######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Qushtumur.Hindawi60480728 #META# Tags: novels #META# ID: 60480728 #META# Title: قشتمر #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قشتمر‏ # قشتمر‏ # | قشتمر # | قشتمر # تأليف # نجيب محفوظ # | قشتمر # العباسية في شبابها المنطوي، واحة في قلب صحراء مترامية، في شرقيها تقوم السرايات ~~كالقلاع، وفي غربيها تتجاور البيوت الصغيرة مزهوة بجدتها وحدائقها الخلفية، تكتنفها من أكثر ~~من ناحية حقول الخضر والنخيل والحناء وغابات التين الشوكي، يشملها هدوء عذب، وسكينة سابغة لولا أزيز ~~الترام الأبيض بين الحين والحين في مسيرته الدائبة ما بين مصر الجديدة والعتبة الخضراء، ~~ويهب عليها هواء الصحراء الجاف، فيستعير من الحقول أطيابها، مثيرا في الصدور حبها المكنون، ~~ولكن عند الأصيل يطوف بشوارعها عازف الرباب المتسول بجلباب على اللحم، حافيا جاحظ ~~العينين، يشدو بصوت أجش لا يخلو من تأثير نافذ: # آمنت لك يا دهر # ورجعت خنتني ~~••• # بدأ التعارف عام 1915 في فناء مدرسة البراموني الأولية، دخلوها في الخامسة وغادروها في ~~التاسعة، ولدوا عام 1910 في أشهر مختلفة، لم يبارحوا حيهم حتى اليوم، وسيدفنون في قرافة باب ~~النصر، تضخمت جماعتهم بمن انضم إليهم من الجيران، جاوزوا العشرين عدا، ولكن ذهب من ذهب ~~بالانتقال من الحي أو بالموت، وبقي خمسة لا يفترقون ولا تهن أواصرهم؛ هؤلاء الأربعة ~~والراوي. التحموا بتجانس روحي صمد للأحداث والزمن، حتى التفاوت الطبقي لم ينل منه. إنها ~~الصداقة في كمالها وأبديتها. الخمسة واحد والواحد خمسة، منذ الطفولة الخضراء وحتى الشيخوخة ~~المتهاوية، حتى الموت. اثنان منهم من العباسية الشرقية واثنان من الغربية، الراوي أيضا من ~~الغربية ولكنه خارج الموضوع. وتتغير المصائر وتتفاوت الحظوظ ولكن تظل العباسية حينا، ~~وقشتمر مقهانا، وفي أركانه تسجلت أصواتنا، مخلدة البسمات والدموع وخفقات لا حصر لها من قلب ~~مصر. ~~••• # قبل أن نهتدي إلى قشتمر جمعتنا الشوارع وميدان المستشفى والنخلة الرشيقة بحقل عم إبراهيم ~~الممتد بين شارع مختار باشا من ناحية وبين الجناين من الناحية الأخرى. تطل عليه الحدائق ~~الخلفية لمساكن كثيرة في العباسية الغربية، ويمدنا بما نحتاج من خضر، في جنوبه تقع غابة ~~التين الشوكي، وفي شماله ناحية الوايلية تدور الساقية التي ترويه وتنتشر حولها أشجار الحناء ~~زافرة شذاها الطيب. في العطلات الأسبوعية والصيفية نجلس ms01 تحت النخلة المغروسة في وسطه، تسيل ~~أفواهنا بالحقائق والأساطير. ودل كل واحد على مسكنه لتتم المعرفة به، فرأينا بيت صادق صفوان ~~ببين الجناين، وبيت إسماعيل قدري سليمان بشارع حسن عيد وسراي حمادة يسري الحلواني بميدان ~~المستشفى وفيلا طاهر عبيد الأرملاوي ببين السريات، وأعجب صادق وإسماعيل بالسرايتين، وتأملا ~~حديقتيهما بانبهار، وثمل رأساهما بالفخر وهما يعلنان صداقتهما باثنين من أولاد الذوات، وفي ~~أوقات السمر تنهمر المعلومات عن الدنيا والآخرة. # يقول صادق صفوان النادي: بابا موظف بالأوقاف، ونينة ماهرة في كل شيء! # ونرى صفوان أفندي النادي فيجذب اهتمامنا من أول لحظة، نحيل الجسم مائل إلى القصر، ولكنه ~~ذو شارب غزير طويل لم نر مثله من قبل، مع التقدم في العمر يصير شارب صفوان أفندي موضوعا ~~مغريا بالتعليقات والقفش والتنكيت، ويشاركنا صادق الضحك من أعماق قلبه رغم ما يكنه لوالده ~~من حب واحترام، أما الأم تيزة زهرانة كريم فصادفتنا مرات في الشارع في تزييرتها السوداء، ومن ~~وراء البيشة .. تحذرنا من الترام ونحن نعبر الطريق، وتدعو لنا بالسلامة. وصادق مؤدب مهذب، ~~ويصلي، وسوف يصوم عندما يبلغ السابعة، ولكنه لا إخوة له ولا أخوات، بسبب مرض أصاب أمه عقب ~~ولادته. هو وحيد الأسرة وأملها الباقي، ونشعر كثيرا بأنه موضع الرعاية والعناية، غير أن ~~أباه الحصيف يقول له كثيرا: «يا صادق، اجتهد، أبوك لا يملك شيئا ليتركه لك، فاجعل الشهادة ~~وسيلتك إلى الوظيفة.» ودب تغير عميق في روح صادق منذ طرق عالما قريبا لهم هو رأفت باشا الزين. ~~صحبه أبوه معه إلى زيارة ابن عمه الباشا بسراياه في بين السرايات غير بعيد من فيلا طاهر ~~عبيد الأرملاوي صديقه، يقول صادق وهو يلهث: سراي ابن عم بابا مثل سراياكم يا حمادة، حديقتها ~~تقارب غيط عم إبراهيم في وسعها، جامعة لأزهار الدنيا والآخرة، والسلاملك، والبهو الأزرق، ~~وبهو السفرة، هائل .. هائل، والباشا في غاية العظمة، وزبيدة هانم حرمه جميلة جمالا لا قبله ~~ولا بعده، وفي غاية الطيبة، يحبون أبي وأمي، كما لو أننا أغنياء مثلهم، ابنهم محمود أكبر ~~مني بعامين، ms02 أما أميرة ابنتهم فهي أجمل من زبيدة هانم .. كل شيء يجنن! # بدأ حياته من صغار الأغنياء، وبفضل ثروة زبيدة هانم أنشأ أكبر مصنع للنحاس، ورزقه الله ~~بالطول والعرض، ومد حباله إلى الكبراء والسادة الإنجليز ثم نال رتبة الباشوية. ويقول ~~صادق: أهم شيء في الدنيا أن تكون غنيا. # حب الثراء غرس في قلبه في سراي قريبه. ينعكس ذلك في أحلامه أكثر مما ينعكس في اجتهاده، ~~تلميذ متوسط كغالبية شلتنا. مسحور برأفت باشا وزبيدة هانم وأميرة التي تكبره بسبع سنوات. هم ~~رموز للجنة ونعيمها، ويظل مثالا للمؤدب المؤمن، وتقدم الأعوام لا يقلل من حيائه، ولا تجري ~~على لسانه حكاية مكشوفة، وإذا جاء ذكر لبنت من البنات لاذ بالصمت أو راح يذكرنا بعذاب القبر ~~وحساب الآخرة. ولمناسبة وفاة جده يقول بحيرة: نينة قالت لي إننا كلنا سنموت. # لا يتصور أن تموت أمه أو يموت أبوه. وليس في قوله جديد فيما يبدو، ولكن شعورهم آمن بأن ~~الموت حتم مؤجل إلى أجل غير مسمى. كلنا نسلم بالموت بألسنتنا، أما قلوبنا فترمي به إلى موضع ~~في الزمان قصي. وبين حين وآخر تمر بنا الجنازات في طريقها إلى القرافة فنرنو إليها بغير ~~اكتراث كأنها أحداث لا تعنينا. وتحت النخلة السامقة نلهو بشد الحبل، والتهام أطباق ~~الدندورمة المصنوعة من البسكوت، وتقليد المدرسين في أطوارهم الخارقة للمألوف. ولا نكون ~~وحدنا دائما؛ فقد ينضم إلينا عشرة أو أكثر من أصدقاء الدرجة الثانية، فيهم نفر عرفوا بطول ~~اللسان أو الخشونة أو حب العنف والأذى، ولكنه يبقى الأساس كنواة صلبة لا يسمح لغريب ~~باختراقها. ويدعونا صادق إلى وليمة غداء فيقدم لنا طعمية لذيذة وكفتة فاخرة وتشكيلة من ~~السلطات ثم طبقا من البرتقال اليافاوي. وتمطر السماء في جو بارد فنتأخر في بيته الصغير ~~ببين الجناين حتى العصر. ويرد حمادة يسري الحلواني التحية فيدعونا للغداء في السراي بميدان ~~المستشفى. تستقبلنا الحديقة المترامية بروائحها الطيبة وخضرتها المغسولة المشرقة. نمضي إلى ~~بيت صغير مستقل بذاته في الحديقة مكون من حجرتين وشرفة ومرافق. ثمة نافذة مفتوحة على ms03 ~~الحديقة تتحرك الأغصان خارجها كالمراوح، تنتشر في الأركان على قوائم خشبية أوراق عريضة ~~مصمغة لصيد الذباب. أما الغداء فشواء وضلمة وسلطات ومهلبية. يتسابقون في الأكل كشد الحبل ~~دون كلفة. يتريضون بعد الغداء في مماشي الحديقة. يرون «توفيق» شقيق حمادة الذي يكبره بأعوام ~~ينطلق فوق دراجة خضراء، ويلمحون «أفكار» الشقيقة الكبرى بنت العشرين في إحدى نوافذ القلعة. ~~زيارة سعيدة لم يلم بها شيء من الارتباك إلا حين رأينا أدوات الطعام - الملعقة والشوكة ~~والسكين- منظومة حول الطبق. ولكن إسماعيل قدري سليمان بدد الارتباك حين قال: نحن لا نستعمل ~~إلا الملعقة واليد! # وكان مما يحمده صادق لآل الزين باشا أن الباشا والهانم يأكلان، كما يأكل والداه، مجاملة ~~ومحبة، ولم يكن يستعمل الأدوات إلا محمود وأميرة. يقول صادق: ناس طيبون حقا، كأنهم منا أو ~~كأننا منهم، وزبيدة هانم تحب الفسيخ وتطالب أبي بهدية منه، ونينة تخبرها بأن لذته لا تتم ~~إلا بتناول البصل، فأكلت الفسيخ بالبصل. # يروي الواقعة وكأنها معجزة في العلاقات البشرية. على ذلك فهو أجمل شلتنا؛ معتدل القامة ذو ~~بشرة تميل إلى البياض، دقيق القسمات ذو عينين سوداوين جميلتين وشعر أسود ناعم. ~~••• # ونعرف الشيء الكثير عن حمادة يسري الحلواني وأسرته؛ نشأة ملكية في السراي، الباشا صاحب ~~أكبر مصنع للحلاوة الطحينية في القطر، حلاوة أرق من الهواء محشوة بالفستق، وفي السراي ~~مكتبة هائلة وإن لم يتسع وقته للقراءة. رجل مال وأعمال، رأيناه كثيرا في سيارته الفورد، ~~ربعة بدينا مبروم الشارب خمري اللون تشع منه العظمة، كما رأينا حرمه عفيفة هانم بدر الدين، ~~صورتها مقبولة ولكن فخامتها تفوق جمالها. ~~- بابا مشغول دائما، ماما شديدة وتحب أن تطاع، أختي تربت في الميردي دييه واختارت لها ~~ماما خطيبا غنيا، وأخي توفيق يرضيها باجتهاده، أما أنا فلا تكف عن لومي ومحاسبتي، وتكرر ~~على مسمعي بأنه لا قيمة للمال بدون العلم والمركز. # ويسأله إسماعيل قدري: ولم لا تجتهد؟ ~~- أحب أن أقلب صفحات الكتب في مكتبة بابا وأتفرج على الصور. ~~- ألا تحب أن تكون مثل أبيك؟ ~~- كلا، يأخذنا - أنا وأخي ms04 - إلى المصنع، أخي يهتم بكل شيء وأنا أتثاءب. # فيسأله صادق صفوان: ماذا تريد أن تكون؟ ~~- لا أدري. # العلاقة بينه وبين أسرته متوترة باستثناء أفكار أخته التي يحبها ويقول بحسرة: ها هي تستعد ~~لفراقنا. # أبوه يطالبه بالاهتمام بمستقبله في المصنع، وأمه لا تكف عن لومه وأخوه يسخر من كسله، وقد ~~مارس الصلاة فترة ثم تهرب من التزاماتها .. قال: لا يواظب على الصلاة إلا أبي. # ويسأله صادق: وماما؟ ~~- لا تصلي .. ولا تصوم .. ماذا عن حرم رأفت باشا؟ # فابتسم صادق وقال: مثل مامتك رغم طيبتها المتناهية. # ويغيب عنا شهرا كاملا في الصيف عندما تسافر الأسرة إلى رأس البر للاصطياف، إنهم أصلا ~~من دمياط والاصطياف في رأس البر تقليد دمياطي. # ويحدثنا عن عشتهم وموج البحر، حتى يسأله إسماعيل قدري: هل حقيقي أن موج البحر يعلو ~~كالجبال؟ ~~- وأكثر، والأهم من ذلك أن ترى التقاء النيل بالبحر. # إنه يفتن أخيلة صبية لا يبرحون القاهرة على طول العام، حتى آل الأرملاوي يقضون عطلة قصيرة ~~في الريف .. وحمادة عميق السمرة، يبشر نموه بقامة طويلة، رأسه كبير فيه نبل واحترام، ملامحه ~~مقبولة ويمتاز بنظرة هادئة. وفي نهاية المرحلة الأولية وسنه تقترب من التاسعة مرض بالتيفود، ~~وعزل في حجرة خاصة بالسراي. كنا نزور السراي ولا يسمح لنا بدخول حجرته، غاب عنا شهرا ثم ~~رجع إلينا كالخيال، وحدثنا عن مرضه طويلا؛ كيف منع عنه الطعام دون أن تريده نفسه، وكيف عضه ~~الجوع في فترة النقاهة وحيل بينه وبين الشبع حتى أوشك أن يفقد وعيه، وكيف كشف له المرض عن ~~حب الجميع له. ويقول متفلسفا: أصل البلوى كلها ذبابة! # وحتى في تلك السن المبكرة تخايلت لأعيننا أهداف عن مستقبل بعيد، إلا حمادة بدا غامضا ~~لا نعرف له هدفا. ~~••• # طاهر عبيد الأرملاوي من أحب الشخصيات إلى قلوبنا لخفة روحه وبساطته وميله إلى البدانة، ~~وهو أسمر وملامحه شعبية ولكن جاذبيته لا تقاوم، يقول: أنا تعبان لأني وحيد والديه. ~~- ولكن لك شقيقتين؟ ~~- أنا الولد الوحيد، بابا مصمم على أن يجعل مني طبيب مصر الأول .. وماما ms05 تصر على تعليمي ~~الفرنسية من الآن. # فيلا الدكتور عبيد الأرملاوي باشا غاية في الأناقة رغم أنها دون السرايات ضخامة، والدكتور ~~الباشا مدير للمعامل بوزارة الصحة وحاصل على الدكتوراه من النمسا، تراه والحاجب يفتح له باب ~~السيارة يتهادى في جلال الميري وأناقة الروح الأوروبية، يلوح دائما في القمة رغم أن ثراءه ~~دون الحلواني أو الزين، وبيننا وبينه بعد يجعله بمعزل عنا، ولم يرحب أبدا باختلاط ابنه ~~بأبناء العباسية الغربية، ولكن طاهر صارحه بأنه لا يمكن أن يقطع ما بينه وبين أصحابه. ~~وإنصاف هانم القللي أم صديقنا ليست مجرد خريجة في الميردي دييه مثل والدة حمادة، إنها أيضا ~~مثقفة وقارئة وذات عقل ممتاز، وبفضلها كملت مكتبة الباشا العلمية بثمار الفكر والأدب .. ~~واتفق رأيا الباشا والهانم على أن يجعلا من طاهر شخصا رفيع المقام. # وتسأله الهانم مرة: ما أحب المواد الدراسية إليك؟ # فيجيب بصراحة معهودة: المحفوظات .. مثل: # أيها الطائر أهلا # بمحياك وسهلا # حتى في تلك السن المبكرة بدأ يحب الشعر ويحفظه، وربما وجد شعرا في مجلة مما يوجد في ~~الفيلا فيسأل مامته أن تشرحه له ثم سرعان ما يحفظه، ويسعد الباشا بذلك ويقول لحرمه: الولد ~~زكي وسيكون طبيبا مدهشا. # وعرف طاهر دينه لأول مرة في مدرسة البراموني، لا ذكر للدين في فيلا الأرملاوي، لا بخير ~~ولا بشر، ولا ممارسة لأي شعيرة، ورمضان والأعياد لا تكون شهورا دينية إلا بين الخدم. ورغم ~~حصة الدين وتدين صادق صفوان فيمكن القول بأن طاهر نشأ نشأة وثنية أو لا دينية مجردة، وتحية ~~وهيام شقيقتاه كانتا تماثلانه في ذلك، ولكنه يقول عنهما: لهما صديقات كالأقمار يزرنهما ~~ويجلسن معهما في الحديقة .. كالأقمار! # ويتسلل إلى مجلسهن مسوقا برغبة مبهمة، ويتلقى المداعبات كالورود، وتنفجر في أعماقه ~~مسرة بريئة وجامحة مفصحة عن انفعاله الأول بالجنس الآخر. وفي عام من الأعوام دعيت الأسرة ~~لقضاء أسبوعين بالإسكندرية عند خالته، فسمعنا عن الإسكندرية كما سمعنا من قبل عن رأس البر. ~~واستحم في الحمام الخاص بالنساء في سان ستيفانو مع مامته وشقيقتيه، ودهش لمنظر الهوانم في ms06 ~~أردية البحر التي تشبه قمصان النوم، وقال لنا ضاحكا: مثل الأبقار أو أضخم! # مامته إنصاف هانم القللي متوسطة العود، خارجة عن تقاليد عصرها التي ترى في البدانة رمزا ~~للجمال في عالمي النساء والرجال معا، ولكن بدا لنا أن شغفه الأول بالمحفوظات التي كان ~~يرددها تحت النخلة في غيط عم إبراهيم، وفتن أيضا بالسينما ليلة ذهبنا إليها أول مرة في عيد ~~من الأعياد بدار عرض «المنظر الجميل» بالظاهر. الحق أنها فتنتنا جميعا ولكنه جن بها ~~جنونا، وضاعف من أشواقه أنه لم يكن يسمح لنا بمغادرة حدود العباسية إلا في الأعياد، غير ~~أن السينما احتلت موضعا هاما من حوارنا، ولعبت بخيالنا أيما لعب، وأصبحت قرية رعاة ~~البقر وطننا الثاني يخفق القلب لمرآها ويثور الحنين. ~~••• # وأيضا فلإسماعيل قدري سليمان حديثه تحت النخلة، إنه أسمر قوي الجسم ذو عينين عسليتين ~~جميلتين وأنف كبير ونظرة ذكية، بيته صغير ذو حديقة خلفية بشارع حسن عيد، يشبه بيت صادق ~~صفوان ببين الجناين، أبوه قدري أفندي سليمان موظف بالسكك الحديدية يكاد يماثل ابنه في الشبه ~~لولا بدانته، يقول عن أبيه: أبي يستقل أي قطار في القطر من غير أن يقطع تذكرة. # ويقول عن أمه ست فتحية عسل: أمي لا مثيل لها في صنع الكعك والفطائر. # له أربع أخوات سبقنه إلى الوجود، حظهن من التعليم وقف عند حد محو الأمية، وحجزن في ~~البيت لتأهيلهن لعمل ست البيت، كن متوسطات الجمال، بل الحق أن إسماعيل يعد أجمل منهن، ~~ولكنهن تزوجن قبل أن يبلغن السادسة عشرة من موظفين صغار في السكك الحديدية أيضا، وفي سبيل ~~ذلك باع قدري أفندي سليمان البيت الوحيد الذي كان يملكه في باب الشعرية، وقال لابنه ~~إسماعيل: أما أنت فمستقبلك بيدك. # ولم يخيب إسماعيل رجاء أبيه؛ فهو أبرزنا في المدرسة دون منازع، يذاكر ويحفظ ويتفوق ولا ~~يشبع من ثناء المدرسين ولا من إعجابنا به، تتفق الآراء على أنه الفارس في هذا الميدان، وهو ~~ذكي لماح، عشق الدين كما عشق طاهر الشعر، يصلي مثل صادق وصام في سن ms07 السابعة ، ولا يكف عن ~~تصور الله في هيئة جليلة لا حدود لعظمتها، ويسأل المدرس حتى يضيق به المدرس ويأمره ~~بالتسليم والطاعة. وإلى ذلك فتجاربه كثيرة ومسلية، يقول مباهيا: في حديقتنا الصغيرة أزرع ~~البصل، أسقي الزرع، أجمع العنب والجوافة، أصطاد الضفادع وأشق بطونها لأرى ما بداخلها. # يسأله طاهر: تريد أن تكون طبيبا؟ ~~- ربما .. لا أدري بعد. # وبشغفه الغامض اندفع يجرب الجراحة في يد خادمة صغيرة فجرح كفها، وغضبت أمه غضبة عنيفة، ~~وهيأت له أنها ستفعل براحته مثلما فعل بالخادمة وهو يبكي ويتوسل، ولما رجع أبوه من عمله ~~وعلم بالذي كان؛ قيد قدميه وضربه بعصاه خمسا! ولعل ذلك كان ضمن الأسباب التي حولته عن ~~التطلع للطب فيما بعد. ومن حكاياته المسلية ما يرويه عن زياراته لأخواته في الأحياء ~~الأخرى، فيحكي لنا عن شبرا وروض الفرج والقبيسي والسيدة زينب، ودعي أبوه مرة لنزهة في ~~لونابارك بمصر الجديدة فاصطحبه معه، فجن بها كما جن طاهر بالسينما، هوس وهوسنا ~~بالألعاب التي سحرته مثل القطار والقارب المتزحلق والغربال والمئذنة الحلزونية، أما مجد ~~صباه الحقيقي فاستوى فوق سطح بيتهم الصغير، فوق السطح تربى الأرانب والدجاج وثمة حجرة ~~للخزين، وهو يتطوع لتقديم الماء والغداء وتفقد المواليد وجمع البيض، وتحت أمره إذا شاء في ~~حجرة الخزين السمن والمش والجبن والعسل الأسود، بالإضافة إلى جدار السطح الذي جعل منه لوحة ~~طويلة عريضة للرسم، وفوقه السماء بطيورها ونجومها، وله من الوحدة أحيانا فرصة للغناء، ~~وفرصة أجمل لدى استقبال بنات الأقارب والجيران، منذ ذلك العهد البعيد بدأ تجاربه مع الدين ~~والجنس، يصلي في ناحية ويندمج في لعبة العروس والعريس في ناحية أخرى، وأمه تطمئن إلى تدينه، ~~فلا تشك في عبثه، ويسأله صادق صفوان: ألا تخاف من الله؟ # يضحك، يرتبك، ولا يجيب، ذلك الصبي يتقدمنا في كل شيء. ~~••• # نجلس فوق النجيل عند أصل النخلة، حمادة وطاهر يرتديان قميصا وبنطلونا قصيرا، وصادق ~~وإسماعيل في جلبابين. عنايتنا بمظهرنا كاملة؛ حمادة وطاهر يمشطان شعرهما الطويل أما صادق ~~وإسماعيل فيحلقان رأسيهما نمرة 3، وبتأثير السينما شغلنا أنفسنا بتقوية ms08 أجسامنا وممارسة ~~الألعاب الرياضية، ومثلنا الأعلى في ذلك بطل الفيلم «الشجيع» مثل توم مكس ووليم هارت وفير ~~بانكس، وزعم كل منا أن أباه «بطل» واختلق له من الحكايات ما يثبت به ذلك مثل تغلبه على لص ~~ضبطه في البيت أو قهره لبلطجي تحدى الناس في الطريق. ويحدث أن يتحرش بنا بعض الصبية في ~~الشوارع فنتصدى لهم متشجعين بخيالنا، وسرعان ما تجيء النتيجة مخيبة للآمال، فهؤلاء الصبية ~~ينطحون بالرأس أو يضربون بالقباقيب. أما المودة فيما بيننا فهي صافية لا تشوبها شائبة. في ~~وقت انقسمنا فريقين بسبب السينما فتعصب فريق لماشست وآخر لفانتوم، واحتدم النقاش بيننا، ~~وتكدر بعض الشيء صفونا، ولكن لم تبدر من أحدنا كلمة نابية أو إشارة متحدية، نحن مجموعة تثير ~~الحسد في صدور من حولنا من الأقران. ~~••• # وفي عام 1918 تقدمنا لامتحان القبول في مدرسة الحسينية الابتدائية بعد أن ختمنا الدراسة ~~الأولية وبلغنا التاسعة من العمر، وقفنا في فناء المدرسة ننتظر إعلان النتيجة آملين ألا ~~يفرق بيننا الدهر، ونجحنا والحمد لله. نجح إسماعيل قدري بتفوق، وصادق وحمادة مرا بسلام، ~~وعبر طاهر بفضل اسم أبيه الدكتور عبيد الأرملاوي، ولتقارب أعمارنا جمعنا فصل واحد هو أولى ~~رابع الذي اختص بأصغر المتقدمين سنا، ووزعوا علينا الكتب الجديدة فحملناها - كلها - آخر ~~النهار معنا لتنعم برؤيتها الأسر، والتحق إسماعيل بفريق الأشبال لكرة القدم ثم انقطع يأسا ~~من الإتقان، وقدم صادق في فريق التمثيل وسرعان ما تركه، أما حمادة فأراد الانضمام للكشافة ~~ولكن الأسرة لم توافق. نلتقي في فناء المدرسة للسمر السريع، أما خارج المدرسة فاقتصرت ~~اللقيا على يومي الخميس والجمعة، فنذهب مساء الخميس إلى سينما المنظر الجميل ونقضي صباح ~~الجمعة - إذا سمح الجو - عند أصل النخلة. وحافظ اجتهادنا على إيقاعه السابق، فلم يتأثر ~~بالتفوق إلا إسماعيل قدري سليمان. # وذات مرة قال لنا حمادة يسري الحلواني: سمعت بابا يتحدث عن رجال ثلاثة ذهبوا إلى الإنجليز ~~يطالبون باستقلال مصر! # وتساءلنا عن معنى ذلك فقال حمادة: أي أن يخرج الإنجليز من مصر. # لعلنا لم نكن نعرف عن ms09 الإنجليز إلا أنهم جيراننا في العباسية حيث تقوم ثكناتهم، وكثيرا ~~ما نرى جنودهم في الترام، ولأول مرة تنبض أسرنا بهذا الحديث الجديد، ووقعت واقعة في مدرستنا ~~نفسها، في أعقاب ما عرف عن نفي الزعماء، المدرسة تجمع أجيالا متفاوتة في العمر من التلاميذ ~~دخلوها في ظل أنظمة مختلفة، نحن أصغر الأجيال سنا ولكن يوجد تلاميذ في السنة الرابعة ~~بشوارب! وذات صباح خرج من بين الصفوف تلميذ بشارب وصاح بصوت كالرعد: «إضراب»، وحصلت استجابة ~~وهياج، وأمر الناظر أولى رابع بأن تذهب في رعاية المدرسين إلى الفصل مستأذنا الثائرين في ~~استثنائهم من الإضراب لحداثة سنهم، وهدر الفناء بالخطب الحماسية، ثم تدفق التلاميذ إلى ~~الخارج في مظاهرة عاصفة. أول درس عملي نتلقاه في الوطنية، سرى إلى قلوبنا الحماس رغم الغموض ~~والجهل بما يقع، في بيوتنا سمعنا أصداء ما يحدث في الخارج تتردد بحرارة، لأول مرة يلتقي ~~الآباء والأبناء في عاطفة متأججة واحدة، حتى الأمهات يصغين وينفعلن. أنباء المظاهرات ~~يحملها إلى بيوتنا هواء ديسمبر البارد ولكننا نتلقاها دافئة بل ساخنة، ومصارع الشهداء تروى ~~كالأساطير، دوريات الإنجليز تخترق شوارعنا محمولة في اللوريات مدججة بالسلاح، الهتافات ~~تترامى إلينا من الحسينية جنوبا ومن الوايلية شمالا. سعد يحيا سعد، الاستقلال التام أو ~~الموت الزؤام، وتذاع الأخبار في منازلنا: قطعت المواصلات. ~~- المظاهرات في كل مكان .. الفلاحون يحاربون. # زلزلت الأرض بغتة ولا تريد أن تسكت، تدفقت العواطف إلى قلوبنا لتخلقنا خلقا جديدا. ~~اجتاح الحماس صادق وإسماعيل وحمادة، وطاهر لم يخل أيضا من حماس، المنشورات توزع فتؤجج ~~النيران المشتعلة، وحدث في حينا حدث عظيم يوم اعتقل يسري باشا الحلواني منضما بذلك إلى ~~طليعة الأبطال. ونظرنا إلى حمادة بإكبار، ويقول حمادة: بيتنا حزين ولكنه فخور، لو حدث ذلك ~~في ظروف عادية لماتت ماما غما. # واحتجاجا على هدوء طاهر النسبي سألناه: ماذا عن والدك؟ # فقال ضاحكا: بابا موظف، وهو من رجال السلطان، وهو مع ذلك مع الثورة ولكنه ... # فيسأله حمادة: ولكنه ماذا؟ ~~- له رأي خاص في سعد! لا يعجبه تاريخه. # وقطبت الوجوه استياء فقال ms10 طاهر مخاطبا صادق: قريبك رأفت باشا الزين من رجال السلطان ~~أيضا. # فقال صادق: هذا الموقف يخصه وحده ولا شأن لنا به! # وغطى الحماس والقتال والضحايا على مسيرة الحياة اليومية. انحصرنا نحن في عالمنا الصغير ~~بين البيت والمدرسة، وفي المدرسة أصبح حمادة شخصية محبوبة يشار إليها بوصفه ابنا لبطل ~~معتقل. وفي الفصل تطوع كل مدرس لتلقيننا درسا في التربية الوطنية مستهينا بأمنه وسلامته ~~ومستقبله، وبفضل أولئك المدرسين العظام عرفنا ما أخفي عنا من تاريخنا منذ الثورة العرابية، ~~وعرفنا سعد كمثال للقوة والنضال والذكاء والنزاهة منذ شبابه الأول، وثملنا بما سمعنا وانبثت ~~فينا روح الوطنية التي لم تنتزع من قلوبنا حتى اليوم، وذاق البلد أول طعم للنصر بالإفراج عن ~~الزعماء المنفيين، ثم شهد أعجب يوم في تاريخه يوم عودة سعد، وأطلق سراح يسري باشا الحلواني ~~فيمن أطلق سراحهم، وحيته جماهير العباسية والحسينية والوايلية لدى رجوعه إلى سراياه بميدان ~~المستشفى، وبفضل صديقنا حمادة استطعنا أن نتخيل احتفال عودة سعد الذي شاهده من موضع حجز ~~للأسرة في فندق الكونتننتال. وشهدنا الأحداث تباعا، فطرأ الخلاف بين سعد وعدلي على وحدة ~~الثورة، ووجدنا طاهر في جانب وبقيتنا في جانب آخر، كما اختلفنا سابقا حول ماشست وفانتوم، ~~ولكننا - بخلاف الزعماء - حافظنا على مودتنا وصداقتنا الباقية. ~~••• # وعلى حين يمضي البلد من كرب إلى كرب، وينفى سعد للمرة الثانية، ناهزنا جميعا البلوغ في ~~فترات متقاربة. ثورة تنفجر في أجسادنا منذرة بالشر. إسماعيل قدري الوحيد الذي تعامل معها ~~بجرأة فنقل ميدان عبثه الجنسي من سطح بيته إلى غابة التين الشوكي بغيط عم إبراهيم، أما صادق ~~وحمادة وطاهر فكابدوا عذاب الغريزة تحت جناح البراءة والجهل. # وصادق صفوان يعيش في بيت ينعم بالحب والوفاق والحياة الزوجية المستقرة، وهو - كوحيد ~~لوالديه - يحظى بكل رعاية، غير أن البلوغ يعتبر من الأسرار المحظور الاقتراب منها، ترك مع ~~بلوغه وتدينه بغير مرشد أو معين، حتى قال لنا مرة: لا علاج لهذا الداء إلا بالزواج، ولكن ~~متى الزواج؟! # وهو يحب والديه ولا يخاف منهما، مثله في ذلك ms11 مثل طاهر عبيد، وبدأ صفوان أفندي النادي ~~يصطحبه معه إلى صلاة الجمعة بسيدي الكردي، فننتظر حتى يرجع إلينا صادق فيسأله طاهر ضاحكا: ~~ألا يدخل طرف شارب والدك في عين من يجاوره عند السجود؟ # والأب لا يكف عن حث ابنه على الاجتهاد ليستقر في وظيفة مناسبة طالما أنه لا مستقبل للفقير ~~إلا الوظيفة، ويصارح صادق أباه بحلمه قائلا: أريد أن أكون غنيا مثل رأفت باشا. # فيقول الرجل: الرزق بيد الله ولكن تفكيرك غير سليم. ~~- ألم يبدأ من مستوى قريب من مستوانا؟! # فيقول صفوان أفندي ضجرا: لا تبدد طاقتك في الأحلام الفارغة. # ويقول له إسماعيل قدري: كل إنسان يحب الثراء ولكن الحب شيء والعمل شيء آخر. # سراي آل رأفت تعشعش في دماغه بأناسها وجمالها، وفتنة تواضعهم أكثر من أي شيء في الوجود. ~~ولا شك أن أميرة أيقظت قلبه من براءته، رغم فارق السن، ورغم أنها موشكة على الزواج، بل ~~إنها فتنت الجميع بطريقة ما. ~~••• # وحمادة - ابن البطل - مضى يمتد طولا ورشاقة، ويتجلى فيه مظهر ابن الذوات الأصيل؛ يتكلم ~~بتؤدة، ويشتق كلماته من قاموس مهذب، ولعله كان ينعزل عن العالم في كبرياء - مثل محمود بن ~~رأفت باشا - لولا وقوعه في صداقتنا، ولم يتخل عن هذا الجانب الشعبي طيلة حياته. شد ما حزن ~~لانتقال أخته أفكار إلى بيت الزوجية، هي الصديقة الوحيدة في بيئة معادية، أخوه توفيق موضع ~~الحظوة ومعقد الأمل، يتبادلان عواطف فاترة، قال له مرة: أصحابك لا يعجبونني. # فقال بحدة: ولكنهم يعجبونني وهذا ما يهم. # وسعى توفيق إلى إثارة الموضوع مع والدهما بحضور حمادة فقال الباشا: على المرء أن يحسن ~~اختيار أصدقائه. # فقال حمادة: جميع أصدقائي من الطبقة التي ينتمي إليها زعيمنا سعد! # فضحك الباشا ولم يعقب، ويقول حمادة لنا: بابا يريدني على أن أكرس حياتي للمصنع، ولا ~~يضايقني شيء مثل أن ينصحني بأن أقتدي بأخي توفيق، ولكنني مدين لمكتبته بأسعد ساعات حياتي. # ويقول طاهر: لا شك أن أباك من كبار المطلعين. ~~- ربما كان كذلك على عهد الشباب، أما اليوم فلا يحظى ms12 بالراحة إلا في عطلة الأحد. ~~- ومامتك؟ ~~- تقرأ الجرائد والمجلات وتستغرقها الحياة الاجتماعية. # ويقول صادق صفوان: ما دام يوجد رجال مثل الحلواني والزين فالثراء ليس حلما ~~فارغا! # ثم يسأل حمادة: ألا تحب أن تكون غنيا مثل أبيك؟ # فيجيبه حمادة ضاحكا: أحب المال طبعا ولكنني لا أحب المصنع. ~~- سيحل أخوك محل أبيك بعد عمر طويل ويصير ولي أمر الأسرة، ماذا تكون أنت؟ ماذا تريد أن ~~تكون؟ # فيفكر في شيء من الحيرة ثم يقول: لا أدري، لم أحب عملا بعد، ولكني أحب الحياة. # فيقول إسماعيل: طاهر يحب الشعر. # فيقول حمادة بإصرار: الحياة أجمل من الشعر والمصنع. # وبعد تأمل طويل لأناقته يسأله إسماعيل بلا أي مناسبة: ألا ينشب شجار أحيانا بين ~~والديك؟ # يدهش حمادة ويسأله بدوره: ما معنى سؤالك؟ ~~- أريد حقيقة أن أعرف. ~~- لا تخلو حياة من ذلك. ~~- كيف يجري الشجار الزوجي في طبقتكم؟ # فابتسم حمادة قائلا: تندلع الحدة .. يقطبان .. أبي يقول: يا هانم لا يليق كيت وكيت، فتقول ~~ماما: يا باشا أنا لا أقبل سماع ذلك .. يا هانم .. يا باشا. # فيسأله إسماعيل بجرأة: ألم يسبها مرة قائلا يا بنت كذا وكذا. # ويقهقه حمادة ثم يقول: هذا عندكم لا عندنا يا حضرة. # ويحدثنا عن حرص أبيه وتبذير أمه. ~~- بابا ليس بخيلا كما يحلو لماما أن تتهمه أحيانا ولكنه يرى ألا يضيع قرش بدون سبب ~~معقول، ماما ترى أن السبب المعقول هذا يجب أن يشمل ما يروق لها من سلع شيكوريل وشملا ومحال ~~التحف والأطعمة والأشربة التي تقدمها في ولائمها بالإضافة إلى هدايا المناسبات، وقد تمادت ~~بالطول والعرض وهي تجهز أختي أفكار بالأثاث المستورد والحلي، أما ليلة الدخلة فأحيتها منيرة ~~المهدية وصالح عبد الحي. # ويقهقه حمادة ثم يواصل حديثه: ووصف بابا ماما قائلا: يا هانم ما أنت إلا نسافة من نسافات ~~الأسطول البريطاني. # ومع ذلك فقد تبرع الباشا للوفد بعشرين ألفا من الجنيهات، وتقدم في الوقت المناسب ليحل ~~محل المنفيين، فاعتقل واندرج في سلك الأبطال، وسوف يكون نائب حينا الهادي الجميل في ~~البرلمان، وتكون سراياه ms13 ركن الوفد الركين. ورغم ذلك كله فلم يساو حمادة صديقنا إسماعيل قدري ~~في حماسه ووفديته. وقلت لنفسي إن حمادة لم يرث عن أبيه مزاياه الفذة في العمل والجهاد، ورث ~~البناء المتين والرأس الكبير والجبين العالي، منظر خلق للإدارة والسيادة ولكنه جرد من ~~الولع بهما. ~~••• # طاهر عبيد ينتمي إلى طبقة حمادة ولكنه بميله إلى البدانة ومرحه وبساطته يبدو كأنه منا. تحت ~~النخلة أسمعنا أول أشعاره، ومضى يتعلم الفرنسية تلميذا محبا لمامته، ويهيم بين أركان ~~مكتبة القصر الفاخرة، وينتابه القلق أحيانا فيقول: أنا مطارد، الويل لي إن لم أصبح طبيبا ~~فذا! # فتنته بصديقات شقيقتيه غير خافية حتى سأله إسماعيل قدري: أليس للسراي سطح؟ # فأجابه ضاحكا: لا سطح ولا غابة تين شوكي! # ذو هيئة شعبية ومزاج شعبي رغم نشأته في فيلا نصف أوروبية، كيف أفلت من قبضة الباشا ~~والهانم؟ في نظر الوالدين نحن نتحمل مسئولية السقوط. وهو أكول بطبعه، وعلمناه نحن حب ~~الرمرمة، فعشق لحمة الرأس والفول والفلافل والممبار والكبد والمشبك والهريسة والكسكسي ~~والباذنجان المخلل. بل تقدمنا جميعا في الاقتباس من قاموس الشوارع والحواري ورصع أشعاره ~~الأولى بألفاظها المتمردة. وبدأنا طريقنا الثقافي بالقصص المؤلفة والمعربة، أما هو فبدأها ~~بالشعراء الثلاثة شوقي وحافظ ومطران. ورغم النقد والترشيد فالمرحلة الابتدائية تعتبر أسعد ~~أوقات حياته من ناحية العلاقة مع والديه؛ أسعدهما بتعلمه الفرنسية وبحفظ الشعر وصوغه، واعتبر ~~الباشا ذلك كله من آي الذكاء المدخر للطب، ويتساءل طاهر في حيرة: أي علاقة بين الشعر ~~والطب؟! # وكنا بوحي من غريزة حب البقاء نتجنب الاقتراب من فيلا الأرملاوي باشا أن تقع علينا عينا ~~الباشا أو الهانم، والحق أن فضلا غير منكور يرجع إلينا في تفجير موهبته الشعبية التي ازدان ~~بها شعره بعد ذلك، بل جررناه معنا لاستقبال سعد حين عودته من منفاه الثاني، كونت شلتنا موجة ~~صغيرة في بحر متلاطم هدرت أمواجه في ميدان الأوبرا. لم نشهد في حياتنا منظرا رائعا كذلك ~~المنظر، وابتلعتنا حومة الحماس وفرحة النصر وعزة الجماهير الملتحمة، وانسربت إلى قلوبنا ~~الفتية عواطف متأججة وتيارات فدائية ms14 ومشاعر مجنحة تطير في الفضاء فوق هموم الحياة اليومية. ~~رددنا الهتافات لمصر وسعد حتى بحت أصواتنا، وثمل طاهر بالسكرة الطارئة فنسي موقف أسرته ~~من الزعيم القادم، وعندما هلت علينا سيارة الشيخ، عندما لمحنا من موقعنا فوق سور الأزبكية ~~قامته المترامية، ووقاره الجذاب، جن جنوننا، واشتعلت جوارحنا بنيران مقدسة، واختزن وعينا في ~~سراديبه .. يوما وذكرى وصورة لم يعد في الإمكان أن تتلاشى. واستقبلت العباسية بعد ذلك ~~التاريخ أياما سعيدة صاخبة، فسمعنا لأول مرة عن الانتخابات والبرلمان، وطفنا بالسرادقات، ~~واستمعنا إلى الخطب والأشعار والأزجال، ولم يكن آن الأوان بعد لنسجل أسماءنا في الناخبين. ~~وعن طريق طاهر عرفنا رأي الباشا أبيه فيما يجري حولنا، فهو يرى مثلا أنه من التهريج أن يتم ~~اختيار الحكام بهذه الطريقة البهلوانية، وأننا نقلد أوروبا في النتائج متجاهلين المقدمات ~~والأسس. بخلاف يسري باشا الحلواني الذي أكد لنا في خطبته الختامية أن صوت الشعب من صوت ~~الله، والواقع أنه لم يكن خطيبا مفوها، ولكن الحفل كان حافلا بالخطباء والشعراء، على ~~حين أضفى عليه اعتقاله هالة من العظمة والجاذبية، وقال طاهر لأبيه: النفي والسجن والاعتقال ~~هي مؤهلات المعركة. # فقال الباشا بازدراء: الحكم علم وخبرة ومقدرة لا نفي أو سجن أو اعتقال. # ولم تكن إنصاف هانم القللي دون زوجها في احتقاره لما يجري. ~~••• # لإسماعيل قدري علينا ما يشبه القيادة، هذا حقه لتفوقه المدرسي، وللتفوق المدرسي امتياز ~~لا ينكر، وله منزله خاصة عند المدرسين، بالإضافة إلى الإثارة التي يبعثها بسبب مغامراته ~~الجنسية، وهو منذ البلوغ غدا موضع التفات خاص من أمه فضاعت من يديه فرصة السطح، وتحول ~~بغريزته إلى غابة التين الشوكي يستدرج إليها صغار البائعات المتجولات، وثابر رغم ذلك على ~~تدينه مثل صادق صفوان، وأثرت خزانته بمعلومات كثيرة استمدها من أمه عن الآخرة والحساب وعذاب ~~القبر، وظل على شغفه بتخيل صورة الله، حتى قال لنا مرة: لعله شيء مثل سعد ولكنه يمارس ~~سلطانه في الكون كله! # وضحك طاهر وعلق على ذلك قائلا: عرفت الآن لماذا لا يصلي أبي! # وهو يحظى بسعادة ms15 لما يحرز من منزلة بيننا فيعوضه ذلك عن بساطة أسرته، إنه الوحيد بينهم ~~الذي تخلو شجرته من أي فرع ذي امتياز. حتى صادق صفوان وهو يماثله في المستوى يمت بصلة قربى ~~إلى رأفت باشا الزين أما هو فلا قريب له يبل الريق، والبيت القديم الذي ورثه أبوه باعه وهو ~~يزوج أخواته؛ لذلك فعندما انجذبنا جميعا نحو الثقافة كان يستعير الكتب للقراءة الحرة من ~~مكتبتي حمادة وطاهر، ولم يشغله شيء عن إحساسه الوطني وحماسه الفائق للوفد الذي بلغ درجة من ~~الحرارة لا تكون إلا للعقيدة الدينية، وهذا ما جعله يتجه نحو مدرسة الحقوق فتنة بالقانون ~~والمجد والسياسة، لم يعد الطب ولا الهندسة مما يشبع طموحه بعد أن أصبح سعد زغلول مثله ~~الأعلى في الحياة، وهو الذي حرض طاهر على والديه قائلا: السمع والطاعة للموهبة. # ويضايقه ولا شك هذا السؤال الذي يلحون به عليه «كيف تجمع بين العبادة ومغامرات الغابة؟!» ~~.. فقال لنا يوما: عقب كل صلاة أستغفر الله كثيرا .. ولكن ما الحيلة مع نيران ~~متأججة؟! ~~••• # وفي غمرة الأحداث والحماس استعد كل منا لامتحان الشهادة الابتدائية، ونجحنا جميعا، ~~إسماعيل في المقدمة ونحن وراءه، والتحقنا بمدرسة فؤاد الأول الثانوية لنمضي بها خمسة أعوام ~~ما بين 1923 و1928، ولأول مرة نرتدي البنطلون الطويل ونقلع عن شراء البدل الجاهزة. أعوام ~~انقضت في مراهقة وسياسة وثقافة وحب، وفي عامنا الدراسي الأول هدانا الهادي إلى مقهى قشتمر، ~~إنه أحد أفراد شلتنا الهامة التي تلاشت تدريجيا مع الزمن ويدعى الصباغ، قال لنا ذات يوم: ~~مجلسنا تحت النخلة لم يعد بالمكان المناسب، عثرت لكم على مقهى مناسب. # روعتنا لفظة المقهى الذي يعتبر عند أهلنا من المحرمات، كيف نجلس بين رجال في سن آبائنا ~~وهم يدخنون النارجيلة؟! وقال الصباغ: لا تكونوا جبناء، آباؤنا توظفوا بالشهادة التي حصلتم ~~عليها في الصيف الماضي، والمقهى بعيد عن الأنظار، يقع عند التقاء الظاهر بشارع فاروق، صغير ~~وجديد وجميل وذو حديقة صيفية صغيرة، وما علينا إلا أن نختار ركنا منزويا للسمر ولعب ~~الطاولة وشرب الشاي والقرفة ms16 والقازوزة. # وفي سرية تامة تلمسنا طريقنا إلى الظاهر، تسوقنا روح المغامرة، ويعتمل في ضمائرنا إحساس ~~بالذنب، وطالعنا قشتمر بلونه الأخضر الزاهي، وحجمه المحدود الذي لا يزيد عن حجم بهو بسراي ~~الزين باشا - كما قال صادق - ومراياه المثبتة في الجدران، وحديقته الصغيرة الموصولة به بباب ~~صغير مفتوح، تنطلق بأركانها نخلات أربع، ويقوم في الوسط عدد من الموائد في صورة مربع متساوي ~~الأضلاع، أشار صاحبنا إلى مائدة في عمق المكان في أقرب موضع إلى منصة الشغل، فاتجهنا نحوها ~~متجنبين الأنظار من شدة الحياء والارتباك، بدونا نبتا جديدا في عمره ومنظره، ودخل ثلاثة ~~منا في جلابيبهم، وعلى رف وراء المنصة اصطفت النراجيل وقوارير المشروبات فضاعفت من ~~ارتياعنا، جلسنا حول المائدة نتلقى النظرات المستطلعة بوجوه ساخنة حتى جاءنا النادل وبدأت ~~الممارسة الجديدة، هكذا عرفنا قشتمر في أواخر 1923 أو أوائل 1924، ودون أن ندري أنه سينعقد ~~بيننا وبينه زواج لا انفصام له، وأنه سيصغي بصبر وتسامح إلى حوارنا وأساطيرنا عمرا ~~طويلا، بل ما زال يصغي مستوصيا بصبره وتسامحه. وفي ذلك الوقت اشتركنا ولأول مرة في مظاهرة ~~وطنية، لم نعد أطفالا من ناحية والمظاهرة مأمونة العواقب من ناحية أخرى، فوزارة الداخلية ~~هذه المرة بيد زعيم الأمة ورئيس الوزراء، في أثناء طابور الصباح خرج رئيس الطلبة من الصف ~~وصاح بصوته الجهوري: «إضراب»، واندفعت الصفوف نحوه في عجلة ولهوجة فخطبهم مركزا على أزمة ~~بين الزعيم والملك وأن على الشعب أن يتجمع في ميدان عابدين لتأييد الزعيم دون قيد أو شرط، ~~وماج الميدان بالخلق من كل صنف، كيوم الاستقبال، ولكنه يفور هذه المرة بالغضب، ويهتف من ~~أعماقه «سعد أو الثورة»، تخلف طاهر الأرملاوي عن الاشتراك في المظاهرة فتركناه لرأيه، ولدى ~~عودتنا سأل صادق صفوان: ولكن ما أسباب الأزمة؟ # ووضح لنا أننا لا ندري عنها شيئا ولكن إسماعيل قدري قال بحزم: نحن على أي حال مع سعد ~~لسبب وبغير سبب وضد الملك بسبب وبغير ما سبب. # واتفقت قلوبنا على ذلك. ومما يذكر أننا لم نعرف أسباب الأزمة أو لم نهتم ms17 بمعرفتها إلا ~~بعد انقضاء أعوام طويلة ونحن نسترجع الأحداث بعد أن صارت تاريخا، في ذلك الزمان صهرنا ~~الوفد في أتون وطنيته فبعثنا على يديه خلقا جديدا، ويوما قال إسماعيل قدري: في مصر أربعة ~~أديان، الإسلام والمسيحية واليهودية والوفد. # فقال طاهر عبيد ساخرا: والدين الأخير أعظمها انتشارا! # علمنا الوفد ماذا نحب وماذا نكره، وبأي قوة نحب وبأي قوة نكره، واجتاحتنا القضية الوطنية ~~وملكت قلوبنا، غطت على الأسرة والمستقبل والأمل الشخصي، واندفعنا مع طوفان الحزبية بنفس ~~القوة والعنف ونبضت كل خلية من خلايانا بالحياة والإصرار، وعجبنا للزين باشا والأرملاوي ~~باشا وأحزابهما، أهم من البشر أم من شواذ الخلق والطبيعة؟! # وإلى جانب السياسة هبت علينا رياح الثقافة المنعشة البيضاء، التهمنا المجلات الأسبوعية ~~والشهرية والكتب المؤلفة والمترجمة، وتنورت رءوسنا بمصابيح مشعة مثل المنفلوطي والعقاد وطه ~~حسين والمازني وهيكل وسلامة موسى، ودار الحوار حول الفكر كما يدور حول السياسة، وشملت ~~اليقظة العقل والقلب والإرادة. # صادق صفوان رسم بتقواه لنفسه حدودا لا يتعداها، أحب المنفلوطي والرواد ولكنه أغلق وعيه ~~دون ما يمس العقيدة أو يثير الشك، وإذا جاوز الحوار في قشتمر الحدود والتقاليد لاذ بالصمت ~~واستغفر الله، ولم يضعف شيء من حلمه القديم بالثروة ولا بإعجابه الثابت برأفت باشا قريبه مع ~~استثناء الجانب السياسي. ويقول بطمأنينة: موقفه السياسي لا يمس مودتنا الراسخة، ويعاتب أبي ~~كثيرا في رفق متسائلا: إلى متى يا خالي تنخدع بذلك الرجل المهرج؟ أو يقول لي: وأنت يا صادق ~~تتبع والدك بلا تفكير، هل اشتركت حقا في المظاهرة الوقحة بميدان عابدين؟ أراهن أنك لا ~~تعرف لها سببا، وأرجو ألا تعتاد المظاهرات؛ فهي اليوم آمنة، ولكنها لن تكون كذلك إلى الأبد، ~~كم ضاعت من أرواح فداء للعجوز الأناني! # وتضحك زبيدة هانم من قلبها وتقول لأمي مداعبة: مبارك يا زهرانة، ابنك زعيم من ~~يومه! # ما زال صادق مفتونا بالباشا وقصره وتحفه وزوجه وتواضعه، وإعجابه بأميرة لم ينضب حتى بعد ~~انتقالها إلى بيت زوجها. # ويقول له إسماعيل قدري: لا عيب فيك إلا حلمك الغريب بالثراء. # فيقول ms18 صادق: الثراء يبدأ بحلم. ~~- لماذا لا تسأل قريبك عن طريق الثروة؟! ~~- هممت أن أفعل مرة، وشاورت نينة فهالها تفكيري وحذرتني من مغبته أن يتهمني الباشا بالحسد. # إنه شخصية متكاملة وتقليدية ولكنه نصب لنفسه هدفا بدا لنا غير معقول. # أما حمادة الحلواني ~~- كالآخرين - فقد فتح نوافذه للثقافة دون قيد أو شرط، ويصر على أن يروي لنا في ليلته ما ~~قرأه بالأمس، رواية المسحور المنبهر المصدق دون أن يجشم نفسه عناء النقد. يقول: الثقافة ~~هجمة ضاربة، أتيحت لنا لتوقظنا من سبات. # فإذا كانت آخر قراءة عن الدين لخصها بنبرته المترفعة، ثم يقول بيقين: هذا هو القول الفصل ~~في الدين! # وتدور المناقشة بين أطراف متناقضة، ولم يكن حمادة في الأصل صاحب عقيدة راسخة فلم يكابد ~~أزمة حقيقية، ونسمعه تارة أخرى وهو يقول: هذه هي قصة الإنسان وهذا هو أصله. # ثم حدث أن قرأ كتابا معتدلا عن الدين والعلم فإذا به يقول: يبدو أنه لا يوجد تناقض بين ~~الدين والعلم! # إنه عميق التأثر بما يعرف، وسرعان ما ينتقل من حال إلى حال، يمتنع عن أي تعريف أو وصف، ~~ليلة مع الليبرالية وأخرى مع الاشتراكية، وقد سأله صادق: ولكن من أنت؟ # فأجاب بحيرة: أمامي طريق طويل. # طاهر عبيد يبدو ذا هدف واضح وموقف واضح، لا يشك أحد منا في شاعريته، إنه يحفظ الشعر ~~ويتذوقه وبدأ يبدعه، ويحب الزجل أيضا، أسمعنا أول ما أسمعنا غزلا في صديقات شقيقتيه، ~~وألف زجلا فكاهيا عن شارب صفوان أفندي النادي والد صادق، ونهل من كتابات الرواد فلم ~~يقتصر على الشعراء الثلاثة أو مختارات أبي تمام والبحتري، وقال لنا: عما قريب سأقرأ ~~بالفرنسية. # ولم تضف الثقافة الحديثة جديدا إلى عقيدته، فقد نشأ بلا دين تقريبا، لم يثر الدين ~~اهتمامه ولا شغل تفكيره، ولكنه هام بالشعب والجمال والأغاني، وكان ضميره عامرا بالقيم ~~الرفيعة، وإن تكن نشأته في فيلا الأرملاوي قد أقصته عن المجال السحري لسعد زغلول فإنها لم ~~تربطه بالولاء للملك، ثم جاءت المعارك الحزبية فشحنته بالقرف والكفر بالجميع، وكان يقول: ~~مصر ms19 جديرة بالحب ولكنها لم تجد بعد من يحبها لذاتها. # إسماعيل قدري لا يقرأ بغزارة حمادة، ولكنه يفكر فيما يقرأ ويناقشه، وقد عبر عن موقف ~~عندما قال: الثقافة الحديثة تحتشد للهجوم على حصن الدين والتراث. # وزاد قوله تفسيرا فقال: إنها تبدأ بالخرافات فتبددها ثم تتصدى للمسائل الكبرى. # فسأله صادق صفوان بقلق: هل أخذ الشك يوسوس في صدرك أنت أيضا؟ # فتملاه بنظرة طويلة ثم قال: ليس للفكر حدود. # فقال طاهر عبيد ضاحكا: دعني أهنئك! # فقال مقطبا: الدين موضوع، والله موضوع آخر. # فضرب صادق كفا على كف وقال: اسمعوا العجب. # يبدو أنه يفكر ويشك، ولم يسلم من شكه إلا الوفد، ومال في اطلاعه إلى المعرفة أكثر من الفن ~~والأدب، ومن ناحية المستقبل ركز على القانون باعتباره الباب المفضي إلى المجد والسياسة، ~~ونحن نؤمن به ونثق في قدراته وفي بلوغه هدفه في النهاية، وعلى حين تستوي الثقافة كغاية في ~~حياة حمادة الحلواني، فهي تلعب في حياة إسماعيل دور الدعائم التي يقيم فوقها بناءه الشامخ، ~~إنه رجل عمل لا قلم، وأحلامه مقدمات لأفعال، وهو يتقدم بخطوات راسخة رغم فقره وانعدام زاده ~~من ذوي الجاه والنفوذ. ~~••• # ومع الثقافة اشتعلت نيران الجنس، أقسى من الشك وأعند إلحاحا، تطاردنا ليل نهار، وزاغت ~~الأبصار متطلعة إلى مجالات الجنس اللطيف، كلما لاح في نافذة أو خطر في طريق. تسترق النظر ~~إلى الوجوه والسيقان وتكوين الأجسام التي تنبض به الملابس الفضفاضة، أصبح إسماعيل موضع حسد ~~ولكنه لم يكن دون الآخرين معاناة. # وذات يوم جاءنا الصباغ بكتاب متسائلا: هل سمعتم عن هذا الكتاب؟ # غلافه من الخارج يدل على أنه كتاب تاريخ، وقد غطي به لإخفاء عنوانه الحقيقي وهو رجوع ~~الشيخ. ونصحنا بقراءته سرا. تبادلناه واحدا بعد الآخر. مررنا بسرعة على أبوابه لنقع في ~~قبضة حكاياته، أججت نيراننا وأمدتها بوقود من العفاريت. ولما تأكد الصباغ من ضياع العقول ~~شرع يحدث عن حي البغاء، وسأله صادق ذاهلا: والحكومة تعلم؟ # فأجاب نبرة خبير: الحكومة تعطي الرخص وتحفظ الأمن بالمكان. # ويوم الخميس عدلنا عن سينما المنظر ms20 الجميل إلى كلوت بك، تقدم وسرنا خلفه ونحن من الدهشة ~~في غاية ومن الخوف في نهاية، هذه البيوت القديمة مرصعة مداخلها بالنساء من كل شكل ولون، ~~وهمس حمادة: ما أشد الزحام. # فقال صادق: لنرجع بسرعة قبل أن نفتضح! # وقال الصباغ ساخرا: هل يتوقع أحدكم أن يقابل أباه هنا؟ .. كل زبون هنا في حاله، تقدموا ~~ولا تكونوا جبناء .. اختاروا وبسرعة. # ووجدنا أن الاختفاء في بيت أخف من البقاء وسط الجمهور، والتقينا عند رأس الطريق ونحن ~~نتبادل نظرات باهتة ولزمنا الصمت حتى جمعتنا مائدتنا في قشتمر، ونفد صبر كل واحد في معرفة ~~ما وقع للآخرين، وكان صادق أول المعترفين: الأولى والأخيرة. ~~- لماذا؟ ~~- من ناحية الجمال لا بأس بها، الحجرة على البلاط، فراش ومرآة وكنبة قديمة، أشارت إلى طبق ~~ساج فوق الكنبة وطلبت بقلة ذوق أن أضع النقود، وضعت النقود، وبسرعة نزعت الفستان الأحمر عن ~~جسم عار، استلقت مشيرة بيدها إشارة تدل على السرعة، أنا بردت وكأني ما عرفت الشهوة، قلت ~~بأدب: أشكرك أنا ذاهب، فجلست وهي تقول: مع السلامة .. أعوذ بالله .. هي الأولى والأخيرة. # روحنا عن أنفسنا بالضحك فتشجع طاهر وقال: وجدت فلاحة على ذقنها وشم باسمة الثغر، اتجهت ~~نحوها فسبقتني إلى السلم، لم أهتم بالحجرة، قالت لي: أنت مثل البغل رغم صغر سنك، وضحكت ~~فضحكت ولكني تضايقت، وبردت كما برد صادق، وشعرت بغربة شديدة، وسرعان ما تغير رأيي فقلت لها: ~~لا مؤاخذة أنا غير مستعد هذه المرة، فقالت: أنت حر ولكن لا بد من الدفع، فدفعت القروش ~~وأسرعت نحو الباب وهي تقول لي: لك قفا يغري بالصفع، فزدت من سرعتي كالهارب. # وضحكنا طويلا، وقال صادق: الأولى والأخيرة أيضا؟ # ولكنه لم يجب، وقال حمادة الحلواني: تجربة موفقة من حسن الحظ، أعجبتني عيناها، وكانت ~~مؤدبة ومشجعة، تركتني أحضنها ونحن واقفان، وتم كل شيء بسرعة .. لا بأس! # واتجهت الأبصار نحو إسماعيل قدري ونحن نتوقع أفضل النتائج بوصفه صاحب الخبرة الوحيد فينا، ~~وضحك أكثر من عادته وقال: فتاتي صغيرة السن والجسم مقبولة، ولما ضمتنا الحجرة ms21 معا دخلت ~~امرأة بين الأربعين والخمسين، ضخمة الجسم قوية الشخصية، فهرعت إليها الفتاة بأدب ودار ~~بينهما تهامس عن العمل غالبا ثم غادرت الحجرة، وأصارحكم بأني رغبت في المرأة التي لم ~~يفسدها الكبر بعد، وبجرأة قلت للفتاة: إنني أريد المرأة، فدهشت وقالت: إنها المعلمة ~~وليست لذلك. فطلبت منها أن تبلغها رغبتي، فترددت قليلا ثم ذهبت. وما لبثت المرأة أن دخلت ~~وأغلقت الباب وهي تقول بصوت غليظ: ادفع الضعف. فقلت لها: إنني لا أملك إلا عشرة قروش. فلم ~~ترفض وضممتها إلي وذراعاي لا تحيطان بها من جسامتها، وكنت في غاية الانبساط. # فهتف طاهر عبيد: أنت إنسان غير طبيعي. # وانقطع عنا الصباغ بسبب ما، ولكننا لم ننقطع عن كلوت بك. صادق صفوان الوحيد الذي لم يكرر ~~التجربة بعد أن أثار الحي كله اشمئزازه ولم يتفق مع تدينه وذوقه، طاهر لم يتخلف ولكنه كان ~~في الغالب يجلس في مقهى بلدي يسمع العربي ويتأمل الخلق، وعن له رأي في الموضوع فقال: هذا ~~معرض للنساء والرجال في غاية الشذوذ والسوء، فعلى مريده أن يفقد وعيه أولا قبل أن يقدم ~~عليه. ~~••• # ومع السياسة والثقافة والجنس أشرق علينا الحب بنوره، وأول من ثمل بخمره المطهرة كان صادق ~~صفوان، يوم رأى إحسان بصحبة أمها ست فاطمة يغادران مسكنهما بشارع أبو خودة. صاحبنا كان في ~~السادسة عشرة وإحسان بنت ثلاثة عشر، كلما مررنا قريبا من المسكن في طريقنا إلى قشتمر ~~ارتفعت عيناه بين خدين مضرجين إلى النافذة بالدور الثاني، وإحسان أنضج من سنها بكثير، ~~ممتلئة الجسم في رشاقة، ووجهها مستدير مائل للبياض، وشعرها كستنائي غزير، وعيناها عسليتان ~~صافيتان، وثغرها غاية في الدقة، يوصف عادة بأنه خاتم سليمان، ووضح للجميع أن البنت معجبة ~~به، أو على الأقل معجبة بإعجابه بها، وقال لنا صادق بنشوة: البنت مثل التفاحة. # وكلها حيوية، وعرفنا أن أباها يدعى إبراهيم الوالي، موظف صغير كثير العيال، وسأله طاهر ~~عبيد: هل عرفت الآن ما هو الحب؟ # فقال صادق في غير قليل من الارتباك: أنا منبهر بخفتها، وتدور بي الأرض ms22 عندما تلقي علي ~~نظرة، وكلما تذكرتها شعرت بسعادة عجيبة. # فقال طاهر عبيد: شعرت بمثل ذلك نحو ماري بكفورد، وبشيء شبيه به نحو صديقات شقيقتي في زمن ~~مضى. # فقال صادق: إنك لم تحب بعد. # وقال إسماعيل قدري: أنا أسيطر على نفسي بفضل غابة التين الشوكي وكلوت بك وانهماكي في ~~العمل. لي جارة بنت الجيران ولكن لا صبر لي على إهمال عملي والوقوف في النافذة. # والتفت حمادة الحلواني نحو صادق قائلا: ها أنت تحب، فما الخطوة التالية؟! # فقال ضاحكا: صبركم، أنا لم أفق بعد. # وطاهر عبيد أثارنا بشعره قبل أن يثيرنا بحبه، فاجأنا بنشر أول قصيدة غزلية له في مجلة ~~الفكر، ظهرت القصيدة تحت عنوان «الجميلات في الحديقة»، في مجلة عريقة منتشرة ومعروفة ~~بالدعوة لروح العصر والتقدمية. إنه تقدير بكل معنى الكلمة، واهتز ركن قشتمر سرورا ~~وطربا، وقال حمادة: نحن نشهد ميلاد شاعر. # وسأله صادق باهتمام: هل علم بالنشر والداك؟! # فضحك طاهر وقال: الإعجاب بموهبتي في نطاق الفيلا يسعدهما ويعتبرانه تمهيدا لموهبتي ~~المدخرة للطب اللعين، ولكن بابا وجم حينما اطلع على القصيدة في باب الشعر بمجلة الفكر وقال ~~بامتعاض شديد: هذا شغل أدباتية ولا يليق بمقامك، فقلت له: ولكن شوقي بك شاعر يا بابا، ~~فقال: إن شوقي أمير من البيت المالك أولا وأخيرا، أما الشعر في ذاته فحرفة الشحاذين. # على أي حال لم يفسد عليه ذلك سعادته بنشر قصيدته، ونصحه إسماعيل قدري بزيارة المجلة للشكر ~~والتعارف وتوثيق العلاقة ففعل، وهناك اكتسب علاقات زمالة جديدة، وعرف المبادئ التقدمية من ~~خلال نخبة من المؤمنين بها، وتعاطف مع الإرادة الطامحة لهدم العالم القديم كله وإقامة بناء ~~جديد موضعه على أسس علمية معاصرة، وكأنما ود أن تبيد مع العالم القديم أفكار أبيه ~~الكئيبة، ولكن التعاطف لم يتجاوز به حدود الصداقة للمبدأ ومعتنقيه دون الالتزام بمبادئه أو ~~الاندماج في سلوكياته. وفي ذلك الوقت خرج من شرنقة الهيام الغامض إلى حومة تجربة حقيقية. ~~رآه صادق يوما ينتظر أمام صيدلية العباسية ليرى رئيفة حمزة وهي تغادرها. بنت سمراء رشيقة ms23 ~~الملامح فائرة الجسم ثائرة النهدين خفيفة الحركة، وتماثل طاهر في سنه على الأقل، لا يجهلها ~~أحد من أهل العباسية تقريبا، فهي تقيم مع أمها في شقة بعمارة متوسطة العمر تطل على ~~العباسية من ناحية وعلى القرافة من ناحية أخرى، وهي ممرضة تمارس مهنة إعطاء الحقن للمرضى ~~عن طريق الصيدلية، ويقال إنها تعمل أيضا في مستشفى، سيئة السمعة دون أي دليل، ولكن هكذا ~~يجري الحال في العباسية، فما دامت تعمل وتنتقل من بيت إلى بيت بخفة ووجه مليح وفستان ناطق ~~فهي سيئة السمعة دون شك. طاهر يعترضها بجسمه المائل للبدانة ونظراته الحالمة، ومن ذا الذي ~~لا يعرف طاهر بن عبيد الأرملاوي باشا؟ إنه ينظر ويبتسم وهي تعرض عنه دون غضب، وتستمر ~~المطاردة ويلوح الأمل، هكذا يصبح في مجلسنا عاشقان، وتتجلى في أحوالهما أعراض السحر ~~والنشوة. وقال له حمادة الحلواني: رئيفة تحتاج إلى مكان آمن .. أعني شقة خاصة مثلا! # فقال إسماعيل قدري صاحب الخبرة: هي أدرى بما تحتاج إليه، ولكن يلزمك مصروف إضافي. # فقال طاهر باستياء: كأنكما تحدثان عن مومس! # فلاذا بالصمت في دهشة، وقال صادق صفوان معتذرا عنهما: لا تؤاخذهما فأنت تعرف ما يقال. # فقال طاهر بوضوح: كلام فارغ، أنا أحب رئيفة كما تحب أنت إحسان. # وألزم قوله كل أحد حده رغم وساوسه الباطنة، ورجع يقول: أقبلت عليها بادئ الأمر بنية ~~سيئة، تبعتها من بيت إلى بيت دون جدوى، وتبين لي أنها فتاة عاملة؛ فهي إما تمارس عملا أو ~~ترجع إلى بيتها، الناس ألسنتهم لا ترحم، وتقذف بالتهم بلا دليل، والحق أنها لما ابتسمت لي ~~غزاني شعور جديد فأدركت أنني أحبها. # وتم التعارف وتواعدا للقاء في حديقة بيبرس، وقالت له: الحرص واجب، وأنا أخدم الأسر ~~الكريمة، وألسنة الناس رديئة. # ربما تصور بعضنا أنها فتاة ماكرة وأنه شاعر طيب وابن ناس لا خبرة له بمكر الحواري. ~~وتحدانا طاهر قائلا: هاتوا لي دليلا واحدا. # حقا لم يضبطها أحدنا مع شخص في شارع خال ولا سمع عنها واقعة محددة، وتمنينا لصديقنا ~~السلامة، وتبادلا هدايا ms24 رمزية وقال لنا وهو ثمل بنشوته: إني ماض معها إلى النهاية ~~المشروعة! # ثم بعد صمت: وهي تعرف أسرتي وتقدر ظروفي ولكنها سألتني في شيء من الحذر: هل تستطيع أن تقف ~~أمام إرادتهم؟ فأكدت لها أنني أستطيع كل شيء. # ويحق لنا أن نذهل لهذا التحول الكبير. وقال له حمادة الحلواني: إنك ما زلت في السادسة ~~عشرة! # فقال ببساطة: للزواج وقته المناسب. # فقال صادق: الوقت المناسب بالنسبة لها مختلف. # فقال ضاحكا: الحب لا يعترف بذلك. # وسأله إسماعيل قدري: هل تفهمك كشاعر؟ ~~- على الأقل لا تسيء فهمي، ويعجبني فيها بصفة خاصة قوة شخصيتها. # فقال حمادة: قد تفصل من شجرة الأسرة بسببها؟ ~~- لا يهمني ذلك. # وسأله صادق مداعبا: هل عرفت الآن الحب؟ # فقال ضاحكا: لعله جنون أو مرض، ولكنه على أي حال يمثل السعادة في ذروتها. ~~- وماري بكفورد؟ .. وزائرات الحديقة؟ # فقهقه قائلا: هذه فاتحات شهية. # فتساءل إسماعيل قدري باهتمام: هل يختلف عن الجنس؟ ~~- إنه شجرة ملائكية نواتها الجنس. # وهنا اعترف لنا صادق قائلا: لقد سألت والدتي أن تقرأ الفاتحة مع ست فاطمة أم إحسان، ~~وتفكر والدي طويلا ولكنه لم يعترض. # ووقع حمادة الحلواني في شرك الحب وهو يناقش المحبين. علمنا أنه شغف بسميرة المعروقي، ~~وقال لنا: فيها جميع المواصفات المطلوبة. # وسميرة بنت ستة عشر أيضا، من الطبقة الوسطى، وعرف عنها أنها تزور الجيران سافرة الوجه ~~وحدها فاعتبرت متفرنجة، وكانت تفعل ذلك بموافقة الوالدين ورغم اعتراض ابن عم لها غيرة ~~على سمعة الأسرة، وطبعا حمادة معروف كنجل يسري باشا الحلواني الثري الكبير والبطل الوطني. ~~وعن طريق خادمتها دعاها إلى لقاء في شارع السرايات الذي يخلو مساء للعشاق. # من بدء الحكاية شعرنا بأن حمادة يخوض مغامرة فريدة ولكنها لم تمتحن بالحب الحقيقي الذي ~~اقتحم قلبي صادق وطاهر، على أي حال تلاقيا في شارع الحب ولكن التجربة أجهضت قبل أن تبدأ، ~~ما كادا يسيران دقائق معدودة حتى انقض عليهما ابن عم الفتاة كالوحش الكاسر، لطم الفتاة على ~~خدها ففقدت توازنها وتهاوت فوق الطوار، ثم انهار على صاحبنا ms25 باللكمات حتى أدركهما شرطي ~~الدرك ، وذاعت الفضيحة من فم إلى فم ككرة القدم، وغضب يسري باشا غضبا شديدا وقال لابنه: ~~يعتدي عليك وأقف مكتوف اليدين لأننا نحن المعتدون، ألا تدري كيف تكون المعاملة مع بنات ~~الناس؟ ومن هو المعروقي هذا؟ .. يا لك من طفل مخيب للآمال. # ونال صاحبنا من المعركة كدمات في الخد والشفة فاضطر إلى الاعتكاف أياما في السراي، ولما ~~رجع إلينا لم نتمالك أنفسنا من الضحك، وسأله طاهر باهتمام: ماذا أنت فاعل؟ # فأجاب ببرود: لا شيء. ~~- ألا تحبها؟ # فقال ضاحكا: تلاشى كل شيء في المعركة. ~~- ألم تتبادلا أي كلام؟ ~~- مجرد التعارف والإعجاب ثم كان ما كان. ~~- لعلها تنتظر خطوة جديدة من ناحيتك؟ ~~- لن يحدث أي جديد. # فقال صادق: المسألة أنك لم تحب. # فهز منكبيه قائلا: ربما. # ولم يغير إسماعيل قدري من سيرته، ويقول ببساطة: الجنس شيء عظيم ومفهوم وهو مكتف بذاته. # فيقول طاهر: رأي عجيب لإنسان له ثقافتك وعقلك. # فيقول بترو: الجنس يضعك في صميم الوجود ولا وزن عندي لما يقول المنفلوطي .. لعله شغل عن ~~الحب أو لم يخلق له. ~~••• # وفي غمرة الهموم الخاصة الممتعة خفق فؤاد الوطن خفقة أليمة عميقة بموت الزعيم سعد زغلول. ~~شد ما ذهلنا واشتعلت جوانحنا بنار الحزن والحسرات، حتى طاهر عبيد وجم وأسف بعد أن أظلت ~~زعامة الراحل الجميع في الائتلاف الوطني وأحبه الخصوم مع المريدين والأتباع. وكل منا له ~~حكاية عن الخبر في أسرته وما أسال من دموع. كل عين بكت سعد وكل قلب امتلأ بالشجن، وسأل ~~صادق طاهر عبيد: كيف تلقى عبيد باشا وإنصاف هانم الخبر؟ # فأجاب: بالحزن طبعا، وقال أبي إنه في أعوامه الأخيرة كفر عن ماضيه كله وأصبح أبا ~~للشعب والوطنية. # وذهبت جماعتنا إلى ميدان الأوبرا وانحشرنا في الجموع الحزينة الواجمة ننتظر، وعندما لاح ~~النعش فوق المدفع ارتفعت صرخات الأسى إلى سماء أغسطس الصافية التي تقطر حرارة ورطوبة، ~~وجرفنا التيار وراء الجنازة إلى شارع محمد علي، وهناك اختلطت الهتافات بصوات المطلات من ~~النوافذ والشرفات، ورجعنا إلى العباسية صامتين بلا ms26 سعد. ونخوض أمواجا جديدة من تاريخنا ~~المفعم بالحرارة والقلق، فنبايع خليفة سعد ونرقب ما يلوح في السماء من نذر وبشائر. # وفي عام البكالوريا ضاعفنا الهمة تطلعا للنجاح، واجتهد إسماعيل قدري مستهدفا التفوق ~~ليلتحق بالحقوق بالمجان، ولكن سوء الحظ اعترض سبيله المرسوم بتدبير ماكر؛ ففي ختام الثلث ~~الأول من العام الدراسي لزم قدري أفندي سليمان الفراش لمرض في القلب، اختل نظام إسماعيل ~~وشغل بأبيه، وازدادت متاعب الأسرة بتكاليف الطبيب والأدوية، وحدثنا إسماعيل عن مرض أبيه ~~بتأثر شديد، عن هزاله، وورم ساقيه، وضعف الأمل في شفائه. والحق أن قدري أفندي لم يسترد ~~صحته، وأسلم الروح في أواخر مارس قبل الامتحان بشهر تقريبا. وأساء مرضه وموته صديقنا إساءة ~~لا تجبر، نجح في البكالوريا وجاء ترتيبه دون المتوقع ودون ما يستحق، وعجز معاش والده عن ~~توفير المصروفات له، وبالكاد وفى احتياجات الأسرة الضرورية. وسئل عما ينوي فعله فأجاب ~~بأسى: لا توجد فرصة للمجانية إلا في كلية الآداب. # وشعرنا جميعا بأن همة عالية قد أهدرت عبثا، وقال له صادق مواسيا: لا تحزن، ففي أي ~~مجال فرصة للتفوق. # فقال مستسلما: يا لها من ضربة قاضية! # أما بقية الأصدقاء فقد التحق طاهر بكلية الطب بسعي أبيه وإصراره، وقال الباشا لابنه: ~~نجاحك وحده ودون سعيي لا يؤهلك لكلية الطب، ولكنك قادر على التفوق إذا عزمت. # فقال له طاهر: ولكنني شاعر يا بابا. # فقال الباشا بحدة: حتى مع التسليم بأنك معتل بهذه العاهة فلا يمنع ذلك من دراسة الطب، ~~أعرف أطباء مهووسين مثلك ولكنهم أطباء على أي حال. # وسأله حمادة الحلواني: ترى كيف تدرس الطب على رغمك؟ # فأجاب ضاحكا: دعنا من الطب وسيرته، المهم أن مجلة الفكر ترحب بأشعاري ورئيس تحريرها ~~يحثني دائما على الإبداع، والمعركة الفاصلة مع أبي آتية لا ريب فيها. # ودخل حمادة الحلواني كلية الحقوق بلا أدنى رغبة فيها ولا في غيرها، قال: لأسكت أبي ليس ~~إلا، كف الآن عن إغرائي بالاهتمام بعمله وقنع بأخي توفيق كخليفة له، وقد دخلت الحقوق لأوهمه ~~بأنني صاحب هدف هام ms27 أيضا. # قال له صادق: بوسعك أن تعمل في النيابة والقضاء. # فقال ضاحكا: هدفي أكبر من ذلك، أنا عاشق الثقافة والحياة والحرية. ~~- الحرية؟! ~~- سمها مؤقتا البطالة إذا شئت. # مع الزمن مضى حلمه يتبلور ويتجسد، أن يعيش كالأعيان، يقطف من كل بستان زهرة، بالطول ~~والعرض، بالروح والجسد، دون التزام أو ارتباط. وقال إسماعيل قدري: إنه قادر على تحقيق حلمه. # أما المفاجأة المثيرة حقا فاقتحمتنا من ناحية صادق صفوان، قال ووجهه الجميل يومض ~~بالانشراح: معي قنبلة! # وانتظر ليخلق الجو المناسب ثم قال: سأفتح دكان خردوات! # هل جن الشاب الوديع المتدين؟ ولكنها الحقيقة، صارح والديه بأنه قرر ألا يكمل تعليمه، وأن ~~يفتح دكان خردوات كخطوة أولى في سبيل الثراء، انزعج صفوان أفندي النادي أيما انزعاج ولم ~~يصدق، وآمنت ست زهرانة كريم بأن عينا أصابت ابنها الوحيد، قال صفوان أفندي: أنت تمزح ولا ~~شك. ~~- بل جاد كل الجد. ~~- إذن مسك جنون! ~~- لم يا بابا؟ أنا عاقل وأعرف هدفي. ~~- لم أسمع عن متعلم قبلك يفضل أن يكون صاحب دكان عن أن يكون موظفا في الحكومة. ~~- قارن بين أقل ربح متصور لدكان وبين أي مرتب. ~~- المال ليس كل شيء .. الجزار رجل غني! ~~- المال أهم شيء. ~~- والكرامة؟ ~~- العمل الشريف كرامة. # فصاح الرجل: أفسدك التدليل، هذه هي المسألة، ومن أين لك الخبرة بهذا العمل؟ # فقال بهدوء وأدب ليلطف من انفعاله: لنا أصحاب من كل لون، منهم أبناء بقالين وأبناء ~~خردواتية! # فسأله بحنق: لا يكفي هذا، ومن أين لك المال الذي تبدأ به؟ ~~- توجد دكان بثلاثة جنيهات في العمارة الجديدة التي شطبت حديثا على ناصية العباسية مع ~~أبو خودة، نينة تملك بعض الحلي القديمة، وسوف أردها لها أضعافا. ~~- إليك رأيي، أفكار أطفال ولعب عيال. # وجاء الفرج من حيث لا يحتسب، ففي زيارة عائلية لسراي رأفت باشا الزين شكا صفوان أفندي ~~ابنه للباشا فما أدهشه إلا أن هتف الباشا: برافو! # فتساءل صفوان أفندي في حيرة بالغة. ~~- برافو يا باشا؟ ~~- تفكير سليم، الدنيا يجب أن تتغير، أتعرف أنها ستكون دكان الخردوات الوحيدة ms28 في العباسية ~~كلها؟! # فباخ انفعال الرجل، وتساءل في تسليم: أليس لكل مشروع تمويل يناسبه؟ # فقال الباشا: هذا حق، ويجب أن يكون مشروعا قويا، سأقرضه بما يلزمه قرضا حسنا بلا ~~فوائد وسوف أسدد خطاه. # وفي الحال تلاشت معارضة صفوان أفندي وست زهرانة، وضحكت زبيدة هانم وراحت تداعب الشاب ~~قائلة: مبارك عليك يا عم صادق! # وانقلب لعب العيال إلى جد ونحن لا نصدق، استؤجر الدكان، وأمد الباشا صاحبنا برجل من ~~دائرته، ينظم له الدكان ويتفق مع النجار المناسب ويمسك له دفاتره ويبصره بخفايا عمله، على ~~حين عرفه الباشا بتجار الجملة من معارفه وضمنه عندهم، وقبل نهاية الصيف وافتتاح الجامعة ~~جال صادق في دكانه مزهوا بين أرفف اصطفت فوقها المناديل والإشاربات والسجائر وأدوات ~~الحلاقة والحياكة وصنوف الشوكولاتة والملبن واللب والسوادني، وكان علينا أن نتكيف مع الوضع ~~الجديد وأن نوليه ما يستحق من جدية وإن بدا أول الأمر كاللعب أو التمثيل، نمر به، نتبادل ~~الابتسام، نراه واقفا وراء الحاجز الخشبي، أو ملبيا طلبا، نرى زبائنه من الغلمان والبنات ~~والنساء، وهو جاد تماما، حتى شاربه تركه ينمو، ومن حسن الحظ أنه لم يتعملق كشارب أبيه، ~~ولكنه استقر فوق شفته العليا كشارب شارلي شابلن، وبعد إغلاق الدكان يلحق بنا في قشتمر، ~~مهاجرا إلى دنيا الثقافة والسياسة. ويغبطه إسماعيل قدري على كثرة زبائنه من الجنس اللطيف ~~فيعلق حمادة على ذلك بالمثل البلدي «يدي الحلق للي بلا ودان»، ويسأل باهتمام عن الربح ~~فيقول: إني أسدد ديني للباشا أولا، ولكن يبقى لي ما لا يحلم به موظف شاب. # وما لبث أن قذفنا بالقنبلة الثانية عندما قال ذات ليلة: سأشرع في الزواج دون تأجيل. # لم نعجب هذه المرة لما نعرفه من تدينه وعفته، ووضح لآذاننا اللاهية صوت الزمن الغائب في ~~زحمة الأحداث وتتابع الفصول، فبعضنا يجلسون في مدرجات الجامعة وأحدنا يتوثب لاستكمال دينه، ~~وقرر صادق أن يعلن رغبته ثم يستمهل أسرته الجديدة حتى يقتصد قدرا مناسبا من المال، ويبدو ~~أن إبراهيم أفندي الوالي لم يعجبه تحول الشاب من أفندي إلى ms29 خردواتي، ولكن صفوان أفندي قال ~~له بكبرياء: ابني حاصل على البكالوريا، ألا تقرأ ما يكتب المفكرون عن الأعمال ~~الحرة؟! # وجاءت موافقة إحسان صادقة وحاسمة وقاطعة، فأخذت كل أسرة من جانبها تستعد لليوم السعيد، ~~وقال صفوان النادي لابنه: لم العجلة؟ كان الأوفق أن تنتظر حتى تسدد دينك، ثم تقتصد على ~~مهل حتى تضمن لنفسك مسكنا مناسبا من جميع النواحي، ولا تنس أن إبراهيم أفندي الوالي رجل ~~على قد حاله والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. # ولكن صادق طمأن أباه إلى أن الأمور تسير سيرا حسنا، وعرفنا نحن سر العجلة أو سر اللهفة ~~على اليوم الموعود، وقال حمادة ضاحكا: ستكون معركة حامية لا هوادة فيها وربنا يستر. # واستأجر صادق شقة من ثلاث حجرات في العمارة التي تتبعها دكانه، وباعت والدته حليها ~~القديمة لتغطية المهر والشبكة، وعند ذاك قال رأفت باشا لصادق على مسمع من والديه: زبيدة ~~اقترحت علي أن أنزل لك عن باقي الدين ولكنني رفضت، أريد أن تبني نفسك بجهدك لا بعون أي ~~مخلوق. # ولكنه أهدى إليه أثاثا جميلا للصالة مكونا من كنبة وفوتيلين، وطاقما من الصيني وأدوات ~~المطبخ، وفرشت الشقة بأثاث بسيط ولكنه طبعا جديد وذو رائحة خاصة عشعشت طويلا في حواس ~~صادق. # وفي ليلة الدخلة جمعنا سرادق صغير بشارع أبو خودة، جلسنا بين المدعوين في صفوف متتابعة، ~~ولفت نظرنا صفوان أفندي بجسمه الضئيل وشاربه العملاق، وعلى المنصة أطل علينا عبد اللطيف ~~البنا وتخته وغنى لنا أغنيته الخفيفة السافرة: # ارخي الستارة اللي في ريحنا # لحسن جيرانك تجرحنا # يا مبسوطين بالقوي يا احنا # ولاح صادق حائرا بين العمارة والسرادق، يرحب بنا كثيرا، يداري بابتسامته المليحة حيرة ~~جانحة، وقال لنا: سنتناول العشاء على مائدة خاصة. # فقال له حمادة الحلواني: في جيبي زجاجة خاصة هربتها معي .. كل شيء مباح الليلة. # وقال طاهر: نحن مسئولون عنك حتى صياح الديك. # ولم يشهد رأفت باشا السرادق ولكن صاحبنا أخبرنا بأنه زار الأسرة مهنئا وأن حرمه ~~تتوسط مجتمع النساء كالبدر، وطالبنا العريس بأن نشهد الزفة معه، فجس ms30 لنا النبض ولكن خاب ~~المسعى ، ولم يقبل المسئولون وجود شبان أغراب بين المدعوات. ولما ذهب قال حمادة: ما له كأنه ~~مضطرب أو خائف. # فقال طاهر: المسألة فاصلة وخطيرة ولن تكون أحسن حالا منه. # وتساءلنا متى يجيء يومنا، وعلى أي حال يكون، وماجت أنفسنا بالسرور وحب الاستطلاع، وفي ~~عودتنا إلى بيوتنا تخيلنا صديقنا في خلوته المسربلة باللهفة والارتباك التي طال انتظاره لها ~~مذ ناهز الحلم. # وغاب عنا أسبوعا كاملا، ولدى أول لقاء في قشتمر انهمرت عليه الأسئلة في حصار يتقد ~~بالرغبات المكتومة حتى اضطر إلى الاعتراف قائلا: لم أذق إلا كأسا واحدة ولكنها كانت ~~كافية، بل فوق الكفاية، وما إن أغلق الباب علينا حتى شعرت بأنني تحررت من أثقال الحياء ~~والتقاليد وأشباح الزواجر والنواهي، وكان علي أن أحررها من تاج الفل المطوق لرأسها، ~~وضممتها إلى صدري، ولذة الوجود تفر في حومة ارتباك غريب وجيشان رأس لم يصمد أمام نفثة ~~الكأس الحامية، اعترفت لها بأن رأسي دائر فسمحت لي بالاستلقاء للراحة، وفعلت فتقضى الليل ~~وأنا بين اليقظة والنوم، ثم انتبهت وانتبهت حواسي فأيقظتها بقبلاتي، ثم .. ماذا أقول؟ أخوكم ~~سبع! # وضحك في سعادة بادية مؤثرة وقال: كلانا شعلة لا تخمد! # إنه مكبوت ملهوف ذو شوق قديم، وهي خفيفة وتعلن خفتها عن فائض من الحيوية، فهو شهر عسل ~~مفعم بالعسل، ورجع إلى دكانه بعد عطلة امتدت ثلاثة أيام، وباشر عمله بمفرده بعد أن أتم ~~مندوب رأفت باشا مهمته في تدريبه. وأصبح الدكان ملتقى الذاهب والجائي، فهو دكان الخردوات ~~الوحيد وهو ضربة معلم، وخلو العباسية من الدكاكين يرجع إلى كون مساكنها على الجانبين خاصة، ~~سرايات في الشرق وبيوتا في الغرب، ولا توجد الدكاكين إلا بهدم بيت وإقامة عمارة في موضعه، ~~وانهمك صادق بكليته في الحب والتجارة، أما السياسة والثقافة فتراجعا إلى هامش حياته، قال له ~~حمادة الحلواني: حياتك الراهنة لا تتسع للقراءة. # فقال صادق آسفا: الجريدة على الأكثر، وقد أقرأ مقالا في المجلة. # أما الوطن فقد تردى في أحداث مباغتة؛ تصدع الائتلاف وألف محمد محمود ms31 الوزارة، فأوقف ~~الدستور، وقام الصراع بين الوفد بزعامة النحاس من ناحية وبين الملك ومحمد محمود والإنجليز ~~من ناحية أخرى، وكان إسماعيل قدري أشد الجميع انفعالا، هكذا هو متطرف دائما في السياسة ~~والثقافة والجنس، حمادة دونه في الانفعال والحماس بما لا يقاس رغم أن الباشا والده من ~~أساطين الصراع، واشترك إسماعيل في كل مظاهرة طلابية، على حين اكتفى صادق بإعلان امتعاضه، ~~ولم يشترك حمادة في المظاهرات خارج أسوار الجامعة .. كأنما كان يترفع عن الاندماج في ~~الجماهير، ولبث طاهر في موقف شبه حيادي، لم يعد يعلن تأييده لموقف أسرته ولكنه لم ينضم ~~للجانب الآخر، وقال لنا يوما: فليحل القضية من يحلها، إن لم يكن مصطفى النحاس فليكن محمد ~~محمود. # ومرة أخرى أعلن ملاحظة لم نلتفت إليها من قبل، قال: ألا ترون معي أن الوفد تقدمي في ~~السياسة ورجعي في الفكر، وأن الأحرار رجعيون في السياسة وتقدميون في الفكر؟! # والحق أننا في الثقافة لم نكن نفرق بين وفدي ودستوري، ولا نتأثر بعواطفنا السياسية في ~~تقدير من يستحق التقدير من خصومنا، بل ألم نفتن بكتاب أعدائنا أنفسهم من ~~الإنجليز؟! # وبقدر ما تحظى به حياتهم الثقافية الحرة من ازدهار وتقدم وجرأة فإن دراستهم الجامعية ~~تعثرت في الفتور المنذر بالفشل؛ حمادة يتلقى محاضراته القانونية في برود ولا مبالاة، ~~إسماعيل قدري يعتبر نفسه منفيا في كلية الآداب ليحصل على شهادة لا يحبها ليشتري بها وظيفة ~~يمقتها، ويواسيه صادق فيقول له مشجعا: بوسعك أن تكون أستاذا كبيرا. # فيقول: إذا حيل بين إنسان وهدفه فقد قضي عليه بالموت. # أما طاهر فثابر على نشر شعره الجميل، وثبت أقدامه في مجلة الفكر، ومضى يترجم لها مختارات ~~من الفرنسية، وهي من ناحيتها نفحته بمكافآت مالية سعد بها سعادة غير محدودة وأنفق بعضها ~~علينا في صورة حلوى ممتازة من جروبي، وأنذرناه بمعركة قادمة مع والديه، فقال ضاحكا: لتكن ~~معركة. # فقال له صادق: اجبر بخاطرهم وانجح ثم افعل بنفسك ما تشاء بعد ذلك. # فأجاب بإصرار: لا أحب العبودية. # وفي ختام العام الدراسي نجح حمادة ms32 وإسماعيل وسقط طاهر سقوطا شاملا . انفجرت أزمة حقيقية ~~في فيلا الأرملاوي، وخمد أملهم في ولي العهد، وجلس أمام عبيد باشا وإنصاف هانم في قفص ~~الاتهام متهما، قال الباشا بحزن عميق: هذه نتيجة شخص آخر على وجه اليقين! # وقالت إنصاف هانم: مسئوليتك ثقيلة على قدر ذكائك، وأنت مطالب بالتفسير؟ # طفح قلبه بالأسى ولكنه كان أكبر من أن يفرط في روحه فقال: دخلت الطب مرغما، هذا هو ~~التفسير. # فسأله أبوه وهو في غاية التجهم: لم تعد طفلا، فماذا تريد؟ ~~- مستقبلي في الشعر والصحافة. # فهتف الرجل: خبر أسود. ~~- المسألة غاية في البساطة يا بابا. ~~- تصورك هذا لها يجعل منها مصيبة أخرى. # وتأوهت الهانم وهي تسند رأسها إلى يدها قائلة: أي خيبة أمل! # فقال بهدوء: أنا آسف جدا، ولكن لا حيلة لي. # وبعد أن فرغ من روايته لخص لنا الموقف قائلا: الفيلا في مأتم وأنا في غاية الكدر. # فسأله صادق: ألا تراجع نفسك؟ # فقال باسما: سألتحق قريبا جدا بالمجلة كشاعر ومترجم، سيكون لي مرتب ثابت، أصدقائي ~~هناك يقدرونني جدا. # وقال إسماعيل قدري: إني أؤيدك. # وقال حمادة: أحيانا يثبت الآباء أنهم في حاجة إلى تربية جديدة. # فقال له طاهر: أبوك بخلاف أبي، لين العريكة. # فقال حمادة بضيق: احتقارهم يطاردني. # وألحق طاهر بمجلة الفكر، وكانت علاقته برئيفة تنمو وتشتد، بل لعلها لم تعد سرا، فليس في ~~العباسية أسرار، ويوما قال لنا: لا مبرر للتأخير، وعلي أن أفعل ما فعله صادق صفوان. # وهمس صادق: الباشا لم يسترد أنفاسه بعد؟! # فقال استهانة: لا بد مما ليس منه بد. # وتضاربت الأقوال في قشتمر، اقترح حمادة أن يتم الزواج سرا حتى يعرف في وقت مناسب، ونصح ~~إسماعيل بأن يتم الزواج كأمر واقع ثم يبلغه طاهر أباه برسالة تحرر في اجتماعنا، ولكن طاهر ~~قال بحزم: لا .. أريد أن أواجه التحديات بنفسي. # ثم وهو يغرق في الضحك: ولتفعل بنا القوة ما تشاء. # في تلك الأيام المغرقة في الانفعال تلقى إسماعيل قدري الضربة القاضية الأخيرة، قاد مظاهرة ~~في الحرم الجامعي فقبض عليه خارج ms33 أسوار الجامعة، وسرعان ما تقرر رفته نهائيا من الجامعة. ~~هوى صديقنا مثيرا فينا عاصفة من الحزن والأسف، موت أبيه غير مجرى حياته وبدد آماله، وها ~~هو الجهاد يقضي على البقية الباقية، إنه وأمه يعيشان على معاش صغير ولا بد من احتواء ~~المصيبة بحل سريع، وتبادلنا الآراء في مجلسنا فقال صادق صفوان: لا بد من وظيفة بالبكالوريا ~~أما المستقبل فبيد الله وحده. # فقال طاهر عبيد: لدينا أناس كبار يستشفع بهم عند الحاجة مثل يسري باشا ورأفت باشا. # فقال حمادة: أبي وفدي والرياح تهب اليوم ضد الوفد. # فقال صادق: رأفت باشا من خصوم الوفد ولكنه لا يخيب الرجاء. # وأبدى صادق مروءة محمودة فاصطحب إسماعيل إلى سراي رأفت باشا، وعرض عليه المشكلة من ~~البداية إلى النهاية، ونظر الباشا إلى إسماعيل وقال كالعاتب: إذن فأنت وفدي. # فقال صادق باسما: مثلي يا سعادة الباشا. # ووعدهما خيرا، وأنجز الرجل ما وعد، وألحق إسماعيل قدري بوظيفة كتابية بدار الكتب. هكذا ~~انتهى الصديق الطامح للزعامة والقانون، وقال له حمادة معزيا: دار الكتب تناسب عشاق ~~الثقافة. # وقال له صادق: وسوف يرجع الوفد إلى الحكم يوما ما. # فقال إسماعيل بفتور: لا يعرفني أحد من القادة. # ثم بصوت خافت: لم يبق لي في الحياة إلا الثقافة. # وأراد حمادة أن يسري عنه فقال: وغابة التين الشوكي. # وفي تلك الأثناء اختفى من مجال صحبتنا الأقران الآخرون، واقتصر المجلس على خمستنا، أصبحنا ~~من معالم المقهى، وفي العطلة الصيفية لا نتخلف عنه ليلة واحدة، ووقعنا في هوى النارجيلة ~~وثملنا بنشوة الدخان، ونوعنا سهراتنا مساء كل خميس فأضفنا إلى السينما المسرح والصالة، ~~وزودنا عشاءنا بالخمر أحيانا، بل عرف حمادة لف سيجارة الحشيش، وظل قشتمر أحب الأماكن إلينا ~~بما هو المأوى الذي نخلو فيه إلى أنفسنا ونتبادل عواطف المودة، وقد بدأ منا ثلاثة - صادق ~~وإسماعيل وطاهر - حياتهم العملية، أما حمادة فواصل حياته الجامعية الفاترة، وبدا صادق ~~أسعدنا فقد حقق حلمه في الحب والعمل، وكم يسعده التنويه بنعمة ربنا عليه فهو يقول لدى كل ~~مناسبة: الزواج نعمة الله ms34 الكبرى على عبده. # وفي الوقت المناسب أيضا بشرنا قائلا: دخلنا في متاعب الوحم السارة! # وأنبأ وجهه الصافي في الأيام التالية عن قلق طارئ كالماء الرائق الذي لا يخفي سرائره، أهو ~~الوحم يا ترى؟ وصارحنا بهمه قائلا: حبها النهم توقف فجأة! # واستحوذت علينا حيرة بالغة حتى قال: أخبرني نفر من أهلها أن تلك حال عارضة وعابرة وأن لا ~~داعي للقلق. # وعند ذاك قال له حمادة: نحن قوم لا علم لنا بهذه التجارب، فاسعد وحدك واقلق وحدك. # وإذا بطاهر يقتحم قلوبنا بحكايته، جاءنا ليلة مخطوف اللون ليقول لنا: وقعت ~~الواقعة! # عرفنا بداهة ما يعني وتطلعنا إليه في إشفاق فقال: أعلنت الحرب. # لم يكن بقي بينه وبين والديه إلا الصمت، حتى شقيقتاه اللتان تزوجتا من دبلوماسيين بعثتا ~~إليه برسالتين يحثانه فيهما على إرضاء أبيه. وتكمن أزمته الحقيقية في حبه والديه مع حرصه ~~الكامل على استقلاله. ولم يعد يحتمل التأجيل ولا يقبل بالهرب، فمضى إليهما في الشرفة المطلة ~~على الحديقة في الأصيل، وبدون مقدمات قال بصراحته المعهودة: إني أفكر جادا في الزواج. # لم يظهر أي رد فعل كما توقع، غاية ما في الأمر أن الباشا تساءل متهكما: هل توجد فتاة ~~محترمة ترضى بفتى في وضعك؟ # فقال بهدوء: وجدتها وهي جد راضية. # وانفلت الباشا من بروده فقال بانفعال شديد: إذن هو حق ما سمعت وأبيت تصديقه؟ # وسألته الهانم بمرارة شديدة: ماذا تقول؟ # فقال بهدوء: لا أدري شيئا عما سمعتم ولكنها رئيفة حمزة! ~~- البنت الممرضة! # وصاح الأب: البنت صاحبة السمعة. # فقاطعه طاهر واقفا: بابا، من فضلك! # فصاح الباشا: ثمة قوة مجهولة تريد أن تنتقم مني وتنكل بسمعتي. # وهمست الهانم: يا للخسارة يا طاهر. # ورجع الأب يقول: حذار .. حذار أن تقترب هذه البنت من بيتنا. # فقال طاهر بأسى: أمرك مطاع! # تابعناه متأثرين فابتسم ابتسامة لا معنى لها وقال: وحملت أشيائي وذهبت. # فسأل صادق: هل تركوك بلا مقاومة. # فقال ساخرا: إني أعيش مؤقتا في البيت الصيفي بسراي الحلواني. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- اتفقت مع رئيفة على الإقامة في شقتهم بعد ms35 القران فترة من الزمن. # يا لها من رحلة طويلة حقا يقطعها العاشق من بيت السرايات إلى شقة صغيرة متقشفة يطل ~~جانب منها على القرافة، وبدا لنا صديقنا كأنه مغامر لا يبالي بما يصادفه، اختار حياته ~~بجرأة غريبة وقطع ما بينه وبين أسرته المجيدة بوثبة جنونية. ودار نقاشنا حول الخطوات ~~التنفيذية، واتفق الرأي أخيرا على أن يكتب الكتاب في مسكن صادق صفوان ونحتفل بعد ذلك ~~بالعروسين في كازينو العائلات بالظاهر. والحق أننا نستطيع أن نفرح في أي مكان. وأخليت حجرة ~~في شقة رئيفة ففرشت بحجرة نوم جديدة اشتريت من تاجر أثاث بشارع الشرفا، بالإضافة إلى حجرة ~~نوم أم رئيفة، أما الحجرة الثالثة فجعلت للمعيشة والسفرة، وكان الجو خريفا معتدلا فجمعتنا ~~مائدة خاصة للشراب والعشاء. وتبدت رئيفة رائقة سعيدة، ولم تشهد أمها الحفل لكبر السن أو ~~لعدم الاستعداد، وشربنا وأكلنا وضحكنا، ومضى ركبنا بعد ذلك في تاكسيين إلى عمارة ~~العروس. # تزوج طاهر في العشرين من عمره، كذلك كانت رئيفة في العشرين، وإن خمن إسماعيل أنها أكبر من ~~ذلك، ولدى عودتنا إلى بيوتنا تبادلنا حديثا ذا شجون. قال صادق: الحياة لعبة بيد الحظ فلندع ~~له بالسعادة. # فقال حمادة: أنا معجب بشجاعته، إنه شخص غير عادي. # فقال إسماعيل قدري: أرجو ألا يندم أبدا. # فتساءل صادق: هل يطيق حياته الجديدة وهو ربيب النعمة والترف؟! # فقال حمادة ضاحكا: هي، لدرجة ما، مغامرة سينمائية. # على أي حال انضم طاهر إلى حزب الاستقرار والسعادة، وعرفنا عن طريق صادق وطاهر حبا ~~واقعيا رشيدا، لا كالحب الذي نشهده أحيانا في السينما، ولا كالحب الذي حدثنا عنه ~~المنفلوطي. وبفضل ذلك صار منا عضوان منتجان، أحدهما تاجر والآخر شاعر، وعما قريب يصيران ~~والدين، وهو خير من الإبحار في محيط الثقافة شمالا وجنوبا دون ثمرة أو التمادي في تشريح ~~السياسة المصرية دون عمل، ولم نكن نتصور أن ينتهي إسماعيل قدري إلى حياة الوظيفة الخاملة، ~~وسأله طاهر محرضا: لماذا لا تشق سبيلك إلى الكتابة؟! # فقال بفتور: لم يجر لي ذلك في حلم. # كلا، لم ms36 نتصور أن يقنع بالهزيمة ويستسلم لمخدر الروتين، وآي ذلك أن حماسه السياسي لم يهن ~~إن لم يكن اشتد، ولم يبق فينا من هو مجرد علامة استفهام إلا حمادة؛ ذلك الرحالة بين الأفكار ~~والمذاهب الذي لا يستقر على حال أكثر من أيام، حتى اعتاد طاهر أن يداعبه عند اللقاء ~~متسائلا: من تكون اليوم؟! # ويواصل ركن قشتمر سمره ما بين الأصالة والمعاصرة منبهرا بكل جديد في الفكر أو العلم ~~متطلعا إلى حكم صالح ينعم فيه بالاستقلال والديمقراطية، وتابعنا باهتمام حار صادق جهاد ~~الوفد في مكافحة الدكتاتورية، أما صادق فكان يحسب الأيام في جريانها منتظرا الوليد الذي ~~يجود به القدر. وكانت ولادة إحسان غير يسيرة فاضطر إلى استدعاء طبيب لمعاونة الداية، وتلقى ~~- بعد العناء - من ربه وليده الأول الذي أسماه إبراهيم تيمنا باسم أبي الأنبياء، وفرح به صادق ~~فرحتين، فرحة بمجيئه، وفرحة بتوقع عودة أمه إلى طبيعتها الأولى، وبالمناسبة قال طاهر: لا ~~أحب فكرة الإنجاب. # فسأله صادق الذي أصبح ذا تجربة: ورئيفة؟ ~~- طبعا العكس. ~~- عظيم، سوف تنجب عاجلا أو آجلا. # فقال باستسلام: بل أخشى أن يكون ذلك قد تم! # فقال صادق بأسلوبه الوعظي: هذا حقها فلا تأسف. # كان بعضنا يخاف على طاهر ردة الفعل بعد أن يخبو لهيب رغبته، الحق أنه استمر في حبه فدل ~~على أنه أحب حبا صادقا، وهضم مقامه الجديد بيسر ومرح، وازداد حماسا في عمله وإنتاجه ~~ونجاحه وكأنه لم يخلق إلا لذاك. ومع أنه ابن ذوات كحمادة، إلا أنه كان ذا استعداد شعبي فطري، ~~حتى منظره اختلف في ذلك عن أبيه وشقيقتيه بالإضافة إلى العادات والسلوك التي اكتسبها من ~~صحبتنا وانغمس فيها حتى قمة رأسه. وفي أول عهده بالزواج أراد أن تنقطع رئيفة عن عملها ~~وتستقر في بيتها فلم تمانع وقالت له: أنا على أتم الاستعداد ولكن، ألا يزيد ذلك من ~~أعبائك؟! # ففكر وحسب ثم قرر أن يتركها في عملها الذي كانت تربح منه أضعاف مرتبه، وقال لنا ~~بحرارة: إنها على خلق وجديرة بكل ثقة. # وعجبنا في أنفسنا لما ms37 ذاع عنها قديما من غير أي دليل، وأهدى إلينا الزمن المتجهم بسمة ~~بسقوط الحكم الدكتاتوري، ولكن حكم الوفد مضى في غمضة عين عقب فشل المفاوضات فلم يدم أكثر ~~من إشراقة شمس عابرة في يوم غائم طويل، وخلفه في الحكم إسماعيل صدقي مفتتحا عصرا داميا ~~من التعسف والإرهاب. وماجت البلاد بالمظاهرات وأنت من كثرة الضحايا، وجعل إسماعيل قدري ~~يرقب المعارك في ميدان باب الخلق من نافذة حجرته بدار الكتب وهو يتعجب كيف قضي عليه بأن ~~يكون موظفا ويحال بينه وبين الاشتراك في المظاهرات. وأظلت جماعتنا سحابة قلق لاعتكاف يسري ~~باشا الحلواني في سراياه مريضا، وما أعقب ذلك من إجراء جراحة له في البروستاتا، وما لبث أن ~~توفي الباشا في المستشفى الفرنسي على مبعدة يسيرة من سراياه. فقدت العباسية بموته أهم ~~شخصية اقتصادية ووطنية بين أبنائها، كما خسر الوفد أحد مجاهديه الأوائل، وشيعت الجنازة في ~~موكب عظيم تقدمه أعضاء الوفد وعلى رأسهم مصطفى النحاس، ورغم فتور العلاقة بين الأب الراحل ~~وصديقنا حمادة إلا أن الحزن استغرق الفتى في يوم الفراق، وبكى في المدفن بكاء صادقا كأخيه ~~توفيق. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أنه شعر بالتحرر والاستقلال وأنه سعد بذلك الشعور، وترك ~~الإدارة لشقيقه، واهتم بفرز ميراثه من الأموال السائلة والعقارات، وصادف ذلك أن بلغ سن ~~الرشد قبل الوفاة بأسابيع. ووضح لنا جميعا أن صديقنا أصبح من الأغنياء بكل معنى الكلمة، ~~ونصحه صادق قائلا: حافظ على حسن العلاقة مع أخيك تفاديا من وجع الدماغ. # فقال موافقا: أوافق تماما، ولكي أحصل على نصيبي السنوي من أرباح المصنع دون متاعب. # وقال له إسماعيل قدري: وعليك أن تتم دراستك القانونية. # فتساءل بسخرية: وما وجه الحكمة في ذلك؟ ~~- على الأقل حتى لا يهدر تعب مرحلة طويلة من الحياة! # فقال باستهانة: كلام فارغ. # ولم يتردد فهجر كلية الحقوق غير آسف وغير مكترث لرجاء والدته، ودعاه التحرر إلى تحقيق ~~أحلام ألحت على رأسه منذ قديم، فاستأجر شقة في خان الخليلي وأثثها على الطريقة الشرقية، ~~كما أعد لنفسه ناديا ms38 خاصا في عوامة بشارع الجبلاية ، وقال لنا بسرور: كي يتسع أمامكم مجال ~~التسلية. # جاء الوقت ليشبع شغفه بالحياة العريضة، حسية وعقلية، في رحلته الطويلة المتحررة من أي ~~التزام. وكما يأبى الانتماء لرأي فهو يرفض الارتباط بعمل، بل لم يتأثر تأثرنا بزواج صادق ~~وطاهر، فقد هيج الزواج حنيننا إلى الحياة الزوجية، أما هو فلم يتزعزع أنملة عن موقفه، وتردد ~~نهاره بين خان الخليلي وشارع الجبلاية، يقرأ، يستمع إلى الأسطوانات، يشرب القليل من الخمر ~~وعشق الحشيش، ثم لا بد أن يختم يومه بجلسة ساعتين على الأقل في قشتمر، وقال لنا بوضوح: غاية ~~الإنسان من كل سعي أن يبلغ الحياة التي أستمتع بها اليوم. # وقال طاهر عبيد: عرف صديقنا ما يناسبه. # فقال صادق بارتياب: انتظر، قد ينقلب كل شيء رأسا على عقب! # وها هو إسماعيل قدري يمارس حياته وكأنما قد استنام إليها بصورة نهائية، موظف صغير أبدي، ~~في بيت محدود الرزق بلا مستقبل، رأسه يتضخم بالاطلاع والتفكير، وقلبه قلق بالشك الذي ~~اجتاحه، ومسراته الحسية متدنية وتعيسة، لماذا لا يلقى الصعاب بالتحدي المناسب لقدراته؟ ~~لماذا لا يحاول الكتابة؟ لماذا لا يدرس القانون من الخارج؟ لماذا يستسلم للهزيمة؟ وأين ~~تلاشت همته العالية؟! وكأنه لم يبق له من المتع الطيبة الدنيوية إلا أكلة فاخرة وكأسان من ~~الويسكي في العوامة أو خان الخليلي. ولكنه لم يفقد يقظته العقلية المتألقة. ولما جاء حمادة ~~ببعض الخواجات يستعين بهم على تذوق الفن التشكيلي والموسيقى الغربية تجلى إسماعيل على رأس ~~المتذوقين، وربما فتر حماس حمادة أحيانا، أما حماسه هو فقد استمر. واهتمامه مع ذلك بالفن ~~والأدب والفلسفة لا يقاس باهتمامه بالسياسة ورؤاها، وفي ذلك الميدان يعد معلمنا الأول، ووضح ~~ميله للديمقراطية، وإن قال بإيمان: لا ديمقراطية بلا عدالة اجتماعية. # ويظل في ظاهره على الأقل موظفا صغيرا، يثابر على استعارة الكتب، والتعلق بالوفد، ~~والسمر في قشتمر، ومعاشرة الأسى وهو ما لا يلاحظه إلا من يستشف أعماق عينيه. # طاهر عبيد - رغم منفاه الاختياري - أسعدنا فيما يبدو. بحسبه أن شعره يعتبر اليوم أجمل ما ms39 ~~ينشر من شعر، أو في الأقل أجمل ما ينشر من شعر في مجلة الفكر ذائعة الصيت. وها نحن نلمح ~~رئيفة في ذهابها وإيابها مرتدية فساتينها الفضفاضة لتداري حبلها. وفي الوقت المناسب أنجبت ~~للشاعر درية. وثمل طاهر بالأبوة كما ثمل بها صادق من قبل، وتساءلنا: ترى هل علم عبيد باشا ~~الأرملاوي وإنصاف هانم القللي بمقدم حفيدتهما؟ الواقع يقطع بأن صديقنا قد انفصل عن أسرته ~~إلى الأبد، ووجه الباشا المتعجرف لا يعد بأي أمل في التراجع، والهانم لا تقل عنه ترفعا ~~واغترابا، ولم يتصور أحدنا أن تقف الهانم موقف الند من أم رئيفة العجوز، والمسألة تبدو ~~حلما من الأحلام أو الأسطورة نسجها قلب شاعر متمرد عذب. يسأله حمادة أحيانا متذكرا حبه ~~القديم لوالديه: ألا تحن أحيانا إلى بين السرايات؟ # فيتفكر مليا ثم يقول مداريا أشجانه بالابتسام: اهجر من يهجرك. # ويقول عن درية بفخار: جميلة حقا وصدقا .. اقتبست أجمل ما في ماما ورئيفة. # فقال له صادق ضاحكا: وإذا قدر الله أن تقتبس منك بدانتك أيضا أصبحت بمبة كشر ~~عصرها! # وقال حمادة ذات ليلة: صادق لم يعد كالعهد به، ألم تلاحظوا ذلك؟ # فقال طاهر عبيد: كما تقول تماما. # ولما جاء صادق في ميعاده المتأخر نسبيا أحاطت به الأعين متفحصة، ولاحظ هو ذلك ولكنه ~~تجاهله، وقال حمادة: فيك شيء تغير! # فتنهد واستمر في صمته، وتوالت الأسئلة عن الصحة والأحوال حتى قال: إحسان لم تعد كما كانت. # شد انتباهنا بقوة. تستحوذ الأسرار العائلية علينا أحيانا بأشد ما تستحوذ المذابح ~~الدكتاتورية أو الأفكار الفلسفية .. وواصل صادق حديثه قائلا: إنها اليوم أم مائة بالمائة. # ولم نفهم نحن العزاب، ولكن طاهر أيضا يبدو مثلنا. ~~- مع واجبات البيت، فلا شيء يهم إلا الصغير. # ونظر في وجوهنا بوجه جاد ثم قال: وأنا؟! حسبت أن الأمومة تبدأ هكذا ثم يرجع كل شيء إلى ~~أصله، ولكن انتظاري نفد. # فقال طاهر عبيد: الوقت يتسع لكل شيء. # فتنهد صادق قائلا: كانت شعلة فأصبحت رمادا. ~~- لعلها الصحة! ~~- الصحة في أحسن أحوالها .. بل لعلها تسمن أكثر مما ms40 يجب، تفقد رشاقتها، وتطل من عينيها ~~نظرة هادئة بل خامدة، وتعنى بكل شيء ولكنها تهمل نفسها، منظر جديد تماما. # وتساءل طاهر: لا مؤاخذة .. هل ...؟ # فقاطعه بصراحة: تستجيب إذا استجابت بدافع الواجب لا الرغبة! ~~- هل وقع بينكما شيء؟ ~~- أبدا، نحن على أتم صفاء، المسألة أعمق من ذلك. # فقال له إسماعيل: عليك بالمزيد من الصبر. ~~- قلت لها مرة: مالك يا عزيزتي؟ لماذا تهملين منظرك؟ كنت دائما وردة يانعة، فاعتذرت ~~بعملها في البيت وعنايتها بالولد .. أعذار واهية وغير مقبولة .. وأكثر من ذلك فهي راضية ~~وسعيدة، غاية في النشاط، لا تهمل شيئا ولكنها تهمل أهم شيء. بيتنا مثال في نظافته وطعامه، ~~الولد يتألق دائما في اللفائف الناصعة، ورغم ذلك فربة البيت كبرت مائة عام! # ونظر حمادة إلى طاهر عبيد وسأله: كيف ترى ذلك؟ # فقال طاهر: إنها حال شاذة. # فتساءل إسماعيل: هل يلزم استشارة طبيب؟ # فقال صادق: لمحت إلى ذلك فاستاءت ودمعت عيناها ... إنها مثال في الحياء والتهذيب والطاعة ~~فاعتبرت تلميحي إهانة، وذكرتني بأنه لا ينقصني شيء ... فقلت لها إن العلاقة بين الزوجين لا ~~يمكن أن تكون واجبا مفروضا، فأكدت لي أنها ليست كذلك! # ولم نملك إلا أن نحثه على الصبر ونمنيه بالشفاء، ولكننا أدركنا مدى خطبه؛ إنه رجل يتفانى ~~في عمله ولا عزاء له في يومه الشاق إلا الحب، وهو لا يشبع منه فكيف يصبر على بلواه؟! # وأخيرا قال لنا: ثم إنها حملت من جديد وأخشى أن يزداد الأمر سوءا. # وبات صادق أقلنا مرحا، وجاءته إحسان بابنه الثاني «صبري»، وازدادت الحال سوءا كما توقع ~~حتى قال لنا: إنها سيدة مثالية، وأم مثالية، أما أنا فزوج بائس. # وصمد قشتمر وكأنه وطن ثان لنا، وتوفي صاحبه الكهل وحل محله ابنه، وترددت فيه أصواتنا ~~تحتفل بسقوط صدقي، وبشائر سياسية جديدة، وأنباء عن نجاح النازي في ألمانيا بزعامة هتلر، ~~ومعاهدة 1936. في أثناء تلك الفترة الطويلة نسبيا لاحظنا أن حمادة يسري الحلواني يهتم ~~اهتماما خاصا بالعمارة القائمة في الجانب الآخر من الطريق، هناك في الدور الرابع تلوح ~~فتاة في ms41 النافذة حينا وفي الشرفة حينا آخر، بنت تستحق الاهتمام، ظهرت حديثا في أسرة سكنت ~~في العمارة منذ وقت قصير، ومن موقعها القريب نسبيا يتبدى وجهها الأسمر المستدير غاية في ~~اللطف، بعينيها الواسعتين وشعرها الغزير، في هالة محترمة تدل على أنها بنت ناس، ثم تتابعت ~~الأخبار مسجلة أن أباها طبيب منقول من الأرياف ليشغل وظيفة هامة في وزارة الصحة. وقع ~~حمادة - فيما بدا - في شباك الحسن المطل، فواظب على الحضور إلى قشتمر مبكرا لينعم برؤيتها ~~في ضوء النهار. كان الوقت ربيعا، ونحن في الربيع والصيف ننقل مجلسنا إلى الحديقة الصغيرة ~~فلا يقوم حاجز بيننا وبين الجانب الآخر من الطريق المفضي إلى شارع فاروق، وكان قد بلغ ~~الخامسة والعشرين أو ما يزيد، وليس في حياته من قصص الحب إلا تلك القصة الخاطفة التي أجهضت ~~في معركة. وبعد أن أقام لمزاجه ركنين في خان الخليلي والجبلاية زود حياته بالعلاقات ~~النسائية الطائرة، فتجيء المرأة مرة أو مرتين ثم تذهب لحالها، وهو يجد مسرته في التنقل دون ~~ارتباط أو التزام كحاله في الآراء والمذاهب. فلأول مرة تعتوره أمارات العاشقين، فيرسل ~~النظر، ويتورد خداه، ويتخلى عن الاستهانة، ويقلقه الشوق والوجد، وقال صادق متناسيا شجونه: ~~لا يدهشني ذلك على أي حال. # ولم ينف حمادة التهمة مستسلما لسحر الواقع، وقال طاهر عبيد: على بركة الله! .. اشتقنا ~~للأفراح والليالي الملاح. # ولم تضع رسائله في الهواء فتلقى رسائل من العينين الواسعتين ونحن شهود، حتى قال إسماعيل ~~قدري: آن لك أن تتحرك. # نحن نحب الحب، ونرحب بنسائمه، علها تخفف من توتر جونا المشحون بنبوءات الحرب، ونذر ~~السياسة، وعواصف الثقافة المفعمة بالمتعة الضارية والشكوك العاتية، ولكن صاحبنا يتمتع ويحلم ~~ولا تند عنه حركة. وقال إسماعيل مفسرا: اعذروه؛ ليس من اليسير أن يبيع حريته الطاغية ويسلم ~~قلبه وروحه للقيود الأبدية. # ولكن الحركة دبت في الجانب الآخر بشجاعة فائقة ونية صافية، ظهرت في الشرفة ذات أصيل في ~~ثوب أنيق وهيئة دالة على الخروج إلى الطريق، وألقت عليه نظرة ناطقة لا تحتمل التردد بعد ~~ذلك، ms42 هتف طاهر: دخلنا في الجد ؟ # وتساءل صادق: هل تخرج وحدها؟ # ورجع طاهر يقول له: إنها دعوة صريحة فعليك أن تستجيب بطريقة ما، جس النبض بإشارة ... وزرر ~~جاكتته كمن يتأهب للقيام، فابتسمت ابتسامة واضحة، وقال له إسماعيل: توكل على الله. # من شدة توتره لم يبتسم، غابت الفتاة من الشرفة وقام هو في شيء من الحدة وغادر الحديقة. ~~أتبعناه أنظارنا حتى اختفى، وقال صادق: إنها تدعوه إلى لقاء فاصل، وسوف يتزوج حمادة قبل ~~نهاية العام. # جاء في اليوم التالي متأخرا، وطالعنا بوجهه القديم الهادئ الخالي من ذبذبات العواطف ~~وتوهج الأمل. وجمنا بعض الشيء وتساءل طاهر في إشفاق: هل نهنئ؟ # فبدت منه ضحكة باردة وقال: انسوا الموضوع تماما. # ولكن حب الاستطلاع لم يترك لنا حيلة، فقال بضيق: انتظرت أمس عند محطة الترام، وحتى تلك ~~اللحظة كنت عاشقا تماما، كما كان صادق وكما كان طاهر. ~~- ثم؟ ~~- رأيتها بصحبة مامتها قادمتين نحو المحطة، تخيلت ما سيحدث، سنستقل معا حجرة الدرجة ~~الأولى، يتم التعارف، نجلس بعد ذلك في مكان مناسب لتحديد الخطوط الأولى، أجل لم يعد بيني ~~وبين النهاية إلا خطوة، خطوة واحدة وأنتقل من حال إلى حال، من دنيا إلى دنيا، من فلسفة ~~إلى فلسفة، وسرعان ما وجدتني على برزخ فاصل بين حلمي الطويل بالحرية المطلقة وبين عاطفة ~~طارئة مغرية تدعوني إلى العبودية، وشعرت بتمزق فظيع، البنت جميلة وتطالعني بعينين مرحبتين، ~~ووراءها أمها تضفي علينا طهارة وشرعية، تمزقت تماما، ملكني رعب هائل، وجاء الترام ووقف، وصعدت ~~إليه أمها، ثم تبعتها وهي تبتسم إلي، وما علي إلا أن أصعد وينتهي كل شيء، ولكني تسمرت ~~في مكاني، ونظرت بعيدا هربا من عينيها، وتحرك الترام، ولبثت في موضعي وأنا أتنهد بعمق ~~وأتذوق النجاة وترتعش أطرافي من شدة الخجل. # لفنا الذهول مليا ثم انفجرنا ضاحكين: الله يخيبك يا بعيد! ~~- أحرجت البنت وأمها. ~~- بنت مناسبة جدا. ~~- سوف تندم. # وعند ذاك قال برجاء: انسوا الموضوع تماما. # وسكتنا احتراما لمأساته، ربما نعود إلى الموضوع فيما بعد. الحق أن الموضوع في ظاهره ~~بين ms43 الوضوح؛ فهذا رجل يعشق الحرية المطلقة، وله من الظروف المادية ما يتيح له ذلك، ولكن ~~كيف يطيق إنسان سوي ألا يلتزم بشيء؟ .. لقد تصور إسماعيل قدري أنه رجل عاجز عن الحب الحقيقي، ~~ولكنه أحب الفتاة، وهل لا يكون الحب حبا إلا إذا جرى على شاكلة حب المجانين أو حتى الحب ~~السينمائي؟! ولكن حمادة في هذه الدنيا كزائر متحف للعرض لا للبيع، في السراي مع مامته، في ~~خان الخليلي مع الجوزة، في العوامة مع المحترفات، في المكتبة مع العقول والقلوب. وقال ~~إسماعيل قدري مرة: إذا تعددت الأهداف تلاشى الهدف. # أما صادق صفوان فسلم بالأمر الواقع قائلا: أعترف بخطئي وأقول إن حمادة لن يتزوج أبدا. # وقد تزوج أخوه توفيق بعد عام واحد من وفاة أبيه، وعن طريق أمه عفيفة هانم بدر الدين، من ~~إحدى عقائل الأسر الكريمة بالعباسية الشرقية، وأرادت الهانم أن تزوج حمادة أيضا ولكنه ~~خيب مسعاها في ذلك أيضا. وقالت المرأة متسائلة: لا عمل، ولا دراسة، ولا زواج، لماذا ~~تعيش؟! # أما الشيء الرديء فهو أن أسرار الحياة الخاصة لحمادة يسري الحلواني قد فاحت في العباسية ~~ولهجت بها الألسنة. وما العباسية إلا قبيلة كبيرة لا يخفى فيها سر. عرف الناس سر الفتى ~~الحائر، وشقته الشرقية بخان الخليلي، وعوامته الجميلة بشارع الجبلاية، وعرف بالحشاش ~~المنحل. وقالت عفيفة هانم: يا خسارة أولاد الأكابر، ومن حمادة الحلواني إلى طاهر عبيد يا ~~قلبي لا تحزن! # وقيل أيضا إن شلتنا اعتبرت المسئولة عن تدهور ابني العباسية الشرقية. ولما انتهت إلينا ~~تلك الأنباء تساءل إسماعيل قدري ضاحكا: أنلام على خلق شاعر شعبي فريد وعمر خيام ~~حديث؟! # أما صادق صفوان فقال مازحا أيضا: الحق أن العباسية الشرقية هي التي أفسدتكم بتقديمها ~~الخمر والحشيش لكم في خان الخليلي والجبلاية، فويل لأولاد الناس الطيبين من أبناء ~~الذوات! # ولكن إسماعيل قدري هو من يستحق الرثاء حقا، ولو حسنت أحواله لتقدم الجميع في طريق ~~الزواج لما عرف عنه من الانضباط وحب الاستقرار. ومما يحسب له أن أوار وطنيته لم يخب رغم ~~إحباطه ms44 الشديد، وأنه كان أشدنا غضبا وسخطا على الملك فاروق في خلافه مع الوفد، ولم يغفر له ~~إقالته الوقحة للنحاس أبدا، وقال بعنف: قديما كان ماهر والنقراشي يصدران حكم الإعدام على ~~الخونة، أما اليوم فهما يستحقان الإعدام. # وفي تلك الأيام توفي صفوان أفندي النادي والد صادق، إنه ألصق الآباء بوجداننا بسبب شاربه ~~الأشهر، ودفن يوم إقالة النحاس من الوزارة. ويحكي صادق خبر والده فيقول: كنت منهمكا في ~~عملي بالدكان عندما جاء أبي لزيارتي على غير عادة، قال لي إنه أحب أن يجالسني قليلا قبل أن ~~يذهب إلى مقهى عبده بميدان فاروق، فرحبت به بكل حبي واحترامي، وأحمد الله أنني لم أتخلف عن ~~زيارة بيتنا في «بين الجناين» كل يوم جمعة، وأنني لم أقصر في معاونته بعد إحالته على المعاش. ~~ورأيته نحيفا أكثر من المألوف فرق قلبي له جدا، وراح يسألني عن إبراهيم وصبري وإحسان، ~~رجوته أن يعنى بصحته، فقال لي باسما: إن جدي كان أنحف منه لكنه عاش بعد الثمانين، ثم ~~ودعني وانصرف داعيا لي ولأسرتي بطول العمر، وقبلت يده وصحبته في سيره حتى ناصية أبو خودة، ~~وأنتم تعرفون ما حدث بعد ذلك. # أجل فقد مات بالسكتة القلبية وهو يلعب الطاولة في مقهى عبده. وجاءنا الخبر في قشتمر فقمنا ~~مع صادق جميعا ولم نفارقه حتى ووري الرجل في التراب، وقد حزن صادق لوفاة أبيه حزنا ~~شديدا، وصلى على جثمانه داخل قبره. وفي السرادق ليلا استمعنا لتلاوة الشيخ الشعشاعي، ~~ورأينا رأفت باشا الزين بين المعزين. ولم يخل ركننا من حديث عن السياسة والإقالة. # وشهدنا مقهى قشتمر ونحن نودع الشباب ونخطو أول خطوة في الرجولة، ومارسنا الحياة بين ~~العمل والثقافة والسمر، وكابدنا حياتنا السياسية بين الأمل والنكد، وكأنما قضي علينا ~~بمواجهة تحديات غليظة راسخة نرسف في أغلالها ونعاني من قهرها. وبعيدا عن ذلك، منا من يستمتع ~~بكل متعة متاحة كحمادة، أو من يثبت أقدامه في دنيا المال كصادق، أو من يحقق ذاته في عالم ~~الفن والشهرة كطاهر، ومنا من ينتظر. وتخضب سمرنا أحيانا ms45 بلون من الحديث جديد عن جيل جديد؛ ~~عن إبراهيم وصبري ابني صادق، ودرية ابنة طاهر. إبراهيم اليوم ابن تسع وهو في المرحلة ~~الابتدائية بمدرسة الحسينية للبنين، ودرية تشارف الثامنة وهي في المرحلة الابتدائية بمدرسة ~~العباسية للبنات، وصبري في السابعة يتأهب للالتحاق بالابتدائي، ونسأل أحيانا: كيف يتعاملون ~~مع أبنائهم؟ ويقول صادق: رعاية في غير شدة، والاستثناء وارد أيضا، أحيانا تهولني جرأتهم ~~علي وعدم خوفهم مني، ولكن، أليس ذلك أفضل؟ # أما طاهر فيقول: أنا مغرم بدرية؛ بجمالها وفطنتها، لا أمد يدي إليها بأذى، وأحول بينها ~~وبين مامتها أحيانا، رئيفة تعتبر شديدة بالقياس إلي، ولا بأس من ذلك. # وقد عرفنا الأولاد وعرفونا في عطلات الأعياد عندما صحبوا آباءهم إلى قشتمر في ملابسهم ~~الجديدة. # وتلبد جو الأرض بالغيوم، ومضت الدراما الإنسانية في نموها نحو التأزم والتوتر، حتى اجتاحت ~~الجيوش الألمانية بولندا، وما لبثت إنجلترا وفرنسا أن أعلنتا الحرب على ألمانيا، وقال ~~إسماعيل قدري: ها هي الحرب العظمى الثانية. # فقال حمادة متسولا من الهواء طمأنينة: ولكن إيطاليا لم تعلن الحرب! # على أي حال لم يشك أحد في أنها ستعلنها اليوم أو غدا، ومن ثم تصير مصر ميدان حرب بين ~~الحلفاء والمحور. ونشطت الحكومة إلى التأهب حيال المجهول، فأذاعت المعلومات المفيدة عن ~~الغارات ولفتت الأنظار إلى الإرشادات الواجبة، ومضت تطلي مصابيح الشوارع باللون الأزرق، ~~وتضفي على ليالينا سوادا لا عهد لنا به، بل وبدأت تخطط لحفر المخابئ في شتى ~~الأحياء. # ولم تتوقف عجلة حياتنا عن الدوران، وشحنتها الأخبار بالإثارة واليقظة. # حمادة الحلواني يواصل حياته بين السراي والعوامة وخان الخليلي، وأضاف إلى تنقلاته بين ~~المذاهب تنقلا جديدا بين المحور والحلفاء، فليلة يكون مع المحور، يشرح بحماس النازية ~~وفلسفتها العنصرية متابعا جذورها إلى أعمق أعماق الجنس الآري، وليلة يكون مع الحلفاء ~~مؤيدا للديمقراطية، منوها بثوراتها التاريخية وما أهدته إلى الإنسانية من مبادئ الحرية ~~والمساواة والإخاء. وقد اشترى سيارة فورد من طراز حديث ليؤمن نفسه ضد الظلام وجنود الحلفاء ~~الذين أخذوا يزحمون الشوارع، وتشكى قائلا: الويسكي يختفي، والحشيش ترتفع ms46 أسعاره، والنساء ~~بصفة عامة يفضلن الجنود على المدنيين، فأي ميزة تبقى لنا كأمة غير محاربة؟! # فقال له إسماعيل: سوف تنشب الحرب فوق أرضنا. # ولكنه قال ضاحكا: كلما اقترب الموت انفجرت لذة الحياة. # وطاهر عبيد تحسنت أحواله المادية، ودعي أكثر من مرة لتأليف أغان للأفلام، وانتقلت ~~حماته إلى رحمة الله في أعقاب إصابتها بالتهاب رئوي، فجدد أثاث الحجرتين بأن جعل إحداهما ~~للمعيشة والسفرة والأخرى مكتبة، وقال له صادق مرة: لو زرت فيلا بين السرايات ومعك درية ~~لغزت البنت القلوب المغلقة! # فقال طاهر بإشفاق: أخاف ألا تستقبل درية بما هي أهل له من المودة فيتغير قلبي من ناحية ~~والدي اللذين ما زلت أحبهما. ~~- ولكن للحفيد سحرا لا يقاوم. # فقال طاهر ضاحكا: إنك لا تعرف والدي كما أعرفهما. # وفي تلك الفترة أقلعت رئيفة عن ممارسة عملها وقنعت راضية بوظيفة ست البيت، ولكنها حافظت ~~بمهارة وإصرار على رشاقتها، وبدافع من حبها واعتزازها بزوجها عودت نفسها على النظر في ~~الجريدة والمجلة. # أما صادق صفوان فله حكاية لم نطلع على أسرارها إلا حين تمت فصولها، يبدو لنا دائما رجلا ~~مجدا ذا جاذبية خاصة لزبائنه بما طبع عليه من حلاوة في الخلق والخلق. أجل إن مشكلة ~~إحسان تزمن مع الأيام وهو يحاول مسايرتها دون إخفاء لكدره وهمه، غير أنه في ذات ليلة قرر أن ~~يبوح لنا بسره فقال: الحرب شر لا شك في ذلك ولكنها لا تخلو من خير! # ودهشنا لقوله، وتساءل طاهر مداعبا: هل تتفلسف على آخر الزمن؟ # أما الحكاية فترجع بدايتها إلى اليوم الذي تولى فيه هتلر الحكم، وفي إحدى زياراته لرأفت ~~باشا الزين قال الباشا: الحرب قادمة آجلا أو عاجلا. # فقال صادق: ربنا فوق الكل. # فقال الباشا: عليك أن تستعد لها كما يستعد الحلفاء. ~~- أنا يا سعادة الباشا؟! ~~- الإبرة التي تبيعها اليوم بمليم ستختفي وتجد من يشتريها بخمسة قروش، هل فكرت في ذلك؟ ~~التجارة ليست مجرد شراء وبيع ولكنها فكر وتخطيط. # فنظر إلى قريبه التاجر الأكبر بإكبار وذهول، فقال الباشا: خزن كل سلعة مستوردة ms47 .. أسلحة ~~الحلاقة .. الأقلام .. النفاثات .. الحلوى .. كل شيء .. اشتر التراب لتبيعه ذهبا. # هذه هي الحكاية، ونظرنا إليه مستطلعين فقال: خصصت حجرة في شقتي للخزين .. وابتعت بكل ~~قرش يفيض عن ضروريات الحياة الأشياء الرخيصة الثمينة. # فقال طاهر ضاحكا: هكذا تتكون الثروات حقا! # فقال صادق بارتياح: الحمد لله رب العالمين. # وأخذت تنهمر عليه النقود، واحتل الزين باشا في قلبه المنزلة الثانية بعد الله، وجدد أثاث ~~شقته، وبر أمه في شيخوختها فوالاها بالرعاية وزودها بما تحتاج إليه من مأكل وملبس، ولدى ~~أقل شكوى صحية يجيئها بأطباء وسط المدينة متجاوزا أطباء الحي، ولكن ذلك كله لم يخفف من ~~كدره من حياته الزوجية، بل لعله ضاعفه وصعد به إلى ذروة التوتر. وقال له حمادة الحلواني: ~~مثلك يعذر إذا سعى إلى امرأة. # فقال بحزم: ليس لي في الحرام رغبة. # وهو على تلك الحال جاءته ليلى حسن لشراء بعض الأدوات المدرسية، سمراء ممتلئة العود، ساخنة ~~النظرة، مثيرة، محتشمة الزي، أثارت اهتمامه وغرائزه، ولم يكن ممن يحسنون إخفاء الباطن ~~ففضحته، وبغزوتها المباغتة شغلت وعيه طوال الوقت وهو لا يحلم برؤيتها ثانية، لكنها جاءته ~~بعد أيام لتستبضع. فرح بها فرحة انتزعته من تقاليده فقال لها: لست من العباسية فيما ~~أعتقد؟ # فتساءلت في دعابة: حضرتك شيخ حارة؟ ~~- أعرف الجميع سواء في الدكان أو في الطريق. # فقالت وكأنها تعرفه بنفسها: نحن من الوافدين حديثا، نسكن في عمارة عم خليل لقربها من ~~المدرسة التي أعمل بها. # فقال منتشيا بسروره: تشرفنا. ~~- العباسية حي خطر لوجود الثكنات الإنجليزية بها. ~~- الله هو الحافظ. # شعر بأنه يوجد قبول واستجابة، وقص علينا القصة، وفكرنا في الأمر طويلا غير أن حمادة كان ~~أجرأنا فقال له: ظروفك سيئة وأنت تعذر إذا تزوجت مرة أخرى. ~~- فقال دون أن يفلح في إخفاء ارتياحه: ولكن لإحسان منزلة لا تعدلها منزلة. # فقال حمادة: احتفظ بها معززة مكرمة مع ابنيها، وهي ستفهم وتقدر وتعذر. # وجاءته أخيرا بصحبة امرأة في الحلقة السادسة، حدس لتوه أنها أمها، فقال لها يجرها ~~للحديث: مبارك، إنهم يبنون مخبأ قريبا من ms48 عمارتكم. # فقالت ضاحكة: نعم، على أي حال وبصرف النظر عن الثكنات فالعباسية حي جميل. # فقال مجربا نفسه في الغزل: العباسية تشرفت بأجمل بنت فيها. # ابتسمت المرأة في سذاجة ودارت ليلى ابتسامة وانتهى الموقف على خير. # ويقص علينا ما يحدث ووجهه يتألق بالسعادة، فلم نشك في أنه وقع في الهوى من جديد، إنه ~~شاب طيب، وهيهات أن يعرف امرأة إلا على سبيل الزواج. واقتنعنا تماما أنه لا مفر من ~~الزواج. وفي الحال كلفنا أهل الخبرة بالتحري عن الأسرة الجديدة بعمارة عم خليل، وجاءت ~~المعلومات تقول: إن الفتاة اسمها ليلى حسن، في الثلاثين من عمرها، أي تماثل صادق في سنه، ~~مدرسة بمدرسة العباسية الابتدائية، وأمها ست عيشة أرملة ذات معاش بسيط، أسرة على قد ~~حالها، لعلها لم تكن لترضى بالزواج من خردواتي لولا حسن سمعته وثراؤه ووسامته بالإضافة إلى ~~حصوله على البكالوريا. # ومضى في حلمه إلى غايته فرنا إلى عمارة جديدة تشطب على الجانب الآخر من الطريق العام أمام ~~دكانه فقرر أن يحجز بها شقة للعروس الجديدة، إن وفق في مشروعه، وإذن فقد صدقت نيته وتوكل ~~على الله. # ومع الحرب هبت على حينا رياح التغيير لا ممتعة ولا سارة. شق شارع طويل عريض بين شارع ~~العباسية وشارع الملكة ناظلي، واخترق الحقل القديم الذي كنا بفضله نتمتع بجمال الريف ~~بالإضافة إلى حضارة المدينة، ورحل عم إبراهيم وسكت نعير الساقية واختفت الخضرة المنعشة ~~جارفة معها الشفافية والعذوبة والروائح الذكية، وحلت محلها على جانبي الطريق الجديد خرابات ~~قاحلة سرعان ما استغلت لبيع نفايات الجيش البريطاني من السيارات الكهنة وتلال المطاط ~~والأدوات الميكانيكية والبطاطين المستهلكة. لم نعد نسمع إلا الدق وضوضاء الشارين وشجار ~~المتساومين، ولا نرى إلا غبار عربات النقل. وفقد الشارع العمومي هدوءه، وجرت فوق سطحه عشرات ~~اللوريات، وتضاعف عدد الترامات واكتظ بعمال الأورنس، وانتشر الجنود حتى في المقاهي ~~البلدي. وبيعت جملة من سرايات العباسية الشرقية المطلة على الشارع العمومي، وشرع في إقامة ~~عمائر شاهقة في مكانها وأخذ يتمايل في الأفق منظر حي جديد مكتظ ms49 بالسكان والدكاكين، ويطوي ~~في نموه المتصاعد الحي القديم بسراياته المعدودة وبيوته الصغيرة الأنيقة وسكانه المعدودين ~~الذين تربط بينهم روابط الأسرة الكبيرة الواحدة. وفي أثناء ذلك، قبيل شروع صادق في زواجه ~~الثاني وفي خلاله، وثب صديقنا وثبة أعلنت للملأ ثراءه، فقد استأجر في العمارة الجديدة التي ~~تشطب أمامه دكانين كبيرين في أسفلها، وجعل منهما دكانا كبيرا، وهيأه بالديكورات ~~والتجميل، وانتقل إليه، فلم يعد الخردواتي الوحيد ولكن الخردواتي الفريد الذي يضاهي في ~~منظره ومعروضاته محال وسط البلد، ونقش أعلى مدخله على لوحة طويلة عريضة اسم «النادي» يقرأ ~~نهارا بالخط الكوفي وليلا بالمصابيح الكهربائية، وجلس وراء منصة الحساب مستخدما للعمل ~~موظفا شابا يدعى رشدي كامل، وبطيبته المعهودة قال لنا: حلمي يتحقق بفضل الله أولا ~~والزين باشا ثانيا. # فقال طاهر مداعبا: وهتلر ثالثا! # ومضى ينفذ ما اعتزمه. ولعل طاهر كان الوحيد الذي أبدى شبه معارضة حين قال: أعتقد أنه ~~يكفي الإنسان زوجة واحدة إن حرص حقا على راحة باله. # فقال صادق: إحسان عاقلة. # فقال طاهر: النساء يفكرن بقلوبهن. # وأفضى صادق بنواياه إلى أمه ست زهرانة فارتبكت المرأة وقالت له: لم يحدث هذا في أسرتنا ~~قط. # ولما بثها شكواه في شيء من الصراحة دعت له بالتوفيق، ولكنه لقي قهرا في مصارحة إحسان حتى ~~تمنى لو كانت على غير هذا المثال من الطيبة والطاعة والنشاط رغم بدانتها المتنامية. وطبعا ~~هو لم يواجهها إلا بعد أن اطمأن إلى موافقة ليلى وأمها، بل إن ست عيشة لم تبارك رغبته إلا ~~بعد أن أقنعها بأنه لم يقدم على خطبة ابنتها إلا بسبب مرض زوجه الأولى التي يتعهد بالاحتفاظ ~~بها رغم كل شيء، وعند ذاك قالت له حماته الجديدة: «بارك الله فيك فنحن لا نحب أن يقال عنا ~~إننا نخطف الأزواج من زوجاتهم.» ورضي صادق بصفة عامة ولو أنه تمنى لو كانت تصغره ببضعة ~~أعوام، كما أنه تضايق بعض الشيء لما عرف أنه كان لها خطيب سابق انتهت خطبته بالفسخ، ولكنه ~~فسر ذلك بفقر الأسرة وعجزها عن تجهيز العروس بما ms50 يليق، ومما أخبرنا به أيضا أن أمه - ست ~~زهرانة - صارحته بأنها لا تطمئن كل الاطمئنان للموظفات، وكيف أن زبيدة هانم حرم الزين باشا ~~سخرت من تلك الأفكار البالية قائلة إن بنات الأسر الكريمة يتعلمن اليوم ويتوظفن كالرجال ولا ~~غبار على ذلك. المهم أنه خلا إلى إحسان، وقال لها وهو يشعر بحرج لم يشعر بمثله من قبل: ~~إحسان، علم الله أنك أعز مخلوق في حياتي. # والغريب أنها حدجته بنظرة قلقة كأنما حدس قلبها ما ينوي قوله. ~~- لم تعد لي حيلة ولا صبر، ومن الخير لكلينا أن أتزوج. # توقع غضبة لو وقعت لكانت الأولى في حياتهما غير القصيرة. ألقت عليه نظرة سريعة ثم غضت ~~بصرها كالخجلة أو الخائفة، ثم أخفت وجهها في راحتيها. ~~- سيظل هذا البيت بيتك وبيت أولادك ولن يفرق بيننا شيء. # وكأنما لم تجد إلا الصمت لتعاقبه به. # ولما رجع إلى شقته مساء عقب سهرته في قشتمر لم يجد إلا الخادمة التي أخبرته أن الست أخذت ~~إبراهيم وصبري وذهبت إلى بيت والدها بشارع أبو خودة. ولم يصبر إلى الصباح فذهب إلى أبو خودة ~~ليجد إبراهيم أفندي الوالي وست فاطمة في انتظاره. أي حزن وجد! قال إبراهيم أفندي: إحسان ~~خير بناتي ولكنها سيئة الحظ. # فقال صادق ليلطف من حرارة الجو: هي خير النساء جميعا. # وشرح همه بالتفصيل الضروري. وعلى أي حال رجعت إحسان إلى بيتها في اليوم التالي بصحبة ~~صادق، أما هو فبدأ من فوره في تنفيذ ما عقد العزم عليه، وعرفنا الأخبار في توالدها ~~وتتابعها؛ فقد صارحته ست عيشة بأن ما لديهم من نقود يكفي بالكاد لتجهيز ثياب العروس، فتعهد ~~بتأثيث الشقة الجديدة، وطالبت ليلى بأن تكون الدخلة في العطلة الصيفية، واعتذر هو عن ~~عدم إقامة أي احتفال احتراما لمشاعر زوجه الأولى، وهنا قال طاهر عبيد: عندنا كازينو ~~العائلات بالظاهر. # وقد كان، وتم التعرف بيننا وبين ليلى، وتناولنا عشاء طيبا، وتجول بهما حمادة في سيارته ~~في خلوات القاهرة ثم رجع بهما إلى العش الجديد. هكذا وجدت حيوية صديقنا المتدين العفيف ms51 ~~إشباعا مشروعا، وتمتع صديقنا بعروسه في الليالي المظلمة على صراخ زمارات الإنذارات ودوي ~~المدافع المضادة. وفي عز الشتاء بغتنا يوم 4 فبراير بدباباته وعودة الوفد المفاجئة إلى ~~الحكم. ارتفعت الأصوات في قشتمر منا ومن سائر الزبائن وتضاربت الأقوال. الناس سعداء لعودة ~~الوفد ولكنهم واجمون أمام ما يقال من أنه جاء على دبابات الإنجليز. ولم يتردد طاهر عن أن ~~يقول ساخرا: ألا ترون أن جميع رجالنا خونة؟! # وقال صادق: من العسير جدا أن يتهم إنسان مصطفى النحاس بالخيانة، ولكني لا أدري ماذا ~~أقول. # وقال حمادة الحلواني: كل وزارة تجيء فبأمر الإنجليز، فلماذا نتكدر إذا توافق أمرهم مع ~~رغبة الشعب؟ # أما إسماعيل قدري فلم يفتر حماسه ولا ساوره شك. لقد شك في كل شيء إلا الوفد. يبدو أمام ~~الأفكار كالفيلسوف، ولكنه أمام الوفد مؤمن بسيط من عامة الشعب المتحمس، وقال بثقة: لا ~~تشكوا في الوفد وشكوا ما شئتم فيما يقال! # وذات ليلة دهمتنا أول غارة حقيقية. استيقظنا على زلزلة القنابل. هذه انفجارات في الأرض ~~تخفق بها بيوتنا وليست طلقات مدافع مضادة في الهواء، إنه الموت يهدر من حولنا، وهرعنا لا ~~نلوي على شيء إلى المخابئ. وفي مخبأ واحد اجتمع إسماعيل وأمه وطاهر ورئيفة ودرية، وصادق ~~وعروسه، وإحسان وإبراهيم وصبري وست زهرانة. حفر الرعب حفائره في صفحات وجوهنا، وتمثل لنا ~~الموت في قربه وعنفه وصوته. صوتت النساء وصرخ الصغار وتجملنا نحن بالخرس. ولم تستمر الغارة ~~أكثر من خمس دقائق وربما أقل، ولكننا كنا كالعاجز عن التنفس لغوصه تحت سطح الماء. ولدى أول ~~نفس نتنفسه في استرخاء وإعياء قال طاهر بصوت متهدج: هل يقضى علينا بأن نعيش في ~~الخيام؟! # وبعودتي إلى الواقع، ورجوعي إلى الوعي، وجدتني أعيش بين ليلى وإحسان. كلتاهما ترتديان ~~قميص النوم ومتلفعتان بروب. الشعر مشعث والوجه شاحب. وعلى حين تبدت ليلى جميلة رغم كل شيء، ~~فإن إحسان ذاب جمالها في برميل من الدهن، وخرج صادق من هول الغارة ليجد نفسه في حيرة ممزقة ~~بين أفراد أسرتيه المتباعدتين، ذهب وجاء، وجاء وذهب، ms52 وتعلق به إبراهيم وصبري ولاح في وجهه ~~الشاحب الارتباك والحرج، ولم تخلصه من ورطته إلا زمارة الأمان التي دوت في سكون الهزيع ~~الأخير من الليل لترد الناس من الاحتضار إلى الحياة مرة أخرى. وقسم صادق وقته بين ~~أسرتيه، يقضي يومين في شقة ليلى ويومين في شقة إحسان، وكان عليه أن ينتظر طويلا حتى تخلو ~~حياته العائلية من توترات الغيرة، وأخذ ميزان الحرب يميل لصالح الحلفاء، ومضت أشباح الغارات ~~في التلاشي، وكالعادة أقيلت وزارة الوفد، واستقرت حياتنا في قشتمر بين الراحة والأسى، وأطل ~~جيل الأبناء إبراهيم وصبري ودرية على البلوغ والمراهقة، ونوه صادق وطاهر الفخوران بتفوق ~~الذرية في الدراسة وولعها بالثقافة، ولكن ... ~~- إنهم يشهدون الحياة السياسية في تفسخها، ولا انتماء لهم لحزب من الأحزاب. ~~- لديهم تجمعات جديدة كالإخوان والماركسيين ومصر الفتاة. ~~- ألسنتهم طويلة وسخريتهم مريرة. # ووضح لنا أن صادق يبذل همته ليخلق من ابنيه رجلين من رجال الأعمال، أما طاهر فكان يترك ~~درية لنموها الذاتي في استقلال تام قانعا بالمشاهدة والمساعدة عند الحاجة، وما زال نجاح ~~الصديقين المميزين يتأكد في الثراء والفن، وحتى إسماعيل فاز بترقية إلى الدرجة السابعة في ~~حكم الوفد. غير أن إسماعيل كان يدخر لنا مفاجأة بدت في وقتها آية في الغرابة. فذات ليلة ~~أشار إليه حمادة الحلواني وقال ضاحكا: من سيارتي وفي شارع الجبلاية رأيت هذا الأفندي ~~الداهية مع امرأة يتناجيان! # وصوبت إليه الأنظار في اتهام مشوب بالاستطلاع. وقال طاهر عبيد: لا بد من التصرف بعد زوال ~~غابة التين الشوكي. # وقال حمادة ضاحكا: أراهن أنه اختلس المصاحف الأثرية من دار الكتب وباعها. # وسأله صادق مؤنبا: هل تمارس حياة سرية من وراء ظهورنا؟ # فقال إسماعيل قدري كالمعتذر: انتظرت حتى تكتمل الرواية لأعرف كيف أحكيها لكم، إنها أرملة ~~وأم عجوز، سكنتا في العمارة الصغيرة القائمة أمام بيتي بشارع حسن عيد. # فقال طاهر: ولكن ليس من عادتك مغازلة السيدات! # فقال إسماعيل ضاحكا: هي التي بدأت. ~~- وماذا فعلت؟ ~~- استجبت! # فسأله صادق: هل عرفت الحب أخيرا بعد أن تبوأت عز الرجولة؟ ~~- لا ms53 مجال للمبالغة، وكل امرأة لا تخلو من أنوثة! # وسأله طاهر: وماذا تفعل وليس بين يديك غابة تين شوكي؟ ~~- لا ... لا ... إنها سيدة محترمة. ~~- والحل؟ ~~- بالإشارة التقينا وذهبنا إلى الجبلاية، هي مقبولة من نواح كثيرة، أسمن قليلا مما ~~ينبغي، أغمق في سمرتها مما أود، في أنفها فطس خفيف، عيناها نجلاوان، حديثها يقطع بأنها تبحث ~~عن الشرع، وفي تقديري أنها في الأربعين من عمرها. # وتريث قليلا ثم واصل حديثه: أفهمتها بصراحة أنني على الحديدة! # فقال حمادة: أحسنت، ربما رضيت بعلاقة غير شرعية حتى يفرجها ربنا! ~~- لا ... ليست من هذا النوع ... ولم أقصر في إعلان إعجابي بها. ~~- مشكلة! ~~- كلا ... صارحتني بأنها غنية، وأن ما يهمها حقا الأخلاق والإخلاص. # فقال صادق بسرور: صبر ونال. # وفرحنا له، واعتبرنا هذه الزيجة المتوقعة أقل ما يستحقه الرجل الذي بشرت شخصيته بأعظم ~~النهايات، ولكن ست فتحية عسل والدته لم يمتد بها العمر لتشهد استقراره، توفيت فجأة وهي ~~تحادثه ودون أي عناء كأنها مصباح خمدت بطاريته. وكان إسماعيل قد ألف الحياة المنظمة في ~~كنفها فاستقبل وحدته بكدر وانزعاج، وتكرر اللقاء بينه وبين ست تفيدة فتوطدت أواصر المحبة ~~بينهما. وقال لنا مرة: من المؤلم ألا يشارك الرجل في إعداد بيته. # فقال له صادق صفوان مشجعا: الزواج أهم من كافة طقوسه. # وعرف أن دخلها لا يقل عن مائة جنيه شهريا ففاق الواقع ما تخيلناه، بالإضافة إلى مدخر من ~~المال لا يستهان به. ولا شك أن المرأة أحبته ورغبت مخلصة في الزواج منه، وتم الاتفاق على ~~شراء حجرة نوم جديدة، والاكتفاء بحجرتي الاستقبال والسفرة القديمتين، وفي أثناء الإعداد ~~توفيت أم تفيدة، وقال له طاهر مازحا: إني أتهمك بقتلها ليخلو لك الجو وسأطالب بتشريح ~~الجثة. # وأعد كل شيء، وتأجلت الدخلة إلى ما بعد الأربعين، ورئي ألا يقام لها أي احتفال فارتاح ~~لذلك إسماعيل زهدا منه في حفل لا يستطيع أن ينفق عليه مليما من جيبه، وترك إسماعيل البيت ~~الذي ولد فيه ليستقر في شقته الجميلة مستقبلا حياته الزوجية، ومن أول يوم قال لنا: ms54 أود ~~أن يعفينا الله من الإنجاب . # ولكن لم يكد يمضي شهر حتى قال لنا: الولية حبلت، وخاب أملي في أن تكون قد فاتت سن الحبل. # ويتقدم الزمن فيتمطى فوق كواهلنا كما تسقط حبات الرمل المتطايرة فوق التلال، وتنتهي الحرب ~~وتنفجر أول قنبلتين ذريتين منذرتين بمولد عالم جديد مليء بالرعب، وتتطلع مصر إلى حياة ~~جديدة. ويعد صادق بين الأغنياء ولكن حياته لم تخل من هم. واضح أنه راض جدا من الناحية ~~الجنسية، وأن هذه النقطة بالذات هي مدخله إلى الإذعان والصبر، وشكا لنا همه قائلا: يبدو أن ~~ليلى عاقر، وهذا يحدث لها سخطا دفينا. # فسئل: ألم تستشر طبيبا؟ ~~- لما طال الزمن استشرنا فأكد الظنون وازدادت غما. # وبالتالي لم يستطع أن يدرأ عن صفوه القلق، وأراد أن يهون الأمر عليها، فقال لها إنه لا ~~أهمية لذلك، ولكنها أجابته - وبحدة - أنه أب ولا يهمه بعد ذلك شيء. واعترف لنا أنها رغم ~~أنوثتها المفرطة فهي حادة المزاج سريعة الانفعال قاسية اللسان، قال: كأنها تمارس مهنة ~~التدريس في البيت أيضا. # وباتت تغار من إحسان وتتصور أنه يتلهف على زيارة بيتها ليسعد بلقاء إبراهيم وصبري. ~~- الحق أنني أتجنب الصدام ما وسعني ذلك. # وأسفنا لهذه الأخبار، وعجبنا لحظ صديقنا الطيب الذي لا يدري كيف ينعم براحة البال، وقال ~~لنا: إنها من النوع الذي يحب أن يفرض شخصيته على من حوله. # ولما استمرت الحال أو ازدادت سوءا اتهمها بأنها تشعر بأنها متقدمة عليه في التعليم، ~~وضايقه ذلك فقال: إنها متعلمة ولكنها ضيقة الأفق، لا ثقافة لها، وجاهلة بالشئون العامة، لا ~~تعرف الفرق بين النحاس وصدقي، ولكنه الغرور. # أدركنا أنه أساء الاختيار، وتصورنا أنها واثقة من رغبته فيها فهي تستغل ذلك استغلالا ~~سيئا يدل على سوء التقدير والتصرف، ولكن صاحبنا لم ييأس، فكان يقول لنا: الأيام كفيلة ~~بإصلاح الأخطاء. # ولكنه ينبسط ليلة ويكفهر ليلة. ويضيق صدره فيروح عن نفسه قائلا: هي أحسن النساء لو هذبت ~~طبعها، لم أحدثكم عن إسرافها، أنفق عليها أضعاف ما أنفق على بيتي الآخر بما ms55 فيه التزامات ~~الأولاد، في بيتها طاهية ، تريد شراء كل ما يبهرها في السوق، تحب أن تزور وأن تزار، إذا ~~دعوتها بلطف أن تستقر في بيتها اتهمتني بأني أريد أن أحبسها وأنني رجل بعيد عن العصر، أنا ~~لا يهمني المصروف، وأرحب بأي مساعدة تقدمها لأمها، ولكنني لا أشعر بعد ذلك كله بأنني أستحق ~~ولو كلمة شكر. # وسأله طاهر: أما زلت تحبها؟ # فأجاب باستسلام: الحقيقة أني أحبها. # فقال حمادة الحلواني: أنت تاجر خبير ماهر ولكنك رجل بيت طيب، لم تنكشف طبيعتك مع إحسان ~~هانم لأنها أطيب منك، ولكن الأمر مختلف مع هذه السيدة. # وسأله إسماعيل: ألا تتذكر ما قدمته لها عند الزواج؟ ~~- نسي كل شيء، وطبعا لا أفكر أبدا في تذكيرها به. # فقال حمادة ساخرا: المرأة متكبرة، جاحدة، لا فرق في ذلك بين سيدة وبغي. # ويعتبر إقامته في بيت إحسان استراحة بين المتاعب. اعتادت إحسان الحياة الجديدة وربما وجدت ~~فيها راحة من نوع معين يناسبها، إن تكن ثمة متاعب في بيت إحسان فهي تحوم حول إبراهيم وصبري، ~~مع تفوقهما في المرحلة الثانوية يزدادان استقلالا، وانطلاقا بعيدا عن البيت، ويتساءل هو ~~ويتساءل، ويتذكر أيامه وأيامنا حين مراهقتنا ويسأل الله السلامة. ودعاهما لمصاحبته في صلاة ~~الجمعة في جامع سيدي الكردي فلبى صبري وتهرب إبراهيم، وتساءل أيضا من سيخلفه في عمله أو ~~يعاونه فيه، ولكن المال لم يسحرهما، ولا أسعدهما أن يكون رأفت باشا الزين قريبهما، وكل يوم يمضي ~~يتضح معه أن إبراهيم يرفض كل شيء، كل حزب وكل هيئة، وأنه لا يعفي أحدا من اتهامه، فماذا ~~يريد؟ على الأقل صبري يعيد لدرجة ما سيرة أبيه في التدين، فثمة زمام يمكن أن يقوده منه، ~~وقال له إسماعيل: الولدان ممتازان فاقنع بذلك واسعد. # فتمتم بحرارة: الحمد لله. # ولكن ثمة مشكلة أخرى اعترضت أمنه في بيته الأول تتعلق بصحة إحسان، لاحظ أن بدانتها تمضي ~~ببطء وثبات دون توقف، وأنها تنتفخ بصورة لا تغيب عن عين أحد، بل أخذ نشاطها يقل، وحركتها ~~تثقل، وأحيانا تجلس فلا تقوم إلا ms56 بمعاونة الخادمة، هذا بالرغم من أنها أبعد ما تكون عن ~~الإفراط في الطعام، ويقول صادق: ليلى تأكل ضعفها ولكنها لم تفقد رشاقتها. # وأخيرا رأى أن يعرضها على طبيب فاكتشف بها خللا في الغدد ووصف لها الدواء، ولكن الدواء ~~لم يجد، واتبعت نظاما قاسيا في الغذاء دون ثمرة، وساورها القلق على نفسها، وشاركها قلقها ~~من قلب بات يقدرها أكثر من الأول، ولم ير بدا من استخدام طاهية لها مسلما ~~أمره إلى الله. وفي تلك الأيام وسع من نشاطه المالي فاشترى البيت الذي ولد فيه ب «بين ~~الجناين» وبيت إسماعيل قدري بشارع حسن عيد، وهدمهما ليشيد مكانهما عمارتين جديدتين كانتا أول ~~عمارتين حديثتين تقومان في العباسية الغربية، ويسهمان في زيادة سكان العباسية والقضاء على ~~ما يتبقى لها من هدوء تقليدي. # حمادة الحلواني يواصل حياته العريضة ولا يكف عن إلقاء أحاديثه الممتعة التي تمثل جولاته ~~بين المعارف متحررا من أي التزام. وكم أشفقنا من أن يخطفه الثراء منا فيأنس إلى أناس آخرين ~~وأجواء جديدة ويزهد في العباسية وقشتمر! ولكنه لم يتخلف ليلة عن قشتمر وأصدقاء طفولته. ~~ولأنه الأعزب الوحيد تعلق قلبه بحرارة بالصداقة وذكريات الماضي، ولم يحظ بأي تعويض لدى ~~أخيه توفيق للبرود المتبادل بينهما منذ الصغر، واضطر كذلك للابتعاد عن شقيقته المحبوبة لما ~~ترامى إليه من أن زوجها يتحدث عنه بازدراء باعتباره حشاشا مدمنا، فلم يبق لقلبه من مجال ~~يمارس فيه عواطفه سوى قشتمر وسماره القدامى، وقد ماتت أمه عفيفة هانم بدر الدين فيما ~~يشبه المغامرة؛ إذ كانت أسرته أول أسرة في العباسية تركب في بعض حجراتها أجهزة تكييف ~~الهواء، وفي يوم اشتد قيظه جلست الهانم أمام التيار البارد تجفف عرقها السائل، فأصابها ~~التهاب رئوي، ولما عولجت بالبنسلين - الساحر الجديد - تبين أنه يحدث بها حساسية شديدة ففاضت ~~روحها فجأة، وتلقى حمادة حادث الوفاة - في منتصف الحلقة الرابعة كان - برزانة لا تتناسب مع ~~حبه القديم لأمه. ولما كان أخوه توفيق يقيم في المعادي وأخته أفكار في الزمالك فقد وجد نفسه ~~يبيت أياما في ms57 قلعة مكتظة بالخدم والحشم، وقد يمر أسبوع كامل لا يطؤها بقدم، فمن هنا نشأت ~~فكرة بيع السراي. وتحركت غريزة الملكية والثراء لدى صادق ولكنه خاف أن يبتلع الثمن المطلوب ~~- مائتا ألف من الجنيهات - سيولته المالية، فضلا عن أنه لا يشتري مثل هذه السراي إلا ~~ليحولها إلى عمائر وهو ما لا يتاح له الآن، فاشتراها عم حسنين صاحب الطابونة، وهدمها وشرع ~~في إقامة أربع عمائر في مكانها، كانت أول سراي داخل العباسية الشرقية تتحول إلى عمائر، ~~وتجذب فيما بعد إلى سكانها أناسا ما كانوا يحلمون بالوجود في العباسية الشرقية إلا كسياح ~~أو عشاق متسللين، ويزداد ثراء حمادة بنصيبه من ثمن السراي وبما ورثه عن أمه وهو ما يقارب ~~خمسين ألفا من الجنيهات. الثراء عادة من عاداته اليومية يكاد يفقد سحره، ونطلق عليه عادة: ~~البوق الذي يذيع كل رأي دون أن يكون له رأي، وهو دائما وأبدا القارئ السامع المشاهد ~~الفاسق الشريب الحشاش، ولكن يغلب عليه الحشيش فيلوح في ثقل نظرته وبطء حركته وشدة استهانته. ~~مرة قال له صادق: يا بختك، أنت أسعد الجميع وأصفاهم بالا. # فحرك رأسه معترضا ولكنه لم ينبس بكلمة، وإذا به يقول لنا ذات ليلة: عندما أستيقظ ~~صباحا أتساءل: وماذا بعد ذلك؟! # فقال له طاهر عبيد: إذا أتحفنا المطرب بنغمة حلوة هتفنا له: أعد ... أعد. # فقال بهدوء: أحيانا لا يرحب القلب بالإعادة! # فسأله صادق باهتمام: هل بدأ الملل يناوشك؟! # فأجاب بسرعة كأنما يدفع عن نفسه تهمة: غير صحيح، ما هي إلا حال تمر، ولكن تؤرقني ~~مسألة! ~~- مسألة؟! ~~- إن الحياة أخذ وعطاء، أما أنا فآخذ فقط. # فقال طاهر ساخرا: ما دام يوجد من يعطي ولا يأخذ فلا بأس أن يوجد من يأخذ ولا يعطي. # فقال حمادة بامتعاض: نحن نتقدم بسرعة في ذلك الطريق المجهول المسمى بالعمر. # وقال له صادق مواسيا: ثم إنك تعطي كما تأخذ وأكثر؛ لا تنس ما يأخذه منك المهربون ~~والقوادون والمومسات ومالك العوامة ومالك شقة خان الخليلي والعديد من البقالين والجزارين ~~وباعة الملابس إلخ إلخ ... لا ms58 يوجد من يأخذ دون أن يعطي . # ونظر نحو صادق متشككا ترى أيجد أم يسخر، وإذا به يصيح: إليكم أول شعرة بيضاء في رءوس ~~شلتنا المصونة. # إنه يشير إلى رأس صادق، وهذا يقطب ويقول محتجا: كلا ... مستحيل. # ودققنا النظر حتى فرزنا شعرة في سالفه تختلف عن الشعر الأسود الغزير الناعم، وقام صادق ~~يتفحص الموضع المتهم في مرآة من مرايا الجدار، ثم رجع مبتسما ابتسامة صفراء وهو يقول: أبي ~~شاب وهو في عز شبابه! # وتساءل طاهر باسما: هل تتذكرون كيف التقينا بمدرسة البراموني الأولية؟ كأنما حدث ذاك ~~صباح اليوم! # فقال حمادة بلا مناسبة: قشتمر أيضا طعن في السن وشاخ، يحتاج إلى طلاء وتجديد في المقاعد ~~والموائد، وترميم في دورة المياه، وحديقته المتواضعة ممكن أن تضاهي حديقة كازينو العائلات ~~في نضارتها. # فقال إسماعيل قدري: قشتمر أحب إلى نفسي من ركس أو البوديجا. # وتساءل حمادة بلا مناسبة مرة أخرى: هل حقا أن السعادة هي مطلب الإنسان الأخير؟! # طاهر عبيد يحرز النجاح تلو النجاح في حياته الشعرية والصحافية ويهيم بحب ابنته درية، ~~الحق أنها جميلة جذابة، رشيقة القوام وردية اللون واسعة العينين ذات شعر كستنائي غاية في ~~الثراء. كثيرا ما نراها في ذهابها أو إيابها من المدرسة الثانوية، وبكل فخار يقول طاهر ~~عنها: ذكية، شجاعة في أفكارها، متفوقة في العلوم والرياضة، تريد أمها أن تراها طبيبة. # ويقول باسما: أسأل نفسي كثيرا: ألم تحب؟! من يا ترى فتى أحلامها؟! # ويسأل حمادة: ماذا تفعل لو صادفتها بصحبة شاب في شارع بين السرايات؟! # فيقهقه ويقول: أعمل مغفلا وكأنني لا أدري. # ويتساءل صادق صفوان: أليس علينا نحو أولادنا واجب التحذير والإرشاد؟ ~~- أمها تعرف واجبها تماما. # وفي ذلك الوقت جمع طاهر قصائده وأصدرها في ديوان عنونه «زائرات الحديقة»، ونال كل منا ~~هديته وهنأناه من صميم قلوبنا، وقرر حمادة أن نحتفل بالمناسبة في العوامة في ليلة من ليالي ~~العمر، ورحب زملاؤه - وفي مقدمتهم اليساريون - بالديوان، فنشرت عنه المقالات، وظهرت صورته ~~في المجلات، وكثيرا ما يثني على رئيفة كست بيت ماهرة، وأم ms59 يقظة، زوجة محبة مخلصة ذكية، ~~تعرف كيف تهيئ لزوجها أسباب الراحة والسعادة، ولا شك أنها تغيرت أكثر من المتوقع، فخف ~~وزنها أكثر مما يجب، وظهرت في وجهها أمارات السن، ولكنها ما تزال تعد جميلة ورشيقة وفائقة ~~النشاط. # ولكن هموم البلد غطت على همومنا الشخصية، فانفجرت الخصومات الحزبية، وامتلأت الساحة ~~بالخصام، حتى قال طاهر لصادق: اعتبرني مثل ابنك إبراهيم رافضا لكل هذا العك! # على أي حال أصبح فينا - بفضل طاهر - شخصية عامة، تصعد بخطى وئيدة إلى النجومية الأدبية. ~~أجل إن صادق صفوان يود أن يعتبر نفسه شخصية عامة بما هو تاجر معروف ومن ذوي الأملاك، ولكن ~~الفن يضفي على أهله هالة متفردة. ترى ألم يؤثر ذلك في الأرملاوي باشا وحرمه؟! لم يبدر منهما ~~ما يبشر بذلك. وقد أحيل الباشا إلى المعاش وفتح عيادة للتحاليل الطبية في وسط المدينة، وكل ~~الظواهر تقطع بأنه نسي ابنه تماما. أما طاهر فبالإضافة إلى الشعر والترجمة راح يكتب مقالة ~~ساخرة أسبوعية كسبت له المزيد من القراء. # وصار إسماعيل قدري أبا؛ إذ أنجبت له تفيدة «هبة الله»، وكانت ولادة عسيرة، وتمت في ~~المستشفى اليوناني. وفاجأنا ذات ليلة بقوله: سأدرس القانون من المنزل. # وسررنا بذلك، ووجدنا فيه ما يتناسب مع تفوقه القديم المتجدد مع الزمن. # وسأله صادق: هل رجعت إلى هدفك القديم؟ ~~- نعم، أنا لا أفرق بين الوطنية وبين الاشتغال بالسياسة. # وانهمرت على ركن قشتمر الأخبار المثيرة؛ مصرع أحمد ماهر، حرب فلسطين، مصرع النقراشي، ~~الحرب بين إبراهيم عبد الهادي وبين الإخوان، عودة الوفد، حريق القاهرة. كتب علينا أن نعايش ~~الهموم ونتجرع الأحزان ونكظم الغضب أو نزفره سمرا ونكاتا ونوادر هزلية. ودخل الأولاد ~~الجامعة وحتى هبة الله دخل الروضة. أما نحن فقد بلغنا الأربعين، تلك العلامة المميزة ذات ~~الطنين الأبدي، بلغ صادق قمة ثرائه، وحمادة الحلواني أدرك الغاية في معالجة الفراغ بالإفراط ~~في الطعام والشراب والمخدر حتى فاق طاهر في وزنه، وبلغ طاهر منزلة فريدة في عالم القلم، أما ~~إسماعيل فقد حصل على الليسانس، فاستقال من عمله في دار ms60 الكتب وعمل في مكتب محام وفدي ، ~~غير أن أهم الأحداث العائلية جرت في الحريم أو من خلال الأولاد. # ففي بيت صادق صفوان الأول تفاقم مرض إحسان حتى اضطرت إلى ملازمة الفراش عاجزة تماما عن ~~الحركة، وظل صادق يرعاها بكل ما في وسعه ولا ينسى، على حد قوله لنا: لم أعرف السعادة ~~الحقيقية إلا بين يديها. # أما زوجه الثانية ليلى حسن فاستمرت في ملاعبتها الشاذة معه، تحاوره بين قطبي اللذة ~~والألم، حتى تمزق تماما بين الرغبة في الإبقاء عليها وتمني الخلاص منها. يقول ويعيد أنه ~~بقدر ما وهبت من أنوثة بقدر ما أفعمت بسم العنف، متكبرة على غير أساس كأنما هي المتفضلة، ~~وعند الانفعال ينفث لسانها ألوانا كريهة من السموم، وهو بدوره لم يعد يسكت فعلمته السب وما ~~يندم على قوله أحيانا. # ويقول له حمادة الحلواني: حظك في الزواج ليس كحظك في التجارة والمال. # فيقول متحسرا: كانت بين يدي امرأة ولا كل النساء، يا للخسارة يا إحسان! # واختل عقل ليلى أكثر بسبب عقمها فإذا بها تقول له ذات يوم: أمن لي حياتي بكتابة عمارة ~~باسمي. # يا للمصيبة! .. إنها تفكر فيما بعد موته، وتذكره بالنهاية التي لا يحب أن يذكره أحد بها، ~~واستاء وحنق، وآمن بأنها لا تفكر إلا في ماله. والواقع أن المال وتوابعه هي ما يستأثر ~~باهتمامها في المقام الأول، وقال لها بصرامة: لله في ذلك شريعة لا أحب أن أخرج منها. # فصاحت به: اعترف بالحقيقة وهي أنك لا تحب إلا ابنيك. # وإذا نشب خلاف بينهما خاصمته، فحتى التحية العابرة تنقطع، وتتبعها المعاشرة، ثم تقضي أكبر ~~وقتها في الخارج. # فقال إسماعيل آسفا: هذا هو الجحيم. # وقال حمادة: إنها في حاجة إلى من يكبحها. # فقال صادق: ضقت بالحياة، فهل أطلقها؟ # وسادنا صمت لم يخرقه إلا حمادة، قال: الحق أن البعد عن مثلها غنيمة! # وتساءل صادق: هل فعلت ما أستحق عليه عقاب الله؟ # تساءل بنبرة المطمئن إلى ورعه وتدينه، وتذكرنا بعض تصرفاته التجارية مما يعد في نظر ~~التجارة شطارة وحلالا ولكن الكثيرين ms61 يعتبرونه استغلالا ضارا للناس، ولكننا تغاضينا عن ~~ذلك وفاء له ورحمة به، وقال إسماعيل قدري: إذا أردت أن تسعد مع ليلى فأذعن لمشيئتها دون شرط. # فقال بكبرياء: مستحيل، إنها مثل النار لا تشبع. # فقال الآخر بحزم: إذن فلا محيد عن الطلاق. # ووجد أنها لا تكف عن المطالبة بالعمارة، فقال لها بهدوء مخيف: ليلى، الحياة معك لا ~~تطاق. # فصاحت: هذا ما يؤكده سوء حظي كل يوم. # فقال: إذن ليذهب كل منا إلى حال سبيله. # فصاحت بجنون: هذا أجمل ما سمعت منك. # وطلق صادق زوجه الثانية قبيل حريق القاهرة بأيام، وقد غرم لذلك غرامة لا يستهان بها، ~~ففازت بالأثاث ونفقة المتعة والنفقة المعتادة، ولكنه قال متعزيا: راحة البال أهم. # ولكنه أدرك في الوقت نفسه أنه رجع إلى عهد الحرمان، وإلى جانب ذلك لم تخل حياته من بوارق ~~سعادة، فقد تخرج إبراهيم وبعده صبري في كلية الحقوق، والتحق إبراهيم بوظيفة في بنك مصر ~~بعد امتحان أعلن عنه وبسعي أيضا من رأفت باشا الزين. أما صبري فقد قبض عليه فيمن قبض ~~عليهم من الإخوان، وأكد لنا صادق أن ابنه لم ينضم للجماعة ولكنه بدافع من تدينه تبرع لبناء ~~جامع فعثر على اسمه في كشف المتبرعين وعد من الإخوان، ورغم أنه أهين وضرب ولكنه أفرج ~~عنه، ووقفت فترة الاعتقال عثرة في سبيل توظيفه ولو إلى حين. وثمة مفاجأة سارة سعدنا بها ~~جميعا لا أسرة صادق وحدها، فقد صارح إبراهيم أباه برغبته في الزواج من درية كريمة صديقه ~~طاهر، وسعد صادق بالخبر سعادة كادت تنسيه همومه ولو إلى حين، وضمن له موافقة الأب على ~~الأقل، وعند ذاك قال له إبراهيم: أنا ودرية متفقان تماما. # فأخذ صادق وتمتم: لقد جاوزت حدودك يا إبراهيم. # فتساءل إبراهيم بدهشة: لماذا يا بابا؟ # وصمت صادق طاويا صدره على تقاليده، وجاءنا مساء منبسط الأسارير على غير عادته في ~~الأيام الأخيرة، ونظر إلى طاهر عبيد بعينين باسمتين وقال: يا حضرة الشاعر، محسوبك يطلب ~~القرب منك. # وهزنا الخبر هزة لطيفة ذكرتنا بمرور الأيام، ولكن ms62 بأكبر قدر من الرفق وأقل قدر من ~~الأسى، أما طاهر فضحك عاليا وقال: لي الشرف يا معلم صادق، من زمن وأنا أتوقع هذا الطلب، ~~ولكنك آخر من يعلم. # وعلت قهقهة فغطت على قرقرة النراجيل، والحق أن درية بنت ممتازة وقد استهواها فن الرسم ~~فدخلت مدرسة الفنون الجميلة رغم تفوقها في العلوم والرياضة، ورغم اعتراض مامتها. ولما أتمت ~~دراستها ألحقها والدها بعمل في مجلة الفكر، وهي تماثل إبراهيم في رفضه الواقع مع شيء من ~~الميل إلى فلسفة اليسار، ولكن غرامها بفنها فاق كل شيء، وقال حمادة: من حقك أن تفرح وسط ~~أحزانك يا رجل يا طيب، وعليك أن تتزوج أيضا فمثلك لا يطيق حياة العزوبية. # فقال صادق: بل يجب أن أطمئن أولا على صبري. # وصبري كان يسترد أنفاسه عقب محنته القاسية في الاعتقال، ولما سد في وجهه باب الوظائف ~~اقترح إسماعيل قدري على أبيه أن يعمل معه في مكتب المحاماة، ولكن صادق حسن لابنه أن يفتح ~~له فرعا في شارع عشرة، تمهيدا ليحل محله بعد ذلك في تجارته، وحتى لا تصفى التجارة ~~الناجحة بوفاته أو بتقاعده. وقرر صبري أن يجرب نفسه في المشروع الجديد، وفتح له والده ~~الدكان في شارع عشرة عند نهايته المطلة على ميدان العباسية، ثم احتفل صادق بدخلة إبراهيم ~~ودرية بعد أن خصص لهما شقة في عمارته الجديدة بشارع حسن عيد أمام مسكن إسماعيل قدري، ~~واستأجر طاهر شقة أخرى في نفس العمارة له ولرئيفة وفرشها بأثاث جديد يناسب حالته ~~الجديدة. # وفي أثناء تلك الفترة غير القصيرة تعرض حمادة الحلواني لطوارق خفية متسللة من الهم، صار ~~بها في النهاية صاحب مشكلة، عانى ذلك الحشاش البدين طارئا جديدا غير الخمول والذهول، قال ~~لنا ذات ليلة: رغم كل ما يتهيأ لي من أسباب الراحة فإنني أضيق بالحياة أحيانا لحد ~~القرف! # ووجمنا، وطال صمتنا، حتى قطعه صادق بلهجته الوعظية قائلا: أنت الوحيد بيننا الذي تحيا ~~بلا عمل. # وقال له إسماعيل قدري: حياتك يتمناها كل إنسان كحلم، أما كواقع فهي شيء آخر. # فقال ms63 حمادة معاندا: دعونا من المحفوظات، إنها حياة عظيمة، ولكنها تحتاج إلى حلول جريئة. # فقال طاهر عبيد: أفرغ طاقتك المختزنة في نشاط جديد، ما رأيك في الرحلات؟! # عز علينا أن نفقده ولو إلى حين ولكنه كان العلاج المتاح، وقرر الرجل أن يقوم برحلات ~~متنوعة بادئا بالداخل، تنقل صيفا بين مواقع الساحل الشمالي، وزار شتاء الأقصر وأسوان، ~~ورجع أحسن حالا، ولكن ذلك لم يدم طويلا، وقال له إسماعيل قدري: قم برحلات أخر في الخارج. # وهش للاقتراح وعزم على تنفيذه، ولكن التاريخ كان يعد لرحلة جديدة في حياة مصر، فاضطر ~~الرجل إلى أن يعدل عن مشروعه. # وكان طاهر عبيد يتألق كفنان، ويهنأ بأبوته إلى أقصى حد، أما كزوج فقد خامرنا من ناحيته ~~شك. بلغت رئيفة الأربعين أو جاوزتها بقليل، ولكن العمر لم ينل من أحدنا كما نال منها، بل ~~قدر بعضنا أنها كانت أكبر مما حدسنا يوم زواجها. هزلت بدرجة كبيرة جردتها من كافة مزايا ~~الجسد الأنثوي، وبرزت عظام وجهها فتغير شكلها وشحبت صورتها، أجل بقي الحب القديم كما كان في ~~الظاهر على الأقل، وتبدى طاهر كعادته مرحا ضاحكا ساخرا، وتساءلنا: كيف يكون الحال مع ~~الزميلات والمعجبات؟! وعلى أي حال فإن يكن ثمة وفاء فمرجعه إلى الأخلاق الطيبة لا إلى ~~الغرائز الراضية. وفي تلك الأيام علم طاهر أن أباه معتكف في فيلا بين السرايات لمرض خطير في ~~المثانة، فأزاح عن صدره عقد السنين ومضى إلى الفيلا، رجع إليها كهلا بعد أن غادرها ~~شابا في ربيع العمر. وأحدث ظهوره هزة شاملة؛ استقبلته إنصاف هانم بحرارة وقبلته، وقادته ~~إلى مخدع الباشا دون استئذان، ورنا إليه الرجل مليا وببصر ضعيف، ثم أخرج يده المعروقة من ~~تحت الغطاء فتصافحا طويلا حتى دمعت عينا طاهر، وقال برقة: شد حيلك يا بابا، أرجو أن أهنئك ~~بالسلامة في المرة القادمة. # فشكره بصوت ضعيف ثم سأله: كيف حال أسرتك؟ ~~- تود أن تحييك بنفسها. # فقال بصوت كالهمس: أود أن أراها. # وتمت الزيارة في جو يعبق برائحة الفناء، الباشا طريح الفراش يطوي الفصل ms64 الأخير من حياته ~~الشامخة، والهانم اشتعل شعرها شيبا وغاض من وجهها ماء الحياة. وصحبته رئيفة ودرية ~~وإبراهيم، فبعثت درية بحيويتها وجمالها انتفاضة منعشة في الجو القاتم، ضمتها الهانم إلى ~~صدرها بحنان، وأبقى الباشا يدها في يده طويلا، ولبثوا في الفيلا، حتى تناولوا الغداء، وبعد ~~أيام أسلم الأرملاوي باشا روحه، فرثته الصحف رثاء لائقا وودعته العباسية في جنازة كبيرة، ~~ودعت إنصاف هانم القللي ابنها وزوجته وحفيدتها وزوجها للإقامة معها في الفيلا، ولم يترك ~~الباشا من العقار إلا الفيلا وكمية محترمة من الأسهم والسندات وقليلا من المال السائل، ~~ووزعت تركته بين الهانم وطاهر وتحية وهيام. وأصبح لصديقنا صادق صفوان قصران يتردد عليهما ~~بين آونة وأخرى، قصر الزين وقصر الأرملاوي، وكان يسر بذلك دون خفاء. # أما إسماعيل قدري فقد أثبت كفاءة غير عادية في مكتب المحاماة، وقدمه أستاذه إلى نخبة من ~~رجال الوفد، وميزته ثقافته الشاملة فاحتل منزلة محترمة في القلوب، وشهد كثيرا من ~~الندوات في جمعيتي الشبان المسلمين والمسيحيين، واشترك في المناقشات، وبشر بلمعان قريب ~~ولم نشك في أنه بالغ هدفه طال الزمان أو قصر. ولما جرت انتخابات عام 1950 قال له أستاذه: ~~أتنبأ لك بأنك ستكون من المرشحين في الانتخابات القادمة! # وعند إلغاء المعاهدة تسنمنا ذروة النصر، وعند حريق القاهرة هوينا إلى الحضيض، وتعاقبت ~~الأحداث وكأنما يوجهها أبله أو مجنون، فعلق عليها طاهر عبيد بقوله: ما هذه بدولة ولكنها ~~سيرك هزلي. # ونحن على حال كئيبة من المرارة والسخرية والتقزز، هل علينا يوم 23 يوليو كالسحر المبين، ~~شملتنا صحوة طاغية وتتابعت الحوادث كالأحلام، فرحل الملك والإقطاع والألقاب، وبرز الفقراء ~~والضائعون من القاع فتربعوا على العرش، وأصبح كل مستحيل ممكنا، ولم يعد لنا من حديث في ~~ركننا العتيد بقشتمر إلا حديث الحركة المباركة، هرع صادق إلى قريبه العجوز الزين باشا أو ~~السيد رأفت الزين ليستمد منه الأخبار، وراجع ما تبقى له من وفدية قديمة، ولكنه لم يسعه ~~إلا أن يقول: حقا إنها حركة مباركة! # لكن صوته يخونه، وابتسامته تخونه، ونظرة عينيه تشي بالانقباض ms65 والقلق. # ومضى حمادة الحلواني على عادته، ينبهر يوما بقرار فيحتدم حماسه وكأنه أحد الضباط ~~الأحرار، ثم تترامى إليه معلومة أو إشاعة فينقلب عدوا لدودا ويقول: ما هم إلا عملاء ~~أمريكا! # وأما إسماعيل قدري فقد رحب عقله بالأفعال ورفض قلبه أصحابها، لم يتنكر لوفديته قط، وساءه ~~التفاف الشعب حول الحركة، واستعرت بين جوانحه معركة بين عقله وقلبه، وقال بصراحة: كان يجب ~~أن يجعلوا من الوفد قاعدة لهم! # ولا شك أنه وجد آماله الشخصية تداس تحت أقدام الحركة الغليظة العسكرية. العجيب حقا هو ~~حماس طاهر عبيد! لأول مرة في عشرتنا الطويلة نراه متوهجا متألقا كالكهرباء، يرقص طربا ~~ويتغنى بالمجد، ويهب قلبه وعقله بلا تحفظ، يقول: هذا حلمي الذي لم أعرف تأويله إلا ~~اليوم! # ثم بارتياح عميق: ودرية معي على طول الخط. # وبهذه الروح مضى شعره ينبض في مجلة الفكر. # وانطلق قطار الثورة من محطة إلى محطة، يحقق انتصارات لا حصر لها، ويذلل العقبات، ويطوي ~~التحديات. # وما زال صادق صفوان يكابد القلق الذي يأبى أن يفارقه. وشد ما جزع لما حل بأسرة الزين ~~باشا، فقد التهم الإصلاح الزراعي الجزء الأكبر من أراضي زبيدة هانم، كما توقف نشاط الزين في ~~البورصة، ولم يعد للأسرة من مورد إلا إيجار المتبقي من الأرض الذي ضمر أيضا بحكم القوانين ~~الجديدة. وحتى ابنه محمود استقال من السلك السياسي وأقام في إنجلترا مهاجرا أبديا. ويقول ~~صادق: لست من الإقطاعيين ولكنني من ذوي الأملاك، وقد يأتي دورنا، ألا ترون أن الثورة عدو ~~سافر للناجحين؟! # دائما وأبدا يشعر بأنه مطارد، وأصبح في حيرة وأي حيرة من أرباحه المتصاعدة فيقول: لا ~~أدري ماذا أفعل بمدخراتي. من الحماقة أن أستثمرها في البناء، ومن الغباء أن أودعها في ~~البنوك، ومن الجنون أن أبقيها في بيتي! # وقال لابنه إبراهيم يوما: لعل بالك قد ارتاح الآن! # ولكن إبراهيم أجابه: ألم تسمع عن استغلال النفوذ؟ ألم تبلغك أنباء المخابرات؟ ألم تشم ~~رائحة الفساد؟! # فقال له حانقا: كأنك تحلم بثورة جديدة، ألا تكفينا ثورة واحدة؟! # وظن صبري يوما ms66 أنه صاحب الثورة باعتباره إخوانيا، فلما انقلبت الثورة على الإخوان ~~قبض عليه فيمن قبض عليهم وقدم إلى المحاكمة، غير أنه كان من القلة التي برئت ساحتها، ~~وفقد ثقته في كل شيء. وفي اللحظة المناسبة هرب إلى السعودية والتحق بعمل مناسب في شركة ~~مقاولات. وقد شق الفراق على صادق وإحسان ولكنه تعزى بأن ابنه وجد في السعودية مستقرا ~~وعملا وأمنا بعيدا عن مصر التي أصبح يحكمها - في اعتقاده - قانون الغاب. ورغم همه المقيم ~~والى ولي نعمته بحبه وإخلاصه وزياراته المتلاحقة، وكان الباشا القديم قد نيف على ~~الثمانين وتدهورت صحته ولزم حجرته، فوهنت ذاكرته وذبلت شعلة اهتمامه بأي شيء، بخلاف زبيدة ~~هانم التي صمدت لتقلب الحظوظ، وعرض صادق عليها أن يمدها بما ينقصها، قال: اسمحي لي أن أرد ~~شيئا من جميلكم الذي لا ينسى. # وقبلت معونته قائلة: إنك ابني مثل محمود الذي فقدته إلى الأبد. # وأخذت السرايات في الاختفاء وحلت مكانها العمائر والسكان الجدد فتساوت العباسية شرقيها ~~وغربيها لأول مرة في التاريخ. وذات ليلة أراد حمادة الحلواني أن يخفف من قلق صادق، فقال ~~له مازحا: إليك هذا البيت. # ما مضى فات والمؤمل غيب # ولك الساعة التي أنت فيها # اتله ثلاث مرات قبل غيار الريق! # فقال صادق بفتور: ولكني سأظل أفكر في الفك المفترس! # ولعل حمادة الحلواني أيضا لم يبرأ خياله من الفك المفترس، ما زال يحتفظ بشقة خان الخليلي ~~والعوامة والسيارة، ولكنه كان يتساءل كثيرا: ترى ماذا تخبئ لنا أيها الغد؟ وكلما ناوشته ~~أفكار السوء لف سيجارة حتى أصبح يتعاطاه على طول اليوم، مستمدا من سحره استهانة ولا ~~مبالاة، ويقول ساخرا: من فضل الثورة أنها تمدنا بعجائب لا يعيش معها الملل. # أو يقول: المسألة واضحة كالشمس، مجموعة من الفقراء ثارت على الأغنياء لتنهب أموالهم وترمي ~~إلى الشعب ببعض الفتات. # وتلقى أول إصابة مباشرة حين التأميم، فقد أمم مصنعهم وانقطع دخله الثابت، ولم يهز ذلك ~~ثراءه الواسع، ولكنه ضاعف من مخاوفه كما أكد إدمانه، وقال معلقا وساخرا: الله يرحمك يا ~~بابا، شد ما ms67 أنبتني لكسلي .. وأشدت بأخي لعلو همته .. فانظر أينا كان الحكيم. # وقد مرض بكبده وعولج منه، ولكنه امتنع نهائيا عن تعاطي الخمر ولم يكن من عشاقها. وحين ~~التأميم بلغ الخمسين من عمره فأخبرنا بأنه لم يعد ينسجم مع أي امرأة جميلة، وأنه يدقق في ~~الاختيار ليحقق لمزاجه ما يريد. ولأول مرة باتت ذاكرته تخونه أحيانا فجزع لذلك وقال: الموت ~~يبدأ بالذاكرة، وموت الذاكرة أقسى أنواع الموت، ففي قبضته تعيش موتك وأنت حي، وترد وأنت ~~لا تدري إلى الأمية! # ولا شك أن سحابة من الأسى نشرت جناحيها فوقه لما حل بأخيه وزوج أخته أفكار الذي كان من ~~كبار الملاك الزراعيين، ولما جرى على الوفد حزب أبيه، والبطولات التي أطلت على الدهر في ~~شموخ والتي تتحول من خلال أبواق الدعاية إلى تلال من الخرائب، وقال: ضايقني يوما أنني آخذ ~~دون أن أعطي، اليوم أندم على الندم، وخير ما يفعله الإنسان في هذه الأيام أن يوطن نفسه على ~~استقبال الموت، فإذا وقعت شدة وجدنا فيه الفرج. # أما إسماعيل قدري فقد عجب لسعي الدهر بينه وبين آماله، كلما ابتسم له المستقبل وثبت ~~الحوادث فطمست ابتسامته. ذهب المجد وتولى، لكن حظه أفضل من كثيرين من الوفديين الكبار ~~الذين تمزقوا بين الإهانة والسجن، ونشاطه في المحاماة يدر عليه دخلا لا بأس به، وأسهمه ما ~~تزال في صعود بالإضافة إلى دخل زوجته، ولم يغب عن عقله الموضوعي ما أنجزته الثورة للوطن ~~والشعب حتى يخيل إليه أحيانا أنه مواطن في دولة عظمى. أما قلبه فلم ينفتح للثورة أو رجالها، ~~وتابع في كل حين سلبياتها حتى قال لنا يوما: إنها ثورة ذات أهداف جليلة ولكن القدر عهد بها ~~إلى شلة من قطاع الطرق .. ولم يعد يجد عزاء في تفيدة التي بلغت الستين حين بلغ الخمسين. ~~ولم تكن تسلم بالواقع أو تستسلم للهزيمة فأنفقت عن سعة على طعامها المختار ورياضتها ~~اليومية، والموضة التي تتنافر مع سنها، وتبالغ في التبرج لدرجة تثير الابتسام. واعترف لنا ~~يوما قائلا: هيهات أن أنسى فضلها ولكن ms68 رغبتي فيها تموت ساعة بعد أخرى. # فسأله حمادة الحلواني مازحا: لعلك تحن من جديد إلى غابة التين الشوكي؟! # الحق أنه ركز اهتمامه الأول على هبة الله الذي جاءت الثورة وهو ابن ست سنوات، ويوشك اليوم ~~أن ينتهي من المرحلة الابتدائية، ويبشر نموه بعملقة في الجسم وقوة الملامح وتفوق في ~~الرياضيات. ويقول إسماعيل ضاحكا: إنه ابن الثورة مائة في المائة وأنا مضطر إلى تحمله دون ~~تذمر، وأتحاشى تصحيح أي معلومة له إيثارا للسلامة. # ومرة طرح سؤالا بلا مناسبة على الإطلاق، قال: للحياة هدف وهذا قد نخلقه بأنفسنا، ولكن ~~للكون أيضا هدف فما هو؟! # وغرقنا ليلتها في حوار طويل عن هدف الحياة وهدف الكون فنسينا همومنا الشخصية وإلى ~~حين. # ومن بين أفراد مجموعتنا الفانية يبزغ طاهر عبيد كالقمر في تألقه وينطلق في طريق النجاح ~~كالشهاب. من أول يوم دعي إلى المشاركة في تحرير مجلة الثورة، لماذا؟ لم يكن من المنافقين ~~ولا أهل الثقة، لكن شعره الشعبي القديم بشر بالثورة قبل أن توجد، وزكاه أيضا أنه عرف ~~ببعده عن الأحزاب، وسرعان ما توثقت العلاقة بينه وبين الضباط المتولين شئون الثقافة، وهو ~~من ناحيته، وبتلقائية وإخلاص، كرس شعره للثورة، فما من إنجاز أو نصر أو موقف نبض به قلب ~~الثورة إلا وأعطاه المعادل الشعري في أجمل صورة، ثم سرعان ما يترجم إلى غناء تردده الإذاعة ~~والتليفزيون في حينه، وسأله صادق صفوان الذي لا يفيق من القلق: ألا تستطيع بمنزلتك الغالية ~~عندهم أن تدفع عنا البلاء إذا حم قضاؤه؟! # فضحك عاليا وقال: لا يدفع ذلك شعر أو نثر. # وقال حمادة الحلواني بأسف: من المحزن وغير المفهوم أنك مخلص فيما تقول وتكتب. # وقال إسماعيل قدري بمرارة: شعر جميل ومضمون زبالة! # ويقول طاهر جادا: صدقوني إن مصر لم تعتل هذه الذروة منذ عصورها المجيدة كما أنها لم ~~تشهد طيلة تاريخها مثل هذا الرجل المعجزة، وإنه لعظيم من يستطيع منكم أن يعلو فوق خسائره ~~الذاتية ليلحق بركب التاريخ في مسيرته الشامخة. # وفي فيلا الباشا الراحل ينشب نزاع ودي ms69 أحيانا بينه وبين مامته أو بينه وبين إبراهيم . ~~يقول لإبراهيم: أتنتظر حقا ثورة أخرى؟ .. ما أنت إلا محترف ثورات! # فيقول إبراهيم متحديا طاهر ودرية معا: لقد تغير المنظر ولكن الممثلين لم ~~يتغيروا. ~~- لا تخلو ثورة من انتهازيين ولكن بحسبها أن زعيمها رمز للكمال. ~~- إنه دكتاتور يا عمي. ~~- بل إنه المستبد العادل. # وكانت درية سعيدة رغم فوات عشر سنوات على زواجها دون حبل، وتجلت موهبتها في الرسم إلى ~~جانب فتنتها الشخصية. # وتحسنت حال طاهر المادية جدا فأتاحت له الفرصة لممارسة ما جبل عليه من كرم أو إسراف إذا ~~شئت، فهو على حبه المال لا يسمح له أبدا باستعباده. # وجرت الأيام تطير بقوم وترزح فوق آخرين. وظل ركننا بقشتمر عامرا بوجودنا فلم ننقطع عنه ~~إلا فترة قصيرة حينما قرر صاحب المقهى تجديده؛ غير أرضيته، وطلى الجدران بلون ناصع ~~البياض، وأحل أثاثا جديدا مكان القديم، وعني بالحديقة فزرع الياسمين في أصل سورها وزين ~~أركانها بأصص الورد والقرنفل، ورمم دورة المياه، وابتاع طاقما جديدا من النراجيل، ~~وأضاف إليها وحدتين، واحدة لتقديم الدندورمة والأخرى - فرن - لتقديم الكوفتة. وكالعادة ~~لا نتخلف عن مجلسنا في رحاب صداقة لا تتغير، ولعل ما ساعدنا على ذلك بقاؤنا في حي العباسية ~~رغم ما طرأ عليه من تقلبات الدهر، فلم ينتقل منها إلا حمادة، ولكن سيارته كانت تحمله إلينا ~~كل مساء، وأبى أن يستبدل بنا قوما آخرين. أجل ذهبت في أدراج التاريخ عباسية الزمان الأول، ~~بالهدوء والخضرة والسرايات والترام الأبيض، وانتشرت العمائر، وقامت الدكاكين على الجانبين، ~~وفاض الحي بسكانه، واكتظت الشوارع بالصبية والسيارات الخاصة والعامة، إنه الزحام والضوضاء ~~والأنفاس المتلاطمة، ولكن لم يجر هجرها لأحدنا في خاطر، ولا تصورنا أنه يمكن السمر في ~~غير قشتمر. ولم يبق من معارفنا القدامى أحد؛ انتقل إلى الأحياء الأخرى من انتقل، وانتقل ~~إلى جوار الله من جاءه الأجل، وازداد شعورنا الحميم بالمودة، ووجدنا في صداقتنا سلوى الوجود ~~وحلاوته، وغلب علينا الاستسلام للواقع، وتخلصنا من كثير من رواسب الماضي، واجتاحنا ما يشبه ~~النعاس الهنيء والحلم العذب ms70 حتى انتفضنا قائمين على صوت انفجار كالبركان في يوم من الأيام ~~عجيب اسمه 5 يونيو، دهشة وتساؤل وتعجب، حيرة وعدم تصديق، ثم دهشة وتساؤل وتعجب، تجرع لواقع ~~لا مفر منه، كيف؟! .. لا ندري، لماذا؟ .. لا ندري، ثم سيل ينهمر من الحواديت، وفيضان من ~~النكت، ومضطرب بلا حدود لعواطف متناقضة، من أقصى الحزن إلى أقصى الفرح، ولكن جرثومة الكآبة ~~استقرت في أعماق كل نفس. # وربما تنفس صادق صفوان بارتياح لأول مرة منذ عام 52، خجل أن يعلن ارتياحه، وربما لم يخل ~~ارتياحه من كدر، ولكن فضحته عيناه، وفلتات من تعليقاته، وترديده للنكت المنتشرة كالجراد، ~~وسرعان ما زار رأفت باشا الزين، فلم يجده قد استوعب ما حدث لتماديه في شيخوخة متدهورة، أما ~~زبيدة هانم فأشارت بأصبعها إلى السماء وتمتمت: إنه موجود. # ولكن الباشا لم يعمر بعد الهزيمة إلا أياما ومات إثر أزمة قلبية، ثم تبعته الهانم قبل ~~أن يتم الأربعين، وقريبا من ذلك التاريخ توفيت ست زهرانة والدة صادق وشيعت جنازتها من ~~الشقة التي انتقلت إليها بعد أن حول صادق بيتهم إلى عمارة. ولم تنتزع هذه الأحداث صادق من ~~انفعالاته بالحوادث العامة، ولم يعد يشعر بحرج في الإفصاح عن مشاعره فقال لنا ساخرا: أسد ~~علي وفي الحروب نعامة! # وبصفة عامة لم يعد يخشى الفك المفترس بعد أن نزعت الحرب أنيابه. # وتراوح حمادة الحلواني كعادته بين المتناقضات؛ ليلة ينوح راثيا لحال الوطن، ويتألم غاية ~~الألم للكرامة التي تمرغت في التراب، وليلة يسبق صادق إلى الشماتة والهزل فيقول: ألم يقل ~~إنه علمنا العزة والكرامة؟ اشبعوا عزة وكرامة! # وغضب إسماعيل قدري غضبة مجللة بالحزن العميق لما نزل بوطنه الجريح، وراح يردد بانفعال ~~شديد: لا بد من رد اللطمة بمثلها على الأقل. # ثم يتساءل في حنق: كيف لم يتلاش نظام الحكم حتى الآن؟ لو أن هذا الرجل عميل مأجور ما ~~استطاع أن يفعل بنا أكثر مما فعل. # ولكن لم يصدم أحد كما صدم طاهر عبيد، كأنما جن جنونا أو مات موتا، ويتنهد هامسا: ~~ليتني مت قبل ذلك. ms71 # وأراد حمادة أن يخفف عنه فقال: ما من أمة يخلو تاريخها من كوارث. # فقال بصوت منهزم: ولكن هذه هي كارثة الكوارث. # فقال مدفوعا بالشفقة عليه: طالما أننا أحياء فلا مفر من الأمل. # فتساءل في شك: أي أمل؟ ~~- الأمل في الأبناء. # فتساءل في حيرة: أبناء الهزيمة؟ # وسأل صادق: هل كفرت بالبطل؟ # فصمت مليا ثم قال: أعتقد أنه يموت الآن وأنا أموت معه. # وازدادت رغبتنا في التلاقي رغم أنه لم يعد يعدنا بتسلية صافية، لم يعد لنا إلا حديث ~~واحد ثقيل، وجبة سياسية حامضة ننام وبقاياها المرة ممتزجة بريقنا، وقل الضحك وربما فزعنا ~~إلى التأمل والتفلسف، وينقضي بقية العام ويتبعه العام التالي ونحن نمضي على وتيرة واحدة ~~وندنو من الستين. # وذات ليلة قال لنا صادق صفوان: حدثت زيارة هامة في الدكان، جاءتني جارة مع كريمتها لشراء ~~بعض الأشياء. # فأثار في نفوسنا الخامدة اهتماما، وحدسنا وراء الخبر مفاجأة ممتعة، وتمتم صادق: ست أمونة ~~حمدي وكريمتها سناء إبراهيم. # ولم تخل الأسماء من مضامين نعرفها، فست أمونة حمدي مطلقة في الأربعين مقبولة بدرجة لا ~~بأس بها، أما سناء فبنت ثمانية عشر ربيعا وذات جمال موفور. # وهما يعيشان في كنف الأب - جد الفتاة - علي بركات وحرمه ست خديجة علام، وهو موظف على قد ~~حاله، وقال حمادة الحلواني: ست أمونة امرأة مناسبة لرجل في الستين. # فقال صادق رافعا حاجبيه: ولكن عيني ثبتت فوق سناء. # فقال إسماعيل قدري: إنها يمكن أن تكون حفيدة لك. # فقال محتجا: العمر لا يقاس بالسنين. # فقال طاهر: فارق العمر كبير جدا. ~~- إنها تذكرني بإحسان في قمة رونقها، تفاحة أمريكاني، حيوية وذكاء. # فقال إسماعيل: كابدت الفشل قبل ذلك مرتين، وفي كل مرة تواري سوء الحظ وراء الفشل، أما هذه ~~المرة فإنك تمضي باختيارك. # فقال صادق بإشراق: ويجيء الفرج من حيث لا تحتسب. # وتساءل طاهر: هل ترحب الأم وأسرتها بعريس في الستين لصبية في الثامنة عشرة؟! # فقال حمادة: الرجال يوزنون اليوم بالقرش أكثر من أي وقت مضى، والفتاة تعيش في جو فقر ~~في كنف جدها، ms72 فعريسنا يعتبر لقطة. # فقال صادق: خيل إلي أن الأم جاءت تعرض نفسها وكريمتها لأختار ما يناسبني. # فقال طاهر: فاخترت ما لا يناسبك. # وقال إسماعيل: اعرف لرجلك قبل الخطو موضعها. # فابتسم صادق ساخرا وقال: ما أجدر أن نوجه هذه الحكمة لبطل 5 يونيو، أما أنا فإني واثق من ~~نفسي، طال عذابي مع العزوبة والعفة، والله أعلم بحالي. # ولم يضع وقتا، فسعى سعيه، وصادف القبول، وغلب علينا الفتور لحرصنا الأكيد على سعادته ~~وتمنينا أن تكذب الظنون، وكعادته قام هو بكافة التكاليف، واختار لمقامه الجديد شقة في ~~عمارة جديدة بميدان الجيش - ميدان فاروق سابقا - وبالغ في الكرم ليغطي على نقصه وليستمتع ~~بحياته تعويضا لها عما ذاقت من خوف حيال الفك المفترس، وهمس إسماعيل بعد أن خلونا إلى ~~أنفسنا في طريقنا إلى بيوتنا: نحن في زمن اللامعقول فلا تدهشوا لشيء! # وكأنما كان يمهد بقوله هذا لما طرأ على حياة حمادة الحلواني من تغير غير متوقع، لم يعد ~~يقتصد في شكواه من الفراغ والملل، قال لنا: إليكم صورة صادقة عن حياتي، أنا كرجل يتثاءب ~~بانتظام في انتظار نوم لا يجيء. # ويقول مقطبا: كل يوم يبدو طويلا ثقيلا لا جديد فيه. # وقال وهو يردد ناظريه بين طاهر وإسماعيل: الضجر هو سرطان الروح. # وتساءل صادق: ما جدوى دائرة المعارف إذن؟ # فهز منكبيه استهانة وقال: حتى السطول بات سوداويا، ولا أجد شيئا من الراحة إلا في ~~قشتمر. # وفي غمار استعداده للاحتفال ببلوغه الستين فاجأنا بقوله: يا رجال، زوجوني ..! # فضحكنا طويلا، ولكنه قال بجدية: إني أعني ما أقول، زوجوني، أريد زوجة! # وصمتنا نفكر حتى هتف صادق: هذا ما تنبأت به. # فقال حمادة: المسألة لا تعدو محاولة لملء الفراغ. # وقال صادق مؤمنا أو مجاملا: أنت رجل تعتبر لقطة عند أكرم الأسر! # هذا كلام يقال، أما الحقيقة فإن سمعته السيئة كانت أشهر من 5 يونيو؛ ما من أسرة إلا وتراه ~~مثالا للرجل المنحل الحشاش الفاسق، بالإضافة إلى شيخوخته. بنات اليوم غير بنات الزمان الأول، ومن ~~النادر أن تتكرر ظروف سناء حرم ms73 صديقنا صادق صفوان، وكل واحد منا سعى من ناحيته فلم يلق إلا ~~الرفض! حتى قال له صادق بطيبته المعهودة: ما رأيك في حماتي؟ .. إنها مقبولة جدا وأعتقد ~~أنها توافق. # فقال حمادة ساخرا: أصوم ثم أفطر على بصلة! # وهيج الرفض المتكرر غضبه فثار كبرياؤه وقال: المحترفات خير من المصونات! # فوجمنا جميعا، وقال له صادق: اتئد ولا تلق بنفسك إلى التهلكة. # فقال باستهانة: لم يخبرهن مثلي أحد. # وانطلق في طريقه بإصرار فاستأجر شقة في الزمالك وأثثها حتى جعل منها متحفا، ودعانا على ~~شهود عرسه على مائدة عشاء في الأوبرج، وجدنا العروس امرأة في منتصف الحلقة الرابعة، ريانة ~~الجسم، حسنة الوجه، لم يفلح ثوب الزفاف في مداراة ابتذالها، ونطقت نظرة عينيها الثقيلة ~~بالخبرة والمزاج. قلنا إن حياته المتحررة ما بين خان الخليلي والعوامة لا تتنافر مع أصله ~~بقدر ما تتنافر معه هذه الحياة الشرعية الزائفة، ولو قامت على الحب لوجدنا له عذرا ولكننا ~~تصورنا أنها لم تقم إلا على العناد والكبرياء، أما هو فأكد لنا - في قشتمر - أنها أفضل من ~~الأخريات، وأنها تنحدر أيضا من أسرة طيبة! وما وسعنا إلا أن ندعو له بالتوفيق ~~والسعادة. # وببلوغ إسماعيل قدري الستين حقق في المحاماة بمكتبه الذي استقل به نجاحا مرموقا، وناهزت ~~تفيدة السبعين فانهزمت أمام العمر واستسلمت للواقع وراحت تعاني من دوالي الساقين والصداع ~~النصفي. وتخرج هبة الله مهندسا في الرابعة والعشرين من عمره، وبقلب حطمته الهزيمة وانتكاسة ~~البطل فحقق حلما راوده من قديم وهو الهجرة، فهاجر إلى السعودية، وجزعت تفيدة ولكن إسماعيل ~~قال لها: لست دونك في النكد ولكن لعله يجد في المال عزاء. # ولم ينسه عمله ولا نجاحه أحزانه السياسية ولا هزيمة وطنه، وانضم إليها ذبول زوجته وهجرة ~~ابنه. ولاحظنا أنه مال في تلك الفترة إلى الحديث عن الروحانيات وعجائب الباراسيكلوجي. حقا ~~قد مر بها قديما في سياحته الثقافية، كما أن جولات حمادة الثقافية المتضاربة لم تخل منها، ~~ولكن إسماعيل وجد في أقوال المتصوفين سحرا جديدا، حام حوله، وثمل به، واتجه نحو قبلته ms74 ~~كملاذ من لواعج قلبه، وقال صادق ببساطة: اعترف بأنك ترجع إلى الدين. # فقال له متأففا: لا تبسط الأمور فتفقدها مغزاها. # وقال طاهر عبيد: الليالي حبالى بالعجائب، والظاهر أن سلسلة الهزائم لا نهاية ~~لها! # وبدا إسماعيل حائرا بين كبريائه وحنانه. # أما طاهر عبيد فقد حزن على الزعيم أكثر مما حزن الزعيم على نفسه، وتلا علينا ذات مساء ~~قصيدة رثاء تقطر حزنا ومرارة وسخرية من النفس، ولم يسمع القصيدة أحد سوانا، ولم تعد ~~الأجهزة تردد أغانيه، فهي أغان لا تسمع إلا في جو النصر، واعترف لنا ليلة قائلا ~~وموجها حديثه إلى إسماعيل بالذات: زوجتي في حال تفوق في السوء زوجتك. # فقال إسماعيل بمرارة: أعطيتا خير ما عندهما. # فقال بقسوة: أصبحت أعافها. # فقال إسماعيل ساخرا: كل شيء يعاف في النهاية. # وقال طاهر شعرا كثيرا يفيض يأسا وحزنا وتشاؤما، وتأثر في بعضه تأثرا واضحا بفن ~~العبث، ولم ينشر شيئا مما يمكن أن يسيء إلى البطل الجريح ولو من بعيد، ويقول أحيانا ~~قابضا على أي خيط من الأمل: ها هو يطهر الثورة من سلبياتها ويعيد بناء الجيش. # فيقول إسماعيل ساخرا: سيزيف يصعد الجبل من جديد. # لم يعد يرد على السخرية بعد أن انكسرت نفسه وانهزم كبرياؤه. # ولما رحل الرجل عن دنيانا رحيله المفاجئ تلقى الضربة القاضية، وقال: دعوني أردد مع ~~المؤمنين - ولست منهم - كل شيء هالك إلا وجهه. # ولم يخف صادق صفوان فرحه فقال: هذا خبر أمتع من شهر العسل. # وقال حمادة ساخرا: موته يعتبر من أمجد أعماله. # أما إسماعيل قدري فقال: هرب في الوقت المناسب تاركا الطوفان لمن يخلفه. # واندمج صادق صفوان في حياته بطمأنينة جديدة، وقال لنا: أنا متفائل بالرئيس الجديد. # وسعد بسناء سعادة شاملة، وشعر بأنه ملك الدنيا والدين، ربما لم تكن سناء بالبساطة التي ~~تمناها، فلم تكن صورة طبق الأصل من إحسان، وكانت حصلت على الثانوية العامة قبل زفافها ~~مباشرة، وفي عز الحب واللهو قالت له: أود أن أكمل دراستي! # فانزعج وقال لها: أنا لم أكمل دراستي بعد البكالوريا إيمانا مني ms75 بالعمل، افعلي مثلي ~~وكرسي حياتك لعملك كست بيت. # فقالت برقة: كان حلمي دائما أن أكمل دراستي. ~~- لا معنى لذلك ألبتة. ~~- كل بنت تفعل ذلك اليوم. ~~- أهو تقليد أعمى؟! ~~- أبدا ولكن للعلم قيمته. ~~- إنه ليس أهم من كونك زوجة وعلى وشك أن تصيري أما. # فقالت بما اعتبره عنادا ضايقه: بعض طالبات الجامعات متزوجات. # فقال بحدة غلبت على حبه وسماحته: لا تتصوري أبدا أنه يمكن أن أوافق على التحاق زوجتي ~~بالجامعة واختلاطها بالطلبة! # فأصرت على التساؤل: ألا تثق في؟ ~~- كل الثقة، ولكن كرامتي لا تسمح بذلك. # وخطر له أنها لم توافق على الزواج منه إلا تحت ضغط أهلها وظروفها القاسية، فقال بحزم: ~~ليكن مفهوما أنني لن أوافق على ذلك. # فلاذت بالصمت مغلوبة على أمرها، وحاولت فيما بعد أن تقنعه بإكمال دراستها بالانتساب من ~~الخارج ولكنه لم يرتح لذلك أيضا، وتذكر ما جره عليه لينه مع ليلى، فقال بحزم: ولا هذا، ~~وما أوله شرط آخره نور! # أدركنا أن الدرس الذي لقنته له ليلى لم يمح من وجدانه، وطاب لنا أن نتخيل صديقنا الدمث ~~وهو يمثل دور الرجل الأسد، وقال له إسماعيل قدري: في كل خرابة لك عفريت. # فقال بثقة: ولكنني قتلت هذا العفريت في قمقمه. # ولم يوافقه أحد منا على أسلوبه ولكننا تجنبنا تكدير صفوه بمعارضتنا، وقد أثبتت له أنها ست ~~بيت نشيطة بقدر ما هي جميلة، وأدركنا أنها تضحي بآمالها أن ترجع مرة أخرى إلى ركن الذل في ~~بيت جدها، خاصة وأن أباها لم يظهر في الصورة قط بما يقطع بتفاهته أو عدمه، وفي أكثر من ~~مناسبة راح صادق ينوه بحيويتها ونشاطها ويرجع الفضل في اكتشاف مزاياها إلى حزمه، وقال: ولم ~~أستطع أن أحول بينها وبين مكتبتي، فوقت فراغها كله تنفقه في القراءة، ولم أجد في ذلك من ~~بأس، ولكنها قالت لي مرة: إن المعرفة أهم من المال نفسه، ولم أرتح لقولها، ولولا الحياء ~~لذكرتها بما قدمه لها مالي مما يعجز عنه علم الدنيا والآخرة، وقلت لها: إن رجل المال أهم ~~رجل ms76 في المجتمع، وأن كثيرين من المثقفين يعجزون عن إسعاد زوجة، بل ربما عن الزواج أصلا. # وضحك حمادة الحلواني وقال ساخرا: ما أعجب أن تعاشرنا العمر كله، ويكون لك هذا ~~الرأي! # فقال بنبرة الخبرة والحكمة: للنساء لغة خاصة لا يجوز التحدث إليهن بسواها. # وبقدر ما تمنينا له السعادة بقدر ما ساورنا الشك في توفيقه حتى النهاية. وأنجبت له سناء بكريتها نهى فأفعم قلبه بالسعادة والدفء. # ويمضي بنا الزمن، نطوي كل يوم خطوة في الحلقة السابعة. من عجب أن صحتنا تنافس همومنا في ~~قوتها، وعصر الزعيم الثاني عامر أيضا بالمفاجآت؛ فهو عصر المنابر والنصر والسلام ~~والانفتاح وعصر أكبر درجات سجلها الفساد في تماديه واستفحاله، ولا نكاد نفطن إلى ما طرأ ~~علينا من تغير إلا أن نطلع لمناسبة على صورة قديمة فنقارن ذاهلين بين ما كنا وما نكون، ~~ونزداد التصاقا ومودة، ويمسي قشتمر عضوا فينا كما نمسي ركنا فيه، ونتبادل النظرات ونتذكر ~~الراحلين ونعرف أن يومنا سيجيء. # ويقول صادق صفوان ذات ليلة: يا لها من حياة! إبراهيم ابني يرفض فيمن يرفض الأغنياء، ~~وزوجتي لا تضع المال في موضعه اللائق به. ألا يعكس ذلك شعورهما الخفي نحوي؟! # إنه لا يخلو من هم وكرب، شد ما سعد بنصر أكتوبر ثم بالسلام مع إسرائيل وبالاتجاه نحو ~~الديمقراطية، ولكنه لا يخلو من هم وكرب، وحاول إسماعيل قدري التسرية عنه فقال: لا تقلق فإن ~~البنوة والزوجية أقوى من التفلسف. # وقال حمادة الحلواني: ثم إننا في زمن المال وأصحاب الملايين. # فقال صادق: وأين نحن من هؤلاء؟! ما أنا إلا غني كلاسيكي من الفئة التي يجرفها العصر نحو ~~الفقر. # ونردد بعضا مما يقال عن الصفقات والإثراء الخيالي، وفي ذلك الوقت فنيت أسرة زوجته، فرحل ~~علي بركات الجد فست خديجة الجدة ثم ست أمونة حماته، وفي سن الرابعة التحقت نهى بالروضة ~~وإذا به يشغل نفسه ويشغلنا بوافد جديد فيسألنا يوما: ما معلوماتكم عن المقويات؟! # وكان لا بد أن نبتسم وأن يتورد وجهه، ولكنه قال: ليس الأمر مزاحا. # شعرنا بذلك تماما، وهنا ms77 قال إسماعيل قدري: عليك بالأخصائيين، هذه هي النصيحة. # وشاركناه قلقه الذي لم يفصح عنه مباشرة، وحدث أن انتقلت إحسان إلى رحمة الله، فحزن عليها ~~حزنا صادقا، يقول: أكمل النساء، لولا مرضها الثقيل لحظيت بين يديها بسعادة لم يعرفها بشر. # ويقول: أشد أنواع الغربة هو ما تشعر به في وطنك. # أو يقول: لعن الله العصر، إنه يخطف أقرب الناس إلينا ويحولهم إلى أعداء لنا .. والحقيقة يا ~~أصدقائي أنكم أغلى ما في الوجود. # وهو أول من عرف المرض منا، فأصابه روماتيزم مفصلي فظيع الألم، فتردد على الأطباء، ~~واعتاد الدواء، وغير من عاداته الغذائية .. ولكنه كان يقول: الحمد لله على الإيمان، إنه ~~النعيم في الدنيا والآخرة، كلما تنغص علي صفو أو حزب ألم أو جحد قريب، أو .. أو، كلما طاف ~~بي شيء من ذلك تذكرت الله سبحانه ولذت برحابه وسلمت له أمري فيلهمني الصبر والرضا. # ختام حسن، أو لا بأس به، لولا القنبلة التي فجرها تحت أقدامنا حمادة الحلواني، إذ قال ~~لنا فور قدومه: يا جماعة، وأنا قادم بالسيارة لمحت حرم صادق في النافذة تتبادل إشارة مريبة ~~مع جار شاب في العمارة المجاورة! # تلقينا الخبر كأسوأ داهية تنقض علينا من عالم الغيب، تبادلنا نظرات حيرة، بل استغاثة، ~~متسائلة ملحة، مثقلة بالكرب، وخرسنا حينا حتى قال طاهر: لعلك أخطأت الرؤية أو ~~التفسير! # فقال بوجوم شديد: أنا على يقين مما قلت، فكروا قبل أن يحضر. # فقال طاهر: الأمر خطير جدا. # فقال حمادة: علينا أن نتخذ قرارا. # فقال طاهر: لا بد من اليقين. # فقال حمادة: أنا على يقين. # ولذنا بأثقل صمت حتى قال حمادة: علينا أن نخبره. # فقال طاهر: ربما دمرناه. ~~- هل نخفي عنه ما نعلم؟ # فقال إسماعيل: لا مفر من أن يعرف بطريقة أو بأخرى. # فقال طاهر: قد تدفعه الفضيحة إلى ارتكاب جريمة. # وتبادلنا النظرات طويلا حتى تساءل حمادة: ما هو الصواب في نظركم؟ ~~- أن يعلم وأن ينتهي الموضوع بلا مضاعفات خطيرة. # وقال إسماعيل: الخطأ لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لا بد من نهاية. ms78 # وقال حمادة: ليس في وسعنا أن نخفي عنه. # وقال إسماعيل قدري : دعوا الأمر لي. # ولما جاء صادق صفوان، مضى به إلى الحديقة، كنا في أواخر الخريف وكانت خالية، وغابا ساعة ~~مرت علينا أثقل من دهر، ثم رجعا صامتين واتخذا مجلسيهما. يا لصورة الإنسان الكريم عند ~~الهزيمة! وتشاورنا في الأمر حتى احتوينا بالتشاور انفعالاته، وطلب مهلة ليراقب الموضوع من ~~بعد. ومرت أيام ثم لما جاءنا في ميعاده سألنا: ماذا تقترحون؟ # فقال إسماعيل قدري: إليك حل يتوافق مع حكمتك وتقواك؛ الطلاق لا مفر منه، وعليك أن تحتفظ ~~بنهى، وأيضا لا يجوز أن تترك الأخرى فريسة لفقرها، وإذن فالاتفاق خير من المحكمة، استأجر ~~لها شقة وأجر عليها رزقا إكراما لابنتها، وأكرر؛ فإن هذا ما يتوافق مع تقواك. # وأعتقد أنه بذل جهدا جبارا لكبح رغبته في التأديب أو الانتقام، ولكنه فعل الصواب الذي ~~لم يفعله أحد سواه من قبل، طلقها، حفظ كرامتها، احتفظ بنهى سادلا الستار على مأساته، ~~ورجع إلى وحدته ولكنها لم تكن مطلقة هذه المرة، فعلى كثب منه نهى ومربيتها، وفضلا عن ~~ذلك فبفضل السن والمرض لم يعد يكابد الحرمان القديم، وجاءه نفر يعرضون عليه شراء دكانه ~~لتحويلها إلى بوتيك من بوتيكات الانفتاح، فتمتم: لم يثبت معي إلى النهاية إلا الدكان ~~وقشتمر. # فقال له حمادة: لو كنت مكانك لقبلت الصفقة؛ المبلغ خيالي، وأنت آن لك أن تستريح. # واختلفنا .. ولكنه قال: لن يخلفني أحد في عملي، إبراهيم له دنياه، وصبري تأقلم حيث يقيم، ~~وحتى متى أعمل من الصباح حتى المساء؟! # وباع دكانه، وتفرغ لتربية نهى، ومهادنة الروماتيزم، وقراءة القرآن والحديث، وأدى فريضة ~~الحج، ولكن ظل ركننا بقشتمر قرة عينه. # حمادة الحلواني أيضا كان ممن سعدوا بنصر أكتوبر وممن رحبوا بالسلام، ولكن في هدوء رصين ~~وما يشبه البوذية. وقد باء زواجه بالفشل فاعترف بذلك وهو يستمتع بشهر العسل. وتلوح في ~~عينيه أحيانا ابتسامة وكأنما يتساءل «ماذا فعلت بنفسي؟» والحق أنه لم يشعر بتغيير حقيقي ~~في علاقته بالجنس الآخر، ولم تغير زوجته من سلوك المرأة ms79 المحترفة؛ ظلت عشيقة لا زوجة، ~~تعنى ليل نهار بتبرجها، وتمارس عاداتها المستقرة في تعاطي الخمر والحشيش، وتتجاهل ~~واجباتها المنزلية عدا إلقاء الأوامر للخدم، ولا تكف عن مطالبها المالية، ومضت في طريقها ~~من أول يوم وبلا تدرج، وأمل في التغيير عندما حبلت ولكن الجنين مات في بطنها واقتضت الحال ~~جراحة وإزعاجا دون جدوى، وبثنا شكواه قائلا: لا حوار بيننا خارج الفراش، قد أسمع ولكنني ~~لا أجد ما أقوله. # وتضاعف شعوره بالوحدة والملل وتمنى دائما أن تغيب عن المسكن الجميل لأي سبب، فالوحدة ~~بدونها أخف على القلب. # توقعنا أن نسمع عن الطلاق في أقرب فرصة، وسأله صادق صفوان: أهي شريرة؟ # فتفكر مليا ثم قال: إنها تافهة، لم تسنح فرصة لإظهار شرها، إنها تافهة، الاحتراف يقتل ~~الإنسانية في قلب المرأة، وفي هذا تكمن التعاسة الحقيقية. # وسأله صادق بنبرة حزينة: وماذا تنوي أن تفعل؟ # فقال ضاحكا: الطلاق طبعا. # وبعد صمت قصير واصل حديثه: ولكن الأمر ليس سهلا، ولن يتم إلا من خلال معركة عنيفة، ~~فضيحة وجرسة ومحكمة وابتزاز، لن تتورع عن الاشتباك معي أو التعرض لي في الطريق. # فقال طاهر عبيد: قلت يوما إن المحترفات أفضل من المصونات. ~~- دعنا مما قلت، ستحاول أن تخرج بأكبر ربح. # فقال صادق: اشتر راحة بالك. # هذا ما صمم عليه، وبدأ بإعلان فتوره، ولم يكن اعتاد على الصبر على الكدر، وراحت ترميه ~~بنظرات مؤنبة متحدية، وأخيرا صارحها قائلا: الظاهر أنني لم أخلق للحياة الزوجية. # فتساءلت بقحة: تزوجتني للتجربة؟ # فقال برقة: على خير ننفصل مثلما اجتمعنا، أرجو أن تغفري لي خطئي. # فسال لسانها بأقوال بذيئة، ولاذ بالصمت والصبر، وعرض عليها أن يبحثا عن اتفاق يرضي ~~الطرفين بعيدا عن المحكمة، طالبت بمائة ألف جنيه، فآثر الاحتكام إلى حكم القضاء، وبعد نزاع ~~وأخذ ورد رضيت بربع المبلغ، وقال لنا: إنها خسارة فادحة في هذا الزمن المجنون، لا قيمة ~~لثروتي اليوم، والغلاء يحرق الأخضر واليابس، إني أدفع أربعين جنيها أو خمسين ثمنا للقرش ~~الذي كنت أشتريه بخمسين قرشا! ولكن الملل يعتبر رحمة بالقياس ms80 إلى معاشرة محترفة تافهة. # فقال له إسماعيل قدري معزيا: على أي حال إذا أردت أن تتزوج زواجا حقيقيا ... # فقاطعه بشراسة: توبة! # واعتبر رجوعه إلى الحياة التي سبق أن ضاق بها غنما وأي غنم. وحدث أن انقطع عن قشتمر على ~~غير عادة سابقة، مرت ليلة ولحقت بها أخرى، فذهب الأصدقاء يتحرون عن سر غيابه في مظانه ما ~~بين خان الخليلي والعوامة وشقة الزمالك، وعرفنا الحقيقة المزعجة، وهي أنه يعالج في مستشفى ~~المعادي على إثر ذبحة صدرية دهمته، وقصدنا المستشفى ونحن من القلق في نهاية، واستقبلنا هناك ~~أخوه توفيق وشقيقته أفكار فأهديا إلينا السلام والطمأنينة بأنه عبر الخطر ولكنه ممنوع من ~~الزيارة بضعة أيام، وقد صار توفيق صورة من يسري باشا في آخر أيامه، أما أفكار فتبدت ~~عجوزا عجفاء مسحاء مكرمشة الوجه كأن لم يجلس الجمال يوما على عرش كينونتها ويتيه ويتحكم، ~~وتمتم طاهر عبيد: ما أكثر الأردية التي يلفعنا بها الدهر. # ولما اجتمعنا به بعد يومين سر بوجودنا حوله سرورا طفح به وجهه الذابل، وحدثنا عن ~~الذبحة فقال: حضورها وحشي مرعب، فإذا مرت استرد الإنسان طبيعته وكأنه لم يكن على مبعدة ~~قيراط من الموت. # وقال إنه كان وحده في غاية من السطل، وقام ليتناول عشاءه في تلك الساعة المتأخرة من الليل ~~عندما اشتعل مس كهربائي في أعلى صدره، وعصره الألم عصرا وأوشك أن يختنق فتأوه وصرخ ~~وانطرح على الأرض يتقلب على الجنبين، واتصل الخادم ببيت شقيقه فجاءه بصحبة طبيب صديق ثم ~~نقلوه إلى المستشفى. # وغادر المستشفى بعد ثلاثة أسابيع ورجع إلى قشتمر ليملأ مكانه الذي لا يملؤه سواه. وطرق ~~بابه الدواء والرجيم. قال: يريدون سلب اللذة الباقية لي في الحياة. # فقال صادق صفوان: أيضا للروماتيزم رجيم خاص وللضرورة أحكام. # فقال حمادة: ولكن الحياة إما أن تكون حياة أو لا تكون. # وتبين لنا فيما بعد أنه يواظب على تناول الدواء، أما الرجيم فتخطاه كأن لم يكن، استمسك ~~بعاداته الغذائية بكل جرأة واستهانة، ولم يمتنع عن الكيف ولم يقلل منه، وخاطبناه بلسان ~~الوعظ ms81 فأمطرنا بسخرياته حتى سأله طاهر عبيد: هل قررت الانتحار؟ # فقال ضاحكا : قررت ألا أتهاون في حب الحياة. # حتى النساء لم يقلع عنهن تماما، يستضيفهن ولو مرة في الشهر. وسأله صادق باسما: ألا ~~تعفيك السن من هذا الواجب؟ # فقهقه قائلا: لكل حال ما يناسبها! # أما طاهر عبيد فقد وجد نفسه تحت حكم الزعيم الثاني في عالم غريب كريه لا يحتمل، وأساء ~~به الظن منذ أول ساعة وعده عميلا لجميع القوى الرجعية في الداخل والخارج، وما لبث أن عزل ~~من رئاسة تحرير الفكر دون أن يفصل من المجلة، فغضب وغضبنا معه وامتنع عن الكتابة فلم يهتم ~~به أحد، ولم يظهر له أثر في أي جهاز من أجهزة الإعلام. ولما حدث النصر العظيم تلقاه بفتور ~~غريب، وراح يرجع جذوره إلى البطل الراحل، إنه الوحيد في شلتنا الذي عبد الراحل في حياته ~~وقدس ذكراه بعد مماته، ولولا صداقتنا العجيبة لربما ضاق بنا وانصرف عنا، ولكنه أبقى علينا ~~وصمد لنا يلقى الجد بالجد والهزل بالهزل، واقتصر نشاطه في تلك الفترة على نشر بعض القصائد ~~في المجلات العربية التي تصدر في الخارج. ولما جاوز الستين بقليل صادفته تجربة جديدة لم ~~تجر لأحد في تقدير؛ في ذلك الوقت عرف محررة جديدة تدعى أنوار بدران التحقت بالفكر، وضح ~~أنها كانت من قرائه وأن إعجابها بشعره فاق كل أحلامه، وقد زارته مرات في قشتمر وتعرفت ~~إلينا، وعرفنا أنها خريجة آداب قسم اللغة الإنجليزية، ووجدناها غاية في الذكاء وعلى قدر ~~عظيم من الثقافة بالقياس إلى زمانها وعمرها البالغ خمسة وعشرين عاما، سمراء رشيقة عادية ~~الملاحة صغيرة العينين وبأنفها فطس خفيف ولكنها في الجملة جذابة، ومن واقع الملاحظة ~~الدقيقة سأله إسماعيل قدري ذات ليلة: هل تحب تلميذتك؟ # فأجاب بإيجاز وصراحة: نعم. # فتساءل حمادة الحلواني: هل اللعب على الطريقة العصرية ممكن؟ # فأجاب طاهر: ولكن عاطفتي جادة! # فقال صادق صفوان: ظننتك أحببت بما فيه الكفاية. ~~- ليس للحب قانون! ~~- ورئيفة؟! ~~- انتهت من زمن غير قصير. # فقال إسماعيل قدري ضاحكا: شلتنا تستحق أن يخصص لها ms82 فصل في كتب الجنس! # فقال طاهر مستسلما: الحذر لا ينجي من القدر! # ومن الغريب أنه في ذلك الوقت حملت ابنته درية لأول مرة منذ زواجها، حملت بعد أن قاربت ~~الأربعين، وبعد أن يئست من الحمل واستشارة الأطباء، وبدلا من أن ينتظر طاهر حفيده في وقار ~~مناسب أسلم نفسه للحب. وجاءنا ذات ليلة ثملا بفرحة شاملة لم تر عليه منذ زمن طويل، وقال ~~لنا قبل أن يطلب القهوة: سنتزوج! # ولم يسعنا إلا إزجاء التهاني، وسأله صادق: ورئيفة؟ # فمط شفته السفلى، وقال: كان لا بد من المصارحة، موقف عسير ومؤلم ولكني متعود على مواجهة ~~التحديات، وهي موقنة من أنها لم تعد تملك ما تعطيه .. وطمأنتها من أول الأمر بأنها ~~ستبقى في بيتها معززة مكرمة. # وصمت قليلا ثم قال في حياء وتأثر: قالت لي بهدوء ولكن بصوت متهدج وعينين شارقتين ~~بالدمع «تقبل رثائي ولكن ما باليد حيلة.» فقلت لها «أنا مقتنع بأنني مخطئ»، فقالت: «لا شك ~~في ذلك، أوتيت حكمة كبيرة في وقت لم تكن في حاجة ملحة إليها، وفقدتها في ساعة الحاجة ~~إليها، ربنا معك.» # تخيلنا بأسى شديد الزوجة التعيسة التي هجرها زوجها بعد أن تنكر لها زمانها وتركها نفاية. ~~وقال صادق صفوان: لا شك أنها تتجرع من المرارة ما لا يتصوره أحد، رأيت إحسان في حال مثلها ~~رغم وضوح عذري وقوته. # لكن السعادة استخفته وجرفت في طريقها المشاعر المترددة. يبدو أحيانا كطفل بريء فيذكرنا ~~بأيام نصره الخيالية، وقال لنا على سبيل الاعتذار: لا يوجد في دنيانا شيء صحيح سليم، فلماذا ~~أطالب أنا بذلك؟ # ولأول مرة تخالفه درية وتدين قراره، قالت له: بابا، ما كنت أتصور. # فقال لها باسما: إنه شيء طبيعي ويحدث كل يوم. # فقالت برقة: وماما؟ نحن مطالبون بالوفاء وهو جميل كالحب. # أعاد علينا حوارها بفخار خفي، ولكنه مضى في سبيله باندفاعه المعروف عنه منذ قديم، وقال ~~لنا كالمعتذر: الحب هو الحب، ولدى حضوره تتلاشى القوى المضادة جميعا في غمضة عين. # وواجهته - وهو يبحث عن عش الزوجية الجديد - مشكلة لم ms83 نعرفها في زماننا الأول وهي العثور ~~على شقة، ولكن حلها لم يكن مستعصيا، فبعد تعب غير قليل وجد شقة في الجيزة بإيجار حديث ~~مرتفع وبلا خلو، واستقبل حياته الجديدة كأنما يدخل دنيا لأول مرة، ولم تسعده أنوار بالحب ~~وحده ولكنها أنعشته بذكائها وصداقتها وعشقها الصادق للثقافة، بالإضافة إلى تذوقها العميق ~~لشعره، قال لنا ذات ليلة: إنها تصلح أن تكون عضوا في مجلسنا هذا! # وقررت تأجيل الحمل فسره ذلك جدا، ولكنه لم يعرف لها انتماء سياسيا، فهي تسمع وتقرأ ~~ولا تصدق ولا تهتم، ويتركز وعيها في الشعر ونقده ومحاولة قرضه أحيانا، ولما باح لها ~~بناصريته قالت له: لن تعثر على جدية حقيقية إلا في التيار الديني. # فسألها منزعجا: أهذا إعجاب؟ ~~- أبدا، إنهم وحدهم يقفون على أرض صلبة في محيط يمور بالاضطراب والفساد. # فسألها وهو يزداد قلقا: هل يلوح لك أمل من ناحيتهم؟ ~~- أبدا. # ثم متسائلة: لماذا لا تهاجر؟ .. الغلاء يتمادى يوما بعد يوم، وفي الخارج توجد فرص رائعة. ~~- لم تنعدم كل الفرص في الداخل، ها هي مسارح القطاع الخاص تطلب مني أغاني واستعراضات. # فهتفت: كيف تستهين بسمعتك وترضى بالهبوط؟! # وقلنا له صراحة إنه ليس من الحكمة في شيء أن يفكر إنسان في الهجرة وهو يقترب من منتصف ~~الحلقة السابعة، وقال له صادق صفوان: تلبيتك لطلبات القطاع الخاص ستمده بأسباب ~~للارتفاع! # والواقع أنه استجاب لمغريات القطاع الخاص تحت ضغط ظروف المعيشة وارتفاع الأسعار ومسئوليته ~~في الإنفاق على بيتين، وبذل أقصى ما يملك من مهارة ليتجنب الهبوط ولكنه شعر بأن صورته ~~المثالية قد اهتزت في عيني أنوار. وازدادت أرباحه ولكن لاحت في عينيه نظرة شاردة أنذرت بما ~~وراءها وبررت مخاوفنا. وتوقعنا مع جريان الزمن أن تعزف الرباب أنغام الأسى التي ألفنا ~~سماعها من صادق وحمادة. وحملت أنوار في أثناء ذلك مختارة، ولكنها كابدت ولادة متعسرة وأنجبت ~~طفلة ميتة، وقال لنا طاهر: ليس هذا فحسب، ولكنها اقتنعت أخيرا بأنها لن تكون شاعرة وكفت ~~عن المحاولة. # على أي حال فإنها تتقدم كناقدة، وما زال بوسعها ms84 أن تحمل من جديد وأن تلد ثمرة حية ~~رائعة. وغلب على طاهر تذكر ماضيه المضيء في ظل حاضره، فتضاعف همه وقلقه، وبدا كأنه يفيق من ~~سحر عشقه وأنه لا يجد في قبضته إلا هواء. وفي ذات ليلة اعترف لنا بصراحته المعهودة قائلا: ~~انتهى صاحبكم! # تطلعنا إليه متسائلين عما يعني فقال: استقل كل منا بحجرة منفردة. # ثم بصوت هامس: ما زالت العلاقة بيننا كأحسن ما يكون. # وعرض على أنوار عمل في مجلة عربية تصدر في لندن، وشعر برغبتها في السفر، فضلا عن أنه لم ~~يجد مبررا للرفض. ولعل صادق صفوان كان الوحيد بيننا الذي قال له: هذا وضع غير لائق. # ورجع طاهر إلى شارع السرايات ليقيم من جديد مع رئيفة ودرية وإبراهيم وحفيدته الجديدة ~~نبيلة، واندفع في ميدان الفن السهل بعيدا عن أنوار التي عذبته فترة كأنها ضميره الغائب، ~~وكان قد أحيل على المعاش ولكن المال جرى بين يديه في فيض ويسر حتى قال لنا ساخرا: ~~أصبحت من أغنياء الانفتاح. # ولكنه في أعماقه حزين حزين، يطارده الشعور بالسقوط، وسألنا مرة: ما أعذب أمل في ~~حياتي؟ # فأجابه حمادة ساخرا: أن يموت الزعيم أو يقتل! # ولكنه أجاب نفسه قائلا: إنه الموت، إني أود الموت وأستجديه. # وسكت حتى انتهت احتجاجاتنا، ثم قال: لولا درية، أو لولا درية ونبيلة لانتحرت، يمنعني حبي ~~لهما وخجلي منهما. # فقال له إسماعيل قدري: سيبقى شعرك القديم شامخا ويغفر لك ما تأخر. # وقال صادق صفوان: وهل من الإجرام أن يدفع إنسان عن نفسه غائلة الجوع والفقر؟! # وتردد قليلا، ثم قال بصراحته الطيبة: وكيف تعد أعمالك الأخيرة هابطة؟! إنها في نظري ~~كأعمالك الأولى في جمالها إن لم تزد! # وكابد وهو يقترب من السبعين اضطرابا في البول غير حميد، فاكتشف الأطباء خللا في ~~البروستاتا، ووصفوا له علاجا كتجربة فإن لم تفلح فلا مناص من الجراحة، واستقبل المرض ~~باستهانة ظاهرة، وتمتم برجاء: لعلها النهاية. # وذات ليلة ونحن راجعون من السهرة قال صادق: ما رأيكم؟ إني أفكر في أن أقترح على طاهر ~~تطليق زوجته ms85 أنوار؟ # فسأله إسماعيل عن السبب فقال: إن لم يبادر هو فستسبقه إلى ذلك وتضاعف من شجونه، هل ~~تتصورون أن تعيش فتاة في سنها في تلك البلاد بلا قلب؟ ~~- ألا يضيف الاقتراح إلى أحزانه حزنا جديدا؟ ~~- كلا، لقد خرجت من حياته إلى الأبد. # وكاشفه صادق برأيه في الليلة التالية، وكأنه لم يفاجأ بالاقتراح وقال: فكرت في ذلك ~~طويلا، ومن العدل أن تجرب حظها مرة أخرى. # وحرر لها رسالة رقيقة بطلبه، وتم الطلاق، وتنفسنا جميعا الصعداء، ولكن يخيل إلي أن ~~طاهر لم يكف عن الرغبة في الموت وانتظاره. # وزهد إسماعيل قدري في المحاماة فانتظر حتى يستحق المعاش وأحال نفسه عليه، وفي فترة عودة ~~الأحزاب، وعودة الوفد بالذات، خفق قلبه وناوشته أحلامه القديمة، حقا إنه اليوم شيخ أبيض ~~الرأس ولكن الحزب الجديد عامر بذوي الرءوس البيضاء، ومنهم من يكبره بعقد أو عقدين من ~~السنين، ولكن طاهر عبيد سأله: ما رسالة الوفد اليوم؟ # فأجاب بقوة: الدفاع عن الديمقراطية. # فقال طاهر: والدفاع عن الاقتصاد الحر ثم تصفية ثورة يوليو، وبذلك يكرس نفسه كالحزب ~~الأول للرجعية. ~~- لا يمكن أن يتجاهل مطالب العدالة الاجتماعية وهو أول من سبق إليها في إطار زمانه. ~~- هذا ما يقوله الحزب الوطني، فما معنى أن يقوم حزبان لتحقيق رسالة واحدة؟! # وجعل يفكر في الموضوع، ويتابع الحوار بين عقله وقلبه، ولكن الظروف اضطرت الوفد إلى تجميد ~~نشاطه فأعفته من حيرته. # وبدا إسماعيل مع مرور الأيام أصحنا بدنا وأيقظنا فكرا وأشغفنا بالاطلاع المستمر، وما ~~زالت ست تفيدة متشبثة بالحياة رغم تفشي الشيخوخة في جسدها وروحها، حتى أوشكت أن تنسى ~~ابنها المهاجر. وأكبر ما واجه الأسرة في ذلك الوقت مشكلة أعباء المعيشة؛ فرغم إيراد ست ~~تفيدة ومعاش إسماعيل ومدخراته من العمل لم تطمئن إلى التغلب على الغلاء مع المحافظة على ~~مستوى معقول من الحياة، وكانت ست تفيدة تملك خرابة في السبتية فاقترح صادق على إسماعيل ~~بيعها والانتفاع بارتفاع سعر الأرض الأهوج، وأقنع إسماعيل حرمه بذلك، وبيعت الخرابة بخمسين ~~ألفا من الجنيهات، ووهبته هدنة طويلة يطمئن ms86 بها القلب ويستقر، وغلب عليه بوضوح ميله إلى ~~الروحانيات والتصوف، واستشهاده بيننا بأقوال كبار الصوفيين وشرح رموزها، وتفرد بذلك فلم ~~يحظ بمن يستجيب له أو يأنس إليه؛ فصادق صفوان مؤمن بسيط لا قبل له بالشطحات أو الرموز، ~~وحمادة هواه في التنقل، يتصوف معه ليلة وينقلب عليه في الليلة التالية فيسخر منه ومن جميع ~~الأقطاب، أما طاهر فلا دين له، وقد سأله مرة: أأنت دارس محب للاستطلاع أم تبغي السير في ~~الطريق؟ # يا له من سؤال يطرح على رجل يؤمن الإيمان كله بالعقل والعلم ولا يستطيع أن يتخلى عنهما. ~~وأجاب: الإلهام وسيلة للمعرفة كالعقل ولكل منهما مجاله. # فقال طاهر: أما العقل فنعرفه معرفة حميمة، أما الإلهام فنسمع عنه فقط. ~~- ويمكن أن نعرفه أيضا، وقد عرفه الكثيرون. # فابتسم طاهر في استهانة وقال ساخرا: علينا أن نتوقع أن تجيئنا يوما مرتديا خرقة ~~معرضا عن الدنيا وما فيها. # فقال بحزم: كلا، لست من هؤلاء، السر يوجد في الدنيا كما يوجد وراءها، والسماء والأرض ~~والأشياء تخاطبنا في كل حين، وعلينا أن نعي ما تقول، فأنا أعشق السر كما يتجلى في هذه ~~الدنيا، كما سأعشق وجوده الآخر بعد الموت. # ويضحك طاهر قائلا: إنها الشيخوخة والخوف من الموت. # فيقول إسماعيل باسما: إنه الحب، وهو أكبر من الشيخوخة والخوف. ~~- جميل أن تبرر تعلقك بالدنيا على هذا النحو. ~~- فهتف: كلا، إنه تعلق من نوع خاص، تعلق مقدس، ولا يخجل من الاعتراف بأن قمة الجمال ~~في الدنيا يتركز في المرأة! # ويقهقه حمادة الحلواني قائلا: لا داعي للف والدوران، قل إنك تستقبل المراهقة الثانية، ~~وأنك ترسم خطة لارتكاب الخيانة الزوجية. # فقال باسما: علي أن أتحلى بالصبر. # وضحك طاهر كما كان يضحك قديما وقال: وضحت طريقتك يا شيخ إسماعيل، ومقاماتها هي الثروة ~~والتأمل والحب ثم المقويات الجنسية! # على أي حال فإن سلوك إسماعيل لم يجاف خيال طاهر في الظاهر على الأقل، ورفض بكل قوة أن ~~يعد مسلكه هروبا، فإنه لا يعرض عن الحياة حتى آخر لحظة ولا يزهد في حبها وتصور الكمال ms87 ~~لها، ولم يسلم نفسه للتأمل والحب إلا بعد أن أدى واجبه في نطاق قدراته عمرا طويلا، ولم ~~نعرفه كما نعرفه اليوم صفاء وعذوبة؛ فهو لا يجري وراء الملامح كما يجري حمادة مثلا، ~~ويقينا إنه يجد في الحب ما لا يجد أي عاشق عادي، بل يجد في الجنس ما لا يتصوره أي رجل ~~عادي! ولكن حق لصادق صفوان أن يقول: الشرطة لا تعرف لهذا السلوك إلا وصفا واحدا هو ~~المنصوص عليه في قانون العقوبات، فربنا يستر عليه! ~~••• # هلموا نمضي معا في الحلقة الثامنة. ركن قشتمر باق، ربنا يديمه! المكان المستقر الوحيد ~~مهما تثر العواصف من حولنا، ولا تحول جدرانه القديمة بيننا وبين الدنيا، وتمر السنون سراعا ~~فلا تمنع قلوبنا من الخفقان أو ألسنتنا من الكلام، حتى الحلم تنعم به، فضلا عن ذكرياتنا ~~المشتركة ومودتنا الأصيلة، تمدنا بين الحين والحين بنادرة نرددها أو ابتسامة نبتسمها، حقا ~~يرعبنا الغلاء، ويكدرنا الفساد، ويحزننا الظلم. ويوم قتل الزعيم فزعنا وتساءلنا عما يخبئه ~~لنا الغد، ورغم الشيخوخة والروماتيزم والذبحة والبروستاتا والتصوف ذهبنا متوكئين على العصي ~~إلى مركز الاستفتاء بالمدرسة القديمة ب «بين الجناين» لننتخب الرئيس الجديد الذي تعلقت به ~~آمالنا بقدر تعلقها بالأمان والحياة. # وتلقى صادق صفوان من الروماتيزم آلاما كثيرة، ولكن بيته سعد بنمو نهى ودخولها المرحلة ~~الإعدادية وبزيارات إبراهيم ودرية ونبيلة له، ولم تنقطع المراسلات بينه وبين صبري الذي وعده ~~بزيارة قريبة لمصر هو وأسرته التي كونها في الخارج، وأصبح صادق يصلي وهو قاعد، ويمضي وقتا ~~كل يوم في سيدي الكردي، وقد هبطت عليه الشيخوخة بجمالها الخاص الذي تجلى في بياض رأسه ~~وشاربه ووقار وجهه، وربما تساءل: ترى كيف يكون زمان نهى ونبيلة؟! # فيفتح باب الحديث عن الشباب وتحديات الواقع له وما فعله الماضي بحاضرهم ومستقبلهم، فيقول ~~حمادة الحلواني: أبناؤكم أفضل حظا من الملايين الضائعة. # ويقول إسماعيل قدري: عسى أن تصهرهم الشدة فتخلق منهم عمالقة. # فيستطرد حمادة: عايشنا الوطن مع ثورتين، وصادفنا من الآمال والإحباطات ما لا يعد ولا ~~يحصى، وها نحن نشهد الوطن ms88 مطحونا في مأزق لم يجر لأحد في خاطر. # ويقول إسماعيل: لا أعفي أحدا من مسئوليته، ومن الخطأ أن نحصر الذنب في شخص أو شخصين. # وقدمنا أنفسنا للمحاكمة، فطال الجدل بين دفاع وهجوم، وعجز صديقنا حمادة عن الدفاع عن ~~نفسه. ثم حدثنا صادق عن ابنته نهى فقال: يسرني أنها متدينة ولكنها مولعة بالأغاني ~~الإفرنجية، عاشقة للتلفزيون، ورغم تفوقها الدراسي فهي لا تحب الثقافة المقروءة، ولا اهتمام ~~لها بالشئون العامة. # فقال طاهر ضاحكا: إنها متصوفة على طريقتها الخاصة! # ونظر صادق في وجوهنا الشائخة وقال ضاحكا: حقا أصبحنا هياكل عظمية، وسيكون أتعسنا من ~~يمتد به العمر بعد رحيل الآخرين. # أما حمادة الحلواني فكأنما اعتاد ضجره، فصبر وندرت شكواه، وكلما جرى الزمن صالح الحياة ~~ورضي عنها، ولم يحتمل قيادة السيارة وفكر في استخدام سائق ولكن هاله الأجر الذي طالب به، ~~فركن السيارة واستعمل التاكسي، وعاد يقول: لا قيمة اليوم لأغنياء الزمن الماضي. # بقي له من لذائذ الحياة الطعام والحشيش، وحتى الحشيش عجز عن تدخينه في الجوزة، أما ~~القراءة فلم يعد يستمتع بها أكثر من ساعتين في اليوم، وسمع صادق صفوان يقول مرة: من الحكمة ~~أن يفترض الكفرة منكم أنهم مخطئون ولو بنسبة 1٪ وأن يعملوا في هذا النطاق حسابا للآخرة. # ولم يمر قوله بلا أثر كما مر بطاهر عبيد، لم يكن غريبا عن الإيمان كل الغربة، فقد طاف ~~به كما طاف بكل رأي وعقيدة، تبنى مرة الإسلام ومرة المسيحية وثالثة اليهودية؛ لذلك فكر في ~~قول صادق باهتمام، ولما جاء رمضان قرر أن يصوم ويصلي، فعاش مسلما حوالي الأسبوع ثم ارتد ~~أو نسي، كما نسي الذبحة، بل كدنا ننساها معه، وإن حدث وحرك أحدنا الموضوع قال: مجنون من ~~يعذب نفسه في مثل عمرنا حرصا على الحياة! # ويشرد أحيانا ثم يقول: أي مقلب نشربه لو أن إحساسنا بالموت يستمر معنا في القبر ولو لمدة ~~قصيرة! # وسأل صادق صفوان يوما: ألا تندم على أنك لم تتزوج ولم تنجب؟ # فأجاب بصدق: مطلقا، ولكني ندمت على تجربتي السخيفة مع الزواج. ms89 # وطاهر عبيد يزداد ثراء وقرفا ولم يخف وزنه، ولا يعفيه مرضه من إزعاج وكدر بين الحين ~~والحين، وهو وإن ثابر على رغبته في الموت إلا أنه يخاف المرض ومضاعفاته. ووافته أنباء بأن ~~أنوار بدران تزوجت من زميل في المجلة فأبلغنا الخبر دون مبالاة، ويقول صادق صفوان: كيف ~~تتمنى الموت وبين يديك درية ونبيلة؟! # فيقول طاهر مقهقها: حقوق الإنسان ينقصها حق جديد هو حقه في الموت إذا شاء ليتولاه الطب ~~الشرعي بأيسر السبل. # وإسماعيل قدري يمضي في طريقه من مقام إلى مقام ما بين التأمل والحب والجنس، وصحته صامدة ~~بصورة عجيبة. وتمر الأعوام ولكنه يبدو أصغر منا بخمس سنوات على الأقل. # وقال له طاهر عبيد: الطاقة الجنسية لها حدود على أي حال! # فقال بطمأنينة: ربما، ولكن تبقى معي الأزهار والنجوم والليل والنهار، ولا تنس هذا الركن ~~الأمين في قشتمر، ركن الوفاء والمودة الصافية. # أخبرنا أن ابنه هبة الله ذكر له في آخر رسالة تلقاها منه أنه يفكر في العودة إلى مصر ~~وإنشاء مشروع مناسب، فسررنا بالخبر. ~~••• # وتسير الأيام بلا توقف، لا تعترف بهدنة أو استراحة، نحن نكبر وحبنا يكبر، إن غاب أحدنا ~~ليلة لعذر قهري قلقنا وتكدرنا، وفي لحظات الإحساس الفائق يسمعنا الزمن صلصلة عجلاته، ويرينا ~~قبضته وهي تطوي الصفحات الأخيرة. ويتساءل حمادة الحلواني: ترى كيف تجيء النهاية؟ # في البيت؟ .. في الطريق؟ .. في المقهى؟ يسيرة رحيمة أم خشنة وحشية؟ وسرعان ما نهرب إلى شتى ~~الأحاديث. ومضت الذاكرة تتمرد فلم يعد حمادة وحده، ويناقش موضوعا ذات يوم ولكنه ينسى اسم ~~من يريد أن يستشهد به، ولما أعياه تذكره قال: أقصد صاحب نظرية الموناد! # فيتذكره إسماعيل قائلا: ليبنتز. # فيتنهد قائلا: كيف غاب عني اسمه؟! .. هل يكون ختامها الأمية من جديد؟! # ورحنا نتذكر من طواهم النسيان، صفوان النادي وزهرانة كريم، رأفت باشا الزين وزبيدة هانم ~~عفت، إحسان، يسري باشا الحلواني وعفيفة هانم نور الدين، عبيد باشا الأرملاوي وإنصاف هانم ~~القللي، قدري سليمان وفتحية عسل، وعشرات من الزملاء والمعارف. # العباسية القديمة هل بقي منها أثر؟ ms90 أين الحقول والحدائق؟ أين النخلة ومجلسها وغابة التين ~~الشوكي؟ أين البيوت ذوات الحدائق الخلفية؟ أين السرايات والقلاع والهوانم؟ هل نرى اليوم إلا ~~غابات من الإسمنت المسلح، مظاهرات من المركبات المجنونة؟ .. هل نسمع إلا الضجيج والضوضاء؟ هل ~~تحدق بنا إلا أكوام الزبالة؟! ~~- كلما ضن الحاضر بنبأ يسر هرعنا إلى الماضي نقطف من ثماره الغائبة. نفعل ذلك رغم وعينا ~~بما فيه من خداع وكذب، وعلما بما أترع به الماضي من سلبيات وآلام ولكننا لا نستطيع أن ~~نرد النفس عن الاستمتاع بذلك المورد المليء بالسحر والسراب. # وقال لنا صادق صفوان يوما: أقترح أن نحتفل بمرور سبعين عاما على صداقتنا الوطيدة. # وضممنا الاقتراح إلى صميم قلوبنا، وقال حمادة: لنحتفل به في خان الخليلي. # فقال طاهر عبيد: العوامة أفضل. # ولكن إسماعيل قدري قال: بل في قشتمر، فنحن وصداقتنا وقشتمر كل لا يتجزأ. # ووافقنا على ذلك دون تردد، وأملى المكان على الحفل بساطة تناسب أعمارنا وصحتنا، فاكتفينا ~~بشراء تورتة، وأعددنا الشاي، وأخذ كل منا قطعة، وفرقنا الباقي بين صاحب المقهى والجرسونات ~~وماسحي الأحذية، وتراءى لنا أن يقول كل واحد كلمة للمناسبة، فقال صادق صفوان: أقول وأنا ~~أستعيذ بالله من الحسد والحاسدين: إن سبعين عاما مرت فلم تند عن أحدنا هفوة تسيء إلى ~~الوفاء من قريب أو بعيد، ألا فليدم هذا الصفاء وليكن مثلا للعالمين. # وقال حمادة الحلواني: لو جمعنا الضحكات التي روينا بها قلوبنا المنهكة بكئوس الأحداث ~~لملأت بحيرة من المياه العذبة الصافية. # وقال طاهر عبيد: أحقا نحن نحتفل بمرور سبعين عاما على صداقتنا؟ لقد مرت على بلادنا ~~سبعون عاما، أما صداقتنا فلم يمر عليها سوى دقيقة واحدة. # وقال إسماعيل قدري: ينطوي التاريخ بما يحمل ويبقى الحب جديدا إلى الأبد. # وكدت أجنح إلى تذكر عازف الرباب القديم، ولكن صادق صفوان أيقظني من سباتي وهو يتلو بصوت ~~واضح: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة ~~خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~* ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ~~ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى * ~~فأما ms91 اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا ~~تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث ~~. ms92