######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.RaaytFimaYaraNaim.Hindawi86840536 #META# Tags: novels #META# ID: 86840536 #META# Title: رأيت فيما يرى النائم #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أهل الهوى‏ # من فضلك وإحسانك‏ # قسمتي ونصيبي‏ # العين والساعة‏ # الليلة المباركة‏ # رأيت فيما يرى النائم‏ # أهل الهوى‏ # من فضلك وإحسانك‏ # قسمتي ونصيبي‏ # العين والساعة‏ # الليلة المباركة‏ # رأيت فيما يرى النائم‏ # | رأيت فيما يرى النائم # | رأيت فيما يرى النائم # تأليف # نجيب محفوظ # | أهل الهوى # من فوهة القبو دائمة الظلمة، زحف على أربع، زحف في بطء وتخاذل ~~المريض المتهالك. مد ذراعه إلى جدار بيت يتكئ عليه، ليقف في عناء ~~مترنحا، تاركا تأوهاته المتقطعة تتلاحق في وهن. وفي صباح ~~باكر مشرق بنور الربيع الصافي، والحياة تدب متدفقة في الحوانيت على ~~الجانبين وفوق عربات اليد ونوافذ البيوت المتلاصقة العتيقة، والسماء ~~تعلو فوق كل شيء سقفا من الزرقة الرائقة، بدا عاريا تماما، ~~فلفت الأنظار، خاصة أنظار الأقربين، «نعمة الله الفنجري» تاجرة ~~الخردة، «رياض الدبش» الكواء البلدي، و«حلومة الجحش» بياع الفول. ~~تفرست نعمة الله في منظره من مجلسها فوق الكرسي الخشبي أمام ~~وكالة الخردة، وجسمها العملاق ساكن في جلبابها الرجالي الأزرق، ~~وتمتمت: يا فتاح يا عليم! # فقال رياض الدبش الكواء، وهو يتابعه بوجهه المغولي: وراءه حادثة ~~من حوادث القبو. # فقال حلومة الجحش بجسمه القصير البدين ووجهه الريان: يفعلها ~~الذئاب، ونتعب نحن بين «س» و«ج». # واصلت نعمة الله تفرسها، حتى وضح في وجهها ذلك المزيج الغريب ~~المكون من قوة مخيفة وأنوثة ناضجة مكشوفة، ثم قالت بنبرة خبير: ابن ~~ناس! # تجلى الاهتمام في عيني الرجلين، فتبادلا نظرة معبرة ربطت ما ~~بين الدكانين الواقعين في مواجهة الوكالة في الجانب المقابل، ثم ~~حدجا القادم من المجهول بنظرة جديدة. إنه شاب في الحلقة الثالثة، ~~ناعم البشرة، مهذب الملامح، أبعد ما يكون عن الوجوه الكالحة ~~المعهودة، ثم قال رياض الدبش مداريا انفعاله: اعتداء وسرقة! # ومضى يتجمع حوله جمهرة من المشاهدين، ولكن نعمة الله نهرتهم ~~فتفرقوا سراعا، وجاء مخلوف زينهم من أمام العيادة في الوسط، فتلقى ~~الشاب بين يديه قبل أن يسقط فوق أديم الأرض عاجزا عن التماسك، ~~ونادى عبدون فرج الله الشاب العامل في الوكالة، فأذنت له المرأة ~~بتلبية النداء ، فتعاونا - مخلوف ms01 الممرض وعبدون - على حمله إلى ~~العيادة. هناك أنامه مخلوف فوق كنبة وغطاه بملاءة، منتظرا قدوم ~~الطبيب محسن زيان في ميعاده من الضحى. إنه رجل كهل فقد في الحرب ~~ابنا في مثل سنه، ولا ينقصه العطف على أي شاب، رغم إيلافه ~~مناظر العناء والمرض. ولما فحصه محسن زيان الطبيب البدين ذو النظرة ~~الخاملة الطيبة، تمتم: كدمات في الرأس والجبين نتيجة ضربات شبه قاتلة، ~~علينا أن نبلغ الشرطة. # فقال مخلوف زينهم بامتعاض: إنهم ذئاب القبو، وستغضب ~~نعمة الله! # تبادلا نظرة تسليم واحتجاج، ثم تمتم الممرض: إنهم تحت حماية ~~المرأة، وهم جنودها السريون عند الحاجة، ولا قبل لأحد ~~بتحديها. # فشرع الطبيب في العلاج، وهو يقول: ما قيمة حياة تجري تحت رحمة امرأة ~~كهذه! # ولم ينقطع ذكر الشاب الضحية في موقع وكالة الخردة. شغل حلومة ~~الجحش بزبائن الفول، وراح غلام في دكان رياض الدبش يسخن المكواة ~~فوق الجمر المتقد، على حين انهمك عبدون فرج الله في ترتيب ما ~~تبعثر من إطارات السيارات القديمة وقطع الغيار المستهلكة والمحركات ~~والمراوح البائدة. وسألت نعمة الله عبدون عن حال الشاب الذي شارك في ~~حمله إلى العيادة، فلاح في وجهه الطويل الشاحب الضيق لاهتمامها ~~به، وقال: سنسمع قريبا عن موته! # فحولت رأسها المكلل بشعر أسود مفروق مسترسل في ضفيرة غليظة ~~ملتفة حول صفحة العنق، ونافذة في طوق الجلباب، إلى رياض الدبش ~~قائلة: سمعت ما يقول ابن التربي عن الأفندي؟! # فتساءل رياض الدبش مستنكرا: الأفندي؟! ~~- أفندي وحياتك، أفندي وابن ناس! # فدارى رياض غيظه بابتسامة ميتة، وإن جارى عبدون فرج الله في ~~حنقه، أما نعمة الله فتساءلت: ولكن، ماذا جاء به إلى القبو؟ # فقال رياض منفسا عن صدره: وراء بنت من حريم الذئاب! # فقالت بحدة بصوتها الجامع بين الأنوثة والذكورة: مثله لا يجري ~~وراء خنفساء! ~~- المؤكد أن الذئاب هجموا عليه فضربوه ثم جردوه من كل ~~شيء. # ولما رجع إلى الظهور في الحارة تبدى في صورة أخرى. رفل حافيا في ~~جلباب قديم أهداه إليه مخلوف زينهم. لم يبق من آثار الحادث إلا ms02 ضمادة ~~التفت حول رأسه كالعمامة، وبدلا من أن يذهب إلى حال سبيله، هام على ~~وجهه في الحارة مثل كلب ضال، بنظرة خائفة مستطلعة تعكس من الداخل ~~خواء وحيرة ولا تعرف لنفسها هدفا. ووقف أخيرا في مجال الرائحة ~~الحريفة الدسمة البدائية المنتشرة من الطعمية في ابتهال ذليل. حامت ~~حوله أعين كثيرة لرجال ونساء، سرعان ما هجرته في لا مبالاة، إلا ~~عينين سوداوين ثبتتا عليه في إصرار وتماد. ولمست عذابه، فأمرت ~~حلومة الجحش بأن يهدي إليه رغيفا وطعمية على حسابها. ورغم إشرافها ~~على شحن ثلاث عربات بالخردة، ومراقبة عبدون فرج الله والمشترين، فقد ~~تابعت التهامه للطعام بسرور وحشي، يكاد الشعر النابت في عارضيه ~~ولغده أن يلتهم وسامة وجهه كما يلتهم هو الطعام. ترى لم لم ~~يذهب إلى حال سبيله؟ وماذا يبقيه في هذه الحال الزرية البائسة؟ ~~وبدافع من شعور فطري بالامتنان، تربع على الأرض غير بعيد من ~~موقفها مسندا ظهره إلى جدار الوكالة الذي لاح له كمخزن لنفايات ~~الحديد، وسألته باهتمام: اسمك يا جدع؟ # فرفع إليها عينيه العسليتين في حيرة واضحة، ولم ينبس. فتساءلت ~~كالمحتجة: أهو سر لا يذاع؟! # فتحولت الحيرة إلى صورة ناطقة للعجز، فقال لها رياض الدبش ~~الكواء: الصبر، ألا ترين أنه لم يشف بعد مما به؟ ~~- لحد نسيان اسمه؟ ~~- ما زال غير موجود. # فرجعت إلى الشاب قائلة: اسمك؟ ... تذكر وأجب، من أنت؟ من أين ~~جئت؟ # فانقلب العجز عذابا، وتوجس خيفة. فقالت بحدة: قل أي ~~شيء. # فغمغم مقهورا: لا أدري. # فرددت عينيها بين رياض وحلومة، قائلة: إنه يهزأ بنا. # فقال عبدون فرج الله وهو لا يكف عن العمل: دعيني أطرده ~~بعيدا! # فصاحت به: طردت العافية من بدنك! # ونادت مخلوف زينهم، فلما حضر الكهل سألته عن الشاب، فقال: إنه بلا ~~ذاكرة! # فقالت بضيق: لم أسمع عن هذا المرض من قبل، هل يطول غيابه؟ # فقال الكهل بعطف: لا أحد يدري، من ناحيتي فإني أسعى لدى الطيبين ~~للتبرع بما يكفي لنشر صورة له في الجرائد كي يهتدي أهله ~~إليه. # فقالت المرأة بغلظة: كف ms03 عن ذلك، ودع الأمر لي! # فرمقها الكهل بيأس، ثم قال: لك الجزاء الحسن عند الله. # ومضى نحو العيادة. # وأفسحت المرأة للشاب مجالا للعمل في الوكالة، معلنة بذلك اهتمامها ~~به، فأقلع الجميع عن التفكير فيه إيثارا للسلامة، وراح يؤدي ما يطلب ~~منه نظير طعامه وكسائه. وتجاهله عبدون فرج الله طاويا حقده في قلبه ~~خوفا من المعلمة، ولكن الحقد عليه تفشى في قلوب كثيرة، في مقدمتها ~~قلبا رياض الدبش وحلومة الجحش. توقع كلاهما دهرا أن عبدون فرج الله ~~هو المرشح للنعيم، حتى زحف الفتى المجهول من القبو كالقدر، وتجلى ~~رونق وجهه بعد الحلاقة، وشعر رأسه الممشط بعد إزالة الضمادة، كما ~~ارتسمت رشاقة قامته في البنطلون القصير الكاكي والقميص الرمادي ~~نصف الكم والحذاء الأسود الموكاسان. أما هويته المفقودة فلم ~~تسترد، ومضت هوية جديدة بدائية تستكشف الوجود من حوله بدهشة ~~ثابتة، مستهترة بالتقاليد والحياء والنفاق، لائذة بغرائزها المتحفزة. ~~وتمنى له الحاقدون الشفاء لعله يختفي فجأة كما ظهر فجأة. أما ~~نعمة الله الفنجري، المرأة الرائعة المخيفة، فكانت تحلم بمسيرة أخرى. ~~سرتها نظراته النهمة البهيمية، ولغته الصامتة المكشوفة معا، ~~وحومانه الحار الجنوني حولها بلا حياء، حتى قالت لنفسها: «لا بد من ~~تهذيبه». قوتها الراسخة نفسها اهتزت حيال هوج انفعالاته الجامحة، ~~فخافت أن يصيبها سوء مجهول بين يديه المندفعتين بعنف البراءة ~~العمياء، وقالت لنفسها أيضا: «إني أخيف الرجال، ولكن لا أدري ~~كيف أتعامل مع الزوابع.» بدا غريزة مجسدة تهيم في غابة من نفايات ~~الحديد. وسمعت عبدون فرج الله يدعوه بالمجنون، فنهرته قائلة بنبرة ~~آمرة: إنه يدعى «عبد الله»! # فتساءل عبدون: ألا ترين أنه لا يعرف دينا ولا ربا؟! # فشكمته بضربة في صدره أوشكت أن تطرحه أرضا، وسرعان ما عرف بعبد ~~الله، ولكنها قلقت من حريته المطلقة المنذرة دائما بعواقب مجهولة. ~~إنه لا يتورع عن مد يده إلى أي موضع خصب من جسمها، فترجعه ~~جادة حذرة، رغم ظهورها بمظهر الرجال في الوكالة طيلة النهار، فكيف ~~لو لمحها في منظرها الأنثوي الطاغي في مسكنها الناعم الخيالي فوق ~~الوكالة؟! وخطر ms04 لها خاطر حكيم ادخرته لزيارة الشيخ «جابر عبد ~~المعين»، إمام الزاوية الذي يتلقى منها المعونة له وللزاوية في أيام ~~محددة. إنها تغطي طغيانها المخيف بنفحات كرم تسكت بها ذوي ~~الألسنة القادرة، وتمارس في الدين طقوسا وثنية، فلا تأبى - رغم ~~جبروتها - أن تؤنس وحدتها الداخلية بالأحجبة والتعاويذ. جالست الشيخ ~~على أريكة قائمة في الجانب الأيمن من الوكالة بين تلين من قطع ~~الحديد، وتراءى عبد الله وهو يعاون عبدون فرج الله في شحن عربة ~~بالإطارات الملساء، ولمحت المرأة الشيخ وهو ينظر نحوه، فقالت: ~~أعطيته عملا ورزقا. # فقال الشيخ وهو في أعماقه يخافها ولا يحبها: الله لا يضيع أجر ~~من أحسن عملا. ~~- ولكنه نسي الدين فيما نسي. ~~- أعوذ بالله! # فقالت بإغراء: هذه هي مهمتك يا شيخ جابر. ~~- يا لها من مهمة شاقة! ~~- لا تكن طماعا. وحظك محفوظ، المهم أن تعلمه كيف يخاف، ~~يكفي هذا. # أدرك لتوه أنها تريده على أن «يعده» لها. لعنها في سره ~~واستغفر ربه، وقال لنفسه إنه ليس من حقه أن يسيء بها الظن ~~استنباطا من نية لا يعلمها إلا الله، وإن مهمته في ذاتها خير يستحق ~~عليه المثوبة. ودهش كثيرون عندما رأوا الفتى يساق كل عصر إلى ~~الزاوية لتلقي دروس في الدين. وقال السذج إنها امرأة شريرة ~~طاغية ما في ذلك شك، ولكنها لا تخلو من جانب خير. أما أمثال رياض ~~الدبش وحلومة الجحش فقد فطنوا إلى اللعبة، وتساءل حلومة بحرقة: متى ~~أراها فريسة للزمن؟! # كثيرون يعيشون بجراح دفينة حفرتها في قلوبهم أظافر المرأة. حظي ~~من حظي منهم بالعشق حين جادت به، وتجرعوا الهجر حين هجرت. وعند ~~ظهور فتى جديد يختال في أبهة النصر يتعزون عن الأسى بتربص ~~النهاية المحتومة. إنها دائما تتربص هناك، لا دافع لها ولا مهرب منها. ~~ولكن متى تخمد نيران تلك الشهوة المتأججة؟! وراحت تكافئ الشيخ جابر ~~على دروسه بكرم، ثم تراقب الفتى وتنتظر ... ودخل في مقام من مقامات ~~الحيرة، وتجلى التساؤل في عينيه، ولم تشأ أن تسأله حتى يبادرها ~~بالسؤال، وقد سألها : أهو صادق ms05 فيما يقول؟ أعني الشيخ جابر عبد ~~المعين؟ # فقالت بحرارة: الصدق أعز ما يملك في هذه الحياة. # فاشتدت حيرته، ومضى يعرف الحياء، ويداري انفعالاته، ويأسف بعد ~~ارتكاب الخطأ. وحثت هي الشيخ على أن يعفي الفتى من التعمق أو ~~يكلفه بما لا يطيق. إنها تكره العارفين الذين يستشهدون عند كل ~~موقف بما يناسبه من الآيات. إنها ترغب في امتلاك الشاب وتخاف تمرده، ~~وعلمتها حياتها أن القليل من الدين مفيد أما الكثير منه فينذر ~~بالخطورة والغم. وهي مرتاحة إلى نمو رغبته فيها وعذابه الدفين ~~بالتردد والحياء والخوف بعد أن وسع قلبه الرغبة والعبادة في آن. ~~وتمتم أمام شيخه: الله والجنة والنار. # فقال له الشيخ جابر: تدبر ذلك بعقل ناضج تجاوز الطفولة ~~والصبا. # فتساءل في حيرة: والرغبات الجامحة من خلقها؟ # فقال الرجل بضيق خفي: هذا هو امتحان الإنسان. # وعلم فيما علم بما ضاع من ماضيه. أي فرد يجهل مستقبله، أما أنا ~~فأجهل ماضي ومستقبلي معا. ماض ليس بالقصير، وحفل ولا شك بأشياء ~~وأشياء. ولم يفطن إلى جو الحقد الذي يلفحه إلا قليلا، فعدا عبدون ~~فرج الله لم يشعر بعداوة مجسدة، ولم يفطن كذلك إلى أن نعمة الله ترصد ~~اللحظة المناسبة لانتزاعه نهائيا من يدي الشيخ عبد المعين. ولكن ~~قلبا واحدا ظل يخفق بالعطف عليه، هو قلب الممرض مخلوف زينهم. ~~تسلل مساء إلى الزاوية، فصلى المغرب، ثم انتحى بالشاب ناحية ~~عقب انتهاء الدرس. لمس التجهم المشوب بالقلق يغشى وجه الشيخ جابر، ~~فغضب وقال له: اخش ربك وحده! # فتساءل الشيخ بحدة: وأنت ألا تخشى المرأة أيضا؟ ~~- يمكن أن تستمد من العمامة قوة، وليس لي ذلك. # فقال الشيخ: لولا المرأة ما كانت الزاوية! # فقال له بأسى: إنك تعلم أنها ترعاها من أجل الشيطان. # وأقبل على الفتى معرضا عن الشيخ، وقال: سوف تسترد ماضيك يوما ~~ما، مظهرك يدل على أنك منحدر من أصل طيب، ولعلك كنت ماضيا في مهمة ~~نافعة، لست من حينا، فماذا جاء بك إليه؟ والعمل المتاح لك اليوم لا ~~يناسبك، فماذا كان عملك ؟ # فتمتم عبد ms06 الله: لا حيلة لي الآن. ~~- هذا واضح، المهم ألا تتورط في مأزق يتعذر الخروج منه إذا ~~انقشعت الظلمات. ~~- نعمة الله هيأت لي عملا ومأوى. ~~- هي في الحقيقة نقمة لا نعمة! ~~- لولاها ... # فقاطعه: إنها صاحبة خطة قديمة متجددة، سوف تهبك نفسها، فتظن ~~نفسك سيد العالمين. # فتورد وجه الفتى وخانه السرور فأضاء به وجهه، فقال الرجل بحزن: ~~لست الأول، ولن تكون الأخير، وسوف تلفظك حتما وبلا رحمة، فتتلاشى ~~ساعات السعادة الزائفة في حمأة الهجر الدائم، وتنضم إلى ركب التعساء ~~الكثيرين. # قلقت في عينيه العسليتين نظرة حائرة، ولكن موجة الفرحة ~~القريبة الراقصة اكتسحت نذر المصير المخيف المجهول، فقال الرجل ~~وهو يصارع الهزيمة: إنها قوية بلا حدود، حتى ذئاب القبو الذين اعتدوا ~~عليك يخضعون لها، وعند الضرورة تزهق روح من يعاندها، هي السحر ~~وكفى. # فتساءل الشاب احتراما لعطف الرجل: ماذا تريد مني؟ ~~- أن تهجر الحارة في الحال. ~~- إلى أين؟ ~~- ستجد لك رزقا في مكان ما حتى تستعيد ذاتك. # صمت دون حماس، فتساءل الرجل بقلق: أوقعت في قبضة ~~قدرك؟ # فأجابه بصمت ناطق واستخفته الفتنة، وشعر مخلوف زينهم أنه يجري ~~بعيدا عنه، وأنه ينطلق نحو تجربته المهلكة بحماس دافق. تنهد ~~الرجل، قام وهو يتبادل مع الشيخ نظرة حنق، ثم مضى وهو يقول للشاب: ~~الله معك! # وهل الصيف بشخصيته الواضحة المتحدية، وتحت شمسه المحرقة سرى العنف ~~في الحناجر واحتدم الخصام لأتفه الأسباب. واتهم عبدون فرج الله ~~الفتى بسرقة قروش افتقدها، فانقض عليه يصارعه، لولا ظهور نعمة الله ~~في اللحظة المناسبة وإنذارها عبدون بالطرد إذا عاود العدوان. وقررت ~~المرأة كف الفتى عن دروسه الدينية اكتفاء بما حصل من قشور، فكثر ~~الفراغ في حياته، كما كثرت الهموم، بات يخاف الله، ويخاف عبدون، ويخاف ~~تحذيرات عم مخلوف زينهم، ويتساءل عن ماضيه الطيب والمهمة التي جاءت ~~به إلى هذه الحارة العصبية، ويتساءل متى يبدأ العشق قصته، وماذا ~~يمكن أن يقال عن المصير المحتوم، وألا يكون خسرانه أكبر إن تجنب ~~التجربة المغرية ليتفادى من المصير المحزن؟! خاض فترة قلق، وتطلع ~~إلى معلمته ms07 بنفاد صبر، وجزع لانهماكها في العمل وما يبدو من تجاهلها ~~لحاله. غير أنها كانت قريبة منه أكثر مما يتصور، ومتغلغلة في تلافيف ~~ذاته بقوة امرأة آسرة وأسيرة في آن. إنها رغم قوتها المعترف بها، ~~وقدرتها الإدارية، وسطوتها الأسطورية، فريسة لخيالها المنطلق وعواطفها ~~الجامحة. إنها تعشق حتى الموت، وعشقها داء لا دواء له، وعندما ~~يرشح لها قلبها فتى من الفتيان فتهيم به وتجن، ولكن الخبرة ترسم ~~لها وسيلة ظاهرها القوة واللامبالاة. توكد لديها أنها تعاني حال ~~عشق جنوني لا نزوة طارئة فتأهبت للتجربة. لاذت بخلوتها الصغيرة ~~بمسكنها الوثير المفروشة أركانه بالشلت الدسمة المكسوة بالأغطية ~~الخضراء، يتوسطها وعاء نحاسي مجوف مليء نصفه بالبخور ونصفه الآخر ~~بقصاصات منقوشة بالتعاويذ والأدعية والنداءات الخفية. ذرت قبضة من ~~البخور في مجمرة ثم لهجت بابتهالات تستحضر بها ساحرها القديم الذي ~~غادر الدنيا على عهد شبابها الأول. وشملت الظلمة المكان إلا لآلئ تتألق ~~في الجمرات، وانتشرت رائحة البخور العميقة مفعمة بالابتهال والنداء. ~~وحل بالظلمة وجود جديد، ثمرة للرغبة الحارة المستميتة، كحضور ذي وزن ~~ملأ فراغ الخلوة بثقله غير المرئي، وسرعان ما انقشعت الوحدة وتلاشى ~~الألم. تشجعت وهمست دون أن تجفف عرقها: أهلا بك يا ~~«برجوان»! # فنفذ إلى أعماقها صوته المغلف بالموت: القبو يطيعك، الرجال ~~يخافونك، شبابك حي. # فهمست بإشفاق: حل بي الجنون من جديد. ~~- صاحبك أيضا مجنون. ~~- قد يرجع إلى ذاته قبل أن أبرأ من عشقه! ~~- إذا رجع نسي الماضي ولا حيلة في ذلك. # فقالت بتوسل: سحرك قادر على كل شيء. # فقال بضجر: أولى بك أن تحذري مخلوف زينهم. # فهمست بقلق: أعلم نواياه، ولكني أخاف أن أؤدبه بنفسي فأرعب ~~الفتى. # فتنهد الظلام في استجابة، وتلاشى الحضور في الحال، فعادت إلى وحدتها، ~~ولكن بقلب مترع بالثقة. وأقعد المرض الممرض مخلوف زينهم عن عمله في ~~عيادة الطبيب محسن زيان. وعرف في الحارة أنه أصيب بروماتزم مفصلي شديد، ~~غير أن الشيخ جابر عبد المعين قال لزوجته: إنه من عمل ~~نعمة الله! # فقالت المرأة مذعورة: ليتك لم تش به. # فغضب الشيخ ولطمها ms08 على وجهها لطمة شديدة. # وأراد عبد الله أن يعود الرجل الذي كان أول من كساه بعد عري، ولكن ~~نعمة الله قالت له: لا أحب هذا. # ثم خففت من وقع أمرها، فقالت له: مسكني في حاجة إلى الخدمة، وقد ~~اخترتك لذلك. # ونسي صاحبه وتساءل في سرور طاغ: «ترى هل انتهى العذاب؟!» وثمة ~~باب في الوكالة يفتح على سلم للمسكن تسلل منه ليلا. استقبلته ~~رائحة البخور وضوء مصباح كهربائي مثبت من أعلى الجدار. صعد في ~~الدرج ووجدانه يسبقه يطمس بمحياه معالم المكان. في نهاية دهليز رأى ~~بابا مواربا يشع منه نور، مضى إليه وتنحنح، جاءه صوتها الليلي ~~الرخيم داعيا فدخل. لم ير من الحجرة سواها وهي مستوية على كنبة، ~~مسندها مطعم بالصدف في جلباب حريري أبيض يخفي قسمات الجسد، ولكنه ~~ينبئ عن عملقته بطريقة انسيابية تثير الخيال، وليس في الوجه المتسلطن ~~أثر من زواق، ولكنه ينضح بأنوثة فوارة بعد أن خلعت قناع الذكورة ~~الصارم الذي تتعامل به في الوكالة والحارة. والشعر الأسود ذو لون طبيعي ~~لا يشي بأي تكلف كيماوي، دافئ بشباب راسخ. تركته واقفا في جلبابه ~~الفضفاض، لم تخفف من ارتباكه بكلمة، كأنما لتمتحن أثرها فيه، ولترى ~~لأي تكون الغلبة: الخوف أم الرغبة؟ ومن شدة حرجه انتزع عينيه منها ~~ليلقي نظرة عما حوله، ولكنه لم ير سوى النظافة وكأنها تقوم بذاتها، ~~وتنفس رائحة طيبة. قال: لعله وقت مناسب لتنظيف المسكن، ولكنه ليس ~~في حاجة إلى تنظيف. # فصبت من إبريق مفضض في قدحين فوق خوان مطعم بالأصداف سائلا ~~فاحت منه رائحة القرفة الممزوجة بالزنجبيل، وعادت تنظر نحوه. وبسريان ~~الخمر غير المنظورة في دمه التصق بصره بها في جرأة السكران. وتمادى في ~~انفعاله حتى اكتسح العواقب، واستسلم لتيار قوي دفع به نحوها ~~كالقذيفة، وكالقذيفة راح يتنقل بين أبعادها وهي تتلقفه بحنان حار، ~~ورضى آسر، واستجابة مستكينة وحماسية معا. وما لبث أن توج فوق عرش ~~النشوة والسيادة، وامتلأ واقعه بعذوبة الأحلام. وتمنى لو استمر ~~ذلك دون توقف، لو كان الحب ذا سياسة أخرى، لو ms09 أن السعادة لا يجرفها ~~تيار الذكريات، لكنه وجد نفسه راقدا في حضن الفتور الجليل، يرى ~~الأشياء لأول مرة. إنها حجرة أنيقة حقا؛ متوسطة الحجم، مزينة الجدران ~~بسجاد صغير وبسملة مذهبة، تتوسط أضلعها كنبات وثيرة ذوات أغطية مختلفة ~~الألوان ومساند مطعمة بالأصداف مموهة بالأمثال، مغطاة أرضها بسجادة ~~حمراء في وسطها مجمرة كبيرة تحت مصباح كهربائي في قنديل. وسرعان ما ~~انتقل من الفتور إلى القلق، حتى قالت له: نظرة عينيك لا تعترف ~~بجميل. # فلثم خدها، وهو يقول ببراءة: أخاف النار! # فابتسمت قائلة بحنان: عندما تهب المرأة نفسها، فالعلاقة شرعية ~~مباركة! # فمال إلى تصديقها بكل قواه، ورآها جديرة بالانقياد، أما هي ~~فواصلت: منذ الساعة فأنت شريكي في البيت ووكيلي في الوكالة! # وتبدى في صورة جديدة، صورة المعلم الشاب بجلبابه الأبيض ولاثته ~~المزركشة، وزهوه المتورد. وعمل عبدون فرج الله في ظله، مكرها على ~~طاعة مرة كالسم، منطويا عن مقت وحسد كالنار. وشاركه في عواطفه ~~الدفينة رياض الدبش الكواء وحلومة الجحش الفوال وآخرون. ولكن عبد ~~الله تجاهل في نشواته العواطف الدفينة، وأقبلت السعادة كالشمس تنتشر ~~أشعتها في جميع الأرجاء، فجذبت مسمعيه ضحكات السكارى والمساطيل، ~~وأطربتها أنغام المزامير الراقصة وأغاني الراديو، وتصام عما عدا ~~ذلك، حتى آمن بأن مهجره الجديد ما هو إلا موطن للسرور والرحمة، فشكر ~~الحظ الذي ساقه من المجهول إلى القبو، واستخلصه من ماض لا يجوز أن ~~يأسف عليه. وانغمس في الحب في الليالي المذابة في أقداح القرفة ~~والزنجبيل الحاوية لنفثات السحر، الداعية لعوالم الخيال والذهول. ~~وتكشفت نعمة الله عن معجزة لا نهاية لإبداعها وفنونها وأنغامها، ولا ~~نهاية لقدرتها الخارقة في إشعال الحيوية وتفجير الطاقة، وخلق المسرات، ~~وإشباع الكرامة، وإرضاء الغرور. انغمس في الحب حتى قمة رأسه، وتعلق ~~بها حتى الجنون، وألهمته سعادته الإحساس بالدوام والخلود، فاقتنع ~~بكل قواه بصدقها وإخلاصها ووفائها، وتطايرت أصداء ما قيل له عنها، ~~فأنسيه وكأنه لم يكن. ونسي تماما القلق والتساؤل والحيرة والإساءات ~~العابرة، فبدت جميعها كالأشباح الوهمية التي تفنى في ضوء الشمس ~~الساطع. وقالت له ليلة في ms10 دعابة: أراك لا تتكلم إلا نادرا. # فتحير قليلا ثم قال: السعيد لا يجد ما يقوله إلا نادرا. # فابتسمت قائلة: كتب علينا ألا نسمع إلا ما يسوء! # فقال ضاحكا: إني أثرثر، ولكن بغير لسان! ~~- ألا توجد في قلبك رغبة؟ # فقال بحماس: أن يدوم الحال. # فقالت بنبرة صدق: هو ما أوده أيضا. ~~- إذن فلن يهدد دوامه شيء. # وصمتت قليلا، وهي تتفحصه ثم سألته: ألم يعد يهمك أن تعرف ~~المجهول من حياتك؟ # فهتف ضاحكا: أبدا، الحق أني أخشاه على حاضري. ~~- وأنا أيضا مثلك. # وبعفوية تبادلا قبلة، ثم قال: ألا توجد وسيلة لحماية حبنا إذا ~~انكشف المجهول؟ ~~- هذا ما لا أدريه. # فتساءل بحرارة: ألا ترينه أقوى من أن يؤثر فيه شيء؟ # فقالت بحماس: هو كذلك. # فاستوى حصنا منيعا من اليقين والطمأنينة خليقا بأن يصمد لأجن ~~العواطف والترهات. وثمل بسعادته فلم ينتبه لجريان الزمن. في تلك الغفلة ~~العذبة تلاحقت أيام الصيف لاهثة وتسلل الخريف بخطاه الخفيفة، ينفث في ~~الجو أنفاسه الرقيقة ويخضب السماء بفرشاته البيضاء ويغزو القلوب ~~بأنغامه الشجية. ومضت نيران العواطف المتأججة تخبو قليلا قليلا، ~~ويحل محلها حب هادئ، موسوم بالاعتدال، متحرر من جنون الإفراط، ~~مالك لوقت ينفقه في التعامل مع سائر أركان الحياة. وزحف ذلك التطور ~~على الطرفين معا، الفتى والمرأة، فخلطا أحاديث الهيام بهموم الوكالة ~~والحارة، واستأثر الجد بالحوار حينا فخلا من أية مداعبة، فانبثق ~~التلاقي الحميم ثمرة للرغبة مرة، وثمرة للعادة أو دفعا للشكوك مرات، ~~حتى تساءل عبد الله ما هذا الذي يحدث؟! بدا كل شيء بالقياس إليه ~~- بخلاف المرأة - كأنما يحدث هكذا لأول مرة في تاريخ البشر. واسترق ~~النظرات إلى المرأة الهادئة فساورته الشكوك، وازدحم أفقه بالفكر، ~~ولمح يوما عم مخلوف زينهم وهو ماض نحو العيادة، فاستعاد تاريخه معه ~~في لحظة. أدرك بكل سرور أن الرجل برئ من مرضه، فاندفع نحوه ~~بتلقائية، ولكن الكهل صدمه بنظرة باردة رافضة وابتعد عنه في تجاهل ~~تام، توقف متعثرا في ارتباكه، متذكرا ذنبه في إهماله حين ~~مرضه، وتراجع إلى موقفه وهو يتلقى من أعين ms11 كثيرة نظرات لاذعة، شعر ~~بأنه خسر صديقه الوحيد في الحارة. وانتبهت حواسه لما حوله من جديد، ~~فقرأ الحسد والشماتة في أعين عبدون ورياض وحلومة. الجو مشحون ~~بالكراهية والحسد. وتذكر تحذيرات زينهم فأوشك أن يفقد الثقة، وبدافع ~~من تحد راح يقطع الحارة ذهابا وإيابا، ويختلف إلى المقهى بعض ~~الوقت. وتتلقى أذناه كلمة من هنا وكلمة من هنا، لم يتصور أن تكون ~~امرأته الشغل الشاغل للناس بهذه القوة. هل عشقتهم ونبذتهم جميعا؟! ~~إنهم يخافونها بقدر ما يمقتونها وكأنما لا حيلة لهم قبالتها، وهي في ~~نظرهم قوية، بل أقوى من جملة رجال أشداء، ولكن لا أهمية لقوتها إذا ~~قيست بتمرسها بالسحر وتعاملها مع العفاريت، أو بتسلطها على ذئاب ~~القبو الذين لا يتورعون عن القتل خدمة لها. ولا يكاد ينخدع أحد ~~برعايتها للزاوية وشيخها أو برها ببعض الفقراء، ويرون في ذلك ستارا ~~كاذبا تسدله على آثامها ورغبتها الشرهة في التحكم في الناس ~~والأرزاق. وإذن فجميع مظاهر السرور في الحارة ما هي إلا قشور، أما ~~الحقيقة فهي أنها تعيش في جو يموج بالخوف والحقد، تهدده في كل ~~حين الذئاب والعفاريت، وتنحسر في الوقت ذاته عن ساعات لذة عابرة جادت ~~بها المرأة المحترفة في غفلة من الزمن. أهذه هي نعمة الله حقا أم أنه ~~خيال يشعله الحسد والحقد؟! ألم يجد حبها صادقا وعطفها شاملا ~~وإخلاصها راسخا؟! وحتى الهدوء الذي آل إليه ألم يقع له نفس الشيء؟! ~~هل يمكن أن يتهم هو بسبب من الاعتدال بعد الجنون بفتور الحب أو ~~انقلاب العاطفة؟! ولكن من ناحية أخرى لم يتقرر له مصير غير مصير ~~الآخرين؟! لم ينجو من الكأس التي تجرعها الجميع حتى الثمالة؟! ~~وتلتقي عيناه بعينيها وهي منهمكة في العمل، فتبتسم إليه ابتسامة ~~حلوة تمحق وساوسه فيشرق الأمل بنفسه من جديد. وتشجع في ليل ذلك ~~اليوم الخريفي، وقال لها وهما يرشفان من قدحي القرفة والزنجبيل ~~ويهيمان في ملكوت الأوهام الحانية: أتدرين ما يقال عنك في الحارة يا ~~نعمة الله؟ # فداعبت وجنتيه بأناملها، وقالت: لست غافلة عن شيء يهمني ms12 ~~أبدا. # فقال بامتعاض: ما أظلمهم يا نعمة الله! # فتساءلت في دعابة: أتراني ملاكا؟ ~~- إنك عظيمة وطيبة. # فقالت بهدوء: ولكي أكون عظيمة وطيبة يجب أن أكون أحيانا حازمة ~~وقاسية. # فتساءل، وهو يكتم وساوسه: لك تاريخ عجيب ولا شك؟ ~~- طبعا، إني سليلة فتوات، كما كان أول زوج لي فتوة ... فنشأت ~~قوية، ولكني كنت يوما وما زلت ذكية، فسلمت بانتهاء عصر الفتونة، غير ~~أنه لا غنى عن القوة والذكاء. ~~- أحقا تسيطرين على الذئاب؟ ~~- نعم، إن لم أسيطر عليهم سيطر عليهم الآخرون، وحلت ~~الفوضى. # فسأل بعد تردد: وهل تجيدين السحر أيضا؟ # ففكرت قليلا، ثم قالت: هذا هو الاسم الذي يطلقه العجزة على ~~الذكاء. # فقال بقلق: التعامل مع العفاريت أمر مخيف. # فتساءلت ساخرة: هل عثرت على عفريت في هذا البيت الجميل؟! # فتنفس بارتياح، وتساءل: لم لا تعيشين مثل الناس العاديين؟ # فقالت بكبرياء: لأنني لست عادية! # وساد الصمت حتى تجلت للسمع أصوات رقيقة للخريف في الخارج، وجعلت ~~تلحظه باهتمام، فلما لاذ بالصمت قالت مستلهمة نظراتها النافذة في ~~الأعماق: قل ما عندك، ما زال عندك ما يقال. # فضحك ضحكة قصيرة، وتساءل: أحقا تزوجت من كثيرين؟ # فقالت باستهانة: نعم. ~~- وهجرتهم أو أجبرتهم على الهجران؟! ~~- نعم. # فتساءل وقلبه يخفق: ولكن لماذا؟ # فقالت ببرود: لم أجد بينهم صالحا. # وراقبت وجومه قليلا، ثم همست في أذنه: أنت أول من أجد! # فرنا إليها غير مصدق، فقرأ الصدق في عينيها الجميلتين ~~المتسلطتين، وهمس في أذنها: لا حياة لي بدونك يا نعمة الله. ~~- ولا حياة لي بدونك. # فقال بحماس وحرارة: أخاف عليك حقدهم المنتشر. # فقالت ساخرة: لا خوف من حقد مصدره العجز. ~~- كراهيتهم لي أيضا تلفحني في كل خطوة. # فقالت بوضوح: احذر أن تظهر خوفا أو قلقا. # مضى يسترد الثقة والسكينة بين يديها، ولكن تبدد أمنه في ~~الوكالة والحارة. استعاد حديثها كثيرا فلم يعرف الاستقرار قلبه، ~~امرأة تثير عواطف شتى متناقضة، تلهم الحب والطمأنينة والخوف ~~والشك، يراها في الوكالة شخصا آخر ... يرى رجلا قويا ومثالا للحزم ~~والعنف أيضا. لا تقارب بينه وبين الأنثى التي ms13 تبهر الليالي في المسكن ~~الناعم، وخطر له أن يسأل نفسه: «ترى هل وجد مثل هذه الحيرة في حياته ~~المجهولة؟!» وكان يتذكر حياته الأخرى لأول مرة منذ أمد غير قصير، ~~أكان أسعد حالا أم أتعس؟! أكان أرفع منزلة أم أدنى؟! أكان يحترق ~~بغضب الآخرين أم نعم بسلام دائم؟! من أي جهة جاء؟ وأي جهة قصد؟! ~~لكنه عبر ذلك بسرعة، وكاد ينسى كل شيء، لولا أن سألته في مجلس ~~الليل: فيم تفكر يا عبد الله؟! # فأجاب بسرعة: لا شيء. ~~- كنت في النهار كالمسافر. # وذابت إرادته تحت نظرة عينيها فاعترف لها بتساؤلاته. فنظرت إلى ~~السقف المنقوش بزخارف متداخلة لا يعرف لها أول ولا آخر، وقالت: إنها ~~أول إهانة أتلقاها منك. # فهتف بجزع: خواطر فارغة، ولكن لي عذر. ~~- لا عذر لك. ~~- تقبلي أسفي! # فتساءلت في عتاب: ماذا تريد أكثر مما أعطيتك؟ ~~- لا شيء. ~~- ولكنك تحوم حول تساؤلات عقيمة، وهذا هو الحمق. ~~- نطقت بالحق. ~~- لا تكن منافقا كالآخرين. ~~- بل نطقت بالحق، وما أطمح إلا إلى دوام ما أنا فيه. # فقالت بحدة: ستعرف مجهول حياتك ذات يوم، وسوف تندم. # شعر بأنها امرأة محبة وغيور، ونعم ليلتها بسعادة صافية، وعندما ساد ~~الظلام خطر بباله سؤال: «ترى ... هل الندم هو الجزاء الأوحد لمعرفة ~~المجهول من حياته؟!» ولكنه رغم الظلام، وهبوط النوم، خاف أن تفضحه ~~نظرتها النافذة، وانغمس في حياته بإصرار، وركز على سماع الأغاني ~~والنكات، وتجنب ما استطاع نثار شواظ الغضب الهادر، وتمنى أن ~~تمضي حياته هكذا أبدا. على أن الحياة مضت في طريقها على أي حال، ~~وانتهى الخريف كما انتهى الصيف من قبل، وإن لم ينته في غفلة كاملة، ~~ولا بنفس السرعة. ولكن الليل طال، وتلفعت بواكير الصباح بالظلمة، ~~وزفرت الأبدان قشعريرة، وتأخر شروق الشمس حتى انقشاع الغمام، وجادت ~~السماء بمطرة واحدة. وغير ملابسه الداخلية والخارجية، وتواصل التغيير ~~فشمل أشياء كثيرة، تسلل التغيير في خطوات غير مسموعة، ولولا حساسيته ~~ومخاوفه الدفينة لأفلت منه تماما، وزاد من قلقه أن التغيير ينبثق ~~منه، من أعماقه، ففتر حماسه لمجلس الليل ms14 الذي لا يعد بجديد، وغدا ~~الاستسلام للنوم ألذ من السهر، وتمنى لو كان له أصحاب يسامرهم في ~~المقهى حتى منتصف الليل. وانطفأت بروق كثيرة تحت عباءة العادة الثقيلة، ~~فاستيقظ الفكر وخبت شعلة العواطف والغرائز، وخاف أن يقف كالمتهم بين ~~يديها، أن يتلقى من عينيها السوداوين نظرة ساخرة، ولكنه وجدها ~~تسايره بارتياح وعفوية، وتشغل عن اللهو والزينة بالتفكير في العمل أو ~~باستقبال بعض العملاء ثم يأويان إلى النوم آخر الليل مثقلين بالتعب، ~~توقع منها مطاردة محرجة، فوجدها تغوص في العقل والهدوء واللامبالاة. ~~وفجر ذلك قلقه ولم يطمئنه، ورأى فيه نذير شر، وصمم على افتعال ~~العاطفة وبعث الرغبة المرهقة مهما كلفه ذلك من جهد جنوني، ولم يحظ ~~ذلك من الطرف الآخر بعطف، فأعرضت عنه مرات في استياء لم تحاول ~~إخفاءه، حتى قالت له مرة: دع الأمور تجري على سجيتها. # عند ذلك أضناه الحياء والألم، وندم على ما فرط منه من اندفاع جنوني ~~أحمق، كأنما كانت كل ليلة هي ليلة الوداع. وبات ذلك الفتور شغله ~~الشاغل، فنسي كل مأساة إلا مأساة الحب، هل يفقد هذه القوة ~~العجيبة كما فقد الذاكرة؟ وهل يجري عليه ما جرى على أزواج نعمة الله ~~السابقين؟! وجعل يقوم بعمله في الوكالة بعقل غائب ووجه نضب فيه معين ~~السرور والمرح، ولحظ أن عبدون فرج الله يتابعه بشماتة، وأن نظرات ~~رياض الدبش وحلومة الجحش تبرق بأضواء فرح شرير. ما أكثر الذين ينتظرون ~~على لهف نهايته، ولكنه سيخيب الظنون ويبدع في مجرى الحوادث ما لم ~~يبدعه أحد ممن سبقه، سيظل الفتى المرموق في هذه الحارة التي يحترف ~~أهلها الشكوى والعويل وتردد أغانيها أنات الهجر والحرمان، وشعر ~~بحاجته إلى صديق يشاوره، ولكن لا صديق، فمن يشاور؟! وخطر له الطبيب ~~محسن زيان ... فذهب إلى العيادة فكان أول زائر في الصباح، قابله مخلوف ~~زينهم كغريب، فقال له عبد الله: السماح من شيم الكرام يا عم ~~مخلوف. # فقال له الكهل باستياء: إني أعلم متى ينسى أمثالك ومتى ~~يندمون. # وغادره إلى حجرة الطبيب ثم عاد ليدعوه للدخول ms15 في جفاء ... نظر إليه ~~الطبيب متفحصا ملابسه البلدية الصوفية الفاخرة وابتسم، ثم سأله: جئت ~~من أجل ذاكرتك؟ # فأجابه بصوت مهموس عما جاء من أجله، وطرح الرجل عليه أسئلة بخصوص ~~عمره وعمله والأسلوب الذي اتبعه في حياته «الزوجية»، ثم قال له: إنه ~~الإفراط البعيد عن العقل ... والقلق النفسي ... تلزمك راحة جسدية ~~ونفسية. # فهمس عبد الله: والدواء؟ # هز رأسه نفيا، وقال: سيضرك أكثر مما يفيدك. # رجع إلى الوكالة مغتما، وهو يلعن الطبيب. وازدادت حاله سوءا، ~~فحصر في ركن مظلم وغمغم لنفسه: «كأنه مصير لا مفر منه». وإذا بعبدون ~~فرج الله يسأله: سلامتك، لماذا ذهبت إلى العيادة؟ # فقال له بحنق: انتبه لعملك، متى كانت صحتي تهمك؟! # فقال الشاب متظاهرا بالجدية: سمعت الشيخ كافور يقول يوما: «لا يملك ~~إنسان ما يستحق أن يحسد عليه حقا ...» # فصاح به: أنت كاذب، ولم يخل قلبك من الحسد ساعة واحدة. # وخيل إليه أن حكاية الاستشارة الطبية تلوكها ألسنة لا حصر لها، ~~فازداد انحصارا في الغم واليأس، وغمغم لنفسه مرة أخرى: «كأنه مصير ~~لا مفر منه». وفي هذه الدوامة المظلمة المنذرة بسوء المصير انساق بقوة ~~إلى التفكير في المجهول من حياته، فقد يجد فيه المأوى إذا افتقد مأواه، ~~وقد يجد فيه العزاء إذا عز العزاء. هذه الحياة المتاحة تتسرب من ~~يديه كالماء، لم تعد حقيقة ثابتة، ولكنها حلم تحدق به يقظة الصباح ~~القريب، وسوف يجد نفسه وحيدا منبوذا ضائعا إن لم يهتد إلى حقيقته ~~الغائبة ... إنه صاحب حياة ماضية، تمثلت في أهل وعلاقات وأناس، تجسدت ~~في حي من الأحياء القريبة أو البعيدة، وثمة عمل ارتزق منه، وربما ~~زوجة وأبناء، وثمة هدف دعاه إلى المجيء إلى هذا الحي، وحدث ما دفع به ~~إلى القبو حيث وقع له ما وقع ففقد كل شيء. ترى ما السبيل إلى الكشف ~~عن تلك الحقائق الغارقة في الظلام؟! وقد سمع ما يقال عن نشر صور ~~المفقودين في الصحف فلم لم يجد أحد في البحث عنه؟ وهل ينشر هو ~~صورته باعتباره فاقد الذاكرة؟! تردد طويلا أمام ms16 هذه الفكرة لخطورة ~~عواقبها ... أجل قد دار الحديث يوما في المقهى عن هارب تبحث عنه الدولة ~~لتشنقه، كما سمع آخر يقرأ إعلانا لأسرة موجها لابن هارب تقول له: ~~«يا فلان ... عد إلى أهلك، جميع طلباتك مجابة!» فإلى أي الفرعين ~~ينتمي؟ وهل إذا نشر صورته انقضت عليه الشرطة أو تحققت أمنياته ~~جميعا؟ ماذا يكمن وراء الباب المغلق؟! تراجع عن الفكرة وهو يزداد ~~مرارة، وشعر - كما لم يشعر من قبل - بحاجته إلى الصديق، أو في الأقل ~~المشير ... لم يفكر في نعمة الله التي مضت توغل في الغربة والبعد، ~~حتى كاد ينكر المسكن تواجدهما معا تحت سقفه ... ومضى إلى العيادة، ~~ولما رآه الطبيب محسن زيان تساءل باسما: من أجل الحب ~~أيضا؟ # فأجاب بضيق وهو يشير إلى رأسه: من أجل الذاكرة. # ففكر الرجل قليلا ثم قال: لو كنت تعيش في بيئتك القديمة بين ~~أهلك لساعدك ذلك على الشفاء، ولوجدت في معلم ما أو شخص ما يوقظك من ~~نومتك الطويلة، ولكنك مارست حياة تشجع على النسيان وتخاف ~~اليقظة. # فسأله يائسا: والعمل؟ ~~- لعل إصابتك عضوية، ولعلها أكثر مما قدرت، وفي هذه الحال يستحسن ~~أن تستشير أخصائيا، وربما أحالك إلى طبيب نفسي. # فقال بضيق: إنه مشوار طويل. ~~- ويحتاج إلى إرادتك في جميع الأحوال، وواضح أن صحتك ليست على ما ~~يرام، وسأكتب لك بعض المقويات كخطوة أولى. # ولبث في العيادة حتى غادرها الطبيب للغداء، فوقف قبالة مخلوف زينهم ~~قائلا: إني مصمم على نيل عفوك. # فقال الرجل ممتعضا: لا ثقة لي فيك ولا في غيرك. ~~- لا أحد يستحق الثقة كما قلت، ولكن كثيرين يستحقون العطف. ~~- أنكرتني والشمس تشرق ورجعت إلي وهي تؤذن بالغروب. ~~- اغفر لي ذنبي ومد إلي يدك. # فهبطت حدته درجات، وهو يسأله: ماذا تريد؟ # ذهبا معا إلى المقهى، فأرسلا الصبي لإحضار غداء من شوربة العدس ~~ولحمة الرأس، وجعل يحكي له ما استجد في حياته من شقاء، وختم حكايته ~~بنصيحة الطبيب محسن زيان، وكان يحدجه طيلة الوقت بنظرة كأنما تقول ~~له: «أرأيت عاقبة إهمالك لنصيحتي»، ثم قال: نهاية ms17 ابني الشهيد معقولة ~~أكثر من نهاية أمثالك، ولكن لا فائدة من الرأي والمشورة، الجميع مصممون ~~على تكرار الأخطاء حتى ولو لم يداخلهم أدنى شك في النهاية يستوي في ~~ذلك من فقد ذاكرته ومن لم يفقدها، والآن خبرني علام ~~عولت؟! # فقال عبد الله بضيق: طريق الطب طويل وباهظ التكاليف. ~~- وغير مجد في هذه الحال بالذات. ~~- والعمل يا عم مخلوف؟ هل أزور الشيخ جابر عبد المعين إمام ~~الزاوية؟! # فقال بغضب: لا هو إمام ولا الزاوية زاوية، إنه رجل جاهل عينته ~~نعمة الله لخداع السذج، وهي التي شيدت الزاوية من مال حرام ~~للخداع أيضا، إنها لعبة مكشوفة ولن تجد عنده رأيا ولا شفاء، عدا بعض ~~السور الصغيرة التي كان يرتلها في المقابر كلما جاء موسم دون أن ~~يفقه لها معنى. # فقال عبد الله بقلق: ولكني أخشى عاقبة الإعلان عن نفسي في ~~الصحف. ~~- معك حق، فقد تكون أخطر مما تصورنا، ولكن عندنا الشيخ كافور، فهو ~~من رجال الله. ~~- أهو يستعين بالسحر والعفاريت؟ # فقال مخلوف زينهم بازدراء: إني أتحدث عن كافور لا عن نعمة الله ~~الفنجري. # وكان كافور يقيم في بدروم البيت الذي يقيم فيه رياض الدبش الكواء ~~البلدي، فبدا جو حجرته في لون الغروب أو الفجر، وعبق بشذا بخور ~~طيب، وجلس الرجل في الصدر على أريكة قصيرة الأرجل على حين غطى سطح ~~الحجرة بحصيرة مطموسة اللون، تربع مخلوف وعبد الله على الحصيرة أمام ~~الأريكة بلا استئذان ولا تحية، وتفرس عبد الله في وجه الرجل فلم ~~يميز ملمحا من ملامحه ولا حتى لون وجهه، وقال مخلوف: هذا ابن ضال ~~من أبنائنا يدعى عبد الله. # فسأل صوت عميق هادئ رغم خفوته: ما اسم أمه؟ ~~- لا يعرف أما ولا أبا. # فمد الشيخ يده، فهمس مخلوف في أذن عبد الله: ضع يدك في ~~يده. # فصدع بالأمر وهو يتلقى قشعريرة هيبة أو خوف، وسرعان ما سرت من ~~راحة الشيخ إليه برودة لطيفة أنعشته فتركز في أذنيه، ومضت دقائق ~~نسي فيها كل شيء حتى ما جاء من أجله ، كأنما امتص ms18 الرجل وعيه ~~كله، ثم تردد الصوت العميق الخافت، قائلا: ستعرف ما تسأل عنه في ~~حينه بالتمام والكمال. # وسحب يده قائلا: اذهبا بسلام. # وغادرا المكان وعبد الله يراوح بين الأمل والخيبة، قال لصاحبه في ~~الخارج: ظننت أنني سأسمع أكثر مما سمعت. # فقال مخلوف زينهم: كلامه بالقطارة، ثم إنك غير مؤهل لفهمه. # ولما رجع إلى الوكالة وجد نعمة الله تجالس شابا لم يره من قبل ... ~~شاب في عز أبهة الشباب؛ جميل الوجه، رشيق القامة ... فهم من ~~مجرى الحديث أن الشاب يقترح فتح فرع للخردة في الطرف الآخر من ~~الحارة، وأنها تقترح عليه أن يكونا شريكين، ولفت انتباهه الحيوية ~~التي تألقت في نظرات المرأة وهي ترنو إلى الشاب، مما ذكره ~~بالماضي السعيد الذي ذهب ... وحانت منه التفاتة إلى عبدون فرج الله، ~~فقرأ في عينيه الحادتين فرحة شماتة صارخة، فاشتعل قلبه بنار ~~الغيرة. ومن موقفه الذليل مد بصره إلى رياض الدبش وحلومة الجحش، ~~فطالع السخرية مجسدة فلم يشك في وساوسه، واقترحت عليه شياطينه ~~حلا داميا، ولكن ضعفه المتصاعد أخجله، ولم يتبادلا في نهار العمل ~~كلمة، ولما آويا إلى مسكنهما دعاها إلى المجلس، وأعد بنفسه القرفة ~~والزنجبيل والمخدر ... توقع أن تتعلل بعذر ما، ولكنها استجابت له في ~~برود، وفيما يشبه التحدي ... اضطرب لذلك أكثر مما سر، وزحف عليه خوف ~~مجهول ... غاب عن الحاضر المتاح تماما، واكتشف أن ضعفه بات عجزا كاملا ~~... سحب نفسه إلى طرف كنبة واسترق إليها نظرة منكسرة، وتمتم: إنه الحزن ... ~~وأنت السبب. # فقالت ببرود: إني بريئة والحزن بريء! # فقال بصوت متهدج: حديثك مع الشاب قتلني! ~~- ما مر يوم إلا استقبلت فيه أشكالا وألوانا من الشباب! # أدهشه صدق قولها، وقال معتذرا: لعلي مريض. # فقالت بثقة: الحق أنك انتهيت! # سرت الحقيقة في ذاته كالسم، فلم يشك في أنه انتهى، وأن حياته ~~في جوارها توشك أن تنتهي أيضا، ولكن كيف يمكن أن تتنكر له بعد ~~ذاك العهد الطويل من المعاشرة الحميمة والعواطف المتأججة والحب ~~العميق المتبادل؟! ماذا تقول وماذا تفعل؟ وألا يخونها القول أو الفعل! ms19 ~~أي كلمات لم تسمع من قبل سيشيعه بها هذا الفم المليء بالرغبات ~~والحزم؟! وتسلل إليها بنظرة خجلى مشفقة، فبوغت بالتغير كأنه ~~زلزال منقض بلا نذير، ها هو وجه جديد يطالعه بلا تردد ولا حرج ~~ولا مبالاة ... يتجسد فيه الرفض والإنكار والقسوة، كأنما لا ماضي له ولا ~~ذكريات، ولا وجدان ولا ضمير، ولا ذوق ولا حياء، ذهل وفزع فتمتم: شد ~~ما تغيرت يا نعمة الله! # فقالت ببرود: لقد تغيرت أكثر يا عبد الله. # فتساءل بأسى: أينتهي كل شيء كأن لم يكن؟ # فقالت بضجر: أنت الذي نهيته! ~~- لعلي مريض. ~~- ولا أمل في الشفاء. # فهتف حانقا: إنك أقسى مما يظن أعدى أعدائك. # فقالت ساخرة: بل إنكم لا تفكرون إلا في أنفسكم. ~~- أليس للحب حق؟ # فقالت بنبرة ختامية: إذا مات فلا حق له. # ونهضت متبرمة فمضت إلى الخلوة وأغلقت الباب بقوة ... لبث وحيدا مع ~~برودة آخر الليل واليأس، احتدمت الخواطر برأسه كفقاعات الماء المغلي، ~~فازداد يأسا وتسليما بالواقع، وبدت له أحلام سعادته كذبة فاجرة ~~قاسية. ومن شدة العناء والإرهاق هرب في النوم ساعة واحدة، وفي الصباح ~~الباكر هجر البيت متلفعا في عباءته السوداء، حاملا بيسراه حقيبة ~~متوسطة الحجم، كانت الشمس ترسل أول طلقة من أشعتها الدافئة، والحركة ~~تدب في الجنبات ... فتحت نوافذ وأبواب وتتابعت أفواج الخلق، سار بخطوات ~~وئيدة ثقيلة تغشاه مخايل الرحيل ... رآه أول من رآه عبدون فرج الله، ~~فرماه بنظرة دهشة خلت من الحقد لأول مرة، وسأله: أأنت راحل؟ # فأجاب باقتضاب: أستودعك الله. # وترامت عبارته إلى أقرب الجيران، فقال رياض الدبش دون مبالاة: مع ~~السلامة! # وتمتم حلومة الجحش: يا خسارة! # وأثار رحيله اهتماما مؤقتا شاملا ... ورغم إرهاقه، كان يرى ما تقع ~~عليه عيناه بوضوح شديد، فكأنه يراه لأول مرة، فمازج نفوره حنين غامض، ~~واعترضه عم مخلوف زينهم أمام الزاوية، فتوقف دون أن يبتسم ... سأله ~~الكهل برقة: أأنت ذاهب حقا؟ # فحنى رأسه بالإيجاب فسأله: إلى أين؟ # فأجاب دون مبالاة: لا علم لي بشيء. ~~- بوسعك أن تبقى حتى تسترد ذاكرتك. # فقال بمرارة : لا أستطيع، ms20 وقلبي يحدثني بأنني لن أعرف شيئا ما ~~دمت هنا. # فربت الرجل منكبه بحنان، وقال مسلما: في رعاية الله. # وواصل المسير تتابعه الأعين من النوافذ والدكاكين والطريق ... ~~شيعته نظرات متضاربة من الحياد والشماتة، العطف والكراهية، السرور ~~والحزن ... واصل المسير حتى غيبه المنعطف الأخير عن الحارة إلى ~~الأبد. # | من فضلك وإحسانك # اكتشف الحب، أو اكتشفه الحب، أول عهده بالمرحلة الثانوية. في الخامسة ~~عشرة كان، وفي الرابعة عشرة كانت، اتفقا على خطوبة غير رسمية يحتفظان ~~بها سرا بينهما حتى يبلغ المرحلة الجامعية، ثم تعلن وتمضي الأمور ~~في طريقها المعهود. وهو وسيم رشيق ذو سمرة صافية، وهي في نفس المستوى ~~في أعين الناس، ولكن جمالها في قلبه يتلألأ بأضواء مسحورة، ومع أن ~~الأسرتين تقيمان في عمارة واحدة بشارع مريوط بمنشية البكري، إلا ~~أنهما لم يتعارفا قط، ولا تبادلا تحية عابرة، فاستمد معلوماته ~~القليلة عن أسرة حبيبته «جميلة» من حديثها. عرف أن أباها يدعى «عبد ~~الرحيم يسري»، من ذوي المعاشات، مترجم سابق بالخارجية، تركز ~~اهتمامه أخيرا في العبادة ولعب الطاولة. أما أمها «شامة لطف الله» ~~فهي مفتشة بالتربية والتعليم، معروفة بالحزم بقدر ما هي مغرمة ~~بالتلفزيون. ولها أيضا إخوة ثلاثة؛ أكبرهم ضابط جيش استشهد في حرب ~~1948، ومهندس واقتصادي موظفان في شركتين. ولم تكن جميلة متفوقة في ~~دراستها، ولكنه كان هو أيضا يماثلها في ذلك. وكان مغرما بكرة ~~القدم، ويلعبها بمهارة لا بأس بها، ولا يبدي أي اهتمام بالحياة ~~العامة، مثله في ذلك مثل أبيه وأمه، بل مثل شقيقتيه المهاجرتين مع ~~زوجيهما بليبيا والبحرين. لم يرتفع في ذلك المسكن صوت لتأييد رأي أو ~~معارضة رأي أو إعلان موقف ولا حتى كمتفرجين، فلا مشاركة وجدانية، ~~وكأنما ينتمون إلى كوكب آخر. تدور الأحاديث عادة عن المدرسة، المسلسلات ~~التلفزيونية، الكرة، الطعام، أو شركة الأجهزة المنزلية حيث يعمل الأب ~~«إبراهيم الدارجي» مراجعا للحسابات، والأم «بيسة فضل الله» في قسم ~~الإعلانات. رأى «عبد الفتاح» جميلة أول ما رآها في شارع مريوط الذي ~~يعترض طرفه الشرقي الشارع العمومي المتجه إلى «مصر الجديدة»، ms21 ~~رآها بعد ذلك في مدخل العمارة، شملهما من بادئ الأمر مناخ طيب يجود ~~بالأنس والاستلطاف، وتبادلا الابتسام والتحية. # وأعقب ذلك اللقاء في الشارع العمومي بعيدا عن الأنظار، انفجرت في ~~قلبه حياة جديدة بقوة ملهمة ... فاعترف، وتم الاتفاق على المستقبل ~~القريب والبعيد، وحملها أمانة كبيرة، وهو يقول لها: لا حياة لي ~~بدونك. # ولأول مرة يجاوز اهتماماته الصغيرة إلى حياة جديدة واعدة بثراء ~~جديد، ويحطم حاجز الانحصار الذاتي واثبا للغير. عاش عامين سعيدا، عاش ~~في سعادة حقيقية، ولكنها انسابت بخفة بلا تركيز أو وعي منه، فلم ~~يعرفها - مثل كثيرين - إلا كذكرى؛ ذلك أن الحب تعرض للاغتيال ... وهو ~~نفسه قال: «ليس لي قصة حب، ولكن قصتي تبدأ بعد وفاة الحب.» ~~تلقى منها رسالة بيد زميلة عالمة بسرهما تنبئه فيها بأنها خطبت، ~~وأنها عجزت عن إنقاذ حبها، وأنها حزينة أسيفة ولكن لا مناص من قطع ~~العلاقة ... قرأ وأعاد القراءة. هل يمكن؟ بلا تمهيد؟ وهذا الأسلوب؟ قال ~~للرسولة، وتدعى «بثينة»، أو قال على مسمع منها: أي جفاء ... إنها ~~برقية لا رسالة! # فقالت الفتاة معتذرة عن صديقتها: عواطفها أكبر من ذلك، لكنها لا ~~تحسن الكتابة! # وأخبرته أنها تألمت، وأنها توسلت إلى أمها أن تتركها وشأنها، أن ~~تتركها لتنتظره، وأنها راضية بحظها، ولكنها لاقت موقفا مصمما ~~مسلحا بالحجج الواقعية الصارمة، من تكاليف الزواج الباهظة، وأزمة ~~المساكن، وعجز المرتبات، وأنه لا أمل لشاب في الحياة الزوجية إن لم ~~يكن غنيا أو مهاجرا، وأن الخطيب الجديد «حامد بك مظهر» هو مناسب ~~جدا في الظروف الراهنة ... أجل إنه في الأربعين من عمره، ولكنه خبير ~~ذو مرتب ضخم، إلى جانب نشاط خاص يدر عليه دخلا محترما، فهو قادر ~~وأهل للحياة الزوجية، وفي كنفه ستحظى بالحياة الكريمة والسعادة ~~الحقيقية، لا السعادة الوهمية التي سرعان ما تتلاشى في خلاء التقشف ~~والضنك، وحذرتها من أن تظن بها الطمع، أو تخلط بينها وبين النموذج ~~التليفزيوني للمرأة المادية التي ترفع المادة فوق العاطفة، المسألة بكل ~~بساطة أن الزواج ضروري لها - لجميلة - وهو غير ميسر إلا مع ms22 رجل ~~مثل حامد مظهر، ومن حسن الحظ أنه لا تشوبه شبهة من شبهات الانفتاح، ~~فهو قادر وشريف، فلا مفر من التسامح في عمره، وهو على أي حال لم ~~يجاوز السن المناسبة للزواج، ومضت بثينة تقول إن جميلة لم تستطع أن ~~تقارع الحجة بالحجة، ولعلها لم تتصور أن الأمور معقدة إلى ذلك الحد، ~~فانطلقت تخاطب قلب أمها، وقلب أبيها أيضا، ولكن الأب قال لها: ~~«مسايرتك تعني التضحية بك، أقسم لك بصلاتي أني صادق، ليس ما تشعرين ~~به هو الحب، في مثل سنك لا تعرف القلوب الحب الحقيقي، ستعرفين ذلك ~~بنفسك.» وعند ذاك قالت له بثينة: لعله مما ساعدها على الإذعان أنها ~~ستنقطع عن الدراسة، فهو يريدها ست بيت، وأنت تعلم أنها لا تحب ~~المدرسة! # تابعها عبد الفتاح بذهول، ثم ماج قلبه بالغضب والعذاب، وأصر ~~على مقابلتها، فكلف بثينة بإتمام ذلك، وجاءته في أصيل اليوم التالي ~~والخريف يقطر مناخا معتدلا ... جاءت منكسرة الطرف، تتعثر في الخجل، ~~قابضة بأصابع متشنجة على منديلها الأبيض الصغير، حيته بغير ابتسام ~~هامسة: إني آسفة. # حثه منظرها على التمسك بها باستماتة، غير أن نبرة صوته نمت عن ~~الغيظ وهو يقول محتجا: تقتلينني ثم تأسفين! ماذا أصنع ~~بأسفك؟ # فقالت له بحرارة: حزني أشد مما تتصور. # فقال ساخرا: صدقت فيما يتعلق بتصوري. ~~- لا تظلمني. ~~- أعلني الرفض وأصري عليه. # صمتت في حيرة جلية، فطفر الغيظ إلى قسمات وجهه وتساءل: ماذا ~~قلت؟ # فقالت، وهي تتنهد: لن نستطيع الزواج كما نتمنى. # فقال مستسلما لغيظه: أعرف ما قيل وما يقال، ولكن الحب أقوى من ~~ذلك. # فقالت وعيناها تدمعان: الواقع أقوى من أمانينا. ~~- المسألة أن حبك ليس بالقوة التي ظننتها. ~~- لا تظلمني. # شعر بأنها لا تريد أن تعدل عن قرارها، إنها لم تعد تحبه، إنها لم ~~تحبه قط. # هتف غاضبا: أكذوبة! # تمتمت بانزعاج: ماذا؟ ~~- خاب ظني فيك. # قالت بتوسل: لا تزد في عذابي. # لوح بيده غاضبا، فأصابت أنامله جبينها، فتراجعت مذعورة. أفاق ~~من غضبه. وثب نحوها قائلا: معذرة، لم أقصد. ~~- كفى! ~~- أكرر الأسف . # فقالت بصوت ms23 هادئ: يجب أن أذهب. # فتحول عنها دون تحية. توغل في الطريق صوب الشمال والظلام يهبط ~~ودفقات من الهواء الرطب تهب. عجب من فراغ الوجود من كل شيء إلا ~~نبض الألم في أعماقه، ألم وفراغ، فراغ وألم، إن لم يكن الحب مرضا ~~فلا بد له أن يوجد له دواء. ولكن أين وكيف ومتى؟ وفكر في أنه أخطأ في ~~تركها تفلت من يده، فاستدار وراح يعدو ليلحق بها، ولكنه لم يعثر لها ~~على أثر. ورجع الفراغ ورجع الألم، وحلم أنه يستطيع أن يقتل أمها، ~~فقرر أن يقطع رأسها تحت المقصلة، استحضر بخياله صورة المقصلة كما رآها ~~في فصل الثورة الفرنسية. يا للداهية! ما هذا الفراغ وما هذا الألم؟ ~~ولأول مرة يعاني الوحدة وهو وسط أصحابه وهم يقضون الفترة الأخيرة من ~~العطلة الصيفية، رغم أنهم جميعا على شاكلته، ممن لا يكترثون للحياة ~~العامة وتستغرقهم الشئون الخاصة. وبدافع من كبرياء لم يبح لأحد منهم ~~بسره. أما أكثر اليوم فخلا فيه إلى نفسه في حجرته الخاصة - للنوم ~~والدراسة معا - غارقا في التأمل، ولم يخرج من عزلته في سهرة ~~التلفزيون حيث تجتمع الأسرة وكأنها غير مجتمعة. غرق في التأمل حتى وجد ~~نفسه، ولأول مرة، يسأل عن معنى حياته أو معنى الحياة. ومضت المعاني ~~تتلاشى وتتبخر في الهواء، وقلب عينيه بين جدران الحجرة وسقفها وكأنما ~~يجول في الكون، ثم سأل: هل يوجد في قلب هذا الكون هدف أو ~~معنى؟! # لو عرف هذا الهدف الكوني عرف بالتالي معنى حياتنا، ولكن ما ~~السبيل إلى معرفة هدف الكون؟ كيف نحمله على البوح بسره؟ كيف ننقذ ~~حياتنا من العدم؟! لم يجد نفسه في هذا المقام الحائر نتيجة لثورة أو ~~فكر، ولكنه وجد نفسه في خضمه بتلقائية من لا يملك ذخيرة أو تراثا؛ ~~ذلك أنه نشأ في جو خاص غير عادي، جو خلقه والدان من نوع خاص ~~أيضا. «إبراهيم الدارجي»، الأب، مشغول بالحياة لدرجة لم تترك له ~~فراغا لتساؤل أو تأمل ... إنه أبعد ما يكون عن الطراز المتدين، ~~ولكنه في الوقت نفسه ms24 أبعد ما يكون عن النموذج الملحد أو الشاك. لم ~~يتفوه طيلة حياته بكلمة مع الدين ولا كلمة ضده. الدين بالنسبة إليه ~~غير موجود، أو مختف في ظل كثيف، ولا يخطر له ببال، ولا يتذكره إلا ~~في المناسبات النادرة، وقد ترد في كلامه مصطلحات دينية يرددها ~~دون أدنى انتباه إلى مغزاها، فيقول أحيانا «الله أعلم»، ولا تعني عنده ~~أكثر من «لا أدري». وعيد الفطر عنده كحك، وعيد الأضحى عنده «لحمة». ~~والأم «بيسة» لا تختلف كثيرا عن زوجها في لا مبالاته الفطرية، وإن لم ~~تخل من إيمان بالشعوذة والسحر. فلم يعبق البيت بنفحة دينية ولو ~~عابرة. هذا هو الجو الذي نشأ فيه «عبد الفتاح»، ولم تضف إليه المدرسة ~~سوى حكايات تحفظ وتنسى، وألفاظ تشرح وتعرب، وامتحانات يودعها ~~محفوظاته قبل أن تتلاشى، وفي المدرسة عبرت أمامه ومن حوله تيارات ~~متضاربة دينية ومادية، فلم يهتم بها، وسخر منها؛ ولذلك لم تتوثق ~~الصلة بينه وبين أحد المنتمين إليها، واختار أصدقاءه ممن هم على ~~شاكلته من اللامبالين ... ومع ذلك هزته الهزيمة، فوجم وتألم، ولكنها لم ~~تعدل به عن طريقه، بل لعله أوغل فيه أكثر وأكثر. من أجل ذلك كله وثب ~~في أزمته إلى الكون يسائله عن معناه وهدفه بتلقائية ويسر، دون أن ~~تعيقه عن ذلك عقيدة سابقة ... تعلق بالكون باعتباره الأمل الأخير ~~الذي يمكن أن ينتشله من الفناء الزاحف على قلبه وروحه ... ترى هل يوجد ~~سر ذلك عند أحد من البشر؟ هل تتضمنه حكمة أو علم أو فلسفة؟ وأليس ~~مما يفزع أن ترتفع فجأة من كرة القدم إلى قلب الكون دفعة واحدة؟! ~~وتوهم أن عالمه الداخلي يتوارى عن الأعين القريبة بما يفور فيه من ~~تساؤلات حارة مستميتة، ولكنه لاحظ في أعين والديه محاولات أبوية ~~قلقة تروم النفاذ إلى أعماقه. وضح ذلك يوم الأحد - يوم العطلة ~~الأسبوعية - عندما دعواه للجلوس معهما في حجرة المعيشة عند الضحى، ~~توقع في الحال استجوابا حميما، فضاق به قبل أن يعلن، وصدق حدسه ~~عندما تساءل أبوه وهو يغوص بروبه الخفيف في الفوتي ms25 الأرجواني: ما لك يا ~~عبد الفتاح؟! # فتظاهر بالدهشة لغرابة السؤال ... فقالت أمه: لست كعادتك، لا خفاء في ~~ذلك. # وقال أبوه: بعد أيام معدودة سيبدأ عام الثانوية العامة، وهو عام ~~يتقرر فيه المصير! # وقالت «بيسة»: ونحن أصدقاء، ولا يجوز أن يحجز بيننا سر. # قال محاولا الاحتفاظ بسره الغريب لنفسه: أنتما واهمان. # فقال الأب وأنامله تناجي حبات سبحته القهرمانية التي تلقاها هدية، ~~واستغلها لامتصاص القلق: بل إن صحتك ليست على ما يرام. ~~- أشعر بتمام الصحة والعافية. ~~- إنك تمر بفترة من العمر شديدة الحرج. # ضحك ضحكة جافة، تغير موقفه بغتة، جرفته موجة استهانة كرد فعل ~~للسهاد والألم، قال: الحق إنه يشغلني سؤال محير! ~~- أي سؤال يا بني؟ # قال ممهدا بضحكة كالاعتذار: سؤال عن الهدف الكوني! # تفشى صمت ثقيل حتى صار له دوي في الآذان، نظر والداه إليه ~~طويلا، ثم تبادلا النظر طويلا، وتمتم الأب متسائلا: الهدف ~~الكوني؟! # فتساءل عبد الفتاح: هل أندم على مصارحتكما بالحقيقة؟ # فقالت بيسة بسرعة: أبدا ... ولكننا لم نفهم. # فقال بتحد: إني أسأل ... هل في الكون هدف؟! # فتساءل أبوه: الكون دفعة واحدة؟ ~~- الكون دفعة واحدة. ~~- الكون شيء فوق التصور ... ماذا يهمك من ذلك؟ ~~- لن أعرف هدف حياتي، إن لم أعرف الجواب. # قال الأب برقة وبجهد: إنك كمن يريد أن ينتقل إلى مصر الجديدة عن ~~طريق مدينة الكاب بجنوب أفريقيا، لم لا تستعمل هذا الطريق الممهد الذي ~~نراه من نافذتنا؟ # فقال بيأس: لا معنى لحياتي إن لم أعرف ذلك الهدف البعيد! # فرمقه «إبراهيم الدراجي» بحنان، وقال: عليك أن تنجح في الثانوية ~~العامة، وأن تحرز المجموع الذي يفتح لك أبواب الكلية التي تريدها، وأن ~~تعمل، ثم تتزوج وتنجب ذرية، وتستمر في التقدم حتى تنعم بمعاش مستقر ~~سعيد، هل يوجد هدف وراء ذلك؟! # فتساءل بامتعاض: وماذا بعد المعاش المستقر السعيد؟! # فقال الرجل وهو يكظم غيظه: يجري علينا ما جرى على الناس منذ ~~آدم! # فقال «عبد الفتاح» بعصبية: معنى ذلك أنه لا يوجد معنى يستحق أن ~~نعيش من أجله! # فتساءل الأب ضاحكا : لا بد ms26 من معرفة هدف الكون؟! ~~- وإلا فلا معنى لشيء على الإطلاق. # ونمت نبرة الرجل عن غيظ مكتوم، وهو يقول: وكيف تعرف هذا الهدف؟ كيف ~~تتابعت الأجيال دون أن تعرفه؟ وهل تؤجل امتحان الثانوية العامة حتى ~~تعرفه؟! # فقال الشاب في حزن: أعرف أنه سؤال مثير للسخرية، ولكني وقعت في ~~قبضته. # فقالت «بيسة» بجزع: لا تقل ذلك، عليك أن تنقذ نفسك. # وقال أبوه بحرارة مدافعا اليأس: حتى لو وجد جواب، فهو لن يجيء بين ~~يوم وليلة. # فصمت «عبد الفتاح» فواصل الرجل برجاء: لا خلاف في ذلك، فلنبدأ ~~بالممكن. # قالت الأم، وهي في غاية من القلق: لنبدأ بالممكن. # فواصل الأب: بوسعنا أن نخلق هدفا لحياتنا وأن نحققه، ولك ألا تكف عن ~~التفكير في الآخر، ومن يدري، فربما عرفته بعد عمر طويل! # وتنهدت الأم في ارتياح قائلة: حل موفق، أليس كذلك يا «عبد ~~الفتاح»؟! # وقال الأب برجاء حار: أعلن موافقتك أرجوك! # ابتسم ابتسامة شاحبة في استسلام، اقتنعت الأم بأنه اقتنع ... قالت ~~بفرحة طفولية: سنسهر الليلة في الميري لاند، لم نسهر معا منذ مدة، ~~أمامنا عشاء ساهر وشراب منعش. # وعند العشاء شرب قدحين من النبيذ، فتلقى نشوة فرجت كربه، ~~وأشعلت ضوء الابتسام في ثغره وعينيه ... حتى قال الأب لنفسه مستوهبا ~~العزاء: سحابة وانقشعت. # ووجد الشاب نفسه ترحب بالحل الموفق، ربما هربا من المأزق ~~الخانق الذي يهدد بالشلل، وحمل والديه مسئولية تراجعه السريع ~~تفاديا من الاعتراف بالهزيمة. رأى أن يطوي اليأس في ركن من نفسه، وأن ~~يرسم لحياته خطة كالآخرين، ومن يدري، فقد يدهمه الجواب من أعماق ~~الحياة نفسها. وما الهدف الذي يختاره؟ كلية الطب، حياة ثرية من ~~الناحيتين العلمية والمادية، زواج وإنجاب، وإن يكن الناس يتساوون في ~~الموت، فإنهم لا يتساوون في الحياة ولا في الذكاء ... المهم الآن أن ~~يمحق من قلبه جميلة وخيانتها، وأن يقتلع الحب من جذوره ليستعيد ~~توازنه، وتمنى أن تزف إلى «حامد مظهر» سريعا لعله يداوي الألم ~~باليأس ... وحدث ذلك في الأسبوع الأول من العام الدراسي. وقف عند ملتقى ~~شارع مريوط بالشارع ms27 العمومي ليلقي نظرة على موكبها الصغير وهو يميل ~~نحو مصر الجديدة، وبالرغم من توقعه لذلك وتعجله له، فقد أصابته ~~هزة عنيفة فاقت تقديره وتخيله. سهر ليلتها في حجرته حتى ~~الصباح على ضوء بطارية صغيرة، قضى أكثر الوقت واقفا أو ذارعا الحجرة ~~أو مرسلا طرفه من النافذة إلى الليل الشامل. ومن خلال تجربة طارئة ~~التحم بأثاث حجرته التحاما غريبا جنونيا، ومضى في التجربة على ~~رغمه كأنما يؤدي طقوسا لأوثان وقع تحت سيطرتها بقوة سحرية. جذب ~~الفراش عينيه بدعوة نابعة من الصميم، وكأنه يكتشف لأول مرة الفراش ~~الخشبي ذا اللون البني الغامق، والملاءة البيضاء، والغطاء ~~البنفسجي المطوي للنصف. وبإدامة النظر إلى الفراش ومحتوياته دبت فيه ~~- الفراش - حياة من نوع ما، فتبدت الوسادتان لعينيه ترنوان إليه، ~~وشملت الملاءة والغطاء ألفة قديمة لا تكون إلا بين الأصحاب. ونفذ ~~بصره إلى الأعماق، فرأى القطن المكدس في الحشية، وراح يعد خيوطه ~~الملتفة المضغوطة وهو يشعر بأنه سيختم الإحصاء بوثبة في المجهول قد ~~لا يرجع منها. وتفرس في مكتبه في الجانب المقابل من الحجرة وهو يحمل ~~صفين من الكتب يفصل بينهما السومان، فرآه يبادله النظر داعيا إياه ~~إلى سماع حوار حار دائر بين الكتب لم يكد يلاحقه من سرعته ~~وحيويته وما ينذر من خطورة متعددة العواقب، ومد بصره إلى مرآة ~~الدولاب القائم بين المكتب والفراش فعكست له صورته على ضوء البطارية ~~الخافت، جسما بلا رأس، ومن عجب أنه لم يدهش لذلك ولم ينزعج، ولكنه ~~فتح الدولاب كأنما ليبحث عن رأسه في داخله، فرأى بدلة مشتبكة في معركة ~~بالأيدي والأرجل، فتراجع إلى فوتي يتوسط الجدار المواجه للدولاب، ~~وانحط عليه وأغمض عينيه، فانفجرت في رأسه خواطر مضطربة متلاطمة ~~لم يستطع أن يمسك بواحدة منها متكاملة؛ إذ سرعان ما تتلاشى في أخرى، ~~مؤججة رغبة متصاعدة في الإمساك بأي شيء ذي شكل سليم واضح، وظل فريسة ~~الأطياف حتى نضحت النوافذ بضوء الصباح المترع بالخريف، انطوت الليلة ~~ولم تتكرر، وعزم على أن ينفذ خطته المرسومة، غير أن الكون لم يغب ~~عنه تماما، ms28 فكان يزوره من حين لآخر مذكرا إياه بحزنه المخزون ~~المؤجل. وبالمثل كانت تهب عليه نفحات من صحراء الحب المهجور، ولكنه ~~مارس حياة ناجحة فيما عدا ذلك، وبشرت حاله ببلوغ المرام، ولما ~~أعلنت نتيجة الثانوية العامة جاءت مخيبة للآمال، آمال آل الدارجي، ~~ومن خلال التنسيق ضاعت الطب والهندسة والعلوم، فلم يجد إلا الحقوق ~~لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكانت تقبل عددا محدودا من الثانوية علمي. ~~جاءت النتيجة صدمة لإبراهيم الدارجي، وقال وكأنه يدافع عن كرامته ~~الشخصية: هذه النتيجة تقطع بأنك لم تكن في أحسن أحوالك. # وقالت الأم: رأيي أن تعيد السنة. # ولما كان أدرى بذاته، فقد قال بتسليم نهائي: لتكن الحقوق! # ولم يشأ أحد أن يضغط عليه، فقال الأب: على أي حال أمامك فرصة ~~للعمل في النيابة. # أما هو فقال لنفسه بمرارة «فشلت الخطة»، واعتمد في عمله على إرادته ~~وحدها، وبلا دافع حقيقي. أجل شفي من الحب وتحرر من قبضة الكون، ~~ولكنه لم يقهر الفتور المستقر في همته، ومضى في طريق النجاح الذي لا ~~يبشر بأي تفوق أو امتياز، حتى حصل على ليسانس بلا تهان، وعن طريق ~~توزيع القوى العاملة ألحق كاتبا بالنيابة العمومية. حزن الأب ~~إبراهيم والأم بيسة لذلك حزنا شديدا، إنه الابن الوحيد، والحلم ~~الكبير، وها هي النهاية تتجسد أمام عينيهما كتمثال للخيبة، وفاق ~~حزنه حزن والديه، ولكنه لم يدر بأي لسان يحتج على مصير ~~صنعه بيديه، بل ذكر بكآبة أنه لم يمارس التفوق في حياته أبدا ... وأن ~~الأرجح أنه لا يستطيع أن يخلق لحياته هدفا خيرا من هذا، وقال لأبيه: ~~أكثرنا الحديث يوما عن الحياة والهدف، ولكننا نسينا أمرا هاما، ~~خبرني الآن ... هل تعرف أحدا من الكبراء القادرين على تحديد ~~الأهداف؟! # فقال إبراهيم الدارجي بامتعاض: نشاطي يجري في مجال آخر، ولكن صبرا، ~~ستهاجر ذات يوم لعمل مثمر في الخارج. # تمثل له «الخارج» في صورة منارة تشع نورا من بعيد، وراح يوازن ~~بين مرتبه الجديد وبين مصروفاته التي تعود عليها في كنف والديه، ثم ~~تساءل ... كيف يواجه الحياة لو غاب ms29 والداه؟! ولأول مرة يشعر شعورا ~~ذاتيا كم أنه فقير، وكم أن الغلاء وحش مفترس، وتذكر في الوقت نفسه ~~الفارق الهائل بينه وبين رئيسه المباشر؛ رغم أنهما متخرجان في كلية ~~واحدة. ما هو إلا ذرة رمل في صحراء التفاهة، وسيمضي من سيئ إلى ~~أسوأ، وما الراحة التي ينعم بها إلا هدية مهداة من والديه العاملين، ~~عليه ألا يركن إلى الطمأنينة العابرة الخادعة، وأن يفكر في ~~المستقبل بجدية. تلزمه وثبة قوية غير معقولة، طفرة غير متوقعة وغير ~~منطقية، بأي ثمن يجب ألا تضيع الحياة هباء. ونحن في زمن الخوارق، ~~ولكنه لا يحب أيضا المغامرة ولا يحب السجن، ولا يجوز انتظار المعجزة ~~من «الخارج» وحده فقد يطول الانتظار، وخبرته لا يحتاج إليها «الخارج» ~~مثل الخبرات الأخرى. الطريق شبه مسدود، ولكن اليأس يعني الموت، وحام ~~خياله المحموم حول حياة النجوم من الممثلين الذين يمرقون إلى الهدف ~~بسرعة الضوء، وربما من خلال فيلم واحد، لا وقت للطريق الطويل ولا قلب ~~للمغامرة المحفوفة بالخطر، وغطى عمله الجديد على أحلامه المؤرقة، ~~فكشف له عن عالم من التجارب الطاحنة، إنه يجلس إلى يسار المحقق باسطا ~~أوراقه على المكتب، متطلعا إلى المتهمين الواقفين أمام المكتب، يرى ~~ويسمع ويسجل، وتنهمر فوقه عوالم الأسرار، تراخى التحامه بأحلامه ~~أمام المهربين والمختلسين والمرتشين واللصوص. إنهم أناس لا يختلفون عن ~~الآخرين في أشكالهم وأصواتهم، لا سمات تقليدية لهم مثل أشرار السينما، ~~ووراء كل واحد منهم حلم يذكره بأحلامه، كلهم ينجذبون إلى أضواء ~~الحياة كما تهيم الفراشات حول المصباح، وهم يذكرونه بنفسه، ~~ويذكرونه بأبيه وأمه أيضا، وعجب لذلك بقدر ما انزعج له، لم ~~يذكرونه بوالديه؟! ربما لتشابه في الوظيفة، أو الاهتمامات، أو ~~المحركات العارضة. ووجد نفسه يتساءل لأول مرة ... هل يتناسب دخل ~~والديه مع مصروفاتهما؟ إنهما في الواقع لا يكترثان للغلاء، ولا يخلو ~~أسبوع من وليمة تقام للأصدقاء، وفي العامين الأخيرين جددا أثاث ~~الشقة واقتنيا عددا من التحف والسجاجيد والنجف لا يستهان به، ~~حقا إنهما لم يشتريا شيئا ذا قيمة ثابتة كعقار أو سندات، ولكنهما ms30 ~~ينفقان عن سعة باتت تثير في نفسه الخوف والكآبة. شك في والديه، ~~وغزاه هم جديد انضاف إلى همومه الشخصية، وتعملقت همومه عندما أدلى ~~إليه زميله «عبد اللطيف محمود» - كاتب يسبقه بأقدمية خمس سنوات - ~~برأيه في طبقات المجرمين. وكان عبد الفتاح قد تلقى تدريبه في العمل ~~على يديه، ولما آنس إليه همس له برأيه، وهو أن القانون لا يطبق إلا ~~على العاديين من الناس، أما الأقوياء فيسبحون فوق القانون، إلا فيما ~~ندر ولا يقاس عليه ... لم يصدق ولم يكذب ولكنه مال إلى سوء الظن، ~~كما مال إلى اتهام والديه ... وتساءل كيف يجنبهما المصير الأسود؟! ~~وطرح السؤال يعني فيما يعنيه أن شكه فيهما انقلب حقيقة من حقائق ~~حياته المرة؛ ولذلك دارى رعبه بضحكة لا معنى لها، واهتدى إلى خير ~~وسيلة لتحذيرهما، وهي أن يقص عليهما لدى كل مناسبة طرفا من أخبار ~~المنحرفين الذين يسجل اعترافاتهم يوما بعد يوم، ويشهد عن كثب دموع ~~البعض وهي تنعى آمالهم الخائبة. تصور ببدن مقشعر والديه وهما ~~يزحمان مع الآخرين طرقات المجمع القضائي مثل حبات البن المتدافعة في ~~وعاء الطاحونة، وجعل يرقب الاثنين بإمعان ويتفحص ضيوفهما من الرجال ~~والنساء ... جميعهم أناس أذكياء وبلا مبادئ، المال معبودهم والنجاح ~~دينهم، والمغامرون هداتهم، يشوهون الأسماء الرنانة دفاعا عن أنفسهم ~~وتبريرا لسلوكهم الخفي، ويقول لنفسه: برح الخفاء! # وازداد صدره انقباضا، ترى كيف يتحمل المصيبة إذا وقعت؟! إنها خليقة ~~بتدمير أي شخص حتى ولو لم يكن من التافهين، وتنهد وهمس لنفسه: «إلا ~~شخصا واحدا»، ورجع يحوم حول النجم ونجاحه وكيف يتألق ويواصل التألق، ~~ولو تسربل بالفضائح! شد ما تداعبه هذه الفكرة، وتحفر سراديبها في ~~وجدانه برشاقة وإغراء، غير أنه نحاها إلى حين ليجري مع ذاته ~~تحقيقا فريدا ... هل يقدم على الانحراف إن وعده بتحقيق الآمال؟! وراح ~~يتفحص أعماقه بصدق وصراحة، وتبين له أنه لا يملك مناعة ضد الانحراف ~~في ذاته، ولكنه جبان يؤثر السلامة! على ذلك ترك الموضوع دون حسم. ~~وإذا بمكتب التحقيقات يسوق إليه تجارب جديدة ومثيرة، فيكشف له التاريخ ~~عن ms31 وجهه ويريه من آياته ما جهل، حقا عرف الكثير من خلال قضية اتهم ~~فيها بعض رجال العهد الماضي بالتآمر على قلب نظام الحكم. رأى وسمع ~~وسجل ورجع إلى شارع مريوط بمعلومات جديدة عن ماضي بلده القريب، واستسلم ~~لأحلام اليقظة، فتخيل نفسه بطلا من أبطال العهد البائد، فخاض المعارك ~~المنقضية، وأحرز انتصارات لم يعد أحد يذكرها بالخير، وتساءل وهو ~~منفرد بنفسه في حجرته: لماذا أتعاطف دائما من المتهمين؟! # وزودته أحلام اليقظة بوقود جديد بظهور متهمين معاصرين على ~~المسرح، من ذوي العقائد الدينية، وذوي العقائد المادية ... أذهلته ~~جرأتهم، واستهانتهم بالعواقب، وتحديهم التحقيق والمحقق. لأول مرة ~~يتلقى تلك المبادئ كتجارب حية ممثلة في أحياء، كحجج تفوح برائحة ~~اللحم والدم، كتضحيات تستهين بكل غال، فيم يختلف عن هؤلاء الشبان؟! ~~كيف افترقت الهويات والمصائر؟! وركب الخيال؛ فجرد سيفه حينا، وقبض ~~على المطرقة حينا آخر، وهام في وديان المجد المخمور ... هام طويلا ~~حتى أدركه الإرهاق والملل، وعاد يتساءل: كيف أستخلص نفسي من مستنقع ~~التفاهة؟! # الهجرة؟ النجومية؟ الانحراف؟ الماضي؟ الله؟ الثورة؟ ... المهم أن ينجو ~~من الواقع الكئيب، واتفق في ذلك الوقت أن أهداه الأب إبراهيم حجرة ~~جديدة عصرية بطاقمها المكون من الفراش والدولاب والشيفونيرة ~~والتواليت وسجادة فرنسية. قال له: تغيير الجو يجب أن يساير تغيير ~~الشخصية. # فغمغم: أي شخصية؟! # وفكر في ثمن الحجرة، فاستعاد شكوكه بمرارة جديدة، وقرأ الأب صفحة ~~وجهه فاستشف معاني أخرى، فقال: الهجرة آتية فاصبر قليلا. # الصبر جميل لكنه مر، ولم ينقطع عن التفكير في البدائل المتاحة، ~~وسمع زميله «عبد اللطيف محمود» ينصح ضيفا بالانضمام إلى حزب ~~الأغلبية، ولم يكن يفرق بين جده ومزاحه، ولكنه أنصت إليه وهو يقول ~~للرجل: الانضمام يضمن لك التمتع بحقوق الإنسان! # فكر أنه بوسعه أن ينضم ولو إلى لجنة الحي، ولكنه حزب ضخم يحوي ~~الملايين وهيهات أن ينتشله من ضياعه، أو يخرجه من شرنقة التفاهة، ~~فرق كبير بين أن تركب سيارة ولو صغيرة، وبين أن تنحشر في أتوبيس ... في ~~الوقت ذاته فإنه من الجنون أن يسعى إلى أهل الدين ms32 أو أهل المادة ~~فيعرض نفسه للهلاك! كلا ... إنه لم يخلق لذلك، ولم يبق أمامه إلا ~~الهجرة أو الفن! وانبعثت في نفسه وثبة متحدية ذات مساء وهو يحتسي ~~قليلا من النبيذ في تافرنا ... رقصت النشوة في رأسه فانساب طموحه ~~الحائر، فقرر أن ينفلت من قبضة الأحلام وأن يفعل شيئا، سعى إلى مقابلة ~~بعض المخرجين وعرض عليهم نفسه كقانوني يهوى التمثيل، مستمدا من شكله ~~وحجمه ثقة وأملا. قال له المخرج: لا يمكن تشغيلك إلا إذا كنت متخرجا ~~في المعهد. # فقال بثبات: يمكن كوجه جديد مرشح للبطولة! # ودعي إلى الاختبار، ولولا اليأس ما تغلب على ارتباكه ... وكان يترك ~~عنوانه ويذهب، وينتظر ثملا بأحلام اليقظة بعد أن حل البلاتوه محل ~~الجهاد والفردوس الأرضي، ولكنه لم يرده خطاب ... وطال انتظاره حتى شطب ~~فرق الفن في سجل آماله المتهاوية أسوة بالنشاط السياسي كله، فلم ~~يبق إلا «الخارج» كأمل أخير، وسأل أباه ذات مساء: لا أخبار عن ~~الهجرة؟ # فأجابه بوجوم: انتظر الوقت المناسب! # التقط إحساسه المشحوذ بسوء الظن نبرة جديدة في صوت أبيه، نبرة ~~توحي بالهزيمة، انظر جيدا، ليس الرجل كعادته، ولا أمه ... إنهما ~~يعانيان قهرا مجهولا تبدى في نظرة العين، وشهية الطعام، والحديث. ~~وقال لنفسه: «هل يتلاشى الأمل الأخير؟ سيقع شيء غير سار.» وصدق ~~حدسه، فأعلن أبوه أنه طلب إحالته على المعاش لسوء حالته الصحية، ~~ولحقت به أمه في نفس الأسبوع معتلة بنفس العلة! ذهل عبد الفتاح، ~~وهمس له سوء ظنه بالحقيقة الخفية، لا شك أنهما اضطرا إلى ذلك ~~اضطرارا وتفاديا من عاقبة أسوأ ... الصحة بريئة تماما، كانا من أحسن ~~الناس عافية ومرحا، وجاراهما فتظاهر بالقلق على صحتهما، واستمع إلى ~~حديث طويل عن الضغط والطبيب، وقال بحرارة مصطنعة: الصحة أهم من العمل ~~والمال. # وتوقفت حياة الترف المعهودة، انطفأت الشعلة، وبدوا كئيبين واجمين، ~~وانتهت ليالي الولائم، وخيم على البيت جو غريب من الإثم والعقوبة، ~~واختفى أصحاب المنفعة والانتهازية، فخلا المسكن إلا من المنبوذين ... ~~وأمسى للنقود قيمة جديدة، فلم تعد تنفق إلا بحساب، وتردد ذكر ~~الغلاء مصحوبا بلعن ms33 الانفتاح وذم المتاجرين بأرزاق الشعب! ولم ~~يخدع عبد الفتاح بهذا الصوت الوطني الطارئ وعرف سره ... إنه يكتسب ~~كل يوم خبرة في مكتب التحقيقات أثرت رؤيته وأفعمته بسوء الظن، ~~لن يخدعه نقد المنحرفين إذا حيل بينهم وبين الانحراف ... وامتنعت ~~المعونات التي كان يحظى بها من والديه، وتضاعف قلقه عندما سمع أباه، ~~وهو يقول: لا مفر من بيع بعض التحف لمواجهة الغلاء! # فمضت الدائرة تضيق حول عنقه ويديه، وتخلقت في حياته أزمة جديدة؛ ~~هي الأزمة الجنسية التي لم يشعر بوطأتها من قبل، وقال لوالده: إني أعجب ~~للذين لم ينحرفوا في هذه الظروف الطاحنة. # فقال أبوه بيقين ساخر: هم الذين لا حاجة بهم إلى الانحراف. # فوافقه الشاب، قائلا: صدقت، فلكي يعيش فرد بلا نقود كافية يجب أن ~~يكون صاحب معجزة. # فقال إبراهيم الدارجي ساخرا: وقد انتهى عصر المعجزات. # فتنهد الشاب قائلا: الهجرة إلى الخارج هي الأمل الأخير. # فقال الرجل بلا حماس: انتظر واصبر ولا تيأس! # ولكن إلى متى؟ وإن وسعه أن يصبر مع التفاهة ... فكيف يروض وحش ~~الجنس؟ حقا كانت أم حبيبته الغادرة بعيدة النظر، ولو أن الفتاة ~~انتظرته لخيب أملها وفضح نفسه، وسأل زميله عبد اللطيف محمود: ألم ~~تفكر في الزواج؟ # فأجاب ساخرا: أفكر فيه عدد شعر رأسي. ~~- وهل استعددت له؟ # فأجاب بعظمة: سأكون مستعدا عام 2000. # فابتسم، فسأله عبد اللطيف: وأنت؟ # فأجاب باقتضاب: حالي حالك. # فقال ضاحكا: احلم بأن امرأة غنية وقعت في هواك ... # ولكن الأحلام أرهقته حتى الملل، وإنه على أتم الاستعداد للتخلي ~~عن طموحه كله على شرط أن يتزوج وينجب قانعا كل القناعة بتفاهته، ~~وقال لنفسه: «رضينا بالحد الأدنى ولكنه لا يرضى بنا.» وهبط عليه إلهام ~~غريب في تافرنا وهو يحتسي النبيذ، أن يعلن حربا على الدولة! أن يكتب ~~منشورات سرية، دينية تارة ومادية تارة أخرى، ويرسلها إلى شتى الجهات ~~ذات الخطورة، فينشر بذلك القلق والرعب، ويستمتع بالنصر والعبث ... ما ~~عليه إلا أن ينقل الآلة الكاتبة الخاصة بوالدته إلى حجرته بحجة أنه ~~سيكتب عليها المتأخر من أعماله الحكومية ، استجاب للإلهام ms34 وعزم على ~~تنفيذه، وبذلك ينقذ نفسه من عذاب الانتظار والملل والتفاهة! وراح ~~ينفذ مشروعه بحماس وسرور وشيطنة، ويودع المنشورات في مظاريف ويرسلها ~~لشخصيات رسمية وغير رسمية، ورغم أنه استلهم مضامينها من منشورات اطلع ~~عليها خلال التحقيقات، إلا أنه زاد نقدها حدة وتهديداتها عنفا، ولم ~~يركز على صندوق بريد أكثر مما يجب، فنوع الشوارع والأحياء، وانهمك في ~~العمل بقوة كأنما هو هدف حياته، وانتظر أن يتلقى أصداء عمله الخفي ~~طويلا حتى أوشك أن ييأس، وإذا بعبد اللطيف محمود يهمس في أذنه ذات ~~صباح: يتحدثون عن نشاط دب في القوى الهدامة! # فخفق قلب عبد الفتاح واندفع متسائلا: المنشورات؟! # وأدرك للتو تسرعه ففزع، وسأله الآخر: متى عرفت؟ # فأنقذ نفسه قائلا: في المقهى يتحدثون. # ووصى نفسه بالحرص والحذر، فقال عبد اللطيف: أجهزة الأمن في غاية ~~من النشاط. # فتراوح بين السرور والخوف، وتساءل: كيف؟ ~~- المراقبة والتفتيش! # غض بصره إخفاء لانفعالاته، لم يكن هذا مقصده ... تصور ما يتعرض ~~له الأبرياء بسبب عبثه، فغاص قلبه في صدره، وأمضى اليوم قلقا ~~منزعجا كئيبا ... لم يجلس إلى الآلة الكاتبة مرة أخرى، وتساءل هل ~~يجيئون بهم ليسجل أقوالهم؟ وفي اليوم التالي دس إليه زميله عبد ~~اللطيف ورقة، قائلا: إليك منشورا. # تلقى المنشور بقلب خافق، ولكن قلبه توقف عن الخفقان عندما ~~تبين له أنه منشور آخر حقيقي لا علاقة له بعبثه! الجد والعبث يسيران ~~جنبا إلى جنب، ولكن ذلك لن يبرئه من الذنب، فلا شك أن منشوراته ~~تعتبر أيضا مسئولة عما يجرى من تفتيش وتحقيق، ودار رأسه، فشعر بأن ~~إصبعا ستشير إليه بالاتهام. وفي صباح اليوم التالي لم يجد عبد اللطيف ~~محمود على مكتبه، وسرعان ما علم بأنه ألقي القبض عليه فيمن ألقي ~~القبض عليهم ... قال له رئيس المكتب: كان منهم ونحن لا ندري! # أغمض عبد الفتاح عينيه مغالبا انفعالاته التي تموج بإعصار همجي، ~~ولم يترك طويلا للتأمل إذ دعي لمكالمة تليفونية لأول مرة مذ التحق ~~بالعمل، وجد أن المتكلم هو والده ... قال له: فرجت، استعد للسفر، ~~والتفاصيل وقت الغداء! # فرجت ms35 حقا! الثروة في الطريق ولن تستعصي مشكلة عن حل طيب. وقال ~~لنفسه ساخرا! إنها نهاية سعيدة جديرة بمنحرف من صلب منحرفين! واستحضر ~~صورة الكون ممثلة في السماء والأرض، قال: خبرني عن الهدف من فضلك ~~وإحسانك! # | قسمتي ونصيبي # عم «محسن خليل» العطار، أجزل الله له العطاء فيما يحب ويتمنى عدا ~~الذرية ... دهر طويل مضى دون أن ينجب، مع مجاهدة للنفس لترضى بما وهب ~~الله وبما منع، كان متوسط القامة، ممن يؤمنون بأن الخير في الوسط، ~~وكان بدينا، وعنده أن البدانة للرجل - كما للمرأة - زينة وأبهة، ~~وكان يزهو بأنفه الضخم وشدقيه القويين، وبالحب المتبادل بينه وبين ~~الناس. وحباه الحظ بست «عنباية»، ذات الحسن والنضارة والطيات ~~المتراكمة من اللحم الوردي الناعم، إلى كونها ست بيت ممتازة، يغنى ~~سطح بيتها المكون من دور واحد بالدجاج والإوز والأرانب، ويلهج عشاق ~~مائدتها بطواجنها المعمرة وفطائرها السابحة في السمن البلدي، دنيا ~~مقبلة في كل شيء، ولكنها ضنت بنعمة الإنجاب في عناد تطايرت دونه ~~الحيل ... نشدت شورى الأحبة، ولجأت إلى أهل الله من العارفين ~~والواصلين، وطافت بالأضرحة المباركة، حتى الأطباء زارتهم، ولكن أصدروا ~~فتوى غير مبشرة شملت الزوجين معا «عم محسن» و«ست عنباية»، وقالوا إن ~~الأمل الباقي أضعف من أن يذكر. ووقفت في سماء النعيم الصافية غمامة ~~حزن مترعة بالحسرة لا تريد أن تتزحزح، ولما شارف عم محسن الخامسة ~~والأربعين وست عنباية الأربعين، تلقيا من الله رحمة ... هتفت ست ~~عنباية بعد تدقيق وعناية: «يا ألطاف الله! إني حامل وحق سيدي الكردي!» ~~كان عم محسن أول من طرب وشكر، وتردد الخبر في «الوايلية» على حدود ~~«العباسية» حيث يوجد بيت الأسرة ومحل العطارة. وانقضت الأشهر التسعة في ~~انتظار بهيج، وجاء المخاض يهزج بالأنين السعيد ... ولما تلقت الحكيمة ~~الوليد حملقت فيه مذهولة مبهوتة، وراحت تبسمل وتحوقل ... وهرعت إلى ~~الصالة الشرقية الوثيرة ... فوقفت أمام عم محسن مضطربة، حتى تمتم الرجل ~~خافق القلب: ربنا يلطف بنا، ماذا وراءك؟ # همست بعد تردد: مخلوق عجيب يا عم محسن. ~~- كيف؟ ~~- أسفله موحد وأعلاه يتفرع إلى اثنين! ms36 ~~- لا! ~~- تعال انظر بنفسك. ~~- وكيف حال الست؟ ~~- بخير، ولكنها غائبة عما حولها! # وذهب في أثرها مضطربا خائب الرجاء، وحملق في المخلوق العجيب ... رأى ~~أسفله موحدا ذا رجلين وبطن واحد، ثم يتفرع بعد ذلك إلى اثنين؛ لكل ~~منهما صدره وعنقه ورأسه ووجهه، وكانا يصرخان معا، وكأن كلا منهما ~~يحتج على وضعه، أو يطالب باستقلاله الكامل وحريته الشرعية. هيمن على ~~الرجل شعور بالارتباك والحيرة والخجل وحدس المتاعب تتجمع فوقه كالسحب ~~المليئة بالغبار، وترددت في داخله العبارة التجارية التقليدية التي ~~يحسم بها الموقف عند فشل صفقة من صفقات العطارة، وهي «يفتح الله». أجل ~~... ود لو في الإمكان التخلص من هذه العاهة التي لن يذوق معها راحة ~~البال، وقالت الحكيمة وهي مستغرقة في عملها الروتيني: صحة جيدة، كأن ~~كل شيء طبيعي تماما. # فتساءل عم محسن خليل: الاثنان؟ # فقالت الحكيمة بحيرة: ليسا توءمين ... هذا وليد واحد! # فجفف الرجل عرق وجهه وجبينه المتصبب من داخله ومن جو الصيف، ~~وتساءل: ولم لا نعتبرهما اثنين؟ ~~- كيف يكونان اثنين على حين أن انفصال جزء عن الجزء الآخر ~~مستحيل! ~~- إنها مشكلة، ليتها لم تكن أصلا! # فقالت الحكيمة بلهجة وعظية: إنه منحة من الله على أي حال، ولا يجوز ~~الاعتراض على حكمته. # فاستغفر الرجل ربه، فواصلت الحكيمة: سأسجله باعتباره ~~واحدا. # فتنهد عم محسن، قائلا: سنصبح أحدوثة ونادرة! ~~- الصبر جميل! ~~- ولكن ألا يستحسن اعتباره اثنين ذوي بطن واحد؟ ~~- لا يمكن أن يتعامل مع الحياة إلا كشخص واحد. # وتبادلا النظر صامتين، حتى سألته: ماذا تسميه؟ # ولما لازم الصمت، تساءلت: محمدين! ما رأيك في هذا الاسم ~~المناسب؟ # فهز رأسه مستسلما دون أن ينبس، ولما انتبهت ست عنباية لما حولها ~~صعقت، وبكت طويلا حتى احمرت عيناها الجميلتان، وشاركت زوجها ~~عواطفه ... غير أن ذلك لم يستمر طويلا، فاستجابت ست عنباية في ~~النهاية إلى عاطفة الأمومة وعم محسن للأبوة، وراحت ترضع الأيمن، فما ~~سكت البكاء حتى أرضعت الأيسر ... وبعفوية جعلت تنادي الأيمن بقسمتي ~~والأيسر بنصيبي، فمنذ الأسبوع الأول عرف الولد باسمين، وتميز كل ~~بفردية ، فربما نام قسمتي ms37 وظل نصيبي صاحيا يتناغى أو يبكي أو يرضع، ومع ~~الزمن خفت الدهشة، وإن لم تخف أصداؤها في الخارج، وألفت الغرابة، ~~وزالت الوحشة ... ونال قسمتي ونصيبي حظهما الكامل من الرعاية والحب ~~والحنان، ومضت الأم تقول للزائرات من أهلها: ليكن من أمره ما يكون، فهو ~~ابني، أو هما ابناي. # واعتاد الحاج محسن - فقد أدى الفريضة بعد التجربة - أن يقول: لله ~~حكمته! # وعلم بفطرته أن الطفولة ستمر كدعابة، ولكنه فكر في المستقبل بقلق ~~واختناق ... أما ست عنباية فاستغرقتها متاعبها المضاعفة، كان عليها أن ~~ترضع اثنين، وأن تنظف اثنين، وأن تربي اثنين، وأن تملك أعصابها إذا ~~نام أحدهما واحتاج للهدوء وصحا الآخر ورغب في الملاعبة. واختلفت بقدرة ~~قادر صورتاهما، فبدا قسمتي عميق السمرة رقيق الملامح عسلي ~~العينين، أما نصيبي فكان ذا بشرة قمحية وعينين سوداوين وأنف ينذر ~~بالضخامة. وأخذ الوليد يحبو على قدمين وأربع أيد، وينطق كلمة بعد ~~أخرى، ويحاول المشي ... ولوحظ أن قسمتي كان أسرع في تعلم النطق، ولكنه ~~كان يذعن لمشيئة نصيبي في الحبو والمشي، وفي العبث بالأشياء وتحطيمها ~~... لبثت القيادة طيلة تلك الفترة المبكرة بيدي نصيبي، واتسمت بالعفرتة ~~والتدمير ومطاردة الدجاج وإيذاء القطط، غير أن خضوع قسمتي لنصيبي ~~أعفاهما من الشجار، عدا الأويقات النادرة التي كان يميل فيها قسمتي ~~للراحة، فلا يتورع نصيبي عن لكزة بكوعه حتى يسترسل في البكاء. ولما ~~بلغا الرابعة من العمر وجاوزاها، أخذا ينظران إلى الطريق من النافذة ~~ويشاهدان الأطفال، ويرفعان أعينهما نحو السماء من فوق السطح، فانهمرت ~~الأسئلة مع اللعاب: كل ولد ذو رأس واحد، لماذا؟ # فتجيب ست عنباية مرتبكة: ربنا يخلق الناس كما يشاء. ~~- دائما ربنا ... ربنا ... أين هو؟ # فيجيب عم محسن: هو يرانا ونحن لا نراه، وهو قادر على كل شيء، والويل ~~لمن يعصاه! # ويحدثهما الرجل عما يجب ليحوزا رضاه فيخاف قسمتي، ويقول نصيبي ~~لقسمتي: اسمع كلامي أنا وإلا ضربتك. # ويريان القمر في ليالي الصيف فيمدان نحوه أيديهما، يتنهد قسمتي ~~مغلوبا على أمره ويثور نصيبي غاضبا، ويتساءل الحاج: هل نحبسهما في ~~البيت إلى ما ms38 شاء الله؟ # فتقول ست عنباية: أخاف عليهما عبث الأطفال. # وقرر الحاج أن يقوم بتجربة، فجلس أمام البيت على كرسي خيرزان ~~وأجلسهما إلى جانبه على كرسي آخر ... سرعان ما تجمع الصغار من مختلف ~~الأعمار ليتفرجوا على المخلوق العجيب، ولم ينفع معهم زجر أو نهر، ~~حتى اضطر الرجل أن ينسحب من مجلسه وهو يحملهما على ذراعه، وتمتم في ~~أسى: بدأت المتاعب. # ولكن الله فتح على ست عنباية بفكرة ... فاقترحت أن تقنع جارتها بإرسال ~~ابنها «طارق» وبنتها «سميحة» للعب مع محمدين، ووافقت الجارة مشكورة، ~~فجاء طارق وسميحة، وكان طارق أكبر من محمدين بعام، أما سميحة فكانت ~~تماثله في عمره. وقد فزعا أول الأمر ونفرا من الصحبة، غير أن ست ~~عنباية استرضتهما بالهدايا حتى زايلتهما الوحشة وجرفهما حب الاستطلاع ~~والمغامرة، وسعد قسمتي ونصيبي بالرفيقين الجديدين، وأحبا حضورهما ~~حبا فاق كل تقدير، رغم أنه لم يفز بحب في مثل قوته، وتنوع ~~الحديث واللعب وابتكرت الحكايات. وجدت الكرة الصغيرة من يتبادل ~~رميها، ووجد الحبل من يتصارع على شده، وباتت سميحة هدفا ورديا ~~كل يرغب في الاستحواذ عليه، وكل يدعوها إلى الجلوس إلى جانبه إذا ~~جمعهم التلفزيون. وبسبب سميحة نشبت بينهما أول معركة حقيقية على ملأ من ~~الأسرة، فدميت شفة «نصيبي» وورمت عين «قسمتي»، وبها تحرر قسمتي ~~من الذوبان في نصيبي ... وأخذ يشعر بأنه فرد بإزاء آخر، فتبادلا من ~~الآن فصاعدا التوافق كما تبادلا التنافر، وقال الحاج ذات يوم: جاءت ~~السن المناسبة للمدرسة. # فتجهم وجه عنباية وارتسم في أساريره الشعور بالذنب، فقال الحاج: إنه ~~باب مغلق! # وتفكر مليا ثم قال: سأجيء لهما بالمعلمين، يجب أن يعدا على ~~الأقل ليحلا محلي في الدكان. # وجاء المعلمون، ولقنوهما مبادئ الدين واللغة والحساب، واستجاب ~~«قسمتي» للتعلم بدرجة مشجعة، أما «نصيبي» فبدا راغبا عن العلم ~~متعثرا في الفهم والاستيعاب، ومن أجل ذلك حنق على الآخر، وكدر ~~ساعات مذاكرته بالعبث والغناء والمعاكسات الصبيانية، وبدا الخلاف ~~مزعجا في تقبل التربية الدينية التي أقبل عليها قسمتي بقلب مفتوح، ~~على حين وقف فيها نصيبي موقف اللامبالاة. ms39 وضاعف زجر المدرس من عناده، ~~ونهره أبوه كثيرا، ولكنه أشفق من ضربه ... وعند بلوغ الثامنة أراد ~~قسمتي أن يصلي ويصوم، ومع أن نصيبي لم يمل إلى ذلك، إلا أنه وجد نفسه ~~يشارك بقدر لا يستهان به في الوضوء، وأنه يرغم تقريبا على الركوع ~~والسجود ... ولشعوره بضعف مركزه أذعن للواقع وهو يمتلئ حنقا وغيظا، ~~وأمره أبوه بالصيام، وحاول أن يشبع جوعه في الخفاء، ولكن قسمتي احتج، ~~قائلا: لا تنس أن بطننا واحد، وإذا تناولت لقمة واحدة أخبرت ~~أبي. # وصبر يومه حتى نفذ صبره، فبكى، فرقت له أمه، وقالت للحاج: الله ~~لا يكلف نفسا إلا وسعها، دعه حتى يكبر عاما أو عامين. # فقال الأب في حيرة: ولكنه إذا أفطر أفطر الآخر! # وهي مشكلة لم يحلها إلا إمام سيدي الكردي ... فقال إن العبرة بالنية، ~~وإن صيام «قسمتي» صحيح حتى لو أفطر «نصيبي»، وصام قسمتي رغم إفطار ~~نصيبي مستندا إلى نيته أولا وأخيرا. وتوكد لكل شخصيته، وحال ~~بينهما نفور دائم آخذ في الاستفحال، وندرت بينهما أوقات الصفاء، ~~وقالت الأم بعين دامعة: يا ويلي، لا يطيق أحدهما الآخر، ولا غنى ~~لأحدهما عن الآخر، فكيف تمضي بهما الحياة؟! # مضت على الشوك، وشمل الخلاف أشياء وأشياء ... قسمتي يحب النظافة ونصيبي ~~يكره فكرة الاستحمام إلا أن يضطر إليه اضطرارا، وتوسط الوالدان ~~على أن ينزل قسمتي عن شيء من النظافة نظير أن ينزل نصيبي عن كثير من ~~القذارة. ونصيبي نهم لا يشبع، فكثيرا ما كان يصاب قسمتي بالتخمة ... ~~ولقسمتي ولع بالأغاني العاطفية على حين يعشق نصيبي الأناشيد الصاخبة، ~~أما ذروة الخصام فقد احتدمت لحب قسمتي النامي للقراءة والاطلاع، يحب ~~أن يقرأ كثيرا، والآخر يفضل اللعب فوق السطح ومعاكسة السابلة ~~والجيران. ونصيبي يمكن أن يصبر ساعة على انهماك الآخر في القراءة، ~~ولكنه عند الضرورة يعرف كيف يفسد عليه تركيزه واستغراقه حتى يشتبكا ~~في معركة تسفر عادة عن انتصار نصيبي، وقال له قسمتي مجربا المناقشة ~~بدلا من العنف غير المجدي: لي هواياتي ولك هواياتك، ولكن هواياتي أنسب ~~لظروفنا غير الطبيعية. # فقال ms40 «نصيبي» بحدة: معنى ذلك أن تتحول الحياة إلى سجن دائم. ~~- لكن لا نصيب لنا في الدنيا الخارجية. ~~- السعادة في الدنيا والكآبة في الحجرة. # فقال «قسمتي»: إنك تعاكس الناس فينهالون علينا بالسخرية. ~~- أموت لو فعلت غير ذلك ... بل إني أفكر في اقتحام الطريق. ~~- ستجعل منا أضحوكة وفرجة. # فصاح «نصيبي»: إني أكره السجن وأحسد النجوم. # فقال «قسمتي» برجاء: يلزمك الكثير من العقل. # فقال «نصيبي» بازدراء: لا سبيل إلى الاتفاق. ~~- لكننا واحد كما ترى، رغم أننا اثنان! ~~- هذه هي المصيبة، ولكن عليك أن تذعن لي دون مقاومة. ~~- إنك عنيد وتحب الخصام. # ودعاهما الوالدان إلى الاجتماع في حجرة المعيشة. حقا إنهما فقدا ~~الشعور براحة البال وتنغص عليهما صفوهما، وآمنا بأن كارثة ستحل ~~بالبيت إن لم يسارعا إلى حسم الداء، قبلتهما عنباية، وقالت: فليحب ~~أحدكما الآخر، إن وجد الحب تلاشت المشاكل! # فقال «نصيبي»: هو الذي يكرهني! # ولكن «قسمتي» بادره قائلا: بل أنت الذي تكرهني! # فقالت ست عنباية متأوهة: إنكما اثنان في واحد لا يتجزأ، ولا بد من ~~الحب. # وقال الحاج محسن خليل: الحكمة تطالبكما بالوفاق، وإلا انقلبت الحياة ~~جحيما لا يطاق، ذوبان أحدكما في الآخر مرفوض، والوفاق ممكن، فليصبر ~~«نصيبي» عندما يرغب «قسمتي» في القراءة، وفي مقابل ذلك على قسمتي أن ~~يرحب بالحركة واللعب مع نصيبي، وليكن كل غناء مقبولا، ليستمتع ~~كل بأغانيه المفضلة، أما الدين فلا مناقشة فيه. # فقال «قسمتي»: إني على استعداد طيب للوفاق رغم ما يكلفني من ~~ضيق. # ولاذ «نصيبي» بالصمت، فرجع «قسمتي» يقول: إنه لا يحب الوفاق، ولا ~~يعد نفسه ليوم تدعونا فيه إلى العمل في الدكان! # فقال الأب بحزم: لا بد مما ليس منه بد! # وعادت ست عنباية تقول بحرارة وضراعة: عليكما بالحب، ففي رحمته ~~النجاة. # ولكن الوالدين لم يصف لهما بال، وتابعا ما يحدث بقلق وأسى، ~~وبذل «نصيبي» في سبيل الوفاق جهدا مترددا لغلبة الأهواء الجامحة ~~عليه، على حين مضى قسمتي في الطريق الجديد بإرادة أقوى ورغبة أنقى ~~مستأنسا بعواطفه الصادقة وميله المخلص لوضع حد لعذاباته ، ومستعينا ~~عند الضرورة ms41 بوالديه. ولما ناهزا الحلم وشارفا المراهقة تصاعدت ~~أزمتهما إلى الذروة ... احتدمت الأحلام المكبوتة منذرة بالانفجار ... ~~وتبلورت لكل منهما ذاتية مستقلة، فبدا الآخر غريبا مهددا للأمن ~~وعدوا يجب أن يقهر ... ضاق كل منهما بالرابطة القدرية التي فرضت ~~عليهما وحدة كريهة لا فكاك منها. وتلاطما في دوامة من الانفعالات ~~المحرقة الجنونية، وفارت من الأعماق موجة عمياء جرفت ستر الحياء، ~~فارتطم الاندفاع بالندم، واشتعل الغضب، فانخرط الاثنان في معركة ~~وتبادلا الضربات القاسية، وهمدت الحركة غائصة في الصمت والشجن ... ~~استمرت فترة غير قصيرة، إلى أن قال «قسمتي»: إنها لعنة لا يمكن أن ~~تمضي معها الحياة في سلام. # فقال «نصيبي» بهدوء عنيد: لكنها ستمضي في طريقها على أي ~~حال! # فأظلمت عينا «قسمتي» العسليتان، وقال: قضي علينا بالحرمان من ~~الانسجام الذي تحظى به جميع المخلوقات. ~~- إنك مريض ذو أفكار مريضة. # فقال «قسمتي» بسخرية: أحدنا مريض ولا شك! # فقال «نصيبي» بتحد: لن أنزل عن حق من حقوقي، فلا مهادنة بعد ~~الآن. ~~- لي أيضا حقوقي. # وتبادلا نظرة متحدية وبائسة، فانقطعا عن الحوار على أسوأ حال، وفي ~~ذلك الوقت رأيا سميحة - زميلة الطفولة - بعين جديدة ... كانا يريانها من ~~النافذة وهي تذهب وتجيء منفردة أو بصحبة أمها، فتوقظ ذكرى عابرة ثم ~~تختفي. أما ذلك اليوم فرأياها بعين جديدة، رأياها وقد أنضجتها شعلة ~~الصبا فأضفت عليها بهاء وأثرتها بشهد الرغبة، أترع قلب قسمتي ~~برحيق الفتنة فثمل، على حين جن نصيبي بالأخيلة الجامحة. تلقى قلب ~~قسمتي شعاع الحسن كما يتلقى البرعم شعاع الشمس فيتفتح، تمنى لو ~~تحل محل نصيبي من وجوده التعيس، ولأول مرة يشعر بأن نصيبي ليس ~~قيدا فحسب، ولكنه سد منيع في طريق السعادة الحقيقية. أما نصيبي فظل ~~رأسه يتحرك في اضطراب، ولما وجد الفتاة واقفة قريبة من مدخل بيتهما ~~تنتظر، اندفع إلى الطريق جارا معه «قسمتي» ... مرق من الباب إلى ~~الطريق، فرأته سميحة فتراجعت مبتعدة باسمة، ولكنه اندفع نحوها ~~مسددا يديه إلى صدرها ... ففزعت ووثبت داخلة إلى بيتها. ولفتت ~~الهجمة الحيوانية أنظار بعض المارة في شارع «الوايلية»، ولكن قسمتي ms42 رجع ~~إلى بيتهم بسرعة وهو يسب ويلعن، والآخر مستسلم له بعد إفاقة مباغتة، ~~وغضب «قسمتي» وصاح به: إنها فضيحة وما أنت إلا مجنون. # فلم يجبه نصيبي مغلوبا على أمره، وعلمت الأم بما حدث فجزعت، ~~ولما عرفت الحقيقة من قسمتي، قالت للآخر: ستهلك نفسك ذات ~~يوم. # فهتف قسمتي: وسوف يهلكني معه دون ذنب. # فقال نصيبي بجرأة: نحن في حاجة إلى زوجة! # فبهتت الأم ولم تدر ماذا تقول، فواصل نصيبي: كما ولدتنا فإنك ~~مسئولة عن تزويجنا من بنت الحلال. # فقال قسمتي: لن توافق بنت على الزواج من اثنين! # فقال نصيبي بتحد: ابحثي لنا عن زوجتين. # فقال قسمتي بحزن: قضي علينا أن نعيش وحيدين! # فقال نصيبي: فلنعتبر شخصا واحدا كما نحن مسجلون في دفتر ~~المواليد. # فقال قسمتي بأسى: شخص للفرجة لا للزواج. # واضطرت الأم أن تغادر الحجرة، وهي تقول: قد يكون عند الحاج ~~حل! # وثار غضب نصيبي، وقال للآخر: لا حل إذا لم نعثر عليه بأنفسنا، ~~فلننتظر حتى ينتصف الليل ويندر المارة ثم ننطلق في الظلام وراء أي ~~صيد يقع. # فهتف قسمتي: خيال جنوني. ~~- لا تكن جبانا. ~~- لا تكن مجنونا. # وقال الحاج محسن لزوجته: لم يغب عني هذا الموضوع، ولكن لا توجد ~~أسرة ترضى بمصاهرتنا. ~~- والحل؟ # فقال الرجل وصوته يخفض. ~~- ستجيء امرأة مسكينة في الحلقة الخامسة لتقوم على خدمتهما! # وجاءت امرأة تعيسة الحال والمنظر، نشطوا إلى تغذيتها وتنظيفها لترضى ~~بما يراد بها، وأعقب ذلك سكون ظاهري على الأقل ... أما في الواقع فإن ~~نصيبي كان يسيء معاملة المرأة نهارا كتعويض عن اندفاعه الليلي، وأما ~~قسمتي فبدا كئيبا مشمئزا، ويسأل الآخر: ما ذنبي أنا؟ # فنهره نصيبي متسائلا: وهل الذنب ذنبي؟! # لم يحر جوابا، لكنه تذكر سميحة بقلبه المسلوب، وعواطفه ~~المتأججة المحرومة، فتضاعف أساه، والحق أن كليهما شعر بالضياع والهوان، ~~ولكن لم يشعر أحدهما بتعاسة الآخر ... وعلى العكس، اتهمه بأنه المسئول عن ~~مأساته، وود لو يتخلص منه بأي ثمن. ودعاهما الأب للعمل في الدكان ولو ~~كتجربة لا مفر من ممارستها ... كان يوم حضورهما في الدكان يوما ms43 معتدل ~~المناخ من أيام الربيع ... تجليا للأعين في بنطلون رمادي، وقميصين ~~أبيضين نصف كم، أما شعر رأسيهما فاستوى مشذبا متوسط الطول. وقفا ~~وراء الطاولة مرتبكين، وسرعان ما تجمع كثيرون ما بين زبون ومتفرج ~~حتى ازدحم الطريق إلى نصفه، وقال الحاج موجها خطابه لابنيه: ~~استغرقا في العمل، ولا تباليا بالناس. # ولكن الغضب تملك نصيبي، على حين دمعت عينا قسمتي، وإذا بمصور ~~صحفي يشق طريقه بين الجموع، ويلتقط العديد من الصور ل «محمدين» أو ~~«قسمتي ونصيبي». وفي النصف الثاني من النهار جاء مندوب من التلفزيون ~~يستأذن في إجراء حوار مع الشابين، ولكن الحاج رفض بحزم وبنبرة شديدة ~~الغضب ... وبنشر الصور في الصحيفة الصباحية اشتد إقبال الناس وهبط ~~البيع للدرجة الدنيا، فاضطر الحاج محسن خليل لمنعهما من الذهاب إلى ~~الدكان، وقال لامرأته بقلب محزون: سوف تصفى التجارة عقب انتهاء ~~الأجل. # وعند ذاك تساءل «نصيبي» غاضبا: لم لم تتخلص منا عقب ولادتنا؟ لم ~~لم ترحمنا وترحم نفسك؟ # فقال الحاج في تأثر شديد: لن تعرفا الضيم أبدا، وسترثان ما يحقق ~~لكما الستر والكرامة. # فهتف «نصيبي»: لا قيمة للمال وحده، الواقع أننا ميتان، كم تمنيت أن ~~أمارس التجارة وأبتاع سيارة وأتزوج من أربع! # وقال «قسمتي» في حسرة: وعندي الاستعداد لأكون أستاذا، وأمارس ~~السياسة أيضا. # ونظر نصيبي إلى قسمتي، وقال بحنق: إنك العقبة التي تسد ~~طريقي. # فقال قسمتي بإصرار: أنت ... أنت العقبة. # فتساءل الحاج: ألا تسلمان بالواقع وتسعيان إلى السعادة ~~معا؟ # فقال قسمتي: لو خلقنا برأس واحد وأسفلين منفصلين لهان الأمر! # فقال الحاج برجاء: لن تعز السعادة على من ينشدها بصدق. # فقال قسمتي بحنق: هذه السعادة هي سبب تعاستنا! # ثم التفت نحو نصيبي قائلا: تخل عن عنجهيتك واتبعني تبلغ أقصى ~~درجات الرفعة والسعادة، أما لو تبعتك أنا فيكون مصيرنا السجن. # فقال نصيبي ساخرا: محاولة خائبة لن تنجح، نحن مختلفان تماما، أنا ~~لا أحب المعرفة، أما السياسة فإنك إن اخترت الحكومة اخترت من فوري ~~المعارضة والعكس بالعكس، لن أتبعك ولن تتبعني، ولن تهدأ ~~المعركة. # فقال الأب بنفاد صبر: ms44 ارجعا إلى الوفاق، لا مفر منه، إنه قدر، ~~كما أن اتحادكما قدر. # وعادا كارهين إلى المحاولة، تجنبا الخلاف ما استطاعا، وجارى ~~كل الآخر رغم تقزز قسمتي الخفي وسخرية نصيبي بعيدا عن عيني ~~صاحبه. بدوا صديقين بلا صداقة، متحالفين بلا إخلاص، فعاش كل منهما ~~نصف حياة، وتعلق بنصف أمل ... غير أن آثار العمر طبعت في وجه نصيبي ~~قبل الأوان، وتوكد أنه يسرع نحو شيخوخة مبكرة ... لعله نتيجة لإفراطه ~~في كل شيء. وراح يشكو من فتور في الجنس وحساسية من الشراب، وسوء الهضم ~~... ولم تنفعه العطارة ولا الطب، وفي معاناته أعلن ما يخبئ من حنق على ~~صاحبه، فاتهمه قائلا: حسدتني، عليك اللعنة! # فتسامح معه قسمتي متمتما: سامحك الله! # فصاح به: لن تشمت بي، إذا مت فستحمل جثتي إلى نهاية العمر وتتحول ~~من بشر إلى قبر! # واشتد به الضعف حتى ركبه الخوف من الموت، ورق له قسمتي في تدهوره ... ~~فشجعه قائلا: سترجع إلى خير مما كنت! # فلم يحفل بقوله ولم يصدقه، وذات صباح صحا مبكرا وهتف: إني ذاهب ~~إلى موطن الحقيقة الباكية! # وهرولت إليه ست عنباية، فأدركت أنه يحتضر فأخذته في حضنها، وراحت ~~تتلو الصمدية وانتفض صدره، وبكى قسمتي أيضا ... ولكن سرعان ما غشاه ~~الفزع من الموت المزروع في جذعه، وتبادل الوالدان نظرة حائرة. ماذا ~~يفعلان بهذه الجثة التي لا يمكن دفنها؟ واستدعي طبيب على عجل، فتفحص ~~الحال، وقال: إنها مشكلة تتضمن مشكلات، ولكن لا حل إلا تحنيطه؛ إذ لا ~~يمكن فصله. # هكذا عاش قسمتي حاملا جثة صاحبه المحنطة، أدرك من اللحظة الأولى أنه ~~سيعيش نصف حي ونصف ميت ... وأن الحرية التي حظي بها، والتي طالما ~~تمناها ليست إلا وهما، وأنها نصف موت أو موت كامل. أجل قرر أن يهب ~~نفسه للعمل طيلة الوقت بعد أن زال العائق، ولكنه اكتشف أنه شخص جديد ~~آخر ... ولد الشخص الجديد فجأة وبلا تدرج، شخص فتر حماسه، وجفت ~~ينابيعه، وتلاشت همته، وخمد ذوقه ... شخص جفا الحياة والعبادة ~~والمسرات اليومية البريئة ... شخص يعيش تحت سماء ماجت بالغبار فلا ms45 زرقة ~~ولا سحب ولا نجوم ولا أفق، وقال بأسى عميق: الموت في الكون. # ورئي طوال الوقت صامتا واجما شبه نائم، فسألته أمه: ألا تسلي ~~نفسك بفعل شيء؟ # فأجابها: إني أفعل ما في وسعي، إني أنتظر الموت. # وبدا لعينيه أن الظلام يهرول نحوه واعدا بالسلام. # | العين والساعة # حدث ذلك في آخر ليلة لي في البيت القديم، أو الليلة التي تم الاتفاق ~~على أنها ستكون الأخيرة، والبيت ذو شخصية منفردة رغم قدمه، وغربته ~~الواضحة في محيط العصر. بات وكأنه أثر من الآثار، وأكد ذلك موقعه ~~المطل على ميدان ولد مع «القاهرة» في عام واحد، نشأنا فيه بحكم ~~الميراث، ثم حال الجفاء بيننا وبينه بحكم تنافر الأجيال، فتطلعنا إلى ~~الأجواء الحديثة الباهرة بعيدا عن الجدران الحجرية المغروسة في ~~الأزقة الضيقة. كنت جالسا في الصالة المعصرانية الواسعة على أريكة ~~طاعنة في السن تقرر الاستغناء عنها تحت منور محكم الإغلاق اتقاء ~~لنزوات الخريف ... وكنت أحتسي قدحا من القرفة رانيا إلى إبريق نحاسي ~~صغير قائم على خوان بين يدي، يبرز ما فيه عود بخور جاوي يحترق على ~~مهل نافثا خيطا من الدخان الطيب وهو يتماوج ويتأود تحت ضوء المصباح ~~في صمت الوداع، واعترى ارتياحي فتور لغير ما سبب، ثم غمرني شجن خفي. ~~شحنت عزيمتي للمقاومة، ولكن الحياة كلها تجمعت أمام عيني في التماعة ~~خاطفة مثل كرة من نور منطلقة بسرعة كونية، سرعان ما انطفأت واهبة ~~ذاتها للمجهول غائصة في جوفه الأبدي. # قلت لنفسي إني على دراية بهذه الألاعيب، وإن الرحيل العارض المقرر ~~غدا يذكرني بالرحيل الأخير عندما يرفع الحادي عقيرته مرددا النشيد ~~الأخير، وجعلت أتسلى عن أحزان الوداع بتخيل المقام الجديد في ~~الشارع العريض تحت أغصان البلح الملتحمة والحياة الجديدة الواعدة ~~بمسرات أنيقة لا حصر لها، وما كادت القرفة تستقر في جوفي حتى وثبت ~~وثبة عملاقة مباغتة انتقلت بها من حال إلى حال، فمن أعماقي تصاعد نداء ~~يدعو بثقة لا حد لها إلى فتح الأبواب وكشف الحجاب وغزو الفضاء ~~واقتناص الرضى والسماح من جنبات الجو المعبق ms46 بالبخور. انجابت الهموم ~~والأشجان وخواطر الفناء، وانهمرت سيول مترعة بالنشاط والهيام والطرب ... ~~وانتفض القلب في رقصة رائعة موحية بالإيهام والجذل، وشع نور في ~~الباطن فتجسد في مثال، وقدم كأسا طافحة، وقال بصوت عذب «تلق ~~هدية معجزة» ... توقعت أن سيحدث حدث، وقد حدث. ذابت الصالة في العدم، ~~وحل محلها فناء واسع يترامى حتى يفصل بينه وبين الميدان جدار ~~غليظ أبيض، غطته دوائر وأهلة معشوشبة، وتوسطته بئر، وعلى مبعدة ~~يسيرة منها نخلة فارعة، وتحيرت بين إحساسين ... إحساس يقول لي إنني أرى ~~مشهدا لم تسبق لي رؤيته ... وآخر يقول لي إنه ليس بالغريب، وإنني أراه ~~وأتذكره معا. حركت رأسي بعنف لأحضر إن كنت غائبا، ولكن المشهد ~~ازداد وضوحا وسيطرة، وتمثل لي بين البئر والنخلة بشر! إنه شخصي أنا ~~رغم استخفائي في جبة سوداء وعمامة عالية خضراء، وهذا وجهي رغم لحيته ~~المسترسلة ... حركت رأسي مرة أخرى، ولكن المشهد ازداد وضوحا ويقينا، ~~حتى لون الوقت الأسمر أشار إلى المغيب المغترب، وتمثل أمامي - بين ~~البئر والنخلة - كهل يماثلني في الزي، رأيته يناولني صندوقا صغيرا، ~~ويقول: إنها أيام غير مأمونة، يجب إخفاؤه تحت الأرض حتى تعود إليه في ~~حينه. # فسألته: ألا يحسن أن أطلع عليه قبل إخفائه؟ # فقال بحزم: لا ... لا ... قد يحملك ذلك على التسرع في التنفيذ قبل ~~مضي عام، فتهلك! ~~- أعلي أن أنتظر عاما؟ ~~- دون نقصان، ثم أطع ما يمليه عليك. # وصمت لحظة ثم واصل محذرا: إنها أيام غير مأمونة، وقد يتعرض بيتك ~~للتفتيش، فيجب إخفاؤه في الأعماق. # وقام الاثنان بالحفر على كثب من النخلة، ودفنا الصندوق، ثم أهالا ~~عليه التراب، وسويا السطح بعناية، ثم قال الكهل: أتركك للعناية ~~الإلهية ... كن حذرا، إنها أيام غير مأمونة. # وعند ذاك تلاشى المشهد فكأنه لم يكن، رجعت صالة البيت القديم، وما ~~زال في عود البخور بقية، ورحت أفيق من نشوتي بسرعة، وأرتد إلى ~~الواقع بكل كثافته، وغلبني الانفعال والتأثر طويلا. ترى أكان وهما ~~ما رأيت؟ هذا هو التفسير الجاهز، ولكن كيف آخذ به وأنسى المشهد ~~المجسد الذي نفث ms47 اليقين بكل أبعاده؟ لقد عشت واقعا ماضيا لا يقل ~~في صلابته عن الواقع الراهن، رأيت نفسي أو أحد جدودي وجانبا من عصر ~~انقضى، لا يجوز أن أشك في ذلك وإلا شككت في عقلي وحواسي، لا أدري ~~بطبيعة الحال كيف حدث ذلك، ولكني أدري أنه حدث ... وثمة سؤال غزاني بعنف: ~~لماذا حدث ما حدث؟ ولماذا حدث في هذه الليلة الأخيرة لي في البيت ~~القديم؟ وفي الحال شعرت بأنني مطالب بعمل شيء ما ... شيء لا مفر منه. ~~وترى هل استخرج «الآخر» الصندوق بعد مضي العام، وصنع ما يشير عليه ~~به، هل نفد صبره فتسرع فهلك؟ هل انقلبت عليه خطته بسبب تلك الأيام غير ~~المأمونة؟! يا لها من رغبة آسرة في المعرفة لا يمكن مقاومتها! وخطر لي ~~خاطر غريب، وهو أن الماضي لم يتمثل لي إلا لأن «الآخر» حيل بينه وبين ~~الصندوق، وأني مدعو لاستخراجه وتنفيذ ما يشير به بعد إهمال طال ~~واستطال أمدا غير معروف. إنه يأمرني بألا أهجر البيت القديم لكي ~~أعمل بكلمة قديمة مجهولة آن لها أن تتحقق ... ومع أن الموقف كله تسربل ~~بغشاء منسوج من الأحلام، متنافر تماما مع العقل، غير أنه هيمن علي ~~بقوة طاغية ... فامتلأ القلب بأشواق التطلع والانتظار وآلامهما الجامعة ~~بين الترقب والعذوبة، ولم أنم من الليل ساعة واحدة، وظل خيالي يجوب ~~أرجاء الزمان الشامل للماضي والحاضر والمستقبل معا، ثملا بخمر الحرية ~~المطلقة، أمست فكرة الرحيل في خبر كان، واستحوذت علي نية التنقيب في ~~الماضي المجهول لعلي أعثر على الكلمة التي طال رقادها، ثم أتأمل ما ~~ينبغي صنعه بعد ذلك. وبالمقارنة بين المشهد البائد والمشهد الماثل ~~لعيني، قدرت أن موقع النخلة القديم يقوم في موضع السلم الصغير الصاعد ~~إلى المنظرة، وعليه فالحفر يجب أن يبدأ على مبعدة يسيرة منه فيما يلي ~~شباك المنظرة، اعترضتني بعد ذلك مشكلة إخبار أخي وأختي بعدولي عن ~~الرحيل بعد أن تم الاتفاق بيننا عليه. وكنا لا نزال في مرحلة التعليم ~~الجامعي، فأنا في السنة النهائية بكلية الحقوق، وأخي الذي يصغرني بعام ms48 ~~يدرس الهندسة، وأختي التي تصغرني بعامين تدرس الطب ... احتج كلاهما على ~~عدولي المفاجئ، ولم يجدا له تفسيرا مقنعا، وأصرا في الوقت نفسه ~~على الانتقال وحدهما غير يائسين من التحاقي بهما في وقت قريب، وقبل أن ~~يغادراني ذكراني بما اتفقنا عليه من عرض البيت للبيع للاستفادة من ~~ارتفاع سعر الأراضي، فلم أعارض بكلمة ... هكذا افترقنا لأول مرة في ~~حياتنا، وكنا نؤمن بأنه لن يفرق بيننا إلا الزواج أو الموت، ولم يبق ~~إلا أن أشرع في العمل ... والحق أني تهيبته أن يتمخض عن لا شيء، ولكني ~~كنت مدفوعا بقوة لا تقبل التراجع، وعزمت على الحفر بنفسي ليلا في حذر ~~وكتمان، استعنت بفأس ومجرفة ومقطف، واستغرقني العمل بهمة لا تعرف ~~الكلل ... صبغني التراب وملأ صدري واستقر في أنفي رائحة مترعة بالأسى ~~والزمان الأول. وتواصل العمل حتى غصت في الأعماق مقدار طولي كله، ولا ~~معين لي إلا شعوري الباطني بأني أقترب من الحقيقة ... وضربت الفأس مرة ~~فرجع صوتا جديدا واشيا بجسم جديد، فخفق فؤادي حتى زلزلت جذوره. رأيت ~~الصندوق على ضوء شمعة يطالعني بوجه أغبر لكنه حي، وكأنما يعاتبني على ~~طول تأخري، ويؤنبني على ضياع العديد من السنين، ويعلن استياءه على ~~حبسه كلمة من حقها أن تعرف، من ناحية أخرى تجسد لي حقيقة صلبة لا ~~يدانيها شك ... معجزة مجسدة، صوتا يملأ الأسماع، وانتصارا محققا على ~~الزمن، صعدت به إلى سطح الأرض ثم هرولت إلى الصالة، حملت بين يدي ~~الدليل الذي عبر بي من الحلم إلى الحقيقة هازئا بكافة المسلمات ... ~~نفضت عنه الغبار، وفتحته، فوجدت رسالة مطوية في لفافة من كتان متهرئ، ~~بسطتها برفق وأنشأت أقرأ: يا بني ليحفظك الله تعالى! # مضى العام وعرف كل سبيله. # لا تهجر دارك، فهي أجمل دار في القاهرة، فضلا عن أن المؤمنين لا ~~يعرفون دارا سواها، ومأوى آمنا غيرها. # وقد آن الأوان لكي تلقى حامي الحمى مولانا «عارف الباقلاني»، فاذهب ~~إلى داره، وهي الثالثة إلى يمين الداخل في عطفة إرم جور، واذكر له كلمة ~~السر، وهي : إذا تغيبت بدا ms49 وإن بدا غيبني. # بذلك تؤدي واجبك، وتقبل عليك الدنيا، وتنال ما يحب لك المؤمنون وفوق ~~ما تحب لنفسك. # قرأت الرسالة مرات، حتى حالت القراءة آلية لا معنى لها، أما قريني ~~القديم فلا علم لي بما آل إليه مصيره ... لكن المؤكد أن الدار لم تعد ~~أجمل دار في القاهرة، ولا المأوى الآمن للمؤمنين، ولم يعد لحامي ~~الحمى «عارف الباقلاني» وجود، فعلام كانت الرؤيا وعلام كان التعب؟! ~~ولكن هل يمكن أن تقع معجزة بهذه القوة لغير ما سبب؟! أليس من الجائز ~~أنها تطالبني بالذهاب إلى الدار الثالثة بعطفة إرم جور لتجود علي بما ~~لم يقع لي في تقدير؟! وهل أملك أن أصرف نفسي عن الذهاب إلى هناك ~~مجذوبا بحب استطلاع نهم، ورغبة تأبى أن تؤول معجزتي الفريدة ~~إلى عبث عقيم، ذهبت مستظلا بجناح الليل متأخرا عن ميعادي عدة مئات ~~من السنين. وجدت الحارة خاشعة تحت ظلمة يلوح في عمقها بصيص نور يشع ~~من مصباح، ولم أر من البشر إلا آحادا عبروا بسرعة نحو الطريق ... جاوزت ~~البيت الأول إلى الثاني وعند الثالث توقفت عن المشي ... وملت نحوه كمن ~~يسير في حلم، حتى تبين لي أنه ذو فناء صغير يقع وراء سور قصير، وأنه ~~لا يخلو من أشباح البشر، وقبل أن أتراجع فتح الباب وخرج رجلان طويلان ~~في ملابس عصرية، حصراني بينهما في حركة التفاف رشيقة ثم جاءني صوت ~~أحدهما، قائلا: ادخل لمقابلة من جئت لمقابلته. # فقلت مأخوذا: ما جئت لمقابلة أحد، ولكني أود أن أعرف اسم من يقيم ~~في البيت. ~~- حقا! لماذا؟! # فقلت وأنا أزيح عن صدري انقباضه: أود أن أعرف إن كان المقيم هنا من ~~آل الباقلاني. # فقال الرجل متهكما: دعك من الباقلاني، وواصل رحلتك إلى ~~نهايتها. # أفضى إلي قلبي بأنهما من رجال الأمن ... فخامرني قلق وحيرة، وقلت: لا ~~توجد رحلة ولا مقابلة. ~~- سوف تغير رأيك. # وقبض كل منهما على ذراع، وساقاني رغم مقاومتي إلى الداخل. انتزعت ~~من الحلم ودفعت إلى كابوس، وأدخلت إلى حجرة استقبال مضاءة يقف في ~~وسطها شخص في ms50 جلباب أبيض والقيد الحديدي في يديه، ورأيت في أنحاء ~~الحجرة رجالا من نوع الرجلين اللذين ساقاني على رغمي، وقال أحد ~~الرجلين: كان قادما للاجتماع بصاحبه. # التفت رجل - حدست أنه رئيس القوة - إلى المقبوض عليه، وسأله: أحد ~~زملائك؟ # فأجاب الشاب بوجه متجهم: لم أره من قبل. # فنظر الرجل نحوي، وسألني: هل تردد الكلام نفسه، أو توفر على ~~نفسك وعلينا العناء، وتعترف؟ # فهتفت بحرارة: أحلف بالله العظيم على أنه لا علاقة لي بشيء مما ~~تظنون. # فمد يده نحوي، قائلا: بطاقتك. # أعطيته البطاقة، فقرأها ثم سألني: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ # فأومأت إلى الرجلين، وقلت متشكيا: جاءا بي قسرا. ~~- اقتنصاك من عرض الطريق؟ ~~- جئت الحارة للسؤال عن الباقلاني. ~~- ماذا يدفعك للسؤال عنهم؟ # فارتبكت وتحيرت وشعرت بالحذر الواجب أن يشعر به من يجرى تحقيق ~~معه، قلت: قرأت عنهم في التاريخ، وأنهم كانوا يقيمون في ثالث بيت إلى ~~يمين الداخل إلى هذه الحارة. ~~- دلني على المرجع الذي قرأت فيه ذلك. # فغصت في الحيرة أكثر، ولم أحر جوابا، فقال: الكذب لا يفيد، بل ~~إنه يضر! # فتساءلت في شبه يأس: ماذا تريدون مني؟ # فقال بهدوء: إنك ملقى القبض عليك للتحقيق. # فصحت: لن تصدقوني إذا صارحتكم بالحقيقة. ~~- ترى ما هي هذه الحقيقة؟ # تنهدت وفي ريقي تراب، ثم أنشأت أقول: كنت جالسا وحدي في صالة ~~بيتي. # وأفشيت سري تحت نظراتهم الصارمة الساخرة، ولما انتهيت قال الرجل ~~ببرود: ادعاء الجنون لا يفيد أيضا. # فهتفت بشماتة، وأنا أخرج الرسالة من جيبي: إليكم الدليل. # تفحصها مليا، وهو يهمس لنفسه: ورقة غريبة، سنجلو سرها بعد ~~قليل. # وراح يقرأ السطور بعناية وشفته تتفرج عن بسمة هازئة، ثم تمتم: شفرة ~~مكشوفة! # ثم نظر نحو صاحب الدار المقبوض عليه، وسأله: سيادتك «عارف ~~الباقلاني»؟ أهذا هو اسمك الحركي؟ # فقال الشاب باستهانة: ليس لي اسم حركي، وما هذا الغريب إلا أحد ~~مرشديكم جئتم به لتلفقوا لي تهمة، ولكني خبير بهذه الألاعيب. # وتساءل أحد المعاونين: ألا يستحسن أن نبقى لعل آخرين يأتون فيقعون ~~في الشرك ؟ # فقال الرجل: سننتظر ms51 حتى الفجر. # وأشار إلى الرجلين الممسكين بي إشارة خاصة ... فشرعا يضعان القيد ~~الحديدي في يدي غير مبالين باحتجاجي، ولم أصدق المصير الذي انزلقت ~~إليه ... كيف يبدأ بمعجزة باهرة وينتهي بمثل هذه الوكسة؟! لم أصدق ولم ~~أستسلم لليأس ... أجل إني أنغمس في محنة حتى قمة رأسي، ولكن الرؤيا لم ~~تتجل لمحض العبث، علي أن أعترف بخطئي الصبياني، وعلي أن أعيد ~~النظر، وعلي أن أناجي الوقت. # وشملنا صمت ثقيل، تذكرت أخي وأختي في الدار الجديدة، والحفرة ~~الفاغرة في الدار القديمة، وتراءى لي الموقف من خارجه، ففرت مني ~~ضحكة، ولكن لم يلتفت لي أحد، ولا خرج من الصمت. # | الليلة المباركة # ما هي إلا حجرة وحيدة يتوسطها البار والرف المزين بالقوارير في ~~عطفة نوري المتواضعة، والمتفرعة عن «كلوت بك»، اسمها «الزهرة»، ولكن ~~يعشقها لحد الوله الشيوخ المدمنون، وخمارها طاعن في السن، ~~متماد في الهدوء، مؤثر للصمت، غير أنه يشع مودة وأنسا، وبخلاف ~~الحانات تهيم في سكينة رائعة، وكان روادها يتناجون في الباطن ~~ويتحاورون بالنظرات، وفي الليلة المباركة خرج الخمار عن صمته التقليدي، ~~وقال: حلمت أمس بأن هدية ستهدى إلى صاحب الحظ السعيد. # فشدا قلب «صفوان» بنغمة مصحوبة بعزف عود خفي ... فتدفقت موجات ~~الخمر في أرجائه كالكهرباء، فهنأ نفسه قائلا: «مباركة الليلة ~~المباركة» ... وغادر الخمار ثملا يترنح، غائصا في الليل الجليل تحت ~~سماء خريف لم يخل من وميض نجوم، مضى نحو «شارع النزهة» مخترقا ~~الميدان متألقا بنشوة لم يعتورها أدنى خمول، بدا الشارع خاشعا تحت ~~ستار الظلام عدا أضواء المصابيح الرسمية المتباعدة، بعد أن أغلقت ~~الحوانيت أبوابها وركنت المساكن للنوم، ووقف أمام بيته ... وهو الرابع ~~إلى اليمين ذو الرقم 42، من دور واحد، يتقدمه فناء قديم لم تبق من ~~حديقته إلا نخلة فارعة، وعجب للظلام الكثيف الذي يحتويه، وتساءل لم ~~لم تضئ زوجته مصباح الباب الخارجي كالعادة؟! وخيل إليه أن شبح ~~البيت يتبدى في صورة جديدة، جهمة غليظة موحشة، وأن رائحة تفوح منه ~~كالشيخوخة ... ورفع صوته هاتفا: يا هوه! # فاستوى أمام عينيه وراء السور شبح رجل ms52 يسعل، ثم يتساءل: من أنت، ~~وماذا تريد؟ # فذهل صفوان لوجود الغريب وسأله بحدة: من أنت؟ ... وماذا أدخلك ~~بيتي؟! # فقال الرجل بخشونة وغضب: بيتك؟ ~~- من أنت؟ ~~- أنا خفير الأوقاف. ~~- لكن هذا بيتي. # فصاح الرجل ساخرا: هذا بيت مهجور من قديم، تجنبه الناس لما ~~يشاع عنه من أنه مسكون بالعفاريت. # سلم بأنه ضل طريقه، وهرول نحو الميدان، وشمله بنظرة شاملة، ثم ~~رفع رأسه إلى لافتة الشارع، وقرأ بصوت مرتفع «النزهة»، ودخل هذه المرة ~~وهو يعد البيوت عدا حتى بلغ الرابع ... وقف مذهولا يكاد يجن. لم ~~يجد بيته، ولا البيت المسكون، ولكنه رأى أرضا، فضاء، خرابة، مبسوطة ~~بين البيوت، وتساءل: أفقدت بيتي أم فقدت عقلي؟! # ورأى «الشرطي» قادما وهو يتفقد أقفال الحوانيت، فاعترض سبيله، ~~وسأله وهو يشير نحو الخرابة: ماذا ترى هنا؟ # فحدجه الشرطي بنظرة مستريبة، وتمتم: هذه خرابة كما ترى، وتقام فيها ~~سرادقات الموتى أحيانا. # فقال «صفوان»: كان يجب أن أجد مكانها بيتي، تركته وفيه زوجتي وهي في ~~تمام الصحة والعافية عصر اليوم فقط ... فمتى هدم وأزيلت ~~أنقاضه؟! # فدفن الشرطي ابتسامة طارئة في عبوسة رسمية، وقال له بخشونة: اسأل ~~السم الزعاف في بطنك! # فقال صفوان بكبرياء: إنك تخاطب مديرا عاما سابقا! # فقبض الشرطي على ذراعه ومضى به قائلا: سكر وعربدة في الطريق ~~العام! # وسار به إلى «قسم الظاهر» على مبعدة يسيرة، وأوقفه أمام الضابط في ~~حال تلبس، ورثى الضابط لوقاره وسنه، فقال: البطاقة؟ # وأخرج له بطاقته، وهو يقول: إني في تمام وعيي، ولكن بيتي لم يعد له ~~أثر. # فقال الضابط ضاحكا: سرقة من نوع جديد لا أدري كيف أصدقها. # فقال صفوان بقلق: ولكني أقول الحقيقة. ~~- الحقيقة مظلومة، ولكني سأعاملك برفق إكراما لسنك. # ثم قال للشرطي: اذهب به إلى البيت رقم 42 بشارع النزهة. # وذهب به الشرطي، وأخيرا وجد نفسه أمام بيته كما يعرفه، ورغم سكره ~~دهمه الحياء ... وفتح الباب الخارجي، وعبر الفناء، وفتح الباب الداخلي، ~~وأضاء مصباح المدخل، وعند ذاك بهت، وجد نفسه في مدخل لم تقع عليه ~~عيناه من قبل لا ms53 صلة البتة بينه وبين مدخل بيته الذي عاش فيه حوالي نصف ~~قرن حتى أبلى أثاثه وجدرانه ... وقرر التراجع قبل انكشاف أمره، فمرق إلى ~~الطريق، وقف يتفحص البيت من الخارج، إنه بيته، من ناحية الشخصية ~~والموقع، وقد فتح أبوابه بمفتاحه، فلا منفذ إلى الشك في ذلك، فماذا ~~غيره من الداخل؟! ثمة نجفة صغيرة بهيئة الشمعدان، والجدران مورقة، ~~وسجادة جديدة! من ناحية هو بيته، ومن ناحية أخرى هو بيت غريب، وماذا عن ~~زوجته «صدرية»؟! # وقال بصوت مسموع: إني أشرب منذ نصف قرن، فماذا حدث في هذه الليلة ~~المباركة؟! # وخيل إليه أن بناته السبع المتزوجات ينظرن إليه بأعين دامعة، ~~ولكنه عزم أن يحل مشكلته بنفسه دون لجوء إلى السلطات وإلا عرض نفسه ~~لسيف القانون، واقترب من سور الفناء وراح يصفق بيديه، وفتح الباب ~~الداخلي عن شخص لم تتضح معالمه، وجاءه صوت امرأة متسائلا: ماذا يوقفك ~~في الخارج؟! # خيل إليه أنه صوت غريب، أو شك في ذلك، وتساءل: بيت من من ~~فضلك؟! # فهتفت المرأة: لهذا الحد؟! لا ... لا ... # فقال بحذر: أنا صفوان. ~~- ادخل وإلا أيقظت النائمين. ~~- أأنت «صدرية»؟! ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله، يوجد من ينتظرك في الداخل. ~~- في هذه الساعة؟! ~~- إنه ينتظر منذ العاشرة. ~~- ينتظرني أنا؟! # فتأففت بصوت مسموع، فتساءل: أنت صدرية؟! # فهتفت بنفاد صبر: لا حول ولا قوة إلا بالله! # وتقدم، في حذر أولا ثم باستهانة، وجد نفسه في المدخل الجديد ... ~~ورأى باب حجرة الاستقبال مفتوحا والأضواء تنير الداخل بقوة ... أما ~~المرأة فقد اختفت، ودخل حجرة الاستقبال فطالعته بمنظر جديد مثل المدخل. ~~أين ذهبت الحجرة القديمة بأثاثها العتيق؟! جدران حديثة الطلاء، ونجفة ~~كبيرة تتدلى منها فوانيس من طراز إسباني، وسجادة زرقاء، وكنبة وثيرة ~~وفوتيات مريحة، فهي حجرة فاخرة ... وفي الصدر جلس رجل غريب لم يره من ~~قبل، نحيل غامق السمرة ذو أنف يذكر بمنقار «الببغاء»، وفي بصره ~~حدة، ويرتدي بدلة سوداء رغم أن الخريف كان يسحب خطاه الأولى، بادره ~~الرجل بضيق: شد ما تأخرت عن ميعادنا! # فذهل «صفوان» وغضب في آن، ms54 وتساءل: أي ميعاد؟ من أنت؟! # فهتف الرجل: هذا ما أتوقعه، النسيان! صادق أو كاذب، الشكوى نفسها، ~~تتكرر كل يوم لا فائدة، ولكن هيهات. # فصاح صفوان بحدة: ما هذا الهذيان؟ # فقال الرجل وهو يضبط أعصابه: أعرف أنك صاحب «مزاج» وأنك تفرط ~~أحيانا. # فقاطعه: إنك تخاطبني وكأنك ولي أمري، على حين أنني لا أعرفك، ~~ويدهشني أنك تفرض نفسك على بيت في غياب صاحبه. # وهو يضحك ضحكة باردة: صاحبه؟! # فتساءل في عنف: كأنك تشك في ذلك ... أرى ضرورة استدعاء الشرطة! # فاندفع الرجل في غضب: كي تقبض عليك بتهمة السكر والعربدة ~~والاحتيال! ~~- اخرس، إنك محتال وقليل الأدب. # فضرب الرجل كفا بكف، وقال: تتجاهلني لتهرب من تعهداتك، ولكن ~~هيهات. ~~- أنا لا أعرفك ولا أفهمك. ~~- حقا؟! أتدعي النسيان والبراءة؟ ألم توافق على بيع البيت ~~والزوجة، وتحديد هذه الليلة لإنهاء الإجراءات النهائية؟! # فذهل صفوان، وصاح: يا لك من شيطان كذاب! # فقال بهدوء، وهو يرفع منكبيه: كالعادة كالعادة أف لكم! ~~- أنت مجنون بلا شك. ~~- لدي الدليل والشهود! ~~- لم أسمع عن إنسان فعل ذلك من قبل. ~~- بل يحدث كل ساعة، ولكنك ممثل بارع وسكران. # فقال صفوان وهو ممزق بين انفعالاته المتضاربة: أطالبك بالخروج في ~~الحال. # فقال بصوت مليء بالثقة: بل ننهي الإجراءات الناقصة. # ونهض نحو الباب المغلق المفضي إلى الداخل ونقره، ثم رجع إلى مجلسه، ~~وفي الحال دخل رجل قصير مربع الأنف بارز الجبهة يتأبط دوسيها متخما ~~بالأوراق ... فانحنى تحية وجلس، ثقبه صفوان بنظرة قاسية، وصاح: متى أصبح ~~بيتي مأوى للأغراب؟! # فقال الرجل الأول مقدما الداخل: الأستاذ المحامي. # فسأله صفوان بشدة: من أذن لك بالدخول في بيتي؟ # فقال الأستاذ مبتسما: أنت مرهق، ولكن الله يسامحك، ماذا ~~يغضبك؟ ~~- يا لك من صفيق! # فقال الأستاذ دون مبالاة بقوله: الصفقة في صالحك دون ريب. # فسأله بذهول: أي صفقة؟! ~~- أنت تعرف تماما ما أعنيه ... وأود أن أقول لك إن التفكير الآن في ~~التراجع غير مجد، القانون معنا والعقل أيضا، دعني أسألك ... أترى أن ~~هذا البيت هو بيتك حقا؟! # لأول مرة يشعر بالحرج، ويقول: ms55 نعم ولا. ~~- أكان على هذه الحال عندما غادرته؟! ~~- كلا. ~~- إذن فهو بيت آخر. ~~- لكنه نفس الموقع والرقم والشارع. ~~- جميع ذلك أعراض لا تمس الجوهر، وإليك أمرا آخر. # وقام فنقر الباب ثم رجع إلى مجلسه، وسرعان ما دخلت امرأة متوسطة ~~العمر والجمال مهذبة المظهر مع ميل إلى الحزن، فجلست إلى جانب الرجل ~~الأول، وعاد المحامي يسأله: هل ترى في هذه السيدة زوجتك؟ # خيل إليه أنها تمت بشبه إليها، ولكنه لم يملك أن قال: ~~كلا. ~~- عظيم ... لا البيت بيتك ولا السيدة زوجتك ... فما عليك إلا أن توقع ~~على الاتفاق الأخير ثم ترحل. ~~- أرحل! إلى أين؟! ~~- يا سيدي لا تكن عنيدا، الصفقة في صالحك تماما وأنت تعلم ~~ذلك. # ودق جرس التليفون في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وكان المتحدث ~~الخمار. # وعجب صفوان لأنه كان يتلفن له لأول مرة في حياته، قال له: «صفوان ~~بك»، وقع دون تأخير. ~~- لكن هل تعلم ... ~~- وقع، إنها فرصة لا تعوض في العمر إلا مرة واحدة. # وأغلق السكة، تذكر صفوان الحوار القصير، وإذا بأعصابه تهدأ وتستقر ~~وتستسلم من أقصى طرف إلى أقصى طرف ... في ثانية تغير حاله تماما، ~~فانبسطت أساريره وزايله التوتر فوقع، عند ذاك سلمه المحامي حقيبة ~~صغيرة وثقيلة نوعا ما وهو يقول: فليبارك الله خطاك، في هذه الحقيبة كل ~~ما يلزم الإنسان السعيد في هذه الدنيا. # وصفق الرجل الأول فدخل رجل بدين جدا باسم الثغر جذاب الروح، ~~فقال المحامي يقدمه إلى صفوان: هذا رجل أمين وخبير في عمله، وسيوصلك ~~إلى مأواك الجديد ... حقا إنها صفقة رابحة! # ومضى الرجل البدين إلى الخارج فتبعه صفوان ساكنا مطمئنا ويده ~~تشد على مقبض الحقيبة، تقدمه الرجل في الليل فتبعه، ولما لفحه ~~الهواء ترنح فأدرك أنه لم يفق بعد من سكرة الليلة المباركة، وأوسع ~~الرجل خطاه فطالت المسافة بينهما، فأسرع بدوره رغم سكره مسددا بصره ~~نحو شبح الآخر، وهو يعجب لجمعه بين الخفة والبدانة، وهتف به: تمهل في ~~سيرك يا حضرة. # فكأنه حثه على مزيد من السرعة، فتدفق في خطى متلاحقة، فاضطر ms56 ~~صفوان إلى الهرولة خشية أن يفقده فيفقد أمله الأخير، ولكنه خاف أن ~~يعجز عن الصمود، فهتف به مرة أخرى: تمهل وإلا ضللت طريقي. # فإذا بالآخر غير عابئ به، ففزع صفوان واندفع يجري غير مبال ~~بالعواقب، وناله من ذلك عناء شديد وغير مجد أيضا؛ لأن الرجل غاص في ~~الظلام وتوارى عن عينيه، وخاف أن يسبقه إلى «ميدان الينابيع» حيث ~~تتفرق طرق شتى فلا يدري في أي طريق ذهب، فراح يجري بأقصى سرعة ~~مصمما على اللحاق به، وأثمر جهاده، فلاح له شبحه مرة أخرى عند ~~مفترق الطرق، رآه ينطلق صوب الأمام نحو الحقول متجاهلا الفروع المائلة ~~نحو المدينة شرقيها وغربيها ... فانطلق وراءه، وتواصل العدو بغير ~~انقطاع ودون أدنى شعور بالعجز من ناحيته، وفغمت خياشيمه روائح طيبة، ~~مستثيرة ذكريات شتى لم يجد وقتا لتمليها ومعايشتها، وعندما انفرد ~~بهما فضاء السماء والأرض أخذ الرجل يهدئ من سرعته على مهل، حتى رجع ~~إلى الهرولة فالمشي، ثم توقف، ولحق به وتوقف وهو يلهث ... نظر إلى ~~الظلمة الشاملة المشعشعة بأضواء النجوم الخافتة ثم تساءل: أين المأوى ~~الجديد؟ # فلزم الرجل الصمت، على حين راح وهو يشعر بغزو ثقل جديد ينقض على ~~منكبيه وسائر جسمه، ونما الثقل وتصاعد حتى خيل إليه أن قدميه ~~ستغوصان في الأرض، واشتدت وطأته حتى لم تعد تحتمل الصبر، وباندفاعة ~~عفوية خلع حذاءه، ومضت الوطأة في صعود فنزع جاكتته وبنطلونه وطرحهما ~~أرضا، ولم يحدث ذلك أثرا يذكر، فتخلص من ملابسه الداخلية غير ~~مبال برطوبة الخريف، غير أن الألم ألهبه، فلم يجد بدا من ترك الحقيبة ~~تهوي إلى الأرض وهو يتأوه ... عند ذاك خيل إليه أنه استعاد توازنه ~~وأنه يستطيع أن يتابع الخطوات المتبقية، وانتظر أن يفعل صاحبه شيئا، ~~ولكنه غرق في الصمت، وأراد أن يحاوره فامتنع عليه الحوار، وتسلل ~~الصمت الشامل من مسامه إلى صميم قلبه، وخيل إليه أنه سيسمع بعد قليل ~~الحوار الدائر بين النجوم. # | رأيت فيما يرى النائم # الحلم رقم 1 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني راقد، أنني نائم أيضا، ولكن وعيي يرامق ms57 الظلام المحيط ~~... وثمة أنثى أقبلت يند عنها حفيف ثوب، والحجرة ما الحجرة؟ أهي ~~حجرتي الراهنة أم أخرى آوتني فيما سلف من الزمان؟ ويتهادى الوجه ~~إلى حسي رغم الظلام باستدارته الناعمة وسمرته الصافية ورنوته ~~الناعسة، نسق تسريحتها عصري ... أما ثوبها فقديم يجر ذيلا مثل ~~سحابة رشيقة، وهمس صوت لم أر قائله: للزمن نصل حاد وحاشية ~~رقيقة. # وركعت في استسلام وانهمكت في عمل، ثبتت عليها عيناي، ولكني لم ~~أنبس بكلمة ... وحدست وراء انهماكها غاية دانية، وقال الصوت: ~~الأنفاس العطرة تصدر عن قلب طيب. # وانتظرت حتى جمعت أدواتها ونهضت في رشاقة، ومضت نحو الخارج ... ~~شدتني بخيوط خفية لا تنقصف، فانزلقت من الفراش وتبعتها، ~~وهيمن علي شعور بأنني مدعو لأمر ما، وأنني لن أحيد عن التطلع ~~إلى الأمام ... تمضي متأودة كأنها ترقص باعثة وراءها بنسائم من ~~الذكريات، تعرف طريقها في الليل وأهتدي أنا بشبحها، ومررت بأشياء ~~وأشياء ولكني أنسيتها فتوارت مثل شرر متطاير. وعند موضع عبق ~~بشذا الحناء فصل بيننا قطار سريع طويل رج الأرض ومن عليها ... ~~وبذهاب ضجيجه استوى الليل أمامي وحده فضاعفت من سرعتي، وأطبق الليل ~~وحده واختلجت فيه الوعود المضمخة بشذا الحناء ... لم يعد في وسعي ~~التراجع، وليس معي من الحوافز إلا الظمأ والشوق. # الحلم رقم 2 # رأيت فيما يرى النائم. # حبة رمل ملقاة بين جذور أشجار في مكان لعله غابة، جذبت انتباهي ~~واستحوذت عليه ببريقها، وبما أوحته إلي من أنها تراني كما ~~أراها ... وقلقت في موضعها فلم أشك في أنها مقبلة على مغامرة، ~~وأثارت حب استطلاعي إلى أقصى حد، ومضت تنتفخ رويدا حتى آلت ~~إلى كرة مغطاة بزوائد مثل أوراق الورد، مرقوم على صفحاتها كلمات لم ~~أتبينها ... ووثبت كأنما قذفتها قوة في الفضاء مقدار أشبار، ~~وتهاوت مرتطمة بالأرض محدثة صوتا قويا استرسل صداه فيما ~~يشبه النغم، وتمادت في الانتفاخ حتى صارت في حجم قبة ضخمة ثم ~~انطلق منها عمود عملاق بسرعة مخيفة زلزلت لها الأشجار الفارعة حتى ~~تلاطمت ذراها مع حشائش الأرض، وانبثقت من العمود فروع لا حصر لها ~~غاصت ms58 في الفضاء، وانبسطت أوراقها كالزواحف مثقلة بآلاف الكلمات ~~المبهمة، وركبني الارتياع فعدوت بأقصى ما لدي من سرعة مبتعدا ~~عن مركزها المتفجر، عدوت منها، ولكني عدوت في مجالها وحضنها ~~وقبضتها، فلا منفذ للهرب ولا صبر على التوقف أو الاستسلام ... ~~والفورة محدودة وسطح الأرض معاند والرياح على غير ما أشتهي، واستوى ~~في شعوري البعد والقرب إزاء تلك الكينونة المتمادية في التعملق ~~بلا نهاية. إن صوت نموها الهائل يدوي، وظلها يغشى الأشياء ~~كالليل، وردة فعلها تعبث بالكائنات، وأطراف قبضتها تنحدر فيما ~~وراء الأفق، وتبين لي أنني لست الوحيد في المأزق، وأن ملايين ~~يلهثون من العدو، وأن السحب تركض أيضا والرياح وأضواء النجوم، ~~وارتفع صوت قائلا: رفهوا عن أنفسكم بالغناء. # فتساءل صوت آخر: هل يطيب الغناء والمطرب يتخبط في القبضة؟ # فقال الصوت الأول: رفهوا عن أنفسكم بالغناء! # وتحركت الحناجر تغني كل على ليلاه، وتضاربت الأصوات، ~~فانقلبت عربدة تنضح بالوحشية والجمال. # الحلم رقم 3 # رأيت فيما يرى النائم. # أن ثمة عينا ترنو إلي ... عين كبيرة كأنها فسقية، جميلة ~~الرسم، عقيمة السواد، ناصعة البياض، مستوية في مكان غير معروف، ~~ولكن سحائب بيضاء تظللها ... وفي نظرتها ما يوحي بأنها تراني، ~~وربما تعرفني، ولكن يكتنفها حياد يقصيني إلى ما وراء الغيب، وقلت ~~لنفسي إنها عين امرأة، فأين بقيتها؟ وقلت أيضا بصوت مسموع: آفة ~~الحب الحياء! # عند ذاك رأيت خيالي رفيق صباي الراحل، فتعانقنا بحرارة، وفي ~~غمرة الفرحة باللقاء نسيت حزني الكبير عليه، وسرعان ما اختفى من ~~مجال البصر لتحل محله ساحة المولد النبوي في أيامها البعيدة ~~الزاهرة ... ووجدتني في صف طويل أمام شباك التذاكر الخاص بخيال ~~الظل. ودخلت مسرحه الصغير، ولكني وجدت نفسي في سرادق امتحان ... ~~واتخذت مجلسي كتلميذ وشرعت في الإجابة، ولما لم يبق من الزمن إلا ~~دقائق، وضح لي أنني أجبت على سؤال غير السؤال المطلوب الإجابة عليه ~~... وضاق صدري، فتساءلت: سهوة عابرة تضيع حياة؟! # فسألني المراقب متهكما: أنسيت قول المتنبي؟! # فحرت أي بيت يقصد، وتحاشيت السؤال، ووجدتني بعيدا أتأبط ~~ذراع رفيق صباي الراحل متطلعين معا ms59 إلى العين ... تبدت العين هذه ~~المرة أوغل في العمر وأحوز للحكمة وأعمق في الحياد، قلت لصديقي: ~~أخشى أن يغلبني الحزن. # فأضاء وجهه بضحكة صافية، وسألني هامسا: من القائل «آه لو ~~تعلمون ما أعلم؟ ...» # فعصرت ذاكرتي لأتذكر، ولكن «الديك» صاح مؤذنا بطلوع ~~الفجر. # الحلم رقم 4 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في العوامة كالأيام ~~الماضية، وغنى صوت في أعماقي «عادت ليالي الهنا»، وشعرت بالدفء ~~وسط الأصدقاء والأحباب ... ولما تفرست في الوجوه انتقلت من حال ~~إلى حال، المكان هو المكان، والمنظر هو المنظر، ولكن أين الوجوه ~~أين؟! أمسك الزمن بقلمه ونقش على صفحاتها تجاعيده، وبث في ~~مجاريها ذبوله ... وامتص بنهمه النضارة والرونق، وفي مواضع ~~المصابيح الكهربائية حلت شموع تحترق، فلم يبق من قاماتها ~~الرشيقة إلا أنصاف وأرباع، ورقصت ظلال الأشباح فوق الجدران، ومن ~~الأفواه المثرمة تساقطت ضحكات فاترة كأنها أنات وتنهدات، وفي ~~مركز الجلسة بسطت سجادة مربعة صفت عليها جنبا إلى جنب جثث ~~محنطة للأعزاء الراحلين، قال صوت: هكذا كان يفعل قدماء المصريين في ~~حفلاتهم. # فتساءلت: ولكن أين ذهبت ~~الحضارة؟ # فقال صوت: المنبع والمصب يقعان خارج أسوار الحضارة. # وافتقدت بشدة الحوار والثرثرة، فتساءلت: ماذا أسكتنا؟! # فأجاب صديق ضاحكا وعيناه تدمعان: اللعنة في التكرار. # فتساءلت: أليس ثمة شكوى جديدة تقتضي ضحكة جديدة؟ # فأجاب مستزيدا من الضحك والدموع: ثبت أن جميع الشكاوى مسجلة على ~~«حجر رشيد». # واقتحم عم عبده علينا مجلسنا، وهو يقول: آن أوان قراءة ~~الطالع. # ونظر في بطون نعالنا مليا ثم قال: ستسيرون فوق الماء إلى ~~جزيرة الذهب. # وهيمن علينا الحلم والابتسام. # الحلم رقم 5 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في استديو، مضيت كمن يعرف طريقه إلى البلاتوه رقم «1» في ~~صمت كامل يوحي بأن ثمة تصويرا للقطة ما، اقترب مني رجل بدين ذو ~~مظهر سيادي ... وهمس في أذني: أهلا بك يا أستاذ. # ووجدتني أعرف أنه المنتج وأنني مندوب فني لمجلة الفن، وتابعت ~~المشهد الذي تدور الكاميرا لتصويره وسط جمع من الفنانين ~~والفنيين يتابعونه أيضا في صمت تقليدي وباهتمام غزير، وكان ~~المشهد يمثل ms60 صحراء مترامية ليس بها قائم سوى نخلة فارعة رقد ~~تحتها عربي متلفعا بعباءته ... ويدخل المشهد رجلان، عربي ~~وأعجمي، يقتربان من النائم ثم ينحني العربي فوقه، قائلا بإجلال: ~~يا أمير المؤمنين! # يستيقظ النائم ثم يجلس مرسلا بصره نحو القادمين، فيقول العربي ~~مشيرا إلى الأعجمي: رسول قادم من بلاد فارس. # ينهض «أمير المؤمنين»، يتبادل التحية مع القادم، ثم يسأله: ماذا ~~وراءك؟ # القادم يتأمله بدهش ثم يسأله: أأنت حقا «أمير ~~المؤمنين»؟ # فيجيب بتواضع: إني عبد الله وإمام المؤمنين من عباده. # فيقول الرجل في انبهار: عدلت فأمنت فنمت. # وعند ذاك ينتهي تصوير اللقطة، ينظر المنتج إلي قائلا: أخيرا ~~سمحت الرقابة بإنتاج فيلم عن سيدنا عمر، فقلت مهنئا: خطوة ~~عظيمة. # فقال الرجل في مباهاة: لقد اقتضى السعي أن نطلب وساطة الرئيس ~~الأمريكي «ريجان»! # وقمت بجولة سريعة في بعض ملاهي الهرم ثم رجعت إلى البلاتوه رقم ~~«1» لمشاهدة تصوير لقطة جديدة ... كان المشهد الذي يجري تصويره هو ~~نفس المشهد السابق، الصحراء المترامية والنخلة الفارعة، غير أنه ~~كان ثمة رجل عربي في عباءة رثة لابسا في رأسه طرطورا، وهو ~~مكب على حفر موضع غير بعيد من النخلة. إنه نفس الممثل ونفس ~~المنظر، ولكنه لا يمكن أن يكون الفاروق عمر! يمر به عربي آخر ~~في عباءة من الخز ثم يدور بينهما الحوار الآتي: # العربي القادم ~~: # ما لك يا جحا؟ # جحا ~~: # إني قد دفنت في هذه الصحراء دراهم، ولست أهتدي إلى ~~مكانها. # العربي ~~: # كان يجب أن تجعل عليها علامة! # جحا ~~: # قد فعلت. # العربي ~~: # ماذا؟ # جحا ~~: # سحابة في السماء كانت تظلها، ولست أرى العلامة. # وانتهى تصوير اللقطة، فأعقبه همهمة من الاستحسان، وسألت المنتج ~~عن معنى وجود «جحا» في فيلم عن عمر، وكيف يقوم بالدورين ممثل ~~واحد، فضحك طويلا، وقال: إني أنتج فلمين في وقت واحد، أحدهما عن ~~عمر والآخر عن جحا في بلاد العرب، ورأيت أن أستفيد من كل منظر ~~مشترك توفيرا للجهد والمال، وهذا منظر مشترك، فصورنا عمر للفيلم ~~الأول، وجحا للفيلم الثاني. ~~- والممثل واحد في الحالين؟! # فقال بثقة: إنه ms61 نجم شباك، ومن القلة النادرة التي تحسن تمثيل ~~الدراما والكوميديا. # رأيتني عقب ذلك وأنا أركض بسرعة فائقة، ولكني لم أدر أأركض ~~وراء هدف أريد أن أدركه أم أركض من مطارد يروم القبض ~~علي. # الحلم رقم 6 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في حجرة بلا نوافذ مغلقة الباب، بها مقعد واحد وشمعة تحترق ~~مثبتة فوق الأرض ... ودق الباب دقا متتابعا ففتحته، فخيل ~~إلي أنني أنظر في مرآة، إنه صورة طبق الأصل مني إلا أنه عار ~~تماما إلا مما يستر العورة. سألته: من أنت؟ # فأجاب، وهو يلهث، مما دل على أنه شق طريقه ركضا: إنك تعرف ~~تماما من أكون. ~~- ولكني لا أصدق عيني. # فقال، وهو يتنفس بعمق ليسترد توازنه: أما أنا فأصدق كل ~~شيء، ورائي عمر وأجيال لا تحصى. # فقلت برثاء: كان ينبغي أن تكون راقدا في سلام. # فقال بعتاب: لكنك لم تتركني للسلام، ما زلت تلاحقني بخواطرك حتى ~~أخرجتني من الزمن! # فقلت بأسف: كأنك مطارد! ~~- كيف أفلت من القبضة دون مطاردة؟! أسرع لنهرب معا. # فقلت محتجا: مجيئك إلي ورطني في جريمة لا شأن لي ~~بها. # فجال ببصره في الحجرة، وقال: لا يبدو أن حظك أسعد من حظي، ~~أسرع. # فقلت بقلق: ليس الأمر كما تتصور. # فقال بضيق: ولا هو كما تتصور أنت، أسرع فإنهم لن يفرقوا ~~بيننا. ~~- لولا مجيئك ما لحقتني الشبهة. ~~- إنها مسئوليتك، لا تبدد الوقت. # فسألته بغيظ: ولكن إلى أين؟ # فقال بعجلة: سنفكر في ذلك ونحن نعدو. # وتماسكنا باليد وأطلقنا ساقينا في الليل كمجنونين، وتساءلت: ~~كيف نحسن التفكير ونحن نركض بهذه السرعة؟ # فهتف بحدة: اجر ... اجر ... ألم تشعر بفساد جو ~~الغرفة؟! # فقلت كالمعتذر: إني لا آوي إليها إلا في الليل. # فهتف: لا يوجد ليل ولا نهار، ولكن يوجد الهواء والركض. # وتساءلت: لماذا لا أسمع أصوات من يطاردوننا؟! # ولكنه لم يجب، وشعرت بأن يدي لم تعد تقبض على شيء، وأنه لم ~~يعد له أثر، ولم تساورني أي رغبة في التوقف. # الحلم رقم 7 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في حديقة من ms62 أشجار الليمون، وأن الناس يزدحمون حول أشجارها ~~ويتبارون في ملء مقاطفهم من ثمارها، وأن ثمة بيعا وشراء ومساومات، ~~وتنافسا حاميا يشتعل ... وأن رجال الشرطة يتدخلون أحيانا لفض ~~نزاع بهراواتهم فتسيل دماء، وكنت أتجول بين الجماعات بلا مقطف، ~~حتى قال السمسار ساخرا: رجل مجنون جاء السوق بلا مقطف! # والحق أن الشذا هو الذي دعاني لا السوق، فهمت على وجهي أتغزل ~~برشاقة الأشجار وخضرتها الباسمة وأغصانها الثرية، وتخلق حب ~~خالص في رعاية القبة الزرقاء. وفي لحظة مشرقة استحلت غصنا، ~~فأفلت من مطاردة السمسار، ومضى الزمن وأنا أتأود على دفقات ~~النسيم، وأنهل من حرية عبقة بشذا الليمون. # الحلم رقم 8 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني عيسى بن هشام بطل مقامات الهمذاني ومريد أبي الفتح ~~الإسكندراني، وأنني كنت أعبر ميدانا في مكان وزمان غامضين ... ~~وترامى إلي هتاف مدو بحياة الاستقلال وسقوط الحماية، ثم ~~وجدتني على حافة مظاهرة ضخمة تحدق بخطيب مفوه جهير الصوت عرفته ~~رغم بعده عني بزيه الأزهري وهو يهدر داعيا إلى الثورة ~~والفداء. وهجم الفرسان الإنجليز، فنشبت معركة، ثم وجدتني وجها ~~لوجه مع الخطيب قريبا من مدخل جامع، قلت: أنت أبو الفتح ~~الإسكندري، خطيب الثورة الحر. # فقال بحزن ملتهب: نفوا الزعيم الجليل، نفاهم الله من ~~الوجود! # ثم أنشد، يقول: # لن ينال المجد من ضا # ق بما يغشاه صدرا # وتغير المكان والزمان كما ~~أوحى إلي وجداني، ورأيتني أمتطي سلحفاة معمرة في حجم عنزة، ~~وشهدت اجتماعا في قاعة عظيمة الاتساع تحرسها رماح الجنود، وظهر ~~فوق المسرح خطيب اندفع يقول بحماس: لوذوا بالمليك، صاحب العرش، هو ~~العامل الأول والعالم الأول والوطني الأول وقد دالت دولة ~~المهرجين. # سرعان ما عرفته رغم زيه الجديد المكون من البدلة الإفرنجية، ~~وتبعته إلى الطريق وهو ينادي تاكسي، فاقتربت منه قائلا: أهلا ~~بأستاذنا أبي الفتح الإسكندري. # فعرفني بدوره، وصافحني ثم سألني: ماذا فعلت بك الأيام؟ ~~- كعادتها خيرا وشرا، ولكن ماذا غيرك أنت فنقلك من النقيض ~~إلى نقيض؟! # فقال بجفاء: العزة في التنقل. # ثم أنشد، يقول: # الذنب للأيام لا لي # فاعتب على ms63 صرف الليالي # بالحمق أدركت المنى # ورفلت في حلل الجمال # ومضى الزمن بي وأنا ممتط هذه المرة حمارا، ووجدتني في ميدان ~~لو ذررت الملح فيه لم ينفذ إلى الأرض من هول الزحام، وفوق حافة ~~نافذة في الدور الأسفل من بناء ضخم ... وقف خطيب يرتدي بنطلونا ~~وقميصا نصف كم يعلوه وقار الكهولة، ويقول: ثورة مباركة تنسخ حياة ~~فاسدة، وزعيم مبارك يشهر سيفه في وجه ملك فاسد، وحلم يتحقق ~~تنبأت به كلماتي الحارة المسطورة في الصحف! # ثم وجدتني مع الخطيب عقب انفضاض الجمع الحاشد، قلت: يا أبا الفتح ~~يبلى الزمان وتبقى لك جدتك لا تبلى. # فقال باسما: حمدا لله الذي أبقاني حتى أشهد هذا الزعيم. # فقلت بعد تردد: ولكني لا أذكر أنك تنبأت بما حدث أو ضقت بما ~~كان! # فأنشد قائلا، وهو يضحك: # أنا ينبوع العجائب # في احتيالي ذو مراتب # أغتدي في الدير قسي # سا وفي المسجد راهب # وجرى الزمان وقد أركبني بغلا، وإذا بأمواج من البشر تتلاطم ~~وتقذف بالهتافات إلى أركان المعمورة، وثمة سيارة تمضي على مهل، يقف ~~في مقدمتها رجل يخطب من خلال مكبر صوت: محق الله الزيف والضلال، ~~اختفى مدعي الزعامة، واستوى على العرش الزعيم، الشاب المكافح، ~~والمناضل، والمعلم، والرائد، ومتبني ثورات العالم. # وخلوت إليه في مكان ذكرني بزاوية العميان بالباب الأخضر، وقلت: ~~ما أنت إلا شيخنا أبو الفتح الإسكندري. # فقال، وهو يشد على يدي: لا يحتاج الأمر إلى فراسة! # فقلت: يا لك من وثاب لا يثبت على حال! # فقهقه طويلا ثم أنشد: # بؤسا لهذا الزمان من زمن # كل تصاريف أمره عجب # أصبح حربا لكل ذي أدب # كأنما ساء أمه الأدب # ووجدتني أزحف مع الزمان فوق السلحفاة كرة أخرى، ورأيت جموعا ~~لم أر لكثافتها مثيلا من قبل، تسفح الدمع وتمزق ثيابها من لوعة ~~الحزن. هذا والمدفع يمضي بالنعش دائسا على إرادات البشر، ثم ~~وجدتني في بهو مكتظ المستمعين، ورجل وقور أبيض الشعر يقول بحكمة ~~وأسى: دعوا البكاء للنساء، مصر باقية لا تموت، وآن لنا أن ننطق ~~بالحق، ما كان عهده ms64 إلا عهد التعذيب والإفلاس والهزائم ... أفيقوا من ~~الحزن والسحر معا، وابدءوا الحياة من جديد. # فخرقت الصفوف حتى واجهته وهتفت به: إنك لمعجزة يا أبا ~~الفتح. # فهز رأسه ساخرا وأنشد: # هذا الزمان مشوم # كما تراه غشوم # الحمق فيه مليح # والعقل عيب ولوم # والمال طيف ولكن # حول اللئام يحوم # فسألته: ألك نظير في العباد؟! # فقهقه عاليا، وأنشد: # إسكندرية داري # لو قر فيها قراري # لكن بالشام ليلي # وبالعراق نهاري # الحلم رقم 9 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في مدينة أنيقة، أرضها أعشاب عميقة الخضرة، تنتثر في ~~جنباتها عيون ماء، وتظللها أشجار بلح وليمون وبرتقال، تجولت ~~فيها طويلا فلم أصادف إنسانا ولا جانا ولا حيوانا، ثم لمحت ~~تحت صفصافة أسدا يقرأ في كتاب، فقصدته متشجعا بطمأنينة باطنية ... ~~رفعت يدي تحية، وسألته: ماذا تقرأ يا ملك الملوك؟ # فرمقني بهدوء، وتمتم: كليلة ودمنة. # فسألته باهتمام: لماذا يا ملك الملوك؟ ~~- منه تعلمنا كيف نعيش في سعادة. ~~- ولكن المدينة خالية! # فقال بسخرية: يلزمك أن تتعلم كيف تنظر، ما صناعتك؟ # فقلت بإيحاء داخلي: أنا مغن! # فتهلل وجهه، وقال: نحن لا نستقبل إلا المغنين، أسمعني بعض ~~ما عندك. # فغنيت: # ما في النهار ولا في الليل لي فرج # فما أبالي أطال الليل أم قصرا # فهز رأسه طربا حتى تشعثت لبدته، وقال: أرحب بك في ~~مدينتنا لتذكر أهلها بتعاساتهم القديمة، فيزدادوا امتنانا لما ~~حلت بهم من نعمة. # ونادى نسرا فهبط وئيدا في جلال وطاعة، فأمره قائلا: اذهب بهذا ~~الضيف الجديد إلى فندق الرضى. # الحلم رقم 10 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني في صحراء لا يحدها إلا الأفق، أقيم خيمة لأمضي بها ~~عطلة نهاية الأسبوع ... لا صحبة إلا الرمال في الأرض والزرقة العميقة ~~في السماء وحدأة تدور عاليا فوق رأسي كأنما تنتظر. وظهر أمامي ~~فجأة رجل في عباءة حمراء ينطق وجهه بالشباب والأسى ... تبادلنا ~~النظر ثم تبادلنا التحية، قلت له: لعلك في عطلة مثلي؟ # سألني، وكأنه لم يسمعني: من أنت؟ # فأجبته بإيجاز: اسمي نديم. ~~- نديم من؟ ~~- إنه اسم لا صفة، كأنك تبحث عن ms65 شيء؟! # فقال بحيرة: ملابسك غريبة، أأنت من أهل المكان؟ ~~- إني أزوره أحيانا التماسا للنزهة. ~~- متى زرته آخر مرة؟ ~~- منذ شهر. # فأشار إلى موضع من الرمال المترامية، وقال: كان هنا يقوم قصر ~~الملكة. # فتساءلت بذهول: أي ملكة؟ # فأشار إلى موضع آخر، وقال: وذاك موضع دار القضاء. # فداخلني شك في عقله، وسألته: متى زرت المكان آخر مرة؟ # فقال دون مبالاة: منذ خمسة آلاف سنة! # فلم أتمالك من الضحك، فقال ببرود: ماذا يضحكك يا هذا؟! # وجعلت أنظر إليه في حذر متحاشيا إثارته، فقال وهو يشير إلى ~~موضع جديد: وهناك كانت تصدح أرجاء البهو بالغناء. # فقلت أجاريه متظاهرا بتصديقه: مائة عام كافية لتغيير أي مكان ~~... فما بالك بخمسة آلاف سنة، من حضرتك؟ # فقال بهدوء: أنا الخضر. ~~- سيدنا الخضر؟! ~~- سيدنا؟! ~~- لقد حظيت بالخلود، فأنت سيد البشر! # فقال بأسى: أنا أسير الوحدة، فأنا الخلاء وأي أغراب لا ~~يعرفونني. # واندفعت بإلهام قوي، أقول: هلا سمحت لي بمرافقتك بعض ~~الوقت؟ # فهز منكبيه، وقال: لن تستطيع معي صبرا. # ومضى مبتعدا، وهو يسير بسرعة البرق. # الحلم رقم 11 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني حزين وقلبي ثقيل، ولكنني لا أعرف سببا معينا لحالي ... ~~وسرت في طريق مجهول حتى أرهقني السير، وشعرت طوال الوقت بأنني ~~أسعى وراء غاية، لكنها غابت عن وعيي أو غاب عنها وعيي. وتبرق ~~لحظة خاطفة في غياهب نفسي مغررة بي، فأتوهم إنني مستكشفها، ~~ولكنها سرعان ما تغوص في الظلام مخلفة يأسا ... ودوما لا أكف ~~عن التطلع والانخداع واليأس، ولا أكف عن السير، وصحبني الحزن مع ~~خطاي، وانثالت علي صور متلاحقة سريعة هامسة بذكريات الهناء ~~الراحل والأحبة الذاهبين. وأذهلتني كثرتها كما أذهلني عدمها، ~~وقعقع الرعد حتى ارتعشت أطرافي، ولكنه قال بصوت واضح: سوف تنقشع ~~الأحزان وينهمر المطر. # الحلم رقم 12 # رأيت فيما يرى النائم. # أن الأرض تتقشر، وتتشقق، وتتقلص وتموج، ومن الأعماق تبرز على مهل ~~عمد وأسطح وقباب، ثم مضى يتجلى وجه مدينة غامرة ... شوارعها ~~محجوبة بالأتربة، مساكنها متهدمة، وما بها من قائم سوى المعابد ~~وبعض التماثيل، وتحلقها قوم ms66 لا حصر لهم ينظرون ويتحاورون: مدينة ~~أثرية جديدة. ~~- وثائق لتاريخ جديد. ~~- ألا يوجد أثر لإنسان؟ ~~- المقابر لم تكتشف بعد. # ولبثت ما لبثت حتى انتبهت، فوجدت نفسي وحيدا، ورحت أخترق ~~شارعها الرئيسي حتى أدركني الليل وأظلتني النجوم، ومزقت ~~السكون صرخة ... صرخة أنثى فيما بدا لي، وثمة طيف هرع نحوي حتى ~~جثا بين يدي، وثمة صوت هتف: أنقذني! # سألتها: وماذا يتهددك؟ ~~- سيف الجلاد. ~~- من أنت؟ ~~- أنا بريئة. # فسألتها بشدة: ما تهمتك؟ ~~- التهمة التي لا يبرأ منها أحد، حتى أنت! # فقبضت على يدها وأنهضتها، ثم انطلقنا معا كشهابين في ظلمة ~~الليل. # الحلم رقم 13 # رأيت فيما يرى النائم. # امرأة في الخمسين تذهب وتجيء بوجه جففته الوحدة، قلت إني ~~أعرف هذا الوجه ولكن من، ومتى، وأين؟! وحيرتني سحب النسيان ~~... غير أن المرأة لم تهجع، ولكنها ذهبت محمومة وهي ترمقني بعين ~~مفكرة ثم رجعت بشاب رث الهيئة، وهي تربت خده بحنان، ~~وانقض عليها الشاب فاعتصرها بين ذراعيه مليا حتى تأففت ... ~~ورماها بنظرة نكراء ثم دفعها فتهاوت على الأرض فانهال عليها ضربا ~~ثم ذهب ... جعلت تتأوه وتبكي، ثم قامت في إعياء شديد وقد فقدت ~~ذراعها اليسرى، قلت لها: ذراعك! # فأعرضت عني ومضت، ثم رجعت وهي تربت خد شاب شبه عار، ~~وجذبها إليه مثل ذئب جائع واعتصرها بين ذراعيه ... وانفصل عنها ~~متقززا وصب عليها قبضتيه وقدميه حتى سقطت على وجهها، ~~وغادرها. فاستسلمت للنحيب ثم نهضت طاعنة في السن، وقد فقدت ~~ذراعها اليمنى. # وقلت لها: ذراعك! # فأعرضت عني وولت، وتكرر الفعل وردة الفعل حتى لم يبق ~~منها إلا اللسان، وغزاني الحزن والعجب ... فتساءلت: ماذا فعلت ~~بنفسك؟! # فأجابني لسانها: الوحدة والحنان. # وتساءلت في حيرة «متى سمعت هذه العبارة من قبل؟ ...» # الحلم رقم 14 # رأيت فيما يرى النائم. # شابا وسيما يسير بسرعة، يشع من عينيه الصافيتين نور ~~يضيء له الطريق، يوحي مظهره بالفتوة والحماس ومعرفة الهدف، ~~فانجذبت إلى اتباعه لأحظى برؤية ما هو فاعل ... منيت نفسي ~~بمشاهدة حدث أو نجاح مأثور، فكلما تحفز تحفزت، وكلما ضاعف من ~~سرعته ضاعفت، وكلما ms67 أشرق وجهه أشرقت ... وقطعنا أماكن كثيرة، ورأينا ~~مناظر عجيبة، وتعاملنا مع أناس لا ينسى لهم خير ولا شر، وسليت ~~نفسي المتوترة بأن المشهد المرموق سيهل علي بطلعته الشافية ~~المترقبة، ولم أكترث للزمن المنطوي ولا للجهد الضائع. ولكن الشاب ~~الوسيم راح يتغير منظره، وتتقلص عضلات ساقيه وتنخفض درجات سرعته ~~رويدا، وجعلت أسمع تردد أنفاسه وهي تغلظ وتثقل، وأنات شكواه ~~المتصاعدة، وبرمه بكل شيء ... وأخذ يسب ويلعن ويشتعل غضبا، ~~وأخيرا توقف عاجزا عن الاستمرار، ثم تهاوى على الأرض وهو يلهث ~~... وجزعت جزعا شديدا، وهتفت: تشدد واستمر. # وخيل إلي أن النوم يغالبه، فصحت: عليك تقع مسئولية شرودي ~~وانخداعي. # فرفع إلي عينين مظلمتين، وهمس: هبني رحمة الوداع. # حولت عنه عيني الحانقتين ورفعتهما إلى السماء فرأيت السحب ~~تتراكم كأنها الليل، ثم استجابت لرياح الشرق فانقشعت، فبشرني ~~هاتف الغيب بالعزاء. # الحلم رقم 15 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني أسير في شارع ضيق طويل، شغلت بهدفي فلم أنتبه للمارة، وفي ~~نهاية الشارع طالعني مبنى يجمع في هيئته بين المعبد والجامع ~~والمسكن ... دخلته مطمئنا إلى دعوة لا أدري متى ولا كيف تلقيتها. ~~وقطعت دهليزا بلغ بي بابا مقبب الهامة فدفعته ودخلت، لم أر ~~من المكان إلا الرجل الجالس في صدره ... رجل بالغ الكبر، ولكنه على ~~كبره واضح الصحة والعافية، بارز الملامح، ذو وجه عريق مجلل ~~بالوقار واللحية البيضاء، ينفث عطرا يذكر بالعصور الخالية، ~~لثمت يده، وقلت معتذرا: جئت تلبية للدعوة. # فقال بصوت عميق التأثير في النفس: تأخرت قليلا، ولكن لا ~~بأس ... # وأشار إلي فتربعت على شلتة بين يديه، وأنا أسائل نفسي عما ~~وراء دعوته، ولكنه لم ينبس بكلمة، وسرعان ما وجدت عيني تنجذبان ~~إلى عينيه حتى خيل إلي أنني أنظر إلى بلورتين متوهجتين. ~~اختفى العالم والوجود، ثم عدت إلى وعيي على لمسة من يده ~~وسمعته، يقول: يا له من حديث! ويا لها من مناجاة! # فهممت أن أقول إنني لا أذكر شيئا، ولكنه بادرني بنبرة توديع ~~حاسمة: اذهب مصحوبا بالسلامة. # رجعت من الشارع الضيق الطويل، وأنا أشعر بأنني مشدود ms68 إليه بأسلاك ~~غير مرئية، وأنني أسيره الأبدي ... وأردت أن أمارس حياتي ~~المألوفة، فقصدت لونا بارك نزهتي المفضلة، ولكن الأسلاك الخفية ~~صدتني عنها، فتحولت عنها، وأنا أقول لنفسي: إني مسير ~~بإرادته! # اقتنعت تماما بأنني أفعل ما يريد لا ما أريد أنا، وأنه يسوقني ~~إلى أشياء وأشياء، وأنني لم أعد أنتفع بعقلي أو ذوقي، وسمعت ~~الناس يتحدثون عما يقع ويتساءلون عن الفاعل المجهول. وها هم ~~يجدون في أثري والحلقة تضيق، ولكنهم لا يتفقون على رأي، فمنهم ~~من يطالب بعنقي ومنهم من يدعو لي بالسلامة! والحق أن الرجل لم ~~يثر في نفسي الكراهية، ولكنني تقت للتحرر من سطوته الشاملة ~~المخيفة، ولا أدري كيف ساقني الحظ إلى مكتب التحقيق فرأيتني ~~أمام المحقق، وهو يقول لي: اعترف فهو خير لك. # فقلت: إني بريء، وما كان بوسعي أن أفعل إلا ما يمليه ~~علي ... # فقال متهكما: الرجل ينكر قصتك المختلقة معه، فأنت أمام ~~القانون عاقل حر. # فهتفت وكأنما أخاطب الرجل: إنك تعرف الحقيقة فأنقذني! # ومكثت في السجن أنتظر يوم الإعدام، وبلغ بي الضيق منتهاه ... وإذا ~~بشعور يهمس لي بأن ما أعاني ما هو إلا كابوس، عند ذاك قررت أن ~~أستيقظ مهما كلفني الأمر، ورحت أضرب مقدم رأسي بقوة ودون ~~توقف ناشدا بإصرار اليقظة المأمولة. # الحلم رقم 16 # رأيت فيما يرى النائم. # أن طيفا زارني بليل فقدم لي كأسا، وقال بصوت عذب: ~~اشرب. # فشربتها حتى الثمالة، ذاب الطيف في الظلمة ... وانتشر السائل في ~~جسدي وروحي كالشذا الطيب، ونهضت وأنا أشعر شعورا راسخا بأنني ~~أملك قوة لا حد لها. وأردت أن أجرب صدق شعوري فأمرت ~~النوافذ أن تفتح، وفي الحال انفتحت النوافذ على مصراعيها وتدفق ~~النور، وخرجت أتجول في شوارع المدينة معتزا بالقوة الخارقة، ~~وفطنت غرائز القوم الملهمة لسر القوة الكامنة في أعماقي ... ~~فخاطبتني نظراتهم الكسيرة بأمانيهم المكبوتة. تلقيت عشرات ~~الرسائل الخفية الضارعة بمحو هذا الشر أو ذاك، وتحقيق هذه الرغبة ~~أو تلك، وتأديب هذا الرجل أو قتل ذاك ... ووجدتني مثقلا بالآمال ~~والأماني والتبعات، فاستحالت القوة إلى عبء تنوء ms69 به الجبال. ~~وتسلل إلي خاطر لا أدري من أين جاء بأن هذه القوة الخارقة لن ~~تدوم إلا ما دام السائل في جوفي ... وعلى ذلك تركز تفكيري في ~~استغلالها لدعم سعادتي الشخصية، وألقيت العبء عن كاهلي وانحصرت في ~~هدف محدد واضح. ولكن ما كاد يزايلني القلق حتى ترامى إلي وقع ~~أقدام ثقيلة تطاردني، وهزئت بالمطاردة والمطاردين وقلت لنفسي ~~سيرونني في اللحظة الحرجة وأنا أحلق كالنسر أو أختفي كالوهم ... ~~واقتربت مني الأقدام والأصوات الغاضبة فأمرت جسدي بالاختفاء عن ~~الأعين، وحدثت معجزة ولكن مضادة، لم يصدع جسدي بأمري، وتطايرت ~~قوتي في الجو، فوقعت بين يدي المطاردين بلا حول، ولم يعد لي ~~من أمل إلا في صحوة رحيمة تعقب كابوسا مخيفا. # الحلم رقم 17 # رأيت فيما يرى النائم. # أنني جالس تحت مظلة سوداء، أتسلى بمشاهدة صندوق الدنيا. ~~وتتابعت المشاهد أمام عيني المبهورتين بدءا بالإنسان البدائي، ~~مرورا بالحضارات القديمة والمتوسطة والحديثة حتى صعود الإنسان إلى ~~القمر، ثم وجدتني في مسكني فريسة لرغبة جامحة هي أن أصعد إلى ~~القمر، وكنت أجلس وسط متاع غزير، تراكم بعضه فوق بعض حتى غطى ~~الجدران وسد النوافذ، وكان جسمي نفسه مثقلا بالأوسمة والهدايا ~~الثمينة حتى تعذرت علي الحركة وأخذت أغوص في الأرض، وعلمت ~~بطريقة ما أنني أنتظر زائرا هاما، فحرت كيف أستقبله، وأين ~~أجلسه، وخفت سوء العاقبة ... وضاق صدري بفساد الجو والزمن فتمردت ~~على حرصي وأقبلت أنزع الأوسمة والهدايا من أركان جسدي، وأركل ~~المتاع يمنة ويسرة حتى شققت لنفسي طريقا إلى الخارج، وتنفست ~~بعمق فأذهلتني خفة وزني، ولاح الزائر قادما عند الأفق، ولكنني ~~لم أستطع انتظاره؛ إذ مضيت أترجح وأرتفع عن الأرض على مهل وثبات. ~~أدركت أني أحلق في الفضاء وأني كلما ارتفعت مترا ازددت سرعة، ~~وغمرني الشعور بالانعتاق ووعدني بمسرات تعجز عن وصفها ~~الكلمات. ms70