######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.Shahhadh.Hindawi41828359 #META# Tags: novels #META# ID: 41828359 #META# Title: الشحاذ #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الشحاذ‏ # الشحاذ‏ # | الشحاذ # | الشحاذ # تأليف # نجيب محفوظ # | الشحاذ # 1 # سحائب ناصعة البياض تسبح في محيط أزرق، تظلل خضرة تغطي سطح الأرض في استواء وامتداد، ~~وأبقار ترعى تعكس أعينها طمأنينة راسخة، ولا علامة تدل على وطن من الأوطان، وفي أسفل طفل ~~يمتطي جوادا خشبيا، ويتطلع إلى الأفق عارضا جانب وجهه الأيسر، وفي عينيه شبه بسمة ~~غامضة. لمن اللوحة الكبيرة يا ترى؟ ولم يكن بحجرة الانتظار أحد سواه. وعما قريب يأزف ~~ميعاد الطبيب الذي ارتبط به منذ عشرة أيام. وفوق المنضدة في وسط الحجرة جرائد ومجلات ~~مبعثرة، وتدلت من الحافة صورة المرأة المتهمة بسرقة الأطفال. رجع يتسلى بلوحة المرعى؛ ~~الطفل، والأبقار، والأفق، رغم أنها صورة زينة رخيصة القيمة، ولا وزن إلا لإطارها المذهب ~~المزخرف بتهاويل بارزة. وأحب الطفل اللاعب المستطلع، والأبقار المطمئنة، ولكن ازدادت شكواه ~~من ثقل جفونه، وتكاسل دقات قلبه. وها هو الطفل ينظر إلى الأفق، وها هو الأفق ينطبق على الأرض. دائما ~~ينطبق على الأرض من أي موقف ترصده، فيا له من سجن لا نهائي! وما شأن هذا الجواد الخشبي؟ ~~ولم تمتلئ الأبقار بالطمأنينة؟ ولفت سمعه في الخارج حركة أقدام ثابتة، ثم ظهر التمرجي ~~عند الباب قائلا: تفضل. # ترى، هل يتذكره رغم مرور ربع قرن من الزمان؟ ها هي حجرة استقبال الطبيب الخطير، وها هو ~~يقف وسط حجرته باسما، بقامته المتوسطة النحيلة، والوجه الغامق السمرة، والعينين البراقتين، ~~والشعر القصير المفلفل. لم يكد يتغير عما كان في حوش المدرسة. وما زالت زاوية فمه تنحرف ~~في سخرية مذكرة بمرحه المطبوع الذي كان يضاهي تفوقه الحاسم. ~~- أهلا عمر، تغيرت حقا، ولكن إلى أحسن. ~~- حسبتك لن تذكرني! ~~(وتصافحا بحرارة.) ~~- ولكنك عملاق بكل معنى الكلمة. كنت طويلا جدا، وبالامتلاء صرت عملاقا. # وكان يرفع رأسه إليه وهو يحادثه، فابتسم عمر في سرور وردد: حسبتك لن تذكرني! ~~- أنا لا أنسى أحدا، فكيف أنساك أنت؟! # تحية كريمة من طبيب خطير. وكثيرون يسمعون عن الطبيب الناجح، ولكن هل يعرف المحامي الفذ ~~إلا أصحاب القضايا؟ # وضحك الطبيب وهو يتفحصه، وقال: ms01 لكنك سمنت جدا، كأنك مدير شركة من ~~العهد الخالي، ولا ينقصك إلا السيجار. # ضحكت أسارير الوجه الأسمر المستطيل الممتلئ، وفي شيء من الارتباك ثبت نظارته فوق عينيه، ~~وهو يرفع حاجبيه الكثيفين. ~~- إني سعيد بلقياك يا دكتور. ~~- وأنا كذلك، وإن تكن مناسبة رؤيتي ليست بالسارة عادة. # وتقهقر إلى مكتبه المختفي تحت أطلال من الكتب، والأوراق، والأدوات المكتبية النفيسة، ثم ~~جلس وهو يشير إليه بالجلوس: فلنؤجل حديث الذكريات، حتى نطمئن عليك. # وفتح دفترا، وأمسك بالقلم: الاسم: عمر الحمزاوي، محام، والسن؟ # وضحك الطبيب عاليا، وهو يقول مستدركا: لا تخف، الحال من بعضه. ~~- 45 عاما. ~~- على أيام المدرسة كان الشهر يعتبر فارقا في العمر له خطورته، أما الآن؛ فيا قلبي لا ~~تحزن. هل من أمراض خاصة في الأسرة؟ ~~- كلا، إلا إذا اعتبرت الضغط بعد الستين مرضا خاصا. # وشبك الطبيب ذراعيه، وقال بجدية: هات ما عندك. # مسح عمر على شعره الغزير الأسود الذي لا ترى شعيرات سوالفه البيضاء إلا بحد البصر، ~~وقال: لا أعتقد أني مريض بالمعنى المألوف. # فازداد اهتمام الطبيب، وهو ينعم فيه النظر باستمرار: أعني أني لا أشكو عرضا من الأعراض المرضية المألوفة. ~~- نعم. ~~- ولكني أشعر بخمود غريب. ~~- أهذا كل ما هنالك؟ ~~- أظن هذا. ~~- لعله من الإجهاد المستمر. ~~- ربما، ولكني غير مقتنع تماما. ~~- طبعا؛ وإلا ما شرفتني. ~~- الحق أنه نتيجة لذلك الخمود؛ ماتت رغبتي في العمل بحال لا تصدق. ~~- استمر. ~~- ليس تعبا بالمعنى المألوف، يخيل إلي أني ما زلت قادرا على العمل، ولكني لا أرغب ~~فيه، لم تعد لي رغبة فيه على الإطلاق، تركته للمحاسب المساعد في مكتبي، وكل القضايا تؤجل ~~عندي منذ شهر. ~~- ألم تفكر في القيام بإجازة؟ # فواصل حديثه، وكأنه لم يسمعه: وكثيرا ما أضيق بالدنيا، بالناس، بالأسرة نفسها؛ فاقتنعت بأن الحال أخطر من أن أسكت عنها. ~~- إذن فالمسألة ليست ... ~~- المسألة خطيرة مائة في المائة، لا أريد أن أفكر، أو أن أشعر، أو أن أتحرك. كل شيء يتمزق ويموت، فخطر لي على سبيل الأمل أنني سأجد لذلك سببا عضويا. # قال الطبيب ms02 باسما: ما أجمل أن تحل مشاكلنا الخطيرة بحبة بعد الأكل، أو ملعقة قبل ~~النوم! # مضى به إلى حجرة الكشف، وأخذت عينة من البول، ثم خلع عمر ملابسه، ورقد على السرير ~~الطبي. وتتابعت الأوامر؛ فأبرز لسانه، وفتح بشد الجفنين عينيه، ونقرت الأصابع الرشيقة على ~~مواضع في الصدر والظهر، وضغطت بشدة على أماكن في البطن، واستعملت السماعة ومقياس الضغط. ~~وتنفس بعمق، وسعل، وهتف: «آه!» من الحلق مرة، ومن الأعماق مرة أخرى. وجعل يختلس النظرات إلى ~~وجهه، ولكنه لم يقرأ شيئا. وفرغ الرجل من كشفه فسبقه إلى مكتبه، وما لبث أن لحق به. ~~واطلع الطبيب على نتيجة التحليل، ثم فرك يديه، وابتسم ابتسامة عريضة، وقال: عزيزي المحامي ~~الكبير، لا شيء ألبتة. # تحرك جناحا أنفه الطويل الحاد، وازداد وجهه توردا: ألبتة؟ ~~- ألبتة! # ولكنه سرعان ما قال بحذر: أخشى أن يكون الأمر أخطر مما تتصور! # فقال الدكتور ضاحكا: ليست قضية أهولها لمضاعفة الأجر. # فضحك عمر، وهو يرمقه بأمل. فأكد الآخر قائلا: حسن، إذن فاعلم أنه لا شيء. # فتساءل عمر في قلق: هل يقضى علي بأن أسجن في عيادات الطب النفسي؟ ~~- لا نفسي، ولا دياولو. ~~- حقا؟ ~~- أجل، إنه مرض برجوازي إن جاز لي أن أستعير اصطلاحا حديثا مما يستعمل في جرائدنا، ~~ليس بك من مرض. # ثم بتمهل: ولكني أرى في الأعماق مقدمات لأكثر من مرض، والحق أنك جئت في الوقت المناسب، ~~متى ألح عليك الخمود؟ ~~- منذ شهرين، وربما أكثر قليلا، ولكن الشهر الأخير كان محزنا حقا. ~~- دعني أصف لك حياتك كما أستنبطها من الكشف، أنت رجل ناجح ثري، نسيت المشي أو كدت، تأكل ~~فاخر الطعام، وتشرب الخمور الجيدة، وترهق نفسك بالعمل لحد الإرهاق، ودماغك دائما مشغول ~~بقضايا الناس وأملاكك، وأخذ القلق يساورك على مستقبل عملك، ومصير أموالك. # ضحك عمر بفتور، وقال: صورة صادقة في جملتها، ولكني لم أعد أهتم بشيء. ~~- حسن، لا شيء بك، ولكن العدو رابض على الحدود. ~~- كإسرائيل؟ ~~- وعند الإهمال سيدهمنا الخطر الحقيقي. ~~- دخلنا في الجد! ~~- اعتدل في الطعام ... قلل من الشراب ... التزم برياضة ms03 منتظمة كالمشي ... فلن تلقى ما ~~تخشاه. # وانتظر وهو يفكر، ولكن الدكتور لم يحرك ساكنا، فسأله: ألن تكتب لي دواء؟ ~~- كلا، لست قرويا لأقنعك بأهميتي بدواء لا يضر ولا يفيد، الدواء الحقيقي بيدك أنت ~~وحدك. ~~- وهل أعود كما كنت؟ ~~- وأحسن، أنا رغم إرهاقي بالعمل ما بين الكلية، والمستشفى، والعيادة، أمشي كل يوم نصف ~~ساعة على الأقل، وأتبع نظاما مناسبا في الغذاء. ~~- لم أشعر يوما أني تقدمت في السن. ~~- الكبر مرض، ولن تشعر به ما دمت تدفعه بحسن السلوك، هنالك شبان فوق الستين، المهم أن ~~نفهم حياتنا. ~~- أن نفهم حياتنا؟! ~~- أنا لا أتفلسف طبعا. ~~- ولكنك تداويني بنوع من الفلسفة، ألم يخطر لك يوما أن تتساءل عن معنى حياتك؟ # فضحك الدكتور عاليا، ثم قال: لا وقت عندي لذلك، وما دمت أؤدي خدمة كل ساعة لإنسان هو في ~~حاجة ماسة إليها، فما يكون معنى السؤال؟ # ثم بجدية ودود: قم في إجازة. ~~- إجازتي متقطعة عادة، كأنها ويك إند يستمر طيلة شهور الصيف. ~~- لا، خذ إجازة طويلة بالمعنى، ومارس نظام معيشتك الجديدة، وسوف تبدأ بعد ذلك ~~متجددا. ~~- هذا ممكن. ~~- توكل على الله، ليس بك إلا نذير من الطبيعة، فاستمع إليه، وعليك أن تنقص وزنك عشرين ~~كيلو، ولكن على مهل، ودون عنف. # ضرب على ركبتيه، وانحنى انحناءة خفيفة تؤذن بالتأهب للقيام، ولكن الدكتور بادره: مهلا، ~~أنت آخر زوار اليوم؛ فلنجلس قليلا معا. # اعتدل في جلسته باسما: دكتور حامد صبري، إني أعرف ما تريد، تريد طي ربع قرن من الزمان، ~~وأن تضحك من أعماق قلبك مرة أخرى. ~~- ما أجمل أيام زمان! ~~- الحقيقة، يا دكتور، ما أجمل كل زمان باستثناء «الآن»! ~~- صدقت، التذكر شيء، والمعاناة شيء آخر. ~~- ثم يتبدد كل شيء بلا معنى. ~~- لكننا نحب الحياة. هذا هو المعنى. ~~- شد ما كرهتها في الأيام الأخيرة. ~~- وها أنت تبحث عن الحب المفقود! خبرني، أما زلت تذكر أيام السياسة، والإضراب، والمدينة ~~الفاضلة؟ ~~- طبعا، وقد ولت جميعا، ولم يبق إلا سوء السمعة. ~~- ومع ذلك؛ فقد تحقق حلم كبير، أعني الدولة الاشتراكية. ~~- نعم. ms04 # الدكتور وهو يبتسم: وكنت تظهر لنا بأكثر من وجه، الاشتراكي المتطرف، المحامي الكبير. ولكن ~~وجها منك رسخ في ذاكرتك أقوى من أي سواه، هو عمر الشاعر. # ابتسم ابتسامة عصبية ليداري امتعاضا مباغتا، وتمتم: يا لسوء الحظ! ~~- هجرت الشعر؟ ~~- طبعا. ~~- ولكنك طبعت ديوانا فيما أذكر. # فخفض عينيه؛ حتى لا يقرأ فيهما توتره وضيقه، وقال: عبث طفولة لا أكثر ولا أقل. ~~- بعض زملائي من الأطباء الشعراء يضحون بالطب في سبيل الشعر. # ذكرى غبراء كالطقس المنحوس، فمتى يسكت عنها؟ # وواصل الدكتور: وأذكر من أقراننا القدامى مصطفى المنياوي، ماذا كنا نطلق عليه؟ ~~- الأصلع الصغير! ما زلنا أصدقاء لا نكاد نفترق، وهو اليوم صحفي نابه، ومؤلف إذاعي ~~تلفزيوني. ~~- زوجتي مغرمة به جدا، وقد كان متحمسا مثلك، ولكن رأس الحماس كان عثمان خليل بلا ~~جدال. # تجهم وجه عمر. لطمته الذكرى بقبضة من حديد، ثم غمغم: إنه في السجن. ~~- نعم، عمر طويل في السجن، أظنه كان زميلك في كلية الحقوق؟ ~~- تخرجنا في عام واحد، أنا ومصطفى وعثمان. الحق أني لا أحب الماضي. # فقال بنبرة ختامية: فلتحب المستقبل. # ثم وهو ينظر في ساعته: من الآن فصاعدا أنت أنت الطبيب. # في حجرة الانتظار رفع عينيه مرة أخيرة إلى الصورة. لم يزل الطفل ممتطيا جواده الخشبي ~~متطلعا إلى الأفق. وهذه البسمة الغامضة في عينيه أهي للأفق؟ وما زال الأفق منطبقا على ~~الأرض، فماذا يرى الشعاع الذي يجري ملايين السنين الضوئية؟ وثمة أسئلة بلا جواب، فأين ~~طبيبها؟ # وفي الخارج أمام العمارة بميدان سليمان باشا، ركب الكاديلاك السوداء، فتحركت به كباخرة ~~عروس النيل. # 2 # الوجوه تتطلع إليك مستفسرة، حتى قبل أن ترد تحيتك. حنان رقيق مخلص، ولكن ما أفظع الضجر! ~~الحموضة التي تفسد العواطف الباقية. ولاحت من ورائهم الشرفة الكبيرة المطلة على النيل من ~~الدور الرابع. وتبدى عنق زوجك من طاقة فستانها الأبيض غليظا متين الأساس، واكتظت ~~وجنتاها بالدهن، وقفت كتمثال ضخم مليء بالثقة والمبادئ، وضاقت عيناها الخضراوان تحت ضغط ~~اللحم المطوق لهما. أما ابتسامتها؛ فما زالت تحتفظ ببراءة رائقة، ومحبة صافية. ms05 ~~- قلبي يحدثني بأن كل شيء طيب. # إلى جانبها وقف مصطفى المنياوي في بدلته الشركسكين، رافعا نحوك وجهه البيضاوي الشاحب، ~~وعينيه الذابلتين، وصلعته التاريخية، وقد بدا ضئيلا في نحافته إلى جانب الزوجة المحكمة ~~البناء. ~~- حدثنا عن زميل المدرسة، ماذا قال؟ وهل عرفك؟ # واعتمدت بثينة بكوعها على كتف تمثال برنزي لامرأة باسطة الذراعين في هيئة مرحبة، وتطلعت ~~إلى أبيها في تشوف بعينيها الخضراوين، وهي تكرر صورة أمها عندما كانت في الرابعة عشرة، ~~بقامتها الرشيقة، ولكن يبدو أنها لن تتعملق مع الأيام، ولن تسمح للدهن بأن يغطي على صفائها. ~~تساءلت بنظرة كما تتفاهم معك كثيرا دون كلام، أما جميلة - أختها الصغيرة - فعكفت على ~~دبتها بين مقعدين كبيرين، ولم تهتم بالقادم. # وجلسوا جميعا، ثم قال بهدوء: لا شيء. # هتفت زينب بنبرة جامدة: الحمد لله، طالما قلت إنك بحاجة إلى الراحة. # فأحنقه انتصارها بلا سبب، وخاطب مصطفى، مشيرا إلى زوجته، قائلا: هي المسئولة أولا ~~وأخيرا. # ولما فرغ من تلخيص رأي الدكتور، عاد يؤكد رأيه: هي، هي المسئولة. # فقال مصطفى بحبور: يا له من علاج هو باللعب أشبه! # ثم مستدركا في أسف: لكن الطعام والشراب! ... اللعنة على الزمن. # لم تلعن وأنت لم تصب بسوء؟ ماذا يفعل المقبل على رحلة غامضة؟ الحائر بين الحب والضجر، ~~الذي لم يحدث نفسه بعد بطريقة شافية! وقال لمصطفى: الدكتور حامد سأل عن الأصلع ~~الصغير. # ثم بعد أن سكتت عاصفة الضحك: وهنيئا لك إعجاب زوجته! # ابتسم مصطفى في سرور صبياني لمعت به أسنانه الناصعة البياض: أصبحت بفضل الإذاعة ~~والتلفزيون كالوباء، ولا بد أن أصيب ضعيفي المناعة. # وذكر الآخر في السجن، حتى حساسية الضمير يدركها الضجر، يوم احترقت بلهيب الخطر. لكنه ~~لم يعترف، رغم الأهوال لم يعترف، وذاب في الظلمات كأن لم يكن، وأنت تمرض في الترف. وتنهض ~~الزوجة رمزا للمطبخ والبنك. فسل نفسك: ألا يضجر النيل تحتنا؟ ~~- بابا، هل نستعد للسفر؟ ~~- سنمرح كثيرا، وسوف أعلم أختك السباحة كما علمتك فيما مضى. ~~- حتى البراميل! # ها هي أمك تحاكي البرميل، والأفق يحاكي السجن، والحرية ms06 استكنت وراء الأفق ، ولم يبق من ~~أمل إلا الضمير المعذب. وقال مصطفى: زوجي تفضل رأس البر للأسف، ومثلي لن يظفر بإجازة شهر ~~كامل إلا إذا أصيب بسرطان ممتاز. # وتساءلت جميلة رافعة رأسها عن الدبة: متى نسافر يا بابا؟ # ولاح له مصطفى كنصب تذكاري للحب والزواج. كان المشير، والمعين، والشاهد، وكل يوم يؤكد ~~صداقته له وللأسرة. ولم يدر شيئا بعد عن المياه التي تجرف قاع النهر. ~~- وذكرني الدكتور بأيام الشعر. # فضحك مصطفى قائلا: الظاهر أنه لم يسمع عن روائعي الدرامية الحالية؟ ~~- وددت لو أحكي له قصتك مع الفن. ~~- ترى، هل يؤمن النطاسي الكبير بالفن؟ ~~- زوجته مغرمة بك، ألا تقنع بذلك؟ ~~- إذن فهي مغرمة باللب والفشار. # وكانت زينب تراقب السفرجي من خلال الديكور المقوس، وما لبثت أن قالت: هلموا إلى ~~العشاء. # وأعلن عمر أنه سيكتفي بشريحة من صدر الدجاج، وفاكهة، وكأس واحدة من الويسكي. فتساءل ~~مصطفى: والبطارخ على سبيل المثال، هل ألتهمها وحدي؟ # وراح مصطفى يتحدث عن إفطار مستر تشرشل الذي نوهت به إحدى الصحف في أثناء زيارته لقبرص. ~~وقد تردد قليلا عند بدء الطعام، ثم ما لبث أن أكل وشرب بلا حساب. ولم تستطع زينب كذلك أن ~~تقاوم الإغراء، وشربت زجاجة من البيرة، وواظبت بثينة على اعتدالها التي تعتده أمها نوعا من ~~الاعوجاج. وقال مصطفى: الطعام أجدر من الجنس بتفسير السلوك البشري. # فنسي عمر نفسه، وقال بمرح لأول مرة: يخيل إلي أنك مصاب بعقدة الدجاج. # وعقب العشاء لم يجتمع شملهم أكثر من نصف ساعة، نامت بعدها جميلة، ومضت الأم وبثينة إلى ~~زيارة في نفس العمارة، فخلا عمر إلى مصطفى في الشرفة الكبيرة، حيث استقرت بينهما زجاجة ~~ويسكي، ووعاء ثلج فوق منضدة زجاجية السطح. ولم تند عن الأشجار حركة واحدة، وانتشرت حول ~~المصابيح غلالة ترابية. وبدا النيل من ثغرات أعالي الشجر ساكنا، هامدا، شاحبا، معدوم ~~المرح والمعنى، وشرب مصطفى وحده، وتمتم باستياء: يد واحدة لا تصفق. # فأشعل عمر سيجارة وهو يقول: ما أفظع الجو! لم أعد أحب شيئا حبا خالصا. # فقال مصطفى ms07 ضاحكا: أذكر أنك كرهتني يوما ما. # فقال دون توقف عند قوله: أخشى أن يتكرر موقفي تجاه العمل إلى ما لا نهاية. ~~- عليك بالرجيم والرياضة. ولن يهون عليك أن تخون بثينة، وتقع في اليأس. ~~- سوف أشرب كأسا أخرى. ~~- لا بأس، ولكن كن أكثر حزما في الإسكندرية. ~~- تقول إنني كرهتك يوما ما، أنت كاذب كأكثر أهل صناعتك. ~~- كنت تضيق بي على عهد إيماني الشديد بالفن. ~~- كنت وقتذاك أعاني نزعه من نفسي. ~~- أجل، كنت تقاتل حبه الكامن فيك، وتهجره بقسوة، وكنت أنا في ذلك الوقت وجها من وجوهه ~~جديرا بإثارة الشجون. ~~- ولكني لم أكرهك، وجدتك فقط ضميرا معذبا. ~~- وقد احترمت أزمتك بعقل متسامح، وصممت على الاحتفاظ بك وبالفن معا. # ثم وهو يضحك: ولعلي أرحتك كثيرا عندما قررت نبذ الفن بقوة مذهلة، وها أنا أبيع اللب ~~والفشار عن طريق الصحف، والإذاعة، والتلفزيون، على حين تنهض أنت قمة من قمم المحاماة في ~~ميدان الأزهار. # ذكريات معادة، كالقيظ والغبار، دورات محكمة الإغلاق. والطفل الباسم يتوهم أنه يمتطي ~~جوادا حقيقيا. ~~- ضجر، يضجر، اضجر، فهو ضجر، وهي ضجرة، والجمع ضجرون، وضجرات. ~~- الرجيم والرياضة! ~~- يا لك من مضحك! ~~- هي رسالتي في الحياة، التسلية، والجمع تسليات. قديما كان للفن معنى حتى أزعجه العلم من ~~الطريق؛ فأفقده كل معنى. ~~- أما أنا فقد نبذته دون تأثر بالعلم. ~~- إذن لماذا نبذته؟ # ماكر كالقيظ، وهذا الليل لا شخصية له، وضجيج الطريق ولا طرب. الماكر يسأل وهو ~~يعلم. ~~- دعني أسألك أنت عن السبب؟ ~~- قلت وقتذاك إنك تريد أن تعيش، وأن تنجح. ~~- إذن لماذا طرحت السؤال؟ # ها هي نظرة اعتراف تقلق في عينيه الذابلتين من رمد قديم. ~~- أنت نفسك لم تنبذه بسبب العلم وحده! ~~- زدني علما. ~~- عجزت عن أن تحتفظ له بمكانة محترمة على مستوى العلم. # فضحك مصطفى بصفاء مغسول بالويسكي، وقال: لا تخلو حركة هروبية من فشل، ولكن صدقني أن العلم ~~لم يبق شيئا للفن، ستجد في العلم لذة الشعر، ونشوة الدين، وطموح الفلسفة. صدقني أنه لم ~~يبق للفن إلا التسلية، وسينتهي يوما بأن يصير ms08 حلية نسائية مما يستعمل في شهر ~~العسل. ~~- ما أجمل أن أسمع ذلك، انتقاما من الفن لا حبا في العلم. ~~- اقرأ أي كتاب في الفلك، أو في الطبيعة، أو في أي علم من العلوم، وتذكر ما تشاء من ~~المسرحيات، أو دواوين الشعر، ثم اختبر بدقة إحساس الخجل الذي سيجتاحك. ~~- ما أشبه هذا الشعور بما ينتابني عندما أفكر في القضايا والقانون. ~~- هذا الشعور المخجل لا يعانيه إلا الفنان المنبوذ من الزمن. # فتثاءب عمر، ثم قال: اللعنة، إني أشم في الجو شيئا خطيرا، ويرعبني إحساس حركي داخلي بأن ~~بناء قائما سيتهدم. # ملأ مصطفى كأسا جديدة، وقال: لن نترك بناء كي يتهدم. # فمال نحوه مقطبا، وسأله: ماذا تظن بي؟ ~~- الإجهاد، والتكرار، والزمن. ~~- وهل في الرجيم والرياضة الكفاية؟ ~~- كل الكفاية، اعتقد ذلك من كل قلبك. # 3 # من الآن فصاعدا أنت الطبيب؛ فأنت حر، والفعل الصادر عن الحرية نوع من الخلق. حتى ولو يكن ~~مقاومة مستمرة لشهوات البطن. ولنقل: إن الإنسان لم يخلق ليكتظ بالأطعمة، وبتحرر المعدة ~~تتحرر الروح كذلك وتحلق. لذلك ترق السحب، وترنم عواصف أغسطس الصاخبة. ولكن ما أشد ~~الزحام، والرطوبة، ورائحة العرق! وأجهدك المشي، وناءت به قدماك، كأنما تتعلمه لأول مرة. ~~والأعين ترمق العملاق وهو يوسع الخطى حتى ينال منه التعب؛ فيجلس على أول أريكة تصادفه على ~~طريق الكورنيش. وعيناك ترمقان الناس بعد عمى ربع قرن. هكذا شهد الشاطئ مولد آدم وحواء، ولكن ~~لا يدري أحد من سيخرج من الجنة. وقديما قطع الشاب الطويل النحيل ابن الموظف الصغير القاهرة ~~طولا وعرضا على قدميه دون تذمر. وسلسلة طويلة من آبائه وأجداده تهرأت أقدامهم من معاندة ~~الأرض، ثم تساقطوا من الإعياء، وقريبا سيخرج الماضي من السجن؛ فيتضاعف عذاب الوجود. ~~- عثمان، لماذا تنظر إلي هكذا؟ ~~- ألا تريد أن تلعب الكرة؟ ~~- أنا لا أحب الرياضة. ~~- لا شيء غير الشعر؟! # وأين المهرب من نظرتك الثاقبة؟ وما الجدوى من مجادلتك؟ وأنت تعلم أن الشعر هو حياتي، وأن ~~تزاوج شطرين ينجب نغمة ترقص لها أجنحة السماوات. ~~- أليس كذلك يا مصطفى؟ ms09 # وهتف المراهق الأصلع: هذا الوجود من حولنا ليس إلا تكوينا فنيا. # ويوما هتف عثمان في حال من التجلي: عثرت على الحل السحري لجميع المشاكل. # واندفعنا برعشة حماسية إلى أعماق المدينة الفاضلة، واختلت أوزان الشعر بتفجيرات مزلزلة. ~~واتفقنا على ألا قيمة ألبتة لأرواحنا، واقترحنا جاذبية جديدة غير جاذبية نيوتن، يدور حولها ~~الأحياء والأموات في توازن خيالي لا أن يتطاير البعض، ويتهاوى الآخرون. وعندما اعترضتنا ~~دورة فلكية معاكسة انتقلنا من خلال الحزن والفشل إلى المقاعد الوثيرة، وارتقى العملاق بسرعة ~~فائقة من الفورد إلى الباكار حتى استقر أخيرا في الكاديلاك، ثم أوشك أن يغرق في مستنقع من ~~المواد الدهنية. # وها هي الشماسي تترامى ملتصقة الشراريب، فتكون قبة هائلة دانية مختلطة الألوان، تستلقي ~~تحتها الأبدان شبه العارية. وتنتشر في الجو رائحة آدمية عميقة الأثر في الحواس مذابة في ~~رائحة البحر المتحدية تحت شمس تخلت عن بطشها. ووقفت بثينة بقدها الممشوق، مبللة الجسد، ~~محمرة الذراعين والساقين، مدسوسة الشعر في غطاء أزرق من النايلون، مفترة الثغر لفرحة ~~الشاطئ. وأنت شبه عار، مغطى الصدر بدغل من الشعر الكثيف الأسود، وقد استكنت بين ساقيك ~~جميلة وهي تبني هرما من الرمال. واضطجعت زينب على مقعد جلدي طويل، وراحت تطرز أفواف وردة ~~على رقعة كانفاه، متباهية بتضخم صحي، فلم تعدم نظرات مراهقة بلهاء تحوم حول صدرها ~~الناهض. # عزيزي مصطفى، قرأت تعليقاتك الفنية الأسبوعية. بديعة، ولاذعة، وموحية. تقول إنك بائع لب ~~وفشار؟ مهلا، لكنك من أصل كريم، وصاحب قلم تمرس طويلا بالنقد الجدي والمسرحي، فحتى ~~تسلياتك لها نكهة خاصة. أشكرك على سؤالك عنا، ولكن خطابك جاء موجزا لدرجة مزعجة، ولعلك ~~اعتبرته تكملة شكلية لمقالاتك، ولكني في مسيس الحاجة إلى ثرثرة لا نهائية. زينب عال، وهي ~~تقرئك السلام، وتذكرك بالدواء الذي رجتك أن تحصل عليه من الخارج بواسطة أي من زملائك ~~الرحل. متاعب مصرانها هينة في رأيي، ولكنها مغرمة بالدواء كما تعلم. بثينة سعيدة، وكم أود ~~أن أتسلل إلى عقلها، ولكن أسعدنا بغير جدال هي جميلة التي لا تفهم شيئا بعد. ولو ms10 أنك ~~رأيتني لدهشت للتقدم الذي أحرزته؛ فقد نقصت ثمانية كيلو، ومشيت آلاف الكيلومترات، وضحيت ~~بأطنان من اللحوم، والبطارخ، والزبد، والبيض. وعرفت الاشتياق إلى الطعام بعد شبع طويل لدرجة ~~الموت. ولأنك بعيد؛ فإنني لا أجد من أحادثه كما أحب، ولذلك كثيرا ما أحدث نفسي. كلام ~~زينب أعقل مما يجب. لماذا يثيرني الكلام العاقل في هذه الأيام؟ الشخص الوحيد الذي أعجبني ~~حديثه رجل مجنون، يرفع يده بالتحية على طريقة الزعماء طوال الطريق، ويلقي خطبا عجيبة. وقد ~~التقيت به فيما وراء شاطئ جليم بكيلو على الأقل، فبادرني: ألم أقل لك؟ # فأجبته باهتمام: فعلا. ~~- ولكن ما الفائدة؟ ... ستمتلئ المدينة غدا بسمك موسى، ولن تجد موضعا لقدم. ~~- على البلدية أن ... # لكنه قاطعني بحدة: لن تفعل البلدية شيئا، سوف ترحب به تشجيعا للسياحة، وسوف يتكاثر ~~بصورة مذهلة حتى يضطر السكان الأصليون للهجرة؛ فيمتلئ الطريق الزراعي بطوابير المهاجرين. ~~ورغم ذلك كله سيواصل ثمن السمك صعوده. # وتمنيت أن أتسلل إلى رأسه أيضا. لغته لا تقل غرابة عن لغة العلماء الأفذاذ أصحاب ~~المعادلات، وما أضيعنا نحن العقلاء بين الاثنين! نحن الذين نعيش في السماجة المجسمة، لا ~~نعرف لذة الجنون، ولا أعاجيب المعادلات. رغم ذلك فأنا رب أسرة سعيدة. تعال وشاهدني وأنا ~~أناجي بثينة على حين تهاجمنا جميلة بالرمال. وبيتنا في جليم مريح جدا، وحنيني إلى الويسكي ~~يشتد بصورة ملحوظة. وأمس ونحن في الكابينة مساء ترامى إلينا صوت جارنا، وهو يتحدث قائلا: ~~العمارات ستؤمم. # اصفر وجه زينب، وحدجتني بنظرة استغاثة، فقلت لها: لدينا من المال الشيء ~~الكثير. # فتساءلت: وهل تنجو الأموال؟ ~~- لقد تحصنا ضد القدر بتأمينات شتى. # فراحت تتساءل في قلق: ومن أدرانا أ... # فقاطعتها: بالله خبريني، كيف سمنت إذن لهذا الحد؟ # فهتفت بي: كنت في شبابك مثلهم لا تتكلم إلا عن الاشتراكية، وهي ما زالت في دمك. # ثم كررت علي أن أذكرك بالدواء. مصطفى، أنا لا يهمني شيء، لا يهمني شيء صدقني. لا أدري ~~ماذا حصل لي، لن يهمني شيء، المهم عندي أن نلتقي لنستأنف هذرنا، ومناقشاتنا الجميلة التي ms11 لا ~~معنى لها. وقد رمت لي الصدفة بحديث غرامي في الظلام دون أن يفطن لوجودي أصحاب الشأن، قال ~~الرجل: عزيزتي نحن منحدرون إلى خطر مؤكد. # فقالت المرأة: هذا يعني أنك لا تحبني. ~~- لكنك تعلمين تماما أنني أحبك. ~~- إذا تكلمت بعقل؛ فهذا يعني أنك لم تعد تحبني. ~~- ألا ترين أنني مسئول، وأنني جاوزت الشباب؟ ~~- قل إنك لم تعد تحبني. ~~- سوف نهلك معا، ونخرب بيتنا. ~~- ألا تكف عن المواعظ؟ ~~- لك زوجك وبناتك، ولي زوجتي وأبنائي. ~~- ألم أقل إنك لم تعد تحبني؟! ~~- ولكنني أحبك. ~~- إذن، فلا تذكرني بغير الحب. # وابتعدت وأنا أتخيل الدراما الممتعة الفاضحة، وأضحك لجرأة المرأة وتهافت الرجل. ولكنهما ~~ذكراني بصديق قديم اسمه الحب. يا إلهي ما أطول العمر الذي مضى دون حب! وماذا بقي لنا منه ~~عدا ذكريات محنطة؟ كم أتمنى أن أتسلل إلى قلب عاشق! وأنا كما تعلم لم أحب في حياتي سوى ~~زينب، ولكن كان ذلك منذ عشرين عاما. وما أذكره من ذلك التاريخ حركات ومواقف، لا مشاعر ~~وانفعالات. وأذكر أنني قلت لك يوما: عيناها تصعقانني. وأذكر أنك لم تتخل عني أبدا، وأن ~~حالتي كانت جنونية، ولكن ذكرى الجنون غير الجنون نفسه. كنت محموم الفكر، بركاني القلب، ساهر ~~الليل. ورفعني العذاب إلى الشعر، وسحت من عيني دموع، وتوثقت أسبابي بالسماء. ولكن كل أولئك ~~ذكريات محنطة، وها أنا اليوم أكافح للتملص من المواد الدهنية، ولا أرى في زينب العزيزة إلا ~~تمثالا لوحدة الأسرة، والبناء، والعمل. وثق من أنه لا يهمني شيء؛ فليأخذوا العمارات ~~الثلاث، والأموال السائلة. ولن أزعم أنني أستهين بذلك بتأثير من المبادئ التي أوشكت يوما ~~أن تقذف بنا جميعا إلى السجن مع عثمان، فأيام الجهاد نفسها لم تعد إلا ذكريات محنطة، ~~ولكنني لا أدري ماذا حل بي؟ أو ماذا غيرني؟ فأبشر يا عزيزي بأنني أتقدم نحو شفاء جسماني ~~واضح، ولكني أقترب في الوقت نفسه من جنون طريف، والعقبى لك. ~~- لا تنس أن تكتب له عن الدواء. ~~- فعلت يا عزيزتي. # ما ألطفك يا بثينة! براعم صدرك تشهد للدنيا ms12 بحسن الذوق. ولعلي من جيل محافظ نوعا، فماذا ~~أعدت أمك؟ من المحزن أنك لم تعرفي من الدنيا شيئا، وأنني صنتك كالكنار؛ فلم تتجاوزي ~~سيارة المدرسة. وهذه النظرة الحالمة ماذا وراءها؟ ألم تضني علي بحلم رغم الصراحة التي ~~تبارك أحاديثنا؟! وكيف تؤثر فيك رائحة الأبدان العارية والغزل المتطاير بين الأمواج؟ يا ~~إلهي، ادفع المجتمع إلى مجاراة أفكارها وفعالها حتى لا تتعرض لسوء. وقال لها، وهي تمد ساقيها ~~العاريتين تحت مقعده المغروس في الرمل: لم نهنأ ببعضنا هكذا من قبل. ~~- الحق عليك. ~~- لم أبق في المكتب طيلة العمر إلا من أجلكم. # فانطرحت على كوعيها معرضة بطنها وصدرها للشمس المتألقة في سماء صافية، على حين تهادت فوق ~~منحنى الخليج سحابة بيضاء وحيدة. وقالت الأم، دون أن ترفع رأسها عن الكانفاه: قولي له إن ~~صحته اليوم أهم من أي شيء. ~~- حتى من تأميم العمارات؟ # فأجابت متحدية مقطبة: حتى من تأميم العمارات. # فقال بنبرة تقريرية مستسلمة: ما أجمل أن نتكيف مع مجتمعنا! # ولم تنبس بكلمة. ومرت أمام المجلس حسناء معجبة بنفسها؛ فخطف منها نظرة أشاعت في حواسه ~~بهجة ياسمينية. ~~- عندما أعود إلى حالتي الطبيعية، سأحاول أن أفهم الحياة فهما جديدا يقرنها بالسعادة ~~الحقيقية. ~~- لنسأل الله أن يحفظنا من كل سوء. ~~- الله يحب أن نسأله الخير للناس جميعا. # واسترق إليها نظرة ماكرة، ثم قال ضاحكا: ولكن كيف يستجيب الله للدعاء في هذه ~~الحال؟ # وأدركت ما يعنيه، ولكنها لم تعلق بكلمة واحدة، وتناسى الموضوع كله، واستسلم لأفكاره. خف ~~الوزن، ودب النشاط، ولكن ما أفظع القلق! الذباب، والعمل، والزوجة. ويوما ستجد بثينة ما ~~يشغلها عنك، ومثلها جميلة التي تشيد الأهرام من الرمال. خبرني بالله، ماذا تريد؟ ولماذا يخيم ~~الصمت رغم الضجيج؟ ولم يتنبأ شيء في صدرك بمخاوف هوائية؟ وفي كل لحظة تشعر بأن صلة تتمزق ~~محدثة صوتا مزعجا، وأن قائما يتزعزع، وأن أسنانك توشك أن تتساقط. وسوف تفقد الوزن في ~~النهاية، وتسبح في الفضاء. اشدد قبضتك على الأشياء، وانظر إليها طويلا؛ فعما قليل ستختفي ~~ألوانها، ولن يكترث لك ms13 أحد. وها هي الأمواج تطيح بأهرام جميلة المشيدة من الرمال، والهواء ~~يطير الصحف التي لا حقيقة ثابتة فيها إلا صفحة الوفيات. ويقول لك الرجل: «هذه هي قضيتي ~~أعهد بها إلى سيد المحامين.» يا للسخرية! ... لم يبق لنا، يا حضرات المستشارين، إلا أن نعمل معا ~~في السيرك القومي. ~~- لماذا تسرح يا عزيزي؟ ~~- لا شيء. ~~- هل أنت بخير تماما؟ ~~- أظن ذلك. ~~- ولكن خبرتي الطويلة بك تقول إنك في حاجة إلى عناية. ~~- يجب أن نحترم الخبرة. ~~- هل أحدثك عن رأي الطباخة؟ ~~- وهل للطباخة رأي؟ ~~- قالت إن الرجال السعداء الناجحين عرضة للعين. ~~- وهل تصدقين ذلك؟ ~~- كلا طبعا، ولكن الحيرة تحملنا أحيانا على تجربة أي شيء. ~~- إذن، فما عليك إلا تتفقي مع شيخة زار! ~~- ألا ترى أن السخرية لم تكن من شيمتك؟ # فقال باسما: قليل من السخرية يفيد ولا يضر. ~~- لن أثقل عليك يا عزيزي. # وهم عائدون تأخرت به قليلا عن البنتين، وقالت: إليك خبرا سارا. # تطلع إليها في يأس خفي: اكتشفت في بثينة شيئا لم يكن في الحسبان! ~~- غير ما اكتشفت في العام الماضي؟ ~~- بلى، إنها يا عمر شاعرة! # رفع حاجبيه الكثيفين في دهش: نعم ... لاحظت انهماكها في الكتابة، وأنها تمزق ما تكتب، ثم ~~تعيد كتابته، وأخيرا اعترفت لي بأنها تكتب شعرا، فضحكت وقلت لها: ... # وترددت، فسألها: ماذا قلت لها؟ ~~- قلت لها إنك بدأت كذلك شاعرا. # فتساءل مقطبا: ألم تخبريها كيف انتهيت؟ ~~- لكن أن تكون بنت في سنها شاعرة شيء جميل. ~~- فعلا. ~~- يجب أن تقرأ شعرها، وأن تزودها بنصائحك. ~~- لو لنصائحي قيمة؛ لأجدت معي! ~~- ولكنك سعيد بالخبر؟ ~~- جدا. # 4 # ولكن الاضطراب غطى على السعادة المؤقتة. وهذا إحساس عاصف كأنه نوع من الذعر. وثمة جيشان ~~يرعى الصدر لم يقربه منذ عشرين عاما. وناداها إلى الشرفة المطلة على البحر، فجاءت في بلوزة ~~مزركشة، وبنطلون بني يضيق تدريجيا حتى يلتصق بالساقين فوق الرسغين. أجلسها قبالته وهو ~~يقول: رأيت أن أدعوك لتشهدي معي الغروب. # همت بالاعتذار فيما بدا له، وكان يعلم أن ذاك وقت خروجها مع أمها وأختها ms14 لنزهة الأصيل على ~~الكورنيش، ولكنه قال: ستلحقين بهما سريعا، ألا يحب الشعراء الغروب؟ # ولاحظ تورد وجنتيها بشغف، وهو يبتسم: لكن ... لكني لست بشاعرة. ~~- ولكنك تكتبين شعرا! ~~- ومن أدراني أنه شعر؟ ~~- سوف أحكم بعد الاطلاع. ~~- كلا. # نطقت بها في إشفاق وحياء، فقال: لا سر بيننا، وأنا فخور بك. ~~- ما هو إلا كلام ركيك. ~~- سأحب شعرك حتى ركيكه. # أسبلت جفنيها في استسلام حتى تلاقت رموشها الطويلة المقوسة إلى أعلى، وإذا به يسألها في ~~اهتمام من الأعماق: خبريني يا بثينة، كيف اتجهت نحو الشعر؟ ~~- لا أدري. ~~- أنت متفوقة في العلوم، ولكن كيف اتجهت نحو الشعر؟ # وهي تتذكر مقطبة: المختارات المدرسية ... أحببتها جدا يا بابا. ~~- ولكن ما أكثر من يحبونها! ~~- كانت تسحرني بدرجة أقوى فيما أعتقد. ~~- ألم تقرئي غير ذلك من الشعر؟ ~~- بلى، قرأته في دواوين. ~~- دواوين؟! # فضحكت قائلة: استعرتها من مكتبتك. ~~- حقا؟! ~~- وعرفت أنك شاعر أيضا. # وخزه ألم، فدفعه بتظاهر بالمزيد من المرح، وقال: لا ... لا ... لست شاعرا ... كانت لعبة من لعب ~~الطفولة. ~~- مؤكد أنك كنت شاعرا. على أي حال وجدتني مدفوعة إلى الشعر دفعا. # أنت تتحدث عن المسرح ولكني شاعر، وأنا ملقى في دوامة لا نجاة منها إلا بالشعر، فهو غاية ~~وجودي، وإلا بالله خبرني ماذا نصنع بالحب الذي يكتنفنا كالهواء، والأسرار التي تلفحنا ~~كالنار، والكون الذي يرهقنا بلا رحمة؟ فلا تكن مكابرا يا صديقي. ~~- زيديني شرحا. # قالت، وهي تسترد شجاعتها المألوفة: كأنني أبحث عن أنغام في الهواء! ~~- قول جميل يا بثينة، وهو كذلك ما دام لا يفسد علينا الحياة. ~~- ماذا تقصد يا بابا؟ ~~- أعني دراستك، ومستقبلك، ولكن آن لي أن أطلع على شعرك. # أتته بكراسة مغلفة بورق مفضض. وباحترام، وحب، وإشفاق، ولهفة راح يقرأ. وتخلل قراءته عام ~~1935 مداعبا ومعترضا. عهد الحرمان، والأمل، والأسرار، والاضطراب المطوق للعباد، وأحلام ~~المدينة الفاضلة. ثم صوت عثمان، وهو يرتعش هاتفا: عثرت على الحل السحري لجميع ~~المشاكل. # ولكن البنت عاشقة، وربي إنها لعاشقة، البرعمة التي لم تتفتح بعد. من هو ذو الجمال، الذي ~~السحاب أنفاسه، والشمس ms15 مرآته، الذي تتمايل الأغصان شوقا إليه ؟ لماذا نضطرب إذا كرر الأبناء ~~سيرتنا؟ وما رأي أبي إذا سمعني أحدث حفيدته في الحب؟ ~~- هذا شعر حقا! # تألق الفرح أخضر في عينيها، وصاحت: حقا؟ ~~- شعر جميل. ~~- أنت تشجعني يا بابا ليس إلا. ~~- بل أقول الحق. # ونظر في عينيها، ثم سأل باسما: ولكن من هو؟ # فانطفأت شعلة الحماس في عينيها، وتساءلت في شيء من الخيبة: من ...؟ ~~- من المقصود بالترانيم؟ # ثم بنبرة ثقة: لم يعرف السر مكانا بيننا. # فقالت بإلغاز لم يخل من فتور: ليس أحدا من الناس! ~~- ترى ألم أعد الصديق الأب؟ ~~- بلى، ولكنه ليس أحدا من الناس. ~~- يهمني أن أعرفه بعد إذنك. ~~- ولكني أقول: إنه ليس أحدا من الناس. ~~- أهو من الملائكة؟ ~~- ولا من الملائكة. ~~- ماذا هو إذن ... حلم ...؟ رمز؟ # في حيرة واضحة: لعله ... هو غاية كل شيء. # مسح الرطوبة عن جبينه وساعديه، وصمم بإرادة هائلة على أن ينتزع من نفسه أية نية عبث، أو ~~سخرية، أو استهانة. وقال بجدية: إذن فأنت تعشقين سر هذا الوجود؟ # أجابت في توتر حل محل شجاعتها التلقائية: هذا جائز جدا يا بابا. # ما أحمقنا عندما نظن أنفسنا أغرب من الآخرين! ~~- كيف حصل ذلك؟ ~~- لا أدري ... من الصعب أن أوضح، ولكني وجدت في ديوانك بدء الطريق. # وضحك ضحكة عضلية خالصة، وقال: مؤامرة عائلية! أمك كانت تعرف من زمن، وأطلعتك على ذلك ~~الشيء الذي تسمينه ديوانا. ~~- لكنه شعر رائع ... وكم أنه ملهم! # وضحك ضحكة عالية لفتت إليه عازف البيانولا الذي كان يرسل على الكورنيش أنغامه ~~المتشنجة. ~~- أخيرا وجدت معجبة! ولكنه لم يكن شعرا، كان أوهاما محرقة. ومن حسن الحظ أني تركته في ~~الوقت المناسب. ~~- أما أنا فوجدت فيه ما أهيم به. ~~- إذن فأنت خالقة حتى في قراءتك! ~~- أنت تقول هذا! ~~- وهذا هو حبيبك؟ ~~- كما أنه حبيبك. # كان. لا حبيب الآن، القلب لم يعد يفرز إلا الضياع. وبين النجوم يترامى الفراغ والظلام، ~~وملايين السنين الضوئية. ~~- ما رأيك يا أبي؟ ~~- لمثلك ينبغي أن أقول: افعلي ما تشائين. # فتساءلت في مرح: ومتى ms16 تعود إلى الشعر؟ ~~- ادعي الله أن أعود إلى مكتبي أولا. ~~- إني أعجب كيف هان عليك أن تهجره؟ # فقال وهو يداري ابتسامة حياء: كان لهوا ليس إلا. ~~- والديوان يا بابا؟ ~~- توهمت يوما أنني سأستمر. ~~- ولكني أسألك عما أوقفك. # تداخلت شفتاه في سخرية، ولكن سرعان ما ارتفع إلى حال من الجدية الصادقة، ودفعته رغبة ~~صريحة إلى الاعتراف؛ فقال: لم يسمع لغنائي أحد. # أضر بك الصمت. وقال مصطفى محرضا: المثابرة والصبر! # وقال عثمان: اقذف بشعرك في المعركة تظفر بآلاف المستمعين. # وأرهقك الصمت، وألح عليك الحرمان، وفتح الحب ذراعيه، وأثبت الشعر أنه لا قدرة له على ~~الامتلاك. ويوما قال مصطفى بارتياح: أخيرا قبلت فرقة الطليعة مسرحيتي. # واشتد إرهاق الصمت، وقرر شمشون أن يهدم المعبد، وسرعان ما استغرقه النوم. # وسألت بثينة: هل من الضروري، يا بابا أن يستمع لغنائنا أحد؟ # فداعب خصلة من شعرها الأسود، وقال: ما معنى أن ندعو سر الوجود من الصمت إلى ~~الصمت؟ # ثم برقة وعطف: ألا تودين أن يسمع لغنائك الناس؟ ~~- طبعا، ولكني سأستمر على أي حال. ~~- جميل، أنت أفضل من أبيك، هذا كل ما هنالك. ~~- ولكنك تستطيع أن تعود إلى الشعر إذا أردت. ~~- الموهبة ماتت إلى الأبد. ~~- لا أصدق، إنك في نظري دائما شاعر. # ما للشعر وهذا الطول والعرض، والتفكير الدائب في القضايا، وبناء العمارات، والطعام الدسم ~~لحد المرض؟! # وحتى مصطفى انحط يوما على المقعد الطويل مقوس الظهر، كأنما أوغل في الكبر، وقال: ما ~~أضيع الجهد! # وقلت له بانزعاج: ولكن الطليعة ترحب بمسرحياتك، وهي فن جيد حقا. # فلوح بيده بازدراء، وقال: علي أن أعيد النظر في حياتي كما فعلت أنت. ~~- طالما نصحت بالمثابرة والصبر. # فبصق ضحكة خشنة، وقال: لا فائدة من تجاهل الجماهير. ~~- أتريد أن تبدأ من جديد محاميا؟ ~~- مات القانون قبل الفن، الحق أن مفهوم الفن قد تغير، ونحن لا ندري. عهد الفن قد مضى ~~وانقضى، وفن عصرنا هو التسلية والتهريج، هذا هو الفن الممكن في زمن العلم، ويجب أن تتخلى ~~للعلم عن جميع الميادين عدا السيرك. ~~- الحقيقة أننا ms17 نتحطم واحدا بعد آخر. ~~- بل قل إننا بلغنا سن الرشد، انظر إلى نجاحك في الحياة على سبيل المثال، وفي رأيي أن ~~الترفيه غاية جليلة لمتعبي القرن العشرين، وما نظن أنه الفن الحقيقي ليس إلا الضوء القادم ~~من نجم مات منذ ملايين السنين؛ فعلينا أن نبلغ سن الرشد، وأن نولي المهرجين ما يستحقون من ~~احترام. ~~- يخيل إلي أن التفلسف قد قضى على الفن. ~~- بل قضى العلم على الفلسفة والفن، فإلى مسرات التسلية بلا تحفظ، ببراءة الأطفال وذكاء ~~الرجال، إلى القصص الخفيفة، والضحكات المجلجلة، والصور الغريبة، ولنتنازل نهائيا عن غرور ~~الكبرياء وعرش العلماء، ولنقنع بالاسم المحبوب، والمال الوفير. # سرني ذلك رغم الحزن والأسف، مارست بتألم حقيقي العواطف المتضاربة، وفكرت بذهول فيمن ~~ازدرده السجن. الأصلع المحبوب يهبك بلسم العزاء لفشلك، وتفوقا غير متوقع. من غد سوف يطمح ~~إلى القوة التي امتلكها، ولكن بوسيلة أتفه. كما انقلب المتطلع إلى سر الوجود إلى محام ثري ~~غارق في المواد الدهنية. ~~- إن يكن العلم كما تتصور؛ فما نحن إلا طفيليون على هامش الحياة. ~~- نحن رجال ناجحون ذوو سر دفين من الحزن المكبوت، وليس من الحكمة أن ننكأ الجروح. ~~- لكننا ننتمي في الواقع إلى عصر قديم بال. ~~- بالله لا تنكأ الجروح. ~~- العلماء أقوياء بالحقيقة، ونحن قوتنا مستمدة من المال الذي يفقد شرعيته يوما بعد ~~يوم. ~~- لذلك أقول لك: إن الموت يمثل أملا حقيقيا في حياة الإنسان. # ونظر إلى عينيها الخضراوين برقة، وقال: بثينة، هل أطمع أن تعديني بألا تفرطي في دراستك ~~العلمية؟ ~~- أظن ذلك، ولو أن الشعر سيظل أجمل ما في حياتي. ~~- ليكن، لن أجادلك في ذلك، ويمكن أن تكوني شاعرة وفي ذات الوقت مهندسة مثلا. ~~- يبدو أنك مشغول بمستقبلي. ~~- طبعا، لا أحب أن تنتبهي يوما، فتجدي نفسك في العصر الحجري على حين يعيش من حولك في عصر ~~العلم. ~~- لكن الشعر ... # فقاطعها: لن أجادلك يا عزيزتي، صديقي مصطفى يجد في العلم دينا، وشعرا، وفلسفة، لكني لن ~~أجادلك، أنا سعيد بك وفخور. # ها هي الشمس تتهاوى للمغيب، قرص أحمر ms18 كبير امتص المجهول قوته وحيويته الباطشة ؛ فرنت إليه ~~الأعين كما ترنو إلى الماء. وتدفقت حوله كثبان السحب وضاءة الحوافي، موردة الأديم في مهرجان ~~من الألوان. # أتريد أن تعرف سري حقا يا مصطفى؟ اسمع عندما أمضني الفشل جريت نحو القوة التي آمنا من ~~قبل بأنها شر يجب أن يزول، ولكنك تعرف سري يا مصطفى. # 5 # في ضوء الشمس الغاربة تبدت أنيقة وقورا، رغم اكتناز جسمها الطويل، المفصح عن شبع مثير، ~~ورفاهية محنقة. ما كان أرق جمالها! وما زالت على قدر من الجمال بالرغم من ضخامتها غير ~~العادية وانتفاخ وجنتيها. ونظرتها الخضراء الجادة لم تفقد كل سحرها ولكنها غريبة، غرابة ~~مستحدثة لم ترها عينك من قبل. امرأة رجل آخر، رجل الأمس الذي لم يعرف التعب أو الفتور، الذي ~~نسي نفسه. ولكن ما علاقتها بهذا الرجل؟ المريض بلا مرض، المتجنب للدسم والشراب، الذي يتنسم ~~في الهواء المشبع بالرطوبة نذر مخاوف لا حدود لها. والأختان سابقتان، جميلة تمشي على سور ~~الكورنيش الحجري قابضة على يد بثينة التي سايرتها على الأرض، في الطريق ما بين جليم وسيدي ~~بشر الذي يخف به الزحام درجة ما. وأعين كثيرة تطلعت إلى بثينة، وشفاه تمتمت بكلمات لم ~~يميزها، ولكنه يعرفها على أي حال؛ فابتسم من الداخل فحسب. وما هو إلا عامان أو ثلاثة ثم ~~تصير جدا، وتمضي الحياة، ولكن إلى أين؟ والتفت إلى الشمس الغاربة في سماء صافية باهتة لم ~~يعلق بها من الشفق إلا قشرة سطحية استدارت عند الأفق. قال: كان الأقدمون يتساءلون أين تذهب ~~الشمس، ولم نعد نتساءل. # فتطلعت زينب إلى الشمس ثواني، ثم قالت: بديع أن نتخلص من سؤال. # الإجابة العاقلة تخنقك وكأنها تستفزك، التصرفات العاقلة تغضبك بلا سبب. ما أجمل أن يثور ~~البحر حتى يطارد المتسكعين على الشاطئ! وأن يرتكب السائرون على الكورنيش حماقات لا يمكن ~~تخيلها، وأن يطير الكازينو الكبير فوق السحب، وأن تتحطم الصور المألوفة إلى الأبد؛ فيخفق ~~القلب في الدماغ، وتراقص الزواحف العصافير. # ومضت البنتان إلى سينما سان استفانو، ثم واصل كلاهما ms19 المشي متقاربين. وإذا بها تتأبط ~~ذراعه، وتهمس متسائلة: عمر ... ماذا عندك؟ # ألقى نظرة باسمة على ما حوله، وقال: ما أكثر الغرام! ~~- هو كذلك دائما، ولكن ماذا عندك؟ # فقال ممعنا في التجاهل: بثينة لا تعرف أشياء كثيرة، فكرت في ذلك وأنا ... # فقاطعته نافدة الصبر: إني أعرف ما علي، والبنت معدنها نفيس، ولكنك تهرب. # ما أشد استجابة نفسك ل «تهرب»، كأنها مفتاح سحري يلقى إليك في جب. ~~- أهرب؟ ~~- أنت فاهم ما أعنيه فاعترف. ~~- بأي جريمة؟ ~~- بأنك لم تعد أنت. # ما أحوج الرطوبة اللزجة إلى عاصفة هوجاء! ~~- حقا؟ ~~- جسمك وحده الذي يعيش بيننا، وأحيانا أحزن لحد الموت. ~~- ولكنني أتداوى بعزيمة صادقة كما لا بد تشهدين. ~~- الحق أني أتساءل عن السبب وراء ذلك كله، أطوارك جعلتني أتساءل من جديد. ~~- لكننا شخصنا الحال بما فيه الكفاية. ~~- أجل، ولكن ألا يضايقك شيء بالذات؟ ~~- أبدا. ~~- يجب أن أصدقك. ~~- لكنك لا تصدقين تماما فيما يبدو. ~~- ظننت أن أمرا ضايقك، في المكتب، في المحكمة، عند أحد من الناس، وأنت حساس وبارع في ~~الحزن المكتوم. ~~- أنا لم أقصد الطبيب إلا لأنني لم أعثر على سبب محسوس. ~~- لم تحدثني كيف بدأت الحال. ~~- طالما حدثتك عن ذلك. ~~- عن النتائج فقط، ولكن كيف بدأ الحال على وجه التدقيق؟ # وها هي رغبة مستهترة في الاعتراف تدفعك. ~~- من الصعب أن أحدد تاريخا، أو أن أقرر كيف بدأ التغير، لكنني أذكر أنني كنت مجتمعا ~~بأحد المتنازعين على أرض سليمان باشا، وقال الرجل: أنا ممتن يا إكسلانس، أنت محيط بتفاصيل ~~الموضوع بدرجة مذهلة حقيقة باسمك الكبير، وإن أملي في كسب القضية لعظيم. فقلت له: وأنا ~~كذلك. فضحك بسرور بين، وإذا بي أشعر بغيظ لا تفسير له، وقلت له: تصور أن تكسب القضية ~~اليوم وتمتلك الأرض، ثم تستولى عليها الحكومة غدا. فهز رأسه في استهانة، وقال: المهم أن ~~نكسب القضية، ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها؟ فسلمت بوجاهة منطقه، ولكن ذهل ~~رأسي بدوار مفاجئ، واختفى كل شيء. # رمته بنظرة داهشة، وسألته: أكان هذا هو السبب؟ ~~- أبدا ms20 ... لا أعرف سببا على التحديد، ولكني كنت أعاني تغيرا خفيا مستمرا. من هنا جاء ~~تأثري الذي لا معنى له بكلام الرجل الذي تردده الملايين كل ساعة، دون أن يحدث أي أثر لأي ~~إنسان. ~~- طبعا، أنت لا تفكر في الموت إلا كما يفكر العقلاء. # ترى كيف يفكر العقلاء في الموت؟! ~~- هذا مسلم به من حسن الحظ. # وهي تحدجه مستطلعة: وهل كرهت العمل بعد ذلك؟ ~~- لا ... لا أستطيع أن أقطع برأي في ذلك، ربما قبله وربما بعده. ~~- الحق أني حزينة بدرجة لا أحب أن أحدثك عنها. ~~- ولكن هل يهمك العمل لهذا الحد؟ ~~- أنت من يهمني، أنت وحدك. # وتؤجل قضية فأخرى فثالثة، ويمضي النهار وأنت مستمر في مقعدك ممدود الساقين تحت المكتب، ~~تدخن بلا انقطاع، وتنظر إلى السقف ببلاهة. ~~- تعبت من المشي. ~~- لكنك تمشين أضعاف ذلك. # فقالت وهي تخفض البصر: آن لي أن أعترف لك بدوري، الراجح أنني حبلى. # فاهتز باطنه بموجة قاسية أكدت تلهفه على مفتاح الهرب السحري، وتمتم: لكن ... # فقالت بهدوء: يا عزيزي، أمر الله فوق كل تدبير. # ثم وهي تشد على ذراعه: وأنت لم تنعم بعد بولي العهد. # واستدارا راجعين، ونظرة دلال تمرح في عينيها، ومرحت النظرة طويلا حتى دق ناقوس الإنذار. ~~وقال لنفسه إنه بشيء من الشراب سيطرد الفتور، ويمثل دور الحب كما يمثل الزوجية ~~والصحة. # واستيقظ مبكرا بعد نوم ساعات معدودات، وطرق أذنيه صخب الأمواج العاصف في سكون الصباح ~~المعتم. وزينب مستغرقة في النوم، مكتظة بالنوم والشبع، تنفرج شفتاها عن شخير خفيف متواصل، ~~مشعثة الشعر. وأنت متضايق كأنما كتب عليك أن تناطح نفسك، وهذا يعني أنني لم أعد أحبك. بعد ~~الحب القديم، والعشرة الطويلة، والذكريات المليئة بالوفاء لم أعد أحبك، لم تبق ذرة حب ~~واحدة. ليكن عرضا يزول بزوال المرض، ولكني الآن لا أحبك، وهو أشقى ما ألاقي من مر التجارب. ~~وها أنت تسمع شخيرها فلا تعطف، ولا يبتسم القلب. وتنظر إليها، وتسأل ماذا جاء بها؟ أو ماذا ~~جاء بك؟ ومن ذا قضى بهذه السخرة اللعينة؟ ~~- مصطفى ... ها ms21 هي الفتاة. ~~- الخارجة من الكنيسة؟ ~~- هي، هي ... انظر إلى فستانها الأسود حدادا على عمها ... أي ملاحة؟! ~~- ولكن الدين! ~~- لم أعد أكترث لهذه العوائق. # وقلت لها: يسعدني أنك تنازلت بقبول معرفتي. في حديقة العائلات قدم عمر الحمزاوي المحامي ~~نفسه، فتمتمت بصوت لا يكاد يسمع: «كاميليا فؤاد.» يا عزيزتي حبنا أقوى من كل شيء، وسوف ~~نتغلب على أي عائق، فقالت وهي تتنهد: لا أدري. # ويوما ضحك مصطفى في جو عاصف، وقال: إني أعرفك منذ عهد آدم، بحاثة عن المتاعب، زوبعة في ~~بيتك، وزوبعة أعنف في بيتها، وأنا حائر بينكما. # ثم ما أجمل موقفه وهو يرفع كأسه صائحا: مبارك عليكما، أصبح الماضي في خبر كان، ولكن ~~تضحيتك لا تقاس بتضحيتها، وللعقائد طغيان حتى على الذين نبذوها. صحتك يا زينب، صحتك يا ~~عمر. # وانتحى بك جانبا، وراح يقول وهو سكران تماما: لا تنس الأيام الأليمة، لا تنس الحب ~~أبدا، تذكر أنه لم يعد لها أهل في هذه الدنيا، مقطوعة من شجرة، ولا أحد لها سواك. # تزوجت قلبا نابضا لا حدود لحيويته، وشخصية فاتنة حقا، تلميذة مثالية للراهبات، مهذبة ~~بكل معنى الكلمة، مدبرة حكيمة كأنما خلقت للتدبير والحكمة، وقوة دافعة للعمل لا تعرف ~~التواني، ونظرة ثاقبة في استثمار المال. ارتفعت في عهدها من غمار العدم إلى التفوق الفريد ~~والثروة الطائلة، ووجدت في حرارة حبها عزاء عن الفشل، والشعر، والجهاد الضائع، رمز الجنس، ~~والمال، والشبع، والنجاح، فماذا جرى؟ # تقلبت في الفراش على وجهها؛ فانحسر طرف القميص عن نصفها التحتاني العاري، فانزلق من ~~الفراش متجها نحو الشرفة، ودخل ثم أغلق الباب وراءه. طوقه هواء عاصف، ورأى الأمواج وهي ~~تركض بجنون نحو الشاطئ، فتلطم بزبدها الفائر أرجل الكباين، تحت قبة باهتة انتشرت قطعان السحب ~~في جنباتها، وغام جو الصباح الباكر باللون الرمادي المشع منها. ولم تدب قدم بعد فوق الأرض، ~~ولم تنفتح نفسك لشيء، ولم ينعشك الهواء. وحتى متى تنتظر الشفاء؟ أين مصطفى لأسأله عن معنى ~~هذه المتناقضات؟ عنده من الأفكار مدخر كثير، رغم أنه لم يعد يبيع ms22 اليوم إلا اللب والفشار. ~~لماذا يجيء دور زينب بعد العمل؟ وها هي موجة تعلو علوا غير عادي، ثم تنكسر عن أطنان من ~~الزبد، ثم تنداح في تدهور مسلمة الروح. يا إلهي إنهما شيء واحد، زينب والعمل، والداء الذي ~~زهدني في العمل هو الذي يزهدني في زينب. هي القوة الكامنة وراء العمل، هي رمزه، هي المال ~~والنجاح، والثراء، وأخيرا المرض. ولأني أتقزز من كل أولئك؛ فأنا أتقزز من نفسي، أو لأني ~~أتقزز من نفسي؛ فأنا أتقزز من كل أولئك. ولكن من لزينب غيري؟ الليلة الماضية كان الحب تجربة ~~مريرة. ضمر ونضب فلم يبق منه سوى ارتفاع في الحرارة، وسرعة في النبض، وزيادة في ضغط الدم، ~~وتقلص في المعدة، تتلاحق في وحدة رهيبة؛ وحدة الموجة التي يمتصها رمل الشاطئ، فلا يتقهقر ~~منها إلى البحر شيء. هي تترنم بأهازيج الغرام وأنا أبكم، هي تطارد وأنا شارد اللب، هي تحب ~~وأنا كاره، هي حبلى وأنا عقيم، هي حساسة حذرة وأنا بليد. وقالت: أنت لا تتكلم كعادتك. فقلت: ~~بل لا يسمع لي صوت. وقلت: تصور أن تكسب القضية اليوم؛ فتمتلك الأرض ثم تستولي عليها ~~الحكومة غدا. فقال: ألسنا نعيش حياتنا، ونحن نعلم أن الله سيأخذها؟ ورغم الجفاء والجفاف فإن ~~الموجة تعلو لحد الجنون، ثم تتكسر عن الزبد، ثم تسلم الروح. ويزدردك قبر النوم بلا راحة، ~~ويظل عقلك يتابع هواجسه، حتى الطبيب تفكر في زيارته مرة أخرى، مسلما بأنك تغيرت أكثر مما ~~كنت تتصور. فيا ترى ماذا أريد؟ أجل، ماذا أريد؟ الفقه لا يهم، والحكم لصالح موكلي لا يهم، ~~وإضافة مئات جديدة لحسابي لا يهم، ونعمة البيت السعيد لا تهم، وقراءة عناوين الصحف لا يهم، ~~فما رأيك في رحلة في الفضاء؟ في ركوب الضوء شكرا لسرعته الثابتة. الشيء الوحيد الثابت في ~~هذا الكون الذي لا يعرف الثبات، المتغير بلا توقف، المتحرك في جنون. # وها هو قد وصل أول مكتشفين للفضاء، بياع الجراثيم، وبياع الأنباء الكاذبة. # 6 # في آخر أغسطس رجعت الأسرة إلى القاهرة. وامتعض عمر لمرأى ms23 ميدان الأزهار، وهو في سبيله إلى ~~عمله، وقال إنه لم يتغير عما تركه، وإنه ما زال معبرا كالحا للذاهبين إلى أعمالهم. ~~واستقبل استقبالا حارا، وبخاصة من مساعده الأستاذ محمود فهمي، وسرعان ما حملت إليه ملفات ~~القضايا المؤجلة، والتي تحت البحث. ولم يخل سبتمبر من أيام لزجة، ولكن جرت به نسائم لطيفة، ~~وظللت بواكير صباحه طلائع سحب بيضاء. وعانقه مصطفى المنياوي طويلا وتبادلا القبلات، ووقفا ~~طوال الاستقبال وجها لوجه. عمر بقامته المديدة، ومصطفى رافع وجهه نحوه، وصلعته مائلة إلى ~~الوراء تلمع تحت ضوء المصباح الفضي. وقال وهو يجلس على المقعد الجلدي الكبير أمام المكتب: ~~أراك في رشاقة الغزال، برافو. # وتناول سيجارة من العلبة الخشبية المطعمة بالصدف التي تعزف أنغامها عند فتحها، ثم أشعلها ~~وهو يقول: فكرت مرات أن أزورك في الإسكندرية، ولكن واجب الزوجية كان يناديني إلى رأس البر، ~~فضلا عن أنني شغلت طيلة الوقت بإعداد مسلسلة جديدة للراديو. # ونظر إلى ملفات القضايا، ثم إلى عيني صاحبه مستجديا كلمة مشجعة؛ فابتسم عمر ابتسامة ~~غامضة، فألحق النظرة بالاستجداء حتى قال عمر: عملت صباح اليوم ساعات متواصلة. # فتنهد مصطفى في ارتياح غير أن الآخر تمتم: ولكن ... # فتساءل مصطفى في قلق: ولكن! ~~- بالصراحة لم أسترد للعمل أية رغبة. # وساد صمت متشائم، ونفث الدخان من فم متوتر، ثم تساءل: أكان ينبغي أن تأخذ مزيدا من ~~الراحة؟ ~~- دعنا من المغالطة، فالأمر أخطر من ذلك. # ثم وهو يشعل بدوره سيجارة على صدى أنغام جديدة: الأمر أخطر من ذلك، وليس العمل وحده الذي ~~أصبحت أكره، ولكن الداء يلتهم أشياء أخرى أعز علينا من العمل، زوجتي على سبيل ~~المثال. ~~- زينب! # فقال فيما يشبه الحياء: لا أدري كيف أتكلم، ولكن للأسف لم أعد أطيقها، البيت نفسه لم يعد ~~بالمأوى المحبوب. ~~- أتقول ذلك عن مكان يضم بثينة وجميلة؟ ~~- من حسن الحظ أنهما ليستا في حاجة إلي. ~~- تجهم وجه مصطفى، ورمشت عيناه المستديرتان الذابلتان، وتجلت في نظرته المستطلعة رغبة ~~ملحة حزينة في حل اللغز. ~~- لكن مثلك لن يعجزه معرفة السر. # قال وهو ms24 يبتسم ابتسامة مريرة: لعله الكون - بدورانه الدائم على وتيرة واحدة - هو المسئول ~~الأول عن ذلك. ~~- اعترف بأنك تبالغ فيما يتعلق بزينب على الأقل. ~~- هي الحقيقة السوداء. # فسأله بإشفاق: تتوقع عواقب عملية لذلك الموقف؟ ~~- إني أعيش في مقام السؤال، ولكن بلا جواب. ~~- على الأقل؛ فإنك لا بد مقتنع بأن ما بك هو حال من أحوال النفس. ~~- سمه كيف شئت، ولكن ما هو؟ ماذا أريد؟ ماذا علي أن أعمل؟ ~~- أنت أرشد من أن تبقى في مقام السؤال، سائل رغباتك الدفينة، راجع أحلامك، ها هي أشياء ~~تود الفرار منها، ولكن إلى أين؟ ~~- أجل، إلى أين؟ ~~- عليك أن تجيب بلا تردد. ~~- خبرني أنت عما يدفعك إلى العمل والزوجة؟ # بدا السؤال مضحكا على نحو ما فضحك، ولكن قتامة الجو لم تسمح للمرح بالبقاء أكثر من ~~ثوان. ~~- إني أرتبط بزوجتي بحكم الواقع والعادة، أما عملي فهو مصدر رزقي، ولي جمهور أسعد به ~~كثيرا، مئات الرسائل التي أتلقاها أسبوعيا تسعدني حقا، والحق أن تجاوب الناس معك قيمة ~~ثمينة، ولو يكن مصدره بيع اللب والفشار! ~~- وأنا ليس لي جمهور، وواقع، وعادة؟ # تردد مصطفى مليا، ثم قال: الحقيقة أن عملك جاوز بك أبعد غايات النجاح، وأن زوجك تعبدك، ~~فلم تعد أمامك غاية تتطلع إليها. # عمر وهو يبتسم ساخرا: هل أسأل الله فشلا في العمل، وخيانة في الزوجية؟ ~~- لو استجاب لك؛ لمنحك حب الحياة من جديد. # وخلا كلاهما إلى نفسه في صمت مشحون بالتوتر، منذر بمأساة وشيكة الوقوع، وقال عمر: يعزيني ~~أحيانا أنني أكره نفسي بنفس القوة. # ثم وهو يطفئ عقب السيجارة في النافضة بقوة حانقة: والحق أن عملي وزينب ونفسي، كل أولئك ~~شيء واحد هو ما أود التخلص منه. # فسأله وهو يحدجه بنظرة مريبة: هل هناك حلم يراودك؟ # تردد بعض الوقت، ثم قال بنبرة اعترافية: حدث أن كتبت بثينة شعرا. ~~- بثينة؟! ~~- قرأته ودار بيننا حديث؛ فانبعث في نفسي أشواق غامضة إلى الكتب القديمة التي هجرتها منذ ~~عشرين سنة. ~~- أوه ... كم خطر ذلك ببالي! ~~- صبرك! ... حقا لقد دبت الحركة في ms25 الركود الأبدي، ورحت أبحث عن نغمة ضائعة، وتساءلت : ترى ~~هل يمكن أن أبدأ من جديد؟ ... ولكنها كانت مجرد حركة طارئة، ثم ما لبثت أن تجمدت. ~~- لكنك تراجعت بسرعة. ~~- بل عاودت القراءة، وسطرت كلمات، ولكن ذلك كله لم يكن شيئا، وذات ليلة وأنا في السينما ~~رأيت وجها جميلا فدبت الحركة مرة أخرى. ~~- أهي الحركة ما تنشد؟ ~~- حركة ... أو نشوة ... أحيت الكائن دفعة واحدة ... وآمنت ساعتها بأن الحركة أو النشوة هي مطلبي، ~~لا العمل، ولا الأسرة، ولا الثراء ... هي هذه النشوة العجيبة الغامضة ... كأنها النصر الدائم وسط ~~الهزائم المتلاحقة ... وهي التي سحقت الشك، والخمول، والمرارة ... # وجه مصطفى إليه نظرة ثابتة، وهو قابض على ذقنه بيده، وتساءل: ترى أترغب في أن تودع الحب ~~الوداع الأخير؟ # فقال مقطبا: أتظنه عرضا من أعراض السن الحرجة؟ ولكن ذلك يعالج ببساطة ويمر بسلام عندما ~~يندفع زوج وقور على غير توقع إلى الملاهي الليلية، أو يتزوج من امرأة جديدة. وقد تراني ~~يوما راكضا وراء امرأة، ولكن سيظل ما يدفعني شيئا أخطر من أعراض السن الحرجة. # ولم يتمالك مصطفى من أن يضحك ضحكة عالية، ثم يسأل: ترى أهي نشوة عجيبة حقا، أم أنها ~~تبرير فلسفي لجريمة الزنا؟ ~~- لا تتهكم بي، فأنت نفسك كنت يوما فريسة لأزمة خطيرة. # ابتسمت أسارير وجهه، ولاحت في عينيه نظرة منداحة في متاهات التذكر، وقال: أجل كنت شارعا ~~في كتابة مسرحية جديدة، وإذا بالفن يتفتت بين يدي نشارة وترابا، ولكني سرعان ما استبدلت به ~~فنا آخر دان له ملايين المواطنين بالسعادة. ~~- أما أنا فأخطأت الطريق، استبدلت بالفن الزائل عملا ينافسه في البلى، فالمحاماة كالفن ~~من أعمال العصور البائدة، وأنا لا أحسن ما أحسنت من فن جديد، وفاتني مثلك أن أتعلم العلم، ~~فكيف السبيل إلى نشوة الخلق المفقودة؟ ... الحياة قصيرة، وأنا لا أنسى الدوار الذي أصابني عندما ~~قال لي الرجل: ألسنا نعيش حياتنا، ونحن نعلم أن الله سيأخذها؟ ~~- هل تزعجك فكرة الموت؟ ~~- كلا، ولكنها تحتم علي أن أذوق كنه الحياة. ~~- كما وجدتها في السينما؟ # لم يعلم ms26 بجولاتك في ميادين الإسكندرية وطرقاتها، وتشوفك الظامئ إلى الوجوه الواعدة ~~بالنشوة المستعصية، وتسكعك تحت أشجار الشلالات المترنحة باستغاثات العواطف المشبوبة، ~~العملاق المجنون الذي ينقب عن عقله الضائع تحت الأعشاب الندية. # وألمح إلى تلك المغامرات بشيء من الإسهاب، ولكن في إطار من حديث وقور يناسب العجائب ~~الغامضة. ~~- لم أكن في تلك الليالي العجيبة حيوانا تحركه شهوة، ولكنني كنت معذبا ... ويائسا. # 7 # كلما رأيتك كثيرا ازددت شهوة. # وكلما ازدادت شهوتي زاد لهيبي. ~~- يا لها من أغنية متفجرة! ... من المغنية؟ ~~- مارجريت ... نجمة «باريس الجديدة». # ونسمت نسمة خريفية في الحديقة الهلالية التصميم التي تنبسط وسطها حلبة الرقص، وترامت ~~الأنغام من فوق مسرح أحمر الجدران، والسقف يشع النور المكتوم من باطن جوانبه ~~الملتهبة. ~~- إنجليزية التكوين؟ ~~- هذا ما يدعيه صاحب الملهى، ولكن حذار؛ فمفهوم إنجليزية في الملاهي الليلية يمكن أن تدخله ~~أجناس شتى. # ثمة خطوط رشيقة في صفحة الوجه، ونظرة في العينين الملونتين، وخفة في الحركة، لعل من ~~تضامنها جميعا تنبثق النشوة المستعصية المنشودة. ~~- يا بختك؛ فأنت خبير بهذه الجنات المحرمة. ~~- هي ضمن عملي بصفتي المشرف على القسم الفني بالمجلة. ~~- برافو، قلت إن اسمها مارجريت؟ # فأجاب وهو يضحك: أو عشرون جنيها في الليلة بخلاف مصاريف الفتح. # وحملت إليه نسمة الخريف اللطيفة تحية من عالم مجهول لا يسكنه عقل واحد، وتقوم أركانه ~~الأربعة وراء الظلام المحدق بأشجار السرو. ~~- توقع من جانبي أي عجيبة. ~~- ولكن لا تشرب أكثر من كأس. ~~- المهم أن أدعوها إلى المائدة. # ومضى مصطفى يبحث عن النادل، وسطعت الجو نفحة زنبقة. وفي فترات الصمت بين الغناء تجلت ~~وشوشه الأغصان، وتوثب لطرق باب الهوس، ورأى أنماطا غريبة من البشر، فقال لنفسه كالمعتذر: ~~هذا ما فعل بنا المرض. # وجاءت مارجريت تخطر في ثوب سهرة مختلط الألوان لدرجة الغموض، وحيت باسمة عن أسنان نضيدة ~~بارزة، وعلى بعد متر وقف النادل شبه منحن كظلها، فأمر عمر قائلا: شامبانيا. # شربتها أول مرة ليلة زفافك. من أرخص الأنواع، كانت هدية مشتركة من مصطفى وعثمان معا، ما ~~عسى أن يفعل المسجونون لو ms27 تفشى بينهم مرضك الغريب؟ # ورحب مصطفى بالمرأة ترحيب رجل لا يجهلها ولا تجهله، وقال لها: مس مارجريت، أعجب كلانا ~~بصوتك، وصديقي معجب بشخصك، والظاهر أنه كلما رآك ازداد ... # وغمز بعينه ضاحكا، ثم قال: صديقي محام كبير، أرجو ألا تحتاجي إليه بصفته ~~المهنية. # فضحك ثغرها ضحكة خالية من الصوت، وقالت: إني أحتاج دائما لمن يدافع عني، أليس ذلك ~~تعريفا لا بأس به للمرأة؟ # فقال عمر مستعينا بلباقة خاصة لم تستعمل من سنين طويلة: باستثناء من لهن جمالك أو ~~صوتك. # وقال مصطفى وعيناه الذابلتان ترمشان في خبث: دعيني أعرفك أنه بدأ شاعرا، وإن لم يصل إلى ~~مستوى «ازدادت شهوتي». # تساءلت مارجريت في حذر وهي تتفحص عمر: شاعرا؟ ... لكنه يبدو رصينا بكل معنى الكلمة. # فقال عمر: لذلك سرعان ما هجرت الشعر. ~~- وهو يبحث عن الجمال علاجا لداء طريف ألم به في الأيام الأخيرة. # وانطلقت طقة السدادة، وهام في الكئوس الحباب. ~~- أيعني هذا أنني نوع من الدواء؟ # فبادرها مصطفى باسما: أجل، لم لا؟ من النوع الذي يؤخذ قبل النوم. ~~- لا تتعجل، الشفاء لا يجيء بالسرعة التي تتصورها. # ودعت الموسيقى إلى الرقص، فمضى بها إلى المرقص. وعندما أحاط خاصرتها بذراعه، وهام في ~~وجدانه شذاها حلا الليل ورقت الرطوبة، وازدهرت مجامع الأشجار المتلألئة بالأحمر والأبيض من ~~المصابيح. ~~- ليكن تعارف سعيد. ~~- أنت ظريف بقدر ما أنت طويل. ~~- لكنك لست قصيرة. ~~- ولكني أخشى عينيك الحادتين. ~~- ليستا كذلك إلا لأنهما يشتعلان سرورا، ولكني كدت أنسى الرقص، ويقينا إني لا ~~أحسنه. ~~- ألا ترى أنك أطول من أن تحسن الرقص؟! ~~- عندما دعاني صديقي إلى باريس الجديدة قال لي: ستجد نمطا تحبه. ~~- حقا؟ # ما أجمل الكذب في الخريف! وصفق لهما مصطفى، وهما يعودان إلى مجلسهما. وأشرق وجه عمر بفرحة ~~ساذجة. واسترد في لحظة معبقة بسحر الليل شباب الزمن الخالي، ولمست الخاتم في يسراه متمتمة: ~~متزوج؟! ... أنتم أيها المتزوجون لا تتركون للعزاب فرصة. # فقال مصطفى ضاحكا: إنكما تتقدمان بسرعة مذهلة، أراهن على أنكما ستخرجان الليلة ~~معا. ~~- خسرت الرهان! ~~- لماذا يا عزيزتي مارجريت؟ ... صاحبنا ms28 محام لا يعرف التأجيل. ~~- إذن فعليه أن يعرفه. ~~- اللعنة على التقاليد الجامدة. # ولكن عمر قال برقة: على أي حال سيارتي تحت أمرك لتوصلك إلى أي مكان. # واستقلت معه السيارة ليوصلها، وهو من البهجة في نهاية: إلى أين؟ ~~- بنسيون أثينا. ~~- ولكن هل رأيت الهرم بعد منتصف الليل؟ ~~- لكنها ليلة مظلمة لا قمر فيها. # فوجه السيارة نحو الهرم وهو يقول: المدينة حرمتنا من جمال الظلام. ~~- لكن ... # فقال مطمئنا: أنا محام، لا رياضي، ولا قاطع طريق. # والقلب لم يخرج من كهفه منذ مغاني الحدائق، وقهوة العائلات. ووجه زينب القديم لا يكاد ~~يتذكره، وحتى صورة الزفاف لم يلق عليها نظرة حقيقية منذ عشرة أعوام. وأنت يا مارجريت كل ~~شيء ولا شيء. إني أطرق بكل رجاء باب المدينة المسحورة، وها هو شعور الهارب يتملكني. ~~- في هذا الخلاء حول الهرم، وقعت حوادث تاريخية. # فأبعدت ذراعه عن عنقها قائلة: لا تفكر من فضلك في زيادة الحوادث. # وضغط على راحتها ممتنا رغم كل شيء، فقالت: الأفضل ألا تقف، ألا ترى أن الهواء ~~شديد؟ ~~- لكننا في حجرة محكمة. # ما أكثف الظلمة حولنا! تكاثفي حتى ينسانا العالم، وليختف كل شيء عن العين الضجرة. آن ~~للقلب وحده أن يرى، أن يرى النشوة كنجم متوهج. وها هي تدب في الأعماق كضياء الفجر؛ فلعل ~~نفسك أعرضت عن كل شيء ظمأ للحب، حبا في الحب، توقا لنشوة الخلق الأولى اللائذة بسر ~~أسرار الحياة، التي خرجت من صراع مليون مليون سنة بنبتة باهرة مذهلة. ~~- فلنبق حتى الصباح. ~~- لا تحلم، وصلني من فضلك. ~~- ألم تسمعي عن مغامرات الليل في الهرم؟ ~~- حدثني عنها غدا. # ومال نحوها، فتبادلا قبلة، وهم بالإعراب عن رغبة أشد، ولكنها قالت برجاء: قلت ~~غدا. # ولثم خدها بخفة إعلانا عن تراجعه، وتحركت السيارة فوق الرمال. ~~- لا تزعل من فضلك. ~~- علي أن أذعن للقوانين الأبدية. ~~- الأبدية؟ ~~- أعني قوانين الأنوثة. ~~- الحق أني متعبة. ~~- وأنا كذلك، ولكني سأعد مكانا مناسبا. ~~- انتظر حتى نلتقي. ~~- من الخير أن أبني العش. ~~- انتظر قليلا. ~~- شيء يحدثني بأننا لن نفترق. # فقالت وهي ms29 تنظر إلى الطريق: نعم. # وعندما رجع إلى كورنيش النيل بجاردن سيتي كان الفجر وشيك الطلوع. وتذكر وهو في المصعد زجر ~~الأب في الأيام الخالية. ولما أضاء نور الحجرة رأى زينب جالسة فوق كرسي التسريحة تتطلع إليه ~~بعين كسيرة من الضوء والحزن، قال بهدوء: كان يجب أن تكوني نائمة. # فقالت باسطة راحتيها في يأس: هذه ثالث ليلة. # ببرود وهو ينزع ملابسه: شيء لا بد منه. # تساءلت في شيء من الحدة: أهو البيت ما يضايقك؟ ~~- كلا، ولكن الضيق واقع. ~~- وكيف تمضي الليل كله؟ ~~- ليس في مكان محدد، سينما، قهوة، أتجول بالسيارة. ~~- وأنا هنا فريسة للأفكار. ~~- بل يجب أن تنامي ملء جفنيك. ~~- وسوف أمرض في النهاية. ~~- اعملي بنصيحتي. # وهي تنفخ: أنت تعاملني ببرود قاتل. # لا مراء في ذلك؛ رجلك القديم انسلخ من جلده. ها هو يركض لاهثا وراء نداء غامض، مخلفا ~~وراءه حفنة من تراب. مسرات الأمس وحتى المدينة الفاضلة ... حفنة من تراب. وحتى فتاة النضارة ~~الواعدة عندما دقت أجراس الكنيسة، ونظرت في عينيها الخضراوين بافتتان، وقلت: الحب يهزأ ~~بالمخاوف. # فتمتمت وهي تتعلق بك: ولكن أهلي ... ~~- أنا أهلك، أنا كل شيء، وستقوم القيامة قبل أن يتخلى عنك حبي. # واليوم تتعلق حياتك بأغنية داعرة. ~~- نامي يا زينب؛ رحمة بنفسك وبي. ~~••• # ولكن امرأة أخرى التي وقفت فوق المسرح الأحمر، وغنت: # كلما رأيتك كثيرا ازددت شهوة # وكلما ازدادت شهوتي زاد لهيبي # ومال نحو مصطفى متسائلا: أين مارجريت؟ # فغاب مصطفى دقائق، ثم عاد وهو يقول: مفاجأة غير سارة. ~~- وهي؟ ~~- سافرت. ~~- أين؟ ~~- خارج القطر. ~~- وهل يقع ذلك فجأة؟ # لوح بيده في استهانة، وقال: لنبحث عن غيرها. # 8 # تلك الدفعة الغادرة إلى الوراء فجرت رد فعل مضاد بقوة مضاعفة. وها أنت في سباق حاد ~~مع الجنون. وغايتك الأخيرة أن تنطق غصون الشجر، وقد سأله مصطفى: أأنت واثق من أن ذلك هو ~~الطريق إلى الشفاء؟ ~~- ذلك راجح، وليس لدي الآن سواه. # وأوقفت السيارة أمام ملهى «كابري»، وقال وهما يمضيان نحوه: جربت كما تعلم أشياء وأشياء ~~بلا جدوى، وواتتني نبضة هامة ms30 أمام مارجريت، ومارجريت وإن تكن كذبة عابرة، ولكن النبضة كانت ~~حقيقية. # وجلسا تحت تكعيبة جانبية خافتة الضوء يلوح الجالسون تحتها كأطياف، وقال مصطفى: أما مدير ~~هذا الملهى؛ فهو صديقك. # وأشار إلى طرف المسرح البعيد حيث يقف رجل من النمط الكروي، بدين مع ميل إلى القصر، ~~برميلي التكوين، ذو وجه أبيض مليء، ينتهي أسفله بلغد غليظ منتفخ كأنه قربة، وفي عينيه نظرة ~~نائمة تحت جفنين ثقيلين، وفي جانب فيه انحراف شبه دائم يشي بالمرح. رأى الرجل مصطفى؛ فانتقل ~~إلى مجلسه بسرعة لا تناسب ثقله، وعرفه عمر. الزبون القديم الذي كسب له قضيتين، وصافحهما ~~الرجل بحرارة، وجلس وهو يقول: عمر بك ... خطوة عزيزة. # وأمر بالويسكي، واستطرد مخاطبا عمر: لم أحلم بأن تشرفني أبدا، وإن يكن العاملون هم أجدر ~~الناس بالمرح. # وقال مصطفى بلهجة حاسمة: دعنا من الرسميات يا مسيو يازبك. # نظر إليه بحذر، فقال مصطفى باسما: هو ما تظن، آن لك أن ترد الجميل لمحاميك. ~~- عمر بك؟ ~~- خطر لي أن أسألك عن المرأة التي تراها لائقة به. # ابتسم الرجل ابتسامة عريضة، وقال: تناسبه في ظني فتاة مثقفة، بنت ناس، جميلة ... ~~- أقصد للحب لا للزواج. ~~- هو حر يا سيدي. ~~- وهل لديك شيء من المثقفات الفاتنات ...؟ # فلوح بيد صغيرة ناعمة، وهو يقول بفخار: كابري ... كابري. # وأسهب، وهو يرمق عمر بنظرة لم يختف منها الشك نهائيا: كانت طالبة بمعهد التمثيل، لم توفق ~~في السينما، ولكنها تعبد الرقص، تألقت في كابري. ~~- وردة! ~~- دون غيرها. # وقال مصطفى كالمعتذر: لم أرشحها بسبب طولها الذي يصدني عادة عن المرأة. # وأشار يازبك إلى المسرح بثقة، والموسيقى تعزف رقصة شرقية. وهدرت عاصفة من التصفيق تستقبل ~~راقصة باهرة حقا، تأخذ البصر بقامة مديدة قدت على مثال راقص مثير، وعينين واسعتين جدا ~~تسيلان جاذبية ناعسة، وقد أضفى جبينها العالي على وجهها جلالا رفعها إلى طبقة أخرى، وتمتم ~~مصطفى: هائلة! # فقال يازبك ساخرا: أنت مطعم ضد الخطيئة الساحرة. ~~- عندي اكتفاء ذاتي، وهو عبث شائع بين الأزواج الصالحين. # وابتسم عمر، وهو يتذكر قول مصطفى مرة: ms31 إنه لا يمكن أن يخون زوجته؛ لأنه لم يوفق في الحب إلا ~~معها. ثم غاب عن أصوات المتحاورين وهو يتابع حركات الجسم الفارع، وخفته التي تتحدى طوله ~~وجلاله، وسرعان ما عشق ابتسامتها كما عشق شجرة السرو. وانتبه على يد يازبك الممدودة ليصافحه ~~مستأذنا في الانصراف. ولما ذهب تلقى من مصطفى نظرة جادة، وسمعه يقول محذرا: من النادر أن ~~يظفر إنسان بنشوة الحب في هذه الملاهي. # فتمتم عمر ساخرا: من جد وصل. ~~- أتعلم أنني كلما لقيت زينب هذه الأيام أوجعني ضميري؟ # فقال باستهانة: ثمة آلام أعنف من ترف الضمير. # وأشار مصطفى إلى المتاعب التي تجيء من وراء العشق. # فقال عمر: كلما رأيت أنثى خيل إلي أنني أرى الحياة على قدمين. # وأقبلت وردة في حركة نشيطة، بلا تلكؤ أو افتعال، وهي تحدجه بنظرة ثابتة من عينيها ~~الواسعتين الرماديتين، وتنشر في الهواء شذا خصلة من الياسمين مرشوقة في أسورتها، وصافحته ~~وهي تقول بسرور: أخيرا وجدت رجلا لا أنظر إليه من فوق. # وجلست بين الرجلين، ونفضت يدها؛ فتساقط الياسمين فوق غطاء المائدة الأحمر. وجاءت ~~الشمبانيا وجرى الحباب. وتبدت وردة رزينة، ولكن نمت نظرتها الرمادية عن ميل مؤجل للمرح. ~~وبادلت مصطفى ابتسامة ألفة ليست بنت ساعتها. واستمعت إلى الثناء المنتظر عن رقصها وجمالها، ~~ولكنها جعلت تنظر طيلة الوقت إلى عمر باحترام. وتفحصها هو بعناية وهو يسأل الغيب عن الأمل ~~المنشود وراء العينين الرماديتين. أنا لم أحضر لأنني أحب، ولكنني حضرت لأحب. والبشرة صافية، ~~والشذا طيب، والعين تحرك رموشها الطويلة لتنفث تعاويذها. ~~- إذن فأنت المحامي الكبير؟ ~~- هذا لا يهم إلا إذا كان لديك مشاكل. ~~- مشاكلي لا تحل بالقضايا، ويا للأسف! ~~- وما وجه الأسف؟ ~~- كان يمكن أن تحل على يديك. # فقال مصطفى ضاحكا: إنه جدير بالثقة في المحكمة وخارجها. # ورمق بحب استطلاع عنقها الطويل المطوق بعقد لؤلؤي بسيط، وأعلى صدرها المنبسط في رحابة، ~~ونضارة الجنس التي تنضح بها شفتاها الممتلئتان الملونتان والنظرة السائلة من عينيها، فنبض ~~وجدانه بشوق غريب غير محدود، وتلهف غامض كالذي يساوره في آخر ms32 الليل، وود أن يخاطب الأعماق، ~~وأن تخاطبه الأعماق بلا وسائط ، وأن يجد إن خانته النشوة المنشودة بديلا في لذعة الجنس ~~السحرية. الذروة المتفجرة التي تمتص رحيق الحياة وأحلامها في رشفة واحدة زائلة. وقلق من ~~التلهف، والترقب، ودغدغة المغامرة، ومن سورة الشراب بلا حيطة، ومن شذا الياسمين المضغوط تحت ~~قاعدة الكأس، ومن نظرة وردة الموحية بالقبول، ومن نجم يومض من خلال ثغرة في التكعيبة، وقال ~~لها عندما آذنت السهرة بانتهاء: نذهب؟ # وودعهما مصطفى وذهب، وتأثرت وردة لمنظر الكاديلاك التي وقفت كفيلا أنيقة. ~~- أين مسكنك؟ ~~- غير ممكن، أليس لك بيت؟ ~~- فيه زوجة وابنتان. ~~- إذن وصلني لمسكني كما يفعل الخياليون. # انطلق إلى صحراء الهرم بسرعة جنونية، واستكن في الخلاء كليلة مارجريت، وتربيع القمر ~~يتهاوى إلى المغيب. وضمها إليه بذراعه، وتناول قبلة رشيقة كافتتاحية، ثم تبادلا قبلة طويلة ~~تحدوها حرقة صراع في مستوى القمر، وهمست في تنهدة: هذا حسن. # فضمها إليه بشغف تمادى في خلوة الصحراء، وأصابعه تتخلل شعرها المضيء بشعاع القمر. وهمس ~~بصوت غريب لاهث: عندما يطلع الفجر. # وألصق خده بخدها، وراحا ينظران إلى القمر الناعس في مستوى البصر، ويتابعان شعاعه الواني ~~المنطرح فوق الرمال. سوف يسحب ذيوله قبل أن يروى القلب الظامئ. ولا من قوة تستطيع أن ~~تستديم اللحظة الإلهية، اللحظة التي وهبت الكون يوما سرا جديدا، وها أنت تقف على ~~أعتابها مستجديا، وتبسط يدك في ضراعة للظلمة والأفق، والغيابات التي يهبط إليها القمر. لعل ~~قبسا يشتعل في صدرك كما ينبثق الفجر، وتتوارى مخاوف الإفلاس والعدم. ~~- أأنت خيالي؟ ~~- بعيد عن ذلك لحد المرض. # وهي تضحك: ولست من الذين يضربون النساء؟ ~~- ولا الرجال. ~~- هذا حسن. # وهو يضمها إليه أكثر: ولكني شرعت يوما في القتل. ~~- بسبب امرأة؟ ~~- كلا. ~~- لا تتحدث هكذا أمام القمر. ~~- وأخيرا قررت أن أقتل نفسي. ~~- بين يدي؟ ~~- بين يديك. ~~- وأمام القمر؟ ~~- ها هو القمر يختفي. # عندما رجع إلى مسكنه، وأضاء المصباح فتحت زينب عينين جامدتين. حياها بلا مبالاة؛ فقالت ~~بنبرة متوترة: الصبح طلع. # فأجاب ببرود: فليطلع. # وجلست في الفراش منتفخة الجفنين، ms33 ملتاعة، يائسة. ~~- لم أسمع منك هذه اللهجة منذ تزوجتك. # وارتدى بيجامته في صمت؛ فهتفت: لم أسمع أبدا. # فتمتم واجما: هكذا المرض. ~~- وكيف لي باحتمال الحياة؟ ~~- نهاري منغص، فلا تنغصي ليلي. ~~- البنتان يسألان. ~~- آه ... فلنواجه الأزمة بشيء من الحكمة. # وهي تدفن وجهها في الجدار: لو كان لي مكان ... # أطفأ المصباح، واستلقى مغمض العينين. لن تلبث أولى حركات الصباح أن تسمع، ودموع ولا شك ~~تسفح إلى جانبي، على حين ترقد الخيانة مدفونة كحشرة. وما هي إلا لحظات حتى يموت الوجود. ~~مقطوعة من شجرة، لم يعد لها أحد سواك. يا للعجب من أين لك هذا التصميم كله؟! ونشوة الليلة ~~مجنونة كالبرق، فكيف تملأ فراغ الحياة؟! # ويوم الجمعة سعى إلى بثينة في الشرفة وهي تسقي أصص الورد. طالعها بابتسامة مرتبكة؛ فوثبت ~~نحوه مرحبة، وأولته خدها ليلثمه. ورغم إشراقها لمح في نظرتها المتهربة عتابا كالعبير ~~الواني. ~~- أوحشتني جدا. # فعض باطن شفته، وقال: آسف جدا، ولكنني مصمم على الشفاء، وبحاجة إلى سماحة ~~تفهمني. # وعادت إلى أصص الورد، فسألها: هل أنت بخير؟ ~~- نعم. # ثم بعد تردد قالت: ماما ليست كذلك. ~~- لها حق، ولكن سيتغير كل شيء بالسماحة الواجبة. # فأشارت إلى ياسمينة لا تكاد ترى، وقالت بفرح: أول ياسمينة، صغيرة جدا ولكن رائحتها ~~قوية، هل أقطفها لك؟ # 9 # ما أغرب الذهاب كل يوم إلى المكتب! مكان غريب لا معنى له، فمتى توجد الشجاعة الكافية ~~لإغلاقه؟ وقال له الوكيل: كل يوم اعتذار عن قضية، ألم تسمع عما تعانيه المهنة؟ وكدت أصبح ~~بلا نشاط. # وغيره يتحمل عبء العمل في الواقع، وهو بالكاد يوجه أو يراجع. وتحدق فيه من الجدران أعين ~~قاتمة، والهواء راكد عفن. وفي الخارج استغرقه إحساس خلاق لتجهيز الشقة الجديدة بميدان ~~سليمان باشا، وقال لوردة: إني سعيد بتجهيز عشنا، فإن الهرم لن يصلح للشتاء. # فتساءلت وهي ترقص بكتفيها مع أنغام الجاز تحت تكعيبة كابري: وهل يدوم اهتمامك بي حتى ~~الشتاء؟ # فرفع كأس الشمبانيا قائلا: في صحة اهتمام دائم. # ولمح على البعد يازبك في وقفة مراقبة فخيمة، فتبادلا ابتسامة، ms34 ثم وضع راحته على يد وردة ~~وهو يقول: إني مدين له حقا. ~~- هو خفيف، وطيب بالقياس إلى أمثاله، ولكنه جشع كالمنتظر. ~~- ولكنني زبون شمبانيا. # فقطبت بلطف قرن بين حاجبيها، وقالت: من الإسراف أن تجيء كل ليلة. # فتورد وجهه بهجة، وتمتم: يا لها من تحية بيضاء! # وهي تحاصره بعينيها: ألم يشهد بذلك الهرم؟ ~~- بلى يا عزيزتي، وهو من ناحيتي ليس اهتماما كما قلت ولكنه ... # فأسكتته بضغطة على يده، وقالت: لا تسمه، دعه يسمي نفسه فهذا أجمل. ~~- أنت ظريفة لحد الجنون. ~~- ولا ثقة لي في الكلام؛ إذ إنني في الأصل ممثلة. ~~- وسيدة بكل معنى الكلمة. ~~- شكرا، ولكن الفن سيئ السمعة عند الكثيرين، ولذلك انفصلت عن أهلي، ومن حسن الحظ أنه لا أب ~~لي ولا أخ. # فتفكر لحظة، ثم قال: التمثيل بلا شك أفضل من الرقص في كابري. ~~- لم أحبه كما يجب، وقيل لي إنني بلا موهبة، وعشقت الرقص طوال الوقت، فكانت كابري، وكان ~~ما لا بد منه. # فقال بحرارة: ولكن لك قلب من ذهب. ~~- لم أسمع ذلك من قبل. # وكلف أكثر من رجل بالقيام بعمل في تجهيز الشقة الجديدة. الأثاث، والديكورات، والبار، ~~والتحف. وفي أقصر مدة ممكنة تكونت على أجمل صورة: حجرات للنوم، والسفرة، والمدخل، وحجرة ~~شرقية تحيي في الخيال أحلام ألف ليلة. وأنفق بلا حساب، وكأنه يتخلص من ورم مالي أليم. وراح ~~يتابع عيني مصطفى المنياوي، وهما تجولان في الأركان ذاهلتين، وعندما سددهما نحوه قال: خير من ~~اللوم أن تحدثني عن معنى الحياة. ~~- الحياة! ~~- سأدق الجدار الأصم في كل موضع، حتى يرن صوت أجوف يشي بالكنز المدفون. # فهز مصطفى منكبيه في تسليم قائلا: من الجنون ما هو جميل. ~~- لم أعرف للحياة طعما كما عرفتها في الأيام الأخيرة، ولذلك لا أبالي شيئا. # قال مصطفى مبتسما: يازبك قلق متشائم مما يقطع بإخلاص الفتاة. ~~- هي إما بسيطة مخلصة، وإما أنها أعظم ممثلة. ~~- لكنها ممثلة فاشلة. # وبهرها المنظر عند دخولها الشقة لأول مرة، وهتفت بإعجاب: ذوقك شمبانيولي حقا، ولكنك ~~مسرف. # وهو يقبلها قبلات متقطعة: أليس ms35 هو عشنا؟ ~~- ولكنني لا أريد أن أرهقك، ويجب أن تفهمني على حقيقتي. ~~- لولا فهمي حقيقتك ما فعلت شيئا. # فضحكت بدلال، وقالت: أنت المسئول وحدك عن فهمك. ~~- والهرم؟ ~~- عندما نصرخ للسعة نار؛ فلا يعني هذا أن الصراخ من طبيعتنا. # فاضطجع على ديوان وهو يقول: أخبرني مصطفى أن يازبك قلق. ~~- رفضت أن أخرج مع أحد، وليعض الأرض. ~~- فليعض إلى ما شاء الله. ~~- سوف أقصر عملي في كابري على الرقص. ~~- خبريني؛ أأنت مستصفاة من ماء الورد؟ # فمضت وهي تقول: الجو حار اليوم، سآخذ دشا في الحمام الجديد. # وبدل ثيابه، وشعر بأن الجلباب كان أليق بالحجرة الشرقية من البيجاما، وقلب عينيه ~~في المكان الأنيق بارتياح وسعادة، وقال إن السعادة وحدها كفيلة بشفائه، ولو تساهل في الرجيم ~~والشراب. وتملكته روح دعابة، فتساءل بصوت مرتفع جدا: ماذا يفعل ماء الدش؟ # فجاء صوتها من وراء الباب: غاية في سوء الأدب. # وفتح باب الحمام؛ فمرقت منه متلفعة ببشكير، وهرعت إلى حجرة النوم، ثم ردت الباب وراءها، ~~وأغمض جفنيه على رضى. فليكرر هذا العش نشوات الهرم، وليكن ما بين يديه ما ينشده. ما داس ~~قلوبا صديقة في سبيله، وما علمه الاستهتار والقسوة، وألا يزول على غير انتظار كما زالت ~~مارجريت. وزميلك المحامي الكبير قال لك في مكتبك: تتراءى هذه الأيام أنيقا أكثر مما ينبغي ~~لمحام قدير ناجح. # فقلت ضاحكا: وأقل مما ينبغي لمحام سعيد. # ونظر إليه بريبة جديرة برجل ماجن عشيق، ولكنه سرعان ما غيرا الحديث راجعا إلى حديث ~~السياسة المفضل عنده، فسأله: ماذا يفعل الناس في هذه الأيام؟ # فأجبت دون مبالاة بالسياسة: إنهم يبحثون بجنون عن النشوة. # ولم يفهم. إنه زير نساء ولست كذلك، لست ماجنا، ولا عابثا. ولكن من ذا يفرق بين قاتل ~~وعابد، أو يصدق أنك تقيم للعربدة معبدا؟ # وفتحت باب الحجرة نصف فتحة، ثم أبرزت رأسها قائلة: ربما طال وقت الزينة، وأنا في حاجة ماسة ~~إلى قبلة؟ # فهفا إليها، وأخذ خديها بين راحتيه حتى برزت شفتاها مضمومتين؛ فقبلهما قبلة طويلة، وهو ~~يشم بتلذذ رائحة الصابون ms36 الزكية وشذا البشرة الآدمية، وهمس: هل أدخل؟ # فدفعته ضاحكة وهي تقول : لا تكن بدائيا. # عاد إلى ضجعته فوق الديوان، ورأى أمامه الدولاب الملون الجامع للراديو والتلفزيون بين ~~جناحيه، فقام وأدارهما معا في فرحة طفولية، فتلاقت في أذنيه في ضجة متداخلة مناقشة عن ~~جرائم الأحداث مع ما يطلبه المستمعون، ثم أسكتهما دون أن يتخلص من عبثه الطفولي، فمضى إلى ~~الباب المغلق ونقر عليه فجاءه الصوت: هه! ~~- أحبك. ~~- من كل قلبي. ~~- ما أعز أمنية في حياتك؟ ~~- الحب. # فتمادى في عبثه البريء متسائلا: هل فكرت يوما عن معنى الحياة؟ ~~- لا معنى لها إلا الحب. ~~- وهل فرغت من زينتك؟ ~~- لم يبق إلا القليل. # فاستطال تماديه وهو يسأل: عزيزتي ألا يقلقك أن نعبث والعالم من حولنا يجد؟ # وهي تضحك عاليا: ألا ترى أننا نجد، والعالم من حولنا يعبث؟ ~~- من أين لك هذه البلاغة؟ ~~- عما قليل ستعرف سرها. # عندما يطوى الليل ستائره، ويدركنا الفجر بلا رحمة؛ فلا مفر من الرجوع إلى الحجرة الكئيبة، ~~حيث لا نغمة ولا نشوة. ستطاردك عينان حزينتان وجدار صخري، ثم ترن أوتار الحكمة الكالحة ~~باعثة كلمات تقريع جامدة خشنة كغبار الخماسين. ليكن ردك حازما قاصما كنفورك: لا ~~تزعجيني. # ولتصم أذنيك عن أي كلام. ~~- قلت: لا تزعجيني، هكذا أكون، اليوم وغدا وكل يوم. ~~- انزلي على حكم الأمر الواقع، وأبعدي البنت عن مجال نزاعنا. ~~- لا جدوى من العناد، وسوف أفعل ما يحلو لي. ~~- ولا تتراجع إذا تساءلت عن علة تغيرك؟ ~~- ظني كما تشائين، الملل كره إلي الاعتذار. # وفتح الباب وخرجت وردة كأبهى ما يكون. ~~- كيف تراني يا عزيز القلب؟ # رنا إليها طويلا في انبهار، ثم غمغم: دعيني أكون جملة لم يسبق ذكرها على لسان. # 10 # جلست قبالته في الشرفة، جلسة يوم العطلة، فقال لنفسه بعدم ارتياح: حقا لم أرها منذ ~~أسبوع كامل! وألقت الشمس على حجرها وساقيها فيضا من شعاعها الذي يبرق لألاء فوق سطح النيل. ~~ومن عجب أنه لم يعد يذكر كثيرا عن طفولتها، وهل كانت عفريتة كجميلة؟ ولكنها اليوم فتاة ~~جميلة، ذكية، ms37 مجتهدة، وشاعرة، ومثال للأناقة. وأما فكرة أنها تكرر صورة قديمة لأمها؛ ~~فلتطردها عن ذهنك. ~~- أنت جادة أكثر مما ينبغي لشاعرة. # وصاحت جميلة، وهي تقف على عتبة الشرفة متحدية: شاعرة! # هددها بأصبع، ثم عاد إلى بثينة التي توجس وراء مظهرها الجاد زعلا أو احتجاجا. ~~- وأنت أنحف مما يجوز، كما أن أختك أسمن مما يجوز، ماذا تأكلين؟ وماذا تأكل؟ # وصاحت جميلة: تأكل! # وجاءت أم محمد فحملتها رغم المقاومة وذهبت. وقالت بثينة: ماما مريضة. ~~- ماما بخير، حدثيني عن نفسك. ~~- لا شيء هام، ولكن ماما ليست بخير. # لن تكف عنك المطاردة في هذا البيت. وأنت ألا يشغلك حقا إلا الشعر، والرياضة، والكيمياء؟ ~~وهل الله وحده هو معشوقك؟ ~~- ألا يعجبك الحديث عن ماما؟ # فقال مقطبا: لم تعد تفهمني في مرضي. # والتقت عيناهما لحظات فحول بصره إلى النيل منهزما. ~~- ولكن الدكتور يا بابا. # فقاطعها برقة لتخفي ضيقا: الحق أنني الطبيب، ولا أحد سواي. ~~- معذرة؛ فقد عودتني على الصراحة معك. ~~- بلا شك. ~~- وإذا بصوت رفيع حاد يصرخ: شك! # فقبض على ذراع الصغيرة، حتى جاءت أم محمد فذهبت بها. ~~- هل أصبحنا نسبب لك الكدر؟ ~~- لا سمح الله، ولكن الإنسان يهاجر إذا ضاق بنفسه. ~~- إنها تبكي كثيرا، وهذا مؤلم جدا. ~~- عليك أن تقنعيها بخطئها. # فقالت وهي تعبث بإسورة ساعتها الذهبية: لكن معاملتك لها تغيرت، وقلت لها بخشونة إنك ستفعل ~~ما يحلو لك. ~~- أقالت ذلك أيضا؟ ~~- أنا الوحيدة التي يمكن أن تشكو لها. # انقبض قلبه، وتمتم: لكنه الغضب كما تعلمين. ~~- هي على أي حال مستعدة لأن تخفف عنك ضيقك بما في وسعها. ~~- ليس في وسعها شيء. # وترددت لحظات، ثم قالت: ألا تقدر أنها ربما تظن ...؟ ~~- أليس من الأفضل أن تطلعيني على آخر أشعارك؟ ~~- لا جديد. ~~- لكن معشوقك لا يكف عن الإلهام. ~~- ربما تظن أن ... كما تعلم؟ ~~- أهي تصارحك حتى بالمخاوف السخيفة؟ ~~- إني حزينة حقا. # فقال وهو يشعل سيجارة: أوهام سخيفة. # فقالت بلهفة: إني أصدقك، أنت مثال أبدي للصدق. أهي مجرد أوهام؟ # ها أنت محاصر في ركن صلد. ~~- أمك أزعجتك أكثر ms38 مما يجوز. ~~- قل إنها أوهام. # فرمقها بعتاب، ولكنها تجنبته ناظرة إلى النيل وهي تسأل: ليس هناك امرأة؟! # وإذا بالصوت الرفيع يعلو: امرأة! # رفعها هذه المرة إلى حجره كأنما ليحتمي بها، وراح يداعبها بشيء من العنف الأبوي الذي ~~يناسب شقاوتها، ولكن بثينة قالت بلهفة: أريد جوابا يا بابا. ~~- ماذا تظنين بوالدك؟ ~~- إني أصدقك فتكلم ... وحياتي عندك تكلم. # ولكنها تجنبته ناظرة إلى النيل وهي تسأل: ليس هناك امرأة؟ # وفي يأس شديد قال: لا شيء. # تهلل وجهها فاربد قلبه، والتمعت عيناها بفرحة ظافرة، فتجهمت الدنيا. وتجلى الخريف في ~~الجو، وانتشر في أعالي الشجر اصفرار باهت، وعكست قوافل من سحب بيضاء نصاعتها فوق الماء ~~الرصاصي. وتضمن الفراغ الخابي أنغاما صامتة من الرقة والحزن، وأسئلة مضنية عسيرة الجواب. ~~وتضخمت كذبته حتى أنذرته بالعدم. # ومن شدة ضيقه زار مصطفى بمكتبه بالمجلة، وتجدد النقاش بلا نتيجة، وقال له مصطفى: لقد ~~جاريتك وساعدتك على أمل أن يتبين لك عبث المحاولة، ولكنك غرقت. # فهتف متنهدا: ألا تعلم أني أعيش الفن الذي تلهفت يوما على خلقه؟ # وأكمل مصطفى صفحة بين يديه، ثم بعث بها إلى المطبعة، وقال: كثيرا ما خيل إلي أنك ~~تعاني أزمة حادة لفن مكبوت. فرفض ذلك بهزة من رأسه، وقال: لا، ليس الفن، ربما هو ما نلجأ ~~بسببه أحيانا إلى الفن. # فتمهل مصطفى قليلا، ثم قال: لعله لو كنا من العلماء الذين ينفقون عشرين عاما من العمر ~~في البحث عن معادلة؛ لما عرفت التعاسة إلى نفوسنا سبيلا. # فقال وهو يهز رأسه أسفا: لعل سر شقائي أنني أبحث عن معادلة بلا تأهيل علمي. # مصطفى وهو يضحك: ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا، فلم يبق لأمثالك إلا التسول. # التسول! في الليل والنهار. في القراءة المجدبة والشعر العقيم. في الصلوات الوثنية، في ~~باحات الملاهي الليلية. في تحريك القلب الأصم بأشواك المغامرات الجهنمية. # وتحدث مصطفى عن زينب، فقال: إنها تعاني مرارة الهجر ومتاعب الحمل معا. أجل كم أنها متوعكة، ~~ولكن ما لقلبه قد تحجر. وهو مستعد أن يجود لها بكل غال ms39 تحت شرط أن تحرره من استغلال حب ~~ميت. ~~- أجل ... هناك امرأة ما دمت تصرين على أن تعرفي. # والكراهية نبتت في مستنقع آسن مكتظ بالحكم التقليدية والتدبير المنزلي، ولا عزاء فيما ~~بلغناه من ثراء ونجاح؛ فالعفن قد دفن كل شيء. وحبست الروح في برطمان قذر، كأنها جنين مجهض. ~~واختنق القلب بالبلادة والرواسب الدسمة. وذبلت أزهار الحياة فجفت وتهاوت على الأرض، ثم ~~انتهت إلى مستقرها الأخير في مستودعات الزبالة. ~~- ابكي ما شاء لك البكاء، ولكن عليك أن تسلمي بالأمر الواقع. # فقد قتل الضجر كل شيء، وانهارت قوائم الوجود بفعل بضعة أسئلة. وقلت له: تصور أن تكسب ~~القضية اليوم وتمتلك الأرض، ثم تستولي عليها الحكومة غدا. فقال لي: ألسنا نعيش حياتنا، ونحن ~~نعلم أن الله سيأخذها؟ # وكان في مكتبه يراجع مذكرة في فتور عندما دخل الساعي ليستأذن للمسيو يازبك، ودخل الرجل ~~يتقدمه كرشه فسلم وانحنى، ثم جلس وهو يقول: مررت بميدان الأزهار، فقلت أزور وأحيي. # فقال عمر بسخرية باسمة: قل إنك جئت من أقصى الأرض من أجل وردة. ~~- عزيزي الأفوكاتو العظيم، أنت تعلم أن حديقتي ملأى بالورود. ~~- حسن، وإذن لا تتكلم عن وردة كلمة واحدة. # فابتسم ابتسامة عريضة وقال: من الحمق أن أتصور أنه يمكن أن أغلبك، ولنتقدم في أقصر طريق ~~بين نقطتين. ~~- أفندم؟ # ثقلت جفونه، وقال جادا: وردة لم تعد تقوم بواجباتها. ~~- أعليها واجب غير الرقص؟ ~~- سيدي، أنت لم تشرف كابري تلك الليلة لترقص أو لتشاهد الرقص. ~~- وإذن؟ ~~- قلت أشكو إلى الرجل الكبير. # فقطب عمر ولم ينبس، فقال الرجل: الشغل شغل يا عزيزي الكبير، وأنا أحب ... # فقاطعه ببرود: افعل ما تراه في صالحك يا مسيو يازبك. ~~- إني أتحاشى إغضابك. ~~- لكني أنتحل لك العذر مقدما. # فأحنى الرجل رأسه ممتنا، وقال: وأعدك منذ الآن أن أعيدها إلى العمل إذا استغنيت عنها ~~مستقبلا. ~~- لن يجيء هذا اليوم يا مسيو يازبك. ~~- أصدق تمنيات السعادة يا شيري. # وهم بالقيام، ولكنه استمهله بدافع عبثي مما يلم به دون تمهيد، وسأله: خبرني يا مسيو ~~يازبك، ماذا تعني لك الحياة؟ ms40 # رفع الرجل حاجبيه الخفيفين دهشة، ولما قرأ الجد في وجه صاحبه قال : الحياة هي ~~الحياة. ~~- أأنت سعيد؟ ~~- الحمد لله، أحيانا يصاب الموسم بالركود، أو يصيب الملهى غرام مفاجئ كغرام وردة، ولكن ~~القافلة تسير. ~~- لكنك تعيش حياتك، ثم يأخذها الله؟ ~~- هذا مفهوم طبعا، ولكن بيتي جميل، والمدام عال، ولي ابن وحيد يتعلم الكيمياء في سويسرا، ~~وسيعيش هناك. # وهو يبتسم: هل تؤمن بالله؟ # فأجاب الرجل بدهشة: طبعا، يا له من تحقيق طريف! ~~- إذن فقل لي: ما هو الله؟ # ضحك الرجل عاليا، وأزالت الأسئلة الغريبة الكلفة، فسأل برجاء: هل يطول غرامك ~~بوردة؟ ~~- طبعا. ~~- ألا يمكن ... # فقاطعه قائلا: أعدك إذا أخبرتني ما هو الله أن أتركها لك في الحال. # نهض الرجل، وانحنى مرة أخرى، وقال وهو ينصرف: ستجدني دائما في خدمتك. # 11 # قبلها بشغف وامتنان وهو يقول: إنها لتضحية جسيمة أن تهجري عملك. # فقالت وعيناها الواسعتان تلمعان بأنداء دموع: من أجلك. # وعبقت الحجرة الشرقية بأنفاس الحب. وقال إنه ما كان يظن أنه سيحبها بكل هذه القوة. # وأخرجت من جيب الروب علبة كحلية، وأهدتها إليه في حياء، هدية أزرار ذهبية للقميص. # ندت عنه آهة فرح، كأنه سيستعمل الذهب لأول مرة. ~~- حبيبتي. ~~- الزرار كما ترى مكون من قلبين. ~~- ذلك أن قلبك من ذهب كما قلت لك. # وراحت ترجل شعره الأسود الغزير بأصابعها، ثم سألته: لم أتيت اليوم بملابسك ~~وبدلك؟ # فتجهم وجهه، وقال بنبرة زايلها تطريب الغرام وحنانه: هجرت بيتي نهائيا. # فهتفت بدهشة: لا! ~~- هو الحل الوحيد. ~~- قلت لك إنني لا أحب أن أسبب لك المتاعب. ~~- لندع هذا الحديث جانبا. # تكهرب جو الحجرة في سكون الفجر ... رمته بنظرة يائسة وغاضبة من عينين دمعت أسفلهما لطختان ~~زرقاوان. ما أبشع شراسة الغضب في وجه ظل أليفا طيلة عشرين عاما! ~~- ألم أنصحك بأن تروضي نفسك على قبول الواقع؟ ~~- بل قل إنك تلطخ كرامتك مع امرأة ساقطة. ~~- سيوقظ صوتك النائمين. ~~- انظر إلى الأحمر في منديلك، ما أقذر هذا! # وأعماه الغضب فصاح: فليكن، وماذا بعد؟ ~~- بنتك في سن الزواج. ~~- إني أدفع عن ms41 نفسي الموت. ~~- ألا تخجل؟ إني خجلة من أجلك. # فصاح بغضب أشد: قبول الموت أدعى للخجل. # وسقط رأسها مع دموعها، وهي تقول بصوت مختنق: عشرون عاما دون أن أعرف قذارتك. # فقال بجنون: إذن فلتكن النهاية. ~~- سأهيم على وجهي. ~~- بل تبقين، فهذا هو بيتك، وسأذهب أنا. # وارتميت على مقعد بحجرة الجلوس مغمض العينين من الألم. ورفعت رأسك على حس، فإذا بثينة ~~واقفة أمامك، ناعسة العينين من أثر النوم، شاحبة الوجه. ترامقا في صمت في جو مشحون بالعتاب، ~~والشعور بالإثم، وتذكرت الكذبة السوداء. وعصرك خزي لم تشعر به من قبل. ~~- آسف يا بثينة على إزعاجك. # وضح في ضمة شفتيها الكبرياء الجريح. ~~- لا فائدة من الكلام. # ناءت بالأرض التي تحملها فوق عاتقها، ولم تنبس. ~~- ستظل أمك في البيت محاطة بكل رعاية. # ودعا الله في سره ألا تبكي، وتمتم: إنه بلاء، ولكني أدفع عن نفسي ما هو أشد. # ونظرت في عينيه بنظرة حزينة جدا، وقالت: ولكنك قلت لي: لا. # وهو يتنهد محترقا: كان الصدق غير لائق. ~~- لماذا؟ # فقال برجاء: فلنبق على ما بيننا من حب. # وذهبت، ليس من الممكن أن تتلقى نظراتها مرة أخرى قبل أن تصفح. # وقالت وردة: سوف تندم على قرارك. ~~- كلا، لم أعد أطيق الحياة الكاذبة. # وفكرت في قلق، ثم تساءلت: كم أخشى أن أفشل في إسعادك! ~~- لكنني سعيد بالفعل. # وأسلم نفسه للسعادة، ولم يسمح لأي فكرة معادية بأن تكدر صفاءه، وتوقع من بادئ الأمر ~~معارضة من ناحية مصطفى، ولكنه شكمه بلا تردد، وقال له: إني سعيد فهل تكره ذلك؟ حتى شيء من ~~الشعر يتحرك في أعماقي. # وحتى العمل انفتحت له نفسه بعض الشيء، وإن ظل على تحفظه في قبول القضايا. وفي أويقات ~~الراحة بين العمل كان يجدد نشاطه بمحادثتها عن طريق التليفون، ثم يهرع إلى عشه ليجده في ~~صورة باهرة، وتطالعه صاحبته بوجه يتألق بالسعادة. وكانا يفضلان الحياة في الحجرة الشرقية. ~~وفي بعض الأحيان ينطلقان إلى أطراف القاهرة، إلى ملتقيات العشاق، أو يقومان برحلات ليلية ~~إلى الفيوم، أو استراحة الطريق الصحراوي. ms42 ولما علمت بماضيه الشعري الذي بشر ببعث جديد عملت ~~على إيقاظه بمحفوظاتها المترعة . وكانت تحفظ تمثيليات شوقي منذ عهد دراستها بالمعهد، كما حفظت ~~الكثير من أشعار الغزل. وقال لها بإعجاب: ما أجمل حبك للشعر! # فحثته على تجديد شبابه الشعري، ولكنه قال بحذر: الشعر جميل، ولكن أجمل منه أن ~~نعيشه! # وقالت له يوما: أنت لم تسألني عن ماضي! # فقال وهو يقبلها: عندما تحل بنا بركة النشوة يملؤنا اليقين، فلا نسأل عن شيء. # ولكنها كانت راغبة في الحديث عن ماضيها؛ فقالت: كان أبي مدرس لغة إنجليزية، من المدرسين ~~الذين لا ينساهم تلاميذهم. ولو كان على قيد الحياة يوم أعلنت رغبتي في دخول معهد التمثيل ~~لشجعني وباركني، ولكن أمي سيدة متدينة جدا، وضيقة العقل جدا، فدخلت المعهد على رغمها، ~~ولما قررت أن أحترف الرقص ثارت علي، وثار معها أخوالي وعم عجوز، وانتهى النزاع بالقطيعة، ~~فهجرت أهلي. ~~- وكيف عشت وحدك؟ ~~- قاسمت زميلة من ممثلات المسرح بيتها. # وراح يداعب يدها البضة بإعجاب، ثم سألها: أكنت تحبين الرقص من أول الأمر؟ ~~- كنت أحبه، ولكني حلمت بأن أكون ممثلة، وبذلت جهدي ولكني فشلت؛ فقنعت بهوايتي ~~الأولى. # وتجهم وجهه وهو يسأل: وهل استبد بك يازبك؟ ~~- الحق أنه ألطف من غيره، ولم أكن أجهل ما يعنيه العمل في ملهى ليلي. # ثم بحرارة صادقة: ولكنك حبي الأول والأخير. # فضمها إليه ضمة امتنان، وسأل: ولماذا لم ترجعي إلى أمك عقب فشلك في التمثيل؟ ~~- كان قد فات الأوان، ولي كبريائي، وقد زاد من حدته الفشل. # الفشل! اللعنة التي تدفن ولا تموت. ما أفظع ألا يستمع لغنائك أحد، ويموت حبك لسر الوجود، ~~ويمسى الوجود بلا سر، وتبعث الحسرات يوما لتخرب كل شيء! # وشهد مكتبه زيارات خطيرة من خاله وأخته الوحيدة، وضرعا إليه ألا يتزوج من «الراقصة». وقال ~~له خاله حسين كرم المستشار: استمرار هذه العلاقة، سيحول دون اختيارك مستشارا يوما ~~ما. # فقال له بشيء من الجفاء: ما فكرت في ذلك ولا أردته. # دافع عن سعادته بكل قواه، وبقوة اليأس الذي خنقه. وتبدى كطفل ms43 بريء دائم المرح، حتى قال له ~~مصطفى ضاحكا: خبرنا الآن عن معنى الحياة . # فضحك عمر عاليا، ثم قال: هذا السؤال لا يلح علينا إلا حينما يفرغ قلبنا. ~~- الرنين الأجوف لا يصدر عن إناء ممتلئ؛ ولذلك فالنشوة هي اليقين. ولذلك فإن أملي الأخير ~~أن يجود الحب بنشوة دائمة. # وقال مصطفى: أحيانا أرثي لك، وأحيانا أغبطك. # فلمعت عيناه في انتصار، فاستطرد مصطفى: إني أنطلق في حياتي المزدحمة كالصاروخ، ولكني ربما ~~تذكرت في يوم من أيام الخماسين أني أطوي جوانحي على فشل قديم، وربما اعترضني سؤال شيطاني عن ~~معنى وجودي، ولكني سرعان ما أدفنه في الأعماق كذكرى مخزية. # وسفعت رياح شتوية نوافذ المكتب، وانقلب الأصيل ليلا، فاستطرد الذي يتحدى البرد بصلعته: ~~لماذا نسأل؟ الحكاية أن العقيدة كانت تعطينا معنى متكاملا، وأننا نحاول أن نملأ الفراغ ~~تحقيقا لقانون طبيعي. وأمس ثرت على لحظة ضعف ألمت بي، وقلت إن تعليقاتي الفنية لها معنى، ~~وبرنامج الماضي والحاضر بالراديو له معنى، وتمثيلياتي في التلفزيون لها معنى، ولا يحق لي أن ~~أسأل بعد ذلك. ~~- يا لك من فارس! # وتمادى في تعداد انتصاراته قائلا: وأمس ثبت لي أنني قادر على حب زوجتي لدرجة لا ~~تصدق، حتى إنني اقترحت على رئيس التحرير أن أسجل الليلة في «خبر الأسبوع الفني». أما ~~ابني عمر الذي سميته للأسف باسمك فمراهق شكس، واهتمامه بالكرة يماثل اهتمامنا القديم بقلب ~~العالم رأسا على عقب. # قلب العالم رأسا على عقب انتهى في السجن، وسوف يخرج يوما ما، بعد بضعة أعوام، وسوف ~~تتلاقى الأعين في دهشة مزعجة، فليكترث بذلك غيري. # وقال مصطفى بلهجة أكثر جدية: # اقترح علي رئيس التحرير أن ألقي محاضرات عن التوعية الاشتراكية على موظفي وعمال ~~الدار. ~~- بأي صفة؟ ~~- بصفتي اشتراكيا عتيقا. ~~- وقبلت طبعا؟ ~~- طبعا، ولكني أتساءل: ما دامت الدولة تحتضن المبادئ التقدمية وتطبقها، أليس من الحكمة ~~أن نهتم بأعمالنا الخاصة؟ ~~- كأن تبيع اللب والفشار، وتتساءل عن معنى الوجود! ~~- أو أعشق لأبلغ اليقين. ~~- أو تسقط مريضا بلا علة. # وراحا يدخنان في صمت، وإذا بعمر يسأله: كيف ms44 حالهم؟ # ابتسم مصطفى، وقال: زينب عال، استردت رصانتها، ولكنها مرهقة بالحمل، وثمة خبر يجب أن ~~تعلمه. # تجلى اهتمام في عينيه، فقال الآخر: إنها تفكر في أن تبحث عن عمل بعد الولادة. # لوح بيده ممتعضا، فاستطرد مصطفى: مترجمة مثلا؟ أخشى أن تصمم يوما على هجر ~~البيت. ~~- لكنه بيتها! # فحدجه بنظرة ساخرة، وقال: بثينة مستغرقة في دروسها، وجميلة توشك أن تنساك. # فغض بصره في ارتباك، فعاد مصطفى يقول: أنا أقوم بالواجب، ولا أتوانى عن نقدك مر ~~النقد. # فقال عمر ضاحكا: منافق عتيق! ~~- أما زوجتي؛ فلا تكف عن شن الحرب عليك. ~~- طبعا ... طبعا. ~~- وكثيرا ما أدافع عنك عندما نكون منفردين، وأرجع سلوكك إلى «مرض نفسي خطير»، ثم أؤكد ~~لها في نفس الوقت أنه مرض غير معد. # 12 # ليس كمثل وردة في حبها أحد؛ هي مغرمة برجلها لحد الجنون، مغرمة بعشها لحد العبادة، وهي ~~متفرغة لحبها، تقوم بجميع واجباتها بلا معين. وكان عمر ينظر إلى الجدران، والأثاث، ~~واللوحات، ويشم الورد في الأصيص، ويستمع إلى أنغام الحجرة الشرقية، ثم يقول إنه آدم في ~~الجنة. وهي لا تطالبه بشيء، وربما دفعها دفعا لابتياع ما يلزمها من ثياب وحوائج. وزاد وزنها ~~فعالجته بالمشي، وبشيء من الرجيم، وحرصت ما استطاعت على ألا يفرط في طعام أو شراب. وشعر ~~تماما بأنها تذوب في شخصه، وتتفانى في حبه، وتتعلق به كأمل أخير. وفي ليالي الشتاء الطويلة ~~انطويا على نفسيهما، وطال بهما السهر في الحجرة الشرقية، يغرقان في أحاديث لا نهاية لها، عن ~~الماضي، والحاضر، والمستقبل، والواقع والخيال، والحقيقة والحلم، تتخللها القبلات ~~والملاطفات. ولولا الشرفة المغلقة المطلة على الميدان ما روعتهما بين حين وآخر عواصف الشتاء ~~أو انهلال المطر. واستنفدت ليالي الشتاء الأحاديث، وشملها الصمت أوقاتا، ولكنه صمت مضمر ~~للرضى، والارتياح، والطمأنينة المتبادلة. وطافت به مرة خيالات فابتسم، ومرة وجم. وتخيل ~~تصادم سيارتين عند مفترق الطريق، وتطاير رجل وقور في العمر فجزع. وهمس الصوت الحنون: أين ~~أنت؟ # فأجاب في شبه حياء: لا شيء. # فطوقت عنقه بذراعها، وقالت: أراهن أنه شيء هام. ms45 # هز رأسه نفيا، فسكتت برهة، ثم بفطنة قالت: لا أدري لم لا تزورك بثينة وجميلة في ~~مكتبك؟ # وكان يفكر في العنكبوت الذي يبني بيتا غاية في الغرابة ليصطاد ذبابة، ولكنه قال: بثينة ~~لا تريد. ~~- هل بلغت رغبتك؟ ~~- حملها إليها مصطفى. ~~- لم تحدثني عن ذلك؟ ~~- ليس للأمر أهمية. ~~- بل يهمني كل ما يخصك. # ومنعا للخيالات الغريبة لعب التلفزيون دوره، فجعلا ينتقلان بين القنوات الثلاث. وسأل ~~مصطفى عنهما بالتليفون مرة فدعته إلى العش. ووجدت فيه رجلا يؤلف دون عناء، فأغرته بتكرار ~~الزيارة. وسأله مصطفى عن الشعر ومدى ما بلغه من خياله، فأجابت وردة: إنه يكتب شعرا. # ولكن عمر احتج قائلا بازدراء: ما هو إلا إجهاض، وقد مزقته. # فقال مصطفى مواسيا: السعادة أهم من الشعر. # وأوشك أن يسأله: «ولكن ما هي السعادة؟» ولكنه أشفق من العينين الرماديتين اللتين ترمقانه ~~باهتمام. وبفضل التلفزيون والراديو ومصطفى تخففا من الحديث المعاد. وقال لنفسه: «يا إلهي!» ~~وتخيل أنه استحوذ على قوة سحرية، وراح يستعملها في تسلية الناس، كأن يخفي في غمضة عين دار ~~الأوبرا حتى يتجمع الناس ذاهلين، ثم يعيدها في غمضة عين حتى يتصايح الناس من الذهول. ما ~~أحوج الناس إلى جرعات مماثلة من السحر! وقال لنفسه مرة أخرى: «يا إلهي!» وحدجها بنظرة ناعمة، ~~فسألته: لماذا لا تدعو أصدقاءك للسمر واللهو؟ # فقال بهدوء: لا صديق لي إلا مصطفى. # وشعر بأنها تداري إنكارا موضحا: لا أعتبر الزملاء والمعارف من الأصدقاء. # فعملت من ناحيتها على أن يكثرا من الخروج، وأن يمضيا السهرات ما بين السينما والمسرح، بل ~~والملاهي الليلية. وقالت: هذا أفضل من البقاء وحدنا في البيت. # فوافق برأسه، ولكنها رنت إليه بعتاب قائلة: أول مرة يخفق ذكاؤك في مجاملتي. # فقال بعد فوات الفرصة: قصدت الثناء على مشروعاتك اللطيفة. ~~- أما أنا فلا أمل معاشرتك وحدك إلى الأبد. ~~- ولا أنا صدقيني. # وسخط على غفلته. وقال لنفسه للمرة الثالثة: «يا إلهي!» أما مصطفى فلم يخف عنه إعجابه ~~بسعادته. وقال له يوما وهو يجالسه في مكتبه: حدثني عن حبك؛ فإنه سيحملني ms46 في النهاية على ~~اعتناق آراء جديدة في الحياة. # وقرأ في عينيه نظرة ناقدة لا تخلو من خبث، فسأله: هل هنت على بثينة لهذا الحد؟ ~~- أنت تعلم أنها مثالية وذات كبرياء، ولكنها في الأعماق تعبدك. ~~- ألم أوحشها الغادرة؟ ~~- ستراك يوما، ولكن بالله حدثني عن حبك. # فقال مقطبا في تحد: كأقوى ما يكون. ~~- تصريح سياسي؟ ~~- أنت منافق، ولا حق لك في الاطلاع على أسرار القلوب. # ضحك مصطفى طويلا، وقال: دعني أصفه لك كما أتخيله، الكلام اللذيذ نضب، المداعبات ~~اختصرت، والشراب يكثر بلا حيطة. ~~- مت بغيظك. # يا للرعب! وردة محبة صادقة، وجميلة. يا إلهي! ما العمل لحماية النشوة من النعاس؟ أو لبعث ~~الشعر الذي مات؟ يا أصيل الشتاء المعتم. # وسهرا ليلة في ملهى باريس الجديدة، ودون أي توقع ظهرت فوق المسرح مارجريت، تلقى ضربة من ~~الماضي بلا حذر، ولكنه ضبط أعصابه بقوة، وغنت: # كلما رأيتك كثيرا ازددت شهوة # وكلما ازدادت شهوتي زاد لهيبي # وهمست وردة: يا لها من حكمة! # ولكن نظرة واحدة تتبادل بينك وبين مارجريت خليقة بأن تقرأ وردة فيها كتابا، وأعلن عن ~~رغبته في الذهاب فذهبا، وتسكعا بالسيارة في ليل بارد وطرقات مقفرة. لا داعي للانفعال ولا ~~معنى له. لكن عودتها المباغتة شجعت الملل المتردد على الاستفحال، وستقف على حافة الهاوية ~~مرة أخرى، وعند اليأس تنطلق القوى المدمرة. # ومن مكتبه قال لوردة بالتليفون إنه مدعو لحفل تكريم زميل اختير مستشارا، وذهب إلى باريس ~~الجديدة. ومضت مارجريت تغني وهو ينتظر. ماذا جاء بي؟ وبهذه السرعة؟ وعم أبحث؟ هل انتهت وردة ~~حقا؟ # وجاءت مارجريت مرفوعة الرأس، وجاءت الشمبانيا. وقالت مشرقة الوجه: كان من المؤسف أن أسافر ~~فجأة. ~~- فجأة؟ ~~- تلقيت برقية من الخارج. # وتفحصها بحب استطلاع، وهو يعجب للقوة التي تدفعه نحوها، ودعاها للذهاب معه، فقالت: ليس ~~الليلة. # فضبط أعصابه متسائلا: متى؟ ~~- ليكن غدا. # وعاد إلى عشه حوالي الواحدة، فوجد وردة جالسة بالحجرة الشرقية، فقبلها ثم سألها كما كان ~~يسأل زينب: ما زلت مستيقظة؟ # فقالت بعتاب: طبعا! # ورنت إليه طويلا، ثم قالت: أرجو ألا ms47 تكون أفرطت في الطعام أو الشراب. # ولما استلقى في البيجاما على الديوان، زحفت نحوه حتى ألصقت شفتيها بشفتيه. ولم يكن راغبا ~~في شيء ألبتة، ولكنه قال لنفسه: «لتكن ليلة شرعية.» ولم يدر كيف يعتذر في الليلة التالية، ~~وحدثته بالتليفون، فلم يشر إلى غيابه المنتظر. ومضى إلى باريس الجديدة وهو يهنئ نفسه على ~~استهانته، ورأى الضوء الأحمر يلون مارجريت بلون الجنيات الساحرات. وهزه منظر عنقها النحيل ~~ودسامة صوتها. وغشى دخان السجائر الفوانيس الأسبانية المدلاة من سقف مزخرف برسوم العرايا. ~~وتساءل: من أين تتسلل النشوة إلى هذا المكان المغلق المعبق برائحة الخمر والسجائر؟ وراء عمود ~~ضخم مضيء من الداخل رأى متعانقين في ذهول الأموات. ولكن كيف اقتلعت وردة من نفسه كأنها زهرة ~~صناعية؟ ولماذا يلح الموت على تذكرينا بنفسه بين كل عمل وآخر؟ ومن ذا يستطيع أن يؤكد أن ~~هؤلاء السكارى موجودون؟ # ولما انطلقت بهما السيارة نحو الهرم، قالت: الليل بارد. # فشغل جهاز التدفئة، فقالت: لم لا تذهب إلى بيتك؟ ~~- لا بيت لي. # وأوقف السيارة في محيط من الظلام تحت غطاء كثيف من السحب، وقال بسرور: لا، نجم ~~واحد. # وضمها إلى صدره بعنف يكاد ألا يحتمل، ومن دوامة أنفاس مختلطة همست: الظلام ~~مخيف. # فأسكتها بقبلة، وقال: لا وقت للخوف. # مسها بديع، ولكن هذا لا شيء. المهم أن تلامس سر أسرار الحياة. واندفعت الكلمات المتقطعة ~~في أنات كلغة السكوت في الليل، وغنى الانسجام أغنية تبشر بحياة أفضل، وصهرت حرارة الأنفاس ~~قلوبا أضناها البرد. وغابت الأعين حتى عن ظلمة الليل، وتنهد فؤاد في ظفر وارتياح، وتنهد من ~~ثقل الارتياح. يا إلهي! وتنهد في فتور وغم، ونظر إلى الظلام البهيم، وساءل نفسه: أين النشوة ~~الحقيقية؟ وأين مارجريت؟ فإن الظلام لم يبق منها على شيء. وعاد إلى عشه متجهم الباطن. وقفت ~~قبالته جامدة القسمات، حياها وهو يبتسم، ولبثا واقفين برهة مرهقة، وارتمى على الديوان ~~قائلا: آسف! # فقاطعته: لا داعي لاختلاق المعاذير. # وذهبت في الحجرة وجاءت، ثم جلست على مقعد قريب، وقالت: لاحظت جيدا أنك كنت بحاجة ms48 إلى ~~تغيير. ~~- ليس الأمر بهذه البساطة. # فقالت بعصبية لم تفلح في مقاومتها: التحقيق مهمة لا تسر، ولا داعي لعذاب لا موجب له، إني ~~أسألك سؤالا واضحا: هل فشلنا؟ # فقال بصدق وخمول معا: لا مثيل لك، إني أومن بذلك. # وهي تنظر بعيدا: كنت مع امرأة؟ # تردد قليلا، وقال: إن أردت الحقيقة؛ فإنني لم أبرأ بعد من المرض. # فقالت بحدة لأول مرة: لكنه مرض لا يجد علاجا إلا عند امرأة. # ثم بهدوء قالت: ليس عندي لك إلا الحب، فإن زهدت فيه انتهى كل شيء. # وراقبت صمته بيأس، ثم استطردت: وتقلب الأهواء في الشباب داء له علاج، أما في العقلاء ~~أمثالك فلا علاج له. # وأجال بصره في الحجرة يائسا، وقال: هل أنا مجنون؟ ~~- العجيب أن شخصيتك لا توحي بأي نزق. ~~- لكني متهم بالجنون لسلوكي. # هتفت بحدة: إن كنت تقصد معاشرتك لي، فارجع إلى زوجتك. ~~- لا زوجة لي. ~~- إذن فلأذهب أنا، مشكلتي أبسط من مشكلة زوجتك، لأنني لن أعدم عملا أو مسكنا. # وخزه قولها وأوشك أن يصرخ في وجهها: «اذهبي.» ولكنه مد ساقيه وأغمض عينيه. ~~- كنت مع امرأة؟ # فقال باستهانة وضجر: أنت تعرفين. ~~- من؟ ~~- امرأة. ~~- ولكن من تكون؟ ~~- لا يهم. # عرفتها قبل أن تعرفني؟ ~~- مقابلة عابرة. ~~- تحبها؟ ~~- كلا. ~~- لم ذهبت معها إذن؟ ~~- هه ... ~~- لعلها رغبة طارئة؟ ~~- يعني! ~~- وهل ترضخ لأي رغبة؟ ~~- ليس في جميع الأحوال. ~~- متى؟ # باستهانة وضجر: عند الإحساس بالمرض. ~~- هل أنت مولع بالنساء؟ ~~- كلا. ~~- ألم تكن تحبني؟ ~~- بلى. ~~- ولكنك لم تعد تحبني. ~~- أحبك، ولكن عاودني المرض. # فقالت بحدة: لاحظت تغيرك منذ أيام. ~~- منذ عاودني المرض. # فهتفت بحنق: المرض ... المرض! # ثم وهي تنظر نحوه بسحنة منقلبة: هل ستقابلها مرة أخرى؟ ~~- لا أدري. ~~- أيسرك أن تعذبني؟ # فنفخ قائلا: قليلا من الراحة من فضلك! # وذهب بمارجريت إلى استراحة الطريق الصحراوي في ليلة شتاء باردة، ولكنها صافية السماء ~~مرصعة بالنجوم. وعند العودة قالت برقة: أليس الأفضل أن يكون لنا مأوى؟ # فأجاب بغموض: كلا. # وقد اقتنع بأنه لا جدوى من الاستمرار، ولكنها استاءت من إجابته، وقالت ببرود: ms49 أنا لا ~~أرتاح لمغامرات الطرق. # فأوصلها إلى الفندق دون أن ينبس بكلمة. # 13 # نشوة الحب لا تدوم، ونشوة الجنس أقصر من أن يكون لها أثر. وماذا يفعل الجائع النهم إذا لم ~~يجد الغذاء؟ والعاصفة الهوجاء تجتاحك لتقتلعك، والاستقرار مات ولا سبيل إلى بعثه. وثمة ~~راقصة سمراء بباريس الجديدة أعجبته رشاقة قدها ومرح نظرتها؛ فذهب إلى الملهى دون مبالاة ~~بالآخرين. وحيته مارجريت من فوق المسرح بابتسامة، فابتسم لها، ثم دعا السمراء إلى مجالسته. ~~قد تظن مارجريت أنه يمارس معها ألعوبة غليظة من ألاعيب الغرام، ولكنه فقد في العاصفة روح ~~الدعابة، وأغرى السمراء بالنقود لتذهب معه ففعلت. ليس أفضل ولكن خيل إليه أن قلبه اهتز ~~مرة وهي تضحك. على هذا القلب أن يهتز أو أن يموت. لا الشعر، ولا الخمر، ولا الحب، فأي نداء ~~تلبي تلك النشوة المستعصية! # وكل ليلة يذهب بامرأة. من هذا الملهى أو ذاك، أو حتى من الطريق. وعندما ذهب إلى كابري، ~~ودعا راقصة تدعى منى، هرع إليه يازبك مرحبا مستبشرا، فحنق على فرحته التي اعتدها نعيا ~~لجهاده الخائب. ~~- إكسلانس ... هل ... # فعبس في وجهه بجفاء أجفله، ومضى بمنى. وهو يضمها في حضنه أرعشته رغبة غريبة في قتلها. ~~وتخيل أنه يشق صدرها بسكين، فيعثر في داخله عما يبحث عنه. القتل هو الوجه الخلفي للخلق، وهو ~~تكملة الدورة الملغزة التي لا تتكلم، وهمست منى: مالك؟ # فقال وهو يصحو منزعجا: لا شيء، إنه الظلام. ~~- ولكن لا أحد حولنا. # وساق السيارة بسرعة جنونية حتى قبضت على ساعده، ثم هددته بالصراخ. وهو يغير ملابسه قال ~~لنفسه لا بد من شيء. الشيء، أو الجنون، أو الموت. وجلست وردة في الفراش، وهي تقول: أنا ~~ذاهبة. # فقال برقة: إني مسئول عنك. ~~- لا أريد شيئا. # وعادت تقول بعد صمت: من المحزن أني أحببتك بصدق. # فقال بملل: ولكنك لا تصبرين علي. # فقالت بلهجة قاطعة: نفد الصبر. # وعافتها نفسه، فلم يعقب. # وعاد في الليلة التالية فلم يجد لها أثرا. ابتسم في ارتياح، واستلقى ببدلته على الديوان ~~مستمتعا بالشقة الصامتة الخالية. ms50 وكل ليلة ساق إليها امرأة جديدة. # وقال له مصطفى وهو يضحك: أهلا بأكبر زير نساء في القارة الإفريقية. # ابتسم في فتور، فاستطرد الرجل: سرك يذيع يوما بعد يوم، حدثني عنك أكثر من زميل من ~~زملائي، وترامت أخبارك إلى بعض زملائك بالنادي، وهم يتساءلون ماذا قلبه؟ وكيف جدد ~~شبابه؟ # قال بنفور: الحق أني أكره النساء. ~~- هذا واضح! # ثم بلهجة جدية: أفرغ ما في نفسك من اضطرابات؛ كي تستقر بعد ذلك بصفة نهائية. # وجاء الربيع، فسره أن تنطلق السهرات من القاعات المغلقة إلى الحدائق، وعانى الضجر والأحلام ~~المرهقة. وفي أوقات تسلى بقراءة الشعر؛ فهفت نفسه إلى أشعار الهند وفارس. وحملته مغامراته ~~الليلية إلى كابري مرة أخرى، وجلس تحت التكعيبة يشرب كأسا، ويتلقى نفحات الربيع من وراء ~~السرو. وعزفت أنغام راقصة، فإذا بوردة فوق المسرح، لم يدهش لذلك ألبتة، فلم ينزعج ولم ~~يبتسم. كان ذلك في الخريف. وتواصلت الفرحة بالنشوة بالحب ثم كان الجفاء. الدورات المفرغة ~~فمتى يحطمها القلب المحزون؟ متى يخترق الفضاء لغير رجعة؟! وها هي تلمحه ثم تواصل رقصها. وها ~~هو يازبك يسترق النظرات في قلق مضحك. أما هو فخلا من القرارات عزمه، ورأى عقب الاستعراضات ~~وردة غير بعيدة، فدعاها إلى مائدته. وجاءت باسمة الثغر كأن ما كان لم يكن. وطلب الشراب الذي ~~اشتهر به في الملاهي الليلية، وقال لها بصدق: الحق أني آسف يا وردة. # فقالت وهي تبتسم ابتسامة غامضة: لا يجب أن تأسف على ما فات. # ثم بنبرة ساحرة: وتجربة الحب ثمينة، ولو بالعذاب. # فقال وهو يعض شفته: لست طبيعيا. # فقالت بصوت مهموس: إذن لندع لك بالسلامة. # وتلاقت عندهما نظرات النساء اللاتي مضى بهن ليلة بعد أخرى، فابتسمت وردة وتمتم هو: بلا ~~رغبة. # فتساءلت برفع حاجبيها، فقال: عرفتهن بلا استثناء، ولكن بلا رغبة. ~~- ولماذا إذن؟ ~~- لأن اللحظة الإلهية لا تجود بنفسها أكثر من ثانية واحدة. # فقالت بامتعاض: ما كان أقساك! إنكم لا تؤمنون بالحب إلا إذا كفرنا به. ~~- ربما، ولكن مشكلتي غير ذلك. # وحمل إليه النسيم من الحقول الغارقة ms51 في الظلام شذا مسكرا من زهر البرتقال، فتح له عوالم ~~خفية من المسرات، فطرب طربا استخفه، وأخرجه من قيود الاتزان، فسألها بشغف: خبريني يا وردة، ~~لماذا تعيشين؟ # فهزت منكبيها وأتت على كأسها. ولكنه كرر سؤاله بجدية لا لبس فيها، فقالت: وهل لهذا السؤال ~~من معنى؟ ~~- لا بأس أن نسأله أحيانا. ~~- إني أعيش، هذا كل ما هنالك. ~~- بل إني أنتظر جوابا أفضل. # فكرت قليلا، ثم قالت: لنقل إني أحب الرقص، والإعجاب، وأتطلع إلى الحب الحقيقي. ~~- هذا يعني أن الحياة عندك هي الحب. ~~- ليكن. ~~- ألم تحبي مرة ثم كرهت الحب؟ # فقالت بامتعاض: غيري فعل. ~~- وأنت؟ ~~- كلا. ~~- كم مرة أحببت؟ ~~- قلت لك يوما ... # ولكنه قاطعها: لندع جانبا ما قلته يوما، صارحيني الآن بكل شيء. ~~- ها هو طبعك الوحشي يغلبك. ~~- ألا تريدين أن تتكلمي؟ ~~- قلت ما عندي. # فتنهد آسفا، ثم سألها محموما: والله، ما موقفك منه؟ # حدجته بنظرة ارتياب حادة، فقال بتوسل: أجيبيني من فضلك يا وردة. ~~- أومن به. ~~- بيقين؟ ~~- طبعا. ~~- من أين جاء اليقين؟ ~~- إنه موجود وكفى. ~~- أتفكرين فيه كثيرا؟ # ضحكت كالمرغمة، وقالت: عند كل حاجة أو شدة. ~~- وفيما عدا ذلك؟ # فقالت بحدة: ألا ترى أنك تحب تعذيب الآخرين؟ # ولبث في الملهى حتى الثالثة صباحا، ثم انطلق بسيارته - وحده - إلى الطريق الصحراوي. وقال ~~إن خروجه وحده هذه الليلة يعتبر تطورا ذا شأن. ثم أوقف السيارة في جانب من الطريق المقفر، ~~وغادرها إلى ظلمة شاملة، ظلمة غريبة كثيفة بلا ضوء إنساني واحد. لا يذكر أنه رأى منظرا مثل ~~هذا من قبل؛ فقد اختفت الأرض والفراغ، ووقف هو مفقودا تماما في السواد، ورفع رأسه قبل أن ~~تألف عيناه الظلام، فرأى في القبة الهائلة آلاف النجوم عناقيد، وأشكالا، ووحدانا. وهب ~~الهواء جافا لطيفا منعشا موحدا بين أجزاء الكون. وبعدد رمال الصحراء التي أخفاها ~~الظلام انكتمت همسات أجيال، وأجيال من الآلام، والآمال، والأسئلة الضائعة. وقال شيء إنه لا ~~ألم بلا سبب، وإن اللحظة الفاتنة الخاطفة يمكن أن تمتد في مكان ما إلى الأبد. وقد يتغير كل ~~شيء ms52 إذا نطق الصمت، وها أنا أضرع إلى الصمت أن ينطق، وإلى حبة الرمل أن تطلق قواها الكامنة، ~~وأن تحررني من قضبان عجزي المرهق. وما يمنعني من الصراخ إلا انعدام ما يرجع الصدى. وأسند ~~جسمه إلى السيارة ونظر نحو الأفق. وأطال وأمعن النظر. وثمة تغير جذب البصر، رق الظلام، ~~وانبثت فيه شفافية. وتكون خط في بطء شديد، ومضى ينضح بلون وضيء عجيب كسر أو عبير. ثم توكد ~~فانبعثت دفقات من البهجة والضياء والنعسان. وفجأة رقص القلب بفرحة ثملة، واجتاح السرور ~~مخاوفه وأحزانه، وشد البصر إلى أفراح الضياء يكاد ينتزع من محاجره. وارتفع رأسه بقوة تبشر ~~بأنه لن ينثني. وشملته سعادة غامرة جنونية آسرة، وطرب رقصت له الكائنات في أربعة أركان ~~المعمورة. وكل جارحة رنمت، وكل حاسة سكرت، واندفعت الشكوك والمخاوف والمتاعب. وأظله يقين ~~عجيب ذو ثقل يقطر منه السلام والطمأنينة، وملأته ثقة لا عهد له بها، وعدته بتحقيق أي شيء ~~يريد. ولكنه ارتفع فوق أي رغبة وترامت الدنيا تحت قدميه حفنة من تراب. لا شيء! لا أسأل صحة، ~~ولا سلاما، ولا أمانا، ولا جاها، ولا عمرا. ولتأت النهاية في هذه اللحظة؛ فهي أمنية ~~الأماني. # ولبث يلهث ويتقلب في النشوة، ويتعلق بجنون بالأفق، وتنفس تنفسا عميقا كأنما ليسترد ~~شيئا من قوته عقب شوط من الركض المذهل، وشعر بدبيب آت من بعيد، من أعماق نفسه. دبيب ~~إفاقة ينذر بالهبوط إلى الأرض. عبثا حاول دفعه أو تجنبه، أو تأخيره. راسخ كالقدر، خفيف ~~كالثعلب، ساخر كالموت. تنهد من الأعماق واستقبل موجات من الحزن، وأفاق والضياء يضحك. # رجع إلى مجلسه بالسيارة، ودفعها بلا حماس، ونظر إلى الطريق بفتور كأنما يخاطب شخصا ~~أمامه: هذه هي النشوة. # وقال بعد صمت: اليقين بلا جدال ولا منطق. # ثم بصوت مسموع أكثر: أنفاس المجهول وهمسات السر. # وتساءل وهو يزيد من سرعة السيارة: ألا يستحق أن ينبذ كل شيء من أجله؟ # 14 # استيقظ في عشه الخالي على رنين جرس التليفون فتناول السماعة، وجاءه صوت مصطفى: أين كنت ~~طوال الليل؟ # ولما لم يجب ms53 قال: زينب في مستشفى الولادة. # ومرت لحظات قبل أن يفقه المعنى، ثم تذكر أنه زوج وأب ، وأن مزيدا من الأبوة ~~ينتظره. # وفي بهو الاستقبال بالمستشفى وجد مصطفى، وبثينة، وعليات زوجة مصطفى؛ وهي امرأة رزينة قوية ~~الشخصية في الأربعين من العمر، ممتلئة مع ميل إلى القصر، مستديرة الوجه والقسمات. ولما جاء ~~دور بثينة في المصافحات مدت له يدها، وهي تغض البصر لتخفي وجومها. # وقال مصطفى: هي في حجرة الولادة، وكل شيء طبيعي. # وهم بالذهاب إلى الحجرة؛ فقالت عليات بحذر: كنت بالداخل، وها أنا ذاهبة إليها. ~~- ألا أدخل أيضا؟ # فقال مصطفى: يحسن تجنب الانفعالات الطارئة. # ولم يطل بهم الانتظار، فقد رجعت عليات متهللة الوجه وهي تقول لعمر: مبارك عليك ولي العهد، ~~وزينب في طريقها محمولة إلى حجرتها. # نظر إلى بثينة بشوق، ثم جلس إلى جانبها واضعا راحته فوق يدها دون كلام، فتركتها بعض ~~الوقت حياء، ثم سحبتها برقة. وقال مصطفى وهو يتابع الحركات الخفية: من حسن الحظ أن ~~المستشفيات من الأماكن التي تنسى فيها الخصومات. # فسأله وما زال يشعر بخيبة أمل لانسحاب اليد: متى جاءت إلى هنا؟ ~~- حوالي منتصف الليل. # والمناقشة دائرة مع وردة في إعياء تنعشه الشمبانيا. ~~- ولم تذهبي إلى المدرسة؟ ~~- طبعا، جاءت مع مامتها. ~~- شكرا لك يا عليات، وشكرا لك. # فقالت عليات، وهي تغادرهم إلى حجرة زينب: عفوا! ثم قال مصطفى: وقد تعبت جدا عند ~~الفجر. # آه! الفجر في الصحراء والنشوة الخيالية الخالدة. ولكن أين؟ واستأذن مصطفى في الذهاب ~~لينام، فلبث هو وبثينة وحدهما ينتظران، وانتبه بحساسية إلى حرج موقفه، وقال بعطف: لم تنامي ~~يا بثينة؟ # فهزت رأسها بالإيجاب، وهي تنظر إلى سجادة البهو السحابية اللون. ~~- ألا ترغبين في محادثتي؟ # فخجلت من المقاطعة الصريحة، وتساءلت: ماذا أقول؟ ~~- أي شيء، ومهما يكن من أمر فأنا أبوك وصديقك، وما بيننا من علاقة لا يمكن أن ~~ينفصم ... ~~(ولاذت بالصمت في تأثر شديد.) # ألا توافقينني على ذلك؟ ~~(فهزت رأسها بالإيجاب، ورسمت شفتاها لفظ الموافقة.) # أنت زعلانة، وهذا طبيعي، ومهما يكن من الأمر فهو لا ms54 يمسك مباشرة، ومقاطعتك لي غير ~~مقبولة، وقد دعوتك مرارا لزيارتي؛ فلماذا لم تحضري؟ ~~- لم أستطع. ~~- هل منعك أحد؟ ~~- كلا، ولكنني كنت حزينة جدا. ~~- أكان حزنك أكبر من حبنا؟ # فقالت بمرارة: لم تزرنا مرة واحدة. ~~- لم يكن ذلك بالممكن، ولكني دعوتك مرارا فكان عليك أن تأتي، وقد نغص امتناعك راحتي، ولم ~~تكن في حاجة إلى مزيد. # فقطبت لتكتسب صلابة تطرد بها حنان الدمع، وقالت: منعني حزني. ~~- يا للأسف، لا أحب لك السلبية، وكنت في حاجة إليك في غربتي. # وابتسم ليخفف من توتر الجو، ثم قال: حسبنا عتابا، لا وقت الآن لذلك. # وربت على منكبيها، وسألها مغيرا المجرى: ما أخبار الشعر؟ # فابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة، فقال بحرارة: لعلنا لم نكن في يوم من الأيام أقرب ما ~~يكون لبعضنا مما نحن اليوم. ~~- ماذا تعني؟ ~~- يخيل إلي أننا حول منبع واحد. # حولت إليه عينيها الخضراوين مستزيدة، فقال: رجعت إلى الشعر أقرؤه وأحاوله. ~~- حقا؟ ~~- مجرد محاولات فاشلة. ~~- لمة؟ ~~- لا أدري، ربما لأن الغبار أكثف من أن يزال بنفضة واحدة، أو لأن أزمتي أقوى من ~~الشعر. ~~- أزمة؟ ~~- أعني مرضي. # فابتسمت وهي تنظر إلى الأرض، فسألها بإنكار: ألا تصدقينني؟ ~~- أصدقك دائما. # فحزه قولها، وقال: يجب أن تصدقيني رغم الكذبة الوحيدة في حياتنا، كانت كذبة ضرورة ولن ~~تتكرر، أما مرضي فهو حقيقي. ~~- ألم تعرف بعد ما هو؟ # فكر قليلا، ثم قال: عذاب يعالج بالصبر الطويل. # فتساءلت في إشفاق: بعيدا عنا؟ # فقال بهدوء ويقين: أنا أعيش وحيدا. # فرمقته بنظرة استغراب، فقال: وحيدا، صدقيني. ~~- ولكن ... ~~- الآن وحيدا. ~~- فتساءلت بلهفة أرضت عواطفه: ولم لم تعد يا بابا؟ # فلثم خدها المورد، وقال: لعله من الخير أن أبقى كذلك. ~~- كلا. # وأمسكت بيده وكررت: كلا. # وجاءت عليات لتدعوه إلى الحجرة فذهب. رأى زينب مغطاة بملاءة بيضاء إلا الوجه. # وتبدى الوجه شديد الشحوب، ممصوص الحيوية، نصف مغمض العينين. شعر بعطف واحترام ورثاء. ~~وقال: ها هي تخلق على حين يعجز هو عن الخلق، وتمتم بشيء من الارتباك: حمدا لله على ~~سلامتك. # فردت بشبه ابتسامة، فقال: ms55 مبارك عليك ولي العهد. # وجلس محاصرا بالحرج حتى خفف عنه دخول عليات وبثينة. وأحسنت عليات ملء الجو بالنوادر ~~والملح؛ فمر الوقت دون إرهاق. وجاءوا بالمولود في فراشه، وكشفوا عن وجهه. رأى كتلة لحمية ~~متموجة حمراء، ممطوطة القسمات، ليس من اليسير أن يتصور أن سيكون لها شكل فضلا عن شكل ~~مقبول. ولكنه تذكر تجارب مماثلة سابقة تنحني إحداها فوق فراش الوليد لترمقه بدهشة وحنان من ~~عينيها الخضراوين. ولم يجد نحوه شعورا مميزا، غير أنه أدرك أنه سيحبه كما ينبغي وقنع منه ~~بنظرة حياد متسائلة. لو لم تكن عاجزا عن التعبير كأبيك لسألتك عن مشاعرك، وعن ذكرياتك عن ~~العالم الذي جئت منه لتوك. # وسألت عليات: هل اخترتم له اسما؟ # فأجابت بثينة: سمير. # إذن فليحمه اسمه من الضجر. وقالت عليات بلهجة ذات مغزى: لتكن نشأته في أحضان ~~والديه. # ورغم انسيابه في أسرار الخلق لم يساوره أدنى أمل في التغير، ولا خرج من غربته الأبدية. ~~ولم يملأ الوليد الثغرة التي تفصل بينه وبين زينب، وراح يتساءل: حتى متى يبقى في مجلسه ~~محطا للنظرات والتساؤل؟ # وأزف وقت الغداء، فاستأذن في الانصراف وذهب. ولحقت به بثينة خارج الحجرة، وقد استردت ~~شجاعتها الطبيعية الصريحة معه، قالت: بابا ... لن تبقى وحيدا. # وكان يعلم أنه لم يعد بحاجة إلى شقته الخالية، وأنه يحلم بوحدة جديدة، فتساءل مستسلما: ~~ماذا تريدين؟ ~~- أن تعود. # فلثم خدها وهو يقول: على شرط ألا تضيقوا بي. # وتأبطت ذراعه، وأوصلته حتى الباب الخارجي بوجه مشرق. # 15 # العود إلى البيت دون تغير، لا كراهية لزينب ولا حب لها. واختفاء الكراهية دليل على اختفاء ~~زينب نفسها. ودليل انتصار نهائي على دنياها، وانتصار الغربة الزاحفة. وقال لها: علينا أن ~~نتقبل محنتنا بشجاعة. # وتبدت شجاعة حقا، حتى حجرته هجرتها. وقال لها بتأثر: أنت مثال للكمال. # وانقطع عن مغامرات الليل الخائبة. ووهبته بثينة وجميلة وسمير مسرات لا تنكر. والنيل ~~يجري تحت الشرفة بلا توقف، وهو يسأل بلهفة: متى تعود رحمة الفجر في الصحراء؟ واعتكف في ~~حجرته طول الليل يقرأ ويتأمل حتى ms56 يجيء الفجر، فيمضي إلى الشرفة، وينظر إلى الأفق، ثم ~~يتساءل: أين الرحمة؟ أين؟ وها هي ترانيم فارس والهند والعرب المليئة بالأسرار، ولكن أين ~~السعادة أين؟ ولم تشعر بالكآبة وأنت بين هذه الجدران الرحيمة؟ وما هذا الشعور المقلق الذي ~~يهمس لك بأنك ضيف غريب موشك على الرحيل، وإلى أين؟ وقال مصطفى: الحمد لله على أن عاد كل شيء ~~إلى أصله. # فقال بازدراء: لم يعد شيء إلى أصله. # فتجنب المناقشة في إشفاق، فقال عمر بتحد: لم أعد إلى البيت، لم أعد إلى العمل. ~~- ولكن يا عزيزي ... ~~- ولا يعرف أحد ماذا تقول الساعة التالية. # وفيما كان بمكتبه عصرا؛ إذ فتح الباب ودخل رجل ربعة متين البنيان، شاحب اللون، كبير ~~الوجه، حليق الرأس، قوي الفكين والأنف، يشع من عينيه العسليتين نور حاد. نظر إليه عمر ~~منكرا لأول وهلة، ثم انتتر واقفا وهو يهتف بصوت متهدج: عثمان خليل! # وتعانقا طويلا، وعمر في غاية من الانفعال، ثم جلسا على المقعدين المتقابلين أمام المكتب، ~~ولسانه لا يتوقف عن كلمات الترحيب والتهنئة والتبريك. والآخر يبتسم وكأنه لا يجد ما ~~يقوله. وحل صمت قصير كرد فعل فراحا يتبادلان النظر، وتموجت المخيلة بالذكريات، وتحركت في ~~الأعماق مشاعر غريبة منذرة بكل ظن. وارتفع مد حاملا دفعات من القلق والتوجس. وطالما طافت ~~به لحظة اللقاء المرتقبة، وطالما عمل لها ألف حساب، ولكنها حلت رغم ذلك بغتة كمفاجأة غير ~~ممكنة التوقع. ولم يقدر الزمن، ونسي كل شيء في العهد الأخير، ومع ذلك فإن المدة لم تنقض ~~بالتمام، ولم يستنتج إلا الساعة أن ثلاثة أرباعها قد انقضى. وها هو يلقاه وهو أبعد ما يكون ~~عن الاستعداد النفسي لذلك. رجل خارج من السجن إلى الدنيا، ورجل يتحفز للخروج من الدنيا إلى ~~عالم مجهول. ~~- يا له من عمر طويل! # ابتسم عثمان، فقال عمر: لم تغب عنا فيه ساعة واحدة. وها هو وجهك مصمم على الحياة ~~كعادتك. # فقال بصوت حلقي دسم: وأنت لم تكد تتغير في الصورة، ولكن صحتك ليست كما يجب. # سر للملاحظة الأخيرة، وقال: بلى، ms57 مرضت، وعانيت أزمات غريبة، ولكن من فضلك لا تجعل مني ~~موضوعا للحديث، أريد أن تتحدث وأن أسمع . # ودخل فراش بالكوكا والقهوة، ثم قال عثمان: مضت أعوام وأعوام، اليوم بسنة في قرفه، ~~والسنة بيوم في تفاهتها، ولكن لا تنتظر أن أتحدث عن حياة السجن. ~~- مفهوم ... آسف ... ولكن متى خرجت؟ ~~- منذ أسبوعين. ~~- وكيف لم تحضر إلا اليوم؟ ~~- سافرت من فوري إلى القرية، وكنت مريضا بالأنفلونزا، ولما شفيت رجعت إلى ~~القاهرة. # لا فائدة من الهرب إلى الأحاديث الجانبية، وإحساسك بالذنب يزداد حدة. ~~- كم عذبنا أننا لم نستطع زيارتك! # فقال عثمان بوجه لا ينبئ عن شيء: كان سيقبض على أي زائر من غير الأهل. ~~- وكم وددنا لو كان في الإمكان أن نطمئن عليك. ~~- الحق أننا عوملنا معاملة سيئة جدا أول الأمر، ولكنها تغيرت بطبيعة الحال بعد قيام ~~الثورة. # فتقلص وجه عمر إعرابا عن أسفه، فاستطرد الآخر: ولكن ثبت لي أنه إذا قذف بنا إلى الجحيم، ~~فإننا حتما سنعتاده ونألف الزبانية. # وأذعن عمر لإحساسه بالذنب، فاعترف قائلا: العدل كان يقضي بأن نذهب معك إلى السجن. # فقال بسخرية: القانون هو الذي أدخلني السجن، لا العدل. # فتمتم عمر بخشوع: على أي حال فنحن مدينون لك بحريتنا، وربما بحياتنا. ~~- أليس ذلك ما كنت تفعله لو ألقي القبض عليك أنت، وكنت أنا من الهاربين؟ # فلم ينبس عمر بكلمة حياء وارتباكا، واستطرد عثمان بمرارة: وها أنا في الدنيا من جديد، ~~وفي منتصف الحلقة الخامسة. # فقال عمر معزيا: ما زلت شابا، وأمامك حياة طويلة وعريضة. ~~- وورائي تجربة أمر من اليأس. # فقال عمر بحزن: قد عشناها خارج الأسوار، ولكن يخيل إلي أننا لم نفعل شيئا ذا ~~بال. # فهتف محتجا: لا تقل ذلك، لا تفقدني البقية الباقية من العزاء. # تحركت مخاوفه مرة أخرى، وشعر بأنه جثة منسية فوق سطح الأرض، وقال: مارسنا عملا، وتزوجنا ~~وأنجبنا، ولكن يخيل إلي أنه ليس لي ما أحصده إلا الهباء، ولكن معذرة لا يحق لي أن أتكلم ~~عن نفسي. ~~- ولكننا نصفان متكاملان. # الماضي المنقضي، والحساب العسير. وقال بفخار ms58 في بدروم بيت مصطفى المنياوي: خليتنا قبضة ~~من حديد لا يمكن أن تنكسر، ونحن نعمل للإنسانية جمعاء لا للوطن وحده. نحن نبشر بدولة الإنسان، نحن نخلق بالثورة والعلم عالم الغد المسحور. # ولما أصابته القرعة قال: أنا سعيد، مصطفى عصبي وأنت عريس، وغدا تلقى قنبلة على خنزير من ~~المولعين بمص الدماء. ~~- كان التدبير محكما، ولولا رصاصة طائشة أصابت ساقك لما قبضوا عليك. ~~- أجل، وماذا فعلت أنت ومصطفى؟ ~~- سهرنا حتى الصبح والحزن يقتلنا. # فضحك ضحكة قصيرة، وسأل: ألم تخافا أن أعترف؟ ~~- فكر مصطفى في الهرب، ودعاني إلى ذلك، وفكرنا في الاختفاء، وذقنا أياما تعيسة، ولكنك ~~كنت فوق مستوى الإنسان، وكنا وما زلنا لا شيء. # ويعتاد الإنسان الجحيم كما يعتاد التضحية بالغير. ومهما يكن من قذارة الفأر؛ فإن منظره في ~~المصيدة يثير الرثاء. # وأشار عثمان إلى المساعدات التي تلقاها والداه - قبل وفاتهما - من عمر، ولكن عمر أبى أن ~~يسمع بقية الإشارة. وعند ذلك قال عثمان: لا أريد أن آسف على ما فات؛ فقد اخترت مصيري بوعي ~~كامل، والآن آن لك أن تحدثني عن أخبار الدنيا؟ # فقال عمر بدهاء، وهو يرنو إلى النجاة من بعيد: ليكن المستقبل أهم ما يهمنا. ~~- المستقبل؟ ... أجل ... سأنفض الغبار عن الليسانس. ~~- وإليك مكتبي تحت أمرك. ~~- عظيم، ولا اعتراض لأحد في الجهات الرسمية على أن أعمل. ~~- إذن فلتبدأ من اليوم. ~~- شكرا ... شكرا ... ولكن حدثني عن أخبار الدنيا! # لا يريد أن يتزحزح، يا للغرابة! كأنك لم ترتبط به يوما ما. وكأنك لم ترغب قط في هذا ~~اللقاء، لا شيء مشترك بينكما إلا تاريخ ميت، ولا يوحى إليك إلا بمشاعر الذنب، والخوف، ~~وازدراء النفس. ولم يدر بعد بأن كتب الغيب حلت محل الاشتراكية في مكتبك. وها هو يعترضك ~~كقدر، وأنت تهرب من الأهل والدنيا. # وضاق عثمان بصمته، فسأله مستدرجا: حدثني عن أصحابنا. ~~- أوه ... تفرقوا، لا أعرف منهم اليوم إلا مصطفى المنياوي. ~~- وماذا فعلتم؟ # ما أبغض حسابك العسير! ~~- الحق أن السنوات التي تلت القبض عليكم اتسمت بالعنف والإرهاب، فلم يكن بد من أن ms59 نركن ~~إلى الصمت، ثم انشغل كل بعمله، وتقدم بنا العمر على نحو ما، ثم قامت الثورة، وانهار ~~العالم القديم. # قبض عثمان على ذقنه العريضة بيده، وعكست عيناه المشعتان نظرة باردة؛ لعله ينعى الأعوام ~~الضائعة. ما أبغض هذا الموقف الذي أرق نومه مرات ككابوس! وقال عثمان: طالما ساءلت نفسي ~~لماذا؟ أجل، لماذا؟ وبدت لي الحياة خدعة سمجة، وعجبت للأقدام التي انهالت على رأسي، أقدام ~~أناس تعساء من صميم الشعب الذي سجنت من أجله. وتساءلت لماذا؟ هل تعني الحياة أن نستوصي ~~بالجبن والعماء؟ ولكن ليس كذلك النمل ولا بقية الحشرات، ولا أطيل عليك فقد استرددت ~~إيماني. # يا لسوء الحظ! ~~- استرددت إيماني فوق الصخور وتحت أشعة الشمس، وأكدت لنفسي بأن العمر لم يضع هدرا، وأن ~~ملايين الضحايا المجهولين منذ عهد القرد قد رفعوا الإنسان إلى مرتبة سامية. # أحنى عمر رأسه إعرابا عن الموافقة والاحترام، واستطرد عثمان بنبرة لم تخل من حنق: من ~~الحمق التعرض بماض مسلول ما دام المستقبل ينهض راسخا بصورة أقوى ملايين المرات من جبن ~~الجبناء. # فقبض على أداة نجاة وسط العاصفة الهوجاء قائلا: على أي حال فقد تقوض العالم القديم ~~المرذول، وقامت ثورة حقيقية فتحقق حلم من أحلامك. # انظر إلى وجهه كيف يتجهم، وتتجمع فيه عاصفة مربدة! وها أنت تتجرع هزيمة في ميدان لم يعد ~~يهمك في شيء. ألا يعلم بأنني لم يعد يهمني شيء؟! # وقال عثمان بأسف: لو لم تسارعوا إلى الجحور، لما فقدتم الميدان. ~~- لم تكن لدينا قوة ولا أتباع في الشعب يعتد بهم، ولو وقعت المعجزة على أيدينا لهبت قارات ~~للقضاء علينا. ~~- المؤسف أن المرضى لا يفكرون إلا في المرض. ~~- وهل ترى من العقل أن يتجاهلوه؟ ~~- ليس العقل ولكنه الجنون، ألم تدرك بعد كم أن العالم مدين للجنون؟! # فقال ملاطفا: على أي حال قد قامت الثورة، وهي تشق طريقها بعقلية اشتراكية حقيقية. # فحدجه بنظرة متفحصة طويلة حتى قرأ فيها معاني لم تسره، فقال: وهي إن لم تمس رءوس أموال ~~أمثالي من الناس، فقد فرضت ضريبة عادلة. # ثم ms60 بنبرة عصبية: صدقني إنني لست عبدا لشيء، فليذهب كل شيء إلى الجحيم. # فابتسم عثمان، وسأله: صارحني يا عزيزي؛ أما زلت مؤمنا كما كنت؟ # فتفكر عمر مليا فوق حافة الهاوية، ثم قال: كذلك كنت حتى قبيل قيام الثورة، فلما أن قامت ~~الثورة اطمأن بالي، ثم أخذت أفقد الاهتمام بالسياسة وأولي وجهي وجهة أخرى. # قطب متسائلا: وجهة أخرى؟ # قال بحذر: يحلو لمصطفى أحيانا بأن يصفها بأنها حنين جارف إلى الماضي الفني. # فتساءل بامتعاض: وهل من تعارض بين الفن والمبدأ؟ # فقال وهو يزداد ضيقا وحرجا: ليس الأمر بهذه البساطة. # فقال بوجوم: لا أفهم سوى أنك لم تعد أنت. # كما قالت زينب ووردة من قبل ... قال: أعترف بأنني لم أعد أستحق أن أكون موضع تفكيرك. # ثم بلهجة فيها شيء من المرح: المهم الآن هو أن تبدأ حياتك الجديدة لتعوض ما فات. # فقال بلهجة ثقيلة: أخشى ألا أجد حقا ما يعوضني عما فات. ~~- هاك مكتبي تحت أمرك، وجميع ما يلزمك للبدء. ~~- إني عاجز عن الشكر. ~~- بل هو دون ما تستحق، وسوف أظل ما حييت مدينا لك بالحياة. # ثم بلهجة تحررت كثيرا من الخوف والحرج: لا شك أنك في شوق لرؤية زينب والأسرة ومصطفى، ~~فلنتعش الليلة في البيت. # 16 # وليمة العشاء حفلت بالأطعمة، والأشربة، والذكريات. واغرورقت عينا زينب وهي ترحب به، وشدت ~~على يده طويلا، على حين عانقه مصطفى المنياوي عناقا حارا. أما عليات فكان يراها لأول ~~مرة. وجلست بثينة إلى جانبه على المائدة، وأعلن بدهشة أنها صورة من شباب أمها. ولما قدمت ~~فواتح الشهية، قال: لن أبالغ في صنف لأذوق جميع الأصناف. # والتفت نحو بثينة، قائلا: قالوا لك إني صديق قديم، وهذا بعض الحقيقة لا الحقيقة كلها، ~~أنا صديق قديم خارج من السجن. # واعتبرتها بثينة نكتة فابتسمت، فقال: صدقيني؛ فأنا صديق قديم، وسجين قديم. # وعند ذاك قالت زينب: إذن يجب أن تعلم أنك بطل سياسي، لا مجرد سجين. # ورمقته بثينة باهتمام مشوب بدهشة، فقال: بطل أو مجرم، هي من أسماء الأضداد. # وقال لها عمر: عثمان ms61 صديق قديم، وهو زميلي في المكتب الآن، وله قصة طويلة سأقصها عليك ~~فيما بعد، ولكنك تعرفين شيئا ولا شك عن المسجونين السياسيين. # فسألت بثينة عثمان: أسجنك الملك؟ # فقال، والسفرجي يضع في طبقه شريحة من الديك وكمية من البازلاء: بل المجتمع كله. ~~- وماذا فعلت؟ # لم يجب، فقال مصطفى ضاحكا: كان اشتراكيا قبل الأوان. # فاتسعت العينان الخضراوان، ولكن زينب قالت لعثمان بلباقة لتحويل المجرى: بثينة ~~شاعرة. # فنظر إلى عمر باسما، وقال: الشعر وراثي في هذه الأسرة! # فقال له مصطفى محذرا: لكن شعرها ترنيمات موجهة للذات الإلهية. # وهم بتفجير سخرية، ولكنه أمسك في اللحظة المناسبة، وقال بأدب: أرجو أن يسعدني الحظ ~~بالاستماع إلى بعض هذه الترنيمات. # ونجح عمر في إخفاء ضيقه، وتناول حمامة محشوة، وقال لنفسه إنها لو أحسنت الطير لما ~~أكلت. ولاحظ مجاملات المائدة المتبادلة بين بثينة وعثمان بارتياح. وإذا بالفتاة تسأل ~~جارها: وكيف صبرت على حياة السجن؟ ~~- صبرت لأنه لم يكن من الصبر بد، وعرفت بحسن السير والسلوك، والظاهر أننا لا نسيء ~~السلوك إلا في المجتمع. # وضحك ثم استطرد: الواقع أن السجن لا يخلو من مزية؛ فالسجناء يمارسون حياة لا طبقية فيها ~~مما نحب أن يتحقق في الحياة. ~~- لكنني لم أفهم شيئا. ~~- سوف تفهمين كلامي إذا أمكن أن أفهم شعرك. ~~- هل قرأت شعر بابا؟ ~~- طبعا. ~~- وهل أعجبك؟ # وقال عمر محتجا: كيف بالله تأكلان، وأنتما لا تكفان عن الحديث؟! # ولكن عثمان أحب محادثتها، وقد سألها: هل ستدرسين الآداب في الجامعة ...؟ ~~- العلوم. ~~- برافو، ولكن كيف وأنت شاعرة؟ # ثم وهو يغمز بعينه: وكان يهوى اللعب بالقنابل. # فقالت زينب بفخار: إنها متفوقة في العلوم. # وقالت بثينة: وبابا متحمس لدراسة العلم. # فرمق عثمان عمر بنظرة حائرة، ثم قال لبثينة: سوف تدركين يوما أنه الأمل المنشود. ~~- ولكني لن أتخلى عن الشعر. ~~- وما البأس في تلك الحال؟ ~~- وكم عاما قضيت في السجن؟ ~~- حوالي العشرين. # فرمته بنظرة ذاهلة، فضحك قائلا: ومع ذلك فقد عرفت رجلا في السجن لا يرغب في مغادرته، ~~وكلما قاربت مدته الانتهاء ارتكب جريمة خفيفة ليجددوا ms62 له المدة. ~~- تصرف غير معقول! # فقال بلهجة جادة: ما أكثر التصرفات غير المعقولة! # وقال عمر معاتبا: ألا تريدين له أن يأكل؟ # وقدمت لهم القهوة في حجرة الاستقبال، ولم ينقطع الحديث بين عثمان وبثينة. وحوالي العاشرة ~~اقترح مصطفى أن يجلس ثلاثتهم بالشرفة، وانتقل النساء إلى حجرة الجلوس. وأراد عثمان أن يعرف ~~ماذا صنع مصطفى بحياته، فقص عليه هذا قصته بصراحة واستهانة، وجرأة غير متوقعة. ولم يقنع ~~بذلك، ولكن قال: ها قد وقفت على أحوالنا، فماذا يدور في رأسك الكبير؟ # وكان عثمان قد عاد - بعد اختفاء بثينة - إلى الفتور والتجهم، فقال: علي أن أبدأ حياتي ~~أولا كمحام. ~~- إنما أسأل عما يدور برأسك! ~~- وعلي أن أدرس ما حولي. ~~- من حقك هذا، غير أن موقفنا القديم لم يعد ضرورة حتمية. # فقال بغلظة متحدية: ولكنه ضرورة حتمية! ~~- أعني أن الدولة الآن اشتراكية مخلصة، وفي هذا الكفاية. # وظل عمر صامتا ينظر نحو النيل الذي يجري عاكسا أضواء المصابيح تحت هلال مرشوق في الأفق. ~~وقال عثمان بمرارة: إذا كنت قد تغيرت فلا يعني هذا أن الحقيقة يجب أن تتغير. ~~- لم تتغير، ولكننا تطورنا. ~~- إلى الوراء. ~~- الوطن تطور إلى الأمام بلا شك. ~~- ربما، ولكنكما تطورتما إلى الوراء. # وظل عمر ينظر إلى الهلال، أما مصطفى فسأله بمرح: ألم يقنعك ما ضحيت به من عمر؟ # فقال بحنق: الحقيقة لا تقنع. ~~- يا عزيزي لست المسئول الوحيد عنها. ~~- الإنسان إما أن يكون الإنسانية جمعاء، وإما أن يكون لا شيء. # فقال مصطفى ضاحكا: إنني لم أستطع أن أكون مصطفى فحسب، فكيف يمكن أن أكون الإنسانية ~~جمعاء؟ ~~- يا لفداحة الفشل! ... لا أصدق ما حل بكما من تدهور! # لم يستطع مصطفى أن يتجاوب معه في جديته، ولكنه أشار إلى عمر، وقال: دعك من عمر؛ فهو يعاني ~~أزمة حادة ... لقد كره العمل، والنجاح، والأسرة ... # نظر عثمان إلى عمر متسائلا، ولكنه لم يحول وجهه عن النيل، فقال مصطفى: كأنما يبحث عن ~~نفسه. # فقطب عثمان كالمنزعج، وقال: أليس هو الذي أضاعها؟ # ثم خاطب نفسه متأوها: هل انتهى الحال ms63 إلى التأملات الفلسفية؟ # فقال مصطفى، وكان يغالب الاستسلام للمرح طوال الوقت: طالما اعتقدت أنه يريد أن يبعث جانبه ~~الفني المكبوت، وحاول ذلك وما زال، ولكنه يحلم أحيانا بنشوة غريبة. ~~- زدني فهما. # فتحول عمر نحوهما قائلا: أرح نفسك، واعتبره مرضا. # فحدجه بنظرة ثاقبة، وتمتم: لعله مرض حقا؛ إذ إنك ضيعت جانبك الصحيح المعافى. # فقال مصطفى: أو أنه يبحث عن معنى لوجوده. ~~- عندما نعي مسئوليتنا حيال الملايين؛ فإننا لا نجد معنى للبحث عن معنى ذواتنا. # فتساءل عمر مضجرا: ترى هل تموت الأسئلة إذا قامت دولة الملايين؟ ~~- ولكنها لم تقم بعد! # ونقل عينيه بينهما، ثم قال: والعلماء يبحثون عن سر الحياة والموت بالعلم لا ~~بالمرض. ~~- وإذا لم أكن من العلماء؟ ~~- فلا أقل من ألا تثير في وجوه العاملين غبار النواح والولولة. # فقال مصطفى: إنك تقذف بألفاظ مدببة، على حين يعاني صديقنا ألما حقيقيا. ~~- أنا آسف، وأخشى أن أظل آسفا إلى الأبد. # وتساءل عمر: ولكن ألا يسعفنا القلب، إن فاتنا أن نكون من العلماء؟ ~~- القلب مضخة تعمل بواسطة الشرايين والأوردة، ومن الخرافة أن نتصوره وسيلة إلى الحقيقة، ~~والحق أني أقترب من فهمك، فأنت تتطلع إلى نشوة، وربما إلى ما يسمى بالحقيقة المطلقة، ولكنك ~~لا تملك وسيلة ناجحة للبحث، فتلوذ بالقلب كصخرة نجاة أخيرة، ولكنه مجرد صخرة، وسوف تتقهقر ~~بك إلى ما وراء التاريخ، وبذلك يضيع عمرك هدرا، حتى عمري الذي ضاع وراء الأسوار لم يضع ~~هدرا، ولكن عمرك أنت سيضيع هدرا، ولن تبلغ أي حقيقة جديرة بهذا الاسم إلا بالعقل، والعلم، ~~والعمل. # لم يشهد الفجر في الصحراء. لم يشعر بالنشوة التي تحقق اليقين بلا حاجة إلى دليل. لم تطرح ~~الدنيا تحت قدميه حفنة من تراب. # وقال مصطفى: إني مؤمن بالعلم والعقل، ولكن بين يدي الآن قصيدة كتبها عمر في الفترة ~~الأخيرة قبل أن ينبذ الشعر نهائيا، وهي تقطع بثورته على العقل. # فقال عثمان وهو يتمالك أعصابه: يسرني أن أسمعها. # هم عمر بالاعتراض، ولكن مصطفى بسط ورقة استخرجها من جيبه، وراح يقرأ: # لأنني لم ألعب ms64 في الهواء، # ولا سكنت في خط الاستواء، # لم يستهوني شيء إلا الأرق، # وشجرة لا تنثني للعاصفة، # وبناء لا تطرف له عين. # وساد صمت ثقيل، ثم قال عثمان: لم أفهم شيئا! # وقال عمر: وأنا لم أقل شعرا، كنت أهلوس تحت تأثير حال مرضية. # فقال مصطفى: ولكن الفن الحديث عموما يتنفس في هذه الثورة. # فقال عثمان بازدراء: إنها أنين نظام يحتضر. # فقال مصطفى: ربما كان هذا حقا على المستوى الحضاري، ولكنني أقول كفنان قديم إنها أزمة ~~فنية أيضا، أزمة فنان يبحث عن شكل جديد بعد أن أعياه المضمون. ~~- ولم أعياه المضمون؟ ~~- لأنه كلما عثر على موضوع وجده مبتذلا من كثرة الاستعمال. ~~- ولكن الفنان يضفي من نفسه على موضوعه، فيصير جديدا في هذه الحدود على الأقل. ~~- لم يعد هذا مقنعا في عصر الثورات الجذرية، عصر العلم، وقد تبوأ العلم العرش، فوجد ~~الفنان نفسه ضمن الحاشية المنبوذة الجاهلة، وكم ود أن يقتحم الحقائق الكبرى، ولكن أعياه ~~العجز والجهل. وحز في نفسه فقدان عرشه فانقلب «غاضبا» أو «عدوا للرواية» أو «لا ~~معقولا». ولما استحوذ العلماء على الإعجاب بمعادلاتهم غير المفهومة نزع الفنانون المنهارون ~~إلى سرقة الإعجاب باستحداث آثار شاذة مبهمة غريبة، وأنت إن لم تستطع أن تستلفت أنظار الناس ~~بالتفكير العميق الطويل، فقد تستطيعه بأن تجري في ميدان الأوبرا عاريا. # ولأول مرة يضحك عثمان عاليا، واستطرد مصطفى: ولذلك اخترت أبسط الطرق وأصدقها، وهو أن ~~أكون مسليا. # وقال عمر لنفسه: لماذا أتعب نفسي في مناقشة أمور لا تهمني؟ # 17 # خرس الفجر. على ضفاف النيل، أو في الشرفة، أو في الصحراء خرس الفجر. وليس من شاهد على أنه ~~تكلم ذات مرة إلا ذاكرة محطمة، وإدامة النظر والتطلع إلى أعلى واحتراق القلب لا تجدي ~~شيئا. والجوانح تنطوي على لوعة مشتعلة، صراخها يصك السماوات بلا أمل، وسخريات الشعر، ~~وشعر مارجريت الذهبي، وعينا وردة الرماديتان، وطيف زينب الخارج من الكنيسة، أشباح شاحبة ~~تهيم في رأس أجوف. وضحكات مصطفى تنعى أي أمل. أما صخب عثمان؛ فنذر نبي يبشر بالعدم. ~~وخاطبت المقاعد، ms65 والجدران، والنجوم، والظلام، وخاصمت الخلاء، وغازلت شيئا لم يوجد بعد، حتى ~~أراحني أمل قاتم، فوعدني بالخراب الشامل. وقد هان كل شيء، وتهتكت القوانين التي تحكم ~~الكائنات، وتعذر التنبؤ بطلوع الشمس. كيف أقبل بعد ذلك أن أنظر في ملف قضية، أو أن أناقش ~~مشكلة تتعلق بميزانية البيت! وقد قلت لحجرتي المغلقة: أي خطأ كانت تلك الهدنة التي أرجعتني ~~إلى البيت؟ # وقلت للقطة وهي تتمسح بساقي: سمعا وطاعة، سأرحل عن المأوى المكتظ بالعواطف المتطفلة ~~المعوقة. # ولم يبق من تسليات إلا أن أرقص فوق قمة الهرم، أو أقفز من فوق أعلى جسر إلى قاع النيل، ~~أو أقتحم الهلتون عاريا، ويقينا أن روما لم يحرقها نيرون، ولكن ضرمتها الأشواق اليائسة. ~~كذلك تزلزل الأرض، وتتفجر البراكين. # وقالت وردة في التليفون: ترى هل نسيت صوتي؟ # فقال بفتور: أهلا وردة. ~~- ألا تزورنا ولو في السنة مرة؟ ~~- كلا، ولكني تحت أمرك إن كنت في حاجة إلى شيء. ~~- أنا أحدثك بلغة القلب. # فقال ممتعضا: القلب! ... إنه مضخة. # وفي لحظة ألم حاد، لعن العلم المستعصي على أمثاله من البشر. وكان يتخفف من ألمه ~~بالاستسلام لجنون السرعة، وهو يندفع بسيارته في أطراف القاهرة. وتعددت رحلاته بلا هدف إلى ~~الفيوم، أو القناطر، أو طنطا، أو الإسكندرية. ويندفع بجنون حتى يثير الفزع والسخط. وكثيرا ~~ما يغادر القاهرة صباحا، ثم يرجع إليها صباح اليوم التالي دون نوم. وقد يدخل دكان بقال ~~ليسكر، أو يجلس في التريانون لينام، أو يشيع جنازة لا يعرفها ولا تعرفه، أو يغلبه النوم عقب ~~الفجر؛ فينام في السيارة، أو على شاطئ النيل حتى الصباح. وذهب مرة إلى مكتبه. وجد عثمان ~~منهمكا في العمل بطاقة مذهلة، وسأله الرجل: أين كنت في الأيام الماضية؟ # فرمقه باستهانة، وقال: في أماكن لا حصر لها. ~~- أنت مرهق بلا ريب، ترى: ماذا يدور في رأسك؟ # وكان الألم قد حرره من الحرج والحياء والخوف، حتى خوفه من عثمان قد اندثر، فقال: أفكر ~~في تفجير الذرة، فإن تعذر ذلك ففي القتل، فإن تعذر ذلك ففي الانتحار! # فضحك عثمان، ms66 ثم قال معترضا: ولكن مكتبك ... ~~- لقد عاشرتني مدة تكفي لأن تفهم. ~~- حدثني عما تنوي أن تفعله. # فقال بتصميم: آن الأوان لأن أفعل ما لم أفعله في حياتي، وهو ألا أفعل شيئا. ~~- لا شك أنك تمزح. ~~- لم أكن جادا كما أكون اليوم. # فتراجع عثمان أمام تجهمه الصارم، وقال برقة: ألا تفكر في استشارة طبيبك؟ ~~- لا أستشير أحدا فيما يجهله. # وزحف صمت مرهق حتى خرقه عمر متسائلا: وأنت هل تقصر جهودك على المحاماة؟ ~~- أجل، ولكني لا أكف عن التفكير. ~~- هل تنقلب مرة أخرى خطرا يهدد الأمن؟ # فقال باسما: هذا شرف لا أستطيع أن أدعيه بعد. # الحق أن ما يكتنفه من طنين يمنعه من حسن الاستماع إلى الصمت. لا بد من الذهاب. وهو بحال ~~من التوتر يسهل معها الجهر بأي سر؛ لذلك قال لزينب إنه سيوكلها عن نفسه في التصرف فيما ~~يملك، وإنه سيختفي عن مكتبه للعاملين فيه. وأظلمت عيناها كما تظلمان تحت الضربات التي ~~تتلقاها واحدة بعد أخرى. وقال لها إنه صمم على ألا يشغل نفسه بشيء، وأن يزيح الدنيا عن ~~عاتقه. ولها أن تعتبر الحال مرضا واضحا أو غامضا، ولكنه على أي حال لا يجد سبيلا أفضل ~~من الخلو إلى نفسه بعيدا عن الناس. وليس في الموضوع امرأة، يجب أن تصدقه، ولا لهو أو ~~عبث، ولكنها أزمة طاحنة بلغت ذروتها، ولن تنفرج إن كان مقدرا لها أن تنفرج إلا بالطريقة ~~التي اختارها. وتوسلت زينب قائلة: ولقد تركناك وشأنك، وإذا كنت كرهت العمل فاهجره، وإذا كان ~~الحنين يراودك على الفن فاستجب له، ولكن لا تهجرنا إكراما لأبنائك. # وخزه الكلام، ولكنه قال إنه لا فائدة ترجى من ثنيه عن عزمه الذي يسيره كالقضاء، فقالت: ~~لقد حدثني مصطفى طويلا، وآلمني أنك صارحته بما تخفيه عني، ولكني انتحلت لك بعض العذر أمام ~~نفسي لغموض الحال التي تعانيها، ولا تؤاخذني على عدم فهمي لما تبحث عنه من معنى لوجودك أو ~~للحياة، ولكني لا أجد علاقة بين ذلك وبين انقلابك على عملك، ومستقبلك، وأسرتك. لماذا لا ~~تعود ms67 إلى استشارة الطبيب؟ ~~- لذلك لم أصارحك بكل شيء. ~~- ولكن المرض ليس بعيب. ~~- إنك تظنين بي الجنون. # فبكت حتى اضطرب جذعها، ولكنه لم يلن، وقال بتصميم: الحل الذي اخترت فيه الخير لنا ~~جميعا. # فقالت بضراعة: اذهب إلى أي مكان حتى تسترد راحتك النفسية، ثم عد إلينا. ~~- ربما حدث ذلك، ولكن من الأفضل أن نوطن النفس على ذهاب لا رجعة منه. # فاسترسلت في البكاء حتى قال: إن لم أفعل ذلك، فإنني سأجن أو أنتحر. # ووقفت وهي تقول: بثينة ليست طفلة، ويجب أن تسمع رأيها. # ولكنه هتف بها: لا تضاعفي من عذابي. # ومن اليسير أن يخمن ما سيقال عن مرضه، عن عقله، ولكن لا أهمية لذلك ألبتة. ولعله حق. إنه ~~يخاطب الجماد والحيوان، ويناقش الكائنات المنقرضة. ويرى أحيانا وهو ينطلق بسيارته الأرض ~~المتماسكة وهي تتفتت، ثم تتحول إلى شبكة مترامية من الذرات حتى يضطر إلى التوقف، وهو يرجف. ~~وأحيانا وهو يرنو إلى شجرة أو النيل تتحقق للمنظور شخصية حية، وتتخذ هيئته ملامح خفية لا ~~يعوزها الشعور أو الإدراك، ويخيل إليه أنه يرامقه في حذر، وأنه يضع وجوده بإزاء وجوده هو ~~على مستوى الند للند، ومفاخرا في ذات الوقت بعراقته في الوجود، وخلوده النسبي في الزمن. ~~علام يدل ذلك؟ وعلام يدل نبذه للعمل، والأسرة، والأصدقاء؟ وعليه فيجب أن يكون حذرا، وإلا ~~وجد نفسه مسوقا إلى مستشفى الأمراض العقلية. # وجاء مصطفى وعثمان للاجتماع به. وأدرك أنهما دعيا إلى ذلك. ولم تنفع ضحكات مصطفى في ~~التخفيف من توتر الجو، ولم يكن يتكلم لدى استقبالهما. وجيء بالويسكي إلى الشرفة، فشرب كأسا ~~تحية للقادمين. وتبادلوا نظرات طويلة وشت بما تخفيه من إشفاق. وظهرت زينب دقيقة واحدة لتحية ~~الرجلين. وقالت وهي تهم بالانصراف: كنا أسعد أسرة، ولم يكن مثله في الرجال أحد، ثم انهار ~~كل شيء. # وأزهق تصريحها روح التردد، فلم يبق بد من الانقضاض على الموضوع. وتساءل مصطفى: هل حق ما ~~سمعنا؟ # ولم يجب مكتفيا بإشارة من وجهه المصمم. ~~- إذن فأنت ذاهب! # أجاب بصراحة كنصل مرهف: أجل. ~~- إلى ms68 أين؟ ~~- مكان ما. ~~- ولكن أين؟ # ولم يجب. المكان رغم لا نهائيته سجن، ومصطفى أحمق؛ إذ يستعمل لغة لا معنى لها. ~~- إذن جاء دورنا لتلقي بنا في صندوق الزبالة. # فقال عابسا: أمس بكت بثينة، ولكنها لم تسمع خيرا من هذا الجواب. # فقال مصطفى في جزع: أهذا هو آخر عهدنا بك؟ ~~- هو آخر عهدي بكل شيء. ~~- سوف أبكي بجماع روحي وجسدي. ~~- وأنا كابدت ما هو أشق من البكاء. # فتساءل مصطفى بحرارة: لأية غاية؟ # فقال بمرارة: لأنطح الصخر. # فقال عثمان: لا أفهم. # ولكن مصطفى واصل حديثه قائلا: ليكن ما تشاء، ولكن فلتبق بيننا. ~~- يجب أن أذهب. # فقال عثمان، وهو لا يحول عنه عينيه: ألا ترى أن تستشير الطبيب؟ # فأجاب بحدة: لست في حاجة إلى إنسان. ~~- ولكنك بنيان قائم، ولا يجوز أن يتهدم للاشيء. ~~- لست شيئا في الواقع. ~~- ألا يستطيع الإنسان أن يفكر وهو بين الناس؟ ~~- لن أفكر ألبتة. ~~- ماذا ستفعل إذن؟ # فقال بضيق: لا سبيل للتفاهم فيما بيننا. ~~- لكنني على ثقة من أنك تدفع بنفسك إلى الهلاك. ~~- أنت الذي تدفع بنفسك إلى الهلاك. ~~- إذا كان لا بد من الهلاك فمن الأفضل أن ننضم إلى ... # فقال ملوحا في قرف: لن أنظر إلى الوراء. ~~- إنك تجري في الحقيقة وراء لا شيء. # نشوة الفجر شيء أم لا شيء؟ وهل تكمن حقيقة كل شيء في اللاشيء؟ ومتى ينتهي العذاب؟ # واستطرد عثمان قائلا: تصور أن يقتدي بك العقلاء في هذه الدنيا! ~~- فليبق العقلاء للدنيا. ~~- لكنك واحد منهم. # فمسح على رأسه، ثم كور قبضته، ورمى بها إلى الأرض بازدراء قائلا: هاك عقلي تحت ~~قدميك. # فتساءل عثمان محزونا: ما جدوى هذه المناقشة؟ ~~- هي عقيمة، ولا جدوى منها، وغدا لن تقع علي عين. # وقال مصطفى متأوها: لا أصدق كلمة واحدة مما يقال. # فقال وهو يخفي عينيه في الأرض: من الخير أن تنسياني كأن لم أكن. # فقال مصطفى: ولكنه فوق الاحتمال. # وتصلب وجه عثمان في حزن غاضب. وأسدل عمر على وجهه ستارا أصفر من اللامبالاة. وتحول ~~شخصاهما في نظره إلى مجموعتين من ms69 الذرات فامحت ذواتاهما. ومن صراعه الباطني أدرك أن حبهما ~~ما زال عالقا بفؤاده كأسرته. ذلك الصراع الذي يحمل أعصابه ما لا تحتمل من ضغط وتمزق. ~~وتاقت نفسه إلى لحظة الانتصار المأمولة، لحظة التحرر الكامل. # 18 # عندما يظفر قلبك بضالته سيجد نفسه خارج أسوار الزمان والمكان. ولكنك ما زلت تشقى باللوعة ~~في البيت الصغير ككوخ، تنبسط من حولك الأرض المعشوشبة، وتحيط بها على مدى السور أشجار السرو ~~الرفيعة المقام. متى اليوم الذي يغيب عنك السرو وما يحدق به؟ يوم تسكت أشجان الليل ~~المستقطرة من هسيس النبات، وزفرات الصراصير، ونقيق الضفادع. يوم لا ترهقك ذكرى ماضية، ~~ويستأثر بك اللاشيء، وتتلاشى أصداء الترانيم الهندية، والتأوهات الفارسية، فتستقبل شعاع ~~النشوة الوردي بلا وسيط. نشوة الفجر العصماء العصية لتشدك بقوة المجهول إلى قبة السماء. ~~هنالك لن يعرف قلبك النوم، ولا حواسك الصحو. # وقفت بثينة رشيقة كشجرة السرو، وأجالت عينيها الخضراوين بين الحديقة والحقول المترامية ~~وراء الأسوار، والترعة الجارية بين صفين من أشجار السنط، وسألته في عتاب: أمن أجل ~~هذا؟! # ضعفت أمام طلعتها، فمسحت برفق على موجات شعرها، وغمغمت: بل من أجل اللاشيء. ~~- ألا تخاف الوحشة في الخلاء؟ # فهمست في أذنها: أرهقتني الوحشة في الزحام. # وتباعدت خطوة وهي تقول: أمس عثمان قال ... # فقاطعها برفق: ألم تفطني يا بنيتي بعد إلى أنني أصم؟ # فغادرت الحديقة من الباب الخشبي القصير المغروس في سور اللبلاب والنرجس، واختفت عن ~~الأنظار. وتنهدت في إعياء، وفتحت عيني في الظلام. ماذا يعني هذا الحلم إلا أنني لم أبرأ ~~بعد من نداء الحياة؟ وكيف أفكر فيك طيلة يقظتي، ثم تعبث بمنامي الأهواء؟ ~~••• # وعانقك مصطفى بحرارة ومرح، ثم نظر في عينيك نظرة حادة وحزينة. ورأيت مكان صلعته شعرا ~~أسود غزيرا، مسترسلا إلى الوراء، فلم تملك أن تشير إليه قائلا: مبارك عليك شعرك، ولكن ~~ماذا فعلت؟ # فقال بجدية غير معهودة فيه: تلوت سورة الرحمن عند السحر. # فسألته بدهشة: ومتى عرفت الطريق إلى الرحمن؟ ~~- منذ اعتزلت أنت العالم في هذا المكان. ~~- ولم جئت؟ ~~- لأقول لك: إن زينب ms70 تعمل بقوة عشرة من الرجال. ~~- لها الله. # وألقى على البيت والحديقة والحقول نظرة، ثم قال: ما أجدر هذا البيت بأن يكون مهد غرام أو ~~مثوى فنان! # فجفلت قائلا: ها أنت تعود إلى الهزل. # فتأوه قائلا: لم يبق لنا إلا الهزل، نحن بنو العصر الحجري، ولكنك بدل أن تهزل جننت بحب ~~اليأس. # فتراجعت وأنا أقول: ألم تدرك أنني ميت الحواس؟ # فهز منكبيه استهانة، وتسلق شجرة سرو حتى بدا أعلى من البدر الصاعد فوق الأفق، وراح يحرك ~~يده بجرس ذي رنين شديد حتى زحفت من الحشرات أنواع شتى، ومضت ترقص حول الشجرة في ضوء القمر. ~~والتمعت صلعته تحت ضوء القمر. # وتنهدت في إعياء، وفتحت عيني في الظلام. ماذا يعني الحلم إلا أنني لم أبرأ بعد من نداء ~~الحياة؟ وكيف أفكر فيك طيلة يقظتي، ثم تعبث بمنامي الأهواء؟ ~~••• # وأمس جلت بأنحاء الحديقة مرددا شعر المجنون. وعندما بلغت السور الشمالي الذي ترى وراءه ~~الترعة، هزني صوت حلقي وهو يصيح: أين الباب يا رجل؟ # عثمان يعتلي دراجة بخارية مزركشة العجلة والمقود بالأعلام الصغيرة على طريقة أهل البلد في ~~الأعياد. وقلت له دون مجاملة: لا تدخل. # فهتف: ألم تدر بالمعجزة؟ ... لقد عبرت سطح الترعة بالدراجة. ~~- لا أومن بالمعجزات. # فضحك عاليا، وهو يقول: لكننا في عصر المعجزات. # تراجعت خطوة وأنا أسأله: ماذا تريد؟ # فقال بجدية وجلال: جئتك موفدا من الأسرة. ~~- لا أسرة لي. ~~- ألم تدر بالمعجزة؟ لقد ظهر لأسرتك فروع جديدة في القارات الخمس، أفلا تود أن ترجع إلى ~~ذلك المزيج العجيب من البلاتين والفحم؟ # فقلت متحديا: ألم تدر بأن أسرتنا الحقيقية هي اللاشيء؟ # فقال مهددا: سأطاردك بفرقة كاملة من الكلاب المدربة. # وقعقع أزيز الدراجة، وارتفع نباح الكلاب، فتنهدت في إعياء، وفتحت عيني في الظلام. ماذا ~~يعني هذا الحلم إلا أني لم أبرأ بعد؟ وكيف أفكر فيك طيلة يقظتي ثم تعبث؟ ~~••• # وسهرت الليل كله في الحديقة. ولم يكن معي في الظلام شيء، والنجوم تومض في القبة. وساءلتها ~~عن أشواقي، وساءلتها متى يتحقق الحلم المنشود؟ وصرخت حتى اضطربت ms71 لصراخي خلايا السرو. وعاتبت ~~كل شيء ولا شيء، ورنوت إلى نجم متألق بين النجوم. ~~- أريد أن أرى. # فهمس: انظر. # فنظرت فرأيت فراغا لا شيء فيه. ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه، فهمس: انظر. # فانحسرت هالة من الظلام عن رجل عار، وحشي الملامح، مسدل الشعر حتى المنكبين، يقبض ~~بيمناه على عصا من الحجر الصلد، ويتحفز للقتال. ووثب نحوه وحش لم تره عيني من قبل كأنه ~~تمساح، ولكنه يقوم على أربع أرجل طوال، وله وجه ثور. ودارت بينهما معركة دامية، انتهت بسقوط ~~الوحش، وتراجع الرجل مترنحا، والدماء النازفة تخضب وجهه وصدره، وتسيل فوق ذراعيه، ولكنه ~~رغم آلامه ابتسم. # ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه وأنت تعلم، فهمس: انظر. # فانجابت الظلمة عن فسحة من المكان تكتنفها غابة، وينهض في خلفيتها جبل. وانحدر من الجبل ~~قوم عرايا مدججون بالأحجار، فتصدى لهم آخرون من الغابة لا يقلون عنهم وحشية، أو رغبة في ~~القتال. ودارت معركة عنيفة، وعلا الصراخ، وسالت الدماء. حتى الوحوش الكاسرة ولت لائذة ~~بأعالي الشجر والقنوات وقمة الجبل. وانهزم أهل الغابة؛ فسقط منهم من سقط، وأسر من ~~أسر، وهلل أهل الجبل. # ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه وأنت تعلم، فهمس: انظر. # فرأيت جموعا تعكف على الأرض، تحرثها وتزرعها، وقوافل تسير محملة بالبضائع، وطائفة تمتطي ~~الخيل مدججة بالسلاح متأهبة للقتال. # ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه وأنت تعلم، فهمس: انظر. # فرأيت جبهة عالية، يرتسم التفكير في أخاديدها، وصاحبها منكب على أوراق يخط فوق صفحاتها ~~أرقاما لا نهاية لها. # ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه وأنت تعلم، فهمس: انظر. # ولم أر شيئا أول الأمر. ولكني شعرت بوثبة تبشر بالنصر، وشاع في صدري شعور غامر ~~بالسعادة. وتذكرت الإحساس الباهر الذي سبق الرؤيا ساعة الفجر بالصحراء. ولم أشك في أن ~~النشوة آتية بموسيقاها، وأن العريس سيبزغ وجهه. وانجابت الظلمة عن منظر آخذ في الوضوح ~~رويدا والتوكد. وخفق قلبي كما لم يخفق من قبل، وتمخض عن باقة، هيئة باقة ورد، غير أن ~~وجوها ms72 آدمية حلت محل ورودها. وما لبثت أن تبينت فيها وجوه زينب، وبثينة، وسمير، وجميلة، ~~وعثمان، ومصطفى، ووردة. ذهلت من الدهشة ، وحملقت فيها بإنكار. وباخ حماسي مرة واحدة، وتجرعت ~~غصص الخيبة. ليس هذا ما أتوق لرؤية وجهه وأنت تعلم. أين وجهه؟ ... أين وجهه؟ ولكن المنظر تشبث ~~بكينونته. وازداد مع الوقت دقة ووضوحا، وتبادلت أشخاصه الألاعيب. تبدت زينب برأس وردة، ~~ووردة برأس زينب. ولبس عثمان صلعة مصطفى، ونظر مصطفى إلي بعيني عثمان. وإذا بسمير يثب إلى ~~الأرض متخذا من رأس عثمان رأسا له، ثم يحبو نحوي. وفزعت فعدوت، والكائن المركب من سمير ~~وعثمان يتبعني. وكلما زدت من سرعتي زاد هو من سرعته وإصراره. وقفزت من فوق السور الأخضر، ~~فوثب الآخر من فوقه كجرادة. وركضت بحذاء الترعة، والآخر في أثري كثور عنيد. وعدوت، وعدوت ~~حتى سرى الإنهاك في عضلاتي، وانبهرت أنفاسي، وخارت قواي، ودار رأسي؛ فهويت إلى الأرض. ~~انطرحت على وجهي فوق عشب ندي، وقدما الآخر تقتربان مني في إصرار، وكأنهما تزدادان قوة. عبث ~~الشيطان بالحلم. وبدلا من النشوة حلت اللعنة، واستحالت الجنة ملعبا للمهرجين. وتخليت عن ~~فكرة المقاومة، واستسلمت للأرض المعشوشبة. ورفعت رأسي قليلا لأنظر فيما حولي، سمعت صفصافة ~~تترنم ببيت من الشعر، واقتربت مني بقرة قائلة: إنها سوف تتوقف عن در اللبن لتتعلم ~~الكيمياء. وزحفت حية رقطاء، ثم بصقت أنيابها السامة، وراحت ترقص في مرح. وانتصب الثعلب ~~حارسا بين الدجاج. واجتمعت جوقة من الخنافس، وغنت أغنية ملائكية. أما العقرب فتصدت لي في ~~لباس ممرضة. # وتنهدت في إعياء، وفتحت عيني في الظلام، ماذا يعني هذا الحلم إلا أنني ... وكيف أفكر فيك ~~طيلة يقظتي، ثم ... # 19 # استلقيت على ظهري فوق الحشائش رانيا إلى الأشجار الراقصة بملاطفات النسيم في الظلام. ~~أنتظر وإن طال الانتظار، وإذا بأقدام تقترب، وصوت يهمس: مساء الخير يا عمر. # وانتصب شبح إلى جانبي. ما أكثر الأحلام! ولكنني لا أرى شيئا، وقال: كدت أيأس من العثور ~~عليك، كيف ترقد هكذا؟ ألا تخاف الرطوبة؟ # وجلس إلى جانبي فوق الحشائش ومد يده، ولكني ms73 تجاهلته؛ فقال: أنسيت صوتي؟ ... ألم تعرفني ~~بعد؟ # قلت متأوها: متى يكف الشيطان عني؟! ~~- ماذا قلت يا عمر؟ بالله حدثني فأنا في غاية من الضيق. ~~- من أنت؟ ~~- يا عجبا! ... أنا عثمان خليل. ~~- وماذا تريد؟ ~~- أنا عثمان، لقد وقع المحذور وأنا مطارد. # تحسست جسمه بيدي، وقلت: ليس هذا بجسم سمير، فماذا تعني هذه المرة؟ ~~- سمير؟! ... إنك تخيفني. ~~- ولكني لن أخاف، ولن أعدو كالمجنون. # فلمس ذراعي، وقال: بالله حدثني كصديق، لا تدفع بي إلى اليأس منك. ~~- وماذا يهم؟ ~~- أصغ إلي يا عمر، إني في موقف خطير، إنهم يبحثون عني في كل مكان، وإذا ألقوا القبض ~~علي هلكت. ~~- إذن فأنت الهارب هذه المرة. ~~- سأختبئ عندك حتى أتمكن من الهرب. # فتساءلت في حزن: كيف جاء بك الشيطان؟ # فأجاب بلهفة: كنا نعرف مكانك من أول يوم، وليس ذلك بالمطلب العسير على صحفي مدرب كمصطفى، ~~وكثيرا ما حام مصطفى حول مسكنك، وأوصى بك الفلاحين الذين يجيئونك بالطعام، ولكننا لم نرد ~~أن نزعجك. # فهتفت متأوها: هم الذين حالوا بيني وبين وجهه. ~~- بل لم نزعجك مرة واحدة طوال عام ونصف عام. ~~- لن أبالي حتى إذا وضعت رأسك مكان رأس سمير! # فقال بحسرة: ماذا أصابك؟ ... لا ... لا، لن أصدق أنك لم تعرفني بعد. ~~- صدق أو لا تصدق. ~~- أصغ إلي يا عمر، سأصارحك بحقيقة مذهلة، لقد تزوجت من بثينة. ~~- فليعبث الشيطان ما شاء له العبث. # فقال، وهو يدني وجهه من وجهي: رغم فارق السن تزوجنا، هو الحب كما تعلم، وفي بطنها الآن ~~ينبض جنين، هو ابني وحفيدك. ~~- كما كنت ابني وعدوي. ~~- ألم توقظك الأخبار العجيبة؟ ~~- كما لفظت الحية أنيابها السامة ورقصت. ~~- يا للخسارة! ~~- هذا ما أردده دائما، وما من مجيب. # فربت على صدري برفق، وقال: عد إلى وعيك، إنهم في أشد الحاجة إليك، لقد هربت في اللحظة ~~المناسبة، ولكنهم يجدون في البحث عني، ولقد فتشوا مكتبك، وأخشى أن يسيئوا بك الظن، عد ~~لتعلن براءتك، وترعى أسرتك، بثينة تنتظر وليدا، ولن تراني أبدا. ~~- وأنا لم أره. ~~- ألا تريد أن تفهم؟ ~~- أموت كل ms74 يوم عشرات المرات كي أفهم، ولكنني لا أفهم. ~~- ألم تفهم أنني زوج ابنتك، وأنه مقضي علي بالاختفاء أو الموت؟ ~~- اجر حتى تسقط إعياء، وسوف ترى الخنافس وهي تغني. ~~- يا للفظاعة! ~~- يا للفظاعة. # فهزني بشيء من الشدة، وقال بغضب: اصح، لا وقت للهذيان، يجب أن أفهمك كل شيء قبل أن ~~أذهب. ~~- اذهب، لا تكدر صفو أحلامي. ~~- يا للتعاسة! ماذا فعلت بنفسك؟ ~~- سوف ييأس الشيطان مني. ~~- اصح، أسرتك في خطر، إذا اتجه الشك إليك فسيتعرضون للبهدلة، أنا لا أخاف على نفسي؛ فقد ~~نذرتها للهلاك، ولكن يجب أن تعود إليهم. ~~- عد إلى الجحيم فهو مقرك. # وهزه مرة أخرى بحنق قائلا: يجب أن أهرب، ويجب أن تعود. ~~- ابق إذا شئت لترى بعينيك انتصاري. # فهز رأسه في أسف، وقال: يا لك من أحمق! بددت مجدك في البحث عن شيء غير موجود. ~~- متى تصدق أنت أنك غير موجود؟ # نهض الرجل قائما وهو يقول: أشهد أنني يئست منك، رغم أن اليأس ليس في قاموسي. ~~- ها قد يئس الشيطان! # ابتعد الشبح في الظلام، وهو يقول بحزن: الوداع يا أخا الجهاد القديم. # عاد السكون إلى الليل، ولكن ذلك لم يطل، سرعان ما عاد الرجل مهرولا وهو يقول: جاءوا، كيف ~~اهتدوا إلي بهذه السرعة؟ # وجرى في الحديقة نحو السور الغربي، وسرعان ما رجع وهو يقول في هياج: إني محاصر. # وجرى نحو المبنى الصغير، ورنوت إلى النجوم في سلام نسبي. ولكن صوتا مزعجا ترامى صياحه ~~وهو يقول: سلم نفسك، عثمان خليل ... سلم نفسك، أنت محاصر من جميع الجهات. # لم أسمع جوابا، واتجهت عيناي نحو مصدر الصوت الغارق في بهيم الليل، وغمغمت: الشيطان ~~يتمادى في عبثه، ولكني لست محاصرا، بل أنا حر. # وترامت الأصوات من جميع النواحي المحدقة بالسور، واقتربت رويدا، وصاح صوت أشد إزعاجا من ~~الأول: المقاومة لا جدوى لها، ولا معنى لها. # ولم يرد المختبئ، وغمغمت: كل شيء له معنى. # وإذا بأضواء كشافة تجتاح البيت من جميع الجهات، فتجعله شعلة من نور، وضاق الخناق على ~~المكان كله، وصاح الصوت: سلم ms75 يا عثمان، اخرج رافعا ذراعيك. # وتأوهت متمتما: متى تسكت عني أصوات الشياطين؟ # وصاح الصوت الرهيب: ألا ترى أن أي مقاومة عبث ؟ # فهمست: لا شيء في الوجود عبث. # واندفعت أقدام مصحوبة بصياح في الناحية الخلفية للبيت الصغير. وخرج شبح إلى الشرفة ~~الأرضية المتصلة بالحديقة وزعق: انتهى ... انتهى ... قبض عليه، وانتهى كل شيء. # وهمست: ليس لشيء نهاية. # واندفع عديد من الأشباح في الحديقة راكضين نحو البيت. وعثر أحد الراكضين بساقي؛ فسقط على ~~وجهه، وصاح: حذار، يوجد آخرون. # وانطلق عيار ناري. وندت عني تأوهة عميقة، وشعرت بألم حاد كأنه ألم حقيقي لا عبث شيطان ~~بحلم. # وتنهدت في إعياء، وفتحت عيني. ماذا يعني هذا الحلم إلا أنني لم أبرأ بعد؟ وكيف أفكر فيك ~~طيلة يقظتي، ثم تعبث بمنامي الأهواء؟ ولكن مهلا، أين أنا؟ أين النجوم؟ أين أعشاب الحديقة، ~~وأشجار السرو؟ هذه سيارة تنطلق، وأنا راقد على مقعد طويل جانبي يجلس على طرفه رجل. وعلى ~~المقعد المواجه لي في الجانب الآخر من السيارة يجلس عثمان صامتا بين رجلين. لا شك أني ما زلت ~~أحلم. وثمة ألم في منكبي يدفعني إلى التأوه، وقال صوت: من المؤكد أن الرصاصة اخترقت ~~الترقوة، ولكنه جرح سطحي لا خطر منه. # ترى ماذا يعني هذا الحلم؟ وأين يذهب بي؟ ومتى يسكن الألم الحاد بمنكبي؟ ومتى أنتصر على ~~الشيطان وعبثه؟ ومتى تختفي من أحلامي الدنيا ومن فيها؟ وتأوهت رغما عني، فقال صوت: اصبر ~~قليلا. # فقلت بتحد: زولوا لأرى النجوم. ~~- أنت بخير. # فقلت بعناد: إني بخير ما انتصرت عليكم. ~~- اهدأ، سيراك الطبيب فورا. ~~- لا حاجة بي إلى إنسان. ~~- لا تجهد نفسك بالكلام. # فقلت بإصرار: لقد تكلمت الصفصافة، ورقصت الحية، وغنت الخنافس. # ومضى يردد ذلك بصوت خافت. وأغمض عينيه، ولكن الألم لم يسكن، وتساءل متى يرى وجهه؟ ألم ~~يهجر الدنيا من أجله؟ ~~••• # خامره شعور بأن قلبه ينبض في الواقع لا في حلم، وبأنه راجع في الحقيقة إلى الدنيا. # ووجد نفسه يحاول تذكر بيت من الشعر. متى قرأه؟ وأي شاعر غناه؟ # وتردد الشعر في وعيه ms76 بوضوح عجيب: # إن تكن تريدني حقا فلم هجرتني؟ ms77