######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.ShahrCasal.Hindawi73904814 #META# Tags: novels #META# ID: 73904814 #META# Title: شهر العسل #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # شهر العسل‏ # العالم الآخر‏ # فنجان شاي‏ # روح طبيب القلوب‏ # موقف وداع‏ # وليد العناء‏ # نافذة في الدور الخامس والثلاثين‏ # شهر العسل‏ # العالم الآخر‏ # فنجان شاي‏ # روح طبيب القلوب‏ # موقف وداع‏ # وليد العناء‏ # نافذة في الدور الخامس والثلاثين‏ # | شهر العسل # | شهر العسل # تأليف # نجيب محفوظ # | شهر العسل # تهلل وجهاهما بالرضا وهما يدخلان. وقفا تحت النجفة الصغيرة يلقيان نظرة شاملة على ~~الحجرة، وقاسا بعين دقيقة المسافة بين الكنبة الرئيسية والصوان الجامع للراديو والتلفزيون. ~~ونظرا إلى الفريجدير القائم في الركن بشيء من الفتور؛ إذ كانا يتمنيان لو اتسعت له حجرة ~~السفر. قال باسما وهو يختال في بذلته الجديدة: مباركة عليك الشقة الجديدة يا ~~حبيبتي. ~~- مباركة عليك يا حبيبي. ~~- يتجلى ذوق والدتك في تنسيقها البديع. ~~- ولا تنس دور ذوقي في ذلك. # فلثم خدها وهو يضحك، ثم قال: شقة لقطة! ~~- حقيقة. ~~- ترى أين أم عبد الله؟ ~~- لعلها في المطبخ أو الحمام. ~~- ترينها يا عزيزتي أهلا للثقة؟ ~~- كل الثقة، لم تفارق ماما مذ كانت في العاشرة. ~~- ستقيم في شقتنا أكثر منا، وستدير جميع شئونها، أما نحن فلن نهنأ بها إلا حين الراحة ~~والنوم. ~~- ندر بين أمثالنا من الأزواج العاملين من ظفر بمدبرة بيت مثلها. ~~- أي بهجة لشقة جميلة كهذه بدون مدبرة؟ ~~- هذه هي الحقيقة، هي في ذات الوقت مشكلة، ولكن ... # وجعلت تتشمم الهواء في قلق وتتساءل: ألا تشم رائحة غريبة؟ ~~- رائحة غريبة؟ # وراح يتشمم بدوره ثم قال: أجل .. ثمة رائحة غريبة. ~~- رائحة طبيخ. # وقاما بجولة تفتيش في الأركان؛ تحت المقاعد، تحت الكنبة، وصاح الشاب باستنكار: توجد ~~حلة تحت الكنبة. ~~- حلة؟! # أخرجها الشاب بوجه متقزز وهو يتمتم: حلة طبيخ في حجرة الجلوس! ~~- وهو طبيخ حامض، ما معنى ذلك؟! ~~- شيء لا يتصوره العقل. # وصفق بيديه بشدة ونرفزة، وصاحت الفتاة: أم عبد الله! # ترامى إليهما وقع أقدام ثقيلة. دخل رجل قصير بدين، مصبوب في كتلة قوية كأنه برميل. ~~غليظ الرأس والوجه والعنق كأنه مصارع محترف، ومن عينيه الغائرتين تنبعث نظرة جامدة بليدة. ~~وقف في بنطلونه الترابي وقميصه الأسود وحذائه المطاط ms01 ، ينظر إليهما ببلادة وعدم اكتراث. ~~صرخت في عينيهما نظرة ذاهلة غير مصدقة. تبادلا نظرة سريعة، ثم عادا للحملقة في وجهه البليد. ~~وسألته الفتاة: من أنت؟ # لم يجب. كأنه لم يسمع. سأله الشاب بصوت رنان: من أنت؟ # فنظر إلى الشاب مليا ثم تمتم بهدوء بارد: أنا ابن أم عبد الله. ~~- ومن أذن لك بدخول الشقة؟ ~~- استدعتني لأحل محلها في أثناء غيابها. ~~- أليست في الداخل؟ ~~- سافرت إلى طنطا لحضور مولد السيد. ~~- متى سافرت؟ ~~- صباح اليوم. # فقالت الفتاة باستياء: لكنها لم تستأذن منا، بل ولم تخطرنا ... # فجعل ينظر ببلادة وعدم اكتراث حتى سأله الشاب: ومتى ترجع؟ ~~- لا أدري. ~~- وماذا كنت تفعل؟ ~~- لا شيء ... ~~- ماذا تعرف من شئون المنزل؟ ~~- لا شيء. ~~- ألك حرفة تتعيش منها؟ ~~- كلا. ~~- وكيف تعيش؟ ~~- آكل وأشرب وأنام. # فنفخ الشاب في يأس، ثم سأله: ولم استدعتك أمك إذا كنت لا تحسن شيئا؟ ~~- لأحل محلها في أثناء غيابها. ~~- ولكنها تقوم هنا بكل شيء. ~~- قالت لي ابق هنا حتى أرجع. # لوى الشاب شفتيه امتعاضا. أشار بحدة إلى الحلة، وسأله: ألم تر هذه الحلة من ~~قبل؟ # فنظر الرجل إليها في بلاهة وقال: لا أتذكر. ~~- ألم تأكل من الكرنب؟ ~~- أكلت. ~~- في هذه الحجرة، أليس كذلك؟ ~~- لا أتذكر! ~~- ثم دفعت بها تحت الكنبة؟ # فقال في ابتهاج طارئ: بحثنا عنها طويلا ... # فنفخ الشاب في غيظ وقال: لا جدوى من الكلام، على أي حال تفضل غير مطرود! # فاستدار ليرجع من حيث أتى؛ ولكن الشاب استوقفه ثم أشار إلى ردهة مفضية إلى الباب ~~الخارجي، فمضى الرجل نحوها بشكل آلي، غاب قليلا ثم رجع وهو يقول: ذاك الباب يؤدي إلى ~~الخارج! ~~- أعرف ذلك. ~~- أتطردني؟ ~~- لا حاجة بنا إليك؟ ~~- قالت لي ابق حتى أرجع. ~~- ولكني صاحب الشقة! ~~- أنا لا أعرف إلا أمي! # فصاحت الفتاة: أتريد أن تبقى بالقوة؟ # فقال بثقة: سأبقى حتى ترجع. ~~- ولكننا لا نريدك. ~~- سأبقى حتى ترجع. # فذهلت الفتاة ونظرت صوب زوجها. شعر الفتى بأنه مطالب بأداء واجب فوق احتماله. وبدا ~~أمام الرجل كغصن طري حيال جذع شجرة بلح ms02 . واحتدم غضبا فصاح بالرجل: اذهب في الحال. ~~- قالت لي ابق حتى أرجع! ~~- اغرب عن وجهي بلا مناقشة. ~~- لن أذهب، اذهب أنت إذا شئت! # أعماه الغضب فانقض على الرجل ودفعه بكل قوته. لم يتأثر الرجل أقل تأثر ودفعه بكتفه ~~دفعة بسيطة فانقذف الشاب إلى أقصى الحجرة متعثرا في طريقه بخوان، فسقطا سويا. نهض بسرعة ~~لاعنا؛ ولكنه كف عن تجربة قوته. واندفعت الفتاة نحو النافذة المطلة على الطريق ففتحتها ~~على مصراعيها، وراحت تصوت بأعلى صوتها مستغيثة. وإذا بأصوات ترتفع لاعنة في غضب، وإذا ~~بالطوب ينهال على النافذة ويمرق بعضه إلى داخل الحجرة حتى تنحت الفتاة والفتى في ركن آمن ~~وهما مذهولان. # تساءلت وهي ترتجف: ماذا جرى للناس؟ ~~- يقذفوننا بالطوب بدلا من إغاثتنا! # والرجل الغليظ لم يسكت. تقدم خطوات فتناول الخوان المقلوب وجرى نحو النافذة فرمى به ~~منها بأقصى قوته، ثم أغلق النافذة! صاح الشاب: ماذا فعلت؟ # فعاد إلى موقفه وهو يقول: طيلة الوقت تبادلنا الضرب. ~~- الضرب؟ ~~- وانتصرت عليهم دائما! # فسألته الفتاة بحنق: كيف جعلت من شقتي ميدان قتال؟ ~~- الحق عليهم، كلما ظهرت في نافذة بادروني بمعاكساتهم، اضطررت إلى قذفهم بالأطباق فقذفوني ~~بالطوب ... ~~- لقد جعلت من أهل الطريق أعداء لنا! ~~- لا يهمك. ~~- ألا ترى أنك تتصرف في الشقة كما لو كانت ملكك الخاص؟ ~~- الحق عليهم كما قلت لك. ~~- إنك تبدد الأشياء الثمينة وتعرضنا للخراب. ~~- أهذا جزاء من يدافع عن شقتك؟ ~~- يا سيدي تشكر، ما نريد منك إلا أن تذهب بسلام! # هز منكبيه العريضين ثم ذهب إلى الردهة المفضية إلى الباب الخارجي. لكنه لم يلبث أن عاد ~~فرفع الحلة في هدوء ومضى بها إلى الداخل. همست الفتاة: النجدة! # انتقل الشاب إلى التليفون فرفع السماعة، جعل ينقر عليه. ثم أعادها غاضبا وهو يقول: ~~حرارته مفقودة! ~~- رباه! ~~- لعله عبث به، ومن يدري؛ فلعله عبث بالراديو والتلفزيون أيضا ... ~~- كارثة حلت بشقتنا الجديدة، ولكن لا بد من عمل شيء. ~~- فلنذهب سويا إلى نقطة الشرطة. ~~- قد ينتقم من الشقة في غيابنا! ~~- لا بد مما ليس منه بد. # مضيا معا ms03 نحو الباب الخارجي ولكنهما رجعا وهو يقول: أغلق الباب بالمفتاح! # ومضى يفتش عن المفتاح حيث وضعه على ترابيزة صغيرة فلم يجده .. تمتم: ليس الوحش غبيا كما ~~تصورت. ~~- لقد سجننا! ~~- حتام نمضي في السجن تحت رحمته؟ ~~- ذلك لا يمكن أن يقع ولا في الخيال! # وإذا بدفقة مروعة من أصوات خشنة مختلفة المصادر تنقذف من ناحية المطبخ؛ وقع أقدام، ~~ارتطام بجدران، سقوط أوعية، تحطيم آنية، صيحات وعيد. وقبل أن يفيق الزوجان من الصدمة ~~الجديدة اندفع الرجل الغليظ مشتبكا مع آخر في مثل حجمه إلى الحجرة وهما يتصارعان. تصارعا ~~بعنف ووحشية، وكل منهما يحاول قهر الآخر؛ فمرة هذا تحت الآخر، ومرة العكس. حتى تمكن الرجل ~~الغليظ من غرس الآخر تحته دون أن يدع له فرصة للإفلات أو الحركة، ثم هتف بصوت جذلان: فيفا ~~فلا! # ونهض فنهض الآخر. تصافح الاثنان كما يتصافح متباريان عقب مباراة عادلة. وانتبها إلى ~~الزوجين فجعلا ينظران إليهما ببلادة وبرود. وحل صمت ثقيل كالاختناق. ثم خرج الشاب من ~~ذهوله فأشار إلى الرجل الجديد وسأل ابن المدبرة: من هذا؟ ~~- صديق! ~~- أكان موجودا معك من قبل؟ ~~- نعم. ~~- هل علمت أمك بوجوده؟ ~~- كلا. ~~- وكيف تدعوه إلى شقة آخرين؟ ~~- دعوته لأني لا أحب الوحدة، ولنواصل تدريبنا ... ~~- أأنت رجل عاقل؟ ~~- نحن نتصارع في الموالد، ولا غنى لنا عن التدريب المستمر. ~~- لعلك توهمت أنك صاحب الشقة! ~~- أنا لا أحب الإقامة في البيوت! # فقالت الفتاة: إذن غادر بيتنا مصحوبا بالسلامة! ~~- قالت لي ابق حتى أرجع ... # فقال الشاب: نحن على استعداد للذهاب، فلم أغلقت الباب بالمفتاح؟ ~~- حتى ترجع أمي من المولد. ~~- ولكننا نريد أن نذهب. ~~- إلى أين؟ ~~- يا له من سؤال! ألسنا أحرارا؟! ~~- من أدراني أنكما صاحبا الشقة الحقيقيان؟ ~~- أيداخلك شك في ذلك؟ ~~- يجب أن تبقيا معنا حتى ترجع أمي من مولد السيد. # فعض الشاب على أسنانه من الغيظ وقال: على الأقل يجب أن تلتزم بالنظام! # فأشار الرجل الغليظ إلى زميله قائلا: أراد أن يجرب قوته معي، وقد رأيت النتيجة ~~بنفسك! ~~- حسبكما ما كان من ضجيج وتخريب. ~~- لن ms04 يأتيك من ناحيتنا بعد ذلك إلا الطرب! ~~- أريد الهدوء الشامل الكامل ... ~~- ألا تحب الغناء والرقص؟ ~~- الغناء والرقص! ~~- معنا في المطبخ راقصة وبعض أفراد الجوقة! # فصاح الزوجان معا: ماذا تقول؟! ~~- إنهم من الزملاء الموثوق بهم ... ~~- لقد جعلت من الشقة ساحة مولد! ~~- لم تعقدان الأمور بلا سبب؟ ~~- كل ذلك وتقول بلا سبب؟! ~~- ما كنت أتصور وجود ناس يكرهون الناس والطرب بهذه القوة! # ورفع منكبيه العريضين استهانة، ثم تأبط ذراع صاحبه، ومضى به إلى الداخل. وجعلا ~~يتبادلان النظر في غضب ويأس حتى ترامى إليهما دق دف وعزف مزمار وإيقاع رقص، وما لبثت ~~الحناجر الخشنة أن غنت بغرابة: # يا زرمباحه يا زرمباحه # خواتمك ستة وقداحه # هتفت الفتاة: سأجن إن لم أكن جننت بالفعل. # ومضى الشاب نحو النافذة بتصميم، فقالت له محذرة: الطوب! ~~- لعلهم ذهبوا. # ثم وهو يمسك بمقبض الضلفة: علينا أن نوصل صوتنا إلى الناس! # ولكن ما كادت الضلفة تتحرك حتى انهال الطوب عليهما كالرصاص. أغلقها مرة أخرى وهو يسب ~~ويلعن، وتساءل فيما يشبه التنهد: غلبنا على أمرنا؟ # فتمتمت: إنه كابوس قاتل ... ~~- ولكن لا بد أن يوجد مخرج. ~~- أجل، يجب أن يوجد مخرج. ~~- ولكن ما هو؟ # وتفكر قليلا ثم تساءل: لنسأل أنفسنا: ماذا نريد؟ ~~- أظننا جئنا ونحن نحلم بقضاء شهر عسل سعيد! ~~- ولكن عاقنا عن ذلك وجود أولئك الشياطين. ~~- فعلينا أن نتخلص منهم. ~~- طيب، فلنفكر كيف يمكن التخلص منهم؟ ~~- الباب مغلق، التليفون معطل، النافذة ينهال عليها الطوب. ~~- إذن فلا مفر من الاعتماد على أنفسنا! ~~- ولكننا دونهم في القوة بما لا يقاس! ~~- ولكن هنالك الحيلة. ~~- أجل .. الحيلة. ~~- هل يسعنا حبسهم في المطبخ؟ ~~- يلزمنا معاينة المكان هنالك. ~~- سأذهب لصنع فنجال قهوة. # ودون تردد غادر الحجرة، ثم رجع بالقهوة، فسألته بلهفة: ماذا وجدت؟ # فقال بضيق: باب المطبخ مفتوح، والزمار جالس على الأرض مسند الظهر إليه؛ ولكن لم يمت ~~الأمل. ~~- حقا؟ ~~- اختلست مفتاح المطبخ من فوق الرف. ~~- ألم تعثر على مفتاح الشقة؟ ~~- ليس الرجل بالغباء الذي نتصوره، ولكنهم ... ~~- ولكنهم؟ ~~- يجرعون النبيذ بإفراط! ~~- ننتظر حتى يفقدوا الوعي؟ ~~- أجل. ~~- لكنه ms05 سلاح ذو حدين! ~~- أجل، قد يزدادون جنونا، ولكن إذا غلبهم النوم فسوف يتساوون بالأموات. ~~- علينا أن ننتظر الليل. ~~- وليس الليل ببعيد! # تنهدت في ضيق شديد متسائلة: متى ترجع أم عبد الله؟ ~~- ذاك يتوقف على انتهاء المولد. ~~- ألديك فكرة عن تاريخ الليلة الكبيرة؟ ~~- لا فكرة عندي عن المولد. # راحت الفتاة تذرع الحجرة محنية الرأس تحت هم ثقيل. حانت منها التفاتة إلى ما وراء ~~الفريجدير فشد بصرها شيء ما. اقتربت منه ممعنة النظر، ثم قالت باستغراب: أرفف الفريجدير ~~مخلوعة ومطروحة أرضا وراءه! # وانتقلت إلى باب الفريجدير فجذبته؛ وإذا بكتلة بشرية تندلق من داخله منكفئة على وجهها فوق ~~الأرض. # صرخت الفتاة بجنون وهي تترنح. وثب الشاب إليها فتلقاها بين ذراعيه. تفحص الكتلة ~~المطروحة بذهول، انحنى فوقها حتى رأى الوجه، ثم هتف: أم عبد الله! # أجلس الفتاة على مقعد ورجع يفحص المرأة ويجسها، ثم تمتم بذهول: جثة هامدة! # واقتحم الحجرة الرجل الغليظ وجوقته وهو يقول بنبرة انتقاد: ألا تكفان عن ~~الضوضاء؟ # وتابع عينيهما ببصره حتى استقر على الجثة المنكفئة فتساءل: ما هذا؟ # ولما لم يسمع جوابا صاح بغضب مخاطبا الشاب: أجب! # فقال الشاب بغضب كظيم: إنها جثة ... ~~- جثة؟ ~~- نعم. ~~- أهي شقة أم مقبرة؟ ~~- كانت شقة فأصبحت مقبرة ... ~~- أين وجدتها؟ ~~- في الفريجدير. # فقال المصارع الآخر ببلاهة: إنهما يتغذيان على لحوم البشر. # فقال الشاب بحدة: لقد قتلت ثم دفنت في الفريجدير. # فسأله الرجل الغليظ وعيناه تلتمعان بالسكر: وماذا حملك على قتلها؟ ~~- لقد قتلت من قبل وصولنا إلى شقتنا. ~~- فمن الذي قتلها في رأيك؟ ~~- دعني أسألك أنت؛ فقد كنت قابعا هنا من قبل أن نحضر. # فالتفت الرجل إلى أفراد جوقته وسألهم: ما رأيكم في مكابرة هذا الرجل؟ # فقال الزمار: يقتل القتيل ويسأل عن قاتله! # وقال الطبال: إنه مجنون، لا بد أن يكون مجنونا من يرتكب جريمة كهذه. # وقالت الراقصة: ودفنها في الفريجدير على أمل أن تتحول إلى ديك رومي! # فقال الشاب مخاطبا الرجل الغليظ: انظر إلى وجه الجثة. ~~- لا تهمني معرفته. ~~- إنها جثة أمك! # فضجت الجوقة بالضحك ms06 ، فصاح الشاب: إنها جثة أم عبد الله. # فقال الرجل الغليظ بصوت ملتو: أمي ذهبت إلى مولد السيد! # فأشار الشاب إلى الجثة وسأله في هياج: أليست هذه بأمك؟ # قالت الراقصة: كانت أمه يا مجرم! # وقال الزمار: أمه ذهبت إلى مولد السيد. # وقال الطبال: إنه يدعي الجنون ليفلت من العقاب. # وصاح الرجل الغليظ: كيف تنبش القبر لتعبث بالجثث؟! # فهتف الشاب: لن تفلتوا من يد العدالة. # فقال الزمار: تقتل مدبرة بيتك، يا لك من وغد خسيس! # وقالت الراقصة: قتلها كيلا يدفع لها أجرها. # وقال له الرجل الغليظ: الويل لك أيها المجرم. # فصاح الشاب متحديا: أهذا ظنكم حقا؟ إذن فاستدعوا الشرطة! # فضجوا بالضحك، وقال الرجل الغليظ: نحن الشرطة ونحن القضاة. # فقالت الراقصة: فلنقدمه إلى المحاكمة. # فقال الرجل الغليظ: بعد أن نفرغ مما كنا فيه. # وتعالى هتافهم في حبور، ثم غادروا الحجرة وراء الرجل. # أغمض الشاب عينيه إعياء. تجنب النظر نحو عروسه المنطرحة فوق المقعد. رفع الجثة من ~~الأرض فأرقدها فوق الكنبة وغطى وجهها بخمار كان معقودا حول رقبتها. انتقل إلى فتاته ~~متمتما: كيف حالك؟ # فقال بصوت ضعيف: سيقضون علينا قبل أن نقضي عليهم. ~~- من العسير أن يتخيل إنسان ماذا تكون خطوتهم التالية، فهم لا يخضعون لمنطق. ~~- علينا أن نجد حلا سريعا. ~~- وأن نتوقع ما يخطر بالبال وما لا يخطر. ~~- لن يتركونا أحياء. # فقال محتدما بالغضب: إذا لم يكن من الموت بد! # فهمست: هذا جميل؛ ولكننا نفضل ألا نموت. ~~- ولا أحد يريد أن يموت، من رأيي أن تستريحي قليلا في حجرة النوم. ~~- وأنت؟ ~~- لا أكف عن التفكير، وأردد في نفسي بلا انقطاع: إذا لم يكن من الموت بد! ~~- هل يحاكمونك حقا؟ ~~- لن يتورعوا عن شيء. ~~- إنه الكابوس. ~~- وربما قتلوني كما قتلوا المرأة الطيبة. ~~- ترى أهي أمه حقا؟ ~~- لن يغير من الأمر شيئا. # فقالت بإصرار: يجب ألا نموت كالأغنام. ~~- حتى الموت، يجب أن ندافع عن أنفسنا حتى الموت، وأن ندخر لهم ضربة مذهلة إن أمكن. ~~- أريد أن أفعل شيئا ذا بال أكثر من مجرد انتظار نتيجة ms07 معركة. ~~- فكري، فكري لحسابك، نحن في موقف لا يجوز لأحدنا فيه أن يدعي وصاية على ~~آخر. ~~- أعترف لك بأنني أتغلب على الخوف بقوة لم تكن متوقعة. ~~- الموقف أكبر من الخوف. ~~- هذا حق. ~~- والحرص على الحياة خليق بأن يضيع الحياة. ~~- قول جميل. ~~- يجب أن تكون لنا القوة لتنفيذه؛ هذه هي مشكلة الأقوال الجميلة. ~~- ألديك خطة جديدة؟ ~~- لا أكف عن التفكير. ~~- وأنا أيضا. ~~- المهم قوة العزيمة إذا وفقنا إلى خطة. ~~- مهما يكن من عواقبها ... # وهي تتنهد: كنت أحلم بشهر عسل بديع. ~~- انبذي الأحلام التي تضعف الهمم. ~~- طيب. ~~- استريحي قليلا في حجرة النوم. ~~- أخشى أن يلاحظوا اختفائي إذا قدموا. ~~- إنهم سكارى، وهم يقصدونني أولا. # قامت. قبلته. مضت إلى حجرة النوم. # ومضت فترة قصيرة ثم دخل الرجل وجوقته. لمعت أعينهم بوهج الخمر وشعت أساريرهم ~~شرا. # وقفوا حيال الشاب على هيئة نصف دائرة مركزها الرجل الغليظ. أشار الرجل إلى الجثة وسأل: ~~من قتل هذه المرأة؟ # فأجابت الجوقة في نفس واحد: أنت يا معلم! # ضحك وضحكوا. ثم سأل: بم تحكمون علي؟ # فأجابوا: بالسلامة. # فضحك وضحكوا. ثم سأل: من الذي انتهك حرمة الجثة؟ # فأشاروا إلى الشاب وقالوا: هذا المجرم. ~~- بم تحكمون عليه؟ ~~- بالإعدام. # فرمى الشاب بنظرة وسأله: هل لديك ما تدافع به عن نفسك؟ # فلم يجب. نقل بصره بين الجمع بسرعة وتحفز وانتباه. وتوثبت الجوقة للانقضاض لدى أول ~~إشارة. # عند ذاك دوت صرخة فظيعة في حجرة النوم؛ اندفعت الفتاة إلى الحجرة وهي تصيح: رجل في ~~صوان الملابس! # وهتف كثيرون في دهشة: رجل! # وظهر الرجل في مدخل الحجرة. عملاق، عملاق ينطق وجهه البرنزي بالقسوة والتحدي والاستهتار. ~~تبادلوا نظرات ذاهلة وغاضبة، وتأهبوا للعواقب ... لم يبد في وجه القادم الجديد أي ارتباك ولا ~~خوف. بل تساءل بصوت أجش: من أنتم؟ وماذا جاء بكم إلى هنا؟ # فسأله الشاب بدوره: من أنت؟ وماذا جاء بك إلى هنا؟ # أجاب العملاق ببساطة: إني في بيتي! ~~- بيتك! .. لكنه بيتي، وتحت يدي ما يثبت ذلك. ~~- لا أحب الهذر، إنه بيتي وكفى. # فقال الرجل الغليظ بحقد: دجال ms08 ، أنت لص منازل حقير، سأتذكر فورا متى رأيتك أول مرة ~~... ~~- صه أيها البهلوان وإلا حطمت أضلعك! ~~- أنت تقول ذلك يا لص المنازل؟ ~~- مصارع موالد زائف، المصارعة الحقيقية شيء آخر، إني أعرفكم أيها المهرجون. # فقال له الشاب: هذا بيتي، وأنت لص كالآخرين. ~~- أنت تهذي. ~~- سيحكم بيننا القانون. ~~- سأقذف بك من النافذة، هذا هو القانون الذي أعترف به. # فسألته الفتاة: إذا كنت صاحب البيت كما تزعم، فلم أخفيت نفسك في صوان الملابس؟ ~~- أنا حر في بيتي، أرقد حيث يطيب لي. ~~- لا أحد يرقد في صوان الملابس. ~~- إنه خلوتي المفضلة، ولست مسئولا أمام أحد. # فقال الرجل الغليظ: أنت لص، لص منازل حقير، إني أعرفك. ~~- اخرس أيها المهرج الحقير. # فقال الشاب: لندع الشرطة ولنترك لها الفصل في الأمر. # فقال العملاق بوضوح: لا أحب الشرطة. # فقال الشاب غاضبا: فأنت لص كما قال هذا القاتل. ~~- القاتل؟! هل قتل أحدا هذا المهرج؟ ~~- ها هي جثة ضحيته! # فمد العملاق بصره إلى الجثة وقال بدهشة: أي تقدم أحرزته يا مهرج الموالد! ~~- هي أمه أيضا! ~~- قاتل أمه! .. هذا شرف لا تستحقه أيها المهرج، من أين جاءك هذا الشرف؟ # فقال الرجل الغليظ بحنق: يا لص المنازل، احذر إثارة الزلازل! # فقال العملاق ساخرا: أهلا بالزلازل، هي دواء موصوف لصحتي! # في أثناء ذلك مضت الفتاة تتسلل ناحية المطبخ ... خطوة فخطوة، وعين الفتى تلحظها بقلق. وغطى ~~على تحركاتها بتوجيه الخطاب إلى الجميع قائلا: ما أحوجنا إلى تحكيم نزيه! فهذا رجل يتوهم ~~أنه قاض، وهو في الحقيقة قاتل، وذلك رجل آخر يزعم أنه صاحب البيت، وتؤكدون أنه لص منازل ~~حقير، وأنا أقول إنني صاحب البيت، على حين يتهمني هؤلاء بأنني قاتل المرأة الطيبة. فما ~~المخرج من هذه الفوضى؟ لا مفر من أن نستدعي الشرطة! # فقال العملاق باستهانة: سيقذف بنا اقتراحك إلى قعر بئر عميق. ~~- بل ليس أسهل من استدعاء الشرطة. ~~- ولكن المشاكل تبدأ بمجيئها؛ ستحرر لنا محضرا طويلا عريضا لا بداية له ولا نهاية، ثم ~~تأمر بتحويلنا إلى النيابة، ويستمر التحقيق أياما وأسابيع: من القاتل ms09 ؟ من اللص؟ من صاحب ~~الشقة؟ ... ثم تأمر بتحويلنا إلى المحكمة، ويتقاذفنا الاتهام والدفاع حتى نتفق، ونؤجل من جلسة ~~إلى أخرى، ولن ينطق بالحكم حتى يكون أول إنسان قد هبط فوق سطح القمر، وفي أثناء ذلك تغلق ~~الشقة وتختم بالشمع الأحمر؛ فتصير نهبا للحشرات والأشباح، لا تنس هذه السلسلة المعقدة ~~التي لا نهاية لها. ~~- ولكنها حاسمة وعادلة! ~~- أيسر من ذلك أن تنقض على خصمك فتحطم جدران بطنه بلكمة صادقة، فيعترف لك بحقك، ثم ~~تتصافحا ويذهب كلاكما إلى حال سبيله. # وتقدمت الراقصة خطوة وقالت: فيم تتناقشون والعقد محلولة بنفسها لا تحتاج إلى حلال؟ # فقال العملاق ساخرا: لنستمع إلى الغازية! # ولكنها قالت بهدوء دون تأثر أو غضب: لا حاجة بنا إلى البحث عن القاتل؛ فقد حوكم وقضي ~~عليه بالإعدام! # فقال الزمار بحماس: وبإعدامه يبطل ادعاؤه ملكية الشقة. # وعادت الراقصة تواصل حديثها قائلة: وتصبح الشقة ملكا لنا جميعا على قدم ~~المساواة! # فابتسم العملاق لأول مرة؛ ولكنه قال بعجرفة: لا أقبل المساواة! # فقال الرجل الغليظ بعجرفة مماثلة: وأنا أرفضها! # فقال العملاق: ليكن نصيب كل بحسب قوته. # فقال الرجل الغليظ: ليكن! # فقالت الراقصة: الخير بين أيدينا أكثر من أن يحصى! # أحاطت الجوقة بالرجل الغليظ تحاول إقناعه. وتنحت الراقصة بالعملاق جانبا لتلطف من ~~صلابته. أما الزوجة فقد رجعت خفية إلى موقف زوجها. وقفت لصقه وهي تدس شيئا في جيبه. ~~وراحا يراقبان الحشد الذي يتآمر على قتلهما ونهب بيتهما بغرابة. غير أن طارئا سرى في الجو ~~بخفة كالهمس، رائحة ما، وشيء كالزفير أو الهسيس. وتفشى في دفقات كالفحيح مفجرا رائحة ~~مميزة كالدخان. وانتشرت طقطقة مجنونة بسرعة غير متوقعة، فاقتحمت على المتآمرين خلوتهم. جذبت ~~منهم بعنف أعينا محملقة نحو ردهة المطبخ. وما لبثت أن غابت في سحابات من دخان تسبح فيها ~~عناقيد من الشرر، وتلاطمت صرخاتهم في غضب: النار! ~~- حريقة في المطبخ! ~~- الشقة في خطر. ~~- كل شيء في خطر. ~~- فلنطفئها بأي ثمن. # ودبت حركة وحشية. ولكنها لم تكن إلا صدى خفيفا لحركة رعدية أطبقت على الطريق في ~~الخارج. ارتفع ms10 الصياح. دق جرس الباب بلا انقطاع. انهال دق عنيف على الباب الخارجي. وهرع ~~المتآمرون إلى ردهة المطبخ؛ غير أن العملاق مال نحو الشاب فجأة وهو يصيح: لن أتركك ~~حرا. # انقض على الشاب. وإذا بالشاب يفاجئه بضربة من سكينة استلها من جيبه فاستقرت في ~~القلب، وتهاوى على أثرها العملاق دون أن ينبس. لم تغب الواقعة عن الرجل الغليظ، فوثب على ~~الشاب وهو يصيح: خيانة! # وفي الحال صرعه وبرك فوقه، ولكن الزوجة استلت بدورها سكينة مدسوسة في جيب معطفها، ~~وبكل قوتها غرزتها في عنق الرجل. # وتتابعت الأحداث في سرعة البرق؛ تحطم الباب الخارجي، اندفع منه رجال متهورون، ورن ~~جرس المطافئ، وصفارة النجدة، وارتطمت في الشقة الجديدة قوى المقاومة بقوى الغدر؛ فانخرطت ~~في معركة شاملة تحت ألسنة اللهب المندفع والماء المتدفق وقطع الأثاث المتناثرة. ~~••• # وفي المساء نشر الهدوء ألويته فوق الحي جميعه. خلت الشقة من الغرباء، ولم يبق بها قائم، ~~إن هي إلا أشلاء مقاعد وحطام أجهزة ونفايات مفارش. جلس الزوجان على أريكة تحت نجفة صغيرة ~~لم ينج من مصابيحها إلا شمعة واحدة شعت ضوءا شاحبا. لم يخل وجهاهما ورأساهما من كدمات ~~وتسلخات وأورام خفيفة، أما ملابسهما فقد تمزقت في أكثر من موضع، وتلوثت بالسناج. جعلا ~~ينظران فيما حولهما بوجوم ويتبادلان النظر. وفجأة أغرقا في ضحك هستيري ركبهما طويلا، حتى ~~رجعا إلى الصمت والوجوم. ورغم كل شيء فإن القلب لم يخل من ارتياح خفي وامتنان، وتردد ~~صوته في إعياء: ضاع كل شيء. # فربتت على كتفه بحنان وقالت: نجونا بأعجوبة! # فهز رأسه في تسليم وتمتم: أجل، نجونا بأعجوبة. # ثم بنبرة وشت بنشوة طارئة: لم يضع شيء لا يمكن تعويضه. # | العالم الآخر # رقصت الفتاة على عزف جوقة صغيرة في القهوة الوحيدة بالدرب. جميع المقاعد خالية في تلك ~~الساعة من الأصيل عدا مقعدين أمام القهوة؛ احتلت المعلمة أحدهما، وجلس على الآخر شاب تابع ~~لها. تبدى بلاط الدرب الضيق نظيفا لم تطأه قدم بعد. أما الشمس فتوارت وراء البيوت ~~القديمة طارحة آخر دفقة من شعاعها على أسوار ms11 الأسطح المتآكلة. وعلى جانبي الدرب - أمام ~~الأبواب المفتوحة - جلست نساء على كراسي خيزران في أزياء متهتكة وزينة فاقعة يدخن ~~ويتبادلن الأحاديث. قالت المعلمة لتابعها الشاب: حياتنا خنوع واستسلام ودفع إتاوات، حتى ~~متى؟ # فقال التابع، وهو متين البنيان في العشرين من عمره: حتى تتهيأ الفرصة للقضاء ~~عليه! ~~- متى تتهيأ الفرصة؟ ~~- كل شيء بأوانه، وإلا دمرنا تدميرا لا يبقي ولا يذر. ~~- مهنة كالقطران؛ ادفع، ادفع، ادفع؛ للطبيب .. للشرطي .. للضابط ... وكله كوم وشيخ ~~البلطجية كوم وحده، هل قضي علينا أن نشقى بمهنة جزاؤها النار وبئس القرار لنبدد مكاسبنا ~~على كل من هب ودب! ~~- لكل عمل متاعبه. ~~- ما أكثر الذين يفوزون باللقمة الهنية بلا قرف! ~~- الصبر طيب يا معلمة. # فبصقت المعلمة بازدراء وقالت: الليلة موسم، وعلينا أن نحقق أكبر ربح، بالإضافة إلى ~~نفقات الحكومة والبلطجية! ~~- ستكون ليلة مباركة. ~~- همتك، فتح عينك، خذ بالك من النسوان! ~~- اطمئني يا معلمة، ولكن الرجل المرعب سيمر آخر الليل ليأخذ الإتاوة. # ثم وهو يشير ناحية الفتاة التي ترقص داخل القهوة: وليجر وراءه أجمل بنت عندنا! # فتنهدت المعلمة قائلة: حسبي الله، ولكن أمامها ليل طويل قبل ذلك تستطيع أن تحول ساعاته ~~إلى ذهب! # وقام التابع فدخل القهوة. أشار إلى الجوقة فكفت عن العزف. أخذ الراقصة من ذراعها ~~وانتحى بها جانبا بعيدا عن الأنظار. وفي تلك اللحظة ظهر في مدخل الدرب شاب يافع يدل ~~مظهره على أنه تلميذ أو طالب، ألقى على الدرب نظرة استغراب، ونقل عينيه بين النسوة في دهشة ~~واضحة. تردد مليا، استعدت كل امرأة لاستقباله بحركة ترحيب، لكنه ألقى ببصره فيما أمامه ~~بلا فهم أو مبالاة وتقدم نحو القهوة. حيا المعلمة برفع يده إلى جبينه، ثم سألها بأدب: ~~أين صاحب القهوة؟ # سألته بدورها وهي تتفحصه بإمعان: ماذا تريد منه؟ ~~- أريده لأمر هام. # فأشارت إلى نفسها وهي تقول: محسبوتك صاحبة القهوة. # تساءل بدهشة: حضرتك؟! ~~- حضرتي! # وضحكت ضحكة عالية ثم قالت: بشرى لنا، السماء تمطر أدبا! ~~- لا مؤاخذة، أرجو ألا أكون أخطأت. ~~- لا سمح الله، ولكن خيل إلي بادئ الأمر ms12 أنك زبون نهاري! ~~- زبون نهاري؟! ~~- ما علينا، ماذا تريد من صاحبة القهوة؟ # فقال الشاب بجدية: يجب أن أقدم نفسي أولا، أنا مندوب لجنة الطلبة. ~~- لجنة الطلبة؟ ~~- اللجنة العامة للطلبة. # فتساءلت مازحة: ولم لم تجئ معك باللجنة لتقضي سهرة الموسم عندنا؟ # فقال بجدية مضاعفة: نحن مندوبو اللجنة، انتشرنا في أنحاء القطر للدعوة إلى قرار ~~خطير! ~~- قرار خطير؟ ~~- تعلمين حضرتك أن غدا هو الذكرى الأسيفة لمرور عام على إلغاء دستور الأمة؟ # فقالت وهي ما زالت تتفحصه بذهول: حضرتي لم تعلم. ~~- دستور الأمة! ~~- دستور يا أسيادي. ~~- الموضوع لا يحتمل المزاح. ~~- ليس المزاح أفضل من الجد؟ ~~- الموقف خطير، والضحايا يتساقطون كل يوم بالعشرات! ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- والوطن يطالبنا ... # فقاطعته: ما الذي جاء بك إلى هذا الدرب؟ ~~- وقع شارع كلوت بك في قرعتي، مررت على المحال والدكاكين والمقاهي فوجدت استجابة ~~شاملة، سيغلقون الأبواب جميعا بلا استثناء غدا، وأنا عائد من مهمتي تنبهت إلى هذه ~~العطفة التي لم ألحظها في مروري الأول. ~~- ألم تدخلها من قبل؟ ~~- كلا يا سيدتي. ~~- لم لم توجه دعوتك إلى الفتيات الجالسات أمام الأبواب؟ ~~- على فكرة، لم يجلسن بهذه الصورة المنافية لتقاليدنا؟ ~~- اجلس، اجلس واشرب شيئا، أشهد الله أنك أظرف شاب قابلته في حياتي! ~~- لا وقت عندي، أشكرك وأعتذر، علي أن أمر على بقية المحال في الدرب. ~~- لا يوجد فيها إلا قهوتي. ~~- حقا؟ إذن فقد انتهت مهمتي، ولكنك لم تعديني بشيء! ~~- أي وعد؟ ~~- بخصوص الإضراب العام المزمع تنفيذه غدا؟ ~~- ماذا تريد؟ ~~- أن تغلقي القهوة غدا. ~~- سبحان الله! لم؟ ~~- احتجاجا على إلغاء الدستور. # فضحكت المعلمة وقالت: عشنا وشفنا! ~~- الجميع استجاب لنداء الوطنية. ~~- عشنا وشفنا! ~~- لم يعترض أحد، حتى الخواجات! # فغمزت له بعينها وسألته متهكمة: أأنت وحيد مامتك؟ # فقال وهو يداري استياءه: لا وقت للمزاح، ولا للخروج على الإجماع. # فهتفت المعلمة بحدة لأول مرة: يا دافع البلاء يا رب، لا يكفينا رجال الحكومة والبلطجية، ~~حتى ينضم إليهم مندوب الطلبة والدستور! ~~- الزعيم نفسه سيطوف بأنحاء القاهرة ليتفقد حال الإضراب بنفسه! ~~- الزعيم سيشرفنا ms13 هنا؟ ~~- بشخصه! ~~- أهلا به وسهلا، سنفتح له الأبواب بالمجان! ~~- موقفك غير مفهوم يا هانم! ~~- هانم! # وأغرقت في الضحك. ~~- موقفك غير مفهوم! ~~- أقسم برأس أمي إن الإنجليز سيخرجون من مصر قبل أن تفهم أنت أي شيء. # فقال الشاب بنبرة لم تخل من تهديد: أخشى أن يتعرض الخارجون عن الإجماع لغضب ~~الشعب! ~~- نحن نخدم الشعب من قبل أن تولد لجنة الطلبة. ~~- حتى النساء سيشتركن في مظاهرات الغد. # أجالت المعلمة عينيها بين النساء القابعات أمام البيوت وصاحت بهن: اهتفن معي .. يحيا ~~الإضراب! # وهتف أكثر من صوت: يحيا الإضراب. # ثم ضج الدرب بالضحك، وإذا بالتابع يرجع على صوت الهتاف. ولما رأى الشاب ارتسمت الدهشة ~~في أساريره، وتنبه الشاب إليه فبادله دهشة بدهشة، هرول كل منهم نحو صاحبه وتعانقا ~~بحرارة، وقال الشاب: لا أصدق عيني ... # فقال التابع: ماذا جاء بك إلى هنا؟ # وعند ذاك سألته المعلمة: تعرفه؟ ~~- جار العمر، وزميل من أيام المدرسة. # فقالت ساخرة: بسلامته يطالبنا بالإضراب غدا احتجاجا على إلغاء الدستور! # فضحك التابع ضحكة عالية وقال: والله زمان! .. فكرتنا بالذي مضى! # وجذبه من ذراعه فجلس وأجلسه على كرسي جنبه. وهنا قامت المعلمة وهي تقول للتابع: أنا ~~ذاهبة، فتح عينك. # مضت خارج الدرب وقد وقفت النساء لها على الجانبين. التفت التابع نحو الشاب قائلا: متى ~~رأيتك لآخر مرة؟ ~~- منذ عامين؛ بل أكثر، أين اختفيت؟ كأنك هاجرت إلى الخارج! ~~- وأنت .. ألا زلت غارقا في السياسة؟ .. ولكن كيف تريد لهذا الدرب أن يضرب؟! ~~- إنه أعجب مكان رأيته في حياتي! ~~- أما زلت تذاكر وتنجح وتشترك في المظاهرات؟ ~~- وأنت! .. أين أنت؟ .. كم أوحشتني! ~~- يخيل إلي أنك نسيتني! ~~- أبدا، حتى والدك نفسه واتتني الجرأة مرة على أن أسأله عن مكانك ... # فضحك التابع وتساءل: وكيف أجابك؟ ~~- نهرني، وحذرني من العودة إلى ذكر اسمك على مسمعه! ~~- وكيف حال أسرتي؟ ~~- بخير، ولكن لم انقطعت عن زيارتهم؟ ~~- أليس لديك فكرة عن حينا هذا؟ ~~- ولا عن أي شيء سوى الكتب والدستور! ~~- باختفائك فقدنا أبهج صديق! ~~- لعلك الوحيد من العالم الآخر الذي كنت أحن إلى ms14 رؤيته. # فنظر الشاب فيما حوله وقال: أوضح ما غمض علي أمره في هذا الدرب. ~~- لكل شيء وقته، لا تتعجل! ~~- أتقيم هنا؟ ~~-نعم. ~~- أتعمل هنا؟ ~~- نعم. ~~- وهؤلاء النسوة؟ ~~- لطيفات وطوع الأمر! ~~- مظهرهن فاقع مبتذل. ~~- بدأت تفهم. ~~- حقا! ~~- وتطالبهن بالإضراب؟! # وضحك عاليا، وهم الشاب بالكلام ولكن الموسيقى عزفت بالقهوة فعادت الفتاة إلى الرقص. ~~وانجذبت عيناه إليها بقوة، فتابع رقصها باهتمام وإعجاب. ثم شعر بعيني التابع تتجسسان ~~عليه، فابتسم مرتبكا بعض الشيء وتمتم: فتاة جميلة! ~~- حقا؟ ~~- من الطراز الذي يستهويني! ~~- ترى ما نوع هذا الطراز؟ ~~- يصعب تعريفه، ولكنها ترقص في قهوة خالية! ~~- مجرد تمرين؛ فالسهرة لم تبدأ بعد. # وتوقف العزف والرقص، وسرعان ما جاءت الراقصة وجلست إلى جانب التابع، وحمل إليها صبي فنجال ~~قهوة فراحت تحتسيه بتمهل وتلذذ لا مبرر له. # حانت منها التفاتة إلى الشاب الجديد، فضبطت عينيه الصافيتين وهما ترنوان إليها بإعجاب لا ~~خفاء فيه. وفي الحال وهبته عينيها بسخاء أذله وأثمله، فقال التابع وهو يتابع الحكاية ~~باهتمام موجها خطابه للراقصة: صديقي معجب بك! # فقالت ببسالة: أرجو إبلاغه إعجابي أيضا! # فتساءل التابع ضاحكا: من أول نظرة؟ ~~- نظرة كفاية وفوق الكفاية! # فقال الشاب في تلعثم: لا شك أني سعيد الحظ ... # فقالت الفتاة باسمة: ما أجمل أن أرى وجها يحمر خجلا! # فقال التابع للشاب بتحريض: أثبت رجولتك! # فغمغم الشاب بأصوات مبهمة حتى قالت الراقصة مازحة: تاتا .. تاتا .. خط العتبة! # فنهرها التابع قائلا: شجعيه ولا ترعبيه! # فأعطته الفنجال بعد أن فرغت منه وهي تقول: شف لي بختي! # فقلب الفنجال فوق الطبق ثم مضى يقرأ ما بداخله، قال: أمامك ليلة موسم طويلة غنية الموارد ~~... ~~- وماذا أيضا يا سيدنا الشيخ؟ ~~- في نهايتها يطرق بابك شيطان ليخطف روحك. ~~- ألا ترى في طريقه رجلا جديرا برجولته؟ # فاكفهر وجه التابع وأعاد الفنجال إلى الطبق، ولكنها ربتت على ذراعه ملاطفة، ثم سألته ~~بنبرة جادة: ماذا أعددتم له؟ ~~- ذهبت المعلمة لتجهز له الإتاوة ... ~~- متى يحضر؟ ~~- قد يمر في أي ساعة؛ لكننا لا ندري متى ينزل بقهوتنا! # فقالت بحنق: سيأخذني معه ولا ms15 يدري أحد متى أعود! ~~- لا تحدثيني عن ذلك! # فسألت الراقصة الشاب راجعة إلى الدعابة: وأنت .. ألن تدافع عن حبيبتك؟ # فتساءل الشاب: عم تتحدثين؟ # ولكن التابع بادره قائلا: إن كنت تحبها حقا فهي لك! ~~- لي؟! ~~- النظرة والحب والتنفيذ تحدث في دربنا في ساعة واحدة! ~~- أفندم؟ # وقبل أن يجيبه تراءت المعلمة في أول الدرب. سارت بعجلة إلى داخل القهوة وهي تومئ إلى ~~الراقصة فتبعتها في الحال. تبادل الصديقان نظرة طويلة، ثم قال التابع: الظاهر أنك ~~وقعت! ~~- ليس الأمر كما تتصور! إنها فتاة جذابة وفي عينيها نظرة بريئة! ~~- بريئة! ~~- بكل معنى الكلمة. ~~- ألك ثقة في فراستك؟ ~~- قلبي لا يخطئ. ~~- هنيئا لك موهبتك، ولكن ألا ترغب في شيء من الترفيه قبل أن تخوض جهاد الغد؟ ~~- يبدو أنك لم تعد تهتم بالسياسة! ~~- خلنا فيما نحن فيه، ألا ترغب في شيء من الترفيه؟ ~~- ألم يعد يهزك حدث إلغاء الدستور؟ ~~- انظر إلى دربنا العجيب، تأمله لتتذكره فيما بعد، فيه تسعد النفس بجميع محرمات العالم ~~الآخر؛ مثل الحب والحرية والاحترام! # ومال فوق أذنه وراح يهمس له وكأنما ينفث في أساريره الذهول، وهتف الشاب: فوق العقل! .. ولكن ~~ماذا تفعل هنا؟ ~~- أقيم هنا كما قلت لك. ~~- ولكن ... ~~- ألا ترى في عيني نظرة بريئة؟ # ضحك الشاب وقال: إنه مكان عبور لا مكان إقامة! ~~- لكل قاعدة استثناء كما قيل لنا في المدرسة! ~~- من يتصور أنك ابن أبيك الرجل الطيب؟! # فبصق بازدراء وقال: اللعنة على الجميع! # وحل صمت فاتخذا منه هدنة للتفكير، ثم قال التابع بنبرة خلت من المزاح أو السخرية ~~لأول مرة: إني أكره العالم الذي جئت منه؛ هجرته بلا أسف عليه، وإذا ذكرته فإنما أذكر عنف ~~أبي وغباءه، وسجن المدرسة الرهيب، وهراوات الشرطة، وما إن اهتديت إلى هذا المكان حتى أدركت ~~أنني ولجت أبواب الجنة! ~~- الجنة! .. أي جنة؟! ~~- هنا يتقرر مصيرك بقوة رأسك، ويتحدد مركزك المالي بجرأتك، وتقرر سعادتك بطاقة حيويتك، ~~لا زيف على الإطلاق، اعتبرني الآن رئيس وزراء يعترض طريقه رجل خطير، فإذا تغلبت عليه يوما ~~ما توجت ملكا! # فضحك ms16 الشاب قائلا: عاش الملك! ~~- ما الأمل الذي تشقى من أجله؟ وظيفة حقيرة في حكومة حقيرة! ثم إنك عبد مضطهد، الاضطهاد ~~يطبق عليك في بيتك، ويطاردك في الخارج، وكل عام أو عامين يتصدى لك دكتاتور كالكلب الأرمنت ~~يلتهم لحمك ويهشم عظامك ... ~~- أترى أن الحل أن أحمل متاعي وأقدم إلى هنا؟ # فقال التابع معاودا سخريته: ذاك مطمح فوق قدرتك! ~~- ولكن ... ~~- ولكن؟ ~~- ولكن رب زيارة من آن لآخر تنفع ولا تضر! ~~- في هذا ما يكفي في الوقت الحاضر! # وغادرت المعلمة القهوة. هرع التابع إليها فقالت له: إني ذاهبة مرة أخرى، سأوفق بإذن ~~الله، انتبه، وإذا مر قبل أن أرجع فتصرف بحكمة، إياك والتهور، وإلا هدمت الدرب فوق ~~رءوسنا! # ذهبت المعلمة. عادت الراقصة إلى مجلسها، ومضت فترة قبل أن يسترجعوا جوهم السابق، ~~وتساءلت الفتاة: هل قرأت البخت لصديقك؟ ~~- نعم، في طريقه بنت حلوة ورخيصة. ~~- هل تشبهني هذه البنت؟ ~~- لا أدري، لم يبد في الفنجال إلا جسمها العاري وحده! # ومالت الراقصة بغتة نحو الشاب فقبلت خده. ضحك التابع وقال: قم .. لا تؤجل عمل ~~اليوم إلى غد، فإن يوم الدستور غد! # ونهض التابع ومضى إلى داخل القهوة وهو يقول: سآمر لكما بكأس كونياك على حسابك! # جعل الشاب يبادلها النظرات. رأى حلية في عنقها فمد يده إليها وقربها من وجهه. ابتسم ~~متسائلا: صورة من؟ # قطبت الفتاة مأخوذة؛ ولكنه قال دون أن يلاحظ شيئا: طفل جميل، من هو؟ # تبدى التأثر في وجه الفتاة حتى اغرورقت عيناها على رغمها. ~~- رباه .. ما لك؟ # أشاحت عنه بوجهها وهي توشك أن تنهار تحت موجة بكاء عاتية. ~~- آسف .. آسف لا تؤاخذيني! # وعاد التابع بالكأسين فوضعهما على الخوان متمتما: «عشرة قروش فقط، ما أجمل عيونك!» ثم ~~تنبه إلى الفتاة فتساءل: تبكين؟! # شرح الشاب له ما غمض عليه بإشارة من يده إلى الحلية، فاكفهر وجه التابع وهوى بكفه على ~~خدها بوحشية غير متوقعة غير مبال بما تولى الشاب من ذعر وذهول، وهتف بها: تقيمين ~~مأتما للزبائن في ليلة الموسم! اشربي! # تناولت الفتاة الكأس فتجرعته دفعة ms17 واحدة، وقدمت الآخر إلى الشاب؛ ولكنه تراجع قائلا ~~بعصبية وحدة: كلا! # فقال له التابع: خذه معك إلى الحجرة! ~~- الحجرة؟ ~~- ستذهبان معا إلى ذلك البيت القريب. ~~- كلا! ~~- لا تتأثر كالأطفال، انس ما رأيت بسرعة، اذهب، لن تندم أبدا، البنت مدهشة، والبكاء ما ~~هو إلا حيلة نسائية مشهورة! # وهرولت الفتاة إلى البيت وهي تقول بإغراء: اتبعني، تاتا .. تاتا .. خط العتبة! # وقال له التابع: قم قبل أن يجيء الليل وتتقاطر أفواج الزبائن. # فقال بإصرار: كلا. ~~- كف! .. أنسيت الطراز الذي يستهويك؟ ~~- لا رغبة على الإطلاق! ~~- لا تعقد الأمور. ~~- دعني من فضلك. ~~- لقد سجل في حسابها أول زبون، فلا تتسبب لها في ضرر. ~~- سأدفع ما تطلبه؛ ولكني لن أذهب. ~~- عشرة قروش، هذا حسن، ولكنك لن تستطيع مواجهة الحياة بقلب كالملبن! ~~- ولكن .. أنت .. كيف هان عليك أن تلطمها بتلك القسوة؟ .. أأنت ولي أمرها؟ ~~- إني ولي أمرها .. وأعمل لصالحها ولصالح الكل. ~~- أتعد بكاءها على وليدها جريمة؟ ~~- لا وقت هنا للبكاء .. إني الأمين على الصالح العام! # فضحك الشاب على رغمه وقال: إنك تذكرني بفعل وكلمات الطاغية! لشد ما تغيرت! ~~- كف عن التفلسف والحق بها! ~~- لشد ما تغيرت! ~~- لا تقس في الحكم علي، إن أي ضعف يعترينا هنا إنما يعني هلاكنا! ~~- وماذا يضطرك إلى الإقامة هنا؟ ~~- مهما يكن من أمره فهو أفضل من العالم الآخر. ~~- ما هو إلا مزاح! ~~- حقا! .. أنسيت؟ .. أليس الطاغية يحكمكم؟ والشرطة تجلدكم؟ والجيش يحصدكم؟ والإنجليز يتربصون ~~فوق رءوسكم؟ لا أحد يحكمني هنا، وأنا لا أستعمل القوة إلا دفاعا عن الصالح العام. # فقال الشاب وهو يلوح بيده في أسى: وجئت بغبائي لأطالبكم بالإضراب غدا! ~~- دستورنا هنا لم يلغ ولا يمكن أن يلغى؛ إنه دستور أبدي، وهو يقضي بأن نعمل لا أن ~~نضرب، أن نعمل لا أن نبكي موتانا، ووراء هذه الجدران المتداعية نقدم لأمثالك السعادة التي ~~يحلمون بها. # فقال الشاب كالحالم: وا أسفاه! لم أعجز عن تحقيق ما أريد؟ ~~- ماذا تريد؟ # ولما لم ينبس عاد يسأله: ماذا تريد؟ # فأجاب بصوت حالم أيضا: أشياء كثيرة، ما يهمني ms18 منها الآن أن أرجع تلك الفتاة إلى العالم ~~الآخر! # فضحك التابع وقال: لقد كانت هنالك ولم تجد مناصا من هجره والمجيء إلى هنا. ~~- من الممكن أن تتوفر لها حياة مستقرة هنالك. ~~- صدقني لقد لاذت بنا كما يلوذ الغريق بصخرة! # وفجأة ظهر قزم وهو يصفر ثم صاح: «إبليس». وفي الحال انفجرت في الدرب حركة شاملة؛ هرعت ~~النساء إلى داخل البيوت وأغلقن الأبواب. قبض التابع على ذراع الشاب واندفع به إلى داخل ~~القهوة وأغلق بابها. في ثوان خلا الدرب تماما وشمله الموت. ومرت دقيقتان، ثم ظهر الفتوة ~~وسط عصابة مدججة بالنبابيت. ألقوا على المكان الخالي نظرة استعلاء وساروا على مهل في ~~خيلاء. ساروا يرجون الأرض بوقع أقدامهم الثقيلة وارتطام نبابيتهم بالبلاط. مضى الزحف ~~وئيدا حتى اختفوا وراء المنعطف. ومرت دقائق والدرب مستسلم للموت، حتى ظهر القزم مرة أخرى ~~وصاح: «أمان». # ورويدا رويدا أخذت الأبواب تفتح والحركة تدب واللغط يعلو، كما عاد التابع والشاب إلى ~~مجلسهما حول الخوان. وقال التابع بهدوء: مناورة، ما هي إلا مناورة، وعندما سيعود سيجد ~~الإتاوة جاهزة! # وانتابت الشاب نوبة ضحك هيستيرية. ~~- ماذا يضحكك؟! ~~- فكرت أن لو حصل الإضراب غدا بهذه الصورة فسيكون أكبر مظاهرة وطنية. ~~- إنه يناور ونحن نناور! ~~- إنه الخوف يا صديقي. ~~- لا تحكم بالظاهر. ~~- لستم أفضل حالا منا! ~~- قياس مع الفارق، ثق من أنني سأضربه ذات يوم! ~~- وتصبح عند ذاك الطاغية! ~~- لقد نالها عن جدارة، وسأنالها عن جدارة، أما في العالم الآخر فالطاغية يطغى استنادا ~~إلى قوة أسياده. ~~- أأنت راض عن نفسك حقا؟ ~~- ثمة أمل دائما لا يغيب! ~~- يا للخسارة! لقد كنت تلميذا ذكيا؛ ولكنك كنت عدو الاجتهاد! ~~- الحمد لله، فلو كنت مجتهدا لمضيت في طريقك حتى أدفن في إدارة من إدارات ~~الحكومة! # وهنا عادت الراقصة إلى مجلسها وهي تقول مخاطبة الشاب: خيبت ظني! # فقال لها التابع بخشونة: الفضل لدموعك الحارة! # فقال الشاب برجاء: لا تعد إلى ذلك. # فقال لها التابع: استعدي للرقص ... # فقالت بإشفاق: إني متعبة! # فضحك ضحكة عالية وقال: متعبة في ليلة الموسم! ~~- إلي ms19 بكأس كونياك. ~~- اطلبيه من عاشقك! # وأدرك الشاب المقصود فقال: هات لها كأسا! # ذهب التابع. نظر الشاب إليها باهتمام ورثاء وقال: ثمة شيء في عينيك، أنت متعبة حقا. ~~- أعراض عابرة سرعان ما تزول. ~~- يخيل إلي أن هذا الدرب ليس بالمكان المناسب لك! # فقالت بسخرية: ربما، لعل المكان الأنسب هو السجن أو القبر. ~~- أعوذ بالله! ~~- أليس الأفضل أن نذهب إلى الداخل لنغير المكان والحديث؟ # فتردد الشاب قليلا ثم قال: في وقت آخر .. ولكن ... أنت متعبة حقا. ~~- حقا؟! # ووقفت فجأة كأنما تنتزع نفسها من كابوس. وخبت نظرة عينيها، وأخذت تتنفس بعمق ~~وبجهد كأنما تحشر الهواء في قناة مسدودة. وقف منزعجا واقترب منها خطوة، ولكنها أشارت ~~إليه أن يبتعد. خاضت معركة مجهولة وحدها بلا نصير وبلا استجداء. ثم انقشعت السحابة ~~السوداء فاستردت العين نظرتها المألوفة. تنهدت، ابتسمت في استسلام، ثم انحطت فوق ~~مقعدها. غمغمت: لا شيء. ~~- ولكنك ... ~~- انتهى. ~~- أأنت بخير؟ ~~- نعم، اجلس. # جلس وهو لا يحول عنها عينيه. ~~- أعتقد أنه يلزمك راحة طويلة. ~~- تلزمني راحة أطول مما تتصور! ~~- وهل تستطيعين أن ترقصي؟ ~~- أستطيع، لا أستطيع، سيان! # وشحب لونها من جديد. وخبت نظرتها. ~~- أنت متعبة يا عزيزتي! ~~- حقا! وماذا بعد؟ الطريق طويل. ~~- دعي الأمر لي. ~~- طريق طويل، أطول مما تتصور. ~~- حالتك تزداد سوءا. # ورجع التابع يحمل كأسين في يديه ويدندن، وقال وهو يلقي عليهما نظرة باسمة: كعروسين في ~~شهر العسل. # فقال له الشاب: إنها ليست على ما يرام. # فقطب متسائلا وهو يحدجها بنظرة ارتياب: عادت للبكاء؟ # ولكنه قرأ في صفحة وجهها شيئا جديدا. قدم لها كأسا، ولكنها أطاحت به ضجرة فوقع على ~~البلاط وتحطم مختلطا بسائله، وتأوهت بعمق طارحة رأسها على مسند الكرسي، وصادف ذلك ~~قدوم المعلمة، فنظرت إليها عابسة وتساءلت: ما لها؟ # فقال التابع وهو لا يحول عن الراقصة عينيه: أزمة كالعادة! ~~- هل تعاطت شيئا؟ # أغمضت الراقصة عينيها متدهورة تماما، فهتفت المعلمة بالتابع: أدركنا بكوب ماء بالملح .. ~~أسرع. # وقال الشاب للمعلمة: يجب استدعاء طبيب! # فصاحت المعلمة بحنق: انتهينا من الدستور وسندخل في الطب! # ورجع ms20 التابع بالكوب؛ ولكن الراقصة تقلصت بحركة عنيفة ثم تهاوت ساقطة على الأرض. # أسرع الشاب إليها؛ ولكن التابع كان أسرع منه. عكف عليها يربت على وجهها ويدلك خديها ~~وصدرها. قرب وجهه من فيها، جس نبضها، رفع وجها جامدا ذاهلا منهزما لأول مرة، ~~وتمتم: ماتت! ~~- ماتت! # فندت عن المعلمة صيحة خافتة يائسة وقالت: أنت أعمى! # فأعاد الكرة ثم قال ببرود: ماتت يا معلمة! ~~- يا خبر أسود! # وهتف الشاب: خطأ، يجب استدعاء الإسعاف. # فقال التابع بوحشية: اصمت، لقد ماتت. # فهتفت المعلمة: في ليلة الموسم! .. يا له من حظ أسود من الليل! # وقال الشاب بعناد: إنها حية! # فصاحت المعلمة في وجهه: ألا تفهم يا طلعة الشؤم! ~~- ولكن كيف؟ ~~- إنك تخاطبني كما لو كنت قابضة الأرواح. # ثم التفتت إلى التابع وسألته: هل تعاطت شيئا؟ ~~- كلا. ~~- هو قلبها إذن؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- لو لم يكن بسبب تعاطي شيء فسنقع في «س» و«ج». ~~- كلا، ولكن ما العمل الآن؟ # فقالت المعلمة: فلنحملها إلى حجرتها أولا. # وتعاون الثلاثة على حملها ومضوا بها إلى البيت. # وتساءلت امرأة: ما لها يا معلمة؟ # فأجابت المرأة بلا تردد: مسطولة! # ودخل الموكب البيت بين ضحكات تتجاوب على الجانبين. وما لبث الأصيل أن ولى تماما ~~ومضى الظلام يهبط ماحيا كل شيء. أشعلت الأنوار. بدأ الرواد يحضرون فرادى وجماعات. ~~عزفت الجوقة ودبت في الأركان حياة صاخبة معربدة. ورجعت المعلمة وتابعها والشاب فجلسوا حول ~~الخوان المعدني في وجوم بادئ الأمر؛ ولكن المعلمة سرعان ما قالت: ابسطوا وجوهكم كما يجدر ~~بأناس يستقبلون موسما. # ثم بنبرة متشددة منذرة: لا يجوز بحال أن يفطن أحد إلى سر الحجرة المغلقة .. وإذا سأل ~~سائل عنها فهي مشغولة بزبون! # وتنهدت بحنق وواصلت حديثها: لو عرف أن الموت قابع بالبيت لما طرقه طارق حتى ~~القيامة! # فقال الشاب غاضبا: ولكنه تصرف أبعد ما يكون عن الإنسانية! # فقالت المعلمة مخاطبة التابع ودون مبالاة باحتجاج الشاب: تكفل بصديقك، أنت مسئول ~~عنه، ولا جدوى من تصرف إنساني يقضي علينا بالخراب العاجل، سيجيء دورنا يوما ما ولن ~~تبكينا عين ؛ سنشيع ms21 باللعنات حتى من زبائننا، الليلة موسم، فلتمض بالبهجة ~~والحبور! # فقال التابع: لا تخشي من جانب صديقي. # فقال الشاب: ولكنه وضع لا يقبله عقل. # فقالت المعلمة: لم يحدث شيء غير طبيعي، وليس في قدرتنا أن نرد الأرواح إلى ~~أجسادها. ~~- ولكن شتان بين القسوة والرحمة! # فقال التابع: ليس إلا أننا نؤجل إعلان وفاة! ~~- ولكن للموت احترامه! # فهتفت المعلمة بنفاد صبر: احترام الموت بعد الدستور والطب! # فقال التابع معتذرا عن صديقه: لعله يلتقي بالموت لأول مرة في حياته. # فقالت المعلمة للشاب: لا تطالبنا بالتفريط في الحياة باسم احترام الموت، ابق لصق صديقك ~~حتى تنتهي السهرة، واحتفل بالموت بعد ذلك ما شاءت لك إنسانيتك! # فقال التابع: دعي الأمر لي يا معلمة! ~~- ربنا يستر. ~~- جهزت الإتاوة؟ ~~- نعم! ~~- وإذا طالب بالراقصة؟ ~~- لن يطالب قبل نهاية السهرة، وله إن شاء أن يقاتل عزرائيل عند ذاك! # وقامت وهي تبسط وجهها، فمضت إلى القهوة هاتفة: يا جمال الرقص يا جماله! # ورمق الشاب التابع بمرارة ثم قال: لشد ما تغيرت! # فقال التابع بوجوم: لا تبالغ يا عزيزي! ~~- جثة ملقاة في الداخل، والعربدة دائرة في الخارج! ~~- لا مفر، للعمل ساعة وللموت ساعة. ~~- إني حزين، بودي أن أفعل شيئا. ~~- حسن، أعد إليها الحياة. ~~- يا لكم من وحوش! ~~- أتذكر كيف كان يلقى بضحايا المظاهرات في القبور بملابسهم حتى لا يشملهم الإحصاء ~~الرسمي؟! ~~- إلى الجحيم بكل شرير وبكل شر! ~~- ما زالت دنيانا أفضل. # فقال الشاب بضيق: عن إذنك، أريد أن أذهب. ~~- كلا. ~~- كلا؟ ~~- المعلمة لا تسمح بذلك. ~~- لتذهب المعلمة إلى الشيطان! ~~- لقد وجدت نفسك في دربنا فلتتم التجربة! ~~- بي غثيان منه. ~~- خذ الأمر ببساطة ولو من أجل خاطري! # وساد الصمت بينهما؛ ولكن صخب العربدة انهال عليهما من الأركان كالصواريخ، ورغم الزياط ~~سمع صوت الشاب وهو يتمتم: يا لها من شابة تعيسة! # فقال التابع ملاطفا: كانت مريضة بالقلب. ~~- لم تنعم بحياة هادئة تناسبها. ~~- ذلك أنه لم يكن من الجائز أن تموت جوعا. # فقال الشاب منفعلا: إني أحتقر برودك. # فقال ضاحكا: إني أحتقر حرارتك! ~~- دعني أذهب. ms22 ~~- غير ممكن، إنها تخشى أن تبلغ عن الجثة. ~~- أيعني ذلك أنني سجين؟! ~~- أنت ضيف صديقك القديم. ~~- يجب أن أستيقظ مبكرا، أمامنا يوم جهاد عصيب! ~~- يسرني أن أنقذك من الرصاص الذي يعد الآن لأمثالك. ~~- أنا لا أخشى الموت. ~~- ولكنك تحترمه أكثر مما ينبغي. # رفع رأسه إلى نافذة الحجرة الرهيبة وقال: جثة منسية، بلا أهل ولا أصدقاء ولا ~~رحماء. ~~- لم تعد بحاجة إلى أحد. # وظهر القزم وهو يصيح: «إبليس». خرجت المعلمة فجلست بين الشاب والتابع. سرعان ما سد ~~موكب الفتوة مدخل الدرب، ولما وصل إلى القهوة قامت المعلمة وتابعها لاستقباله، قالت بأدب ~~لأول مرة: تحية لسيد الرجال. ~~- موسم طيب بإذن الله. # وضعت صرة في يده وهي تقول: بفضل الله وبفضلك! ~~- وأين البنت؟ ~~- مع زبون! ~~- أرسلي في طلبها. ~~- ستكون بين يديك في نهاية الليلة. ~~- سأنتظر في القهوة ساعة واحدة. ~~- ولكن ... ~~- ساعة بالتمام والكمال! ~~- أنت سيد من يفهم ويقدر. ~~- بالتمام والكمال؛ وإلا فليهنأ عزرائيل بوليمة فاخرة! # ودخل القهوة متبوعا برجاله. # نظرت المعلمة في حيرة إلى التابع وسألته: ما العمل؟ ~~- ما من قوة في الأرض تستطيع أن تأتي بها إليه كما يريد. ~~- ماذا تتوقع؟ ~~- أنفضي إليه بالحقيقة؟ ~~- هذا يعني خرابنا. ~~- أخشى أن يعرف الحقيقة رغم إرادتنا. # فقالت بغضب: أفضل أن يدهمني القضاء على أن أسير إليه بقدمي! # ثم قامت وهي تقول: سأجلس معه وليعني الله على إقناعه! # ومضت إلى داخل القهوة. مد الشاب جذعه يتابعها حتى استقرت إلى جانب الفتوة، ثم تراجع ~~إلى جلسته وهو يسأل التابع: ما معنى ذلك؟ ~~- ليس عندي ما أضيفه إلى ما سمعت. ~~- ماذا تتوقع أن يحدث في ختام الساعة؟ ~~- سيقتحم البيت محطما من يعترضه. ~~- ولكنه لن يجد سوى جثة. ~~- وعند ذاك يتقرر خراب البيت. ~~- وما دورك أنت في ذلك كله؟ ~~- لا أستطيع أن أدعه يمر دون مقاومة! ~~- أتفكر في اعتراض سبيله؟ ~~- هذا هو عملي. ~~- عملك؟ ~~- أنا حامي منطقة المعلمة! ~~- ولكنه ... ولكنه سيقضي عليك. ~~- ربما! ~~- إنه مؤكد، فلا تخاطر بحياتك. ~~- هو عملي كما قلت لك. ~~- تجاهله. ~~- أفقد عملي وكرامتي. ~~- يمكن أن ms23 تتسلل بطريقة ما إلى الشرطة! # فقال ضاحكا: أفقد كرامتي مرتين! ~~- لا أفهمك. ~~- هي تقاليد عملي. ~~- إنه الجنون عينه. # فابتسم التابع قائلا: ممكن أن يقال مثل ذلك عن زعيمك. ~~- أخشى أن تذهب ضحية للغرور، دعني أتسلل أنا ... ~~- أرفض اقتراحك. ~~- أنت مهدد بفقد حياتك. ~~- محتمل! # وساد الصمت. نظر الشاب في ساعة يده فتزايد قلقه. هرب من مخاوفه إلى أمواج الرواد ~~التي لا تنقطع؛ يعربدون ولا فكرة لأحدهم عما يتأزم في المقهى، ولا عما يقبع في البيت. ~~والتفت نحو صديقه قائلا: الوقت يمر أسرع مما تتصور. ~~- ليس أسرع مما أتصور. ~~- قد تكون آخر ساعة في حياتك. ~~- قول يصدق على أي مخلوق! ~~- لن تكون معركة عادلة. ~~- لا توجد معركة عادلة! ~~- يا له من انتظار! ~~- يا له من انتظار! ~~- ويا لها من نهاية! ~~- ويا لها من نهاية! ~~- بودي أن أصعد إلى حجرة الفتاة. ~~- لم؟ ~~- لأجس نبضها من جديد! ~~- إني أتوثب لمواجهة القضاء وأنت تحلم بالخرافات. ~~- سمعنا عن جثث دبت فيها الحياة بعد دفنها؟ ~~- إذا قامت القيامة فابتعد عن ميدان المعركة. ~~- كنت أعتقد أن الغد هو يوم الخطر. ~~- حافظ على حياتك حتى الغد! ~~- يا له من يوم عجيب! ~~- أرجو أن تكون قد تعلمت أشياء مفيدة. ~~- كيف تنتظر الموت بهذا الهدوء كله؟ # ابتسم التابع ابتسامة غامضة وقال: عندما ماتت الفتاة حل بي تشاؤم غريب. ~~- لم يبد عليك شيء قط. ~~- لا يجوز في عملي أن يبدو على الوجه شيء! ~~- يخيل إلي أنك تتكلم بحزن لأول مرة؟ # صمت التابع مليا ثم قال بنبرة اعتراف: كانت حبيبتي الوحيدة في هذه الدنيا! ~~- من؟ ~~- الميتة! # فغر الشاب فاه من ذهوله، فاستطرد الآخر: عشرة ليست بالقصيرة، وبها أصلت نجاحي في هذا ~~الدرب. # ظل الشاب يرمقه بذهول؛ أما هو فقال: والحق قد ماتت بموتها أشياء لا تعد ولا ~~تعوض. # ونهض وهو يهمس: ما علينا! # وأشار إلى المعلمة إشارة خفية، فجاءته بوجه كالح. سألها: هل لان جانبه؟ # فقالت بيأس: أصلب من الصخر. ~~- لم تبق إلا دقائق معدودات! # والتفت نحو صديقه وقال: ابتعد دون تردد . # ومضى ms24 نحو القهوة في هدوء وثبات. وجعل يقترب من الفتوة باسما حتى وقف بين يديه. وبغتة ~~استل من صدره خنجرا ودفنه في قلب الوحش. انتتر الفتوة قائما جاحظ العينين. ترنح جسمه ~~الضخم ودار حول نفسه، ثم تهاوى كجدار تهدم. وفي الحال أفاق الوحوش من ذهولهم؛ زلزلت القهوة ~~بحركة جائحة. انتصبت أجسام، استلت خناجر، ارتفعت نبابيت، تطايرت شتائم، اهتزت جدران، تحطمت مصابيح، هرولت أقدام. اختفى كل شيء في ظلام حالك، صرخت صفارة الشرطي. ومضى وقت ~~غير قصير في الظلام ... ولما أشعلت المصابيح من جديد تبدى الدرب في منظر مختلف. عند مدخل ~~القهوة انطرحت ثلاث جثث للفتوة والتابع والراقصة! خلا الدرب من جميع الرواد عدا نفر قليل ~~دهمتهم المعركة فاندسوا تحت الأرائك، ثم أخذوا يخرجون من مخابئهم بوجوه شاحبة، على رأسهم ~~الشاب. وطوق المكان قوة من الشرطة والمخبرين بقيادة ضابط مباحث. وانتحت جانبا المعلمة ~~والنسوة بأبصار زائغة. أما رجال العصابة فلم يظهر لهم أثر. # تحول الضابط إلى المعلمة وسألها: ما معلوماتك عن الواقعة؟ # فأشارت إلى جثة الفتوة وقالت: جاء على رأس عصابة فهاجم الدرب بلا رحمة. ~~- ماذا رأيت من المعركة؟ ~~- إني امرأة ضعيفة، هربت فلم أر شيئا! # أومأ الضابط إلى جثة التابع وسألها: من هذا؟ ~~- مدير المقهى، قتل ولا شك وهو يدافع عن نفسه. ~~- وهذه الفتاة؟ ~~- كانت ترقص في المقهى عندما نشبت المعركة! ~~- لا يظهر بها أثر لاعتداء؟ ~~- كانت مريضة بالقلب، فربما قتلها الخوف! # عند ذاك خاطب الضابط الجميع قائلا: لا يبرحن أحد مكانه حتى يدلي بأقواله. # وإذا بمخبر يتجه نحو الشاب فيقبض على ذراعه ويشده إلى موقف الضابط، ثم قال: إني أتذكر ~~هذا الشاب يا حضرة الضابط. # فتساءل الضابط متهكما: أهو من رجال العصابة؟ ~~- هو الذي اعتدى على حضرة المأمور في مظاهرات العنابر ثم نجح يومها في الهرب. # رماه الضابط بنظرة قاسية ثم قال: ما شاء الله! .. تشعلون الفتنة في البلد وتهرولون إلى ~~المواخير! # | فنجان شاي # دق جرس المنبه. تقلب الرجل في فراشه، تثاءب بصوت مرتفع كالتوجع، أزاح الغطاء ~~وجلس، تزحزح إلى ms25 الوراء حتى استند إلى ظهر السرير، تثاءب مرة أخرى، مد يده إلى زر جرس ~~معلق فوق الفراش فضغطه. جاءت امرأة حاملة صينية عليها إبريق شاي وجريدة الصباح، فوضعتها على ~~ترابيزة لصق السرير. ملأ القدح بنفسه وتناول الجريدة. لاحظ أن المرأة لم تبرح مكانها، ~~فحدجها بعين متسائلة، فقالت: الأولاد ... # ولكنه قاطعها بحدة: يا فتاح يا عليم، صبرك حتى أغادر الفراش. # وترددت المرأة فعاد يقول: هذا وقت الشاي والجريدة، فلا تفسدي علي أطيب أوقات ~~اليوم. # تنهدت المرأة وغادرت الحجرة وهو يتابعها بعينيه حتى أغلقت الباب وراءها. رشف من الفنجان ~~رشفة، ثم عكف على القراءة. ~~••• # تحركت ستارة مسدلة فوق نافذة، خرج من ورائها رجل مرتديا بدلة سوداء. تقدم بخطوات ~~متمهلة حتى وقف في وسط الحجرة. نظر فيما حوله ثم قال بلهجة خطابية: الحمد لله. # فتمتم رجل الفراش ورأسه لا يتحول عن الجريدة: الذي لا يحمد على مكروه سواه. ~~- لو قلت إن كل شيء حسن فربما وقع القول من الآذان موقع الغرابة. # فتمتم رجل الفراش: ربما. ~~- وقد يتوهم البعض أننا لا نتحرك. ~~- قد. # تضايق ذو البدلة السوداء من تمتمات الآخر، فمضى إلى الفراش وراح ينقر على رأسه محذرا، ثم ~~رجع إلى موقفه. انكمش رجل الفراش ولكنه لم يتحول عن الجريدة وواصل قراءته الصامتة في هدوء. ~~وقال ذو البدلة السوداء: نظرة عادلة إلى الوراء كفيلة بإبراز المدى الذي قطعناه. # فهز رجل الفراش رأسه دون أن ينبس. ~~- في كل شيء بغير استثناء. # فهز رجل الفراش رأسه مرة أخرى دون أن ينبس. ~~- ليعلم ذلك عدونا الخارجي، وليعلمه عدونا الداخلي. # ونظر ذو البدلة السوداء صوب رجل الفراش مستطلعا، فتمتم هذا دون أن يتحول عن جريدته: كلام ~~طيب. # عند ذاك أخلى ذو البدلة السوداء مكانه، فاتخذ موقعا جديدا في ناحية الحجرة المقابلة ~~للفراش، ووقف صامتا كتمثال. ~~••• # تحركت الستارة مرة ثانية فبرزت من ورائها فتاة جميلة في لباس البحر. تقدمت مزهوة بجمالها ~~الفتان حتى وقفت في وسط الحجرة، وجعلت ترسم في الهواء حركات سباحة كشفت بعمق أكثر عن ~~مفاتنها ، ثم ms26 قالت بصوت عذب: سأظهر هكذا في دور جديد تماما في الفيلم الجديد «الأبواب ~~الخلفية». # فقال رجل الفراش: يسعدني أن أراك هكذا في أي دور! ~~- ولكنه دور عجيب يجمع بين المرح والمأساة. # فقاطعها بحماس وهو لا يرفع رأسه عن الجريدة: المهم هو أنت! ~~- يقتلك بالضحك ويثقفك بالهدف! ~~- لا قيمة لشيء سوى قامتك السحرية. ~~- فهو فيلم ترفيهي وهادف معا. ~~- ماذا؟ سمعي ثقيل، هلا حدثتني في أذني؟ # دنت الفتاة من الفراش ومالت نحوه، فطوق وسطها بذراعه وجذبها نحوه حتى التصقت ~~به. ~~- قلت: إنه فيلم ترفيهي وهادف معا. ~~- ماذا؟ قربي أكثر وأكثر. # فصاح ذو البدلة السوداء بصوت راعد: فيلم ترفيهي وهادف معا، أسمعت؟! # سحب ذراعه بسرعة. واصل انكبابه على الجريدة، رجعت الممثلة إلى وسط الحجرة، دارت حول ~~نفسها في حركة استعراضية، ثم مضت ناحية البدلة السوداء واتخذت موقفا. # وقال ذو البدلة السوداء: الفنانة تريد أن توقظ ذوقك؛ ولكنك تأبى إلا أن تراها ~~بشهوتك. ~~- رأيت جسدا جميلا عاريا. ~~- أتريد أن نقدم لك الحكمة في برميل؟ ~~- ما أكثر الأشياء التي تعذب الإنسان! ~~- سنعرض عليك أجسادا عارية. ~~- شكرا! ~~- والويل لك إذا عابثتك شهوة من شهوات الجسد. # وجم الرجل فوق جريدته، فسأله الآخر بحدة: ماذا قلت؟ ~~- الويل لي. ~~••• # انزاحت الستارة بعنف. دوت في الجو طلقات رصاص وانفجار قنابل وأزيز طيارات. خرج من وراء ~~الستارة جندي أمريكي وفيتنامي وهما يتبادلان إطلاق النار. تساقطت فوارغ الرصاص فوق الرجل في ~~فراشه، فاضطرب في مجلسه ولكنه لم يرفع رأسه عن الجريدة. رشف رشفة في عصبية واستمر في ~~القراءة. # وصاح الجندي الأمريكي: أيها الشيوعي المنحط. # فصاح به الفيتنامي: أيها الإمبريالي المتوحش. ~~- ماذا جاء بك من الشمال؟ ~~- ماذا جاء بك أنت من وراء المحيط؟ ~~- الأرض كلها أمريكية ... وغدا سيكون القمر أمريكيا. # فقال الفيتنامي وهو يطلق النار: وستكون المقابر أمريكية، سأقتلك ثم أقطف وردا ~~وأرقص. # وكثر تساقط فوارغ الرصاص فوق رجل الفراش، فقال متذمرا: ابتعد. # فصاح الأمريكي بالفيتنامي: انظر كم أنك مزعج للناس. # فصاح به الفيتنامي: إنه يوجه الخطاب لك أنت. ~~- ما كان ليجرؤ أن ms27 يخاطبني بتلك اللهجة. ~~- إني أطلق النار عليك؛ أما أنت فتطلق النار في جميع الجهات. # وعاد رجل الفراش يقول متأوها: اللعنة على كل معتد أثيم! # فصاح الأمريكي في وجه الفيتنامي: أرأيت أنه يقصدك أنت؟! ~~- يا لجنون العظمة! # وظلا يتبادلان إطلاق النار حتى فرغت ذخيرتهما، فمضيا غير بعيدين من الممثلة ووقفا جامدين. ~~وقال رجل الفراش وهو مكب على الجريدة: هذا الرجل جدير بكل إعجاب. # فقال ذو البدلة السوداء: بكل تأكيد. # وقالت الممثلة: أرأيت كيف أنه يقطف الورد ويرقص في حومة القتال! # فقال رجل الفراش بصوت منخفض: سمعي ثقيل، هلا اقتربت لأسمعك؟ # ولكن ذا البدلة السوداء ضرب الأرض بقدمه فساد الصمت. ~~••• # تحركت الستارة للمرة الرابعة فخرجت من ورائها امرأة متوسطة العمر، تحمل بين ذراعيها ستة ~~من المواليد، فوقفت في وسط الحجرة وقالت: أنا امرأة من كوبا، ولدت ستة توائم، وجميعها في ~~صحة جيدة! # فقالت الممثلة: هيهات أن تصلحي بعد ذلك لحياة الأضواء. ~~- ولكني معجزة من معجزات الحياة! # فقال الجندي الأمريكي: نحن في عصر معجزات العلم والصناعة لا الحياة، ومثل هذه المعجزة ~~المزعومة خليقة بأن تدفع العالم إلى أنياب مجاعة شاملة. # فقال الفيتنامي: لا خوف على العالم من مجاعة ما دامت قنابلكم تحصده. ~~- إنها لا تبيد إلا النفايات. # فقالت الأم: هل أجد طعاما متوفرا؟ # فقال لها الفيتنامي: توجد ذخيرة بعدد حبات الرمال. # فقالت الأم: لم أسمع تحية واحدة. # فقال رجل الفراش: طوبى لك في الدارين! ~~- شكرا يا سيدي. ~~- ولأبيهم أكبر تحيات التقدير. ~~- أكرر الشكر يا سيدي. ~~- هل لديكم قانون تعليم مناسب؟ ~~- عندنا أشياء كثيرة مناسبة. ~~- أهلا بك وسهلا. # وذهبت إلى الناحية الأخرى. جلست على الأرض وراحت تغني للمواليد، تغني وتغني حتى ثقل رأس ~~الفيتنامي بالنعاس فتثاءب، وتبعه الأمريكي على الأثر، وجلسا تباعا على الأرض عن يمين ~~المرأة ويسارها. وأوسعت لكل موضعا في حجرها فتوسده برأسه وغط في النوم. ~~••• # وتحركت الستارة حركة عصبية فخرج من ورائها رجلان، اندفعا إلى وسط الحجرة، وكل منهما ممسك ~~برأس الآخر يحاول جهده أن يخفضه إلى أسفل. صاح أولهما : المارك ms28 فوق الجميع. # فصاح الآخر: الفرنك لا يعلى عليه. ~~- المارك رمز التفوق. ~~- الفرنك رمز الإنسانية! # ولكم الألماني الفرنسي فتراجع مترنحا حتى سقط فوق رجل الفراش. نهض الفرنسي من ~~سقطته فهجم على الألماني ولطمه على وجهه، ثم قبض على رباط عنقه وجذبه منه جذبة قوية فاندلق ~~ناحية الفراش حتى ارتطم برجل الفراش، واستعاد توازنه وانقض على خصمه. وجعل كل منهما يحاور ~~الآخر حتى لا يمكنه من نفسه، ونال منهما الإعياء فوقفا متباعدين وهما يلهثان. وقالت ~~الممثلة: أقترح أن تودعا نقودكما عندي حتى تسويا خلافاتكما! # فابتسم إليها ذو البدلة السوداء وقال: قول طيب، أحسنت. # فخطت نحوهما خطوتين وقالت بإغراء: لدي موضوع يصلح للإنتاج المشترك. # فقال الألماني: أوافق إن يكن عن حرب 1870. # وقال الفرنسي: حرب 1914 أهم وأخطر. # فقالت الممثلة: هو عن امرأة مريضة نفسيا، وأعراض مرضها أن تسير عارية وهي نائمة! # فقال رجل الفراش وهو مكب على جريدته: مرض ممتاز. # وقال الفرنسي: أعطينا مثالا لتلك الحالة المرضية. # مدت يديها للجزء الأعلى من لباس البحر كأنما لتنزعه؛ ولكن ذا البدلة السوداء قال: ليس في ~~وسط الحجرة! # فقال رجل الفراش: يهمني أيضا أن أرى ما يجري في بيتي. # فقال الآخر بحدة: الأجانب يستحقون معاملة خاصة! ~~- لقد عانيت من صراعهم، فمن حقي أن أشاركهم بعض المسرة! # فقالت له الممثلة: لا من أهل المال أنت، ولا من أهل الفن. # فتساءل منكرا: أفندم؟ سمعي ثقيل. # فقال ذو البدلة السوداء: ألاحظ أن أذنك تعمل بحسب هواك. ~~- إني أمارس حريتي من خلال أذني. ~~- سأسمعك بنفسي ما يتعذر عليك سماعه. ~~- شكرا، لا داعي لتكليف خاطرك! # اندست الممثلة بين الرجلين فتأبطت ذراعيهما ومضت بهما إلى موضعها السابق. # ومن وراء الستارة خرج رجلان، يحمل أولهما كتبا ويحمل الآخر قوارير. وقفا جنبا لجنب ~~وسط الحجرة، ثم قال حامل الكتب بصوت عريض رنان: من ذخائر التراث، تفسير القرآن، طبعة أنيقة ~~مع تعليقات بأقلام أكبر الأساتذة، الثمن جنيه واحد. # وقال حامل القوارير بصوت منغوم: أفخر أنواع الويسكي، وردت منها كميات محدودة، بأسعار ~~محددة ومعقولة تتراوح بين ms29 أربعة جنيهات وخمسة جنيهات. # فسأل رجل الفراش حامل الكتب: ألا تميزون أرباب الأسر بشيء من التخفيض؟ ~~- يختص بالتخفيض الطلبة فقط. ~~- وأرباب الأسر؟ ~~- الثمن معقول جدا. ~~- شكرا. # وعاد حامل القوارير يقول: أفخر أنواع الويسكي، كميات محددة وأسعار زهيدة! # فسأل رجل الفراش حامل الكتب: أحرام أن يتناول المسلم قليلا من الويسكي كدواء؟ # فأجاب حامل الكتب: إني أتناول كأسا قبل النوم كدواء لضيق الشرايين. ~~- ولكني أشكو ثقلا في السمع؟! # فقال حامل القوارير: ثقل السمع عرض مرضي لضيق الشرايين. ~~- ولكن ثمن الويسكي كفيل بسد الشرايين. # وتدخل ذو البدلة السوداء في الحديث فخاطب حامل القوارير قائلا: قف جنب السيد الفرنسي ~~فهو يحب المرح. # وتحول إلى حامل الكتب قائلا: قف جنب السيد الألماني فلعله أن يكون مستشرقا. # ثم التفت إلى الممثلة وقال: همتك، لديك قرآن وويسكي وموضوع مشترك! ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها رجلان من رجال الفضاء؛ روسي وأمريكي، سارا بخفة نحو وسط ~~الحجرة، تصافحا، ثم قال الروسي لزميله الأمريكي: أصدق التهاني. # فقال الأمريكي: ومني إليك أصدق التهاني. ~~- لا يهم أنني سبقتك إلى التجربة ما دمت تتقدم بنجاح، تهاني! ~~- المهم هو النجاح، وسألحق بك، وسوف أسبقك، تهاني! ~~- لا أظن أنك ستسبقني أبدا، فات أوان ذلك، تهاني. ~~- أراك لا تعمل حسابا للمفاجآت الأمريكية، تهاني. # فقال رجل الفراش: إنكما حلم وردي في عالم قطران! ~~- شكرا أيها الرفيق. ~~- شكرا أيها الزبون. # فقال رجل الفراش: بفضل العلم تقع معجزات. # فقال الروسي: وبفضل النظام الشيوعي. # فقال الأمريكي: بل بفضل النظام الرأسمالي. # فقال رجل الفراش: لقد ارتفعتما إلى سموات الله عز وجل. # فقال الروسي: رأيت الكواكب تسبح في أفلاك متأثرة باختلاف أحجامها؛ فمساراتها متحددة بصراع ~~طبقي أزلي سرمدي. # فقال الأمريكي: وهناك الشمس تمد الكواكب بالحرارة والضوء كالمعونة الأمريكية. ~~- ألم تريا شيئا وراء ذلك؟ # فقال الروسي: لا شيء وراء ذلك. # ولكن الأمريكي صاح: رأيت الله. ~~- كيف؟ .. أين؟ ~~- نور يخطف الأبصار، يشع في منطقة من السماء تقع فوق البيت الأبيض. # فقال له الروسي: يا لك من دجال! ~~- اخرس أيها السفاك. ~~- سندفنكم أحياء. ~~- سندفنكم أمواتا ms30 . # فهتف رجل الفراش متأوها: الغوث! # فصاح به ذو البدلة السوداء: ها أنت تسمع كل كلمة تقال. ~~- أسمع وشا؛ لعله ضيق الشرايين، إلي بقليل من الويسكي ... ~~- معك عملة صعبة؟ ~~- ولا سهلة! ~~- كف عن شرب الشاي فإنه مثير للأعصاب. ~~- إنه يهبني أطيب ساعات اليوم! # وهتفت الممثلة بنرفزة: لا أستطيع أن أعمل في هذا الجو الصاخب. # فقال رجل الفراش بقلق: من الحمق أن نترك هذين العملاقين يتخاصمان. # فقال ذو البدلة السوداء: من ذا يجزم أين تقع المصلحة؟ # وتقدمت الممثلة من رجلي الفضاء وقالت وهي تشير إلى الأم: يوجد صغار نيام! # فكظم كل حنقه. وقال الروسي بوجه متجهم مخاطبا زميله: تهاني. # فقال الآخر بازدراء: تهاني. # وذهبا مع الممثلة فاتخذا لهما موقفا. ~~••• # ومن وراء الستارة خرجت فتاة جميلة في العشرين من عمرها، في مني جيب، معلقة حقيبتها ~~بكتفها، ووقفت في وسط الحجرة وقالت: أنا فتاة مثقفة، أتقن العربية والإنجليزية وأعمال ~~السكرتارية، أريد وظيفة سكرتيرة. # هرش رجل الفراش ذقنه، أما ذو البدلة السوداء فقد سألها: ألم تقيدي نفسك في إدارة ~~القوى العاملة؟ ~~- بلى. ~~- عليك أن تنتظري دورك. ~~- طال الانتظار، أريد وظيفة حرة. # فقالت لها الممثلة: أعرف شخصا هاما في حاجة إلى سكرتيرة! ~~- إني مستعدة لمقابلته في الوقت الذي يحدده. # فقال رجل الفراش: ولكنك لا تعرفين عنه شيئا؟ ~~- أعرف عملي وكفى. # فقال الرجل بتأثر: فكري قليلا، إني أحدثك بلسان أب. ~~- كأنك يا سيدي تخاف علي؟ ~~- الناس أشرار يا ابنتي، وأنت صغيرة السن. ~~- لست صغيرة. ~~- ما زلت في طور البراءة! ~~- لست هشة ولا خوف علي. ~~- إنك تعرضين نفسك لخطر فادح. ~~- إني أحتقر هذا الإشفاق! ~~- إني أب ... ~~- بل جد، وأقدم من ذلك! ~~- سامحك الله. ~~- سأجد في العمل حريتي وكرامتي. ~~- قد ... قد ... ~~- لا أسمح لأحد بالتدخل في شئوني. ~~- ثمة أخطار ... ~~- أخطار! .. ألم تسمع عن غزاة الفضاء؟! ~~- معذرة يا آنسة. # فقال ذو البدلة السوداء: ليتك تعرف نعمة السكوت! # فقالت لها الممثلة: انضمي إلينا مؤقتا، ثمة شركة في دور التكوين. ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها رجل عجوز أنيق الملبس، وقف وسط الحجرة ms31 وقال بنبرة شبه ~~باكية: يا بني، عد إلى أبيك؛ طلباتك مجابة. # فسأله ذو البدلة السوداء: متى اختفى؟ ~~- منذ أسبوع ... ~~- بحثت عنه في مكانه؟ ~~- لم أترك مكانا واحدا. ~~- ما عمره؟ ~~- ستة عشر عاما. ~~- ما مشكلته؟ ~~- كل شيء، ولا شيء بالذات. ~~- رأي، سلوك، ذوق، هه؟ ~~- نعم، وعلم الله ما راعيت إلا مصلحته. # فقال له رجل الفراش: إني أرثي لك. ~~- شكرا. ~~- ليس زماننا بزمان الآباء. ~~- زمان قذر. # فصاح به ذو البدلة السوداء: لا تسب الزمان فهو الدولة. # فعاد الرجل يردد بهدوء حزين: يا بني، عد إلى أبيك ... طلباتك مجابة. # واختار لنفسه موقفا جنب حامل الكتب. ~~••• # من وراء الستارة خرجت فتاة صعيدية حاملة مقطفا كبيرا، تبعها على الأثر صعيدي في ~~الخمسين، وقفا في وسط الحجرة، فسألته الفتاة: لم جئنا إلى هنا يا أبي؟ # فهوى بكفه على وجهها وصاح: لأنقذ شرفي من الفساد. # ندت عن الفتاة صرخة مدوية. رمت بالمقطف وجرت نحو الفراش، فأحاطها الرجل بذراعه. ~~سرعان ما لحق بها الأب، ولكي يخلصها من ذراع الرجل انهال على صدره ضربا حتى سحب الرجل ~~ذراعه متأوها. جذبها إلى وسط الحجرة، طرحها أرضا، استل خنجرا وانهال عليها طعنا حتى ~~أخمد أنفاسها، ثم دفنها في المقطف، وغطاها بخمارها، وهو يتمتم بتشف: الآن ردت الحياة ~~إلي. # فقال له ذو البدلة السوداء: ستفقدها وراء القضبان أو فوق المشنقة. # فقال باستهانة: طظ! ~~- متى تحترم القانون؟ ~~- طظ. # وحمل المقطف ومضى به صوب الفراش فدفعه تحته. تأوه رجل الفراش وقال له: يا لك من ~~وحش! # فقال له بازدراء وهو يرجع إلى وسط الحجرة: كيف يعد أمثالك من الرجال؟! ~~- كيف طاوعتك يدك على قتل ابنتك؟ ~~- يوجد شيء اسمه الشرف. ~~- وتوجد أيضا الحماقة. # فأشهر خنجره مرة أخرى وهو يتساءل في ريبة: ولكن ذا البدلة السوداء بادر إليه فأخذه من ~~ذراعيه إلى الناحية الأخرى. ~~••• # وترامى عزف أوركسترا وتخت بلدي في وقت واحد، وخرج من وراء الستارة رجلان؛ أولهما في لباس ~~مغني أوبرا، والآخر مغن بلدي. وقفا في وسط الحجرة، وراحا يغنيان في وقت واحد، كل بطريقته ms32 . ~~فأحدثا صخبا متنافرا مزعجا مضحكا. ولما ختما غناءهما تصافحا ببرود، مغني الأوبرا في ~~احتقار لم يفلح في مداراته، والمغني البلدي دارى ضحكة أوشكت أن تفلت منه. في أثناء ذلك ~~تقلص وجه رجل الفراش من الانزعاج، وتساءل: أبكما مس أم ألم ملح؟ ~~- نحن بخير. ~~- لماذا تصرخان؟ ~~- غنينا كأحسن ما يكون الغناء. ~~- أكان ذلك غناء؟ ~~- أسمعناك الشرق والغرب معا. ~~- ألم يكن الأفضل أن نسمع كلا على حدة؟ ~~- أصلنا ننتمي إلى مؤسسة واحدة ... # وزاد الأوبرالي على ذلك أن قال: أنا المستقبل، وزميلي الفاضل يمثل الماضي. # فغضب المغني البلدي وقال: أنا مغن، أما هذا الرجل فهو مجنون يصرخ بلا سبب. # وتبادلا صفعتين، وتوثبا لعراك أشد. فصاح رجل الفراش: اذهبا .. اتركاني في سلام. # فقال ذو البدلة السوداء باستياء: تأدب في مخاطبة المغنيين الرسميين! # وأشار إلى الرجل فأمسكا عن الخصام وذهبا معا إلى الناحية الأخرى. ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها طالب ثم شرطي، وقفا في وسط الحجرة وهما يتبادلان نظرة ~~متوجسة، وسأله الشرطي: لم تتسكع في الطرقات؟ # فتساءل الطالب بتحد: لم تتبعني كظلي؟ ~~- أنا ظل الأشياء المعوجة! ~~- ألا تشم في الجو رائحة غبار خانق؟ # فتشمم الشرطي الجو وقال: في الجو غبار خانق! ~~- إني أبحث عن هواء نقي. ~~- ولكنك بتسكعك تثير مزيدا من الغبار الخانق. # فضحك الطالب ضحكة جافة وقال: الليل ينشر جناحيه بينا الشمس ما زالت في كبد السماء، فما ~~تفسيرك لذلك؟ ~~- لعل الليل أسرع أو أن الشمس تباطأت. ~~- فما علاقة ذلك بتحديد مرات السقوط؟ ~~- مثل علاقته بإهدار المال بلا حكمة. ~~- واضح أنك تهذي. ~~- وأوضح منه أنك قليل الأدب. # وقذف الطالب الشرطي بطوبة فلم تصبه؛ ولكن أصابت رجل الفراش فتأوه دون أن يرفع رأسه عن ~~الجريدة. تراجع الشرطي خطوات، لوح بهراوته استجماعا لقوته، ولكنها في حركاتها العشوائية ~~أصابت رجل الفراش في قدمه ومنكبه فتأوه مرة أخرى. تبادلا الضرب حتى نزفت دماؤهما، فتباعدا ~~وهما يترنحان من الإعياء والإنهاك. وهتف رجل الفراش: وما ذنبي أنا؟ # فقال ذو البدلة السوداء: لا تفتأ تتدخل فيما لا يعنيك! ~~- ولكن القتال يدور ms33 في حجرة نومي. ~~- عال، فأنت أصلح شاهد للإدلاء بما رئي، ما سبب المعركة؟ ومن البادئ بالضرب؟ ~~- للمعركة أسباب غير عادية. ~~- مثال ذلك؟ ~~- الغبار والتسكع والليل والشمس. ~~- يا لك من شاهد فاجر! ~~- أقسم لك ... # فقاطعه بحدة: ومرات السقوط في الامتحان ألم تسمع بها؟ ~~- إن سمعي ثقيل كما تعلم. ~~- ها أنت تعود لادعاء الصمم، واضح أنك مغرض! ~~- علم الله ... ~~- فمن الذي بدأ الضرب؟ # تلقيت ضربتين متعاقبتين، ولكن تعذر علي تحديد المصدر البادئ! ~~- فاجر، ألم أقل إنك شاهد فاجر؟! ~~- دعنا من التحقيق. ~~- دعنا من التحقيق؟ ~~- واضح أن أعصابهما تحتاج إلى عقاقير فعالة. ~~- الصيدليات ملأى بالعقاقير. ~~- الحاجة ماسة إلى طبيب لا إلى شرطي. ~~- ألست طبيبا؟ .. إني أناقشك طيلة الوقت باعتبارك طبيبا! ~~- أنا طبيب حقا، ولكني في إجازة مرضية. ~~- أصبحت قادرا على الحركة في بيتي؛ فأنا أغادر الفراش وقتما أشاء، ولكن تلزمني بضعة أيام ~~راحة قبل أن أمضي إلى الخارج لمزاولة نشاطي المعتاد. ~~- حسنا، لا تبدد قواك في الثرثرة حتى تسترد صحتك. # ومضى الرجل إلى الطالب والشرطي فأخذهما إلى موقف في الناحية الأخرى. ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها زنجي وعربي مسلح، وقفا في وسط الحجرة، وقال الزنجي: ~~المشوار طويل فيما يبدو. ~~- أجل ... إنه يبدو كذلك. ~~- أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى آسيا، وأنت؟ ~~- أنا متردد بين أمريكا وأفريقيا. ~~- وما مشكلتك؟ ~~- في أمريكا يحاصرني الاضطهاد باعتباري الأقلية، وفي إفريقيا يحاصرني باعتباري ~~الأغلبية! ~~- يا له من اضطهاد كالقدر! ما سببه؟ ~~- لأني أسود؛ هكذا يقال. ~~- أن تضطهد وأنت أقلية فتلك رذيلة شائعة، ولكن كيف تضطهد وأنت الأغلبية؟ ~~- ثمة رجل أبيض يحتكر الاضطهاد، ويمارسه حيثما وجد. ~~- ولكني أراك لا تحمل سلاحا؟ ~~- كان لنا زعيم يدعو إلى الحب والسلام. ~~- وهل استجابوا له؟ ~~- قتلوه غيلة! ~~- ما كان أجدره أن يقتل وهو يقاتل! ~~- آمن بأن الحب أقوى من جميع الأسلحة. ~~- لا مكان إلا لنوعين من الإنسان؛ واحد يقاتل بقلب ملؤه الشر، وآخر يقاتل بقلب ملؤه ~~الخير. ~~- لعلك من النوع الأخير؟ ~~- لعلي. ~~- وما مشكلتك أيها المقاتل؟ ~~- لقد سرقت. ~~- سرقوا مالك؟ ~~- سرقوا وطني! ~~- وطنك؟! ~~- بجباله وأنهاره ms34 وحقوله وتاريخه، ثم قذفوا بي إلى العراء. ~~- أي قطاع طرق! ~~- وراءهم يقف الذين يضطهدونك. ~~- لذلك تحمل السلاح؟ ~~- ولذلك يجب أن تحمل السلاح. ~~- ولكن أين أجده؟ # وهنا قال رجل الفضاء الروسي: تجده عندي إذا أردته. ~~- ولكني لا أملك ثمنه. ~~- يمكن الاتفاق على ذلك دون إرهاق. # فصاح رجل الفضاء الأمريكي مخاطبا الزنجي: تجنب هذا الرجل؛ فإنه لم ير الله في ~~السماء. # فقال رجل الفضاء الروسي: أحذرك من أضاليل هذا الزميل؛ فقد زعم أنه رأى إلها ~~أمريكيا. ~~- لم أقل إنه يحمل الجنسية الأمريكية، ولكن ثبت لي أنه إله العالم الحر. # فسأله الزنجي: هل آنست عنده ازدراء للسود؟ ~~- إنه نور، فطبيعي أن يفضل من عباده من على صورته. ~~- هل أدركت في حضرته سر ذلك كله؟ ~~- إن حكمته تجل عن أفهامنا، إنه فوق التصور والخيال، آه لو رأيته في مقامه السني فوق ~~البيت الأبيض! # فصاح رجل الفضاء الروسي: ألم أقل لك إنه دجال؟ # وقال العربي المسلح: دعونا من السماء، على الأرض تسرق أوطان ويضطهد أبرياء، وعلى ~~المسروق والمضطهد أن يحمل السلاح، وأن يتعاون مع من يعطيه السلاح، وأن تفسر حكمة الله على ~~ضوء ذلك! ~~- أنت شيوعي! ~~- أنت إمبريالي! ~~- أنت ظالم! ~~- أنت أسود! ~~- أنت دجال! ~~- أنت سفاح! # وتأوه الرجل في فراشه وعيناه لا تتحولان عن الجريدة، فسأله ذو البدلة السوداء: ما لك؟ ~~ماذا تريد؟ ~~- أريد سلاحا! ~~- ولكن إجازتك المرضية لم تنته بعد. ~~- أريد سلاحا! ~~- اصبر ... ~~- ألم تسمع ما قيل؟ ~~- سمعت واقتنعت، ولكن إجازتك لم تنته بعد. ~~- إني أقرأ في رأسك أفكارا غريبة! ~~- إن أردت الصراحة فإن تعليقاتك المتكررة لا توحي بالثقة! ~~- لعلك لا تعرفني على حقيقتي. ~~- إني أعرفك أكثر مما تتصور! ~~- أنا رجل مخلص ومستعد للقتال. ~~- ولكنك غير مدرب على استعمال السلاح. ~~- إذن أتدرب. ~~- اصبر حتى تنتهي إجازتك. ~~- طيب .. أعطني كأسا من الويسكي. ~~- معك عملة صعبة؟ # فتنهد الرجل بصوت مسموع، وعند ذاك قال له رجل الفضاء الأمريكي: أتريد السلاح ~~حقا؟ ~~- أجل. ~~- والويسكي؟ ~~- أجل. ~~- عهد الله أعطيك ما تريد من سلاح وويسكي. ~~- حقا؟! ~~- كلمتي ميثاق! ~~- ولكني لا ms35 أملك نقودا. ~~- لا يهم. ~~- أتعطيني ما أريد بلا مقابل؟ ~~- بشروط لا تستحق الذكر، انتظر ... # وتحرك متجها نحو الفراش، ولما بلغه وجد ذا البدلة السوداء في انتظاره، فقال له: أريد أن ~~أحادث هذا المريض على انفراد. # فقال ذو البدلة السوداء: ليس بيني وبينه سر! ~~- المرضى في وطننا الأمريكي يتمتعون بحريات هائلة! # فقال الزنجي: كذاب! # تحول نحوه غاضبا، ولكن ذا البدلة السوداء حال بينهما، ثم أوسع لهما مكانا بين ~~الآخرين. ~~••• # من وراء الستارة خرج رجل قصير نحيل، يلفه الحياء حتى بدا كطفل، وقف في وسط الحجرة وراح ~~ينظر فيما حوله بارتباك. هم بالكلام مرة ومرة؛ ولكنه لم ينبس. وإذا برجل جديد يخرج من ~~وراء الستارة، ضخم مهيب ذو لحية مدببة، اتخذ موقفه أمام الرجل الأول فأخفاه عن الأنظار، ~~وقال بنبرة متعجرفة: أنا رجل ألماني من بون. # فسأله الألماني الأول: ألديك معلومات جديدة عن المارك؟ # فقال بالنبرة المتعجرفة: لا أقيم الآن في ألمانيا، لم أجد هناك المعاملة اللائقة، أنا ~~مواطن عالمي، ولدي اختراع كيماوي مذهل. # فسأله رجل الفراش: أله فائدة في تجديد الشباب؟ # وسأله الزنجي: هل يجدي مفعوله في تهذيب الخلق الإنساني؟ # وسألته الأم: هل ينفع غذاء للأطفال؟ # فقال: إنه مسحوق غامض، يكفي الجرام منه لإبادة خمسين مليونا من البشر. # هب الجميع في اهتمام ساحق، حتى الأمريكي والفيتنامي استيقظا ووثبا واقفين. قال الألماني ~~الأول: لعلهم جهلوا مقاصدك أيها الأخ العبقري فلم يحسنوا معاملتك، عد إلى وطنك. # ولكن رجل الفضاء الأمريكي قال: أيها الأخ العبقري، أمريكا هي وطن العلماء، عندنا برج بابل ~~يعيش فيه العلماء من مختلف الأجناس عيشة الأباطرة. اذهب إلى وطنك الحقيقي أمريكا! # وقال له رجل الفضاء الروسي: ليكن مسحوقك في خدمة الملايين الكادحة، لا في خدمة حفنة من ~~مصاصي الدماء. # وقال له العربي: يلزمني ملليجرام من مسحوقك العبقري! # وسأله ذو البدلة السوداء: هل سبق لك زيارة معبد الكرنك تحت شمس الشتاء المشرقة؟ # فقال الألماني بعجرفة: تلزمني مهلة للتفكير. # وذهب إلى ناحية الواقفين فاتخذ مكانا. وبذهابه ظهر مرة أخرى الرجل القصير النحيل ms36 . # وقال له رجل الفراش: كان المنتظر أن تبدأ أنت بالكلام. # فابتسم في حياء دون أن ينبس فسأله: بالله ماذا يمنعك من الكلام؟ # فتغلب على حيائه وقال: أعتقد أنني بصدد اكتشاف طريقة ناجعة لمعالجة السرطان. # وساد صمت شامل حتى واصل حديثه قائلا: لقد جربتها على مرضى كثيرين فنجحت بنسبة 40٪، ولكني ~~في حاجة إلى مزيد من البحث والتجريب، وتلزمني تكاليف باهظة! # وساد الصمت؛ صمت ثقيل، حتى قال الفرنسي هامسا: هذا الرجل يستحق التشجيع، ولولا أزمة ~~الفرنك ... # فقال الألماني: إنه جدير بالتشجيع، ولكن من أدرانا أنه ليس دجالا؟ # فقالت الممثلة: إن تكشف عن دجال فأنا أرشحه لتمثيل دور في فيلمنا المشترك. # وقال رجل الفضاء الأمريكي: أبحاث السرطان متقدمة عندنا. # فقال رجل الفضاء الروسي: يمكن أن نستضيفك عاما في المعهد الطبي الشيوعي. # فصاح رجل الفضاء الأمريكي: يمكن أن نستضيفك عامين، ولكن إذا زرت روسيا تعذر عليك دخول ~~بلادنا. # ونفخ رجل الفراش بصوت مسموع، فسأله ذو البدلة السوداء: ماذا تشكو؟ ~~- أريد كأسا من الويسكي. ~~- تمر بك الأحداث وأنت لاه عنها بشهواتك! ~~- أعطني سلاحا. ~~- تريد أن تسكر وتطلق النار على غير هدى! # وأشار إلى الرجل القصير النحيل إشارة خاصة، فمضى ليتخذ موقفا بين الواقفين. ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها رجل ملفوف في كفن لا يظهر منه إلا رأسه، وقف في وسط الحجرة ~~وقال: أنا المدير العام لمؤسسة م. م. م. # فقال له رجل الفراش: تشرفنا يا فندم. ~~- انتقلت إلى رحمة الله على أثر نوبة قلبية أصابتني وأنا جالس إلى مكتبي. ~~- ليرحمك الله. ~~- الموت أكبر كارثة في الوجود، أكاد أجن كلما تصورت أن العالم سيمضي في طريقه عقب اختفائي ~~كأنني لم أعايشه دقيقة واحدة. ~~- أكنت تتوقع أن يتوقف عن الحياة إكراما لك؟ ~~- هذه هي مأساة الوجود الحقيقية التي تفقده أي معنى من المعاني! ~~- صدقني فإن العالم مثقل بهمومه بحيث يغفر له ألا يشعر بموتك. ~~- ذهبت الحياة بجمالها وسحرها وآمالها! ~~- ليرحمك الله. ~~- ما لقلبك جامدا هكذا، حتى الحيوان يحزن. ~~- حزني للحياة لم يترك في قلبي موضعا للحزن على ms37 الموت! ~~- مت وحيدا، وها أنا أحزن وحدي. ~~- لتكن الجنة مثواك. ~~- وأنا والد س وص بالجامعة، وشقيق أ بمؤسسة م. م. م، وعم د بمؤسسة م. م. م، ~~وابن خالة ز بمؤسسة م. م. م، وستشيع الجنازة من مسجد عمر مكرم في تمام الثانية عشرة ~~ظهرا ولا عزاء للسيدات. ~~- سأعزي بتلغراف. ~~- ولم لا تشيع جنازتي بنفسك؟ ~~- إني مريض كما ترى. ~~- تستطيع أن تشيع جنازتي لو بك رغبة في ذلك. ~~- أخشى أن أصاب بنكسة. ~~- أناني لا تفكر إلا في نفسك. ~~- لا وقت عندي للتفكير في نفسي ولا فيمن يموت. ~~- ليت يومك كان قبل يومي. ~~- أنتم السابقون ونحن اللاحقون. # وبدأ الرجل يتحرك ببطء ليتخذ موقفه بين الجماعة. وفي أثناء سيره قال ذو البدلة السوداء: ~~مات رجل من جيل الثورة المضادة. # فقال رجل الفضاء الأمريكي: فقدنا صديقا ذا استعداد طيب للتفاهم. # وقالت الممثلة: نقص رواد السينما رجلا ولا كل الرجال. ~~••• # وتحركت الستارة فخرج من ورائها رجل وجيه بدين، أنيق الملبس رغم ضخامته الفذة، وقف في وسط ~~الحجرة ثم بسط صحيفة وراح يقرأ منها بصوت جهوري: من واجبي، من حقي، أن أقول رأيي كما يجدر ~~بصحفي يحترم نفسه ويحترمه الجميع، وأن أصوغه بالوضوح الكامل لنخترق الظلمات إلى رؤية مضيئة؛ ~~لعلنا نهتدي إلى مرفأ آمن في هذا البحر العاصف الذي تتلاطم أمواجه كجبال من الظلام، سأقول ~~الحق بوضوح مهما كلفني ذلك من جهد ومن تضحية؛ لذلك أقول لكم: # الوعي قضية، تسير مسارها الطبيعي إلى نقيضها وهو اللاوعي، وعلى أثر تقدم مطرد يتكون ~~تركيب جديد من النقيضين هو المرض. بمعنى آخر الوعي + اللاوعي = المرض. إن يكن عصابا فهو ~~مرض نفسي، وإن يكن ذهانا فهو مرض عقلي. ذلك أن كل شيء يخضع في النهاية للديالكتيك. ولا ~~يلبث التركيب الجديد (المرض النفسي أو العقلي) أن يتحول إلى قضية جديدة تبحث بدورها عن ~~نقيضها كما تبحث المراهقة عن عريس، ونقيض المرض هو الصحة النفسية، ثم يجمعها تركيب جديد آخر ~~بحكم حتمية الديالكلتيك، وهذا التركيب الجديد يتكون من المرض والصحة، مرض ms38 ديالكتيكي وصحة ~~ديالكتيكية، وهي حال لا هي صحة ولا هي مرض، وإذا ترجمناها إلى لغة فلسفية أمكن أن نطلق ~~عليها «حال وجودية» ... ويغلب عادة أن تكون من نوع الوجود في ذاته، ولكن بتدخل قوى قهرية ~~باغية تتحول إلى نوع آخر هو الوجود لذاته، ويخشى في تلك الحال أن تتحول إلى وضع أجوف أو ما ~~يسمى في الهندسة بالفراغ؛ فراغ مشحون بالقلق السرمدي، ولا علاج لذلك إلا بالمزيد من ~~الديالكتيك. هذه هي حقيقة المسألة بلا حشو ولا إسهاب لا موجب له، شرحتها متوخيا البساطة ~~والوضوح، بلغة شعبية جديرة بمخاطبة شعب عظيم يمر بلا شك بمحنة عصبية، ويتوثب لقهر ما يعترض ~~سبيله من عقبات، مصمما على الصمود والنجاح، ألا هل بلغت؟ # أعقب كلمته صمت، استمر حتى خرقه رجل الفراش قائلا: شكرا يا سيدي؛ ولكن ثمة أسئلة ~~حائرة أود أن أوجهها إليك. # فقال بهدوء: صناعتي هي الكتابة لا الكلام. ~~- ولكنها أسئلة ملحة يا سيدي. ~~- اكتبها في ورقة وسأجيب عليها كتابة. # وتكرم بإعطائه ورقة وقلما فتناولهما الرجل وسجل أسئلة، ومد بها يده إليه. ~~ قرأها الصحفي بعناية ثم سجل بدوره إجاباته عليها، ثم راح يقرؤها: بالنسبة للسؤال الأول ~~الجواب: محتمل. # بالنسبة للسؤال الثاني الجواب: بين بين. # بالنسبة للسؤال الثالث الجواب: نعم ولا. # بالنسبة للسؤال الرابع الجواب: لعل وعسى. # بالنسبة للسؤال الخامس الجواب: إنه سلاح ذو حدين. # بالنسبة للسؤال السادس الجواب: خير الأمور الوسط. # فتمتم رجل الفراش: شكرا يا سيدي. # فرد الصحفي الشكر بهزة من رأسه وانتقل إلى الناحية الأخرى. طوى رجل الفراش الجريدة ثم ~~احتسى آخر رشفة من الشاي، هبط إلى أرض الحجرة، راح يسوي جلباب نومه ويتثاءب. وفي الحال ~~أحدق به جميع الحاضرين بغير استثناء، جعلوا يدورون حوله مرددين مقاطع من أقوالهم السابقة في ~~وقت واحد. تخلل دورانهم طلقات نارية، انفجار قنابل، أزير طيارات، صرخات آدمية. وكلما أتم ~~أحدهم دورته زحف تحت الفراش واختفى، حتى خلت الحجرة ولم يعد يبقى بها سواه. وفتح الباب ~~وظهرت عنده المرأة وهي تتساءل: شربت شايك؟ # فأحنى رأسه بالإيجاب ms39 ، فقالت وهي تختفي في الداخل: أظن آن لنا أن نناقش مشاكلنا ~~العاجلة! # فمضى نحو الباب وهو يتمتم: استعنا على الشقا بالله. # | روح طبيب القلوب # تفحصها الرجل باهتمام، فتلقت نظراته بعينين حذرتين مستطلعتين. كان يجلس مسند الظهر ~~إلى باب الضريح الصغير، على حين تربعت هي بين يديه. لم يكن في ساحة الضريح الصحراوية سواهما ~~أحد في صحبة شعاع الصباح الباكر. وكان الضريح صغيرا مثل زنزانة، ولا تناسب بين جسم الرجل ~~النحيل وبين عمامته الخضراء الكبيرة ولحيته الكثيفة السوداء، وثمة تناقض أشد بين جلباب ~~الفتاة الرث القذر وقدميها الحافيتين، وبين جمال وجهها الآسر. أشار الرجل إلى الضريح وقال: ~~تبارك ذكره، كان بطب الجراح إعجازه وسره. # فتمتمت الفتاة بسذاجة: تبارك ذكره. ~~- لعل الذي جاء بك إليه جرح عز على البشر شفاؤه؟ # فتمتمت فيما يشبه البلاهة: نعم. # فسألها بارتياب: ما سنك يا فتاة؟ ~~- لا أدري. ~~- ولكن أمك تدري؟ ~~- لم أر لي أما. ~~- توفاها الله؟ ~~- لا أدري. ~~- وأين أبوك؟ ~~- لم أر لي أبا. ~~- وأين تعيشين؟ ~~- في الدنيا! ~~- ماذا تعملين؟ ~~- أسرح بالفاكهة الفاسدة يجود بها الفاكهي أو يبيعها بثمن بخس. ~~- ولكنها تجارة فاسدة! ~~- لها زبائن يتنافسون في الحصول عليها. ~~- وأين تقيمين؟ ~~- في الخلاء صيفا، وتحت البواكي شتاء. ~~- أتتحملين تقلب الجو؟ ~~- وهل تقلب الجو يؤذي؟! # وخفض الرجل صوته درجة وهو يسألها: وهل صنت شرفك يا فتاة؟ ~~- شرفي؟! ~~- ألا تعرفين معنى الشرف؟ ~~- الشرف؟! # فتردد لحظة ثم تساءل: ألم يغرر بك شاب؟ ~~- يغرر بي؟! ~~- يخدعك لينال منك مأربه؟ ~~- نحن نعمل معا، ونلعب معا، وننام معا! ~~- يا للعنة! ~~- اللعنة؟! ~~- لعلك قصدت صاحب الضريح مطاردة بعذاب الضمير! ~~- الضمير؟ ~~- لا تعرفين الضمير أيضا! ~~- أيضا! ~~- أأنت راضية عن حياتك؟ # فقالت بحماس: الحياة جميلة بالرغم من كثرة المشاجرات. ~~- الشجار إذن هو ما يقلقك؟ ~~- كلا، إنه يهب الحياة مذاقا طيبا! # فنفخ الرجل متسائلا: ما دينك يا فتاة؟ ~~- ديني؟! ~~- ألا تعرفين الدين؟ ~~- الدين! # فسألها بحدة: ماذا جاء بك إلي؟ ~~- أنت الذي أمرتني أن أجلس فجلست. ~~- ولكني رأيتك قادمة نحوي؟ ~~- نحو الضريح! ~~- لماذا؟ ~~- ظننت أنه يصلح مأوى ms40 لي. ~~- أأنت بلهاء أم مجنونة؟ # لاذت الفتاة بالصمت، فقال: إنك تعيشين في الخلاء صيفا وتحت البواكي شتاء، فماذا جعلك ~~تبحثين عن مأوى؟ # بدا أنها تهم بالكلام ولكنها أطبقت شفتيها راجعة إلى الصمت، فغمغم الرجل في ضجر: إنك ~~شيطانة! # فسألته ببساطة: من أنت؟ # فقال بغضب: لا يجهلني إلا الشياطين! ~~- ماذا تعمل؟ ~~- أنت لا تعرفين الشرف أو الدين، فكيف تدركين معنى الولاية؟ ~~- لماذا أنت غاضب؟ ~~- ملعونة أنت في الدارين! ~~- الدارين؟ ~~- في الدنيا والآخرة. ~~- أعرف الدنيا؛ ولكن ما الآخرة؟ ~~- اغربي عن وجهي! # نهضت الفتاة قائمة. سقطت من داخل الجلباب بين قدميها قطعة حلي. انحنت بسرعة فالتقطتها ~~ولكن يد الوالي قبضت على ساعدها بقوة، ثم وثب قائما وهو يقول: ما هذا؟! # هتفت به أن يطلق يدها، ولكنه قبض على منكبيها وراح ينهرها بعنف، فتساقطت قطع الحلي حتى ~~استقرت على الأرض كنزا صغيرا. وفي تلك اللحظة جاء خادم الضريح فرأى الصراع بين الفتاة ~~والولي ورأى الكنز، ردد البصر بينهما ثم حملق في الكنز متسائلا في ذهول: ماذا يحدث؟ # فقال الولي: لصة من صعلوكات الطريق. ~~- ماذا جاء بها إلى هنا؟ ~~- توهمت الشيطانة أنه يمكن إخفاء سرقتها في الضريح. ~~- وماذا تنوي أن تفعل بها؟ ~~- ما ينبغي فعله. # وولولت الفتاة: دعني وشأني. # فصاح بها: اخرسي يا لصة. ~~- يدك تهشم عظامي. ~~- من أين لك هذه الحلي؟ ~~- إنها ملكي! ~~- ورثتها عن أهلك؟ # وعاد خادم الضريح يسأل: ماذا تنوي أن تفعل بها؟ ~~- ما ينبغي فعله. ~~- وما الذي ينبغي فعله؟ ~~- علينا أن نسلمها للشرطة. ~~- أليس من الجائز أن تكون بريئة؟ ~~- ستتكفل العدالة بإظهار الحقيقة. ~~- ولكن العدالة عمياء يا ولي الله. ~~- من أين لها هذه الحلي؟ ~~- الله يرزق من يشاء بغير حساب. ~~- أترى أن نطلقها؟ ~~- لن تكون بمأمن من قطاع الطرق. ~~- لم يبق إلا أن أضعها تحت رعايتي! ~~- ولكنك ولي، وهيهات أن تحسن رعاية الأمور الدنيوية. # فقال الولي بارتياب: أرى أحلاما غريبة تراودك! ~~- لعلها نفس الأحلام التي تراودك! # وتوسلت الفتاة قائلة: دعني أذهب ... # فقال لها الولي وهو يخفف من قبضته عليها: لا أمان ms41 لك في دنيا الشرور. # وقال لها خادم الضريح: سأفتح لك الضريح كما تشائين! # ولكن الفتاة قالت بإصرار: أريد أن أذهب. # وحاولت أن تخلص ذراعيها، ولكن الولي شدد قبضته، وأقبل خادم الضريح يساعده؛ تبادلا نظرة ~~من فوق رأس الفتاة، قال خادم الضريح: يلزمنا وقت لتبادل الرأي. # وتبادلا غمزة حملا الفتاة على أثرها إلى داخل الضريح. غابا في الداخل دقائق، ثم خرجا ~~يتفصدان عرقا. # أغلق الخادم الباب ثم مضى إلى الولي وهو يقول: الخير في الاتفاق. ~~- لا تنس أنها جاءت إلي بقدميها. ~~- بل كانت تقصد الضريح. ~~- اكشف أفكارك. ~~- نتقاسم الغنيمة! ~~- من العدل أن ... # ولكن خادم الضريح قاطعة بحزم: نتقاسم الغنيمة! # فصمت الولي قليلا ثم تساءل: وماذا نفعل بالفتاة؟ ~~- نطردها، ونهددها بالويل إن عادت ... ~~- قد ... ~~- إنها سارقة ولن تلجأ إلى الشرطة. ~~- قد تحرض علينا عصابة من الأشرار لا قبل لنا بها. ~~- أترى من الأفضل أن نتخلص منها؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- أن نقتلها! ~~- نقتلها؟! ~~- ثم ندفنها في الضريح وهو خال كما تعلم! # فقال الولي باضطراب: ولكن لا قلب لي على القتل! # فقال الخادم بارتياح: ولا قلب لي أيضا. ~~- فما العمل إذن؟ # وتفكر في صمت مليا حتى قال خادم الضريح بظفر: الرأي أن نستعين بصديقنا الشرطي! ~~- فكرة طيبة ... ~~- وهي المخرج الوحيد لنا. ~~- ولكن الغنيمة ستوزع على ثلاثة بدلا من اثنين! ~~- خير من ضياع كل شيء. # وغادر خادم الضريح المكان. غاب فترة غير قصيرة، ثم رجع بصحبة الشرطي وهو يقول له: هذه هي ~~المسألة بلا زيادة ولا نقصان. # هز الشرطي رأسه مفكرا، على حين أقبل الولي نحوه قائلا: عندك الرأي والتنفيذ. # فقال الشرطي: ولكنها عقدة تحتاج إلى حلال وتحف بها المهالك! # فقال الولي: سنقبض على الفتاة وتبدأ من فورك التحقيق معها، ثم تستولي باسم القانون على ~~الحلي، وعند ذاك نتشفع نحن في إطلاق سراحها، وبمجرد أن تفك قبضتك عنها ستطير كالحمامة، ~~ولن ترجع إلى هذا المكان ما امتد بها العمر! # فقال الشرطي: ولكني لا أقبل الظلم ... # فتساءل خادم الضريح بانزعاج: أي ظلم! إنها صعلوكة شريرة قطاعة طريق ms42 ! # فقال الشرطي: الظلم أن توزع الغنيمة علينا بالتساوي! # فوجم الرجلان وقال الولي: لولا صداقتنا الوطيدة لقمنا بالمهمة وحدنا. ~~- لولا الضرورة ما لجأتم إلي! ~~- لا تكن سيئ الظن أيها الصديق. ~~- لي النصف ولكل منكما الربع. ~~- لا تغال أيها الصديق. ~~- لا تبددوا الوقت هباء ... # وصمت قليلا ثم استدرك: ولكن يلزمنا مثمن! ~~- مثمن؟! ~~- للوزن والتقييم والفحص. ~~- ترى هل يفعل ذلك لوجه الله؟ ~~- ماذا فعلت أنت لوجه الله؟ ~~- ولكن سينقص ذلك من نصيب كل منا؟ ~~- من نصيب كل منكما! ~~- يجب أن نتحمل العبء الجديد بالتساوي. ~~- أنت تتناسى أنك تخاطب القانون! ~~- الرحمة أيها الصديق. ~~- القانون لا يغمض عينيه بلا ثمن. # فقال الولي: أنا صاحب اللقية. # وقال خادم الضريح: أنا صاحب الضريح. # فقال الشرطي بحدة: أهناك رحمة أعظم من أن أهبك ثروة بدلا من أن أسوقكم إلى ~~السجن؟! # فهبط عليهما صمت واجم مثقل بالتسليم. وتسلم الشرطي الكنز، فاقترح أن يذهب إلى المثمن، ~~ولكن الرجلين أصرا على اصطحابه. وفيما هم يهمون بالذهاب جاء عجوز ضرير قابضا على يد شاب ~~ضرير، يتلمس طريقه نحو الضريح، فعدل الرجال الثلاثة عن الذهاب حتى تطمئن قلوبهم. بلغ العجوز ~~باب الضريح فبسط راحته عليه وتساءل بصوت مرتفع: أين خادم الضريح؟ # فأجاب الشرطي: الظاهر أنه مريض، اذهب الآن وعد غدا. # ولكن العجوز قال: الباب المغلق لن يسد سبيل الرحمة، إن الرحمن أمر بها. # وأسند رأس الشاب إلى الباب وهتف: يا طبيب القلوب الكسيرة، إليك ابني المسكين، فقد في حادث ~~بصره، فتوقف في سبيل الرزق سعيه، وأعيا الأطباء شفاؤه، اشمله بنفحة من بركتك ... # هم الرجال الثلاثة بالذهاب مرة أخرى لولا صرخة ندت عن الشاب الضرير، وهتف ~~الشاب. # فسأله العجوز: ما لك يا بني؟ ~~- أسمع صوتا! ~~- أي صوت يا بني؟ ~~- صوت طبيب القلوب الكسيرة ولا صوت غيره! # تبادل الرجال الثلاثة نظرة قلقة. ألصق العجوز أذنه بالباب ثم تساءل: ماذا سمعت يا ~~بني؟ ~~- نفذ صوته إلى أعماق قلبي ... # وقال الشرطي بحدة: اذهبا اليوم وعودا غدا. # فصاح الشاب: لن أذهب، إنه يناديني! # فقال الشرطي: أنا الشرطي، وأقول ms43 لك إنني لا أسمع شيئا ... # فصاح الشاب بأعلى صوت: اسكت، دع صوت الرحمة ينفذ إلى قلبي ... ~~- ولكن ذلك مخالف للقانون! ~~- اسكت، طبيب القلوب يهمس في أذني، تكلم يا طبيب القلوب الكسيرة ... # وجذب صوت الشاب الضرير انتباه بعض الناس فيما بدا، فأخذوا يتقاطرون على الساحة بجلابيبهم ~~الزرق وأقدامهم الحافية. وقفوا ينظرون باهتمام ويتبادلون الهمس. واستشعر الرجال الثلاثة ~~دنو خطر مجهول، فحث الولي وخادم الضريح الشرطي على إنقاذ الموقف قبل أن يستفحل الخطر. ~~ضرب الشرطي الأرض بقدمه وصاح بصوت آمر خشن: أيها الشاب، كف عن الهذيان. # ولكن الشاب صاح بقوة: طبيب القلوب يناديني. ~~- كف عن الهذيان. # فقال العجوز بضراعة: ارحم شبابه وعجزه. ~~- إنه يحدث فتنة. # فقال العجوز: دعه يسمع ما يطرق أذنيه، لا ضير من ذلك على أحد. # وأكثر من صوت من بين الناس قال: لا ضير من ذلك على أحد، لا ضير من ذلك على أحد. # أما الشاب فراح يخاطب الضريح قائلا: يا طبيب القلوب، إني أسمعك، صوتك يملأ قلبي، يحرك ~~جذور وجداني، إني أصعد في مدارج السماء يا طبيب القلوب ... # وهتفت أصوات من الشعب: تبارك الله القادر على كل شيء. # فصاح الشرطي: تضليل وتحد لقوانين الأمن. # وقال الولي: اذهب إلى ولي من أولياء الله، أو طبيب من أطباء الدولة! # وقال خادم الضريح: لقد انتهى عصر المعجزات! # فعادت أصوات من الشعب تهتف: تبارك الله القادر على كل شيء. # ومضى الشاب الضرير في مناجاته قائلا: ما أجمل صوتك يا طبيب القلوب! رقيق كالرحمة، هامس ~~كالسر، عزيز كالنور ... # فصاح الشرطي: دجل يدعو للتجمهر دون إذن من الداخلية! # ولكن الشاب واصل حديثه: بكل جوارحي أصغي إليك. أصغي إليك يا بشير النور والأمل. # فتقدم الشرطي من الناس خطوات وصاح: باسم القانون آمركم بالتفرق. # فقال أكثر من صوت: دعنا نشهد معجزة ... ~~- اذهبوا وإلا حملتكم على الذهاب بالعصا! ~~- لن تمنعنا قوة من شهود معجزة مباركة! # توثب الشرطي للهجوم، فتوثب الجمهور للدفاع دون أن يتزحزح عن مواقعه. وإذا بالشاب الضرير ~~يهتف: ليفتح الباب، ليفتح الباب؛ بذا أمر طبيب ms44 القلوب. # فارتفعت ضجة بين الجمهور وصاحت الأصوات: افتحوا الباب ... افتحوا الباب ... # وهتف الشاب الضرير متشكيا: إنه يدعوني إليه! # فهتفت أصوات في حماس جنوني: افتحوا الباب، الروح تريد أن تنطلق ... # فقال خادم الضريح: لن أفتحه احتراما للأمن والقانون ... # عند ذاك بدأ الشاب الضرير يدفع الباب بمنكبه، فتعالى هتاف الجمهور، وأراد الشرطي أن يمنعه ~~بالقوة، ولكن الشاب دفعه بعنف فرمى به بعيدا. وانفجر حماس الجمهور، فاضطر الرجال الثلاثة ~~إلى التنحي جانبا؛ اتقاء لغضبة لا قبل لهم بها. # وفتح الباب تحت وقع دفعات الشاب القوية، فاجتاح الهتاف الساحة كالانفجار. ولم يتردد ~~الشاب فدخل متلمسا طريقه بيديه حتى اختفى عن الأنظار. وساد صمت. صمت عميق شامل. تركزت ~~الأرواح في الأعين المستطلعة. انعدم الزمان والمكان. وإذا بصيحة تند عن الداخل. ثم ظهر ~~الشاب في الباب وهو يترنح. رفع يديه صوب السماء وهتف: أشهد الله أني أرى! .. أشهد الله أن ~~بصري رد إلي! # وقلب عينيه في وجوه الذاهلين الصامتين وصاح: أرى الضياء، أرى الناس، أرى السماء، وقد ~~رأيت الروح! ~~- الروح! ~~- تجسدت لعيني في صورة فتاة ترسف في الأغلال! ~~- الله أكبر ... الله أكبر. ~~- فككت أغلالها بمشيئة الله! ~~- الله أكبر ... الله أكبر. ~~- وهي تقطر بهاء وجلالا وجمالا ... ~~- الله أكبر ... الله أكبر. ~~- وبإذن الله سوف تظهر للأعين المؤمنة! # ووثب الشاب نحو الجمهور، فوقف في مقدمته مستقبلا باب الضريح. وساد الصمت مرة أخرى. ~~وتطلعت الأعين نحو الباب في لهفة عارمة. وفي خطوات وئيدة مترددة ظهرت الفتاة. ظهرت وهي تنظر ~~إلى الجمهور في ذهول. تعالى الهتاف من الأعماق وركع الجميع في خضوع: الله أكبر. ~~- الله قادر على كل شيء. ~~- يا له من جمال! ~~- يا له من بهاء! ~~- ما لا عين رأت ... # وحان من البعض التفاتة نحو الرجال الثلاثة الواقفين، فصرخوا فيهم أن يركعوا فاضطروا إلى ~~الركوع اتقاء للغضب. # وصاح الشاب: إني خادمك منذ الساعة وإلى الأبد. # واستبقت أصوات الجمهور في خشوع: رعايتك للغائب. ~~- رحمتك بالمريض. ~~- كرمك للكادح الفقير. ~~- غضبك على الظالمين. # نظرت الفتاة فيما حولها بذهول وتساءلت: أين أنا؟ # فقال الشاب ms45 : من السماء هبطت إلى أرضنا التعسة ... ~~- ماذا أرى؟ ~~- أناس طيبون جمعتهم المعجزة بعد أن فرقتهم الهموم. ~~- إني أشعر بدوار. ~~- إنه دوار من يرثي لحالنا. ~~- كادوا يكتمون أنفاسي! ~~- الويل للأشرار حيث كانوا وحيث يكونون. ~~- اغتصبوا الحلي بلا رحمة. ~~- جواهرك للطيبين لا للمغتصبين. ~~- أريد الحلي. ~~- ليجد كل مؤمن بك بمكنون جواهره. # انتهز الرجال الثلاثة فرصة انهماك الجمهور، وأخذوا يتزحزحون عن مواقعهم بغية الهرب، ولكن ~~عيني الفتاة وقعتا على الولي وخادم الضريح، فأشارت نحوهما هاتفة: المجرمان! # انقض رجال على الرجلين فدفعوهما أمامهم حتى خرا أمام الفتاة، سألت الفتاة: أين ~~الحلي؟ # لاذ الرجلان بالصمت، فقال صوت من الشعب: الروح - تباركت - تتحدث عن جواهر ~~حقيقية! # فقال الشرطي: للروح لغة لا يدركها أحد من البشر! ~~- إنها تتحدث عن جواهر حقيقية. # فعاد الشرطي يقول: حذار أن تفسروا كلام الروح على هواكم. ~~- اضربوهما حتى يقرا! ~~- إني مسئول عن الأمن العام. ~~- اضربوهما حتى يقرا. # فقال الولي مرتعدا: نحن رجال العهد. # وقال خادم الضريح: فتشونا إن شئتم. # فصاح رجال من الشعب: اضربوهما حتى يقرا. # وانهالت عليهما اللكمات كالمطر حتى صاح خادم الضريح: الحلي في حوزة الشرطي. ~~- تحول الجمهور الغاضب نحو الشرطي، فقام الرجل وهو يقول بعجلة ولهوجة: لقد ضبطتهما ~~وهما يتقاسمانها، فوضعت يدي عليها باسم القانون ... # وبلا تردد تخلص الشرطي من الحلي فوضعها في الساحة أمام الضريح، في موجة هادرة من التكبير ~~والتهليل. # وصاح الشاب: الآن وضح الحق! # فانخفضت الأصوات رويدا حتى استقر الصمت، فاستدرك الشاب قائلا: أرادت الروح أن تجود ببعض ~~الجواهر على الفقراء، فسرقها اللصان، ولكن ها هي الجواهر تعود إلى أصحابها! ~~- الله أكبر ... الله أكبر. ~~- وتلك هي رسالة طبيب القلوب إليكم. ~~- الله أكبر ... الله أكبر. ~~- تباركت يا طبيب القلوب. ~~- فلتوزع بالعدل. ~~- تباركت يا طبيب القلوب. ~~- ولتنفق في الخير. ~~- تباركت يا طبيب القلوب. # وإذا برجل وجيه المظهر يجيء مهرولا. ينظر فيما حوله بذهول حتى تقع عيناه على الحلي، ~~فيندفع نحوها كالمجنون هاتفا: الحلي المسروقة! # ولكن الشاب يدفعه دفعة قوية ترجعه القهقهرى، وصاح الوجيه: هذه حليي، وهي مثبتة بالوصف ms46 ~~والعيار في محضر الشرطة. # فتعالت أصوات الشعب: كذاب! ~~- لص! ~~- شريك المجرمين! # فقال الوجيه: لنذهب إلى قسم الشرطة. ~~- اذهب إلى الجحيم. # وفيما يضرب الوجيه كفا بكف يقع بصره على الفتاة. حدق فيها ذاهلا وهتف: أنت! # وهم بالانقضاض عليها، ولكن الشاب دفعه دفعة قوية كادت تطرحه أرضا. وصاح به الجمهور ~~غاضبا: تأدب في الخطاب يا وقح. ~~- أنت غير جدير بالمثول بين يدي روح كريم. # وتساءل الوجيه في ذهول: ماذا جرى للدنيا؟! # ولمح الشرطي فلاذ به قائلا: أنا صاحب الحلي، اذهب بنا إلى القسم ... # فهمس الشرطي في أذنه: اصبر، لا جدوى الآن من تحدي الجمهور. ~~- ولكنها لصة صعلوكة! # فانهالت عليه الأكف. ~~- اقطع لسانك يا وغد. ~~- يا مجدف. ~~- يا لئيم. # وسأل الشاب الفتاة: ما قولك في هذا الوقح؟ # فأجابت الفتاة بسرعة: إنه حيوان يتمرغ في تراب الفتيات ويضن عليهن بالملاليم! # فصاح الجمهور الغاضب: حيوان ... حيوان. # فقالت الفتاة: أمواله حلال لكم! # تعالى التهليل والتكبير. هجم عليه رجال أشداء فطرحوه أرضا واستخرجوا من جيوبه جميع ~~نقوده ... وصاح الوجيه: أيها الشرطي! # فهمس الشرطي: ماذا يفعل الشرطي بين مجانين؟! ~~- أموالي تنهب بمحضرك! # وصاح الشاب: أمواله كالحلي هبة طبيب القلوب للفقراء! # فصاح الجمهور: تبارك الروح الكريم! # فقال الشاب: تقاسموا المال بالعدل. # وأحاط الجمهور بالشاب وراحوا يتقاسمون النقود والحلي، وجعل الوجيه يهذي قائلا: ماذا جرى ~~للدنيا؟ # وقال الشاب: الآن تحققت رسالة طبيب القلوب. # وأشارت الفتاة إلى الوجيه والشرطي وخادم الضريح والولي وقالت: قيدوهم ثم احبسوهم في ~~الضريح! # هجم الجمهور على الرجال الأربعة فقيدهم، ثم حملهم إلى داخل الضريح وأغلق الباب. وسلمت ~~الفتاة المفتاح إلى الشاب قائلة: أنت خادم الضريح. # ثم نظرت إلى الجموع وقالت: اذهبوا بسلامة الله. # على رغمهم غادروا المكان، فلم يبق معها إلا الشاب، خادم الضريح الجديد. # تبادلا النظر؛ من ناحيته بخشوع، ومن ناحيتها بشوق. سألته: لم لم تأخذ من المال ~~نصيبا؟ # فقال الشاب بوجد وافتتان: حسبي أن أكون خادم ضريحك. ~~- ماذا كنت تعمل قبل أن تفقد بصرك؟ # نشأت في الطريق حتى التقطني منه العجوز الطيب، فعلمني صناعته ms47 وهي تحضير الأرواح ~~العطرية! ~~- كنت من فتيان الطريق؟ ~~- أول عهدي بالحياة. ~~- وكيف فقدت بصرك؟ ~~- صدمتني سيارة عابرة! ~~- ولكنه رد إليك فمبارك عليك. ~~- بفضل الله وفضلك. # تفكرت قليلا ثم قالت: الأصوب أن ترجع إلى عملك الأول مع العجوز الطيب. ~~- بل أحب أن أبقى خادما لضريحك. ~~- أقول لك ارجع إلى عملك. ~~- أهو أمر؟ ~~- نعم. ~~- سأرجع إلى عملي. ~~- سأرسل لك بفتاة من الطريق الذي نشأت فيه، إذا رأيتها توهمت أنك تراني. ~~- ما أجمل أن أرى صورتك على الدوام! ~~- تزوج منها، فهي هبتي إليك. ~~- سمعا وطاعة. ~~- وأحسن معاملتها. ~~- سمعا وطاعة. ~~- ولا تصدق قول الحاسدين فيها. ~~- سمعا وطاعة. ~~- ولا تفارقها حتى تفارقك الحياة. ~~- سمعا وطاعة. ~~- اذهب الآن بسلام. ~~- وددت أن أبقى كظلك. ~~- اذهب بسلام. # أحنى الشاب رأسه في خضوع، ثم فارق المكان أسيفا حزينا. # وجدت نفسها وحيدة في الخلاء. تجلت الحيرة في عينيها. # تساءلت: ماذا جرى للدنيا؟! # وقطبت في غضب: إما أنني مجنونة، وإما أنهم مجانين! # ثم في ذهول: الجميع يركعون، يهللون ويكبرون، بإشارة من يدي يأتمرون ... ماذا جرى؟! # وبغتة سمعت دفعا يصك باب الضريح من الداخل صكا. تولاها الذعر فأطلقت للريح ساقيها. ~~انفتح الباب بقوة الدفع وانطلق منه الوجيه والشرطي وخادم الضريح والولي. وجعل الوجيه يقول ~~في صخب غاضب للشرطي: سأحملك مسئولية المهزلة كلها. # ولكن الشرطي قال: صبرك، لم يكن في الإمكان فعل شيء؛ جن الناس، وإذا جن الناس تطايرت ~~هيبة الشرطي، ولكن هيهات أن يفلت مجرم من يدي! ~~- واللصة الصعلوكة أين ذهبت؟ ~~- اعتبرها في قبضة يدك، إني أعني ما أقول. ~~- وكيف أسترد مالي وحليي؟ # فقال خادم الضريح: لنلجأ إلى القسم. # ولكن الشرطي اعترض قائلا: كلا، للتحقيق سراديب أخشاها! # فسأله الولي: والعمل؟ # فأجاب الشرطي: لي وسائلي الخاصة. # ولكن الوجيه قال: بل لدي فكرة لو قدر لها النجاح ردت إلي أموالي ~~الضائعة! ~~- ما هي فكرتك؟ ~~- نلجأ إلى الروح! ~~- الروح؟! ~~- الروح التي سلبت مالي هي التي ترده إلي! ~~- ولكن ذاك حلم! ~~- سنعيد تمثيل الرواية! ~~- نفس الرواية؟ ~~- ولكن بممثلين من عندنا. ~~- والروح من أين نأتي بها؟ ~~- نفس ms48 الروح، وإذا خرجت عن المرسوم لها مزقناها إربا! ~~••• # وفي صباح اليوم التالي طلع أول شعاع على الضريح وهو مغلق، والولي جالس أسفل بابه. وإذا ~~بعجوز يسحب وراءه شابا ضريرا نحو الضريح. وجاء رجال فاتخذوا مواقفهم فيما يلي الضريح. ~~وغمز الولي بعينه فراحوا يتصايحون متظاهرين بالدهشة. ~~- هل نشهد معجزة جديدة؟ ~~- أجل .. إنها معجزة جديدة! # وترامت أصواتهم المرتفعة إلى أطراف المدينة، فهرع إلى ساحة الضريح جموع الأمس ملهوفين، ~~وعلى رأسهم الشاب. ولحق بهم الشرطي وخادم الضريح، وتطلعت الأبصار إلى الشاب الضرير؛ رأوه ~~مسند الرأس إلى باب الضريح وهو يهتف: يا رب السموات! # فسأله العجوز: ما لك يا بني؟ # فقال الشاب بانفعال شديد: أسمع صوتا يا أبي. # فسرت في الجموع همهمة سرعان ما انقلبت تهليلا وتكبيرا. وتظاهر خادم الضريح بالقلق، ~~فنادى الشرطي بنبرة تحريض: أيها الشرطي! # ولكن الشرطي أجاب بإذعان: كفاني ما لقنت أمس من درس، فلتكن مشيئة الله. # فهتفت الجموع هتاف النصر، وصاح الشاب الضرير: إنه يناديني! # فصاح الجمهور: الله أكبر .. الله أكبر. ~~- إني مرهف السمع، إني رهن الإشارة يا طبيب القلوب الكسيرة. ~~- تبارك الله القادر على كل شيء. ~~- افتحوا الباب، إنه يناديني، افتحوا الباب. # مضى شاب الأمس ففتح الباب بين التهليل والتكبير. دخل الشاب الضرير ملتمسا طريقه إلى قلب ~~الضريح حتى اختفى عن الأنظار. وساد صمت؛ صمت عميق شامل. تركزت الأرواح في الأعين ~~المتطلعة. وإذا بصيحة تترامى من الداخل، وإذا بالشاب يظهر في الباب رافعا يديه إلى السماء ~~وهو يهتف: أشهد الله أن بصري قد رد إلي! # فهتف الناس بانجذاب: الله أكبر .. الله أكبر. ~~- خلقت الدنيا من جديد، بنورها وناسها، فلتتقبلني خادما لضريحك يا طبيب القلوب. ~~- تبارك الله القادر على كل شيء. ~~- المنة لله، ما أحلى النور عقب الظلام! ~~- تبارك الروح الكريم! # وسأله رجل ممن يقفون في الصف الأول: ماذا وجدت في الداخل؟ ~~- رأيت الروح يرسف في الأغلال! # فتساءل شاب الأمس بذهول: ماذا قيدها بعد أن أطلقتها بيدي؟ ~~- قد أخبرت بما رأيت. # وتتابعت الاستغاثات من الحناجر: أتم نعمتك يا طبيب القلوب ms49 . ~~- يا مفرج الكروب. ~~- يا ناصر الضعفاء والفقراء. # وظهرت الفتاة في الباب كما ظهرت أمس، ودوى المكان بالتهليل والتكبير. ~~- ها هي الروح المباركة. ~~- ترقبوا مزيدا من البركات. ~~- طوبى للفقراء! # وتساءلت الفتاة: أين أنا؟ # فاستبقت أصوات تجيب: في الأرض التي اخضرت بجودك. ~~- ماذا أرى؟ ~~- شعبك الشكور. # فقالت بألم: كادت الأغلال تكتم أنفاسي! # فارتفعت الأصوات غاضبة تتساءل: من المجرم الأثيم؟ ~~- من الجاني الشرير؟ ~~- من عدو الأرواح؟ # فقالت الفتاة وهي تلحظ المحدقين بها في يأس: رماني في الأغلال صديق لا عدو، وبحسن نية لا ~~بسوء طوية! # فانفغرت الأفواه ذهولا، فعادت الفتاة تقول: ما أساء إلي إلا سوء الفهم والتأويل! # واصلت الأعين حملقتها في ذهول وتساؤل: طرحت لغزا فوقعتم في حبائله! ~~- ليغفر الله لنا. ~~- غاب عنكم أن الروح لا تتكلم بلغة الدنيا. ~~- ليغفر الله لنا. ~~- وأنها تهب الضياء الخالد لا المال الفاني. # فصاح رجال الصف الأول: ليغفر الله لنا. # أما الآخرون فوجموا وأطرقوا. ~~- وأنها جاءت لتطهر القلوب لا لتحض على النهب والسرقة! # اندحر الجمهور وغرق في صمت، على حين صاح الآخرون: ليغفر الله لنا. ~~- هكذا وقعتم في الضلال ونهبتم المال الحلال! ~~- ليغفر الله لنا. ~~- ذلك ما أعادني إلى الأسر! ~~- ليغفر الله لنا. ~~- أطلقوا سراحي أيها الأحباء المخلصون. # وبين التكبير والتهليل أخذ الرجال المحدقون بها يدسون أيديهم في جيوبهم، ويرمون ~~بالنقود تحت أقدامها، على حين انكمش الجمهور منقبض القلب والصدر والأمل، وأخذوا يتبادلون ~~النظرات كمن يفيقون من حلم. واستبطأهم الآخرون، فسألهم الشرطي محتجا: أتضنون بالحرية ~~على الروح الكريم؟ # ولكن واحدا منهم لم ينبس أو يتحرك. وجعل شاب الأمس يحملق في الفتاة بذهول حتى صاح ~~متأوها: ماذا رأى؟ # فتطلعت إليه الأبصار، فصاح بغضب موجها الخطاب إلى الفتاة: شد ما تغير كل شيء، كلا، ماذا ~~أرى؟! # التصقت به الأبصار وهو يمعن النظر بجنون حتى صاح بتحد: ما أنت بالروح الكريم! # أشرقت أعين الجمهور بالأمل، أما الشرطي فصرخ فيه: كف عن التجديف يا مارق! # ولكنه صاح بإصرار: ما أنت بالروح الكريم! # انبعثت من صدور الجمهور موجة استجابة حارة لقوله ms50 صدقوه من أعماقهم المعذبة. تغيرت ~~النظرة وتغير المنظور وتتابعت الصيحات في غضب وثورة: ما أنت بالروح الكريم. ~~- أين صوت الأمس الحنون؟ ~~- أين ذهبت رحمة السماء؟ ~~- أين اختفى البهاء والجلال؟ ~~-انظروا إلى أسمالها البالية! ~~- انظروا إلى الطين يعلو قدميها! ~~- انظروا إلى التراب يغطي وجهها! # وفجأة وثبت الفتاة مخترقة الحصار المحدق بها، رامية بنفسها وسط الجمهور وهي تهتف: ~~النجدة! # وصاح الشرطي: ما هذا؟! # فصاحت الفتاة: أنا بنت مسكينة، لا روح ولا ملاك! # فصاح الشرطي: أيتها الدجالة، الويل لك! # فصرخت الفتاة: هددوني بالقتل إن لم أتكلم على هواهم. # فارتفعت الأصوات بالغضب، وتكورت القبضات في تشنج. وانقض رجال من المتآمرين على الفتاة، ~~ولكن الجمهور تصدى لهم فدارت بين الفريقين معركة حامية! معركة استعملت فيها الأيدي والأرجل ~~والعصي والطوب والأسنان. وقاتل كل فريق بعناد وغضب، ورأى شاب الأمس الفتاة وهي تقاتل ~~كرجل، فخطر له أنها فتاته الموعودة فازداد قوة واستبسالا. ~~••• # استمرت المعركة وهي تزداد عنفا ووحشية. # | موقف وداع # أفاقا في وقت واحد. دبت فيهما حركة بطيئة كتقلصات اعترت زوايا الفم، والجفون ~~والأطراف. فتحا عينيهما، ندت عنهما آهة عميقة من التوجع، تقلبا على الجنبين، زحفا على ~~أربع مقدار ذراع، جلسا على الرمال، أجالا في الخلاء المحيط بهما نظرة ثقيلة نصف عمياء. ~~تلاقت عيناهما في نظرة عابرة لم تكد تكفي لكي يرى أحدهما الآخر. ~~- ما أثقل رأسي! ~~- ما أثقل رأسي! ~~- لا ريب أني أغادر مرضا طويلا. ~~- لا شك أني أبعث من موت. ~~- يا له من خلاء ميت. ~~- لعلي في قبر، أكذلك يبدو القبر من الداخل؟! # وتلاقت عيناهما مرة أخرى. ~~- من أنت؟ ~~- من أنت؟ ~~- إنك عار تماما كيوم ولدتك أمك. ~~- وأنت أيضا، ألا تدرك ذلك؟ ~~- يا للعجب! أين ملابسي؟ ~~- أين ملابسنا؟ ~~- من أنت؟ ~~- من أنت؟ ~~- اسمي عبد الواحد. ~~- اسمي عبد القوي. ~~- ترى أسمعت هذا الاسم من قبل؟ ~~- محتمل أنني سمعت اسمك كذلك. ~~- ماذا جاء بك إلى هنا؟ ~~- ماذا جاء بك إلى هنا؟ ~~- في الذاكرة تلف وعناء. ~~- في الذاكرة تلف وعناء. ~~- واضح أننا تعرضنا معا لشر واحد. ~~- أجل. ~~- غير ms51 بعيد أنني لا أراك لأول مرة. ~~- ويخيل إلي أنني عرفت في حياتي شخصا يقاربك في الشبه. # نهضا معا بصعوبة، وقفا يترنحان، أخذا يتنفسان بعمق. ~~- ما الذي جمع بيننا؟ ~~- لا يمكن أن نوجد هكذا معا مصادفة. ~~- ثمة علاقة تربط بيننا، فما هي؟ ~~- ما هي؟ ~~- سنتخلص من الإعياء والخور ونتذكر كل شيء. ~~- من خبرتي السابقة أؤكد لك أن رأسينا تعرضا لضرب مركز. ~~- ضربنا لنسرق، وقد سرقنا بالفعل كما ترى. ~~- ومن خبرتي أيضا أؤكد لك أننا تعاطينا مخدرا جهنميا. ~~- ولكنني لا أتعاطى أي مخدر. ~~- لعله دس إلينا في غفلة منا! ~~- لعله، ولكننا سنعود إلى وعينا ... ~~- استيقظي يا ذاكرة، حقا إن الإنسان بلا ذاكرة هو لا شيء! ~~- ها أنت تتنبه إلى أننا من فصيلة الإنسان. ~~- لا يتعرى إلا الإنسان؛ أما الحيوان فيخلق بملابس طبيعية. ~~- من حسن الحظ أن تكون إنسانا ولو سرقت وتعريت وتألمت. ~~- علينا أن نقاوم الذهول وإلا ذبنا في الخلاء. ~~- وهو خلاء صامت لن يجيب بحرف لو سئل ألف سؤال. ~~- صدقت. ~~- الحق أن وجهك غير غريب، ولا صوتك. ~~- كذلك وجهك وصوتك. ~~- نحن نتقدم بلا شك. ~~- الذكريات تقبل حتى أكاد أمسك بها؛ ولكنها سرعان ما تدبر. ~~- اشحذ جهاز استقبالك. ~~- صه .. ها هي ذكرى، كأنها عواء! وثمة ظلام كأنما يتكدس في كهف! ~~- حقا؟! .. وإني أكاد أمسك بأرقام محددة .. ترى ما هي؟ ~~- وثمة إيقاع شيطاني، لعله زار، أتعرف الزار؟ ~~- كلا، ولكن هناك خطة .. خطة هامة! # وفرق بينهما صمت. مضى كل منهما يحرك رأسه بشدة، ويتنفس بعمق، ثم تبادلا نظرة حية ~~لأول مرة. # ارتسمت في وجهيهما الدهشة. ~~- رباه! ~~- عبد القوي! ~~- عبد الواحد! ~~- ماذا حدث لنا أيها الأخ؟ ~~- أجل ماذا حدث؟ # وساد الصمت مرة أخرى تحت شمس الخريف الدافئة حتى تمتم عبد الواحد: كنا ماضيين نحو الطريق ~~الزراعي. ~~- أجل رأيناه بالعين على ضوء النجوم. ~~- ثم؟ ~~- ثم انقض علينا قطاع الطرق، لا شك عندي في ذلك. ~~- وسرعان ما غبنا عن الوجود. ~~- آه، تذكرت، كنا قادمين من مخيم البدوي. ~~- ذلك الرجل الكريم الذي استضافنا في الواحة. ~~- الواحة! .. أجل الواحة ms52 .. وقد قضينا وقتا طيبا في الخيمة .. وتعاطينا ... # فقاطعه عبد الواحد بحدة: إنك أنت أصل المصائب! ~~- كلما هفت نفسك إلى لذة مسحت ضعفك في أنا! ~~- أنت الذي شجعته! ~~- لم اشتركت أنت معنا؟ ~~- ضقت بالعزلة ... ~~- هي حجتك إذا أردت أن تمسح ضعفك في ... ~~- وقد وصلنا البدوي حتى مشارف الطريق ... ~~- وعقب رجوعه بوقت غير قصير وقع لنا ما وقع. ~~- وحملنا المعتدون إلى هذا الخلاء ثم تركونا عرايا! # وجعل كل منهما يقطب متذكرا، حتى قال عبد الواحد: سرقوا ملابسنا بما فيها. ~~- نقودنا وأوراقنا الخاصة. ~~- تركونا بلا شيء في لا شيء. ~~- فنحن وما حولنا لا شيء. ~~- هراء ما تقول! ~~- ولكنك أنت من قلته! ~~- إني لا أتكلم؛ ولكني أفكر، والتفكير طرح فروض واحتمالات ... ~~- معذرة يا أخي، ولتفكر في هدوء. ~~- ويجب أن تفكر أنت أيضا. ~~- إنما اعتمادي - بعد الله - على إحساسي الباطني وحده. ~~- ماذا يقول لك إحساسك الباطني؟ ~~- إنها ستفرج من حيث لا ندري! ~~- ربما هلكنا قبل ذلك. # فرفع عبد القوي كتفيه العاريين في صمت واستسلام فقال عبد الواحد: لقد سلبونا جميع ما نملك، ~~إلا العقل. ~~- وهو ما زال في شبه غيبوبة. ~~- أجل، ولكن من اليسير أن ندرك أن علينا أن نذهب إلى أقرب نقطة شرطة. ~~- فكرة صائبة، هيا بنا ... ~~- لا تتعجل، أنسيت أننا عرايا يستحيل عليهم مواجهة الناس؟! ~~- ولكنك أنت الذي اقترحت ذلك. ~~- قلت لك إني أفكر، وإن التفكير ما هو إلا طرح فروض واحتمالات! ~~- معذرة ... ~~- وإذن فعلينا قبل ذلك أن نحصل على ملابس. ~~- فكرة صائبة، ولكن كيف؟ ~~- أن نعود مثلا إلى صاحبنا البدوي. ~~- أسرع، لنسرع أيها الأخ ... ~~- ولكننا في خلاء مجهول لا ندري شيئا عن موقعه، ولا بوصلة معنا ولا مرشد. ~~- لم يبق إلا أن تنتظر حتى يعبر أحد فننهبه كما نهبنا. ~~- وأي مجنون يعبر هذه المتاهة؟ ~~- يا لها من ورطة مضحكة! ~~- مضحكة؟! ~~- المآزق تبعث في نفسي الضحك. ~~- ذاك أنك أهوج ملهوج لا يركن إليه في أزمة. ~~- أنسيت مواقفي في نجدتك عند الخطر؟ ~~- لا يمكن أن ينسى ذلك، ولكن لا تضحك في المآزق! # أحنى عبد ms53 القوي رأسه مستجيبا، أو متظاهرا بالاستجابة، فواصل عبد الواحد كلامه قائلا: ~~اتفق الرأي على أننا نزلنا ضيفين في خيمة البدوي، ولكن ما الذي دفع بنا إلى الواحة؟ ~~- ولكنك لم تحل مشكلة وجودنا في الخلاء عرايا بعد؟ ~~- يقتضي حلها بالرجوع إلى الوراء قليلا؛ فنحن لم نستكمل الوعي بنفسنا وحالنا بعد. ~~- فليتم ذلك قبل أن نهلك في الخلاء. ~~- لا تبدد الوقت، ماذا جاء بنا إلى الواحة؟ .. لا أظننا من أهل الواحات! ~~- الثابت أننا من أهل الأرض. ~~- أين كنا قبل أن نذهب إلى الواحة؟ .. ولم ذهبنا إلى الواحة؟ # فضرب عبد القوي جبهته بكفه وصاح: شد ما كانت جيوبي ملأى بالنقود! ~~- ولكننا لا يمكن أن نعد من الأغنياء بحال! ~~- صه، ها هي ذكرى تقع في قبضتي، الاستراحة! .. ألا تذكر الاستراحة؟! ~~- الاستراحة! .. أجل .. الاستراحة والحديقة وبركة البط. ~~- برافو .. والركن القصي حيث قبعت مجموعة من الأفندية؟ ~~- أجل .. كانوا يلعبون الورق ... ~~- وجعلت أنا أتابع اللعب من بعيد. ~~- وحذرتك من ذلك. ~~- ولكني لا أملك أن أرى اللعب دون أن أتفرج. ~~- قلت لك ابتعد. ~~- وإذا بأحدهم يسألني برقة: «أتريد أن تنضم إلينا؟» ~~- وهمست في أذنك أنهم زملاء وقد يتضامنون عليك. ~~- والخطر لا يخيفني بقدر ما يستفزني للتحدي. ~~- سجية مفيدة في مجالها، مضرة فيما عدا ذلك. ~~- ولكنك أنت نفسك لحقت بي في اللعب! ~~- عندما طالت بي الوحدة! ~~- كلا .. عندما ثبت لديك أن اللعب نظيف وأنني أربح باستمرار! ~~- ليس إلا أنني أكره الوحدة! ~~- وسرعان ما انهمكت في اللعب ... ~~- وقد ربحت أنت مالا طائلا ... ~~- ثروة! .. أخذتها من أصحابها لأهبها لقطاع الطرق. ~~- وأعقب ذلك معركة! ~~- رماني أحدهم بتهمة باطلة فلكمته! ~~- ولكنها اتسعت واضطررت إلى المشاركة دفاعا عنك، ونلت نصيبي من الضرب الأليم ... ~~- ولكننا انتصرنا في الضرب كما انتصرنا في اللعب. ~~- وبعد أن ورطتنا فيما لا يليق! # استمتع عبد القوي بلحظات من الارتياح؛ على حين مضى عبد الواحد يفكر حتى رجع يتساءل: ولكن ~~ماذا دفع بنا إلى الاستراحة؟ # أفاق عبد الواحد من لحظاته السعيدة فحدجه بنظرة بلهاء، وتساءل عبد الواحد: أين كنا قبل أن ms54 ~~ننزل بالاستراحة؟ ~~- الاستراحة .. الواحة .. مؤكد كنا نقوم برحلة. ~~- من أين؟ وإلى أين؟ .. أعمل ذاكرتك الفذة. ~~- ولكنها ما زالت في قبضة المخدر وعلقة قطاع الطرق! ~~- تغلب على ضعفك الطارئ؛ فأنت رجل مخلوق للشدائد. # راح عبد القوي يعصر ذاكرته مليا ثم قال: أذكر أنني رفعت بين يدي رجلا يرتدي جبة ~~وقفطانا وطرحته أرضا! ~~- ولكن خصومنا في الاستراحة كانوا أفندية! ~~- أكان أحد قطاع الطرق؟ ~~- ولكنا لم ندخل معركة معهم؛ فقد غدروا بنا بغتة فغبنا عن الوجود. # وإذا بعبد القوي يصيح متهللا: كان الرجل صاحب الراقصة! ~~- الراقصة؟! ~~- ملهى الزهرة .. ملهى الزهرة بالمدينة .. كنا في المدينة قبل أن نمضي إلى ~~الاستراحة! ~~- عفارم عليك .. كنا حقا في المدينة. ~~- قضينا ليلة عجيبة. ~~- الله يكسفك! ~~- حياك الله يا ملهى الزهرة! ~~- أنت الذي قدمتني إليه. ~~- ينبغي أن أستحق شكرك. ~~- وشربت، وشربنا، ولكنك جاوزت الحد. ~~- وكانت الراقصة تضيء كاللؤلؤة. ~~- ورغم تحذيري لك، فإن النهم تجلى في عينيك كوحش ضار. ~~- كنت تحذرني يا أخ وتسترق إليها النظر. ~~- الإعجاب بالجمال في ذاته من ضمن أشواق العقل! ~~- لذلك لم أنسك في مغامراتي الباهرة فساومتها على ليلة كاملة لرجلين معا! ~~- أخزاك الله! # ولم تمانع الفاتنة. ~~- مؤامرة حيوانية. ~~- ولكنها ضمنت لكلينا ليلة ساحرة. ~~- ثم اعترضتنا متاعب غير متوقعة ومخجلة. ~~- كان ثمة عشاق قدامى لها اعتبروا مغامرتنا اعتداء صارخا على رجولتهم. ~~- وهكذا خضنا في طريقنا إلى بيتها معركة حامية ... ~~- وانتصرنا انتصارا حاسما. ~~- وكدنا نقع في قبضة الشرطة. ~~- ولكن الله سلم وقضينا ليلة حمراء مترعة بجنون اللذة. ~~- وها نحن عرايا في خلاء ميت! ~~- ولكن الليلة الحمراء لا يمكن أن تنسى. ~~- لولا حماقتك ما وقعنا في هذا المأزق. ~~- حماقاتي قادتنا من لذة إلى لذة، ومن نصر إلى نصر ... ~~- حتى مجرد الاعتراف بالخطأ تأباه، أيها العنيد المكابر، أتذكر كم من مرة قلت لك: إن ~~العبث قد يحول بيننا وبين إنجاز مهمتنا. # وسرعان ما تبادلا نظرة حادة منزعجة! وهتف عبد القوي: ماذا قلت؟ .. أعد ما قلت مرة ~~أخرى. # فقال عبد الواحد بذهول: يحول بيننا وبين إنجاز مهمتنا! ~~- إذن فهنالك مهمة ms55 تتطلب الإنجاز؟ ~~- صبرك. دعني أتذكر بهدوء. ~~- بهفوة لسان تذكرت أخطر شيء في رحلتنا. ~~- مهمة .. أي مهمة؟ .. دعني أتذكر. ~~- لا شك أننا كنا في العاصمة قبل أن ننتقل إلى المدينة. ~~- أجل .. لا شك في ذلك. ~~- وها أنا أتذكر آخر ليلة لنا فيها، كنا في زيارة للكهف الذي أقام فيه الوجوديون معرضهم ~~التشكيلي! ~~- صدقت أيها الأخ عبد القوي. ~~- وقابلنا هناك الزميل نوح، فأمرنا همسا بأن نذهب من فورنا إلى مستشفى الولادة لمقابلة ~~الدكتور المولد رئيس وحدتنا السرية ومندوب الزعيم. ~~- وذهبنا إلى المستشفى فانتظرناه في حجرته حتى يفرغ من توليد امرأة. ~~- وجاءنا فتحدث معنا عن رحلتنا. ~~- أمرنا أن نسافر إلى الجنوب، ولكن لم لم نسافر إلى الجنوب رأسا؟ ~~- رسم للسفر خطة معقدة، فكان علينا أن نذهب أولا إلى المدينة، فالاستراحة، ثم الواحة قبل ~~أن نمضي إلى الجنوب. ~~- أجل وحدد لكل مكان وقتا ومدة إقامة، ولكن ماذا كانت المهمة؟ ~~- آن لنا أن نتذكر أخطر ما في رحلتنا. ~~- أذكر أنه انتحى بك جانبا مقدار خمس دقائق، فلم أسمع ما دار بينكما. ~~- ألم أحدثك عن المهمة عقب مغادرتنا المستشفى؟ ~~- كلا، مؤكد أنني لم أعرف شيئا عن المهمة، ولكنك ... ~~- ولكنني؟ ~~- ولكنك قلت لي ونحن في الطريق نصف المظلم: إننا سنعرف المهمة عندما نصل ... ~~- ذاك يؤكد أنني لم أكن أعرفها وقتذاك. # وهنا صاح عبد القوي متهللا: قلت إنها في جيبك، إنه سلمك مظروفا مغلقا لا يجوز فضه قبل ~~الوصول. ~~- أحسنت التذكر ... # وضرب يده على موضع الجيب، فأصابت لحم فخذه الضامرة، فصاح بحسرة: يا للداهية السوداء، لقد ~~سرق المظروف فيما سرق من أموالنا! ~~- يا للكارثة! ~~- إنك أنت المسئول عما حاق بنا. ~~- لا تمسح في ضعفك. ~~- اعترف بجنونك. ~~- إني راض عن نفسي، فاعترف أنت بضعفك ... # وتبادلا نظرة نارية، تلاقى فيها الغضب بالتحدي، ولكن عبد الواحد انتزع عينيه يائسا، رمى ~~ببصره إلى الخلاء، ثم تنهد قائلا: نهاية خليقة بالحشرات! # فقال عبد القوي: لا تنس مشكلتنا الراهنة؛ علينا أن نتخلص من ورطتنا! # لم ينبس عبد الواحد، فعاد عبد القوي يقول: لنبحث عن ms56 العمران، وسنحصل بوسيلة ما عما ~~يسترنا، ولنرجع بعد ذلك إلى الدكتور. ~~- هذا يعني القضاء علينا. ~~- حتى إذا علم باعتداء قطاع الطرق علينا؟ ~~- له قدرة خارقة على أن يقررنا حتى نقر بما يديننا! ~~- ولم لم يفض إليك بالمهمة من بادئ الأمر؟ ~~- إنه أدرى بما ينبغي أن يتبع. ~~- ولكننا نحن الذين نقوم بالمغامرة، ومن حقنا أن نعرف. ~~- لقد دخلنا التنظيم باختيارنا وقبلنا لائحته دون شرط، فما وجه اعتراضك الآن؟ ~~- كان علينا أن نرفض أن نكون مجرد آلات. ~~- بالتنظيم كذلك أناس لا عمل لهم إلا التفكير والتدبير. ~~- ولم يختصون هم بالتدبير ونختص نحن بالتنفيذ الأعمى؟ ~~- لا يستقيم التنظيم إلا بتوزيع دقيق للعمل. ~~- ومتى ثبت لهم أننا دونهم في التفكير والتدبير؟ ~~- يبدأ العضو عادة بعمل تنفيذي، ثم يتدرج في مدارج الرقي. ~~- كلام جميل؛ أما الواقع فهو أنهم يستأثرون بالعلو والأمان، ونتعرض نحن كل ساعة للموت، ~~وتمر الأيام ونحن نمني النفس بترقية لا تريد أن تتحقق أبدا! ~~- الحق أنه لا هم لك في دنياك إلا التمرد وانتهاب اللذات! # فرفع عبد القوي كتفيه العاريتين امتعاضا وأطبق فاه، فقال عبد الواحد: شد ما يغضبك قول ~~الحق! # فتساءل عبد القوي ساخرا: خبرني عن تفكيرك ماذا أفادنا؟ # فتساءل عبد الواحد بالسخرية نفسها: حدثني عن إحساسك الباطني ماذا أفادنا؟ # فنفخ عبد القوي مغيظا وقال متشكيا: آن لنا أن نبحث عن طريق للخلاص. ~~- حسن، لنسأل أنفسنا ماذا نريد؟ وعلينا أن نجيب على ذلك بوضوح. ~~- نريد العمران، الملابس، المظروف الضائع، مواصلة الرحلة ... ~~- قد نهتدي إلى العمران، وقد نجد ما نغطي به جسدينا، ولكن كيف يمكن العثور على ~~المظروف؟ ~~- نلجأ إلى نقطة الشرطة! ~~- لقد أنهكك الضياع فنسيت أن رجال الشرطة هم أعداؤنا! # فتفكر عبد القوي مليا في حيرة بالغة ثم قال: أصبحنا مطاردين من الشرطة والتنظيم معا، ~~فلم يبق أمامنا إلا سبيل واحد! ~~- وهو؟ ~~- الهرب؟ ~~- الهرب! ~~- أجل .. الهرب. ~~- وكيف نحيا؟ ~~- لنا خبرتنا في الحياة، وما أكثر الذين يعيشون خارج نطاق التنظيم؟ ~~- ولكن كيف؟ ~~- لنبدأ من جديد، لنتسول أو نقامر أو نسرق، وهناك تجارة ms57 الرقيق الأبيض! ~~- أتتصور أنني أرضى بشيء من ذلك بعد أن اخترت عضوا في التنظيم، وبعد أن كلفت بمهمة لا ~~يكلف بها إلا الأكفاء؟! ~~- عيبك الأساسي هو الغرور، اعترف بأننا خسرنا اللعبة، ومن حقنا أن نتعلق بأذيال الحياة ~~بأي ثمن. # فقال عبد الواحد بإباء: أرفض أن أتعلق بأذيال الحياة بأي ثمن. ~~- ولكن الحياة تستحق ذلك. ~~- لعلي أفضل الانتحار. ~~- أي شيء أفضل من الانتحار. ~~- ليس أي شيء! ~~- لنكن عمليين! ~~- لنكن عمليين ولنفكر في وسيلة لإصلاح الخطأ وإنجاز المهمة. ~~- بضياع المظروف ضاع الأمل في ذلك. ~~- لا تتسرع في الحكم. ~~- حدثني عن سبيل لمعرفة المهمة ... ~~- فلنستعن بالعقل. ~~- سل عقلك عن سر مدفون في مظروف مفقود! ~~- إنك لا تحترم العقل، وذلك هو سر تعاستك. ~~- ولكني لست تعيسا. ~~- ومن آي تعاستك أنك لا تعرف أنك تعيس. ~~- إني مسلم بمقدرتك في الجدل، وبسخريتك مني إذا حلا لك ذلك، ولكن من الخير أن توجه قوتك ~~المزعومة إلى حل اللغز الذي تتوقف عليه حياتنا. ~~- كأنك عازم على الوقوف مني موقف المشاهد أو الشامت؟ ~~- اقترحت عليك ما أرى، وهو الهرب. ~~- لنمارس حياة وضيعة في ظل المطاردة؟! ~~- سنكون مطاردين على الحالين! ~~- مطاردة الشرطة لنا شرف لم نستحقه إلا بالعرق؛ أما مطاردة التنظيم فهي اللعنة ~~الكبرى! ~~- لست راضيا عن دوري الآلي فيه. ~~- ولكنك دخلته مختارا؟ ~~- بل لأنك دخلته، ولأني لم أعتد الحياة بعيدا عنك! ~~- وإذن فعلينا أن نتقبل مصيرنا بالصبر والشجاعة. # فقال عبد القوي متنهدا: ليكن .. حدثني الآن كيف نعرف المهمة؟ ~~- كن معي بكل حواسك، لقد أمرنا بأن ننزل في المدينة، فالاستراحة، ثم الواحة في طريقنا ~~إلى الجنوب حيث نفض غلاف المظروف. ~~- أجل، والحق أني لم أدرك وجه الحكمة فيه، وقد نفذنا الشطر الأكبر منه بكل دقة ودون جني ~~أي ثمرة إلا ما حاق بنا من خسران! ~~- لا تنس أننا ضيعنا وقتنا في العربدة والعراك. ~~- هو خير عندي من المكوث بلا عمل أو تسلية. ~~- فاتتنا أشياء وأشياء لم نفطن لها في حينها! ~~- ما كان قد كان، انتهينا إلى ما نحن فيه، فما ms58 العمل؟ ~~- لنسأل أنفسنا ما المهمة الجديرة بعضو التنظيم إذا وجد نفسه في الجنوب؟ # فضحك عبد القوى وأجاب: قد يقتل أو يشهد حفل كوكتيل! ~~- إنك لا تساعدني البتة! ~~- معذرة، الأفضل أن نتسلل إلى رئيس وحدتنا لنحاول الاتفاق معه ... ~~- الاتفاق معه؟ ~~- أن يعطينا مظروفا جديدا بثمن معقول يمكن دفعه ولو بأقساط. ~~- إنه رجل أمين، وفضلا عن ذلك فالراجح أنه لا يدري شيئا عما في المظروف. ~~- لا يدري شيئا عما في المظروف؟! ~~- كلا. ~~- يا لها من مهزلة! ~~- إنه تنظيم ضخم ويحسن توزيع العمل بين أعضائه. # فقال عبد القوي بنفاد صبر: لنرجع إلى السؤال المطروح؛ ما المهمة الجديرة بعضو التنظيم إذا ~~وجد نفسه في الجنوب؟ ~~- بالاستقراء والقياس تتضح الأمور، فنعرف ما يجب عمله. ~~- ما المهمة الجديرة بعضو التنظيم إذا وجد نفسه في الجنوب؟ ~~- لا أملك إجابات جاهزة، ولكننا نملك خلق الفروض وتجربتها ... ~~- كما يتراءى لنا؟ ~~- كما يتراءى لعقولنا! ~~- نفكر ونتعب، نقترح الفروض، نجرب كل فرض، نرتطم بالخطأ، نعاود التفكير والتعب، نقترح ~~فروضا جديدة، وطيلة الوقت نتلفت فيما حولنا بحذر؛ أن يقبض علينا رجال الشرطة، أو يقتلنا ~~رجال التنظيم، وعاجلا أو آجلا سنقع في المصيدة. ~~- إنك مثبط للهمم، ولكن حتى لو وقعنا في المصيدة فسنكون قد أثبتنا حسن نيتنا، وربما ~~نوفق إلى نجاح فذ يغطي على أخطائنا. ~~- عظيم .. عظيم. ~~- ولكني أراك غير متحمس في الواقع! ~~- معاذ الله! ~~- وشارد النظر، سرحت بفكرك بعيدا، فيم كنت تفكر؟ ~~- أتريد الحق؟ ~~- نعم. ~~- تذكرت كيف هوشت المقامرين في الاستراحة، فربحت في دور عشرة جنيهات بجوز عشرة! # فقطب عبد الواحد في استياء وقال: يا لك من مستهتر! ~~- وعندما جندلت اثنين في معركة الراقصة بلكمة واحدة مستعرضة! ~~- إنك ثمل بذكريات عفنة. # فقال عبد القوي بحماس: أصغ إلي، إنها ذكريات جميلة، لا أدل على ذلك من أنك شاركت ~~فيها جميعا معتلا بشتى العلل، لا تنكر ذلك، أصغ إلي، هلم نهرب، دعنا من خلق فروض ~~خيالية في الجنوب، دعنا من تعب غير مجد البتة، نحن مطاردون، وسنظل مطاردين، وخير لنا أن ~~نهب حياتنا للمغامرات ms59 الشائقة. ~~- لا تستسلم لتيار خيالك الجامح، اسبح ضده بقوة، وهلم نبحث عن العمران. # فضرب عبد القوي الأرض بقدمه في عناد وقال: كلا. ~~- ثق أننا سنعرف المهمة. ~~- كلا! ~~- إني أطالبك بالسير معي. ~~- كلا. ~~- معنى ذلك أننا سنفترق. ~~- لنفترق. ~~- ولكنك قلت إننا اعتدنا الحياة معا. ~~- منذ نشأتنا الأولى! ~~- لم تجرب الحياة وحدك. ~~- ولا أنت. ~~- إذن يجب أن نحافظ على وحدتنا. ~~- تعال معي. ~~- بل عليك أنت أن تأتي معي. ~~- إني أرفض وصايتك كما رفضت وصاية التنظيم. ~~- لقد انقطع ما بيننا وبين التنظيم، ولئن زالت عنا ولايته فقد وهبنا الحرية، ولكنها ليست ~~الحرية التي كانت لنا قبل أن ننضم إليه، إنها حرية جديدة غير عابثة، وليست وصاية مني عليك. ~~- إنك تحسن الجدل ولكني مصر على الرفض! ~~- لا يجوز أن نفترق. ~~- لا يجوز أن نفترق. ~~- هلم معي. ~~- هلم معي أنت. ~~- ليتقدم كل منا خطوة من جانبه؛ عندي اقتراح للتوفيق. ~~- ما هو؟ ~~- ليكن لكل منا اختصاصه، وليعمل في دائرته؛ ولكن تحت شرط! ~~- وهو؟ ~~- أن تسلم بالمهمة، لا تهرب منها ولا تنكرها؛ فبدونها تضحي الحياة لا شيء. ~~- ولكن المظروف سرق؟ ~~- لا يهم، إن فقده يعني الانفصال عن التنظيم، لا إهمال المهمة أو الكفر بها، بل لعل ~~الإيمان بالمهمة هو الذي دفعنا إلى الانضمام إلى التنظيم وليس العكس. ~~- بوسعك دائما أن توقع عقلي أسيرا لمنطقك، ولكن كلماتك لا تنفذ إلى باطني. ~~- اقتراحي يبدو لأول وهلة خارقا للمألوف؛ من أين لنا أن نعرف المهمة؟ ولكن من الأصل في ~~اقتراح المهمة؛ أليس هو الزعيم المجهول؟ حسن، وأليس هو يقترح المهمة بعقله؟ حسن، فلم نتصور ~~أن عقله فوق جميع العقول؟ بل حتى مع التسليم بتفوقه، فهل يعني هذا التسليم بعجز عقولنا؟ ~~فإذا انقطعت الصلة بيننا وبينه، فما علينا إلا أن نفكر، ثم إن الصلة بيننا وبينه مقطوعة في ~~الواقع من بادئ الأمر؛ فنحن لا نعرف إلا مندوبه الذي يرأس وحدتنا، ولا علم لنا عن مدى صلة ~~المندوب به، ولا يبعد أنه يترك للمندوبين مهمة اقتراح المهمة. ~~- ها أنت تتشكك في القيادات ms60 العليا نفسها! ~~- أنا لا يهمني إلا المهمة؛ فبها أكتسب وظيفتي في الحياة، وبغيرها لا يبقى لي إلا العدم، ~~ولقد اعتدنا أن نسلم بالمهمة على ثقتنا بالزعيم، ولكن ليس ثمة فارق كبير أن تقوم بالمهمة ~~لذاتها، وبين أن تقوم بها لحساب زعيم مجهول. ~~- هل البدء بالمهمة يعني الانتهاء إلى الزعيم؟ ~~- كل شيء محتمل، قد يؤهلنا النجاح لوظيفة المندوب فنتصل بالزعيم، وقد يتضح لنا أن ~~المندوبين أنفسهم لا يتصلون بالزعيم كما يدعون، وقد يثبت لنا أن التنظيم يدار بطريقة ~~جديدة لم تجر لأحد على بال. ~~- وإذا تبين لنا أن إنجاز المهمة قد يكلفنا حياتنا؟ ~~- ألم يكن من الجائز أن نفقدها في بيت الراقصة؟ ~~- أن أموت بين يدي راقصة أفضل من أن أموت وراءك! ~~- علينا أن نختار على ضوء احترامنا لأنفسنا. ~~- بكل صراحة أنا لا يهمني الاحترام! ~~- بل إنك تشعل معركة لأقل إهانة توجه لذاتك! ~~- لا علاقة لذلك بالاحترام الذي تطالبني به. ~~- لقد أصبحنا وحدنا؛ فإما أن نختار العمل كأعضاء محترمين رغم زوال صفة العضوية الرسمية ~~عنا، وإما أن نرضى بحياة الصعلكة. ~~- إني أعشق حياة الصعلكة! ~~- يا لك من مجنون! ~~- يا لك من رجل متعب! ~~- يا للحزن، إن الانفصال يهدد وحدتنا الرائعة. ~~- إنه لأمر محزن حقا. ~~- انفصلنا عنه، وننفصل عن بعضنا البعض، سلسلة من الانفصالات لا أدري أين تقف. # لاذا بالصمت وهما يتبادلان نظرة طويلة. وهم عبد الواحد بالكلام، فتح فاه ولكنه سرعان ~~ما أطبقه. ورفع رأسه نحو السماء في دهشة. ورفع عبد القوي رأسه كذلك وهو يتمتم: صوت ~~طائرة! ~~- أجل. ~~- ولكن أين هي؟ # أشار عبد الواحد إلى الأفق قائلا: هيلكبتر! # جعلا ينظران إليها وهي تقترب وتتضح في سمت السماء. وقال عبد القوي: هلم نلوح بأيدينا؛ ~~لعلهم يروننا. ~~- لوح، ولكنهم لا ينظرون إلينا. # فصاح عبد القوي: انظر، إنها تهبط! # هبطت بتؤدة كأنما تمضي إلى هدف محدد حتى استقرت فوق الأرض غير بعيد منهما، وهما يتطلعان ~~إليها بذهول. وتساءل عبد القوي: هل هبطت من أجلنا؟ ~~- لعلها مناورة لا علاقة لها بنا. ~~- أو أنها ... # ولكنه ms61 انقطع عن الكلام عندما انفتح بابها، وتدلى السلم نحو الأرض. ولاح في الباب رجل يحمل ~~حقيبة متوسطة الحجم سرعان ما أخذ في النزول. ضيق عبد الواحد عينيه ليحد بصره، ثم هتف: ~~زميلنا نوح! ~~- أجل .. هو الزميل نوح. # مضيا نحوه فتلاقوا في منتصف المسافة. تهلل وجهاهما بالفرح؛ ولكنه قابلهما بوجه جامد لا ~~يفصح عن أي تعبير إنساني، فباخا وهما يصافحانه، وصافحهما بآلية صماء. ودون أن ينبس بكلمة ~~فتح الحقيبة وأخرج لكل طاقم ملابس متكاملة. ارتديا الملابس الداخلية والخارجية في فتور ~~وقلق، ولما فرغا نظرا إليه في استطلاع، فأشار صوب الطائرة وقال: الطائرة تحت تصرفكما إذا ~~رغبتما في العودة. # وساد الصمت قليلا حتى تساءل عبد الواحد: كيف عرفتم بمكاننا أيها الزميل؟ # ولكنه لم يجب، فعاد عبد الواحد يقول: لعلهم أرسلوا وراءنا عيونا؟ # لم يبد عليه أنه سمعه، فقال عبد الواحد بإصرار: أرجو أن يكون رجالنا قد استردوا المظروف ~~المسروق! # فثابر على صمته دون مبالاة، فقال عبد القوي باسما: بحسن نية أيها الزميل ارتكبنا بعض ~~الأخطاء، ودون تقدير للعواقب! # كأنه أصم لم يستجب؛ ولكن عبد القوي لم ييئس فسأله: هل نجد محاكمة عادلة ورحيمة ونمنح فرصة ~~جديدة للعمل؟ # قام الصمت كجدار سجن. ولما لم يحاولا الكلام مرة أخرى قال نوح وهو يتناول الحقيبة ~~الفارغة: سأنتظر في الطائرة ثلث ساعة، ثم أرجع من حيث أتيت. # ورجع كما جاء، فرقي في السلم حتى اختفى داخل الطائرة. تبادلا نظرة حائرة، ثم تساءل عبد ~~القوي: ما له يعاملنا كأنه غريب أو عدو؟ ~~- إنه ينفذ ما أمر به. ~~- ماذا تظنهم فاعلين بنا؟ ~~- سنقدم إلى محاكمة عاجلة. ~~- وما العقوبة المتوقعة؟ ~~- العقوبات تتراوح بين الإعدام والخصم من المرتب. ~~- لو كنا نستحق الإعدام في نظرهم لأمروه بقتلنا في هذه المتاهة! ~~- لا تعتمد على المنطق في فهم نواياهم. ~~- ستوقع علينا عقوبة ما، ثم نمنح فرصة جديدة للعمل، هذا هو إحساسي! ~~- أترى أن نعود معه؟ ~~- إنه المخرج الوحيد من حيرتنا، إلا ... ~~- إلا؟ ~~- إلا إذا وافقتني على الهرب! # فنفخ عبد الواحد في ضيق وقال ms62 : لا تعد إلى ذلك. ~~- إذن فلا مفر من العودة. ~~- ألم تتمرد منذ حين قليل على الوضع الذي يجعل منا آلات صماء؟! ~~- ولكنك تكره فكرة الهرب وتقترح - بدلا من التنظيم - حياة غريبة لا يقين فيها ولا ~~أمان. ~~- ولكنك لعنت دورنا الآلي في التنظيم! ~~- معذرة أيها الزميل، لا رأي لي إذا اعتبرت الرأي عقيدة ثابتة، إنما أنا ابن الساعة التي ~~أنا فيها. ~~- وهكذا فأنت ترغب في العودة؟ ~~- ليس ظلما أن ندفع ثمن الخطأ، وسأجد بعد ذلك عملا أنال عليه أجرا، ولن تنعدم الفرص ~~المشروعة للتسلية والمغامرة! ~~- لا فائدة من مناقشتك! ~~- إني أعجب لشأنك، ألم تبد حرصك الدائم على المهمة؟ ها هي المهمة تعود بأيسر سبل، ومعها ~~التنظيم كله، والعضوية الرسمية، والمندوب، والزعيم المجهول! ~~- ماذا أقول أيها الزميل؟ لقد عايشت في هذا الخلاء جوا جديدا، وسلمت نفسي لمنطق جديد، ~~وهيأت إرادتي لحياة جديدة ... ~~- لعلك تبالغ في الخوف من المحاكمة؟ ~~- كلا، فهي لن تكون أقسى من المطاردة التي ستتعقبنا! ~~- أتصر على الاعتماد على نفسك حتى بعد أن هبطت عليك معجزة النجاة؟ ~~- لن أطيق بعد اليوم أن أكون آلة صماء. ~~- ولكنه تنظيم كامل، يوزع العمل بكل دقة تضمن النجاح! ~~- لم تعد أعصابي تحتمل المعاملة مع المظاريف المغلقة، ولا المندوب الغامض الذي نلقاه ~~دقائق في أوقات راحته، ولا الزعيم المجهول الذي لا ندري عنه شيئا، كلا ثم كلا، وأنت نفسك ~~كنت البادئ بالرفض! ~~- لا تدع فرصة العمر تفلت من بين يديك. ~~- خيل إلي أني أقنعتك قبل هبوط نوح؟ ~~- كلا، إني أختار واحدا من طرفين؛ فإما الهرب وإما التنظيم، وها هي الطيارة تنتظر فلا ~~مجال للتردد بعد! ~~- أما أنا فطريقي واضح، سأعيد الرحلة من جديد بدءا من المدينة؛ ولكن بعقل متفتح لا يغادر ~~كبيرة ولا صغيرة، وفي الجنوب ستنبثق المهمة من صميم رأسي لا من مظروف مغلق! ~~- توقع في كل خطوة مطاردة من الشرطة أو التنظيم! ~~- سيجد مني يقظة كاملة لا يعتورها خور. ~~- سيكون فراقنا موجعا، ولكن لا بد من العودة. ~~- سنعاني حياة منفصلة لأول مرة، فكر ms63 في ذلك أيها الزميل القديم! ~~- إنه لأمر محزن؛ ولكن لا بد من العودة. ~~- ستوقع عليك عقوبة، سيلاحقك سوء الظن كظلك، سيضاعف ذلك من نصيبك من الآلية. ~~- وأنت! ستهلك في هذه المتاهة قبل أن تبدأ من جديد! ~~- لا، لقد جاءت الطائرة من تلك الناحية، فهناك يقع الشمال، وبالتالي عرفت الجهات الأصلية، ~~كما عرفت الطريق إلى العمران، ابق معي! ~~- يا زميلي العزيز، سوف تقتل في العمران إن لم تهلك في الخلاء، تعال معي. ~~- ستمضي حياتك وأنت ظل لا حقيقة له، تنفذ مهمة لا فكرة لك عنها، ابق معي. ~~- أنت تخاف المحاكمة! ~~- إني أرفض المحاكمة، أرفض العقوبة، أرفض العفو، أرفض الأمر الغامض والتنفيذ الأعمى، أرفض ~~المهمة داخل مظروف مغلق، أرفض النجاة الرخيصة في الطائرة، ابق معي. ~~- إني أعجب لشأنك؛ كيف انقلبت من النقيض إلى النقيض. ~~- قلت لك: إني ابن الساعة التي أنا فيها، ولكنك أنت أول من فكر في الانضمام إلى التنظيم، ~~أنت من دافع عنه بحسناته وسيئاته، أنت من قبل بحماس الدور الذي رسمه لك دون مناقشة! ~~- لعل تمردك تسلل إلى نفسي، خالط فكري بعلم وبغير علم مني، فلما وقعنا في هذا المأزق ~~تبدت الحقيقة عارية، وانتهيت إلى رأي حاسم. ~~- يحزنني أن يكون تمردي من أسباب انقلابك. ~~- سأشكر لك ذلك ما حييت. # هنا دار محرك الطائرة محدثا دويا كالانفجار، فهتف عبد القوي: فكر مرة أخرى أيها ~~الزميل. ~~- فكرت بما فيه الكفاية. ~~- أمامك فرصة أخيرة! ~~- وأمامك فرصة أخيرة! ~~- ما أمر الفراق! ~~- إنه لكذلك أيها الزميل القديم. # تنهد عبد القوي يائسا، فتح ذراعيه فتعانقا بحرارة. اشتد دوي المحرك، انتزع عبد القوي ~~نفسه من صاحبه، مضى نحو الطائرة في خطوات ثقيلة، أخذ يرقى في السلم حتى بلغ الباب. ~~استدار فلوح لصاحبه مودعا، فرد الآخر التحية بمثلها. بدأت الطائرة في الصعود. دومت في ~~الفضاء. أتبعها عبد الواحد عينيه وهي تبتعد وترتفع وتصفر حتى اختفت فيما وراء الأفق، وجد ~~نفسه وحيدا، وجد نفسه حزينا؛ ولكنه لم يبدد دقيقة من وقته سدى؛ شحذ إرادته لينفض عن ~~قلبه الحزن ms64 . قلب وجهه في الجهات الأصلية ليحدد طريقه إلى العمران. سار متجها نحو الشرق ... # | وليد العناء # جلس وحيدا في الصالة. أرهقه ذرعها ذهابا وإيابا فجلس. ثبتت عيناه على الباب ~~المغلق، وأرهف السمع. أشعل سيجارة، دخنها بطريقة آلية خالية من الاستمتاع، ولم تتحول عيناه ~~عن الباب المغلق. بدت من وراء الباب أصوات مبهمة، حركة أقدام، تأوهات خافتة، أشاعت في ~~جوه الخالي روحا مبللا بعرق العناء المر. ونظر في الساعة، مرت عيناه بالنافضة المكتظة ~~بأعقاب السجائر، ونفخ وهو يمد ساقيه. # وفتح الباب فمرقت منه امرأة عجوز مطوقة الوجه بخمار أبيض. ردت الباب وراءها وتقدمت؛ ~~ولكنه وثب معترضا سبيلها. انتبهت إليه وقالت برقة: كل شيء حسن، لا تقلق. # فقال بانقباض: ولكن طال الوقت. ~~- إنها ساعة لا يعلم بأسرارها إلا الله فتوكل عليه. ~~- لولا السوابق الماضية ما باليت شيئا. ~~- لا تذكرنا بما مضى، الطبيبة مطمئنة، قالت إنها ستلد ولادة طبيعية. ~~- بدأ الطلق في أول الليل وها نحن في الهزيع الأخير منه. ~~- ربك كريم، وعندها طبيبة لا داية، فاصبر وانتظر. # شعر بامتعاض نبرتها فقال: لا تلوميني يا دادة، هذا زمن الأطباء لا الدايات. ~~- كم ولدت الداية أمها في يسر كالسحر. ~~- ذاك زمان مضى، وما من داية تستطيع أن تواجه هذه الحال. ~~- كم واجهت مثيلات لها في الماضي! ~~- كل شيء تغير، حتى المرض نفسه. # مضت نحو الحمام، ثم رجعت بوعاء من الصاج، فدخلت الحجرة وأغلقت الباب. وجد شيئا من ~~الطمأنينة. لم يأل جهدا في إقناع نفسه بها ما دامت الطبيبة قد قالت. دق جرس الباب ~~الخارجي فبادر إليه. استقبل القادم بدهشة وترحاب معا، وهو نحيل طويل يكاد يماثله شكلا ~~ويقاربه في العمر. أجلسه على مقعد إلى جانب مقعده وهو يتمتم: خطوة عزيزة، أهلا بك. ~~- علمت بالخبر وأنا عائد من سهرة طويلة فلم أتردد في المجيء إليك. ~~- أشكرك يا عزيزي، إنها ساعة متأخرة جدا. ~~- لا شكر على واجب. ~~- ولكن كيف علمت بالخبر؟ ~~- من أكثر من مصدر فيما يخيل إلي. ~~- لم أتصور أن أحدا علم به سوى أمها. ~~- أنت ms65 يا صديقي لا تعلم بما يدور حولك. ~~- حدثني عن مصادرك! ~~- لا أدري، لا أذكر ... ~~- لا تدري ولا تذكر؟! ~~- كنت وقتها ثملا بالشراب! ~~- وكانوا سكارى؟ ~~- المهم كيف حال الست؟ ~~- قالت الطبيبة إنها ستلد ولادة طبيعية ... ~~- حمدا لله. ~~- ولكن السوابق تقلقني ... ~~- لا لوم عليك في ذلك. ~~- ولكن لا يجوز الخوف من السوابق أكثر مما ينبغي. ~~- عين الحكمة والصواب. ~~- أهذا هو رأيك أيضا؟ ~~- علينا أن نستفيد من السوابق، لا أن نخافها. ~~- كانت سوابق إجهاض جبري ونزيف. ~~- لا أعادها من أيام. ~~- ترى كيف يمكن الاستفادة منها؟ ~~- بأن نتجنب الأسباب التي أدت إليها ... ~~- ولكنه الحبل نفسه. ~~- فلنتجنبه. ~~- ولكن أمر الله نفذ، وكل شيء بأمره. ~~- أظن لك دخل في الأمر أيضا؟ ~~- طبعا. ~~- مأثور عنك حب الأبوة بلا حدود. ~~- لا أنكر ذلك. ~~- صدقني إنه حب لا معنى له. ~~- إنه أصل الوجود! ~~- لا معنى له في هذا العصر. ~~- إنها مداعبة ولا شك؟ # فقال الصديق وهو يشير إلى الباب المغلق: أهذا وقت تجوز فيه المداعبة؟ ~~- ولكنه أصل الوجود بلا ريب. ~~- في عصرنا هذا تقع له مضاعفات لم تكن معروفة قديما. ~~- الطبيبة قالت إنها ستلد ولادة طبيعية. ~~- فليباركها الله. ~~- ولكن الوقت طال وها نحن في الهزيع الأخير من الليل؟ ~~- يا لها من معاناة تهتز لها الأفئدة! ~~- أسعفني برأيك؟ ~~- لا رأي لي يعتد به في هذه الشئون، ولكن ماذا قالت الطبيبة في السابقة الأولى؟ ~~- كانت في الواقع داية؛ ولذلك أرجعنا الإجهاض الجبري إلى جهلها. ~~- والسابقة الثانية؟ ~~- قالت الطبيبة إن النزيف حدث نتيجة لعيب في الجهاز. ~~- وهل برأ الجهاز من عيبه؟ ~~- هيأت لها ما استطعت من دواء. ~~- إذن فلا داعي للقلق. ~~- ولكن الوقت طال والمعاناة تتراكم. # وانطلقت من وراء الباب المغلق تأوهة عميقة، أعقبتها صرخة مدوية، ثم موجة متقهقرة من ~~الأنين. صمت الزوج محدقا في الباب، ولما مضى الانتظار بلا نتيجة، قال الصديق: لعله البشير ~~... ~~- هي حال تتكرر من أول الليل. ~~- يا لها من ولادة عسيرة! ~~- ولكن الطبيبة قالت إنها ستلد ولادة طبيعية. ~~- إذن فهي ولادة طبيعية طويلة! ~~- من أين لي باليقين ms66 ؟ ~~- فلنرجع إلى أهل الخبرة. ~~- لديها طبيبة ممتازة. ~~- الآراء تختلف. ~~- هل لديك اقتراح عملي؟ ~~- دعنا نفكر. ~~- قلت إن الآراء تختلف. ~~- هذا قول صادق في ذاته. ~~- كيف نبلغ اليقين؟ ~~- الحقيقة بنت البحث! ~~- إنك مغرم بالأقوال المأثورة. ~~- سجية جميلة في ذاتها! ~~- ولكن لا وقت لدينا للبحث. ~~- هذا حق ... ~~- فكري تبلبل. ~~- هذا حق. ~~- أراها حالا مرضية. ~~- هي أحيانا كذلك! ~~- لم يبق إلا الصمت والانتظار. ~~- قد تفوت فرصة نادرة! ~~- فماذا أفعل؟ # بعد تردد: الصمت والانتظار! ~~- ولكنك قلت إنه قد تفوت فرصة نادرة؟ ~~- وقد لا يحدث شيء! ~~- فكيف أتصرف؟ ~~- فكر! ~~- أئذا فكرت تلد امرأتي بسلام؟ ~~- يتوقف ذلك على نوع العلاقة بين التفكير والولادة! ~~- ترى أي نوع من التفكير يمكن أن يؤدي إلى الولادة السعيدة؟ ~~- فكر! ~~- يبدو أنك لا تعرف أكثر مما أعرف. ~~- وربما أقل! # فسأله بنرفزة: لم جئت؟ ~~- جئت مدفوعا بواجب اللياقة. ~~- شكرا. ~~- عفوا. ~~- في أمثال هذه الظروف يقدم المجاملون ما في وسعهم من خدمات؟ ~~- إني على أتم استعداد. ~~- ماذا في وسعك أن تفعل؟ ~~- أأنت في حاجة إلى نقود يا صديقي؟ ~~- إني في حاجة إلى من يسعفها هي. ~~- عندها طبيبة ممتازة. ~~- ترى هل أخطأت؟ ~~- أنت؟ ~~- نعم. ~~- ما كان يجوز أن تتركها تحبل. ~~- إنها بنت غلطة. ~~- بل أنت مجنون بالأبوة. ~~- هذا شأن الرجال جميعا. ~~- احذر الأحكام الشاملة. ~~- إذن لماذا يتزوج الرجال؟ ~~- أفكرت يوم عشقتها في الأبوة أم في الاستمتاع بها؟ ~~- الاستمتاع يخمد؛ أما الأبوة فخالدة! ~~- ما كان أجدرك أن تجد في السابقتين نذيرا! ~~- الحياة إقدام لا نكوص. ~~- إذن فلتتحل بالشجاعة. # رماه بنظرة نافذة. هم بالكلام، ولكن الباب فتح وخرجت امرأة في الخمسين منهوكة القوى. ~~وقف الزوج لاستقبالها. قدم لها صديقه وقدمها له باعتبارها حماته؛ رفضت المرأة الجلوس ~~وظلت متجهمة الوجه. سألها بإشفاق: كيف الحال؟ ~~- الحمد لله ... # ثم بحدة موجهة خطابها للزوج: إني أحتج على ما تذيعه في كل مناسبة من التشكيك في كفاءة ~~ابنتي للحبل! # فقال الزوج محتجا بدوره: لم أشكك في كفاءتها؛ ولكن الحكمة تقتضي تذكر الأزمات ~~السابقة! ~~- لا عيب في ابنتي على الإطلاق. ~~- إني مؤمن ms67 بذلك. ~~- العيب فيك أنت! ~~- أنا؟! ~~- طالما نغصت صفوها بنزواتك حتى سممت بدنها؛ فأصبحت جميع شئون حياتها عسيرة، لا ~~ولادتها فقط! ~~- علم الله أن زوجا لا يحب زوجه كما أحبها. ~~- وجريك وراء كل من هبت ودبت من النسوان؟ ~~- أعوذ بالله، أتصدقين شائعات يفتريها علي الحاسدون؟ ~~- أنا لا أتكلم بلا حساب دقيق. ~~- وأنا مظلوم ظلم الحسن والحسين. # وتدخل الصديق قائلا بلطف: أشهد أنه يحبها فوق كل شيء. # فالتفتت إليه متسائلة في حدة: ماذا تعرف عن أسرار هذا البيت؟ ~~- أعرف ما يجدر بالصديق أن يعرفه. ~~- إذن فأنت خبير ولا شك بغرامياته؟ ~~- لا غرام له إلا الأبوة. ~~- بل لعلك تشاركه بعض مغامراته؛ ولذلك تنبري للدفاع عنه؟ ~~- سيدتي! ~~- إني خير من يفهمكم. ~~- الزوج الوفي يظل وفيا حتى لو تسلل بصره إلى هذه أو تلك من النساء ... ~~- ما شاء الله! ~~- صدقيني يا سيدتي، إنه لا يثبت أركان الحياة الزوجية ويجنبها الملل مثل التنقل العابر ~~بين النساء! ~~- ها أنت تعترف! # فصاح الزوج: أنا لم أعترف، وأعلن استنكاري لهذه النظرية! # فقال الصديق متراجعا: إني أضرب مثلا ليس إلا. # فهتفت المرأة: يا لسوء حظك يا ابنتي! # فقال الصديق: لا تخلو حياة من المر مهما تكن حلوة، وأشهد أني ما سمعت زوجة صديقي تشكو ~~قط. ~~- ذلك أنها من الصابرات الصديقات! ~~- لو كان هناك ما يدعو للشكوى لشكت ... ~~- حتى الجوع! .. تضورت أياما من الجوع! # فصاح الزوج: الجوع! # وقال الصديق: لعلها تشير إلى الأيام التي ندرت فيها اللحوم؟ # فقال الزوج: على أيامك يا حماتي أكل الناس لحوم الخيل. # فهتفت المرأة في كبرياء: كانت أيام بلاء واحتلال. ~~- على أي حال فنحن سعداء، ولن نسمح لمخلوق بإفساد حياتنا السعيدة! # دوت صرخة وراء الباب المغلق فألجمت الألسن. أسرعت المرأة الحجرة فأغلقت الباب ~~وراءها. # عاد الصديقان إلى مجلسهما، وعاد التوتر يركب الزوج جسدا وروحا. لم يجد من يفرغ فيه ~~شحنة قلقه سوى صديقه فقال له: كلامك جاوز كل حد. ~~- كثيرا ما أنسى نفسي في الحديث فيغلبني الصدق. ~~- قد يغلبك الصدق مرة أخرى فتخرب بيتي. # وقبل أن ms68 يرد عليه دق جرس الباب الخارجي. قام الزوج فاستقبل زائرا جديدا في تلك ~~الساعة من الليل. عجوز طاعن في السن. لو قدر عمره بتجاعيد وجهه وغضونه لجاوز المائة، ~~ولكنه تمتع بحيوية لا بأس بها. وهو نحيل لدرجة مخيفة كأنه محض عظام؛ برزت وجنتاه وفكاه ~~وغارت عيناه فلم يبد في محجريهما إلا ظلام. وتربع رأسه فوق عنقه الدقيق ضخما أصلع، ~~منبعج الجبين. وعكس الوجه هيئة جامدة؛ بل متحجرة، وندت عن القدمين خطوات متقاربة غير ~~مسموعة. قبل الزوج يده المدبوغة، قدم إليه صديقه، قدمه هو باعتباره صديق المرحوم أبيه ~~والمرحوم جده من قبل، وجاءه بفوتيل فأجلسه بينهما وهو يقول: لم أتوقع أن تتجشم مشقة الحضور ~~في هذه الساعة يا عماه. # فقال العجوز بصوت غائر مثل عينيه: طال انتظاري للبشرى فقررت زيارتك. ~~- ما كان ينبغي أن تكلف نفسك هذا التعب. ~~- هل من خدمة يمكن أن أقدمها لك؟ ~~- لا مطلب لي إلا زوجتي. ~~- يخيل إلي أنها ولادة عسيرة حقا؟ ~~- قالت الطبيبة إنها ستلد ولادة طبيعية. ~~- عظيم! ~~- ولكنها طالت كما ترى. ~~- هذا واضح. ~~- وعندما أتذكر المرتين السابقتين؟ ... ~~- المؤمن لا يخاف ولا يقلق. # فقال الصديق: هذا ما رددته له مرارا. # فقال العجوز باسما عن أنياب عتيقة: أتشك في ذلك يا بني؟ # ضحك الصديق متسائلا: ألا يتوقع مني مثل ذاك القول الحكيم؟ ~~- هذا أقل ما يقال! ~~- شكرا. ~~- عفوا. ~~- يخيل إلي أني رأيت سيادتك قبل الآن؟ ~~- يعرفني أهل الحي جميعا. ~~- لست من أهل الحي فمعذرة، ولتحل بركتك بالبيت. ~~- فلتحل به بركة الله الرحيم. ~~- صديقي قلق وفي حاجة إلى من يشجعه. ~~- علينا أن نذعن لمشيئة الله قبل كل شيء. # والظاهر أن قوله لم يبشر بالطمأنينة المفتقدة، فساد الصمت قليلا حتى خرقه الزوج قائلا: ~~جئت لها بطبيبة ممتازة. ~~- لم تكن توجد طبيبات في الزمن الماضي. ~~- ذاك زمن مضى وانقضى. ~~- أعرف زوجة ماتت في مستشفى خاص تحت إشراف ثلاثة أطباء! ~~- أعوذ بالله! ~~- فلا عاصم لنا إلا إرادة الله. ~~- ولكني لم أخطئ باستدعاء الطبيبة! # وقال الصديق متضايقا: ما أجدر أن نتجنب ذكر ms69 الموت في موقفنا هذا. # فقال العجوز: ولكنه حديث كل يوم وكل ساعة. # فقال الزوج: هذا حق؛ ولكنه حديث غير محبوب ... ~~- لم يا بني؟ ~~- الموت لا يحبه أحد! ~~- يا له من خادم أمين مظلوم! ~~- مظلوم؟! ~~- كيف تتصور الدنيا بغيره؟ ~~- أفضل مما كانت معه عشرات المرات. ~~- أنت مخطئ يا بني، مخطئ في حق ثائر عظيم. ~~- ثائر عظيم؟! ~~- بل زعيم الثوار في كل زمان ومكان. ~~- لغة أي عصر هذه؟ ~~- لغة العصر، لغة الغد ... ~~- فلنختر حديثا آخر ... ~~- ما جدوى الأحاديث المعادة؟ ~~- أصارحك يا عماه بأنني لا أفكر إلا في سلامة زوجتي. ~~- فلتحل بها بركة الله. ~~- آمين. ~~- ولكن خبرني هل جددت مقبرة الأسرة؟ # فهتف الصديق: يا ألطاف الله! # وتساءل الزوج بامتعاض: من أخبرك أنني أفكر في ذلك؟ ~~- تلك كانت رغبة أبيك لولا أن عاجله الموت. ~~- أما أنا فلا يمكن أن أنفق مليما على تجديد مقبرة! ~~- أحسنت. # وقال الصديق نافخا: إني أنذر جنيها إسترلينيا إذا تغير الحديث. # فقال العجوز دون مبالاة للمقاطعة: كلما رأيت مقبرة متجددة حزنت! # فتساءل الصديق: الظاهر أن سيادتك تزور المقابر كثيرا؟ ~~- شيعت المئات من الموتى بحكم سني الطاعن! ~~- وماذا يحزنك في مقبرة متجددة! ~~- أرى المقبرة العتيقة البالية من آيات الرحمن! # فقال الزوج برجاء: هلا حدثتنا بحديث آخر؟ ~~- سنجد حديثا أو آخر، سيشرق بنا ويغرب، ثم لا مفر من العودة إلى الحديث الأول. ~~- إنه حديث كئيب خانق للقلب. ~~- أشك في ذلك! ~~- لا شك في ذلك من ناحيتي! # فقال العجوز بصوت هامس مخاطبا نفسه: علي ألا أيئس مهما طال الزمن، حتى لو طال بالقدر ~~الذي أتصوره كافيا. # ثم نهض قائما. نظر نحو الباب المغلق وقال: آن لي أن ألقي نظرة. # فعلت الدهشة وجهي الصديقين، وتساءل الزوج: على أي شيء يا عماه؟ ~~- على زوجتك. ~~- زوجتي! .. شكرا .. ولكن لا تكلف نفسك مزيدا من التعب. ~~- إنه واجب يا بني! ~~- ولكنه غير جائز! ~~- كيف؟ ~~- غير جائز بلا حاجة إلى تفسير! ~~- إني صديق أبيك وجدك من قبل، صديق حميم. ~~- لو كان أبي نفسه مكانك ما خطر له ذلك! ~~- إنك ms70 تمنعني من أداء واجبي! ~~- إني أطالبك بالجلوس مشكورا. ~~- هبني طبيبا. ~~- ولكنك لست طبيبا! ~~- وما الفرق يا بني؟ ~~- مزاح لطيف! # وقال الصديق: ويا له من مزاح! # فقال العجوز دون التفات لمقاطعة الصديق: إني ألصق بك من الطبيب. ~~- اجلس يا عماه مشكورا مكرما! # فتح الباب، خرجت امرأة متوسطة العمر تتهادى في معطف أبيض، وتنظر من خلال نظارة أنيقة ~~ذات مشبك ذهبي. أقبل الزوج نحوها متسائلا في لهفة: دكتورة؟ # فقالت المرأة بهدوء: غير منتظر أن تلد سريعا؛ ولكنها ستلد ولادة طبيعية. # انتبهت إلى وجود العجوز فصافحته مصافحة حميمة، وقال الرجل: أهلا بك يا عزيزة، رحم الله ~~أباك. ~~- أهلا بك يا عماه. ~~- وكيف حال الأم الصغيرة؟ ~~- طبيعية، وإن تكن شديدة بعض الشيء. ~~- كلام يذكرني بأقوال الأطباء! ~~- ماذا تعني يا عماه؟ ~~- كلام يشي باحتمالات كثيرة! ~~- الحال طبيعية جدا، ولكننا لا ندخل في علم الله. ~~- آه من الأطباء إذا رددوا ذكر الله! ~~- ولكني أتكلم بصراحة. # قال الزوج بحدة: صارحوني بكل شيء. # فقالت الطبيبة: ضع ثقتك في الله. # فقال العجوز: كلام له مغزى خاص. # فقال صديق الزوج: عمنا يتلهف على سماع كلمة سوء! # فقال العجوز: وأنت تتلهف على سماع كذبة. # وقالت الطبيبة: الحال طبيعية جدا يا عماه. ~~- لم تركت الحجرة؟ ~~- لأستريح دقيقة. ~~- أردت الدخول فمنعوني. ~~- لا يوجد رجل في الداخل. ~~- وما رأيك أنت في ذلك؟ ~~- لا رأي لي في ذلك يا عماه. ~~- بل تستطيعين أن تدلي برأي حاسم في الموقف. # فقال الزوج بإصرار حازم: مكانك معنا يا عماه. # وتساءل الصديق: ألم تجئ للاطمئنان على ابن صديقك الراحل؟ ~~- ولكنه لا يعاني ولادة عسيرة! ~~- وأنت لا تعرف الزوجة إلا بصفتها زوجة ابن صديقك الراحل. ~~- والدها أيضا كان صديقا لي. ~~- لعلك شيعته كالآخرين؟! ~~- وهو ثواب كبير. # وهتف الزوج: مكانك بيننا يا عماه، ولا لزوم للأخذ والرد. # فرفع العجوز منكبيه آسفا وقال مخاطبا الطبيبة: إنكم تعذبون الناس بلا سبب معقول. # فقالت الطبيبة: نحن نؤدي واجبنا الإنساني. ~~- ولا تميزون الصديق من العدو. ~~- ما أظرفك يا عماه. ~~- وأنتم المسئولون عما يحل بالإنسان من ms71 ضرر بالغ. ~~- سامحك الله يا عماه. ~~- فليسامحك أنت. # وسأله الصديق: ماذا تعني يا عمنا؟ ~~- لا غموض في كلامي. ~~- لعله يحتاج إلى شيء من التبسيط. ~~- يتعذر التبسيط على من هو في مثل عمري. ~~- إن عطفك يا عماه يركبك الصعب. ~~- إنك فتى مشاغب. # أحنت الطبيبة رأسها تحية، ثم رجعت إلى الحجرة فأغلقت الباب، وهتف الزوج: يا لها من ~~ليلة ليلاء! # فقال صديقه: عما قليل يطلع الفجر. # عاد العجوز إلى مقعده وهو يقول: ما باليد حيلة. # وأسند رأسه إلى ظهر الفوتيل، وأغمض عينيه مستوهبا الراحة أو النوم. # وارتفع الصراخ من وراء الباب مرات متتابعات، ثم سكت. تابعه الزوج باهتمام، ولكن الباب ~~المغلق تبدى صلبا عنيدا أصم محدقا في لاشيء بنظرة باردة مترفعة. واضح أنه لم يجد جديد ~~وأن الكفاح غير المنظور يضطرم بلا هوادة. وفتح الباب عن زاوية ضيقة، وتسللت منه فتاة في ~~العشرين ترفل في فستان أبيض، أشرقت بوجه بدا - رغم الإنهاك - كالقمر الساطع. حيت ~~الجالسين، ولكن العجوز لم يبد حراكا وظل مغمض العينين، وقالت للزوج: إنها تريدك. # قام الرجل فمضى إلى الداخل وأغلق الباب. ذهبت الجميلة إلى كنبة في الجانب المقابل لمجلس ~~الرجال ثم جلست. لم يحول الصديق عينيه عنها مذ طلعت عليه من الحجرة. التقت عيناهما مرة ~~ثم غضت البصر في إعياء. قال: لعلك في حاجة إلى شراب منعش. # فأجابت: إني في حاجة إلى شيء من الراحة. ~~- شققت على نفسك بالبقاء في الداخل إلى جانب شقيقتك. ~~- إنها معاناة مروعة ... # وقام، ربما متشجعا بنوم العجوز، فجلس إلى جانبها وهو يقول: قلبي معك طيلة الوقت! ~~- الله معها. ~~- من أجلك جئت في هذه الساعة من الليل. ~~- ظننتك جئت من أجل صديقك. ~~- كان من الممكن أن أزوره صباحا؛ ولكن من أجلك أنت ... ~~- ماذا تريد؟ ~~- إنك مرهقة الأعصاب؟ ~~- ربما. ~~- كلانا مرهق الأعصاب! ~~- أنت أيضا؟ ~~- شاركت صديقي آلامه، يضاف إلى ذلك تفكيري الدائم فيك! ~~- شكرا. # مال نحوها كالمسحور فلثم فاها. لم تقاومه ولم تشجعه، قالت: معذرة فإني أكره الرجال في ~~هذه اللحظة! ~~- ذاك من تأثير ما ms72 شاهدت في الحجرة، ولكنها لحظة سرعان ما تمضي. ~~- من يدري، ولكن كيف قبلتني؟! ~~- إنه سحرك الذي لا يقاوم، وغرامي القديم الذي لم ترفضيه على الأقل! ~~- إنه تصرف لا يغتفر. ~~- هيا معي إلى الليل في الخارج. ~~- أحلام جنونية. ~~- سنستقبل الفجر الندي معا. ~~- هيهات لقلب ميت أن يستجيب لجنونك. ~~- إنه الدواء الشافي لما نعاني من اضطراب. # أراد أن يقبلها مرة أخرى؛ ولكنه رآها تنظر نحو العجوز المغمض العينين باهتمام طارئ ~~فقال: لا تهتمي له، إنه مستغرق في النوم! # حاول أن يضمها إلى صدره، ولكنها دفعته، فأراد أن يعيد المحاولة، وإذا بصوت العجوز يقول ~~دون أن يفتح عينيه: عد إلى مجلسك يا بني! # ارتد عنها منزعجا. نظر نحو العجوز فرآه مغمض العينين مطروح الرأس إلى ظهر الفوتيل. ~~قطب حانقا، ولكنه لم يتخل عن مجلسه. جاءه الصوت البارد يقول معنفا: لا ترتكب فضائح ~~أمام الباب المغلق! # قام الصديق متعثرا. عاد إلى مجلسه حانقا. فتح العجوز عينيه فتلقى نظرة الفتاة الثابتة. تبادلا نظرة طويلة دسمة. ابتسما معا. قام العجوز وهو يقول: أعصابك مرهقة يا ابنتي. # جلس إلى جانبها. تناول يدها برقة فوضعها بين يديه المدبوغتين، قال: ما أحوجك إلى راحة ~~طويلة! # جذبها بلطف فاستسلمت له حتى أجلسها على فخذه وهو يهمس: كما كنت تجلسين وأنت صغيرة. # ثم وهو يربت على خدها: رحم الله أباك. # فقال الصديق بغضب: وضع غير لائق. # فقال العجوز: كل شيء في وضعه! ~~- ألا ترى أنها لم تعد صغيرة بعد؟ # ومد لها شفتيه الجافتين المكرمشتين، فوهبته شفتيها فراح يقبلهما. وقف الصديق ~~هاتفا: أي فعل فاضح! # ولكن الفتاة طوقته بذراعيها وأنامت رأسها على كتفه، منخرطة في هيمان ساحر. # صاح الصديق: لا تتمادي في الإجرام. # فهمس العجوز في أذن الجميلة: اهدئي يا جميلتي. # فغمغمت: أريد أن أنام. ~~- ستنامين كأسعد ما يكون. # وفتح الباب وخرج الزوج. عاد إلى مجلسه فجلس واضعا رأسه بين يديه. توقع الصديق أن ينفصل ~~العجوز عن الفتاة، ولكنه واصل مناغاته وكأنه لم يشعر برجوعه. عند ذاك صاح الصديق: دعها أيها ~~العجوز ms73 القبيح! # رفع الزوج رأسه منزعجا وقال لصديقه: ما هذا الصياح! .. أجننت؟ # فأشار إلى العجوز والفتاة قائلا: انظر! ~~- لعلها في حاجة إلى عطف، عد إلى مجلسك. ~~- أأنت أعمى؟ ~~- احترم حالي التعيسة! # وهمس العجوز في أذن الفتاة: هلمي نذهب معا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الليل. ~~- الصبح قريب. ~~- ما زال في الليل بقية تكفي غطاء للعاشقين! ~~- خذني إلى حيث تشاء. ~~- ما أجمل عينيك المخضلتين بالأحلام. ~~- ما أعذب همساتك ولمساتك! # فهتف الصديق: ماذا يحدث في الدنيا؟ # فقال الزوج محتدا: تصرف كرجل مهذب. ~~- ثمة علاقة عاطفية تنشأ بين العصر الحجري والعصر الحديث! ~~- تأدب، إنه عمها، عمنا جميعا، ألا تفهم؟ ~~- أنتركها تذهب معه؟ ~~- هذا شأنها. ~~- ولكنه يحدث في بيتك ومع بعض أهلك؟! ~~- عندي من الشواغل ما يكفي. # وكان العجوز قد قام وقامت الجميلة معه مستسلمة كالمنومة، فوثب الصديق معترضا سبيلها ~~وهو يقول: لن أسمح بذلك، سأدافع أنا الغريب عن شرفك! # فقال له العجوز بنبرة ساخرة: إنها نفس الرحلة التي دعوتها إليها! ~~- ولكنها معك تفقد كل الإنسانية! # وصاح الزوج: اذهبوا جميعا واتركوني في سلام. # فقال العجوز: سمعا وطاعة. # ولكن الصديق صرخ: دعها فهي لي أنا وحدي، أنا المرشح للزواج منها. # فسأله العجوز ساخرا: من ذا الذي رشحك؟ # فأجاب الصديق بحنق: كانت الأمور تسير سيرا حسنا بيني وبينها حتى تدخل صوتك الكريه. # جلجلت وراء الباب المغلق صرخة مدوية أفظع من سابقاتها جميعا. تحول الزوج نحو الباب ~~منذعرا. تسمر الصديق في موضعه. رفعت الجميلة رأسها عن صدر العجوز كمن تفيق من غيبوبة، ~~تخلصت من ذراعيه وهي ترمقه في ارتياع، ثم هرعت إلى الحجرة فدخلت وأغلقت الباب وراءها. ~~تمتم العجوز ممتعضا: ما أضيعها من ليلة! # ومضى نحو مقعده فارتمى عليه وأغمض جفنيه، وجلجلت صرخة أخرى. # تنهد الزوج متسائلا: أما لهذا العذاب من نهاية؟ ~~- لا تتوقع خيرا طالما هذا النحس باق! # ولكن الباب فتح، ومنه مرقت الطبيبة متهللة الوجه. هتف الزوج واقفا: ماذا وراءك؟ ~~- مبارك عليك. ~~- حقا؟! ~~- مولود سعيد، حال الوالدة طيبة، وإن تكن جد متعبة. ~~- حمدا لله. # وشد الصديق على ذراعه ms74 قائلا: مبارك. # على حين قال العجوز دون أن يفتح عينيه: تهاني يا بني. # وقالت الطبيبة: كانت ولادة عسيرة حقا، لم أصارحك بشيء طبعا؛ ولكني استعنت بأحدث ~~وسائل التكنولوجيا. # فسألها الزوج: وهل من الممكن أن أراه الآن؟ # ولكن جرس الباب الخارجي دق فجأة. هرول الزوج إلى الباب، وما كاد يفتحه حتى اندفع إلى ~~الداخل أربعة رجال شاهري المسدسات. أغلقوا الباب وراءهم، وصاح أولهم: ليلزم كل مكانه، لا ~~صوت ولا حركة. # تقهقر الزوج أمامهم حتى جلس مؤتمرا على مقعده، وإلى جانبهم أجلست الطبيبة، وتساءل ~~الزوج: من أنتم؟ ماذا تريدون؟ ~~- عليك أن تجيب لا أن تسأل. # قلب الرجل عينيه فيهم مهددا، ولما رأى العجوز - وقد فتح عينيه - قال له بنبرة جديدة: ~~معذرة يا عماه عن إزعاجك، ولكنها الضرورة ... # فسأله العجوز: عم تبحثون يا بني؟ ~~- عن مولود دخل الدنيا في هذه الساعة. ~~- وهل كنتم تتوقعون مولده؟ ~~- أجل .. منذ عام ونحن نرقب مقدمه! # فتساءل الزوج: ما معنى هذا الكلام الذي لا معنى له؟ # فانقض عليه الرجل ولكمه لكمة أذهلته عما حوله وقال: تأدب، نحن نتبع إشارات جهاز دقيق ~~لا يكذب. # انقبضوا في الصمت حتى قالت الطبيبة متسائلة: وماذا تبغون من مولود لم يكد يرى ~~النور؟ ~~- إنه يهدد الأمن والسلام، ونحن لن نعفيك من المسئولية يا دكتورة! # وقال الرجل الثاني: كما لن نعفي منها الأب والأم. # وقال الرجل الثالث: جميع من شهد الولادة مشتركون في الجريمة! # وقال الرابع: الجميع عدا العجوز الذي يعفيه سنه من مشكلات الدنيا. # همس الصديق - وهو لا يدري - في أذني الطبيبة: وقعنا تحت رحمة مجانين. # فانقض عليه الرجل الأول ولكمه لكمة شديدة وقال: ستحاسب على قلة أدبك، كما ستحاسب على ~~اشتراكك في الجريمة. # وقال العجوز موجها خطابه للزوج: تمالكوا أعصابكم والزموا الهدوء؛ فالموقف أخطر مما تظنون. # فسأله الزوج: إنك تعرفهم كما يعرفونك، فخبرنا عما يريدون؟ # فقال الرجل الأول بصراحة: نريد المولود. ~~- ماذا ستفعلون به؟ ~~- ننقذ الدنيا من شره. # فقال الزوج للعجوز: إنهم يريدون اغتيال المولود البريء. # فقال العجوز: ما عليك إلا الإذعان ms75 للقدر! ~~- نتركهم يغتالون وليدا لم يكد يرى النور؟ ~~- ما جدوى إهدار دماء جديدة بلا فائدة؟ # وصاح الرجل الأول: حذار أن تبدر حركة عن أحدكم فيهلك في الحال. # وتقدم الرجل نحو الباب المغلق، ولكن العجوز قام وهو يقول: أتقتحمون الحجرة على ~~النساء؟ # فتوقف الرجل قائلا: نحن قوم متحضرون، فتصرف أنت يا عمنا. # مضى العجوز إلى الحجرة، نقر على الباب مستأذنا، ثم دفع الباب ودخل، غاب قليلا ثم رجع ~~حاملا الوليد بين ذراعيه، تتبعه الحماة والفتاة الجميلة والدادة في اضطراب وتساؤل. وقال ~~العجوز للزوج: الأم مستغرقة في النوم فاطمئن من هذه الناحية. # ورأت الدادة الرجال المسلحين فهتفت: اللهم الطف بنا. # وتساءلت الجميلة: أغراب ومسدسات! ما معنى هذا؟ # أما الحماة فقد سألت الزوج بحدة: من هؤلاء؟ # فأجاب بنبرات باكية: إنهم يريدون الوليد. ~~- ماذا يريدون منه؟ # فقال الرجل الأول: نريد أن ننقذ الدنيا من شره! # فصاحت الدادة: مجانين .. مجانين .. انظري إلى أعينهم! # فحرك الرجل مسدسه مهددا وقال: سنطلق النار لدى أي حماقة ترتكب! # فقالت الحماة مخاطبة الزوج: لعلهم بعض مدمني المخدرات من أصحابك؟! # فرفع الزوج يده إلى موضع اللكمة وتأوه، فقالت الحماة وهي تزداد قسوة: أو لعلهم بعض ~~أعدائك الذين تسيء إليهم في نزواتك لندفع نحن الثمن! # واقترب الرجل الأول من العجوز فألقى على الوليد نظرة وقال بحقد: وقعت، أخيرا وقعت، ~~سنريح العالم من شرك! # ووثب الزوج كالمجنون، ولكنه عولج بلكمات كالمطر، فتهاوى فوق مقعده. وبسرعة فائقة أجلس ~~الرجال المسلحون الآخرين على مقاعد متقاربة، فأوثقوا أيديهم وكمموا أفواههم، ثم وقفوا صفا ~~واحدا، وقال أولهم للعجوز: ضع الشيطان الصغير فوق الخوان. # ثم قال لرجاله: لدى ابتعاد عمنا أطلقوا النار على الشيطان! # تحرك العجوز في صمت خانق، بين أعين محدقة. وفجأة انتفض الوليد في لفافته فأزاحها ~~وتجرد عاريا. وبسرعة مذهلة طار كالفراشة، انقض على الرجال الأربعة، فلكم كلا منهم ~~لكمة بقبضته الصغيرة، ثم رجع فاستقر فوق يدي العجوز. وقع ذلك بسرعة كسرعة الضوء، ذهل ~~الرجال الأربعة وتجمدوا، سقطت المسدسات من أيديهم، تقوضت قاماتهم فتهاووا على الأرض ms76 ~~لا حراك بهم. وخيم الصمت والجمود والرهبة؛ خيم الصمت والجمود والرهبة حتى تحرك العجوز ~~بالوليد فوضعه على الخوان، وراح يحل أوثقة الرجال والنساء، ثم مضى بالوليد إلى حضن أمه، ~~فلما رجع وجد الجميع واقفين في ذهول، يتبادلون النظرات، ثم يركزونها فوق الرجال الراقدين ~~بلا حراك. ~~- ما هذا؟! ~~- أحق ما رأينا؟ ~~- أهو سحر؟ ~~- أنحن نيام؟ ~~- الوليد! .. أحق أنه هو؟ ~~- لولا وجود الرجال الأربعة لمضى الحدث حلما من الأحلام. ~~- إنه حقيقة، حقيقة مخيفة. ~~- لنسأل الله اللطف بعقولنا. # وقالت الحماة: إنه معجزة من معجزات الله القهار! # فسأل الصديق الطبيبة: ما رأيك يا دكتورة، ألديك تفسير لذلك؟ # فقالت الدكتورة بحيرة شديدة: أحيانا، أعني في أحوال نادرة، عقب آلام معاناة رهيبة ... ~~- ماذا يحدث عقب الآلام والمعاناة؟ ~~- ما يشبه المعجزة! ~~- أن ينقلب وليد إلى قوة كونية خارقة؟! ~~- قريب من هذا ما سجلته مذكرات بعض الأطباء في العصر الفرعوني وفي العصور الوسطى. # وتحول الصديق نحو الرجل العجوز فسأله: ما رأيك أنت يا عماه؟ # فقال العجوز بلا مبالاة بسؤاله: الأفضل أن نسأل عما يمكن عمله بهذه الجثث! # وهتف أكثر من صوت: الجثث! # وانحنت الطبيبة فوق الرجال ففحصتهم، ثم قامت وهي تقول: رباه .. لقد فارقوا الحياة حقا! # فصرخ الزوج: فارقوا الحياة؟! ~~- بكل توكيد. ~~- يجب استدعاء الشرطة فورا. # فسأله الصديق: وبم نجيب إذا سئلنا عن القاتل؟ أو إذا سئلنا عن أسباب القتل؟! # فقالت الفتاة الجميلة: يا له من موقف لم يخطر لأحد على بال! # وقال الزوج: ستوجه التهمة إلينا نحن! # وتساءل الصديق: أيمكن التخلص من الجثث؟ ~~- وكيف نتخلص من جثث أربع عمالقة؟ # فأجاب العجوز متطوعا: ولكنه لا حل لديكم سواه. # وتحولت إليه الأعين مستطلعة ومستغيثة معا، فقال: طالما أبديت استعدادي لأداء أي خدمة ~~تطلب مني، وها أنا أعتبر هذا العمل من اختصاصي. # وأعرض عنهم متجها نحو الجثث حتى أطل بقامته عليها. مد يده إلى الجثة الأولى. ~~رفعها ثم طرحها على كتفه اليسرى وكأنه يرفع قشة! رفع الجثة الثانية فوضعها فوق الأولى ~~بالسهولة نفسها. كذلك حمل الجثتين الأخريين على كتفه اليمنى ms77 كأنه كان يتسلى بلعبة محببة دون ~~عناء، وكأنه استجد لنفسه شبابا أسطوريا بمعجزة، وقال بهدوء: افتحوا الباب! # ومضى بحمله بأقدام ثابتة وفي غير جهد وفيما يشبه المرح، والجميع يتابعونه بأعين ذاهلة، ~~وظلوا في وقفتهم كالمنومين حتى أفاق الزوج فأقبل على الطبيبة وهو يقول: أنت وحدك ~~تستطيعين أن تعيدي العقول المتطايرة إلى مستقرها الآمن في الرءوس. # | نافذة في الدور الخامس والثلاثين # مد ساقيه مستسلما لطراوة الفوتيل. شعر بشيء من الجهد في نهاية نهار حافل بالنشاط. ~~أضاء الخادم العجوز مصابيح البهو وألقى نظرة أخيرة على البار والمائدة الشهية، ثم هم ~~بالذهاب، ولكنه قال له: أطفئ النور حتى يأتي المدعوون. # فصدع العجوز بالأمر وذهب. أما هو فقد غاب هيكله النحيل في ظلمة المغيب، ومضى يرنو من ~~خلال النافذة في الجدار المقابل إلى المقطم وراء النيل والحقول وشرقي المدينة، وقال لنفسه: ~~عيد ميلاد جديد، سبع شمعات رمزية، ما أكثر الأعوام وما أقل من بقي من الأصدقاء! # وأغمض عينيه وهو يتمتم: ترى ما عدد الأرغفة التي التهمتها؟ وعدد الخراف والعجول؟ ~~والأفدنة من الخضروات والبقول؟ والأمواج من مياه النيل؟ والسعرات الحرارية التي استهلكت في ~~اللعب والعمل؟ # وتثاءب طويلا وهو يقول: سعيد من يبلغ هذا العمر وهو مرتاح الضمير! # وأسلم للصمت ليسترد حيويته، وأعجبه أن يسبح في صمت عميق؛ لولا أن تناهى إلى سمعه حفيف ثوب ~~أو تردد أنفاس. فتح عينيه فرأى في وسط البهو تقريبا عجوزا مهلهل الثياب، أعور حافي ~~القدمين. تساءل: من؟ # وأمعن النظر، ثم قال بدهشة: جارنا القديم المسكين! # ولم ينبس العجوز بكلمة، فقال الرجل: ذكريات الصبا التي لا تنسى، كيف صعدت إلى شقتي في ~~الدور الخامس والثلاثين؟ # لم يتكلم العجوز ولم تند عنه رغبة في الكلام، فقال: أدفعتك الحاجة إلى المجيء؟ # وانتظر عبثا أن يتكلم، ثم تساءل: أتريد كالزمن الأول بعض النقود أو الملابس ~~القديمة؟ # تراجع العجوز خطوات، فقال الرجل: خطرت على بالي مرات فظننتك انتقلت إلى دار ~~البقاء! # ولأول مرة قال العجوز بصوت بارد: لم يخب ظنك! ~~- حقا؟! ~~- حقا! ~~- كأنما جئت تحية ms78 لعيد الميلاد. # فقال بصوت غليظ: عليك اللعنة! ~~- اللعنة؟ ~~- وعلى جميع المجرمين! # وتراجع أكثر فاختفى تماما؛ اختفى قبل أن يطفئ وقدة تساؤلاته، قبل أن يجلو سر غضبه ~~عليه وتنكره لإحسانه. وتساءل: ماذا يقع في العالم الآخر من أمور يشق على عقولنا ~~هضمها؟ # فجاءه صوت ناعم يقول: ألا زلت تكلم نفسك كالمجانين؟ # وتراءت أمامه في فستانها البيتي الفضفاض تنضح صحة وشبابا. هتف بخوف: أنت؟! ~~- دون غيرها وبجميع ذكرياتها ... ~~- ذكريات أليمة، لم يبرأ قلبي بعد من عذاباتها. ~~- يا للعجب! ~~- وبسببها عافت نفسي الزواج فبقيت أعزب حتى النهاية. ~~- ولكنك لم تفعل إلا أن عشقتني. ~~- رغم أنك كنت بمنزلة الأم، امرأة أبي. ~~- في مذهب العشق يجوز كل شيء. ~~- ما زالت الجريمة تنغص علي صفوي. ~~- أتسميها جريمة؟ ~~- أنت التي أغريتني! ~~- كلانا أغرى صاحبه. ~~- إنها ذكرى الجحيم في حياتي. ~~- وهي أسعد ذكرياتي. ~~- يا لك من ... ~~- امرأة طيبة، كما أنك إنسان طيب. ~~- أهذا يمثل الرأي هناك؟ ~~- كيف لم يبلغك؟ .. عيد ميلاد سعيد. # وتوارت عن ناظريه. تبلبل فكره. رغم ذلك داخله إحساس دافئ بالارتياح، انجابت هموم ثقيلة، ~~وقال لنفسه: من يدري؛ فلعلي بالغت أيضا في محاسبة النفس عن غرق ذلك الشاب المجهول ~~... # سمع تنهدة عميقة. رأى الشاب يقف عاريا يحملق في وجهه ويقول: تقول إنك بالغت؟ # فقال بأمل: بت أعتقد ذلك. ~~- يا لك من فاجر! # ترامقا طويلا حتى انقبض قلبه، وقال الشاب: تركتني أغرق يا نذل! ~~- لا ذنب علي، أنت وحدك المسئول. ~~- غلبني الموج وخانتني قواي فاستغثت بك. ~~- لم أكن أحسن السباحة ... ~~- بل كنت تحسنها بالقدر الكافي لإنقاذي .. ولكنك هربت يا قاتل ... ~~- لا تقل ذلك، القانون نفسه في ذلك العهد ... ~~- القانون! إن الغرقى في ذمة المتفرجين! ~~- حسبت أن ذلك الموقف قد تصور لك في صورة جديدة ... ~~- ولم يتصور في صورة جديدة؟ ~~- هكذا انقلبت الأحكام في عالمكم! ~~- لقد انقلبت في رأسك بحكم الخوف، وإني نادم على مخاطبتك ... # وغادره على حال من القلق فقد معها توازنه، اضطرب صدره وجاش بالمتناقضات وقال: أي الأفعال ~~خير وأيها شر؟ وكيف يهتدي ضميري في هذه ms79 الغابة المتلاطمة بالغرائب؟! آه لو كان أبي ~~حيا! # وإذا بالصوت الذي طال انقطاعه يقول: أشكر لك حسن ظنك. # غض البصر تجنبا للمواجهة، وعقل الخجل لسانه فلم ينطق، وقال الأب بنبرة لم تخل من ~~تهكم: أراك تستعد للاحتفال بعيد ميلادك! # ولما لم ينبس سأله: ماذا يمنعك من الكلام؟ # فأجاب بصوت متهدج: الذنب، وإنه لكبير! ~~- أما زلت تذكر ذلك؟ ~~- وكيف لي بالنسيان؟ ~~- ولكني لم أحضر لإحياء ذكريات تافهة. # فتشجع قائلا: لقد اختل الميزان وانفرط العقد. ~~- وتروم الاهتداء إلى أساس مكين؟ ~~- بكل ما أملك من قوة. ~~- حسن، ركز فكرك جيدا وأجب بأمانة على ما أسألك عنه. ~~- ستجدني طوع أمرك يا أبي. # فهتف بإنكار: لست أباك! ~~- لست أبي؟! ~~- وتصورك هذا يقطع بأنك ما زلت تعيش في عصر حجري! ~~- ولكنها علاقة حقيقية لا ينكرها أحد. ~~- بل علاقة خاصة تعيقك عن الرؤية الصحيحة. # شعر بأن عليه أن يجاريه، لا أن يناقشه، فقال: معذرة عن خطأ وقعت فيه بحسن نية. ~~- أجبني، ما أهم حدث وقع لك في طفولتك؟ ~~- لا أذكر، لعل طفولتي مرت دون أحداث تستحق الذكر. ~~- إجابة عمياء تنذر بعواقب سخيفة. ~~- الحق أني ... ~~- أجبني، ما أكبر خطيئة ارتكبتها في شبابك؟ # استعد ولم يجب، فقال الرجل: ما زلت تخجل مما لا يدعو للخجل، وهو نذير بأنك ستباهي بما ~~يجدر بك أن تخجل منه. ~~- آسف ... ~~- أجبني، كم شخصا قتلت؟ ~~- لم أقتل أحدا والحمد لله. ~~- ألم يشرع أحد في قتلك؟ ~~- كلا، ماذا جعلك تظن بي ذلك؟ # تنهد الأب بصوت مسموع، فقال الرجل: عشت حياة طيبة ... ~~- طيبة! ~~- لم يشبها سوى أخطاء بسيطة، مثل ذلك ... ~~- لا يهمني أن أسمع إلى أخطاء بسيطة ... ~~- وقدمت للمجتمع خدمات لا بأس بها. ~~- لا بأس بها! ~~- ما الذي يهمك حقا يا أبي؟ ~~- أبي مرة أخرى! ~~- معذرة! ~~- ذهب العمر هباء ... ~~- ماذا تريدني على أن أفعل؟ ~~- يا لضيعة لقاء ينتهي بالسؤال الذي بدأ به! ~~- لكنك لم تقل شيئا. ~~- قلت كل شيء. # واختفى الأب. اختفى دون أن تقع عليه عين الرجل، ولكنه شعر بذهابه وشعر بخيبة أمل ~~مريرة. # غير ms80 أنها لم تطل؛ وجد نفسه يميل إلى تصديقه فيما قال من أنه قال كل شيء، ما عليه إلا أن ~~يستعيد أقواله. # ومضى يتذكر. وقال لنفسه: ليس هذا العيد كالأعياد السابقة؛ رأسي يدور، وينثر في دورانه ما ~~استقر فيه من أفكار، كل شيء يتطاير. # ومضى يتذكر. ولكنه عوجل بحضور الممرضة، تصافحا بمودة. راقبها وهي تعد الحقنة معجبا ~~بشبابها الغض. # خلع الجاكتة فحسر كم القميص مسلما ذراعه، حقنته وهي تقول: بالشفاء ... ~~- شكرا. # أعادت الحقنة إلى العلبة المعقمة فقال: ابقي لتشتركي في حفل عيد ميلادي. ~~- ولكني لا أعرف المدعوين. ~~- رجلان وزوجتاهما، لم يبق سواهم! ~~- ولكني لم أحضر هدية. ~~- إنك أنت الهدية. # فأشارت إلى ثوب العمل المحتشم وقالت: لست مستعدة. ~~- جميعنا في الحلقة السابعة والثامنة فتلكوني أنت صلتنا الحميمة بالحاضر ... # وترددت بعض الشيء، فأمسك بمعصمها قائلا: لن أدعك تذهبين. # فجلست على المقعد التالي لمقعده وهي تبتسم. سألها: كل شيء على ما يرام؟ ~~- نحمده. ~~- متى تتزوجين؟ ~~- في نهاية الشهر القادم. ~~- سأفتقدك كثيرا. ~~- ألم تشبع بعد؟ # وضحكت، فابتسم ابتسامة لا تخلو من فتور، وجاء المدعوون؛ الصديقان وزوجتاهما، صفت ~~الهدايا فوق الخوان، تبودلت القبلات، جلجلت الضحكات، تم التعارف بين السادة والممرضة، ~~ملأ الرجل الكئوس بنفسه رغم مثول الخادم العجوز وراء البار، اختلطت التهاني بالنكات ~~بالأحاديث. اشترك الرجل في الحديث بنصف عقل، بدا رغم التظاهر جادا أو متفكرا، ولم يجلس ~~كما جلسوا؛ جعل يذرع المكان حينا، وحينا يقف. وقال له الصديق الأول: اجلس، وقوفك يرهقنا. # وسألته زوجة الصديق الآخر: لم لا تجلس؟ # فابتسم ابتسامة غامضة وقال: شيء يحدثني بأنه عيد الميلاد الأخير. # وأكثر من صوت قال: فال الله ولا فالك. # فقال بإصرار: سوف يتبين لكم صدق قولي. # فسأله الصديق الأول: ماذا بك؟ # وقالت زوجته: لست كالعهد بك. # والتفتت نحو الممرضة متسائلة: أهو على ما يرام؟ # فأجابت الفتاة: على خير حال. # فقال له الصديق الآخر: إذن فدع ما لله لله، واجلس واهنأ بالعيد. # فقال الرجل: كلا. ~~- كلا؟ ~~- قررت أن أؤدي واجبي. ~~- أي واجب يا هذا؟ ~~- قبل أن تفلت الفرصة ms81 إلى الأبد. ~~- إنه الويسكي بلا شك! ~~- لا وقت للهذر. ~~- ولكنها ليلة عيدك. # وقالت زوجة الصديق الآخر: صديقنا ممتع، هذا كل ما هنالك. # تحرك الرجل إلى الطرف الآخر من البهو، وضع قدمه على كرسي، اعتمد بثقله عليها، وجعل ينظر ~~نحوهم باهتمام، منقلا بصره من وجه لوجه، وقال: الأيام تمر، وأنتم تتقدمون في العمر، لا ~~بد من مواجهة صريحة بينكم وبين الأيام. # فقال الصديق الأول ضاحكا وهو يرفع كأسه: صحتك! # وقالت زوجة الصديق الآخر: عندي كلمة من الشعر المنثور، متى يسمح لي بإلقائها؟ # فقال الرجل بوجه جاد: لا محدث غيري الليلة. ~~- ولكنها ليلة عيدك! ~~- الأخير! ~~- دعنا من هذه السيرة المزعجة! ~~- اسمعوا، لقد شهدت مداولة قضائية، ثم فوضت في التحقيق والحكم والتنفيذ! ~~- أراهن أن ذلك كله سيتمخض عن فكاهة رائعة! ~~- أشك في ذلك كل الشك. # فقال الصديق الأول: أقترح أن نجاريه حتى النهاية. # فقال الصديق الآخر: عظيم، اعتبرنا ماثلين في محكمتك! ~~- إنكم لكذلك، أردتم أم لم تريدوا. ~~- فماذا تروم منا؟ ~~- قلت إن الأيام تمر، وإن الأعمار تتقدم، ولا بد من مواجهة صريحة. ~~- لتكن مواجهة صريحة. # فأشار إلى الرجلين وقال: أجيباني، كم شخصا قتلتما؟ # فضجوا بالضحك. انتظر حتى سكتوا ثم قال: أجيباني، لم لم تتعرضا للقتل حتى ~~الآن؟ # فضجوا بالضحك مرة أخرى، ولما ساد السكوت قال: أجيبا، لم لم تسجنا على الأقل؟ # وقالت زوجة الصديق الآخر: ألم أقل لكم أنه سيتمخض عن فكاهة رائعة؟ # فقال الرجل: إني مفوض لقتل من لم يقتل أو يسجن! # فهتف الصديق الآخر: يا عدو الأخيار! # وقال الصديق الأول: وأنت خبرنا متى قتلت أو قتلت أو سجنت؟ # وقالت زوجة الصديق الأول متضاحكة: ونحن ألا نستحق القتل أيضا؟ # فقال الرجل بخشونة: نطقت بالحق يا سيدتي! ~~- حقا؟! ~~- أنسيت الحب الذي ألف بيننا في الصبا؟ # ولأول مرة تغير الجو. تجهمت الوجوه في ذهول، وصاح الصديق الأول غاضبا: أفقدت عقلك ~~وذوقك؟! # فقال الرجل بتحد: لا مفر من الحقيقة مهما طال الزمن، كان حبنا حقيقة ولكن تصادف أنك كنت ~~ابن خالتها، فقيل إنك أولى بها ms82 ، وإذا بالحقيقة تنهار وتستسلم! ~~- مجنون، وضح لنا ما غمض من أمرك. ~~- انهارت واستسلمت، لم تقاوم، ثم استسلمت مرة أخرى فيما بعد، ها أنا أصارحك بأننا - أنا ~~وهي - اشتركنا في خيانتك زهاء خمسة أعوام! # انتتر الصديق الأول واقفا، هم بالانقضاض على الرجل، ولكن الرجل أخرج مسدسه من جيبه، ~~سدده نحوه، ثم أطلق النار، فخر الصديق صريعا وسط هدير من الصراخ. حتى الخادم العجوز ~~صرخ، وصاح الرجل ويده بالمسدس ترعش: ليلزم كل مكانه! # انكبت الزوجة فوق زوجها مجهشة في البكاء فتساءل ساخرا: لم تبكين؟ تزوجته على رغمك ~~وخنته بإرادتك، ما أقبح الدموع الجارية في أخاديد وجهك، أتودين اللحاق به؟ # فصاحت في غضب: مجرم .. مجرم ... # ولكن رصاصة استقرت في رقبتها قبل أن تكمل كلامها، فتهاوت إلى جانب جثة زوجها مضرجة في ~~دمائها. حملقت فيه الأعين في فزع أخرس، فقال: أشهد أن القتل أكبر تحد لقضبان الحياة ~~... # فقال الصديق الآخر بصوت سائب لا ضابط له: ماذا دهاك أيها الصديق الكريم؟ .. أنسيت أننا جئنا ~~للاحتفال بعيد ميلادك؟! # فقال مستردا ذاكرته من صدى الحدث: أنت أيضا لم تقتل ولم تقتل ... # فقال الصديق برعب: كسائر الملايين، وإلا ما بقي على وجهها أحد، ماذا دهاك أيها الصديق ~~الكريم؟ # وقالت الزوجة وهي ترتعد: نحن أصدقاؤك، أنسيت العمر الطويل؟ أنسيت مودة نصف قرن؟! # فحدجها بنظرة احتقار قائلا: وأنت أيضا، ما تزوجت منه إلا من أجل ثروته، أنت أيضا ~~استسلمت، لا أحد منكم يحترم المقاومة! ~~- أتحاسبني على عواطف طفولية اندلعت في قلبي منذ نصف قرن؟ ~~- إني أعرف عشيقك أيضا! ~~- فليسامحك الله. # وقال له الصديق متوسلا: دعنا نذهب! # فسأله بازدراء: لم لم تغضب لعرضك؟ ~~- دعنا نذهب بحق صداقة العمر! ~~- لقد بلغنا نقطة لا يجوز التراجع عندها. ~~- أتقتل الأبرياء بالجملة؟ ~~- لا يوجد بريء واحد. # أخفت الممرضة وجهها بين يديها، على حين هتف الخادم العجوز من وراء البار: سيدي .. اتق ~~الله العظيم! # فقال الرجل بارتياح: أحسنت أيها العجوز. # وأطلق الرصاص مرتين، فسقط الصديق، ثم سقطت زوجته. لم يعد يسمع إلا نحيب الممرضة ~~الحسناء، فنظر ms83 الرجل نحوها وتساءل: لم قبلت الدعوة يا سيئة الحظ؟ # فواصلت النحيب دون أن تجيب، فقال: لعله ضميرك الذي أغراك بقبولها؟ # فقالت وهي تنشج: قبلتها إكراما لك. # فقال متقززا: ولكنك تبغضينني كالموت! ~~- أنا؟! ~~- أجل. ~~- لا تظلمني. ~~- اختلست مرة نظرة إلى المرآة ونحن في غمرة العناق، فرأيت الاشمئزاز مطبوعا على وجهك ~~كالقطران! ~~- أبدا .. أبدا. ~~- عرضت عليك ذات يوم أن تقبلي الزواج مني ولكنك اعتذرت ... ~~- كنت مخطوبة كما تعلم ... ~~- أجل، والحق أني أكبرتك. ~~- ليس إلا أني كنت مخطوبة ... ~~- ولكنك قبلت أن تكوني خليلتي نظير مكافأة من المال تستعينين بها على إعداد نفسك للزواج ~~... ~~- سيدي ... ~~- لم تقاومي! ماذا يبغض لكم المقاومة؟ ~~- لكنك سعدت بقراري على أي حال! ~~- هذا حق؛ ولذلك فإني أحكم عليك بالإعدام. # وثبت الجميلة في استغاثة فزعة، ولكن الرصاصة عاجلتها فهوت على وجهها. أنزل قدمه من فوق ~~الكرسي وتقدم ببطء وهو يتفحص الجثث، ومد بصره إلى الخادم العجوز وراء البار، فتراءى ~~شاحب الوجه بلون الموت، قال له: أيها العجوز الطيب، ما رأيك فيما شهدت؟ # لم يستطع الرجل أن ينبس بكلمة فقال: بدأت الخدمة في بيتي شابا، وها أنت تقف كالغصن ~~الذابل الجاف في أرذل العمر ... # هز العجوز رأسه دون أن ينطق فقال: كم أسأت إليك، حتى العذاب ذقته أحيانا على يدي ~~... ~~- سيدي ... ~~- ولم يخطر لك مرة واحدة أن تهجر بيتي ... ~~- رغم كل شيء كنت طيب القلب. ~~- لا تكذب، كم تورطت معي فيما يليق وما لا يليق، كم شهدت هنا ألوانا من الدعارة ~~السافرة! ~~- أفضالك مع ذلك لا يمكن أن تنسى ... ~~- ولا مرة واحدة فكرت أن تعاملني بما أستحق؟ ~~- إني خادمك المطيع يا سيدي. ~~- لذلك أحكم عليك بالإعدام ... # حاول العجوز أن يختفي وراء منصة البار، ولكن الرصاصة نفذت في رأسه. تنهد الرجل بعمق؛ تنهد بعمق حتى ملأ صوت تنهده البهو ... ~~••• # شعر بالضوء يشع وراء جفنيه المغلقين ففتح عينيه، رأى الخادم العجوز واقفا والبهو متوهجا ~~بالضوء، فنزع نفسه من جلسته المريحة وهو يقول: جاء المدعوون؟ # فقال العجوز: جاءت الممرضة ... # ذهب الخادم. دخلت الممرضة مشرقة ms84 الوجه، تبادلا ابتسامة عريضة. خلع جاكتته وحسر كم ~~القميص وهي تعد الحقنة، قالت: عام سعيد. # فقال وهو يسلمها ذراعه: إني أدعوك للحفل الصغير. # فقالت وهي تمسح بقطنة مبللة بالكحول موضع الغز: أود ذلك، ولكني على موعد مع خطيبي. ~~- إني أدعوه معك، أرجو أن تبلغيه ذلك ... ~~- سيسره أن يلبي دعوتك؛ فهو لا ينسى مساعدتك في نقله إلى القاهرة، ولكنه ليس على ما ~~يرام. ~~- مريض؟ ~~- كلا .. ولكن حالته النفسية ليست على ما يرام. ~~- تلك أعراض تمر، متى تتزوجان؟ ~~- قريبا على أي حال. ~~- سأفتقدك كثيرا. # فضحكت قائلة: حذار، سأبدأ بالزواج حياة جديدة! ~~- يا لك من استغلالية فاتنة؛ ولكني لن أنسى السعادة التي حظيت بها على يديك! ~~- أكرر التهنئة. # وذهبت وهو يتبعها عينين. ثم أجال بصره في البهو؛ الأرض والمقاعد والبار، ثم تنهد بعمق ~~ونظر في الساعة ثم تمتم: رحلة طويلة حقا في أقل من خمس دقائق! # ومضى يذرع البهو، ولكن الانتظار لم يطل، فما لبث أن جاء المدعوون؛ رجلان وامرأتان في ~~الحلقتين الثامنة والسابعة، صفت الهدايا فوق الخوان، تبودلت القبلات، اتخذوا مجالسهم، ~~ومضى الرجل يملأ الكئوس بنفسه. ~~- لم يبق إلا نحن الخمسة. ~~- ليرحم الله الراحلين. # وقالت زوجة الصديق الأول: ثمة تنبيه هام أسوقه حرصا على سهرتنا الغالية. ~~- ألا وهو؟ ~~- منع الكلام في السياسة أو الحرب. ~~- عين الصواب. ~~- إنه يمتص الحيوية، يجعل من السمر حديثا مرهقا، يدفع إلى طريق مسدود، لنرحم أنفسنا هذه ~~الليلة ... ~~- أشك في إمكان تحقيق هذا المطلب البريء، سنتظاهر بالامتثال، وسنتحدث في هذا أو ذاك من ~~الموضوعات، ثم نجد أنفسنا ونحن لا ندري في الجبهة. ~~- وحتى إذا وفقنا إلى اختيار موضوع ما، فلن نلبث أن نجد الكلام لغوا لا معنى له ولا ~~طعم، وإننا في الواقع إنما نهرب من الحديث الوحيد المقضي به علينا، ولن نجد بدا في ~~النهاية من الرجوع إلى الجبهة، وتتشعب الآراء والاحتمالات، وتتطاحن فروض الحرب والسلم، ~~وتمضي الليلة ونحن غائصون في شرك حفرناه بأيدينا. # فقالت المرأة بإصرار: إذن فلأنصب من نفسي ملاكا حارسا للسهر، أطلق صفارة إنذار ms85 كلما ~~آنست ميلا نحو الحديث الأبدي. ~~- تجربة لا بأس بها، ولكني أتنبأ بالفشل من قبل أن تبدأ ... ~~- صحتكم. ~~- صحتك. ~~- ولكن ما بال صاحب العيد يبدو شاردا؟ ~~- أنا؟ ~~- أجل .. يوجد شيء في رأسك الكريم. # فضحك قائلا: الحق أني حلمت حلما غريبا. ~~- خير إن شاء الله. ~~- ولكن ماذا أقول؟ ~~- قل ما رأيت، ونحن على تأويل الرؤيا قادرون. # فقال وهو يرمقهم بنظرة غريبة: رأيت أنني قتلتكم جميعا رميا بالرصاص. # ضجوا جميعا بالضحك. ~~- خير ما فعلت؛ فإننا أصبحنا كالخيل القديمة ترمى بالرصاص على سبيل الرأفة. ~~- وكنت أقتل وأنا في غاية من المرح ... ~~- يمكن تفسير الأحلام بأضدادها؛ فمعنى الحلم أن تتمنى لنا طول العمر. ~~- عظيم. ~~- أما إذا اعتمدنا في تفسيرنا على العلم، على فرويد مثلا، فسنكشف عن رغبات جنسية مكبوتة ~~لا يحسن الجهر بها ... ~~- ما كان في الوسع أن أكبتها طيلة ذاك العمر. ~~- صحتك. ~~- صحتكم. ~~- وحتى النساء؟ ~~- حتى النساء! ~~- يخونك العيش والملح. ~~- حتى الخادم العجوز والممرضة! ~~- لم يكن حلما؛ ولكنه كان استمرارا لأحاديث الحرب. ~~- لعله. ~~- ولكن لم تفضلت بقتلنا؟ ~~- لم أعد أذكر، فسرعان ما تنسى تفاصيل الأحلام. ~~- تذكر السبب؛ فإننا نتوقع أن يكون طريفا ... ~~- لا أظن. ~~- لا شك أننا تحديناك بطريقة ما؟ ~~- ربما. ~~- ماذا فعلت بعد أن أجهزت علينا؟ ~~- لا أذكر. ~~- ألم تشعر بالندم؟ ~~- لا أظن. ~~- اسمح لي أن أقول لك ... # ولكن الخادم العجوز دخل ليعلن عن حضور الممرضة وخطيبها. وذهب فجاءت الممرضة يتبعها ~~خطيبها، وتم التعارف على يد الرجل، واتخذ القادمان مجلسيهما متجاورين، والشاب يبتسم ابتسامة ~~ودودة ربما ليخفي كآبة لم ينجح في إخفائها، وقدم لهما الرجل كأسين وهو يقول: صحتكما. # وقال لهما الصديق الأول: نشكركما على حضوركما؛ فإن مجلسنا يحتاج إلى دم جديد. # فقال الرجل: إنها شابة ممتازة، وهو شاب ممتاز، ولكنه يبدو على غير ما يرام. # فقال الشاب: إني على خير حال يا سيدي. ~~- حقا؟! .. ما رأيك يا آنسة؟ # فقالت بشيء من الحزن: إنه كما تقول يا سيدي، ولكن لا يجوز أن نكدر صفو الحفل ~~بهمومنا. # وسأل الصديق الثاني: أهو مريض؟ ~~- كلا ms86 يا سيدي؛ ولكن ينتابه من آن لآن شعور مجهول بالكآبة. ~~- كيف تنتاب الكآبة من أنت خطيبته؟ # فقال الشاب محتجا: إني بخير. # فقال الرجل: لست كما تقول ... ~~- سيدي .. لا يجوز أن نكدر صفوكم ... ~~- صارحني يا بني؛ فإني بمنزلة الوالد. # وقالت زوجة الصديق الأول: لعلنا نجد في حديثك ملاذا من حديث آخر يطاردنا ... وتساءل الصديق ~~الثاني: ما علة كآبتك؟ # فأجابت الممرضة: بلا سبب. # وتساءل الصديق الأول: لعله خلاف في العمل؟ # فأجاب الشاب: لا شيء البتة. ~~- أو بوادر قلق مما يخطر للمحبين؟ ~~- لا شيء البتة يا سيدي. # ولم تملك الممرضة أن قالت: قال لي ونحن في الطريق إلى هنا: إن الانتحار فكرة طيبة! # فهتف الشاب: أتعيدين كلمة رددتها بلا قصد ولا معنى؟ ~~- لقد خفت خوفا حقيقيا ... ~~- ما أغرب أطوارك! ~~- اعذرني ... ~~- إننا نفسد الجو. # فقال الرجل: لا داعي للحرج يا بني؛ فأنا نفسي حلمت منذ حين بأني قتلت جميع المدعوين بما ~~فيهم خطيبتك، وحتى خادمي العجوز ... # وضج المدعوون بالضحك، حتى الشاب ابتسم، وقال الرجل: اشرب كأسك، اطرد عنك الحرج، ~~وصدقني فإني أرحب بك ترحيبا خاصا، وأشعر بأنك تشاركني في موقفي الغريب. # والتفت الرجل نحو أصحابه وقال: معذرة، فإني أتوهم أن لدي كلمة طيبة يحسن أن تقال لصديقنا ~~الشاب، فاستمتعوا بوقتكم دون تأجيل ... # فقال الصديق الأول: إني أتوقع حديثا طريفا جديرا بالمتابعة، وبخاصة وأنه لا يحرم الأكل ~~أو يمنع الشرب! # فنظر الرجل نحو الممرضة وقال: أنت مسئولة، كيف تركته يغرق في الكآبة؟ # فقالت الممرضة: أعتقد أننا سعداء، أو هذا ما اعتقدته ... # فسأل الرجل الشاب: لم أنت كئيب؟ ~~- إنها تبالغ يا سيدي. # فقالت الممرضة: لم أبالغ قط. # فقال الرجل: نحن في الدور الخامس والثلاثين، وقد لقنني ذلك حكمة ... # فسأله الصديق الثاني ضاحكا: ألذلك علاقة بجريمة قتلنا؟ # وأخذ الرجل الشاب من يده ومضى به إلى النافذة، ثم قال: من هذا الموضع المرتفع ترى أكثر من ~~نيل يجري في القاهرة ... # فقال الشاب: منظر عجيب حقا، ولا شك أنه في أثناء النهار أعجب. ~~- من هنا ترى الحدائق كأنها أشكال ms87 هندسية دقيقة، مرسومة على سطح من الورق ... ~~- ربما .. ولكن أرجو ألا تصدق أني فكرت حقا في الانتحار. ~~- السيارات لعب أطفال، الناس فئران، أما الجبل والمساكن فبناء هائل متصل التكوين تنبثق ~~منه هنا وهناك قباب ومآذن، الطرقات تختفي تماما، كما يختفي تفرد الناس وتميزها، ولا أثر ~~يظهر لهمومها ومشاكلها، وأفراحها وأتراحها. ~~- ما أعجب ذلك كله! ~~- ما أجمل أن نتعامل مع الشمس والهواء والعلو! .. أيضايقك حديثي؟ ~~- أبدا، أخشى أن يضايقك وجودي ... # وقالت زوجة الصديق الأول: ارفع صوتك قليلا يا عزيزي؛ فنحن أيضا في حاجة إلى كلمتك ~~الطيبة. # فقال الرجل للشاب: إني سعيد بك، ولعلي أستطيع أن أقنعك كما أقنعت نفسي بالحياة فوق كل ~~شيء! ~~- فوق كل شيء؟ ~~- أعني أن تنظر إلى همومك من فوق، كما تنظر إلى المدينة تحتك فتراها أشكالا مجردة لا ~~فاعلية لها. # فهتف الصديق الثاني: أحسنت أيها الحكيم. # ولكن الشاب قال: هذه خاطرة قد تخطر أحيانا للمثقل بالهموم للراحة، ولكن لا موضع لها بين ~~الحقائق. # فقالت زوجة الصديق الثاني مخاطبة الشاب: إنها وصفة مجربة، فلا تستهن بها يا عزيزي. # وقال الرجل: أجل .. لا تستهن بها، ما أجمل أن نحيا فوق كل شيء! ~~- ولكننا خلقنا لنعيش تحت. ~~- ألا تستطيع أن ترتفع؟ ~~- لا أظن، الملايين تعاني تحتنا. ~~- لا يغير ذلك من جوهر الحقيقة. ~~- أشك في ذلك يا سيدي. # فأشار الرجل إلى المدينة المرصعة بالأضواء وقال: هنا وهناك، تقع أحداث؛ تنشأ علاقات، ~~تتفجر خصومات، أما بالنسبة للراصد من هذه النافذة فلا يحدث شيء على الإطلاق! ~~- لعله ضعف رؤية يا سيدي! # فضج البهو بالضحك، وضحك الرجل أيضا وقال: الشباب مرحلة خطيرة، يأنف من المهادنة ويسخر ~~من الحكمة، فليس أمامه إلا إحدى طريقين؛ فإما الانتحار أو الثورة. # وتساءل الصديق الأول: والحب، أليس طريقا أيضا؟ # ولكن الشاب تساءل: الانتحار أو الثورة؟ ~~- وكلاهما شيء واحد للراصد من النافذة. ~~- النافذة! ~~- نبرتك ساخرة! خبرني بصدق عما جاء بك إلى هنا. ~~- المشاركة في عيد ميلادك ... ~~- وماذا أيضا؟ ~~- ربما رغبت أيضا في شيء من الراحة. ~~- علامة سيئة. ~~- سيئة؟ ~~- تقطع بأنك ms88 غارق في الهموم. ~~- لا تخلو حياة من ذلك. ~~- المهم هو موقفنا منها، أليس كذلك؟ ~~- أن نواصل الصراع. ~~- أرجو ألا تردد أمامي شعارات محفوظة. ~~- لا أخجل من ترديد الشعارات إذا كانت مجدية. ~~- وأنا رجل مجرب، وقد حققت لنفسي نصرا على الدنيا، ومن واجبي أن أفضي بالسر لمن هو في ~~حاجة إليه. ~~- أشكرك. ~~- ألا تصدقني؟ ~~- إني متلهف على معرفة السر. # وقال أكثر من صوت: ونحن متلهفون أيضا. # فقال الرجل: في الأصل كانت الهموم. ~~- في الأصل؟ ~~- بدأت التجربة والهموم تقصم ظهري. ~~- أي هموم من فضلك؟ ~~- لا أهمية لذلك، الفراق .. العقوق .. الدنس .. أشجان الوطن .. زلزال في يوغسلافيا، لا تهتم ~~بالأسماء، كانت الهموم قد قصمت ظهري. ~~- وبعد؟ ~~- استولى علي الإعياء والإرهاق، وذات يوم وجدتني أطل على المدينة من هذه النافذة، عند ~~ذاك ألهمت الحقيقة دفعة واحدة ... ~~- الحقيقة؟ ~~- وهي أن الهموم لا وجود لها. ~~- أين ذهبت؟ ~~- لم أر إلا مدينة مجردة. ~~- المدينة نفسها تختفي إذا ارتفعت درجة مناسبة. ~~- مدينة مجردة ولا أثر للهموم. ~~- محض خيال. ~~- أبدا. ~~- الواقع أن الهموم تستقر في أعماق نفوسنا. ~~- ولكنها تتلاشى إذا نظرت من عل. ~~- مطلب مستحيل. ~~- ولكني حققته وانتصرت. ~~- أتعني أنه لم يعد يحزنك شيء؟ ~~- بلى ... ~~- هذا يعني أنك لم تعد من البشر. ~~- أكرر التحذير من ترديد الشعارات. ~~- ولكنها الحقيقة. ~~- لا حقيقة إلا تجربتي الظافرة. ~~- تخيل - لا سمح الله - أنك فقدت أعز ما تملك. ~~- جربت أفظع من ذلك، أتحداك أن تميز من موقفك هذا بين القبر والبيت. ~~- ذاك عزاء عقلي لا شأن له بالأعصاب. ~~- الأعصاب تذعن في النهاية للنافذة. ~~- لا أصدق ... # فقالت زوجة الصديق الثاني: يجب أن تصدقه. # فقال الشاب للرجل: إنه يعني لو صح أنك لم تعد حيا. ~~- أو أنني أحيا فوق قمة الحياة. ~~- لعلك لم تعرف ضراوة الحياة الحقيقية. ~~- عجنت بها وخبزت. ~~- إذن فأنت أسعد رجل في العالم. ~~- نحن نتحدث عن الحكمة لا السعادة. ~~- قد تكون حكيما ولكنك - ومعذرة - لست حيا. ~~- ما زالت أنفاسي تتردد. ~~- حكمتك خليقة بقتل بواعث الحياة الحقيقية. ~~- ها قد عدنا إلى الشعارات. ~~- بقتل التقدم. ~~- لم ms89 أخل يوما بواجب. ~~- ولم تؤدي أي واجب؟ ~~- لأنني حي ولأنه واجب! ~~- إنك تطرح علينا لغزا؟ ~~- بدأت تفهمني. ~~- ولكن حديثك يخاصم الواقع ويبدو معقدا غير مفهوم. ~~- قولك هذا يمكن أن يصدق على أي شيء في الحياة. ~~- يؤسفني أنني لا أستطيع الإفادة من حكمتك. ~~- أعترف لك بأنني قلقت عندما وقع بصري عليك. ~~- لم؟ ~~- شيء حدثني بأنك مقدم على شيء خطير! ~~- أي شيء هذا؟ ~~- أصارحك بأن خاطر الانتحار خطر لي. ~~- فكرة بعيدة عن الواقع بعد هذه النافذة عن الأرض. ~~- ولذلك أطلعتك على السر الذي يقتل فكرة الانتحار. ~~- شكرا، لا حاجة بي إليه، ثم إن لي وسائلي الخاصة. ~~- عظيم .. عد إلى مجلسك واشرب. # وتأهب الجميع لشتى التعليقات. أما الرجل فلم يبرح مكانه أمام النافذة، ثم صعد فوق ~~مقعد قريب. # أشاعت حركته الدهشة، فتساءل الصديق الأول: أتنوي إلقاء خطبة؟ # من موقفه فوق المقعد انتقل بخفة لا تناسب سنه إلى حافة النافذة، فوقف عليها مستندا ~~بيديه إلى ضلعيها. وقف الجميع في ذهول، وصاح أكثر من صوت: ماذا تفعل؟! .. احترس ... # في اللحظة التالية رأوه وهو يرمي بنفسه في الفضاء، فيختفي بسرعة خاطفة، مخلفا وراءه صرخة ~~محشرجة كالعواء. ms90