######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.QasrShawq.Hindawi85847308 #META# Tags: novels #META# ID: 85847308 #META# Title: قصر الشوق #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قصر الشوق‏ # قصر الشوق‏ # | قصر الشوق # | قصر الشوق # تأليف # نجيب محفوظ # | قصر الشوق # 1 # أغلق السيد أحمد عبد الجواد باب البيت وراءه، ومضى يقطع الفناء ~~على ضوء النجوم الباهت في خطوات متراخية، وطرف عصاه ينغرز في ~~الأرض التربة كلما توكأ عليها في مشيته المتثائبة. تشوق ~~وجوانبه تحمى بمثل الوهج إلى الماء البارد الذي سيغسل به وجهه، ~~ورأسه، وعنقه، كي يلطف - ولو إلى حين - من حرارة يوليو، والنار ~~المستعرة في جوفه ورأسه، فهش لفكرة الماء البارد حتى انبسطت ~~أساريره. ولما جاز باب السلم لاح له الضوء الواني الهابط من أعلى ~~يتحرك على الجدران واشيا بحركة اليد القابضة على المصباح، ~~فرقي على السلم، يدا على الدرابزين، ويدا على عصاه التي بعث ~~طرفها دقات متتابعة اكتسبت من قديم إيقاعا خاصا غدا ينم ~~عنه كما تنم عنه سماته. وعند رأس السلم بدت أمينة والمصباح ~~في يدها، حتى إذا انتهى إليها توقف، وصدره يعلو وينخفض ريثما ~~يسترد أنفاسه، ثم حياها تحيته الليلية المألوفة قائلا: مساء ~~الخير. # فغمغمت أمينة، وهي تتقدمه بالمصباح: مساء الخير يا ~~سيدي. # في الحجرة هرع إلى الكنبة فتهالك عليها، ثم تخلص من عصاه وخلع ~~طربوشه، وطرح قذاله على المسند مادا ساقيه إلى الأمام حتى انحسر ~~جناحا الجبة عن قفطانه، وكشف القفطان عن رجلي سرواله ~~المتداخلتين في جوربه، وأغمض عينيه وهو يجفف بمنديله جبهته ~~وخديه وعنقه. على حين كانت أمينة تضع المصباح على الخوان، ثم ~~وقفت تترقب قيامه لتساعده في نزع ثيابه، وهي تنظر إليه باهتمام ~~مشوب بقلق، وتود لو تواتيها شجاعتها فتسأله أن يعفي نفسه من ~~الدأب على السهر الذي لم تعد تنهض به صحته بالاستخفاف المعهود ~~قديما، ولكنها لم تدر كيف تفصح عن أفكارها الأسيفة! توالت ~~دقائق قبل أن يفتح عينيه، ثم نزع الساعة الذهبية من قفطانه، ~~والخاتم الماسي؛ فأودعهما داخل الطربوش، ثم نهض ليخلع الجبة ~~والقفطان بمعاونة أمينة، هناك بدا جسمه كالعهد به: طولا، وعرضا، ~~وامتلاء ... لولا شعيرات اغتصبها المشيب من فوديه، وعندما أدخل ~~رأسه في طاقة الجلباب الأبيض غلبه ms001 الابتسام فجأة، إذ ذكر كيف ~~تقيأ السيد علي عبد الرحيم الليلة في مجلس الأنس، وكيف جعل ~~يعتذر عن ضعفه ببرد أصاب معدته. وكيف تعمدوا أن يعيروه به ~~زاعمين أنه لم يعد يحتمل الشراب، وأنه ليس كل الرجال من ~~يستطيعون معاشرة الخمر إلى نهاية العمر ... إلخ إلخ، وذكر كيف غضب ~~السيد علي وجد في دفع الريبة عنه، يا عجبا ... ألهذا الحد يعير ~~بعض الناس أهمية لهذه الأمور التوافه؟! ولكن إذا لم يكن ذلك كذلك! ~~فلم فاخر هو في صخب الحديث الضاحك بأنه يستطيع أن يشرب حانة دون ~~أن تضطرب له معدة؟ # جلس على الكنبة مرة أخرى، ومد ساقيه للمرأة التي راحت تخلع ~~الحذاء والجورب، وغابت عن الحجرة قليلا، وعادت بالطست والإبريق، ~~وجعلت تصب له الماء فيغسل رأسه ووجهه وعنقه ويتمضمض، وأخيرا ~~تربع في جلسته مستعرضا نسمة الهواء التي تهفو في لطف ما بين ~~المشربية والنافذة المطلة على الفناء. ~~- يا له من صيف فظيع، صيف هذا العام! # فقالت أمينة وهي تسحب الشلتة من تحت السرير، وتتربع بدورها ~~عليها على كثب من قدميه: ربنا يلطف بنا (ثم وهي تتنهد) الدنيا ~~كلها كوم وحجرة الفرن كوم! السطح هو المتنفس الوحيد في الصيف بعد ~~مغيب الشمس. # بدت في جلستها غيرها بالأمس، نحفت واستطال وجهها، أو لعله تراءى ~~أطول مما هو لما حل بالخدين من رقة، وقد انتشر المشيب فيما ~~انحسر عنه منديل رأسها من خصلات، فأضفى عليها روح كبر أكثر مما ~~تستحق ... وغلظت الشامة في وجنتها قليلا، على حين نمت عيناها - ~~إلى نظرة الخضوع القديمة - عن شرود مزج بالحزن، كما اشتدت ~~حيرتها لما طرأ عليها من تغير، ولئن كانت قد رحبت به بادئ ~~الأمر على سبيل التعزي، إلا أنها أخذت تتساءل في قلق: أليست هي في ~~حاجة إلى صحتها ما دام في العمر بقية؟ بلى! والآخرون في حاجة إلى ~~صحتها أيضا، ولكن كيف يعاد الشيء إلى أصله؟ ثم إنها تقدمت سنين، ~~لعلها لم تكن بالكثرة التي تبرر هذا التغير، ولكنها مما ~~يترك أثرا ولا شك. ms002 # هكذا كانت تقف في المشربية الليالي المتعاقبة تراقب الطريق من ~~وراء الخصاص، فترى طريقا لا يتغير، والتغير يدب إليها غير ~~متوان، وعلا صوت النادل في القهوة؛ فتطاير إلى الحجرة الصامتة ~~كالصدى، فابتسمت وهي تسترق النظر إلى السيد. # ما أحب هذا الطريق الذي يسهر الليالي سامرا إلى قلبها! إنه ~~الصديق الغافل عن القلب الذي يحبه من وراء خصاص، معالمه ملء نفسها، ~~سماره أصوات حية تعيش في مسامعها، هذا النادل الذي لا يستكن ~~له لسان، وذو الصوت المبحوح الذي يعقب على حوادث اليوم بلا تعب أو ~~ضجر، وذو الصوت العصبي الذي يتصيد بخته في «الكومي» و«الولد»، ~~ووالد هنية الطفلة المصابة بالسعال الديكي الذي يسأل عنها فيجيب ~~ليلة بعد أخرى «عند الله الشفاء»، آه .. كأن المشربية ركن من ~~القهوة هي جليسته. كانت ذكريات الطريق ترتسم على مخيلتها وراء ~~عينين لا تفارقان الرأس المتوسد لمسند الكنبة، فلما انقطع ~~التيار تركز انتباهها في الرجل؛ فتبينت في صفحتي وجهه حمرة ~~شديدة اعتادت أن تطالعها في أعقاب الليالي الأخيرة، ولم تكن ترتاح ~~إليها؛ فتساءلت في إشفاق: سيدي بخير؟ # فاعتدل رأسه، وهو يتمتم: بخير، والحمد لله (مستدركا) ما أفظع ~~الجو! # الزبيب خير مسكر في الصيف .. هكذا قالوا له وأعادوا، ولكنه لا ~~يطيقه، فإما الويسكي وإلا فلا، عليه إذن أن يعاني خمار سكرة ~~صيف - وصيف شديد - كل ليلة، شد ما ضحك هذه الليل ... ضحك حتى كلت ~~عروق عنقه، ولكن فيم كان الضحك؟ لا يكاد يذكر شيئا، وليس هنالك ~~شيء يروى أو يعاد، ولكن جو المجلس كان مشحونا بكهرباء ~~لطيفة؛ بحيث إن أي لمسة كانت تحدث اشتعالا، فما هو إلا أن ~~قال السيد إبراهيم الفار: «أبحر الإسكندرية من سعد اليوم إلى ~~باريس»، وكان يقصد أن يقول: «أبحر سعد من الإسكندرية اليوم إلى ~~باريس» حتى انفجروا ضاحكين، فعدت «نادرة» من نوادر الخمر ~~اللسانية. وابتدروه قائلين: «وسيمكث في المفاوضة ريثما يسترد ~~صحته، ثم يبحر إلى الدعوة تلبية للندن التي تلقاها من» أو «وسينال ~~رامزاي مكدونالد من الاستقلال على الموافقة» و«سيعود حاملا مصر ms003 ~~إلى الاستقلال»، وجعلوا يتحدثون عن المفاوضة المنتظرة، ويعلقون ~~عليها بما يحلو لهم من المداعبات. # حقا ... إن دنيا الأصدقاء على رحابتها تتلخص في ثلاثة: محمد ~~عفت، وعلي عبد الرحيم، وإبراهيم الفار، فهل يستطيع أن يتصور ~~للدنيا وجودا من دون وجودهم؟ إن إشراق وجوههم بالبشر الصادق ~~حين رؤيته، سعادة لا تدانيها سعادة، التقت عيناه الحالمتان بعيني ~~أمينة المستطلعتين، فقال وكأنه يذكرها بأمر هام: ~~غدا. # فقالت، وقد شاعت في وجهها ابتسامة: كيف أنسى؟! # فقال بشيء من الفخار لم يحاول مداراته: قيل لي إن نتيجة ~~البكالوريا كانت سيئة هذا العام. # فقالت وهي تشاركه فخاره بمعاودة الابتسام: ربنا ينجح مقاصده، ~~ويمد في عمرنا حتى نشهد نجاحه في الدبلوم. # فتساءل: هل ذهبت اليوم إلى السكرية؟ ~~- نعم، ودعوتهم جميعا، وسوف يحضرون إلا الست الكبيرة التي ~~اعتذرت بتعبها، فقالت: إن ابنيها سينوبان عنها في تهنئة ~~كمال. # فقال السيد، وهو يومئ بذقنه صوب جبته: جاءني اليوم الشيخ ~~متولي عبد الصمد بأحجبة لأولاد خديجة وعائشة، ودعا لي قائلا: «إن ~~شاء الله أعمل لك أحجبة لأولاد أحفادك». # ثم وهو يهز رأسه باسما: لا شيء على الله ببعيد، ها هو الشيخ ~~متولي نفسه كالحديد رغم الثمانين ...! ~~- ربنا يمتعك بالصحة والعافية! # فتفكر مليا، وهو يعد على أصابعه، ثم قال: لو امتد العمر بأبي ~~- رحمه الله - ما زاد على عمر الشيخ كثيرا. ~~- رحم الله الراحلين. # وخيم الصمت ريثما ذهب الأثر الذي تركه ذكر «الراحلين»، ثم قال ~~الرجل بلهجة من تذكر أمرا هاما: زينب خطبت! # اتسعت عينا أمينة، وهي ترفع رأسها قائلة: حقا؟! ~~- نعم، أخبرني محمد عفت بذلك الليلة. ~~- من؟ ~~- موظف يدعى محمد حسن، رئيس إدارة المحفوظات بالمعارف. # فتساءلت بوجوم: يبدو أنه متقدم في السن؟ # فقال كالمعترض: كلا، في الحلقة الرابعة، خمسة وثلاثين، ستة ~~وثلاثين ... أربعين عاما على الأكثر. # ثم بلهجة تهكمية: جربت حظها مع الشباب فأخفقت، أعني ~~الشباب الذين لا يرفعون رأسا، فلتجرب حظها مع الرجال ~~العقلاء. # فقالت أمينة بأسف: كان ياسين بها أولى، على الأقل من أجل خاطر ~~ابنهما. # كان هذا رأي السيد، ms004 وعنه دافع طويلا لدى محمد عفت، بيد أنه لم ~~يعلن موافقته على رأيها؛ مداراة لخيبة مسعاه، فقال متسخطا: لم ~~يعد للرجل به من ثقة، والحق أنه غير جدير بالثقة؛ لذلك لم ألح ~~عليه، لم أقبل أن أستغل صداقتنا في حمله على ما لا خير ~~فيه. # فغمغمت أمينة بشيء من الإشفاق: هفوة شباب لا يضيق عنها ~~العفو. # هان على السيد أن يعترف بجانب من مسعاه الخائب، فقال: لم أقصر ~~في حقه، ولكني لم أصادف ترحيبا، وقال لي محمد عفت برجاء: «إن ~~السبب الأول في اعتذاري هو إشفاقي من تعريض صداقتنا إلى الشقاق»، ~~وقال لي أيضا: «لا أستطيع أن أرفض لك رجاء، ولكن صداقتنا أعز ~~لدي من رجائك» ... فأمسكت عن الكلام. # قال محمد عفت هذا حقا، ولكنه لم يصرح به إلا مدافعة ~~لإلحاحه، والحق أن السيد كان شديد الرغبة في وصل ما انقطع من ~~مصاهرة محمد عفت لمكانته من نفسه، ومكانة أسرته من المجتمع، ولم ~~يكن يطمع في أن يجد لياسين زوجة خيرا من زينب، ولكنه لم يسعه إلا ~~التسليم بالهزيمة، خاصة بعد أن صارحه الرجل بما يعلم عن حياة ياسين ~~الخاصة، حتى قال له: «لا تقل لي إننا نحن أنفسنا لا نختلف عن ~~ياسين، فالحق أننا نختلف بعض الشيء، والحق أني لا أرتضي لزينب ما ~~ارتضيت لأمها.» # تساءلت أمينة: هل علم ياسين بما كان؟ ~~- سيعلم غدا أو بعد غد، هل ترينه يكترث لذلك؟ إنه أبعد ما يكون ~~عن تقدير الزيجة المشرفة. # فهزت أمينة رأسها أسفا، ثم تساءلت: ورضوان؟ # فقال السيد مقطبا: سيبقى عند جده، أو يلحق بأمه إن لم يصبر ~~على فراقها، الله يحير من حيره! ~~- مسكين يا ربي، أمه في ناحية، وأبوه في ناحية، أتطيق زينب ~~فراقه؟ # فقال السيد فيما يشبه الازدراء: للضرورة أحكام (ثم متسائلا) متى ~~يبلغ السن؟ ... ألا تذكرين؟ # فتفكرت أمينة قليلا، ثم قالت: إنه أصغر قليلا من نعيمة بنت ~~عائشة، وأكبر قليلا من عبد المنعم ابن خديجة، فيكون في الخامسة يا ~~سيدي، سوف يسترده أبوه بعد عامين، ms005 أليس كذلك يا سيدي؟ # قال السيد، وهو يتثاءب: يا ترى من يعيش (ثم مستطردا) وكان ~~متزوجا، أعني الزوج الجديد! ~~- وله أولاد؟ ~~- كلا لم ينجب من زوجه الأولى. ~~- لعل هذا ما حسنه في عيني السيد محمد عفت. # فقال السيد بامتعاض: ولا تنسي مقامه. # فقالت أمينة معترضة: لو أن الأمر أمر مقام ما عدل بابنك أحدا، ~~على الأقل من أجلك أنت. # فشعر باستياء حتى لعن في سره - على حبه - محمد عفت، ولكنه عاد ~~يجر خطا تحت النقطة التي يتعزى بها، فقال: لا تنسي أنه لولا ~~حرصه على أن يضع صداقتنا في حرز حريز ما تردد عن قبول ~~رجائي. # فقالت أمينة معربة عن نفس الإحساس: طبعا، طبعا يا سيدي، إنها ~~صداقة العمر، وليست لهوا ولعبا. # عاوده التثاؤب مرة أخرى، فتمتم قائلا: خذي المصباح ~~خارجا. # قامت أمينة لتنفيذ أمره فأغمض عينيه قليلا، ثم نهض دفعة واحدة ~~كأنما ليقاوم الكسل، واتجه نحو الفراش فاستلقى عليه ... إنه الآن ~~خير حالا، ما أهنأ الرقاد بعد التعب! أجل، لا يخلو رأسه من نبض ~~قارع، ولكن رأسه لا يكاد يخلو من شيء ما، فليحمد الله على أي ~~حال. الصفاء الكامل ماض مضى، ثمة شيء نفتقده كلما خلونا إلى ~~أنفسنا، ولكنه لا يعود، يلوح لنا من الماضي بذكرى شاحبة كهذا ~~الضوء الخافت الذي تشف عنه شراعة الباب. فليحمد الله على أي ~~حال. ولينعم بحياة يغبطه عليها الغابطون. الأجدى أن يقطع برأي ~~فيما إذا كان سيقبل الدعوة أم لا، أو فليدع ما للغد للغد، إلا ~~ياسين ... فإنه مسألة الأمس واليوم والغد، ليس صغيرا من بلغ ~~الثامنة والعشرين، وليس المشكل أن يبحث له عن زوجة أخرى، ولكن الله ~~لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. متى تسطع هداية الله ~~فتملأ الأرض حتى يبهر نورها الأعين؟ هنالك يهتف من الأعماق أن ~~الحمد لله، ولكن ماذا قال محمد عفت؟ إن ياسين يصول ويجول في ~~الأزبكية حتى سراديبها ... كانت الأزبكية مغنى آخر حينما كان هو ~~يصول فيها ويجول، وهزه الحنين مرات إلى معاودة بعض ms006 مشاربها إحياء ~~للذكريات. فليحمد الله على أنه علم بسر ياسين قبل أن يقدم، وإلا ~~لضحك الشيطان من أعماق قلبه الهازئ، أوسعوا الطريق للأبناء فقد ~~شبوا، عنها صدك الأستراليون أول الأمر، وأخيرا هذا البغل ~~الأسترالي. # 2 # تتابعت دقات العجين من حجرة الفرن في هدأة السحر مع صياح ~~الديكة. كانت أم حنفي مكبة على جرة العجين بجسمها اللحيم، ~~يلوح وجهها ريان على ضوء المصباح المنبعث من فوق سطح الفرن، لم ~~ينل الكبر من شعرها ولا شحمها، ولكن شابت ملامحها جهامة، واخشوشنت ~~قسماتها، وإلى يمينها قعدت أمينة على كرسي المطبخ تفرش ألواح ~~العجين بالردة استعدادا لاستقبال الأقراص، تواصل العمل - في ~~صمت - حتى توقفت أم حنفي عن العجن، فاستخرجت يدها من الجرة، ومسحت ~~على جبينها المبتل بالعرق ببطن مرفقها، ثم لوحت بقبضتها ~~المغطاة بالعجين كقفاز ملاكمة أبيض، وقالت: أمامك يا ستي يوم ~~شاق ولكنه لذيذ، كثر الله من أيام السرور. # فغمغمت أمينة دون أن ترفع رأسها عن عملها: علينا أن نقدم ~~مائدة شهية. # فابتسمت أم حنفي، وهي تومئ بذقنها إلى سيدتها، قائلة: البركة في ~~المعلمة. # ثم غرست يديها في الجرة مرة أخرى، وعادت إلى ملاكمة ~~العجين. ~~- وددت لو قنعنا بتوزيع الثريد على فقراء الحسين. # فقالت أم حنفي بلهجة معاتبة: لن يكون بيننا غريب. # فتمتمت أمينة بصوت لم يخل من ضيق: ولكنها وليمة وضجة على أي ~~حال، فؤاد بن جميل الحمزاوي نال البكالوريا أيضا، ولا من رأى ولا ~~من سمع. # ولكن أم حنفي أصرت على المعاتبة، قائلة: ما هي إلا فرصة نجتمع ~~فيها بمن نحب. # كيف تكون مسرة دون تأنيب أو توجس خيفة؟! قديما استخبرت ~~السنين فأجابت بأن تاريخ ابتدائية هذا سيوافق تاريخ ليسانس ذاك، ~~حفل لم يجئ، ونذر لم يوف. 19 ... 20 ... 21 ... 22 ... 23 ... 24 ... شباب ~~العمر اليافع الذي حرمت من احتضان ينعه، من قسمة التراب كان، يا ~~انصداع القلب الذي يسمونه الحسرة! ~~- ستفرح ست عائشة بالبقلاوة، وتذكر أيام زمان يا ستي. # ستفرح عائشة وأم عائشة ستفرح أيضا، نهار وليل، وشبع وجوع، ويقظة ms007 ~~ونوم، وكأن شيئا لم يكن. سلي الزعيم الذي زعم بأنك لن تعيشي بعده ~~يوما واحدا، عشت لتحلفي بتربته، إذا زلزل القلب فليس معناه أن ~~تزلزل الدنيا، كأنه نسي منسي حتى تزار المقابر، كنت ملء العين ~~والنفس يا بني، ثم لا يذكرونك إلا في المواسم، أين أنتم يا هؤلاء؟ ~~كل مشغول بشواغله، إلا أنت يا خديجة قلب أمك وروحها حتى وصيتك ~~يوما بالصبر، لم تكن كذلك عائشة، مهلا! لا ينبغي أن أكون ظالمة، ~~حزنت حزنها كما ينبغي، كمال لا لوم عليه، رفقا بالقلوب الغضة، ~~بات الأول والأخير، شاب شعرك وصرت كالخيال، هكذا تقول أم حنفي، لا ~~كانت الصحة ولا كان الشباب، تقاربين الخمسين وهو لم يتم ~~العشرين، حبل ووحم، وولادة ورضاعة، وحب وآمال، ثم لا شيء، ترى ~~هل خلا من الأفكار رأس سيدي؟ دعيه وشأنه، ليس حزن الرجال كحزن ~~النساء. هكذا قولك يا أمي جعل الله الجنة مثواك، يحز في نفسي يا ~~أمي أنه عاد إلى سيرته، كأن فهمي لم يمت، وكأن ذكراه قد ~~تبخرت، بل يلومني كلما لج بي الحزن، أليس هو أباه كما أنا أمه؟ ~~... يا أمينة يا مسكينة ... لا تفتحي صدرك لهذه الأفكار ... لو صح أن ~~نحكم على القلوب بقلب الأم لبدت القلوب أحجارا ... إنه رجل وليس حزن ~~الرجال كحزن النساء ... لو استسلم الرجال للأحزان لناءت بها كواهلهم ~~المثقلة بالأعباء، عليك إذا أنست منه حزنا أن تسري عنه، إنه ~~ركنك يا ابنتي المسكينة. غاب ذلك الصوت الحنون، وصادف فقده قلوبا ~~مترعة بالحزن فلم يكد يبكيه أحد، وشهد شاهد حكمتها ليلة عاد في ~~أخريات الليل ثملا، ثم ارتمى على الكنبة مجهشا في البكاء، ~~وتمنيت ليلتئذ له السلامة ولو بالنسيان الأبدي، أنت نفسك ألا ~~تنسين أحيانا؟ ثمة ما هو أفظع من ذلك، هو تمتعك بالحياة ~~وحرصك عليها. هذه هي الدنيا، هكذا يقولون. فترددين ما يقولون ~~وتؤمنين به. كيف جاز لك - يوما - بعد هذا أن تحنقي على ياسين ~~برأه ومواصلته مألوف الحياة! مهلا، الإيمان والصبر ... سلمي إلى ~~الله، فكل ما جاءك ms008 من عنده. «أم فهمي» إلى الأبد ، سوف أظل ما ~~حييت أمك يا بني وتظل ابني. # تتابعت دقات العجن، ففتح السيد عينيه على نور الصباح الباكر، ~~وراح يتمطى ويتثاءب بصوت مرتفع ممطوط، تصاعد كالتذمر أو ~~الاحتجاج، ثم جلس في الفراش مستندا براحتيه على ساقيه ~~الممدودتين، فبدا ظهره مقوسا وقد نضح أعلى الجلباب الأبيض ~~بالعرق، وجعل يحرك رأسه يمنة ويسرة كأنما لينفض عنه وطأة الوخم، ~~ثم انزلق إلى أرض الحجرة، ومضى متهاديا إلى الحمام إلى الدش ~~البارد ... الدواء الوحيد الذي يغير عليه بدنه فيعيد إلى رأسه ~~اتزانها وإلى نفسه اعتدالها، تجرد من ثيابه، ولما تعرض لرشاش ~~الماء وردت ذهنه ذكرى الدعوة التي وجهت إليه أمس، فخفق فؤاده الذي ~~تلقى الذكرى والإحساس المنعش بالماء البارد معا، علي عبد الرحيم ~~قال: «نظرة إلى الوراء، إلى حبيبات زمان، لا يمكن أن تمضي الحياة ~~هكذا إلى الأبد، إني أعرف الناس بك.» أيقدم على هذه الخطوة ~~الأخيرة؟ خمس سنوات مضت وهو يأبى أن يخطوها. أكان تاب إلى الله ~~توبة مؤمن مصاب؟ أم أضمر التوبة وخاف أن يجهر بها؟ أم أطلقها نية ~~صادقة دون تورط في التوبة؟ لا يذكر، ولا يريد أن يذكر، ليس ~~صغيرا من يدنو من الخامسة والخمسين. ولكن ما لفكره قد تقلقل ~~وتزلزل؟ كحاله يوم دعي إلى السماع فلبى، هل يلبي النداء إلى ~~حبيبات زمان بالمثل؟ متى يبعث الحزن ميتا؟ هل أمرنا الله أن ~~نهلك أنفسنا وراء من نحبهم إذا ذهبوا؟ في عام الحداد ~~والتقشف كاد الحزن يقتله قتلا، عام طويل لم يذق فيه شرابا، ~~ولم يسمع نغما، ولم تند عن فيه ملحة حتى شابت شعيراته ... ~~أجل، لم يتسلل الشيب إلى شعره إلا في ذلك العام، رغم أنه عاد إلى ~~الشراب والسماع رحمة بالأصدقاء المقربين الذين انقطعوا عن اللذات ~~إكراما لحزنه، كذب وصدق، عاد إلى الشراب لنفاد صبره ورحمة ~~بالأصدقاء الثلاثة، لم يكونوا كالآخرين، وما على الآخرين من ملام، ~~حزنوا لحزنك ثم جعلوا يراوحون بين مجلسك الجاف ومجالسهم ~~الندية، فأي تثريب عليهم! بيد أن الثلاثة ms009 المحبين أبوا أن ~~ينالوا من الحياة نصيبا أوفى مما ارتضيت لنفسك، وعدت رويدا ~~إلى أشياء، إلا المرأة رأيتها كبيرة؛ فلم يلحوا عليك أول الأمر. ~~لشد ما تأبيت وحزنت، لم يؤثر فيك رسول زبيدة، رددت أم مريم ~~بوقار حزين حازم وأنت تكابد آلاما لا قبل لك بها، ظننت أنك لن ~~تعود أبدا، وخاطبت نفسك المرة تلو المرة ... «أأعود إلى أحضان ~~الغواني وفهمي في قبضة التراب؟» آه ... ما أحوجنا في ضعفنا وتعاستنا ~~إلى الرحمة! فليداوم على الحزن من يضمن ألا يموت غدا، من ~~قائل هذه الحكمة؟ واحد من اثنين: علي عبد الرحيم، أو إبراهيم ~~الفار. محمد عفت بك لا يجود بالحكم، رفض رجائي، وزوج البنت من ~~رجل غريب، ثم ضحك علي بالقبل، لا ينكر غضبه ويشفق من أن ~~يطالعني به كما وقع قديما، لله هو أي وفاء وأي ود! أتذكر ~~كيف امتزج دمعه بدمعك في القرافة؟ ولكنه القائل فيما بعد: «أخاف ~~عليك الكبر إن لم تفعل ... تعال إلى العوامة.» ولما آنس ترددا ~~قال: «لتكن زيارة بريئة ... لن يجردك أحد من ملابسك ويرميك على ~~امرأة.» لم أحزن قليلا علم الله، بموته مات جزء جسيم مني، ~~مات أملي الأول في الدنيا، من ذا يلومني على الصبر والعزاء؟ قلبي ~~جريح وإن ضحك! ترى، كيف هن؟ ماذا فعل بهن الزمان في خمسة ~~أعوام؟ خمسة أعوام طوال؟ ~~••• # كان شخير ياسين أول ما تلقى كمال من عالم اليقظة، فلم ~~يتمالك أن يناديه وهو إلى معاكسته أرغب منه إلى إيقاظه في ~~ميعاده، ولاحقه بصوته غير متوان، حتى رد عليه الآخر بصوت كالنزع ~~تشكيا وتذمرا، ثم تقلب بجسمه الضخم فطقطق الفراش فيما يشبه ~~الأنين، والتوجع، ثم فتح عينين حمراوين وتأوه. # لم يكن ثمة - في رأيه - ما يدعو إلى هذه العجلة ما دام أحد ~~منهما لن يذهب إلى الحمام قبل عودة الأب منه. لم يعد من اليسير ~~استعمال حمام الدور الأول منذ قضى التنظيم الجديد للبيت - منذ ~~خمسة أعوام - بنقل الحجرات إلى الدور الأعلى فيما عدا حجرة ~~الاستقبال والصالة المتصلة بها ms010 التي فرشت بأثاث بسيط باعتبارها ~~مدخلا لها، ومع أن ياسين وكمال لم يرحبا - قط - بالإقامة مع ~~الأب في دور واحد، إلا أنهما لم يجدا بدا من احترام الرغبة في ~~مقاطعة الدور الأول الذي لم تعد تدخله قدم إلا حين يلم بالبيت ~~زائر. أغمض ياسين عينيه، ولكنه لم ينم، لا لأن معاودة النوم كانت ~~عبثا فحسب، ولكن لأن صورة انبعثت في خياله فأشعلت إحساسه ... وجه ~~مستدير، تتوسط صفحته العاجية عينان سوداوان. مريم! فاستجاب ~~لداعي الأحلام ... واستسلم لتخدير ألذ من تخدير المنام. # قبل أشهر معدودات، لم تكن بالنسبة إليه موجودة قط، وكأنها لم ~~تكن، حتى سمع أم حنفي تتحدث - ذات مساء - إلى امرأة أبيه، فتقول: ~~«أما سمعت بالخبر يا ستي؟ ... ست مريم طلقت من زوجها وعادت إلى ~~أمها.» هنالك عاوده ذكر مريم، وفهمي، والجندي الإنجليزي صديق كمال ~~وإن غاب عنه اسمه، ثم ذكر بالتالي اهتمامه القديم بشخصيتها الذي ~~جاش بها صدره عقب ذيوع الفضيحة، وما يدري إلا وقد أضاءت فجأة في ~~نفسه لوحة معبرة، كما تضيء الإعلانات الكهربائية في الليل، سطر ~~عليها «مريم ... جارتك ... الجدار لصق الجدار ... مطلقة ... ذات تاريخ، وأي ~~تاريخ ... أبشر.» ولكنه ما لبث أن جفل من نفسه؛ لأن اقترانها بذكرى ~~فهمي صده وآلمه وأهاب به أن يغلق هذا الباب وأن يحكم إغلاقه، ~~وأن يندم - إن كان ثمة ندم - على فكرة خفية عابرة. صادفها بعد ذلك ~~في الموسكي مع أمها، فالتقت الأعين على سهوة، ولكن سرعان ما لاح ~~فيها العرفان، ونمت بسمات لا تكاد ترى بالعين المجردة عن ~~عرفانها، فتحرك قلبه، تحرك للعرفان - فحسب - أول الأمر، ثم ~~للطيف الأثر الذي خلفه وجه عاجي مكحول العينين، وجسم نابض ~~بالفتوة والحيوية، ذكره بزينب في إبانها ... فمضى إلى طيته ~~متفكرا هائجا. غير أنه بعد خطوات، أو حال هبوطه إلى قهوة ~~أحمد عبده، هفت عليه ذكرى محزنة بعثت في قلبه الشجن، بعث فهمي في ~~خياله بشتى ذكرياته: صورته وأماراته، وأسلوبه في الحديث والحركة؛ ~~ففتر وجده وباخ، وغشيه حزن غليظ. يجب أن ينتهي كل شيء ms011 ... ~~لم؟ # عاد يتساءل بعد ساعة، أو بعد أيام، فكان الجواب: فهمي ... أية ~~علاقة بين الاثنين؟ ود يوما أن يخطبها، ولم لم يفعل؟ ... أبوك ~~لم يوافق. فقط؟ ... هذا في الأقل أصل المسألة. ثم؟ جاءت فضيحة ~~الإنجليزي، فمحت ما بقي من أثر باهت ... أثر باهت؟ ... أجل؛ لأنه على ~~الأرجح كان نسي، إذن نسي أولا، ونبذ أخيرا؟ نعم، فأية علاقة ~~هنالك؟ ... لا علاقة. ولكن! ... أعني شعور الأخوة، هل يمكن أن يرقى ~~شك إلى شعورك؟ ... كلا، وألف مرة كلا. الفتاة تستحق ...؟ ... نعم، ~~وجها وجسما؟ ... وجها وجسما فما انتظارك؟ # في النافذة كان يلمحها حينا بعد حين، ثم فوق السطح ... فوق السطح ~~مرات، ومرات. # لم طلقت؟ ... لسوء في خلق زوجها، فيكون الطلاق من حسن ~~حظها. أو لسوء في خلقها، فيكون الطلاق من حسن حظك أنت. ~~- قم وإلا غلبك النوم. # فتثاءب وهو يتخلل شعره الملهوج بأصابعه الغلاظ، ثم قال: يا ~~بختك بعطلتك المدرسية الطويلة. ~~- ألم أستيقظ قبلك؟ ~~- ولكن بوسعك أن تواصل النوم إذا شئت. ~~- لا أشاء كما ترى. # ضحك ياسين ضحكة لا معنى لها، ثم تساءل: ما اسم الجندي الإنجليزي ~~صديقك القديم؟ ~~- أوه ... جوليون! ~~- أجل جوليون! ~~- ما الذي دعاك إلى السؤال عنه؟ ~~- لا شيء! # لا شيء؟ ما أسخف لساننا! أليس ياسين خيرا من جوليون؟ في الأقل ~~جوليون عابر وياسين مقيم، في وجهها شيء يبتسم إليك دواما، ألم ~~تلاحظ مثابرتك على الظهور فوق السطح؟ بلى، وذكر جوليون، ليست ~~ممن يفوتهن معنى، ردت تحيتك. أول مرة أدارت رأسها باسمة، في ~~المرة الثانية ضحكت. ما أجمل ضحكتها! في الثالثة أشارت إلى أسطح ~~البيوت محذرة، سأعود بعد الغروب، هكذا قلت في جرأة، ألم يرسل ~~جوليون إشارته من الطريق العام؟ ~~- لشد ما أحببت الإنجليز في صغري، انظر كيف أمقتهم الآن ~~مقتا. ~~- سعد بطلك سافر ينشد صداقتهم. # هتف كمال بحدة: والله لأبغضنهم ولو وحدي. # وتبادلا نظرة أسى صامتة، تناهى إليهما وقع قبقاب السيد وهو ~~راجع إلى حجرته مبسملا محوقلا، فانزلق ياسين إلى الأرض، وغادر ~~الحجرة وهو يتثاءب. # تقلب كمال على جنبه ثم استلقى ms012 على ظهره مسترخيا، وثنى ~~ساعديه شابكا راحتيه تحت رأسه، ومضى ينظر فيما أمامه بعينين ~~لا تريان شيئا ... لتسعد بك رأس البر، لم تخلق بشرتك الملائكية ~~لتصلى حر القاهرة، فلتطب بموطئ قدميك الرمال، وليهنأ بمشهدك ~~الماء والهواء. سوف تشيدين بالمصيف، وعيناك تنطقان بالمسرة ~~والحنين، فأتطلع إليهما بقلب مشوق وعين تسائل الغيب - في حسرة ~~- عن المكان الذي استهواك فاستحق عن جدارة رضاك ... ولكن متى ~~تعودين؟ ومتى ينسكب في أذني تغريدك المسحور؟ كيف المصيف؟ ليتني ~~أدري ... قيل إنه حرية كالهواء، ولقاء بين أحضان الماء، وأهواء بعدد ~~حبات الرمال ... وخلق كثيرون يحظون بمحياك ... أما أنا ... أنا ~~الذي خفقات قلبه تئن لشكاتها الجدران؛ فأتلظى في سعير الانتظار. ~~هيهات! أن تنسي وجهك المنطلق بالبشر وأنت تغمغمين: «سنسافر غدا ~~... ما أجمل رأس البر!» ولا اكتئابي وأنا أتلقى نذير الفراق من ثغر ~~يومض بسنا السرور، كمن يتلقى السم مدسوسا في طاقة من الزهر ~~الفواح، ولا غيرتي من الجهاد الذي قدر على إسعادك حين عجزت، ~~وحظي بمودتك حين حرمت. ألم تلحظي حين الوداع اكتئابي؟ كلا، ~~لم تلحظي شيئا، لا لأني كنت واحدا بين كثيرين، ولكن لأنك يا ~~حبيبة لا تلحظين ... كأنما كنت شيئا لا يسترعي انتباهك ... أو كأنما ~~أنت مخلوق بديع غريب، استوى فوق الحياة يطالعنا من عل بعينين ~~هائمتين في ملكوت لا ندريه. هكذا وقفنا وجها لوجه ... أنت شعلة من ~~سعادة سادرة، وأنا رماد من وجوم وكآبة ... تحظين بحرية مطلقة أو ~~تذعنين لسنن فوق مداركنا. وأنا أدور في فلكك مجذوبا بقوة هائلة ~~... كأنك الشمس، وكأنني الأرض، هل وجدت عند الشاطئ حرية لم ~~تنعمي بها في مغاني العباسية؟ كلا، وحق قدرك عندي ... لست ~~كالأخريات ... في حديقة القصر والطريق، آثار عاطرات لقدميك ... وفي ~~قلب كل صديق ذكريات وآمال ... آنسة سهلة ممتنعة، تطوف بنا على غير ~~مثال، كأن الشرق قد استوهبها الغرب في ليلة القدر ... أي جديد من ~~الجود ترى تهبين إذا امتد الشاطئ، وترامى الأفق، واكتظ ~~الساحل بالمعجبين؟ أي جديد يا أملي وحسرتي؟ القاهرة في غيبتك ~~خواء تنضح كآبة ووحشة، ms013 كأنها عكارة الحياة والأحياء ... ثمة مناظر ~~ومعالم، ولكنها لا تخاطب وجدا، ولا تحرك قلبا، كأنها عاديات ~~الدنيا وذكرياتها في قبر فرعوني لم يفض ... ما من مكان بها ~~يعدني بعزاء أو تسلية أو مسرة. إخالني حينا مختنقا، وحينا ~~سجينا، وحينا مفقودا ضالا غير مفتقد. يا عجبا! أكان وجودك ~~ينيل أملا أفقدنيه البعاد؟ كلا يا قضائي وقدري، ولكنك ~~كالأمنية؛ الاستظلال بجناحها برد وسلام وإن اعتصمت بالمحال، هل ~~يغني المشتاق المتطلع إلى ظلمة السماء معرفته. إن البدر يسطع ~~فوق المكان الآخر من الأرض؟ ... كلا، وإن لم يدر للبدر امتلاكا، ~~إنما أطمع إلى الحياة في صميمها ونشوتها ولو بفادح الألم. بل أنت ~~حالة فيما خفق الفؤاد، والفضل لهذا المخلوق السحري: الذاكرة، ~~عن إعجازها غفلت حتى عرفتك، اليوم أو غدا أو بعد دهر في العباسية، ~~أو رأس البر، أو في أقصى الأرض لن تبرح مخيلتي عيناك السوداوان ~~الساجيتان، وحاجباك المقرونان، وأنفك السوي اللطيف، ووجهك البدري ~~الخمري، وجيدك الطويل، وقامتك الهيفاء، وما شئت من سحر يكتنفك ~~مزريا بكل وصف، مسكرا كعرف الفل والياسمين، لأملكن هذه ~~الصورة ما ملكت الحياة، وبعد الحياة لتقوضن عوائق وموانع فيكون ~~المصير إلي ... إلي وحدي بما أحببت هذا الحب كله ... وإلا ~~فخبريني عن معنى لهذه الحياة ينشد، أو عن طعم للخلود يرام. لا ~~تزعم أنك سبرت جوهر الحياة إلا أن تحب، السمع والبصر والذوق والجد ~~واللهو والمودة والظفر مسرات تهوى عند من فعم الحب قلبه، من أول ~~نظرة يا قلبي. ما ارتدت عنها عيناي حتى آمنت بأنها زيارة مقيم لا ~~زيارة عابر، لحظة خاطفة حاسمة، ولكن في مثلها تخلق الأرواح في ~~الأرحام، وتزلزل الأرض ... رباه لم أعد أنا ... قلبي تلاطمه جدران ~~الأضلع، أسرار السحر تنفث معانيها، العقل يتمادى حتى يمس الجنون، ~~اللذة تسطع حتى تعانق الألم، أوتار الوجود والنفس تجود بالنغم ~~المكنون، دمي يصرخ مستغيثا لا يدري مم يستغيث، الأعمى يبصر، ~~والكسيح يسير، والميت يحيا، حلفتك بكل عزيز ألا تذهبي أبدا، ~~أنت يا إلهي في السماء، وهي في الأرض. آمنت بأن ما ms014 مضى من حياتي ~~كان تمهيدا لبشارة الحب، لم أمت صغيرا، ولم ألحق بمدرسة غير ~~فؤاد الأول، ولم أصادق أول ما صادقت من تلاميذها إلا حسين ولم ... ~~ولم ... كل أولئك كي أدعى يوما إلى قصر آل شداد، يا للذكرى! يكاد ~~القلب من وقعها يقتلع، كنت وحسين وإسماعيل وحسن منهمكين في شتى ~~الأحاديث حين ورد مسامعنا صوت رخيم محييا، التفت وأنا من ~~الذهول في غاية ... من تكون القادمة؟ ... كيف لفتاة أن تقتحم على ~~غرباء مجلسهم؟ ... ثم سرعان ما انقطعت عن التساؤل ... وتناسيت ~~التقاليد جميعا ... وجدتني حيال مخلوق لا يمكن أن يكون من هذه ~~الأرض جاء، بدت وكأنها صديقة للجميع إلاي، فقال حسين يعارف ~~بيننا: «صديقي كمال، أختي عايدة»، ليلتئذ عرفت لم خلقت ... لم ~~لم أمت ... لم دفعتني المقادير إلى العباسية، وحسين، وقصر آل ~~شداد. متى كان ذلك؟ كان الزمان نسيا منسيا، وا أسفاه! إلا ~~اليوم، كان يوم الأحد ... عطلة مدرستها الفرنسية الذي صادف عطلة ~~رسمية لعلها مولد النبي، وعلى اليقين كانت مولدي أنا، ما قيمة ~~التاريخ؟ سحر التقويم أنه يوهمنا بأن الذكرى تبعث حية وتعود، ~~ولو أن شيئا لا يعود، لن تفتأ تجد في البحث عن التاريخ، ولن ~~تفتأ تردد: مطلع السنة الثانية بالمدرسة ... أكتوبر، نوفمبر، حين ~~زيارة سعد للصعيد، وقبل نفيه للمرة الثانية ... مستخبرا الذاكرة ~~والشواهد والأحداث، وليس إلا أنك تتشبث تشبث اليائس باستعادة ~~سعادة مفقودة وعهد مضى إلى الأبد. لو مددت يدك عند التعارف كما ~~كدت لصافحتك فعرفت مسها، وهو ما تتخيله حينا بعد حين بشعور ~~ملؤه الشك والهيام، كأنما هي مخلوق غير جسماني لا مس له ... وهكذا ~~ضاعت فرصة كالحلم كما ضاع الزمان، ثم أقبلت على صديقيك تحادثهما ~~ويحادثانها - بغير كلفة - وأنت قابع في مقعدك تحت الكشك تكابد حيرة ~~المتشبع بتقاليد حي الحسين، حتى عدت تتساءل: ترى أهي تقاليد ~~خاصة بالقصور، أم نفحة من باريس التي نشأ المعبود بين أحضانها؟ ... ~~ثم تستغرق في رخامة الصوت، وتستطعم نبراته، وتنتشي بتغريده، ~~وتمتلئ بكل حرف يند عنه، ولعلك - يا مسكين - لم تدرك ms015 وقتها أنك ~~تولد من جديد، وأنك كالوليد سوف تستقبل دنياك الجديدة بالارتياع ~~والدموع. وقالت ذات الصوت الرخيم: «سنذهب هذا المساء لمشاهدة ~~الغندورة.» فسألها إسماعيل باسما: «أتحبين منيرة المهدية؟» ~~فترددت كما ينبغي لآنسة نصف باريسية، ثم أجابت: «ماما تحبها»، ~~ثم اشترك حسين وإسماعيل وحسن في حديث عن منيرة وسيد درويش وصالح ~~وعبد اللطيف البنا، ثم ما أدري إلا والصوت الرخيم يسأل: «وأنت يا ~~كمال، ألا تحب منيرة؟» أتذكر ذلك النداء الذي نزل على غير انتظار؟ ~~أعني أتذكر النغمة الطبيعية التي تجسمها؟ لم يكن قولا، ولكن نغما ~~وسحرا استقر في الأعماق كي يغرد دوما بصوت غير مسموع، ينصب فؤادك ~~إليه في سعادة سماوية لا يدريها أحد سواك، كم روعك وأنت تتلقاه، ~~كأن هاتفا من السماء اصطفاك فردد اسمك، سقيت المجد كله، والسعادة ~~كلها، والامتنان كله في نهلة واحدة، وددت بعدها لو تهتف مستنجدا: ~~«زملوني ... دثروني»، ثم أجبت وإن كنت لا أذكر بماذا أجبت، لبثت ~~دقائق ثم ودعتنا ومضت، في عينيها السوداوين نظرة أنيقة، تنم إلى ~~جمالها الفاتن عن صراحة محببة وجرأة مصدرها الثقة - لا الاستهتار ~~أو القحة - وترفع مروع، كأنما تجذبك وتدفعك معا ... جمالها فتنة ~~لا أدرك له كنها ولا أدري له شبها، وكان يخيل إلي كثيرا أنه ~~ليس إلا ظلا لسحر أعظم يكمن في شخصها ... من أجل أي هذين أحبها؟ ~~... كلاهما لغز، ولغز ثالث هو حبي. يتراجع ذلك اليوم كل يوم يوما ~~إلا أن ذكرياته ناشبة في قلبي أبدا. لبناتها مكان وزمان وأسماء ~~وصحاب وأحاديث، يتقلب القلب في جنباتها نشوان حتى يخال أنها ~~الحياة جميعا، فيتساءل فيما يشبه الشك: هل كانت ثمة وراء ذلك ~~حياة؟ ... هل حقا مضى زمن قبلها خلا من الحب قلبي، وأقفرت من تلك ~~الصورة الإلهية نفسي؟ ربما أسكرتك السعادة حتى تحزن على ما ضاع من ~~ماض جديب، وربما لسعك الألم حتى تذوب حسرات على السلام الذي ~~ولى، وبين هذا وذاك لا يجد قلبك إلى الاستقرار سبيلا، فيمضي ~~ملتمسا الشفاء في شتى العقاقير الروحية، يستمدها من الطبيعة ~~آنا، ms016 ومن العلم آنا، ومن الفن حينا ، وفي العبادة أحيانا كثيرة ~~... قلب استيقظ فانطلقت من صميمه شهوة مولعة بالمسرات الإلهية ... ~~أيها الناس، حبوا أو موتوا ... لسان حالك وأنت تسير مزهوا فخورا ~~بما تحمل بين جنبيك من نور الحب وأسراره ... يزدهيك علو فوق الحياة ~~والأحياء، ويصل أسبابك بالسموات جسر مفروش بورود السعادة، وأنت أنت ~~الذي تخلو حينا آخر إلى نفسك فتطغى عليك حساسية أليمة مريضة ~~بإحصاء النقائص وتقصيها بلا رحمة في كائنك الصغير، ودنياك ~~المتواضعة، وهناتك الآدمية ... رباه، كيف تخلق نفسك من جديد؟ هذا ~~الحب طاغية يتيه فوق كافة القيم، وفي ركابه يتألق معبودك، لا ~~تكمله الفضائل، ولا تنقصه المثالب، النقيصة تلوح في تاجه الدري ~~حسنا يشغلك إعجابا، هل أزرى بها في نظرك أن تخرج على التقاليد ~~المرعية؟ كلا، بل إن خروجها بالتقاليد المرعية أزرى، يطيب لك ~~أحيانا أن تسأل نفسك: ماذا تروم من حبها؟ أجب بكل بساطة: أن ~~أحبها، أيجوز أن تنبثق في النفس هذه الحياة كلها ثم يتساءل عن ~~غاية وراءها؟ لا شيء وراءها، العادة هي التي ربطت بين لفظي الحب ~~والزواج، ليست فوارق السن والطبقة هي وحدها التي تجعل من الزواج ~~غاية مستحيلة في مثل حالي، ولكنه الزواج نفسه، بما يستنزل الحب ~~من سمائه إلى أرض العقود والعرق ... ويسألك الذي يأبى إلا أن ~~يحاسبك، بم جادت عليك لقاء التهالك في حبها؟ أجبه بلا تردد: ~~ابتسامة فاتنة، و«يا كمال» الغالية، وزيارتها للحديقة في الأوقات ~~السعيدة النادرة، وترائيها مع الصباح الندي، وسيارة المدرسة ~~تمضي بها، ومعابثتها الخيال في سبحات اليقظة وتهويم الأحلام، ثم ~~تسألك النفس الطماعة المجنونة: «أمن المحال أن يكون المعبود ~~مشغولا بأمر عابده؟ ... أجبها غير مستسلم لإغراء الآمال الكواذب: ~~حسن أن يذكر عند العودة اسمنا ...» ~~- بسرعة إلى الحمام، هل تأخرت؟ # مالت عينا كمال - وقد لاح فيهما رجع المفاجأة - إلى ياسين الذي ~~عاد إلى الحجرة وهو ينشف رأسه بالفوطة، ثم وثب إلى الأرض فبدا ~~فرعه الطويل نحيفا، وألقى نظرة طويلة على المرآة كأنما يتفحص ~~رأسه الضخم، وجبينه البارز، وأنفه الذي ms017 تراءى لكبره وقوته كأنه ~~منحوت من الجرانيت، ثم تناول فوطته من على شباك السرير ومضى إلى ~~الحمام. # وكان السيد أحمد قد فرغ من الصلاة، فعلا صوته الغليظ بالدعاء ~~المعتاد للأولاد ولنفسه، سائلا الله الهداية والستر في الدارين ~~... وفي أثناء ذلك كانت أمينة تعد المائدة، ثم ذهبت إلى حجرة ~~السيد، فدعته - بصوتها الوديع - إلى تناول الفطور، واتجهت إلى حجرة ~~ياسين وكمال فكررت الدعوة. # اتخذ الثلاثة أماكنهم حول الصينية، وبسمل الأب وهو يتناول ~~رغيفا معلنا بدء الأكل، فتبعه ياسين ثم كمال، على حين وقفت ~~الأم وقفتها التقليدية إلى جانب صينية القلل. كان مظهر الأخوين ~~يدل على الأدب والخشوع، ولكن خلا قلباهما - أو كادا - من الخوف ~~الذي كان يركبهما - قديما - في حضرة الأب، ياسين: لأن بلوغه ~~الثامنة والعشرين منحه امتيازا من امتيازات الرجولة، وضمانا ضد ~~الإهانات الجارحة والاعتداءات التعيسة. وكمال: لأن بلوغه السابعة ~~عشرة، وتقدمه في الدراسة وهباه نوعا من الضمان أيضا إلا يكن ~~بقوة ضمان ياسين، فإنه لم يخل من العفو والتسامح على الأقل في ~~الهفوات التافهة، إلى أنه آنس من أبيه في السنوات الأخيرة أسلوبا ~~من المعاملة تخفف من البطش والإرهاب بدرجة محسوسة. ولم يكن من ~~النادر أن يدور حديث مقتضب بين الآكلين بعد أن كان الصمت يتحكم ~~في مجلسهم تحكما مخيفا، إلا أن يسأل الأب أحدهم فيجيب بعجلة ~~ولهوجة ولو بفم ممتلئ بالطعام، أجل لم يعد غريبا أن يخاطب ~~ياسين أباه، فيقول مثلا: «زرت أمس رضوان في بيت جده، وهو يقرئكم ~~السلام ويقبل يدكم.» فلا يعد السيد الخطاب جرأة غير محمودة، ~~ولكنه يقول له ببساطة: «ربنا يحفظه ويرعاه.» ... ولا يبعد عند ذلك أن ~~يتساءل كمال بأدب، محدثا بذلك تطورا خطيرا في علاقته ~~التاريخية بأبيه: «متى يستحق رضوان شرعا لأبيه يا بابا؟» فيجيبه ~~السيد: «عندما يبلغ السابعة.» بدلا من أن يصيح به: «اخرس يا ابن ~~الكلب.» طاب لكمال يوما أن يتعرف على تاريخ آخر شتمة تلقاها من ~~أبيه، حتى تذكر أنه كان ذلك قبل عامين على وجه التقريب أو بعد حبه ms018 ~~- الذي غدا يؤرخ به - بعام ، إذ شعر وقتذاك بأن مصادقته لشبان من ~~طراز حسين شداد وحسن سليم وإسماعيل لطيف؛ تتطلب زيادة كبيرة في ~~مصروفه كي يتأتى له مجاراتهم في لهوهم البريء، فشكا أمره إلى أمه ~~راجيا إياها أن تخاطب أباه في شأن الزيادة المأمولة، ومع أن ~~مخاطبة الأب - في مثل هذا الأمر - لم تكن يسيرة على الأم، إلا أنها ~~هانت بعض الشيء بتغير معاملته لها عقب وفاة فهمي، فحدثته ~~منوهة بعلاقة جديدة مشرفة لابنها بأصدقاء من «الأكابر»، وعند ~~ذاك دعا السيد كمال، وصب عليه غضبه، حتى صاح به: «هل ظننتني تحت ~~أمرك أو أمر أصحابك؟ ... ملعون أبوك وأبوهم.» فغادره كمال خائب ~~الرجاء، وقد ظن أن الأمر انتهى عند ذاك ... ولكنه ما يدري إلا والرجل ~~يسأله عن هوية أصدقائه على مائدة إفطار اليوم التالي، وما إن سمع ~~اسم حسين عبد الحميد شداد، حتى سأله باهتمام: «من العباسية صاحبك؟» ~~فأجاب كمال بالإيجاب، وقلبه يخفق. فقال السيد: «كنت أعرف جده ~~شداد بك، وأعرف أيضا أن أباه عبد الحميد بك كان مبعدا في الخارج ~~لسابق علاقته بالخديو عباس ... أليس كذلك؟» فأجاب كمال بالإيجاب مرة ~~أخرى، وهو يغالب وجده الذي أهاجه الحديث عن والد معبودته، وذكر ~~لتوه ما علم عن الأعوام التي قضتها الأسرة في باريس، حيث ترعرعت ~~معبودته في نور مدينة النور. فما تمالك أن شعر نحو أبيه بإجلال ~~وإكبار جديدين ومودة مضاعفة، وعد معرفته لجد معبودته رقية ~~سحرية تنسبه - ولو من بعيد - إلى منزل الوحي ومبعث السنا، ثم ما ~~لبثت أمه أن زفت إليه بشرى موافقة والده على مضاعفة مصروفه. # منذ ذلك اليوم لم يتعرض لشتمة جديدة، إما لأنه لم يرتكب ما ~~يستوجبها، وإما لأن أباه رأى أن يعفيه من الشتم إطلاقا ... وقف كمال ~~إلى جانب أمه في المشربية يشاهدان السيد أحمد في الطريق، وهو ~~يردد - في وقار ولطف - تحيات عم حسنين الحلاق، والحاج درويش بائع ~~الفول، والفولي اللبان، وبيومي الشربتلي، وأبو سريع صاحب المقلى، ~~ثم رجع إلى الحجرة حيث وجد ياسين واقفا ms019 أمام المرآة يتأنق في ~~عناية وصبر، جلس على كنبة بين السريرين، وراح يتأمل جسم أخيه ~~الطويل البدين، ووجهه المورد المكتنز بنظرة باسمة غامضة، كان ~~يكن له حبا أخويا صادقا، بيد أنه لم يكن يستطيع - كلما ~~أنعم فيه الفكر أو النظر - أن يقاوم شعورا خفيا بأنه حيال ~~«حيوان أليف جميل» على رغم أنه أول من هز أوتار أذنيه بأنغام ~~الشعر ونفثات القصص، ربما تساءل، تساؤل من يرى في الحب جوهر ~~الحياة والروح، أمن الممكن أن يتصور ياسين عاشقا؟ ~~فيتمثل الجواب ضحكة باطنية أو منطلقة، أجل ما للحب وهذه الكرش ~~المترعة! ما للحب وهذا الجسم اللحيم! ما للحب وهذه النظرة ~~الشهوانية الساخرة! ثم لا يتمالك أن يجد نحوه إحساسا بالازدراء ~~الملطف بالعطف والود، وإن لم يخل أحيانا - خاصة في الأوقات التي ~~تعتري حبه فيها نوبة من نوبات الألم والهبوط - من عاطفة إعجاب بل ~~حسد. كذلك بدا ياسين لعينيه أبعد ما يكون عن عرش الثقافة، الذي ~~بوأه إياه قديما حينما كان يظنه عالما ساحرا مالكا لفنون ~~الشعر والقصص، تكشف له قارئا سطحيا يقنع من وقت مجلس القهوة ~~ببضع ساعة يتنقل فيها بلا جهد أو عناء بين الحماسة وقصة من القصص ~~قبل انطلاقه إلى قهوة أحمد عبده، حياة عاطلة من بهاء الحب وأشواق ~~المعرفة الحقيقية، وإن كن لصاحبها حبا أخويا لا تشوبه شائبة ~~... لم يكن كذلك فهمي، كان مثله الأعلى في الحب والعقل، ولكنه بدا ~~أخيرا كالمتخلف بعض الشيء عما يطمح إليه، أجل ساوره شك ~~يقارب اليقين في أن فتاة كمريم يمكن أن تبعث في النفس حبا ~~حقيقيا كالحب الذي يضيء به نفسه. كما ارتاب في أن تضاهي الثقافة ~~القانونية التي نزع إليها أخوه الراحل المعرفة الإنسانية التي ~~يتشوقها بكل قوة نفسه. كان يتأمل من حوله بعين تنفتح على ~~التأمل والنقد، وذهب في ذلك كل مذهب، إلا أنه وقف عند عتبة أبيه ~~لا يجرؤ على أن يرفع قدما، لاح الرجل لعينيه شيئا هائلا يتربع ~~على عرشه فوق النقد. ~~- أنت اليوم عريس، اليوم عيد من ms020 أعيادك الظافرة. أليس كذلك؟ لولا ~~نحافتك ما وجدت ما أؤاخذك عليه. # قال كمال مبتسما: إني راض عنها. # ألقى ياسين على صورته نظرة أخيرة، ثم وضع الطربوش على رأسه ~~وأماله يمنة بعناية حتى أوشك أن يمس حاجبه، ثم قال وهو ~~يتجشأ: أنت حمار كبير يحمل البكالوريا، تمتع بالطعام والراحة ~~فهذه هي العطلة، كيف تسول لك نفسك أن تقرأ في العطلة أضعاف ما تقرأ ~~في عامك الدراسي؟! اللهم إني بريء من النحافة وأصحابها. # ثم وهو يغادر الغرفة والمنشة العاجية في يده: لا تنس أن تختار لي ~~قصة جيدة، مثل: «باردليان» و«فوستا»، هه؟ مضى زمن كنت تستجديني ~~فصلا من رواية، هاك زمنا أغبر أشحذك فيه القصص. # ارتاح إلى الوحدة التي يخلو فيها إلى نفسه، فنهض وهو يغمغم: من ~~أين له بالبدانة والقلب لا ينام؟ لم تكن تحلو له الصلاة إلا ~~خاليا، صلاة بالجهاد أشبه، ويشترك فيها القلب والعقل والروح، جهاد ~~من لا يضن بجهد للفوز بالضمير الطاهر النقي، ولو لاحق نفسه ~~بالحساب تلو الحساب على الهفوة والخاطرة ... أما الدعاء في أعقاب ~~الصلاة، فلها، لها وحدها. # 3 # عبد المنعم ~~: # الفناء أوسع من السطح، ولا بد أن نزيح الغطاء عن البئر ~~لنرى ما فيها ... # نعيمة ~~: # ستغضب ماما وخالتي وجدتي ... # عثمان ~~: # لن يرانا أحد ... # أحمد ~~: # البئر فظيعة، ويموت من ينظر فيها. # عبد المنعم ~~: # نرفع الغطاء، ثم ننظر من بعيد، ~~(ثم بصوت مرتفع) ~~: هيا ~~بنا ننزل. # أم حنفي ~~(معترضة باب السطح) ~~: # لم يبق في حيل للنزول والطلوع، قلتم نطلع السطح ~~فطلعنا السطح، وقلتم ننزل الفناء فنزلنا إلى الفناء. نطلع ~~السطح مرة ثانية فطلعنا السطح مرة ثانية، ماذا تريدون من ~~الفناء؟ الجو حار تحت. أما هنا فالنسمة جارية، وعما قليل ~~تغيب الشمس. # نعيمة ~~: # سيرفعون غطاء البئر لينظروا فيها. # أم حنفي ~~: # سأنادي ست خديجة وست عائشة. # عبد المنعم ~~: # نعيمة كذابة، لن نرفع الغطاء، ولن نقترب منه، سنلعب في ~~الفناء قليلا ثم نعود، ابقي هنا حتى نعود. # أم حنفي ~~: # أبقى هنا! رجلي على رجلكم، الله يهديكم، ليس في البيت ~~كله ms021 مكان أجمل من السطح، انظروا إلى هذا البستان! # محمد ~~: # نامي لأركبك. # أم حنفي ~~: # كفاية ركوب، اختر لنفسك لعبة أخرى، الله، الله، انظروا ~~إلى الياسمين واللبلاب، انظروا إلى الحمام. # عثمان ~~: # أنت قبيحة كالجاموسة، ورائحتك نتنة. # أم حنفي ~~: # الله يسامحك، عرقي سال من الجري وراءكم. # عثمان ~~: # خلينا نر البئر ولو شوية صغيرة. # أم حنفي ~~: # البئر ملأى بالعفاريت، ولذلك سددناها. # عبد المنعم ~~: # كذابة، لم تقل ماما ولا خالتي هذا. # أم حنفي ~~: # الحقيقة عندي أنا، أنا وستي الكبيرة، كنا نراهم رؤية ~~العين، فانتظرنا حتى دخلوا، وألقينا على فوهة البئر الغطاء ~~الخشبي وأثقلناه بالحجارة. لا تذكروا البئر، وقولوا معي: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» ... # محمد ~~: # نامي لأركبك. # أم حنفي ~~: # انظروا إلى اللبلاب والياسمين! ليت عندكم مثلهما، ليس في ~~سطحكم إلا الدجاج والخروفان اللذان تسمنونهما ~~للعيد. # أحمد ~~: # ماء ... ماء ... ماء. # عبد المنعم ~~: # هاتي سلما لنطلع عليها. # أم حنفي ~~: # يا ساتر يا رب، الولد لخاله، العبوا في الأرض لا في ~~السماء. # رضوان ~~: # في شرفة بيتنا وفي السلاملك أصص ورد أحمر وأبيض وقرنفل ~~... # عثمان ~~: # عندنا خروفان ودجاج ... # أحمد ~~: # ماء ... ماء ... ماء. # عبد المنعم ~~: # أنا في الكتاب، من منكم في الكتاب؟ # رضوان ~~: # أنا حافظ (الحمد). # عبد المنعم ~~: # الحمد، كبة لمبة. # رضوان ~~: # إخص، أنت كافر. # عبد المنعم ~~: # هذا ما يتغنى به العريف في الطريق ... # نعيمة ~~: # قلنا ألف مرة لا تردد كلامه ... # عبد المنعم # ل (رضوان) ~~: # لماذا لا تعيش مع باباك خالي ياسين؟ # رضوان ~~: # أنا عند ماما. # أحمد ~~: # أين ماما؟ # رضوان ~~: # عند جدي الآخر؟ # عثمان ~~: # أين جدك الآخر؟ # رضوان ~~: # في الجمالية! ... في بيت كبير وسلاملك. # عبد المنعم ~~: # لماذا أمك في بيت، وأبوك في بيت؟ # رضوان ~~: # ماما عند جدي هناك، وبابا عند جدي هنا ... # عثمان ~~: # لم لا يوجدان في بيت واحد مثل بابا وماما ...؟ # رضوان ~~: # القسمة والنصيب، هذا ما تقوله جدتي الأخرى. # أم حنفي ~~: # قررتموه حتى أقر، لا حول ولا قوة إلا بالله. ارحموه ~~والعبوا ... # أحمد ~~: # نامي لأركبك ... # رضوان ~~: # انظروا إلى العصفورة فوق عود اللبلاب ... # عبد المنعم ~~: # هاتوا سلما، وأنا أقبض عليها ... # أحمد ms022 ~~: # لا ترفع صوتك، إنها تنظر إلينا بعينيها، وتسمع كل كلمة ~~نقولها ... # نعيمة ~~: # ما أجملها، عرفتها! هي العصفورة التي رأيتها أمس فوق حبل ~~الغسيل عندنا ... # أحمد ~~: # الأخرى في السكرية، فكيف عرفت الطريق إلى بيت جدي ~~...؟ # عبد المنعم ~~: # يا حمار، العصفورة تطير من السكرية إلى هنا، وتعود قبل ~~المساء. # عثمان ~~: # أهلها هناك وأقاربها هنا ... # محمد ~~: # نامي لأركبك، أو أبكي حتى تسمعني ماما ... # نعيمة ~~: # نلعب الحجلة؟ # عبد المنعم ~~: # بل نتسابق ... # أم حنفي ~~: # من غير شجار بين السابق والمسبوق. # عبد المنعم ~~: # اسكتي يا جاموسة ... # عثمان ~~: # ناع ع ع ... ناع ع ع. # أحمد ~~: # ماء ... ماء ... ماء. # محمد ~~: # سأدخل السباق راكبا، نامي لأركبك ... # عبد المنعم ~~: # واحد ... اثنان ... ثلاثة ... ~~••• # احتفى السيد أحمد عبد الجواد بالمدعوين فأخلى نفسه لهم النصف ~~الأول من النهار كله، ثم توسط مائدة الوليمة التي ضمت: إبراهيم ~~شوكت، وخليل شوكت، وياسين وكمال. ثم دعا بالرجلين إلى حجرة نومه في ~~جلسة عائلية، فمضوا يتسامرون في جو من المودة والمؤانسة وإن لم ~~يخل من تحفظ من ناحية السيد وتأدب من ناحية صهريه، مصدره ما ~~يلتزمه الرجل في المعاملة مع آل بيته حتى الوارد من الخارج منهم ~~على رغم المقاربة في السن بينه وبين إبراهيم شوكت زوج ~~خديجة. # ودعي الأطفال إلى حجرة الجد ليقبلوا يده، ويتلقوا هداياه ~~النفيسة من الشيكولاتة والملبن. فتقدموا إليه بترتيب أسنانهم: ~~نعيمة بنت عائشة أولا، فرضوان بن ياسين، فعبد المنعم بن خديجة، ~~فعثمان بن عائشة، فأحمد بن خديجة، ثم محمد بن عائشة. راعى السيد ~~المساواة المطلقة في توزيع عطفه وابتساماته على أحفاده، منتهزا ~~فرصة خلو الحجرة من مراقبين - عدا إبراهيم وخليل - ليتخفف بعض ~~الشيء من تحفظه المأثور. فهز الأيدي الصغيرة بترحاب، وقرص ~~الخدود الموردة بحنان، ولثم الجباه وهو يداعب هذا ويمازح ذاك، وظل ~~مراعيا المساواة حريصا عليها حتى مع رضوان أحظى الصغار ~~بمحبته. # كان من عادته إذا خلا إلى أحد من أحفاده أن يتفحصه بشغف، ~~مدفوعا بعواطف أصيلة كالأبوة، وأخرى دخيلة كحب الاستطلاع، وكان ~~يجد لذة كبيرة في تتبع ملامح الأجداد والآباء والأمهات ms023 في ~~السلالات الجديدة الصاخبة التي لم تكد تلقن احترامه فضلا عن ~~مخافته، وقد أسره جمال نعيمة ذات الشعر الذهبي والعينين ~~الزرقاوين التي فاقت أمها نفسها حسنا ورواء، فأتحفت الأسرة ~~بقسمات غنية من الحسن بعضها مشتق من أمها والبعض متوارث عن ~~آل شوكت، وعلى هذا المنهج من الجمال سار شقيقاها عثمان ومحمد مع ~~ميل واضح إلى ملامح الأب - خليل شوكت - خاصة في عينيه الواسعتين ~~البارزتين ذواتي النظرة الهادئة الخاملة. وعلى خلاف هذا تبدى عبد ~~المنعم وأحمد ابنا خديجة، فبشرتهما وإن تكن شوكتية، إلا أن ~~عينيهما هما عينا الأم أو الجدة الصغيرتان الجميلتان، أما الأنف ~~فينذر بمشابهة أنف الأم أو الجد على الأصح. أما رضوان فما كان ~~له إلا أن يكون جميلا، حظي بعيني أبيه أو عيني هنية السوداوين ~~المكحولتين، وبشرة آل عفت العاجية، وأنف ياسين المستقيم. أجل ~~ترقرقت الملاحة في وجهه آسرة. مضى زمن طويل مذ كان يتعلق به أطفاله ~~بلا خوف من ناحيتهم ولا تكلف من ناحيته كما يفعل الأطفال اليوم، ~~يا لها من أيام! ويا لها من ذكريات! ياسين وخديجة وفهمي ثم عائشة ~~وكمال، ما منهم إلا وقد دغدغه تحت إبطه وأركبه منكبيه، ترى هل ~~يتذكرون؟ لقد كاد هو ينسى، على أن نعيمة تبدو رغم ابتسامتها ~~الوضيئة متحلية بالحياء والأدب، أما أحمد فلم يكف عن المطالبة ~~بالمزيد من الشيكولاتة والملبن، على حين وقف عثمان ينتظر نتيجة ~~المطالبة بفارغ الصبر، وأما محمد فهرول إلى الساعة الذهبية والخاتم ~~الماسي في جوف الطربوش وكبشهما فما استخلصهما خليل شوكت من يده إلا ~~بالقوة، ومرت لحظات توزع السيد الارتباك والحيرة، فلم يدر ~~ماذا يفعل وهو محاط، بل مهدد من كل جانب بالأحفاد الأعزاء ... ~~وقبيل العصر غادر السيد البيت إلى الدكان، وبذهابه تمتعت الصالة ~~- حيث اجتمع بقية أفراد الأسرة - بكامل حريتها. ورثت صالة الدور ~~الأعلى أختها بالدور المهجور. ففرشت بحصيرها وكنباتها، وعلق ~~بسقفها الفانوس الكبير، فغدت مجلسا ومقهى لمن تبقى من الأسرة ~~في البيت القديم. وقد حافظت طوال اليوم - رغم امتلائها - على ~~هدوئها، حتى إذا ms024 لم يعد يبقى من السيد إلا ما سطع في الجو من ~~عرف الكولونيا التي تطيب بها. استردت أنفاسها، فتعالت بها ~~الأصوات والضحكات، ودبت فيها الحركة. واتخذ المجلس هيئته ~~كالعهد القديم، فتربعت أمينة على كنبة أمام أدوات القهوة، وعلى ~~الأخرى المواجهة لها جلست خديجة وعائشة. وعلى ثالثة جانبية قعد ~~ياسين وكمال. وما لبث أن انضم إليهم إبراهيم شوكت، وخليل شوكت - ~~بعد ذهاب السيد - فجلس إبراهيم إلى يمين حماته، وخليل إلى ~~يسارها. # لم يكد إبراهيم يستقر على مجلسه، حتى خاطب أمينة قائلا بلهجة ~~متوددة: بارك الله في اليد التي قدمت لنا أشهى الطعام وألذه (ثم ~~وهو يردد عينيه البارزتين الخاملتين في الجلوس كأنما يلقي محاضرة) ~~الطواجن ... الطواجن! ... معجزة هذا البيت، ليس الطاجن بما يحويه من ~~المأكول - وإن لذ وطاب - ولكن بتسبيكه قبل كل شيء. التسبيك هو كل ~~شيء! هو الصنعة، وهو المعجزة، دلوني على طواجن كالتي التهمناها ~~اليوم! # كانت خديجة تتابع كلامه باهتمام، وهي بين التأييد له اعترافا ~~بمهارة أمها، والاحتجاج عليه لتجاهله إياها، فلما أمسك كي يهيئ ~~للمنصتين فرصة للإقرار برأيه، لم تتمالك من أن تقول: هذا حكم ~~مسلم به وليس في حاجة إلى شهادة شاهد، غير أني أذكر - ~~وأحب أن أفكر أيضا - بأنك ملأت بطنك في بيتك مرارا من طواجن ~~لا تقل صنعة عن طواجن اليوم. # ارتسمت ابتسامة - ذات معنى - على وجوه عائشة وياسين وكمال، وبدا ~~على الأم أنها تغالب حياءها؛ لتقول كلمة تجمع بين الشكر لإبراهيم ~~وإرضاء خديجة، ولكن خليل شوكت بادر قائلا: صدقت خديجة هانم، ~~إن لطواجنها فضلا علينا جميعا، لا يمكن أن تنسى ذلك يا ~~أخي. # فردد إبراهيم نظره بين زوجه وحماته، وهو يبتسم كالمعتذر. ثم ~~قال: معاذ الله أن أنكر هذا الفضل، ولكني بصدد التحدث عن المعلمة ~~الكبيرة (ثم وهو يضحك) وعلى أي حال فأنا أنوه بفضل والدتك ~~أنت لا والدتي أنا! # وانتظر حتى خفت أصوات الضحك التي أثارها قوله الأخير، ثم واصل ~~تقريظه متلفتا نحو الأم، وهو يقول: نعود إلى الطواجن، ولكن لم ~~نقصر كلامنا ms025 على الطواجن؟ الحق أن الصنوف الأخرى لم تكن دون ~~الطواجن لذة وفخامة، خذوا مثلا: البطاطس المحشو، الملوخية، الأرز ~~المفلفل بالكبد والقوانص، المحاشي المتنوعة، والله أكبر على ~~الدجاج ولحمه المكتنز ... خبريني، أي غذاء تطعمينه يا ~~حماتي؟ # أجابته خديجة في تهكم: من الطواجن تطعمه! ~~- سأكفر طويلا عن إقراري بالفضل لأهله، ولكن الله غفور ~~رحيم، مهما يكن من أمر فلندع الله أن يكثر من أيام الأفراح ... ~~مبارك عليك البكالوريا يا سي كمال، وعقبى للدبلوم إن شاء ~~الله. # قالت أمينة بامتنان، وكانت موردة الوجه من الحياء والسرور: ~~ربنا يفرحك بعبد المنعم وأحمد، ويفرح سي خليل بنعيمة وعثمان ومحمد، ~~(ثم ملتفتة إلى ياسين) ويفرح ياسين برضوان. # كان كمال يسترق النظر إلى إبراهيم حينا وإلى خليل آخر، وعلى ~~شفتيه ابتسامة ثابتة يداري بها عادة ملله من الحديث، الذي ~~تنعدم متعته وتقضي اللياقة بالاشتراك فيه ولو بحسن الإنصات. إن ~~الرجل يحدث عن الطعام وكأنه لم يزل على المائدة سكران بشهوة ~~الأكل، الطعام ... الطعام ... الطعام ... لم استحق هذا التقديس كله؟ هذان ~~الرجلان العجيبان لا يبدو أنهما يتغيران مع الزمن، كأنهما بمنأى ~~عن تياره. إبراهيم اليوم هو إبراهيم الأمس، لم يكد يطرأ عليه من ~~إشرافه على الخمسين إلا أثر غير ملحوظ تحت العينين أو فيما حول ~~طرفي الفم، ونظرة رزينة ثقيلة لم تكسبه وقارا بقدر ما أكسبته ~~مزيدا من الخمول، ولكن شعرة واحدة - سواء في رأسه أم في شاربه ~~المفتول - لم تشب، وبدانته لم تزل مدمجة قوية لم يعتورها ~~ترهل، إلى أن التشابه الذي جمع بين الشقيقين إلا في أعراض لا ~~يعتد بها كالاختلاف بين شعر خليل السبط المرسل وشعر إبراهيم ~~القصير المحلوق، وتماثلها في الصحة والنظرة الخاملة كان مما ~~يبعث على الضحك والازدراء حقا، وكانا يرتديان بذلتين من الحرير ~~الأبيض وقد نزع كل منهما جاكتته، فلاح قميصه الحريري والأزرار ~~الذهبية تلمع في عرا أكمامه، مظهر ينم على وجاهة هي كل ما ~~هنالك. في بحر السنوات السبع التي وصلت بين الأسرتين، كان يخلو ~~إلى هذا أو ذاك منهما كثيرا ms026 أو قليلا، ولكن حديثا واحدا ذا ~~طعم لم يجر بينهم! ... فيم الانتقاد؟ ولولا ذاك ما كان هذا الانسجام ~~الموفق بينهما وبين شقيقتيه؟ إن الازدراء - من حسن الحظ - لا ~~يناقض العطف والإيثار بالخير والمودة. أوه ... يبدو أن حديث ~~الطواجن لم ينته بعد، ها هو سي خليل شوكت يتهيأ ليلقي كلمته: ~~لم يعد أخي إبراهيم الحق فيما قال، يد لا عدمناها، ومائدة جديرة ~~بأن ينادي بها المنادون. # كانت أمينة في أعماقها تحب الثناء، وكثيرا ما تعاني مرارة ~~الحرمان منه، لشعورها بالجهد الدائب الذي تبذله عن حب وطواعية في ~~خدمة البيت وآله. وكثيرا ما نهمت إلى سماع كلمة طيبة من السيد، ~~ولكن السيد لم يكن من عادته أن يجود بالثناء عليها وإذا جاد ففي ~~اقتضاب، وفي أحوال نادرة لا تكاد تذكر، لذلك وجدت نفسها بين ~~إبراهيم وخليل في موقف عجب غير مألوف ملأها سرورا حقا. ولكنه ~~هيج لحد الارتباك حياءها، فقالت تداري مشاعرها: لا تبالغ يا ~~سي خليل، أنت لك أم من يألف طعامها يزهد في أي طعام ~~سواه! # وبينا عاد خليل إلى توكيد الثناء، اتجهت عينا إبراهيم بحركة ~~عكسية إلى خديجة، فالتقى بعينيها وهما تحدجان إليه كأنما توقعت ~~نظرته فاستعدت لها، فابتسم كالظافر، وقال يخاطب حماته: لا ~~يقرك بعض الناس على هذا الرأي يا حماتي. # أدرك ياسين مرمى هذه الملاحظة، فضحك ضحكة عالية، وسرعان ما ضج ~~المجلس بالضحك، حتى أمينة ابتسمت ابتسامة عريضة، واهتز نصفها ~~الأعلى بضحكة مكتومة فدارت استسلامها بخفض رأسها كأنما تنظر في ~~حجرها. بقيت خديجة وحدها جامدة الوجه، وانتظرت حتى هدأت العاصفة، ~~ثم قالت بتحد: لم يكن خلافنا حول الطعام وطهيه، ولكن حول حقي ~~في الاستقلال بشئون بيتي، ولا علي من هذا. # تجددت في النفوس ذكرى المعركة القديمة التي استعرت في العام ~~الأول من زواج خديجة بينها وبين حماتها حول «المطبخ»، وهل يظل ~~واحدا للبيت كله تحت إشراف الأم، أو تستقل خديجة بطبيخها كما ~~أرادت. كان خلافا خطيرا هدد وحدة الأسرة الشوكتية، وترامت ~~أنباؤه إلى بين القصرين، حتى علم ms027 به الجميع ما عدا السيد أحمد ~~الذي لم يجرؤ أحد على إبلاغه إياه، لا هو ولا سائر الخلافات التي ~~نشبت تباعا بعد ذلك بين الحماة وكنتها. وأدركت خديجة مذ ~~فكرت في الكفاح أن عليها أن تعتمد على نفسها وحدها، فزوجها ~~على حد تعبيرها «رجل نائم» لا هو لها ولا عليها، كلما حرضته ~~على استخلاص حقها قال لها كالمداعب: «يا ست ... دعينا من وجع ~~الدماغ!» ولكنه إذا كان لم يؤيدها فإنه كذلك لم يشكمها، ~~فانبرت إلى الميدان وحيدة، ورفعت رأسها حيال العجوز المبجلة ~~بجرأة لم تكن متوقعة وبعناد لم يخذلها حتى في ذلك الموقف ~~الدقيق، عجبت العجوز لجرأة البنت التي تلقتها على يدها من عالم ~~الغيب، وسرعان ما احتدم الخصام وجن الغضب، وراحت تذكرها ~~بأنه لولا فضلها عليها ما صح ولو في الأحلام أن تظفر مثلها بزوج ~~من آل شوكت، ولكن خديجة رغم ثورتها كظمت غيظها فوقفت عند ~~التصميم على نيل ما تراه حقا لها دون اللجوء إلى حدة لسانها ~~المأثورة، لسابق منزلة العجوز من ناحية، ولخوفها من أن تشكوها ~~إلى أبيها من ناحية أخرى، ثم هداها مكرها إلى أن تحرض عائشة على ~~العصيان، ولكنها وجدت من الفتاة الكسول إعراضا وجبنا، لا حبا ~~في الحماة ولكن إيثارا للراحة والدعة اللتين تمتعت بهما - ~~بغير حساب - في ظل الحضانة الإجبارية التي فرضتها حماتها على ~~الجميع، فصبت غضبها عليها ورمتها بالضعف والتنبلة، ثم ركبها ~~العناد فواصلت «الجهاد» بلا توان أو تردد حتى ضاق صدر العجوز ~~فسلمت كارهة بحق كنتها «الغجرية» بالاستقلال بمطبخها، وهي ~~تقول لابنها الأكبر: «أنت وشأنك، إنك رجل ضعيف لا قبل لك بتأديب ~~زوجك، وجزاؤك الحق أن تحرم من طعامي إلى الأبد!» ظفرت خديجة ~~ببغيتها فاستردت أدوات جهازها النحاسية. وهيأ لها إبراهيم ~~المطبخ كما رسمت، ولكنها خسرت حماتها، وفتكت بأسباب المودة التي ~~ربطت بينهما مذ درجت في المهد، ولم تحتمل أمينة فكرة الخصام ~~فصبرت حتى هدأت النفوس، ثم سعت سعيها عند السيدة المبجلة ~~مستعينة بإبراهيم وخليل حتى تم صلح، ولكن أي صلح ms028 كان؟ كان صلحا ~~لا يكاد يستقر حتى يصطدم بنقار، ثم يعقبه صلح، فنقار من جديد، ~~وهكذا ... وكل واحدة منهما تلقي التبعة على الأخرى، وأمينة بينهما ~~حائرة، وإبراهيم واقف موقف المحايد أو المتفرج، كأن الأمر لا ~~يعنيه، فإذا رأى أن يتدخل تدخل وانيا وقنع بترديد النصيحة في ~~هدوء، بل برود غير مبال بتوبيخ أمه أو عتاب زوجه. ولولا إخلاص ~~أمينة ودماثة خلقها لسارت العجوز بشكواها إلى السيد أحمد، ~~ولكنها عدلت عن ذلك كارهة، ومضت تنفس عن صدرها في أحاديثها ~~الطويلة مع كل من يلقاها من الأهل والجيران، معلنة على رءوس ~~الأشهاد بأن اختيارها خديجة زوجة لابنها كان أكبر غلطة ارتكبتها ~~في حياتها، وأن عليها أن تتحمل الجزاء. # قال إبراهيم معقبا على كلام خديجة، وهو يبتسم، كأنما ليخفف ~~بابتسامته من وقع تعقيبه: ولكنك لم تكتفي بالمطالبة بحقك، بل ~~طعنت بلسانك ما حلا لك الطعن، هذا إذا لم تكن خانتني ~~الذاكرة! # ورفعت خديجة رأسها المعصوب بمنديل بني في تحد، وقالت وهي ترمق ~~زوجها بنظرة تهكم وغيظ: ولم تخونك الذاكرة؟ هل من أفكار أو ~~مشاغل ترهقها حتى تخونك؟ ليت للناس جميعا ذاكرة هادئة مطمئنة ~~خالية البال كذاكرتك! لم تخنك ذاكرتك يا سي إبراهيم، ولكنها ~~خانتني أنا، والحق أني لم أتعرض لمقدرة نينتك، ولم يكن لي بها ~~شأن ولا حاجة إليها؛ فإني أعرف بحمد الله كافة واجباتي وأعرف كيف ~~أؤديها على خير وجه، ولكني كرهت أن أقبع في بيتي وأن يجيئني ~~الطعام من الخارج كنزلاء الفنادق. وفضلا عن هذا كله فإني لم أطق ~~- كما يحلو ل «بعض الناس» - أن أمضي نهاري نائمة أو لاهية وغيري ~~يقوم بمهام بيتي. # أدركت عائشة من توها المقصود من «بعض الناس»، فضحكت ولما ~~تكمل خديجة كلامها، ثم قالت بلهجة لطيفة كأنما دافعها الإشفاق: ~~افعلي ما يحلو لك ودعي الناس - أو بعض الناس - وشأنهم، لا شيء ~~الآن يدعو إلى كدرك؛ فأنت سيدة مستقلة - عقبى لمصر - وتعملين من ~~طلوع الفجر إلى نزول الليل: في المطبخ، والحمام، وفوق السطح، ~~وتعنين في وقت واحد ms029 بالأثاث والدجاج والأولاد، والجارية سويدان ~~لا تجرؤ على الاقتراب من شقتك أو حمل ابن من أبنائك، رباه ... ~~لم هذا العناء كله وقليل منه يغني؟! # أجابت خديجة بحركة من ذقنها، وهي تغالب ابتسامة دلت على أنها ~~وجدت في كلام عائشة ما استأنست إليه، وعند ذاك قال ياسين: بعض ~~الناس يخلقون للسيادة، وبعضهم يخلقون للعبودية. # فقال خليل شوكت، وهو يبتسم كاشفا عن ثنيتيه المتراكبتين: ~~خديجة هانم مثال صالح لست البيت، غير أنها تتجاهل حقها من ~~الراحة. # فقال إبراهيم شوكت مؤمنا على قوله: هذا رأيي بالتمام، ~~صارحتها به مرارا، ثم آثرت السكوت تفاديا من وجع ~~الدماغ. # نظر كمال إلى أمه، وكانت تملأ فنجان خليل للمرة الثانية، ~~واستحضر صورة أبيه مقرونة بذكريات جبروته، فعلت شفتيه ابتسامة، ~~ثم مد بصره إلى إبراهيم مدهوشا، وهو يقول: كأنك تخافها! # فقال الرجل، وهو يهز رأسه الكبير: أنا أتفادى من النكد ما وجدت ~~سبيلا إلى السلامة، وأختك تتفادى من السلامة ما وجدت سبيلا إلى ~~النكد! # هتفت خديجة: اسمعوا الحكم (ثم وهي تشير إليه كالمتحدية) ~~أنت تتفادى من اليقظة ما وجدت سبيلا إلى النوم. # فقالت لها أمها، وهي تحدجها بنظرة تحذير: خديجة! # فربت إبراهيم على منكب حماته، قائلا: عندنا من هذا كثير، ولكن ~~اشهدي بنفسك! # وكان ياسين يردد بصره بين خديجة القوية الممتلئة، وعائشة ~~النحيفة الرقيقة بحركة متعمدة للفت الأنظار، ثم قال كالمستنكر: ~~حدثتمونا عن تعب خديجة المتصل من الفجر إلى الليل، فأين أثر ذلك ~~التعب؟ ... كأنها هي اللاهية، وكأن عائشة هي العاملة! # فقالت خديجة، وهي تبسط راحة يمناها في وجهه مفرجة بين أصابعها ~~الخمس: ومن شر حاسد إذا حسد! # ولكن عائشة لم ترتح إلى مجرى الحديث الأخير، فلاحت في عينيها ~~الزرقاوين الصافيتين نظرة اعتراض. واندفعت للذود عن نحافتها ~~متجاهلة الغاية الواضحة من ملاحظة ياسين. وهي تعاني شيئا من ~~الغيرة، فقالت: لم تعد السمانة موضة العصر (ثم مستدركة عندما ~~شعرت باتجاه رأس خديجة نحوها)، أو على الأقل فالنحافة موضة كذلك ~~عند كثيرات. # فقالت خديجة بتهكم: النحافة موضة العاجزات عن السمانة. ms030 # خفق قلب كمال عندما تناهت كلمة «النحافة» إلى سمعه، فوثب من ~~باطنه إلى مخيلته صورة القامة الفارعة والقد الممشوق، فرقص قلبه ~~بطرب روحاني، وانبثقت منه النشوات، ثم احتضنته فرحة صافية نسي ~~في حلمها الهادئ العميق نفسه ومكانه وزمانه. فلم يدر كم فيها لبث ~~حتى انتبه على ظل سحابة من الأسى تجيء كثيرا ذيلا لحلمه، لا ~~كما يجيء الغريب الدخيل أو العنصر المتنافر، ولكنها تتسرب إلى ~~الحلم الباهر كأنها خيط من نسجه أو نغمة من هارمونيته، تنفس ~~تنفسا عميقا، ثم جال ببصره الحالم في الوجوه التي يحبها من ~~قديم، والتي يبدو أنها تتباهى على نحو أو آخر بحسنها، خاصة ~~الوجه الأشقر الذي هام زمنا باحتساء الماء من وضع شفتيه. استرجع ~~هذه الذكرى في حياء - وما يشبه التأفف - فشعر بأن أي ~~نموذج من الجمال خلا النموذج المعبود خليق بأن يثير تعصبه وإن ~~حظي بعطفه وحبه. ~~- لن أرضى عن النحافة ولو في الرجال (واصلت خديجة حديثها)، ~~انظروا إلى كمال، ما أجدره بأن يعنى بزيادة وزنه، لا تظن يا ~~بني أن طلب العلم هو كل شيء. # أصغى كمال إليها باسما في استهانة وهو يتفحص جسمها الذي تراكم ~~لحمه وشحمه، ووجهها الذي توارت بالاكتناز عيوبه، معجبا بروح ~~السعادة والفوز التي تكتنفها، غير أنه لم يجد في نفسه الرغبة في ~~مناقشة رأيها، أما ياسين، فقال بتحد وسخرية معا: إذن فأنت ~~راضية عني، لا تكابري في هذا. # كان ثانيا ساقه اليمنى تحته طارحا الأخرى على الأرض، وقد فتح ~~- من الحر - طوق جلبابه، فبدت من فتحة فانلته الواسعة خصلات من شعر ~~صدره الأسود الأثيث، فألقت عليه نظرة نافذة، ثم قالت: لكنك زدتها ~~حبتين، ثم إن شحمك وصل إلى المخ، وهذا شيء آخر. # نفخ ياسين كاليائس، ثم التفت إلى إبراهيم شوكت متسائلا في ~~إشفاق وعطف: خبرني عما تصنع بين زوجك - وهذه حالها - وبين ~~والدتك؟ # أشعل إبراهيم سيجارة، وأخذ نفسا، ثم نفخه وهو يمط بوزه ~~مشاركا أخاه خليل - الذي لم يكن ينزع غليونه من فيه إلا حين ~~يتكلم - في تعفير ms031 جو الصالة، ثم قال في عدم اكتراث: أذنا من طين ~~وأذنا من عجين، هذا ما تعلمته من التجربة. # فقالت خديجة، مخاطبة ياسين بصوت مرتفع وشى بغيظها: لا دخل ~~للتجربة في ذلك، التجربة بريئة وحياتك عندي. المسألة أن ربنا ~~أعطاه طبعا مثل دندورمة عم بدر التركي، ولو تحركت مئذنة الحسين ما ~~اهتزت له شعرة. # رفعت أمينة رأسها، فرمقت خديجة بنظرة عتاب وتحذير حتى ابتسمت ~~الابنة، وخفضت عينيها فيما يشبه الحياء. وإذا بخليل شوكت يقول في ~~فخار لطيف: هذا طبع آل شوكت، وهو طبع سلطاني. أليس كذلك؟ # فقالت خديجة - بلهجة ذات مغزى - وهي تضحك لتخفف من وقع ~~كلامها: من سوء حظي يا سي خليل أن والدتك لم تتطبع بهذا الطبع ~~السلطاني. # فبادرتها أمينة قائلة وقد نفد صبرها: حماتك لا نظير لها في ~~النساء، سيدة جليلة بكل معنى الكلمة. # فمال رأس إبراهيم يسرة، وهو يحدج زوجه بنظرة من عل التمعت بها ~~عيناه البارزتان، ثم قال وهو يتنهد في ظفر: وشهد شاهد من أهلها، ~~الله يكرمك يا حماتي ... (ثم مخاطبا الجميع) يا هوه أمي ست ~~كبيرة، وفي سن تستوجب الرعاية والحلم، وزوجي لا تعرف عن الحلم ~~شيئا. # فانبرت خديجة للدفاع عن نفسها قائلة: أنا لا أغضب بلا سبب، ولم ~~يكن الغضب من طبعي في يوم من الأيام، وهاك أهلي فسلهم عما ~~تشاء. # ساد الصمت. كان أهلها لا يدرون ماذا يقولون، حتى ندت عن كمال ~~ضحكة، فلفتت إليه الأنظار، فلم يتمالك أن يقول: أبلة خديجة أغضب ~~حليمة عرفتها. # فتشجع ياسين قائلا: أو هي أحلم غضوب، والله أعلم! # انتظرت خديجة حتى هدأت ثائرة الضحك التي أعقبت ذلك، ثم أومأت إلى ~~كمال وهي تهز رأسها في حسرة قائلة: خانني الذي حملته على حجري ~~أكثر مما حملت أحمد وعبد المنعم. # فقال كمال كالمعتذر: لا أظنني أفشيت سرا. # وسرعان ما اتخذت أمينة موقفا جديدا للدفاع عن خديجة التي بدت ~~في مركز لا تحسد عليه، فقالت باسمة: جل من له الكمال! # وجاراها إبراهيم شوكت في لباقة، قائلا: صدقت، إن لزوجي ms032 مزايا ~~لا يستهان بها، لعنة الله على الغضب الذي يصيب أول ما يصيب ~~صاحبه، لا شيء في الدنيا يستحق في نظري الغضب. # فقالت خديجة ضاحكة: يا بختك! ... لذلك تمضي الأيام - عيني عليك ~~باردة - وأنت من التغير في حصن. # بدا على أمينة الاستياء - لأول مرة - بصورة جدية، فقالت في عتاب: ~~ربنا يصون له شبابه، هو وأمثاله. # تساءل إبراهيم ضاحكا وهو لا يخفي سروره بدعاء حماته: ~~شبابه؟ # فقال خليل شوكت يجيبه، وإن وجه الخطاب لأمينة: إن التاسعة ~~والأربعين في آل شوكت تعد من مراحل الشباب. # فعادت أمينة تقول في إشفاق: يا بني لا تتكلم هكذا، ودعونا من ~~هذه السيرة. # ابتسمت خديجة لما بدا من أمها من إشفاق كانت هي على علم وإيمان ~~بأسبابه وبواعثه؛ ذلك أن الإشادة بالصحة جهرا في البيت القديم - ~~صراحة - مكروهة، لتجاهلها «العين» وشرها، وهي نفسها - خديجة - لم ~~تكن لتعالن بقوة صحة زوجها لو لم تكن قضت السنوات الست ~~الأخيرة من حياتها بين آل شوكت، حيث لا تحظى عقائد كثيرة ~~- كالحسد مثلا - بإيمان عميق، وحيث يخوضون في أمور شتى بلا ~~خوف - كسير الجن والموت والمرض - يحول الإشفاق والحذر دون الخوض ~~فيها في البيت القديم. إلى هذا كله، كانت العلاقة بين الزوجين أوثق ~~مما تبدو في الظاهر، فلم يكن ثمة ما يتهددها من قول أو فعل. ~~كانا زوجين موفقين، يشعر كلاهما في أعماقه بأنه لا غنى له عن ~~الآخر رغم شتى المآخذ، وقد كان مرض إبراهيم يوما فرصة غريبة ~~جلت مكنون ما يعمر صدر خديجة من محبة ووفاء. أجل، لم يكن النقار ~~ليسكت بينهما، على الأقل من ناحيتها هي، فلم تكن أمه هدفها الوحيد، ~~ورغم سياسة الرجل وبروده لم يعيها أن تكتشف فيه موضعا كل يوم ~~لانتقاد، مثل: كثرة نومه، قبوعه في البيت بلا عمل، تكبره على ~~مجرد فكرة أن يكون له عمل في الحياة، ثرثرته التي لا تنتهي. تجاهله ~~لما ينشب بينها وبين أمه من نزاع وملاحاة، حتى مرت أيام وأيام - ~~على حد تعبير عائشة - لم يكن لها من ms033 حديث إلا شكه ولسعه ~~- ولكن رغم هذا كله - أو بفضل هذا، من يدري؟ فالنقار نفسه يقوم ~~أحيانا بوظيفة الشطة في تهييج شهوة الطعام - ظلت عواطفهما قوية ~~ثابتة لا تتأثر بما يكدر الظاهر، كأنها التيارات المائية ~~العميقة التي لا يتحول مجراها بفورات السطح وتشنجاته. إلى ذلك ~~لم يسع الرجل إلا أن يقدر نشاطها حق قدره، بعد أن لمس آثاره في ~~رونق مسكنه، ولذة مطعمه، وأناقة ملبسه، وهندمة ابنيه ... فكان يقول ~~لها مداعبا: «الحق أنك لقية يا غجرية!» رغم رأي أمه في هذا ~~النشاط الذي لم تتردد عن الجهر به في أوقات الخصام وما أكثرها، ~~فتقول لخديجة ساخرة: «هذه فضيلة الخدم لا الهوانم!» فتبادرها ~~خديجة قائلة: «أنتم أناس لا عمل لكم إلا الأكل والشرب، سيد البيت ~~الحقيقي من يخدمه.» فتقول العجوز مواصلة تهكمها: «لقنوك هذا ~~الكلام في بيتك كي يخفوا عنك أنك لم تكوني تصلحين في نظرهم إلا ~~للخدمة!» فتصيح خديجة: «أنا أعلم بسبب حنقك علي، أعلم به منذ لم ~~أجعل لك وزنا في بيتي!» فتصرخ العجوز: «يا ربي اشهد، السيد أحمد ~~عبد الجواد رجل طيب، ولكنه أنجب شيطانة، أنا أستحق ضرب الشبشب ~~جزاء اختياري لك!» فتمضي خديجة وهي تغمغم، حتى لا تتبين المرأة ~~كلامها: «أنت تستحقين ضرب الشبشب ... لا أجادلك في هذا.» # نظر ياسين إلى عائشة، وقال وهو يبتسم في خبث: ما أسعدك بنفسك ~~بنفسك يا عائشة، علاقاتك حسنة مع جميع الأحزاب. # فأدركت خديجة ما وراء كلامه من التعريض بها، وقالت له وهي تهز ~~كتفيها متظاهرة بالاستهانة: وقاع يسعى بوقيعة بين أختين. ~~- أنا؟ حسبي الله، فهو المطلع على حسن نيتي. # وهي تهز رأسها كالآسفة: لم تكن يوما ذا نية حسنة. ~~- وقال خليل شوكت، معلقا على كلام ياسين: نحن نعيش في سلام، ~~وشعارنا: «عش ودع غيرك يعيش». # فضحكت خديجة حتى بدت أسنانها اللامعة الدقيقة، وقالت بلهجة لم ~~تخل من تهكم: بيت سي خليل بيت أفراح، لا يزال هو يلعب بأوتار ~~العود والهانم تسمع أو تستعرض نفسها في المرآة، أو تحادث هذه أو ms034 ~~تلك من صويحباتها من النافذة أو المشربية، ونعيمة وعثمان ومحمد ~~يلعبون بالمقاعد والوسائد، حتى إن عبد المنعم وأحمد إذا ضاقا ~~برقابتي فرا إلى شقة خالتهما فانضما إلى فرقة التخريب. # تساءلت عائشة باسمة: أهذا كل ما ترين في بيتنا السعيد؟ # قالت خديجة بنفس اللهجة: أوتغنين ونعيمة ترقص. # عائشة بمباهاة: حسبي أن جميع الجارات يحببنني، وأن حماتي تحبني ~~كذلك. ~~- لا أتصور أن أفتح صدري لإحدى أولئك النسوة الثرثارات. أما ~~حماتك فتحب من يتملقها ويسجد لها. ~~- يجب أن نحب الناس، وما أسعد أن يحبنا الناس كذلك، حقا ~~من القلب للقلب رسول، إنهن جميعا يخشينك وكثيرا ما قلن لي: ~~«أختك لا ترحب بنا، ولا تتعب من تنقصنا.» (ثم مخاطبة أمها وهي ~~تضحك): لا تزال تسمي الناس بأسماء هزلية، ثم تتندر بها في ~~البيت، فيحفظها عبد المنعم وأحمد، ويرددانها في الحارة بين ~~الغلمان فتذيع. # عاود الضحك الصامت أمينة، كذلك ضحكت خديجة في شيء من الارتباك، ~~كأنما طافت بها ذكريات بعض مواقف محرجة، على حين راح خليل يقول في ~~ابتهاج غير خاف: بالجملة نحن تخت صغير، فيه العواد والمطربة ~~والراقصة. حقا لا يزال ينقصنا جماعة المنشدين والمرددين، ~~ولكني أتوسم في أولادي خيرا، والمسألة مسألة وقت. # فقال إبراهيم شوكت، موجها الخطاب إلى أمينة: أشهد أن بنت بنتك ~~نعيمة راقصة بارعة. # ضحكت أمينة حتى تورد وجهها الشاحب، ثم قالت: رأيتها وهي ترقص، ~~ما ألطفها! # قالت خديجة بحماس نطق بحنانها العائلي المأثور: ما أجملها! ~~كأنها صورة من صور الإعلانات. # فقال ياسين: ما أجملها عروسا لرضوان. # فقالت عائشة ضاحكة: ولكنها بكرية الأسرة! آه ... لن يمكني أن ~~أغالط في عمرها كما يجدر بالأمهات. # فتساءل ياسين بعدم اكتراث: لماذا يشترط الناس أن تكون العروس ~~أحدث سنا من العريس؟ # فلم يجبه أحد، حتى قالت أمينة: لن يطول انتظار نعيمة للعريس ~~المناسب. # فعادت خديجة تقول: ما أجملها يا ربي! لم أر لجمالها ~~مثيلا! # فتساءلت عائشة ضاحكة: وأمها؟ ... ألم تري أمها؟ # فقطبت خديجة، لتضفي على كلامها صفة الجدية، وهي تقول: هي ~~أجمل منك يا عائشة، ms035 لن تستطيعي المكابرة في هذا . # ثم ما لبثت أن عاودتها سخريتها، فقالت: وأنا أجمل منكما ~~معا! ~~«هؤلاء الناس يتحدثون عن الجمال! ماذا عرفوا من كنه الجمال؟ ~~تعجبهم ألوان: بياض العاج، وسبائك الذهب! سلوني أنا عنه، ولن ~~أحدثكم عن السمرة الصافية، والأعين السود السواجي، والقامة ~~الهيفاء، والأناقة الباريسية. كلا، كل أولئك جميل، ولكنه خطوط ~~وشكول وألوان تخضع في النهاية للحواس والقياس. الجمال هزة في ~~القلب جارحة، وحياة في النفس عامرة، وهيمان تسبح الروح على أثيره ~~حتى تعانق السماوات ... حدثوني عن هذا إن استطعتم.» ~~- لم يلتمس نساء السكرية ود خديجة هانم؟ ربما كان لها ~~مزايا - كما يشهد بذلك زوجها - ولكن الناس عامة يستهويها الوجه ~~الصبيح واللسان الحلو. # قال ياسين ذلك كي ينكش خديجة من جديد، بعد أن رأى الحديث ~~يتحول عنها في سلام. فرمته بنظرة كأنما تقول له: «تأبى أن ~~أرحمك!» # ثم قالت وهي تتنهد بصوت مسموع: حسبي الله ونعم الوكيل، لم أكن ~~أعلم أن لي هنا حماة أخرى. # ثم إذا بها تعود من جديد إلى ذلك الموضوع، ولكن بلهجة جدية ~~تاركة ياسين وشأنه على غير ما توقع، فتقول: ليس عندي متسع من ~~الوقت كي أضيعه في الزيارات، البيت والأولاد يلتهمون وقتي كله، ~~خاصة وأن زوجي لا يهتم لا بالبيت ولا بالأولاد. # قال إبراهيم شوكت، مدافعا عن نفسه: اتقي الله ولا تغالي شأنك ~~في كل شيء، الأمر وما فيه: أنه ينبغي لمن كان له زوجة كزوجتي أن ~~يقف موقف الدفاع من حين لآخر، الدفاع عن قطع الأثاث التي تكاد ~~تنبري من كثرة النفض والمسح، والدفاع عن الأولاد الذين تحملهم ~~فوق ما يطيقون ... آخر العهد بذاك، ما علمتم من دفعها عبد المنعم ~~إلى الكتاب ولما يبلغ الخامسة من عمره. # قالت خديجة بفخار: لو اتبعت رأيكم لاستبقيته في البيت حتى ~~يبلغ سن الرشد، كأن بينكم وبين العلم عداوة، كلا يا حبيبي، ~~سينشأ أولادي على ما نشأ عليه أخوالهم، إني أذاكر عبد المنعم في ~~دروسه بنفسي. # ياسين مستنكرا: أنت تذاكرينه؟ ~~- لم لا؟ كما كانت نينة ms036 تذاكر كمال، أجالسه كل مساء ~~فيسمعني ما يحفظونه في الكتاب. # ثم وهي تضحك: وبذلك أيضا أستذكر مبادئ القراءة والكتابة التي ~~أخاف أن أنساها بمرور الزمن. # تورد وجه أمينة حياء وسرورا، فرنت إلى كمال كأنما تستجديه ~~إشارة إلى ذكر الليالي الخوالي؛ فابتسم إليها ابتسامة ذكور: ~~«لتنشئ خديجة ابنيها على ما نشأ عليه أخوالهما، ليكن منهما من ~~يتأثر كمال الذي يشق السبيل إلى المدرسة العليا، ليكن منهما ~~من يتشبه ب...آه ما أضعف الصدور المتصدعة عن تحمل الخفقات ~~الوالهة، لو امتد به العمر لكان اليوم قاضيا أو في الطريق ~~إليها، كم حدثك عن آماله أو آمالك! أين مضى كل ذلك؟ ليته عاش ~~ولو فردا من غمار الناس!» # قال إبراهيم شوكت، مخاطبا كمال: لسنا كما تتهمنا أختك، لقد دخلت ~~امتحان الابتدائية سنة 1895 ودخله خليل سنة 1911، كانت الابتدائية ~~على أيامنا شيئا عظيما على خلاف الحاصل الآن حيث لا يكاد يقنع ~~بها أحد، لم نواصل التعليم، لأنه لم يكن في نيتنا أن نتوظف، أو ~~بمعنى آخر لم نكن في حاجه إلى الوظيفة. # أعجب كمال إعجابا ساخرا بقوله: «دخلت امتحان الابتدائية»، ~~ولكنه قال مجاملا: هذا أمر طبيعي. # كيف يكون للعلم قيمة ذاتية عند ثورين سعيدين؟ كلاكما تجربة ~~ثمينة علمتني أنه من الجائز أن أحب - أي حب كان - من أحتقر ... ~~أو أن أتمنى الخير كل الخير كل الخير لشخص تثير مبادئه في ~~الحياة نفوري وتقززي، لا أملك إلا أن أكره الحيوانية من صميم ~~قلبي، صار ذلك حقيقة وحقا مذ هفت على القلب نسمة ~~السماء. # هتف ياسين في حماس هزلي: لتحي الابتدائية القديمة! ~~- نحن حزب الأغلبية على أي حال. # تضايق ياسين من إقحام خليل نفسه - وأخاه ضمنا - على حزب ~~الابتدائية التي لم ينلاها، ولكنه لم يجد بدا من التسليم، على ~~حين راحت خديجة تقول: سيواصل عبد المنعم وأحمد التعليم حتى ~~ينالا الدبلوم العالي، سيكونان عهدا جديدا في آل شوكت، اسمعوا ~~وقع هذين الاسمين جيدا: عبد المنعم إبراهيم شوكت، أحمد إبراهيم ~~شوكت ... ألا يرن الاسم رنين «سعد زغلول»؟ # فصاح ms037 إبراهيم ضاحكا: من أين لك هذا الطموح كله؟ ~~- لم لا؟ ... ألم يكن سعد باشا مجاورا بالأزهر؟ من الجراية إلى ~~رياسة الوزراء، وكلمة منه تقيم الدنيا وتقعدها، ليس شيء على الله ~~بكثير. # تساءل ياسين متهكما: هلا قنعت بأن يكونا مثل عدلي أو ~~ثروت؟ # فصاحت كالمستعيذة بالله: الخونة؟ لن يكونا من الذين يهتف ~~الناس بسقوطهم ليل نهار. # أخرج إبراهيم من جيب بنطلونه منديلا، ومسح به وجهه الذي زادت ~~حمرته عمقا بحرارة الجو، ونضح عرقا بما يشرب من ماء مثلوج وقهوة ~~ساخنة، ثم قال وهو آخذ في تجفيفه: لو أن لشدة الأمهات فضلا في ~~خلق العظماء، فأبشري من الآن بما ينتظر ابنيك من مجد ~~كبير. ~~- تريدني على أن أتركهما وشأنهما؟ # قالت عائشة برقة: لا أذكر أن نينة انتهرت أحدا منا فضلا ~~عن ضربه، ألا تذكرين؟ # فقالت خديجة كالآسفة: لم تلجأ نينة إلى الشدة، لأن بابا كان ~~هناك. كان ذكره كافيا لإلزام كل حده. أما عندي، أو عندك ~~فالحال من بعضه؛ فالأب غير موجود إلا بالاسم (اضطرت وهي تبدي ~~الملاحظة الأخيرة أن تضحك) ما عسى أن أفعل والحال كذلك؟ إذا كان ~~الأب أما، فعلى الأم أن تكون أبا! # ياسين مبتهجا: يقيني أنك نجحت في أبوتك! أنت أب ... هذا ما ~~شعرت به طويلا، ولكن كانت تنقصني معرفته. # فتظاهرت بالرضا قائلة: أشكرك يا بمبة كشر! ~~«خديجة وعائشة، صورتان متعارضتان ... تأمل جيدا، أيهما تظن ~~الأجدر بأن تكون معبودتك على مثالها؟ أستغفر الله! معبودتي على غير ~~مثال، لا أتصورها ربة بيت، ما أبعد هذا عن التصور! معبودته في ~~ثياب البنت تنهنه طفلا أو ترعى مطبخا؟ يا للفزع ويا للتقزز! ~~بل لاهية أو سادرة أو رافلة في حلة باهرة في حديقة أو سيارة أو ~~ملهى، ملاك في زيارة طارئة سعيدة للدنيا، جنس مفرد غير سائر ~~الأجناس لا يعرفه إلا قلبي، لا يجمعها وهؤلاء النسوة إلا تسمية ~~العاجز عن معرفة الاسم الحقيقي، لا يجمع جمالها وجمال عائشة وسائر ~~ألوان الجمال إلا تسمية العاجز عن معرفة الاسم الحقيقي، هاك حياتي ~~أكرسها ms038 لمعرفتك، هل ثمة وراء ذلك ظمأ لعرفان؟» ~~- يا ترى ما أخبار مريم؟ # تساءلت عائشة حال خطرت صديقتها القديمة ببالها، فأحدث الاسم ~~آثارا متباينة في كثير من الجالسين، تغير وجه أمينة حتى نمت ~~أساريره عن الامتعاض الشديد، تجاهل ياسين السؤال كأنه لم يسمعه ~~متشاغلا بتفحص أظافره، وردت رأس كمال جملة من ذكريات هزت ~~نفسه هزا. أما خديجة فأجابتها بلهجة باردة: أي أخبار جديدة ~~تتوقعين؟ طلقت وعادت إلى بيتها! # انتبهت عائشة - بعد فوات الفرصة - إلى أنها انزلقت سهوا إلى ~~ورطة، وأنها أساءت إلى أمها بهفوة لسان. ذلك أن أمها آمنت منذ ~~عهد بعيد بأن مريم وأم مريم لم تصدقا في حزنهما على فهمي، إن لم ~~تكونا شمتتا بهم من أجل ذلك، لما سبق من معارضة السيد في خطبة مريم ~~للفقيد. وكانت خديجة البادئة بترديد ذلك الظن، فتابعتها الأم عليه ~~بلا تردد أو تفكير، وسرعان ما تغيرت عواطفهما نحو جارتهما ~~القديمة حتى أوحى ذلك بالتنكر فالقطيعة. # قالت عائشة بارتباك، محاولة الاعتذار عما بدر منها: لا أدري ~~ماذا دعاني للسؤال عنها؟ # فقالت أمينة بانفعال ظاهر: ما ينبغي لك أن تفكري ~~فيها. # كانت عائشة قد أعلنت شكها - عند ذلك التاريخ - في واقعية ~~التهمة التي ألصقت بصديقتها، معتلة بأن الخطبة وما دار حولها ~~بقي طي الكتمان، فلم يتناه نبؤه إلى بيت مريم في حينه، مما ~~ينفي عن الفتاة وآلها دواعي الشماتة ... ولكن أمها لم تر رأيها ~~محتجة بأن مسألة خطيرة كهذه المسألة مما يتعذر منع تسرب ~~خبرها إلى أصحاب الشأن فيها، فلم تلبث عائشة وراء رأيها طويلا ~~خشية أن تتهم بمحاباة مريم، أو بفتور حماسها لذكرى شقيقها. ~~لكنها بإزاء انفعال أمها. وجدت نفسها مساقة إلى تلطيف وقع ~~هفوتها، فقالت: لا يدري بالحقيقة يا نينة إلا الله ... لعلها بريئة ~~مما رميناها به. # فاشتد امتعاض أمينة على خلاف ما توقعت عائشة، حتى لاحت في ~~وجهها بوادر غضب بدت غريبة عنها لما عرف عنها من حلم وهدوء. ~~وقالت بصوت متهدج: لا تحدثيني عن مريم يا عائشة. # وصاحت خديجة مشاركة ms039 أمها في عواطفها: قطعت مريم وسيرتها. # فابتسمت عائشة في ارتباك دون أن تنبس. وقد لبث ياسين ~~متشاغلا بأظافره حتى انتهى ذاك الحديث الحامي، وأوشك مرة أن ~~يشترك فيه متشجعا بقول عائشة: «لا يدري بالحقيقة يا نينة إلا ~~الله ...» ولكن اندفاع أمينة إلى الرد عليها بذاك الصوت المتهدج ~~غير المعهود أسكته، أجل أسكته وانطلق لسانه باطنيا بالشكر على ~~نعمة السكوت. وكان كمال يتابع الحديث باهتمام وإن لم يبد أثره ~~على وجهه، وقد أكسبه حمل الحب عهدا طويلا - في ظروف حساسة غير ~~مواتية - قدرة على التمثيل تحكم بها في كتمان عواطفه ومطالعة ~~الناس - إن دعت الضرورة - بمظهر على نقيض مخبره. فذكر ما سمع ~~قديما عن قصة «شماتة» آل مريم، ومع أنه لم يأخذ التهمة مأخذ ~~الجد إلا أنه تذكر عهد الرسالة السرية التي ذهب بها إلى مريم ~~والرد الذي عاد به إلى فهمي، ذاك سر قديم صانه ولم يزل مستمسكا ~~بصونه رعاية لعهد أخيه، واحتراما لرغبته. وقد لذ له أن يعجب ~~كيف لم يفقه معنى الرسالة التي حملها إلا أخيرا، حين انبثقت ~~معانيها في نفسه خلقا جديدا، كان - على حد تعبيره - حجرا يحمل ~~نقوشا مبهمة حتى جاء الحب فحل رموزها. ولم يفته أن يلاحظ ~~غضب أمه. وهو ظاهرة جديدة في حياتها لم تكن تعرفها قبل العهد ~~المشئوم، لم تعد كما عهد، أجل، لم تتغير تغيرا خطيرا أو ~~دائما، ولكنها غدت عرضة بين الحين والحين لنوبات لم تكن تطرأ ~~عليها، ولم تكن إذا طرأت تستسلم لها، ما عسى أن يقول في ذلك؟ إنه ~~قلب الأم الجريح الذي لا يعرف عنه إلا شذرات وقع عليها ضمن ~~مطالعاته، شد ما يتألم لها. ثم ما وراء عائشة وخديجة؟ هل ~~يمكن أن ترمي عائشة ببرود نحو ذكرى فهمي؟ لا يتصور هذا ولا ~~يطيقه، إنها امرأة سليمة الطوية، وفي قلبها متسع للصداقة ~~والمودة، تميل فيما يبدو - ولها عذرها - إلى تبرئة مريم، ~~ولعلها تحن إلى عهدها بهذا القلب المفتوح للناس جميعا، أما ~~خديجة فقد ازدردتها الحياة الزوجية، لم تعد ms040 إلا أما وربة بيت، ~~لا حاجة بها إلى مريم أو غيرها، لم يبق لها من ماضيها إلا عواطفها ~~الثابتة نحو أسرتها، نحو أمها خاصة، فهي تدور حيث تدور، ما أعجب ~~هذا كله! ~~- وأنت يا سي ياسين إلام تبقى أعزب؟ # وجه إبراهيم هذا السؤال إلى ياسين، مدفوعا برغبة صادقة في ~~تنقية الجو مما شابه، فأجابه ياسين مازحا: غادرني الشباب وقضي ~~الأمر! # فقال خليل شوكت بلهجة جدية، دلت على أنه لم يفطن إلى ما في ~~قول ياسين من مزاح: لقد تزوجت وأنا في مثل سنك تقريبا، ألست ~~في الثامنة والعشرين؟ # فتضايقت خديجة من ذكر سن ياسين الذي كشف بطريقة غير مباشرة عن ~~سنها، فخاطبت ياسين قائلة بلهجة حادة: هلا تزوجت وأرحت الناس من ~~حديث عزوبتك؟ # فقال ياسين راميا - قبل كل شيء - إلى التودد إلى أمينة: مرت ~~بنا أعوام أنست الإنسان رغائبه. # ارتد رأس خديجة إلى الوراء، كأنما دفعته قبضة يد، ثم رمته ~~بنظرة كأنما تقول له «غلبتني يا شيطان»، ثم قالت وهي تتنهد: آه ~~منك، قل إن الزواج لم يعد يروقك وهو الأصدق! # فقالت أمينة ممتنة لتودده: ياسين رجل طيب، والرجل الطيب لا ~~يمتنع عن الزواج إلا مضطرا، الحق آن لك أن تفكر في استكمال ~~دينك. # يا طالما فكر في استكمال دينه، لا ليجرب حظه من جديد فحسب، ~~ولكن رغبة في رد الإهانة التي لحقت به يوم اضطر - بدافع من أبيه ~~- إلى تطليق زينب إنفاذا «لمشيئة» أبيها محمد عفت! ثم كان مصرع ~~فهمي فصرفه عن التفكير في الزواج حتى كاد يألف هذه الحياة الطليقة ~~ويعتادها، غير أنه قال لأمينة، وكان يؤمن بما يقول: لا بد مما ~~ليس منه بد، وكل شيء رهن بوقته. # قطع عليهم أفكارهم بغتة ضجة وصياح وضوضاء جاءت من ناحية ~~السلم، مختلطة بوقع أقدام متدافعة، فاتجهت الأبصار متسائلة نحو ~~باب السلم، وما هي إلا لحظة حتى ظهرت أم حنفي على عتبة الباب ~~عابسة لاهثة، وهي تصيح: الأولاد يا ستي، سي عبد المنعم وسي رضوان ~~متشابكان، رموني بالحصى وأنا أخلص ms041 بينهما. # قام ياسين وخديجة، فهرعا إلى الباب، ثم نفذا إلى السلم، ومضت ~~دقيقة أو دقيقتان عادا بعدها، ياسين قابضا على يد رضوان، وخديجة ~~دافعة أمامها عبد المنعم وهي تلكمه برحمة في ظهره، ثم تتابعت ~~البقية مهللة: فجرت نعيمة إلى أبيها خليل، وعثمان إلى عائشة، ~~ومحمد إلى جدته أمينة، وأحمد إلى أبيه إبراهيم، ثم جعلت خديجة ~~تنتهر عبد المنعم، وتنذره بأنه لن يرى بيت جده مرة أخرى، حتى ~~صاح بصوت باك، وهو يشير متهما إلى رضوان الذي جلس بين أبيه ~~وكمال: قال إنهم أغنى منا! # فصاح رضوان محتجا: هو الذي قال لي: إنهم أغنى منا، وقال ~~أيضا: إنهم يملكون بوابة المتولي بكنوزها! # فطيب ياسين خاطره، وهو يقول ضاحكا: اعذره يا بني، إنه مزاع ~~مثل أمه. # فقالت خديجة لرضوان، وهي لا تتمالك نفسها من الضحك: تتشاجران على ~~بوابة المتولي؟ عندك يا سيدي باب النصر وهي قريبة من بيت جدك، ~~فخذها ولا تتشاجر. # فقال رضوان، وهو يهز رأسه بإباء: فيها أموات لا كنوز، ~~فليأخذها هو. # عند ذاك علا صوت عائشة، وهي تقول برجاء وإغراء: صلوا على النبي، ~~أمامكم فرصة نادرة كي تسمعوا نعيمة وهي تغني، ما رأيكم في هذا ~~الاقتراح؟ # فجاءها الاستحسان والتشجيع من أركان الصالة جميعا، حتى رفع خليل ~~نعيمة بين يديه ووضعها على حجره، وهو يقول لها: «أسمعي هذا الجمهور ~~صوتك، الله ... الله ... إياك والخجل، أنا لا أحب الخجل». ولكن نعيمة ~~غلب عليها الخجل، فدفنت وجهها في حجر أبيها حتى لم يعد يبدو منه ~~إلا هالة من نضار الذهب. وحانت من عائشة التفاتة، فرأت محمد وهو ~~يحاول عبثا أن ينزع الشامة من خد جدته، فقامت إليه وعادت به إلى ~~مجلسها رغم ممانعته، ثم واصلت تشجيع نعيمة على الغناء، وألح معها ~~خليل حتى همست الصغيرة في أذن أبيها بأنها لن تغني إلا إذا توارت ~~عن الأنظار وراء ظهره، فسمح لها بما أرادت، فزحفت على أربع حتى ~~لبدت بين ظهره ومسند الكنبة. وعند ذاك شمل الصالة سكون باسم ~~مترقب، وامتدت فترة السكوت فأوشك ms042 خليل أن يفقد صبره، ولكن ~~صوتا رفيعا لطيفا بدأ يتكلم فيما يشبه الهمس، ثم أخذ يتشجع ~~رويدا رويدا، حتى سرت في نبراته الحرارة فعلا مغنيا: # حود من هنا # وتعال عندنا # يا اللي أنا وأنت # نحب بعضنا # وراحت الأيدي الصغيرة تصفق على إيقاعه. # 4 ~~- آن لك أن تخبرني عن المدرسة التي تنوي الالتحاق بها! # كان السيد أحمد عبد الجواد متربعا على الكنبة بحجرة نومه، ~~على حين جلس كمال على طرفها المواجه للباب شابكا ذراعيه على حجره ~~يكتنفه الأدب والطاعة. ود السيد لو يجيبه الفتى قائلا: «الرأي ~~رأيك يا أبي!» بيد أنه كان مسلما بأن اختيار المدرسة ليس من ~~الأمور التي يدعي لنفسه فيها حقا مطلقا، وأن موافقة الابن ~~عامل جوهري في الاختيار، إلى أن مدى علمه بالموضوع كله كان ~~محدودا جدا، وقد استمد أكثره مما يثار أحيانا في بعض مجالسه ~~بين أصحابه من الموظفين والمحامين الذين أجمعوا على الإقرار بحق ~~الابن في اختيار نوع دراسته تفاديا من الإخفاق والفشل. لهذا كله ~~لم يستنكف أن يجعل الأمر شورى مسلما أمره إلى الله. ~~- نويت يا بابا بإذن الله، وبعد موافقة حضرتك طبعا، الالتحاق ~~بمدرسة المعلمين العليا. # ندت عن رأس السيد حركة موحية بالانزعاج، واتسعت عيناه ~~الزرقاوان الواسعتان، وهو يحدج ابنه بغرابة، ثم قال بنبرات ناطقة ~~بالاستنكار: المعلمين العليا! ... مدرسة المجانية! أليس كذلك؟ # فقال كمال بعد تردد: ربما، لا أدري شيئا عن هذا الموضوع. # فلوح السيد بيده مستهزئا، كأنما أراد أن يقول له: «ينبغي أن ~~تتجمل بالصبر قبل أن تقطع برأي فيما ليس لك به علم.» ثم قال ~~بازدراء: هي كما قلت لك، ولذلك يندر أن تجذب أحدا من أولاد ~~الناس الطيبين، ثم إن مهنة المعلم ... أتدري شيئا عن مهنة ~~المعلم أم أن علمك بها لا يعدو علمك بمدرستها؟ هي مهنة تعيسة لا ~~تحوز احترام أحد من الناس. إني عليم بما يقال عن هذه الشئون، أما ~~أنت فغر صغير لا تدري من أمور الدنيا شيئا، هي مهنة يختلط فيها ~~الأفندي بالمجاور، خالية من كل ms043 معاني العظمة والجلال، ولقد عرفت ~~أناسا من الأعيان والموظفين المحترمين يأبون - الإباء كله - أن ~~يزوجوا بناتهم من معلم مهما تكن مكانته. # ثم بعد أن تجشأ ونفخ طويلا: فؤاد بن جميل الحمزاوي، وهو من ~~كنت تخلع عليه البالي من بذلك سيلتحق بمدرسة الحقوق، ولد ~~ذكي متفوق، ولكنه ليس أذكى منك، وقد وعدت أباه بالمعاونة في ~~تسديد مصروفاته حتى تتحقق له المجانية، فكيف أنفق على أولاد الناس ~~في المدارس المحترمة، وابني يتعلم بالمجان في المدارس ~~الحقيرة؟ # كان هذا التقرير الخطير عن «المعلم ورسالته» مفاجأة مزعجة ~~لكمال، لم هذا التحامل كله؟ لا يمكن أن يرجع ذلك إلى عمل ~~المعلم الذي هو تلقين العلم، فهل يرجع إلى مجانية المدرسة التي ~~تخرجه؟ لم يكن يتصور أن يكون للغنى أو الفقر دخل في تقدير ~~العلم، أو أن يكون للعلم قيمة خارجة عن ذاته. كما يؤمن بذلك ~~إيمانا عميقا لا يمكن أن يتزعزع، كما يؤمن بكفالة الآراء السامية ~~التي يطلع عليها في مؤلفات رجال يحبهم ويعتز بهم. مثل: ~~المنفلوطي، والمويحلي وغيرهما. كان يعيش بكل قلبه في عالم «المثال» ~~كما ينعكس على صفحات الكتب، فلم يتردد فيما بينه وبين نفسه عن ~~تخطئة رأي أبيه رغم جلاله ومكانته من نفسه، معتذرا عن ذلك ~~بجناية المجتمع المتأخر عليه، وأثر «الجهلاء» من أصحابه فيه، ~~وهو ما أسف له كل الأسف، بيد أنه لم يسعه إلا أن يقول ملتزما ~~غاية ما يستطيع من الأدب والرقة، وكان في الواقع يردد نصا من ~~مطالعاته: العلم فوق الجاه والمال يا بابا. # ردد السيد رأسه بين كمال وبين صوان الملابس، كأنما يشهد شخصا ~~غير منظور على خرق الرأي الذي سمع، ثم قال باستياء: حقا؟ عشت حتى ~~أسمع هذا الكلام الفارغ، كأن ثمة فرقا بين الجاه والعلم! لا علم ~~حقيقي بلا جاه ومال. ثم ما لك تتكلم عن العلم كأنه علم واحد! ~~ألم أقل لك إنك غر صغير؟ هنالك علوم لا علم واحد؛ للصعاليك ~~علومهم، وللباشوات علومهم. افهم يا جاهل قبل أن تندم. # كان على يقين من ms044 احترام أبيه للدين ولأهله بالتالي، فقال بمكر: ~~إن الأزهريين يتعلمون كذلك بالمجان ويشتغلون بالتدريس، ولكن ~~أحدا لا يستطيع أن يحتقر علومهم. # فأومأ له بذقنه باحتقار، وهو يقول: الدين شيء، ورجال الدين شيء ~~آخر. # فقال مستمدا من اليأس قوة يستعين بها على مناقشة الرجل الذي ~~لم يتعود إلا طاعته: ولكنك يا بابا تحترم علماء الدين ~~وتحبهم! # فقال السيد بلهجة لم تخل من حدة: لا تخلط بين الأمور، أنا ~~أحترم الشيخ متولي عبد الصمد وأحبه كذلك. ولكن أن أراك موظفا ~~محترما أحب إلي من أن أراك مثله، ولو سرت بالبركة بين ~~الناس ودفعت عنهم السوء بالأحجبة والتعاويذ. لكل زمان رجال، ~~ولكنك لا تريد أن تفهم. # تفحص الرجل الشاب ليسير أثر كلامه فيه، فغض كمال بصره، ~~وعض على شفته السفلى، وجعل يرمش، ويحرك زاوية فيه اليسرى في ~~عصبية. يا عجبا! ألهذا الحاضر يصر أناس على ما فيه ضرر محقق ~~لهم؟ وأوشك أن ينفجر غاضبا، ولكنه تذكر أنه إنما يعالج أمرا ~~خارجا عن نطاق سلطته المطلقة، فكظم غيظه، وساءله: ولكن ما الذي ~~جعلك تتحمس لمدرسة المعلمين وحدها كأنها استأثرت بالعلم كله؟ ما ~~الذي لا يروقك في مدرسة الحقوق مثلا؟ أليست هي المدرسة التي تخرج ~~الكبراء والوزراء؟ أليست هي المدرسة التي تثقف بعلومها سعد باشا، ~~وأضرابه من الرجال. # ثم بصوت منخفض، وقد عكست عيناه نظرة واجمة: وهي المدرسة التي وقع ~~اختيار المرحوم فهمي عليها بعد روية وتفكير، ولو لم يعاجله الأجل ~~لكان اليوم من رجال النيابة أو القضاء. أليس كذلك؟ # قال كمال بتأثر: جميع قولك حق يا بابا، ولكنني لا أحب دراسة ~~القانون. # ضرب الرجل كفا بكف، وهو يقول: لا يحب! وما دخل الحب في العلم ~~والمدارس؟ قل لي ماذا تحب في مدرسة المعلمين؟ أريد أن أعرف ~~أمارات الحسن التي فتنتك فيها، أم أنت ممن يحبون الرمامة؟ تكلم ~~ها أنا مصغ إليك! # ندت عنه حركة، كأنه يستجمع قواه لإيضاح ما غمض على أبيه من ~~الرأي، ولكنه كان مسلما بصعوبة مهمته، ومقتنعا في الوقت ~~نفسه بأنها ms045 ستجر عليه مزيدا من السخريات التي ذاق أمثلة منها ~~فيما سلف من النقاش. وفضلا عن هذا كله، فلم يكن يستبين هدفا ~~واضحا محددا حتى يستطيع بدوره أن يوضحه لأبيه. فما عسى أن ~~يقول؟ في وسعه إذا تأمل قليلا أن يعرف ما لا يريد، فليس القانون ~~ببغيته، ولا الاقتصاد، ولا الجغرافيا، ولا التاريخ، ولا اللغة ~~الإنجليزية. وإن كان يقدر أهمية المادتين الأخيرتين لما ~~يتطلع إليه، هذا ما لا يريد. فما الذي يريد؟ إن في نفسه ~~أشواقا تحتاج إلى عناية، وتأمل حتى تتضح أهدافها، ولعله غير ~~متوكد من أنه سيظفر بها في مدرسة المعلمين، وإن رجح عنده أن ~~تكون - هذه المدرسة - أقصر سبيل إليها. أشواق تهزها مطالعات شتى ~~لا تكاد تجمعها صفة واحدة؛ مقالات أدبية، واجتماعية، ودينية، ~~وملحمة عنتر، وألف ليلة، والحماسة، والمنفلوطي، ومبادئ الفلسفة، ~~إلى أنها ربما لم تكن مقطوعة الصلة بالأحلام التي كاشفه بها ~~ياسين قديما، بل والأساطير التي سكبتها في روحه أمه من قبل ذلك ... ~~كان يحلو له أن يطلق على هذا العالم الغامض اسم «الفكر»، وعلى ~~نفسه اسم «المفكر»؛ فيؤمن بأن حياة الفكر أسمى غاية للإنسان ~~تتعالى بطبعها النوراني على المادة والجاه والألقاب، وسائر ألوان ~~العظمة الزائفة ... هي كذلك! وضحت معالمها أم لم تتضح، فاز بها في ~~مدرسة المعلمين أم لم تكن هذه المدرسة إلا وسيلة إليها. لا ~~يملك عقله أن يتحول عن هذه الغاية أبدا، ولكن من الحق كذلك أن ~~يقر بأن ثمة صلة قوية تربطها بقلبه أو بالحري بحبه! كيف كان ~~ذلك؟ ليس بين «معبودته» وبين القانون أو الاقتصاد من سبب، ولكن ثمة ~~أسباب وإن دقت وخفيت بينها وبين الدين والروح والخلق والفلسفة، وما ~~شاكل ذلك من المعارف التي يستهويه النهل من منابعها، على نحو يشبه ~~ما بينها وبين الغناء والموسيقى من أسرار يتشوف إليها في هزة الطرب ~~وأريحية النشوة. إنه يجد هذا كله في نفسه ويؤمن به كل الإيمان، ~~ولكن ما عسى أن يقول لأبيه؟ لجأ مرة أخرى إلى المكر، وهو يقول: إن ~~مدرسة المعلمين ms046 تدرس علوما جليلة، كتاريخ الإنسان الحافل بالعظات، ~~وكاللغة الإنجليزية. # كان السيد يتفحصه وهو يتكلم، وإذا بمشاعر الاستياء والحنق ~~تزايله فجأة. تأمل - وكأنه يراه لأول مرة - نحافته وضخامة رأسه ~~وكبر أنفه وطول عنقه؛ فوجد في منظره غرابة تضاهي ما في آرائه من ~~شذوذ، وأوشكت روحه الساخرة أن تضحك في باطنه، ولكن عطفه وحبه أبيا ~~عليه ذلك، غير أنه تساءل فيما بينه وبين نفسه: النحافة ظاهرة ~~مؤقتة، الأنف عندي مصدره. ولكن من أين له هذا الرأس العجيب؟ أليس ~~من المحتمل أن يعرض له شخص - مثلي - ممن ينقبون عن العيوب ~~صيدا لمزاحهم؟ ضايقته هذه الفكرة مضايقة ضاعفت من عطفه عليه، ~~فعندما تكلم جاء صوته أهدأ نبرة وأدنى إلى الحلم والنصح، قال: ~~العلم في ذاته لا شيء، والعبرة بالنتيجة، القانون يفضي بك إلى ~~وظيفة القضاء، أما التاريخ والعظات فمؤداها أن تكون معلما ~~بائسا. عند هذه النتيجة قف طويلا وتأمل (ثم ونبرات صوته تعلو ~~قليلا في شيء من الحدة): لا حول ولا قوة إلا بالله، عظات وتاريخ ~~وسخام، هلا حدثتني بكلام معقول؟ # تورد وجه كمال حياء وألما وهو يستمع إلى رأي أبيه في المعارف ~~والقيم السامية التي يقدسها، وكيف استنزلها إلى مستوى السخام ~~وقرنها به، غير أنه لم يعدم عزاء فيما ورد ذهنه - في لحظته تلك ~~- جليل دون شك، إلا أنه ضحية زمان ومكان ورفاق. ترى هل يجدي معه ~~النقاش؟ هل يجرب حظه مرة أخرى مستعينا بمكر جديد؟ ~~- الواقع يا بابا أن هذه العلوم تحوز أكبر التقدير في الأمم ~~الراقية؟ إن الأوروبيين يقدسونها، ويقيمون التماثيل للنابغين ~~فيها. # حول السيد وجهه عنه، ولسان حاله يقول: «اللهم طولك يا روح!» ~~بيد أنه لم يكن غاضبا حقا، ولعله رأى الأمر كله مفاجأة مضحكة ~~لم تخطر له ببال، ثم أعاد إليه وجهه، وهو يقول: بصفتي والدك، أريد ~~أن أطمئن على مستقبلك، أريد لك وظيفة محترمة. هل يختلف اثنان في ~~هذا؟ الذي يهمني حقا أن أراك موظفا مهابا لا مدرسا بائسا، ~~وإن أقاموا له تمثالا كإبراهيم باشا أبي أصبع، يا ms047 سبحان الله! ~~عشنا وشفنا وسمعنا العجب ! ما لنا نحن وأوروبا؟ أنت تعيش في هذا ~~البلد، فهل هو يقيم التماثيل للمعلمين؟ دلني على تمثال واحد ~~لمعلم؟ (ثم بلهجة استنكارية) خبرني يا بني: أتريد وظيفة أم ~~تمثالا؟ # ولما لم يجد إلا الصمت والارتباك، قال فيما يشبه الحزن: في ~~رأسك أفكار لا أدري كيف اندست إليه، إني أدعوك إلى أن تكون ~~واحدا من الرجال العظماء الذين يهزون الدنيا بجلالهم ومراكزهم، ~~فهل عندك مثال تتطلع إليه لا أدريه؟ صارحني بما في نفسك حتى يرتاح ~~بالي، وأدرك غرضك، الحق أني في حيرة من أمرك؟ # فليتقدم خطوة جديدة يفصح بها عن بعض ما في نفسه وأمره لله، ~~قال: هل من العيب يا بابا أن أتطلع إلى أكون كالمنفلوطي يوما ~~ما؟ # قال السيد بدهشة: الشيخ مصطفى لطفي المنفلوطي؟ رحمة الله عليه، ~~رأيته أكثر من مرة في سيدنا الحسين، لكنه لم يكن معلما فيما ~~أعلم، كان أعظم من هذا بكثير، كان من جلساء سعد وكتابه، ثم إنه ~~كان من الأزهر لا من المعلمين، ولا شأن للأزهر نفسه بعظمته، كان ~~هبة من الله. هكذا يقولون عنه. نحن نبحث في مستقبلك والمدرسة التي ~~ينبغي أن تدخلها ولندع ما لله لله، فإن كنت أنت الآخر هبة من الله ~~أيضا. فستكون في عظمة المنفلوطي وأنت وكيل نيابة أو قاض، لم ~~لا؟ # كمال، وهو يناضل في استماتة: لست أتطلع إلى شخص المنفلوطي ~~فحسب، ولكن إلى ثقافته أيضا، ولا أجد مدرسة هي أقرب إلى تحقيق ~~غرضي، أو في الأقل إلى تمهيد السبيل إليه من مدرسة المعلمين؛ ~~لذلك آثرتها، ليس بي من رغبة خاصة في أن أكون معلما، بل لعلي لم ~~أقبل هذا إلا لأنه السبيل المتاح إلى ثقافة الفكر. # الفكر! ... وردد مقطع أغنية الحامولي «الفكر تاه أسعفيني يا دموع ~~العين» الذي طالما أحبه، واستعاده فيما مضى من زمانه، أهذا هو ~~الفكر الذي يسعى وراءه ابنه؟ سأله بدهشة: ما هي ثقافة ~~الفكر؟ # لجت به الحيرة، فازدرد ريقه، وقال بصوت منخفض: لعلي لا ~~أعرفها، (ثم يبتسم ms048 متوددا) لو كنت أعرفها لما كان بي حاجة إلى ~~طلب تعلمها. # فسأله مستنكرا: إذا كنت لا تعرفها فبأي حق اخترتها؟ هه؟ هل ~~تهيم بالضعة لوجه الله؟ # تغلب على ارتباكه بجهد شديد، وقال مدفوعا باستماتته في الدفاع ~~عن سعادته: إنها أكبر من أن يحاط بها، إنها تبحث فيما تبحث عن أصل ~~الحياة ومآلها. # تأمله مليا في ذهول قبل أن يقول: أمن أجل هذا تريد أن تضحي ~~بمستقبلك؟ أصل الحياة ومآلها؟ أصل الحياة آدم، ومصيرنا إلى الجنة ~~أو النار. أم جد جديد في ذلك؟ ~~- كلا، أعلم هذا، أريد أقول. # فعاجله قائلا: هل جننت؟ ... أسألك عن مستقبلك، فتجيبني بأنك تريد ~~أن تعرف أصل الحياة ومآلها؟ ... وماذا تعمل بعد ذلك؟ ... تفتح دكانا ~~لاستطلاع الغيب؟ # خاف كمال إن هو استسلم للارتباك والصمت أن يغلب على أمره أو ~~يضطر إلى التسليم بوجهة نظر أبيه، فقال مستنجدا شجاعته: اعذرني ~~يا بابا إذا لم أكن أحسنت التعبير عن رأيي، أريد أن أواصل دراستي ~~الأدبية التي بدأتها بعد الكفاءة، أن أدرس التاريخ واللغات ~~والأخلاق والشعر. أما المستقبل فأمره بيد الله. # فهتف السيد متهكما حانقا، وكأنما يتم سرد ما سكت كمال عنه: ~~وادرس أيضا فن الحواة، والقره جوز، وفتح المندل، ونبين زين نبين. ~~لم لا! اللهم غفرانك، أكنت حقا تدخر لي هذه المفاجأة؟ ... لا حول ~~ولا قوة إلا بالله. # اقتنع السيد أحمد بأن الحال أخطر مما قدر، فحار في أمره، وجعل ~~يسائل نفسه: أأخطأ فيما أباح لابنه من حرية القول والرأي؟ كلما ~~مد له في حبل الصبر والتسامح لج الآخر في العناد وتمادى في ~~الجدل. وما لبث أن قام في نفسه صراع بين نزعته الاستبدادية وبين ~~تسليمه بحق «اختيار المدرسة»، حرصا على مستقبل كمال من ناحية، ~~وكراهية للانهزام من ناحية أخرى، ولكنه انتهى على غير عادته - أو ~~بالأحرى على غير عادته في الزمن القديم - بتغليب الحكمة، فعاد إلى ~~النقاش وهو يقول: لا تكن غرا، ثمة شيء في عقلك لا أدريه أسأل ~~الله لك منه النجاة، ليس المستقبل لهوا ولعبا، ولكنه ms049 حياتك التي ~~لن تكون لك حياة غيرها. فكر في الأمر طويلا، الحقوق خير مدرسة لك، ~~إني أفهم الدنيا خيرا منك، ولي أصدقاء من كافة الطبقات ولا خلاف ~~بينهم في ذلك، أنت طفل أحمق، ألا تدري ما هي النيابة وما هو ~~القضاء؟ هذه وظائف تهز الأرض هزا، وفي وسعك أن تتبوأ واحدة ~~منها، كيف تعرض عنها بكل بساطة وتختار أن تكون ... معلما؟ # شد ما تألم - لا غضبا لكرامة المعلم فحسب - ولكن غضبا ~~لكرامة العلم أولا وأخيرا، العلم الحقيقي في نظره. لم يكن حسن ~~الظن بالوظائف التي تهز الأرض هزا، فطالما وجد الكتاب ~~المسيطرين على روحه يطلقون عليها العظمة الزائفة والمجد الزائل، ~~وغير ذلك من نعوت الاستهانة والاستخفاف، فآمن - تبعا لأقوالهم - ~~بألا عظمة حقيقية إلا في حياة العلم والحقيقة، واقترنت من ثم كل ~~مظاهر السلطان والجاه في ذهنه بالزيف والتفاهة، غير أنه تحاشى ~~الإفصاح عن إيمانه هذا أن يستفحل غضب أبيه، وقال برقة وتودد: على ~~أي حال مدرسة المعلمين مدرسة عليا. # تفكر السيد مليا، ثم قال متبرما يائسا: إذا لم تكن بك ~~رغبة في الحقوق، وبعض الناس يعشقون التعاسة، فاختر مدرسة محترمة: ~~الحربية، البوليس ... وشيء خير من لا شيء. # فقال كمال منزعجا: أدخل الحربية أو البوليس وقد نلت ~~البكالوريا؟ ~~- ما حيلتي إذا لم يكن لك في الطب نصيب؟ # عند ذلك شعر بضوء آت من ناحية المرآة أقلق عينه اليسرى، فمد بصره ~~صوب الصوان، فرأى أشعة شمس العصر المائلة المتسربة إلى الحجرة من ~~النافذة المطلة على الفناء، وقد زحفت من الجدار المواجه للفراش ~~حتى غيبت جانب المرآة، مؤذنة باقتراب موعد انصرافه إلى الدكان، ~~فتزحزح قليلا مبتعدا عن الضوء المنعكس، ثم نفخ نفخة وشت بضيقه ~~وأنذرت - أو بشرت - في الوقت نفسه بوشك انتهاء الحديث، وتساءل ~~واجما: ألا توجد مدرسة أخرى غير هذه المدارس المغضوب ~~عليها؟ # فقال كمال وهو يغض بصره حرجا لعجزه عن إرضاء أبيه: لم يبق ~~إلا مدرسة التجارة ولا أرب لي فيها. # ومع أن مبادرته إلى الرفض أحنقته، إلا أنه لم يجد ms050 من نفسه نحو ~~المدرسة الجديدة إلا الفتور، لظنه أنها إنما تخرج «تجارا» ولم يكن ~~يرضى لابنه أن يكون تاجرا. لم يغب عن علمه أول الأمر أن متجرا ~~كمتجره - وإن هيأ له حياة صالحة - فإنه أعجز من أن يهيئ هذه ~~الحياة لمن يخلفه فيها من أبنائه إذا روعي ما سيفرق من دخله على ~~بقية المستحقين، فلن يعمل على إعداد أحد منهم ليحل محله. على أن ~~ذلك لم يكن السبب الجوهري لفتوره، كان في الحق يكبر الوظيفة ~~والموظفين، ويدرك خطرهم ومنزلتهم في الحياة العامة كما لمس ذلك ~~بنفسه، سواء في أصدقائه من الموظفين أو في بعض اتصالاته الحكومية ~~المتعلقة بعمله، فأراد أبناءه على أن يكونوا موظفين، وأعدهم ~~لذاك. كذلك لم يكن يخفى عليه أن التجارة لا تحظى بربع ما تحظى به ~~الوظيفة من التقدير في نظر الناس، وإن أخلفت أضعافها من المال، وهو ~~نفسه شارك الناس شعورهم وإن لم يعترف بذلك بلسانه، بل كان يعتز ~~بإكبار الموظفين له فيعد نفسه من الناحية «العقلية» موظفا أو ~~ندا للموظفين، ولكن من غيره يسعه أن يكون تاجرا وندا ~~للموظفين معا؟ ومن أين لأبنائه بشخصية مثل شخصيته؟ آه، يا لها من ~~خيبة أمل! كم تمنى قديما أن يرى ابنا من أبنائه طبيبا، وكم ~~ناط بفهمي أمنيته حتى قيل له: إن البكالوريا الآداب لا تؤدي ~~إلى مدرسة الطب؛ فرضي بالحقوق واستبشر بما بعدها خيرا، ثم علق ~~أمله بكمال فاختار قسم الآداب؛ فعاد الرجل يحلم بما بعد الحقوق، ~~ولكنه لم يتصور قط أن تنجلي المعركة بين آماله وبين الأقدار ~~بوفاة «نابغة» الأسرة، وبإصرار كمال على أن يكون معلما. أي خيبة ~~أمل؟! وبدا السيد حزينا حقا، وهو يقول: لقد أخلصت لك النصيحة، ~~وأنت حر فيما تختار لنفسك. ولكن ينبغي أن تذكر دائما أنني لم ~~أوافقك على رأيك، فكر في الأمر طويلا. لا تتعجل، فما يزال ~~أمامك فسحة من الوقت، وإلا ندمت على سوء اختيارك مدى الحياة. أعوذ ~~بالله من الحمق والجهل والسخف! # وطرح الرجل رجله على الأرض آتيا حركة ms051 دلت على شروعه في القيام ~~ليأخذ أهبته لمغادرة البيت، فنهض كمال في أدب وحياء، ~~وانصرف. # عاد إلى الصالة فوجد أمه وياسين جالسين يتحادثان، وكان موزع ~~النفس، كاسف البال لمعارضته لأبيه، ولإصراره على معارضته رغم ما ~~أبدى الرجل من حلم ولين. ثم لما بدا عليه أخيرا من ضيق وحزن، فقص ~~على ياسين خلاصة ما دار في الحجرة من نقاش، وأنصت إليه الشاب، وعلى ~~جبهته علامة احتجاج، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، وسرعان ما صارحه ~~بأنه من رأي السيد، وبأنه يعجب لجهله للقيم الجليلة في هذه ~~الحياة، وتطلعه لأخرى وهمية أو سخيفة. تريد أن تجود بحياتك ~~للعلم؟ ما معنى هذا؟ إنه سلوك رائع كما يبدو في فصل من فصول ~~المنفلوطي، أو في نظرة من نظراته، أما في الحياة فما هو إلا عبث لا ~~يقدم ولا يؤخر، وأنت تعيش في الحياة لا في كتب المنفلوطي ... ~~أليس كذلك؟ الكتب تقرر أمورا غريبة وخارقة، مثال ذلك: أنك تقرأ ~~فيها أحيانا «كاد المعلم أن يكون رسولا» ولكن هل صادفت مرة ~~معلما يكاد أن يكون رسولا؟ تعال معي إلى مدرسة النحاسين أو ~~تذكر من تشاء من معلميك، ودلني على واحد منهم يستحق أن يكون ~~آدميا لا رسولا، وما هذا العلم الذي تريد؟ أخلاق وتاريخ وشعر؟ ~~كل أولئك جميل للتسلية، حاذر من أن تفلت من يديك فرصة الحياة ~~الرفيعة، كم أتحسر أحيانا على معاكسة الظروف التي حالت بيني ~~وبين مواصلة الدراسة! # تساءل عندما خلا إلى أمه على أثر ذهاب الأب وياسين، ترى ما ~~رأيها؟ ... لم تكن ممن يؤخذ رأيهم في مثل هذا الأمر، بيد أنها ~~تابعت أكثر حديثه مع ياسين، إلى أنها كانت على علم برغبة السيد ~~في إلحاقه بمدرسة الحقوق، الأمر الذي باتت تتطير منه فلم ترتح ~~إليه. على أن كمال كان يعرف كيف يظفر بموافقتها من أقصر سبيل، قال ~~لها: إن العلم الذي أرغب في دراسته وثيق الصلة بالدين، ومن فروعه: ~~الحكمة، والأخلاق، وتأمل صفات الله، وكنه آياته ومخلوقاته. ~~فتطلق وجه أمينة، وقالت بحماس: هذا هو العلم ms052 حقا، علم أبي، علم ~~جدك، إنه أجل العلوم. # وفكرت قليلا وهو ينظر إليها من طرف خفي باسما، ثم عادت ~~تقول بنفس الحماس: من ذا الذي يحتقر المعلم يا بني؟ ألم ~~يقولوا في الأمثال: «من علمني حرفا صرت له عبدا»؟ # فقال مرددا حجة أبيه الذي هاجم بها اختياره، وكأنما يستوهبها ~~رأيا يؤكد به موقفه: ولكنهم يقولون: إن المعلم لا حظ له في ~~المناصب الرفيعة! # فلوحت بيدها باستهانة قائلة: المعلم موفور الرزق، أليس كذلك؟ ~~حسبك هذا، إني أسأل الله لك الصحة وطول العمر وصالح العلم، كان جدك ~~يقول: «إن العلم أعز من المال». # أليس عجيبا أن يكون رأي أمه خيرا من رأي أبيه؟ ولكنه ليس ~~برأي، إنه شعور سليم، لم تفسده ممارسة الحياة الواقعة التي أفسدت ~~رأي أبيه، ولعل جهلها بشئون العالم هو الذي صان شعورها عن ~~الفساد، ترى ما قيمة شعور - وإن سما - إذا كان مصدره الجهل؟ وألا ~~يكون لهذا الجهل نفسه أثره في تكوين آرائه؟ ... ثار على هذا المنطق، ~~وقال يحاوره: إنه عرف الدنيا خيرها وشرها في الكتب، وآثر الخير ~~عن إيمان وتفكير، وقد يلتقي الشعور الفطري الساذج بالرأي الحكيم ~~دون أن تهوى سذاجة الفطرة من أصالة الحكمة. أجل، إنه لا يشك لحظة ~~في صدق رأيه وجلاله، ولكن هل يدري ماذا يريد؟ ليست مهنة المعلم ~~بالتي تجذبه، إنه يحلم أن يؤلف كتابا، هذه هي الحقيقة، أي كتاب؟ ~~لن يكون شعرا، إذا كانت كراسة أسراره تحوي شعرا، فمرجع ذلك إلى ~~أن عايدة تحيل النثر شعرا لا إلى شاعرية أصيلة فيه. فالكتاب ~~سيكون نثرا، وسيكون مجلدا ضخما في حجم القرآن الكريم وشكله، ~~وستحدق بصفحاته هوامش الشرح والتفسير كذلك، ولكن عم يكتب؟ ألم ~~يحو القرآن كل شيء؟ لا ينبغي أن ييئس، ليجدن موضوعه يوما ما، ~~حسبه الآن أنه عرف حجم الكتاب وشكله وهوامشه، أليس كتاب يهز ~~الأرض خيرا من وظيفة وإن هزت الأرض؟ كل المتعلمين يعرفون ~~سقراط، ولكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه؟ # 5 ~~- مساء النور! # لا تجيب! هذا ما قدرته وما ms053 أنا به عليم، هي البداية دائما ... ~~منذ قديم وإلى الأبد، ها هي توليك ظهرها، ابتعدت عن الحائط نحو ~~حبل الغسيل، تحبك المشابك، ألم تحبكيها من قبل؟ ... بلى، ولكنك ~~تدارين موقفك، إني أفهم كل الفهم، عشرة أعوام في المجون ليست ~~بالخبرة القليلة، متع عينيك بمنظرها قبل أن يستقر الظلام الزاحف ~~فلا تبدو إلا شبحا، سمنت واكتنزت، زادت حسنا عما كانت أيام ~~صباها، كالغزال كانت، ولكنها لم تكن تملك هذه الأرداف العبلة، ~~رويدا ... لم يزل لها من رشاقة البكارة نصيب محترم، ما عمرك يا ~~شاطرة؟ زعم أهلك قديما أنك في سن خديجة، رأي خديجة أنك تكبرينها ~~بسنوات وسنوات. امرأة أبي تؤكد هذه الأيام أنك في الثلاثين مستشهدة ~~بذكريات قديمة من نوع: أيام كنت حبلى في خديجة كانت صبية في ~~الخامسة ... إلخ، ما قيمة العمر؟ هل أنت ستعاشرها حتى الكبر؟ في ~~الأيام القصيرة تستوي الشابة والنصف، جميلة وجذابة ومشبعة دسمة، ~~آه، نظرت صوب الطريق ولحظتك، أرأيت مقلتها وهي تلحظك كالدجاجة؟ لن ~~أبرح موقفي يا مليحة، فتى تعرفين الشيء الكثير عن جماله وقوته ~~وماله، أليس هو خيرا من ذلك الإنجليزي القديم ...؟ ~~- هل التحية عندكم لا تستحق ردا ولو بمثلها؟ # ولتك قذالها مرة أخرى، مهلا ... ألم تبتسم؟ بلى، ومن سوى ~~جمالها فجعله فتنة، لقد ابتسمت، مهدت لهذه الخطوة الأخيرة فأحسنت ~~التمهيد، لا شك أنها تعلم بكل حركاتي ومناوراتي السابقة، آن لي ... ~~وآن لك ... من حسن حظي أنك لست من المصابات بداء الحشمة، ذاك ~~الإنجليزي، جوليون، الجواد الكريم القائم أمامك موطأ المتن، ألا ~~تسمعين حمحمته؟ ~~- أليس للجار عندكم إكرام؟ ... إني أشحذك تحية هي من صميم ~~حقوقي. # جاءه صوت رقيق خافت - بدا لتحول الوجه عنه كأنه آت من بعيد - ~~وهو يقول: ليست من حقك ... على هذا النحو. # أجيب الطارق، رفعت سقاطة الباب، لن تظفر بالمناغاة حتى تلعق ~~الزجر، اثبت، الثبات، الثبات ... كما يهتف به المجاورون: إذا كان ~~صدر مني ما أغضبك فلن أغتفره لنفسي ما حييت! # هي في عتاب: إن سطح بيت أم علي، الداية، في مستوى ms054 سطحنا وسطحكم، ~~ما عسى أن يظن الناظر إذا رأى موقفك مني وأنا أنشر ~~الغسيل؟ # ثم في تساؤل هازئ: أم تريد أن تجعل مني أحدوثة؟ # بعد الشر عنك؟ هل راعيت هذا الحذر في مواقفك مع جوليون في الزمن ~~القديم؟ لكن مهلا، إن جمال عينيك وعجيزتك يغفر ما تقدم وما ~~تأخر من ذنبك. ~~- لا أبقاني الله في الحياة لحظة واحدة إن كنت قصدتك بسوء، لقد ~~تواريت تحت سقيفة الياسمين حتى غابت الشمس، ولم أقترب من السور حتى ~~ثبت عندي خلو سطح أم علي الداية. # ثم وهو يتنهد بصوت مسموع: وعذري بعد ذلك أني واليت صعود السطح ~~أبدا كي أظفر بهذه الخلوة ... فلما وجدتها الساعة استخفني ~~السرور، وعلى أي حال ربنا يستر. ~~- عجيبة! ... لم هذا التعب كله؟ # سؤال لا يبعث عليه الجهل، يسألن عما يعرفن، ارتضت أن ~~تحاورك فاهنأ بحوارها. ~~- قلت لنفسي: أن تحييها وأن ترد تحيتك ألذ من الصحة ~~والعافية. # التفتت إليه برأس دلت حركته في شبه الظلام على تكتم الضحك، ~~وقالت: لسانك أطول من جسمك، ترى ماذا وراء كلامك؟ ~~- وراءه؟ ... هلا اقتربت من السور؟ عندي حديث طويل، منذ أيام وأنا ~~أغادر البيت إلى الطريق، لاحت مني التفاتة إلى الأرض فرأيت ظل ~~يد تتحرك، فنظرت إلى فوق فرأيتك مطلة من السور، رأيت منظرا ~~جميلا لا يمكن أن ينسى. # دارت على عقبيها ولكنها لم تقترب خطوة، ثم قالت في لهجة تنم عن ~~الاتهام: كيف تنظر إلى فوق؟ ... ولو كنت جارا حقا كما تقول ما ~~سمحت لنفسك بأن تجرح جارتك، ولكنك سيئ النية فيما بدا منك ~~باعترافك، وفيما يبدو منك الساعة. # حقا إنه سيئ النية، أليس الفسق من سوء النية؟ سوء نية من ~~النوع الذي تحبينه، آه من النسوان! بعد ساعة ستطالبين به كحق من ~~حقوقك، بعد ساعتين سأهرب وتجدين في أثري، على أي حال ليلتنا ~~فل. ~~- ربنا يعلم بحسن نيتي، نظرت إلى فوق لأني لا أستطيع أن أمنع ~~النظر عن مكان تكونين فيه، ألم تدركي هذا؟ ألم تشعري به؟ جارك ~~القديم يتكلم وإن ms055 تأخر به الزمن. # هازئة: تكلم، أطلق الحرية للسانك الطويل، ارفع صوتك، ماذا تفعل ~~لو اقتحمت عليك السطح امرأة أبيك فرأتك ورأتني؟ # لا تزوغي يا بنت اللبؤة، سيكون من المعجزات أن أطوي عقلك، ~~أتخافين امرأة أبي حقا؟ آه ... إن ليلة في حضنها تساوي العمر ~~كله. ~~- سأسمع وقع الأقدام قبل مجيئها، خلينا فيما نحن فيه. ~~- ما هذا الذي نحن فيه؟ ~~- إنه يجل عن الوصف. ~~- لا أجد شيئا مما تقول، لعل هذا ما أنت وحدك فيه. ~~- لعله، إنه لأمر مؤسف حقا، أمر مؤسف أن يتكلم قلب فلا يجد ~~من يستجيب له، إني أذكر أيام زياراتك لبيتنا، تلك الأيام التي كنا ~~فيها وكأننا أسرة واحدة، وأتحسر. # غمغمت وهي تهز رأسها: تلك الأيام! # لم عدت إلى الماضي؟ أخطأت خطأ كبيرا، احذر أن يفسد عليك الألم ~~جهدك كله، ركز إرادتك كي تنسى كل شيء إلا الحاضر. ~~- ثم رأيتك أخيرا فرأيت شابة جميلة كالزهرة، تطلع في ظلام ~~الليل فتنوره، فكأنما أراك لأول مرة. ساءلت نفسي: أتكون هذه ~~جارتنا مريم التي كانت تلعب مع خديجة وعائشة؟ كلا ... هذه فتاة اكتمل ~~لها الحسن ونضج، وشعرت بأن الدنيا تتغير من حولي. # قالت وقد عاود صوتها عبثه: في تلك الأيام لم تكن عيناك تستبيحان ~~التطلع إلى أحد. كنت جارا بكل معنى الكلمة، ولكن ماذا بقي من تلك ~~الأيام؟ تغير كل شيء، عدنا كالأغراب، وكأننا لم نتبادل كلمة، ~~ولم ننشأ معا نشأة الأسرة الواحدة، هذا ما أراده أهلك. ~~- دعينا من هذا، لا تحمليني هما إلى هم. ~~- اليوم تتطلع بعينيك ... في النافذة، وفي الطريق، وها أنت تقطع ~~علي السطح. # ماذا يمنعك من الذهاب إن كنت حقا تريدينه؟ كذبك ألذ من ~~الشهد يا نور الظلام. ~~- هذا قليل من كثير، إني أتطلع إليك أيضا من حيث لا تدرين، ~~وأراك في الخيال أكثر مما تتصورين، أقول لنفسي الآن وأنا على ~~بينة مما أقول: إما القرب وإما الموت. # هسيس ضحكة مكتومة اهتز لها قلبه، ثم تساءلت: من أين لك هذا ~~الكلام؟ # أشار إلى صدره، وهو يقول: من ms056 قلبي. # مسحت بقدمها على أرض السطح محدثة بالشبشب حفيفا ينذر ~~بالتحرك ولكنها لم تزايل موضعها، وقالت: ما دام الأمر قد بلغ ~~القلب، فينبغي أن أذهب. # بحماس علا به صوته أولا حتى انتبه إلى نفسه فخفضه: بل يجب أن ~~تأتي، أن تأتي إلي، الآن وإلى الأبد ... (ثم بمكر) إلى قلبي ... هو ~~لك وما يملك. # وبلهجة وعظية عابثة: لا تفرط في نفسك على هذا النحو، حرام ~~علي أن أحرمك قلبك وما يملك. # إلى أي مدى ذهب بك الفهم؟ إني أخاطب فيك اللبؤة التي ~~أحبها، لست بلهاء وحق ذكرى جوليون، تعالي يا بنت القديمة، أخاف ~~أن أضيء في الظلام من شدة النار التي تستعر في جسدي. ~~- هو وما يملك لك عن طيب خاطر، سعادته في أن تقبليه وتملكيه، ~~وأن تكوني له وحده. # قالت ضاحكة: أرأيت يا ماكر؟ ... تريد أن تأخذ لا أن ~~تعطي! # من أين لك بهذا اللسان؟ ولا زنوبة في زمانها، ملعونة الدنيا من ~~غيرك. ~~- أريد أن تكوني لي كما أكون لك ... أين الظلم في هذا؟ # صمت، ونظر متبادل بين الشبحين، حتى قالت: لعلهم يتساءلون الآن ~~عما أخرك. # فقال مستعطفا بمكر: ليس ثمة في الدنيا من يهتم ~~بأمري. # عند ذاك غيرت لهجتها متسائلة بجد: كيف ابنك؟ ... لا يزال عند ~~جده؟ # ماذا وراء هذا السؤال الغريب؟ ~~- بلى. ~~- ما عمره الآن؟ ~~- خمس سنوات. ~~- وما أخبار والدته؟ ~~- إنها تزوجت أو ستتزوج في القريب العاجل. ~~- خسارة! لم لم تردها ولو إكراما لرضوان؟ # يا بنت اللبؤة، أفصحي عما ترومين. ~~- أهذه رغبتك حقا؟ # وهي تضحك ضحكة خافتة: يا بخت من وفق رأسين في الحلال. # وفي الحرام؟ ~~- لكنني لا أنظر إلى الوراء. # ساد صمت بدا غريبا مليئا بالفكر ... حتى قالت بصوت جمع بين ~~التحذير واللين: إياك وأن تقطع علي السطح مرة أخرى. # فقال بجرأة: أمرك مطاع، ليس السطح بالمكان المأمون، ألم تعلمي ~~بأن لي بيتا في قصر الشوق؟ # هتفت مستنكرة: بيتك! أهلا يا سي بيته. # فسكت قليلا كأنما يحاذر، ثم تساءل: خمني فيم أفكر؟ ~~- لا شأن لي بهذا. # صمت، ms057 ظلام، خلوة، ما أفظع تأثير الظلام في أعصابي! ~~- إني أفكر في سوري سطحينا المتلاصقين، بم يوحي منظرهما ~~إليك؟ ~~- لا شيء. ~~- منظر حبيبين متلاصقين. ~~- لا أحب سماع هذا الكلام. ~~- تلاصقهما يذكر أيضا بأنه ليس ثمة ما يفصل بينهما. ~~- هيه. # ندت عنها كاستدراج مليء بالوعيد، فقال ضاحكا: كأنهما يقولان ~~لي: اعبر. # تراجعت خطوتين حتى التصق ظهرها بملاءة منشورة، ثم همست في تحذير ~~جدي: لا أسمح بهذا. ~~- هذا! ... ما هذا؟ ~~- هذا الكلام. ~~- والفعل؟ ~~- سأتركك غاضبة. # كلا وحياتك الغالية ... أتعنين ما تقولين؟ أأنا أغبى مما أظن، أم ~~أنت أمكر مما أتصور؟ لم تكلمت عن رضوان وأمه؟ هل تلوح ~~بالزواج؟ ما أشد رغبتك إليها! رغبة جنونية. # قالت مريم بغتة: آه! ... ما الذي يدعوني إلى البقاء؟ # ودارت حول نفسها، ثم تطامن رأسها لتمر من تحت الغسيل، فأرسل ~~صوته وراءها قائلا في جزع: تذهبين دون تحية! # اشرأب رأسها فوق حبل الغسيل، ثم قالت: البيوت من أبوابها، هذه ~~تحيتي. # واتجهت مسرعة نحو باب السطح فمرقت منه. # عاد ياسين إلى الصالة، فاعتذر لأمينة عن طول غيبته بحرارة الجو ~~في الداخل، ثم ذهب إلى حجرته ليرتدي بذلته. كان كمال يتبعه ~~عينيه في دهشة وتفكير، ونظر إلى أمه فألفاها هادئة مطمئنة وكانت ~~فرغت من احتساء قهوتها وقراءة الفنجان، فتساءل ترى ماذا يحدث ~~لها لو علمت بما دار فوق السطح؟ ... هو نفسه لم يزايله القلق منذ ~~اطلع مصادفة على منظر المتناجين حين مضى وراء أخيه مستطلعا ~~غيبته، فعل ياسين ذلك، هل هانت عليه ذكرى فهمي؟ لا يستطيع أن ~~يتصور هذا، كان ياسين يحب فهمي حبا صادقا، وقد حزن عليه ~~حزنا شديدا، لا يجوز أن يرتاب في إخلاصه، إلى أن هذه «الحوادث» ~~كثيرا ما تقع، ثم إنه لم يدر لم يربطون دائما بين فهمي ومريم؟ ~~لقد علم المرحوم بواقعة جوليون في حينها، ثم مر زمن طويل بدا عليه ~~أنه نسيها نسيا تاما، وشغل عنها بما هو أجل وأخطر، وما كانت ~~تستحق غير ذلك، وما كانت يوما كفئا له. إنه مما يدعو إلى النظر ms058 ~~حقا أن يتساءل: هل يمكن أن ينسى الحب؟ الحب لا ينسى، هذا ما ~~يؤمن به، ولكن من أدراه أن فهمي أحب مريم بالمعنى الذي يفهمه - أو ~~يشعر به - هو من الحب؟ لعلها كانت رغبة قوية، كهذه الرغبة التي ~~تستحوذ الساعة على ياسين، بل كتلك الرغبة القديمة إلى مريم نفسها ~~التي ناوشته هو على عهد البلوغ وعابثت أحلامه، أجل وقع هذا أيضا، ~~وعانى منها ألمين؛ ألم الرغبة، وألم الندم، وكانا في القوة ~~متعادلين فلم ينقذه من شرهما إلا زواج مريم واختفاؤها. يهمه أن ~~يعلم الآن هل تألم ياسين وهل وخزه الندم؟ وإلى أي مدى؟ لا ~~يتصور أن يكون الأمر جرى سهلا مهما يكن ظنه بحيوانية ياسين، ~~وفتور حماسه للمثل العليا. وعلى رغم نظرته المتسامحة للأمر كله شعر ~~بامتعاض وقلق كما ينبغي لإنسان لا يعدل بمثاليته شيئا في ~~الوجود. # رجع ياسين من الحجرة وقد ارتدى ملابسه وأخذ زينته، فحياهما ~~وانصرف، وبعد قليل سمعا نقر استئذان على باب الصالة، فدعا كمال ~~القادم - وهو على يقين من هويته - فدخل شاب يماثله في السن، ~~قصير القامة، وسيم الطلعة، مرتديا جلبابا وجاكتة، فقصد أمينة ~~وقبل يدها، ثم صافح كمال وجلس إلى جانبه، كان في سلوكه - رغم ما ~~أخذ به نفسه من التأدب - ألفة كأنما كان واحدا من أهل البيت، ~~وأكثر من هذا فقد أقبلت أمينة تحادثه وهي تدعوه بكل بساطة: «يا ~~فؤاد»، وتسأله عن صحة أبيه جميل الحمزاوي ووالدته، فيجيبها ~~مستشعرا السرور، والامتنان في حسن استقبالها، وترك كمال صديقه مع ~~والدته، ومضى إلى حجرته ليرتدي جاكتته، ثم يعود إليه فينطلقا ~~معا. # 6 # سارا جنبا إلى جنب صوب درب قرمز، متجنبين طريق النحاسين، ~~ليتفاديا من المرور بالدكان حيث يوجد والداهما ... كمال بقامته ~~الطويلة النحيلة، وفؤاد بقامته القصيرة، تكاد صورتاهما تلفتان ~~الأنظار بتناقضهما، تساءل فؤاد بصوت هادئ: أين تذهب هذا ~~المساء؟ # فأجابه كمال بصوته الانفعالي: قهوة أحمد عبده. # كان كمال - عادة - يقرر، وفؤاد يوافق رغم ما عرف عن الأخير ~~من رجاحة العقل، ورغم نزوات كمال التي كانت تبدو ms059 مضحكة في عين ~~رفيقه، مثل دعواته المتكررة له للذهاب إلى جبل المقطم، والقلعة، ~~والخيمية، لتسريح النظر - على حد تعبيره - في مخلفات التاريخ ~~وعجائب الحاضر، ولكن الحق أن العلاقة بين الصديقين لم تخل من تأثر ~~بفارق طبقتيهما، وكون الأول ابن صاحب الدكان والآخر ابن وكيله، ~~وعمق هذا التأثر أن فؤاد اعتاد في صباه أن يؤدي ما يكلف به من ~~شراء بعض حوائج لبيت السيد أحمد، وأن يكون صنيعة لكرم أمينة التي ~~لم تكن تضن عليه بأحسن ما عندها من مأكل - وكثيرا ما يصادف مجيئه ~~أوقات الغداء - وأصلح ما يمكن استغناء عنه من ملابس كمال، فربط ~~بينهما منذ البدء شعور باستعلاء من ناحية، وبالتبعية من ناحية أخرى ~~... وهو وإن مضى يزول بحلول شعور الصداقة محله، إلا أن أثره النفسي ~~لم يقتلع من الأعماق، وقد قضت ظروف بألا يجد كمال من رفيق ~~تقريبا طوال العطلة الصيفية إلا فؤاد الحمزاوي، ذلك أن رفاق ~~صباه من أهل الحي لم يواصلوا التعليم إلى النهاية؛ منهم من توظف ~~بالابتدائية أو الكفاءة، ومنهم من اضطر إلى مزاولة عمل من الأعمال ~~البسيطة مثل صبي قهوة بين القصرين، وصبي الكواء البلدي بخان جعفر. ~~كان كلاهما من أقرانه في الكتاب. وما زال ثلاثتهم يتبادلون تحية ~~الزمالة القديمة كلما اتفق لهم اللقاء، تحية مشربة بالاحترام من ~~ناحيتهما لما يضيفه طلب العلم عليه من امتياز، مشبعة من ناحيته ~~بالمودة الصادرة عن نفس مطبوعة على التواضع والبساطة، أما أصدقاؤه ~~الجدد الذين اكتسب صداقتهم في العباسية؛ حسن سليم، وإسماعيل لطيف، ~~وحسين شداد فكانوا يقضون العطلة في الإسكندرية ورأس البر، فلم يبق ~~من رفيق إلا فؤاد. # بلغا مدخل قهوة أحمد عبده بعد مسيرة دقائق، فهبطا إلى مستقرها ~~الغريب في جوف الأرض تحت حي خان الخليلي، واتجها إلى مقصورة خالية، ~~وفيما هما يجلسان متقابلين حول المائدة تمتم فؤاد في شيء من ~~الحياء: ظننتك ستذهب هذا المساء إلى السينما. # وشى قوله برغبته في الذهاب إلى السينما، ولعلها راودته قبل أن ~~يذهب إلى مقابلة كمال في بيته، ولكنه لم ms060 يفصح عنها؛ لا لأنه لا ~~يستطيع أن يثني كمال عن رأي فحسب، وإنما لأن كمال هو الذي يقوم ~~بنفقات السينما إذا ذهبا إليها معا، فلم تواته شجاعته على ~~التلميح إلى رغبته حتى استقر بهما المجلس بالقهوة، حيث يمكن أن ~~يؤخذ قوله مأخذ الملاحظة البريئة العابرة. ~~- سنذهب يوم الخميس القادم إلى الكلوب المصري؛ لمشاهدة شارلي ~~شابلن، فلنلعب الآن عشرة دومينو. # خلعا طربوشيهما ووضعاهما على مقعد ثالث، ثم نادى كمال النادل، ~~طلب شايا أخضر ودمينو. بدا المقهى المدفون كجوف حيوان من ~~الحيوانات المنقرضة، طمر تحت ركام التاريخ إلا رأسه الكبير، فقد ~~تشبث بسطح الأرض فاغرا فاه عن أنياب بارزة على هيئة مدخل ذي ~~سلم طويل، وثمة في الداخل صحن واسع مربع الشكل مبلط بالبلاط ~~المعصراني تتوسطه فسقية رصت على حافتها أصص القرنفل، وأحدقت بها من ~~الجهات الأربع أرائك فرشت بالحصير المزركش والوسائد، أما جدرانه ~~فقد انتظمتها مقاصير صغيرة الحجم متجاورة، كأن الواحد منها كهف ~~منحوت في الحائط، لا نافذة بها ولا باب لها، واقتصر أثاثها على ~~مائدة خشبية، وأربعة مقاعد، ومصباح صغير يشتعل ليل نهار في كوة ~~بأعلى الجدار المواجه للمدخل. وكأن القهوة اكتسبت من موقعها الغريب ~~بعض صفاته، فهي تهوم في هدوء غير مألوف لسائر المقاهي، وضوء غير ~~باهر، وجو رطيب، وقد انطوت كل جماعة على نفسها في مقصورتها أو فوق ~~أريكتها، تدخن النارجيلة، وتحسو الشاي، وتهيم في دردشة لا نهاية ~~لها، تكاد تشملها نغمة صبا وانية متصلة إلا أن تقطعها في فترات ~~متباعدة سعلة، أو ضحكة، أو قرقرة مدخن منهم. # كانت قهوة أحمد عبده في نظر كمال مجتلى للمتأمل وتحفة ~~للحالم، أما فؤاد - وإن لم تغب عنه طرافتها أول عهده بها - فلم ~~يعد يجد فيها إلا مجلسا كئيبا تغشاه الرطوبة والهواء الفاسد، ~~ولكنه لم يكن يملك إلا أن يلبي كلما دعي إليها. ~~- أتذكر يوم رآنا أخوك سي ياسين ونحن في مجلسنا هذا؟ # قال كمال باسما: نعم، سي ياسين متسامح ولطيف ولم يشعرني أبدا ~~بأنه أخي الأكبر، بيد أني رجوته يومذاك ms061 ألا يشير إلى مجلسنا في ~~البيت لا خوفا من أبي؛ فإن أحدا عندنا لا يجرؤ على مكاشفته بمثل ~~هذا الأمر، ولكن إشفاقا من إزعاج والدتي، تصور أنها ترتعب إذا ~~علمت بترددنا على هذه القهوة أو غيرها، وتظن أن أغلبية رواد ~~المقاهي من الحشاشين وسيئي السمعة. ~~- وسي ياسين، ألم تعلم بأنه من رواد المقاهي؟ ~~- إذا قلت لها هذا قالت لي: إن ياسين «كبير» ولا خوف عليه، أما ~~أنا فصغير، الظاهر أني سأظل معدودا في الصغار في بيتنا حتى ~~يدركني المشيب. # جاء النادل بالدومينو، وقدحين من الشاي على صينية فاقعة ~~الاصفرار، فتركها جميعا على المائدة وذهب، تناول كمال قدحه من ~~فوره وراح يحتسيه من قبل أن تخف حرارته، ينفخ السائل ثم يتمززه، ~~وينفخ مرة أخرى، ويمصمص شفتيه كلما لسعته الحرارة، ولكن ذلك لا ~~يردعه فيعاود المحاولة في عناد وجزع كأنه محكوم عليه بالفراغ منه ~~في دقيقة أو دقيقتين، على حين جعل فؤاد يراقبه صامتا أو يمد بصره ~~إلى لا شيء، وهو مستند إلى ظهر مقعده في رزانة أكبر من سنة، تلوح ~~في عينيه الواسعتين الجميلتين نظرة عميقة هادئة، ولم يمد يده ~~إلى قدحه حتى كان كمال قد فرغ من مغالبة قدحه، وعند ذاك أقبل ~~يتحسى الشاي في تأن مستطعما مذاقه مستلذا نكهته، وهو ~~يغمغم بعد كل حسوة «الله ... ما أطيبه!» والآخر يحثه على الفراغ ~~منه بصبر نافد كي يأخذا في اللعب، وهو يقول منذرا: لأهزمنك ~~اليوم، لن يحالفك الحظ أبد الدهر. # فيبتسم فؤاد مغمغما: سنرى. # وأخذا يلعبان. # كان كمال يولي المباراة اهتماما عصبيا، كأنه يخوض معركة ~~تتوقف على نتائجها حياته أو كرامته، بينا مضى فؤاد في نظم ~~قطعه بهدوء ومهارة، فلم تفارق الابتسامة شفتيه، أقبل الحظ أم ~~أدبر، هش كمال أم عبس، وقد خرج كمال - كعادته - عن طوره، فهتف ~~به: «لعب سخيف، وحظ سعيد.» فلم يزد الآخر عن أن ضحك ضحكة مهذبة ~~لا تثير حنقا ولا توحي بتحد. طالما قال كمال لنفسه وهو يتميز ~~غيظا: «لن يبرح حظه راكبا حظي.» ولم يكن ms062 يلقى اللعب بالتسامح ~~الخليق باللهو والتسلية، بل الحق لم يكن ثمة فارق - في اهتمامه ~~وحماسه - بين جده ولهوه. على أن تفوق فؤاد في المدرسة لم يكن دون ~~تفوقه في الدومينو، كان أول فرقته بينا كان هو في الخمسة الأوائل، ~~فهل ثمة دور للحظ في ذلك أيضا؟ كيف يعلل تفوق الشاب الذي ~~ينطوي له في الأعماق على شعور بالاستعلاء ظن أنه ينبغي أن يمتد ~~إلى المواهب العقلية على السواء؟ لم يعدم رأيا يهون به من تفوق ~~صاحبه؛ فهو يقول إنه يكرس وقته كله للمذاكرة، وأنه لو كان عقله ~~بالتفوق الذي يزعمون لأغنى عنه بعض هذا الوقت، ويقول أيضا: إنه ~~يتجنب الألعاب الرياضية وقد برز هو في أكثر من نوع منها، ويقول ~~أخيرا: إن فؤاد يقتصر في مطالعاته على الكتب المدرسية، وإذا ~~تراءى له أن يقرأ كتابا غير مدرسي في العطلة لاحظ في اختياره أن ~~يكون مفيدا لدراسته اللاحقة، أما هو فلا تحد مطالعته حدود ولا ~~توجهها منفعة، فما وجه الغرابة في ذلك في أن يسبقه الشاب في ~~الترتيب؟ غير أن سخطه هذا لم يعرض صداقتهما للوهن، كان يحبه ~~ويجد في رفقته مؤانسة ومسرة إلى أنه لم يضن - على الأقل فيما ~~بينه وبين نفسه - بالإقرار بفضائله ومزاياه. # تواصل اللعب وانتهت العشرة - على غير ما أنذر به مطلعها - ~~بانتصار كمال. فتطلق وجهه، وضحك ضحكة عالية، ثم سأل غريمه: «عشرة ~~أخرى؟» ولكن فؤاد قال باسما: «حسبنا اليوم ما كان.» لعله كان مل ~~اللعب، أو لعله أشفق من أن تجيء نتيجة العشرة المقترحة مخيبة لآمال ~~كمال فينقلب سروره غما، فهز كمال رأسه كالمتعجب، وقال: إنك ~~كالسمك من ذوي الدم البارد. # ثم بلهجة المنتقد، وهو يدلك أرنبة أنفه العظيم بإبهامه ~~وسبابته: إني أعجب لك، إذا غلبت لم تأبه للأخذ بثأرك، وتحب ~~سعد ولكنك تنكص عن الاشتراك في مظاهرة أريد بها تحيته يوم ولي ~~الوزارة، وتتبارك بسيدنا الحسين، ولكن لم تهتز لك شعرة يوم ثبت ~~لنا من تاريخه أن جثمانه غير ثاو في ضريحه القريب! إني أعجب ms063 ~~لك. # شد ما يحنقه البرود، إن ما يسمونه «العقل» لا يطيقه، ~~وكأنه يحب الجنون ويهيم به. إنه يذكر يوم قيل لهما في المدرسة: ~~«إن ضريح الحسين رمز، ولا شيء غير ذلك.» عادا يومذاك معا وفؤاد ~~يردد ما قاله مدرس التاريخ الإسلامي، وكان كمال يتساءل منزعجا: ~~كيف أوتي صاحبه تلك القوة التي تحمل بها الخبر كأنه شأن لا ~~يعنيه؟ أما هو فلم يستسلم لتفكير، لم يستطع أن يفكر ألبتة، ~~وكيف لثائر أن يفكر؟ سار كالمترنح من هول الطعنة التي نفذت ~~إلى صميم قلبه، كان يبكي خيالا نضب وحلما تبدد، لم يعد ~~الحسين بجارهم، بل لم يكن بجارهم يوما من الأيام، أين ذهبت ~~القبلات التي طبعت على باب الضريح في صدق وحرارة؟ أين يذهب ~~الاعتزاز بالقرب والإدلال بالجوار؟ لا شيء من هذا كله، لم يبق إلا ~~رمز في الجامع ووحشة وخيبة في القلب، وبكى ليلتذاك حتى بلل ~~وسادته، تلك كانت الصدمة التي لم تحرك في صديقه العاقل إلا ~~لسانه حين علق عليها مرددا أقوال مدرس التاريخ، ألا ما أبشع ~~العقل! ~~- هل علم والدك برغبتك في دخول مدرسة المعلمين؟ # قال كمال بحدة جاءت معبرة عن ضيقه ببرود صاحبه وألمه ~~المتخلف عن مناقشة أبيه معا: نعم. ~~- وماذا قال لك؟ # فقال يروح عن صدره بمهاجمة محدثه عن طريق غير مباشر: وا ~~أسفاه ... إن والدي كأكثر الناس ممن يهيمون بالمظاهر الزائفة، ~~الوظيفة ... النيابة ... القضاء ... هذا كل ما يهمه، لم أدر كيف ~~أقنعه بجلال الفكر والقيم السامية الحقيقة بالنشدان في هذه ~~الحياة! غير أنه ترك لي حرية التصرف. # جعلت أصابع فؤاد تعبث بقطعة من الدومينو، وهو يقول في حذر ~~وإشفاق: قيم جليلة بلا شك، ولكن أين البيئة التي ترفعها إلى ~~المنزلة اللائقة بها؟ ~~- لا يمكن أن أنبذ عقيدة سامية لا لشيء إلا أن من حولي لا ~~يؤمنون بها. # فعاد يقول في هدوء مسكن: روح جديرة بالإعجاب! ... ولكن ألا يحسن ~~بك أن تقدر مستقبلك في ضوء الواقع؟ # فتساءل كمال بازدراء: ترى لو كان زعيمنا قد أخذ بهذه النصيحة، ms064 ~~أكان يفكر جديا في أن يذهب إلى دار الحماية للمطالبة ~~بالاستقلال؟ # ابتسم فؤاد ابتسامة كأنها تقول: «رغم ما في حجتك من وجاهة فهي ~~لا تصلح قاعدة عامة في الحياة.» ثم قال: ادخل الحقوق حتى تضمن ~~عملا محترما ولك بعد ذلك أن تواصل ثقافتك كما تشاء. # فقال كمال محتدا: لم يجعل الله لامرئ من قلبين في جوفه، ثم ~~دعني أحتج على ربطك العمل المحترم بالحقوق! كأن التدريس ليس عملا ~~محترما! # فبادر فؤاد يقول بتوكيد يدفع به عن نفسه الشبهة: لم أقصد هذا ~~مطلقا، ومن ذا الذي يقول إن حفظ العلم ونشره ليس عملا محترما؟ ~~لعلي كنت أردد رأي الناس وأنا لا أدري، والناس كما أشرت إلى شيء ~~من هذا تبهرهم أضواء القوة والنفوذ. # فهز كمال منكبيه استهانة، وقال بإصرار: إن حياة تكرس للفكر ~~لهي أجل حياة. # هز فؤاد رأسه كالموافق دون أن ينبس، وظل لائذا بالصمت حتى سأله ~~كمال: ما الذي دعاك إلى اختيار الحقوق؟ # ففكر قليلا ثم أجابه: لم أكن مثلك واقعا في غرام الفكر، فكان ~~علي أن أختار دراسة عالية على ضوء المستقبل وحده، فاخترت ~~الحقوق. # أليس هذا هو صوت العقل؟ بلى إنه هو، شد ما يثير حنقه ~~وتمرده، أليس من الظلم أن يمضي العطلة الطويلة وهو حبيس هذا ~~الحي، ولا رفيق له إلا هذا «العاقل»؟ ثمة حياة أخرى تعارض حياة ~~الحي العتيق معرضة الضد للضد، وثمة رفاق آخرون يخالفون فؤاد مخالفة ~~النقيض للنقيض، إلى تلك الحياة وإلى أولئك الرفاق تهفو نفسه، إلى ~~العباسية، إلى الطراز الطريف من الشباب، وقبل كل شيء إلى الأناقة ~~الرفيعة والنغمة الباريسية والحلم البديع ... إلى معبودته، آه ... إن ~~نفسه تنازعه إلى البيت، إلى حجرته كي يخلو إلى نفسه فيدعو كراسته، ~~يراجع تاريخا، أو يستعيد ذكرى، أو يسجل نفثة، ألم يئن له أن ~~يقوض هذا المجلس ويذهب؟ ~~- قابلت أناسا فسألوني عنك! # تساءل كمال وهو ينزع نفسه بمشقة من تيار الوجد: من؟ # فؤاد ضاحكا: قمر ونرجس. # قمر ونرجس ابنتا أبو سريع صاحب المقلى، قبو قرمز، الأزقة ms065 ~~المظلمة بعد الغروب، العبث المشوب بالسذاجة الدنسة أو الدنس ~~الساذج، المراهقة المحمومة ألا يذكر هذا كله؟ ما لشفتيه تتقلصان ~~تقززا؟ ذلك تاريخ قديم نسبيا، قبل حلول الروح القدس، لا يذكره ~~إلا ويثور قلبه سخطا وألما وخجلا كما ينبغي لقلب أترع بشراب ~~الحب الطهور: كيف قابلتهما؟ ~~- في زحمة مولد الحسين، فسرت إلى جانبهما دون تردد أو ارتباك ~~كأننا أسرة واحدة جاءت لتطوف بالمولد. ~~- يا لك من جريء! ~~- أحيانا، سلمت فسلمتا، وتحادثنا مليا، ثم سألتني قمر ~~عنك. # تورد وجهه قليلا وهو يسأل: ثم؟ ~~- اتفقنا مبدئيا على أن أخبرك، ثم نتقابل جميعا. # هز كمال رأسه في نفور، ثم قال باقتضاب: كلا! # فقال فؤاد في دهش: كلا؟ ظننتك ترحب بلقاء تحت القبو أو في فناء ~~البيت المهجور. نضج جسماهما، وعما قليل تصيران امرأتين بكل معنى ~~الكلمة، وعلى فكرة كانت قمر مرتدية الملاءة اللف ولكنها كانت ~~سافرة فقلت لها ضاحكا: لو لبست البرقع ما تجرأت على ~~محادثتك. # قال كمال بإصرار: كلا! ~~- لم؟ ~~- لم أعد أطيق القذارة. # ثم بحدة نمت عن ألم دفين: لا أستطيع أن ألقى الله في صلاتي ~~وثيابي الداخلية ملوثة. # فقال فؤاد بسذاجة: تطهر واغتسل قبل الصلاة. # فقال كمال، وهو يهز رأسه للاستعارة الضائعة: إن الماء لا ~~يطهر من الدنس. # ذلك الصراع القديم، كان يمضي في لقاء قمر مضطربا بالشهوة ~~والقلق، ويعود بضمير معذب وقلب باك، ثم عقب الصلاة يستغفر ~~استغفارا حارا طويلا، لكنه يمضي مرة أخرى مغلوبا على أمره، ثم ~~يعود بالعذاب ليستغفر من جديد ... يا لها من أيام نضحت بالشهوة ~~والمرارة والعذاب، ثم انبثق النور! هنالك وسعه أن يحب وأن يصلي ~~معا، كيف لا؟ والحب من منبع الدين يقطر صافيا، قال فؤاد في شيء ~~من الحسرة: انقطعت علاقتي بنرجس منذ منعت من اللعب في ~~الحارة. # فسأله كمال باهتمام: ألم تكن - وأنت المؤمن - تتعذب بتلك ~~العلاقة؟ # فقال فؤاد، وهو يغض البصر حياء: هنالك أمور ما منها بد. # ثم متسائلا، وكأنه يداري حياءه: أترفض حقا انتهاز هذه ~~الفرصة؟ ~~- بكل تأكيد! ~~- لوجه الدين وحده؟ ms066 ~~- أليس هذا كافيا؟ # ابتسم فؤاد ابتسامة عريضة، وقال : كم تحمل نفسك ما لا ~~يحتمل! # فقال كمال بإصرار: إني لكذلك، وما ينبغي لي أن أكون غير ~~ذلك. # وتبادلا نظرة طويلة، أفصحت في عيني كمال عن الإصرار والتحدي، ~~فانعكست في عيني فؤاد مهادنة، وابتسامة كأشعة الشمس الجهنمية التي ~~تنعكس على سطح الماء لألاء ضاحكا، ثم واصل كمال حديثه: إني أرى ~~الشهوة غريزة حقيرة، وأمقت فكرة الاستسلام لها، لعلها لم تخلق ~~فينا إلا كي تلهمنا الشعور بالمقاومة والتسامي حتى تعلو عن جدارة ~~إلى مرتبة الإنسانية الحقة، إما أن أكون إنسانا، وإما أن أكون ~~حيوانا. # فتريث فؤاد قليلا، ثم قال بهدوء: أظن أنها ليست شرا ~~خالصا، فهي الدافع إلى الزواج، فالذرية. # خفق قلب كمال خفقة عنيفة لم تجر لفؤاد في خاطر، أهذا هو الزواج ~~في النهاية؟ لكنه لم يكن يجهل هذه الحقيقة في جملتها، وإن كان في ~~حيرة لا يدري كيف يوفق الناس بين الحب والزواج، إنها مشكلة لم ~~يرتطم بها في حبه؛ لأن الزواج بدا دائما - ولأكثر من سبب - فوق ~~مرتقى أمانيه - ولكن ذلك لم يمنع من قيامها مشكلة تتطلب الحل. ~~ما كان يتصور أن يكون اتصال سعيد بينه وبين معبودته إلا عن طريق ~~العطف الروحي من ناحيتها، والتطلع الهيمان من ناحيته، طريق ~~بالعبادة أشبه، بل هو العبادة نفسها، فأي شأن للزواج في ~~هذا؟ ~~- الذين يحبون حقا لا يتزوجون. # تساءل فؤاد بدهش: ماذا قلت؟ # فطن حتى قبل تساؤل فؤاد إلى أن لسانه خان إرادته، فبدا عليه ~~الارتباك لحظة حرجة، وراح يتذكر آخر أقوال فؤاد قبل ندود هذه ~~الجملة الغريبة عنه حتى اهتدى بشيء من الجهد - على حداثة العهد ~~بسماعها - إلى كلماته عن الزواج والذرية، فصمم على مداراة هفوته ~~وعلى تصحيح معناها ما أمكن، فقال: الذين يحبون ما فوق الحياة لا ~~يتزوجون، هذا ما عنيت. # ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة أو لعله كان يقاوم ضحكة، غير أن عينيه ~~العميقتين لم تنما عما وراءهما، واكتفى بأن قال: هذه أمور خطيرة، ~~والحديث عنها الآن سابق لأوانه، فلندعها ms067 مرهونة بأوقاتها. # فرفع كمال منكبيه باستهانة وثقة، وقال : فلندعها ~~ولننتظر. # فؤاد في واد وهو في واد، على ذلك فهما صديقان، لا يسعه أن ينكر ~~أن الخلاف في نفسه يجذبه إليه على ما في ذلك من جهد تعانيه أعصابه ~~المرة بعد المرة، ألم يئن له أن يعود إلى البيت؟ الوحدة ومناجاة ~~النفس تتجاذبانه. الكراسة النائمة في درج مكتبه تهيج جيشان ~~صدره، لا بد للمكدود في مكابدة الواقع من انتجاع بعض الراحة في ~~الانطواء. ~~- آن لنا أن نعود. # 7 # كان الحنطور يتابع سيره على شاطئ النيل حتى وقف أمام عوامة في ~~نهاية المثلث الأول من طريق إمبابة، وما لبث أن غادره السيد أحمد ~~عبد الجواد، ثم تبعه على الأثر السيد علي عبد الرحيم. # كان الليل قد جثم في مجثمه، وغشيت الظلمة كل شيء إلا أضواء ~~متباعدة تطل من نوافذ العوامات والذهبيات التي ينتظمها ~~الشاطئان من جسر الزمالك فهابطا، وأنوار خافتة لاحت عند موقع ~~القرية في نهاية الطريق كالسحابة الناضجة بوهج الشمس في سماء ملبدة ~~بالغيوم الدكن. # كان السيد أحمد يجيء إلى العوامة للمرة الأولى على رغم اكتراء ~~محمد عفت لها منذ أربع سنوات - ذلك أن صاحبها خصصها لمجالس ~~الغرام، وقد حرمها السيد أحمد على نفسه منذ مصرع فهمي - فتقدمه ~~علي عبد الرحيم ليدله على المعبر، حتى إذا قارب السلم، قال ~~محذرا: السلم ضيق ودرجاته مرتفعة ولا درابزين له. ضع قدمك على ~~كتفي وانزل على مهل. # هبطا بحذر شديد، وخرير الماء المتلاطم على الشاطئ ومقدم العوامة ~~يداعب آذانهما، وقد فغمت أنفيهما رائحة نباتية مازجها عرف الطمي ~~الذي جاد به الفيضان في ذلك الوقت من أول سبتمبر، قال علي عبد ~~الرحيم وهو يتحسس زر الجرس على جدار المدخل: هذه ليلة تاريخية في ~~حياتك وحياتنا، ينبغي أن نطلق عليها اسما مناسبا احتفالا بها، ~~ليلة رجوع الشيخ؟ ما رأيك؟ # قال السيد أحمد، وهو يشد قبضته على منكبه: لكنني لست شيخا، ~~الشيخ الحقيقي كان أبوك. # علي عبد الرحيم وهو يضحك: سترى الآن وجوها لم ترها منذ خمس ms068 ~~سنوات. # قال السيد كالمتردد: لا يعني هذا أنني أغير من سلوكي أو ~~أحيد عن خطتي (ثم بعد لحظة سكوت) قد ... قد ... ~~- تصور كلبا يعد بألا يقرب اللحم إذا ترك في ~~المطبخ. ~~- الكلب الحقيقي كان أبوك يا ابن الكلب. # رن الجرس، فتح الباب بعد نصف دقيقة عن وجه نوبي عجوز، تنحى ~~جانبا وهو يرفع يديه إلى رأسه تحية للقادمين، فدخل الرجلان ومالا ~~إلى باب على يسار الداخل فجازاه إلى دهليز قصير مضاء بمصباح ~~كهربائي يتدلى من السقف، وقد حلي جداراه المتقابلان بمرآتين قام ~~تحت كل منهما مقعد جلدي كبير وخوان، وكان في نهاية الدهليز المواجه ~~لمدخله باب آخر موارب وشى بأصوات السمار التي اهتز لها صدر أحمد ~~عبد الجواد، فدفعه علي عبد الرحيم ودخل، فتبعه السيد. ولكنه ما كاد ~~يعبر عتبته حتى وجد نفسه حيال الحاضرين وهم وقوف، وقد أقبلوا ~~نحوه مرحبين مهللين يكاد يطفو البشر من وجوههم. وكان محمد عفت ~~أسرعهم إليه فعانقه، وهو يقول: طلع البدر علينا ... # ثم عانقه إبراهيم الفار، قائلا: أتاني زماني بما أرتضي. # وتنحى الرجال جانبا، فرأى جليلة، وزبيدة، وامرأة ثالثة وقفت ~~متأخرة عنهما خطوتين ما لبث أن تذكر فيها زنوبة العوادة، آه ... ~~الماضي كله قد جمع في إطار واحد، وتطلقت أساريره وإن بدا عليه شيء ~~من الارتباك، ولكن جليلة ضحكت ضحكة طويلة، ثم فتحت ذراعيها ~~وعانقته، وهي تقول بنبرات غنائية: كنت فين يا حلو غايب. # ولما أطلقته رأى زبيدة على بعد ذراع كالمترددة وإن أضاء ~~وجهها نور الترحيب والسرور، فمد نحوها ذراعه فشدت عليها، وعند ~~ذاك زوت ما بين حاجبيها المزجوجين في عتاب، قائلة بلهجة لم تخل ~~من تهكم: من بعد تلتاشر سنة! # فما تمالك أن ضحك من أعماق صدره. وأخيرا رأى زنوبة بموقفها ~~لم تبرحه، وقد ارتسمت على ثغرها ابتسامة حياء كأنها لم تجد من ~~ماضيها ما يعطيها حقا في رفع الكلفة بينهما، فمد لها يده ~~مصافحا، وهو يقول مشجعا ومجاملا: أهلا بأميرة ~~العوادات! # ورجعوا إلى مجالسهم، فشبك محمد عفت ذراعه بذراع أحمد ومضى ms069 به إلى ~~مجلسه، فأجلسه إلى جانبه، وهو يتساءل ضاحكا : وقعت أم الهوى ~~رماك؟ # فغمغم السيد أحمد: رماني الهوى فوقعت! # أخذ المكان يستبين لعينيه اللتين غابتا عنه أول الأمر في حرارة ~~اللقاء ومزاح المرحبين، فوجد نفسه في حجرة متوسطة الحجم، ~~طليت جدرانها وسقفها بلون زمردي، تطل على النيل بنافذتين وعلى ~~الطريق بنافذتين. وقد أغلق خصاص نوافذها وفتح زجاجها، يتدلى من ~~سقفها مصباح كهربائي ذو غطاء مخروطي من البلور يركز نوره على ~~سطح خوان توسط الحجرة حاملا الأقداح وقوارير الويسكي، وقد فرشت ~~الأرض ببساط متجانس اللون مع الجدران والسقف، وقامت في كل جانب ~~من الحجرة كنبة كبيرة شطرت بنمرقة وغشيت بغطاء مزركش، أما ~~الزوايا فقد احتلت بشلت ووسائد. جلست جليلة وزبيدة وزنوبة على ~~الكنبة المجاورة للنيل، واقتعد الرجال الثلاثة الكنبة المواجهة ~~لها، بينا انتشرت على الشلت آلات الطرب كالعود والدف والدربكة ~~والصنج. أجال بصره في المكان مليا، ثم تنهد بارتياح، وقال ~~بتلذذ: الله ... الله، كل شيء جميل، لم لا تفتحون النافذتين ~~المطلتين على النيل؟ # فأجابه محمد عفت: يفتحان عندما ينقطع مرور السفن الشراعية، وإذا ~~بليتم فاستتروا! # فبادره السيد أحمد باسما: وإذا استترتم فابتلوا. # فهتفت جليلة كالمتحدية: أرنا شطارة زمان. # لم يقصد بقوله إلا المزاح، والحق أن إقدامه على هذه الخطوة ~~الثورية - مجيئه إلى العوامة - بعد طول الإحجام أورثه قلقا ~~وترددا، لكن ثمة شيء آخر، تغيير من نوع ما عليه أن يكتشفه ~~بنفسه ولنفسه، فليسدد بصره ولينعم ليمعن النظر، ماذا يرى؟ هاك ~~جليلة وزبيدة، كلتاهما كالمحمل - كما كان يقول قديما - أو ~~لعلهما ازدادتا شحما ولحما، ولكن ثمة شيء يكتنفهما، لعله إلى ~~متناول الشعور أقرب منه إلى متناول الحس، إلا أنه وجه من وجوه ~~الكبر بلا مراء، لعل أصحابه لم يفطنوا إليه لأنهم لم ينقطعوا عن ~~المرأتين مثل ما انقطع، ترى ألم يطرأ عليه هو أيضا مثل الذي طرأ ~~عليهما؟ انقبض قلبه وفتر حماسه، الصديق العائد بعد غيبة طويلة هو ~~أفصح مرآة للإنسان، لكن كيف السبيل إلى هذا التغيير حتى يقبض ~~عليه؟ ليست هنالك ms070 شعرة بيضاء واحدة في رأسيهما ... ولكن ما للشيب ~~ورءوس الغواني؟ وليس ثمة تجعدات كذلك، هل غلبت على أمرك؟ كلا، ~~إليك نظرة هاتين العينين. إنها تعكس روحا خابيا رغم ما يكتنفه ~~من لألاء براق يستخفي حينا وراء الابتسام واللعب، ثم ~~يبين على حقيقته فيما بين ذلك؛ فتقرأ فيه نعي الشباب، إنه ~~الرثاء الصامت، أليست زبيدة في الخمسين من عمرها؟ وجليلة جاوزتها ~~بأعوام، إنها لدته ولن تكابر في هذا مهما أنكره لسانها، ثمة ~~تغيير في قلبه أيضا ينذر بالنفور والتقلص، لم يكن كذلك حين ~~جاء، جاء يجري لاهثا وراء صورة لم يعد لها من وجود، ليكن، حاشا ~~أن يستسلم للهزيمة ... اشرب، واطرب، واضحك، لن يدفعك أحد على رغمك ~~إلى ما لا تود. # قالت جليلة: لم أكن أصدق أن عيني ستقعان عليك في هذه ~~الدنيا. # وجد إغراء شديدا في أن يسألها: كيف ترينني؟ # فتدخلت زبيدة بينهما قائلة: كالعهد بك، جمل ولا كل الجمال، شعرة ~~بيضاء تلمع تحت طربوشك ولا شيء خلاف ذلك. # فقالت لها جليلة محتجة: دعيني أجب أنا؛ لأن سؤاله كان لي، ~~(ثم مخاطبة السيد): أراك كما كنت، لا غرابة في ذلك، ما «نحن» إلا ~~أبناء الأمس القريب. # فطن السيد إلى ما رمت إليه، فقال متكلفا الجد والصدق: أما ~~أنتما فقد ازددتما حسنا ورواء، لم أكن أنتظر هذا كله. # زبيدة وهي تتفحصه باهتمام: ما الذي غيبك عنا ذلك العمر كله؟ ~~(ثم ضاحكة) كان بوسعك، لو كان فيك خير، أن تلقانا لقاء بريئا، ~~ألا يكون لقاء بيننا إلا إذا كان الفراش تحتنا؟ # قال السيد إبراهيم الفار، وهو يرعش ذراعه في الهواء ليحسر ~~كم القفطان عنه: لا علم له ولا لنا بأن ثمة لقاء بريئا ~~يمكن أن يجمع بيننا وبينكن! # زبيدة متأففة: أعوذ بالله منكم يا رجال، لا تودون المرأة إلا ~~مطية. # فقهقهت جليلة قائلة: يا ست أمك، احمدي ربنا على ذلك، أكنت ~~تكتنزين هذا الشحم كله لو لم تضمري في نفسك أن تكوني مطية أو ~~حشية؟ # فقالت لها زبيدة معاتبة: خلى بيني وبين ms071 المتهم كي أحقق ~~معه. # قال السيد أحمد باسما: كنت محكوما علي بخمس سنوات بريئة بدون ~~شغل. # فعادت زبيدة تهاجمه قائلة في تهكم: يا ولداه! حرمت على نفسك ~~اللذات كلها، كلها يا ولداه، حتى لم يبق لك منها إلا الطعام ~~والخمر، والطرب والمزاح، والسهر حتى مطلع الفجر كل ليلة. # فقال السيد كالمعتذر: هذه أشياء لا بد منها للقلب الحزين، أما ~~الأخرى ... # زبيدة وهي تلوح له بيدها كأنما تقول له: «آه منك آه»: علمت ~~الآن أنك تعدنا شرا من كافة الذنوب والخطايا. # محمد عفت هاتفا مقاطعا، كأنما تذكر أمرا هاما كاد يفلت ~~منه: هل جئنا من أقصى الأرض كي نتكلم، على حين تطل علينا ~~الأقداح ولا تجد من يعنى بها! املأ الأقداح يا علي، اربطي ~~الأوتار يا زنوبة؟ اخلع ملابسك يا حضرة المتهم، أنت حاسب نفسك في ~~مدرسة؟ انزع الجبة والطربوش، لا تظن أنك أعفيت من التحقيق، ولكن ~~يجب أولا أن تسكر المحكمة، وأن تسكر النيابة ثم نعود إلى ~~التحقيق. جليلة أصرت على تأجيل السكر حتى يحضر سلطان الفرفشة ~~أو كما قالت، هذه الولية تعزك إعزاز الشيطان للضال المزمن، بارك ~~الله لك فيها وبارك لها فيك. # نهض السيد أحمد ليخلع الجبة، قام علي عبد الرحيم ليتولى - ~~كعادته - مهمة الساقي، صدرت عن أوتار العود همسات غير مؤتلفة ~~للاختبار، دندنت زبيدة في غمغمة، سوت جليلة بأناملها خصلات شعرها ~~وطوق الفستان فيما بين ثدييها، تابعت أعين بتشوق يدي علي عبد ~~الرحيم وهو يملأ الأقداح، تربع السيد أحمد في مجلسه وهو يجيل ~~بصره في المكان والناس حتى التقت عيناه اتفاقا بعيني زنوبة ~~فابتسمت الأعين تحية، قدم علي عبد الرحيم الدفعة الأولى من الكئوس، ~~قال محمد عفت: صحتكم ومحبتكم. قالت جليلة: نخب العودة يا سي ~~أحمد. قالت زبيدة: نخب الهداية بعد الضلال. قال أحمد: نخب الأحباب ~~الذين فرق الحزن بيني وبينهم. شربوا عندما رفع السيد أحمد كأسه ~~إلى شفتيه، رأى من فوق سفح الكأس وجه زنوبة مرفوعا كذلك إلى كأسه ~~فهزته نضارته، قال محمد عفت لعلي عبد ms072 الرحيم املأ الثاني، وقال ~~له إبراهيم الفار: والثالث في أثره حتى نثبت الأساس. قال علي عبد ~~الرحيم وهو يشمر: خادم القوم سيدهم. وجد أحمد عبد الجواد نفسه ~~يتابع أنامل زنوبة وهي تربط الأوتار، فتساءل عن عمرها ثم قدره ~~بين الخامسة والعشرين وبين الثلاثين، ساءل نفسه مرة أخرى عما جاء ~~بها ... العود؟ ... أم أن خالتها زبيدة تهيئ لها سبيل الرزق؟ قال ~~السيد إبراهيم الفار: إن النظر إلى ماء النيل يدوخه. فهتفت به ~~جليلة: يا ابن الدايخة، سأل علي عبد الرحيم: إذا رميت امرأة في ~~حجم جليلة أو زبيدة إلى الماء فهل تغرق أم تطفو؟ فأجابه السيد أحمد ~~بأنها تطفو إلا إذا كان بها ثقب، ساءل السيد أحمد نفسه عما يحدث لو ~~نزعت به نفسه إلى زنوبة، فأجابت نفسه بأن ذلك يكون فضيحة لو ~~أراده الآن، أما بعد خمس كئوس فلن يخلو من حرج، وأما بعد زجاجة ~~فيكون واجبا ... اقترح محمد عفت أن يشربوا كأسا في صحة سعد زغلول ~~ومصطفى النحاس اللذين سيسافران في نهاية الشهر من باريس إلى لندن ~~للمفاوضة، اقترح إبراهيم الفار أن يشربوا كأسا آخر في صحة ~~مكدونالد صديق المصريين، تساءل علي عبد الرحيم عما عناه ماكدونالد ~~بقوله: «إنه يستطيع أن يحل القضية المصرية قبل أن يفرغ من فنجان ~~القهوة الذي كان بين يديه.» فأجابه أحمد عبد الجواد بأن ذلك يعني ~~أن الإنجليزي يشرب فنجان القهوة - في المتوسط - في نصف قرن، تذكر ~~السيد أحمد كيف ثار على الثورة عقب مصرع فهمي، وكيف ثاب رويدا إلى ~~مشاعره الوطنية الأولى لما أسبغه الناس عليه من تقدير وإكبار ~~بصفته والد لشهيد نبيل، ثم كيف انقلبت مأساة فهمي مع الزمن مفخرة ~~يباهي بها وهو لا يدري. # رفعت جليلة كأسها صوب السيد أحمد وهي تقول: صحتك يا جملي، ~~طالما كنت أسائل نفسي هل نسينا حقا السيد أحمد؟ ولكني علم الله ~~عذرتك ودعوت الله أن يلهمك الصبر والعزاء، لا تعجب فأنا أختك وأنت ~~أخي. # فسألها محمد عفت بخبث: إذا كنت أخته وكان أخاك كما تدعين، ms073 فهل ~~يفعل الأخوان ما فعلتما في زمانكما؟ # فأطلقت ضحكة أعادت إلى الأذهان ذكريات عام 1918 وما قبله، ~~وقالت: سل أخوالك يا روح أمك! # قالت زبيدة وهي تلحظ أحمد عبد الجواد بمكر: بدا لي رأي آخر في ~~تفسير غيبته الطويلة. # سألها أكثر من صوت عما بدا لها، على حين تمتم السيد أحمد بصوت ~~المستعيذ: يا ساتر استر. ~~- بدا لي أنه ربما كان حصل عنده ضعف مما يدرك الكهول أمثاله، ~~فاعتل بالحزن واختفى. # قالت جليلة معترضة، وهي تهز رأسها على أسلوب العوالم: إنه آخر ~~من يدركه الكبر. # فسأل السيد محمد عفت السيد أحمد: أي الرأيين أصح؟ # فقال السيد أحمد بلهجة ذات معنى: الرأي الأول يعبر عن الخوف، ~~والآخر يعبر عن الرجاء. # قالت جليلة بظفر وارتياح: لست ممن يخيب عندهم الرجاء. # هم بأن يقول: «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان»، ولكنه خاف ~~أن يدعى للامتحان أو أن يفهم قوله على أنه تقديم في الامتحان، ~~على حين كان كلما أنعم النظر تمكن منه شعور بالنفور وبالزهد لم ~~يجر له في خاطر قبل المجيء. أجل ثمة تغير لا ينكر، مضى ~~الأمس، وليس اليوم كالأمس، لا زبيدة بزبيدة، ولا جليلة بجليلة، ~~وليس ثمة ما يستحق المغامرة، ليقنع بالأخوة التي نوهت بها جليلة، ~~وليمدها حتى تظل زبيدة نفسها، قال برقة: من أين للكبر أن يدرك ~~آدميا وهو بينكن. # تساءلت زبيدة وهي تقلب عينيها في الرجال الثلاثة: أيكم ~~الأكبر؟ # فقال السيد أحمد ببراءة: أنا ولدت في أعقاب ثورة عرابي؟ # فقال محمد عفت محتجا: قل كلاما غير هذا، لقد بلغني أنك كنت ~~من جنود عرابي. # فقال السيد أحمد: كنت جنديا من بطونهم، كما يقال الآن: تلميذ ~~من منازلهم. # فتساءل علي عبد الرحيم كالداهش: وماذا صنعت المرحومة والدتك وأنت ~~داخل خارج في المعركة؟ # صاحت زبيدة بعد أن أفرغت الكأس في فيها: لا تهربوا بالهزار، إني ~~أسألكم عن أعماركم. # قال إبراهيم الفار بتحد: ثلاثتنا بين الخمسين والخمسة ~~والخمسين، فهل تكاشفاننا بعمركما؟ # هزت زبيدة كتفيها استهانة، وقالت: أنا ولدت ... # ثم ضاقت عيناها ms074 المكحولتان وهما ترفعان إلى المصباح في حال تذكر، ~~غير أن السيد أحمد عاجلها متمما ما توقفت عن إتمامه: عقب ثورة سعد ~~باشا؟ # ضحكوا طويلا حتى ألعبت لهم الوسطى، ولكن جليلة لم ترحب ~~بالحديث فيما بدا، فصاحت بهم: دعونا من هذه السيرة المقطرنة، ما ~~لنا نحن والأعمار! ليسأل عنها صاحب الأمر في سماواته، أما نحن ~~فالمرأة منا شابة ما وجدت من يرغب فيها، والرجل منكم شاب ما ~~وجد من ترغب فيه. # هتف علي عبد الرحيم بغتة: هنئوني! # وسئل عما يهنأ عليه، فواصل الهتاف قائلا: سكرت. # قال أحمد عبد الجواد: إنهم ينبغي أن يلحقوا به قبل أن يضل وحده ~~في عالم السكر، حثتهم جليلة على أن يتركوه وحده جزاء تعجله، ~~آوى علي عبد الرحيم في ركن وفي يده كأس مترعة وهو يقول لهم: ابحثوا ~~عن ساق غيري، قامت زبيدة إلى حيث تركت ملابسها الخارجية، وفحصت في ~~حقيبتها عن حق الكوكايين حتى اطمأنت إلى أنه في مكانه، اغتنم ~~إبراهيم الفار فرصة خلو مكان زبيدة فجلس فيه، ثم أسند رأسه إلى كتف ~~جليلة وهو يتنهد بصوت مسموع، نهض محمد عفت إلى النافذتين ~~المطلتين على النيل، وأزاح الخصاص عنهما جانبا فلاح سطح الماء ~~ظلمات متحركة عدا خطوط من الضياء الهادئ رسمتها على الأمواج ~~الأشعة المرسلة من مصابيح الذهبيات الساهرة، لعبت زنوبة بأوتار ~~العود محدثة نغمة راقصة فاتجهت عينا السيد أحمد إليها مليا ثم ~~قام ليملأ كأسه لنفسه، عادت زبيدة فجلست بين محمد عفت وأحمد عبد ~~الجواد وهي تضرب الأخير على سلسلة ظهره، علا صوت جليلة وهي تغني: # يوم ما عضتني العضة ... # هتف إبراهيم الفار بدوره: هنئوني ... اشترك محمد عفت وزبيدة في ~~غناء جليلة عند جملة: «وجابولي طاسة الخضة» اشتركت زنوبة في ~~الأغنية، فعاود السيد أحمد النظر إليها وما يدري إلا وهو ينضم إلى ~~المغنين. جاء صوت علي عبد الرحيم من ركن الحجرة مؤيدا، هتف ~~إبراهيم الفار ورأسه لا يزال مسندا إلى كتف جليلة: مغنون ستة ~~وسميع واحد هو أنا، قال السيد أحمد لنفسه دون أن ms075 يتوقف عن ~~الغناء: سوف تلبي وهي من الرضا والسرور في نهاية، ثم ساءل نفسه ~~أيضا: ألليلة عابرة أم معاشرة طويلة؟ قام إبراهيم الفار فجأة ~~واندفع يرقص، جعل الجميع يصفقون على الواحدة ثم غنوا معا: # خدني في جيبك بقه ... بين الحزام والمنطقة. # ساءل السيد أحمد نفسه: ترى أتقبل زبيدة أن يكون اللقاء في بيتها؟ ~~... انتهت الأغنية والرقص فاستبقوا إلى التراشق بالدعابات دون ~~توقف، جعل أحمد عبد الجواد كلما أطلق دعابة يسترق النظر إلى وجه ~~زنوبة ليرى أثرها فيه، اشتد الهرج والمرج، ومضى الوقت ~~منسرقا. ~~- آن لي أن أذهب. # قال علي عبد الرحيم ذلك، وهو ينهض متجها إلى ملابسه، فصاح به ~~محمد عفت ساخطا: قلت لك أن أحضرها معك حتى لا نقطع السهرة. # تساءلت زبيدة وهي ترفع حاجبيها: من هي المحروسة؟ # فقال إبراهيم الفار: رفيقة جديدة، معلمة قد الدنيا وصاحبة ~~بيت بوجه البركة. # فسأله السيد أحمد باهتمام: من ...؟ # أجاب علي عبد الرحيم، وهو يحبك الجبة ضاحكا: صاحبتك القديمة ~~سنية القللي. # فاتسعت عينا السيد الزرقاوان، وتجلت فيهما نظرة حالمة، ثم قال ~~باسما: اذكرني عندها وأقرئها السلام. # قال علي عبد الرحيم، وهو يفتل شاربه ويتأهب للذهاب: سألت ~~عنك، واقترحت علي أن أدعوك إلى قضاء سهرة في بيتها بعد مواعيد ~~العمل، فقلت لها إن بكرة اسم النبي حارسه قد بلغ السن التي تعد ~~في أسرتهم موجبة للدخول في وجه البركة وغيرها من وجوه الفسق، فلا ~~يأمن أبوه إن جاء أن يلتقي به في إحدى جولاته. # وضحك الرجل ملء شدقيه، ثم سلم وغادر الحجرة إلى الدهليز، فتبعه ~~على الأثر محمد عفت وأحمد عبد الجواد ليوصلاه إلى الباب الخارجي، ~~واستمروا يتحادثون ويتضاحكون حتى غادر السيد علي العوامة، وعند ذاك ~~غمز محمد عفت ذراع أحمد عبد الجواد، وهو يتساءل: زبيدة أم ~~جليلة؟ # فقال السيد أحمد ببساطة: لا هذه ولا تلك. ~~- لم؟ كفى الله الشر. # فقال بلهجة القانع: خطوة خطوة، سوف أكتفي ما بقي من هذه الليلة ~~بالشراب وسماع العود. # ألح عليه أن يقدم رجله خطوة أخرى، ولكنه اعتذر ms076 فلم يثقل ~~عليه، عادا إلى الحجرة المبعثرة الفاقدة الوعي فاستردا مجلسيهما، ~~قام إبراهيم الفار مقام الساقي، افتضحت أمارات السكر في وهج ~~العيون، وسلس الحديث، وتحرر الأعضاء، غنوا جميعا وراء ~~زبيدة: # البحر بيضحك ليه! # لوحظ أن صوت السيد أحمد عبد الجواد علا حتى كاد يغطي على صوت ~~زبيدة، روت جليلة تناتيش من مغامراتها، مذ وقع بصري عليك شعرت بأن ~~الليلة لن تمر بلا مغامرة، ما أملح الصغيرة، الصغيرة؟ هي كذلك ما ~~دامت تكبرها بربع قرن، تحسر إبراهيم الفار على العصر الذهبي ~~للنحاس على أيام الحرب، فقال لهم بلسان ثقيل: «كنتم تقبلون يدي ~~من أجل رطل نحاس.» فقال السيد أحمد: «إن كان لك عند الكلب حاجة قل ~~له يا سيدي.» اشتكت زبيدة شدة السكر فقامت تتمشى ذهابا وجيئة، ~~وعند ذاك جعلوا يصفقون على إيقاع مشيتها المترنحة ويهتفون ~~معا: # تاتا خطي العتبة ... تاتا خطي العتبة. # الخمر تشل العضو الذي يفرز الحزن، غمغمت جليلة قائلة: ~~«حسبنا!» ونهضت فغادرت الحجرة إلى ردهة تفضي إلى مخدعين ~~متقابلين، فمالت إلى المخدع المجاور للنيل ودخلت، وما لبث أن ترامت ~~إليهم طقطقة الفراش وهو يتلقى جسمها العظيم، راق زبيدة تصرف ~~جليلة فاتبعت أثرها إلى المخدع الآخر باعثة وراءها طقطقة أعنف، قال ~~إبراهيم الفار: «إن لسان السرير قد نطق.» تناهى إليهم من المخدع ~~الأول صوت وان يترنم محاكيا بحة منيرة: «يا حبيبي تعالى!» ~~فقام محمد عفت وهو يجيب مترنما كذلك: «آديني جي.» نظر إبراهيم ~~الفار إلى أحمد عبد الجواد متسائلا: فقال له السيد: «إذا لم ~~تستح فاصنع ما شئت!» فقام وهو يقول: «لا حياء في العوامة!» ... خلا ~~الجو، ها هي الساعة التي رصدتها طويلا، نحت الصغيرة العود ~~جانبا، وتربعت وهي تسبل حاشية الفستان على ساقيها المتشابكتين، ~~ساد صمت وتبودل نظر، ثم مدت بصرها إلى لا شيء، تكهرب الصمت ~~فلم يعد يحتمل، نهضت فجأة؛ فسألها: إلى أين؟ فغمغمت وهي تمرق من ~~الباب «الحمام!» قام بدوره إلى مجلسها فجلس، وتناول العود وراح ~~يعبث بأوتاره، وهو يتساءل: «أليس ثمة حجرة ثالثة؟» لا ينبغي ms077 ~~لقلبك أن يدق هكذا كأنما الجندي الإنجليزي يسوقك أمامه في ~~الظلام. ليلة أم مريم هل تذكر؟ لا تعد إلى ذكراها فهي ألم، عادت ~~من الحمام ... ما أنضرها! ~~- أتضرب العود؟ # أجاب باسما: علميني. ~~- حسبك الدف فإنك من رجاله. # وهو يتنهد: تلك أيام خلت، ما ألطفها! كنت طفلة، ما لك لا ~~تجلسين؟ # تكاد تلمسك، ما أحلى أول الصيد. ~~- خذي العود وأسمعيني. ~~- شبعنا غناء وعزفا وضحكا، عرفت الليلة أكثر من ذي قبل لماذا ~~يفتقدونك في كل سهرة. # فابتسم ابتسامة وشت بسروره، ثم قال بمكر: ولكنك لم تشبعي ~~شربا؟ # فأجابت بالإيجاب وهي تضحك، فوثب كالجواد إلى المائدة، ثم عاد ~~بزجاجة مملوءة حتى النصف. وكأسين، وجلس وهو يقول: «لنشرب معا!» ~~الشرهة اللذيذة تنفث عيناها شيطنة وسحرا، سلها عن الحجرة الثالثة ~~... سل نفسك: ليلة أم معاشرة؟ ... وعن العواقب لا تسل، أحمد عبد الجواد ~~بجلالة قدره يفتح ذراعيه لزنوبة العوادة، بصحاف الفاكهة كانت ~~تقف بين يديك ... لكن لتحل بك السعادة جزاء نضارتك، أما الكبر فلم ~~يكن أبدا من شيمي ... رأى كفها القابضة على الكأس قريبة من ركبته، ~~فمد راحته وربت عليها بلطف، ولكنها سحبتها في صمت إلى حجرها دون أن ~~تلتفت إليه، فساءل نفسه ترى هل يحلو التدلل في هذا الوقت ~~المتأخر، خاصة إذا كان الداعي مثله، وكانت المدعوة مثلها؟ غير ~~أنه لم يحد عن سنن الملاينة والملاطفة، فسألها بلهجة ذات معنى: ~~أليس ثمة حجرة ثالثة في العوامة؟ # قالت تجيب على ظاهر السؤال متجاهلة مغزاه وهي تشير صوب باب ~~الدهليز: في الناحية الأخرى. # تساءل وهو يفتل شاربه مبتسما: أليست تسع كلينا؟ # فقالت بصوت لا أثر للدلال فيه، وإن لم يجاوز حدود الأدب: تسعك ~~وحدك إن طاب لك النوم. # فسألها كالداهش: وأنت؟ # فقالت بنفس اللهجة: مستريحة كما أنا. # تزحزح قليلا مقتربا منها، ولكنها قامت فوضعت كأسها على ~~المائدة، ثم مضت إلى الكنبة المقابلة له، فجلست راسمة على وجهها ~~صورة الجد والاحتجاج الصامت، حتى عجب الرجل لشأنها فباخ حماسه ووجد ~~وخزة في كبريائه، ثم جعل ينظر إليها وعلى شفتيه ms078 ابتسامة متكلفة ~~حتى سألها: ماذا أغضبك؟ # فلازمت الصمت مليا، ثم شبكت ذراعيها على صدرها. ~~- إني أتساءل عما أغضبك؟ # قالت باقتضاب: لا تسل عما تعلم. # ضحك فجأة ضحكة عالية معلنا بها عن استهانته وعدم تصديقه، وقام ~~بدوره فملأ الكأسين، ثم قدم لها كأسا، وهو يقول: روقي ~~مزاجك. # فتناولت الكأس تأدبا ثم أعادتها إلى المائدة، وهي تغمغم ~~«أشكرك»، فتراجع إلى مجلسه وقعد، ثم رفع كأسه إلى شفتيه وتجرعها ~~دفعة واحدة وقهقه ضاحكا. # أكان في وسعك أن تتوقع هذه المفاجأة؟ لو أستطيع أن أرجع في ~~الزمن ربع ساعة إلى الوراء، زنوبة ... زنوبة ... ولا شيء غير زنوبة، ~~فهل تصدق ذلك؟ لا تتشتت حيال الصدمة، من يدري لعله دلال موضة ~~1924 يا حمصاني 1900 ماذا تغير في؟ لا شيء، لكنها زنوبة، أليس ~~ذلك هو اسمها؟ ... لكل رجل حتما من امرأة تعرض عنه، وما دامت زبيدة ~~وجليلة وأم مريم يسعين إليك فمن غير زنوبة - هذه الخنفساء - ~~تعرض عنك؟ تحمل حتى تحتمل، ليس الأمر على أي حال بكارثة، آه، ~~انظر، انظر، ساقها مليحة مدملجة، أساسها متين، لم تظن أنها ~~أعرضت عنك حقا؟ ~~- اشربي يا حلوة. # قالت بصوت يجمع بين الأدب والحزم: عندما يروق لي ~~الشراب. # فسدد نحوها بصره، ثم تساءل بلهجة ذات معنى: ومتى يروق لك ~~...؟ # فقطبت معلنة عن مدى فهمها لإشارته، ولم تجب. # تساءل السيد، وكان يشعر في تلك اللحظة بأنه يتدهور: ألم يصادف ~~توددي القبول؟ # فطامنت من رأسها لتخفي وجهها عن عينيه، وقالت برجاء حازم: هلا ~~كففت عن هذا؟ # تملكه غضب فجائي فجاء كرد فعل لإحساسه بالتدهور، فتساءل ~~داهشا: لم تجيئين إلى هنا؟ # قالت باحتجاج، وهي تشير إلى العود المستلقي على الكنبة غير بعيد ~~عنه: أجيء من أجل هذا. ~~- فقط؟ ... لا تناقض بين هذا وبين ما أدعوك إليه. # تساءلت باستياء: بالقوة؟ # فقال وهو يعاني سكرات الخيبة والحنق: كلا، ولكني لا أجد سببا ~~للرفض. # قالت ببرود: لعل عندي أسبابا. # ضحك ضحكة عالية ناضبة، ثم غلبه الحنق، فقال هازئا: لعلك تخافين ~~على بكارتك! # رنت إليه بنظرة طويلة ms079 قاسية، ثم قالت بحنق وتشف: أنا لا أرضى إلا ~~بمن أحبه. # هم بأن يضحك مرة أخرى، ولكنه أمسك بعد أن ضاق صدره بهذه ~~الضحكات الآلية المحزنة، ومد يده إلى القارورة فصب منها في كأسه ~~بلا تدبر حتى امتلأت إلى النصف، ولكنه تركها على المائدة، وراح ~~ينظر إلى المرأة في حيرة لا يدري كيف يخرج من المأزق الذي دفع نفسه ~~إليه ... الأفعي بنت الأفعى لا ترضى إلا بمن تحبه، هل يعني هذا إلا ~~أنها تحب كل ليلة رجلا! هيهات أن تمحى من صفحتك فضيحة الليلة، ~~السادة هناك في الداخل، وأنت هنا تحت رحمة عوادة متدللة ... ~~اسلخها بلسانك ... اركلها بقدمك ... ادفعها أمامك إلى الحجرة قهرا، ~~الأجدر أن تشيح عنها بوجهك وتغادر المكان فورا، في أعيننا لعنة ~~تذل الأعناق، ما ألطف جيدها، لا تمار في حلاوتها، طاش الرأي ~~ووجب الألم. ~~- لم أكن أتوقع هذا الجفاء! # وقطب مصمما وقد تجهم وجهه، فنهض رافعا كتفيه في استهانة، وهو ~~يقول: ظننتك مثل خالتك لطافة وذوقا فخاب ظني، ولن ألوم إلا ~~نفسي! # سمع وسوسة شفتيها وهي تمتص ريقها مصة الاحتجاج والانتقاد، ~~ولكنه مضى إلى ملابسه فأخذ يلبسها على عجل حتى انتهى منها في أقل ~~من نصف المدة التي تتطلبها عادة أناقته. كان مصمما غاضبا، ولكن ~~اليأس لم يبلغ به نهايته، ظل جزء من نفسه متمردا يأبى أن يصدق ~~ما وقع أو يعز عليه أن يسلم به، فتناول عصاه وهو يترقب بين لحظة ~~وأخرى أن يحدث شيء فيكذب ظنه، ويصدق أماني كبريائه الجريح، كأن ~~تضحك فجأة حاسرة عن وجهها قناع الجد الزائف، أو أن تهرع إليه ~~مستنكرة غضبه، أو أن تثب أمامه لتحول بينه وبين الذهاب، أجل ~~كثيرا ما تكون مصة الريق التي ندت عنها مناورة يعقبها ~~الاستسلام، غير أن شيئا من ذلك لم يحدث. # ولبثت وهي بمجلسها تنظر إلى لا شيء، متجاهلة إياه كأنها لا ~~تراه، فغادر الحجرة إلى الدهليز، ومنه إلى الباب الخارجي، ثم إلى ~~الطريق وهو يتنهد في حزن وأسف وغيظ. قطع الطريق المظلم مشيا ms080 ~~على الأقدام حتى بلغ جسر الزمالك، وجو الخريف الرطيب يتسلل في ~~لطف إلى داخل ملابسه. ومن هناك استقل تاكسي، فطوى به الأرض طيا ~~وهو ذاهل من السكر والفكر، حتى انتبه إلى ما حوله في ميدان ~~الأوبرا، والسيارة تدور به في طريقها إلى العتبة الخضراء. في أثناء ~~دورانها حانت منه التفاتة فلمح على ضوء المصابيح سور حديقة ~~الأزبكية فعلق به بصره حتى غيبه عنه منعطف الطريق، ثم أغمض عينيه ~~وهو يشعر بشكة تنفذ إلى أعماق قلبه، ووجد في باطنه صوتا كالأنين ~~يهتف في عالمه الصامت داعيا بالرحمة للفقيد العزيز، فلم يجرؤ ~~على ترديد الدعاء بلسانه أن يذكر اسم الله بلسان مشبع بالخمر، ~~وعندما رفع جفنيه، ذرفت عيناه دمعتين غزيرتين. # 8 # لم يدر ماذا ركبه! شيطان رجيم أم داء وبيل؟ نام وهو يأمل أن ~~يكون انتهى من سخف الليلة الماضية، بسخف السكر دعاه، وللسكر ~~سخف لا ريب فيه يفسد لذاته ويقلب مسراته، وعندما ألقى عليه الصباح ~~نوره وجده من قلق يتقلب، ورشاش الدش يترشش على جسده العاري، ~~تشتت فكره وخفق قلبه، تخايل لعينيه وجهها وطنت في أذنيه وسوسة ~~شفتيها ورجع قلبه صدى الألم، ثم تجتر أفكارك الظامئة كفتى مراهق ~~والطريق من حولك يحييك تحية الإجلال، يحيون فيك الوقار والورع وحسن ~~الجوار، ولو علموا أنك ترد تحياتهم في آلية، وفكرك عنهم غائب ~~مهموم في حلم جارية عالمة ... عوادة ... امرأة تعرض جسدها كل ليلة في ~~سوق المضاجع ... لو علموا ذلك. لأولوك بدل التحية ابتسامة هزء ~~ورثاء. فلتقل الأفعى «نعم» وعند ذاك أعرض عنها بكل ازدراء ~~وارتياح، ماذا دهاني؟ وماذا أروم؟ هل أدركك الكبر؟ أتذكر ما ~~ابتلى جليلة وزبيدة من عاديات الزمن؟ تلك آثار بغيضة يجدها القلب ~~ولا يدركها الحس، لكن مهلا، حذار أن تسلم للوهم، فيسلمك ~~الوهم لقمة سائغة للانهيار. ما هي إلا شعرة بيضاء، لغير ذلك من ~~البواعث أعرضت عنك العوادة الحقيرة، الفظها كما تلفظ ذبابة ~~اندست في فيك وأنت تتثاءب، وا أسفاه! أنت تعلم أنك لن تلفظها، ~~لعلها الرغبة في الانتقام ولا ms081 شيء سوى ذلك، رد اعتبار ليس إلا، ~~ينبغي أن تقول الجارية «نعم»، ولك أن تهجرها بعد ذلك قرير العين، ~~لا شيء فيها يستحق النضال، أتذكر ساقيها وجيدها وشهوة عينيها؟ ~~لو داويت كبرياءك بلعقة من الصبر لفزت - من ليلتك - بالمتعة ~~والبهجة. ماذا وراء هذا القلق كله؟ إني أتألم، أجل، إني أتألم، ~~إني مكروب بما نزل بي من مهانة، أتوعدها بالازدراء ثم تخطر ~~منها على القلب خطرة فتستعر عروقي ... استبق الحياء ولا تجعل من ~~نفسك أضحوكة، إني أستحلفك بالأولاد من بقي منهم ومن ذهب ... هنية ~~كانت المرأة الوحيدة التي هجرتك فجريت وراءها، ماذا لقيت منها؟ ~~ألا تذكر! فتوة الزفة يرقص ويسكر ويصول ويجول، ثم يعمل عصاه في ~~المصابيح وطاقات الورد والمزامير والمدعوين، حتى يغطي الصوات على ~~الزغاريد ... ذاك رجل؟ كن فتوة العوامة واقتل أعداءك بالتجاهل ~~والإعراض. ما أضعف أعداءك وما أقواهم! ساق مسترخية لا تكاد تقوى ~~على المشي غير أنها تهد الجبال الرواسي، ما أفظع سبتمبر إذا ~~ارتفعت حرارته المشبعة بالرطوبة! ما ألطف أماسيه! خاصة ما يكون ~~منها في العوامة، إن بعد العسر يسرا! # فكر في أمرك وانظر في أي اتجاه تسير، المكتوب لازم تشوفه ~~العين، الإقدام مر، والنكوص مرعب، كم كنت تراها وهي في ميعة الصبا ~~فلم توقظ فيك نائما، ومررت بها كأنها شيء لم يكن، ماذا جد حتى ~~زهدت فيمن أحببت، وأحببت من كنت تزهد، ليست أجمل من زبيدة ولا ~~جليلة، ولو كان بها جمال ينافس جمال خالتها ما اصطحبتها، على ~~ذلك فأنت تريدها وتريدها بكل قوة نفسك ... آه، ما جدوى المكابرة؟ ~~لا أرضى إلا بمن أحبه! أحبك برص يا بنت اللبؤة ... تألم حتى تختنق، ~~ما أذل الإنسان مثل نفسه! هل تذهب إلى العوامة؟ ليست خير مكان ~~لإذاعة الفضائح. البيت؟ هناك زبيدة، أهلا، أهلا، أعدت أخيرا ~~إلى عرينك؟ بم تجيبها؟ لم أعد لذاك، ولكني أريد بنت أختك! يا له ~~من سخف! دع الهذر. هل فقدت صوابك؟ استعن بالفار أو بمحمد عفت، ~~السيد أحمد عبد الجواد يبحث لنفسه عن شفيع إلى ms082 ... زنوبة! ... أليس من ~~الأفضل أن تفصد نفسك حتى يتفصد الدم الخبيث الذي يسيمك ~~الذل. # كان الليل قد غشي الغورية، وأغلقت أبواب حوانيتها، حين أقبل ~~أحمد عبد الجواد من دكانه عقب إغلاقها، يسير في خطوات وئيدة وعيناه ~~تتفحصان الطريق والنوافذ، لاح وراء نافذتي زبيدة ضوء، ولكنه لم ~~يدر ماذا كان يدور وراءهما، أوغل في الطريق وقتا ثم عاد من حيث ~~أتى، فوصل مسيره إلى بيت محمد عفت بالجمالية حيث يلتقي الأصدقاء ~~الأربعة قبل انطلاقهم إلى السهرة معا. قال السيد مخاطبا محمد ~~عفت: ما ألطف ليالي العوامة، لا يزال قلبي يحن إليها! # فقال محمد عفت ضاحكا في ظفر: هي رهن إشارتك في أي وقت ~~تشاء. # وعقب علي عبد الرحيم على ذلك بقوله: حننت إلى زبيدة، يا ~~عكروت. # فبادر السيد قائلا في جد: كلا. ~~- جليلة؟ ~~- العوامة ولا شيء عداها. # فسأله محمد عفت بمكر: أتريدها سهرة قاصرة علينا، أم ندعو إليها ~~صديقات الزمان الأول؟ # فضحك السيد ضحكا أعلن به هزيمته، ثم قال: بل تدعوهن يا ابن ~~الماكرة، وليكن ذلك مساء الغد؛ لأن الوقت تأخر بنا الليلة، ~~ولكني لن أجاوز الاستمتاع بالمجالسة والمؤانسة. # قال إبراهيم الفار «إحم»، وقال علي عبد الرحيم: «على روحي أنا ~~الجاني.» وقال محمد عفت ساخرا: «سمه كما تشاء، تعددت الأسماء ~~والفعل واحد.» # ثم كان اليوم التالي كأنما اكتشف قهوة سي علي لأول مرة، انجذب ~~إليها قبيل الأصيل، وجلس على الأريكة تحت الكوة، فأقبل عليه صاحب ~~القهوة مرحبا. فقال له السيد وكأنه يبرر مجيئه إلى القهوة لأول ~~مرة: كنت راجعا من بعض الأعمال، فنازعتني النفس إلى احتساء شايك ~~العذب. # زيارة لا يبدو أنه من السهل أن تتكرر. رويدا، رويدا، ستفضح ~~نفسك أمام الناس، ما جدوى هذا كله؟ هل يسرك حقا أن تراك من ~~وراء الخصاص لتهزأ من تدهورك؟ إنك لا تدري ماذا تصنع بنفسك. أتعبت ~~عينيك في محجريهما ودوخت دماغك، لن تبدو لك. والأدهى من هذا أن ~~تتفرج عليك ساخرة من وراء خصاص، ماذا جاء بك؟ تريد أن تملأ عينيك ~~منها، اعترف، ms083 تريد أن تقيس أبعاد جسمها اللدن ... أن ترى ابتسامتها ~~وإغضاءتها ... أن تتابع أناملها المخضبة، فيم هذا كله؟ لم يسلف لك ~~شيء كهذا مع من فقنها حسنا ورواء وشهرة، أقضي عليك أن تتعذب ~~وتهون في سبيل الشيء الحقير! لن تبدو ... تطلع كيفما شئت ... الفت ~~إليك الأنظار ... السيد أحمد عبد الجواد في قهوة سي علي يسترق النظر ~~من الكوة، لشد ما تدهورت! من أدراك أنها لم تفش سرك؟ لعل التخت ~~يدري، ولعل زبيدة نفسها تدري، ولعل الجميع يدرون. مد يده ~~المحلاة بالخاتم الماسي إلي فصددته، ثم توسل إلي؛ فأصررت على ~~صده ... هذا هو السيد أحمد عبد الجواد الذي تشيدون به ... لشد ما ~~تدهورت! أقسى التدهور ما تنحدر إليه، بل ما تصر على الانحدار ~~إليه، وأنت أعلم الناس بما ينطوي عليه فعلك المشين من مذلة وهوان، ~~إذا عرف السر أصحابك وزبيدة وجليلة، فماذا أنت صانع؟! حقا أنت ~~ماهر في مداراة الحرج بالنكتة، ولكن سوف تنحسر موجات الضحك ~~والقهقهة عن الحقيقة المرة ... هذا مؤلم، وآلم منه أنك تريدها. لا ~~تكذب على نفسك، فأنت تريدها حتى الممات. ماذا أرى؟ ... تساءل وهو ~~ينظر إلى عربة كارو جاءت فوقفت أمام بيت العالمة، ثم ما لبث أن ~~فتح الباب فخرجت عيوشة الدفافة ساحبة وراءها عبده القانونجي، ~~ثم تبعتها بقية الجوقة؛ فأدرك أنهم ذاهبون إلى فرح من الأفراح، ~~وشعر الرجل شعورا عنيفا بخفقان قلبه وهو يتطلع إلى الباب في ~~ترقب مشوق محزن. اشرأب بعنقه في غير ما حيطة متجاهلا من حوله ~~من الناس، ثم رنت ضحكة وراء الباب، ثم برز العود في جراب بمبي ~~يسبق صاحبته التي خرجت في نشاط ثوري ضاحكة، ثم وضعت العود على ~~مقدم العربة، وصعدت إليها بمعونة عيوشة، وجلست في الوسط حتى لم ~~يعد يرى منها إلا منكبا يبدو خلال زاوية انفرجت ما بين عيوشة ~~وعبده الضرير. أصر السيد على أسنانه حنينا وحنقا معا. أتبع ~~العربة عينيه وهي تتمايل ذات اليمين وذات الشمال موغلة في الطريق، ~~مخلفة في صدره إحساسا عميقا بالكآبة والهوان. وتساءل: هل ms084 يقوم ~~فيتبعها؟ غير أنه لم يحرك ساكنا، ولم يزد على أن قال لنفسه : ~~«كان المجيء إلى هنا حماقة جنونية.» # ذهب في المساء الموعود إلى العوامة بإمبابة. لم يكن استقر على ~~رأي فيما ينبغي أن يفعل على كثرة ما أدار الأمر في ذهنه. ثم ~~أخيرا، رهن حل مشاكله بيد الظروف والفرص، حسبه أنه ضمن رؤيتها ~~ومجالستها والانفراد بها في آخر الليل، سوف يجس النبض من جديد، ~~وربما أعاد الكرة مستعينا هذه المرة بكافة ضروب الإغراء. دخل ~~العوامة كالوجل، وعلى حال لو رآها على غيره، وحدس بواعثها ~~لأغرقه ضحكا وسخرية. هنالك وجد الإخوان وجليلة وزبيدة، ولكنه لم ~~يعثر للعوادة على أثر. وقد استقبل استقبالا حارا، وما كاد يخلع ~~جبته وطربوشه ويتخذ مجلسه حتى انفجرت القهقهات من حوله فاندمج في ~~جوها بقوة مرونته، حدث ونكت، ومازح وداعب مغالبا قلقه ~~محاورا همه، غير أن مخاوفه كمنت تحت تيار المرح دون أن تتبدد ~~كما يكمن الألم إلى حين تحت تأثير المخدر، وما برح يأمل أن ~~ينفتح باب فتأتي منه أو أن يشير أحد إليها بكلمة تفسر غيابها ~~أو تعد بقرب حضورها، وكلما مضى الوقت متثاقلا متثائبا شحب ~~أمله، وفتر حماسه، وغيم المأمول من صفوه. # ترى أيهما كان الطارئ: حضورها أول أمس، أم تخلفها اليوم؟ لن ~~أسأل أحدا، الظواهر تنم على أن سرك لا يزال مصونا، لو علمت ~~به زبيدة ما تورعت أن تجعل منه فضيحة وجرسة. ضحك كثيرا وشرب ~~أكثر، سأل زبيدة أن تغنيه «أضحك من الفم وأبكي من صميم قلبي»، ~~أوشك مرة أن يخلو بمحمد عفت ليكاشفه بما يريد، أوشك مرة أخرى أن ~~يجس نبض زبيدة نفسها، بيد أنه ضبط نفسه فخرج من أزمته مصون السر ~~والكرامة. # ولما قام علي عبد الرحيم عند منتصف الليل؛ ليذهب إلى رفيقته ~~بوجه البركة، قام معه على غير توقع من أحد ليعود إلى بيته، وعبثا ~~حاولوا أن يثنوه عن عزمه أو أن يستنظروه ساعة، فذهب مخلفا ~~وراءه دهشة، وخيبة للذين حدسوا وراء مجيئه المرسوم ظنونا لم ~~تقع. # ثم ms085 كان يوم الجمعة فخرج إلى جامع الحسين قبيل الصلاة بقليل، وإنه ~~ليسير في شارع خان جعفر، إذ رآها عابرة من حارة الوطاويط في طريق ~~الجامع. آه، لم يخفق قلبه مثل تلك الخفقة من قبل، وأعقبها على ~~الأثر جمود شمل حركته النفسية كلها، حتى خيل إليه - فيما يشبه ~~الغيبوبة، وخلافا للواقع - أنه توقف عن السير، وأن العالم من ~~حوله صمت صمت القبور، كمثل السيارة التي تتوقف محركاتها عن ~~الدفع فيخرس أزيزها، ولكنها تسير بقوة القصور الذاتي في سكون ~~شامل، ولما أفاق إلى نفسه وجدها تتقدمه بمسافة غير قصيرة، فتبعها ~~على الأثر دون تدبر أو روية، فمر بالجامع دون أن يعرج إليه، ثم ~~مال وراءها عن بعد إلى السكة الجديدة. ماذا يبغي؟ إنه لا يدري. ~~كان يطيع رد الفعل طاعة عمياء، ولم يكن سبق له أن تعقب امرأة في ~~الطريق حتى ولا في أيام شبابه الأول، فأخذ ينتابه الحرج والحذر، ثم ~~دهمته فكرة ساخرة مفزعة معا: أن يهتك سر المطاردة الخفية، ياسين ~~أو كمال، على أنه حرص على ألا تقصر المسافة بينه وبينها عما كانت ~~عليه مذ بدأت المطاردة، وراحت عيناه ترتويان من هيئة جسمها اللطيف ~~بنهم وظمأ، وهو يستقبل موجات متتابعة من الأشواق والآلام، حتى ~~رآها تعدل عن الطريق إلى دكان صائغ من معارفه يدعى يعقوب. تباطأت ~~قدماه كي يتيح لنفسه فرصة للتدبر، وتضاعف شعوره بالحرج والحذر. ~~ألا يعود من حيث أتى؟ أم يمر بالدكان دون أن يلتفت نحوها؟ أم ~~ينظر إلى الداخل وينتظر ما يحدث؟ # كان يقترب من الدكان رويدا، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ~~أقدام خطرت له خاطرة جريئة، فاندفع إلى تنفيذها بلا تردد ~~متجاهلا خطورتها، وهي أن ينتقل إلى الطوار، ثم يسير متمهلا أمام ~~الدكان على أمل أن يراه صاحبه فيدعوه كعادته إلى الجلوس فيلبي ~~دعوته. مضى متمهلا فوق الطوار حتى بلغ الدكان، فنظر إلى الداخل ~~كأنما ينظر عفوا، فالتقت عيناه بعيني يعقوب. وإذا بالخواجا ~~يهتف به: أهلا بالسيد أحمد، تفضل. # ابتسم السيد متوددا، ثم عرج ms086 إلى الداخل فتصافحا بحرارة. ~~ودعاه الخواجا إلى كوب خروب، فقبل الدعوة قبول الكرام ، وجلس على ~~طرف كنبة جلدية من قبل الخوان المنصوب عليه الميزان، لم يبد عليه ~~أنه فطن إلى وجود ثالث في الدكان حتى جلس فتراءت أمام عينيه ~~زنوبة، وهي واقفة حيال الخواجا تقلب بين يديها قرطا فتظاهر ~~بالدهش، والتقت عيناهما وهو على تلك الحال ... ابتسمت فابتسم، ثم بسط ~~راحته على صدره محييا، وهو يقول: صباح الخير ... كيف حالك؟ # فقالت وهي تعاود النظر إلى القرط: بخير ربنا يكرمك. # كان الخواجا يعقوب يعرض استبدال القرط بإسورة مع دفع فرق ~~اختلفا عليه، فانتهز السيد فرصة انشغالها ليملأ عينيه من صفحة ~~خدها، ولم يغب عليه ما في المساومة والاستبدال من فرص تتيح له ~~التدخل بالحسنى، لعل وعسى ... غير أنها قطعت عليه سبيله وإن لم ~~تدر بما أضمر، فردت القرط إلى صاحبه، وهي تعلنه بأنها عدلت ~~نهائيا عن المبادلة، وطلبت إليه إصلاح الأسورة، ثم حيته، وحيت ~~السيد بإحناءة من رأسها وغادرت الدكان. حدث هذا كله بسرعة لم يكن ~~ثمة داع إليها فيما بدا له، فأخذ وانزعج واستحوذ عليه الفتور ~~والضيق. ولبث مع الخواجا يعقوب يتبادلان حديث المجاملات المألوف ~~حتى شرب كوب الخروب، ثم استأذن في الانصراف وذهب. ~~- ذكر في خجل شديد - صلاة الجمعة التي أوشكت أن تفوته، ولكنه ~~تردد في المضي إلى الجامع، لم تواته الشجاعة على الانتقال ~~المباشر من تعقب امرأة وقت الصلاة إلى الجامع، ألم ينقض نزقه ~~وضوءه؟ بل ألم يجعله غير أهل للوقوف بين يدي الرحمن؟ عدل عن الصلاة ~~محزونا متألما فسار في الطرقات ساعة على غير هدى، ثم عاد إلى ~~البيت معاودا التفكير في ذنبه. على أن رأسه - حتى في تلك اللحظات ~~الحساسة المليئة بالندم - لم يغلق بابه دون زنوبة! قال مخاطبا ~~محمد عفت، وكان قد سبق إلى بيته مساء ليخلو إليه قبل توافد ~~الأصدقاء: أريد منك خدمة، أن تدعو مساء الغد زبيدة إلى ~~العوامة. # ضحك محمد عفت، وقال له: إن كنت تريدها فلم هذا اللف والدوران، ~~لو طلبتها ms087 أول ليلة لفتحت لك ذراعيها على الرحب والسعة. # فقال أحمد عبد الجواد في شيء من الحرج: أريد أن تدعوها ~~وحدها. ~~- وحدها؟ يا لك من رجل أناني لا تفكر إلا في نفسك، والفار؟ ~~وأنا؟ بل لنجعلها ليلة من ليالي العمر، ولندع زبيدة وجليلة وزنوبة ~~أيضا. # تساءل أحمد عبد الجواد فيما يشبه الاستنكار: زنوبة؟ ~~- لم لا؟ إنها احتياطي لا بأس به، يرجع إليه عند ~~الضرورة. # ما آلمني كيف تمنعت بنت القديمة؟ ولم؟ ~~- أنت لم تدرك بعد غايتي، الحق أني لا أنوي المجيء غدا. # قال محمد عفت في استغراب: تطلب أن أدعو زبيدة، وتقول إنك لن ~~تجيء غدا. ما هذه الألغاز؟ # ضحك أحمد ضحكة عالية يداري بها ارتباكه، ثم لم يجد بدا من أن ~~يقول كاليائس: لا تكن بغلا، سألتك أن تدعو زبيدة وحدها، كي تبقى ~~زنوبة في البيت وحدها. ~~- زنوبة يا ابن أم أحمد؟ # ثم وهو يسترسل في الضحك: لم كل هذا التعب؟ لم لم تطلبها أول ~~ليلة في العوامة؟ ولو أشرت إليها بأصبعك لطارت إليك، ولزقت فيك ~~بالغراء. # ابتسم ابتسامة فارغة، رغم شعوره الأليم بالامتعاض، ثم قال: نفذ ~~ما أمرت به، هذا ما أريد. # قال محمد عفت وهو يفتل شاربه: ضعف الطالب والمطلوب. # فقال أحمد عبد الجواد جادا جدا: ليكن هذا سرا ~~بيننا. # 9 # طرق الباب في ظلام دامس وفي خلاء من المارة، وكانت الساعة تدور ~~في التاسعة. فتح الباب بعد حين دون أن يبدو الفاتح، ثم جاءه صوت ~~ارتج له فؤاده ارتجاجا يتساءل قائلا: «من؟» فقال بهدوء «أنا.» ~~وهو يدخل بغير استئذان، ثم رد الباب وراءه فوجد نفسه قبالتها، ~~وهي واقفة على آخر درجة من السلم مادة ذراعها بالمصباح. حدجته ~~بنظرة داهشة، ثم غمغمت: أنت! # فوقف صامتا مليا، وعلى فيه ابتسامة خفيفة تنم عن الإشفاق ~~والقلق، ولما لم يأنس منها اعتراضا أو غضبا تشجع قائلا: أهذا هو ~~استقبالك لصديق قديم؟ # فولته كشحها، ومضت ترقى في الدرج، وهي تقول: تفضل. # تبعها صامتا، وقد استنتج من فتحها الباب بنفسها أنها بمفردها ~~في ms088 البيت، وأن مكان الجارية جلجل التي ماتت منذ عامين لا يزال ~~شاغرا، تبعها حتى دخلا إلى الدهليز، فعلقت المصباح بمسمار مثبت ~~في الجدار على كثب من الباب، ثم دخلت وحدها حجرة الاستقبال، فأوقدت ~~المصباح الكبير المدلى من السقف - وقد زادته هذه الحركة اطمئنانا ~~إلى استنتاجه - ثم خرجت فأومأت له بالدخول وذهبت. # مضى إلى الحجرة ثم جلس في الموضع الذي كان يجلس فيه في العهد ~~القديم على الكنبة الوسطى، فنزع طربوشه وحطه على النمرقة التي ~~تشطر الكنبة، ومد ساقه وهو يلقي نظرة فاحصة على ما حوله، إنه ~~يذكر المكان كما لو كان لم يغادره إلا أمس القريب، هذه الكنبات ~~الثلاث، وهذه المقاعد، وهذا البساط الفارسي، وهذه الأخونة الثلاثة ~~المطعمة بالصدف، كل شيء كان بصفة عامة كما كان. هل يذكر متى جلس ~~آخر مرة في هذا المكان؟ إن ذكرياته عن بهو الطرب وحجرة النوم أوضح ~~وأثبت، بيد أنه لا يمكن أن ينسى أول لقاء تم بينه وبين زبيدة في ~~هذه الحجرة، في هذا الموضع بالذات! وجملة ما دار فيه، لم يكن أحد ~~يومذاك مثله خلو بال وثقة بالنفس؟ ترى متى تعود؟ ماذا أحدثت زيارته ~~في نفسها؟ إلى أي درجة سيرتفع غرورها؟ وهل أدركت أنه جاء من ~~أجلها هي لا من أجل خالتها؟ إن أخفق هذه المرة فقل عليه ~~السلام. # سمع وقع شبشب خفيف، ثم بدت زنوبة عند الباب في فستان أبيض منمنم ~~بورد أحمر، ملتفعة بوشاح مرصع بالترتر، أما رأسها فحاسر، وأما ~~شعرها فمجدول في ضفيرتين غليظتين استرسلتا على ظهرها، استقبلها ~~واقفا باسما متفائلا بالزينة التي تبدت فيها، فحيته ~~بابتسامة، وأشارت إليه أن يجلس، ثم جلست على الكنبة التي تتوسط ~~الجدار الذي إلى يمينه، وهي تقول بصوت لم يخل من دهش: أهلا ~~وسهلا، أي مفاجأة! # فابتسم السيد متسائلا: من أي نوع يا ترى هذه المفاجأة؟ # قالت وهي ترفع حاجبيها في حركة غامضة لم تنم عما إذا كانت ~~ستتكلم جادة أم ساخرة: سارة طبعا. # ما دمنا قد أطعنا أقدامنا حتى جاءت بنا إلى ms089 هنا؛ فعلينا أن ~~نتحمل الدلال بكافة أنواعه: ثقيله، وخفيفه. # تفحص جسمها ووجهها - في هدوء - كأنما ينقب فيهما عما لوعه ~~وعبث بوقاره، فساد الصمت حتى رفعت إليه وجهها دون أن ينبس، ولكن ~~في حركة نمت عن تساؤل مشرب بأدب، كأنما تقول له: «نحن في ~~الخدمة.» # فتساءل السيد في مكر: هل يطول انتظارنا للسلطانة؟ ألم تفرغ بعد ~~من ارتداء ملابسها؟ # فحدجته بنظرة غريبة وهي تضيق عينيها، ثم قالت: السلطانة ليست ~~في البيت. # فتساءل متظاهرا بالدهشة: أين هي يا ترى؟ # فقالت وهي تهز رأسها، راسمة على شفتيها ابتسامة غامضة: علمي ~~علمك. # فكر في إجابتها قليلا، ثم قال: ظننتها تطلعك على خط ~~سيرها؟ # فلوحت بيدها كالمستنكرة، وقالت: إنك حسن الظن بنا (ثم ضاحكة) ~~السلطة العسكرية زمانها انتهى، وإن شئت فأنت أحق مني بالاطلاع ~~على خط سيرها. ~~- أنا! ~~- لم لا، ألست صديقها القديم؟ # قال، وهو يحدجها بنظرة باسمة عميقة ناطقة: الصديق القديم والغريب ~~سواء، ترى هل يطلع أصدقاؤك القدماء على خط سيرك؟ # رفعت منكبها الأيمن وهي تمط بوزها قائلة: ليس لي أصدقاء، لا ~~قدماء ولا حديثون. # فراح يعبث بفردة شاربه وهو يقول: هذا كلام لمن لا عقل له، أما ~~من له ولو شيئا من العقل فلا يتصور كيف يمكن أن تكوني بين قوم ~~يبصرون ولا يستبقون إلى صداقتك. ~~- إن هي إلا تصورات الكرماء أمثالك، ولكنها لا تعدو التصورات ~~الخيالية، الدليل على هذا أنك صديق قديم لهذا البيت، فهل راق لك ~~يوما أن تهبني قسطا من صداقتك؟ # قطب في ارتباك، ثم قال بعد تردد: كنت وقتذاك، أعني أنه كانت ~~ثمة ظروف. # ففرقعت بأصابعها، وقالت ساخرة: لعلها نفس الظروف التي حالت بيني ~~- يا عيني - وبين الآخرين. # ألقى بظهره إلى مسند الكنبة في حركة سريعة تمثيلية ثم مد نظره ~~إليها من فوق أنفه العظيم، وهو يهز رأسه كالمستعيذ بالله منها، ثم ~~قال: أنت عقدة، وها أنا أعترف بأنني لا قبل لي بك. # فدارت ابتسامة بعثها الثناء، ثم تظاهرت بالدهشة، وهي تقول: لا ~~أفهم مما تعني شيئا، الظاهر أنك ms090 في واد وأني في واد، المهم أنك ~~قلت: إنك جئت لمقابلة خالتي، فهل من رسالة أبلغها إياها عند ~~عودتها؟ # ضحك السيد ضحكة قصيرة، ثم قال: قولي لها إن أحمد عبد الجواد جاء ~~ليشكوني إليك، فلم يجدك. ~~- تشكوني أنا! ماذا صنعت؟ ~~- قولي لها: إني جئت أشكو إليها ما لقيت منك من قسوة ليست من ~~شيم الحسان. ~~- يا له من قول خليق برجل يجعل من كل شيء مادة لمزاحه ~~ودعابته. # فاعتدل في جلسته، وقال جادا: معاذ الله أن أجعل منك مادة ~~للمزاح أو الدعابة! إن شكواي صادقة، ويخيل إلي أنك واقفة على ~~سرها، ولكنه دلال الحسان، وللحسان الحق كل الحق في التدلل. ولكن ~~عليهن مراعاة الرحمة أيضا. # فمصمصت بشفتيها قائلة: عجب! ~~- لا عجب ألبتة! أتذكرين ما كان بالأمس في دكان يعقوب الصائغ؟ هل ~~يستحق ذلك اللقاء الجاف من كان يعتز بمثل مودتي لكم وقدم عهدي ~~بكم؟ وددت لو استعنت بي مثلا فيما كان بينك وبين الصائغ، ووددت ~~لو أتحت لي الفرصة كي أضع خبرتي في خدمتك، أو أن تتواضعي درجة ~~أخرى فتسمحي لي بأن أنهض بالأمر كله كما لو كانت الأسورة أسورتي أو ~~كانت صاحبتها صاحبتي. # ابتسمت، وهي ترفع حاجبيها في شيء من الارتباك، ثم قالت باقتضاب: ~~تشكر. # تنفس الرجل تنفسا عميقا ملأ به صدره العريض، ثم قال بحماس: ~~مثلي لا يقنع بالشكر، ماذا يفيد الجائع إن أعرضت عنه، وأنت تقولين ~~له: «على الله»؟ الجائع يريد الطعام، الطعام الشهي اللذيذ. # شبكت ذراعها على صدرها وهي تتظاهر بالدهش، ثم قالت ساخرة: أنت ~~جائع يا سي السيد؟ عندنا ملوخية وأرانب تستاهل فمك. # وهو يضحك عاليا: عال اتفقنا، ملوخية وأرانب، تضاف إليها زجاجة ~~ويسكي، ثم نحلي بشيء من العود والرقص، ونتمدد ساعة معا حتى ~~نهضم. # فلوحت له بيدها كأنما تهتف به «إلى الوراء»، وقالت: الله الله، ~~سكتنا له دخل بحماره ... بعدك. # ضم أصابع يمناه الخمس، حتى صارت كفم مزموم، وجعل يرفعها ويخفضها ~~بتؤدة، وهو يقول بلهجة وعظية: يا بنت الحلال لا تضيعي الوقت ~~الغالي في ms091 الكلام. # وهي تهز رأسها في زهو ودلال: بل قل لا تضيعي الوقت الغالي مع ~~الكهول. # مسح السيد على صدره العريض بكفه في حركة توحي بالتحدي الباسم، ~~ولكنها هزت منكبيها ضاحكة، وهي تقول: ولو ... ~~- ولو؟ يا لك من طفلة، حرام علي النوم إن لم أعلمك ما ينبغي ~~أن تعلميه، هاتي الملوخية والأرانب والويسكي والعود وزنار الرقص، ~~هيا، هيا. # ثنت سبابة يسراها وألصقتها بحاجبها الأيسر، ثم أرعشت حاجبها ~~الأيمن، وهي تتساءل: ألا تخاف أن تكبسنا السلطانة على غفلة؟ ~~- لا تخافي، لن تعود السلطانة الليلة. # فحدجته بنظرة حادة مريبة، وتساءلت: من أدراك بذلك؟ # انتبه إلى عثرة لسانه، فأوشك لحظة أن يغلبه الارتباك، ولكنه ~~تخلص منه قائلا في لباقة: السلطانة لا تبقى في الخارج حتى هذه ~~الساعة إلا لضرورة تستدعي بقاءها حتى الصباح. # جعلت تحدق في وجهه طويلا دون أن تنبس، ثم هزت رأسها في سخرية ~~ظاهرة، ثم قالت بصوت مليء بالثقة: يا لمكر الكهول! يضعف فيهم كل ~~شيء إلا مكرهم، هل حسبتني غفلانة؟ كلا وحياتك، إني أعلم كل ~~شيء. # عاد إلى العبث بفردة شاربه في شيء من الضيق، ثم سألها: ماذا ~~تعلمين؟ ~~- كل شيء. # وتريثت قليلا لتزيد من ارتباكه، ثم استطردت: أتذكر يوم جلست ~~على قهوة سي علي لتسترق النظر من نافذة القهوة؟ يومها عينك حفرت ~~جدار بيتنا من شدة النظر. ولما ركبت العربة الكارو مع أفراد التخت ~~ساءلت نفسي: ترى هل يتبعنا مهللا وراءنا كما يفعل الصبية؟ ولكنك ~~عقلت وانتظرت فرصة أحسن. # قهقه الرجل حتى اشتدت حمرة وجهه، ثم قال بتسليم: اللهم اعف ~~عنا. ~~- ولكنك نسيت عقلك أمس، عندما رأيتني أمام خان جعفر فتبعتني حتى ~~دخلت ورائي دكان يعقوب. ~~- عرفت هذا أيضا يا بنت أخت زبيدة؟ ~~- نعم يا زين العشاق، بيد أنني لم أكن أتصور أنك ستدخل ورائي ~~الدكان، ولكني ما لبثت أن وجدتك جالسا فوق الكنبة ولا عفريت ~~النسوان نفسه، ولما تظاهرت بالدهشة لرؤيتي كدت أطلق لساني فيك بما ~~قسم، ولكن الموقف أملى علي الأدب. # تساءل ضاحكا، وهو يضرب كفا بكف: ms092 ألم أقل إنك عقدة؟ # فواصلت الحديث وهي في نشوة من الفوز والسرور: وما أدري ليلة إلا ~~والسلطانة تقول لي: استعدي إننا ذاهبان إلى عوامة محمد عفت، فمضيت ~~لأستعد، ولكني سمعتها تقول بعد ذلك: إن السيد أحمد هو الذي اقترح ~~الدعوة، لعب في عبي الفار، وقلت لنفسي: السيد أحمد لا يقترح ~~شيئا لوجه الله، وفهمت الفولة، فلم أذهب معتلة بصداع. ~~- يا لي من مسكين! وقعت في مخالب من لا يرحم، هل عندك ~~مزيد؟ ~~- لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع. ~~- ما أحلى هذا الكلام! قلد الوعاظ، يا أفسق خلق الله! # وهو يضحك عاليا: الله يسامحك! # ثم متسائلا في سرور غير خاف: فهمت الفولة هذه المرة أيضا، ~~ولكنك بقيت، فلم تغادري البيت أو تخفي نفسك. # ونهض قبل أن يتم جملته فاتجه نحوها وجلس إلى جانبها، ثم تناول ~~طرف الوشاح المرصع بالترتر فقبله، وهو يقول: اللهم إني أشهد بأن ~~هذه المخلوقة الجميلة ألذ من أنغام عودها، لسانها سوط، وحبها ~~نار، وعاشقها شهيد، وسوف يكون لهذه الليلة شأن في التاريخ ~~كله. ~~- أبعدته عنها بكفها قائلة: لا تأخذني في دوكة، هوه! عد إلى ~~مجلسك. ~~- لن يفصل بيننا شيء بعد الآن. # جذبت وشاحها فجأة من يده ونهضت مبتعدة قليلا، ثم وقفت على بعد ~~ذراع منه تمعن فيه نظرا صامتا، وكأنما تراجع نفسها في أمور ذات ~~شأن، ثم قال: لم تسألني عما جعلني أتخلف عن الذهاب إلى العوامة - ~~يوم دعانا محمد عفت - بناء على اقتراحك. ~~- كي تزيدي النار اشتعالا! # ضحكت ثلاث ضحكات متقطعة، ثم صمتت مليا، ثم قالت: فكرة لا بأس ~~بها ولكنها قديمة، أليس كذلك يا زين الفساق؟ ستظل الحقيقة سرا ~~حتى أرى أن أفشيه عندما يحلو لي. ~~- أقدم حياتي ثمنا له. # ابتسمت ابتسامة صافية لأول مرة، ولاحت في عينيها نظرة رقيقة جاءت ~~في أعقاب سخرياتها، كما يجيء الهدوء في أعقاب زوبعة، وبشر حالها ~~بسياسة جديدة ومعنى جديد، فاقتربت منه خطوة ومدت يديها إلى شاربه ~~برشاقة وراحت تجدله بعناية، ثم قالت بنبرات لم يسمعها من قبل: إذا ms093 ~~قدمت حياتك ثمنا لهذا، فماذا يبقى لي أنا؟ # وجد راحة عميقة لم يجد مثلها منذ تلك الليلة الخاسرة في العوامة، ~~وكأنما كان يفوز بامرأة لأول مرة في حياته. تناول يديها من فوق ~~شاربه وأودعهما بين راحتيه الكبيرتين، ثم قال بحنان وامتنان: أنا ~~نشوان يا ست الكل، نشوان لحد يعجزني عن الوصف، دمت لي إلى الأبد، ~~إلى الأبد، لا عاش من رد لك رجاء أو طلبا، أتمي نعمتك علي ~~وهيئي مجلسنا، الليلة ليست كالليالي الأخريات، وهي تستحق أن نحتفل ~~بها حتى مطلع الفجر. # قالت وهي تلعب بأنامها بين راحتيه: ليست هذه الليلة كالليالي ~~الأخريات حقا، ولكن ينبغي أن نقنع منها بالقليل. # القليل! هل ثمة صد بعد هذا اللطف كله؟ لم يعد بك صبر. # مضى يربت كفيها، ثم بسط راحتيها، ونظر بافتتان في لون الحناء ~~الوردي الذي يصبغهما، وما يدري إلا وهي تسأله بصوت ضاحك: هل تقرأ ~~الكف يا سيدنا الشيخ؟ # ابتسم، وقال مداعبا: أنا من المشهود لهم في قراءته، أتحبين ~~أن أقرأ لك كفك؟ # أحنت رأسها بالإيجاب، فراح يتأمل راحتها اليمنى متظاهرا ~~بالتفكير، ثم قال باهتمام: في طريقك رجل سيكون له شأن في ~~حياتك. # تساءلت ضاحكة: في الحلال يا ترى؟ # ارتفع حاجباه وهو يمعن النظر في كفها، ثم قال دون أن يبدو على ~~وجهه أثر ولو خفيف للمزاح: بل في الحرام. ~~- أعوذ بالله! ما عمره؟ # نظر إليها من تحت حاجبيه، ثم قال: غير واضح ولكن إذا قسته ~~بمقياس مقدرته فهو في عنفوان الشباب. # فتساءلت بمكر: أهو كريم يا ترى؟ # آه، لم يكن الكرم مما يزكيك عندهن قديما. ~~- لم يعرف البخل قلبه. # فكرت قليلا، ثم عادت تتساءل: هل يرضيه أن أبقى كالتابعة في هذا ~~البيت؟ # العجل وقع هاتوا السكاكين. ~~- بل سيجعلك سيدة قد الدنيا. ~~- أين يا ترى سأقيم في كنفه؟ # زبيدة نفسها لم تكلفك شيئا من هذا، سيقولون فيك ~~ويعيدون. ~~- شقة جميلة. ~~- شقة؟! # عجب للهجتها المستنكرة، فسألها داهشا: ألا يعجبك هذا؟ # قالت وهي تشير إلى راحتها: ألا ترى ماء يجري؟ ... انظر ~~جيدا. ms094 ~~- ماء يجري! ... أتودين السكنى في الحمام؟ ~~- ألا ترى النيل ... عوامة أو ذهبية؟ # أربعة جنيهات أو خمسة شهريا دفعة واحدة، غير النفقات الأخرى، ~~آه، لا تعشقوا أولاد السفلة. ~~- لماذا تختارين مكانا بعيدا عن العمران؟ # اقتربت منه حتى مست ركبتاها ركبتيه، وقالت: لست دون محمد عفت ~~جاها، ولست دون السلطانة حظا ما دمت تحبني كما تقول، وفي ~~وسعك أن تسهر فيها أنت وأصحابك، إنها حلمي فحققه لي. # أحاط وسطها بذراعيه، ولبث صامتا ليستشعر في هدوء مسها ~~ولينها، ثم قال: لك ما تشائين يا أملي. # فكان الشكر أن ألصقت راحتيها بخديه، ثم قالت: لا تظن أنك ~~تعطي دون أن تأخذ، اذكر دائما أنه من أجلك سأغادر هذا البيت الذي ~~عشت عمري فيه إلى غير رجعة، واذكر أنني إذ أطالبك بأن تجعلني سيدة ~~فما ذلك إلا لأنه لا يليق بمن كانت صاحبة لك أن تكون أقل من ~~سيدة. # شد ذراعيه حول وسطها حتى التصق صدرها بوجهه، ثم قال: إني ~~أدرك كل شيء يا نظري، سيكون لك ما تحبين وأكثر، أحب أن أراك ~~كما تحبين أن تري نفسك، والآن هيئي لنا مجلسنا، أريد أن أبدأ ~~حياتي من الليلة. # أمسكت بساعديه، ثم ابتسمت إليه ابتسامة اعتذار، وقالت برقة: ~~عندما نجتمع في عوامتنا على النيل. # قال لها محذرا: لا تثيري جنوني، هل تستطيعين أن تقاومي ~~صولتي؟ # فتراجعت وهي تقول بلهجة تجمع بين التوسل والإصرار: ليس في ~~البيت الذي عملت فيه وصيفة، انتظر حتى يجمعنا المسكن الجديد، ~~مسكنك ومسكني، عند ذاك أكون لك إلى الأبد، ليس قبل ذلك وحياتك ~~عندي، وحياتي عندك! # 10 ~~«خير إن شاء الله ...» # هذا ما ردده أحمد عبد الجواد في نفسه وهو يطالع ياسين مقبلا ~~نحوه في الدكان، كانت زيارة غريبة وغير متوقعة، أعادت إلى ~~ذاكرته زيارته القديمة لدكانه، يوم جاءه ليشاوره فيما ترامى إليه ~~من اعتزام المرحومة أمه الزواج للمرة الرابعة، والحق أنه أيقن أنه ~~لم يجئه لتبادل التحية والسلام، ولا للحديث في شأن عادي مما ~~يمكن أن يحدثه به في البيت، أجل ms095 إن ياسين لا يجيء إلى مقابلته في ~~الدكان إلا لشأن خطير، صافحه ثم دعاه إلى الجلوس، وهو يقول: خير ~~إن شاء الله. # جلس ياسين على كرسي قريب من مجلس أبيه وراء مكتبه، موليا بقية ~~الدكان ظهره حيث وقف جميل الحمزاوي أمام الميزان يزن بضاعة لبعض ~~الزبائن، ونظر إلى أبيه في شيء من ارتباك وكد حدسه، فأغلق الرجل ~~دفترا كان يسجل فيه أرقاما، واعتدل في جلسته متأهبا لما ~~يجيء، وقد بدت إلى يمينه الخزينة نصف مفتوحة، وفوق رأسه صورة سعد ~~زغلول في بدلة الرياسة معلقة في الجدار تحت إطار البسملة ~~القديم، ولم يكن قصد الدكان اعتباطا، ولكن عن تدبر وتفكير ~~باعتباره آمن مكان لمقابلة أبيه بما جاء من أجله؛ إذ إن وجود جميل ~~الحمزاوي به ومن يتفق وجودهم من الزبائن خليق بأن يهيئ له درعا ~~راقيا من الغضب إذا جاءت دواعيه، وكان يحسب ألف حساب لغضب أبيه ~~رغم الحصانة التي اكتسبها بتقدم العمر، والمعاملة الطيبة التي يحظى ~~بها بوجه عام. # قال ياسين بأدب بالغ: اسمح لي بقليل من وقتك الغالي، لولا ~~الضرورة ما تجرأت على إزعاجك، ولكني لا يمكن أن أخطو خطوة دون ~~استنارة برأيك، واعتماد على رضاك. # ابتسم باطن السيد أحمد هازئا من هذا الأدب الجم، وجعل يتأمل ~~فتاه الضخم الجميل الأنيق في حذر، ملقيا عليه نظرة إجمالية شملت ~~شاربه المجدول على طريقته - هو - وبذلته الكحلية وقميصه ذا البنيقة ~~المنشية، والبابيون الأزرق، والمنشة العاجية، والحذاء الأسود ~~اللامع. ولم يكن ياسين قد مس مظهره - تأدبا في محضر أبيه - إلا ~~في نقطتين، فأخفى طرف منديله الحريري الذي يطل من جيب جاكتته ~~الأعلى، وعدل طربوشه الذي يعوجه عادة إلى اليمين. يقول: إنه لا ~~يمكن أن يخطو خطوة دون استنارة برأيه! مرحى، هل استنار به وهو ~~يسكر؟ وهو يسبح على وجهه في وجه البركة الذي حرمه عليه؟ هل ~~استنار به ليلة وثب على الجارية فوق السطح؟ مرحى، مرحى، ماذا وراء ~~هذه الخطبة المنبرية؟ ~~- طبعا، هذا أقل ما ينتظر من رجل عاقل مثلك، خير إن ms096 شاء ~~الله؟ # التفت ياسين التفاتة سريعة لحظ بها جميل الحمزاوي ومن معه، ثم ~~قرب الكرسي من المكتب، واستجمع شجاعته، قائلا: اعتزمت - بعد ~~موافقتك ورضاك - أن أكمل نصف ديني. # مفاجأة حقيقية! غير أنها مفاجأة سارة على غير ما توقع، ولكن ~~مهلا، لن تكون سارة حقا إلا بشروط، فلينتظر حتى يسمع الأهم من ~~الحديث. أليس ثمة ما يدعو إلى القلق؟ بلى، تلك المقدمة البالغة ~~في الأدب والتودد، إيثاره الدكان مكانا للحديث لدواع لا يمكن ~~أن تخفى عن فطنة الفطن، أما الزواج في ذاته فطالما تمناه له، ~~تمناه حين ألح على محمد عفت ليرد إليه زوجته، وتمناه حين دعا ~~الله في أعقاب صلواته أن يهديه إلى الرشاد وبنت الحلال، بل لعله ~~لولا إشفاقه من أن يحرجه مع أصدقائه كما أحرجه من قبل مع محمد عفت ~~لما تردد من تزويجه مرة أخرى، فلينتظر. وعسى ألا يتحقق شيء من ~~مخاوفه. ~~- اعتزام جميل أوافق عليه كل الموافقة، فهل وقع اختيارك على ~~أسرة معينة؟ # خفض ياسين عينيه لحظة، ثم رفعها قائلا: وجدت بغيتي، بيت كريم ~~خبرناه بطول الجوار، وكان ربه من معارفك المحمودين. # رفع السيد حاجبيه متسائلا دون أن ينبس، فقال ياسين: المرحوم ~~السيد محمد رضوان. ~~- لا ...! # ندت عن السيد أحمد قبل أن يتمالك نفسه، ندت عنه في تأفف ~~واحتجاج حتى شعر بأنه ينبغي أن يبرر تأففه واحتجاجه بسبب ~~وجيه يداري به حقيقة مشاعره، ولم يعوزه ذلك، فقال: أليست كريمته ~~مطلقة؟ فهل ضاقت الدنيا حتى تتزوج من ثيب؟ # لم يفاجأ ياسين بهذا الاعتراض، كان يتوقعه منذ اللحظة التي ~~عزم فيها على الزواج من مريم، غير أنه كان قوي الأمل في التغلب ~~على معارضة أبيه التي لم يتصور أن تكون إلا صدى لتفضيل البكر على ~~الثيب، أو تجنبا لامرأة عسية بأن تذكره بمأساة ابنه الراحل، ~~وكان يؤمن بحكمة أبيه ويرجو أن تستهين في النهاية بهذين ~~المأخذين الواهيين، بل كان يعتمد كل الاعتماد على موافقته في ~~التغلب على المعارضة الحقيقية التي يتوقعها عند امرأة أبيه، ~~تلك المعارضة التي وقف ms097 أمام التفكير فيها حائرا، حتى خطر له أن ~~يغادر البيت مغادرة الهارب كي يتزوج كما يحلو له مواجها الجميع ~~بالأمر الواقع، ولولا أن إغضاب أبيه كان فوق طاقته لفعل، إلا أنه ~~عز عليه أن يتجاهل عواطف أمه الثانية - بل أمه الأولى - قبل أن ~~يبذل قصاراه لاستمالتها واقتناعها برأيه، قال: لم تضق بي ~~الدنيا، ولكنها القسمة والنصيب، أنا لا أبحث عن المال أو الجاه، ~~وحسبي الأصل الطيب والخلق القويم. # إن كان ثمة عزاء وسط هذه الأمور المعقدة المؤسفة، فهو صدق ~~رأيه فيه الذي لا يكذب أبدا. هذا هو ياسين بلا زيادة ولا نقصان، ~~إنسان - أو حيوان - تسير المتاعب من بين يديه ومن خلفه، ولو جاء ~~بنبأ سعيد أو زف إليه بشرى سارة لما كان ياسين، ولخاب تقديره ~~ورأيه فيه، لعله مما لا يعيبه ألا يبحث في الزوجة عن المال أو ~~الجاه، أما الخلق فمسألة أخرى، ولكن البغل معذور ويبدو - وهذا ~~طبيعي - أنه لا يدري شيئا عن سيرة أم الفتاة التي يرومها زوجة، ~~تلك سيرة يعرفها هو وحده معرفة الفاعل، ولعل آخرين سبقوه إليها أو ~~لحقوا به. فما العمل؟ أجل قد تكون الفتاة مهذبة، ولكن من ~~المؤكد أنها لم تظفر بأحسن أم ولا بأحسن بيئة، ومن المؤسف أنه لا ~~يستطيع أن يجهر برأيه - ذاك - ما دام لا يسعه أن يقرن القول ~~بالدليل، خاصة وأنه رأى خليق بأن يقابل - ممن يسمعه لأول مرة - ~~بالإنكار والانزعاج. والأدهى من ذلك أنه يخاف أن يلمح إليه، ~~فيدفع ياسين إلى البحث والاستقصاء فيعثر آخر الأمر على أثر بصماته ~~هو - أبيه - فتكون الفضيحة التي ليس وراءها فضيحة. # المسألة إذن دقيقة حرجة، ثم إن ثمة شوكة حادة تكمن في ~~تضاعيفها - هي - تاريخ قديم يتصل بفهمي، ألا يذكر ياسين ذلك؟ كيف ~~هان عليه أن يرغب في فتاة تطلع إليها قديما أخوه الراحل؟ أليس ~~هذا سلوكا بغيضا؟ بلى، إنه لكذلك وإن كان لا يشك في إخلاص ~~الشاب لأخيه الراحل، إن منطق الحياة القاسي يقيم عذرا لأمثاله، ~~إن الرغبة طاغية أعمى لا ms098 يرحم وهو أخبر الناس بذلك. # قطب الرجل ليشعره بتضايقه، ثم قال: إن قلبي لم يرتح ~~لاختيارك، لا أدري لماذا! كان المرحوم السيد محمد رضوان رجلا ~~طيبا حقا، ولكن الشلل حال بينه وبين رعاية بيته منذ زمن بعيد ~~سابق لوفاته، لم أقصد بهذه الملاحظة إساءة الظن بأحد، كلا، ولكنه ~~كلام يقال، ربما ردده بعض الناس، هه؟ الأهم عندي أن الفتاة ~~مطلقة، لماذا طلقت؟ هذا سؤال من أسئلة كثيرة ينبغي أن تعلم ~~جوابها، لا يصح أن تأمن مطلقة حتى تستقصي كل شيء عنها، لعل هذا ~~ما أرادت قوله، والدنيا ملأى ببنات الناس الطيبين. # قال ياسين متشجعا بأسلوب أبيه، الذي اقتصر على النقاش ~~والنصح: بحثت بنفسي وبواسطة آخرين، فتبين لي أن الحق كان على ~~الزوج، إذ كان متزوجا وأخفى عنهم ذلك، فضلا عن عجزه عن الإنفاق ~~على بيتين في وقت واحد وسوء خلقه. # سوء خلقه، إنه يتكلم - بلا حياء - عن سوء الخلق، البغل ~~يمدك بمادة بكر لمزاح سهرة كاملة، قال: إذن فرغت من البحث ~~والتقصي! # قال ياسين بحياء، وهو يتهرب من عيني أبيه الحادتين: تلك خطوة ~~بديهية. # فسأله الرجل، وهو يخفض عينيه: ألم تدرك أن تلك الفتاة ترتبط ~~بذكريات أليمة لنا؟ # اعتراه الارتباك حتى اختطف لونه، وهو يقول: لم يكن من الممكن أن ~~يغيب عني هذا، ولكنه وهم لا أصل له، فإني أعرف عن يقين أن المرحوم ~~لم يهتم بالأمر كله إلا أياما معدودات، ثم نسيه نسيانا تاما، ~~وأكاد أجزم بأنه ارتاح فيما بعد إلى فشل مسعاه؛ إذ اقتنع بأن ~~الفتاة لم تكن طلبته كما توهم. # ترى أيقول ياسين الحق، أم يدافع عن موقفه؟ كان نجي المرحوم، ~~ولعله الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يزعم أنه مطلع على ما لا علم ~~للآخرين به من خاصة شئونه، فليته كان صادقا، أجل، ليته كان صادقا ~~إذن لأعفاه من عذاب يؤرقه كلما ذكر أنه وقف يوما عثرة في سبيل ~~سعادة الفقيد، أو كلما خطر بباله أنه ربما مات تعيس القلب، أو ~~ناقما عليه استبداده وتعنته، تلك الآلام ms099 التي نهشت قلبه، هل ~~يريد ياسين أن يعفيه منها؟ # سأل ياسين بلهفة لم يفطن الشاب إلى عمقها: أأنت حقا على يقين ~~مما تقول؟ هل صارحك به؟ # ولثاني مرة في حياته رأى ياسين أباه على حال من الانكسار لم ~~يشهد مثلها إلا يوم مصرع فهمي، وهو يقول له: كاشفني الحقيقة ~~عارية عن كل تخفيف، الحقيقة الكاملة، هذا يهمني فوق ما تتصور ~~(وكاد يعترف له بألمه، ولكنه أمسك الاعتراف وهو على طرف لسانه)، ~~الحقيقة الكاملة يا ياسين. # فقال ياسين دون تردد: إني على يقين مما أقول، خبرته بنفسي ~~وسمعته بأذني، لا شك في ذلك مطلقا. # في ظروف أخرى لم يكن هذا القول - ولا أبلغ منه - كافيا لإقناعه ~~بصدق ياسين، لكنه كان في الحق متعطشا إلى تصديقه، فصدقه وآمن ~~به، وامتلأ قلبه نحوه بامتنان عميق وسلام شامل، لم تعد مسألة ~~الزواج - في تلك اللحظة على الأقل - مما يكربه، ولاذ بالصمت مليا ~~هانئا بالسلام الذي غمر قلبه، ورويدا رويدا مضى يسترد شعوره ~~بالموقف ويرى ياسين بعد أن غيبه عن عينيه الانفعال، فعاد يفكر ~~في مريم وأم مريم وزواج ياسين وواجبه، وما يستطيع قوله وما لا ~~يستطيع قوله، قال: مهما يكن من أمر فإني أود أن تولي المسألة ~~تفكيرا أعمق وحذرا أشد، لا تتعجل، مد لنفسك فسحة التدبر ~~والمراجعة، إنها مسألة مستقبل وكرامة وسعادة، وإني على استعداد ~~لأن أختار لك بنفسي مرة أخرى إذا وعدتني وعد رجل صادق ألا ~~تجعلني أندم على تدخلي لما فيه صلاحك، هه؟ ما رأيك؟ # صمت ياسين متفكرا، مستاء من تحول الحديث إلى مجرى ضيق ~~محفوف بالحرج، حقا أن الرجل يتحدث بحلم عجيب، ولكنه لم يخف ~~قلقه وعدم ارتياحه، فإذا أصر على رأيه بعد ذلك فقد يجرهما النقاش ~~إلى شقاق غير مستحب، ولكن هل ينكص تفاديا من هذه العاقبة؟ كلا، ~~لم يعد طفلا سيتزوج بمن يشاء كما يشاء، ولكن فليعنه الله على ~~الاحتفاظ بمودة أبيه، قال: لا أريد أن أجشمك تعبا جديدا، شكرا ~~لك يا بابا، غاية ما أتمنى أن أحظى ms100 بموافقتك ورضاك. # لوح السيد يده في نفاد صبر، وقال بلهجة لم تخل من حدة: تأبى ~~أن تفتح عينيك على ما في رأيي من حكمة! # فقال ياسين برجاء حار: لا تغضب يا بابا، أستحلفك بالله ألا ~~تغضب، إن رضاك بركة، ولا أطيق أن تضن علي بها، دعني أجرب حظي ~~وادع لي بالتوفيق. # اقتنع أحمد عبد الجواد بأن عليه أن يسلم بالأمر الواقع، فسلم ~~به في حزن ويأس ... أجل، ربما كانت مريم - رغم استهتار أمها - فتاة ~~شريفة وزوجة صالحة، ولكن لا شك كذلك في أن ياسين لم يوفق إلى ~~اختيار أصلح الزوجات ولا أفضل البيوت. # الأمر لله. مضى الزمن الذي كان يملي فيه إرادته إملاء فلا يجد ~~رادا لها، وياسين اليوم رجل مسئول ولن يجني من محاولة فرض رأيه ~~عليه إلا العصيان ... فليسلم بالأمر الواقع، وليسأل الله ~~السلامة. # عاود النصح والتبصير؛ فلجأ ياسين كرة أخرى إلى الاعتذار ~~والتودد حتى لم يعد ثمة زيادة لمستزيد، غادر الدكان وهو ~~يقنع نفسه بأنه نال موافقة أبيه ورضاه. على أنه كان يعلم أن ~~الأزمة الخطيرة حقا هي التي تنتظره في البيت، وكان يعلم أيضا ~~أنه سيترك البيت حتما؛ لأن مجرد التفكير في إمكان ضم مريم ~~إلى الأسرة ضرب من الجنون، فرجا أن يتركه بسلام غير مخلف وراءه ~~عداوة أو حقدا؛ إذ لم يكن من اليسير عليه أن يستهين بامرأة أبيه ~~أو يتنكر لعهدها وفضلها عليه، لم يكن يتصور أن تدفعه الأيام ~~إلى وقوف هذا الموقف الغريب من البيت وآله، ولكن تعقدت الأمور ~~وضاقت السبل حتى لم يبق من منفذ إلا الزواج. والعجب أنه لم تغب ~~عن فطنته السياسة النسائية التي رسمت للإيقاع به، سياسة قديمة ~~تتلخص في كلمتين: التودد والتمتع، ولكن الرغبة في الفتاة ~~كانت قد تسربت إلى دمه، ولم يعد بد من إروائها بأي سبيل ولو كان ~~الزواج. وأعجب من ذاك أنه كان يعلم من تاريخ مريم ما يعلمه أفراد ~~أسرته جميعا - عدا والده بطبيعة الحال - ولكن رغبته طغت فلم ~~يصده ذلك عن فكرته أو ms101 يزهده فيها، وقال لنفسه: لم أكرب قلبي ~~على ماض فات لست مسئولا عنه، سنبدأ معا حياة جديدة، ومن هنا ~~تبدأ مسئوليتي، وإن ثقتي بنفسي لا حد لها. وإذا حدث أن خيبت ~~ظني نبذتها كما ينبذ الحذاء البالي. والحق أنه لم يستلهم فيما عزم ~~فكره، ولكنه استخدمه في تبرير رغبته الجامحة التي لا تزدجر، فأقبل ~~على الزواج هذه المرة كبديل من مخادنة امتنعت عليه، غير أن ذلك لا ~~يعني أنه أضمر نحوه سوءا أو أنه اتخذه ذريعة مؤقتة لقضاء لبانة، ~~فالحق أيضا أن نفسه - رغم تقلباتها التي لا تنفك عنها - كانت ~~تهفو إلى حياة الزوجية والبيت المستقر. # مر هذا كله بخاطره وهو متخذ مكانه - إلى جنب كمال - بمجلس ~~القهوة، ذلك المجلس الذي يبدو أنه يشهد آخر أيامه فيه، ومضى يجيل ~~طرفه بين كنباته، وحصره الملونة، والفانوس الكبير المدلى من ~~سقفه في كثير من الأسى. وكانت أمينة متربعة كعادتها على الكنبة ~~القائمة بين بابي حجرة نوم السيد وحجرة المائدة، عاكفة على ~~المجمرة رغم دفء الجو لتصنع قهوتها، وقد تلفعت بخمار أبيض فوق ~~جلباب بنفسجي نم عن ضمورها، واكتنفها هدوء يشاب عند الصمت ~~بأمارات الحزن، كماء الشاطئ إذا استكن شف عما في باطنه. شد ~~ما شعر بالأسف والحرج وهو يأخذ أهبته للإفصاح عما في ضميره، ولكن ~~لم يكن من الإفصاح بد، فقال بعد أن فرغ من احتساء قهوته دون أن ~~يذوق لها طعما: والله يا نينة لدي مسألة أريد أن أستشيرك ~~فيها. # وتبادل مع كمال نظرة دلت على أن الأخير على علم سابق بموضوع ~~الحديث، وأنه يترقب عواقبه باهتمام، لا يقل عن اهتمام ياسين ~~نفسه. قالت أمينة: خير يا بني؟ # قال ياسين باقتضاب: قررت أن أتزوج. # فتجلى في عينيها العسليتين الصغيرتين اهتمام باسم، ثم قالت: ~~خير ما قررت يا بني، لا ينبغي أن يطول انتظارك أكثر مما ~~طال. # ثم لاحت في عينيها نظرة متسائلة، ولكنها بدل أن تفصح عن ~~تساؤلها، قالت وكأنما تستدرجه إلى الاعتراف كأن ثمة سر: خاطب ~~والدك أو دعني أخاطبه، ms102 ولن يعجزه أن يجد لك زوجة جديدة خيرا من ~~الأولى. # قال ياسين في رزانة بدت لها أكثر مما يستدعي الأمر: خاطبت أبي ~~بالفعل، وليس هناك حاجة إلى تكليفه عناء جديدا لأني اخترت ~~بنفسي، وقد وافق أبي، فأرجو أن أحوز موافقتك أيضا. # تورد وجهها حياء وسرورا بما أولاها من أهمية، فقالت: ربنا ~~يوفقك إلى ما فيه الخير، عجل حتى تعمر لنا الدور المهجور، ولكن ~~من بنت الحلال التي قررت أن تتخذها زوجة؟ # تبادل مع كمال نظرة أخرى، ثم قال في عناء: جيران ~~تعرفينهم. # ارتسم بين حاجبيها تقطيب التذكر وهي تمد نظرها إلى لا شيء، ~~محركة سبابتها كأنما تحصي من في مخيلتها من الجيران، ثم قالت: ~~إنك تحيرني يا ياسين، هلا تكلمت وأرحتني؟ # قال وهو يبتسم ابتسامة شاحبة: جيراننا الأقربون. ~~- من ...؟ # ندت عنها في إنكار وانزعاج وهي تحملق في وجهه، فخفض رأسه ~~وأطبق شفتيه متجهم الوجه، فعادت تقول بصوت متهدج، وهي تشير ~~بإبهامها إلى الوراء: أولئك؟ مستحيل هل تعني ما تقول يا ~~ياسين؟ # فأجاب بالصمت المتجهم حتى زعقت: خبر أسود ... أولئك الذين شمتوا ~~بنا في أجل مصاب؟ # فلم يتمالك أن هتف بها: أستحلفك بالله ألا ترددي هذا القول، ~~إنه وهم باطل، ولو اقتنع به قلبي لحظة واحدة. ~~- طبعا تدافع عنهم، ولكنه دفاع لا ينطلي على أحد، لا تتعب نفسك ~~في إقناعي بالمحال، يا ربي! أي ضرورة تدعو إلى هذه الفضيحة؟ كلهم ~~نقائص وعيوب، فهل من فضيلة واحدة نبرر هذا الاختيار الجائر؟ قلت ~~إنك نلت موافقة أبيك، الرجل لا يعلم عن هذه الأمور شيئا، قل إنك ~~خدعته. # قال ياسين بتوسل: هدئي روعك، ليس أكره عندي من إغضابك، هدئي ~~روعك ولنتكلم في هدوء. ~~- كيف أسمع لك وأنا أتلقى منك هذه اللطمة القاسية؟ قل إن الأمر ~~لا يعدو أن يكون مزاحا سخيفا، مريم؟ الفتاة المستهترة التي تعرف ~~من أمرها ما نعرف جميعا؟ هل نسيت تاريخها الفاضح؟ هل نسيت حقا؟ ~~أتريد أن تجيء بهذه الفتاة إلى بيتنا؟ # قال وهو يزفر كأنما يطرد من صدره الكرب والاضطراب: ms103 لم أقل هذا ~~قط، هذا أمر لا أهمية له، المهم عندي حقا أن تنظري إلى المسألة ~~كلها نظرة جديدة خالية من التحامل. ~~- أي تحامل يا هذا؟ هل ادعيت عليها بالباطل؟ تقول إن أباك وافق، ~~فهل أخبرته عن عبثها الفاضح مع الجنود الإنجليز؟ ماذا جرى لأولاد ~~الناس الطيبين يا ربي؟ ~~- هدئى روعك، دعينا نتحدث في هدوء، ماذا يجدي هذا ~~الهياج؟ # صاحت بحدة لم تكن من طباعها في الزمن الأول: إن روعي لا ~~يمكن أن يهدأ ما دام الأمر يتعلق بالكرامة. # ثم بصوت باك: وأنت تسيء إلى ذكرى أخيك الغالي. # ياسين وهو يزدرد ريقه: أخي؟ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، إن هذا ~~الأمر لا يمس ذكراه في شيء، صدقيني فإني أدرى بما أقول، لا تقلقي ~~مرقده. ~~- لست أنا التي أقلق مرقده، إنما يقلق مرقده حقا أخوه الذي ~~يتطلع إلى هذه الفتاة. أنت تعلم هذا يا ياسين. ولا تستطيع أن ~~تنكره. # ثم في انفعال شديد: لعلك كنت تتطلع إليها حتى في ذلك الزمن ~~البعيد! ~~- نينة! ~~- لم تعد لي ثقة في شيء، كيف تبقى لي ثقة في شيء بعد هذا ~~الغدر؟ هل ضاقت الدنيا وأقفرت حتى لم تجد من فتياتها زوجة إلا ~~الفتاة التي أدمت قلب أخيك؟ ألا تذكر ما أصابه من حزن وهو يستمع ~~معنا إلى قصة الجندي الإنجليزي؟! # بسط ياسين ذراعيه في توسل، قائلا: فلنؤجل هذا الحديث إلى ~~وقت آخر، سأثبت لك فيما بعد أن المرحوم لبى نداء ربه وليس في ~~قلبه أي أثر لهذه الفتاة، أما الآن فلم يعد الجو صالحا ~~للكلام. # صاحت به غاضبة: هيهات أن يصلح عندي جو لهذا الكلام، إنك لا ترعى ~~ذكرى فهمي. ~~- ليتك تتصورين ما يحدثه كلامك في من حزن. # صاحت، وقد بلغ بها الغضب منتهاه: أي حزن؟ إنك لم تحزن على أخيك. ~~من الغرباء من حزن عليه أكثر منك. ~~- نينة! # وهم كمال بالتدخل في الحديث، ولكنها أسكتته بإشارة من ~~يدها، وهتفت: لا تدعني نينة، لقد كنت لك أما حقا، ولكنك لم ~~تكن لي ابنا، ولم ms104 تكن لابني أخا. # لم يعد يحتمل البقاء، فنهض محزونا مكتئبا، وغادر الصالة إلى ~~حجرته، وما لبث كمال أن لحق به ولم يكن دونه حزنا وكآبة، فقال له: ~~ألم أحذرك؟ # فقال ياسين مقطبا: لن أبقى في هذا البيت دقيقة واحدة بعد ~~الآن. # فقال كمال بجزع: يجب أن تعذرها، أنت تعلم أن والدتي لم تعد ~~كما كانت، إن أبي نفسه يغضي عن بعض هفواتها أحيانا، ما هي إلا ~~غضبة لا تلبث أن تسكت فلا تحاسبها على كلامها، هذا رجائي ~~إليك. # قال ياسين وهو يتنهد: لن أحاسبها يا كمال، لن أبيع جميل الأعوام ~~بإساءة ساعة، إنها معذورة كما قلت، ولكن كيف أطالعها بوجهي صباح ~~مساء، وهذا ظنها بي؟ # ثم بعد لحظات صمت مشحونة بالكآبة: لا تصدق أن مريم أدمت قلب ~~المرحوم، لقد استأذن المرحوم يوما في أن يخطبها فرفض أبوك، وتناسى ~~المرحوم الأمر حتى نسيه فانتهى كل شيء، فما ذنب الفتاة في ذلك، ~~وما ذنبي أنا إذا أردت أن أتزوجها بعد ست سنوات من ذلك ~~التاريخ؟ # قال كمال برجاء: لم تعد الحق فيما قلت، وسوف تقتنع نينة به ~~عاجلا، فأرجو أن يكون كلامك عن عدم البقاء في البيت مجرد هفوة ~~لسانية. # فقال ياسين وهو يهز رأسه في حزن: أنا أول من يعز عليه هجر هذا ~~البيت، ولكني سأتركه عاجلا أو آجلا ما دام انتقال مريم إليه ~~مستحيلا، فلا تنظر إلى مسألة ذهابي إلا من هذه الزاوية، سأنتقل ~~إلى بيتي بقصر الشوق، ومن حسن الحظ أن شقة أمي لا تزال خالية، ~~وسأقابل والدي في الدكان وأوضح له أسباب ذهابي متحاشيا كل ما ~~يعكر صفوه، لست غاضبا، سأترك البيت آسفا عليه كل الأسف، آسفا ~~على فراق أهله وأولهم نينة، لا تحزن، ستعود المياه إلى مجاريها في ~~وقت قريب، ليس في هذه الأسرة قلب أسود، وقلب والدتك أنصعها ~~بياضا. # ومضى إلى صوان ملابسه ففتحه، وجعل ينظر إلى ملابسه ولوازمه، ~~وتردد قليلا قبل أن ينفذ ما عقد العزم عليه، فالتفت إلى كمال، ~~وهو يقول: سأتزوج من هذه ms105 الفتاة كما قضت بذلك المقادير، ولكني - ~~علم الله - مقتنع كل الاقتناع بأني لم أسئ إلى ذكرى فهمي، أنت ~~أعلم يا كمال بما كان من حبي له، كيف لا؟ إذا كان هناك من سيساء ~~بهذا الزواج، فهو أنا. # 11 # قادت خادم صغيرة ياسين إلى حجرة الاستقبال ثم انصرفت، كان يقوم ~~بزيارة بيت المرحوم السيد محمد رضوان لأول مرة في حياته، وكانت ~~الحجرة - على طراز الحجرات ببيت أبيه - واسعة الأركان، مرتفعة ~~السقف، فيها مشربية تشرف على شارع بين القصرين ونافذتان تطلان ~~على العطفة الجانبية التي يفتح عليها مدخل البيت، وقد فرشت أرضها ~~ببسط صغيرة، واصطفت في جوانبها الكنبات والمقاعد، وأسدلت على ~~الباب والمنافذ ستائر من مخمل رمادي باهت من القدم، وعلى الجدار ~~المواجه للباب علقت البسملة في إطار أسود كبير، بينا توسطت ~~الجدار الأيمن - فوق الكنبة الرئيسية - صورة للمرحوم السيد محمد ~~رضوان تمثله في أوسط العمر. # اختار ياسين أول كنبة صادفته إلى يمين المدخل، فجلس وهو يتفحص ~~المكان بعناية حتى ثبتت عيناه على وجه السيد محمد رضوان الذي بدا ~~وكأنه يبادله النظر بعيني مريم. ابتسم ابتسامة راضية وراح ينش ~~لا شيء بمنشته العاجية ... ثمة مشكلة قد واجهته مذ فكر في المجيء ~~لخطبة مريم، هي خلو البيت من جنس الرجال، وعدم توفيقه إلى إنابة ~~أحد من جنس النساء عنه، فكانت النتيجة أن جاء وحده كأنه مقطوع من ~~شجرة - على حد تعبيره - الأمر الذي أخجله بعض الشيء كرجل ورث عن ~~وسطه الاعتزاز بالأهل والأسرة، غير أنه كان مطمئنا من ناحية أخرى ~~إلى أن مريم لا بد وأن تكون قد مهدت له السبيل عند أمها، بحيث ~~إن مجرد إعلان زيارته سيشي بما جاء من أجله، ومن ثم يهيئ له ~~جوا طيبا لإنجاز مهمته. # عادت الخادم إلى الظهور حاملة صينية القهوة، فوضعتها على المنضدة ~~أمامه، وتراجعت وهي تخبره بأن ستها الكبيرة في الطريق إليه. وستها ~~الصغيرة ترى هل علمت بحضوره؟ وما صدى ذلك في نفسها الرقيقة؟ سوف ~~يحملها بحسنها إلى قصر الشوق، ولتفعل بنا القوة ما ms106 تشاء. من كان ~~يظن لأمينة هذه القدرة على الغضب؟ كانت في وداعة الملاك. قاتل الله ~~الحزن ! كذلك غضب أبوه وهو يعترف له في الدكان بأنه هجر البيت، ولكن ~~غضب رحيم كشف عن تأثره وحزنه، ترى: هل تطلعه أمينة على تاريخ ~~مريم؟ غضب الثكلى شيء مخيف، ولكن كمال وعد بأن يحملها على السكوت، ~~في قصر الشوق صادفتك أول مفاجأة سعيدة في هذا الجو العاصف! هو موت ~~الفكهاني وحلول ساعاتي محله، إلى القبر! سمع نحنحة عند الباب، ~~فاتجه بصره إليه وهو ينهض، وما لبث أن رأى ست بهيجة وهي تدخل ~~بجنبها؛ إذ إن مصراع الباب المفتوح لم يكن ليتسع لها إذا دخلت ~~بعرضها، ولمح عن غير قصد الخطوط التي تحد تفاصيل جسمها الجسيم، فلم ~~يتمالك من العجب عندما مرت أمام عينيه عجيزتها التي كادت قمتها ~~تبلغ منتصف ظهرها ويفيض أسفلها على فخذيها، فكأنما كرة منطاد. ~~وأقبلت نحوه في خطوات متمهلة ناءت بقناطير اللحم والشحم، ثم مدت له ~~يدا بضة بيضاء برزت من كم فستانها الأبيض الفضفاض، وهي تقول: ~~أهلا وسهلا. شرفت ونورت. # فصافحها ياسين بأدب، ولبث واقفا حتى جلست على الكنبة المجاورة ~~فجلس. كان يراها عن كثب لأول مرة؛ إذ إن علاقتها القديمة بأسرته ~~واكتسابها مع الأيام منزلة أشبه بمنزلة الأم في السن والاحترام ~~حملاه على تجنب تفحصها - كما يفعل مع غيرها من النساء - كلما ~~لمحها عن بعد في الطريق، لذلك خيل إليه أنه عثر على كشف جديد. ~~وكانت ترتدي فستانا قد غطى على جسمها من العنق إلى ما فوق ~~القدمين، وحتى القدمان وارتهما في جورب أبيض رغم دفء الجو، بينا ~~امتد كما الفستان على ذراعيها وساعديها حتى المعصمين، ولفت ~~رأسها وعنقها بخمار أبيض طرح ذيله العريض على أعلى الصدر والظهر؛ ~~فبدت في احتشام يناسب المقام ويوافق العمر الذي قارب الخمسين - ~~فيما علم - وإن تبدت في صحة ريانة تنطق بصفاء المزاج وشباب ~~القلب. ولاحظ فيما لاحظ أنها تطالعه بوجه طبيعي لم يمسه زخرف أو ~~زواق رغم ما عرف عنها من حب التبرج ms107 وإتقان التزين، الأمر الذي ~~نصبها من قديم مرجعا لكل ما يتعلق بالذوق النسائي من ملبس وزواق ~~في الحي كله. وذكر بهذه المناسبة كيف كانت أمينة تدافع عن هذه ~~المرأة كلما عن لأحد أن ينتقد إفراطها في التبرج، ثم كيف ~~انقلبت تحمل عليها لأتفه الأسباب في السنوات الأخيرة، رامية إياها ~~بقلة الحياء وتجاهل ما يستوجبه عمرها من احتشام. ~~- خطوة عزيزة يا ياسين أفندي. ~~- الله يكرمك! # كاد يختم جملته بقوله: «يا تيزة»، ولكن إحساسا غريزيا خوفه ~~في اللحظة الأخيرة من النطق بها، خاصة وأنه لاحظ أنها لم تدعه ب ~~«يا ابني» كما كان المنتظر، وعادت المرأة تسأل: كيف حالكم؟ والدك ~~وأم فهمي وخديجة وعائشة وكمال؟ # أجاب، وهو يشعر بحياء لسؤالها عن الذين ناصبوها العداء بلا سبب ~~وجيه: كلهم بخير، سألت عنك العافية. # لا شك أنها تفكر الآن في الجفاء الذي قوبلت به في بيت أبيه عقب ~~وفاة فهمي؛ فاضطرها إلى الانقطاع عن أسرته بعد معاشرة دامت ~~العمر كله. يا له من جفاء! بل يا لها من عداوة صامتة! لم يكن إلا ~~أن أعلنت امرأة أبيه يوما أن «شعورها» يحدثها بأن مريم وأمها لم ~~يصدقا في حزنهما على فهمي. لم كفى الله الشر؟ قالت إنه من غير ~~المعقول أن يكون رفض السيد لخطبة مريم لم يبلغهما في حينه عن طريق ~~أو آخر أو حتى استنتاجا، ومن غير المعقول أن يعلما به ولا يضطغناه ~~عليهم! ورددت كثيرا أنها سمعت أن مريم تندب فهمي في المأتم ~~فتقول: «أسفي على شبابك الذي لم تتمتع به.» وزادت على ذلك ما شاء ~~لها حزنها وقهرها، ولم تنفع معها حيلة في تحولها عن «شعورها»، ~~وسرعان ما تغير سلوكها نحو مريم وأمها حتى كانت القطيعة. قال وهو ~~لم يزل تحت تأثير الحياء والحرج: لعن الله الشيطان! # فقالت بهيجة مؤمنة على قوله: ألف لعنة. طالما ساءلت نفسي عما ~~جنيت حتى ألاقي ما لاقيت من الست أم فهمي، ولكني أعود فأدعو لها ~~بالصبر ... المسكينة. ~~- جزاك الله كل خير على نبل خلقك وطيبة ms108 قلبك، حقا إنها مسكينة ~~وفي حاجة إلى الصبر. ~~- ولكني ما ذنبي أنا؟ ~~- لا ذنب لك، إنه الشيطان لعنة الله عليه! # هزت المرأة رأسها هزة الضحية البريئة، وصمتت قليلا، حتى حانت ~~منها التفاتة إلى فنجال القهوة الذي بدا كالمنسي على صينية القهوة، ~~فقالت وهي تومئ إليه: ألم تشرب قهوتك بعد؟ # فرفع ياسين الفنجال إلى فيه، وحسا الحسوة الأخيرة، ثم أعاده إلى ~~الصينية، وتنحنح قليلا، ثم أنشأ يقول: شد ما ساءني ما انتهت ~~إليه صداقة الأسرتين، ولكن ما باليد حيلة، على أي حال ينبغي أن ~~نتناسى ذلك تاركين أمره للزمن، والواقع أنني لم أكن أحب أن أثير ~~أسيف الذكريات، فما لهذا جئت، إنما جئت لغرض آخر هو أبعد ما يكون ~~عن الذكريات الأسيفة. # هزت المرأة رأسها هزة كأنما تطرد بها الذكريات الأسيفة، ثم ~~ابتسمت ابتسامة استعداد لسماع الجديد، كانت تهز رأسها ~~وابتسامتها كالآلة الموسيقية المصاحبة للمغني إذا غيرت عزفها ~~تمهيدا لدخول المغني في طبقة جديدة من النغم، قال ياسين مستمدا ~~من ابتسامتها طلاقة: أنا نفسي لا تخلو حياتي من ذكريات أسيفة تتصل ~~بحياتي الماضية ... أعني تجربتي الأولى في الزواج الذي لم يوفقني ~~الله فيه إلى بنت الحلال. ولكني لا أريد أن أرجع إلى ذلك، الواقع ~~أنني جئت بعد أن عزمت - متوكلا على الله - على فتح صفحة جديدة ~~مستبشرا الخير كله فيما اعتزمت. # التقت عيناهما على الأثر فطالع فيهما الترحيب الجميل ... ترى هل ~~كان موفقا في الإشارة إلى زواجه الأول؟ ترى ألم يترام إلى سمع ~~هذه المرأة شيء عن الأسباب الحقيقية لفشل ذلك الزواج؟ لا تشغل ~~بالك، إن ملامحها الجميلة توحي بالتسامح إلى غير حد، ملامحها ~~الجميلة. أليس كذلك؟ بلى، لولا فارق السن لكانت أجمل من مريم، كانت ~~بلا مراء أجمل من مريم في شبابها الذاهب ... كلا! إنها أجمل من مريم ~~رغم فارق السن ... إنها لكذلك. ~~- أظنك فطنت إلى مقصدي، أعني إلى أنني جئت طالبا يد كريمتك ~~مريم هانم. # أضاء الوجه الرقراق بابتسامة بثت فيه حيوية جديدة، وقالت: لا ~~يسعني إلا أن أقول ms109 أهلا وسهلا، نعم الأسرة ونعم الرجل، أمس ~~أوقعنا سوء الحظ فيمن لا خلاق له، اليوم يسعى إلى مريم رجل جدير ~~حقا بإسعادها، وستكون بفضل الله جديرة بإسعاده، ونحن - مهما فرق ~~بيننا سوء التفاهم - أسرة واحدة من قديم الزمن. # اغتبط ياسين حتى راحت أصابعه تسوي البابيون بلمسات سريعة غير ~~مقصودة، ثم قال وقد تورد وجهه الأسمر الجميل: أشكرك من صميم قلبي، ~~جزى الله عني لسانك الحلو، نحن أسرة واحدة كما قلت رغم أي شيء، ~~ومريم هانم فتاة يزدان بها حينا كله أصلا وخلقا، أرجو أن ~~يعوضها الله من صبرها خيرا وأن يعوضني بها من صبري خيرا. # غمغمت «آمين» وهي تنهض، ثم أقبلت بجسمها المفتخر نحو المنضدة، ~~فتناولت صينية القهوة وهي تنادي ياسمينة، ثم استدارت حاملة إياها ~~فأعطتها الخادم التي جاءت على عجل، ولفتت عنقها فجأة لتقول له ~~«آنستنا»، فباغتته وهو يحملق في ردفيها الثقيلتين، وشعر لتوه ~~بأنه «ضبط في حالة تلبس»، فبادر بخفض عينيه؛ ليوهمها بأنه كان ينظر ~~إلى الأرض، ولكن بعد فوات الأوان. وارتبك، وجعل يسأل نفسه عما عسى ~~أن تظن به، ثم اختلس منها نظرة بعد أن عادت إلى مجلسها فلمح على ~~شفتيها ابتسامة خفيفة كأنما تقول له: «رأيتك!» لعن عينيه اللتين ~~لا تعرفان الحياء، وتساءل عما يمكن أن يكون قد دار في رأسها، أجل ~~إنها تحاول أن تبدو كأنها لم تر شيئا، ولكن هيئتها - بعد ~~ابتسامتها - تقول له أيضا: «رأيتك!» لينس الهفوة فهذا خير حل، ~~ولكن هل تصير مريم مثل أمها يوما ما؟ متى يجيء هذا اليوم؟ للأم ~~مزايا لا يجود بها الزمان إلا في النادر، يا لها من امرأة! إن ~~خير وسيلة لتغيير أفكاره وتبديد سحابة الشك هي أن يمزق الصمت، قال: ~~إذا حاز طلبي القبول، فستجديني رهن إشارتك لمناقشة التفاصيل ~~الهامة. # ضحكت ضحكة قصيرة، فبدا وجهها في إشراقتها لطيفا شابا، وقالت: ~~كيف لا يجوز القبول يا ياسين أفندي؟ أصل وجوار على رأي ~~المثل. # قال وقد تورد وجهه: إنك تأسرينني بلطفك. ~~- ما عدوت الحق، والله شهيد. # ثم ms110 متسائلة بعد فاصل صمت قصير: هل تمت موافقة البيت؟ # تجلت في عينيه نظرة جد لحظة، ثم ضحك ضحكة فاترة من أنفه، وقال: ~~دعينا من البيت وسيرته. ~~- لم كفى الله الشر؟ ~~- ليس البيت على ما يرام. ~~- ألم تشاور السيد أحمد؟ ~~- أبي موافق. # فضربت يدا على يد، وقالت: فهمت، أم فهمي؟ أليس كذلك؟ إنها أول ~~من تبادر إلى ذهني وأنت تفاتحني بالموضوع، طبعا لم توافق، هه؟ ~~سبحان الذي لا يتغير، امرأة أبيك امرأة غريبة! # هز كتفيه استهانة، وهو يقول: لا يقدم هذا ولا يؤخر. # قالت متشكية: طالما ساءلت نفسي عما جنيت؟ أي إساءة أسأت بها ~~إليها؟ ~~- لا أحب أن أقدم على حديثنا حديثا آخر لا يجني منه الإنسان ~~إلا وجع الدماغ، ليكن ظنها ما يكون، المهم أنني ماض إلى هدفي، ولا ~~يعنيني إلا موافقتك أنت. ~~- إذا لم يتسع لك بيتك فبيتنا تحت أمرك. ~~- شكرا، لدي بيتي بقصر الشوق بعيدا عن الحي كله، أما بيت أبي ~~فقد غادرته من أيام. # ضربت صدرها بيدها هاتفة: طردتك! # قال ضاحكا: كلا لم يبلغ الأمر إلى هذا الحد، المسألة وما فيها ~~أن اختياري آلمها لأسباب قديمة لها صلة بالمرحوم أخي (هنا نظر ~~إليها نظرة ذات معنى)، ومع أنني لم أجد في معارضتها وجه حق مقنع، ~~فإنني رأيت من اللياقة أن أعد للزوجية بيتا جديدا. # سألته وهي ترفع حاجبيها وتهز رأسها فيما يشبه الشك: لم ~~لم تنتظر في بيتك حتى يحين ميعاد الزواج؟ # فضحك ضحكة تسليم، وقال: آثرت الابتعاد خوفا من تفاقم ~~الخلاف. # فقالت كالمتهكمة: ربنا يصلح الحال. # وقامت مرة أخرى قبل أن تتم جملتها، فاتجهت إلى النافذة المطلة ~~على العطفة الجانبية، وفتحتها لتفتح لنور الأصيل بعد أن بات باب ~~المشربية غير كاف لإضاءة الغرفة، وجد نفسه على رغمه وحذره يسترق ~~النظر إلى كنزها النفيس وهو يطالعه كالقبة. رآها وهي تعتمد على ~~الكنبة بركبتها ثم تميل على حافة النافذة لتشبك مصراعيها فرأى ~~منظرا عجبا ترك في نفسه أثرا داميا، تساءل وهو يشعر بجفاف ~~حلقه: لم لم تدع الخادم ms111 لتفتح النافذة؟ كيف ارتضت أن تعرض ~~أمام ناظريه - اللذين باغتتهما منذ قليل في حالة «تلبس» - هذا ~~المنظر الذي لا يخفى عنها مغزاه؟ لم وكيف؟ وكيف ولم؟ كان فيما ~~يتصل بالنساء مرهف الحس سيئ الظن، فلاح له شيء كالشك يتردد ~~على عتبة إدراكه لا يريد أن يدخل، ولا يريد أن يختفي، ولكنه بادر ~~فأغمض عينيه متأثرا بخطورة الموقف، إما أن يكون مجنونا، وإما أن ~~تكون - هي - المجنونة، أو لا هذا ولا ذاك؟ من له بمن ينتشله من ~~حيرته! استقام جسمها المائل، فوقفت، ثم تحولت عن النافذة متجهة إلى ~~مجلسها، فبادر إلى رفع عينيه صوب البسملة - قبل تحولها - ~~متظاهرا بالاستغراق في تفحصها، ولم يلفت رأسه نحوها حتى صدرت عن ~~الكنبة طقطقة تنبئ بجلوسها، وعند ذاك التقت عيناهما، فرأى في ~~عينيها نظرة باسمة ماكرة أشعرته بأنه لم تخف عنها خافية، وكأنها ~~تقول له بأفصح لسان «رأيتك.» لبث حينا مضطرب النفس والخاطر، ولم ~~يكن على بينة من شيء فخاف أن يكون ظلمها أو أن يكون عرض نفسه ~~أمامها للاتهام، وبدا له أنه سيحاسب على كل حركة تبدر منه، وأن أي ~~هفوة قد تنقلب فضيحة. ~~- ما زال الجو مائلا إلى الحرارة والرطوبة. # جاء صوتها هادئا طبيعيا ودل - إلى ذلك - على رغبتها في إزاحة ~~الصمت، فقال بارتياح: أجل إنه كذلك. # عاودته الطمأنينة، غير أنه ما لبث أن تخايل لعينيه المنظر الذي ~~رآه عند النافذة، وجد نفسه على رغمه يجتره ويتيه في جاذبيته، ~~ويتمنى لو كان عثر على مثله في إحدى مغامراته، لو كان لمريم مثل ~~هذا الجسم، ألا في مثله فليتنافس المتنافسون، ولعلها ظنته - ~~لصمته - لا يزال مشغولا بما أثارته من حديث خلافه مع امرأة أبيه، ~~فقالت فيما يشبه الدعابة: لا تشغل بالك، لا شيء في هذه الدنيا ~~يستحق شغلة البال. # ثم لوحت بيديها ورأسها - واهتز جسمها فيما بين ذلك اهتزازة خاصة ~~- كأنما لتحثه على الاستهانة بالهموم، فابتسم مطاوعا وهو يغمغم: ~~«نطقت بالحق.» غير أنه كان يبذل قصاراه ليملك نفسه، أجل؛ فقد حدث ~~أمر جلل، لم ms112 يكن في ظاهره إلا تلك الحركة الشاملة التي أرادت بها ~~الإفصاح عن الاستهانة وحثه عليها، إلا أنها كانت حركة بالغة ~~الخطورة من حيث دلالتها على الخلاعة والدلال والاستهتار، وقد ندت ~~عنها في لحظة نسيان فخرجت بها عما التزمته طوال الجلسة من تأدب ~~واحتشام، وكشفت عن خبيئة طبيعتها وهي لا تدري، أو وهي تدري؟ لا ~~يستطيع أن يقطع بهذا أو بذاك، ولكنه لم يعد به شك في أنه حيال ~~امرأة جديرة حقا بأن تكون أم مريم ذات التاريخ القديم، أبى أن ~~يتراجع عن رأيه مهما يكن من أمر، فهذه الحركة الراقصة المغناج لا ~~يمكن أن تصدر عن سيدة مصونة! ولم يكن إزعاجه إلا لحظة عابرة، ~~فسرعان ما حل محله إحساس بسرور شهواني ماكر، وراح يتذكر أين ~~ومتى رأى هذه الحركة من قبل، على زنوبة؟ جليلة ليلة اقتحمت على ~~أبيه المنظرة ببيت آل شوكت؟ آه ... هذه هي، وخيل إليه أنها رغم ~~سنها أشهى من مريم وألذ، وغلبته فطرته فحدثته نفسه بأن يجس ~~النبض، وألا يقف إن أمكن عند حد، وشعر برغبة في الضحك من غرابة ~~أفكاره، وبأنه سيسلك طريقا وعرا لم يطرق من قبل، ولكنه لم يعتد ~~يوما أن يزجر النفس عن هوى ... أين يتأدى به هذا المسلك؟ هل يمكن أن ~~يعدل عن مريم إلى أمها؟ كلا، إنه لا يضمر ذلك قط. ولكن تصوروا ~~كلبا قد عثر على عظمة وهو في طريقه إلى المطبخ، فهل يتعفف؟ ... ~~بيد أنها مجرد أفكار وتخيلات وفروض، فلأنتظر! ... وتبادلا ابتسامة ~~في الصمت الذي عاد فسحب ذيله بينهما، أما ابتسامتها فكانت فيما بدا ~~تحية مضيف لضيف، وأما ابتسامته فقد انفغمت على فم حائر بهمسات ~~الاعتداء المختنق. ~~- نورت بيتنا يا ياسين أفندي. ~~- يا ستي بيتك لا ينقصه النور، أنت تنورين البلد وما ~~فيها. # ضحكت ضحكة مالت برأسها إلى الوراء، وهي تتمتم: الله يكرمك يا ~~ياسين أفندي. # كان ينبغي أن يعود إلى الحديث عن طلبه أو أن يستأذن في الانصراف ~~على أن يسمي موعدا آخر لمواصلة الحديث، ولكنه لم يعد ms113 إلى ~~الحديث، ولم يستأذن في الانصراف ... بل راح يحدجها بنظرات ريبة تطول ~~حينا وتقصر حينا دون انقطاع وفي صمت مريب. النظرات معان لا ~~تخفى على ذي عينين، لا بد من إيصال أفكاره إليها بالنظرات وحدها ~~حتى يرى رد الفعل ... اعرف لقدمك قبل الخطو موضعها وليسقط اللنبي، ~~خذي هذه النظرة النارية وخبريني إن كنت صادقة عن أي مجنون يسعه ~~أن يتجاهل سوء مقصدها أو يدعي براءتها؟ انظر ها هي ترفع عينيها ~~وتخفضهما كالشاردة، وعلى حال بينة من الفهم المريب، تستطيع الآن أن ~~تقول إن الفيضان وصل إلى أسوان وأنه لا مناص من فتح الخزان، وأنت ~~تخطب إليها ابنتها؟ مجنون من لا يؤمن بالجنون بعد اليوم، أنت الآن ~~أشهى شيء إلى نفسي، وليكن بعد ذلك الطوفان ... منظرك لا يوحي باليأس ~~أبدا. ~~- هل تقيم في قصر الشوق بمفردك؟ ~~- نعم. ~~- قلبي عندك. # جملة قد تصدر عن شيطان، وقد تصدر عن ملاك، ترى هل تتصنت مريم ~~الآن وراء الباب؟ ~~- أنت جربت الوحدة بنفسك في بيتك هذا، إنها شيء لا يحتمل. ~~- حقا لا يحتمل. # وفجأة امتدت يدها إلى خمارها فنزعته من حول رأسها وعنقها وهي ~~تقول كالمعتذرة: «لا تؤاخذني الدنيا حارة!» فبدا رأسها في منديل ~~برتقالي وأسفر عنقها الوضيء، رنا إلى عنقها مليا في قلق متزايد، ~~ثم لحظ الباب كالمتسائل عمن عسى أن يكون رابضا وراءه، أغيثوا الذي ~~جاء يخطب البنت فوقع في الأم، وقال ردا على اعتذارها: خذي راحتك، ~~أنت في بيتك، ولا غريب في البيت. ~~- ليت أن مريم كانت في البيت لأزف إليها الخبر! # خفق قلبه خفقة حادة كإشارة الهجوم، وتساءل: وأين هي؟ ~~- عند جماعة من معارفنا في الدرب الأحمر. # وداعا يا عقلي! خاطب بنتك يريدك وأنت تريدينه، ليرحم الله من ~~يحسنون الظن بالنساء، لا يمكن أن يكون في رأس هذه المرأة عقل، ~~جارة العمر ولا تعرفها إلا اليوم! مجنونة، مراهقة في ~~الخمسين! ~~- متى تعود مريم هانم؟ ~~- قبيل المساء. # قال بخبث: أشعر بأن زيارتي قد طالت. ~~- لم تطل زيارتك، أنت في بيتك. # فسألها بخبث ms114 أيضا: ترى هل أطمع في أن تردي لي الزيارة؟ # فابتسمت ابتسامة عريضة، كأنما تقول له: «إني أدرك ما وراء هذه ~~الدعوة.» ثم أطرقت في حياء وإن لم يغب عنه ما في حركتها من تمثيل، ~~ولكنه لم يبالها، وراح يصف لها موقع بيته من الحارة، وموضع شقته من ~~البيت، وهي مطرقة صامتة باسمة، ترى ألم تشعر بأنها تسيء إلى ابنتها ~~أبلغ إساءة، وأنها تعتدي عليها أنكر اعتداء؟ ~~- متى تتكرمين بالزيارة؟ # غمغمت وهي ترفع وجهها: لا أدري ماذا أقول! # فقال بتوكيد وثقة: أقول أنا بالنيابة عنك، مساء الغد، ستجدينني ~~في انتظارك. ~~- ثمة أمور يجب أن نعمل حسابها. ~~- سنعمل حسابها معا، في بيتي. # وقام من فوره وهم بأن يتقدم نحوها، فأشارت إليه وهي تلتفت ~~نحو الباب محذرة، ثم قالت وكأنما لا تقصد إلا التفادي من صولته: ~~غدا مساء. # 12 # وعرف بيت قصر الشوق بهيجة زائرة مواظبة، كانت إذا نشر الظلام ~~ستاره، تتلفع بملاءتها، وتمضي إلى الجمالية، فإلى بيت هنية، ~~وهنالك تجد ياسين في انتظارها بالحجرة الوحيدة المفروشة في الشقة، ~~ولم يجر لمريم ذكر بينهما إلا حين قالت له مرة: لم أستطع أن أخفي ~~عن مريم نبأ زيارتك؛ لأن خادمتنا تعرفك، ولكني قلت لها: إنك ~~فاتحتني برغبتك في خطبتها بعد تذليل العقبات التي تعترض سبيلك في ~~محيط الأسرة. # ووجد نفسه مذهولا عن مناقشتها، فأبدى موافقته واستحسانه، ~~واستقبلا معا حياة حافلة بالمتع، وجد ياسين ذات «الكنز» ملبية ~~بين يديه، فانطلق انطلاق الجواد الجامح، ولم تكن الحجرة التي ~~أثثت على عجل واقتصاد بالمكان الصالح لمطارحة الغرام، ولكنه لم ~~يأل عن تهيئة الجو الخلاب بتوفير الطعام والشراب حتى يطيب له ~~الوصال فيواصل صولاته بذلك النهم الغريزي الذي لا يعرف حدا أو ~~اعتدالا. وما لبث أن أدركه الملال قبل أن يتم الأسبوع الأول ~~دورته. هي نفس الحلقة التي تدور فيها شهوته حتى غدا الدواء نوعا ~~من الداء، بيد أنه لم يؤخذ على غرة، كلا! ولم يضمر نحو تلك العلاقة ~~الغريبة من بادئ الأمر أي نية حسنة ولا قدر ms115 لها أي دوام، بل ~~لعله لم يبلغ من وراء المغازلة في حجرة الاستقبال إلا ضجعة عابرة، ~~غير أنه وجد من المرأة تعلقا به، وحرصا عليه، وأملا في أن يكون ~~قنع بها راضيا، وعدل عن مشروع الزواج، فلم ير بدا من مجاراتها ~~كي لا يفسد على نفسه لذتها مؤمنا بأن الزمن وحده كفيل بإرجاع كل ~~شيء إلى أصله. وما أسرع أن رجع كل شيء إلى أصله بالنسبة إليه هو، ~~بل ربما أسرع مما قدر، وكان جاراها وهو يظن أن جدة محاسنها خليقة ~~بأن تحتفظ برونقها أسابيع أو شهرا، ألا يا ربما كذب الظن! أما عن ~~مظهرها الشهي فبحسبه أن جعله يرتكب أكبر حماقة في حياته العامرة ~~بالحماقات، ولكن الكهولة تكمن وراء ذلك كما تكمن الحمى وراء تورد ~~الخدين الكاذب، وإن القناطر المقنطرة من اللحم البشري المتحكبة ~~تحت طيات الثياب - على حد قوله - غيرها إذا تجردت للعيان، وليس ~~كاللحم البشري مسجل لآثار العمر الحزينة، حتى قال لنفسه: «الآن ~~أدرك لماذا تعبد النساء الملابس!» لم يكن عجيبا بعد ذلك أن يقول ~~عنها وقد ضاق باندلاقها عليه أنها «مرض»، وأن يجمع العزم على قطع ~~علاقته بها. وعادت مريم - بعد خمود النزوة الجنونية - إلى سابق ~~مكانتها من نفسه، كلا، لم تكن بارحتها، ولكن النزوة الطارئة ~~غشيتها كما تغشى السحابة العجلى وجه القمر، عجبا! لم تعد رغبته ~~في مريم مجرد استجابة لولعه الخالد بجنسها وإن غلب ذلك عليها، ~~ولكنها أرضت من ناحية أخرى حنينه إلى تكوين الأسرة التي كان يعتدها ~~مصيرا محتوما ومرغوبا فيه أيضا. واستوصى بالصبر - كارها - على ~~أن تثوب بهيجة إلى رشدها، أن تقول له يوما: «حسبنا لعبا، وهلم ~~إلى عروسك.» ولكنه لم يجد لأمله صدى في نفسها، كانت تواظب على ~~الزيارة ليلة بعد أخرى، وما تزداد إلا إغراقا وتهالكا. وشعر ~~بأنها تمتلئ مع الزمن إيمانا بحقها عليه كأنه بات محور حياتها ~~وملك يمينها. # أجل، لم تكن تنظر إلى الأمر بعين الاستهانة أو اللهو، وإلى هذا ~~تكشفت نفسها له عن خفة وطيش، ونزق أقنعته ms116 جميعا بأن سلوكها الشاذ ~~معه في أول مقابلة لم يكن أمرا مستغربا، فاستهان بها وازدراها، ~~وتضخمت عيوبها في عينيه الزاريتين حتى ضاق بها كل الضيق، وصمم ~~على التخلص منها في أول فرصة تسنح، وإن حرص على تجنب الفظاظة ~~أن تبعثر العراقيل في طريق مريم. قال لها مرة: ألا تتساءل مريم عن ~~سر اختفائي؟ # فقالت، وهي تطمئنه بحركة من رأسها: إنها على بينة من معارضة ~~أسرتك. # فقال بعد تردد: أصارحك بأننا كنا نتحادث أحيانا فوق السطح، ~~وأني رددت لها مرات بأنني مصمم على الزواج منها مهما يكن من ~~معارضة المعارضين. # فحدجته بنظرة نافذة، وهي تتساءل: ماذا تريد؟ # قال متظاهرا بالبراءة: أريد أن أقول إنها سمعت مني ذلك التوكيد، ~~وأنها علمت بعد ذلك بزيارتي لك، فينبغي أن تقتنع بسبب وجيه ~~لاختفائي. # فقالت بغير مبالاة أدهشته: لن يضيرها ألا تقتنع، فليس كل كلام ~~بمفض إلى خطبة، ولا كل خطبة بمفضية إلى زواج، إنها تعلم علم ~~اليقين. # ثم بصوت منخفض: ولن يضيرها أن تفقدك، إنها شابة في عز جمالها، ~~ولن تعدم خاطبا اليوم أو غدا. # كأنها تعتذر عن أنانيتها، أو تلمح إلى أنها هي - لا ابنتها - ~~التي يضيرها فقده، فلم يزده قولها إلا ضيقا ومللا. إلى أنه أخذ ~~يتوجس خيفة من معاشرة امرأة تكبره بعشرين عاما، متأثرا بما ~~يتردد بين العامة من أن مخادنة الكهلات تذبل الشبان، حتى شحنت ~~ساعات اللقاء - من ناحيته - بالتوتر والحذر فمقتها مقتا. وإنه ~~لعلى ذاك إذ صادف مريم يوما في السكة الجديدة، فتقدم منها دون ~~تردد، وسلم عليها، وسار إلى جانبها كأنه من ذوي قرباها، كانت قلقة ~~عابسة، فأخبرها بأنه كان يقنع والده بالموافقة حتى ظفر بها، وأنه ~~يعد مسكنه بقصر الشوق ليكون صالحا لهما، واعتذر عن طول غيبته ~~بكثرة مشاغله، ثم قال لها: «أخبري والدتك بأنني سأجيء غدا ~~لمقابلتها للاتفاق على عقد القران.» ومضى سعيدا بانتهاز الفرصة ~~التي سنحت على غير ميعاد، غير عابئ - في غمرة السعادة - بما سيكون ~~موقف بهيجة منه، وفي مساء ذلك اليوم جاءت بهيجة ms117 في ميعادها إلى قصر ~~الشوق، ولكنها جاءت هذه المرة منفعلة كسيرة النفس. بادرته هاتفة ~~قبل أن ترفع برقعها: بعتني غيلة وغدرا. # ثم انحطت على الفراش، وهي تنزع برقعها في نرفزة، وتقول: لم يطف ~~بخاطري أنك تضمر لي هذا الغدر كله، ولكنك جبان غادر كسائر ~~الرجال. # قال ياسين برقة المعتذر: ليس الأمر كما تتصورين، الحق أني ~~قابلتها صدفة. # فصاحت بوجه مكفهر: كذاب! كذاب! وحق من هو قادر على أن يريني فيك ~~ما أشتهي، هل تظنني أصدقك ما حييت بعد ما كان (ثم وهي تحاكيه ~~محاكاة كاريكاتورية) الحق أني قابلتها صدفة! أي صدفة يا عمر؟ ~~وهبها صدفة حقا، فلم كلمتها في الطريق أمام الرائح والغادي؟ ~~أليس هذا فعل الغادر السيئ النية؟ (ثم وهي تعود إلى المحاكاة ~~الكاريكاتورية) الحق أني قابلتها صدفة! # فقال في شيء من الارتباك: وجدتني معها فجأة - وجها لوجه - ~~فامتدت يدي بالسلام عليها، ما كان بوسعي تجاهلها بعد ما كان من ~~تحادثنا فوق السطح. # فصاحت به بوجه مصفر من الغضب: فامتدت يدي بالسلام عليها! اليد ~~لا تمتد إلا إذا مدها صاحبها، قطعت اليد وصاحبها، قل إنك مددت ~~يدك لتتخلص مني. ~~- لم يكن من السلام بد، أنا إنسان وفي وجهي دم. ~~- دم؟ أين هو ذاك؟ دم يلطشك يا غادر يا ابن الغادر. # ثم بعد أن ازدردت ريقها: ووعدك إياها بالمجيء للاتفاق على عقد ~~القران، هل أفلت منك أيضا كما أفلتت يدك؟ تكلم يا سي دم. # قال بهدوء عجيب: إن كل الحي يعلم الآن بأنني هجرت بيت أبي ~~لأتزوج من ابنتك، فلم يكن من المستطاع تجاهل ذلك وأنا ~~أحدثها. # فصاحت بحدة: كان بوسعك أن تنتحل من الأعذار ما تشاء لو كانت بك ~~رغبة إلى ذلك، لست ممن يعيبهم الكذب، ولكنك أردت التخلص ~~مني، هذه هي الحقيقة. # قال وهو يتحاشى نظرتها: ربنا يعلم بحسن نيتي. # فحدجته بنظرة طويلة، ثم سألته في تحد: أتعني أنك تورطت في ~~وعدك لها على غير رغبة منك؟ # أدرك خطورة التسليم بذلك، فغض بصره ولاذ بالصمت، فقالت وهي ~~تزفر ms118 من الغيظ: أرأيت أنك كذاب كما قلت لك؟ # ثم صارخة: أرأيت؟ أرأيت يا غادر يا ابن الغادر ؟ # قال بعد تردد: إن سرا لا يمكن أن يخفى إلى الأبد، تصوري ~~ماذا يقول الناس لو كشفوا سر علاقتنا، بل تصوري ماذا تقول ~~مريم؟ # فصرفت بأسنانها من الحنق، وقالت: يا لك من خنزير! لم لم ~~تذكر هذه الاعتبارات يوم وقفت أمامي سائل اللعب كالكلب؟ آه يا جنس ~~الرجال، جهنم الحمراء عقوبة تافهة لكم. # ابتسم خفيفا، وكان أوشك أن يضحك لولا فرملة الجبن، ثم قال ~~بتودد ورقة: لقد قضينا وقتا طيبا سوف أذكره دائما بكل خير، ~~حسبك غضبا واستياء، ما مريم إلا ابنتك، وإنك أول من يروم ~~سعادتها. # وهي تهز رأسها بتهكم: أأنت الذي ستسعدها؟ اسمعي يا حيطان، ~~المسكينة لا تدري أي إبليس ستتزوج، أنت دائر ابن دائرة، وربنا ~~يكفيها شر ما وقعت فيه. # قال بهدوئه الذي التزمه من أول الأمر: عند ربنا الصلاح، إني أرغب ~~رغبة صادقة في بيت مستقر وزوجة بنت حلال. # قالت هازئة: أقطع ذراعي إن صدقت، سوف نرى، لا تظن بأمومتي ~~الظنون، إن سعادة ابنتي مقدمة عندي على كل اعتبار، ولولا أنك ~~خدعتني وغدرت بي ما كان يهمني أن أهديك إليها على الحذاء. # ساءل ياسين نفسه: ترى هل مرت الأزمة بسلام؟ وانتظر أن تلبس ~~برقعها وتودعه، ولكنها لم تحرك ساكنا، ومضى الوقت - وهي ~~بمجلسها من الفراش، وهو بمجلسه على الكرسي قبالتها - لا يدري كيف، ~~ولا متى تتقوض هذه الجلسة الغريبة المتوترة. واسترق النظر إليها، ~~فوجدها ترنو إلى الأرض كالسارحة على حال من التسليم نزعت به إلى ~~العطف عليها. هل تعود مرة أخرى إلى المهاترة؟ غير مستبعد، ولكنها - ~~فيما يبدو - تفكر في موقفها الدقيق بينه وبين ابنتها وتنحني ~~أمام مقتضياته. وما يدري إلا وهي تنتزع الملاءة عن نصفها الأعلى ~~وتغمغم «الجو حار»، ثم تزحزحت حتى نهاية الفراش فاستندت إلى شباكه، ~~ومدت ساقيها غير عابئة بالحذاء الذي انغرز كعباه في طيات اللحاف، ~~ثم واصلت شرودها، ترى: ألا يزال لديها ما تقول؟ سألها ms119 بلهجة بالغ ~~في رقتها: هل تسمحين لي بأن أزوركم غدا ...؟ # تجاهلت سؤاله دقيقة أو نحوها، ثم حدجته بنظرة كاللعنة، وقالت: ~~على الرحب والسعة يا ابن القديمة. # ابتسم قانعا وهو يشعر بنظراتها تلهب وجهه، وعادت هي تقول بعد ~~هنيهة: لا تظنني بلهاء، كنت موطنة النفس على توقع هذه ~~النهاية عاجلا أو آجلا، ولولا أنك تعجلتها بطريقة ... (ثم بتسليم ~~وازدراء معا) ... ما علينا. # لم يصدقها، ولكنه تظاهر بتصديقها، ومضى يقول: إنه كان واثقا من ~~ذلك، وأنه يرجو أن تعفو عنه وتشمله برضاها، ولكنها لم تعن بالإصغاء ~~إليه، وتزحزحت - مرة أخرى - إلى حافة الفراش، فطرحت ساقيها على ~~الأرض، وقامت فأخذت تحبك ملاءتها، وهي تقول: «أستودعك الله.» فقام ~~صامتا وتقدمها إلى الباب وفتحه، ثم تقدمها مرة أخرى إلى الخارج. ~~وما يدري إلا وصفعة تهوى على قفاه، على حين مرقت المرأة من جانبه ~~إلى السلم، وتركته وراءها كالذاهل، وكفه منطرحة على موضع ~~الصفعة. التفتت نحوه ويدها على الدرابزين، وقالت: تعيش وتأخذ ~~غيرها، آذيتني أكثر من هذا، ألا يحق لي أن أشفي غليلي ولو بصفعة ~~يا ابن الكلب؟ # 13 ~~- يا سيد أحمد لا تؤاخذني إذا صارحتك بأنك تبذر نقودك هذه ~~الأيام بلا حساب. # قال جميل الحمزاوي ذلك بلهجة جمعت بين أدب المستخدم وإدلال ~~الصديق. وكان الرجل لا يزال قوي البنية جيد الصحة على بلوغه ~~السابعة والخمسين من عمره، أما رأسه فقد رصعه المشيب، ولم تؤثر ~~السنون في نشاطه شيئا فلم يزل يومه ينقضي على حركة دائبة في خدمة ~~الدكان وعملائه كعهده منذ التحق به على أيام منشئه الأول. وقد ~~اكتسب مع طول العهد حقوقا ثابتة، واحتراما جديرا بنشاطه ~~وأمانته، فنزل من نفس أحمد عبد الجواد منزلة الصديق، ولم يكن عطف ~~الرجل عليه الذي تمثل أخيرا في معاونته على إلحاق ابنه فؤاد ~~بمدرسة الحقوق إلا مضاعفا لإخلاصه وموجبا عليه مصارحته عندما تجب ~~المصارحة لدفع ضر أو تحقيق منفعة. على أن أحمد قال بلهجة مطمئنة، ~~ولعله كان يشير إلى الرواج الذي لم تزل تثمل السوق بسكرته: ~~الحال معدن، ms120 والحمد لله. # فقال جميل الحمزاوي باسما: ربنا يزيد ويبارك، غير أني لا أزال ~~أكرر القول عليك بأنك لو كنت اتخذت من التجار خلقهم كما اتخذت ~~حرفتهم، لكنت الآن من كبار الأغنياء. # ابتسم أحمد ابتسامة الرضا والقناعة وهو يهز منكبيه استهانة. ~~ربح كثيرا وأنفق كثيرا، فكيف يأسف على ما جنى من لذات العيش؟ لم ~~يفقد يوما حاسة التوازن بين دخله ومنصرفه، ولم يخل رصيده من ~~الستر، وقد تزوجت عائشة وتزوجت خديجة، وطرق كمال باب المرحلة ~~النهائية من حياته الدراسية، فماذا عليه لو تمتع بعد ذلك بطيبات ~~الحياة؟ على أن الحمزاوي لم يعد الحق في ملاحظته على تبذيره، ~~فالحق أنه يبدو - هذه الأيام - أبعد ما يكون عن الاعتدال والقصد، ~~تشعبت وجوه نفقاته؛ فالهدايا تستنزف مالا لا يستهان به، ~~والعوامة تستحلب دسمه، ومحظيته تستأديه القرابين. وفي الجملة ~~فإن زنوبة تدفعه إلى الإسراف دفعا، وهو من ناحيته يندفع بلا ~~مقاومة تذكر. لم يكن كذلك في الأيام الخالية. حقا كان ينفق عن ~~سعة. ولكن امرأة لم تستطع أن تخرجه عن حد الاعتدال أو تضطره إلى ~~ركوب الإسراف. كان بالأمس مستشعرا قوته، ولم يكن يبالي ~~كثيرا أن تجاب كل مطالبه الحبيبة، ولم يكن يبالي إن تدللت ~~عليه أن يتدلل عليها تياها بفتوته وفحولته. اليوم أذل حرصه ~~على حبيبته عنقه فهان عليه الغالي، وكأنه لم يعد يروم من مطلب في ~~هذه الحياة وراء استبقاء مودتها واستمالة قلبها، ويا لها من مودة ~~متعززة! ويا له من قلب عصي! ولم يكن في واقع حاله ليغيب عن فطنته، ~~شعر به شعور الألم والحزن، وذكر به أيام عزته في لهفة وأسى وإن لم ~~يقر بأنها ذهبت وتولت، ولكنه لم يحرك أصبعا للمقاومة ~~الجدية، ولم يكن ذلك في طوقه. وقال مخاطبا جميل الحمزاوي فيما ~~يشبه السخرية: لعله من الظلم أن تعدني تاجرا ... (ثم في تسليم) ~~... الله هو الغني. # وجاء نفر من الناس فشغل بهم الحمزاوي، وما كاد أحمد يخلو إلى ~~نفسه حتى رأى قادما يزحم الباب على سعته، ويتجه إليه متبخترا. ~~كانت ms121 مفاجأة وذكر لتوه أنه لم تقع عيناه على القادم منذ أربع ~~سنوات أو يزيد، ثم نهض مرحبا مدفوعا بأدبه وحده، وهو يقول: ~~أهلا وسهلا بجارتنا المكرمة. # فمدت له أم مريم يدها ملفوفة في طرف ملاءتها قائلة: أهلا بك ~~يا سيد أحمد. # ودعاها إلى الجلوس فجلست على الكرسي الذي جلست عليه يوما ~~يعتبر الآن من التاريخ، ثم قعد وهو يتساءل، لم يكن رآها منذ ~~جاءت لمقابلته في هذا الدكان بعد مرور عام على وفاة فهمي محاولة ~~استدراجه إلى بيتها مرة أخرى. عجب يومئذ لجرأتها - ولم يكن أفاق من ~~الحزن - فقابلها بجفاء وشيعها ببرود. ترى ما الذي جاء بها اليوم؟ ~~وألقى عليها نظرة شاملة فوجدها كالعهد بها: جسامة وأناقة، يفوح ~~من أعطافها الطيب، وتتألق عيناها فوق البرقع. غير أن تبرجها لم ~~يجد في إخفاء دبيب الزمن، فلاحت أمارات الكبر تحت عينيها، وذكر ~~بها جليلة وزبيدة، شد ما يستبسل أولئك النسوة في معركة الحياة ~~والشباب، أما أمينة فسرعان ما تهاوت فريسة للحزن والذبول. وقربت ~~بهيجة الكرسي من المكتب، ثم قالت بصوت خافت: لا تؤاخذني يا سي ~~السيد على هذه الزيارة، فللضرورة أحكام. # فقال أحمد - من فوره - وقد كان يبدو رزينا جادا: أهلا ~~وسهلا، إن زيارتك تشريف لنا وتكريم. # فقالت باسمة، وقد نمت نبرات صوتها على الامتنان: تشكر، والحمد ~~لله على أني وجدتك بخير وعافية. # فشكرها بدوره، ودعا لها بالصحة والعافية، فعادت تشكر له شكره ~~ودعاءه وتدعو له من جديد، ثم سكتت لحظات، وقالت باهتمام: جئتك ~~لأمر هام، قيل لي: إنه بلغ إليك في حينه، وإنه نال موافقتك. وأعني ~~طلب ياسين أفندي ليد ابنتي مريم، فهل صحيح ما قيل لي؟ هذا ما جئت ~~من أجل التحقق منه. # خفض أحمد عبد الجواد عينيه أن تقرأ فيهما الحنق الذي اشتعلت به ~~جوانحه وهو يتابع كلامها. ولم يخدع بتظاهرها بالاهتمام بموافقته، ~~فلتحاول خداع غيره ممن يجهلون خباياه، أما هو فيعلم علم اليقين ~~أن موافقته وعدمها عندها سواء، بل ألم تدرك ما وراء تخلفه عن ~~زيارتها مع ابنه؟ ms122 ... ولكنها جاءت لتحمله على الإقرار بالموافقة، ~~وربما لغرض آخر لا يلبث أن يستبينه، رفع إليها عينين هادئتين، ~~وقال : حدثني ياسين عن رغبته فدعوت له بالتوفيق، كانت مريم ولم تزل ~~ابنتنا. ~~- الله يبارك لي في عمرك يا سي السيد، هذه المصاهرة ستشرفنا ~~بين الناس. ~~- أشكر حسن ظنك. # فقالت بحماس: ويسرني أن أصارحك بأنني أجلت إعلان موافقتي ~~حتى أتأكد من موافقتك أنت. # قارحة! لعلها أعلنت موافقتها حتى قبل أن ترى ياسين. ~~- أكرر الشكر يا ست أم مريم. ~~- لذلك كان أول ما قلت لياسين أفندي، دعني أتأكد أولا من موافقة ~~والدك، فإن كل شيء يهون إلا سخطه! # الله ... الله! لم تكد تسرق البغل حتى نشطت لرمي الأحابيل حول ~~صاحبه. ~~- ليس بمستغرب أن يصدر عنك ذلك القول النبيل. # فواصلت حديثها في حماس مظفر، قائلة: إنك يا سي السيد رجلنا، وخير ~~من يفخر به حينا كله. # مكر النساء، ودلال النساء، ما أضيقه بهما معا، هل خطر لها ببال ~~أنه يتمرغ في التراب مناشدة لعطف عوادة زهد فيها ~~السكارى؟ # قال في تواضع: أستغفر الله. # فقالت بلهجة حزينة علا بها صوتها قليلا، حتى خاف أن يبلغ ~~الموجودين بالناحية الأخرى من الدكان، فحرك رأسه نحوهم ~~محذرا: لشد ما حزنت عندما أنبأني بأنه هجر بيت والده. # فبادرها قائلا، وقد تجهم وجهه: الحق أن سلوكه أغضبني. فعجبت ~~كيف تأتى له أن يرتكب تلك الحماقة، كان ينبغي أن يستشيرني ~~أولا. ولكنه حمل متاعه إلى قصر الشوق، ثم جاء يعتذر إلي! عبث ~~صبياني يا ست أم مريم، وقد وبخته ولم أكترث لخلافه المزعوم مع ~~أمينة. ذلك تعلل سخيف حاول به أنه يبرر حماقة أسخف منه. ~~- هذا ما قلته له وحياتك، ولكن الشيطان شاطر، وقلت له أيضا: إن ~~ست أمينة معذورة، ربنا يصبرها على ما ابتلاها به. وعلى أي حال ~~فمثلك يرجى منه الصفح يا سي السيد. # فأشار بيده إشارة قصيرة، كأنما تقول «دعينا من هذا»، فقالت ~~متوددة: لكنني لا أقنع إلا بالصفح والرضا. # أف، ليته يستطيع أن يصارحها بمدى اشمئزازه منهم جميعا، ms123 هي ~~وابنتها والبغل الكبير. ~~- ياسين ابني على كل حال، وفقه الله إلى الهداية. # أمالت رأسها إلى الوراء قليلا ، وأبقته على وضعه مليا ريثما ~~تستمتع بلذة النجاح والارتياح، ثم عادت تقول في نبرات لطيفة: ~~ربنا يجبر خاطرك يا سيد أحمد، ساءلت نفسي وأنا قادمة إليك، ترى: ~~أيكسفني ويردني خائبة، أم يعامل جارته القديمة بما تعود أن ~~يعاملها به في الأيام الخالية؟ الحمد لله فأنت دائما عند حسن الظن ~~بك، مد الله في عمرك ومتعك بالصحة والعافية. # تظن أنها ضحكت على ذقنه، يحق لها هذا، ما أنت إلا أب خائب مات ~~خير أبنائه، وخاب الابن الثاني، وركب الثالث رأسه، كل هذا على رغمي ~~يا قارحة. ~~- إني عاجز عن شكرك. # وهي تخفض رأسها: مهما قلت فيك فهو دون ما تستحق، طالما أقررت ~~لك به فيما مضى. # آه، ذلك الماضي أوصدي ذلك الباب! وحياة البغل الذي جئت ~~تسجلين حق ملكيته، وبسط راحته على صدره آية على الشكر، فراحت ~~تقول بلهجة حالمة: كيف لا، ألم أعزك إعزازا لم يحظ به إنسان ~~قبلك ولا بعدك؟ # هذا هو المطلوب، كيف لم يفطن إليه من أول لحظة؟ لم تجيئي من أجل ~~ياسين ولا من أجل مريم، ولكن من أجلي أنا، بل من أجل نفسك! أنت ~~أنت لم يغير الزمن منك شيئا، إلا شبابك، ولكن رويدك، هل ~~تستطيعين أن تردي الأمس الذي ولى؟ مر بقولها دون تعليق ~~مكتفيا بابتسامة شكر، فابتسمت ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانها من ~~ثقوب البرقع، وقالت فيما يشبه العتاب: يبدو أنك لا تذكر ~~شيئا. # أراد أن يعتذر عن فتوره دون أن يمس إحساسها، فقال: لم يبق في ~~الرأس عقل أتذكر به. # فهتفت بإشفاق: لشد ما أغرقت في الحزن، الحياة لا تحتمل هذا ولا ~~تسيغه، وأنت - ولا تؤاخذني على ما سأقول - رجل ألف الحياة ~~المليحة، فالحزن إذا أثر في الإنسان العادي قيراطا يؤثر فيك ~~أربعة وعشرين قيراطا. # موعظة يراد بها منفعة الواعظ، ليت أن ياسين كان يعتصم بمثل ~~شبعي، لماذا أتقزز منك؟ أنت دون شك أطوع ms124 من زنوبة وأقل نفقة بما ~~لا يقاس، ولكن يبدو أن قلبي أصبح مولعا بالمتاعب، قال بدهاء ~~ومسكنة معا : من أين للقلب المحزون أن يضحك؟ # اندفعت تقول بحماس وكأنها شامت برق أمل: اضحك يضحك قلبك، لا ~~تنتظر حتى يضحك هو، هيهات أن يضحك وحده بعد ما عانى من طول الوجوم، ~~عد إلى حياتك القديمة تعد إليك بهجتها الغافية، ابحث عن مسرات ~~زمانك الأول وأحبابه، من أدراك أن ليس ثمة قلوب تهفو إليك، وتقيم ~~على عهدك رغم إعراضك الطويل عنها؟ # طرب الفؤاد على رغمه وتاه، هذا ما ينبغي أن يقال حقا لأحمد ~~عبد الجواد، وما كان يسكب في أذنيه على قرع الكئوس في ليالي ~~الطرب، أين العوادة لتسمع هذا المديح علها تخفف من غلوائها؟ لكن ~~يردده من أنت عنه راغب، قال بصوت لا أثر فيه للطرب: ولى ذلك ~~الزمان. # مال نصفها الأعلى إلى الوراء استنكارا، وقالت: لم تزل شابا ~~ورب الحسين، (ثم وهي تبتسم في حياء) جمل له طلعة البدر، لم ~~يول زمانك ولن يولي أبدا، لا تكبر نفسك قبل الأوان، أودع ~~الحكم على ذلك للآخرين فلعلهم يرونك بغير العين التي ترى بها ~~نفسك. # قال بأدب، ولكن بلهجة تعبر بلطف عن رغبته في إنهاء الحديث: ~~اطمئني يا ست أم مريم إلى أنني لا أقتل نفسي حزنا، فإنني أتسلى ~~عن الهم بشتى ضروب التسلية. # تساءلت وقد فتر حماسها قليلا: أيكفي هذا للترفيه عن رجل ~~مثلك؟ # فقال بقناعة: لا تتطلع النفس إلى شيء وراءه. # بدا أنه تنغص صفوها، وإن تظاهرت بالارتياح وهي تقول: أحمد الله ~~على أنني وجدتك على ما أحب لك من راحة البال وصفائه. # لم يعد ثمة قول يقال، فنهضت وهي تمد له يدها ملفوفة في طرف ~~الملاءة، فتصافحا، ثم قالت وهي تهم بالذهاب: فتك ~~بعافية. # وذهبت وهي تحول عنه عينين لم يجد التصنع في إخفاء ما غشيهما ~~من خيبة. # 14 # طوت سوارس شارع الحسينية، ثم أخذ جواداها المهزولان يخبان فوق ~~أسفلت العباسية والسائق يلهبهما بسوطه الطويل. كان كمال جالسا في ~~مقدمة ms125 العربة على طرف المقعد الطويل فيما يلي السائق؛ فأمكنه أن ~~يرى بلفتة من رأسه - في غير جهد - شارع العباسية ممتدا أمام ~~عينيه، في اتساع لا عهد للحي القديم به وطول لا يلوح له منتهى، ~~أرضه مستوية ملساء، وبيوته على الجانبين ضخمة ذوات أفنية رحيبة ~~بعضها يزدان بحدائق غناء. # كان يضمر للعباسية إعجابا كبيرا، ويكن لها حبا وإجلالا ~~يبلغان حد التقديس، أما الإعجاب فمرده إلى نظافتها وهندستها ~~والهدوء المريح المخيم على ربوعها، وكل أولئك سمات لا يعرفها ~~حيه العتيق الزياط. وأما الحب والإجلال فمرجعهما إلى أنها وطن ~~قلبه، ومنزل وحي حبه، ومثوى قصر معبودته. # منذ أعوام أربعة وهو يتردد عليها بقلب مرهف وحواس مشحوذة ~~حتى حفظها عن ظهر قلب، فحيثما مد بصره ارتد إليه بصورة مألوفة ~~كأنها وجه صديق قديم، وجميع معالمها ومناظرها ودروبها وعدد من ~~أهلها قد اقترن في ذهنه بأفكار وعواطف وأخيلة أمست - في جملتها ~~- جوهر حياته ومعقد أحلامه، فحيثما ولى وجهه فثمة مناد يدعو ~~القلب للسجود. # وأخرج من جيبه خطابا تلقاه من البريد أول أمس، وكان مرسله حسين ~~شداد ينبئه فيه بعودته - وصديقيه حسن سليم وإسماعيل لطيف - من ~~المصيف، ويدعوه إلى مقابلتهم جميعا في بيته الذي تسير به سوارس ~~إليه. نظر إلى الخطاب بعين حالمة شاكرة، وامقة، ساجدة، عابدة، ~~متعبدة؛ لا لأن مرسله شقيق معبودته فحسب، ولكن لظنه أن ~~الخطاب كان مودعا في مكان ما بالبيت قبل أن يكتب حسين عليه ~~رسالته، وأنه والحال كذلك غير مستبعد أن تكون عينها الجميلة قد ~~وقعت عليه في ذهابها أو مجيئها، أو أن تكون أناملها قد لمسته ~~لسبب أو لآخر، أو حتى عفوا، بل حسبه أن يظن أنه كان مودعا في ~~نفس المكان الذي يحل فيه جسمها وتعمره روحها كي يستحيل الخطاب ~~إلى رمز قدسي تهفو إليه روحه، ويشتاق إليه قلبه. ومضى يقرأ الخطاب ~~للمرة العاشرة حتى وقف عند هذه الجملة: «عدنا إلى القاهرة مساء ~~أول أكتوبر.» أي إنها شرفت العاصمة منذ أربعة أيام وهو لا يدري، ~~كيف لم يدر؟ كيف ms126 لم يفطن إلى وجودها سواء بالغريزة، أو بالشعور، ~~أو بالبصيرة؟ كيف جاز للوحشة التي غشيته طوال الصيف أن تمد ~~ظلها الثقيل على هذه الأيام الأربعة المباركة؟ هل رانت الكآبة ~~المتواصلة على حساسيته بطبقة من البلادة والجمود؟ على أي حال ~~فالساعة يرف قلبه، وتحلق روحه في أجواء من السمو والسعادة. ~~الساعة يشرف على الدنيا من ذروة رفيعة تبدو منها معالمها في هالة ~~من الشفافية والنورانية كأنها أطياف في دنيا الملائكية. الساعة ~~يضطرم وجدانه بنشاط الحيوية، ونشوة الحبور، وسكرة الطرب، الساعة ~~- أو حتى في هذه الساعة - يطوف به طائف الألم الذي يلازم مسرة ~~الحب عنده ملازمة الصدى للصوت، قديما كانت تحمله سوارس في هذا ~~الطريق نفسه وقلبه من الحب خال لم يمس، ماذا كان يجد من ~~مشاعر، وآمال، وخوف، ورجاء؟ لا يذكر حياة ما قبل الحب إلا ذكرى ~~مجردة، ينكرها ما عرف للحب قدره. ويحن إليها كلما نبا به ألم، ~~ولكنها لشدة إحساسه بخاطره كادت تلحق بالأساطير، لذلك بات يؤرخ ~~بالحب حياته، فيقول: كان ذلك قبل الحب «ق.ح»، وحدث ذلك بعد الحب ~~«ب.ح». # وقفت العربة عند الوايلية، فأعاد الخطاب إلى جيبه، وغادرها ~~متجها إلى شارع السرايات، وعيناه تتطلعان إلى أول قصر على ~~اليمين فيما يلي صحراء العباسية، بدا القصر بدوريه من الخارج ~~بناء ضخما عاليا. يتصل مقدمه بشارع السرايات، وينتهي مؤخره ~~بحديقة رحيبة تراءت رءوس أشجارها العالية من وراء سور رمادي ~~متوسط الارتفاع، يحيط بالقصر والحديقة معا، ويرسم مستطيلا ~~هائلا ممتدا في الصحراء التي تكتنفه من الجنوب والشرق. كان ~~منظره مطبوعا على صفحة نفسه، يستأسره جلاله وتفتنه آي فخامته. ~~ويرى في عظمته تحية مزجاة عن جدارة بصاحبه، وتلوح لعينيه نوافذ ~~مغلقة، وأخرى مرخاة الستائر، فيلمح في تحفظها وانطوائها ما يرمز ~~إلى عزة محبوبه، وعصمته، وامتناعه، وغموضه، وهي معان تؤكدها ~~الحديقة المترامية والصحراء الغارقة في الأفق، وتعرض هنا أو هناك ~~نخلة سامقة أو لبلاب متسلق جدارا أو جدائل ياسمين مسترسلة فوق ~~سور فتناوش قلبه بذكريات انعقدت فوق هاماتها كالثمار تساره بحديث ~~الوجد، والألم، ms127 والعبادة، وقد غدت ظلا للحبيب، ونفحة من روحه، ~~وانعكاسا لملامحه، ناشرة بجملتها - وبما عرف من أن باريس كانت ~~لأهل القصر منفى - جوا من الجمال والحلم تواءم مع حبه في ~~سموه، وقداسته، وبذخه، وتطلعه إلى المجهول. # رأى وهو يقترب من مدخل القصر البواب، والطاهي، وسائق السيارة، ~~جالسين فوق أريكة على كثب من الباب كعادتهم في العصاري، فلما بلغ ~~مجلسهم وقف البواب، وقال له: «حسين بك ينتظرك في الكشك.» فدخل ~~مستقبلا مزيجا من عرف الفل والقرنفل والورد التي نضدت أصصها على ~~جانبي السلم المفضي إلى الفراندا الكبيرة التي تطالع القادم ~~على بعد يسير من الباب، ثم مال يمنة إلى ممر جانبي يفصل القصر ~~عن السور، ويسير بينهما حتى مشارف الحديقة فيما يلي الفراندا ~~الخلفية للقصر. # ليس من الهين على قلبه الخفاق أن يمشي في هذا المحراب الكبير، ~~ولا أن يطأ أديما وطئته قدماها من قبل، إنه يكاد من إجلال ~~يتوقف، أو يمد يده إلى جدار البيت تبركا، كما كان يمدها إلى ~~ضريح الحسين من قبل أن يعلم أنه لم يكن إلا رمزا، ترى: في أي ~~مكان من القصر يمرح محبوبه الساعة؟ وما عسى أن يفعل إذا طالعته ~~بلفتتها الفاتنة؟ ليته يجدها في الكشك كي تجزى عين عن طول ~~التصبر، والتشوق، والتسهد. # ألقى على الحديقة نظرة شاملة حتى سورها الخلفي الذي ترامت وراءه ~~الصحراء، وكانت الشمس المائلة فوق القصر صوب الشارع تجلو منها ~~أعالي الأشجار، والنخيل، وسقائف الياسمين المبطنة للسور من كافة ~~نواحيه، ودوائر الأزهار، والورود، ومربعاتها، وأهلتها، ~~تكتنفها ممرات الفسيفساء، ثم سار في ممشى وسيط يفضي إلى كشك ~~قائم وسط الحديقة، وقد تراءى فيه عن بعد حسين شداد، وضيفاه: حسن ~~سليم وإسماعيل لطيف جلوسا على كراسي خيزران حول مائدة مستديرة ~~خشبية انتثرت عليها أكواب حول دورق ماء. سمع هتاف ترحيب صدر عن ~~حسين فآذنه بانتباههم إلى مقدمه، وما لبثوا أن قاموا للقائه ~~فعانقهم واحدا واحدا بعد فراق دام الصيف كله، حمدا لله على ~~السلامة، أنت أوحشتنا جدا، شد ما اسمرت وجوهكم فلا ms128 خلاف الآن ~~بينكما وبين إسماعيل، بل أنت بيننا كأوروبي بين ملونين، عما ~~قليل يعود كل شيء إلى أصله، كنا نتساءل لم لا تلوننا شمس ~~القاهرة؟ من ذا يجرؤ على التعرض لشمس القاهرة إلا من رام ضربة ~~شمس. ولكن ما سر هذه السمرة المكتسبة؟ ... أذكر أننا تلقينا ~~تفسيرا لهذا في بعض دروسنا، أجل لعله في الكيمياء، لقد درسنا ~~الشمس خلال علوم شتى كالجغرافيا الفلكية، والكيمياء، والطبيعة؛ ففي ~~أي من أولئك نجد تفسيرا لسمرة المصيف؟ هذا سؤال متأخر عن أوانه ~~لأننا انتهينا من الدراسة الثانوية. إلينا إذن بأخبار القاهرة، بل ~~عليك أنت أن تحدثنا عن رأس البر، وعلي حسن وإسماعيل أن يحدثانا ~~بعدك عن الإسكندرية، انتظروا فلكل وقت حديثه. # لم يكن الكشك إلا مظلة خشبية مستديرة تقوم على عمود ضخم، وأرضه ~~رملية تحدق بها أصص الورد، ويقتصر أثاثه على المائدة الخشبية ~~والكراسي الخيزران، وقد جلسوا وراء المائدة على هيئة نصف دائرة ~~مولين وجوههم شطر الحديقة. بدوا سعداء باللقاء، وكان الصيف يفرق ~~بينهم فيما عدا حسن سليم وإسماعيل لطيف اللذين يصيفان عادة في ~~الإسكندرية، ومضوا يتضاحكون لأقل سبب، وأحيانا لمجرد تبادل ~~النظر كأنما يجترون ذكريات مزاح ماضية. وكان الأصدقاء الثلاثة ~~يرتدون قمصانا حريرية وبنطلونات رمادية. كمال وحده بدا في بدلة ~~رصاصية خفيفة؛ إذ كان يعتبر رحلة العباسية ذات صفة رسمية على خلاف ~~حيه الذي يجول فيه مكتفيا بلبس الجاكتة فوق الجلباب. كل شيء من ~~حوله كان يخاطب قلبه فيهزه من الأعماق، هذا الكشك الذي تلقى ~~فيه رسالة الحب. وهذه الحديقة التي خصت وحدها بسره، وهؤلاء ~~الأصدقاء الذين يحبهم للصداقة ويحبهم مرة أخرى لاقترانهم بسيرة ~~حبه، كل شيء يخاطب حبه وقلبه، يتساءل: متى تجيء؟ وهل يمكن أن ~~تمضي الجلسة دون أن تقع عليها عيناه المشوقتان؟ وعلى سبيل التعويض ~~راح يطيل النظر إلى حسين شداد ما وسعه ذلك، ولم يكن ينظر إليه بعين ~~الصديق فحسب؛ لأن أخوته لمعبودته أضفت عليه سحرا من السحر ~~وسرا من السر، فبات يكن له - إلى الحب - إكبارا، وتقديسا، ~~ودهشا. وكان ms129 حسين يشبه شقيقته إلى حد كبير بعينيه السوداوين، ~~وقامته الطويلة الرشيقة، وشعره السبط العميق السواد، ولفتاته، ~~وسكناته الجامعة بين السمو واللطافة، فلم يكن ثمة فارق جوهري ~~بينهما إلا في أنفه الأقنى الممتلئ، وبشرته البيضاء التي غشيتها ~~سمرة المصطاف. ولما كان كمال، وحسين، وإسماعيل من الناجحين في ~~امتحان البكالوريا ذلك العام - مع ملاحظة أن الأولين كانا في ~~السابعة عشرة، والأخير في الحادية والعشرين - فقد تحدثوا عن ~~الامتحان وما تفرع عنه من شئون المستقبل، وكان البادئ بالحديث ~~إسماعيل لطيف، وكان إذا تحدث تطاول بعنقه كأنما ليداري قصر ~~قامته وضآلة حجمه - على الأقل بالقياس إلى أصدقائه الثلاثة - غير ~~أنه كان مدمج الخلق، مفتول العضلات، وفي نظرة عينيه الضيقتين ~~الحادة الساخرة، وأنفه المدبب الحاد، وحاجبيه الكثيفين، وفمه ~~العريض القوي ما يكفي لتحذير من تحدثه نفسه بالتهجم عليه، ~~قال: نتيجتنا هذا العام مائة في المائة، لم يحصل شيء كهذا من قبل - ~~على الأقل - فيما يخصني أنا، كان ينبغي أن أكون في السنة ~~النهائية من التعليم العالي كحسن الذي دخل معي مدرسة فؤاد الأول في ~~يوم واحد وسن واحدة، وقد سألني أبي ساخرا لما رأى رقمي في الجريدة ~~بين الناجحين: «ترى هل يمد الله في عمري حتى أراك من حملة ~~الدبلوم؟» # قال حسين شداد: لست متأخرا إلى الحد الذي يبرر يأس ~~والدك. # قال إسماعيل ساخرا: صدقت فقضاء عامين في كل فصل ليس بالشيء ~~الكثير. # ثم موجها الخطاب إلى حسن سليم: أما أنت فلعلك مشغول منذ الآن ~~بما بعد الليسانس؟ # كان حسن سليم بالسنة النهائية بمدرسة الحقوق، فأدرك أن إسماعيل ~~لطيف يدعوه إلى إعلان رأيه فيما ينويه عقب الفراغ من الدراسة، غير ~~أن حسين شداد سبقه إلى الرد على إسماعيل قائلا: لا داعي لأن يشغل ~~نفسه، سوف يحصل حقا على وظيفة في النيابة أو في السلك ~~السياسي. # خرج حسن سليم عن هدوئه المتسم بالكبرياء، ولاح في وجهه الحسن ~~الدقيق القسمات التحفز للنضال، فتساءل متحديا: من أين لي بما ~~يجعلني أطمئن إلى رأيك؟ # وكان يعتز باجتهاده وذكائه، ويريد ms130 الجميع أن يقروا له بهما، ولم ~~يكن أحد يماري في ذلك، ولكن لم يكن أحد كذلك ينسى أنه نجل سليم بك ~~صبري المستشار بمحكمة الاستئناف، وأن تمتعه بهذه الأبوة ميزة ~~يفوق أثرها كل ما للذكاء والاجتهاد من أثر، بيد أن حسين شداد تحاشى ~~ما يهيجه، فقال: في تفوقك الضمان الذي تسأل عنه. # ولم يتركه إسماعيل لطيف كي يستمتع بإطراء حسين له، فقال: وهناك ~~والدك، وهو فيما أعتقد أهم من التفوق بكثير. # ولكن حسن قابل الهجوم باستماتة غير متوقعة، إما لأنه مل ~~مناجزة إسماعيل الذي لم يكد يفترق عنه يوما طيلة اصطيافهما ~~بالإسكندرية، وإما لأنه بات يرى في صاحبه مشاكسا «محترفا» لا ~~يصلح أن يأخذ أقواله دائما مأخذ الجد. على أن رابطة الأصدقاء لم ~~تكن تخلو من نقار جدلي يبلغ أحيانا حد الشغب دون أن يوهن من ~~قوتها. تساءل حسن سليم وهو يرمق إسماعيل متهكما: وأنت كيف انتهى ~~سعي الساعين لك؟ # ضحك إسماعيل ضحكة عالية، كشف عن أسنانه الحادة المصفرة من أثر ~~التدخين الذي كان من أوائل رواده من تلاميذ الثانوي، وقال: نتيجة ~~لا تسر، لم تقبلني الطب ولا الهندسة لنقص المجموع، فلم يبق ~~أمامي إلا التجارة والزراعة، فاخترت أولاهما. # لاحظ كمال في تأثر كيف تجاهل صاحبه مدرسة المعلمين كأنما ليست في ~~الحسبان، غير أنه وجد في إيثاره لها، مع قدرته على دخول الحقوق ~~التي لا نزاع في مكانتها، وجد في ذلك مثالية تعزى بها على حزنه ~~ووحشته، ضحك حسين شداد ضحكته اللطيفة التي تجلو جمال ثغره وعينيه، ~~وقال: آه لو اخترت الزراعة! تصوروا إسماعيل في حقل يقضي عمره بين ~~الفلاحين. # قال إسماعيل بقناعة: لا علي من هذا لو كان الحقل في عماد ~~الدين. # عند ذاك نظر كمال إلى حسين شداد متسائلا: وأنت؟ # مد حسين بصره إلى بعيد متفكرا قبل أن يجيب، فأتاح لكمال فرصة ~~كي يتوسمه. شد ما تفتنه فكرة أنه شقيقها؛ أي إن بينهما ما قام ~~يوما بينه وبين خديجة وعائشة من مخالطة وألفة، تصور يعز عليه أن ~~يعتنقه، ms131 لكنه يجالسها، ويحادثها، وينفرد بها، ويلمسها، يلمسها؟! ~~ويؤاكلها! ترى كيف تتناول طعامها؟ هل تتمطق؟ هل تأكل الملوخية ~~والمدمس مثلا؟ ما أبعد هذا عن التصور أيضا! المهم أنه شقيقها، ~~وأنه - كمال - يلمس يده التي تلمس يدها، لو أتيح له أن يشم أنفاسه ~~التي تماثل ولا شك أنفاسها؟ أجاب حسين شداد: مدرسة الحقوق بصفة ~~مؤقتة. # ألا يحتمل أن يتخذ من فؤاد جميل الحمزاوي صديقا؟ لم لا؟ لا شك ~~أن الحقوق مدرسة جليلة الشأن حقا ما دام حسين سيلتحق بها، من ~~المجازفة أن تحاول إقناع الناس بقيمة مثال معنوي. # قال إسماعيل لطيف ساخرا: لم أكن أعلم أن من الطلاب من يلتحق ~~بمدرسة ما بصفة مؤقتة! حدثنا عن هذا من فضلك. # قال حسين شداد جادا: جميع المدارس عندي سواء، ليس في هذه ~~المدرسة أو تلك ما يجذبني إليها. حقا أريد أن أتعلم، ولكني لا ~~أريد أن أعمل، ولن أجد في مدرسة من مدارسنا ما أبتغيه من علم لا ~~يراد به عمل، ولكني لم أظفر في بيتنا بشخص يوافقني على رأيي، ولا ~~أرى مناصا من أن أجاريهم إلى حد ما. وساءلتهم أي مدرسة تختارون؟ ~~فأجاب أبي وهل يوجد غير الحقوق! فقلت إذن فلتكن الحقوق. # إسماعيل لطيف محاكيا لهجته وحركاته: بصفة مؤقتة. # ضحك عام، ثم استطرد حسين شداد قائلا: أجل بصفة مؤقتة أيها ~~المشاكس، فمن غير المستبعد إذا سارت الأمور على ما أشتهي أن أقطع ~~دراستي المحلية كي أسافر إلى فرنسا، ولو بحجة دراسة القانون في ~~معاهدها، وهناك أنهل من منابع الثقافات بغير قيد، وهنالك أفكر ~~وأرى وأسمع. # إسماعيل لطيف مصرا على محاكاة لهجته وحركاته، وكأنما يتم ما ~~ظن أن الآخر سكت عنه: وأذوق، وألمس، وأشم ...! # واصل حسين شداد حديثه بعد فاصل ضحك قائلا: ثق بأن مقصدي غير ما ~~تحلم به. # صدقه كمال بكل قلبه بلا حاجة إلى دليل؛ لا لأنه يكرمه عن شبهة ~~الكذب فحسب، ولكن لأنه يؤمن بأن الحياة التي يتطلع إلى الاستمتاع ~~بها في فرنسا خليقة «وحدها» باستهواء النفوس، هيهات أن يدرك ~~إسماعيل ms132 هذه الحقيقة على بساطتها، لا هو ولا أضرابه ممن لا ~~يؤمنون إلا بالأرقام والمظاهر، طالما أثار حسين أحلامه، هذا حلم ~~منها يمتاز بالرحابة والجمال، حلم عامر بثمار الروح، والفكر، ~~والسمع، والبصر، كم طاف بي في نومي، أو في يقظتي، ثم بعد شدة ~~التطلع وطول السعي انتهى المطاف بي وبه إلى مدرسة المعلمين، ~~وسأل حسين: أتعني حقا ما قلت من أنك لا تريد أن تعمل؟ # فقال حسين شداد وفي عينيه السوداوين الجميلتين نظرة حالمة: لن ~~أكون مضاربا في البورصة كأبي؛ لأني لا أطيق حياة العمل المتواصل ~~جوهرها، والمال غايتها، ولن أكون موظفا، لأن الوظيفة عبودية في ~~سبيل الرزق، ورزقي موفور. أريد أن أحيا في الدنيا سائحا، أقرأ، ~~وأرى، وأسمع، وأفكر، وأنتقل من جبل إلى سهل، ومن سهل إلى ~~جبل. # قال حسن سليم معترضا، وكان يرمقه طيلة الحديث بنظرة استخفاف ~~داراها بتحفظه الأرستقراطي: ليست الوظيفة وسيلة إلى الرزق دائما. ~~إني مثلا في غنى عن السعي إلى الرزق، ولكن يهمني بلا شك أن أشغل ~~وظيفة سامية، فإنه يجب على الإنسان أن يعمل، وأن العمل السامي هدف ~~يراد لذاته. # وقال إسماعيل لطيف، مصدقا على قول حسن: هذا حق، الأعمال ~~القضائية والدبلوماسية وظائف يتمناها أغنى الأغنياء. (ثم ملتفتا ~~إلى حسين شداد): لم لا تختار لنفسك وظيفة من هذه الوظائف وهي في ~~حدود طاقتك. # وقال كمال مخاطبا حسين أيضا: السلك السياسي حقيق بأن يهيئ لك ~~العمل السامي والسياحي معا. # ولكن حسن سليم قال بلهجة ذات معنى: إنه باب ضيق. # فقال حسين شداد: للسلك السياسي مزايا رائعة بلا ريب، إلا أنه في ~~الغالب وظيفة شرفية فلا يتعارض كثيرا مع رغبتي عن عبودية العمل، ~~وهو سياحة وفراغ يتيحان لي ما أحب من الحياة الروحية والجمالية، ~~ولكنني لا أظنني بالغه، لا لأنه باب ضيق كما قال حسن، ولكن لأني ~~أشك في أني سأواصل التعليم النظامي حتى نهايته. # إسماعيل لطيف، وهو يضحك متخابثا: يغلب على ظني أنك تريد فرنسا ~~لأمور لا شأن لها بالثقافة، وحسنا تفعل. # ضحك حسين شداد وهو ms133 يهز رأسه سلبا، ثم قال: كلا، أنت تفكر ~~بأهوائك، إن لرغبتي عن التعليم المدرسي أسبابا أخرى؛ أولها : أنني ~~غير مكترث لدراسة القانون، ثانيا: أنه لا توجد مدرسة يمكن أن ~~تمدني بما أريد الإلمام به من شتى المعارف والفنون، كالمسرح، ~~والتصوير، والموسيقى، والفلسفة. ما من مدرسة إلا وستشحن رأسك ~~بالتراب كي تعثر فيه - إن عثرت - على ذرات من التبر، في باريس ~~يتاح لك أن تشهد محاضرات في شتى الفنون والمعارف دون تقيد بنظام ~~أو امتحان، إلى ما يتهيأ لك من الحياة السامية الجميلة. # ثم مستطردا بصوت خافت، وكأنه يخاطب نفسه: وربما تزوجت هناك كي ~~أقضي العمر سائحا في عالمي الواقع والخيال. # لم يبد على وجه حسن سليم أنه يولي الحديث اهتماما جديا، أما ~~إسماعيل لطيف فرفع حاجبيه الكثيفين، تاركا عينيه تفحصان عما يضطرب ~~في صدره من مكر وسخرية. كمال وحده الذي بدا متأثرا متحمسا، ~~إنه يستشرف نفس الآمال مع شيء من تعديل لا يمس الجوهر، لا تهمه ~~السياحة ولا الزواج في فرنسا، ولكن من له بهذه المعارف التي لا ~~تتقيد بنظام أو امتحان؟ إنها أجدى بلا جدال من التراب الذي ~~سيشحن به رأسه في المعلمين كي يفوز في النهاية بذرات من التبر، ~~باريس؟ غدت حلما جميلا منذ علم بأنها احتضنت عهدا غضا من عمر ~~معبودته، لا تزال تدعو حسين بسحرها، وتفتن خياله هو بشتى وعودها، ~~كيف الشفاء من لوعة الآمال؟ # قال بعد تردد وإشفاق: يخيل إلي أن أقرب المدارس في مصر ~~إلى تحقيق ولو جزء يسير من رغبتك هي المعلمين العليا. # تحول إسماعيل لطيف نحوه فيما يشبه القلق، وسأله: ماذا اخترت ~~أنت؟ لا تقل مدرسة المعلمين! رباه، نسيت أن بك لوثة قريبة الشبه ~~بلوثة حسين. # ابتسم كمال ابتسامة عريضة كشفت عن مرونة منخريه العظيمين، وقال: ~~التحقت بالمعلمين للسبب الذي ذكرت. # فنظر حسين شداد إليه باهتمام، ثم قال باسما: لا شك أن ميولك ~~الثقافية أتعبتك كثيرا قبل أن يقع اختيارك. # فقال له إسماعيل لطيف بلهجة نمت عن الاتهام: إنك مسئول لدرجة ~~كبيرة ms134 عن توكيد ميوله هذه، بل الحق أنك تتكلم كثيرا وتقرأ قليلا، ~~أما المسكين فيأخذ الأمر مأخذ الجد ، ويقرأ لحد العمى، انظر إلى ~~تأثيرك السيئ فيه كيف دفع به إلى المعلمين نهاية الأمر! # استطرد حسين حديثه متجاهلا مقاطعة إسماعيل: هل ثبت لديك أن في ~~المعلمين ما تود؟ # قال كمال بحماس، وقد انشرح صدره بأول صوت يتساءل عن مدرسته بلا ~~احتقار أو استنكار: حسبي أن تتاح لي دراسة الإنجليزية لأتخذ منها ~~وسيلة ناجعة للاطلاع غير المحدود، وإلى هذا فهناك فرصة طيبة - فيما ~~أظن - لدراسة التاريخ، والتربية، وعلم النفس. # فكر حسين شداد قليلا، ثم قال: عرفت كثيرا من المعلمين الذين ~~خالطتهم عن كثب في دروسي الخصوصية، لم يكونوا مثالا طيبا للرجل ~~المثقف، ولكن لعل النظام الدراسي العتيق هو المسئول عن ~~ذلك. # فقال كمال بحماس لم يفتر: حسبي الوسيلة، الثقافة الحقة تتوقف على ~~الإنسان لا المدرسة. # وتساءل حسن سليم: أتنوي أن تصير معلما؟ # ومع أن حسن طرح سؤاله بأدب، فإن كمال لم يطمئن إليه كل ~~الاطمئنان؛ إذ إن التزامه الأدب كان طبعا مأثورا عنه فلا يزايله ~~إلا عند الضرورة القصوى، أو حيث يشرع غيره في العراك، وذلك نتيجة ~~طبيعية لرزانته من ناحية، ولتربيته الأرستقراطية النبيلة من ناحية ~~أخرى، فلم يكن من اليسير على كمال أن يعرف إن كان سؤال صاحبه يخلو ~~حقا من الاستنكار أو الازدراء. لذلك حرك منكبيه استهانة، ~~وقال: لا مفر من ذلك ما دمت مصمما على تعلم ما أروم من ~~العلم. # وكان إسماعيل لطيف يتفحص كمال من طرف خفي ... رأسه، وأنفه، وعنقه ~~الطويل، وقامته النحيلة، وكأنما كان يتخيل أثر هذه الصورة في ~~التلاميذ عامة وفي أشقيائهم خاصة، فما ملك أن غمغم: تلك لعمري ~~كارثة! # أما حسين شداد، فعاد يقول في لطف وشى بميله إلى كمال: الوظيفة ~~شيء ثانوي عند ذوي الأهداف البعيدة، على أنه لا ينبغي أن ننسى أن ~~نخبة من نابهي مصر قد تخرجوا في المدرسة. # انقطع حديث المدرسة عند ذاك، فساد الصمت، وحاول كمال أن يلقي ~~بروحه في أحضان ms135 الحديقة، غير أن الحديث ترك في رأسه حرارة كان عليه ~~أن ينتظر حتى تبترد، وسنحت منه نظرة ، فرأى دورق الماء المثلوج ~~على المائدة، فخطرت له خاطرة قديمة طالما منته بالسعادة في مثل ~~ظرفه هذا، أن يملأ كوبا ويشربه لعله يلمس بشفتيه موضعا منه يكون ~~قد اتفق أن لمسته شفتاها وهي تشرب مرة. فقام إلى المائدة، وملأ من ~~الدورق كوبا وشربه، ثم عاد إلى مجلسه مركزا انتباهه في نفسه وهو ~~يترقب، كأنما كان ينتظر - فيما لو حالفه الحظ فأصاب الهدف - أن ~~يتغير شأنه، أن تنبثق من روحه قوة سحرية لا عهد له بها، أن ينتشي ~~بنشوة إلهية يرقى بها في معارج السموات السعيدة، ولكنه، أجل، ولكنه ~~قنع في النهاية بلذة المغامرة وبهجة الأمل، ثم راح يتساءل في ~~قلق: متى تجيء؟ ... هل يمكن أن تلحق هذه الفترة الواعدة بأشهر ~~الفراق الثلاثة الماضية؟ ... وعادت عيناه إلى الدورق، فطافت به ذكرى ~~حديث قديم دار بينه وبين إسماعيل لطيف عن هذا الدورق، أو بالحري ~~عن الماء المثلوج الذي لا يقدم إليهم شيء خلافه في سراي شداد. ~~وكان إسماعيل قد أشار - وهو بصدد الحديث عن ذلك - إلى النظام ~~الاقتصادي الدقيق الذي تخضع له السراي من السطح إلى البدروم، ~~وتساءل: أليس ذلك نوعا من البخل؟ غير أن كمال أبى أن توصم أسرة ~~معبودته بما يشين، فدفع عنها التهمة مستشهدا ببذخها، وخدمها، ~~وحشمها، والسيارتين اللتين تملكهما: المنيرفا، والفيات التي يكاد ~~يختص بها حسين، فكيف تتهم بعد ذلك بالبخل؟ هنالك قال إسماعيل - ~~ولم يكن يعوزه طول اللسان - إن البخل أنواع، وإنه لما كان شداد بك ~~مليونيرا بكل معنى الكلمة، فإنه رأى لزاما عليه أن يحيط نفسه ~~بمظاهر الجاه، ولكنه اكتفى بما يعد في «بيئته» من الضروريات. أما ~~القاعدة المتبعة التي لا يحيد عنها فرد من الأسرة، فهي ألا يتسامح ~~في إنفاق مليم واحد في غير موضعه وبلا موجب ... الخدم يتناولون أدنى ~~الأجور ويأكلون أقل الطعام: وإن كسر أحدهم طبقا خصم ثمنه من ~~مرتبه. حسين شداد نفسه فتى الأسرة الوحيد ms136 لا يعطى مصروفا أسوة ~~بأمثاله من الأبناء أن يتعود بعثرة النقود بلا ضرورة، أجل ربما ~~ابتاع له أبوه كل عيد عددا من الأسهم أو السندات، ولكنه لا يعطيه ~~قرشا في يده ... أما زوار النجل العزيز، فلا يقدم لهم إلا الماء ~~المثلوج! ... أليس هذا بخلا، وإن يكن بخلا أرستقراطيا؟ ذكر كمال ~~ذلك الحديث وهو ينظر إلى الدورق، وتساءل كما تساءل قديما في ~~ارتياع: أمن الممكن أن ترتقي إلى أسرة معبودته هنة من الهنات؟ ~~أبى قلبه أن يصدق هذا إباء من ينزه الكمال عن المآخذ وإن هانت، ~~بيد أنه خيل إليه أن ثمة شعورا بما يشبه الارتياح يعابثه ~~هامسا في أذنه: «لا تفزع، أليس هذا النقص إن صح مما ينزلها ولو ~~درجة إليك، أو يرفعك ولو درجة إليها؟» ومع أنه وقف من أقوال ~~إسماعيل موقف التحفظ والارتياب، فإنه وجد نفسه يعيد النظر وهو ~~لا يدري في «رذيلة» البخل، فيقسمها إلى نوع دنيء وآخر ليس إلا ~~سياسة حكيمة تمد الحياة الاقتصادية بأسس بارعة من النظام والدقة، ~~فمن الإسراف كل الإسراف تسميته بخلا أو اعتباره رذيلة، كيف لا، ~~وهو لا يتعارض مع تشييد القصور، واقتناء السيارات، واتخاذ كافة ~~مظاهر البذخ والبلهنية؟ كيف لا، وهو يصدر عن نفوس سامية مطهرة من ~~الخبائث والضعة؟ # استيقظ من أفكاره على يد إسماعيل لطيف وهي تقبض على ذراعه وتهزه، ~~ثم سمعه وهو يقول مخاطبا حسن سليم: حذار، ها هو مندوب الوفد يرد ~~عليك. # أدرك من فوره أنهم طرقوا حديث السياسة وهو عنهم ساه، حديث ~~السياسة ... ما أشقه وما ألذه! دعاه إسماعيل «مندوب الوفد» فلعله ~~يتهكم، فليتهكم ما شاء له أن يتهكم، الوفد عقيدة تلقاها عن فهمي، ~~واقترنت في قلبه باستشهاده وتضحيته. نظر إلى حسن سليم، وقال ~~باسما: أيها الصديق الذي لا تبهره إلا العظة، ماذا قلت عن ~~سعد؟ # لم يبد حسن سليم أنه اكترث لحديث العظمة، ولم يكن كمال يتوقع ~~غير ذلك، فطالما صاوله حتى وقف على رأيه العنيد المتعجرف - ~~ولعله رأي أبيه المستشار أيضا - في سعد زغلول الذي ms137 يكاد هو من ~~حب وإخلاص أن يقدسه. لم يكن سعد زغلول إلا مهرجا شعبيا في ~~نظر حسن سليم، وكان يردد هذا الوصف في تقزز وازدراء مثيرين ~~خارقا المعتاد من أدبه ودماثته، ثم يمضي في السخرية من سياسته ~~ومأثوراته البلاغية، منوها في الوقت نفسه بعظمة عدلي، وثروت، ~~ومحمد محمود، وغيرهم من الأحرار الدستوريين الذين لم يكونوا في ~~نظر كمال إلا «خونة»، أو إنجليز مطربشين. أجاب حسن سليم بهدوء: ~~كنا نتحدث عن المفاوضات التي لم تستمر إلا ثلاثة أيام، ثم ~~قطعت. # فقال كمال بحماس: يا له من موقف وطني جدير بسعد حقا! طالب ~~بحقوقنا الوطنية مترفعا عن المساومة. ثم قطع المفاوضة حين وجب ~~قطعها، وقال قولته الخالدة: «لقد دعونا إلى هنا لكي ننتحر، ولكننا ~~رفضنا الانتحار، وهذا كل ما جرى.» # قال إسماعيل لطيف، وكان يجد في السياسة مادة للعبث: لو قبل أن ~~ينتحر لتوج حياته بأجل خدمة يمكن أن يؤديها إلى ~~بلاده. # انتظر حسن سليم حتى فرغ إسماعيل وحسين من الضحك، ثم قال: ماذا ~~أفدنا من هذه المأثورة؟ ليست الوطنية عند سعد إلا نوعا من البلاغة ~~التي تستهوي العامة «لقد دعونا إلى هنا لكي ننتحر ... إلخ، إلخ!» ~~«يعجبني الصدق في القول ... إلخ، إلخ!» ... كلام في كلام، هنالك رجال ~~لا يتكلمون ولكنهم يعملون في صمت، وقد حققوا للوطن الفائدة ~~الوحيدة التي جناها في تاريخه الحديث. # احتدم الغيظ في قلب كمال، ولولا ما يكنه لحسن من احترام لشخصيته ~~وسنه لانفجر، وعجب كيف يتابع «شاب» مثله أباه - وهو من جيل قديم ~~على أي حال - في انحرافه السياسي. ~~- أنت تقلل من شأن الكلام كأنه لا شيء، الحق أن أخطر ما ~~تمخض عنه تاريخ البشرية من جلائل الأمور يمكن إرجاعه في النهاية ~~إلى كلمات، الكلمة العظيمة تتضمن الأمل والقوة والحقيقة، نحن ~~نسير في الحياة على ضوء كلمات، على أن سعد ليس صانع كلمات فحسب، ~~إن سجله حافل بالأعمال والمواقف. # تخلل حسين شداد شعره الفاحم بأنامله الطويلة الرشيقة وهو يقول: ~~أوافق على ما قلت عن قيمة الكلمة بصرف ms138 النظر عن سعد ...! # لم يعبأ حسن بمقاطعة حسين شداد، فقال مخاطبا كمال: إن الأمم ~~تحيا وتتقدم بالعقول والحكمة السياسية والسواعد، لا بالخطب ~~والتهريج الشعبي الرخيص. # نظر إسماعيل لطيف إلى حسين شداد، وهو يتساءل ساخرا: ألا ترى أن ~~من يتعب نفسه في الكلام عن إصلاح هذا البلد كالنافخ في قربة ~~مثقوبة؟ # التفت كمال إلى إسماعيل ليخاطب من وراء حسن بما تردد عن ~~مخاطبته به وجها لوجه، قال منفسا عن غيظه: أنت لا تهمك ~~السياسة في شيء، لكن مزاحك يفصح أحيانا عن موقف «فئة» من ~~المحسوبين على المصريين كأنك ناطق بلسانهم، تراهم يائسين من ~~نهوض الوطن، يأس الاحتقار والتعالي لا يأس الطموح والتطرف، ~~ولولا أن السياسة مطية لأطماعهم لاعتزلوها كما تفعل أنت. # ضحك حسين شداد ضحكته اللطيفة، ومد يده إلى ذراع كمال، فشد ~~عليها قائلا: أنت مجادل عنيد، يعجبني حماسك وإن لم أشاركك ~~الإيمان به، على أنني كما تعلم محايد، لا من الوفديين ولا من ~~الدستوريين، لا استهانة كإسماعيل لطيف، ولكن لاعتقادي بأن السياسة ~~تفسد الفكر والقلب، ينبغي أن تعلو عليها حتى تتراءى لك الحياة ~~ميدانا لا نهائيا للحكمة والجمال والتسامح، لا معترك صراع ~~وكيد. # ارتاح إلى صوت حسين فسكنت فورته، كان يطرب لموافقته إذا وافقه ~~على رأي، ويتسع صدره لمعارضته إذا عارضه فيه، ومع أنه كان يشعر ~~بأن تبريره للحياد ما هو إلا اعتذار عن ضعف وطنيته، فإنه لم يحنق ~~عليه لذلك، ولم ير فيه نقيصة ولكن وسعها عفوه وحلمه وتسامحه، ~~قال يجاريه: الحياة هي هذا كله، هي الصراع، والكيد، والحكمة، ~~والجمال، فأي وجه تتجاهله من وجوهها تفقد به فرصة لاستكمال فهمك ~~لها وقدرتك على التأثير فيها بما يوجهها نحو الأحسن. لا تحتقر ~~السياسة أبدا؛ فالسياسة هي نصف الحياة، أو هي الحياة كلها إذا ~~عددت الحكمة والجمال مما فوق الحياة! # حسين شداد كالمعتذر: فيما يتعلق بالسياسة، أصارحك بأنني لا أثق ~~في جميع أولئك الرجال. # سأله كمال كالمتودد: ماذا نزع ثقتك من سعد؟ ~~- بل دعني أسألك عما يجعلني أضع ثقتي فيه؟! ... سعد ms139 وعدلي، وعدلي ~~وسعد، ما أسخف هذا كله! على أنه إذا كان سعد وعدلي سيين عندي في ~~الناحية السياسية فإنني لا أراهما كذلك كرجلين؛ إذ لا يمكن أن ~~أتجاهل ما يمتاز به عدلي من كريم الأصل، وعظيم الجاه والثقافة، أما ~~سعد - وإياك أن تغضب - فما هو إلا أزهري قديم. ~~- آه، شد ما يحز في نفسه أن يند عن حسين أحيانا ما يشي ~~بتعاليه عن الشعب، فيشعر وهو من الحزن في نهاية كأنه يتعالى عنه هو ~~أو - وهو الأدهى والأمر - كأنه ينطق بلسان الأسرة جميعا، أجل ~~إنه إذا حادثه أشعره كأنما يتكلم عن شعب غريب «عنهما» معا، ولكن ~~أكان ذلك عن خطأ في التصوير أم عن مجاملة؟ ومن عجب أن موقف حسين ~~هذا لم يغضبه من ناحية دلالته العامة بقدر ما أحزنه من ناحية ~~دلالته الخاصة به، فلم يستثر عداوته الطبقية ولا إحساسه الوطني. ~~انهزمت هذه المشاعر حيال بشاشة وضيئة تنم عن الصراحة وحسن ~~الطوية، وتراجعت أمام حب لا تنال منه الآراء والأحداث، على الضد ~~من هذا كان شعوره حيال موقف حسين شداد منه، فكان - رغم صداقتهما - ~~يهيج غضبه لوطنه - ولم يشفع له عنده تأدبه في الخطاب، وتحفظه في ~~إظهار مشاعره، بل لعله آنس فيهما «حكمة» تضاعف من مسئوليته، ~~وتؤكد تعصبه الأرستقراطي الموجه ضد الشعب. قال مخاطبا حسين: ~~أفي حاجة أنا أن أذكرك بأن العظمة شيء غير العمامة والطربوش، ~~أو الفقر، أو الغنى؟ يبدو لي أن السياسة تضطرنا أحيانا إلى ~~مناقشة البديهيات. # قال إسماعيل لطيف: إن ما يعجبني في الوفديين - أمثال كمال - ~~هو شدة تعصبهم. # ثم وهو يجيل بصره في الجالسين: أما ما يسوءني منهم، فهو شدة ~~تعصبهم أيضا. # قال حسين شداد ضاحكا: أنت سعيد الحظ؛ لأنك مهما أبديت في ~~السياسة من رأي، فلن يعترض سبيلك معقب. # هنا سأل حسن سليم حسين شداد قائلا: تزعم أنك تربأ بنفسك عن ~~السياسة، فهل تصر على ذلك حتى إذا تعلق الأمر بالخديو ~~السابق؟ # اتجهت الأعين نحو حسين في تحد باسم لما هو معروف عن تشيع ms140 ~~والده شداد بك للخديو السابق، الأمر الذي أبعد من أجله أعواما ~~قضاها في باريس، ولكن حسين قال في غير مبالاة: لا تعنيني هذه ~~الأمور في كثير أو قليل، كان والدي ولا يزال من رجال الخديو، ~~ولكنني لست مطالبا باعتناق آرائه. # سأله إسماعيل لطيف، وفي عينيه الضيقتين بريق ضاحك: أكان والدك ~~من الذين يهتفون «الله حي ... عباس جي»؟ # فقال حسين شداد ضاحكا: لم أسمع عن هذا الذكر إلا منكم، والحق ~~الذي لا ريب فيه، أنه لم يعد بين أبي وبين الخديو إلا الصداقة ~~والوفاء، وفضلا عن ذلك فليس ثمة حزب - كما تعلمون - يدعو اليوم ~~إلى عودة الخديو. # قال حسن سليم: أمسى الرجل وعهده في ذمة التاريخ، الحاضر يمكن ~~تلخيصه في كلمتين، وهما: أن سعد يأبى أن يقوم في مصر من يتكلم ~~باسمها غيره ولو كان خير الرجال وأحكمهم. # لم يكد يتلقى الضربة كمال حتى جاوبه قائلا: الحاضر في كلمة ~~واحدة، أن ليس في مصر من يتكلم باسمها إلا سعد، وأن التفاف ~~الأمة حوله جدير في النهاية بأن يبلغ بها ما نرجو من ~~الآمال. # وشبك ذراعيه على صدره، ومد ساقيه حتى مس طرف حذائه رجل ~~المائدة، وهم بالاسترسال في حديثه لولا أن جاءهم من الوراء صوت ~~غير بعيد يتساءل: «ألا تريدين يا بدور أن تحيي أصدقاءك القدماء؟» ~~فانعقد لسانه، ووثب قلبه وثبة عنيفة رجت صدره رجا أفزعه أول ~~الأمر وآلمه، وفي أسرع من لمعان البرق استغرقته سكرة طاغية من ~~السعادة كاد يغمض لها عينيه من شدة التأثر، ثم وجد أن كل خاطرة ~~تنبض بها نفسه قد اتجهت صوب السماء، قام مع الأصدقاء كما قاموا، ~~واستدار معهم إلى الوراء، فرأى على بعد خطوة من الكشك عايدة ~~واقفة ممسكة بيد بدور شقيقتها الصغرى ذات الأعوام الثلاثة، وهما ~~يتطلعان إليهم بأعين هادئة باسمة. ها هي ذي بعد انتظار ثلاثة أشهر ~~أو يزيد، ها هو «الأصل» الذي تملأ «صورته» روحه وجوارحه، ويقظته ~~ونومه، ها هي قائمة أمام عينيه شاهدا على أن الألم الذي لا حد ~~له ms141 والسرور الذي لا وصف له، واليقظة المحرقة للنفس والحلم المدوم ~~في السماء، إن كل أولئك ربما رجعت في آخر الأمر إلى آدمي لطيف تترك ~~قدماه انطباعاتهما على أرض الحديقة. ورنا إليها فجذب مغناطيسها ~~شعوره كله حتى سلبه الإحساس بالزمان والمكان، والأناسي والنفس، ~~فعاد كأنه روح مجردة تسبح في فراغ نحو معبودها ... على أن ~~إدراكه لها هي نفسها لم يكن حسيا بقدر ما كان روحيا، تمثل في ~~نشوة ساحرة، وغبطة شادية، وسبحة عالية، بينا وهنت منه الرؤية أو ~~تلاشت، كأن قوة انفعاله الروحي استأثرت بكل حيويته فغودرت حواسه ~~وقواه العاقلة، والمدركة، والملاحظة في سبات أشرف به على نوع من ~~الفناء. لذلك كانت دائما أطوع لذاكرته منها إلى حواسه، لا يكاد ~~يرى منها وهو في محضرها شيئا، ولكنها تتراءى فيما يعد في ~~ذاكرته بقامتها الهيفاء ووجهها البدري الخمري، وشعر عميق السواد ~~مقصوص «ألا جرسون» ذي قصة مسترسلة على الجبين كأسنان المشط، ~~وعينين ساجيتين تلوح فيهما نظرة لها هدوء الفجر ولطفه وعظمته، ~~كان يرى هذه الصورة بذاكرته لا بحواسه كالنغمة الساحرة نفنى في ~~سماعها فلا نذكر منها شيئا حتى تفاجئنا مفاجأة سعيدة في ~~اللحظات الأولى من الاستيقاظ أو في ساعة انسجام، فتتردد في أعماق ~~الشعور في لحن متكامل. وتساءلت أحلامه وأمانيه: ترى هل تغير من ~~طريقتها المألوفة فتمد يدها للمصافحة فيلمسها ولو مرة في الحياة؟ ~~لكنها حيتهم بابتسامة وتحنية من رأسها، وهي تتساءل بذلك الصوت الذي ~~يزري بأحب الألحان إليه: كيف حالكم جميعا؟ # فاستبقت الأصوات إليها بالتحية، والشكر، والتهنئة على سلامة ~~العودة، عند ذاك عبثت أناملها الرشيقة برأس بدور وهي تقول لها: ~~صافحي أصدقاءك. # فثنت بدور شفتيها داخل فيها وعضت عليهما، وهي تردد عينيها ~~بينهم في حياء حتى استقرتا على كمال، فابتسمت وابتسم. قال حسين ~~شداد، وكان على علم بما بين الطفلة وكمال من مودة: إنها تبتسم ~~لمن تحبه. ~~- أتحبين هذا حقا؟ (ثم وهي تدفعها نحوه) إذن سلمي ~~عليه. # مد لها كمال يديه متورد الوجه من السرور، فأقبلت نحوه، فرفعها ~~بين يديه حتى ms142 أقرها في حضنه، وراح يقبل خديها في حنان وتأثر ~~شديدين. كان بهذا الحب سعيدا فخورا، ليست التي بين يديه إلا ~~فلذة من جسد الأسرة؛ فهو يضم الكل إذ يضم الجزء إلى صدره، هل ~~أمكن اتصال العبد بمعبوده إلا عن وساطة كهذه الوساطة؟ ... والسحر كل ~~السحر في هذا الشبه الغريب بين الطفلة وشقيقتها، كأن المطمئنة ~~إلى صدره عايدة نفسها في طور من أطوار حياتها الماضية، كانت يوما ~~مثل بدور سنا، وحجما، وجودا فتأمل! ... فليهنأه هذا الحب الطاهر ~~... ليسعد بعناق جسم تعانقه هي ... وبتقبيل وجنة تقبلها هي ... ~~وليحلم حتى يشرد منه العقل والقلب، إنه يدري لم يحب بدور ولم ~~يحب حسين ولم يحب القصر وحديقته وخدمه، إنه يحبها جميعا ~~إكراما لعايدة، أما الذي لا يدريه فهو حب عايدة نفسها! ... رددت ~~عايدة عينيها بين حسن سليم وإسماعيل لطيف، ثم سألتهما: كيف وجدتما ~~الإسكندرية؟ # فقال حسن: رائعة. # على حين تساءل إسماعيل: ماذا يجذبكم إلى رأس البر ~~دواما؟ # فقالت بصوت رخيم مشربة نبراته بعذوبة موسيقية: صيفنا مرات في ~~الإسكندرية، ولكن الاصطياف لا يطيب لنا إلا في رأس البر، هنالك ~~الهدوء، والبساطة، وألفة لا تجدها إلا في بيتك. # فقال إسماعيل ضاحكا: من سوء الحظ أن الهدوء لا يطيب لنا. # ما أسعده بهذا المنظر! ... هذا الحديث ... هذا الصوت. تأمل أليست هذه ~~هي السعادة؟ فراشة كنسمة الفجر تقطر ألوانا بهيجة، وترشف رحيق ~~الأزاهر ... هذا أنا، لو يدوم هذا الموقف إلى الأبد. # قالت عايدة: كانت رحلة ممتعة، ألم يحدثكم حسين عنها؟ # قال حسين بلهجة انتقادية: بل كانوا يتناقشون في السياسة. # فالتفتت ناحية كمال قائلة: هنا شخص لا يحلو له إلا ~~حديثها. # من عينيها نظرة تلقى إليك كالرحمة، صفاؤها يجلو روحا ~~ملائكيا، بعثت كما يبعث عباد الشمس في ضوئها المشرق، لو يدوم هذا ~~الموقف إلى الأبد! ~~- لم أكن المسئول عن إثارة المناقشة اليوم. # فقالت باسمة: لكنك اغتنمت الفرصة. # ابتسم في تسليم، وعند ذاك حولت عينيها إلى بدور هاتفة: أتنوين أن ~~تنامي بين ذراعيه! كفاك سلاما. # غلب الحياء بدور، فدفنت رأسها ms143 في صدره، فجعل يربت على ظهرها ~~في حنان، غير أن عايدة توعدتها قائلة: إذن سأتركك وأرجع ~~وحدي . # فرفعت بدور ومدت لها يدها وهي تغمغم «لا»، فقبلها كمال وأنزلها ~~إلى الأرض، فجرت إلى عايدة، وقبضت على يدها. ألقت عايدة عليهم نظرة ~~شاملة، ثم لوحت بيدها تحية وذهبت من حيث أتت، عادوا إلى مقاعدهم ~~فواصلوا الحديث كيفما اتفق، هكذا كانت تقع زيارات عايدة في كشك ~~الحديقة، مفاجأة سعيدة قصيرة، ولكنه بدا قانعا، وشعر بأن تصبره ~~طيلة أشهر الصيف لم يذهب هدرا. لم لا ينتحر الناس ضنا ~~بالسعادة كما ينتحرون فرارا من الشقاء؟ ليس من الضروري أن تسيح ~~كما يود حسين أن يسيح كي تلقى متع الحواس والعقل والروح، فمن ~~الجائز أن تفوز بكل أولئك في لحظة خاطفة دون أن تبرح مكانك، من أين ~~لبشر أن يؤتى القدرة على إحداث هذا كله؟ أين فورة السياسة، ~~وحرارة الجدل، واحتدام الخصام، وتصادم الطبقات؟ ... ذابت كلها وتوارت ~~تحت نظرة من عينيك يا معبودتي، ما الفاصل بين الحلم والحقيقة؟ وفي ~~أيهما تراني أهيم الساعة؟ ~~- موسم الكرة سيبدأ عما قريب. ~~- كان الموسم الماضي موسم الأهلي دون شريك. ~~- هزم المختلط بالرغم من أن فريقه يضم أبطالا أفذاذا. # انبرى كمال للدفاع عن المختلط - كما دافع عن سعد - صادا عنه ~~هجمات حسن سليم. كان أربعتهم من لاعبي الكرة على تفاوت في الحذق ~~والحماس. فكان إسماعيل أمهرهم إلى حد أنه برز بينهم كالمحترف ~~بين الهواة. على حين كان حسين شداد أضعفهم. أما كمال وحسن فكانا ~~بين ذلك. وقد اشتدت المناظرة بين كمال وحسن. ذاك يرجع هزيمة ~~المختلط إلى سوء الحظ، وهذا يردها إلى تفوق لاعبي الأهلي ~~الجدد ... واستمر الجدل دون أن ينزل أحدهما عن رأيه. تساءل كمال: ~~لم يجد نفسه دائما في الجانب المضاد للجانب الذي يقف فيه حسن ~~سليم؟ الوفد الأحرار، المختلط الأهلي، حجازي مختار، وفي السينما ~~يفضل شارلي شابلن فيفضل الآخر ماكس لندر. # غادر المجلس قبيل المغيب، وفيما هو يسير في الممر الجانبي ~~المفضي إلى الباب الخارجي إذ سمع صوتا ms144 يهتف: ها هو ذا. # رفع رأسه مسحورا فرأى عايدة في إحدى نوافذ الدور الأول، ~~مجلسة بدور على حافة النافذة بين يديها وهي تشير لها إليه، وقف ~~تحت النافذة مباشرة مرفوع الرأس، يتطلع بوجه باسم إلى الطفلة ~~التي لوحت له بيدها الصغيرة، ويلمح بين لحظة وأخرى إلى الوجه ~~الذي استقرت في هيئته ورموزه آماله في الحياة وما بعد الحياة، ~~وقلبه يتلاطم بين الضلوع سكرا، لوحت له بدور بيدها مرة أخرى، ~~فسألتها عايدة: تذهبين إليه؟ # حنت الصغيرة رأسها بالإيجاب، فضحكت عايدة من هذه الرغبة التي ~~لن تتحقق، على حين مضى هو يتوسمها متشجعا بضحكاتها - ~~غارقا بروحه في حور عينيها، وملتقى حاجبيها مسترجعا صدى ~~ضحكتها المترعة، ونبرات صوتها الدافئ حتى اضطربت أنفاسه من وجد ~~وهيام. ولما كان الموقف يملي عليه أن يتكلم، فقد سأل معبودته وهو ~~يشير إلى محبوبته الصغيرة: هل ذكرتني في المصيف؟ # قالت عايدة وهي تتراجع برأسها قليلا: سلها هي، لا شأن لي بما ~~بينك وبينها. # ثم مستدركة قبل أن ينبس هو بكلمة: هل ذكرتها أنت؟ # آه، موقفك فوق السطح بين مريم وفهمي، قال بحرارة: لم تغب عن ~~ذاكرتي يوما واحدا. # نادى عند ذاك صوت من داخل القصر فاعتدلت عايدة في وقفتها، ورفعت ~~بدور بين يديها، ثم قالت معلقة على كلامه وهي تهم بالذهاب: يا ~~له من حب عجيب! # وغابت عن النافذة. # 15 # لم يبق من رواد مجلس القهوة إلا أمينة وكمال، وحتى كمال كان ~~يبرحه عند الأصيل إلى الخارج فتلبث الأم بمفردها، أو تدعو أم ~~حنفي إلى مؤانستها حتى يحين وقت النوم. وكان ياسين قد خلف وراءه ~~فراغا، ومع أن أمينة حرصت دائما على ألا تعود إلى ذكراه، فإن ~~كمال شعر لغيابه بوحشة غاضت أبهج ما كان يجد في مجلس القهوة من ~~متعة. وكانت القهوة - قديما - شراب المجلس الذي يجتمع حوله ~~الأبناء للسمر، فانقلب اليوم - عند الأم - كل شيء فيه، فأسرفت ~~في حسوها إسرافا وهي لا تدري حتى صار صنع القهوة وحسوها سلوة ~~وحدتها، فربما احتست خمسة أو ستة - وأحيانا ms145 عشرة - فناجيل تباعا، ~~وكان كمال يتابع إفراطها بقلق ويحذرها من عواقبه، فترد عليه ~~بابتسامة كأنما تقول له «وماذا أفعل إذا لم أشرب؟» ثم تقول له ~~بلهجة الواثق المطمئن: «لا ضرر من القهوة.» ... جلسا متقابلين، هي ~~على الكنبة الفاصلة بين حجرتي النوم والمائدة، وهو على الكنبة ~~المتوسطة لحجرتي نومه ومكتبه، وكانت عاكفة على المجمرة التي دفنت ~~الكنجة حتى نصفها في جمراتها، وكان صامتا شارد النظرة، وفجأة ~~سألته: فيم تفكر يا ترى؟ دائما ترى وكأنك مشغول الفكر بأمر ذي ~~بال. # آنس من صوتها ما يشبه العتاب، فقال: العقل يجد دائما ما ~~يشغله. # فرفعت إليه عينيها الصغيرتين العسليتين كالمتسائلة، ثم قالت في ~~شيء من الحياء: مضى زمن كنا لا نجد وقتا يتسع لحديثنا. # حقا؟ ذلك ماض مضى، عهد الدروس الدينية، وقصص الأنبياء ~~والشياطين. عهد تعلقه بها لحد الجنون، انقضى ذلك العهد، فيم ~~يتحدثان اليوم؟ إلا تكن دردشة لا معنى لها فلا وجه للكلام على ~~الإطلاق. ابتسم كأنما يعتذر بابتسامة عن صمته السابق واللاحق ~~معا، ثم قال: نحن نتكلم كلما وجدنا للكلام موضوعا. # فقالت برقة: ليس للكلام حدود لمن أراد أن يتكلم، ولكنك تبدو ~~غائبا دائما أو كالغائب. # ثم بعد تفكير: أنت تقرأ كثيرا، في عطلتك تقرأ، كما تقرأ في وقت ~~دراستك، لم تستوف يوما حظك من الراحة، أخاف أن تكون أتعبت نفسك ~~أكثر مما ينبغي. # فقال كمال بلهجة دلت على أنه لم يرحب بهذا التحقيق: اليوم ~~طويل جدا، وقراءة ساعات لا يمكن أن تتعب إنسانا، ليست إلا ~~نوعا من التسلية، وإن تكن تسلية مفيدة. # فقالت بعد تردد: أخاف أن تكون القراءة سبب ما يبدو عليك كثيرا ~~من الصمت والشرود. # كلا ليست القراءة، القراءة ملاذ من التعب لو تعلمين، شيء آخر ~~يشغل عقله طيلة الوقت ولا يسلم منه وقت القراءة نفسه، شيء لا علاج ~~له لا عندها ولا عند غيرنا من البشر، إنه مرض قلب يتعبد حائرا، ~~ولا يدري ماذا وراء عنائه يروم! قال بمكر: القراءة كالقهوة لا ~~ضرر منها، ألا تحبين أن أصير ms146 «عالما» كجدي؟ # فشاعت البهجة والفخار في الوجه المستطيل الشاحب، وقالت: بلى، ~~إني أود ذلك بكل قلبي، ولكنني أحب أن أراك دائما منشرح ~~الصدر. # قال باسما: إني منشرح الصدر كما تحبين، فلا تشغلي البال بمحض ~~أوهام. # كان يلاحظ أن رعايتها له ازدادت في السنوات الأخيرة أكثر مما ~~ينبغي. وأكثر مما يود، وأن تعلقها به، وحدبها عليه، وإشفاقها ~~مما يضره - أو مما تتوهم أنه يضره - باتت شغلها الشاغل إلى ~~حد ضايقه واستفزه للذود عن حريته وكرامته، بيد أنه لم تغب ~~عنه أسباب هذا التطور الذي بدا عقب مصرع فهمي، وابتلائها بفقده، ~~فلم يجاوز أبدا في ذوده عن حريته حدود اللطف والأدب: يسرني أن ~~أسمع هذا منك وأن يكون حقا وصدقا، لست أبغي إلا سعادتك، ولقد ~~دعوت لك اليوم في سيدنا الحسين دعاء أرجو أن يمن الله ~~باستجابته. ~~- آمين. # ونظر إليها وهي ترفع الكنجة لتملأ فنجانها للمرة الرابعة، فانفرج ~~ركنا فيه عن ابتسامة خفيفة ... ذكر كيف كانت زيارة الحسين لديها ~~أمنية في حكم المستحيل، ها هي اليوم تزوره كلما زارت القرافة أو ~~السكرية، ولكن ما أفدح الثمن الذي دفعته نظير هذه الحرية ~~الضئيلة! هو نفسه له أمانيه التي في حكم المستحيل، فأي ثمن تقتضيه ~~كي تتحقق؟ ألا إن أي ثمن - وإن جل - يهون في سبيل ذلك. عاد ~~يقول ضاحكا ضحكة مقتضبة: إن لزيارة الحسين ذكريات لا ~~تنسى. # تحسست ترقوتها بيديها، وهي تبتسم قائلة: وأثر باق لا ~~يزول. # فقال كمال في شيء من الحماس: لست اليوم حبيسة البيت كما كنت ~~قديما، أصبح من حقك أن تزوري خديجة وعائشة أو سيدنا الحسين كلما ~~أردت، تصوري أي حرمان كنت تمنين به نفسك لو لم يفك أبي ~~قيودك! # رفعت إليه عينيها فيما يشبه الارتباك أو الخجل، كأنما كبر عليها ~~أن تذكر بامتياز نالته نتيجة لثكلها، ثم أطرقت في وجوم ولسان ~~حالها يقول: «ليتني بقيت كما كنت وبقي لي فقيدي.» غير أنها تحاشت ~~الإفصاح عما جاش به صدرها إشفاقا من تكدير صفوه، وقنعت بأن تقول ~~وكأنها تعتذر عما ms147 حظيت به من حرية: ليس خروجي بين حين وآخر فرجة ~~أستمتع بها؛ إني أزور الحسين لأدعو لك، وأزور أختيك لأطمئن ~~عليهما، ولأحل مشكلات لا أدري من كان غيري يحلها. # فابتده المشكلات التي تعني، ولما كان يعلم أنها زارت السكرية ~~اليوم، فقد تساءل: هل من جديد في السكرية؟ # قالت وهي تتنهد: العادة. # هز رأسه أسفا، وهو يبتسم قائلا: مخلوقة للنقار، هذه هي ~~خديجة. # قالت أمينة بحزن: قالت لي حماتها: إن أي محادثة معها مخاطرة ~~غير محمودة العواقب. ~~- الظاهر أن حماتها - نفسها - قد خرفت. ~~- لها من الكبر أعذار، ولكن ما عذر أختك؟ ~~- ترى أآثرتها على الحق أم آثرت الحق عليها؟ # وضحك ضحكة ذات مغزى، فتنهدت أمينة مرة أخرى، وقالت: أختك حامية ~~الطبع، وسرعان ما تضيق حتى بالنصيحة الخالصة. ويا ويلي إذا جاملت ~~حماتها مراعاة لسنها ومكانتها، هنالك تسألني وعيناها تحماران: ~~«أنت معي أم علي؟» لا حول ولا قوة إلا بالله، معي أم علي؟! ... ~~هل نحن في حرب يا ابني؟ ومن الغريب أن يكون الحق أحيانا على ~~حماتها، ولكنها تتمادى في الخصام حتى ينقلب الحق عليها ~~هي. # هيهات أن يسخطه عليها شيء، كانت ولا تزال أمه الثانية، ومورد ~~حنان لا ينضب، أين منها عائشة الجميلة السادرة التي تشبعت ~~بالشوكتية حتى ذؤابتها! ~~- وعم أسفر التحقيق؟ ~~- بدأ الشجار بالزوج هذه المرة وعلى غير المألوف، دخلت الشقة ~~وهما يتجادلان في عنف حتى عجبت لما أهاج الرجل الطيب، فتدخلت ~~بينهما بالسلام، ثم عرفت سبب هذا كله، كانت معتزمة أن تنفض الشقة، ~~ولكنه ظل نائما حتى التاسعة فأصرت على إيقاظه حتى استيقظ ~~غاضبا، وركبه عناد مفاجئ فأبى أن يغادر الفراش. وسمعت والدته ~~الزعق، فجاءت على عجل، وما لبثت النار أن اشتعلت. ولم يكد هذا ~~الشجار أن ينتهي حتى شب آخر بسبب أحمد الذي عاد من الطريق ~~مطين الجلباب، فضربته وأرادت أن يستحم من جديد، فاستغاث الولد ~~بأبيه، وتصدى الرجل لحمايته، فكان الشجار الثاني في نصف ~~نهار. # وهو يضحك: وماذا فعلت؟ ~~- بذلت ما في وسعي ولكني لم أسلم، فلامتني ms148 طويلا على وقوفي موقف ~~الوسيط، وقالت لي: كان ينبغي أن تنضمي إلي كما انضمت أمه ~~إليه. # ثم وهي تتنهد لثالث مرة: قلت لخديجة: ألا تذكرين كيف كنت ترينني ~~أمام والدك، فقالت بحدة: «هل تظنين أنه يوجد رجل مثل أبي في هذه ~~الدنيا؟» # وردت مخيلته على غير ميعاد صورة عبد الحميد بك شداد وحرمه سنية ~~هانم، وهما يسيران جنبا إلى جنب، من الفراندا إلى السيارة ~~المنيرفا المنتظرة أمام باب القصر، لا سيد ولا مسود، ولكن صديقين ~~متساويين، يتحادثان في غير كلفة وهي تتأبط ذراعه، حتى إذا بلغا ~~السيارة تنحى البك جانبا حتى تركب هي أولا. هل يتأتى لك أن ~~ترى والديك في مثل هذه الصورة؟ يا لها من خاطرة مضحكة! يتحركان في ~~جلال خليق بالمعبودة التي أنجباها، ولو أن الهانم لم تكن دون ~~أمه كهولة إلا أنها كانت ترتدي معطفا نفيسا آية في الذوق ~~والأناقة والغندرة، وتنطلق سافرة الوجه، وجه مليح وإن يكن دون ~~الوجه الملائكي بما لا يقاس، وتنشر فيما حولها شذى عطرا وروعة ~~آسرة. ود لو يعلم كيف يتحادثان وكيف يأتلفان، وكيف يتخاصمان إن ~~كانا يتخاصمان. شغفا بمعرفة حياة تمت إلى حياة معبودته بأوثق ~~الوشائج والصلات. أتذكر كيف كنت تطالعهما بعين المتعبد الراني ~~إلى كبار الكهنة والسدنة؟ قال بهدوء: لو تطبعت خديجة ببعض طباعك ~~لضمنت حياة سعيدة. # ابتسمت أساريرها في سرور، غير أن سرورها ارتطم بالحقيقة ~~المرة، وهي أن طباعها لم تستطع على دماثتها أن تضمن لها السعادة ~~دواما، ثم قالت والابتسامة لا تفارق شفتيها لتداري بها أفكارها ~~السوداء التي تشفق من اطلاعه عليها: هو وحده الهادي، ربنا يزيد ~~طبعك حلاوة حتى تكون من الذين يحبون الناس ويحبهم ~~الناس. # فبادرها متسائلا: كيف تجدينني؟ # فقالت بإيمان: أنت كذلك، وأكثر. # لكن كيف يتأتى لك أن تحبك الملائكة؟ ادع صورتها السعيدة ~~وتأمل قليلا. هل يمكن أن تتخيلها مسهدة طريحة حب وجوى؟ وما ~~أبعد هذا عن خوارق الظنون، إنها فوق الحب ما دام الحب نقصا لا ~~يدرك الكمال إلا بالحبيب، اصبر ولا تلو ms149 قلبك من الألم، حسبك أن ~~تحب، حسبك منظرها الذي يشعشع بالنور روحك، وأنغام نبراتها التي ~~تسكر بالتطريب جوارحك ، من المعبودة ينبثق نور تتبدى فيه ~~الكائنات خلقا جديدا، الياسمين واللبلاب من بعد صمت يتناجيان، ~~والمآذن والقباب تطير فوق بساط الشفق صوب السماء، معالم الحي ~~العتيق تنطق عن حكمة الأجيال، أوركسترا الوجود تستأنف زفرات ~~الصراصير، الحنان يفيض من الجحور، الأناقة تزخرف الأزقة والدروب، ~~عصافير الغبطة تزقزق فوق القبور، الجمادات تتيه في صمت ~~التأملات، قوس قزح يتجلى في الحصيرة التي تطرح عليها قدميك، ~~هذه دنيا معبودتي. ~~- كنت مارة بالأزهر في الطريق إلى الحسين، فقابلتني مظاهرة ~~كبيرة تهتف بهتافات ذكرتني بالماضي، هل جد جديد يا بني؟ # قال: الإنجليز لا يريدون أن يذهبوا بسلام. # قالت بحدة، وفي عينيها نظرة غضب تبرق: الإنجليز ... الإنجليز ... متى ~~تنزل عليهم نقمة الله العادل؟ # انطوت دهرا لسعد نفسه عن مثل هذه الكراهية، لولا أن أقنعها في ~~النهاية بأنه لا يجوز أن يبغضوا شخصا أحبه فهمي، وعادت تتساءل ~~في قلق ظاهر: ماذا تعني يا كمال؟ هل نعود إلى أيام البلاء؟ # فقال بامتعاض: لا يعلم الغيب إلا الله. # فاعتراها ضيق بدا في تقلصات وجهها الشاحب، وقالت: اللهم قنا ~~العذاب فلنتركهم لغضب القهار، هذه هي الخطة المثلى، أما أن نلقي ~~بأنفسنا إلى التهلكة فهو الجنون والعياذ بالله. ~~- هدئي من روعك، لا محيد من الموت، الناس يموتون بسبب أو بآخر، ~~وبلا سبب على الإطلاق. # قالت في استياء: لا أنكر أن قولك حق، ولكن لهجتك لا ~~تعجبني. ~~- كيف تريدين أن أتكلم؟ # قالت بصوت مؤثر: أريد أن تعلن موافقتك على أنه من الكفر أن ~~يعرض الإنسان نفسه للتهلكة. # قال في تسليم، وهو يداري ابتسامة: أوافق. # فرمقته بارتياب، وقالت بتوسل: وأن تقول ذلك بالقلب لا ~~باللسان. ~~- بالقلب أتكلم. # ما أعظم الفارق بين الواقع والمثال، أنت تتطلع بحماس إلى ~~المثل الأعلى في الدين، والسياسة، والفكر، والحب. الأمهات لا ~~يفكرن إلا في السلامة، أي أم ترضى أن تدفن ابنا في كل خمسة ~~أعوام؟ لا بد للحياة المثالية من قرابين ms150 وشهداء ... الجسم والعقل ~~والروح قرابينها، فهمي ضحى بحياة واعدة في سبيل ميتة رائعة، فهل ~~تستطيع أن تلقى الموت كما لقيه؟ قلبك لا يتردد عن الاختيار ولو ~~حطم قلب هذه الأم التعيسة، ميتة تستنزف جرحا، وتضمد جروحا، يا ~~له من حب! ... أجل، ولكنه ليس الذي بيني وبين بدور وأنت تعلمين، ~~الحب العجيب حقا هو حبي لك، هو شهادة للدنيا ضد المتشائمين من ~~خصومها. علمني أن الموت ليس أفظع ما نخاف، وأن الحياة ليست أبهج ما ~~نبتغي، وأن من الحياة ما يغلظ ويفر حتى يلتمس الموت، ومنها ما ~~يرق ويثري حتى يهفو إلى الخلود، ومناداتها لك ما أطربها، بصوت لا ~~تدري كيف تصفه، لا رفيع النبرة ولا غليظها، مثل «فا» السلم ~~الموسيقي المنبعثة من كمان، رنينه في صفاء النور، ولونه لو تخيلت ~~له لونا في زرقة السماء العميقة، دافئ الإيمان، داعية إلى ~~السماء. # 16 ~~- يوم الخميس القادم سأعقد زواجي متوكلا على الله. ~~- ربنا يوفقك. ~~- سيكون التوفيق من نصيبي إذا رضي عني أبي. ~~- إنه راض عنك، والحمد لله. ~~- سيقتصر الحضور على الأهل، ولن تلقى هنالك ما يضايق ~~حضرتك. ~~- عظيم، عظيم. ~~- وددت لو كانت نينة في الحاضرين، ولكن ... ~~- ما علينا، المهم أن تمر الليلة في هدوء. ~~- لم يغب عني هذا بطبيعة الحال، أنا أعرف الناس بطبعك، ولن ~~يعدو اليوم كتابة العقد وشرب الشربات. ~~- عظيم، ربنا يهديك إلى سواء السبيل. ~~- كلفت كمال أن يبلغ والدته تحياتي وأن يرجوها عني ألا تحرمني من ~~دعائها الطيب كما عودتني من قديم، وأن تعفو عما كان. ~~- طبعا ... طبعا. ~~- أرجو أن تكرر على سمعي أنك راض عني. ~~- إني راض عنك، والله أسأل أن يكتب لك التوفيق والفلاح إنه ~~سميع الدعاء. # هكذا سارت الأمور ضد مشيئة السيد أحمد، واضطر إلى مجاراتها أن ~~ينصدع ما بينه وبين ابنه، وكان قلبه في الحق أرق من أن يتصدى ~~لياسين بخصام جدي فضلا عن القطيعة، فقبل أن يسلم بيده ابنه ~~البكر إلى بنت بهيجة، وأن يبارك - بنفسه - العلاقة التي ستضم ~~خليلته السابقة إلى صميم أسرته. ms151 بل لم يقبل تدخل أمينة حين أعربت ~~له عن رجائها في أن يمتنع «إخوة فهمي» عن شهود زواج ياسين من ~~مريم، فقال لها بلهجة حاسمة: «فكرة سخيفة، من الناس من يتزوج ~~من أرملة أخيه على حبه والوفاء له، ومريم لم تكن زوجة فهمي ولا حتى ~~خطيبته، وذلك تاريخ قديم مضى عليه ستة أعوام، لست أنكر أنه لم ~~يوفق في اختياره، ولكنه حسن النية بقدر ما هو بغل، ولم يسئ إلى ~~أحد كما أساء إلى نفسه، أسرة كان بوسعه أن يصهر إلى خير منها، ~~وفتاة مطلقة، الأمر لله، وذنبه على جنبه.» ... سكتت أمينة كأنما ~~سلمت بحجته، فإنها وإن كانت اكتسبت مع الأيام السود بعض جرأة ~~تعينها على الإفصاح عن رأيها للسيد، إلا أنها لم تكن من القوة ~~بحيث تجعلها تراجعه أو تجادله، ولذلك فعندما زارتها خديجة ~~لتخبرها بأن ياسين دعاها إلى حضور زواجه، وأنها تفكر في ادعاء ~~المرض لتتخلف عن الذهاب، لم توافقها على رأيها، ونصحتها بقبول ~~دعوة أخيها. # وجاء يوم الخميس، فذهب السيد أحمد عبد الجواد إلى بيت المرحوم ~~محمد رضوان، حيث وجد ياسين وكمال - الذي سبقه إليه - في استقباله، ~~ثم لحق بهم بعد قليل إبراهيم شوكت وخليل شوكت مصحوبين بخديجة ~~وعائشة، ولم يكن في البيت من آل مريم سوى بضع نساء، فاطمأن السيد ~~أحمد إلى مرور اليوم بسلام. وكان في طريقه إلى حجرة الاستقبال قد ~~رأى معالم مألوفة في البيت، مر بها من قبل في ظروف جد مختلفة، ~~فهجمت عليه ذكريات الماضي محدثة في نفسه ألوانا من الاستياء ~~والضجر لسخريتها الصامتة من الدور الجديد الذي جاء يمثله كوالد ~~وقور للعريس، وراح يلعن في سره ياسين الذي أوقعه - وأوقع نفسه ~~وهو لا يدري - في هذا المأزق، غير أن الأمر الواقع حمله على أن ~~يراجع نفسه ويمنيها قائلا: إنه ليس على الله بكثير أن يخلق ~~البنت على غير مثال الأم، وأن يجد ياسين في مريم زوجا صالحة - بكل ~~معنى الكلمة - وأن يقيه نزق أمها، ثم سأل الله الستر. # وكان ياسين آخذا ms152 زينته، بادي السرور رغم تواضع الحفل المقام ~~لزواجه، وسره - على وجه الخصوص - أن لم يتخلف أحد من إخوته عن ~~الحضور، وكان يشفق من أن تؤثر الأم في بعضهم فيتخلف. أكان في وسعه ~~أن يستغني عن مريم إكراما لهم؟ كلا، أحبها، ولم تجعل هي له من ~~سبيل إليها إلا الزواج فلم يكن من الزواج بد، لم لا؟ ليست اعتراضات ~~والده أو زوجه بعادلة، أو مما يكترث لعواقبها. ثم إن مريم أول ~~امرأة يرغب الزواج منها عن معرفة ونظر. وهو إلى هذا متفائل جدا ~~بزواجه، ويرجو أن تستقر به حياة زوجية دائمة. أليس كذلك؟ بلى وهو ~~يشعر أنه سيكون زوجا طيبا، وستكون زوجة طيبة، وسيجد رضوان في ~~مقبل الأيام بيتا سعيدا ينمو فيه وينضج، لقد دار كثيرا وآن له ~~أن يستكن. في غير الظروف التي اكتنفت زواجه لم يكن يتردد عن أن ~~يحتفل به احتفالا شاملا لشتى ألوان البهجة والسرور، ليس كهلا ~~ولا فقيرا ولا هو ممن «يدعون» كراهية الليالي الملاح حتى يرضى ~~بهذا الحفل الموحش الصامت الذي هو بالمأتم أشبه، ولكن مهلا، ~~فللضرورة أحكام، وليزج تقشفه هذا تحية لذكرى فهمي. # وكان لقاء مريم بخديجة وعائشة - بعد فراق طال أعواما - مؤثرا ~~على تحفظه، ولم يخل من حرج بين. تبادلن القبلات والتهاني، ~~وتحادثن طويلا فشرقن وغربن، ولكنهن تجنبن الماضي ما استطعن ~~إلى ذلك سبيلا. وكانت اللحظات الأولى أحرجها جميعا. فتوقعت كل ~~واحدة منهن ترديدا لذكرى ماضية على نحو يثير عتابا أو ملاما، ~~ماذا دعا إلى تقاطعهن أو لم تعكر الجو؟ ولكنها مرت بسلام، ثم ~~وجهت مريم الحديث بلباقة إلى ثياب خديجة ورشاقة عائشة التي لا زالت ~~تحافظ عليها رغم إنجابها ثلاثة، ثم سألت مريم وأمها عن: «الوالدة» ~~فكان الجواب: أنها بخير ولم يزدن حرفا. ونظرت عائشة إلى صديقتها ~~القديمة بعين ملؤها المودة والحنان، وقلب متعطش إلى حب الناس ~~دواما، ولولا إحساس بالإشفاق لساقت الكلام إلى الذكريات الماضية، ~~ولضحكت ملء فيها. أما خديجة فجعلت تسترق إليها نظرات متفحصة، ومع ~~أن مريم ظلت سنوات لا ms153 تخطر لها على بال فإن أنباء زواجها من ياسين ~~أطلقت لسانها بالملاحظات المرة، وراحت تذكر عائشة بواقعة ~~«الإنجليزي» وتتساءل عما أعمى ياسين وأصمه! على أن شعور خديجة ~~العائلي المرهف الذي يتقدم سائر مزاياها، لم يسمح لها بلوك شيء من ~~ذلك على مسمع من آل شوكت غير مستثنية زوجها نفسه، حتى نبهت أمها ~~إلى ذلك قائلة: «سواء رضينا أم لم نرض فستصبح مريم من أسرتنا!» ... ~~ولا عجب فما زالت خديجة حتى بعد إنجاب عبد المنعم شوكت وأحمد شوكت ~~تعد آل شوكت «أغرابا» لدرجة ما. # وجاء المأذون في مطلع المساء، ثم عقد الزواج، ودارت أكواب ~~الشربات، وانطلقت زغرودة واحدة، وتلقى ياسين التهاني والدعوات ~~الصالحات. ودعيت العروس إلى مقابلة «سيدها الكبير» وآل زوجها، ~~فجاءت محاطة بأمها وخديجة وعائشة، وقبلت يده، وصافحت الآخرين، ~~وعند ذاك قدم السيد لها هدية الزواج، أسورة ذهبية ذات فصوص دقيقة ~~من الماس والزمرد، واستمرت الجلسة العائلية وقتا غير قصير، ~~وحوالي التاسعة أخذ الحاضرون في الانصراف تباعا، ثم جاء حنطور ~~فحمل العروسين إلى بيت ياسين بقصر الشوق الذي جهز دوره الثالث ~~لاستقبال العروس، وظن الجميع أن الستار قد أسدل على الزواج ~~الثاني لياسين بخيره وشره، ولكن حدث بعد ولكن حدث بعد مرور أسبوعين ~~من تاريخ الزواج أن شهد بيت المرحوم محمد رضوان حفلا آخر لزواج ~~جديد، عد بحق مفاجأة غريبة في بيت السيد أحمد والسكرية وقصر ~~الشوق! بل في حي بين القصرين جميعا! فعلى حين غرة - ودون سابق ~~إنذار - لم يدر الناس إلا وبهيجة تعقد زواجها على بيومي ~~الشربتلي. عجب الناس لهذا الزواج كل العجب، وكأنما كانوا يفطنون - ~~لأول مرة - إلى أن دكان بيومي الشربتلي تقع على ناصية عطفة بيت ~~آل رضوان تحت إحدى مشربيات البيت العتيدة مباشرة، فوقفوا أمام هذه ~~الحقيقة يتساءلون. وحق للناس أن يعجبوا؛ فالعروس أرملة رجل عرف في ~~حياته بينهم بالطيبة والتقوى، وهي معدودة من «سيدات» الحي ~~المحترمات رغم ولعها بالتبرج، فضلا عن بلوغها الخمسين من ~~عمرها. بينا كان الزوج من العامة ذوي الجلاليب يبيع الخروب ms154 والتمر ~~هندي في دكان صغير، ولم يجاوز الأربعين من عمره إلى كونه زوجا ~~رسخت قدمه في الحياة الزوجية عشرين عاما، أنجب خلالها تسعا من ~~الإناث والذكور! كل ذلك أثار القيل والقال، فخاض الناس - دون تورع ~~- في مقدمات الزواج التي لم يشعر بها أحد، متى وكيف بدأت؟ ثم كيف ~~نضجت حتى انتهت بالزواج؟ وأي الطرفين كان البادئ الداعي؟ وأيهما ~~كان المستجيب الملبي؟ # قال عم حسنين الحلاق، وكان دكانه يقع في الجانب الآخر من الطريق ~~لصق سبيل بين القصرين إنه كثيرا ما كان يرى ست بهيجة واقفة أمام ~~دكان بيومي تشرب الخروب، ربما تبادلا حديثا قصيرا، فلا يظن - ~~لحسن نيته - إلا خيرا ... وقال أبو سريع صاحب المقلى، وكان دكانه ~~يتأخر ميعاد إغلاقه عن بقية الدكاكين: بأنه - أستغفر الله - لاحظ ~~مرات أن قوما يتسللون بليل إلى داخل البيت، ولكنه لم يكن يعلم أن ~~بيومي بينهم. وتكلم درويش بائع الفول، وتكلم الفولي اللبان، ومع ~~أنهم تظاهروا بالرثاء للأب المعيل وانتقدوا - بمرارة - الرجل ~~الأخرق الذي تزوج امرأة في سن أمه، فإنهم في قرارة النفس نفسوا ~~عليه حظه، ونقموا عليه ارتفاعه عن طبقتهم بهذه الحيلة «غير ~~المناسبة»، ثم طال الحديث بعد ذلك عن تقدير «ميراثه» المنتظر في ~~البيت، وعن الغنائم المحتملة من نقود وحلي. # أما بيت السيد وبيت السكرية، بل وبيت قصر الشوق فقد زلزلوا ~~زلزالا شديدا، يا للفضيحة! ... هكذا هتفت ألسنتهم، وغضب السيد ~~أحمد غضبا أرعب آل بيته فتجنبوا مخاطبته أياما متتابعات، أليس ~~من حق بيومي الشربتلي أن يدعي قرابته من الآن فصاعدا؟ ملعون ~~ياسين وملعونة شهواته، بيومي الشربتلي أصبح «عمه»، وأنف الجميع في ~~الرغام، وصاحت خديجة عندما تلقت النبأ: «يا خبر أسود!» ثم قالت ~~لعائشة: «من ذا يلوم نينة بعد الآن؟ إن قلبها لا يكذبها أبدا!» ~~وأقسم ياسين - بين يدي أبيه - على أن الأمر وقع على غير علم منه ~~ولا من زوجه، وأنه أحزنها حزنا فاق كل تصور، ولكن ما حيلتها؟ ولم ~~تقف الفضيحة عند هذا الحد، فإنه ما كادت زوجة بيومي الأولى تعلم ms155 ~~بالخبر حتى طاش عقلها، فغادرت بيتها كالمجنونة سائقة أمامها ذريتها ~~جميعا، ثم انقضت على بيومي في دكانه، فنشب بينهما عراك عنيف ~~استعمل فيه اللسان، واليد، والقدم، والزعق، والصراخ على مرأى ومسمع ~~من الأطفال الذين جعلوا يعولون ويستنجدون بالمارة حتى تجمهر ~~الناس أمام الدكان السابلة، وأصحاب الدكاكين والنساء والأطفال، ~~فخلصوا بين الزوجين، وجروا المرأة جرا إلى الطريق، فوقفت تحت ~~مشربية بهيجة مشقوقة الجلباب، ممزقة الملاءة، منفوشة الشعر دامية ~~الأنف، ثم رفعت رأسها إلى النوافذ المغلقة، وأطلقت لسانها كالسوط ~~المحملة أطرافه بالرصاص المنقوع في السم. والأدهى من هذا كله ~~أنها برحت موقفها رأسا إلى دكان السيد أحمد بصفته والد زوج بنت ~~زوجها، وتوسلت إليه بلهجة خطابية باكية أن يستعمل نفوذه لإقناع ~~زوجها في الرجوع عن غيه، فاستمع السيد إليها وهو يكظم غيظه وحزنه ~~على ما آل إليه أمره، ثم أفهمها برقة - ما استطاع - أن هذا الأمر ~~كله خارج عن دائرة نفوذه بخلاف ما تتصور، وما زال بها حتى صرفها ~~عن الدكان وهو يغلي من الحنق، على أنه رغم حنقه فكر طويلا وهو ~~بين الحيرة والتساؤل فيما دفع بهيجة إلى هذا الزواج الغريب، خاصة ~~وهو يعلم علم اليقين أنه لم يكن يعز عليها إرضاء قلبها لو كان به ~~رغبة إلى بيومي الشربتلي دون حاجة إلى تعريض نفسها وآلها لشتى ~~القلاقل بالاقتران منه. لم أقدمت على هذه الحماقة؟ غير مبالية ~~بزوج الرجل وعياله، ولا عابئة بعواطف ابنتها وآلها الجدد كأنما ~~قد أصابها مس، ألا يكون الإحساس المحزن بالكبر هو الذي جعلها تفزع ~~إلى الزواج! بل والتضحية بكثير مما تملك جريا وراء سعادة كان ~~يضمنها لها الشباب الذي تخلى عنها؟ تأمل هذه الفكرة في حزن ~~واكتئاب، وذكر مذلته بين يدي زنوبة العوادة التي أبت أن تجود ~~عليه بنظرة عطف حتى حملها إلى العوامة، تلك المذلة التي زعزعت ~~ثقته بنفسه وحملته - على طمأنينته الظاهرة - على التجهم للزمان ~~الذي سبق فتجهمه. # على أي حال لم تتمتع بهيجة بزواجها طويلا. # مع نهاية الأسبوع الثالث منه شكت دملا في ms156 ساقها، ثم تبين ~~بالكشف الطبي أنها مصابة بمرض السكر فنقلت إلى قصر العيني، ~~وترامت الأخبار عن خطورة حالها أياما ، ثم وافاها الأجل ~~المحتوم. # 17 # أمام سراي آل شداد وقف كمال متأبطا حقيبة صغيرة، في بدلة ~~رمادية أنيقة، وحذاء أسود لامع، وقد استقام طربوشه فوق رأسه الكبير ~~... بدا طويلا ونحيفا، وبرز عنقه من فوق بنيقة القميص غير عابئ ~~بحمل الرأس الكبير والأنف العظيم. وكان الجو لطيفا تتخلله نسائم ~~باردة تؤذن باقتراب ديسمبر، وكان في السماء سحاب متفرق ناصع ~~البياض، يتحرك وانيا فيحجب شمس الصباح حينا بعد حين. وقف كمال ~~وقفة المنتظر وعيناه متجهتان نحو الجراج، حتى خرجت منه الفيات ~~يسوقها حسين شداد ثم دارت في شارع السرايات ووقفت أمامه، وأخرج ~~حسين شداد رأسه من نافذتها وهو يسأل كمال: ألم يجيئا بعد؟ # نفخ في البوق ثلاثا، ثم عاد يقول وهو يفتح الباب: تعال اجلس ~~إلى جانبي. # ولكن كمال اكتفى بإدخال الحقيبة وهو يغمغم: «صبرا!» وترامى ~~إليه صوت بدور من ناحية الحديقة، فالتفت صوبه فرآها مقبلة تركض وفي ~~أثرها عايدة ... أجل، المعبودة، تخطر بقوامها البديع في فستان سنجابي ~~قصير على أحدث موضة، توارى أعلاه تحت دراعة من الحرير كحلية اللون ~~كشفت عن ساعديها الخمريتين الصافيتين، وكانت هالة شعرها الأسود ~~تحدق بقذالتها وعارضيها، وتنوس بحركة مشيتها نوسانا تموجيا، ~~أما أسلاك قصتها الحريرية فاستكنت على الجبين كأسنان المشط، وفي ~~وسط هذه الهالة بدا الوجه البدري في طابع من الحسن أنيق ملائكي ~~كأنه سفير سام لدولة الأحلام السعيدة. تسمر في موضعه تحت تأثير ~~التيار المغناطيسي، على حال بين اليقظة والنوم، ولم يبق من الدنيا ~~في وعيه إلا عاطفة امتنان وجيشة وجدان، وجعلت هي تقترب في خفة ~~وتبختر كأنها نغمة حلوة مجسمة حتى سطعه من أعطافها عبير ~~باريسي، ولما التقت الأعين لمعت في ناظريها وشفتيها المضمومتين ~~ابتسامة موسومة بالبشاشة والهدوء والأرستقراطية معا، فرد عليها ~~كمال بابتسامة حائرة وسجدة من رأسه. عند ذاك خاطبها حسين قائلا: ~~اجلسي أنت وبدور في المقعد الخلفي. # تأخر كمال خطوة ففتح باب السيارة ms157 الخلفي، ووقف منتصب القامة ~~كأحد الحاشية، فكانت مكافأته ابتسامة وكلمة شكر بالفرنسية، وانتظر ~~حتى دخلت بدور فالمعبودة، ثم أغلقه واندس إلى جانب حسين. ونفخ حسين ~~مرة أخرى وهو ينظر صوب القصر، فما لبث أن جاء البواب حاملا سلة ~~صغيرة فوضعها لصق حقيبة كمال فيما بينه وبين حسين، فقال الأخير ~~ضاحكا وهو ينقر بأصبعه على السلة والحقيبة: ما جدوى رحلة بلا ~~طعام؟ # وزمجرت السيارة وهي تتحرك، ثم انطلقت إلى شارع العباسية وحسين ~~شداد يقول مخاطبا كمال: عرفت عنك أشياء كثيرة، اليوم يتاح لي أن ~~أضيف إليها معلومات جديدة عن معدتك، ويبدو لي أنك رغم نحافتك أكول، ~~فهل تراني مخطئا؟ # فقال كمال باسما، وكان سعيدا منشرحا فوق مطمح البشر: انتظر ~~حتى تعرف بنفسك. # سيارة واحدة تحملهما معا، مشاركة من نوع ما تعز فيما عدا ~~الأحلام، تهمس الأماني: لو جلست أنت في المقعد الخلفي، وجلست هي في ~~المقعد الأمامي؛ لملأت عينيك منها طوال الطريق ولا رقيب، لا تكن ~~طماعا جحودا، واسجد حمدا وشكرا، استنفذ رأسك من شتى الفكر، ~~وخلص نفسك من تيار الوجد، وعش بكل وعيك في الساعة الراهنة، أليست ~~ساعة بالعمر أو أكثر؟ ~~- لم أستطع أن أدعو حسن وإسماعيل إلى رحلتنا هذه. # نظر كمال إليه كالمتسائل دون أن ينبس، بيد أن قلبه خفق في سرور ~~وحياء لهذا الامتياز الذي خص به وحده، على حين استطرد حسين ~~قائلا بلهجة المعتذر: السيارة كما ترى لا يمكن أن تتسع ~~للجميع. # فقال كمال بصوت خافت: هذا واضح. # فعاد الآخر يقول باسما: وإذا لم يكن من الانتخاب بد فانتخب ~~من يشابهك. ولا شك أن ميولنا متقاربة في هذه الحياة، أليس ~~كذلك؟ # فقال كمال بوجه وشت أساريره بالفرحة التي غمرت قلبه: ~~بلى! # ثم وهو يضحك: غير أني قانع بالرحلة الروحية، أما أنت فيبدو أنك ~~لن تقنع حتى تصل الرحلة الروحية بالرحلة حول الأرض. ~~- ألا تهفو نفسك إلى السياحة في جنبات الأرض الواسعة؟ # فكر كمال قليلا، ثم قال: يخيل إلي أني مطبوع على حب ~~الاستقرار وكأني أجفل من فكرة ms158 الرحلات، أعني من الحركة والاضطراب ~~لا من الرؤية والاستطلاع، وددت لو كان من الميسور أن يطوف بي ~~العالم حيث أنا . # ضحك حسين شداد ضحكته اللطيفة المنبعثة من القلب، وقال: قف في ~~منطاد ثابت إن استطعت، وانظر إلى الأرض وهي تدور من تحتك. # تملى كمال ضحكة حسين اللطيفة الجذابة مليا، فوردت ذهنه صورة ~~حسن سليم، وراح يقارن بين هذين اللونين من الأرستقراطية: أحدهما ~~يمتاز باللطف والبشاشة، والآخر يتسم بالتحفظ والكبرياء، وكلاهما ~~بعد ذلك جليل. وقال كمال: من حسن الحظ أن الرحلات الفكرية لا ~~تقتضي التنقل حتما. # فرفع حسين شداد حاجبيه فيما يشبه الشك، غير أنه عدل عن متابعة ~~الموضوع قائلا بابتهاج: المهم الآن أننا نقوم برحلة قصيرة معا، ~~وأن ميولنا متقاربة في هذه الحياة. # وما يدري إلا والصوت العذب يجيء من الوراء قائلا: وبالاختصار ~~فإن حسين يحبك كما تحبك بدور. # نفذت هذه الجملة المعطرة بالحب الملحنة بالصوت الملائكي في ~~قلبه فطيرته نشوة وطربا، كالنغمة الساحرة التي تند فجأة في ~~تضاعيف أغنية فوق المنتظر والمألوف والمتخيل من الأنغام، فتترك ~~السامع بين العقل والجنون. المعبود يعبث بألفاظ الحب سادرا، ~~يلقيها عليك غافلا عن أنه يلقي مغنسيوما على قلب يحترق، ~~استرجع صداها لتستعيد رنين الحب في أوتار ثغره، والحب لحن قديم ~~غير أنه يضحي جديدا عجبا في ترنيمة خالقة، يا إلهي! إنني أفنى ~~من فرط السعادة، قال حسين معلقا على قول أخته: عايدة تترجم ~~أفكاري بلغتها النسائية الخاصة. # انطلقت السيارة إلى السكاكيني فإلى شارع الملكة نازلي، ثم إلى ~~شارع فؤاد الأول، ومنه مرقت إلى الزمالك في سرعة عدها كمال جنونية: ~~في السماء غيم، ولكنا في حاجة إلى مزيد منه لنضمن نهارا سعيدا ~~في سفح الهرم. # وعلا الصوت البديع وهو يخاطب بدور فيما بدا قائلا: انتظري حتى ~~نصل إلى الهرم، وهنالك اجلسي معه كيفما يحلو لك. # فسألها حسين ضاحكا: ماذا تريد بدور؟ ~~- تريد يا سيدي أن تجلس مع صاحبك! # صاحبك! لم لم تقولي «كمال»؟ هلا أسعدت الاسم بما لا يطمح ~~إليه صاحبه؟ وخاطبه حسين قائلا: ms159 أمس سمعها بابا وهي تسألني: هل ~~يجيء معنا أنكل كمال إلى الهرم؟ فسألني من يكون كمال؟ ولما أجبته ~~سألها: «أتحبين أن تتزوجي أنكل كمال؟» فأجابته بكل بساطة ~~«نعم!» # فالتفت كمال إلى الوراء، ولكنها تراجعت حتى التصقت بمسند ~~المقعد، وأخفت وجهها في كتف أختها، فتزود كمال من الوجه البديع ~~بنظرة خاطفة، ثم أعاد رأسه، وهو يقول بلهجة الرجاء: لعلها عند ~~الجد لا تنسى كلمتها. # ولما بلغت السيارة طريق الجيزة ضاعف حسين من سرعتها فعلا ~~أزيزها، وساد الصمت، رحب كمال بالصمت ليفرغ إلى نفسه، ويتملى ~~سعادته. كان أمس حديث الأسرة فاختاره ربها زوجا للصغيرة، يا ~~أغاريد الزهور والسعادة، احفظ عن ظهر قلب كل كلمة تقال ... املأ نفسك ~~بعبير باريس، زود أذنك بالهديل والبغام. علك تعود إليها إذا عادت ~~ليالي السهاد، كلمات المعبودة عاطلة عن حكمة الحكماء ودرر الأدباء، ~~فما بالها تهزك حتى الأعماق، وفي فؤادك تفجر ينابيع السعادة! هذا ~~الذي جعل السعادة سرا تتيه فيه العقول والأفهام، أيها المجدون ~~اللاهثون وراء السعادة إني وجدتها في الكلمة الفارغة، والرطانة ~~الغامضة، والصمت أيضا، وفي لا شيء. رباه ما أعظم هذه الأشجار ~~الباسقة على الجانبين! تتعانق أعاليها فوق الطريق فتنتشر سماء من ~~الخضرة اليانعة، وهذا النيل الجاري مكتسيا من وشي الشمس غلالة من ~~اللآلئ، متى رأيت هذا الطريق آخر مرة؟ في رحلة إلى الهرم وأنا في ~~السنة الثالثة، في كل رحلة عاهدت نفسي بالعودة إليه منفردا، وراءك ~~تجلس من ترى بوحيها كل شيء جديدا جميلا، حتى مجرى الحياة ~~الأثرية في الحي العتيق، هل لك أمنية فوق ما أنت فيه؟ ... نعم، أن ~~تواصل السيارة انطلاقها على هذه الحال التي نحن عليها إلى الأبد، ~~رباه، أهذا هو الجانب الذي طالما أعياك وأنت تتساءل عما تريد من ~~هذا الحب؟ هبط عليك من وحي الساعة يكتنفه المحال، اسعد بالساعة ~~المتاحة، ها هو الهرم يلوح من بعيد صغيرا، وعما قليل تقف عند ~~قدميه كالنملة عند أصل الشجرة الفارعة. ~~- نحن ذاهبون إلى زيارة قرافة جدنا الأول. # فقال ضاحكا: لنقرأ الفاتحة بالهيروغليفية. ms160 # فقال حسين ساخرا: وطن أجل مخلفاته قبور وجثث ... (وهو يشير ~~صوب الهرم) انظر إلى الجهد الضائع. # قال كمال بحماس: ذلك الخلود. ~~- أوه ... سوف تنشط كعادتك للدفاع، أنت وطني لحد المرض، نحن ~~نختلف في هذا، ربما كان أحب إلي أن أكون في فرنسا من أن أكون في ~~مصر. # فقال كمال وهو يواري ألمه تحت ابتسامة رقيقة: ستجد هنالك ~~الفرنسيين أعظم أمم الأرض وطنية! ~~- نعم، الوطنية مرض عالمي، لكني أحب فرنسا نفسها، وأحب في ~~الفرنسيين مزايا لا تمت إلى الوطنية بسبب. # هذا محزن مؤسف حقا بيد أنه لا يثير حفيظته؛ لأنه صادر عن حسين ~~شداد. إسماعيل لطيف يحنقه أحيانا باستهانته، حسن سليم يغضبه ~~أحيانا بتكبره، أما حسين شداد فيحظى برضاه على أي حال من ~~الأمر. # وقفت السيارة غير بعيد من سفح الهرم الأكبر منضمة إلى صف طويل ~~من السيارات الفارغة، ولاح خلق كثيرون هنا وهناك، تفرقوا جماعات ~~صغيرة، ومنهم من امتطى حمارا، أو جملا، أو تسلق الهرم، غير باعة ~~ومكاريين وجمالين، أرض واسعة لا تحد إلا أن الهرم انطلق في ~~وسطها كمارد خرافي، أما تحت المنحدر من الناحية الأخرى فقد ترامت ~~المدينة، رءوس أشجار وخط مياه وأسطح عمارات، ترى أين يقع بين ~~القصرين من هذا كله؟ والبيت القديم؟ أين أمه وهي تسقي الدجاج تحت ~~سقيفة الياسمين؟ ~~- فلنترك كل شيء في السيارة لنتجول أحرارا. # غادروا السيارة، ومضوا صفا واحدا بدأ من السيارة بعايدة فحسين ~~ثم بدور، وأخيرا كمال الذي أمسك بيد صديقته الصغيرة، وطافوا ~~بالهرم الأكبر متصفحين أركانه، ثم أوغلوا في الصحراء، وكانت ~~الرمال تقاوم أقدامهم فتعرقل انطلاقهم، غير أن الهواء هفا لطيفا ~~منعشا، وراوحت الشمس بين الظهور والاختفاء، وانتشرت تجمعات السحب ~~في آفاق السماء ترسم في اللوحة العلية صورا تلقائية تعبث بها يد ~~الهواء كيفما اتفق. قال حسين وهو يملأ رئتيه بالهواء: جميل ... جميل ~~... # ورطنت عايدة بالفرنسية، فأدرك كمال بمعلوماته المحدودة في تلك ~~اللغة أنها تترجم قول أخيها، وكانت الرطانة عادة مألوفة لديها، ~~فخففت من غلوائه في التعصب للغته القومية من ناحية، ms161 وفرضت نفسها ~~على ذوقه كأمارة من أمارات الحسن النسائي من ناحية أخرى. قال كمال ~~بتأثر، وهو يتأمل ما حوله: جميل حقا، سبحان الله ~~العظيم. # فقال حسين ضاحكا: إنك تجد دائما وراء الأمور إما الله، وإما ~~سعد زغلول. ~~- أظن أنه لا خلاف بيننا فيما يتعلق بالأول! ~~- ولكن دأبك على ذكره يضفي عليك مسحة دينية خاصة كأنك من رجال ~~الدين، (ثم بلهجة تسليم) فيم العجب وأنت من حي الدين؟ # أتكمن وراء هذه الجملة سخرية ما؟ وهل يمكن أن تشاركه عايدة في ~~سخريته؟ ترى ما رأيهما في الحي القديم؟ وبأي عين تنظر العباسية إلى ~~بين القصرين والنحاسين؟ هل مسك الخجل؟ مهلا إن حسين لا يكاد ~~يبدي أي اهتمام بالدين، المعبودة فيما يبدو أقل اهتماما منه، ألم ~~تقل يوما: إنها تحضر دروس الدين المسيحي في الميردي دييه، وأنها ~~تشهد الصلاة وتترنم بأناشيدها؟ ولكنها مسلمة، مسلمة رغم أنها لا ~~تعرف عن الإسلام شيئا يذكر! ما رأيك في هذا؟ أحبها، أحبها ~~لحد العبادة، وأحب دينها رغم وخز الضمير، أعترف بهذا مستغفرا ~~ربي. # أشار حسين بيده إلى ما يحيط بهم من آي الجمال والجلال، ثم قال: ~~هذا ما يستهويني حقا، أما أنت فمجنون بالوطنية. قارن بين هذه ~~الطبيعة الجليلة وبين المظاهرات، وسعد، وعدلي، واللوريات المحملة ~~بالجنود! # فقال كمال باسما: الطبيعة والسياسة كلتاهما شيء جليل. # تساءل حسين فجأة كأنما قد تذكر بتداعي المعاني أمرا هاما: ~~كدت أنسى، لقد استقال زعيمك. # فابتسم كمال ابتسامة حزينة ولم يجب، فقال الآخر بقصد إغاظته: ~~استقال بعد أن ضيع السودان والدستور، هه؟ # قال كمال بهدوء لم يكن ينتظر منه في غير هذه الظروف: كان قتل ~~سير لي ستاك باشا ضربة موجهة إلى وزارة سعد. ~~- دعني أكرر على سمعك ما قاله حسن سليم، قال: إن هذا الاعتداء ~~مظهر للكراهية التي يضمرها البعض - ومنهم القتلة - للإنجليز، وسعد ~~زغلول هو المسئول الأول عن تهييج هذه الكراهية. # كظم كمال الغيظ الذي أثاره «رأي» حسن سليم في نفسه، وقال بالهدوء ~~الواجب في حضرة المعبودة: هذا هو رأي الإنجليز، ms162 ألم تقرأ برقيات ~~الأهرام؟ فليس عجيبا أن يردده الأحرار الدستوريون، إن من ~~مفاخر سعد أن يثير العداوة ضد الإنجليز. # تدخلت عايدة متسائلة، وفي عينيها نظرة عتاب أو تحذير مازجتها ~~ابتسامة جذابة: رحلة أم سياسة؟ # فأشار كمال إلى حسين، وهو يقول معتذرا: إليك المسئول عن فتح ~~هذا الموضوع. # فقال حسين ضاحكا، وهو يتخلل شعره الحريري الأسود بأصابعه ~~الرشيقة: رأيت أن أقدم تعزيتي في استقالة الزعيم، هذا كل ما ~~هنالك. # ثم متسائلا بلهجة جدية: ألم تشترك في المظاهرات الخطيرة التي ~~كانت تقوم في حيكم على عهد الثورة؟ ~~- كنت دون السن القانونية. # فقال حسين بلهجة لم تخل من سخرية لطيفة: على أي حال تعد واقعة ~~دكان البسبوسة اشتراكا في الثورة. # وضحكوا جميعا، حتى بدور اشتركت في الضحك محاكاة لهم، فصدر عنهم ~~أوركسترا رباعي مكون من بوقين وكمان وصفارة، وبعد هنيهة صمت، ~~قالت عايدة كأنما لتدافع عنه: كفاية أنه فقد أخاه! # فقال كمال مدفوعا بشعور الفخار الذي دب في قلبه، واستزادة من ~~عطفهما: أجل فقدنا خير أسرتنا. # فعادت تسائله باهتمام: كان في الحقوق ... أليس كذلك؟ كم كان يكون ~~عمره لو عاش حتى الآن؟ ~~- كان يكون في الخامسة والعشرين ... (ثم بلهجة أسيفة) ... كان نابغة ~~بكل معنى الكلمة. # فقال حسين، وهو يفرقع بأصبعيه: كان! ... هذه هي الوطنية، كيف ~~تتعلق بها بعد ذلك؟ # فقال كمال باسما: سوف نكون جميعا في خبر كان، ولكن شتان بين ~~ميتة وميتة. # فرقع حسين بأصبعه مرة أخرى دون تعليق، يبدو أنه لا يرى في قوله ~~معنى، ماذا أقحم حديث السياسة عليهم؟ لم يعد به ما يسر، شغل ~~الشعب بعداواته الحزبية عن الإنجليز، سحقا لهذا كله، يخلق بمن ~~يتنسم الفردوس ألا يكرب صدره بهموم الأرض، ولو إلى حين، أنت ~~تمشي في معية عايدة في صحراء الهرم، تأمل هذه الحقيقة الرائعة، ~~واهتف بها حتى تسمع بناة الهرم، معبود وعابده يسيران معا فوق ~~الرمال، العابد من شدة الوله يكاد يذروه الهواء، والمعبود يتسلى ~~بعد الحصى، لو كان مرض الحب معديا، ما باليت بآلامه، الهواء ~~يهفو ms163 بأهداب فستانها، ويتخلل هالة شعرها، ويسري في أعماق صدرها ... ~~ألا ما أسعد الهواء! أرواح العاشقين فوق الهرم تبارك القافلة، ~~معجبة بالمعبود، راثية للعابد، مرددة بلسان الزمان: ليس أقوى من ~~الموت إلا الهوى، تراها على بعد أشبار منك، ولكنها في الحق كالأفق ~~تخاله منطبقا على الأرض، وهو في ذروة السماء يحلق ... كم منيت ~~النفس بأن تمس في هذه الرحلة راحتها، ولكن يبدو أنك سترحل عن هذه ~~الدنيا قبل أن تعرف مسها، لم لا تكون شجاعا فتهوي إلى انطباعة ~~قدمها فوق الرمال فتلثمها؟ ... أو تأخذ منها حفنة فتجعلها حجابا يقي ~~من آلام الحب في ليالي الفكر؟ وا أسفاه! كل الدلائل تشير إلى أنه ~~لا اتصال بالمعبود إلا بالتراتيل أو الجنون، فرتل أو ~~جن. # شعر باليد الصغيرة تجذب يده، فنظر إليها، فرفعت نحوه ذراعيها ~~داعيه إياه إلى حملها، فانحنى فوقها ثم رفعها بين يديه، غير أن ~~عايدة قالت معترضة: كلا، بدأ التعب يساورنا، فلنسترح ~~قليلا. # على صخرة عند رأس المنحدر المفضي إلى أبي الهول جلسوا على نفس ~~الترتيب الذي ساروا عليه، مد حسين ساقيه غارزا كعبيه في الرمال، ~~جلس كمال واضعا رجلا على رجل ضاما بدور إلى جنبه، على حين ~~قعدت عايدة إلى يسار أخيها فتناولت مشطها، وراحت تسرح شعرها ~~وتربت خصلاته بأناملها. # وحانت من حسين نظرة إلى طربوش كمال، فسأله منتقدا: لماذا تلبس ~~الطربوش في هذه الرحلة؟ # فنزع كمال طربوشه ووضعه في حجره قائلا: ليس من المألوف عندي أن ~~أسير بدونه. # فضحك حسين قائلا: إنك مثال طيب للرجل المحافظ. # تساءل كمال: ترى هل يعني بقوله مدحا أم ذما؟ وأراد أن يستدرجه ~~للإيضاح، ولكن عايدة مالت إلى الأمام قليلا ملتفتة نحوه لتلقي ~~نظرة على رأسه فنسى ما كان بسبيله، وتحول انتباهه إلى منطقة الرأس ~~في قلق. إن رأسه يبدو الآن حاسرا فيكشف عن ضخامته، ويعرض شعره ~~الأجرد العاطل عن الزينة، وها هما العينان الجميلتان ترنوان ~~إليه، فأي أثر يعكسه عليهما؟ تساءل الصوت الموسيقي: لماذا لا ~~تربي شعر رأسك؟ # سؤال لم يخطر له على ms164 بال من قبل، هكذا رأس فؤاد جميل الحمزاوي، ~~وجميع الرفاق بالحي العتيق، ياسين لم ير يطلق شعره وشاربه حتى ~~توظف ، هل يتصور أن يلقى أباه كل صباح على مائدة الفطور بشعر ~~مصفف؟ ~~- ولم أربيه؟ # فتساءل حسين مفكرا: ألا يكون أجمل؟ ~~- ليس هذا بذي بال. # حسين ضاحكا: يخيل إلي أنك خلقت لتكون معلما. # مدح أم ذم، على أي حال ليهنأ رأسك بالرعاية السامية. ~~- أنا خلقت لأكون طالبا. ~~- جواب جميل ... (ثم رفع طبقة صوته متسائلا) ... لم تحدثني عن ~~مدرسة المعلمين حديثا شافيا، كيف وجدتها بعد مرور ما يقرب من ~~الشهرين؟ ~~- أرجو أن تكون مدخلا لا بأس به للدنيا التي أتطلع إليها، ~~وتراني أحاول الآن أن أعرف عن سبيل الأساتذة الإنجليز معاني ~~للكلمات المحيرة مثل «أدب» و«فلسفة» و«فكر». ~~- هذه هي الثقافة الإنسانية التي نتطلع إليها. # فقال كمال بحيرة: ولكنها خضم مضطرب فيما يبدو، ينبغي أن نعرف ~~الحدود، ينبغي أن نعرف ما نريد على نحو أوضح إنها مشكلة. # لاح الاهتمام في عيني حسين الجميلتين وهو يقول: الأمر بالنسبة ~~إلي لا يعد مشكلة، إني أقرأ قصصا ومسرحيات فرنسية مستعينا ~~بعايدة على فهم الصعب من نصوصها. وأستمع معها أيضا إلى مختارات ~~من الموسيقى الغربية تعزف هي بعضها بمهارة على البيانو، وقد طالعت ~~أخيرا كتابا يلخص الفلسفة الإغريقية في يسر وسهولة، لست ~~أبغي إلا السياحة للعقل والجسم، أما أنت فتريد أيضا أن تكتب، وهذا ~~يقتضيك أن تعرف الحدود والأهداف. ~~- الأدهى من ذلك أنني لا أدري فيم أكتب على وجه التحديد! # تساءلت عايدة بلهجة باسمة: أتريد أن تكون مؤلفا؟ # فقال وهو يتلقى موجة عالية من السعادة التي عزت على البشر: ~~ربما. ~~- شاعرا أم ناثرا؟ ... (وهي تميل إلى الأمام لتتمكن من رؤيته) ~~... دعني أخمن بفراستي. # استنفدت الشعر في مناجاة طيفك، الشعر لغتك المقدسة فلا ~~أمتهنه، غاضت دموعي ينابيعه في سواد الليالي، ما أسعدني في مرمى ~~ناظريك وما أتعسني، إني أحيا تحت نظرتك كما تحيا اليابسة بمقلة ~~الشمس. ~~- شاعر، أجل أنت شاعر. ~~- حقا؟ كيف عرفت هذا؟ # اعتدلت في جلستها، فندت ms165 عنها ضحكة خافتة كأنها وسوسة الأماني، ~~ثم قالت: الفراسة بداهة، فكيف تطالب بتفسير لها؟ ~~- إنها تعبث. # قال حسين ذلك وهو يضحك، فبادرت تقول: كلا، إذا كان الشاعر لا ~~يعجبك فلا تكنه. # النحلة فطرتها الطبيعة ملكة، البستان مغناها، رحيق الزهر ~~شرابها، الشهد نفثها، وجزاء الآدمي الطائف بعرشها ... لسعة ... لكنها ~~قالت: «كلا!» عادت تسأله: هل قرأت من القصص الفرنسية شيئا؟ ~~- بعض ما ترجم عن ميشيل زيفاكو، لا أستطيع أن أقرأ الفرنسية ~~كما تعلمين. # فقالت بحماس: لن تكون مؤلفا حتى تتقن الفرنسية، اقرأ بلزاك ~~وجورج صاند، ومدام دي ستال ولوتي، واكتب بعد ذلك قصة. # فقال كمال باستنكار: قصة؟ إنها فن على الهامش، إنما أتطلع ~~إلى عمل جدي. # فقال حسين جادا: القصة في أوروبا عمل جدي، ثمة كتاب ~~يتفرغون لها دون غيرها من فنون الكتابة فترفعهم إلى درجة الخالدين. ~~لست أهرف بما لا أعرف، ولكن أستاذ اللغة الفرنسية أكد لي ~~ذلك. # هز كمال رأسه الكبير في شك، فاستطرد حسين قائلا: حاذر أن تغضب ~~عايدة، إنها قارئة معجبة بالقصة الفرنسية، بل إنها بطلة من ~~بطلاتها. # فمال كمال إلى الأمام قليلا، ومد إليها بصره ليقرأ أثر قول ~~حسين فيها مغتنما الفرصة المتاحة ليملأ عينيه من منظرها البهيج، ~~ثم تساءل: كيف كان ذلك؟ ~~- إن القصة تستغرقها استغراقا غريبا، فرأسها مفعم بحياة ~~خيالية، مرة رأيتها تختال أمام المرآة، فسألتها عما بها؟ فأجابتني: ~~«هكذا كانت تسير أفروديت على ساحل البحر بالإسكندرية!» # قالت عايدة وهي تقطب تقطيبة باسمة: لا تصدقه، إنه أغرق مني ~~في الخيال، ولكنه لا يرتاح حتى يرميني بما ليس في. # أفروديت؟ ... ما أفروديت يا معبودتي؟ يحزنني وحق كمالك أن ~~تتخيلي نفسك في صورة غير ذاتك. # قال بإخلاص: لا عليك من هذا، إن أبطال المنفلوطي وريدر هجارد ~~يستأثرون بخيالي. # فضحك حسين ضحكة رائعة، وهو يهتف: ما أحرى أن يجمعنا كتاب واحد! ~~لماذا نبقى على الأرض ما دمنا نهفو هكذا إلى الخيال؟ عليك أنت أن ~~تحقق هذا الحلم، لست كاتبا ولا أريد أن أكون كاتبا، ولكن في ~~وسعك أنت ms166 أن تجمعنا إذا شئت في كتاب واحد. # عايدة في كتاب تكون أنت مؤلفه، صلاة، أم تصوف، أم جنون ؟ ~~- وأنا؟ # علا صوت بدور فجأة متسائلا في احتجاج فضج ثلاثتهم بالضحك، وقال ~~حسين في لهجة تنبيه: لا تنس أن تحجز مكانا لبدور. # فقال كمال وهو يضم الصغيرة بساعده في حنان: ستكونين في الصفحة ~~الأولى. # تساءلت عايدة وهي ترمي بناظريها إلى الأفق: ماذا تكتب ~~عنا؟ # لم يدر ماذا يقول، فدارى ارتباكه بضحكة وانية، ولكن حسين أجاب ~~عنه قائلا: كما يكتب المؤلفون، قصة غرامية عنيفة تنتهي بالموت أو ~~الانتحار. يقذفون كرة قلبك بالأقدام وهم يلعبون. ~~- أرجو أن تكون هذه النهاية من نصيب البطل وحده. # قالت عايدة ذلك ضاحكة. # البطل أعجز من أن يتصور معبوده فانيا. وتساءل: هل حتم أن ~~تنتهي بالموت أو الانتحار؟ # فأجاب حسين ضاحكا: هي النهاية الطبيعية لقصة غرام عنيف. # فرارا من الألم أو ضنا بالسعادة تراءى الموت أمنية. قال ~~كالساخر: شيء مؤسف حقا. ~~- ألم تكن تعرف هذا؟ يبدو أنك لم تجرب الغرام بعد. # من لحظات الحياة الحية لحظة يقوم البكاء فيها مقام البنج في ~~العملية الجراحية. وعاد حسين يقول: المهم عندي ألا تنسى أن تحجز ~~لي مكانا أيضا في كتابك ولو كنت بعيدا عن الوطن. # حدجه كمال بنظرة طويلة، ثم سأله: ألا تزال تراودك فكرة ~~السفر؟ # فانساب الجد في لهجة حسين شداد، وهو يقول: كل ساعة، أريد أن ~~أحيا، أريد أن أسيح على وجهي طولا وعرضا وارتفاعا وعمقا، ثم ~~ليأت الموت بعد ذلك. # وإن جاء قبل ذلك؟ هل يمكن أن يحدث هذا؟ ما للحزن يكاد أن يقتلك؟ ~~أنسيت فهمي؟ الحياة لا تقاس بالطول والعرض دائما، كانت حياتك ~~لمحة ولكنها كانت كاملة، أو فما جدوى الفضيلة والخلود؟ لكنك حزين ~~لسبب آخر، كأنما عز عليك أن يهون فراقك على الصديق المتشوق إلى ~~السفر، كيف تكون دنياك من بعده؟ كيف تكون إذا حال رحيله بينك وبين ~~قصر الحبيب؟ ما أكذب ابتسامة اليوم، إنها الآن قريبة صوتها في أذنك ~~وعبيرها في أنفك، فهل تستطيع أن ms167 توقف عجلة الزمن؟ هل تعيش بقية ~~العمر حائما من بعيد حول القصر كالمجانين. ~~- إن أردت رأيي فأجل سفرك حتى تتم دراستك. # فقالت عايدة بحماس: هذا ما قاله له بابا مرارا. ~~- هو الرأي الصواب. # فتساءل حسين متهكما: أمن الضروري أن أحفظ المدني والروماني كي ~~أتذوق جمال دنياي؟ # عادت عايدة تخاطب كمال قائلة: شد ما يسخر أبي من أحلامه، إنه ~~يتمنى أن يراه قضائيا أو عاملا معه في دنيا المال. ~~- القضاء ... المال! لن أكون قضائيا، حتى إذا نلت الليسانس، ~~وفكرت جديا في اختيار وظيفة فسيكون السلك السياسي وجهتي، أما ~~المال فهل تطمعون في مزيد منه؟ إننا أغنى مما يطيق ~~الإنسان. # ما أعجب أن تكون ثروة الإنسان أعظم مما يطيق؟! قديما تخيلت أن ~~تكون تاجرا كأبيك وأن تملك خزانة كخزانته، لم تعد الثروة من ~~أحلامك، ولكن ألا تتمنى أن تكون قادرا على تجريد نفسك للمغامرات ~~الروحية؟ ما أتعس حياة تستغرقها مطالب الرزق! ~~- إن أسرتي جميعا لا تفهم آمالي، يرونني طفلا مدللا، قال خالي ~~مرة متهكما على مسمع مني: «لا ينتظر أن يكون الذكر الوحيد في ~~الأسرة خيرا من هذا!» لم هذا كله؟ لأني لا أعبد المال؛ ولأنني ~~أوثر الحياة عليه، أرأيت؟ إن أسرتنا تؤمن بأن أي نشاط لا يؤدي ~~إلى زيادة في الثروة ضرب من العبث الباطل، وتراهم يحلمون بالألقاب ~~كأنها الفردوس المفقود، أتدري لم يحبون الخديو؟ طالما قالت لي ~~ماما: «لو بقي أفندينا على العرش لنال أبوك الباشوية من زمن ~~بعيد.» والمال العزيز يهون وينفق بلا حساب في استقبال أمير إذا ~~شرفنا بزيارته ... (ثم وهو يضحك) ... لا تنس أن تسجل هذه الغرائب ~~إذا فرغت يوما لتأليف الكتاب الذي اقترحته عليك. # لم يكد يفرغ من حديثه حتى بادرت عايدة تخاطب كمال قائلة: أرجو ~~ألا تتأثر في تأليفك بتحامل هذا الأخ العاق حتى لا تظلم ~~أسرتنا. # فقال كمال بلهجة ساجدة: معاذ الله أن ينال أسرتك ظلم على يدي، ~~وفضلا عن ذلك فليس فيما قال ما يشين. # فضحكت عايدة في ظفر، على حين ارتسمت على ms168 شفتي حسين ابتسامة ~~ارتياح رغم ارتفاع حاجبيه كالداهش. وكان الأثر الذي تركه حديث ~~حسين في نفسه أنه لم يكن صادقا كل الصدق في حملته على أسرته، أجل، ~~لم يشك في قوله إنه لا يعبد المال، وأنه يؤثر الحياة عليه، ~~وأبى - إلى ذلك - أن يرجع هذا الخلق إلى وفرة المال وحدها، ولكن ~~إلى اتساع أفق صاحبه أولا ما دام الثراء لا يحول دون عبادة ~~المال عند الكثيرين، ولكنه خيل إليه أن ما ورد في حديثه عن ~~الخديو والألقاب واستقبال الأمراء إنما ورد عن سبيل الفخر المدغم ~~في الانتقاد، لا الفخر وحده، ولا الانتقاد وحده، كأنما كان يفاخر ~~بها بقلبه، وينتقدها بعقله، أو لعله كان يسخر منها حقا، ولكنه لم ~~يجد غضاضة في التشهير بها أمام شخص لا يشك في أنها تبهره وتفتنه ~~مهما يكن من مجاراته له في انتقادها. عاد حسين يتساءل في هدوء ~~باسم: أينا سيكون بطل الكتاب، أنا، أم عايدة، أم بدور؟ # هتفت بدور «أنا!» فقال لها كمال وهو يشد عليها «اتفقنا!» ثم ~~أجاب حسين: سيبقى هذا سرا حتى يولد الكتاب. ~~- وأي عنوان ستختار له؟ ~~- حسين حول العالم. # فضج ثلاثتهم بالضحك بما ذكرهم هذا العنوان المفتوح باسم تمثيلية ~~«البربري حول العالم» التي كانت تمثل في الماجستيك. وسأله حسين ~~بالمناسبة قائلا: ألم تعرف الطريق إلى المسرح بعد؟ ~~- كلا، في السينما الكفاية الآن. # قال حسين مخاطبا عايدة: إن مؤلف كتابنا غير مسموح له بالسهر ~~خارج البيت إلى ما بعد التاسعة مساء. # فقالت له عايدة متهكمة: على أي حال فهو خير من الذين يسمح ~~لهم بالطواف حول العالم. # ثم التفتت صوب كمال، وسألته برقة خليقة بجذبه إلى رأيها سلفا: ~~أمن العيب حقا أن يتمنى أب أن ينشأ ابنه على مثاله في النشاط ~~والجاه؟ أمن العيب أن نسعى في الحياة إلى المال، والجاه، والألقاب، ~~والقيم العالية؟ # ابقي حيث أنت يسع إليك المال، والجاه، والألقاب، والقيم ~~العالية؛ كي تسمو جميعا بلثم موطئ قدميك، كيف أجيب وفي الجواب ~~الذي تودين انتحاري؟ يا ويح قلبك من ms169 مرام لا يرام. ~~- لا عيب في هذا أبدا ... (ثم بعد انقطاع قصير) على شرط أن يوافق ~~مزاج الشخص . # فاستطردت قائلة: وأي مزاج لا يوافقه هذا؟ والعجيب أن حسين لا ~~يزهد في هذه الحياة الرفيعة طموحا إلى ما هو أرفع منها، كلا يا ~~سيدي، إنه يحلم بأن يحيا بلا عمل، في فراغ وبطالة، أليس هذا ~~بعجيب؟ # تساءل حسين ضاحكا في سخرية: ألا يعيش هكذا الأمراء الذين ~~تعبدونهم؟ ~~- لأنه ليس فوق حياتهم حياة يتطلع إليها، أين أنت من أولئك يا ~~تنبل؟ # التفت حسين ناحية كمال قائلا بصوت لم يخل من أثر للغيظ: ~~القاعدة المتبعة في أسرتنا هي العمل على زيادة الثروة، ومصادقة ~~ذوي النفوذ، فتأمل من وراء ذلك في رتبة البكوية، وعليك بعد ذلك ~~مضاعفة الجهد؛ لإنماء الثروة ومصادقة النخبة الممتازة حتى تنال ~~الباشوية، وأخيرا أن تجعل غايتك العليا في الحياة التودد إلى ~~الأمراء، والقناعة بذلك ما دامت الإمارة لا تنال بالعمل أو ~~اللباقة، أتدري كم كلفتنا زيارة الأمير الأخيرة؟ ... عشرات الألوف من ~~الجنيهات ضاعت في ابتياع أثاث جديد وتحف نادرة من باريس. # فعارضته عايدة قائلة: لم ينفق ذلك المال توددا لأمير من حيث ~~هو أمير فحسب، ولكن لكونه شقيق الخديو؛ فالدافع إلى المجاملة كان ~~الوفاء والصداقة لا التودد والزلفى، وهو بعد شرف لا يماري فيه ~~عاقل. # ولكن حسين تمادى في عناده قائلا: ولكن بابا لا يفتأ يوطد ~~علاقته بعدلي، وثروت، ورشدي، وغيرهم ممن لا يمكن أن يتهموا ~~بالإخلاص للخديو ... أليس في ذلك تسليم بالحكمة القائلة بأن الغاية ~~تبرر الواسطة؟ ~~- حسين! # هتفت به بصوت لم يسمعه من قبل، بصوت نم عن الكبرياء، ~~والاستياء والتأنيب، كأنما أرادت أن تنبهه إلى أن هذا الكلام لا ~~يجوز أن يقال أو في الأقل لا يجوز أن يجهر به على مسمع من «غريب» ~~فاحمر وجهه خجلا وألما، وفترت السعادة التي حلق في أجوائها ~~ساعة بالاندماج في هذه الأسرة الحبيبة. وكانت هامتها مرفوعة، ~~وشفتاها مضمومتين، وفي عينيها نظرة موحية بالتقطيب وإن لم يلمح ~~له أثر في جبينها، كانت ms170 بالجملة غضبى، ولكن كما يخلق بالملكة ~~العريقة أن تغضب، ولم يكن رآها من قبل منفعلة، ولم يكن يتصور ~~أنها تنفعل، فرنا إلى وجهها في دهش وارتياع، وامتلأ إحساسا ~~بالحرج حتى ود لو ينتحل عذرا يتنحى به عن متابعة الحديث، ولكن ~~لم يمض على ذلك ثوان حتى أفاق من غشيته وراح يتملى جمال الغضب ~~الملكي في الوجه الملائكي، ويتذوق لفحة الكبرياء، واستعلاء ~~الإباء، وتجهم السماء، ثم عادت كأنما لتسمعه هو: إن صداقة ~~بابا لمن ذكرت تعود إلى تاريخ قديم سابق على خلع الخديو. # عند ذلك رغب كمال صادقا في أن يبدد هذه السحابة، فساءل حسين ~~مداعبا: إذا كان هذا رأيك فكيف تحتقر سعد لأنه كان ~~أزهريا؟ # فضحك حسين ضحكته الصافية وهو يقول: إني أكره التودد إلى ~~الكبراء، ولكن لا يعني هذا أن أحترم العامة ... إني أحب الجمال ~~وأزدري القبح، ومن المؤسف أن الجمال قل أن يوجد في ~~العامة. # ولكن عايدة تدخلت في الحديث قائلة بصوت معتدل: ماذا تعني ~~بالتودد إلى الكبراء؟ إنه سلوك يعاب على من ليس منهم، ولكن ~~أظننا من الكبراء أيضا، وليس توددنا إليهم دون توددهم ~~إلينا. # فتطوع كمال للإجابة عن حسين قائلا بإيمان: هذا حق لا مراء ~~فيه. # وما لبث أن نهض حسين وهو يقول: حسبنا جلوسا، هلموا نواصل ~~السير. # نهضوا فاستأنفوا السير متجهين نحو أبي الهول في جو ظليل انتشرت ~~تجمعات السحب في آفاقه حتى تعانقت وحجبت الشمس بستار شفاف، فاكتسى ~~منها لونا أبيض ناصعا يقطر صفاء وملاحة. والتقوا في طريقهم ~~بجماعات من الطلبة والأوروبيين نساء ورجالا، فقال حسين مخاطبا ~~عايدة، ولعله أراد أن يسترضيها بطريق غير مباشر: إن ~~الأوروبيات يتفرسن في فستانك باهتمام، مبسوطة؟ # فافتر ثغرها عن ابتسامة عجب وارتياح، وقالت بلهجة تنم عن ثقة ~~مكينة بالنفس وهي ترفع رأسها في كبرياء لطيف: طبيعي ...! # فضحك حسين، وابتسم كمال، ثم قال الأول يخاطب الآخر: عايدة تعد ~~مرجعا للذوق الباريسي في حينا جميعه. # فقال كمال وهو لا يزال يبتسم: طبيعي ... # فكافأته عايدة بضحكة رقيقة خافتة كسجع الحمام، مسحت ms171 عن قلبه ~~الأثر الخفيف الذي تركه النزاع الأرستقراطي البديع! ... العاقل من ~~يعرف لقدمه قبل الخطو موضعها، فاعرف أين أنت من هؤلاء الملائكة، ~~المعبود الذي يشرف عليك من فوق السحاب يتعالى حتى على أهله ~~المقربين، فما وجه العجب في هذا؟ ما كان ينبغي أن يكون له أهل أو ~~أسرة، فلعله اتخذهم ليكونوا وسطاء بين ذاته وبين عابديه، أعجب ~~به في هدوئه وحدته، وتواضعه وتكبره، وإقباله وإدباره، ورضاه ~~وغضبه، كل أولئك صفاته فارو بالعشق قلبك الظامئ، انظر إليها، إن ~~الرمال تعوق مشيتها فتوانت خفتها، واتسعت خطواتها، وتمايل أعلاها ~~كالغصن الثمل بالنسيم الواني، ولكنها وهبت الأبصار صورة جديدة ~~من محاسن المشي تضارع في جمالها مشيتها المعروفة فوق فسيفساء ~~الحديقة، وإذا التفت إلى الوراء فرأيت آثار القدمين اللطيفتين ~~مطبوعة فوق الرمال، فاعلم أنها تقيم معالم للطريق المجهول يهتدي ~~بها السالكون إلى سبحات الوجد وإشراقات السعادة، في زياراتك ~~السالفة لهذه الصحراء كان نهارك ينقضي في اللعب والوثب سادرا عن ~~نفحات المعاني؛ لأن برعمة قلبك لم تكن تفتحت، أما اليوم فأوراقها ~~ندية برضاب الهوى، تقطر بهجة، وتنز ألما فإن تكن سلبت طمأنينة ~~الجهالة فقد وهبت القلق السامي، حياة القلب، وأنشودة النور. ~~- جعت. # ندت الشكوى عن ثغر بدور، فقال حسين: آن لنا أن نعود، ما رأيكم؟ ~~على أي حال أمامنا مسافة طويلة سيجوع في نهايتها من لم ~~يجع. # ولما بلغوا السيارة أخرج حسين الحقيبة والسلة المملوءتين ~~بالطعام، فوضعهما على مقدمة السيارة، وراح يزيح الغطاء عن سلته، ~~غير أن عايدة اقترحت أن يتناولوا الطعام على درجة من درجات الهرم، ~~فمضوا إليه وارتقوا درجة من درجات الأساس فحطوا الحقيبة والسلة في ~~وسطها، وجلسوا على حافتها تاركين أرجلهم تتدلى. بسط كمال جريدة ~~كانت في حقيبته، وطرح عليها الطعام الذي جاء به، دجاجتين، ~~وبطاطس، وجبنا، وموزا، وبرتقالا، ثم تابع يدي حسين وهو يستخرج ~~من السلة طعام «الملائكة»، فإذا به: سندويتشات أنيقة، وأكواب أربع، ~~وترموث ... ومع أن طعامه كان أدسم فإنه بدا - في ناظريه على الأقل - ~~عاطلا عن حلية الأناقة، فساوره قلق ms172 وحياء. وتساءل حسين وهو يرمق ~~الدجاجتين بنظرة ترحاب: عما إذا كان صاحبه قد أحضر أدوات مائدة، ~~فأخرج كمال من الحقيبة سكاكين وشوكا، وشرع يقطع الدجاجتين شرائح. ~~وهنا نزعت عايدة سدادة الترموث وراحت تملأ الأكواب الأربع، فإذا ~~بها تمتلئ بسائل أصفر كالذهب، فلم يملك كمال أن يسأل داهشا: ما ~~هذا؟ # فضحكت عايدة ولم تجب، أما حسين فقال ببساطة وهو يغمز أخته ~~بعينه: بيرة. ~~- بيرة؟! # هتف كمال كالخائف، فقال حسين بتحد وهو يشير إلى السندوتشات: ~~ولحم خنزير. ~~- أنت تعبث بي! لا أصدق هذا. ~~- بل صدق وكل، يا لك من جحود! جئناك بأنفس ما يؤكل، وألذ ما ~~يشرب. # أفصحت عينا كمال عن دهش وانزعاج، وانعقد لسانه فلم يدر ماذا ~~يقول، وكان أشد ما يزعجه أن هذا الطعام والشراب جهز في البيت، ~~وبالتالي عن علم أهله ورضاهم. ~~- ألم تذق شيئا من هذا من قبل؟ ~~- سؤال في غير حاجة إلى جواب. ~~- إذن ستذوقه لأول مرة، والفضل لنا. ~~- هذا محال. ~~- لمه؟ ~~- لمه! سؤال في غير حاجة إلى جواب أيضا. # رفع حسين وعايدة وبدور أكوابهم وشربوا جرعات ثم أعادوها، ونظر ~~الأولان إلى كمال مبتسمين كأنما يقولان له: «أرأيت أنه لم يحدث لنا ~~شيء!» ثم قال حسين: الدين! هه؟ كوب من البيرة لا يسكر، ولحم ~~الخنزير كله لذة وفوائد، لست أدري ما حكمة الدين في شئون ~~الطعام! # تقلص قلب كمال لوقع هذا الكلام، بيد أنه لم يخرج عن رقته وهو ~~يقول معاتبا: حسين، لا تجدف. # ولأول مرة مذ افتتحت المأدبة تكلمت عايدة، فقالت: لا تسئ بنا ~~الظن، نحن نشرب البيرة لفتح النفس ليس إلا، ولعل مشاركة بدور لنا ~~تقنعك بحسن نيتنا، أما لحم الخنزير فلذيذ جدا، جربه ولا تكن ~~حنبليا، لا تزال أمامك فرصة كبيرة كي تطيع الدين فيما هو أهم من ~~هذا كله. # ومع أن كلامها لم يختلف في جوهره عن كلام حسين، فإنه نزل على ~~قلبه المتألم بردا وسلاما، وإلى هذا فقد صادف منه نفسا حريصة ~~كل الحرص على ألا تكدر لهم صفوا أو تخدش لهم ms173 شعورا، فابتسم في ~~تسامح رقيق، ومضى يتناول طعامه وهو يقول: دعوني آكل الطعام الذي ~~آلفه، وأكرموني بالمشاركة فيه . # ضحك حسين، ثم قال مخاطبا كمال وهو يشير إلى أخته: اتفقنا في ~~البيت على أن نقاطع طعامك إذا قاطعت طعامنا، ولكن يخيل إلي ~~أننا لم نحسن تقدير ظروفك، على هذا فإنني سأتحلل من ذلك الاتفاق ~~إكراما لك، ولعل عايدة أن تقتدي بي. # فنظر كمال نحوها برجاء، فقالت باسمة: إذا وعدتني بألا تسيء الظن ~~بنا. # فقال كمال بابتهاج: لا عاش من أساء بكم الظن. # أكلوا بشهوة عظيمة، حسين وعايدة أولا، ثم تشجع كمال بهما ~~فتابعهما، وكان يقدم الطعام بنفسه إلى بدور التي اكتفت بسندوتش ~~وقطعة من صدر الدجاجة، ثم أقبلت على الفاكهة. ولم يستطع كمال أن ~~يقاوم الرغبة في استراق النظر إلى حسين وعايدة وهما يأكلان؛ ليرى ~~كيف يتناولان طعامهما، أما حسين فكان يلتهم الطعام دون مبالاة كأنه ~~منفرد، غير أنه لم يفقد طابعه الممتاز الذي يمثل في عيني كمال ~~الأرستقراطية المحبوبة المنطلقة على سجيتها، وأما عايدة فقد كشفت ~~عن أسلوب جديد من الرشاقة، والأناقة، والتهذيب في طبيعتها ~~الملائكية سواء في قطع اللحم، أو القبض بأطراف الأنامل على ~~السندوتش، أو حركات الثغر عند المضغ، ومضى هذا كله يسيرا هينا لا ~~أثر للتكلف أو القلق فيه. الحق أنه انتظر هذه الساعة بتشوف وإنكار ~~كأنما كان في شك من أنها تأكل الطعام كسائر البشر. ومع أن معرفته ~~لنوع الطعام أزعجت ضميره الديني أيما إزعاج، فإنه وجد في «غرابته» ~~وخروجه عن مألوف ما يتناوله الناس الذين عهدهم مشابهة تربطه بآكله، ~~فارتاح لها خياله الحائر المتسائل. وتناوبه شعوران متناقضان، قلق ~~بادئ الأمر وهو يراها تقوم بهذه الوظيفة التي يشترك فيها الإنسان ~~والحيوان. ثم داخله شيء من الارتياح لما قربت هذه الوظيفة بينه ~~وبينها ولو درجة واحدة، على أن نفسه لم تعفه من علامات الاستفهام ~~عند هذا الحد، فوجدها تدفعه إلى التساؤل عما إذا كانت تؤدي سائر ~~الوظائف الطبيعية الأخرى؟ لم يسعه أن يقول لا، ولم يهن عليه ms174 أن ~~يقول نعم، فأضرب عن الإجابة وهو يعاني إحساسا لم يعرفه من قبل ~~تضمن - فيما تضمن - احتجاجا صامتا على نواميس ~~الطبيعة. ~~- إني معجب بشعورك الديني، ومثاليتك الأخلاقية. # نظر كمال إليه في حذر المرتاب، فقال حسين بتوكيد: عن صدق تكلمت ~~لا عن دعابة. # ابتسم كمال في حياء، ثم أشار إلى ما تبقى من السندوتشات والبيرة ~~قائلا: بالرغم من هذا فإن احتفالكم بشهر رمضان يفوق كل وصف، أنوار ~~تضاء، قرآن يتلى في بهو الاستقبال، المؤذنون يؤذنون في السلاملك، ~~هه؟ ~~- إن أبي يحيي ليالي رمضان حبا وكرامة، واستمساكا بالتقاليد ~~التي اتبعها جدي، وإلى هذا فهو وماما يواظبان على الصوم. # قالت عايدة باسمة: وأنا. # فقال حسين بجد أريد به السخرية: عايدة تصوم يوما واحدا من ~~الشهر، وربما أفلست قبيل العصر. # فقالت عايدة على سبيل الانتقام: وحسين يأكل في رمضان أربع وجبات ~~يوميا، الوجبات الثلاث المعتادة ووجبة السحور. # فقال حسين ضاحكا، وقد كاد الطعام يسقط من فيه لولا أن رفع رأسه ~~بحركة سريعة: أليس غريبا ألا نعرف عن ديننا شيئا ذا بال؟ لم يكن ~~عند بابا أو ماما معلومات تستحق الذكر، وكانت مربيتنا يونانية، ~~وعايدة تعرف عن المسيحية وطقوسها أكثر مما تعرف عن الإسلام، نحن ~~بالقياس إليك في حكم الوثنيين ... (ثم مخاطبا عايدة) ... إنه يقرأ ~~القرآن والسيرة! # فقالت بلهجة ربما دلت على شيء من الإعجاب: حقا؟ برافو، ولكن ~~أرجو ألا تسيء بي الظن أكثر مما ينبغي، فإني أحفظ أكثر من ~~سورة. # فغمغم كمال كالحالم: بديع، بديع جدا، مثل ماذا؟ # فكفت عن الأكل حتى تتذكر، ثم قالت باسمة: أعني أني كنت أحفظ ~~بعض السور، لا أدري ماذا تبقى منها ... (ثم رفعت صوتها فجأة شأن من ~~تذكر شيئا أعياه طلابه) مثل السورة التي يقول فيها إن ربنا واحد ~~... إلخ. # ابتسم كمال، وقدم لها شريحة من صدر الدجاجة فتناولتها شاكرة، ~~ولكنها اعترفت بأنها أكلت أكثر مما تأكل عادة، ثم قالت: لو كان ~~الناس يتناولون الطعام عادة في الرحلات لاختفت الرشاقة من ~~الوجود. # فقال كمال بعد تردد: إن نساءنا ms175 لا تستهويهن النحافة. # فوافقه حسين على رأيه قائلا: ماما نفسها من هذا الرأي، ولكن ~~عايدة تعد نفسها باريسية . # عفا الله عن استهانة معبودتي، شد ما أزعجت نفسك المؤمنة، كما ~~أزعجتها من قبل خطرات الشك التي صادفتها في مطالعتك، هل تستطيع أن ~~تلقى استهانة المعبود بما لقيت به من خطرات الشك من نقد وغضب؟ ~~هيهات، نفسك لا تنطوي لها إلا عن الحب الخالص، حتى عيوبها فأنت ~~تحبها، عيوبها؟! لا عيب لها، ولو كان ما بها خفة في الدين ~~واجتراء على المحرمات، تلك عيوب لو وجدت في غيرها ... أخشى ما ~~أخشاه ألا تروق في عيني حسناء بعد اليوم إذا لم يكن بها خفة في ~~الدين واجتراء على المحرمات، هل مسك القلق؟ استغفر الله لنفسك ~~ولها، وقل إن هذا كله عجيب، عجيب كأبي الهول، ما أشبه حبك به، أو ~~ما أشبهه بحبك! كلاهما لغز وخلود. # أفرغت عايدة آخر ما في الترموث في الكوب الرابع، ثم قالت لكمال ~~بإغراء: هلا غيرت رأيك؟ ما هي إلا شراب منعش. # فابتسم ابتسامة اعتذار وشكر، وعند ذاك خطف حسين الكوب ورفعه إلى ~~فيه، وهو يقول: أنا بدل كمال ... (ثم وهو يتأوه) ... يجب أن نمسك ~~وإلا متنا امتلاء. # فرغوا من الطعام، ولكن فضل منه نصف دجاجة وثلاثة سندوتشات، فخطر ~~لكمال أن يوزعها على الغلمان الذين يتجولون في المكان، غير أنه ~~رأى عايدة وهي تعيد السندوتشات مع الأكواب والترموث إلى السلة، ~~فلم ير بدا من أن يعيد بقية طعامه إلى الحقيبة، وقد وردته ذكرى ~~حديث إسماعيل لطيف عن الروح الاقتصادية لآل شداد. ووثب حسين إلى ~~الأرض وهو يقول: لدينا مفاجأة سارة لك، أحضرنا معنا فونوغرافا ~~وبعض الأسطوانات لتساعدنا على الهضم، ستسمع أسطوانات أوروبية من ~~مختارات عايدة، وأخرى مصرية مثل: «حزر فزر» و«بعد العشي» و«حود ~~من هنا»، ما رأيك في هذه المفاجأة؟ # 18 # انتصف ديسمبر، غير أن الجو لم يجاوز حد الاعتدال إلا قليلا ~~على رغم أن الشهر هل بعاصفة من الرياح، والأمطار، والبرد القارص، ~~وكان كمال يقترب من سراي آل ms176 شداد في خطوات متئدة سعيدة طارحا ~~معطفه المطوي على ساعده الأيسر، وقد دل مظهره الأنيق - خاصة مع ~~ملاحظة ميل الجو إلى الاعتدال - على أنه جاء بمعطفه استكمالا ~~لمظاهر الأناقة والوجاهة أكثر منه حيطة لتقلب الجو. وكانت شمس ~~الضحى ساطعة فرجح عنده أن مجلس الأصدقاء سينعقد في كشك الحديقة - ~~لا في الثوى حيث يجتمعون في الأيام الباردة - وأن الفرص بالتالي ~~ستسنح لرؤية عايدة التي لا يتاح لقاؤها إلا في الحديقة، على أن ~~الشتاء إذا كان يحرمه من لقائها في الحديقة، فإنه لم يحل دون ~~رؤيتها في النافذة المشرفة على الممر الجانبي للحديقة، أو في ~~الشرفة المطلة على مدخل القصر، في هذه أو تلك، وعند مقدمه أو ~~حال منصرفه، ربما لمحها وهي معتمدة الحافة بمرفقيها، أو ~~مفترشة راحتها بذقنها، فيرفع نحوها عينيه حانيا رأسه في ولاء ~~العابد، فترد تحيته بابتسامة رقيقة ذات وميض يضيء له أحلام ~~اليقظة وأحلام المنام. على أمل رؤيتها اختلس من الشرفة نظرة وهو ~~يدخل القصر، ثم من النافذة وهو يقطع الممر الجانبي، ولكنه لم يجدها ~~لا في هذه ولا في تلك، فاتجه - وهو يمني النفس باللقاء في ~~الحديقة - نحو الكشك حيث رأى حسين جالسا بمفرده على غير العادة. ~~تصافحا وقلبه يشرق بهجة المودة التي تبعثها في نفسه مطالعة هذا ~~الوجه الصبيح، أليف روحه وعقله، واستمع إليه وهو يرحب به في ~~لهجته المرحة الصافية قائلا: أهلا بالمعلم! الطربوش والمعطف! ~~لا تنس في المرة القادمة الكوفية والعصا، أهلا ... أهلا. # خلع كمال طربوشه ووضعه على المنضدة، وطرح المعطف على كرسي وهو ~~يتساءل: أين إسماعيل وحسن؟ ~~- إسماعيل سافر إلى البلد مع والده فلن تراه اليوم، أما حسن فقد ~~تلفن لي صباحا بأنه سيتأخر ساعة أو أكثر لكتابة بعض المحاضرات. ~~أنت تعلم أنه طالب مثالي مثل حضرتك، وهو مصمم على نيل الليسانس ~~هذا العام. # جلسا على كرسيين متقابلين موليين القصر ظهريهما، وقد وعد ~~انفرادهما كمال بجلسة هادئة لا شقاق فيها، جلسة يرحب صدرها ~~بالتأملات، غير أنها ستخلو في الوقت نفسه من النضال المتعب ms177 اللذيذ ~~معا الذي يدعو إليه حسن سليم، والملاحظات التهكمية اللاذعة ~~التي يبعثرها إسماعيل لطيف دون حساب، استطرد حسين قائلا: أنا على ~~العكس منكما طالب رديء، أجل إني أستمع إلى المحاضرات مفيدا من ~~قدرتي على تركيز الانتباه، غير أني لا أكاد أطيق مراجعة كتبي ~~المدرسية. قالوا لي كثيرا: إن دراسة القانون تتطلب ذكاء ~~نادرا. الأحرى أن يقولوا: إنها تتطلب غباء وصبرا. حسن سليم ~~طالب مجد شأن الذين يحدوهم الطموح، طالما تساءلت عما يجعله ~~يحمل نفسه فوق ما تطيق من العمل والسهر، وهو لو شاء - كأمثاله ~~من أبناء المستشارين - لقنع من العمل بما يكفل له النجاح اعتمادا ~~على نفوذ أبيه الذي سيضمن له في النهاية نيل الوظيفة التي يتطلع ~~إليها، فلم أجد تفسيرا لذلك إلا كبرياءه الذي يحبب إليه ~~التفوق، ويدفعه إليه دفعا لا هوادة فيه، أليس كذلك؟ ما رأيك ~~فيه؟ # فقال كمال في صدق: حسن شاب جدير بالإعجاب لخلقه ~~وذكائه. ~~- سمعت أبي يقول مرة عن أبيه سليم بك صبري: إنه مستشار فذ ~~عادل، فيما عدا القضايا السياسية. # صادف هذا الرأي هوى في نفس كمال، لما سبق إلى علمه من تشيع ~~سليم بك صبري إلى الأحرار الدستوريين، فقال ساخرا: معنى هذا أنه ~~قانوني بارع، ولكنه غير أهل للقضاء. # فضحك حسين ضحكة عالية، وقال: نسيت أنني أخاطب وفديا. # فقال كمال وهو يرفع منكبيه: لكن والدك ليس وفديا. تصور أن يجلس ~~سليم بك صبري للفصل في قضية عبد الرحمن فهمي والنقراشي! # هل صادف قوله عن سليم بك صبري ارتياحا في نفس حسين؟ نعم، هذا ~~يبدو جليا في العينين الجميلتين اللتين لم تألفا الكذب أو ~~الرياء، ولعله راجع إلى المنافسة التي تقوم عادة - مهما اتسمت ~~بالتهذيب وآداب اللياقة - بين الأنداد، وقد كان شداد بك مليونيرا ~~ومن رجال المال ذوي المكانة والجاه، فضلا عن صلته التاريخية ~~بالخديو عباس، غير أن سليم بك صبري مستشار في أكبر هيئة قضائية، ~~وفي بلد تفتنها المناصب إلى حد التقديس، فلم يكن بد من أن ~~يتبادل المنصب الرفيع والمال الوفير نظرات ms178 الشزر أحيانا. ألقى ~~حسين على الحديقة المترامية أمام ناظريه نظرات هادئة يشوبها شيء ~~من الأسف؛ فقد تجردت جدائل النخيل، وتعرت شجيرات الورد، وشحبت ~~الخضرة اليانعة، واختفت ابتسامات الزهور من ثغور البراعم، وبدت ~~الحديقة غارقة في الحزن حيال زحف الشتاء، ثم قال وهو يشير أمامه: ~~انظر إلى فعل الشتاء، هذه آخر جلسة لنا في الحديقة، ولكنك من ~~هواة الشتاء. # إنه يهوى الشتاء حقا، ولكن عايدة أحب إليه من الشتاء والصيف ~~والخريف والربيع معا، فلن يغفر للشتاء حرمانه من مقابلات الكشك ~~السعيدة، غير أنه قال موافقا: الشتاء فصل جميل وقصير، وفي البرد ~~والغيم والرذاذ حياة يستجيب لها القلب. ~~- يخيل إلي أن هواة الشتاء يكونون عادة من ذوي النشاط ~~والاجتهاد، فهكذا أنت، وهكذا حسن سليم. # ارتاح كمال إلى هذا الثناء، ولكنه أراد أن يخص - من دون حسن ~~سليم - بأكثره، فقال: ولكني لا أعطي واجباتي المدرسية إلا نصف ~~نشاطي فحسب، الحق أن حياة العقل أوسع من المدرسة بكثير. # هز حسين رأسه مستحسنا، وقال: لا أظن أن ثمة مدرسة يمكن أن ~~تستهلك الوقت الطويل الذي تكرسه للعمل يوميا. على فكرة: أنا ~~لا أوافقك على هذا الإسراف وإن أكن أغبطك أحيانا، خبرني ماذا تقرأ ~~الآن؟ # ابتهج كمال بهذا الحديث الذي كان - بعد عايدة - أحب شيء إلى ~~نفسه، وأجاب قائلا: أستطيع أن أقول لك الآن: إن مطالعاتي أخذت ~~تتبع نوعا من النظام، لم تعد قراءة حرة كيفما اتفق ما بين قصص ~~مترجمة، ومختارات شعرية، ومقالات نقدية، أصبحت أتلمس سبيلي على ~~قدر من الضوء لا بأس به، فعمدت أخيرا إلى تخصيص ساعتين كل مساء ~~للقراءة في دار الكتب، وهنالك أنظر في دائرة المعارف باحثا عن ~~معاني الكلمات الغامضة الساحرة، كالأدب، والفلسفة، والفكر، ~~والثقافة، مسجلا في الوقت نفسه أسماء الكتب التي تصادفني، إنه ~~عالم بديع تذوب فيه النفس شغفا واستطلاعا. # كان حسين يصغي إليه بانتباه واهتمام طارحا ظهره على مسند ~~الكرسي الخيزران، واضعا يديه في جيبي جاكتته الكحلية ~~الإنجليزية، وعلى شفتيه العميقتين ابتسامة مشاركة وجدانية ~~صافية، قال: جميل جدا، ms179 بالأمس كنت أحيانا تسألني عما ينبغي أن ~~يقرأ، اليوم جاءت نوبتي لأسألك أنا، هل وضح لك الطريق ؟ ~~- رويدا ... رويدا، يغلب على ظني أني سأتجه نحو الفلسفة. # ارتفع حاجبا حسين كالمتسائل، ثم قال باسما: الفلسفة؟ إنها كلمة ~~مثيرة، حذار أن تذكرها على مسمع من إسماعيل. طالما اعتقدت أنك ~~ستتجه نحو الأدب. ~~- لا لوم عليك، الأدب متعة سامية بيد أنه لا يملأ عيني، إن مطلبي ~~الأول الحقيقة، ما الله؟ ما الإنسان؟ ما الروح؟ ما المادة؟ الفلسفة ~~هي التي تجمع كل أولئك في وحدة منطقية مضيئة كما عرفت أخيرا، هذا ~~ما أروم معرفته من كل قلبي، وهذه هي الرحلة الحقيقة التي تعد ~~رحلتك حول العالم بالقياس إليها مطلبا ثانويا، تصور أنه ~~سيمكنني أن أجد أجوبة شافية لهذه المسائل جميعا! # نور الشوق والحماس وجه حسين وهو يقول: هذا بديع حقا، لن ~~أتوانى عن مرافقتك في هذا العالم الساحر، بل لقد طالعت بالفعل ~~فصولا عن الفلسفة الإغريقية وإن لم أخرج منها بشيء يعتد به. ~~لست أحب الاندفاع مثلك، ولكني أقطف زهرة من هنا وزهرة من هناك، ~~وأسلك بين هذا وذاك سبيلا. والآن دعني أصارحك بأني أخاف أن تقطع ~~الفلسفة ما كان بينك وبين الأدب من أسباب، فأنت لا تقنع بالاطلاع، ~~ولكنك تريد أن تفكر وأن تكتب. ولن يتاح لك - فيما أعتقد - أن ~~تكون فيلسوفا وأديبا في آن. ~~- لن ينقطع ما بيني وبين الأدب، إن حب الحقيقة لا يناقض ~~تذوق الجمال، ولكن العمل شيء والراحة شيء آخر، وقد عزمت على أن ~~أجعل الفلسفة عملي، والأدب راحتي. # فضحك حسين فجأة، ثم قال: هكذا تتملص من تعهدك لنا بأن تكتب ~~عنا قصة جامعة! # فلم يملك كمال أن يضحك قائلا: ولكني آمل أن أكتب يوما عن ~~«الإنسان» فيشملكم ضمنا. ~~- لا يهمني الإنسان بقدر ما يهمني أشخاصنا، انتظر حتى أشكوك ~~إلى عايدة. # خفق قلبه لدى سماع الاسم خفقة تحية وحنان وشوق، فانقلب نشوان ~~كأنما قد ثمل روحه بلحن معربد بالطرب. هل يرى حسين حقا أنه أتى ~~من الأمر ما يستأهل ms180 عليه مؤاخذة عايدة؟ ما أجهل حسين! كيف غاب ~~عنه أنه ما من شعور يستشعره، أو فكرة يتأملها ، أو شوق يستشرفه إلا ~~وآفاقها تترقرق ببهاء عايدة وروحها! ~~- انتظر أنت، وسوف تثبت لك الأيام أنني لن أتخلى عن عهدي ما ~~حييت. # ثم متسائلا بعد قليل بلهجة جدية: لم لا تفكر في أن تكون كاتبا؟ ~~كل الظروف الراهنة والآتية تهيئ لك التفرغ لهذا الفن. # فهز حسين كتفيه استهانة، وقال: أأكتب ليقرأ الناس؟ ولم لا يكتب ~~الناس لأقرأ أنا؟ ~~- أيهما أعظم شأنا؟ ~~- لا تسألني أيهما أعظم شأنا، ولكن سلني أيهما أسعد حالا، إني ~~أعد العمل لعنة البشرية؛ لا لأني كسول، كلا، ولكن لأن العمل ~~مضيعة للوقت، وسجن للفرد، وحائل منيع دون الحياة، الحياة السعيدة ~~هي الفراغ السعيد. # حدجه كمال بنظرة دلت على أنه لم يأخذ قوله مأخذ الجد، ثم قال: ~~لا أدري ماذا كانت تكون حياة الإنسان لولا العمل؟ إن ساعة من ~~الفراغ المطلق تنقضي أثقل من عام حافل بالعمل. ~~- يا للتعاسة! إن صدق قولك نفسه هو ما يؤكد هذه التعاسة، هل ~~حسبتني أطيق الفراغ المطلق؟ كلا، وا أسفاه لا أزال أشغل وقتي ~~بالنافع والضار، ولكني آمل يوما أن أعاشر الفراغ المطلق ~~معاشرة سعيدة. # هم بالتعليق على قوله، ولكن جاء صوت من ورائهما يتساءل: «فيم ~~تتحدثان يا ترى؟» صوت أو بالحري نغمة حلوة ما إن تتردد في ~~مسمعيه حتى تعزف أوتار قلبه مجاوبة إياها من الأعماق كأنها عناصر ~~مؤتلفة في لحن واحد، وسرعان ما خلت نفسه من متواثب الفكر فغمرها ~~فراغ مطلق، ترى أهو الفراغ المطلق الذي يحلم به حسين؟ هو ذاته لا ~~شيء، ولكنه السعادة كلها. # والتفت إلى الوراء، فرأى عايدة قادمة على بعد خطوات تتقدمها ~~بدور حتى وقفتا أمامهما، كانت ترتدي فستانا كمونيا، وسترة ~~صوفية زرقاء ذات أزرار مذهبة، وقد تجلت بشرتها السمراء في عمق ~~السماء الصافية وصفاء الماء المقطر. وهرعت بدور إليه فتلقفها بين ~~ذراعيه، وضمها إلى صدره كأنما ليواري في عناقها ما اعتراه من ~~هيمان، وعند ذاك جاء خادم مسرعا؛ ms181 فوقف أمام حسين وهو يقول بأدب ~~«التليفون»؛ فقام حسين مستأذنا، ومضى نحو السلاملك والخادم ~~يتبعه. # وهكذا وجد نفسه معها على انفراد - وجود بدور لم يكن ليغير من ~~هذا المعنى - لأول مرة في حياته، تساءل في إشفاق: ترى أتبقى أم ~~تذهب؟ ولكنها تقدمت خطوتين حتى صارت تحت مظلة الكشك جاعلة ~~المنضدة بينها وبينه، فدعاها إلى الجلوس بإشارة من يده، ولكنها ~~هزت رأسها بالرفض باسمة، فقام واقفا ورفع بدور بين يديه فأجلسها ~~على المنضدة، ولبث يربت رأس الصغيرة في ارتباك وهو يبذل كل ~~قوته كي يملك عواطفه، ويتغلب على انفعاله ... مضت فترة صمت لم يسمع ~~خلالها إلا حفيف الغصون، وخشخشة أوراق جافة متناثرة، وزقزقة ~~عصفور، فبدا المكان فيما لمحت عيناه من أرضه، وسمائه، وأشجاره، ~~وسوره البعيد الفاصل بين الحديقة والصحراء، وقصة المعبودة ~~المسبلة على جبينها، والنور البديع المنبثق من حور مقلتيها، بدا ~~كل أولئك كأنه منظر بهيج من حلم سعيد، لم يدر - على وجه اليقين - ~~إن كان حقيقة ماثلة أمام ناظريه أم خيالة ملوحة حيال ذاكرته، حتى ~~سجع الصوت الرخيم وهو يقول مخاطبا بدور فيما يشبه التحذير: «لا ~~تضايقيه يا بدور!» فكان جوابه أن ضم بدور إلى صدره قائلا: «إن ~~تكن هذه هي المضايقة فما أحبها إلى نفسي!» ورنا إليها وفي عينيه ~~أشواق، وراح يتملى منظرها آمنا هذه المرة من الرقباء، منعما ~~فيها التأمل كأنما يستكنه أسرارها، ويطبع على صفحة مخيلته ~~ملامحها ورموزها، فتاه في سحر المنظر حتى بدا ذاهلا أو غائبا، ~~وما يدري إلا وهي تتساءل: ما لك تنظر إلي هكذا؟ # فأفاق من غشيته، وتجلى في عينيه الارتباك، فابتسمت متسائلة: ~~هل تريد أن تقول شيئا؟ # هل يريد أن يقول شيئا؟ إنه لا يدري ماذا يريد، حقا إنه لا ~~يدري ماذا يريد، وتساءل بدوره: هل قرأت في عيني هذا؟ # أجابت وثغرها يفتر عن ابتسامة غامضة: نعم. ~~- ماذا قرأت فيهما؟ # فرفعت حاجبيها كالمتعجبة، وهي تقول: هذا ما أردت ~~معرفته. # أيبوح لها بسره المكنون قائلا بكل بساطة «أحبك» وليكن ما يكون؟! ~~لكن ما جدوى ms182 البوح؟ وماذا يكون من أمره لو قطع الاعتراف ما بينه ~~وبينها من صداقة ومودة - كما هو الراجح - إلى الأبد؟ وانتبه - وهو ~~يتأمل - إلى النظرة التي تلوح في عينيها الجميلتين، نظرة مطمئنة، ~~شديدة الثقة بنفسها، جريئة، لا يعتورها ارتباك أو خجل، نظرة كأنما ~~تهبط عليه من عل بالرغم من أنها في مستوى نظره، فلم يرتح لها ~~وزادته ترددا، ماذا وراءها يا ترى؟ وراءها فيما رأى شعور ~~بالاستهانة، وربما العبث كأنما هي بالغ ينظر إلى طفل، ولعلها لم ~~تخل كذلك من تعال لا يمكن أن يبرره فارق السن وحده؛ إذ لم تكن ~~تكبره إلا بعامين على أكثر تقدير، أفلا تكون هذه النظرة الخليقة ~~بأن يلقيها هذا القصر الشامخ بشارع السرايات على البيت القديم ~~ببين القصرين؟ ولكن لم لم يلمحها في عينيها من قبل ذلك؟ ربما ~~لأنها لم تنفرد به من قبل، أو لأنه لم يتح له أن ينعم فيها ~~النظر إلا هذه الساعة، وآلمه ذلك وأحزنه حتى فترت نشوته أو كادت. ~~ورفعت بدور نحوه يديها داعية إياه لحملها، فتناولها في حضنه، ~~وإذا بعايدة تقول: يا للعجب! لماذا تحبك بدور كل هذا ~~الحب؟! # فقال وهو ينظر في عينيها: لأني أكن لها مثله وأكثر. # فتساءلت كالمرتابة: أهذا قانون يركن إليه؟ ~~- الحكمة السائرة تقول: «من القلب للقلب رسول». # فجعلت تنقر المنضدة بأنملتها وهي تتساءل: هب فتاة جميلة أحبها ~~كثيرون، فهل تحبهم جميعا؟ أرني كيف يصدق قانونك في هذه ~~الحال. # فقال وقد أذهله سحر الحوار عن كل شيء حتى أحزانه: يكون من أمرها ~~أن تحب أصدقهم حبا لها. ~~- وكيف تفرزه من الآخرين؟ # لو يدوم هذا الحوار إلى الأبد! ~~- أحيلك مرة أخرى إلى الحكمة السائرة «من القلب للقلب ~~رسول». # فضحكت ضحكة مقتضبة مثل رنة الوتر، وقالت في تحد: لو صح هذا ~~ما خاب محب صادق في حبه! فهل هذا صحيح؟ # صدمه قولها كما تصدم حقائق الحياة المستنيم إلى المنطق وحده، ~~فلو صح منطقه لوجب أن يكون أسعد الناس بحبه ومحبوبه، ولكن أين هو ~~من ذلك؟ الحق أن ms183 تاريخ حبه الطويل لم يعدم لحظات أمل خلت، كان يضيء ~~ظلمات قلبه بسعادة وهمية على أثر ابتسامة حلوة يجود بها المحبوب، ~~أو كلمة عابرة قابلة للتأويل، أو حلم سعيد عقب ليلة فكر، وسهاد، ~~ولواذا بقول سائر له احترامه في نفسه مثل: «من القلب للقلب رسول»، ~~فكان يتعلق بالأمل الخلب في إصرار اليائس حتى تعيده الحقيقة إلى ~~وعيه، ها هو الساعة يتلقى هذه الجملة الساخرة الحاسمة كالدواء ~~المر ليتداوى بها مستقبلا من كواذب الآمال، وليعرف على وجه ~~اليقين موضعه أين يكون، ولما لم يحر جوابا على سؤالها الذي ~~تحدته به، هتفت معبودته ومعذبته بلهجة المنتصر: غلبت ...؟! # واستحكم الصمت مرة أخرى، فعاود مسمعيه حفيف الغصون، وخشخشة ~~الأوراق الجافة، وزقزقة العصفور، غير أنه تلقاها هذه المرة بوجد ~~فاتر وقلب خائب، ولاحظ أن عينيها تتفحصانه بإمعان لا داعي له، ~~وأن نظرتها تزداد جرأة وثقة وما يوحي بالعبث، وأنها أبعد ما يكون ~~عن منظر أنثى تصدت لذكر، فشعر بغمز في قلبه وبرودة، وتساءل هل ~~قدر له أن ينفرد بها لتتقوض أحلامه دفعة واحدة؟ ولاحظت قلقه، فضحكت ~~ضحكة لاهية، وقالت في دعابة وهي تومئ إلى رأسه: لا يبدو أنك شرعت ~~في تربية شعرك؟ # فقال باقتضاب: كلا. ~~- ألا يروقك ذلك؟ # وهو يمط بوزه باستخفاف: كلا. ~~- قلنا لك: إنه أجمل. ~~- هل ينبغي للرجل أن يكون جميلا؟ # فقالت باستغراب: طبعا الجمال محبوب، سواء في الرجال ~~والنساء! # هم بأن يردد بعض محفوظاته مثل: «جمال الرجل في أخلاقه» ... إلخ، ~~ولكن غريزة من غرائزه أوحت إليه بأن مثل هذا القول - مع صدوره عن ~~شخص في صورته - لن يلقى عند معبودته إلا الهزء والسخرية، فقال ~~وهو يعاني وخزا في قلبه داراه بضحكة مصطنعة: لست من ~~رأيك. ~~- أو لعلك تنفر من الجمال كما تنفر من البيرة ولحم ~~الخنزير! # فضحك ضحكة يعالج بها يأسه وقهره، فعادت تقول: الشعر الطبيعي ~~غطاء طبيعي، أعتقد أن رأسك في حاجة إليه، ألا تعلم أن رأسك كبير ~~جدا؟ # ذو الرأسين! أنسيت ذلك النداء القديم؟ ... يا للتعاسة! ~~- هو كذلك. ~~- لمه؟ # أجاب ms184 وهو يهز رأسه في إنكار: سليه بنفسك فإنني لا أدري. # ضحكت ضحكة خافتة، أعقبها صمت، معبودك جميل ، فاتن، ساحر، ولكنه ذو ~~جبروت كما ينبغي له، ذق جبروته، وتلقن شتى أنواع الألم. ولم ~~ترحمه فيما بدا، لم تزل عيناها الجميلتان تصعدان البصر في وجهه ~~وتصوبان حتى ثبتتا على ... أجل، على أنفه! ... هنالك وجد قشعريرة في ~~أعماقه حتى قف شعره، وغض البصر وهو خائف يترقب، وسمعها تضحك، ~~فرفع عينيه وهو يتساءل: ماذا يضحكك؟ ~~- ذكرت أمورا مثيرة طالعتها في مسرحية فرنسية معروفة، ألم ~~تقرأ «سيرانو دي برجراك؟» # أنسب الأوقات للاستخفاف بالألم وقت يزيد فيه الألم عن حده، قال ~~بهدوء واستهانة: لا داعي للمداراة، أنا أعرف أن أنفي أكبر من رأسي، ~~ولكن أرجو ألا تسألي مرة أخرى «لمه؟» سليه بنفسك إن شئت. # وإذا ببدور تمد يدها فجأة فتقبض على أنفه، فأغرقت عايدة في الضحك ~~وهي تميل برأسها إلى الوراء، ولم يملك هو أيضا إلا أن يضحك، ثم ~~سأل بدور مداراة لارتباكه: وأنت يا بدور، هل هالك أنفي؟ # وترامى إليهم صوت حسين وهو يهبط سلم الفراندا، فغيرت عايدة من ~~لهجتها فجأة، وقالت له بصوت جمع بين الرجاء والتحذير: إياك أن ~~تزعل من مزاحي. # عاد حسين إلى الكشك، فجلس على كرسيه داعيا كمال إلى الجلوس ~~فاقتدى به - بعد تردد - واضعا بدور على حجره، غير أن عايدة لم ~~تلبث بعد ذلك إلا قليلا فأخذت بدور وحيتهما، ثم انصرفت وهي ~~تلحظ كمال بنظرة ذات معنى خاص، وكأنما تكرر تحذيره من الزعل، ~~لم يجد من نفسه أي رغبة في استئناف الحديث، فاكتفى بالإصغاء أو ~~بالتظاهر بالإصغاء مع المشاركة فيه بين حين وآخر بسؤال، أو تعجب، ~~أو استحسان، أو استهجان؛ لإثبات وجوده ليس إلا، وكان من حسن حظه ~~أن عاد حسين إلى طرق موضوع قديم لا يتطلب انتباها أكثر مما عنده، ~~وهو رغبته في السفر إلى فرنسا، ومعارضة أبيه التي يأمل في التغلب ~~عليها قريبا، أما الذي كان يشغل قلبه وفكره معا فهو ذلك المظهر ~~الجديد الذي تبدت به عايدة ms185 في الدقائق التي جمعت بينهما على ~~انفراد أو على شبه انفراد، ذلك المظهر الموسوم بالاستخفاف ~~والسخرية والقسوة ، أجل القسوة! فقد عبثت به بدون رحمة، وأعملت فيه ~~دعابتها كما يعمل المصور ريشته في الخلقة الآدمية ليستخرج منها ~~صورة كاريكاتورية فذة في قبحها وصدقها معا. ذكر ذلك المظهر ~~ذاهلا، ومع أن الألم كان يسري في روحه كما يسري السم في الدم ~~ناشرا فيها ظلا ثقيلا من القنوط والكآبة، فإنه لم يجد في نفسه ~~سخطا، أو غضبا، أو احتقارا له، أليس هو صفة جديدة من صفاتها؟ ~~بلى، لعله أن يكون غريبا كولعها بالرطانة، وشرب البيرة، وأكل لحم ~~الخنزير، ولكنه ككل أولئك صفة منسوبة إلى ذاتها، خليقة بأن تتشرف ~~بهذا الانتساب، وإن عدت في غيرها نقيصة أو استهتارا أو معصية، ~~ولا ذنب لها هي أن نشأ عن صفة من صفاتها ألم في قلبه، أو يأس في ~~نفسه ما دام العيب عيبه هو لا عيبها هي، وهل كانت هي التي كبرت ~~رأسه أو غلظت أنفه؟ أو هل تراها جارت بدعاباتها على الصدق ~~والواقع؟ لم يحدث شيء من هذا فانتفى عنها الملام، وحق عليه الألم، ~~وعليه أن يتقبله بتسليم صوفي كما يتقبل العابد القضاء، وهو أصدق ~~ما يكون إيمانا بأنه قضاء عادل مهما يكن من قسوته، وأنه صادر عن ~~معبود كامل لا مظنة في صفة من صفاته، أو إرادة من إراداته. هكذا ~~خرج من التجربة القصيرة العنيفة التي صهرته منذ دقائق وهو أشد ما ~~يكون ألما وعذابا، ولكن دون أن ينال ذلك من قوة حبه وافتنانه ~~بالحبيب. الساعة يحظى بمعرفة ألم جديد، ألم الرضا بحكم قاس قضى ~~عليه بعدم الأهلية، كما عرف من قبل - عن طريق الحب أيضا - ألم ~~الفراق، وألم الإغضاء، وألم الوداع، وألم الشك، وألم اليأس، وكما ~~عرف أيضا ألما يحتمل، وألما يستلذ، وألما لا يسكن مهما ~~قدم له من قرابين التأوهات والدموع، كأنما أحب ليتفقه في معجم ~~الألم، ولكنه على التماع الشرر المتطاير من ارتطام آلامه يرى نفسه ~~ويعرف أشياء، ليس الله والروح ms186 والمادة - فحسب - ما يجب أن تعرفه، ~~ما الحب؟ ... ما البغض؟ ... ما الجمال؟ ... ما القبح؟ ... ما المرأة؟ ... ما ~~الرجل؟ ... كل أولئك يجب أن تعرف أيضا، أقصى درجات الهلاك تماس ~~أولى درجات النجاة، اذكر ضاحكا أو اضحك ذاكرا أنك هممت بالإفضاء ~~إليها بمكنون سرك. اذكر باكيا أن أحدب نوتردام ملأ حبيبته رعبا ~~وهو يحنو عليها مواسيا، وأنه - أحدب نوتردام - لم يستثر عطفها ~~البريء إلا وهو يلفظ آخر أنفاسه الأخيرة، «إياك أن تزعل من مزاحي!» ~~حتى راحة اليأس تضن بها عليك، فليفصح المعبود عن ذات نفسه ~~علنا نخرج من جحيم الحيرة، ونطمئن في قبر اليأس، هيهات أن ~~يقتلع اليأس جذور الحب من قلبي، ولكنه على أي حال مناجاة من ~~كواذب الآمال! # والتفت حسين نحوه ليسأله عن سر صمته، ولكنه لمح - فيما بدا - ~~شخصا قادما، فأدار رأسه ثم هتف: ها هو حسن سليم قد أقبل، كم ~~الساعة الآن؟ # فالتفت كمال إلى الوراء، فرأى حسن مقبلا نحو الكشك. # 19 # غادر حسين وكمال سراي آل شداد والساعة تدور في الواحدة، وهم ~~كمال بافتراق عن صاحبه أمام باب القصر، ولكن الآخر قال له برجاء: ~~هلا تمشيت معي قليلا من الوقت. # فلبى كمال الدعوة عن طيب خاطر، وسارا في شارع السرايات جنبا ~~إلى جنب ... كمال بقامته الطويلة، وحسن لا يكاد يبلغ رأسه منكب ~~صاحبه، لم يكن يخلو من تساؤل! خاصة وأن الوقت لم يكن أنسب الأوقات ~~للمشي الذي ليس وراءه هدف، وما يدري إلا وحسن يلتفت إليه متسائلا: ~~فيم كنتما تتحدثان؟ # فأجاب كمال وهو يزداد تساؤلا: في أمور شتى كالعادة، سياسة ... ~~ثقافة ... إلخ. # فكانت مفاجأة حقا أن يقول له بصوته الهادئ المتزن: أعني أنت ~~وعايدة. # فاستولت الدهشة على كمال، حتى لبث ثواني لا يتكلم، ثم تمالك ~~نفسه فسأله: كيف عرفت هذا ولم تكن معنا؟ # فقال حسن سليم دون أن يلوح في وجهه أي تغيير: جئت في أثناء ~~حديثكما، فتراءى لي أن أذهب إلى حين حتى لا أقطعه عليكما. # ترى أكان يسلك مسلكه لو وجد نفسه في موقفه؟ واشتدت ms187 به الحيرة، ~~وخالطه شعور بأنه مقبل على حديث مثير ذي شجون، قال: لا أدري ماذا ~~حملك على ذلك التصرف، ولو لمحتك ما تركتك تذهب. ~~- للياقة أحكام! أعترف بأنني شديد الحساسية في هذه ~~الناحية. # آداب أرستقراطية! أين أنت من إدراكها! ~~- لا تؤاخذني إذا صارحتك بأنك تدقق أكثر مما ينبغي. # ابتسم حسين ابتسامة خفيفة لم تمكث على شفتيه، ثم بدا كالمنتظر، ~~ولما طال به الانتظار عاد يتساءل: نعم؟ ... فيم كنتما ~~تتحدثان؟ # كيف إذن ارتضت آداب اللياقة مثل هذا الاستجواب؟ وفكر لحظات في ~~توجيه هذه الملاحظة إليه، غير أنه دقق في اختيار الصياغة الجديرة ~~بالاحترام الذي يكنه له - احترام يرجع إلى شخصيته أكثر مما يرجع ~~إلى سنه - حتى قال: المسألة أبسط من أن تحتاج إلى هذا كله، غير أني ~~أتساءل عن مدى التزامي بالإجابة! # فبادر حسن قائلا بلهجة المعتذر: أرجو ألا ترميني بلهجة ~~المتطفل، أو بدس أنفي في خاص شئونك، فإن لدي من الأسباب ما ~~يبرر هذا السؤال، وسوف أحدثك عن أمور لم تعرض مناسبة تجعلني ~~أحدثك عنها من قبل، غير أني اعتقدت - اعتمادا على ما بيننا من ~~صداقة - أنك لن تضيق بسؤالي، أرجو ألا تفهم الأمر على غير هذا ~~الوجه. # خف التوتر، ولعله سر لتلقي هذا الكلام الرقيق عن حسن سليم ~~بالذات، الشخص الذي طالما رآه مثالا للأرستقراطية والنبل ~~والكبرياء، فضلا عن أنه كان أرغب منه في استنفاد أوجه الحديث عن ~~أمر يتعلق بمعبودته. لو كان إسماعيل لطيف هو صاحب السؤال ما ~~احتاج الأمر إلى شيء من هذا اللف والدوران حول ما يجب وما لا ~~يجب، وما يليق وما لا يليق، وربما كان أفضى إليه بكل شيء وهما ~~يتضاحكان، ولكن حسن سليم لا يخرج عن تحفظه أبدا، ولا يخلط بين ~~الصداقة ورفع الكلفة، فلا بأس من أن يؤدي ثمن تحفظه. قال: ~~أشكرك على حسن ظنك، وثق بأنه لو كان ثمة ما يستحق أن أخبرك به ما ~~كتمته عنك، ليس إلا أننا تكلمنا بعض الوقت في شئون عادية وهذا ~~كل ما هنالك، غير ms188 أنك أيقظت حب الاستطلاع في نفسي فهل لي أن أسألك ~~- ولو من باب العلم بالشيء - عن الأسباب التي تراها مبررة ~~لسؤالك؟ لست ألح بطبيعة الحال، بل إني على أتم الاستعداد للنزول ~~عن سؤالي إذا لم يصادف منك قبولا. # قال حسن سليم بهدوئه واتزانه المألوفين: سأحدثك عما تسأل عنه، ~~ولكن أرجو أن تنتظر قليلا، يبدو أنك لا تود إخباري عما دار بينكما ~~من حديث، وهذا حقك لا ريب فيه، بل لا أجد فيه إخلالا بواجب ~~الصداقة، ولكني أود أن ألفت نظرك إلى أن كثيرين يخدعون بحديث ~~عايدة، ويفسرونه تفسيرا لا يمت للواقع بسبب، وربما أحدثوا ~~لأنفسهم بسبب ذلك متاعب لا داعي لها. # أفصح عما تريد قوله، في الجو نذر تجهم لا يلبث أن ينقلب ~~إعصارا فيعصف بقلبك المطعون، كأن به موضعا سليما لم يطعن! أنت، ~~أنت المخدوع يا صاح، ألا تدري أنه الحياء وحده الذي يمنعني من أن ~~أفضي إليك بما كان؟ فلتصعقني الصواعق إن أرحت لك بالا. ~~- لم أفهم مما قلت حرفا. # علا صوت حسن قليلا، وهو يقول: لسانها يجود في يسر بألطف ~~الكلام، فيحسبه السامع ذا مغزى، أو أن وراءه عاطفة ما، ولكنه محض ~~كلام لطيف تخاطب به كل من يحادثها سرا أو جهرا، وكم خدع ~~كثيرين! # برح الخفاء، صاحبك مصاب بالداء الذي هصرك. من يكون حتى يدعي ~~العلم بالبواطن؟ شد ما يثير حنقي! قال باسما وهو يتظاهر بعدم ~~الاكتراث: يبدو أنك واثق مما تقول؟ ~~- إني أعرف عايدة حق المعرفة، نحن جيران منذ بعيد. # الاسم الذي يهاب النطق به في السر فضلا عن الجهر ينطق به هذا ~~الشاب المفتون بلا مبالاة، كأنه اسم فرد من غمار الملايين. هذه ~~الجرأة فيه تخفضه في قلبه درجات، وترفعه في خياله درجات، وجملة ~~«نحن جيران منذ بعيد» حزت في قلبه كالخنجر فأطاحت به كما تطيح ~~النوى بالغريب. سأله بلهجة مؤدبة وإن لم يخل مدلولها من سخرية: ~~ألا يجوز أن تكون خدعت أيضا كالآخرين؟ # فتراجع رأس حسن في كبرياء، وهو يقول في يقين: لست ms189 ~~كالآخرين. # شد ما أحنقه غطرسته، شد ما أحنقه جماله وثقته بنفسه، هذا الابن ~~المدلل للمستشار الخطير الذي ترتقي الشبهات إلى أحكامه السياسية. ~~وندت عن حسن «هه» كأنه ذيل ضحكة وإن لم تضحك أساريره، أراد أن ~~يمهد بها للانتقال من طبقة صوتية متغطرسة إلى طبقة أخرى لطيفة، ثم ~~قال: إنها فتاة ممتازة لا تشوبها شائبة، ولو أن مظهرها وحديثها ~~وأنسها تجر عليها الظنون أحيانا. # فبادره كمال قائلا بحماس: إن مظهرها ومخبرها على السواء لفوق ~~كل ظن. # فحنى حسن رأسه بامتنان كأنما يقول له «أحسنت!» ثم قال: هذا ما ~~ينبغي أن تراه عين بصيرة سليمة، غير أن ثمة أمورا تحير بعض ~~الأفهام، سأضرب لك أمثلة على سبيل التوضيح: إن البعض يسيء فهم ~~اختلاطها في الحديقة بأصدقاء أخيها حسين، نابذة ما جرت به ~~التقاليد الشرقية، والبعض الآخر يقف متسائلا حيال محادثتها لهذا ~~وملاطفتها لذاك، وآخرون يتوهمون وراء الدعابة اللطيفة - تصدر ~~عنها عفوا - سرا خطيرا، هل أدركت ما أعني؟ # فقال كمال بنفس الحماس السابق: إني أدرك ما تعني طبعا، ولكني ~~أخشى أن تكون مغاليا في ظنونك، عني أنا شخصيا لم يساورني ~~شك قط في أي تصرف من تصرفاتها؛ لأن أحاديثها ودعابتها ~~ظاهرة البراءة، ولأنها من ناحية أخرى لم تتلق تربية شرقية خالصة ~~حتى تطالب بالمحافظة على التقاليد، أو تؤاخذ على الخروج عليها، ~~وأظن أن هذا هو رأي الآخرين أيضا. # هز حسن رأسه كأنما يتمنى لو يستطيع أن يؤمن برأيه في ~~«الآخرين»، غير أن كمال لم يعن بالتعليق على ملاحظته الصامتة، كان ~~سعيدا بالدفاع عن معبودته، سعيدا بالفرصة التي تهيأت له لإعلان ~~رأيه في طهارتها وبراءتها، أجل لم يكن صادقا في حماسه - لا لأنه ~~كان يبطن غير ما يعلن، فطالما آمن بأن معبودته فوق منال الشبهات - ~~ولكن حزنا على الأحلام السعيدة التي قامت على افتراض وجود «سر» ~~وراء دعابات المعبودة وتلميحاتها الرقيقة، إن حسن يبدد تلك ~~الأحلام كما بددها حديث اليوم تحت الكشك، ومع أن قلبه المكلوم كان ~~يجاهد سرا للاستمساك ولو بخيط واه من ms190 خيوط الأمل، فإنه جارى ~~حسن سليم مجاراة المؤمن برأيه تغطية لموقفه، ومداراة لهزيمته، ~~وإبطالا لادعاء الآخر بأنه «العارف » وحده لحقيقة المعبودة. عاد ~~حسن يقول: لا غرابة في أن تدرك هذا فإنك شاب لبيب، الواقع كما ~~قلت إن عايدة بريئة، ولكن ... معذرة إذا صارحتك بخصلة فيها ربما بدت ~~غريبة في عينيك، وربما كانت مسئولة لحد كبير عن سوء فهم الكثيرين ~~لها، أعني شغفها بأن تكون «فتاة أحلام» كل من يتصل بها من ~~الشباب ... لا تنس أنه شغف بريء، فإنني أشهد بأنني لم أصادف فتاة ~~أحفظ لكرامتها منها، ولكنها مولعة بقراءة الروايات الفرنسية، ~~كثيرة التحدث عن بطلاتها، مفعمة الرأس بالخيال. # ابتسم كمال ابتسامة مطمئنة أراد أن يعبر بها عن أنه لم يسمع ~~جديدا فيما قال صاحبه، ثم قال مدفوعا برغبة في إغاظته: عرفت هذا ~~كله من قبل، دار حديثنا يوما - أنا وحسين وهي - عن الموضوع ~~ذاته. # تمكن أخيرا أن يخرجه عن وقاره الأرستقراطي، فنطقت أساريره ~~بالدهش وتساءل كالمنزعج: متى كان ذلك؟ لا أذكر أنني حضرت هذا ~~الحديث. هل قيل أمام عايدة إنها تود أن تكون «فتاة أحلام» كل ~~شاب؟ # رمق كمال ما طرأ عليه من تغير بعين الظفر والارتياح، غير أنه ~~أشفق من التمادي، فقال بحذر: لم يرد ذكر هذا بلفظه، ولكن بالمعنى ~~الذي يؤدي إليه خلال حديث دار حول ولعها بالروايات الفرنسية، ~~وإغراقها في الخيال. # استرد حسن هدوءه واتزانه، ولزم الصمت مليا كأنه يحاول أن ~~يستجمع فكره الذي نجح كمال في تشتيته إلى حين، وبدا كالمتردد ~~لحظات حتى شعر كمال بأنه يود أن يعرف كل شيء عن الحديث الذي دار ~~بينه وبين عايدة وحسين، متى وقع؟ ماذا جعلهم يطرقون هذه الشئون ~~الحساسة؟ وما تفصيل ما قيل فيه؟ لولا أن كبرياءه كان يمنعه من ~~السؤال، وأخيرا قال: ها أنت نفسك تشهد لصدق رأيي، ولكن من سوء ~~الحظ أن كثيرين لم يفهموا سلوك عايدة كما فهمته أنت، فلم يفطنوا ~~إلى حقيقة هامة، وهي أنها تحب حب الشخص لها لا الشخص ~~نفسه. # لو اطلع ms191 الأحمق على الواقع ما تجشم كل هذا التعب الضائع، ألا ~~يعلم بأنني لا أطمع حتى في أن تحب حبي؟ انظر إلى رأسي وأنفي ~~وانعم بالا. قال بصوت لم يخل من تهكم: تحب حب الشخص لها ~~لا الشخص نفسه! يا لها من فلسفة! ~~- هي حقيقة أنا بها عليم. ~~- ولكنك لا تستطيع أن تضمن صدقها في جميع الأحوال؟ ~~- بلى أستطيع وأنا مغمض العينين. # غالب كمال حزنه وهو يتساءل متظاهرا بالدهش: أتستطيع أن تؤكد عن ~~يقين أنها لا تحب هذا الشخص أو ذاك؟ # فقال حسن بثقة واطمئنان: أستطيع أن أؤكد أنها لم تحب أحدا ~~ممن يتوهمون أحيانا أنها تحبهم. # اثنان يحق لهما أن يتكلما بهذه الثقة: المؤمن والأحمق، وهو ليس ~~بالأحمق، ترى لم يتحرك الألم ولا جديد فيما سمعت؟ الحق أني ~~تألمت اليوم تألم عام من أعوام الحب. ~~- ولكنك لا تستطيع أن تؤكد أنها لا تحب إطلاقا؟ ~~- لم أقل هذا. # فرمقه بالعين التي يتطلع بها الإنسان إلى العراف، ثم سأله: ~~أتدري إذن أنها تحب؟ # فحنى رأسه بالإيجاب، وقال: إنما دعوتك إلى المشي لأحدثك عن ~~هذا. # غاص قلبه في أعماق صدره كأنما يحاول الفرار من الألم، ولكنه ~~غرق في عباب الألم، كان قبل ذلك يتألم لأنها لا يمكن أن تحبه، ~~ها هو معذبه يؤكد له أنها تحب ... إن المعبودة تحب! ... إن ~~قلبها الملائكي يخضع لنواميس الشوق، والحنين، والرغبة، واللهفة ~~الموجهة جميعا إلى شخص معين! أجل، كان عقله - لا شعوره - يسلم ~~أحيانا بإمكان ذلك، ولكن كما يسلم بالموت كفكرة مجردة لا ~~كحقيقة باردة ناشبة في جسد عزيز أو في جسده هو بالذات، لذلك فاجأه ~~الخبر كأنه يتحقق لأول مرة في الوجود والفكر معا، تأمل هذه ~~الحقائق جميعا، واعترف بأن ثمة آلاما في هذه الدنيا لم تخطر لك ~~على بال رغم خبرتك العميقة بالألم، استطرد حسن قائلا: قلت لك من ~~بادئ الأمر إن لدي من الأسباب ما يبرر هذا الحديث معك، وإلا ~~ما سمحت لنفسي بالتدخل في خاص شئونك. # ينبغي أن تلتهمه النار المقدسة حتى آخر ms192 ذرة من رماد. ~~- إني مقتنع بما تقول، وها أنا مصغ إليك. # ابتسم حسن ابتسامة خفيفة أوحت بتردده حيال الكلمة الأخيرة ~~الفاصلة، فصبر كمال، ثم تعجله - رغم أن قلبه استشف الحقيقة ~~المفجعة - قائلا: قلت إنك تدري أنها تحب؟ # فنبذ حسن التردد قائلا: نعم، يوجد بيننا ما يجعل لي الحق في ~~ادعاء ما قلت. # عايدة تحب أيتها السماوات! أوتار قلبك تنقبض باعثة لحنا ~~جنائزيا، هل يكن قلبها لهذا الشاب السعيد مثل ما يكنه لها ~~قلبك، إن صح أن هذا من الممكنات فأحرى بالعالم أن يتصدع، ليس ~~صاحبك بكاذب لأن النبيل الجميل لا يكذب، قصارى أملك أن يكون حبها ~~من جنس خلاف حبك، وإذا لم يكن من الفاجعة بد فمن العزاء أن يكون ~~حسن هو المحبوب، من العزاء أيضا أن الحزن والغيرة لا يطمسان ~~الحقيقة أمام عينيك، هذا الغني الساحر العجيب! قال كالذي يضغط ~~على زناد المسدس وهو يعلم أنه فارغ: يبدو أنك مطمئن إلى أنها ~~تحب - هذه المرة - الشخص نفسه لا حب الشخص لها! # فندت عنه «هه» مرة أخرى ليعرب بها عن ثقته. ولمحه بنظرة سريعة ~~ليرى مدى إيمانه بما يقول، ثم قال: لم يكن حديثنا قط - أنا وهي - ~~من النوع الذي يحتمل معنيين. # أي نوع من الحديث هو؟ حياتي كلها أهبها ثمنا لكلمة منه، أعرف ~~الحقيقة كلها، وأتجرع العذاب حتى الثمالة، ترى هل سمع الصوت ~~المطرب وهو يقول له: «أحبك»؟ بالفرنسية قالها أم بالعربية؟ بمثل ~~هذا العذاب تشتعل النيران، قال بهدوء: أهنئك، كلاكما فيما أرى ~~جدير بصاحبه. ~~- شكرا. ~~- غير أني أتساءل عما دعاك إلى الإفضاء إلي بهذا السر ~~الثمين؟ # فرفع حاجبيه حسن، وهو يقول: لما وجدتكما تتحدثان على ~~انفراد أشفقت أن تخدع ببعض القول كما خدع كثيرون، فصممت على ~~مصارحتك بالحقيقة؛ لأني كرهت فكرة انخداعك أنت بالذات. # غمغم كمال قائلا: «شكرا» تأثرا بالعطف السامي، عطف الشاب ~~الموهوب الذي تحبه عايدة، الذي كره له الانخداع فقتله ~~بالحقيقة، ترى ألم تكن أوهام الغيرة بين البواعث التي أغرته ~~بمصارحته بسره؟ ولكن أليس له عينان ms193 يرى بهما رأسه وأنفه؟ استطرد ~~حسن قائلا: إنها ووالدتها كثيرا ما يزوران بيتنا، وهناك تسنح ~~لنا فرص للحديث . ~~- على انفراد؟ # أفلتت العبارة منه بلا وعي، فارتبك نادما وتورد وجهه، ولكن ~~الآخر قال ببساطة: أحيانا. # كم يود أن يراها في هذا الدور - دور المحبة - الذي لم يخطر ~~له في خيال، كيف تتجلى في العين الساجية التي تلقي إليه بنظرتها من ~~عل لمعة الوجد والحنان؟ منظر يضيء العقل بقبس من الحقيقة ~~المقدسة، ويقتل القلب قتلا، بهذا تستباح لعنة الكفر الأبدية، ~~روحك يتململ كطائر سجين يود أن ينطلق، العالم ملتقى خرابات ~~يستعذب عنه الرحيل، لكنك حتى إذا صح عندك أن الشفاه تلاقت في ~~قبلة وردية فلن تعدم في دوامة الجنون لذة الحرية المطلقة، وسأله ~~مدفوعا برغبة انتحارية لم يستطع مقاومتها فضلا عن فهمها: كيف إذن ~~توافق على اختلاطها بأصدقاء حسين؟ # تريث حسن قائلا قبل أن يجيب قائلا: لعلي لا أرتاح إلى ذلك ~~كل الارتياح، ولكني لا أجد فيه مأخذا وهي تمارسه على مرأى من ~~أخيها ومن الجميع وبحكم تربيتها الأوروبية، ولا أخفي عليك أني ~~فكرت أحيانا في مكاشفتها بامتعاضي ولكني كرهت أن ترميني بالغيرة، ~~وكم تود لو تثير غيرتي! أنت تعرف طبعا هذه الحيل النسائية، ~~وأعترف لك بأني لا أستسيغها. # لا عجب أن إثبات دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس قد أطاح ~~بأوهام ودوخ رءوسا. ~~- كأنها تتعمد مضايقتك! # فقال حسن بلهجته الناطقة بالثقة: على أنه في وسعي دائما أن ~~أحملها على الإذعان لمشيئتي إذا أردت. # أثارته هذه الجملة واللهجة التي قيلت بها إلى حد الجنون، وتمنى ~~لو يجد سببا يعتل به على ضربه ليمرغه - وإنه لقادر - في التراب، ~~ولحظه من عل فلاح له الفارق بين طوليهما أكثر من الواقع بكثير، ~~لم لم تحب أيضا الذي دونها سنا؟ وآمن قلبه بأنه خسر ~~الدنيا. # ودعاه حسن إلى تناول الغداء على مائدته، فاعتذر شاكرا، ثم ~~تصافحا وافترقا. # عاد فاتر النفس مثقل القلب بالقنوط، وكان يود أن يخلو إلى نفسه ~~ليحتضن أحداث يومه متأملا حتى يستصفي معانيها ms194 كلها، بدت الحياة ~~متلفعة بثوب حداد، ولكن ألم يكن يعلم من أول الأمر أن هذا الحب ~~ضائع؟ فأي جديد جلجلت به الحوادث؟ على أي حال ليكن عزاؤه أن ~~الآخرين يتكلمون عن الحب، أما هو فيحب ملء قلبه. إن الحب الذي ~~ينور روحه لا يستطيعه أحد سواه، فهذا هو امتيازه وتفوقه، ولن ~~يتخلى عن حلمه القديم بأن يظفر بمعبودته في السماء، في السماء ~~حيث لا فوارق مصطنعة ولا رأس كبير ولا أنف غليظ، في السماء ستكون ~~عايدة لي وحدي بحكم قوانين السماء. # 20 # كأنه لم يعد له وجود، تجاهلته بحال لا يمكن أن يتأتى إلا ~~عن تعمد، فطن إلى ذلك أول ما فطن إليه صباح الجمعة التالي - بعد ~~مضي أسبوع على حديث حسن سليم بشارع السرايات - في اجتماع ~~الأصدقاء بكشك الحديقة بسراي آل شداد. كانوا يتحادثون فجاءت عايدة ~~كعادتها مصطحبة بدور، لبثت عندهم قليلا تخاطب هذا وتداعب ذاك ~~دون أن تعيره التفاتا، فظن أول وهلة أن دوره سيجيء. ولكن طال ~~به الترقب، ولاحظ إلى هذا أن عينيها لا تريدان أن تلتقيا بعينيه ~~أو لعلهما تجتنبانه؛ فخرج عن موقفه السلبي، واعترض حديثها بملاحظة ~~عابرة ليحملها على مخاطبته، ولكنها واصلت الحديث متجاهلة إياه، ~~ومع أن أحدا لم يتنبه فيما بدا إلى مناوراته الفاشلة - ~~لانهماكهم في الحديث المحبوب - فإن ذلك لم يخفف من وقع اللطمة التي ~~تلقاها من غير أن يدرك لها سببا، غير أنه مال إلى تكذيب ما قام ~~بنفسه ودارى شكوكه، وجعل يتحين الفرص لتجربة حظه من جديد، وهو ~~من الإشفاق في غاية، وإذا ببدور تحاول الإفلات من يد عايدة ~~ملوحة له بيدها المطلقة، فتقدم منها ليأخذها بين ذراعيه، ولكن ~~عايدة جذبتها نحوها وهي تقول: «آن لنا أن نذهب!» ثم حيتهم ومضت إلى ~~حال سبيلها. # آه، ما معنى هذا؟ إن عايدة غضبانة عليه، وما أرادت بمجيئها إلا ~~أن تعالنه بغضبها، ولكن فيم آخذته؟ أي ذنب جنى؟ أي هفوة كبيرة أو ~~صغيرة أتى؟ يا لها من حيرة هزئت بمنطقه وشتتت يقينه، بيد أنه ms195 قبض ~~على زمام نفسه بيد قوية أن تفضحه شجونه، وكان على ضبط النفس ~~قادرا، فمثل دوره المألوف تمثيلا حسنا ، ووارى أثر الضربة ~~القاصمة عن أعين الصحاب، وقال لنفسه بعد تقوض المجلس: إنه ~~يحسن به أن يواجه الحقيقة مهما تكن قاسية، وأن يسلم بأن عايدة ~~حرمته - اليوم على الأقل - من نعمة صداقتها. إن في قلبه العاشق ~~مسجلا كهربائيا دقيقا لا يترك للحبيب همسة أو خطرة أو لمحة إلا ~~سجلها. حتى النوايا يطلع عليها، وحتى الآتي البعيد يبتدهه، ليكن ~~السبب ما يكون، أو ليكن الأمر بلا سبب كمرض استعصى على الطب ~~سره، فإنه في الحالين يرى كأنه ورقة شجر انتزعتها ريح عاتية من ~~فنن غصن، وألقت بها في غث النفايات. # ووجد فكره يحوم حول حسن سليم، ألم يختم حديثه معه بقوله: «على ~~أنه في وسعي دائما أن أحملها على الإذعان لمشيئتي إذا أردت»؟ ~~ولكنها جاءت اليوم كعادتها، إن بلواه من تجاهلها إياه لا من ~~غيابها، ثم إنه وحسن افترقا على صفاء، وليس ثمة ما يدعو حسن إلى ~~مطالبتها بتجاهله، وليست هي بالتي تمتثل أمر إنسان مهما يكن ~~شأنه، وليس هو بالمذنب، فما سر التجني يا رب السماوات؟ إن لقاء ~~الكشك - بينه وبينها - على قسوته، وعبثه الجارح برأسه وأنفه ~~وكرامته، لم يخل من مودة ودعابة، ثم ختم بما يشبه الاعتذار، ربما ~~يكون قد قضى على أمله في الحب، ولكنه لم يكن في حبه أمل، أما لقاء ~~اليوم فابتلاه بالتجاهل، بالنبذ، بالصمت، بالموت، ولأن يجفو الحبيب ~~أو يقسو خير على أي حال من أن يمر بعابده وكأنه شيء لم يكن، يا ~~للتعاسة! ألم جديد يضاف إلى معجم الآلام الذي يحمله على صدره، ~~ضريبة جديدة للحب، وما أفدح ضرائبه! يؤدي بها ثمن النور الذي ~~يضيئه ويحرقه. # واحتقن بالغضب صدره، عز عليه جدا ألا يحظى على حبه العظيم ~~إلا بهذا الإعراض البارد المتعجرف، وحز في نفسه ألا يتمخض غضبه ~~إلا عن الحب والولاء، وإلا يرد اللطمة إلا بالابتهال والدعاء، ~~ولو كان المتجني عليها شخصا آخر، ولو ms196 كان حسين شداد نفسه ~~لقطعه دون تردد، أما وهو المعبود فقد ردت شظايا الغضب إلى ~~نحره، وانصبت العداوة على هدف واحد هو نفسه، فنزعت به الرغبة في ~~الانتقام إلى إنزال العقاب بالجاني - الذي هو نفسه - قضى عليها ~~بالحرمان من الدنيا، وامتلأ بشعور عنيد محزون أملى عليه الإعراض ~~عنها إلى الأبد. رضي فيما رضي بصداقتها، بل اعتبرها فوق أحلام ~~مطمعه بالرغم من أن قوة حبه تضيق عنها السماوات والأرض، ورضي أكثر ~~من هذا باليأس من حبها قانعا من عربدة الأماني بابتسامة حلوة أو ~~كلمة رقيقة، ولو تكون ابتسامة الوداع وكلمته، غير أن التجاهل أحزنه ~~وأذهله وخبله، ثم من الدنيا جميعا نبذه، ولعله أتاح له أن يشعر ~~بشعور الميت لو كان ميت يشعر، لم ترحمه الفكر ساعة من ساعات ~~يقظته طول الأسبوع الذي قضاه بعيدا عن قصر آل شداد، وتهالك شعوره ~~في اجترار الخيبة التي قرعته لحظة بعد أخرى، وهو في البيت صباحا ~~يفطر على مائدة أبيه، وهو في الطريق يسير بحواس زائفة، وهو في ~~مدرسة المعلمين يسمع بعقل غائب، وهو يقرأ مساء بانتباه مشتت، وهو ~~يتذلل للنوم كي يقبله في ملكوته، ثم وهو يفتح عينيه في الصباح ~~الباكر فإذا بالفكر تتخاطفه كأنما كانت على عتبة الوعي ترصده، ~~أو كأنما هي التي طرقته بجزع النهم كي تواصل التهامه كرة ~~أخرى، ألا ما أفظع النفس إذا خانت صاحبها! # ويوم الجمعة ذهب إلى قصر الحب والعذاب، فبلغه قبل الميعاد ~~المعتاد بقليل. لماذا ترقب هذا اليوم بصبر نافد؟ ماذا يرجو عنده؟ ~~هل يطمع أن يجد ولو نبضا بطيئا ضعيفا؛ ليوهم نفسه بأن جثة الأمل ~~لم تفارقها الحياة بعد؟ هل يحلم بمعجزة ترد معبوده إلى الرضا على ~~غير انتظار وبلا سبب كما غضب على غير انتظار وبلا سبب؟ أو أنه ~~يستزيد من الجحيم نارا ظمأ إلى برودة الرماد؟ سار في ممر ~~الذكريات إلى الحديقة، وإذا به يرى عايدة جالسة على كرسي واضعة ~~بدور على حافة المائدة أمامها، وليس في الكشك سواها أحد. توقف عن ~~المسير وفكر ms197 في العودة إلى الخارج قبل أن تلتفت ناحيته، ولكنه ~~نبذ هذه الفكرة بتحد وازدراء، وتقدم صوب الكشك تدفعه رغبة ~~شديدة في مواجهة العذاب وكشف النقاب عن اللغز الذي فتك بأمنه ~~وسلامه، هذا الكائن اللطيف الجميل، هذا الروح الشفاف المتنكر في ~~فستان امرأة، هل يدري ماذا فعل به جفاه؟ هل ينام ضميره قرير العين ~~لو شكا إليه ما عاناه، ما أشبه استبداده باستبداد الشمس بالأرض ~~الذي قضى عليها بأن تدور حولها في دائرة مرسومة - لا تقترب منها ~~فتندمج، ولا تبتعد عنها فتنتهي - إلى الأبد! لو تجود بابتسامة ~~فيتداوى بها من آلامه جميعا؟ وكان يقترب منها متعمدا أن يحدث في ~~مشيته صوتا لتنبيهها، فأدارت رأسها نحوه كالمتسائلة، ثم لم تفصح ~~أساريرها عن شيء، فوقف على بعد ذراعين من مجلسها، وحنى رأسه في ~~خشوع، وقال باسما: صباح الخير. # فحنت رأسها حنوة صغيرة، ولكنها لم تنبس، ثم نظرت فيما ~~أمامها. # لم يعد ثمة شك في أن الأمل جثة هامدة. وخيل إليه أنها ستصيح ~~به: «اذهب عني برأسك وأنفك حتى لا يحجبا عني ضوء الشمس!» غير أن ~~بدور لوحت له بيدها، فمالت عيناه إلى وجهها الجميل المشرق، ومضى ~~نحوها ليداري في عطفها البريء هزيمته فتعلقت بذراعيه، فهوى برأسه ~~إليها وقبل خدها قبلة حنان وامتنان، وإذا بالصوت الذي فتح له ~~فيما مضى أبواب الموسيقى الإلهية يقول بجفاء: من فضلك لا ~~تقبلها، القبلة تحية غير صحية. # ندت عنه ضحكة حائرة لم يدر كيف ولا لم ندت، ثم امتقع لونه، ~~وبعد دقيقة واجمة ذاهلة قال منكرا: إنها ليست القبلة الأولى ~~فيما أذكر. # فرفعت كتفيها كأنما تقول «هذا لا يغير من الحقيقة شيئا!» آه، ~~أيمضي إلى أسبوع جديد من العذاب دون أن ينطق بكلمة دفاعا عن ~~نفسه؟ ~~- اسمحي لي أن أتساءل عن سر هذا التغير الغريب، فقد جعلت ~~أتساءل عنه طوال الأسبوع الماضي دون أن أظفر بجواب! # لم يبد عليها أنها سمعته، وبالتالي لم تعن بالرد عليه؛ فعاد ~~يقول وقد وشى صوته بحيرته وألمه: إن ما يحزنني حقا هو ms198 أني بريء ~~لم أجن ما أستحق عليه العقاب. # ولم تزل مصرة على الصمت، فخاف أن يجيء حسين قبل أن يستدرجها إلى ~~الكلام، فبادر يقول بلهجة جمعت بين التشكي والترجي: ألا يستحق صديق ~~قديم مثلي أن يكاشف على الأقل بذنبه؟ # فرفعت نحوه جانب رأسها، ولحظته بنظرة مكفهرة اكفهرار السحاب ~~المنذر بالمطر، ثم قالت بلهجة غاضبة: لا تدع البراءة ~~الكاذبة. # يا رب السماوات هل ترتكب الذنوب بلا وعي من الجاني؟ قال في ~~نبرات متدافعة، وهو يربت بحركة آلية يدي بدور التي حاولت أن ~~تجذبه إليها وهي لا تدرك مما يدور شيئا: صدقت ظنوني وا أسفاه، ~~هذا ما حدثني به قلبي فكذبته، إني مذنب في نظرك، أليس كذلك؟ ~~ولكن بأي ذنب تتهمينني؟ خبريني وحياتك، لا تنتظري أن أكون البادئ ~~بالاعتراف لسبب بسيط؛ وهو أنني لم أجن شيئا يستحق الاعتراف، ~~مهما أنقب في زوايا نفسي وحياتي وتاريخي فلن أعثر على نية أو ~~كلمة أو فعل وجه ضدك بسوء، إني أعجب كيف لا تأخذين هذا مأخذ ~~البديهات من الأمور؟ # فقالت بازدراء: لست ممن يؤثر فيهن التمثيل، سل نفسك عما قلت ~~عني! # فقال بانزعاج: ماذا قلت عنك؟ ولمن قلته؟ أقسم لك ... # فقاطعته بضيق قائلة: لا يهمني القسم في كثير أو قليل، وفره ~~لنفسك، إن الذي يغتاب الناس لا يؤتمن على قسم، المهم أن تذكر ~~ماذا قلت عني. # رمى بمعطفه على مقعد كأنما ليأخذ كامل أهبته للنضال، وابتعد خطوة ~~عن بدور؛ ليتخلص من محاولتها البريئة في الاستئثار بانتباهه، ثم ~~قال بحرارة ناطقة بالصدق: لم أقل عنك كلمة أخجل من إعادتها الآن ~~على مسمعك، لم أتفوه عنك بكلمة سوء في حياتي، وما كان ذلك في وسعي ~~لو تعلمين، وإذا كان «بعضهم» قد أبلغك عني ما أغضبك، فهو واش ~~حقير لا يستحق ثقتك، وإني على استعداد لمواجهته أمامك لتري بنفسك ~~مبلغ صدقه أو بالحري مدى كذبه، ماذا بك من عيب حتى أتحدث به؟ ~~لشد ما أسأت بي الظن! # فقالت بتهكم: شكرا على هذا الثناء الذي لا أستحقه، لا أظنني ms199 ~~أخلو من نقص. على الأقل فإني لم أتلق تربية شرقية خالصة. # نشبت هذه الجملة الأخيرة في انتباهه، فذكر كيف وردت على لسانه ~~وهو يحاور حسن سليم دافعا الشبهات عن معبودته، فهل يكون حسن ~~أعادها بطريقة أثارت الشك في حسن مقصده؟ حسن سليم النبيل؟ هل ~~يتأتى هذا حقا؟ شد ما يدور رأسه! قال وعيناه تنطقان بالدهش ~~والأسف: ماذا تقصدين؟ أعترف لك بأني قائل هذه الجملة، ولكن سلي حسن ~~سليم يخبرك، أو ينبغي له أن يخبرك، بأنني قلتها وأنا أنوه ~~بمزاياك. # فحدجته بنظرة باردة، وتساءلت: مزاياي؟ وهل رغبتي في أن أكون ~~«فتاة أحلام» كل شاب من بين هذه المزايا؟ # فهتف كمال بانزعاج وغيظ: هو قائل هذا عنك لا أنا، هلا انتظرت ~~حتى يحضر لأتحداه أمامك؟ # فواصلت تساؤلها الذي تتابع في مرارة وسخرية قائلة: وهل ملاطفتي ~~إياك من بين هذه المزايا أيضا؟ # قال يائسا وقد عجز حيال انصباب التهم عن الدفاع: ملاطفتك إياي؟ ~~أين؟ ومتى؟ ~~- في هذا الكشك؟ هل نسيت؟ أتنكر أنك أوهمته ذلك؟ # آلمته سخريتها وهي تتساءل: «هل نسيت؟» وأدرك لتوه أن حسن سليم ~~- يا للحماقة - قد ظن بلقاء الكشك الظنون، فكاشف حبيبته بشكوكه، أو ~~نسبها إليه ليتحقق منها، حيل خبيثة راح هو ضحيتها، قال بحزن ~~وحنق: أنكر، أنكر بكل قوة وصدق، إني نادم على حسن ظني ~~بحسن. # فقالت بكبرياء كأنما اعتبرت جملته الأخيرة موجهة إليها هي: إنه ~~عند حسن الظن دائما. # زفر غبارا، وخيل إليه أن أبا الهول قد رفع قبضته ~~الجرانيتية الهائلة التي لم تتحرك منذ آلاف السنين، ثم هوى بها ~~عليه، فهرسه وواراه تحتها إلى الأبد، قال بصوت متهدج: إذا كان ~~حسن هو الذي أبلغك عني هذه الأكاذيب فهو كاذب وضيع، ويكون هو الذي ~~اغتابني لا أنا الذي اغتبتك. # لاحت في عينيها الجميلتين نظرة قاسية، وتساءلت بحدة: أتنكر ~~أنك انتقدت أمامه اختلاطي بأصدقاء حسين؟ # أهكذا يحرف النبل الأرستقراطي الكلام؟ قال بتأثر شديد: كلا، ~~لم يحصل ذلك، علم الله أني لم أقله منتقدا، ولكنه ادعى ادعاءات ~~كبيرة، قال ... قال إنك ms200 تحبينه! وقال إنه إذا شاء منعك من الاختلاط ~~بنا، ولم أكن أقصد ... # قاطعته قائلة بازدراء وهي تقف منتصبة القامة في كبرياء، حتى ~~تموجت هالة شعرها الأسود بحركة رأسها المرفوع. ~~- أنت تهذي، لا يهمني ما يقال عني، إني فوق هذا كله، ولا خطأ لي ~~فيما أعتقد إلا أنني أهب صداقتي دون تمييز. # وأنزلت بدور إلى الأرض وهي تتكلم، فتناولت يدها، ثم ولته ~~ظهرها، وغادرت الكشك، فهتف بها متوسلا: انتظري لحظة من فضلك كي ~~... # ولكنها كانت قد ابتعدت، وكان صوته قد علا أكثر مما ينبغي حتى ~~خيل إليه أنه أسمع الحديقة كلها، وأن الأشجار والكشك والكراسي ~~ترمقه بنظرة جامدة ساخرة، فأطبق فاه، واعتمد براحته حافة المائدة، ~~فمال فرعه الطويل كأنما انحنى تحت ضغط القهر. لم يمكث وحده ~~طويلا، فما لبث أن جاء حسين شداد طلق المحيا كعادته، فحياه ~~تحيته الصافية الحلوة، وجلسا على كرسيين متجاورين، وتبعه بعد ~~قليل إسماعيل لطيف، وأخيرا جاء حسن سليم يسير في خطواته ~~المتمهلة، وحركاته المترفعة. وتساءل كمال في حيرة: ترى ألم ~~يلمحهما حسن من بعيد كما لمحهما في المرة السابقة؟ ومتى - وكيف - ~~يدري بما دار بينهما من حديث قاطع أسيف! وانفجر في صدره الغيظ ~~والغيرة كما تنفجر الزائدة، بيد أنه آلى على نفسه ألا يشمت به ~~غريما، وألا يضع شخصه موضع السخرية أو العطف الزائف، وألا يمكن ~~أحدا من أن يطالع في صفحة وجهه أثرا مما تضطرب به جوانحه، ~~فألقى بنفسه في تيار الحديث، ضحك لملاحظات إسماعيل لطيف، وعلق ~~طويلا على تكون حزب الاتحاد وخروج الخارجين على سعد زغلول ~~والوفد، ودور نشأت باشا في هذا كله، بالاختصار مثل دوره خير ~~تمثيل حتى انفض المجلس بسلام. وغادر كمال وإسماعيل وحسن سراي آل ~~شداد عند الظهر، وكأن كمال لم يعد يحتمل مزيدا من الصبر، فخاطب ~~حسن قائلا: أريد أن أحدثك قليلا. # فقال حسن بهدوء: تفضل. # فنظر كمال إلى إسماعيل كالمعتذر، وقال: على انفراد. # هم إسماعيل بالانسحاب، فأوقفه حسن بإشارة من يده، وقال: لست ~~أخفي عن إسماعيل شيئا. # فأحنقته هذه ms201 الحركة فاستشف وراءها مريبا يتوجس، غير أنه قال ~~دون مبالاة: إذن فليسمعنا، فلست أخفي عنه شيئا أيضا. # وانتظر قليلا حتى باعد المشي بينهم وبين سراي آل شداد، ثم قال: ~~قبل حضوركم اليوم اتفق لي أن قابلت عايدة في الكشك على انفراد، ~~فدار بيننا حديث غريب أدركت منه أنك نقلت إليها بعض حديثنا في ~~شارع السرايات - أتذكره؟ - مشوها محرفا حتى دخل في روعها ~~أنني حملت عليها حملة ظالمة باغية. # ردد حسن بين شفتين ممتعضتين لفظي: «مشوه ومحرف»، ثم قال ~~ببرود وهو يلقي عليه نظرة كأنما يريد بها أن يذكره بأنه إنما ~~يخاطب «حسن سليم» لا شخصا آخر: يحسن بك أن تكلف نفسك بعض الجهد ~~في تخير الألفاظ. # فقال كمال بانفعال: هذا ما فعلته، فالحق أن كلامها لم يدع لي ~~شكا في أنك أردت الوقيعة بيني وبينها. # حال لون حسن غضبا، ولكنه لم يستسلم له، فقال بصوت أمعن في ~~البرود: يؤسفني أنني أحسنت الظن طويلا بفهمك وتقديرك للأمور، (ثم ~~بلهجة ساخرة) هلا خبرتني عما عسى أن أجنيه من وراء هذه الوقيعة ~~المزعومة؟ الحق أنك تندفع بلا روية أو عقل. # فاشتد الغضب بكمال، وهتف قائلا: بل سولت لك نفسك سلوكا ~~شائنا. # وهنا تدخل إسماعيل قائلا: إني أقترح عليكما تأجيل الحديث إلى ~~وقت آخر تكونان فيه أملك لأعصابكما. # فقال كمال بإصرار: إن الأمر من الجلاء بحيث لا يحتاج إلى ~~مناقشة، وهو عارف وأنا عارف. # فعاد إسماعيل يقول: قص علينا ما دار في الكشك بينك وبينها ~~لعلنا ... # ولكن حسن قاطعه بكبرياء: أنا لا أقبل محاكمة. # فهتف كمال منفسا عن غيظه، وإن كان يعلم أنه من الكاذبين: على ~~أي حال أخبرتها بالحقيقة لتعلم أينا أصدق قولا. # فصاح حسن بوجه ممتقع: فلندعها توازن بين ما قال ابن التاجر ~~وما قال ابن المستشار. # اندفع كمال نحوه مكورا قبضته فحال إسماعيل نحوهما، وكان أقوى ~~الثلاثة رغم ضآلة حجمه، ثم قال بحزم: لا أسمح بهذا، كلاكما صديق، ~~محترم ابن محترم، دعانا من هذا العبث الخليق بالأطفال. # عاد ثائرا هائجا جريحا ms202 يقطع الطريق بخطوات حادة اعتدائية، ~~وباطنه يستعر بالألم، طعن في قلبه وكرامته، معبودته وأبيه، فما ~~بقي له في الدنيا ؟ وحسن، الذي لم يحترم زميلا كما احترمه، ولا ~~أعجب بخلق أحد كما أعجب بخلقه، كيف انقلب في ساعة من الزمان ~~وقاعا سبابا؟ الحق أنه رغم حنقه عليه لم يستطع أن يؤمن ~~بالتهمة التي اتهمه بها إيمانا خالصا من كل شك أو تردد، فلم ~~يزل يعاوده التفكير في الأمر، فيسائل نفسه: ألا يجوز أن يكون من ~~وراء ذلك الموقف الأليم ما وراءه من أسرار؟ أيكون حسن شوه كلامه؟ ~~أم تكون عايدة قد أساءت الفهم، أو بالغت في التكهن، أو استسلمت ~~للغضب؟ غير أن الموازنة بين ابن التاجر وابن المستشار رمت به في ~~جحيم من الغضب والألم جعلا من محاولة إنصاف حسن ضربا من العبث. ~~وقد ذهب بعد ذلك إلى سراي آل شداد في موعد اللقاء المعهود، فوجد ~~حسن معتذرا عن التخلف بطارئ، وأخبره إسماعيل لطيف عقب انفضاض ~~المجلس: بأنه - حسن - آسف جدا على ما بدر منه حين الغضب عن ~~«ابن التاجر وابن المستشار» وأنه مؤمن بأنه - كمال - ظلمه ظلما ~~فادحا باستنتاجاته الواهمة وأنه يرجو ألا تقطع هذه الحادثة ~~العارضة أسباب الصداقة بينهما، وأنه - حسن - كلفه بإبلاغه ذلك عن ~~لسانه، ثم تلقى منه خطابا بهذا المعنى مشددا الرجاء في ألا يعودا ~~إلى الماضي إذا تلاقيا، وأن يسدلا عليه ستار النسيان، وختمه بقوله: ~~«اذكر جملة ما أسأت به إلي وجملة ما أسأت به إليك لعلك تقتنع ~~معي بأن كلانا مخطئ، وأنه لا يصح لأحدنا تبعا لذلك أن يرفض ~~اعتذار صاحبه.» وطابت نفس كمال بالرسالة حينا، بيد أنه لاحظ أن ~~ثمة تناقضا بين كبرياء حسن المعروف وبين هذا الاعتذار الرقيق غير ~~المتوقع، أجل غير المتوقع! فما كان يتصور أنه يعتذر لأي سبب من ~~الأسباب! فماذا غيره؟ لا يمكن أن يكون لصداقته هو هذا التأثير ~~الضخم في كبرياء صاحبه، فلعله - حسن - أراد أن يسترد سمعته ~~المهذبة أكثر مما أراد استرداد صداقته، ولعله حرص أيضا على ألا ms203 ~~يستفحل الشقاق فتترامى أنباؤه إلى حسين شداد أن يستاء الشاب لموقف ~~شقيقته من النزاع، أو يغضب بدوره إذا بلغه ما قيل عن ابن التاجر - ~~وهو ابن تاجر - وابن المستشار! أي سبب من أولئك له وجاهته وهو أدنى ~~إلى المنطق في حال حسن من اعتذار لا يراد به إلا وجه الصداقة ~~وحدها؟ كل شيء يهون، فليصالحه حسن أو فليخاصمه، المهم حقا أن ~~يعرف هل قررت عايدة الاختفاء؟ لم تعد تطوف بمجلسهم، أو تبدو في ~~النافذة، أو تلوح في الشرفة. لقد أفشى لها قول حسن بأنه إذا شاء ~~منعها من الاختلاط بأحد ليضمن - اعتمادا على كبريائها - إصرارها ~~على زيارة الكشك فلا يحرم من رؤيتها. لكنها اختفت رغم ذلك، كأنما ~~رحلت عن البيت كله، بل عن الحي كله، بل عن الدنيا كلها فما عاد يجد ~~لها طعما، أيمكن أن يطول هذا الفراق إلى ما لا نهاية؟ ود لو ~~كان قصدها أن تعاقبه حينا ثم تعفو، أو في الأقل أن يذكر حسين شداد ~~سببا لغيابها يكذب مخاوفه، ود هذا أو ذاك كثيرا، وانتظر وطال ~~انتظاره بلا فائدة. # كان إذا مضى لزيارة السراي أقبل عليها بعينين قلقتين تضطربان ~~في محجريهما بين اليأس والرجاء، فيسترق إلى شرفة المدخل نظرة، ~~وإلى نافذة الممر الجانبي نظرة، ثم يلحظ شرفة الحديقة وهو في طريق ~~الكشك أو السلاملك، ويجلس بين الأصدقاء ليحلم طويلا بالمفاجأة ~~السعيدة التي لا تريد أن تقع، وينفض المجلس فيغادره ليختلس ~~نظرات متعبة حزينة من النافذة والشرفات، خاصة نافذة الممر الجانبي ~~التي كثيرا ما تظهر في أحلام يقظته إطارا للصورة المعبودة، ثم ~~يذهب متجرعا اليأس، زافرا الكرب، وبلغ به اليأس أن كاد يسأل ~~حسين شداد عن سر اختفاء عايدة، غير أن تقاليد الحي العتيق التي ~~تشبع بها عقلته فلم ينطق، وجعل يتساءل في قلق عن مدى إلمام حسين ~~بالظروف التي أدت إلى تواري المعبودة، أما حسن سليم فلم يشر إلى ~~«الماضي» بكلمة، ولم يبد في صفحة وجهه أنه يفكر على أي وجه ~~فيه، ولكن لا شك أنه ms204 كان يرى في كل جلسة تجمعهم شاهدا على هزيمته ~~- كمال - المجسمة، وكم كان يتألم كمال لهذا الخاطر، تعذب كثيرا ، ~~شعر بالعذاب ينفذ إلى نخاعه، وبهذيان العذاب يخالط عقله، وكان شر ~~ما يعذبه لوعة الفراق، ومرارة الهزيمة، وضيقة اليأس، وأفظع من هذا ~~كله الإحساس بالهوان، بأنه المنبوذ من روضة الرضا، المحروم من ~~أنغام المعبود وأضوائه، فجعل يردد وروحه تذرف دموع الأسى ~~والقهر: «أين أنت من أولئك السعداء أيها المخلوق المشوه؟» ما ~~معنى الحياة إن أصرت على الاختفاء؟ أين تجد عيناه النور؟ ويتلقى ~~قلبه الحرارة؟ وتنعم روحه بالغبطة؟ فلتبد المعبودة بأي ثمن ~~ترضاه، فلتبد لتحب من تشاء حسن كان أو غيره، فلتبد ولتهزأ برأسه ~~وأنفه ما شاء لها المزاح واللعب، إن اشتياقه إلى اجتلاء طلعتها ~~وسماع صوتها فاق طاقة النفس على الاشتياق، فأين منه نظرة رانية ~~لتمسح عن صدره سخام الكآبة والوحشة! ولتسر قلبا أمسى مفتقد ~~السرور منه كالنور من فقيد البصر، فلتبد وأن تتجاهله، فإنه إن ~~خسر سعادة القبول عندها فلن تضيع سعادة رؤيتها، ورؤية الدنيا بعد ~~ذلك في مجتلى ضوئها البهيج، أما بغير ذلك فلن تكون الحياة إلا ~~لحظات متصلة من الألم المخلخل بالجنون، وهل كان خروجها من حياته ~~إلا كخروج العمود الفقري من الجسم الإنساني يرده من بعد توازن ~~وتكامل إلى شبه جثة ناطقة؟ # وأخرجه الألم والقلق عن الصبر، فلم يعد يحتمل الانتظار حتى ~~يجيء يوم الجمعة؛ فكان يذهب مع الأصدقاء إلى العباسية، فيحوم حول ~~السراي من بعيد لعله يلمحها في نافذة أو شرفة أو في خطراتها وهي ~~تظن أنها بمنأى عن عينيه، على أن الانتظار في بين القصرين كان من ~~فضائله اليأس بخلاف حومان المحموم حول مقام المعبودة، كحومان ~~مجموعة من الديناميت حول عمود من النيران. ولم يرها، ولكنه رأى ~~مرات أحد الخدم وهو ذاهب إلى الطريق أو عائد منه، فكان يتبعه ~~عينا متفحصة متعجبة كأنما تسائل المقادر عما جعلها تخص هذا ~~الإنسان بحظوة القرب من المعبودة كأنما تسائل المقادير عما جعلها ~~تخص هذا الإنسان بخطوة القرب من ms205 المعبودة، والاختلاط بها، ~~والاطلاع على شتى أحوالها، مستلقية أو مترنمة أو لاهية، كل ~~ذلك من حظ هذا الإنسان الذي يعيش في المحراب ولا تشغل قلبه ~~العبادة. # وفي جولة من جولاته رأى عبد الحميد بك شداد وحرمه المصون وهما ~~يغادران القصر ليركبا المنرفا التي كانت في انتظارهما أمام الباب، ~~رأى الشخصين السعيدين اللذين تقف عايدة أمامهما - من دون العالمين ~~- بإجلال واحترام، اللذين يخاطبانها بلسان الأمر أحيانا فلا تملك ~~إلا أن تطيع، وهذه الأم المقدسة التي حملتها في بطنها تسعة ~~أشهر، فما من ريب في أن عايدة كانت جنينا فوليدة كتلك المخلوقات ~~التي كان يرنو إليها طويلا في فراشي عائشة وخديجة، وليس من إنسان ~~هو أعرف بطفولة معبودته من هذه الأم السعيدة المقدسة. سوف تبقى ~~الآلام ما بقي في متاهة الحياة أو في الأقل لن تمحى آثارها. أين ~~تذهب ليالي يناير الطوال وهو دافن في الوسادة عينيه الهامعتين؟ ~~وبسط راحتيه إلى رب السماوات وهو يدعو من الأعماق: «اللهم قل لهذا ~~الحب كن رمادا كما قلت لنار إبراهيم كوني بردا وسلاما»؟ ~~وتمنيه لو كان للحب مركز معروف في الكائن البشري لعله يبتره ~~كما يبتر العضو الثائر بالجراحة؟ وهتافه باسمها المحبوب ليتلقى ~~صداه في سكون الحجرة الصامتة بقلب خاشع كأنما كان غيره المنادى؟ ~~ومحاكاته لصوتها حينما دعت باسمه ليستعيد حلم السعادة المفقودة؟ ~~وتقليبه البصر في كراسة الذكريات للتثبت من أن ما كان كان حقيقة لا ~~وهما من الخيال؟ # ولأول مرة منذ أعوام تطلع إلى ما قبل الحب من الماضي بلهفة كما ~~يتطلع السجين إلى ذكريات الحرية الضائعة، أجل لم يتصور شخصا ~~هو أشبه بحاله من السجين، غير أن قضبان السجن بدت أطوع للتحطيم ~~وأرق أمام الزمام من أغلال الحب الأثيرية التي تستأثر المشاعر في ~~القلب والأفكار في العقل والأعصاب في الجسد، ثم لا تؤذن بانحلال، ~~ووجد نفسه يوما يتساءل: ترى هل ذاق فهمي مثل هذا العذاب الذي ~~يعانيه؟ وهفت عليه ذكريات أخيه الراحل مثل لحن كامن حزين. تنهد ~~في أعماق النفس. فذكر كيف قص ms206 يوما على مسمعه مغامرة مريم مع ~~جوليون، فأغمد خنجرا مسموما في قلبه بلا حيطة أو حذر. وجعل ~~يستحضر في ذاكرته وجه فهمي، فتخيل إليه هدوءه الذي انخدع به ~~وقتذاك، ثم تصور تقلصات الألم في قسماته الجميلة حين خلا إلى نفسه، ~~ومناجاته الشاكية التي لا شك غرق فيها كما هو يغرق الآن في تأوهاته ~~وأنينه، فشعر بغمز في قلبه وراح يقول: لقد عانى فهمي ما هو أشد من ~~الرصاص قبل أن يستقر الرصاص في صدره. ومن عجب أنه وجد في الحياة ~~السياسية صورة مكبرة لحياته، فكان يطالع أنباءها في الصحف وكأنما ~~يطالع مواقف مما مر به في بين القصرين أو العباسية. هذا سعد زغلول ~~- مثله هو - شبه سجين، وهدف للطعنات الباغية، والحملات الظالمة، ~~ولخيانة الأصدقاء وغدرهم، وكلاهما - هو وسعد - يكابدان أحزانا من ~~اتصالهما بأناس علوا بأرستقراطيتهم وسفلوا بفعالهم. تقمص شخص ~~الزعيم في كدره كما تقمص حال الوطن في قهره، وكان يلاقي الموقف ~~السياسي وموقفه الشخصي بعاطفة واحدة وانفعال واحد، فكأنما كان يعني ~~نفسه وهو يقول عن سعد زغلول: «أتليق هذه المعاملة الظالمة بهذا ~~الرجل المخلص؟» وكأنما كان يعني حسن سليم وهو يقول عن زيور: «خان ~~الأمانة واستحل القبيح في سبيل الاستيلاء على الحكومة.» وكأنما ~~كان يعني عايدة وهو يقول عن مصر: «هل تخلت عن رجلها الأمين وهو ~~يذود عن حقوقها؟» # 21 # كان بيت آل شوكت بالسكرية من البيوت التي لا تحظى بنعمة ~~الهدوء والسكينة، لا لأن أدواره الثلاثة أصبحت مأهولة بالسكان من ~~آل شوكت فحسب، ولكن بسبب خديجة قبل أي شيء آخر. كانت الأم العجوز ~~تقيم في الدور التحتاني. وخليل وعائشة وأبناؤهما: نعيمة، وعثمان، ~~ومحمد في الدور الفوقاني، ولكن ضوضاء أولئك جميعا لم تكن شيئا ~~بالقياس إلى ضوضاء خديجة وحدها، سواء ما يصدر عنها مباشرة أو ما ~~يصدر عن الآخرين بسببها. وقد حدثت تغيرات في نظام البيت كانت ~~خليقة بحصر أسباب الضوضاء في أضيق الحدود، كاستقلال خديجة ببيتها ~~ومطبخها، وكاستئثارها بالسطح لتربية دواجنها، وغرس بستان متواضع ~~في جانب منه على مثال ms207 بستان البيت القديم بعد أن أجلت عنه حماتها ~~ودواجنها، كان كل ذلك خليقا بتخفيف الضوضاء إلى حد كبير، ولكن ~~الضوضاء لم تخف، أو لعلها خفت بقدر لم يلحظه أحد. على أن روح خديجة ~~اعتورها هذا اليوم فتور، ولم يكن سره - فيما بدا - خافيا؛ فإن ~~عائشة وخليل انتقلا إلى شقتها ليشاركا في تفريج الأزمة - أجل ~~الأزمة - التي أزمتها. جلسوا: الأخوان، والأختان في الصالة على ~~كنبتين متقابلتين، وكانت الوجوه جادة، وكانت خديجة متجهمة، ~~وكانوا يتبادلون نظرات ذات معنى، ولكن أحدا منهم لم يشأ أن يطرق ~~الأمر الذي جمعهم حتى قالت خديجة بنبرة شاكية حانقة معا: هذه ~~المنازعات تقع في كل بيت، هكذا كانت الدنيا منذ خلقها ربنا، وليس ~~معنى هذا أن ننشر متاعبنا على الناس، خصوصا أولئك الذين لا ينبغي ~~أن يشغلوا بالكلام الفارغ، ولكنها أبت إلا أن تجعل من شئون بيتنا ~~فضائح عامة، حسبي الله ونعم الوكيل. # تحرك إبراهيم في معطفه كأنه يستوي في مجلسه، ثم ضحك ضحكة ~~مختزلة لم يدر أحد على وجه الدقة ماذا أراد بها، فحدجته خديجة ~~بنظرة ارتياب وهي تتساءل: ماذا تعني بهئ هئ؟ ... ألا يهتم قلبك بشيء ~~في الدنيا؟ # وأعرضت عنه كاليائسة، ثم استطردت تقول مخاطبة خليل وعائشة: هل ~~يرضيكما ذهابها إلى أبي في الدكان لتشكوني إليه؟ هل يجوز إقحام ~~الرجال - خاصة من كان على شاكلة أبي - في منازعات النسوان؟ ما ~~كان ينبغي أن يعلم بشيء من هذا، ولا شك أنه تضايق من زيارتها ~~وشكواها، ولولا أدبه لصارحها بذلك ... ولكنها ما زالت تلح عليه حتى ~~وعدها بالمجيء. ما أبشع تصرفها! لم يخلق أبي لهذه الصغائر، فهل ~~يرضيك هذا التصرف يا سي خليل؟ # فقطب خليل في استياء، وقال: أمي أخطأت، صارحتها أنا نفسي بذلك ~~حتى صبت علي غضبها. غير أنها ست كبيرة، وأنت تعلمين أن الإنسان ~~في مثل سنها يحتاج إلى المداراة والحلم كالأطفال، حبذا ... # فقاطعه إبراهيم في ضجر قائلا: حبذا ... حبذا! ... كم كررت حبذا هذه ~~حتى مللتها، أمك كما قلت ست كبيرة، ولكن قرعتها وقعت على ms208 من لا ~~ترحم. # التفتت خديجة إليه بحدة، وقد عبس وجهها واتسع منخراها، وقالت: ~~الله ... الله ... لم يبق إلا أن تعيد هذا الكلام الجائر أمام ~~بابا. # فقال إبراهيم وهو يلوح بيده آسفا: بابا ليس معنا الآن، وهو ~~إن جاء فلن يجيء ليستمع إلي أنا، ولكني أقرر الحقيقة التي ~~يسلم بها الجميع ولا تستطيعين أنت إنكارها، أنت لا تطيقين أمي، ~~ولا تحتملين ظلها، أعوذ بالله، لم كل هذا يا شيخة! بشيء قليل من ~~الحلم والكياسة كان يسعك أن تأسريها، ولكن القمر أقرب منالا من ~~حلمك، هل تستطيعين أن تنكري كلمة واحدة مما قلت؟ # فرددت عينيها بين خليل وعائشة لتشهدهما على هذا «الظلم» ~~الصارخ، فبدوا حائرين بين الحق والسلامة، حتى تمتمت عائشة وهي من ~~الإشفاق في نهاية: سي إبراهيم يقصد أن تغضي قليلا عما يبدر ~~منها. # وهز خليل رأسه بالموافقة في ارتياح من ظفر أخيرا بسلم النجاة، ~~ثم قال: هو ذلك، أمي سريعة الغضب، ولكنها بمنزلة والدتك، وبشيء من ~~الحلم تعفين أعصابك من مشقة المشاحنة. # فنفخت خديجة وهي تقول: الأصوب أن يقال إنها هي التي لا تطيقني ~~ولا تحتمل لي ظلا، لقد أتلفت أعصابي، وما من مرة نتلاقى إلا ~~وتسمعني - تصريحا أو تلميحا - كلمة تهيج الدم وتسم البدن، ثم ~~أطالب أنا بالحلم! كأنني مخلوقة من ثلج، أليس يكفيني عبد المنعم ~~وأحمد اللذان استنفدا صبري وحلمي؟ يا هوه أين أجد منصفا؟ # فقال إبراهيم في تهكم وهو يبتسم: لعلك تجدين هذا المنصف في شخص ~~أبيك؟ # فهتفت قائلة: أنت شامت بي، أنا أفهم كل شيء، ومع ذلك فربنا ~~موجود. # فقال إبراهيم بصوت ممطوط يدل على التسليم والتحدي في آن: ربنا ~~موجود. # وقال خليل بعطف: هدئي روعك حتى تلقي والدك بنفس مطمئنة. # من أين لها بالنفس المطمئنة؟ لقد انتقمت العجوز منها شر انتقام؟ ~~وعما قليل تدعى إلى لقاء أبيها في موقف يفر منه قلبها ودمها. ~~وهنا ترامى إليهم صياح عبد المنعم وأحمد من وراء باب حجرتهما، ~~وأعقبه صوت أحمد وهو يبكي، فقامت على عجل رغم سمانتها واتجهت ms209 نحو ~~الحجرة. فدفعت الباب ودخلت وهي تصيح بدورها: ما معنى هذا؟ ألم ~~أنهكما عن الشجار ألف مرة؟ خصيمي المعتدي منكما . # قال إبراهيم بعد أن توارت وراء الباب: مسكينة كأن بينها وبين ~~الراحة عداء مستحكما، منذ الصباح الباكر تبدأ بخوض معركة طويلة ~~تستغرق النهار كله فلا تسكن حتى تأوي إلى الفراش، يجب أن يذعن كل ~~شيء إلى إرادتها وتفكيرها، الخادم، الأكل، الشرب، الأثاث، الدجاج، ~~عبد المنعم، أحمد، أنا، الكل يجب أن يذعن لتنظيمها، إني أشفق ~~عليها، وأؤكد لكم أن بيتنا يمكن أن ينعم بأحسن حال من النظام ~~والدقة دون حاجة إلى هذه الوسوسة. # فقال خليل باسما: ربنا يعينها. ~~- ويعينني معها. # قال إبراهيم ذلك وهو يهز رأسه باسما أيضا، ثم أخرج من جيب ~~معطفه الأسود علبة سجائره، ونهض متجها إلى أخيه فقدمها له فتناول ~~خليل سيجارة، ودعا عائشة لتتناول واحدة ولكنها رفضت ضاحكة، وأومأت ~~إلى الباب الذي توارت وراءه خديجة، وهي تقول: خل الساعة تمر ~~بسلام. # فعاد إبراهيم إلى مجلسه وهو يشعل سيجارة، ويقول مشيرا إلى ~~الباب نفسه: محكمة، في الداخل الآن محكمة، ولكنها ستعامل هذين ~~المتهمين بالرحمة ولو على رغمها. # عادت خديجة وهي تقول متأففة: كيف يمكن أن أذوق طعم الراحة في ~~هذا البيت؟! كيف ومتى؟ # وجلست وهي تتنهد، ثم قالت مخاطبة عائشة: نظرت من المشربية فوجدت ~~الطين المتخلف من مطر الأمس لا يزال يغطي أرض الحارة، فخبريني ~~وربك كيف يشق أبي سبيله؟ ولم هذا العناد كله؟ # فسألتها عائشة: والسماء؟ كيف حالها الآن؟ ~~- قطران! ستجعل الحارات بحورا قبل الليل، ولكن هل أجدى ذلك في ~~حمل حماتك على تأجيل ما بيتت من شر ولو إلى يوم آخر؟ كلا، ~~ذهبت إلى الدكان رغم ما يسببه المشي لها من متاعب، وما زالت ~~بالرجل حتى تعهد لها بالحضور، ولو سمعها سامع في الدكان وهي ~~تشكوني في هذه الظروف العسيرة لحسبني ريا أو سكينة. # وضحكوا جميعا مغتنمين الفرصة التي أتاحتها لهم للتنفيس عن ~~صدورهم، وتساءل إبراهيم: أتحسبين نفسك أقل شأنا من ريا ~~وسكينة؟ # وسمع نقر على ms210 الباب، ولما فتحت الخادم لاح وجه الجارية سويدان ~~فنظرت إلى خديجة بخوف، وقالت: سيدي الكبير حضر. # ثم سرعان ما توارت ، وقامت خديجة شاحبة اللون وهي تقول بصوت ~~خافت: لا تتركونا وحدنا. # فقال خليل ضاحكا: معك إلى النهاية يا خديجة هانم. # فقالت بلهجة وشت بالرجاء والتوسل: كونوا في جانبي. # وغادرت الشقة بعد أن ألقت عائشة نظرة متفحصة على صورتها في ~~المرآة لتتوكد من خلو وجهها من أي أثر للأصباغ. # كان السيد أحمد عبد الجواد يجلس على كنبة في صدر الحجرة القديمة ~~تحت صورة كبيرة للمرحوم شوكت، على حين جلست الأم على مقعد قريب في ~~معطف كثيف لم تجد كثافته في إخفاء ضآلة جسمها الذي احدودب أعلاه، ~~وقد نحل وجهها، وعمقت تجاعيده وتكاثرت، وجف جلده، فلم يبق شيء ~~منه على ما كان عليه إلا أسنانها الذهبية. ولم تكن هذه الحجرة ~~بالغريبة على السيد أحمد، ولم يهون قدمها من فخامتها، وإذا ~~كانت الستائر قد بهتت، وقطيفة بعض المقاعد والكنبات قد انجردت، أو ~~تهتكت عند المقابض والمساند، فإن بساطها العجمي قد صان رونقه أو ~~استجد نفاسته، إلى أن جوها تنسم برائحة بخور لطيفة مما تولع ~~به العجوز. وكانت المرأة تميل على مظلتها وتقول: قلت لنفسي إذا ~~لم يحضر السيد أحمد كما وعدني، فلا هو ابني ولا أنا أمه. # فابتسم السيد قائلا: لا سمح الله، إني طوع أمرك، فأنا ابنك ~~وخديجة ابنتك. # فمطت بوزها، وقالت: كلكم أبنائي، أمينة هانم ابنتي الطيبة، أنت ~~سيد الناس، أما خديجة (ورنت إليه وعيناها تتسعان) فلم ترث سجية ~~واحدة من سجايا والديها الطيبين ... (ثم وهي تهز رأسها) ... يا لطيف ~~الطف! # فقال السيد بلهجة المعتذر: إني أعجب كيف أغضبتك لهذا الحد؟! ~~كان الأمر كله مفاجأة شديدة علي، لا أقبل هذا مطلقا، ولكن هلا ~~حدثتني عما فعلت؟ # فقالت المرأة مقطبة: هذا شيء قديم، كنا نخفي عنك كل شيء إكراما ~~لتوسلات والدتها التي أعيتها الحيل في إصلاحها، ولكني لن أقول ~~كلمة واحدة إلا في وجهها، في وجهها يا سي السيد كما عزمت أمامك ms211 في ~~الدكان. # عند ذاك جاءت الجماعة، دخل إبراهيم في المقدمة، وتبعه خليل، ~~فعائشة، ثم خديجة. وصافحوا السيد واحدا فواحدا حتى جاء دور ~~خديجة، فانحنت في أدب مثالي حتى لثمت يده، فلم تتمالك العجوز من ~~أن تقول في عجب: رباه ما هذه البوليتيكا! أأنت خديجة حقا؟ لا ~~تخدعنك الظواهر يا سيد أحمد. # فقال خليل معاتبا أمه: هلا تركت والدنا حتى يستريح! ليس ثمة ~~ما يدعو إلى محاكمة على الإطلاق. # فعلا صوت المرأة وهي تجيبه قائلة: ما الذي جاء بك؟ ما الذي جاء ~~بكم؟ دعوها واذهبوا عنا بسلام. # فقال إبراهيم برقة: وحدي الله! # فصاحت به: أنا موحدة أحسن منك يا بغل! لو كنت رجلا حقا ما ~~أحوجتني إلى استدعاء هذا الرجل الطيب، ما الذي جاء بك، وكان يجب أن ~~تكون غاطا في نومك كالعادة؟ # ابتل صدر خديجة ارتياحا إلى هذه البداية، فتمنت لو تشتد ~~حتى تغطي على قضيتها، ولكن السيد سألها بصوت مرتفع سد الطريق في ~~وجه المعركة المأمولة: ما هذا الذي سمعته عنك يا خديجة؟ أحق أنك ~~لست الابنة المؤدبة المطيعة لوالدتك، أستغفر الله، بل لوالدتنا ~~جميعا؟ # خاب أمل خديجة، فغضت بصرها، وتحركت شفتاها في همس دون أن ~~تبين وهي تهز رأسها نفيا، ولكن الأم لوحت بيدها للجميع كي ~~ينصتوا، ثم أنشأت تقول: هذا تاريخ قديم لن أستطيع أن أسرده عليك ~~في هذه الجلسة، منذ أول يوم لها في هذا البيت وهي تخاصمني بلا ~~سبب، وتخاطبني بأطول لسان عرفته في حياتي. لا أحب أن أعيد عليك ما ~~سمعته طوال خمس سنوات أو يزيد، كثير، كثير، وقبيح، قبيح. عابت ~~إشرافي على البيت وتنقصت طهيي - هل تتصور هذا يا سي السيد؟ - وما ~~زالت حتى انفصلت بشقتها عني فانشطر البيت الواحد بيتين، حتى ~~الجارية سويدان حرمت عليها دخول شقتها لأنها جاريتي، وجاءت بخادم ~~خصوصية لها. السطح، السطح على سعته يا سي السيد، ضيقته علي حتى ~~اضطررت إلى نقل دواجني إلى الفناء، ماذا أقول أيضا يا بني؟ هذا ~~قليل من كثير، ولكن ما علينا. قلت ms212 لنفسي ما فات فات، واحتملته ~~وصبرت عليه، وقد ظننت بعد الانفصال أن أسباب الشقاق ستنتهي، ولكن ~~هل صدق ظني؟ كلا وحياتك. # انقطعت عن الحديث لسعال غلبها، وراحت تسعل حتى انتفخت أوداجها، ~~وخديجة تلحظها وهي تدعو الله في سرها أن يأخذها قبل أن تتم ~~حديثها، ولكن السعال سكت فازدردت ريقها وتشهدت، ثم رفعت إلى السيد ~~عينين دامعتين، وسألته بصوت لم يخل من بح: أتستنكف أنت يا سيد ~~أحمد أن تقول لي يا أمي؟ # فقال الرجل الذي تظاهر بالعبوس رغم ابتسام إبراهيم وخليل: معاذ ~~الله يا أمي! ~~- عوفيت يا سيد أحمد، لكن ابنتك تستنكف من هذا، تدعوني «تيزة» ~~أقول لها مرارا: ادعيني «نينة»، فتقول لي: «وماذا أدعو التي في ~~بين القصرين؟» أقول لها أنا نينة، وأمك نينة، فتقول لي: «ليس لي ~~إلا نينة واحدة ربنا يخليها لي!» انظر يا سي السيد، أنا التي ~~تلقيتها بيدي من عالم الغيب. # ألقى السيد أحمد على خديجة نظرة غاضبة، وسألها محتدا: صحيح هذا ~~يا خديجة؟ يجب أن تتكلمي! # كانت خديجة كأنها فقدت القدرة على النطق، كانت من الغيظ في ~~نهاية، وكانت من الخوف في نهاية، وإلى هذا كله كانت يائسة من نتيجة ~~المناقشة؛ فحدتها غرائز الدفاع عن النفس على التذرع بكافة ضروب ~~الضراعة والمسكنة، قالت بصوت خافت: أنا مظلومة، كل واحد هنا يعلم ~~بأني مظلومة، مظلومة والله يا بابا. # كان السيد أحمد في دهش مما يسمع، ومع أنه فطن من أول الأمر إلى ~~حال «الكبر» التي تسيطر على المرأة، ومع أنه لم يغب عن ملاحظته ~~ما يكتنف الجو من فكاهة بدت آثارها في وجهي إبراهيم وخليل، فإنه ~~صمم على التظاهر بالجد والصرامة إرضاء للعجوز وإرهابا لخديجة. ~~وكان يعجب لما يتكشف له من عناد خديجة وحدة طباعها، الأمر الذي ~~لم يخطر له في خيال من قبل، أكانت على هذا الخلق مذ كانت في بيته؟ ~~أتعلم أمينة من أمرها ما لا يعلم؟ هل يكتشف على آخر الزمن صورة ~~جديدة لابنته مناقضة للصورة التي كونها كما سبق أن اكتشف ms213 ~~لياسين؟ ~~- أريد أن أعرف الحقيقة؟ أريد أن أعرف حقيقتك، إن التي تتحدث ~~عنها والدتنا امرأة أخرى غير التي عهدتها، فأيتهما تكون ~~الصادقة؟ # ضمت المرأة أناملها وهزت يدها داعية إياه إلى الصبر حتى ~~تتم حديثها، ثم استطردت قائلة: قلت لها: إني تلقيتك بيدي من ~~عالم الغيب. فقالت لي بلهجة شريرة لم أسمع بمثلها من قبل: «إذن ~~أكون نجوت من الموت بأعجوبة!» # ضحك إبراهيم وخليل، وخفضت عائشة رأسها لتخفي ابتسامتها، فقالت ~~العجوز مخاطبة ابنيها: «اضحكا، اضحكا، اضحكا من أمكما!» ولكن السيد ~~تجهم وإن يكن باطنه ضحك، ترى أخلقت بناته على مثاله أيضا؟ أليس ~~هذا مما يستحق أن يروى على إبراهيم الفار، وعلي عبد الرحيم، ومحمد ~~عفت؟ قال لخديجة بغلظة: كلا ... كلا، لأعرفن كيف أحاسبك على هذا ~~حسابا عسيرا. # فواصلت العجوز حديثها بارتياح قائلة: أما سبب شجار الأمس، فهو أن ~~إبراهيم دعا بعض أصدقائه إلى وليمة، فقدمت لهم الشركسية فيما ~~قدم من أطعمة، وفي المساء سهر عندي إبراهيم وخليل وعائشة ~~وخديجة، وجاء ذكر الوليمة فنوه إبراهيم بثناء المدعوين على ~~الشركسية، فانبسطت ست خديجة. ولكنها لم تقنع بذلك، بل راحت ~~تؤكد أن الشركسية هي الصنف المأثور عن بيتها الأول، فقلت بحسن ~~نية: إن زينب زوجة ياسين الأولى هي التي أدخلت الشركسية في بيتكم، ~~وأن خديجة لا بد وأن تكون تعلمتها منها. أقسم لك أني ما تكلمت ~~إلا عن حسن نية، وأني ما قصدت أحدا بسوء، ولكن أجارك الله يا ~~حبيب، انتفضت غاضبة وصاحت في وجهي: «هل تعرفين عن بيتنا أكثر مما ~~نعرف؟» فقلت لها: إني أعرف بيتكم من قبل أن تعرفيه أنت بعمر مديد، ~~فصرخت قائلة: «أنت لا تحبين لنا الخير، ولا تطيقين أن ينسب لنا ~~شيء حميد ولو كان طهي الشركسية، الشركسية تؤكل في بيتنا قبل أن ~~تولد زينب، وعيب أن تكذب واحدة في مثل سنك!» أي والله هذا يا سي ~~السيد ما قذفتني به أمام الجميع، فأيتنا الكاذبة بربك ~~وصلاتك؟ # قال السيد غاضبا ساخطا: رمتك بالكذب في وجهك! يا رب السماوات ~~والأرض، ms214 ما هذه ابنتي. # غير أن خليل قال لأمه باستياء: ألهذا جئت بوالدنا؟ أيصح أن ~~نكدر خاطره، ونضيع وقته بسبب نزاع صبياني حول الشركسية؟ هذا كثير ~~يا أماه! # فحملقت المرأة في وجهه مقطبة، وصاحت به: اخرس، اغرب عن وجهي، لست ~~كاذبة، ولا يصح أن يرميني مخلوق بالكذب، إني أعرف ما أقول، ولا ~~حياء في الحق، لم تكن الشركسية بالطعام المعروف في بيت السيد قبل ~~أن تدخله زينب، وليس في ذلك ما يعيب أحدا أو ينتقصه، ولكنها ~~الحقيقة. هاكم السيد فليكذبني إن كنت كاذبة، إن طواجن بيته ~~مضرب الأمثال، ويليها الأرز المحشو، أما الشركسية فلم تقدم على ~~مائدته قبل مجيء زينب، تكلم يا سي السيد، أنت وحدك الحكم. # قاوم السيد أحمد إغراء الضحك طيلة حديث المرأة. ثم قال بلهجة ~~عنيفة: ليت ذنبها اقتصر على الكذب والادعاء الباطل من دون أن ~~تضيف إليه سوء الأدب، هل شجعك على هذا السلوك السيئ ابتعادك عن ~~قبضة يدي؟ إن يدي تمتد إلى حيث يجب أن تمتد بلا تردد، من المؤسف ~~حقا أن يجد أب ابنته مستحقة للتأديب والعقاب بعد أن اكتمل نضجها، ~~واستوت بين النساء زوجة وأما. # واستطرد ملوحا بيده: إني غاضب عليك، ووالله إنه ليؤلمني أن أرى ~~وجهك أمامي. # أجهشت خديجة بالبكاء فجأة. جاء ذلك عن تأثير وتدبير معا، ولم ~~يكن ثمة وسيلة أخرى للدفاع، ثم قالت بصوت متهدج تخنقه العبرات: ~~أنا مظلومة، والله أنا مظلومة، إنها لا ترى وجهي حتى ترميني بكلمات ~~قاسية، ولا تفتأ تقول لي: «لولاي لقضيت العمر عانسا!» وأنا لم ~~أنلها بسوء أبدا، وكلهم شهود على ذلك. # لم تعدم الحركة التمثيلية - الصادقة الكاذبة - أثرا تركته في ~~النفوس، قطب خليل شوكت حانقا، ونكس إبراهيم شوكت رأسه، والسيد ~~نفسه ولو أن مظهره لم يعتوره تغيير إلا أن قلبه انقبض عند سماعه ~~ما قيل عن العنوس كعهده من قديم، أما العجوز فجعلت تنظر إلى خديجة ~~نظرات نافذة من تحت حاجبيها الأشيبين، وكأنما تقول لها: «مثلي ~~دورك يا ماكرة، ولكنه لن يجوز علي!» ولما استشعرت ms215 في الجو عطفا ~~على الممثلة قالت بتحد: هاكم عائشة أختها، إني أستحلفك بعينيك، ~~أستحلفك بالقرآن الشريف إلا ما شهدت بما سمعت ورأيت، ألم ترمني ~~أختك بالكذب في وجهي؟ ألم أصف نزاع الشركسية دون مبالغة أو تجاوز، ~~تكلمي يا بنية، تكلمي، إن أختك ترميني الآن بالظلم بعد أن رمتني ~~أمس بالكذب، تكلمي ليعلم السيد من الظالم ومن المعتدي. # روعت عائشة بجرها المباغت إلى حومة القضية التي ظنت أنها ~~ستقف منها موقف المشاهد إلى النهاية، وشعرت بالخطر يحدق بها من كل ~~جانب، فرددت عينيها الجميلتين بين زوجها وأخيه كالمستغيثة، فهم ~~إبراهيم بالتدخل، ولكن السيد أحمد سبقه إلى الكلام، فخاطب عائشة ~~قائلا: إن والدتنا تستشهد بك يا عائشة، فيجب أن تتكلمي. # فاضطربت عائشة حتى شحب لونها، ولكن شفتيها لم تتحركا إلا عند ~~ازدراد ريقها، وغمضت عينيها فرارا من عيني أبيها، وأصرت على ~~الصمت. قال خليل محتجا: لم أسمع من قبل أن أختا دعيت للشهادة ~~على أختها! # فصاحت به أمه: ولم أسمع من قبل أن أبناء يتكتلون ضد أمهم كما ~~تفعلون. (ثم ملتفتة إلى السيد) ولكن حسبي صمتها، إن صمت عائشة لي ~~يا سي السيد. # ظنت عائشة أن عذابها قد انتهى عند هذا الحد، ولكنها ما تدري إلا ~~وخديجة تقول لها برجاء وهي تجفف عينيها: تكلمي يا عائشة هل ~~سمعتني أشتمها؟ # لعنتها في سرها من صميم قلبها، وراح رأسها الذهبي يهتز اهتزازة ~~عصبية، فهتفت العجوز: جاءنا الفرج، هي التي تطالب بالشهادة، لم ~~يبق لك عذر يا شوشو، يا ربي إذا كنت ظالمة حقا كما تقول خديجة ~~فلم لم أظلم عائشة؟ لم تسير الأمور بيني وبينها على خير حال! ~~لم يا ربي؟ لم؟ # نهض إبراهيم شوكت من مجلسه، ثم جلس إلى جانب السيد، وقال له: يا ~~والدي، يؤسفني أننا أتعبناك وأضعنا وقتك الثمين هباء، فلندع ~~الشكوى والشهادة جانبا، لندع الماضي كله جانبا، ولننظر فيما هو ~~أهم وأجدى، ينبغي أن يكون محضرك خيرا وبركة، فلنعقد الصلح بين ~~أمي وزوجي، وليتعهدا لك بأن يحافظا عليه على الدوام. ms216 # ارتاح السيد أحمد إلى هذا الاقتراح، غير أنه قال بلباقة وهو ~~يهز رأسه معترضا: كلا، لن أقبل أن أعقد صلحا ، فإن الصلح لا ~~يكون إلا بين ندين، والطرفان هنا هما والدتنا من ناحية، وابنتنا ~~من ناحية أخرى، وليست الابنة كالأم، فيجب أولا أن تعتذر خديجة ~~إلى أمها عما سلف، لتعفو أمها عنها إذا شاءت، ثم نتكلم بعد ذلك ~~في الصلح. # ابتسمت العجوز حتى تضامت تجاعيدها، غير أنها نظرت نحو خديجة ~~بحذر، ثم أعادت بصرها إلى السيد ولم تنبس، فاستطرد السيد قائلا: ~~يبدو أن اقتراحي لم يصادف قبولا. # فقالت العجوز بامتنان: إنك لا تنطق إلا عن الصواب، سلم فوك، ~~وبارك الله في عمرك. # وأشار السيد إلى خديجة فقامت دون تردد، واقتربت منه في انكسار ~~لم تشعر بمثله من قبل حتى مثلت بين يديه، فقال لها بحزم: قبلي ~~يد والدتك، وقولي لها اصفحي عني يا نينة. # آه، ما كانت تتخيل - ولا في الكابوس، أنها يمكن أن تقف هذا ~~الموقف أبدا، ولكن أباها - أباها المعبود - هو الذي قضى به، أجل ~~قضى به من لا تستطيع لقضائه ردا، فلتكن مشيئة الله. تحولت خديجة ~~إلى العجوز، ومالت نحوها، ثم تناولت اليد التي رفعتها إليها - إي ~~والله رفعتها إليها دون ممانعة ولو في الظاهر - ولثمتها، وهي تشعر ~~باشمئزاز وتقزز وقهر أليم، ثم غمغمت قائلة: اصفحي عني يا ~~نينة. # فنظرت العجوز إليها مليا وقد شاع البشر في وجهها، ثم قالت: ~~صفحت عنك يا خديجة، صفحت عنك إكراما لأبيك، وقبولا ~~لتوبتك. # وندت عنها ضحكة صبيانية، ثم استطردت تقول بتحذير: لا جدال بعد ~~اليوم في الشركسية، ألا يكفيكم أنكم فقتم الدنيا في الطواجن ~~والأرز المحشو؟ # قال السيد بسرور: الحمد لله على الصلح، (ثم وهو يرفع رأسه إلى ~~خديجة) ... نينة دائما ليست تيزة، هذه نينة كالأخرى سواء ~~بسواء. # ثم بصوت منخفض أسيف: من أين جئت بهذا الخلق يا خديجة؟ ما كان ~~ينبغي لأحد نشأ في بيتي أن يعرفه، أنسيت أمك وما تتحلى به من أدب ~~ودماثة؟ أنسيت أن أي شر ms217 تأتينه إنما يسود وجهي أنا؟ لقد عجبت ~~والله وأنا أستمع إلى حديث أمك، ولسوف أعجب طويلا. # 22 # رقيت الجماعة في السلم عائدة إلى مساكنها عقب رحيل السيد أحمد ~~عبد الجواد. كانت خديجة تتقدم القافلة بوجه مربد تعلوه صفرة ~~الغضب والحنق، وكان الآخرون يشعرون بأن الصفاء لم يزل أبعد ما يكون ~~عن القلوب، فأشفقوا مما سيتمخض عنه صمت خديجة. لذلك صحب خليل ~~وعائشة خديجة وإبراهيم إلى شقتهما، رغم أن زياط نعيمة وعثمان ومحمد ~~كان حريا بأن يعيدهما إلى شقتهما فورا. ولما عادوا إلى مجلسهم ~~بالصالة قال خليل - وهو بسبيل جس النبض - مخاطبا أخاه: كانت كلمتك ~~الختامية حاسمة فأتت بخير النتائج. # فتكلمت خديجة لأول مرة قائلة بانفعال: أتت بالصلح أليس كذلك؟ ~~هي السبب فيما نزل بي من مذلة لم أتعرض لمثلها من قبل. # فتساءل إبراهيم كالمستنكر: لا مذلة في أن تقبلي يد أمي أو ~~تستصفحيها. # فقالت دون مبالاة: إنها أمك أنت، ولكنها عدوتي أنا، ما كنت ~~لأدعوها نينة لولا أمر بابا، أجل فما هي إلا نينة بأمر بابا، وبأمر ~~بابا وحده! # مال إبراهيم إلى مسند الكنبة وهو يتنهد يائسا. وكانت عائشة ~~قلقة ولا تدري أي أثر تركه امتناعها عن الشهادة في نفس أختها، ~~وزاد من قلقها تجنب خديجة النظر إليها، صممت على محادثتها ~~لتحملها على معالنتها بحقيقة مشاعرها، فقالت برقة: ليس في الأمر ~~مذلة وقد تصافيتما، ويجب ألا تذكري إلا حسن الختام. # فتصلب جذع خديجة ورمقتها بنظرة غاضبة، ثم قالت بحدة: لا تكلميني ~~يا عائشة، أنت آخر شخص في الدنيا يحق له أن يكلمني. # فتظاهرت عائشة بالدهش، وتساءلت وهي تقلب عينيها بين إبراهيم ~~وخليل: أنا؟ لماذا لا سمح الله؟ # فقالت بصوت كالرصاص برودة وحدة: لأنك خنتني وشهدت بصمتك علي، ~~لأنك آثرت إرضاء الأخرى على مظاهرة أختك، هذه هي الخيانة ~~بعينها! ~~- أمرك عجيب يا خديجة! ... كل واحد يعلم بأن الصمت كان في ~~صالحك. # فقالت بنفس اللهجة أو أشد: لو راعيت صالحي حقا لشهدت لي بالحق ~~أو بالباطل لا يهم، ولكنك آثرت التي تطعمك ms218 على أختك، لا تكلميني، ~~ولا كلمة واحدة، لنا أم يكون عندها الكلام. # وفي ضحى اليوم التالي ذهبت خديجة لزيارة أمها رغم توحل الطرقات ~~وامتلاء منخفضاتها بالمياه الراكدة، ومضت إلى حجرة الفرن، فنهضت ~~أمها لاستقبالها في سرور وحرارة، وأقبلت نحوها أم حنفي مهللة، ~~ولكنها ردت السلام بكلمات مقتضبة حتى تفحصتها أمها بنظرة ~~متسائلة، فقالت دون تمهيد: جئتك لتري رأيك في عائشة، فلم يعد بي ~~طاقة لأتحمل أكثر مما تحملت. # لاح في وجه أمينة اهتمام مقرون بالأسى، فقالت وهي تشير إليها ~~برأسها كي تسبقها إلى الخارج: ماذا حدث كفى الله الشر؟ حدثني أبوك ~~بما كان في السكرية، فما دخل عائشة في ذلك؟ (ثم وهما يرقيان في ~~السلم) رباه يا خديجة، طالما رجوتك أن توسعي من صدرك، حماتك ~~عجوز ينبغي مراعاة سنها، إن ذهابها إلى الدكان وحده في جو كجو ~~أمس برهان على ضعف عقلها، ولكن ما الحيلة؟ كم غضب أبوك! لم يكن ~~يصدق أنه يمكن أن تند عنك كلمة سوء، ولكن ماذا أغضبك من عائشة؟ ~~لقد صمتت أليس كذلك؟ لم يكن في وسعها أن تخرج عن الصمت. # وجلستا في الصالة - مجلس القهوة - على كنبة جنبا إلى جنب، ~~وخديجة تقول محذرة: نينة، أرجو ألا تنضمي إليهم، ما لي يا ربي ~~لا أجد نصيرا في هذه الدنيا! # فابتسمت الأم ابتسامة عتاب، وقالت: لا تقولي هذا، لا تتصوري ~~هذا يا بنية، ولكن خبريني ماذا وجدت من عائشة؟ # وهي تدفع بيدها الهواء كأنما تلطم عدوا: كل شر. شهدت علي، ~~فأوقعت بي شر هزيمة. ~~- ماذا قالت؟ ~~- لم تقل شيئا. ~~- الحمد لله. ~~- إن المصيبة جاءت من أنها لم تقل شيئا. # فتساءلت أمينة، وهي تبتسم في عطف: وماذا كان في وسعها أن ~~تقول؟ # وكأنما كبر عليها تساؤل أمها، فقالت بعبوس وحدة: كان في وسعها أن ~~تشهد بأنني لم أعتد على المرأة، لم لا؟ لو فعلت ما جاوزت واجبات ~~الأخوة، كان في وسعها على الأقل أن تقول إنها لم تسمع شيئا، الحق ~~أنها آثرت المرأة علي، خذلتني وتركتني أقع تحت ms219 رحمة الماكرة ~~الشامتة، لن أنسى هذا لعائشة ما حييت. # قالت أمينة، بإشفاق وألم: خديجة لا ترعبيني، كان يجب أن يكون كل ~~شيء قد نسي في الصباح. ~~- نسي! لم أنم من الليل ساعة، سهدت وبرأسي مثل النار، كل ~~مصيبة كانت تهون لو لم تجئ من عائشة، من أختي! لقد ارتضت أن تنضم ~~إلى حزب الشيطان، حسنا، ليكن ما تشاء، كان لي حماة فأصبح لي ~~اثنتان. عائشة! رباه طالما سترتها. لو كنت خائنة مثلها لقصصت على ~~أبي ما تزخر به حياتها من قلة الأدب، إنها تحب أن يعرف عنها ~~أنها ملك كريم، وأنني شيطان رجيم، كلا، أنا خير منها ألف مرة، إن ~~لي كرامة لا يعلو إليها التراب، ولولا أبي (وهنا اشتدت نبراتها ~~حدة) لما استطاعت قوة في الأرض أن تحملني على أن أقبل يد عدوتي ~~أو أن أدعوها نينة! # ربتت أمينة كتفها برقة، وهي تقول: أنت غضبى، دائما غضبى، ~~هدئي من روعك، ستبقين معي حتى نتغدى معا، ثم نتحادث في ~~هدوء. ~~- إني في كامل عقلي، وأعرف معنى ما أقول، أريد أن أسأل أبي، ~~أيتهما خير من الأخرى: التي تلزم بيتها، أم التي تزور بيوت الجيران ~~فتغني وترقص ابنتها؟ # تنهدت أمينة، وقالت بحزن: إن رأي أبيك في هذا لا يحتاج إلى سؤال، ~~ولكن عائشة سيدة متزوجة، والرأي الأعلى في سلوكها لزوجها، وما ~~دام يسمح لها بزيارة الجيران ويعلم بأنها تغني بين صديقاتها ~~اللاتي يحببنها ويحببن صوتها فما شأننا نحن؟ لك الله يا خديجة! ~~أتسمين هذا قلة أدب؟ هل يغضبك حقا أن ترقص نعيمة؟ إنها في ~~السادسة، وما رقصها إلا لعبا، لست إلا غاضبة يا خديجة، سامحك ~~الله. # فقالت خديجة بإصرار: إني أعني كل كلمة قلتها، وإذا كان يعجبك أن ~~تغني ابنتك عند الجيران وترقص ابنتها، فهل يعجبك أيضا أن تدخن ~~كالرجال؟ نعم، ها أنت تدهشين! أكرر على مسمعك أن عائشة تدخن، ~~وأن التدخين صار لها كيفا لا تملك الامتناع عنه، وأن زوجها ~~يعطيها العلبة، ويقول لها بكل بساطة: «علبتك يا شوشو!» رأيتها ms220 ~~بنفسي وهي تأخذ النفس وهي تخرجه من فمها وأنفها، أنفها أتسمعين؟ ~~لم تعد تخفي عني ذلك كما كانت تفعل أول الأمر ، بل دعتني إليه ~~مرة بحجة أنه مهدئ للأعصاب الحامية. هذه هي عائشة، فما قولك؟ وما ~~قول أبي يا ترى؟ # ساد الصمت، وبدت أمينة في حيرة شائكة، غير أنها صممت على خطة ~~التهدئة التي التزمتها، قالت: التدخين عادة قبيحة بالقياس إلى ~~الرجال أنفسهم، أبوك لم يدخن قط، فماذا أقول عنه بالنسبة ~~للنساء؟ ولكن ما القول أيضا إذا كان زوجها هو الذي أغراها به ~~وعلمها إياه؟ ما الحيلة يا خديجة؟ إنها لزوجها لا لنا، ولم يبق ~~إلا النصح إن كان يجدي. # فجعلت خديجة تنظر إليها في صمت وشى بترددها قبل أن تقول: إن ~~زوجها يدللها تدليلا معيبا حتى أفسدها وأشركها في كافة ~~معاصيه، ليس التدخين بشر عاداته، ولكنه يشرب الخمر في بيته دون ~~حياء، إن بيته لا يخلو من الزجاجة كأنها ضرورة من ضرورات الحياة، ~~وسوف يوقعها في الخمر كما أوقعها في التدخين، لم لا؟ العجوز تعلم ~~بأن شقة ابنها حانة، ولكنها لا تكترث لذلك، سوف يسقيها الخمر، بل ~~إني أقطع بأنه فعل، فإني شممت مرة في فمها رائحة غريبة، وسألتها ~~عنها وضيقت عليها رغم إنكارها. أؤكد لك أنها شربت الخمر، وأنها ~~بسبيل اعتيادها كالتدخين. # صاحت الأم في يأس: إلا هذا يا رب، ارحمي نفسك وارحمينا، اتقي ~~الله يا خديجة. ~~- إني تقية وربنا عالم، لا أدخن، ولا تفوح من في روائح مريبة. ~~ولا أسمح للخمر بأن تدخل شقتي، ألم تعلمي بأن البغل الآخر حاول أن ~~يقتني هذه الزجاجة المحرمة؟ ولكني وقفت له بالمرصاد، قلت له بصريح ~~العبارة: إني لا أبقى مع زجاجة خمر في شقة واحدة، فتراجع أمام ~~تصميمي، وجعل يحتفظ بزجاجته عند أخيه في شقة الهانم التي خانتني ~~بالأمس، وكلما صرخت لاعنة الخمر وشاربيها، قال لي - قطع الله ~~لسانه -: «من أين جئت بهذه الحنبلية؟ هذا أبوك منبع الأنس كله، ~~وقل أن يخلو له مجلس من الكأس والعود!» أسمعت ماذا يقال ms221 عن أبي ~~في بيت آل شوكت؟ # لاحت في عيني أمينة نظرة حزن وجزع، وجعلت تقبض راحتيها ~~وتبسطهما في اضطراب وقلق، ثم قالت بصوت نمت نبراته عن التشكي ~~والتألم: رحماك يا ربي، لم نخلق لشيء من هذا، عندك العفو والرحمة، ~~يا ويل النساء من الرجال، لن أسكت ولا يصح أن أسكت، سأحاسب عائشة ~~حسابا عسيرا، ولكني لا أصدق ما تقولين عنها، إن سوء ظنك بها ~~جعلك تتخيلين ما لا أصل له، ابنتي طاهرة، وستظل طاهرة ولو انقلب ~~زوجها شيطانا، سأحدثها حديثا صريحا، وسأحادث سي خليل نفسه إن ~~لزم الأمر، فليشرب كما يشاء حتى يتوب الله عليه. أما ابنتي فحد ~~الله بينها وبين الشيطان. # هفت على نفس خديجة نسمة راحة لأول مرة، فتابعت جزع أمها بعين ~~راضية، واطمأنت إلى أن عائشة ستشعر قريبا بمدى الخسران الذي ~~منيت به جزاء خيانتها، ولم تأبه كثيرا لما أضفت على الوقائع من ~~مبالغة في التصوير، أو حدة في الوصف مما جعلها تسمي شقة أختها ~~حانة، وهي تعلم بأن إبراهيم وخليل لا يقربان الخمر إلا في أحوال ~~نادرة، وفي اعتدال لم يبلغ حد السكر أبدا، ولكنها كانت حانقة ~~ثائرة، أما ما قيل عن أبيها من أنه منبع الأنس ... إلخ، فقول أعادته ~~على أمها بلهجة استنكار لا تدع مجالا للشك في كفرها به، ولكن ~~الحقيقة أنها اضطرت من زمن إلى التسليم بما يقال أمام إجماع ~~إبراهيم وخليل وأمهما العجوز، خصوصا وأنهم كاشفوها بما يعلمون عنه ~~في غير ما تحامل عليه أو انتقاد له، بل وهم ينوهون بأريحيته ~~ويعقدون له زعامة الظرف في عصره، قابلت ذلك بادئ الأمر بعناد ~~غليظ، ثم داخلها الشك رويدا وإن لم تعلنه، ووجدت عسرا شديدا في ~~مزج هذه الصفات الجديدة بالشخصية الوقور الجبارة التي آمنت بها ~~طوال حياتها، غير أن هذا الشك لم يهون من شأنها وجلالها، بل ~~لعلها أثرت في نظرها بما انضاف إليها من ظرف وأريحية. لم تقنع ~~بما أحرزت من نصر، فعادت تقول بلهجة التحريض: عائشة لم تخني ~~فحسب، ولكنها خانتك ms222 أنت أيضا. # وصمتت ريثما يتغلغل قولها في الأعماق، ثم استطردت قائلة: إنها ~~تزور ياسين ومريم في قصر الشوق. # هتفت أمينة وهي تحملق فيها بفزع: ماذا قلت؟ # فقالت وهي تشعر بأنها تسورت ذروة الظفر: هذه هي الحقيقة ~~المحزنة! زارنا ياسين ومريم أكثر من مرة، زارا عائشة وزاراني، أقول ~~الحق أني اضطررت لاستقبالهما وما كاد يسعني إلا أن أفعل إكراما ~~لياسين، غير أنه كان استقبالا متحفظا، ودعاني ياسين إلى زيارة ~~قصر الشوق، ولست في حاجة إلى أن أقول لك إنني لم أذهب، وتكررت ~~الزيارة دون أن يغير ذلك من تصميمي، حتى قالت لي مريم: «لم لا ~~تزورينا ونحن أختان من قديم الزمان؟» ولكني اعتذرت بشتى المعاذير، ~~وبذلت كل حيلها لاجتذابي، وجعلت تشكو لي معاملة ياسين لها، ~~واعوجاج سلوكه، وانصرافه عنها علها ترقق قلبي، ولكني لم أفتح ~~لها صدري، عائشة على خلاف ذلك، تستقبلها بالترحيب والقبل. الأدهى ~~من ذلك أنها تبادلها الزيارة، وقد صحبت معها مرة سي خليل، وفي مرة ~~أخرى صحبت نعيمة وعثمان ومحمد. لشد ما تبدو سعيدة بتجديد صداقتها ~~لمريم، وقد نبهتها إلى مجاوزتها الحد في ذلك، فقالت لي: «لا مأخذ ~~على مريم، إلا أننا رفضنا يوما أن نجعل منها خطيبة للمرحوم ~~الغالي، فأي وجه للعدل في هذا؟» قلت لها: «أنسيت الجندي ~~الإنجليزي؟» فقالت لي: «لا ينبغي أن نذكر إلا أنها زوجة أخينا ~~الأكبر.» هل سمعت يا نينة عن شيء كهذا من قبل؟ # استسلمت أمينة للحزن، فنكست رأسها ولاذت بالصمت، فجعلت خديجة ~~تنظر إليها مليا، ثم عادت تقول: هذه هي عائشة بلا زيادة ولا ~~نقصان، عائشة التي شهدت علي أمس فأذلتني أمام العجوز ~~المخرفة. # تنهدت أمينة من الأعماق، ورمقت خديجة بعينين فاترتين، ثم قالت ~~بصوت خافت: عائشة طفلة تأبى أن يكون لها عقل أو وزن، ولن تزال كذلك ~~مهما امتد بها العمر، هل يسعني أن أقول غير ذلك؟ لا أود ولا ~~أستطيع، هل هانت عليها ذكرى فهمي؟ لا أستطيع أصدق ذلك، ألم يكن في ~~وسعها أن تقتصد في عواطفها حيال تلك ms223 المرأة ولو إكراما لي؟ لكن لن ~~أسكت عن هذا، سأقول لها إنها أساءت إلي، وإنني غاضبة حزينة لأرى ~~ما يكون منها بعد ذلك. # فأمسكت خديجة بخصلة من سوالفها، وقالت: أحلق هذا لو صلح لها ~~حال! إنها تعيش في دنيا غير الدنيا التي نعيش فيها، لست أتحامل ~~عليها وربنا يعلم، إنني لم أخاصمها ولا مرة مذ تزوجت، حق أنني ~~طالما حملت عليها لما يقع منها من إهمال لأطفالها، أو تملق ~~مزر لحماتها وغير ذلك مما حدثتك عنه في حينه، ولكن حملتي لم ~~تجاوز حد النصح الحازم أو النقد الصريح، هذه أول مرة يضيق بها ~~صدري فأعالنها الخصام. # فقالت الأم برجاء وإن ظل وجهها ممتعضا: دعي الأمر لي يا ~~خديجة، أما أنت فلا أحب أن يفصل بينك وبينها خصام أبدا، لا يصح ~~أن يفترق قلباكما وأنتما تعيشان معا في بيت واحد، لا تنسي أنها ~~أختك وأنك أختها، بل أختها الكبرى، إن قلبك أبيض والحمد لله، وهو ~~مترع بالحب لأهلك جميعا، إني كلما اشتد أمر لم أجد عزاء إلا في ~~قلبك، وعائشة مهما يكن من هفواتها هي أختك، لا تنسي هذا. # فهتفت في تأثر: إني أغفر لها كل شيء إلا شهادتها علي. ~~- لم تشهد عليك، خافت أن تغضبك كما خافت أن تغضب حماتها فلاذت ~~بالصمت، إنها تكره أن تغضب أحدا - كما تعلمين - وإن كانت ~~رعونتها كثيرا ما تغضب الكثيرين. لم تقصد الإساءة إليك أبدا، ~~فلا تحملي تصرفها أكثر مما يحتمل، سأزوركم غدا لأصفي حسابي ~~معها، ولكني سأصلح بينكما وإياك أن تمتنعي عن الصلح. # ولأول مرة تتجلى في عيني خديجة نظرة قلقة مشفقة، حتى إنها غضت ~~عينيها لتخفيهما عن أمها، وصمتت قليلا، ثم قالت بصوت خافت: ~~ستجيئين غدا؟ ~~- نعم، لم يعد الحال يحتمل الصبر. # خديجة كأنما تحدث نفسها: سوف تتهمني بأنني أفشيت ~~أسرارها. ~~- ولو! # ولما آنست منها مزيدا من القلق والإشفاق، عادت تقول: على أي ~~حال أنا أعرف ما يقال وما لا يقال. # فقالت خديجة بارتياح: هذا أفضل، فهيهات أن تعترف بحسن نيتي ~~ورغبتي ms224 في إصلاح أمرها. # 23 # آه! # ندت عنه بغتة مفعمة بالحرارة والانفعال عندما رأى عايدة خارجة ~~من باب القصر. كان يقف كعادته كل أصيل على طوار العباسية يراقب ~~البيت من بعيد وغاية أمانيه أن يلمحها في شرفة أو نافذة. وكان ~~يرتدي بدلة رصاصية أنيقة كأنما أراد أن يجاري الجو الذي بعثت فيه ~~الأيام الأخيرة من مارس أريحية ولطفا وبشاشة، فضلا عن أنه كان ~~يزداد تأنقا كلما ازداد ألما وقنوطا. وكانت عيناه لم ترها مذ ~~خاصمته في الكشك، ولكن الحياة لم تكن تتيسر له إلا أن يحج كل أصيل ~~إلى العباسية فيطوف بالقصر من بعيد في مثابرة لا تعرف اليأس، ~~معللا نفسه بالأحلام، قانعا إلى حين باجتلاء المقام واجترار ~~الذكريات. وكان الألم في الأيام الأولى للفراق كالمجنون في هذيانه ~~ووسوسته، ولو طال به الأمد على ذلك لقضى عليه، ولكنه نجا من تلك ~~المرحلة الخطيرة بفضل اليأس الذي وطن النفس عليه من قديم، فانسرب ~~الألم إلى مستقر له في الأعماق يؤدي فيه وظيفته من غير أن يعطل ~~سائر الوظائف الحيوية كأنه عضو أصيل في الجسم أو قوة جوهرية في ~~الروح، أو أنه كان مرضا حادا هائجا ثم أزمن فزايلته الأعراض ~~العنيفة واستقر. غير أنه لم يتعز - وكيف يتعزى عن الحب، وهو أجل ~~ما كاشفته به الحياة؟ - ولكنه كان يؤمن إيمانا عميقا بخلود الحب، ~~فكان عليه أن يصبر كما ينبغي لإنسان مقدور عليه بأن يصاحب داء إلى ~~آخر العمر. # ولما رآها وهي تغادر القصر فجأة ندت عنه هذه الآهة، وتابعت ~~عيناه عن بعد مشيتها الرشيقة التي طال تشوقه إليها حتى رقصت روحه ~~رقصة قطر هيمانها حنينا وطربا. ومالت المعبودة إلى اليمين، وسارت ~~في شارع السرايات، فشبت في روحه ثورة اجتاحت الهزيمة التي راض ~~عليها النفس قرابة ثلاثة أشهر ففزع به قلبه إلى أن يطرح همومه عند ~~قدميها، وليكن ما يكون. واتجه دون تردد إلى شارع السرايات. كان ~~في الماضي يحذر الكلام أن يفقدها، الآن ليس ثمة ما يخاف عليه، إلى ~~أن العذاب الذي عاناه ms225 طيلة الأشهر الثلاثة الماضية لم يدع له ~~سبيلا إلى التردد أو التراجع. ولم تلبث أن انتبهت إلى اقتراب ~~خطاه، فالتفتت إلى الوراء فرأته على بعد خطوات منها، ولكنها أعادت ~~رأسها إلى وضعه الأول دون مبالاة. لم يكن يتوقع استقبالا ألطف. ~~ولكنه قال معاتبا: أهكذا يكون اللقاء بين الأصدقاء ~~القدماء؟ # فكان الجواب أن حثت الخطى دون أن تعيره أدنى التفات، فأوسع ~~خطوه مستمدا من ألمه عنادا، ثم قال وهو يوشك أن يحاذيها: لا ~~تتجاهليني فهذا شيء يفوق الاحتمال، ولا داعي له لو راعيت ~~الإنصاف. # وكان أخوف ما يخاف أن تصر على تجاهله حتى تبلغ هدفها المقصود، ~~ولكن الصوت الرخيم خاطبه قائلا: من فضلك ابتعد عني، ودعني أسير في ~~سلام. # فقال بإصرار وتوسل معا: ستسيرين بسلام، ولكن بعد أن نصفي ~~الحساب. # فقالت بصوت تردد عميقا واضحا في صمت الطريق الأرستقراطي الذي ~~بدا خاليا أو شبه خال: لا أدري شيئا عن هذا الحساب، ولا أريد أن ~~أدري، أرجو أن تسلك سلوك الجنتلمان. # فقال بحرارة ووجد: أعدك بأن أسلك سلوكا يعتبر بالقياس إلى ~~الجنتلمان نفسه مثاليا، وليس في وسعي أن أفعل غير هذا؛ إذ إنك ~~أنت التي توحين إلي بسلوكي. # قالت ولم تكن تنظر إلى ناحيته: أعني أن تتركني في سلام، هذا ما ~~عنيته. ~~- لا أستطيع، لا أستطيع قبل أن تعلن براءتي من التهم الظالمة ~~التي عاقبتني عليها دون استماع إلى دفاعي. ~~- أعاقبتك أنا؟ # تغاضى عن الحديث لحظة خاطفة كي يتملى سحر الحال، فقد رضيت أن ~~تحاوره، وأن تتمهل في خطوها السعيد، وسواء أكان هذا لأنها ~~تود أن تستمع إليه أم لأنها تتعمد إطالة المسافة حتى تتخلص ~~منه قبل بلوغ هدفها فلن يغير هذا من الحقيقة الباهرة، وهي أنهما ~~يسيران جنبا إلى جنب في شارع السرايات، تحف بهما أشجار الطريق ~~الباسقة، وترنو إليهما من فوق أسوار القصور عيون النرجس الساجية ~~وثغور الياسمين الباسمة، في هدوء عميق يتعطش قلبه المستعر إلى ~~نفحة منه. وقال: عاقبتني أشد عقاب باختفائك عني ثلاثة أشهر ~~كاملة وأنا أتعذب عذاب ms226 المتهم البريء. ~~- يحسن ألا نعود إلى ذلك. # في انفعال وضراعة: بل يجب أن نعود إليه، إني مصر على ذلك، ~~وأتوسل إليك باسم العذاب الذي عانيته حتى لم يعد بي قوة لتحمل ~~المزيد منه. # تساءلت في هدوء: ما ذنبي أنا في ذلك؟ ~~- أريد أن أعرف: ألا تزالين تعدينني معتديا؟ الأمر المؤكد ~~أنني لا أستطيع أن أسيء إليك بحال، ولو تذكرت مودتي طوال ~~الأعوام الماضية لاقتنعت برأيي دون عناء، دعيني أفصل لك الأمر ~~بكل صراحة، لقد دعاني حسن سليم إلى مقابلته عقب الحديث الذي دار ~~بيننا في الكشك. # فقاطعته فيما يشبه الرجاء: دعنا من هذا، إنه ماض انتهي. # وقعت الجملة الأخيرة من أذنه موقع النياحة من أذن الميت لو كان ~~ميت يسمع، ثم قال بتأثر بدا في نبراته كالنغمة إذا هبطت من الجواب ~~إلى القرار: انتهى! أعلم أنه انتهى، لكني أطمع في حسن الختام، ~~لا أريد أن تذهبي وأنت تظنين بي الغدر، أو الغيبة، إنني بريء ~~ويعز علي أن تسيئي الظن بشخص يكن لك كل إعزاز واحترام، فلا ~~يجري لك ذكر على لسانه إلا مقرونا بكل ثناء. # ألقت عليه نظرة وهي تميل برأسها إلى الناحية الأخرى كأنما ~~تداعبه قائلة: «من أين لك بهذه البلاغة كلها؟!» ثم قالت بشيء من ~~الرقة: يبدو أنه وقع سوء تفاهم غير مقصود، ولكن ما فات ~~فات. # بحماس وأمل: بل لا يزال في النفس شيء من الشك فيما أرى. # فقالت بتسليم: كلا، لا أنكر أني أسأت الظن حينا، ولكن تبين لي ~~الحق بعد ذلك. # فطفا قلبه فوق موجة من السعادة ترنح فوقها كالثمل، ثم تساءل: ~~متى عرفت ذلك؟ ~~- منذ زمن غير قصير. # رنا إليها بامتنان، وعبرته حال من الوجد يحلو معها نوع من ~~البكاء، ثم قال: عرفت أنني بريء؟ ~~- نعم. # هل يسترد حسن سليم احترامه عن جدارة؟ ~~- وكيف عرفت الحقيقة؟ # فقالت بعجلة توحي بالرغبة في إنهاء التحقيق: عرفتها ... وهذا هو ~~المهم. # تجنب الإلحاح أن يضايقها، ولكن خاطرا خطر فأظلت على قلبه ~~سحابة من الكدر حتى قال متشكيا: ومع ms227 ذلك أصررت على الاختفاء! ~~لم تكلفي نفسك إعلان العفو ولو بإشارة أو كلمة مع أنك افتننت ~~في إعلان الغضب! ولكن عذرك الواضح وهو عندي مقبول. ~~- أي عذر هذا؟ # بصوت حزين: أنك لا تعرفين الألم، وإني أسأل الله مخلصا ألا ~~تعرفيه أبدا. # قالت كالمعتذرة: ظننت أنه لا يهمك أن تكون متهما. ~~- سامحك الله، لقد اهتممت أكثر مما تتخيلين، وساءني جدا أن ~~أجد الشقة بيننا واسعة، فلم يقف الأمر عند حد أنك تجهلين ما ~~أكنه لك من ... من مودة، ولكنه جاوز ذلك إلى إلصاق التهم الظالمة ~~بي، فانظري أين كنت؟ وأين كنت؟ على أني أصارحك بأن الاتهام ~~الجائر لم يكن أسوأ ما عانيت من ضروب الألم. # باسمة: لم يكن ضربا واحدا من الألم إذن؟ # فشجعته الابتسامة - كما تشجع الطفل - على الاسترسال في ~~عاطفته، فقال بوجد وانفعال: بلى، وكانت التهمة أخف الآلام، أما ~~أشدها فكان اختفاؤك، كان لكل ساعة من ساعات الأشهر الثلاثة ~~الماضية نصيبها من آلامي، عشت أشبه ما يكون بالمجانين، لهذا أدعو ~~الله صادقا ألا يمتحنك بالألم، دعاء مجرب، فإن لي بالألم تجربة ~~وأي تجربة، وأقنعتني هذه التجربة القاسية بأنه إذا كان مقدورا ~~علي أن تختفي من حياتي، فمن الحكمة أن أبحث لي عن حياة أخرى. ~~كان كل شيء كلعنة طويلة مقيتة، لا تهزئي بي، أنا أتوجس من ~~ناحيتك شيئا كهذا دائما، ولكن الألم أجل من أن يهزأ به، لا ~~أتصور أن يهزأ ملاك كريم مثلك من عذاب الآخرين، ودعي جانبا أنك ~~سببه، لكن ما الحيلة؟ قضي علي من قديم أن أحبك بكل قوة ~~نفسي. # ساد صمت مقطع بأنفاسه المترددة، وكانت تنظر إلى الأمام فلم ~~يطالع عينيها، ولكنه وجد في صمتها راحة لأنه على أي حال أخف من ~~كلمة سادرة وعده توفيقا. تصور أن يجيئك صوتها ناعما عذبا ~~معربا عن الشعور نفسه، يا له من مجنون! لماذا سكب ماء قلبه ~~المكنون؟ لم يكن إلا كقافز رام الارتفاع قدما فوجد نفسه يحلق فوق ~~هامة الجو! ولكن أي قوة تستطيع أن تشكمه بعد ms228 ذلك؟ ~~- لا تذكريني بما لا أحب سماعه فإني في غنى عن ذلك، لن أنسى ~~رأسي لأني أحمله ليل نهار، ولا أنفي فإني أراه مرات كل يوم، ولكن ~~عندي شيء لا نظير له عند الآخرين، حبي لا نظير له، إني فخور به، ~~ويجب أن تكوني به فخورا أيضا ولو زهدت فيه، هكذا كان مذ رأيتك ~~أول مرة في الحديقة، ألم تشعري به؟ لم أفكر في الاعتراف من قبل ~~لأني خفت أن يقطع ما بيننا من مودة، وأن يطردني من الفردوس، لم ~~يكن من اليسير علي أن أغامر بسعادتي، أما وقد طردت من الفردوس ~~فعلام أخاف؟ # سال سره على لسانه كأنه دم تعذر منعه. ولم يكن يرى من ~~الوجود إلا شخصها البديع. كأن الطريق والأشجار والقصور والقلة ~~العابرة قد غابت وراء سحابة شاملة لم تنحسر إلا عن فرجة لاحت منها ~~المعبودة الصامتة بقامتها الهيفاء، وهالتها السوداء، وعارضها ~~الموسوم بالملاحة المنطوي على الأسرار، يبدو في الظل حينا أسمر ~~صافيا، وحينا - إذا مرا بطريق جانبي - وضاء منيرا تحت شعاع ~~الشمس المائلة للغروب، ولم يكن يبالي أن يسترسل في الحديث حتى ~~الصباح. ~~- أقلت لك إنني لم أفكر في الاعتراف من قبل؟ في هذا تجاوز، ~~الواقع أنني هممت بالاعتراف يوم التقينا في الكشك ونودي حسين ~~للتليفون، كدت أعترف لولا أن عاجلتني بمهاجمة رأسي وأنفي، فكنت ~~(وهو يضحك ضحكة مقتضبة) كالخطيب الذي هم بفتح فيه فانهال عليه ~~الحصى من جمهور المستمعين! # هادئة صامتة كما ينبغي لها، ملاك من عالم آخر لا يطيب له التحدث ~~بلغة البشر أو الاهتمام بشئونهم، أما كان من الأكرم له أن يصون ~~سره؟ ... الأكرم؟ الكبرياء حيال المعبود كفر، مواجهة القاتل ~~بالقتيل فن من الحكمة، أتذكر الحلم السعيد الذي استيقظت منه ذات ~~صباح فبكيت عليه؟ الحلم سرعان ما يبتلعه النسيان، أما الدموع أو ~~بالحري ذكراها فتبقى رمزا خالدا. وإذا بها تقول: لم أقل ما قلت ~~إلا على سبيل الدعابة، ورجوتك حينذاك ألا تغضب. # هذا الشعور الرطيب جدير بالتذوق، كالفرحة السعيدة على أثر وجع ~~ضرس ms229 وضرباته، وتداعت الأنغام الكامنة في نفسه حتى برز منها لحن ~~مليح، عند ذاك تراءت قسمات المعبودة رموزا موسيقية للحن سماوي ~~مرقومة على صفحة الوجه الملائكي. ~~- ستجدينني قانعا بما دون الرجاء، لأنني كما قلت لك: ~~أحبك. # والتفتت صوبه في رشاقة طبيعية، فألقت عليه نظرة باسمة ثم ~~استردتها على عجل قبل أن يتمكن من قراءتها، أية نظرة كانت يا ~~ترى؟ نظرة رضى؟ تأثر؟ عطف؟ استجابة؟ سخرية مهذبة؟ وهل أصابت الوجه ~~جملة أم اختصت بالرأس والأنف؟ وجاءه صوتها قائلا: لا يسعني إلا أن ~~أشكرك، وأعتذر لك عن إيلامك الذي لم أتعمده، أنت رقيق ~~وكريم. # ونزعت به النفس إلى الارتماء في أحضان الأحلام السعيدة، ولكنها ~~استطردت قائلة بصوت خافت: الآن دعني أتساءل عما وراء ذلك؟ # ترى أيسمع صوت معبودته أم صدى صوته هو؟ هذه الجملة بنصها ~~محلقة في مكان ما من سماء بين القصرين محفوفة بتنهداته، هل آن ~~له أن يجد لها جوابا؟ تساءل في حيرة: هل وراء الحب شيء؟ # ها هي تبتسم، ترى ما معنى ابتسامتها؟ لكنك غير الابتسام تروم. ~~عادت تقول: إن الاعتراف بداية وليس نهاية، إني أتساءل عما ~~تريد؟ # فأجاب بحيرة أيضا: أريد ... أريد أن تأذني لي بأن أحبك. # فما ملكت أن ضحكت، ثم تساءلت: أهذا ما تريد حقا؟ ولكن ماذا أنت ~~فاعل إذا لم آذن لك؟ # فقال وهو يتنهد: في هذه الحال أحبك أيضا. # فتساءلت فيما يشبه الدعابة، الأمر الذي أرعبه: فيم إذن كان ~~الاستئذان؟ # حقا ما أسخف هفوات اللسان، إن أخوف ما يخاف أن ينحط على ~~الأرض فجأة كما سما عنها فجأة، وسمعها تقول: أنت تحيرني، ويبدو ~~لي أنك تحير نفسك أيضا. # قال بجزع: إني ... حائر؟ ربما، ولكني أحبك، ماذا وراء ذلك؟ يخيل ~~إلي أحيانا أني أطمع إلى أمور تعجز الأرض عن حملها، ولكني إذا ~~تأملت قليلا عجزت عن تحديد هدف لي. خبريني أنت عن معنى هذا كله، ~~أريد أن تتحدثي وأن أستمع، هل عندك ما ينتشلني من ~~حيرتي؟ # قالت باسمة: ليس عندي مما تسأل شيء، كان ينبغي أن ms230 تكون أنت ~~المتحدث وأنا المستمعة، ألست فيلسوفا؟ # قال واجما ووجهه يتورد: أنت تسخرين مني؟ # فقالت بعجلة: كلا، غير أني لم أكن أتوقع هذا الحديث عندما ~~غادرت البيت، فاجأتني بما لم أتوقع، وعلى أي حال فإني شاكرة ممتنة، ~~ولا يسع إنسان أن ينسى عواطفك الرقيقة المهذبة، أما أن يسخر منها ~~فهذا ما لا يخطر على بال. # نغمة آسرة ومناغمة عذبة، ولكنه لا يدري أيجد المعبود أم يلهو، ~~وهل تتفتح أبواب الأمل أم توصد في خفة النسيم، وقد سألته عما يريد ~~فما أجاب لأنه لا يدري ماذا يريد! ولكن ماذا عليه لو قال إنه يطمح ~~إلى الوصال! وصال الروح بالروح، وأن يطرق باب السر المغلق بعناق أو ~~قبلة، ألا يكون هذا هو الجواب؟ وعند مفترق الطرق الذي ينتهي عند ~~شارع السرايات، توقفت عايدة عن السير، ثم قالت برقة ولكن بلهجة ~~قاطعة: هنا ...! # فتوقف عن السير أيضا وهو يحملق في وجهها بدهش، هنا تعني أنه ~~يجب أن نفترق هنا، لم يكن لجملة «أحبك» هذا الامتداد في المعنى ~~الذي يغني عن السؤال، قال دون تدبر أو تفكير: كلا. # ثم هاتفا كمن ظفر بكشف مضيء بغتة: ماذا وراء الحب؟ أليس هذا ~~سؤالك؟ هاك الجواب: ألا نفترق! # قالت بهدوء باسم: ولكن يجب أن نفترق الآن! # تساءل بحرارة: لا كدر ولا سوء ظن؟ ~~- كلا. ~~- أتعودين إلى زيارة الكشك؟ ~~- إذا سمحت الظروف. # بقلق: كانت الظروف تسمح في الماضي! ~~- الماضي غير الحاضر. # آلمه الجواب إيلاما عميقا، فقال: يبدو أنك لن تعودي. # فقالت كأنما تنبهه إلى وجوب الافتراق: سأزور الكشك كلما سمحت ~~الظروف، سعيدة. # وغادرت موقفها متجهة نحو شارع المدرسة فوقف يرنو إليها ~~كالمسحور، وعند منعطف الطريق التفتت نحوه فألقت عليه نظرة باسمة، ~~ثم غابت عن ناظريه. # ماذا قال؟ وماذا سمع؟ سيخلو إلى هذا عما قليل، بعد أن يفيق، متى ~~يفيق؟ إنه يسير الآن وحده، وحده؟ وخفقات القلب وهيمان الروح وأصداء ~~النغم؟ ومع ذلك شعر بالوحدة بقوة هزت صميم فؤاده، وفغمه شذا ~~ياسمين ساحرا آسرا، ولكن ما هويته؟ ما أشبهه ms231 بالحب في سحره وأسره ~~وغموضه، لعل سر هذا يفضي إلى ذاك، ولكنه لن يحل هذا اللغز حتى ~~يأتي على تراتيل الحيرة. # 24 # قال حسين شداد: هذه جلسة الوداع وا أسفاه! # امتعض كمال لدى ذكر كلمة الوداع، ورمق حسين بنظرة سريعة ليرى إن ~~كان وجهه ينطق بالأسف حقا كما نطق به لسانه. على أنه استشعر جو ~~الوداع منذ أكثر من أسبوع؛ إذ إن مجيء يونيو يؤذن عادة برحيل ~~الأصدقاء إلى رأس البر والإسكندرية، فما هي إلا أيام حتى تغيب عن ~~أفقه الحديقة والكشك والأصدقاء، أما المعبودة فقد ارتضت الاختفاء ~~من قبل أن يقضي به الرحيل، وأصرت عليه رغم الصلح الذي توج به ~~حديث شارع السرايات. لكن هل يمضي يوم الوداع دون زيارة؟ هل هانت ~~المودة إلى حد الضن بنظرة عابرة قبل سفر ثلاثة أشهر؟ تساءل ~~كمال باسما: لم قلت «وا أسفاه»؟ # فقال حسين شداد باهتمام: وددت لو سافرتم معي إلى رأس البر، يا ~~سلام! ... أي تصييف كان يكون. # كان يكون عجبا بلا ريب، حسبه أن المعبودة لا تستطيع مواصلة ~~الاختفاء هناك، وخاطبه إسماعيل لطيف: كان الله في عونك! كيف ~~تحتمل حر الصيف هنا، إن الصيف لم يكد يبدأ بعد، ومع ذلك انظر ~~إلى حر اليوم. # كان الجو شديد الحرارة رغم تقلص ذيل الشمس عن الحديقة والصحراء ~~الممتدة وراءها، غير أن كمال قال بهدوء: لا شيء في الحياة لا يمكن ~~احتماله. # وفي اللحظة التالية كان يسخر من إجابته ويتساءل كيف أجاب بها! ~~وإلى أي حد يمكن اعتبار أقوالنا تعبير صدق عما في نفوسنا؟ ونظر ~~فيما حوله فرأى أناسا سعداء ما في ذلك ريب، بدوا في قمصانهم ذوات ~~الأكمام القصيرة وبنطلوناتهم الرمادية كأنما يتحدون الحر، كان هو ~~وحده الذي يرتدي بدلة كاملة - وإن تكن بدلة خفيفة بيضاء - وطربوشا ~~وقد وضعه على المنضدة، وإذا بإسماعيل لطيف ينوه بنتيجة الامتحان ~~قائلا: نتيجة نجاح مائة في المائة، حسن سليم نال الليسانس، كمال ~~أحمد عبد الجواد منقول، حسين شداد منقول، إسماعيل لطيف ~~منقول. # قال كمال ضاحكا: لو ms232 اكتفيت بذكر النتيجة الأخيرة لعرفنا ~~الأخريات بداهة. # فقال إسماعيل وهو يرفع منكبيه استهانة: كلانا بلغ هدفا واحدا، ~~أنت بعد كد وتعب تواصلا طوال العام، وأنا بعد تعب شهر ~~واحد. ~~- هذا دليل على أنك عالم بالفطرة! # فتساءل إسماعيل ساخرا: ألم تقل مرة في أحد أحاديثك التافهة: ~~إن برنارد شو كان أخيب تلميذ في عصره؟ # فقال كمال ضاحكا: الآن آمنت بأن عندنا نظيرا لشو، على الأقل ~~في خيبته! # عند ذاك قال حسين شداد: عندي خبر ينبغي إذاعته قبل أن يسرقنا ~~الحديث. # ولما وجد أن قوله لم يجد كثيرا في لفت الأنظار إليه نهض ~~فجأة، ثم قال بلهجة لم تخل من تمثيل: دعوني أزف إليكم خبرا ~~طريفا وسعيدا (ثم مستدركا وهو ينظر نحو حسن سليم) أليس كذلك؟ ~~(ثم وهو يعود برأسه نحو كمال وإسماعيل) تمت أمس خطبة الأستاذ حسن ~~سليم على أختي عايدة. # وجد كمال نفسه أمام هذا الخبر بغتة كما يجد إنسان نفسه تحت ~~الترام، وكان أنعم ما يكون عينا بالسلامة والأمن، خفق قلبه خفقة ~~عنيفة كسقطة طيارة منطلقة في فراغ هوائي، بل هي صرخة فزع باطنية ~~تصدعت الضلوع دون تسربها إلى الخارج، وقد عجب - خصوصا فيما ~~بعد - كيف استطاع أن يضبط مشاعره، ويلاقي حسين شداد بابتسامة ~~التهنئة، فلعله شغل عن القارعة - ولو إلى حين - بالصراع الذي ~~نشب بين نفسه وبين الذهول الذي طوقها. وكان إسماعيل لطيف أول من ~~تكلم فردد عينيه بين حسين شداد وحسن سليم الذي بدا هادئا رزينا ~~كعادته، وإن شابه هذه المرة شيء من الحياء أو الارتباك، ثم هتف: ~~حقا! يا له من خبر سار، سار ومفاجئ، سار ومفاجئ وغادر! غير ~~أني سأؤجل الحديث عن الغدر إلى حين، حسبي الآن أن أقدم خالص ~~التهاني! # ونهض فصافح حسين وحسن، فقام كمال من فوره للتهنئة كذلك، وكان ~~مأخوذا رغم ابتسامته الظاهرة بسرعة الحوادث وغرابة الأقوال حتى ~~خيل إليه أنه في حلم غريب، وأن المطر ينهمر فوق رأسه، وأنه ~~يتلفت باحثا عن مأوى. وقال وهو يصافح الشابين: خبر سار ~~حقا، تهاني ms233 القلبية. # عاد المجلس إلى سابق هيئته، واختلس كمال من حسن سليم نظرة على ~~رغمه فرآه هادئا رزينا، وكان يشفق من أن يجده مختالا أو ~~شامتا - كما تصور هذا - فداخله شيء من الارتياح العابر. وراح ~~يستجدي نفسه أقصى ما لديها من قوة ليستر جرحه الدامي عن العيون ~~اليواقظ، وليتفادى من مواضع الهزء والزراية، تجلدي يا نفسي وأنا ~~أعدك بأن نعود إلى هذا كله فيما بعد، بأن نتألم معا حتى نهلك، ~~وبأن نفكر في كل شيء حتى نجن، ما أمتع هذا الموعد في هدأة الليل ~~حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع! حيث يباح الألم والهذيان والدموع ~~دون زراية زار أو لومة لائم، وثمة البئر القديمة أزح عن فوهتها ~~الغطاء، واصرخ فيها مخاطبا الشياطين، ومناجيا الدموع المتجمعة ~~في جوف الأرض من أعين المحزونين، لا تستسلم، حذار؛ فالدنيا تبدو ~~لناظريك حمراء كعين الجحيم. عاد إسماعيل لطيف يقول متخذا لهجة ~~الاتهام: مهلا، لنا عندكما حساب، كيف حدث هذا دون سابق إنذار؟ أو ~~فلندع هذا إلى حين، ولنسأل كيف تمت الخطبة دون حضورنا؟ # قال حسين شداد مدافعا عن موقفه: لم يكن هناك حفل كبير أو صغير، ~~اقتصر الجمع على خاصة الأهل، موعدنا يوم الكتاب وعليك خير، ستكونان ~~من الداعين لا المدعوين. # يوم الكتاب! كأنه عنوان لحن جنائزي، حيث يشيع قلب إلى مقره ~~الأخير محفوفا بالورود، مودعا بالزغاريد، وباسم الحب تعنو ~~ربيبة باريس لشيخ معمم يتلو فاتحة الكتاب، وباسم الكبرياء هجر ~~إبليس الجنة. قال كمال باسما: العذر مقبول والوعد مأمول. # فصاح إسماعيل لطيف محتجا: هذه بلاغة أزهرية إذا لاحت لها في ~~الأفق مائدة تناست دواعي العتاب، وتغنت بالتسامح والثناء، كل ~~ذلك في سبيل لقمة دسمة! حقا إنك أديب، أو فيلسوف، أو ما شاكل ذلك ~~من ضروب الشحاذة، أما أنا فلست كذلك. # ثم مواصلا حملة الاتهام على حسين شداد وحسن سليم: يا لكما من ~~داهيتين، صمت طويل يعقبه فجأة إعلان خطبة، هه؟ حقا يا أستاذ حسن ~~إنك الخليفة المنتظر لثروت باشا. # قال حسن سليم وهو يبتسم معتذرا: ms234 إن حسين نفسه لم يعلم ~~بالأمر إلا قبيله بأيام معدودات. # فتساءل إسماعيل: خطبة من جانب واحد كتصريح 28 فبراير؟ # رفضته الأمة المغلوبة على أمرها بإباء، ولكنه فرض عليها وما ~~كان كان. وضحك كمال ضحكة عالية، فقال إسماعيل وهو يغمز حسن سليم ~~بعينه: استعينوا على قضاء ... لا أذكر ماذا بالكتمان. قالها عمر بن ~~الخطاب، أو عمر بن أبي ربيعة، أو عمر أفندي، والله أعلم. # وقال كمال فجأة: جرت العادة بأن تنضج هذه الأمور في صمت، على ~~أني أقر بأن الأستاذ حسن أشار في حديث له معي مرة إلى شيء ~~كهذا. # فرمقه إسماعيل بارتياب، على حين ألقى عليه حسن نظرة واسعة، وقال ~~مستدركا: كان كلاما أشبه بالعناوين. # تساءل كمال في دهش كيف ند عنه ذلك القول؟ إنه كذب أو شبه كذب ~~على أحسن تقدير، كيف يطمع - بهذا الأسلوب الشاذ - أن يقنع حسن ~~بأنه كان على علم بنواياه، وأنه لم يفاجأ بها، أو يكترث لها؟ يا ~~للحماقة! أما إسماعيل فقد قال لحسن وهو يحدجه بنظرة عتاب: ولكني ~~لم أحظ بعنوان واحد من هذه العناوين! # فقال حسن بجد: أؤكد لك أنه إذا كان كمال قد وجد في حديثي ~~معه ما اعتبره إشارة إلى الخطبة، فإنما يكون قد استعان على ذلك ~~بخياله لا بكلماتي. # ضحك حسين شداد ضحكة عالية، وقال مخاطبا حسن سليم: إسماعيل زميلك ~~القديم، وهو يريد أن يقول لك إنه إذا كنت سبقته إلى الليسانس ~~بثلاث سنوات فلا يعني هذا أن تضن عليه بأسرارك، أو أن تؤثر بها ~~غيره. # فقال إسماعيل باسما، وكأنما كان يداري مضايقته: إني لا أرتاب في ~~زمالته القديمة، ولكني أحاسبه حتى لا يعود إلى الوقوع في الإهمال ~~يوم القران. # فقال كمال باسما: نحن أصدقاء الطرفين، فإذا أهملنا العريس فلن ~~تهملنا العروس. # إنه تكلم ليثبت أنه حي، لكنه حي يتألم، شد ما يتألم، ترى هل ~~جرى في خاطره يوما أن يكون لحبه نهاية غير هذه النهاية؟ كلا، ~~غير أن الإيمان بأن الموت حتم مقدر لا يمنع من الجزع حين حضوره، ms235 ~~وهو ألم مفترس لا يعرف المنطق أو الرحمة، لو يستطيع أن يشخصه ~~ليعلم في أي موضع يكمن أو عن أي ميكروب يصدر؟ وبين نوبات الألم ~~يرشح بالملل والفتور. ~~- ومتى يعقد القران؟ # إن إسماعيل يسأل عما يدور بخاطره كأنه موكل بأفكاره، ولكنه لا ~~ينبغي له أن يصمت، قال: نعم، هذا مهم جدا حتى لا نؤخذ على ~~غرة، متى يعقد القران؟ # فتساءل حسين شداد ضاحكا: لم تتعجلان الأمر؟ فليهنأ العريس بما ~~بقي من عهد عزوبيته. # وقال حسن بهدوئه المعتاد: ينبغي أن أعرف أولا إن كنت سأبقى في ~~مصر أم لا؟ # فقال حسين شداد معقبا: إما أن يعين في النيابة، أو في السلك ~~السياسي. # هكذا يبدو حسين شداد مسرورا بالخطبة، فأستطيع أن أزعم أنني ~~كرهته ولو دقيقة عابرة، كأنه خانني فيمن خانوني، أخانني أحد؟ ~~اختلطت الأمور علي، غير أن هذا المساء يعدني بخلوة ~~حافلة. ~~- أيهما تفضل يا أستاذ حسن؟ # فليختر ما يحلو له، النيابة ... السلك السياسي ... السودان ... سوريا ~~إن أمكن! ~~- النيابة بهدلة، إني أفضل السلك السياسي. ~~- يحسن أن تفهم والدك ذلك جيدا حتى يركز عنايته في إلحاقك ~~بالسلك السياسي. # أفلتت هذه الجملة أيضا، ولا شك أنها أصابت الهدف، ينبغي أن ~~يتمالك أعصابه، وإلا وجد نفسه مشتبكا مع حسن في نزاع علني، ثم ~~ينبغي أن يراعي خاطر حسين شداد، فهما الآن أسرة واحدة، ما أقسى هذه ~~الشكة من الألم. هز إسماعيل رأسه كالآسف، وقال: هذه آخر أيامك ~~معنا يا حسن، بعد عشرة العمر كله، يا لها من نهاية محزنة! # يا للحماقة! يحسب أن الحزن يمس قلبا واحة المعبود ~~مرتعه. ~~- الواقع أنها نهاية محزنة يا إسماعيل. # كذب في كذب، مثل تهنئتك له، يستوي في هذا ابن التاجر وابن ~~المستشار. قال: أيعني هذا أنك ستقضي عمرك كله خارج القطر؟ ~~- هذا هو المتوقع، لن نرى مصر إلا في القليل النادر. # قال إسماعيل متعجبا: حياة غريبة! هلا فكرت فيما ينتظر أولادك ~~من متاعب؟ # وا قلباه! أيليق هذا العبث بالمعاني! يحسب الشرير أن المعبودة ~~تحبل وتتوحم، وتنداح بطنها وتتكور، ms236 ثم يجيئها المخاض فتلد! ~~أتذكر خديجة وعائشة في الأشهر الأخيرة؟ هو الكفر، لم لم ~~تشترك في جمعية الكف السوداء؟ الاغتيال خير من الكفر وأنجع ، ~~وتجد نفسك يوما في قفص الاتهام وعلى المنصة سليم بك صبري والد ~~صديقك الدبلوماسي وحمو معبودتك، كما مثل بين يديه قتلة السردار ~~في هذا الأسبوع، الخائن! # حسين شداد ضاحكا: أتقطع الدول علاقتها السياسية حتى يربى ~~أولاد الدبلوماسيين في بلادهم؟ # بل تقطع الرءوس! عبد الحميد عنايت ... الخراط ... محمود راشد ... علي ~~إبراهيم ... راغب حسن ... شفيق منصور ... محمود إسماعيل ... كمال أحمد عبد ~~الجواد الإعدام شنقا، القاضي الوطني سليم بك صبري، القاضي ~~الإنجليزي مستر كرشو، الاغتيال هو الجواب، أتريد أن تقتل أم ~~تقتل! # وخاطب إسماعيل حسين قائلا: رحيل أختك سيحمل والدك على الإصرار ~~على رفض فكرة سفرك أنت! # فقال حسين شداد باطمئنان: قضيتي تقترب من الحل الموفق ~~بخطى ثابتة. # عايدة وحسين في أوروبا! إنسان يفقد في ساعة حبيبه وصديقه، تفتقد ~~روحك معبودها فلا تجده، ويفتقد عقلك أليفه فلا يجده، وفي الحي ~~العتيق تعيش وحيدا مهجورا كأنك صدى حنين هائم منذ أجيال، تأمل ~~الآلام التي ترصدك، آن لك أن تحصد ثمار ما زرعت من أحلام في قلبك ~~الغر، توسل إلى الله أن يجعل الدموع دواء للأحزان، وعلق إن ~~استطعت جسمك بحبال المشانق، أو ضعه على رأس قوة مدمرة تنقض بها ~~على العدو، غدا تلقى روحك خلاء كما لقيت بالأمس ضريح الحسين، يا ~~خيبة الآمال! والمخلصون قتلى، أما أبناء الخونة فسفراء. قال ~~إسماعيل لطيف وكأنه يخاطب نفسه: لن يبقى في مصر إلا أنا وكمال، ~~وكمال غير مأمون الجانب؛ لأن صديقه الأول - قبل أو بعد أو مع ~~حسين - هو الكتاب. # فقال حسين في ثقة وإيمان: لن يقطع الرحيل ما بيننا من ~~أسباب. # فخفق قلب كمال رغم فتوره، وقال: على أن قلبي يحدثني بأنك لن ~~تحتمل الغربة إلى الأبد. ~~- هذا هو الراجح، ولكنك ستفيد من رحلتي بما سأرسله لك من كتب، ~~سنواصل أحاديثنا بالرسائل والكتب. # هكذا يتكلم حسين كما لو كان السفر قد بات ms237 أمرا مفروغا منه، ~~هذا الصديق الذي يسعد بلقياه سعادة فاتنة، فحتى الصمت يستمتع به ~~في محضره، ولكن عزاء فذهاب المعبودة سيعلمه كيف يستهين بالخطب وإن ~~جل، هكذا هانت وفاة جدته المحبوبة على النفس التي اكتوت بنار الحزن ~~على فهمي، غير أنه ينبغي أن يذكر دائما أنه في جلسة الوداع كي ~~يملأ عينيه من الورود والأزهار الثملة بالنضرة لا تبالي في أي ~~حزن يهيم، وثمة مشكلة ينبغي أن يجد لها حلا: كيف يسمو بشر إلى ~~معاشرة المعبود؟ أو كيف يهبط المعبود حتى يعاشره بشر؟ فإذا لم ~~يجد لذاك حلا فسوف يسير في طريقه بقدمين ترسفان في الأغلال وفي ~~حلقه شجا، والحب حمل ذو مقبضين متباعدين خلق لتحمله يدان ... ~~فكيف يحمله وحده؟ وكان الحديث يطرد ويتفرع وهو يتابعه بعينيه، ~~وهزات رأسه، وكلمات يثبت بها أن الخطب لم يقض عليه بعد، وكان ~~الأمل معقودا بأن قاطرة الحياة تسير، وأن محطة الموت في الطريق ~~على أي حال، وها هي ساعة الغروب ... ساعة الظلام والهدوء ... تحبها ~~كما تحب الفجر، وعايدة والألم لفظان لمعنى واحد؛ فينبغي أن تحب ~~الألم وأن تطرب للهزيمة منذ اليوم، ولا تزال عجلة الحديث في دوران ~~غير منقطع، والأصدقاء يتضاحكون ويتناظرون كأن واحدا منهم لم ~~يعرف الحب قلبه، حسين ضحكة الصحة والصفاء، وإسماعيل ضحكة العربدة ~~والعدوان، وحسن ضحكة التحفظ والاستعلاء، ويأبى حسين إلا أن يتحدث ~~عن رأس البر، أعدك بأن أحج إليها يوما، وأن أسأل عن الرمال التي ~~وطئتها أقدام المعبودة لألثمها ساجدا، الآخران يتغنيان بسان ~~استفانو، ويتحدثان عن أمواج كالجبال، حقا؟ تصور جثة تقذف بها ~~الأمواج إلى الشاطئ وقد امتص البحر الرهيب جمالها ونبلها؟ ~~ولنعترف بعد هذا كله بأن الملل يطوق الكائنات، وأن السعادة ربما ~~كانت وراء أبواب الموت. وتواصل السمر حتى آن للجمع أن يتفرق، ~~فتصافحوا بحرارة، شد كمال على يد حسين، وشد حسين على يد كمال، ثم ~~مضى وهو يقول: إلى اللقاء ... في أكتوبر. # كان في مثل هذا الموقف من العام الماضي وما قبله يتساءل في لهفة ~~متى يعود ms238 الأصدقاء؟ الآن ليست أشواقه رهينة بعودة أحد، ستظل ~~مستعرة جاء أكتوبر أو لم يجئ، عاد الأصدقاء أو لم يعودوا. لن يلوم ~~شهور الصيف بعد الآن لأنها تباعد بينه وبين عايدة، فالهوة التي ~~تفصل بينهما أعمق من الزمن، وقد كان يعالج الزمن بجرعات الصبر ~~والأمل، ولكنه يخاصم اليوم عدوا مجهولا، وقوة خارقة غامضة لا ~~يدري من تعاويذها ورقاها حرفا واحدا، فليس أمامه إلا الصمت ~~والتعاسة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، تراءى له حبه معلقا ~~فوق رأسه كالقدر، يشده إليه بأسلاك من الألم المبرح، أشبه ما يكون ~~في جبريته وقوته بالظاهرة الكونية، فتأمله بعين ملؤها الإكبار ~~والحزن. # افترق الأصدقاء الثلاثة أمام سراي آل شداد: فسار حسن سليم إلى ~~شارع السرايات، واتجه كمال وإسماعيل نحو الحسينية في طريقهما ~~المعهود الذي يفترقان في نهايته، فيمضي إسماعيل إلى غمرة، ويمضي ~~كمال إلى الحي العتيق. وما إن انفردا حتى ضحك إسماعيل ضحكة عالية ~~طويلة، فسأله كمال عما أضحكه، فقال في خبث: ألم تفطن بعد إلى ~~أنك كنت في الأسباب الجوهرية التي دعت إلى الإسراع في إعلان ~~الخطبة؟ ~~- أنا؟! # ندت عن كمال وعيناه تتسعان في ذهول، فقال إسماعيل في استهانة: ~~نعم أنت، لم يكن حسن يرتاح إلى صداقتكما، هذا يبدو لي محققا ~~رغم أنه لم ينبس لي عنه بكلمة، إنه ذو كبرياء شديد - كما تعلم - ~~ولكني أعرف كيف أصل إلى ما أريد، أؤكد لك أنه لم يكن يرتاح إلى ~~صداقتكما، أتذكر ما نشب بينكما ذلك اليوم؟ الظاهر أنه طالبها بأن ~~تحد من حريتها في الاختلاط بالأصدقاء، والظاهر أنها ذكرته بأنه ~~لا حق له في مطالبته؛ فأقدم على هذه الخطوة الكبيرة ليكون من أصحاب ~~الحقوق. # قال كمال وخفقان قلبه يكاد يعلو على صوته: لكنني لم أكن الصديق ~~الوحيد! كانت عايدة صديقتنا جميعا. # فقال إسماعيل متهكما: ولكنها اختارتك أنت لتثير قلقه! ربما ~~لأنها آنست في صداقتك حرارة لم تجدها عند غيرك، على أي حال، إنها ~~لا تلقي الأمور ارتجالا، وقد صممت منذ قديم على الظفر بحسن؛ ~~فجنت أخيرا ms239 ثمرة صبرها. ~~«الظفر بحسن»؟ «ثمرة صبرها»! ما أشبه هاتين العبارتين بقول ~~مأفون «شروق الشمس من الغرب!» قال وقلبه يتأوه: ما أسوأ ظنك ~~بالناس! إنها ليست على شيء مما تتصور. # فقال إسماعيل دون أن يفطن إلى شعور صاحبه: لعل الأمر وقع ~~اتفاقا، أو لعل حسن كان واهما، على أي حال جاءت العواقب في ~~صالحها. # هتف كمال غاضبا: صالحها! ماذا تظن؟ سبحان الله! إنك تتحدث ~~عنها كما لو كانت خطبتها لحسن تعتبر ظفرا لها لا له! # فحدجه إسماعيل بنظرة غريبة، ثم قال: إنك فيما يبدو غير مقتنع ~~بأن أمثال حسن قليلون؟ أسرة ومركز ومستقبل، أما مثيلات عايدة فلسن ~~قليلات، هن أكثر مما تتصور، ترى هل تقدرها أكثر مما تستحق؟ إن ~~أسرة حسن ارتضت زواجه منها لثروة أبيها الهائلة فيما أعتقد، إنها ~~فتاة ... (ثم بعد تردد) ... ليست بارعة الجمال على أي حال. # إما أن يكون مجنونا، وإما أن تكون مجنونا أنت! حزه ألم كهذا ~~من قبل يوم اطلع على كلمة جارحة تهجم بها كاتبها على نظام الزواج ~~في الإسلام، ألا لعنة الله على الكافرين جميعا. تساءل بهدوء ~~يغطي به على لوعته: لم إذن كثر المعجبون من حولها؟ # أبرز إسماعيل فكه الأسفل فارتفع ذقنه في حركة استهانة، ثم قال: ~~لعلك تعنيني فيمن تقصد! لا أنكر أنها خفيفة الروح، وطراز وحدها ~~في الأناقة، إلى أن أسلوبها الغربي في اللباقة الاجتماعية يريق ~~عليها فتنة وإغراء، لكنها بعد ذلك سمراء نحيلة لا شيء فيها ~~يشتهى، تعال معي إلى غمرة تر ألوانا من الجمال تزري بجمالها ~~جملة وتفصيلا، هنالك ترى الملاحة الحقة في البشرة الوضيئة، ~~والنهد الكاعب، والردف المليء، هذا هو الجمال إن أردته ... لا شيء ~~فيها يشتهى. # كأنها شيء يشتهى كقمر ومريم، نهد كاعب وردف مليء! كمن يصف ~~الروح بصفات الجسد، يا لشدة الألم! كتب عليه اليوم أن يتجرع كأس ~~الألم حتى ثمالتها، إذا توالت الضربات القاتلة فمن الخير أن ~~ترحب بالموت. # وعند الحسينية افترقا، فسار كل في سبيله. # 25 # تنقضي السنون ولا يفتر حبه لهذا الطريق، ms240 قال لنفسه، وهو يلقي ~~على ما حوله نظرة ضيقة: «لو شابه حبي للمرأة التي يختارها قلبي ~~حبي لهذا الطريق لأراحني من متاعب جمة.» أعجب به من طريق ~~كالتيه، لا يكاد يمتد بضعة أمتار طولا حتى ينعطف يمنة أو ~~يسرة، وفي أي موضع منه يطالعك منحنى يطوي وراءه مجهولا، وضيق ~~ما بين جانبيه يريق عليه تواضعا وألفة فهو كالحيوان الأليف، ~~والجالس في دكان على يمينه يستطيع أن يصافح الجالس في دكان على ~~يساره، سقوف بمظلات الخيش تمتد بين أعالي الحوانيت فتحجب أشعة ~~الشمس المحرقة، وتنفث في الجو الرطب سمرة حالمة، وعلى الأرائك ~~والرفوف جوالق مرصوصة مترعة بالحناء الخضراء، والشطة الحمراء، ~~والفلفل الأسود، وقوارير الورد والعطر، والقراطيس الملونة، ~~والموازين الصغيرة، وتتدلى من عل الشموع في أحجام وألوان شتى ~~كأنها التهاويل، في جو مفعم بشذا العطارة والعطر، كأنها أنفاس ~~حلم قديم تائه لا يذكر متى رآه، أما الملاءات اللف، والبراقع ~~السود، والعرائس الذهبية، والأعين الكحيلة، والأرداف الثقيلة فمنها ~~جميعا أستعيذ بواهب النعم، سير الحالم في تهاويل حلم جميل رياضة ~~محبوبة بيد أني أشكو ضنى القلب والعين، إن تعد النسوان هنا لا ~~تحصيهن. مبارك المكان الذي يضمهن، ولا منجى لك إلا أن تهتف من ~~أعماق الفؤاد: يا خراب بيتك يا ياسين، هنالك يجيبك صوت أن افتح ~~دكانا في التربيعة واستقر، أبوك تاجر، سيد نفسه ... ينفق في مسراته ~~أضعاف أضعاف مرتبك، افتحها وتوكل، ولو بعت لذلك ربع الغورية ~~ودكان الحمزاوي، تجيء مع الصبح كالسلطان لا ميعاد يربطك ولا رئيس ~~يرعبك، تجلس وراء الميزان فيجيئك النسوان من كل فج: صباح الخير ~~يا سي ياسين، واقعد بالعافية يا سي ياسين، علي وعلي إن تركت ~~مصونة دون تحية، أو متهتكة دون ميعاد. ما ألذ الخيال وأقساه! ~~على من سيبقى إلى آخر العمر ضابطا بمدرسة النحاسين! والعشق داء ~~أعراضه جوع دائم، وقلب قلب فوا رحمتاه لمن خلق بشهوة خليفة وسلطان ~~ضابط مدرسة، تهدم الرجاء فلا جدوى من الكذب، ويوم حملتها إلى قصر ~~الشوق كان الأمل يعدك بحياة هادئة مطمئنة، ms241 قاتل الله الملل كيف ~~يمازج النفس كما تمازج مرارة المرض اللعاب! عدوت وراءها عاما ثم ~~مللتها في أسابيع، فما التعاسة إن لم تكن هذا؟ بيتك أول بيت يضج ~~بالشكوى في شهر العسل، سل قلبك أين مريم؟ ... أين الملاحة التي ~~لوعتك؟ ... يجبك بضحكة كالتأوه ويقول أكلنا وشبعنا وصرنا نتقزز ~~من رائحة الطعام، وهي ماكرة يستعذب اللعب بها ولا تفوتها شاردة، ~~مرة بنت مرة، اذكروا حسنات موتاكم، هل كانت أمك خيرا من أمها؟ ~~المهم أنها ليست كزينب يسهل خداعها، وما أثقل غضبها إذا غضبت! لا ~~هي بالتي تغضي، ولا أنت بالذي يقنع، هيهات أن تشبع جوعك المستعر ~~امرأة، أو يعرف الاستقرار قلبك، ومع ذلك توهمت أنك ستظفر بحياة ~~زوجية سعيدة! ما أعظم أباك وما أحقرك! لم تستطع أن تكون مثله، ~~ودواؤك أن تكون مثله؟ رباه ما هذا الذي أرى؟ أهذه امرأة حقا؟ كم ~~قنطارا يا ترى تزن؟ اللهم إني لم أر من قبل طولا كهذا الطول، ~~ولا عرضا كهذا العرض، كيف تملك هذه الضيعة؟ إني أنذر إذا وقعت ~~بين يدي امرأة في قدرها أن أنيمها في وسط الحجرة عارية، وأن أدور ~~حولها سبعا وأنا أفقر. ~~- أنت! # جاء الصوت من وراء فاهتز له قلبه، وسرعان ما تحولت عيناه عن ~~المرأة الضخمة إليه، فرأى شابة في معطف أبيض، فما تمالك أن هتف: ~~زنوبة! # وتصافحا في حرارة وهي تضحك، غير أنه حثها على السير حتى لا ~~يلفتا إليهما الأنظار، فسارا جنبا إلى جنب يشقان الزحام. هكذا ~~التقيا بعد طول الفراق، ولم تكن ترد على خاطره إلا في القليل ~~النادر بعد أن شغلته عنها الشواغل، ولكنه وجدها جميلة كيوم هجرها، ~~أو لعلها ازدادت جمالا، ثم ما هذا الزي الحديث الذي استبدلته ~~بالملاءة اللف؟ وانبعثت فيه موجة من النشاط والسرور، وإذا بها ~~تتساءل: كيف حالك؟ ~~- عال، وأنت؟ ~~- كما ترى. ~~- عال جدا والحمد لله، أنت غيرت زيك! لم أكن أعرفك عند ~~أول نظرة، لا أزال أذكر مشيتك في الملاءة اللف. ~~- وأنت لم تتغير، لم تكبر، ازددت سمانة، هذا ms242 كل ما في ~~الأمر. ~~- أنت الآن شيء آخر، بنت إفرنجية! ... (وهو يبتسم في حذر) ... إلا أن ~~ردفها من الغورية. ~~- لسانك! ~~- أرعبتني! كأنك تبت أو تزوجت ...! ~~- لا شيء على الله بكثير. ~~- أما التوبة فهذا المعطف الأبيض يكذبها، وأما الزواج فلا يبعد ~~أن تسوقك قلة العقل يوما إليه. ~~- حاسب، إني متزوجة تقريبا. # ضحك - وكانا يميلان إلى الموسكي - قائلا: مثلي تماما. ~~- لكنك متزوج بالفعل، أليس كذلك؟ ~~- كيف عرفت هذا؟ ... (ثم مستدركا) أوه ... كيف نسيت أن أسرارنا ~~عندكم أول بأول! # وضحك مرة أخرى ضحكة ذات معنى، فابتسمت ابتسامة غامضة، وقالت: ~~تقصد بيت السلطانة؟ ~~- أو بيت أبي، أليس الود متصلا؟ ~~- تقريبا. ~~- كل شيء عندك الآن بالتقريب! أنا كذلك متزوج تقريبا، أعني أني ~~متزوج وأبحث عن رفيقة. # هشت بيدها ذبابة على وجهها، فوسوست أساورها الذهبية المحيطة ~~بساعدها وهي تقول: أنا مرافقة وأبحث عن زوج. ~~- مرافقة؟ من السعيد ابن ال ... # قاطعته وهي تشير إليه محذرة: إياك والسب، إنه رجل ذو ~~مقام. # فقال وهو يلحظها ساخرا: ذو مقام؟ هق، هق، زنوبة! ... أود لو ~~أنطحك. ~~- أتذكر متى تقابلنا آخر مرة؟ ~~- أوه، ابني رضوان عمره الآن ستة أعوام، فنكون قد تقابلنا آخر ~~مرة منذ سبعة أعوام ... تقريبا. ~~- عمر طويل. ~~- ولكن لا ينبغي لحي أن ييئس في هذه الدنيا من اللقاء. ~~- ولا الفراق. ~~- الظاهر أنك خلعت الوفاء مع الملاءة اللف. # فحدجته بنظرة مقطبة وهي تقول: أتتحدث عن الوفاء يا ~~ثور! # فسره رفع الكلفة إلى هذا الحد وشجع مطامعه، فقال: الله وحده ~~يعلم كم سررت بلقائك، كثيرا ما كنت تخطرين ببالي، ولكنها ~~الدنيا. ~~- دنيا النسوان، هه؟ # فقال متظاهرا بالتأثر: دنيا الموت، ودنيا المتاعب. ~~- لا يبدو أنك تحمل للمتاعب هما، إن البغال لتحسدك على ~~صحتك. ~~- لولا أن العين الجميلة لا تحسد. ~~- أتخاف على نفسك! كأنك عبد الحليم المصري طولا وعرضا. # فضحك مختالا، وصمت قليلا، ثم قال بلهجة جديدة جادة: أين كنت ~~ذاهبة؟ ~~- لم تذهب الواحدة إلى التربيعة؟ أم ظننت الناس مثلك لا هم ~~لهم إلا التحكك بالنسوان؟ ~~- مظلوم والله. ~~- مظلوم! لما لمحتك وجدتك ms243 تغوص بعينيك في امرأة ~~كالبوابة. ~~- بل كنت شارد الفكر لا أعي فيم أنظر. ~~- أنت! إني أنصح من يروم لقاءك أن ينقب في التربيعة عن أضخم ~~امرأة، وأنا كفيلة بأنه سيجدك وراءها لابدا كما تلبد القراضة في ~~الكلب. ~~- أنت يا ولية لسانك كل يوم يطول عن يوم. ~~- اسم الله على لسانك أنت. ~~- ما علينا، خلينا في الأهم، أين أنت ذاهبة الآن؟ ~~- سأتسوق قليلا، ثم أعود إلى بيتي. # فصمت لحظة كالمتردد، ثم قال: ما رأيك في أن نقضي معا بعض ~~الوقت؟ # فلحظته بعينيها السوداوين اللعوبتين، وقالت: ورائي رجل ~~غيور. # فقال وكأنه لم يسمع اعتراضا: في مكان لطيف لنشرب ~~كأسين! # فعادت تقول بصوت أعلى من سابقه: قلت لك ورائي رجل غيور ...! # فاستطرد قائلا دون اكتراث: توفابيان، ما رأيك؟ إنه مكان لطيف ~~وابن حلال، سأنادي هذا التاكسي. # فند عنها صوت احتجاج، ثم تساءلت في استياء وشى وجهها بغيره ~~قائلة: «بالقوة؟» ثم نظرت في ساعتها بمعصمها - وقد كادت هذه الحركة ~~الجديدة تضحكه - وقالت بلهجة الشارط: على ألا أتأخر، الساعة الآن ~~السادسة، وينبغي أن أكون في البيت قبل الثامنة. # تساءل والتاكسي يطوي بهما الطريق: ترى هل لمحتهما عين ما بين ~~التربيعة والموسكي؟ غير أنه هز كتفيه استهانة وهو يزحلق طربوشه ~~المائل فوق حاجبه الأيمن إلى الوراء بمقبض منشته العاجية، ماذا ~~يهمه؟ مريم وحيدة، وليس وراءها وحش مثل محمد عفت الذي قوض أول ~~بيت زوجية بناه، وأما أبوه فرجل لبق، وهو يعلم أنه لم يعد الطفل ~~الغرير الذي نكل به في فناء البيت القديم. وفي حديقة توفابيان جلسا ~~حول مائدة متقابلين. كان المشرب غاصا بالنساء والرجال، والبيانو ~~الميكانيكي يعزف مقطوعاته الرتيبة، على حين هفت رائحة الشواء مع ~~نسيم الأصيل من ركن قصي. وأدرك من ارتباكها أنها تجلس في مكان عام ~~لأول مرة فداخله سرور حريف، ثم أيقن في اللحظة التالية أن ما به ~~حنينا حقا لا محض رغبة عابرة، وبدت له أيامها الغابرة أسعد ~~الأيام كلها. وطلب قارورة كونياك، ثم طلب شواء، وجرى ماء الحياة ~~في خديه، ms244 ثم خلع طربوشه فبدا شعره الأسود مفروقا من الوسط على ~~جانبي الرأس كشعر أبيه، فما إن لمحته زنوبة حتى ارتسمت على شفتيها ~~ابتسامة خفيفة لم يفطن بطبيعة الحال إلى ما وراءها. كانت أول مرة ~~يجالس فيها امرأة في حانة غير حانات وجه البركة، وكانت أول مغامرة ~~له بعد زواجه الثاني مع استثناء إلمامة واحدة بدرب عبد الخالق. ~~وربما كانت أول مرة كذلك يشرب فيها كونياك «راقيا» خارج البيت؛ ~~إذ إنه لا يتناول الجيد منه إلا فيما يقتني من زجاجات في البيت ~~للاستعمال «الشرعي» على حد تعبيره. ملأ الكأسين في زهو وارتياح، ~~ثم رفع كأسه وهو يقول لها: صحة زنوبة مارتل. # فقالت بكبرياء خفيف الظل: إني أشرب الديوارس مع البك! # فقال متأففا: دعينا من سيرته، ربنا يقدرنا على جعله في خبر ~~كان. ~~- بعدك ... ~~- سنرى، كلما شربنا كأسا تفتحت لنا أبواب وانحلت عقد. # ولإحساسهما بقصر الوقت المتاح تعجلا الشراب فامتلأ الكأسان ~~وفرغا تباعا، وهكذا أخذ الكونياك يزغرد بلسانه الناري في معدتيهما ~~فيرتفع زئبق النشوة في ترمومتر العروق، أما الأوراق الخضراء ~~المتطلعة من الأصص وراء سور الحديقة الخشبية فافترت ثغورها عن ~~بسمات متألقة. وأخيرا وجد البيانو آذانا متسامحة، والوجوه ~~الحالمة والمعربدة تلاقت أعينها مرارا في أنس ومودة، وجو ~~الأصيل سبح في موجات موسيقية صامتة، وبدا كل شيء طيبا وجميلا: ~~أتعرف ماذا طفر إلى لساني أول ما رأيتك اليوم وأنت تحملق في ~~المرأة كالمسعور؟ ~~- أفندم؟ ... ولكن أفرغي كأسك أولا حتى أملأه. # وهي تتناول ريشة شواء: كدت أصيح بك: يا ابن الكلب! # وهو يضحك ضحكة ريانة: ولم لم تفعلي يا بنت القارحة؟ ~~- أصلي لا أشتم إلا الأحباء، وكنت وقتها غريبا أو ~~كالغريب. ~~- والآن ماذا ترينني؟ ~~- ابن ستين ... ~~- يا سلام، الشتيمة تسكر أكثر من الخمر أحيانا، هذه الليلة ~~المباركة ستتحدث عنها الجرائد غدا. ~~- لم كفي الله الشر؟ ناوي تعمل حادثة؟ ~~- الطف يا رب بي وبها. # وعند ذاك قالت في شيء من الاهتمام: لم تحدثني عن زوجك ~~الجديدة ...! # فربت ياسين شاربه وهو يقول: حزينة المسكينة، ماتت أمها ms245 هذا ~~العام. ~~- العمر الطويل لك، كانت غنية؟ ~~- تركت بيتا، البيت المجاور لبيتنا، أعني المجاور لبيت والدي، ~~ولكنها تركت في نفس الوقت شريكا لزوجي فيه وهو زوجها! ~~- لا بد أن زوجك جميلة، فأنت لا تقع إلا على النقاوة. # فقال بحذر: لها جمالها، غير أنه لا يقاس بجمالك أنت! ~~- آه منك آه ... ~~- هل عرفتني كاذبا أبدا؟ ~~- أنت؟ أنا أشك أحيانا في أن اسمك هو ياسين حقا. ~~- إذن فلنشرب هذه الكأس أيضا. ~~- تسكرني كي أصدقك؟ ~~- إذا قلت لك إنني أرغب فيك وأحن إليك، فهل تشكين في ~~صدقي؟ انظري في عيني، وجسي نبضي. ~~- أنت خليق بأن تقول هذا الكلام لأية امرأة تصادفك. ~~- هذا كما يقال إن الجائع يود ألوان الطعام جميعا، ولكن ~~الملوخية مثلا قد تستأثر بمنزلة خاصة. ~~- الرجل الذي يحب امرأة حقا لا يتردد عن الزواج ~~منها. # فنفخ، ثم قال: أنت مخطئة، بودي لو أقف فوق هذه المائدة وأصرخ ~~بأعلى صوتي، من يحب منكم امرأة فلا يتزوجها، أجل، لا شيء يقتل ~~الحب كالزواج. صدقيني، إني مجرب، وقد تزوجت مرة أخرى وأعرف ~~مدى صدق ما أقول. ~~- لعلك لم تهتد بعد إلى المرأة التي تناسبك. ~~- تناسبني؟ كيف تكون هذه المرأة؟ وبأي حاسة يهتدى إليها؟ وأين ~~تكون هذه المرأة التي لا تمل؟ # فضحكت في فتور، وقالت: كأنك تتمنى أن تكون ثورا في حظيرة ~~أبقار! هذا هو أنت. # ففرقع بأصابعه طربا، وقال: الله ... الله، من ذا الذي كان في ~~زمان مضى يدعوني بالثور؟ إنه أبي ربنا يمسيه بالخير، كم أود ~~لو أكون مثله، حظي بامرأة هي آية الطاعة والقناعة، وانطلق على هواه ~~لا يجد في حياته المتاعب، موفقا في زواجه، موفقا في عشقه ... ~~هذا ما أريد. ~~- ما عمره؟ ~~- أظنه في الخامسة والخمسين، بيد أنه أقوى من الشباب. ~~- لا عظيم أمام السنين، ربنا يمتعه بصحته. ~~- إلا أبي، إنه معشوق المعشوقات من النساء، ألا ترينه الآن في ~~بيتكم؟ # فقالت ضاحكة وهي ترمي بعظمة إلى قطة تموء تحت قدميها: هجرت ~~ذلك البيت منذ أشهر، الآن لي بيتي الخاص وأنا سيدته. ms246 ~~- حقا؟ حسبتك تمزحين، وهل هجرت التخت أيضا؟ ~~- هجرته، إنك تحدث سيدة بكل معنى الكلمة. # فقهقه في انبساط، ثم قال: إذن اشربي ودعيني أشرب، وربنا يلطف ~~بنا. # في النفس فتنة وفي الجو فتنة، ولكن أيهما الصوت؟ وأيهما الصدى؟ ~~وأعجب من هذا أن الحياة تدب في الجمادات، الأصص تترنح هامسة، ~~والأركان تتناجى، السماء ترنو إلى الأرض بأعين النجوم الناعسة ~~وتتكلم، وبينه وبين صاحبته رسائل متبادلة تفصح عن المكنون في ~~جو مشحون بالأضواء المنظورة وغير المنظورة، يبهر الفؤاد ويزغلل ~~العين، وفي الدنيا شيء يدغدغ البشر فلا يتركها حتى تغرق بالضحك، ~~الوجوه والكلمات والحركات وغيرها تغري جميعا بالضحك، والوقت يمر ~~كالشهاب، وحاملو ميكروب العربدة يوزعونه بين الموائد بوجوه ~~أثقلتها الرزانة، أما أنغام البيانو فتترامى من بعيد، فيكاد ~~يغطي عليها صليل عجلات الترام، وغلمان الطوار ولاقطو الأعقاب ~~ينشرون حولهم لغطا كطنين الذباب، وجحافل الليل تعسكر فوق ~~الربوع وتستقر، كأنك تنتظر حتى يجيئك الساقي فيسألك: أليس للنشوان ~~مقر؟ وأنت عن ذاك وما هو أجل لاه سادر، لو تسجد مريم بين يديك ~~هامسة: حسبي غرفة أمارس فيها طاعتك، وأملأ الحجرات بمن تهوى من ~~النساء، أو يربت ناظر المدرسة كتفك كل صباح قائلا: كيف حال ~~والدك يا بني؟ لو تشق الحكومة طريقا جديدا أمام دكان الحمزاوي ~~وربع الغورية، لو تقول لك زنوبة: سأهجر غدا بيت صاحبي وأكون طوع ~~بنانك، لو حدث هذا لاجتمع الناس عقب صلاة الجمعة يتبادلون قبل ~~الصفاء، أما حكمة الليلة فهي أن تجلس على الكنبة، وأن ترقص زنوبة ~~عارية بين يديك، هنالك يتاح لك أن ترعى شامة الحسن النابتة فوق ~~سرتها: كيف حال الشامة المحبوبة؟ # تساءل وهو يشير إلى بطنه باسما، فقالت ضاحكة: تبوس يدك. # فألقى نظرة زائغة على المكان، وقال: أترين هؤلاء الناس؟ ما منهم ~~إلا فاسق وابن فاسق، هكذا كل السكيرين. ~~- تشرفنا، أما أنا فمخي يتطاير. ~~- أرجو أن يطير الجزء الذي يقيم فيه رفيقك. ~~- آه لو علم بما هو حاصل لنا! سوف يطعنك يوما بفردة ~~شاربه. ~~- أهو شامي من ذوي الشوارب الجبارة؟ ~~- شامي؟ ms247 ... (ثم ترنمت بصوت مسموع) برهوم يا برهوم. ~~- هس، لا تلفتي إلينا الأنظار. ~~- أي أنظار يا أعمى! لم يبق إلا نفر قليل. # وهو يمسح على بطنه نافخا: الخمر مجنونة. ~~- المجنونة أمك ... ~~- صوتك يعلو أكثر مما ينبغي، قومي بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- عمرك أطول من عمري، لندع الأمر إلى قدمينا. ~~- وهل يفلح من يترك قياده إلى قدميه؟ ~~- إنها آمن على كل حال من مخ مبعثر. ~~- فكر قليلا في ... # فقاطعها وهو ينهض مترنحا: علينا أن ندبر أمورنا بلا تفكير؛ ~~لأن التفكير لن يذعن لنا قبل صباح الغد، قومي بنا. # 26 # أسبلت المساكن جفونها، وأقفرت الطرقات إلا من نسمة شاردة أو ~~ضوء مصباح مهوم، أما الصمت فقد خلا له الجو فتاه ونشر جناحيه، ~~وما جدوى الفنادق إذا كان أصحابها لا يلقونك إلا بالنظرة الشزراء، ~~كأنك مرض يترنح فهم يجتنبونه، أجل إنك تلاقي الإعراض ~~بالازدراء، ولكنك ستظل بلا مأوى، وقد ضم الرقاد العاشقين فإلام ~~تهيم على وجهك؟ وها هو حوذي يرفع رأسه المثقل بالنعاس، ويرنو ~~إليك بنظرة ترحاب، فوا رحمتاه للذي يسحب المرأة في أذيال الليل وهو ~~يتساءل إلى أين؟ ~~- إلى أين؟ # أجاب الحوذي باسما: تحت الأمر. # فقال له ياسين: لم أقصدك بسؤالي. # فقال الرجل: تحت الأمر على أي حال. # عند ذاك قالت زنوبة: لا تسألني أنا سل نفسك، لم لم تفكر في ~~ذلك قبل أن تسكر؟! # عاد الحوذي يقول متشجعا بوقوفهما أمام العربة: النيل! أحسن ~~مكان، هل أذهب بكما إلى شاطئ النيل؟ # فتساءل ياسين محتدا: أحوذي أنت أم نوتي؟ ماذا نفعل عند النيل ~~في هذا الوقت من الليل؟ # قال الحوذي بإغراء: هنالك النور ضئيل والمكان خال. ~~- جو مناسب لقطاع الطرق. # زنوبة بخوف: يا خبر أسود، أذناي وعنقي وساعداي محملة ~~بالذهب! # فقال الحوذي وهو يهز منكبيه: الدنيا بخير، أنا كل ليلة أذهب إلى ~~هناك بأناس طيبين مثلكما، ونعود على أحسن حال. # زنوبة بحدة: لا تذكر النيل على لسانك، إن بدني يقشعر ~~لذكره! ~~- بعد الشر عن بدنك. # صاح ياسين وكان قد اتخذ مجلسه في العربة إلى جانب ms248 زنوبة: كلمني ~~أنا، ما لك أنت وبدنها! ~~- يا بك أنا خدامك. ~~- الليلة كل شيء متعقد. ~~- ربنا يحل عسيرها، إن أردت فندقا ذهبنا إلى فندق. ~~- تشاجرنا في ثلاثة فنادق، ثلاثة أم أربعة يا زنوبة؟ شف ~~غيرها. ~~- نرجع إلى النيل. # زنوبة بغضب: الذهب يا عمر ...! # ياسين وهو يطرح ساقيه على المقعد الخلفي: فضلا عن أنه ليس هناك ~~مكان. # فقال الحوذي: أما عن المكان فلديك العربة! # هتفت زنوبة: هل أنذرتما مضايقتي؟ # فقال ياسين وهو يفتل شاربه: لك حق، لك حق، ثم إن العربة مكان ~~غير صالح، ولن أرضى بعبث الأطفال على آخر الزمن، اسمع ... # مد الرجل أذنه، فصاح ياسين بنفخة آمرة: إلى قصر الشوق! # طق، طق، طق، طق، تخوض الظلمات ولا أنيس إلا النجوم، في الأفق ~~قلق يلوح، ثم لا يلبث أن يغرق في بحر النسيان كالذكرى المستعصية؛ ~~ذلك أن الإرادة ذائبة في كأس من الخمر، وإذا رفيقة الهناء ~~تساءلت بلسان ملعثم عن: أين يقصد في قصر الشوق؟ أجاب: إلى بيتي ~~الذي ورثته عن أمي، قضت مقادير بأن تعيش فيه للغرام وأن توقفه ~~بعد مماتها على الغرام، استقبل بقلب شيق أم مريم ومريم، والليلة ~~يحتضن سيدة الليالي الخوالي، وزوجك أيها السكران؟ في النوم مغرقة. ~~أليس لكل شيء حساب؟ وأنت مع رجل لا يعرف الخوف قلبه، اقطفي من ~~لآلئ النجوم ما ترصعين به جبينك، وغني في أذني وحدي: هاتيلي ~~حبي يا نينة الليلة. ~~- وأين أقضي بقية الليل؟ ~~- سأوصلك إلى حيث تريدين. ~~- لن تستطيع أن توصل قشة. ~~- باريس في الوجه البحري. ~~- لولا أني أخافه! ~~- من هو؟ # بصوت منكسر وهي تلقي برأسها إلى الوراء: من يدريني؟ ~~نسيت. # غشي الجمالية ظلام دامس، حتى القهوة أغلقت أبوابها. وقفت العربة ~~عند مدخل قصر الشوق فغادرها ياسين وهو يتجشأ، وتبعته زنوبة ~~معتمدة على ذراعه، ثم مضيا معا في حذر لم يغن عن الترنح، ~~يتعقبهما سعال الحوذي، وأطيط حذاء الخفير الذي مر بالعربة وهي تدور ~~مستطلعا. وقالت له: إن الطريق وعر. فقال لها: لكن الدار أمان. ~~وقال لها أيضا: لا تشغلي ms249 البال. وعبثا حاولت أن تذكره بأن زوجه ~~في الشقة التي إليها يسعيان، فضلا عن أنها كانت تحاول تذكيره وهي ~~تبتسم في الظلام ابتسامة بلهاء، وكادت قدمها تعثر مرتين وهي ترقى ~~السلم، حتى وقفا أمام الشقة وهما يلهثان. بعثت رهبة الموقف في ~~شعورهما المبعثر يقظة عابرة حاولت أن تلم شتاته بقبضة وانية، ~~فأدار المفتاح في القفل بحذر، ثم دفع الباب برفق بالغ، وبحث في ~~الظلام عن أذن زنوبة حتى عثر عليها، فمال نحوها وهمس أن تخلع ~~الحذاء، وفعل مثلها، ثم تقدمها خطوة فوضع راحتها على كتفه، ثم مضى ~~إلى حجرة الاستقبال لقاء المدخل، ثم دفع بابها وانسل إلى الداخل ~~وهي في أثره. تنهدا معا بارتياح، ورد الباب، ثم قادها إلى ~~الكنبة وجلسا معا. قالت متضايقة: الظلام شديد، أنا لا أحب ~~الظلام. # فقال وهو يضع الحذاءين تحت الكنبة: ستألفينه بعد قليل. ~~- بدأ مخي يدور. ~~- الآن فقط؟! # وقام فجأة دون أن يلقي إلى ما أجابت به بالا وهو يهمس في ~~ارتياع: لم أغلق الباب الخارجي. ~~- ومد يده ليخلع طربوشه فهتف: نسيت الطربوش أيضا! في العربة ~~يا ترى أم في توفابيان؟ ~~- الطربوش في داهية، أغلق الباب يا عمر ...! # تسلل مرة أخرى إلى الصالة، ثم إلى الباب الخارجي فأغلقه بحذر ~~شديد، وفي طريق عودته خطرت له فكرة مغرية، فاتجه نحو الكانصول وهو ~~يمد يده أمامه رائدة لتقيه الاصطدام بكرسي السفرة، ثم عاد إلى حجرة ~~الاستقبال قابضا على زجاجة كونياك مملوءة حتى نصفها. وضع الزجاجة ~~في حجرها وهو يقول: جئتك بدواء لكل شيء. # فتحسست يداها الزجاجة، وقالت: خمر؟ ... حسبك! أتريد أن ~~نطفح؟ ~~- جرعة نسترد بها أنفاسنا بعد هذا الجهد! # شرب حتى ظن أنه قادر على كل شيء، وأن الجنون حال تستطاب، وهاج ~~البحر فعلا مع موجه وسفل، ثم دار في دوامة ما لها من قرار، وسلت ~~في أركان الحجرة ألسنة تنطق في الظلمات لغوا وهذرا، وتند عنها ~~ضحكات معربدة، في ضجة كضوضاء السوق حتى الغناء جرى في أثيرها، ~~وهوت الزجاجة على الأرض فأحدثت صوتا كالنذير، ولكن ms250 كان أمامه شوط ~~عليه أن يقطعه ولو في بحر من العرق. طال الوقت أم قصر فليس ~~الزمان في حسبانه؛ لذلك تحرك الظلام وشاب إهابه، والجفون المغلقة ~~عنه غافلة، وكما يستيقظ الحالم السعيد وهو يمد اليد ليقطف لذة ~~جديدة استيقظ هو على صوت وحركة، فتح عينيه فرأى نورا وظلا ~~يتراقص على الجدران، وثنى رقبته فلمح عند الباب مريم قابضة على ~~مصباح قد جلا من وجهها ملامح عابسة، وعينين تشعان شرر الغضب. ~~تبودل بين المنطرحين على الكنبة والواقفة عند الباب نظرات طويلة ~~غريبة، زائغة بالذهول من ناحية، مستعرة بالغضب من الناحية ~~الأخرى، ثم لم يعد الصمت مما يستطاع. أعربت زنوبة عن قلقها بأن ~~فتحت فاها لتتكلم ولكنها لم تقل شيئا، ثم غلبها بغتة ضحك طارئ ~~فأغرقت فيه حتى اضطرت إلى إخفاء وجهها بكفيها. وإذا بياسين يصيح ~~بها بلسان ثقيل: كفي عن الضحك! ... هذا بيت محترم! # وبدا أن مريم أرادت أن تتكلم، فلم يسعفها لسانها أو أعجزها ~~الغضب، فقال لها ياسين ولم يكن يدري ماذا يقول: وجدت هذه «الست» في ~~حالة سكر شديد، فجئت بها إلى هنا حتى تفيق. # ولم تسكت زنوبة، فقالت معترضة: هو السكران كما ترين، وقد جاء بي ~~بالقوة. # ندت عن مريم حركة خطيرة كأنما همت بأن تقذفهما بالمصباح، ~~فتصلبت قامة ياسين ونظر إليها متحفزا، ولكنها سرعان ما تراجعت ~~متأثرة بخطورة الإقدام، فوضعت المصباح على منضدة وهي تصر على ~~أسنانها بحنق، ثم تكلمت لأول مرة وكان صوتها جافا متهدجا ~~مخشوشنا بالحقد والغضب، وقالت: في بيتي! في بيتي؟ في بيتي يا ~~مجرم يا ابن الشياطين! # ودوى صوتها كالرعد يصب عليه اللعنات، وينعته بكل خبيث، صرخت ~~وصوتت حتى شق صوتها الجدران، ونادت السكان والجيران وهي تحلف ~~لتفضحنه وتشهد عليه النائمين. وكان ياسين ينذرها بشتى الوسائل ~~ليسكتها، لوح لها بيده، وحملق فيها بعينيه، وصاح بها مزمجرا، ~~فلما خابت وسائله نهض منفعلا، واتجه نحوها بخطوات واسعة ليبلغها ~~في أقصر وقت دون اندفاع خشية أن يختل توازنه، ثم انقض عليها مسددا ~~راحته إلى فيها ليسده، ms251 ولكنها صرخت في وجهه كالهرة اليائسة، ~~وركلته بقدمها في بطنه، فتراجع مترنحا مكفهر الوجه من الحنق ~~والألم، ثم سقط على وجهه كالبنيان المتهدم، انطلقت من زنوبة صرخة ~~مدوية، فجرت مريم نحوها وارتمت عليها. وجذبت شعرها بيمناها، ~~وأنشبت أظافرها الأخرى في عنقها، وجعلت تبصق في وجهها وهي تسب ~~وتلعن. وما لبث ياسين أن نهض ثانيا هازا رأسه بعنف كأنما ليطرد ~~عنه الخمار، فتحول إلى الكنبة وسدد نحو ظهر زوجه الراقدة فوق ~~غريمتها قبضة شديدة فصرخت مريم وتراجعت زائغة عنه، فتبعها وقد ~~أعماه الغضب موجها إليها ضربات متتابعة حتى فصلت بينهما السفرة، ~~وعند ذاك تناولت الشبشب من قدمها وقذفته به، فأصاب صدره فجرى ~~نحوها، وراحا يدوران في الصالة وهو يصيح بها: «اغربي عن وجهي، أنت ~~طالقة ... طالقة ... طالقة ...» وإذا بيد تنقر الباب، وصوت الجارة ~~المقيمة في الدور الثاني ينادي: «ست مريم ... ست مريم!» فتوقف ياسين ~~عن الجري وهو يلهث، أما مريم ففتحت الباب، وبادرت تقول بصوت ملأ ~~السلم كله: تعالي انظري داخل الحجرة وخبريني هل رأيت مثل هذا من ~~قبل؟ عاهرة في بيتي تسكر وتعربد، ادخلي وانظري. # فقالت الجارة باستحياء: هدئي نفسك يا ست مريم، تعالي معي حتى ~~الصباح. # هتف ياسين دون مبالاة: اذهبي معها، لا حق لك في البقاء في ~~بيتي. # فصرخت مريم في وجهه: يا فاسق، يا مجرم، تجيئني بعاهرة في بيت ~~الزوجية. # فضرب الجدار بقبضته وصاح بها: أنت العاهرة، أنت وأمك. ~~- تسب أمي وهي بين يدي الله! ~~- أنت عاهرة، أنا أعلم ذلك عن يقين، ألا تذكرين الجنود الإنجليز؟ ~~الحق علي لأني لم أستجب إلى تحذير الناس الطيبين. ~~- أنا ستك وتاج رأسك، أنا أشرف من أهلك ومن أمك، سل نفسك عن ~~الرجل الذي يتزوج امرأة وهو يعلم أنها عاهرة كما قلت! هل يكون إلا ~~قوادا خسيسا؟ ... (وهي تشير إلى حجرة الاستقبال) ... تزوج من هذه، ~~إنها من النوع الذي يوافق مزاجك القذر. ~~- كلمة أخرى ويسيل دمك حيث تقفين. # ولكن حنجرتها عادت تصرخ وتقذف اللهب حتى تدخلت الجارة لتحول ~~بينهما إذا دعا ms252 داع، وجعلت تربت منكبها متوسلة إليها أن تمضي معها ~~حتى يطلع الصبح، واشتد الضيق بياسين فصاح بها: خذي ثيابك واخرجي، ~~ابعدي عن وجهي، لا أنت زوجي ولا أنا أعرفك، أنا داخل الحجرة الآن ~~وإياك أن أجدك إذا عدت. # واندفع إلى حجرة الاستقبال، ودفع الباب وراءه دفعة عنيفة ارتجت ~~لها الجدران، ثم ارتمى على الكنبة وهو يجفف عرق جبينه. همست ~~زنوبة قائلة: إني خائفة. # فقال بخشونة: اسكتي، مم تخافين؟ (ثم بصوت مرتفع) أنا حر ... أنا ~~حر ... # فقالت وكأنها تخاطب نفسها: ماذا أصابني في عقلي حتى طاوعتك وجئت ~~معك إلى هنا! ~~- اسكتي ... ما كان كان، ولست آسفا على شيء ... أف ... # وترامت إليها الأصوات خلال الباب المغلق، فدلت على أن أكثر من ~~جارة قد أحاطت بالزوجة الغاضبة، ثم سمع صوت مريم وهي تقول بلهجة ~~باكية: هل سمعتم عن هذا من قبل؟ عاهرة من عرض الطريق في بيت ~~الزوجية؟ استيقظت على ضوضائهما وهما يضحكان ويغنيان. إي والله ~~كانا يغنيان بلا حياء بعد أن أذهلهما السكر، خبروني أهذا بيت أم ~~ماخور؟ # وإذا بصوت امرأة تقول محتجة: أتجمعين ثيابك وتغادرين بيتك؟ هذا ~~بيتك يا ست مريم ولا يصح أن تغادريه، فلتغادره الأخرى. # فهتفت مريم: لم يعد بيتي، لقد طلقني المحترم. # فقالت أخرى: لم يكن في وعيه، تعالي الآن معنا ولنؤجل الحديث إلى ~~الصباح، ومهما يكن من أمر، فياسين أفندي رجل طيب وابن ناس طيبين، ~~لعنة الله على الشيطان، تعالي يا ابنتي ولا تحزني. # فصاحت مريم: لا كلام ولا حساب، لا طلع الصباح عليه المجرم ابن ~~المجرمة. # ثم تتابع وقع الأقدام مبتعدا حتى لم يعد يسمع من المتحدثات ~~إلا أصوات مبهمة، ثم دوت صفقة الباب وهو يغلق، نفخ ياسين طويلا، ~~ثم استلقى على ظهره. # 27 # عندما فتح عينيه كان نور الضحى قد ملأ الحجرة، وجد في رأسه ثقلا ~~لا عهد له به، رغم أنها لم تكن أول مرة يستيقظ بعد ليلة مخمورة، ~~وبحركة من رأسه غير مقصودة وقعت عيناه على زنوبة وهي تغط في ~~نومها إلى جانبه، ms253 هنالك استعادت ذاكرته حوادث الليلة الماضية في ~~لقطة واحدة: زنوبة في فراش مريم، ومريم؟ عند الجيران، والفضيحة؟ في ~~كل مكان، يا لها من وثبة جبارة في هاوية التدهور! ما جدوى الغضب أو ~~الندم الآن؟ ما كان كان، وكل شيء قد يتغير إلا أمس. أيوقظها؟ ولكن ~~لمه؟ فلتمتلئ نوما حتى تشبع، ولتبق حيث هي، فما ينبغي أن تغادر ~~البيت قبل أن يقبل الظلام. ولم يكن بد من استعادة شيء من حيويته ~~ليلاقي به يومه العسير، فأزاح الغطاء الخفيف عن جسمه، وانزلق إلى ~~أرض الغرفة، ثم مضى إلى الخارج ثقيلا، منفوش الشعر، منتفخ الجفون، ~~محمر العينين، تثاءب في الصالة بصوت كالخوار، ثم نفخ وهو ينظر ~~إلى باب حجرة الاستقبال المفتوح، ثم أغمض عينيه متأوها من ثقل ~~رأسه وقصد إلى الحمام. أمامه يوم عسير حقا، مريم عند الجيران، ~~والأخرى محتلة فراشها، وقد أدركه النهار قبل أن يخفي آثار ~~جريمته، فيا للجنون! كان يجب أن يسربها قبل أن يأوي إلى فراشه، ~~فكيف توانى عما يجب؟ أي غاشية غشيته؟ بل ومتى وكيف مضى بها من حجرة ~~الاستقبال إلى حجرة النوم؟ إنه لا يذكر شيئا، لا يذكر حتى كيف ~~ومتى استجاب للنوم، والجملة أنها فضيحة كبرى بلا ثمن، وليلة بريئة ~~ولكنها مثقلة بالعار مثل رأسه المثقل بالهم والصداع، ولكن لا ~~عجب، فهذه الشقة مسكونة من قديم بشياطين الفضائح، تركة أم غفر ~~الله لها، مضت الأم وبقي الابن ليكون مضغة الأفواه، ونادرة ~~السكان والجيران، وغدا تهرع الأنباء إلى بين القصرين ... فإلى ~~الأمام. قرار هاوية سحيقة من العربدة والسفالة، فليت هذا الماء ~~البارد الذي تغتسل به يطهر النفس من ذكريات السوء، ومن يدري ~~فلعلك إذا أطللت من النافذة وجدت أمام بابك لمة ترصد خروج ~~المرأة التي طردت الزوجة واحتلت مكانها، كلا لن تسمح لها بالخروج ~~مهما يكن من أمر، أما مريم فقد طلقتها! طلقتها وما أردت ذلك، ~~وأمها لم يجف ماؤها في قبرها بعد، فماذا يقول عنك الناس أيها ~~المفتري؟! وشعر بحاجة ماسة إلى فنجان قهوة ينعش به ms254 حواسه، ~~فغادر الحمام إلى المطبخ. وفي أثناء عبوره الدهليز الذي يفصل ~~بينهما لمح الكنصول في الصالة، فذكر زجاجة الكونياك المهراقة في ~~غرفة الاستقبال، وتساءل لحظة عما أصاب السجادة، ثم ذكر في اللحظة ~~التالية وفي أسف ساخر أن أثاث الشقة كله لم يعد ملكه، وأنه ~~سيلحق عما قليل بصاحبته. وبعد دقائق معدودات كان يحمل كوبا ~~مملوءا حتى نصفه بالقهوة ويسير نحو حجرة النوم، وهنالك وجد زنوبة ~~جالسة في الفراش تتمطى وتتثاءب، فالتفتت نحوه وقالت: صباحنا خير، ~~وإن شاء الله نغير ريقنا في القسم! # فرشف رشفة وهو ينظر إليها من فوق الكوب، ثم قال: قولي يا فتاح ~~يا عليم. # فلوحت بيديها حتى وسوست الأساور الذهبية حول ساعديها، وقالت: ~~أنت السبب في كل ما حصل. # فجلس على حافة السرير فيما يلي ساقيها الممدودتين، وقال بضيق: ~~محكمة! هه؟ قلت لك: قولي يا فتاح يا عليم. # فربتت سلسلة ظهره بكعب قدميها، وهي تقول متأوهة: خربت بيتي، ~~الله وحده يعلم ما ينتظرني هناك. # فوضع ساقا على ركبته حتى انحسر الجلباب عن الأخرى، فبدت مكتنزة ~~مغطاة بغابة من الشعر الفاحم، وقال: رفيقك؟ خيبة الله عليه! ما ~~يكون هذا إلى طلاق زوجي؟ أنت التي خربت بيتي، وبيتي أنا الذي ~~خرب. # قالت وكأنها تحدث نفسها: ليلة سوداء لم أعرف لي فيها رأسا من ~~قدمين، لا تزال الضوضاء تدوي في رأسي، لكن الحق علي، ما كان ~~ينبغي لي أن أطاوعك من بادئ الأمر. # خيل إليه أنها راضية رغم تشكيها، أو أنها تدعي التشكي ~~ادعاء، ألم يعرف في الأزبكية نساء يتباهين بكل عراك دموي ينشب من ~~أجلهن؟ على أنه لم يغضب، كانت الأمور قد بلغت حد اليأس فأعفته من ~~مشقة النهوض لمعالجتها، فلم يملك إلا أن يضحك وهو يقول: شر ~~البلية ما يضحك! اضحكي، خربت بيتي واحتللته، قومي فأصلحي من شأنك، ~~واستعدي لإقامة طويلة حتى يقبل الليل، لن تغادري البيت حتى يأتي ~~الليل. ~~- يا خبر أسود! سجينة! أين زوجك؟ ~~- لم يعد لي زوجة. ~~- أين هي؟ ~~- في المحكمة الشرعية إن صدق ظني. ms255 ~~- أخاف أن تعتدي علي عند خروجي. ~~- تخافين؟ ربنا يرحمنا! إن ليلة أمس على فظاعتها لم توهن من ~~مكرك وخبثك يا بنت أخت زبيدة! # ضحكت ضحكة طويلة فبدا أنها تقر بالتهمة الموجهة إليها، وفي ~~مباهاة أيضا، ثم مدت يدها إلى كوب القهوة فتناولته واحتست قليلا ~~منها، ثم ردتها إليه وهي تتساءل: والآن؟ ~~- كما ترين، لا علم لي أكثر منك، ولكن يحز في نفسي أن أنكشف أمام ~~الناس كما انكشفت في الليلة الماضية. # هزت منكبيها في استهانة قائلة: لا تهتم بذلك، ما من رجل إلا ~~ويخفي تحت ذقنه مخازي تضيق عنها الأرض. ~~- رغم هذا فالفضيحة فضيحة، تصوري الشجار والعويل والطلاق عند ~~الفجر! تصوري الجيران وقد فزعوا إلى شقتي مستطلعين فرأت أعينهم ~~كل شيء. # قطبت قائلة: كانت هي البادئة. # لم يملك أن ضحك ضحكة ساخرة، فعادت تقول بإصرار: كانت تستطيع أن ~~تعالج الأمور بحكمة لو كانت عاقلة، الغرباء في الطريق يتسامحون مع ~~السكارى المعربدين، هي التي جنت على نفسها بالطلاق، وماذا كنت ~~تقول لها؟ ... يا عاهرة يا بنت العاهرة، هه؟ وكلام آخر عن الجنود ~~الإنجليز؟ # تذكر هذا الآن فقط وهو يحدجها بنظرة محنقة متسائلا: كيف رسخت ~~هذه الألفاظ في ذاكرتها؟! وغمغم في ضيق: كنت غاضبا لا أدري ماذا ~~أقول! ~~- إحم! ~~- إحم في يافوخك ...! ~~- الجنود الإنجليز؟ ... هل جئت بها من بار فنشي؟ ~~- أستغفر الله، إنها بنت ناس وجيران العمر، ولكنه الغضب عليه ألف ~~لعنة. ~~- لولا الغضب ما انكشفت الأسرار. ~~- وحياة خالتك حسبنا ما نحن فيه. ~~- خبرني عن الجنود الإنجليز وخذ شعر رأسي. # بصوت عال محتد: قلت إنه الغضب وكفى. # شهقت ساخرة، ثم قالت: أتدافع عنها؟ ... اذهب فاستردها. ~~- ملعون أبو البارد الذي لا يستحي. ~~- ملعون أبوه. # غادرت الفراش إلى المرآة، فتناولت مشط مريم، وراحت تمشط شعرها ~~بعجل وهي تتساءل: ما عسى أن أفعل لو قطع الرجل علاقته بي؟ ~~- قولي له: مع السلامة، أما بيتي فمفتوح لك على الدوام. # فالتفتت إليه قائلة بلهجة أسيفة: أنت لا تفقه معنى ما تقول! ~~كنا بسبيل التفكير الجدي في الزواج. ms256 ~~- الزواج! وهل ما زلت تفكرين فيه بعد ما رأيت من أحواله في ~~الليلة الماضية؟! # قالت في دهاء: أنت لا تفهمني! لقد ضقت ذرعا بالحياة الحرام، ليس ~~وراءها إلا البوار، إن مثلي إذا تزوجت قدرت الحياة الزوجية خير ~~قدرها. # من المغفل يا ترى؟ التخت لم يكن يعدها بأكثر من عوادة، ~~وحياة الهوى ليس وراءها بعد الثلاثين - وستبلغها قريبا - إلا ~~التلف، فالزواج هو الأمل الموعود، هل تقصدك بهذا الحديث؟ ... ما ~~ألذ الشيطانة! لا أنكر أنني أريدها، أريدها بكل قوة، وفضيحتي ~~تشهد على ذلك. ~~- أتحبينه؟ # كالغاضبة: لو كنت أحبه ما وجدتني الآن سجينة هنا. # اهتز صدره حنانا رغم ارتيابه في صدقها، أجل إذا لم يكن يعرف ~~الإخلاص قلبها أبدت له ميلا لا شك فيه: لا غنى لي عنك يا زنوبة، ~~في سبيلك ارتكبت جنونا غير مبال بالعواقب، أنت لي وأنا لك من ~~قديم الزمان. # وساد الصمت. بدت كأنها تنتظر مزيدا على لهف، ولكنه لم ينبس ~~فقالت: هل أقطع أسبابي بهذا الرجل؟ لست من اللاتي يستطعن أن يجمعن ~~بين رجلين. ~~- من هو؟ ~~- تاجر من ناحية القلعة يدعى محمد القللي. ~~- متزوج؟ ~~- وله أولاد، ولكنه كثير المال. ~~- وعدك بالزواج؟ ~~- يغريني به، ولكنني مترددة؛ لأن ظروفه وكونه زوجا وأبا مما ~~ينذر بالمتاعب. # احتمل مكرها من أجل جمال عينيها. ~~- لم لا نعود كما كنا؟ لست فقيرا على أي حال. ~~- لا يعنيني مالك، ولكن ضقت بحياة الحرام. ~~- والعمل؟ ~~- هذا ما أسأل عنه. ~~- أفصحي. ~~- قلت ما فيه الكفاية. # يا له من هجوم غير متوقع، أجل إنه يبدو أول ما يبدو مضحكا، غير ~~أنه يريدها فلا يسعه أن يرد على الهجوم بمثله، قال بعد صمت: لا ~~أخفي عنك أني بت أتطير من الزواج. ~~- كما أتطير من الحرام ...! ~~- لم تكوني كذلك أمس! ~~- كان في قبضة يدي زوج، أما اليوم! ~~- قليل من المرونة حتى نتلاقى، شيء واحد لا ينبغي أن يغيب لك عن ~~بال، وهو أني مهما تطل بي عشرتك فلن أتخلى عنك. # فهتفت محتدة: سوابقك تشهد على صدقك. # فقال بلهجة جدية يداري ms257 بها ضعف مركزه: الإنسان لا يتعلم بلا ~~ثمن. ~~- لم تعد تغرر بي الأقوال، آه منكم يا رجال! # ومنكن يا نساء أليس ثمة آه؟ يا بنت أخت زبيدة رحمتك، جاءت بعد ~~منتصف الليل سكرى، وفي الصباح ضاقت بالحرام، لعلها قالت لنفسها: ~~إذا كانت زوجه الثانية عاهرة فلم لا أكون زوجه الثالثة! هان ~~ياسين، أنسيت ما ينتظرك في الخارج من المتاعب؟ دع المتاعب تنتظرك، ~~ولكن لا تفقد زنوبة بكلمة نابية، كما فقدت مريم، مريم؟ الآن ~~كفرت عن ذنبي يا أخي. قال بهدوء: يجب ألا ينقطع ما اتصل ~~بيننا. ~~- بيدك انقطاعه واتصاله. ~~- يجب أن نلتقي كثيرا ونفكر كثيرا. ~~- من جانبي لا حاجة بي إلى تفكير جديد. ~~- فإما أن أقنعك برأيي، وإما أن تقنعيني برأيك. ~~- لن أقتنع برأيك. # وغادرت الحجرة وهي تداري عنه ابتسامة فأتبع ظهرها المتأود ~~نظرة استغراب، أجل كل شيء يبدو غريبا، ولكن أين مريم؟ وحيدة على ~~أي حال، ولن تذوق نفسه الراحة والسلام، وسيسأل غدا في بين ~~القصرين، وبعد غد في المحكمة الشرعية، ولكن كانت حياتهما في ~~الأيام الأخيرة نضالا متواصلا، حتى قالت له بصريح العبارة: ~~كرهتك وكرهت عيشتك، لم أخلق كي أوفق في الزواج، أهكذا كانت حياة ~~جدي؟ إني أشبه الأسرة به فيما يقال، ورغم هذا كله تريد المجنونة ~~أن تتزوج مني. # 28 # كانت الشمس تؤذن بالمغيب عندما عبر السيد أحمد عبد الجواد ~~القنطرة الخشبية المؤدية إلى العوامة، ودق الجرس ففتح الباب ~~بعد قليل عن زنوبة في فستان من الحرير الأبيض نمت شفافيته عن محاسن ~~جسدها، فلما رأته هتفت: أهلا ... أهلا، قل ماذا فعلت أمس؟ تصورت ~~حضورك ودقك الجرس دون نتيجة، ووقوفك حينا ثم ذهابك، (وهي تضحك) ~~ووساوسك، قل ماذا فعلت؟ # بالرغم من أناقة مظهره والعرف الطيب الذي يتطاير منه بدا وجهه ~~متجهما، وعيناه جامدتين تعكس حدقتاهما استياء. سأل قائلا: أين ~~كنت أمس؟ # فتقدمته إلى حجرة الجلوس وتبعها حتى وسط الحجرة بين نافذتين ~~مفتوحتين على النيل ولم يجلس، أما هي فجلست على مقعد بين النافذتين ~~وهي تتظاهر بالهدوء والثقة والابتسام، ms258 ثم قالت: خرجت - كما تعلم - ~~أمس لأستبضع، فقابلت في بعض الطريق ياسمينة العالمة فدعتني إلى ~~بيتها. وهنالك أبت علي أن أنصرف، وما زالت بي حتى أجبرتني على ~~المبيت عندها، لم أكن رأيتها منذ انتقلت إلى هذه العوامة، لو ~~سمعتها وهي تطعن في وفائي وتسألني عن سر الرجل الذي أنساني ~~عشيرتي وجيراني! # صادقة أم كاذبة؟ هل عانى آلام أمس واليوم بلا سبب حقا؟ إنه لا ~~يربح مليما ولا يخسر مليما بلا سبب، فكيف عانى تلك الآلام ~~المروعة بلا سبب؟ دنيا ماكرة ... غير أنه على استعداد لأن يلثم ~~ترابها إذا صح عنده صدق هذه الشيطانة، فليصح له صدقها ولو يفقد ~~ما بقي من عمره، هل آن له أن يثوب إلى رشده؟ مهلا. ~~- متى عدت إلى العوامة؟ # فرفعت ساقها حتى مستوى المقعد، وراحت تتأمل شبشبها البمبي ذا ~~الوردة البيضاء، وأصابعها المخضبة بالحناء، ثم قالت: هلا جلست ~~أولا وخلعت طربوشك لأرى مفرق شعرك؟ عدت يا سيدي مع الضحى. ~~- كذابة! # انطلقت من فيه كالرصاص مفعمة غضبا ويأسا، ثم استطرد قائلا ~~في عنف قبل أن تفتح فاها: كذابة، لم تعودي مع الضحى ولا مع العصر، ~~لقد جئت إلى هنا أثناء النهار مرتين فلم أجدك. # وجمت قليلا، ثم قالت بلهجة جمعت بين التسليم والضجر: الحق أني ~~عدت قبيل المغرب، منذ ساعة تقريبا، لم يكن ثمة ما يدعوني إلى ~~اختلاق الكذب لولا أني لمحت في عينيك استياء لا أساس له فأردت أن ~~أزيله، الحق أن ياسمينة ألحت علي في الصباح كي أتسوق معها، ~~ولما علمت بانفصالي عن خالتي عرضت علي أن أنضم إلى تختها على ~~أن تنيبني عنها في بعض الأفراح، وطبعا لم أوافق، لسابق علمي بأنك ~~لن ترضي عن سهري مع التخت، المقصود أني بقيت معها لعلمي بأنك لن ~~تجيء إلى هنا قبل التاسعة مساء، هذه هي الحكاية، فاجلس وصل على ~~النبي. # حكاية مختلقة أم صادقة؟ لو يطلع أصحابك على موقفك هذا؟ لشد ~~ما تهزأ بك المقادير، على أني أعفو على أضعاف هذا في سبيل قطرة من ms259 ~~الراحة، تشحذ الراحة وما اعتدت الشحاذة من قبل، هكذا هانت عليك ~~نفسك أمام العوادة، كانت موكلة يوما بخدمتك تقدم لك في مجلس ~~الأنس الفاكهة، وتنصرف في صمت وأدب ، إما الراحة أو فلتستعر نيران ~~الجحيم. ~~- ياسمينة العالمة ليست في جبال الواق، سوف أسألها عن حقيقة ~~الحكاية. # قالت وهي تلوح بيدها في استهانة واستياء: سلها كيفما بدا ~~لك. # وغلبته أعصابه الثائرة المنهكة فجأة، فقال بعناد: سوف أسألها هذا ~~المساء، إني ذاهب إليها الآن ... لقد حققت لك كل رغباتك فينبغي أن ~~تحترمي حقوقي كاملة. # وانتقلت إليها عدوى هياجه، فقالت بحدة: مهلا ... لا ترمني في ~~وجهي بالتهم، لقد اتسع لك حلمي حتى الآن، ولكن لكل شيء حد، أنا ~~إنسانة من لحم ودم، فتح عينك وصل على أبي فاطمة ...! # تساءل في ذهول: أبهذه اللهجة تخاطبينني؟ ~~- نعم ما دمت تخاطبني بمثلها! # اشتدت قبضة يده على مقبض عصاه وهو يهتف: أنا أستاهل، فأنا الذي ~~خلقت منك سيدة، وهيأت لك حياة تحسدك عليها زبيدة ~~نفسها! # واستفزها قوله فبدت كاللبؤة الهائجة، وصاحت: خلقني الله سيدة لا ~~أنت، لقد ارتضيت هذه الحياة بعد توسلاتك الحارة، فهل نسيت هذا؟ ~~لست أسيرة أو عبدة لك، تحقيق ومحضر، ماذا تظن بي؟ هل اشتريتني ~~بمالك؟ إذا كانت حياتي لا تعجبك فليذهب كل منا إلى حال ~~سبيله. # يا رب السماوات أهكذا تستحيل الأظافر المدللة إلى مخالب؟ إن ~~كنت في شك من الليلة البارحة فاستخبر هذه اللهجة الوقحة، جنس ~~نمرود ابتليت به فتجرع الألم حتى الثمالة، انهل من الإهانة ~~حتى تكتفي، والآن ما جوابك! بأعلى صوتك اصرخ في وجهها: اخرجي إلى ~~الطريق الذي التقطتك منه. اصرخ، أجل اصرخ، ماذا يمنعك؟ لعنة الله ~~على ما يمنعك، خيانة القلب شر من ألف خيانة، هذا هو ذل القلوب ~~الذي كنت تسمع عنه وتهزأ منه، شد ما أكره نفسي إذ تحبها. ~~- تطردينني؟ # بنفس النبرات المحتدة الغاضبة: إذا كان معنى هذه الحياة أن ~~تحبسني هنا كالرقيق وأن ترميني بالتهم كلما حلا لك، فمن الخير لي ~~ولك أن ننتهي. # وأدارت عنه وجهها؛ ms260 فتأمل عارضها وصفحة عنقها في هدوء غير طبيعي ~~بالذهول أشبه. أقصى ما أسأل الله من سعادة أن أنبذها دون مبالاة، ~~هي ذلك وحنقك، ولكن هل تطيق أن تعود إلى هذا المكان فلا تجد لها ~~من أثر؟ ~~- لم أكن شديد الثقة في نبلك، ولكني لم أتصور أن يذهب بك ~~الجحود هذا المذهب! ~~- تريدني حجرا لا شعور له ولا كرامة! ~~- أنت أحقر من هذا لو تعلمين ... بل أريدك شخصا يعرف للجميل ~~حقه وللعشرة حقها. # مغيرة لهجتها من الغضب إلى السخط والتشكي: فعلت لك أكثر مما ~~تصور، ارتضيت أن أهجر أهلي وعملي لأبقى حيث تريد، حتى الشكوى ~~كتمتها كي لا أكدر صفوك؛ فلم أشأ أن أصارحك بأن «بعض الناس» يود ~~لي حياة خيرا من هذه، فلم ألق إليهم بالا! # أثمة متاعب أخرى لم تقع لي في حسبان؟ تساءل كالجريح: ماذا ~~تعنين؟ # فعكفت على أسورة ذهبية تديرها حول ساعدها الأيسر، وهي تقول: رجل ~~محترم يريد أن يتزوجني ويلح في ذلك بلا ملل. # الحرارة والرطوبة يخنقانك خنقا، أما «العكننة» فقد فغرت فاها ~~لتبتلعك، ما أسعد هذا الملاح الذي يطوى شراعه أمام النافذة! ~~- من هو؟ ~~- رجل لا تعرفه، فسمه كيف شئت! # تراجع خطوة، ثم جلس على كنبة تتوسط مقعدين كبيرين، وشبك ~~راحتيه فوق مقبض عصاه وهو يسألها: متى رآك؟ وكيف علمت ~~برغبته؟ ~~- كان يراني كثيرا حينما كنت أقيم مع خالتي، وفي الأيام ~~الأخيرة كان يحاول مكالمتي كلما صادفني في طريقه، ولكني تجاهلته؛ ~~فحرض إحدى صديقاتي على إبلاغي رغبته، هذه هي الحكاية. # ما أكثر حكاياتك، عندما افتقدتك أمس قاتلني ألم واحد، لم أفطن ~~وقتذاك إلى كل هذه الآلام والمتاعب، اتركها إن استطعت، اهجرها، ~~فهجرها هو سبيل السلام. أليس الناس مخطئين في تصورهم أن الموت شر ~~ما يبتلون؟ ~~- أحب أن أعرف صراحة، هل تودين قبول هذا العرض؟ # تركت ساعدها بحركة عصبية وشخصت إليه بوجهها فيما يشبه الكبرياء، ~~ثم قالت بتوكيد: قلت لك إني تجاهلته، يجب أن تفهم معنى ما ~~أقول. # يجب ألا تعود الليلة إلى فراشك بأفكار قاتلة ms261 حتى لا تتكرر ليلة ~~أمس، غربل نفسك من الهواجس. ~~- صارحيني: هل زارك أحد في العوامة؟ ~~- أحد؟ أي أحد تعني؟ لم يدخل هذه العوامة أحد سواك. ~~- زنوبة، إني أستطيع أن أعرف كل شيء، لا تخفي عني شيئا، ~~صارحيني بكل كبيرة وصغيرة، ولك عندي بعد ذلك العفو مهما يكن من ~~أمرك. # قالت محتجة غاضبة: إذا أصررت على الشك في صدقي فخير لنا أن ~~نفترق. # أتذكر الذبابة التي رأيتها تحتضر في صباح اليوم في خيط ~~العنكبوت؟ ~~- حسبنا، دعيني أسألك الآن: هل قابلك هذا الرجل أمس؟ ~~- أخبرتك أين كنت أمس. # نافخا على رغمه: لماذا تعذبينني، وما حرصت على شيء حرصي على ~~سعادتك؟ # ضربت كفا بكف، كأنما قد كبر عليها شكه، ثم قالت: لم لا ~~تريد أن تفهمني؟ ... إني أرفض كل غال في سبيلك. # ما أجمل هذه النغمة! المأساة أنها يمكن أن تصدر عن قلب فارغ، ~~كالمغني الذي يذوب في نغمة حزينة شاكية وقلبه ثمل بالسعادة ~~والفوز. ~~- إني أشهد الله على قولك، صارحيني الآن: من يكون هذا ~~الرجل؟ ~~- ماذا يهمك منه؟ قلت لك: إنك لا تعرفه، تاجر من غير حينا، ~~ولكنه كان يجلس من حين لآخر في قهوة سي علي. ~~- اسمه؟ ~~- عبد التواب ياسين، هل عرفته؟ # اكتريت هذه العوامة لقضاء وقت سعيد، هل تذكر أوقاتك السعيدة؟ ~~أيتها الدنيا هل تذكرين أحمد عبد الجواد الذي لم يكن يبالي شيئا؟ ~~زبيدة ... جليلة ... بهيجة ... سليهن عنه، إنه بلا ريب غير هذا الرجل ~~الحائر الذي اشتعل الشيب في فوديه. ~~- إن شيطان النكد هو أنشط الشياطين. ~~- بل هو شيطان الشك؛ لأنه يخلق من لا شيء. # جعل ينقر الأرض بطرف عصاه، ثم قال بصوت عميق: لا أريد أن أعيش ~~أعمى، كلا ولا شيء بقادر على أن يجعلني أتهاون في رجولتي ~~وكرامتي، بالاختصار لا أستطيع أن أهضم مبيتك في الخارج ليلة ~~أمس. ~~- رجعنا مرة أخرى! ~~- وثالثة ورابعة، لست طفلة، إنك امرأة ناضجة عاقلة، واليوم ~~تحدثينني عن ذلك الرجل! هل غرك حقا وعده بالزواج منه؟ # أجابت بكبرياء قائلة: إني أعلم أنه لا يخدعني، ms262 وآي ذلك أنه ~~وعدني بألا يقربني حتى يعقد زواجه مني. ~~- أترغبين في هذا الزواج؟ # قطبت في استياء، ثم قالت بلهجة المتعجب: ألم تسمع ما قلت؟ إني ~~أعجب لما تبدي اليوم من كسل، لكن على أي حال لست الساعة كالعهد ~~بك، أفق من الكدر الذي جلبته على نفسك بلا سبب، واسمع مني ~~للمرة الأخيرة: لقد تجاهلت الرجل ورغبته إكراما لك. # رغب أن يعرف سنه، ولكنه لم يدر كيف يصوغ السؤال، الشباب والكهولة ~~أمور لم تجر له في حساب من قبل، قال بعد تردد: لعله من الأغرار ~~الذين يلقون القول بلا تردد. ~~- ليس طفلا، إنه في الثلاثين من عمره. # أي إنه يتأخر عنه بربع قرن، والتأخر مكروه إلا في العمر، أما ~~الغيرة فتقتلنا بلا حياء. # وعادت هي تقول: تجاهلته رغم أنه وعدني بالحياة التي ~~أتمناها. # يا بنت القديمة! فات زبيدة أن تتعلم منك الكثير. ~~- حقا؟ ~~- دعني أصارحك بأني لم أعد أطيق هذه الحياة. # اذكر مرة أخرى الذبابة والعنكبوت. ~~- حقا! ~~- أجل، أريد حياة مطمئنة في ظل الحلال، أم تراني مخطئة؟ # جئت للتحقيق معها فأين تقف الآن؟ هي التي طردتك فمن أين لك ~~هذا الحلم كله؟ اخجل من نفسك ما بقي لك من أيام، أتفهم ما تعني ~~إيماءاتها؟ ما أجمل الأمواج المتلاطمة في ساعة المغيب! ولما طال به ~~الصمت استطردت قائلة بهدوء: لن يغضبك هذا، أنت رجل تقي رغم كل ~~شيء، فلا يمكن أن تحول بين امرأة وبين الحلال الذي توده، لا ~~أريد أن أكون بردعة لكل راكب، لست كخالتي، لي قلب مؤمن وأخاف الله، ~~وقد صدق عزمي على هجر الحرام. # استمع إلى قولها الأخير بدهشة وانزعاج، وجعل يتفحصها بحنق ~~داراه بابتسامة باهتة، ثم قال: لم تحدثيني عن هذا من قبل، كنا ~~حتى أول أمس على خير حال. ~~- لم أكن أدري كيف أكاشفك بما في نفسي. # إنها تبتعد عنك بسرعة مخيفة خبيثة، يا خيبة الأمل! إني مستعد ~~أن أنسى ليلة أمس المشئومة، أنسى شكي وألمي، على أن تقلع عن ~~هذا المكر الخبيث. ~~- كنا نعيش ms263 في سعادة ووئام، فهل هانت عليك العشرة؟ ~~- لم تهن ولكني أريد أن أجعل منها شيئا أفضل، أليس الحلال ~~خيرا من الحرام؟ # تقلصت شفته السفلى محدثة ابتسامة لا معنى لها، ثم قال بصوت ~~خافت: الأمر بالنسبة لي مختلف جدا. ~~- كيف؟! ~~- أنا زوج، وابني زوج، وبناتي أزواج، الأمر دقيق جدا كما ترين ~~... (ثم بلهفة): ألم نكن نعيش في سعادة كاملة؟ # قالت بضجر: لم أقل لك طلق زوجتك وتبرأ من ذريتك! كثيرون هم ~~الذين يجمعون بين أكثر من زوجة. # فقال بإشفاق: ليس الزواج في مثل ... حالي مما يهون أمره، أو يعرض ~~في حياة الإنسان بلا قيل وقال. # ضحكت ساخرة، ثم قالت: كل الناس يعلمون أنك عشيق وأنت لا تبالي ~~بهم، فكيف تشفق من قيلهم وقالهم عن زواج مشروع إن أردت الزواج ~~...؟ # قال باسما في ارتباك وضيق: قليل من الناس من اطلع على أسراري، ~~إلى أن أهل بيتي هم أبعد الناس عن الشك في أمري. # رفعت حاجبيها المزججين في إنكار، ثم قالت: هذا ظنك، أما ~~الحقيقة فلا يعلمها إلا الله، أي سر يصان ووراءه ألسنة ~~الناس؟ # ثم استدركت غاضبة قبل أن يتكلم: أم لعلك لا تراني أهلا ~~للتشرف بالانتساب إليك؟ # أستغفر الله، زوج زنوبة العوادة على سن ورمح! ~~- ما قصدت هذا يا زنوبة. # فقالت باستياء: لن تخفي عني حقيقة مشاعرك طويلا، سأعرفها غدا ~~إن لم أعرفها اليوم، فإن كان زواجي يعرك فمع السلامة. # تجيء لتطرده فيطردك. لم تعد تسألها أين كانت ولكنها تخيرك بين ~~الزواج أو الذهاب، ماذا أنت صانع؟ ماذا يبقيك بلا حراك؟ إنه القلب ~~الخائن، إن نزع عظامك من لحمك أهون من هجر هذه العوادة، أليس من ~~المحزن ألا تبتلى بهذا الحب الأعمى إلا على كبر؟ # تساءل في عتاب: أهذا هو قدري عندك؟ ~~- لا قدر عندي لمن يأنف مني كأني بصقة معدية! # قال بهدوء حزين: أنت أعز علي من نفسي. ~~- كلام سمعنا منه الكثير. ~~- ولكنه صدق وحق. ~~- آن لي أن أعرف هذا من غير اللسان. # غض بصره في كرب ويأس، لم يكن ms264 يدري كيف يقبل ولم يكن بوسعه أن ~~يرفض، وكان حرصه عليها من وراء ذلك يغله ويشتت فكره، قال بصوت ~~خفيض: أعطني مهلة كي أدبر أمري. # فقالت بهدوء وهي تخفي ابتسامة ماكرة: لو كنت تحبني حقا ما ~~ترددت. # فقال بعجلة: ليس هذا، أعني أموري الأخرى. # وحرك يده كأنما يفسر بها قوله، وإن كان لا يدري على وجه ~~التحديد ما تعني، فابتسمت قائلة: إذا كان الأمر كذلك فأنا رهن ~~انتظارك. # فشعر براحة وقتية، كالراحة التي يجدها الملاكم الموشك على ~~السقوط إذا أدركه الجرس المؤذن بانتهاء الجولة غير الأخيرة. ~~وانبعثت في نفسه رغبة إلى الترويح عن همه والتنفيس عن قلقه، فقال ~~لها وهو يمد نحوها يده: تعالي إلى جانبي. # فتراجعت في مقعدها إلى الوراء بإصرار وهي تقول: عندما يأذن ~~الله. # 29 # غادر العوامة يشق سبيله في ظلام، فسار وشاطئ النيل في طريق ~~مقفر متجها إلى جسر الزمالك، كان الهواء يهفو لطيفا فنفخ رأسه ~~الملتهب، وبعث في أغصان الأشجار الهائلة المتشابكة حركة وانية ~~ند عنها هسيس كالهمس، وكانت تبدو في الظلام كالكثبان أو السحب ~~الجون، كلما رفع رأسه وجدها مطبقة عليه كالهم الجاثم على صدره. ~~وهذه الأضواء المنبعثة من نوافذ العوامات هل تنبعث من بيوت خلت من ~~الهم؟ ولكن ليس كهمك هم، ليس من يموت كمن ينتحر، وأنت بلا جدال ~~قد وافقت على الانتحار. واصل السير، لم يكن أحب إليه وقتذاك من ~~المشي ليريح أعصابه ويستعيد أفكاره قبل أن يمضي إلى الإخوان، ~~وهنالك يخلو إليهم ويكاشفهم بكل شيء، لن يقدم على هذه الخطوة حتى ~~يشاورهم وإن خمن سلفا ما سيقولون، ولكنه سيعترف أمامهم مهما كلفه ~~الأمر، وإنه ليجد إلى مكاشفتهم رغبة دافعة كأنها استغاثة غريق ~~يتخطفه الموج العاتي. لم يغب عنه أنه يعد في حكم الموافق على ~~الزواج من زنوبة، ولم ينكر شعوره الذليل بالرغبة فيها والحرص ~~عليها، ولكنه لم يتصور كيف يمكن أن يتحقق هذا في صورة زواج رسمي، ~~ولا كيف يزف البشرى إلى الأهل والأبناء والناس جميعا. ومع أنه ~~كان يريد أن ms265 يطيل المشي ما وسعه ذلك إلا أنه اندفع يسير بسرعة، وفي ~~خطوات واسعة، وعصاه تضرب الأرض التربة كأنما يتعجل الذهاب إلى ~~هدف ولا هدف له. تأبت عليه وصدته! هل تغيب عن تجربته وحنكته ~~هذه الأساليب؟ ... ولكن الضعيف يقع في الشرك وهو يدري. ومع أنه ~~استجد بالمشي والهواء النقي بعض الراحة إلا أنه لم يزل مشتت الفكر ~~مشعث الوجدان، ولم تزل الأفكار تطرق رأسه بغير انتظام حتى لم ~~يعد يحتمل حاله فخيل إليه أنه سيجن إن لم يحسم الأمر بحل ~~ولو يكن الضلال نفسه. # في هذا الظلام يستطيع أن يخاطب نفسه بلا تردد أو حياء، تحجبه ~~الأغصان المتلاحمة عن السماء، وتواري خواطره الحقول المترامية إلى ~~يمينه، ويبتلع مشاعره ماء النيل الجاري إلى يساره، ولكن حذار من ~~النور، حذار أن تكتنفه هالة منه فينطلق كعربة السرك داعيا ~~وراءه الغلمان وهواة العجائب، أما سمته وجلاله وكرامته فسلام الله ~~عليها. كان ولم يزل ذا شخصيتين، يعيش بواحدة بين الإخوان والأحباب، ~~ويطالع بالأخرى الأهل وسائر الناس، وهذه الأخيرة التي تمسك عليه ~~جلاله ووقاره، وتقرر له منزلة لا يطمع إليها أحد، وهي هي التي ~~تتآمر نزواته عليها وتهددها بالفناء الأبدي. وتراءى له الجسر ~~بمصابيحه الوهاجة فتساءل: إلى أين؟ بيد أنه رغب في مزيد من الوحدة ~~والظلام؛ فمر أمام الجسر إلى طريق الجيزة. ياسين! ذكره يرعبك، ~~جبينك يحترق خجلا، لم؟ سيكون أول من يفهمك ويتسامح معك أم تراه ~~يشمت بك ويتندر؟ طالما زجرته وأدبته، ولكن قدمه لم تنزلق ~~بعد إلى مثل هاويتك! كمال؟ يجب أن تلقاه منذ الساعة بقناع غليظ ~~أن يطلع على الذنب في أساريرك، خديجة وعائشة؟ سينكس منهما ~~الجبين في بيت آل شوكت، زنوبة امرأة أبيك، زفاف يصفق له أهل ~~المجون. في صدرك غوايات فاختر مسرحا غير دنياك لها، هل ثمة مملكة ~~ظلام بعيدا عن متناول البشر كي تمارس رذائلك في سلام؟ غدا فلتنظر ~~إلى نسيج العنكبوت لترى ماذا تبقى من الذبابة؟ استمع إلى نقيق ~~الضفادع، وزفرات الصراصير، ما أسعد هذه الحشرات، كن حشرة لتسعد ms266 ~~بلا حساب، أما فوق سطح الأرض فلن يسعدك إلا أن تكون «السيد» أحمد، ~~مر الليلة بأهل بيتك جميعا ... زوجك ... كمال ... ياسين ... خديجة ... ~~عائشة ... ثم كاشفهم بنيتك إن استطعت، وإن استطعت فاعقد زواجك بعد ~~ذلك. # هنية! أتذكر كيف نبذتها على حبها؟ لم تحب امرأة كما ~~أحببتها، ولكن يبدو - وا أسفاه! - أننا نخسر العقول في كهولتنا، ~~لتشرب هذه الليلة حتى يرفعوك على الأعناق، ما أحنه إلى الشراب، ~~كأنك لم تشرب منذ عام الفيل، إن الآلام التي تجرعتها في عامك هذا ~~خليقة بأن تمحو حسنات السعادة التي تمتعت بها العمر كله. # ضرب بعصاه الأرض، ثم توقف عن السير. ضاق بالظلام والسكون والطريق ~~الحاشد والأشجار، وفزع قلبه إلى الإخوان، ليس هو بالذي يستطيع أن ~~يخلو إلى نفسه طويلا، فما هو إلا عضو في جماعة وجزء من كل، وهنالك ~~تحل المشكلات كما اعتادت أن تحل، واستدار ليرجع إلى الجسر، وعند ~~ذاك انتفض جسمه غضبا وتقززا، فقال بصوت غريب تمزقه الشكوى ~~والألم والحنق: «ليلة كاملة تبيتها في الخارج ... في مكان مجهول، ثم ~~توافق على الزواج منها!» وطئه إحساس ثقيل بازدراء النفس عصر جذعه ~~وعصر قلبه. ياسمينة! ... يا للسخرية! بل أمضت ليلتها في حضن الرجل ~~الذي لم يزايلها حتى وافاهما عصر اليوم التالي، لبثت عنده وهي ~~عالمة بمواعيد حضوره، فماذا يعني هذا؟ ليس إلا أن الغرام أنساها ~~الوقت. يا جحيم الآخرة! أو أنك هنت للحد الذي لا تبالي عنده ~~بغضبك، كيف حاورتها مسترضيا بعد ذلك أيها المسحور؟ وكيف تمضي ~~حاملا وعد الزواج بها يا عار الدنيا والآخرة، كأنك لم تشعر بالقرن ~~الذي ارتضيته من شدة ضغط الهم على رأسك، قرن تكلل به هامة أسرة ~~لتخزي به جيلا بعد جيل، ما عسى أن يقول الناس عن هذا القرن فوق ~~الجبين الأغر؟ إن الغضب والمقت والدم والدموع لا تكفي للتكفير عن ~~استسلامك وضعفك، لشد ما تضحك منك الآن وهي مستلقية على ظهرها في ~~العوامة، ولعلها لم تغتسل بعد من عرق رجلها الذي سيضحك منك بدوره، ~~لا ينبغي أن يطلع ms267 الغد وفم يضحك منك، اعترف بخورك واعرضه على ~~مائدة الإخوان لتسمع قهقهاتهم ... اعذروه كبر وخرف ... اعذروه فقد ~~جرب كل شيء إلا متعة القرون! زبيدة: أبيت أن تكون سيدا في بيتي ~~وارتضيت أن تكون قوادا في بيت عوادتي. جليلة: لست أخي ولا ~~حتى أختي! إني أشهد هذا الطريق الرهيب، وهذا الظلام الكثيف، وهذه ~~الأشجار الهرمة على هرولتي في الظلام باكيا كالطفل الغرير، لا ~~بت ليلتي حتى أرد الإهانة إلى الطاغية، وتمنعت عليك! لم؟ ~~لأنها ضاقت بالحرام! الحرام الذي لم تغتسل منه، قل إنها لم تعد ~~تطيقك وكفى، ما أفظع الألم! ولكنه حق علي وعبادة، كمن ينطح ~~الجدار حتى يهشم رأسه تكفيرا عن ذنب، الشيخ متولي عبد الصمد يظن ~~أنه يعرف أمورا كثيرة، ألا ما أجهله! مر بجسر الزمالك مرة أخرى ~~إلى طريق إمبابة. وجعل يحث خطاه بعزم وعناد مصمما على غسل ما ~~لطخه من خزي، وكلما ألح عليه الألم جد في السير ضاربا بعصاه ~~الأرض كأنما يسير على ثلاث. # وبدت له العوامة يلوح من نافذتها الضوء فاشتد هياجه، بيد أنه ~~كان قد استعاد ثقته بنفسه، وشعوره برجولته وكرامته، واطمأن خاطره ~~بعد أن استقر على رأي، وانحدر على السلم فمر فوق الجسر الخشبي، ثم ~~طرق الباب بطرف عصاه. وكرر ذلك بعنف، حتى جاءه الصوت متسائلا في ~~انزعاج: من الطارق؟ # فأجاب بقوة: أنا. # انفتح الباب عن وجهها المتعجب، فأفسحت له وهي تغمغم: «خيرا!» ~~فمرق إلى حجرة الجلوس حتى توسطها ثم استدار ووقف ينظر إليها وهي ~~تقترب منه متسائلة حتى وقفت حياله وراحت تتفحص وجهه المتجهم ~~بقلق، قالت: خير إن شاء الله! ما عاد بك؟ # فقال بهدوء مريب: خير والحمد لله كما ستعلمين. # جعلت تتساءل بعينيها دون أن تتكلم، فاستطرد قائلا: جئت لأخبرك ~~بألا تتعلقي بما قلت، فإن الأمر كله لم يكن إلا دعابة ~~سخيفة. # هبط جذعها هبوط الخيبة، ونطق وجهها بالإنكار والحنق، ثم هتفت: ~~دعابة سخيفة! كيف لا تفرق بين دعابة سخيفة وبين كلمة شرف ارتبطت ~~بها؟ # قال ووجهه يزداد اكفهرارا: يحسن بك ms268 وأنت تخاطبينني أن تلتزمي ~~حد الأدب الواجب، فإن نساء من طبقتك يرتزقن في بيتي ~~خادمات. # صاحت وهي تحملق في وجهه: هل رجعت لتسمعني هذا الكلام؟ لم ~~لم تقله من قبل؟ لم وعدتني واستعطفتني وتوددت إلي؟ أتحسب أن ~~هذا الكلام يخيفني؟ لم يعد بي متسع للدعابات السخيفة. # لوح لها بيده غاضبا فأسكتها، ثم هتف: جئت كي أقول لك: إن ~~الزواج من واحدة مثلك خزي لا يليق بكرامتي، وأنه لا يصلح أكثر من ~~أن يكون دعابة يتندر بها هواة الدعابات المخجلة، وأنه ما دامت ~~أمثال هذه الأفكار تدور برأسك فأنت لم تعودي أهلا لمعاشرتي؛ إذ ~~لا يصح أن أعاشر المجانين. # كانت تصغي إليه وشرر الغضب يتطاير من حدقتيها، بيد أنها لم ~~تستسلم لتيار الغضب كما تمنى، ولعل منظر غضبه بث في حناياها ~~خوفا وتقديرا للعواقب، فقالت بلهجة أخف من السابقة: لن أتزوجك ~~بالقوة، لقد كاشفتك بما يجول بخاطري تاركة لك الخيار، الآن تريد ~~أن تتحلل من وعدك، لك ما تشاء، ولا داعي لسبي وإهانتي، ليذهب ~~كل منا إلى حال سبيله في سلام. # أهذا قصارى جهدها في الحرص عليك؟! ألم تكن تكون أسعد حالا لو - ~~في سبيل امتلاكك - أنشبت فيك الأظافر؟ استمد من ألمك غضبا: ~~سيذهب كل منا إلى حال سبيله، غير أني أردت أن أصارحك برأيي ~~فيك قبل أن أذهب، لا أنكر أني سعيت إليك بنفسي، ربما لأن النفس ~~تولع أحيانا بالقاذورات، فهجرت من كنت تسعدين بخدمتهن كي أرفعك ~~إلى هذه الحياة؛ لذلك لا أدهش لأني لم أحظ عندك بما حظيت به ~~عندهن من الحب والتقدير، ذلك أن القذر لا يقدر إلا من كان على ~~شاكلته، وقد آن لي أن أربأ بنفسي عنك، وأن أعود إلى حظيرتي ~~الأولى. # بدا في وجهها القهر، قهر من يحجزه الخوف عن التنفيس عن صدره ~~المستعر، وتمتمت بصوت مرتعش النبرات: مع السلامة، اذهب ودعني في ~~سلام. # قال بحنق وهو يكظم آلامه: لقد نزلت فهنت. # هنا أفلت الزمام، فصاحت به: حسبك، كفاية، ارحم الحشرة القذرة ~~واحذرها، اذكر كيف ms269 كنت تقبل يدها والخشوع في عينيك، نزلت فهنت؟ ~~... هه؟ ... الحق أنك كبرت، قبلتك على كبر، وها أنا أتلقى ~~الجزاء. # لوح بعصاه وهو يصيح بغضب: اخرسي يا بنت الكلب، اخرسي يا دون، ~~لمي ثيابك وغادري العوامة. # فصاحت بدورها وهي ترفع رأسها في تشنج: املأ أذنيك بما أقول، ~~كلمة أخرى أملأ عليك العوامة والنيل والطريق صواتا حتى تحضر ~~الحكمدارية كلها، سامع؟ ... لست لقمة سائغة، أنا زنوبة والأجر على ~~الله، اذهب أنت، هذه العوامة عوامتي، وعقد إيجارها باسمي، فاذهب ~~بالسلامة قبل أن تذهب في زفة. # لبث قليلا كالمتردد ينظر إليها باحتقار وازدراء، ولكنه عدل ~~عن مغامرة قاسية تفاديا من الفضيحة، ثم بصق على الأرض، ومضى إلى ~~الخارج في خطوات واسعة ثابتة. # 30 # ذهب من توه إلى الإخوان، فوجد محمد عفت، وعلي عبد الرحيم، ~~وإبراهيم الفار، وآخرين. شرب حتى سكر كعادته وتعدى عادته، وضحك ~~كثيرا، وأضحك كثيرا، ثم مضى في الهزيع الأخير من الليل إلى بيته ~~فنام نوما عميقا. واستقبل مع الصباح يوما هادئا، خلا في أوله ~~من الفكر، وكان كلما نزع به الخيال إلى منظر من مناظر حياته ~~القريبة أو الماضية صده بعزم، اللهم إلا منظرا واحدا رحب ~~باستعادته عن طيب خاطر، ذلك هو المنظر الأخير الذي سجل انتصاره ~~على المرأة وعلى نفسه معا، وراح يؤكد الأمر لنفسه فيقول: «انتهى ~~كل شيء والحمد لله، ولأكونن شديد الحذر فيما يقبل من أيام ~~حياتي.» # بدا اليوم هادئا في مطلعه، فاستطاع أن يفكر في فوزه المبين، وأن ~~يهنئ نفسه عليه، ولكن انقلب اليوم بعد ذلك خاملا بل خامدا، فلم ~~يجد من تفسير لذلك إلا أنه رد الفعل للجهد العصبي المضني الذي بذله ~~في اليومين الماضيين، بل في الأشهر الماضية على تفاوت في الدرجة؛ ~~إذ الحق أن معاشرته لزنوبة بدت لعينيه في تلك اللحظة مأساة خاسرة ~~من أولها لآخرها. لم يكن من الهين عليه أن يسلم بأول هزيمة تلحقه ~~في حياته الغرامية الطويلة، كان لذلك رجع شديد الأثر في قلبه ~~وخياله، وكان يثور كلما همس له عقله ms270 بأن الشباب قد ولى، معتزا ~~بقوته وجماله وحيويته، ثم يصر على ذلك التعليل الذي جاهر به المرأة ~~أمس وهو أنها لم تحبه؛ لأن القذر لا يقدر إلا القذر! لشد ما ~~تشوق طوال يومه إلى مجلس الإخوان، فلما دنا موعده نفد صبره فمضى ~~متعجلا إلى بيت محمد عفت بالجمالية، فاجتمع به قبل أن يتوافد ~~الإخوان، وسرعان ما قال له: انتهيت منها. # فتساءل محمد عفت: زنوبة؟ # فأومأ بالإيجاب، فتساءل الآخر باسما: بهذه السرعة؟ # ضحك كالساخر، ثم قال: هل تصدقني إذا قلت: إنها طالبتني بالزواج ~~حتى ضقت بها؟ # فضحك كالساخر، ثم قال: زبيدة نفسها لم تفكر في ذلك، يا للعجب! ~~لكنها معذورة، فقد وجدتك تدللها أكثر مما تحلم به فطمعت في ~~المزيد. # فغمغم السيد أحمد قائلا باستهانة: مجنونة. # فضحك محمد عفت مرة أخرى، وقال: لعلها تهالكت في حبك؟ # يا لها من طعنة! اضحك بقدر ما تجد من ألم. ~~- قلت: إنها مجنونة وكفى. ~~- وماذا فعلت؟ ~~- صارحتها بأنني ذاهب إلى غير رجعة، وذهبت. ~~- كيف تلقت ذلك؟ ~~- سبت مرة، وهددت أخرى، وقالت: في داهية ثالثة، ثم تركتها ~~كالمجنونة، كانت غلطة من بادئ الأمر. # قال محمد عفت وهو يهز رأسه مقتنعا: نعم، ما منا إلا من ~~ضاجعها، ولكن أحدا لم يفكر حتى في مجرد معاشرتها. # تصول وتجول في ميادين الأسود، ثم تهزم أمام فأرة، أخف عارك حتى ~~عن أقرب المقربين، واحمد الله على أن كل شيء قد انتهى. # لكن شيئا في الواقع لم ينته، لم تبرح مخيلته، وصح لديه فيما ~~تلا ذلك من أيام أن تفكيره فيها لم يكن مجردا، ولكنه اقترن بألم ~~عميق تزايد وتفشى، وصح لديه أيضا أن ذلك الألم لم يكن غضبا ~~لكرامته فحسب، ولكن كان ألم الحسرة والحنين، وأنه فيما بدا عاطفة ~~طاغية لا تقتنع بأقل من تدمير من يعانيها. بيد أنه كان شديد ~~الاعتزاز بما سجل ساعة انتصاره، فمنى نفسه بقهر مشاعره المستبدة ~~الخائنة في مهلة تطول أو تقصر كيفما اتفق. ومهما يكن من أمر فقد ~~غادره السلام فأمضى وقته متفكرا مجترا ms271 أحزانه، معذبا بخيالاته ~~وذكرياته. وكان يبلغ به الضعف أحيانا أن يفكر في مصارحة محمد عفت ~~بما ينوء به من آلام، بل تمادى به الخاطر مرة إلى حد الاستعانة ~~بزبيدة نفسها ، ولكنها كانت فترات ضعف كنوبات الحمى، ثم يفيق إلى ~~نفسه وهو يهز رأسه متعجبا متحيرا. # وقد صبغت أزمته سلوكه العام بلون من القسوة قاومه ما استطاع ~~بحلمه وكياسته، فلم يفلت منه الزمام إلا قليلا، وهذا القليل لم ~~يلحظه إلا الأصدقاء والمعارف الذين ألفوا منه الدماثة والتسامح ~~والرقة، أما أهل بيته فلم يفطنوا إلى شيء؛ لأن سلوكه حيالهم بقي ~~هو هو لم يكد يتغير؛ إذ إن الذي تغير حقا هو العاطفة المستترة ~~وراءه فاستحالت من شدة مصطنعة إلى شدة حقيقية لم يدرك مداها ~~سواه. على أنه هو نفسه لم ينج من قسوته هذه، بل لعله كان هدفها ~~الأول، فيما حمل به على نفسه من تقريع وما عبرها به من مهانة، ~~وأخيرا بما أخذ يفر به رويدا رويدا من ذله وتعاسته وهجران ~~شبابه. ثم يعزي نفسه فيقول: لن أتحرك، لن أسيم نفسي مزيدا من ~~الذل، فلتدر بي الأفكار كل مدار، ولتنقلب بي العواطف كل منقلب، ~~ولأبقين حيث أنا لا يعلم بألمي إلا الله الغفور الرحيم. لكنه ما ~~يدري إلا وهو يسائل نفسه: ترى ألا تزال في العوامة أم تركتها؟ وإذا ~~كانت بها، فهل ما يزال لديها بقية من ماله تغنيها عن الناس، أم ~~يكون الرجل قد لحق بها هنالك؟ تساءل كثيرا وفي كل مرة يلقى ~~عذابا ينفذ من روحه إلى لحمه وعظمه فيهصره هصرا. لم يكن يجد ~~شيئا من القرار إلا عند استحضاره المنظر الأخير في العوامة الذي ~~أوهمها فيه - وتوهم - أنه نبذها وعلا عليها، ولكنه كان يستدعي ~~مناظر أخرى سجلت ذله وضعفه، ومناظر غيرها سجلت ألوانا من ~~السعادة لا تنسى. وخلق الخيال له مناظر جديدة التقيا فيها، ~~فتشاجرا وتحاسبا وتعاتبا، ثم أدركهما سلام الصلح والوصال ... حلم ~~كثيرا ما يتراءى له في عالم الباطن الزاجر بما لا يحصى من ألوان ~~الشقاء والسعادة. ms272 لم لا يتأكد بنفسه مما طرأ على العوامة ~~وسكانها؟ في الظلام يستطيع أن يسير هنالك دون أن يراه أحد. # وذهب متسترا بالظلام كاللص، فمر أمام العوامة، ورأى النور ~~يوصوص من خصائص النافذة، ولكنه لم يدر إن كانت هي التي تستضيء به ~~أم ساكن جديد، بيد أن قلبه شعر بأن النور نورها هي دون غيرها، ~~وخيل إليه وهو يتطلع إلى العوامة أنه يستشف روح صاحبتها، وأنه ~~ليس بينه وبين رؤيتها رؤية العين إلا أن يطرق الباب فيفتح عن وجهها ~~كما كان يفتح في الأيام الذاهبة، السعيد منها والتعيس على السواء، ~~ولكن ما عسى أن يفعل لو طالعه وجه الرجل؟ حقا إنها قريبة ولكن ما ~~أبعدها! وقد حرم عليه هذا المعبر إلى الأبد. آه ... هل مرت به هذه ~~الحالة في حلم من الأحلام؟! قالت له: اذهب، قالتها من قلبها، ثم ~~مضت في سبيلها كأنه لم يعرض لها يوما، وكأنها لا تشعر له بوجود! ~~إذا كان الإنسان بهذه القسوة، فكيف يتطلع إلى طلب الرحمة أو ~~المغفرة! # وذهب مرات ومرات حتى صار التردد أمام العوامة بعد جثوم الليل ~~عادة يمر بها قبل ذهابه إلى مجلس الإخوان، ولم يبد عليه أنه ~~يريد أن يفعل شيئا ذا بال، وكأنه كان يرضي بها حب استطلاع عقيم ~~جنوني، وكان يهم بالعودة مرة إذ انفتح الباب وخرج شبح لم يتبينه في ~~الظلام، فدق قلبه في خوف ورجاء، ثم عبر الطريق مسرعا ووقف في جوار ~~شجرة وعيناه تحملقان في الظلام. قطع الشبح المعبر الخشبي إلى ~~الطريق ثم سار في اتجاه جسر الزمالك، فوضح له أنه امرأة ... وحدثه ~~قلبه بأنها هي، وتبعها عن بعد وهو لا يدري على أي وجه تنتهي ~~الليلة، هي أو غيرها فماذا يقصد؟ غير أنه واصل سيره مركزا ~~انتباهه في شبحها. ولما بلغت الجسر ودخلت في مرمى مصابيحه توكد ~~إحساس قلبه وأيقن أنها زنوبة، غير أنها كانت ملتفة في الملاءة ~~اللف التي تخلت عن ارتدائها طوال معاشرتها له. عجب لذلك وتساءل ~~عن معناه فظن - ما أكثر ظنونه ms273 - وراءه أمرا. رآها تتجه إلى محطة ~~ترام الجيزة وتنتظر، فسار محاذيا للحقول حتى جاوز الموضع قبالتها، ~~ثم عبر إلى ناحيتها ووقف بعيدا عن مرمى بصرها. وجاء الترام ~~فاستقلته، وعند ذاك هرول إليه فركب جاعلا مجلسه في نهاية المقعد ~~المطلة على السلم ليراقب النازلين. وعند كل محطة راح يتطلع إلى ~~الطريق، وقد زايله الإشفاق من اكتشاف أمره؛ لأنه حتى إذا وقع فقد ~~فاتها أن تعلم أنه كان يرصدها أمام العوامة متجسسا. نزلت في ~~العتبة الخضراء فنزل وراءها، ورآها تتجه إلى الموسكي مشيا على ~~الأقدام، فتبعها على بعد مرحبا بظلمة الطريق. ترى هل عاودت ~~الاتصال بخالتها؟ أم تراها ماضية إلى السيد الجديد؟ ولكن ماذا ~~دعاها إلى الذهاب إليه وعندها عوامة تنادي العاشقين؟ وبلغت حي ~~الحسين فضاعف انتباهه أن تضيع منه في زحمة الملاءات اللف. لم ~~تستبن له غاية وراء هذه المطاردة الخفية، ولكن كان مدفوعا برغبة ~~في الاستطلاع أليمة وعقيمة وإن تكن في نفس الوقت عنيفة لا تجدي ~~معها المقاومة ... سارت أمام الجامع فاتجهت إلى حارة الوطاويط حيث ~~يقل المارة ويلبد الشحاذون المتعبون، ثم إلى الجمالية حتى مالت ~~إلى قصر الشوق فتبعها مشفقا من أن يلقاه ياسين في الطريق أو يراه ~~من نافذة، فارتأى إن صادفه أن يزعم له أنه ذاهب لزيارة صديقه غنيم ~~حميدو صاحب معصرة الزيوت وجار ياسين بقصر الشوق. وما يدري إلا وهي ~~تنعطف إلى أول حارة، تلك الحارة التي لم يكن بها من بيت إلا بيت ~~ياسين، فدق قلبه بقوة وثقلت قدماه، كان يعرف سكان الدورين ~~الأول والثاني، وهما أسرتان لا يمكن أن تربطهما بزنوبة رابطة. وزاغ ~~بصره قلقا واضطرابا، غير أنه وجد نفسه يميل إلى العطفة غير ~~مقدر للعواقب، فاتجه نحو الباب حتى ترامى إلى سمعه وقع الأقدام ~~الصاعدة، ثم دخل بئر السلم رافعا رأسه منصتا إلى وقع الأقدام ~~فشعر بمرورها بالباب الأول ثم الثاني، ثم وهي تطرق باب ~~ياسين! # تسمر في مكانه وهو يلهث، فدار رأسه وشعر بخور وتهدم، ثم تنهد ~~من الأعماق، وانتزع نفسه من ms274 موضعه راجعا من حيث أتى، وقد غاب ~~الطريق عن عينيه في زحمة الأفكار، وارتطام الخواطر. # ياسين كان الرجل! فترى هل علمت زنوبة بعلاقته الأبوية بياسين؟ ~~وراح يدفع الطمأنينة في نفسه كما يدفع سدادا غليظا في فوهة ~~ضيقة قائلا: إنه لم يجر على لسانه ذكر لأحد أبنائه أمامها، ~~فضلا عن أنه من غير المعقول أن يكون ياسين واقفا على سره، وإنه ~~ليذكر كيف جاءه منذ أيام لينهي إليه طلاق مريم، فطالعه بوجه ~~المذنب المرتبك، ولكن في براءة وإخلاص لا تشوبهما شائبة، وإنه ~~ليفترض كل شيء إلا أن يقدم ياسين على خيانته وهو عالم بما يفعل، بل ~~من أين لياسين أن يعلم بأن أباه ذو صلة أو كان ذا صلة بأي امرأة ~~في الوجود، فله أن يطمئن من هذه الناحية، وحتى إذا كانت زنوبة قد ~~عرفت علاقته بياسين، أو إذا عرفتها يوما من الأيام، فلن تطلع ~~ياسين على سر خليق بأن يقطع ما بينهما، وواصل السير مؤجلا ~~الذهاب إلى الإخوان ريثما يسترد أنفاسه، ويملك جنانه فمضى في اتجاه ~~العتبة على تعبه وإعيائه. # أردت أن تعرف وها أنت قد عرفت، ألم يكن الأفضل أن تنفض يديك ~~من الأمر كله قانعا بالصبر؟ احمد الله على أن الظروف لم تجمعك ~~بياسين وجها لوجه في بؤرة الفضيحة، كان ياسين هو الرجل، متى ~~عرفته؟ وأين؟ وكم من مرة خانته معه وهو لا يدري؟ أسئلة لن تبحث ~~لها عن جواب، افترض إذا شئت أسوأ الفروض، فلن يغير هذا من الأمر ~~شيئا، وهل عرفها قبل أن يطلق مريم أم بعد الطلاق أم كانت ~~الشيطانة الباعث على الطلاق؟ أسئلة أخرى لن تعرف الجواب عنها ولن ~~تبحث عنه، فافترض أسوأ الفروض أيضا إراحة لرأسك المصدوع. ياسين ~~كان الرجل! قال: إنه طلقها لقلة أدبها! كلام كان يمكن أن ~~يعلل به طلاق زينب لو لم يطلع هو على السبب الحقيقي حال وقوعه، ~~سوف تعرف الحقيقة يوما، ولكن ماذا يهمك من أمرها؟ ألا زلت ~~مشغوفا بالجري وراء الحقيقة؟ أنت مبعثر الرأس معذب القلب، ~~أيمكن ms275 أن تغار من ياسين؟ كلا، ليست هذه بالغيرة، على العكس مما ~~تظن أنت خليق بالتعزي، إذا لم يكن بد من أن يكون لك قاتل فليكن ~~ابنك هو قاتلك، ياسين جزء منك، جزء منك انهزم، وجزء منك انتصر، أنت ~~المغلوب، وأنت الغالب، ياسين قلب مغزى المعركة، كنت تشرب كأسا ~~مزاجها الألم والهزيمة فصار مزاجها الألم والهزيمة والفوز والعزاء، ~~لن تتحسر على زنوبة بعد اليوم، غاليت في الاعتداد بنفسك، عاهد ~~نفسك على ألا تسقط الزمن من حسابك بعد الآن، ليتك تستطيع أن ~~توجه هذه النصيحة إلى ياسين حتى لا يؤخذ على غرة إذا جاء دوره، ~~أنت سعيد، لا داعي للندم، ينبغي أن تواجه الحياة بخطة جديدة، وقلب ~~جديد، وعقل جديد. دع الراية في يد ياسين، وسوف تفيق من دوارك ~~ويمضي كل شيء وكأنه لم يكن، لن يتاح لك أن تجعل من حوادث الأيام ~~الأخيرة حديثا يدار على مائدة الإخوان كسابق عهدك، علمتك هذه ~~الأيام المخيفة أن تطوي الصدر على أمور كثيرة، آه ... ما أعظم ~~تشوقي إلى الشراب! # أثبت السيد أحمد في الأيام التالية أنه أقوى مما اعترضه من ~~أحداث، فسار في طريقه قدما، وقد ترامت إليه أنباء طلاق ياسين على ~~حقيقتها من السيد علي عبد الرحيم نقلا عن غنيم حميدو وآخرين، وإن ~~لم يتعرف الراوون على حقيقة المرأة التي نجم عن مغامرتها طلاق ~~الزوجة. وابتسم السيد، وضحك طويلا من كل شيء، وكان ماضيا إلى بيت ~~محمد عفت - ذات مساء - حين شعر بثقل قبيح في أعلى الظهر والرأس حتى ~~لهث. لم يكن الأمر جديدا كل الجدة، فقد جعل الصداع ينتابه كثيرا ~~في الأيام السابقة، ولكنه لم يشتد عليه كهذه المرة. ولما شكا ~~حاله إلى محمد عفت أمر له بقدح من شراب الليمون المثلوج. وأمضى ~~سهرته حتى نهايتها. ولكنه استيقظ في اليوم التالي أسوأ حالا من ~~الأمس، وبلغ به الضجر أن فكر في استشارة الطبيب، والواقع أنه لم ~~يكن يفكر في استشارة الطبيب إلا حين الضرورة القصوى. # 31 # تتطور الأشياء بالمناسبات كما تتطور الألفاظ ms276 بما يستجد من ~~معان جديدة، لم يكن قصر آل شداد في حاجة جديدة كي يزداد في عيني ~~كمال جلالا، ولكنه بدا في ذلك المساء من ديسمبر في زي جديد من ~~أزياء الحياة. أريقت عليه الأنوار حتى غمرته. أجل، كان كل ركن من ~~أركانه وكل موضع من جدرانه يتقلد عقدا من اللآلئ المضيئة ... ~~مصابيح كهربائية مختلفة الألوان تومض فوق رقعة جسده من أعلى السطح ~~إلى أسفل الجدار، كذلك السور الكبير، والباب الضخم، كذلك أشجار ~~الحديقة بدت كأنما استحالت أزهارها وثمارها أنوارا حمرا وخضرا ~~وبيضا، ومن النوافذ جميعا انبعثت الأضواء، فكل شيء يهتف مؤذنا ~~بالفرح. وعندما رأى كمال وهو مقبل ذلك المنظر آمن بأنه يحج إلى ~~مملكة النور لأول مرة في حياته، وازدحم الطوار المواجه لمدخل ~~البيت بالغلمان، وفرش المدخل برمل فاقع لونه كالذهب، وفتح الباب ~~على مصراعيه، كذلك باب السلاملك فلاحت من داخله نجفة كبيرة في سقف ~~البهو المعد لاستقبال المدعوين، على حين امتلأت الشرفة العليا ~~الكبيرة بمجموعة وضيئة من الغيد في ثياب السهرة البهيجة. ووقف شداد ~~بك وجماعة من رجال الأسرة في مدخل السلاملك يستقبلون الوافدين، أما ~~شرفة السلاملك فقد ازدانت برجال أوركسترا عجيب ترامت أنغامه إلى ~~حدود الصحراء. # ألقى كمال على المنظر كله نظرة شاملة سريعة، ثم تساءل: ترى ~~أعائدة في الشرفة العليا بين المطلات؟ وهل وقعت عيناها عليه وهو ~~يقبل مع المقبلين بقامته الفارعة، وزينته الكاملة، والمعطف على ~~ساعده، يتقدمه رأسه الكبير وأنفه الشهير؟ لم يخل من إحساس ~~بالارتباك وهو يجتاز الباب، ولكنه لم يتجه إلى السلاملك كالآخرين، ~~وإنما مال إلى «ممره» القديم المفضي إلى الحديقة كما نبه حسين ~~شداد من قبل كي يتاح لجماعتهم البقاء معا أطول مدة ممكنة في ~~الكشك المحبوب. كأنما كان يخوض بحرا من نور، وقد وجد السلاملك ~~الخلفي - كالأمامي - مفتوح الباب، مضاء بالأنوار، يعج بالمدعوين، ~~كذلك الشرفة العليا معمورة بأسراب الحسان، أما في الكشك فلم يجد ~~سوى إسماعيل لطيف في بدلة سوداء أنيقة أضفت على منظره العدواني ~~هيئة لطيفة لم يره في مثلها ms277 من قبل. ألقى إسماعيل عليه نظرة سريعة، ~~ثم قال: بديع، لكن لم أتيت بالمعطف؟ حسين لم يمكث معي إلا ربع ~~ساعة، ولكنه سيعود إلينا حين يفرغ من الاستقبالات، أما حسن فقد لبث ~~معي دقائق ولا أظنه سيتمكن من مجالستنا كما نود، هذا يومه وله ~~عنا أمور تغنيه، كان حسين يفكر في دعوة بعض الزملاء إلى هنا، ولكني ~~منعته فاكتفى بأن يدعوهم إلى مائدتنا، سيكون لنا مائدة خاصة، هذا ~~أهم خبر أزفه إليك الليلة. # هنالك ما هو أهم، سوف أعجب من نفسي طويلا لقبولي هذه الدعوة، ~~لم قبلتها؟ لتبدو كأنك لا تبالي، أم لأنك غدوت مغرما ~~بالمغامرات المخيفة؟ ~~- هذا حسن، ولكن لم لا نذهب ولو قليلا إلى البهو الكبير ~~لنشاهد المدعوين؟ # قال إسماعيل لطيف بازدراء: لن تحظى بما تريد حتى لو ذهبنا، فإن ~~الباشوات والبكوات خصوا بالبهو الأمامي وحدهم، فإذا ذهبت فستجد ~~نفسك بين الشباب من الأهل والأصدقاء في البهو الخلفي، وليس هذا ما ~~تريد، وددت لو أمكن أن نندس في الحجرات العليا التي تموج بأفخر ~~مثل الجمال. ~~- مثال واحد يعنيني، مثال المثل، الذي لم تقع عليه عيناي منذ ~~يوم الاعتراف، هتك سري وذهب. # لا أكتمك أني مشوق إلى رؤية الكبراء، قال حسين لي: إن والده قد ~~دعا كثيرين ممن أقرأ عنهم في الصحف. # ضحك إسماعيل ضحكة عالية، وقال: أتحلم بأن ترى كبيرا وله أربع ~~أعين أو ست أرجل؟ إنهم أناس مثلي ومثلك فضلا عن أنهم طاعنون في ~~السن وذوو منظر لا يسر كثيرا، إني أفهم سر تطلعك إليهم، ما ~~هو إلا ذيل لاهتمامك المفرط بالسياسة. # يجدر بي ألا أهتم بشيء ما في هذه الدنيا، لم تعد لي ولم أعد ~~لها، غير أن اهتمامي بالكبراء مستمد في الحقيقة من هيامي ~~بالعظمة، أنت تود أن تكون عظيما لا تنكر، ولك مؤهلاتك الواعدة من ~~خلقة سقراط وآلام بتهوفن، أنت مدين بهذا التطلع للتي حرمتك النور ~~بذهابها، غدا لن تجد لها أثرا في مصر كلها، يا جنون الألم! إن لك ~~لسكرة! ... قال بتشوف: قال ms278 لي حسين: إن الحفلة ستجمع بين رجال من ~~جميع الأحزاب. ~~- صحيح، بالأمس دعا سعد الأحرار والوطنيين إلى حفلة الشاي ~~المعروفة بالنادي السعدي، واليوم شداد بك يدعوهم إلى زفاف كريمته، ~~رأيت من أصدقائك الوفديين: فتح الله بركات، وحمد الباسل، وجاء من ~~الآخرين: ثروت، وإسماعيل صدقي، وعبد العزيز فهمي. شداد بك يعمل ~~بهمة عالية، وحسنا فعل، لقد ولى عهد أفندينا، كان الشعب يهتف ~~منشدا «الله حي ... عباس جي!» ولكن الحقيقة أنه ذهب إلى غير رجعة، ~~فكان من الحكمة أن يعمل شداد بك للمستقبل حسابه، ويجب أن يسافر كل ~~أعوام قلائل إلى سويسرا ليقدم إلى الخديو فروض طاعة كاذبة من باب ~~الحيطة، ثم يعود ليواصل سيره الموفق. # قلبك يمقت هذه الحكمة، إن محنة سعد بالأمس القريب أثبتت أن ~~الوطن مليء بهؤلاء الحكماء، ترى أشداد بك واحد منهم؟ والد ~~المعبودة؟ مهلا إن المعبودة نفسها نزلت من علياء السماء لتقترن ~~بواحد من البشر، ليتفتت قلبك حتى يعجزك لم أجزائه ~~المتناثرة. ~~- تصور أن حفلة كهذه تمضي بلا مطرب ولا مطربة! # قال إسماعيل بلهجة ساخرة: آل شداد نصف باريسيين، ينظرون إلى ~~تقاليد الأفراح بازدراء غير قليل، ولا يسمحون لعالمة بأن تحيي ~~حفلة في بيتهم، ولا يعترفون بمطرب من مطربينا، ألا تذكر حديث حسين ~~عن هذا الأوركسترا الذي أراه الليلة لأول مرة في حياتي؟ إنه يعزف ~~مساء الأحد من كل أسبوع في جروبي، وسينتقل إلى البهو بعد العشاء ~~ليطرب الكبراء، دع هذا واعلم أن زينة الليلة هي العشاء ~~والشمبانيا. # جليلة وصابر، وزفاف عائشة وخديجة؟ شتان بين الجوين، كم كنت ~~سعيدا في تلك الأيام! الليلة يشيع الأوركسترا حلمك إلى القبر، ~~أتذكر الذي رأيت من ثقب الباب؟ ... أسفي على الآلهة التي تتمرغ في ~~التراب! ~~- هذا شيء يهون، الذي آسف عليه حقا وسآسف عليه طويلا هو أنني ~~لم أتمكن من مشاهدة الكبراء عن كثب، كنت أتطلع إلى سماع حديثهم ~~لأفهم أمرين هامين: أولهما الموقف السياسي على حقيقته، وهل بات ~~من المأمول حقا بعد الائتلاف أن يعود الدستور والحياة النيابية؟ ~~والثاني كلام ms279 هؤلاء الناس العادي الذي يتبادلونه في مناسبة سعيدة ~~كهذه، أليس بديعا أن تصغي إلى ثروت باشا مثلا وهو يثرثر ~~ويمزح؟ # قال إسماعيل لطيف وهو يتظاهر الاستهانة وإن نمت حركات ~~الاستهانة نفسها عن مباهاة: أتيح لي أكثر من مرة أن أجلس مع أصدقاء ~~أبي من أمثال سليم بك والد حسن وشداد بك، أؤكد لك أنك لن تجد ~~لديهم ما يستحق هذا الاهتمام. # من أين جاء الفارق إذن بين ابن المستشار وابن التاجر؟ كيف كان ~~جل حظ أحدهما أن يعبد المعبود على حين يتزوج الآخر منه؟ أليس هذا ~~الزواج آية على أن هؤلاء القوم من طينة غير طينة البشر؟ لكنك لا ~~تدري كيف يتكلم أبوك بين أصحابه وأقرانه. ~~- على أي حال سليم بك ليس من العظماء الذين أعني. # ابتسم إسماعيل لهذه الملاحظة الأخيرة دون أن يعلق عليها. هذه ~~الضحكات تجيء من الداخل مفعمة بالغبطة، وأخرى تهبط من الشرفة ~~العليا معبقة بشذا الأنوثة الساحر، وبين هذه وتلك تجاوب كالذي بين ~~أنغام الآلات المترامية من بعيد تستقبلها الأذن وحدة حينا، وطاقة ~~من ألحان شتى حينا آخر، ثم تكون كلها - الضحكات والأنغام - إطارا ~~ورديا يبدو فيه القلب الحزين المترع بالوحشة كبطاقة سوداء في ~~طاقة ورد. # وما لبث حسين شداد أن جاء متهللا بقامته الفارعة ووجهه ~~المتألق يختال في الردنجوت. فتح ذراعيه عندما اقترب ففعل كمال ~~مثله وتعانقا بحرارة، ثم لحق به حسن سليم في بزته الرسمية، جميلا ~~في كبريائه الطبيعي الملفوف في مظهره المؤدب المهذب وإن بدا إلى ~~جانب حسين قصيرا صغيرا، فتصافحا أيضا بحرارة، وهنأه كمال من ~~أعماق لسانه. وقال إسماعيل لطيف بصراحته المعهودة التي لا تكاد في ~~أغلب الأحيان تتميز من المكر السيئ: كمال آسف لأنه لم تتح له ~~مجالسة ثروت باشا وصحبه. # فقال حسن سليم بمرح غريب أطاح بتحفظه المعهود: فلينتظر حتى ~~يسجل مؤلفاته المنتظرة، وعندها يجد نفسه واحدا منهم. # أما حسين شداد فقال محتجا: أهاوي تزمت أنت؟ إنما أريد أن ~~تمر الليلة كلها ونحن مستمتعون بحريتنا الكاملة. # وقبل أن يجلس حسين ms280 استأذن حسن سليم منصرفا؛ إذ كان في الواقع ~~كالفراشة لا يستقر بموضع، ومد حسين ساقه أمامه، وراح يقول: غدا ~~يسافرون إلى بروكسل، سبقاني إلى أوروبا، ولكن بقائي هنا لن يطول، ~~وغدا تكون ملهاتي التنقل ما بين باريس وبروكسل. # وتنتقل أنت ما بين النحاسين والغورية، بلا حبيب ولا صديق، هذا ~~جزاء من يتطلع إلى السماء، ستردد بصرك بين أركان المدينة ~~حائرا، ولن تبرأ عيناك من لوعة الشوق، املأ رئتيك من هذا الهواء ~~الذي تعبقه أنفاسها، غدا سوف ترثى لنفسك. ~~- يخيل إلي أنني سألحق بك يوما. # تساءل حسين وإسماعيل معا: كيف؟ # لتكن كذبتك ضخمة كألمك. ~~- ثمة اتفاق بيني وبين أبي على أن أسافر في بعثة على حسابي ~~الخاص بعد إتمام دراستي. # هتف حسين بسرور: لو تحقق هذا الحلم! # أما إسماعيل فقال ضاحكا: أخاف أن أجد نفسي وحيدا بعد بضع ~~سنين! # تلاقت آلات الأوركسترا جميعا في حركة متدفقة سريعة، أعلنت - ~~فيما أعلنت - عما في كل آلة من مرونة وقوة، كأنما تشترك كلها في ~~سباق عنيف بات الهدف منه في مرمى العين ومتناول الطموح، فسما بها ~~اللحن إلى ذروته العليا، تلك الذروة التي توحي بتداني الختام. ~~انجذب وعيه إلى الأنغام المستعرة رغم استغراقه بالشجن، فانخرط في ~~عدوها حتى تدافع دمه ولهثت منه الأنفاس، وسرعان ما داخلته رقة، ~~وأسكرته أريحية جعلت من حزنه نشوة دامعة، فتنهد مع النهاية من ~~الأعماق. وتملى أصداء اللحن المترنمة في روحه بانفعال وتأثر، ~~فخيل إليه أنه يتساءل: ألا يمكن أن تنتهي عواطفه المتأججة في ~~ذروتها إلى ختام كذلك؟ ألا يمكن أن يكون للحب - كهذا اللحن وككل ~~شيء - نهاية؟ وذكر أحوالا مرت به في أوقات نادرة، فترات من الفتور ~~حتى بدا وكأنه لم يبق من عايدة إلا اسمها، أتذكر هذه الفترات؟ ~~وكان يهز رأسه حيرة، ثم يتساءل: هل انتهى حقا كل شيء؟ وإذا بخيال ~~يطوف، أو فكرة تخطر، أو منظر يرى، فيستيقظ من غفوته ويلقى نفسه ~~غريقا في بحر الهوى مكبلا بأصفاد الأسر. جرب إذا حلت بك فترة ~~من هذه الفترات ms281 أن تقبض عليها بكل قواك، وألا تدعها تفلت حتى ~~يستقر بك الشفاء، أجل حاول أن تفني خلود الحب. قال حسين شداد ~~باسما: بدأت الحفلة بتلاوة سورة على سبيل البركة. # القرآن؟ ما ألطف هذا! الباريسية الحسناء نفسها لا تستطيع أن تعقد ~~قرانها إلا بمأذون وقرآن! وهكذا سيقترن زواجها في ذهنك بالقرآن ~~والشمبانيا! ~~- حدثنا عن نظام الحفلة؟ # قال حسين وهو يشير براحته إلى البيت: عما قليل يعقد القران، ~~وبعد ساعة يدعى الجميع إلى الموائد، ثم ينتهي كل شيء، وتبيت عايدة ~~هذه الليلة في بيتنا لآخر مرة، ثم تسافر مع الصباح إلى الإسكندرية ~~لتستقل بعد غد الباخرة إلى أوروبا. # ستضيع منك مناظر ما أخلقها بالتسجيل لتكون زادا لألمك الشره، ~~كرؤية اسمها الجميل وهو يكتب في الوثيقة الشرعية، ومنظر وجهها ~~المتطلع إلى إعلان النبأ السعيد، ولون الابتسامة التي يفتر عنها ~~ثغرها عند زفاف البشرى، ثم منظر العروسين وهما يتلاقيان، حتى ألمك ~~يعوزه الزاد. ~~- وهل يعقد القران مأذون؟ ~~- طبعا. # هكذا أجاب حسين، أما إسماعيل فضحك ضحكة عالية، وقال: بل ~~قسيس! # أي سخافة في سؤالك! ... سل أيضا هل يبيتان الليلة معا! أليس من ~~المحزن أن يسد مجرى حياتك رجل لا شأن له كهذا المأذون؟ ولكن ~~دودة حقيرة هي التي تأكل جدث أكبر الكبراء. فكيف ستكون جنازتك ~~حين يحم القضاء؟ شيء هائل يملأ الطريق أم لمة تمضي؟ ... وإذا ~~بالصمت يشمل البيت حتى استحال نورا بلا تغاريد فشعر بخوف وانقباض. ~~الآن في مكان ما، لعلها هذه الحجرة أو تلك. ثم لعلعت زغرودة طويلة ~~مجلجلة أحيت ذكرى قديمة، زغرودة كتلك الزغاريد التي عرفها من قبل ~~فلا تمت إلى باريس بسبب، ثم تبعتها زغاريد مجتمعة كالصواريخ، ~~لشد ما يبدو هذا القصر الليلة كأي بيت من بيوت القاهرة. وتابعت ~~دقات قلبه الزغاريد حتى لهث، ثم سمع إسماعيل يهنئ فهنأ بدوره، ~~وتمنى عند ذاك لو كان منفردا، ثم تعزى بأنه سينفرد بنفسه أياما ~~وليالي فوعد ألمه بزاد لا يفنى. وانبعثت الأوركسترا تعزف مقطوعة ~~يعرفها حق المعرفة هي «العفو يا سيد الملاح»، فنادى ms282 قدرته الهائلة ~~على التحمل والتصبر وإن كانت كل قطرة من دمه تطرق جدران عروقه ~~مؤذنة بأن كل شيء قد انتهى، إن التاريخ نفسه قد انتهى، إن ~~الحقيقة جميعا قد انتهت، إن الأحلام التي فوق الحياة قد انتهت، ~~وإنه يواجه الصخر المدبب الأطراف ولا شيء غيره. قال حسين ~~متأملا: كلمة ثم زغرودة ويدخل الواحد منا في دنيا جديدة، سوف ~~نعرف ذلك كلنا يوما ما. # فقال إسماعيل لطيف: سوف أباعد ما استطعت بيني وبين ذلك ~~اليوم. ~~- كلنا؟ إما السماء وإما لا شيء. ~~- لن أذعن لذلك اليوم أبدا. # بدا عليهما أنهما لم يكترثا لقوله، أو أنهما لم يحملاه على محمل ~~الجد، بيد أن إسماعيل عاد يقول: لن أتزوج حتى أقتنع بأن الزواج ~~ضرورة لا محيص عنها. # وجاء نوبي حاملا أكواب الشربات، ثم تبعه آخر بصينية محملة ~~بعلب الحلوى الفاخرة. علبة من البللور على قوائم أربع مذهبة، مموه ~~زجاجها الكحلي بزخارف فضية، وقد انعقد عليها شريط أخضر من الحرير ~~سجل على لافتة هلالية في عقدته الحرفان الأولان لاسمي العروسين ~~«ع. ح». شعر وهو يتناول العلبة بارتياح لعله كان أول شعور ~~بالارتياح يحظى به في ذلك اليوم. فقد وعدته العلبة الفاخرة بأن ~~معبودته ستترك وراءها أثرا خالدا كحبها، وأن هذا الأثر سيبقى ~~ما بقي هو على الأرض رمزا لماض غريب، وحلم سعيد، وفتنة سامية، ~~وخيبة رائعة. ثم لفه شعور بأنه ضحية اعتداء منكر تآمر به عليه ~~القدر، وقانون الوراثة، ونظام الطبقات، وعايدة وحسن سليم، وقوة ~~خفية غامضة لم يشأ أن يسميها ... وتراءى له شخصه التعيس وهو يقف ~~وحده أمام هذه القوى مجتمعة وجرحه ينزف فلا يظفر بأسى. ولم يجد ما ~~يرد به على هذا الاعتداء إلا ثورة مكبوتة حرمت من الإفصاح، بل ~~أجبرته الظروف على التظاهر بالسرور كأنما يهنئ القوى الباغية على ~~تنكيلها به، بل ونبذه خارج حدود البشرية السعيدة، فأضمر لها جميعا ~~حنقا خالدا ترك للمستقبل أمر تكييفه وتوجيهه، أجل شعر بأنه لن ~~يأخذ الحياة بعد تلك الزغرودة الفاصلة مأخذا سهلا، أو يرضى فيها ms283 ~~بالقريب، أو يتسامح معها تسامح الكرم والصفاء، وأن طريقه سيكون ~~شاقا، عسيرا، ملتويا، غاصا بالمضض والغضاضة والألم، ولكنه لم ~~يفكر في التراجع قبل الحرب وأبى الصلح، وأنذر وتوعد، غير أنه ترك ~~للقدر اختيار الغريم الذي سينازله، والوسيلة التي سيحارب بها. قال ~~حسين شداد وهو يزدرد ريقه المشرب بالشربات: لا تعلن الثورة على ~~الزواج، أعتقد - إذا أتيح لك أن تسافر كما تقول - أنك ستجد زوجة ~~تعجبك. # كأنك لم تجد التي تعجبك هنا، ابحث عن وطن جديد لا يتأذى جنسه ~~اللطيف بمنظر الرءوس الشاذة، والأنوف الكبيرة، إما السماء وإما ~~الموت. قال وهو يهز رأسه كالمقتنع: هذا رأيي. # فقال إسماعيل لطيف ساخرا: أتعرف ماذا يعني الزواج من أوروبية؟ ~~إنه كلمة واحدة «الظفر» بامرأة من أحط طبقات الشعب، امرأة ترضى ~~بأن تكون تحت رجل تشعر في أعماقها بأنه عبد من العبيد. # حظيت بهذه العبودية في وطنك الكريم لا في أوروبا التي لن ~~تراها. # قال حسين مستنكرا: مغالاة. ~~- انظر إلى المدرسين الإنجليز كيف يعاملوننا! # قال حسين شداد بحماس هو بالرجاء أشبه: الأوروبيون في بلادهم ~~غيرهم في بلادنا. # هل من سبيل إلى قوة قاهرة تبيد الظلم والظالمين؟ يا رب العالمين ~~أين عدالتك السماوية؟ # دعا الداعي إلى الموائد، فمضى الأصدقاء الثلاثة إلى السلاملك، ثم ~~إلى حجرة جانبية تتفرع عن البهو الخلفي، فوجدوا مقصفا صغيرا ~~يتسع لعشرة على الأقل، ولحق بهم شبان بعضهم من أقرباء آل شداد ~~والبعض من أصدقاء المدرسة، ومع أن العدد دون الحد المقرر للمقصف ~~وهو ما شكر عليه حسين من الأعماق، إلا أنهم سرعان ما اندفعوا إلى ~~الطعام بقوة وعنف حتى ساد الجو نشاط السباق. وكان ينبغي لهم أن ~~يتحركوا دواما ليطوفوا بشتى ألوان الطعام التي امتدت صحافها على ~~طول المائدة تفصل بين كل مجموعة منها وأخرى طاقة صغيرة من الورود. ~~ولوح حسين بإشارة من يده إلى السفرجي، فجاء بقوارير الويسكي ~~وزجاجات الصودا، فهتف إسماعيل لطيف: أقسم أني تفاءلت خيرا بهذه ~~الإشارة من قبل أن أعرف مغزاها. # ومال حسين على أذن كمال قائلا برجاء: ms284 كأسا واحدة من أجل ~~خاطري. # وقالت له نفسه «اشرب» لا رغبة في الشراب فإنه لم يعرفه، ولكن ~~رغبة في الثورة، بيد أن إيمانه كان أقوى من حزنه وتمرده. قال ~~مبتسما: أما هذه فلا، شكرا. # قال إسماعيل لطيف وهو يرفع كأسا مترعة: لا حق لك في هذا، حتى ~~الورع يبيح لنفسه السكر في حفلات الزفاف. # مضى يتناول طعامه الشهي في هدوء، وكان يراقب بين حين وآخر ~~الآكلين والشاربين، أو يشترك معهم في الحديث والضحك. إن سعادة ~~المرء تتناسب تناسبا طرديا مع عدد مرات شهوده لمقاصف الأفراح، ~~ولكن هل مقصف الباشوات مثل مقصفنا؟ نلتهم طعامهم ونحقق معهم! ~~شمبانيا! ... هذه فرصة لتذوق الشمبانيا ... شمبانيا آل شداد ماذا ~~قلتم؟ ما للأستاذ كمال لا يقرب الخمر؟ لعله ملأ بطنه فلم تعد ~~تتسع لمزيد، الحق أني آكل بشهوة لا تجارى، كأنما أعصاب معدتي لا ~~تتأثر بالحزن، أو أنها تتأثر به تأثرا عكسيا، هكذا تغديت في ~~مأتم فهمي، امنعوا إسماعيل عن الأكل والشرب وإلا نفق، موت ~~المنفلوطي وسيد درويش وضياع السودان أحداث كللت زماننا بالسواد، ~~لكن الائتلاف وهذا المقصف من أنباء زماننا السارة، أكلنا ثلاثة من ~~الديكة الرومية وثمة رابع لم يمسس بعد ... هو هذا! رباه إنه يشير ~~إلى أنفي فيضجون جميعا بالضحك. إنهم سكارى فلا تغضب. اضحك معهم ~~متظاهرا بالاستهانة والمرح، أما قلبي فينتفض غضبا، إن استطعت أن ~~تغزو العالم فاغزه، أما آثار هذه الليلة البهيجة فهيهات أن تنجو ~~منها أبد الدهر، وهاك اسم فؤاد الحمزاوي تتناقله الألسن، عن ~~تفوقه ونبوغه يتحدثون، فهل لذعتك الغيرة؟ سيكون حديثك عنه مدعاة ~~لإكبارك ولو على نحو ما: كان طالبا مجدا منذ طفولته. ~~- أتعرفه؟ # أجاب حسين شداد عنه: والده موظف في متجر والد كمال. # في قلبي ارتياح لعن الله القلوب. # قال كمال: كان والده ولا يزال الرجل المجد الأمين. ~~- وما تجارة والدك؟ # كم أحيط «التاجر» في خيالي بهالة الإكبار، حتى قيل لك ابن تاجر ~~وابن مستشار: تاجر جملة للبقالة. # الكذب أداة نجاة حقيرة، انظر إليهم كي تستشف ما يدور وراء ms285 ~~أقنعة وجوههم، ولكن أي رجل في هذا البيت يضارع أباك جمالا ~~وقوة؟ # وعقب الانصراف عن الموائد عادت الأكثرية إلى مجالسها في البهو، ~~وانطلق كثيرون إلى الحديقة يتمشون، فمر وقت هادئ خامل ، ثم أخذ ~~المدعوون في الانصراف، أما الأهل فصعدوا إلى الدور الثاني ~~ليقدموا التهاني إلى العروسين، وما لبث الأوركسترا أن انتقل ~~إليهم ليعزف مختاراته الرائعة في المجلس السعيد. ارتدى كمال معطفه، ~~وحمل علبة الحلوى الفاخرة، ثم تأبط ذراع إسماعيل وغادر سراي آل ~~شداد، قال إسماعيل وهو يلقي على صاحبه نظرة مخمورة: الساعة ~~الحادية عشرة، ما رأيك في أن نتمشى في شارع السرايات حتى أفيق ~~قليلا؟ فوافق كمال عن طيب خاطر؛ لأنه وجد في المشي وقتل الوقت ~~فرصة مواتية بيتها، فسارا معا في نفس الطريق الذي سار فيه من ~~قبل إلى جانب عايدة، يعترف لها بحبه ويبثها آلامه. لن يغيب عن ~~رأسه منظر هذا الطريق ذي القصور الجليلة الصامتة، والأشجار الباسقة ~~على جانبيه تطالع المساء بهدوء النفس المطمئنة وروعة الخيال ~~السامي، ولن يفتأ قلبك كلما وطئته قدماك أو استدعاه خيالك يرعش ~~باعثا بخفقات الحنين والوجد والألم كالشجرة المقلقلة بالرياح ترمي ~~أوراقها وثمارها، ومهما يكن من فشل رحلتك القديمة على أديمه فلن ~~يزال يدخر لك ذكرى حلم غابر، وأمل ضائع، وسعادة موهومة، وحياة ~~دافقة مترعة بالمشاعر هي على أسوأ التقديرات خير من راحة العدم، ~~ووحشة الهجر، وخمود العاطفة، وهل أنت واجد في مستقبلك زادا للقلب ~~إلا أماكن تتطلع إليها بعين الخيال، وأسماء تمد لها آذان الشوق؟ ~~تساءل كمال: ترى ماذا يحدث الآن في الدور الأعلى؟ # فأجاب إسماعيل بصوت مرتفع أزعج الصمت الجاثم: أوركسترا يعزف ~~مقطوعات غربية، العروسان فوق المنصة يبسمان وحولهما آل شداد وآل ~~سليم، رأيت مثل هذا الجمع مرات عديدة. # عايدة في ثياب العرس! يا له من منظر! هل رأيت شيئا كهذا ولو ~~فيما يرى النائم؟ ~~- وإلام يمتد الحفل؟ ~~- ساعة على الأكثر كي يتمكن العروسان من النوم ما داما ~~سيسافران في الصباح إلى الإسكندرية. # كلمات كالخناجر، اغرز منها ما تشاء في ms286 قلبك. # غير أن إسماعيل عاد يقول متسائلا: ولكن متى عرفت ليالي ~~الزفاف النوم؟ # وضحك ضحكة عالية معربدة، ثم تجشأ ونفخ أبخرة الخمر وهو ~~يقطب متأففا، ثم بسط صفحة وجهه، وقال: ربنا لا يحكم عليك بنوم ~~العشاق، لا نوم لهم يا عيني، لا يغرنك تحفظ حسن سليم، سيصول ~~ويجول كالفحول حتى مطلع الصبح، هذا قضاء لا نجاة منه. # تذوق هذا النوع الجديد من الألم المقطر، روح الألم أو ألم ~~الألم، ليكن عزاؤك أنك انفردت بألم لم يشعر به إنسان قبلك، وأنه ~~سيهون عليك الجحيم إذا قدر عليك يوما أن تحملك الزبانية، وترقص ~~بك فوق ألسنة لهيبه، ألم! لا لفقد الحبيب فإنك ما طمحت يوما في ~~امتلاكه، ولكن لنزوله من علياء سمائه. لتمرغه في الوحل بعد حياة ~~عريضة فوق السحاب؛ لأنه رضي لخده أن يقبل، ودمه أن يسفح، ولجسده ~~أن يبتذل. ما أشد حسرتي وألمي! ~~- أحق ما يقال عن ليلة الدخلة؟ # هتف إسماعيل: أتجهل بالله هذه الأمور؟ # كيف يقدسون الدنس! ~~- لا أجهلها طبعا، كنت حتى زمن قريب لا أدري عنها شيئا، وثمة ~~أمور أود أن تعاد على مسمعي. # قال إسماعيل ضاحكا: إنك تبدو لي أحيانا أحمق أو أبله. ~~- دعني أسألك، أيهون عليك أن يفعل هذا بشخص تقدسه؟ # تجشأ مرة ثانية حتى تطايرت رائحة الخمر اللعينة إلى أنف كمال، ~~وقال: لا يوجد شخص يستحق أن يقدس. ~~- ابنتك مثلا، لو كان لك ابنة؟ ~~- لا ابنتي ولا أمي، كيف جئنا نحن؟ هذا هو قانون الطبيعة. # نحن! الحقيقة نور لألاء، فغض الطرف، وراء ستار القداسة الذي ~~سجدت أمامه طيلة حياتك يعبثان كالأطفال، ما لكل شيء يبدو خاويا! ~~الأم ... الأب ... عايدة، كذلك ضريح الحسين ... مهنة التجارة ... ~~أرستقراطية شداد بك، يا لشدة الألم! ~~- ما أقذر قانون الطبيعة. # تجشأ إسماعيل للمرة الثالثة، وقال وقد نم صوته عن الضحك وإن ~~لم يسمع له ضحك: الحقيقة أن قلبك موجع، إنه يغني مع المطربة ~~الجديدة أم كلثوم «أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا». # كمال في انزعاج: ماذا تعني؟ # فقال إسماعيل بلهجة تعمد ms287 أن تشي بسكره أكثر من الواقع: أعني ~~أنك تحب عايدة. # رباه كيف افتضح سره. ~~- أنت سكران. ~~- هي الحقيقة، والجميع يعرفونها. # هتف وهو يحملق صوبه في الظلام: ماذا تقول؟ ~~- أقول: إنها الحقيقة ، والجميع يعرفونها. ~~- الجميع؟ من هم؟ من افترى هذا علي؟ ~~- عايدة. ~~- عايدة؟ ~~- عايدة هي التي أذاعت سرك. ~~- عايدة؟ لا أصدق هذا، أنت سكران. ~~- نعم أنا سكران، ولكن هذه هي الحقيقة أيضا، من فضائل السكران ~~أنه لا يكذب ... (ثم بعد ضحكة رقيقة) ... هل أغضبك هذا؟ عايدة كما ~~تعلم شابة لطيفة، طالما لفتت الأنظار سرا إلى عينيك المغرمتين ~~وأنت لا تدري، لا بدافع السخرية، ولكن لأنها تتيه دلالا ~~بالمغرمين، وقد كاشفت حسن أول الأمر فوجه حسن نظري إليك مرات، ثم ~~أفضى بالسر إلى حسين، بل علمت أن سنية هانم سمعت عن العاشق ~~الولهان كما كانوا يدعونك، وغير مستبعد أن يكون الخدم قد استرقوا ~~السمع إلى ما دار عنك بين سادتهم، فالكل يعرف قصة العاشق ~~الولهان. # شعر بخور، وخيل إليه أن الأقدام المتحركة تطأ كرامته بقسوة، ~~فانطبقت شفتاه على حزن مرير، أهكذا يبعثر السر المصون. وعاد ~~الآخر يقول: لا تتأثر، كان الأمر كله دعابة بريئة صدرت عن قلوب ~~تكن لك الود، حتى عايدة لم تذع سرك إلا بدافع ~~المباهاة! ~~- توهمت فانخدعت! # فقال إسماعيل ضاحكا: إنكار حبك عبث كإنكار الشمس في رابعة ~~النهار. # صمت كمال صمتا مليئا بالشجن والاستسلام، وفجأة تساءل: ماذا قال ~~حسين؟ # ارتفع صوت إسماعيل وهو يقول: حسين؟ إنه صديقك الأمين، طالما ~~أعلن عدم ارتياحه لأسلوب أخته البريء، وكان يجيبها منوها ~~بمزاياك؟ # تنهد في ارتياح، إذا كان في الحب قد خاب أمله، فقد بقيت له ~~الصداقة، آه كيف يسعه أن يدخل سراي آل شداد بعد الليلة؟ # وقال إسماعيل بلهجة جدية كأنما يشجع صاحبه على مواجهة الموقف: ~~كانت عايدة في حكم المخطوبة لحسن من قبل إعلان الخطوبة بأعوام، ثم ~~إنها أكبر منك سنا، وهذه العواطف تنسى عقب النوم، فلا تهتم ~~ولا تحزن. # هذه العواطف تنسى! تساءل باهتمام غير خاف: أكانت تسخر مني ~~وهي ms288 تنوه بهذا الغرام المزعوم؟ ~~- كلا، قلت لك إنها تسعد بالحديث عن عشاقها. # كانت معبودتك إلها قاسيا ساخرا ينشرح صدره للهزء بعابديه، ~~أتذكر يوم مثلت برأسك وأنفك؟ ما أشبهها بقانون الطبيعة في قوته ~~وقسوته، كيف هرعت بعد ذلك متهللة إلى ليلة الدخلة كأي فتاة؟ أما ~~أمك فشيمتها الحياء كأنما تشعر بذبها. # وكانا قد توغلا في الطريق فاستدارا راجعين في صمت، كأنما قد ~~تعبا من الحديث وشجونه. وما لبث إسماعيل أن اندفع يغني بصوت رديء: ~~«يا ما شاء الله ع التحفجية»، ولكن الآخر لم يخرج عن صمته فضلا عن ~~أنه لم يبد عليه أنه انتبه إلى غنائه. ما أخجله! أحدوثة كان، ~~وكأنه بأهل البيت والأصدقاء والخدم وهم يتغامزون من وراء ظهره ~~وهو عنهم غافل. معاملة فظة لا يستحقها، فهل يكون هذا جزاء الحب ~~والعبادة؟ ما أقسى المعبودة! وما أفظع الألم! لعل نيرون عندما غنى ~~وروما تحترق كان ينتقم لحال كحاله هذه. كن قائدا غازيا يختال ~~على متن جواد، أو زعيما يحمل على الأعناق، أو تمثالا من صلب ~~فوق سارية، أو ساحرا يتصور في أي صورة شاء، أو ملاكا يطير فوق ~~السحاب، أو راهبا منزويا في صحراء، أو مجرما خطيرا يزلزل ~~الآمنين، أو مهرجا يأسر الضاحكين، أو منتحرا يهز الرائين، لو علم ~~فؤاد الحمزاوي بقصته لقال له وهو يواري سخريته تحت طلاء أدبه ~~المعهود: الحق عليك، فأنت الذي هجرتنا من أجل هؤلاء الناس، احتقرت ~~قمر ونرجس فذق هجر الآلهة. السماء أو لا شيء هذا هو جوابي. ~~فلتتزوج كما تحب، وتذهب إلى بروكسل أو باريس، وليتقدم بها العمر ~~حتى يذوي عودها الريان، فلن تظفر بحب كحبي. لا تنس هذا الطريق ~~ففوق أديمه سكرت بخلب الآمال، ثم تجرعت غصص اليأس، لم أعد من ~~سكان هذا الكوكب، غريب أنا وينبغي أن أحيا حياة الغرباء. # عندما مرا بسراي آل شداد في طريق العودة وجدا العمال عاكفين على ~~نزع الزينات، وأسلاك المصابيح الكهربائية من فوق الجدران والأشجار، ~~فتجرد البيت الكبير من حلية الزفاف واشتمل بالظلام، إلا حجرات ~~ظل ms289 النور ينبعث من شرفاتها ونوافذها. انتهى الحفل وتفرق الجمع، ~~وأذن الحال بأن لكل شيء نهاية، وها هو يعود حاملا علبة الحلوى ~~كأنه طفل يلهى عن البكاء ببضع قطع من الشيكولاتة، وواصلا السير على ~~مهل حتى بلغا مطلع الحسينية، فتصافحا، وافترقا. # لم يكد كمال يتقدم في شارع الحسينية أمتارا حتى توقف، ثم انقلب ~~عائدا إلى العباسية التي بدت مقفرة مغرقة في النوم، وحث خطاه صوب ~~سراي آل شداد، وعندما شارف البيت مال يمنة إلى الصحراء التي ~~تكتنفه، وأوغل فيها حتى بلغ موضعا فيما وراء السور الخلفي ~~للحديقة يطلع على السراي على بعد، وكان الظلام كثيفا شاملا ~~يطمئن الرقباء ستائره. ولأول مرة في ليلته شعر بالبرودة في ذلك ~~الخلاء العاري، فحبك المعطف حول جسده النحيل الطويل ... تراءى له ~~شبح البيت وراء سوره العالي كالقلعة الضخمة، فجالت عيناه باحثة عن ~~هدف غال حتى استقرتا على نافذة مغلقة يوصوص النور من خلال خصاصها ~~في أقصى الجناح الأيمن من الدور الثاني. تلك غرفة العرس، الغرفة ~~الوحيدة اليقظى في هذا الجانب من القصر، كانت بالأمس حجرة نوم ~~عايدة وبدور، وازينت الليلة لشهود أعجب ما جرت به المقادير. ~~تطلع إليها طويلا، أول الأمر بلهفة كأنه طائر مقصوص الجناح ~~يتطلع إلى عشه فوق الشجرة، ثم بحزن عميق كأنما يرى بعينيه مصرعه ~~فيما وراء الغيب، ماذا يدور وراء هذه النافذة؟ ... لو يتاح له أن ~~يتسلق هذه الشجرة في الحديقة ليرى! إن البقية الباقية من عمره ثمن ~~زهيد يؤديه عن طيب خاطر لقاء نظرة خلال هذه النافذة، وهل قليل أن ~~ترى المعبود في خلوة زفافه؟ كيف يقيمان؟ وكيف تلتقي العينان؟ وبأي ~~حديث يتناجيان؟ وفي أي مكان من الدنيا ينزوي الآن كبرياء عايدة؟ ~~إنه يتحرق شغفا إلى الرؤية وإلى تسجيل كل كلمة تند، أو حركة ~~تصدر، أو أمارة تنطق بها أسارير الوجه، بل إلى خطرات النفس، ~~وتصورات الخيال، ونفثات العاطفة، وفورات الغرائز ... كل شيء ولو كان ~~بشعا مرعبا أو محزنا مؤلما، ولتذهب الحياة بعد ذلك دون أسف. ~~ولبث بمكانه والوقت يمضي، ms290 لا هو يبرح ولا النور ينطفئ، ولا خياله ~~يمل التساؤل. ماذا كان يفعل لو كان في مكان حسن سليم؟ ودوخته ~~الحيرة دون الجواب، إن العبادة لن تغني عن هذه الليلة شيئا ، وخلا ~~العبادة من مطالب النفس لم يتوجه إلى عايدة، أما حسن سليم فمن ~~طائفة لا تتقيد بالعبادة. هكذا يتعذب في الصحراء، وهنالك ~~تتبادل قبل مما عهده الناس، وتنهدات تتصبب عرقا، وغيبوبة ~~تنز دما، وغلالة تنحسر عن جسد فان، كهذا العالم الفاني، ~~وآماله الخاوية، وأحلامه الطائشة ... فابك ما بدا لك على هوان ~~الآلهة، وليمتلئ قلبك بالمأساة. ولكن أين يمضي الشعور الباهر ~~الرائع الذي نور قلبه أربعة أعوام؟ لم يكن وهما ولا صدى لوهم، ~~إنه حياة الحياة، ولئن تسيطر الظروف على الجسد، فأي قوة تستطيع أن ~~تتطاول إلى الروح، وهكذا لتبقين المعبودة معبودته، والحب عذابه ~~وملاذه، والحيرة ملهاته، حتى يقف أمام الخالق يوما يسائله عما ~~حيره من معضلات الأمور، آه لو يطلع على ما وراء النافذة، لو ~~يكشف سر أسرار وجوده؟ ... وكان البرد يقرصه أحيانا، فيذكره بموقفه، ~~وبالوقت الذي يمر سادرا، ولكن فيم يتعجل العودة؟ أيطمع حقا ~~أن يطرق النوم جفونه هذه الليلة؟ # 32 # وقف الحنطور أمام دكان أحمد عبد الجواد، وقد لطخ عجلاته الوحل ~~المتراكم في شارع النحاسين، والمياه المتجمعة في فجواته، فغادره ~~السيد محمد عفت في جبة صوفية، ودخل الدكان وهو يقول باسما: جئناك ~~بحنطور، وكان الأسلم أن نجيئك بقارب. # وكانت الأمطار قد انهملت يوما ونصف يوم حتى سالت الأرض، وغرقت ~~الحواري والأزقة، ومع أن السماء أمسكت - بعد ذلك - إلا أن تجهمها ~~لم ينكشف، وظل وجهها متواريا وراء سحاب جون أظل الأرض بمظلة قاتمة ~~بعثت في الجو عكارة كأنها نذير ليل بهيم. واستقبل أحمد عبد الجواد ~~صاحبه بترحاب ودعاه إلى الجلوس، وما كاد محمد عفت يطمئن إلى مجلسه ~~عند ركن المكتب حتى قال كأنما ليجلو سر مجيئه: لا تعجب لمجيئي في ~~هذا الجو رغم أننا سنلتقي في مجلسنا المعتاد بعد ساعات، ولكني ~~اشتقت إلى الانفراد بك. # وضحك محمد عفت ms291 كأنما ليعتذر عن غرابة قوله، فضحك السيد أيضا، ~~ولكنها كانت ضحكة إلى التساؤل أقرب. وذهب جميل الحمزاوي - وكان ~~ملتفعا بكوفية ضمت قمة رأسه وما تحت ذقنه - إلى الباب، فنادى صبي ~~قهوة قلاوون ليحضر قهوة، ثم عاد إلى كرسيه وقد أعفاه المطر والبرد ~~من العمل. أما السيد أحمد فقد حدثه قلبه بأن وراء الزيارة أمرا، ~~فقد وقعت في وقت لا تدفع إليه إلا ضرورة، إلى أن الأزمات النفسية ~~التي عاناها الرجل منذ قريب، وما انتابه من مرض أخيرا، كل أولئك ~~جعله عرضة للقلق على غير عادته. غير أنه دارى قلقه بضحكة لطيفة، ثم ~~قال: كنت قبيل حضورك أتذكر سهرة الأمس، وأستعيد منظر الفار وهو ~~يرقص، الله يقطعه. # فقال محمد عفت باسما: كلنا تلاميذك، وبهذه المناسبة دعني أنقل ~~إليك ما يشيعه علي عبد الرحيم عنك، إنه يقول: إن الصداع الذي ~~انتابك في الأسابيع الماضية ما هو إلا عارض لخلو حياتك من النساء ~~في الأيام الأخيرة. ~~- لخلو حياتي من النساء! وهل للصداع من سبب غير النساء؟ # وجاء صبي القهوة بأقداح القهوة والماء على صينية صفراء، فوضعها ~~على ركن المكتب الذي يجلس حوله الصديقان، ومضى. وشرب محمد عفت شربة ~~ماء، ثم قال: شرب الماء البارد في الشتاء لذيذ، ما رأيك في هذا؟ ~~لكن فيم سؤالي وأنت من عشاق الشتاء الذين يستحمون كل صباح ~~بالماء البارد حتى في هذه الأيام من فبراير ... الآن خبرني، هل ~~أعجبتك أنباء المؤتمر الوطني الذي احتشد في بيت محمد محمود؟ عشنا ~~وشفنا مرة أخرى سعد وعدلي وثروت في جبهة واحدة. # فتمتم السيد قائلا: ربنا من حكمته أنه يقبل التوبة. ~~- إني لا أثق في هؤلاء الكلاب. ~~- ولا أنا، ولكن ما العمل؟ الملك فؤاد طينها، ومن المحزن أن ~~المعركة لم تعد بيننا وبين الإنجليز. # ثم مضيا يحتسيان القهوة في صمت إن دل على شيء فعلى أن الحديث ~~العابر لم يعد له محل، وأن على محمد عفت أن يدلي بما عنده، واعتدل ~~الرجل في جلسته، وخاطب السيد بلهجة جدية متسائلا: أعندك أخبار عن ms292 ~~ياسين؟ # انعكس السؤال في عيني السيد الواسعتين اهتماما مشوبا بقلق، ~~وفي الوقت ذاته خفق قلبه خفقة مروعة، قال: خير! إنه يزورني من حين ~~لآخر، وكانت زيارته الأخيرة يوم الاثنين الماضي، فهل من جديد؟ أمر ~~يتعلق بمريم؟ لقد رحلت إلى جهة مجهولة، وعلمت أخيرا أن بيومي ~~الشربتلي اشترى نصيبها في بيت أمها. # قال محمد عفت وهو يتكلف ابتسامة: الأمر لا يتعلق بمريم، من ~~يدري لعلها غابت عن ذاكرته، المسألة دون لف أو دوران زواج ~~جديد. # فخفق قلبه مرة أخرى فيما يشبه الفزع وهو يقول: زواج جديد؟ ولكنه ~~لم يشر إلى ذلك بتاتا في أحاديثه معي. # هز محمد عفت رأسه آسفا، وقال: لقد تزوج بالفعل من شهر أو ~~أكثر، حدثني بذلك غنيم حميدو منذ ساعة فقط، وكان يظن أنك تعلم ~~كل شيء. # جعلت يسراه تعبث بشاربه بسرعة عصبية، ثم قال وكأنه يخاطب نفسه: ~~لهذا الحد؟! كيف أصدق هذا؟! كيف أخفى عني الأمر؟ ~~- الحال تقتضي الكتمان! أصغ إلي، لقد آثرت أن أكاشفك بالحقيقة ~~قبل أن تفاجأ بها مفاجأة غير كريمة، ولكن لا يصح أن تعيرها ~~أكثر مما تستحق، وينبغي قبل كل شيء ألا تستسلم للغضب، لم يعد ~~الغضب مما تحتمله، اذكر تعبك الأخير وارحم نفسك. # فقال السيد يائسا: في الأمر فضيحة؟ هذا ما حدثني به قلبي، ~~هات ما عندك يا سيد محمد. # هز محمد عفت رأسه آسفا، ثم قال بصوت منخفض: كن دائما أحمد عبد ~~الجواد الذي عهدناه، لقد تزوج من زنوبة العوادة. ~~- زنوبة! # وتبادلا نظرة ذات دلالة. وسرعان ما بدا الارتباك في وجه أحمد، ~~والإشفاق في وجه صاحبه، ثم لم تعد مسألة الزواج ذاتها بالأولى في ~~الأهمية، فتساءل السيد أحمد بلهجة لاهثة: ترى هل تعلم زنوبة بأنه ~~ابني؟ ~~- لا يداخلني في هذا شك، غير أني أكاد أوقن بأنها لم تطلعه على ~~سرك لتتمكن من إيقاعه في الشرك، وقد نجحت نجاحا تستحق عليه ~~كل تهنئة. # ولكن أحمد عبد الجواد عاد يتساءل بنفس اللهجة اللاهثة: أم تراه ~~أخفى عني الأمر لعلمه بما كان؟ ~~- كلا، ms293 لا أصدق هذا، لو سبق هذا إلى علمه ما أقدم على الزواج ~~منها، إنه شاب طائش ما في ذلك من ريب، ولكنه ليس نذلا. وإذا كان ~~قد أخفى عنك الأمر، فما ذلك إلا لأنه لم يجد الشجاعة ليصارحك بأنه ~~تزوج من عوادة! يا ويل الآباء من الأبناء الطائشين! الحق أنني ~~تألمت كثيرا، ولكني أكرر الرجاء بألا تستسلم للغضب، ذنبه على ~~جنبه، وأنت بريء من فعلته، ولا لوم عليك. # تنهد أحمد عبد الجواد بصوت مسموع، ثم سأل صاحبه: خبرني كيف ~~علق غنيم حميدو على الخبر؟ # فلوح محمد عفت بيده مستهينا، وقال: سألني: كيف يرضى السيد أحمد ~~عن هذا؟ فقلت له: إن الرجل لا يعلم شيئا. فتأسف، وقال لي: انظر ~~إلى المدى البعيد بين الأب وابنه! كان الله في عونه. # قال أحمد بلهجة راثية: أهذه عاقبة تربيتي لهم؟ إني في حيرة شديدة ~~يا سيد محمد، المصيبة أننا نفتقد السيطرة الفعلية عليهم في الوقت ~~الذي تستوجب مصلحتهم الحقيقية سيطرتنا، إنهم بحكم العمر يتحملون ~~مسئولية أنفسهم، ولكنهم يسيئون استعمالها دون أن نستطيع تقويم ما ~~يعوج منهم، نحن رجال ولكننا لم نلد رجالا، من أين جاء العيب ~~يا ترى؟ هذا الثور! امرأة في متناول كل يد، فماذا دعاه إلى الزواج ~~منها؟ فلنبك على أنفسنا، لا حول ولا قوة إلا بالله. # وضع محمد عفت يده على منكب صاحبه بحنو، وقال: لقد أدينا ما ~~علينا من واجب، الأمر بعد ذلك لصاحب الأمر، وهيهات أن يراك أحد ~~مستحقا للوم. # عند ذاك جاء صوت الحمزاوي الأسيف وهو يقول: لا يستطيع منصف أن ~~يلومك على أمر كهذا يا سي السيد، على أنه يخيل إلي أن الأمل ~~في الإصلاح لم ينعدم، انصحه يا سي السيد. ~~- إنه يبدو بين يديك طفلا مطيعا، وهو سيطلقها حتما غدا أو ~~بعد غد، فخير البر عاجله. # فتساءل السيد متشكيا: وإن كانت قد حبلت؟ # فجاء صوت الحمزاوي وهو يقول جزعا: لا قدر الله ولا ~~سمح. # وبدا أن عند محمد عفت مزيدا من القول، فنظر إلى صاحبه بإشفاق، ms294 ~~ثم قال: ومن المؤسف حقا أنه باع دكانه بالحمزاوي ليؤثث بيته ~~من جديد! # حملق أحمد في وجهه، ثم قطب منفعلا، وهتف حانقا: كأني غير ~~موجود في الدنيا! حتى في هذا لا يشاورني ! # ثم وهو يضرب كفا بكف: ضحكوا عليه بلا ريب، وجدوا في طريقهم ~~لقية، بغلا بلا سائس في ثياب أفندي. # فقال محمد عفت متأثرا: تصرفات أطفال! نسي أباه، ونسي ابنه! ~~ولكن ما الفائدة من الغضب؟ # صاح أحمد عبد الجواد: يخيل إلي أنه ينبغي أن آخذه بالحزم مهما ~~تكن العواقب. # مد محمد عفت ذراعيه كأنما يدفع رزية، وقال بتوسل: إن كبر ~~ابنك آخه، لا تخطئ وأنت سيد العارفين، ليس عليك إلا النصيحة، ~~وليقض الله بما هو قاض. # وخفض محمد عفت عينيه متفكرا، وبدا لحظات كالمتردد، ثم قال: ~~ثمة أمر يهمني كما يهمك ألا وهو رضوان. # وتبادل الرجلان نظرة طويلة، ثم استطرد محمد عفت قائلا: سيبلغ ~~الغلام السابعة من عمره بعد أشهر، وأخاف أن يطالب به فينشأ بين ~~أحضان زنوبة، هذا شر يجب دفعه، ولا إخالك توافق عليه، فأقنعه بأن ~~يترك الغلام عندنا حتى يقضي الله أمرا. # لم يكن من طبع أحمد عبد الجواد أن يرحب بأن يبقى ابن ابنه عند ~~آل أمه بعد انقضاء فترة الحضانة الشرعية، ولكنه من ناحية أخرى لم ~~يشأ أن يقترح ضمه إلى بيته هو حتى لا يضيف إلى أعباء أمينة عبئا ~~جديدا لم تعد بحكم سنها أهلا لحمله، فقال في استسلام أسيف: لا ~~يصح أن يتربى رضوان في بيت زنوبة هذا ما أقرك عليه. # فقال محمد عفت وهو يتنهد بارتياح: إن جدته تحبه من كل قلبها، ~~وحتى لو دعت ظروف قهرية في المستقبل إلى أن ينتقل إلى بيت أمه، ~~فسوف يجد هناك جدا صالحا؛ إذ إن زوج أمه رجل في الأربعين أو ~~جاوزها، وقد حرمه الله من نعمة الذرية. # فقال أحمد عبد الجواد برجاء: لكني أفضل أن يبقى عندك. ~~- طبعا ... طبعا، إني تكلمت عن احتمالات بعيدة أسأل الله ألا ~~نضطر إليها، الآن لم يبق لي ms295 إلا أن أرجوك أن تترفق في مخاطبته ~~ومحاسبته حتى يتيسر إقناعه بترك رضوان لي. # وهنا جاء صوت الحمزاوي المسالم وهو يقول: السيد أحمد سيد ~~الحكماء، وهل يغيب عنه أن ياسين رجل؟ وأنه مثل كافة الرجال حر ~~التصرف في شئونه وأملاكه؟ هذا ما لا يمكن أن يغيب عن السيد، وما ~~عليه إلا النصيحة، والباقي على الله. # استسلم أحمد عبد الجواد بقية النهار إلى التفكير والحزن. قال ~~لنفسه: إن ياسين في كلمة ابن مخيب للآمال، وليس أفجع من ابن مخيب ~~للآمال. إن مآله بين ويا للأسف! ولن يحتاج إلى قوة بصيرة كي ~~يتصوره، أجل سوف ينحدر من سيئ إلى أسوأ وعند الله اللطف. وقد ~~رجاه جميل الحمزاوي أن يؤجل مخاطبة ياسين إلى الغد، فانصاع ~~لرجائه يائسا أكثر منه قادرا لوجاهة النصح. # وعند عصر اليوم التالي استدعاه إلى مقابلته، فلبى ياسين مبادرا ~~كما ينبغي للابن المطيع. والحق أن ياسين لم يقطع ما بينه وبين أهله ~~من أسباب. كان البيت القديم المكان الوحيد الذي لم يجد الشجاعة ~~للعودة إليه على شدة حنينه إليه، وما من مرة كان يلتقي فيها ~~بأبيه أو خديجة أو عائشة إلا ويحملهم السلام إلى امرأة أبيه. ~~أجل لم ينس قلبه غضبها عليه، ولم يمح من صفحته آثار ما سماه ~~تعنتها معه، بيد أنه أبى أن ينسى كذلك العهد القديم، عهد لم يكن ~~يعرف أما إلاها. ولم ينقطع عن زيارة أختيه، كما كان يقابل كمال ~~أحيانا في قهوة أحمد عبده، أو يدعوه إلى بيته حيث عرف الشاب مريم ~~أولا، ثم زنوبة أخيرا. أما أبوه فكان يزوره في دكانه مرة على ~~الأقل كل أسبوع، وهنا أتيح لياسين أن يعرف شخصية أبيه الثانية التي ~~يأسر الناس بها، فنشأت بين الرجلين صداقة وطيدة ومودة وثيقة، ~~غذتها صلة الرحم من ناحية، وفرحة اكتشاف الأب على حقيقته من ناحية ~~أخرى. غير أن ياسين وهو يتفرس في وجه أبيه ذلك اليوم لمح فيه ما ~~ذكره بالوجه القديم الذي طالما بعث في أطرافه الرعب، ولم يتساءل ~~عما طرأ ms296 عليه؛ لأنه كان واثقا من أنه سيقف على سره عاجلا أو ~~آجلا، فلم يشك في أنه ملاق العاصفة التي توقع هبوبها منذ ~~أقدم على فعلته. بادره الرجل قائلا: يحزنني أن أجد نفسي بهذا ~~الهوان، وماذا وراء أن أعرف أنباء ابني من الآخرين؟! # فطامن ياسين رأسه ولم ينبس، فثار الرجل على طلاء المسكنة الكاذب ~~الذي يطالعه به، وصاح: اخلع هذا القناع، دعك من النفاق وأسمعني ~~صوتك، طبعا أنت تعلم ما أعنيه! # فقال ياسين بصوت لم يكد يسمع: لم أجد الشجاعة لإخبارك. ~~- هذا شأن من يتستر على ذنب أو فضيحة. # حذرته غريزته من أن يلجأ إلى أي نوع من أنواع المعارضة، فقال ~~باستسلام: نعم. # فسأله السيد ذاهلا: إذا كان هذا هو رأيك حقا، فلم ~~فعلتها؟ # لاذ ياسين بالصمت مرة أخرى، فخيل إلى الأب أنه يقول له بصمته: ~~«عرفت أنها فضيحة ولكني أذعنت للحب!» وذكره هذا بموقفه المخزي أمام ~~المرأة ذاتها، يا للعار! غسلت خزيك بغضبة كبرى، ولكنك عدت تسعى ~~إليها. أما هذا الثور فما أضيعه! ~~- فضيحة ارتضيتها أنت دون تقدير للعواقب لنتعذب بها نحن ~~جميعا! # هتف بسذاجة قائلا: أنتم جميعا؟ معاذ الله! # عاود السيد الغضب، فصاح به: لا تتصنع الجهل، لا تدع ~~البراءة، أنت تعلم أنك في سبيل شهواتك لا تبالي ما يصيب سمعة أبيك ~~وإخوتك، أقحمت على الأسرة عوادة لتكون هي ومن بعدها ذريتها منا، ~~لا إخالك كنت تجهل هذا قبل أن أذكره، ولكنك تستهين بكل شيء في سبيل ~~شهوتك، هانت كرامة الأسرة على يديك، وأنت نفسك تنهار حجرا بعد ~~حجر، وسوف تجد نفسك في النهاية خرابا. # غض البصر لائذا بالصمت حتى نطقت حاله بالذنب والتسليم، لن تكلفك ~~هذه الفضيحة إلا قدرا من التمثيل كما أرى. حسبك هذا، أما أنا ~~فسأرزق غدا بحفيد أمه زنوبة وخالته زبيدة، مصاهرة طريفة بين ~~السيد أحمد التاجر المعروف وزبيدة العالمة الذائعة الصيت، لعلنا ~~نكفر عن ذنوب لا ندريها! ~~- إن بدني يقشعر كلما فكرت في مستقبلك، قلت لك: إنك تنهار وسوف ~~تنهار أكثر وأكثر، خبرني ماذا ms297 فعلت بدكان الحمزاوي؟ # رفع إليه عينين كئيبتين، وتردد مرات، ثم قال: كنت في حاجة ~~ماسة إلى المال. # ثم وهو يخفض عينيه: لو كانت الظروف غير الظروف لاقترضت ما ~~أحتاجه من حضرتك، ولكن الأمر كان محرجا. # السيد حانقا: يا لك من مراء! ألا تخجل من نفسك؟ أراهن على ~~أنك لم تجد في كل ما فعلته أي غرابة أو إنكار، أنا عارفك وفاهمك ~~فلا تحاول أن تخدعني، ليس عندي إلا كلمة واحدة وإن كنت أعلم ~~مقدما ألا طائل تحتها: أنت تخرب نفسك بنفسك ونهايتك سوداء. # عاد ياسين إلى صمته متظاهرا بالأسى. الثور! هي جذابة، شيطانة، ~~ولكن ماذا اضطرك بالزواج منها؟ كنت أظن أنها طالبتني بالزواج ~~طمعا في تقدم عمري، لكنها أوقعت هذا الثور على شبابه. ووجد عند ~~ذاك شيئا من الارتياح والعزاء. كانت خطتها المدبرة أن تتزوج بأي ~~ثمن إلا أنها آثرت غيري علي، فوقع هذا الأحمق: طلقها، طلقها ~~قبل أن تصير أما وتفضحنا إلى أبد الآبدين! # تردد ياسين مليا، ثم تمتم: حرام علي أن أطلقها بلا ~~ذنب! # يا ابن الكلب! ... أتحفتني بنكتة بارعة لسهرة الليلة. ~~- سوف تطلقها عاجلا أو آجلا، ولكن قبل أن تنجب لك طفلا يكون ~~مشكلتك ومشكلتنا. # تنهد بصوت مسموع مستغنيا بذلك عن الكلام، على حين راح الأب ~~يتفحصه فيما يشبه الحيرة، فهمي مات، كمال أبله أو مجنون، وهذا ~~ياسين لا أمل فيه، المحزن أنه أعز الجميع لدي، دع الأمر لله، ~~رباه! ماذا كان يكون الحال لو زلت قدمي إلى الزواج. ~~- بكم بعت الدكان؟ ~~- مائتي جنيه. ~~- تستحق ثلاثمائة، موقعها ممتاز جدا يا جاهل، لمن ~~بعتها؟ ~~- علي طولون، بائع الخردوات. ~~- مبارك، مبارك، هل ضاع المبلغ في الجهاز الجديد؟ ~~- لدي منه مائة. # بلهجة ساخرة: أحسنت؛ فالعريس لا يستغني عن النقود. # ثم بلهجة جادة حزينة: يا ياسين اسمع كلامي، أنا أبوك، احترس ~~وغير سيرتك، أنت نفسك أب، ألا تفكر في ابنك ومستقبله؟ # فقال مدافعا متحمسا: إن نفقته الشهرية تصله على آخر ~~مليم. ~~- أهي مسألة تجارية؟ إني أتكلم عن مستقبله، بل عن مستقبل ms298 الآخرين ~~الذين ينتظرون في عالم الغيب. # فقال ياسين باطمئنان: ربنا يخلق ويرزق. # هتف الرجل باستياء: ربنا يخلق ويرزق وحضرتك تبدد! قل لي ~~... # واعتدل في جلسته، ثم تساءل وهو يركز فيه عينيه القويتين : رضوان ~~على عتبة السابعة، فماذا أنت صانع فيه؟ أتأخذه لينشأ في أحضان ~~حرمكم؟ # لاح في الوجه الممتلئ الارتباك، ثم تساءل بدوره: ماذا أصنع إذن؟ ~~لم أعمل في الأمر فكري. # هز الرجل رأسه في أسى ساخر، وقال: دفع الله عنك شر الفكر! وهل ~~لديك وقت لتبذره فيه؟ دعني أفكر عنك، دعني أقول: إن رضوان يجب أن ~~يبقى في حضانة جده. # فكر قليلا، ثم خفض رأسه بالإيجاب قائلا بانصياع: الرأي رأيك يا ~~أبي، هذا في صالحه ولا شك. # قال الأب متهكما: يبدو لي أنه في صالحك أيضا كي لا تشغل نفسك ~~بأمور تافهة. # ابتسم دون تعليق، كأنما يقول له: «إني واثق من أنك تمزح ولا بأس ~~من ذلك». ~~- ظننت أنه سيشق علي إقناعك بالتخلي عنه. ~~- إن ثقتي في رأيك هي التي جعلتني أبادر إلى الموافقة. # فتساءل السيد بدهشة ساخرة: أتثق حقا في رأيي؟ لم لم تعمل ~~به في الأمور الأخرى؟ # ثم وهو يتنهد آسفا: القصد! ربنا يهديك، وذنبك على جنبك، سأحدث ~~محمد عفت الليلة في شأن الاحتفاظ برضوان، على أن تقوم بكل نفقاته، ~~فعسى أن يوافق. # عند ذاك نهض ياسين وسلم على أبيه، واتجه نحو باب الدكان، وما إن ~~خطا خطوتين حتى أدركه صوت أبيه وهو يسأله: ألا تحب ابنك ككل ~~الآباء؟ # فتوقف ياسين متلفتا نحوه، وهو يقول بإنكار: وهل يحتاج هذا إلى ~~قرار يا أبي! إنه أعز شيء في الحياة. # فرفع السيد حاجبيه، وقال وهو يهز رأسه هزة غامضة: مع ~~السلامة. # 33 # قبل الخروج إلى صلاة الجمعة بساعة، دعا أحمد عبد الجواد كمال إلى ~~حجرته، لم يكن يدعو أحدا من أهل بيته إلى مقابلته إلا لأمر هام، ~~والحق أنه كان مبلبل الفكر، متحفزا لاستجواب ابنه عما يشغله. ~~وكان بعض أصحابه قد وجهوا نظره مساء أمس إلى مقال ظهر في ms299 البلاغ ~~الأسبوعي بقلم الأديب الناشئ «كمال أحمد عبد الجواد» ومع أن ~~أحدا منهم لم يقرأ من المقال إلا العنوان وهو «أصل الإنسان» ~~والإمضاء وهو الأديب الناشئ «كمال أحمد عبد الجواد» فإنهم اتخذوا ~~منه مادة للتعليق والتهنئة وممازحة السيد، حتى فكر الرجل جادا ~~في أن يكلف الشيخ متولي عبد الصمد بعمل حجاب للشاب. قال له محمد ~~عفت: «سجل اسم ابنك مع أسماء كبار الكتاب في مجلة واحدة، طب ~~نفسا وادع الله أن يكتب له مستقبلا باهرا كما كتب لهم.» وقال له ~~علي عبد الرحيم: «سمعت من شخص محترم أن المرحوم المنفلوطي ابتاع ~~عزبة بقلمه فأبشر خيرا!» وحدثه آخرون عن القلم، وكيف شق السبيل ~~لكثيرين إلى حظوة الحكام والزعماء، ضاربين الأمثال بشوقي وحافظ ~~والمنفلوطي، وعندما جاء دور إبراهيم الفار داعبه قائلا: «سبحان ~~الذي خلق من ظهر الجاهل عالما!» أما السيد فقد ألقى نظرة على ~~العنوان ونظرة على «الأديب الناشئ»، ثم وضع المجلة فوق جبته التي ~~كان قد نزعها بسبب حرارة يونيو وحميا الويسكي، مؤجلا قراءتها حتى ~~ينفرد بنفسه في البيت أو في الدكان، ثم واصل سهرته بصدر منشرح ~~وضمير تياه فخور، بل جعل يراجع نفسه لأول مرة في سخطه المكظوم على ~~إيثار الشاب لمدرسة المعلمين قائلا: إن «الولد» فيما يبدو سيكون ~~«شيئا» رغم اختياره غير الموفق، وبنى أحلاما على ما قيل عن ~~«القلم»، وحظوة الكبراء، وعزبة المنفلوطي، أجل، من يدري؟ لعله لا ~~يكون معلما فحسب، ولكن يشق السبيل حقا إلى حياة لم تخطر له هو ~~على بال. وعند ضحى اليوم، وعند فراغه من الصلاة والإفطار، تربع على ~~الكنبة وفتح المجلة باهتمام وراح يقرأ بصوت مرتفع ليمتلئ ~~بمعانيها. لكن ماذا وجد فيها؟ إنه يقرأ المقالات السياسية فيفهمها ~~دون عناء، أما هذه المقالة فإنها دارت برأسه وأفزعت قلبه، وأعاد ~~تلاوتها بعناية فطالع كلاما عن عالم يدعى «دارون» ومجهوده في جزر ~~نائية، ومقارنات ثقيلة بين شتى الحيوانات حتى وقف مبهوتا عند ~~تقرير غريب يزعم أن الإنسان سلالة حيوانية! بل أنه متطور عن نوع ~~من القردة! ms300 وكرر تلاوة الفقرة الخطيرة منزعجا، ثم لبث ذاهلا ~~أمام هذه الحقيقة الأسيفة، وهي أن ابنا من صلبه يقرر - دون اعتراض ~~أو مناقشة - أن الإنسان سلالة حيوانية! انزعج الرجل انزعاجا ~~شديدا، وتساءل في حيرة : هل حقا يعلمون الأولاد هذه المعلومات ~~الخطيرة في مدارس الحكومة؟ ثم أرسل في طلب كمال: # وجاء كمال وهو أبعد ما يكون عما يعتلج في رأس أبيه. وكان قد ~~استدعاه قبل ذلك بأيام ليهنئه على النقل إلى السنة الثالثة فظن ~~بالدعوة الجديدة خيرا. وبدا شاحب الوجه، ضامر الجسم كعهده في ~~الفترة الأخيرة في حال عللتها الأسرة بالجهد الشديد الذي بذله ~~قبيل الامتحان، ولكن غاب عنها سرها الحقيقي، وهو ما عاناه طيلة ~~الأشهر الخمسة الماضية من ألم وعذاب، أسيرا لعاطفة مستبدة جهنمية ~~كادت تودي به. وأشار السيد إليه بالجلوس، فجلس على طرف الكنبة ~~متجها نحو أبيه بأدب، وعند ذاك لمح أمه جالسة أمام الصوان مشغولة ~~بترتيب الثياب وخيطها، أما الرجل فقد رمى بالبلاغ الأسبوعي إلى ~~الفراغ الذي يفصل بينهما على الكنبة، وقال بهدوء مصطنع: لك مقال في ~~هذه المجلة. أليس كذلك؟ # خطف غلاف المجلة عيني كمال فرنا إليه بعين ذاهلة دلت على أنه لم ~~يكن يتوقع هذه المفاجأة قط. من أين لأبيه هذا الاطلاع المستجد على ~~المجلات الأدبية؟ لقد سبق أن نشر في الصباح «تأملات» بين النثر ~~والشعر المنثور ضمنها نظرات فلسفية بريئة، وأنات عاطفية. وهو ~~آمن كل الأمن من ناحية اطلاع أبيه عليها، فلم يدر بها أحد من ~~أسرته إلا ياسين الذي كان هو نفسه يقرؤها عليه فينصت الآخر، ثم ~~يقول له معلقا: «هذه ثمرة توجيهي الأول لك، أنا الذي علمتك الشعر ~~والقصص، جميل يا أستاذ، ولكن هذه فلسفة عميقة جدا، فمن أين جئت ~~بها!» أو يقول مداعبا: «من الحسناء التي ألهمتك هذه الشكوى ~~الرقيقة؟ ستعلم يا أستاذ يوما أنهن لا يجدي معهن إلا ضرب ~~المراكيب.» ولكن ها هو يطلع على أخطر ما كتب، تلك المقالة التي ~~شب التفكير فيها معركة جهنمية في صدره، وعقله كاد يحترق في ms301 أتونها، ~~فكيف حدث هذا؟ وهل يجد له من تفسير إلا عند أصدقاء أبيه الوفديين ~~الذين يحرصون على اقتناء كافة الجرائد والمجلات الوفدية؟ وهل يطمع ~~في أن يخرج سالما من هذا المأزق؟ رفع عينيه عن المجلة، ثم قال ~~بلهجة لم يمكنها من الإفصاح عن اضطرابه: بلى، خطر لي أن أكتب ~~موضوعا تثبيتا لمعلوماتي، وتشجيعا لنفسي على مواصلة ~~الدرس. # قال السيد أحمد بهدوئه المصطنع: لا عيب في ذلك، الكتابة في ~~الصحف كانت ولم تزل الوسيلة إلى الجاه والحظوة عند الكبراء، ولكن ~~المهم الموضوع الذي يكتب فيه الكاتب، ماذا أردت بهذه المقالة؟ ~~اقرأها واشرحها لي، فقد غمض علي مرماك. # يا للتعاسة! ليس هذا المقال للجهر، وخاصة على مسمع من ~~أبيه. ~~- إنه مقال طويل يا بابا، ألم تقرأه حضرتك؟ إني أشرح فيه نظرية ~~علمية. # حدجه الرجل بنظرة براقة متحفزة. أهذا ما يدعونه بالعلم الآن؟ ألا ~~لعنة الله على العلم والعلماء! ~~- ماذا تقول في هذه النظرية؟ لقد لفتت نظري عبارات غريبة تقول: ~~إن الإنسان سلالة حيوانية، أو شيئا من هذا القبيل، أحق ~~هذا؟ # بالأمس ناضل نفسه وعقيدته وربه نضالا عنيفا أعيا روحه وجسده، ~~واليوم عليه أن يناضل أباه، غير أنه كان في الجولة الأولى معذبا ~~محموما ... أما في هذه الجولة فهو خائف مرتعب، إن الله قد يؤجل ~~عقابه، أما أبوه فشيمته التعجيل بالعقاب. ~~- هذا ما تقرره هذه النظرية. # علا صوت السيد وهو يتساءل في انزعاج: وآدم أبو البشر الذي خلقه ~~الله من طين ونفخ فيه من روحه، ماذا تقول عنه هذه النظرية ~~العلمية؟ # طالما طرح هذا السؤال على نفسه، لم يكن دون أبيه انزعاجا، ولم ~~يغمض له عين ليلتها حتى الصباح، وتقلب في الفراش متسائلا عن آدم ~~والخالق والقرآن، وقال لنفسه مرة وعشرا: القرآن إما أن يكون حقا ~~كله أو لا يكون قرآنا، إنك تحمل علي لأنك لم تدر بعذابي، لو ~~لم أكن قد اعتدت العذاب وألفته لأدركني الموت تلك الليلة. قال ~~بصوت خافت: دارون صاحب هذه النظرية لم يتكلم عن «سيدنا» ~~آدم. # هتف الرجل ms302 غاضبا: لقد كفر دارون ووقع في حبائل الشيطان، إذا كان ~~أصل الإنسان قردا أو أي حيوان آخر. فلم يكن آدم أبا للبشر. هذا ~~هو الكفر عينه، هذا هو الاجتراء الوقح على مقام الله وجلاله! إني ~~أعرف أقباطا ويهودا في الصاغة وكلهم يؤمنون بآدم، كل الأديان ~~تؤمن بآدم، فمن أي ملة دارون هذا؟ إنه كافر وكلامه كفر، ونقل ~~كلامه استهتار، خبرني أهو من أساتذتك في المدرسة؟ # ما أدعى هذا إلى الضحك لو كان في القلب فراغ للضحك، لكنه قلب ~~أفعمته الآلام، ألم الحب الخائب، وألم الشك، وألم العقيدة ~~المحتضرة، إن الموقف الرهيب بين الدين والعلم أحرقك، ولكن كيف يسع ~~عاقل أن يتنكر للعلم؟ قال بصوت متواضع: دارون عالم إنجليزي مات ~~منذ زمن بعيد. # وهنا ند عن الأم صوت يقول بتهدج: لعنة الله على الإنجليز ~~أجمعين. # فالتفتا نحوها التفاتة قصيرة، فوجداها قد تركت الثياب والإبرة ~~وتابعت الحديث، ولكن سرعان ما انصرفا عنها، وعاد الأب يقول: ~~خبرني، هل تدرسون هذه النظرية في المدرسة؟ # التقف حبل النجاة الذي تدلى إليه فجأة، فقال لائذا بالكذب: ~~نعم. # أمر غريب! وهل تدرس هذه النظرية فيما بعد لتلاميذك؟ ~~- كلا، سأكون مدرس آداب لا علاقة لها بالنظريات ~~العلمية. # ضرب السيد كفا بكف. ود في تلك اللحظة لو كان له على العلم بعض ~~ما له على الأسرة من سلطان. وهتف محنقا: إذن لماذا يدرسونها لكم؟ ~~هل الغاية إدخال الكفر في قلوبكم؟ # فقال كمال بلهجة المحتج: معاذ الله أن يؤثر في عقيدتنا ~~مؤثر! # فتفحصه بارتياب وهو يقول: ولكنك نشرت الكفر بمقالك! # فقال بارتياب: أستغفر الله، إني أشرح النظرية ليلم بها القارئ ~~لا ليؤمن بها، هيهات أن يؤثر في قلب المؤمن رأي كافر. ~~- ألم تجد موضوعا غير هذه النظرية المجرمة لتكتب فيه؟ # لماذا كتب مقالته؟ لقد تردد طويلا قبل أن يرسلها إلى المجلة، ~~ولكنه كان كأنما يود أن ينعى إلى الناس عقيدته. لقد ثبتت عقيدته ~~طوال العامين الماضيين أمام عواصف الشك التي أرسلها المعري ~~والخيام، حتى هوت عليها قبضة العلم الحديدية فكانت ms303 القاضية. على ~~أنني لست كافرا، لا زلت أومن بالله، أما الدين؟ أين الدين؟ ذهب! ~~كما ذهب رأس الحسين، وكما ذهبت عايدة، وكما ذهبت ثقتي بنفسي! ثم ~~قال بصوت حزين: لعلي أخطأت، عذري أنني كنت أدرس هذه ~~النظرية. ~~- ليس هذا بعذر، وعليك أن تصلح خطأك. # يا له من رجل طيب. إنه يطمع في أن يحمله على مهاجمة العلم في ~~سبيل الدفاع عن أسطورة، حقا لقد تعذب كثيرا، ولكنه لن يقبل أن ~~يفتح قلبه من جديد للأساطير والخرافات التي طهره منها، كفى عذابا ~~وخداعا، لن تعبث بي الأوهام بعد اليوم، النور النور، أبونا آدم! ~~لا أب لي، ليكن أبي قردا إن شاءت الحقيقة، إنه خير من آدميين لا ~~عدد لهم، لو كنت من سلالة نبي حقا ما سخرت مني سخريتها ~~القاتلة. ~~- وكيف أصلح الخطأ؟ # فقال السيد ببساطة وحدة معا: عندك حقيقة لا شك فيها؛ وهي أن ~~الله خلق آدم من تراب، وأن آدم هو أبو البشر، هذا مذكور في القرآن، ~~فما عليك إلا أن تبين أوجه الخطأ وهو عليك هين، وإلا فما فائدة ~~ثقافتك؟ # وهنا جاء صوت الأم قائلا: ما أيسر أن تبين خطأ من يعارض قول ~~الرحمن، قل لهذا الإنجليزي الكافر: إن الله يقول في كتابه العزيز: ~~إن آدم هو أبو البشر، كان جدك من حملة كتاب الله فعليك أن ~~تنتهج سبيله، لقد سرني أنك تبغي أن تكون مثله من العلماء. # لاح الضيق في وجه السيد، فانتهرها قائلا: ماذا تفهمين أنت من ~~كتاب الله أو من العلم؟ دعينا من جده وانتبهي إلى ما بين ~~يديك. # فقالت في حياء: أريد يا سيدي أن يكون كجده من العلماء الذين ~~يضيئون الدنيا بنور الله. # فصاح الرجل ساخطا: ها هو قد بدأ ينشر الظلام. # فقالت المرأة بإشفاق: معاذ الله يا سيدي، لعلك لم تفهم! # حدجها السيد بنظرة قاسية. لقد خفف من شدته في معاملتهم، ~~فماذا كانت النتيجة؟ ها هو كمال يذيع أن أصل الإنسان قرد، وها هي ~~أمه تناقشه وتقول له: لم تفهم؟ صاح بها: ms304 دعيني أتكلم، لا تقاطعيني، ~~ولا تتدخلي فيما لا تفهمين، انتبهي إلى عملك، الله يقطعك. # ثم ملتفتا إلى كمال بوجه متجهم: خبرني، هل أنت فاعل ما قلت ~~لك؟ # عليك رقيب في البيت لم يبتل الأحرار بمثله في الدول، لكنك كما ~~تخافه تحبه، فلن يطاوعك قلبك على الإساءة إليه. تجرع الألم فقد ~~اخترت حياة النضال. ~~- كيف يمكن أن أرد على هذه النظرية؟ لو انحصرت مناقشتي في ~~الاستشهاد بالقرآن لما جاءت بجديد، فالكل يعلم بما عندي ويؤمن به، ~~أما مناقشتها علميا فشأن المختصين من العلماء. ~~- ولماذا تكتب فيما لا شأن لك به؟ # اعتراض وجيه في ذاته، غير أنه من المؤسف أنه لا يجد الشجاعة ~~للاعتراف لأبيه بأنه آمن بالنظرية بصفتها حقيقة علمية، وأنها بهذه ~~الصفة يمكن الاعتماد عليها في إنشاء فلسفة عامة للوجود خارج نطاق ~~العلم. أما السيد فقد ظن صمته إقرارا بالخطأ فتضاعف أسفه وحنقه. ~~إن الضلال في هذا الميدان شديد الخطورة سيئ العاقبة، وهو ميدان ~~لا سلطان له عليه، وربما وجد فيه نفسه مكتوف اليدين أمام الشاب ~~الضال كما وجد نفسه من قبل أمام ياسين بعد انفلاته من وصايته، ~~فهل يجري عليه ما جرى على الآباء الآخرين في هذه الأيام الغريبة؟ ~~إن أنباء كالأساطير تترامى إليه عن شباب «اليوم» منهم تلاميذ قد ~~اعتادوا التدخين، وآخرون يعبثون بكرامات المدرسين، وغير هؤلاء ~~وأولئك قد تمردوا على آبائهم. أجل لم تهن هيبته، ولكن عم أسفر ~~ذلك التاريخ الطويل من الحزم والصرامة؟ ها هو ياسين يتدهور ويضمحل، ~~وها هو كمال يناقش ويجادل، ويحاول التملص من قبضته: أصغ إلي ~~بكل وعيك، لا أريد أن أقسو عليك، فإنك مؤدب ومطيع، أما عن ~~موضوعنا فلا أملك لك إلا النصيحة، وينبغي أن تذكر أنه ما من أحد ~~قد خالف نصيحتي وسلم. # ثم بعد صمت قصير: إليك ياسين شاهدا عما أقول، وقد نصحت قديما ~~«المرحوم» بألا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولو امتد به العمر ~~لكان اليوم رجلا نابها. # وهنا قالت الأم بصوت كالأنين: قتلوه الإنجليز، إنهم إما ~~يقتلون وإما يكفرون. ms305 # وواصل السيد حديثه قائلا: إذا وجدت في دروسك ما يخالف الدين، ~~واضطررت إلى حفظه كي تنجح في الامتحان، فلا تؤمن به، ومن باب ~~أولى لا تنشره في الصحف وإلا حملت وزره، ليكن موقفك من علم ~~الإنجليز كموقفنا من احتلالهم، وهو عدم الإقرار بشرعيته ولو فرض ~~علينا بالقوة الجبرية. # تدخل الصوت الرقيق الحيي مرة أخرى قائلا: ولتكرس حياتك ~~بعد ذلك لفضح أكاذيب هذا العلم ونشر نور الله. # فصاح بها السيد: قلت ما فيه الكفاية دون حاجة إلى آرائك. # فعادت إلى ما بين يديها، وجعل السيد يحدق فيها متوعدا حتى ~~اطمأن إلى صمتها، فالتفت إلى كمال متسائلا: مفهوم؟ # قال كمال بلهجة موحية بالثقة: بكل تأكيد. # إذا أراد أن يكتب بعد اليوم فعليه بالسياسة الأسبوعية حيث لا ~~تمتد يد أبيه الوفدي، أما عن أمه وعدها في سره بأن يكرس ~~حياته لنشر نور الله، أليس هو نور الحقيقة؟ بلى، وسيكون في تحرره ~~من الدين أقرب إلى الله مما كان في إيمانه به، فما الدين الحقيقي ~~إلا العلم، هو مفتاح أسرار الكون وجلاله، ولو بعث الأنبياء اليوم ~~ما اختاروا سوى العلم رسالة لهم، هكذا يستيقظ من حلم الأساطير ~~ليواجه الحقيقة المجردة، مخلفا وراءه تلك العاصفة - التي صارع ~~فيها الجهل حتى صرعه - حدا فاصلا بين ماض خرافي وغد نوراني، ~~بذلك تتفتح له السبل المؤدية إلى الله، سبل العلم والخير والجمال، ~~وبذلك يودع الماضي بأحلامه الخادعة، وآماله الكاذبة، وآلامه ~~البالغة. # 34 # بعناية واهتمام جعل يتفحص ما تقع عليه عيناه وهو مقبل على سراي ~~آل شداد، فلما عبر مدخلها تضاعفت عنايته واهتمامه بتفحص ما حوله، ~~فقد آمن أخيرا بأن هذه الزيارة ستكون آخر عهده بالبيت وآله ~~وذكرياته، كيف لا وقد انتزع حسين في النهاية موافقة أبيه على ~~سفره إلى فرنسا؟ تأمل بملء عينيه ووجدانه الممر الجانبي المفضي إلى ~~الحديقة، والنافذة المطلة عليه، وكان طيفها الرقيق الأنيق يطالعه ~~منها بنظرة حلوة لا تعني شيئا كنظرات النجوم، أو تحية رقيقة لا ~~يقصد بها شخصه كتغريد البلبل المشغول بفرحته عن السامعين، ms306 ثم ~~المنظر الكلي للحديقة المبسوط بين مؤخر القصر، والسور العريض ~~المشرف على الصحراء، وما بين هذا وذاك من أعراش الياسمين، وجماعات ~~النخيل، وشجيرات الورد، وأخيرا الكشك العتيد الذي تملى تحت سقفه ~~بنشوات الحب والصداقة . وذكر المثل الإنجليزي الذي يقول: «لا تضع كل ~~بيضك في سلة واحدة»، وابتسم ابتسامة حزينة، فإنه وإن حفظه منذ عهد ~~بعيد إلا أنه لم ينتفع به، فوضع عن سهو أو حماقة أو قضاء وقدر كل ~~قلبه في هذا البيت، بعضه للحب، وبعضه للصداقة، وقد ضاع الحب، وها ~~هو الصديق يحزم أمتعته استعدادا للرحيل، ومن الغد سيلقى نفسه بلا ~~حبيب ولا صديق. كيف يمكن أن يتعزى عن هذا المنظر؟ قد انطبع في ~~صدره، وعلق بقلبه، وبات ذا ألفة وحنين، القصر والحديقة والصحراء، ~~جملة وتفصيلا، كانطباع أسماء عايدة وحسين شداد في حافظته، فكيف ~~ينقطع عنه أو يقنع برؤيته من بعيد كسائر المارة؟ هو الذي لشدة ولعه ~~بالبيت دعا نفسه يوما مداعبا بالوثني! # وكان حسين شداد وإسماعيل لطيف جالسين على كرسيين متقابلين أمام ~~المنضدة التي وضع عليها الدورق التقليدي والأكواب الثلاثة، وكانا ~~كعادتهما في الصيف يرتديان قميصا مفتوح الطوق، وبنطلونا من ~~الفانلة البيضاء، فطالعاه بوجهيهما المتناقضين: حسين بوجهه الجميل ~~الوضيء، وإسماعيل بوجهه الحاد القسمات ونظراته التهجمية، فأقبل ~~عليهما ببدلته البيضاء ممسكا بطربوشه الذي تدلدل زره ~~وتصافحوا، ثم جلس جاعلا ظهره إلى البيت، البيت الذي ولاه - من ~~قبل - ظهره! وسرعان ما قال إسماعيل مخاطبا كمال وهو يضحك ضحكة ذات ~~معنى: يتعين علينا الآن أن نبحث عن مكان جديد نتقابل ~~فيه. # ابتسم كمال ابتسامة باهتة. ما أسعد إسماعيل بسخريته التي لم ~~تعرف الألم، وهو وفؤاد الحمزاوي اللذان بقيا له، صديقان يؤنسان ~~القلب ولا يمازجانه، يهرع إليهما هربا من الوحشة، ولا حيلة إلا ~~أن يرضى بما قسم له. ~~- سنلتقي في المقاهي أو الطرقات ما دام حسين قد قرر ~~هجرنا. # هز حسين رأسه في أسف، أسف الفائز بأمنية عزيزة وهو يجامل بإعلان ~~حزنه على فراق يهون، ثم قال: سأغادر مصر وفي قلبي حسرة ms307 على ~~فراقكما، الصداقة عاطفة مقدسة، إني أقدرها من أعماق قلبي، ~~والصديق هو القرين الذي يعكس نفسك فيكون صدى لعواطفك وأفكارك، لا ~~يهم أن نختلف في كثير ما دام الجوهر متشابها، لن أنسى هذه الصداقة ~~أبدا، وستصل الرسائل ما بيننا حتى نعود إلى اللقاء مرة ~~أخرى. # كلام جميل هو العزاء للقلب المكلوم المهجور، ألم يكن ما أصابه ~~على يد أخته كافيا، هكذا تتركني وحيدا بلا صديق حقيقي، وغدا ~~يقتل المهجور ظمأ إلى الألفة الروحية الساخرة. تساءل في كآبة: ~~متى نعود إلى اللقاء مرة أخرى؟ لم أنس بعد تطلعك الحار إلى ~~السياحة الدائمة، فمن يضمن لي ألا يكون ذهابك إلى الأبد؟ # فآمن إسماعيل على قوله قائلا: قلبي يحدثني بأن العصفور لن يعود ~~إلى القفص. # ضحك حسين ضحكة قصيرة، غير أنها وشت بسروره، ثم قال: لم أظفر ~~بموافقة أبي على سفري حتى وعدته بمواصلة دراستي القانونية، ولكني ~~لا أدري إلى أي مدى سيمكنني المحافظة على وعدي! لا استلطاف بيني ~~وبين القانون، أكثر من هذا يخيل إلي أني لن أصبر على الدراسة ~~النظامية، لا أريد إلا ما أحبه، وقلبي موزع بين معارف شتى لا ~~تجمعها كلية واحدة كما قلت مرارا وتكرارا، أريد أن أتلقى ~~محاضرات في فلسفة الفن، وأخرى في الشعر والقصص، وأن أرتاد المتاحف ~~ومعازف الموسيقى، وأن أعشق وألهو، فأي كلية تحوي هذه الألوان ~~جميعا؟! وثمة حقيقة أخرى تعرفانها وهي أني أفضل أن أسمع على أن ~~أقرأ، أريد أن يشرح غيري لأستمع أنا، ثم أنطلق بحواس مجلوة وعقل ~~مضيء إلى سفوح الجبال، وشواطئ البحور، والمشارب والمقاهي ~~والمراقص، وسوف تصلكما تباعا تقاريري عن هذه التجارب ~~الفذة. # كأنه يصف الجنة التي نبذ هو الإيمان بها! بيد أنها جنة سلبية ~~تأخذ ولا تعطي، وهو يطمح إلى مثال آخر، أما حسين فهيهات أن يحن ~~إلى مغناه القديم، إذا ضمته تلك الحياة الوردية إلى صدرها الرغيد. ~~وكأن إسماعيل كان يردد خواطره حين قال مخاطبا حسين: لن تعود ~~إلينا، الوداع يا حسين! حلمنا واحد على وجه التقريب، دع جانبا ms308 ~~فلسفة الفن والمتاحف والموسيقى والشعر وسفوح الجبال ... إلخ، فنكون ~~شخصا واحدا! أذكرك للمرة الأخيرة بأنك لن تعود إلينا. # وحدجه كمال بنظرة متسائلة، كأنما تطالبه برأيه فيما قال إسماعيل، ~~فقال: بل سأعود كثيرا، ستكون مصر ضمن سياحتي الطويلة لأرى الأهل ~~والأصدقاء، (ثم موجها الخطاب إلى كمال) سوف أنتظر سفرك إلى الخارج ~~بجزع أكاد أشعر به من الآن. # من يدري لعل كذبته تصدق فيجوب تلك الآفاق، مهما يكن من أمر ~~فقلبه يحدثه بأن حسين سيعود يوما، وأن هذه الصداقة العميقة لن ~~تضيع هباء، إن قلبه الصدوق يؤمن بهذا كما يؤمن بأن الحب لا ~~تقتلع جذوره من القلب وا أسفاه! قال برجاء: سافر وافعل ما تحب، ثم ~~عد إلى مصر لتجعلها مقامك، على أن تخرج منها سائحا كلما طابت لك ~~السياحة. # فأمن إسماعيل على رأيه: لو أنك ابن حلال حقا لقبلت هذا الحل ~~الوجيه الذي يوفق بين رغبتك ورغبتنا. # قال حسين وهو يطامن رأسه كأنما قد اقتنع: سينتهي بي المطاف إلى ~~هذا الحل فيما أعتقد. # كان يصغي إليه وهو يملأ من منظره ناظريه، خاصة العينين ~~السوداوين اللتين تشبهان عينى عايدة، ولفتاته الجامعة بين السمو ~~واللطف، وروحه الشفاف الذي يكاد يتمثل أمامه خلقا يرى ويحس، ~~إذا غاب هذا العزيز فماذا يبقى من نعمة الصداقة وذكرى الحب؟ ~~الصداقة التي تلقنتها على يديه ألفة روحية وسعادة مطمئنة، والحب ~~الذي ألهمه على يد أخته فرحة سماء وعذاب جحيم؟ وعاد حسين يقول وهو ~~يشير إليهما واحدا بعد الآخر: عندما أعود إلى مصر ستكون أنت ~~محاسبا في وزارة المالية، وأنت مدرسا، ولا يبعد أن أجدكما ~~والدين! ما أعجب هذا! # فتساءل إسماعيل ضاحكا: هل تستطيع أن تتخيلنا موظفين؟ تصور كمال ~~مدرسا! (ثم موجها الخطاب إلى كمال) يجب أن تسمن كثيرا قبل أن ~~تواجه التلاميذ، سوف تلقى جيلا من العفاريت نحن نعد بالقياس ~~إليهم من الملائكة، وسوف تجد نفسك وأنت الوفدي العنيد مضطرا بحكم ~~الوظيفة إلى معاقبة المضربين بأمر الوفد. # أخرجته ملاحظة إسماعيل عن مجرى التفكير الذي كان مسترسلا فيه، ~~فوجد ms309 نفسه يتساءل: كيف يستطيع مواجهة التلاميذ برأسه وأنفه ~~المشهورين؟ وجد امتعاضا ومرارة، وخيل إليه - قياسا على ~~شواذ المدرسين الذين عرفهم في حياته - أنه سيلتزم القسوة في ~~معاملة التلاميذ ليحمي شخصيته المهددة. غير أنه تساءل : ترى هل ~~يسعه أن يكون قاسيا على غيره كما يقسو على نفسه؟ قال ارتجالا: لا ~~أظن أنني سأمتهن مهنة التدريس إلى النهاية. # لاحت في عيني حسين نظرة حالمة وهو يقول: من التعليم إلى الصحافة ~~على ما أظن، أليس كذلك؟ # وجد نفسه يفكر في المستقبل، فعاودته فكرة الكتاب الجامع الذي ~~حلم كثيرا بتأليفه، ولكن ماذا بقي من موضوعه الأول؟ لم يعد ~~الأنبياء أنبياء، ولا الجنة والجحيم، وليس علم الإنسان إلا فصلا ~~من علم الحيوان، فعليه أن يبحث عن موضوع جديد. قال مرتجلا أيضا: ~~لو أتمكن يوما من إنشاء مجلة للدعاية للفكر الجديد! # فقال إسماعيل لطيف بلهجة الوعظ والإرشاد: بل السياسة هي السلعة ~~الرائجة، خصص للفكر إذا شئت عامودا في الصفحة الأخيرة، وفي البلد ~~متسع لكاتب وفدي هجاء جديد. # فضحك حسين ضحكة عالية، وقال: لا يبدو أن صاحبنا سياسي إيجابي، ~~حسب أسرته ما قدمت من فدية، أما الفكر فالمجال أمامه واسع فيه. (ثم ~~مخاطبا كمال): لديك ما تقوله، لقد كانت ثورتك الإلحادية طفرة ~~مفاجئة لم أتوقعها من قبل. # ما أسعده بهذه الصفة الجديدة التي وجد فيها تحية لثورته وتملقا ~~لغروره، قال وقد تورد وجهه: ما أجمل أن يكرس الإنسان حياته للحق ~~والخير والجمال! # صفر إسماعيل ثلاثا، لكل قيمة صفيرا، ثم قال متهكما: اسمعوا ~~وعوا. # أما حسين فقال جادا: إني مثلك، ولكني قانع بالمعرفة ~~والمتعة. # فقال كمال بحماس وإخلاص: الأمر أجل من هذا، إنه كفاح في سبيل ~~الحق يستهدف خير الإنسانية جميعا، وبغيره لا يكون للحياة معنى في ~~نظري. # ضرب إسماعيل كفا بكف - وقد ذكرته هذه الحركة بأبيه - وقال: ~~إذن فالواجب ألا يكون للحياة معنى! كم تعبت وشقيت حتى تحررت من ~~الدين! لم أتعب أنا تعبك، ولكن الدين لم يكن شغلي أبدا، فهل ~~تعدني يا ترى فيلسوفا بالفطرة؟ حسبي ms310 أن أعيش الحياة التي لا ~~تحتاج إلى تعريف، غير أن هذا الذي أتبعه بالفطرة لا تبلغه أنت إلا ~~بالكفاح المرير، أستغفر الله، بل أنت لم تبلغه بعد فلا زلت - حتى ~~بعد إلحادك - تؤمن بالحقيقة والخير والجمال، وتريد أن تكرس لها ~~حياتك، أليس هذا ما يدعو إليه الدين؟ فكيف تكفر بالأصل وتؤمن ~~بالفرع؟ # لا تبال رفيق المزاح، لكن لم يبدو ما يؤمن به من القيم مثارا ~~للسخرية؟ هبك خيرت بين عايدة وبين الحياة السامية فأيهما تختار؟ ... ~~لكن عايدة تتخايل لعيني دائما وراء المثل. # قال حسين يجيب عن كمال؛ إذ طال به الصمت: المؤمن يستمد حبه ~~لهذه القيم من الدين، أما الحر فيحبها لذاتها. # رباه متى أراك مرة أخرى؟ أما إسماعيل فضحك ضحكة وشت بانحراف ~~تفكيره إلى ناحية جديدة، وسأل كمال: خبرني ألا زلت تصلي؟ وهل ~~تنوي أن تصوم رمضان القادم؟ # كان دعائي لها أمتع ما في الصلاة، وليالي هذا القصر أسعد ما في ~~رمضان. ~~- لم أعد من المصلين، ولن أكون من الصائمين. ~~- وهل تعلن إفطارك؟ # ضاحكا: كلا. ~~- آثرت النفاق؟! # فقال ممتعضا: ليس من ضرورة تدعوني إلى إيلام الذين ~~أحبهم. # فتساءل إسماعيل ساخرا: أتظن أنك بهذا القلب تستطيع أن تواجه ~~المجتمع يوما بما يكره؟ # كليلة ودمنة؟ بهجة الخاطرة غطت على الامتعاض، رباه هل عبرت على ~~أساس الكتاب الذي لم يتبلور في ذهني بعد؟ ~~- مخاطبة القراء شيء، ومخاطبة والدين على الفطرة شيء ~~آخر! # فخاطب إسماعيل حسين وهو يشير إلى كمال قائلا: إليك فيلسوفا من ~~أسرة عريقة في الجهل. # لن يعوزك أن تجد أصدقاء للهو واللغو، ولكنك لن تحظى لروحك بصديق ~~يحاورها، فارض بالصمت أو حاور نفسك كالمجانين. وساد الصمت قليلا. ~~وكانت الحديقة صامتة أيضا فلا نسمة تهفو. أما الورد والقرنفل ~~والبنفسج فبدت وحدها سعيدة بالحر، وحسرت الشمس ثوبها المضيء عن ~~الحديقة فلم يبق منه إلا حاشية في أعلى السور الشرقي. أنهى ~~إسماعيل الصمت بأن التفت إلى حسين شداد، وسأله: ترى هل يتاح لك أن ~~تزور حسن سليم وعايدة هانم؟ # يا الله! خفقة قلب ms311 أم القيامة قامت في صدري؟ ~~- عندما يستقر بي المقام في باريس، سأفكر حتما في القيام ~~برحلة إلى بروكسل. # ثم وهو يبتسم: تلقينا خطابا من عايدة في الأسبوع الماضي، يبدو ~~أنها تعاني متاعب الوحم. # هكذا الألم والحياة توءمان، لست الآن إلا ألما خالصا في ثياب ~~رجل، عايدة منداحة البطن سائلة الإفرازات؟ مأساة أم مهزلة الحياة؟ ~~نعمة الحياة الفناء، ليتني أستطيع أن أعرف كنه هذا الألم. قال ~~إسماعيل لطيف: سيكون أبناؤها أجانب! ~~- من المتفق عليه أن يرسلوا إلى مصر إذا جاوزوا طور ~~الطفولة. # هل تراهم يوما بين تلاميذك؟ تسائل نفسك أين رأيت هذه الأعين، ~~فيجيب القلب الخافق أنها مقيمة هنا منذ قديم، وإذا سخر الصغير من ~~رأسك وأنفك فبأي قلب تعاقبه! أيها النسيان ... هل أنت خرافة أيضا؟ ~~عاد حسين يقول: شد ما أسهبت في الحديث عن حياتها الجديدة، لم ~~تخف سرورها بها حتى بدا حنينها إلى الأهل مجرد مجاملة. # لمثل هذه الحياة في الأوطان المثالية خلقت، أما مشاركتها في ~~الطبائع الآدمية فعبث من الأقدار التي عبثت بشتى مقدساتك، ترى ~~ألم يخطر ببالها أن تشير في خطابها المسهب بكلمة إلى الأصدقاء ~~القدامى؟ ولكن من أدراك بأنها لا زالت تذكرهم؟ وعاودهم الصمت مرة ~~أخرى. بدا المغيب يقطر سمرة هادئة، ولاحت في الأفق حدأة مولية، ~~وترامى إليهم نباح كلب، وأقبل إسماعيل على الدورق يشرب، وراح حسين ~~يصفر بفيه، أما كمال فكان يسترق إليه النظر بوجه هادئ وقلب ~~يتحسر. ~~- الحر هذه السنة ملعون. # قال إسماعيل ذلك، ثم جفف شفتيه بمنديله الحريري المزركش ثم ~~تجشأ، وأعاد المنديل إلى جيب بنطلونه. # فراق الأحباب ألعن. ~~- متى تسافر إلى المصيف؟ ~~- في آخر يونيو. # أجاب إسماعيل بارتياح، فعاد حسين يقول: سنسافر غدا إلى رأس البر ~~حيث أمكث أسبوعا معهم، ثم أسافر بصحبة أبي إلى الإسكندرية ~~فأستقل الباخرة في 30 يونيو. # وينتهي تاريخ فترة من الزمن، وربما انتهى قلب، حدق حسين إلى ~~كمال مليا، ثم ضحك قائلا: نترككم وأنتم على خير حال من الوحدة ~~والائتلاف، فعسى أن تسبقنا أنباء الاستقلال إلى باريس. ms312 # فهتف إسماعيل مخاطبا حسين وهو يشير إلى كمال: صاحبك غير راض عن ~~الائتلاف. عز عليه أن يضع سعد يده في يد الخونة، وعز عليه أكثر أن ~~يتحاشى الاصطدام بالإنجليز فينزل عن الوزارة إلى خصمه القديم ~~عدلي، هكذا تجده أشد تطرفا من زعيمه المقدس نفسه! # مهادنة الأعداء والخونة خيبة أخرى تتجرعها، أي شيء في هذه الدنيا ~~لم يخب فيه أملك؟ غير أنه ضحك عاليا، ثم قال: بل يشاء هذا ~~الائتلاف أن يفرض على دائرتنا نائبا من الأحرار! # وضج ثلاثتهم بالضحك، وعند ذاك دبت في مرمى البصر منهم ضفدعة ما ~~لبثت أن توارت في العشب، وهفت نسمة مؤذنة بتداني المساء، وتخفف ~~العالم المحدق بهم من زياطة وضوضائه، فأذن المجلس بالختام، وملأه ~~ذلك بالجزع، فجعلت عيناه تتقلبان في المكان لتمتلئا من منظره. ~~هنا بدت أول مرة باعثة شعاع الحب، وهنا صدح الصوت الملائكي ب «يا ~~كمال»، وهنا دار حوار العذاب حول الرأس والأنف، وهنا عالن المعبود ~~بخصام التجني، وفي تضاعيف هذا الجو ترقد ذكريات عواطف ومشاعر ~~وانفعالات لو مستها يد العبث يوما لأحيت الصحراء ونضرت وجهها، ~~املأ من هذا كله عينيك وأرخه، فإن حوادث كثيرة تبدو وكأنها لم ~~تقع لو لم يقيدها يوم وشهر وعام، إننا نستعدي الشمس والقمر على خط ~~الزمان المستقيم لندوره لتعود إلينا الذكريات الضائعة، ولكن لا ~~شيء يعود أبدا، فذب في الدموع أو تسل بالابتسام. # وقف إسماعيل لطيف وهو يقول: آن لنا أن نذهب. # ترك إسماعيل يسبقه إلى عناق صاحبه، ثم جاء دوره فتعانقا طويلا ~~طبع على خده قبلة وتلقى مثلها، فغمت خياشيمه رائحة آل شداد ~~ممثلة في صاحبه، زكية، لطيفة، كأنها عبير غير آدمي، أو نفثات ~~حلم دوم في سماء مليئة بالمسرات والآلام، فأفعم بها حناياه حتى ~~ثمل. ولبث صامتا مليا حتى يملك عواطفه، غير أنه عندما تكلم ~~تهدج صوته وهو يقول: إلى اللقاء ولو بعد حين. # 35 ~~- لا يوجد أحد إلا الخدم! ~~- ذلك لأن ضوء النهار لم يكد يختفي بعد، والزبائن يفدون عادة ~~مع الليل، هل ضايقك ms313 خلو المكان؟ ~~- أبدا، خلو المكان عامل مشجع على البقاء، خاصة وأنها أول ~~مرة. ~~- للحانات هنا ميزات لا تقدر بثمن، فهي تقوم في طريق لا يقتحمه ~~إلا ساع وراء لذة محرمة، فلن يكدر صفوك هنا لائم أو زاجر. وإذا ~~عثر بك شخص تحترمه كأبيك أو ولي أمرك، كان هو الأحق باللوم والأخلق ~~بأن يتجاهلك أو يفر من سبيلك إن استطاع. ~~- اسم الشارع وحده فضيحة! ~~- لكنه أدعى إلى الطمأنينة من غيره، لو أننا ذهبنا إلى إحدى ~~حانات شارع الألفي، أو عماد الدين، أو حتى محمد علي، لما أمنا أن ~~يرانا أب أو أخ أو عم أو ذو مال. ولكنهم لا يجيئون إلى وجه البركة ~~فيما أرجو. ~~- منطقك سليم، غير أني لا زلت مضطربا. ~~- صبرك، الخطوة الأولى دائما عسيرة، ولكن الخمر مفتاح الفرج؛ ~~لذلك أعدك بأنك ستجد الدنيا عند ذهابنا ألطف وأعذب مما عهدتها قبل ~~ذلك. ~~- حدثني عن أنواع الخمور، أيها الأوفق أن أبدأ به؟ ~~- الكونياك عنيف، وإذا مزج بالبيرة فقل على شاربه السلام، ~~الويسكي مقبول الطعم جيد الأثر، أما الزبيب ... ~~- لعل الزبيب ألذها! ألم تسمع صالح وهو يغني: «وسقاني شراب ~~الزبيب»؟! ~~- طالما قلت لك: إنه لا عيب فيك إلا الإغراق في الخيال، الزبيب ~~أقبحها رغم أنف صالح، فيه طعم الأنيسون الذي تجزع منه معدتي، فلا ~~تقاطعني. ~~- معذرة. ~~- وهنالك البيرة، ولكنها شراب الحر، ونحن والحمد لله في سبتمبر، ~~وهناك النبيذ، غير أن عاقبته لطسة بنت كلب. ~~- إذن ... إذن ... فهو الويسكي. ~~- برافو، توسمت فيك النجابة من قديم، ولعلك توافقني بعد قليل ~~على أن استعدادك للهزل يفوق استعدادك للحقيقة، والخير، والجمال، ~~والوطنية، والإنسانية، إلى آخر هذه القائمة من الخزعبلات التي ~~تتعب بها قلبك دون جدوى. # ونادى النادل، فطلب كأسين من الويسكي. ~~- من الحكمة أن أقنع بكأس واحدة. ~~- قد تكون هذه هي الحكمة، غير أننا لم نجئ هنا لطلب الحكمة، وسوف ~~تعلم بنفسك أن الجنون ألذ من الحكمة، وأن الحياة أخطر من الكتب ~~والفكر، اذكر هذا اليوم ولا تنس صاحب الفضل عليك. ~~- لا أحب أن أفقد ms314 الوعي، أخاف أن ... ~~- كن حكيم نفسك. ~~- المهم عندي أن أجد الشجاعة للسير في الدرب إياه بلا تردد، ~~وأن أدخل عند الحاجة. ~~- اشرب حتى تشعر بأنك لا تبالي أن تدخل. ~~- حسن، أرجو ألا أندم على فعلتي فيما بعد. ~~- تندم؟! طالما دعوتك من قبل فكنت تعتذر بالتقوى والتدين، ثم ~~جاهرت بأنك لم تعد تؤمن بالدين، فكررت عليك الدعوة، فما أعجب إلا ~~لرفضك باسم الخلق! لكن يجب أن أعترف بأنك اتبعت المنطق ~~أخيرا. # أجل أخيرا. بعد فترة من القلق والحيرة بين أبي العلاء والخيام، ~~أو بين التقشف واللذة. وقد نزع به طبعه إلى مذهب الأول، فإنه وإن ~~بشر بحياة قاسية إلا أنها وافقت ما نشأ عليه من تقاليد، ولكنه ~~لم يدر إلا ونفسه تهفو إلى الفناء، وكأن صوتا خفيا راح يهمس ~~في أذنه: لا دين ولا عايدة ولا أمل، فليكن الموت. عند ذاك ناداه ~~الخيام بلسان هذا الصديق فلبى محتفظا بمبادئه السامية رغم هذا، ~~وإن يكن قد وسع من معنى الخير حتى وسع مسرات الحياة جميعا، قائلا ~~لنفسه: إن الإيمان بالحقيقة والجمال والإنسانية أسمى أنواع ~~الخير، وإنه لذلك كان ابن سينا يختم يوم الفكر بالشراب والحسان، ~~ومهما يكن من أمر فإنه لم يجد سوى هذه الحياة الواعدة منقذا من ~~الموت. ~~- إني معك في هذا، ولكنني لم أتخل عن مبادئي. ~~- أعلم أنك لن تتخلى عن أوهامك، طول المعاشرة جعلها حقيقة أكثر ~~من الحقيقة نفسها، لا بأس أن تقرأ، بل وأن تكتب ما وجدت قراء، ~~اجعل من الكتابة وسيلة للشهرة والثروة، ولكن لا تأخذها مأخذ الجد، ~~كنت متدينا عنيفا، وأنت الآن ملحد عنيف، دائما عنيف قلق كأنك ~~مسئول عن البشرية، الحياة أبسط من هذا كله، مركز في الحكومة يرضي ~~النفس، ويهيئ مستوى لا بأس به من المعيشة، استمتاع بلذات ~~الحياة بقلب متفتح خال من الهموم، استمساك بقدر من القوة ~~والاعتداء عند اللزوم يضمن لك الكرامة والفوز، فإذا وافقت هذه ~~الحياة الدين فبها ونعمت، وإلا فذنبه على جنبه. # الحياة أعمق وأعرض من أن تنحصر في شيء ms315 واحد ولو يكون السعادة ~~نفسها، اللذة ملاذي، ولكن ارتقاء الجبال الصعبة سيظل مطلبي، عايدة ~~ذهبت فيجب أن أخلق عايدة أخرى بكل ما ترمز إليه من معان، أو ~~فلتذهب الحياة غير مأسوف عليها. ~~- ألم تشغل فكرك أبدا بما فوق هذه الحياة من معان؟ ~~- هق! شغلت عن ذلك بالحياة نفسها، أو بالجري بحياتي أنا، ليس في ~~بيتنا كافر وليس فيه متدين، وهكذا أنا. # صديق ضروري مثل وقت الفراغ، شاذ المنظر مثل منظرك، موصول ~~الذكريات بعايدة فهو في القلب. رائد هذه الدروب الغناء، جبار إن ~~تحديته، يفتقد في المسرات دون الجد والملمات، ليس فيه للروح ~~موضع، غاب وراء البحار صديق الروح والعقل ... فؤاد الحمزاوي ذكي ولكن ~~لا فلسفة له. نفعي حتى في تذوق الجمال ... يبغي وراء الأدب بلاغة ~~ينتفع بها في تحبير المرافعات، من لي بوجه حسين وروحه؟ وجاء ~~النادل فوضع على المنضدة كأسين طويلين مضلعي الكعب، وفض سداد ~~قارورة الصودا وصب في الكأسين، فتحول الذهب إلى بلاتين مموه ~~باللآلئ، ورص أطبق السلطة والجبن والزيتون والمرتدلا، ثم ذهب، ~~ردد كمال بصره بين كأسه وبين إسماعيل، فقال الأخير باسما: افعل ~~كما أفعل، ابدأ بجرعة كبيرة، صحتك. # غير أنه اكتفى بحسوة وراح يتذوقها، ثم لبث يترقب. ولكن عقله لم ~~يطر كما كان يتوقع فتجرع جرعة كبيرة، ثم تناول قطعة من الجبن ليغير ~~الطعم الغريب الذي انتشر في فيه. ~~- لا تتعجلني. ~~- العجلة من الشيطان، المهم أن تترك مكانك وأنت على حال تمكنك ~~من اقتحام ما تريد. # ما الذي يريد؟ امرأة ممن استثرن تقززه ونفوره وهو مفيق، فهل ~~يحلي الشراب مرارة الابتذال. كان يناضل الغريزة بالدين وبعايدة، ~~أما الآن فقد خلا للغريزة الجو. غير أن ثمة حافزا آخر للمغامرة هو ~~أن يكتشف المرأة! ذلك المخلوق الغامض الذي تنطوي عايدة نفسها تحت ~~جنسه ولو كره. لعل في ذلك عزاء عن السهاد والدموع المطوي سرها ~~في جوف الليل المكتوم، وتكفيرا عن العذاب الدامي الذي لا أمل في ~~التداوي منه إلا باليأس والذهول، الآن يستطيع أن يقول: إنه خرج من ms316 ~~زنزانة الاستسلام ليخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص وإن يكن ~~طريقا مخمورا محفوفا بالشهوات والمكاره. وتجرع جرعة أخرى ~~وانتظر، ثم ابتسم، أما باطنه فكان يحتفل بمولد إحساس جديد ينفث ~~حرارة وصبوة، فتابعه مستسلما كما يتابع نغمة حلوة. وكان إسماعيل ~~يراقبه بإمعان، فقال باسما: أين حسين ليشهد بنفسه هذا ~~المنظر؟ # أين حسين أين؟ ~~- سوف أكتب له عنه بنفسي، هل رددت على رسالته الأخيرة؟ ~~- نعم، رددت برسالة موجزة كرسالته. # له وحده أسهب وأفاض حتى سجل كل خاطرة، يا للسعادة التي خص ~~بها وحده! لكن لا ينبغي أن يبوح بسر رسالته أن يثير غيرة ~~مدربه. ~~- كانت رسالته إلي موجزة أيضا فيما عدا الحديث الذي تعرفه ~~ولا تحبه. ~~- الفكر! (ثم وهو يضحك) ... ما حاجته إلى هذا هو الذي سيرث ثروة ~~تملأ المحيط، ما سر ولعه بهذه الخزعبلات؟ التكلف أم الغرور أم ~~الاثنان معا؟ # جاء دور حسين ليمد تحت المطرقة، ترى ماذا تقول عني في ~~غيابي؟ ~~- لا تناقض بين الفكر والغنى كما تظن، لقد ازدهر الفكر في ~~اليونان القديمة بفضل بعض السادة الذين لم يشغلهم طلب الرزق عن ~~التفرغ للعلم. ~~- صحتك يا أرسطو. # أفرغ بقية كأسه وترقب. ثم تساءل: هل مرت به حال كهذه من قبل؟ ~~نافث الحرارة الوجدانية ينطلق في الدورة الدموية، يجرف في طريقه ~~الفجوة التي تتجمع بها نفايات الأكدار، قمقم النفس يتفكك لحام ~~أحزانه فتطير منه عصافير المسرات مترنمة، وهذا صدى نغمة مطربة، ~~وهذه ذكرى أمل واعد، وذاك طيف بهجة عابرة، الخمر لعاب كله ~~السعادة. ~~- ما رأيك في كأسين أخريين؟ ~~- عمرك أطول من عمري. # ضحك إسماعيل ضحكة عالية وهو يومئ إلى النادل بأصبعه. ثم قال ~~بارتياح: أنت سريع الاعتراف بالجميل. ~~- هذا من فضل ربي. # وجاء النادل بالكأسين والمزة. وأخذ الزبائن يفدون مطربشين ~~ومقبعين ومعممين، فيستقبلهم النادل بمسح وجوه المناضد بالمناشف ~~إذ كان الليل قد أقبل، وأضيئت المصابيح؛ فتألقت المرايا الملتصقة ~~بالجدران مصورا على أسطحها قوارير الديوارس والجون ووكر، وترامت ~~من الخارج ضحكات ملعلعة كالأذان غير أنها تدعو للفجور، وصوبت نحو ~~منضدة الصديقين ms317 المراهقين نظرات إنكار متسامح باسم، ثم ورد من ~~الطريق بائع جمبري صعيدي، فبائعة فول ذات ثنيتين ذهبيتين، وماسح ~~أحذية، وصبي كبابجي هو في الوقت ذاته قواد كما دل ترحيب الجلوس به، ~~وقارئ كف هندي، ثم لا تسمع هنا وهناك إلا «صحتك» وها ها، وفي مرآة ~~تلي رأس كمال مباشرة نظر فرأى وجهه موردا، وبصره لامعا باسما، ~~وفيما وراء صورته عكست المرآة منظر رجل عجوز وهو يرفع كأسه إلى ~~فيه، ثم يتمضمض بحركة أرنبية، ويزدرد الشراب، ثم يقول لجليسه بصوت ~~مسموع: «المضمضة بالويسكي سنة عن جد لي مات وهو يسكر!» فحول كمال ~~وجهه عن المرآة، وقال لإسماعيل: نحن أسرة محافظة جدا، أنا أول ~~ذائق للخمر فيها. # فهز إسماعيل منكبيه هازئا، ثم قال: كيف تحكم على ما ليس لك به ~~علم؟ هل شاهدت شباب والدك؟ أما أبي فيتناول كأسا مع الغداء وأخرى ~~مع العشاء، وقد أمسك عن الشراب في الخارج، أو هذا ما يدعيه أمام ~~والدتي. # لعاب إله السعادة يتسرب إلى مملكة الروح، وهذا الانقلاب ~~الغريب الذي حدث في لحظات لا تقدر البشرية على إدراكه في أجيال ~~وأجيال، وهو في جملته يجود بمعنى باهر جديد لكلمة «السحر»، وأعجب ~~شيء أنه لم يكن جديدا كل الجدة، فلعله طاف بالروح مرة، ولكن ~~متى؟ وكيف؟ وأين؟ إنه موسيقى باطنية تعزفها الروح، وما الموسيقى ~~المعهودة بالقياس إليها إلا كقشور التفاح بالقياس إلى لبابه، ترى ~~ما سر السائل الذهبي الذي صنع هذه المعجزة في لحظات معدودات؟ ~~لعله طهر مجرى الحياة من الزبد والرواسب، فانطلقت وثبة الحياة ~~المكبوتة كما انطلقت أول مرة حرية مطلقة ونشوة خالصة، فهذا هو ~~الشعور الطبيعي بوثبة الحياة إذا تحررت من ربقة الجسد، وأغلال ~~المجتمع، وذكريات التاريخ، ومخاوف المستقبل، موسيقى رائقة نقية ~~تقطر طربا، وتصدر عن طرب، مثلها طاف بروحي من قبل، ولكن متى؟ ~~وكيف؟ وأين؟ آه، يا للذكرى، إنها الحب! يوم نادت: «يا كمال» أسكرتك ~~وأنت لا تدري ما السكر، فقر بأنك سكير قديم، وأنك عربدت ~~دهرا في طريق الهوى المخمور المعبد بالأزهار ms318 والرياحين، كان ذلك ~~قبل أن يتحول قطر الندى الشفاف إلى وحل، فالخمر روح الحب إذا ~~انجابت عنه بطانة الآلام، فحب تسكر أو اسكر تحب. ~~- الحياة جميلة مهما قلت وأعدت. ~~- ها ها، أنت الذي تقول وتعيد. # طبع المقاتل على خد غريمه قبلة صافية فحل السلام على الأرض، ~~وغرد البلبل فوق غصن ريان، فطرب العاشقون في أربعة أركان ~~المعمورة، وطار طائر الأشواق من القاهرة إلى بروكسل مارا بباريس ~~فاستقبل بالحنان والأناشيد، وغمس الحكيم شباة قلمه في مداد قلبه ~~فسجل وحيا منزلا، ثم آوى المجرب إلى شيخوخته فألمت به ذكرى دامعة ~~بعثت في صدره ربيعا مكتما، أما أسلاك الشعر الأسود المسدل على ~~الجبين فكعبة يتجه إليها الثملون في حانات الوجد. ~~- كتاب وكأس وحسناء وارمني في البحر. ~~- ها ها، سيفسد الكتاب الكأس والحسناء والبحر. ~~- لسنا متفقين في فهم معنى اللذة، تراها أنت لهوا وعبثا، وهي ~~عندي الجد كل الجد، هذه النشوة الآسرة هي سر الحياة وغايتها ~~العليا، وما الخمر إلا بشيرها والمثال المحسوس المتاح لها، وكما ~~كانت الحدأة مقدمة لاختراع الطائرات، والسمكة تمهيدا لاختراع ~~الغواصة، فالخمر ينبغي أن تكون رائد السعادة البشرية، والمسألة ~~تتلخص في هذه الكلمة: كيف نجعل من الحياة نشوة دائمة كنشوة الخمر ~~دون الالتجاء إلى الخمر؟ لن نجد الجواب في النضال والتعمير والقتال ~~والسعي، فكل أولئك وسائل وليست بغايات، السعادة لن تتحقق حتى نفرغ ~~من استغلال الوسائل كلها لنتمكن من أن نحيا حياة عقلية روحية ~~خالصة لا يكدرها مكدر، هذه هي السعادة التي أعطتنا الخمر مثالها، ~~كل عمل وسيلة إليها، أما هي فليست وسيلة لشيء. ~~- الله يخرب بيتك. ~~- لمه؟! ~~- كان أملي أن أجدك في نشوتك محدثا طريفا لطيفا، ولكنك ~~كالمريض يزيد مرضه بالخمر استفحالا، فيم تتحدث يا ترى إذا شربت ~~الكأس الثالثة؟ ~~- لن أشرب أكثر مما شربت، إني الآن سعيد، وفي وسعي أن أدعو أية ~~امرأة تعجبني. ~~- هلا انتظرت قليلا. ~~- ولا دقيقة واحدة. # سار متأبطا ذراع صاحبه غير هياب ولا متردد، ينتظمه تيار من ~~البشر يتلاطم مع تيار آخر قادم من ms319 الوجهة المضادة، في طريق ملتو ~~ضاق برواده. كانت الرءوس تدور إلى اليمين تارة، وإلى اليسار ~~أخرى، وعلى الجانبين بدت مضيفات الطريق قائمات وقاعدات يقلبن ~~في وجوههن المقنعات بالزواق الفاقع أعين الترحيب والإغراء، ~~ولا تمضي آونة حتى يمرق أحدهم من التيار إلى إحداهن فتتبعه إلى ~~الداخل، وقد مسحت عن عينها نظرة الإغراء لتحل محلها نظرة الجد ~~والعمل، وكانت المصابيح المركبة فوق أبواب البيوت والمقاهي تضيء ~~الطريق بأنوار ساطعة انعقدت في أعاليها سحب الدخان المتطاير من ~~بخور المجامر وتبغ الجوز والنارجيلات، أما الأصوات فقد تلاقت ~~واختلطت في دوامة صاخبة دارت بها الضحكات، والهتافات، وصرير ~~الأبواب، والنوافذ، وعزف البيانو، ومزيكة اليد، وتصفيق الأيدي ~~الراقصة، وزعيق الشرطي، والشخير والنخير، وسعال الحشاشين، وصراخ ~~السكارى، واستغاثات مجهولة، وقرع عصى، وغناء فردي وجماعي، وفوق ~~الجميع لاحت السماء قريبة من أسطح البيوت البالية ترنو إلى الأرض ~~بأعين لا تطرف. كل حسناء هنا في متناول اليد، تجود بحسنها ~~وأسرارها نظير عشرة قروش لا غير، فمن كان يصدق هذا قبل أن يراه؟ ~~وخاطب إسماعيل قائلا: هارون الرشيد يخطر في بهو الحريم. # فتساءل إسماعيل ضاحكا: ألم تعجبك جارية يا أمير ~~المؤمنين؟ # فأشار كمال إلى بيت، وقال: كانت تقف عند هذا الباب الخالي، ترى ~~أين ذهبت؟ ~~- مع زبون في الداخل يا أمير المؤمنين، فلينتظر مولانا حتى يقضي ~~أحد رعاياه وطره. ~~- وأنت ألم تجد ضالتك؟ ~~- إني قديم عهد بالطريق وأهله، ولكني لن أمضي إلى وجهتي حتى ~~أسلمك إلى صاحبتك، ماذا أعجبك فيها؟ يوجد أجمل منها كثيرات. # سمراء لم يطمس الزواق سمرتها، وفي حنجرتها وتر يذكر من بعيد ~~بتلك الموسيقى الخالدة، وقد تجد العين نوعا من الشبه بين بشرة ~~المختنق وأديم السماء الصافية: أتعرفها؟ ~~- تدعى هنا وردة، واسمها الحقيقي عيوشة. # عيوشة-وردة! لو يستطيع الإنسان أن يغير ماهيته كما يغير اسمه! في ~~عايدة نفسها شيء يشبه مركب عيوشة-وردة، وفي الدين، وفي عبد الحميد ~~بك شداد، وفي الآمال العريضة، أواه! لكن الخمر ترفعك إلى عرش ~~الآلهة فترى هذه المتناقضات غارقة في أمواج الفكاهة المقهقهة، ~~مستحقة للعطف. ms320 وشعر بكوع إسماعيل ينهزه في جنبه وهو يقول (دورك)، ~~فنظر صوب الباب فرأى رجلا يغادر البيت متعجلا، وإذا بالمرأة ~~تعود إلى موقفها كما رآها أول مرة، فاتجه نحوها بقدمين ثابتتين ~~فتلقته بابتسامة، ثم مضى إلى الداخل وهي في أثره تغني: «ارخ ~~الستارة اللي في ريحنا»، ووجد سلما ضيقا فرقي فيه وقلبه يخفق ~~حتى انتهى إلى دهليز يفضي إلى صالة، وصوتها يلاحقه قائلا من حين ~~لآخر: «يمينك»، «شمالك»، «هذا الباب الموارب». حجرة صغيرة مورقة ~~الجدران، مكونة من فراش، وتسريحة، ومشجب، وكرسي خشب، وطست، وإبريق. ~~ووقف في وسط الحجرة كالمرتبك وعيناه تراقبانها. ومضت هي تغلق ~~الباب والنافذة التي كان يترامى منها صوت دف وصفارة وتصفيق، ولاح ~~وجهها في أثناء ذلك جادا بل أقرب إلى العبوس والصرامة حتى تساءل ~~ساخرا عما تبيته له، ثم واجهته، وراحت تقيسه بعينيها طولا ~~وعرضا، ولما مرتا برأسه وأنفه داخله قلق، غير أنه أراد أن ~~يتغلب على قلقه فاقترب منها فاتحا ذراعيه، ولكنها استنظرته بحركة ~~جافة من يدها وهي تقول: «انتظر.» فتسمر في مكانه، بيد أنه كان ~~مصمما على تذليل العراقيل، فقال باسما فيما يشبه السذاجة: أنا ~~اسمي كمال. # فحدجته بنظرة داهشة وهي تقول: تشرفنا! ~~- ناديني، قولي لي: «يا كمال»! # فقالت وما تزداد إلا دهشة: لماذا أناديك وأنت أمامي ~~كالرزية؟ # أعوذ بالله! ترى أتمازحه؟ وازداد تصميما على إنقاذ الموقف، ~~فقال: قلت لي انتظر، ماذا أنتظر؟ ~~- في هذا لك حق. # قالت ذاك، ثم نزعت ثوبها بحركة بهلوانية، ووثبت إلى الفراش ~~ففرقع تحت ثقلها، واستلقت على ظهرها وراحت تربت بطنها بأناملها ~~المخضبة بالحناء، اتسعت عيناه إنكارا. لم يكن يتوقع هذه ~~المفاجأة البهلوانية. وشعر بأن كلا منهما في واد، وما أبعد ~~المدى بين وادي اللذة ووادي العمل ... انهدم في لحظة ما أقامه ~~الخيال في أيام، وجرت مرارة الامتعاض في ريقه. غير أن الرغبة في ~~الاكتشاف لم تفتر فغالب انزعاجه، ثم حرك ناظريه صوب الجسد العاري ~~حتى استقر على هدف، وبدا حينا كأنه لا يصدق عينيه. وأحد بصره في ~~انزعاج وتقزز حتى ms321 شعر في النهاية بما يشبه الرعب. أهذه هي ~~الحقيقة أم أنه أساء اختيار المثال؟ ولكن مهما يكن من سوء اختياره ~~فهل يغير هذا من الجوهر؟ ونزعم أننا نحب الحقيقة! شد ما ظلموا ~~رأسك وأنفك ! وحدثته نفسه بالهرب، وأوشك أن يصغي إليها، ولكنه ~~تساءل فجأة: لماذا لم يهرب الرجل الذي سبقه؟ وماذا يقول لإسماعيل ~~إذا عاد إليه؟ كلا لن يهرب، لن يتراجع أمام المحنة. ~~- ما لك واقفا كالتمثال؟ # هذه النبرة التي هزت الفؤاد، لم تكذب الأذنان ولكن الجهل كذاب، ~~سوف تضحك كثيرا من نفسك، ولكن وأنت ظافر لا هارب، هب الحياة مأساة ~~فعليك أن تلعب دورك. ~~- أتقف هكذا حتى الفجر؟ # قال بهدوء غريب: نطفئ النور. # فهبت جالسة في الفراش وهي تقول بجفاء وحذر: بشرط أن أراك في ~~النور. # تساءل في إنكار: لمه؟ ~~- حتى أطمئن إلى صحتك. # وتجرد للاختبار الصحي في منظر بدا له آية في الهزل، ثم ساد ~~ظلام دامس. # وعندما عاد إلى الطريق كان يحمل بين جنبيه قلبا فاترا مليئا ~~بالحزن، وخيل إليه أنه وسائر البشر يعانون تدهورا مؤلما، وأن ~~الخلاص منه بعيد. ورأى إسماعيل مقبلا نحوه راضيا ساخرا متعبا ~~وهو يتساءل: كيف حال الفلسفة؟ # فتأبط ذراعه وسار به يسأله بدوره جادا: هل النساء جميعا ~~متشابهات؟ # فألقى عليه الشاب نظرة متسائلة، فأفصح له كمال عن شكوكه ومخاوفه ~~في عبارة موجزة، فقال إسماعيل باسما: على العموم الأصل واحد وإن ~~اختلفت الأعراض، إنك مضحك لدرجة تستحق الرثاء، هل أستنتج من حالك ~~أنك لن تعود إلى هنا مرة أخرى؟ ~~- بل سأعود أكثر مما تظن، دعنا نشرب كأسا أخرى. # ثم وكأنه يحدث نفسه: الجمال ... الجمال! ... ما هو الجمال؟ # تاقت نفسه في هذه اللحظة إلى التطهر والانعزال والتأمل، وحن ~~إلى ذكرى الحياة التي عاشها معذبا في ظل المعبودة، ثم بدا وكأنه ~~آمن بقسوة الحقيقة إلى الأبد. أيجعل من الإعراض عن الحقيقة مذهبه؟ ~~سار متفكرا في طريق الحانة يكاد لا يلقي بالا إلى ثرثرة ~~إسماعيل. إذا كانت الحقيقة قاسية فالكذب دميم، ليست الحقيقة قاسية، ~~ولكن الانفلات ms322 من الجهل مؤلم كالولادة، اجر وراء الحقيقة حتى ~~تنقطع منك الأنفاس، ارض بالألم حتى تخلق نفسك من جديد، هذه ~~المعاني تحتاج إلى عمر لاستيعابها، عمر من التعب تتخلله سويعات ~~من الخمر. # 36 # أما هذا المساء ، فقد جاء كمال الدرب وحده، جاء ثملا يترنم ~~بصوت هامس، غير هياب وهو يشق بين تيار البشر الصاخب سبيلا. ووجد ~~باب وردة خاليا، ولكنه لم يتردد كما فعل أول عهده بالدرب، وإنما ~~قصد البيت ودخل دون استئذان، فارتقى السلم حتى انتهى إلى ~~الدهليز، وهناك مد بصره إلى الباب المغلق الذي بدا ضوء في ثقب ~~مفتاحه، ثم مال إلى حجرة انتظار ألفاها لحسن الحظ خالية، وجلس ~~على مقعد خشبي مادا ساقيه في ارتياح. وبعد مرور دقائق سمع صرير ~~الباب وهو يفتح فتوثب للقيام، وغادر الرجل الآخر الحجرة كما نمت ~~عليه أقدامه متجها نحو السلم، فتريث لحظات، ثم نهض وذهب إلى ~~الدهليز، فرأى وردة خلال باب حجرتها المفتوح وهي تعيد ترتيب ~~الفراش، فلما لمحته ابتسمت، وهتفت به أن يعود إلى مجلسه دقيقة ~~واحدة، فعاد من حيث أتى وهو يبتسم في ثقة، ثقة الزبون الذي جاز ~~فترة الحضانة. ولم تكد تمر دقيقة على جلوسه حتى ترامى إليه وقع ~~أقدام صاعدة فاستقبلها بضيق؛ لأنه يكره البقاء مع غيره من ~~المنتظرين، غير أن القادم اتجه نحو حجرة وردة، وما لبث كمال أن سمع ~~المرأة وهي تخاطب القادم قائلة برقة: عندي زبون فاذهب إلى ~~الحجرة وانتظر. # ثم رفعت صوتها منادية إياه وهي تقول: «تفضل!» فقام كمال وغادر ~~الحجرة دون تردد، فالتقى بالقادم في الدهليز، وجد نفسه وجها لوجه ~~مع ياسين! التقت عيناهما في نظرة ذاهلة، وسرعان ما غض كمال ~~جفنيه وهو يذوب خجلا وارتباكا واضطرابا. وأوشك أن يندفع هاربا ~~لولا أن عاجله ياسين بضحكة عالية رنت في سقف الدهليز رنينا ~~عجيبا، فرفع الشاب إليه عينيه فرآه فاتحا ذراعيه وهو يهتف في ~~سرور: يا ألف ليلة بيضا! ... يا ألف نهار سلطاني! # وقهقه عاليا فتعلق به نظر كمال في ذهول، ولما طالع فيه ms323 المرح ~~الصافي جعل يفيق إلى نفسه حتى ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة ~~متسائلة. ثم رجعت إليه الطمأنينة وإن لم يفارقه الحياء. وراح ~~ياسين يقول بصوت خطابي: هذه ليلة سعيدة، الخميس 30 أكتوبر سنة ~~1926، ليلة سعيدة حقا ، ويجب أن نحتفل بها كل عام، ففيها تكاشف ~~أخوان، وفيها ثبت أن صغير الأسرة يتقدم حاملا لواء تقاليدها ~~المجيدة في عالم اللذات! # وعند ذاك جاءت وردة وهي تسأل ياسين: صديقك؟ # فقال ياسين ضاحكا: بل أخي ابن أبي وأ ... كلا ابن أبي فقط، أرأيت ~~أنك معشوقة الأسرة يا بنت الذين؟ # فتمتمت قائلة: «عفارم!» ثم خاطبت كمال قائلة: واجب الأدب يقضي ~~بأن تنزل لأخيك الأكبر عن دورك يا نونو. # فضحك ياسين ضحكته الكبيرة، وقال: واجب الأدب! من ذا الذي ~~علمك آداب الوصل؟ تصوري أخا ينتظر أخاه على الباب! ... ها ... ها ~~... # فرمقته بنظرة تحذير وهي تقول: اضحك بصوتك المخيف حتى تسمع ~~البوليس يا سكير، ولكنك تعذر ما دام أخوك النونو لا يجيئني إلا ~~مترنحا. # حدج ياسين كمال بنظرة دهش وإكبار، ثم قال: أعرفت هذا أيضا؟! ~~رباه حقا إننا أولاد حلال، أولاد حلال بالمعنى، قرب فاك لأشمه! ~~ولكن لا فائدة من ذلك؛ فالسكران لا يشم رائحة السكران، خبرني ~~الآن: ما رأيك في هذه الحكمة التي تعلمتها من الحياة لا من ~~الكتب؟ ... (ثم وهو يشير إلى وردة) ... إن زيارة واحدة لبنت الملسوعة ~~هذه تعادل مطالعة عشرة كتب محرمة، إذن فأنت تسكر يا كمال؟! يا ~~ألف نهار أبيض! نحن أصدقاء من قديم الزمان، أنا أول من عد ~~... ~~- الله، الله! ... هل أنتظر حتى مطلع الفجر! # دفع ياسين كمال وهو يقول: ادخل معها وسوف أنتظر أنا. # ولكن كمال تقهقر وهو يهز رأسه بالرفض القاطع. ثم تكلم لأول مرة ~~قائلا: كلا، ليس ... ليس الليلة. # ودس يده في جيبه فأخرج نصف ريال ثم أعطاه المرأة، فهتف ياسين ~~بإعجاب: تحيا الشهامة! لكنني لن أتركك وحدك. # وربت كتف وردة مودعا، ثم تأبط ذراع كمال وذهبا معا حتى غادرا ~~البيت، قال ياسين: يجب أن نحتفل بهذه الليلة، ms324 فلنمض بعض الوقت في ~~بار، إني عادة أشرب في شارع محمد علي مع نفر من الموظفين وغيرهم، ~~ولكن المكان غير مناسب لك فضلا عن بعده، فلنختر مكانا قريبا ~~حتى نتمكن من العودة مبكرين، بت حريصا مثلك على العودة ~~المبكرة منذ زواجي الأخير، أين سكرت يا بطل؟ # غمغم كمال في حياء: فنش. ~~- عال! هلم بنا إليه، تمتع بوقتك دون تهاون، فغدا حين تصبح ~~معلما سيتعذر عليك زيارة هذا الحي ببيوته وحاناته، (ثم وهو ~~يضحك): تصور أن يلقاك هنا أحد تلاميذك! على أن ميدان اللهو واسع ~~وسوف تتدرج فيه من حسن إلى أحسن. # ومضيا إلى فنش صامتين. كان من حسن الحظ أن العلاقة بين ياسين ~~وكمال لم تفتر بعد هجرة ياسين للبيت القديم. ولم يكن بينهما ~~كلفة؛ إذ كان من طبع ياسين ألا يعنى بحقوقه التي تكفلها له ~~مكانته في الأسرة، إلى أن مخالطة كمال له واطلاعه على سيرته عن كثب ~~واستماعه إلى ما يقال عنه جعلته يؤمن بولع أخيه بالنساء وميله مع ~~الأهواء، ولكنه رغم هذا كله قد بوغت بلقائه في بيت وردة مباغتة ~~عنيفة؛ إذ لم يذهب به الخيال إلى حد تصور ياسين سكيرا أو ~~متسكعا في هذا الدرب! وبمرور الوقت أخذ يتخفف رويدا رويدا من ~~وقع المفاجأة، كما مضى الشعور بالانزعاج يزايله، ثم حل محله إحساس ~~بالطمأنينة بل بالارتياح. ولما بلغا فنش وجداه مكتظا بالجلوس، ~~فاقترح ياسين أن يجلسا في الخارج، واختار مائدة عند طرف الطوار على ~~ناصية الطريق ليبتعدا ما أمكن عن الناس، ثم جلسا متقابلين وهما ~~يبتسمان: أشربت كثيرا؟ # أجاب كمال بعد تردد: كأسين. ~~- لا شك أن لقاءنا غير المتوقع طير أثرهما، فلنعد الكرة، أما ~~أنا فلا أشرب إلا قليلا، سبعة أو ثمانية. ~~- يا خبر! أيعد هذا قليلا؟ ~~- لا تدهش كالسذج، فإنك لم تعد ساذجا. ~~- على فكرة، قبل شهرين لم أكن أدري شيئا عن طعمها. # فقال ياسين كالمستنكر: شهرين! يبدو أني احترمتك أكثر مما ~~تستحق. # وضحكا معا. ثم طلب ياسين كأسين. وعاد يتساءل: ومتى عرفت ~~وردة؟ ~~- عرفت ms325 وردة والويسكي في ليلة واحدة. ~~- وما خبرتك بالنساء عدا ذلك؟ ~~- لا شيء. # فحنى ياسين رأسه وهو ينظر إليه من تحت حاجبيه مقطبا في ابتسام، ~~كأنما يقول له: «اطلع من دول»، ثم قال: إياك وادعاء البلاهة، لم ~~يفتني أن أطلع في زمن مضى على مناورات كانت تدور بينك وبين بنت ~~أبو سريع صاحب المقلى، تارة بالعين، وتارة بالإشارة، هه؟ هذه ~~الأمور لا تخفى على الخبير يا عكروت، ولكن لا شك أنك قنعت بالعبث ~~السطحي حتى لا تجد نفسك مضطرا إلى مصاهرة عم أبو سريع، كما ~~صاهرت حماتي السابقة بيومي الشربتلي، هه؟ وها هو قد أصبح من ذوي ~~الأملاك وجاركم الملاصق. ترى أين اختفت مريم؟ لا أحد يعلم عنها ~~شيئا، كان أبوها رجلا طيبا. ألا تذكر السيد محمد رضوان؟ فانظر ~~ما آل إليه بيته؟ لكنها الأخلاق لا تستهين بها امرأة إلا ~~هانت! # فما تمالك كمال أن ضحك متسائلا: والرجل ألا يلحقه من استهانته ~~شيء؟ # فضحك ياسين ضحكته الكبيرة، وقال: الرجل غير المرأة يا طويل ~~اللسان، خبرني كيف حال والدتك؟ الست الطيبة، ألا زالت حانقة ~~علي حتى بعد طلاق مريم؟ ~~- لا أظنها تذكر شيئا من الأمر كله، قلب أبيض كما تعلم. # فأمن على قوله، ثم هز رأسه كالآسف. وجاء النادل بالشراب والمزة، ~~وسرعان ما رفع ياسين كأسه وهو يقول: «صحة آل محمد»، فرفع كمال ~~كأسه، ثم شرب نصفها على أمل أن يسترد ما ذهب من مرحه، وقال ياسين ~~بفم مملوء بالخبز الأسود والجبن: كان يخيل إلي أنك ستكون ~~أقرب إلى خلق والدتك، كما كان المرحوم، فتنبأت لك بالاستقامة، ~~ولكنك، ولكننا ... # وحدجه كمال بنظرة متسائلة، فعاد يقول باسما: لكننا خلقنا على ~~مثال أبينا. ~~- أبينا! إنه الجد الذي لا تطاق معه الحياة! # فقهقه ياسين عاليا، وتريث قليلا، ثم قال: إنك لا تعرف أباك، ~~وقد كنت أجهله مثلك، ثم تكشف لي عن رجل آخر قل أن يجود ~~الزمان بمثله. # وتوقف عن الكلام، فقال كمال بحب استطلاع واهتمام: ماذا عرفت ~~مما لم أعرف؟ ~~- عرفت أنه قطب اللطافة ms326 والطرب، لا تحملق في كالمعتوه، ولا ~~تظنني سكران، والدك عمدة الفكاهة والطرب والعشق! ~~- أبي؟ ~~- أول ما عرفته في بيت زبيدة العالمة. ~~- زبيدة ماذا؟ ... ها ... ها. # ولكن وجه ياسين بدا أبعد ما يكون عن الهزل. فكف كمال عن الضحك ~~قبل أن تزايل أساريره هيئة الضحك، ثم أخذ فمه يضيق رويدا رويدا ~~حتى انطبقت شفتاه فحملق في وجه أخيه صامتا، وهذا يحدثه عما رأى أو ~~سمع عن أبيهما في تبسط وإسهاب. هل يفتري ياسين على أبيه كذبا؟ ~~كيف يمكن أن يقع هذا، وأي بواعث تبرره؟ كلا، إنه لا ينطق إلا ~~بما علم، وهذا إذن هو أبوه، رباه! والجد والجلال والوقار ما أمرها؟ ~~إذا سمعت غدا أن الأرض مسطحة أو أن أصل الإنسان هو آدم فلا تدهش ~~ولا تنزعج، وأخيرا تساءل: أتدري والدتي بذلك؟ # ياسين وهو يضحك: لا شك أنها تدري بسكره على الأقل. # ترى كيف كان أثر ذلك في نفسها هي التي تفزع من لا شيء؟ أتكون ~~أمي - مثلي - ظاهرا من السعادة، وباطنا من الشقاء؟ قال: وكأنه ~~ينتحل أسبابا للدفاع لا يؤمن بها: الناس هواة مبالغة فلا تصدق ~~جميع ما يزعمون، ثم إن صحته تدل على أنه رجل معتدل في ~~حياته. # فقال ياسين بإعجاب، وهو يشير إلى النادل أن يعيد الكرة: إنه ~~أعجوبة! جسمه معجزة، وروحه معجزة، كل شيء فيه معجزة، حتى طول لسانه ~~(ضحك منهما معا) ... تصور أنه بعد هذا كله يحكم آله كما تعلم، ~~ويحافظ على جلاله واحترامه كما ترى! ما أضيعني! # تأمل هذه العجائب: أنت وياسين تتشاربان! أبوك شيخ ماجن! هل ثمة ~~حقيقي وغير حقيقي؟ ما علاقة الواقع بما في رءوسنا؟ ما قيمة ~~التاريخ؟ ما العلاقة بين عايدة المعبودة وعايدة الحبلى؟ أنا نفسي ~~ما أنا؟ لماذا تألمت ذلك الألم الوحشي الذي لم أبرأ منه بعد؟ ~~اضحك حتى تنفق. ~~- ما عسى أن يقع لو رآنا بمجلسنا هذا؟ # فرقع ياسين بإصبعه، ثم قال: أعوذ بالله! ~~- وهل زبيدة جميلة حقا؟ # فصفر ياسين وهو يرعش حاجبيه: أليس من الظلم أن يتمتع أبونا ~~بالدسم، ms327 على حين لا نجد نحن إلا الفتات؟ ~~- انتظر حظك، ما زلت في أول الطريق. ~~- ألم يتغير سلوكك معه بعد وقوفك على سره؟ ~~- إلا هذا! # لاحت نظرة حالمة في عيني كمال وهو يقول: ليته أعطانا من لطفه ~~نصيبا! ~~- ليته ... ~~- ما كان أمرنا ليفسد أكثر مما فسد! ~~- حب النساء والخمر ليس من الفساد في شيء. ~~- وكيف تفسر سلوكه على ضوء إيمانه العميق؟ ~~- وهل أنا كافر؟ وهل أنت كافر؟ وهل كان الخلفاء كفرة؟ الله غفور ~~رحيم! # ما عسى أن يكون جواب أبي؟ شد ما أتوق إلى مناقشته، كل شيء ~~محتمل إلا أن يكون منافقا، كلا ليس هو بالمنافق، وما أزداد له ~~إلا حبا! وغمرته الجرعة الأخيرة رغبة في الدعابة، فقال: من ~~المؤسف أنه لم يتعلم فن التمثيل. # فضحك ياسين ضحكة عالية، وقال: لو علم بما يتهيأ للممثل من ~~حياة حافلة بالنساء والخمر لكرس حياته للفن. # أهذا الكلام الهازئ عن السيد أحمد عبد الجواد حقا! ولكن هل ~~يكون هو أجل من آدم؟ ومع ذلك فالمصادفة وحدها هي التي عرفتك بحقيقة ~~الرجل، والمصادفة هي التي لعبت في حياتك أخطر الأدوار، لو لم أصادف ~~ياسين في الدرب لما انقشعت عن عيني غشاوة الجهل، لو لم يجذبني ~~ياسين على جهله إلى القراءة لكنت اليوم في مدرسة الطب كما تمنى ~~أبي، ولو التحقت بالسعيدية ما عرفت عايدة، ولو لم أعرف عايدة لكنت ~~إنسانا غير الإنسان، ولكان الكون غير الكون، ثم يحلو للبعض أن ~~يعيب على دارون اعتماده على المصادفة في تفسير آلية مذهبه. قال ~~ياسين مستعيرا لهجة الحكيم: سوف تعلمك الأيام ما لم ~~تعلم. # ثم وهو يسخر من نفسه: ها هي تعلمني أن أقضي لذاتي مبكرا حتى ~~لا أثير شكوك زوجتي. # وهز رأسه وهو ينظر إلى عيني كمال المتسائلتين الباسمتين، ثم ~~استطرد: إنها أقوى زوجاتي الثلاث، ويخيل إلي أنني لن أتخلص ~~منها! # فسأله كمال باهتمام وهو يشير ناحية الدرب: ما الذي جاء بك إلى ~~هذا وأنت متزوج للمرة الثالثة؟ # فردد ياسين الجملة المشهورة من الأغنية التي سمعها كمال ms328 أول ما ~~سمعها في دخلة عائشة: علشان كدة ... علشان كدة ... علشان كدة. # ثم قال مبتسما في شيء من الارتباك: قالت لي زنوبة مرة: «أنت لم ~~تتزوج قط، كنت تعتبر الزواج نوعا من العشق، وقد آن لك أن تنظر ~~إليه بعين الجد.» أليس غريبا أن يصدر هذا القول عن عوادة؟ ~~ولكنها فيما يبدو أحرص على الحياة الزوجية من سابقتيها، وهي ~~مصممة على أن تبقى زوجة لي حتى تغمض عيني، لكنني لا أستطيع أن ~~أقاوم النسوان، سرعان ما أحبهن، وسرعان ما أملهن؛ لذلك عمدت إلى ~~هذه الدروب لأقضي اللبانة مبكرا دون التورط في عشق طويل. ولولا ~~الملل ما سعيت إلى امرأة في درب طياب! # فسأله كمال باهتمام متزايد: أليست هي امرأة ككل النساء؟ ~~- كلا، إنها امرأة بلا قلب، الهوى عندها سلعة. # فعاد كمال يسأل وعيناه تلمعان بالأمل: ماذا ترى من اختلاف بين ~~امرأة وأخرى؟ # هز ياسين رأسه في زهو إدلالا بالمكانة التي وضعته فيها أسئلة ~~كمال، ثم أجاب بلهجة خبير: درجة المرأة تتقرر في كادر النساء تبعا ~~لمزاياها الأخلاقية والعاطفية بصرف النظر عن أسرتها ومركزها، ~~فزنوبة مثلا أفضل عندي من زينب؛ لأنها أعمق عاطفة وأشد إخلاصا ~~وحرصا على الحياة الزوجية، ولكنك في النهاية تجدهن شيئا ~~واحدا، عاشر الملكة بلقيس نفسها فلا محيص من أن تجدها آخر الأمر ~~منظرا معادا، ونغمة مكررة. # خبا اللمعان في عيني كمال، ترى هل أمست عايدة منظرا معادا ~~ونغمة مكررة؟ ما أبعد هذا التصور عن التصديق! ولكن ما أنت إلا صريع ~~الواقع، وحتى الشماتة بها تكبر عليك وتعز، وإنه لمما يبعث على ~~الجنون أن يعلم المعبود الذي تذهب النفس حسرة عليه أنه كان في وسع ~~الأيام أن تجعل منه منظرا معادا ونغمة مكررة، بل أي الحالين ~~أحب إليك إن استطعت جوابا؟ غير أني أتحسر أحيانا على الملل ~~من شدة الشوق كما يتحسر ياسين على الشوق من شدة الملل، وارفع ~~رأسك أخيرا إلى رب السماوات وسله عن حل سعيد: ألم تحب ~~أبدا؟ ~~- إذن ما هذا الذي أنا غارق فيه؟ ms329 ~~- أعني حبا حقيقيا لا هذه الشهوة العابرة؟ # أفرغ كأسه الثالثة، ومسح على فمه بظاهر كفه، ثم فتل شاربه وقال: ~~لا تؤاخذني، الحب يتركز عندي في بعض مواضع كالفم واليد ... إلخ، ~~إلخ. # ياسين جميل، ما كانت لتسخر من رأسه أو أنفه، ولكنه بما قال يبدو ~~حقيقا بالرثاء، كأن الإنسان لا يكون إنسانا إلا أن يحب، ولكن ما ~~جدوى ذلك، وما جنيت من الحب إلا الألم؟ واستطرد ياسين قائلا، وهو ~~يحثه بالإشارة على الفراغ من كأسه: لا تصدق ما يقال عن الحب ~~في الروايات، الحب عاطفة أيام أو أسابيع مع حسن الظن. # كفرت بالخلود ولكن هل نسيان الحب ممكن؟ لم أعد كما كنت، إني ~~أتسلل من جحيم العذاب فتشغلني الحياة حينا حتى أرجع إليه، وكان ~~الموت قبلتي، واليوم ثمة حياة ولو بلا أمل، العجب أنك تثور على ~~فكرة النسيان كلما خطرت، كأنما تعاني تبكيت الضمير، أو لعلك تخاف ~~أن يتكشف أجل ما قدست عن وهم، أو أنك تأبى على يد العدم أن ~~تعبث بالحياة الرائعة التي بدونها تغدو ومن لم يولد سواء، لكن ألا ~~تذكر لم بسطت الراحتين داعيا الله أن ينتشلك من العذاب، وأن ~~يلهمك النسيان؟! ~~- ولكن الحب الحقيقي موجود، نقرأ حوادثه في الصحف لا في ~~الروايات. # ابتسم ياسين ابتسامة ساخرة، ثم قال: بالرغم من أنني مبتلى ~~بحب النسوان، فإنني لا أعترف بهذا الحب، إن المآسي التي تقرأ ~~أخبارها تتحدث في الواقع عن شبان غير مجربين، أسمعت عن مجنون ~~ليلى؟ لعل له نظائر في هذه الحكايات، ولكن المجنون لم يتزوج من ~~ليلى؟ دلني على شخص واحد جن بحب زوجته! وا أسفاه! إن الأزواج ~~عقلاء جدا، عقلاء ولو كرهوا، أما الزوجة فيبدأ بالزواج جنونها؛ ~~لأنها لا تقتنع بأقل من أن تزدرد زوجها، ويخيل إلي أن ~~المجانين يصيرون عشاقا لأنهم مجانين، لا أن العشاق يصيرون ~~مجانين لأنهم عشاق، تراهم يتحدثون عن المرأة كأنما يتحدثون عن ~~ملاك، والمرأة ليست إلا امرأة، طعام لذيذ سرعان ما تشبع منه، دعهم ~~يشاركونها الفراش ليطلعوا على منظرها عند ms330 الاستيقاظ، وليشموا ~~رائحة عرقها، وسائر الروائح التي قد تصدر عنها، وليحدثوني بعد ~~ذلك عن الملاك. فتنة المرأة ما هي إلا طلاء أو أداة إغراء حتى تقع ~~في الشرك، وعند ذاك يبدو لك المخلوق الآدمي على حقيقته ؛ لذلك ~~فالأبناء ومؤخر الصداق والنفقة الشرعية هي سر قوة الزواج لا ~~الجمال أو الفتنة. # ما كان أجدره أن يغير رأيه لو رأى عايدة، غير أنه ينبغي أن تفكر ~~من جديد في أمر الحب. كنت تراه وحيا ملائكيا، ولكن لم يعد ~~للملائكة وجود فابحث في ذات الإنسان، واسلكه ضمن الحقائق الفلسفية ~~والعلمية التي تتشوف إلى اقتحامها، بذلك تقف على سر مأساتك ~~وتكشف النقاب عن سر عايدة المكنون، لن تجدها ملاكا، ولكن باب ~~السحر سيفتح لك مصراعيه، أما الوحم والحبل والمنظر المعاد وسائر ~~الروائح فما أتعسني! # قال كمال بأسى لم يفطن إليه أخوه: الإنسان مخلوق قذر، ألم يكن ~~من الممكن أن يخلق خيرا وأنظف مما كان؟ # رفع ياسين رأسه دون أن ينظر إلى شيء بالذات، وقال بسرور عجيب: ~~الله ...، الله، النفس شعشعت واستحالت أغنية، وانقلبت الأعضاء آلات ~~طرب، والدنيا حلوة، والكائنات حبيبة للقلب، والجو عذب، والحقيقة ~~خيال، والخيال حقيقة، أما المنغصات فأسطورة، الله ... الله، ما ~~أجمل الخمر يا كمال! الله يطول عمرها ويديمها علينا، ويعطينا الصحة ~~والعافية لنشربها حتى آخر العمر، ويخرب بيت الذي يمسها بسوء أو ~~يتقول عليها بغير الحق، تأمل هذه النشوة الحلوة، تأمل، أغمض ~~عينيك، هل وجدت لذة كهذه؟ الله ... الله ... الله، (ثم وهو يخفض رأسه ~~ناظرا إلى كمال) ... ماذا قلت يا ولدي؟ الإنسان مخلوق قذر؟ أساءك ~~ما قلت عن المرأة؟ لم أتكلم لأثير اشمئزازك منها، الواقع أني ~~أحبها، أحبها بكل ما فيها، ولكني أردت أن أبرهن لك على أن المرأة ~~الملاك لا وجود لها، بل لا أدري إن كنت أحبها إن وجدت! فإني مثلا ~~- كأبيك - أحب الأرداف الثقيلة، ولو كان الملاك ذا أرداف ثقيلة ~~لتعذر عليه الطيران. افهمني جيدا ولا تسئ فهما وحياة أبينا ~~السيد أحمد. # وما لبث كمال أن شاركه نشوته، ms331 فقال: لشد ما تبدو الدنيا محبوبة ~~إذا سرت الخمر في الروح. ~~- يسلم فمك، حتى النغمة المألوفة يترنم بها شحاذ الطريق تقع من ~~الأذن موقع السحر. ~~- حتى أحزاننا تبدو كأنها أحزان شخص آخر. ~~- بخلاف نساء الشخص الآخر ، فإنها تبدو وكأنها نساؤنا. ~~- هما شيء واحد يا ابن أبي. ~~- الله ... الله، لا أريد أن أفيق. ~~- من رذالة الحياة أنها لا تمكننا من الاستمرار في السكر كما ~~نهوى. ~~- ليكن في معلومك أنني لا أرى في السكر لهوا، ولكن غاية ~~سامية كالمعرفة والمثل الأعلى. ~~- إذن فأنا فيلسوف كبير! ~~- عندما تؤمن بما قلت وليس قبل ذلك. ~~- الله يطول عمرك يا أبي، فقد أنجبت فلاسفة مثلك. ~~- لم يبدو الإنسان تعيسا مع أنه لا يطلب أحسن من كأس وما أكثر ~~القوارير، وامرأة وما أكثر النساء؟ ~~- لمه؟ ... لمه؟ ~~- سأجيبك عندما أشرب كأسا أخرى. ~~- كلا! # قال ياسين ذلك بصوت وشى بصحوة طارئة، ثم استطرد محذرا: لا ~~تفرط، إني شريكك الليلة فأنا مسئول عنك، كم الساعة الآن؟ # وأخرج ساعته فنظر فيها، ثم هتف: منتصف الواحدة! وقع المحذور يا ~~بطل، كلانا قد تأخر، وراءك أبونا، وورائي زنوبة، قم بنا. # ولم تمض دقائق حتى غادرا البار، فاستقلا عربة انطلقت بهما صوب ~~العتبة. دارت العربة حول سور الأزبكية في طريق يسوده الظلام. وبين ~~آونة وأخرى يرى عابرا مهرولا أو مترنحا، وكلما مرت العربة بشارع ~~مقاطع ترامى إليهما صوت غناء تحمله نسمة رطيبة، أما فوق المباني ~~وأشجار الحديقة الباسقة، فقد تألقت النجوم اليواقظ. قال ياسين ~~ضاحكا: أستطيع الليلة أن أحلف غير متحرج بأنني لم آت ~~منكرا. # فقال كمال في شيء من القلق: أرجو أن أصل إلى البيت قبل ~~أبي. ~~- الخوف شر أنواع التعاسة، لتحيا الثورة! ~~- أجل لتحيا الثورة! ~~- لتسقط الزوجة المستبدة. ~~- ليسقط الأب المستبد. # 37 # طرق كمال الباب في خفة حتى فتح عن شبح أم حنفي، ولما عرفته ~~قالت بصوت هامس: سيدي الكبير على السلم. # فانتظر وراء الباب حتى يطمئن إلى وصول أبيه إلى الدور الأعلى، ~~غير أن صوته جاء من داخل السلم وهو يسأل ms332 بشدة: من الطارق؟ # فخفق قلبه ولم ير بدا من التقدم وهو يجيبه: أنا يا ~~بابا. # تراءى له شبح أبيه على بسطة الدور الأول، على حين لاح ضوء ~~المصباح الذي تمسك به الأم في أعلى السلم، ونظر السيد إليه من فوق ~~الدرابزين، وهو يتساءل في دهش: كمال؟ ... ما الذي أخرك خارج البيت ~~حتى هذه الساعة؟ # أخرني الذي أخرك. # قال بإشفاق: ذهبت إلى المسرح لأشهد التمثيلية المقررة علينا ~~هذا العام. # فصاح ساخطا: هل أصبحت المذاكرة في المسارح؟ ألا يكفي أن تقرأ ~~وتحفظ؟ كلام فارغ سمج، ولم لم تستأذني؟ # توقف كمال على بعد درجات من موقف أبيه، وقال معتذرا: لم ~~أتوقع أن تمتد السهرة إلى هذه الساعة المتأخرة. # فقال الرجل بغضب: شف لك طريقة أخرى للمذاكرة ودعك من الأعذار ~~السخيفة. # ومضى يرقى في السلم وهو يدمدم، فترامت إليه كلمات من دمدمته مثل ~~«مذاكرة المسارح على آخر الزمن»، «الساعة واحدة بعد منتصف الليل»، ~~«حتى الأطفال»، «ملعون أبوك وأبو التمثيلية المقررة». ارتقى ~~السلم حتى الدور الأخير ومضى إلى الصالة، فتناول مصباحا مضاء من ~~فوق منضدة ودخل حجرته مكفهر الوجه. وضع المصباح على المكتب ووقف ~~مستندا بكلتا يديه يتساءل عن تاريخ آخر شتيمة قذفه بها أبوه فلم ~~يتذكره على وجه التحديد، ولكنه كان واثقا من أن سنوات دراسته ~~العالية مرت في سلام وكرامة؛ ولذلك وقعت اللعنة من نفسه - رغم أنه ~~لم يواجه بها - موقعا أليما. وتحول عن مكتبه فخلع طربوشه وشرع في ~~نزع ملابسه، وعلى حين فجأة شعر بدوار في رأسه وجزع في معدته، فغادر ~~الحجرة مسرعا إلى الحمام حيث قذف جوفه بما فيه في عنف ومرارة. ~~وعاد إلى الحجرة مرة أخرى منهوك القوى، متقزز النفس، يجد في ~~صدره ألما أشد وأعمق، وخلع ملابسه وأطفأ المصباح، ثم استلقى على ~~الفراش وهو ينفخ في ضيق وضجر، ولكن لم تمض دقائق حتى سمع الباب ~~وهو يفتح برفق، ثم جاءه صوت أمه متسائلا في إشفاق: نمت؟ # فقال بلهجة طبيعية راضية ليصرفها عنه ويخلو إلى ما هو فيه: ~~نعم. # فتدانى ms333 شبحها من الفراش حتى وقفت فوق رأسه، ثم قالت كالمعتذرة: ~~لا تتكدر، أنت أعلم الناس بأبيك. ~~- مفهوم مفهوم. # فقالت وكأنما أرادت أن تفصح عما ساورها هي: إنه مطلع على جدك ~~واستقامتك، ومن هنا جاء إنكاره لتأخرك غير المألوف حتى هذه ~~الساعة. # فركبه الغيظ حتى لم يتمالك من أن يقول: إذا كان السهر يستوجب كل ~~هذا الإنكار، فلماذا يواظب هو عليه؟ # حال الظلام دون رؤية ما ارتسم على وجهها من دهش وإنكار، لكنه ~~سمعها تضحك من أنفها لتوهمه بأنها لم تحمل قوله على محمل الجد، ~~وقالت: كل الرجال يسهرون، وسوف تصير رجلا عما قريب، أما الآن وأنت ~~طالب ... # فقاطعها قائلا بلهجة من يود الفراغ من الحديث: مفهوم ... مفهوم، ~~لم أقصد بقولي شيئا، لماذا تعبت نفسك بالمجيء إلي؟ عودي ~~مصحوبة بالسلامة. # قالت برقة: خفت أن تكون متكدرا، سأتركك الآن ولكن عدني بأن ~~تنام صافي النفس، اقرأ الصمدية حتى يأتيك النوم. # وشعر بابتعادها، ثم سمع الباب وهو يغلق وصوتها يقول: «مساء ~~الخير!» نفخ مرة أخرى، وراح يمسح صدره وبطنه وهو يحملق في الظلام، ~~أما مذاق الحياة كلها فكان مرا. أين ذهبت نشوة الخمر الساحرة؟ ~~وما هذا الكرب الحانق الذي حل محلها؟ ما أشبهه بخيبة الحب التي ~~ورثت أحلامه السماوية، ومع ذلك فلولا الأب ما انقلب حاله. هذه ~~القوة الجبارة التي يخافها كل الخوف، يخافها ويحبها معا، ما ~~كنهها؟ ليس إلا رجلا لولا مرحه الذي خص به الغرباء لم يكن شيئا، ~~فكيف يخافه؟ وحتى متى يذعن لقوة هذا الخوف؟ إنه وهم كسائر الأوهام ~~التي امتحن بها، ولكن ما جدوى المنطق في مقاومة العواطف الثابتة؟ ~~وقد قرعت يداه يوما أبواب عابدين في المظاهرة الكبرى التي تحدت ~~الملك هاتفة «سعد أو الثورة»، فتراجع الملك واستقال سعد من الوزارة ~~... أما حيال أبيه فإنه يصير لا شيء، كل شيء تغير مدلوله ومعناه؛ ~~الله ... آدم ... الحسين ... الحب ... عايدة نفسها ... الخلود، قلت الخلود؟ ~~نعم، فيما يجري على الحب وفيما جرى على فهمي. ذلك الأخ الشهيد الذي ~~استضافه الفناء إلى الأبد. ms334 أتذكر التجربة التي قمت بها وأنت في ~~الثانية عشرة من عمرك لتعرف مصيره المجهول؟ ... يا للذكرى المحزنة! ~~... اقتنصت عصفورة من عشها ثم خنقتها، وكفنتها، وحفرت لها قبرا ~~صغيرا في فناء البيت على كثب من البئر القديم ثم دفنتها فيه. ~~وبعد أيام أو أسابيع نبشت القبر وأخرجت الجثة، فماذا رأيت؟ وماذا ~~شممت؟ وذهبت إلى أمك باكيا تسألها عن مصير الميت، كل ميت، ومصير ~~فهمي خاصة فلم يصدك عنها إلا إفحامها في البكاء، فماذا بقي من ~~فهمي بعد سبع سنوات؟ وماذا سيبقى من الحب؟ وعم تمخض الأب ~~الجليل؟ # ألفت عيناه ظلام الحجرة فتراءى المكتب، والمشجب، والكرسي، ~~والصوان أشباحا قائمة، وندت عن الصمت نفسه أصوات مبهمة، وامتلأ ~~رأسه بالأرق المحموم، أما مذاق الحياة فازداد مرارة، وتساءل: هل ~~غط ياسين في نومه؟ وعلى أي حال كان لقاء زنوبة له؟ وهل آوى ~~حسين إلى فراشه الباريسي؟ وعلى أي جانب تنام عايدة الآن؟ وهل ~~تكور بطنها وانداح؟ وماذا يفعلون في نصف الكرة الآخر الذي ~~تتربع الشمس في كبد سمائه؟ والكواكب المنيرة، أليس ثمة حياة ~~تعمرها خالية من التعاسة؟ وهل يمكن أن يسمع أنينه الخافت في ذلك ~~الأوركسترا الكوني اللانهائي؟ # أبي! دعني أكاشفك بما في نفسي. لست ساخطا على ما تكشف لي من ~~شخصك، فإن ما كنت أجهله منك أحب إلي مما كنت أعرف. إني معجب ~~بلطفك وظرفك، ومجونك وعربدتك، ومغامراتك، ذلك الجانب الدميث منك ~~الذي يعشقه جميع عارفيه، وهو إن دل على شيء فعلى حيويتك وهيامك ~~بالحياة والناس، ولكني أسائلك لم ارتضيت أن تطالعنا بهذا القناع ~~الفظ المخيف؟ لا تعتل بأصول التربية؛ فأنت أجهل الناس بها، وآي ~~ذلك ما ترى وما لا ترى من سلوك ياسين وسلوكي، فما فعلت إلا أن ~~آذيتنا كثيرا، وعذبتنا كثيرا بجهل لا يشفع لك فيه حسن نيتك. لا ~~تجزع فإني ما زلت أحبك وأعجب بك، وسأبقى على الدوام مخلصا لحبك ~~والإعجاب بك، غير أن نفسي تضمر لك لوما شديدا يعادل ما جرعتني ~~من ألم. لم نعرفك صديقا كما عرفك الغرباء، ولكن ms335 عرفناك حاكما ~~مستبدا شرسا طاغية، كأنما كنت أول مقصود بالمثل القائل: «عدو ~~عاقل خير من صديق جاهل»؛ لذا سأكره الجهل أكثر من أي شيء في ~~الحياة؛ فهو المفسد لكل شيء حتى الأبوة المقدسة. خير منك أب له نصف ~~جهلك ونصف حبك لأبنائك، وأني أعاهد نفسي - إذا صرت يوما أبا - أن ~~أكون لأبنائي الصديق قبل أن أكون المربي، غير أني ما زلت أحبك ~~وأعجب بك حتى بعد أن زايلتك صفات الألوهية التي توهمتها فيما مضى ~~عيناي المسحورتان. أجل لم تعد قوتك إلا أسطورة، فلست مستشارا ~~كسليم بك ولا غنيا كشداد بك، ولا زعيما كسعد زغلول، ولا داهية ~~كثروت، ولا نبيلا كعدلي، ولكنك صديق محبوب وحسبك هذا، وما هو ~~بالقليل. فليتك لم تضن علينا بصداقتك، ولكن لست وحدك الذي ~~تغيرت فكرته، الله نفسه لم يعد الله الذي عبدته قديما، إني ~~أغربل صفات ذاته لأنقيها من الجبروت، والاستبداد، والقهر، ~~والدكتاتورية، وسائر الغرائز البشرية، ولست أدري أين ينبغي أن أشكم ~~الفكر، ولا إن كان من الفضيلة أن أشكمه! بل إن نفسي تحدثني بأني لن ~~أقف عند حد، وبأن النضال على عذابه خير من الاستكانة والنوم - قد ~~لا يهمك هذا بقدر ما يهمك أن تعلم أني قررت أن أضع حدا ~~لاستبدادك، استبدادك الذي يغشاني كما يغشاني هذا الظلام المحيط، ~~والذي يؤلمني كما يؤلمني هذا الأرق اللعين، أما الخمر فلن أذوقها ~~جزاء خيانتها لي، وا أسفاه! إذا كانت الخمر أيضا وهما خادعا فما ~~بقي للإنسان؟ أقول لك: إني قررت أن أضع حدا لاستبدادك، لا ~~بالتحدي والعصيان، فإنك أكرم على نفسي من أن أفعل بك هذا، ولكن ~~بالهجرة! أجل لأهاجرن من بيتك حال أقف على قدمي، وفي أحياء ~~القاهرة متسع لكل مضطهد، أتدري ماذا كانت عواقب حبي لك رغم ~~استبدادك بي؟ إني عبدت مستبدا آخر طالما ظلمني بظاهره وباطنه ~~معا، استبد بي دون أن يحبني، ورغم ذلك كله عبدته من أعماقي ولا ~~زلت أعبده، فأنت أول مسئول عن حبي وعذابي. ترى ما نصيب هذه الفكرة ~~من الحقيقة؟ ms336 لست مرتاحا إليها ولا متحمسا لها، ومهما يكن من ~~واقعية الحب فلا شك أنه يرجع إلى أسباب أعمق أصالة في النفس، ~~فلنتركها الآن معلقة حتى نعود إليها بالدرس فيما بعد، وعلى أي ~~حال فأنت يا أبي الذي هونت علي الإحساس بالظلم بمداومتك على ~~الاستبداد بي. وأنت يا أمي لا تحملقي في وجهي بإنكار، أو تتساءلي: ~~ما ذنبي وما جنيت على أحد؟ إنه الجهل، هو جنايتك، الجهل ... الجهل ... ~~الجهل ... أبي هو الفظاظة الجاهلة، وأنت الرقة الجاهلة، وسوف أظل ما ~~حييت ضحية هذين الضدين. وجهلك أيضا هو الذي ملأ روحي بالأساطير، ~~فأنت همزة الوصل بيني وبين عالم الكهوف، وكم أشقى اليوم في سبيل ~~التحرر من آثارك، كما سأشقى غدا في سبيل التحرر من أبي، وما ~~كان أحراكما أن توفرا علي هذا الجهد المضني؛ لذلك أقترح - وظلام ~~هذه الحجرة شهيد - أن تلغى الأسرة - هذه الحفرة التي يتجمع فيها ~~الماء الآسن - وأن تزول الأبوة والأمومة. بل هبني وطنا بلا تاريخ، ~~وحياة بلا ماض. ولننظر الآن في المرآة فماذا نرى؟ هذا الأنف ~~الضخم، وهذا الرأس الكبير. أعطيتني أنفك يا أبي دون مشورة أو رحمة؛ ~~فأنت تستبد بي حتى قبل أن أولد، ومع أنه يبدو في وجهك مهيبا ~~جليلا، فإنه - بذاته وشكله - يلوح مضحكا في صفحة وجهي الضيقة ~~كأنه جندي إنجليزي في حلقة ذكر. وأعجب منه رأسي لأنه لا إلى فصيلة ~~رأسك ينتمي، ولا إلى فصيلة رأس أمي، فعن أي جد بعيد انحدر إلي؟ ~~فليظل ذنبه معلقا فوق رأسيكما حتى يتضح لي الحق. قبيل النوم يجب ~~أن نقول: «الوداع»، فقد لا يطلع الصبح علينا، إني أحب الحياة رغم ~~ما فعلته بي على طريقة حبي إياك يا أبي، وفي الحياة أشياء جديرة ~~بالحب وصفحة وجهها مليئة بعلامات الاستفهام مثيرة للشغف. غير أن ~~النافع فيها لا نفع فيه، وما لا نفع فيه عظيم الشأن، والراجح أني ~~لن أعود إلى تقبيل الكأس، فقل وداعا أيتها الخمر، ولكن مهلا، ~~أذكر ليلة غادرت بيت عيوشة عاقدا العزم على ألا أقرب النساء ms337 ما ~~حييت، وكيف انقلبت بعد ذلك زبونها الأثير، ويخيل إلي أن ~~الإنسانية تئن مثلي من الخمار والغثيان، فادع لها بالشفاء ~~العاجل. # 38 # فتر حماس ياسين حال انفراده بنفسه في العربة بعد ذهاب كمال، وبدا ~~كالمتفكر رغم سكره؛ إذ جاوزت الساعة الواحدة، ودخل الوقت منذ كثير ~~في الهزيع المريب من الليل، وسوف يجد زنوبة إما يقظى تنتظر ~~وتغلي، وإما أنها ستستيقظ حين دخوله، وعلى أي حالين فلن تمر ~~الليلة بسلام، بسلام كامل على الأقل. # غادر العربة عند منعطف قصر الشوق، ومضى يخوض الظلام الدامس وهو ~~يهز كتفيه العريضين في استهانة، ويقول لنفسه بصوت هامس: «ليس ياسين ~~الذي يعمل حسابا لامرأة.» وكرر هذا القول وهو يرقى في الدرج ~~مسترشدا في الظلام بالدرابزين، غير أن تكراره إياه لم ينم عن ~~طمأنينة قاطعة، وفتح الباب ودخل، ثم مضى إلى حجرة النوم على ضوء ~~مصباح الصالة، وألقى على الفراش نظرة فرآها نائمة، فرد الباب ~~ليحول دون تسرب الضوء الخافت الآتي من الصالة، وراح يخلع ملابسه في ~~هدوء وحذر وهو يزداد اطمئنانا إلى استغراقها في النوم، ويرسم في ~~ذهنه خطة للتسلل إلى موضعه في الفراش دون أن يحدث ~~صوتا. ~~- أشعل المصباح لأكحل عيني برؤيتك! # التفت رأسه نحو الفراش ثم ابتسم في تسليم، وأخيرا تساءل ~~كالداهش: أأنت يقظى؟ ظننتك نائمة فلم أشأ أن أزعجك. ~~- قلبك طيب، كم الساعة الآن؟ ~~- الثانية عشرة على الأكثر، فإني غادرت المجلس حوالي الحادية ~~عشرة، وجئت ماشيا واحدة واحدة. ~~- لازم كان مجلسك في بنها! ~~- لماذا؟ هل تأخرت؟ ~~- انتظر حتى يجيبك ديك الفجر بنفسه. ~~- لعله لم ينم بعد. # وجلس على الكنبة ليخلع حذاءه وجوربه، ولم يكن عليه إلا القميص ~~والسروال، وعند ذاك ندت عن السرير طقطقة ورأى شبحها يستوي جالسا، ~~ثم سمعها تقول في حدة: أشعل المصباح. ~~- لا داعي لذلك، فقد فرغت من خلع ملابسي. ~~- أريد أن نصفي حسابنا في النور. ~~- تصفية الحساب في الظلام ألطف! # وصدرت عنها نفخة غيظ ثم غادرت الفراش، ولكنه مد ذراعيه من ~~مجلسه القريب فأصاب منكبها، فجذبها إلى الكنبة ms338 وأجلسها إلى جانبه ~~وهو يقول: لا تشعلي الفتنة. # تخلصت من يده، وقالت: أين ما تعاهدنا عليه؟ لقد قبلت أن تسكر ~~في الحانات كما تحب على شرط أن تعود إلى بيتك في وقت مبكر، قبلت ~~هذا على رغمي لأنك لو سكرت في بيتك لوفرت على نفسك مالا كثيرا ~~يضيع هباء، ومع ذلك فها أنت تعود قبيل الفجر غير مبال بما ~~تعاهدنا عليه! # من يستطيع أن يخادع ربيبة التخت والعود؟ وإذا ثبتت لها خيانتك ~~يوما فهل تقف عند حد الشجار أم ...؟ فكر مرتين، ولا تنس كذلك أن ~~فقدها لا يهون، إنها أحب زوجاتي إلي خبيرة بما يسعدني، متمسكة ~~بحياتنا، لولا الملل! ~~- كنت في مجلس كل ليلة لم أغادره إلا إلى بيتي، وعندي شاهد ~~تعرفينه، أتدرين من هو؟ (وضحك بصوت عال). # ولكنها قالت ببرود: تكلم في الموضوع. # فقال وهو لا يزال يضحك: كان جليسي الليلة أخي كمال. # فلم تدهش كما توقع، وقالت في نفاد صبر: من يشهد للعروس؟ ~~- لا تكابري ... براءتي كالشمس ... (ثم متأففا) ... يحزنني والله أن ~~ترتابي في سلوكي، شبعت من الدوران حتى المرض، ولا رغبة لي الآن إلا ~~الحياة الهادئة، أما الحانة فتسلية بريئة لا غبار عليها، ولا بد ~~للإنسان من مخالطة الناس. # فقالت بصوت دلت نبراته على الانفعال: آه منك، أنت تعلم أني لست ~~طفلة، وأن الضحك علي مطلب عسير، وأنه من الخير لكلينا ألا تدخل ~~بيننا الريبة. # موعظة أم وعيد؟ أين مني حياة أبي المثالية، الرجل الذي يفعل ما ~~يشاء، فإذا رجع إلى بيته وجد الاستقرار والحب والطاعة، لم يتحقق ~~لي هذا الحلم على يد زينب ولا مريم، وأخلق به ألا يتحقق على يد ~~زنوبة، لا ينبغي لهذه العوادة الجميلة أن تيئس طالما هي على ~~ذمتي. قال بحزم: لو كان بي رغبة إلى مزيد من الحرام ما ~~تزوجتك. # فهتفت بحدة: ولكنك تزوجت من قبل مرتين، فلم يمنعك الزواج من ~~الحرام! # نفخ ناشرا أنفاسا مخمورة، ثم قال: حالتك غير الحالتين ~~السابقتين يا غبية، الزوجة الأولى اختارها أبي وفرضها علي، ~~والزوجة ms339 الثانية لم تجعل لي من سبيل إليها إلا بالزواج فتزوجتها، ~~أما أنت فلم يفرضك أحد علي، ولم يغلق بابك دوني قبل الزواج، ولم ~~يكن الزواج منك ليعدني بشيء جديد لم أعرفه، فلم تزوجتك يا غبية إن ~~لم يكن الزواج نفسه - أي الحياة المستقيمة المستقرة - مطلبي؟! ~~والله لو كان بك ذرة من عقل ما سمحت لنفسك بالشك في أبدا. ~~- حتى إن جئتني عند الفجر؟ ~~- حتى إن جئتك عند الصبح! # فهتفت بحدة: نه، قل كلاما آخر أو فعلى الأمن السلام! # فقال بحدة وهو يقطب في نرفزة: ألف سلام. ~~- أرحل، أرض الله واسعة والرزق على الله. # فقال في استهانة متعمدا: أنت وشأنك. # فقالت بصوت واش بالوعيد: أرحل غير أني كالشوكة لا تنتزع ~~بيسر. # فتمادى في الاستهانة بها قائلا: خزعبلات! تذهبين بأيسر مما ~~يخلع الحذاء. # ولكنها غيرت النغمة من التحدي والتهديد إلى التشكي، فهتفت: ~~أأرمي بنفسي من النافذة فأريح وأستريح؟ # فهز كتفيه استهانة، ثم نهض وهو يقول بلهجة أخف: ثمة طريق أفضل هو ~~أن تقومي إلى الفراش، هلمي لننام واخزي الشيطان. # اتجه نحو الفراش فاستلقى عليه وهو يتأوه كأنما طال به التشوق ~~للرقاد، أما هي فعادت تقول وكأنها تحدث نفسها: مكتوب على من ~~يعاشرك التعب. # التعب مكتوب علي أنا أيضا، جنسك هو المسئول، لا واحدة تغني ~~عن الأخريات، وقهر الملل فوق طاقتهن، ولكن لن أعود إلى العزوبة ~~مختارا، لا أستطيع أن أبيع كل عام دكانا في سبيل زواج جديد، ~~فلتبق زنوبة على شرط ألا تركبني، الرجل المجنون يحتاج إلى امرأة ~~عاقلة، زنوبة وعاقلة؟ ~~- أتبقين على الكنبة حتى الصبح؟ ~~- لن يغمض لي جفن، دعني لما بي وتمتع أنت بالنوم. # لا بد مما ليس منه بد، مد ذراعيه حتى قبض على منكبها، ثم جذبها ~~إليه وهو يغمغم: فراشك. # فقاومت مقاومة غير عسيرة، ثم استسلمت ليده فمضت إلى الفراش وهي ~~تقول متأوهة: متى تتاح لي راحة البال كسائر النساء! ~~- اطمئني، ينبغي أن تضعي في كل ثقتك، إني أهل للثقة، مثلي لا ~~يكون سعيدا إلا إذا سهر، ولن ms340 تسعدي أنت إذا أتعبتني بوجع الدماغ، ~~حسبك أن تؤمني ببراءة سهري، صدقيني ولن تندمي، لست جبانا ولا ~~كذابا، ألم أجئ بك ليلة إلى هذا البيت وفيه زوجتي؟ فهل يفعل هذا ~~جبان أو كذاب؟ شبعت من الدوران ولم يبق لي في حياتي إلا ~~أنت. # تنهدت بصوت مسموع، وكأنما أرادت أن تقول له: «أود أن تكون ~~صادقا فيما تقول»، فمد يده لاعبا وهو يقول: يا سلام، هذه ~~التنهيدة حرقت قلبي، الله يقطعني. # قالت برجاء وهي تستجيب ليده رويدا رويدا: لو ربنا ~~يهديك! # من يصدق أن هذه الأمنية صادرة عن عوادة! ~~- لا تقابليني بالشجار أبدا، إن الشجار يثبط النشاط. # علاج ناجع، ولكنه لا ينفع في جميع الأحوال، لو نلت عيوشة الليلة ~~ما تيسر. ~~- أرأيت أن ارتيابك لم يكن في محله؟ # 39 # كان السيد أحمد عبد الجواد منهمكا في عمله، وإذا بياسين يدخل ~~الدكان مقبلا على مكتبه، فما إن تصفح وجهه حتى أدرك أنه جاءه ~~مستنجدا، كانت في عينيه نظرة حائرة شاردة، ومع أنه تبسم له في ~~أدب ومال على يده ليقبلها، إلا أنه شعر بأنه يقوم بهذه الحركات ~~التقليدية بلا وعي، وأن وجدانه كله غائب في مكان لا يعلمه إلا ~~الله. أشار إليه بالجلوس فقرب الكرسي من مجلس أبيه ثم جلس، وجعل ~~ينظر إليه حينا، ثم يخفض بصره، أو يبتسم ابتسامة باهتة. تساءل ~~السيد عما دعا إلى هذه الزيارة، وكأنما أشفق من أن يترك ابنه ~~الصامت إلى صمته، فقال كالمتسائل: خير؟ ... ماذا بك؟ لست ~~كعادتك. # فنظر ياسين إليه طويلا كأنما يستثير عطفه، ثم قال وهو يخفض ~~عينيه: سينقلونني إلى أقاصي الصعيد! ~~- الوزارة؟ ~~- نعم. ~~- لمه؟ # هز رأسه كالمعترض، وقال: سألت الناظر فحدثني عن أمور لا علاقة ~~لها بالعمل، ظلم. # سأله الرجل بارتياب: أي أمور؟ أوضح. ~~- وشايات وضيعة ... (ثم بعد تردد) عن زوجتي. # تضاعف اهتمام السيد، فسأله فيما يشبه الإشفاق: ماذا ~~قالوا؟ # لاح الضيق في وجه ياسين حينا، ثم قال: قال السفهاء: إنني ~~متزوج من ... عوادة! # ألقى السيد نظرة جزعة على الدكان، فرأى جميل الحمزاوي ms341 يعمل بين ~~رجل قائم وامرأة جالسة لا يفصلهم عنه إلا أذرع، فكظم غيظه، وقال ~~بصوت منخفض وإن لم يخل انخفاضه من تهدج الغضب: لعلهم سفهاء ~~حقا، ولكن هذا ما حذرتك من عواقبه، إنك ترتكب كل كبيرة دون ~~مبالاة، ولكن العواقب لن تغفل عنك إلى الأبد، ماذا أقول؟ إنك ضابط ~~مدرسة، ويجب أن تكون سمعتك بمنأى عن الشبهات، طالما قلت لك هذا ~~مرارا وتكرارا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، كأني يجب أن أخلص من ~~هموم الدنيا جميعا لأتفرغ لهمومك أنت وحدها! # فقال ياسين في ارتباك وحيرة: ولكنها زوجتي الشرعية، ولا لوم على ~~الإنسان في حدود الشرع، فما شأن الوزارة في ذلك؟ # قال السيد بغيظ مكتوم: يجب أن تحرص الوزارة على سمعة ~~موظفيها. # هلا تركت الكلام عن السمعة لغيرك! ~~- ولكن هذا تجن وظلم بالنسبة لرجل متزوج! # وهو يلوح بيده ساخطا: أتريدني أن أرسم لوزارة المعارف ~~سياستها؟ # فقال بانكسار ورجاء: كلا، ولكني أرجو أن توقف النقل ~~بنفوذك. # وجعلت يسراه تعبث بشاربه وهو يحدج ياسين بنظرة لم تره؛ لأنها بدت ~~مشغولة بالتفكير، وراح ياسين يستعطفه ويعتذر له عن ازعاجه، ويؤكد ~~له أن كل اعتماده بعد الله عليه، ولم يغادر الدكان حتى وعده الرجل ~~بالسعي في وقف نقله. # وعند مساء اليوم نفسه ذهب السيد أحمد إلى قهوة الجندي بميدان ~~الأوبرا لمقابلة ناظر المدرسة، فما إن رآه الرجل حتى دعاه إلى ~~الجلوس وهو يقول له: كنت منتظرا مجيئك، ياسين جاوز كل حد، إني ~~آسف لما يسببه لك من متاعب. # فقال السيد وهو يجلس قبالته في الشرفة المطلة على الميدان: على ~~أي حال، فياسين ابنك أيضا. ~~- طبعا، ولكن لا شأن لي بالمسألة كلها، إنها محصورة بينه وبين ~~الوزارة. # فقال السيد كالمحتج وإن بدا وجهه مبتسما: أليس عجيبا أن ~~يعاقبوا موظفا لأنه تزوج من عوادة! أليس هذا شأنا يعنيه وحده؟ ثم ~~إن الزواج علاقة شرعية لا يصح أن يتعرض لها أحد بسوء! # فقطب الناظر مفكرا متسائلا، كأنه لم يفهم ما قال صاحبه، ثم ~~قال: لم يجئ ذكر ms342 الزواج إلا عرضا وأخيرا. أما علمت بالخبر كله؟ ~~يخيل إلي أنك لم تعلم بكل شيء! # انقبض صدر الرجل، فتساءل في إشفاق وقلق: أيوجد مطعن آخر؟ # فمال الناظر نحوه قليلا، وقال بأسف: المسألة يا سيد أحمد أن ~~ياسين تعارك في درب طياب مع ساقطة، فحرر له محضر بلغت صورته ~~إلى الوزارة. # بهت الرجل فاتسعت حدقتاه واصفر وجهه، حتى لم يتمالك الناظر ~~من أن يهز رأسه آسفا وهو يقول: هذه هي الحقيقة، وقد بذلت قصارى ~~جهدي لأخفف العقوبة، حتى وقفت إلى إلغاء فكرة إحالته إلى مجلس ~~تأديب، فاكتفى بنقله إلى الصعيد. # تنهد السيد مغمغما: الكلب! # فقال الناظر وهو يرمقه بعطف: إني آسف جدا يا سيد أحمد، غير أن ~~هذا السلوك لا يليق بموظف، لا أنكر أنه شاب طيب ومثابر على عمله، ~~بل أصارحك بأني أحبه، لا لأنه ابنك فحسب، ولكن لشخصه أيضا، ولكن ~~ما أعجب ما يقال عنه! ينبغي أن يصلح من شأنه ويقوم سلوكه وإلا ~~خسر مستقبله. # صمت السيد طويلا والغضب مرتسم على وجهه، ثم قال وكأنه يخاطب ~~نفسه: معركة مع ساقطة! فليذهب إذن في داهية. # ولكنه لم يتركه للداهية، وإنما بادر إلى مقابلة معارفه من ~~النواب وعلية القوم مستشفعا بهم في وقف النقل، وكان محمد عفت على ~~رأس الساعين معه، فتوالت الشفاعات على كبار رجال المعارف حتى أثمرت ~~فألغي النقل، ولكن الوزارة أصرت على ندبه للعمل بديوانها، ثم ~~أعلن رئيس المحفوظات - صهر محمد عفت أو زوج زوجة ياسين الأولى - عن ~~استعداده لقبوله في إدارته - بإيعاز من محمد عفت - فتمت ~~الموافقة على ذلك، ونقل ياسين في أول شتاء سنة 1926 إلى إدارة ~~المحفوظات، ولم تمر المسألة في سلام تام، فقد سجل عليه عدم ~~صلاحيته للعمل في المدارس، كما صرف النظر عن بحث ترقيته إلى ~~الدرجة السابعة رغم أقدميته في الثامنة التي جاوزت عشرة أعوام، ومع ~~أن محمد عفت قصد من إلحاقه بإدارة صهره ألا تساء معاملته، فإن ~~ياسين لم يرتح إلى وضعه الجديد تحت رياسة زوج زينب، وقد عبر عن ~~مشاعره ms343 حين قال يوما لكمال: لعلها سرت بما وقع لي، ووجدت فيه ~~تأييدا لموقف أبيها حين رفض إرجاعها إلي، إني خبير بعقول ~~النساء، ولا شك في أنها شمتت بي، وإنه لمن سوء الحظ ألا أجد ~~مكانا كريما إلا تحت رياسة هذا التيس! ما هو إلا كهل لا خير فيه ~~للنساء، وما أعجزه عن أن يسد الفراغ الذي تركه ياسين، فلتشمت ~~الحمقاء فإني شامت. # ولم تقف زنوبة على سر النقل، وقصارى ما علمت أن زوجها ندب ~~للعمل بمركز أفضل في الوزارة. كذلك تحاشى السيد أن يطرق في حديثه ~~مع ياسين موضوع الفضيحة الحقيقي، واكتفى بأن قال له حين وفق إلى ~~إلغاء النقل: ما كل مرة تسلم الجرة! لقد أتعبتني وأخجلتني، ولن ~~أتدخل في أمورك بعد اليوم، فافعل ما بدا لك، وربنا بيني ~~وبينك! # ولكنه لم يستطع أن يسقط أمره من حسابه، فدعاه يوما إلى الدكان، ~~وقال له: آن لك أن تفكر في حياتك تفكيرا جديدا يعود بك إلى طريق ~~الكرامة وينتشلك من الحياة المنبوذة التي تحياها، لا يزال في ~~الوقت متسع كي نبدأ عهدا جديدا، وإني أستطيع أن أهيئ لك الحياة ~~التي تليق بك فأصغ إلي وأطعني. # ثم عرض عليه مقترحاته قائلا: طلق زوجك وعد إلى بيتك، وإني ~~أتعهد بأن أزوجك زواجا لائقا فتبدأ حياة كريمة. # فتورد وجه ياسين، وقال بصوت خافت: إني أقدر رغبتك الصادقة في ~~إصلاح شأني، وسوف أعمل من ناحيتي على تحقيق هذه الرغبة دون إيذاء ~~أحد. # فهتف الرجل ساخطا: وعد جديد كوعود الإنجليز! الظاهر أن نفسك ~~تراودك على زيارة السجن، أجل سيجيئني صراخك المرة القادمة من وراء ~~القضبان، لا زلت أكرر عليك أن تطلق هذه المرأة وتعود إلى ~~بيتك. # فقال ياسين وهو يتنهد متعمدا أن يسمع أباه تنهده: إنها حبلى ~~يا أبي، ولا أريد أن أضيف ذنبا جديدا إلى ذنوبي. # اللهم احفظنا! في بطن زنوبة حفيد لك يتكون! أكان في وسعك أن ~~تتصور ما يدخر لك هذا الشاب من متاعب ساعة تلقيته وليدا في يوم ~~عد من أسعد ms344 أيام حياتك؟ ~~- حبلى؟ ~~- نعم. ~~- وتخاف أن تضيف ذنبا جديدا إلى ذنوبك؟ # ثم منفجرا قبل أن يفتح الآخر فاه: لم لم يؤنبك ضميرك وأنت ~~تعتدي على الطيبات من بنات الطيبين! أنت لعنة وحق كتاب ~~الله. # وعند انصرافه من الدكان أتبعه عينين مليئتين بالرثاء والازدراء، ~~لم يكن بوسعه إلا أن يعجب بمظهره الذي ورثه عنه، أما مخبره الذي ~~ورثه عن أمه! وذكر بغتة كيف أوشك هو يوما أن يتردى في الهاوية على ~~يد زنوبة نفسها! ولكنه ذكر في الوقت نفسه كيف شكم نفسه في اللحظة ~~المناسبة. شكم نفسه؟ وشعر بامتعاض وقلق. فلعن ياسين، ثم لعن ~~ياسين! # 40 # جاء يوم 20 ديسمبر فشعر بأنه يوم لا كبقية الأيام، على الأقل ~~بالقياس إليه هو؛ ففي ساعة منه وجد نفسه في هذه الدنيا، وسجل ذلك ~~في شهادة حتى لا يمكث أكثر أو أقل مما تم الاتفاق عليه ... وكان ~~يرتدي معطفه ويقطع حجرته ذهابا وجيئة، ثم يلقي نظرة على مكتبه ~~فيرى كشكول الذكريات مفتوحا على صفحة بيضاء رقم أعلاها بتاريخ ~~الميلاد، فيفكر فيما يريد أن يكتبه لمناسبة الذكرى، ويواصل حركته ~~مستمدا منها شيئا من الدفء يستعين به على مقاومة البرودة ~~القارسة. وكانت السماء - كما تبدو من زجاج النافذة - متوارية وراء ~~سحاب متجهم، والمطر ينزل قليلا، ويسكت قليلا محركا في نفسه ~~بواعث التأمل والحلم. لا بد من الاحتفال بالميلاد ولو اقتصر الحفل ~~على صاحب الميلاد وحده، ذلك أن البيت القديم لم يعرف تقاليد ~~الاحتفال بأعياد الميلاد، وأمه نفسها لم تدر أن اليوم من الأيام ~~التي لا ينبغي أن تنساها، فلم يبق من تواريخ الميلاد نفسها إلا ~~ذكريات غامضة عن الفصول التي وقعت فيها، والآلام التي صاحبتها، ~~فهي لا تعرف عن ميلاده إلا أنه: «كان في الشتاء، وكانت الولادة ~~عسيرة فجعلت أتوجع وأصرخ يومين متتابعين.» قديما كان يذكر أنباء ~~ميلاده فيملأ الرثاء لأمه قلبه، ثم تضاعف شعوره بالرثاء عندما ~~شاهد ميلاد نعيمة فخفق قلبه ألما لعائشة، أما اليوم فإنه يفكر ~~في ميلاده بعقل جديد، عقل قد عل من ms345 منهل الفلسفة المادية حتى ~~ألم في شهرين بما تمخض عنه تفكير الإنسانية في قرن من الزمان. ~~تساءل عن عسر ولادته، وهل يرجع بعضه أو كله إلى الإهمال أو ~~الجهل، وكان يتساءل وكأنما يستجوب متهما قائما بين يديه. فكر في ~~عسر الولادة وما عسى أن ينجم عنه من آثار تلحق بالمخ أو الجهاز ~~العصبي فتلعب دورا خطيرا في حياة الوليد ومصيره، وما قد يساق ~~إليه من خير أو شر. ألا يمكن أن يكون تهالكه في الحب نتيجة ~~لصدمات أصابت يافوخه أو جدار رأسه الكبير في غيابات الرحم منذ تسعة ~~عشر عاما؟ أو أن تكون تلك المثالية التي أضلته طويلا في مجاهل ~~الخيال، وأسالت منه الدمع مدرارا فوق مذبح العذاب ما هي إلا عاقبة ~~محزنة لعبث داية جاهلة؟ وفكر فيما قبل الولادة، بل فيما قبل الحبل، ~~في المجهول الذي تنبثق منه الحياة، في تلك المعادلة الكيميائية ~~الآلية التي تستوي كائنا حيا فيثور أول ما يثور على أصله ~~مزدريا، ويتطلع إلى النجوم مدعيا له نسبا في مداراتها. بيد أنه ~~قد عرف له بداية قريبة دعاها بالنطفة، فهو على ذلك لم يكن قبل تسعة ~~عشر عاما وتسعة أشهر إلا نطفة، نطفة قذفت بها رغبة بريئة في ~~اللذة، أو حاجة ملحة إلى العزاء، أو صولة هياج بعثتها سكرة غاب ~~فيها الرشاد، أو حتى مجرد إحساس بالواجب نحو الزوجة القابعة في ~~البيت. فابن أي حال من تلك الأحوال كان؟ لعله جاء إلى هذه الدنيا ~~نتيجة الواجب. فإن الشعور بالواجب لا يزايله، وحتى اللذات لم ~~يقبل على ممارستها إلا بعد أن تمثلت له فلسفة تتبع ورأيا ~~يعتنق. إلى أنه لم يخل من الصراع والألم، ولم يأخذ الحياة أخذا ~~سهلا، ومن النطفة مرق حيوان فالتقى ببويضة في البوق وثقبها، ثم ~~انزلقا إلى الرحم معا، فتحولا إلى علقة، فكسيت العلقة لحما ~~وعظما، ثم خرجت إلى النور والألم بين يديها يسير، ثم بكت قبل أن ~~تستبين معالمها، ومضت الغرائز المودعة بها تنمو وتتبلور مستجدة ~~على مر الأيام عقائد وآراء حتى ms346 أتخمت، وعشقت عشقا زعمت لنفسها به ~~نوعا من الألوهية، ثم زلزلت فتهاوت عقائدها، وانقلبت أفكارها، ~~وخاب قلبها، فردت إلى مكانة أذل من التي جاءت منها أول مرة! إذن ~~قد مضى من العمر تسعة عشر عاما، يا له من عهد طويل! ويا للشباب ~~الذي ينطوي بسرعة البرق! هل من عزاء إلا أن تتملى الحياة ساعة ~~فساعة، بل دقيقة فدقيقة قبل أن ينعق غراب الغروب؟ مضى عهد البراءة، ~~ولحق به العهد الذي كانت تؤرخ فيه الحياة بالحب - ق.ح، ب.ح - ~~اليوم الأشواق كثيرة إلا أن المحبوب مجهول الكنه، فلم يجد على ~~محبه إلا ببعض أسمائه الحسنى؛ فهو الحقيقة، ومسرة الحياة، ونور ~~العلم، والسفر فيما يبدو طويل. وكأن المحب قد استقل قطار أوجست ~~كونت فمر بمحطة اللاهوتية التي كان شعارها «نعم يا أماه»، وها هو ~~يطوي الأرض في إقليم الميتافيزيقية التي شعارها «كلا يا أماه»، وعن ~~بعد تتراءى خلال المنظار المكبر «الواقعية»، وعلى قمتها سجل شعارها ~~«فتح عينيك وكن شجاعا». # وتوقف عن السير أمام المكتب فثبتت عيناه على كشكول الذكريات، ~~وتساءل: أيجلس ليسود صفحة الميلاد كيفما يوحي القلم، أم يؤجل ~~ذلك حتى تتبلور الأفكار في رأسه؟ وعند ذاك طرق أذنيه وقع المطر ~~على الجدران كالدندنة، فاتجه بصره إلى زجاج النافذة المطلة على ~~بين القصرين فرأى لآلئ عالقة برقعته المموهة برطوبة الجو، وما ~~لبثت لؤلؤة أن انسابت إلى حافة الإطار السفلي راسمة على الرقعة ~~المموهة خطا ناصعا منعطفا كالشهاب فمضى إلى النافذة، ورفع ~~عينيه يتابع الأمطار المنهلة من السحب المترعة، وقد وصلت السماء ~~بالأرض بأسلاك لؤلؤية، على حين لاحت المآذن والقباب غير عابئة ~~بالمطر، وقد بدا الأفق وراءها إطارا من فضة، واكتنف المنظر كله ~~لون أبيض مشرب بسمرة ساجية يقطر جلالا وأحلاما. وترامت من الطريق ~~صيحات أطفال، فألقى نظرة إلى تحت ليرى الأرض تسيل بالمياه والأركان ~~تعج بالوحل، وقد تعثرت العربات، وتطاير الرشاش من عجلاتها وخلت ~~معارض الدكاكين من السلع، ولاذ المارة بالحوانيت والمقاهي وما تحت ~~الشرفات. # هذا منظر السماء يخاطب الوجدان بلسان الوجد، فما ms347 أجدره أن ~~يستلهمه طويلا ليتأمل موقفه من الحياة في مطلع عامه الجديد. لم ~~يعد يجد رفيقا يحاوره بمكنون روحه مذ غادر حسين شداد أرض الوطن، ~~فلم تبق له إلا نفسه ليحاورها إذا استشعر حاجة إلى الحوار، ~~فاتخذ من روحه صديقا بعد أن فارقه صديق الروح. وسأل روحه: هل تؤمن ~~بوجود الله؟ فسألته بدورها: لماذا لا تحاول أن تثب من نجم إلى ~~نجم، ومن كوكب إلى كوكب كما تثب من درجة إلى درجة فوق السلم؟ وعن ~~الصفوة المختارة من أبناء السماء؛ فقد رفعوا الأرض إلى مركز الكون، ~~وجعلوا الملائكة تسجد للطين حتى جاء أخوهم كوبر نيكوس فأنزل الأرض ~~بحيث أنزلها الكون جارية صغيرة للشمس، ثم تلاه أخوه داروين فهتك ~~سر الأمير الزائف، وأعلن على الملأ أن أباه الحقيقي هو حبيس قفصه ~~الذي يدعو الأصدقاء للتفرج عليه في الأعياد والمواسم، وفي الأصل ~~كان السديم فتناثرت منه النجوم كالرشاش المتطاير من عجلة الدراجة، ~~وتجاذبت النجوم في لهوها الأزلي فأنجبت الكواكب، وانطلقت الأرض كرة ~~سائلة، والقمر في أثرها يعابثها وهي تقطب له بجانب من وجهها، ~~وتبسم له بجانب آخر، حتى فتر حماسها فاستقرت سماتها جبالا، ~~ونجودا، وقيعانا، وصخورا، ثم حياة تدب، وجاء ابن الأرض يزحف على ~~أربع، ويسائل من يصادفه عن المثل الأعلى. لا أخفي عنك أني ضقت ~~بالأساطير ذرعا، غير أني في خضم الموج العاتي عثرت على صخرة مثلثة ~~الأضلاع سأدعوها من الآن فصاعدا صخرة العلم والفلسفة والمثل ~~الأعلى. ولا تقل: إن الفلسفة كالدين أسطورية المزاج، فالحق أنها ~~تقوم على دعائم ثابتة من العلوم، وتتجه بها إلى غايتها. أما الفن ~~فمتعة سامية، وامتداد للحياة، غير أن مطمعي أبعد من الفن مثالا؛ ~~لأنه لا يرتوي إلا بالحقيقة، والفن بالقياس إلى الحقيقة يبدو فنا ~~أنثويا. وفي سبيل هذه الغاية تراني مستعدا للتضحية بكل شيء إلا ~~ما يمسك علي الحياة. أما عن مؤهلاتي للدور الخطير فرأس كبير، ~~وأنف ضخم، وحب خائب، وأمل في المرض. واحذر أن تسخر من أحلام ~~الشباب، فما السخرية منها إلا عارض من ms348 أعراض مرض الشيخوخة يدعوه ~~المرضى بالحكمة. وليس من تناقض في أن تعجب بسعد زغلول كما تعجب ~~بكوبر نيكوس واستولد وماخ؛ فالجهاد في سبيل ربط مصر المتأخرة بركب ~~الإنسانية عمل نبيل وإنساني كذلك، والوطنية فضيلة ما لم تتلوث ~~بالكراهية العدوانية، غير أن كره إنجلترا نوع من الدفاع عن النفس، ~~وليست الوطنية على ذاك إلا إنسانية محلية، وتسألني: هل أومن بالحب؟ ~~فأجيب: بأن الحب لم يبرح فؤادي بعد، فلا يسعني إلا أن أقر ~~بحقيقة الإنسانية، ومع أن جذوره كانت مشتبكة بجذور الدين ~~والأساطير، فإن تقوض المعابد المقدسة لم يزعزع أركانه، أو يقلل من ~~خطورة شأنه اقتحام محرابه بالدراسة والتحليل، وفرز عناصره ~~البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية، فكل أولئك لم يوهن من خفقة ~~القلب إذا هفت ذكرى أو تخايلت صورة، ألا زلت تؤمن بخلود الحب؟ ليس ~~الخلود أسطورة، فلعل الحب ينسى ككل شيء في هذه الدنيا، وقد ~~انقضى على زواج ... عايدة - لم تتردد قبل التفوه باسمها؟ - عام، ~~فقطعت شوطا في طريق النسيان، مررت بطور الجنون، فطور الذهول، فطور ~~الألم الحاد، ثم طور الألم المتقطع، الآن قد يمضي يوم بأكمله فلا ~~تخطر لي على بال إلا حين الاستيقاظ، وحين النوم، ومرة أو مرتين في ~~أثناء النهار، ويتفاوت تأثري بالتذكر ما بين حنين ينبعث ~~معتدلا، أو حزن يمر مرور السحاب، أو حسرة تلسع ولا تحرق، إلا ~~تثور النفس بغتة كالبركان فتدور بي الأرض، وعلى أي حال غدوت أومن ~~بأنني سأواصل الحياة بلا عايدة. علام تعول في طلب النسيان؟ ... ~~على دراسة الحب وتحليله كما سلف، والتهوين من الآلام الفردية ~~بالتأملات الكونية التي يبدو عالم الإنسان في مداراتها هباءة ~~تافهة، والترويح عن النفس بالشراب والجنس. والتماس العزاء عند ~~فلاسفة العزاء كإسبينوزا الذي يرى الزمن شيئا غير حقيقي، وبالتالي ~~فالانفعالات المرتبطة بحادث في الماضي أو المستقبل مضادة للعقل، ~~ونحن خليقون بالتغلب عليها إذا كونا عنها فكرة واضحة متميزة. ~~أسرك أن وجدت الحب ينسى؟ سرني لأنه يعدني بالنجاة من الأسر، ~~وأحزنني بما كان تجربة خبرت بها الموت قبل حضوره، ومهما يكن ms349 من أمر ~~فسأمقت ما حييت الأسر، وأعشق الحرية المطلقة. # سعيد من لا يفكر في الانتحار أو يتمنى الموت، سعيد من تتوهج ~~في قلبه شعلة الحماس، وخالد من يعمل أو يتهيأ صادقا للعمل، حي ~~من يتأثر الخيام بكتاب وكأس ومعشوق، والقلب اللهج بالآمال ينسى أو ~~يتناسى الزواج كالكأس المترعة بالويسكي لا تتسع للصودا، وحسبك أن ~~غرامك بالشراب يسير سيرا حسنا، وأن إقبالك على المرأة لا تعترضه ~~عقبات من تقزز أو نفور، أما حنينك من حين لآخر إلى الطهر والتقشف ~~فلعله بقية من تدينك القديم. # ولم ينقطع المطر عن الانهلال لحظة، وقعقع الرعد، ولمع البرق، ~~وأقفر الطريق، وسكت الصياح، وخطر له أن يلقي نظرة على فناء الدار ~~فغادر الحجرة إلى الصالة، ثم إلى النافذة، ونظر من خلال خصاصها ~~فرأى المياه تجرف سطح الأرض اللين فتخدده، ثم تتدفق صوب البئر ~~القديمة، وفاض عنها جانب فتجمع في نقرة بين حجرة الفرن والمخزن، ~~هذه النقرة التي ينجم فيها غب الجفاف - مما يتساقط عفوا من حنطة ~~أو شعير أو حلبة من يدي أم حنفي - نبت يكسوها حلة سندسية فيترعرع ~~أياما حتى تدوسه الأقدام. وقد كانت على عهد دولة الطفولة حقل ~~تجاربه ومراح أحلامه، ومن ينبوع ذكرياتها يمتلئ قلبه الآن شوقا ~~وحنينا، ومسرة يغشاها حزن وإن كسحابة شفافة تغشى وجه القمر. ~~وتحول عن النافذة ليعود إلى حجرته فانتبه إلى وجود من كان ~~بالصالة، إلى الذكرى الباقية من مجلس القهوة القديم، إلى أمه ~~متربعة على الكنبة باسطة ذراعيها فوق المجمرة، ولا جليس لها إلا ~~أم حنفي، وقد تربعت على فروة قبالتها، فذكر المجلس القديم في أيامه ~~الزاهرة، وما أودعه من جميل الذكريات، وكانت المجمرة هي الأثر ~~الوحيد فيه الذي لم يكد يطرأ عليه تغير ينكره الرائي. # 41 # كان أحمد عبد الجواد يسير الهوينى على شاطئ النيل في طريقه إلى ~~عوامة محمد عفت. وكان الليل ساجيا، والسماء صافية متألقة النجوم، ~~والهواء مائلا للبرودة، فلما انتهى إلى هدفه وهم بالميل إليه لم ~~ينس - بحكم العادة وحدها - أن يرمي ببصره بعيدا ms350 إلى حيث تقوم ~~العوامة التي دعاها يوما: «عوامة زنوبة». كان قد انتهى على ~~الذكريات الأليمة عام، فلم يعد يبقى في قلبه إلا الامتعاض والخجل. ~~وكان من آثارها المتخلفة أن هجر مجالس النساء كما فعل عقب مصرع ~~فهمي، فثابر على ذلك عاما حتى ضجر، فرجع عن عزمه وعاد ساعيا على ~~قدميه إلى المجلس المحرم. وما هي إلا دقيقة حتى أقبل على المجلس ~~فطالع المجموعة المحبوبة المؤلفة من أصدقائه الثلاثة والمرأتين، ~~أما الأصدقاء فكان آخر لقاء بينه وبينهم ليلة أمس، وأما المرأتان ~~فلم تقع عليهما عيناه منذ نحو عام ونصف أو - على وجه التحديد - منذ ~~تلك الليلة التي أقحم فيها زنوبة في حياته. ولم يكن شيء قد بدأ ~~بعد، فالقوارير لم تفض، والنظام لم يمس، وكانت جليلة محتلة كنبة ~~الصدارة، تعبث بأساورها الذهبية وكأنما تنصت إلى وسوستها، على حين ~~قامت زبيدة تحت المصباح المتدلي من السقف تنظر في مرآة صغيرة ~~بيدها، متفحصة زينتها، جاعلة ظهرها إلى المائدة الحافلة بقوارير ~~الويسكي وصحاف المزة. وتفرق الأصدقاء حاسري الرءوس، وقد خلعوا ~~جبابهم، فصافحهم أحمد عبد الجواد، ثم صافح المرأتين بحرارة، ~~فرحبت به جليلة قائلة: «أهلا بأخي الحبيب.» أما زبيدة فقالت له ~~باسمة في عتاب: «أهلا بالذي لولا الأدب ما استحق منا السلام.» ~~ونزع الرجل جبته وطربوشه، ثم ألقى نظرة على الأماكن الخالية - وكانت زبيدة قد جلست إلى جانب جليلة - وتردد قليلا قبل أن يمضي ~~إلى كنبة المرأتين ويتخذ مجلسه عليها. ولم يغب تردده عن عين علي ~~عبد الرحيم، فقال: هكذا تبدو كأنك تلميذ مبتدئ! # فقالت جليلة كأنما تشجعه: لا شأن لك به، فلا حجاب بيننا ~~وبينه. # وسرعان ما ضحكت زبيدة قائلة بتهكم: أنا أحق الناس بأن أقول ذلك، ~~أليس هو بنسيبي؟ # ففطن السيد إلى ما تعرض به، وتساءل في قلق عن مدى ما اتصل ~~بعلمها في هذا الشأن كله، ولكنه قال برقة: لي الشرف يا ~~سلطانة. # فتساءلت زبيدة وهي ترمقه بنظرة ارتياب: أأنت مسرور حقا بما ~~كان؟ # فقال بلباقة: ما دمت خالتها. # فقالت وهي تلوح ms351 بيدها في استياء: أما أنا فلن يرضى عنها قلبي ~~أبدا! # وقبل أن يسألها السيد عن السبب، هتف علي عبد الرحيم وهو يفرك ~~يديه: أجلوا الحديث حتى نعمر رءوسنا. # ونهض إلى المائدة ففض زجاجة وملأ الكئوس، ثم قدمها إليهم واحدا ~~واحدا بعناية نمت عن ارتياحه المعهود إلى القيام بمهمة الساقي، ~~ثم انتظر حتى تهيأ كل للشرب، وقال: «صحة الأحباب والإخوان والطرب ~~دامت جميعا لنا.» فرفعوا الكئوس إلى شفاههم باسمين، ونظر أحمد عبد ~~الجواد من فوق حافة كأسه إلى وجوه أصحابه. هؤلاء الأصحاب الذين ~~شاطروه حمل المودة والوفاء قرابة الأربعين عاما، فكان كأنه يرى ~~فلذات من صميم نفسه، ما ملك أن جاش صدره بعواطف الأخوة الصادقة. ~~ومالت عيناه إلى زبيدة، فعاد إلى حديثها متسائلا: ولماذا لا يرضى ~~عنها قلبك؟ # فاتجهت إليه بنظرة أشعرته بترحيبها بالحديث معه، وأجابته: لأنها ~~خائنة لا ترعى العهود، خانتني منذ أكثر من عام فغادرت بيتي دون ~~استئذان، وذهبت إلى حيث لم أعلم. # ترى ألم تعلم حقا أين ذهبت في ذلك الوقت؟ ولم يشأ أن يعلق على ~~قولها بحرف، فعادت تسأله: ألم يبلغك ذلك؟ # فقال بهدوء: بلغني في حينه. ~~- أنا التي كفلتها منذ الصغر ورعيتها بقلب الأم، فانظر كيف كان ~~الجزاء! سفخص على الدم النجس! # قال علي عبد الرحيم مازحا، وهو يتظاهر بالاحتجاج: لا تسبي ~~دمها فإن دمها هو دمك. # ولكن زبيدة قالت جادة: دمي بريء منها. # وهنا سألها السيد أحمد: من كان أباها يا ترى؟ ~~- أباها! # ندت هذه الكلمة عن إبراهيم الفار بصوت أنذر بسيل من السخريات، ~~ولكن محمد عفت بادره قائلا: تذكر أن الحديث عن حرم ~~ياسين! # فزايلت وجه الفار هيئة المزاح ولاذ بالصمت في شيء من الارتباك، ~~على حين عادت زبيدة تقول: أما أنا فلا أهزل فيما أقول عنها، ~~وطالما رمقتني بعين الحسد، وطمعت في منافستي وهي في رعايتي، ~~فكنت أداريها وأغض عن مساوئها، (ثم وهي تضحك) كانت تحلم بأن تكون ~~عالمة! # ورددت عينيها في الحاضرين، ثم قالت بلهجة ساخرة: لكنها أفلست ~~فتزوجت! # تساءل علي عبد ms352 الرحيم في إنكار: هل الزواج في عرفك إفلاس؟ # فضيقت له عينا، ورفعت حاجب الأخرى، وهي تقول: نعم يا عمر! ... ~~العالمة لا تهجر التخت حتى تفلس. # وهنا غنت جليلة هذا المقطع: «أنت المدام يا روحي أنت آنستنا!» ~~فابتسم السيد ابتسامة عريضة، وحياها بآهة لطيفة وشت بانبساطه، غير ~~أن علي عبد الرحيم نهض مرة أخرى وهو يقول: لحظة سكوت حتى نستوعب ~~هذه الكأس. # وملأ الكئوس ووزعها بينهم، ثم عاد بكأسه إلى مجلسه. وقبض أحمد ~~عبد الجواد على كأسه ولحظ زبيدة، فالتفتت نحوه باسمة، ورفعت يدها ~~بكأسها كأنما تقول له: «صحتك» ففعل مثلها وتشاربا، وجعلت في أثناء ~~ذلك ترنو إليه بنظرة باسمة، مضى عام دون أن تثب به رغبة إلى طلاب ~~امرأة. كأن التجربة القاسية التي امتحن بها قد أخمدت حماسه، أو ~~لعله الكبرياء، أو لعله المرض، غير أن نشوة الخمر، ونظرة التودد، ~~حركتا فؤاده فاستشعر عذوبة الإقبال بعد مرارة الصد، واعتدها تحية ~~طيبة من الجنس الذي هام به حياته، لعلها تضمد جرح كرامته التي ~~قست عليها الخيانة وتقدم العمر، وكأن ابتسامة زبيدة الناطقة كانت ~~تقول له: «لم يول عهدك بعد!» فلم يحول عن نظرتها عينيه ولم ~~يلغ ابتسامته. # وجاء محمد عفت بعود ووضعه بين المرأتين، فتناولته جليلة، وراحت ~~تلعب بأوتاره، ولما آنست من السامعين انتباها غنت: «وعدى عليك يا ~~اللي بحبك»، وتظاهر أحمد عبد الجواد بالانسجام كعادته كلما سمع ~~جليلة أو زبيدة، وذهب مع النغمة برأسه وجاء، كأنما يريد أن يخلق ~~الطرب بتمثيل حركاته. والحق أنه لم يعد يبقى له من عالم الغناء ~~إلا ذكريات، فقد ذهب الحامولي وعثمان والمنيلاوي وعبد الحي، كما ~~ذهب شبابه، وكما ولت أيام النصر، ولكن ينبغي أن يوطن النفس على ~~الرضا بالموجود، وأن يبتعث عاطفة الطرب ولو بتمثيل حركاته، وقد ~~دعاه حبه للغناء، وغرامه بالطرب إلى ارتياد مسرح منيرة المهدية غير ~~أنه لم يهو الغناء التمثيلي، فضلا عن أنه ضاق بجلسة المسرح الذي ~~شبهه بالمدرسة، كما استمع في بيت محمد عفت إلى أسطوانات المطربة ~~الجديدة أم كلثوم، ms353 ولكنه أعارها أذنا حذرة مضمرة لسوء الظن، فلم ~~يتذوقها رغم ما قيل من أن سعد زغلول أثنى على جمال صوتها. بيد أن ~~مظهره لم يش بحقيقة موقفه من الغناء، فما زال يتطلع إلى جليلة ~~راضيا سعيدا ويردد مع الجميع لازمة «وعدى عليك» بصوته الرخيم، ~~حتى هتف الفار بحسرة: أين؟ أين الدف؟ أين الدف لنسمع ابن عبد ~~الجواد؟ # سل أين أحمد عبد الجواد الذي كان ينقر على الدف؟ آه، لم يغيرنا ~~الزمان؟ وختمت جليلة غناءها في هالة من الاستحسان، ولكنها قالت في ~~لهجة اعتذار وهي تبتسم شاكرة: إني متعبة. # ولكن زبيدة كيلت لها الثناء كما يدور بينهما كثيرا على سبيل ~~المجاملة أو حرصا على السلام العام. ولم يكن يخفى على أحد أن نجم ~~جليلة كعالمة آخذ في الأفول السريع الذي كان آخر آياته هجر الدفافة ~~فينو لتختها والتحاقها بتخت آخر، وهو أفول طبيعي إذ كان الذبول قد ~~أدرك كافة المزايا التي قام عليها مجدها القديم من الفتنة وجمال ~~الصوت؛ ولذلك لم تعد زبيدة تجد نحوها غيرة تذكر فوسعها أن تجاملها ~~دون مضض، خاصة وأنها كانت بلغت ذروة حياتها، تلك الذروة التي لا ~~خطوة بعدها إلا نحو الانحدار. وكان الأصدقاء كثيرا ما يتساءلون ~~عما إذا كانت جليلة قد أعدت العدة لهذه المرحلة الخطيرة من ~~الحياة، وكان رأي أحمد عبد الجواد أنها لم تفعل، واتهم بعض من ~~عشقتهم بتبديد الكثرة من ثروتها، ولكنه جاهر في الوقت ذاته بأنها ~~امرأة تعرف كيف تحصل على المال بأي سبيل، وأيده على ذلك علي عبد ~~الرحيم قائلا: إنها تتاجر بجمال نساء تختها، وإن بيتها يتحول ~~رويدا رويدا إلى شيء آخر. أما زبيدة فقد انعقد إجماعهم على أنها ~~رغم مهاتراتها في ابتزاز الأموال - جوادة مفتونة بالمظاهر التي ~~تحرق المال حرقا - إلى ولعها بالشراب والمخدرات وخاصة الكوكاكين. ~~قال محمد عفت مخاطبا زبيدة: اسمحي لي بأن أبدي إعجابي بنظراتك ~~الحلوة التي تخصين بها بعضنا. # فضحكت جليلة، وقالت بصوت خافت: الصب تفضحه عيونه. # وتساءل إبراهيم الفار منكرا: أم تحسبين نفسك في ms354 زاوية ~~العميان؟ # فقال أحمد عبد الجواد متظاهرا بالأسف: بهذه الصراحة لن تكونوا ~~قوادين كما تحبون! # أما زبيدة فقد أجابت محمد عفت: أنا لا أنظر إليه لغرض لا سمح ~~الله، ولكني أحسده على شبابه! انظروا إلى رأسه الأسود بين رءوسكم ~~البيض وأجيبوني هل تعطونه يوما واحدا فوق الأربعين؟ ~~- أنا أعطيه قرنا. # فقال أحمد عبد الجواد: من بعض ما عندكم. # وعند ذاك ترنمت جليلة بمطلع الأغنية «عين الحسود فيها عود يا ~~جليلة»، فقالت زبيدة: لا خوف عليه من الحسد، فإن عيني لا ~~تؤذيه. # فقال محمد عفت وهو يهز رأسه هزة ذات معنى: أصل الأذى كله من ~~عيونك. # وهنا قال أحمد عبد الجواد موجها الخطاب إلى زبيدة: أتتحدثين ~~عن شبابي؟ أما سمعت بما قال الطبيب؟ # فقالت كالمستنكرة: أخبرني محمد عفت، ولكن ما هذا الضغط الذي ~~يتهمك به؟ ~~- لف حول ذراعي قربة غريبة، وراح ينفخ بمنفاخ جلدي، ثم قال لي ~~«عندك ضغط!» ~~- ومن أين جاء الضغط؟ # فأجاب السيد ضاحكا: لا أظنه جاء إلا من ذات النفخ. # قال إبراهيم الفار وهو يضرب كفا بكف: لعله مرض معد، فإنه لم ~~يكد يمضي شهر على إصابة المحروس به حتى ذهبنا جميعا تباعا إلى ~~الطبيب، وكانت نتيجة الكشف في جميع الحالات واحدة: الضغط! # فقال علي عبد الرحيم: أنا أقول لكم سره، إنه عرض من أعراض ~~الثورة، وآي ذلك أنه لم يسمع به أحد قبل اشتعالها! # وسألت جليلة السيد أحمد: وما أعراض الضغط؟ ~~- صداع ابن كلب، وتعب في التنفس عند المشي. # فتمتمت زبيدة وهي تبتسم ابتسامة دارت بها شيئا من القلق: ومن ~~يخلو ولو مرة من هذه الأعراض؟ ما رأيكم أنا عندي ضغط أيضا. # فسألها أحمد عبد الجواد: من فوق أم من تحت؟ # وضحكوا بلا استثناء زبيدة نفسها، حتى قالت جليلة: ما دمت قد ~~خبرت الضغط، فاكشف عليها لعلك تعرف علتها. # فقال أحمد عبد الجواد: عليها أن تحضر القربة، وعلي أن أحضر ~~المنفاخ. # فضحكوا مرة أخرى، ثم قال محمد عفت كالمحتج: ضغط ... ضغط ... ضغط، لا ~~نسمع الآن إلا الطبيب ms355 وهو يقول كأنما يأمر عبيده: لا تشرب الخمر، ~~لا تأكل اللحوم الحمراء، احذر البيض. # فتساءل أحمد عبد الجواد ساخرا: وماذا يصنع إنسان مثلي لا يأكل ~~إلا اللحوم الحمراء والبيض، ولا يشرب إلا الخمر؟ # فقالت زبيدة من فورها: كل واشرب بالهنا والشفا ، الإنسان طبيب ~~نفسه، وربنا هو الطبيب. # ومع ذلك فقد اتبع تعاليم الطبيب في الفترة التي اضطر فيها إلى ~~الرقاد، فلما نهض تناسى نصح الطبيب جملة وتفصيلا. عادت جليلة ~~تقول: أنا لا أومن بالأطباء، ولكني أقيم لهم العذر فيما يقولون ~~ويفعلون، فإنهم يتعيشون من الأمراض كما نتعيش نحن العوالم من ~~الأفراح، ولا غناء لهم عن القربة والمنفاخ، والأوامر والنواهي، كما ~~لا غناء لنا عن الدف والعود والأغاني. # فقال السيد بارتياح وحماس: صدقت؛ فالمرض والصحة والحياة والموت ~~بأمر الله وحده، ومن توكل على الله فلا يحزن. # إبراهيم الفار ضاحكا: اشهدوا يا ناس على هذا الرجل، إنه يشرب ~~بفيه، ويفسق بعينه، ويعظ بلسانه! # أحمد عبد الجواد مقهقها: لا علي من ذلك ما دمت أعظ في ~~ماخور. # محمد عفت وهو يتفحص أحمد عبد الجواد، ويهز رأسه متعجبا: وددت ~~لو كان كمال بيننا لينتفع معنا بوعظك. # فتساءل علي عبد الرحيم: على فكرة، ألا يزال على رأيه من أن أصل ~~الإنسان هو القرد؟ # فضربت جليلة صدرها بيدها هاتفة: يا ندامتي! # زبيدة في دهش: قرد! (ثم كالمستنكرة) لعله يقصد أصله هو. # قال لها السيد محذرا: وأثبت أيضا أن المرأة أصلها ~~لبؤة! # فقالت وهي تهأهئ: ليتني أرى سليل القرد واللبؤة! # فقال إبراهيم الفار: سيكبر يوما فيخرج عن محيط أسرته، ويقتنع ~~بأن البشر من آدم وحواء. # فبادر أحمد عبد الجواد: أو أحضره معي يوما إلى هنا ليقتنع بأن ~~الإنسان أصله كلب. # وقام علي عبد الرحيم إلى المائدة ليملأ الكئوس، وهو يسأل زبيدة: ~~أنت أعرف منا بالسيد فإلى أي حيوان ترجعينه؟ # فتفكرت قليلا وهي تتابع يدي علي عبد الرحيم وهما تصبان الويسكي ~~في الكئوس، ثم قالت باسمة: الحمار. # فتساءلت جليلة: ذم هذا أم مدح؟ # فقال أحمد عبد الجواد: المعنى ms356 في بطن القائل. # وعاودوا الشراب على أصفى حال، وتناولت زبيدة العود وغنت: «ارخي ~~الستارة اللي في ريحنا». # وفي نشوة غامرة راح جسد أحمد عبد الجواد يرقص مع النغمة، رافعا ~~الكأس التي لم يبق فيها إلا الثمالة أمام عينيه، ناظرا خلالها ~~إلى المرأة كأنما يروم أن يراها بمنظار خمري. وبرح الخفاء إن كان ~~ثمة خفاء، ووضح أن كل شيء - بين أحمد وزبيدة - قد عاد إلى قديمه، ~~ورددوا الغناء وراء زبيدة، فعلا صوت أحمد في طرب وسرور حتى ختمت ~~الأغنية بالتهليل والتصفيق. وما لبث محمد عفت أن قال لجليلة: ~~لمناسبة «الصب تفضحه عيونه» ما رأيك في أم كلثوم؟ # فقالت جليلة: صوتها - والشهادة لله - جميل، غير أنها كثيرا ما ~~تصرصع كالأطفال. ~~- البعض يقولون: إنها ستكون خليفة منيرة المهدية، ومنهم من يقول ~~بأن صوتها أعجب من صوت منيرة نفسها. # فهتفت جليلة: كلام فارغ! أين هذه الصرصعة من بحة منيرة؟ # وقالت زبيدة بازدراء: في صوتها شيء يذكر بالمقرئين، كأنها مطربة ~~بعمامة! # فقال أحمد عبد الجواد: لم أستطعمها، ولكن ما أكثر الذين يهيمون ~~بها، والحق أن دولة الصوت زالت بموت سي عبده. # فقال محمد عفت مداعبا: أنت رجل رجعي، تتعلق دائما بالماضي. (ثم ~~وهو يغمز بعينيه) ألست تصر على حكم بيتك بالحديد والنار حتى في ~~عهد الديموقراطية والبرلمان؟ # السيد ساخرا: الديموقراطية للشعب لا للأسرة. # علي عبد الرحيم جادا: أتظن أنه يمكن التحكم بالطريقة القديمة ~~في شبان اليوم؟ هؤلاء الشبان الذين اعتادوا القيام بالمظاهرات ~~والوقوف في وجه الجنود؟ # فقال إبراهيم الفار: لا أدري عما تتكلم، ولكنني متفق في الرأي ~~مع أحمد، كلانا أب لذكور، والله المستعان. # محمد عفت مداعبا: كلاكما متحمس للحكم الديمقراطي باللسان، ~~ولكنكما مستبدان في بيتكما! # فقال أحمد عبد الجواد كالمحتج: أتريدني على ألا أبت في مسألة حتى ~~أجمع كمال وياسين وأم كمال، ثم نأخذ الأصوات؟ # فهأهأت زبيدة قائلة: لا تنس زنوبة من فضلك. # وقال إبراهيم الفار: إذا كانت الثورة هي سبب ما نعاني من ~~أولادنا، فالله يسامح سعد باشا. وتواصل الشرب والسمر والغناء ~~والمزاح، ms357 وتعالت الضجة، واختلطت الأصوات، وتقدم الليل غير عابئ ~~بشيء، وكان ينظر إليها فيجدها تنظر إليه، أو تنظر إليه فتجده ينظر ~~إليها، وقال لنفسه: إنه ليس في هذا الوجود إلا لذة واحدة، وأراد ~~أن يفصح عن فكرته، ولكنه لم يفصح، إما لأن حماسه للإفصاح فتر، أو ~~لأنه لم يستطع، ولكن كيف جاء هذا الفتور؟ وتساءل مرة أخرى: أتكون ~~لذة ساعة أم معاشرة طويلة؟ ونزعت نفسه إلى التماس التسلية والعزاء، ~~ولكن ثمة وش كأن أمواج النيل تهمس في أذنيه، ومع ذلك فمنتصف ~~الحلقة السادسة في متناول اليد، سل الحكماء: كيف ينطوي العمر ونحن ~~ندري دون أن ندري. ~~- ماذا أسكتك كفى الله الشر؟ ~~- أنا؟ شوية راحة. # أجل ما ألذ الراحة، ضجعة طويلة تقوم بعدها صحيحا، ما ألذ ~~الصحة، ولكنهم يطاردونك ولا يدعون لك لحظة واحدة تنعم فيها ~~بالسلام، وهذه النظرة أليست فاتنة، ولكن همسات الأمواج تعلو فكيف ~~تسمع الغناء؟ ~~- كلا، لن نتركه حتى يزف، ما رأيكم؟ الزفة ... الزفة! ~~- قم يا جملي. ~~- أنا؟ ... شوية راحة. ~~- الزفة ... الزفة، كما حدث أول مرة في بيت الغورية. ~~- ذلك عهد قديم. ~~- نجدده، الزفة ... الزفة. # لا يرحمون، وذلك زمن خلا تحجبه عن عينيك ظلمات، ألا ما أكثف ~~الظلام، وما أشد الوش! وما أغلظ النسيان! ~~- انظروا! ~~- ما له؟ ~~- قليلا من الماء ... افتحوا النافذة. ~~- يا لطيف يا رب. ~~- خير ... خير، بل هذا المنديل بالماء البارد. # 42 # مضى أسبوع على «حادث» الأب، وكان الطبيب يزوره يوميا، وكانت ~~الحال من الشدة بحيث لم يسمح لأحد بمقابلته، حتى الأبناء كانوا ~~يتسللون إلى الحجرة على أطراف أصابعهم فيلقون بنظرة على الراقد ~~متفحصين ما يكسو وجهه من ذبول واستسلام، ثم ينسحبون وفي الوجوه ~~اكفهرار، وفي الصدور انقباض، يتبادلون النظرات ويتهربون منها في ~~ذات الوقت. قال الطبيب: إنها أزمة ضغط، وحجم المريض فملأ طستا من ~~دمه، دم أسود كما قالت خديجة في وصفه وجوارحها ترتعش، وكانت ~~أمينة تعود من الحجرة بين الحين والحين كشبح يهيم على وجهه، على ~~حين بدا كمال ذاهلا كأنما يتساءل: كيف تقع هذه ms358 الأمور الخطيرة في ~~أقل من غمضة عين؟ وكيف استسلم الرجل الجبار واستكان؟ ثم يسترق ~~نظرة إلى شبح أمه أو عيني خديجة الدامعتين، أو وجه عائشة الشاحب، ~~ويتساءل مرة أخرى: ماذا يعني هذا كله؟ ووجد نفسه تنساق وهو لا يدري ~~إلى تصور النهاية التي يخافها قلبه، تصور عالم لا يوجد فيه الأب، ~~فضاق صدره وجزع قلبه. وتساءل في إشفاق: كيف يمكن أن تتحمل هذه ~~النهاية أمه؟ إنها تبدو الآن كالمنتهية ولما يقع شيء، ثم وردت ~~ذهنه ذكرى فهمي، فتساءل: أيمكن أن ينسى هذا كما نسي ذاك؟ وتراءت ~~له الدنيا ظلمات فوق ظلمات. # وعلم ياسين بالحادث في اليوم التالي لوقوعه، فجاء إلى البيت لأول ~~مرة مذ غادره عند زواجه من مريم، وقصد حجرة أبيه رأسا، فألقى ~~عليه نظرة طويلة صامتة، ثم انسحب إلى الصالة مذهولا، فالتقى ~~بأمينة فتصافحا بعد طول فراق، واشتد تأثره وهو يصافحها فامتلأت ~~عيناه بالدموع. ولبث السيد راقدا، ولم يكن أول الأمر يتكلم أو ~~يتحرك، فلما حجم دب فيه شيء من الحياة، فاستطاع أن ينطق بكلمة ~~أو عبارة مقتضبة يفصح بها عما يريد، ولكنه في الوقت ذاته شعر ~~بالألم فصدر عنه الأنين والتأوهات. ولما خفت حدة الآلام المرضية ~~أخذ يضيق برقاده الإجباري الذي حرمه نعمة الحركة والنظافة، وقضى ~~عليه بأن يأكل ويشرب ويفعل ما تعافه نفسه في مكان واحد هو فراشه. ~~وكان نومه متقطعا، وكان ضجره متصلا، غير أن أول ما سأل عنه كان ~~خاصا بكيفية إحضاره إلى البيت مغشيا عليه، وأجابته أمينة بأنه ~~جيء به في حانطور مع صحبه محمد عفت وعلي عبد الرحيم وإبراهيم ~~الفار، وأنهم حملوه برفق إلى فراشه، ثم أحضروا له الطبيب رغم ~~تأخر الوقت. وسأل بعد ذلك باهتمام عن عواده فقالت له المرأة ~~إنهم لا ينقطعون، ولكن الطبيب منع المقابلة إلى حين. وكان يردد ~~بصوت خافت: «الأمر لله من قبل ومن بعد.» و«نسأل الله حسن الختام.» ~~ولكن الحق أنه لم يستشعر اليأس. ولم يحس بدنو النهاية، ولم ~~تضعف ثقته بالحياة التي يحبها رغم آلامه ms359 وخوفه، عاوده الأمل بمجرد ~~عودة الوعي إليه، فلم يحدث أحدا بحديث الراحلين كأن يوصي، أو ~~يودع، أو يعهد لمن يهمه الأمر بأسرار عمله وثروته. وعلى العكس من ~~ذلك استدعى جميل الحمزاوي، وكلفه ببعض أعمال المبادلة التي لم يكن ~~يعلم عنها شيئا ، كما أرسل كمال إلى خياطه البلدي بخان جعفر ليحضر ~~ملابس جديدة كان عهد بها إليه، وليدفع ثمن خيطها، لم يكن يذكر ~~الموت إلا بتلك العبارات يرددها كأنما يداري بها قسوة الأقدار، ~~وعند ختام الأسبوع الأول صرح الطبيب بأن مريضه اجتاز المرحلة ~~الدقيقة بسلام، وأنه لم يعد يلزمه إلا بعض الصبر كي يسترد صحته ~~كاملة ويستأنف نشاطه، وأعاد الطبيب على مسمعه ما سبق أن حذره منه ~~عند ارتفاع ضغطه أول مرة، فوعده بالطاعة وعاهد نفسه صادقا على ~~الإقلاع عن الاستهتار بعدما تبين له من عواقبه الوخيمة التي ~~أقنعته بأن الأمر جد لا هزل، وجعل يتعزى قائلا: إن الحياة السليمة ~~مع شيء من الحرمان خير على أي حال من المرض. # هكذا مرت الأزمة بسلام، فاستردت الأسرة أنفاسها، ولهجت قلوبها ~~بالشكر، وعند نهاية الأسبوع الثاني سمح للسيد بمقابلة عواده ~~فكان يوما سعيدا، وكانت أسرته أول من احتفل بهذا اليوم، فزاره ~~أبناؤه وأصهاره، وتحدثوا إليه لأول مرة منذ الرقاد، وقلب الرجل ~~عينيه في وجوههم - ياسين، وخديجة، وعائشة، وإبراهيم شوكت، وخليل ~~شوكت - وراح بلباقته - التي لم تخنه حتى في موقفه هذا - يسأل عن ~~الأطفال: رضوان، وعبد المنعم، وأحمد، ونعيمة، وعثمان، ومحمد، ~~فقالوا له: إنهم لم يجيئوا بهم حرصا على راحته، ودعوا له بطول ~~العمر وتمام الصحة والعافية، ثم حدثوه عن حزنهم لما ألم به، ~~وسرورهم بسلامته، تكلمت خديجة بصوت متهدج، وتركت عائشة على يده ~~وهي تقبلها دمعة تغني عن كل بيان، أما ياسين فقال بزلاقة لسان: ~~إنه مرض معه حين مرض، وبرئ معه حين من الله عليه بالشفاء، ~~فتطلق وجه الرجل الشاحب بالبشر، وحدثهم طويلا عن قضاء الله ~~ورحمته ولطفه، وأن على المؤمن أن يواجه مصيره بصبر وإيمان، متوكلا ~~على الله وحده، وغادروا الحجرة ms360 إلى حجرة كمال - مخلين الصالة ~~لمرور العواد المنتظر توافدهم - وهناك أقبل ياسين على أمينة، ~~فشد على يدها وهو يقول: لم أحدثك بما في نفسي طيلة الأسبوعين ~~الماضيين؛ لأن مرض بابا لم يترك لي عقلا أفكر به، أما الآن وقد ~~أمر الله بالسلامة فأود أن أعتذر عن رجوعي إلى البيت دون ~~استئذانك، الحق أنك استقبلتني بالعطف الذي عهدته منك في الأيام ~~السعيدة الخالية، ولكن علي الآن أن أقدم فروض ~~الاعتذار. # فتورد وجه أمينة وهي تقول بتأثر: ما فات فات يا ياسين، هذا ~~بيتك تحل فيه أهلا وسهلا حين تشاء. # فقال ياسين ممتنا: لا أحب أن أعود إلى الماضي، ولكن أحلف ~~برأس أبي وحياة رضوان ابني أن قلبي لم يحمل قط سوءا لأحد من أهل ~~هذا البيت، وأني أحببتهم جميعا كما أحب نفسي، ربما يكون الشيطان ~~قد دفعني إلى خطأ، وكل إنسان عرضة لهذا، ولكن قلبي لم تشبه ~~شائبة أبدا. # فوضعت أمينة يدها على منكبه العريض، وقالت بإخلاص: كنت دائما ~~واحدا من أبنائي، ولا أنكر أني غضبت مرة، ولكن زال الغضب والحمد ~~لله، فلم يبق إلا الحب القديم، هذا بيتك يا ياسين، أهلا بك، ~~أهلا. # وجلس ياسين ممتنا، فلما غادرت أمينة الحجرة، قال للحاضرين ~~بلهجة خطابية: ما أطيب هذه المرأة! إن الله لا يغفر لمن يسيء ~~إليها، لعن الله الشيطان الذي أورطني يوما فيما جرح ~~مشاعرها. # فقالت له خديجة وهي تحدجه بنظرة ذات معنى: لا يكاد يمضي عام حتى ~~يورطك الشيطان في مصيبة، كأنك لعبة في يديه. # فنظر إليها بعين كأنما يتوسل إليها أن تعفيه من لسانها، وإذا ~~بعائشة تقول مدافعة عنه: ذاك تاريخ مضى وانتهى. # فتساءلت خديجة في تهكم: لم لم تأت معك بالمدام «لتحيي» لنا ~~هذا اليوم المبارك؟ # فقال ياسين في كبرياء مصطنع: لم تعد زوجتي تحيي أفراحا بعد، ~~إنها الآن سيدة بكل ما في هذه الكلمة من معنى. # فقالت خديجة بلهجة جدية لا أثر للتهكم فيها: يا خسارتك يا ~~ياسين، ربنا يتوب عليك ويهديك. # قال إبراهيم شوكت، كأنما يعتذر ms361 عن صراحة زوجته: لا تؤاخذني يا ~~سي ياسين، ولكن ما حيلتي؟ إنها أختك! # فقال ياسين باسما: كان الله في عونك يا سي إبراهيم. # وهنا قالت عائشة وهي تتنهد: الآن وقد أخذ الله بيد بابا، فإني ~~أصارحكم بأنني لن أنسى ما حييت منظره أول يوم رأيته، ربنا لا يحكم ~~على أحد بالمرض. # خديجة بصدق وحماس: هذه الحياة لا تساوي بدونه قلامة ظفر. # فقال ياسين بتأثر: إنه ملاذنا عند كل شدة، رجل ولا كل ~~الرجال. # وأنا! أتذكر موقفك بركن الحجرة وقد أطبق عليك اليأس، وكيف تقطع ~~قلبي وأنا أرى تهافت أمي، نعرف الموت معنى من المعاني، أما إذا ~~هل ظله من بعيد فتدور بنا الأرض، ومع ذلك فستتوالى طعنات الألم ~~بعدد من نفقد من الأحباء، وستموت أنت أيضا مخلفا وراءك ~~الآمال، والحياة رغيبة ولو ابتليت بالحب، وتعالى من الطريق رنين ~~جرس حنطور، فوثبت عائشة إلى النافذة، ثم نظرت من خصاصها، التفتت ~~قائلة في مباهاة: زوار من الأكابر! # وتتابع وصول العواد من الأصدقاء الكثيرين الذين امتلأت بهم ~~حياة الأب، موظفين، ومحامين، وأعيان، وتجار. وكانت منهم قلة لم تجئ ~~البيت من قبل، وآخرون لم يأتوا إلا مدعوين لبعض الولائم التي ~~يولمها السيد في المناسبات، وغير هؤلاء وأولئك رجال ترى وجوههم ~~كثيرا في الصاغة والسكة الجديدة، والجميع أصدقاء ولكنهم ليسوا من ~~طبقة محمد عفت وصاحبيه. وقد مكثوا قليلا مراعاة لظروف الزيارة، ~~ولكن الأبناء وجدوا في مظاهرهم الفاخرة، وعرباتهم ذوات الجياد ~~المطهمة ما أشبع خيلاءهم وزهوهم. وقالت عائشة وهي لا تزال بموقف ~~المراقبة: ها هم الأحباب قد وصلوا. # وترامت أصوات محمد عفت وعلي عبد الرحيم وإبراهيم الفار وهم ~~يتضاحكون ويرفعون أصواتهم بالشكر والحمد، فقال ياسين: لم يعد ~~في الدنيا أصدقاء مثل هؤلاء. # فآمن على قوله إبراهيم شوكت وخليل، على حين قال كمال بحزن لم ~~يفطن إليه أحد: قل أن تتيح الحياة لأصدقاء أن يجتمع شملهم ~~طويلا كما أتاحت لهؤلاء. # وعاد ياسين يقول كالمتعجب: لم يمر يوم دون أن يزوروا البيت، ~~وما غادروه في أيام الشدة إلا ms362 والدموع في أعينهم. # فقال إبراهيم شوكت: لا تعجب، فقد عاشروه أكثر منكم أنتم. # وهنا ذهبت خديجة إلى المطبخ لتقدم مساعداتها. أما تيار العواد ~~فلم ينقطع، وقد جاء جميل الحمزاوي بعد أن أغلق الدكان، وتبعه غنيم ~~حميدو صاحب معصرة الجمالية، ثم محمد العجمي بائع الكسكسي ~~بالصالحية، وإذا بعائشة تهتف وهي تشير إلى الطريق من وراء ~~النافذة: الشيخ متولي عبد الصمد! ترى أيستطيع أن يصعد إلى الدور ~~الفوقاني؟ # وراح الشيخ يقطع الفناء متوكئا على عصاه، متنحنحا - من آن ~~لآخر - لينبه من في طريقه إلى حضوره. وأجاب ياسين: إنه يستطيع أن ~~يصعد إلى قمة مئذنة، (ثم مجيبا خليل شوكت الذي تساءل عن عمر الرجل ~~بعينيه وأصابعه) بين الثمانين والتسعين. ولكن لا تسل عن ~~صحته. # وتساءل كمال: ألم يتزوج في حياته الطويلة؟ # فقال ياسين: يقال: إنه كان زوجا وأبا، ولكن زوجه وأبناءه ~~انتقلوا إلى رحمة الله. # وهتفت عائشة مرة أخرى، ولم تكن برحت موقفها من النافذة: انظروا! ~~هذا خواجا! من يكون يا ترى؟ # كان يقطع الفناء ملقيا على ما حوله نظرة مترددة متسائلة، ~~واضعا على رأسه قبعة مستديرة من الخوص لاح تحت حافتها أنف مجدور ~~مقوس وشارب منفوش، فقال إبراهيم: لعله صائغ من تجار الصاغة. # فتمتم ياسين في حيرة: ولكنه يوناني السحنة، أين يا ترى رأيت هذا ~~الوجه؟ # وجاء شاب ضرير ذو نظارة سوداء، يجره من يده رجل من أهل البلد ~~ملثما بكوفية، رافلا في معطف أسود طويل يبرز من تحت طرفه جلباب ~~مقلم، فعرفهما ياسين - من أول نظرة - وهو من الدهش في نهاية. أما ~~الشاب الضرير فكان عبده عازف القانون بتخت زبيدة، وأما الآخر فصاحب ~~قهوة مشهورة بوجه البركة يدعى الهمايوني، فتوة وبلطجي وبرمجي ... ~~إلخ، وسمع خليل وهو يقول: الضرير قانونجي العالمة زبيدة. # فتساءل ياسين متصنعا الدهش: وكيف عرف بابا؟ # فابتسم إبراهيم شوكت وهو يقول: والدك من السميعة القدامى، ولا ~~غرابة في أن يعرفه جميع أهل الفن. # وابتسمت عائشة دون أن تدير رأسها المتجه إلى الطريق لتداري ~~ابتسامتها، ياسين وكمال رأيا ابتسامة إبراهيم ms363 وفطنا إلى ما وراءها. ~~وأخيرا جاءت سويدان جارية آل شوكت تتعثر في خطوات الكبر، فتمتم ~~خليل وهو يشير إليها «رسول أمنا للسؤال عن السيد!» وكانت حرم ~~المرحوم شوكت قد زارت السيد مرة، ولكنها لم تستطع أن تعيد الكرة ~~لما اعتراها في الأيام الأخيرة من آلام روماتزمية تحالفت مع الكبر ~~عليها. وما لبثت خديجة أن عادت من المطبخ وهي تقول مبدية التشكي ~~مضمرة المباهاة: يلزمنا قهوجي ليقدم القهوة بنفسه! # كان السيد جالسا في فراشه، مسند الظهر إلى وسادة منكسرة، ساحبا ~~الغطاء حتى عنقه، على حين جلس العواد على الكنبة والكراسي التي ~~أحدقت بالفراش. وبدا سعيدا رغم ضعفه، فلم يكن يسعده شيء كالتفاف ~~الأصدقاء حوله، وتسابقهم إلى مجاملته ورعاية عهده، وإذا كان قد ~~بلاه المرض بالشر، فإنه لم ينكر حسنته فيما وجد من جزع إخوانه لما ~~أصابه، وتحسرهم على غيابه، ومدى إحساسهم بالوحشة في مجالسهم ~~أثناء اعتكافه، وكأنما أراد أن يستزيد من العطف، فجعل يقص عليهم ما ~~لاقى من آلام وسأم، واستباح في سبيل ذلك أن يهول ويبالغ، فقال ~~متنهدا: في الأيام الأولى من المرض اقتنعت فيما بيني وبين نفسي ~~بأني انتهيت، فجعلت أتشهد وأقرأ الصمدية، وفيما بين هذا وذاك ~~أذكركم كثيرا؛ فتقسو علي فكرة فراقكم. # فعلا أكثر من صوت قائلا: لا كانت الدنيا بدونك يا سيد ~~أحمد. # وقال علي عبد الرحيم بتأثر: سيترك مرضك هذا في نفسي أثرا لن ~~يزول مع الأيام. # وقال محمد عفت بصوت خافت: أتذكر تلك الليلة؟ رباه لقد ~~شيبتنا! # فمال غنيم حميدو نحو الفراش قليلا، وقال: نجاك الذي نجانا من ~~الإنجليز ليلة بوابة الفتوح. # تلك الأيام السعيدة، أيام الصحة والعشق، وفهمي كان النجابة ~~والأمل الموعود. ~~- الحمد لله يا سيد حميدو. # وقال الشيخ متولي عبد الصمد: إني أسألك كم أعطيت الطبيب بدون ~~وجه حق؟ ولا داعي للجواب، ولكني أدعوك إلى إطعام أولياء ~~الحسين. # فقاطعه محمد عفت متسائلا: وأنت يا شيخ متولي، ألست من أولياء ~~الحسين؟ وضح هذه النقطة. # فاستطرد الشيخ - دون مبالاة - وهو يضرب الأرض بعصاه عقب كل ms364 ~~عبارة: أطعم أولياء الحسين وأنا على رأسهم، أراد محمد عفت أم لم ~~يرد، وعليه هو أيضا أن يطعمهم إكراما لك، وأنا على رأسهم، ~~وعليك أن تؤدي فريضة الحج هذا العام، ويا حبذا لو أخذتني معك ~~ليضاعف الله لك الجزاء. # ما أطيبك وأقربك إلى قلبي يا شيخ متولي، أنت من معالم ~~الزمن. ~~- أعدك يا شيخ متولي بأن آخذك معي إلى الحجاز، إذا أذن ~~الرحمن. # عند ذاك قال الخواجا، وكان قد خلع قبعته عن شعر خفيف ناصع ~~البياض: شوية زعل، الزعل سبب كل شيء، اترك الزعل ترجع مثل ~~البمب. # مانولي الذي باعك الخمر طيلة خمسة وثلاثين عاما، بائع السعادة ~~وسمسار القرافة. ~~- هذه عاقبة بضاعتك يا مانولي. # فنظر الخواجا في بقية وجوه الزبائن، وقال: لم يقل أحد: إن ~~الخمر تأتي بالمرض، كلام فارغ، الانبساط والضحك والفرفشة تسبب ~~المرض؟ # هتف الشيخ متولي عبد الصمد، وهو يلتفت نحو الخواجا مسددا نحوه ~~بصرا لا يكاد يرى: الآن عرفتك يا وجه المصائب، عندما سمعت صوتك ~~في المرة الأولى تساءلت: أين سمعت هذا الشيطان؟ # وسأل محمد العجمي بائع الكسكسي الخواجا مانولي، وهو يغمز بعينيه ~~ناحية الشيخ متولي: ألم يكن الشيخ متولي من زبائنك يا ~~مانولي؟ # فقال الخواجا باسما: فمه ملآن بالطعام، فأين يضع الخمر يا ~~حبيبي؟ # وصاح عبد الصمد وهو يشد على مقبض عصاه: تأدب يا مانولي! # فصاح به العجمي: أتنكر يا شيخ متولي أنك كنت أكبر حشاش قبل أن ~~يقطع الكبر أنفاسك؟ # فلوح الشيخ بيده محتجا، وهو يقول: ليس الحشيش حراما، أجربت ~~صلاة الفجر وأنت مسطول؟ الله أكبر، الله أكبر. # ووجد أحمد عبد الجواد الهمايوني صامتا، فالتفت إليه باسما وهو ~~يقول على سبيل المجاملة: كيف حالك يا معلم؟ والله زمان! # فقال الهمايوني بصوت كالنعير: والله زمان، زمان والله! أنت السبب ~~يا سيد أحمد وأنت الهاجر، ولكن لما قال لي السيد علي عبد الرحيم إن ~~عدوك راقد ذكرت أيام الصبوات كأنها لم تنقطع. وقلت لنفسي: لا كان ~~الوفاء إن لم أزر بنفسي الرجل الحبيب، رجل المروءة والفرفشة ~~والأنس، ms365 ولولا الملامة لجئت معي بفطومة وتملي ودولت ونهاوند، كلهن ~~مشتاقات إلى رؤيتك، يا سلام يا سي أحمد، أنت أنت سواء شرفتنا كل ~~ليلة أم هجرتنا سنين. # ثم وهو يجيل عينيه الحديديتين: هجرتمونا كلكم، البركة في السيد ~~علي، ربنا يخلي لنا سنية القللي التي تجذبه إلينا، من فات قديمه ~~تاه، عندنا أصل الأنس، ماذا غيبكم عنا؟ لو كانت التوبة لعذرناكم، ~~ولكن التوبة لم يئن أوانها، ربنا يبعدها بطول العمر ~~والأفراح! # أحمد عبد الجواد وهو يشير إلى نفسه: ها أنت ترى أننا قد ~~انتهينا. # فقال المعلم بحماس: لا تقل هذا يا سيد الرجال، وعكة وتمضي إلى ~~غير رجعة، لن أتركك حتى تنذر أن تعود إلى وجه البركة - ولو مرة - ~~إذا أخذ الله بيدك وقمت بالسلامة. # فقال محمد عفت: الزمن تغير يا معلم همايوني، أين وجه البركة ~~الذي عرفناه قديما؟ ابحث عنه في التاريخ، أما ما بقي منه فمراح ~~الشبان من أهل اليوم، كيف نسير بينهم وفيهم أبناؤنا؟ # وقال إبراهيم الفار: ولا تنس أننا لا نستطيع أن نغالط ربنا في ~~العمر والصحة، انتهينا كما قال سي أحمد، ما منا إلا من اضطر إلى ~~زيارة الطبيب ليقول له عندك وعندك، لا تشرب، لا تأكل، لا تتنفس، ~~وغير ذلك من الوصايا المقرفة، ألم تسمع عن مرض الضغط يا معلم ~~همايوني؟ # فقال المعلم وهو يحدجه بنظرة: داو أي مرض بسكرة وضحكة ولعبة، ~~وإن وجدت له أثرا بعد ذلك الزقه في كبدي. # فصاح مانولي: قلت له هذا وحياتك أنت. # وقال محمد العجمي، كأنما يتم ما بدأ صاحبه: ولا تنس المنزول ~~الأصيل يا معلم. # فهز الشيخ متولي عبد الصمد رأسه متعجبا، وتساءل في حيرة: دلوني ~~يا أهل الخير أين أنا، أفي بيت ابن عبد الجواد، أم في غرزة، أم في ~~حانة؟ دلوني يا هوه! # تساءل الهمايوني وهو يرمق الشيخ متولي شزرا: من صاحبكم؟ ~~- ولي كله خير. # فقال له متهكما: اقرأ لي الطالع إن كنت وليا. # فهتف متولي عبد الصمد: إما السجن وإما المشنقة. # فلم يتمالك الهمايوني من أن ms366 يضحك عاليا، ثم قال: حقا إنه ~~ولي؛ فهذه هي النهاية المتوقعة، (ثم مخاطبا الشيخ) لكن اضبط ~~لسانك، وإلا حققت بك نبوءتك. # علي عبد الرحيم وهو يقرب رأسه من وجه السيد: قم يا حبيبي، الدنيا ~~لا تساوي قشرة بصلة من غيرك، ماذا جرى لنا يا أحمد؟ أترى أنه ~~يحسن بنا ألا نستهين بالمرض بعد ذلك؟ كان آباؤنا يتزوجون وهم فوق ~~السبعين، فماذا جرى؟ # متولي عبد الصمد بعنف تطاير معه الرذاذ من فيه: كان آباؤكم ~~مؤمنين طاهرين، لم يسكروا ولم يفسقوا، في هذا الجواب الذي ~~تريد. # وأجاب أحمد عبد الجواد صديقه قائلا: قال لي الطبيب: إن التمادي ~~في الاستهانة مع الضغط عاقبته الشلل والعياذ بالله، هذا ما وقع ~~لصاحبنا الوديني أكرمه الله بحسن الختام، إني أسأل الله إذا حم ~~القضاء أن يكرمني بالموت، أما الرقاد أعواما بلا حراك! اللهم ~~رحمتك! # وهنا استأذن العجمي وحميدو ومانولي في الانصراف، وذهبوا وهم ~~يدعون للسيد بالصحة والعمر المديد، ومال محمد عفت على السيد، ثم ~~همس بصوت هامس: جليلة تقرئك السلام، وكم ودت لو تراك ~~بنفسها. # فالتقطت أذن عبده القانونجي مقالته، ففرقع بأصابعه، وقال: وأنا ~~مبعوث السلطانة إليك، وقد كادت أن تتزيا بزي الرجال لتحضر إليك ~~بنفسها لولا أن أشفقت عليك من العواقب غير المتوقعة، فأرسلتني ~~وقالت لي قل له: # وتنحنح مرة ثم مرة، وغنى بصوت خافت: # أمانة يا رايح يمه # تبوس لي الحلو من فمه # وقل له عبدك المغرم ذليل # فابتسم الهمايوني كاشفا عن طاقم ذهبي، وقال: نعم الدواء. جرب ~~هذا ولا تلق بالا إلى ولي الله المتنبئ بالمشانق. # زبيدة؟ لا شوق بي إلى شيء، دنيا المرض شيء كريه، ولو وقع المحذور ~~لمت سكران، ألا يعني هذا أنه لا بد من صفحة جديدة؟ # وقال له إبراهيم الفار بصوت خافت: تعاهدنا على ألا نذوق الخمر ~~وأنت راقد. ~~- إني أعفيتكم من تعهدكم، وسامحوني عما فات. # علي عبد الرحيم مبتسما في إغراء: لو كان في الإمكان أن نحتفل ~~هنا الليلة بشفائك؟ # متولي عبد الصمد موجها خطابه للجميع: أدعوكم إلى ms367 التوبة ~~والحج. # الهمايوني محنقا: كأنك عسكري في غرزة! # وبإشارة متفق عليها من الفار، تقاربت رءوس محمد عفت وعلي عبد ~~الرحيم وإبراهيم الفار فوق رأس السيد، وراحوا يغنون بصوت ~~خافت: # أما انت مش قد الخمرة # بس تسكر ليه # على نغمة: # أما انت مش قد الهوى # بس تعشق ليه # على حين جعل الشيخ عبد الصمد يتلو آيات من سورة التوبة، أما أحمد ~~عبد الجواد فقد أغرق في الضحك حتى دمعت عيناه، ومر الوقت بلا ~~حساب حتى بدا في وجه الشيخ متولي عبد الصمد الجزع، فقال: ليكن في ~~معلومكم أني آخر من سيغادر هذه الحجرة؛ لأني أريد أن أخلو إلى ابن ~~عبد الجواد. # 43 # غادر أحمد عبد الجواد البيت بعد أسبوعين آخرين، فكان أول ما فعله ~~أن صحب ياسين وكمال إلى زيارة الحسين والصلاة في مسجده شكرا لله. ~~وكان نبأ وفاة علي فهمي كامل قد نشر في الصحف، فتأمله السيد أحمد ~~طويلا وخاطب ابنيه - وهم يغادرون البيت - قائلا: سقط ميتا وهو ~~يخطب في جمع حافل، وها أنا أسعى على قدمي بعد رقاد كدت أرى فيه ~~الموت رؤية العين، فمن ذا يستطيع أن يعلم الغيب؟ حقا إن الأعمار ~~بيد الله، وأنه لكل أجل كتاب. # كان عليه أن يصبر أياما وأسابيع حتى يسترد وزنه، غير أنه بدا ~~رغم ذلك مستوفيا آي وقاره وجماله. وقد سار في المقدمة وتبعه ياسين ~~وكمال، وهو منظر لم ير بهيئته الكاملة منذ وفاة فهمي. وفي الطريق ~~ما بين القصرين والجامع لمس الشابان المكانة التي يحظى بها أبوهما ~~في الحي كله، فما من تاجر من أصحاب الدكاكين القائمة على جانبي ~~الطريق إلا وقد صافحه، وتلقاه بين ذراعيه وهو يهنئه بالسلامة، ~~واستجابت نفسا ياسين وكمال لهذه المودة الحارة المتبادلة، فملكهما ~~السرور والزهو، وارتسمت على ثغريهما ابتسامة لم تفارقهما طوال ~~الطريق. غير أن ياسين تساءل في براءة: لم لم يحظ بمثل مكانة ~~أبيه وكلاهما في الجلال والجمال والعيوب سواء؟ أما كمال فبالرغم من ~~تأثره الوقتي استدعى أفكاره الغابرة عن هذه المكانة المرموقة ~~ليسبرها ms368 بعين جديدة. كانت في الماضي تتمثل لعينيه الصغيرتين آية ~~للجلال والعظمة، أما الآن فإنه يراها لا شيء، أو لا شيء بالقياس ~~إلى مثله العليا. ما هي إلا المكانة التي يحظى بها رجل طيب ~~القلب، لطيف المعشر، جم المروءة. والعظمة شيء قد يناقض ذلك كل ~~المناقضة، فهي دوي يزلزل قلوب الخاملين، ويطير النوم عن أعين ~~الراقدين، وهي عسية بأن تستثير الكراهية لا الحب، والسخط لا الرضا، ~~والعداوة لا المودة، إنها الكشف والهدم والبناء. ولكن أليس من ~~السعادة أن ينعم الإنسان بمثل هذا الحب والإجلال؟ بلى وآي ذلك أن ~~عظمة العظماء تقاس أحيانا بمقدار تضحيتهم بالحب والطمأنينة في ~~سبيل أهداف أسمى. على أي حال هو رجل سعيد فليهنأ بسعادته. انظر ~~إليه ما أجمله! كذلك ياسين ما ألطفه! وما أعجب منظري بينهما كأني ~~صورة تنكرية في كرنفال. ازعم ما شاء لك الزعم أن الجمال حيلة ~~النساء لا الرجال، فلن يمحو هذا من ذاكرتك موقف الكشك الرهيب. وقد ~~برئ أبي من الضغط فمتى أبرأ من الحب؟ والحب مرض غير أنه كالسرطان ~~لم تكتشف جرثومته بعد. إن حسين شداد يقول في رسالته الأخيرة: «إن ~~باريس عاصمة الجمال والحب.» فهل هي أيضا عاصمة العذاب؟ وقد بدأ ~~العزيز يبخل برسائله كأنما يقطرها من دمه الغالي. أريد عالما لا ~~تخدع فيه القلوب ولا تخدع. # عند منعطف خان جعفر لاح لهم الجامع الكبير، فسمع أباه وهو يقول ~~من الأعماق بصوت جمع بين رقة التحية وحرارة الاستغاثة «يا حسين!» ~~ثم حث خطاه فتبعه وياسين وهو ينظر إلى الجامع وعلى شفتيه ابتسامة ~~غامضة. أيدور بخلد أبيه أنه لم يتبعه هذه الزيارة المباركة إلا ~~استجابة لرغبته هو دون أدنى مشاركة في عقيدته؟ أما هذا الجامع فلم ~~يعد في نظره إلا رمزا من رموز الخيبة التي ابتلي بها قلبه. كان ~~في الماضي يقف تحت مئذنته وقلبه خفاق، ودمعه متحفز، وصدره مرتعش ~~لجيشات الوجد والإيمان والأمل، واليوم يقترب منه وهو لا يراه إلا ~~مجموعة ضخمة من الأحجار، والحديد، والخشب، والطلاء تحتل مساحة ~~واسعة من ms369 الأرض بغير وجه حق! بيد أنه لا مناص من تمثيل دور المؤمن ~~حتى تنتهي الزيارة رعاية لحقوق الأبوة، واحتراما للناس، أو اتقاء ~~لشرهم، وهو سلوك ينافي الكرامة والصدق. أريد عالما يعيش فيه ~~الإنسان حرا بلا خوف ولا إكراه! # وخلعوا أحذيتهم ودخلوا تباعا ، فاتجه الأب إلى المحراب ودعا ~~ابنيه إلى الصلاة تحية للمسجد، ثم رفع يديه إلى رأسه مقيما الصلاة ~~فائتما به. استغرق الأب في الصلاة كعادته فأرخى جفونه وامتثل، ~~ونسي ياسين كل شيء إلا أنه بين يدي الله الغفور الرحيم. وجعل هو ~~يحرك شفتيه دون أن يقول شيئا، وانحنى واستوى، ثم ركع وسجد وكأنه ~~يؤدي بعض الحركات الرياضية الفاترة. وقال لنفسه: إن أقدم الآثار ~~المتخلفة على وجه الأرض أو في باطنها معابد، وحتى اليوم لا يخلو ~~منها مكان، فمتى يشب الإنسان عن طوقه ويعتمد على نفسه؟ وهذا الصوت ~~الجهير الذي يترامى من أقصى الجامع يذكر الناس بالآخرة، فمتى كان ~~للزمن آخر؟ وما أجمل أن ترى إنسانا يغالب الأوهام ليغلبها، ولكن ~~متى ينتهي القتال ويعلن المقاتل أنه سعيد؟ وأن الدنيا لتبدو لعيني ~~غريبة فهل تراها خلقت أمس؟ وهذان الرجلان هما أبي وأخي، فلم لا ~~يكون جميع الناس آبائي وإخوتي؟ وهذا القلب الذي أحمله بين جنبي كيف ~~ارتضى أن يسومني العذاب ألوانا؟ وما أكثر أن أرتطم كل ساعة بشخص ~~لا أوده، فلماذا نزح الذي أهواه من دونهم إلى أقصى الأرض؟ # ولما فرغوا من صلاتهم، قال الأب: لنمكث قليلا قبل أن نقوم ~~للطواف. # وظلوا متربعين صامتين، حتى عاد الأب يقول بصوت رقيق: لم نجتمع ~~هنا منذ ذلك اليوم. # فقال ياسين بتأثر: الفاتحة على روح فهمي. # وتليت الفاتحة، ثم سأل الأب ياسين فيما يشبه الارتياب: ترى هل ~~شغلتك أمور الدنيا عن زيارة الحسين؟ # فقال ياسين الذي لم يزر الجامع طوال هذه الأعوام إلا مرات ~~معدودات: لا يمكن أن يمر أسبوع دون أن أزور سيدي. # فالتفت الأب نحو كمال، ورمقه بنظرة كأنما تسائله «وأنت؟» فقال ~~كمال وهو يجد استحياء: وأنا كذلك. # فقال الأب بخشوع: إنه ms370 حبيبنا وشفيعنا إلى جده يوم لا ترجى فيه ~~أم ولا أب. # قام من المرض هذه المرة - بعد أن ألقى عليه درسا لا ينسى - وهو ~~يؤمن ببطشه، ويخاف عواقبه؛ فصدقت نيته على التوبة. وقد كان يؤمن ~~دائما بأن التوبة آتية مهما طال بها الانتظار، فاقتنع بأن تأجيلها ~~بعد ذلك ضرب من السفه والكفر بنعمة الله الرحيم. وكان كلما طافت به ~~ذكريات اللهو تعزى بما ينتظره في حياته من مسرات بريئة، كالصداقة ~~والطرب والفكاهة. لذلك دعا الله أن يحفظه من وساوس الشيطان، وأن ~~يثبت قدميه فيما اعتزم من توبة، وراح يتلو ما تيسر من السور ~~القصار التي يحفظها. # ونهض فنهضا وراءه. ثم مضوا إلى الضريح. وهناك استقبلهم عرف طيب ~~يذكو في المكان، وغمغمة تلاوات تهمس في الأركان، فطافوا بالضريح ~~بين جموع الطائفين. وارتفعت عينا كمال إلى العمامة الكبيرة ~~الخضراء، ثم استقرتا مليا فوق الباب الخشبي الذي طالما لثمته ~~شفتاه، فقارن بين عهد وعهد، وحال وحال. وذكر كيف انجلى سر هذا ~~القبر عن أول مأساة في حياته، ثم كيف تتابعت المآسي بعد ذلك غير ~~مبقية على حب أو عقيدة أو صداقة، وكيف أنه رغم ذلك كله لا يزال ~~واقفا على قدميه، يرنو إلى الحقيقة رنو العابد، غير آبه لطعنات ~~الألم، حتى المرارة انداحت على شفتيه فارتسمت ابتسامة، أما السعادة ~~العمياء التي تضيء وجوه الطائفين من حوله فقد نبذها غير آسف، وكيف ~~يشتري السعادة بالنور وقد عاهد نفسه على أن يعيش مفتح العينين، ~~مؤثرا القلق الحي على الطمأنينة الخاملة، ويقظة السهاد على راحة ~~النوم. # ولما فرغوا من طوافهم دعاهما الأب إلى الجلوس مليا في مثوى ~~الضريح، فاتجهوا إلى ركن وجلسوا متقاربين. ولمح السيد بعض معارفه، ~~فأقبلوا عليه مصافحين مهنئين، وجالسه نفر منهم، وكان أكثرهم يعرفون ~~ياسين - إما عن طريق دكان والده، وإما عن طريق مدرسة النحاسين - ~~أما كمال فلم يكد يعرفه أحد منهم، وقد لفتت نحافته أنظار بعضهم ~~فداعب السيد قائلا: ما لابنك هذا كالبرص؟ # فبادره السيد قائلا، وكأنه يرد تحية بأحسن منها: أنت ms371 ~~الأبرص. # وابتسم ياسين وابتسم كمال، وكان أول مرة يطلع فيها على شخصية ~~أبيه «السرية» التي سمع عنها الكثير. هكذا بدا الأب رجلا لا ~~تفوته النكتة حتى وهو في مقام الحمد والتوبة أمام ضريح الحسين. ~~وقد بعث ذلك ياسين على التفكير في مستقبل أبيه، فتساءل: ترى هل ~~يعود إلى مسراته المعروفة بعد ما كان من أمر المرض معه. وقال ~~لنفسه: «إن معرفة ذلك عندي من الدرجة الأولى من الأهمية.» # 44 # كانت أم حنفي متربعة على الحصيرة بالصالة، بينما جلست نعيمة ~~ابنة عائشة، وعبد المنعم وأحمد ابنا خديجة على الكنبة قبالتها، ~~وكانت النافذتان المطلتان على فناء البيت مفتوحتين ليلطفا من جو ~~أغسطس المفعم بالحرارة والرطوبة، غير أنه لم تكد تهفو نسمة واحدة ~~فظل المصباح الكبير المتدلي من السقف يرسل نوره على الصالة وهو ~~ثابت، أما الحجرات فبدت مظلمة صامتة. وكانت أم حنفي خافضة الرأس، ~~شابكة ذراعيها فوق صدرها، ترفع عينيها إلى الصغار الجالسين على ~~الكنبة لحظة ثم تغمضهما، ولم تكن تتكلم ولكن شفتيها لم تتوقفا عن ~~الحركة. وتساءل عبد المنعم: إلى متى يبقى خالي كمال فوق ~~السطح؟ # فتمتمت أم حنفي: الجو حار هنا، لم لم تبقوا معه؟ ~~- الدنيا ظلام، ونعيمة تخاف الحشرات. # وهنا قال أحمد في ضجر: إلى متى نبقى هنا؟ هذا هو الأسبوع الثاني، ~~إني أعد الأيام يوما يوما، وأريد أن أعود إلى بابا وماما. # أم حنفي برجاء: إن شاء الله تعودون جميعا وأنتم على أسعد حال، ~~ادعوا الله فإنه يستجيب للصغار الأطهار. # فقال عبد المنعم: إننا ندعوه قبل النوم وعقب الاستيقاظ كما ~~توصيننا. # فقالت المرأة: ادعوه في كل وقت، ادعوه الآن، هو وحده القادر على ~~كشف غمتنا. # وبسط عبد المنعم راحتيه، ثم نظر إلى أحمد داعيا إياه إلى ~~مشاركته، ففعل الآخر مثله دون أن يزايل الضجر وجهه، ثم قالا معا ~~كما تعودا أن يقولا في الأيام الأخيرة: يا رب، اشف عمنا خليل، ~~وعثمان ومحمد ابني عمنا، حتى نعود إلى بيتنا مجبوري الخاطر. # وبدا التأثر في وجه نعيمة فأرخت أساريرها في ms372 حزن، واغرورقت ~~عيناها الزرقاوان بالدموع، وهتفت: بابا وعثمان ومحمد كيف حالهم؟ ~~وماما أريد أن أراها، أريد أن أراهم جميعا. # فتحول عبد المنعم إليها قائلا بصوت المواسي: لا تبكي يا ~~نعيمة، قلت لك كثيرا لا تبكي، عمي بخير، عثمان بخير، محمد بخير، ~~وسنعود قريبا إلى بيتنا، جدتي تؤكد هذا، وخالي كمال أكده أيضا ~~منذ قليل. # فقالت نعيمة وهي تجهش في البكاء: كل يوم أسمع هذا، ولكنهم لا ~~يسمحون لنا بالعودة إليهم، أريد أن أرى بابا وعثمان ومحمد، أريد ~~ماما. # قال أحمد بتذمر: أنا أريد بابا وماما أيضا. # عبد المنعم: سنعود عندما يشفون. # هتفت نعيمة بجزع: لنعد الآن، أريد أن أرجع، لم يبعدوننا ~~عنهم؟ # فأجابها عبد المنعم: إنهم يخافون أن نشم المرض. # قالت نعيمة بعناد: ماما هناك، وخالتي خديجة هناك، وعمي إبراهيم ~~هناك، وجدتي هناك، فلماذا لا يشمون المرض؟ ~~- لأنهم كبار. ~~- إذا كان الكبار لا يشمون المرض، فلماذا مرض بابا؟ # تنهدت أم حنفي، وقالت برقة: هل ضايقك شيء؟ هنا بيتك أيضا، وها ~~هو سي عبد المنعم وسي أحمد ليلعبا معك، وخالك كمال يحبك قد عينيه، ~~وستعودين قريبا إلى ماما وبابا وعثمان ومحمد، لا تبكي يا ستي ~~الصغيرة وادعي لبابا وأخويك بالشفاء. # أحمد متأففا: أسبوعان، عددتهما على أصابعي، ثم إن شقتنا في ~~الدور الثالث، والمرض في الدور الثاني، لم لا نعود إلى شقتنا ~~ونأخذ معنا نعيمة؟ # أم حنفي كالمحذرة وهي تضع أصبعها على شفتيها: سيغضب خالك كمال ~~إذا سمع بما قلت، إنه يشتري لكم الشكولاتة واللب، فكيف تقول: إنك ~~لا ترغب في البقاء معه؟ لم تعودوا صغارا، أنت يا سي عبد المنعم ~~ستدخل المدرسة الابتدائية بعد شهر، وكذلك أنت يا نعومة. # فقال أحمد متراجعا بعض الشيء: دعونا على الأقل نخرج لنلعب في ~~الطريق. # فأمن عبد المنعم على الاقتراح قائلا: كلام معقول يا أم حنفي، ~~لم لا نخرج إلى الطريق لنلعب؟ # فقالت أم حنفي بحزم: عندكم الفناء وهو يسع الدنيا والآخرة، ~~وعندكم السطح أيضا، ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ كان سي كمال وهو ~~صغير ms373 لا يلعب إلا في البيت، وعندما أفرغ من شغلي أقص عليكم ~~الحكايات، ألا تحبون ذلك. # أحمد محتجا: أمس قلت لنا: إن حكاياتك انتهت! # نعيمة وهي تجفف عينيها: خالتي خديجة عندها حكايات أكثر، وأين ~~ماما لنغني معا؟ # أم حنفي باستعطاف: طالما رجوتك أن تغني لنا وأنت ترفضين. ~~- لا أغني هنا! لا أغني وعثمان ومحمد مرضى. # المرأة وهي تنهض: سأجهز لكم العشاء ثم ننام، جبن وبطيخ وشمام، ~~هه؟ # كان كمال جالسا على كرسي في جانب السطح المكشوف فيما يلي سقيفة ~~الياسمين واللبلاب، لا يكاد يرى في الظلام لولا جلبابه الأبيض ~~الفضفاض، وكان مادا ساقيه في استرخاء، مصعدا رأسه إلى الأفق ~~المرصع بالنجوم، مستغرقا في التفكير، يكتنفه صمت لا يكدره شيء ~~إلا أن يرتفع صوت من الطريق أو تنبعث قوقأة عن حجرة الدجاج. وكان ~~في وجهه أثر مما طرأ على الأسرة في الأسبوعين الأخيرين، فقد اختل ~~نظام البيت المعهود، واختفت منه أمه إلا في أوقات نادرة، وتشبع ~~جوه بتذمر المساجين الصغار الثلاثة الذين يهيمون في رحباته ~~متسائلين عن «بابا» و«ماما»، حتى أعيته الحيل في ملاطفتهم ~~وملاعبتهم. # أما في السكرية، فإن عائشة لم تعد تغني وتضحك كما قيل ~~كثيرا عنها، ولكنها تقضي الليل ساهرة بين أسرة المرضى الأعزاء، ~~زوجها وطفليها. وكم تمنى صغيرا لو تعود عائشة إلى بيتها القديم، ~~وكم يشفق اليوم من أن تضطر إلى العودة مهيضة الجناح، كسيرة القلب. ~~وأما أمه فتهمس في أذنه: «لا تزر السكرية، وإذا زرتها فلا تمكث ~~طويلا.» وإنه ليزورها من حين لآخر، ثم يغادرها تفوح من راحتيه ~~رائحة المطهرات الغريبة، ويستحوذ القلق على فؤاده. وأعجب شيء أن ~~جراثيم التيفود - كسائر الجراثيم - آية في الضآلة، لا تراها العين، ~~ولكنها تستطيع أن توقف تيار الحياة، وأن تتحكم في مصير العباد، وأن ~~تشتت - إذا أرادت - الأسرة. محمد المسكين كان أول المرضى، ثم ~~تبعه عثمان، وأخيرا - وعلى غير توقع - وقع الأب، والليلة جاءت ~~الجارية سويدان لتخبره بأن أمه ستبيت في السكرية، ثم قالت - عن ~~أمه وعن نفسها - إنه ليس ثمة ما ms374 يدعو إلى القلق. إذن لم تبيت الأم ~~في السكرية؟ ولم ينقبض صدره؟ على أنه - رغم هذا كله - من الممكن ~~أن يصفو الجو في غمضة عين، فيشفى خليل شوكت وطفلاه العزيزان، ~~ويتألق وجه عائشة ويضيء، وهل نسي كيف ابتلي بيته بمثل هذه المحنة ~~منذ ثمانية أشهر؟ وها هو أبوه يسعى في كامل صحته وعافيته، وقد ~~استردت عضلاته قوتها، وعيناه بريقهما الجذاب، ثم رجع إلى أصحابه ~~وأحبابه كما يرجع الطير إلى الشجرة الغناء، فمن ذا يعترض على ~~أنه يمكن أن يتغير كل شيء في غمضة عين؟ ~~- أنت هنا وحدك! # عرف كمال الصوت، فقام متلفتا صوب باب السطح، ومد يده للقادم ~~وهو يقول: كيف حالك يا أخي؟ تفضل. # وقدم له مقعدا، فتنفس ياسين تنفسا عميقا ليعيد إلى رئتيه ~~توازنهما الذي اضطرب بصعوده السلم، فامتلأ صدره بشذا الياسمين، ثم ~~جلس وهو يقول: الأولاد ناموا، وأم حنفي نامت كذلك. # فسأله كمال وهو يتخذ مجلسه مرة أخرى: مساكين، لا يستريحون ولا ~~يريحون، كم الساعة الآن؟ ~~- في الحادية عشرة، الجو هنا ألطف من الطريق بكثير. ~~- وأين كنت؟ ~~- مترددا ما بين قصر الشوق والسكرية، وعلى فكرة والدتك لن ~~تعود الليلة. ~~- سويدان أبلغتني ذلك، ماذا جد؟ كنت من القلق في نهاية. # ياسين وهو يتنهد: كلنا في القلق سواء، وربنا عنده اللطف، والدك ~~هناك أيضا. ~~- في هذه الساعة؟ ~~- تركته في البيت، (ثم مستطردا بعد قليل) كنت في السكرية حتى ~~الثامنة مساء، وإذا برسول يحضر من قصر الشوق ليخبرني بأن زوجي قد ~~جاءها الطلق، فذهبت من فوري إلى أم علي الداية، ومضيت بها إلى ~~البيت حيث وجدت زوجي في رعاية بعض الجارات، ومكثت هناك ساعة غير ~~أني لم أطق سماع الأنين والصراخ طويلا، فعدت إلى السكرية مرة ~~أخرى، فوجدت والدك جالسا مع إبراهيم شوكت. ~~- ماذا يعني بهذا، خبرني بما عندك. # ياسين بصوت منخفض: الحال خطيرة جدا. ~~- خطيرة؟ ~~- نعم جئت إلى هنا لأريح أعصابي قليلا، ألم تجد زنوبة ليلة تلد ~~فيها إلا هذه الليلة؟ لشد ما تعبت بين قصر الشوق والسكرية، وبين ms375 ~~الداية والدكتور، والحال خطيرة، وقد نظرت حرم المرحوم شوكت في وجه ~~ابنها وهتفت: «أمان يا رب، كان يجب أن تأخذني قبله!» فانزعجت أمك ~~انزعاجا شديدا، ولكنها لم تحفل بها، وقالت بصوت مبحوح: «هذه صورة ~~آل شوكت إذا حضرهم الموت، رأيت أباه وعمه وجده من قبل.» لم يبق من ~~خليل إلا خيال، وكذا الطفلان، لا حول ولا قوة إلا بالله. # ازدرد كمال ريقه، ثم قال: عسى أن تخيب الظنون. ~~- عسى! كمال ... لست صغيرا، ينبغي أن تعلم بما أعلم أنا على ~~الأقل، الطبيب يقول: إن الأمر جد خطير. ~~- عن الكل؟ ~~- الكل! خليل وعثمان ومحمد، رباه، ما أتعس حظك يا عائشة! # تمثلت لعينيه في الظلام أسرة عائشة الضاحكة كما كانت تبدو له في ~~الماضي، السعداء الضاحكون الذين مارسوا الحياة كأنها لهو خالص، متى ~~تضحك عائشة من قلبها مرة أخرى؟ كما اختطف فهمي، الإنجليز أو ~~التيفود سيان، أو غير ذلك من الأسباب، الإيمان بالله هو الذي جعل ~~من الموت قضاء وحكمة يبعثان على الحيرة، وهو ليس في الحقيقة إلا ~~نوعا من العبث. ~~- أفظع ما سمعت في حياتي! ~~- هو ذلك ولكن ما الحيلة؟ وماذا جنت عائشة حتى تستحق هذا كله؟ ~~اللهم عفوك ورحمتك. # هل ثمة حكمة رفيعة يمكن أن تبرر القتل بالجملة؟ إن الموت يتبع ~~قوانين «النكتة» بدقة، ولكن كيف لنا أن نضحك ونحن هدف النكتة؟ ~~ولعلك تستطيع أن تلاقيه بالابتسام إذا تصديت له دواما بالتأمل ~~الصادق، والفهم الصحيح، والتجرد الأصيل، ذلك هو الانتصار على ~~الحياة والموت معا، ولكن أين من عائشة ذلك كله؟ ~~- رأسي يدور يا أخي. # فقال ياسين بلهجة الحكيم، ولأول مرة فيما سمع كمال: هذه هي ~~الدنيا، ويجب أن تعرفها على حقيقتها. # ثم قام فجأة وهو يقول: يجب أن أذهب الآن. # فقال كمال كالمستغيث: ابق معي بعض الوقت. # ولكنه قال كالمعتذر: الساعة الحادية عشرة، ويجب أن أذهب إلى قصر ~~الشوق لأطمئن على زنوبة، ثم أعود إلى السكرية لأكون إلى جانبهم، ~~لن أنام من الليل فيما يبدو ساعة واحدة، والله أعلم بما ينتظرنا ms376 ~~غدا. # فقام كمال وهو يقول في جزع: إنك تتكلم كما لو كان كل شيء قد ~~انتهى، سأذهب من فوري إلى السكرية. ~~- بل يجب أن تبقى مع الأطفال حتى مطلع النهار، وحاول أن تنام ~~وإلا ندمت على مصارحتي إياك بالحقيقة. # وغادر ياسين السطح فتبعه كمال ليوصله إلى باب البيت، وعندما ~~مرا بالدور الأعلى حيث ينام الأطفال، قال كمال بأسف: يا لهم من ~~مساكين هؤلاء الأطفال، وشد ما بكت نعيمة في الأيام الأخيرة كأن ~~قلبها حدس ما هنالك! # فقال ياسين باستهانة: الأطفال سرعان ما ينسون، ادع بالرحمة ~~للكبار. # ولما خرجا إلى الفناء، ترامى إليهما من الطريق صوت يصيح بقوة ~~«ملحق المقطم»، فتمتم كمال متسائلا: ملحق المقطم؟ # فقال ياسين بلهجة أسيفة: أوه إني أعرف عما ينادي، فقد سمعت ~~الناس يتناقلونه وأنا قادم إليك، سعد زغلول مات. # هتف كمال من الأعماق: سعد؟ # فتوقف ياسين عن السير، والتفت نحوه قائلا: هون عليك وحسبنا ما ~~نحن فيه. # فحملق كمال في الظلام دون أن ينطق أو يأتي حراكا، كأنما قد ذهل ~~عن خليل وعثمان ومحمد وعائشة، عن كل شيء إلا أن سعد زغلول قد مات، ~~وواصل ياسين السير وهو يقول: مات مستوفيا حظه من العمر والعظمة، ~~فماذا تريد له أكثر من ذلك! ليرحمه الله. # فتبعه صامتا ولما يفق من ذهوله، لو في غير هذا الظرف الحزين ما ~~درى كيف يتحمل النبأ! لكن المصائب إذا تلاقت تحدى بعضها بعضا. ~~هكذا ماتت جدته في أعقاب مصرع فهمي فلم تجد لها باكيا - إذن مات ~~سعد. النفي، والثورة، والحرية، والدستور مات صاحبها. كيف لا يحزن ~~وخير ما في روحه من وحيه وتربيته! # ووقف ياسين مرة أخرى ليفتح الباب، ثم مد يده له فتصافحا، وعند ~~ذاك تذكر كمال أمرا طال نسيانه له، فقال لأخيه وهو يجد من نسيانه ~~حياء: أدعو الله أن تجد زوجك قد ولدت بالسلامة. # فقال ياسين وهو يهم بالذهاب: إن شاء الله، وأرجو أن تنام نوما ~~هادئا. ms377