرية: كوني جسورة، الكذب كلام كالصدق سواء ~~بسواء، إلا أنه ذو فوائد. ~~- وإذا انكشفنا؟ # فقال بضجر: وإذا ... وإذا ... دائما وإذا ... إذا ms095 هذه حرف خيبة إذا دخل ~~على جملة ذهب بفائدتها وثبط همة الفاعل، لا تقولي وإذا ... # فضحكت إحسان وقالت: حرم البك قريبك سيدة لطيفة! # فاختلس إليها نظرة ماكرة، وقال بخبث وشيطنة: وتحية ؟ ... يا لها من ~~فتاة كاملة! # فصمتت لا تدري ما تقول، ثم غمغمت: أجل ... # وكان يلحظها بخبث، وسر سرورا كبيرا، وعاد إلى الشقة يخامره شعور ~~الظافر المنتصر. وظل ذاك المساء مغتبطا حتى ناداه جرس التليفون، ~~وما وضع السماعة على أذنه حتى تجهم وجهه، وفتر حماسه، كأنما ألقي ~~على لهيب قلبه الفرح الراقص ماء بارد. كان المتكلم سالم الإخشيدي، ~~وقد أخبره أن البك سيزور الشقة مساء الغد ... # 33 # ما لجرح بميت إيلام. # جعل يردد هذا الشعر قبيل مساء اليوم الثاني وهو يتأهب لمغادرة ~~البيت، ثم تساءل: متى يموت جرحه إذن؟! كان عظيم الثقة بنفسه وبفلسفته، ~~ولكنه شعر في اضطرابه وألمه بأن الفلسفة إذا خرجت من الدماغ إلى دنيا ~~الحقائق قد يحدث لها ما يحدث للقذيفة إذا انطلقت من المدفع؛ تتفجر ~~وتتناثر. حاول أن يستعيد رباطة جأشه وبروده، حاول أن يقول: «طظ.» ~~ولكنه، أخفق، أو أخفق مؤقتا على حد تعبيره، وجعل يتساءل: ترى هل ~~علمت؟ ثم نظر إلى التليفون فرجح أن يكون طير إليها النبأ السعيد! ~~فالتليفون هو القواد الثاني في هذه الشقة؟ ترى ما حقيقة شعورها؟! ~~أمسرورة هي بذاك اللقاء المرتقب؟! ... أتنتظر على لهفة أم بغير ~~مبالاة؟ ... أيحطم هذا الرأس الجميل كما تحطم جوزة الهند ليرى ما ~~فيه؟ وتلوث حية الغيرة في قلبه نافثة سمها القتال، وغادر ~~البيت، وسار في شارع ناجي على غير هدى، وقصارى ما يطمح إليه أن ~~يمسك زمام عقله، أو أن يثوب إلى رشده. ووجد نفسه أمام حانة «لاروز»، ~~فمال إليها بلا تردد، كأنها هي هدفه المطلوب، وكان طلاب الجامعة ~~يتقاطرون عليها فرارا من جو يوليو القائظ، متهافتين على الجزء التابع ~~لها من الطوار، ولكنه كره الازدحام، وانتبذ مكانا داخلها، فلم يلق ~~حوله إلا شابا يجلس إلى مائدة غير بعيدة منفردا بكأسه، وقبل فوات ~~خمس دقائق على ms096 جلوسه كان يرفع الكأس إلى شفتيه الممتلئتين، ويفرغها ~~حتى الثمالة، ثم صفق يطلب أخرى. شرب بشراهة لا عهد له بها، وإن كان ~~يوجد في حانة لأول مرة في حياته. وما انفك عقله متفكرا مشغولا لا ~~يغيب به عما حوله، ولم يكن غضبه لاضطرابه بأقل من اضطرابه نفسه. ~~كبر عليه أن يأسى على معنى تافه من المعاني التي ثار عليها وكفر بها. ~~أغضبه حقا لعرضه؟ ... وما عرضه؟ ألم يتحرر من هاتيك الأغلال ~~جميعا؟ كلا، إنه لا يغضب لعرضه، ولا عرضه بالشيء الذي يستحق ~~الغضب، ولكنه يعاني الغيرة. وتفكر مليا، ثم عاد يحادث نفسه: هل ~~الغيرة طبيعية أو تقليد اجتماعي كالعرض؟ بل صفة طبيعية بلا مراء. ~~إن الحيوان يعاني لأواءها كالإنسان سواء بسواء، فنحن نغار ما دمنا ~~نحب، وما دمنا نرى أنفسنا جديرين بأن نحب كذلك. هكذا حدث نفسه، ~~ولكنه لم يقتنع كل الاقتناع، ولا ارتاح الارتياح كله، بقي في النفس ~~شيء. ألا ترى أن هذه الغيرة توشك أن تفسد عليه جميع ما أفاد من ~~فلسفته وتحرره؟ إنه ينتقد ويحلل ويحطم، ولكن وراء ذلك تتخايل ~~لعينيه أشباح مخيفة؛ سيارة تقف أمام عمارة شليخر، ينزل منها البك ~~الأنيق، المصعد، الجرس، باب الشقة يفتح، مساء الخير أيها العروس ... ~~جاء زوجك الطبيعي، ثم ... كيف تلقاه؟ في نفس الحجرة وعلى نفس الفراش ... ~~وصفق بشدة يطلب كأسا جديدة، ولاحت منه عند ذاك التفاتة إلى الشاب ~~المنفرد بكأسه - بكئوسه - فوجده يحدق فيه بدهشة وسرور؛ فقد راقبه ~~الشاب منذ حضوره، وراح ينظر إلى اضطرابه وحركاته غير الإرادية، ويتساءل ~~عما يقلقه، ولكن في سرور ولذة شأن المنتشي الثمل. ولما التقت ~~عيناهما ابتسم، فابتسم له محجوب، والسكارى سريعو التعارف إلى بعض ~~وإن كانت مودتهم سطحية، فتبودلت التحية، وبدا الشاب الغريب وكأنه ~~يلوذ بصاحبه من وحدته التي جعلها السكر أفظع من أن تحتمل، وعاذ به ~~محجوب من أذكاره وآلامه فدعاه إلى مائدته، وسرعان ما جلسا وجها لوجه، ~~شابين ثملين لا يقيمان لشيء وزنا، وتعارفا، ثم قال الشاب ~~الغريب: رأيتك آخذا في حديث ms097 عنيف مع نفسك، فوددت لو حملت عنك بعض ~~هذا العناء ... # فضحك محجوب ضحكة عالية جدا دلت على انفلات الزمام من يده، ~~وسأله: أحقا كنت أحادث نفسي؟ ~~- أجل، وكنت محتدا ... بل حانقا ... # وكان لا بد أن يتكلم؛ لأنه دعا بمتكلم، ولأنه أراد أن يروح عن ~~نفسه، ولم يجد في ذلك من بأس؛ فحالته وحالة صاحبه أذنتا بحديث أهوج ~~ماجن لا يعرف الحدود. سأله: ومتى يحادث الإنسان نفسه؟ ~~- في أحوال نادرة ... ~~- اضرب مثلا. ~~- في السرور الفائض والحزن البالغ، أو في حالات لا هي إلى السرور ~~الفائض ولا الحزن البالغ! ~~- وماذا يبقى من الحالات غير ما ذكرت؟ ~~- الحالات التي يحادث الإنسان فيها غيره ... # فقال محجوب متحيرا وهو يقبض على كأسه: لا أكاد أفهم شيئا ... ~~- ولا أنا! في مجلس الأنس، كما في مجلس النواب، ليس بالمهم أن ~~تفهم ما يقال، ولكن المهم أن تتكلم. ~~- كيفما اتفق؟ ~~- وكيفما أحببت ...! ~~- ولذه الاقتراح، فطرح التفكير ظهريا، وراح يقول وقد احمرت ~~عيناه الجاحظتان من الشراب: أنا في الحجرة، والكبش في الحقل ... ~~- كتب محمد الدرس ... ~~- اعمل لدنياك كأنك تموت غدا، واعمل لآخرتك كأنك تعيش أبدا. ~~- ولكنك لن تعيش أبدا، وربما لم تعش حتى مطلع الصباح؛ لأنك تفرط ~~في الشراب ... ~~- إذن نطلب كأسا أخرى. ~~- علام يدل امتلاء الحانات بالواردين؟ ~~- يدل على أن دستور 1923 أفضل من دستور 1930. ~~- أتحسب أن دستور 1923 يعود؟ ~~- أين هو الآن؟ ~~- في ضريح سعد مع جثث الفراعنة. ~~- فليحفظوه هنالك حتى نستحقه. ~~- هل أنت وفدي؟ ~~- كلا ... أنا حنبلي! ~~- وأي فرق بين الاثنين؟ ~~- الحنبلي ينقض وضوءه خيال الكلب. ~~- والوفدي؟ ~~- ينقض وضوءه خيال الظل. ~~- إذن أنت حر دستوري! ~~- أنا؟ ... أنا في الحقل ...! ~~- أنت كبش إذن ذو قرنين! # واضطرب محجوب، وبهت، وكأنه يستيقظ من هذيانه على مطرقة، وحدج ~~صاحبه بنظرة ملتهبة، لكن وجده يبتسم منشرح الصدر، متأهبا لتلقي ~~كل ما يقذفه به، فحمل نفسه على السرور حملا، وسأل الشاب الغريب: ~~خبرني أحق أن القواد في نعيم؟ # وتضاحك الشاب، ورأى محجوب يرمي في الموقد حطبا، فرغب أن يعاونه ~~وقال: حالك خير ms098 دليل! # فضحك محجوب ضحكة عالية ارتج لها المكان، وقال: حدثني بما لك من ~~خبرة عن أنواع القيادة. ~~- قيادة عمياء لا يدري بها ضحيتها، من النوع الذي ابتلي به زوج ~~عشيقتي ... ~~- واحد. ~~- وقيادة يعلم بها الزوج ويتجاهلها إيثارا للسلامة، وهي موضة ~~منتشرة في بعض الأوساط. ~~- اثنان. ~~- وقيادة يختارها الزوج للذة أو لفائدة. هل أنت متزوج؟ # فعاوده الضحك، وأغرق فيه ليخفي توتر أعصابه، ثم قال بحقد خفي: ~~يوجد نوع رابع يجمع ميزات الثلاثة معا، وهو وقف عليك؛ كنت أول الأمر ~~تجهل ما أنت مبتلى به، ثم تكشف لك فتجاهلته إيثارا للسلامة، ثم ~~تعودته فاستلذذته. # وأغرقا في الضحك معا، ثم قال الشاب الغريب بلهجة ظاهرها الجد ~~وباطنها المزاح: الواقع أن القيادة من أعقد مشكلات الزواج في العصر ~~الحديث. ~~- الحقيقة أن الزواج من أعقد مشكلات القيادة ... ~~- صدقت، ألا ترى كيف يضرب الشبان عن الزواج؟ ولكنهم يشتركون في ~~الأسر من منازلهم ... ~~- الانتساب ألذ بلا تكاليف ... # وهذيا طويلا، بلا ملل ولا تعب، حتى أوشك الليل أن ينتصف ... ~~••• # وطاب له أن يخبط في الشوارع على غير هدى قبل أن يعود إلى البيت. ~~وغمغم كالمترنم: «أنا في الحجرة، والكبش في الحقل.» ثم راح يقول: ~~«أنا في الحانة، والبك في الحجرة.» ولكنه كان في منتهى النشوة ~~والسرور، فارتفعت حرارة غبطته لدرجة تذوب فيها جميع الأحزان، وبدا له ~~وكأن شيئا في الدنيا لا يساوي مثقال ذرة من الكآبة، وآتته قدرة ~~يمكنه أن يحقق بها فلسفته إذا شاء بلا تردد ولا تفكر ولا ~~انفعال. وقد أدرك في تلك اللحظة أن فلسفته والخمر كلتيهما من جوهر ~~واحد! وعاد إلى البيت، ودخل الحجرة. كان كل شيء هادئا ساكنا، وهي ~~مستغرقة في نوم عميق، ووقف في وسط الحجرة يحدق في وجهها بعينين ~~محمرتين ذابلتين، ولبث واقفا حتى خال الأرض تدور به، وخطر له خاطر ~~فسر به دون أن يتدبره، ونفذه بأسرع مما خطر له. دنا من الفراش، ~~ثم ارتمى عليها بجسمه كله كأنه يلعب حركة سويدية، واستيقظت إحسان ~~فزعة، وفرت من فيها صرخة، وحملقت ms099 في وجهه بعينين مرتعبتين، ثم ~~دفعته بعيدا عنها وقد أخذت تدرك حقيقة الحال، دفعته بغيظ وحنق، وصاحت ~~به: أنت سكران ... كدت تقتلني ... ابعد ... # فجعل ينظر إليها بذهول مالئا عينيه من وجهها الساخط الغاضب، ثم ~~ابتسم، ابتسم ابتسامة لا معنى لها، أو ابتسم سرورا بما أحدث فيها من ~~ألم وغيظ، وزاد حنقها وتضاعف، وقالت بحدة: كسرت أضلعي بجنونك، فابعد ~~عني ... أنت سكران، لا تنم في هذه الحجرة ... # وظل الابتسام مرتسما على شفتيه، ثم فرت من فيه ضحكة خفيفة، ~~ولما تضاعف غضبها أغرق في الضحك حتى زلزل كيانه ... # 34 # في صباح اليوم الثاني استيقظ في ساعة متأخرة، ونهض متعبا مصدع ~~الرأس، وكان نام ليلته على الشيزلنج، فنظر في الفراش بعينين خائفتين، ~~ولكنه وجده خاليا، وتذكر ليلة الأمس، فهالته الذكرى، ثم هز ~~منكبيه استهانة ومضى خارجا، والتقى بها في الصالة، فطالعته بوجه ~~مقطب، فارتبك حينا، وابتسم غاضا من بصره، وسألها بلهجة لطيفة: لا زلت غاضبة؟ # فقالت بحدة: السكر يجعل منك وحشا مجنونا، لا تسكر أبدا، اشرب ~~كأسا ... كأسين كما نفعل، شيء محتمل، أما أن تعود بعد انتصاف الليل ~~ثملا تترنح وتسلك مثل ذاك السلوك الشائن فشيء لا يحتمل ... # وانتقلا إلى حجرة السفرة، وتناولا فطورهما، في سكون بادئ الأمر، ثم ~~تبادلا بعض الكلمات، وغادرا الحجرة في حالة طيبة. وذهب إلى الوزارة ~~قبيل الظهر، وكان البك قد سافر إلى الإسكندرية ذلك اليوم يمضي ~~بضعة أيام في بولكلي، فجلس في حجرته يطالع الجرائد. وبعد مضي ~~برهة وجيزة استقبل زائرا لم يتوقع حضوره. فتح الباب، فرفع رأسه عن ~~الجريدة، فرأى مأمون رضوان قادما نحوه، ولاحت الدهشة في وجهه، ثم نهض ~~هاشا باشا، وتصافح الصاحبان بحرارة، وجلس مأمون وهو يقول: مبارك ~~... مبارك ... # فأدرك محجوب أنه يهنئه على الوظيفة، وسر لذلك أيما سرور، ~~وقال: الله يبارك فيك، حسبتك في طنطا ... ~~- عدت من يومين لشئون خاصة، وقابلت ليلة عودتي الأستاذ أحمد بدير ~~في نادي الجامعة، فأنبأني بتعيينك، وسررت لذلك سرورا عظيما ... # أحمد بدير ... انقبض صدره لذكر هذا الاسم الخطير، وتساءل ms100 في نفسه: ~~ترى ماذا يعلم هذا الصحافي المحيط بفضائح المجتمع؟ ... ماذا قال ~~لمأمون رضوان؟ وحدج صاحبه بنظرة عميقة، ولكنه وجده هادئا صافي ~~النظرة كالعهد به، يشف منظره عن باطن نقي طاهر لا تقربه أخبار ~~السوء . واصطنع ابتسامة، وقال متسائلا: وكيف حال الأستاذ؟ ... لم ~~أقابله منذ عهد ليس بالقصير، ولم يأت لتهنئتي. # فابتسم مأمون وقال: غابت عنك أشياء، لقد نشر خبر تعيينك - كما قال لي ~~- في جريدته، وهو يعتبرك مدينا له بالشكر. # وتحدثا عن البعثة، والوظائف الإدارية والفنية، ومهنة التدريس في ~~الجامعة والمدارس الثانوية، وانتقد مأمون النظام الجائر الذي يحرم ~~المتخصصين الاشتغال بفنهم الذي تخصصوا فيه، ولم يرتح محجوب إلى ~~التهوين من شأن الوظائف الإدارية، وقال لصاحبه: إنها تنفرد بمجد ليس ~~لمهنة التعليم منه نصيب. وكان مأمون يفهم المجد على نحو آخر، ولكنهما ~~أدليا بآرائهما في يسر وتسامح، وجر الحديث بعض الشئون الخاصة، ~~فاعترف مأمون أنه جاء إلى القاهرة لأسباب تتعلق بزواجه، وعندئذ أخبره ~~محجوب بأنه تزوج! وهنأه الشاب مرة أخرى، ودعا له بالتوفيق، ثم ~~قال: قابلت صديقنا علي طه أمس ومكثت معه مدة طويلة ... # وخفق قلب محجوب لهذا الانتقال المفاجئ، وساوره القلق. ترى هل ~~أدى الحديث إلى علي طه كيفما اتفق؟ أم علم علي بزواجه وحدث به ~~مأمون؟ لم يكن من الممكن أن يظل زواجه سرا، وكان حتما أن يعلم به ~~علي طه يوما ما، ولكن كيف انتهى إليه؟ وكيف فسره؟ ونظر إلى مأمون، ~~فالتقت عيناهما، وقرأ في العينين السوداوين الصافيتين الارتباك ~~والريب، فلم يعد يخالجه الشك أن عيني مأمون مرآة صافية لا تعرف ~~المكر ولا الخداع، وهما تسألانه بلسان فصيح: «أحقا ما يقال؟ هل ~~خنت صديقك حقا؟» ولم يجد فائدة من حمل صديقه على البدء بالسؤال، ~~فقال متسائلا: وكيف حاله؟ # فقال مأمون برزانة: على ما يرام ... # وساد الصمت برهة، وأطرق محجوب. لقد صدق حدسه، ما في ذلك شك. ولكن ~~لأي مدى عرفت الحقيقة؟ إن الذين يعرفون الحقيقة - آل إحسان والبك ~~والإخشيدي - لا يمكن أن يبوحوا بها لمخلوق؛ لأن البوح ms101 بها ضار بهم، ~~ولو عرف مأمون الحقيقة لأبى أن يزوره؛ فليس من طبعه أن يتظاهر باحترام ~~شخص يراه أهلا لاحتقاره، وهو ما جاءه إلا ليسمع دفاعه عن تهمة صديقه - ~~تهمة الخيانة فقط، لا تهمة الزواج من فتاة صفاتها كيت وكيت طمعا ~~في وظيفة - هذا هو الحق المبين. # وقد ارتاح لمنطقه؛ فلم يكن يعبأ بحزن علي، ولا هو يعبأ برأي مأمون ~~فيه. ونظر إلى زائره بجسارته المعهودة وسأله: ماذا يسوءه؟ # ولم يدر مأمون ماذا يقول، فعض على شفته مرتبكا ولاذ بالصمت، ~~فضحك محجوب ضحكة فاترة كأنه يجيب نفسه: زواجي. # فتساءل مأمون بلهفة: هل حقا ...؟ # فقال محجوب باقتضاب: تزوجت حقا من جارتنا القديمة إحسان شحاتة ~~تركي ... # فلاحت في وجه الآخر دهشة ممزوجة بانزعاج، فابتسم محجوب وقال: ولكني ~~لم آت نكرا ... # وقص عليه كيف فترت العلاقة بين علي وإحسان حتى انقطعت، وأكد له ~~أنه لم يتقدم لطلب يدها إلا بعد ذلك. # وسأله مأمون بصراحته المعروفة: لست مسئولا عن فتور العلاقة ~~وانقطاعها؟ # فقال له محجوب بلهجة التأكيد: مطلقا. # وانتهت الزيارة عقب ذلك، وشعر محجوب وهو يصافح مأمون أن الشاب ~~يودعه الوداع الأخير. وما إن سمع صفقة الباب وهو يغلق حتى بصق ~~باحتقار وغضب، وغمغم بحقد شديد: «طظ.» # 35 # واستلقى بعد الغداء في فراشه دون أن يغمض له جفن، ونامت هي ~~كالعادة إلى جانبه، فجعل يستمع إلى تنفسها المنتظم الذي ألفه، ثم ~~استسلم لتيار أفكاره العارم الذي حرمه لذة النوم، اليوم هجره ~~مأمون، وبالأمس هجر هو علي طه، فانقطعت صلته بأقرب الناس إليه. # ولم تكن الصداقة يوما بالشيء الذي يحرص عليه، ولكنه يشعر بالغربة ~~والوحدة، وبأنه في واد والدنيا كلها في واد. أجل، لم يرع صداقة ~~إنسان، ولكن أكثر من إنسان رعى صداقته فهيأ له شعور الأنس بالناس، ~~أما الآن فالخيوط الواهية التي تصله بالناس تنقصف واحدا إثر واحد، ~~ويهوي هو إلى وحدة عميقة، ومن قبل كانت غرابة آرائه سببا فيما ~~يعتريه الحين بعد الحين من شعور الوحشة، فلما جازف بتحقيق بعض آرائه ~~تضاعف شعور ms102 الوحشة، وأحس أنه في واد والدنيا كلها في واد، وتساءل ~~في جزع: كيف يطرد سحائب الوحشة عن صدره؟ ... ليس في عالمه فرد واحد ~~يوده. هؤلاء الموظفون الذين يتصل بهم لا يقرون إلا نوعا من ~~الزمالة الإجبارية ، وسالم الإخشيدي لا يبالي شيئا غير منفعته، فأين ~~يجد الدواء؟ وألقى ببصره إلى جانبه فرأى الوجه النائم، وسمع التنفس ~~المنتظم. أجل، هي العزاء، وهي السلوى، خلاصة ما بقي له من دنياه، ولو ~~ظفر بها ما اشتكى شيئا. وحقيقة قلقه اليوم ليست ناجمة عن قطيعة مأمون ~~له، بقدر ما هي ناجمة عن تذكر علي طه وهواه. غدا قلبه فريسة ~~للغيرة، ولم يعد يؤمن بأن الأمر مجرد رفع الصمام عن خزانة البخار ~~كما كان يحلو له أن يقول كلما سئل عن الحب أو المرأة. كان شعوره ~~بالحاجة إلى زوجة عنيفا قويا؛ فلعله كان نتيجة للشعور بالوحشة، ~~أو لعله كان سببا فيه. ولم يكن - حتى في حالته تلك - يؤمن بالحب كما ~~عرفه علي طه، ولم يعرج ببصره إلى السماء قط، ولا حلم بالمثال ~~والأوهام، بيد أنه شعر بحاجته إلى الفتاة كقوة مستبدة غشوم، لا ~~تقع بمجرد بلوغ الجسد، ولكنها تطمع في أن تستبد كذلك برغبته وميوله ~~وهواه، فتكون رغبة متبادلة، وحنينا متبادلا، وبغير ذلك لا يمكن أن ~~يشعر بأنه بدد الوحشة وفاز بالعزاء. هذه القوة المستبدة الغشوم ~~تهزأ بالعقول الراجحة والنفوس المتعجرفة والفلسفات الساخرة. وابتسم ~~ابتسامة المتهكم، وجعل يقول تبا لهذه الغيرة الحقيرة ... ما جدوى ~~غرور هذه الحياة إذا كانت الدنيا تفقد طعمها لمجرد إغضاءة من هذا ~~الحيوان اللطيف؟ ... ولم تخف عنه حقيقة مشاعره الجديدة. لقد قبل الزواج ~~بادئ الأمر على أنه مساومة نفعية، وأراد أن يتغلب على وضعه الشاذ ~~بحريته المطلقة وطموحه اللانهائي، ولكنه يطمع الآن في أكثر من جسد ~~زوجه، يطمع في عواطفها، ولو أن حظه كان جمعه بغير إحسان - الفتاة التي ~~أحبها قديما - لربما كان الحال غير الحال. أما إحسان فلا يملك إلا ~~أن يحبها. وقد تكدر صفوه بهذه الأفكار. رأى فيها نذيرا يهدد ms103 ~~كيانه وحياته، وقال لنفسه محزونا: عسى أن تكون آثار مرض وقتي ~~أحدثته الوحشة المخيفة. ~~••• # وحين العصر جلسا معا في الشرفة يشربان القهوة، ولم يكن انقطع عن ~~أفكاره لحظة واحدة حتى بدا تعبا قلقا، وجعل يتفرس في وجهها ~~بعينيه الجاحظتين حتى لاحظت ذلك، كما لحظت تعبه وقلقه، وحدست أسباب ~~ذلك، وظنت أنها ترجع جميعا لليلة أمس، فلم تنبس بكلمة، ولكنها ألقت ~~عليه نظرة متسائلة، وأراد هو أن يشرح لها حالته فقال: لم أنم ظهرا ~~... # فسألته وهي تتظاهر بعدم المبالاة: ولمه؟ ... # ولكنه لم يجب سؤالها، وشعر بقوة تدفعه إلى اقتحام الغموض الذي ~~يغشاه ويحيره، فثبت عليها عينيه وقال: أنت سر يجب أن أعرفه ~~... # فلاحت الدهشة في وجهها الجميل الذي لم يكن أفاق تماما من أثر ~~النعاس، وتمتمت: سر! ~~- أجل، يجدر بنا أن نتكاشف! ... ~~- نتكاشف! ... # فلم يعبأ بدهشتها وحسبها تظاهرا، ثم قال: حياتك تثير في النفس ~~أسئلة محيرة ... # فأغضت دون أن تتكلم وبدا على وجهها الوجوم، ولكن قوة مهما بلغت من ~~الشدة لم تكن لتثنيه عما اعتزم، فقال: التكاشف في حالتنا لا ~~يقدر بثمن، ينبغي أن يفهم كل منا صاحبه؛ لنستطيع أن نتعاون على ما ~~فيه سعادة حياتنا المشتركة. اذكري دائما أننا شريكان، وأن كل شيء ما ~~خلا هذه الشركة زائل ... # فأخذت آخر رشفة من فنجان القهوة، وأعادته إلى نضد بينهما دون أن تنبس ~~بكلمة أو تبدي رغبة في الكلام، فاستطرد متسائلا بجرأته: لماذا فعلت ~~ما فعلت ...؟ # فاحمر وجهها وقالت بحدة: ولماذا قبلت؟ ... # فقال بسرعة وبلهجة لينة توحي بالاعتذار: أنا لا أحاسبك، ولكني ~~أريد أن أفهم ... لماذا؟ ... ألم ...؟ # وأغلق فمه مرغما وقد تورد وجهه، ثم استدرك قائلا: علي طه ...؟ # وطعنته وبسرعة اللهجة الحادة الغاضبة: لا محل لذكره ... # فسألها بصوت خافت: وقاسم بك؟ # وقطبت، وجعلت تقرض ظفرها بانفعال، ثم قالت بحدة: حملني على ~~معرفته ما حملك على قبول هذا الزواج ... # وأحس ارتياحا لهذا الجواب، وقال بلين: لا تغضبي، أنا لا أحاسبك ~~كما قلت لك، بيد أني أريد أن أعرف، ألا ... أعني هل ... أعني قلبك؛ ms104 أجل، ~~قلبك! ... ~~- قلبي! ... إن هذا التكاشف لن ينتهي بشيء، أو هو لن ينتهي بخير. ~~قلبي؟! ... عم تتساءل؟! ... ألسنا ... سعداء؟! ~~- بلى ... بلى ... # قال ذلك بسرعة، وتفكر مليا، ثم سألها بجرأة عجيبة: وإذا منعتك ~~عن البك؟ # فنفخت باستياء ، وقالت: أطيع زوجي. # وشعر بما في إجابتها من تهكم، فأدماه جرح عميق، وتساءل عما ~~جناه من تحقيقه الجريء، فوجد نفسه حيث بدأ في حيرة وقلق، وأدرك أن علي ~~طه لا يزال مبعث غضبه وحنقه ... «لا محل لذكره»، ما معنى هذا وقد ~~قالتها بغضب؟! # غضب لحالة التدهور العامة التي انتابته، لماذا لا يقاتل هذه ~~العواطف الخبيثة حتى يقتلها؟ أيستسلم لما يستسلم له الحمقى من بني ~~آدم؟! ... فلتحب علي طه أو فلتحب قاسم بك، وليأت البك كل ليلة إذا ~~أراد، وليلقين كل ذلك بما هو فوق طاقة البشر من الاستهانة والعبث، ~~هذه هي مسألته بلا زيادة ولا نقصان، بيد أن طموحه لا يجوز أن يقف عند ~~حد؛ لكل داء دواء، ودواء العزلة التي يعانيها المجد والخمر! يسطى ~~عليه فينبغي أن يسطو على الناس! وغدا يلتمس بيوت الفجور ويعشق النساء ~~ألوانا! فإذا انكشف سر زوجه يوما طمع أن يقال: إن زوجها أفسدها ~~باستهتاره، وإنه شاب فاجر لا شيء آخر! وتنهد في شبه ارتياح لما ~~انتهى إليه تفكيره، غير أنه لم يطمئن إلى الارتياح طويلا. ذكر - ~~متجهما- أنه يخاف الناس دائما، وأنه يخافهم أكثر مما ينبغي، وأنه ~~يخافهم على الخصوص خلاف ما تقضي به فلسفته، ففيم التخبط والحيرة؟! ~~ومتى يبلغ بحياته أقصى الكمال الذي ينشد؟ ... # 36 # ولم يعد لمثل ذلك الحديث مرة أخرى، وبذل قصاراه في تجنب ما ~~يعكر الصفو ويبلبل الخاطر. وكان إذا قاتل عن سعادته قاتل بعنف ~~ويأس غير مبق على شيء. وإذا كانت الحياة الزوجية لم تتح له فقد قام ~~بدوره خير قيام، كما يقوم الممثل بدوره خير قيام، حتى لينسى نفسه ~~فيضحك حقا ويبكي حقا. ظهرا أمام الناس كزوجين سعيدين، فلم تعوز ~~أحدهما الرغبة في التوفيق والتلهف على السعادة، أما حين يشعران ~~جفوة أو برودة ms105 فكأس أو كأسان يصلحان ما يوشك أن يفسد. وقد صدق عزمه ~~على أن يشغل وقته كله بحياته الجديدة حتى لا تجد الوساوس فرجة إلى ~~قلبه، وكانت وظيفته تستغرق جل نهاره، ففكر أن يقتحم الحياة ~~الاجتماعية التي بدأها بزيارة آل حمديس؛ ليشغل ما يبقى من وقته، ~~وليجني من متع مظاهرها ما تجود به على مثله. وحادث في ذلك إحسان، ~~وانتهز فرصة سانحة يوما فقال لها: عرفت جماعة من صفوة الموظفين ~~الشباب وبعض الأعيان، وقد دعاني أحدهم - دعانا معا - إلى حفل سيقيمه ~~لعيد ميلاد ابنه، فقبلت الدعوة بسرور ...! # فرفعت عينيها الدعجاوين ولم تدر ماذا تقول، فعاد يقول بحماس: لا ~~ينبغي أن نقبع في دارنا، انظري إلى الإخشيدي كيف يعرف وجوه المجتمع ~~العالي جميعا، وكيف تدعم هاتيك الصلات بنيان حياته وأسس ~~مستقبله؟ # وكانت في أعماقها تتوق إلى التسلية والعزاء والسرور، وترغب في أن ~~ترى وأن تعرف وأن تتناسى، فرحبت بالاقتراح، وقالت وقد سبقتها ~~ابتسامتها إلى الموافقة: لنذهب ... # فسر الشاب، كان يهوى دائما أن تشاركه اهتمامه وآماله، وكان يشعر ~~دائما بغريزته بأنه إن نجح في جذبها إلى محيط أطماعه فقد ضمن فوزا ~~عظيما؛ لذلك سر، وقال: إن مقتحم هذه الحياة البديعة كالرحالة ~~الجسور لا يمكن أن يعود خالي اليدين ... وإن لي من وظيفتي لمركزا ~~ممتازا، وإن لك من جمالك لمكانة سامية ... # وذهبا معا إلى حفل الميلاد، وأحدثت إحسان بجمالها الفاتن أثرا ~~بالغا، واستعان محجوب بجسارته على تمثيل دوره، ولم يعجز عن خلق الفرصة ~~المناسبة لإعلان قرابته بأحمد بك حمديس، وعاد وقد ظفرت إحسان بإجاب ~~شاب وجيه يدعى علي عفت، وقد دعاهما الشاب بعد يومين إلى بنوار ~~بمسرح الفانتزيو ... # وتقضت الأيام الباقية من يوليو في حياة مرحة حارة، فارتادا ~~السينما والصالات الصيفية، ودعي هو إلى البوديجا وجروبي وصولت، وأفضى ~~بسروره يوما إلى الإخشيدي، فقال وهو يمط بوزه استهانة: الطبقة ~~العالية الآن خارج القطر، وستعود الحياة الحقيقية إلى القاهرة في ~~أواسط أكتوبر ... # وقد هاله الأمر، ولكنه قنع بمعارفه الجدد، ولعلهم أن يكونوا أدنى ~~إليه - أو لعله ms106 أن يكون أدنى إليهم - من أولئك السائحين في بطون ~~القارات الحية، بيد أن أمرا واحدا أزعجه؛ هو تكاليف هذه الحياة ~~المرحة الممتعة. هذه الحياة تفرض عليه العناية بلباسه كالنساء سواء ~~بسواء، وأن يقتني الأنواع النفيسة، ويختار الألوان الجميلة، مع ملاحظة ~~الوفرة حتى لا تقع العين الناقدة على شيء واحد مرتين، ولم يلق بين ~~أولئك الشبان من يتحدث عن العروبة، ولا من يناقش الاشتراكية أو ~~أجست كونت. ومن بينهم جامعيون كثيرون، ولكنهم متأقلمون؛ فلا كلمة ~~واحدة تذكر بحدائق الأورمان أو دار الطلبة، ووجد نفسه يهوي إلى ~~التدخين ومشاهدة ألعاب القمار. # ولكن كيف يواجه هذه الحياة بمرتبه الصغير؟! ... أجل، إن قاسم بك ~~يقوم بنفقات البيت والزوجة! ولكن تبقى وجوه إنفاقه هو، وهي تتسع ~~يوما بعد يوم، وتتنوع ساعة بعد ساعة! وقد تفكر في ذلك طويلا ثم ~~قال لنفسه: «أمثالي يرتقون سريعا في الحكومة، فلا يجوز أن أتخلف ~~عنهم!» ~~••• # وطابت حياة المجتمع لإحسان، استهوتها بما فيها من تسلية ومرح وفرص ~~للظهور والمباهاة واستثمارات للإعجاب، وجذبت اهتمامها نحو أمور جديدة، ~~فبثت في حياتها روح العناية والحماس، وأنقذتها من تأمل حياتها - ~~ماضيها وحاضرها ومستقبلها - والاستسلام للفكر. سرورها ما صادفها من ~~نجاح ووداد. وكان قاسم بك فهمي مغرما بها غراما جنونيا ملك عليه ~~نفسه، فجرى وراء هواها غير عابئ بمركزه أو أسرته أو أبنائه، وأنفق ~~عليها عن سعة حتى صارت زينة كل مجلس بفضل جمالها ولباسها. تلك حياة، ~~أما القبوع في البيت تنتظر أحد رجليها فهو فوق ما تحتمل، بيد أنها ~~رغم كل ذلك ما انفكت تشعر بفراغ وملل شأن فتاة خلا من الحب قلبها. ~~لم تكن تحب البك، ولم يعد لسحره العجيب من سلطان عليها، والأرجح أن ~~سحره زال مذ آنست غدره، ولعلها انطوت له عن موجدة وحقد، إلا أنها ~~حرصت عليه حتى لا تذهب «تضحيتها» هباء. وكانت فتاة ذات طبيعة عملية، ~~فأودعت الماضي مدارج النسيان، وولته ظهرها، غير عابئة بغمزه على ~~قلبها الحين بعد الحين! فالماضي المولي ورمزه الجميل - علي طه - ~~شيئان لا يعودان. ms107 وركزت اهتمامها في زوجها؛ فهو شريك حياتها، وهو ~~قرين حاضرها ومستقبلها، وقد استأدته الحياة - مثلها - تضحية فظيعة! ~~وإنه ليهدف - مثلها أيضا - إلى غاية واحدة، ثم إنه بعد هذا وذاك ~~شاب يمكن أن يحب، وأن يهب الحياة الزوجية السعيدة؛ فكانت تشجع ~~محاولاته في سبيل سعادتهما المشتركة، تشاربه وتبادله القبلات، وترجو ~~أن ينتهي التمثيل بحياة حقيقية. ولو كان مزاج إحسان حيوانيا بحتا ~~لبلغت ما تحب من سعادة، ولكن ما زال قلبها متشوقا إلى حنان ومودة ~~لا يجدهما فيما تتيح لها حياتها من لذة وترف؛ لذلك ما انفكت تشعر ~~بفراغ وملل، وكلما ألح عليها هذا الشعور تمادت في التهالك على حياة ~~المرح والترف حتى فاقت زوجها في طموحه. # وكانت تغادر بيتها عادة كل صباح عقب خروج زوجها إلى عمله؛ إذ كانت ~~تضمر للبيت نفورا جعلها أعجز من أن تستطيع البقاء فيه بمفردها. ~~وكانت المحال التجارية الكبرى هدفها المختار، تنتقل بين معارضها، ~~وتضرب في طرقاتها المزدحمة، وربما ابتاعت حاجة مما يلزمها، غير ~~ملقية بالا إلى الشبان الذين قد يتعرضون لمغازلتها. وما ~~حاجتها إلى رجل جديد وفي بيتها رجلان؟ ... وفضلا عن ذلك فقلبها كان ~~يحدثها دائما بأنها ستألف زوجها يوما ما، وتحبه وتخلص من حيرتها ~~جميعا. أما إذا تمكن منها الملل وأدركتها السآمة فربما خرجت عن ~~حكمتها، وذكرت مثالب حياتها - والديها وزلتها وحياتها الراهنة - ~~فاجتاحتها موجة تمرد ثائرة، وحدثتها نفسها بالجري وراء اللذة حتى ~~قرارة بؤرتها، ولكنها لم تفعل، كما أنها لم تتخذ قرارا نهائيا كما ~~فعل محجوب في مثل ظروفها تلك. كانت تتسكع كل صباح كالمتعطلين، ~~وربما استقلت الترام أو الأتوبيس إلى بعض النواحي النائية ذهابا ~~وإيابا. وعلمت يوما أن إحدى صديقاتها ستنتقل يوما مع زوجها إلى ~~مفوضية روما، فأثر فيها الخبر تأثيرا عجيبا، وتمنت لو تستطيع ~~أن تجوب بلدان الأرض جميعا، فما أجدر مثل هذه الحياة النشيطة أن ~~تنسي كل ذي هم همه، وأن تسدل على تفاهة الحياة ستارا كثيفا. ~~وقالت لمحجوب وكان قد علم الخبر: ما أمتع أن يسافر الإنسان إلى روما ms108 ~~...! # فسألها بدهشة: هل ترغبين في السفر حقا؟ ~~- أجل ... لم لا؟ # فقال وقد ابتسمت شفتاه: والبك؟ ~~- عسى أن يكرمني بهذه الخدمة فيما بعد ... # وأدرك ما تعنيه بقولها «فيما بعد»، فهز كتفيه وقال: إذا فتر هواه ~~يوما فلن يفعل شيئا مطلقا ... # والتقت عيناهما في نظرة ذات معنى، وأراد أن يستغل الفرصة السانحة ~~أبعد استغلال، فقال: إنه الآن يذعن لرغباتك؛ فلا تفلتن من بين ~~يديك هذه الفرصة الجميلة. الفرصة السعيدة لا تسنح في عمر مرتين. ~~تناسي هذه الرغبة الفجائية في السفر؛ فهي رغبة خيالية، واعلمي أنك ~~إذا فقدت حبه يوما فستلقي الحياة عابسة متجهمة. إذا لم نحسن ~~الاستفادة من ظروفنا فسنضطر غدا إلى مغادرة حينا هذا إلى حي ~~فقير. وليغلقن المجتمع الراقي أبوابه في وجوهنا، ولنكونن أضحوكة ~~المتندرين، فينبغي أن نحتاط للمستقبل البعيد ... # وتفكر في كلامه قليلا، فوجد أنه يتكلم كما يتكلم القوادون بيسر ~~وبغير مبالاة. وسر لمقدرته، وعدها فوزا مبينا لفلسفته وإرادته. ~~وتفكرت إحسان في كلامه طويلا، فلم تلبث أن اقتنعت بما فيه من حكمة ~~وبعد نظر ... # 37 # وجاء أول أغسطس، وقبض أول مرتب له من الحكومة، وهو مرتب لم يكن ~~ليحلم به أيام الجوع؛ فمن عجب حقا أنه لم يسر به! توزعته ~~المطامع، وتعددت رغائبه، فباتت حياته كالنار لا تشبع ولا تقنع، ~~وذكره المرتب بوالديه اللذين ينتظران على لهفة نصيبهما من ~~مرتبه، لا شك أن مكافأة والده نفدت، ولعله يبيع الآن أثاث البيت ~~كما فعل هو في فبراير الماضي، وسيعجز حتما عن أداء إيجارة المسكن، ~~وربما وجد والداه نفسيهما بلا مأوى وبلا طعام. ما عسى أن ~~يفعل؟ # كان حكيما بلا ريب حين قرر أن يخفي عن والده تعيينه، وقد احتاط ~~للأمر فرجا الإخشيدي ألا يذيع الخبر في القناطر حتى لا يعلم به أحد ~~قبل الوقت المناسب، ولكن متى يجيء الوقت المناسب؟ إن مرتبه لا يفي ~~بتكاليف هذه الحياة الراقية؛ فهو يدرك قصوره عن الظهور كما ينبغي، ~~فإذا تنازل لوالديه عن جنيهين أو ثلاتة اختل ميزانه، وافتضح ~~أمره، وانهارت آماله! فكيف يواجه ms109 هذه الصعاب؟! وتولاه الغضب. كان ~~دأبه الغضب إذا تحير أو ارتبك، كأنما يعتقد في قرارة نفسه أن لا شيء ~~يستحق الحيرة أو الارتباك، ولكنه ذكر على رغمه والديه، وتماثلت ~~له صورتهما؛ أبوه على فراش المرض - ولم تحرك هذه الصورة نفسه إلا ~~بقدر يسير - وصورة أمه بعينيها الضعيفتين، وصمتها الرهيب، وإيمانها ~~العميق به وبمستقبله. وقد حاول أن يهرب منها أو يطردها عن مخيلته ~~فلم يفلح، فأجمع على أن يقهر ما توقظه في نفسه من عاطفة بقوة ~~وصرامة. لم يكن حبه والديه دافعه الأول إلى التفكير فيهما، ولكن ~~شعوره بالتبعية نحوهما كان الدافع، وفطن إلى هذه الحقيقة منذ البدء، ~~فكانت من أسباب مضاعفة غضبه. ألا يزال يعلق بنفسه شيء من الأوهام؟ ما ~~البنوة؟ أليست عادة سخيفة لاحقة بظاهرة الأسرة؟ بلى، وسيكفر بها كما ~~كفر بأخوات لها من قبل، ولن يراعي إلا ذاته ومجده ولذته ... وتساءل: ~~لماذا يعيشان؟ وما فائدتهما في هذه الحياة؟ وما معنى الحياة لهما؟ ~~لماذا لا يموتان فيستريحان ويريحان؟ البر بالوالدين شر إذا عاق سعادة ~~الابن، بل كل ما يعوق سعادة الفرد شر. هذا واضح بين، وهو يؤمن به ~~إيمانا عميقا، ولكن ماذا هو فاعل؟ أيقطع كل صلة له بالقناطر ويترك ~~والديه يلاقيان مصيرهما وحدهما؟ وكيف يدبر لهما النقود التي ~~يحتاجان إليها؟ الواقع أنه لا يستطيع الإنفاق عليهما، والظاهر أنه لا ~~يستطيع كذلك أن ينساهما! ~~••• # وظل مغتما متفكرا حتى غادر الوزارة، ولم يكن بت في الأمر ~~برأي وإن كان شعوره بأنانيته لا يغلب. وعند شارع قصر العيني التقى ~~بالأستاذ أحمد بدير خارجا من إدارة الجريدة، وتصافحا بحرارة، وما ~~لبث أن عاوده شعور الخوف الذي ينتابه كلما ذكر هذا الصديق المخيف. ~~ومشيا جنبا إلى جنب يتحادثان كعادتهما القديمة في طريق الجامعة ~~وحديقة الأورمان. وسأله الشاب الصحافي عن حاله وعن عمله وعن قاسم بك، ~~وحدثه عن مشاق حياته الصحافية، وكأنما أراد محجوب أن يجامله فقال: ~~الصحافة فن خطير، والوظيفة الحكومية بالنسبة إليها لهو ولعب ~~... # فقال أحمد بدير بسرور: صدقت أيها الصديق العزيز؛ ms110 ولذلك فإنه يدهشني ~~أن يزهد شاب مثلنا في العمل الحكومي ويهجر وظيفة محترمة ليجاهد ~~في ميدان الصحافة ... # فلاح التساؤل في وجه محجوب وتمتم: حقا؟! ~~- أجل، هو صديقنا الأستاذ علي طه ... # وقلقت عيناه الجاحظتان، ولاحت فيهما نظرة متجهمة ، ثم داراها ~~بالدهشة وقال متعجبا: علي طه! # فقال أحمد بدير: إنه شاب جسور مثالي، فسرعان ما ضاق ذرعا بمكتبة ~~الجامعة، واتفق مع بعض زملائنا على إصدار مجلة أسبوعية للدعوة إلى ~~الإصلاح الاجتماعي ... ~~- والماجستير؟ # فقال أحمد بدير: قال لي: لندع البحث للباحثين، ولنركز همنا فيما ~~هو أجل، وليكن جهادنا كله لمصر، وكيف تحول من أمة عبيد إلى أمة ~~من الأحرار ... # فتفكر محجوب عبد الدائم مليا دون أن يبدو على وجهه شيء، ثم قال: ~~الواقع أن الأستاذ علي طه ذو طبيعة عملية؛ فهو لا يصلح للتفكير ~~العلمي النظري ... # فلحظه الصحافي بنظرة حادة، وقال: هذا لا يعيبه؛ الطبيعتان على ~~اختلافهما جليلتان، والحق أن صديقنا شاب مخلص متحمس، ولقد ركل ~~الحياة المطمئنة ليدعو إلى مثله العليا على ما في ذلك من مشقة ~~وخطورة؛ فليست مبادئ صاحبنا بالمبادئ التي يأمن معها الصحافي على نفسه، ~~وربما تعرض لسفاهة السفهاء، وتهجم الجهلاء المتعصبين، وربما ~~سيق إلى ما هو أخطر من ذلك جميعا. ما عسى أن ينتظر من يدعو إلى ~~الإيمان بالعلم والمجتمع والاشتراكية؟ # ولم يجب محجوب، ولكنه تساءل: وهل صدرت المجلة؟ ~~- تصدر في أوائل هذا الشهر. # فقال محجوب بعد تردد: وكيف جاء بالمال اللازم لمثل هذا ~~المشروع؟ ~~- أعطاه والده مائة جنيه ... # فتساءل محجوب كالساخر: وهل يؤمن ذلك الوالد الموسر ~~بالاشتراكية؟ # فضحك بدير وقال: لعل الرجل يعد مشروع المجلة عملا تجاريا، ~~فأعانه بما في وسعه وهو وشأنه بعد ذلك ... # فهز محجوب رأسه وقال بلهجة لا تخلو من الاحتقار: طالما حدثنا ~~علي طه في دار الطلبة عن مبادئه، والحديث لون من ألوان السمر ~~الجميل، أما أن يهجر الإنسان عمله، ويتخذ من الحديث عن مبادئه عملا ~~قد يؤدي به إلى غيابات السجون، فسلوك أقل ما يقال فيه إنه جنون، ~~وما صاحبنا بمجنون، فكيف ms111 فعل هذا؟ ... انظر إلى صاحبنا مأمون رضوان! وكيف ~~حدثنا طويلا عن الإسلام؟ ... ثم انظر إليه وقد جمح للسفر إلى باريس ~~ليتأهل لوظيفة الأستاذية العظيمة ... هذا شاب حكيم ... # فقال بدير بسرعة وبلهجة نمت عن الدهشة: مأمون رضوان شاب مخلص ~~أيضا، وأؤكد لك أنه سيتم تعلمه بتفوق كالعهد به، وأنه سيكون ~~إماما من أئمة المسلمين، هذا أمر لا شك فيه ... ~~- أو فيه شك كبير ... # فهز بدير منكبيه، ولكنه لم يجادل صاحبه؛ لأنهما كانا اقتربا من ~~ميدان الإسماعيلية حيث ينبغي أن يفارقه، واكتفى بأن قال: لقد عقد ~~الأستاذ مأمون بالأمس زواجه، وسيسافر الزوجان إلى الخارج في نهاية هذا ~~الشهر ... # ها هي ذي الخطوط الأولى لهذه الحيوات المتناثرة ترسم في صحيفة ~~الدنيا الواسعة، ولا يدري أحد كيف تصير في الغد القريب أو البعيد، ولا ~~ماذا ينتظر أصحابها من حظوظ ومقادير، وكل ما يدريه أن حياة أي منهم ~~يمكن أن يذيعها راوية كأحمد بدير إلا حياته، فإنها إذا ذاعت على ~~حقيقتها اعتبرت فضيحة! وما يعنيه ذلك في كثير أو قليل، ولكن ينبغي أن ~~يخاف سوء العاقبة، كما ينبغي لعاقل يعيش بين حمقى ومجانين! ولم يستطع ~~أن يستشعر الطمأنينة، ولا أن يستهين بالكآبة التي تولته. ومن عجب ~~أنه وعلي طه نقيضان، ومع ذلك فلا يبعد أن يقذف بهما المجتمع إلى أعماق ~~السجون غير مفرق بين عابده والكافر به! ... وبلغا الميدان، وسمعا ~~باعة الجرائد ينادون عليها منوهين باجتماع حزب الحكومة. وتذكر ~~الأستاذ بدير أمرا فقال وهو يصافح صاحبه مودعا: على فكرة، لقد فقد ~~رئيس الحكومة عطف السراي! # فاضطرب محجوب، وذكر أن قاسم بك فهمي من رجال العهد الحاضر المعروفين، ~~وتساءل: والإنجليز؟ # فمط الشاب بوزه وقال: قلب المندوب السامي قلب ... # وافترق الشابان: واتجه محجوب إلى شارع سليمان باشا متجهما ~~مكتئبا، ولكن أنقذه هذا الاضطراب الجديد من الحيرة التي لازمته منذ ~~قبض مرتبه، ولم يعد إزاء الخطر الماثل يتردد في الحكم على والديه، ~~فكانا أولى ضحايا الأزمة السياسية ... # 38 # ونقل الخبر إلى زوجه، فكان حديثهما على المائدة، وفي الشرفة، ms112 ~~وتساءلا معا: هل يبقى قاسم فهمي أو يذهب بذهاب الحكم؟ وكان البك من ~~رجال العهد القائم المعروفين بعداوتهم الحزبية، فلم يكن ثمة أمل في ~~بقائه إذا استقالت الوزارة. وقال محجوب: إذا أحيل البك إلى المعاش ~~نقلت حتما إلى وظيفة مغمورة - إن لم يقذف بي إلى أقاصي الريف - ~~وفقدت آمالي البعيدة إن لم أفقد وظيفتي نفسها ... # أكان كافح ما كافح ليجني هذه النهاية المحزنة؟! أهذه خاتمة ~~الجسارة والمغامرة والاستهانة بكل شيء؟ ... لقد امتلأ غما وكمدا، وجعل ~~ينظر إلى زوجه بعينين مظلمتين لا تريان شيئا، ولم تكن إحسان ~~دونه غما أو كمدا. فكرت مثله فيما يمكن أن يتكشف عنه الغد، ~~وتخايل لعينيها المصير المنتظر. لم يعنها كثيرا فقدان الآمال ~~البعيدة، ولكن كربها تزعزع الطمأنينة الحاضرة. هل تحرم هذه الحياة ~~الناعمة الراغدة؟ ... هل ينضب النبع الذي يروي أسرتها العطشى لتجد ~~نفسها يوما في إحدى مدن الريف ربة لبيت باهت تقف حياتها على خدمته ~~ورعاية صاحبه؟ هذه الخواطر بالأحلام المزعجة أشبه، ولم تدر كيف ~~تواجهها غدا إذا صارت حقائق واقعة! ولكن الظاهر أن الخبر كان سابقا ~~لأوانه، ولم يجدا صدى في الجرائد التي عكفا على قراءتها بعناية. ~~وأكد لهما كثيرون من الأصدقاء أنه لم يئن الأوان بعد. وتتابعت أيام ~~أغسطس في هدوء حتى ألفا الطمأنينة مرة أخرى، بل عاد محجوب يذكر ~~والديه ويتساءل عما ينبغي أن يصنع بهما. وكان هذه المرة ذا عزيمة ~~صادقة، فكتب خطابا لأبيه يعرب له عن أسفه لعجزه عن معاونته، وذكر له ~~أنه لا يني عن البحث عن عمل، ووعده بفرج قريب، وقال لنفسه، يسكن ~~خاطرها: إن الرجل يستطيع أن يصبر شهرا آخر أو شهرين حتى يدركه ~~بالمعونة في ظروف أنسب؟ ... ولكن الطمأنينة لم تدم. وبعث الخبر الذي ~~أعلنه أحمد بدير أول الشهر من جديد، وتطايرت الإشاعات حتى ملأت الجو، ~~وبات الأفق ينذر بشر مستطير، وعاد الزوجان إلى أفكارهما، ~~وساورتهما المخاوف. وقد قابل محجوب مديره سالم الإخشيدي في مكتبه ~~يوما ليسأله عما هنالك؟ ووجده كما عهده دائما هادئا رزينا، ولكنه ms113 ~~لم يتأثر بهدوئه ولا برزانته؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لا يخرج عنهما ~~حتى في أحرج الأوقات. ورفع إليه الرجل عينيه المستديرتين متسائلا، ~~فسأله الشاب وقد ظل واقفا: ما حقيقة هذه الإشاعات التي تتناقلها ~~الألسن؟ # فسأله الإخشيدي بصوت لم يفقد أية رنة من رنات الرياسة: أية ~~إشاعات؟ ~~- سقوط الوزارة. ماذا وراء الأكمة؟ # فابتسم الإخشيدي وقال: وراء الأكمة ما وراءها! ~~- هل حقا يمكن أن يزول هذا العهد؟ # فقال الإخشيدي وقد تملكته رغبة عابثة في تعذيبه: كل شيء ~~زائل. # فملأه بروده حنقا وغيظا حتى اضطر إلى مداراتهما بالابتسام، ~~وقال: سعادتك تعلم أشياء وأشياء بلا ريب ... # وأبت عليه نفسه أن يقول إنه لا يعلم شيئا، فابتسم ابتسامة غامضة ~~وقال بثقة: انتظر، إن غدا لناظره قريب ... ~~- أما من كلمة مطمئنة؟ # وعاودته الرغبة في تعذيبه، فسأله متجاهلا: ماذا يخيفك؟ # فاتسعت عينا الشاب الجاحظتان دهشة، ورفع حاجبيه، ثم قال: ما أجمل ~~أسوان في أغسطس! # فهز الإخشيدي كتفيه استهانة وقال: كل مكان ينبت العز ~~طيب. ~~- الإشاعات صادقة إذن ... # فصمت الإخشيدي لحظة منقبا عن إجابة لا تكشف جهله غدا أو بعد غد، ~~ثم قال: لا يعلم أحد حتى هذه اللحظة، أما بعد ذلك فالسياسة مجنونة ~~... # وعاد إلى حجرته مغيظا محنقا يقول لنفسه: «ابن الست أم سالم يريد ~~أن يوهمني بأنه سياسي داهية. تبا له!» # وعند الظهر ملأت الوزارة إشاعة بأن الوزارة قدمت استقالتها ~~بالفعل، وقال قائل: إنه اتصل ببولكلي بالتليفون فأكد له الخبر. ~~وعمت الموظفين حركة عنيفة لا تظهر إلا إبان الاستقالات، فانطلقوا ~~في الردهات يتحدثون بأصوات مرتفعة عن الوزراء الجدد. واضطرب الشاب ~~أيما اضطراب، ولاح في عينيه الوجوم. وجاءه الساعي وأخبره بأن قاسم ~~بك غادر الوزارة، فاتصل بالإخشيدي بالتليفون وسأله عن الجهة التي ~~ذهب إليها البك، فأجابه بأنه لا يدري. وخاطب - بالتليفون - جمهرة من ~~صحبه في الوزارات المختلفة وتلقى الإجابات: ماذا عندك من الأخبار يا ~~فلان؟ الحالة حرجة. ما آخر الأخبار يا أستاذ؟ قطران. هل من جديد يا ~~فلان؟ ضربوا الأعور على عينه. أسمعت الإشاعات الغريبة يا ms114 عزيزي؟ عن ~~الوزارة؟ إلى الجحيم يا سيدي! وهكذا حتى أيقن أن الوزارة في النزع ~~الأخير، ورن جرس تليفونه، وإذا بالمتكلم إحسان زوجه، فأوجس خيفة: هل ~~جاءك النبأ؟ ~~- الوزارة؟ ~~- نعم، استقالت ... ~~- كيف علمت هذا؟ ... ~~- ملحق الجرائد ... ~~- إذن ... ~~- إني أكلمك لأطمئنك. ~~- كيف؟ ... هذا كلام غير معقول ... ~~- بل معقول جدا، سأحدثك بالتفصيل عند عودتك. اعلم الآن أن البك ~~قال لي إن الوزارة ستتغير، أما العهد فباق كما كان ... ~~- أمتأكدة أنت؟ ~~- ولدي أخبار تسرك غير هذه ستعلمها حين عودتك ... # وأغلقت التليفون، فنهض الشاب من فوره وغادر الحجرة. وفي الطريق ~~سمع باعة الصحف ينادون بأعلى أصواتهم على استقالة الوزارة، وآنس ~~الاهتمام والسرور يجريان مع الهواء في كل مكان. ذهب الطاغية، غار ~~سفاك الدماء، وانفك حبل الاستبداد عن أعناق المصرين أو كاد. لم ~~يشاركه أحد سروره، ولولا ما بشرته به زوجه لانتحب باكيا. ووجد ~~إحسان في انتظاره، فاستقبلته بابتسامة عذبة، وأقبلت عليه تحدثه بما ~~عندها من أخبار، وأعادت على مسمعيه ما قالته في التليفون، ثم سألته: ~~أتدري من وزيرك الجديد؟ # فسألها متعجبا: من؟ ~~- قاسم بك فهمي ... # رمقها بنظرة ذاهلة وقد تورد وجهه، وسألها: أقال لك هذا؟ ~~- أجل ... # غمره شعور ارتياح وسرور، ولكنه لم يطمئن به طويلا، وما لبث أن ~~نتف حاجبه الأيسر وهو يقول: وزيرا! ... ليته ظل كما كان! ... الوزارة ~~تقليد لا تخليد، فمن لنا غدا؟ ... # ولكن ريبه لم يؤثر فيها؛ فقد خالت أن الوزارة آلت إليها هي، وقالت ~~بإنكار: إنه الوزير، ألا تفهم؟ ... ~~- بلى يا عزيزتي، هي فرصة سعيدة، بيد أن الوزارة قصيرة الأجل ~~كالأحلام السعيدة، وسيستقيل غدا أو بعد غد، ونجد أنفسنا بلا نصير، أو ~~تحت رحمة أعداء لا يرحمون ...! # فلم تحر جوابا، ومضت تنتقل إليها عدوى القلق حتى لعنته في سرها، ~~وجعل الشاب يزن الأمور واحتمالاتها بفكر سريع نافذ، ثم قال: هذه هي ~~فرصتنا الأخيرة؛ فإما نحسن انتهازها فنحن في عيشة راضية، وإما ندعها ~~تفلت من أيدينا فالعاقبة الهوان. # والتقت عيناهما، وأدركت ما يرمي إليه، ولكنها انتظرت حتى يفصح عن ~~رأيه. واستدرك محجوب ms115 قائلا: إذا استقال ونحن في مركز «معقول» فلن ~~نأسف على ذهابه ...! واستأنف الكلام بعد صمت قليل: ينبغي أن ألحق ~~بمكتبه ... ~~- سكرتيرا له؟ # فهز رأسه كأنه يقول: «هذا لا طائل تحته.» واستدرك: سكرتيره درجة ~~سادسة؛ فلا فائدة فيها، أما مدير مكتبه فدرجة رابعة! ~~- أيمكن القفز من السادسة إلى الرابعة؟ ~~- يمكن ترقيتي إلى الخامسة خصما على الرابعة، وفي الكادر تأويلات ~~تتسع لكل شيء، فما رأيك؟ # وعضت على شفتيها لتخفي ابتسامة خيلاء، وكانت تدرك أن أية درجة ~~يرقى إليها فكأنما ترقى إليها هي، ولم يداخلها شك في أن الدرجة ~~الرابعة المرجوة تستطيع أن تحتفظ لها بمستوى الحياة الذي تتمتع به ~~الآن، فبادلته شعوره بإخلاص، وتمتمت قائلة بصوت خفيض: لا أظنه ~~يرفض لي رجاء ... # فقال بحماس وإيمان: همتك، همتك يا بطلة! فعلى نتيجة سعيك يتوقف ~~مصيرنا. # وفي صباح اليوم الثاني تناول الأهرام باهتمام، ونظر في الصفحة ~~الأولى، فجرى بصره على عمود من الصور، صور الوزراء الجدد، ووجد في ~~وسطه مبتغاه؛ صورة قاسم بك فهمي، فاستقرت عليها عيناه، وتنهد من ~~الأعماق: ترى هل يتحقق هذا الأمل! ... هل تستطيع قبلة أو رنوة أو ~~تنهدة أن تنقله من حال إلى حال، وأن تدفعه من طبقة إلى طبقة؟ # 39 # ومضت أيام قلائل، وجعل الوزير الجديد إقامته في القاهرة - لا في ~~بولكلي - لحالة ربو يعانيها منذ سنوات. وفي اليوم الرابع لتوليه ~~الوزارة علم محجوب أنه قد استقر الرأي على اختياره لوظيفة مدير ~~المكتب. استقبلته إحسان بابتسامة وقالت بخيلاء: «مبارك ...» فاهتز ~~فؤاده سرورا، واضطرب اضطراب المفاجأة كأنه لم يركز كل اهتمامه في ~~هذا الأمل طوال الأيام الأربعة الماضية. صار الأمل حقيقة رائعة، ~~وسيصبح من كبار الموظفين. ليست الدرجة الخامسة بالحظ الذي يستهان ~~به، فما بالك إذا كانت خطوة قصيرة إلى الرابعة؟! وتخايلت الرابعة ~~لعينيه مرسومة بألفاظ واضحة، ثم تحولت إلى صور ذهنية على هيئة ~~كرسي كبير، وأحاط بالكرسي سعاة، ومثل أمامه خلق كثيرون من جميع ~~الطبقات. ولم ير نفسه وهو يتخيل هذا المجد وإلا لسخر منه كعادته؛ فقد ~~قطب متكبرا، ms116 وألقى على ما أمامه نظرة مرتفعة من رأس شامخ. ولذ ~~له في تلك الساعة أن يفر صفحات الماضي القريب؛ ليالي فبراير، دكان ~~الفول بميدان الجيزة، رحلة الأهرام، تردده بين الجيزة وشارع الفسطاط ~~والإخشيدي مادا يده بالسؤال، زواجه، ثم هذه النهاية! ... ولاح له رأسه ~~المفعم جسارة وفلسفة كمصباح يهدي سواء السبيل؛ فطاب نفسا، وفرك ~~يديه حبورا. # وذهب إلى الوزارة مبكرا في اليوم الثاني، وجلس إلى مكتبه الذي ~~يوشك أن يهجره، وقد بدا لعينيه حقيرا، ولكنه لم يكن أول ~~المبكرين. فتح الباب وبدا عند عتبته الأستاذ سالم الإخشيدي! ... وانقبض ~~صدره انقباضا لم يبد على وجهه بطبيعة الحال، ووقف مبتسما يستقبل ~~القادم، وهو يتساءل في نفسه: ما الذي دعاه إلى التنازل عن كبريائه ~~والقدوم إلى مكتبه؟! ومد له يده بسرور وهو يقول: أهلا بسعادة البك. ~~تفضل بالجلوس! # وجلسا معا، وجاد الإخشيدي بابتسامة من ابتساماته النادرة، وتكلم ~~كلاما عاما عن الوزارة الجديدة، والبك الذي ينتظر أن يخلف قاسم بك، ~~ثم قال بهدوئه المعهود: لدي ما أحب أن أكاشفك به، وقد أمرت ~~ساعيك بألا يأذن لأحد بالدخول ... # وحدس الشاب ما يريد قوله، وأحس استياء وحنقا، ولكنه قال بلهجته ~~الدالة على الترحيب والسرور: حسنا فعلت، وها أنا ذا رهن أمرك ~~... # فصوب الإخشيدي نحوه عينيه المستديرتين وقال: الأمر جد خطير ~~ما دام يتعلق بمستقبلنا، وسنجني من ورائه نفعا مؤكدا متبادلا، ~~ولكني أحب أن أسألك سؤالا قبل كل شيء: ألم تجدني صديقا ~~مخلصا؟ ~~- بل خير الأصدقاء جميعا ... # قال محجوب ذلك وهو يعجب لهذه اللهجة اللينة اللطيفة التي لم ~~يتعود الإخشيدي الكلام بمثلها من قبل. أين الأمر والنهي والزجر؟ أين ~~البرود والتعالي؟ وقد شعر في أعماقه بدبيب الحنق والسخرية، ثم استمع ~~إليه وهو يقول: شكرا لك، صداقتنا هذه كنز نفيس، وبفضلها تستطيع أن ~~نقتحم الصعاب يدا واحدة ... ~~- نطقت بالحكمة كعادتك يا بك ... # وجعل يقول في سره: تكلم عن الصداقة كيف شاء لك الخداع؛ فأنا ~~أعرفك كما تعرف نفسك أيها الشيطان الماكر، وحسبي أن أعرف نفسي كي أعرفك ~~حق المعرفة، ms117 ولكل شيء آفة من جنسه! # وحدجه الإخشيدي بنظرة ثاقبة، وقال: علمت أن مذكرة تكتب لندبك ~~مديرا لمكتب الوزير ...؟ # هذه هي النقطة الجوهرية، أيريد أن يتنازل له عن الوظيفة؟! ... يا له من ~~أحمق، كيف غاب عنه أنه تلميذه؟! إن الدين والأخلاق والتقاليد لم تستطع ~~أن تحول بينه وبين هذه الوظيفة، فهل يظن أن «صداقته» تنجح فيما ~~أخفقت فيه جميع القوى! قال بهدوء: أجل، علمت ذلك بالأمس فقط ... # فقال الإخشيدي: إن ذلك يسرني بقدر ما يسرك، بيد أني أحب أن ~~ألفت نظرك إلى أن درجة مدير مكتب رابعة وأنت في السادسة، فإذا وجدت ~~درجة خامسة خالية فقد بلغت مرادك. خذ وظيفتي ودع لي وظيفتك الجديدة ~~يتحقق أملنا جميعا. # وتساءل محجوب في سره: أغبي هو أم يتغابى؟! فلم يدرك أنه يطمع في ~~الرابعة نفسها؟ وهب القفز إلى الرابعة تعذر عليه، فهل من شك في أنه ~~يفضل أن يكونا في الخامسة معا عن أن يمهد له سبل التفوق عليه؟ ~~ونظر إليه متظاهرا بالاهتمام وتساءل: وماذا تريدني على أن ~~أفعل؟ # فقال الإخشيدي: صارح الوزير بأنك قانع بوظيفتي ... # وجاءت الدقيقة الفاصلة! وكان يدرك بلا ريب أن أسطورة الصداقة التي ~~تغنيا بها معا رهينة بكلمة واحدة، فتردد قائلا، وذكر أن عداوة ~~الإخشيدي شيء لا يستهان به، فليس الرجل بعلي طه أو مأمون رضوان ~~اللذين لهما من شرفهما وازع، هذا رجل - مثله - بلا خلق ولا مبدأ، ~~وهو يعرف كل شيء، فماذا يصنع؟! ... وتفكر مليا. قال إن سره سيعرف ~~يوما بلا ريب، إن لم يكن عرفه بالفعل أمثال أحمد بدير، وماذا نال ~~تهكم بدير من أبطال حفلة جمعية الضريرات؟! ... طظ! كلا، ثم لا ينبغي ~~أن يتردد، وليذهب الإخشيدي وصداقته إلى الجحيم! واجتاحته عاصفة ~~استهانة، فقال: ألا ترى يا سالم بك أن هذا معناه رفض شرف آثرني به ~~الوزير؟! فرمقه الإخشيدي بنظرة غريبة كأنها تقول له: «يا ابن ~~اللئيمة!» ولكنه حافظ على هدوئه بقدرة عجيبة، وصمت برهة، وقد هم ~~بمراجعته، وأوشك أن يرسم ابتسامة من ابتساماته، وانتظمت على لسانه ~~عبارات ms118 لطيفة، وكاد يذكر كلاما عن الصداقة والتعاون، ولكن إرادته ~~منعت ذلك كله، فظل صامتا جامد الوجه والنظرة، واكتفى بأن تساءل ~~بلهجة لا تدل على شيء: أهذا رأيك؟! # فقال محجوب بغير مبالاة وقد تلبسه شيطانه: أجل، ألا تشاركني ~~رأيي؟! # فتمتم الإخشيدي وهو يحول عنه عينيه. ~~- معقول، لك حق. أشكرك. مبارك! # وغادر الحجرة بخطاه الوئيدة وقد عاوده كبرياؤه. وارتفق محجوب ~~مكتبه متفكرا! سبق أن خسر علي طه ومأمون رضوان، وكان ينسى سريعا. ~~أما هذه المرة فقد ساوره الخوف، وقد ثار بخوفه، وكور قبضته غاضبا، ~~وكأنما أراد أن يتناسى همه فنهض قائما، وغادر الحجرة إلى إدارة ~~المستخدمين ليطلع بنفسه على مذكرة ندبه ... # 40 # واحتل الأستاذ محجوب عبد الدائم - أو محجوب بك عبد الدائم من الآن ~~فصاعدا - حجرة مدير مكتب الوزير. ووفد عليه كبار موظفي الوزارة ~~مهنئين، فكان يوما عظيما ومجدا مشهودا. وهنأه البعض بالدرجة ~~الرابعة «مقدما»، كأنها باتت أمرا مفروغا منه! أما سالم الإخشيدي ~~فلم يهنئه، وأعلن بذلك عداوته صراحة، وقد ذاع خبر في الوزارة بأن ~~الإخشيدي سينقل إلى الخارجية، وبأنه سيرقى هناك إلى الرابعة، فلم ~~يغب عنه المصدر الذي خرج منه الخبر، ولكنه لم يستبعد صحته؛ لأنه كان ~~يعلم بصلات الرجل بكبار رجال الدولة. وقد قال لنفسه: «الإخشيدي قوي ~~بلا جدال، ولولا زوجي ما تغلبت عليه، ولكان اليوم في مكاني هذا ...» ~~وداخله سرور، فإذا نقل الإخشيدي حقا خلا له الجو، وصار رجل الوزير ~~الأول، كما صارت زوجه من قبل امرأة الوزير الأول. سر لذلك بلا ريب، ~~بيد أن سروره لم يدم طويلا. عاد يفكر في غضب الإخشيدي وانتقامه، ~~وفيما عسى أن ينجم عن هذا وذاك، وسرعان ما أدركته روح الاستهانة ~~فاسترد مرحه، وجعل يقول لنفسه: إن الناس يحبون المظاهر ويخدعون ~~بالرياء؛ فإذا اضطر للدفاع عن نفسه عاطاهم ما يشتهون من تظاهر ~~ورياء، ولو بلغ به الأمر أن يشترك في جمعية الشبان المسلمين ~~مثلا! فطظ في كل شيء إلا الناس، على الأقل في العلانية، ولكنه لم ~~ينته عند ذاك من الإخشيدي وغضبه. خطر ms119 له خاطر أزعجه أيما إزعاج، ~~وقد عجب كيف أنه لم يخطر له من قبل. الإخشيدي جار قديم من القناطر، ~~ألا يجوز أن تبلغ به الرغبة في الانتقام أن يفشي سره بطريقة ما ~~إلى والديه؟ ازدرد ريقه بصعوبة وقد علت وجهه صفرة باهتة، وجعل ينتف ~~حاجبه متفكرا مغتما. ولبث متفكرا مغتما حتى كبر عليه أن ~~يذهب سروره - يوم مجده - ضحية وساوس قد لا يكون لها أثر من الحقيقة، ~~فنفخ مغيظا محنقا، وكور قبضته غاضبا، وقال لنفسه: قضي الأمر، ~~وكان ما كان، فليكن ما يكون. وبعيد جدا أن يبلغ الإخشيدي حقيقة ~~زواجه؛ فإنه هو أيضا يعرف عنه حقائق ليست دون زواجه خطورة، ثم إن ~~الإخشيدي أحكم من أن يفشي سرا يتعرض به لغضب قاسم بك، ولكنه من ~~ناحية أخرى ينبغي أن يتوقع أن يعلم أبوه بنبأ تعيينه، فيحسن به أن ~~يدبر للرجل ما يقيم أوده ويصون كرامته ... وأراد أن يطرد همه، فبسط ~~ورقة على مكتبه، ورسم رقم مرتبه الجديد: 25 جنيها؟ وثبت عليه عينيه ~~الجاحظتين حتى ابتسمت أساريره. سيقبضه أول أكتوبر، وما أول أكتوبر ~~ببعيد، فهل يمكن أن يتصور ذلك بائع الفول بميدان الجيزة؟ بل مأمون ~~رضوان نفسه لن يزيد مرتبه بعد عودته من البعثة - بعد ثمانية أعوام - ~~على مرتبه هذا! نجحت طظ نجاجا باهرا! وقد ارتاح لذلك ارتياحا ~~عزاه عن كل ما لاقى من ألم ونصب وقلق وأحزان، وسر سرورا خالصا ~~ببراءته من ذلك المرض الوهمي الخبيث الذي يسمونه الضمير أو الندم. ~~حقا خاف أحيانا الناس، وعذبته الغيرة أحيانا أخرى، ولكن هذا شيء ~~والندم شيء آخر. كان كفره بالقيم والمجتمع كاملا باهرا، وإنه ~~ليؤمن بأنه سيظل قويا حرا، ما امتد به العمر، وأنه لن يلين أو ~~يضعف إذا أقعده مرض أو رد إلى أرذل العمر. وما أجمل أن يستهين ~~بالموت - إذا حضره الموت - وأن يرمق العدم بعين التسليم بالواقع دون ~~فزع إلى قوة وهمية أو إله باطل. هذا هو انتصار العقل الحر على ~~الغرائز العمياء والأوهام الباطلة! وتذكر قاسم بك فهمي ms120 والإخشيدي ~~وعشرات ممن اتصل بهم في حياته الجديدة، كل أولئك يبدون كأنهم من ~~مدرسته. كلا، إنه يرفض ذلك رفضا متعجرفا! أولئك يفعلون الشر وهم ~~يعرفون أنه شر، ومنهم من يفعله وهو لا يميز الخير من الشر، ومنهم من لا ~~يحمل نفسه مشقة التفكير بتاتا، ومنهم من يفعله وهو يؤمن بالخير. هو ~~غير هؤلاء جميعا، إنه ينكر الخير والشر معا، ويكفر بالمجتمع الذي ~~صنعهما، ويؤمن بنفسه فقط؛ يوجد لذيذ ومؤلم، ونافع وضار، أما خير وشر ~~فمحض وهم باطل. ورب قائل يقول: «لو آمن كل بهذا لهلك الناس ~~جميعا.» هذا حق لا جدال فيه، ولكنه ليس أحمق كي يدعو لرأيه هذا، إنه ~~يحتفظ به لنفسه، وإذا قال تكلم غيره، فرزق أمثاله من الأحرار على ~~الحمقى من المؤمنين! والمجتمع متسامح مع أمثاله إذا أحسنوا التخفي، ~~فالمجتمع لا يعنيه إلا أن يحافظ على ذاته، ويعادي في ذلك حتى عشاقه ~~الذين ينشدون له الكمال، أمثال علي طه ومأمون رضوان؛ فهو كالمرأة ~~المغرورة إذا آنست من عاشق انتقادا نبذته؛ ولذلك فنصيب هؤلاء التعب ~~والكفاح، وربما السجن! # طابت الحياة إذن، ثم ذكر أمرا فاستدرك قائلا: «إلا شيئا واحدا.» ~~هي إحسان! أو هي تلك العاطفة المستبدة التي لا تقع بغير الحب. وأين ~~الحب؟ الفتاة تشاركه آماله، وتحسن معاشرته، ولكنه يشعر بأنها تؤدي ~~واجبا بإخلاص. إنها كالموظف الذي يحب الوظيفة دون عمله بالذات، ~~أو هو لا يحبه ولا يكرهه. ارتبط مصيرها بمصيره، هي تحب الحياة كما ~~يحبها، وتهوى الترف كما يهواه، ولكن ينقصه شيء كي يكمل هذا الامتزاج ~~حقا، شيء يروعه افتقاده حتى في تلك الأويقات التي يبدوان فيها ~~سعيدين ثملين، والشفة على الشفة، والصدر ملتصق بالصدر. وليس هذا ~~بالشيء الذي يهون وإن قال عنه - في غمرة اليأس - طظ، بل إنه ليحدث في ~~نفسه ثورة شبيهة بتلك الثورة التي أحدثها الجوع من قبل؛ ولذلك فكر ~~جديا في أن يسطو كما يسطى عليه، بل عابثته فكرة اكتراء حجرة ~~وتأثيثها استعدادا للطوارئ، ومن يدري؟ ... فلا يبعد أن يقصد إليها ~~غدا أو ms121 بعد غد ذوو الحاجات، وكما أعطى ينبغي أن يأخذ! ~~••• # وعند مساء ذلك اليوم - يوم مجده - وفد الأصدقاء على الشقة الأنيقة ~~بعمارة شليخر ليقدموا التهاني لزوج مدير المكتب، وجرى الحديث في مرح ~~وسرور، وقد اقترح البعض أن يحتفلوا جميعا بترقية محجوب. وقال أحدهم ~~مخاطبا إحسان: في يوم الخميس القادم ينتصف الشهر العربي، ويتربع ~~البدر في كبد السماء، وتمسي القناطر قبلة الواردين، فما رأيك في ~~رحلة قمرية ... (وهنا لحظ عفت بطرف خفي واستدرك غامزا بعينيه) ~~وعفت بك يملك يختا صغيرا جميلا ...؟! # وسر عفت سرورا كبيرا، وكان إعجابه بإحسان يزداد يوما بعد ~~يوم. # وقال بسرعة دلت على حماسة للقبول: اليخت وصاحبه رهن ~~أمركم! # وما سمع اسم القناطر حتى سرت في جسده قشعريرة باردة، وكان يعلم ~~أن حماس الصحاب ليس لشخصه هو، فقال معترضا: هذه النزهة القمرية لا ~~توافق جو سبتمبر الرطب البارد. # فضحك عفت وقد أشفق من أن تفلت من يده الفرصة السانحة، وقال: لا ~~شك أن وظيفتك الكبيرة قد بثت في نفسك شيئا من الشيخوخة، فبت ترجف ~~من الجو اللطيف ...! # وكان هذا «المدح في قالب الذم» جديرا بأن يلذ محجوب في ظروف ~~أخرى، ولكنه لم يستطع أن يتذوقه في رعبه، وقال بحمية: الدنيا ~~واسعة، اختاروا أي مكان تحبون، أما القناطر ... # واعترض عليه كثيرون فضاعت بقية كلامه، ولم يدر كيف يقنعهم ~~ويحولهم عن رأيهم، ولبث حيال احتجاجهم مقهورا، بينما راح عفت ~~يقول: ليس ثمة فائدة ترجى من الاعتراض، والأولى بك أن تصغي إلى ... ~~سينتظر اليخت عند قصر النيل في الساعة التي تتفقون عليها ... أطعمة ~~جافة لطيفة ... زجاجة ويسكي لكل ثلاثة ... دعوني أحصيكم ... # وعلا ضجيج الاستحسان، وشاركتهم إحسان سرورهم، وجعل محجوب يقلب ~~عينيه في وجوههم حائرا وعلى شفتيه ابتسامة لا معنى لها. لن يجد من ~~رحلة القناطر مهربا، سيقطع حدائقها ذهابا وإيابا في ضوء القمر. ~~أليس من المحتمل أن يلقى أحدا من أهلها الذين يعرفونه؟ ... بلى، هذا ~~محتمل، ويحسن به والحال كذلك ألا يبرح اليخت منتحلا عذرا. أجل ~~لن يستطيع مقاومة العربيدين العنيدين، فليذهب ms122 إذا لم يكن من الذهاب ~~بد، والحدائق على أية حال بعيدة عن المحطة، بعيدة عن البيت البائس ~~الباهت ... # 41 # ومضت أيام أربعة تمتع فيها بوظيفته الخطيرة متعة صافية، وقد شعر ~~جميع الذين يتصلون به من الموظفين - صغارا وكبارا - بأنه موظف ~~متعجرف ينبغي أن تؤدى إليه حقوقه كاملة، ولا يعفو عن زلل، ولا ~~يتكلم إلا آمرا. وكان كلما لان الموظفون - ولا بد أن يلينوا - تمادى ~~وطغى، واستلذ تماديه وطغيانه حتى ود في أحايين لو يمضي يومه كله ~~في الوزارة آمرا زاجرا ...! # وجاء يوم الخميس، موعد النزهة، فغادر الزوجان بيتهما ومضيا في ~~طريق قصر النيل، وقالت إحسان بتأفف وهما يقطعان طريقهما: لعلك الوحيد ~~في الجماعة الذي لا يملك سيارة ...! # فضحك محجوب قائلا: في التأني السلامة ...! # ولكن ملاحظتها حملته على أن ينادي على تاكسي فيستقلاه على قرب ~~المسافة، وذكر لهجتها المتأففة فقال لنفسه ساخرا: «عيب كبير ألا ~~يكون لكريمة عم شحاتة تركي سيارة خاصة!» ثم ذكر الأعباء التي تواجهه ~~بها الحياة الجديدة، كرغبته في اكتراء حجرة وتأثيثها، واقتطاع بضعة ~~جنيهات من ماهيته لوالده، وغير هذه وتلك من وجوه الترف والإنفاق، ~~فهاله الأمر، وحدث نفسه قائلا: «سأظل ما حييت فقيرا إلى المال!» ~~وبلغا مرسى اليخت بعد قليل، فغادرا التاكسي وأقبلا نحو الأصدقاء ~~المنتظرين وقد غشي الظلام الآفاق، واستقبلا استقبالا جميلا، ~~وتقدم عفت بك من الزوجين وصافحهما، وأعطى ذراعه لإحسان؛ فتأبطته ~~وسارا في الطليعة إلى اليخت. ولم يكن مججوب يحب صاحب اليخت، وقد بدأ ~~يخامره النفور نحوه منذ لبى دعوته إلى الفانتزيو. قرأ في عينيه ~~الجميلتين آي الإعجاب بزوجه، فامتعض وتميز من الغيظ، ورمق شعره ~~الأحمر، وبشرته البيضاء، وجسمه الرياضي، بعين المقت والغضب ... # وكان اليخت صغيرا، ولكنه جميل أنيق. وكان مكونا من طابقين؛ ~~بالأول المقصورات، والثاني سطح مسور اصطفت به المقاعد الوثيرة على ~~هيئة دائرة، وفي المقدمة منه امتدت الموائد حافلة بما لذ وطاب. ~~وقد أمر عفت بك بالإبحار فرفعت المرساة، وأبحر اليخت ميمما شطر ~~الشمال. في هداية نور القمر البهيج وسط الأفق الشرقي صاعدا ms123 من وراء ~~النخيل. هكذا بدأت الرحلة ... # وجلس الأصدقاء على المقاعد متقابلين، وراحوا يسمرون في جو لطيف ~~رطيب. وجعل محجوب يردد ناظريه بين الوجوه المشرقة والقامات ~~الهيف، فبهره الشباب والجمال، ورأى زوجه بعيدا عنه في هالة من ~~الإعجاب والمعجبين، فذكر أيام كان يطالعها عن بعد من نافذة حجرته ~~بدار الطلبة، بيد أنه رآها الآن أبهى ما تكون جمالا وسحرا، واستشعر ~~الهوة العميقة التي تفصل بينهما! وجرت أمام مخيلته صور سريعة ~~مضطربة، فرأى علي طه - في حالتي سروره وحزنه - وعم شحاتة تركي، ~~والوزير، وسالم الإخشيدي، ومخدعه بعمارة شليخر! ووجد نفسه يتساءل: ~~أيفضل لو كانت إحسان له قلبا وجسدا في بيت زوجية هادئ «شريف» ولو ~~كان موظفا صغيرا بلا مجد؟! ولم يجد الجواب حاضرا. أجل، كان طموحه ~~قويا كعاطفته، بل لعل طموحه أقوى، ولكن ما جدوى المفاضلة؟! وألقى ~~بنظره إلى النيل يتسلى، ثم رفع بصره إلى البدر الآخذ في الصعود ~~والصفاء، كلما امتدت ظلمة الليل أذكت نوره وبهاءه، ولكنه لم يكن من ~~الذين تفتنهم الطبيعة بمحاسنها، وكان يلذ له أن يقول: إن الهيام ~~بالطبيعة مفسدة للعقل، ومصدر منذ الأزل لجهالات لا نزال نرسف في ~~أغلالها. وذكر صاحبه مأمون رضوان وكيف كان يستيقظ في الفجر للصلاة ~~والعبادة، وكيف كان يقلب وجهه بين النجوم الساهرة ويتلو: «والليل إذا ~~يغشى»، «والسماء والطارق»، بصوت حنان، وعيناه الصافيتان تلمعان لمعان ~~النجوم الزاهرة، ولكن هل يوجد بين هؤلاء الشبان والشواب من يعشق ~~الطبيعة؟ وألقى عليهم نظرة شاملة فوجدهم في شغل عن الدنيا ~~بأنفسهم. # وسمع آنسة فيفي تتساءل في إغراء: لماذا لا نرقص ...! # فقال علي عفت من فوره: ارقصوا إذا شئتم، ولكن هل ترقصون بلا ~~موسيقى؟ # فقال أحمد عاصم: أبشروا، لقد أحضرت معي موسيقى اليد. # وتصاعدت أصوات الاستحسان، ودارت العيون تتصيد الأحباب، وتناول ~~أحمد عاصم آلته ولعب بها وهو يتمايل على مقعده مع أنغامها الراقصة، ~~ونهض الجميع للرقص إلا إحسان ومحجوب اللذين يجهلانه، وعفت بك الذي آثر ~~أن يجلس إليهما. وجعلوا يشاهدون الراقصين في صمت وإعجاب، ثم أعلن عفت ~~بك ms124 إنكاره لجهلها الرقص، وقال لإحسان: سأعلمك الرقص؛ فإنه لا يجوز أن ~~تجهليه ... ما رأيك؟ # فتمتمت وعيناها لا تفارقان الراقصين: لا أدري. ~~- غريب من يجهل الرقص في الحفلة الرائعة، أليس هذا رأيك يا محجوب ~~بك؟ # فشعر محجوب بالخطر المحدق به، وأراد أن يزوغ منه، فقال بعدم اكتراث: ~~لا أظن ... # فضحك عفت ضحكة عالية وقال: يا لها من أسرة من صميم القرن التاسع ~~عشر ... # وضحكت إحسان لضحكه وقالت: قد نتتلمذ لك يوما ما ... # فلاح الحماس في وجه الشاب وقال بسرور فياض: في أي وقت تشائين ~~... # ولازم محجوب الصمت متظاهرا بالاهتمام بمراقبة الراقصين، وهو يكظم ~~حنقه وثورته. إن الشاب الأحمق التياه بجماله يتحفز للانقضاض على ~~عرضه، وإنه لفاعل إذا وجد غرة، ولكن هيهات أن ينهزه فرصة؛ فليس ~~لأحمق مثله أن ينبت في رأسه قرنا جديدا ... لقد وهب رأسه للقرون ~~الذهبية، قرون المجد والسلطان، ولكن ترى هل تستجيب لغزله؟ هل تلين ~~هذه الفتاة الغامضة الفاتنة؟ وأحس أنياب الغيرة السامة تنهش ~~صدره. # ورقص الراقصون حتى أدرك أحمد عاصم التعب - أو الملل - فكف عن ~~اللعب، وانفرط عقد المتجاذبين، فعادوا إلى جلستهم الأولى مشرقة ~~وجوههم بالابتسام. وكان البدر قد علا في السماء وانسكب نوره إلى مياه ~~النيل المتموجة، فتقاذفته ونشرته كاللؤلؤ يخطف الأبصار. وتساءل ~~البعض: متى نفتح البوفيه؟ # فرد عليه قرين: ليس قبل أن يرسو اليخت إلى شاطئ الحديقة يا ~~جائع؟ # فقال آخر: هل لكم في لعب الورق؟ # ولكن اعترض كثيرون على الاقتراح أن يلهيهم عن صفوهم، وعادوا إلى ~~السمر، وانتبه محجوب من أفكاره على صوت الأستاذ حسني شوكت وهو يقول: ~~كيف لا يكون أمرا خطيرا؟! ... إن نجاح الحزب النازي في الوصول إلى ~~الحكم أمر جد خطير. # فقال أحمد عاصم: ولكن شخص الرئيس هندنبرج حقيق بأن يبتلع ~~هتلر. ~~- انظر إلى الأفق، ألا ترى أن هتلر في عنفوان الشباب والرئيس في ~~نهاية العمر؟ ~~- إذن سيتمخض الغد عن حرب ضروس ... ~~- كلام معقول، بيد أن فرنسا لا تتريث حتى تستعيد ألمانيا قوتها ~~وتجمع للانقضاض عليها، وهنالك حلقة محكمة حول ألمانيا ms125 من البلدان ~~الموالية لفرنسا كبولندا وتشيكوسلوفاكيا والبلقان، ولا تنس أن ~~إيطاليا العظيمة تعد نفسها حامية النمسا؛ فما هو إلا أن تتصافح هذه ~~البلدان، وربما انضمت إليها روسيا، فتضيق الحلقة الفولاذية رويدا ~~رويدا حتى تخنق ألمانيا في النهاية، وتقضي عليها القضاء الأخير ~~... # وإنجلترا ؟ ... هل تتغاضى عن خنق ألمانيا؟ ~~- ولم لا؟ ~~- إنجلترا أمكر من أن تترك فرنسا - أو غيرها - تسيطر على القارة ~~الأوروبية. # أصغى محجوب إلى الحديث باهتمام، وكان على اطلاعه الواسع على السياسة ~~الداخلية عظيم الجهل بالسياسة العالمية، فاقترح على نفسه أن يعنى ~~بمعرفة الأخبار الخارجية حتى لا يفوته الكلام فيها إذا لزم الأمر، ~~وتظاهر بتأمل القمر والغياب عما حوله حتى لا يلاحظ أحد صمته، ~~فغاب حقا عن الحديث دقائق، ولما عاد بوعيه إلى الجلوس وجد الحديث قد ~~طرق الأحوال الداخلية دون أن يدري كيف، وسمع بعضهم يقول: أما مصر ~~فيستطيع أي حاكم أن يستبد بها دون كبير خطر. ~~- الواقع أن أي نظام من أنظمة الحكم يستحيل ديكتاتورية إذا طبق ~~في مصر. ~~- هذا وطن «ضربك شرف يا أفندينا» ... # وقال أحمد عاصم بلهجة اليقين: لن تظفر مصر باستقلالها أبدا ... ~~- استبدت بها عادة الحكم الأجنبي! # فضحك عفت وقال: وما حاجة مصر إلى الاستقلال؟ أما الزعماء فيتعاركون ~~على الحكم، وأما الشعب فغير أهل للاستقلال. # ووجد محجوب الفرصة سانحة ليقول قولا «أخلاقيا»، وليحدث لنفسه ~~سمعة إيجابية؛ الأمر الذي أجمع على تحقيقه حين فكر في الاشتراك في ~~جمعية الإخوان المسلمين، فقال مبتسما: ألا يسوءك أن تقول هذا القول ~~عن قومك ...؟! # فضحك عفت مرة أخرى، وقال بصوت مرتفع: لا تجري في عروقي نقطة دم ~~مصرية واحدة. # وأحدث قوله عاصفة من الضحك، أما محجوب فتضاعف مقته له، لا غضبا ~~لوظيفته، ولكن ثورة لكبريائه، وذكر خطبة رنانة ألقاها والد عفت في ~~مجلس الشيوخ، فظن أنه قبض على عنق الشاب، وقال بلهجة الظافر: فما ~~قولك في خطبة الباشا والدك في مجلس الشيوخ، عند مناقشة الميزانية، التي ~~دافع بها عن الفلاح دفاعا وطنيا مجيدا؟! # فقهقه عفت وقال كالساخر: هذا في مجلس ms126 الشيوخ، أما في البيت فكلانا ~~متفق - أنا ووالدي - على أن أنجع سياسة مع الفلاح هي ~~السوط. # وضحك الحاضرون - من الجنسين - ضحكا عاليا، وابتسم محجوب يداري ~~هزيمته، وقد أفرخ روعه، وارتاح إلى تفرده بالدفاع عن «القومية ~~المصرية»، وقال لنفسه: «إن بدلة التشريفة الحقيقية هي ثوب الرياء؛ فلا ~~يفوتني ذلك!» وتساءل ساخرا: ترى كيف يصلح علي طه هذا الشعب الكريم؟ ~~وكيف يحقق مثله العليا؟ # ومضى الوقت واليخت يشق الأمواج وكأنه يسبح في النور السني، وانتبه ~~محجوب مرة ثالثة على قول شاب: فما من شك أن الزوجة أجبرت الباشا ~~زوجها على الإقامة في فندق إبقاء على سائق السيارة. # فسألت إحدى الفتيات باهتمام: وهل حقا خيرها الباشا بين بقائه هو ~~أو السائق؟ ~~- نعم. ~~- وماذا كان جوابها؟ ~~- السائق ... # ولبث يلتقط الأحاديث من هنا وهنالك، طورا في يقظة وانتباه، وطورا ~~شاردا ذاهلا، حتى لاحت الحدائق ساهرة في ضوء القمر كأعذب الأحلام، ~~ونهض الصحاب مهتمين، ثم دعاهم عفت بك إلى البوفيه. # 42 # استبقوا إلى الموائد، واتخذوا مجالسهم، وأترعت الكئوس، وملأ عفت ~~كأس إحسان، وكانت أول مرة تشرب في جماعة، فقالت بصوت خفيض: حسبي كأس ~~واحدة. # فقال الشاب ضاحكا: هلا تلفعت بخمار التقوى وذهبت إلى «السيدة» ~~للوعظ والإرشاد؟! # ثم همس في أذنها: انظري إلى حكمت، إنها تشرب زجاجة كاملة دون أن ~~يبوح لسانها بسر. # ورأت إحسان الجميع ينظرون إليها لتبدأ بافتتاح الحفل، فرفعت كأسها في ~~شيء من الارتباك، فارتفعت الأيادي بالكئوس، وهتفوا جميعا باسم مدير ~~المكتب، ثم أفرغوا كئوسهم حتى الثمالة. وسرعان ما مزقت السكاكين ~~اللحوم، ثم التقطتها الشوكات وسلمتها إلى الأفواه النهمة، وتحول ~~المقصف إلى ميدان، دارت به معركة بالغة في عنفها، بالغة في لذتها، ~~وتعددت ضحاياها من الأطعمة والأشربة. وتنبهت إحسان إلى أن عفت بك ~~يتعمد أن يلمسها وهو يميل نحوها ليملأ كأسها، وأن حذاءه مس حذاءها ~~أكثر من مرة، ولكنها لم تشجعه. وأكل محجوب وشرب بنهم، لا طلبا للذة، ~~ولكن هربا من مشاعره؛ لأنه ما انفك يفكر في البيت القائم أمام ~~المحطة مذ رسا اليخت ms127 إلى شاطئ الحديقة، تولاه شعور بالكآبة والخوف لم ~~يستطيع منه فكاكا. ترى ماذا يفعل والداه في هذه اللحظة؟ ألا يزال ~~والده طريح الفراش؟ وما عسى أن تفعل أمه؟ ... هل نفدت النقود؟ ... هل ~~باعا بعض الأثاث القديم؟ ألا يحتاجان لشيء من فتات هذه المائدة ؟ ... كيف ~~يتخلص من شعور الضيق والكآبة؟! من له بمن يخضع شعوره لقسوة عقله ~~الحر؟! وقد أفرط في الشراب، وثرثر بغير حساب، ولم يأل جهدا في الهرب ~~من باطنه، والارتماء بين أيدي المحيطين به، واختلط الحديث أيما ~~اختلاط. وسأل سائل جماعة المتزوجين: هل حقق الزواج أحلامهم؟ ~~وتبادل الأزواج نظرات الحيرة وضجوا ضاحكين. وسأل آخر عن أمتع ما في ~~الزواج، فقال شاب متزوج: إنه الحب. وقال آخر: إنه الخلاص من الحب! ~~وقال ثالث: إنه تحديد النسل! وأجاب محجوب في سره: «بل هو القرن ~~الذهبي!» وقال حسني شوكت بلا مناسبة: خسرت في الأسبوع الماضي خمسة عشر ~~جنيها. # فقالت له خطيبته: البقية في الأسبوع القادم! # وقال أحمد عاصم: يقولون إن سيئ الحظ في القمار سعيد في ~~الحب. # فقالت فتاة مبتسمة: ذلك لأن سيئ الحظ في القمار لا يعرف ~~الغش! # وقال شوكت مرة أخرى: إن أعجب مقامرة شاهدتها في حياتي كانت مقامرة ~~شاب بعشيقته! # فلاح الاهتمام في وجوه الجميع، وسأله كثيرون: حقا؟ ... وكيف كان ~~ذلك؟ # فأجاب الشاب الثمل قائلا: إنه صديق حميم، وقد اصطحب يوما ~~عشيقته إلى ناد خاص من أندية القمار، فخسر جميع نقوده، وكانت الخمر ~~قد لعبت برءوس الجميع، فاقترح عليه سكران أن يقامر بعشيقته على كل ~~خسارته؛ فإما استرد نقوده وإما خسر عشيقته، فقبل الاقتراح وقامر ~~عليه، وخسر عشيقته ... ~~- وهل رضيت المرأة؟! # كانت في حالة سكر بين، وقد انتقلت ملكيتها إلى الرابح، أو - وهو ~~الأصح - انتقلت ملكيته إليها. ~~- من عسى أن يكون ذلك الصديق؟ ~~- أما هذا فلا؛ لأن أحد الطرفين موجود بيننا. # وتبادلت الأعين نظرات الإنكار، وابتسمت الثغور في ريب، ولاح الفضول ~~في جميع الوجوه خاصة النساء، وسألت إحسان عفت بك: من هذا المقامر يا ~~ترى؟ # فسر الشاب بسؤالها ms128 وفسره على هواه، ثم قال: لا يدري ذلك إلا ~~الأستاذ شوكت، ولعله لا يدريه أيضا. ~~- أيعجبك هذا النوع من القمار؟ # فقال كالساخط: أنا لا أقامر بمن أحب ... # وأدركت أنها تكلمت أكثر مما ينبغي، وأجمعت على ألا تشرب غير كأسها ~~الثالثة، ودارت رءوس ورءوس ، فتشاحن زوجان علانية وتبادلا السباب، ~~وكاد الأستاذ حسني شوكت يفقد صوابه، وانتشى محجوب عبد الدائم، ولعبت ~~الخمر بعقله فتناسى همومه، وأكب على الحديث والضحك. # ولما فرغت الصحاف والزجاجات هتف بهم عفت قائلا: هلموا إلى ~~الحديقة ... # ورددوا قوله: «إلى الحديقة ... إلى الحديقة.» ومضوا أزواجا ~~وأفرادا. # وأراد محجوب أن يتخلف في اليخت كما كان اعتزم، وتنحى جانبا، ~~بالرغم من سكره الشديد، ولكن لاحت منه نظرة فرأى زوجه متأبطة ذراع ~~عفت بك في مقدمة الراحلين، فهاج دمه، وقرض أسنانه بحنق، وعثر به بعض ~~الإخوان فتأبط ذراعه ودعاه إلى المسير معه، فلم يقاوم، ونسي عزمه ~~ومخاوفه. وكانت الحديقة تموج بجماعات المرتادين نساء ورجالا، بين ~~سائرين يتضاحكون، وجالسين يأكلون ويشربون، وهؤلاء وأولئك ينفثون المرح ~~في كل مكان، وقد ألفت بينهم جميعا دواعي الغبطة وأواصر الشباب ~~والسرور وحب الفكاهة والمزاح، فاشتبكوا في الحديث على غير سابق معرفة، ~~وتراشقوا بالنكات بغير استئذان، صاعدين هضبة معشوشبة أو هابطين ~~مسيلا بين الزهور، معتصمين بخميلة من اللبلاب والياسمين أو ~~عابرين قنطرة على جدول يسيل بلجين القمر، والبدر يطل عليهم من ~~علياء السماء في موكبه الأبدي تحف به الكواكب والنجوم، غامرا ~~الدنيا بنوره البهي، وطابت النفوس وصفت، فراح ذوو الأصوات الجميلة ~~يسجعون الأغاني، وانطلق العازفون يستنطقون الأوتار. وكان أصحاب اليخت ~~يمضون في المماشي باعثين ضجيجا صاخبا، وكان الأستاذ حسني شوكت يعربد ~~بلا مبالاة، فلفت نحوهم الأبصار. وسار محجوب إلى يمين زوجه - وعفت بك ~~إلى جوارها - وقد بلغ به السكر. وكان يتكلم ويضحك، ولكنه كان ~~متغيظا على الفتى الذي يلازم زوجه كظلها، وعلى سكره ومرحه لم ~~يستطع أن ينسى أنه في القناطر، في بلده، على كثب من والديه البائسين، ~~فجعل ينظر فيما حوله بحذر، ويقاوم جهده شعور القلق الذي ms129 يساوره. ~~وفكر أكثر من مرة أن يقفل إلى اليخت، ولكنه ظل مستسلما لتيار ~~الرفاق. وحدث أن أوقفهم حسني شوكت عند بائع تين ليبتاع منه، وكان ~~البائع عجوزا يتوكأ على عصا من كبر وعجز. تذكر محجوب أباه في ~~غمضة عين. وجدوا في طريقهم وصورة الرجل لا تفارقه؛ فأبوه إذا ~~قدر له أن يترك الفراش فلن يكون إلا صورة من هذا الرجل، ولن يخطو ~~خطوة بغير عصا يتوكأ عليها. وتفكر مليا ثم قال لنفسه: «ولا يبعد ~~إذا تحطمت وسائله أن يرفع سلة تين ويسرح بها!» ومن يدريه؛ فلعله ~~يسرح الآن بسلة تين في موضع ما من البلد؟ وألقى بطرفه ناحية المحطة ~~وهو يمشي كالمترنح وقد انقبض صدره انقباضا شديدا، لم يعد يشارك ~~الرفاق لهوهم وسرورهم، وولى عنه الصفاء والسرور، وغلبه القلق والحزن ~~والخوف. كان مجيئه خطأ كبيرا، ولكن هل كان تخلفه يغير من واقع ~~الأمر شيئا؟ ... إذا كان تقدير أبيه صادقا فقد مضى عليه الآن ثلاثة ~~أشهر وهو بلا عون، فماذا صنع بنفسه وبأمه ...؟ وكيف واجه عبوس الحياة ~~في عجزه ومرضه؟! ثلاثة أشهر أو يزيد، يونيو ويوليو وأغسطس، وهذا ~~الأسبوع من سبتمبر، أي ذلك الزمن الذي ذاق فيه حلاوة العيش وطيب ~~الحياة. وثقل رأسه، وخمدت نشوته مخلفة خمارا مصدعا، وخانته ~~جراءته التي تستهين بكل شيء، حتى تساءل فزعا: أهذه يقظة ما يسمونه ~~بالضمير؟ أبعد تلك الثورة المدمرة التي شملت حياته الجامعية كلها، ~~وبعد مواجهة التجربة الخطيرة ثلاثة أشهر كاملة، والظفر بالنجاح ~~المطلق، يجد نفسه في هذه الحالة الزرية من الجبن والألم؟ وكور ~~قبضته بعنف، ورفض بعناد أن يعترف بضيعته وخوفه، أو بأن الذي يئن في ~~صدره ضمير، أو بأنه لا يزال يتأثر بعاطفة البنوة. رفض ذلك رفضا ~~عنيدا مغيظا، وقال يعزي نفسه ويشجعها: إن هو إلا الخوف من فضيحة ~~قد تهدد مركزه الاجتماعي، إنه لا يأسى على والديه، ولكنه يخاف أن ~~يدفعهما البؤس إلى إزعاج حياته وتكدير صفو مجده. وموعدهما أول أكتوبر؛ ~~فإذا تسلم ماهيته الجديدة اشترى طمأنينته ببضعة جنيهات يرسلها إلى ms130 ~~أبيه، وانتهى من هذا العذاب. وردد هذا الرأي في نفسه، وأكده له ~~تأكيدا شديدا، وحاول أن يستعيد شجاعته وطربه. ولما عاوده شعوره بما ~~حوله وجد نفسه يخبط منفردا، فنظر فيما حوله ذاهلا فلم يجد إلا ~~الأستاذ أحمد عاصم، وسأله عن الرفاق؟ فهز كتفيه قائلا: «لا ~~أدري.» فأدرك أنه ضل الجميع. وشعر بتعب، وغثيان مباغت، ثم انقلب ~~يقيء ...! وأخذه صاحبه من يده إلى اليخت، وهناك مضى به إلى مقصورة، ~~فاستلقى على أريكة وراح في سبات، ولم يدر كم لبث، ولكنه كان يرى في ~~مخيلته دائما بائع التين حتى خاله أباه بالذات، وقد قهره الشقاء على ~~ذل السؤال. # 43 # وعادوا إلى اليخت وقد نال منهم التعب، وبحت منهما الأصوات، وأبحر ~~اليخت قبل منتصف الليل بقليل. وسألت إحسان عن زوجها فأخبرها أحمد عاصم ~~بأنه نائم في مقصورة، ودعاها لاصطحابها إليه، ولكن عفت تطوع بالمسير ~~بين يديها، وهبطا معا إلى باطن اليخت، وتقدمها في ردهة جانبية إلى ~~باب مقصورة، وفتحه وأوسع لها، فدخلت وتبعها على الأثر ورد الباب، ~~ووجدت المقصورة خالية، وطالعتها في وسطها صورة لعلي عفت على نضد، ~~فتحولت إلى الوراء فرأت صاحبها يقف وراء الباب يبتسم إليها بعينين ~~تنطقان بالهيام والظفر، فأدركت أنه استدرجها إلى مقصورته، وخامرها ~~الخوف، فسألته متجاهلة مقاصده: أين محجوب ...؟ # فقال والابتسامة لا تزال على شفتيه، وقد احمرت عيناه الجميلتان من ~~أثر الخمار: سنذهب إليه بعد استراحة قصيرة ... # فسألته بلهجة رزينة: لماذا أتيت بي إلى هنا؟ # كانت ثقته بنفسه لا حد لها، فكان جوابه أن جثا على ركبتيه عند ~~قدميها، وأحاط ساقيها بذراعيه، وضمها إلى صدره، وقال لها رافعا ~~إليها وجهه: لا تسأليني يا إحسان، أنت تعرفين كل شيء، والكلام في مثل ~~حالتي تحصيل حاصل، ألم يتكلم قلبي منذ أول لقاء بيننا؟ ألم يصرخ هذه ~~الليلة حتى خفت أن تصك نجواه آذان الحافين بنا ...! # وتولاها الاضطراب والاستياء، وأمسكت بساعديه لتفك السلسلة التي ~~تطوقها، ودفعته بعنف، وصاحت به بصوت خشن غاضب: دعني من فضلك ... دعني ~~... # ثم أربد وجهها وعبس، فقرأ ms131 فيه الجد والنفور، وتورد وجهه خجلا، ~~وأرخى ذراعيه، ونهض واجما دون أن ينبس بكلمة، وفتح الباب حتى غادرت ~~المقصورة، ثم دلها على مكان زوجها وعاد أدراجه. ووجدت محجوب نائما ~~أو كالنائم، وكان في حالة إعياء شديد، وقد علت وجهه صفرة شديدة ~~... ~~••• # ورسا اليخت إلى قصر النيل حوالي الساعة الثانية صباحا، وعاد ~~الزوجان إلى عمارة شليخر في سيارة أحمد عاصم، وكان محجوب أفاق قليلا، ~~ولكنه لبث متعبا منهوك القوى، وما اعتور روحه وحالته المعنوية ~~كان أدهى وأمر. تركت نكسة السكر في روحه آثارها فانقبض صدره، ~~وخمدت نشوته، وامتعضت نفسه، وأحس الدنيا بحواس المريض، وغابت إحسان ~~قليلا وجاءته بفنجان قهوة، وجلست قبالته على الشيزلنج، قالت له: ~~أفرطت في الشراب ... # فأحنى رأسه بالإيجاب وإن ذكر الأسباب الأخرى التي كدرت صفوه، وقال ~~بسخط: لقد قبلت الدعوة إلى هذه الرحلة على غير إرادتي ... # فقالت تدافع عن الرحلة: وما ذنب الرحلة؟ ... كانت رحلة جميلة طيبة ~~... # فقال بحدة: يا له من صفيق سي عفت بك هذا! # فابتسمت إحسان، وترددت مليا، ثم غمغمت: انتهى ... أوقفته عند ~~حده. # فثبت عليها عينيه الجاحظتين الذابلتين المحمرتين متسائلا، ~~فأوجزت له ما حدث، ولكنه أبى إلا أن تسهب ولا تترك كبيرة ولا صغيرة، ~~فروت له الحادثة بحذافيرها، حتى انفجر قائلا: صفيق ... وقح، ولكنك ~~أحسنت كل الإحسان، يا لهم من أرذال جميعا! ... # واتقدت عيناه، بيد أنه تساءل: بأي حق يعيب أي إنسان في هذه الدنيا ~~وهو ما هو رأيا وفعلا؟ ... وقال وكأنه يجيب نفسه: نستغفل الناس إذا ~~شئنا، ولكن لا نسمح لمخلوق بأن يستغفلنا. # فتفكرت في قوله وعلى شفتيها ابتسامة غامضة، وعاد يفكر في ~~والديه، فصدقت نيته على مد يد المعونة إليهما حتى ينفض عن حياته أي ~~ظل للكدر، ثم عجب كيف أن تغيرا هينا في الجسم قد يذهب بهجة ~~الدنيا في غمضة عين، ويحيل لذاتها وصفاءها ألما وكدرا يزهقان ~~النفس. واقترحت عليه إحسان أن ينام، ولكنه أراد أن يرتاح قليلا بمكانه ~~من المقعد، فمضت هي إلى الفراش. وعاد يتساءل: ماذا يحدث لو لازمه ms132 هذا ~~التغير فدأب على تناول الحياة بحواس المرض والامتعاض؟! واقشعر بدنه! ~~... ولم يجد سوى جواب واحد: الانتحار! هكذا قد يقضي على نفسه من كرس ~~نفسه للأنانية! ومع ذلك يوجد في هذه الدنيا أناس يؤثرون التعب ~~والأهوال على السلامة، كصاحبه القديم علي طه، ولا يمكن أن يسلم مخلوق ~~بأنه ليس لهم لذاتهم الخاصة بهم في نضالهم وكفاحهم، فأية لذة هذه؟! ~~أحقا للإيثار لذة كلذة الأثرة؟ إنه يجل هذه اللذة ويحتقرها. ~~وتمثل له علي طه بوجهه الجميل وحماسه المتقد، وذكر عهد دار الطلبة ~~ومأمون رضوان، فتحول رأسه وهو لا يدري إلى الفراش، ورنت عيناه إلى ~~إحسان وقد غطت في سبات عميق، فبدت له الذكريات في إطار من الدهشة ~~والأحلام ... # 44 # واستيقظ في ضحى اليوم الثاني - الجمعة - وعاودته في الحال ذكريات ~~الليلة الماضية مقرونة بإحساساتها المحزنة، وغادر الفراش بهمة ~~متوثبة، واستحم بالماء البارد لينعش جسمه ونفسه، وعاد إلى الصالة، ~~فالتقى بزوجه، وقد سألته برقة: كيف أنت الآن؟ # فغمغم وقد ابتسم ابتسامة دلت على الخجل والارتباك: عال ... شكرا ~~لك ... # وارتدى ثيابه وانطلق إلى الخارج، ومضى إلى حديقة صولت حيث اجتمع ببعض ~~الزملاء من الموظفين، وشرب كوبة من عصير الليمون، ولبث ساعة بينهم ~~يتحادثون هونا، ثم غادر المكان، تاركا قدميه للطريق ينقله من شارع ~~إلى شارع مستسلما للذة المشي، فذكر الليلة الماضية فعبس وجهه، ~~وهاله ما بثته في نفسه من مشاعر الألم واليأس، وما أشاعته فيها من ~~أفكار سود وخواطر ضعف واستكانة، وتولاه خجل لما اعتوره من خور في ~~الجسم والنفس، وقال لنفسه: «لقد ظفرت حتى الآن بفضل حرية عقلي وقوة ~~إرادتي وتلك الحكمة العالية: طظ ... فلا يجوز أن أفرط في كنز من كنوزي ~~الغالية!» ... أجل، هنالك وظيفة سامية وطموح وجاه وخمر ونساء ومال ~~وطعام وترف، فكيف يسمح بأن ينغص عليه هذه اللذات أب مشلول، وخواطر ~~مرض، وغيرة جنونية؟! وسرعان ما استرد نشاطه وحيويته، وعقليته ~~الصارمة الساخرة، واستقبل الحياة مرة أخرى بجسارته المعهودة وطموحه ~~الذي لا يعرف الحدود، وبدا كل شيء كأنما يسير في مجراه ms133 الطبيعي، وكأن ~~الحياة ستظل مذعنة لمنطقه أبد الدهر. وجاء يوم السبت وقد انتصف ~~سبتمبر، فأثبتت له حوادثه أنه إذا كان يستطيع أن يتحكم في نفسه فإنه ~~أعجز من أن يدعي القدرة على التحكم في الحوادث ... # كان السبت يوم قاسم بك فهمي، وكان محجوب يغادر الشقة في تمام ~~السابعة مساء ليهيئ للرجل الخلوة المنشودة، ولكن كانت الساعة ~~السادسة حين رن الجرس، ولم يكن الشاب يتوقع قدوم أحد في تلك ~~الساعة، فدلف إلى الردهة الخارجية ليرى القادم، وفتحت الطاهية الباب ~~فرآه كما أراد. لم يصدق عينيه، وجعل يحملق بذهول جنوني. رأى أباه، ~~أباه دون غيره من البشر، وقد وقف الرجل على عتبة الباب متوكئا على ~~عصاه، ملقيا إليه ببصر جامد مكفهر. سمر كلاهما في مكانه، وجمدت ~~عيناهما لا تتحولان. وكابد محجوب في تلك اللحظة الرهيبة شعورا ~~بالخوف والقنوط والهزيمة لم يشعر بمثله من قبل، ثم مزق الأب السكون ~~الأليم فقال بصوت ضعيف ولكنه واضح ينم عن الألم والتهكم المرير: ~~ألم تعرفني بعد ... لماذا لا تهرع إلى استقبالي؟! # وأفاق الشاب من ذهوله، فاقترب من أبيه في خطى متهالكة، ومد إليه ~~يده، ولكن الرجل تجاهلها، فقال محجوب بارتباك وتلعثم: تفضل يا ~~والدي ... تفضل ... # فتحرك الرجل متوكئا على عصاه يسير في خطوات ثقيلة، وقد تقوس ~~ظهره، وتهدم بنيانه، وجعل يتفحص الأثاث والجدران بعين ملؤها ~~الإعجاب الهازئ، ويقول: ما شاء الله ... ما شاء الله ... لشد ما تعاني ~~يا بني مرارة البؤس والفقر؟! # فاشتد ارتباك محجوب وحصر، فما استطاع أن ينبس بكلمة. ها هو ذا ~~والده يملأ الشقة بالفزع وعما قليل يأتي قاسم بك. حقيقتان لا يدري ~~كيف يمكن أن يجتمعا، ومع ذلك فهما واقعتان لا محالة وإن أشفق من ~~التفكير في عقباهما. ترى كيف يذكر غدا هذا اليوم الخطير؟! أيذكره ~~كما يذكر مأزقا خطيرا نجا منه بأعجوبة؟ أم يذكره يوما أسود انهارت ~~فيه آماله جميعا؟ ولم يستطع في انفعاله الأول أن يحسن التفكير ولا ~~التدبير. وفتح عند ذاك باب حجرة النوم، وبرزت منه إحسان، ولعله بعثها ms134 ~~للخروج ما سمعت من صوت وحركة غير عادية، فعجبت لوجود الشيخ الغريب، ~~وألقت على هيئته الرثة نظرة إنكار. وحول عبد الدائم أفندي إليها ~~رأسه، فلاحت على شفتيه ابتسامة حزينة، وقال بغير مبالاة ملتفتا ~~إلى ابنه: زوجتك؟! (ثم حول رأسه إليها) أهلا بزوج ابني، أنا حموك ~~يا عروس؟! # وحدجت إحسان في وجه زوجها فهالها جموده وارتباكه وكآبته، وآنست في ~~عينيه نظرة منكسرة لم ترها من قبل، فلم تشك في صدق الرجل، ولم ~~تكن تعلم شيئا عما بين الرجلين مما يستوجب الموقف الذي يقفه زوجها، ~~ولكنها لم تتردد عن القيام بواجبها، فاقتربت من القادم ومدت له يدها ~~باحترام، ودعته إلى الجلوس. وكان محجوب يرى ما يقع أمامه بعينيه ~~الذاهلتين، ولكنه كان انتقل من ذهول سلبي إلى ذهول إيجابي، فجعل ~~يستصرخ إرادته وعقله لينتشلاه من ورطته، وأخذ يفيق من وقع المباغتة ~~فلم يرتح لوجود زوجه، وأومأ لها إيماءة خفية بالانسحاب، فلم تلبث ~~أن تراجعت بلطف. وتوثب بجامع قوته ليمتلك زمام الموقف ويسترد ~~عقله وإرادته، وأعانه على ذلك الخطر الذي يتهدده باقتراب موعد ~~الوزير. أجل، ينبغي أن يخفي أباه عن عيني القادم عما قليل، ويعالج ~~أمره في خلوة وهدوء. هو أبوه على أية حال، وليس شيطانا ولا قضاء ~~وقدرا. وقال له بصوت رقيق لين: تفضل معي يا أبتي ... # وأعطاه ذراعه، فلم يرفض الرجل، وأدرك أنه يريد أن يحادثه على ~~انفراد، فنهض بمعونته، وسار به محجوب إلى حجرة الاستقبال على يمين ~~الداخل، ثم أغلق الباب، وكان عقله لا يني عن التفكير: ما الذي دله ~~على مسكنه؟ ما الذي جاء به؟ وهل من المصادفات أن يجيء في يوم الوزير ~~وقبل موعده بقليل؟ وشم في الجو رائحة مؤامرة نتنة، وتخايل لعينيه ~~شبح الإخشيدي بوجهه المثلث وعينيه المستديرتين، فسرت في جسده ~~رعدة، وامتلأت نفسه حنقا وكراهية. ترى هل أفشى سره كله؟ ... رباه ~~أي كارثة ترصده؟ ... ولكن كلا ... أبوه لا يعلم بسره الخطير، وإلا ما ~~استطاع - وهو الريفي الغيور - أن يتمالك أعصابه، ولكن البغيض جاء به ~~في الوقت المناسب ms135 لعله أن يكتشف الحقيقة بنفسه لتكون الصدمة أفظع، ~~وتفصد جبينه عرقا باردا ... # وصوب الرجل نحوه نظرة ملتهبة، وقال: لماذا تقف أمامي هكذا؟ لماذا ~~لا ترحب بي؟ ... وكيف لا تهنئني بالشفاء؟ # وسكت الرجل الغاضب حتى تمالك أنفاسه، ثم استدرك بلهجة ساخرة قاسية: ~~لشد ما آلمني ما علمت من فقرك وبؤسك وسعيك عبثا في سبيل الحصول ~~على وظيفة، فحفزني ذلك على ترك أمك وحدها في القناطر، والحضور بنفسي ~~لمواساتك، أعانك الله يا مسكين! # واستطاع محجوب أن يتكلم بعد أن أغلق الباب واطمأن بعض الاطمئنان: ~~أبتي ... لا تتهكم بي ... أنا أعلم أني أستحق غضبك، ولكن دعني أشرح لك ~~ما التبس عليك فهمه، والحكم لك ... ~~- وهل من حاجة إلى الشرح يا بني؟ ... حسبي أن أنظر فيما حولي لأدرك ~~في أي شقاء تعيش! ... # فعض محجوب على شفتيه وقال: أبي ... والله ما غفلت عنك قط، ووالله ما ~~سنحت فرصة لمساعدتك فأهملتها، ولكن ظروفي قاسية رغم هذه المظاهر ~~الخداعة؛ لذلك لم يرتح لي جنب، وما كان ليقر لي قرار قبل أن ~~أطمئن عليك وعلى والدتي ... # فاشتد اكفهرار وجه الشيخ وقال بحدة وحنق: ظروفك قاسية أيها ~~الابن البار؟! ... ماذا تنتظر حتى تتفضل علينا بجنيهين؟ أتنتظر ~~الوزارة؟! إني أعجب كيف طابت لك الحياة وأنت تعلم أن والديك يعانيان ~~الفاقة والجوع والتشريد! لقد استصرختك باكيا، ولكني علمت فيما بعد ~~أني خاطبت ضميرا ميتا. تركتنا للعجز والفقر حتى بعنا أثاث بيتنا، ~~وها أنت تنعم بالوظيفة العالية، والماهية الكبيرة، والمسكن الوثير، ~~ولكنك لا تجد في ذلك كله إلا ظروفا قاسية لا تسمح لك بأن تنقذنا من ~~التسول، أليس كذلك أيها الشاب الهمام؟ # امتقع وجه محجوب حتى حاكى وجوه الموتى، شعر كالمختنق الذي ينتفض ~~ويقتتل عبثا لاستنشاق نفس واحد. ولم يكن كلام أبيه قد حرك قلبه، ~~ولكنه أربكه وكربه وأوقعه في ضيق شديد، فقال: لشد ما يؤلمني كلامك ~~يا والدي، أصغ إلي، سأكاشفك بالحقيقة وأصلح خطئي، وأكفر عما ~~تتهمني به من عقوق. يعلم الله أني كنت سأزف إليك أنباء توفيقي ~~وأمدك بالمعونة أول ms136 الشهر القادم. لقد وفقت إلى وظيفتي منذ ~~شهرين، وكنت معدما، فكان علي أن أهيئ نفسي بالمظهر اللائق، وإلا ~~ضيعت على نفسي فرصة لا تسنح في حياة مرتين، فاقترضت مبلغا ~~كبيرا ما زلت مدينا به. هكذا فزت بالوظيفة، ولكن لا زلت أكابد ~~الارتباك والفاقة، هذه هي الحقيقة. # فهز الرجل رأسه في ريبة، وقال بامتعاض: إنك تعنى أكثر مما ينبغي ~~بالمظهر اللائق، والمسكن الأنيق، والمآدب الفاخرة! ... # فأدرك محجوب أن الإخشيدي وفى وشايته حقها، وقال وهو يغالب عواطف ~~الحنق والغضب: هذه المظاهر وإن بدت كمالية إلا أنها من ضرورات وظيفتي ~~... ~~- وهل من ضرورات هذه الوظيفة المجيدة أن نتضور جوعا؟! # فقال الشاب وهو يبذل الجهد المستميت ليداري غضبه وحنقه: كلا يا ~~أبي، لقد أبنت لك عن حسن مقصدي؛ فلا تثبط همتي بنقمتك، ودعني ~~أتم بنجاحي ... ~~- أحسبه لا يتم إلا بقتلنا ... ~~- بل سيتم بما فيه سعادتنا جميعا ... # وسكت عبد الدائم أفندي مليا وهو يرنو إليه بنظرة مليئة بالريبة ~~وسوء الظن، ثم قال متسائلا: إذا كانت هذه حالتك فكيف تزوجت؟! ... ~~لماذا لم تؤجل الزواج إلى ميسرة؟! وكيف تتزوج دون إخبارنا فضلا عن ~~الرجوع إلى رأينا؟ ... # وارتاح محجوب لتساؤل والده هذا الذي أكد له جهله بالسر الخطير، ~~وقال بصوت خفيض: كانت الزيجة ثمن الوظيفة كما يحدث في أيامنا هذه ~~كثيرا، لقد صاهرت أسرة محترمة تمت إلى الوزير بصلة القربى، ~~وكانت الزيجة من أسباب ارتباكي، ولعلك أحطت الآن بالظروف القاسية ~~التي اكتنفت حياتي في الشهرين الماضيين. # بيد أن الرجل لم يكن مطمئنا، واشتدت بالشاب حالة التوتر ~~والاستياء، وشعر كلاهما بأن لديه ما يقوله، ولكن جرس الباب الخارجي ~~رن بغتة، وفتح الباب ثم أغلق: وسمعا وقع أقدام ثقيلة في ~~الدهليز يعرفها محجوب حق المعرفة ... # 45 # وخفق قلبه بعنف، وسرت في جوارحه رعدة خوف لم يجد عليها من سلطان، ~~وتخايلت لعينيه مرة أخرى صورة الإخشيدي البغيضة. ترى كيف تنتهي هذه ~~الليلة؟ أيذكرها في المستقبل وهو يضحك أم وهو يبكي؟ وسمع أبوه وقع ~~أقدام القادم فسأله: هل كنت تنتظر ضيفا؟ # فقال ms137 بلا تردد وهو يتظاهر بالهدوء: نعم ... هذا حماي جاء لزيارة ~~كريمته ... ~~- ألا تذهب للقائه؟ # فتلجلج لحظات ثم قال بحزم: كلا، ستجد زوجي عذرا تنتحله لغيابي، ~~وسأقدمك إليه في وقت آخر ...! # وساد الصمت، وقد شعر الشيخ بأن ابنه يتأفف من تقديمه إلى حميه، ~~فنكس ذقنه في سكون وحزن. وجلس محجوب قريبا من الباب يحاول جهده أن ~~يضبط عواطفه، واختلس من والده نظرات غاضبة تنم عن حنقه وحقده، ~~ينبغي أن تنتهي الليلة بسلام. أحس في باطنه بأنه إذا انتهت الليلة ~~بسلام فقد نجا بحياته وآماله إلى الأبد، ولكن ما الذي يدعوه إلى ~~الخوف؟! قد بلغ الوزير المكان الذي يريده بسلام، ونمت حالة والده ~~على أنه يجهل سره الخطير، فما عليه إلا أن يأخذ نفسه بالصبر والانتظار ~~حتى يذهب البك - كما جاء - بسلام. بيد أنه لبث - على رغم ما تبشر ~~به الحوادث - قلقا مغتما، وزاد من توتر أعصابه أن والده عاد يقول ~~بنبراته الدالة على الإنكار والمرارة: لو كان قلبك حنونا يا بني ~~لاستهان بضرورات الوظيفة التي تعتذر بها، ولشق عليك أن تترك والديك ~~يتضوران جوعا. وأعجب لوالدتك ما برحت تدفع عنك جاهدة الظنون، ~~ونبذت ما نقل إلينا عنك، وقالت لي: «ستبدي لك الأيام أني أعرف ~~بابننا منك.» فليتها جاءت معي لترى بعينيها ...! # وشعر محجوب بضجر، وضاق بالرجل الذي لولا وجوده لم يكن في المأزق ~~الذي هو فيه، وتوثب للرد عليه، ولكن الجرس دق مؤذنا بقادم جديد، ~~فوجب قلب محجوب وجيبا مؤلما. من يكون الطارق؟ هل من جديد؟! وفتحت ~~الطاهية ثم سمع صوتا يتكلم بحدة، فتميز الشاب غيظا، ومضى إلى ~~باب الحجرة وفتحه، فرأى سيدة تزيح الطاهية من طريقها وتدخل في حالة ~~هياج عصبي شديد. كانت السيدة أرستقراطية المظهر، أنيقة الزي، ~~فتولته الدهشة والانزعاج، ثم ارتاع وذعر وأعيا عليه القول، ورأته ~~المرأة فأقبلت نحوه بهيئة متعجرفة، تقدح عيناها شررا، حتى وقفت ~~أمامه وسألته بازدراء: أأنت المدعو محجوب عبد الدائم؟ # وكان محجوب في حالة جعلته مهيأ للذعر والتشاؤم، وحدثته نفسه ~~المضطربة بأنه ضحية مؤامرة ms138 غادرة، أبوه أداة من أدواتها القتالة، ~~وغلبه القنوط، وأيقن أن مجده بات معلقا بخيط وشيك الانقصاف. نظر ~~إلى المرأة بإنكار، وقال بصوت منخفض مشفقا من صوتها المرتفع الذي ~~يصك أذني أبيه: نعم يا سيدتي، أنا هو ... # فعبست حانقة ولوت شفتيها اشمئزازا، وقالت بلهجة قاسية: هلا ~~دللتني على الحجرة التي ينفرد فيها زوجي بالسيدة المصون ~~زوجك؟ # فنفذ الكلام إلى قلبه فشقه شطرين، وخارت قواه، وأوشك أن يذهل ~~عما حوله، وتحولت المرأة عنه كالمجنونة إلى باب المخدع، وأدارت ~~الأكرة، ولكنها وجدت الباب مغلقا، فدقته براحة يدها بشدة صائحة ~~بغضب جنوني: افتحا الباب، افتح أيها الرجل والوزير الخطير. لقد برح ~~الخفاء، ورأيتك بعيني داخلا هذا الماخور ... افتح وإلا حطمت ~~الباب. # وبلغ اليأس بالشاب نهايته، فوقف مكانه لا يبدي حراكا، وكأنه يرى ~~فاجعة خطيرة لا تعنيه ولا يناط بها مصيره، وكأنه كبر عليه أن يصدق ~~أن مجده الذي حشد له ما حشد من قوة وفكر، وبنى عليه ما بنى من آمال، ~~يمكن أن يصير في بعض الدقيقة أثرا بعد عين. وشعر بوالده يقترب منه ~~ويسأله بصوته الذي بات يمقته مقتا: ماذا هنالك؟ ... ماذا تقول هذه ~~السيدة؟ # ولكن لم يكلف الشاب نفسه مئونة الرد عليه، وكأنه لم يسمع قوله، فلم ~~يعد يباليه، ولم تكف المرأة عن دق الباب، وصاحت حانقة: إني أنذرك ~~بأنك إذا لم تفتح الباب طوعا فتحته كرها بقوة الشرطة. # فاستجمع محجوب قواه المشتتة ودنا من السيدة، وقال لها بصوت ينم ~~على الرجاء: سيدتي ... # ولكنها لم تتركه يتم كلامه، فتحولت إليه ولطمته على وجهه بشدة ~~وغل، وصاحت به: لا تنبس بكلمة أيها القواد الخسيس ... # فتراجع محجوب مروعا إلى موقف أبيه وهو لا يدري به، وانفتح عند ~~ذاك الباب، وبرز منه قاسم بك فهمي ثم أغلقه وراءه، وسمع صرير ~~المفتاح من الداخل، وكان الرجل يحاول أن يتظاهر بالثبات، ولكن ~~ارتباكه كان أعظم مما تنفع فيه المداراة، وقال لزوجه بسرعة: هلمي ~~معي إلى الخارج من فضلك ... # فصاحت به وقد جنت غضبا: افتح هذا الباب، لا ms139 بد من فتحه. # فقال لها بصوت خفيض: خفضي من صوتك يا هانم ... هذا لا يليق بك ~~... # فصاحت به بتهكم: حدثني عما يليق وعما لا يليق يا معالي البك. هل ~~من اللائق يا ترى أن أضبطك في مخدع زوج هذا القواد الصفيق؟! وهل ~~يسرك أن يطلع ابنك وابنتك على سيرتك المحمودة؟! ~~- كفى ... كفى، هلمي معي ولنسوين خلافنا في بيتنا. # وحاول أن يمسك بساعدها، ولكنها نترت ساعدها من يده باحتقار وصاحت ~~به: سأغادر هذا البيت الملوث، ولكن لا تمن نفسك بتسوية الخلاف، ~~لقد فاض الإناء، فلا تفاهم بعد اليوم، ولأنتقمن منك انتقاما يكون ~~الدهر عظة لأمثالك من المستهترين. # ومضت المرأة نحو الباب الخارجي، والبك في أعقابها، وذهبا ~~معا. ~~••• # وتمتم محجوب بصوت مبحوح: انتهى كل شيء. # أعجب بها من حقيقة! أيخفق ذاك الكفاح الجبار ولما يتسلم ~~ماهيته الجديدة؟ # أتصاب الحظوظ كالأعمار بالسكتة القلبية؟! # وقطع عليه تفكيره صوت أبيه وهو يسأل محزونا: ما معنى هذا يا ~~بني؟ # وكأن هذه الجملة نفط ألقي على صدره الملتهب، فالتفت نحوه هائجا ~~تقدح عيناه شررا، وقال بحنق وحقد: انتهى كل شيء، انتهت الوظيفة ~~والماهية. هلم نتسول معا ... # وارتسمت في عيني الرجل الذابلتين نظرة زائغة ذاهلة، وبدا في حيرة ~~قتالة وكرب عظيم. لم يصدق ما رأت عيناه ولا ما سمعت أذناه، كابد ~~الألم الممض والغضب المختنق، ولولا ما آنس من قنوط ابنه وهذيانه ~~لانفجر بركانه. لم تنته الوظيفة والماهية فحسب، ولكن ابنه نفسه ~~انتهى، ولم يعد ذا مال ولا ولد، وسيقول لامرأته إذا عاد إلى بلده: لا ~~تسألي عن محجوب؛ فقد انتهى محجوب وغدا ذكرى من الذكريات. وشعر عند ذاك ~~بإعياء وخور، وبأنه يسقط إن لم يطمئن إلى مجلس، فولى الشاب ظهره، ~~وعاد أدراجه في خطوات ثقيلة، متوكئا على عصاه يكاد يقع على ~~وجهه. # وارتمى محجوب على مقعده في الصالة، مرتفقا يد المقعد، مسندا رأسه ~~إلى راحته. وكان السكون شاملا كأنه بيت مهجور، وكل شيء بموضعه كأن ~~أمورا خطيرة لم تنقلب رأسا على عقب. هل تستطيع روحه الثائرة أن ms140 تصمد ~~لهذا الشلال العارم من الحظ العاثر؟! هل يمكن أن ينبري لمواجهة هذه ~~الأزمة الخطيرة بدرعه المعهود: طظ؟ وما الحيلة إذا لم يستطع؟ ... ما عسى ~~أن يصنع أناني مثله، لا يهمه في الدنيا شيء إلا نفسه، إذا تألب ~~الشقاء على سعادته؟ أمامه سبيل واحد هو الموت ! تبا لحظه! كيف ~~انتهى مجده بهذه السرعة الجنونية؟! ألا تكتظ الدنيا بأمثاله من ~~المغامرين الذين تترفق بهم حتى النهاية؟! وتنبه من تأملاته على ~~وقع أقدام خفيفة، فرفع رأسه المثقل، فرأى إحسان أمامه تطالعه بوجه ~~تعلوه صفرة الموت. التقت عيناهما في صمت أليم وكأن كليهما يقول ~~لصاحبه: «أهذه نهاية الكفاح والتعب؟!» # وخرجت عن صمتها أخيرا، فسألته بنبرات متضعضعة: هل ذهبوا؟ # فأجابها في مثل نبراتها: أجل ... كما ترين. # فترددت هنيهة ثم سألت: ما عسى أن ينتظرنا؟ # وكيف يدري هو؟! بيد أنه هز رأسه وقد أخذت يسراه تشد حاجبه، ~~وقال: لا أعلم الغيب، يحتمل حدوث أي شيء، ولكن لا مفر من التشاؤم؛ ~~فالأمر المؤكد أن أحلامنا تبددت. هذه هي الحقيقة. # وساد صمت ثقيل، ولاحت في عينيها نظرة غائبة، وجعلت تستحضر من ~~الماضي ما أودعته من ذكريات، ذكرت آمالها وكيف خابت واحدا بعد آخر، ~~فاعتلج بصدرها الألم والحسرة حتى اغرورقت عيناها، وأغرق محجوب في ~~أفكاره مرة أخرى، ولكنه لم يستشعر الندم ولا أقر بالخطأ، كلا، ولا ~~عدل عن رأي، وراح يتساءل: هل يتكشف الغد عن حياة جديدة أو لم يبق ~~له إلا الموت؟! بيد أنه غلب على أمره هذه المرة، فاستسلم لليأس ~~والقنوط، وغشيت عينيه سحابة مظلمة، وحاول جهده أن يهيب بروحه ~~المتمردة، وغمغم بصوت لا يكاد يسمع هامسا: «طظ.» ولكنها نمت - ~~على خلاف عادتها - عما يكنه فؤاده من اليأس والاستسلام. # 46 # اجتمع الرفاق الثلاثة - علي طه وأحمد بدير ومأمون رضوان - بإدارة ~~مجلة النور الجديد التي يصدرها علي طه، وكان مأمون رضوان يكثر من ~~اجتماعه بصاحبيه ليتزود منهما قبل سفره الوشيك، ولم يكن للناس من ~~حديث في تلك الأيام إلا حديث الفضيحة الكبرى التي لاكتها الألسن في ~~كل ms141 مكان. قيل: إن حرم قاسم بك فهمي همت بنشر بيان في الصحف عن ~~الأسباب التي أدت إلى طلاقها من زوجها. وقيل: إن بعض الجهات تدخلت ~~في الأمر وأقنعتها بالعدول عما كانت أجمعت عليه، وانتهت المسألة ~~باستقالة الوزير، وسحب مذكرة ترقية مدير مكتبه من مجلس الوزراء ونقله ~~إلى أسوان. استبعدت الفضيحة من أعمدة الصحف، ولكنها لم تعد تخفى على ~~أحد، وقد خاض فيها الرفاق بأسف شديد؛ لأنهم لم ينسوا زميلهم القديم، ~~ولا نسوا عهد الزمالة والجيرة بالجامعة ودار الطلبة. وكان علي طه ~~أشدهم ألما، ولكنه لبث ألما دفينا يعتلج مع بواعثه الباطنة، وقد ~~قال أحمد بدير: أتذكرون أحاديث صاحبنا البائس المستهترة؟ أتذكرون طظ ~~المشهورة؟ ... لطالما حسبت ذلك لغوا وسخرية وفكاهة لا شأن لها بالعقيدة ~~والعمل ... # فقال مأمون رضوان بنبرات تنم عن الأسى: إذا تزعزع إيمان الإنسان ~~بالله غدا صيدا سهلا لكل شر. # فابتسم علي طه على حزنه وشجنه، وقال: اسمح لي أن أحتج على هذا ~~الاتهام! # فقال مأمون رضوان مستدركا: أنت لك إيمانك الخاص وإن كنت أراه دون ~~الكفاية ...! # وابتسمت عيناه النجلاوان، وتساءل قبل أن ينبس أحد بكلمة: ترى ~~أنصير في المستقبل عدوين لدودين؟ # فقهقه أحمد بدير ضاحكا وقال: لا شك في هذا، ستهاجمك هذه المجلة ~~التي تباركها الآن بتمنياتك، وستتهمك غدا بالرجعية والجمود، ~~وستتهم أنت صاحبها - صديقك - بالزيغ والكفر والإباحية، ومن يعش ~~يره! # وابتسم الأصدقاء الأعداء، ثم قال مأمون رضوان بثقة وإيمان: مأساة ~~اليوم هي مأساة الزيغ! # فهز علي طه رأسه في شك وقال: كم في المؤمنين من أوغاد؛ فليست ~~الحقيقة ما ترى، وصاحبنا البائس وحش وفريسة معا، فلا تنس نصيب ~~المجتمع من جريرته، وهنالك مئات من المؤمنين يشقى الملايين لإسعادهم، ~~فليست جريمتهم دون جريمة صاحبنا التعس؛ فالمجتمع الذي نعيش فيه ~~يغري بالجريمة، بيد أنه يحمي طائفة المجرمين الأقوياء وينهال على ~~الضعفاء. أحب أن أسألكما: هل يكفي أن يستقيل ذلك الوزير؟ # فقال مأمون رضوان: ما كان عمر بن الخطاب يتردد عن رجمه! # فقال أحمد بدير ساخرا: دعنا من عمر، إن ms142 مجتمعنا يستطيع أن يهضم هذا ~~الوزير وأمثاله إذا أساغه بشيء من النسيان، وسوف يقبع عاما أو عامين ~~أو أكثر في نادي محمد علي، وعسى أن تخرجه غدا المظاهرات الوطنية عن ~~عزلته، وتحمله كالأبطال إلى الوزارة مرة أخرى، فيعيد سيرته الأولى، ~~أو يلعب دورا جديدا، ومن يعش يره . # فقال مأمون رضوان ممتعضا: حقيقة المسألة أني أرى الخير متعلقا ~~بجوهر الروح، وتريانه، أو يراه الأستاذ، تابعا للرغيف؛ فإذا حسن ~~توزيع الرغيف محق الشر ...! # فقال علي بلهجة لم تخل من حدة: إني لا أوافق على هذا الوضع ~~للمسألة، وإنك لتعلم بأني أهيم بلذات الروح، وليس المجتمع الذي نحلم ~~به بخال من الشر؛ فلا خير في مجتمع يخلو من نقص يحث على الكمال، ~~ولكن المجتمع الذي نحلم يه يمحو شرورا نراها في وضعنا الحالي ضربا من ~~القضاء والقدر. # وهنا ضحك أحمد بدير ضحكا عاليا، وقال: لماذا تتعجلان المعركة ~~ولما يأزف موعدها؟! # وابتسم الرفاق، الأصدقاء الأعداء، وتبادلوا نظرة ذات معنى، ~~وكأنهم يتساءلون معا: ماذا تخبئ لنا أيها الغد؟!» ms143