######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.SabahWard.Hindawi17908281 #META# Tags: novels #META# ID: 17908281 #META# Title: صباح الورد #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أم أحمد‏ # صباح الورد‏ # أسعد الله مساءك‏ # أم أحمد‏ # صباح الورد‏ # أسعد الله مساءك‏ # | صباح الورد # | صباح الورد # تأليف # نجيب محفوظ # | أم أحمد # لو رجعت إلى الذاكرة ما وجدت إلا صورا متناثرة لا تعني شيئا؛ ~~قمرا يطل من نافذة عالية، أقمارا ثلاثة يخرجن من تحت القبو صفا ~~واحدا، حنطورا يتهادى في الميدان بامرأة كالمحمل. الزمن القديم في ~~الحي العتيق، لم يبق من حياته الحافلة إلا ما تعيه الطفولة؛ مناظر ~~غائمة، وأصوات غائبة، وحنين دائم، وقلب يخفق كلما حركته روائح ~~الذكريات. ما كان أجدر ذلك كله أن يتلاشى في ظلمة الماضي، فلا يستطيع ~~الحب أن يستنقذه من الموت، لولا خالدة الذكر أم أحمد! قوية، سمراء، ~~متحدية، في ملاءتها اللف، ووجهها السافر، وشبشبها الرنان، وصوتها ~~الغليظ النافذ، ولسانها الذي لا يهمد ولا يعرف الحرج، بيتها كان يقع ~~ملاصقا للشرفة التاريخية لبيت القاضي، يصل إليه الزائر من ممر ~~ضيق متصاعد مترب، في جانبه كارو قديمة مركونة مهملة، وأحيانا يرى ~~حمارا واقفا يقتات التبن من مخلاة تطوق علاقتها عنقه، كان ~~يشدني إلى مأواها العربة المهملة والأمل المثابر العنيد في ~~الالتقاء بالحمار الهادئ العذب، وهناك أراها وهي تطهو الطعام أو تطعم ~~الدجاج أو تتسلى بمشاجرة شفهية عابرة. في شبابها اليافع - الذي لم ~~أشهده - كانت زوجة لمعلم كارو. # أنجبت منه بكريها أحمد وزينب وسيدة وسنية، ولعلي لمحت الرجل ~~وابنه مرة أو مرات كشيئين من الأشياء التي يموج بها الميدان التاريخي، ~~ميدان بيت القاضي، ولكني علمت مع الأيام أن المعلم قتل في معركة ~~بأرض المماليك، وأن ابنه أحمد مات في السجن. ولم أشهد أم أحمد في ~~حزنها، حتى حين لحقت زينب بأبيها وأخيها لمرض فتك بها في زمن متأخر ~~نسبيا. كلا، لا أذكر أني رأيتها باكية أو مولولة أو شبه يائسة، ~~ما عهدتها إلا متماسكة قوية ضاحكة أو محدثة، غارقة حتى قمة رأسها في ~~أعمالها، ومشروعاتها، تعيش يومها وتبني للغد. وأذكر قول أمي عنها ~~«لولا قوتها الخارقة لأهلكتها الأحزان.» وهو قول لم أع معناه ~~تماما إلا فيما ms01 بعد، فعلمت أن أم أحمد التي عرفتها ما هي إلا ~~الثمرة الأخيرة لصراع طويل مع الألم كتب لها فيه النصر؛ فمنذ وجدت ~~نفسها وحيدة توثبت بهمة صلبة للكفاح في الحياة المتاحة، حتى ~~ظفرت بوظيفتها المرموقة في الميدان والحارات المتفرعة عنه، فباتت ~~أشهر شخصية دون منازع، هي الخاطبة والماشطة وإخصائية التجميل والسعادة ~~الزوجية، وشقت طريقها إلى سرايات الحي جميعا وبيوت الطبقة الوسطى، ~~إلى قيامها بمهام الصحافة والإذاعة والمخابرات، وتحسنت أحوالها، ثم ~~توجت كفاحها بتشييد بيت لها من طابقين على كثب من قسم الجمالية. ~~وألحقت سيدة بالمدارس فصارت معلمة، أما بنتها الصغرى، وكانت أجمل ~~إنتاجها كله، فقد أحبها ابن الأسرة الساكنة في الطابق الأول من بيتها ~~وتزوج منها، وأصبحوا فيما بعد من رجال التربية الكبار في مصر. ~~المهم أن أم أحمد جذبتني بسحر حكاياتها عن الجيران، وخاصة أهل الطبقة ~~العليا، وهي حكايات لا يعرف مدى الصدق فيها إلا الله، ولكنها تحرك ~~الشهية دائما لدورانها حول أولئك السادة الممتازين. ولم تنقطع أم أحمد ~~عن زيارتنا عقب انتقالنا إلى العباسية؛ فقد سبقنا أهل السرايات إلى ~~العباسية الشرقية، فانتقل المجال الحيوي لأم أحمد من حي الحسين إلى ~~العباسية تبعا لذلك، مؤصلة ممارسة وظائفها الساحرة. ولم تتوقف عن ~~نشاطها حتى بعد أن تقدم بها العمر، أو بعد أن أدت فريضة الحج وأمست ~~الحاجة أم أحمد، ولكنها اضطرت إلى لزوم دارها بعد أن زحف عليها ~~العجز وضعف بصرها وقلت حركتها قبل رحيلها عن الدنيا في ختام ~~الثمانينيات. ولا أزعم أنها أحسنت تعريفي بأفراد السادة والسيدات من ~~أهل سرايات حارتنا، ولعلها هي نفسها لم يتح لها أن تعرف حقيقتهم، ~~ولكنها اهتمت بعموميات لا بأس بها، وبشئون مما يتصل بعملها، وعلى ~~أي حال فقد عرفت حقائق عن الأسر ككل، كما عرفت أشياء عن ~~مصائرها. وهي في جملتها تعد ثروة هامشية تضاف إلى التجارب التي ~~حصلها الإنسان بنفسه وحواسه وقلبه. ورغم ما عرفت به أم أحمد من ~~صفات الغجر فقد حظيت بإعجابي لقوتها الذاتية وصلابتها وشجاعتها ~~وذكائها وانتزاعها من الصخر ms02 الأصم مكانة مرموقة بين أرقى سيدات ذلك ~~الزمان. ولن أنسى أيضا منظرها وهي واقفة فوق الكارو بين جارات لها ~~في إحدى المظاهرات الوطنية تهتف بصوتها المدوي لسعد ومصر. # وحارة قرمز ذات جدران حجرية عالية، تغلق أبوابها على أسرارها، ولا ~~تبوح بسر إلا لمن ينظر في داخلها، هناك يرى ربعا آهلا بالفقراء ~~والمتسولين يجمعهم الفناء للعمل المنزلي وقضاء الحاجات، أو يرى جنة ~~تغنى بالحديقة والسلاملك والحراملك، من نافذة صغيرة عالية قبيل ~~القبو يلوح أحيانا وجه أبيض كالقمر، أراه من موقعي في نافذة بيتنا ~~الصغير المطلة على الحارة فأهيم رغم طفولتي في سحر جماله، وقد أسمع ~~صوته الرخيم وهو يبادل أمي التحية إذا خلت الحارة من المارة، ~~فلعله بث في روحي حب الغناء، فاطمة العمري، حلم الطفولة ~~المجهول، وموعد اللقاء النافذة، وإذا توارت يوما فإنما لتلقنني ~~الألم قبل أوانه. وكلما غابت حدجت أمي بنظرة عتاب كأنما هي المسئولة ~~عن غيابها، فتضحك طويلا وتحكي لأم أحمد عن العاشق الصغير فتتلقف ~~الخبر لتزفه إلى فاطمة، ثم ترجع إلينا برسالة سعيدة أن أشد حيلي، ~~وأنها ستنتظر عريس الهنا مهما يطل الانتظار، ثم تقول: ولكنك تعشق أمها ~~أيضا، فما حكايتك؟ # أمها؟! أراها أحيانا في الحنطور وهو يتهادى بها في الميدان، وعيناها ~~الجميلتان تطلان علي فوق حافة البرقع الأبيض، وجسمها المتمادي في ~~العظمة يملأ المقعد بتمامه. وتضحك أم أحمد ثم تقول لأمي: زينب هانم ~~قالت لي إنها رأته «مشيرة إلي» وهو يتطلع إلى ما بين ساقيها ~~المنفرجتين حتى اضطرت إلى ضمهما .. أيعجبك هذا؟! # من هؤلاء الناس الذين ليسوا كبقية الناس؟ العمري - والعهدة دائما ~~على أم أحمد - رجل قد الدنيا، صاحب فابريكة النحاس ومحل بيع النحاس ~~بالصالحية، أصلهم من القدس، والجد الكبير هاجر إلى مصر ليستثمر أمواله، ~~أنشأ فابريكة في الخلاء قبالة الجبل، ويوم حملت الآلات من محطة مصر ~~إلى الفابريكة محمولة على الكارو تجمع الأهالي ينظرون ويسبحون ~~لله القادر على كل شيء، ومن يومها ما من عروس تزف إلا وتقتني ~~نحاسها من محل العمري. وآل الخير كله ms03 لحسين بك العمري زوج زينب ~~هانم، وشيد الرجل سراياه في درب قرمز، وأنجب فاطمة الجميلة وثلاثة ~~ذكور. # وكانت زينب هانم وأمي يتبادلان الزيارة، فتجيء الهانم وحدها دون ~~فاطمة وتذهب أمي وحدها بدوني رغم توسلاتي الباكية. وبقدر ما كانت ~~تعجبني عينا زينب هانم إلا أن جسمها الضخم كان يخيفني. ومن عجب أن ~~الحارة كانت أسرة كبيرة واحدة لا تعترف بالفوارق الطبقية. أجل، لم ~~يكن التزاور ممكنا بين الربع والسراي، ولكن السرايات كانت تفتح ~~أبوابها لأهل الربع في رمضان والأعياد، يجلسون في الحديقة، ويأخذون ~~حظوظهم من اللحوم والكعك ويستمعون لتلاوة القرآن من كبار القارئين. ~~وكشفت أم أحمد عن جانب من دورها في سراي آل العمري، فقالت إنه بفضلها ~~استقرت الحياة الزوجية بين حسين بك وزينب هانم، وبفضل وصفاتها ~~النادرة تمادت المرأة في العظمة حتى حاكت المحمل السلطاني، وقالت وهي ~~تقهقه: وهي اليوم تضرب زوجها باليد والعصا! # وذهلت أمي فقالت أم أحمد مستدركة: بالدلال والحب! # ليس كالضرب الذي نستعمله! أي نوع من الضرب ذاك؟! ~~- وهذا اللحم الأبيض الذي تغوص اليد بين طياته الطرية من صنع ~~يدي! # مرة أمرت الحنطور أن يتوقف حيالي وأنا ألعب في الميدان، ومدت لي ~~يدا بضة بذراع مطوقة بالأساور الذهبية لتهبني قطعة من الملبن ~~بالقشدة، فتناولتها فرحا متلقيا في ذات الوقت مما ذقته من عبير ~~جميل نافذ كأنه عصير مركز لحديقة ورد، وكم شغفتني زيارات الهوانم ~~بهداياها اللطيفة اللذيذة! ~~- ووددت أن أسرع في تسمين فاطمة، ولكن أمها أجلت إلى ما ~~بعد الزواج. # وتساءلت أمي عما يؤخر زواج الجميلة رغم بلوغها الخامسة عشرة، ~~فقالت أم أحمد: حسين بك مصمم على ألا يزوجها قبل الثامنة ~~عشرة. ~~- ولكنها سن متأخرة يا أم أحمد! ~~- لحسين بك رأيه أيضا، ولكن الاختيار ينحصر في اثنين؛ أحدهما وكيل ~~نيابة والآخر طبيب. # وأحسست على نحو ما بأن فاطمة ستمضي ذات يوم إلى بعيد مثل أخواتي ~~وإخوتي، ولن يبقى منها في أحلامي إلا الشذا. حتى الطفولة المبكرة ~~لم تخل من حسرات على أشياء جميلة ومحبوبة يترصدها الضياع ~~والفناء ms04 . ودهمتنا ثورة 1919 ونحن ننعم بالهدوء النعسان. استيقظت ~~بغتة على دوي الهتاف وفرقعة الرصاص ورأيت الألوف الغامضة، حتى ~~أم أحمد رأيتها فوق الكارو تهتف. وزارتنا بعد أيام لتسأل إن كنا ~~رأيناها، كانت تتيه دلالا بالعزة والنصر. ~~- سينصرنا الله على الإنجليز ويتم لنا الإفراج عن سعد .. وهي التي ~~أبلغتنا بعد ذلك باعتقال حسين بك العمري تمهيدا لتقديمه للمحكمة ~~العسكرية الإنجليزية، ولكنه أفرج عنه فيمن أفرج عنهم عقب الإفراج ~~عن سعد، فرجع إلى حارة قرمز رجوع الأبطال. فرشت أرضها بالأكمة ~~وتناوحت في سمائها الثريات والأعلام، وزغردت النساء من وراء ~~المشربيات، وتعالى هتاف الفقراء رغم ما فقدوا من أبناء، ووفت أم ~~أحمد بنذرها، فرقصت أمام باب السراي وهي تنشد: «سلمى يا سلامة.» ~~وحتى مأمور قسم الجمالية جاءه مهنئا، بعد أن اعتقد الجميع أن الإفراج ~~عن سعد ما هو إلا مقدمة للاستقلال التام، وبعد فترة قصيرة حملت ~~المرأة إلينا خبرا مزعجا وهو أن آل العمري استقر رأيهم على الانتقال ~~إلى العباسية؛ حيث اشتروا أرضا فضاء لإقامة سراي كبرى. وتساءلت: ~~أمي هل هان عليهم حقا أن يهجروا الحارة التي هي أصل الخير والبركة؟ ~~فقالت أم أحمد بيقين: بعد عام أو عامين لن تجدي أسرة واحدة من ~~أسر الأعيان في الحارة. # يا له من خبر! .. وكيف تكون الحارة إذا انطفأت أنوارهم؟! ~~- الدنيا تتغير بسرعة، الأحياء الإفرنجية هي الموضة اليوم، والعباسية ~~مترامية الأطراف، وفيها متسع للمستورين أمثالكم. ~~- ونبعد عن الحسين؟! ~~- سوارس تنقلك إليه في نصف ساعة. # وتحقق مع الزمن ما خطر لأم أحمد، فانتقل الأعيان إلى العباسية ~~الشرقية وشيدوا قلاعهم العملاقة، كما انتقلت الطبقة الوسطى ~~«المستورون» إلى العباسية الغربية، فسكن البعض بيوتا صغيرة واشترى ~~البعض ما يناسبه. ولم تتواصل الرابطة القديمة بين الطرفين فسرعان ما ~~تعرضت للوهن والتمزق. لأمر ما شغل كل فريق ببيئته الجديدة، ~~وكأن شارع العباسية الذي يفصل بين الجانبين أصبح سدا لا يعبر إلا ~~في الملمات وقد لا يعبر أبدا. عدنا غرباء أو كالغرباء، بل صرنا ~~مع الزمن أعداء أو شبه أعداء، وحمل إلينا ms05 الزمن أفكارا جديدة تكرس ~~العداوة والانفصام، وحتى الانتماء للحزب الواحد لم ينجح في محو تلك ~~الغربة الزاحفة. واعتدت أن أجعل من العباسية الشرقية مرتادي ونزهتي ~~خاصة في أصائل الصيف، أتمشى في شوارعها الواسعة وميادينها الأنيقة، ~~أقلب النظر في القصور الشامخة والحدائق الغناء، وأتذكر أحيانا ~~الجيرة القديمة الحميمة الصادقة التي تلاشت في الفضاء، وأتذكر الوجوه ~~المليحة التي علمت القلب الحب قبل الأوان، أتساءل: ترى أين أنت ~~الآن يا فاطمة؟ .. وهل خلق منك الزمن زينب هانم جديدة؟ وجاءتنا ~~بالأنباء في حينها أم أحمد التي ظلت الرابطة الباقية بين الطبقتين ~~المتباعدتين. حدثتنا طويلا عن تضخم ثروة حسين بك خاصة بعد ~~الحرب، وعن إشراك أبنائه الثلاثة معه في المصنع والمحل، وإصهارهم ~~الموفق إلى أسر من طبقة الباشوات، أما فاطمة فقد تزوجت من وكيل ~~النيابة. ووجدتني قد نسيت صورتها تماما، فلم يبق في خيالي إلا ~~نفحة من جمال مجرد وصدى صوت رخيم شديد التأبي والتمنع على ~~الذاكرة. وعلمنا أيضا بإصابة زينب هانم بالسكر وكيف استفحل معها ~~المرض لعجزها عن الانضباط أمام إغراء الحلوى. أجل، فقدت الهانم بصرها ~~في الخمسينيات، ثم ماتت في الأسبوع الأول لقيام ثورة يوليو. والحق أن ~~الثورة لم تمس آل العمري بسوء، ولعله كان من حسن حظ حسين بك أنه هجر ~~الاشتغال بالسياسة عقب انشقاق السعديين عن الوفد، غير أنه شارك أبناء ~~طبقته في خوفهم الثابت وقلقهم الدائم وشعورهم بإدبار الدنيا عنهم. ~~وحديث أم أحمد عن السادة لم يخل أبدا من عطف رغم تعلقها بثورة ~~يوليو وزعيمها. أحبت ثورة يوليو كما أحبت ثورة 1919، ولكن حبها ~~لزبائنها القدامى لم يفتر أبدا، وهي التي قالت لنا يوما بجزع واضح: ~~أما سمعتم عما حدث لزوج فاطمة هانم العمري؟ # آه .. فاطمة الجميلة، ماذا حدث لزوجها؟ # سافر المستشار في رحلة قصيرة إلى سويسرا، وهناك قابل أحد رفاق صباه ~~وكان هاربا من عبد الناصر ولا يكف عن مهاجمته، ولما رجع المستشار ~~إلى مصر دعي لسؤاله عن مقابلاته لصديقه القديم، ثم لم يظهر له أثر ~~بعد ذلك. ~~- لعله ما ms06 زال معتقلا؟ ~~- أبدا .. قيل لهم إن سؤاله لم يستغرق إلا ساعة أطلق بعدها ~~سراحه. ~~- لعله وقعت له حادثة في الطريق؟ ~~- وهل يصعب الاستدلال على شخصية مستشار قد الدنيا؟! # ويسود صمت، ثم تواصل أم أحمد: فاطمة هانم تؤكد أنهم قتلوه ودفنوه ~~في أي خلاء وانتهى الأمر. # اليوم - وبعد رحيل أم أحمد عن الدنيا في الثمانينيات - لا أعرف شيئا ~~عن آل العمري، ولعله لا يهمني أن أعرف شيئا، ولكني قرأت هذا العام ~~نعي فاطمة الجميلة في الأهرام. ولم يمض الخبر بلا حزن ولكنه حزن من ~~نوع خاص، لا كالحزن على الأقارب أو المعارف أو الأصدقاء. إنه حزن ~~يتأدى كأنه شعيرة تتلى في محراب الوجود على لا شيء أو على كل شيء. ~~ثم قرأت عنها رثاء جميلا في إحدى المجلات النسائية بوصفها من رائدات ~~رعاية الطفولة، تلك الرعاية التي بدأتها بتلقائية معي، فحفرت أثرها ~~الطيب في أعماق قلبي. # وآل سعادة بعد آل العمري يومضون في غياهب الماضي الجميل، تقوم ~~دارهم كالقلعة فيما وراء القبو الأثري العتيق. هناك يطالعك جدار ~~عال مركب من أحجار كبيرة تاريخية، أما مدخله فيفتح على عطفة ~~جانبية. ورؤيتي لآل سعادة تتم عادة وأنا في الحارة عندما يخرجون من جوف ~~القبو في طريقهم إلى ميدان بيت القاضي، تنطق وجوههم المشعة بأصولهم ~~الشركسية. هذا عبد الحميد بك سعادة، رب الأسرة، بقامته العالية، ~~وعوده النحيل، ووجهه الأبيض المشرب بحمرة، وعينيه الزرقاوين، ~~وأنفه الحاد الطويل المقوس، يرفل في بذلة إفرنجية وعمامة بيضاء، ~~متوكئا على عصا سوداء ذات مقبض ذهبي، صارم النظرة، متعالي الهيئة، ~~ينظر أمامه، لا يعنى بما حوله. يبث حيث يسير الخوف فيستقبله الاحترام ~~وتتبعه الكراهية، وهذا بكريه الشاب فاضل سعادة ينور المكان ~~بلمعانه وبسحره، بأناقته وحسنه وثيابه الفاخرة. وهؤلاء بنات سعادة ~~الثلاث، بين الطفولة والصبا، جميلات فاتنات ساحرات، يسرن صفا إلى ~~الميدان لشراء الشيكولاتة والدندورمة، يذهبن بلا مرافق ويعدن بلا ~~مرافق غير مباليات بتقاليد الأسر الكبيرة والمتوسطة، وجمالهن يشفع ~~لهن عند الرأي العام الرافض لتعالي الأسرة وعزلتها. أما ربة الأسرة ~~فلا ms07 ترى أبدا راكبة أو راجلة، دائما معتصمة بالقلعة وراء الجدران ~~والستائر. كم ولعت عيناي بالجميلات الثلاث وخصوصا الصغرى، وكم ~~حلمت بأن ألعب معهن تحت القبو أو فوق السطح ولكنهن كن يذهبن بسرعة ~~الأحلام ويبقين في النفس بقوة الخيال. وآل سعادة يمثلون البطالة ~~المستغنية عن العمل، المعتمدة في معيشتها على الأوقاف، يقضي الأب وقته ~~بين الكلوب المصري والمقاهي الكبرى في وسط المدينة، ويقنع فاضل بالحصول ~~على الابتدائية. ولا يشك أحد في ثرائهم الكبير، إلا أم أحمد التي ~~تقول وتعيد: إنهم أصحاب أصل ولكن ثراءهم دون ما يظن الناس بكثير .. ~~وعزلة ربة البيت ليست نتيجة للتقاليد أو الكبرياء وحدها، ولكنها ~~ردة فعل لحزن عميق. ~~- الحزن؟! # تتساءل أمي، فتقول أم أحمد: الرجل طول عمره عينه زائغة! .. وذوقه ~~قذر لا كمظهره .. يجري وراء الخادمات والساقطات، وزوجه والحق يقال ~~بنت ناس، وآية في الجمال! ~~- وطبك المجرب يا أم أحمد؟ ~~- منع الطلاق ولكنه لم ينج من القدر، وقد جربت سلطانة هانم ~~الرشاقة ثم نفختها حتى فاقت زينب هانم في الحجم، ولكن المكتوب ~~مكتوب. # وتفكر قليلا ثم تواصل: ولكنها انتقمت من الرجل وهو لا يدري، ~~فخانته كما يخونها. ~~- ولكنها لا تغادر القلعة أبدا! # فتقول أم أحمد مقهقهة: لا يتعذر على اللبان أن يتنكر في زي ~~امرأة ويندس إلى الحريم. # وفاخرت أم أحمد بأنها الوحيدة في الحي التي تصافح عبد الحميد بك ~~سعادة، والتي يقول لها دون تأفف: كيف حالك يا أم أحمد؟ # ولعلها الأسرة الوحيدة التي شهدت ثورة 1919 من بعيد، دون ~~اشتراك من أي نوع كان. # وبعد أشهر من قيام الثورة توفي عبد الحميد بك، ولم يشيع ~~جنازته سوى نفر من ذوي القربى وشيخ الحارة، ولم يشترك رجل أو امرأة ~~من حارتنا في العزاء. ولمحت البنات الثلاث وهن يبكين في نافذة ففاضت ~~دموعي، وسرت وراء المشيعين القلائل حتى جامع الحسين. ولم يكن شيء يثير ~~خيالي وأفكاري مثل الجنازات، وشهدت جنازات معدودة لشبان الحارة ~~الذين استشهدوا في أوائل الثورة، وصدقت حرفيا الهتاف المعروف: ~~«فلان حي لم يمت.» ms08 وكنت أتوقع أن أراه يعمل ويسير كما كان يفعل ~~من قبل، وتساءلت عن ذلك دون جدوى. وعلى أي حال، حل فاضل مكان أبيه، ~~وما لبث أن هاجر إلى العباسية، ولكنا سمعنا أن الأسرة اشترت بيتا ~~فوق المتوسط بغمرة ولم تشيد قلعة جديدة في العباسية الشرقية، ~~فتبين لنا صدق رأي أم أحمد في درجة ثرائهم. انتقلت الحارة إلى ~~العباسية ولكن لتعيش في دويلات مستقلة. ولولا أم أحمد ما عرفنا بزواج ~~فاضل من كريمة وكيل الداخلية. # رضي به زوجا لابنته، بعد أن رفض يد طبيب فلاح! # وتزوجت كبرى البنات من صائغ غني بالصاغة، والوسطى من وكيل نيابة، ~~أما الصغرى وهي أحبهن إلى قلبي فقد عشقت موظفا بسيطا وأصرت على ~~الزواج منه رغم معارضة الأم والأخ وبقية الأسرة، وقد أقامت معه في بين ~~الجناين لا يفصلهما عن بيتنا إلا خطوات، وهي الوحيدة التي كنت ~~أصادفها في الطريق فنتبادل نظرة عابرة ولكن مترعة بذكريات الماضي .. ~~وقدر لي أن أرى بكريها الجميل وهو يلعب في الشارع أو في الحدائق ~~التي تكتنف الحي وتسكب عليه عبيرها، وطبعا لم أتصور المستقبل المثير ~~الذي كان ينتظره بمنحنى التاريخ. ولما قامت ثورة يوليو مرت بآل سعادة ~~بسلام، بل حل الوقف وأصبحوا أحرارا في التصرف في أملاكهم. وعلمت ~~أن الصبي الصغير ابن البنت الجميلة الصغرى من الضباط الأحرار، بل ~~والمقربين. واختير لوظيفة في المخابرات وسرعان ما جرى اسمه على كل ~~لسان، واكتسب سمعة مخيفة لا تكون إلا لشيطان! وجعلت أقارن بين ما ~~يقال عنه من حقائق وأساطير وبين صورة صباه الجميلة الوديعة، وأتساءل ~~وأتعجب. ورحت أسأل أم أحمد عن رأيها في ذلك فأرسلت قهقهتها العظيمة، ~~وقالت: صدق من قال: إن الأتراك فيهم عرق جنون. # وكانت أسرته قد انتقلت بعد الثورة من بين الجناين إلى المعادي، ولم ~~أعد أرى من أفرادها أحدا، ولكن أم أحمد حدثتنا عن استقالة الأب من ~~الحكومة ليشغل وظيفة في شركة، وأنهم يتوغلون في العز والجاه بسرعة ~~الإكسبريس. وعلى أي حال فقد اندمج آل سعادة أخيرا في ms09 الوطنية ~~المصرية ، بل الوطنية الثورية! # إلى يسار قلعة آل سعادة، وعلى مبعدة خمسين مترا تقوم سراي آل ~~البنان. أرى علي بك البنان كل يوم في دوكاره وابنه الصغير محمد صديقي ~~وزميلي وربة السراي فردوس هانم حبيبة أمي وأقرب الجميع إلى قلبها> وعلي ~~بك طويل القامة، غامق السمرة، ذو مظهر جذاب في جبته وعمامته ~~البيضاء، يمضي به الدوكار كل صباح من السراي إلى الطاحونة في مرجوش. هو ~~أتقى الأغنياء بالحارة وأبرهم بالفقراء وأجودهم بالابتسامة، وفي سراياه ~~يقام ذكر كل أسبوع يؤمه جمع من أهل الطريقة الشاذلية، وتقول عنه ~~أم أحمد: علي بك غني وما غني إلا الله. # ثم ترجع إلى التاريخ بصوت منخفض قائلة: كان أبوه يسرح بالبن على ~~باب الكريم، وفتح دكانا صغيرا في الخرنفش، وقامت الحرب، فأمر الله ~~بالثراء ولا راد لأمره. ومات الأب فأنشأ سي علي الطابونة، وشيد ~~السراي، وتزوج من فردوس هانم بنت أكبر حلواني في الحي، وأنجب البنات ~~كالأقمار، ثم جبر الله بخاطره فأنجب محمد على كبر. # أهل حارتنا لا فرق فيهم بين غني وفقير وهم يعترفون بفضل الله عليهم ~~ولا يتنكرون لأصلهم، ودعك من آل سعادة فهم مجانين من ذرية ~~مجانين! # محمد الصغير كان قريني في اللعب في الميدان وفي قطف ذقن الباشا من ~~أشجار البلخ. ودخلنا الكتاب معا فمكث فيه عامين أكثر مني لينقطع ~~بعد ذلك عن التعليم ويمارس العمل في الطاحونة والمحل تحت رعاية أبيه، ~~بدأ العمل في العاشرة، وقرر علي بك أن يشعره بالرجولة قبل مجيئها ~~فألبسه الجبة والعمامة وعامله بجدية تفوق ما يحتمل عمره. وأذهب إلى ~~مرجوش كلما سنحت فرصة لأشاهد صديقي من بعيد وهو يعمل، فنتبادل ~~البسمات الخفية بعيدا عن أنظار أبيه. وعند فراغه من عمله يرتدي جلبابه ~~ويهرع إلي في الميدان لنلهو بألعاب الصبيان. ولما قامت ثورة 1919 ~~شارك علي بك فيها بماله وقلبه ولسانه، واعتقل في يوم واحد مع حسين بك ~~العمري، ولكنه واصل نشاطه السياسي بعد ذلك حتى انتخب عضوا في أول ~~مجلس نواب بعد الثورة، وحافظ ms10 على عضويته في جميع البرلمانات الوفدية ~~حتى آخر برلمان قبل ثورة يوليو. وعقب الثورة انتقلت الأسرة إلى سراي ~~جديدة بالعباسية الشرقية، وزوج الرجل ابنه محمد وهو ابن خمسة عشر ~~عاما، وأحيا فرحه صالح عبد الحي وبمبة كشر. # ولم ينقطع ما بيننا وبين آل البنان بالسرعة التي انقطع بها ما بيننا ~~وبين الآخرين، ولكنه انقطع على أي حال. والظاهر أن روح الألفة والتضامن ~~المنبثة في الحارة تتلاشى في الأحياء المترامية. إلا تراث أم أحمد ~~من الخدمات والأساطير فهو باق لا يقتلع من صدور الناس على اختلاف ~~طبقاتهم. ويكتسب أهميته المتجددة من ينابيع الحب والجنس والأحلام ~~الخالدة. وهي أم أحمد التي أخبرتنا على المدى بزيجات بنات البنان؛ ~~واحدة من محام، والثانية من مهندس ري، والثالثة من وكيل وزارة، وأن ~~الأولى شهد زفافها سعد زغلول كما شهد زفاف الأخريين خليفته مصطفى ~~النحاس، ولكن المجتمع تغير في علاقاته وتياراته وأفكاره، واحتدم ~~الجدل والخصام بين أجياله، حتى قامت ثورة يوليو لتواجه التناقضات ~~الجديدة قبل أن تجتاحها ثورة شعبية جائحة. ووجد علي بك البنان نفسه في ~~مرمى مدافع التغيير الثوري، وحمل من سراياه إلى أعماق السجون وهو لا ~~يدري لذلك سببا، ثم وضع تحت الحراسة، فران على الأسرة ستار أسود ~~من الحزن والغم، وانفجر شريان في رأس الرجل فرحل عن الدنيا مستعيذا ~~بالله من الناس وشر الناس، على حين انزوى ابنه محمد في ذعر مقيم. ~~وتصورت أم أحمد أن تلك الأحداث يدبرها رجال عبد الناصر من وراء ~~ظهره وتمتمت متنهدة: عيني عليك يا علي بك يا أمير وعلى أيامك ~~الحلوة. # ولحقت فردوس هانم بزوجها بعد رحيله بعام، ولكن محمد البنان استرد ~~نشاطه في عهد الرئيس السادات، وعاونه الانفتاح فعوض خسائره وضاعف ~~ثروته، بل وتردد اسمه في صحف المعارضة باعتباره من وحوش الانفتاح، ~~فأي حياة وأي سخرية من عجائبها؟! ~~••• # آل المرداني يشكلون الأسرة الرابعة من أعيان الحارة، وتقع سراياهم ~~عند طرف الحارة الآخر المتصل بين القصرين. وتقسم أم أحمد أنها رأت ~~أباه المرداني الكبير يتجول في الحارة ms11 حافيا. ~~- ولكنه الحظ والشطارة والحرب! # على أي حال نشأ عباس بك المرداني من كبار تجار الجملة في العطارة، ~~وهو الذي شيد السراي التي تعتبرها أم أحمد أجمل وأفخم سرايات ~~قرمز! ~~- أما زوجته فرحة هانم فهي من أصل مملوكي، جميلة، وما جميل إلا ~~سيدنا محمد. # فتقول أمي: جميلة نعم، ولكنها لا تخلو من عنطزة! ~~- المال كثير يا حبيبتي. ~~- أهم أغنى من البنان؟ ~~- عباس بك المرداني أغنى رجل في الحارة. # وتسكت مليا ثم تواصل: لم ينجب إلا ولدين وانقطعت الهانم عن ~~الحبل لداء احتار الأطباء فيه! ~~- وماذا فعلت أنت يا أم أحمد؟ ~~- فعلت الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة! # وكان عباس بك ضخم الرأس والوجه، غليظ القسمات، بدينا لحد الإفراط، ~~ولكنه كان كريما محسنا وابن نكتة، وكان سلاملك سراياه صالونا ~~للظرفاء وذوي الحناجر الطيبة من الهواة وصغار المحترفين. ولما قامت ~~ثورة 1919 أيدها بماله، ولكنه لم يكن ذا استعداد للاشتراك في ~~الشئون العامة مثل حسين بك العمري وعلي بك البنان. واقتحمت الثورة ~~سراياه وهو لا يدري فانتزعت منه بكريه محمود الطالب بالزراعة ~~العليا، حيث قتل في إحدى المظاهرات. وقالت أم أحمد: لم يبق له إلا ~~شاكر، وكثيرون ينصحونه بالزواج من أخرى. ~~- مسكينة فرحة هانم! ~~- وحزنها فاق كل حد، ربنا يصبرها! # وانتقل عباس بك المرداني إلى العباسية الشرقية كآخر الأعيان ~~المهاجرين، ولوعه الشديد بالهانم زوجته نبذ فكرة الزواج من أخرى، وكان ~~أول من اقتنى سيارة .. «فيات» من الأعيان، وكانت تثير الخواطر إذا ~~مرقت في شارع العباسية في ذلك الزمان بسحرها الخاص وأزيزها الذي ~~يكدر الهدوء الشامل. وانتهت حياة عباس بك نهاية درامية مأساوية في ~~الثلاثينيات وهو في غاية الصحة والعافية والحيوية. وكان يهم بدخول ~~شيكوريل فأصابته رصاصة طائشة في معركة نشبت بين يونانيين فجرت ~~مأساته على أوسع نطاق. وكان شاكر بك ابنه قد أصبح محاميا فصفى تجارة ~~والده، وأخبرتنا أم أحمد أنه تزوج من فتاة بارعة الجمال تمت ~~بصلة القربى للسلطان عبد الحميد. # وقد انضم شاكر بك إلى الوفد، وتجلى نشاطه في ms12 الصحافة والبرلمان، ~~ولكنه انضم إلى السعديين عند انشقاقهم وتقلد الوزارة مرتين، ولما ~~قامت ثورة يوليو اعتقل أكثر من مرة وفي مناسبات مختلفة، ثم وضع تحت ~~الحراسة فهام على وجهه كالمجنون. وكانت أم أحمد ترثي لحاله وحال ~~أسرته وأمه ولكني عرفت عنه أشياء .. من بعض الصحفيين، لم يكن من ~~المستطاع أن تبلغ علم أم أحمد. قيل - والله أعلم - إنه عمل مرشدا ~~للمخابرات، وقيل إنه وضع نفسه في خدمة بعض من العرب كقواد دون لبس أو ~~إبهام، وإنه بهذا وذاك أمن المزيد من العسف وكون ثروة كبيرة. ~~وكانت تلك الثروة دعامته في عهد الانفتاح، ليقفز إلى درجات خيالية من ~~الثراء. اليوم الظاهرة الغالبة عليه هي التدين، وكأنما يكفر عن ~~تناقضات حياته الحافلة بالألم والذكريات الأسيفة. # خطر لي ذات يوم أن أزور أم أحمد بعد انقطاع طويل. وجدتها في بيتها ~~مع ابنتها المحالة إلى المعاش بعد خدمة كاملة في التعليم. كان بصرها ~~قد كف وقدرتها على الحركة قد ولت. ولما عرفتني فتحت لي ~~ذراعيها بحرارة وشوق، ثم جلست على كرسي جنب فراشها. لعل لسانها هو ~~العضو الوحيد الذي بقي محافظا على حيويته، ورحنا نتذكر ونتذكر ~~ونقلب صفحات الماضي البعيد والقريب. جلنا معا في جنبات عالم حافل ~~بالأموات، ألا ما أكثر الراحلين! كأن الوجوه لم تشرق بالسناء والسنا ~~في ظلمات الوجود، وكأن الثغور لم ترقص بالضحك، ها هي راوية الحكايات ~~وطبيبة الحب والجنس والسعادة ملقاة على الفراش القديم تشكل عبئا ~~يوميا على أقرب الناس إلى قلبها. وما قيمة الحكايات يا أم أحمد وهي ~~تتكرر بصورة أو بأخرى قبل أن تلقى نفس المصير؟ وقد عبرت الحارة من ~~أولها لآخرها وانغمست في العطر القديم. رأيت قلعة آل سعادة مغلقة ~~مهجورة كالبيت المسكون، أما السرايات الأخر فقد صارت إحداها مدرسة، ~~والثانية مستشفى، والثالثة مقرا للحزب الوطني. وتنبثق من الماضي ~~أصوات وألوان ونبضات قلب، فأقول لها: لقد جمعتنا هذه الحارة ذات يوم ~~ثم فرقت بيننا الأيام، فإلى اللقاء في المقر الأخير. # | صباح الورد # لم يبق من شارع الرضوان ms13 القديم إلا موقعه ما بين شارعي العباسية ~~وبين الجناين، ويحتفظ أيضا بميل سطحه الطبيعي من مرتفع الشرق إلى ~~منخفض الغرب، غير أن بيوته قد انقلبت عمائر، وتحولت الحقول ~~والحدائق إلى أرض فضاء تباع فيها الخردة ومخلفات السيارات. وحل ~~سكان جدد لا يحصيهم العدد مكان سكانه القدامى الذين تشتتوا في ~~الأحياء أو استقروا في جوف الأرض. كان يستكن في حضن الهدوء الشامل، ~~محاذيا في حبور الحقول والحدائق، يثمل بمناجاة يومية مع أشجار ~~الحناء والياسمين والتين والخضروات، وخرير السواقي، مزهوا ~~ببيوته المهندمة ذات الحدائق الخلفية الصغيرة. في الشتاء تسقفه السحب ~~وتتجهمه وجوهها المكفهرة، وحتى إذا أمطرت مطرة واحدة سال سطحه ~~المائل بالمياه الجارية لتتجمع في شارع بين الجناين صانعة نهرا منه ~~يفور بالزبد. وفي الصيف تلهبه الشمس فتنطلق من صنابير جدرانه خراطيم ~~المياه ترش الأرض مهدهدة حرارتها الحامية. وينظر القادم من الحي ~~الشعبي العتيق فيما حوله بدهشة وسرور، ولا يجد في قاموسه وصفا للشارع ~~والبيوت والناس إلا أنه شارع إفرنجي وبيوت إفرنجية وأناس متفرنجون، ~~لا ينقصه إلا القبعة واللغة الأجنبية. ومع ذلك فقد ترى القبعة فوق ~~شعر مقصوص ألاجرسون، أو تسمع الفرنسية في حوار عابر، وقد نطق صبيانه ~~بجملة: «أحبك وأعطني قبلة.» بالفرنسية قبل أن يتعلموها في المدارس ~~بسنوات طويلة. # واستقرت أسرتي في بيت من البيوت في منتصف الجناح المطل على الحقول، ~~أمي وأبي وأنا، أما الإخوة والأخوات فقد هاجروا هجرة دائمة إلى بيوت ~~الزوجية. والنقلة من الجمالية إلى العباسية في ذلك الزمان تعتبر ~~وثبة من القرون الوسطى إلى أعتاب العصر الحديث. توارت الحارة ~~والأزقة بعبيرها العنبري ومصابيحها الغازية وعرباتها الكارو ~~وملاءاتها اللف والجبب والقفاطين والعمم. وتلقانا الرضوان، ملتقى ~~الريف والمدينة، بعصرية مقتحمة مهديا إلينا المياه والكهرباء والصرف ~~الصحي، وسرعان ما استبدلت بالجلباب البيجاما، والكرة بالسيجة والجري ~~وراء عربة الرش، كما كتب علي أن أرى السيقان والأعناق لتتفتح على ~~إيقاعاتها مراهقتي. كنا أول من هاجر من الطبقة الوسطى الصغيرة، في ~~إثر أعيان الحارة الذين سبقوا إلى العباسية الشرقية فشيدوا القلاع ~~وغرسوا الحدائق. ms14 وكان والداي قد فارقا الشباب بعقد أو عقدين من ~~السنين، والحق أن فرحتهما بالحياة الجديدة شابها اكتئاب وحنين، ولم ~~يستطيعا التحرر من هيمنة الحي القديم على قلبيهما، من أجل ذلك لم ~~ينقطع أبي عن حيه، أناسه ومقاهيه، وكذلك أمي واظبت على زيارة ~~الحسين وجيران الزمان الأول، وربما سألت أبي في عتاب: لماذا هجرنا ~~بيتنا القديم؟ # أما أنا فقد انقسمت إلى اثنين، تكيفت مع الجديد وأصدقائه ~~ومجالسه وعصريته، وكلما سنحت فرصة للرحلة للحي العتيق انتهزتها حتى ~~جرفت معي الأصدقاء الجدد فاكتشفوا على يدي عالما غريبا، عشقوه، ~~وأقبلوا عليه كالسائحين. على أي حال فلن يطول حديثي عن بيتنا أكثر من ~~ذلك، ولي عودة إليه إن شاء الله في حينه. أما الآن، وسأقتنع بأن أكون ~~ترجمان الرضوان فيما لديه من قصص. هو صاحب الحكايات الأول؛ فهو الذي ضم ~~البيوت يمينا وشمالا، وعلى سطحه التقى الصبية ليبدءوا عهد صداقة ~~دائمة، وفي أركانه ذهب الأبطال وجاءوا، وفي جنباته تطايرت الأخبار ~~وانتشرت، ولو لم يصدق من رواياته إلا نصفها لكفى، بالإضافة إلى أن ~~الزمن كان ينقيها من الشوائب ويسندها بالشواهد، والعبرة في النهاية ~~بما يقال لا بما حدث، ورب كذبة أصدق من حقيقة، فاستمع إلى شارع ~~الرضوان ولا تكن من المتشككين. # آل إسماعيل # يقوم بيتهم في آخر الشارع من ناحية بين الجناين، في الناحية ~~المطلة على الحقول، وهو يماثل أكثر البيوت بهندسته الأنيقة وحديقته ~~الخلفية، ولكنه بحكم موقعه يطل على الحقول وشارع بين الجناين وشارع ~~الرضوان، ويمتاز بدرجة عالية نوعا بأثاثه واستخدامه لطاه مع ~~الخادمة وهو ما يعد من الاستثناء النادر. وتتكون الأسرة من ~~جمال بك إسماعيل - ولا أدري إن كانت رتبته رسمية أم بالشهرة - ~~الموظف بوزارة الأوقاف، وزوجته كريمة هانم وذريته الجميلة مديحة ~~وسامية وعثمان. أسرة ناجت وجداننا حتى نفذت إلى أعماقه. الأب ~~ربعة كبير البطن كث الشارب، مهيب الطلعة، لامع الحذاء والعصا، إذا ~~مر أوقفنا اللعب وتلقينا نظراته الغاضبة في سكون وامتثال. ~~وربما صاح بنا: بدل اللعب والقرف روحوا سقفوا عقولكم! # ينطق «سقفوا» لا ms15 «ثقفوا»، فنغرق في الضحك بعد ذهابه ويقول ~~قائلنا: ما هو إلا بغل فخم! # أما كريمة هانم فتسير مختالة بحسنها، متبخترة بلحمها الجسيم ~~كالمحمل، وأما مديحة وسامية فما أجمل ما يشف عنه النقاب من ~~جمالهما الغض، حتى عثمان تميز بالجمال ولكن رقته الأنثوية ~~جرت عليه التعليقات الساخرة الحادة. وترفع عن صداقتنا لفارق ~~عمر بسيط، وكم عبر بنا دون أن ينظر إلينا. واشتهرت كريمة هانم ~~في أوساط الأسر بالخفة، وتمتعت في حياتها بقدر لا يستهان به ~~من الحرية، فكانت تصاحب زوجها إلى المسرح والسينما، وتحكي للنساء ~~عن منيرة المهدية ومسرحياتها الغنائية، وطالما قالت عنها والدتي: ~~سيدة طروب ودمها شربات، ولا نهاية لنوادرها المسلية! # وكنا نرى مديحة وسامية كثيرا لدى عودتهما من مدرسة سان جوزيف ~~بالعباسية الشرقية، كما كنا نعرف أن عثمان يتعلم في مدرسة الفرير. ~~ووجد في شلتنا من ينتقد سلوك الأسرة ومنهجها في الحياة: جمال بك ~~أسد علينا ولكنه نعامة أمام زوجته، فيرافقها إلى السينما ~~والمسرح. # ونختلف على المدارس الإفرنجية التي ألحق بها أبناءه؛ فمنا من رأى ~~في ذلك نقصا في الوطنية، ومنا من أثنى على التعليم في تلك ~~المدارس، وكنا جميعا نشعر بدرجات متفاوتة من الغيرة وننفس عليهم ~~طلاقتهم في التحدث بالفرنسية. # باختصار كانت الأسرة موضع إعجابنا واستفزازنا؛ لذلك رحبنا ~~بأن نسمع عنها ما يسيء. ولعل صديقنا عبد الخالق كان مصدر الهمس ~~الأول بحكم جوار بيته لبيت آل إسماعيل، قال ونحن مجتمعون عند رأس ~~الشارع حيث ملتقاه بشارع العباسية: مديحة بنت جمال بك إسماعيل ~~هربت! # وحدقنا به ذاهلين، وفي غاية من الانفعال: غير معقول! ~~- حصل، هربت مع محام شاب! # حلق بنا الخبر في جو الأساطير وألف ليلة، وواصل عبد الخالق: ~~ولكنه تزوج منها! ~~- ليس خبرا ولكنه لغز! ~~- لا أزيد عما سمعت حرفا. # الأسرة هي هي لم يتغير لها حال، الأب يمضي في مهابته والأم في ~~دلالها وعثمان في رشاقته وغرابته، ولكن الشارع يتلقى التفاصيل ~~والأسرار. قيل إنه تقدم لطلب يد البنت كثيرون وإنهم قوبلوا ~~جميعا بالرفض، لم يملأ أحد منهم ms16 عين جمال بك .. هذا فقير، وذاك ~~شهادته دون المستوى، الثالث أهله على غير ما يرام، الرابع أخلاقه ~~كيت وكيت .. حتى يئست الجميلة من ناحية أبيها، فما إن مال قلبها ~~إلى المحامي الشاب حتى اتفقا على الهرب والزواج. لم تقم حفلة ~~للخطبة ولا للدخلة، ولم تقدم شبكة أو هدايا، ولم يتفق على ~~مهر، ولكن الشاب أثث شقة صغيرة وبنى عشه. وبدا أول الأمر أن ~~مديحة قد انفصلت نهائيا عن أسرتها، ولكن القطيعة لم تدم ~~طويلا، وتوسط أهل الخير فرجعت الأمور إلى مستقرها، وخفقت ~~القلوب بالحب والرضا. # وبعد انقضاء حوالي عام ما ندري إلا وعبد الخالق يقول ضاحكا: ~~سامية بنت جمال بك هربت مع ضابط جيش! # وشاركناه الضحك هذه المرة. ~~- البك الغبي لا يريد أن يتعلم! ~~- إنه ولا شك مجنون. # وكررت حكاية سامية حكاية مديحة. الهرب والزواج وبناء العش ~~والقطيعة، ثم الرجوع إلى المستقر والرضا كأنما كانت الأسرة تخلق ~~تقاليد جديدة للحب والزواج. غير أن شائعة غريبة تمطت في ~~الشارع، دعمها عبد الخالق وعم فرج بياع الدندورمة والحلوى، وصادفت ~~هوى شاملا لتصديقها؛ قيل إن حوادث الهروب لم تقع مصادفة، ولكنها ~~جاءت نتيجة تدبير حكيم من جمال بك إسماعيل، ليزوج كريمته دون ~~أن ينفق مليما، لا عن بخل، ولكن لأنه كان ينفق مرتبه كله على ~~رفاهية أسرته والمظاهر الجذابة دون أن يعمل حسابا لغد. لم يستطع ~~أن يدخر نقودا أو يقتني ملكا، فدأب على رفض الخطاب حتى اضطر ~~مديحة وسامية إلى الهرب وتم له ما أراد. كلام قيل وصدق، ~~ولا يعز على التصديق خبر رديء، ثم إنه لا دخان بلا نار. وعلى أي ~~حال كنا نعيش في جو يقطر كذبا وادعاء؛ كل فرد يروي الأساطير ~~عن أسرته وتاريخها، كل أسرة يتسلل أصلها من منبع عريق كان له ~~شنة ورنة على عهد محمد علي أو المماليك أو عهد الرسول نفسه. ~~أما أكاذيب النساء فحدث عنها ولا حرج، وهي تقبل دون مناقشة وإن ~~انحشرت في الحلق كالشوكة؛ ولذلك ما إن تنفجر إشاعة مسيئة كإشاعة ~~زواج ms17 مديحة وسامية حتى تقابل بالتصديق والارتياح الخفي. أما نحن ~~- المراهقين أو شبه المراهقين - فكان الجانب الجنسي هو الذي يثير ~~اهتمامنا. انتهاء الهروب إلى الزواج خيب آمالنا وفتر خيالنا ~~وشتت أحلامنا. وددنا لو تقلد الحياة الفن ولو مرة وأن نشهد ~~تمثيلية من تمثيليات يوسف وهبي في شارع الرضوان. ويجري الحوار ~~المحموم بيننا: هل تظن أنه لم يحدث شيء قبل مجيء المأذون؟ ~~- البنت القادرة على الهرب قادرة على كل شيء! ~~- تخيلوا ذلك الجمال النادر عندما تجرد من ملابسه. # وماذا نتخيل إن لم نتخيل ذلك؟! لم ينج أحد منا من سحر مديحة أو ~~سامية أو كلتيهما معا. وكان غيابهما من شارع الرضوان مثل كسوف ~~الشمس أو خسوف القمر، وهيهات أن يسلي عنه الخيال أو قراءة ~~الأشعار الحزينة. لم يبق لنا من آل إسماعيل إلا كريمة هانم، وكان ~~حجمها يخيفنا، وجمال بك الذي يتبادل معنا نفورا ثابتا، وأخيرا ~~عثمان المثير لإعجابنا واستفزازنا وسخريتنا إذا وقفنا اللعب حتى ~~يمر شكرنا قائلا: مرسي مسيو. # فيفجر بعد ذهابه عاصفة من السخرية، وكان يدعو أصدقاء ~~متفرنجين مثله ويجتمع بهم في منظرة البيت. وكان بينهم عازف بيانو ~~يتقن عزف المقطوعات الإفرنجية، فكان يترك في نفوسنا أسوأ الأثر ~~والغضب. أجل كنا نتطلع إلى الفرنجة في نواح أخرى فنقرأ الأدب ~~الغربي المترجم، بل حاولنا أن نتعلم الرقص وخاصة الشارلستون ~~والطانجو، أما الموسيقى فلم يكن من الميسور هضمها. وفي رمضان لم ~~يكن عثمان يبالي أن يسير والسيجارة في فمه! وقالت لي أمي: كريمة ~~هانم لا تصوم أيضا! ~~- وجمال بك؟ ~~- لا أدري ولكن المعقول أنه يصوم. # وتذكرت مساحة بطنه التي تشبه خريطة آسيا فلم أصدق أنه ~~يصوم. # المهم أنه في أوائل الثلاثينيات - وكنا في ختام المرحلة ~~الثانوية - سافر عثمان في بعثة إلى فرنسا، وبعد أشهر دهمنا خبر ~~فظيع وهو أنه اضطر إلى إطلاق الرصاص ليسترد نقوده التي خسرها على ~~مائدة قمار، وأنه ألقي القبض عليه. لم نستطع أن نتصور تطور تلك ~~الشخصية البالغة الرقة والتهذيب من العذوبة اللانهائية إلى ~~الجريمة. وخفق قلب شارعنا ms18 رغم كل شيء، ثم وردت الأخبار بأنه قضي ~~عليه بالسجن عشر سنوات في جزيرة الشيطان. يا للهول! .. عثمان جمال ~~إسماعيل في جزيرة الشيطان! إنها الجحيم كما رأيناها في فيلم بسينما ~~أوليمبيا، فكيف يتحملها الفتى الهش الرقيق؟ ولم تعد كريمة ~~هانم ترى في الطريق. أما جمال بك إسماعيل فقد غامت نظرة عينيه ~~البراقتين وثقلت خطاه بالهوان. وقيل إنه استشفع بإسماعيل صدقي ~~رئيس الوزراء، ولكن ماذا تجدي الشفاعة أمام القانون الفرنسي؟! ~~وسمعت أمي تقول ذات يوم بتأثر شديد وهي راجعة من زيارة آل إسماعيل: عيني عليك يا كريمة هانم .. ذبلت عيناك من ~~البكاء! # ولكن المأساة لم تستمر كالجرح الذي لا بد أن يذبل فبلغت ذروتها ~~بوفاة البطل السجين. وغيرت المأساة من حياة الزوجين، فكانت ~~الوداع لحياة السرور والضحك. وما ندري يوما إلا وهما يسافران معا ~~إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. وفي أثناء الحرب العظمى الثانية ~~رأيت كريمة هانم في مخبأ الشارع الذي كان يجمع بين أهل الحي كل ~~ليلة. رأيتها في ملابس البيت وقد تخلى عنها لحمها ورواؤها، ~~وعلتها أمارات الكبر .. وعند نهاية الحرب هاجرت الأسرة إلى ~~مصر الجديدة فلم تقع عيني على أحدهما بعد ذلك حتى اليوم. وتتابعت ~~الهجرات من شارعنا إلى الأحياء الأرقى، وشق شارع أحمد سعيد وسط ~~الحقول، فسرعان ما اختفت الخضرة والأزهار وحلت محلها في الأرض ~~الفضاء الخردة ومخلفات الحرب. وفي الخمسينيات - وأنا موظف بالأوقاف ~~- رأيت ذات يوم سامية تمضي بصحبة كهل نحو حجرة مدير الأوقاف ~~الأهلية. رأيت أمامي صورة طبق الأصل من كريمة هانم على عهد ~~النضارة والجمال. وقد التقت عينانا في نظرة خاطفة، وأعتقد أن ~~التذكر تبادل حوارا صامتا بين عينينا، ولكنه كان كافيا من ~~ناحيتي لإحياء عشرة طويلة من الماضي الجميل. # آل مراد # يقوم بيتهم في نهاية الشارع من ناحية بين الجناين في ذيل الجانب ~~الآخر من الشارع، فهو يواجه بيت آل إسماعيل. صديقنا من هذه الأسرة ~~هو آخر عنقودها عبد الخالق، وكان يقيم في البيت مع أخت وأخوين. ~~أما الشيخ مراد أبوه وكذلك أمه ms19 فقد توفيا منذ سنوات وهو ما زال ~~طفلا. وبترتيب السن كان محمود هو الأكبر، ورتيبة تليه ثم أحمد، ~~وتفصل سنوات غير قليلة بين أحمد وصديقي عبد الخالق، وكانت رتيبة ~~تقوم في البيت بوظيفة الأم خير قيام. وقال لي عبد الخالق إن أخويه ~~موظفان وإنهما قررا ألا يتزوجا حتى تتزوج أختهم رتيبة. ورغم ~~بساطة الحال والمظهر لم أعرف في حياتي شخصا فخورا مثل عبد ~~الخالق. يحدثنا كثيرا عن أبيه الشيخ مراد وكيف كان من شيوخ ~~الأزهر الخالدين، وأمه سليلة مجد عريق، وأن أباها مذكور في تاريخ ~~الجبرتي، وكان يذكر أخويه محمود أفندي وأحمد أفندي باعتبارهما من ~~موظفي الدولة المهمين. وعرفت الحقيقة بفضل بقية الأصدقاء والزمن ~~والشارع، وعرفت أن فخره لم يكن على غير أساس دائما. أجل كانت ~~أسرته الغصن الوحيد العاري في شجرة مورقة بالمجد والثراء. عمه ~~كان يوما مفتي الديار المصرية، وما زال وقتذاك عضوا في هيئة كبار ~~العلماء، إلى مواقف مشهودة تذكر له في ثورة 1919، وخاله كان في ~~تلك الأيام النائب العام، وما أدراك ما النائب العام؟! وثمة ~~خال آخر يعد في الصفوة المختارة من تجار البلد. إذن ففخره لم ~~يكن بلا أساس يعتمد عليه، ولكنه كان يغالي فيه لدرجة جرت عليه ~~بعض السخرية. وكان ينتهز فرصة نشر أي نعي خاص بأسرته لكي يتلوه ~~علينا بالأسماء المدوية المذكورة فيه، ولكننا لم نشهد يوما ~~أحدا من أولئك الرجال العظام وهو يزور بيت صديقنا المنعزل في شارع ~~الرضوان. وعرفت بعد ذلك حقيقة أخويه الموظفين، فإذا بهما من ~~صغار الموظفين، محمود أفندي بالابتدائية، وأحمد أفندي بالكفاءة. ~~وكان عبد الخالق ذا وجه مستدير وشعر أسود عميق السواد، وأنف ~~أفطس، وعينين مستديرتين صغيرتين، وكان هو ومحمود أفندي ورتيبة ~~ثلاث صور متقاربة لا تمت للجمال بأي صلة، بخلاف أحمد أفندي ~~الذي انطلق بقامة ممشوقة ولون ضارب للبياض وقسمات متناسقة ~~جذابة. وكان طبيعيا أن يؤجل الأخوان زواجهما حتى تتزوج ~~رتيبة، وحتى ينتهي عبد الخالق من مراحل تعليمه التي تعثرت خطاه ~~فيه ولم تبشر بأي فلاح مرموق. ms20 كان الفقر يخيم على الأسرة ~~ويطمس معالم مستقبلها، وربما كانت رتيبة مشكلتها الأساسية لفقرها ~~وجهلها وحرمانها القاسي من الجاذبية والجمال. ورغم ذلك فهي لم ~~تستسلم للانزواء والانطواء، وترددت على أسر الشارع في زيارات ~~انفرادية - متجنبة أيام الزيارات المعروفة - لتتفادى الوجود في ~~مجتمعات السيدات بملابسها البسيطة المتواضعة، ولتلقاهن كذلك في ~~بيتها منفردات فلا تكلفها الزائرة أكثر من فنجان القهوة. وكانت ~~محور الخدمة في بيتها، فلم يشعروا بفقد الأم ولا بافتقاد الزوجة، ~~وراحت تتقدم في السن عاما بعد عام في جو من الصمت والقلق. لا ~~شك أن أحمد كان أسعد أعضاء الأسرة، يسير بالشارع تياها بمنظره ~~فيجذب أنظار البنات والنساء، ويوزع نظراته على النوافذ والشرفات ~~مغلقة بالحذر الواجب. جعل من فن الحب مهنته ولم يخب مسعاه ~~فحرره الحب من البيت الكئيب بما يشبه المعجزة. أحبته أرملة ~~غنية تماثله في السن وعرضت عليه زواجا يناسب حاله؛ أي بدون ~~تكاليف تذكر. وانزعج أخوه الأكبر محمود، وقال له إنه سيتركه ~~وحيدا في السفينة الجانحة ولكنه طمأنه ووعده بأنه سيفيض على ~~أسرته مما سيفيض به الله عليه، وتزوج من الأرملة، وانتقلت به ~~إلى المعادي، كأنما لتستأثر به بعيدا عن أهله. والحق أنه لم يستطع ~~أن ينجز وعدا من وعوده الخلابة، وكاد ينقطع تماما عن أسرته ~~تحاشيا للمشاحنات ووجع الدماغ. وساءت حال الأسرة أكثر وبلغ اليأس ~~أقصى مداه بمحمود ورتيبة، أما عبد الخالق فنتيجة لفشله المتكرر في ~~الدراسة التحق بالتجارة المتوسطة بالابتدائية، وانتهى من دراسته ~~المتواضعة قبل أي واحد منا، وبوساطة عمه أو خاله التحق بوظيفة ~~صغيرة بالمعارف. وبحلول الثلاثينيات نبذ محمود أفندي فكرة الزواج ~~تماما يأسا وعجزا، ومضى ينحدر نحو سن المعاش، ورتيبة جاوزت ~~الثلاثين بخمس واستسلمت لليأس، وآمن عبد الخالق بأنه يسير في نفس ~~الطريق، ولكن كان ثمة مفاجأة في الغيب فقد جاء أولاد الحلال ~~بعريس لرتيبة. في الخمسين من عمره، كان وحيدا وعلى شيء من الثراء ~~والمرض، ولعله كان في حاجة إلى الخدمة أكثر من أي شيء آخر. هكذا ~~تزوجت رتيبة قافزة فوق اليأس ms21 والظنون، واستقرت أيضا في ~~بيتها الجديد، وأنجبت قبل فوات الفرصة ولدين أتيح لي أن أرى ~~الأكبر ضابط شرطة والآخر ضابط جيش، وصادفتهما كثيرا في أطوار من ~~العمر في بيت عبد الخالق فكانا يناديانني بقولهما: «يا خالي.» ~~أسوة بخالهما عبد الخالق. والحق أن صداقتنا مع عبد الخالق صمدت ~~للزمن قوية رغم اختلاف المشارب والمذاهب، يحفظها الشارع والمقهى ~~والذكريات. واستقبلنا الحرب العظمى معا، وجمعنا المخبأ كل ليلة، ~~وطالما ناقشنا التغيرات النامية حولنا في الناس والأحوال ~~والأسعار. وكان من السهل ملاحظة الحب الجامح الذي يكنه صديقي ~~لأهله عامة ولابني أخته خاصة، شأن الأعزب المحروم من ممارسة ~~العواطف الحميمة، وأيضا لتطلعه الطبيعي الساذج نحو نفوذ الشرطة ~~والجيش يغطي به هوانه كموظف صغير ضائع بلا مستقبل يعتد به، ~~ولكن سوء الحظ كان يرصده من حيث لا يدري؛ ففي الفترة الحرجة التي ~~أعقبت الحرب استولت مبادئ الإخوان على ضابط الشرطة، وفي خضم ~~الصراع بين الإخوان والسلطة انكشف أمره في مطاردة مثيرة وقتل ~~برصاص الشرطة! قتل الجنود ضابطهم، ولم أعرف هذه الحقيقة إلا من عبد ~~الخالق نفسه، بخلاف ما نشر في الجرائد من أنه قتل برصاص الإخوان ~~في المعركة. وأرسل عبد الخالق لنا كلمة مكتوبة يحذرنا فيها من ~~شهود سرادق المأتم خوفا أن نجر بسبب ذلك التحقيق. # وقال لي فيما تلا ذلك من أيام: حتى بيتنا فتشوه! # وراح يتمتم بنبرة باكية: إنه حظي الأسود! # لم أعرف بين أصدقائي من كان يقارب عبد الخالق في عمق أحزانه أمام ~~الموت، وكان يفوق في ذلك النساء أنفسهن، كما لم أعرف أحدا يماثله ~~في شدة تعلقه بأسرته. أما خاصيته الأخرى فهي إدمانه لشراء أوراق ~~اليانصيب وبخاصة يانصيب المواساة أو سباق الدربي العالمي. وكانت ~~أسعد أوقاته هي ما تمضي بين شراء الورقة وظهور النتيجة، حينما ~~يستسلم لعذوبة الأحلام، في مباهجها الأساسية؛ الفيلا، والسيارة، ~~والمائدة، والعروس. وأحيانا يقول لي متحسرا: يا لخسارة النظرات ~~الضائعة في الهواء! # فأسأله عما يعني فيقول: الجميلات في النوافذ! # ويحكي عن بنات العباسية، كيف يطاردهن بنظراته الجائعة، وكيف ~~يستجبن ms22 بأدب منتظرات الخطوات التالية التي لا تجيء أبدا. ~~- العين بصيرة واليد قصيرة! # فأقول ضاحكا: ربما يخبئ لك الدهر حظا كما خبأه لأخيك ~~أحمد! # فيقول محتجا: لا تذكرني بالوغد! # كان عبد الخالق متدينا من نوع ما، يحافظ على صلاته وصيامه ~~ويكثر من الدعاء لعل وعسى، ولكنه لا يتردد فيسكر ليلة الجمعة ~~متجرعا أرخص أنواع الأنبذة بشارع محمد علي، ثم يذهب مترنحا إلى ~~درب طياب. ويتغنى إذا سكر: # الحمد لعلام الغيب، # القادر على أن يملأ جيبي، # وآخذ من الدنيا نيبي، # وأتزوج بفرنسية. # وعلى نقيض شلتنا لم يعرف الانتماء إلى الحركة ~~الوطنية، وبامتعاض يقول: كلهم مهرجون، ماذا فعلوا ~~للبائسين؟! # وتحمل الأصوات على الاستعمار والأجانب، فيقول ساخرا: ~~السياسيون يقاسمونهم الخيرات، ويضحكون علينا بالخطب! # ولا سبيل إلى تغيير رأيه، ولعله الوحيد - أو أحد اثنين - في ~~شلتنا كلها الذي قبع في قوقعة محكمة من الأمية العقلية، فلم ~~ينظر طوال حياته في كتاب أو مجلة - عدا المقررات المدرسية، ولم ~~يستطع أن يفرق بين العقاد المفكر ~~والعقاد ~~التاجر بالسكة الحديد - واكتشفنا في زمن متأخر ~~نسبيا أنه يعتقد ~~أن النيل مرادف للنهر، ~~فيوجد نيل في إنجلترا ونيل في العراق ... إلخ. وكان يغلب عليه ~~الوجوم والكآبة فلا يضحك، ويغني ويرقص وينبسط إلا إذا سكر. ~~وجرى الزمن حتى أقبلنا على الأربعين من عمرنا، وعند ذاك فاجأنا ~~الجيش بانقلابه في يوليو 1952. ورحنا نضرب أخماسا في أسداس كما ~~يقولون، وإذا بعبد الخالق يقول: أي حركة خير من الكرب الذي ~~نعانيه. # وسرعان ما تبين له أن ابن أخته الباقي من ضباط الصف الثاني ~~المقربين، وكاد يطير من الفرح، واهتم بالسياسة لأول مرة في ~~حياته، وراح يقول لنا ضاحكا بغير سكر: إذا لم يقسم لنا أن نكون ~~من الأمراء فنحن من النبلاء! # وآمن عبد الخالق بأن ورقة يانصيبه قد ربحت أخيرا، وأن الدنيا ~~مقبلة على أجنحة الملائكة، وسألته: متى تجيء الترقية؟ # فقال بحبور: قال لي - ابن أخته - إن الترقية في الوزارة كثيرة ~~الصخب قليلة الثمرة، ولكنه سيبحث لي عن وظيفة في شركة وبمرتب ~~خيالي .. ولم ms23 أعد أرى الضابط الشاب في شارعنا، ربما لانغماسه في ~~واجباته الجديدة، وكان يزور خاليه أحيانا مستترا بالليل فيطمئن ~~عليهما ويعدهما خيرا ثم يذهب دون أن يدري به أحد. وقد صادفته ذات ~~صباح وأنا ذاهب إلى عملي وكان يغادر دار الإذاعة بشارع الشريفين ~~إلى سيارة عسكرية تنتظره. هممت بالسلام ولكنه مضى وكأنما لم ~~يرني، اندلق علي جردل ماء بارد. لا يمكن أن يتجاهلني، إنه في ~~شغل شاغل بأفكاره فلم يرني، ولكن لشد ما تغير في أيام معدودة؛ ~~تلبسته هيئة عظمة لا أدري من أين جاءته، ومضى وكأنه صاحب ~~الأرض ومن عليها. وتذكرت بذهول تواضعه وبساطته وعذوبته ~~وسذاجته الثقافية. وخطر لي خاطر أن أولئك الضباط في ثورتهم ~~يمثلون مصر المقهورة في معاناة مشاعرها بالنقص، ولكن يخشى أن ~~ينقلب الأمر في ذواتهم إلى مركب عظمة، ولا يجدوا من يمارسونه ~~عليه إلا المصريين التعساء! المهم أن عبد الخالق كان يعيش في سراب. ~~وبدأت المأساة بصداع متقطع ينتاب الضابط الشاب في رأسه، ثم ~~يشتد ويستفحل، وينجلي الفحص عن اكتشاف ورم بالمخ. وسرعان ما ~~حملته طائرة إلى إنجلترا لإجراء جراحة عاجلة وخطيرة، وبسرعة غير ~~متوقعة أسلم الشاب الروح. أما الحزن الذي حاق بعبد الخالق فمما لا ~~ينسى أبد الدهر، بكى ولطم كالنساء، وأغمي عليه مرتين في منظرة ~~بيته ونحن نقدم له واجب العزاء. والحق أننا قدرنا حزنه وحاله ~~فشاركناه ألمه من صميم قلوبنا. ومضى وقت طويل وهو عائش في مأساته، ~~وكان يقول: أي حظ هذا؟! حدثت معجزة من أجلي فانظروا كيف ~~انتهت! # ويشرد طويلا، ثم يواصل: انظروا إلى حظ الآخرين! # وراح يحصي المحظوظين .. من ضموه إلى لجنة جرد القصور الملكية ~~وما أدراك ما الجرد، من رقي في وزارته وفاق نفوذه وكيل الوزارة، ~~ومن ... ومن ... ~~- حتى جاء دوري فحصل انقلاب للانقلاب! # ونصحناه بأن يستشفع بزملاء ابن أخته من الضباط، ولكن لم يسفر ~~المسعى إلا عن ترقيته إلى الدرجة السابعة. وواصل حياته التعيسة ~~برفقة أخيه الأتعس. ولما مات أخوه في الستينيات باع البيت، وتزوج ~~بنصيبه أرملة في منتصف ms24 الخمسين كانت أما لفتاتين متزوجتين، ~~وأقام معها في السكاكيني ولم ينجب. وهدأت أعصابه بعض الشيء ~~بتقدم العمر وسلم بالأمر الواقع، وازداد تدينا وأملا في ~~الآخرة، ولم ينقطع عن المقهى وأصدقائه قط. وفي الثمانينيات ~~توفي بفشل كلوي وهو ابن سبعين بعد حياة مفعمة باللهفة ~~والحسرة والإحباط، طاوية ذكرياتها الجميلة في ماض بعيد لم يكد ~~يبقى من معالمه شيء. # آل القربي # تقوم سراي آل القربي فيما يلي بيت آل مراد، سراي كبيرة مترامية، ~~ينطلق النخيل متجاوزا أسوارها العالية، وتشغل مساحة واسعة بطول ~~شارعنا، وفي العمق المفضي إلى شارع أبو خودة. تلوذ بعزلة صارمة ~~عما حولها، وتغوص في غموض شامل كأنها تاريخ قديم بلا وثائق؛ فلا ~~أحد يعرف شيئا عن الأصل أو الأقارب، وأهل السراي لا يزورون ولا ~~يزارون بخلاف أغلبية السكان الملتحمة بالجيرة والتزاور والمودة. ~~ولم نر من أهلها سوى ربها إحسان بك القربي وابنه الصبي عمرو. كما ~~كنا نرى البواب والحوذي والطاهي ومديرة السراي أمام الباب في ~~العصاري. وكان البك يغادر السراي مرة واحدة يوميا عند الأصيل، ~~على قدميه غالبا، وفي الحنطور نادرا، ثم يعبر شارع العباسية ~~متجها نحو الشرق لقضاء سهرة في أحد القصور. كان بدينا مع ميل إلى ~~القصر، ضخم الخلفية مثل امرأة، طويل الطربوش، ريان الوجه، ثقيل ~~الملامح، يرى العالم من خلال نظارة كحلية اللون ويقبض على ~~مذبة عاجية. كان بطيء الحركة، بارد النظرة، كأنه ناهض من نوم ~~أو ماض إلى نوم، ويمضي غير منتبه لما حوله. وكان عمرو من سننا، ~~ولكنه لم يشجع أحدا على التعرف به ولم يسع إلى التعرف ~~بأحد، وكان يظهر أمام الباب قليلا، وأغلب فراغه يقضيه في الحديقة، ~~وكان صورة مصغرة من أبيه لولا جحوظ في عينيه. وكنا نفضل ~~جمال بك إسماعيل على إحسان بك رغم تأديبه المتلاحق لنا؛ فهو مثير ~~وباعث على الضحك، ولا وجه للمقارنة بينه وبين هذه الكتلة اللحمية ~~الباردة الصامتة، فضلا عن المكانة المرموقة التي استحقها جمال بك ~~لإنجابه مديحة وسامية. ورغم ذلك فقد رسمنا للأسرة صورة، أمدنا ~~الخيال ms25 ببعض خطوطها وعم فرج بالبعض الآخر. قال صديقنا عبد الخالق: ~~اسم القربي فيه الكفاية، هو نسبة إلى القربة؛ فجدهم كان - ولا شك ~~- سقاء، وبشرتهم كما ترون لا تشي بأصل شركسي أو تركي أو ~~حتى شامي! # أما عم فرج بياع الدندورمة والحلوى فقد اقتحم بحديثه أسوار ~~السراي إلى الداخل، وقال: ليس في السراي امرأة سوى نفوسة كبيرة ~~الخدم. # وأكد لنا أن الهانم توفيت عقب ميلاد عمرو، وقبله بسنوات ~~عديدة أنجبت موسى بك الذي يعمل اليوم في السلك السياسي. وتناسينا ~~آل القربي بلا اكتراث حتى شدوا انتباهنا في الثلاثينيات بواقعة ~~استفزازية خلقت لهم في القلوب كراهية ثابتة؛ فقد دعا البك ~~إسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء في الثلاثينيات إلى مأدبة عشاء ~~في سراياه. كان الباشا في ذلك الوقت دكتاتور مصر ومعذبها وأبغض ~~خلق الله إلى قلبها. ومنذ عصر ذلك اليوم انتشر المخبرون في الشارع ~~والحي كله، وصادروا أي تجمهر لأبناء الحي حتى اضطررت لمشاهدة ~~ما يجري من نافذة بيتنا. وجاءت قوة من الشرطة واتخذت مواقعها في ~~الشارع بكامل أسلحتها. ومضى المدعوون يحضرون في سياراتهم ويدخلون ~~السراي تباعا. وأخيرا جاءت سيارة رئيس الوزراء، ووقف المدعوون ~~وعلى رأسهم إحسان بك القربي لاستقبال الرجل، ولمحته وهو يغادر ~~السيارة إلى السراي. وامتدت السهرة حتى نهاية الثلث الأول من ~~الليل، ثم غادر الجمع السراي في مظاهرة من السيارات بين صفين من ~~الجنود المسلحين. وانتشر الخبر في الحي كله كالنار المندلعة، ~~وجرى اسم القربي على الألسنة مصحوبا باللعنات. # وتراجع البك إلى جحر عزلته وغموضه حتى شد انتباهنا مرة أخرى في ~~تاريخ لاحق لم أعد قادرا على تحديده. ما ندري ذات نهار إلا ~~ونفوسة كبيرة الخدم تغادر السراي ملتفة في ملاءتها اللف وهي ~~تسب وتلعن قلة الحياء، ماذا حدث يا ترى؟ ومن يكون قليل ~~الحياء؟ # وعلق أحدنا قائلا: المرأة ليست شابة ولكن بها رمق ولا ~~شك! # ورجعت المرأة بعد حين بصحبة شرطي فدخلا السراي معا، وبلغت بنا ~~الأشواق منتهاها، واستخفنا السرور، وإذا بركب يخرج مكون من ~~المرأة والشرطي وإحسان بك ms26 القربي، فيتحرك نحو قسم الوايلي. ~~- يا ألطاف الله! .. البك نفسه؟! ~~- لم لا؟ ~~- وما دخل الشرطة؟ ~~- طمعت المرأة في قرشين! # ولم نعرف مزيدا من الحقيقة حتى تكلم عم فرج. والله وحده هو ~~المطلع؛ فلم أدر حتى اليوم أين يقف الخيال، وأين تبدأ الحقيقة. ~~قال عم فرج إن البك فاجأ المرأة برغبات شاذة فغضبت لكرامتها وأبت ~~إلا أن تشكوه في القسم. وقال الرجل: تحولت المسألة إلى قضية، ~~وربنا يستر! # أشعلت القضية اهتمامنا، وأثارت خيالنا، وحركت مكامن الجنس في ~~نفوسنا. وزاد عم فرج فقال إن العلاقة ساءت قديما بين البك ~~والمرحومة زوجه لميوله الشاذة. ورأينا الرجل يرجع إلى أسلوب حياته ~~اليومي؛ يذهب ويجيء دون مبالاة وكأن شيئا لم يكن. ماذا حدث؟ هل ~~ينتظر محاكمة؟ .. هل عجزت المرأة عن إثبات التهمة؟ .. هل تم ~~اتفاق من نوع ما؟ .. هل تدخلت جهات عليا لصالح البك؟ .. ~~أفلتت الحقيقة منا تماما، وعادت الحياة إلى روتينها المألوف، ~~وحلت خادم جديدة محل القديمة. وأتم عمرو تعليمه معنا على وجه ~~التقريب في تاريخ واحد، وألحق كأخيه بالسلك السياسي. وبعد قيام ~~الحرب العظمى بقليل غادر البك الحي إلى مكان آخر، فلم أسمع عنه ~~أو عن ابنيه أي خبر، ولبثت السراي مغلقة حتى بيعت قبيل ~~الخمسينيات، وشيدت مكانها أربع عمارات. # آل الجمحي # بيتهم يقع مباشرة لصق ~~آل إسماعيل، وهو بيت عامر بالسكان .. عبد الرحيم بك رب الأسرة، ~~وحسين ابنه وصديقنا، وزوجة وبنات لم يرهن أحد ولم يعرف عددهن ~~أحد من شدة غلظ السياج المضروب حولهن. وعبد الرحيم بك الجمحي من ~~عرب الفيوم وأعيانها، ولسبب ما عهد بأرضه إلى إخوته وهاجر إلى ~~القاهرة، فشيد بيته في شارع الرضوان واستقر. لم ير وجه من ~~حريمه في نافذة أو باب، ولا وجد حاجة لعرض بناته على الأسر؛ إذ كن ~~مخطوبات منذ المهد لأبناء عمومتهن، ولم يسمح لزوجه بزيارة أسرة من ~~الأسر إلا بعد التأكد من بعدها عن «الفرنجة»، فكان من حظي أن ~~أرى زوجته وأنا في صباي الأول، وأتملى لونها الأبيض وقسماتها ~~الجذابة ولهجتها العربية الريفية ms27 الممتعة، أما في المجيء والذهاب ~~فكانت تتسربل بالسواد كأنها جوال فحم. وكان للرجل هيبة وعنجهية ~~وصرامة وقوة عمل لها كل إنسان ألف حساب وحساب. كان قوي الجسم ~~كمصارع محترف، غزير الشارب، غليظ القسمات، وبه حول شديد، منفر ~~الصورة، يقبض في سيره على عصا غليظة أطول منه، ويضرب الأرض ~~بقدم ثقيلة وهو يندفع بعباءته وعمامته. وذاع - ولا أدري كيف - أن ~~الرجل قاتل له أكثر من ضحية في بلده. وخطر لنا ذات يوم أن نسأل ~~حسين عن صحة ما يقال، فقال بأبهة: قتل أبي أربعين ~~رجلا! # فرأيت فيه رمز الموت وشبحه وخفته بقدر ما كرهته، وآمنت ~~بأن العدل لن يتحقق على الأرض حتى يقتل هذا الرجل. # وعلى أثر انصرافه من زيارة لأبي قلت لأبي: يقولون إنه ~~قاتل. # فقال ببساطة: ولماذا نصدق ما يقال؟ .. الحق أنه شهم وجار ~~أمين. # ونشأ حسين مثل أبيه في القوة والشراسة والصورة. إذا غضب ضرب، ولا ~~يجرؤ أحد على مواجهته، ولكنه في حال الرضا كان مثال الكرم والمودة، ~~وطالما دعانا للغداء وأتحفنا بالهدايا من الحلوى والفاكهة. # ورغم ثرائه كان تلميذا ناجحا، ويحب المطالعة والمناقشة غير ~~أنه بدا من أول الأمر فخورا بالعرب والعروبة، معتزا بالطبقة؛ ~~ولذلك احترم الملك وعدلي، ولم يخف استهانته بسعد زغلول. نظرته ~~إلى الأمور من فوق إلى تحت، وهو لا يداريها أو يخفيها، يثير ~~عاصفة من المناقشات، ولكننا أخذناه على علاته، بل آمنا بضرورة ~~وجوده كممثل لمعارضة لا بد منها لتجديد حوارنا وإنعاشه. ولم ~~نختلف معه في السياسة وحدها، ولكن أيضا حول المرأة والحضارة ~~الغربية والأفكار الجديدة، ولعله كان الوحيد في شلتنا الذي ~~يفضل الرافعي على العقاد، ولكنه اختلف أيضا مع عبد الخالق على ~~ماشست وفانتوم، فأسفر ذلك الاختلاف عن شراسته. كان ماشست وفانتوم ~~من أبطال الأفلام الذين يأسروننا بقوتهم وشجاعتهم. وفاز كل ~~منهما بفريق من المتحمسين، فكان حسين مع ماشست وعبد الخالق مع ~~فانتوم، واشتد النقاش بينهما عن ذلك حتى غضب حسين الجمحي، وإذا به ~~يقبض على عنق عبد الخالق، ويقول: لو قبض ماشست ms28 على عنق فانتوم ~~هكذا ، فماذا يستطيع فانتوم أن يفعل؟ # وضغط على عنق عبد الخالق بحنق حتى احتقن وجهه بالدم وانحبس ~~صوته، وخلصنا بينهما وعبد الخالق يلهث. وقاطع حسين فترة طويلة ~~حتى صالحه بدعوة خاصة إلى الغداء. وكان بيت عبد الرحيم بك يواجه ~~سراي آل القربي مباشرة، ولكن لم يحدث أن تبادلا التحية قط. كان ~~إحسان بك يسير كالنائم غائبا عما حوله فيستفز عبد الرحيم بك ~~بتجاهله غير المقصود. ودأب عبد الرحيم بك، كلما مر به الآخر، ~~أن يبصق بصوت مسموع إعرابا عن ازدرائه واستيائه، فيمضي الآخر في ~~طريقه دون أدنى التفات. وتوقعنا أن تحدث أمور أخطر من ذلك، ~~ولكن الله سلم. واعتاد عبد الرحيم بك عند زواج أي بنت من بناته أن ~~يقيم حفلين .. الأول في شارعنا عند كتب الكتاب، والآخر في ~~الفيوم ليلة الدخلة. وكان الشارع كله تقريبا - طبعا لا محل لذكر ~~القربي هنا - يدعى للحفل. وأردنا أن نسمع العالمة - ونرى الحريم - ~~معتمدين على حداثة سننا، ولكن البك الجبار انتبه لتحركنا، ~~واعترضنا غاضبا، وصاح بنا: يا شياطين، مكانكم في السرادق وإلا ~~حطمت رءوسكم! # فهربنا كالفئران، وصورته المتوحشة تطاردنا، وحكيت الحكاية ~~لأبي في اليوم التالي، فقال ضاحكا: إنه يعتبركم رجالا، وما أهمية ~~العالمة ولديكم صالح عبد الحي في السرادق؟! # وظلت الأسرة محافظة على تقاليدها حتى اضطرتها الحرب ~~العظمى إلى اللجوء إلى المخبأ مثل الآخرين. في ذلك الوقت كانت ~~البنات قد تزوجن، وكان حسين قد أتم دراسته الزراعية وسافر في ~~بعثة إلى أمريكا، ولم يبق في البيت إلا عبد الرحيم بك وحرمه. ~~اضطر الرجل أن يجيء بها معه إلى المخبأ الذي يتساوى تحت سقفه عم ~~فرج مع القربي بك. وكانت حرم الجمحي تجيء متلفعة بعباءة ولا ~~يظهر من معالمها شيء. واشتدت الغارة ذات ليلة مشهورة، فتناثرت ~~الأعصاب وصوتت النساء. وفقد عبد الرحيم بك أعصابه كذلك، واندفع ~~يضرب سقف المخبأ بعصاه في حالة هستيرية، وصرخ في النساء بلا وعي: ~~هس .. ستحطم عصاي رأس من أسمع صوتها! # ولم يعد يسمع إلا أصوات المتفجرات ms29 ودوي القنابل المضادة، ولم ~~يفكر أحد في مؤاخذته أو معاتبته في تلك الليلة الليلاء. # ورجع حسين دكتورا في أوائل الحرب، وشغل وظيفة في وزارة الزراعة، ~~وعاد إلى عهده القديم في صداقتنا وإن لم تغير الرحلة من موقفه في ~~الحياة بصفة عامة، ظل على محافظته في كل شيء عدا ميل جديد نحو ~~الحضارة الحديثة في مظاهرها المادية المتقدمة. وعند ذلك انتهت حياة ~~أبيه نهاية غير متوقعة، أو غير متوقعة بالنسبة لنا. كان في ~~زيارة للفيوم، وعلمنا عن طريق الرواة أنه زار جزارا من معارفه ~~وجلسا سويا أمام الدكان قبيل المغرب، وكان الدكان في ميدان تتفرع ~~منه شوارع، فلما آذنت الشمس بالمغيب وخلا الميدان من السابلة، ~~انهال الرصاص فجأة ومن نواح متعددة وبكثرة على الرجل. وفي ثوان ~~انتهى كل شيء؛ سقط عبد الرحيم بك قتيلا مضرجا بدمه واختفى ~~الفاعلون. وكان للجريمة ردة فعل عنيفة في الأنفس بالنظر إلى ~~مكانة الرجل وجبروته. وبدأ التحقيق مع الجزار ومع رجلين تصادف ~~قربهما من موضع الحادثة، ولكن اتفقت الأقوال على أن الأمر وقع ~~بسرعة مذهلة وأنهم لم يروا أحدا على الإطلاق. لم يسفر التحقيق ~~عن شيء، وقيل - والله أعلم - إن الشهادة اتفقت على قول واحد رغبة ~~في الانتقام من سفاح خطير أفلت من قبضة العدالة بلا وجه حق، بل ~~قيل أكثر من ذلك إن الشرطة تهاونت في البحث، وكذلك النيابة لأن ~~قلوبها كانت مع القتلة تلك المرة لا مع القانون! # وربما كان ما سمعنا مجرد أسطورة ابتدعت، فإن صح ذلك فلا شك أن ~~بعض الأساطير تتفوق على الوقائع بصدقها وجمالها، وحزن حسين على ~~أبيه حزنا كبيرا، وجعل يقول لنا: أود أن أنتقم لأبي، ولكن ~~ممن؟ # ويتنهد بغيظ دفين. ولما قامت ثورة يوليو تقوض بنيان عالمه ~~كله، وأصبح بين يوم وليلة غريبا في دنياه .. وبدا أحرص مما كنت ~~أتصور، فعرف منذ اللحظة الأولى كيف يضبط لسانه ويسيطر على ~~انفعالاته، وتزوج من ابنة عم له، ومضى يبيع أرضه أو ما تبقى ~~منها. وأقام في بيت العباسية وارتضى مستوى ms30 من المعيشة دون ~~إمكانياته بكثير. وأقلع عن حديث السياسة حتى مع أخص خواصه، أصبح ~~شخصا جديدا لا يهمه من الدنيا إلا شئون أسرته ووظيفته. لبث ~~كذلك دهرا حتى دهمتنا الهزيمة في 5 يونيو فتعذر عليه أحيانا ~~أن يكتم فرحه، وربما مال على محدثه، وهمس: هل سمعت آخر ~~نكتة؟! # ويروي النكتة بعد النكتة، غير أنه لم يسفر عن وجهه الحقيقي ~~إلا بعد وفاة عبد الناصر، أو على وجه التحديد، بعد السماح بنقد ~~عهده. هناك لمست مدى الحقد الذي تنطوي عليه جوانحه نحو الرجل ~~وثورته. وما كان يمكن أن يزيد حقده لو أنه تعرض لما تعرض له ~~غيره من الاعتقال أو الحراسة أو المصادرة؛ ذلك أن الحقد لم يترك في ~~جوفه زيادة لمستزيد. ولا تتصور طربه عندما انتشرت إشاعة - ~~لعلها لم تقم على أساس - بأن مياه المجاري تسربت إلى قبر ~~الزعيم. كان يرقص طربا، واقترح أن يعلقوا الجثة على باب زويلة ~~حتى تجف! ورغم ثقافته وتعلمه في الداخل والخارج فإنه لم ير في ~~ثورة يوليو إلا أنها انقلاب دبرته عصابة من اللصوص لنهب البلد ~~باسم الوطنية ثم تركتها خرابا شاملا، وتغير حاله في عهد السادات، ~~وازدهر وتألق في الانفتاح، فاستقال من وظيفته واشتغل بالاستيراد ~~وغيره، وأثرى ثراء فاحشا، وشيد لأسرته قصرا في مصر الجديدة ~~وعاش عيشة الملوك. وفي العهد الثالث للثورة - عقب اغتيال السادات - ~~تكشفت له حقائق الأمور كما لم تتكشف من قبل، ولم يتبع ~~الإصلاح الجديد بالتفاؤل الجدير به، وكان آخر ما سمعت من قوله: ~~أشك جدا في أنه يمكن إنقاذ السفينة من الغرق، وسوف يستوي من عنده ~~مال ومن لا مال له؛ ولذلك فإني أفكر في هجرة بلا رجعة، وهي ~~نهاية منطقية لحركة عبد الناصر! # آل مكي # وهذا بيت صابر مكي التالي لآل الجمحي مباشرة. مطرب غير مجهول ~~الاسم، ويقيم في البيت هو وزوجته وابنه يسري وابنته وداد. وداد ~~تماثلني في السن، أما يسري ففي المرحلة الثانوية. وكانت أم وداد ~~وبنتها يزوراننا كثيرا، فعرفتهما معرفة جيدة. وبقي في ذاكرتي من ms31 ~~تلك الأيام جمال البنت وضعف الأم وشكواها المتكررة من قلة ~~الرزق وسلوك صابر. كانت تقول: كلما رزقه ربنا بقرشين أنفقها ~~على أصحابه، يولم الوليمة ويدعو إليها كل من هب ودب، ثم ~~نعيش بعد ذلك على باب الله! # وكان في وجهها جاذبية، ولكن يطغى عليه الشحوب والضعف. وفي ليالي ~~الصيف كان صابر مكي يقوم بتدريباته الغنائية في الحديقة الصغيرة ~~الخلفية، فتترامى إلينا الأنغام مخترقة فضاء الحقول. كان صوتا ~~حسنا ولكن صوت وداد كان أحسن. كنا ندعوها للغناء فتغني: # ارخي الستارة اللي في ريحنا، # لحسن جيرانا تجرحنا، # يا مبسوطين بالقوي يا احنا. # وتقول لها أمي في انشراح: بنت الوز عوامة! # والأم فخورة بابنتها، وتقول حالمة: ستكون مطربة وربنا يعوض صبري ~~خيرا. # أما الابن يسري فولد ذكي وهو يحلم بأن يكون طبيبا. ونراه ~~كثيرا في الشارع ولكنه يترفع عن صحبتنا لانتسابه لجيل آخر، ~~وكان صديقا لأحمد أفندي مراد شقيق صديقنا عبد الخالق. وأيضا كان ~~يزورنا صابر مكي ويجالس أبي طويلا في حديقتنا الصغيرة، وسمعته ~~مرة يقول لأبي: صالح عبد الحي رجل غريب الشأن، لماذا يلقب ~~نفسه بعبد الحي؟! دجال يتمحك باسم خاله عبد الحي حلمي ويتبرأ ~~من أبيه، وبهذا الدجل تفوق علينا في الطرب دون جدارة ~~ذاتية! # ولم يكف عن الحنق على صالح، ونفس عليه نجاحه المبكر ~~المكتسح، ومرة أخرى قال: جميع الأمور منحرفة في بلادنا حتى ~~الطرب، وها هو الشيخ علي محمود يحب صوتي حب خبير، ولكننا لا نحصل ~~على اللقمة إلا بطلوع الروح! ~~- فيقول له أبي: صوتك مليح، والأرزاق بيد الله. لكنك تدخن ~~كثيرا يا صابر أفندي. # فيرد باستهانة: ولا يهمك! # وقد سجل عددا من الأسطوانات، وأحيا بعض الأفراح، ولكنه لم ~~يذق طعم الثراء الذي يحلم به، ثم هبت عليه رياح الأحزان ~~فضاعفت من تعاسته، بدأت بوفاة زوجته في ولادة عسيرة. ولعلها ~~كانت أول جنازة أشهدها في الشارع الجديد .. ولما رأيت الأستاذ ~~صابر وابنه يسري يبكيان بكيت، وخيمت على خيالي صورتها وهي ~~تتحدث أو تضحك، فتطلعت إلى نعشها متمنيا الاطلاع على ms32 ما آل ~~إليه حالها. وآلمني صراخ وداد فكرهت من أجلها الدنيا. ورأيت ~~جميع رجال الشارع في الجنازة عدا إحسان بك القربي، وكثيرين من رجال ~~الفن. وفي الأيام المتعاقبة جعلت أرقب صابر ويسري باهتمام، وكلما ~~لمحت ابتسامة في وجهيهما قلت لنفسي باستغراب: ها هم ينسون. ~~ولم تكن وفاة الزوجة خاتمة الأحزان كما تمنى المشيعون وهم ~~يقدمون العزاء لصابر؛ ففي الثلاثينيات تعرض يسري - كطالب في ~~كلية الطب - لهجمة شرسة من الشرطة ضمن مظاهرة كبيرة، ونقل إلى ~~مستشفى قصر العيني مصابا برصاصة في بطنه، وسرعان ما أسلم الروح. ~~وقصم استشهاده ظهر صابر، ويوم خرجت جنازته ودعته شرفات البيوت ~~بالصوات والعويل، وتضاعف السخط على آل القربي لوقوع الوفاة بعد ~~إقامة الوليمة للباشا بأسابيع قلائل. لم يبق لصابر إلا وداد، ~~وراحت مع الأيام تنضج وتحلو ويعذب صوتها، فتهفو لها القلوب ~~والأبصار والأسماع. وعلى عهد الإذاعات الأهلية فاجأتنا بإذاعة ~~أغنية من أغاني سيد درويش في راديو سابو. طربت وفرحت كأنما أنا ~~الذي نجحت. وقلنا إنه نجاح يجيء في وقته تماما؛ إذ كان صابر ~~يمضي من سيئ إلى أسوأ في الصحة والعمل. وقررا هجر الشارع فما ~~ندري يوما إلا والعربة تحمل أثاث البيت البسيط وتذهب إلى ~~المجهول. # كان يوما من الأيام الكئيبة في العمر وخيل إلي أن شارعنا ~~فقد ابتسامة مشرقة لا تعوض وذكريات لا تنسى. واعتزل صابر ~~الطرب حتى إننا لم نعلم بوفاته في حينها، ولكن وداد لم تغب عنا ~~بروحها وإن غابت تماما بجسمها. مضت تشق طريقها كمطربة ناشئة في ~~الراديو وعالم الأسطوانات. وكان المعجبون بها يزدادون يوما بعد ~~يوم. وكنت أتساءل: ترى أين تعيش؟ وكيف تتعامل مع وحدتها؟ وهل ~~نسيت أحزانها؟ وكيف استوى جمالها الباهر؟ .. حتى رأيت صورتها ~~في إعلان عن فيلم قادم تتقاسم بطولته مع محمد عبد المطلب. قلت من ~~أعماق قلبي: ها هي لؤلؤة شارع الرضوان تتألق وتندفع في دنيا ~~النجاح ذات السناء والسنا. وذكرت بأسى المرحوم صابر المكي في ~~أحزانه وسوء حظه وعسر رزقه. وذكرت قوله لأبي مرة: هذه البنت ~~ستخلف ms33 أم كلثوم على عرش الغناء ! # وتمادت قرينة صباي في النجاح حتى اعتلت قمة شعبية لا ترام بين ~~جماهير الحرب العظمى الثانية، وفرحت أمي لها كثيرا وأنشأت تقول: ~~ألف رحمة ونور عليك يا أم وداد. # ولكن البنت الحلوة نسيت الشارع الذي ولدت فيه والجيران ~~الذين كانوا أول جمهورها. # وفي الخمسينيات وأنا في زيارة لاستديو مصر كانت وداد تعمل في ~~تصوير منظر خارجي بفناء الاستديو. كان الوقت ليلا والمصابيح ~~تصب أنوارها على المنظر، ووداد تقف في ثوب عرس، لتمثل الهروب ~~من زفاف فرض عليها دون إرادتها. رأيتها في ثوب العرس كالفلة ~~المتفتحة تشع ضياء وجمالا، الأرض والناس والعمال مأخوذون ~~بنجوميتها المبهرة. ولما انتهوا من تصوير اللقطة وراحوا ~~يعدون الكاميرا للقطة جديدة تراجعت وداد إلى الوراء قليلا ~~بصحبة المخرج وآخرين. أمست على مبعدة يسيرة من موقفي، ولكنني لم ~~أتحرك ولم أفكر في التحرك ولم أتصور أن تتذكرني أبدا. ~~وفي لفتة تلقائية تلاقت عينانا. وعبرتني كأنها لم ترني ولكنها ~~رجعت إلي مركزة البصر. ولعلي في اضطرابي ابتسمت، وإذ بها ~~تمرق من بين الجماعة منطلقة نحوي هاتفة في بساطة: أنت .. ~~حقا الدنيا حلقة .. كيف حال تيزة؟! # تصافحنا بحرارة، واندفعت تسأل عن المعارف والجيران، وأجيب بما ~~أعلم؛ فهؤلاء انتقلوا إلى مصر الجديدة، وهذه تزوجت، وفلان ~~البقية في حياتك وهكذا، وقالت: حركت ذكرياتي، الله يسامحك، يجب ~~أن تزورني، وعند أول فرصة سأزور شارعنا القديم. # لم يحدث شيء من ذلك، لا زرتها ولا زارتنا. كانت دفعة هواء ~~مترعة بالطيب، ولكنها لم تهب إلا مرة واحدة، ولكنها بفنها ~~كانت تعايشنا الأيام والليالي، ويدور الزمن دورة أخرى، ويجيء ~~الخريف بعد الربيع والصيف، وتتكرر المأساة التي يظن صاحبها أنه ~~أول من يعانيها، وقد امتد بها العمر حتى الثمانينيات، وحظيت ~~بصحة حسنة ومال وفير ولكن لا حيلة مع الشيخوخة وتنكر وغول ~~النسيان. # آل قيسون # ولصق سراي القربي يقوم بيت صغير لموظف في شركة المياه يدعى حسن ~~قيسون. كان نساء الشارع يطلقن عليه - لرثاثة منظره - زبال أفندي. ~~وسمعت مرة كريمة هانم - حرم جمال ms34 بك إسماعيل - تقول عنه ضاحكة ~~إنه شحاذ إفرنجي. بدلة عتيقة مهلهلة، حذاء غليظ كأحذية ~~الجنود، وطربوش متهدل حائل اللون، ونظرة ثقيلة زاهدة، وقسمات ~~متنافرة. أرمل تخدمه قريبة طاعنة في السن، ولكنه أنجب ولدين عزت ~~ورأفت يماثلاننا في السن ويكبراننا بالعقل. وليست رثاثته عن فقر ~~ولكنها وليدة انضباط شديد وحرص أشد، غير أنه لم يضن على ~~ابنيه بما يضفي عليهما المظهر اللائق. لا يزور ولا يزار ولا ~~يرحب بتوثيق العلاقات الاجتماعية، ولكنه لا يتأخر عن أداء واجب، ~~فيشيع الجنازة ويعود المريض ويترك بطاقته لدى التهنئة. عزت ورأفت ~~كانا نجمين متألقين في شارعنا، في غاية من التفوق الدراسي، ~~وقمة من البراعة الرياضية، ومكانة فريدة في الاطلاع والثقافة، ~~وإلى ذلك كان عزت عازف ناي ممتازا. ومن عجب - ورغم تقارب السن - ~~كانا يلعبان في حياتنا دور المرشد والمربي والحامي. وعزت بالذات ~~مغرم بتقليد «شجيع» السينما في أفلام رعاة البقر في شجاعته ~~وشهامته، فإذا تحرش بنا حرافيش الوايلي انبرى لهم وانهال عليهم ~~باللكمات حتى يطلقوا سيقانهم للريح. وكانت طبقية حسين الجمحي ~~تصطدم بآراء عزت ورأفت الديمقراطية، وكذلك تفاخر عبد الخالق ~~بالأصول والأقارب. وكان عزت خاصة قوي الحجة آسر المنطق، وحتى من ~~ناحية القوة فإن حسين نفسه على قوته تجنب الدخول معه في ~~معركة مجهولة النتائج. وقال لنا عزت ذات يوم: لا يكفي التفوق في ~~الدراسة، ولا الانتماء في الوطنية، وليست الوطنية هي يحيا سعد، ~~ولكن يجب أن تكون أنت أيضا مثل سعد. # وحدقنا به في دهشة، فواصل: الرياضة .. الفن .. الثقافة .. ~~العمل .. هذا هو مستقبل وطننا الحقيقي. # لم أصادف في حياتي أحدا يقارب عزت ورأفت تفوقا وتطلعا ~~للجديد مع الاستقامة وسمو الأخلاق. وكان لهما أثر وأي أثر في ~~تعلقنا بالقراءة والرياضة والفن والتطلع للمثاليات في القيم. ~~وكم قال لنا عزت: أعداؤنا ليسوا الإنجليز والملك فقط، ولكن أيضا ~~الجهل والخرافات. # ولا أشك اليوم في أن حسن أفندي قيسون انطوى على مرب فاضل ~~وإنسان ممتاز رغم قذارة منظره، بل حذرتنا الأيام من التمادي ~~برميه بالبخل والتقتير؛ فإنما كان ms35 يقتر على نفسه ليهيئ لابنيه ما ~~يتطلعان إليه من اقتناء الكتب والمجلات والهوايات الأخر، بالإضافة ~~إلى حسن المظهر، وهو ما مكنه أخيرا من إلحاقهما بالطب والهندسة ~~رغم تعذر ذلك على أبناء غير القادرين من الشعب؛ ففي منتصف ~~الثلاثينيات تخرج عزت طبيبا ورأفت مهندسا. وعقب ذلك بعام ~~توفي حسن أفندي قيسون مع تحقيق رسالته وحلمه، وسافر عزت ورأفت ~~في بعثة إلى إنجلترا فأغلق البيت الصغير أبوابه، وانقطعت الصلة ~~بيننا وبينهما فلم نعد نلتقط من أخبارهما إلا ما يجود به الرأي ~~العام. وعن ذلك السبيل سمعنا عن تقدم عزت في مجال الطب حتى صار ~~من أساطين الطب الباطني، أما رأفت فقد تبوأ عمادة كلية الهندسة. ~~وفي الستينيات اضطررت إلى استشارة طبية، فعقدت العزم على زيارة ~~صديقي القديم عزت قيسون. وسرعان ما عرفني فاستقبلني بالأحضان، ~~وخصني بعناية فائقة وغمرني بإحساس إنساني شامل، وتبسط معي ~~في الحديث عن الماضي، عن شارع الرضوان وإخوان الزمان الأول، ~~فتتابعت ذكريات الأحياء والأموات. ومما لاحظته أيضا أن ~~وفديته العريقة حالت بينه وبين التفاهم الكامل مع ثورة يوليو، ~~فاعترف بإيجابياتها ولمس بخفة السلبيات، ثم قال: ولكن أين ~~الشعب؟ .. إنه يخسر كل يوم بعضا من إيجابياته. # فقلت ببراءة: كأنما أصبحنا دولة عظمى. # فقال باسما: دولة عظمى بلا شعب تساوي صغرى! # وقد رأيته مرة أخرى من بعيد في جنازة مصطفى النحاس، ثم قرأت ~~نعيه المفاجئ في نهاية عام الهزيمة المشئومة، أما رأفت فلا أدري ~~اليوم عنه شيئا. # آل حسب الله وفرج # البيت الصغير الثاني في الشارع يلاصق آل مكي، دوره الأرضي فرن ~~بلدي، والثاني شقة صغيرة، والثالث نصف شقة تفتح على نصف سطح ~~مظلل بتكعيبة لبلاب. أما صاحب المبنى كله فهو المعلم حسب الله، ~~ولا أعرف له لقبا أو كنية - وهو صاحب الفرن ومديره - ومسكنه في ~~الشقة الثانية هو وزوجته وبلا ذرية على الإطلاق. وليست صورته مما ~~يعفي عليها الزمن، قصير، مفرط البدانة، ثقيل النظرة والصوت، ~~يكحل عينيه دائما وأبدا، ولم ير أحد امرأته. يتعامل مع عماله ~~بكفه القوية فالعمل يسير ms36 كالساعة. وعمله ينحصر في خبز عجين السكان ~~من شارعنا والشوارع القريبة مثل بين الجناين وأبو خودة؛ استجابة ~~لتقاليد ذلك الزمن التي قضت بأن تعجن الأسر في بيوتها ثم ترسل ~~العجين إلى الفرن فيرجع إليها خبزا ساخنا مورد الخدين نافذ ~~الرائحة، كما ترسل إليه في العيد الكعك والغريبة، وفي المواسم ~~الفطير رحمة القرافة المعروفة. وعرف عن عم حسب الله أنه يتعاطى ~~المخدرات، ولكنه كان فرانا ذا سمعة طيبة جدا. ومن عجب أنه ~~لم ير أبدا خارج بيته. ومات في أوائل الحرب، فأغلقت الفرن ~~وتغيرت التقاليد، فجعلنا نشتري الخبز من البقالين والكعك من ~~محال الحلوى. # وأما نصف الشقة فوق السطح فكان يسكنه عم فرج بياع الحلوى ~~والدندورمة وزوجته، وقد أنجب ذكورا وبنتا واحدة ولكن لم يبق له ~~إلا البنت. وكان رجلا خفيف الروح يعلن عن سلعته بالأغاني كعادة ~~كثيرين من باعة ذلك الزمان، ويدعي أنه يعرف تاريخ الشارع وأهله، ~~ويروي الحكايات عن النساء والرجال. وقد زعم أن مبنى الفرن كان ~~أول مبنى يشيد في الشارع عندما كان متر الأرض بمليم! وكان ~~ضحوكا بشوشا ويتعامل مع كل أسرة كأنما هو من صميم أهلها. وقد ~~مات عم فرج قبيل الحرب فحلت ابنته بسيمة محله في إدارة ~~العربة. وكانت تجمع بين القوة وشيء من الأنوثة والحسن، فتزوجت ~~من بياع فاكهة سريح. ولا أدري كيف امتد نشاطها إلى تجارة ~~الخردة أيام الحرب. ولما راجت تجارتها هجرت عربة الحلوى ~~والدندورمة واكترت جراجا صغيرا في الشارع جعلته مركزا لنشاطها ~~وضمت زوجها لمعاونتها. وأقبلت الأيام عليها فاكترت مكانا ~~جديدا في الأرض الفضاء التي حلت محل الحقول، وملأته بمخلفات ~~الجيش البريطاني، وأصبحت معلمة بكل معنى الكلمة. ومضت تتوسع في ~~الإثراء والتملك فاشترت مبنى الفرن وشيدت مكانه عمارة، ~~وكررت ذلك مع بيت آل جمال إسماعيل وبيت الجمحي أخيرا، أما هي ~~فأقامت في شقة حديثة في شارع العباسية نفسه. وعاصرت الثورة ثم ~~الانفتاح الذي بلغ نشاطها فيه الغاية. وإنها اليوم عجوز ثرية، وأم ~~لرجال ناجحين، وبالنظر إلى قوتها وحزمها ونجاحها فإن أصدقاءنا ms37 ~~في العباسية يطلقون عليها «مسز تاتشر»! # آل شكري بهجت # وفيما يلي بيت حسن قيسون يوجد بيت آل شكري بهجت، والأسرة ~~تتكون من شكري أفندي ونعمات هانم وسامح وأمينة؛ سامح يماثلنا في ~~العمر ويبادلنا الصداقة. وللأسرة صفة مميزة هي الثورة على ~~التقاليد والتمرد على الزمن وإن لم يتضمن ذلك أي انحراف عن ~~القيم الأخلاقية الحقيقية. وشكري ونعمات يكونان رابطة تعتبر ~~مثالا للحب والتوفيق، وهو موظف بالداخلية وهي حاصلة على ~~الابتدائية، والرجل وسيم مهيب وهي تنافس في جمالها حرم جمال بك ~~إسماعيل. لعلها أول امرأة في العباسية تظهر في الطريق سافرة ~~بموافقة زوجها، وتقول لأمي ضاحكة: زعيم الأمة نفسه يوافق على ~~السفور، وعلينا أن نسير مع الزمن .. أما أمينة فلم تستعمل النقاب ~~قط، تمضي مع أسرتها سافرة أو وحدها إذا زارت هذا البيت أو ذاك. ~~ولما خطبت وهي في المرحلة الثانوية صاحبت خطيبها في رحلات ~~انفرادية، ولم تكترث الأسرة لتعليقات الناس، ولم تعتد أن تكترث ~~لأقوال الآخرين. # ويقول لنا سامح لدى كل مناسبة: الناس؟! .. ما أغبى الناس! # جملة مأثورة يرددها كلما ترامى إليه رأي لأحد في ~~سلوكهم. ~~- نحن نعيش في نسيج عنكبوتي من التقاليد السخيفة. # ثم يخاطب حسين الجمحي وعبد الخالق مراد خاصة: الفارق بيننا حيال ~~بعض التقاليد السخيفة هو أنكم تمارسونها رغم عجزكم عن الدفاع عنها، ~~أما نحن فنرميها بكل شجاعة في صندوق القمامة .. وقد تزوجت أمينة ~~عقب حصولها على البكالوريا. كان من رأيه أن تتم تعليمها في ~~الجامعة، ولكنها آثرت بمحض اختيارها الحب والزوجية. على ذلك كله ~~كان شكري أفندي متدينا، ويرى كثيرا أيام الجمع وهو يغادر جامع ~~البيومي بعد صلاة الجمعة. وفي أوائل الثلاثينيات أدى فريضة الحج، ~~واستقبلت زوجته عودته بالزينات وأقامت سرادقا أمام البيت أحيت ~~به ليلة للإنشاد والأذكار، وأطرب الشهود الشيخ علي محمود بصوته ~~الجميل في سهرة امتدت حتى طلوع الفجر. ومن أسف أن الرجل توفي في ~~نفس العام عقب مرض لم يمهله إلا أياما معدودات، ونشرت الأسرة ~~نعيه معلنة الاقتصار على تشييع الجنازة. لم يكن ذلك ms38 شيئا مألوفا ~~في ذلك الزمان ، ولم يكن يصرف الأهل والأصدقاء عن زيارة البيت ~~والاستماع إلى ترتيل القرآن. وذهب الجيران للعزاء فوجدوا البيت ~~مغلقا وخاليا من أهله. ودهش الناس لحد الانزعاج، وعجزوا عن ~~التوفيق بين ذلك السلوك وبين ما عرف عن الزوجين من حب وتوفيق، ~~وارتفع النقد تلك المرة حتى بلغ كبد السماء. ولما اجتمعنا ~~كالعادة نحن الأصدقاء قال سامح: الحزن في القلب لا في السرادق، نحن ~~لا نؤمن بهذه التقاليد، وماذا يفعل المعزون سوى أن يتسامروا ~~كأنهم في مقهى؟! .. من أجل ذلك غادرنا البيت وانفردنا بحزننا في ~~وقار ودون طقوس أو تمثيل .. ورغم إعجاب عزت قيسون بالمبادرات ~~الجديدة، إلا أنه قال في شيء من الحذر: لم يكن من بأس في أن ~~نجالسك ذلك المساء؛ فلا سخف في ذلك فيما أعتقد. على أنه استدرك بعد ~~ذلك قائلا: على أنني لا ألومك ولا ألوم أحدا. # أما عبد الخالق فقد همس في أذني: أسرة مجانين! # وحسين الجمحي همس أيضا: عليهم اللعنة، ضنوا بإنفاق قرشين ~~تحية لذكرى الرجل! # أما المفاجأة المذهلة فقد وقعت بعد وفاة الرجل بعامين أو ~~ثلاثة. كان سامح قد تخرج وتوظف وتزوج زواجه المبكر، فما ~~المفاجأة؟ ذاع وتأكد أن نعمات هانم تزوجت من رجل يماثلها في ~~السن أو يقل عنها! إنها تقترب من الخمسين، ومسلم به أنه ما زالت في ~~صحة كاملة وجمال غير منكور، ولكن هل يسوغ ذلك الزواج مرة ~~أخرى؟! ويبدو أنها لم تجد من يدافع عن سلوكها في البيوت كلها، بين ~~المتزوجات مثلما بين المطلقات والأرامل، وكأنما فقد الزواج ~~شريعته الدينية المطلقة. أما نحن معشر الأصدقاء فقد اتفق رأينا على ~~تجاهل الموضوع رحمة بصديقنا العزيز غير أنه كان هو الفاتح له، ~~قال ببساطته المستفزة: العريس فاتحني أنا أولا مستأذنا، ~~والحق أنني رحبت به. # فهتف حسين الجمحي: رحبت به؟! ~~- لم يهن علي أن أتركها وحيدة في بيتنا، ولم لا؟ إنها جميلة ~~وعلى أكمل صحة وعافية، لعلي وجدت صعوبة بعض الشيء في إقناعها، ~~ولكنني قلت إنه العقل والشرع! # فتساءل عبد ms39 الخالق: والمرحوم؟ .. ألا شأن له في الموضوع؟! ~~- المرحوم في قلوبنا، ولم يعد له شأن بحياتنا، ونحن لم نخلق ~~الموت، ولكننا مطالبون باحترام الحياة. # وسئلت على انفراد عن رأيي فأجبت: إني أشعر بإعجاب ~~وامتعاض. # ويمكن اعتبار سامح من مدرسة عزت ورأفت مع اندفاع بلا حدود. ومع ~~اتجاهه إلى الدراسات العلمية في المدرسة والتخصص فإنه برع في ~~الموسيقى وعشق المسرح والثقافة، ودعا بكل قوة إلى العصر الحديث ~~علما وصناعة وحضارة، واستمد رؤيته في الحياة من رغبة الخديو ~~إسماعيل في جعل مصر قطعة من أوروبا. # وعزت ورأفت يشاركانه الإعجاب بالعصر ولكن في اعتدال، ومع ~~الاهتمام بحضارتنا القديمة الفرعونية والإسلامية. ولم يكن ممن ~~يعتبرون الحضارة الغربية حضارة غريبة عنا، وهي لم تسم باسم ~~خاص إلا بسبب البيئة التي نشأت فيها، ولكنها في الواقع الثمرة ~~الأخيرة في شجرة الحضارات الإنسانية التي أسهم البشر جميعا في ~~غرسها. ~~- فلا علم اليوم إلا علمها، ولا أدب إلا أدبها، ولا فن إلا فنها، ~~ولا فلسفة إلا فلسفتها. # فقال له الجمحي: أموت قبل أن أتذوق موسيقاها، هذا على سبيل ~~المثال لا الحصر. ~~- المسألة مسألة تدريب ليس إلا، أما التراث فلا معنى له، كان ذات ~~يوم حضارة حية متقدمة ثم تجاوزه الزمن فأمسى خرقا ~~بالية! # إنه خواجة بلا قبعة؛ بسبب جو أسرته وقراءاته والمراكز الثقافية ~~والأجنبية، وصداقاته المتعددة للإنجليز والفرنسيين، أما انتماؤه ~~الوطني فكان دون المتوسط رغم اندلاع الحركة الوطنية، ولا أذكر ~~أنه اكترث يوما لخلافاتنا الحزبية. وبالرغم مما أثاره من اعتراضات ~~وانتقادات فلم يحفل أبدا بآراء الآخرين، ولم أشهد له نظيرا في ~~شجاعته. وقد تخرج في كلية العلوم واشتغل مدرسا في المدارس ~~الثانوية، وسرعان ما تزوج من مدرسة متخرجة في كلية الآداب تماثله ~~في السن على أحسن الظنون، واتخذ مسكنا في شارع العباسية. ولم ~~تفتر علاقته بنا ولا لقاءاته معنا في المقهى. وأصبح صالونه منتدى ~~لنخبة من الزملاء ممن كانوا على شاكلته بالإضافة إلى بعض الأجانب. ~~وكان يضرب على البيانو بامتياز، ويلقي محاضرات في الجمعيات ~~التقدمية أو يعلق على بعض ms40 الأفلام، ولكن مواهبه لم تتجاوز به ~~ذلك القدر من النشاط. # ولما قامت ثورة يوليو راقبها بحذر، ومضى يميل إليها مثنيا ~~على اندفاعها في طريق التصنيع، واعتبر ذلك حجر الأساس في التحول ~~نحو الحضارة الحديثة. وفي أثناء ذلك أنجب من البنات أربعا وختم ~~بعد فترة انقطاع بولد. أما البنات فقد تعلمن وتوظفن وتزوجن، ~~وأما الولد فقد التحق بكلية الطب مع إحالة سامح إلى المعاش في ~~السبعينيات، وكان يدخر له مفاجأة أو مشكلة لم تجر لأحد في بال. ~~وها أنا أرويها نقلا عنه كما رواها على فترات متقطعة تبعا ~~لحدوثها. # كان اسم الولد شكري كجده، وكان وسيما رياضي الجسم ومتقدما في ~~الدراسة، وكان سامح يحبه حبا فاق حبه أي شيء. ولاحظ بعينيه ~~المحبة أن الشاب لم يعد كسابق العهد به؛ فتر مرحه، ومال إلى ~~الانطواء، ورمق والديه بنظرات غريبة حائرة لعلها أزمة من أزمات ~~المراهقة، أو قصة حب خائب، وإذا بأمه تسأله: ما لشكري يا سامح؟ ~~.. إنه لا يعجبني. ~~- ولا أنا، فلنعترف أنه جيل مجهول رغم أي ادعاء آخر. ~~- ولكننا ربيناه على الحرية والصراحة! ~~- حلمك وصبرك، إنه جيل يعاني من ذكريات الهزيمة والغلاء ~~والمستقبل المسدود! ~~- عليك أن تستدرجه إلى الكلام. ~~- إني أتوقع أن يتكلم هو! # وتكلم، غادر حجرته الحاوية لفراشه ومكتبه إلى حجرة المعيشة حيث ~~يجلس والداه أمام التليفزيون. ضغط على مفتاح التليفزيون فأسكته، ~~وجاء بكرسي صغير فجلس أمام والديه، وهو يقول: ثمة سؤال ~~يشغل بالي. # فقال سامح بشيء من الجدية: ولكنك أغلقت التليفزيون دون ~~استئذان! ~~- آسف، ولي عذر في الهم الذي يركبني. ~~- ليكن، وإن كنت لا أوافق على هذا الأسلوب، ماذا لديك؟ ~~- لماذا لا تصليان؟ # ذهلا للمفاجأة، وخيم صمت فاندفع فيه زفيف رياح خريفية ~~تهب في الخارج، أي سؤال لم يتوقعا أن يسمعاه أبد؟! ~~- ولم تصوما رمضان قط؟ # ثم بنبرة أعلى: ولدى كل سهرة في الصالون تقدمان الخمر ~~وتشربانها! # كيف يجيبان؟ ليسا متدينين ولا دينيين، لا يضمران للدين ~~شرا ولا خيرا، لا يشغل لهما بالا. ولا فلسفة وراء ذلك، ولا ~~يتصوران ms41 أن الله يكترث لشرب الخمر أو الامتناع عنها. الأمور تجري ~~بلا تفكير ولا مشكلات. إنهما لا يؤذيان أحدا ولا يسمحان لأحد ~~بالتدخل في شئونهما الخاصة، ولكن المتدخل هو ابنهما الوحيد، وهو ~~يطرح سؤاله في حرية كاملة ولكن لا حرية لهما في الإجابة بل يشعران ~~بأن الإجابة يجب أن تلتزم حدودا معينة. وتبادلا نظرة؛ نظرة حيرة ~~واستغاثة. ولما طال الصمت تساءل الشاب: ألستما مسلمين؟ # فقال سامح: طبعا. ~~- المسلم ليس مجرد اسم، ولكنه عقيدة وسلوك. # فقال سامح بضيق: المسلم مسلم في جميع الأحوال. # فقال شكري بأسى: كلا .. إما أن تكون مسلما أو لا. ~~- هذا رأيك؟ ~~- نعم .. مذ هداني الله إلى طريقه. # فتساءلت أمه بقلق: هل انضممت إلى التيارات التي يتحدثون ~~عنها؟ ~~- هداني الله إلى طريقه! ~~- إنه طريق شديد الخطورة. ~~- هو طريق الله، ولا يهم ما عدا ذلك. # فقال سامح باستياء: لم تحدثنا من قبل بهذه اللهجة؟ ~~- كنت في غيبوبة الجاهلية! ~~- لا أقبل أن تخاطبني بهذا الأسلوب. ~~- انظر! طالما شجعتني على الصدق والصراحة، ها أنت تضيق بمن ~~يخالف رأيك! ~~- فليمض كل في حياته كما يرضاها! # فقال الشاب بتصميم: غير ممكن، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان. # لم يسمعا بالحديث من قبل فوجما وهما يتفكران فيه، ثم سأله ~~سامح متهكما: وماذا اخترت؟ # فقال بتأثر: إني حائر بين الواجب وبين البر بكما. # وتنهد سامح، ثم قال لينهي الحديث الأليم: شكري، احصر انتباهك ~~الآن في دراستك الصعبة، ولما تقف على قدميك افعل بنفسك ما ~~تشاء، أسرتنا لم تقم يوما على الإكراه أو العسف. # وظن أنه تحاشى الزلزال كي يسترد أنفاسه، ولما انفرد لزوجه ~~قال: إنه يتكلم مستندا إلى الدين والتراث، فكيف نناقشه؟ # فقالت بحيرة: لن تستطيع أن تقول له إنه مخطئ، أو نقنعه بأننا ~~على صواب. ~~- هذه هي المشكلة! # وضايقه موقفه المتخاذل، فقال مدافعا عن كرامته أمام نفسه وأمام ~~زوجته: لو أن لي رأيا محددا في الدين لألقيت به في ms42 ~~وجهه! # وانبثق سؤال من عدم لم يطرح من قبل: ترى ما الرأي في ~~الدين؟! خيل إليه أنه مؤمن بالله ومؤمن أيضا بأنه لا شأن لله ~~بحريته الشخصية، وأن الفرائض لا معنى لها، والخمر مفيدة وممتعة ما ~~احتملتها الصحة، ولكنه مقتنع تماما بأنه لا يستطيع أن يصارح ابنه ~~بذلك، ولم يتصور من قبل أنه سيواجه هذا الموقف الحرج. # وقال لزوجته: إنه يطالبنا بالتخلي عن أجمل ما في حياتنا! # فحركت رأسها بالموافقة دون أن تنبس، فتساءل: كيف نستطيع أن ~~نواصلها دون متاعب؟! # كيف يمارسان حياتهما المألوفة تحت سمعه وبصره؟! # وضاعف من همهما أنه دأب على تجنبهما تماما؛ فهو إما في ~~الكلية أو في جامع الحي، أو في حجرته؛ طعامه يتناوله في المطبخ، ~~إنها مقاطعة مطلقة .. هما نفسهما فضلا ذلك - مع الألم والأسف - ~~على مواجهة أخرى أليمة. إن يكن استطاع أن يتحدى ناقديه طوال ~~حياته بلا مبالاة كاملة فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك في بيته ومع ~~ابنه.. إنها مصيبة لا تخف بمرور الزمن ولكنها تتعقد وتستفحل ~~وتنذر بشر العواقب. ~~- كدرت صفوي، عليك اللعنة! # واضطر أخيرا إلى إحياء سهراته في بيوت أصدقائه بعيدا عن ابنه، ~~وخوفا من أن يقدم على تصرف أحمق يحرجه أمام المدعوين. ~~وحنق على تلك التيارات المتطرفة، واعتبرها غريمه الأول في ~~الحياة. ومضت الحياة في ذلك الجو الكدر حتى قذفته بالمفاجأة ~~الأخيرة، فما يدري ذات يوم إلا وشكري يلقى القبض عليه في أعقاب ~~معركة دامية مع الشرطة بتهمة القتل. أدرك سامح أنه خسر ابنه ~~الوحيد الذي عقد به آماله، وانطلق يبحث عن محام قدير ويدبر له ~~المال اللازم من مدخراته وبيع بعض حلي زوجته. ورفض الشاب مقابلة ~~والديه وأنكرهما، وفسد مذاق الحياة تماما، ومرت الأشهر السابقة ~~للمحاكمة كأسوأ ما تكون الأيام. وتمت المحاكمة وقضي على الشاب ~~بالشنق، ونفذ الحكم، وأسدل الستار على المأساة ~~الدامية. # ماذا حدث لصديقي بعد ذلك؟ # إنه يبذل قوته كلها كي لا يغلبه الحزن أمام الناس، يتظاهر ~~بالتسليم بالأمر الواقع والارتفاع فوقه، ويأبى أن يرجع عن رأي ms43 من ~~آرائه المأثورة، ولكني شعرت طوال الوقت بأنه يغالب ألما دفينا ~~حادا وباقيا كالظل. ويوما قال لي بنبرة ساخرة: الولية بدأت ~~تصلي وتصوم وتتعلم أصول الدين في كتاب الديانة للمدارس ~~الابتدائية! # ولأول مرة في أثناء ذلك العمر الطويل أشعر بأنه يكتم عنا أشياء ~~تحاوره في أعماقه، وأنه على أي حال لم يعد الشخص الذي ~~كان. # آل السناوي # الشيخ السناوي هو الجار المباشر لآل شكري بهجت، إمام جامع ~~الكومي، ولشيخوخته وورعه ذاع صيته كمصدر من مصادر البركة والخير. ~~وكان يعيش في بيته مع زوجة طاعنة في السن أيضا وابن وحيد يدعى ~~محمد وهو صديقنا. وعرفنا أن أم محمد هي الزوجة الثانية للشيخ. تزوج ~~منها على كبر بعد أن فقد الأولى وذريتها بصبر المؤمن المسلم ~~أمره لله. محمد إذن وحيد أبويه مركز الرعاية والحب، ومدلل ~~الأسرة رغم كل شيء. أقول رغم كل شيء لأنه إذا قيمناه بوجهه فهو ~~توءم قرد. ومع أن شهادة ميلاده تقرر أنه يماثلنا في سنه إلا أن ~~مظهره يضيف إلى سنه الحقيقية عشر سنوات على الأقل. ورغم أن التربية ~~الدينية تدين من يسخر من آخر لعاهة فيه أو دمامة باعتباره على أي ~~حال من صنع الله القدير إلا أننا خرقنا القاعدة واستسلمنا لإغراء ~~السخرية من دمامته بإفراط ملحوظ، وشجعنا على ذلك تسامحه الطيب ~~وسعة صدره وقدرته الفذة على مقابلة السخرية بالسخرية. واحترنا ~~في تعليل قبحه؛ إذ إن الشيخ السناوي كان على قدر مقبول من ~~القبول، وأجمعنا على اتهام أمه التي لم نرها وتحميلها المسئولية ~~الكاملة. وحظه في الحياة شابه وجهه، فالرزق محدود، وضاق أكثر عقب ~~وفاة أبيه، واستعداده للدراسة في حكم المعدوم، فلم يوفق إلى ~~الحصول على الابتدائية، ومن نوادر سقوطه أنه سقط مرة في امتحان ~~الخط، وكان لاعب كرة فاشلا، غير أنه توهم دائما أنه عبقري ~~زمانه. # نقول له: ولكنك لم تجرب النجاح أبدا! # فيرد هازئا: وأي علاقة بين هذا وبين الذكاء؟! .. ألا تنجحون ~~جميعا رغم غبائكم؟! # وسعى له أصدقاء أبيه حتى ألحقوه بوظيفة صغيرة بالأوقاف خارج ms44 ~~الكادر. ولما شعرت أمه بدنو الأجل زوجته من قريبة لها عانس، ~~قدرنا جميعا أنها تكبره حتى لو قسناه بعمره المفترض لا عمره ~~الحقيقي، ولكنه وفق في زواجه، وفاخرنا بفحولته الفذة، وقنع ~~بالحد الأدنى من المعيشة صابرا، وأكرمه الله بولد قبل أن تنقطع ~~المرأة عن الحبل. وباختلافه إلى المقهى معنا عرف إحباطات جديدة ~~في خيبته القوية في ألعاب الشطرنج والدومينو والنرد، ولكنه لم ~~يعترف أبدا بقصوره وعلق هزائمه بالحظ وحده، فالحظ السيئ هو ~~القدر الوحيد الذي لم يكابر في الاعتراف به. على ذلك كله كان ~~أكثرنا ضحكا وتهريجا وانبساطا. ومضت الحياة ممكنة دون يسر حتى ~~قامت الحرب العظمى الثانية وهبت علينا رياح التغيير وأمواج ~~الغلاء المتتابعة. هنالك اقتحمته المرارة فصب غضبه على كل شيء، ~~شابه في ذلك عبد الخالق مراد، ولكن على حين كان عبد الخالق رافضا ~~لجميع الساسة فإن محمد ركز هجومه على الحكام فكان دائما وأبدا ~~في صف المعارضة. اليوم وفدي وغدا ملكي، لا يهم، ضرباته دائما ~~وأبدا مسددة نحو الجالسين على كرسي الحكم، وقال قولته المشهورة ~~التي أثرت عنه لتكرارها: ستجري الدماء حتى تبلغ الركب! # مبشرا بثورة دموية يموج بها خياله لتجتث الأغنياء والحكام من ~~جذورهم. ولما اشتدت الغارات الجوية وأخذ المخبأ يجمعنا ليلة ~~بعد أخرى، قلنا له: ستتحقق نبوءتك وتجري الدماء ولكنها ستكون ~~دماءنا نحن لا الأغنياء والحكام. # ونجده مشغولا عن تعليقاتنا بتلاوة آية الكرسي مستعيذا ببركتها، ~~كما علمه أبوه في الزمان الأول. ولا أنسى انشراحه عقب حريق القاهرة ~~وقوله باسما عن أسنانه المثرمة: أول الغيث قطر! # ولذلك فعندما قامت ثورة يوليو، وأحدثت إنجازاتها الاجتماعية ~~الرائعة، اعتبرت معجزة مرسلة من أجل عيون محمد، وارتفعت روحه ~~المعنوية إلى أعلى درجة. # وسأله حسين الجمحي: أي فائدة جنيتها أنت يا عم محمد؟ # على أي حال قبل ابنه - محمد محمد السناوي - طالبا بالكلية ~~الحربية؛ الأمر الذي يعتبر معجزة في ذاته. وتخرج ملازما، ~~وأصبح عم محمد والدا لضابط في الجيش، واقتحمت الاصطلاحات ~~العسكرية حديثه حتى اعترفنا به عضوا في هيئة أركان حرب. ms45 وسافر ~~محمد - محمد الثاني كما عرف بيننا - ضمن حملة اليمن، وتساءلنا ~~ترى هل يقسو عليه القضاء ويتلاشى الحلم؟ والحق لقد دعونا للولد ~~بالسلامة إكراما لأبيه سيئ الحظ، ووضح لنا مدى حبنا لذاك ~~الصديق القديم، ولكن الله سلم، وتحسنت أحوال الابن، وسرى اليسر ~~إلى الأب وأسرته. وبحكم الأبوة عرف محمد الانتماء لأول مرة في ~~حياته، وكان في مقدمة المصابين بهزيمة 5 يونيو المشئومة، فحزن ~~حزنا بالغا، وكان من حسن حظه أن ابنه لم يشترك فيها لوصول فرقته ~~إلى مصر بعد انتهاء المعركة. وفي السبعينيات أحيل محمد إلى المعاش ~~وتفرغ للمقهى. واشترك ابنه في العبور في 6 أكتوبر، نجا من الموت، ~~وحظي بوسام الشجاعة، وارتفع بأبيه إلى ذروة السعادة. اليوم يشغل ~~الابن مركزا عسكريا مرموقا، وينعم الأب بشيخوخة هادئة وعافية ~~يغبط عليها. وقد أصابته نزوة مما تصيب بعض المحالين على المعاش، ~~فقال لنا يوما: ما رأيكم؟ .. لقد ألفت زجلا! # ودهشنا لأننا طيلة عهدنا به لم نلمس لديه ميلا لأي فن، وسحب ~~ورقة من جيبه وراح يلقي علينا زجله. وإذا بتعليق ينفجر مصحوبا ~~بقهقهة: اسمع يا عم محمد، لقد عاشرنا قبحك وجنونك، بل من أجل حبك ~~أحببناهما، ولكن لكل شيء حد، فارجع عن غيك واستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم! # فقهقه بدوره قائلا: هذا حظ من يسبق زمنه! # آل الفنجري # فيما يلي الفرن يقوم بيت آل الفنجري. وأسرة الفنجري تتكون من ~~زوجة، وابنة تزوجت من قبل أن تنتقل إلى الشارع، وولدين هما حسن ~~وحسين الصديقان. والفنجري ترزي إفرنجي يقع محله في وسط شارع ~~العباسية، ميسور الحال، ويملك عمارتين. وحسن وحسين متقاربان في ~~الشبه، لهما نفس اللون الفاتح، والقسمات المتناسقة، والقامة ~~الطويلة الممشوقة، وفيما عدا ذلك فهما نقيضان تماما. حسين وهو ~~الأصغر مثال طيب للاجتهاد والجدية والتفوق. وبتلقائية توثقت ~~علاقته بعزت ورأفت وسامح، جاراهم في الثقافة والرؤية مع انتماء ~~أشد إلى الوطنية أهله ليكون رئيسا للجنة الطلبة الوفدية ~~بالوايلي .. والتحق بكلية الطب في أول الثلاثينيات وتخصص في ~~الجراحة وصار مع الزمن من كبار الجراحين، وبحكم ms46 عمله انقطع عنا ~~فيما عدا المناسبات. أما حسن فكأنما خلق ليكون مهرجا محترفا. ~~شخصيته عجيبة لم يقف أحد على سرها الدفين. لا أذكره إلا غارقا في ~~الضحك، يضحك إذا سمع نكتة أو أطلق نكتة، يضحك في مواقف الهزل كما ~~يضحك في مواقف الجد، في الأفراح يزيط ويجلجل، في الجنازات ~~يتحين الغفلات ليسخر من مظاهر الحزن أو يروي النكات عن الموت ~~والأموات، وفي المآتم نتجنب الجلوس في مجاله. لم أعرفه جادا ~~على الإطلاق ولو مرة واحدة، خفة؟ استهتار؟ مرض؟ .. الله أعلم. ~~وأخوه حسين كثيرا ما يضيق بأقواله وأفعاله، وربما وجه إليه ~~كلمات حادة عما يليق وعما لا يليق، فكان يسدد نحوه رشاش نكاته ~~حتى يجعل منه أضحوكة لنا. ويحتكم حسين إلى أبيه ولكنه لا فائدة ولا ~~عائدة. الفنجري يئس تماما من حسن، ورغم ذلك - أو بسبب ذلك - خصه ~~بعطف كبير. ولما التحق الأصغر بكلية الطب، وترنح الآخر وهوى ~~أكثر من مرة أمام حاجز البكالوريا، قرر الرجل أن يرسله إلى فرنسا ~~في بعثة خاصة. # قال له: ارجع بأي شهادة! # وودعنا الصديق المرح في ليلة تذكر، وسافر إلى فرنسا. وعلمنا ~~منه فيما بعد كيف انقضى وقته في باريس كالأعيان، في نطاق خمسة عشر ~~جنيها شهريا، وكانت كافية لمعيشة حسنة في الشارع والملهى وبيت ~~الدعارة. وترامت إلينا أخبار غريبة عنه، وهي أنه اختير للغناء في ~~بعض الملاهي الليلية. الحق أنه لم يعرف له أي استعداد للغناء، ~~فلم ندر كيف استجابت حنجرته للنغم الفرنسي وكيف وجد من يعترف به ~~مطربا أو من يستمع إليه. وكم وددت أن أشهده وهو يغني، وهو ~~يتعامل مع مدير الملهى والزملاء! # وهل استطاع أن يمسك عن الضحك في وقت العمل؟! على أنه كان حتما ~~مطربا عاديا وإلا لشق لحياته طريقا آخر، ولكنه رجع إلى مصر ~~عندما أنذرت الحوادث باندلاع الحرب. رجع كما ذهب يا مولاي كما ~~خلقتني، لا شهادة ولا مال، حتى معرفته بالفرنسية كانت معرفة شوارع. ~~وواصل حياته القديمة معنا، المهرج الخفيف اللطيف المرح الذي لا ~~يحمل هما أو ms47 يتعثر في مشكلة، وانقطعت صلته بأخيه تماما دون ~~أسف من الجانبين. ومضت حياته بين المقهى والملاهي تحت ظلال الخمر ~~والمخدرات. وفي أثناء الحرب تعرض لتجربة قاسية في إحدى صالات ~~العرض السينمائي؛ ساقه حظه إلى الجلوس إلى جانب فتاة بصحبة ~~أسرتها، وحاول أن يعبث في الظلام، وخرج في عبثه عن الحدود حتى ~~صرخت البنت وكانت الفضيحة. وانتهت الواقعة بإلقائه في السجن ~~عاما أو عامين لا أذكر، ومات الفنجري وهو في السجن. وغادر حسين ~~السجن ليرث ثروة تضمن له حياة ميسرة، ولم يغير السجن من شخصيته ~~شيئا. وراح يحكي لنا الواقعة وكيف وقعت في الظلام وهو لا يتمالك ~~نفسه من الضحك، وكيف سعى أبوه إلى التوفيق مقترحا أن يتزوج حسين ~~من البنت ولكن الأب رفض بإباء. وحكى لنا كثيرا عن السجن ونوادره ~~وكأنما كان راجعا من مسرح الريحاني .. وواصل حياته، المهرج، ~~الخفيف، المرح، اللامبالي، السكير، الحشاش، حتى أصابته أزمة ~~قلبية في الخمسينيات وهو يشرب في البارزيانا، فحمل إلى البيت ~~وأسلم الروح عند منتصف الليل. # أذهلنا الخبر كأنما لم نصدق أن أمثاله يموتون، وذكرنا آلاف ~~الضحكات التي أطلقها من صدورنا فخيم علينا حزن ثقيل. # آل الكاشف # فيما يلي آل الفنجري يقع بيت آل الكاشف، ولدى انضمامنا إلى سكان ~~الشارع لم يكن بقي من أهل البيت فيه إلا رب الأسرة والابن الأصغر ~~عبد المنعم وهو صديقنا. الكاشف بك في الحلقة السادسة، من كبار ~~مهندسي الري، وذو مظهر عسكري صارم. وله بعيدا عن شارعنا ابن وهو ~~البكري، وابنته تليه في العمر، أما صديقنا فقد ولد عقب فترة ~~انقطاع غير قصيرة. ويعتبر البكري من نوابغ عصره، دكتور في ~~الكيمياء من إنجلترا، وفي طليعة الرجال الذين بسطوا العلم ونشروا ~~ثقافته بين عامة المثقفين، وامتاز بأسلوب أدبي سلس وبليغ ~~يسلكه في نطاق بلغاء العصر من الأدباء المحترفين دون مبالغة. ~~ولا تقل الأخت نبوغا عن أخيها، وقد نالت الدكتوراه من إنجلترا ~~أيضا في الرياضة وتألقت في عالم التربية والتعليم. عرفت ~~الأسرة بالذكاء والتفوق، وهي تدين في تفوقها أيضا بجدية ms48 الأب ~~الإسبرطية وحرصه الدائب على تأهيل أولاده للبروز في البيئة ~~العلمية. صديقنا عبد المنعم نشأ في جو مختلف، ترعرع في أحضان ~~الإسبرطية ولكنه فقد منذ طفولته حنان الأم ورعايتها. ولم توجد ~~مشكلة في الدراسة فقد كان يحفظ دروسه وينجح، ولكن الكاشف بك يعتبر ~~النجاح المدرسي أولى الخطوات فحسب، ويطالب أبناءه إلى ذلك بالثقافة ~~والاطلاع والاستقامة في السلوك والطباع داخل البيت وخارجه، وخيب ~~عبد المنعم تطلعات أبيه في ذلك كله. عدا النجاح والانتماء الوطني ~~المتوسط أيضا لم يكترث بشيء. كره البيت فهو لا يلزمه إلا عند ~~المذاكرة، وانتمى للشارع بكل جوارحه، يهيم على وجهه هنا وهناك، ~~ويقتبس قاموسه الخاص مما يلقى على سمعه، منجذبا انجذابا خاصا ~~إلى الشواذ والغرائب. وانفجر بينه وبين أبيه خصام لا ينتهي، وكان ~~يتحمل التأديب الشفوي واليدوي بقوة خارقة، لا يتراجع عن أهوائه ~~أبدا. وفي العطلة راح أبوه يخفي أحذيته في صوانه الخاص ويغلقه ~~ليضطره إلى البقاء في البيت مع الكتب، فكان ينطلق إلى الطريق ~~منتعلا قبقاب الحمام دون مبالاة، ويحرمه من المصروف اليومي ~~فيبيع ما يختاره من تحف البيت وأوانيه، ويأكل كل علقة وأختها ~~صابرا متصبرا، حتى جفت ينابيع الحب بينه وبين أبيه، وكم ~~يتمنى موته جهرا وكم نذر لذلك النذور! واشتهر بحب أطعمة السوق ~~الشعبية مثل لحمة الرأس والكشري والطعمية والفول والعدس والفسيخ، ~~ولم يكن يشارك أباه المائدة، ويستعمل الشوكة والسكين إلا في نادر ~~النادر، قال عنه حسن الفنجري: إنه صاحب أعظم معدة شعبية. # وفي تجواله حفظ الكثير من نواح النادبات، وكان يطربه أكثر ~~من أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب، وفي ليالي السمر يسمعنا ما لا نحب ~~مثل: # عيني عليك ياللي تموتي عازبة # أو: # يا شابة يا صبية يا قد المعدية # وكثيرا ما كان ينشد مراثيه ونحن نخترق الحسينية في طريقنا إلى ~~حي الحسين، ونردد وراءه المقاطع المكررة، فيتطلع إلينا ~~الأهالي متوقعين أن يشهدوا جنازة، ولما تتكشف لهم الحقيقة ~~ينهالون علينا بالشتائم والدعوات الطالحات! # وهو قوي الجسم، عملاق القامة، شعبي الملامح، مرح رغم همومه، ~~طيب ms49 القلب. وليس من النادر - إذا طرده أبوه إثر احتدام خصام - ~~أن يبيت في الحقول وحده. ومن عجب أن لم يبد أي اهتمام بالجنس ~~الآخر، ولا تأثر يوما بالجمال. ما من فرد من شلتنا إلا ~~عشق، وتشكى آلام العشق والحرمان، حتى محمد السناوي، أما عبد ~~المنعم فربما كانت أكلة كرشة أهم عنده من أجمل امرأة في العباسية. ~~ولي معه واقعة عرضني فيها للموت لولا لطف الله؛ حدث ذلك في ~~الثلاثينيات وفي تجمع شعبي خطير قام لاستقبال مكرم عبيد حال ~~عودته من رحلة سياسية ناجحة في الخارج. وكانت دكتاتورية محمد ~~محمود تلفظ أنفاسها، فسمحت الداخلية بالمظاهرة، وأمرت رجالها ~~بالمحافظة على الأمن مع عدم التعرض للمتظاهرين. لأول مرة نرى ~~رجال الأمن وهم يتفرجون علينا في دعة وسلام. ومر موكب ~~سكرتير الوفد يشق طريقه في بحر زاخر بالهاتفين، وسرنا وراءه ~~بأمل أن نستمع إلى الخطب في بيت الأمة. وفي مكان ما من الطريق ~~صادفنا مأمورا في ملابسه الرسمية يقف وسط التيار بلا سلاح وفيما ~~يشبه المودة والتشجيع. وفجأة انقض عليه عبد المنعم ووجه إلى ~~بطنه لكمة عنيفة غير متوقعة انقلب على أثرها على وجهه وهو ~~يخور. تلفت فيما حولي في فزع فرأيت فارسا على بعد يتطلع ~~إلى الحادث بغضب ويحاول الاندفاع نحونا. وجرينا بالسرعة التي يسمح ~~بها الزحام، ونحن نعلم أن الموت يطاردنا، وكلما قطعنا شوطا نظرنا ~~خلفنا فنرى الفارس وقد لحق به نفر من الفرسان وهم يشقون طريقهم ~~بصعوبة وأعينهم لا تتحول عنا، وما زلنا نجري حتى لذنا ببيت ~~الأمة ونحن نرجو ألا يكونوا قد تابعوا لواذنا، وقبعنا فيه ~~والخطب تلقى والهتاف يتصاعد. ولم أصدق ليلتها أنني نجوت ~~وأنني رجعت إلى بيتي سالما، وأسأله بحنق: لماذا فعلت ما فعلت ~~بلا أي موجب؟ # فيقول ضاحكا: أي اعتداء على الشرطة حلال! # ورغم مرحه الغالب كان الاكتئاب يزوره من حين لآخر فيلوح ~~كالمريض. ربما لقامة أبيه التي تظله وتطارده، وربما لتفوق ~~أخيه وأخته وضآلته بالقياس إليهما. وفي لحظة من لحظات الاكتئاب ~~أقدم على الانتحار؛ دأب على ms50 ذكر الانتحار في حديثه باعتباره أمل ~~اليائسين ولم نأخذ حديثه مأخذ الجد، بل حاول أن يصحبني معه، فسألني ~~يوما: لماذا لا تفكر جديا في الانتحار؟ # فقلت هازئا: امنحني فرصة للتفكير، ولكن لماذا أنتحر؟ # فقال جادا: لقد أرهقك الحب كما أرهقتني الكراهية، ألا يكفي ~~ذلك؟ # ولكنني لم آخذ قوله مأخذ الجد. وجلسنا ذات أصيل في المقهى نستعد ~~للعب النرد وإذا به يقوم قائلا: عن إذنك دقيقة. # وغاب خارج المقهى وجلست أنتظر وإذا بصراخ ينفجر كالعواء. ~~هرعت إلى مدخل المقهى فرأيت عبد المنعم يتمرغ عند أصل شجرة ~~مغروسة أمام المقهى، ويعض جذعها من شدة الألم. وتجمع الناس، ~~واتصل من اتصل بالإسعاف، وقال بعضهم: واضح أنه انتحار. # وجاءت سيارة الإسعاف فحملته وقد شملنا الفزع والذهول. وعرفت ~~أنه شرب كمية من حمض الفنيك ولحق بي في المقهى، وأسعفوه في الوقت ~~المناسب. واستدعوا الكاشف بك لسؤاله فأدلى بأقواله وذهب دون أن ~~يلقي نظرة على ابنه. ورجع كما ذهب لم يعن بزيارته سوانا، ~~وتأثرنا جميعا غاية التأثير، وأبى عزت إلا أن يفعل شيئا؛ قابل ~~الكاشف بك، وخاطبه بالأسلوب التقليدي قائلا: «يا عمي»، وقال له: ~~عبد المنعم في حاجة إلى عطفك حاجته إلى حزمك! # ولم ينبس الرجل بكلمة، وظل طيلة الوقت متجهم الوجه، حتى غادر ~~عزت البيت دون أن يقدم له فنجان قهوة. # ولما حصل عبد المنعم على البكالوريا قرر أن يلتحق بالكلية ~~الحربية، ولم يعترض الكاشف بك يأسا منه فقال: في ألف ~~داهية. # ونجح بعد ذلك في الالتحاق بكلية الطيران الجديدة، وأظهر تفوقا ~~فسافر في بعثة إلى إنجلترا، ولدى رجوعه فاجأنا بزواجه! لا ندري كيف ~~انتبه فجأة إلى وجود الجنس الآخر وأنجب ابنه الوحيد. وألحق بخدمة ~~الملك فاروق ياورا فصار من المقربين، وعلق حسين الجمحي على ~~ذلك بقوله: من الكرشة ولحمة الرأس إلى سراي عابدين، يا لها من ~~وثبة خرافية! # ومنعته تقاليد وظيفته الجديدة من مجالستنا في المقهى. ربما ~~تسلل إلينا في بعض الليالي إطفاء للشوق ثم يذهب في حذر. أخلاقه ~~لم تتغير ولكن تقاليد حياته ms51 لا تعرف الرحمة. ولاحظت أنه أصبح ~~ملكيا ونسي الوفد تماما وانتحلت له الأعذار. وذاع عن الحاشية ~~ما ذاع ولكن لم تحم حوله شبهة أبدا. ولما قامت ثورة يوليو ~~حاول أن يهرب الملك ولكنه فشل، وجرى معه تحقيق، واكتفي بإحالته ~~إلى المعاش دون محاكمة، مما قطع بنقاء سلوكه. غير أن أقران ابنه في ~~المدرسة عيروه بأبيه حين التحقيق معه وبعد إحالته على المعاش، ~~وأبوا أن يعترفوا ببراءته. وناضل الولد ما استطاع عن سمعة أبيه ~~حتى أصيب بانهيار عصبي، وتكالبت عليه المضاعفات حتى تقرر ~~إدخاله مستشفى الأمراض العقلية وما زال مقيما به حتى ~~الساعة. # ورجع عبد المنعم بعد المعاش إلى سابق عهده بنا، لم يكن الشخص ~~القديم، ومن منا كان؟ وبدا متماسكا بعد فقدان وحيده أكثر مما ~~توقعنا، وسرعان ما فسدت حياته الزوجية لأسباب لم يعلنها وربما ~~لم يكن من المستحيل تصورها، وانتهى الأمر بينهما بالطلاق. وما ~~لبث أن تزوج من امرأة ألمانية، فهيأت له حياة مستقرة لم ~~يعرفها من قبل، وعاش حياته سعيدا أو كالسعيد ما بين مصر ~~وألمانيا. ومن العجيب أن حديثه شهد على ما اكتسبه في حياته من نضج ~~وحكمة وثقافة جعلت منه شخصا جديدا بالغ الروعة. لم يكن من أنصار ~~الثورة ولكنه أيضا لم يكن من أعدائها المتعصبين وحسبه ذلك. وحظي ~~بمستوى معيشة حسن بفضل معاشه وميراثه. وقد تجلى إخلاصه في حزنه ~~الشديد في أعقاب هزيمة 5 يونيو، وانتعاش روحه عقب حرب 6 أكتوبر. ~~وكان يجب أن تتوقف دراما حياته عن إفراز المفاجآت ولكن زوجته ~~الألمانية أهدت إليه آخر المفاجآت؛ فبعد المعاشرة الطويلة والإيغال ~~في الشيخوخة إذا بها تتمرد فجأة على حياتها الزوجية واستمرار ~~الحياة في مصر، وانفصلت عنه راجعة إلى ألمانيا تاركة إياه في ~~وحدة وشيخوخة، وقال: هجرتني الولية المجنونة في سن لا تسمح بعلاج ~~لوحدتها! # ولكنه خلق حمالا للهموم والمصائب، وظل يمتعنا بمعاشرته ~~العذبة حتى طلع علينا «الأهرام» ذات صباح بنعيه، وانضم ركب من ~~الذكريات الحميمة إلى القافلة التي لا تتوقف عن السير. # آل ضرغام # ويجيء ms52 بعد آل الكاشف بيت آل ضرغام، ويقيم في البيت ، ربه ضرغام ~~الهندي وبكريته صافيناز وابنه الأصغر - صديقنا - سيد، أما الأم فقد ~~رحلت عن دنيانا من قبل انتقالنا إلى شارع الرضوان بأعوام ثلاثة. ~~الأب متوسط القامة، قمحي اللون، واضح الملامح، صلب القسمات، يوحي ~~منظره بالحدة والجدية والتجهم. يملك محل رهونات بباب الخلق ~~يستأثر بكل وقته من طلعة الصبح حتى هبوط المساء. وعدا الاشتراك في ~~واجب العزاء فلم يعرف واجبا من واجبات الجيرة. وعم فرج يقول عنه ~~في غياب سيد طبعا: غضب ربنا مطبوع على وجهه! # وخيل إلينا أننا نرى أثر الغضب الإلهي في وجهه الجامع بين ~~الحسن والصرامة، ولكن عم فرج كان يعرض بمهنة الرجل الحقيقية وهي ~~الإقراض بالربا رغم إسلامه الرسمي، بل وصفه كثيرون من أهل شارعنا ~~بالملعون، ولم يخف ذلك عن سيد، ولم يبد أنه اكترث له أو اغتم. ~~وكانت صافيناز على جمال ورشاقة فعشقها يهودي من سكان السكاكيني ~~وتزوج منها بعد إشهار إسلامه، وسمعنا أنه تاجر أقمشة، وعلى درجة ~~حسنة من الثراء، كما كان من المتعاملين مع ضرغام في حقل العمل. ~~وصديقنا سيد صبوح الوجه، رشيق، ضحوك، مطبوع على اللامبالاة، وكنا ~~نحبه لجاذبيته وصراحته وذكائه، كما نجد في لامبالاته موضعا دائما ~~للإثارة. وما أشبهه بسامح في موقفه من التقاليد! ولكنه من نوع ~~آخر ولأسباب مختلفة، وقد زاملنا في المدرسة الابتدائية ثم تحول ~~منها إلى التجارة المتوسطة رغم استعداده الطيب للنجاح؛ إذ إن ~~أباه ضرغام أفندي هندي نجح في أن يصبه في قالبه، فقال له: لا ~~أهمية للتعليم إلا كتمهيد للعمل، فلا تهتم بالشهادات. # كان يعده ليحل محله في محل الرهونات والإقراض بالربا. ولم ~~يمهله حتى يرشد فقرر أن يؤقلمه بجو العمل وعبادة المال من صباه. ~~الأول جعل منه المحصل الأمين لأقساط قروضه ليمارس ويتدرب ويندمج، ~~ومضى يتردد على المقترضين بدفتر الإيصالات ويحصل الأقساط ~~ويرجع بها إلى أبيه سعيدا فخورا نظير نسبة من الأرباح. وتعلم ~~منذ تلك السن المبكرة أن يربح وأن يدخر وأن يعرف لكل مليم ~~قيمته، ويقول ms53 لنا ضاحكا: كلما أقبلت على رجل منهم فر الدم من ~~وجهه! # فيقول له حسن الفنجري: أهلا بعفريت الرجال! # وتأدب بآداب أبيه في تقديس القرش وعبادته، ولم يكن يصرف مليما ~~إلا لضرورة مقنعة. وتعود منذ صغره أن يسمع الغمز واللمز ~~يقرضان سمعة أسرته، وتهم الشح والكفر تنهال عليها، فنشأ بكل ~~بساطة مزدريا للدين والتقاليد والأخلاق التي تدين أباه وعمله. كان ~~وثنيا وكأنه من مواليد الغابة مثل طرزان، بلا دين ولا وطن، ثم ~~قرر أن يعيش بلا أسرة أيضا؛ يسخر دائما من الزواج والأبوة، ~~ولم يخف دهشته من المجانين الذين يتزوجون، ولم ينتم لأي مبدأ أو ~~رأي أو شرق أو غرب. ولعله من أعجب الأمور أن تجمع شلتنا كل تلك ~~المتناقضات وأن تحافظ في ذات الوقت على المودة والحب بين أفرادها! ~~وفي الثلاثينيات توفي ضرغام أفندي هندي بالسكتة القلبية، وافته ~~المنية في بيت من بيوت الدعارة الرخيصة! لم يتزوج الرجل بعد وفاة ~~أم سيد. لعل حرصه على المال هو الذي صده عن طريق الزواج، ولم ~~يعرف عنه في حياته كلها أنه ممن يستجيبون إلى قلوبهم في قول أو ~~فعل؛ ولذلك فإن مخاوف صديقنا سيد من تلك الناحية كانت وهمية ~~ونتيجة لسوء ظن في غير محله بأبيه. كلا، عاش الرجل أمينا مع نفسه ~~تماما، وكان كلما ثقلت عليه الوحدة روح عن صدره بزيارة سرية ~~لبيت من بيوت الدعارة. وشاء سوء حظه أن تفيض روحه في آخر مغامرة من ~~مغامراته؛ لذلك كثرت نوادرنا حوله، وجعل منه حسن الفنجري شخصية ~~أسطورية مثل جحا، وكان سيد يشاركنا في المزاح ويسبقنا في الضحك. ~~كان يباهي بكل ما يؤخذ عليه من البخل والإقراض الربوي والوثنية ~~ونوادر أبيه. وبموت أبيه حل محله في دكانه وعمله وورث نصيبه من ~~أمواله المكنوزة في البنوك، وبات من أغنى الأغنياء بكل معنى ~~الكلمة. وكان بخلاف أبيه لا يضن على نفسه بمتعة، فجدد البيت ~~بناء وأثاثا، واقتنى سيارة فورد، وقال ملخصا فلسفته: سأعيش ~~طيلة عمري عزبا، حسن! يجب أن تكون العيشة محترمة، مسكنا وملبسا ms54 ~~وطعاما وجنسا، ولا مليم وراء ذلك إلا بحساب! # لا مليم وراء ذلك. وأذكر أنه أثار مرة ضجة لخلاف حول مليم في ~~حساب مشترك بينه وبين سامح، وأراد سامح أن يغالطه على سبيل المزاح ~~ولكنه اضطر إلى التسليم إيثارا لراحة الدماغ. ومن صفاته البارزة ~~بعده الكلي عن الفن والثقافة وجهله الكامل للحب؛ لم تحركه أي ~~فتاة، ولم يخفق قلبه أبدا بغرام، وكان للمرأة وقت محدد في جدوله ~~الأسبوعي، وقد يختارها من الملاهي ويؤدي لها ثمنها المرتفع ثم ~~يمضي إلى حال سبيله. ومرت بوطنه أحداث وأحداث وهو ينظر إليها من ~~بعيد أو لا ينظر إليها على الإطلاق. وراح الزمن يتقدم وهو يكبر ولا ~~يتغير ضاربا المثل الحي للرجل الناجح السعيد. وأسأله أحيانا: ~~ألا تشعر بالوحدة؟ ألا تحن إلى الأبوة؟ ألا تندم على شيء ~~فاتك؟ # فيقول ضاحكا ساخرا: إنك تسأل عن أوهام بدافع من ~~أوهام! ~~- قد يضعف الإنسان في شيخوخته؟ ~~- لم يفتني الاستعداد لذلك! ~~- كيف؟ ~~- إني أحتفظ للظروف السيئة بسم يقتل في ثوان! # نظرت إليه ذاهلا، فقال: قد ترى حياتي سخفا، ولكني هكذا أرى ~~حياتكم! ~~- على أي حال لن تأخذ المال معك إلى قبرك؟ ~~- المهم أن يسند ظهري في هذه الحياة. # طالما أحنقني لتمرده على نظرياتي. طالما توقعت أن يقع في ~~حب ليخلقه من جديد ولكنه لم يقع في حب. طالما تصورت أنه سيندم ~~في شيخوخته على ما فاته في شبابه ولكنه لم يندم. أصر على أسلوبه في ~~جمع المال، وشرب الوسكي الفاخر، وتناول الطعام اللذيذ، والزيارة ~~العابرة للغانية الأثيرة، والبعد الكلي عما يكدر الصفو من ~~شئون الدنيا والآخرة. ومرة على الأقل تنبه إلى أن راقصة ~~تعامله بحنان خاص، وتلاحقه بالتليفونات، وتفاجئه بالهدايا، ~~وترجم ذلك باللغة الوحيدة التي يتقنها، وهي أنها ترمي شباكها ~~لتغتال ماله، وقطع علاقته بها دون مقدمات، ولديه جرأة على ذلك ~~لا تبارى. واقتحمت عليه مجلسه في الأوبرج ذات ليلة لتصارحه ~~بأنه بلا قلب، فقال لها ساخرا كعادته: أعرف للقلب وظائف كثيرة ~~ليس بينها الحب! # وتشفعت المرأة إليه ببعض معارفه، ms55 فقال: الكرم نفسه أقرب إلي ~~من الحب! # فإذا سئل عن سر الحب الذي وقع فيه كثيرون من شلتنا قال: إنه ~~الحرمان، هذيان الحرمان وخيالاته. # فسألته متحديا: وملك إنجلترا الذي تنازل عن العرش من أجل ~~امرأة مطلقة؟ ~~- الجنون حقيقة موجودة، يجب أن نسلم بهذا! # غير أنه اعترف في شيخوخته بأن الجنس الميكانيكي يضعف ويدركه ~~الخمود. # ولعله لم يعرف الخوف إلا بعد قيام ثورة يوليو. أجل، لم يكن من ~~ملاك الأراضي ولا من رجال السياسة، ولكنه على أي حال ينتمي إلى ~~الطبقة الغنية التي ترمقها الثورة بريبة وعداء. ومن أجل ذلك، ~~وبمعاونة بعض أصدقائه من اليهود، هرب بعض أمواله إلى الخارج. ~~ومضى يهتم بالسياسة وأخبارها لأول مرة في حياته، وجعل يقول لنا ~~صراحة: جلا الإنجليز عن البلاد وأخذوا معهم القانون والأمن! # وتعالت الاعتراضات في ركن المقهى، فقال بإصرار: نحن لا نصلح لحكم ~~أنفسنا، وإذا لم يكن بد من أن يحكمنا جيش فمن الأفضل أن يحكمنا ~~جيش متحضر. # لذلك اعتبر يوم 5 يونيو عيدا في حياته، ومضى يقول شامتا ~~ساخرا: المسألة أن الجيش لا يجوز أن يحارب في جبهتين، وقد انتصر ~~الجيش علينا في الداخل فله العذر إذا انهزم في الخارج! # وجاء الانفتاح فكان عيدا آخر، وتنوعت أعماله وتضاعفت ~~أرباحه، وكان يقول: يقولون إننا نرتمي باختيارنا في حضن الاستعمار ~~الأمريكي، فاللهم بارك خطانا! # وهو اليوم في الخامسة والسبعين، قل نشاطه ولم ينعدم، صحته ~~حسنة، ومزاجه رائق، وضحكته عالية. وقد اكترى شقة على النيل في ~~طريق المعادي في الدور الخامس عشر، ويقسم لياليه بين ملاهي الهرم ~~ومقهى العباسية. # آل العلوي # جيران السناوي. ولبيتهم ميزاته من الضخامة النسبية وجمال الأثاث ~~والرياش، فضلا عن أن جدرانه معرض وطني لزعماء الوفد. وآل العلوي ~~أسرة عريقة في الثراء والجاه، وجدهم مذكور في تاريخ الجبرتي ~~بين النخبة الوطنية المصرية، وعندما انتقلت إلى شارع الرضوان ~~وتوثقت عرى الصداقة بيني وبين ابنهم الأصغر جميل، كان رب ~~الأسرة قد لزم الفراش طريحا مفلوجا، وكانت الأم تقوم بواجبات ~~الوالدين معا. وإلى ذلك كان ms56 له أخوان من أهل العلم والخبرة ~~يشغلان وظائف مرموقة في الحكومة، وأختان متزوجتان من موظفين ~~كبيرين، والأم سيدة ممتازة حقا ممن سبقن إلى التعليم في أعلى ~~درجاته المتاحة، وشاركن في الحركة الوطنية، واحتلت مركزا رفيعا ~~في لجنة السيدات الوفديات، هو بإيجاز بيت علم وجاه ومال ووطنية. ~~ولما مات الأب شهد شارعنا جنازة كبرى سار في مقدمتها سعد ~~زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وماهر والنقراشي وغيرهم من أساطين ~~الثورة المصرية. وجميل مشرق الوجه، رياضي الجسم، نبيل المظهر، ~~ولكنه انحرف عن سبيل أسرته فوهب نفسه للرياضة واللهو، ولم يحقق ~~في حياته المدرسية النجاح المتوقع، فحصل على الابتدائية بطلوع ~~الروح، وغلب الحب أمه فلم تعامله بالحزم الواجب. جل كان يطلع ~~على المجلات والكتب، وكان ذكاؤه أكبر من همته فلم يطبع بطابع ~~التفاهة أو السطحية أبدا، ولم يفتر اهتمامه بالشئون العامة. ~~وأصيبت أمه بمرض عضال لم يمهلها طويلا فلحقت بزوجها، ووجد ~~صديقنا نفسه وحيدا في بيت الذكريات مع الطاهي وخادم عجوز. ~~وتسلم تركته الوفيرة في وقته فاقتنى سيارة فيات وعاش عيشة ~~الأعيان منذ شبابه الباكر. إنه مثال نادر الوجود في نبل أخلاقه ~~ونقاء سريرته وشهامته وخفة ظله وخالص مودته، فضلا عن انتمائه ~~القلبي إلى وطنه. ولا شك أنه تنبه بعد فوات الفرصة إلى فداحة ~~الخسارة التي حاقت به بإهماله الدراسة، وإلى الفوارق التي باعدت ~~بينه وبين أفراد أسرته والناجحين من أصدقائه، ولكن ذلك لم يوغر ~~صدره على أحد، ولم يرسب في أعماقه عقدة من عقد النقص أو ~~العظمة الكاذبة، فظلت العلاقة بينه وبين إخوته وأصدقائه على ~~أتم ما يكون من الصفاء والمرح، ولكنه من ناحية أخرى انغمس في ~~ملاهي الشباب، فعشق النساء وشرب الخمر وجرب المخدرات. وربما شابه ~~سيد ضرغام في استهتاره أو سامحا في تمرده على التقاليد، ولكن ~~ذلك اقتصر على السطح دون الأعماق. كان صاحب عقيدة دينية ومبادئ ~~أخلاقية ووطنية، ولكن بقدر ما امتلأ قلبه بالأنوار بدا سلوكه ~~منحرفا مستهترا متمردا، يؤمن بالله ودينه ولكن لا يؤدي فريضة ~~ولا يحترم طقسا، ويتأجج ms57 قلبه بالوطنية ولكنه لا يترجم ذلك إلى ~~سلوك أو فعل ، فلم يتفق قلبه وسلوكه إلا في المعاملة، معاملة ~~الأصدقاء بصفة خاصة والناس بصفة عامة. ومضى في حياة اللهو ما بين ~~القاهرة والإسكندرية حتى فكرت أختاه في تزويجه من بنت الحلال ~~المناسبة. ولما فاتحتاه في ذلك، قال بهدوء حازم: لن أتزوج، ~~إنه قرار قديم ولكنه أبدي! # ودهشنا لما سمعنا. وكان عبد الخالق - الملهوف على الزواج ~~والمحروم منه لفقره - أشدنا دهشة وقال له: تستطيع أن تتزوج من ~~أحسن بنت في البلد! # ولكنه كان يفكر تفكيرا مختلفا، الزواج الذي تقترحه أختاه ~~زواج الكفاءة، والأسرة والعرائس في طبقته يتطلعن إلى المركز ~~والشهادة مع المال أو قبل المال. وهو يتحمل أي شيء إلا أن يرفض ~~لتعليمه الرسمي المحدود أو بطالته! فتحت إشراقة الوجه وسماحة ~~الخلق ولطافة المعشر كمنت الكبرياء كقوة لا تعرف الوسط، قلت له: ~~توجد ولا شك من ترحب بك. # فقال باسما: لست شحاذا! # ورغم كل ما قلت عنه فإن قصته الحقيقية لم تبدأ بعد، ألم تبدأ ~~وتنته مع القمار؟ أجل، إنه متعدد الهوايات؛ فهناك الصداقة والحب ~~العابث والشراب والقراءة والسينما، ولكن كل أولئك لا تمثل إلا ~~هامش حياته فقط، أما اللب والجوهر والماهية فهو القمار، بدأ لعبه ~~هواية، تسلية، وتمكن واستفحل حتى صار جوهر الحياة ومعناها ونبضها ~~وحلمها وكل شيء فيها، صار قلبه وعقله وخياله وأعصابه، قلنا إنه ~~القمار والقمار هو. النرد والبصرة، البوكر، الكونكان في المقهى، في ~~البيت، في النادي، ثم بعد التحريم في بيوت القمار السرية. وكان له ~~وقت معين وللأشياء وقتها، ثم التهم الليل كله حتى مطلع ~~الصبح، وأصبح لكل شيء سواه وقت يخطف خطفا، وأصبح المحور وكل شيء ~~يدور من حوله. المائدة هي الأصل، وقد يشرب وهو جالس إليها، أو ~~يتناول طعام عمل، أو يعشق امرأة مقامرة. كل لذة باتت ثانوية ~~بالقياس إلى القمار، حتى الحب نفسه. كأن الكون لم ينفجر، والأرض لم ~~تولد، والحياة لم توجد، إلا كي يتمخض عن ذلك كله الكوتشينة ~~الملونة المزركشة برموزها وأعدادها المقررة ms58 للمصائر. ولم ~~تؤثر المقامرة في صفاء أخلاقه؛ فلم يقارب الغش ، ولا التآمر، ~~ولا الحقد أو الغضب، حتى لو تبين له أنه كان ضحية اغتيال ~~واحتيال، وجرت الحياة على منوال واحد حتى بلغ الخمسين من العمر، ~~وعقب استيقاظه من نوم النهار، ذات يوم من الأيام، ما يدري إلا ويد ~~تقبض على عنقه، وتضغط بغلظة على جهازه التنفسي، وتمزق حنايا ~~صدره. ويخف إليه طبيب الحي ليعلن عن مجيء الذبحة الصدرية، ويصف ~~العلاج والرجيم ويوصي بالتزام الفراش شهرا على الأقل، لم يصدق ولم ~~يستسلم. أبى أن ينضم إلى زمرة العاجزين أو شبه العاجزين، أبى أن ~~يحرم نفسه من طيبات الحياة من أجل ضربة عابرة. وما كاد يشعر ~~بتحسن مع دخول الليل حتى نهض فارتدى بدلته وذهب إلى سهرته! ورجع ~~إلى بيته في الصباح الباكر ليتلقى الضربة الثانية. ولم يصدق الطبيب ~~ما حصل، وقال: إنه الجنون نفسه! # وأدرك على رغمه أن الحال تقتضي جدية وصبرا فاستكن. ولما ~~استرد صحته فكر في الأمر مليا. إنه مطالب بتناول الدواء ~~بصفة مستمرة، والحرمان من لذيذ الطعام، وتجنب الانفعالات أو ~~القمار بمعنى آخر. وبمعنى آخر أيضا إذا أراد الحياة فليقنع منها ~~بأن يكون جثة محنطة، ليستمر نبضه وتنفسه عددا من السنين. ~~كلا، ليس هو ممن يختارون هذه الحياة، إنه لا يخاف الموت ولا ~~تزعجه فكرته، وما تهمه إلا الساعة التي هو فيها. والموت آت ~~على أي حال سواء سبق بالفوضى أم بالنظام، بالاستهتار أم الحرص، ~~فاحي حياتك وليكن ما يكون. ومارس حياته كأن لم تعترضها ذبحة أو ~~طبيب أو إرشادات طبية. ويراقبه الأصدقاء بقلق، ولا يضنون عليه ~~بالموعظة والإرشاد. ويشيدون بفضيلة الاعتدال، تذكر ما وهبك الله ~~من مال وحرية وعقل، توجد فرص كثيرة للحياة الطيبة الطويلة، ~~ولكننا ننهزم حيال ابتسامته الحلوة الساخرة الملخصة لفلسفته في ~~الحياة بلا كلام، بل إنه اعترف لنا ذات يوم قائلا: الدهن ~~الحيواني محرم علي كما تعلمون، ولكنني لا أرضى بأقل من ست ~~كعكات من كعك العيد! # وصاح به حسن الفنجري: إنها تتخم مدينة ms59 صغيرة لا معدة فرد من ~~بني آدم! # وواصل سهره مع القمار إلى الصبح، وخطر لي يوما أن أسأله عما ~~يجذبه بكل تلك القوة إلى مائدة القمار. توقعت أن يقول الفراغ أو ~~الضجر أو اليأس ولكنه أجابني مرة في لحظة صدق: المائدة تجمعني ~~بنخبة من الأكابر، لا على أساس من المساواة فحسب، ولكنها تمنحني ~~السيادة أيضا في كثير من الأحايين، ولا تنس لذتها ~~الجنونية! # ويئست من تقويمه، وتوقعت مصرعه بين يوم وآخر. سنخسر صديقا ~~من أنبل من عرفنا في حياتنا، صديق الذكريات الطيبة التي لا تشوبها ~~شائبة. ولم تصدق مخاوفي، بل خيل لي أن الذبحة تناسته كما ~~يتناساها، وأنه أحرز انتصارا على قوانين الطبيعة، وفاجأنا وهو ~~يقترب من الستين بقوله: أريد أن أتزوج! # أعلن رغبته بعد انقضاء عامين على وفاة امرأة عاشرها طويلا، ~~عرفها في بيت قمار، واتخذها خليلة، وجمعت بينهما ألفة كالزوجية ~~أو أشد، وطالما ألحت عليه أن يتزوج منها وأن يتوب عن القمار ~~ولكنه جاد بكل شيء إلا الزواج. وماتت فجأة، ولأول مرة أراه يبكي ~~بحرارة، لأول مرة يكشف عن قلبه الذي يخفق بالحب كما يخفق بالحزن، ~~كأنما أرى شخصا جديدا تماما، أجل شهدت حزنه يوم وفاة مصطفى ~~النحاس، ولكنه مر سريعا، وحسبته تحية قلبية لذكرى والديه. أما ~~هذه المرة فقد بكى بكاء مرا وسلم نفسه لنوبته بلا حرص، ولم ~~يعد الرجل الذي يتحدى الموت ليله ونهاره. وبعد انقضاء عامين حن ~~إلى الزواج، ولم يبذل من ناحيته أي جهد لتحقيق رغبته ولكنه أعلنها ~~لنا وانتظر. وتحاورنا في حيرة، حقا إنه رجل ثري وجيه وابن ~~أسرة كريمة، ولكنه في الستين من عمره ومدمن قمار ذائع الصيت، لن ~~ترضى به امرأة إلا بعيب فيها أو طمعا في أن ترثه بعد موته. ~~وشعر بأننا نحرث في بحر كما يقولون فتجاهل رغبته، وطواها في ~~صدره، وواصل حياته المنعمة بالعنف والتحدي واللامبالاة. # وأخيرا جاءت النهاية، جاءت الذبحة، ربما متأخرة عن توقعاتنا، ~~ولكن مضاعفة لدهشتنا وانزعاجنا. وكنا معه على موعد، ولكن حيل ~~بينه وبين الوفاء ms60 به في هذه الدنيا. # آل كناشة # في جوار آل ضرغام يقوم بيت آل كناشة وهو الأخير في هذا الجناح. ~~ربه الشيخ محمد كناشة، قارئ القرآن الكريم، لا هو من المشاهير مثل ~~علي محمود وإسماعيل ندا، ولا هو أيضا من قراء المواسم في القرافة ~~ولكنه في منزلة متوسطة ضمنت له رزقا لا بأس به، وزوجته فلاحة ~~ودودة لا تخلو من وسامة. للأسرة ذرية مباركة، مكونة من سبع ~~بنات متزوجات، وولدين إبراهيم وزكي وهما من أصدقاء صبانا. وقد ~~حصلا على الابتدائية وأمضيا سنوات عقيمة في الثانوية. كانا ~~مشغوفين بالغناء، ويسترسلان فيه كلما وجدا فرصة أو تشجيعا منا. ~~وإبراهيم قصير القامة، قوي البنية، لا قبح في وجهه ولا جمال، ~~وزكي، رشيق، مليح، ورث عن أمه خير ما فيها. وربما شاركانا بعض ~~الشيء في اهتماماتنا الوطنية، على حين اقتصرت ثقافتهما على حفظ ~~الأدوار والتواشيح القديمة ثم مضيا مع الزمن يحفظان أغاني أم كلثوم ~~وعبد الوهاب. ومع الأيام تميز كل منهما باتجاه فني خاص، فمال ~~إبراهيم إلى الأغاني الجادة، وفي حين تبلورت موهبة زكي في أداء ~~الطقاطيق والمونولوجات حتى أطلق عليه حسن الفنجري «الرقيع ابن ~~الشيخ». ومالا معا إلى الالتحاق بمعهد الموسيقى الشرقي، واعترض ~~الشيخ محمد بادئ الأمر، ولما يئس من نجاحهما في الثانوية، وافق ~~فالتحقا بالمعهد، وبعد التخرج اشتغل إبراهيم مطربا بصالة نعيمة ~~الضباطي، وضمنت له حنجرته حياة عادية، فتزوج وأعاد من جديد حياة ~~أبيه مع اختلاف المضمون. أما زكي فعمل «مونولوجست» في صالة ببا، ~~ولم تبشر حياته بقفزات غير متوقعة، لولا أن أحبته سيدة ~~غنية. ودفعت به قصة الحب إلى أغلفة المجلات الفنية، وزكى منظره ~~الحسن نجاحه المثير. توجت قصة الحب بزواج شرعي، وأتاح له ثراء ~~زوجته أن ينشئ «الفونتانا» أجمل ملاهي شارع الألفي في وقتها. قام ~~مبناه من طابقين؛ الأول كافيتريا حديثة والأعلى ملهى ليلي ~~للغناء والرقص، وأحاطت بالمبنى حديقة جميلة بارعة الجمال. وأصبح ~~زكي مدير المحل، بالإضافة إلى بعض المونولوجات يلقيها آخر الليل من ~~مختارات ألفت لأجله ولحنت بإشرافه، وقد نجحت ms61 وذاعت على ~~ألسنة السكارى وأهل الانبساط من الجنسين. ولم يقسم له أن ينجب ~~كأخيه إبراهيم فركز عنايته بذاته، وسهرنا نحن الأصدقاء في الملهى ~~ورأينا صاحبنا وقد خلق من جديد في صورة غاية في الجمال والأناقة، ~~قال حسن الفنجري: انظروا إلى مفعول الغذاء الطيب! # وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية توفيت زوجته فأصبح من ~~كبار أغنياء البلد، وقال صديقنا عبد الخالق: صدق من قال: قيراط حظ ~~ولا فدان شطارة! وكان تنكره لأسرته؛ والديه المسنين وأخيه ~~إبراهيم، وصمة في جبينه لا تمحى أبد الدهر. ليس كتنكر أحمد ~~شقيق عبد الخالق لأسرته؛ فأحمد كان في الواقع فقيرا وكانت زوجته ~~هي الغنية وشاءت أن تستأثر به وأن تكره أسرته من أول يوم. أما زكي ~~فقد آلت إليه ثروة خيالية وظل تنكره لغزا ووصمة. وما لبث أن ~~عشق راقصة اشتهرت بجمالها فتزوج منها، وبدا سعيدا مرحا رغم ~~أنه لم ينجب، وشيد في الهرم قصرا ضرب بجماله المثل وعاش عيشة ~~الملوك. ولم يجد جديد من ناحيته حتى ترامت إلينا أنباء غامضة ~~عن مرض ألم به، وتأكد الخبر لما سافر إلى الخارج للعلاج. ~~ورجع بمرضه دون شفاء، ولم يجئ ذكر للمرض صراحة ولكنه كان يوصف ~~تارة بالخطير وأخرى بالخبيث. وأخبرنا إبراهيم بأنه - أخاه - حرم ~~من أحب الأشياء في الدنيا إلى نفسه؛ الجنس والطعام! قال إبراهيم ~~بشماتة: غير مسموح له إلا بمرقة النابت! # ولم تتحمل زوجته الجميلة عشرته طويلا فاضطر إلى تطليقها، ~~وأصبح وحيدا بلا عزاء. وفي تلك الأيام رأيته مرة في «الفونتانا» ~~وهو يشرف على إدارتها كنوع من التسلية. والحق أني فزعت لمرآه؛ لم ~~أر رجلا ولكني رأيت جثة محنطة، جثة محنطة تلتوي شفتها ~~راسمة امتعاضا أبديا احتجاجا على عبث الأقدار به. له من المال ~~ما يمكنه من امتلاك أي شيء، وليس له من الصحة ما يمكنه من ~~الاستمتاع بأي شيء. وانساق مع حظه إلى الهدف الوحيد الباقي له وهو ~~الجنون! # فقد حصر كل اهتمامه بقبره، نعم قبره، حتى لو استنفد ذلك ثروته ~~الطائلة. اشترى أرضا في مدافن ms62 الخفير لعلها أكبر أرض خصصت ~~لمدفن في مصر، وغرس بها حديقة غناء تصلح أن تكون حديقة عامة. ~~أما القبر نفسه فقد شيد ظاهره وشواهده من الرخام النفيس المنقوش ~~بآيات الرحمن، وبلغ اتساع منامته حجرة استقبال واسعة، وطعمت ~~جدرانه بالرخام وغطيت بالسجاجيد الفارسية، وركبت فيه أنابيب ~~للإنارة تستمد طاقتها من مولد كهربائي وأوقف على المدفن ~~وخدماته مالا يفي بالإنفاق عليه أبد الدهر. قلنا إنه لا ينقصه إلا ~~أن يحنط جثته ويدفن معها متاعه من الجواهر والطعام والثياب! ~~أراد ألا يرثه أحد من الشامتين، ولا أدري مدى توفيقه في ذلك. وفي ~~الخمسينيات مات زكي كناشة فلم يحزن لموته أحد، وقال صديق: لم أعرف ~~في حياتي من هو أقسى منه! # فأجاب صوت: الحياة نفسها تبدو أحيانا أقسى وأمر. # آل عديلة الحرة # آخر بيت في الجانب الآخر فيما يلي آل العلوي. عرف البيت باسم ~~صاحبته عديلة الحرة، أما اسمها فعديلة، وأما لقب الحرة فأضيف ~~إليها على سبيل المدح المقصود به الذم. ويقيم في البيت عديلة ~~ربته وابنتاها نبيلة وسناء. ويروي عم فرج تاريخ الست فيقول: ~~إنها كانت زوجة لرجل يدعى عبد الله سنان، كون ثروة لا بأس بها ~~من السمسرة، فشيد لها هذا البيت وكتبه باسمها، وأنجب منها ~~نبيلة وسناء. وقبيل انتقالنا إلى الشارع بعام واحد سافر الرجل ~~إلى بر الشام لشأن من شئونه، وهو من سلالة شامية، ثم لم يعد ~~وانقطعت أخباره. ويفسر عم فرج اختفاء الرجل بأن عديلة كانت ~~فائقة الجمال والدلال، وأن سلوكها لم يكن فوق الشبهات، وعجز زوجها ~~عن كبحها فهرب! ~~- تجنب مواجهتها بالطلاق خوفا من طول لسانها، والظاهر أنها ~~كانت تعرف من أسراره ما لا يحب أن يعرف. # على أي حال اختطت لنفسها طريقا جديدا غير معهود في شارعنا، ~~فانطلقت في تحررها إلى آخر المدى. وأصبح بيتها مع الزمن ملتقى ~~الأعيان من العباسية الشرقية، يتسللون إليه بليل كالزنابير ~~محملين بالهدايا، فيقضون فيه أطيب الأوقات مع ربة البيت ثم ~~معها ومع ابنتيها الجميلتين. وكنا نراها أحيانا تسير في الشارع ~~بمفردها ms63 أو بصحبة نبيلة وسناء، في هالة من التبرج الفاقع، ~~فينتزعن الأعين من المحاجر ويثرن عواصف من الأقاويل. وكنا ~~نحملق في نبيلة وسناء بأعين مترعة بالجنون ولكنهما لم تعيرانا ~~أدنى التفات. وعلى ذلك تساءلنا: أين الشرطة؟ .. ألا تعلم بما يجري ~~في هذا البيت؟! وقيل لنا إن الشرطة تعلم أكثر مما نعلم، وإن حماية ~~الأعيان مبسوطة على البيت ومن فيه، بل وقيل إن الباشا وكيل ~~الداخلية - وهو من سكان العباسية الشرقية - من عشاق البنت ~~الصغرى رغم فارق السن الهائل بينهما. وطرح الموضوع للمناقشة فيما ~~بيننا فتساءل عبد الخالق: هل يليق بنا أن نقبل هذا الوضع الشائن في ~~شارعنا؟ # فقال عزت بشهامته المعهودة: إذا تناومت الشرطة فنحن ~~الشرطة. # ورحنا نقذف البيت بالطوب فنكدر صفو سهراته الخيالية. وجاء ~~رد الفعل سريعا فتولى حراسة البيت نفر من حرافيش الوايلي لا ~~قبل لنا بهم، ولم يكن في مقدور عزت التصدي لهم. وعلى ذلك ~~تجاهلنا بيت الحرة على مضض مشاركين سكان الشارع سخطهم الصامت. ~~وفي أواسط الثلاثينيات غادرت الأسرة بيتها كأنما قد ضاق عن ~~نشاطها المتصاعد، فارتاحت الأنفس لذلك، واعتبر يوم رحيلهم من أيام ~~السعد. ولم نعد نسمع عنهم خيرا أو شرا، حتى رأيت سناء في ~~تاريخ لاحق بانتهاء الحرب العظمى الثانية، في حديقة لبتون بصحبة ~~ضابط جيش. لم تبد في مظهرها القديم ولكنها رفلت في احتشام أضفى ~~على صحبتها للرجل روح الزوجية. وقد عجبت لذلك وتحيرت، ولكن ~~الأيام أيدت ظني، وعرفت من أكثر من مصدر أنها تزوجت من الضابط ~~بعد قصة حب، ثم علمنا بعد قيام ثورة يوليو أن ذلك الضابط كان من ~~القلة التي قررت الثورة محاكمتها، وقد قبض عليه وهو يحاول ~~الهرب إلى الخارج وقدم للمحاكمة وقضي عليه بالسجن. وظل البيت ~~يعرف ببيت عديلة الحرة كأنما هي تسمية تاريخية كرسها التاريخ. ~~وحافظ على اسمه حتى بعد أن أقام فيه الشيخ الذهبي مدرس اللغة ~~العربية والدين بمدرسة فؤاد الأول. وهو فلاح محافظ وزوجته فلاحة لم ~~يغير انتقالها إلى العاصمة من طباعها أي تغيير. وعرف الشيخ ms64 الاسم ~~الذي اشتهر به بيته بالمصادفة؛ فقد جاءه زائر من البلد وسأل عنه ~~في شارع العباسية فأشاروا إلى موقع البيت ورددوا على مسمعيه ~~اسمه، وأخبر الزائر الشيخ الذهبي ببراءة، وتحرى الشيخ عن الأمر ~~حتى ألم بأطرافه وثار غضبه، ويوما دخل الشيخ الفصل فوجد أن ~~مجهولا من الطلبة قد كتب على السبورة بأصبع الطباشير وبالخط ~~الفارسي: «عديلة الحرة». واحتقن وجه الشيخ بالغضب وكان شديد ~~الغضب، والتفت نحو الطلبة متسائلا في تحد: من ابن العاهرة ~~الذي كتب هذا الاسم؟ # ولم ينبس أحد، فقال ودفقات غضبه في تصاعد: قد تكون عديلة ~~امرأة سوء ولكنها يقينا أشرف من أم من كتب هذا! # وبدأ الدرس. # وقد عاصرت من ألوان الفساد بألوانه وطبقاته وأنواعه ما يجعلني ~~أذكر عديلة وابنتيها كما أذكر أحيانا مكتشف النار في تاريخ ~~الحضارة بالمقارنة بغزاة الفضاء. # إذ شدني الحنين اليوم إلى زيارة العباسية فسرعان ما تتكشف لي ~~عن عالم غريب لا عهد لي به؛ لا الشرقية شرقية ولا الغربية غربية، ~~اندثرت الحقول والحدائق وتوارى اللون الأخضر، عمارات متراصة ~~متلاصقة تنوء بأثقالها بلا لياقة أو جمال، شوارع جانبية مكتظة ~~بالأطفال والصبيان، مختلف أنواع المركبات في سباق جنوني، ضجيج ~~هائل يقتحم الفضاء مغلفا بالغبار، أكوام القمامة تترامى ~~كالتلال في الأركان، المواقع الواطئة غريقة في مياه المجاري، الغضب ~~والعنف والسباب ينفجر في الآذان، ولا أعرف أحدا ولا أحد يعرفني، ~~وأتساءل، وأتساءل في حيرة بالغة: أين المغاني التي شهدت أعذب ~~المودات وأجمل قصص الحب؟! # وإنها لنقمة أن تكون لنا ذاكرة، ولكنها أيضا النعمة ~~الباقية. # | أسعد الله مساءك # اليوم أبدأ حياة أخرى، حياة التقاعد؛ عمر طويل تقضى في خدمة ~~الحكومة أفنى شبابي وكهولتي وأطل بي على الشيخوخة. وأظلني بولاء لملك ~~وأربعة رؤساء فلم يشعر أحدهم لي بوجود، لا يخالجني أسى كبير لأني ما ~~انتقلت إلا من درجة من الضجر إلى أخرى أسوأ وأشد. الذاكرة تعذبني ~~والخيال، فلعله من حسن حظ الحشرة الهائمة في القمامة ألا يكون لها ~~ذاكرة أو خيال، بل الأغلب أن الحشرة تهنأ بالقمامة، بالقياس ms65 إلي لا ~~فارق يذكر بين مسكني البالي وبين القمامة. إنه لظلم وأي ظلم ألا أكون ~~اليوم في بيئة جديدة تزهو بالنقاء والنضارة، وألا أكون شجرة تنعم ~~بالأوراق والأزهار والثمار. وأذكر أسرتي فينقبض وجهي من المرارة ~~والسخط، على أن وقت المحاسبة قد مضى وانقضى. لا أريد أن أصدق أنني ~~عايشت هذه الحجرة منذ عهد التلمذة وحتى عهد التقاعد، هيئتها ~~ومحتوياتها لم تكد تتغير إلا قليلا، هذا السرير الخشبي ما أصلبه! ~~سرير معمر لم تنل السنون من صحته وقوة احتماله، لا يحظى أثاث هذا ~~العصر بمثل هذه القوة المتحدية. وصوان متوسط الحجم ذو ضلفة واحدة ~~تشغلها مرآة من أعلاها إلى أسفلها، طراز منقرض تماما، ومكتب صغير ~~قائم بين النافذتين متين القوائم مقشر السطح راجعت فوقه دروسي ~~الابتدائية والثانوية والجامعية، وكنبة تركية طويلة جديرة بالمتاحف، ~~وسجادة فارسية - هدية البكالوريا - هي المتاع الوحيد المحافظ على ~~رونقه. لم تعد هندسة البناء الحديثة حجرات بهذا الاتساع، ولا أسقف ~~بهذا الارتفاع، ولا أرضية مركبة من البلاط المعصراني. العمارة نفسها ~~آن لها أن تحال إلى التقاعد، وشارع أبو خودة لم يعد له من مضمون ~~الشارع إلا اسمه. نفايات الدهر الغليظ تتوارى في أركانها المظلمة أجمل ~~الذكريات، ولا جديد ألبتة إلا السكان الجدد ينفثون الغربة والابتذال ~~والاستفزاز. وحيد في شقة كبيرة، من حجرات أربع وصالة تتكون، ~~يغزوها التراب، وتقطنها معي الصراصير والفئران. أتصدى لكل شيء دون ~~جدوى، للغزاة والوحشة والكآبة، وللذكريات الحلوة أيضا، وألعن الذاكرة ~~والخيال، أقول لنفسي - خاصة وأنا أنظف حجرتي وأرتب فراشي - إنني ~~كنت يوما مناط الأمل وقطب العناية المركزة في تلك الأسرة الغابرة، ~~وكنت أيضا الضوء الذي ترف حوله فراشات جميلة؛ إي والله في غاية ~~الجمال والعذوبة والجنس. وحلمي كان حلما متواضعا في متناول كل شاب؛ ~~أن أتزوج وأستقر في أسرة بين أبناء. لم يناوشني طموح كبير فأشقى به ~~أو له، عرفت الطموح عند أصدقاء وزملاء، منهم من وصل وتألق، ولم يكن ~~حلمي إلا الخطوة الأولى في طريقهم الطويلة فكيف خاب السعي وانقلب ~~الهدف، كيف أجدني ms66 اليوم وحيدا بين يدي التقاعد، لا أنيس لي إلا ~~الراديو والتليفزيون والذكريات المعذبة، والحوار الذي يدور مرارا ~~وتكرارا بيني وبين أشباح أسرتي الزائلة، أقول لهم لولاكم لكنت وكنت ~~فيقولون لي ولولا الحظ لكنا وكنا، هل أصر على الغضب؟ هل أسلم للشفقة ~~والرحمة؟ ولا أجد أخيرا ما ألعنه إلا الحظ. ومع العصر وشدة الحر ~~ناداني المقهى؛ أي منطلق فهو خير من سجن هذه الشقة المنفرة. لم ~~يبق لي أحد من أهل الزمان الأول؛ فمن مات مات، والقلة الباقية ~~تغيرت مشاربها ومواقعها في المدينة الكبيرة. أما الطريق بين أبو ~~خودة ومقهى النجاح في ميدان الجيش فقد رسخت هيئته الحديثة بطواره ~~المحطم وتياره البشري المصطخب وأصوانه المرعدة المزمجرة ومركباته ~~المتنوعة المتلاصقة المتدفقة وغباره المنتشر، رسخت هذه الهيئة ~~فجعلت من أناقته القديمة وسماحته الزائلة وهدوئه الشامل حلما من ~~أحلام اليقظة. وأجد حمادة الطرطوشي في مجلسه على رصيف المقهى في ~~انتظاري. سبقني إلى التقاعد بخمس سنوات، وأغرانا بالتعارف تقارب ~~السن والوحدة، وهو ذو شيخوخة متجعدة متفجرة تمادت في احتلال القسمات ~~والصوت حتى ليبدو أكبر من سنه، رأس أبيض كالشمع، وحاجبان ساقطان على ~~جفنيه كالأسلاك، ونظرة منطفئة ذابلة مع ثرثرة ومرح. ووحدته قاصرة ~~على الأصحاب، عدا ذلك فهو رب أسرة وأب لرجال ناجحين ينتشرون في ~~شتى الوزارات، فلم يعد يشاركه بيته بشارع الشرفا إلا زوجته. ~~استقبلني بابتسامة فضحت خواء فمه ونمت عن حرارة المودة التي تجمعنا ~~وتمتم: أهلا، هذا أول أيام التقاعد، ربنا يطول عمرك. # فقلت متصبرا: كآبة عابرة ليس إلا. ~~- بالصراحة كان وقعه علي أشد. ~~- ألا ترى أن هموم الحياة اليومية تغطي على ترف العواطف ~~الرومانتيكية؟ # فلوح بيده المدبوغة، وقال: صدقت يا عم حليم، والمعاش على أي حال ~~أقل من المرتب. ~~- والمرتب لم يكن يكفي، وبين أصحاب المعاشات وضحايا المجاعة في ~~إثيوبيا خطوة أو خطوتان! # ضحك ضحكة صامتة، وتساءل بنبرة جديدة: هل أطلب النرد؟ # فقلت دون حماس: الوقت أمامنا طويل طويل! # فقال بعطف: مشكلتك الحقيقية هي الوحدة! ~~- أي نعم، كانت الوزارة تشغل نصف العمر. ~~- اسمع ms67 نصيحتي، لا تمكث في البيت إلا للضرورة القصوى. # فقلت متفكرا : الوحدة ليست في البيت فقط، إنها هنا أيضا! # وأشرت إلى صدري .. فقال باسما: أنت لا تسلو أبدا عن حلم الزواج ~~القديم! # فتساءلت بأسى: هل فاتت الفرصة؟ ~~- الفرص بيد الله سبحانه، ولكن هل فيك الرمق المطلوب؟ # فقلت بحرارة: يجمعون على أن حالتي العامة أصغر من سني بكثير، ~~وأحيانا يخيل إلي أني رددت إلى فترة المراهقة، نجوت حتى اليوم ~~من الأمراض المزمنة المتداولة، لم أخبر من الأمراض إلا نزلات ~~البرد، أسناني كاملة ومتينة رغم حشو أربعة ضروس، ولم أحتج إلى نظارة ~~رؤية أو قراءة علما بأن ولعي بالقراءة هبط إلى حد أدنى في السنين ~~الأخيرة، وما زال السواد له الغلبة في السيطرة على رأسي، ولكنني لا ~~أحب التمويه بذلك كثيرا خوفا من الحسد؛ فالحق أن الثقافة لم تقتلع ~~من باطني بعض الرواسب القديمة، وقال حمادة الطرطوشي: إن وجدت فرصة ~~فأهلا وسهلا، وإن لم تجد فارض بالمقسوم، وإن تكن تحسد ~~المتزوجين أمثالي فهم أيضا قد يحسدونك، والله ما هد حيلنا وقصر ~~عمرنا إلا الحياة الزوجية والثانوية العامة! # ما أكثر ما سمعت ذلك! يدخل في أذن ويخرج من الأخرى؛ أجل لم أحمل ~~هما من تلك الهموم. وإلى ذلك كله عشت منذ رحيل الأسرة بلا مطبخ؛ ~~بالسندوتش والمعلبات، ومع الراديو والتليفزيون، ولكني لم أكف ~~أبدا عن التوق إلى الزوجة والأولاد، حتى الساعة لم أكف، وأخيرا ~~وجدت الخلاص في النرد. وتظل ساعة الرجوع إلى العمارة المتهرئة بشارع ~~أبو خودة أثقل الأوقات كآبة، على مدى صلتي بحمادة الطرطوشي اطلع على ~~الكثير من خفايا حياتي. ولما حكيت له حكاية ملك سألني: ما عمرها ~~اليوم؟ ~~- تصغرني بعام أو عامين على الأكثر. ~~- وحالها كامرأة؟ ~~- رأيتها مرات من بعيد وأنا ماض إلى المقهى في شرفة شقتها، ~~يخيل إلي أنها ما زالت امرأة! # فقال جادا: أرملة، ابناها في السعودية بصفة دائمة، وحيدة مثلك ~~وقريبة لك، زرها يا أخي وجس النبض! # ضحكت لغرابة الفكرة ولكنها عششت في رأسي مذ اقترحها، وتخيلت ~~عنها كل ms68 ما يستطيعه الخيال. وقبل ذلك لم تكن تغيب عن خواطري وخاصة عند ~~اشتداد أزماتي الجنسية، تزورني وأنا أتأهب لاستقبال النوم، ويدور ~~الحوار وتحدث الأفعال ولكن مع الفتاة القديمة، فتاة القلب والأحلام ~~الزوجة التي أعدتها الطبيعة لي وأعدتني لها فيا للخسارة! لا أقول ~~إنه حب فذ تحدى جميع تلك الأعوام؛ مات الحب في وقته، شهدت زفافها ~~كالغريب، ولكنها الوحدة والجوع. وألعن تقلبات الزمن التي اجتاحت ~~وطني والعالم وغزتني في عقر داري، وأصب لعناتي على موطني بين أبو ~~خودة وميدان الجيش. وأتساءل من قبلي ولد، ونشأ وتقاعد في حي واحد ~~وشارع واحد وشقة واحدة بل وحجرة واحدة، كلما هم بالتحرك قبضت ~~عليه الأحداث. وعداوتي تتصاعد بصفة خاصة نحو مدخل العمارة القديمة، ~~واسع مظلم نهارا وليلا وبئر السلم مكتظ بالنفايات، السلم ~~متآكل ذو لون كآبي مستمد من القذارة، عمارة بلا بواب، وشقق بلا خدم، ~~رغم شقائي بالتنظيف والترتيب فرائحة ترابية تقتحم خياشيم الداخل، ~~ووراء ذلك كله يجثم التضخم والانفتاح والحروب والنظام الاقتصادي ~~العالمي، وما كان لي من طموح أكثر من أن أتزوج من ملك ابنة قريبي ~~بهاء أفندي عثمان. قال لي حمادة الطرطوشي ذات مرة: لا أتصور أن الوطن ~~سيخرج بسلام من أزمته. # فقلت له وأنا من القرف في نهاية: دعنا في أزمتنا نحن! .. عمرنا ~~يحسب باليوم وعمر الوطن بالقرون! # إنه محب للأحاديث العامة على حين أن همومي الشخصية دفنتني تماما، ~~وأنظر إلى أطلال الشقة وأتساءل أحقا كانت هذه الأطلال مهد الدفء ~~والحنان والكرامة؟! أمي بعد إنجاب فكرية وزينب أنجبت ستة ذكور ماتوا ~~جميعا في الطفولة ثم أنجبتني أنا، مجدد الأبوة والأمومة ولعبة ~~القلبين .. بل لعبة أربعة قلوب، وهل أنسى حب فكرية وزينب؟ يشتركن ~~جميعا في إعدادي لصحبة أبي إلى المقهى للتسلية والفرجة، أمي تمشط ~~شعري، فكرية تلبسني بدلة البحار، زينب تلمع لي الحذاء، يخرج أبي ~~من حجرته متأنقا غاية الأناقة، بدلة آخر موضة، رائحة زكية يقطرها ~~له الحلاق، عصا ذات مقبض عاجي، يلقي علي نظرة استحسان من ~~نظارته المؤطرة بالذهب، ويقول لي ms69 باسما: تفضل يا حليم ~~بك! # اسمه عبد القوي البيه، والبيه في الحقيقة اسم لا لقب ولكنه يضيفه ~~علي لقبا، رغم أن جدي البيه كان فطاطريا في شارع الشيخ قمر. وفي ~~المقهى يطلب لي الدندورمة، ويحدث أصحابه عن ذكائي المبكر، ويقول: ~~له صورة تذكرني بسعد زغلول في صباه! # الحق أن لي عينين تريان أكثر مما ينبغي، تجمعنا المائدة جميعا، ها ~~هي الأسرة بكامل هيئتها، الأب والأم وفكرية وزينب، أحب الجميع ولكن ~~لي عليهم ملاحظات وتحفظات؛ وجه أبي لا يعجبني وبخاصة إذا نزع ~~نظارته المذهبة، وجه نحيل ممطوط مجوف بعض الشيء، صغير الأنف ~~بصورة مضحكة، ضيق العينين كأنهما مشروع عينين، بارز الجبهة، ~~صورة منفرة. أمي صغيرة الجسم حسنة الطلعة، ذات عينين واسعتين ~~جميلتين وشعر ناعم وأنف دقيق مستقيم، وإن اعتور صوتها خنف ونبرة ~~احتجاج دائمة. أما سوء الحظ فقد تركز في فكرية وزينب اللتين خلقتا ~~صورة طبق الأصل من وجه أبي الدميم. ودون أي فائدة ورثت أنا وجه أمي ~~المليح، ومن ذلك التكوين المتنافر تربع سوء الحظ على عرش أسرتنا دون ~~منازع، أنا السعيد الوحيد ولكن زحف الكدر. تبدى القلق واضحا في ~~سلوك أمي وكلامها، متشائمة دائما من ناحية المستقبل، يتفجر قلقها مع ~~مرور الأيام. # تقول لأبي: كان يجب أن يتعلما في المدارس! # فيقول: لتجر مشيئة الله كيفما شاء، أما أنا فلا أبتذل كرامتي .. ~~علاقة أبي وأمي حسنة جدا، وعلاقة فكرية وزينب بأبي على أحسن حال، أما ~~الأم وفكرية وزينب فلا يصفو بينهن جو إلا فيما ندر. كل واحدة منهن ~~على حدة غارقة في مخاوفها، وينعكس ذلك توترا دائما فيما بينهن ~~وخصاما لغير ما سبب، نقار دائم وكدر شامل واتهامات مكبوتة. # ويوما ما يقول لي صديقي علي يوسف - زميلي وجار - بثقة ويقين: أبوك ~~غني يا بختك! # فأسأله بدهشة: لماذا؟ ~~- منظره يؤكد ذلك، إنه أوجه أب في شارعنا. # صدقت ذلك بعد مقارنة سريعة بين أبي ويوسف أفندي والد صديقي، وقال ~~علي مواصلا: ومصروفك اليومي يا عم! # مصروف أقراني لا يتجاوز نصف القرش أما ms70 مصروفي فقرش كامل. أبي يصحبني ~~معه أحيانا إلى المقهى أو السينما، فأنا ابن عز كما يقول صديقي علي. ~~وعمارتنا - في ذلك الزمان - في طور الشباب وهي أحدث من عمارة علي يوسف ~~وبهاء عثمان والد ملك. يسعدني والله أن أكون ابن عز ومن الأغنياء، ~~وهل في الدنيا ما هو أجمل من الثراء؟ وأقول لأمي: نحن أغنياء؟ # فتقول لي بصوت لعله العنصر الوحيد القبيح فيها: لا ينقصنا شيء ~~والحمد لله. ~~- لنا أملاك؟ # فتضحك قائلة: لا أملاك لنا. ~~- إذن من أين يجيء ثراء أبي؟ ~~- من ستر ربنا يا ابني. # الظاهر أن الأثرياء لا يطلعون الأبناء على حقيقة ثرائهم قبل سن ~~معينة. حسبي أننا نأكل ما نشتهي، وفي رمضان يمتلئ الكرار بالنقل، ~~وبالكعك في عيد الفطر، ونستضيف فيه الخروف في عيد الأضحى. # أبي غني دون أدنى شك. ومن مزاياه أيضا أنه القارئ الوحيد في أسرتنا، ~~يداوم على قراءة الجريدة اليومية والمجلة الأسبوعية المصورة. وعنه ~~عشقت القراءة، وبعد أن شبعت من مجلة الأولاد طالبته بشراء القصص ~~المترجمة. ها هي عادة جديدة تزف إلى حياتي، أن أعيش حياتين؛ حياة ~~الواقع اليومي بين المدرسة ونقار النساء في الأسرة، وحياة الخيال مع ~~الأبطال من النساء والرجال. # ويسألني أبي: ألا يلهيك ذلك عن المذاكرة؟ ~~- ولكني أنجح يا بابا! # فيقول لي بإغراء: عليك بالشهادة العليا. ~~- هل حصلت عليها يا بابا؟ # فيقول ضاحكا: على أيامنا كانت الابتدائية هي العليا، ورغم ذلك حصلت ~~على الكفاءة أيضا، الفرص على أيامكم أكثر، ماذا تريد أن تكون؟ ~~- أريد أن أكون مثلك. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أن يكون لي مثل بدلتك ونقودك وأن يكون لي بيت! # فيضحك عاليا ويقول: أنتظر مع الأيام إجابة أفضل! # ومثله أؤدي الصلاة والصيام، النساء يكتفين بالصيام ولكني رجل. أبي ~~لطيف حنون ويحب الدعابة، عندما يغضب يغلق عليه حجرته أو يرتدي ~~ملابسه ويذهب إلى المقهى. تولت تلك الحياة وغاب أبطالها، في باب النصر ~~يرقدون في قبر واحد نصفه للرجال والآخر للنساء. حجرتي كما كانت، وحجرة ~~أبي الملاصقة لها معدة للمعيشة يزينها التليفزيون والراديو والمكتبة، ms71 ~~وفي الصالة السفرة وأربعة مقاعد خشبية ودولاب شبه خال، بيع الأثاث ~~القديم بأبخس الأثمان، وتعرت الحجرتان الأخريان تماما، لا مطبخ لي ~~بالمعنى المفهوم لهذه الكلمة، ثمة موقد غازي صغير أعد فوقه ~~القهوة أو الشاي وأحيانا الكراوية، وأغتذي على الفول والطعمية وبعض ~~المعلبات والبيض أحيانا، وهو غذاء الحكماء في هذا الزمن ~~الناري. # الوحدة تتحداني وأنا دائب على مقاومتها بالمقهى والتليفزيون، ندرت ~~قراءاتي للحد الأدنى في أعقاب معايشة طويلة لعمالقة الفكر في وطننا ~~ونخبة من المترجمات الممتازة. اكتسبت سعة في الأفق واستنارة لا بأس ~~بها، ولكن لم يؤثر شيء في عقيدتي الأساسية، أو لم يؤثر فيها لدرجة ~~التخلي عنها، ما أزال أصلي وأصوم، وأنتظر النهاية بالرغم من أنني لم ~~أضف إلى الحياة جديدا ولم أحدث فيها شيئا ذا بال. وأعاني كثيرا ~~من الملل والكآبة، وأضيق بالمكان لحد الموت، وتطاردني مخاوف كثيرة من ~~المرض والموت، أخاف أن تدركني علة فلا أجد من يأخذ بيدي، أو أن ~~يوافيني الأجل فأترك في مكاني حتى تنم عني رائحتي. أقول لنفسي اطرد ~~عنك الوساوس فمن الغباء أن تحمل الهم قبل وقوع القضاء. الطرطوشي يراني ~~أهلا للحسد، الماكر الأزرق يخزي العين عن حسده، أبناؤه غاية في ~~الروعة، يمدونه بالعون أول كل شهر، وعندما يجيء أجله سيزدحم بيته ~~بالنساء والرجال ويلعلع الصوات فيترامى إلى أنحاء العباسية، وينشر ~~نعيه في الأهرام، # يا أيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية ~~، انتقل إلى جوار الله المربي ~~الفاضل. وتمضي وراء نعشه جنازة محترمة يشترك فيها أصدقاء الأبناء ~~والأصهار، فيفوز الرجل الطيب التافه بجنازة من الدرجة الأولى. حليم بك ~~لن ينشر له نعي على الإطلاق، سينشر نعيك في صفحة الحوادث. دع ~~حمادة يحسدك كيف شاء، إنه لا يعرف الوحدة، ولم يشم رائحة التراب في ~~مأواه، ويتغذى باللحوم رغم تساقط أسنانه، نسي الفراش البارد المحروم ~~من دفء الزوجة، لا يعرف حرمان الجنس والأبوة، لولا أنه لم يبق لي من ~~أنيس غيرك لدعوت عليك. التليفزيون أنيس أيضا وأي أنيس، عالم السحر ~~والخيال والنساء، حتى الإعلانات ms72 موجعة لقلب المحروم! حياة تافهة ولكني ~~لست بالتافه، حتى أمس كنت المراقب العام للعلاقات العامة بوزارة ~~التربية والتعليم، كان من الممكن أن أحقق أحلامي ولكن في ظروف ~~أخرى، ما جدوى ارتفاع المرتب قيراطين إذا ارتفع التضخم أربعة؟! ~~ليست الأسرة وحدها المسئولة ولكن العالم كله باقتصاده وسياسته. ~~تجنبت العالم ولكنه أبى أن يتركني وشأني. أين السباك ليصلح صنبور ~~الحمام؟ ترى ما أجرته اليوم؟ أكون سعيدا لو نمت نصف اليوم ولكنني ~~لا أنام أكثر من خمس ساعات، كي أريح نفسي من التفكير فيك يا ملك، ~~مناجاتي الجنسية لك لا تنقطع، إحساس ما يلهمني بأنك ما زلت صالحة، ~~كلانا وحيد يا ملك، لم لا نفعل ما حرمنا سوء الحظ من فعله في ~~الزمان الأول؟ حرك الطرطوشي خاطر اللقاء وتركني فريسة في قبضته، ~~تسلمه الخيال بشهوة جامحة، أن تضغط جرس الباب وتنتظر، تفتح الشراعة ~~وتنظر، أنت .. ياه .. تفضل، كيف ذكرتنا؟ كنت مارا فقلت لنفسي .. ~~أهلا وحديث عن الجهات الأربع. وأدور وأناور وعيني مركزة على حلم ~~الجسد، وهي تقرأ وتفهم فتصدر عنها إشارة خفية للعمل، وأنتقل إلى ~~جوارها كالأيام الخالية، وتدعوني أكثر بالمقاومة الواهنة، ونهوي بقبضة ~~الجنس الناعمة على الكآبة الغاشية، وتتراكم الأفعال الجميلة الشائنة، ~~آه لو تحقق الأحلام يا ملك! ثمة أخريات ألقاهن اليوم في جنبات ~~الحي معطرات بأريج الماضي الجميل، غيرهن الزمن بلا رحمة ولم يبق ~~ماضيهن إلا الاسم، بتن غرباء رغم ابتسامة عابرة، فضليات وأمهات، ~~لولا الظروف العاتية لاتخذت إحداهن زوجة صالحة، ذهب الشعر واختلت ~~أوزانه. اليوم أغير الملابس الداخلية مرة واحدة في الأسبوع توفيرا ~~للغسيل والكي، لا أتناول الكباب إلا في المناسبات. ينسى المتقاعد في ~~تقاعده كما ينسى الميت في موته. في الزمن المجيد سرت اختيالا ~~بجناحي الشباب المورق، الأمهات قلن لأمي حليم لملك، حليم لبثينة، ~~حليم لرباب، حليم لبيسة، أمي غارقة في مأساة ابنتيها، السنون تمضي بلا ~~أمل، جميع البنات يتزوجن إلا فكرية وزينب، لا الغرباء ولا الأقارب ~~يقتربون منهما. أقول لنفسي مستغربا: ما أكثر الزوجات الدميمات! ألا ~~يكفي ثراء ms73 أبي لسد الثغرة؟ # وأنفض عن نفسي نكد الأسرة وأسير اختيالا بجناحي الشباب المورق، ~~وتهل على بيتنا في شتى المناسبات ملك وبثينة ورباب وبيسة كالأقمار في ~~صحبة أمهاتهن، وتتفجر في كآبة شقتنا بروق الإغراء والدلال، ~~وتتجاذب نظرات الرغبة والأشواق، ولا يخلو الأمر من كلمة عذبة أو ~~لمسة لطيفة أو خطف قبلة في غفلة من الرقباء، حب مشاع لا يعرف ~~التخصص، في حضرة كل واحدة أتناسى الأخريات، ولكن ملك تمتاز أيضا ~~بقوة الشخصية والذكاء. ويوما سألتني أمي وأنا في المرحلة الثانوية أو ~~الجامعية لا أذكر: من تعجبك منهن؟ # فتفكرت مليا، ثم قلت: لا أدري! ~~- ولكن لا بد من واحدة تتفوق بطريقة ما؟ # فقلت وأنا أفكر في ملك: إنهن متساويات لدرجة كبيرة. # فضحكت وقالت: أعز أمنية عندي أن أرى ذريتك، ربنا يسهل لفكرية ~~وزينب حتى يخلو لك الجو! # وكانت الأحداث قليلة، فمرة قابلت بثينة في العباسية الشرقية ~~وتبادلنا قبلة سريعة، وهدايا رمزية تبادلتها مع رباب، وبعض ~~الرسائل التي تدس في اليد مع بيسة، أما مع ملك فالنظرات تغني عن ~~الهدايا والرسائل. أسعدني أن أكون محورا ويدرن حولي، آه لو أجمعهن ~~في حريم واحد! ولكن ملك تزحف في هوادة وعلى مهل فتغيب أضواء النجوم في ~~رحاب الشمس المشرقة، صورتها لا تبرح مخيلتي وهي واقفة في حجرة ~~الحريم بترام العباسية كعمود من نور في فستانها الأبيض، طويلة القامة ~~مكتنزة الجسد في غير إفراط، ثرية الصدر بيضاء اللون فاحمة الشعر ~~جذابة العينين، حائزة على البكالوريا ومتقنة لفن البيت. ومن الكلام ~~المليح بين الأهل وتبادل الزيارات وترددي على بيتها باتت خطوبتنا ~~حقيقة معترفا بها دون إعلان. من أجل ذلك عزف الخطاب عنها فتزوجت ~~أخواتها وبقيت هي تنتظر، هي زوجتي وأنا زوجها وانحصر حلمي - بعد ~~إتمام التعليم والتوظف - في الزواج منها. وأخلو كثيرا إليها في ~~بيتها، أنا مثل وعاء على نار يرتعش غطاؤه بقوة البخار المحتدم في ~~باطنه، وهي ترنو إلي بعينين يقطر منهما الشوق والحلم، تبادلني ~~القبل وتصدني عن العبث، وتقول بلطف: لكل شيء حدود. # وأركز نظري ms74 على فتنة الحاضر ولكنها تمد نظرها إلى المستقبل ~~فتصارحني: عليك بعد التوظف أن توفر من مرتبك مائة جنيه فينتهي ~~كل شيء على خير. # فأقول متفائلا: لن يضن بها بابا علي. ~~- والدك موظف كما كان أبي! # فأبتسم في ثقة قائلا: بل أكثر من ذلك! # قصة حبنا معروفة في الشارع كله، يمتلئ بها والداي كما يداعبني بها ~~علي يوسف، ولولا مأساة فكرية وزينب لتضاعف رضاهما، ولما كان ذلك ~~التحفظ الذي قليلا ما يلوح على أبي وقليلا ما يخفى عند والدتي، ما ~~الحيلة؟ ليس الحب وحده هو ما يستحوذ علي، ولكنني خلقت للحلال ~~وحده. للحلال وحده يا للذكريات! الحلال والأبوة. اليوم حمادة الطرطوشي ~~يلاعبني النرد مراهنا على ثمن القهوة، غلبته وربحت وسرعان ما تلاشى ~~الحماس. ننظر الآن إلى ميدان الجيش تحت أضواء المصابيح القوية العالية، ~~ما أكثر النساء والرجال والأطفال! تاريخ الحضارة ممثل في وسائل ~~المواصلات من عربات اليد والكارو والبصات والترام. الأصوات من كافة ~~الأنواع من حوار ومشادة وصراخ وغناء. يمضي حمادة قائلا: ~~البلد! # ويشرح وجهة نظره الشاكية الساخطة على كل شيء، يثقل عليه هدوئي ~~فيقول: لا يهمك شيء! # فأقول ساخرا: في ما يكفيني. ~~- ولكنك شاهدت عصورا وأحداثا وحروبا ورجالا. ~~- يعني! ~~- لا يهمك إلا نفسك. ~~- هي أسوأ حالا من البلد. ~~- ولكنك مثقف. ~~- طظ. # فضحك عاليا، وضحكته أقوى ما فيه، ويقول: ابدأ حياتك الجديدة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أتقنت الإنجليزية ودرست الإدارة والسكرتارية في المعهد الليلي، ~~بوحي من الانفتاح طبعا، فما عليك إلا أن تبدأ من جديد. ~~- يلزمني فاصل من الراحة. ~~- أخاف أن تعتاد التقاعد. ~~- لا تخف علي. # الإعلانات عن الوظائف الحرة كثيرة ومرتباتها فيما أسمع كبيرة، لكنها ~~لن تكفي لتغيير حياتي. # هيهات أن تمكنني من دفع خلو للانتقال إلى مسكن جديد في حي ~~جديد، لكن مائدتي المقفرة ستثرى بالطعام الساخن. # قلت: صبرك وسوف ترى ما يسرك. # فضحك قائلا: عليك أن ترفع رأس المتقاعدين عاليا. # أعطيت الصحة وحرمت من ثمارها، ولكن علي أن أحمد الله وأشكره ~~على فضله دون تحفظ. هو المطلع على حرماني الطويل ms75 ووحدتي وهو الرحمن ~~الرحيم. وقلت: لو كنت أعمق إيمانا لكنت أسعد حالا. ~~- الإنسان إما يكون مؤمنا أو غير مؤمن ولا وسط. # قلت بحدة: لا تكن حادا مثل سكين المطبخ. # فقال مقهقها: أنا لا أعترف بإيمان المثقفين. # أمسكت عنه، إنه ينثر سخطه يمنة ويسرة وينام ملء جفنيه، لكنه أيضا ~~هو كل ما بقي لي في هذا الزمن الأغبر، أين الأصحاب؟ أين الأحباب؟ من ~~حجرتي سمعت أمي وهي تخاطب أم رباب أو بثينة، لا أذكر: لا يجوز أن ~~يرتبط حليم قبل أن يكمل تعليمه. # المنطق سليم ولكنه أحنقني، وخفف من وقعه أن الكلام لا يوجه إلى ~~أم ملك. وقبل ذلك سألتني ملك: متى نعلن خطوبتنا؟ # وكان الجواب: جو بيتنا لا يسمح بذلك قبل إتمام الدراسة. # واقتنعت بتسليم، وسلمت أمها بالواقع دون اقتناع. وعلى أي حال ~~تزوجت بثينة ورباب وبيسة في أثناء دراستي الجامعية، ولم تخل نفسي ~~من هزة تودع بها كل عروس ولكنها كانت عابرة واهنة وبلا أثر ~~باق، الزواج أقوى من الحب وسحره خير وأبقى، وسرعان ما تتلاشى أحلام ~~الصبا الوردية مثل رائحة زكية تعبر بها امرأة مسرعة. ولن أنسى ما ~~حييت قول ملك في ساعة تجل: لو تقدم لي أمير لرفضته، ليس لي ~~سواك. # تبدت لي صادقة راسخة أقوى من أي حقيقة في الوجود، كان حبا ~~صادقا عظيما ويا للخسارة! وقد أحرز انتصاره في يوم بهيج لا ~~ينسى. # فمن نافذة سكنها رأتني وأنا أتبادل الإشارات مع بثينة. # وعند أول زيارة لنا مع أمها اقتحمت حجرتي، ثم سألتني في حياء: هل ~~أهنئ؟ # فسألت بدوري في دهشة: على ماذا؟ ~~- بثينة؟! # خجلت. نظرت إليها طويلا وهي تحدق في بشجاعة وإصرار. ما ~~أجملها وهي تطوي غيرتها في قبضة كبريائها! # وتمتمت في صدق وسعادة: لا أحد سواك يا ملك. # فرفعت صوتها لتسمع من في الخارج: أعرني كتابا من كتبك. ~~- قرأت مجدولين؟ ~~- نعم. ~~- إليك آلام فرتر. # فقالت باسمة: هاتها. # منذ تلك اللحظة بدأت أنفض عن وجداني فتنة الأخريات، وتركز حلمي ~~في الزواج، خلقت للحلال وحده، لست ms76 مثل صديقي علي يوسف وبقية الصحاب، ~~ذات ليلة قالوا فلنغامر ، ليكن لنا نصيب، أجل فلنغامر وليكن لنا نصيب! ~~ذلك تاريخ قديم. اليوم وأنا سائر إلى المقهى أتساءل: هل كتب علي ~~هذا المشوار المدوخ بين أبو خودة وميدان الجيش؟ لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وأتخيل رجوعي عقب انتهاء السهرة فيبوخ سروري الوقتي المصاحب لي ~~في الذهاب. العباسية كتكوين عام تقرفني مثل وجه كريه. يقولون مع ذلك # إن الحياة تبدأ بعد الستين، حقا؟ شد ما أتوق إلى منظر جديد! جو ~~نقي، موقع تكتنفه الأشجار، والحسان يخطرن مع الأصيل، وأحن إلى ناد ~~حافل بالمعارف والتسلية، إلى دفء يشغل المرء عن هواجس المرض والموت. ~~الشباب والمال هذه هي الدنيا، يتحدثون عن الإثراء المتفجر في كل ~~مكان، عن السهرات في الشقق المفروشة، عن الأفراح الذهبية في الفنادق، ~~أين الطريق المفضية إلى هذه الدنيا؟ وتوجد قلة من الرفاق على قيد ~~الحياة، فأين هم؟ التقيت مرة بالدكتور حازم صبري أمام الأميركين، ~~تصافحنا، تبادلنا كلمتين على عجل، وافترقنا! من يصدق أننا كنا لا ~~نفترق على مدى الطفولة والمرحلتين الابتدائية والثانوية؟ وانتخب ~~الموت الآخرين؛ لم يبق إلا العجوز الطيب الذي يلوح لي بيده من ~~مجلسه في المقهى. واستقبلني بجدية غير عادية، وقال: أعرف ما بكر بك ~~اليوم! # فجلست وأنا أتساءل: ما هو؟ ~~- أزمة الجنيه والدولار! # فضحكت من قلبي ونادرا ما يحدث ذلك، وقلت له: الله يخيبك يا ~~عجوز! # فقال باهتمام: حلمت لك حلما غريبا! ~~- حقا؟ ~~- رأيتك تركب حمارا وعلى رأسك بقجة كبيرة، ثم طرحت بالبقجة في ~~الهواء وحثثت الحمار على الإسراع بكعبي قدميك فسألتك عن وجهتك ~~فقلت لي إنك ذاهب لأداء العمرة! ~~- ألديك تفسير؟ ~~- طبعا .. أمامك خير، ولكن عليك أن تطرح أفكار السوء أرضا! # على أي حال أحببته تلك الليلة كما أحببته ليلة اقترح علي زيارة ~~ملك. # أعترف بأنه يؤنس وحشتي، وأنه لولاه لجننت من طول ما أحدث نفسي، ~~وقالوا فلنغامر وليكن لنا نصيب، وقصدنا تافرنا، تعشينا على أنغام ~~المندلين، ولأول مرة أشرب قدحا من النبيذ، طارت بي ms77 نشوة لم أعهدها في ~~حياتي من قبل، الخطوة الأولى المخاتلة الساحرة في حياتنا بادرتنا ~~بالنشوة الهازجة، انطلق الضحك من حناجرنا بلا سبب بين يدي فرحة الحياة ~~المتدفقة. أزعجنا من حولنا من السكيرة القارحين، ولأول مرة أيضا ~~نقتحم الدرب إياه، ومضى كل مع امرأة مستوردة، تعرت بحركة روتينية ~~قبل أن أغلق الباب ورائي، وقفت مذهولا وقد هرب قلبي في أعماقي. ~~انغمست في برميل من الثلج، ورمت تجمدي بنظرة شرسة، وقالت: «لست ~~ممرضة يا أنت.» ولما خرجت إلى الهواء الطلق المعبق بالبخور هاجت ~~معدتي وماجت وقذفت بما فيها. وحدس أحدهم أن المرة الأولى لا تنجو من ~~عواقب سيئة، ولكن الثانية لم تكن أفضل. قلت لا حظ مع الخمر ولا مع ~~أولئك النسوة، أين النار التي تستعر في حضرة ملك؟ ويئس علي يوسف مني، ~~فقال لي: معدتك إسلامية وكذلك غريزتك! # وآمنت بأنه لا أمل لي إلا في الحلال والزواج، حقا إنه أمل متواضع ~~ولكن تحقيقه يسير، الوظيفة والزواج، أي طموح آخر سرعان ما يتلاشى، ~~كالحلم الذي ينسى عقب الاستيقاظ. الأصدقاء يحلمون بعوالم أخرى؛ ~~الزعامة أو القيادة أو التفوق في المهنة، منهم أيضا من ينتمون إلى ~~الأحزاب ويجلسون إلى الزعماء. أما أنا فلم أجاوز أعتاب وظيفة توفر ~~الرزق وزوجة صالحة وأبوة، وفي خضم العراك السياسي يقول لي أبي: نحن ~~الموظفين موالي الحاكم. # فأنقل إليه ما يقرع أذني عن إخلاص زعماء وتهاون زعماء، فيقول: كلهم ~~خنازير يتناطحون في سبيل الحكم، وإنه لمجنون الذي يخسر حياته أو ~~مستقبله في معركة زائفة! # حديثه المفضل يدور دائما عن الوظيفة والموظفين والكادر، سواء في ~~المقهى أم في البيت. وأنا أجتهد وأذاكر وأنجح ولكن دون إفراط، لا أعذب ~~نفسي بالتفوق وبلوغ المراكز المتقدمة، وأقرأ وألعب وأحب. وكل صديق ~~شهد لحبيبتي بالجمال والاستقامة، وحبها يزداد مع الأيام قوة وعمقا، ~~أحوم حولها كالمجنون بحب راسخ ورغبة جنونية، وتقطب في بعض ~~المواقف وتهمس: إذا تماديت فضحتنا! # فأهمس متشكيا: إني أتعذب حتى الموت. # فتقول برجاء: لا يعجبني اندفاعك أحيانا، الحب بطبعه مهذب، كن لي ms78 ~~مثلما أنا لك. # أهدت إلي صورتها فاحتفظت بها فوق قلبي . عشت أسعد الأزمان في رحاب ~~حبها، لكني عذبني فيض الشباب، وبخلاف علي يوسف فشلت في ترويضه. إنه ~~أحب الأصدقاء إلي، نذاكر معا، في بيته مرة وفي بيتي مرة، أقصر مني ~~في القامة وأجمل مني في الوجه، وأذكى فهو يشرح لي أحيانا ما يغمض ~~علي، ويفوقني في الاطلاع، والانتماء السياسي. يقول بحرارة: سأعيش حتى ~~أرى حياة جديدة لا الملك فيها ولا الإنجليز. # ويحدثني عن تيارات جديدة كالإخوان والماركسيين ومصر الفتاة ولكنه ~~لم يتخل عن الوفد. وأحب بنتا يهودية فترة طويلة من العمر ولكنها ~~اختفت في مطلع الحرب العظمى الثانية. ولم أعرف له قصة حب أخرى ~~فتوهمت أنه يعيش بلا قلب. ودخلنا معا كلية الحقوق فواصلنا المذاكرة ~~المشتركة، وأقول لملك: لم تبق إلا أعوام معدودة، ثم نلتفت إلى ~~مستقبلنا. # هي الوحيدة الباقية مع أمها رغم أنها أجمل أخواتها. تقول: ليتني ~~أكملت تعليمي! ~~- الوظيفة تغريك أيضا؟ ~~- لم لا؟ ~~- ولكني أريدك ست بيت. # لا أجادل في حق الفتاة في التعليم والعمل ولكني أفضل ست البيت، ~~يحكم علي يوسف علي بأنني محافظ أكثر مما ينبغي، يقول: أنت مثل معدتك ~~لا تتطلع إلى الحياة الجديدة! # فأقول: لا تغال، حسبي أن أصنع أسرة أفضل من أسرتي. # ونختم دراستنا في العام السابق لنشوب الحرب. صرنا أستاذين كما يقال، ~~لم نبلغ الدرجات التي تؤهل للوظائف الممتازة؛ أنا بسبب اجتهادي ~~المعتدل، وعلي يوسف لنشاطه السياسي. وكان علي قريبا للأستاذ جعفر ~~برهام المحامي فألحقه بمكتبه، وداخ أبي حتى ألحقني بالإدارة العامة ~~بوزارة المعارف، لولا أزمة فكرية وزينب لاعتبر رسالته في الحياة ~~منتهية على أحسن وجه. على أي حال سعد بيتنا على قدر ما يستطيع، ~~وسعد أكثر بيت بهاء أفندي عثمان، بيت ملك، زيارتي لها بعد الوظيفة ~~حفلت بمعان جديدة، ودار الحديث فيها حول التدبير والمستقبل وتوارت ~~المناجاة ورموز العشق، أقول كالمعتذر: الوظائف الممتازة نادرة جدا ~~اليوم. # فتقول بمرح: مفهوم .. لا داعي للأسف! ~~- ثمانية جنيهات فيها الكفاية. ~~- وفوق الكفاية. ~~- ولن يطول وقت ms79 الاستعداد بإذن الله. # وتحني رأسها بالموافقة موردة الخدين بالابتهاج. وأطالع قامتها ~~الفارعة وهي تقدم لي القهوة فتسري رجفة في أعصابي كالإعصار، ~~وأتساءل: ترى لو تعلن الخطوبة ألا أستحق مزيدا من العطاء؟ وتساءل ~~حمادة الطرطوشي ساخرا: ما إن فرغنا من النرد حتى همت في وديان ~~بعيدة، فيم تفكر؟ ~~- أتابع الحاوي الذي يعرض ألعابه أمام المقهى وسط حلقة من الصبيان، ~~وأنظر بتقزز إلى ثعبان حول عنقه. # ويسألني: أتحب الحواة؟ ~~- أبدا. # يقول متنهدا: حفيدي مريض جدا. ~~- ربنا يأخذ بيده. ~~- هل تذكر بيت الشعر الذي يقول مطلعه وأولادنا مثل لا أدري ~~ماذا؟ # أتذكر أنني قرأته، ولكني لا أحفظ الشعر. ~~- أنا اليوم أنسى ما يجب حفظه، وأتذكر ما لا فائدة فيه! ~~- وأنا مثلك. ~~- أحيانا أنسى بعض قواعد النحو الذي أنفقت عمري في تدريسه! ~~- نسأله الستر. ~~- يقول ضاحكا: أنت في حاجة إلى عروس مع الستر! # ارتجفت جذور قلبي بنغمة طالما ترددت على أوتارها منذ الزمان ~~الأول. وأحيل أبي إلى التقاعد في نفس العام الذي التحقت فيه بخدمة ~~الحكومة، قرأت في وجهه النحيل حيرة باهتة يداريها بابتسامة فاترة ~~وما يشبه الحياء، فقلت لنفسي أبي حزين، وأصر على ألا يغير نظامه ~~اليومي، ~~ينام عند منتصف الليل، يستيقظ مبكرا، يغادر البيت في الثامنة - بدلا من السابعة - يعود ظهرا ~~من مقهى الدواوين بدلا من ~~الوزارة، ~~يتغدى، ينام، يمضي مرة أخرى إلى المقهى، لكنه حزين. قررت أن ~~أسري عنه وأدخل إلى قلبه البهجة، هو أبي وصديقي ولا حياء بيننا في ~~الحق، سأقول له يدك على يدي لنذهب معا إلى بيت بهاء أفندي عثمان ~~لنخطب ملك، هو يومي الموعود ويومك الموعود أيضا، لا جدوى من انتظار ~~زواج فكرية وزينب ولو انتظرت إلى آخر الدهر. ولكنه مات فجأة، بلا مرض ~~ودون توقع، في الصباح الباكر وهو يحتسي القهوة عقب الإفطار، إنه ~~القلب كما قرر الطبيب فيما بعد. اشتعل البيت صواتا ولطما، بكيت ~~مع النساء كالنساء، أحببته حبا لا يضاهيه حبي لأحد، وتحداني موته ~~وأنا في سن يتعذر عليها الاقتناع بالموت. جاءت أيام بعد ms80 ذلك بأعوام ~~وأعوام كنت أحزن لأنني لا أحزن، ويقول لي علي يوسف معزيا: القلب أرحم ~~موتة للميت وأقسى موتة على ذويه! # وضرب لي مثلا بأبيه. ما تصورت أنني سأعرف العزاء أبدا. وبرزت ~~لي من الغيب حقيقة جديدة رغم أنها كانت تعيش معي طوال الوقت؛ فلم ~~أدرك مدى فقرنا إلا بعد وفاة أبي. عشت دهرا في نعيم من الآمال ~~الكاذبة، أذهلني أن أبي لم يخلف ثروة من أي نوع كان، سوى أربعين ~~جنيها عهد بها إلى أمي هي تكاليف جنازته ودفنه. إذن ما سر البحبوحة ~~التي سبح فيها بيتنا؟، المسألة بكل بساطة أن الدنيا كانت مطحونة ~~بأزمة عالمية مررت بها في الصحف دون اكتراث، وتميز أصحاب ~~المرتبات الثابتة بدخل ثابت أصبح محور الحياة الاقتصادية على ~~تفاهته. السلع رخيصة ولا تجد من يقبل عليها إلا الموظفون، بفضل ذلك ~~أكلنا وشربنا ولبسنا وركبتنا الخيلاء ونحن نمرح في القاهرة. وبنشوب ~~الحرب مضى كل شيء يتغير؛ جاء الرواج، ومضت الأسعار ترتفع درجة بعد ~~درجة، واسترد الملاك أنفاسهم، وانتفخت جيوب فئات ممن عرفوا ~~بأغنياء الحرب، وتجهمت الدنيا للموظفين الذين تراءى لهم المستقبل ~~طريقا مسدودة. وهكذا وجد الفتى المدلل نفسه رب أسرة بلا أسرة، ~~مسئولا عن أم وأختين مزمنتين، لهم معاش ضئيل يفي بالكاد بكسائهن ~~المتواضع، وله مرتب تضعف قيمته الشرائية يوما بعد يوم، كيف يمكن أن ~~أتحدث عن موضوع خطوبتي؟ ومتى أستطيع أن أتزوج؟ وتم أول لقاء بيننا ~~في بيتها بعد أربعين أبي، أنذر جوه بالإحباط والمتاعب، ما زال الحزن ~~يصهرني فاحترمت حزني، لكنني لم أرها كسيفة البال كما أراها الآنز ~~أقول بوجوم: كانت صدمة في ألا يخلف أبي شيئا! # تتساءل بروح راكدة: والمعاش؟ ~~- المعاش! أي معاش يا ملك؟ # تمتمت: يبدو الأمر كالاغتيال. ~~- هو اغتيال حقا. ~~- هل لديك فكرة عن المستقبل؟ ~~- ما زلت أفكر وأفكر، يلزمني وقت آخر. # تأججت أشواقي إليها لحد الاشتعال رغم الحزن الثقيل، أم الحزن ~~أمدها بوقود جهنمي؟ حتى الاغتصاب تمنيته ضمن خواطر دموية ~~مجنونة. افترقنا على أسوأ حال من القلق، كيف ومتى ms81 أتزوج؟ هذا هو ~~السؤال الملح المطارد القهار، زملائي في الوزارة - جميعهم ~~متزوجون - يعجبون لامتناعي عن الزواج. كثيرون على أتم استعداد ~~لتقديم عرائس. لن يكلفك ذلك مالا يذكر، ولكنكم جيل متمرد يفضل ~~الحرام. أسمع وأتألم وأصمت، يا للعنة! ما قدرت أبدا أن الحياة ~~تدخر لي هذا المأزق. ويوما تدخل أمي حجرتي وتجلس إلى جانبي على ~~الكنبة في جلباب الحداد. نظرت بين قدميها وقالت: أرجو ألا أكون أخطأت ~~يا حليم. # قلت غير متوقع أي خبر: خير؟! ~~- ما باليد حيلة. # ثم مواصلة بعد صمت: أم ملك زارتني صباح اليوم، إنها صديقة عمري، ~~ولها الحق كل الحق في أن تطمئن على ابنتها، اقترحت علي إعلان ~~الخطوبة، سألتني عن المستقبل. قلت لها أنت حبيبتي ولا سر بيننا، ~~وملك ابنتي ولن أجد لحليم خيرا منها جمالا وأدبا وقرابة، ولكن ~~إليك حالنا وما أنت بالغريبة. # وفصلت لها الأمر تفصيلا، ثم قلت: ماذا تكون حالنا لو تخلى ~~عنا؟ ~~- والعمل؟ ~~- العين بصيرة واليد قصيرة. ~~- ألا يمكن أن نعلن الخطوبة إسكاتا لكلام الأهل والناس؟ ~~- المسألة هي متى يستطيع أن يفتح بيتين؟ # وقالت لي أمي بأسى: افترقنا، أنا آسفة وهي غاضبة، فهل أخطأت يا ~~ابني؟ # وقعت أسيرا للغضب والاقتناع، لا أجد منفذا للهجوم أو العتاب، ~~الحقائق عنيدة كالصخور الصلدة. لا أستطيع أن أقاتل إلا شبحا اسمه سوء ~~الحظ. رغم ذلك حنقت عليها دون وجه حق. يا لها من أيام قرف ونكد! ~~وبادرت بزيارة بيت حبيبتي. في بيت الوجد والورد طالعني الجفاء لأول ~~مرة، ملك متجهمة بلا إشراق ولا دلال، وتصدرت أمها المجلس وهي ~~تتساءل في تهكم مر: هل استأذنت والدتك قبل أن تحضر؟ # أخذت وتغيرت فقالت الأم بانفعال: ما كنت أتصور هذا الختام ~~الغادر. # قلت بصوت منهزم: إنها ظروف سيئة كما تعلمين. ~~- الله لا يرضى بأن يضحي شاب مثلك بحياته من أجل سوء حظ غيره، على ~~كل إنسان أن يتحمل نصيبه من الخير والشر، ثم ما ذنب ابنتي؟ ~~- دعيني أشرح لك. # قاطعتني بحدة: لا يهمني الشرح، ما يهمني حقا هو مستقبل ms82 ~~ابنتي وسمعتها! # فقلت محتجا: سمعتها بخير دائما. ~~- كلا، زيارتك لها معنى لم يعد في صالحها. # وقالت ملك محتجة: ماما! # فصاحت بها: اسكتي أنت! # عميت عما أمامي، غادرت الشقة مطرودا، أترنح تحت ضربات الإهانة ~~واليأس والحزن، أتساءل في ذهول هل حقا انتهى كل شيء؟ الحب والأمل؟ ~~ملك والزواج؟ وردمتني عاصفة كراهية لكل شيء، خنقتني الحقيقة ~~البشعة وهي أنني منكوب بأسرة منكوبة، تبدى بيتنا مساء على مثل ~~الحال التي كابدها يوم وفاة أبي؛ أمي وفكرية وزينب على كنبة واحدة في ~~الصالة حائرات البصر من القهر والخجل والشعور بالذنب. تقول أمي: نحن ~~حمل ثقيل، ولكن ما حيلتنا أمام قدرنا؟ # وقالت فكرية وكانت أحن علي من أمي: أود المستحيل لإسعادك، ~~ولكني عاجزة. # وصمتت زينب ولم تكن دونهما كربا. غمغمت وأنا ماض إلى حجرتي: ~~ليفعل الله ما يشاء. # اليوم كلما نظرت إلى الوراء لم أر إلا التفاهة والعقم والحرمان، ~~وأحلام اليقظة حول المال والنساء، والسجن الخبيث في أبو خودة. وكلما ~~آنس حمادة الطرطوشي مني شرودا أو كآبة قال بين المزاح والجد: اذهب ~~إليها، إنها وحيدة مثلك! # باتت تثير رغبتي كالزمان الأول، وما أكثر ما عاشرتها في الخيال! ~~ويقول حمادة أيضا: لو كان الزمان غير الزمان لوجدت امرأة تخدمك ~~خدمة شاملة! # ثم مواصلا وهو يقهقه: أعني كالتنمية الشاملة! # العجوز رائق ويمزح عليه اللعنة، بل يقول: أتريد الحقيقة؟ .. كان ~~بوسعك أن تتزوجها. # فحدجته بغضب، فقال: لو كنت مكانك لجهزت حجرتي ولو بالتقسيط ~~وضممت البنت إلى الأسرة، وليفعل الله ما يشاء. # قلت بحدة: هذه الأفكار لم تكن ترد على الخاطر في ذلك ~~الزمان. ~~- لا تغضب، أرى أنك سلمت للهزيمة دون مقاومة حقيقية. # فقلت بصرامة: من فضلك لا تحملني مسئولية سوء حظي. # ولم يقنع بيتنا بسوء حظه، ولكنه أضاف إليه نكدا وقرفا، كأنما ~~الكراهية تهيمن عليه؛ فكرية وزينب في مشادة، فكرية وأمها في شجار، زينب ~~وأمها في نقار. تقول فكرية: لو تعلمنا وتوظفنا لتغير حالنا، الله ~~يسامحكم. # فتصيح أمي: زمان المرحوم غير هذا الزمان، دعوه يرقد بسلام. # فتقول زينب: ms83 ليتني أملك الشجاعة لأعمل خادمة. # فتهتف أمي: ربنا يريحني بالموت ! # آه يا بيت النكد والكآبة! أما من نهاية لهذه الاتهامات المتبادلة؟ ~~أما معي فكن يقدمن خير ما تنطوي عليه مشاعرهن من رقة وحب، أنا رب البيت ~~وضحيته، وبقدر ما أسخط عليهن أعطف وأحزن، كم كانت أمي ربة بيت ~~ممتازة، وكم كانت سعيدة في علاقتها مع أبي، ولكنها لم تتصور تلك ~~النهاية الكآبية لأسرتها، تساءلت مرة بضيق: لماذا لا يخلو بيتنا من ~~عنف؟ # فقالت أمي: كيف تستخرج العسل من الخل؟ .. أنت نفسك ... # فقاطعتها متحفزا: أنا نفسي! ~~- الحق أني أتمنى الزواج لهما من أجلك أنت. # تساءلت بسخرية: هل لو جاء العريس المعجزة سأجد ما أجهزهما ~~به؟ # فتنهدت ولاذت بالصمت، فقلت بحدة: وأنا، ما ذنبي؟ # فقالت بعصبية: اذهب وتزوج واتركنا لمصيرنا. # فصحت بحدة: حتى هذا لا أستطيعه. # بيت النكد الذي أزداد مع الأيام مقتا له؛ نفس الوجوه، نفس الأسى، ~~نفس الحرمان، أليس لهذه الحياة من نهاية؟ فكرية عنيفة، وزينب أنانية، ~~لا يبرحان البيت كرها في العالم ولخلو صوانهما من أي ملابس لائقة، ~~والحرب تشتد والأسعار تتصاعد والقلق يتجمع. أقول لأمي: مأساتنا ~~الأصلية أصبحت ترفا، علينا أن ننضبط في الإنفاق لأقصى حد. ~~- إني أبذل كل ما في وسعي. ~~- لم يحتط أبي الله يرحمه للمستقبل! # هبت للدفاع كعادتها قائلة: لم يكن في وسعه أن يفعل خيرا مما ~~فعل. ~~- أنفق عن سعة، وبالغ في تدليلي فأفسد علي حياتي! ~~- أتلومه لأنه أحبك أكثر من أي شيء في الدنيا؟ ~~- ألم يكن من الأصوب أن يوفر نقودا لزواج ابنتيه؟ ~~- كان في نيته أن يستبدل جزءا من معاشه كلما احتاج إلى تجهيز ~~واحدة. # وذات يوم استدعاني رئيسي لمكالمة تليفونية، وجاءني صوت خفق له ~~قلبي بعنف، ملك حبيبتي دون غيرها، وسمت لي موعدا عند الأصيل بشارع ~~السرايات. التقينا وليس في قلبي نبضة أمل واحدة، بعد عام فراق معذب ~~طويل حزين، ها هو من جديد الوجه الجميل والجسم المترع بالجاذبية. وفي ~~شيء من الارتباك والحياء قالت: نيستني طبعا! # فسرنا، وأنا أقول: لم ms84 تخطر لي هذه النهاية ببال. ~~- وأنا كلما تقدم لي رجل رفضته، ولكن كيف لي بالصمود أمام ~~العواصف؟ ~~- أنا خجلان يا ملك. ~~- ألا توجد بارقة تحسن؟ ~~- من سيئ إلى أسوأ! # فسكتت بائسة، وقالت: لا يصح أن أخدعك. # وتقدمنا صامتين كأننا نشيع ميتا حتى شارفنا ميدان المستشفى ~~الفرنسي فتمتمت: بوسعي أن أفعل ما تشير به علي. # فقلت في استسلام نهائي: لا أشير عليك بشيء، حسبي شعوري بالإثم على ~~ما ضيعت من عمرك. # وكان المساء يهبط بثقله في كثافة مركزة لا تخففها المصابيح ~~الملونة بالأزرق تنفيذا لتعاليم الدفاع الجوي. وكان علينا أن نفترق ~~قبل أن نصل إلى شارع العباسية، الفراق النهائي الذي يجرف معه كل شيء. ~~وقفنا، سألتها بصوت غريب: هل أستحق في نظرك أي لوم يا ملك؟ # هزت رأسها دون أن تنبس، تلاقت يدانا، وآخر ما قلت كان: سأدعو لك ~~دائما بالسعادة. # وذهبت وبصري منغرز فيها، ما فعل اللقاء إلا أن جدد الأحزان، ونكأ ~~الجرح. وتضاعف سخطي على كل شيء حتى إنني صرت من قراء صحف المعارضة ~~بلا أدنى اهتمام حقيقي بالسياسة. وقلت لعلي يوسف: خبرني يا خبير، ~~أمامي عزوبة أبدية، فما العمل مع المشكلة الجنسية؟ # فضحك عاليا ونحن نتجول في حديقة الأزبكية، وقال: جرب من ~~جديد. # فقلت يائسا: لا أطيق المحترفات ولا الخمر! # فإذا به يقول: لم يبق لك إلا أم عبده! # هتفت بذهول: أم عبده؟! # قال ببساطة: تربت عندكم، منكسرة، وفيها رمق، لم لا؟ ~~- إنها تكبرني بعشر سنوات. ~~- لم أقترح عليك الزواج منها يا أستاذ! # ليس في الكون بقعة محطمة بالعفونة وعامرة بأحلام اليقظة مثل ~~العمارة البالية بشارع أبو خودة ومقهى النجاح بميدان الجيش. ماذا بقي ~~لمتقاعد وحيد؟! لو تهيأت لي وفرة في المال لقمت بسياحة داخل ~~القطر تغطيه من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. ولو غمرتني ثروة ~~مباغتة لقريب تركها لي في البرازيل مثلا لشرقت في الأرض ولغربت ~~بلا حساب، ولتزوجت من فتاة حسناء دون مبالاة بالعواقب. ما ألذ ~~الأحلام وأقساها! على حين تقيمين يا ملك على ms85 مبعدة أمتار مني ولا ~~أحرك نحوك ساكنا. نحن سلالة ذكريات واحدة، وفريسة شيخوخة واحدة، ~~وقلبي يحدثني بأنك ما زلت امرأة! وقال لي حمادة الطرطوشي بسرور: ~~ابني رقي إلى درجة مدير عام. # فهنأته، وقلت: القهوة والسندوتش على حسابك هذا المساء. # فقال بحزم: علي القهوة فقط! ~~- هل ما زلت تعاشر حرمك جنسيا؟ # فضحك الرجل، وقال: سؤال بارد. ~~- معذرة، ولكنه يهمني. # فقال باقتضاب: عندما أشاء. # ثم مواصلا: كثيرا ما توجد القدرة غير مصحوبة بالرغبة. # ثم قال برثاء: كيف فاتك الزواج؟ ما عرفت رجلا له مثل حنينك إلى ~~الزواج. # فقلت بمرارة: ما زلت أحمل أسرتي حتى العام الأخير، وكلما ارتفع ~~المرتب درجة ارتفع الغلاء درجتين. ~~- يا للخسارة، وأم عبده رحلت قبل الأوان! ~~- بل بعد الأوان، وبعد أن استحالت رجلا! ~~- قسمتك. ماذا يقعدك عن مقابلة ملك؟ # وراح علي يوسف يلاحقني بنظراته مستطلعا، إني أعرف ما يريد أن يسأل ~~عنه وأتجاهله، حتى سألني ونحن جالسان في مقهى الانشراح القديم الذي ~~محله اليوم معرض للأثاث: ما أخبار أم عبده؟ # ضحكت وقلت: مغامرة غريبة ولكنها كللت بالنجاح. # فتساءل بشغف: كيف؟ ~~- ماذا أقول؟ إنها عشرة عمر، عرفتها منذ الطفولة كأنما هي قطعة من ~~أثاث البيت، وازدادت العلاقة احتراما بعد أن خلفت أبي، ولعلها دهشت ~~كثيرا عندما آنست مني تغييرا في النظر والكلام، ومثل هذه الأمور لا ~~يغيب مغزاها إلا عن المعتوهين، وهي امرأة طيبة ولكنها لحسن الحظ ليست ~~معتوهة، لما مددت يدي ذهلت، تراجعت، وتلاحقت أنفاسها في اضطراب ~~واضح، الآن كل شيء يمضي على أحسن وجه، ولكن في حذر شديد. ~~- تخاف الفضيحة؟ ~~- طبعا. ~~- لقد حرموك من الزواج، فهل يردن إعدامك أيضا؟ ~~- بل إنه الأدب والحياء من ناحيتي. ~~- المهم هل ارتاحت أعصابك؟ ~~- نعم. ~~- ادع لي. # فقلت ضاحكا: لا عدمتك من قواد كريم! # نعم، لقد حظيت بالراحة ولكن تضاعف شعوري بالقرف والعقم والتفاهة، ~~وتساءلت: ترى هل يحق لنا أن نحسد الأمم المشتبكة في الحرب؟ اعتدنا ~~سماع الأهوال وصفارات الإنذار ورؤية جنود الحلفاء، وأذهلنا تقلب ~~الحظوظ وانكسار الجبابرة. وكنت ألقى علي يوسف ms86 مرتين؛ مرة في مقهى ~~الانشراح، والأخرى في المخبأ قبيل الفجر . وقال لي ذات مساء: أريد أن ~~أعرف رأيك بصراحة في أمر هام. # فتساءلت ولا فكرة لي عما سيقول: خير؟ # فسألني في شيء من الارتباك: ما العلاقة الآن بينك وبين ملك؟ # اقتحمتني المفاجأة، خرست دقيقة، ثم أجبت بصراحة: لا علاقة على ~~الإطلاق. ~~- إني لا أسأل عن العلاقات الرسمية ولكن عن قلبك؟ ~~- الماضي نسي تماما. ~~- ألا يحزنك أن تتزوج اليوم أو غدا؟ ~~- بل أتمنى لها السعادة، ولعل زواجها يقتلع من قلبي رواسب الشعور ~~بالذنب. ~~- سؤال آخر. # فتساءلت مبتسما: أفندم؟ ~~- ما رأيك لو أستأذنك في خطبتها لنفسي؟ # فقلت ببساطة: ستجدني أول المهنئين. ~~- أطالبك بالصراحة التي لا تعقب ندما من ناحيتك أو ناحيتي! ~~- بالصراحة نطقت. # كنت صادقا، مرت فوقي سحابة كآبة، لعل رياح الخيبة هي التي دفعتها ~~ولكني لم أكابد حبا أو غيرة، وجثم فوق صدري أكثر من الأول شعور ~~الإحباط واليأس. ويوم رويت ذلك الموقف لعم حمادة الطرطوشي سألني: ~~أكنت شفيت حقا من حب ملك؟ # فأجبته بيقين: بكل تأكيد. ~~- ألم تكن تختارها زوجة لو سمحت الظروف؟ ~~- بلى، ولكن لصلاحيتها لذلك. ~~- إذن كانت وما تزال المرأة المفضلة؟ ~~- وكان يمكن أن يقع اختياري على غيرها أيضا! # فضيق عينيه، وقال: أخبرتني أنه كان يقيم معها في عمارة ~~واحدة؟ ~~- نعم. # فقال بخبث: كان يحبها من قديم ورب الكعبة! # فقلت بصراحة: خطر ذلك ببالي أيضا. ~~- إنه ثعلب! # قلت بحرارة: لم يخطئ في حقي قط، وظل لآخر يوم في حياته صديقي ~~الأول. ~~- وهل وفقا في الزواج؟ ~~- كأحسن ما يكون التوفيق. # وأضفت من عندي: أنجب منها ولدين نابهين ولكنهما - مثل أبيهما - ~~اندفعا في النشاط العام، وبخلاف الأب اندمجا في الإخوان، واضطرا إلى ~~الهجرة إلى السعودية فتزوجا وأقاما هناك بصفة نهائية، وأنا أعتقد أن ~~ملك تعيش اليوم عيشة ميسورة بفضلهما. ~~- ومتى ترملت؟ ~~- منذ عشر سنوات تقريبا، مات صديقي في عز قوته بالسرطان، عاش ~~كريما نبيلا حتى آخر يوم من حياته. # تلقت أسرتي خبر زواج ملك بوجوم، وتضاعف شعورهن بالذنب فازداد البيت ms87 ~~كآبة. وشهدت الزواج مع صديقي العريس وهنأت ملك، كأن ما كان لم ~~يكن، وعجبت للعواطف وخداعها العابث. ولأوهام الصبا وأحلام الشباب، ~~وغثاءة الواقع وصدقه ومرارته. وعلى أي حال فعلي يوسف شخص ممتاز، ~~ودخله من المحاماة يفوق دخلي من الوظيفة عشر مرات، وقد هيأ لملك حياة ~~ناعمة وربى ابنيه أحسن تربية وتاه بتفوقهما. أجل أزعجه نشاطهما ~~السياسي لا لمخالفته لميوله الوفدية فحسب، ولكن للخطر المهدد لأمنهما ~~من ناحية الحكومة. ولعله سعد بهجرتهما إلى السعودية ولكنه سرعان ما ~~عذبه الشوق الدائم لهما وبخاصة وأنه كان فياض الأبوة. وهيهات ~~أن أنسى حربه القصيرة مع سرطان المثانة، ولا عذاب أيامه الأخيرة، ولا ~~رحيله الذي خلف وراءه فراغا في قلبي لا يملأ بحال من الأحوال. ولم ~~يكن لي من عزاء تلك الأيام إلا في تقدمي في الوزارة وعلاقتي السرية ~~بأم عبده، وسلمت بالواقع المتجسد في نسوة ثلاث متوترات الأعصاب ~~منعمات بالسخط كأنهن الرمز الحي للزمن الموغل دوما في الغلاء ~~والتناقضات وسوء الحال. وعقب قيام الثورة ساءت صحة أمي وتدهورت ~~الحالة النفسية لأختي زينب فدهمتني مصروفات جديدة للعلاج والدواء. ~~واعتدت العزوبة ولازمتني تطلعاتي القديمة نحو الزواج والإنجاب ~~كحلم حزين دائم لا سبيل إلى تحقيقه. وجعلت أتساءل في ضيق: متى يتاح ~~لي التخلص من هذا الكهف المليء بالنفايات؟ وربما أحزنني وسرني معا ~~استباقهن إلى خدمتي وتوفير الراحة لي، ليست هذه الراحة العفنة هي ما ~~أنشد. إنهن يكبلنني بالحديد والعمر ينطلق ساخرا. وكانت أم عبده ~~أولى الراحلات، أما أمي وفكرية وزينب فلم يرحلن إلا في آخر عام لي في ~~الخدمة؛ سبقت أمي في قمة الشيخوخة، وتبعتها بعد أشهر فكرية في ~~السبعين، ثم زينب في الثامنة والستين. وكل جنازة كلفتني الشيء ~~الفلاني حتى اضطررت إلى الاقتراض، ثم وجدت نفسي وحيدا في الستين في ~~عالم جن جنونه وانقلبت موازينه وأصبحت الليمونة فيه بعشرة قروش. ~~ويقول لي حمادة الطرطوشي: لن أسمح لك بالاستسلام لليأس، إن يكن مسكنك ~~كريها فثمة آلاف من سكان المدافن يحسدونك، بيدك أيضا أن تعمل في ~~شركة استثمار ms88 وتحسن مرتبك، وتوجد سيدة وحيدة مثلك فلم لا ~~تزورها؟ # ويقول الرجل أيضا وهو يضحك: صحتك والحمد لله ممتازة، وخواطرك ~~الجنسية تبشر بكل خير. # وقلت له ذات مساء: قررت التحدي والقيام بالمغامرة. # فهنأني العجوز على شجاعتي. وضاع أكثر يومي الثاني في الاستعداد ~~للمساء؛ حلقت شعر رأسي وذقني، أسلمت جسدي للدش طويلا، ارتديت أحسن ما ~~عندي من بنطلونات وقمصان، انتظرت المساء طلبا للستر ثم عبرت الشارع ~~العمومي للضفة الشرقية، خطر لي علي يوسف، قلت إنه لم يخني ولا ~~أخونه. وقلت أيضا لنفسي إنه لعار أن يرتبك شخص في مثل سني. وقفت ~~أمام باب الشقة في الدور الثالث في ظلام تام ضغطت على الجرس. سمعت ~~أقداما آتية، وفتحت الشراعة، وتساءل الصوت القديم: من؟ # أضاءت المصابيح في أعلى الباب فتجلى وجهي، لم تصدق عينيها، ~~هتفت: أنت! # فتحت الباب، وضح تلعثم حالها، أشارت إلى حجرة إلى يمين الداخل ~~هامسة: تفضل. # ذهبت وبقيت بمفردي واقفا، الجو خانق، فتحت نافذة تطل على ~~الشارع، نفس حجرة الاستقبال القديمة ولكن الأثاث جديد وعصري. هل أندم ~~على هذه الخطوة؟ لعلها الآن تغير ملابس البيت، لم أرها من قريب ~~منذ زمن طويل طويل. وقع الأقدام من جديد، رجعت مطوقة الرأس بمنديل ~~أبيض، في فستان صيفي لبني لكنه محتشم، لا يكشف إلا عن ساعديها وأسفل ~~ساقيها. تساءلت وهي واقفة: تشرب قهوة؟ .. عندي عصير برتقال ~~أيضا. ~~- لا داعي للكلفة والتعب. # ذهبت. بقيت صورتها؛ امتلأ الوجه أكثر من الماضي ولكنه متماسك ولا ~~أثر للتجاعيد فيه، حلت الرزانة محل ماء الشباب، ولكنه وجه مقبول، ~~ترى هل شاب شعرها؟ أما الجسم فقد امتلأ، بينه وبين البدانة خيط لا ~~بأس، وهو داخل الفستان مثير؛ إي والله مثير، انهالت علي أحلامي ~~الجنسية كالشلال، آه لو أضمها إلى صدري ونتذاوب كما فعلنا كثيرا في ~~الماضي المليح، ولكن حذار فأنت لا تدري شيئا عما يعتلج في باطنها، ~~ربما أقامت واستقرت في وادي الأمومة والطهر، تمالك نفسك وتجنب ~~الخطأ، رجعت بصينية فضية صغيرة عليها قارورة، ووضعتها فوق خوان من ~~الخشب المطعم ms89 بالصدف، ونقلته أمام مقعدي، قلت لها: أتعبتك، اجلسي ~~وارتاحي. # جلست على فوتيه في الجناح المواجه لي، وفي تلك اللحظة انتبهت إلى ~~صورة الزفاف المثبتة في الجدار فوقها، وعلى جانبيها صورتان، الأولى ~~لعلي يوسف والأخرى لابنيها في زي العرب. هبت على عواطفي دفقة باردة ~~وازدادت مهمتي عسرا. ~~- خطوة عزيزة، تذكرت أخيرا أهلك! # فقلت بأسف: هي الحياة كما تعلمين، ولكنني قلت إنه غير معقول أن ~~نكون في حي واحد ونعيش كالغرباء! ~~- أهلا بك، هل ما زلت تعمل في الوزارة؟ ~~- تقاعدت منذ أيام أو منذ ساعات! ~~- ربنا يطول عمرك، ألا يوجد من يخدمك؟ # قلت ضاحكا: أعيش وحيدا مع الجدران القديمة. ~~- وأنا مثلك، لولا امرأة بنت حلال، تزورني مرة كل أسبوع، أمينة ~~وماهرة. ~~- يخيل إلي أنك لا تغادرين البيت أبدا؟ ~~- لا أخرج إلا كل حين ومين ولأسباب قهرية. ~~- الوحدة قاسية، لدي المقهى والصديق، ولكنها قاسية جدا. # فقالت بتسليم: عندي التليفزيون وجارة أو جارتان. ~~- هذا لا يكفي. ~~- أفضل من عدمه! ~~- وكيف حال ابنيك؟ ~~- عال، استقرا هناك إلى الأبد، أصبح لي أحفاد،، هي قسمتي على أي ~~حال. # نطقت بها بأسى واضح فسألتها: ألم تسافري إليهما؟ ~~- مرة، وأديت العمرة. # قلت وقلبي يمعن في تراجعه: مبارك يا حاجة. ~~- عقبالك. # ثم مواصلة: إن عزمت يوما فستجدهما في انتظارك. ~~- كل شيء بمشيئة الله، وكيف صحتك؟ ~~- كيف صحتك أنت؟ ~~- على أحسن ما يكون، والحمد لله. ~~- وأنا كذلك، ولكني ركبت طاقم أسنان. ~~- هذا مفيد للصحة في ذاته. ~~- نسأل الله حسن الختام. # فقلت بحماس: أمامك عمر مديد بإذن الله، وإني سعيد برؤيتك. ~~- وأنا كذلك، ولو أنني كنت أتمنى ألا تكون وحيدا. ~~- أنت أيضا وحيدة. # فقالت بمودة: أعني أنه كان يجب أن تكون لك زوجة وأولاد. # فقلت بأسف: القسمة والنصيب. # وأمسكنا، ربما لنسترد أنفاسنا، أفرغت بقية القارورة في جوفي وغرقت ~~في العرق. فارق كبير بين الحقيقة والخيال، تصورت أنني سأوجه الحوار ~~إلى الهدف دون صعوبة، وأنني سأثب إلى جانبها مثقلا بأشواق العمر، وأنه ~~وأنه وأنه، وهذا مناخ الجلسة ينضح بالجدية والأدب، والسيدة مصونة لا ms90 ~~تسمح بقدح شرارة عبث، وهذه الصور المطلة علينا تشاركنا الاجتماع وتصد ~~عنه النزق بل وتغرقه في الحزن، ترى فيم تفكر؟! ألم ترد على ~~خاطرها ولو صورة فاتنة واحدة من الماضي الجميل؟ هل تهيمن على خواطرها ~~كما تهيمن على سلوكها؟ .. أود أن تطالعني العينان بلمحة تذكر، ~~أو مداعبة، أو حياء عابر، أو ظل ابتسامة تتعدد التفسيرات لها، لكني ~~لا أرى إلا نظرة رزينة، نظرة قريبة لقريب تلاقيا في شيخوخة العمر. ~~هل انتهت ملك وجفت ينابيعها؟ على أي حال لن أغادر الشقة بجعبة ~~خاوية إلا من الفشل، ولن أسمح للجبن بأن يحملني الندم إلى آخر ~~البقية من العمر. قذفت إلى الماء متسائلا: هل يضايقك أن نخفف من ~~وحدتنا بالزيارة من حين لآخر؟ # فقالت بهدوء: أهلا بك. # ثم مع تردد واضح: ولكن ... # أدركت ما تضمر، فقلت: نحن أقارب، ولنا من عمرنا ما يصد عنا ~~الكلام. # فلاذت بالصمت، فقلت يائسا: إذن لا توافقين على الزيارة! # قالت بسرعة: لم أقل هذا. ~~- لعلك توصين بالانضباط؟ ~~- هذا ما يجدر بنا أن نفكر فيه. ~~- أود أن أعرف رأيك بكل صراحة. ~~- لو عندي رأي آخر لصارحتك به. # فقلت بحرارة: أنا في أشد الحاجة إلى الزيارة، وحدتي لا تطاق، وليس ~~لي غيرك كما تعلمين، وطالما فكرت في ذلك ومنذ زمن طويل. # لعلها ابتسمت، ولكن وجهها تورد يقينا، وهمست: أنا فاهمة ~~ومجربة. # فقلت بشجاعة متصاعدة: إذن فكلانا في حاجة إليها! # فضحكت وآثرت الصمت، وشعرت بأننا انتقلنا من عصر إلى عصر، فقلت: ~~الوحدة مرة، والحياة مرة، أتطلع إلى شيء جديد، أنت جددت ~~أثاثك. ~~- شقتي تجددت تماما، المرحوم ترك لي مبلغا لا بأس به، وحيد ~~أهداني حجرة نوم جديدة، وبكر حجرة الاستقبال، واشتريت أنا حجرة ~~سفرة. ~~- والغلاء؟ ~~- المعاش لا يجدي، ولكن وحيد وبكر يمدانني بما أحتاج إليه، ماذا ~~تفعل أنت؟ ~~- يدي دائما على قلبي، ولا أحد يهتم بالمتقاعدين، ولكن أفكر في ~~بدء حياة جديدة! ~~- بعد التقاعد؟ ~~- صحتي على ما يرام، ولدي مهارة في اللغة الإنجليزية وخبرة في ~~الأعمال الإدارية، وسوف أجرب حظي في ms91 إحدى شركات الاستثمار. ~~- مرتباتهم كبيرة. ~~- وأملي كبير جدا. ~~- فكرة جميلة . ~~- يسرني أنك تشجعينني. # ورجعنا إلى الصمت فرأيت من المناسب إنهاء الزيارة، قلت: آن لي أن ~~أذهب. # وكالعادة دعتني للبقاء مجاملة ولكنني وقفت ومددت يدي للمصافحة. ~~تمشيت في الهواء الساكن متلهفا على نسمة من نسائم الصيف. إذا كان ~~الخيال لم يتحقق فإنه أيضا لم يتلاش. ومضيت إلى مقهى النجاح بروح ~~جديدة، ولما رآني حمادة الطرطوشي مقبلا ابتسمت أساريره، وقال: رجعت ~~إلى شبابك، لم أرك كاليوم أبدا. # وجعلت أعيد على مسمعه ما دار بيني وبينها واجدا في ذلك سعادة ~~جديدة. وعلق الرجل قائلا: أنا متفائل، وأنت؟ # فتفكرت قليلا، ثم قلت: بنسبة 50٪. ~~- لا، أكثر من ذلك. ~~- حقا؟ ~~- كان بوسعها أن تجعل من الزيارة الأولى والأخيرة. ~~- لا شك في ذلك. ~~- ولا أظن أنه غاب عنها مقصدك. ~~- أتمنى ذلك. ~~- صدقني، أنا أدرى بالنساء منك، ولكن هل وجدتها حقا ~~صالحة؟ # فقلت بحماس: أؤكد لك أنها ما زالت جذابة. # فقال الرجل وهو يضحك: على سبيل الحيطة لا تتماد في التفاؤل، المظهر ~~في مثل سنها غير المخبر، قد يبدو الجسم مغريا داخل الفستان، ولكن إذا ~~عري تجلت به ثغرات وحفر مثل شوارع هذه الأيام؛ لذلك أنصحك إذا ~~وفقت إلى ما تريد أن تمارس حبك في الظلام! # ولم أتمالك من الضحك طويلا، ثم قلت له: المهم أن أوفق ~~أولا. # لدى عودتي إلى شقتي أطبقت علي الكآبة. تضاعفت كراهيتي لها ~~وتمنيت لها النار. باتت الرغبة في التغيير قوة قاهرة لا تقاوم، ~~وفترت متعتي بالمقهى والتليفزيون في الأيام التالية. الزيارة هي ~~الأمل الباقي الوحيد، تكرارها بعد أسبوع قليل، بعد شهر غير محتمل، ~~فلتكن بعد أسبوعين. في أثناء ذلك عرفت أن شركة جنرال إليكتريك في ~~حاجة إلى وظيفة في فرع منها يقوم بمشروع لبناء محطة مياه، مشروع مؤقت ~~مدته ثلاثة أعوام ولكن المرتب 400ج.م، غير بدل الانتقال، وتقدمت ~~للامتحان. وقع الاختيار على فتاة ولكن المدير عرض علي وظيفة في ~~العلاقات العامة بثلاثمائة جنيه، قبلت وأنا في منتهى السعادة. لم ~~أتمكن في نطاق ms92 دخلي الجديد من الانتقال إلى حي جديد ولكن الغذاء ~~والكساء سيقفزان قفزة خيالية. وانتظرت أسبوعين ثم مضيت في ميعاد ~~الستر إلى بيت حبيبتي، الصبر نفد، والشوق تأجج واشتعل، والعزيمة ~~صممت. أقنعت نفسي بأن الشيخ لا يجوز أن يتلعثم كصبي أو يخجل ~~كمراهق. ولما فتحت لي حجرة الاستقبال رجوت أن نجلس في حجرة المعيشة، ~~استزادة من الألفة في الظاهر وهربا من الصور في الحقيقة، وقلت لها ~~بصدق: حياتي بفضلك أصبحت مما أغبط عليه. # فابتسمت قائلة: لا تبالغ. # فقلت بارتياح: التحقت بشركة جنرال إليكتريك. ~~- مبارك. # وحكيت لها عن المرتب وكل شيء وقلت: يمكنني الآن أن أحقق ~~هدفي. # وبدت أنها لم تفهم مقصدي فقالت: إن كنت تروم شقة جديدة فأشك في ~~تحقيق هدفك. # فقلت بجرأة: هدفي أهم من الشقة! ~~- حقا؟! ~~- إني أفكر جادا في الزواج. # خيل إلي أنها أجهضت دهشة بلباقة، وتمتمت: الزواج! # فقلت بثقة: إني على أتم ما يكون من الصحة. # فابتسمت في ارتباك، وقالت: ربنا يزيدك صحة وعافية. ~~- وددت أن أعرف رأيك؟ ~~- لم لا، مثلك يتزوجون، وأكبر منك أيضا. ~~- هذا ما قلته لنفسي. # فقالت بشيء من المرح: دعني أبحث لك عن زوجة مناسبة. ~~- ما الزوجة المناسبة؟ ~~- لعلها سيدة عاقلة لا تقل عن الأربعين. ~~- ستكون في تلك الحال أرملة أو مطلقة. ~~- وما المانع؟ ~~- ولها أولاد، وربما في سن الحضانة. ~~- لا بد من الرضا بالواقع المتاح. # فركزت بصري الثمل في عينيها الحائرتين، وقلت: إني أعرف من أريد ~~ولا حاجة إلى البحث. # فتساءلت وهي تغوص في الحصار: ماذا تعني؟ # فقلت باستسلام وضراعة: ملك، أنت الزوجة التي أريد. # غضت بصرها وقطبت دون أن تنبس، فرجعت أسأل في إلحاح: ما ~~رأيك؟ ~~- أهذا ما رجعت من أجله؟ ~~- أي نعم. ~~- يا للفضيحة! ~~- الفضيحة؟ ~~- لا أدري ماذا أقول. ~~- إنه مطلب طبيعي ولا فضيحة فيه على الإطلاق. # فقالت بصوت متهدج: الزواج لا يمكن أن يخطر لي ببال. ~~- دعيه يخطر، كان أعز أمانينا. # فقالت وهي من الحياء في ضيق شديد: ذاك تاريخ مضى وانقضى ~~ونسي. # فقلت بحرارة: إنه يعيش معي الآن ms93 بكل قوة. ~~- أنت لا تدرك معنى ما تقول، الوحدة أطاحت بالحكمة، وسيتمخض ~~الحلم عن لا شيء. ~~- إني أعرف ما أريد. # فقالت بانفعال شديد: لا .. لن أسمح بفضيحة. ~~- لماذا ترددين هذه الكلمة القبيحة؟ ~~- هي الحقيقة، أنت تتناسى أنني أم وجدة. # فقلت بضراعة: الدهشة تعيش ساعة واحدة، ثم يلوذ الإنسان ~~بسعادته. # فغضت بصرها في أسى، وهمست: لا تحرمني من سكينة القلب. # خيل إلي أنها انقلبت في نقاشها امرأة لا أما أو جدة أو ~~قريبة فحسب. # انتفضت قائما وخطوت نحوها لأجلس إلى جانبها كالزمان الأول، ولكنها ~~وثبت هاربة وهي تهتف بجفاء: لا تلمسني. # كأنما تلقيت لطمة، تجمدت لحظات، في غاية من الانهيار واليأس، ~~ثم همست وأنا أتحرك: أستودعك الله. # لم أذهب إلى المقهى، لم أرجع إلى البيت، سرت طويلا على غير هدى، ~~استرحت قليلا في بعض مقاهي الأطراف، عدت إلى مقبرتي مع الفجر. في ~~اليوم التالي، وأنا في طريقي المألوف إلى مقهى النجاح، رفعت عيني إلى ~~شرفة مسكنها، وإذا بها تقف فوق عتبة الشرفة وكأنها تنظر نحوي. وبدافع ~~الأدب والمجاملة أحنيت رأسي تحية فإذا بها تلوح بيدها محيية. ~~خفق القلب وتسمرت القدمان، ماذا تعني يا ترى؟ وفتحت مصراعي ~~النافذة وتراجعت قليلا، ثم لوحت بيدها مرة أخرى واختفت. فسرت ~~الإشارة على هواي، وعبرت الشارع نحو العمارة يستخفني طرب غامر، لم ~~أبال هذه المرة بانتظار المساء. ms94