######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Radubis.Hindawi68591480 #META# Tags: novels #META# ID: 68591480 #META# Title: رادوبيس #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عيد النيل‏ # الصندل‏ # قصر بيجة‏ # طاهو‏ # فرعون‏ # الحب‏ # ظل الحب‏ # بنامون‏ # خنوم حتب‏ # نيتوقريس‏ # الرئيس الجديد‏ # الملكتان‏ # قبس من نور‏ # الرسول‏ # الرسالة‏ # طاهو يهذي‏ # فترة الانتظار‏ # الاجتماع‏ # الهتاف‏ # الأمل والسم‏ # سهم الشعب‏ # الوداع‏ # نهاية طاهو‏ # النهاية‏ # عيد النيل‏ # الصندل‏ # قصر بيجة‏ # طاهو‏ # فرعون‏ # الحب‏ # ظل الحب‏ # بنامون‏ # خنوم حتب‏ # نيتوقريس‏ # الرئيس الجديد‏ # الملكتان‏ # قبس من نور‏ # الرسول‏ # الرسالة‏ # طاهو يهذي‏ # فترة الانتظار‏ # الاجتماع‏ # الهتاف‏ # الأمل والسم‏ # سهم الشعب‏ # الوداع‏ # نهاية طاهو‏ # النهاية‏ # | رادوبيس # | رادوبيس # تأليف # نجيب محفوظ # | عيد النيل # لاحت في الأفق الشرقي تباشير ذلك اليوم من شهر بشنس، المنطوي في أثناء الزمان منذ أربعة ~~آلاف سنة. وكان الكاهن الأكبر لمعبد الرب سوتيس يتطلع إلى صفحة السماء بعينين ~~ذابلتين، أضناهما التعب طوال الليل. # وإنه لفي تطلعه إذ عثر بصره بالشعرى اليمانية، يتألق نورها في كبد السماء، ~~فتهلل وجهه بالبشر، وخفق قلبه بالفرح، وسجد على أرض المعبد الطاهرة شكرا وزلفى، وصاح ~~بأعلى صوته أن قد بدت صورة الرب سوتيس في أفق السماء، تحمل إلى الوادي بشرى فيضان النيل ~~المعبود، وتسير بين يدي رحمته. وأيقظ صوته الجميل النيام، فهبوا من نومهم فرحين، ~~وقلبوا وجوههم في السماء، حتى قرت أعينهم على النجم المعبود، فرددوا ترتيلة الكاهن، ~~وأفعمت قلوبهم غبطة وامتنانا، ثم تركوا ديارهم مهطعين صوب شاطئ النيل، يشهدون أول ~~موجة حاملة للخير والبركة. وردد جو مصر الهادئ صوت كاهن الرب سوتيس، وأذاع البشرى ~~إلى الجنوب، للاحتفال بعيد النيل المقدس، فحزموا أمتعتهم، ونشطوا خفافا وثقالا من ~~طيبة ومنف وهرمونت وسوت وخمونو، يولون وجوههم شطر آبو العاصمة، فنهبت العجلات الوادي، ~~ومخرت السفن عباب الماء. # كانت آبو عاصمة مصر، يقوم بنيانها الشامخ على دعائم من الصوان، تؤلف بينها الكثبان ~~الرملية، وقد غشاها النيل بطبقات من طميه الساحر، بثت فيها الخصب والخير العميم، ~~وأنبتت أرضها السنط والتوت والنخيل والدوم، وكست سطحها البقول والخضروات والبرسيم. ونشرت ~~فيه الكروم والمراعي، والجنان تجري من تحتها الأنهار، وترعاها القطعان، يطير في سمائها ~~الحمام والطير، ويتضوع نسيمها بشذا العطر والأزهار، وتتجاوب في ms001 جوها أغاريد البلابل ~~والأطيار. # فما هي إلا أيام معدودات، حتى ضاقت آبو وجزيرتاها؛ بيجة وبيلاق، بالنازحين، ~~فامتلأت البيوت بالنازلين، وازدحمت الميادين بالخيام، وغصت الطرق بالغادين والرائحين، ~~وانتشرت حلقات اللاعبين والمغنين والراقصين، وزخرت الأسواق بالعارضين والبائعين، ~~وازدانت واجهات البيوت بالأعلام وأغصان الزيتون، وبهرت الأنظار جماعات من حرس جزيرة ~~بيلاق بثيابها المزركشة وسيوفها الطويلة، وهرعت جموع القانتين المؤمنين إلى معبدي سوتيس ~~والنيل، يوفون بالنذر، ويقدمون القرابين، واختلط غناء المنشدين بصياح السكارى ~~الثملين .. وشاع في جو آبو الرزين فرح راقص، وطرب حار بهيج. # وجاء يوم العيد الموعود، وقصدت هاتيك الخلائق جميعا إلى هدف واحد، هو الطريق الطويل ~~الممتد ما بين القصر الفرعوني والهضبة القائم عليها معبد النيل، فسخن الهواء بأنفاسهم ~~الحارة، وناءت الأرض بحملهم، ويئس قوم لا عداد لهم من الأرض، فهبطوا إلى السفن، وأطلقوا ~~الشرع، وطافوا بهضبة المعبد ينشدون أغاني النيل على أنغام المزمار والقيثار، ويرقصون على ~~توقيع الدفوف. # ووقف الجنود صفين على جانبي الطريق العظيم شاهري الرماح، وقد نصبت على مسافات ~~متباعدة تماثيل بالحجم الطبيعي لملوك الأسرة السادسة، آباء فرعون وأجداده، فرأى الأقربون ~~تماثيل الفراعين؛ أسر كري، وتيتي الأول، وبيبي الأول، ومحتمساوف الأول، وبيبي ~~الثاني. # وكان الجو يضج بأصوات القوم المختلفة، فيضيع تمييزها كما تضيع الأمواج في المحيط ~~المصطخب، ولا يبقى منها إلا دوي هائل شامل، ولكن كانت تعلو أحيانا أصوات جهيرة، ~~تخترق الضوضاء، وتبلغ الآذان، يهتف بعضها قائلا: «مجدوا الرب سوتيس الذي بشرنا ~~بالخير.» ويصيح صوت آخر: «مجدوا النيل الرب المقدس الذي يجلب إلى أرضنا الحياة والخصب.» ~~وبين هذا وذاك، ترتفع أصوات منادية على خمر مريوط، وأنبذة آبو، داعية إلى السرور ~~والنسيان. # وكان جماعة من المشاهدين يتجاورون ويخلصون نجيا، تبدو على وجوههم آي النبل والنعيم، ~~فقال أحدهم وهو يرفع حاجبيه متأملا متعجبا: كم من فرعون اطلع على هذه الجموع ~~الحاشدة، وشاهد هذا اليوم العظيم! .. ثم ذهبوا جميعا كأنهم لم يكونوا ملء الصدور، ملء ~~الأبصار والأفئدة! # فقال آخر: نعم ذهبوا ليحكموا عالما أجل من هذا العالم، كما سنذهب جميعا .. انظر إلى ms002 ~~هذا المكان الذي أشغل .. كم من البشر سوف يشغله في الأجيال المقبلة، ويجدد الآمال ~~والأفراح التي تخفق في صدورنا الآن .. ترى هل يذكروننا كما نذكرهم؟ ~~- إننا أكثر من أن يذكرنا مذكر .. ألا ليت الموت لم يكن. ~~- وهل كان يمكن أن يسع الوادي تلك الأجيال التي ذهبت؟ إن الموت طبيعي كالحياة .. وما ~~قيمة الخلود ما دمنا نشبع بعد الجوع، ونشيخ بعد الشباب، ونسأم بعد المسرة؟ ~~- فكيف يعيشون في عالم أوزوريس؟ ~~- انتظر، ستعلم ذلك بعد حين. # وقال آخر باهتمام: هذه أول مرة يسعدني الرب برؤية فرعون. # فقال له صاحبه: أما أنا فقد رأيته يوم التتويج العظيم منذ أشهر في نفس ~~المكان. ~~- انظر إلى تماثيل أجداده الأماجد. ~~- سترى أنه قريب الشبه بجده محتمساوف الأول. ~~- ما أجمل هذا! ~~- أجل .. أجل .. إن فرعون شاب جميل، لا نظير له في طوله الفارع، وحسنه ~~الجاهر! # وتساءل أحد المتحدثين قائلا: ترى ماذا يخلف حكمه؟ .. أمسلات ومعابد، أم ذكريات غزو ~~في الشمال والجنوب؟ ~~- إن صدق حدسي فهي الثانية. ~~- ولمه؟ ~~- إنه شاب عظيم البأس. # فهز الآخر رأسه بحذر وقال: يقال إن شبابه من نوع جامح، وإن جلالته ذو أهواء عنيفة، ~~يغرم بالحب، ويهوى الإسراف والبذخ، ويندفع في سبيله كالريح العاصفة! # فضحك المستمع ضحكة خافتة، وهمس قائلا: وهل في ذاك ما يدعو إلى العجب؟ ما أكثر ~~المصريين الذين يغرمون بالحب ويهوون الإسراف والبذخ! .. فما بالك بفرعون؟ ~~- صه .. صه .. أنت لا تدري من الأمر شيئا، ألم تعلم بأنه اصطدم برجال الكهنوت منذ ~~اليوم الأول لتوليته العرش؟ إنه يريد المال لينفقه في تشييد القصور، وغرس البساتين، ~~والكهنة يطالبون بنصيب الآلهة والمعابد كاملا. لقد منحهم آباء الملك نفوذا وثراء، ~~والملك الشاب ينظر إلى هذا بعين الطمع. ~~- حقا إنه محزن أن يبدأ الملك حكمه بالاصطدام. ~~- أجل .. ولا تنس أن خنوم حتب، رئيس الوزراء والكاهن الأكبر، رجل حديدي الإرادة، ~~شديد المراس. وهناك أيضا كاهن منف، تلك المدينة المجيدة التي لحقها الأفول على عهد ~~هذه الأسرة الجليلة. # فارتاع الرجل لهذه الأخبار التي تصك أذنيه لأول مرة، وقال ms003 : إذن فلندع الأرباب جميعا ~~أن تلهم الرجال الحكمة والأناة والرأي السديد. # فقال الآخرون بإخلاص صادر من الأعماق: آمين .. آمين. # ولاحت من أحد الواقفين التفاتة إلى النيل، فلكز صاحبه بمرفقه قائلا: انظر أيها الصديق ~~إلى النهر .. لمن يا ترى هذه السفينة الجميلة الآتية من جزيرة بيجة، كأنها الشمس صاعدة ~~من الأفق الشرقي؟ # فعطف صاحبه رأسه نحو النهر، فرأى سفينة عجيبة، لا بالكبيرة ولا بالصغيرة، خضراء اللون ~~كأنها جزيرة معشوشبة تطفو على سطح الماء، تبدو مقصورتها على البعد متعالية، وإن ~~قصرت العين عن رؤية ما بداخلها، ولاح في أعلى صاريها شراع متموج عظيم، وانتظمت ~~جانبيها حركة مجاديف بديعة تنبعث من مئات الأيدي .. فاستولت الحيرة على الرجل، وقال: ~~عسى أن تكون لموسر من أهل بيجة. # وأصغى إلى حوارهما رجل قريب، فحدجهما بنظرة إنكار، وقال لهما: أراهن أيها السيدان ~~أنكما ضيفان. # فضحك الرجلان معا. وقال ثانيهما: صدقت يا سيدي المحترم؛ فنحن من طيبة واثنان من الآلاف ~~التي ناداها العيد المجيد فلبت هارعة إلى العاصمة من جميع البلدان .. هل تكون هذه ~~السفينة الجميلة لكبير من رجالكم البارزين؟ # فابتسم الرجل ابتسامة غامضة، وقال وهو يشير لهما بإصبعه محذرا: طبتما نفسا أيها ~~السيدان الكريمان، ليست هذه السفينة لرجل من رجالنا، ولكنها امرأة .. أجل هي سفينة ~~غانية حسناء يعرفها حق المعرفة جميع أهل آبو وجزيرتيها بيجة وبيلاق. ~~- ومن عسى أن تكون هذه الحسناء؟ ~~- رادوبيس .. رادوبيس الفاتنة، ملكة النفوس والأهواء جميعا. # وأشار الرجل بيده نحو جزيرة بيجة، واستدرك: وهي تقيم هناك في قصرها الأبيض الساحر .. هدف ~~العشاق والمعجبين، حيث يستبقون إلى نيل عطفها، واستدرار رحمتها .. وعسى أن يسعفكم ~~الحظ برؤيتها، صانت الأرباب قلبيكما عن التلف. # واتجهت أنظار الرجلين وسواهما من الواقفين إلى السفينة مرة أخرى، وقد بدا على الوجوه ~~الاهتمام الشديد. وكانت السفينة تدنو من الشاطئ، رويدا رويدا، والزوارق توسع لها طريقها ~~على عجل، وكلما عبرت ذراعا اختفت شيئا فشيئا وراء الهضبة المقام عليها معبد النيل، ~~ومضى يغيب عن الأبصار مقدمها ثم مقصورتها، فلما أن اطمأنت إلى المرفأ لم ms004 يكن يرى ~~منها سوى أعلى صاريها وقمة شراعها المتموج، كأنه علم الحب يظل القلوب ~~والنفوس. # ومضت فترة وجيزة، ثم رئي أربعة من النوبيين قادمين من الشاطئ يوسعون في البحر ~~المتلاطم طريقا، يسير في أثرهم أربعة آخرون يحملون على الأكتاف هودجا جميلا فاخرا، لا ~~يحوزه إلا الأمراء والنبلاء، جلست فيه غادة حسناء، تستند في طراءة إلى وسادة، وتتكئ ~~على نمرقة، بساعد بض، وتمسك في يمناها بمروحة من ريش النعام، تلوح في عينيها ~~الجميلتين نظرة ناعسة حالمة، تصوبها إلى الأفق البعيد في كبرياء سامية، تقتحم الخلق ~~أجمعين. # وكان الركب الصغير يسير على مهل، ترمقه العيون من كل صوب، حتى بلغ الصف الأول من ~~المشاهدين، وهناك مالت المرأة إلى الأمام قليلا بجيد كالغزال، ونثرت من فمها الوردي ~~كلمات تاقت نفوس إلى سماعها، فتوقف العبيد عن السير، ولزموا أماكنهم كأنهم تماثيل ~~من البرنز، وارتدت المرأة إلى جلستها الأولى، واستغرقت فيما كانت فيه من الأحلام، ~~ولبثت تنتظر الموكب الفرعوني الذي لا شك جاءت لمشاهدته. # وكان ما يرى منها نصفها الأعلى، فاستطاع المجدودون أن يشاهدوا شعرها الأسود ~~الحالك السواد، ينتظم على رأسها الصغير في أسلاك من الحرير اللامع، ويهبط على كتفيها في ~~هالة من الليل كأنه تاج إلهي، ينبلج في وسطه وجه مشرق مستدير، عانقت فيه أشعة ~~خدين كالورد اليانع، وفما رقيقا مفترا كأنه زهرة من الياسمين في الشمس في خاتم من ~~القرنفل، وعينين دعجاوين صافيتين ناعستين، تلوح فيهما نظرة يعرفها الحب معرفة ~~المخلوق لخالقه، فما رئي وجه قبل هذا اختاره الجمال سكنا ومسقرا. # وقد فتن الناس منظرها كافة، وحرك قلوب الشيوخ الفانية، فصوبت إليها من جميع ~~الجهات نظرات نارية، لو عثرت في طريقها بصوان لأذابته، ورمقتها أعين النساء شزرا ~~ومقتا، وسرى الهمس بين المحيطين بها، وانتقل الحوار من فم إلى فم. ~~- يا لها من امرأة فاتنة! ~~- رادوبيس .. يسمونها ربة الجزيرة! ~~- هذا جمال قهار، لا يمكن أن يعصاه قلب. ~~- هو اليأس لمن يرى. ~~- صدقت، فما وقعت عليها عيناي حتى قامت في نفسي ثورة جامحة، ونؤت بأعباء ms005 ظلم فادح، ~~وأحسست بتمرد شيطاني، وصدت نفسي عما بين يدي، وغلبني على أمري الخذلان والخزي ~~الأبدي. ~~- هذا أمر محزن .. لكأني بها صورة للسعادة حقيقة بالعبادة. ~~- هي شر وبيل! ~~- نحن أضعف من أن نحتمل مثل هذا الحسن القاهر. ~~- ألا رحمة للعاشقين! ~~- ألا تعلم أن عشاقها هم صفوة رجال المملكة؟ ~~- حقا؟ ~~- إن حبها فرض على علية القوم، كأنه واجب وطني. ~~- لقد شيد المعمار النابغة هني قصرها الأبيض. ~~- وأثثه بآيات منف وطيبة آني حاكم جزيرة بيجة. ~~- مرحى .. مرحى! ~~- وصنع تماثيله، ونحت جدرانه، المثال النابغة هنفر. ~~- نعم، وأهدى تحفه الثمينة القائد طاهو، رئيس الحرس الفرعوني. ~~- إذا كان جميع هؤلاء يتنافسون في حبها فمن السعيد الذي تستخلصه لنفسها؟ ~~- سل عن السعيد في هذه المدينة الشقية. ~~- لا أظن أن هذه المرأة تعشق أبدا. ~~- من أدراك؟ .. عسى أن تعشق عبدا أو حيوانا. ~~- كلا .. إن جمالها هو القوة الجبارة .. وما حاجة القوة إلى الحب؟ ~~- انظر إلى نظرة عينيها الرفيعة القاسية .. إنها لم تذق الحب بعد. # وكانت امرأة تصغي إلى هذا الحديث، فضاق صدرها. # وقالت بجفاء: ما هي إلا راقصة .. تربت في بؤر الفساد والمجون، ووهبت نفسها منذ ~~الطفولة للخلاعة والغواية، وأجادت فن المساحيق، فتبدت في هذا المظهر الخلاب ~~الكاذب. # فكبر هذا الكلام على أحد الرجال المفتونين فقال: معاذ الرب يا سيدتي، ألم تعلمي بعد ~~أن جمالها الرائع ليس كل ما وهبتها الآلهة من ثراء؟ .. وأن توت لم تبخل عليها بنور ~~الحكمة والعرفان؟ ~~- بخ .. بخ .. من أين لها بالحكمة والعرفان، وهي تنفق عمرها في إغواء الرجال؟ ~~- قصرها يستقبل كل مساء جماعة ممتازة من الساسة والحكماء والفنانين، فلا عجب أن ~~تكون كما يشاع عنها من أعمق الناس فهما للحكمة، وأدراهم بالسياسة وأذوقهم ~~للفن. # وسأل سائل: كم عمرها؟ ~~- يقولون إنها بنت ثلاثين. ~~- لا يمكن أن تجاوز الخامسة والعشرين. ~~- ليكن عمرها ما تشاء، فهذا الحسن يانع قاهر، يقسم أن لن يلحقه الذبول أبدا! # وعاد السائل يسأل باهتمام: ما منشؤها، وما أصلها؟ ~~- علم هذا عند الأرباب .. وكأني بها وجدت منذ الأزل في قصرها ms006 الأبيض بجزيرة ~~بيجة! ~~••• # وشقت الصفوف المتراصة بغتة امرأة غريبة، كانت منحنية الظهر كالقوس، تتوكأ على عصا ~~غليظة، منفوشة الشعر بيضاءه، طويلة الأنياب صفراءها، مقوسة الأنف، حادة البصر، ~~يشع من عينيها نور مخيف يرسل من تحت حاجبين كثيفين أشيبين، وكانت ترتدي جلبابا ~~واسعا طويلا، يضيق عند وسطها بمنطقة من الكتان .. وصاح الذين رأوها: ضام .. الساحرة ~~ضام! # فلم تبالهم، وسارت بقدميها الهزيلتين. كانت تدعي الاطلاع على الغيب، وكشف ~~الستار عن المستقبل، وكانت تسخر قوتها الخارقة لقاء قطعة من الفضة، وكان المحيطون بها ~~بين خائف منها ومتهكم بها. والتقت الساحرة في طريقها بشاب حدث، فعرضت عليه أن تقرأ ~~له صفحة الغيب، ولم يمانع الشاب، وكان في الحقيقة ثملا يترنح في سيره، لا تكاد تحمله ~~ساقاه، فدفع لها بقطعة من الفضة، وهو يرنو إليها بعينين نصف نائمتين، وسألته بصوتها ~~الأجش: كم عمرك يا غلام؟ # فأجابها وهو لا يعي ما يقول: اثنتا عشرة كأسا. # وعلا ضحك الساخرين، فاهتاجت المرأة غضبا ورمته بالقطعة التي نفحها بها، واستأنفت ~~مسيرها الذي لا ينتهي. واعترض سبيلها شاب آخر ساخر وسألها بقحة: ماذا ينتظرني من ~~الحادثات يا امرأة؟ # فنظرت إليه مليا وهي مغيظة محنقة، ثم قالت له: أبشر .. ستخونك امرأتك للمرة ~~الثالثة. # وضحك الناس وصفقوا لها، وانزوى الشاب خجلا، وقد رد السهم إلى صدره. وسارت الساحرة ~~حتى بلغت هودج الغانية، وطمعت في سخائها فتوقفت بإزائه، وصاحت تحدث صاحبته وهي تبتسم ~~ابتسامة كريهة: أيتها السيدة المحروسة بالعناية! هل أقرأ لك الطالع؟ # ولم يبد على الغانية أنها سمعت صوت الساحرة، فصرخت العجوز: مولاتي! # وانتبهت إليها رادوبيس فيما يشبه الذعر، ثم عطفت عنها رأسها سريعا وقد لمسها الغضب، ~~وقالت لها العجوز: صدقيني ما من إنسان في هذا الجمع الحاشد يحتاج إلي اليوم ~~حاجتك! # فتقدم منها أحد العبيد، وحال بينها وبين الهودج، وكاد الحادث على تفاهته يثير اهتمام ~~القريبين، ولكن سمع صوت بوق شديد يخترق الفضاء، ووضع على أثره الجند المصطفون على ~~جانبي الطريق الأبواق في أفواههم، ونفخوا فيها نفخا طويلا متصلا، فعلم الناس ms007 جميعا أن ~~الركب الفرعوني بدأ تحركه، وأنه عما قليل يغادر فرعون القصر في طريقه إلى معبد ~~النيل، فنسي الجميع ما كانوا فيه وشخصوا إلى الطريق بأعناق مشرئبة، وحواس ~~مرهفة. # ومضت دقائق طويلة ثم بدأت طلائع الجيش تسير صفوفا متراصة على أنغام الموسيقى الحربية ~~تتقدمها حامية بيلاق بعددها المتنوعة، تسير وراء علمها المتوج بصورة الباز، فكانت ~~الجنود تقابل في كل مكان بالهتاف والتصفيق. # وقفتها بعد حين قليل فرقة المشاة حاملي الرماح والتروس، تتأثر موسيقاها، وعلمها ~~المزدان بصورة الرب حورس، وقد استقامت الرماح في صورة هندسية دقيقة، فرسمت في الهواء ~~خطوطا متوازية طولا وعرضا. # وجاءت فرقة الرماة الكبرى حاملي القسي والسهام، واستغرق مسيرها فترة طويلة من الزمن، ~~يتقدمها علمها الموسوم بصولجان العرش. # ثم سمع من بعيد دوي وصلصلة وصهيل خيل، ولاحت للأنظار فرقة العجلات تنطلق عشرة ~~عشرة في صفوف متوازية دقيقة كأنما رسمت بالقلم، يجر العجلة جوادان مطهمان، ويقوم ~~على ظهرها فارسان؛ سائق مزود بالسيف والمزراق، ورام مدرع يمسك قوسه بيد ويحمل ~~جعبته بيد، فذكر المشاهدون لمرآها غزو النوبة وطور سيناء، وخالوا أنهم يرونها تنتشر ~~في السهول والوديان كالنسور المنقضة، والعدو يتشتت أمامها، وقد أذهله الرعب، وأحاط ~~به الهلاك، فاشتعل الحماس في عروقهم نارا، وشق هتافهم السماوات. # وبدا للناظرين الموكب الفرعوني المهيب، تتقدمه العجلة الفرعونية، وتتبعها مباشرة ~~أهلة من العجلات خماس خماس، تحمل الأمراء والوزراء وكبار رجال الكهنوت والقضاة ~~الثلاثين وقواد الجيش وحكام الأقاليم، واختتم الموكب بذيل من الحرس الفرعوني على ~~رأسه القائد طاهو. # ووقف فرعون في عجلته منتصب القامة، مهيب الطلعة كأنه تمثال من الجرانيت لا يميل ~~يمنة ولا يسرة، ويصوب بصره إلى الأفق البعيد غير ملتفت إلى الخلق جميعا، ولا إلى ~~هتافهم الصاعد من أعماق القلوب. # وكان يضع على رأسه تاج مصر المزدوج، ويقبض بيد على السوط الملكي، وبالأخرى على العصا ~~المعقوفة، وقد ارتدى فوق لباسه الملكي كساء من جلد النمر احتفالا بالعيد الديني. # وأفعمت القلوب حماسة وسعادة، فتعالى الهتاف، فكاد لشدته أن يفزع الطير المحلق ~~في السماء. وأثار الحماس ms008 رادوبيس نفسها فدبت بها حياة فجائية، وأضاء وجهها بنور بهيج، ~~وصفقت يداها الرخصتان. # وأفلت من بين الأصوات الهاتفة صوت يصيح على عجل: «ليحي صاحب القداسة خنوم حتب.» ~~فردد هتافه عشرات الأصوات، وأحدث هتافه انزعاجا وأهاج ضجة شديدة، وتلفت الناس ~~يبحثون عن الجسور الذي هتف باسم رئيس الوزراء على مسمع من فرعون الشاب، والجماعة التي ~~ناصرت هذا التحدي العجيب! # ولم يترك الهتاف أثرا ظاهرا، ولم يبد على أحد من حاشية الملك أدنى تأثر، وتابع ~~الموكب سيره حتى بلغ هضبة المعبد، فتوقفت العجلات جميعا، وتقدم إلى عجلة فرعون ~~أميران يحملان وسادة من ريش النعام مكللة بغطاء من نسيج ذهبي، فترجل الملك عليها. ~~ونفخ في الصور، فأدى الجند التحية العسكرية، وصدحت موسيقى الحرس بنشيد النيل المعبود، ~~وصعد فرعون درجات الهضبة في تؤدة وجلال، يتبعه وجوه مملكته من الأمراء والوزراء ~~والحكام، ولدى باب المعبد العظيم وجد الكهنة في استقباله سجدا. ولما أعلن كبير ~~الحجاب سوفخاتب وصول الملك، وقف رئيس كهنة المعبد وأحنى ظهره، وأخفى عينيه بيديه، وقال ~~في صوت خافت: يتشرف خادم الرب المعبود النيل، بإزجاء تحية العبودية والإخلاص إلى ~~مولاي سيد القطرين، ابن رع ورب المشرقين. # فأعطاه فرعون العصا المعقوفة، فقبلها الكاهن في إجلال عميق، وقام الكهنة واصطفوا ~~صفين موسعين لفرعون، فسار تتبعه حاشيته إلى ساحة المذبح المحاطة بالأعمدة الشاهقة من كل ~~جانب، وطافوا بالمذبح، وكان الكهنة يحرقون البخور، فينتشر أريجه في جو المعبد، وتتنفسه ~~الرءوس المنعكسة إجلالا وقنوتا. وأحضر بعض الحجاب ثورا ذبيحا، ووضعوه على المذبح ~~قربانا وزلفى، ثم تلا فرعون هذه الكلمات التقليدية: ~~«مثلت في رحابك أيها الإله المقدس بعد أن طهرت نفسي. وقدمت القربان ~~زلفى إليك، فامنن بالخير على أرض هذا الوادي الطيب، وأهله الآمنين.» # ورددت الكهنة الدعاء في صوت عال مؤثر، يفيض بالإيمان والتقوى، رافعين رءوسهم إلى ~~السماء، باسطين أيديهم في الهواء. وردد الحاضرون جميعا الدعاء، وسرى الصوت إلى خارج ~~المعبد، فسارع الناس في ترديده، وما هي إلا هنيهة حتى لم يبق لسان لم يلهج بدعاء ~~النيل المقدس، ثم ms009 سار الملك وفي معيته كاهن المعبد، ويتبعهما رجال المملكة إلى بهو ~~الأعمدة ذي الصحون الثلاثة المتوازية، ووقفوا صفين بينهما الملك وخادم الرب، ثم رتلوا ~~نشيد النيل المعبود بأصوات متهدجة، تختلج بخفقات القلوب، فيرن صداها في جو المكان ~~القاتم المهيب. # وصعد الكاهن الدرجات المؤدية إلى البهو الخالد، واقترب من باب قدس الأقداس، وأبرز ~~المفتاح المقدس، وفتح الباب العظيم وانتحى جانبا، وركع ساجدا يصلي. وتبعه الملك ودخل ~~الحجرة المقدسة حيث يرقد تمثال النيل في السفينة الإلهية، وأغلق الباب، وكان المكان ~~واسعا، شاهق السقف، شديد الظلمة، قوي الأثر، وعلى مقربة من الستار المسدل على تمثال ~~الآلهة أقيدت الشموع على مناضد من الذهب الوهاج. ونفذت هيبة المكان إلى قلب الملك ~~الكبير، فوهنت حواسه، وتقدم في إجلال إلى الستار المقدس وأزاحه بيده، وأحنى ظهره ~~الذي لا ينحني أبدا، وسجد على ركبته اليمنى ولثم قدم التمثال، وكان ما يزال مهيبا، ولكن ~~غابت عن وجهه آي مجد الدنيا وكبريائها، واكتست صفحته بلون باهت من الخشوع والتقوى .. ~~وصلى فرعون صلاة طويلة، واستغرق في العبادة ناسيا مجده التالد وعظمته ~~الدنيوية. # ولما بلغ النهاية لثم القدم المقدسة مرة أخرى، وقام واقفا وأسدل الستار الكريم، ~~وانسحب إلى الباب ووجهه إلى الرب، حتى تنفس هواء البهو الخارجي ثم أغلق الباب. # وحيا القوم فرعون بالدعاء، وساروا وراءه إلى بهو المذبح، وتبعوه إلى خارج المعبد، ~~وعرجوا جميعا إلى حافة الهضبة المطلة على النيل. ورآهم الأهلون المتجمعون فوق أسطح ~~السفن، فتعالت أصواتهم بالهتاف، ولوحوا بالأعلام والغصون. # ودعي رئيس الكهنة إلى إلقاء الخطبة التقليدية، فنشر بين يديه ورقة طويلة من أوراق ~~البردي، وتلا بصوت قوي النبرات: ~~«السلام عليك أيها النيل، يا من يعم فيضه الوادي مبشرا بالحياة والسعادة. ~~إنك لتسكن الغياهب أشهرا، فإذا أصخت إلى توسلات عبادك، ولان قلبك الكبير ~~رحمة بهم، خرجت من الظلمات إلى النور، وانسبت في بطن الوادي زاخرا، فتبعث في ~~الأرض الحياة، وسرعان ما تهتز النباتات طربا، وتفض الصحراء تحت بساط سندسي، ~~وتزدهر البساتين، وتغني المغارس، وتصدح الطير، وتهتف القلوب بنشوة الفرح ms010 ، ~~فيكسى العاري، ويطعم الجائع، ويروى الصديان، ويتزوج الأعزب، وتتلفع أرض مصر ~~بالسعادة والمجد .. تعاليت والمجد لك .. تعاليت والمجد لك.» # ورتل كهنة المعبد أنشودة النيل على نغم القيثارة والمزمار والناي، وعلى توقيع الدفوف في ~~ألحان عذبة وأنغام شجية. # ولما أن ضاعت الأنغام في تضاعيف الفضاء، تقدم الأمير ناي من فرعون وأسلم إليه قرطاسا ~~مختوما من البردي، يشتمل على دعاء النيل المعبود، فأخذه الملك ورفعه إلى جبينه، ثم تركه ~~يهوي إلى النيل فحملته أمواجه المتدافعة في صخب صوب الشمال. # وهبط فرعون أدراج الهضبة، وركب عجلته، ورجع الموكب كما أتى تحف به العظمة ويحوطه ~~المجد، وتهتف له قلوب الملايين من الرعايا المخلصين، وقد أهاجهم الحماس، وأسكرتهم نشوة ~~الطرب. # | الصندل # عاد الموكب الملكي إلى السراي الفرعونية، وظل الملك يحافظ على جلاله وهدوئه، إلى أن خلا ~~إلى نفسه، فتبدى الغضب على وجهه الجميل بصورة وحشية، وجبت لها قلوب الجواري اللائي ~~يخلعن ثيابه، فانتفخت أوداجه وتصلبت عضلات جسمه، وكان سريع الانفعال شديد الغضب، لا ~~تطمئن نفسه حتى تنزل العقاب الصارم بمن أثارها، وكان يدوي في أذنيه الهتاف الأخرق، ~~فيظنه إنذارا جريئا موجها إلى رغباته، فيشتد به الغضب وينذر بالويل ~~والثبور. # وكان عليه أن ينتظر ساعة كاملة، قبل أن يستقبل رجال مملكته الرسميين، الذين جاءوا من ~~أقصى البلاد للاشتراك في عيد النيل، ولكنه لم يستطع صبرا، فهرع كالريح الهوج إلى جناح ~~الملكة، واقتحم بابها بعنف. وكانت الملكة نيتوقريس جالسة بين وصيفاتها، تلوح في عينيها ~~الصافيتين آي السلام والطمأنينة، فلما رأى الوصيفات الملك، وشاهدن الغضب يصرخ في وجهه، ~~وقفن مرتبكات مضطربات، وانحنين له وللمملكة، وانسحبن مسرعات لا يلوين على شيء .. ولبثت ~~الملكة جالسة هنيهة، ترمقه بعينين هادئتين، ثم قامت في جلال، ودنت منه، ثم شبت على ~~أطراف قدميها وقبلت كتفه وقالت: أغاضب أنت يا مولاي؟ # كان يحس بالحاجة القصوى إلى إنسان يطلعه على النار الموقدة في دمائه، فارتاح إلى ~~سؤالها وقال بشدة: كما ترين يا نيتوقريس! # وكانت الملكة تشعر شعورا قويا بعد درايتها بأخلاقه، بأن واجبها الأول هو ms011 أن تذهب ~~عنه حدة الغضب إذا أهاجه، فقالت بهدوء وهي تبتسم إليه: الحلم أحرى بالملك. # ولكنه هز كتفيه العريضين استخفافا وقال: أتوصينني بالحلم أيتها الملكة؟ إنه ~~لثوب زائف يتقنع به الضعفاء. # فقالت الملكة في تألم ظاهر: مولاي .. لماذا تضيق بالفضائل ذرعا؟ ~~- أحقا أنا فرعون؟ .. وهل حقا أتمتع بشبابي وقوتي؟ .. فكيف إذن أريد، ولا أستطيع ~~نيل ما أريد؟ .. كيف تنظر عيناي إلى أراضي مملكتي فيتصدى لي عبد ويقول: لن يكون هذا ~~لك؟ # فوضعت يدها على ذراعه، وأرادت أن تجذبه إلى الديوان، ولكنه تخلص منها، ومضى يذرع ~~الحجرة جيئة وذهابا، غاضبا ساخطا، فقالت بلهجة تنم على الأسف العميق: لا تصور ~~الأمور لنفسك على هذا النحو .. واذكر دائما أن الكهنة رعاياك المخلصون، وأن أراضي ~~المعابد كانت منحا تنازل عنها أجدادنا ولكنها اكتسبت صفة الحقوق الكاملة، وأنت تريد يا ~~مولاي أن تستردها، فمن الطبيعي أن يقلقوا. # قال الملك الشاب بحدة: أريد أن أشيد قصورا ومقابر، وأن أتمتع بحياة سعيدة ~~عالية، ولا يقف في سبيل رغباتي إلا أن نصف أراضي المملكة في أيدي أولئك الكهنة .. أيجوز ~~أن تعذبني رغباتي كالفقراء؟ ألا سحقا لهذه الحكمة الفارغة، أوتعلمين ماذا حدث اليوم؟ ~~.. لقد هتف نفر منهم في أثناء سير الموكب باسم ذلك الرجل خنوم حتب، أرأيت أيتها ~~الملكة؟ .. إنهم يتحدون فرعون عينا لعين! # فاستولت الدهشة على الملكة، واصفر وجهها الوديع، وتمتمت بكلمات غير مسموعة، فقال ~~الملك بلهجة ساخرة مريرة: ماذا دهاك أيتها الملكة؟ # أحست بلا شك بانزعاج واستياء، ولولا أن الملك غاضب إلى حد الثورة لما حاولت أن ~~تخفي غضبها، ولكنها تسلطت على انفعالاتها بإرادة من حديد، وقالت بهدوء: دع هذا ~~الحديث إلى وقت آخر؛ فإنك على وشك استقبال رجال مملكتك وعلى رأسهم خنوم حتب، وينبغي أن ~~تقابلهم المقابلة الرسمية الكاملة. # فنظر فرعون إليها نظرة غامضة، وقال بسكينة مخيفة: إني أعرف ما أريد، وما ينبغي أن ~~أفعل. # وفي الوقت المحدد، استقبل الملك رجال مملكته في البهو الرسمي العظيم، واستمع إلى خطب ~~الكهنة، وآراء حكام الأقاليم، ولاحظ كثيرون أن ms012 الملك «لم يكن راضيا»، وحين تفرق ~~الجمع استبقى الملك رئيس وزرائه وحده واختلى به زمنا غير يسير، وملكت الحيرة النفوس، ~~ولكن لم يجرؤ أحد على التساؤل، ثم ظهر رئيس الوزراء، وحاول كثيرون أن يقرءوا صفحة وجهه، ~~لعلهم يعثرون على بينة، ولكن وجهه كان جامدا كالصخر لا يبين. # وأمر الملك مستشاريه المقربين، سوفخاتب كبير الحجاب وطاهو رئيس الحرس، أن يسبقاه إلى ~~موضع سمرهم على شاطئ بركة الحديقة، ودار في الممرات المعشوشبة، يبدو على وجهه الأسمر ~~ارتياح، كأنه أرضى الغضب العنيف الذي طالبه بالثأر منذ حين قليل، فمشى الهوينى يستروح ~~الشذا الطيب الذي تبعث إليه به الأشجار تحية وسلاما، وينقل ناظريه بين الأزهار ~~والثمار، ثم اتخذ سبيله إلى البركة الغناء، فوجد رجليه في انتظاره؛ سوفخاتب بجسمه ~~النحيل الطويل، ورأسه الأشيب، وطاهو بجسمه القوي الفولاذي الذي تربى على متون الخيل ~~والعجلات. # وحاول كلا الرجلين أن يقرأ صفحة وجه الملك بإمعان ليستكنه باطنه ويطمئن على ~~السياسة التي يشير باتباعها نحو الكهنة، وكانا سمعا الهتاف الجريء الذي عد في جميع ~~الدوائر تحديا لسلطة فرعون، وكانا يتوقعان له رجعا شديدا في نفس الملك الشاب، ~~وعلما بعد ذلك باستبقاء فرعون لرئيس وزرائه بعد انتهاء التشريفات، فخفق قلباهما، وأشفق ~~سوفخاتب من عواقب غضبة الملك؛ لأنه كان ينصح دائما بالتؤدة والأناة والصبر، وبمعالجة ~~مشكلة الأراضي بمنتهى الاعتدال، أما طاهو فكان يرجو أن يدفع غضب الملك إلى الانضمام إلى ~~رأيه، فيصدر أمره بنزع أملاك المعابد وينذر الكهنة إنذارا نهائيا. # وجعل الرجلان المخلصان ينظران إلى وجه مولاهما، يرجوان، ويكابدان قلقا أليما، ولكن ~~فرعون كتم عواطفه، وطالعهما بوجه كأبي الهول. وكان يعلم بما تضطرم به نفساهما، وكأنه رغب ~~في أن يمد لهما حبل الوساوس، فجلس على أريكة في هدوء، وأمرهما بالجلوس، وسرعان ما عاودت ~~وجهه هيئة الجد والاهتمام، فقال: يحق لي اليوم أن أغضب وأن أتألم. # وفهم الرجلان ما يعني، ورن في أذنيهما الهتاف الجريء مرة أخرى، فرفع سوفخاتب يديه ~~تألما وإشفاقا، وقال بصوت متهدج: تعالى مولاي عن دواعي الألم والغضب! # وقال ms013 طاهو بقوة: لا يجوز أن يألم مولاي وفي المملكة سلاح لا ينثلم، ورجال يفتدونه ~~بالأرواح، حقا إن هؤلاء الكهنة على علمهم وخبرتهم يتنكبون سبيل الرشاد، ويركبون ~~رءوسهم، ويعرضون أنفسهم إلى تهلكة لا قبل لهم بها. # فأحنى الملك رأسه ناظرا إلى ما تحت قدميه، وقال: إني أتساءل: هل قوبل أحد من آبائي ~~وأجدادي طوال عهد حكمه بمثل ما قوبلت به اليوم من هتاف، وما مضى على جلوسي سوى بضعة ~~أشهر؟ # فالتمعت عينا طاهو بنور خاطف مخيف، وقال بيقين: القوة يا مولاي .. القوة يا مولاي ~~.. كان أجدادك المقدسون أقوياء، يحققون إرادتهم بعزيمة كالجبال، وسيف كالقضاء، كن ~~مثلهم يا مولاي، لا تتردد ولا تركن إلى الحلم، واضرب إذا ضربت ضربة شديدة لا تعرف ~~الرحمة، تذهل الجبار عن نفسه، وتخنق في صدره أوهى الأمل. # ولم يرق هذا الكلام في عيني الشيخ الحكيم سوفخاتب، وذعر من حماس قائله، وأشفق من ~~عواقبه، فقال: مولاي .. إن الكهنة منبثون في أقطار المملكة كالدم في الجسم، منهم الولاة ~~والقضاة والكتاب والمربون، وسلطانهم على القلوب مبارك بيد الأرباب منذ القدم، وليس ~~لدينا من قوة حربية سوى الحرس الفرعوني وحامية بيلاق، فالضربة القاسية قد تأتي بعواقب ~~غير محمودة. # ولم يكن طاهو يؤمن بغير القوة، فقال: وما عسى أن نفعل أيها المشير الحكيم؟ .. أنستوصي ~~بالصبر حتى يقتحمنا عدونا، ونرد في عينيه إلى الهوان؟ ~~- ليس الكهنة بأعداء لفرعون، ومعاذ الرب أن يوجد لفرعون من شعبه عدو، فالكهنة طائفة ~~مخلصة أمينة، وما نأخذ عليهم إلا أن امتيازاتهم أكثر مما يقتضي الحال، وأقسم إني ~~ما يئست يوما من إيجاد الحل الموفق الذي يحقق رغبة مولاي، ويحفظ للكهنة ~~حقوقهم. # وكان الملك يستمع إليهما في هدوء، وعلى فمه العريض ابتسامة غامضة، فلما أتم سوفخاتب ~~كلامه، قال بهدوء وهو يرمقهما بعينين ساخرتين: أريحا نفسيكما أيها الرجلان المخلصان؛ ~~فقد أطلقت سهمي. # واستولت الدهشة على الرجلين، ونظرا إلى الملك في إشفاق وأمل وخوف. وكان طاهو أدنى إلى ~~الأمل، أما سوفخاتب فامتقع وجهه وعض على شفتيه، وانتظر صامتا سماع الكلمة الفاصلة ms014 . ~~وقال الملك بلهجة نمت عن الزهو والتشفي: تعلمان أني استبقيت الرجل بعد انصراف الناس ~~جميعا، ولما أن خلا المكان ابتدرته قائلا: إن الهتاف باسمه تحت سمعي وبصري عمل ~~حقير خئون. وأكدت له أني لا أعدم الهاتفين من شعبي النبيل الأمين، فرأيته يضطرب ~~ويبهت، ويحني رأسه الكبير على صدره الضيق، وفتح فمه ليتكلم، ولعله كان يريد أن يعتذر ~~بصوته الهادئ البارد. # وقطب الملك جبينه، وصمت لحظة، ثم استطرد قائلا بعنف: ولم أتركه يعتذر، فقطعت عليه ~~بإشارة من يدي، وصارحته بكلام صارم، مؤكدا له أنه من تفاهة العقل أن يظن مثل ذاك ~~الهتاف يردني عن رأي اعتزمته، ثم أخبرته بأن نيتي انتهت إلى ضم أملاك المعابد ~~إلى أراضي التاج، وأنه لن يترك للمعابد منذ اليوم إلا ما يقوم بحاجتها من الأراضي ~~والنذور. # وكان الرجلان يصغيان بكل حواسهما إلى حديث الملك، أما سوفخاتب فكان ممتقع اللون، ~~منكفئ الوجه، يعاني مرارة الخيبة، وأما طاهو فكان متهللا فرحا، كأنه يستمع إلى لحن ~~جميل، يتغنى بمجده وعظمته، واستدرك الملك قائلا: لا شك أن قراري أذهل خنوم حتب، ~~وأخرجه عن طوره، فبدا عليه الجزع، وتوسل إلي قائلا: إن أراضي المعابد هي أراضي ~~الأرباب، وإن خيراتها تعود في الغالب إلى الشعب والفقراء، وينفق في وجوه التعليم والتربية ~~الخلقية، وحاول أن يفيض، ولكني أوقفته بإشارة من يدي، وقلت له: إن هذه هي إرادتي، ~~وإن عليه تنفيذها دون إبطاء، وآذنته بانتهاء المقابلة. # فلم يتمالك طاهو أن صاح فرحا: باركتك الأرباب جميعا يا مولاي! # فابتسم الملك ارتياحا، ولاحت منه نظرة إلى وجه سوفخاتب في ساعة خذلانه، فأحس نحوه ~~بعطف وقال: أنت رجل مخلص يا سوفخاتب، ومشير نصوح .. فلا يحزنك أن خولف رأيك. # فقال الرجل: لست يا مولاي من قوم مغرورين، يغضبون أشد الغضب إذا خولفت نصيحتهم، لا ~~خوفا من العواقب، ولكن ذودا عن كرامتهم، حتى ليبلغ الغرور بأحدهم أن يتمنى لو يقع شر ~~كان أنذر به، ليعرف من لا يعرف قدره .. أعوذ بالرب من شر الغرور، فما يدفعني إلى محض ~~النصيحة ms015 سوى الإخلاص وما يحزنني حين مخالفتها سوى الإشفاق من صدق حدسي، وما أتمنى على ~~الرب من شيء إلا أن يكذب رأيي، ليطمئن قلبي. # وكأن فرعون أراد أن يطمئنه، فقال: لقد نلت بغيتي، ولن ينالوا شيئا مني؛ فمصر تعبد ~~فرعون، ولا ترضى عنه بدلا. # فأمن الرجلان على قول مولاهما بإخلاص، ولكن كان سوفخاتب مضطربا، يحاول عبثا أن ~~يقلل من خطورة الأمر الذي أصدره فرعون، ويذكر في ضيق صدر أن الكهنة سيتلقون الأمر ~~الشديد وهم مجتمعون في آبو، فيتسع لهم المقام لتبادل الرأي، وتباث الشكوى، فيعودون إلى ~~ولاياتهم وقد أطبقت أفواههم على التذمر والحزن، وإنه ليعلم علم اليقين من هم الكهنة ~~وما هو نفوذهم على القلوب والعقول .. ولكنه لم يبن عن آرائه؛ لأنه وجد الملك فرحا ~~راضيا ضاحك الثغر، فأشفق من تعكير صفوه، وبسط صفحة وجهه، ورسم على شفتيه ابتسامة ~~راضية. # وقال الملك بسرور: لم أشعر بمثل نشوة الظفر هذه منذ اليوم الذي انتصرت فيه على قبائل ~~المعصايو جنوب النوبة في حياة أبي، فلنشرب نخب هذا الفوز السعيد. # وجاءت الجواري بإبريق من خمر مريوط وكئوس ذهبية، وصببن الخمر، وقدمن كئوسا ~~مترعات إلى الملك والرجلين المخلصين، فشربوا في صفاء وهناء وعلوا في نشوة، وجعل سوفخاتب ~~يذب عن قلبه الخواطر المقلقة، ليركز حواسه في رحيق مريوط، ويشارك الملك والقائد ~~سعادتهما، وكانوا جلوسا صامتين تتبادل أعينهم المودة والصفاء، والبركة من تحتهم ~~يستحم في مائها الطرب شعاع الشمس المائل، والأشجار من حولهم ترقص أغصانها على شدو ~~الأغاريد، وتنبثق الأزهار من بين أوراقها انبثاق الخواطر السعيدة من غيابات النفوس .. ~~واستسلموا إلى يقظة ناعسة زمنا غير يسير حتى انتبهوا على حادثة غريبة انتزعتهم من ~~أحلامهم بعنف؛ إذ سقط شيء في حجر الملك من عل، فانتفض واقفا، وتبعه الرجلان، فسقط الشيء ~~عند قدميه، وإذا به صندل ذهبي، ونظروا إلى أعلى دهشين، فرأوا نسرا هائلا يحلق في ~~سماء الحديقة فوق رءوسهم ويبعث في الفضاء صرصرة مخيفة، ويصليهم نظرات ملتهبة من عينين ~~متقدتين، ثم ضرب بجناحيه الهواء ضربة عنيفة حلق بها ms016 في آفاق بعيدة. # وعادوا بالنظر إلى الصندل، والتقطه الملك بيده، وجلس يتأمله بعينين مبتسمتين تلوح ~~فيهما آي الدهشة. ونظر الرجلان إلى الصندل بغرابة، وتبادلا نظرات الإنكار والدهشة ~~والارتياب. # ومضى الملك في تأمله، ثم غمغم قائلا: هذا صندل امرأة، بلا ريب، ما أجمله وما ~~أثمنه! # وتساءل طاهو وعيناه تلتهمان الصندل: ترى هل خطفه النسر؟ # فابتسم الملك قائلا: لا يوجد في حديقتي شجر يتساقط منه نبت طيب كهذا. # وقال سوفخاتب: يعتقد العامة يا مولاي أن النسر يتعشق الحسان، وأنه يخطف من ~~العذارى من تهوي إليها نفسه، ويطير بها إلى قمم الجبال، فلعل هذا النسر عاشق هبط منف ~~وابتاع الصندل لحبيبته، ثم خانه الحظ فأفلت من بين مخالبه، وسقط عند قدمي مولاي. # وجعل الملك يتأمله مسرورا منفعلا، ويقول: ترى كيف خطفه؟ .. أخشى أن يكون لإحدى ~~ساكنات السماء. # فعاد سوفخاتب يقول باهتمام: أو لإحدى ساكنات الأرض يا مولاي، خلعته مع ثيابها على شاطئ ~~بركة، وتعرت تستحم، فجاء النسر وخطفه. ~~- ورمى به إلى حجري .. يا للعجب، لكأني به يعلم بحبي للحسان! # فابتسم سوفخاتب ابتسامة ذات معنى، وقال: أسعدت الآلهة أيامك يا مولاي. # وتبدت الأحلام في عيني الملك، وابتسمت أساريره، ولان جبينه، وتوردت وجنتاه، وكان ~~ينظر إلى الصندل لا تفارقه عيناه، ويسائل نفسه: ترى من صاحبته؟ وما صورتها؟ وهل هي ~~جميلة كصندلها؟ وكيف لا تدري أن صندلها سقط في حجر الملك؟ وما شأن الأقدار التي نصبته ~~هدفا له؟ وعثر بصره بصورة منقوشة على باطنه، فقال وهو يشير إليها: ما أجمل هذه الصورة! ~~.. إنه فارس وسيم، يقدم قلبه هدية على يده المبسوطة. # ووقعت هذه العبارة من قلب الرجلين موقع الانتباه الشديد فالتمعت أعينهما بنور خاطف، ~~وتطلعا إلى الصندل باهتمام عظيم، وقال سوفخاتب: هل يتنازل مولاي عن الصندل لحظة؟ # فأعطاهه، ونظر إليه كبير الحجاب، كما نظر إليه طاهو، ثم رده الرجل إلى الملك وهو ~~يقول: صدق حدسي يا مولاي .. هذا صندل رادوبيس غانية بيجة الشهيرة. # فتساءل الملك قائلا: رادوبيس .. يا له من اسم جميل! .. من عسى أن تكون ms017 صاحبته؟! # وساور القلق قلب طاهو واختلجت عيناه فقال: هي راقصة يا مولاي يعرفها أهل الجنوب ~~جميعا. # فابتسم فرعون وقال: ألسنا من أهل الجنوب؟ حقا إن الملوك قد تخترق أعينها سجف الأفق ~~القصي، وتعمى عما يقع عليه ظلها. # واشتد القلق بطاهو، فقال وقد امتقع لونه: إنها امرأة يا مولاي قد طرق بابها رجال ~~آبو وبيجة وبيلاق. # وكان سوفخاتب يعلم بما يساور قلب صاحبه من المخاوف، فقال وهو يبتسم ابتسامة غامضة ~~ماكرة: على أية حال هي صورة أنثوية يا مولاي، جعلتها الآلهة آية على قدرتها ~~وإعجازها. # فردد الملك ناظريه بين الرجلين وقال مبتسما: وحق الرب سوتيس إنكما لأخبر أهل ~~الجنوب بها. # فقال سوفخاتب بهدوء: إن بهو استقبالها يا مولاي ملتقى أهل الرأي والفن ~~والسياسة. ~~- حقا إن الجمال عالم ساحر، يطالعنا كل يوم بالمعجزات، هل هي أجمل من ~~رأيت؟ # فقال سوفخاتب باطمئنان: هي الجمال عينه يا مولاي، هي فتنة قهارة، وعاطفة لا تقاوم. ~~لقد صدق الفيلسوف هوف وهو من أصدقائها المقربين إذ قال يوما: إنه من أخطر الأمور في ~~حياة الرجل أن تقع عيناه على وجه رادوبيس. # وتنهد طاهو يائسا، وحدج كبير الحجاب بنظرة خاطفة فهم معناها، ثم قال: إن ~~جمالها يا مولاي جمال شيطاني رخيص، لا تضن به على طالب! # فضحك الملك بصوت عال، وقال: كلاكما يغريني وصفه. # فقال سوفخاتب: ألا فلتروك سماء مصر بأجمل ما تظل من السعادة يا مولاي. # ونزع خيال الملك به إلى النسر، فتولاه عجب ساحر، أضفى عليه ما سمعه نسيجا رقيقا من ~~الفتنة والأحلام، فتساءل وكأنه يحادث نفسه: ترى أأحسن النسر في اختيارنا هدفا له أم ~~أساء؟ # واختلس طاهو نظرة عاجلة من وجه مولاه المكب على ما بين يديه، وقال في حيرة: ما هي ~~إلا مصادفة يا مولاي. وما يؤسفني إلا أن أرى هذا الصندل الملوث بين يدي مولاي ~~المعبودتين. # ولحظ سوفخاتب صاحبه بنظرة ساخرة متشفية، وقال بهدوء: مصادفة؟ .. إن هذه الكلمة يا ~~مولاي مهضومة الحق، يظن بها التخبط والعمى، ومع هذا فهي المرجع الوحيد لأغلب السعادات ms018 ~~وأجل الكوارث؛ فلم يبق للآلهة إلا القليل النادر من حادثات المنطق، كلا يا مولاي، ~~إن كل حادثة في هذا العالم لا شك موكلة بإرادة رب من الأرباب، ولا يجوز أن ~~تخلق الآلهة الحادثات - جلت أو تفهت - عبثا أو لهوا. # فجن جنون طاهو، وكظم بقوة تيار غضب جنوني كاد أن يجرف هدوءه في حضرة الملك، وقال ~~لسوفخاتب بلهجة تنم عن اللوم والتعنيف: أتريد أيها المعظم سوفخاتب أن تشغل بال ~~مولاي، في هذه الساعة الجليلة، بأمثال هذه الأوهام؟ # فقال سوفخاتب بهدوء: إن الحياة جد ولهو، كما إن اليوم نهار وليل، والرجل الحكيم ~~من لا يذكر في أوقات جده أسباب لهوه، ولا يعكر صفو لهوه بأمور جده، فمن أدراك ~~أيها القائد؟ فلعل الآلهة لسابق علمها بحب مولانا الجمال، أرسلت إليه هذا الصندل على ~~يد النسر العجيب. # وقلب الملك عينيه في وجهيهما واستضحك قائلا: أدائما على اختلاف أيها الرجلان؟ ~~كما تشاءان، ولكن كان ينبغي أن أجد في طاهو الرجل مغريا بالهوى، وفي سوفخاتب الشيخ زاجرا ~~عنه، وعلى أية حال لا مندوحة لي من الميل مع رأي سوفخاتب في الحب، كما ملت إلى رأي ~~طاهو في السياسة. # وقام الملك واقفا، فقام الرجلان، وألقى نظرة على الحديقة الواسعة وهي تودع الشمس ~~المائلة نحو الأفق الغربي، وقال وهو يهم بالمسير: أمامنا ليلة عمل شاقة، فإلى الغد، ~~ولسوف نرى. # وذهب فرعون والصندل في يده، فانحنى الرجلان في إجلال. # ووجدا نفسيهما منفردين مرة أخرى، فوقف كل منهما بإزاء صاحبه؛ طاهو بجسمه الطويل ~~وصدره العريض وعضلاته الفولاذية، وسوفخاتب بجسمه الدقيق النحيل وعينيه الصافيتين ~~العميقتين وابتسامته الجميلة العظيمة. # وكان كل منهما يحس بما اختلج في صدر صاحبه، فيبتسم سوفخاتب، ويقطب طاهو جبينه. ~~ولم يستطع القائد أن يودع الحاجب بغير قول ينفس به عن صدره الكظيم، فقال: غدرت بي ~~أيها الصديق سوفخاتب، بعد أن لم تطق منازلتي وجها لوجه. # فرفع سوفخاتب حاجبيه إنكارا، وقال: يا له من كلام بعيد عن الحق أيها القائد! ما لي ~~أنا والحب؟ ألم تعلم بأني شيخ فان ms019 ، وأن حفيدي سنب طالب في جامعة أون؟ ~~- ما أسهل تزوير الكلام عليك أيها الصديق! ولكن الحقيقة تهزأ بلسانك اللبق الحكيم ~~.. ألم يمل قلبك الفتي يوما إلى رادوبيس؟ ألم يسؤك أن تهبني عطفا لم تظفر به ~~أنت؟ # فرفع الشيخ يديه يستعيد من كلام القائد، وقال: إن خيالك لا يقل عن عضلات ساعدك ~~الأيمن، والحق أنه إذا كان قلبي مال إلى هذه الغانية يوما، فعلى طريقة الحكماء ~~المبرأة من الطمع! ~~- أما كان يجمل بك ألا تفتن خيال مولانا بحسنها إكراما لي؟ # فبدت الدهشة على سوفخاتب، وقال باهتمام وأسف صادق: أحقا أنك تجد في الأمر جدا؟ ~~.. أم أنك ضقت بدعابتي ذرعا؟ # فقال طاهو بسرعة: لا هذا ولا ذاك أيها المعظم، ولكن يسوءني فقط أن نختلف ~~دائما. # فابتسم كبير الحجاب، وقال بهدوئه الطبيعي: لن يزال يجمعنا رباط وثيق هو الإخلاص ~~لصاحب العرش! # | قصر بيجة # غاب الموكب الفرعوني عن الأنظار، ورفعت تماثيل ملوك الأسرة السادسة، فاندفع الناس من ~~جانبي الطريق، فتلاطمت أمواجهم، واختلطت أنفاسهم، كأنهم بحر موسى الذي انشق له ~~طوعا، وانقض على أعدائه كاسرا، فأمرت رادوبيس عبيدها بالعودة إلى السفينة. وكانت نشوة ~~الحماس التي انبعثت في قلبها لدى ظهور فرعون ما تزال تلتهب في قلبها نارا وتندفع إلى ~~أطرافها دما حارا. وكانت صورته لا تفارق مخيلتها، لشبابه الغض، ونظراته ~~المتعالية، وقده الرشيق، وعضلاته المفتولة. # وكانت رأته قبل ذلك في يوم التتويج العظيم منذ شهور قلائل، وكان يقف في عجلته كما وقف ~~اليوم فارع الطول جاهر الجمال، مرسلا بناظريه إلى الأفق البعيد، وقد تمنت يوم ذاك كما ~~تمنت اليوم لو عطف إليها عينيه. # ترى لماذا؟ .. ألأنها تطمع في أن يفوز جمالها بما هو أهله من التكريم؟ أم لأنها ~~تود في أعماقها لو تراه في هيئة البشر بعد أن رأته في قداسة الأرباب المعبودة؟ كيف ~~السبيل إلى فهم هذا التمني؟ .. على أنه مهما كانت حقيقته، فقد تمنت صادقة، وتمنت ~~مخلصة مشوقة. # لبثت الغانية مستغرقة في غمرات أحلامها، فلم تعن بالالتفات إلى الطريق المزدحم الذي ~~يجتازه ركبها ms020 الصغير بشق الأنفس، ولم تلق أدنى انتباه إلى الآلاف من الخلق الذين ~~يكادون أن يلتهموها، بنهم وشراهة. وصعد بها إلى السفينة ونزلت من الهودج في المقصورة، ~~واطمأنت إلى عرشها الصغير، وهي في شبه غيبوبة تسمع ولا تعي، وتنظر ولا ترى .. وانسابت ~~بها تشق وجه النيل الرزين، حتى رست إلى سلم حديقة قصرها الأبيض، عروس جزيرة بيجة. ~~وكان القصر يرى عن بعد في نهاية الحديقة اليانعة التي تنتهي معارجها إلى سيف النيل، ~~تحوط به أشجار الجميز، ويحنو عليه النخيل، كأنه زهرة بيضاء نبتت في أحضان تلك الجنة ~~الوارفة. فهبطت أدراج السفينة، ووضعت قدمها على أولى درجات الحديقة، وصعدت سلما ~~من المرمر المصقول، يمتد بين سورين من الجرانيت، تنتصب على الجانبين مسلات عالية ~~نقشت عليها أشعار رقيقة لرامون حتب، إلى أن بلغت أرض الحديقة السندسية. # واجتازت بوابة من الحجر الجيري نقش اسمها على واجهتها باللغة المقدسة، وقام في ~~وسطها تمثال لها بالحجم الطبيعي، نحته هنفر، وأفنى فيه دهرا جميلا من أسعد أيام ~~حياته، يمثلها جالسة على عرشها الجميل الذي تستقبل عليه المقربين، ويكشف في روعة ~~فنية رائعة عن جمال الوجه، وتكعب الثديين، ورشاقة القدمين. ثم خلصت إلى ممر وسيط ~~اصطفت على جانبيه الأشجار تعانقت أعالي أغصانها، فظللت عليه سقفا من الأزهار ~~والأوراق الخضراء، وفرشت أرضه بالحشائش والأعشاب، وكانت توازيه عرضا من اليمين والشمال ~~ممرات جانبية قدت على نفس الصورة، تنتهي ذات اليمين إلى سور الحديقة الجنوبي، وذات ~~الشمال إلى سورها الشمالي. وكان هذا الممر ينتهي إلى الكرمة المتفرعة المتسلقة على ~~أعراش من عمد رخامية، تنبسط إلى يمينها غابة من الجميز، وتمتد إلى يسارها غابة من ~~النخيل أقيمت فيها هنا وهناك بيوت القردة والغزال، وانتشرت في جنباتها المترامية ~~التماثيل والمسلات. # وانتهت بها قدماها إلى بركة واسعة من ماء غير آسن، ينطلق على شطآنها نبات اللوتس، ~~ويسبح في سطحها الإوز والبط وتغني في جوها الأطيار، وقد انتشر شذا العطر وأريج ~~الزهر وغردت البلابل. # ودارت حول البركة نصف دورة كاملة، فصارت أمام الحجرة الصيفية، ووجدت ms021 في استقبالها ~~جماعة من الجواري انحنين لها إجلالا، ثم وقفن ينتظرن أوامرها، وأسلمت الغانية نفسها إلى ~~أريكة مظللة تستريح .. ولم يطل بها المقام فانتفضت واقفة، وقالت لجواريها: كم ~~ضايقتني أنفاس القوم الحارة .. وكم أرهقني الحر .. اخلعن ثيابي؛ فقد تقت إلى مياه ~~البركة الباردة. # فدنت الجارية الأولى من سيدتها، ورفعت بخفة خمارها الموشى بالذهب نسيج منف ~~الخالدة. # ثم تقدمت اثنتان فخلعتا العباءة الحريرية، فكشفتا عن قميص شفاف انحسر عما فوق ~~النهدين وما تحت الركبتين، ثم تبعتهما جاريتان فسحبتا بيدين رقيقتين القميص السعيد، ~~وروعتا الدنيا بجسد طليق، خلقته الآلهة جميعا، وادعاه كل لقدرته وفنه! # واقتربت جارية أخرى وحلت عقدة شعرها الفاحم، فانساب على جسدها، وغشاه من الجيد إلى ~~الرسغين، وانحنت على قدميها وخلعت صندلها الذهبي ووضعته على حافة البركة. ومشت الغانية ~~تتهادى، وهبطت درجات البركة المرمرية على مهل، ومضى الماء يغمر القدمين، فالساقين، ~~فالفخذين، ثم ألقت بجسمها في الماء الهادئ يأخذ منه عطرا ويعطيه بردا وسلاما. ~~واستسلمت لمداعبة الماء في رخاوة، ولعبت فيه ما شاء لها الهوى والمرح، وسبحت طويلا ~~تارة على بطنها، وتارة على ظهرها، وثالثة على أحد جانبيها. # وما كانت لتعير شيئا اهتماما لولا أن صك أذنيها صراخ فزع يرسله جواريها، ~~فتوقفت عن السباحة، والتفتت إليهن، فراعها أن رأت نسرا هائلا يحلق من علو ~~قريب من شاطئ البركة، ويرف بجناحيه، ففرت من بين شفتيها صرخة فزع، وغاصت في الماء ~~تنتفض فزعا ورعبا، وتصبرت بجهد جهيد، وحبست أنفاسها طويلا حتى أحست بالاختناق، ~~ونفدت قدرتها فرفعت رأسها في خوف وحذر، ونظرت فيما حولها وهي تخشى، فلم تر شيئا، ~~فنظرت إلى السماء فوجدت النسر يولي بعيدا يوشك أن يلج باب الأفق، فسبحت إلى ~~الشاطئ على عجل، وصعدت الأدراج مسرعة مضطربة، ووضعت قدمها في إحدى زوجي صندلها، ~~ولكنها لم تجد الأخرى، وبحثت عنها طويلا ثم سألت: أين الأخرى؟ # فأجابها الجواري في قلق: خطفها النسر! # وتبدى الأسف على وجهها، ولكنها لم تجد متسعا من الوقت لإعلان سخطها، فدلفت إلى ~~الحجرة الصيفية، والجواري من حولها وبين ms022 يديها يجففن جسدها الغض، تنحدر عليه نقط ~~الماء كأنها لؤلؤ ينتشر على أديم عاج. ~~••• # ولدى الغروب تأهبت لاستقبال الضيوف، وما أكثرهم في أيام العيد التي تجذب الناس إلى ~~الجنوب من كل صوب! فارتدت أجمل ثيابها، وازينت بأفخر حليها، ثم تركت المرآة إلى ~~بهو الاستقبال، تنتظر القادمين وقد آن موعدهم. # وكان البهو آية من آيات الفن والعمارة، بناه المعمار هني، وجعل صورته على هيئة ~~بيضاوية، وشيد جدرانه من الجرانيت كبيوت الأرباب، وكساه بطبقة من الصوان ذات ألوان ~~تسر الناظرين، وكان سقفه مقببا تزينه الصور والتهاويل، وتتدلى منه المصابيح ~~المكفتة بالذهب والفضة. # وزخرف الجدران المثال هنفر، وتنافس العشاق في تأثيثه بإهداء المقاعد الوثيرة ~~والدواوين الفاخرة، والرياش الجميلة. وكان عرش الغانية أبدع هذه التحف جميعا؛ فهو من ~~العاج الثمين على قوائم من سن الفيل، وقاعدته من الذهب الخالص المحلى بالزمرد ~~والياقوت، وقد أهداه إياها حاكم جزيرة بيجة. # ولم يطل انتظار الغانية، فدخل عبد من عبيدها، وأعلن قدوم السيد عانن تاجر سن الفيل. ~~ودخل الرجل على الأثر يهرول في ثيابه الفضفاضة، ويزهو بشعره المستعار، يتبعه عبد يحمل ~~صندوقا من العاج المطعم بالذهب، وضعه على كثب من كرسي الغانية، ورجع من حيث أتى. ~~وانحنى التاجر على يد رادوبيس، ولثم أناملها، فابتسمت له، وقالت بصوتها الحلو: أهلا بك ~~أيها السيد عانن. كيف حالك؟ أهكذا لا نراك إلا كل دهر طويل؟! # فضحك الرجل سعيدا مسرورا، وقال: ماذا أصنع يا مولاتي؟! .. هي حياتي التي اخترتها أو ~~التي فرضتها الأقدار علي، أن أكون أخا سفر، جواب أرض، تتقاذفني البلدان، فأقضي نصف ~~عامي في بلاد النوبة، ونصفه الثاني ما بين الجنوب والشمال، أشتري وأبيع، وأبيع وأشتري، لا ~~أعرف لحياتي مستقرا! # فنظرت إلى الصندوق العاجي وهي لا تزال تبتسم وسألته: وما هذا الصندوق الجميل؟ أخال ~~أنه هدية من هداياك النفيسة؟ ~~- ليس الصندوق بالذات، ولكن ما فيه .. هو سن فيل مفترس، أقسم التاجر النوبي الذي ~~ابتعته منه أن صيده كلفه أربعة من رجاله الأشداء، فحفظته في مكان أمين، ولم أعرضه ~~على الطالبين ms023 . ولما ألقيت عصا الترحال في تنيس، دفعت به إلى أيدي صانعيها المهرة، ~~فبطنوه بقشرة من خالص الذهب، وطلوه من الخارج، فصار كأسا لا يشرب منها إلا الملوك .. ~~وقلت لنفسي: أحرى بتلك الكأس التي كلفت نفوسا غالية، أن تهدى إلى من تبذل في ~~سبيلها النفوس العزيزة رخيصة وهي راضية. # فضحكت رادوبيس ضحكة رقيقة، وقالت: شكرا لك أيها السيد عانن .. إن هديتك على ~~نفاستها لا تعدل بجمال حديثك! # فطرب أيما طرب، ورنا إليها بعين ناطقة بالإعجاب والتوسل، وقال بصوت خافت: ما ~~أجملك! .. ما أفتنك! .. كلما عدت من سفر طويل أجدك أجمل وأفتن مما تركتك، ~~وكأني بالزمان لا عمل له إلا السمو بحسنك الفاتن. # وكانت تصغي إلى إطراء حسنها، كمن يصغي إلى نغمة معادة، فطاب لها أن تتهكم به ~~فسألته: كيف حال أبنائك؟! # فأحس بشيء من الخيبة، وصمت لحظة، ثم انحنى على الصندوق ورفع غطاءه، فبدا الكأس نائما ~~على جانبه، ثم قال وهو يرفع رأسه إليها: ما ألذع سخريتك يا سيدتي! ومع هذا فلن تجدي ~~شعرة بيضاء برأسي، وهل يستطيع من تقع عيناه على وجهك أن يحتفظ في قلبه بأدنى حرارة ~~لامرأة سواك؟! # فلم تجبه، وما تزال تبتسم، ثم دعته للجلوس فجلس قريبا منها. واستقبلت على أثر ذلك ~~جماعة من التجار وكبار المزارعين، منهم من يتردد على قصرها كل مساء، ومنهم من لا ~~تراه إلا في الأعياد والمناسبات، فرحبت بهم بابتسامتها الفاتنة، ثم رأت المثال هنفر ~~يلج باب البهو بقامته الرشيقة، وحنجرته الناتئة، وشعره المفلفل، وأنفه الأفطس، وكان من ~~الرجال الذين تستخف ظلهم، فأعطته يدها، ولثمها الرجل في حب عميق. وقالت تداعبه: ~~أيها الفنان الكسول. # ولم يرض هنفر عن هذا الوصف فقال: لقد انتهيت من عملي في زمن قصير. ~~- والحجرة الصيفية؟ ~~- هي الباقية بلا زخرف، وإنه ليؤسفني أن أقول لك بأني لن أزخرفها بنفسي. # فبدا التساؤل على وجه رادوبيس، فقال الرجل: سأرتحل بعد غد إلى بلاد النوبة؛ لأن أمي ~~مريضة، وقد بعثت إلي رسولا يبلغني رغبتها في رؤيتي، فلم أر بدا من السفر ms024 . ~~- خففت الأرباب عنها وعنك. # فشكرها هنفر وقال: لا تظني أني نسيت الحجرة الصيفية؛ ففي الغد يأتيك أنبغ تلاميذي ~~بنامون بن بسار، ويقوم بزخرفتها على أكمل الوجوه، إني أثق به ثقتي بنفسي، ولعلك ~~ترحبين به وتشجعينه. # فشكرته على عنايته بها، ووعدته خيرا. # واطرد تيار القادمين، فجاء المعمار هني، وقفاه آني حاكم الجزيرة، وتبعهما بعد حين ~~قليل الشاعر رامون حتب. وكان آخر من أتى الفيلسوف هوف، الذي كان في يوم من الأيام أستاذ ~~جامعة أون الأكبر. وقد عاد أخيرا إلى آبو مسقط رأسه، بعد أن نيف على السبعين من عمره، ~~وكانت رادوبيس لا تفتأ تداعبه، فقالت له وهي تستقبله: ما لي إذا رأيتك أشتهي أن ~~أقبلك؟ # فقال الرجل بهدوء: لعلك يا مولاتي من هواة التحف القديمة. ~~••• # ودخلت جماعة من الجواري يحملن أواني من الفضة ملئت طيبا، وباقات من أزهار ~~اللوتس، فدهن رءوس الحاضرين وأيديهم وصدورهم بالطيب، وأهدين إلى كل منهم زهرة من ~~اللوتس. # وقالت رادوبيس بصوت عال: ألم تعلموا بما حدث لي اليوم؟ # فتطلع إليها الجميع بانتباه، وساد الصمت، فقالت باسمة: نزلت أستحم ظهر اليوم في ~~البركة، فهبط نسر بغتة وخطف فردة صندلي الذهبي، وطار بها. # فبدت الدهشة والابتسامة على الوجوه، وقال الشاعر رامون حتب: إن رؤيتك في الماء ~~عارية تهيج الطيور الكاسرة! # وقال عانن بحماس: أقسم بالرب سوتيس على أن النسر كان يتمنى لو يخطف صاحبة ~~الصندل. # فقالت رادوبيس آسفة: كم كان عزيزا لدي! # فقال هنفر المثال: من المحزن حقا أن يضيع شيء تمتع بلمسك أياما وأسابيع، وما ~~مصيره في النهاية إلا السقوط، وقد يسقط في حقل ناء فتطؤه قدم ريفية بسيطة! # فقالت رادوبيس بحزن: مهما يكن مصيره، فلن يعود إلي! # وكان الفيلسوف هوف يعجب لحزن رادوبيس على صندل تافه، فقال يعزيها: على أية حال إن ~~خطف النسر لصندلك فأل حسن، فلا تحزني. # فسأله أحد الأعيان المبرزين: وماذا ينقص رادوبيس من السعادة، وجميع هذه الوجوه من ~~عشاقها؟ # فرد عليه الفيلسوف قائلا: وهو يحدجه بنظرة ساخرة: ينقصها أن تتخلص من ~~بعضهم! # ودخلت ms025 جماعة أخرى من الجواري يحملن أباريق الخمر وكئوس الشراب الذهبية، ودرن بها ~~على الحاضرين كلما لاح العطش على واحد منهم روينه بكأس مترعة، تطفي الظمأ في الفم، ~~وتوقد النار في القلوب. وقامت رادوبيس على مهل، وسارت إلى الصندوق العاجي، ورفعت الكأس ~~العجيبة، ومدت بها يديها إلى الساقية وهي تقول: لنشرب نخب السيد عانن لهديته ~~الجميلة، وعودته السالمة. # فشربوا جميعا هنيئا، وشرب عانن كأسه حتى الثمالة، وأرسل إلى الغانية نظرة امتنان ~~وشكران، ثم التفت إلى صاحب له وقال: أليس من كبريات النعم أن يجري ذكر اسمي على لسان ~~رادوبيس؟ # فأمن الرجل على قوله، وتنبه عند ذاك الحاكم آني إلى وجود السيد عانن، وكان يعرفه، ~~ويعلم بأنه كان في رحلة في الجنوب، فقال له: عود سعيد يا عانن، كيف كانت سفرتك هذه ~~المرة؟ # فأحنى الرجل رأسه احتراما، وقال: حفظتك الآلهة من كل سوء أيها الحاكم الجليل، لم ~~أتوغل هذه المرة فيما وراء إقليم الواوايو، وكانت رحلة موفقة موفورة الخيرات مأمونة ~~العواقب. ~~- وكيف حال صاحب السمو كارفنرو حاكم الجنوب؟ ~~- الحق أن سموه يلقى متاعب جمة بسبب تمرد قبائل المعصايو؛ فهم يضمرون ~~الكراهية للمصريين، ويتربصون لهم، فإذا وقعوا على قافلة هاجموها بلا رحمة، وقتلوا ~~رجالها، ونهبوا تجارتها، ولاذوا بالفرار قبل أن تبلغهم القوات المصرية. # فبدا الاستياء على وجه الحاكم، وسأل التاجر باهتمام: ولماذا لا يسير سموه إليهم بقوة ~~تأديبية؟ ~~- إن سموه لا ينفك يرسل قواته في أعقابهم، ولكنهم لا يواجهون القوات ~~الحربية، ويفرون في الصحاري والغابات، فتضطر القوات إلى العودة بعد نفاد المؤن. ~~ويستأنف العصاة غاراتهم على طرق القوافل. # وكان الفيلسوف هوف يصغي بانتباه إلى كلام عانن، وكانت له خبرة ببلاد النوبة، وكان على ~~علم واف بقضية المعصايو، فسأل التاجر قائلا: لماذا يصر المعصايو دائما على ~~العصيان؟! .. إن البلاد المشمولة بحكم مصر تتمتع في ظله بالطمأنينة والرفاهية، ونحن ~~لا نتعرض لعقائد غيرنا، فلماذا يناصبوننا العداوة؟ # ولم يكن عانن يعنى بمعرفة الأسباب، وظن أن نفاسة التجارة هي التي تغري القوم ~~بالانقضاض عليها، ولكن الحاكم آني ms026 كان متبحرا في هذه المسائل، فقال للفيلسوف: الحق ~~يا سيدي الأستاذ أن المعصايو لا يرجع إلى أسباب سياسية أو دينية. وحقيقة المسألة أن ~~القوم قبائل رحالة، يعيشون في أرض جدباء، ويهددهم الجوع في كل حين، وبين أيديهم كنوز ~~من الذهب والفضة لا تغني ولا تشبع من جوع، فإذا انبرى المصريون لاستثمارها، هاجموهم ~~ونهبوا قوافلهم. # فقال هوف: إذا كان الأمر كذلك، فالحملات التأديبية عديمة الجدوى، وإني أذكر يا سيدي ~~الحاكم أن الوزير أونا - تقدست روحه في عالم أوزوريس - منى نفسه يوما بعقد معاهدة ~~معهم على أساس المنفعة المتبادلة، فيمدهم بالغذاء في مقابل أن يؤمنوا له طرق القوافل ~~.. هي فكرة ثاقبة أليس كذلك؟ # فهز الحاكم رأسه دلالة على الموافقة، وقال: لقد أحيا رئيس الوزراء خنوم حتب مشروع ~~الوزير أونا، وعقد المعاهدة قبل عيد النيل بأيام، ولن نعرف نتيجة سياسته قبل زمن طويل، ~~والمتفائلون كثيرون. # وكان الحاضرون ملوا سريعا حديث السياسة، فانقسموا حلقات، ومنهم عانن، وشتتهم شجون ~~الحديث، وحاولت كل حلقة أن تجذب رادوبيس إليها، ولكن الغانية جذبها اسم خنوم حتب، ~~وذكر الهتاف الذي دوى باسمه في أثناء سير الركب الفرعوني، فعاودها استياء غمرها ~~وقتذاك وأحست بلفحة غضب، فدلفت إلى حيث يجلس آني، وهوف، وهنفر، وهني، ورامون حتب، وقالت ~~بصوت خافت: ألم تسمعوا ذلك الهتاف العجيب؟ # وكان زوار القصر الأبيض إخوة، لا تقوم بينهم كلفة، ولا يعقل ألسنتهم خوف، وكانت ~~أحاديثهم تتناول كل شيء في حرية مطلقة، وطمأنينة كاملة. وقد سمع هوف مرات ~~ينتقد سياسة الوزراء، كما سمع رامون حتب وهو يبدي شكوكه ومخاوفه من تعاليم اللاهوت، ~~ويعلن عن إيمانه باللذة ويدعو إلى متاع الدنيا. # وتناول المعمار هني جرعة من كأسه، وقال وهو ينظر إلى وجه رادوبيس الجميل: إنه ~~هتاف جريء لم يسمع بمثله من قبل في وادي النيل. # فقال هنفر: نعم، ولا شك في أنه كان مفاجأة محزنة لفرعون الشاب في أول عهده ~~بالحكم. # وقال هوف بهدوء: لم تجر العادة قط بأن يهتف باسم إنسان ما مهما كانت مكانته، في ~~حضرة فرعون ms027 ! # فقالت رادوبيس بلهجة دلت نبراتها على الغضب: ولكنهم خرقوا هذه العادة بمنتهى الوقاحة ~~.. لماذا أقدموا على ذلك أيها السيد آني؟ # فرفع الرجل حاجبيه الكثيفين، وقال: أراك تسألين عما يتحدث عنه الناس في الطرقات ~~.. فكثير من العامة يعلم الآن أن فرعون يرغب في أن يضم كثيرا من أملاك المعابد إلى ~~أملاك التاج، وأن يسترد المنح الواسعة التي أسبغها آباؤه وأجداده على رجال ~~الكهنوت. # وقال الشاعر رامون حتب بلهجة لم تخل من عنف: كان الكهنة دائما موضع عطف الفراعنة، ~~يقطعونهم الأراضي، ويهبونهم الأموال، حتى صاروا يملكون ثلث الأراضي المنزرعة، وتغلغل ~~نفوذهم في الأقاليم، وبسط على الرقاب، ولا شك أن هناك وجوها من المنافع أحق بالمال ~~من المعابد. # فقال هوف: يزعم الكهنة أنهم يصرفون ريع الأراضي على أعمال الإحسان والبر، ويصرحون ~~دائما بأنهم يتنازلون عن أملاكهم عن طيب خاطر إذا دعت الضرورة إلى ذلك. ~~- وما هذه الضرورة؟ ~~- أن تشتبك المملكة في حرب مثلا تحتاج للإنفاق الكثير. # ففكرت الغانية قليلا، ثم قالت: لا يجوز على أي حال أن يناهضوا رغبة ~~الملك. # فقال الحاكم آني: لقد تورطوا في خطأ بالغ، وفوق ذلك فهم يبثون دعاتهم في الأقاليم، ~~ويدخلون في روع الفلاحين أنهم يدافعون عن أملاك الأرباب المعبودة. # فتساءلت رادوبيس بدهشة: كيف تؤاتيهم شجاعتهم؟! # فقال آني: البلاد في سلام، والحرس الفرعوني هو القوة المسلحة الوحيدة التي يعتد ~~بها، والكهنة تؤاتيهم شجاعتهم إذا أيقنوا أن قوة فرعون غير كافية! # فتضايقت رادوبيس وقالت بحنق: يا لهم من أوغاد! # فابتسم الفيلسوف هوف، ولم يكن يرضى أن يحبس رأيا فقال: إذا أردت الحق فالكهنة طائفة ~~مطهرة، تسهر على دين هذه الأمة وآدابها وتقاليدها الخالدة، أما الطمع في السلطان فداء ~~قديم. # فحدجه الشاعر رامون حتب بنظرة تحد، وكان مغرما بإثارة الزوابع، وسأله في اقتضاب: ~~وخنوم حتب؟! # فهز هوف كتفيه استهانة وقال بهدوئه الغريب: هو كاهن كما ينبغي، وسياسي نافع، وليس ~~من ينكر عليه قوة الإرادة، ونفاذ البصيرة. # وتململ الحاكم آني. وهز رأسه بشيء من العنف، وقال: لم يثبت إلى الآن إخلاصه ms028 ~~للعرش! # فقالت رادوبيس بحدة: بل أعلن غير ذلك! # ولم يكن الفيلسوف يوافقهما، فقال: أنا أعرف خنوم حتب جيدا، وهو بلا شك مخلص لمولاه ~~ولوطنه. # فقال آني بغرابة: لم يبق إلا أن تصرح بأن فرعون مخطئ! ~~- كلا .. إن فرعون شاب سامي الآمال، يرغب في أن يكسو بلاده حلة من البهاء، ولن ~~يأتي ذلك إلا بالاستعانة بجانب من موارد الكهنة. # فتساءل رامون حتب في حيرة شديدة: فمن المخطئ إذن؟! # فقال هوف: عسى أن يختلف اثنان وكلاهما على حق! # ولكن رادوبيس لم ترتح إلى تفسير الفيلسوف، ولم ترض عن الموازنة التي يجريها بين ~~فرعون ووزيره، كأنهما ندان. وكانت تؤمن بحقيقة ثابتة، وهي أن فرعون سيد البلاد دون ~~منازع، وأنه لا تجوز مخالفته بأي حال ولأي سبب، ونفر قلبها من كل رأي يخالف ~~عقيدتها هذه، وصرحت برأيها لأصحابها، وختمت كلامها بقولها: إني أعجب متى آمنت بهذا ~~الرأي؟! # فقال رامون حتب مداعبا: حين وقعت عيناك على فرعون لأول مرة .. لا تفرطي في العجب ~~فالجمال مقنع كالحق سواء بسواء. # وضاق صدر المثال هنفر فصاح بصوت مسموع: أدرن الكئوس أيتها الجواري .. وهلمي ~~أيتها الغانية رادوبيس أسمعينا لحنا شجيا، أو متعي أعيننا بحركة من الرقص الرشيق، ~~فإن نفوسنا التي أسكرتها خمر مريوط، وهيأها العيد للفرح والمسرة، لتتوق إلى نشوة ~~الطرب ولذعة المجون. # فضربت عنه صفحا، وأرادت أن تسترسل في حديثها، ولكن لاحت منها التفاتة إلى التاجر عانن، ~~فرأته كالنائم، وكان منفردا بعيدا عن الجماعات، فتذكرت أنها أطالت المكث في حلقة ~~آني، فانسحبت من بينهم وسارت إلى التاجر، وصرخت في وجهه: اصح. فانتبه الرجل فزعا، ~~ولكن سرعان ما أشرق وجهه لرؤيتها، فجلست إلى جانبه وسألته: أكنت نائما؟ ~~- بل كنت أحلم. ~~- آه! .. فيمن؟ ~~- في ليالي بيجة السعيدة، وكنت أسائل نفسي حيران: ترى هل أفوز اليوم بإحدى هاتيك ~~الليالي الخالدات؟! أيمكن أن أظفر الآن بمجرد وعد! # فهزت رأسها أن لا، فجزع، وسألها بخوف وإشفاق: لمه؟ ~~- قد تطلبك نفسي، وقد تطلب غيرك، فلم أقيدها بوعد خائن؟! # وتركته إلى جماعة أخرى كانت منهمكة ms029 في الحديث والشرب، فرحبوا بها فيما يشبه الصياح، ~~وأحاطوا بها من كل جانب، وقال واحد منهم يدعى شامة: ألا تشتركين معنا في الحديث؟ ~~- وفيم تتحدثون؟ ~~- يتساءل بعضنا عما إذا كان الفنانون أهلا للتكريم الذي يحبوهم به الفراعنة ~~والوزراء. ~~- وهل أجمعتم على رأي؟ ~~- نعم يا مولاتي. على أنهم لا يستحقون شيئا. # وكان شامة يتكلم بصوت مرتفع لا يبالي شيئا، فنظرت رادوبيس إلى حيث يجلس الفنانون؛ ~~رامون حتب، وهنفر وهني، وضحكت ضحكة ساخرة ذات جرس فاتن ساحر، وقالت بصوت يبلغ آذان ~~الفنانين: ينبغي أن يكون هذا الحديث عاما، ألا تسمعون أيها السادة ما يقال عنكم؟ .. ~~يقال هنا إن الفن عرض تافه، وإن الفنانين غير أهل للتكريم .. فما ~~رأيكم؟! # وعلت فم الفيلسوف الشيخ ابتسامة ساخرة، أما الفنانون فقد نظروا إلى الجماعة التي ~~تستهين بهم نظرة متعالية، وابتسم هنفر ابتسامة هزء، أما رامون حتب فاصفر وجهه غضبا، ~~لأنه كان شديد التأثر، وكان شامة معجبا بما يقول لأصحابه فأعاد قوله بصوت عال ~~قائلا: إني رجل عمل وجد، أضرب الأرض بيد من حديد، فتذل وتبذل لي خيراتها من ~~الأنعم السابغة، فأفيد ويفيد معي الآلاف من المحتاجين، كل هذا دون حاجة إلى قول ~~موزون أو لون براق. # وأدلى كل من الرجال بدلوه، إما للتنفيس عن حقد طال حفظه أو لمجرد الثرثرة ~~والإعلان عن النفس، فقال أحد الكبار يدعى رام: من الذي يحكم ويسوس الناس؟ .. من الذي ~~يفتح البلدان ويغزو المعاقل؟ .. من الذي يجلب الثروة والخيرات؟ .. أناس غير الفنانين ~~بلا ريب .. # وقال عانن وكان سريع التلبية للخمر: إن الرجال يهيمون بحب النساء، ويهذون بذكرهن في ~~خلواتهم، أما الشعراء فيبسطون هذيانهم في كلام موزون، وإلى هنا لا يجد العاقل ما ~~يؤاخذهم عليه إلا أنهم يضيعون وقتهم فيما لا طائل تحته، ولكن السخافة والحماقة أن ~~يطلبوا لهذيانهم ثمنا من المجد والخلود. # وقال شامة مرة أخرى: ويكذب آخرون كذبا طويلا منظما، ويهيمون في وديان بعيدة ~~ويستوحون الأشباح والأوهام، يزعمون أنهم رسل وحي كريم. والأطفال تكذب كذبهم، وكثير ~~من العامة، ولكنهم لا ms030 يزعمون شيئا. # فضحكت رادوبيس طويلا، وانتقلت من مجلسها إلى قريب من هنفر، وقالت هازئة: ويحك أيها ~~الرجل .. لماذا إذن تسير مختالا فخورا كأنك بلغت الجبال طولا؟ # فابتسم المثال ابتسامة صفراء، ولكنه لازم الصمت كصاحبيه تعاليا منهم عن الرد على ~~«المتهجمين بغير علم»، وإن انطوى كل منهم على غضب شديد، وكرهت رادوبيس أن تنتهي ~~المعركة عند ذاك، فالتفتت إلى الفيلسوف هوف ووجهت إليه هذا السؤال: وما رأيك أنت ~~أيها الفيلسوف في الفن والفنانين؟ ~~- الفن لهو ولعب، والفنانون لاعبون مهرة. # ولم يستطع الفنانون أن يخفوا غضبهم، فلم يملك الحاكم آني نفسه من الضحك. وتصايح ~~التجار والملاك فرحين. # وصاح رامون حتب بغضب: أتريد أيها الفيلسوف أن تكون الحياة جدا خالصا؟ # فهز الشيخ رأسه في هدوء، وقال والابتسامة لا تفارق شفتيه: كلا، ما إلى هذا قصدت؛ ~~فاللعب ضرورة، ولكن ينبغي أن تذكر أنه لعب. # فسأله هنفر بتحد: هل الإبداع الملهم لعب؟ # فقال الفيلسوف باستهانة: أنت تسميه الإلهام والإبداع، أما أنا فأعلم أنه لعب ~~الخيال. # ونظرت رادوبيس إلى المعمار هني تحثه على خوض المعركة، وتحاول أن تخرجه عن صمته ~~الطبيعي، ولكن الرجل لم يلب إغراءها، لا استهانة منه بالموضوع الذي يثير النقاش، ولكن ~~اعتقادا منه - إن حقا كان أو وهما - أن هوف لا يعني ما يقول وأنه يداعب هنفر ~~ورامون حتب - على الأخص- بأسلوبه القاسي. أما الشاعر فاشتد به الغضب، ونسي أنه في قصر ~~بيجة، وسأل الفيلسوف بلهجة حاقدة: إذا كان الفن لعب خيال، فلماذا يكلف أهله ما لا ~~طاقة لهم به؟ ~~- لأنه يتقاضاهم إغفال ما تعودوا عليه من الفكر والمنطق، واللياذ بعالم الطفولة ~~والخيال! # فهز الشاعر كتفيه استهانة، وقال: إن هذا الكلام لا يستحق الرد عليه. # وأمن على قوله هنفر، وابتسم هني موافقا، ولكن رامون حتب لم يستطع صبرا، ولم يطق ~~غضبه السكوت، فجال بناظريه في الوجوه الساخرة، وقال بحدة: أليس يخلق الفن لكم لذة ~~وجمالا؟ # فقال له عانن، وهو لا يكاد يدري ما يقول لأن الخمر كانت لعبت برأسه: ما أتفه ~~هذا! # فاحتد الشاعر، ms031 وترك زهرة اللوتس تقع من يده وقال في عنف: ما بال هؤلاء الناس لا يفقهون ~~لما يقولون معنى. أيجوز أن أذكر اللذة والجمال، فيقال لي إنها شيء تافه؟ .. وهل ~~توجد غاية في الدنيا وراء الجمال واللذة؟! # وطرب هنفر لقول رفيقه، وأخذته نشوة حماس، فمال برأسه ناحية أذن الغانية، وقال: صدق ~~وحق جمالك يا رادوبيس، إن الحياة تمضي كحلم سريع الزوال؛ فأنا أذكر مثلا أني حزنت ~~لموت أبي حزنا بالغا وبكيته مر البكاء، ولكني الآن إذا عاودتني ذكراه أسائل نفسي: ~~أحقا عاش ذلك الإنسان على الأرض؟ أم أنه وهم خادع يتراءى لي في غبش الظلام؟! هكذا ~~الحياة، فماذا أفاد الأقوياء بما أحدثوا فيها من قوة؟ وماذا نال العاملون مما أنتجوا ~~من مال وثراء؟ وماذا اكتسب الحاكمون بما حكموا، وما ساسوا؟! هباء في هباء .. قد تكون ~~القوة حماقة، والحكمة خطأ، والثروة غرورا. أما اللذة فهي لذة، ولا يمكن أن تكون غير ~~ذلك؛ فكل ما خلا الجمال باطل! # فبدا الجد على وجه رادوبيس الفاتن، وقالت له وقد لاحت في عينيها الأحلام: ومن يدريك ~~يا هنفر، فلعل الجمال واللذة من الأباطيل أيضا؟ ألا تراني أمضي العمر في دعة وانتهاب ~~لذة، وتملي الحسن والجمال؟ ومع هذا فكم يطاردني الملل والسأم! # ووجدت رادوبيس أن رامون حتب في حالة سيئة، وطالعت الاستياء في وجه هنفر، وصمت هني، ~~فأشفقت من إيلامهم، وعدت نفسها مسئولة عما أصابهم، فقالت تغير مجرى الحديث: حسبكم ~~أيها السادة .. فمهما قلتم فلن تنفكوا تطلبون الفن والفنانين، كم تحبون يا هؤلاء ~~الخصام! إنكم لتجعلون السعادة نفسها موضوعا للجدل والخصام! # ضاق الحاكم آني بالحديث ذرعا، فقال لها بتوسل: اطردي الخصام بلحن من أغانيك ~~السعيدة. # وكان الجميع يتوقون للسماع والطرب، فضموا توسلاتهم إلى الحاكم، ووافقت رادوبيس، ~~وكانت شبعت من الكلام، واستولى عليها قلق غريب تردد عليها مرات في يومها، وظنت ~~أن الغناء أو الرقص يزيله، فقامت إلى عرشها وأمرت بالعازفات فجئن بالدفوف والقيثارة ~~والناي والونج والصفارة ووقفن وراءها صفا. # ثم أشارت بيدها العاجية، فأخذن جميعا في التوقيع ms032 الجميل والنقر الرشيق، يهيئن لصوتها ~~الرخيم جوا فاتنا من الموسيقى والطرب، ثم مضت تخفت أنغام آلاتهن حتى صارت كهمس ~~العاشقين الذاهلين، وأنشأت رادوبيس تغني قصيدة رامون حتب: # يا من تسمعون إلى وعظ الحكماء، أعيروني آذانكم. # لقد شهدت الدنيا منذ الأزل زوال أسلافكم، # الذين عبروا ساحتها عبور الخواطر في رأس الحالم. # وقد شبعت ضحكا من وعدهم ووعيدهم، فأين # الفراعنة؟ أين الساسة؟ أين الغزاة؟ هل حقا # القبر عتبة الخلود؟ ولكن لم يأت من القبر رسول # يطمئن قلوبنا، فلا يفوتكم طرب، ولا تفوتكم لذة. # لصوت الساقي أبلغ حكمة من صراخ الواعظ. # أنشدت الغانية اللحن بصوت إلهي حنون، أطلق الأرواح من قيود الأجسام، ~~فهامت في سموات الجمال والسعادة، وذهلت عن متاعب الأرض وهموم الدنيا، وشاركت في التجلي ~~الأعلى، وظل القوم بعد إمساكها نشاوى يتنهدون فرحا وحزنا ولذة وألما. # وطرد الحب من صدورهم كل عاطفة إلاه، فاستبقوا إلى الشراب، وهدفوا بأعينهم إلى ~~الغانية تنتقل بين الجالسين، وتداعبهم، وتماجنهم، وتشاربهم، ولما دنت من آني همس في ~~أذنها: أسعدتك الأرباب يا رادوبيس .. جئتك شبحا مثقلا بالتبعات وأخال نفسي الآن طيرا ~~يحلق في السماء. # فابتسمت إليه وانتقلت إلى جانب رامون حتب، وأهدته زهرة لوتس عوضا عما فقد، فقال ~~لها: يقول هذا الشيخ إن الفن لعب خيال، ألا سحقا لرأيه .. إنه ومضة إلهية تشع ~~من عينيك، وتدور مع وجيب قلبي، ثم تأتي بالأعاجيب. # فقالت له ضاحكة: أيخرج مني شيء يأتي بالأعاجيب، وأنا أعجز من الرضيع؟ # ثم هرعت إلى حيث يجلس هوف، وجلست إلى جانبه، ولم يكن ذاق خمرا، فحدجته بنظرة ~~فاتنة، فضحك الرجل، وقال متهكما: يا سوء ما اخترت جليسا! ~~- ألا تحبني كهؤلاء؟ ~~- ليتني أستطيع .. ولكني أجد فيك ما يجده المقرور في المدفأة. ~~- إذن انصحني ماذا أصنع بحياتي لأني اليوم أشكو؟ ~~- أتشكين حقا .. أنعيم وثراء وشكوى؟ ~~- كيف غاب عنك هذا أيها الحكيم؟ ~~- الجميع يشكو يا رادوبيس، طالما استمعت إلى شكاة الفقراء والبائسين الذين يتلهفون ~~على كسرة خبز، وطالما استمعت إلى شكاة السادة وهم يئنون تحت عبء التبعات الجسام ، وطالما ms033 ~~استمعت إلى شكاة الأغنياء السادرين وقد برموا بالدعة والسعادة فالجميع يشكو، وما من فائدة ~~ترجى من التغيير، فاقنعي بما قسم لك. ~~- وهل يشكو الناس في عالم أوزوريس؟ # فابتسم الشيخ وقال: آه! .. إن صاحبك رامون حتب يهزأ بهذا العالم الخطير. أما الكهنة ~~العالمون فيقولون إنه عالم الأبدية، فصبرا أيتها الحسناء، إنك ما زلت قليلة ~~التجارب. # فعاودتها موجة المجون والسخرية، وأرادت أن تداعب الفيلسوف، فقالت بلهجة جدية ~~متصنعة: أحقا أني قليلة التجارب؟ .. إنك لم تر مما رأيت شيئا. ~~- وماذا رأيت مما لم أر؟ # فأشارت ببنانها إلى القوم اللاهين وقالت ضاحكة: رأيت هؤلاء الرجال المبرزين، وصفوة مصر ~~سيدة الدنيا، يسجدون عند قدمي، وقد ردوا إلى الوحشية، ونسوا حكمتهم ووقارهم، ~~كأنهم كلاب أو كأنهم قردة! # ثم ضحكت ضحكة رقيقة، وجرت في خفة الغزلان إلى وسط البهو، وأشارت إلى العازفات فلعبت ~~أناملهن بالأوتار، ورقصت الغانية رقصة من رقصاتها المختارة التي يبدع فيها جسمها ~~اللدن، ويأتي بالمعجز من الخفة والتثني، وغلب الطرب القوم على أنفسهم، فاشتركوا ~~بكفهم مع الدفوف، واتقدت في الأعين أنوار خاطفة، وختمت رقصتها، ثم طارت كالحمامة إلى ~~عرشها، وجالت بعينيها في أوجه القوم الجشعة، فرأت ما أضحكها قهرا، وقالت: لكأني بين ~~الذئاب. # وأعجب عانن الثمل بالتشبيه، وتمنى لو كان ذئبا ليقتنص الشاة الجميلة، وحققت له ~~الخمر ما تمنى، وظن نفسه ذئبا حقا، فعوى بصوت عال ضج له السادة ضحكا، ولكنه ~~ثابر على العواء، وانكب على أربع وزحف صوب الغانية بين ضحك القوم العاصف، حتى صار منها ~~على قيد شبر، ثم قال لها: اجعلي هذه الليلة من نصيبي. # ولكنها لم ترد عليه، والتفتت إلى الحاكم آني، وقد جاء يحييها تحية الوداع، ~~فأعطته يدها، ثم تلاه الفيلسوف هوف، وقد سألته ضاحكة: ألا ترغب في أن أجعل هذه الليلة من ~~نصيبك؟ # فهز رأسه ضاحكا وقال: أيسر علي أن أسخر مع الأسرى في مناجم قفط! # ورجا كل أن تكون الليلة له، وألحف في الرجاء، وتنافسوا في ذلك تنافسا شديدا حتى حرج ~~الأمر. وانبرى هنفر لإيجاد حل له ms034 فقال: ليكتب كل منكم اسمه في ورقة، ولنضع الأسماء ~~جميعا في صندوق عانن العاجي، ثم تمد رادوبيس يدها فتأخذ اسم السعيد الحظ. # واضطر الجميع إلى الموافقة وبادروا إلى كتابة أسمائهم، إلا عانن خشي أن تفلت الليلة ~~من بين يديه فقال بتضرع: مولاتي .. أنا رجل سفر، اليوم بين يديك، وغدا في بلد بعيد ~~لا أبلغه إلا بشق الأنفس، وإن فاتتني الليلة فقد أخسرها إلى الأبد. # ولكن أثار دفاعه ثائرة القوم، وردوا عليه هازئين، وكانت رادوبيس صامتة، تشاهد ~~عشاقها بعينين جامدتين، وقد عاودها القلق الغريب، فأحست برغبة في الفرار والانفراد، ~~وضجرت من الصراخ، فأشارت لهم بيدها فكفوا وهم بين الأمل والخوف، فقالت: لا تتعبوا ~~أنفسكم أيها السادة، فلن أكون الليلة لإنسان! # وجمدت أفواههم ونظروا إليها منكرين، لا يصدقون آذانهم، ثم لم يلبثوا أن ضجوا ~~بالاحتجاج، وجأروا بالشكوى، فوجدت ألا فائدة ترجى من توجيه الكلام إليهم، فقامت واقفة، ~~وقد بدا على وجهها التصميم والعزم وقالت: إني تعبة .. دعوني أستريح! # ولوحت لهم بيدها البضة وولتهم ظهرها، وغادرت المكان على عجل. # وصعدت إلى مخدعها مسرورة لما فعلت، سعيدة بخلاصها تلك الليلة، وما تزال تطن ~~بأذنيها تأوهات القوم الحارة .. وشخصت إلى النافذة رأسا وأزاحت عنها الستارة، ~~ونظرت إلى الطريق المظلم، فرأت على البعد أشباح عجلات وهوادج تحمل النشاوى البائين ~~بالحسرة والخذلان، فلذ لها منظرهم وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة قاسية. # كيف فعلت ما فعلت؟ .. لا تدري! ولكنها تشعر باضطراب وقلق. # واها .. ماذا وراء هذه الحياة الراتبة؟ لقد حارها الجواب، ولم يرو غلتها الحكيم هوف ~~نفسه، ثم استلقت على سريرها الوثير، واستسلمت للأحلام، فمرت بصفحة خيالها حوادث اليوم ~~العجيبة واحدة في أثر الأخرى؛ فرأت جموع المصريين المحتشدة .. ورأت عيني الساحرة ~~المتقدتين اللتين جذبتاها إليها بقوة قاهرة، وسمعت صوتها البشع الذي يبعث الرعشة في ~~المفاصل .. ثم شاهدت فرعون الشاب في هالة المجد والجمال، ثم ذلك النسر الهصور الذي ~~انقض على فردة صندلها وطار بها إلى السماء. حقا كان يوما حافلا. ولعل هذا أيقظ ~~عواطفها، وشرد خيالها، ووزع نفسها ms035 أشتاتا، مما ذهب ضحية له العشاق البائسون. ~~إن قلبها يخفق خفقانا شديدا، ونفسها تضطرم بلهيب غامض، وخيالها يتيه بها في وديان ~~غريبة. وكأنها تود أن تنتقل من حال إلى حال، ولكن أي حال هذه؟! إنها حيرى لا ~~تدري شيئا، فهل يكون ما بها نفثة سحر أصابتها بها تلك الساحرة الملعونة؟! # إن ما بها لسحر مبين، فإن لم يكن سحر ساحر، فهو سحر الأقدار المسيطرة على ~~المصائر. # | طاهو # كانت قلقة مبلبلة موزعة النفس، فيئست من النوم، وغادرت السرير مرة أخرى، ~~ودلفت إلى نافذة تطل على الحديقة، وفتحتها على مصراعيها، ووقفت وراءها كالتمثال، ~~ثم حلت عقدة شعرها، فانساب في خصلات مرتعشة على عنقها ومنكبيها، ولفح جلبابها الأبيض ~~بسواد عميق، وملأت رئتيها بهواء الليل الرطب، ثم وضعت مرفقيها على حافة النافذة، ~~وأسندت ذقنها إلى كفيها، وتاهت عيناها في الفضاء الشامل للحديقة، والنيل الجاري وراءها. ~~كانت ليلة ظلماء معتدلة الجو، يهب نسيمها متقطعا خفيفا ضعيفا فيراقص الغصون ~~والأوراق رقصا رحيما رقيقا، وكان النيل يرى عن بعد كقطعة من الظلماء. أما السماء ~~فمزدانة بالنجوم اللوامع، ترسل شعاعا باهتا ما إن يقترب من الأرض حتى يغرق في بحار ~~الظلمة. # هل يستطيع الليل المظلم والسكون المطبق أن يلقيا على رأسها القلق ظلا من السكينة ~~والطمأنينة؟ هيهات .. وبلغ بها اليأس من الطمأنينة منتهاه، فأتت بوسادة ووضعتها على حافة ~~النافذة، وأسلمت إليها خدها الأيمن، وأغمضت عينيها. # وطرقت ذاكرتها بغتة عبارة الفيلسوف هوف: «فالجميع يشكو، وما من فائدة ترجى من التغيير، ~~فاقنعي بما قسم لك.» وتنهدت من أعماق قلبها، وتساءلت في حزن .. أما من فائدة ترجى ~~من التغيير حقا؟ .. أحقا أن الشكوى تلاحق الإنسان أبدا؟ .. ولكن كيف تستطيع أن ~~تؤمن بهذا إيمانا صادقا يصرف قلبها عن طلب التغيير؟ إن ما بقلبها ثورة جامحة، تود لو ~~تدمر بها حاضرها وماضيها، وتفر خالصة إلى آفاق غامضة مجهولة، فكيف تجد الراحة ~~والقناعة؟ إنها تحلم بحالة تبطل فيها الشكوى، ولكنها جزعة برمة بكل ~~شيء. # ولم تترك لأفكارها وأحلامها، إذ سمعت طرقا خفيفا على باب ms036 مخدعها، فأرهفت أذنيها ~~دهشة، ونادت قائلة وهي ترفع رأسها: من؟ # فأجاب صوت تعرفه حق المعرفة: أنا يا مولاتي .. أتسمحين لي بالدخول؟ # فقالت: تعالي يا شيث. # ودخلت الجارية على أطراف أصابعها، ودهشت لوقوف سيدتها، وأن سريرها لم يمس، ~~وعاجلتها الغانية قائلة: ماذا وراءك يا شيث؟ ~~- ورائي رجل ينتظر الإذن بالدخول. # فقطبت جبينها، وقالت بصوت ينطوي على الغضب: أي رجل! .. اطرديه دون تردد. ~~- كيف يا مولاتي؟ .. إنه رجل لا يغلق دونه باب هذا القصر. ~~- طاهو؟ ~~- هو بعينه. ~~- وما الذي جاء به في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ # فلاحت في عيني الجارية نظرة ماكرة، وقالت: هذا ما سوف تعلمينه بعد حين ~~يا مولاتي. # فأشارت لها بيدها أن تدعوه، وغابت الجارية لحظات، ثم لم يلبث أن ملأ فراغ الباب جسم ~~القائد ذو الطول والعرض. وحياها بانحناءة من رأسه ووقف أمامها ينظر إلى وجهها بارتباك. ~~ولم يخف عليها شحوب لونه، وتجعد جبينه، وظلمة عينيه، فأنكرته، وسارت إلى الديوان، ~~وجلست عليه وسألته: أراك متعبا .. هل أجهدك العمل؟ # فهز رأسه بالنفي، وقال باقتضاب: كلا. ~~- لست كعهدي بك. ~~- حقا؟! ~~- لا شك أنك تعلم هذا .. ماذا بك؟ # هو يعلم كل شيء بلا ريب، وستعلمه بعد حين سواء أداه إليها بنفسه أم لم يؤده. وهو ~~يشفق من الإقدام على الكلام لأنه يغامر بسعادته، ويخشى أن تفلت من يده إلى الأبد. ولو ~~أنه كان يستطيع أن يتسلط على إرادتها لهان كل شيء، ولكنه يكاد أن ييأس من هذا، ~~فاستولى عليه ألم ممض وقال لها: آه يا رادوبيس! لو كنت تبادلينني الحب لأمكن أن ~~أتوسل إليك باسم حبنا. # ترى ما حاجته إلى التوسل؟ .. عهدها به رجلا عنيفا يكره التوسل والرجاء، وطالما قنع ~~بفتنة جسمها، فما الذي أفزعه؟! وخفضت عينيها وقالت: هذا حديث قديم معاد. # فأغضبه قولها على صدقه، واحتد قائلا: أعلم ذلك .. ولكني أعيده لدواع حاضرة .. آه! ~~.. لكأن قلبك غار أجوف في قاع نهر بارد. # كانت ألفت أمثال هذا المقال، ولكنها قالت متململة: هل منعتك شيئا ~~تشتهيه؟ ~~- كلا يا رادوبيس. لقد وهبتني ms037 جسمك الفاتن الذي خلق عذابا للبشر، ولكن طالما ~~طمعت في قلبك. يا له من قلب يا رادوبيس! .. إنه يقف وسط زوابع الشهوات جامدا كأنه ~~ليس منك، ولطالما ساءلت نفسي متحيرا مغيظا، ماذا يعيبني؟ ألست رجلا بل أنا رجولة ~~كاملة. والحقيقة أنك بدون قلب. # وازداد إنكارها له، ليست هذه المرة الأولى التي تسمع فيها هذا الكلام، ولكنه كان يقوله ~~ساخرا أو غاضبا غضبا خفيفا .. أما في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فإنه يتكلم ~~بصوت متهدج ويتميز غيظا وحنقا، فما الذي أهاجه؟ وكأنها أرادت أن تستحثه فسألته: ~~أجئت في هذه الساعة من الليل يا طاهو لتعيد على أذني هذا الحديث؟ ~~- كلا لم أجئ من أجل هذا الحديث .. ولكنني جئت من أجل أمر خطير .. إن لم يسعفني ~~الحب فيه، فلتسعفني حريتك التي تحرصين عليها. # فنظرت إليه في اهتمام شديد، وانتظرت أن يتكلم، وبلغ به الضيق أشده، فعزم على أن ~~يخلص إلى غرضه بلا لف ولا دوران، فقال لها بهدوء وحزم وهو يصوب عينيه إلى عينيها: ~~ينبغي أن تهجري قصر بيجة، وأن تفري من الجزيرة فرارا في أقرب وقت .. قبل أن ينبلج ~~الصباح. # فارتاعت المرأة لقوله، ونظرت إليه بعينين لا تصدقانه وسألته: ما هذا الذي تقوله ~~يا طاهو؟ ~~- أقول إنه ينبغي أن تختفي .. أو تفقدي حريتك. ~~- وماذا يهدد حريتي في بيجة؟ # فأصر على أسنانه، وسألها بدوره: ألم تفقدي شيئا ثمينا؟ # فقالت داهشة: بلا. فقدت فردة صندلي الذهبي الذي أهديتنيه. ~~- كيف؟ ~~- خطفه النسر وأنا أستحم في بركة الحديقة .. ولكني لا أدري أي علاقة توجد بين ~~حريتي المهددة وصندلي المفقود؟ ~~- مهلا يا رادوبيس .. لقد خطفه النسر حقا، ولكن ألا تدرين أين سقط؟ # وجدته يتكلم بلهجة العارف، فاستولى عليها العجب وتمتمت قائلة: من أين لي بهذا يا ~~طاهو؟ # فتنهد قائلا: سقط في حجر فرعون. # وقرعت هذه الكلمة أذنيها في هالة من دوي هائل، وملأ حواسها جميعا، وأذهلها عن ~~كل شيء، فنظرت إلى طاهو بعينين حائرتين، ولم تستطيع أن تخرج عن صمتها، وكان القائد ~~يتفرس بعينين قلقتين مرتابتين، ms038 ويتساءل: ترى ما وقع الخبر في نفسها؟ وما الإحساس الذي ~~يعتلج في صدرها؟ وضاق ذرعا، فسألها بصوت خافت: ألم أكن محقا في طلبي؟ # ولكنها لم ترد عليه، ولم يبد عليها أنها كانت تصغي إليه. كانت غارقة في لجج ~~تلتطم في قلبها الحائر، فهاله جمودها، وكبرت عليه حيرتها، ورأى في ذلك آية نفر منها ~~قلبه، فذهب صبره، واستنفره الغضب، فغشى بصره، وصاح بها بصوت أجش شديد: في أي ~~واد تتيهين يا هذه؟ .. ألم يفزعك هذا الخبر الهائل؟ # فارتجف جسمها من شدة صوته .. والتهب الغضب بقلبها، وحدجته بنظرة حقد شديدة، ~~ولكنها كظمت ما بنفسها لتحصل منه على ما تريد، وسألته ببرود: أترى أنه كذلك؟ ~~- أرى أنك تتغابين يا رادوبيس. ~~- كم أنك ظالم .. هب أن الصندل سقط في حجر فرعون، فهل تراه قاتلي لذلك؟ ~~- كلا، ولكنه قلب الصندل بين يديه، وتساءل عمن عسى أن تكون صاحبته. # فخفق قلب الغانية بشدة وسألته: وهل وجد الجواب؟ # فأظلمت عيناه، وقال بصوت متهدج: كان هناك إنسان يتربص بي، جعلته الأقدار صديقا ~~عدوا وعدوا صديقا، فانتهز الفرصة السانحة، وطعنني طعنة نجلاء، فذكرك عند فرعون ~~ذكرا جميلا مغريا، قدح الرغبة في قلبه، وأهاج الشهوة في صدره. ~~- سوفخاتب؟! ~~- هو بعينه ذاك الصديق العدو، وقد عبث الإغراء بقلب الملك الشاب. ~~- وماذا يريد؟ # فعقد طاهو ذراعيه على صدره، وقال بشدة: ليس فرعون بالإنسان الذي يرغب في شيء ويعز ~~عليه، وهو إذا هوى شيئا يعرف كيف يستأثر به. # وساد الصمت مرة أخرى، ووقعت المرأة فريسة عواطف مضطرمة، وجثم الكابوس على صدر ~~الرجل، واشتد به الحنق لصمتها، ولأنها لم تفزع ولم ترتعب، فقال لها بغيظ: ألا ترين أن ~~حريتك مهددة بالأسر؟ حريتك يا رادوبيس التي تحرصين عليها، ولا تفرطين فيها. ~~حريتك التي دمرت قلوبا وأهلكت نفوسا، وجعلت اللوعة والحسرة واليأس أوبئة تفتك ~~بأهل بيجة جميعا، لماذا لا تفزعين إلى الفرار بها؟ # واستاءت لوصفه هذا لحريتها، وقالت له بسخط: أتقذفني بهذا الوصف الذي تقشعر منه ~~الأبدان، وكل ذنبي أني لم أستبح نفسي للرياء، وأقول لإنسان ms039 كذبا إني ~~أحبه؟ ~~- ولماذا لا تحبين يا رادوبيس؟ لقد أحب طاهو الجندي الجبار الذي خاض غمار الحرب في ~~الجنوب والشمال، وتربى على ظهور العجلات، فلماذا لا تحبين أنت؟! # فابتسمت ابتسامة غامضة، وتساءلت: ترى هل أملك جوابا على سؤالك؟ ~~- لست أبالي هذا الآن، فما لهذا جئت .. أسألك ماذا أنت فاعلة؟ # فقالت بهدوء واستسلام عجيب: لست أدري. # فاضطرمت عيناه كجمرتين، والتهمتاها بحنق، وأحس برغبة جنونية في تحطيم رأسها. وحدث ~~أن نظرت إليه فتنفس تنفسا عميقا، وقال: حسبتك أشد حماسا لحريتك. ~~- وما عسى أن أفعل؟ # فضرب يدا بيد، وقال: تفرين يا رادوبيس! تفرين قبل أن تحملي إلى قصر الحاكم جارية من ~~الجواري، وتودعين حجرة من حجراته التي لا عداد لها، ثم تعيشين هنالك في وحدة وعبودية، ~~تنتظرين نوبتك مرة كل عام، تعيشين ما بقي من حياتك في جنة حزينة يطوف بها سجن كئيب ~~.. هل خلقت رادوبيس لمثل هذه الحياة؟! # وثارت ثائرتها غضبا لكرامتها وكبريائها. ترى من الممكن أن يكون حظها ونصيبها مثل هذه ~~الحياة البائسة؟ # أيقدر لها في النهاية - هي التي يستبق إلى رضاها صفوة الرجال - أن تقاسم الجواري قلب ~~فرعون الشاب، وأن تقنع من الدنيا بحجرة في الحريم الفرعوني؟ أتهوي إلى الظلمات بعد ~~النور، وتتلفع بالهوان بعد العزة، وتقنع بالعبودية بعد السيادة الجبارة الكاملة؟ .. ~~أواه! .. ما أبشع التصور وأغرب الخيال! .. ولكن هل تفر كما يريد طاهو؟ .. أترضى ~~بالفرار؟ رادوبيس المعبودة التي لم يحظ بحسنها وجه، ولم يشحن بسحرها جسم، تفر من ~~العبودية؟ .. فمن إذن التي تطمع في السيادة والاستئثار بالقلوب؟! # ودنا منها خطوة، وقال لها بتوسل: رادوبيس .. ماذا تقولين؟ # فعاودها الغضب، وقالت بسخرية: ألا يسوءك أيها القائد أن تغريني بالهرب من وجه ~~مولاك؟ # وأصابته سخريتها في صميم قلبه، فترنح من هول الصدمة، وقال بسرعة وقد أحس بمرارة في ~~فمه: لم يرك مولاي بعد يا رادوبيس. أما أنا فمسلوب القلب منذ أمد بعيد. أنا أسير ~~لهوى جامح لا يعرف الرحمة، يوردني موارد الهلاك، ويطؤني بقدم الذل والعذاب، إن ~~صدري أتون من عذاب ملتهب، ms040 وقد اشتد لهيبه اندلاعا حين أشفق من فقدك إلى الأبد، فأنا إن ~~أغريتك بالهرب أدافع عن حبي، ولا أخون مولاي المعبود قط. # لم تلق بالا إلى شكواه، ولا إلى دفاعه عن إخلاصه لمولاه، كانت ما تزال تثور لكبريائها؛ ~~ولذلك حين سألها الرجل عما تنوي عمله، هزت رأسها بعنف كأنما تريد أن تنفض عنها ~~الوساوس الحقيرة وقالت بصوت بارد مليء بالثقة: لن أفر يا طاهو. # وسهم الرجل في ذهول ويأس، وسألها: هل رضيت بالهوان وأسلمت للذل؟ # فقالت وعلى فمها ابتسامة: لن تذوق رادوبيس الذل أبدا. # فاستشاط غضبا، وقال: آه! لقد فهمت. تحرك شيطانك القديم، شيطان الغرور والكبر ~~والقوة، ذلك الشيطان يحتمي ببرودة قلبك الأبدية، ويلتذ بمشاهدة عذاب الآخرين والتحكم ~~في المصائر، لقد لاح له اسم فرعون فتمرد، وأراد أن يجرب قوته وسطوته، ويمتحن سلطان ~~هذا الجمال اللعين، غير عابئ بما يدوس في سبيله الشيطاني من أشلاء القلوب، وذوب النفوس، ~~وأنقاض الآمال .. آه! .. لماذا لا أقضي على هذا الشر بطعنة من هذا الخنجر؟ # فنظرت إليه بعين مطمئنة، وقالت: لم أمنعك شيئا، وطالما حذرتك من الإغراء! ~~- إن هذا الخنجر كفيل بتهدئة نفسي .. كم تكون نهاية طبيعية لرادوبيس؟ # فقالت بهدوء: وكم تكون نهاية أسيفة للقائد الوطني طاهو! # فنظر إليها طويلا بعينين جامدتين، وكان يشعر في تلك اللحظة الفاصلة بيأس مميت وقنوط ~~خانق، ولكن غضبه لم ينفجر، وقال بلهفة باردة قاسية: ما أقبحك يا رادوبيس! .. أنت صورة ~~بشعة مشوهة، ومن يحسبك جميلة أعمى لا يبصر. إن صورتك قبيحة لأنها صورة مميتة، ولا ~~جمال بلا حياة، لم تنبض الحياة بصدرك قط، ولم تدفئ قلبك أبدا .. أنت جثة وسيمة ~~القسمات، ولكنها جثة. لم يبد الحنان في عينيك، ولا انفرجت شفتاك عن ألم، ولا خفق ~~قلبك بالعطف. نظرتك جامدة وقلبك قد من حجر .. أنت جثة ملعونة، وينبغي أن أكرهك، ~~وأن أكرهك ما حييت .. وأنا أعلم أنك ستطغين كيف شاء لك شيطانك، ولكنك ستصرعين ~~يوما محطمة النفس، وهذه نهاية كل شر .. لماذا أقتلك إذن .. لماذا أحمل تبعة قتل ~~جثة ms041 ميتة؟ # نطق طاهو بهذه الكلمات ثم ذهب. # ولبثت رادوبيس تنصت إلى وقع قدميه الثقيلتين، حتى غمرها سكون الليل. # ثم رجعت إلى النافذة. كان الظلام شاملا، والنجوم ساهرة في مأدبتها الأبدية، والسكون ~~مخيما رهيبا، فخالت أنها تستطيع أن تسمع خلجات قلبها الدفينة. # كان ما بها قويا عنيفا بالحرارة والقلق، يقسم إن جسمها جسم نابض بالحياة، لا ~~جثة هامدة. # | فرعون # وفتحت عينيها فرأت ظلمة. ترى أما يزال الليل جاثما، وكم ساعة استطاعت أن تخلد فيها ~~إلى السكينة والنوم؟ ولبثت دقائق لا تعي شيئا مطلقا ولا تذكر شيئا، كأنها جهلت ~~الماضي كما تجهل المستقبل، وكأنما ابتلعت شخصيتها ظلمة الليل الحالكة. وأحست ~~هنيهة بذهول وضيق، ثم ألفت عيناها الظلمة فبهتت وخفت وطأتها، واستطاعت أن ترى ضوءا ~~خفيفا يشع من خصائص النوافذ فتبينت أثاث المخدع، ورأت المصباح المدلى المكفت ~~بالذهب، وولج الشعور حواسها، فذكرت أنها ظلت يقظة لا يذوق جفناها نوما حتى ~~غمرها الفجر بموجه الأزرق الهادئ، وأنها ارتمت عند ذاك على السرير، فاختلسها النوم من ~~عواطفها وأفكارها، وعلى ذلك تكون في نهار اليوم الثاني، أو في مسائه. # وذكرت حوادث الليلة الماضية، وعادت إلى مخيلتها صورة طاهو وهو يرغي ويزبد، ويئن ~~من اليأس ويتوعد بالمقت، يا له من رجل عنيف! إنه لرجل جبار شديد الغضب، وحشي ~~الغرام، ولا عيب فيه إلا أن حبه عنيد مثابر، شديد التغلغل. وتمنت صادقة لو ينساها ~~أو يمقتها، إنها لا تجني من الحب سوى المشقة. الكل يتلهف على قلبها، وقلبها زاهد ~~نافر، كحيوان غير أليف. وكم اضطرت إلى خوض مواقف مؤثرة ومآس أليمة وهي كارهة، ولكن ~~المآسي كانت تتبعها كظلها، وتحوم حولها كخواطرها، فلوثت حياتها بالقسوة ~~والآلام. # ثم ذكرت ما قال طاهو عن فرعون الشاب من أنه يرغب في رؤية صاحبة الصندل، وأنه ~~سيدعوها حتما إلى حريمه العامر .. آه! .. إن فرعون شاب ملتهب الدماء، جنوني الشباب. ~~كما قيل لها، فليس عجيبا أن يقول طاهو ما قال، ولا مستحيلا أن تصدق أقواله، ولكن عسى ~~أن تأخذ الحوادث مجرى جديدا، إن ثقتها ms042 بنفسها لا حد لها. # وسمعت طرقا على الباب، فقالت بصوت متكاسل: شيث .. ادخلي. # وفتحت الجارية الباب، ودخلت تسير في خفتها المعهودة وهي تقول: حمدا للرب الذي ~~يسر لك النوم بعد طول السهاد. وا رحمتاه لك يا مولاتي! لا بد أن الجوع نال منك ~~كل منال. # وفتحت النافذة، فانبعث منها نور مكلل بسمرة، وقالت ضاحكة: غابت شمس اليوم دون أن ~~تراك، فباءت من زيارتها للأرض بالخسران. # وسألتها رادوبيس وهي تتمطى وتتثاءب: أأتى المساء؟ ~~- نعم يا مولاتي، والآن هل تذهبين إلى الماء المعطر أم تتناولين الطعام؟ .. وا أسفاه ~~أنا أعلم بما سهد جفنيك بالأمس! # فسألتها باهتمام: ما هو يا شيث؟ ~~- أنك لم تدفئي الفراش برجل. ~~- خسئت يا ماكرة. # فقالت الجارية وهي تغمز بعينيها: الرجال عادة مستبدة يا مولاتي، ولولا هذا ما ~~احتملت غرورهم. ~~- حسبك ثرثرة يا شيث. # وشكت من ثقل رأسها، فقالت لها الجارية: هلمي بنا إلى الحمام .. فالعشاق يتقاطرون ~~على بهو الاستقبال، ويؤلمهم أن يروه خاليا منك. ~~- هل جاءوا حقا؟ ~~- وهل خلا بهو استقبالك منهم قط في هذه الساعة؟ ~~- لن أرى منهم أحدا. # فبهتت شيث، ونظرت إلى سيدتها بارتياب، وقالت: خيبت بالأمس آمالهم .. فماذا ~~تقولين اليوم؟ .. آه! لو تعلمين يا مولاتي كم جزعوا لتأخر حضورك. ~~- آذنيهم بأني تعبة. # وترددت الجارية، وهمت بالاعتراض، ولكنها صاحت بها بعنف: اصدعي بما أمرت. # فغادرت المرأة المخدع مرتبكة لا تدري بما غير مولاتها. # وارتاحت الغانية لما فعلت، وقالت إن هذا ليس وقتهم؛ فهي لا تستطيع أن تجمع شتيت ~~أفكارها لتصغي إلى إنسان، ولا أن تحصر خواطرها في حديث فضلا عن أن ترقص أو تغني .. ~~فليذهبوا جميعا .. وخشيت أن تعود شيث بتوسلات القوم، فقامت من السرير وهرولت إلى ~~الحمام. # وتساءلت في وحدتها: ترى هل يرسل فرعون في طلبها هذا المساء؟ آه! أهي لهذا تضطرب وتقلق؟ ~~أهي تخشى؟ كلا .. إن هذا الحسن الذي لم تحظ بمثله امرأة من قبل حقيق بأن يملأها ~~ثقة بنفسها لا حد لها، وإنها لكذلك .. ولن يقاوم جمالها إنسان، ولن يذل حسنها ~~لمخلوق ، ولو ms043 كان فرعون نفسه، ولكن لماذا إذن هي مضطربة قلقة؟ لقد عاودها ذاك الشعور ~~الغريب الذي تلبسها مساء الأمس، والذي نبض بقلبها أول ما نبض حين وقع بصرها على الملك ~~الشاب الواقف على ظهر عجلته كالتمثال. يا عجبا! .. أتراها حائرة لأنها حيال لغز ~~غامض؟! واسم جبار هائل؟! ورب معبود؟! أترى أنها تود لو تراه في نشوة البشر بعد أن ~~رأته في جلال الآلهة؟! أتراها قلقة لأنها تريد أن تطمئن إلى قوتها بإزاء هذا الحصن ~~المنيع؟! # وطرقت شيث باب الحمام، وقالت إن السيد عانن أرسل معها كتابا إلى مولاتها، فغضبت ~~الغانية، وقالت بعنف: مزقيه إربا، وخشيت الجارية أن تثير غضب مولاتها عليها، فذهبت ~~تتعثر في الارتباك. وغادرت رادوبيس الحمام إلى مخدعها في أجمل صورة وأكمل هيئة، ~~وتناولت الطعام وشربت كأسا مترعة من خمر مريوط. ولم تكد تطمئن إلى الديوان حتى ~~دخلت عليها شيث مهرولة بلا استئذان، فتلقتها بنظرة تحذير ووعيد، وقالت الجارية في خوف: ~~في البهو رجل غريب يلح في مقابلتك. # فاستولى الغضب على الغانية، وصاحت بها: هل أصابك مس من الجنون يا شيث؟ أتحالفين أولئك ~~القوم المزعجين علي؟! # فقالت الجارية وهي تلهث: صبرا يا مولاتي .. لقد دفعت الزوار جميعا، أما هذا الرجل ~~فغريب لم تره عيناي من قبل .. التقيت به بغتة في الردهة المؤدية إلى البهو، ولا ~~أدري من أين أتى .. وحاولت أن أعترض سبيله، ولكنه سار بغير مبالاة، وأمرني أن أبلغك ~~رجاءه. # فسهمت الغانية إلى الجارية هنيهة، وسألتها باهتمام: هل هو من ضباط الحرس ~~الفرعوني؟ ~~- كلا يا سيدتي .. إنه لا يرتدي زي الضباط .. وقد سألته أن يعلن لي عن شخصيته، ~~فهز منكبيه باستخفاف، فأكدت له أنك لا تقابلين أحدا اليوم .. ولكنه استهان ~~بكلامي، وأمرني أن أوذنك بانتظاره .. أواه يا مولاتي! .. إني أحرص على رضاك، ~~ولكني لم أجد وسيلة إلى دفع هذا الثقيل الجريء. # وتساءلت: أيكون هو رسول الملك؟ وخفق قلبها لهذه الفكرة خفقة شديدة ارتج لها صدرها ~~.. وجرت إلى المرآة، وألقت على صورتها نظرة فاحصة، ثم دارت دورة كاملة على ms044 أطراف ~~أصابعها ووجهها ثابت في المرآة، وسألت الجارية: ماذا ترين يا شيث؟ # فقالت الجارية، وهي تدهش لتبدل حال مولاتها: أرى رادوبيس يا مولاتي! # وغادرت الغانية المخدع، تاركة جاريتها في دهشتها وحيرتها، وانتقلت كالحمامة من حجرة ~~إلى حجرة، ثم هبطت أدراج السلم المفروشة بفاخر السجاد، وتريثت قليلا عند مدخل ~~البهو .. رأت رجلا يوليها ظهره، ووجهه إلى جدار البهو يطالع شعرا لرامون حتب .. ترى ~~من هو؟ كان في مثل طول طاهو ولكنه أميل إلى النحافة والدقة، عريض المنكبين، جميل ~~الساقين، على ظهره وشاح مرصع بالجواهر يصل ما بين منكبيه ومنطقة وزرته، وعلى رأسه ~~قلنسوة جميلة ذات شكل هرمي لا تشبه قلنسوات الكهنة، ترى من يكون؟ إنه لا يشعر بها ~~لأنها تتقدم بخفة على سجاد غليظ .. ولما صارت منه على قيد خطوات قالت بصوت ~~خفيض: سيدي. # فالتفت الرجل الغريب إليها. # رباه! وجدت نفسها وجها لوجه أمام فرعون؛ فرعون نفسه بعزته وجلاله، مرنرع الثاني دون ~~غيره من الخلق! # رباه! لقد زعزعت المفاجأة كيانها، فأخذت قهرا، وغلبت على أمرها. ترى أهي في حلم ~~من الأحلام! ولكنها تعرف حق المعرفة هذا الوجه الأسمر، والأنف الأشم الطويل. إنها ~~لا يمكن أن تنساه أبدا، لقد رأته مرتين، فنفذ إلى ذاكرتها بقوة، وحفر صفحتها حفرا ~~عميقا لا يزول، ولكنها لم تحسب حساب هذا اللقاء، ولا أخذت أهبتها له، لم ترسم له خطة ~~من خططها الرابعة. وهل كانت رادوبيس تلقى فرعون لقاء ارتجاليا، وهي التي تعد العدة ~~للقاء تجار النوبة؟! أخذت على غرة، فقهرت قهرا! ومنيت بالهزيمة الساحقة، ~~وبادرت تنحني لأول مرة في حياتها، وتقول بصوت متهدج: مولاي. # وكانت عيناه ترسلان نظرة عميقة، فتستقر على وجهها الجميل، وكان يلاحظ ارتباكها ~~واضطرابها بلذة غريبة، ويشاهد السحر الذي تنفثه قسماتها بنشوة فاتنة، فلما حيته ~~قال لها بصوته ذي النبرات الواضحة واللهجة العالية: أتعرفينني؟ # فقالت بصوتها العذب الموسيقي: نعم يا مولاي .. هكذا شاء حظي السعيد أمس. # وكان لا يشبع من النظر إلى وجهها. وأخذ يحس بتخدير عام يعتور حواسه وعقله، فلم ~~يعد يأبه ms045 لإرادته، واندفع قائلا: إن الملوك قوامون على الناس، يسهرون على أرواحهم، ~~وعلى أموالهم، ولهذا جئت إليك لأرد لك أمانة ثمينة. # ولم يبال الملك أن يدس يده تحت وشاحه، فيخرج فردة الصندل ويقدمها لها وهو يقول: ~~أليس هذا صندلك؟ # وتبعت عيناها يد فرعون، وشاهدت فردة الصندل تبرز من تحت وشاحه بعينين مرتاعتين لا ~~تكادان تصدقان مما تريان شيئا، وتمتمت بانفعال شديد: صندلي! # فضحك الملك ضحكة عذبة، وقال وعيناه لا تتحولان عنها: بعينه يا رادوبيس، أليس هذا ~~اسمك؟ # فأحنت رأسها، وتمتمت قائلة: نعم يا مولاي. وكانت مضطربة فلم تزد، أما الملك ~~فاستدرك: إنه لصندل جميل، وأعجب ما فيه هذه الصورة المنقوشة على باطنه، وكنت أحسبها ~~زخرفا جميلا حتى وقعت عليك عيناي، فعلمت أنها حقيقة رهيبة، وعلمت حقيقة أجل، ~~وهي أن الجمال كالقضاء يباغت الإنسان بما لا يقع له في حسبان. # فشبكت كفيها، وقالت: مولاي .. ما كنت أحلم قط أن تشرف قصري بذاتك، أما أن ~~تحمل صندلي .. رباه! ماذا أقول؟ .. لقد فقدت جناني. غفرانك يا مولاي! ويحي نسيت نفسي ~~يا مولاي، وتركتك واقفا. # وهرعت إلى عرشها وأشارت إليه، ثم انحنت باحترام، ولكنه اختار ديوانا وثيرا، وجلس ~~عليه، وقال لها: ادني مني يا رادوبيس. اجلسي ها هنا. # فدنت الغانية حتى صارت على بعد قريب، ووقفت تغالب اضطرابها وذهولها، فأجلسها بيده، ~~وأمسك بمعصمها - وكانت أول لمسة - وأجلسها إلى جانبه .. وكان قلبها يخفق بشدة، فوضعت ~~الصندل جانبا، وخفضت عينيها، ونسيت أنها رادوبيس المعبودة، التي تعبث بالقلوب والرجال ~~كيف شاء لها العبث. غلبتها المفاجأة، وهز نفسها الشخص المعبود، كأنه ضوء متوهج ~~سلط على عينيها بغتة، فانكمشت كعذراء تتصدى لرجلها أول مرة .. إلا أن جمالها ~~الرائع خاض المعركة - بغير علم منها - ثابت الجنان، عظيم الثقة، وسلط شعاعه السحري ~~على عيني الملك الداهشتين كما تسلط الشمس شعاعها الفضي على نائم النبت، فيصحو ~~ويرف رفيفا فاتنا. كان جمال رادوبيس قاهرا نفاذا، يحرق من يدنو منه، ويبعث في نفسه ~~الجنون، ويملأ صدره برغبة لا تروى ولا تشبع. # كانا في تلك الليلة ms046 الخالدة - رادوبيس المتعثرة في ارتباكها والملك التائه في الحسن - ~~أحوج بشرين إلى رحمة الآلهة. # وأحب الملك أن يسمع صوتها فسألها: كيف لا تسألينني عن وقوع صندلك بين يدي؟ # فساورها القلق، وقالت: نسيت أمورا أجل يا مولاي. # فابتسم وسألها: كيف ضاع منك؟ # وهدأت رقة صوته من انفعالها، فقالت: خطفه النسر وأنا أستحم. # وتنهد الملك ورفع رأسه كأنه ينظر إلى تهاويل السقف، وأغمض عينيه يتخيل ذلك المنظر ~~الفاتن؛ إذ رادوبيس تلعب في الماء بجسمها العاري، والنسر يهوي من عل فيخطف صندلها. وسمعت ~~الغانية رفيف أنفاسه، وأحست بها تلفح خدها، وعاد إلى النظر إلى وجهها، وقال بوجد: خطفه ~~النسر وطار به إلي. يا للقصة الفاتنة! ولكني أتساءل منكرا: أكنت أحرم من ~~رؤيتك لو لم يقيض إلي الرب هذا النسر الكريم؟ .. يا له من فرض محزن! ومع هذا ~~فإني أحس في أعماقي بأنه كبر على النسر ألا أعرفك وأنت على قيد ذراع مني، ~~فرماني بالصندل لأنتبه من غفلتي. # فقالت كالداهشة: هل رمى النسر بالصندل بين يديك يا مولاي؟ ~~- نعم يا رادوبيس .. هذه هي القصة الفاتنة. ~~- يا لها من مصادفة كالسحر! ~~- أتقولين مصادفة يا رادوبيس .. وما المصادفة؟ .. إنها قضاء مقنع! # فتنهدت وقالت: صدقت يا مولاي .. إنها كالعاقل المتغابي. ~~- سأعلن رغبتي على الملأ ألا يعرض إنسان من شعبي للنسر بسوء! # فابتسمت ابتسامة سعيدة فاتنة، ومضت في ثغرها كتعويذة سحرية. وأحس الملك بهيام يملك ~~قلبه، ولم يكن من عادته أن يقاوم عاطفة فاستسلم في وجد بين، وقال وهو يتنهد: إنه ~~هو المخلوق الوحيد الذي أدين له بأثمن ما في حياتي .. رادوبيس! كم أنت جميلة! هذا حسن ~~يزري بأحلامي جميعا. # وسرت المرأة لقوله، كأنها تسمعه لأول مرة في حياتها، فرنت إليه بنظرة صافية حلوة ~~زادته هياما، فقال وكأنه يضرع ويشكو: كأن سوطا تشتعل به النيران يلهب قلبي. # ثم أدنى وجهه من وجهها المشرق، وهمس: رادوبيس .. أريد أن أنغمر في أنفاسك. # فبسطت له وجهها، وأسبلت جفنيها. وجعل يهوي بوجهه حتى مس أنفه أنفها الرقيق، وداعب ~~أهدابها الطويلة بأنامله ، وسها ms047 إلى عينيها السوداوين حتى صارت الدنيا ظلاما، وأذهله ~~الهوى، فاستولى عليه تخدير ساحر، حتى تنبه على تنهدها العميق، فاعتدل قليلا، وهمس في ~~أذنها قائلا: رادوبيس! إني أقرأ أحيانا مصيري، سيكون الجنون منذ الساعة شعاري. # وأسندت رأسها إلى كفها إعياء، وكان قلبها يخفق، فجلسا ساعة صامتين يسعد كلاهما ~~بحديث نفسه، وما يحادث - وهو لا يدري - إلا صاحبه، وعلى حين فجأة قامت رادوبيس واقفة، ~~وقالت له: هلا اتبعتني يا مولاي لتشاهد قصري؟ # كانت دعوة سعيدة .. ولكنها ذكرته بأمور كاد أن ينساها، فوجد نفسه مضطرا إلى ~~الاعتذار .. وما يضيره لو أجل اللقاء ساعة. والقصر وما فيه ملك يمينه .. فقال بأسف: ليس ~~الليلة يا رادوبيس. # ونظرت إليه بإنكار، وسألته: ولم يا مولاي؟ ~~- هناك قوم ينتظرونني منذ ساعات في القصر. ~~- أي قوم يا مولاي؟ # فضحك الملك، وقال باستهانة: كان ينبغي أن أكون مجتمعا برئيس الوزراء الآن، والحق يا ~~رادوبيس أنني منذ حادثة النسر فريسة للعمل الشاق، وكنت أبيت نية زيارة قصرك، ~~ولكن لا أجد فرصة مؤاتية، ولما رأيت هذا المساء يكاد يلحق بالذي سبقه، أجلت اجتماعا ~~هاما ريثما أشاهد صاحبة الصندل الذهبي. # واستولت الدهشة على رادوبيس، وتمتمت قائلة: «مولاي.» وكانت تعجب من استهتاره الذي ~~دفعه إلى تأجيل اجتماع هام من الاجتماعات التي تبرم فيها مصائر المملكة، لكي يشاهد ~~امرأة شغل قلبه بها ساعة .. ووجدت عمله جميلا ساحرا لا نظير له بين أعماق العشاق ولا ~~شعر الشعراء. # أما الملك فقام بدوره وقال لها: أنا ذاهب الآن يا رادوبيس .. واها! .. إن القصر ~~خانق .. إنه سجن مسور بالتقاليد، ولكنني أمرق منها مروق السهم .. سأترك الآن وجها ~~حبيبا لألقى وجها بغيضا، فهل رأيت أغرب من هذا؟ .. إلى الغد يا رادوبيس الحبيبة، بل ~~إلى الأبد. # نطق بهذه الكلمات ثم ذهب بروعته، وشبابه، وجنونه. # | الحب # ارتد بصرها عن الباب الذي غيبه، فقالت وهي تتنهد: «ذهب.» ولكنه في الحقيقة لم ~~يذهب، لو كان ذهب حقا لما استولى عليها ذلك التخدير الغريب الذي جعلها بين النوم واليقظة، ~~تذكر وتحلم، والصور تمر أمام مخيلتها ms048 في تزاحم وتسابق وجنون. # حق لها أن تسعد؛ لأنها بلغت منتهى المجد، وتسنمت ذروة البهاء، وتذوقت من آي ~~العظمة ما لم تحلم به امرأة على الأرض. زارها فرعون بذاته المعبودة وسحرته بأنفاسها ~~الزكية، وصاح بين يديها أن سوطا من اللهب يلهب قلبه الفتي، فتوجت بهيامه ~~ملكة على عرشي المجد والجمال. وحق لها أن تسعد .. على أنها كانت تسعد سعادة المجد! ~~ومال رأسها قليلا، فوقع بصرها على فردة الصندل فخفق قلبها وأدنت رأسها حتى مست شفتاها ~~فارسه. # ولم تنفرد بأحلامها طويلا إذ دخلت شيث، وقالت: مولاتي .. أتنوين أن تنامي هنا؟ # ولم ترد عليها .. وحملت الصندل، وقامت في كسل وسارت تتهادى صوب مخدعها. وتشجعت شيث ~~بسكوتها، فقالت بلهجة حزينة: «وا أسفاه يا مولاتي! .. إن هذا البهو الجميل الذي ألف ~~الطرب واللهو، يقفر الليلة لأول مرة من السمار والعشاق .. ولعله يتحير ~~مثلي سائلا: أين الغناء؟ أين الرقص؟ أين الحب .. هي مشيئتك يا مولاتي.» # ولم تبالها الغانية، وصعدت أدراج السلم في صمت وسكون، فظنت شيث أن حديثها ظفر ~~باهتمام سيدتها، فقالت بحماس: لشد ما وجموا وأسفوا لما آذنتهم باعتذارك .. وتبادلوا ~~نظرات الحسرة والحزن العميق، وتراجعوا في ثقل يسحبون وراءهم ذيول اليأس. # ولازمت المرأة الصمت، ودخلت إلى مخدعها الجميل، وهرعت إلى مرآتها وألقت نظرة على ~~صورتها، ثم ابتسمت بارتياح وغبطة وقالت لنفسها: «إذا كان ما حدث الليلة معجزة، فهذه ~~الصورة معجزة أيضا.» وغمرتها نشوة سعادة، فالتفتت إلى شيث وسألتها: من حسبت الرجل الذي ~~جاء لمقابلتي؟ ~~- من هو يا مولاتي؟ إنني لم أره قبل اليوم. هو شاب غريب، ولكن لا جدال أنه من ~~النبلاء، مليح رهيب جسور، يندفع كالريح مجلجلا، ولقدميه وقع شديد، ولصوته لهجة الآمر، ~~ولولا خوفي لقلت: إنه لا يخلو من ... ~~- من ماذا؟ ~~- من جنون. ~~- حذار. ~~- مولاتي .. مهما يكن ثراؤه فلا يمكن أن يرجح العشاق جميعا الذين طردتهم ~~اليوم. ~~- حاذري أن تندمي حيث لا ينفع الندم. # فقالت شيث داهشة: هل يفوق غناه القائد طاهو أو الحاكم آني؟ # فقالت بزهو: إنه فرعون يا حمقاء . # وحملقت ms049 المرأة في وجه مولاتها، وتدلت شفتها السفلى، ولم تنطق. # فقالت الغانية ضاحكة: هو فرعون يا شيث .. فرعون؛ فرعون بذاته دون سواه، إياك والثرثرة ~~.. اذهبي الآن، واغربي عن وجهي؛ فإني أريد أن أخلو بنفسي. # وأغلقت الباب ودلفت إلى النافذة المطلة على الحديقة، وكان الليل جثم في مجثمه وأرخى ~~على الكون جناحيه، وبدت طلائع النجوم في كبد السماء، وأنوار المصابيح المعلقة بأغصان ~~الأشجار في الحديقة، وتبدى الليل فاتنا، فتذوقت جماله وأحست لأول مرة بأن ~~انفرادها فيه عذب بل أعذب من اجتماعها بالعشاق جميعا .. وأصغت في سكونه إلى ذات نفسها ~~وهمسات قلبها .. وبعثت الذكريات الذكريات، فرجع خيالها إلى عهد منطو بعيد، خفق فيه ~~قلبها خفقة طائشة، قبل أن تتوج ملكة للقلوب على عرش بيجة، وتغدو للأنفس قضاء لا ~~يرد. كانت ريفية حسناء، برزت من بين أوراق الريف المخضلة، كما تبرز الوردة ~~اليانعة، وكان نوتيا عذب الصوت نحاسي الساقين، ولا تذكر أنها سلمت لإنسان بداعي ~~قلبها سواه، وشهدت شواطئ بيجة مشهدا لم تسعد بمثله في الأرض. ودعاها إلى سفينه فلبت ~~دعاءه، وحملتها الأمواج من بيجة إلى أقصى الجنوب، وانقطعت من يومها صلاتها بالريف وأهلها ~~جميعا. واختفى النوتي من حياتها فجأة، ولم تدر إن كان ضل، أو فر، أو مات، ووجدت ~~نفسها وحيدة. كلا لم تكن وحيدة، كان معها جمالها فلم تتشرد، والتقطها كهل ذو لحية ~~طويلة، وقلب ضعيف. وطابت لها الحياة وأثرت بموته، وتوهج نورها فخطف الأبصار، فانجذبوا ~~إليها كالفراش المجنون، وألقوا تحت قدميها الصغيرتين قلوبا فتية، وأموالا لا ~~تعد، وبايعوها ملكة للقلوب في قصر بيجة، فكانت رادوبيس .. يا للذكريات! # كيف مات قلبها بعد ذلك؟ هل أماته الحزن، أم الغرور، أم المجد؟ .. كانت تصغي إلى حديث ~~الحب بأذن صماء، وقلب مغلق، فكان منتهى ما يطمع فيه عاشق مدله مثل طاهو أن تهبه ~~جسدها البارد. # استسلمت للذكريات طويلا، وكأنما استدعتها لتربطها بأعجب أيام حياتها، وأسعد ~~أيامها! # ومضى الوقت وهي لا تحس به إن كانت ساعات أم دقائق، حتى انتبهت على وقع أقدام، فالتفتت ~~منزعجة ، فرأت ms050 بابها يفتح، ودخلت شيث لاهثة وقالت: مولاتي .. إنه يتبعني .. ها هو ~~ذا. # ورأت يدخل مطمئنا كأنه يدخل مخدعه الخاص، فغمرتها دهشة ممزوجة بفرح وصاحت: ~~مولاي. # وانسلت شيث خارجا، وأغلقت الباب، وألقى الملك نظرة على المخدع الجميل، وقال ضاحكا: ~~هل أطلب المغفرة لتهجمي هذا؟ # فابتسمت ابتسامة سعيدة، وقالت: المخدع وصاحبته لك يا مولاي. # فضحك ضحكته الفاتنة. كانت ضحكة رنانة فتية تنبض بالحياة الدافقة، وأمسك بمرفقها، ~~وسار بها إلى الديوان وأجلسها، وجلس إلى جانبها، وقال: كنت أخشى أن يسبقني النوم ~~إليك. ~~- النوم .. النوم لا يهتدي إلى أمثال هذه الليلة، يحسبها من فرط نور السعادة ~~نهارا. # فتبدى الجد على وجهه وقال: إذن احترقنا معا. # لم تحس بهذه السعادة من قبل، ولم تعهد قلبها في مثل هذه اليقظة والحياة، ولم تشعر ~~بلذة الاستسلام إلا أمام هذا الإنسان البديع، فقد صدق، إنها تحترق، ولكنها لم تقل ~~شيئا، وقنعت بأن رفعت إليه عينين ناطقتين يجري فيهما الصفاء والمودة .. ثم قالت: لم ~~يدر بخلدي أنك تعود هذه الليلة. ~~- ولا دار لي بخلد، ولكنني رأيت الاجتماع ثقيلا مرهقا، وأعياني تركيز فكري، ~~واستخفني الجزع، وعرض علي الرجل مراسيم كثيرة، فأمضيت عددا يسيرا، وأصغيت إليه ~~بعقل مشتت، ثم ضقت بكل شيء ذرعا، فقلت له إلى الغد، ولم أكن أفكر في العودة، ~~ولكني رغبت في أن أخلو بنفسي للحديث والمناجاة .. فلما خلوت إلى نفسي وجدت الوحدة ~~ثقيلة، والليل موحشا لا يحتمل. هنالك لمت نفسي قائلا: لماذا أصبر إلى الغد؟ .. وليس من ~~عادتي أن أقاوم عاطفة، فما عتمت أن وجدتني ها هنا بين يديك. # يا لها من عادة سعيدة .. إنها تجني أشهى ثمارها، وتحس جواره بفرح عجيب، وكان يضطرب ~~حياة ونشوة، وقال: رادوبيس .. ما أجمل هذا الاسم! فإن له وقع الموسيقى في أذني ومعنى ~~الحب في قلبي. وهذا الحب شيء عجيب، كيف يصرع رجلا تعمر لياليه الحسان من كل لون وطعم؟ ~~.. إنه حقا عجيب، ترى ما هو هذا الحب؟ إنه قلق معذب يسكن في قلبي، وأنشودة ~~إلهية ترتل في أسمى مكان من ms051 روحي. إنه حنين موجع، إنه أنت. أنت حالة في ~~كل آية من آيات الدنيا والنفس، انظري إلى هيكلي هذا الشديد، إنه يشعر بالحاجة إليك ~~شعور الغريق بالحاجة إلى التنفس والهواء. # إنها تبادله هذا الشعور، وتحس بصدقه؛ فقد تكلم ليصف قلبا، فوصف قلبين، إنها ~~تسمع مثله الأنشودة الإلهية، وتشاهد صورته في آيات الدنيا والنفس، وكان جفناها يثقلان ~~بالأحلام والنشوة، فما عتم أن تماست أهدابهما، فسألها برقة: لماذا لا تتكلمين يا ~~رادوبيس؟ # وفتحت عينيها الجميلتين، ونظرت إليه بوجد وحنان، وقالت: ما حاجتي إلى الكلام يا ~~مولاي؟ فطالما كان الكلام يتدفق على لساني، وقلبي ميت، أما الآن، فقلبي يبعث حيا، ~~ويمتص كلامك كما تمتص الأرض حرارة الشمس، وتحيا بها. # فابتسم إليها سعيدا، وقال: اختطفني هذا الحب من وسط دنيا عامرة بالنساء. # فقالت وهي تبادله الابتسام: واختطفني من وسط دنيا عامرة بالرجال. ~~- كنت أتخبط في دنياي كالحائر، وأنت مني على بعد ذراع، وا أسفاه! .. كان ينبغي أن ~~أعرفك من أعوام. ~~- كان كلانا ينتظر النسر ليسفر بيننا. # فشد على قبضة يده بحماس، وقال: نعم يا رادوبيس، كانت الأقدار تنتظر ظهور النسر بأفقنا ~~لتسطر في لوحها أجمل قصة حب، وما أشك في أنه كبر على النسر أن يؤخر حبنا ~~لأجل بعيد، وما ينبغي لنا بعد اليوم أن نفترق؛ فأجمل ما في الدنيا أن نرى معا. # فتنهدت من أعماق قلبها، وقالت: نعم يا مولاي، فلا ينبغي أن نفترق بعد اليوم، وهاك ~~صدري حقلا ناضرا ارتع فيه أنى شئت. # فبسط كفها بين يديه، وضغط عليها بحنو، وقال: تعالي إلي يا رادوبيس، ليغلق هذا ~~القصر على الماضي الغادر؛ فإني أحس بأن كل يوم ضاع من حياتي قبل أن أعرفك طعنة ~~غادرة صوبت إلى سعادتي. # كانت كالمخمورة، ولكن ساورها القلق، فسألته: أيريدني مولاي على أن أنتقل إلى ~~حريمه؟ # فهز رأسه قائلا: ستنزلين بأعز مكان به. # فخفضت عينيها ووجمت، ولم تدر ما تقول فأنكر سكوتها، ووضع أنامل يمناه تحت ذقنها ~~الصغير، ورفع وجهها إليه وسألها: ما لك؟ # فسألته بعد تردد : أأمر ms052 هو يا مولاي؟ # فانقبض صدره لذكر الأمر، وقال: أمر؟ .. كلا يا رادوبيس، إن لغة الأمر لا تجدي مع ~~الحب، وإني ما تمنيت قبل اليوم لو أجرد من شخصيتي! .. وأعود واحدا من البشر ~~يشق طريقه بلا عون، ويلقى حظه بغير محاباة، انسي فرعون مليا، وأخبريني ألا ترغبين في ~~اللحاق بي؟ # وخشيت أن يسيء فهم وجومها وترددها، فقالت بلهجة صادقة: أرغب فيك يا مولاي رغبتي في ~~الحياة، بل الحقيقة أجمل من هذا. الحقيقة أني لم أحب الحياة حبا صادقا إلا منذ ~~أحببتك، وأن قيمتها في نظري أنها تشعرني بحبك، وتسعد حواسي بوجودك، أليس ~~للمحبين غريزة تصدقهم القول؟ .. سلها عن قلب رادوبيس يا مولاي تعد على أذنيك ما جرى ~~على لساني، ولكني أتساءل حيرى: لماذا أهجر هذا القصر، ولماذا أغلق أبوابه إلى الأبد؟ ~~.. إنه أنا بالذات يا مولاي، فينبغي أن تحبه كما تحبني. لا يوجد فيه موضع يخلو من ~~أثر لي، إما صورتي أو اسمي أو تمثال لي. كيف لي بهجره وقد هبط فيه النسر الذي طار إليك ~~برسالة الحب الخالدة؟ .. كيف لي بهجره وقد خفق قلبي فيه بالحب لأول مرة؟ .. كيف لي ~~بهجره يا مولاي وقد زرتني فيه بذاتك العالية؟ .. حري بأي مكان تطؤه قدماك أن يصير - ~~كقلبي - لك وحدك، ولا يغلق أبوابه أبدا. # كان يصغي إليه بحواسه المرهفة، وقلبه المشبوب الجامح، فتؤمن نفسه بكل كلمة من ~~كلماتها. ثم لمس بحنو جدائل شعرها الفاحم، واحتواها بين ذراعيه، وطبع على شفتيها قبلة ~~رطبت شفتيه برحيق عذب، وقال لها: رادوبيس .. أيتها الحب الممتزج بروحي .. لن ~~يغلق هذا القصر أبوابه ولن تظلم حجراته، سيبقى ما بقينا مهدا للحب، وجنة للهوى، ~~وحديقة ناضرة تغرس فيها بذور الذكريات، سأجعل منه محرابا للحب، وأصير أرضه وجدرانه ~~ذهبا مصفى. # فأشرق وجهها بابتسامة سعيدة، وقالت تناجيه: لتكن مشيئتك يا مولاي، وإني أقسم بحبي ~~لأذهبن الغداة إلى معبد الرب سوتيس، وأغسل جسدي بالزيت المقدس، لأرحض نفسي من ~~الماضي الشقي، وأعود إلى المحراب بقلب طاهر جديد، بزهرة تشق الأكمام وتتصدى لشعاع ~~الشمس. ms053 # فوضع يدها على قلبه، ونظر إلى عينيها وقال: رادوبيس أنا اليوم سعيد، وأشهد الدنيا ~~والآلهة على سعادتي، حياتي وحسبي بها من حياة .. انظري إلي؛ فسواد عينيك أشهى لقلبي من ~~نور الدنيا. # في تلك الليلة نامت جزيرة بيجة، وسهر الحب بقصرها الأبيض، حتى انحسر في ظلمة الليل ~~الحالكة عن زرقة الفجر الحالمة. # | ظل الحب # استيقظت في الضحى، وكان الجو حارا، والشمس ترسل أشعتها المتوهجة، فتبث في ~~الدنيا نورا ونارا، وكان قميصها الرقيق يلتصق بجسدها اللدن، وشعرها مبعثرا، منه خصلات ~~نائمة على صدرها، وخصلات ملقاة على الوسادة. # طوبى ليقظة تهيج في القلب أجمل الذكريات .. كان قلبها مرتعا للغبطة، والجو من حولها ~~معطرا بأريج الأزهار، والدنيا تبسم عن السعادة والأفراح، فأحست لتجدد مشاعرها ~~كأنما تكشف عالما جديدا جميلا، أو كأنها تبعث خلقا جديدا. # ومالت في نومتها إلى جانبها، ولاحت منها نظرة إلى الوسادة، فرأت آثار رأسه عليها واضحة، ~~فاستل من عينيها منتهى العطف والحنان، وأدنت رأسها منه ولثمته، وقد تمتمت بفرح: ما ~~أجمل كل شيء! .. وما أسعدني بكل شيء! # ثم جلست في فراشها هنيهة وغادرته - كما كانت تغادره كل صباح - نشطة مرحة كملحة ~~بارعة في نفس عامرة بالفكاهة، واستحمت بالماء البارد، وتعطرت بماء الزهر، وارتدت ~~ثيابها المبخرة ثم عادت إلى مائدة الطعام، وتناولت إفطارها المكون من بيض وفطير، ~~وشربت كوبا من اللبن الحليب، وكأسا من الجعة. # واستقلت سفينتها إلى آبو، وقصدت إلى معبد الرب سوتيس، وولجت بابه العظيم بقلب ~~خاشع، ونفس مفعمة بالرجاء والأمل، وطافت بأرجائه، وتبركت بجدرانه وعمده ذات النقوش ~~المقدسة، وأودعت صندوق النذور ما جادت به يداها، وزارت حجرة الكاهنة الكبرى، وسألتها ~~أن تغسلها بالزيت المقدس لتطهرها من شوائب الحياة وأحزانها، وترحض قلبها من الغي ~~والعمى. وقد أحست وهي بين يدي الكاهنات المطهرات، أنها تودع، بلا رحمة، قبر الفناء؛ ~~جسد رادوبيس الغانية اللعوب، التي كانت تعبث بالرجال وتهلك النفوس، وترقص على أشلاء ~~الضحايا، وذوب القلوب، وأن دما جديدا يجري في عروقها، فينبض في قلبها وحواسها ~~الطمأنينة، والسعادة، والطهر، ثم صلت صلاة ms054 حارة، جاثية على ركبتيها مغرورقة ~~العينين، وضرعت في الختام إلى الرب أن يبارك حبها وحياتها الجديدة. وعادت إلى قصرها ~~من فرط سعادتها كأنها طائر يرف بجناحيه في سماء صافية، واستقبلتها شيث فرحة ~~متهللة، تكاد تطير من الفرح، وقالت: مبارك هذا اليوم السعيد يا مولاتي. ألا تعلمين من ~~أتى قصرك في غيبتك؟ # فخفق قلبها باضطراب فرح، وصاحت: من؟ # فقالت الجارية: أتى رجال من أمهر الصناع بمصر مبعوثين من قبل فرعون، فشاهدوا ~~الحجرات والأرواق والردهات، وقاسوا ارتفاع النوافذ والجدران تمهيدا لصنع أثاث ~~جديد. ~~- حقا؟ ~~- نعم يا مولاتي، وسيغدو هذا القصر عما قليل أعجوبة الزمان، فيا لها من صفقة رابحة! ~~.. # وتحيرت رادوبيس فيما تعنيه المرأة، ثم خطر لها خاطر، فقطبت جبينها وسألتها: أي ~~صفقة تعنين يا شيث؟ # فغمزت المرأة بعينيها، وقالت: صفقة الغرام الجديد، وحق الأرباب إن مولاي ليزن ~~أمة من الأغنياء، ولن آسف بعد اليوم على ضياع تجار منف وقواد الجنوب. # وغضبت رادوبيس حتى تخضب وجهها بالاحمرار، وصاحت بها: خسئت يا امرأة .. أنا لا ~~أتجر الآن. ~~- ويل لي .. لو كانت لدي شجاعة يا مولاتي لسألتك عما تفعلين إذن. # فتنهدت رادوبيس وقالت: أمسكي عن هذرك، ألا ترين أني أجد في الأمر ~~جدا؟ # فحملقت الجارية في وجه مولاتها الجميل، وصمتت دقيقة ثم قالت: باركتك الآلهة يا مولاتي ~~.. إني حائرة وأسائل نفسي: لماذا تجد مولاتي جدا؟ # فتنهدت رادوبيس مرة أخرى، واستقلت على الديوان الوثير، وقالت بصوت خافت: أحببت ~~يا شيث. # فضربت الجارية على صدرها بيدها، وقالت بفزع ودهشة: أحببت يا مولاتي؟! ~~- نعم أحببت، ما لك تدهشين؟ ~~- معذرة يا مولاتي، هذا زائر جديد لم أسمع باسمه يجري لك على لسان من قبل .. فكيف ~~جاء؟ # فابتسمت رادوبيس وقالت كالحالمة: ما الداعي إلى العجب؟ امرأة تحب، يا لها من حقيقة ~~مبتذلة! # فأشارت المرأة إلى قلب مولاتها، وقالت: أما هنا فلا، عهدي به حصنا منيعا، فكيف أخذ ~~.. ألا بالله قولي لي. # وبدت في عينيها الأحلام، وبعثت الذكرى في نفسها شعورا فياضا، فقالت بصوت كالهمس: ~~أحببت يا شيث، والحب شيء ms055 عجيب، في أي دقيقة من الزمان طرق الحب قلبي؟ كيف تسلل ~~إلى أعماق نفسي؟ لا علم لي بذلك، وإنه ليحيرني حيرة شديدة، ولكني عرفت الحقيقة ~~بقلبي، لقد خفق بشدة وعنف، خفق لرؤية وجهه، وخفق لسماع صوته، وما كان عهدي به أن يخفق لشيء ~~من هذا، فوسوس لي صوت خفي، بأن هذا الرجل صاحب هذا القلب دون منازع، فغمرني إحساس ~~قوي عنيف عذب أليم، وشعرت شعورا وثابا بأنه ينبغي أن يكون لي كقلبي، وأن أكون له ~~كنفسه، ولم أعد أتصور أن تطيب حياة، ويلذ وجود بغير هذا الامتزاج. # فقالت شيث لاهثة: يا للحيرة يا مولاتي! ~~- نعم يا شيث. طالما تمتعت بالحرية المطلقة، كنت أتخذ مجلسي على ربوة عالية ~~وأسرح ناظري في عالم واسع غريب، وأسامر عشرات الرجال، وأتذوق متع الأحاديث، ~~وأتملى آيات الفن، وألهو بالمجون والغناء، ولكن كان يرين على صدري سأم لا شفاء له، ~~وتغشى نفسي وحشة لا طمأنينة معها. الآن يا شيث ضاقت آمالي، وانحصرت في رجل واحد هو ~~مولاي، وهو دنياي، ولكن دبت حياة دافقة طردت من طريق حياتي السأم والوحشة، وأفاضت عليه ~~نورا وبهجة، فقدت نفسي في الدنيا الواسعة، ووجدتها في رجلي الحبيب .. أرأيت ما هو ~~الحب يا شيث؟ # فهزت الجارية رأسها في حيرة، وقالت: يا له من أمر عجيب كما تقولين يا مولاتي! .. ~~ولعله أعذب من الحياة نفسها! وإني أسائل نفسي عما أحس به من الحب، إن الحب ~~كالجوع، والرجل كالطعام .. وإني أحب من الرجال قدر ما أحب من الأطعمة دون حيرة ~~.. وحسبي هذا. # فضحكت رادوبيس ضحكة رقيقة كرنين الوتر، ثم قامت واقفة، وذهبت إلى شرفة تطل على ~~الحديقة، وأمرت شيث أن تأتي لها بقيثارة، فأحست برغبة إلى اللعب بالأوتار والغناء، كيف ~~لا والدنيا جميعا تنشد لحنا بهيجا؟ # وغابت شيث برهة، ثم عادت حاملة القيثارة، وأسلمتها بين يدي مولاتها، وهي تقول: هل ~~يزعجك أن تؤجلي اللهو إلى حين؟ # فسألتها ببساطة وهي تتناول القيثارة: ولمه؟ # طلب إلي أحد العبيد أن أخبرك بأن إنسانا يطلب الإذن بمقابلتك . # فلاح ms056 الاستياء على وجهها، وسألتها بجفاء: ألا يعرف من هو؟ ~~- يقول إنه .. يزعم أنه مرسل من قبل الرسام هنفر. # وتذكرت ما قاله لها الرسام هنفر أول أمس عن تلميذ أنابه عن نفسه لزخرفة الحجرة ~~الصيفية، فقالت لشيث: إيتي به إلي. # وأحست بمضايقة واستياء، وأمسكت القيثارة بحدة، ولعبت أناملها بالأوتار في خفة ~~وغضب، لعبا لا وحدة بين أجزائه. # وعادت شيث يسير على أثرها شاب حديث العمر، وقد أحنى رأسه في إجلال، وقال بصوت رقيق: ~~أسعد الرب يومك يا سيدتي. # فوضعت القيثارة جانبا ونظرت إليه من خلال أهدابها الطويلة، كان غلاما معتدل القامة، ~~نحيف القد، أسمر الوجه، حسن القسمات، واسع العينين إلى درجة تلفت النظر، تلوح فيهما ~~آي الصفاء والسذاجة، فأخذتها حداثة سنه، وصفاء عينيه، وتساءلت متعجبة: هل يستطيع حقا ~~أن يتم عمل المثال العظيم هنفر؟ وقد أحست بارتياح إلى رؤيته، أذهب عنها موجة ~~الاستياء التي اجتاحتها، وسألته: أأنت تلميذ المثال هنفر الذي اختارك لزخرفة الحجرة ~~الصيفية؟ # فقال الشاب بارتباك ظاهر، وكان بصره يتردد بين وجه رادوبيس وأرض الشرفة: نعم يا ~~سيدتي. ~~- حسن، وما اسمك؟ ~~- بنامون .. بنامون بن بسار. ~~- بنامون .. كم تبلغ من العمر يا بنامون، فإني أراك صغيرا؟ # فتورد خداه وقال: أبلغ الثامنة عشرة في مسرى القادم. ~~- أراك تبالغ في التقدير. # فقال الشاب بإخلاص: كلا يا سيدتي، إن ما أقول هو الحق. ~~- يا لك من طفل يا بنامون! # واختلجت عيناه الواسعتان العسليتان قلقا، وكأنه خشي أن تعرض عنه لحداثة سنه. ~~وقرأت مخاوفه، فقالت مبتسمة: لا تقلق؛ فإني أعلم أن هبة المثال في يده لا في ~~عمره. # فقال بحماس: لقد شهد لي أستاذي الفنان الكبير هنفر. ~~- هل سبق أن قمت بعمل هام؟ ~~- نعم يا سيدتي، زخرفت جانبا من الحجرة الصيفية بقصر السيد آني حاكم بيجة. # فقالت: أنت طفل نابغ يا بنامون. # فتورد خداه، ولمعت عيناه بنور الفرح، وغمرته سعادة دافقة، ونادت رادوبيس شيث، ~~وأرتها أن تذهب به إلى الحجرة الصيفية .. وتردد الشاب قليلا قبل أن يتبع الجارية، ~~وقال: ينبغي أن تفرغي لي كل ms057 يوم .. في أي وقت تشائين. # فقالت: لقد ألفت نفسي أمثال هذه الواجبات .. هل تنحت لي صورة كاملة؟ ~~- أو نصفية، وربما اكتفيت بتصوير الوجه، وعلى أية حال هذا يتبع الصورة العامة ~~للزخرف. # قال ذلك، وأحنى رأسه، وسار على أثر شيث، وذكرت المرأة المثال هنفر، وقالت لنفسها في ~~سخرية: هل كان يدور له بخلد، أن القصر الذي سألها أن تفتحه لتلميذه سيحرم عليه هو ~~دخوله؟ .. # وأحست بارتياح إلى الأثر الذي تركه الشاب الساذج في نفسها، ولعله أثار في قلبها ~~عاطفة جديدة لم تدب بها الحياة من قبل، هي عاطفة الأمومة .. وسرعان ما أشفقت عليه من ~~عينيها وسحرهما الذي لم ينج منه إنسان، ودعت الرب مخلصة أن يحفظ له طمأنينته وصفاءه، ~~ويجعله بمنجاة من دواعي الألم واليأس. # | بنامون # وبرا بوعدها قصدت لدى ضحى اليوم الثاني إلى الحجرة الصيفية بالحديقة، ووجدت بنامون ~~جالسا إلى منضدة، باسطا على سطحها ورقة من البردي، يرسم عليها أشكالا مختلفة ويبدو ~~عليه آي الانهماك والتفكير. ولما أحس بوجودها، وضع قلمه وقام واقفا وأحنى رأسه لها، ~~فحيته بابتسامة وقالت: سأجعل لك هذه الساعة من الصباح، فهي التي أملكها من يومي ~~الطويل. # فقال الشاب بصوته الخافت الخجول: شكرا يا سيدتي، ولكننا لن نبدأ اليوم؛ لأنني ما ~~أزال أضع الفكرة العامة للزخرف. # فقالت: آه! لقد غررت بي يا غلام. ~~- حاشاي يا سيدتي .. بل عنت لي فكرة رائعة. # فنظرت إلى عينيه الواسعتين الصافيتين بسخرية، وقالت: ترى هل يستطيع حقا هذا الرأس ~~الصغير، أن يبدع فكرة رائعة؟ # فتخضب وجهه بالاحمرار، وقال بارتباك وهو يشير إلى الجدار الأيمن: سأملأ هذا الفراغ ~~بصورة وجهك وعنقك. ~~- يا للهول! .. أخشى أن يأتي بشعا مخيفا. ~~- سيبدو جميلا كما هو. # نطق الشاب بهذه العبارة ببساطة وسذاجة، فحدجته بنظرة فاحصة، فسارع الارتباك إليه، ~~وتحيرت عيناه الصافيتان، وأشفقت عليه فنظرت إلى الأمام حتى استقر بصرها على البركة ~~خلل الباب الشرقي للحجرة .. يا له من شاب رقيق كالعذراء الساذجة! إنه يهيج في ~~صدرها حنانا غريبا، ويوقظ الأمومة النائمة في سراديب نفسها، والتفتت إليه، ms058 فرأته ~~منكبا على عمله، ولكنه لم يكن متفرغا له، وآية ذلك أنه كان ظاهر الارتباك ~~مورد الخدين، أليس ينبغي أن تتركه وتذهب إلى حال سبيلها؟ ولكنها أحست برغبة في ~~التحدث معه، فأطاعت رغبتها وسألته: أمن أهل الجنوب أنت؟ # فرفع الشاب رأسه، وقد اكتسى وجهه بنور فرح بهيج، وقال: أنا من أمبوس يا سيدتي. ~~- أمبوس؟ .. أنت من شمال الجنوب إذن، ولكن ما الذي جمع بينك وبين المثال هنفر وهو من ~~أهل بيلاق؟ ~~- كان والدي من أصدقاء المثال هنفر، ولما رأى تعلقي بالفن أرسلني إليه ~~ووصاه بي. ~~- وهل والدك من طائفة الفنانين؟ # فصمت الشاب هنيهة، ثم قال: كلا .. كان والدي كبير أطباء أمبوس، وكان نابغة في ~~الكيمياء والتحنيط، وقد تعددت اكتشافاته في طرائق التحنيط وتركيبات السموم. # ففهمت المرأة من سياق حديثه أن والده مات، ولكنها عجبت لاكتشافه تركيبات السموم، ~~وسألت الشاب: ولماذا كان يصنع السموم؟ # فقال الشاب بلهجة حزينة: كان يستعملها كأدوية ناجعة، ويأخذها الأطباء عنه، ولكنها ~~وا أسفاه! كانت السبب في القضاء على حياته. # فسألته باهتمام شديد: كيف كان ذلك يا بنامون؟ ~~- أذكر يا سيدتي أن والدي ركب سما عجيبا، وكان يفاخر دائما بقوله: «إنه أفتك ~~السموم جميعا، وإنه يقضي على ضحيته في ثوان معدودة.» وسماه لذلك «السم السعيد». ~~وفي ليلة أسيفة قضى الليل كله في معمله يشتغل بلا انقطاع، وفي الصباح وجد ممددا ~~على مقعده فاقد الروح، وإلى جانبه قارورة سم من ذاك السم الفاتك مفضوضة ~~السداد. ~~- يا للغرابة! .. هل انتحر؟ ~~- من المحقق أنه تناول جرعة من السم الفاتك، ولكن ما الذي دفعه إلى الهلاك؟ .. ~~لقد دفن سره معه، واعتقدنا جميعا أن روحا شيطانيا تلبسه، فأضلته الحكمة فأتى ~~فعلته في حالة إعياء وذهول وفجع أسرتنا جميعا. # واكتسى وجهه بحزن عميق وانحنى رأسه على صدره. فأسفت رادوبيس على إثارتها هذا الموضوع ~~الأليم وسألته: وهل أمك على قيد الحياة؟ ~~- نعم يا سيدتي، وهي تعيش بقصرنا في أمبوس. أما معمل والدي فلم يلج بابه إنسان منذ تلك ~~الليلة. # وعادت المرأة وهي تفكر في ms059 موت الطبيب بسار الغريب وفي سمومه المودعة المعمل ~~المغلق. # وكان بنامون الإنسان الوحيد الغريب الذي يلوح في أفقها الهادئ المنطوي على الحب ~~والطمأنينة؛ وكان الوحيد كذلك الذي ينتهب من وقتها الموهوب للحب ساعة كل صباح. على ~~أنه لم يضايقها قط لأنه كان أرق من الطيف. ومضت الأيام وهي مغرقة في الهوى وهو ~~منكب على عمله، وحياة الفن العالية تدب في جدران الحجرة الصيفية. # وكان يسرها أن ترقب يده وهي تبث في الحجرة روحا من جمالها الرائع. وقد اقتنعت ~~بمقدرته الفائقة، ووقر في نفسها أنه سيخلف المثال هنفر في مستقبل قريب. وقد سألته ~~يوما وهي تهم بمغادرة الغرفة بعد جلسة ساعة: ألا يلحقك التعب أو السأم؟ # فابتسم الغلام بفخار وقال: هيهات. ~~- كأنك تندفع بقوة شيطان. # فأشرق وجهه الأسمر بابتسامة وامضة، وقال بهدوء وسذاجة: بل بقوة الحب. # وارتجف قلبها لوقع هذه الكلمة التي توقظ في قلبها أشهى الذكريات، وتنادى إلى ~~مخيلتها صورة حبيبة محاطة بالبهاء والجلال، ولم يكن يدرك شيئا مما يقوم في نفسها، ~~فاستدرك قائلا: ألا تعلمين يا سيدتي أن الفن هوى؟ ~~- حقا؟! # فأشار إلى أعلى جبينها الذي وضح رسمه على الجدران، وقال: هاك نفسي خالصة. # وكانت قد ملكت عواطفها، فقالت بسخرية: يا لها من حجر أصم! ~~- كانت حجرا قبل أن تمسها يداي، أما اليوم فهي نفسي. # فضحكت قائلة: يا لك من مغرق في حب نفسه! # هكذا قالت وهي توليه ظهرها، ولكن وضح على أثر ذاك اليوم أن نفسه ليست الشيء الوحيد ~~الذي يحبه، وكانت تسير في الحديقة على غير هدى كخاطر حائر في دماغ حالم سعيد، فأشرفت ~~بغتة على الحجرة الصيفية، وساقها ميل إلى التسلية إلى اعتلاء ربوة عالية في غابة ~~الجميز، وإرسال النظر خلل نافذة الحجرة وكان وجهها الآخذ في الاستواء والاكتمال يواجهها ~~على الجدار المقابل، ورأت الفنان الشاب في أسفل الجدار، وكانت تظنه ينهمك في عمله ~~كعادته، ولكنها وجدته يجثو على ركبتيه، ويداه مشتبكتان على صدره، ورأسه متجه إلى أعلى ~~كأنه مستغرق في صلاة، إلا أن رأسه كان ms060 متجها إلى ما تم نحته من رأسها ~~وجبينها. # ودفعتها غريزتها إلى الاختفاء وراء فرع شجرة ومضت تراقبه خلسة دهشة مذعورة، ~~ورأته يقوم واقفا كأنه ينفتل من صلاته، ورأته يمسح عينيه بطرف كمه الواسع، فخفق ~~قلبها، ولبثت برهة لا تبدي حراكا، والسكون مطبق من حولها؛ لا يسمع بين آونة وأخرى ~~سوى رفرفة البط السابح على سطح الماء أو طنينه، ثم التفتت إلى الوراء وانحدرت مسرعة ~~في طريقها إلى القصر. # وقع ما طالما أشفقت من وقوعه رحمة به، وكانت تطالع معناه في عينيه الصافيتين ~~كلما رنا بهما إليها، وما كانت تستطيع دفع الشر، فهل تباعد بينه وبينها؟ هل تغلق باب ~~القصر في وجهه بأية علة تعتل بها عليه؟ .. لكنها أشفقت من تعذيب نفسه الرفيعة ~~وباتت في حيرة من أمرها. # على أن حيرتها لم تطل بها، ولم يكن شيء في الوجود بقادر على أن يستبد بوجدانها ~~أكثر من ساعة عابرة؛ لأن عواطفها وإحساساتها جميعا كانت نهب الحب، وملك يدي حبيب ~~طموح لا يقنع من الحب بشيء .. كان يطير إلى قصرها الحالم هاجرا قصره ودنياه، غير آسف ولا ~~متردد، فكانا يفران معا من الوجود ويلوذان بنفسيهما العامرتين بالحب، ويستسلمان ~~لسحر الهوى وفتونه، ويصليان ناره، ويشهدان الحجرات والحديقة والأطيار على روعته وجبروته. ~~وكان أقصى ما يلقيان من أسباب الهموم في أيامهما تلك أن تكتشف رادوبيس في الضحى بعد ~~توديعه لها، أنها لم تسأله أعينيها يؤثر بالشوق أم شفتيها، أو أن يذكر وهو في طريقه ~~إلى قصره أنه لم يقبل ساقها اليمنى مثلما فعل قبل اليسرى، وربما حمله أسفه على أن ~~يكر راجعا لينفي عن حياته أتفه أسباب الهموم. # كانت أياما لا نظير لها في الأيام. # | خنوم حتب # وكان الزمن الذي يمنح قوما الصفاء والسعادة، يتجهم لوجه رئيس الوزراء وكبير الكهنة ~~خنوم حتب. كان الرجل يقبع في دار الحكومة يرقب الأمور بعينين متشائمتين، ويستمع إلى ما ~~يقال بآذان مرهفة وقلب حزين، ثم يستوصي بالصبر ما أمكن الصبر. # وكان الأمر الذي أصدره الملك بنزع أراضي المعابد ينغص ms061 عليه صفو حياته، ويضع في سبيل ~~حكمه عراقيل من الأزمات النفسية؛ لأن جمهور الكهنة قابلوه بفزع وألم، ونشط أكثرهم إلى ~~كتابة العرائض والالتماسات وتوجيهها إلى رئيس الوزراء وكبير الحجاب. # ولاحظ الرئيس أن الملك لا يمنحه من وقته عشر معشار ما كان يمنحه من قبل، وأنه ~~نادرا ما يحظى بمقابلته والتحدث إليه في أمور المملكة. وذاع على أثر ذلك أن فرعون ~~يهوى غانية القصر الأبيض ببيجة، وأنه يبيت لياليه في قصرها. ثم شوهد الصناع ~~يساقون إلى قصرها جماعات جماعات، ورئيت زرافات العبيد حاملة فاخر الأثاث وثمين ~~الجواهر. وتهامس الكبراء بأن قصر رادوبيس يتحول إلى مثوى من الذهب والفضة والمرجان، ~~وأن أركانه تشهد هوى جامحا يتقاضى مصر أموالا لا تعد ولا تحصى. # وكان خنوم حتب رأسا كبيرا وعينين عميقتين، وقد نفد صبره، وضاق بجموده، ففكر في ~~الأمر طويلا، وعزم على أن يبذل ما في وسعه ليحول الأمور عن السبيل التي تندفع فيه، ~~فأرسل رسولا من قبله برسالة إلى كبير الحجاب سوفخاتب رجاه فيها إلى موافاته بدار ~~الحكومة. وسارع كبير الحجاب إلى مقابلته، وصافحه الوزير، وقال له: إني أشكرك ~~أيها المبجل سوفخاتب على تلبيتك لرجائي. # فأحنى كبير الحجاب رأسه وقال: إني لا أتوانى عن القيام بواجبي المقدس في خدمة ~~مولاي. # وجلس الرجلان وجها لوجه، وكان خنوم حتب صلب الإرادة حديدي الأعصاب، فظل وجهه هادئا ~~رغم ما يجيش بصدره من الأحزان. وقد استمع إلى قول كبير الحجاب في سكون، ثم قال: أيها ~~المبجل سوفخاتب، كلنا نخدم فرعون ومصر بإخلاص. ~~- هذا حق يا صاحب القداسة. # ورأى خنوم حتب أن يطرق موضوعه الخطير، فقال: ولكن ضميري لا يرتاح إلى سير الأمور في هذه ~~الأيام، وبت أتعثر بالمتاعب والمشكلات. وقد رأيت - وأحسبني في رأيي من الصادقين - أن ~~مقابلة بيني وبينك لا شك تأتي بخير كثير. # فقالت سوفخاتب: إنه ليسعدني وحق الأرباب أن تصدق في فراستك يا صاحب ~~القداسة. # فهز الرجل رأسه الكبير دلالة على الرضا، وقال بلهجة تنم على الحكمة: يجدر بنا أن ~~نستوصي بالصراحة؛ فالصراحة كما ms062 يقول فيلسوفنا قاقمنا آية الصدق والإخلاص. # فأمن سوفخاتب على قوله قائلا: صدق فيلسوفنا قاقمنا. # فصمت خنوم حتب دقيقة يجمع أفكاره، ثم قال بصوت ينم على الحزن: يندر أن أحظى بمقابلة ~~جلالة الملك في هذه الأيام. # وانتظر الوزير أن يعقب الرجل على كلامه، ولكنه لازم الصمت، فاستطرد قائلا: وأنت تعلم ~~أيها المبجل أني كثيرا ما أطلب تحديد وقت لمقابلته، فيقال لي إن ذاته المعبودة ~~خارج القصر. # فبادره سوفخاتب قائلا: ليس لإنسان أن يحسب على فرعون حركاته وسكناته. # فقال الوزير: ما قصدت إلى هذا أيها المبجل، ولكني أعتقد أن حقي كوزير يخول ~~لي المثول بين يدي جلالته بين آونة وأخرى، لأقوم بواجباتي على الوجه الأكمل. ~~- معذرة يا صاحب القداسة، ولكنك تحظى بالمثول بين يدي فرعون. ~~- نادرا ما تتاح لي الفرصة. وتجدني لا أدري ما الحيلة لأعرض على ذاته العليا التماسات ~~تزدحم بها حجرات الحكومة. # فحدجه الحاجب بنظرة فاحصة، وقال: لعلها تمس موضوع أراضي المعابد. # فالتمعت عينا الوزير بنور خاطف، وقال: هو ذلك يا سيدي. # فقال سوفخاتب بسرعة: إن فرعون لا يريد أن يسمع جديدا حول هذا الموضوع؛ لأن جلالته ~~قال فيه كلمته الأخيرة. ~~- إن السياسة لا تعرف كلمة أخيرة. # قال سوفخاتب بلهجة لم تخل من حدة: هذا رأيك يا صاحب القداسة وعسى ألا أشاركك ~~فيه. ~~- أليست أملاك المعابد تراثا تقليديا؟ # واستاء سوفخاتب لأنه شعر بأن الوزير يستدرجه إلى حديث يأباه، بعد أن أعلن له إباءه، ~~فقال بلهجة لا تدع له أي احتمال للشك: سأقف عند كلمة مولاي لا أتعداها. ~~- إن أخلص الناس لمولاه من يصدقه النصيحة. # واشتد استياء الحاجب الأكبر لجفاء القول، وثارت كرامته ثورة مكتومة، فقال بشدة: إني ~~أعرف واجبي يا صاحب القداسة، ولكني لا أسأل عنه إلا أمام ضميري. # فتنهد خنوم حتب يائسا، ثم قال في هدوء وتسليم: إن ضميرك فوق الشبهات أيها ~~المبجل، وما داخلني شك قط في إخلاصك أو حكمتك، ولعل هذا ما دعاني إلى الاسترشاد ~~برأيك. أما وأنك ترى أن هذا لا يتفق وإخلاصك فلا يسعني إلا ms063 العدول عنك آسفا، وليس ~~لدي الآن إلا رجاء واحد. # فقال سوفخاتب: تفضل يا صاحب القداسة. ~~- إني أرجو أن ترفع إلى مسامع صاحب الجلالة الملكة، رجائي بالتشرف بين يديها ~~اليوم. # وأخذ سوفخاتب، ونظر إلى محدثه نظرة دالة على الدهشة؛ لأنه وإن كان الوزير لم ~~يجاوز حدوده بهذا الرجاء إلا أنه لم يكن متوقعه، فاستولى الارتباك على الحاجب، أما ~~خنوم حتب فقال بلهجة دلت على العزم: إني أقدم هذا الرجاء بصفتي رئيس وزراء المملكة ~~المصرية. # فقال سوفخاتب بقلق: ألا انتظرت إلى الغد لأحيط الملك علما برغبتك؟ ~~- كلا أيها المبجل، إني أرجو أن أستعين بجلالة الملكة على تذليل العقبات التي ~~تعترض سبيلي، فلا تضيع فرصة ذهبية، عسى أن أخدم بها مليكي ووطني. # فلم يسع سوفخاتب إلا أن يقول: سأرفع رجاءك إلى جلالتها في الحال. # وقال خنوم حتب وهو يمد له يده للمصافحة: سأنتظر رسولك. # فقال الحاجب الأكبر وهو يودعه: كما تشاء يا صاحب القداسة. # ولما خلا خنوم حتب بنفسه قطب جبينه، وأصر على أسنانه بشدة، فبدا ذقنه العريض ~~كقبضة من الجرانيت، ومضى يذرع الحجرة ويعمل فكره. وكان لا يشك في إخلاص سوفخاتب، ولكنه ~~كان قليل الثقة في شجاعته وعزيمته. وقد دعاه وهو يائس منه، ولكنه لم يرد أن يترك وسيلة ~~بلا تجربة، ثم تساءل قلقا: هل تقبل الملكة رجاءه وتدعوه لمقابلتها؟! وما عساه يصنع لو ~~رفضت مقابلته؟ إن الملكة لا يستهان بها، وعسى أن تحل العقدة المستحكمة بذكائها، ~~فتنقذ ما بين الملك والكهنة من الانهيار والتفكك. ولا شك أن الملكة تدرك سوء ~~تصرف الملك الشاب، وتألم له أشد الألم؛ فهي ملكة مشهود لها بالفطنة، وهي زوجة تشارك ~~الزوجات أفراحهن وأحزانهن. أليس من المحزن أن تنزع أملاك المعابد ليبذل ريعها رخيصا ~~تحت أقدام راقصة؟ # إن الذهب يتدفق إلى قصر بيجة من أبوابه ونوافذه، ومهرة الصناع يتقاطرون عليه ~~ويعملون ليل نهار في صنع أثاثه وحلي ربته وأثوابها. وأين .. أين فرعون؟ .. هجر زوجه ~~وحريمه ووزراءه وقنع من الدنيا بقصر الراقصة الساحرة! # وتنهد الرجل في حزن عميق، ms064 وتمتم قائلا: ما ينبغي لمن يجلس على عرش مصر أن ~~يلهو. # وراح في تفكيره العميق، ولكن لم يطل به الانتظار؛ إذ دخل عليه حاجبه، واستأذن لرسول آت ~~من القصر فأذن. وانتظر الرجل في لهفة، وقد اضطربت شفتاه في تلك اللحظة الفاصلة على قوة ~~إرادته وصلابة أعصابه، ودخل الرسول، وأحنى رأسه محييا، وقال باقتضاب: إن حضرة صاحبة ~~الجلالة تنتظركم يا صاحب القداسة. # وحمل من فوره إضمامة الالتماسات، وذهب إلى عجلته التي طارت به إلى القصر، وما دار له ~~بخلد أن يأتيه الرسول بهذه السرعة؛ فلا شك أن الملكة تكابد حزنا وقلقا، وتعاني من ~~الآلام في وحدتها الموحشة، ولا شك أنها تتصبر على الإهانة والحرمان قابعة في سياج ~~قاس من الكبرياء والصمت، إنه يحس أنها من رأيه، وأنها ترى الأمور بالعين التي ~~يراها الكهنة والعقلاء جميعا. وعلى أية حال فسيؤدي واجبه، ولتقض الآلهة أمرا كان ~~مفعولا. # وبلغ القصر، وقصد توا إلى جناح الملكة، ولم يلبث أن دعي إلى مقابلة جلالتها في بهو ~~استقبالها الرسمي. وأدخل البهو فاتجه نحو العرش، وأحنى هامته حتى مست جبهته حاشية ~~ثوبها الملكي، وقال بإجلال عميق: السلام على مولاتي نور الشمس وبهاء القمر. # فقالت الملكة بصوت هادئ: السلام عليك أيها الرئيس خنوم حتب. # واستقامت قامة الوزير، وإن ظل رأسه منكسا، وقال بخشوع: إن عبدك المطيع يعجز ~~لسانه عن أداء الشكر لذاتك العالية، على تفضلك الكريم باستقباله. # فقالت الملكة بصوتها المتزن النبرات: إني أعتقد أنك لا ترجو مقابلتي إلا لأمر ~~خطير؛ فلم أتوان عن استقبالك. ~~- تعالت حكمة مولاتي، فالأمر جد خطير، وما هو إلا صميم السياسة العليا. # وانتظرت الملكة صامتة، فاستجمع الرجل قواه الذاتية، وقال: إني يا صاحبة الجلالة ~~أصطدم بعقبات شديدة، حتى بت أخشى ألا أقوم بواجبي بما يرضي ضميري ومولاي ~~فرعون. # وسكت لحظة، واختطف من وجه الملكة الهادئ نظرة سريعة كأنه يمتحن أثر كلامه فيها، أو ~~ينتظر كلمة تشجعه على الاسترسال، وأدركت الملكة معنى تردده فقالت: تكلم أيها ~~الوزير فإني مصغية إليك. # فقال خنوم حتب: اصطدمت بهذه ms065 العقبات على أثر صدور الأمر الملكي بنزع أكثر أملاك ~~المعابد؛ فقد اضطرب الكهنة وفزعوا إلى الالتماسات يرفعونها إلى أعتاب فرعون؛ فهم يعلمون ~~أن أراضي المعابد منح وهبات الفراعنة عطفا، فأشفقوا من أن يكون استردادها سخطا. # ولاذ الوزير بالصمت هنيهة، ثم استدرك قائلا: الكهنة يا مولاتي جنود الملك في وقت ~~السلم، والسلم ينشد رجالا أصلب عودا من رجال الحرب؛ فمنهم المعلمون والحكماء ~~والوعاظ، ومنهم حكام ووزراء. وما كانوا ليتوانوا عن التنازل عن أملاكهم حبا لو دعت ~~إلى ذلك شدة حرب أو قحط، ولكنهم ... # وتردد الرجل عن الكلام لحظة، ثم استطرد بصوت أشد خفوتا: ولكن يحزنهم أن يروا هذه ~~الأموال تنفق في غير هذه الوجوه. # ولم يرد أن يجاوز هذا الحد من التلميح، ولم يداخله شك في أنها تفهم كل شيء ~~وتعلم كل شيء، ولكنها لم تعقب على كلامه بكلمة، فلم ير بدا من أن يتقدم إليها ~~بالالتماسات، ثم قال: هذه الالتماسات يا صاحبة الجلالة تعبر عن إحساس رؤساء المعابد، وقد ~~رفض مولاي الملك أن ينظر فيها، فهل لمولاتي أن تطلع عليها؛ فالشاكون طائفة من شعبكم ~~المخلص تستحق الرعاية. # وقبلت الملكة الالتماسات، فوضعها الوزير على منضدة كبيرة، ووقف في سكون منكس الرأس. ~~ولم تعده الملكة بشيء، وما طمع في هذا قط، ولكنه تفاءل خيرا بقبول الالتماسات، ثم ~~أذنت له بالانصراف، فتراجع ويداه على عينيه. # وفي طريق العودة حادث الوزير نفسه: إن الملكة شديدة الحزن، وعسى أن ينفع حزنها قضيتنا ~~العادلة. # | نيتوقريس # غيب الباب الوزير، ووجدت الملكة نفسها وحيدة في البهو الكبير، فأسندت رأسها المتوج ~~إلى ظهر العرش، وأغلقت جفنيها، وتنهدت تنهدا عميقا، صعد أنفاسا حارة مكتوية ~~بصورة الحزن والألم، فلشد ما تتصبر وتتجلد، حتى إن أدنى الناس إليها لا يدري ~~بألسنة اللهيب التي تحترق بها أحشاؤها بغير رحمة .. وقد ظلت تطالع الناس بوجه هادئ ~~يكتنفه الصمت كأبي الهول. # وما كانت تجهل من الأمر شيئا، فقد شاهدت المأساة من بدء فصولها، ورأت الملك يتردى في ~~الهاوية، ويذهب فريسة لهواه الجامح، ويهرع إلى تلك ms066 المرأة - التي شاد بحسنها كل لسان ~~- لا يلوي على شيء. وأصابها سهم سام في عزة نفسها وسويداء عواطفها، ولكنها لم تبد ~~حراكا، ونشب في صدرها صراع عنيف بين المرأة ذات القلب، والملكة ذات التاج، وأثبتت ~~التجربة أنها كأبيها قوية الشكيمة، فصهر التاج القلب، وخنقت الكبرياء الحب، فانطوت ~~على نفسها الحزينة سجينة خلف الستائر. وهكذا خسرت المعركة، وخرجت منها مهيضة الجناح، ~~وما رمت عن قوسها سهما واحدا. # وكان الذي يدعو إلى السخرية، أنهما ما زالا يعدان عروسين. على أن تلك الفترة ~~القصيرة كانت كافية لإظهار ما انطوت عليه نفسه من الجموح العنيف والهوى الطائش؛ فما عتم ~~أن ملأ الحريم بعدد لا يحصى من الجواري والمحظيات من مصر والنوبة وبلاد الشمال. ولم تكن ~~تأبه لهن؛ لأنهن جميعا لم يصرفنه عنها، ولبثت ملكته وملكة فؤاده. إلى أن ظهرت في ~~أفقه هذه المرأة الساحرة فجذبته إليها بعنف، وملكت عواطفه وعقله جميعا، واستأثرت به ~~دون زوجه وحريمه ورجاله المخلصين، ولعب بها الأمر الخادع حينا، ثم أسلمها إلى اليأس، ~~يأس مكفن بكبرياء فأحست بقلبها يتجرع سكرات الموت. # وكانت تأتي عليها أحايين يثب الجنون في دمائها، وتشع عيناها نورا خاطفا، فتهم ~~بالوثب والبطش والمنافحة عن قلبها الكسير، ثم سرعان ما تقول لنفسها باحتقار شديد: كيف ~~يصح لنيتوقريس أن تنازل امرأة تبيع جسدها بقطع الذهب؟ فتبرد دماؤها، ويتجمد الحزن في ~~قلبها كالسم الفاتك في المعدة. # ولكن ثبت لها اليوم أن هناك قلوبا غير قلبها تعاني الآلام بسبب تهور الملك، وها هو ~~ذا خنوم حتب يشكو إليها بثه ويقول لها بعبارة بينة: إنه لا يجوز أن تنزع أملاك ~~المعابد لتلهو بها رادوبيس الراقصة. ويؤمن بقولها المئون من صفوة الحكماء .. أفلا ينبغي أن ~~تخرج عن صمتها؟ وإذا لم تتكلم الآن فمتى ينبغي لها أن تعالج جنونه بحكمتها. وقد آلمها أن ~~يرتقي الهمس إلى العرش المكين، وأحست بأن واجبها يقضي عليها بإزالة الهواجس وإعادة ~~الطمأنينة، وهان عليها أن تدوس على كبريائها، وتوطد العزم على أن تتقدم بخطى ثابتة في ~~سبيلها السوي ms067 مستعينة بالأرباب. # وارتاحت الملكة لتفكيرها الذي أملته عليها الحكمة والدواعي الباطنة، انهار عنادها الأول ~~بعد أن ثابر مثابرة المستميت، وصدقت عزيمتها على مواجهة الملك بقوة وإخلاص. # وغادرت البهو إلى مخدعها الملكي، وقطعت بقية نهارها في التفكير والتأمل، ونامت ~~ليلها نوما متقطعا شديد العذاب، وانتظرت الضحى على لهفة، وهو الوقت الذي يصحو فيه الملك ~~بعد سهر الليل .. ولم يداخلها التردد، فانتقلت بخطى ثابتة إلى جناح الملك، وقد أحدث ~~انتقالها الغريب حركة بين الحراس، فأدوا لها التحية، وسألت واحدا منهم قائلة: أين ~~جلالة الملك؟ # فأجابها الرجل بإجلال قائلا: في مثواه الخاص يا صاحبة الجلالة. # وسارت بتؤدة إلى حجرة الملك التي يخلو فيها بنفسه، واجتازت بابها الكبير. وكان فرعون ~~يجلس في الصدر يفصله عن الباب أربعون ذراعا، حملت من آي البلهنية والفن ما لا ~~تصدقه العيون. ولم يكن الملك يتوقع رؤيتها، وكانت مضت أيام عديدة على آخر لقاء، فقام ~~واقفا دهشا، واستقبلها بابتسامة دلت على الارتباك، وقال وهو يشير إليها بالجلوس: ~~أسعدتك الآلهة يا نيتوقريس .. لو علمت برغبتك في مقابلتي لبادرت إليك! # فجلست الملكة في هدوء وهي تخاطب نفسها قائلة .. من أدراه أني لم أرغب في لقائه ~~طوال هذه الفترة؟! ثم وجهت إليه الخطاب قائلة: لا داعي لإزعاجك أيها الأخ؛ فإني لا ~~أجد غضاضة في الانتقال إليك ما دام الذي يحركني واجب. # ولم يلق الملك إلى كلامها بالا، لأنه كان يحس بحرج شديد، وقد تأثر لمجيئها ~~وجمود وجهها، فقال: إني خجل يا نيتوقريس. # وعجبت لطرقه هذا الموضوع، وكان آلمها ألما خفيا أن تراه في منتهى السعادة والصحة، ~~كالزهرة الناضرة، فقالت بانفعال رغم ضبط عواطفها: يهون لدي كل شيء إلا أن ~~تخجل! # وكان أرق المس يهيجه، ويرده من حال إلى حال، فعض على شفته وقال: أيتها الأخت، ~~إن الإنسان هدف لأهواء طاغية. وقد يهوي لإحداها فريسة. # وطعنها اعترافه بقسوة في كبريائها وعواطفها، فنسيت حلمها وقالت بصراحة: يحزنني ~~وحق الرب، وأنت فرعون، أن تشكو الأهواء الطاغية. # وأحس الملك الغضوب بوخز كلامها، فأهاجه الغضب، واندفع الدم ms068 إلى رأسه، فانتفض واقفا ~~ينذر وجهه بالشر. وخشيت الملكة أن يفسد غضبه عليها الغضب الذي جاءت من أجله، ~~فندمت على قولها، وقالت له برجاء: أنت الذي سقتني إلى هذا الحديث أيها الأخ، وما لهذا ~~جئت، وعسى أن يفرخ غضبك، أن تعلم أني قصدت إليك لأحدثك في شئون هامة تمس ~~سياسة المملكة التي نجلس على عرشها سويا. # فكظم حنقه، وسألها بلهجة كالهادئة: ما حديثك أيتها الملكة؟ # وأسفت الملكة على أن مساق الحديث لم يؤد إلى جو صالح لغرضها ولكنها لم تر بدا ~~من الكلام، فقالت باقتضاب: أراضي المعابد. # فعبس وجه الملك. وقال بامتعاض شديد: أتقولين أراضي المعابد؟ .. إني أسميها أراضي ~~الكهنة! ~~- لتكن مشيئتك يا مولاي؛ فإن تغيير الاسم لا يغير من الأمر شيئا. ~~- ألا تعلمين أني أكره أن يعاد علي هذا الاسم؟ ~~- إني أحاول ما لا يستطيعه غيري، وهدفي الخير والإصلاح. # فهز الملك منكبيه بامتعاض وقال: وما الذي تريدين قوله أيتها الملكة؟ # فقالت بهدوء: لقد دعوت خنوم حتب إلى مقابلتي إجابة لرجائه واستمعت ... # ولكنه لم يدعها تتم حديثها، وقال بغضب: أهكذا فعل الرجل؟ # فقالت بارتياع: نعم .. هل تجد في سلوكه ما يستأهل غضبك؟ # فقال وكأنه يزأر: بغير شك .. بغير شك .. إنه رجل عنيد، ويأبى أن ينزل عند ~~إرادتي، وأنا أعلم أنه نفذ أمري كارها، وأنه يتربص بي لعله ينجح في إلغائه ~~مستعينا تارة بالرجاء، وقد رفضت أن أصغي إليه، وتارة بدفع الكهنة إلى تقديم الالتماسات ~~كما دفعهم من قبل إلى الهتاف باسمه الحقير .. إن الرجل الماكر يندفع كالأعمى في طريق ~~خصامي. # فهالها ظنه وقالت: أنت تسيء الظن بالرجل، أما أنا فأعتقد أنه من أعظم الرجال ~~إخلاصا للعرش، وأنه حكيم يتوخى الوئام .. أليس من الطبيعي أن يحزن الرجل لفقدان ~~امتيازات كسبتها طائفته في ظل عطف أجدادنا؟ # واحتدم الغيظ في قلب الملك، لأنه لم يكن يجد عذرا لإنسان ألا يصدع بأمره في السر ~~والعلانية، ولا يحتمل بأية حال أن يرى إنسان غير ما يرى. # فقال ممتعضا بلهجة تشف عن السخرية المريرة: أرى أن ms069 هذا الداهية استطاع أن يغير رأيك ~~أيتها الملكة. # فقالت باستياء: لم يتجه رأيي قط إلى نزع أملاك المعابد، ولا أجد ضرورة لذلك. # فعاود الغضب الملك وقال لها بعنف: أيسيئك أن تزداد ثروتنا؟ # كيف يقول هذا وهو يعلم أين تنفق هذه الأموال؟ # وأثار قوله غيظها الدفين وحنقها المختنق، فانتفضت غضبا وتغلبت عليها مشاعرها فقالت ~~بانفعال: يسيء كل عاقل أن تنزع أراضي قوم حكماء لينفق ريعها في اللهو العابث. # فاشتد هياج الملك، وقال وهو يشير بيده مهددا: ويل للرجل الماكر .. إنه يغري ~~بالشقاق بيننا؟ # فقالت بتألم وحزن: إنك تصورني لنفسك كطفلة غريرة. ~~- ويل له .. لقد طلب مقابلة الملكة ليحادث المرأة المستترة في ثوبها الملكي. # فصاحت به حزينة متألمة قائلة: مولاي! # ولكنه استطرد يقول مدفوعا بغضبه الشيطاني: لقد جئت يا نيتوقريس مسوقة بالغيرة لا ~~بالرغبة في الوئام. # وأحست بطعنة نجلاء تصيب كبريائها، فأظلمت عيناها، ودوى النبض في أذنيها، ~~وارتجفت أطرافها. ولبثت هنيهة لا تستطيع قولا، ثم قالت: أيها الملك! لا يعرف خنوم حتب ~~عنك شيئا أجهله فيسعى به إلي، وما دمت تظن هذا، فاعلم بأني أعلم، كما يعلم الجميع، ~~أنك غارق في أحضان راقصة بجزيرة بيجة منذ أشهر، فهل رأيتني طوال هذه الفترة طاردتك، ~~أو ضيقت عليك، أو توسلت إليك؟ .. واعلم أن الذي يريد أن يخاطب في المرأة يرتد ~~خائبا، ولا يلقى أمامه سوى الملكة نيتوقريس. # فاحتد قائلا بعناد: ما تزالين تقذفين بحمم الغيرة. # فضربت الملكة بقدمها الصغيرة، وقامت واقفة يائسة، وقالت بحنق شديد: أيها الملك .. ~~ليس مما تعير به ملكة أن تغار على زوجها، ولكن مما يعير به ملك حقا أن يبذل ~~ذهب بلاده تحت قدمي راقصة، ويعرض عرشه الطاهر لخوض الخائضين. # قالت الملكة ذلك، وذهبت لا تلوي على شيء. ~~••• # واستبد الغضب بالملك، وأخرجه عن طوره وكان يعد خنوم حتب مسئولا عن جميع متاعبه، ~~فاستدعى سوفخاتب وأمره دون أن يمهله بأن يبلغ رئيس الوزراء بأنه ينتظره. وخرج الحاجب ~~الأكبر ينفذ أمر مولاه حائرا. وجاء الوزير الأكبر موزع النفس بين اليأس والأمل . ~~وأدخل ms070 على الملك الغاضب الحانق، ونطق الرجل بالتحية التقليدية، ولكن فرعون لم يكن ~~يصغي إليه، وقد قاطعه بصوت خشن شديد قائلا: ألم آمرك أيها الوزير بألا تعود إلى ~~مناقشة مسألة أراضي المعابد؟ # وأخذ الرجل باللهجة الشديدة التي يسمعها لأول مرة، وأحس بآماله تنهار دفعة ~~واحدة، فقال يائسا: مولاي .. رأيت من واجبي أن أرفع إلى مسامعكم العالية شكاوي طائفة من ~~شعبكم الأمين. # فقال الملك بلهجة قاسية: بل أحببت أن تثير غبارا بيني وبين الملكة، لتصيب تحت ستاره ~~غرضك. # فرفع الرجل يديه بتوسل، وأراد أن يتكلم فأرتج عليه القول سوى هاتين الكلمتين: ~~مولاي .. مولاي. # فقال الملك الغاضب المهتاج: يا خنوم حتب .. أنت تأبى الانصياع لأمري، فلن أمنحك ثقتي بعد ~~اليوم. # ووجم الكاهن، واستولى عليه الجمود، ثم مال رأسه على صدره في حزن، وقال باستسلام: مولاي، ~~يحزنني وحق الأرباب جميعا أن أنسحب من ميدان خدمتكم المجيد، وسأعود كما كنت من قبل ~~عبدا صغيرا من عبيدكم المخلصين. ~~••• # وأحس الملك بارتياح بعد أن أرضى غضبه الكاسر، وأرسل في طلب سوفخاتب وطاهو، وجاء ~~الرجلان على عجل يتساءلان، فقال لهما الملك في هدوء: انتهيت من خنوم حتب. # وساد السكون العميق، وبدت الدهشة على وجه سوفخاتب، أما طاهو فبقي جامدا .. وكان الملك ~~يقلب ناظريه في وجهيهما فسألهما: ما لكما لا تتكلمان؟ # فقال سوفخاتب: إنه لأمر خطير يا مولاي. ~~- أتراه خطيرا يا سوفخاتب؟! .. وأنت يا طاهو؟ # وكان طاهو جامدا ميت الإحساس، لا رجع للحوادث في قلبه، ولكنه قال: إنه عمل يا مولاي ~~من وحي القوة المعبودة. # فابتسم الملك، وكان سوفخاتب يقلب الأمر على جميع وجوهه، فقال: سيجد خنوم حتب نفسه منذ ~~اليوم أكثر حرية. # فهز فرعون كتفيه باستهانة، وقال: لا أظن أنه سيلقي بنفسه إلى التهلكة. # واستدرك وقد غير لهجته: والآن بماذا تشيران علي فيمن يخلفه؟ # وساد الصمت مدة، ومضى الرجلان يفكران. # وابتسم الملك قائلا: إني أختار سوفخاتب، فما رأيكما؟ # فقال طاهو بصدق: إن من اخترت يا مولاي لهو القوي الأمين. # أما سوفخاتب، فبدا على وجهه الانزعاج وهم بالكلام ، ولكن ms071 سبقه فرعون قائلا: هل ~~تتخلى عن مولاك وقت الحاجة إليك؟ # فقال سوفخاتب وهو يتنهد: ستجدني يا مولاي من المخلصين. # | الرئيس الجديد # وأحس فرعون في العهد الجديد بطمأنينة، فسكن غضبه، وترك الأمور بين يدي الرجل الذي يثق ~~به، وولى وجهه نحو المرأة التي استولت على نفسه وقلبه وحواسه؛ ففي جوارها كان يشعر ~~بطيب الحياة وبهجة الدنيا وأفراح النفس. # أما سوفخاتب فكان ينوء بالتبعة على عاتقه، ويعلم علم اليقين أن مصر تستقبل توليته ~~بحذر وتجهم، وسخط مكتوم. وقد أحس بالوحشة منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماه ~~دار الحكومة؛ فالملك يرضى من الدنيا بالحب، ويولي كشحه الهموم والواجبات جميعا، وحكام ~~الأقاليم يوالونه بوجوههم، وقلوبهم تتبع كهنتهم في كل مكان. وتلفت الوزير حوله، فلم ~~يجد سوى القائد طاهو عونا ومشيرا، وهما رجلان يختلفان في أمور كثيرة، ولكنهما يأتلفان ~~على حب فرعون والإخلاص له، فلبى القائد نداءه، ومد يده إليه، وشاركه في وحشته وجل ~~متاعبه، وكافحا معا لإنقاذ سفينة يطوف بها موج صاخب، وتتجمع في أفقها السحب والزوابع. ~~على أن سوفخاتب كانت تنقصه مزايا القبطان المحنك، كان مخلصا ينضح قلبه بالأمانة ~~والوفاء، حكيما تنجلي له حقائق الأمور، ولكن كانت تعوزه صفات الشجاعة والحزم، فرأى الخطأ ~~منذ البدء، ولكنه لم يحاول إصلاحه بقدر ما مضى في مداراته وتهوين عقباه خشية غضب ~~مولاه أو إيلامه، وهكذا اطردت الأمور في السبيل الذي شقه الغضب. # وجاءت عيون طاهو الساهرة بخبر هام. قالوا إن خنوم حتب ارتحل بغتة إلى منف، العاصمة ~~الدينية، فأحدث الخبر دهشة لدى الوزير والقائد، واحتارا في السبب الذي من أجله رضي الرجل ~~بمشقة الانتقال من الجنوب إلى الشمال، وتوقع سوفخاتب شرا، ولم يشك في أن خنوم حتب ~~سيتصل بكبار رجال الكهنوت، وجميعهم ساخطون لما حل بهم من ضنك، ولعلمهم بأن الأموال التي ~~ضن بها عليهم تبعثر تحت قدمي راقصة بيجة بغير حساب؛ فما من أحد منهم يجهل هذه الحقيقة ~~الآن، ومن يجهلها سيعلم بها بغير ريب، وسيلقى الكاهن فيهم تربة صالحة لبذر تعاليمه ~~وترديد شكواه. ms072 # وظهرت النذر الأولى لسخط الكهنة؛ فقد عاد الرسل الذين أذاعوا نبأ اختيار سوفخاتب ~~وزيرا في أنحاء القطر، بالتهاني الرسمية من الأقاليم، أما الكهنة فقد انطووا على صمت ~~رهيب، حتى قال طاهو: «لقد بدءونا بالتحدي.» # ثم حملت الرسائل تترى من جميع المعابد، وعليها توقيع جميع الكهنة من جميع الطبقات ~~تلتمس من فرعون إعادة النظر في مسألة أراضي المعابد، فكان إجماعا خطير الشأن، زاد من متاعب ~~سوفخاتب. # وفي يوم من الأيام دعا سوفخاتب طاهو إلى دار الحكومة، وجاءه القائد يسعى، فأشار الوزير ~~إلى كرسي الوزارة، وهو يتنهد، وقال: يكاد هذا الكرسي أن يميد بي. # فقال طاهو: إن رأسك أكبر من أن يميد به هذا الكرسي. # فتنهد الرجل حزنا، وقال: أغرقوني بسيل من الالتماسات. # فسأله القائد باهتمام: هل عرضتها على فرعون؟ ~~- كلا أيها القائد، إن فرعون لا يأذن لإنسان بمفاتحته في هذا الموضوع، وأنا لا أحظى ~~بالمثول بين يديه إلا في فترات متباعدة جدا .. إني أشعر بالارتباك والوحدة. # وصمت الرجلان برهة، فخلا كل منهما إلى أفكاره، ثم هز سوفخاتب رأسه متعجبا، وقال ~~وكأنه يحدث نفسه: إنه للسحر بعينه. # ونظر طاهو إلى الوزير نظرة غريبة، وبغته المعنى الذي يقصده الرجل، فسرت في جسده ~~قشعريرة وامتقع لونه، ولكنه كبح جماح نفسه، وكان تعود ذلك في المدة الجافة ~~الأخيرة من حياته، وسأله ببساطة كلفته جهدا جهيدا: أي سحر تعني يا صاحب ~~القداسة؟ # فقال سوفخاتب: رادوبيس، أليست تنفث في فرعون سحرا، بلى وحق الأرباب، إن ما بجلالته ~~لسحر مبين .. # واهتزت نفس طاهو لذكر هذا الاسم، وخال أنه يسمع شيئا عجيبا يلمس بوقعه السحري ~~جميع الحواس والعواطف، وكان يزيل الصمام الذي أحكمه بقسوة على فوهة وجدانه، فأصر ~~على أسنانه بشدة وقال: يقول الناس إن الحب سحر، والسحرة يقولون إن السحر ~~حب. # فقال الوزير الحزين: بت أعتقد أن جمال رادوبيس سحر ملعون. # فحدجه طاهو بنظرة قاسية وقال: ألم تتل الرقية التي مكنت لهذا السحر؟ # فأحس الرجل بلوم القائد وامتقع لونه، وقال بسرعة كأنما يدفع تهمة: لم تكن أول ~~امرأة. ms073 ~~- ولكنها كانت رادوبيس! ~~- رجوت لمولاي سعادة. ~~- فقدمت له سحرا وا أسفاه! ~~- نعم أيها القائد، إني أشعر بأني أخطأت خطأ بليغا .. ولكن ينبغي عمل ~~شيء. # فقال طاهو وكان لا يزال يحس بمرارة: هذا واجبك يا صاحب القداسة. ~~- إني أطلب مشورتك. ~~- إن الإخلاص يبلغ غايته في النصيحة الصادقة. ~~- إن فرعون لا يقبل أن يطرق إنسان بين يديه مسألة الكهنة. ~~- ألا تفضي برأيك إلى جلالة الملكة؟ ~~- هذا سبيل أودى بخنوم حتب إلى التعرض إلى غضب جلالة الملك. # فلم يجد طاهو ما يقوله، وخطر لسوفخاتب خاطر فقال بصوت خافت: ألا يمكن أن ترجى فائدة من ~~تدبير اجتماع بينك وبين رادوبيس؟ # فسرت القشعريرة إلى جسده مرة أخرى، وانخلع قلبه في صدره، وكادت العواطف التي يبالغ ~~في كتمانها تنفجر، وقال لنفسه: إن الشيخ لا يدري ماذا يقول، ويظن أن مولاه هو المسحور ~~وحده .. ثم قال له: لماذا لا تجتمع بها أنت؟ # فقال سوفخاتب: لعلك أقدر مني على التفاهم معها. # فقال طاهو ببرود: أخشى أن تجد علي رادوبيس، وتسيء بي الظن فتشوه مسعاي لدى فرعون ~~.. كلا يا صاحب القداسة. # وتهيب سوفخاتب مواجهة فرعون بالحقيقة. # ولم يستطع طاهو ملازمة مكانه لأن أعصابه ثارت، وزعزعت أركان نفسه عاطفة هوجاء شديدة ~~الاغبرار، فاستأذن من الوزير وانطلق لا يلوي على شيء، تاركا وراءه سوفخاتب غارقا في ~~لجة عميقة من الأفكار والأحزان. # | الملكتان # ولم يكن سوفخاتب وحده الذي تثقل رأسه الهموم. # كانت الملكة تقبع في جناحها، تنطوي على حزن دفين، وألم بارح، ويأس محروم من الشكوى، ~~تراجع مأساة حياتها بقلب كسير، وتشاهد الأمور التي تقع في الوادي بعينين حزينتين، ~~ولم تكن سوى امرأة خسرت قلبها، أو ملكة يتقلقل بها عرشها، وقد انتهت العلائق بينها ~~وبين الملك إلى انقطاع لا يرجى له اتصال، ما دام الملك يغرق في هواه، وما دامت هي تلوذ ~~بصمت الكبرياء. # وساءها أن تعلم أن الملك يزهد في النظر في واجباته العليا، وأن الحب أنساه كل ~~شيء حتى تركزت السلطة في يد سوفخاتب. ولم يكن يداخلها شك في إخلاص ms074 الوزير للعرش، ~~ولكنها غضبت من استهتار الملك وذهوله، وصدقت عزيمتها على العمل مهما كلفها الأمر، ~~ولم تتردد عن غايتها، فدعت يوما سوفخاتب وطلبت إليه أن يرجع إليها في الشئون التي ~~تحتاج إلى رأي الملك. وقد أرضت بذلك غضبها بعض الشيء، وأرضت معه الوزير وهي لا تدري، الذي ~~تنفس الصعداء، وأحس بأن حملا ثقيلا رفع عن صدره الضعيف. # وعلى أثر اتصال الوزير بها، علمت بالالتماسات التي بعثت بها الكهنة من جميع أنحاء ~~الوادي، وقرأتها بصبر وجلد، فقرأت الكلمة التي أجمع عليها رأي الصفوة من أفذاذ ~~المملكة، وأحست بالخطورة المستترة خلف أسطرها المتزنة الحازمة .. وتساءلت في حيرة ~~وألم، ما عسى أن يكون الحال لو أيقن الكهنة أن فرعون يضرب برجواتهم عرض الحائط؟ .. ~~فالكهنة قوة عظيمة، وهم يتسلطون على عقول الشعب وقلوبه، وهو يستمع إليهم في المعابد ~~والمدارس والجامعات، ويطمئن إلى أخلاقهم وتعاليمهم اطمئنانه إلى مثله العليا .. فكيف ~~تطرد الأمور إذا يئس هؤلاء القوم من عطف فرعون؟ .. وقنطوا من إصلاح الأمور التي لم ~~يروها قط تسير في طريقها التي تسير فيه في أي عهد من العهود المجيدة الفخور التي ~~طواها الماضي الخالد؟ # وما من شك في أن الأمور تتعقد تعقيدا خطيرا، ويندفع نهر الشقاق، فيفرق بين ~~الملك النائم الحالم بجزيرة بيجة، وبين شعبه المخلص الأمين، ويقف سوفخاتب منه موقف الحائر ~~لا يغني عنه إخلاصه ولا حكمته شيئا. # وأحست الملكة بأنه ينبغي عمل شيء، وأن ترك الأمور تسير إلى غايتها ينذر بمتاعب، ~~فينبغي أن تمحو عن وجه مصر الهادئ الجميل التقلص الذي يعتوره، وأن تعيد إليه هدوءه ~~وجماله .. فما عسى أن تصنع؟ .. كانت بالأمس ترجو أن تفوز بإقناع زوجها بالحق، ولكنها ~~اليوم لا يعاودها إليه أمل، ولم تنس بعد ما وجه إلى كبريائها من طعنة نجلاء، فنفضت ~~على الأثر منه يديها يائسة حزينة. وفتشت عن سبيل جديد تصل منه إلى غرضها. ولكن ما ~~غرضها؟ .. لقد فكرت في ذلك مليا، ثم قالت لنفسها: «غاية ما آمل أن أفوز به، أن يرد ~~فرعون إلى الكهنة الأراضي ms075 التي انتزعها منهم.» ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ .. إن الملك ~~غضوب ذو كبرياء عنيف، ولا يمكن أن يتقهقر أمام إنسان، ولقد أمر بنزع الأراضي في ساعة ~~غضب خطير، ولكن ما من شك في أن أشياء غير الغضب تدعوه إلى الاحتفاظ بالأراضي في ~~حوزته، ومن يعرف قصر بيجة وما ينفق الملك عليه من ذهب يدرك ماهية هذه الأشياء، لقد ~~سموه بحق قصر بيجة الذهبي، لكثرة ما به من التحف الذهبية والأثاث المصنوع من خالص ~~الذهب، فلو سدت هذه الفوهة التي تبتلع أموال الملك، لربما هان عليه أن يفكر في رد ~~أراضي المعابد إلى الكهنة. ولم تكن تطمع في صرف الملك عن غانية بيجة، ولا فكرت في ذلك، ~~ولكنها كانت ترجو لإسرافه حدا. وتنهدت عند ذلك وقالت لنفسها: الآن وضح غرضي، فينبغي ~~أن نجد وسيلة لإقناع الملك، بالتحول عن الإسراف الشديد، ثم نقنعه بعد ذلك برد ~~الأراضي إلى أصحابها، ولكن كيف نقنع الملك؟ .. لقد أسقطته من حسابها، ولكنها تجده وراء ~~كل حساب .. لقد فشلت في إقناعه، ولن يكون سوفخاتب ولا طاهو بأسعد منها حظا؛ فالملك ~~يحكمه الهوى ولا سبيل إليه، وقد أفلت منها هذا السؤال: «من القادر على إقناع الملك؟» فسرت ~~في جسدها قشعريرة أليمة؛ إذ حضرها الجواب سريعا، ولكنه كان مروعا أليما، ولم ~~تكن تجهله، ولكنه كان من الحقائق التي يتجدد الألم بها كلما عاودتها الذاكرة؛ فقد ~~قضت الأقدار أن يكون هذا الإنسان المتحكم في الملك، المسير له، غريمتها راقصة بيجة، ~~التي حكمت عليها بالعزلة إلى الأبد .. هذه هي الحقيقة المؤلمة التي تسأم التسليم بها ~~كما يسلم الإنسان بحقائق الموت والشيخوخة والمرض العضال. # وكانت الملكة امرأة حزينة، ولكنها كانت ملكة عظيمة بعيدة الآفاق. وكانت تتناسى أنها ~~امرأة، وإن لم تستطع أن تنسى ذلك، فظل قلبها يحوم حول زوجها الملك، والمرأة التي خطفته ~~من بين يديها، ولكنها لم تتناس قط أنها الملكة، ولم تغفل لحظة عن واجباتها، وصدقت ~~عزيمتها على إنقاذ العرش والاحتفاظ به في مرتقاه فوق منال الهمس والتذمر، ترى هل ms076 انتهت ~~إلى هذا العزم بدافع واجبها فحسب؟ .. أم كانت هنالك دوافع أخرى؟ إن أفكارنا مسوقة ~~دائما للطواف بمن نحب ومن نكره، فنجذب إليهم بقوة خفية كما تجذب الفراشة إلى ~~نور المصباح. ولقد أحست من بادئ الأمر برغبة في رؤية رادوبيس التي ترامت إليها أخبارها، ~~ولكن ما معنى هذا؟ .. أتذهب إليها لتحدثها في شئون مصر؟ أتذهب الملكة نيتوقريس إلى ~~الراقصة التي تعرض نفسها في سوق الهوى، وتخاطبها باسم حبها المزعوم للملك، أن ترده عن ~~الإسراف وتعيده إلى واجبه؟ .. يا لها من صورة بشعة! # وكانت الملكة ضاقت بانزوائها، وضغطت عليها عواطفها الخفية وواجبها المبين، لتخرج من ~~صمتها وسجنها الطويل .. فلم تعد تستطيع صبرا، وأقنعت نفسها بأن واجبها يدعوها إلى عمل ~~شيء ما، وإلى بذل محاولة أخرى .. وتساءلت في حيرتها: «أأذهب حقا إلى هذه المرأة، ~~وألفتها إلى واجبها، وأطلب إليها أن تنقذ الملك من الهاوية التي يندفع إليها؟» ~~وأسلمها تساؤلها هذا إلى حيرة طويلة، وارتباك محزن، هويا بها إلى الهوس والهذيان، ~~ولكنها لم ترجع عن فكرتها. وما كانت تزداد إلا تصميما، كانت كسيل يندفع في منحدر لا ~~يستطيع عنه حولا، ولكنه يندفع مضطربا مزبدا كاسرا .. فقالت في نهاية المعركة ~~الناشبة: «سأذهب.» ~~••• # وفي صباح اليوم الثاني لبثت تنتظر عودة الملك. واستقبلت الضحى في سفينة ملكية، أبحرت ~~بها قاصدة إلى قصر بيجة، الأبيض الذهبي. وكانت تشملها حالة ذهول محزن، ولم تكن ارتدت ~~ثوبا ملكيا، فأحست لذلك بسخط واستياء، ورست السفينة على سلم القصر، فهبطت إليه ~~واستقبلها عبد من الرقيق، فقالت له: إنها زائرة تطلب مقابلة ربة القصر، فتقدمها إلى ~~بهو الاستقبال، وكان الجو باردا، وريح الشتاء ترسل هبات قارسة خلل أغصان تعرت ~~كأذرع محنطة .. وجلست في البهو تنظر وحدها. وكانت تشعر بغرابة وحيرة، وتحاول تعزية ~~نفسها بقولها إنه يصح أن تخفض الملكة من كبريائها في سبيل واجبها الأسمى، ولكنها ~~أحست بالانتظار يطول وتساءلت قلقة: «هل تدعها تنتظر طويلا كما تفعل مع الرجال؟» ولحقها ~~جزع مؤلم، وندمت على تسرعها بالحضور إلى قصر غريمتها. # وفاتت دقائق قبلما ms077 سمعت حفيف ثوب، فرفعت رأسها المثقل، فوقعت عيناها لأول مرة على ~~وجه رادوبيس. كانت رادوبيس بغير ريب. وقد أحست بلذعة ألم ويأس، ونسيت لحظة همومها وما ~~جاءت من أجله أمام الحسن الهلوك. وبغتت رادوبيس نفسها أمام جمال الملكة الرزين ~~وجلالها المجيد. # وسلمتا باليد وجلست رادوبيس إلى جانب ضيفتها الجليلة المجهولة، ولما وجدتها تلوذ ~~بالصمت قالت بصوتها الموسيقي: نزلت قصرك. # فردت الضيفة بصوت بالغ في جلاله قائلة باقتضاب: شكرا. # فابتسمت الغانية وقالت: ليت ضيفتنا تؤذننا بشخصها الجليل. # وكان السؤال طبيعيا ولكن الملكة ضاقت به كأنها لم تكن تتوقعه. ولم تجد بدا من ~~إعلان نفسها، وقالت بهدوء: أنا الملكة. # ونظرت إلى المرأة لترى تأثير تصريحها في نفسها، فشاهدت ابتسامة تغيض، وعينيها تلمعان ~~دهشة، وصدرها يمتلئ ويتصلب كالأفعى إذا هوجمت .. ولم تكن الملكة هادئة كما تبدو؛ فقد ~~تغير قلبها لدى رؤية غريمتها، وأحست بدمائها تلتهب وتحرق عروقها جميعا، وشعرت ~~بالكراهية والبغضاء، وتواجهتا كغريمتين تتحفزان للقتال .. واستولت عليها حالة مريرة ~~ملوثة بالغضب والحقد. ونسيت الملكة إلى حين كل شيء إلا أنها بإزاء المرأة التي ~~سلبتها سعادتها، ونسيت رادوبيس كل شيء إلا أنها أمام المرأة التي تقاسم حبيبها ~~اسمه وعرشه. # وتبودل الحديث بينهما بادئ الأمر في ذلك الجو المشبع بالغضب والحقد فجرى مجرى ~~عنيفا محزنا، وكانت الملكة مستاءة لعدم اكتراث غريمتها، فقالت باستياء: ألا تدرين ~~أيتها السيدة كيف تحيين الملكة؟ # فجمدت رادوبيس في مكانها ولفحت قلبها هبة من انفعال شديد، وكادت تنفجر لتنفس عن ~~صدرها الكظيم، ولكنها ملكت أعصابها، وكانت تعرف طريقة أخرى للانتقام فرسمت ابتسامة ~~على وجهها وأحنت رأسها وهي جالسة، وقد أسندت رأسها إلى المقعد في تراخ واستهانة، وقالت ~~بلهجة لم تخل من سخرية: إنه ليوم عظيم يا صاحبة الجلالة سيذكر لقصري في ~~التاريخ. # والتهب وجه الملكة غضبا، فقالت بانفعال: لم تعدي الحقيقة، فسيذكر قصرك هذه المرة ~~ذكرا جميلا لا كما تعود أن يذكره الناس. # فنظرت إليها بسخرية تستر غيظا وحنقا، وقالت: ألا سحقا للناس .. أيذكرون بالسوء ~~قصرا يجعله مولاهم مرتعا لقلبه وهواه! ms078 # وتلقت الملكة هذه الطعنة بجلد، ونظرت إلى الغانية نظرة ذات معنى، وقالت: ليست الملكات ~~كغيرهن من النساء يشغلن قلوبهن بالحب. ~~- أحقا يا مولاتي؟ .. كنت أحسب الملكة امرأة بعد كل شيء. # فقالت الملكة بلهجة مغيظة: هذا لأنك لم تكوني ملكة في يوم من الأيام. # فامتلأ صدر المرأة وتصلب، وقالت: عفوا يا مولاتي، إني ملكة حقا. # فحدجتها بنظرة غريبة، وقالت بسخرية: يا للعجب! وعلى أي مملكة؟! # فقالت بزهو كبير: على أوسع الممالك طرا .. قلب فرعون. # وأحست الملكة بوهن وألم، وخجل، وأيقنت أنها انحدرت إلى مساجلة الراقصة في القتال، ~~وأنها خلعت ثوب الجلال والوقار، وتبدت عارية في جلد المرأة الغيور التي تنافح ~~لاسترداد رجلها، وتمسك بتلابيب غريمتها وتكيد لها كيدا. ونظرت لموقفها وموقف غريمتها، ~~وهي تجلس منها جلسة متعجرفة، وترد سهمها إلى نحرها، وتتيه عليها بحب زوجها وسلطانه، ~~فشعرت بغرابة وذهول وحيرة، وتمنت لو تكون في حلم ثقيل سخيف. # وأماتت عواطفها جميعا، ودفنتها في أعماق نفسها، وارتدت سريعا إلى طبيعتها ~~المتعالية، وجرى في عروقها مكان الغضب والحقد دم أزرق لا يدين بغير الكبرياء، فذكرت ~~الغرض الذي جاءت من أجله، وصدقت عزيمتها على أن تكفر عما بدر منها. # وطالعت المرأة بوجه هادئ ظاهرا وباطنا، وقالت لها: أيتها السيدة، إنك لم تحسني ~~لقاء الملكة، ولعلك أسأت فهم الغرض من زيارتي فثرت وغضبت، ولكن اعلمي علم اليقين ~~أني ما قصدت إلى قصرك لشأن يخصني أنا. # فسكتت رادوبيس وحدجتها بنظرة مليئة بالارتياب. # ولم يسكت عنها الحقد أو الغضب. وتناست الملكة، وقالت في هدوء: لقد جئتك أيتها السيدة ~~من أجل أمور أجل، أمور تتعلق بالعرش المجيد، والسلام الذي ينبغي أن يسود العلائق بين ~~صاحب العرش ورعاياه. # فقالت رادوبيس بانفعال وسخرية: يا للأمور الجليلة! وماذا أستطيع حيالها يا مولاتي؟ .. ~~ما أنا إلا امرأة يلذ الحب أن يجعلها شغله الشاغل. # فتنهدت الملكة، وأغضت عن لهجتها، وقالت: أنت تنظرين إلى أسفل، وأنا أنظر إلى أعلى .. ~~لقد حسبت أنك تغارين على مجد مولاك وسعادته، وإذا صدق حسباني، فينبغي أن تهديه سواء ~~السبيل. ms079 إنه يفني في قصرك تلالا من الذهب، وينتزع من صفوة رجاله أراضيهم حتى ضج ~~الناس بالألم، وجأروا بالشكوى، وقالوا إن مولانا يبخل علينا بمال يبعثره على امرأة ~~يحبها بغير حساب. فواجبك إن كنت تغارين على مجده حقا، بين كالشمس في يوم صاف .. ~~أن تصديه عن الإسراف، وتقنعيه برد المال إلى أصحابه. # ولكن رادوبيس لم يدعها الغضب تفهم ما تقوله الملكة حق الفهم، وكان وجدانها ثائرا ~~وحقدها شديدا، فقالت بقسوة: إن الذي يحزنك حقا هو أنك ترين الذهب يتحول مع عطف ~~فرعون إلى قصري. # فانتفض جسمها، وسرت فيه قشعريرة، وصاحت بها: يا للبشاعة! # فقالت رادوبيس بغضب وخيلاء: لن يفرق شيء بيني وبين مولاي. # فغلب الصمت لسان الملكة، وأحست بيأس شديد وجرح عميق في كبريائها، ولم تطمع في فائدة ~~من الانتظار، فقامت واقفة وولت المرأة ظهرها، وسارت في طريقها متألمة حزينة غاضبة، لا ~~تكاد ترى طريقها من شدة الغضب. # وصعدت رادوبيس أنفاسا مضطربة، وأسندت رأسها الساخن إلى كفها، وراحت في تفكير قلق ~~حزين. # | قبس من نور # وتنهدت رادوبيس من قلب مقروح، وقالت لنفسها: وا أسفاه! إني أتناسى العالم، ولكنه ~~يأبى أن ينساني أو أن يدعني في طمأنينة بعد أن تطهرت من الماضي وأوشابه .. رباه! .. ~~أحقا أن الكهنة يتهمون قصرها بابتلاع أموالهم المغتصبة؟ .. أحقا أنهم يسلقون ~~حبها بألسنة من لهب؟ لقد انكمشت في قصرها راضية، وانقطعت صلاتها بالناس جميعا. وغاب ~~عنها وجه الدنيا، فلم يدر لها بحسبان أن يجري اسمها بالسخط على ألسنة قوم أشداء، ~~وأن يتخذوا منها سلما يرتقون عليه إلى لمز حبيبها المعبود، وهي ما تظن أن الملكة ~~تبالغ، وإن تنوعت الدوافع التي تسوقها إلى الكلام؛ فقد ترامى إليها في زمن مضى أن ~~الكهنة يشفقون من استرداد فرعون لأراضيهم، وقد سمعت بأذنيها في عيد النيل قوما من أولئك ~~المشفقين يهتفون باسم خنوم حتب، فلا شك أن وراء العالم الهادئ الجميل الذي تعيش فيه ~~عالما صاخبا تغلي مراجله بالأحزان والأحقاد .. وتكدرت نفسها بعد صفاء دام أشهرا ~~طوالا لم تذق مثلها في حياتها ms080 جميعا، وأحست بأضلعها تحنو على حبيبها وتدر عطفا ~~وحبا، وذكرت في غمرات حزنها الطارئ ما قال آني يوما من أن الحرس الفرعوني هو ~~القوة الوحيدة التي يعتد بها الملك، فتساءلت في هلع: لماذا لا تجند الجنود؟ لماذا ~~لا يعبئ معبودها جيشا عرمرما؟ # وقضت سحابة نهارها في مخدعها كئيبة، ولم تذهب كعادتها إلى الحجرة الصيفية لتجلس أمام ~~المثال بنامون؛ لأنها لم تكن تطيق الاجتماع بإنسان، ولا القعود بلا حراك أمام عيني ~~الشاب المنهومتين .. فلبثت وحدها حتى الأصيل، ولم تذق للراحة طعما حتى رأت حبيبها ~~المعبود يلج باب مخدعها، يرفل في ثيابه الفضفاضة، فتنهدت من أعماق قلبها، وفتحت له ~~ذراعيها وضمها إلى صدره العريض كما يفعل كل مرة، وطبع على وجهها قبلة اللقاء السعيد، ثم ~~جلس إلى جانبها على الديوان الوثير، وكانت نفسه تفيض بذكريات جميلة أثارها في قلبه مشهد ~~النيل الذي حمل سفينته منذ حين قليل، فقال لها: أين الصيف الجميل؟ .. أين لياليه الساهرة؛ ~~إذ تشق بنا السفينة جبهته المتجمدة الدكناء، وإذ نسلم في المقصورة أنفسنا للنسيم ~~والهوى، ونستمع لعزف العازفات، ونشاهد بأعين حالمة رقص الراقصات؟ # ولم تكن تستطيع أن تجاريه في تذكره، ولكنها لم ترض أن يحس بالعزلة في عاطفة ~~أو فكر، فقالت: مهلا يا حبيبي، ليس الجمال في الصيف ولا في الشتاء، ولكنه في حبنا، ~~وستجد الشتاء دفئا حنونا ما دام وقوده. # فضحك ضحكته العظيمة التي يضطرب لها وجهه وجسمه، وقال: ما أجمل حديثك! .. إنه أشهى إلى ~~قلبي من مجد الدنيا جميعا .. ولكن ماذا تقولين في الصيد والقنص؟ .. سنذهب مع الغد إلى سفح ~~الجبل، ونعدو في أعقاب الغزلان، ونلهو حتى نشبع نفوسنا المنهومة. # فقالت وقد غلبها الشرود: لتكن مشيئتك يا حبيبي. # فحدجها بنظرة فاحصة، وأدرك لتوه أن لسانها يحادثه وقلبها يتيه بعيدا، فقال: ~~رادوبيس .. أقسم لك بالنسر الذي ألف بين قلبينا أن فكرا يسلبني اليوم عقلك. # فنظرت إليه بعنين حزينتين وأعياها القول، فقال وقد بدا عليه الاهتمام: صدق حدسي ~~فعيناك لا تكذباني، ولكن ماذا تمسكين عني؟ # فتنهدت من أعماق ms081 قلبها، وعبثت يمناها بعباءته وهي لا تدري، ثم قالت بصوت خافت: إني ~~أعجب لحياتنا؛ فلشد ما ننسى ما حولنا كأننا نعيش في عالم قفر غير معمور. ~~- نعم ما نصنع يا حبيبتي! فماذا أفدنا من العالم غير الضجيج الفارغ والمجد الكاذب، ~~ولبثنا ضالين حتى هدانا الحب، فما لك تتذمرين؟ # فتنهدت مرة أخرى وقالت بحزن: ماذا ينفعنا النوم إذا كان من حولنا أيقاظا لا يغمض ~~لهم جفن؟ # وقطب جبينه، والتمعت عيناه بنور خاطف، وأدرك بقلبه وساوسها، فسألها بقلق: ما الذي ~~يحزنك يا رادوبيس؟ .. صارحيني بأفكارك؛ فحسبنا ما أضعنا في غير حديث الحب. # فقالت: لست اليوم كأمس؛ فقد نقل إلي بعض عبيدي الذين يمشون في الأسواق حديث قوم ~~غاضبين يحز في نفوسهم أن مولاهم حرمهم من أراضيهم، ويضاعف من آلامهم أن أموالهم ~~تنفق على قصري هذا. # فتبدى الغضب على وجه فرعون، ولاح له شبح خنوم حتب يطل على جنته المطمئنة، ~~فيكدر صفوها، ويزعج أمنها. واشتد به الغضب فصبغ وجهه بلون النيل في إبان فيضانه، ~~وقال لها بصوت متهدج: أهذا الذي يحزنك يا رادوبيس؟ .. الويل لأولئك المتمردين لا ~~يمسكون عن غيهم؛ ولكن لا تكدري صفونا. ولا تبالي تباكيهم .. دعيهم لشأنهم، ~~وافرغي لي. # فأحاطت يده بكفيها، وضغطت عليها بحنو، ونظرت إليه بعينين ضارعتين، وقالت: أنا ~~قلقة حزينة، ويؤلمني أن أكون سببا لشكوى قوم منك .. وكأني أحس بخوف غامض لا أدري ~~ما كنهه .. والمحب يا مولاي شديد المخاوف. # فقال باستياء وغضب: كيف تخافين، وأنت بين يدي؟ # فقالت بتوسل: مولاي .. إنهم يرمقون حبنا بعين الحسد، وينفسون على هذا القصر والحب ~~والطمأنينة والنعيم، ولقد قلت لنفسي في حزني وقلقي: ما للحب وهذا الذهب الذي ينثره مولاي ~~علي؟ ولا أنكر عليك أني كرهت الذهب الذي يؤلب قوما علينا. ألا ترى أن هذا القصر ~~سيظل جنتنا ولو تعرت أرضه ومسخت حوائطه؟ .. إذا كان بريق الذهب يا مولاي يخطف أبصارهم ~~فاملأ به أيديهم يعموا ويزدردوا ألسنتهم. ~~- وا أسفاه يا رادوبيس! إنك تذكرينني بحديث أكره سماعه. # فقالت بتوسل: مولاي، إنه غشاوة في ms082 سماء سعادتنا، فامحها بكلمة. ~~- وما الكلمة هذه؟ # فقالت بفرح، وقد ظنت أنه يلين ويرضخ: أن ترد إليهم أراضيهم. # فهز رأسه بعنف، وقال بلهجة شديدة: أنت لا تدرين من الأمر شيئا يا رادوبيس، لقد قلت ~~كلمتي فلم تحترم، ونفذت على كره، ولم يسكتوا عن الاحتجاج، وما انفكوا يتحدونني، ~~فالتسليم لهم هزيمة لا أرضاها، وأتمنى دونها الموت، أنت لا تدرين معنى الهزيمة في نفسي، ~~إنه الموت، ولو فازوا علي بنيل بغيتهم لوجدتني رجلا غريبا حزينا أسيفا لا قدرة ~~له على الحياة ولا الحب. # ونفذت كلماته إلى قلبها، فشدت على يديه بقوة، وأحست برجفة تسري في أوصالها، وقد ~~هان عليها كل شيء إلا أن يصبح لا قدرة له على الحياة والحب. ونبذت رغبتها، وأسفت ~~على توسلاتها، وصاحت بصوت متهدج: لن تذل أبدا .. لن تذل أبدا. # فابتسم إليها بحنو، وقال: نعم لن أذل .. ولن تكوني القضاء الذي يسومني الذل ~~أبدا. # فقالت وهي تلهث، وقد ارتعش جفناها فوق دمعة حارة: لن تذل .. ولن تهزم. # وأسندت رأسها إلى صدره، واستنامت إلى خفقان قلبه. وأحست في غيبوبتها بأنامله تعبث ~~بخصلات شعرها وخديها، ولكنها لم تطمئن طويلا؛ فقد أزعجها خاطر من الخواطر التي ~~كدرت يومها، فرفعت إليه رأسها، ونظرت إليه بعينين قلقتين، فقال لها: ما لك؟ # فقالت بعد تردد: يقولون إنهم فئة قوية، ذات سلطان على قلوب الناس وعقولهم. # فابتسم قائلا: ولكني الأقوى. # فترددت هنيهة ثم قالت: لماذا لا تعبئ جيشا قويا يأتمر بأمرك؟ # فابتسم الملك، وسألها: أرى الوساوس تعاودك. # فتنهدت في غيظ، وقالت: ألم يبلغ أذني أن الناس تهمس فيما بينها بأن فرعون يأخذ ~~أموال الآلهة وينفقها على راقصة؟ همس الناس إذا تجمع صار صراخا .. إنه كالشر ~~يندلع لهيبا. ~~- يا لك من متطيرة متشائمة! # فعادت تسأله بإلحاف: لماذا لا تدعو الجنود؟ # فنظر إليها نظرة طويلة، وقد بدا عليه التفكير، ثم قال: إن الجنود لا تدعى بغير ~~سبب. # وبدا على وجهه الغضب، فاستدرك: إنهم يضللون الأفكار، ويشعرون بغضبي عليهم، فإذا ~~أمرت بالتجنيد لحقهم الذعر، وربما هبوا يائسين للدفاع ms083 عن أنفسهم. # ففكرت مليا، ثم قالت بصوت حالم، وكأنها تحدث نفسها: اخلق العلل وادع ~~الجنود. ~~- إن العلل تخلق نفسها بنفسها. # فأحست بيأس، وأحنت رأسها الحزين، وأغمضت عينيها. ولم تكن ترجو أملا، ولكن لاح لها في ~~الظلام الدامس خاطر سعيد كلمح البصر، فبهتت وذهلت، وفتحت عينيها، فإذا الفرح يتألق ~~فيهما. ودهش الملك، ولكنها لم تباله، وقالت وهي لا تملك عواطفها: وجدت سببا! # فنظر إليها متسائلا، فاستطردت: قبائل المعصايو. # فأدرك قصدها، وهز رأسه يائسا، وتمتم قائلا: لقد عقد رئيسهم معنا معاهدة سلام. # ولكنها لم تيأس، وقالت: من يدري بما يجري وراء الحدود؟ إن لنا هنالك أميرا حاكما من ~~رجالنا، فلنبعث إليه برسالة سرية مع رسول أمين يزعم وجود ثورة وقتال، ويرسل في طلب ~~النجدة، فتسمع صوته الملأ، وتدعو الجنود فتأتيك من الشمال والجنوب، حتى إذا اجتمع لواؤها ~~إليك، وصلت بها جناحك، وأشهرتها سيفا في يدك تعلي به كلمتك وتفرض طاعتك. # واستمع لها فرعون في ذهول ودهشة، وقد عجب أيضا لأنها لم تخطر له ببال. على أنه لم ~~يكن يفكر كثيرا في تكوين جيش قوي لا تدعو إليه الحالة الحربية، واعتقد - وما زال يعتقد ~~- أن تذمر الكهنة لا يمكن أن يبلغ من الخطورة حدا يستدعي معه جيشا كبيرا لقمعه، ~~ولكنه بات يعتقد أن عدم وجود هذا الجيش هو ما يطمع القوم فيه ويغريهم برفع ~~الالتماسات وإعلان الشكوى، ووجد فكرة رادوبيس السهلة فرصة سعيدة، ومال إليها بجامع قلبه. ~~وكان إذا مال إلى شيء تعلقه، وانشغل به واندفع في سبيله برغبة جنونية لا يلوي على ~~شيء. لهذا نظر إلى عيني رادوبيس بفرح وابتهاج، وصاح بصوت قوي: نعم الفكرة يا رادوبيس! ~~نعم الفكرة! # فقالت بفرح غريب: هذا ما يحدثني به قلبي .. وإنها لسهلة التحقيق سهولة تناولي هذه ~~القبلة من فيك الحبيب .. وما علينا إلا الكتمان. ~~- نعم يا حبيبتي .. ألا ترين أن عقلك كقلبك كنز ثمين؟ وحقا ما علينا إلا الكتمان، ~~واختيار رسول أمين، فدعي هذا لي. # سألته: من عسى أن يكون رسولك إلى الأمير كارفنرو ؟ # فأجابها ms084 ببساطة: سأختار حاجبا من رجالي المخلصين. # وكانت لا تطمئن إلى قصره العظيم، لغير ما سبب معقول، ولكن بدافع من نفور قلبها من ~~مكان تقيم فيه الملكة. ولم تستطع قط أن تعبر عن هواجسها، وتحيرت فيمن عسى أن يكون ~~الرسول إذا لم يكن من رجال القصر .. وزاد من حيرتها أنها أدركت أن افتضاح السر ~~معناه شديد الخطر، حتى ليكبر ذكره على الخاطر. وهمت في لحظة يأس بالعدول عن مشروع ~~حرج شديد الخطورة كهذا، ولكنها ذكرت بغتة الشاب الطفل ذا العينين الصافيتين الذي ~~يعمل بالحجرة الصيفية، وأحست إلى ذكره بطمأنينة غريبة؛ فهو الصفاء وهو السذاجة والطهارة، ~~وقلبه معبد تقدم لها فيه طقوس العبادة صباح مساء .. فهو رسولها .. وهو الأمين. ولم ~~تتردد فقالت له بثقة: دعني أختار الرسول بنفسي. # فاستضحك الملك وقال: يا لك من رعديد اليوم! .. لست كعهدي بك .. ومن عسى أن تختاري يا ~~ترى؟ # فقالت بخشوع: مولاي .. المحب شديد المخاوف، ورسولي فنان يزخرف الحجرة الصيفية، له ~~سن الشباب ونفس طفل وقلب عذراء طاهرة، ويخلص لي إخلاصا لا مزيد عليه. ومزيته ~~الظاهرة أنه لا يثير الشبهات ولا علم له بشيء، وإنه لخير لنا أن يحمل رسالتنا من لا ~~يدري بأمرها الشديد الخطر .. فلو جهلنا الخوف لاقتحمنا المهالك آمنين. # فهز الملك رأسه راضيا. وكان يكره أن يقول لها لا. وظنت رادوبيس أن السحابة ~~انقشعت وإن كان انقشاعها على وجه غير الوجه الذي قصدت إليه بادئ الأمر، ففرحت وأطلقت ~~لفرحها العنان، وأيقنت أنها ستستطيع عما قريب أن تذهل عن الدنيا في قصر الحب هذا، ~~تاركة أمر حمايتها لجيش عرمرم لا يهاض له جناح. # وأحنت رأسها بالأحلام، فراق الملك جمال شعرها، وكان يحبه، فعبث بأنامله في عقدته ~~فانحلت وسال على كتفيها، فتنشقه وجمعه بين يديه، وغمر به رأسه ووجهه في دعابة ~~حتى لم يبد منهما شيء. # | الرسول # وأشرق صباح اليوم الثاني، وكان الجو باردا والسماء متلفعة بأردية السحب، ~~تبيض وتتوهج فوق منبع الشمس كوجه بريء يعلن ظاهره عن باطنه، وتظلم الآفاق ~~البعيدة كأنها ذيول ليل ms085 نسيها وراءه بعد إدباره. # وكان ينتظرها عمل عظيم لا يرتاح إليه قلبها، ولا يرضى عنه تطهرها يوم تطهرت في ~~المعبد، وأقسمت ليزول الماضي بشوائبه. كان الذي ينتظرها أن تخدع بنامون، وتعبث بعواطفه ~~ليخدم حبها ويحقق غرضها. على أنها لم تتردد قط لأنه كان ينبغي أن تسبق الزمن، ~~وكانت تحنو على حبها حنوا كبيرا، فلم تبال أن تقسو في سبيلهما قساوة مرة .. ~~وغادرت مخدعها إلى الحجرة الصيفية عظيمة الثقة؛ لأن التغرير ببنامون كان أمرا سهلا ~~لا يكلف مكرا. # وسارت على أطراف أصابعها، فوجدت الشاب يتطلع إلى صورتها، ويترنم مغنيا أغنية ~~كانت تغنيها في الأماسي الخوالي مطلعها: # إذا كان حسنك يصنع المعجزات، # فلماذا لا يقدر على شفائي؟ # وأخذت بغنائه، ولكنها انتهزت الفرصة، وغنت تتم أغنيته: # هل أعبث بما لا علم لي به # والأفق مستتر خلف سحاب؟ # وعسى أن تكون المدخر لقلبي. # فتحول الشاب إليها فزعا مسحورا، فتلقته بضحكة عذبة، وقالت له: ~~إن لك صوتا عذبا، فكيف أخفيته عني طوال هذه الأيام؟ # فتصاعد الدم إلى وجنتيه قانيا، وارتجفت شفتاه ارتباكا، وقابل تلطفها بدهشة. # وأدركت المرأة ما يدور بخلده، فقالت تستدرجه: أراك تلهو بالغناء، وتترك العمل. # فبدا عليه الإنكار، وأشار إلى صورتها المحفورة. وتمتم: «انظري.» # وكانت الصورة قد استوت وجها جميلا لا تنقصه الحياة، فقالت بإعجاب: إنك لقادر يا ~~بنامون. # فتنهد الشاب ارتياحا، وقال لها بامتنان: شكرا لك يا سيدتي. ~~- فقالت تعطف الحديث إلى غايتها: ولكنك قسوت علي يا بنامون. ~~- أنا .. كيف يا مولاتي؟ # فقالت: خلقت لي نظرة جبارة، وأنا أشتهي أن أكون كالحمامة. # فلزمه الصمت ولم يبن، ففسرت صمته على هواها، وقالت: ألم أقل إنك تقسو علي .. ~~فكيف تراني يا بنامون .. أجبارة قاسية جميلة كهذه الصورة؟ يا لها من صورة! إني أعجب كيف ~~ينطق الحجر، ولكنك تحسب أن قلبي لا يشعر كهذا الحجر، أليس كذلك؟ لا تهم بالفرار فهذا ~~هو اعتقادك. ولكن لماذا يا بنامون؟ # ولم يدر ما يقول، فغلبه الصمت، وكانت توحي إليه بأفكارها، فيصدقها وينساق إليها ~~ويشتد ارتباكه، واستدركت المرأة : لماذا ms086 يا بنامون تحسبني قاسية؟ إنك تؤمن بالظواهر؛ ~~لأنك لا تقدر بطبعك على إخفاء ما يضطرب به صدرك، وقد قرأت وجهك كصفحة من كتاب مفتوح. ~~أما نحن فلنا طبيعة أخرى، والصراحة تضيع علينا لذة الفوز، وتفسد أجمل ما خلقت ~~الآلهة لنا. # وساءل الشاب نفسه حائرا: ماذا تعني يا ترى؟ وهل يستطيع أن يفهم من حديثها ما تدل عليه ~~كلماتها؟ .. أما كانت تجلس أمامه تائهة القلب والعينين، لا تحس بالنار الملتهبة في ~~كيانه، فما الذي غيرها؟ لماذا تحدثه هذا الحديث الحلو؟ لماذا تلج إلى الأسرار الحلوة ~~التي تحرق قلبه؟! هل تعني حقا ما تقول؟! وهل تعني حقا ما أفهمه؟! # وخطت المرأة خطوة أخرى فقالت: آه يا بنامون! إنك تقسو علي بدورك، وآية ذلك الصمت ~~الذي ترد به علي. # فحدجها بنظرة والهة، وكاد من الفرح تفر الدموع من عينيه، وقد أيقن صدق ظنونه، فقال ~~بصوت متهدج: الدنيا لا تسعني كلاما. # فتنهدت ارتياحا أن حلت عقدة لسانه، وقالت بصوت حالم: وما حاجتك إلى الكلام؟ فلن ~~تقول شيئا أجهله .. أيتها الحجارة لقد شاهدتنا أشهرا، وتركنا في جسمك أثرا من ~~قلوبنا خالدا .. نعم ها هنا عرفت سرا رهيبا. # وتفرست في وجهه زمنا قصيرا، ثم قالت: ألا تعرف يا بنامون كيف عرفت سر قلبي؟ على ~~حين بغتة عجيبة كانت لدي رسالة خاصة أريد أن أبعث بها إلى إنسان في مكان قصي، وأن ~~أبعث بها مع رسول ترتاح إليه نفسي، ويثق فيه قلبي. وكنت جالسة وحدي أستعرض أمام ناظري ~~أقواما من الرجال والنساء، ومن العبيد والأحرار، وما أحس في كل مرة إلا بالجفاء ~~والقلق، ثم لا أدري إلا وخيالي يتسلل إلى هذه الحجرة، ووجدتني فجأة أذكرك ~~يا بنامون، فترتاح نفسي ويطمئن قلبي، بل أحسست بما هو أعمق من هذا، وهكذا عرفت سر ~~قلبي. # فغمر الفرح وجه الشاب، وأحس بالسعادة إلى حد الذهول، فجثا على ركبتيه أمامها، وهتف ~~من أعماق قلبه: مولاتي! # فوضعت كفها على رأسه، وقالت بحنان: هكذا عرفت سر قلبي، وإني لأعجب كيف لم أعرف ~~هذا منذ ms087 أجل طويل. # فقال بنامون، وكان يتيه في غمراه الذهول: مولاتي، أقسم لقد شهدني الليل وأنا ذوب ~~عذاب، وهاك الصبح يلقاني نسمة من سعادة معطرة. لقد أخرجتني كلمة نطقت بها من الظلمات ~~إلى النور، ونقلتني من دياجير اليأس إلى سحر السعادة. لقد أحببت نفسي بعد أن أشفيت على ~~الفناء .. أنت سعادتي وحلمي وأملي. # وكانت تصغي إليه في صمت حزين، وقد شعرت بأنه يصلي صلاة حارة، وأنه يهيم في جهالة ~~الأحلام الساذجة المقدسة، فوجمت وعاودها شيء من الألم والندم، ولكنها لم تستسلم ~~طويلا لعواطفها التي أثارها في قلبها بهيامه فقالت في دهاء: إني أعجب كيف لم أعرف قلبي ~~منذ أجل طويل، بل إني أعجب للمصادفات التي توفقني إلى سره إلا حين حاجتي إلى ~~إرسالك إلى مهمة بعيدة؛ فكأنها دلتني عليك، وحرمتني منك في لحظة واحدة. # فقال الشاب بلهجة العبادة: سأفعل ما تريدين بروحي وقلبي. # فسألته بعد تردد: وإن كان ما أريد سفرا إلى بلد لا تبلغه إلا بشق ~~الأنفس؟! ~~- لن يشق علي منه إلا أني لا أراك كل صباح. ~~- فليكن غيابا إلى حين. سأعطيك رسالة تودعها صدرك، وتذهب إلى حاكم الجزيرة بكلمة ~~مني، فيدلك على الطريق، ويذلل لك الصعاب. وستسافر مع قافلة لا ينبغي لأحد منها أن ~~يطلع على ما في صدرك حتى تبلغ حاكم النوبة، فتسلمها له يدا بيد، ثم تعود ~~إلي. # وأحس بنامون بسعادة جديدة يمازجها شعور بالنخوة والخيلاء، وكانت يدها على كثب منه، ~~فهوى بفمه عليها ولثمها بشوق ووجد، ورأته يرتجف بقوة حين لمست شفتاه يدها. # وفي طريق العودة عاودها إحساس حزين، حتى قالت لنفسها: أما كان أدنى إلى الرحمة أن ~~أترك مولاي يختار رسوله، من أن أعبث بقلب هذا الشاب؟ على أنه كان سعيدا، أسعدته كلمة ~~كاذبة، بل كان في حالة يحسد عليها السعداء حقا، وليس لها أن تحزن ما دام لا يعرف ~~الحقيقة، حتى تيأس من لياذها بالكذب! # | الرسالة # وفي مساء اليوم نفسه جاء فرعون يهز في يده رسالة مطوية، يشرق وجهه بنور السعادة، ~~فحدجتها بنظرة غريبة ms088 وتساءلت: ترى هل يكتب لفكرتها بالنجاح والتوفيق، وتسير الأمور ~~وفق أحلامها؟! وبسط الملك الرسالة، وقرأتها بعينين مبتهجتين، وكانت موجهة إلى الأمير ~~كارفنرو حاكم النوبة من ابنه عمه فرعون مصر. وقد صارحه فيها بمتاعبه، وبرغبته في تعبئة ~~جيش جرار دون أن يثير مخاوف الكهنة أو يوقظ حذرهم، وطلب إليه أن يبعث إلى مصر برسالة ~~استغاثة مع رسول أمين ذي صفة رسمية، يطلب فيها نجدة سريعة للدفاع عن حدود الأملاك ~~الجنوبية، ولقمع ثورة وهمية يزعم أن قبائل المعصايو أشعلت نيرانها، واجتاحت بها ~~البلدان والقرى. # وطوتها رادوبيس مرة أخرى، ثم قالت: إن الرسول على أهبة الاستعداد. # فقال الملك مبتسما: والرسالة جاهزة. # وبدا على وجهها التأمل والأحلام، ثم سألت: ترى كيف يقابلون رسالة كارفنرو؟ # فقال الملك بلهجة اليقين: ستهز القلوب جميعا، وقلوب الكهنة أنفسهم، وسوف يدعو الحكام ~~إلى تجنيد الرجال من جميع أطراف البلاد، فلا يلبث الجيش الذي يناط به أملنا أن يأتينا ~~بعدده وعدده. # واستخفها الفرح وسألته بلهفة: وهل ننتظر طويلا؟ ~~- أمامنا شهر انتظار يقطعه الرسول في الذهاب والإياب. # ففكرت هنيهة، ثم عدت على أصابعها، وقالت: إذا صدق حدسك تصادف عودته عيد ~~النيل. # فضحك الملك وقال: هذا فأل حسن يا رادوبيس؛ فعيد النيل هو عيد حبنا، وسيكون عيد الفوز ~~والطمأنينة. # وتفاءلت هي خيرا وكانت تؤمن بأنه لا يمكن أن تفقد أملا عزيزا في ذاك اليوم الذي ~~تعده بحق مولدا لسعادتها وحبها. وأيقنت أن اقتران عودة الرسول به ليس محض ~~مصادفة، ولكنه تدبير حكيم من يد آلهة تبارك حبها وتعطف على آمالها. # ورمقها الملك بنظرة إعجاب وإكبار، ثم قبل رأسها وقال: لله هذا الرأس الثمين .. لشد ~~ما أعجب به سوفخاتب، ولشد ما أعجب بالفكرة التي أبدعها، فلم يملك نفسه أن قال لي: ~~يا له من حل يسير لمشكل عسير، كأنه زهرة مونقة تخرج من ساق ملتوية، وأغصان شديدة ~~التعقيد! # وكانت تظن أنه كتم الخبر ولم يبح لإنسان، حتى ذلك الوزير المخلص سوفخاتب، ~~فسألته: هل علم الوزير بسرنا؟ # فقال ببساطة: نعم: إن سوفخاتب وطاهو بمثابة ms089 عقلي وقلبي، فلا أكتمهما شيئا. # ودوى اسم طاهو في أذنيها دويا شديدا، فتجهم وجهها، وبدا القلق في عينيها، ~~وسألته: وهل علم به الآخر؟ # فقال الملك ضاحكا: لشد ما تحاذرين يا رادوبيس! ولكن اعلمي أني لا آمن نفسي على ~~شيء لا آمنهما عليه. # فقالت: إن حذري يا مولاي لا يرتقي لإنسان تثق فيه هذه الثقة. # ولكنها ذكرت بالرغم منها طاهو في ساعة وداعه الأخير، ودوى في أذنيها صوته الأجش، ~~وهو يهدر غاضبا حانقا يائسا، وتساءلت: ترى هل ما يزال يعلق بنفسه شيء؟! # ولكن الوساوس لم تجد فرصة للعبث بقلبها؛ لأنها كانت تنسى نفسها بين يدي ~~حبيبها. ~~••• # وجاء في الصباح الرسول بنامون بن يسار متلفعا بعباءته، غارقا في القلنسوة حتى ~~الأذنين، وكان خداه متوردين، وعيناه لامعتين بنور فرح سماوي .. فسجد بين يديها ~~في صمت وخشوع، وقبل حاشية ثوبها في عبادة، فداعبت رأسه بأناملها، وقالت له بحنو: لن ~~أنسى يا بنامون أنك لأجلي هجرت الراحة والسكينة. # فرفع إليها وجهه الجميل البريء، وقال بصوت متهدج: في سبيلك يهون كل شاق، ~~فلتعني الآلهة على تحمل ألم الفراق. # فقالت له مبتسمة: ستعود سعيدا ناضرا، وستنسى في أفراح المستقبل أحزان الماضي ~~جميعا. # فتنهد قائلا: طوبى لمن يحمل في قلبه حلما سعيدا يؤمن وحدته، ويرطب جفاف ~~طريقه. # فابتسمت له ابتسامة مشرقة، وأمسكت بيدها الرسالة المطوية وسلمتها إليه وقالت: لا ~~أوصيك بالحذر .. أين تودعها؟ # فقال: على قلبي يا مولاتي تحت منطقتي. # فسلمت إليه رسالة أخرى صغيرة، وهي تقول: هاك رسالة أخرى ادفع بها إلى الحاكم آني ~~يمهد لك السبيل، ويدلك على أول قافلة تقوم. # ثم حم الوداع، فازدرد ريقه واضطرب، وبدا عليه الارتباك والهيام، فمدت له يدها، ~~فتردد لحظة، ثم وضعها بين يديه، وكفاه يرتعشان كأنما يلمس نارا موقدة، ثم ضمها ~~إلى صدره حتى سرت إليها حرارته وخفقاته، ثم مضى راجعا فغيبه الباب، وقد شيعته ~~بنظرة حائرة، ولسان يلهج بالدعاء الحار. # كيف لا، وقد ربط على قلبه أملا تتعلق به حياتها؟ # | طاهو يهذي # وكان الانتظار مرا من أول عهدها ms090 به؛ لأنه كان لا يفتأ يهتف بها هاتف رجاء يقول ~~بحسرة: ليت الملك لم يفش سر الرسالة لإنسان. كانت تتمنى هذا بحرقة لم يخفف من ~~لوعتها ما أبدى الملك من ثقة عظيمة برجليه المقربين. ولم تكن وساوسها ريبة صريحة، ~~ولكن ثمة قلق دفعها إلى التساؤل: ترى ماذا يحدث لو سعى ساع بفحوى الرسالة إلى رجال ~~الكهنوت؟ هل يترددون في الدفاع عن أنفسهم إزاء هذا الشر المبيت؟ .. رباه! .. إن ~~إفشاء سر الرسالة أمر خطير .. لا يجرؤ على إدراك كنه خطورته عقل وطني. وأحست ~~بقشعريرة تسري في جسمها الرقيق، وهزت رأسها بعنف تطرد عن مخيلتها أوهام الوساوس، ~~وهمست لضميرها تسكته قائلة: إن كل شيء يسير وفق الخطة التي رسمناها، وليس من داع ~~إلى إثارة هذه المخاوف، وما هذه الأوهام المرتعبة إلا وساوس قلب مغرم لا يهدأ ولا ~~ينام. # على أنها كانت لا تكاد تطمئن حتى يحوم خيالها مرة أخرى حول هاتيك المخاوف، وتخال ~~أنها ترى وجه طاهو الغاضب المتقلص من الألم، وأنها تسمع صوته الأجش ذا النبرات ~~المتألمة المجروحة. وقد عانت من مخاوفها الآلام، ولكنها لم تجسر على تفسيرها أو إزالة ~~الغموض الذي يكتنفها. # ترى هل يحق لها أن تخشى طاهو أو أن تسيء به الظن؟ .. إن كل الدلائل تدل على ~~أنه نسي، ولكن هل كان بوسعه أن يفعل شيئا وامتنع عنه طواعية؟ فما كان يستطيع أن يطرق ~~بابها بعد أن أصبح حرما محرما، وما كان بوسعه إلا الإذعان والتسليم، ولا يعني هذا ~~أنه نسي أو برأ. # ترى هل يبقى شيء من زوايا الماضي عالقا بقلبه؟ .. إن طاهو جبار عنيد، وقد يستحيل ~~الحب في قلبه حقدا موريا، فيتحفز عند سنوح الفرصة للانتقام .. على أنها لم تنس في ~~أحزانها أن تنصف طاهو، وأن تذكر له إخلاصه وتفانيه في حب مولاه، وأنه رجل الواجب ~~الذي لا يحيد به عن سبيله نزوع ولا مطمع. # كان كل شيء يدعو إلى الطمأنينة، ولكن وساوسها لم تدعها في طمأنينتها قط، وكان ~~الرسول برح قصرها منذ ساعات قلائل فقط، ms091 فكيف لها بالانتظار شهرا أو يزيد؟ .. لقد لحقها ~~الفزع، وخطر لها خاطر غريب أن تدعو طاهو إلى مقابلتها. وكان خاطرا لا يخطر لها على بال ~~قبل يوم، أما اليوم فقد وجدت به راحة وإليه رغبة. وكان يدفعها إليه ما يدفع الإنسان إلى ~~احتضان خطر يتقيه ولا يجد سبيلا إلى دفعه أو الإفلات منه، وفكرت في ذلك تفكيرا ~~مضطربا، وقالت لنفسها: فلأدعه ولأحادثه لاستبطان ذاته، وعسى أن أفوز بدفع شره - إن ~~كان هناك شر يدفع - فأنقذه من نفسه، وأنقذ مولاي من شره، وما لبثت رغبتها أن ~~تحولت إلى عزيمة لا تقبل التردد، فاستمسكت بها بكل ما أوتيت من قوة وقلق .. ~~ودعت من فورها شيث وأمرتها بالذهاب إلى قصر القائد طاهو واستدعائه. وذهبت شيث ~~وانتظرت هي في بهو استقبالها على قلق؛ ولم يكن يداخلها ريب في تلبيته لدعوتها. ~~وذكرت في انتظارها اضطرابها، وقرنت به ما كانت عليه من القوة والبرود في الأيام ~~الخوالي، فأدركت أنها منذ الساعة التي نزل فيها الحب بقلبها، انقلبت امرأة ضعيفة ~~قلقة، يطرد النوم عن عينيها وهم ساخر، أو قلق كاذب. # وجاء طاهو كما توقعت، وكان مرتديا لباسه الرسمي، فوجدت في ذلك معنى مطمئنا، ~~فكأنه يقول لها إنه نسي رادوبيس غانية القصر الأبيض، وإنه يحظى الآن بمقابلة صديقة ~~مولاه فرعون. # وأحنى القائد رأسه باحترام وإجلال، وقال بهدوء وبلا أدنى تأثر: أسعد الرب ~~أيامك أيتها السيدة الجليلة. # فقالت وهي تتفرس في وجهه: وأيامك أيها القائد الجليل، وإني أشكرك على قبول ~~دعوتي. # فقال طاهو وهو يحني رأسه: إني رهن إشارتك يا سيدتي. # رأته كما كان قويا متين الأسر، دموي البشرة، ولكن لم يخف عن عينيها الفاحصتين أن ~~ترى تغيرا طارئا لا يمكن لغير عينيها أن تراه. وجدت حول وجهه هالة من ذبول أفقدت ~~نظرة العينين بريقهما، وأطفأت روحا شاملا كان يشع من وجه الرجل .. وأشفقت من أن ~~يكون ذلك بسبب ما حدث في تلك الليلة الغريبة التي فصلت بينهما منذ قريب من عام .. وا ~~أسفاه! كان طاهو كجو عاصف ، فأمسى ms092 كجو راكد .. وقالت له: إني دعوتك أيها القائد ~~لأهنئك على الثقة العظيمة التي يوليك إياها الملك. # فبدت الغرابة على وجه القائد وقال: شكرا لك يا سيدتي، هذه نعمة قديمة منت بها علي ~~الأرباب. # فابتسمت ابتسامة متكلفة وقالت بدهاء: ولأشكرك على ما أسديت إلى فكرتي من جميل ~~الثناء. # وتفكر الرجل لحظة، ثم تذكر فقال: لعلك يا سيدتي تعنين الفكرة النيرة التي ~~أوحى بها عقلك الراجح؟ # فهزت رأسها أن نعم، فاستطرد: إنها فكرة رائعة، جديرة بذكائك اللامع. # فقالت وهي لا تبدي السرور: إن تحقيقها يكفل لمولانا القوة والسيادة، وللوطن السلام ~~والطمأنينة. # فقال القائد: هذا حق لا ريب فيه، وهو ما جعلنا نهلل لها ونكبر. # فنظرت إليه نظرة عميقة وقالت: سيأتي يوم قريب تحتاج فكرتي إلى قوتك لتحقيقها، ~~وتتويجها بالنجاح والفوز. # فأحنى الرجل رأسه وقال: شكرا لك على ثقتك الغالية. # وصمتت المرأة قليلا. كان طاهو وقورا رزينا جادا لا كما عهدته قديما، ولم تكن ~~تنتظر منه غير ذلك واستشعرت نحوه بطمأنينة وثقة. وكانت تلح عليها رغبة قوية في أن ~~تفاتحه في الموضوع القديم، وأن تسأله العفو والنسيان، ولكن خانها البيان ولم تدر ما ~~تقول، وغلبتها الحيرة فأشفقت من الزلل، وتركت هذا الحديث كارهة حائرة، ورأت في اللحظة ~~الأخيرة أن تعلن له عواطفها الطيبة بطريقة أخرى، فمدت له يدها وقالت وهي تبتسم إليه: ~~أيها القائد الجليل، إني أمد لك يد التقدير والصداقة. # فوضع الرجل يده الغليظة في يدها الرخصة الرقيقة، وبدا عليه التأثر فلم يحر جوابا، ~~وانتهت عند ذلك المقابلة القصيرة الفاصلة. # وفي طريق العودة إلى السفينة تساءل محموما: لماذا دعتني هذه المرأة؟ ترك العنان ~~لعواطفه التي كبح جماحها في حضرتها فاختل توازنه، وانكفأ لونه، وارتجفت أوصاله، ومضى ~~يفقد عقله ورشده بسرعة فائقة. وضربت المجاديف جانب الماء وهو يترنح كالثمل، كأنه ~~عائد من معركة خاسرة أفقدته حكمته وشرفه. وخال النخيل المنطلق على الشاطئ يرقص رقصا ~~جنونيا، والجو يعفره غبار ثائر خانق. وكان الدم يتدفق في عروقه ساخنا هائجا ~~مجنونا مسموما، ووجد إبريقا من الخمر ms093 على خوان المقصورة، فصبه في فمه حتى أتى عليه في ~~استهتار جنوني، وارتمى على الديوان في حالة يأس قاتل. # وفي الحقيقة لم يكن نسيها، ولكنها كانت تكمن في سرداب خفي من نفسه ما فتئ يسده ~~بالعزاء والصبر وشعوره القوي بالواجب، فلما وقع نظره عليها بعد غياب عام، انفجر المستودع ~~المختفي في نفسه، وتصاعد لهيبه حتى حرق روحه جميعا، وأحس بالعذاب والهوان واليأس ~~والكبرياء الذبيح، فذاق الهزيمة والعذاب مرتين في معركة واحدة منتهية. وأحس بدوار ~~في رأسه المختل، وجعل يحدث نفسه في غضب كاسر، إنه يعلم لماذا عنيت باستدعائه. دعته ~~لتستوثق من إخلاصه، ليطمئن قلبها على سيدها ومولاها الحبيب، وفي سبيل ذلك تكلفت ~~مودته وتملقه، يا للغرابة! إن رادوبيس العابثة القاسية تجد وتحنو وتتعلم ما الحب ~~وما مخاوفه وآلامه، وتشفق من خيانة طاهو، الذي كان يوما يلتصق بنعلها كالتراب، ثم نفضته ~~في حالة تقزز وملل، الويل للسماء والأرض، والويل للدنيا جميعا. إنه يشعر باليأس المميت ~~والغضب القاتل، وبغيظ خانق يطحن نفسه الجبارة. إنه يغضب غضبا جنونيا جارفا، ~~ويشعل دمه نارا موقدة، يضغط على سمعه فلا يكاد يسمع شيئا، ويخضب عينيه فيرى الدنيا ~~شعلة حمراء. # وما إن رست السفينة إلى سلم القصر الفرعوني، حتى غادرها مسرعا، وسار يترنح في ~~الحديقة لا يلتفت إلى تحيات الجنود، متجها إلى حجرة قائد الحرس بالثكنات، وفي أثناء ~~سيره اعترض طريقه رئيس الوزراء سوفخاتب. وكان عائدا من جناح الملك. وقابله الوزير ~~بابتسامة تحية، ولكنه وقف حياله جامدا كأنه لا يعرفه. وعجب سوفخاتب لجموده، وقال ~~له: كيف حالك أيها القائد طاهو؟ # فقال طاهو بسرعة غريبة: أنا .. كأسد واقع في شراك .. أو كسلحفاة راقدة على ظهر فرن ~~موقدة! # فبدا الإنكار على وجه سوفخاتب وقال: ما هذا الكلام؟ .. أي شبه بين الأسد والسلحفاة، أو ~~بين الشراك والفرن؟ # فقال طاهو في ذهوله: أما السلحفاة فتعمر طويلا، وتتحرك في بطء وتنوء بحمل ثقيل، ~~وأما الأسد فينكمش ويزأر ويثب في عنف فيقضي على فريسته. # فتفرس الرجل في وجهه دهشا وقال: أغاضب أنت ؟ لست ms094 كعهدي بك! ~~- أنا غاضب .. كيف تنكرني أيها الجليل؟ أنا طاهو ربيب الحرب والقتال .. آه! كيف يصبر ~~العالم على هذا السلام الثقيل؟ .. إن آلهة الموت عطشى ولا بد يوما أن أروي ~~غلتها. # فهز سوفخاتب رأسه متوهما أنه عرف ما هنالك، ثم قال: آه! .. الآن فهمت أيها ~~القائد، إنها خمر مريوط المعتقة. # فقال طاهو بحدة: كلا .. كلا .. الحق أني شربت كأسا من الدم. ثم تبين أنه ~~دم إنسان شرير، فتسمم دمي، وزاد الأمر خطورة أني صادفت في طريقي إلى هنا رب ~~الخير نائما في المرج، فأغمدت سيفي في قلبه .. هيا إلى القتال .. فالدم شراب الجندي ~~الباسل. # فقال سوفخاتب ذاهلا. ~~- إنها الخمر ولا شك، ويحسن بك أن تعود إلى قصرك في الحال. # ولكن طاهو هز رأسه استهانة وقال: الحذر الحذر أيها الرئيس، إياك والدم الفاسد؛ ~~فهو السم بعينه، لقد انتهى صبر السلحفاة وسينقض الأسد. # قال ذلك ثم سار في طريقه لا يلوي على شيء، تاركا سوفخاتب في ذهول وغرابة. # | فترة الانتظار # وكان القصر الفرعوني، وقصر بيجة، ودار الحكومة تنتظر أوبة الرسول بفارغ الصبر، ولكن في ~~طمأنينة وثقة بالمستقبل، وكان كل يوم يدنو يدنيها من الفوز، ويدفئ صدرها بحرارة الأمل. ~~وما كان لينقطع هذا الشعور الطيب الجميل، لولا أن وصلت إلى رئيس الوزراء رسالة خطيرة من ~~رجال الكهنوت، وكان سوفخاتب يهمل أمثال هذه الرسالة، أو يقنع مضطرا بعرضها على الملكة، ~~ولكنه وجد فيها معنى جديدا خطيرا، لم يشأ أن يتحمل تبعة إخفائه عن مولاه، ولو لاقى ~~في سبيل ذلك بعض غضبه، فقابل فرعون وتلا عليه الرسالة، وكانت التماسا خطيرا موقعا عليه ~~من جميع رجال الكهنوت، وعلى رأسه كهنة رع وآمون وبتاح وأبيس، يرجون مولاهم أن يرد أراضي ~~المعابد إلى أصحابها الآلهة المعبودة التي توليه عنايتها، ويؤكدون أنهم ما كانوا ~~يتقدمون بالتماسهم لو وجدوا من الأسباب ما يدعو إلى وجوب نزع الأراضي. # كان الخطاب قويا حازما، فغضب الملك، ومزقه إربا، ورمى به على أرض الحجرة وصاح: ~~سوف أجيبهم بعد حين قليل. # فقال سوفخاتب: إنهم يلتسمون ms095 جماعة، وكانوا يلتمسون فرادى. # فقال الملك الغاضب: وسأضربهم جميعا، فليحتجوا كيف شاء لهم الجهل. # على أن الحوادث جاوزت هذا الحد؛ فقد أرسل حاكم طيبة إلى رئيس الوزراء يقول إن ~~خنوم حتب زار مقاطعته، وإنه استقبل استقبالا شعبيا رائعا اشترك فيه كهنة آمون ~~وكاهناته وجموع غفيرة من الأهالي، وإن الهتافات تصاعدت باسمه، وهتف القوم أيضا لحقوق ~~الآلهة التي ينبغي أن تصان وتخدم، وجاوز هذا القدر قوم، فصاحوا باكين: «وا حسرتاه! ~~إن أموال آمون تنفق على راقصة.» # ووجم الرئيس أسفا وحزنا، وغلب إخلاصه تردده هذه المرة أيضا، فأحاط مولاه بهذه ~~الأخبار بلباقة، وغضب الملك كعادته وقال آسفا: إن حاكم طيبة يسمع ويرى ولا يستطيع ~~شيئا. # فقال سوفخاتب بحزن: ليس لديه يا مولاي إلا قوة الشرطة، وهي لا تجدي في مقاومة جموع ~~غفيرة. # فقال الملك بغضب: وليس لدي إلا الانتظار على مضض، لقد أدميت وحق الرب ~~كبريائي! # وخيمت سحابة من الحزن على آبو المجيدة، شملت قصورها الشامخة ودور الحكم فيها. وكانت ~~الملكة نيتوقريس تقبع في جناحها رهينة حبس ووحشة، تعاني آلام قلبها المنفطر وكبريائها ~~الجريح، وترقب الحادثات بعينين حزينتين أسيفتين. وكان سوفخاتب يتلقى الأخبار بقلب ~~حزين، ويقول آسفا لطاهو الصامت الكئيب: «هل شهدت مصر قبل اليوم مثل هذا الغضب ~~المتمرد؟! وا حزناه!» # واستحالت سعادة الملك غضبا وغيظا، وكان لا يذوق الراحة إلا حين يرتمي بين يدي المرأة ~~التي أسلمها نفسه، وكانت تدرك ما به، فكانت تداعبه وتحنو عليه وتهمس في أذنه: «صبرا.» ~~فيتنهد ويقول حانقا: «نعم .. حتى أقبض على ناصية القوة.» # ولكن اشتد الحرج، فتعددت زيارات خنوم حتب للمقاطعات، واستقبل بالمظاهرات في كل ~~مكان، وتعالى الهتاف باسمه في البلدان. وضاق بذلك كثير من الحكام، ورأوا فيه معنى ~~لم يرتح إليه إخلاصهم لفرعون. فاجتمع حكام أمبوس، وفرمونتس، ولاتولس، وطيبة، وتشاورا ~~فيما بينهم، وقر رأيهم على مقابلة الملك. وقصدوا إلى آبو وطلبوا المقابلة، فاستقبلهم ~~فرعون استقبالا رسميا حضره سوفخاتب، وتقدم حاكم طيبة بين يديه وحياه تحية ~~العبودية والإخلاص ثم قال: مولاي، الإخلاص الحق لا ينفع ms096 بأن يكون عاطفة في القلب، ولا ~~بد أن يقرن بإسداء النصح والعمل الصالح والافتداء إذا حزب الأمر، ونحن حيال أمر قد ~~يعرضنا الصدق فيه إلى موجدة، ولكنا لا نأمن مع السكوت عليه من وخز ضمائرنا، فلا بد من ~~قولة الحق. # فصمت فرعون هنيهة ثم قال للحاكم: تكلم أيها الحاكم فإني مصغ إليك. # فقال الرجل بشجاعة: مولاي، الكهنة غاضبون، وقد انتقلت عدوى غضبهم إلى نفوس الشعب ~~المنصت إلى حديثهم في الصباح والمساء، وكان من جراء ذلك أن اتفقت كلمة الجميع على وجوب ~~رد الأراضي إلى أصحابها. # فبدا الغضب على وجه الملك وقال بحنق: هل يصح أن يذعن فرعون لإرادة الناس؟ # فقال الرجل بصراحة وجسارة: مولاي، إن سعادة الشعب أمانة عهدت بها الآلهة إلى ذات ~~فرعون، فلا إذعان، لكن تعطف من مولى قادر على عباده. # فضرب الملك الأرض بصولجانه وقال: لا أرى في التراجع سوى الخنوع. # فقال الرجل: معاذ الرب أن أشير إلى مولاي بالخنوع، ولكن السياسة بحر لجي، ~~والحاكم كالربان يتفادى الريح العاصفة، وينتهز الفرصة السعيدة. # ولكن الملك لم يعجبه قوله، وهز رأسه باحتقار وعناد، واستأذن سوفخاتب طالبا الكلام، ~~وسأل حاكم طيبة قائلا: هل لديك دليل على أن الشعب يشاطر الكهنة عواطفهم؟ # فقال الحاكم بثبات ويقين: نعم يا صاحب القداسة، لقد بثثت عيوني في الأقاليم، فشهدوا ~~غضب الشعب عن كثب، وسمعوه يخوض فيما لا يجوز الخوض فيه. # وقال حاكم فرمونتس: وهذا ما فعلته فجاءتني أنباء مؤسفة. # وأدلى كل حاكم بدلوه، ودلت أقوالهم على خطورة الحال، وانتهت بذلك أول مقابلة من ~~نوعها تشهدها قصور الفراعنة. # واجتمع الملك على الأثر بوزيره وقائد حرسه في جناحه الخاص، وكان غاضبا مهتاجا يتهدد ~~ويتوعد وقد قال للرجلين: إن هؤلاء الحكام مخلصون أمناء، ولكنهم ضعاف، ولو أخذت ~~بنصائحهم لعرضت عرشي للهوان. # وسرعان ما أمن طاهو على رأي مولاه وقال: إن التراجع هزيمة يا مولاي! # كان سوفخاتب يفكر في احتمالات أخرى فقال: ينبغي أن نحسب حساب عيد النيل، وهو لا يفصل ~~بيننا وبينه سوى أيام معدودات، والحق أن ms097 قلبي لا يرتاح إلى حشد الآلاف من الشعب ~~الغاضب في آبو. # فبادر طاهو قائلا: إننا نسيطر على آبو. ~~- لا ريب في هذا، ولكن لا يجوز أن ننسى أنه في العيد الماضي تصاعدت بضعة هتافات ~~خائنة، ولم يكن مولانا الملك قد حقق إرادته، فينبغي أن نتوقع هتافات أخرى أشد ~~صراخا. # فقال الملك: إن الأمل معقود بعودة الرسول قبل العيد. # ولكن لم ينفك سوفخاتب يزن الأمور من وجهة نظره، فقال وكان يؤمن في قلبه باقتراح ~~الحكام: سيأتي الرسول في القريب، وسيتلو رسالته على الملأ، ولا شك أن الكهنة الحائزين ~~على عطف مولاهم، المتمتعين بما يعتقدون أنه حقهم، يكونون أعظم اطمئنانا إلى التعبئة ~~وأشد حماسة، حتى إذا قبض مولاي على ناصية القوة، أملى إرادته، ولا راد ~~لمشيئته. # وضاق الملك ذرعا برأي سوفخاتب، وأحس بوحشة في جناحه الخاص، فهرع إلى قصر بيجة الذي لا ~~تلاحقه الوحشة إليه قط. وكانت رادوبيس تجهل ما دار في الاجتماع الأخير، فكانت أدنى إلى ~~الطمأنينة منه، ولكنها لم تلق صعوبة في قراءة صفحة وجهه الحساس، والشعور بما يضطرم في ~~قلبه من الغضب والسخط، واعتورها القلق ونظرت إليه متسائلة والكلام يضطرب خلف شفتيها ~~مشفقا من الظهور، فقال متذمرا: أما علمت يا رادوبيس؟ إن الحكام والوزراء يشيرون ~~علي برد الأراضي إلى الكهنة، والرضاء بالهزيمة؟ # فتساءلت بانزعاج: ما الذي حثهم على إبداء هذه المشورة؟ # فروى الملك ما قال الحكام، وما نصحوه به، وكانت تزداد انزعاجا وحزنا، وما تمالكت ~~نفسها أن قالت: إن الجو يغبر ويظلم، وما حمل الحكام على المكاشفة بآرائهم إلا ~~خطر فادح. # فقال الملك بازدراء: إن شعبي غاضب. ~~- مولاي، إن الناس كالسفينة الضالة بلا سكان، تحملها الرياح كيفما تشاء. # فقال بوعيد مخيف: سأذهب ريحهم. # وعاودتها المخاوف والشكوك، وخانها صبرها في تلك اللحظة فقالت: ينبغي أن نستوصي بالحكمة، ~~وأن نتراجع زمنا قصيرا مختارين، وإن يوم النصر لقريب. # فنظر إليها بغرابة وقال: أتشيرين علي بالخضوع يا رادوبيس؟ # فضمته إلى صدرها وقد آلمتها لهجته، ثم قالت وقد فاضت عيناها بدمع سخين: أحرى بمن ms098 ~~يتحفز للوثبة الكبرى أن ينكمش أقداما، والنصر رهين بالنهاية. # فتأوه الملك قائلا: آه يا رادوبيس! .. إذا كنت أنت تتجاهلين نفسي، فمن ذا الذي يمكن ~~أن يعرفها؟ أنا من إذا نزل مرغما على إرادة إنسان ذبل كمدا كوردة سفتها ~~الرياح. # فبدا التأثر في عينيها السوداوين، وقالت في حزن عميق: فداؤك نفسي يا حبيبي لن تذبل ~~قط وصدري يرويك حبا صافيا. ~~- سأعيش منتصرا في كل لحظة في حياتي، ولن أمكن خنوم حتب من أن يقول يوما إنه ~~أذلني ساعة! # فابتسمت إليه ابتسامة حزينة وتساءلت: أتريد أن تسوس شعبا بغير التجاء إلى الحيلة ~~أحيانا؟ ~~- التسليم حيلة العاجز، سأظل ما حييت مستقيما كالسيف تتحطم على أسنانه قوى ~~الخائنين. # فتنهدت حزينة آسفة ولم تحاول معاودته، ورضيت بالهزيمة أمام غضبه وكبريائه، ومنذ ~~تلك اللحظة وهي تتساءل جزعة: متى يعود الرسول؟ .. متى يعود الرسول؟ .. متى يعود ~~الرسول؟ # ما أشق الانتظار! .. لو يعلم المتمنون ما عذاب الانتظار لآثروا الزهد في الدنيا .. ~~كم عدت الدقائق والساعات وترقبت شروق الشمس وانتظرت مغيبها، وذابت عيناها من طول ~~النظر إلى مجرى النيل الآتي من الجنوب. وكم حسبت الزمن بتردد أنفاسها وخفقان قلبها، وكم ~~صاحت وقد نال منها القلق كل منال: أين أنت يا بنامون؟! حتى الحب نفسه ذاقته ذوق ~~الشارد الحالم، فلا طمأنينة ولا سلام حتى يعود الرسول برسالته! # وتقضت الأيام تجر ثقلها جرا بطيئا، حتى كان يوم تجلس فيه مستغرقة في أفكارها، ~~وإذا بشيث تدخل عليها مهرولة، فرفعت رأسها وسألتها: ما وراءك يا شيث؟ # فقالت الجارية بلهفة تلهث: مولاتي، جاء بنامون. # وغمرها الفرح، فانتفضت واقفة كطير فزع وهي تصيح: بنامون! # فقالت الجارية: نعم يا مولاتي، إنه ينتظر في البهو، وطلب إلي أن أوذنك بقدومه. كم ~~لوحه السفر! # وجرت تتخطى أدراج السلم إلى البهو، فألفته واقفا ينتظر مقدمها وفي عينيه شوق ~~صارخ، وكانت تبدو كشعلة من الفرح والأمل، فوقر في نفسه أن فرحها به، وله، فغمرته ~~سعادة إلهية وارتمى على قدميها كالعابد، ولف ذراعيه حول ساقيها بحنان ووجد، وهوى ~~بفمه إلى قدميها ms099 .. وقال: معبودتي، حلمت مائة مرة أني أقبل هاتين القدمين، وها ~~أنا ذا أحقق أحلامي. # فداعبت شعره بأناملها وقالت برقة: بنامون العزيز .. بنامون .. أحقا عدت ~~إلي؟ # فلمعت عيناه بنور الحياة، ودس يده في صدره فأخرج حقا من العاج صغيرا وفتحه، وإذا ~~ما فيه تراب .. ثم قال: هذا تراب مما كانت تطأ قدماك في الحديقة، جمعته بيدي واحتفظت به ~~في هذا الحق، وحملته معي في سفري، وكنت أقبله كل مساء قبل استسلامي للكرى، ثم ~~أحفظه على قلبي. # وأصغت إليه على جزع وتململ، وكان شعورها منصرفا عن حديثه، ونفد صبرها، فسألته برقة ~~تداري بها جزعها: ألا تحمل شيئا؟! # فدس يده في صدره مرة أخرى، وأخرج كتابا مطويا ومد لها يده به، فتسلمته بيد ~~مرتجفة وقد غمرها شعور سعيد، وأحست بتخدير في أعصابها وخور في قواها، وألقت على ~~الرسالة نظرة طويلة، وشدت عليها بيدها، وكادت تنسى بنامون ووجده لولا أن وقع عليه بصرها ~~فتذكرت أمرا هاما وسألته: ألم يأت معك رسول من قبل الأمير كارفنرو؟ # فقال الشاب: بلى يا مولاتي، وهو الذي حمل الرسالة في أثناء العودة. وإنه لينتظر الآن ~~في الحجرة الصيفية. # ولم تستطع أن تبقى في مكانها طويلا؛ لأن الفرح الذي غمر حواسها عدو للسكون والجمود ~~فقالت: أستودعك الرب إلى حين، وإن حجرة الصيف تنتظرك وستصفو لنا الأيام. # وجرت حاملة الرسالة، وكان قلبها ينادي حبيبها ومولاها من أعماقها، ولولا التحرج، ~~لطارت إليه في قصره كما فعل النسر من قبل، تزف إليه البشرى السعيدة. # | الاجتماع # وجاء يوم عيد النيل، واستقبلت آبو المحتفلين من أقاصي الجنوب والشمال، وتعالت في جوها ~~الأناشيد، وازينت دورها بالأعلام والأزهار وأغصان الزيتون، واستقبل الرجال من ~~الكهنة والحكام شروق الشمس في طريقهم إلى القصر الفرعوني، لينتظموا في الموكب الملكي ~~العظيم الذي يغادر القصر حين الضحى. # وبينما كان السادة ينتظرون نزول الملك في إحدى الحجرات دخل عليهم أحد الحجاب، وحياهم ~~باسم الملك، وقال بصوت جهوري: أيها السادة الأجلاء، إن فرعون يريد أن يجتمع بكم في ~~الحال، فتفضلوا بالذهاب إلى البهو الفرعوني. ms100 # وتلقى الجميع تصريح الحاجب بدهشة غير خافية؛ لأن العادة جرت بأن يستقبل الملك رجال ~~مملكته بعد الاحتفال بالعيد لا قبل ذلك، فبدت الحيرة على الوجوه وتساءل القوم: ترى أي ~~أمر خطير دعا إلى هذا الاجتماع الخارق للتقاليد؟! # ولكنهم لبوا الدعوة طائعين، وذهبوا إلى بهو الاستقبال ذي الجلال والروعة. واحتل ~~الكهنة مقاعد الجانب الأيمن، وجلس الحكام قبالتهم، وكان يتصدر المكان العرش الفرعوني، ~~وسط جناحين من الكراسي أعدت للأمراء والوزراء. # وما لبثوا قليلا حتى دخل الوزراء يتقدمهم سوفخاتب، وتبعهم بعد حين أمراء البيت ~~المالك، فجلسوا إلى يمين العرش وهم يردون تحيات الرجال الذين وقفوا تحية لهم. # وساد الصمت وبدا الجد والاهتمام على الوجوه، وخلا كل إلى أفكاره يسائلها عن الأسباب ~~التي دعت إلى هذا الاجتماع الهام، حتى قطع عليهم أفكارهم دخول حامل الأختام، فتطلعوا ~~إليه في انتباه شامل، وقد صاح الرجل بصوت جهوري يعلن مجيء الملك: فرعون مصر نور الشمس، ~~وظل رع على الأرض، صاحب الجلالة مرنرع الثاني. # فهب الجميع وقوفا وأحنوا الهامات، حتى كادت تمس الأرض الجباه، وجاء الملك يسير ~~في جلال ومهابة، يتبعه على الأثر قائد الحرس طاهو، وحامل الأختام، وكبير حجاب الأمير ~~كارفنرو حاكم النوبة، وجلس على العرش، ثم قال بصوت مهيب: أحييكم أيها الكهنة ~~والحكام وآذن لكم بالجلوس. # فاعتدلت القامات المنحنية في رفق، وجلس الرجال وسط صمت شامل عميق يجعل من التنفس ~~مجازفة خطيرة، واتجهت الأنظار إلى صاحب العرش تواقة إلى استماع كلمته. واعتدل الملك في ~~جلسته، ثم قال وهو يقلب عينيه في وجوه القوم دون أن تستقر على أحد: أيها الأمراء ~~والوزراء والكهنة والحكام، من صفوة رجال مصر العليا والسفلى، لقد دعوتكم لأشاوركم في ~~أمر خطير يتعلق بسلامة المملكة ومجد الآباء والأجداد. أيها السادة: لقد جاء رسول من ~~الجنوب هو هامانا كبير حجاب الأمير كارفنرو يحمل رسالة خطيرة من مولاه، فرأيت أن ~~واجبي يقضي علي بأن أدعوكم دون إمهال، للاطلاع عليها، والمشاورة في محتوياتها ~~الخطيرة. # والتفت فرعون إلى الرسول وأشار إليه بصولجانه، فتقدم الرجل خطوتين فصار في ms101 حذاء العرش، ~~وقال له فرعون: اتل عليهم الرسالة. # فبسط الرجل رسالة مطوية بين يديه، وقرأ بصوت جهوري مؤثر: «من الأمير كارفنرو حاكم ~~بلاد النوبة إلى حضرة صاحب الجلالة فرعون مصر نور الشمس المشرقة، وظل الرب رع، حامي ~~النيل، وصاحب النوبة، وطور سيناء، وسيد الصحراء الشرقية، والصحراء الغربية. # مولاي .. يؤسفني أن أرفع إلى مسامع ذاتكم المقدسة أنباء محزنة، عن حوادث غدر شائنة، ~~وقعت في أملاك التاج المتاخمة لحدود النوبة الجنوبية، وكنت يا مولاي - اطمئنانا مني ~~إلى المعاهدة التي عقدت بين مصر وقبائل المعصايو، وما أعقب عقدها مباشرة من شمول ~~الطمأنينة وتوطيد الأمن - كنت أمرت بسحب كثير من الحاميات الموزعة في الصحراء إلى ~~قواعدها الأصلية. وجاءني اليوم ضابط من رجال الحاميات وأخبرني بأن زعماء القبائل شقوا ~~عصا الطاعة وحنثوا بيمينهم، وانقضوا خلسة بليل على ثكنات الحاميات، وأعملوا فيها ~~التقتيل الوحشي. وقد قاوم الجنود مقاومة اليأس، قوات تفوقهم مائة مرة أو يزيد، حتى ~~سقطوا عن آخرهم في ميدان الاستبسال. واجتاحت القبائل البلاد جميعا، واتجهت نحو الشمال إلى ~~بلاد النوبة، فرأيت من الحكمة ألا أفرط فيما لدي من قوات محدودة، وأن أوجه ~~همي إلى تحصين الاستحكامات والقلاع، للتمكن من صد العدو الزاحف، ولن تصل مولاي ~~رسالتي حتى تكون جنودنا قد اشتبكت مع طلائع المهاجمين، وإني في انتظار أمر مولاي سأظل ~~على رأس جنودي أقاتل في سبيل مولاي فرعون، ووطني مصر.» # وانتهى الرسول من تلاوة الرسالة، وظل صوته يدوي في كثير من القلوب، أما الحكام ~~فقد اتقدت أعينهم، وتطاير منها الشرر، وسرت في صفوفهم حركة اضطراب عنيف، وأما الكهنة ~~فقد تقطبت جباههم وجمدت نظراتهم، وانقلبوا كتماثيل جامدة في معبد صامت. # وصمت فرعون هنيهة حتى بلغ التأثر أشده، ثم قال: هذه هي الرسالة التي دعوتكم للمشاورة ~~فيها. # وكان حاكم طيبة على رأس المتحمسين، فقام واقفا وأحنى رأسه تحية، وقال: مولاي .. ~~إنها رسالة خطيرة حقا، والجواب الواحد عليها هو الدعوة إلى التعبئة. # ولاقت كلمته ارتياحا في نفوس الحكام، فقام حاكم أمبوس وقال: نعم الرأي يا مولاي ! ~~فالجواب ms102 الأوحد هو التعبئة السريعة، كيف لا ووراء الحدود الجنوبية إخوان لنا بواسل أوقعهم ~~العدو في ضيق؟ .. وإنهم لثابتون، فلا ينبغي أن نخذلهم، أو نبطئ عليهم. # وكان آني يفكر في العواقب التي تمس واجباته، فقال: إذا اجتاح أولئك الهمج بلاد النوبة ~~هددوا الحدود بلا شك. # وكان حاكم طيبة على رأس المتحمسين، وقد ذكر رأيا قديما له طالما تمنى تحقيقه يوما، ~~فقال: كان رأيي دائما يا مولاي أن تحتفظ المملكة بجيش دائم كبير، يكفل لفرعون القيام ~~بتبعاته في الدفاع عن سلامة الوطن وممتلكاته فيما وراء الحدود. # واشتد الحماس في جناح جميع القواد، ونادى كثير منهم بالتعبئة، وهتف آخرون للأمير ~~كارفنرو ولحامية بلاد النوبة. واشتد التأثر ببعض الحكام، فقالوا للملك: مولانا .. لن ~~يطيب لنا الاحتفال بالعيد، ووراءنا إخوان بواسل يتهددهم الموت. إيذن لنا في الرحيل ~~لنحشد الجنود. # وكان فرعون ملازما الصمت ليسمع ما عسى أن يقول الكهنة، وكان هؤلاء لائذين بالصمت ريثما ~~تهدأ النفوس، فلما أن سكت الحكام .. قام كاهن بتاح الأكبر وقال بهدوء غريب: هل يأذن ~~لي مولاي في أن أوجه إلى رسول سمو الأمير كارفنرو سؤالا؟ # فقال الملك بغرابة: لك ما تريد أيها الكاهن الأكبر. # فالتفت كاهن بتاح إلى الرسول وقال: متى غادرت بلاد النوبة؟ # فقال الرجل: منذ أسبوعين. ~~- ومتى بلغت آبو؟ ~~- مساء أمس. # فاتجه الكاهن نحو فرعون وقال: أيها الملك المعبود، إن الأمر يدعو إلى الحيرة ~~الشديدة؛ فبالأمس جاء هذا الرسول المبجل من الجنوب بأنباء تمرد زعماء المعصايو، وبالأمس ~~نفسه جاء وفد من زعماء المعصايو من أقصى الجنوب ليقدموا فروض الطاعة لمولاهم فرعون، ~~ويرفعوا إلى أعتابه المقدسة آي الشكر على ما أولاهم من نعمة وسلام، فما أشد حاجتنا ~~إلى من يميط اللثام عن هذه المعميات! # فكان تصريحا غريبا لم يتوقعه إنسان، فأحدث دهشة كبرى وعجبا، فشملت الرءوس حركة ~~عنيفة، وتبادل الحكام والكهنة نظرات التساؤل والحيرة، وتهامس الأمراء. أما سوفخاتب ~~فقد انخلع صدره ونظر إلى مولاه في ارتياع، فرآه يقبض بيده على الصولجان بشدة، وتشد عليه ~~بقسوة حتى انتفخت عروق ساعده ms103 وانكفأ لونه، فخشي الرجل من تسلط الغضب على الملك، فسأل ~~الكاهن قائلا: ومن أنبأك بهذا يا صاحب القداسة؟ # فقال الرجل بهدوء: رأيتهم بعيني رأسي يا سيدي الرئيس؛ فقد زرت أمس معبد سوتيس، وقدم ~~كاهنه إلي وفدا من السود قالوا إنهم من زعماء المعصايو، وإنهم جاءوا يقدمون فروض ~~الطاعة لفرعون، وقد باتوا ليلتهم ضيوفا على رئيسه. # فقال سوفخاتب: ألا يصح أن يكونوا من النوبة؟ # ولكن الرجل قال بيقين: قالوا إنهم من المعصايو، وعلى أية حال فها هنا رجل - هو ~~القائد طاهو - اشتبك مع المعصايو في حروب كثيرة، وعرف جميع زعمائهم، فهل يتفضل جلالة ~~الملك ويأمر بدعوة هؤلاء الزعماء إلى ساحته المقدسة، وعسى أن تزيل أقوالهم عن أعيننا ~~غشاوة الحيرة؟ # وكان الملك في حالة شديدة من القهر والغضب، ولكنه لم يدر كيف يمكن أن يرفض ما يقترحه ~~الكاهن، وأحس الوجوه تتطلع إليه في لهفة ورغبة ورجاء، فقال لأحد الحجاب: اذهب إلى ~~معبد سوتيس، وادع زعماء السود. # وصدع الحاجب بالأمر، ولبث الجميع ينتظرون وكأن على رءوسهم الطير. وكان الذهول باديا ~~على وجوه الجميع. وكانوا يكظمون ما بنفوسهم وإن ود كل منهم أن يسأل رفيقه ويستمع إليه. ~~ولبث سوفخاتب قلقا مهموما دائم التفكر يختلس من مولاه نظرات حائرة مشفقا عليه من هول ~~الساعة، ومرت عليهم الدقائق ثقيلة ومؤلمة، كأنما تنتزع من جلودهم، والملك على عرشه ~~يشاهد الحكام القلقين والكهنة المطرقين، لا تكاد تخفي عيناه ما يعترك في نفسه من ~~العواطف، ثم خال الجميع أنهم يسمعون ضوضاء يحملها الهواء من بعيد، فخلصوا من نفوسهم، ~~وأرهفوا السمع، فإذا بالضوضاء تقترب من ميدان القصر، وإذا بها أصوات تتصاعد بالهتاف، ومضت ~~بالقرب تشتد وتقوى شيئا فشيئا حتى طبقت الآفاق. وكانت مختلطة غير متمايزة، ويفصل ~~بينها وبين المجتمعين فناء القصر الطويل، فأمر الملك حاجبا بالذهاب إلى الشرفة ليرى ما ~~هناك، فغاب الرجل برهة ثم عاد مسرعا، ومال على أذن فرعون وقال: إن جموع الشعب تملأ ~~الميدان، تحيط بالعربات التي تحمل زعماء السود. ~~- وما هتافهم؟ ~~- يهتفون لأصدقاء الجنوب المخلصين ، ومعاهدة ms104 السلام. # ثم تردد الرجل لحظة واستدرك هامسا: ويهتفون يا مولاي لصاحب المعاهدة خنوم حتب! # واصفر وجه الملك من الغضب، وأحس بالحقد والقهر، وتساءل: كيف يدعو الشعب الذي يحيي ~~زعماء المعصايو ويهتف للسلام إلى محاربة المعصايو؟! ولبث ينتظر القادمين غاضبا حزينا ~~كئيبا. # وأعلن ضابط من الحرس قدوم الزعماء، وفتح الباب على مصراعيه، ودخل الوفد يتقدمه رئيسه ~~وكانوا عشرة، ضخام الأجسام، عرايا إلا من وزرة تستر الوسط، وعلى رءوسهم هالات من أوراق ~~الشجر، وقد سجدوا جميعا على الأرض، وتقدموا زحفا حتى بلغوا عتبة العرش، فقبلوا ~~الأرض بين يدي فرعون، ومد لهم الملك صولجانه فلثموه في خشوع، وأذن لهم بالوقوف فوقفوا ~~في تهيب، وقال رئيسهم باللهجة المصرية: أيها الرب المعبود، فرعون مصر، وسيد ~~الوادي، ومعبود القبائل، جئنا إلى رحابك لنقدم لك آي الخضوع والذل والحمد على ما أوليتنا ~~من آلاء ونعم؛ فبفضل رحمتك تناولنا الطعام شهيا، وشربنا الماء حلوا سائغا. # فباركهم الملك برفع يده. # وكانت الوجوه متجهة إليه كأنها تضرع إليه أن يسألهم عما يقال عن بلادهم، فقال ~~الملك المقهور: من أي العشائر أنتم؟ # فقال الرجل: أيها البهاء المعبود، نحن زعماء قبائل المعصايو الداعية لبهائك ~~بالمجد. # وصمت الملك قليلا، وأبى أن يسألهم عن أتباعهم شيئا، وضاق بالمكان وبمن فيه، فقال: إن ~~فرعون يشكركم أيها العبيد المخلصون ويبارككم. # وقدم صولجانه فلثموه مرة أخرى، وكروا راجعين، تكاد تمس الأرض جباههم. # والتهب الغضب في قلب الملك، وأحس إحساسا باطنيا أليما بأن الكهنة الماثلين أمامه، ~~وجهوا إليه ضربة قاتلة في معركة خفية، لا يعلم بها سواه وسواهم، فاشتد عليه الحنق، ~~وفاض به الغيظ، وثار على هزيمته، وقال بصوت شديد النبرات: لدي رسالة لا يرتقي الشك ~~إليها، وسواء أكانت القبائل الثائرة تتبع هؤلاء الزعماء أم لا تتبعهم، فالأمر الذي لا شك ~~فيه هو أنه توجد ثورة ويوجد متمردون وأن جنودنا الآن محاصرون! # فعاودت الحماسة الحكام، وقال حاكم طيبة: مولاي .. لقد جرت الحكمة الإلهية على لسانك، ~~إن إخواننا ينتظرون النجدة، فلا يجوز أن نضيع الوقت في مناقشات، والحق أبلج ms105 ~~واضح. # فقال الملك بعنف: أيها الحكام، إني أعفيكم من الاشتراك اليوم في الاحتفال بعيد ~~النيل؛ فأمامكم واجب أسمى. ارجعوا إلى أقاليمكم واحشدوا الجند؛ فرب دقيقة تضيع تكلفنا ~~غاليا. # قال الملك ذلك ثم قام واقفا، معلنا انتهاء الاجتماع، فقام القوم من فورهم وأحنوا ~~الهامات إجلالا. # | الهتاف # وقصد فرعون إلى جناحه الخاص، ودعا إليه رجليه المخلصين سوفخاتب وطاهو، فلبى الرجلان ~~دعوته سريعا، وكانا شديدي التأثر، يقدران حرج الموقف حق قدره. ووجدا الملك كما ~~توقعا مهتاجا غاضبا، يذرع حجرته من جانب إلى جانب، ويهدر بوحشية جنونية، فلما ~~انتبه إليهما حدجهما بنظرة زائغة، وقال والشرر يتطاير من عينيه: خيانة .. إني أشم ~~رائحة خيانة خبيثة في هذا الجو الخانق. # فانكفأ طاهو وقال: مولاي. لا أنفي عن نفسي التشاؤم وسوء الظن، ولكن لا يذهب بي الحدس ~~إلى هذا الفرض الكبير. # فضرب الملك الأرض بقدمه وقال وهو يتميز من الغيظ والحنق: لماذا جاء هذا الوفد اللعين؟ ~~.. بل كيف جاء اليوم؟ .. واليوم بالذات؟ # فقال سوفخاتب، وكان غارقا في التفكير والأحزان: ترى هل هي مصادفة حزينة غريبة؟ # فقال الملك في دهشة مروعة: مصادفة .. كلا .. كلا. هي الخيانة اللئيمة، أكاد ألمح ~~وجها يستتر بالإطراق والدهاء. كلا أيها الوزير لم يجئ القوم مصادفة لكنهم دفعوا ~~إلى هنا عمدا ليقولوا سلاما إذا ما قلت أنا حربا، وهكذا وجه إلي عدوي ضربة ~~شديدة، وهو ماثل بين يدي يعلن الولاء. # فامتقع وجه طاهو ولاح في وجهه الحزن، ولم يكابر سوفخاتب فأطرق يائسا وكأنه يحادث ~~نفسه: إذا كانت خيانة فمن الخائن؟ # فقال الملك وهو يلوح بقبضته في الهواء: نعم .. من الخائن؟ هل هنالك معضلة لا تحل؟ ~~كلا .. أنا لا أخون نفسي، ولا يخون عهدي سوفخاتب ولا طاهو، ولا تخونني رادوبيس، فلم ~~يبق إلا هذا الرسول الشقي .. وا أسفاه! لقد خدعت رادوبيس. # فبرقت عينا طاهو وقال: سأسوقه إلى هنا وأنتزع من فمه كلمة الحق. # فهز الملك رأسه وقال: رويدك يا طاهو رويدك .. إن المجرم لا ينتظركم حتى تذهب للقبض ~~عليه، ولعله الآن ينعم بثمن خيانته في ms106 مكان آمن لا يعلم به إلا الكهنة. كيف تمت ~~المكيدة؟ لا أدري كيف، ولكني أستطيع أن أقسم بالرب سوتيس أنهم علموا بالرسالة قبل ~~تحرك الرسول فلم يتوانوا، وبعثوا برسول من لدنهم فجاء رسولي بالرسالة، وجاء رسولهم ~~بالوفد .. خيانة .. نذالة، إني أعيش وسط شعبي كالأسير .. ألا لعنة الآلهة على الدنيا وعلى ~~الناس. # ولاذ الرجلان بالصمت، حزنا وإشفاقا، وكان طاهو يختلس من مولاه نظرات حزينة، وأراد أن ~~يحاول إعادة الأمل إلى ذلك الجو القاتم فقال: ليكن عزاؤنا أننا سنضرب بالضربة ~~القاضية. # فاحتد الملك قائلا: كيف لنا بتسديد هذه الضربة؟! ~~- إن الحكام في طريقهم إلى الأقاليم لحشد الجنود. ~~- وهل تظن أن الكهنة يقفون مكتوفي الأيدي بإزاء الجيش الذي علموا أنه يحشد ~~لسحقهم؟! # وكان سوفخاتب ينوء بهم ثقيل كان يؤمن بما يقول الملك، ولكن أراد أن ينفس عن صدره، ~~فقال وكأنه يتمنى: عسى أن يكون ريبنا وهما، ويكون ما نظنه خيانة محض مصادفة، ~~فتنقشع هذه السحابة الدكناء بأهون الأسباب. # ولكن فرعون ثار على العزاء وقال: لا أزال أذكر صورة أولئك الكهنة المطرقين، كانوا بلا ~~شك ينطوون على سر رهيب، ولما قام رئيسهم ليتكلم، تحدى حماس الحكام باطمئنان، ~~وألقى كلمته بثقة لا حد لها، ولعله الآن يتكلم بعشرة ألسنة، آه! .. الويل للخيانة .. ~~لن يعيش مرنرع الثاني تحت رحمة الكهنة. # وغضب طاهو لحزن مولاه فقال: مولاي .. تحت إمرتك حرس قوي يزن الرجل منه ألف رجل من ~~رجالهم، ويجود بنفسه في سبيل مولاه عن طيب خاطر. # فأعرض فرعون عنه، وارتمى على مقعد وثير مستسلما لأفكار رأسه الساخن، ترى هل يمكن أن ~~يتحقق أمله بالرغم من هذه الأحزان؟ أم يفشل مشروعه إلى الأبد؟ يا لها من ساعة فاصلة في ~~حياته! .. هي مفترق الطرق بين المجد والهوان، والقوة والانهيار، والحب والشقاء. لقد رفض ~~مرة أن يتنازل عن الأراضي حيلة، فهل يجد نفسه يوما مضطرا إلى التنازل عنها محافظة ~~على عرشه؟ آه! .. لن يأتي هذا اليوم، وإن أتى فلن يسام الخسف أبدا. وسيبقى إلى آخر لحظة ~~من حياته كريما مجيدا ms107 عزيزا. وتنهد بالرغم منه حسرة، وقال لنفسه آسفا .. آه لو لم ~~يعثر حظي بالخيانة! وقطع عليه صوت سوفخاتب وهو يقول: مولاي، دنا موعد الحفل. # فنظر إليه كمن يصحو من نوم عميق، وتمتم: «حقا.» ثم قام واقفا وذهب إلى الشرفة وكانت ~~تطل على فناء القصر العظيم - وقوة العجلات متراصة به في الانتظار - وتراءى الميدان عن ~~بعد تتلاطم فيه أمواج القوم المحتفلين، فألقى على تلك الدنيا الحافلة نظرة باهتة وعاد ~~إلى مكانه، ثم دخل إلى مخدعه وغاب هنيهة، ورجع لابسا جلد النمر شارة الكهنوت والتاج ~~المزدوج. وتأهبوا جميعا للخروج، ولكن سبقهم بالدخول حاجب من حجاب القصر حيا مولاه ~~وقال: السيد طام رئيس شرطة آبو يستأذن في المثول بين يدي مولاه. # فأذن له الملك ومشيراه لما شاهدوه على وجهه من آي الاضطراب. وحيا الشرطي الكبير ~~مولاه، وقال مبادرا بعجلة واضطراب: مولاي! لقد جئت الآن لأضرع إلى ذاتكم المقدسة أن ~~تعدلوا عن الذهاب إلى معبد النيل! # فخفق قلب الرجلين، وسأل الملك منزعجا: وما الذي حملك على هذا؟ # فقال الرجل وهو يلهث: قبضت في هذه الساعة على كثيرين كانوا يوجهون هتافات شريرة إلى ~~شخصية نبيلة يكرمها مولاي وأخشى أن تكرر هذه الهتافات في أثناء الموكب. # فخفق قلب الملك وغلت مراجل الغضب في دمه، وسأله بصوت متهدج: ماذا قالوا؟ # فابتلع الرجل ريقه، وقال باضطراب وارتباك: قالوا لتسقط العاهرة! لتسقط ناهبة ~~المعابد! # فاشتد الغضب بالملك، وصاح بصوت كالرعد: يا للويل! .. لا بد أن أضرب ضربة تنفس عن ~~صدري أو ينفجر بنياني. # واستطرد الرجل مذعورا: وقد قاوم المجرمون رجالي، فوقعت معارك بيننا وبينهم، وساد ~~الاضطراب والهرج برهة، وفي أثناء ذلك تعالت هتافات أكبر شرا وأوغل غيا. # فسأل الملك قائلا وهو يصر على أسنانه غضبا ومقتا: وماذا قالوا أيضا؟ # فأحنى الرجل رأسه: وقال بصوت خافت: تجاسر المجرمون على ما هو أجل. # فقال الملك في صوت ذاهل: أنا؟! # فلاذ الرجل بالصمت وقد امتقع وجهه، ولم يتمالك سوفخاتب نفسه فصاح: كيف يمكن أن أصدق ~~أذني؟ # وصاح طاهو بغضب: هذا جنون لا ms108 يعقل. # وضحك فرعون ضحكة عصبية، وقال بسخرية مريرة: كيف ذكرني شعبي يا طام؟ تكلم، إني ~~آمرك. # فقال الرجل: قال الأوغاد .. «ملكنا يلهو.» .. «نريد ملكا جادا.» # فضحك الملك ضحكة كالأولى، وقال متهكما: وا أسفاه! .. ما عاد مرنرع يصلح لعرش الكهنة! ~~.. وماذا قالوا أيضا يا طام؟ # فقال الرجل بصوت خافت لا يكاد يسمع: وهتفوا يا مولاي طويلا بحياة حضرة صاحبة الجلالة ~~الملكة نيتوقريس! # فلاح بريق خاطف بعيني الملك، وردد اسم نيتوقريس بين شفتيه بصوت خافت كأنما يذكر ~~شيئا قديما طال به عهد النسيان، وتبادل المشيران نظرة الدهشة، وأحس فرعون بدهشة ~~الرجلين وتحرج رئيس الشرطة، فلم يرض أن يجعل من الملكة حديثا مريرا، وإن سأل نفسه ~~حيرة: ترى ما عسى أن يكون شعور الملكة حيال هذه الهتافات؟ .. واشتد الضيق بصدره، ~~وأحس بموجة عنيفة من الغضب والتمرد والاستهتار، فوجه كلامه إلى سوفخاتب قائلا ~~بخشونة: هل حان موعد الذهاب؟ # فقال طام بذهول: ألن يعدل مولاي عن الذهاب؟ # فقال الملك بعنف: ألا تسمعني أيها الوزير؟ # فاضطرب سوفخاتب وقال بخشوع: بعد برهة قصيرة يا مولاي .. حسبت مولاي سيعدل عن ~~الذهاب. # فقال الملك بهدوء كالذي يسبق العاصفة: سأذهب إلى معبد النيل خلل الجموع الساخطة، وسنرى ~~ما يكون .. عد يا طام إلى واجبك. # | الأمل والسم # وكانت رادوبيس في صباح ذلك اليوم مستسلمة إلى الديوان الوثير تحلم، كان يوما يتيه على ~~الزمان بما ينبض فيه من أفراح العيد وبما يدخر لها من فوز عظيم، فأي سعادة وأي فرح؟! ~~كان صدرها في ذلك اليوم كبركة من ماء مصفى معطر، تنبت على حفافيها الأزهار وتغني ~~في جوها البلابل شادية نشوى .. فيا لدنيا الأفراح! ومتى تتلقى نبأ الفوز؟ .. حين ~~الأصيل، حين تبدأ الشمس رحلتها إلى العالم الثاني ويشرع قلبها في رحلته إلى دنيا السعادة ~~واستقبال الحبيب، فيا لساعة الأصيل! ساعة الأصيل هي ساعة الحبيب، حين يقبل عليها بقوامه ~~الفارع وشبابه الغض، فيلف ذراعيه المفتولين حول خصرها الدقيق، يناجي اسمها العذب، ~~يبشرها بالفوز فيقول انتهت الآلام، وتفرق الحكام ليحشدوا الجنود، فهنيئا لحبنا. ~~آه ! ما ms109 أجمل الأصيل! # ولكن كيف تصدق أن هذا النهار ينقضي؟ .. لقد انتظرت عودة الرسول شهرا انطوى ثقيلا ~~مرهقا، ولكنها تخال هذه الساعات المعدودات أشد وطأة وأكبر كلفة، على أنه قلق يخالط ~~طمأنينة، وخوف يمازج سعادة .. وكأنما أرادت أن تتناسى الانتظار لتتغفل الزمن، فعطفت ~~أفكارها إلى هنا وإلى هناك حتى عثرت في شرودها بالعاشق الجاثي في معبده .. في الحجرة ~~الصيفية، بنامون بن بسار، ما أرقه وأخف ظله! كانت تساءلت مرة حيرى كيف تجزيه ~~على ما أدى لها من خدمة جليلة، وقد طار على جناحي حمامة إلى أقصى الجنوب، وعاد بأسرع ~~مما ذهب يحمله الشوق فيعبر به مشاق الطريق؟ .. بل همست مرة في ارتباك كيف تستطيع أن ~~تتخلص منه؟ ولكنه علمها بقناعته أن من الحب حبا عجيبا لا يعرف الأثرة ولا ~~التملك ولا الطمع، ويرضى بالأحلام والأوهام. فيا له من شاب حالم بعيد عن الدنيا! ولو ~~أنه طمع في قبلة مثلا لما عرفت كيف تتحاماه، دون أن تمد له فمها، ولكنه لا يطمع في ~~شيء، وكأنه يخشى لو لمسها أن يحترق بلهيب غامض، أو لعله لا يصدق أنها شيء يلمس ~~ويقبل. إنه لا يرمقها بعين إنسان فلا يستطيع أن يراها من بني الإنسان، ويقنع بأن يحيا ~~على بهائها كما يحيا نبات الأرض بالشمس السابحة في السموات. # وتنهدت وقالت: حقا إن الحب عالم عجيب، أما حبها فينبع متدفقا من صميم ~~الحياة؛ فالقوة التي تجذبها إلى مولاها هي قوة الحياة الكاملة الرهيبة، وأما حب بنامون ~~فيكاد أن ينقطع له عن أسباب الحياة، ويضل في آفاق سامية، لا يعلن عن أثر محسوس إلا ~~في يده الماهرة، وأحيانا في لسانه المتلعثم الحار .. فيا له من حب يرق من ناحية ~~فيصير طيفا من الأحلام، ويقوى من ناحية أخرى فيبث في الصخر الأصم حياة! .. فكيف تفكر ~~في التخلص منه وهو لا يكلفها شيئا؟ فلتتركه في معبده آمنا، يصور في جدرانه الصامتة ~~أجمل التهاويل التي تكتنف وجهها الجميل. # وعادت تهتف من أعماق صدرها: متى الأصيل؟ .. حقا لشيث لو ثبتت إلى ms110 جانبها لسلتها ~~بثرثرتها وخبثها، ولكنها أبت إلا أن تذهب إلى آبو لمشاهدة عيد النيل. # يا ما أجمل الذكريات! ذكرت العيد الماضي، يوم اعتلت هودجها الفاخر وشقت به الحشد ~~الكبير لترى فرعون الشاب، ولما وقعت عيناها عليه خفق قلبها وهي لا تدري، وأحست بدبيب ~~الحب غريبا لطول عهدها بالجفاء، فحسبته قلقا غاضبا أو نفثة ساحر، ذاك اليوم الخالد ~~حين خطف النسر صندلها، ولم يكد يبدأ اليوم الثاني حتى زارها فرعون؛ ومن ثم زار قلبها ~~الحب وتغيرت حياتها وتغيرت الدنيا جميعا. # أما العام الثاني فها هي تقبع في قصرها، والدنيا تقصف وتلهو في الخارج، ولن يتاح لها ~~الظهور إلا بحساب؛ فلم تبق رادوبيس الغانية الراقصة، ولكنها منذ عام وإلى الأبد قلب ~~فرعون الخافق. وكانت أفكارها تضل هنا وهناك فلا تلبث أن تنجذب بعنف إلى موطن همها ~~فتساءلت: ترى ماذا حدث في الاجتماع الخطير الذي قال مولاها إنه سيدعو إليه ليقرأ عليه ~~الرسالة؟ .. هل التأم ولبى النداء وأدناها إلى أملها الفاتن؟ أواه! .. متى يأتي ~~الأصيل؟ # وملت الجلسة، فقامت تتمشى، ودلفت إلى النافذة المطلة على الحديقة تسرح الطرف ~~في آفاقها المنفسحة. ولبثت ما لبثت حتى سمعت يدا مضطربة تطرق الباب، فالتفتت ~~متضايقة برمة، فرأت جاريتها شيث تقتحم الباب مهرولة لاهثة زائغة البصر يعلو صدرها ~~وينخفض، وكان وجهها شاحبا كأنما تقوم ساعتها من فراش مرض طويل، فوجب قلبها، وطالعها ~~نذير شؤم، وسألتها في إشفاق: ما لك يا شيث؟ # وهمت الجارية أن تتكلم، فغلبها البكاء، فجثت على ركبتيها أمام مولاتها، وشبكت يديها ~~على صدرها، وأفحمت في البكاء بحالة عصبية شديدة، فاستولى الانزعاج على رادوبيس وصاحت بها: ~~ما لك يا شيث؟ .. بالله تكلمي، ولا تتركيني فريسة الحيرة؛ فإن لي آمالا أخاف عليها ~~الوساوس. # فتنهدت المرأة تنهدا عميقا، وشهقت شهقة عنيفة، ثم قالت بصوت باك: مولاتي .. ~~مولاتي .. إنهم هائجون ثائرون! ~~- من الهائجون الثائرون؟ ~~- الناس يا مولاتي .. إنهم يصرخون في غضب جنوني، مزقت الأرباب ألسنتهم. # فخفق قلبها مفزوعا وقالت بصوت متهدج: ماذا يقولون يا شيث؟ ~~- آه يا مولاتي ! .. إنهم ms111 قوم مجانين تهذي ألسنتهم المسمومة هذيانا مخيفا. # فكادت المرأة تجن فزعا، وصاحت بحدة: لا تعذبيني يا شيث! صارحيني بما قالوا .. ~~رباه! ~~- مولاتي، إنهم يذكرونك ذكرا غير جميل .. ماذا فعلت يا مولاتي حتى تستحقي ~~غضبهم؟ # فضمت رادوبيس يدها إلى صدرها، وقد اتسعت عيناها ذعرا، وقالت بصوت متقطع: أنا؟ .. ~~أيغضب الناس علي أنا؟ .. ألم يجدوا في هذا اليوم المقدس ما يشغلهم عني؟ .. رباه! .. ~~ماذا قالوا يا شيث؟ .. اصدقيني رحمة بي. # فقالت المرأة وهي تبكي بكاء مرا: تصايح المجانين يا مولاتي بأنك تنهبين مال ~~الأرباب. # فتنهدت من صدر مكلوم، وتمتمت بحزن: أواه! .. إن قلبي ينخلع ويتوجس خيفة، ~~وأخوف ما أخاف أن يضيع الفوز المرتقب وسط الصراخ وصيحات الغضب. أما كان الأجدر بهم أن ~~يتغاضوا عني إكراما لمولاهم؟ # فصكت الجارية صدرها بيدها، وولولت قائلة: إن مولانا نفسه لم يسلم من أذى ~~ألسنتهم. # وفرت صرخة فزع من فم المرأة الفزعة، وأحست برجفة تزلزل نفسها، وقالت: ماذا ~~تقولين؟ .. هل تجاسروا على مس فرعون؟ # فقالت المرأة الباكية: نعم يا مولاتي، وا أسفاه! .. قالوا فرعون يلهو. نريد ملكا ~~جادا. # فرفعت رادوبيس يديها إلى رأسها كأنها تستغيث، وتلوى جسمها من شدة الألم، وارتمت ~~بيأس على الديوان، وهي تقول: رباه! .. أي هول هذا؟ .. كيف لا تزلزل الأرض، وتندك ~~الجبال؟! كيف لا تصب الشمس نيرانها على الدنيا؟! # فقالت الجارية: إنها تزلزل يا مولاتي زلزالا شديدا؛ فالقوم مشتبكون في قتال عنيف ~~مع الشرطة، والدماء تسيل وتنفجر .. وكادت تطؤني الأقدام، ففررت لا ألوي على شيء، وانحدرت ~~في قارب إلى الجزيرة، وما كان أشد انزعاجي إذ وجدت النيل يموج بالسفن، والناس على ظهرها ~~يهتفون كما يهتف الآخرون، وكأنهم جميعا على ميعاد! # وغشيها خور، وطغت عليها موجة يأس خانق، أغرقت آمالها الصارخة بغير رحمة. وجعلت ~~تسائل نفسها المحزونة: ترى ماذا حدث في آبو؟ وكيف وقعت هذه الحوادث الخطيرة، وما الذي ~~أثار الشعب وأخرجه عن وعيه، وهل يقدر للرسالة الفشل ويقضى على أملها بالموت؟ الجو ~~مغبر كالح، تتطاير فيه نذر شر مستطير، ولن يتذوق قلبها الطمأنينة، ms112 إن الخوف ~~القاتل يجثم عليه كقطعة من الزمهرير، وقد قالت بصوت كالبكاء: العون أيتها الأرباب .. ~~هل يظهر مولاي لهذا الشعب الهائج؟ # فقالت شيث تطمئنها: كلا يا مولاتي .. لن يترك قصره قبل أن ينزل عقابه ~~بالثائرين. ~~- رباه! .. أنت لا تعرفين من هو يا شيث .. إن سيدي غضوب لا يتقهقر أبدا، ولشد ما ~~يخاف قلبي يا شيث! لا بد أن أراه الآن. # فارتجفت الجارية رعبا وقالت: هذا مستحيل .. فالسفن الغاصة بالهائجين تغطي سطح الماء، ~~وحرس الجزيرة متجمع على الشاطئ. # فشدت على رأسها وصاحت: ما بال الدنيا تضيق في وجهي، والأبواب تسد علي؟ إني ~~أتردى في بئر ضيقة من اليأس، آه يا حبيبي! .. كيف أنت الآن وكيف السبيل إليك؟ # فقالت شيث تخفف عنها: صبرا يا مولاتي، ستنقشع هذه السحابة القاتمة. ~~- يمزق قلبي إربا أن أشعر بأنه يتألم. آه يا سيدي وحبيبي! ترى ماذا يقع الآن من ~~الحادثات في آبو؟! # وقهرتها الأحزان فانصهرت آلام قلبها وسالت دموعها ساخنة، وشدهت شيث لدى هذا المنظر ~~الغريب إذ رأت رادوبيس ربيبة الحب والنعيم والترف تذرف الدمع وتتأوه من الألم واليأس، ~~وفكرت في غيبوبة الحزن التي غشيتها فيما آلت إليه آمالها التي كانت مشرقة منذ قليل، ~~وأحس قلبها ببرود اليأس، وتساءلت خائفة مذعورة: هل يمكن أن يرغموا مولاها فيفقدوه ~~سعادته وكبرياءه أو أن يجعلوا قصرها هدفا لغضبهم ومقتهم؟ إن الحياة لا تطاق مع تحقيق ~~أي من هذه الوساوس، ولخير لها أن تفارق الحياة إذا فرغت من مجدها وسعادتها، فإما أن ~~تعيش رادوبيس التي حالفها الحب والمجد وإما أن تموت. وفكرت في أمرها طويلا حتى ~~أحضرت لها ذاكرة الأحزان ما كانت أدرجته طوايا النسيان، فاستولى عليها اهتمام شديد، ~~وقامت من فورتها وغسلت وجهها بماء بارد لتمحو أثر البكاء من عينيها، وقالت لشيث: إنها ~~ستتحدث إلى بنامون في بعض الشئون. وكان الشاب منهمكا في عمله كعادته، غافلا عما ~~يكدر صفو الدنيا من خطير الحدثان. ولما أحس بها أقبل نحوها فرحا، ولكنه سرعان ما ~~وجم وقال: وحق هذا الحسن الإلهي إنك ms113 حزينة اليوم. # فقالت وهي تخفض ناظريها: بل تعبة فقط أو كالمريضة. ~~- الجو شديد الحرارة، لماذا لا تجلسين ساعة إلى شاطئ البركة؟ # فقالت باقتضاب: جئتك برجاء يا بنامون. # فعقد ذراعيه إلى صدره كأنما يقول لها ها أنا ذا طوع بنانك. # فقالت: أتذكر يا بنامون أنك حدثتني يوما عن السموم العجيبة التي ركبها ~~أبوك؟ # فقال الشاب وقد بدت على وجهه الدهشة: نعم، أذكر ذلك بغير ريب! ~~- بنامون، أريد قارورة من هذا السم العجيب الذي أطلق عليه أبوك السم السعيد. # فازداد الشاب دهشة وتمتم متسائلا: ولم؟ # فقالت بلهجة هادئة ما استطاعت: لقد حدثت أحد الأطباء فأبدى اهتماما بشأنه، وطلب ~~إلي أن أوافيه بقارورة منه، عسى أن ينقذ بها حياة أحد مرضاه، فوعدته يا بنامون، فهل ~~تعدني بدورك أن تحضرها لي في أقرب وقت؟ # فقال الشاب بسرور، وكان يسعده أن تطلب إليه ما تشاء: ستكون محضرة بين يديك بعد ساعات ~~قلائل. ~~- كيف؟ ألا ينبغي أن ترحل إلى أمبوس لإحضارها؟ ~~- كلا .. لدي قارورة في مسكني بآبو. # فأثار تصريحه اهتمامها بالرغم من أحزانها، ورمقته بنظرة دهشة، فخفض عينيه وقد تخضب ~~وجهه احمرارا وقال بصوت خافت: أحضرتها في تلك الأيام الأليمة، حين كدت أشفي من حبي ~~على اليأس، ولولا ما أبديت نحوي بعد ذلك من عطف لكنت الآن إلى جوار أوزوريس! # وذهب بنامون ليحضر لها القارورة؛ أما هي فهزت كتفيها استهانة وقالت وهي تهم ~~بالمسير: قد ألوذ بها مما هو شر منها! # | سهم الشعب # صدع طاهو بأمر مولاه، فأدى التحية وذهب يعلو وجهه الارتباك والخوف، وظل الرجلان ~~واقفين ممتقعي الوجه حتى خرج سوفخاتب عن صمته، فقال بتوسل: أضرع إليك يا مولاي أن ~~تعدل عن الذهاب اليوم إلى المعبد. # ولكن فرعون لم يتسع صدره لهذه النصيحة، فقطب جبينه غضبا وقال: أأفر لدى أول ~~هتاف؟ # فقال الوزير: مولاي إن القوم هائجون غاضبون، فينبغي التروي. ~~- يحدثني قلبي بأن خطتنا سائرة إلى الفشل المحتوم، فإذا تراجعت اليوم خسرت ~~هيبتي إلى الأبد. ~~- وغضب الشعب يا مولاي؟ ~~- سيهدأ ويسكن إذا رآني أشق صفوفه ms114 على عجلتي كالمسلة الشامخة، واقتحام الأهوال ~~ولا التسليم والخنوع. # ومضى فرعون يذرع الحجرة جيئة وذهابا ساخطا شديد التأثر، فسكت سوفخاتب وهو كظيم، ~~وعطف ناظريه إلى طاهو وكأنه يستغيث به، ولكن القائد كان غارقا في الهموم كما بدا من ~~امتقاع وجهه، وشرود نظرته، وثقل أجفانه، فشملهم صمت عميق، ولم يكن يسمع إلا وقع ~~أقدام الملك. # وقطع عليهم سكونهم أحد الحجاب، وكان متسرعا مضطربا، فانحنى للملك، وقال: ضابط من ~~الشرطة يستأذن يا مولاي في المثول بين يديك. # فأذن له الملك، وحدج رجليه بنظرة يفحص بها أثر قول الحاجب في نفسيهما، فوجدهما ~~قلقين مضطربين، فعلت فمه ابتسامة ساخرة، وهز كتفيه العريضتين استهانة. ودخل ~~الضابط وكان يلهث من الجهد والاضطراب، وكانت ثيابه معفرة وقلنسوته مضعضعة تنذر ~~بالشر، فأدى التحية، وقال قبل أن يؤذن له في الكلام: مولاي! إن الشعب مشتبك مع ~~رجال الشرطة في قتال عنيف، وقد قتل من الجانبين رجال كثيرون، ولكن سيقتحمنا القوم إذا ~~لم تصلنا نجدات قوية من الحرس الفرعوني. # وارتاع سوفخاتب وطاهو ارتياعا، ونظرا إلى فرعون فوجداه مرتعش الشفتين من الغضب، وقد صاح ~~بصوت أجش: وحق الأرباب جميعا ما أتى هذا الشعب للاحتفال بالعيد. # فاستدرك الضابط قائلا: وقد آذنتنا العيون يا مولاي أن الكهنة يخطبون الناس في أطراف ~~المدينة زاعمين لهم أن فرعون يتذرع بوجود حرب وهمية في الجنوب ليحشد جيشا يذل به ~~الشعب، والناس تصدقهم ويشتد بهم الغضب، ولولا وقوف الشرطة في وجههم لاقتحموا السبل ~~إلى القصر المقدس. # فصاح فرعون كالرعد: قطع الشك باليقين، وافتضحت الخيانة اللئيمة، وها هم أولاء يعلنون ~~العداوة ويبدءوننا بالهجوم! # ووقع الكلام من الآذان موقعا غريبا لا يصدق، وبدا على الوجوه كأنما تتساءل في دهشة ~~وإنكار: أحقا أن هذا فرعون؟ وهذا شعب مصر؟ .. ولم يطق طاهو صبرا. فقال لمولاه: ~~مولاي! هذا يوم كئيب كأنما دسه الشيطان خفية في دورة الزمان وكانت بدايته سفك دماء، ~~والرب أعلم كيف يكون منتهاه، فمرني أن أقوم بواجبي. # فسأله فرعون: وماذا أنت فاعل يا طاهو؟ ~~- سأوزع الجنود على أماكن الدفاع ms115 الحصينة، وأقود فرقة العجلات لملاقاة الثائرين، قبل ~~أن يتغلبوا على الشرطة ويقتحموا الميدان إلى القصر. # فابتسم فرعون ابتسامة غامضة وصمت مليا، ثم قال بصوت رهيب: سأقودها بنفسي. # فانخلع قلب سوفخاتب في صدره، وصاح بالرغم منه: مولاي! # فضرب الملك صدره بيديه بعنف، وقال: ما زال هذا القصر حصنا ومعبدا منذ آلاف السنين، ولن ~~يصير على عهدي هدفا رخيصا لكل متمرد. # خلع الملك جلد النمر ورماه بازدراء، وأسرع إلى مخدعه ليرتدي لباسه الحربي. وفقد سوفخاتب ~~اتزانه، وتوجس خيفة وشرا، فالتفت إلى طاهو، وقال بلهجة الآمر: أيها القائد لا وقت ~~لدينا نضيعه، فاذهب وأعد الدفاع عن القصر، وانتظر ما يأتيك من الأوامر. # وخرج القائد يتبعه الشرطي، ولبث الوزير ينتظر الملك. # ولكن الحادثات لم تنتظر؛ فقد حملت الريح ضوضاء صاخبة، ما زالت تعلو وتشتد حتى ~~طبقت على الآفاق، فهرول سوفخاتب إلى الشرفة المطلة على فناء القصر وألقى بناظريه ~~إلى الميدان، فرأى جموع الشعب تعدو قادمة من بعيد هاتفة ملوحة بالسيوف والخناجر ~~والعصي، كأنها أمواج فيضان هائل جارف لا ترى العين منها إلا رءوسا عارية وسلاحا ~~لامعا، فأحس الوزير بالفزع ونظر إلى أسفل، فرأى العبيد في حركة سريعة يثبتون المتاريس ~~خلف الباب العظيم، وجرى المشاة كالنسور وارتقوا الأبراج المقامة على السور المحيط في ~~الأمام على الجانبين الشمالي والجنوبي، واندفعت قوات عظيمة منهم إلى ممر الأعمدة ~~الموصل إلى الحديقة يحملون الرماح والقسي، أما العجلات، فقد ارتدت إلى الوراء، ~~واصطفت صفين طويلين تحت الشرفة استعدادا للانطلاق في الفناء إذا اقتحم الباب ~~الخارجي. # وسمع سوفخاتب وقع قدمين خلفه، فالتفت إلى الوراء، فرأى فرعون واقفا على عتبة الشرفة ~~في ثياب القيادة العليا، على رأسه تاج مصر المزدوج، وكانت عيناه ترسلان شررا متطايرا، ~~والغضب مرتسما على وجهه كلسان من اللهب، ويقول حانقا مغيظا: حوصرنا قبل أن نبدي ~~حراكا! # فقال سوفخاتب: القصر يا مولاي قلعة لا تؤخذ، يدافع عنها جنود جبابرة، وسيرتد الكهنة ~~مهزومين. # وجمد الملك في مكانه، وتراجع الوزير وراءه، وجعلا ينظران في صمت محزن إلى الجموع التي ~~لا يحصيها ms116 العد، وهي تهدر كالوحوش، وتلوح مهددة بسلاحها، وتهتف بأصوات كالرعد: ~~«العرش لنيتوقريس.» «ليسقط الملك العابث.» وكانت جنود الحرس تطلق السهام من خلف الأبراج، ~~فتستقر في المقاتل، ورد الثائرون بسيل عارم من الأحجار والأخشاب والسهام. # وهز فرعون رأسه، وقال: مرحى .. مرحى .. أيها الشعب الكاسر الذي جاء لخلع الملك ~~العابث، ما هذا الغضب، ما هذه الثورة، لماذا تهدد بهذا السلاح، أتريد حقا أن تغمده في ~~قلبي؟ .. مرحى .. مرحى .. إنه لمنظر حقيق بأن يخلد على جدران المعابد .. مرحى مرحى يا ~~شعب مصر. # وكان الحراس يقاتلون بشدة وبسالة، ويطلقون السهام كالمطر، فإذا سقط منهم قتيل حل ~~مكانه غيره مستهينا بالموت، والقواد على متون الجياد يطوفون بالأسوار ويديرون ~~القتال. # وإنه ليشاهد هذه المناظر الأليمة، إذ سمع صوتا يعرفه حق المعرفة يقول: ~~مولاي. # فالتفت إلى الوراء مدهوشا، فرأى الذي يناديه على قيد خطوتين، فقال بعجب: ~~نيتوقريس! # فقالت الملكة بصوت حزين: نعم يا مولاي، لقد صك أذني صراخ بشع لم يسمع من قبل ~~في هذا الوادي، فجئت ساعية إليك لأعلن ولائي، وأشاطرك المصير. # قالت ذلك، ثم ركعت على ركبتيها وأحنت رأسها، فتقهقر سوفخاتب إلى الخارج. وبادر الملك ~~إلى معصميها ورفعها من ركعتها، ونظر إليها بعينين مرتبكتين. ولم يكن رآها من اليوم ~~الذي جاءت فيه إلى جناحه وردها أسوأ رد، فاشتد به الحرج والألم، على أن صياح القوم ~~وصراخ المتقاتلين رداه إلى ما كان عليه، فقال لها: شكرا لك أيتها الأخت، تعالي ~~انظري إلى شعبي، إنه يحييني في يوم العيد. # فخفضت عينيها، وقالت في حزن عميق: كبرت كلمة تخرج من أفواههم. # واستحال تهكم الملك غضبا وسخطا وازدراء، وقال بلهجة تنطوي على الاشمئزاز: بلد ~~مجنون، جو خانق، قلوب ملوثة .. خيانة .. خيانة .. خيانة. # فارتعدت فرائص الملكة لذكر كلمة الخيانة، وجمدت عيناها من الذعر، وأحست بأنفاسها ~~تحتبس في صدرها. # ترى هل حمل هتاف القوم لها على بعض الظن؟ .. وهل يكون جزاؤها الاتهام بعد أن طوت ~~فؤادها على أسقامه، وجاءت طوعا إلى من أهانها وأشقاها؟ .. وهالها الأمر، فقالت: ~~وا أسفاه يا مولاي! ms117 ليس في وسعي إلا أن أشاطرك المصير، ولكني أعجب من الخائن، وكيف ~~كانت الخيانة؟! ~~- الخائن رسول ائتمنته على رسالة، فسلمها إلى عدوي! # فقالت الملكة بلهجة استغراب: لا علم لي بالرسالة، ولا بالرسول، ولا أظن أن الوقت ~~يتسع لإنبائي، وما أتمنى من شيء إلا أن أظهر إلى جانبك أمام الشعب الذي يهتف لي ليعلم ~~أني أواليك، وأني أعادي من يعاديك. ~~- شكرا لك يا أختاه، ليس من حيلة، وما علي إلا أن أستعد لموت شريف. # ثم أمسك بذراعها، وسار بها صوب حجرة اعتكافه، وأزاح الستار المسدل على بابها ودخلا معا ~~إلى الحجرة الفاخرة، وكان يطالع الداخل محراب منحوت في الجدار يقوم بداخله تمثالان للملك ~~والملكة السابقين، فاتجه الملكان إلى تمثالي والديهما، ووقفا أمامهما خاشعين صامتين ~~ينظران بعينين حزينتين كئيبتين، وقال الملك بصوت ثقيل، وهو ينظر إلى تمثالي والديه: ~~ترى ما رأيكما في؟! # وسكت لحظة كأنه ينتظر أن يتلقى الجواب، وعاوده انفعاله فغضب على نفسه، ثم ثبت ~~عينيه على وجه أبيه، وقال: لقد أورثتني ملكا عظيما ومجدا أثيلا، فماذا صنعت بهما؟ ~~لم يكد يمضي عام على توليتي حتى شارفت الدمار، وا أسفاه! لقد أذللت عرشي موطئا للنعال، ~~وجعلت اسمي مضغة للأفواه، واكتسبت لنفسي اسما جديدا لم يطلق على فرعون من قبل، هو ~~الملك العابث. # وانحنى رأس الملك الشاب مثقلا حزينا، ولبث ينظر إلى الأرض بعينين مظلمتين، ثم ~~رفعهما إلى تمثال والده، وتمتم: لعلك وجدت في حياتي ما أخجلك، ولكنك لن تخجل من موتي ~~أبدا! # والتفت إلى الملكة، وقال لها: هل تغفرين إساءتي يا نيتوقريس؟ # وكان التأثر قد بلغ منها مبلغا عظيما، فاغرورقت عيناها بالدموع، وقالت: لقد نسيت ~~همومي في هذه الساعة. # فقال بانفعال شديد: طالما أسأت إليك يا نيتوقريس، لقد تطاولت على كبريائك، وظلمتك ~~وجعلت حماقتي من سيرتك أسطورة حزينة تلقى بالإنكار والغرابة. كيف حدث هذا؟ .. وهل كنت ~~أستطيع أن أغير المجرى الذي تنصب فيه حياتي؟ .. لقد غمرتني الحياة وتولاني جنون ~~عجيب، ولا أستطيع حتى في هذه الساعة أن أعلن ندمي، وا أسفاه! ms118 إن العقل يستطيع أن ~~يعرفنا بسخفنا وتفاهتنا، ولكن يبدو لي أنه لا يقدر على تلافيهما. هل رأيت أفدح من هذه ~~المأساة التي أرادها؟ .. ومع هذا فلن يفيد الناس منها إلا بلاغة كلامية، وسيبقى الجنون ~~ما بقيت حياة الناس. بل لو بدأت حياتي من جديد لما تجنبت الوقوع مرة أخرى، ~~أيتها الأخت .. لقد ضاقت نفسي بكل شيء، وما من فائدة ترجى، فالخير أن أستحث ~~النهاية. # وبدا على وجهه العزم والاستهتار، فسألته حائرة قلقة: أي نهاية يا مولاي؟ # فقال بحدة: لست نذلا لئيما، وأستطيع أن أذكر واجبي من بعد طول النسيان. ما جدوى ~~القتال؟ .. سيصرع جميع رجالي المخلصين أمام عدو لا يحصى له عدد، وسيأتي دوري حتما بعد ~~إزهاق آلاف من الأرواح من جنودي وشعبي، ولست جبانا رعديدا يلوذ بأهداب الحياة قابضا على ~~خيط واه من الأمل، فلأحقن الدماء وأواجه الناس بنفسي. # فارتاعت الملكة وقالت: مولاي .. أتحمل ضمير رجالك وزر التخلي عن الدفاع عنك؟ ~~- بل لا أريد أن أضحي بهم عبثا، وسألقى عدوي وحيدا لنصفي حسابنا معا. # فأحست بامتعاض شديد، وكانت تعرف عناده، فيئست من إقناعه، وقالت بهدوء وحزم: سأكون ~~إلى جانبك. # ولكنه هلع، وأمسك بذراعيها، وقال بتوسل: نيتوقريس، إن الشعب يريدك، وحسنا ~~أراد؛ فأنت جديرة بحكمه فابقي له. إياك وأن تظهري إلى جانبي فيقولوا إن الملك يحتمي ~~بزوجته أمام شعبه الغاضب. ~~- وكيف أتخلى عنك؟ ~~- افعلي هذا من أجلي، ولا تقدمي على عمل يفقدني شرفي إلى الأبد. # فأحست المرأة بالحيرة والارتباك والضيق الشديد، فصاحت يائسة: يا للساعة ~~الرهيبة! # فقال الملك: هذه رغبتي نفذيها إكراما لي، لا تقاومي وحق والدينا؛ فإن كل دقيقة ~~تمر يسقط جنود بواسل بغير ثمن. الوداع أيتها الأخت الكريمة، أنا ذاهب موقنا بأنك ~~لن تلطخيني بالعار في ساعتي الأخيرة، إن من يتمتع بالسلطان الكامل لا يستطيع أن يقنع ~~بالأسر في قصر، فالوداع أيتها الدنيا، الوداع أيتها اللذات والآلام .. الوداع ~~أيها المجد الكاذب والمظاهر الجوفاء. لقد مجت نفسي كل شيء، فالوداع الوداع. # وهوى بفمه فقبل رأسها، والتفت إلى تمثالي والديه، ms119 وانحنى لهما، ثم ذهب. # ووجد سوفخاتب ينتظر في الردهة الخارجية، جامدا كتمثال أخنى عليه القدم؛ فلما رأى ~~مولاه دبت فيه الحياة وتبعه في سكون، وفسر خروجه على هواه، فقال: سيبث ظهور مولاي ~~روح الحماس في قلوبهم الباسلة. # فلم يجبه الملك. وهبطا الأدراج معا إلى ممر الأعمدة الطويل الذي يصل ما بين الحديقة ~~والفناء، وأرسل في طلب طاهو، وانتظر صامتا. وفي تلك اللحظة نزعت نفسه إلى الناحية ~~الجنوبية الشرقية، إلى بيجة .. وتنهد من أعماق قلبه، لقد ودع كل شيء إلا أحب ~~الأشياء إليه، فهل تحم النهاية قبل أن يلقي نظرة على وجه رادوبيس ويسمع صوتها لآخر مرة؟ ~~.. وأحس قلبه بحنين أليم وحزن شديد، وصحا من غفوة همومه على صوت طاهو يحييه، فاندفع ~~بقوة لا تقهر إلى سؤاله عن طريق بيجة قائلا: هل النيل آمن؟ # فأجابه القائد قائلا، وكان ممتقع الوجه شديد الشحوب: كلا يا مولاي. لقد حاولوا أن ~~يهاجمونا من الخلف بالقوارب المسلحة، ولكن أسطولنا الصغير ردهم بغير عناء، ولن يؤخذ ~~القصر من هذه الناحية أبدا. # ولم يكن القصر الذي يهم الملك؛ لذلك أحنى رأسه، وقد أظلمت عيناه. سيموت قبل أن يلقي ~~نظرة وداع على الوجه الذي باع الدنيا ومجدها من أجله. ترى ماذا تفعل رادوبيس في هذه ~~الساعة المفجعة .. هل بلغها ما أصاب آمالها من الانهيار، أم أنها ما تزال تتيه في وديان ~~السعادة، وتنتظر عودته بفارغ الصبر؟! # ولم يكن الوقت يسمح له بالاستسلام إلى أحزانه، فطوى آلامه في صدره، وقال لطاهو آمرا: ~~مر جنودك أن تخلي الأسوار، وتكف عن القتال، وتعود إلى ثكناتها. # فاستولت الدهشة على طاهو، ولم يصدق سوفخاتب أذنيه فقال بانزعاج: ولكن الشعب يقتحم ~~الباب توا! # ولبث طاهو واقفا لا يبدي حراكا، فصاح الملك بصوت كالرعد دوى دويا مخيفا في ~~ممر الأعمدة: اصدع بما أمرت. # وذهب طاهو ذاهلا ينفذ أمر مولاه، وتقدم فرعون بخطى ثابتة نحو فناء القصر، فالتقى ~~عند نهاية الممر بفرقة العجلات المصطفة، وقد رآه الضباط والجنود، فسلوا أسيافهم ~~وأدوا التحية، فنادى الملك قائد الفرقة ms120 وقال له: عد بفرقتك إلى الثكنات ولا تبرحها ~~حتى تأتيك أوامر أخرى. # فأدى القائد التحية وجرى نحو فرقته، ونادى في الجند بصوت شديد، فتحركت العجلات ~~بسرعة وانتظام إلى ثكناتها في الجناح الجنوبي من القصر. وكان سوفخاتب ترتعد أوصاله، ولا ~~تكاد تحمله قدماه الضعيفتان، وقد أدرك ما يريده مولاه، ولكنه لم يستطع أن ينطق ~~بكلمة. # ومضت الجند تخلي مواقعها الحصينة منفذة الأمر الرهيب، وتنزل عن الأسوار والأبراج ~~وتنطوي في نظام إلى ألويتها، ثم تعدو بسرعة إلى الثكنات يتقدمها ضباطها. وما لبثت أن ~~خلت الأسوار، وخلا الفناء والممرات حتى من قوات الحرس العادي المنوط بها واجب ~~الحراسة في أوقات السلام. # وظل الملك واقفا عند مدخل الممر وإلى يمينه سوفخاتب. وعاد طاهو لاهثا، ووقف إلى ~~يساره، وقد بدا وجهه كالشبح المخيف. وكان كلا الرجلين يرغب في التوسل إلى الملك برغبة ~~حارة، ولكن ما بدا على وجهه من الجمود والصلابة والشدة، بدد شجاعتهما، فلازما الصمت ~~مرغمين. والتفت الملك إليهما، وقال بهدوء: لماذا تنتظران معي؟ # فارتعب الرجلان أيما ارتعاب، ولم يستطع طاهو إلا أن ينطق بهذه الكلمة بتوسل وإشفاق: ~~مولاي. # أما سوفخاتب فقال بهدوء غير عادي: إذا أمرني مولاي بالتخلي عنه فسأصدع بأمره لا ~~محالة، ولكني سأزهق نفسي في الحال. # فتنهد طاهو ارتياحا كأنه ظفر بالحل الذي أعياه طلبه، وتمتم قائلا: أحسنت ~~أيها الرئيس. # وسكت فرعون، ولم يقل شيئا. # وفي أثناء ذلك كانت توجه إلى باب القصر الكبير ضربات شديدة قاصمة، ولم يتجاسر أحد على ~~اعتلاء الأسوار كأنهم توجسوا خيفة من انسحاب الحرس المفاجئ، وتوهموا أنه ينصب لهم ~~شراكا قاتلا، فوجهوا كل قوتهم إلى الباب، ولم يحمل الباب ضغطهم زمنا طويلا ~~فتزعزعت المتاريس وارتج بنيانه وهوى بقوة عنيفة رجت الأرض رجا، واندفعت الجموع ~~متدفقة صاخبة، وانتشروا في الفناء كغبار ريح الصيف. وكانوا يتدافعون بعنف، وكأنهم ~~يتقاتلون، ويتباطأ المتقدمون منهم ما استطاعوا خشية خطر غير منظور. وما زالوا في ~~تقدمهم حتى شارفوا القصر الفرعوني، ولمحت أعينهم الواقف عند مدخل الممر، وعلى رأسه ~~تاج مصر المزدوج فعرفوه، ms121 وأخذوا بمنظره ووقفته وحيدا لهم. وتشبثت أقدام الذين على ~~الرءوس بالأرض، ونشروا أذرعهم يوقفون التيار الجارف المنصب وراءهم، وصاحوا في الجموع: ~~مهلا .. مهلا. # ولعب أمل ضعيف بقلب سوفخاتب حين رأى الذهول يستولي على قادة الثائرين فيشل أعضاءهم، ~~ويزيغ أبصارهم، وتوقع قلبه المتهالك معجزة تخلف ظنه الأسود. ولكن كان يوجد بين ~~الثائرين دهاة يشفقون مما يرجو قلب سوفخاتب، وخشوا أن ينقلب فوزهم هزيمة، ويخسروا ~~قضيتهم إلى الأبد، فامتدت يد إلى قوسها، ووضعت سهما في كبده، وسددته إلى فرعون ~~وأطلقته، فانطلق السهم من وسط الجموع واستقر في أعلى صدر الملك دون أن تمنعه قوة أو ~~رجاء، وصرخ سوفخاتب كأنما هو الذي أصيب، ومد يديه يسند الملك فالتقتا مع يدي طاهو ~~الباردتين. وأطبق الملك شفتيه فلم يخرج منهما أنين، ولا آهة، وتماسك بما بقي فيه من ~~قوة ليحفظ توازنه وقد تقطب جبينه، وارتسم عليه الألم، وأحس سريعا بخور وضعف، ~~وأظلمت عيناه فترك نفسه لأيدي رجليه المخلصين. # وساد الصفوف الأمامية سكون رهيب، وعقد الألسنة صمت ثقيل، وهلعت الأعين، وأرسلت نظرات ~~زائغة إلى الرجل العظيم الذي يعتمد على رجليه تتحسس يديه موضع السهم في صدره فيلطخها ~~الدم الساخن المتدفق بغزارة، وكأنهم لا يصدقون أعينهم، أو كأنهم هاجموا القصر لغير ~~هذه الغاية. # ومزق السكون صوت من المؤخرة يسأل: ماذا هنالك؟ # فقال آخر بصوت خافت: قتل الملك! # وتناقلتها الألسنة بسرعة جنونية، وتصايح بها الناس، وهم يتبادلون نظرات الحيرة ~~والارتياع. # ونادى طاهو عبدا وأمره أن يحضر هودجا، فجرى الرجل إلى داخل القصر، وعاد يحمل هودجا ~~هو وجماعة من العبيد، فوضعوه على الأرض ورفعوا جميعا فرعون وأناموه في رفق. وانتشر الخبر ~~داخل القصر، فجاء طبيب الملك مسرعا، وظهرت خلفه الملكة، وكانت تسرع الخطى في اضطراب ~~باد، ولما وقعت عيناها على الهودج وعلى النائم جرت إليه فزعة، وجثت على ركبتيها إلى ~~جانب الطبيب، وهي تقول بصوت متهدج: يا للويل! .. قد أصابوك يا مولاي كمشيئتك! # وشاهد القوم الملكة، فصاح واحد منهم: جلالة الملكة. # وانحنت هامات الشعب الواجم كأنه في صلاة جامعة. ms122 وأخذ الملك يفيق من أثر الصدمة ~~الأولى، ففتح عينيه المغمضتين، ومضى يقلبهما فيمن حوله في هدوء وضعف. وكان سوفخاتب ~~يحملق في وجهه في ذهول وصمت، وكان طاهو جامدا ووجهه كوجوه الموتى، وكان الطبيب يفحص ~~الجرح، يكشف عنه قميص الزرد. أما الملكة فقد اكتسى وجهها بالجزع والألم، وقالت للطبيب: ~~أليس بخير؟ قل لي إنه بخير! # فأدرك الملك ما تقول، وقال ببساطة: كلا يا نيتوقريس. إنه سهم قاتل. # وأراد الطبيب أن ينتزع السهم، ولكن الملك قال له: دعه، لا فائدة ترجى من هذا ~~العذاب. # واشتد التأثر بسوفخاتب، فقال لطاهو بانفعال شديد غير نبرات صوته تغيرا ~~تاما: ادع جندك، وانتقم لمولاك من المجرمين. # وبدت على الملك المضايقة، فرفع يده بصعوبة، وقال: لا تتحرك يا طاهو، هل هانت عليك ~~أوامري يا سوفخاتب في رقادي هذا؟! لا قتال بعد الآن، قولوا للكهنة إنهم بلغوا غايتهم، ~~وإن مرنرع الثاني على فراش الموت، فليرجعوا بسلام. # وسرت رعدة في جسم الملكة فمالت على أذنه، وقالت همسا: مولاي! لا أحب أن أبكي أمام ~~قاتليك، ولكن ليطمئن قلبك، فوحق أبوينا، وحق الدم الزكي لأنتقمن من عدوك ~~انتقاما تتحدث به الأزمان جيلا بعد جيل. # فابتسم إليها ابتسامة خفيفة يعبر بها عن شكره ومودته، وغسل الطبيب الجرح وسقاه ~~جرعة من دواء مسكن، ووضع بعض الأعشاب حول السهم، واستسلم الملك إلى يديه ولكنه كان ~~يشعر بدنو أجله وباقتراب الساعة الفاصلة، ولم ينس في رقاده الوجه الحبيب الذي تمنى ~~لو يودعه قبل النهاية المحتومة فلاحت في عينيه نظرات حنين، وقال بصوت خافت بغير وعي منه ~~إلى ما حوله: رادوبيس .. رادوبيس. # وكان وجه الملكة قريبا من وجهه فسمعته، وأحست بطعنة نجلاء تخترق شغاف قلبها، فرفعت ~~رأسها وقد أحست بدوار شديد. ولم يلق بالا إلى شعور الآخرين، فأومأ إلى طاهو، فبادر ~~الرجل إليه. فقال له برجاء: رادوبيس. # فقال القائد: هل آتي بها يا مولاي؟ # فقال بصوته الخافت: كلا .. احملني إليها، في قلبي بقية حياة أريد أن تنفد في ~~بيجة. # ووجه طاهو نظرة إلى الملكة في ارتباك ms123 شديد، فقامت الملكة واقفة وقالت بهدوء: نفذ ~~مشيئة مولاي. # وسمع الملك صوتها، وأدرك قولها، فقال لها: أيتها الأخت، طالما غفرت لي الذنوب، فاغفري ~~لي هذه أيضا .. إنها رغبة ميت. # فابتسمت الملكة ابتسامة حزينة، وانحنت على جبينه ولثمته، ثم أوسعت للعبيد. # | الوداع # انحدرت السفينة في هدوء متجهة صوب جزيرة بيجة، والهودج في مقصورتها بحمله الثمين، ~~يقف الطبيب عند رأسه، وطاهو وسوفخاتب عند قدميه .. وكانت هذه أول مرة يخيم فيها ~~الحزن على السفينة، فتحمل مولاها نائما مستسلما، يغشى وجهه ظل الموت. وكان الرجلان ~~يلازمان الصمت وعيناهما الحزينتان لا تفارقان وجه الملك الشاحب، وكان يرفع جفنيه ~~الثقيلتين، وينظر إليهما نظرة ذابلة، ثم يعود فيغمضهما في تراخ. ومضت السفينة تدنو من ~~الجزيرة رويدا، رويدا، حتى رست إلى سلم حديقة القصر الذهبي. # ومال طاهو على أذن سوفخاتب، وهمس قائلا: أرى أن يسبق أحدنا الهودج حتى لا تؤخذ ~~المرأة بغتة. # ولم يكن سوفخاتب في تلك الساعة الرهيبة يبالي شعور إنسان، فقال باقتضاب: افعل ما بدا ~~لك. # ولكن طاهو لم يبرح مكانه، ولبسته حيرة التردد، فقال: يا له من نبأ لا يدري ~~الإنسان كيف يؤديه إليها! # فقال سوفخاتب بحدة: ماذا تخشى أيها القائد؟! إن من يبتلى بمثل ما ابتلينا به لا ~~يعمل حسابا لمحذور. # قال سوفخاتب ذلك، وغادر المقصورة مسرعا، وصعد درجات السلم إلى الحديقة، واخترق ~~الممشى مهرولا حتى انتهى إلى البركة، فاعترضت سبيله الجارية شيث، وقد دهشت الجارية ~~لمرآه، وكانت تعرفه من تلك الأيام الخوالي. وفتحت فاها لتكلمه، ولكنه قطع عليها ~~السبيل قائلا بسرعة: أين سيدتك؟ # فقالت شيث: مسكينة سيدتي لا تعرف اليوم لنفسها مستقرا. وما زالت تدور بالحجرات، وتطوف ~~بالحديقة حتى ... # وفرغ صبر الرجل فقاطعها قائلا بحدة: أين سيدتك؟ # فقالت مستاءة: في الحجرة الصيفية يا سيدي. # وأسرع الرجل إلى الحجرة. ودخل متنحنحا، وكانت رادوبيس جالسة على كرسي مسندة رأسها إلى ~~يديها، فلما أحست بالداخل التفتت إليه، وسرعان ما عرفته، فقامت واقفة وكأنها تقفز ~~قفزا، وقالت باهتمام وقلق: الرئيس سوفخاتب .. أين مولاي؟ # فقال الرجل الغارق في ms124 حزنه بذهول: سيأتي عما قليل. # فضمت يديها إلى صدرها فرحا، وقالت بصوت بهيج: لشد ما عذبتني المخاوف على ~~سيدي، لقد بلغني أنباء العصيان المحزنة، ثم انقطع عني كل شيء، فتركت وحدي إلى ~~وساوس قلبي .. متى يأتي سيدي؟ # وذكرت بسرعة خاطفة أنه لم يتعود أن يرسل رسولا بين يديها فاعتورها القلق وقالت ~~بسرعة قبل أن يبدأ سوفخاتب كلامه: ولكن لماذا بعثك إلي؟ # فقال الوزير بجمود: صبرا يا سيدتي؛ فلم يرسلني أحد، والحقيقة الأسيفة أن مولاي ~~أصيب. # ووقعت هذه الكلمة الأخيرة من أذنيها موقعا غريبا داميا، فحملقت في وجه الوزير ~~الكئيب فزعة، وصدرت عن صدرها آهة زفرة حرى مرتعشة، فقال سوفخاتب الذي أفقده الحزن ~~شعوره: صبرا صبرا .. سيصل مولاي محمولا على هودجه كمشيئته. لقد أصيب بسهم في هذا اليوم ~~المنكود الذي غدا عيدا وأضحى مأتما مروعا. # ولم تحتمل المكوث في الحجرة، فجرت إلى الحديقة كالفرخة الذبيح، ولكنها لم تكد تجاوز ~~العتبة حتى سمرت قدماها في الأرض، وثبتت عينيها على الهودج يحمله العبيد متجهين ~~صوب الحجرة، فأفسحت لهم الطريق، وهي تضع يديها على رأسها المضطرب من هول المنظر، ثم ~~تبعتهم على الأثر. وقد وضعوا الهودج في حرص شديد وسط الحجرة وانسحبوا خارجا، وخرج في ~~ذيلهم سوفخاتب، وخلال المكان لها وله .. واندفعت إلى الركوع إلى جانبه، وشبكت أصابع ~~يديها وشدت عليها بقسوة وبحالة عصبية عنيفة، ونظرت إلى عينيه الساهمتين ~~الذابلتين، وقد انقطعت منها الأنفاس، وجرى بصرها الزائغ على صدره المضطرب، فرأت بقع ~~الدم والسهم النافذ، فاقشعر بدنها بحالة ألم جنوني، وصاحت بصوت متقطع من العذاب والفزع: ~~أصابوك .. يا للهول! # وكان نائما في تراخ وهمود، وقد أتت الرحلة الصغيرة على بقية قواه الآخذة في الانحلال ~~السريع، ولكنه حين سمع صوتها ورأى وجهها الحبيب دبت فيه نسمات حياة رقيقة، ولاح في ~~عينيه المظلمتين ظل ابتسامة خفيفة. # ولم تكن تراه إلا هائجا مفعما بالحياة كالعاصفة، فكادت تجن، وهي تشاهده كمن شاخ ~~وذوى منذ دهر طويل، وألقت نظرة نارية على السهم الذي أحدث كل هذا، وقالت بتألم : كيف ms125 ~~تركوه في صدرك؟! هل أستدعي الطبيب؟! # فاستجمع قواه الخائرة المشتتة، وقال بصوت ضعيف: لا فائدة. # فلاحت في عينيها نظرة جنونية، وقالت بصوت العتاب: لا فائدة يا حبيبي .. كيف تقول هذا؟ ~~.. هل هانت عليك حياتنا؟! # فمد يده في ضعف شديد حتى مست كفها الباردة، وهمس قائلا: هي الحقيقة يا رادوبيس، ~~لقد جئت لأموت بين يديك في المكان الذي أحببته أكثر من أي مكان في الدنيا .. فلا ~~تندبي حظنا، وامنحيني صفاء. ~~- مولاي، أتنعى إلي نفسك؟! يا لساعة الأصيل هذه! كنت أنتظرها يا حبيبي بنفس أضناها ~~الشوق وغرر بها الأمل، وكنت أرجو أن تجيء حاملا إلي بشرى الفوز، فجئت حاملا إلي ~~هذا السهم .. كيف لي بالصفاء؟! # فازدرد ريقه بصعوبة، وقال بتوسل وبصوت كالأنين: رادوبيس تناسي هذا الألم وادني مني، ~~أريد أن أنظر إلى عينيك الصافيتين. # إنه يريد أن يرى الوجه الصبيح المتألق بالغبطة والسعادة ليختم بصورته الفاتنة حياته، ~~أما هي فكانت تعاني آلاما لا قبل لإنسان بها، وكانت تود لو تنفس عن صدرها ~~المضطرم بالصراخ والعويل والهذيان، أو تلتمس الشفاء في الجنون العنيف واصطلاء نيران ~~الجحيم، فكيف تصفو وتهدأ وتطالعه بالوجه الذي أحبه وسكن إليه دون العالمين؟ .. وكان يتابع ~~النظر إليه برجاء، فقال بحزن: ليست هاتان العينان عينيك يا رادوبيس. # فقالت بأسى وحزن: هما عيناي يا مولاي، ولكن جف ما يمدهما بالنور والحياة. ~~- أواه يا رادوبيس! ألا تريدين أن تنسي آلامك هذه الساعة إكراما لي؟ .. أريد أن أرى ~~وجه رادوبيس حبيبتي، وأن أستمع إلى صوتها العذب. # ونفذ رجاؤه إلى قلبها، فكبر عليها أن تحرمه من شيء يريده في تلك الساعة السوداء، وقست ~~على نفسها قسوة شديدة، فبسطت صفحة وجهها واغتصبت من شفتيها المرتعشتين ابتسامة وحنت ~~عليه في سكون واطمئنان كأنما تحنو عليه، وهو يرقد رقاد غرام، فتبدى على وجهه الشاحب ~~الذابل الرضا، وانفرجت شفتاه الباهتتان عن ابتسامة. # ولو أنها تركت لعواطفها لما وسعتها الدنيا هذيانا وجنونا، ولكنها نزلت على ~~إرادته العزيزة، وملأت عينيها من وجهه، وهي لا تصدق أن هذا الوجه سيغيب عنها ms126 بعد ~~لحظات قصيرة إلى الأبد، وأنها لن تراه في هذه الدنيا مهما تألمت أو تأوهت أو ~~سكبت الدمع الحزين، وأن صورته وحياته وحبه ستغدو ذكريات ماض غريب، هيهات أن يصدق ~~قلبها المكلوم أنه كان يوما حاضرها واستقبالها. كل هذا لأن سهما مجنونا استقر في ~~هذا الموضع من صدره .. كيف يستطيع هذا السهم الحقير أن يقضي على آمال ضاقت عنها الدنيا ~~بأسرها؟! .. وتنهدت المرأة تنهدا حارا صعد فتات قلبها، وكان الملك يستفرغ بقية ~~الحياة القلقة في صدره، المضطربة في أنفاسه، وقد خارت قواه ووهنت أعضاؤه، وماتت حواسه، ~~وأظلمت عيناه، ولم يبق منه إلا صدر يضطرب اضطرابا عنيفا، ويقتتل به الموت والحياة ~~اقتتال القهر واليأس. وتجلى بغتة على وجهه الألم وفتح فاه كأنما يريد أن يصرخ أو ~~يستغيث، وأمسك بيدها التي امتدت إليه في فزع لا يوصف، وصاح بقوة: رادوبيس أسندي رأسي ~~.. أسندي رأسي. # وأحاطت رأسه بيديها المرتجفتين وهمت أن تجلسه، ولكنه شهق شهقة قوية، وأسقطت ~~يده إلى جانبه، وانتهت عند ذاك المعركة الناشبة بين الحياة والموت. وأعادت رأسه إلى وضعه ~~الأول بسرعة، وصرخت صرخة فزع شديدة عالية، ولكنها كانت قصيرة، ثم انقطع صوتها كأنما ~~مزقت مسالكه، وتصلب لسانها، والتحم فكاها بشدة، وحملقت في وجه الذي كان إنسانا ~~بعينين جامدتين، ثم لم تبد حراكا. # وأذاعت صرختها الخبر الأليم، فهرع الرجال الثلاثة إلى الحجرة دون أن تحس بهم ووقفوا ~~أمام الهودج، وألقى طاهو على وجه الملك نظرة ذاهلة، وعلت وجهه صفرة الموت، ولم ينبس ~~بكلمة، وتقدم سوفخاتب من الجثة، وانحنى في إجلال عظيم وقد أخفاها عنه دمع جرى على ~~خديه وتساقط على الأرض، وقال بصوت متهدج مزقت نبراته الباكية الصمت المخيم: ~~سيدي ومولاي، وابن سيدي ومولاي، نستودعك الآلهة العلية التي اقتضت مشيئتها أن يكون ~~اليوم بدء رحلتك إلى عالم الأبدية. وددت لو أفتدي شبابك الغض بشيخوختي الفانية، ~~ولكنها إرادة الرب التي لا ترد، فالوداع يا مولاي الكريم. # ومد سوفخاتب يده الهزيلة إلى الغطاء، وسجى الجثة في أناة، وانحنى مرة أخرى، وعاد ~~إلى مكانه ms127 بقدمين ثقيلتين. # وظلت رادوبيس جاثية، في غفوة من الذهول، لا تفيق ولا تتحول عيناها عن الجثة، وقد ~~سرى في جسمها جمود غريب كالموت، فلم تبد حراكا، ولا بكت، ولا صرخت، ظل الرجال في ~~وقفتهم منكسي الرءوس .. إلى أن دخل أحد العبيد الذين حملوا الهودج، وقال: وصيفة جلالة ~~الملكة. # والتفت الرجال إلى الباب، فرأوا الوصيفة تدخل يبدو على وجهها أثر الحزن الشديد، ~~فانحنوا لها تحية، فردت التحية بإيماءة من رأسها، وألقت نظرة على الجثة ~~المسجاة، ثم ردت ناظريها إلى سوفخاتب، فقال الرجل بصوت حزين: انتهى الأمر أيتها ~~السيدة الجليلة. # فصمتت المرأة برهة كالذاهلة، ثم قالت: ينبغي إذن أن تحمل الجثة الكريمة إلى القصر ~~الفرعوني، هذه إرادة جلالة الملكة أيها الوزير. # واتجهت الوصيفة نحو الباب، وأومأت إلى العبيد، فهرعوا إليها مسرعين، فأمرتهم أن ~~يرفعوا الهودج. وقصد العبيد إلى الهودج ومالوا إلى قوائمه ليرفعوه، فانتبهت رادوبيس ~~مذعورة ولم تكن تحس بشيء مما يدور حولها، وتساءلت بصوت مبحوح غريب: إلى أين .. إلى ~~أين؟ # وارتمت على الهودج، فتقدم منها سوفخاتب وقال: إن القصر يريد أن يؤدي واجبه نحو ~~الجثة المقدسة. # فقالت المرأة ذاهلة: لا تأخذوه مني .. انتظروا .. سأموت على صدره. # وكانت الوصيفة تتعالى بناظريها عن رادوبيس، فلما سمعت قولها قالت بخشونة: إن صدر ~~الملك لم يخلق لكي يكون لحدا لإنسان. # وانحنى سوفخاتب على المرأة، وقبض على معصمها برقة ورفعها بهدوء، وحمل العبيد الهودج، ~~فنزعت رادوبيس يدها من بين يديه، وأدارت رأسها بعنف فيما حولها فلم يبد على وجهها ~~التائه أنها عرفت أحدا من الحاضرين، وصاحت بصوت متقطع كالحشرجة: لماذا تأخذونه؟ هذا ~~قصره .. وهذه حجرته .. كيف تسومونني القهر أمامه .. إن مولاي لا يرضى عمن يسيء إلي ~~.. أيها القساة .. أيها القساة. # ولم تبالها الوصيفة، فشقت طريقها إلى الحديقة، وتبعها العبيد يحملون الهودج، وغادر ~~الرجال الحجرة في خشوع وصمت. وكادت المرأة تجن، وجمدت في مكانها لحظة قصيرة، وهمت ~~باندفاع وراءهم، ولكن يدا غليظة أمسكت بذراعها، فحاولت التخلص منها، ولكن ضاعت ~~محاولتها هباء. # فالتفتت إلى الوراء بعنف وغيظ ، فوجدت ms128 نفسها وجها لوجه أمام طاهو. # | نهاية طاهو # وسهمت إليه بنظرة غريبة كأنها لا تعرفه، وحاولت أن تخلص ذراعها، ولكنه لم ~~يمكنها من غايتها، فقالت له بعنف: دعني أذهب. # فهز رأسه يمنة ويسرة ببطء كأنه يقول لها: كلا كلا .. وكان وجهه رهيبا مخيفا ~~ونظرة عينيه جنونية، وتمتم قائلا: إنهم ذاهبون إلى مكان لا يجوز أن تلحقيهم ~~إليه. ~~- دعني أذهب. لقد خطفوا سيدي. # فاربد وجهه، وقال لها بلهجة عنيفة كأنه يلقي أمرا عسكريا: لا تقاومي رغبة ~~الملكة الحاكمة. # فسكت عنها الغضب في خوف وكفت عن المقاومة. # واستسلمت استسلاما غريبا، وقطبت جبينها، ثم هزت رأسها في حيرة كأنها تحاول أن ~~تستجمع قوى إدراكها المشتت الذاهل، وحدجته بنظرة غرابة وإنكار وقالت: ألا ترى أنهم ~~قتلوا مولاي .. قتلوا الملك؟! # وكانت عبارة «قتلوا الملك.» تقع من أذنيه موقعا غريبا مروعا فسكن هياجه، وقال: نعم ~~يا رادوبيس، قتلوا الملك، وما كنت أحسب قبل اليوم أن سهما يمكن أن يقضي على حياة ~~فرعون. # فقالت ببساطة البله: فكيف تدعهم يخطفونه مني بعد ذلك؟! # فانفجر ضاحكا ضحكة جنونية مخيفة، وقال: أتريدين أن تتبعي أثرهم؟ .. يا لك من مجنونة ~~يا رادوبيس! إنك تعمين عن العواقب؛ فقد أذهلك الحزن، اصحي أيتها الفاتنة؛ فالجالسة ~~على عرش مصر الآن امرأة قضيت عليها بالهوان، وانتزعت زوجها من بين يديها، وأهويت بها ~~من سامق المجد والسعادة إلى زوايا النسيان والشقاء .. إنها سرعان ما تبعث إليك من يسوقك ~~إليها مكبلة بالسلاسل، ثم تدفع بك إلى أيدي جلادين لا يعرفون الرحمة يحلقون شعرك ~~الحريري، ويسملون عينيك السوداوين، ويجدعون أنفك الدقيق، ويصلمون أذنيك الرقيقتين، ثم ~~يحملونك على ظهر عربة قطعة من البشاعة المشوهة يعرضونك على أنظار الساخطين الشامتين، ~~ويسير بين يديك مناد يصيح بأعلى صوته أن انظروا إلى العاهرة المشئومة التي أتلفت على ~~الملك نفسه، ثم أتلفته على شعبه. # وكان طاهو يتكلم بلهجة تشف عن غل وعيناه تبرقان بنور مخيف، ولكنها لم تتأثر ~~بكلامه كأنما حيل بينه وبين حواسها، وسهمت إلى شيء غير منظور في هدوء غريب، ثم ~~هزت ms129 منكبيها في استهانة وبساطة، فاحتدم في قلبه الغيظ والحنق لبرودها وذهولها، واندفع ~~الغضب من قلبه إلى قبضة يده فشد عليها، وشعر برغبة في أن يوجه إلى وجهها ضربة هائلة ~~جنونية فيحطمه تحطيما، ويمتع ناظريه بتشوهه، وتفجر الدم من مسامه ومنافذه، ~~ولبث دقيقة يتفرس في وجهها الهادئ الذاهل، ويحاور رغبته الشيطانية، ولكنها رفعت ~~عينيها إليه دون أن يلوح فيهما معنى من معاني الحياة، فاضطرب وتخاذل وبدا عليه رعب من ~~يضبط متلبسا بجريمة، فتراخت أصابعه، وتنهد تنهدا عميقا ثقيلا، ثم قال: أراك لا ~~تكترثين لشيء. # وكانت لا تلقي إلى ما يقول بالا، ولكن تصادف أن قالت وكأنها تحادث نفسها: كان ~~ينبغي أن نتبعهم. # فقال طاهو بغضب: كلا .. كلا .. ما عاد كلانا يصلح للدنيا .. ولن يفتقدنا بعد ~~اليوم أحد. # فقالت ببساطة وهدوء: أخذته مني .. أخذته مني. # فعلم أنها تعني الملكة. وهز منكبيه قائلا: لقد استوليت عليه حيا، واستردته ~~ميتا. # فحدجته بنظرة غريبة، وقالت له: يا أحمق، يا جاهل، ألا تعلم؟ .. لقد قتلته الخائنة ~~لتسترده. ~~- من الخائنة؟ ~~- الملكة، هي التي أفشت سرنا وأثارت الشعب. هي التي قتلت مولاي. # وكان ينصت إليها في صمت، وعلى فمه ابتسامة شيطانية ساخرة، فلما انتهت ضحك ضحكته ~~الجنونية المخيفة، ثم قال: أخطأت يا رادوبيس، ليست الملكة خائنة ولا قاتلة. # وحملق في وجهها ودنا منها خطوة، وكانت تنظر إليه بدهشة وإنكار، ثم قال بصوت رهيب: إن كان ~~يهمك أن تعرفي الخائن، فها هو ذا يقف أمامك .. أنا الخائن يا رادوبيس .. أنا. # ولم يهمها قوله كما كان يتوقع، ولا بدت عليها اليقظة. ولكنها هزت رأسها هزات ~~خفيفة كأنما تريد أن تنفض عن نفسها الخمول والإعياء، فاستولى عليه الغضب، وأمسك ~~بكتفيها بغلظة، وهزها بعنف شديد، وصاح بها: اصحي، ألا تسمعين ما أقول؟ .. أنا الخائن .. ~~طاهو الخائن .. أنا علة الكوارث جميعا. # وارتعد جسمها بعنف، وانتفضت انتفاضا شديدا خلصت به من يديه وتقهقرت خطوات وهي تنظر ~~إلى وجهه الفزع بخوف وجنون، فسكت غضبه وهياجه، وأحس بتخاذل جسمه ورأسه فأظلمت عيناه، ~~وقال بهدوء وبلهجة حزينة: ms130 إني أنطق بكلمات هائلة بكل بساطة؛ لأني أشعر شعورا صادقا ~~أني لست من أهل الدنيا. لقد انقطع ما بيني وبين العالم جميعا، ولا شك فيما أحدثه ~~اعترافي لك من الفزع، ولكنها الحقيقة يا رادوبيس، لقد تحطم قلبي بقسوة شنيعة، ومزق ~~نفسي الألم البالغ في تلك الليلة الجنونية التي فقدتك فيها إلى الأبد. # وسكت القائد ريثما تهدأ أنفاسه المضطربة، ثم استطرد قائلا: وانطويت على الألم، ~~واستوصيت بالصبر والتجلد، واعتزمت صادقا أن أؤدي واجبي إلى النهاية، حتى كان ذلك ~~اليوم الذي دعوتني فيه إلى قصرك لتستوثقي من إخلاصي. في ذلك اليوم جن جنوني، واشتعلت ~~النار في دمائي، فهذيت هذيانا غريبا، واستاقني الجنون إلى عدو متربص، فأفضيت له ~~بسرنا، وهكذا انقلب القائد الأمين خائنا غادرا يطعن من وراء الظهور. # وأهاجته الذكرى فتقلص وجهه ألما وخزيا، ونظر إلى وجهها الفزع بقسوة، فعاوده الغضب ~~والحنق، وصاح: أيتها المرأة الهلوك المدمرة. لقد كان جمالك لعنة على كل من ~~رآه. لقد عذب قلوبا بريئة، وخرب قصرا عامرا، وزلزل عرشا مكينا، وأثار شعبا ~~أمينا، ولوث قلبا شريفا .. إنه لشؤم ولعنة. # وسكت طاهو، وما زال الغضب يغلي في شرايينه، ورآها كصورة للعذاب والخوف، فأحس ارتياحا ~~ولذة، وتمتم قائلا: ذوقي العذاب والهوان، وانظري الموت فما ينبغي لأحدنا أن يحيا، وقد ~~مت منذ زمن بعيد، ولم يبق لي من طاهو إلا ثيابه المزركشة المجيدة، أما طاهو الذي ~~اشترك في غزو النوبة، وأبلى بلاء حسنا استحق به ثناء بيبي الثاني، طاهو قائد حرس مرنرع ~~الثاني، وصفيه، ومشيره، فلا وجود له. # وألقى الرجل نظرة سريعة على ما حوله، وبدا على وجهه الضيق والجزع الشديد، ولم يعد يحتمل ~~السكون المطبق، ولا رؤية رادوبيس التي استحالت تمثالا جامدا، فنفخ في الهواء بقوة وسخط ~~واشمئزاز، وقال: ينبغي أن ينتهي كل شيء، ولكني لن أحرم نفسي من العقاب الصارم، سأذهب ~~إلى القصر، وأدعو كل من يحسن بي الظن، ثم أعلن جريمتين للملأ، وأمزق الستار عن ~~الخائن الذي طعن مولاه وهو يساره، وأنزع النياشين التي تحلي صدري الآثم، ms131 وأرمي بسيفي، ~~ثم أطعن قلبي بهذا الخنجر .. فالوداع يا رادوبيس، والوداع أيتها الحياة التي تستأدينا ~~فوق ما تستحق. # نطق طاهو بهذه الكلمات، ثم ذهب. # | النهاية # ولم يكد طاهو يغادر القصر حتى رسا القارب الذي يحمل بنامون بن بسار إلى سلم ~~الحديقة. وكان الشاب منهوك القوى شاحب اللون معفر الثياب، قد هدم أعصابه ما رأى من ~~اضطراب المدينة وهياج الناس وثورة النفوس. وكان بلغ مسكنه بشق الأنفس ولاقى في طريق ~~العودة ما هون عليه ما صادفه في الذهاب، وتنفس الصعداء حين وجد نفسه يسير في ممرات ~~حديقة قصر بيجة الأبيض، والحجرة الصيفية تعترض سبيله عن بعد قريب، وانتهى به المسير إلى ~~الحجرة، فاجتاز عتبتها، وهو يظن أنها خالية. ولكنه ما لبث أن أدرك خطأه. ورأى رادوبيس ~~جالسة في استرخاء على ديوان تحت صورة وجهها الرائعة، وشيث متربعة عند قدميها يشملهما سكون ~~غريب فتردد هنيهة، وأحست شيث بمقدمه، والتفتت إليه رادوبيس، ثم قامت الجارية وانحنت ~~له تحية وغادرت الحجرة، وتقدم الشاب من المرأة، وقد لفه الفرح، فلما أن تبين ~~وجهها عن كثب ركدت حركة نفسه، وأصابه الوجوم والغم، ولم يشك في أن أخبار الخارجة ~~المحزنة قد بلغت آذان معبودته، وأن أنباء الآلام التي تطحن الناس انعكست على وجهها ~~الجميل، فألبسته هذا الرداء الغليظ المغبر من الكدر. وركع بين يديها، ثم مال على ~~حاشية ثوبها فقبلها بحنان، ونظر إليها بعينيه الصافيتين نظرة إشفاق كأنه يقول لها: ~~فداؤك نفسي، ولم يغب عنه ما بدا على وجهها لدى رؤيته من الارتياح، فخفق قلبه خفقة السعادة، ~~وتخضب وجهه بالاحمرار، وقالت له رادوبيس بصوت ضعيف: غبت طويلا يا بنامون. # فقال الشاب: لقد شققت طريقي وسط بحر متلاطم من الخلق الغاضبين: إن آبو اليوم تغلي ~~وتفور وتنثر الشظايا المحرقة، فتملأ الجو حمما. # ثم دس الشاب يده في جيبه وأبرز لها قارورة صغيرة، فتناولتها بيدها وعقدت عليها ~~كفها، وأحست ببرودتها تسري في جسمها وتستقر في قلبها. وسمعته يقول لها: أرى أنك ~~تحملين نفسك فوق ما تحتمل. # فقالت له : إن ms132 الأحزان تنتقل بالعدوى. ~~- ولكن رفقا بنفسك؛ فما ينبغي لك أن تستسلمي كل الاستسلام إلى الحزن .. ليتك يا ~~مولاتي تهاجرين إلى أمبوس ردحا من الزمن ريثما يعود الهدوء إلى هذه البقاع. # وكانت تسمع إليه في اهتمام خادع، وتنظر إليه بغرابة، نظرتها إلى آخر حي من أهل هذه ~~الدنيا تقع عليه عيناها لآخر مرة، وكانت فكرة الموت قد استولت عليها استيلاء جعلها تشعر ~~كأنها غريبة عن هذه الدنيا. واختنقت عواطفها اختناقا لم تحس معه بأي رحمة نحو ~~الشاب الراكع أمامها، الهائم في عالم الآمال بعينين مغمضتين عن المصير الذي ينتظره عن ~~كثب .. وظن بنامون أنها تدير فكرته في نفسها فلعب بقلبه الأمل واستفزه الطمع، فقال ~~بحماس: أمبوس يا مولاتي بلد السكينة والجمال، لا ترى العين فيها إلا سماء صافية، وطيرا ~~لاهيا، وبطا سابحا، وأخضر ناضرا .. وسيمحو جوها المشرق السعيد الآلام التي ~~أثارتها في نفسك الرقيقة آبو الحزينة الغاضبة. # وسرعان ما سئمت حديثه، واتجهت أفكارها إلى القارورة العجيبة، وأحست بشوق إلى ~~النهاية، فبحثت عيناها الموضع الذي شغله الهودج منذ حين، وصرخ قلبها أن ها هنا ينبغي أن ~~تختم حياتها، واعتزمت أن تتخلص من بنامون، فقالت له: إن ما تعرضه علي جميل يا ~~بنامون، فدعني أفكر وحدي رويدا. # فأضاء وجه الشاب بالفرح والأمل، وسألها: هل يطول انتظاري؟ # فقالت: لن يطول انتظارك يا بنامون. # فلثم الشاب يدها، وقام واقفا، وغادر الحجرة. # ودخلت شيث على الأثر، وكانت رادوبيس تهم بترك مجلسها، فلما رأت الجارية ابتدرتها ~~قائلة لتتخلص منها: إلي بإبريق من الجعة. # فذهبت الجارية إلى القصر، وكان بنامون قد اتجه إلى البركة واطمأن إلى مقعد على ~~حافتها، وكان في تلك الساعة يشعر بالسعادة والغبطة، ويدني إليه الأمل غايته في أن يذهب ~~بمعبودته إلى أمبوس بعيدا عن الشقاء المخيم على آبو فتخلص له، ويسكن إليها، ودعا ~~الآلهة أن تهبط إليها في وحدتها وتلهمها الرأي السديد والحل السعيد. # ولم يطق الجلوس طويلا، فقام يسير الهوينى حول البركة، ولما أتم دورته رأى شيث ~~تحمل إبريقا، وتتجه بسرعة إلى الحجرة، ms133 فتبعها بعينيه حتى غيبها الباب، وأراد أن ~~يعاود الجلوس مرة أخرى، ولكنه لم يكد يفعل حتى سمع صرخة مدوية آتية من داخل ~~الحجرة فانتفض واقفا، وقد انخلع قلبه في صدره، واندفع جريا إلى مصدرها، فرأى في وسط ~~الحجرة رادوبيس ملقاة على الأرض، والجارية تجثو على ركبتيها إلى جانبها وتنكب عليها ~~تناديها، وتجس خديها وكفيها .. فهرع إليها بساقين مرتجفتين، وقد اتسعت عيناه ~~ولاح فيهما الهلع والفزع، وجثا إلى جانب شيث وأمسك بكف رادوبيس بين كفيه، فشعر ~~ببرودتهما، وكانت كالنائمة، إلا أن وجهها شاحب تمازجه زرقة خفيفة، وقد انفرجت شفتاها ~~الباهتتان وبعثرت خصلات شعرها الأسود على صدرها ومنكبيها، وانسابت ضفائر منه على ~~البساط، فأحس بجفاف حلقه واختناق أنفاسه، وسأل الجارية بصوت مبحوح: ماذا بها يا شيث .. ~~لماذا لا تجيب؟ # فأجابت المرأة بصوت كالعويل: لا أدري يا سيدي؛ فلقد وجدتها عند دخولي الحجرة كما ~~تراها الآن، فناديتها فلم تجب، وأسرعت إليها أهزها فلم تنتبه، ولم تبد عليها اليقظة، ~~أواه يا مولاتي! .. ما لك؟ ما الذي اعتورك فحولك إلى ما أرى؟ # ولم ينبس بنامون بكلمة، وجعل يطيل النظر إلى المرأة الملقاة في سكون رهيب، وإن عينيه ~~لتدوران فيما حولها إذ عثرتا تحت مرفقها الأيمن بالقارورة الجهنمية منزوعة السدادة، ~~فشهق شهقة عنيفة، والتقطها بأصابعه المرتعدة، فلم يجد بها إلا آثارا لاصقة بباطنها، ~~وردد بصره بين القارورة ووجه المرأة فتبين له الحق، وسرت في جسمه النحيل رجفة ~~مزقت جوارحه، فأن أنينا موجعا لفت إليه الجارية، وقال بصوت فزع: يا للهول! .. يا ~~للرعب! # فصوبت إليه الجارية عينيها، وسألته بلهفة وذعر: ماذا يهولك ويرعبك؟ .. تكلم ~~فإني أكاد أجن من الحيرة! # ولكنه لم يأبه لها، وقال يحادث رادوبيس، وكأنها تسمعه وتبصره: لماذا انتحرت .. ~~لماذا انتحرت يا مولاتي؟ # فصرخت شيث ودقت صدرها بيديها، وقالت: ماذا تقول؟ كيف علمت أنها انتحرت يا ~~هذا؟ # فرمى القارورة بعنف، فاصطدمت بالحائط وتحطمت، ثم قال بذهول وحيرة: لماذا أزهقت ~~نفسك بهذا السم؟ .. ألم تعديني بأن تفكري جديا في اصطحابي إلى أمبوس بعيدا عن ~~أحزان الجنوب؟ ms134 .. أكنت تخدعينني ريثما تزهقين روحك؟ # فنظرت الجارية إلى حطام القارورة، وقالت بدهشة: من أين لمولاتي بالسم؟ # فهز منكبيه يأسا، وقال: أتيت لها به بنفسي. # فتولاها الغيظ، وصاحت به: كيف تأتي به يا شقي؟! ~~- لم أكن أدري أنها تريده لتزهق به نفسها، لقد خدعتني كما فعلت بي الآن. # فتحولت عنه يائسة، وأفحمت في البكاء، وانكبت على قدمي مولاتها تقبلهما ~~وتغسلهما بدموعها، وغشي الشاب ذهول، وتفجرت عيناه، وثبت على وجه رادوبيس الساكن ~~سكون الأبدية، وكان يعجب في ذهوله كيف يلحق العدم بمثل هذا الجمال الذي لم تشرق الشمس ~~على مثله من قبل، وكيف تسكن الحيوية الفائضة الملتهبة، وتكتسي بهذا الإهاب الشاحب ~~الذابل الذي تهم به عوامل الخراب؟ تمنى لو أن يراها لحظة خاطفة وقد ردت إليها ~~نسمة الحياة، فأبدت عن تثنيها الرقيق، وأشرقت بوجهها ذي البهاء ابتسامة السعادة، ~~وانبعثت من عينيها نظرة الحب والفتون، ثم يموت فتكون آخر عهده بالدنيا. # وأزعجه نحيب شيث أيما إزعاج، فانتهرها قائلا: أمسكي عن هذا. # وأشار إلى قلبه، ثم استدرك: هنا حزن جليل، أجل من البكاء والنحيب. # وبقي في نفس الجارية أمل ضعيف يخفق، فنظرت إلى الشاب خلل دموعها، وقالت بتوسل: ألا ~~يوجد رجاء يا سيدي؟ عسى أن يكون ما بها غيبوبة شديدة! # ولكنه قال بصوته الحزين: ما من رجاء ولا أمل، ماتت رادوبيس، مات الحب، وتبددت ~~الأوهام .. كم عبثت بي الأحلام والأوهام! .. أما الآن فقد انتهى كل شيء، وأيقظني من ~~غفوتي الموت الرهيب .. # وانقصف آخر شعاع للشمس، وانغمس وجهها القاني في عين حمئة، فزحفت الظلمة تغشى الكون في ~~ثوب حداد. ولم تنس شيث في حزنها واجبها نحو جثة مولاتها، وأدركت أنها لن تستطيع أن ~~توفيها حقها من الإجلال والصون في بيجة المحاطة بأعدائها والمتربصين للانتقام منها ~~وأفضت بمخاوفها إلى الشاب الحزين الذي تحترق نفسه على كثب منها، وطلبت إليه أن يحملا ~~الجثة إلى بلدة أمبوس، وهناك يدفعان بها إلى أيدي المحنطين، ويودعانها مقبرة أسرة ~~بسار، ووافق بنامون على رأيها بقلبه ولسانه، فنادت شيث بعض الجواري ، وأتين ms135 بهودج، ووضعن ~~الجثة عليه وسجينها .. ورفع العبيد الهودج إلى السفينة الخضراء التي انحدرت به نحو ~~الشمال. # وجلس الشاب عند رأس الجثة على مقربة من شيث، وقد شمل المقصورة سكون عميق .. في تلك ~~الليلة الحزينة، والسفينة تنساب مع المياه المصطخبة صوب الشمال، تاه بنامون في وديان ~~قصية من الأحلام، ومرت حياته أمام ناظريه في صور متعاقبة، عرضت آماله وأحلامه وما ~~كابد من ألم ورجاء، وما ظن يوما أنه نصيبه من السعادة والهناء والعيش النضير، ثم ~~تنهد من أعماق قلبه المكلوم، وثبت عينيه على الجثة المسجاة التي ارتطمت عليها ~~آماله وأحلامه، فتحطمت وتناثرت، كأوهام بددتها اليقظة. ms136