######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.ShaytanYaciz.Hindawi58035080 #META# Tags: novels #META# ID: 58035080 #META# Title: الشيطان يعظ #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الرجل الثاني‏ # أمشير‏ # الربيع القادم‏ # الحب والقناع‏ # السلطان‏ # أيوب‏ # قرار في ضوء البرق‏ # أسرة أناخ عليها الدهر‏ # الظلام القديم‏ # الرسالة‏ # الشفق‏ # اللقاء‏ # الجبل‏ # الشيطان يعظ‏ # الرجل الثاني‏ # أمشير‏ # الربيع القادم‏ # الحب والقناع‏ # السلطان‏ # أيوب‏ # قرار في ضوء البرق‏ # أسرة أناخ عليها الدهر‏ # الظلام القديم‏ # الرسالة‏ # الشفق‏ # اللقاء‏ # الجبل‏ # الشيطان يعظ‏ # | الشيطان يعظ # | الشيطان يعظ # تأليف # نجيب محفوظ # | الرجل الثاني # 1 # جذبني مقهى النجف في سن المراهقة. كانت سنا يستهجن فيها غشيان المقاهي. الحق لم ~~يجذبني المقهى نفسه؛ ولكن شدني بقوة سحرية صاحبه موجود الديناري الأسطورة الباقية. ~~إنه آخر الفتوات غير أنه بالقياس إلي أول الفتوات وآخرهم. ذهبت لأحظى بمشاهدته فوق ~~أريكة الإدارة في شيخوخته المجللة بالمهابة والقوة والجمال. اخترت مجلسا بعيدا عن ~~مجلسه، منعني الإكبار، وجاء بي دوما ما استقر في قلبي من حكايات فتونته، سحرتني أكثر ~~نوادره الغامضة التي تضاربت حولها التفاسير. طالما شعرت وأنا أحتسي قرفته المخلوطة ~~بالمكسرات بأنني أعيش أبهج ما في الماضي والحاضر والمستقبل. ~~••• # يحكى أن ... # يحكى أنه ألقى على أتباعه ذات يوم تحديا. عند الفجر من سهرة في غرزة المنارة ~~المسقوفة بالسماء. قلب عينيه في وجوه الرجال فلم يبرح أحد مكانه. تبدت وجوههم غامضة ~~على ضوء النجوم. تبدت وجوههم ذابلة من شدة السطول. تبدت وجوههم مخضلة بالندى. في فصل ~~صيف شهد له الآباء بالغلظ، قال لهم: لن ترجعوا إلى بيوتكم قبل أن تسمعوا. # تطلعوا إليه باهتمام. جاهدوا نعاس الخدر. توقعوا نبأ عن معركة. موجود الديناري ~~قهقه حتى سعل. قال بتؤدة أضفت على بنيانه القوي وملامحه الواضحة جدية مثيرة: إنكم تتساءلون ... # اشتعلت اللهفة ونفد الصبر فواصل الرجل: ما من جماعة مثلنا إلا وفيها رجل ثان، على ~~ذلك جرى عرف من غبر ... ندت عن «طباع الديك» حركة عفوية داراها بسعلة مصطنعة. لم تغب عن ~~عين الرجال ولا عين الرجل. كان أقوى الأتباع وأشجعهم وإن لم يجهر بذلك أحد، وطالما ~~اعتقد أن المنزلة الثانية بمثابة حقه المعتبر. تساءل المعلم: ما رأيكم؟ # أكثر من صوت أجاب: الرأي ما ترى ms001 يا معلم. ~~- كلكم أقوياء، كلكم شجعان، ولكن الفتونة الحقة لا تستند إلى القوة والشجاعة ~~وحدهما! # عند ذلك قال طباع الديك: منك تعلمنا أيضا مكارم الأخلاق ... # فابتسم المعلم ابتسامة غامضة وقال: دعونا من الكلام، عندي مهمة، فمن منكم يقبل القيام ~~بها؟ # فبادروا قائلين: نحن رهن الإشارة! # وتساءل طباع الديك: ما هي المهمة يا معلمي؟ # فقال الديناري باسما: إنها سر من الأسرار. # همدت ألسنتهم. تذاكروا ما عرف عنه من غرابة الأطوار. تذكروا الغموض الذي يخالط ~~وضوحه. حذروا بغريزتهم أن يقعوا في شرك لا قبل لأحدهم به. وسر الديناري بصمتهم فقال: ~~إنها تتطلب أول ما تتطلب الطاعة العمياء! # وضح القلق في حركات طباع الديك المتوترة ولكنه تجاهله قائلا: قد يحيق الهلاك بمن ~~يتصدى لها، لا يجوز إخفاء ذلك عنكم، فإذا وفق فاز بالمكانة اللائقة، وإن هلك تعهدت ~~أهله بالعناية. # وخرج طباع الديك من صمته فقال: يا معلمي، لقد خدمتك منذ ... # ولكن المعلم قاطعه متسائلا: من منكم يقبل المهمة؟ # من غشاء الصمت الثقيل انطلق صوت يقول: خدامك يا معلم! # تحولت الأبصار بذهول نحو شطا الحجري. فتى جاوز العشرين بعام أو عامين. أحدث من انضم ~~إلى العصابة، لم يشترك بعد في معركة، قبل بناء على تزكية من طباع الديك نفسه. وجزع ~~الديك. إنه في الحلقة الرابعة من عمره ويصغر معلمه بعام واحد. ورغم سوء ظنه بالمهمة ~~وحذره من مقالب معلمه فقد خاف أن تفلت منه فرصة العمر؛ لذلك هتف: لا أحد لها ~~سواي. # فقال المعلم بهدوء: إنه شطا الحجري. ~~- ولكنه ... # فقاطعه المعلم: لقد سبق، ولا حيلة لك. # غشيت الصمت كآبة، أيصير شطا الحجري الرجل الثاني إذا لم يهلك؟ ترى ما هي المهمة؟ هل ~~أنقذهم الخوف أو ضيعهم؟ أيهلك شطا أم يفوز؟ وماذا لو تكشفت المهمة عن تكليف يسير لا يشق ~~على أحد؟ لقد تمنوا في أعماقهم أن يتقرر الهلاك مصيرا لشطا. وتلهفوا على معرفة المهمة ~~فتساءلوا: لم يعد محظورا أن تكشف لنا عن سر المهمة يا معلم. # فقال المعلم بمرح: كل شيء مرهون بوقته. # وقام ms002 الرجل نافضا عن عباءته ذرات الرماد ومضى نحو الحارة وهو يقول: تناسوا ما دار ~~بيننا في هذه الليلة الحارة، فلا شأن لكم به! # 2 # توارى المعلم عن الأعين. لزم الرجال أماكنهم من شدة الذهول. وجد شطا الحجري نفسه في ~~بؤرة منصهرة بحرارة الأبصار والصيف. أراد أن يخرج من الحرج بكلمة اعتذار فقال: أعترف ~~بأنني ما زلت أحبو في الذيل، ولكنها إرادة الله. # فقال رجل مغلفا قوله بنبرة نذير: بل اخترت بإرادتك يا شطا! # فقال في استسلام: إنما يجري كل شيء بمشيئة الله. # فقال آخر بخشونة: للشيطان أيضا دور في رحاب الفتونة. # فتغير مزاج شطا وقال بعناد: لقد أعددت كفني يوم انضممت إليكم. # فتلاطمت أصوات في سخرية: عفارم! عفارم! الطموح مهلكة، ولكنه حلم الفتوات! # ضاق شطا بصمت طباع الديك أكثر مما ضاق بسخريات الرجال. استأذن ناهضا ثم غاص في ~~الظلمة. # استقبلته أمه في بدروم عمارة الجبلي، ستهم الشهيرة بالغجرية تستيقظ عادة مع الفجر ~~لتتهيأ ليوم عمل كادح. قال: حدث الليلة أمر عجيب. # وقص عليها ما جرى. عكس وجهها المتجعد الكالح انفعالات متضاربة، تفكرت حتى وجمت ثم ~~قالت: يا لك من متعجل! # فتحامى الجدل، فقالت: إنك لمجنون يتحدى الجميع بلا تدبر. # فاتجه نحو منامة فوق الكنبة صامتا، فقالت: لم يبق لي من ذكر سواك، أخواتك في بيوت ~~أزواجهن، لعنة الله على شيطانك. # فتمتم بامتعاض: لا تتوقعين إلا الشر! ~~- أتحسب أن الفتونة لهو؟! # رغم قلقه واضطرام أفكاره فقد أسلمه الإرهاق إلى نوم عميق. # 3 # استيقظ شطا الحجري عند الضحى. اجتاحته ضوضاء الحياة. ما زال الصيف يزفر نارا. ~~استيقظت معه ذكريات الليل. لم يلق إليه المعلم بأية إرشادات. هل ينتظر حتى تجيئه ~~إشارة؟ كلا، عليه أن يتحرك. ليتحرك حتى لا تنفرد به الأفكار. قرر أن يذهب إلى دار ~~الديناري. أول مرة يعبر البوابة العملاقة. اخترق فناء واسعا. إلى اليمين مجمع نخلات ~~مثقلة بالبلح الأحمر وإلى اليسار إصطبل. سمح له بالانتظار في منظرة. طالعته في الجدار ~~الأوسط بسملة مذهبة تشرف على الأرائك والبساط السنجابي. حتى ms003 أذان الظهر انتظر ثم جاء ~~الرجل. خيل إليه أنه يرى رجلا آخر. لأول مرة يرى شعر رأسه الأسود، ولأول مرة يخطر ~~أمامه في جلباب فضفاض أبيض، أما رائحة المسك فهي دائما تنتشر منه. تربع فوق الكنبة ~~الوسطى ثم أشار إلى الأرض قائلا: اجلس. # فتربع على مبعدة قصيرة من موطئ قدميه، ثم قال كالمعتذر: جئت بلا دعوة. # قال ووجهه لا ينم عن شيء: لو لم تفعل لاعتبرت الأمر كأن لم يكن. # فحمد الله في سره على أول توفيق يصيبه. وسأله الرجل: ماذا قال الرجال أمس عقب ~~ذهابي؟ ~~- اتهموني بتجاوز الحد. ~~- هي الحقيقة بالقياس إليهم هم. # فحمد الله في سره مرة أخرى، على حين رجع المعلم يسأل: ماذا عن أمك الغجرية؟ ~~- قلقة وخائفة. ~~- لو لم تقدم لاتهمتك بالجبن! # انقطع الكلام قليلا حتى قال شطا: إني رهن إشارتك. # فمد ساقيه قائلا: دلك ساقي. # فشمر شطا عن ساعديه وراح يدلك الساقين المدمجتين بارتياح وفخار. تواصل الصمت حتى ~~تساءل المعلم: ما الذي دفعك إلى القبول؟ # فبادره شطا بحماس: أن أحظى برضاك. ~~- كاذب، أو نصف كاذب، إنه الطموح، ولكن لا فتونة بلا جنون. # لم يدر ماذا يقول. ترامت من بعد صيحات الغلمان ونداءات الباعة وحوار النساء، ثم تساءل المعلم: مستعد؟ ~~- رهن الإشارة. # فقال الرجل بوضوح: اغتسل، ارتد ملابس جميلة، اعثر على أجمل بنت في الحارة، ثم اذكرها ~~لي! # ثقلت يداه وأوشكتا أن تتوقفا عن التدليك. ما سمعه لم يتوقعه قط. ظن المهمة مغامرة لا ~~يطيقها إلا الأفذاذ. ما تصور أن تكون مهمة خاطبة، بل الخاطبة أشرف. لا يمكن أن تقتصر ~~المهمة على ذلك. ما هي إلا مقدمة لاختبار الطاعة. الحذر الحذر من التردد، الطاعة أو ~~الضياع. ما يعرف من قسوته مثلما يعرف من مكارمه. إنه ولا شك لم يقل كل شيء، فلينتظر. لكن ~~وجهه لا يعد بمزيد! أخيرا تساءل: أهذه هي المهمة بلا زيادة؟ # قال المعلم ببرود: لا أسمح بأي سؤال. # تركه يدلك ساقيه في صمت، ثم سحبهما قائلا: مع السلامة. # 4 # وهو يغادر الدار شعر ms004 بالندم، بل بالغضب. ربما ضرب يوما مثلا للحماقة والسخرية. ~~الفتى الذي طمح إلى السيادة فعمل خاطبة، أو قوادا ذا قرنين، وسيكون نادرة أخرى إذا هرب. ~~ولكنه وعده بالمكانة الثانية إذا نجح. وهو الوفاء إذا وعد. فكيف يشك في جدارة العمل؟! ~~إنه لأحمق إذا تهاون مع سوء الظن. إنها محنة حقا ولكن وراءها ما وراءها، فليصمد ~~وليصمد وليمحق الريب. # وسألته أمه ستهم الغجرية بلهفة: خبرني ما هي المهمة؟ # أجل، إن المعلم لم يكلفه بالكتمان، ولكنه شعر بأن الأمان في الكتمان، والكرامة أيضا ~~تلزمه به. فليذعه المعلم إن شاء أن يبلوه؛ لذلك قال: الأسف والمعذرة. # فصرخت المرأة: من يخف عن أمه سرا فهو ابن حرام. # وهتفت أيضا: أنت وشأنك ولتتجرعن الندم. # وقال لنفسه: «تقدم بلا تردد». ذهب إلى حمام الأمير وأسلم جسده إلى المغطس. ارتدى ~~جلبابا جديدا ولاثة منمنمة ومركوبا أخضر ومضى منور الشباب كالبدر. استحال عينين ~~حذرتين، تسعيان وراء الجمال حيث يكون؛ في النوافذ، عند صنبور المياه، في سوق الخردوات ~~والحلي. كلما لمح حسنا سجله في ذاكرته وواصل السعي. وصادف في سعيه رجالا من العصابة ~~يراقبون ويتساءلون. ضاعف من حذره مطمئنا إلى أنهم لم يقفوا على سره بعد. تمنى أن ~~يحافظ المعلم على السر كما يحافظ عليه هو. تمنى أن يعثر على ضالته حتى تنجلي الحقيقة ~~عارية. أجل ستنكشف مهمة الخاطبة عن المجد لا الندم. # وكان يستريح في مقهى النجف عندما جلس إلى جانبه طباع الديك. انقبض صدره ولكنه ابتسم. ~~هو الذي زكاه عند المعلم يوم قبل. صديق أسرته الذي يعتبر ستهم الغجرية أما له. قدم له ~~الشاي حبا وكرامة. ابتسم الرجل وقال: أصبح لك مظهر الوجيه لا الفتوة! # إنه يستدرجه ولكن هيهات. وتمتم الرجل: لا تستقر في مكان! # بادله الابتسام دون أن ينبس، فقال طباع الديك: لا أريد إحراجك، هذا أول ما تطالبني به ~~علاقتنا الطيبة. # فتمتم شطا بأسف: معذرة يا صاحب الفضل. ~~- إني عاذرك، ومقدر لحالك، ولكن واجبي كصديق للأسرة يطالبني بأن أحذرك. ~~- تحذرني؟ ~~- معاذ الله أن أحرضك على ms005 إفشاء سر؛ ولكنك حديث عهد بنا، فلا تعرف فتوتنا كما أعرفه. # فقال شطا بصدق: الحارة كلها تعرفه! ~~- لعلها لا تعرف مثلي حبه الدعابة والعبث. # ارتعد قلبه، ولكنه قال بقوة يغطي بها على ارتعاده: الدعابة لا العبث، إنه جاد كل ~~الجد. ~~- لم صفح عن زميلنا الأعجر؟ ولم أصر على عقاب شعراوي القفا؟ # ارتعد قلبه مرة أخرى، ولكنه قال: ثمة سبب يعلمه ونجهله، إنه أبعد ما يكون عن العبث. ~~- إذا أردت الاستشهاد بالأدلة، فستجد ما يؤيد جديته وستجد ما يؤيد عبثه. ~~- لا، لا تقس ما يقع في حارتنا بما يحدث أحيانا في الغرزة. ~~- ولكن المغامرة التي تقدمت لها حدثت في الغرزة. # فقال مجاهدا غيوم القلق: لكن نتيجتها ستطبق على الحارة! ~~- صدقني يا شطا، لم لم أقدم على المهمة رغم أنني أجدر الرجال بها؟! حدثني قلبي ~~بأنه يهيئ للعبث مقلبا! # هز شطا رأسه نفيا واحتجاجا، فقال طباع الديك: ثم إنه لا يتأثر بالعواطف، وهو قوي ~~كما نعلم جميعا، فمن ذا يضمن وفاءه؟ بل هبك هلكت - لا سمح الله - فلم يعن أمك، فمن ذا ~~يحاسبه؟! # لزم شطا الصمت بنظرة رافضة، فنهض طباع الديك قائلا: الله معك! # فقال شطا: هيهات أن تتزعزع ثقتي به. # وأتبعه ناظريه وهو يلعنه. # 5 # الوساوس والهواجس تخامره. طباع الديك لا يذكر العبث بلا دليل. أجل إنه مغرض وحاقد ~~وخائف، ولكنه لا يهذي. على ذلك فهو يصر على جدية معلمه. رغم غرابة ما كلف به. رغم الغموض ~~المتعمد من الآخر. رباه! ما العمل لو كان يعبث به حقا؟! ما العمل لو تبدد الجهد نظير ~~لا شيء؟ ما العمل لو تناثرت قوائم حياته فيما يشبه المزاح؟! # وهو يحاور نفسه طالعه فجأة وجه يمرق من الملاءة السوداء كالضوء. وجه نفاذ الحلاوة ~~بهيج الأثر. ما تمالك أن قال لنفسه وهو ينتفض بانتعاش غامر: «لعلها هي!» في الحال تناسى ~~وساوسه وهواجسه وحل بقلبه الظفر. لعله رآها قبل ذلك ولكنها عبرت في غفلته بلا أثر. ~~سرعان ما تبعها عن بعد على إيقاع تموجاتها الراقصة، حتى عطفة ms006 البرادة وحتى غيابها في ~~عمارة ريحان المتهالكة. هي هي ضالته المنشودة، فمن تكون؟ عليه أن يجمع المعلومات ~~الكافية. الناجح من يحافظ على السر ويجمع المعلومات الوافية. أفعم قلبه بالإلهام ~~والثقة. وحلم بالمكانة الرفيعة الثانية. ودعا الله أن يتم المهمة دون مساس بكرامته. ومن ~~حظه السعيد لاحت في النافذة، لمحها ولمحته أيضا بنظرة خاطفة. في العطفة كواء بلدي ~~وبياع طعمية ولكنه تجنب سؤال الأنفس المتطفلة. استدرج غلاما يلعب، فسأله: يا شاطر، من ~~يسكن في الدور الثاني؟ # فأجاب الولد: عم طناحي بياع الطعمية. # آه! ثمة شبه بين الكهل والبنت الفاتنة. رجع إلى بيته مستوصيا بالحذر. ورغم ما بينه ~~وبين أمه من جفاء سألها: هل تعرفين أسرة عم طناحي بياع الطعمية؟ # فتجاهلته حتى كرر السؤال، فسألته بدورها: لماذا تسأل؟ ~~- حديث دار في المقهى حول بنت جميلة له. ~~- زوجت له بنتين وبقيت الصغرى وداد، صغيرة ولكنها أجمل البنات. # فقال مخفيا انفعاله: ذاك ما قيل عنها. ~~- قل لمن يتحدث إن الطائر قد حلق في السماء. ~~- السماء؟! ~~- ما زال الأمر سرا، ولكني الوحيدة من غير الأسرة التي تعرف أن معلمك الديناري خطبها ~~منذ أسبوع! ~~- حقا؟! ~~- حظها السعيد، لا أهمية للسن ولا لكثرة الزوجات! ابعد إن كنت فكرت في القرب. # إذن قد خطبها الرجل قبل أن يكلفه بالبحث عنها. ولكن هل يغير ذلك من موقعه من المهمة؟ ~~عليه ألا يضيع وقته وأن ينسى ما سمع. # 6 # قبع في مجلسه عند قدمي المعلم وراح يدلك ساقيه. الرجل يرتاح لذلك وهو يجيده. مهما يكن ~~من أمر العاقبة فهو اليوم ألصق الجميع به. غير أنه لا يستطيع أن يقرأ وجهه. ألا ما أكبر ~~الفارق بينه وبين البنت، في العمر والحجم وكل شيء. والرجل صامت يضن بالسؤال، فعليه هو أن ~~يتكلم. قال: عثرت على البنت المنشودة يا معلم. # بعد هنيهة صمت، قال الرجل: انطق. ~~- الاسم وداد، كريمة عم طناحي، بالدور الثاني من عمارة ريحان القديمة. ~~- ألم تفتك فرصة؟ ~~- نعم. ~~- هل فطن أحد إلى مسعاك؟ ~~- كلا. ~~- الكتمان في صالحك أنت. ~~- حرصت عليه، ms007 بحسن تقديري. ~~- إنك معجب بنفسك. ~~- فتورد وجهه الأسمر حياء، تفاءل بالصمت، ثم تساءل: انتهت المهمة يا معلمي؟ # فقال الرجل بلا مبالاة: الآن عليك بمغازلتها! # كأنما تلقى ضربة على نافوخه. هتف: مغازلتها؟! # قال الرجل ببرود: مع السلامة. # في الخارج لم يسمع صوتا رغم الضوضاء، لم ير أحدا رغم الزحام، لم يلق بالا إلى ~~متربص. المهمة تتعقد والمخاوف تتجسد والأشباح تتخايل. ها هو يحمل أمرا من معلمه ~~بمغازلة خطيبة معلمه. وهو مطالب بإبلاغه بالنتيجة. هيهات أن تؤاتيه الشجاعة على الكذب. ~~أهي طريقة لاختيار الرجل الثاني حقا أم الأمر عبث في عبث؟ الليل تتكاثف ظلمته وتتوارى ~~نجومه وراء السحب. # 7 # وجد نفسه بعد ذلك بين اثنتين؛ الهرب أو الصمود. قرر أن يصمد. ليس وراء الهرب إلا ~~السخرية والضياع، أما الصمود فإنه يمارس فيه رجولته، وليكن بعد ذلك ما يكون. ربما انتهى ~~به الصمود إلى شماتة الحاسدين، ولكن الهرب ينذر بما هو أفظع. وكلما تعقدت الأمور وانبهم ~~المغزى على إدراكه، قال لنفسه مستهينا: ليست السلامة بالغاية المفضلة في هذه ~~الدنيا. # وانطلق في أثرها يخط بالقدم مصيره ومصيرها. تعرض لها في نافذتها، تبعها إلى دكان ~~الخردوات وهي بصحبة أمها، وهبها عينين حادتين وهي تمر أمام مقهى النجف. تطايرت نظراته ~~الموشاة بالبسمات الخفية معلنة عن عاطفة لا وجود لها. وفي فرح شهده وكانت وداد بين ~~المدعوات قاربت بينهما نظرة طويلة، فغمز لها بعينه ملقيا بنفسه في فم القدر. إنها الآن ~~تعرفه تماما وتخمن مقصده، فليتها تغضب، ليتها تشي به عند والديها فتنقذه من المجهول، ~~وتنقذ نفسها. لكنها لم تغضب. بل مرحت في دلال معلنة محاسنها كاشفة عن استجابة واضحة. ~~قال لنفسه بحزن إنها لا تهمها الفتونة، إنها تؤثر الحب على الجاه، إنها حلم الشباب ~~المثالي، وا أسفاه! # ومضى في الطريق مستسلما، لاغيا عقله. حتى ضمهما يوما زحام يحدق بالحاوي. تزحزح خفية ~~حتى استقر جنبها. ولما التفتت نحوه همس: يا جميلة. # فالتفتت عنه في دلال مشجعة على المزيد، فهمس: أقول إن جمالك ... # ولكنها قاطعته هامسة ومعلنة استجابتها ms008 في الوقت نفسه: الناس! الناس! ~~- صدق من قال إن العاشق مجنون. ~~- أنت لا تعرف كل شيء. # فهمس متخطيا أشباحه: أعرف أنك مخطوبة للديناري. # فرمقته بدهشة وإكبار وهمست: إنه سر. ~~- لكني أعرفه. ~~- لن تحظى بأحد يقبلك. ~~- المهم رضاك أنت. # فتساءلت متظاهرة بالتركيز على يد الحاوي وهو يلاعب الحية: أي فائدة ترجى؟ ~~- لنتقابل على انفراد. ~~- أمر عسير. ~~- الشمس تقترب من المغيب، زاوية الدرمللي مكان آمن. ~~- ولكن ... ~~- سأسبقك، لا تضيعي فرصتنا الوحيدة. # ومضى نحو الميدان ثم انعطف إلى الزاوية. اضطرب خافق القلب. ثمة أمل ضعيف في أن ~~يستردها العقل في آخر لحظة. أن تثوب إلى رشدها وتندم. # لكنه رآها مقبلة في شجاعة تثير الدهشة. # 8 # استغرق اللقاء الخفي دقائق معدودة في الركن المتواري المعتبر مأوى للمجاذيب. سألها: ~~لديك فكرة عن الخطر الذي يتهددنا؟ # فأجابت بثبات أكبر من سنها بكثير: نعم. ~~- لا سبيل أمامنا إلا الهرب إلى الأبد. # فتمتمت: ليكن. # وبانتهاء اللقاء الأول انعقدت سحب التعاسة فوق رأسه. وقع في حفرة لم يقدر مدى عمقها ~~من قبل. غزاه صدقها وشجاعتها وبراءتها. صدقته تماما، وهبته قلبها النابض، وضعت مصيرها ~~بين يديه. دهمته أيضا استجابتها غير المتوقعة. هاله الدور القذر الذي يمثله بمهارة ~~فائقة. ألم يخش لحظات من جانب معلمه العبث؟ ها هو يعبث بالطهارة والبراءة! لماذا؟ من ~~أجل أن يعتلي الموقع الرفيع الثاني في جماعته. أيهون عليه حقا أن يتم مهمته فيدفع ~~بالبنت إلى الهاوية؟ كلا! لم يكن يوما من أهل ذاك المنحدر. وما أغراه بالانضمام إلى ~~جماعة المعلم إلا استزادة من الشرف، وهيهات أن ينسى نظراتها المحبة الواثقة. ولا صوتها ~~العذب وهي تتمتم: ليكن. # هل يبيع ذلك كله من أجل مهمة غامضة كلفه بها رجل عظيم حقا، ولكنه معروف بأطواره ~~المحيرة؟! كلا، فليقدم على ذلك وغد من الأوغاد لا رجل يهيم بالحياة السامية. # هكذا جلس عند قدمي معلمه وقد قرر أن شرفه أعلى من المهمة الغامضة. # 9 # قال واعيا بإقدامه على ما هو أخطر من قبول المهمة نفسها: البنت عاقلة لا سبيل ~~إليها! # فقال ms009 موجود الديناري بهدوء: أنت كذاب. # تطلع إليه بذهول مؤمنا بأنه قد انتهى. السر افتضح، وفاته أن يفترض ذلك. إنه لم يخنه ~~فقط، ولكنه أساء الظن أيضا بقدرته، وانقلب أتفه من لا شيء. وراحت يداه تدلكان ساقي ~~الرجل بآلية في صمت ثقيل، حتى قال الرجل بجفاء: انطق. # فقال باستسلام: الصدق ما قلت يا معلمي. ~~- كيف غفلت عن أنني أمتحنك أنت لا هي! # فقال بأسى: إني غبي ولكنني لم أستطع أن أكون وغدا. ~~- فلتهنأ بالشهامة والعصيان! # فقال بيأس: أعترف بأنني أخفقت في القيام بالمهمة. # فتساءل المعلم بسخرية: ما هي المهمة؟ ~~- ما كلفتني به يا معلمي. # فصمت الرجل قليلا ثم قال: أقول لك يا أعمى استمر! # فتمتم شطا بذهول: أستمر؟! ~~- وأبلغني عن كل خطوة في حينها. # فاشتد الذهول بشطا وتساءل: أيعني ذلك أنني ما زلت مكلفا بالمهمة؟ # فندت عن يد المعلم حركة تدل على ضيقه وقال بحزم: اذهب. # 10 # إنه يغوص في الظلمات بلا مرشد. خلا إلى نفسه في البدروم الذي تهجره أمه طيلة النهار ~~سعيا وراء الرزق. تجرد من ثيابه دفعا لحر ذاك الصيف. فليفكر وليفهم. لقد أخفق في ~~المهمة واستحق غضب الرجل. كان عليه أن يدرك أن للمعلم عيونه أيضا. لماذا إذن يأمره ~~بالاستمرار عوضا عن أن يعلن فشله أو ينزل به عقابه؟ أيمنحه فرصة جديدة؟ كلا، لا تمن ~~نفسك بالأوهام. هل المهمة شيء آخر غير ما وضح له؟ أيريد أن يخفف من عقوبته بعد أن خسر ~~الثمرة؟ هل يسوقه إلى العقوبة من حيث لا يدري؟! ثمة أمر يقيني وهو أنه يتعمد إلقاءه في ~~الحيرة. ما أعجزه عن الإدراك المطمئن، ولكن لا مفر من الاستمرار. إنه يفهم الآن مغزى ~~تردد طباع الديك رغم قوته وشجاعته. أما هو فما أشبهه بلاعب السيرك الذي يترصده الهلاك ~~عند الخطأ. فليذهب إلى الموعد المرتقب. لن يخفى شيء عن الرجل. عليه أن يهتدي إلى ما ~~ينبغي له فعله قبل أن تتبدد حياته هباء. ~~••• # وعندما أقبلت نحوه قبيل المغيب، عندما منحته ابتسامة اللقاء، نسي مخاوفه، استهان ~~بالعواقب، ms010 محق شكوكه، غمره رضا وسلام، خفق قلبه بعمق، اكتشف أنه يحبها. أجل إنه يحبها ~~كما تحبه وأكثر. لعله أحبها من بادئ اللعبة وهو لا يدري. وفي ظل الحب حظي باليقين. ~~ومهما يكن من غموض معلمه أو عبثه فقد هداه إلى الحب. عليه أن يدمجه في مصيره ويحملهما ~~معا. لقد محاها مرضاة لضميره وها هو الحب يلحق بالضمير ويجاوزه. لا أهمية الآن للمهمة ~~ولا للدفاع عن النفس ولا للبقاء في الحارة. الهرب! الهرب! إنه الحقيقة الباقية. ~~تلقاها بحرارة وسط ضوضاء المجاذيب. يوجد حتما من يراقبهما ولكنه سيلوذ ~~بالمفاجأة. ~~- أهلا بك يا وداد. # ثم بجدية بالغة: ليس لدينا وقت نضيعه. # تساءلت بنظرة من عينيها السوداوين فقال: الآن وجب الهرب. # فاضطربت متمتمة: الآن؟! ~~- قبل أن تفلت الفرصة إلى الأبد. # فتفكرت وهي تعبث بأناملها بقلق ثم تساءلت: أأنت مستعد؟ ~~- معي من النقود ما يكفي في البداية. ~~- إلى أين؟ ~~- أقرب وآمن مكان، الدرب الأحمر. ~~- لا صديق لنا فيه. ~~- جميع الدروب معادية، ولكن فتوته الشبلي خير من غيره. ~~- وإذا أبى حمايتنا؟ ~~- لا أظن، سأجعل نفسي في خدمته، وإلا ولينا وجهة أخرى. # فوجمت كالمترددة، فقال: لا اختيار منا وثمة أعين ترقبنا! # فقلقلت عيناها من الخوف، فقال: سنمضي من تونا وسوف تكون مفاجأة لم يتوقعها أحد، هذه هي ~~فرصتنا. ~~- إني معك، ولكن فلنؤجل التنفيذ حتى أستعد. ~~- إنها فرصتنا الوحيدة. # هكذا مضيا في الطريق الجديد مضطربين مصممين سعيدين، يموتان ويولدان من جديد. # 11 # مضى شطا الحجري من فوره إلى مقابلة المعلم الشبلي في داره القديمة. صدمه الفارق ~~الشاسع بين دار الديناري الباهرة وهذه الدار الهرمة، بين هيكل معلمه المترامي وجسم هذا ~~الرجل النحيل الذي تأهل للفتونة بخفة النمر ودهاء الثعلب. قال شطا: جئتك مقدما الولاء ~~وطالبا الحماية. # سر الفتوة للجوء أحد أتباع الديناري إليه، ولكنه قال: حدثني عما ألجأك إلي. # ولم يجد شطا بدا من الاعتراف الكامل بحكايته ليسوغ ما أقدم عليه من سلوك غريب. ~~وضحك الشبلي طويلا وقال: معلمك يحيط نفسه بالغموض، في الظاهر استجلابا للاهتمام، وفي ~~الحقيقة ms011 ليداري جنونه المؤكد. # فأحنى شطا رأسه ليخفي ضيقه ولاذ بالصمت، فقال الشبلي: لك الحماية والإقامة، ماذا تريد ~~أيضا؟ ~~- أن تقبلني في جماعتك. # فقال الفتوة بصراحة جارحة: أما هذا فلا، لا أمان لرجل خان معلمه! # أصابت الطعنة مقتلا، فقال بحرارة: أردت ألا أكون وغدا! ~~- نحن نفضل الوغد المطيع على الشهم المتمرد. ~~- لك ما تشاء وعلي الرضا بالمقدور. ~~- ألك حرفة؟ ~~- كنت نجارا قبل أن ألتحق بالجماعة. ~~- مارس حرفتك واحذر أن تلعب بذيلك. # فقال بانكسار: إني أنشد السلامة يا معلم! # رجع شطا إلى وداد وقد خسر أشياء لا تعوض. ومن نقود الديناري المدخرة لديه تزوج واكترى ~~حجرة وأثاثا بسيطا. استقر في مسكن وعمل كما استقر الحزن في أعماق نفسه. لقد اعتبر في ~~الدرب آية على تفوق فتوة الدرب، ولكنه عومل كغريب. وأراد أن يهتك ستار الغربة فقال في ~~المقهى: كان أحد أجدادي من الدرب الأحمر. # فسأله شيخ الحارة متحديا: أجئت من أجل ذلك؟ # فبادره وقد فطن إلى ما وراء السؤال: بل جئت طلبا لحماية فتوة معروف بشهامته! # وتساءل في نفسه: ترى كم من زمن سيجري قبل أن ينهضم مقامه ويألف ويؤلف ثم يتناسى ~~أحزان الماضي كله؟! # وقال لوداد: دفعنا إلى المر ما هو أمر منه. # فقبلته قائلة: إني غير نادمة. ~~- لقد اعترفت للشبلي بحكايتي، والآن آن لي أن أعترف لك. # وقص عليها قصة علاقته بها منذ خرج للبحث عنها حتى وقع في حبها. وأصغت وداد واجمة، ~~وصمتت مليا، ثم قالت: قصة جميلة، ولكنها لا تخلو من رعب. # فقال بحرارة: لم يبق لنا إلا أن نسعد. # ولكن حتى الليلة الأولى لم تخل من تنغيص ومن حزن. لقد حظي بالحماية ولكنه باء بسوء ~~الظن والاتهام كما ثبت أنه غير أهل للثقة. وتساءل أناس هل يرجع الديناري إلى المعارك ~~غضبا لكرامته خارقا ما التزم به من تعهدات سلمية - هو والشبلي - أمام الشرطة؟! هل ~~يثبت شطا الحجري أنه شؤم على المكان الذي وفر له الحماية، كما كان عارا على المهد الذي ~~ولد ونشأ فيه؟! # وانعكس ذلك كله ms012 على شطا وتسرب إلى حنايا وداد، فلم تخل الليلة الأولى من شهر العسل من ~~تنغيص ومن حزن. # 12 # في صباح اليوم التالي ترامت إليهما أنباء عما لحق بأهلهما من تحرش وتضييق في الرزق، ~~وتعرض لشتى ألوان الإهانات والقهر. في السوق أيضا سمعت وداد اللعنات تصب على جمالها ~~الذي يهدد الحارة والدرب. رجعت إلى مسكنها شاحبة الوجه منهزمة وهتفت بعين دامعة: أبي ~~وأمي وأخواتي! # فتمتم شطا بنبرة حزينة: أمي وأخواتي أيضا! # تبادلا نظرة طويلة حائرة. أفصحت النظرة عن أشياء انحبست وراء معانيهما. قالت النظرة ~~إنهما اندفعا مع عاطفة طاغية دون تفكير في العواقب. الحق أنهما لم يشعرا بصفاء السعادة ~~إلا في رحاب الاندفاعة المذهلة. الآن يعترضهما جدار سميك من الحقائق المرة بأنيابها ~~الحادة. وكالغريق الذي يتعلق بقشة قال شطا: وراءنا طريق مسدود، وعلينا أن نستخلص من ~~القمامة جوهرة السعادة المفقودة. # فتأوهت قائلة: اللعنات تطاردني في الطريق. ~~- علينا أن نجعل من الحاضر ماضيا. # فنكست وجهها صامتة فرجع يقول: فعلنا ما هو صواب ومشرف. ~~- ولكننا نسينا العواقب، دعنا نبحث عن رزقنا في مكان آخر. ~~- لن يخفف ذلك البلاء عن أهلنا. ~~- والعمل؟ ~~- لا مفر من مواصلة الحياة. ~~- لكنها مليئة بالمرارة! # فقال بضيق: لا مفر ولا حيلة! # 13 # في مساء اليوم الثالث استبقاه الشيخ ضرغام إمام الزاوية عقب صلاة العشاء، وقال له: ~~عندي رسالة إليك من الشيخ عقلة إمام حارتكم. # أصغى شطا بفتور وتشاؤم، فقال الشيخ: إنه يخبرك بأن ما يعانيه أهلك وأهل زوجك فوق ما ~~يحتمل البشر. # فتقبض وجه شطا وهو يقول: الحزن يمزق قلبي! ~~- أيكفي ذلك؟ الناس هنا يتساءلون كيف تنعمان بالحب على حين يؤدي أهلكما عنكما ضريبة ~~العذاب؟ ~~- أهل الدرب هنا يكرهوننا يا مولاي. ~~- إنهم معذورون. ~~- فقال شطا متنهدا: من الأوفق أن نذهب. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى أي مكان. ~~- والمعذبون وراءكم؟ ~~- فقال شطا باستياء: كأنما تدعونا إلى الموت! ~~- إني أخاطب ضميرك. ~~- ضميري هو ما ساقنا إلى هنا، والمسألة أننا ضحية عبث. ~~- عبث؟! ~~- أجل، عبث لا معنى له. ~~- ولكن، انظر، ما من فعل إلا ms013 وله سببه وله هدفه أيضا. ~~- لقد خدعت فكلفت بمهمة عابثة. ~~- ألم تكن تطمح إلى أن تكون فتوة حارتكم ذات يوم؟ ~~- أيعني ذلك أن أكون ألعوبة في يد الغير؟ ~~- من أجبرك؟ ~~- عظيم، لقد اخترت بعد ذلك أن أفعل ما رأيته صوابا. ~~- وها هو يتكشف عن أخطاء فمن ذا يصلحها؟ ~~- وإذا سرت إلى الهلاك بقدمي فهل تدافع عني أنت؟ # فقال الشيخ ببرود: الهلاك نهاية كل حي، ولكن يوجد الخطأ كما يوجد الصواب أيضا. # شكره بجفاء وقام ماضيا نحو مسكنه. شعر بأنه يمضي إليه كارها، فتعجب من ذلك غاية ~~العجب. # 14 # وجد في الحجرة غشاوة صفراء - مشبعة بحرارة الصيف - لا تستطاب فيها لقمة ولا يخفق قلب ~~بالحب. # تبادلا النظرات في صمت مشحون بالكآبة. أعاد على مسمعها حديث الشيخ. وتبادلا النظر ~~أيضا. كأنما تقول له «أنت السبب». إنهما تعيسان وما بينهما يتدهور كلبنات البنيان ~~الآيل للسقوط. تنهد قائلا: الحياة لا تطاق. # فأمنت قائلة: هي كذلك. # اعتراف ينذر بالمأساة. تساءل كمن يتحسس ضرسا مريضا: هل نهجر الدرب ونعيش بلا ~~مبالاة؟ ~~- تقول ذلك بلسانك لا بقلبك. # فتساءل متحديا: ما عسى أن نفعل؟ ~~- أرشدني فإنك أنت الرجل. # استشف في قولها سخرية أثارت غضبه، فقال غاضبا: ما من شقاء إلا وراءه امرأة. ~~- فليسامحك الله، ولا تنس أنك بدأت بخداعي. ~~- ستصبين الأخطاء فوق رأسي. ~~- كنت القائد وكنت التابعة. ~~- هذا هو الظاهر. اللعنة! # فهتفت محتجة: ما دمت قد أحببت فإني أستحق أكثر من ذلك. ~~- ما أعجب أن نذكر الحب في مثل حالنا! ~~- لك علي ألا أذكره. # وندم على ما فرط منه. ما جدوى الغضب؟ وكبح نفسه قائلا وهو يجفف عرقه: نحن نهرب في ~~الغضب من مواجهة أنفسنا. ~~- طيب أن تذكر نفسك بذلك. # فقال كالمعتذر: وداد، إنك امرأة ناضجة رغم صغر سنك، لك مزايا عظيمة، الفتونة لم تخلب ~~لبك فأخلصت لنداء قلبك، تحديت الحارة وهربت معي، ناضجة ومحترمة، عظيم، اقترحي علي. # فقالت متأثرة بندمه: اقترح أنت. # فتفكر قليلا ثم قال: الشك يمزق قلبي، أأنا ضحية عبث؟ أم العبث من خلق تعاستي؟ ms014 في مثل ~~حالي هذه لا يحسن بي أن أتخذ قرارا! ~~- تستطيع أن تتخذ قرارا في جميع الأحوال. # فتنهد قائلا: سأحمل الشيخ ضرغام رسالة إلى معلمي القديم موجود الديناري أسأله عن ~~شروطه لكي يعفو عنا. # فصمتت غير قليل ثم تمتمت: افعل، لا حيلة لنا، لا أتوقع خيرا. # 15 # جاءها بالرد مساء اليوم التالي أو اليوم الرابع في مقامها الجديد. قال لها بوجه ناطق ~~بحيرته: كما توقعت. # فقال بأسى: لم أتوقع خيرا. ~~- إنه أفظع من ذلك، لقد قال للرسول: «قل للأعمى أن يستمر.» # فانتقلت الحيرة إلى وجه وداد وغمغمت: أن تستمر؟! ~~- هذا ما ردده في آخر لقاء لي معه. ~~- تستمر في ماذا؟ ~~- لم يزد عما قلت ولم ينقص. ~~- أهذا هو شرطه ليعفو عنا؟! ~~- لم يجر للعفو ذكر في جوابه. ~~- لا شك أنك تفهمه خيرا مني. ~~- إنه يتعمد إبقائي في الحيرة حتى أجن! ~~- ليته يقنع بذلك ويعفو عن أهلنا. # فضحك ضحكة جنونية وقال: لن يكف يده عنهم قبل أن أصدع بأمره وأستمر. ~~- إذن فعليك أن تستمر. ~~- في ماذا؟ ~~- لم لا تستوضحه؟ ~~- فعل الرسول ولكنه لم يرد. الشيخ ضرغام نفسه قال عنه إنه يتعذر التفاهم معه، بيد أنه ~~نصحني بأن أفعل ما يمليه علي ضميري. ~~- رجعنا إلى ما قبل السؤال. ~~- توهمت مرة أنه يعني أن أستمر في المهمة! ~~- ولكنك أخفقت من أول خطوة. ~~- لا أستطيع أن أحكم لأنني لم أطلع على كل ما يدور في رأسه. # فتساءلت نافدة الصبر: أهلنا هل ينتظرون حتى نحل هذه الألغاز؟ # فقال متجاهلا مقاطعتها العصبية: توهمت مرة أخرى أنه يدعوني إلى إصلاح الخطأ. ~~- هل يقبل الحل الذي ترتئيه؟ ~~- لا أدري البتة! # فهتفت: ثمة مهمة عاجلة، وهي أن نرفع العذاب عن أهلنا وأن نبعد عن هذا الجو المعادي ~~لنا. ~~- بل يعني أن نرجع إلى الحارة. ~~- لا يمكن أن نرجع ونحن زوجان وإلا عد ذلك تحديا له. ~~- يجب أن نرجع. ~~- قال بأسى: وداد، إنك تفكرين في التخلي عني. # فشهقت بالبكاء ولم تدر ما تقول، فقال: هبنا انفصلنا فهل يعفو عنا؟ ~~- ثمة ms015 أمر مؤكد وهو أنه سيكف عن أهلنا وسننجو من هذا الدرب البغيض. # فتمتم كالمتردد: من يدري؟ # فقالت بوضوح: إني راجعة. ~~- يلزمنا مزيد من التفكير. ~~- نحن نزيدهم عذابا، ونتعذب أيضا، فلنقدم ولنكل أمرنا إلى الله. # 16 # عليه أن يستأذن المعلم الشبلي صاحب الفضل والحماية. إنه حريص على النزاهة بقدر ما هو ~~متهم بالخيانة. شعر مرة أخرى بالفارق الكبير بين الدارين، دار الشبلي ودار الديناري. ~~هنا فناء واسع ولكنه موحش ولا زرع فيه، والإصطبل تفوح منه روائح أليمة. وتجري الأبراص ~~بين عمد الأسقف البارزة. الشبلي نفسه لا ينعم جسده بالنظافة إلا حين انطلاقه إلى ~~المقهى. أجل إنه - بخلاف الديناري - واضح، ولكنه وضوح الابتذال والتفاهة. والحق أنه رغم ~~كل ما كان لم يحب الشبلي ولم يبغض الديناري. وقد مهد لمطلبه قائلا: لن أنسى فضلك ولا ~~ما وجدته في دربك من أمن. # فقال المعلم ببرود: لعله يثمر معك. # فقال متصبرا على اللطمة: لن أنسى فضلك أبدا. ~~- ماذا تريد؟ أراهن على أنك لم تحضر للسؤال عن صحتي! ~~- صحتك دائما عين المراد، المسألة أننا لم نعد نطيق البقاء مع ما بلغنا عن انتقام ~~الديناري من أهلنا. # فتساءل الرجل في سخرية: أجئت تطالبني بحماية أهلكم؟! ~~- ما إلى هذا قصدت، ولكننا قررنا الرجوع إلى حارتنا، وليفعل الله ما يشاء. ~~- هل ترجع بخطيبة معلمك وهي على ذمتك؟ ~~- سيكون الطلاق ضمن ما نقدم من تضحية. # فتهلل وجه الرجل وقال: هو الصواب ولا لوم عليك. ~~- لذلك جئتك مستأذنا في العودة. ~~- لك ما تشاء، ولكن يجب أن يتم الطلاق هنا! ~~- لكن حدوثه في الحارة خير لنا. # فقال بإصرار: أرى أن يتم هنا. # فتساءل شطا في ارتباك: وما وجه الحكمة في ذلك؟ ~~- لترجع زوجتك إذا رجعت بمشيئتها لا بحكم كونها زوجتك. ~~- ولكنها صاحبة الاقتراح. ~~- ولو، قد تغير رأيها وتؤثر البقاء وحدها! # قالها بوضوح غليظ، فأدرك شطا من فوره أن الرجل يريدها لنفسه، فقال بقلق: هيهات أن أنال ~~العفو عن الأهل إذا رجعت وحدي. # فقال بقحة ونبرة منذرة: لا يهمني ذلك! # فقال متوسلا: معلمي ms016 ... # ولكنه قاطعه قائلا بخشونة: لقد قدمت لك خدمة لا توزن بثمن، وجاءت نوبتك لترد إلي ~~بعض الجميل. # تردد شطا، فواصل الرجل غاضبا: اذهب وطلق! # 17 # اهتز عودها الرشيق من الغضب وهتفت: لن يكون هذا أبدا. # فرمقها شطا بحزن ويأس مدركا عمق المأزق الذي وقع فيه، فهتفت: فلنهرب! # فقال بذهول: هيهات أن يتيسر لنا ذلك. # فحدجته بنظرة غاضبة وقالت: لقد أخطأت بذهابك إليه. ~~- فعلت ما يقتضيه الواجب. ~~- دائما يقودك تصرفك إلى مشكلات لا حل لها. ~~- إني أفعل ما يمليه علي ضميري! # فقالت بحنق: لا شك أنه يطالبك بأن تحمي أيضا زوجتك. # فهتف بغضب: أجل، ولكن ما حيلتي؟ ~~- هل يمكن أن تتركني له ثم تذهب؟ # فتمتم شاردا: غير ممكن. ~~- ماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- لا أدري. ~~- إنه يتوقع أن تصدع بأمره. ~~- أجل. ~~- هل تصدع بأمره؟ ~~- كلا! ~~- ماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- لا أدري. ~~- أكاد أن أجن. ~~- ما أنا إلا رجل مفرد أمام عصابة في درب لا صديق لنا فيه. ~~- إنك تفكر في التسليم. ~~- إنك لا تفكرين إلا في ذاتك. # فقالت محذرة: شر ما نفعله في موقفنا الحرج أن نتشاجر معا. ~~- من الخير أن نذكر أنفسنا بذلك. # عند ذاك دق الباب، فنهض شطا إليه يفتحه، فدخل الشبلي يتبعه مأذون الحي ونفر من رجال ~~العصابة. # 18 # ابتسم الشبلي عن ثنيتين ذهبيتين وقال: جئنا لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه! # تراجعت وداد إلى ركن الحجرة وهي تحبك جلبابها حول جسدها متسائلة: أي اتفاق؟ # ردد الشبلي عينيه بينهما ثم قال بهدوء منذر: ها هو المأذون، واختر من الرجال ~~شاهدين. # فغلى دم شطا في عروقه وملكته نشوة كالتي دفعته إلى قبول المهمة في غرزة المنارة، فقال: ~~لا اتفاق بيننا يا معلم. # فاربد وجه الشبلي وتساءل: ألا تريد أن تطلق؟ # فقال شطا وهو يفتح صدره على مصراعيه للمجهول: نعم. # فرنا إليه مليا بين رجال متوثبين في صمت يشل الخواطر، ثم التفت نحو المأذون قائلا: ~~اذهب فلا حاجة بنا إليك. # ولما أغلق الباب وراءه قال: لي طريقتي، ولكل شيخ طريقة، ولدي دائما ms017 ما هو أفتك من ~~القتل! # وتنحى جانبا وشطا يتابعه بعينيه أما الرجال فاتجهوا نحوه متحفزين، فصرخ به شطا : تقدم ~~أنت يا جبان. # انقضوا عليه فدارت معركة حامية. كال لهم ضربات صادقة، وتلقى ضربات مجنونة. صارع بقوة ~~وشجاعة ولكن اختل توازنه فهوى. ارتمى عليه الرجال فأشبعوه حتى نزف الدم من بين أسنانه ~~وأنفه. وأوثقوا يديه وقدميه وجلس أثقلهم فوقه. مضى الشبلي نحو وداد وهو يقول مخاطبا ~~شطا: فلتر بعينيك عاقبة عنادك! # 19 # أخيرا خلت الحجرة لهما. تحطمت قوائم الكنبة الوحيدة وتفزر حشوها، وتغطت الحصيرة ~~بالطين والتراب، وفاحت رائحة العرق. ذهب الرجال مخلفين روائحهم والجريمة. تكومت وداد ~~ممزقة الملابس وطرح شطا على الأرض ملوثا بالدم معذبا بالوعي. حجز بينهما صمت وشعور ~~عميق بالحرج. أما الحزن والغضب فقد استقر في أعماق الروح. وتملص من الصمت فقال: لا ~~تحزني، أنت بريئة وطاهرة. # تحجرت نظرتها أكثر، فقال متأسفا: بذلت المستحيل! # تحركت من مرقدها. سوت ثوبها، مضت مترنحة إلى الدهليز عادت قابضة على سكين. تمنى لو ~~تغمدها في قلبه. راحت تقطع وثاقه. تحرك متأوها وراح يجفف دمه بطرف جلبابه. أخذ راحتها ~~بين يديه مغمغما: يا للتعاسة! # فقالت بصوت غريب: لنذهب. # فقال متوعدا: لأقتلنه ذات يوم! ~~- قد تقتل قبل ذلك، فلنذهب! ~~- لا شك أن الحكاية تتردد الآن في سوق الدرب. # فقالت بكآبة: ستسبقنا إلى الحارة أيضا. # ثم رفعت منكبيها استهانة وتساءلت: أين يتم الطلاق؟ # فصرخ: لن أطلق أبدا! # فاتسعت عيناها في ذهول، فقال بإصرار: أبدا! أبدا! ~~- وعذاب الآخرين؟! ~~- إني ماض إلى مقابلة الديناري ومواجهة المستحيل. # 20 # غادر شطا الحجري ووداد مسكنهما فيما يشبه الزفة. أحدق بهما الرجال، فتبعوهما حتى عبرا ~~بوابة المتولي مخلفين وراءهما الدرب الأحمر وذكرياته الدامية. # قال شطا: لم يبق لنا إلا أن نواجه مصيرنا بشجاعة. # فتمتمت وداد: من يصدق أننا لم نلبث في الجحيم إلا خمسة أيام! ~~- ساعة واحدة كافية إذا حم القدر. # ونفخ غاضبا ثم استدرك: ليت في الوقت متسعا للصبر حتى يزول الورم عن أنفي وشفتي ~~لأرجع إلى الحارة على الحال التي ms018 تركتها عليها. ~~- هيهات أن ترجع تلك الحال! ~~- فقال متوعدا: لي رجعة إلى الدرب الأحمر! ~~- فلنفكر فيما نحن مقبلون عليه. ~~- لن أعرف الجبن والتردد بعد اليوم. # وقبيل مدخل الحارة بخطوات وشمس الظهيرة تصب على الميدان نارا، رأى طباع الديك يدخن ~~نارجيلة أمام دكان النجار. انقبض صدره، وانقبض أكثر عندما نهض الرجل طارحا خرطوم ~~النارجيلة على المقعد مقبلا نحوه في ترحاب ظاهر: أهلا، لم تخلق الغربة لنا. # صافحهما ثم وقف يردد عينيه بينهما ثم قال: قلبي معكما، إنها لمأساة حقا! # فتساءل شطا نافد الصبر: أتنوي الشماتة بنا؟ # فقال مستفظعا: الشماتة! أنسيت أني أعتبر أمك أما لي؟ أنسيت تزكيتي لك عند المعلم؟ ~~أنسيت تحذيري لك في الوقت المناسب؟ أنسيت أيضا أنني أعتبر الاعتداء على عرضك اعتداء ~~على عرضي أنا؟! # آه، إذن وصلت الحكاية مع أشعة الشمس! وهتفت وداد محتدة: إني شريفة رغم أنف الجاحدين. # فقال طباع الديك: وجه زوجك يشهد بشجاعته في الدفاع عنك. # فهتف شطا: لن ينجو المجرم من العقاب. ~~- شهم ابن شهم، ما عليك الآن إلا أن تنال عفو المعلم. ~~- هذا ما جئت من أجله. ~~- الأمور معقدة، ولكن متى كانت الدنيا يسيرة؟ وكلما ازداد الرجل همة ازدادت الدنيا له ~~تعقيدا، ولكن لن ينسى أبدا أنك كنت السابق إلى قبول المهمة! # فقال شطا بعصبية: لن يخدعني كلامك المعسول، لقد علمتني المصائب في أيام ما لم أتعلمه ~~في عشرين عاما، وهيأتني لمواجهة المصير أيا يكون. ~~- عفارم، لا يعيبك إلا سوء ظنك بالناس، وشر سوء الظن ما حاق بالأصدقاء، وكان يجب أن ~~تعلم أن الشماتة ليست من شيم الفتوات! # 21 # قال شطا لوداد وهما يمضيان نحو الحارة: إني لا أصدقه ولا أثق به. # فقالت وداد بعدم اكتراث: ولا أنا. # وهما يدخلان الحارة همست وداد بخوف لأول مرة: ما أفظع لقاء الناس. # فقال شطا بتحد: ليكن ما يكون. # انتبه لهما قليلون راوحت نظراتهم بين الشماتة والازدراء. همس شطا: فلنسرع نحو دار ~~المعلم. # ترامت إلى أذنيهما تعليقات: الهاربان. ~~- الخائنان. ~~- المهتوكان. # أخيرا طالعتهما البوابة العملاقة. # 22 # ها ms019 هو موجود الديناري. ها هو وجهه الذي لا يفصح عن شيء. مثلا أمامه في ذل واستسلام. ~~ولما لم يتكلم أو يوح برغبة في الكلام قال شطا: ليس في نيتي الاعتذار، ذنبي أكبر من ~~ذلك، ولكني جئت مسلما نفسي لتقضي بما تشاء. # لزم المعلم الصمت. ترى أيخفي وراء الصمت غضبا؟ أم سخرية أم عبثا؟ ونفد صبر وداد ~~فقالت: لن نسألك شيئا لأنفسنا، ولكننا نطلب الرحمة لأهلنا الأبرياء. ~~- لم يتغير مظهره ولكنه تساءل بهدوء: ماذا يشكو أهلكم؟ ~~- إنهم يعانون العقاب الذي استحققناه نحن. ~~- هل تحريتم ذلك عند أهلكم؟ ~~- كانت دارك مقصدنا الأول، ولكن ذلك ما بلغنا في مهجرنا. ~~- كذب ما بلغكم! # فذهل شطا كما ذهلت وداد، أما المعلم فقال: إني فتوة الحارة وحاميها وليس من مذهبي أن ~~آخذ البريء بالمذنب. # فقال شطا بحماس: هذا هو المأثور عن شهامتك. ~~- ولكنكما صدقتما ما بلغكما مما يقطع بسوء ظنكما بي. # فتمتم شطا استحياء: الغربة أفسدت عقلنا. ~~- ما دام هذا التصور الخاطئ هو ما دفعكما إلى المجيء، فلكما أن ترجعا ولن يتعرض لكما ~~أحد. # فهتف شطا الحجري: لا حياة لنا إلا أن تقضي في أمرنا بما أنت قاض. ~~- لا أصدقك فقد عهدتك تقول قولا وتفعل نقيضه. ~~- كان الحرص على الشرف وراء كل فعل فعلته. ~~- إذن أنت تتهمني بأنني أكلفك بما يناقض الشرف! # فقال شطا بحماس: معاذ الله يا معلمي، ولكنك تضن علي بإدراك مطالبك. ~~- إما أنني عاجز عن التعبير وإما أنك عاجز عن الإدراك. # فقال شطا وهو يعاني مرارة القهر: أعترف بعجزي، ولكن ما حيلتي؟ لقد أرسلت إليك من ~~يسألك عن شروطك للعفو عني فكان الجواب «قل للأعمى أن يستمر.» أستمر في ماذا؟ فكرت في ~~إصلاح الخطأ فماذا كانت النتيجة؟! # عند ذلك قالت وداد وكأنما تجيبه عما يسأل: كانت المأساة الدامية والفضيحة التي سبقتنا ~~إلى الحارة. ~~- لعلكما تتصوران أنني المتهم! # فهتف شطا: معاذ الله، حسبنا الآن أن نتلقى حكمك. # فأشار المعلم إلى وداد وهو يسأل شطا: ما زالت على ذمتك؟ ~~- اتخذنا قرارا بالطلاق والرجوع، ثم كان ms020 اعتداء الأثيم، فأقلعت عن فكرة الطلاق إلى ~~الأبد. ~~- وإذا أمرت بتطليقها؟ # فأحنى شطا رأسه صامتا ويائسا، فقال المعلم: في الصمت جواب. # فقال شطا: إني أنحدر من خطأ إلى خطأ، ولن ينتشلني من العذاب إلا أن تقضي في بما ~~ترى. # فقال المعلم مخاطبا وداد: إني أقرأ في عينيك فكرة أخرى، ما هي؟ # فقالت وداد بجرأة غير متوقعة: أن تعفو عنه وأن تعيده إلى جماعتك! ~~- حقا إنك أنسب شريكة لمن كان مثله. # فقالت ثملة بجرأتها: حسبنا ما ذقنا من عذاب، وحسبه ما أبدى من شجاعة. # فالتفت المعلم نحو شطا متسائلا: أهذا رأيك أيضا؟ # فقال شطا بانكسار: إني منتظر قضاءك! ~~- يا لك من ماكر. ~~- مثولي بين يديك يقطع بصدقي. ~~- بل أنت تريد أن تتوسل بالحكم إلى إدراك ما غمض عليك. # فقال مغلوبا على أمره: أروم حياة مطمئنة. # أمسك الرجل عن الكلام حتى تشبع الصمت باللهفة والأشواق، ثم قال: استمر! # فتطلع إليه شطا في حيرة بل في فزع، فقال الرجل: هذا هو الحكم، استمر! # فقال شطا بحرارة: أريد كلمة واضحة محددة. # فقال المعلم: لقد أضجرتني فاذهب. # 23 # مضى بزوجه إلى بدروم عمارة الجبلي. كانت أمه - ستهم الغجرية - في الخارج فجلسا ~~وحيدين. اجتاحته الحيرة والتشاؤم بخلاف وداد التي راحت تقول: كان بوسعه أن يضربك أو ~~يطردك من الحارة أو يصر على طلاقنا، الحق أنه عفا عنا. فتساءل: ماذا منعه من النطق ~~بالعفو؟ ~~- لعله عز عليه أن ينطق به بعد ما كان منك، ولكن ألا ترى أنك حر، لم ينلك أذى، وأنك ~~ستواصل الحياة مثل بقية الناس؟ ~~- لم يتركني حرا، أمرني أن أستمر، ثبتني في أعماق الحيرة، لم يطردني من العصابة ولم ~~يرجعني إليها، لم يعاقبني ولم يعف عني، لم تند عنه كلمة واحدة تدل على الرضا ولا على ~~الرفض! # فقالت بحرارة: عش حياتك ولا تشغل بالك بألغاز لا حل لها. ~~- ولكن كيف؟ ألا يجوز أن أحاسب فجأة على أنني «لم أستمر»، ما زلت أشعر بأنني مكلف ~~بأمر ما، غير أنني أجهله هذه المرة جهلا تاما. ms021 ~~- يخيل إلى أن محور همك يدور حول إيمانك بجديته المطلقة، أليس هو في النهاية رجلا ~~يجد حينا ويلهو حينا آخر؟ أليس من المحتمل أنه يميل إلى العبث وأنه وجد فيك مادة ~~صالحة لعبثه؟ أبعده عن ذهنك وعش حياتك ولن تلقى مكروها أبدا. ~~- لو افترضت به العبث لانقشعت الحيرة من أساسها، ولكنه رجل أقوى من الطاحونة وأدق من ~~الساعة. # ثم رماها بنظرة مقطبة وتساءل: أيرضيك أن ترجعي ما حل بنا من شقاء وتضحية إلى اللهو ~~والعبث؟! ~~••• # ولما رجعت ستهم فرحت بعودته، ولكنها رحبت بفتور بوداد. وقبل مضي يوم راحت تعاتبه على ~~ما جر على نفسه من سوء السمعة. والحق أن أقرانه لم يداروا عنه احتقارهم، وكاد أهل ~~الحارة يقاطعونه مقاطعة كاملة. اضطر إلى أن يبحث عن رزقه بعيدا عن الحارة، وتجرع الغربة ~~وهو بين الأهل والجيران. # وتساءلت وداد بمرارة: متى تنسى حكايتنا؟ # فقال لها: إنه عقابه الذي لم يعلنه. # فصرخت: بل إنهم أوغاد ولا رحمة في قلوبهم. # فغمغم شطا وكأنه يهامس نفسه: استمر! استمر! ما معنى هذا؟! # 24 # مضت الحياة بمرها الكثير وحلوها القليل. ظل شطا يسعى خارج الحارة ويعيش فيها بلا ~~صاحب، وقبل أن ينقضي الصيف الثقيل وقع الشبلي فتوة الدرب الأحمر في خطأ لا يغتفر. راح ~~يتباهى بأنه اغتصب وداد خطيبة الديناري على مرأى من شطا الحجري «رجله الثاني». ترامت ~~الأنباء إلى الحارة مصحوبة بأغان داعرة صاغت الحادثة في قالب مزاح ساخر، وإذا بالحارة ~~تشهد تعبئة لم تشهدها من قبل. تسلح الرجال بالنبابيت والخناجر، وشحنت عربات بالزلط ~~والقوارير وخردة الحديد. وانضم شطا الحجري إلى الرجال دون أن يدعى إلى ذلك وهو يقول ~~لنفسه: «جاء اليوم الذي أحلم به.» وكانت غزوة مفاجئة وفي رابعة النهار. نشبت معركة حامية ~~ما زالت ذكرياتها حية في رءوس الكهول ودوائر الأمن. وحقق شطا حلمه، فطعن الشبلي طعنة ~~قاتلة متلقيا في الوقت ذاته عشرات الضربات القاتلة. وكان من جراء ذلك أن ثار غضب ~~المحافظة فاتخذت قرارها الحاسم! # 25 # عندما درجت في مدارج الوعي كانت حكاية ms022 الديناري قد انطوت في أعطاف التاريخ، ولكنها ~~كانت ما تزال حية في القلوب. لقد قضي على المعلم بالسجن عشرة أعوام، ولما أفرج عنه ~~فرضت عليه رقابة دائمة، فابتاع مقهى النجف ومارس حياة مواطن كسائر المواطنين. جلس على ~~كرسي الإدارة مجللا بالشيخوخة والمهابة والذكريات الباقية. وقد قتل شطا الحجري في ~~مواجهة بطولية محت العار عن سمعته وكفرت عن زلته، فنشأ ابنه الوحيد رضوان محوطا ~~بالاحترام. وقيل إن الديناري تكفل بدفنه، فأول ذلك بأنه تقدير أخير له، وبولغ في ~~التأويل حتى قيل إنه اعتبر رجله الثاني. وقد رأيت بعيني وداد وهي امرأة تجاوز الأربعين، ~~وكانت تبيع الخوص والريحان في مواسم زيارة المقابر. وأدركت موجود الديناري وهو يدير ~~النجف وقد مضى عهد الفتوات والفتونة. اختفى الرجال وبطلت الشعائر، فأصبح الرجل في نظر ~~القانون صاحب مقهى وتحت المراقبة الدائمة، ولكنه ظل في نظر العباد فتوة الحارة وحاميها، ~~حتى الشرطي وشيخ الحارة لم ينجوا من دفقة الشعور العام، فكانا يختصانه بالاحترام وحسن ~~المعاملة. أجل زالت عنه تقاليد الفتونة، ولكن بقي له السحر الخفي الذي لا يبالي ~~بالقوانين والأوامر الإدارية، بقي له التاريخ والمهابة والأثر الحي. # هكذا جذبني مقهى النجف قبل أن أبلغ سن الشباب. وكنت أجلس في ركني المنعزل أسترق إليه ~~النظر بشغف المعجبين وخيال العاشقين. # وكان يتجلى بهاؤه في الأعياد، فكأنها لم تخلق إلا له. كان يجلس على الأريكة متلفعا ~~بعباءة جديدة، ممشطا اللحية والشارب، وتمر أمامه عربات الكارو محملة بالنساء والرجال ~~والأطفال في أثوابهم الجديدة الملونة في هالة رائعة من الطبل والزمر والرقص: # يا فتوتنا # يا ديناري # يا حبيبنا # يا ديناري # يا حامينا # يا ديناري # ثم تدوي الهتافات والزغاريد، ويثمل العاشقون بكئوس المجد والعشق والحنين العارم إلى ~~النصر. # | أمشير # 1 # المارون بشارع رأس الحكمة بزيزينيا يجذب أنظارهم القصر الأبيض. عم عمارة الجعفري ~~البواب يجلس عادة على أريكته أمام الباب الكبير، هادئ النظرة تتحرك شفتاه الغليظتان ~~بتلاوة غير مسموعة، لا يكاد يرى ما يجري أمامه، ولا يبالي بما يقوم خلفه. والقصر الأبيض ~~قابع بطابقيه ms023 بين أشجار دائمة الخضرة تتخللها نخلات طويلة رشيقة مغطاة الجذع بأردية ~~بيضاء. وعندما يدور السمر بين البواب والسواق والطاهي حول القصر الجميل يثني عم عمارة ~~على صاحبه جندي بك الأعور قائلا: إن الله يزيده ثراء جزاء ما طبع عليه من إحسان وخلق ~~كريم، إنه يرد تحيات الفقراء بأحسن منها ويوزع الزكاة في الأعياد والمواسم. ولكن أي ~~غمامة تلك التي تنداح في الأفق؟ ماذا يحدث بين الناس الطيبين؟ لم يخيل إليه أن وراء ~~الستائر المسدلة قلوبا تردد أصداء الأمواج الهادرة؟ ويدعو الله مخلصا: «اللهم احفظ ~~القصر وأهله، اللهم احفظنا.» # 2 # في ذلك الوقت انتقلت جميلة هانم من حجرتها إلى الفراندا الخلفية لمقابلة يحيى. جاءت ~~جادة، حتى الابتسامة المغتصبة لم تحاول أن ترسمها فوق شفتيها الممتلئتين. واعتبرها يحيى ~~زيارة غير عادية؛ إذ إن أمه تجد ما يشغلها من شئون القصر طيلة النهار. جلست على كرسي إلى ~~جانبه في الفراندا المشرفة على حديقة الأزهار وحمام السباحة. وكانت الشمس تفترش الأرض ~~الخضراء المترامية بين الأسوار العالية، ولا نأمة تجيء من شارع رأس الحكمة المزين على ~~ضفتيه بالنخلات العشرين. وكان يحيى يستجم قليلا من المذاكرة، مستسلما لدفقات من نسيم ~~الربيع تتلاقى في وجدانه بأنغام موسيقى خفيفة تنبعث من ترانزستر. فأسكت الجهاز مرحبا ~~بمقدم بأمه. بدا في البيجاما رشيقا طويلا، جامعا في صفحة وجهه بين عيني أمه ~~الجميلتين وبناء شعبي لأطراف وجهه الغليظ. ورغم رونق الأم الذي يعد فوق ما تتمنى امرأة ~~في الخمسين فقد تجلت بها سمات شعبية في دسامة يديها وخشونة نبرتها. وإعرابا عن حبه ~~تناول يدها ولثمها وهو يلحظها باهتمام. قالت جميلة هانم: لم يعد بينك وبين الامتحان ~~النهائي إلا ثلاثة أشهر كان يجب أن تمر في هدوء شامل لتتفرغ لعملك، ولكن الظروف تحتم ~~علي أن أحيطك بما يقع حولنا. # فرنا إليها بعينيه العسليتين باهتمام متزايد وهو يتمتم: ليكن خيرا إن شاء ~~الله. # فقالت بأسف واضح: إنه أبعد ما يكون عن ذلك! # طالما شعر بأن القصر يمضي بلا تاريخ، فماذا حدث؟ أما الأم ms024 فقالت: لا أريد أن تباغتك ~~الحوادث، تقرر أن يغادر محروس ابن البك القصر هو وأسرته! # تردد الكلام في مسمعيه أول الأمر بلا معنى. وسرعان ما لاح الانزعاج في عينيه. وتبين ~~له أن منظر أمه ينذر بشر غير محدود. تمتم واجما: إنه لغز ولكن له تفسير ولا شك. ~~- كأنه نوة من نوات البحر، إني آسفة! ~~- ما معنى تقرر؟ من صاحب القرار؟ ~~- صاحبه واحد، من غيره؟ تقرر طرد محروس وأسرته. # تجهم وجه يحيى. تذكر النفور الدائم بين أمه وحرم محروس، هل لعب النفور دورا في تخطيط ~~هذه النهاية الأليمة غير المتوقعة؟ وقال بحذر: محروس بك هو الابن الوحيد لجندي بك فكيف ~~هان عليه أن يطرده هو وأسرته من قصره؟ # أجابت جميلة هانم بحزن شديد: ثمة جريمة شنعاء! ~~- جريمة؟! # قالت وصوتها يتهدج: تصور يا يحيى، لقد دبر الابن جريمة خفية لقتل أبيه! # تصلب عود يحيى من الانزعاج والذهول، تفكر في معنى ما يلقى إلى سمعه، تأمله مليا ~~برعب، ثم تجلت لمخيلته صورة وداد الجميلة المستقرة في أعماق قلبه. ما أكذب الربيع ~~الساطع. إنه يسخر من أحلامه العذبة ويعصف بطمأنينته الراسخة. وتمتمت المرأة وكأنما تقرأ ~~أفكاره الدفينة: الأمر محزن جدا، وهناك حزن آخر من أجلك أنت. # وراح يقول وكأنما يحادث نفسه: جريمة خفية، من يصدق هذا؟ ولكن كيف؟ ~~- إنه الشيطان، أجل لم ينعم الجو بالصفاء بين الأب وابنه، ولكن الأب رجل عاقل وكريم، ~~لم يضن أبدا على ابنه بخير، وكان محروس يعيش في القصر وكأنه صاحبه، هو وزوجته وابنته، ~~ثم يحاول شراء الطاهي ليدس السم لأبيه؟! ~~- أي غباء وأي جنون! ~~- طوى الطاهي السر في صدره، أجل إنه صنيعة محروس، ومحروس الذي جاء به منذ سنوات ولكنه ~~إنسان أمين فجاءني وأفضي إلي بسره! ~~- أنت؟! ~~- نعم، إنه يتعامل معي يوميا ... ~~- وأنت التي أبلغت عمي؟ ~~- ذهبت به إلى البك. ~~- الأمر يتطلب تحقيقا عادلا! ~~- عمك ثار وأوشك أن يبلغ الأمر للنيابة لولا توسلاتي إليه أن يفكر في هدوء وأن يتجنب ~~الفضيحة. ~~- ربما أسفر التحقيق عن لا شيء؟ # فقالت ms025 بأسى: عندما واجه محروس بالتهمة لم يدر كيف يدافع عن نفسه، كأنما كان يعترف. # تنهد يحيى وتمتم: محروس في الأربعين، زوج وأب، لا ينقصه شيء، كيف اشترى جريمة بالنعيم ~~والأمل؟ ~~- إنه الشيطان، ومن يدري؟ العمل يبدو جنونا لا معنى له، والحمد لله أن عمك اكتفى ~~بطرده وحرمانه. # بعيد أن يكون الرجل بريئا. لقد خسر بجنونه كل شيء. ضاع تماما. وتذكر مرة أخرى وداد ~~كريمة المتهم. لقد طرد معهم بمعنى من المعاني. أمه ولا شك تدرك ذلك تماما. أيضا زوج ~~أمه جندي بك الأعور. كم من متاعب ترصده في هذه الأيام الصفراء! ها هي أمه تقول: إني ~~آسفة جدا يا يحيى. ~~- لكن كيف تواجه الأسرة المطرودة الحياة؟ # فقالت بعتاب: يجب أن ترثي أولا لعمك! ~~- بلا شك، ولكن سؤالي له وجاهته أيضا! # فقالت وهي لا تخفي امتعاضها: لا بد من فترة انتظار حتى تنحسر عواصف الانفعال، في نيتي ~~بعد ذلك أن أرجو عمك أن يهب الرجل وأسرته عمارة من عماراته حتى لا يدفعه اليأس إلى ~~الجنون! # فقال يحيى مستردا بعض أنفاسه: فكرة طيبة. # وطوال الوقت فكر في وداد، وبدا أن أمه تشاركه خواطره، وقد قالت بصراحة: إني حزينة من ~~أجلك يا يحيى. # فقال بوضوح: إني أحب وداد، وهي تحبني، لن يفرق بيننا شيء! # فقالت بإشفاق: عليك أن تتذكر عمك، إنه في الواقع أبوك. # فقال بمرارة: أعلم أنني بفضله أنعم بالحياة في هذا القصر على حين أن أبي الحقيقي لا ~~يدري عني شيئا، كما أنني لا أدري عنه شيئا، وأعلم أيضا أنه كان من الممكن أن يعاملني ~~كغريب، كابن زوجته من رجل آخر، ولكنه عاملني كابنه ... # فقاطعته بحماس: بل عاملك خيرا من ابنه، وأحبك أكثر منه، حتى قبل الجريمة! ~~- أسلم بهذا، ولكنني أحب وداد أيضا، وهي بريئة من ناحية وحفيدته من ناحية أخرى. # وسدت راحتها منكبه وقالت: إني أطالبك بالحكمة، وأتمنى لك السعادة. ~~- أنت لم تحبي محروس ولا زوجته، ولكن وداد فتاة ممتازة. ~~- رأيك هو المهم، ولكن عليك أن تنتظر فترة ثم لك ms026 بعد ذلك أن تفضي بنواياك إلى عمك. # يبدو أن المهمة لن تكون سهلة، وأنه ربما اضطر إلى المقامرة بمنزلته عند الرجل. وهو لا ~~يتعذر عليه النفاذ إلى أفكار أمه الخلفية، ولكنه قال متظاهرا بالبراءة: سوف أتحين فرصة ~~مناسبة. ~~- ورجائي ألا تثير غضبه. # فقال بضيق: إني حريص على رضاه، ولكني لن أفرط في وداد. # فقالت بصوت منخفض: تخيل ما يعدك به المستقبل! # لم يرتح لقولها. ورغم ثقته فيها تساءل عن الدور الذي لعبته في هذه القضية. شد ما ~~تفزعه الوساوس. وقد كان دائما يؤاخذ هذا القصر على تقديسه للمال. إنه لا ينكر أهمية ~~المال، ولكنه يكره أن ينصب هدفا أعلى للإنسان. لا حديث لأهل القصر سوى النقود والسلع. ~~وقد دفعته تلك التقاليد إلى الالتحاق بكلية التجارة، كما دفعت وداد بعده. ومن أجل ذلك ~~المعبود حرص الابن على قتل أبيه، وها هي أمه تتوثب لاستغلال الموقف الجديد لصالحه. قال ~~برجاء: لا تحدثيني بما يثير اشمئزازي. # فقالت باسمة: لا أحد يحب الفقر. # هز منكبيه صامتا. أدرك بوضوح أن المتاعب الجديدة لن تعفي أحدا من آثارها. # 3 # الشاطئ ما زال خاليا. الرياح معتدلة مشبعة ببرودة ودودة آمنة. وفي أحضان العذوبة ~~المنتشرة تراقصت الأمواج في رشاقة. لم يكن في كازينو جليم سوى العشاق. جلس يحيى ووداد ~~في طرف الكازينو المطل على الخليج قبل الغروب بساعة. أول مرة ذلك العام غيرت وداد ملابس ~~الشتاء فتجلى عودها الرشيق تحت البلوزة البيضاء الثرية والبنطلون الرمادي. جميلة ~~ببشرتها القمحية وعينيها السوداوين وشفتيها المضمومتين، ولكنها جادة واجمة. لم تجمع ~~بينهما جلسة كئيبة كهذه الجلسة من قبل. اختفى من عينيها المرح والدلال كما اختفت من ~~عينيه الأشواق. جلسا جنبا لجنب وراء الترابيزة ينظران إلى البحر المنفسح بعينين لا ~~تريان شيئا، وكانت تقول: أقمنا في شقة مفروشة، حياة لا يمكن أن تستمر طويلا، لا ندري ~~شيئا عما يخبئه لنا الغد. # فانغمس في الشجن وهو يقول: لكن والدك اكتسب خبرة في الأعمال عندما كان يعمل في مكتب ~~والده. ~~- لا أعتقد أنه يتوفر له ms027 اليوم رأس مال كاف، ثم إن التهمة الظالمة ستطارده طويلا. # تنهد قائلا: حتى الآن لا أصدق ما وقع! # فقالت بإصرار: أبي ينكره وأنا أصدقه. ~~- فما الحقيقة إذن؟ ~~- لعله سوء تفاهم استغل أسوأ استغلال! # شعر بأن ثمة اتهاما يحوم حول أمه مثل ذبابة، فضاق صدره، ولكنه قال: أيكفي ذلك لاختلاق ~~جريمة تفرق بين الأب وابنه الوحيد! # فقالت بامتعاض: المصائب تفوق الخيال! # وصمتا قليلا في حزن بالغ حتى قال يحيى: إذا كان للموضوع حقيقة خفية فلن تغيب طويلا، ~~وسوف يوجد للموقف العسير حل، أما نحن فعلينا أن نركز في الواقع الذي يتحدانا. # فلم تدري ما تقول فواصل حديثه: ما بين يوم وليلة أصبح تلاقينا لا يتم إلا سرا، كأننا ~~غريبان، هذا هو الواقع الذي علينا أن نتعاون على تحطيمه. ~~- ولكنني لا أستطيع أن أنزع نفسي من مشكلتنا القائمة. ~~- المأساة مأساتنا معا، سنفكر طويلا، لن نتركها ولن تتركنا، ولكن علينا قبل ذلك أن ~~نتفق على الدفاع عن حبنا حتى الموت! # فقالت بصدق: حبنا في حرز حصين، لسنا أطفالا، ثم إنك ستختم دراستك بعد ثلاثة أشهر، ~~وسوف ألحق بك بعد عامين، ولكن كيف نعيش في هذا الجو الخانق؟! ~~- إنه يظل القصر أيضا، لا أحد يبتسم، وهو يهدد حبنا. ~~- لسنا أطفالا، ولندع للزمن فرصته. ~~- أود أن نسبق الزمن، أجل يجب أن أنتظر مهلة، ولكن لا مفر من مواجهة جدك، وعليك أنت أن ~~تتصدي بشجاعة لأي عدوان يجيء من ناحية محروس بك أو شريفة هانم، ثم إنني في النهاية شخص ~~غريب ليس إلا ابن زوجة جدك. # فقالت بإشفاق: إنك معدود ابنا له! ~~- لا أنكر ذلك، ولكني لن أتخلى عنك أبدا. # قرر أن يخفف عن أعصابهما بشرب الكوكاكولا، مضى يراجع ما انتهي إليه فوجده طيبا لا ~~بأس به، ثم قال متماديا في نشدان الأمان: وداد، اعتدنا المصارحة دائما، هل ساءك ضياع ~~الثروة المتوقع؟ # فتفكرت قليلا ثم قالت: يشغلني الآن هم أسرتي. ~~- لم تجيبي على سؤالي. ~~- الثروة نعمة، وحياتها عادة، لا أدري كيف أتخلص منها. ماذا عندك أنت؟! ms028 ~~- أنا أيضا اعتدت مستوى لا تؤهلني له حقيقة أصلي، ومذ أدركت أني شخص فقير هيأت نفسي ~~للحياة البسيطة. ~~- زدني إيضاحا. ~~- وداد، لم أرتح أبدا لولع أمي وعمي بالمال . ~~- ممكن أن نحبه دون أن نعبده. # فهز رأسه في حزن ولاذ بالصمت، فقالت بنبرة دعابة لم تخل من فتور: أعلم أنك تحب سماع ~~الموسيقى أكثر من اقتناء ثروة. ~~- أتسخرين مني؟ ~~- كلا، ولكن تردد في بيتنا الحزين أن الخطوة التالية المتوقعة من جدي هي أن يملكك ~~ثروته بطريقة قانونية! # شعر للمرة الثانية بالاتهام الحائم حول أمه، فقال بشيء من الحدة: لو خيرت بين ثروته ~~وبينك فلن أتردد في الاختيار. # فقالت بأسف: ستكون حياتنا متواضعة جدا. # فقال بعتاب: سيعوضنا الحب عن كل شيء! # فابتسمت ابتسامة خفيفة، وكان قرص الشمس يهبط وديعا أليفا في الشفق، وقد استلت منه ~~روح الشباب الفائر. # 4 # تلقى من أمه خبرا بأن عمه يدعوه إلى مقابلته في الحديقة. قالت له بحرارة: تذكر أنه ~~أبوك، وتذكر أنه لم يبق على امتحانك النهائي إلا ثلاثة أشهر، وأنك يجب أن تحافظ على ~~صفاء ذهنك. # مضى إلى الرجل الذي عاش طفولته وصباه وهو يؤمن بأنه أبوه، ويحبه - وما زال - مثل أمه. ~~لم يعرف الحقيقة إلا عندما اطلع على شهادة ميلاده لأول مرة، عندما نودي في المدرسة باسم ~~يحيى عويس الدغل لا يحيى جندي الأعور. عند ذاك عرف أنه ابن رجل آخر لم يره، يدعى عويس ~~الدغل، طلق أمه وهو طفل ثم هجرهما إلى حيث لا يدري. ولولا مجيء جندي الأعور وزواجه من ~~أمه واحتضانه له لتعرض لمصير مجهول لا خير فيه. كانت لطمة أليمة ولا شك ولكن رعاية ~~الرجل له أنسته ألمه وانكساره. وقد شب وعاش في النعيم كأنه ابن الرجل الطيب. فعليه أن ~~يتذكر ذلك التاريخ الذي لا ينسى، كما يتذكر حبه. # وجد البك جالسا في الدائرة الخضراء كما يحلو له أن يدعوها. هي ربوة مستديرة خضراء ~~السفح، مسقوفة بمظلة من الخشب الأبيض على هيئة قبعة تتدلى منها المصابيح وضفائر ~~اللبلاب. جلس على ms029 أريكة وثيرة في جلباب أبيض، وضيء الصلعة، بين يديه فوق الخوان قارورة ~~ويسكي وجردل أحمر مليء بمربعات الثلج، وطبق فستق مقشر. ربعة بدين ذو كرش جسيمة، بيضاوي ~~الوجه لحيمه ، قوي الفك غائر العينين في أنفه فطس ذو شارب غليظ لم تشب فيه شعرة واحدة ~~رغم بلوغه الستين. حياه الفتى وجلس - كما أشار إليه - في قبالته. النسمة رائقة، وحفيف ~~الغصون يبعث هسيسا هامسا، والأرض تضحك بألوان الأزهار، وشذا الربيع يفوح مسكرا. قال ~~يحيى لنفسه: إن الجو يسخر منهم ويعلن لا مبالاته بأحزانهم. قال الرجل وكان لا يعرف اللف ~~والدوران: # ثمة حديث ما عاد يجوز تأجيله يا يحيى. # فاعتدل يحيى في جلسته استعدادا، فقال جندي الأعور: ما حصل قد حصل لا حيلة لنا ~~فيه. # فتمتم يحيى: ربنا معك. ~~- ما زلت آسفا على أنني لم أسلمه ليد العدالة. ~~- تصرفت معه بما يتوافق مع خلقك الكريم. # فصب في الكأس جديدا من الويسكي وقال: لم تكن الجريمة مفاجأة بالمعنى الحقيقي لهذه ~~الكلمة، فهو لم يضمر لي حبا ولا خيرا، وعلى العكس كنت دائما حذرا من ناحيته، ~~دائما أتوقع ما لا يسر، ولا جدوى من حسن المعاملة مع أمثاله، بل لعلها زادته شرا، إنه ~~الشرير الحقود، وكم من مرة أضبطه متلبسا بسرقة المكتب وأعفو، ماذا ينقصه؟ إنه عاش في ~~بيتي عيشة الملوك، ولعب بالقرش لعبا، لكنه فاسق قذر ومقامر مجنون. # غشيته كآبة من مدخل الحديث فتنبأ له بنهاية غاية في السوء، أما الرجل فقال بقوة ~~ووضوح: وشد ما حقد عليك كأنما تقاسمه لقمته، وشد ما طالب بطردك من القصر! # كان يشعر دائما بفتور عواطف الرجل نحوه، وزوجته أيضا، كرها في أمه، ولكن حبه لوداد ~~جرف النفايات من مجرى حياته، أيضا لم يتصور أن النفور يتمادى لحد المطالبة بطرده. غير ~~أن ما كان يهمه حقا فهو الحب وحمايته من إعصار الموقف الهائج. وصمت جندي الأعور حتى ~~تستقر كلماته في أعماقه ثم واصل حديثه: له بطانة من السفلة والعاهرات، وقد بلغ الخامسة ~~والأربعين دون أن ينال ذرة من ms030 الرشد. # لاحت الدهشة في وجه يحيى، تكشفت له أسرار بشعة لم تجر له في خاطر. واستحضر صورة ~~زوجته الجميلة فازداد دهشة. ما وداد إلا صورة جديدة من أمها فكيف هان على محروس بك أن ~~يخونها؟! وقال جندي الأعور بتقزز: زوجته لا تجهل مغامراته. # فتمتم الشاب في انزعاج: هكذا؟ ~~- ولم تسكت المرأة الجريئة فردت الصفعة بأقذر منها! # لاح التساؤل في عيني يحيى، فقال جندي الأعور: انحرفت دون مبالاة متشجعة على ذلك بأصل ~~قذر! ~~- لكن ... لكن ... # فقاطعه: لا تكن ساذجا يا يحيى، لقد انحرفت، وقد كانت في الأصل عاهرة محترفة! # اصفر وجهه وهتف بصوت متهدج: لا! # فضحك جندي الأعور وقال: براءتك مذهلة، مثل أزهار هذه الحديقة، ولكن آن لك أن تفيق، ~~المرأة كانت محترفة، وقد تزوج منها على رغمي مدعيا أنه يفعل خيرا يستحق عليه الثواب، ~~لم تكن إلا شهوة عمياء ينز بها ثور، وقد رجع إلى فسقه وأرجعها إليه. # أحنى يحيى رأسه في غاية من الغم، فقال الرجل: حاولت الإصلاح فلم أوفق، هددته وهددتها، ~~انتهى الحال بإنذاره بالطرد والحرمان، فكان رده السعي لاغتيالي. # تنهد يحيى أو تنفس بصعوبة، فمضى الرجل قائلا: لا شك عندي في أنها شريكته، إنها داهية ~~بقدر ما هو غبي. # امتلأ الجو بالغبار فلم تبق ثغرة لكلمة طيبة غير أن جندي الأعور قال: أمك تلح علي ~~في أن أهبه عمارة دفعا للمزيد من شره، ولكني ما زلت مترددا. # عند ذاك قال يحيى بشجاعة: أعتقد أنه اقتراح حكيم، فهناك أيضا حفيدتك وهي ~~بريئة. # فقال بازدراء: لا أصدق أن تخرج نبتة طاهرة من مستنقع قذر. # فقال يحيى مستميتا في الدفاع: لكني أعرفها حق المعرفة. # فقال ساخرا: أنت لا تعرف شيئا، لذلك رأيت أن الواجب يطالبني بإزاحة الستار عما لم ~~تعلم، خاصة وأنه لم يبق لي سواك! # فتمتم وهو غائب تماما: شكرا لك يا أبي. # أدرك أنه مقبل على أيام محنة وبلاء. أدرك أيضا أن الوقت غير مناسب للمواجهة. لا بأس ~~من الانتظار ولو أنه لا توجد بارقة أمل في السماء ms031 المكفهرة. # 5 # بقي على الامتحان شهران ونصف. من أين له العقل الذي يستوعب به دروسه؟ حتى الموسيقى لم ~~يعد يتذوقها، وهو كمحب ثابت، ولكن موقفه حرج. وعندما سألته أمه عما دار بينه وبين عمه ~~أجاب إجابة عامة موجزة دون إشارة إلى ما قيل عن وداد وأمها. فعل ذلك وهو لا يشك في ~~إحاطتها بما قيل كلمة كلمة. وإيمانه بنقاء وداد لا يمكن أن يتزعزع، والأهم من ذلك فهو ~~يحبها حبا لا تنال منه الاتهامات فضلا عن الشكوك. في عالم النساء الساحر لا يخفق ~~قلبه بحب سوى حبها، فهي مصدر الإشعاع والعذوبة في دنياه. ومن أجلها سيوجه الضربة ~~الأخيرة لذلك القصر المزهو برشاقته. # وذات يوم قالت له وداد: لدي رسالة إليك، أبي يرغب في مقابلتك. # وسمت له اليوم والساعة في المسكن الجديد بشارع أبي قير. وافق بلا تردد لو تردد ~~دقيقة لخسر وداد إلى الأبد. إذا علم عمه بالزيارة فستحدث أمور ولا شك. إن القدر يقتلع ~~جذوره المغروسة في جنة رأس الحكمة جذرا بعد جذر، وهو يمضي نحو المأساة بكامل إرادته ~~ووعيه. من هو حتى يحاكم جندي بك الأعور أو زوجته شريفة هانم الدهل؟ إنه رغم البراءة لا ~~يخلو من أخطاء وعبث. ولا ينسى آراء أقرانه فيه، فهم يرونه من أولاد الذوات المدللين، لا ~~هم له إلا أناقته وسماع الموسيقى. منطو أناني لا لون له، غير مبال بالتيارات التي ~~يسبحون فيها ويعانون من أجلها ما يعانون. فمن هو حتى يحاكم جندي بك أو شريفة هانم؟! ~~ووجد الرجل في انتظاره. رجل قصير قوي صغير الرأس غزير الشعر والشارب كبير الأنف جاحظ ~~العينين. رحب به، ابتسم له كما لم يفعل من قبل، ولكنه لم يشك في أن مقته قد تضاعف. ترى ~~ماذا يريد منه؟ أي شرك يحفره تحت قدميه؟ ليكن ما يكون ما دامت وداد له. كان الوقت صباح ~~الجمعة. مضى أوله في احتساء القهوة وتلقى نظرات محروس المتفرسة. أخيرا قال الرجل: ~~ستسمع في القصر حكايات مثل حكايات ألف ليلة فلا تصدق ما ms032 يقال، الرجل مجنون. # فقال يحيى بنبرة متوترة: لقد اختلط ما يصدق بما لا يصدق ودار رأسي. ~~- إنه الحقد والجنون. ~~- لكنه أبوك. ~~- ما خفي عنك أنه مجنون! ~~- سيدي، إنه رجل استثمار ورب أسرة ومحسن كبير. ~~- لا تغرك المظاهر، إنه الإدمان والشذوذ والجنون، يوجد آخرون يعلمون بالحقائق ولكنهم ~~يتجاهلونها لاستغلاله أسوأ استغلال. # لعله يشير إلى أمه. حقا قد طفحت القلوب بالحقد. وقال رغم امتعاضه: ليس مستحيلا ~~أن تنتهي الأمور إلى خير. ~~- هيهات، لقد حيكت مؤامرة بمهارة خبيثة فتهولت في خيال رجل مجنون ملئت أذناه ~~بالأكاذيب المتواصلة مثل دقات الساعة! # إشارة أخرى إلى أمه. حتى متى يتحمل ويتصبر؟! وتساءل: ألا تستطيع أن تظهر الحق؟ ~~- فات الوقت، كيف تطالبني بالتفاهم مع مجنون؟! # وفرقع بأصابعه ثم تساءل: من هو جندي الأعور؟! # وبرقت عيناه بوحشية ثم تطوع بالإجابة: ستقول إنه صاحب المكتب التجاري المعروف، ورجل ~~الخير والإحسان، أما المدمن الشاذ المجنون فلا يعرفه إلا خاصته المنافقون، ولا أهمية ~~لذلك بالقياس إلى الحقيقة، وهي أنه لص رسمي من أرباب السوابق والسجون. # وتضاحك هازئا ثم سأله: ماذا قال لك عنا؟ # أجاب يحيى بلا تردد: لا شيء. ~~- هل تصدقني القول؟ ~~- أجل. ~~- سيفتري الأكاذيب عاجلا أو آجلا، ولكني سأروي لك قصته. # تساءل يحيى متضايقا: ما جدوى ذلك؟ # فابتسم إليه ابتسامة صفراء وقال: إنها قصتك أيضا وقصة والدتك! # خفق قلبه ناشرا توقعات مبهمة ومقلقة، فواصل الآخر حديثه: إنه تاريخ لا بد أن يعرف، ~~لوجه الحقيقة والاعتبار، ولكي يتعرى جندي الأعور كما ينبغي له، وعند ذلك تعرف من أنت، ~~الحقيقة أن الجندي الأعور سرق أباك الحقيقي، لم يسرق ماله فقط، ولكنه سرق أيضا زوجته. # هتف مستنكرا: أمي! ~~- نعم، صبرك، بدأت الحكاية بتزامل أبي وأبيك في السجن! ~~- لا! # بدرت منه في حدة، فقال بهدوء: صدقني، ما أقول إلا الحقيقة، إن يكن ثمة عار فهو لاحق ~~كلينا، لقد تزامل أبي جندي الأعور وأبوك عويس الدغل في السجن، تزاملا عامين، فقد دخل ~~أبوك السجن حينما لم يبق من مدة أبي فيه إلا عامان، وقد دخلاه ms033 بتهمة واحدة على وجه ~~التقريب. كانت تهمة سرقة بالإكراه، وتهمة أبيك السرقة للمرة الثالثة. # ارتعشت يدا يحيى من شدة الانفعال فصمت الآخر قليلا ثم قال: إني آسف، أرجو أن تتمالك ~~نفسك، لا مفر من الكشف عن الحقيقة مهما تكن بشعة مرة، أقول لقد تزاملا في العامين ~~واطلع كل منهما على كثير من أسرار الآخر، وصارا بذلك صديقين، عرف أبوك أن أبي أرمل وأنه ~~ترك وراءه في الحارة شابا ضائعا هو أنا، وعرف أبي أن أباك ترك زوجة ورضيعا هو ~~أنت. # رغم غضبه واحتجاجه شعر بأن الحكاية لا يمكن أن تكون محض خيال، فما من واقعة ذكرت إلا ~~ويمكن التثبت من صدقها، ترى ماذا هناك أيضا؟ ~~- عرف أبي أن أباك سرق امرأة تدعى دليلة الفقي، جعلت من مسكنها بنك رهونات، سرق الذهب ~~كله، وادعى في التحقيق أنه فقده، ولم توفق الشرطة في العثور عليه، ولما غادر جندي ~~الأعور السجن رجع إلى حارة التكية وهي أصلنا جميعا، رجع في رأسه خطة. # بلغ يحيى نهاية في اليأس والقهر ولكنه أصغى إلى محدثه ومعذبه بكل جوارحه، فاستمر الرجل ~~وهو يبتسم ابتسامة ظفر: أمك جميلة وكانت وقتذاك أجمل بالشباب، وكانت تكدح لتطعمك في ~~ظروف سيئة، فزارها أبي باعتباره صديقا لزوجها، ورهن نفسه لخدمتها، وكنت أراقبه على ~~كرمه منه، إذ كنا دائما نتبادل سوء الظن والنفور، وكان أيضا يخشى جانبي، وما تدري ~~الحارة إلا وأمك تطالب في حقها من الطلاق من أبيك، ثم تتزوج من أبي، ويقرران هجر الحارة ~~غير أنه اضطر إلى اصطحابي معه خوفا مني! # سكت ليشرب قليلا من الماء على حين انتظر الآخر في كآبة وحزن، وقد شعر نحوه بمقت لم ~~يشعر بمثله لإنسان من قبل. واستطرد محروس: سافرنا إلى الإسكندرية، ومضى أبي يبيع الذهب ~~ويستثمر المال، وفي الحال أدركت أنه استولى على الكنز المسروق بإرشاد زوجته، ومضى يعمل ~~ويثرى، وشيد القصر وابتنى العمارات، وتنكر في صورة جديدة تناسب حياته الجديدة، بل عرف ~~بالخير والإحسان، بفضل السرقة والغدر والخيانة، بفضل ثروة أبيك، وهي ms034 ثروتك إذا شئت، ~~التي أدى أبوك ثمنها أعواما طويلة في السجن من عمره. # نفخ يحيى غيظا وقهرا. آمن بأن حياته كانت سرابا وأنه لم يبق منها ولا قبضة من ~~تراب . # وضرب محروس الخوان براحته وقال: الحكاية قديمة أفلتت من قبضة القانون، ولكنها ~~الحقيقة، إنه لا يحبك كما تتوهم، إنه لا يحب أحدا، لقد كره ابنه الحقيقي فماذا تنتظر؟ ~~وأنت صاحب الثروة والمذكر الدائم له بماضيه. # وسكت دقيقة طويلة ثقيلة ثم تساءل: ما رأيك في الحكاية؟ # فقال يحيى بجفاء: فظيعة لا تصدق! ~~- ألم تصدقني؟ ~~- لا أدري ماذا أقول. ~~- لكن اليقين عند والدتك! # صمت قهرا ويأسا. أدرك مرماه الجهنمي. إنه ما استدعاه إلا ليعطيه الفتيل الذي يفجر ~~به حياته وأهله. ولكن هل ثمة مهرب؟! # 6 # خلا إلى نفسه في حجرة مكتبه بحجة الاستعداد للامتحان، ولكنه غرق في همومه حتى قمة ~~رأسه. إنه يتساءل دائما ماذا عليه أن يفعل. ويرى أنه يجب أن يبدأ من الصفر ولو تهاوى ~~الحلم القديم فوق رأسه. كل شيء يدعو إلى التقزز، وقد تحول إلى دودة ترتع في الزبالة. ~~وبدا أنه لم يحسن إخفاء ما يعتلج في نفسه كما وضح له ذلك من نظرات عمه وأمه عندما ~~تجمعهم المائدة. وإذا بأمه تسعى إليه في خلوته. إنه يراها بعين جديدة. يرمق جمالها ~~بأسى، يستشف وراء ربة القصر المرأة الكادحة المدعوة جميلة الأسطى. المرأة الخائنة. أجل ~~إنها تزهو بالطول والعرض ولكنها محشوة بالقش. قالت بحنان: لا شك أنك حزين، ولذلك فإنني ~~يائسة. # ولم ينبس. سحقا لكافة أكاذيب الحياة. قالت بإشفاق: لا شك على أن عمك أطلعك على حقائق ~~مرة. # هانت بالقياس إلى حقائق أخرى. قطب مصرا على الصمت فقالت: كلما أدركت مدى ألمك حز في ~~نفسي الألم، ولا شك أن احتمال فقد وداد احتمال أليم، ولكنه لا يقاس بالكارثة التي عصفت ~~بعمك. # فقال بجفاء: لا أوافقك على ذلك. ~~- يحيى، تصور الأمر بعين عادلة. # فقال متخطيا حاجز التحفظ: ليس هذا بكل شيء. # فلاحت في عينيها نظرة تساؤل فقال متراجعا: سوف تضيع ms035 العام الدراسي هدرا! # فهتفت في جزع: كان يجب أن تظل بمنأى عن همومنا. ~~- ما كان كان. # فتنهدت وقالت: لقد سمعت كلاما، وربما سمعت أكثر، تعلم كيف لا تكترث. ~~- كيف؟ ~~- يحيى، تذكر ما تحوزه من فرص، إنك نجم هذا القصر، سيئول إليك كل شيء فيه، أمامك حياة ~~طويلة عريضة ثرية، كل أولئك أشياء حقيقية، أما ما يقال فما هو إلا كلام لا يجوز أن يؤثر ~~في الأشياء الحقيقية، وداد نفسها بنت جميلة، ولكن كم من جميلة تفوقها في الإسكندرية. # فتساءل في سخرية: والحب أليس له اعتبار عندك؟ ~~- ما قيمته إذا ضيع فرص الحياة السعيدة؟ # فرغما عنه قال: لكنه قوة، بسببها ينتحر أناس ويقتل آخرون ويغدرون. # فوجمت قليلا ثم تمتمت: العاقل لا يحرص عليه إلا إذا آمن بأنه طريقه إلى السعادة. # إنه يحوم حولها ولكنه يشفق من الانقضاض عليها. أجل إنها تستوي أمام ناظريه امرأة، ولكن ~~وجدانه ما زال ممتلئا بها كأم. يهم بتوجيه ضربة ولكنه يتوقع أن ترتد إلى صميم قلبه. ما ~~كان يتصور أن يصدق كلمة مما قال محروس، ولكنه تلقى كلامه في وقت تزعزع فيه كل قائم. ~~تلقاه بعد أن شهد الابن ساعيا لقتل أبيه، والأب طاردا ابنه وملوثا حرماته، فأي شيء ~~لا يصدق؟ وإذا بها تقول وهي تتفرس في وجهه: إنك لا تفتح قلبك لي. # فلم يحر جوابا، فقالت: لقد حدثك عن محروس؟ ~~- أنت تعرفين ذلك. ~~- وحدثك عن شريفة أيضا؟ ~~- هل افترى عليها كذبا؟ # فقالت بصوت متهدج: ما أبشع الصدق أحيانا! # فقال بتحد: كثيرا ما يكون كذلك. ~~- ولكنا يجب أن نقدس الحياة الموهوبة لنا! ~~- ولكنها تتمخض كثيرا عن أوهام وأشباح! ~~- ما أتعسني بسماع ذلك. # فقال بتسليم: إني تعيس حقا! # فقالت برجاء حار: ولكنني مصممة على بعث الابتسامة فوق شفتيك! # 7 # عندما ترامقا غاصا في خيبة جديدة. كازينو جليم شبه خال، الكوكاكولا والمغيب المقترب. ~~قال لنفسه لو وجدتها مرحة سعيدة كالأيام الخالية لخاب أملي أكثر. قال لها بحنان: وداد، ~~لست على ما يرام. ~~- أنت أسوأ حالا مني. ~~- قد توقفت ms036 تماما عن المذاكرة. ~~- سنة ضائعة لكلينا. # جعل ينظر إليها وهي تهرب إلى الأفق الغارق في البحر، حتى سألته بنبرة محقق: ماذا قال ~~لك أبي؟ # لم يدر ماذا يقول. العار مطوق لكليهما، ولكن ما عسى أن يقول؟ أخيرا تمتم: يخيل إلي ~~أنك تعرفين كل شيء! # فلاذت بالصمت، فإذا به يندفع قائلا وهو ما لم يغفره لنفسه: قضي علي بأن أسمع ما ~~أكره، تارة من أبيك وتارة من جدك! # أمالت وجهها نحوه في ارتياب، فغض بصره آسفا، وعند ذاك سألته: ماذا قال جدي؟ # قال وكأنه يدافع عن زلته: علينا أن نعرف الحقيقة لنقرر مصيرنا ونحن على هدى، ماذا ~~سمعت؟ # فقالت بحزن: عين ما قيل لك، ولا داعي لإعادته. ~~- القصة القديمة عن السجن والغدر؟ ~~- القصة القديمة عن السجن والغدر، فماذا قال جدي؟ # عاوده الاندفاع ليؤكد لها أنهما ينهلان من مستنقع واحد، قال: تكلم بدوره عن ~~والديك. # فعاودها القلق والتوتر وقالت: أبي متهم، طيب، ماذا عن أمي؟ ~~- لعله الغضب يا وداد. ~~- أريد أن أعرف ما عرفته. ~~- إنه سخف لا أكثر ولا أقل. ~~- كلا، إنك تصدق ما قيل، فما هو؟ ~~- إنني في حيرة. # فتساءلت بإصرار. ~~- ما هو؟ ~~- ماذا تتوقعين من رجل إذا أراد أن يعيب امرأة؟ # اصفر وجهها، ازدردت ريقها، ثم قالت بحدة: أريد كلاما واضحا! # فقال ضارعا: لا تعذبيني فإنني كما ترين على أسوأ حال! # لاذت بصمت ثقيل أليم ثم تساءلت: ماذا بقي لنا؟ # فقال بقوة لأول مرة: كل شيء، الحب. ~~- ما معنى الحب في مثل حالنا؟ # فردد معنى رددته أمه من قبل، ربما دون إيمان حقيقي: ما يهم هو الحياة الموهوبة لنا. # فقالت ساخرة: إذا فما علينا إلا أن نذاكر، ثم نمضي معا، أرادوا ذلك أم لم يريدوه. ~~- هو ذلك! # فقالت بيأس: نحن نهذي يا يحيى. ~~- ولكن ... # غير أنها قاطعته متسائلة: صارحني بما تنوي عمله! # فقال مستسلما: جئت رجيا من تلاقينا أن يبعث فينا روحا جديدة. # فقالت بحدة: لكننا تبادلنا أنباء الفضائح والتعاسة. ~~- كان لا بد من التعرض لذلك! # فتساءلت بأسى: أين المحبان ms037 القديمان؟ ~~- ها هما، أنا وأنت! ~~- يحيى، إنك عاجز عن تجاهل ما سمعت! ~~- وأنت كذلك، ولكننا سنقهر ما يعترضنا. # وساد الصمت والحزن. وعند ذاك استدعى شجاعته وقال بنبرة اعتراف: وداد، قررت أن أسافر . ~~هذه هي الحقيقة! # فحدجته بنظرة متسائلة منزعجة، فقال بالنبرة نفسها: قررت أن أسافر إلى القاهرة، إلى ~~الحارة. ~~- أتعني حقا ما تقول؟ ~~- بيتين. ~~- خطوة غريبة تقطع بأنك أعجز ما تكون عن تجاهل ما سمعت؟! ~~- إنها لا تقاوم. ~~- هل تطمع من ورائها إلى خير؟ ~~- يجب أن أقطع الشك باليقين. # فتساءلت بعد تردد: هبها أكدت ما سمعت؟ # فتفكر قليلا ثم قال: ليكن، بوسعي بعد ذلك أن أقرر تجاهلها، بل لا معنى لتجاهلها إن ~~لم أعرفها معرفة يقينية في منبعها، ولا بديل عن ذلك سوى العذاب. # فرفعت منكبيها في استسلام وهي تغيب في مهوى الشمس المخضب بالاحمرار، وقالت: نصحتني ~~أمي بقطع علاقتي بك زاعمة أنها لن تجر وراءها إلا العذاب. # فقطب قلقا وهو يرمقها بعنف فقالت بهدوء: ولكنني رفضت النصيحة هازئة بما سمعت، فانظر ~~إلى موقفك أنت! ~~- أشكرك يا وداد، لا أتوقع منك قرارا آخر، ولكن لا تدعي الاستهانة، وإلا فما تفسير ~~هذا الحزن القاتم الثقيل؟! ~~- إنها الصدمة المباغتة، والانهيار المنقض، وانتثار الأسرة الواحدة! ~~- فقال متنهدا: لذلك قررت السفر! ~~- سافر إذا شئت، أما قلبي فإنه يتوجس أوخم العواقب. # فتوسد راحتها براحته وقال: حبنا ثابت راسخ، إنه مثل الضوء لا يعني اختفاؤه حينا إلا ~~أنه يدور دورته ليريق ضحكته الإلهية في الصباح التالي. # 8 # ثمة جو جديد في قصر رأس الحكمة ينفث رائحته الكئيبة. جندي بك لم يعد نفس الرجل، ولا ~~جميلة هانم، إنهما يبذلان جهدا لا يستهان به ليمارسا حياتهما اليومية في هدوء ~~وطمأنينة، كما كان الحال قبل الجريمة. الأسى يتجلى وراء الأقنعة كما يتجلى العمر وراء ~~التصابر. أما هو فلم يلبس قناعا ولم يبال بمشاعر الآخرين. وكانوا يحتسون القهوة بعد ~~الغداء في حجرة الجلوس الزرقاء عندما فاجأهما بقوله: إني أستأذن في السفر. # وقالت أمه بقلق: لم أتوقع ذلك، ولم يبق على ms038 الامتحان إلا أقل من شهرين. ~~- إني لا أكاد أعمل، وبي اضطراب لا يمكن تجاهله، فلا بد من رحلة قصيرة للنقاهة. ~~- كان يجب أن تكون قد تغلبت على الكدر. ~~- لم أوفق إلى ذلك. ~~- ولكن أين تسافر؟ # فأجاب بثبات: إلى مرسى مطروح. # فسأله جندي بك: أهذا قرار ضروري؟ ~~- أعتقد ذلك، بضعة أيام أسترد بها صفائي. # وهمت أمه بالاعتراض، ولكن جندي بك قال: فليذهب، وسوف يرجع على أحسن حال. # 9 # إنه يقوم بأخطر رحلة في حياته. رحلة المغامرة والتضحية والحقيقة. هي أيضا رحلة ~~الهروب من العذاب. ربما إلى عذاب أعمق وأكثف. كأنه لم ير القاهرة قط، كأنه من مواليد ~~الإسكندرية. هجرها وهو ابن ثلاث ورجع إليها وهو ابن عشرين. دهمته القاهرة كأخطبوط ~~خرافي. لم يجد شوقا للتقلب في جنابتها، فاخترق قطاعها الأوسط إلى الحي العتيق. أودع ~~حقيبته في حجرة بالكلوب المصري وراح يدور من شارع إلى حارة. إلا حارة التكية، أجل ~~اقتحامه لها حتى يتشبع بالاستعداد. وقال له صوت من الداخل: «ماذا تفعل؟ لا تكن سخيفا، ~~ارجع من حيث أتيت، انجح في الامتحان، انتظر وداد عامين، تزوج منها ملقيا بالهموم ~~جانبا، مستهينا بجندي وعويس، بجميلة وشريفة، ليس في الأمر مشكلة حقيقية.» ولكن انتصب ~~أمامه إغراء الحقيقة القاسي. رغم شعوره بالعبث. وهل كانت إلا معركة بين لصين؟ ونادى ~~عزيمته واقتحم الحارة. اقتحم الألوان الفاقعة والأصوات المتفجرة، الحاضر الصاخب والماضي ~~المتحفز، النظرات المحملقة والقهقهات المتحشرجة، نداءات الحرف المختلفة بالأصوات ~~والدقات والروائح النافذة، ومهرجان الأزياء من البدل والقفاطين والجلابيب فضلا عن ~~الأجساد شبه العارية، والعطفات والأزقة، والبيوت المتداعية والعمارات الجديدة الشاهقة. ~~ها هي امرأة تنادي مثلما كانت تفعل أمه، وها هو رجل يتصعلك كما فعل أبوه وعمه، وها هو ~~طفل يلعب بفأر ميت ربما كما فعل هو. هنا تقررت مصائر عويس الدغل وجندي الأعور وجميلة ~~الأسطى وشريفة الدهل. ذهب وجاء وهو يتساءل عن الراوي الذي سيهتك له حجب الظلام، من ~~يكون؟ وأين يجده؟ ووقعت عيناه على عجوز قابع وراء صندوق الماركات في المقهى الوحيد، فحدس ~~أنه ms039 يجد فيه بغيته. وقد صدق الحدس. # 10 # صدق حدسه، فالرجل عجوز مقيم ومقهاه من معالم الحارة الأثرية. اختار أقرب مجلس إليه ~~وراح يفكر في وسيلة للنفاذ إليه واستدراجه للحديث. لفت نظر الرجل ببقائه المتواصل وكرمه ~~مع صبي القهوة. ونفد صبر صاحب المقهى العجوز، فسأله باسما: أنت منهم؟ # فتساءل - مرحبا بالحديث - عمن يقصدهم، فقال العجوز: رجال الجرائد. # فانتهز الفرصة وزعم أنه منهم، فقال العجوز: كثيرا ما يجيئون ويصورون ويأخذون ما ~~يشاءون ... # فقال يحيى بدهاء: إني أبحث عن حكايات، ولكل حكاية ثمنها! # فاختلج جفنا العجوز فوق عينيه الكليلتين، وقال بإغراء: حارتنا حارة الحكايات ... ولكن ~~لا بد من جلسة كيف! # فوافق على شروطه، ولكنه قال: تحت شرط أن نكون منفردين ... ~~••• # هكذا جمعهما سطح مسكن العجوز. جلسا على وسادتين فوق كليم تحت ضوء النجوم تسعى حولهما ~~دجاجات ناقة مقوقئة. تظاهر يحيى بأنه يدخن فجعل يملأ شدقيه بدخان الجوزة وينفثه في قرف ~~لم تتح للرجل رؤيته. ولم يضن عليه بما طلب من نقود. وصبر على ثرثرته عن أسعار البن ~~والسكر والشاي وحكيه لبعض النوادر الدارجة، ثم عجز عن كبت لهفته، فقال: اسمع يا معلم ~~سليمان، لقد سمعت من آخرين نتفا عن حكايات، فلم يحظ بانتباهي إلا حكاية رجل يدعى عويس ~~الدغل، ولكنها جاءت ناقصة لا تشبع، فهل تعرف أصل هذه الحكاية؟ # فسعل العجوز سعلة محترف وقال: عويس الدغل عليه اللعنة، إنها عظة كل مغفل في حارتنا، ~~ماذا سمعت؟ ~~- لا أهمية لذلك، أريد أن أسمعها من راوية محنك مثلك، إنها حكاية مدهشة ... ~~- لا تدهش، عندما تبلغ من العمر ما بلغته فلن تدهش لشيء أبدا ... ~~- حقا؟! ولكن هل ما زال الرجل حيا؟ ~~- وهل يبقى على ظهرها إلا الأشقياء؟ # وضحك فجاراه في ضحكه وهو يجد غمزا أليما في قلبه، ثم سأله: ماذا يعمل؟ ~~- إنه في السبعين، تربية شوارع وسجون، وهو اليوم أحد ثلاثة في حارتنا يرتزقون من ~~توزيع الكيف ... ~~- إذن فهو في عيشة راضية؟ ~~- لا، موزع القطاعي محدود الرزق، تكون حاله أحسن إذا قام به، بالإضافة إلى عمل ms040 آخر، ~~ولكن عويس لم يحترف عملا شريفا في حياته، وعجز أخيرا عن السرقة! # اجتاحته رغبة في البكاء، فقاومها بعنف ساءت به حاله. وقال العجوز: إنه يعيش في بدروم ~~في آخر ربع قبل البهو، وإن شئت أن تراه أرسلت في طلبه؟ # فقال بسرعة: فلنؤجل ذلك ... ~~- لعله نسي. ~~- نسي؟ ~~- غدر جندي الأعور وخيانة زوجته، ألم يحكوا لك ذلك؟ ~~- بلى، زمالة السجن، الطلاق، والهرب بالذهب والزوجة والابن ... ~~- عندما خرج من السجن أقسم ليقتلنهما، وجد في البحث عنهما ما وسعه ذلك، وعاش دهرا ~~كالمجنون. # فقال يحيى بصوت منخفض كيلا يفضح تأثره: حكاية غريبة. # فقال العجوز بلهجة منتقدة: الحق عليه، لقد كانت المرأة عاهرة محترفة فتزوج منها، ~~ماذا يتوقع من مثيلاتها؟ ~~- آه ... حمدا للظلام، إنه يتحلل مثل جثة الميت. لم يذكر محروس شيئا عن ذلك اتقاء ~~لغضبه غالبا. وها هو يتلقى الحقيقة كلسان من لهب. ها هو ... آه ما أفظع الألم. # وواصل الرجل العجوز حديثه منتشيا بأهميته: أين ذهب جندي الأعور والمرأة والطفل؟ لم ~~يعلم أحد، وحتى اليوم لا يدري عنهم شيئا، ونسي عويس الدغل الحكاية كما نسيتها الحارة، ~~ولا شك عندي أنه اليوم في السجن وربما الطفل أيضا أما المرأة فلا محيد لها من الرجوع ~~إلى مهنتها الأصلية ... # إنه يهبط درجات من الألم أردته إلى أعماق الجحيم في معزل عن الدنيا جميعا، إنه سقيم ~~في كون موبوء لم يبق له من الغذاء إلا السخرية. وقال العجوز: عندما قبض على عويس هرعت ~~دليلة الفقي صاحبة الرهونات إلى المرأة، توسلت إليها أن ترد الذهب اتقاء لغضب الراهنات ~~والراهنين، فأقسمت بأغلظ الأيمان إنها لا تدري عنه شيئا، وقصدها الفقراء أصحاب الذهب ~~المرهون يتوسلون ويبكون، أكثرهن نسوة كادحات يشترين الذهب لوقت الحاجة ويرهنه عند ~~الضرورة ... # فتمتم يحيى بذهول: أولئك هن صاحبات الثروة المسروقة! ~~- دون غيرهن، وهن اليوم في هذا الغلاء لا يجدن اللقمة إلا بالعذاب، ولعلهن صدقنها في ~~وقتها حتى ظهر جندي الأعور وهرب بها فتأكدن بأنه ما لعب لعبته إلا من أجل الذهب المسروق ~~... # فقال يحيى بأسى: ms041 هن وحدهن صاحبات المال الحال ... ~~- أما عويس وجندي فلم يكونا إلا لصين وبرمجيين، وقد نال عويس جزاءه في السجن وخارجه، ~~ولا يدري أحد إلا الظن بما حل بجندي. # وضحك العجوز ضحكة ساخرة واستطرد: وقد كان لجندي ابن قواد! ~~- ابن جندي الأعور؟! ~~- نعم، وقيل إنه ابن حرام، وإن جندي كان يؤمن بذلك ولكنه كان يخشاه، ولذلك أخذه معه ~~اتقاء لشره، ولعل الولد كان يراقب أباه وزوجة عويس حتى لا يفلتا من قبضته بالغنيمة، وقد ~~تزوج الابن من امرأة محترفة جميلة وكان يقدمها للأعيان! # فتساءل يحيى: ترى ماذا يفعل عويس لو عثر على جندي الأعور فوجده خلافا لظنك ينعم ~~بالجاه والثروة؟! # فقهقه العجوز وقال: ماذا بقي من عويس القديم؟ هل يقتل؟ هل يبسط يديه في ذل سائلا ما ~~يجود به الآخر؟ كلهم لصوص برمجية أوغاد، وليرحم الله ضحاياهم المساكين! # 11 # رآه واقفا كالنائم مركونا إلى جدار الربع. هيكل خلا من مقومات القوة، كليل البصر لا ~~يرى أبعد من متر، غائر العينين بارز الجبهة أصلع نابت شعر الذقن يمرق عنقه من جلباب لا ~~لون له من تلبد الغبار والأوساخ عليه حافي القدمين. مر أمامه ذهابا وإيابا فلم ينتبه ~~الرجل إليه ولم يشعر هو نحوه بأي عاطفة، ولكن اجتاحه إحساس شامل بالتقزز والاحتجاج ~~والتمرد. لا يستطيع أن يقدم له شيئا ولا أن يأخذ منه شيئا، إنه غريب تماما ولكنه رغم ~~غربته قلب حياته رأسا على عقب. مضى ورأسه يشتعل بالأفكار المحمومة. هذا هو أبوه عويس ~~الدغل وهذه هي أمه جميلة الأسطى. وهناك أيضا والدا وداد محروس جندي وشريفة الدهل. إنه ~~ليس الفقر ما يخجل ولكنه الانحطاط. في هذه القضية يستحق السارق والمسروق لعنة واحدة. ~~وقد أراد أن يتثبت فجاءه اليقين نافثا رائحته النتنة. ما عسى أن يفعل؟ ماذا يقبل وماذا ~~يرفض؟ الحيرة تمزقه وعليه أن يتخذ موقفا قبل أن يتبعثر بددا. إنه يحترق، لا يمكن أن ~~يحتمل النار إلى ما شاء الله، ولا يمكن أن تمضي الحياة كما مضت على عهد الغيبوبة ~~السعيدة. وله ms042 أن يفكر، ولكن فليحذر الدوران مع الدوامة بلا عمل حاسم. إنه بحاجة ماسة إلى ~~وداد، ليتبادلا الرأي، وليتفقا على خطة موحدة. هل يطلق الكلاب المسعورة بعضها على بعض ~~لتقول العدالة كلمتها القاسية في عويس وجندي ومحروس والجميع؟! قواه الغاضبة تود أن تفعل ~~ذلك وإلا فلا معنى لأي شيء. وإلا فكيف يخرج من الجحيم؟ ولكن لا بد من مشاورة وداد. ~~يجب أن تتكلم جميع جوانب نفسه. إنه يرفض أباه وأمه وعمه، ويود أن يوجه ضربات ~~مذهلة. # 12 # وافته وداد إلى كازينو جليم. من أول نظرة من وجهه ارتسم القلق في وجهها. قال لها ~~محذرا: لا أحد يعلم بوجودي في الإسكندرية. # فسألته بدهشة: ولم تخفيه؟ ~~- ربما رجعت إلى القاهرة مرة أخرى ... # فقالت متوجسة: هل دعوتني لتحملني مزيدا من الهم؟ إني أعيش أتعس أيام حياتي ... # فقال بهدوء مخيف: يسعدني أن أسمع ذلك، شعور التعاسة في مثل حالنا هو ما يهبنا الجدارة ~~بالحياة الكريمة، فلنترك السفلة ينعمون بالحياة في غمرة سفالتهم ... # ازدادت قلقا، أما هو فإن وحشية التجربة دفعته بقوة مستهترة إلى المكاشفة. قال: قطعت ~~رحلتي ولكنني سأرجع، شعرت بالحاجة الماسة إلى مشاورتك، علينا أن ننتهي إلى موقف ~~موحد. ~~- إنك منفعل إلى درجة تخيفني ... ~~- لا أنكر ذلك، تلزمنا إرادة حديدية لنستحق حياة نظيفة، ليس الأمر هزلا، ولن أباهي ~~بظاهر براق إذا كان الباطن عفنا، أريد أن أرفض الحياة القذرة ... # قطبت متفكرة، فقال: سأصارحك بالكثير، المصارحة بكل شيء فوق طاقتي ولكنك ذكية وتكفيك ~~الإشارة، الحياة التي نعمنا بها طويلا حياة زائفة قذرة مهينة، هناك في الحارة عرفت ~~أصول الأشياء، من أبي ومن أمي، من جدك ومن أبوك ومن أمك، إنها العار والقذارة، المرارة ~~تنسيني اللياقة، تنسيني الترفق بك، ولكني لا أترفق بنفسي أيضا، الماضي كله قذر، لا يجوز ~~أن يمتد في الحاضر، علينا أن نقرر ... # ازداد وجهها الجميل شحوبا وتجلت في عينيها نظرة كئيبة. قرأها بعمق فخطر له احتمال ~~مخيف، وهو أنها قد يفقدها إلى الأبد، وأن يتوه بلا قطرة عزاء في جحيم المحنة. لكنه ms043 كان ~~مشحونا أيضا بثورة طاغية. كان يعاني مقتا لمقدساته القديمة تساءلت: هل لديك أدلة ~~قاطعة؟ # فتفكر قليلا وقال: التاريخ نفسه لا يملك أدلة أقوى! # فلاذت بالصمت. ولاحظ هو أنها تتجنب المزيد من الإيضاحات. لم تسأله مثلا عما عرف عن ~~والديها. ربما بدافع من الإشفاق، وربما لأنها في غير حاجة إلى سؤال، قال: فلنطرح الحلول ~~الممكنة أولا، فثمة حل هو أن نتجاهل الماضي بشره ونواصل حياة تحسدنا عليها ~~الملايين! # فبرقت عيناها، وقالت وكأنها تستغيث: في بيتنا يتوقعون أن ينزل جدي لنا عن عمارة ولو ~~دفعا للشر، يتوقعون أيضا أنه سيملكك ثروته بعد وفاته ... # فساءه أنها تعلقت باقتراح لم يطرحه إلا بدافع الإحصاء، وقال: الحل الثاني أن نرفض ~~القوم وثروتهم وننجو بأنفسنا مهما تكن العواقب لنحيا حياة نقية جديرة بالكرامة ... # فلاحت متفكرة بعمق وصامتة، فقال: لا أخفي عنك أن بي ثورة لا تقنع بذلك؛ لذلك أفكر في ~~حل ثالث وهو أن أحرش الشياطين على بعضها البعض حتى لا يفلتوا من العقوبة الرادعة، ولكي ~~تعود إلى الأشياء معانيها ... # فرمقته بارتياع وتمتمت: إنك تتحدث بجدية تنذر بأوخم العواقب ... # فتساءل متجاهلا قولها: أي حل نختار يا وداد؟ # فقالت بانفعال: مهما تكن الأخطاء فإنني أرفض أن أقيم من نفسي قاضيا للحكم على والدي، ~~ولا أسمح بأن يصيبهما مكروه على يدي، بل لا أسمح أن يصيبهما مكروه إن استطعت دفعه، ~~ذنبهما على جنبهما، كما يقال ... # إنها واضحة وضوحا حفر هوة بينهما. تساءل في وجوم: حقا ترفضين؟ ~~- وأيضا الحل الثاني أراه خياليا، هبنا تبرأنا منهم فكيف نلقي الحياة بعد ذلك؟ ~~سنضطر عند ذاك إلى الانقطاع عن التعليم، ولن نجد عملا، فهل نموت جوعا أو ننحرف مثلهم؟ ~~إنه حل جميل تهفو النفس إليه، ولكنه ليس عمليا يا يحيى ... # أي خيبة تجيء في إثر خيبة! إنه في واد وهي في واد. هل تكشف له الأحداث عن شخصية ~~أخرى تحت الشخصية المحبوبة؟! أما هي فواصلت وقلقها يزداد لشعورها بالفارق الكبير بين ~~فتورها وحماسه: إنني متألمة مثلك، متقززة مثلك، غير أنني أرى ms044 أننا - أنا وأنت - لا ~~نستحق أن نتحمل وزر ما ارتكبه الآخرون، فلنتجاهل الماضي الأليم، لنمض في حياتنا لا يفرق ~~بيننا شيء، ذلك إذا آلت الثروة يوما إليك أن تفعل بها ما يرضي ضميرك ويكفر عن أخطاء ~~وجرائم الآخرين ... # فقال بازدراء: معنى ذلك أن نرضى بنعيم اللصوصية والعهر ... ~~- نحن نرضى بواقع علاقتنا بآبائنا ... # فتساءل بغضب: وبعد أن رأيت بعيني البؤساء الذين هم أصحاب الثروة المسروقة؟! # فقالت بإصرار: نحن أبرياء، لم نرتكب إثما، بل نحن ضحايا لما نعاني من عذاب، ومن ~~الحماقة أن نرمي بأنفسنا للضياع ونحن نمد يدنا لقطف ثمرة كد السنين، فلنصبر ولو على ~~الأقل حتى نقف على قدمينا! # فتساءل بحزن: أهذا رأيك؟ ~~- يحيى، كن حريصا على حبنا حرصي عليه، لسنا قضاة ولا شرطة، وإذا أردت هجرهم لفورنا ~~ففكر قليلا في العواقب، هبني قلت لك إني معك فما هي الخطوة التالية؟ ماذا نعمل؟ أين ~~نعيش؟ أعطني إجابات محددة وأنا معك، لا أريد أن أقوم بمغامرة ثم أسقط في الضياع ~~... # فقال بصوت خامل محشرج بالخيبة: ليس عندي جواب محدد، لسانك يجري بمنطق العقل، والعقل ~~أسمج محدث في موقفنا هذا، الجنون ما ننشد، أعني الجنون المقدس ... ~~- أرجو أن أكون واضحة تماما، أنا لا أتعامل مع الجنون المقدس، ولعلي لا أعرف جنونا ~~مقدسا، وأنت فريسة للغضب، فعليك أن تعيد التفكير وأنت هادئ متمالك لانفعالاتك ... # فقال بعد تردد: أرى أننا مختلفان! ~~- كلا، من ناحية الشعور فنحن شخص واحد، لا أفرط فيك رغم الحملات المتتابعة، وفي الوقت ~~المناسب سأقرر مصيري بنفسي، ولكني أرفض المغامرات الجنونية! # بقدر ما حاصره منطقها ثار عليه، وكلما اشتد الحصار اشتدت به الثورة. ولكنه انهزم. على ~~الأقل لم يمض في اندفاعه إلى نهايته. أجل اتخاذ القرار. أجله وهو من القلق والحيرة ~~في نهاية. وهما يغادران الكازينو ضغطت على ذراعه التي تتأبطها إعرابا عن تمسكها به ~~... # 13 # عندما ودعته قال في نفسه إنها تطالبني بالصبر ولو حتى الامتحان ولكن ألا يستوي أن ~~أصبر شهرا أو عمرا؟! إنها مسألة مبدأ لا وقت. وقد ms045 انكشف عالمه عن حقيقته البشعة ~~القذرة فكيف يقبله دقيقة واحدة؟ ما زالت نقود عمه في جيبه، يذهب ويجيء بها، وينعم ~~بقوتها الفريدة. رغم ذلك كله ما زال مترددا ولما يتخذ قراره. ترى لو رفع صوت العقل في ~~كل حين أكان يستشهد شهيد؟! العقل يحكم في الفلك لا في السلوك. إما براءة وإما قذارة. ~~هل يظل ابن لص وعاهرة؟ ولو كانت المعركة صراعا بين لصوص لهان الأمر بعض الشيء ولكنها ~~جناية وحشية ضحاياها أتعس تعساء البشرية! # وتفكر أيضا وهو ماض على الكورنيش أنه لم يبلغ ما بلغ من التربية والتهذيب والمستوى ~~إلا بفضل النهب والدعارة فتضاعف امتعاضه وأساه. وهو على تلك الحال وجد نفسه يتجه نحو ~~قصر الحكمة. ليس لديه قرار نهائي ولكنه سيلقى الموقف بتلقائية ولينظر كيف تتطور ~~الأحداث. مر بعمه وهو يشارب رجلا غريبا في الدائرة الخضراء، رحب به الرجل وقال ~~بنبرة المنتصر: قلت إنك ستضيق بالوحدة فترجع سريعا. # أما أمه فهرعت إلى حجرته متألقة بالسرور وقالت: خير ما فعلت، لا وقت لديك تضيعه وقد ~~استجاب الله لدعائي ... # جلست قبالته وهو يجذب نفسه من بحر الانفعالات الذي يشده إلى أعماقه بين أمواج متلاطمة ~~من النفور والازدراء والولاء. ها هي تقول إنها تعرف الله وتدعوه، وإنه يستجيب لها. وهي ~~تجلس مطمئنة ملقية القدمين على وسادة مزركشة، جميلة وفخيمة وربة قصر وأي قصر. رياح ~~الثورة ما زالت تعصف بأركانه ولكن يقاومها إشفاق لا يخلو من قداسة. ما زال يذكر بشدة ~~منظر أبيه ومناظر الضحايا فيغص بالمرارة. غير أن الرحلة اقتلعت من صميمه التردد والحياء ~~فلذلك اندفع يقول بلا روية: الحق أنني لم أسافر إلى مرسى مطروح! ~~- حقا؟ إذن أين كنت يا حبيبي؟ # فأجاب ببرود منذر بالويلات: كنت في حارة التكية بالقاهرة! # تلاشت البهجة فجأة من صفحة وجهها كأنها مصباح كهربائي انقطع عنه التيار. شحب لونها ~~وهي ترنو إليه بوجوم واستسلام. لأول مرة يراها وهي مسحوقة بلا حيوية ولا كبرياء. وجاءه ~~صوتها وانيا متسائلا: ماذا أذهبك إلى هناك؟ بل من دلك عليها؟ ms046 # فلوح بيده ولم ينبس فقالت: محروس؟! ~~- ما أهمية ذلك؟ # وساد الصمت حتى أوشك أن يرثي لها، أوشك أن يندم على ما بدر منه. طال الصمت، وفيه قيل ~~كل شيء بلا كلام. لم يتكلم ولم تسأل. كفى اسم الحارة لبعث تاريخ طويل بكل تفاصيله، ثم ~~نكست رأسها ففقد القدرة على النطق. وقال لنفسه إنه لن يتيسر له البقاء بعد ذلك. لا قتال ~~ولا سلام. ها هي تقوم متثاقلة وكأنها طعنت في الشيخوخة. مضت نحو الباب فتابعها بعين ~~مودعة. غير أنها وقفت فجأة فوق العتبة. لبثت واقفة دقيقة كاملة. واستدارت بحركة لا تخلو ~~من شدة. تجلى له وجهها جامدا ومتحديا، ثم أقبلت نحو مجلسها بتصميم جديد. نظرت إليه ~~مضيقة عينيها وقالت برزانة أضفت عليها ثقة: يحيى، ماذا أقول؟ ولكن عليك أن تسمعني، وقبل ~~ذلك أسألك ماذا عرفت؟ # فأجاب وهو ينفخ: كل شيء ... ~~- الأمر لله، عليك أن تسمعني، لقد وجدت نفسي ذات يوم وحيدة منبوذة مكروهة مع وليد ~~رضيع ... # ثم وهي تزدرد ريقها: كان الطفل أمومتي الأولى والأخيرة فغير نظرتي للأشياء ... # وتريثت حتى تعالج أنفاسها وواصلت: ثم ظهر في حياتي رجل يدعى جندي الأعور ... # تفرست في وجهه الواجم ثم قالت: لم يكن جندي الأعور خيرا من عويس الدغل ولا عويس ~~الدغل خيرا من جندي الأعور، ولكن كان قدري أن أجد نفسي دائما بين يدي أحد من ~~أمثالهما، ولم يكن يشغلني وقتذاك إلا أن أجد مأوى لي ولابني ففعلت ما فعلت، أي دناءة في ~~هجر لص من أجل لص آخر، وأي حظ كنت تتوقعه لو انتظرت أباك حتى يفرج عنه؟ وهل تدري أي ~~وحش كان؟! # تنهدت بصوت مسموع، وبدت كمن نجا من الغرق بمعجزة ولكنه لم يبلغ الشاطئ بعد، وقالت ~~بصوت استمد من الشجاعة بعض القوة: وما كنته قبل أبيك كان محنة لا خطيئة، لقد وجدت نفسي ~~وحيدة ضائعة منذ صباي، وما احترفت شيئا به إغراء لأي آدمي، ولكن أين لمثلك ممن تربوا ~~في أحضان النعيم أن يدركوا ذلك؟! # ها هي تسخر منه أيضا، ms047 وها هو يخنس أكثر وأكثر وقد تداعت أركان مملكته. وقد زادت ~~الأمور تعقيدا واكتنف اتخاذ القرار صعوبات جديدة. أما الأم فمضت تقول: ولأول مرة يغير ~~جندي الأعور مسلكه في الحياة فيقرر استثمار ماله عادلا عن الصعلكة والبرمجة، مصمما ~~على تمثيل دور جديد، دور رجل الأعمال المحسن الكريم، ما مدى إخلاصه؟ لا أدري عن ذلك ~~شيئا ولكن حسبنا أنه صار رجلا آخر وأنه أنشأك نشأة نبيلة، وبوسعي أن أؤكد لك أنه ~~يحبك، إنه ما أحب محروس قط، كان دائما يخافه ويتوهم أنه ابن رجل آخر، ويئس تماما من ~~تغيير سلوكه، فلم يبق له من عزاء سواك، ولا أستطيع أن أحكم على ماضيه بغير العين التي ~~أحكم بها على نفسي، كان ضائعا مثلي ومثل أبيك، نحن لا يديننا إلا من لم يذق مرارة ~~العيش مثلنا، حتى شريفة الدهل كانت مثلنا، أقول ذلك رغم الكره المتبادل بيننا ... # لم يرفع عينيه من الأرض ولم ينبس، فواصلت بحرارة جديدة: إني أتصور الضربة التي زلزلتك، ~~ألمسها في وجهك، في رحلتك المخيفة، ولكن لا أحد يستحق أن يكون هدفا لمقتك وغضبك، إذا ~~علمتك المأساة أن تحزن وتثور، فتعلم منها أيضا أن تفهم ... # فتمتم بعد صمت طويل: ما لا عزاء فيه هو أنكم سرقتم أتعس التعساء ... ~~- ما الحيلة؟ ولكن لا تنس أننا كنا أتعس منهم ... # فتفكر مليا ثم قال: قد لا يكون لي حق المحاكمة ولكن واجبي أن أرفض. ~~- ترفض ماذا؟ ~~- هذه الحياة التي لا يمكن الدفاع عن قذارتها! # فقالت بجزع: يا له من قرار خاطئ، لماذا؟ ما مضى مضى وانقضى. عمك اليوم يرغب في أن ~~يورثك ثروته وقد شاور محاميه في الأمر، ثم إنك بريء ولا شأن لك بأخطاء الآخرين! # فأشار إلى صدره وقال: الرفض من هنا ولا حيلة لي. # فتوسلت إليه قائلة: هلا أجلت التفكير في ذلك حتى تنتهي من امتحانك؟ ~~- آه ... بأي عقل أتقدم للامتحان؟ # فقالت بقوة: احبس نفسك في مكتبك كما تعودت أن تفعل، واحذر أن يعلم عمك بما عرفت أو ~~بما يدور في ms048 عقلك، أعترف بأنه غبي وسيئ الظن بالبشر، أجل كل شيء ولا تشغل نفسك الآن ~~إلا بالامتحان ... # 14 # قرر يحيى أن يتأهب للامتحان، فخاض معركة ليجمع فكره المشتت المبعثر. أراح قراره أمه ~~ووداد وبعث في نفسهما آمالا جديدة. لم يكن راضيا عن نفسه، كان أبعد ما يكون عن ذلك، ~~عد نفسه مترديا في السقوط مثل آلة ودون أن يملك من الأعذار ما يملكون. وواساه في عذابه ~~أنه مصمم على الرفض عقب انتهاء المرحلة التعليمية، وأن هذا الرفض لا يعني نبذ الحياة في ~~القصر فحسب، ولكنه يعني أيضا رفض ثروة جندي بك الهائلة. غير أن أحداثا غير متوقعة ~~انفجرت تحت قدميه، فما يدري ذات يوم إلا وجندي بك الأعور يقتحم عليه غرفة مكتبه. جاء ~~مكفهر الوجه عدواني النظرات ثم وقف في وسط الغرفة وخاطبه بلهجة لم يعهدها من قبل ~~قائلا: لدي سؤال عليك أن تجيبني عنه. # واشتدت نظرته صلابة وهو يسأل: هل زرت حقا حارة التكية بالقاهرة؟ # ذهل يحيى. تساءل في نفسه عمن أبلغه. ليست أمه على وجه اليقين. غير أنه لم يفكر لحظة ~~في الإنكار فقال بتحد: نعم ... # فصرخ الرجل: إذن فكل ما بلغني صحيح، والآن دعني أسألك عما يبقيك في بيتي؟ # اصفر وجهه. هل أجل الرفض ليطرد؟ غلى دمه. قال متحديا: إنه بيتي قبل أن يكون ~~بيتك! # قهقه جندي بوحشية وصاح: عليك اللعنة، لقد اعتدت أن أوجه عشر ضربات قبل أن أتلقى ~~الضربة الغادرة، إني لا أخشاك، لا أخشى أباك، ولا أخشى أمك، لقد أرادت هي أيضا أن ~~تدافع عنك، وتمادت في الغباء فهددتني، اسمع، إني أطردك، إني أطردها أيضا، فلا ترني ~~وجهك بعد اليوم ... # وغادر الحجرة وهو يرتعش من شدة الغضب. # 15 # هكذا وجد يحيى نفسه وأمه وحيدين في حجرة ببنسيون الدلتا. هو لا يملك مليما وهي لا ~~تملك إلا مؤخر صداقها. ورغم الانفعالات التي تعصف بهما قالت له: أي نهاية! أنا صاحبة كل ~~شيء، ولكن لننس همومنا، عليك أن تنجح، هي فرصتك الأخيرة، بل هل فرصتنا الأخيرة! # هو ms049 أيضا مقتنع بذلك ومصمم عليه وليس دونها إحساسا بالخطر، غير أنه قال بحنق: لن ~~يفلت المجرمون بلا عقاب. # فقالت بحرارة: لا تفكر إلا في الامتحان ... ~~- ولكن ... كيف عرف الرجل؟ ~~- إني أتصور ما حدث كما لو كنت شاهدة له، لقد أفضيت أنت بسر الرحلة إلى وداد، ما ~~تعرفه وداد تعرفه أمها، أمها وجدت فيما سمعت ما يستحق أن تبلغه محروس، محروس وجد فيه ما ~~يجب أن يوصله - بطريقة ما - إلى جندي الأعور ليقضي عليك أو علينا معا وبذلك يمنعه من ~~التصرف في الثروة، جندي الغبي اعتقد أنك تبيت له أمرا فساء ظنه بك وبي وربما بأبيك ~~أيضا، قرر أن يتخلص منا قبل أن نتخلص منه، لا أحد يدري ماذا ستكون الخطوة التالية، ~~ولكن كل ذلك لا يهم، ما يهمنا شيء واحد هو نجاحك. # إنه مقتنع بذلك ومصمم عليه وليس دونها إحساسا بالخطر، حتى الحنق عليه أن يحبسه إلى ~~حين. # وعندما التقى بوداد في ركنهما بجليم دمعت عيناها وقالت بتأثر شديد: إني آسفة يا يحيى، ~~إن الحوادث جعلت من أبي رجلا شريرا! # فرفع منكبيه استهانة ولم يجد ما يقوله فقالت: أي ظلم وقع على والدتك! # أراد أن يقول إنه جزاء عادل، وإنه يجب أن يشمل الجميع. وتجنب هذه المرة أن يبوح لها بأسرار غضبه، ولكنه شعر بأن علاقتهما ~~صامدة أمام العواصف. # 16 # وجد أنه لن يستطيع التفرغ لدراسته إن لم ينفس عن غضبه بضربة عاجلة. فكر مليا ثم قرر ~~السفر إلى أبيه ليدله على مكان جندي الأعور وحقيقته. إنها مغامرة قد يستطيع أن يتكهن ~~بعواقبها ولكن يحتمل أن يأكل الشر بعضه البعض. واعترف فيما بينه وبين نفسه بأنه قرار ~~مخيف لا يبرره إلا الغضب والرغبة الجنونية في رد الضربة بمثلها. وسافر دون أن يخطر أمه ~~بنواياه. واقتحم الحارة منقبا عن عويس الدغل. ولما أعياه التنقيب قصد إلى صديقه العجوز ~~عم سليمان صاحب المقهى. وقال له العجوز: جئت متأخرا، قبض على عويس الدغل أول ~~أمس! # فذهل يحيى وتساءل: هل رجع إلى السرقة؟ ~~- بتهمة ms050 توزيع المخدرات، ولكن الحارة تردد حكاية غريبة! # وأعاد الرجل على مسمعه الحكاية، وهي أن جندي الأعور علم أن سره بلغ عويس، وأنه يدبر له ~~أمرا فاستأجر شخصا للإيقاع به، وتم له ما أراد! # وختم العجوز حكايته قائلا: من السجن إلى القبر هذه المرة! # هكذا رجع خائب الرجاء ولكن غضبه جاوز النهاية. لم يعد يفكر إلا في الانتقام من جندي ~~الأعور، ولو كلفه ذلك حياته. # 17 # في الإسكندرية وجد أن الحوادث سبقته مرة أخرى. في اليوم نفسه حدث ما حدث، وكانت أمه ~~هي الراوية. فقد عرف أن جندي الأعور شارع في الزواج من فتاة دون العشرين، وأنه يماطل في ~~النزول عن إحدى عماراته لابنه محروس. تربص له محروس عند مغادرته مكتبه التجاري وقتله. ~~هكذا ضاع الرجلان. استمع يحيى إلى الحكاية بذهول ولكن لم يشعر بأسف. على العكس فقد زال ~~توتر أعصابه لأول مرة منذ زمن طويل. ولكن سرعان ما اتجه تفكيره نحو وداد فتساءل: ما ~~مصير الأسرة التي خلفها محروس؟ # فأجابت أمه: لا يختلف عن مصيرنا. # فقال بقلق: ولكن وداد لن تنتهي من دراستها قبل عامين. # فقالت الأم: لدى أمها من الحلي ما يسترهم هذه المدة. # 18 # وقف عم عمارة الجعفري البواب يلقي نظرة الوداع على القصر الأبيض. فاقت الأحداث تصوره ~~وخياله ولكن طول العمر يهدهد الأحزان ... وراح الرجل يقول: لم يعد له صاحب هذا القصر ~~الهائل، ستجف الأشجار وتذوي الأزهار، وسيجيء الربيع القادم فيجد الأبواب والنوافذ مغلقة ~~والحديقة خرابة، وصاحب القصر ووريثه بين يدي علام الغيوب، من نحن حتى نفهم ما يدور ~~حولنا؟ ولكنا نقول مع القائلين: # ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام ~~. # | الربيع القادم # 1 # إنه يوم عادي، ولكن سرعان ما انقلب فاجتاحته عاصفة هوجاء. وتذكر ربة البيت أن تاريخه ~~يخلو من الهزات العنيفة. مسراته عادية ومتاعبه عادية، وغوصه في عسر المعيشة مضى وئيدا، ~~خطوة بعد خطوة، بلا طفرات، وهون منه بعض الشيء أن الجميع يشاركونه في العناء ~~ويتبادلون الشكوى. إلى ذلك فهي ربة أسرة تحظى بمزايا لا يستهان ms051 بها، فالأب ناظر مدرسة ~~ثانوية، وهي كانت مدرسة أولى بالثانوية حتى وقت قريب. واستمرارها في العمل كان مسلما ~~به لولا إصابتها بارتفاع في ضغط الدم، واقتران بخروج خادمتها عنايات فضل الله من خدمتها ~~منذ أشهر للزواج من ابن عمها. وعنايات لبثت في بيتها عشرة أعوام مذ بلغت السابعة عقب ~~وفاة والدها وحتى استردتها أمها، وهكذا حملت جمالات - ربة البيت - الأعباء وحدها وقد ~~تعذر الحصول على خادم إما لندرته أو لارتفاع أجره ارتفاعا غير محتمل. لم يخل بيتها ~~فيما مضى من خادم، أما اليوم فعليها أن تنهض وحدها وأن تلاطف أيضا ما استطاعت ضغط ~~الدم. تستيقظ مبكرة على رنين المنبه لتعد الإفطار لزوجها محمد فتحي ولأبنائها الثلاثة، ~~زغلول (طالب طب) ورمضان (ثانوية عامة) ومحمود (الثانية الثانوية). وعندما يغادرون البيت ~~تعكف على تنظيفه وترتيبه ثم تذهب للتسويق من سوق المنيل غير بعيد من شارع العاصي حيث ~~تقوم عمارتهم، ثم ترجع لتعد الغداء. ويضايقها بصفة خاصة تنظيف الأواني والأوعية وغسل ~~الحمام والمطبخ، ولم تجد ما تستعين به في ذلك سوى قفاز من البلاستيك. ولم يبق من اليوم ~~ما تهبه للقراءة إلا وقت قصير تتصفح فيه الجريدة أو كتابا من المكتبة التي كونتها - هي ~~وزوجها - منذ أيام اليسر. أجل كانت الحياة يسيرة واعدة، وكان ثمة مرتبان ينفقان عليها، ~~ثم أخذ الغلاء يدب ويزحف ويتمطى وينجلي عن وحش لا يرحم، وسرعان ما عجز مرتب الزوج ~~ومعاشها عن ترويضه، فاضطر محمد فتحي إلى إعطاء دروس خصوصية رغم مخالفة ذلك للتقاليد، ~~وودت هي أن تفعل مثله لولا ضيق وقتها بعد ذهاب عنايات. وتوجست خيفة من المستقبل وتساءلت ~~متى يكبح الغلاء وهل يفلت من يدها الزمام؟ وهل يمكن أن تطالب زغلول ورمضان ومحمود بمزيد ~~من التقشف؟! وليس من النادر أن يعرب محمد فتحي عن عذره فيقول: إني رجل بيت مثالي، من ~~البيت إلى المدرسة ومن المدرسة إلى البيت، كل ما يجيئني من نقود أسلمه لك عدا ثمن ~~السجائر والمواصلات ... # ويردف ذلك عادة بتحية يزجيها إليها فيقول: والحمد لله ms052 أنك يا جمالات امرأة حكيمة ~~مدبرة، البلد في حاجة إلى وزير مالية في مثل حزمك ودقتك، لا مليم يتبدد هباء في ~~بيتنا. # وإنها لكذلك حقا. وكثيرا ما ترمى بالبخل ولكنها ترفض الصفة قائلة إنه الحرص ~~والحكمة في مواجهة زمان عبوس. ألا يكفي أنها تبدو أكبر من سنها (خمسين عاما)، بل أكبر ~~من زوجها الذي يكبرها في الواقع بخمسة أعوام. لقد ازداد وزنها، فقدت رشاقة عرفت بها ~~أيام الشباب، وخددت التجاعيد جانبي فيها، وحالت نضرة بشرتها، وإنها لتغبط الرجل على ~~صحته وتتهمه - في نفسها - بمداهنة الهموم ومدافعتها ما استطاع عن باله. من ذلك أنها تتابع ~~أبناءها بالملاحظات والنقد، أما هو فيقول: أبناؤنا يسرون الخاطر يا جمالات، لنحمد الله ~~العلي القدير، حياتهم مستقيمة، تفوقهم في الدراسة ملحوظ، متجنبون للانحرافات التي نسمع ~~عنها هذه الأيام ... # ثلاثتهم من أبناء الثورة، ولكنهم ثمرة تربيتها قبل ذلك، ثمرة تربية أخلاقية حازمة، ~~ودور الأب في ذلك لا يقل عن دورها. لم تستحوذ عليهم عاطفة سياسية بمثل ما استحوذت عليهم ~~رغبتهم الصادقة في التفوق. وهم يعتبرون أنفسهم منتمين إلى الثورة على مدى أطوارها، ~~ولكنهم لو سئلوا عما يعنيه ذلك فلعلهم لا يجدون جوابا خيرا من أن يقولوا إنهم ليسوا ~~من اليسار أو التيار الديني المتطرفين. ولم يفت جمالات أن تقيم هذا الموقف. إنها - ~~كمربية أصيلة - تهتم بتقييم المبادئ كما تهتم بميزانية البيت، وهي تناقش زوجها في كل ~~شيء. والرجل يقول: موقفهم باهت، لعلنا لا نختلف عنهم كثيرا يا جمالات، ولكن تذكري ~~المحاكمات كي تحمدي الله على ذلك ... # ويقول أيضا: المهتمون بالسياسة اليوم قلة، أما الأكثرية فمنهمكة في طلب اللقمة ... ~~سوف يكونون أطباء ممتازين ومواطنين صالحين، وهذا خير من أي سياسة ... # وتغري جمالات نفسها فتقول: إن السفينة يجب أن تبلغ مرفأ السلام قبل أن تعصف بها ~~الرياح. # وكان يوم من أيام فبراير ضاعفت قوة الريح فيه من البرد، وغشيت العمارات المتلاصقة في ~~الخارج غلالة هابطة من الغيم. # 2 # دق جرس الباب. فتحت فرأت أمامها أم عنايات. لا يبدو من ms053 السواد الذي يكتنفها إلا وجه ~~مدبوغ وعينان ذابلتان. أدخلتها مرحبة، متسائلة في سرها ترى هل فشل مشروع الزواج؟ وهل ~~جاءت تسعى لإرجاع البنت إلى خدمتها؟ ~~- أهلا يا أم عنايات، ما أخبار العروس؟ # تربعت المرأة فوق الكليم القديم في المدخل - الأثاث كله قديم - وتمتمت: أخبار لا تسر ~~يا هانم. ~~- لم كفى الله الشر؟ # تجهم وجه المرأة وأغمضت جفنيها منذرة بالبكاء فسألتها جمالات: ماذا دهاك؟ # قام ابن عمها بالواجب، أصبح الفرح قريبا، لكن حسدونا يا هانم. # تساءلت بقلق: ماذا حصل للبنت؟ ~~- اختفت، هربت، دفنت رأسي في الطين، هذه هي الحكاية ... ~~- هربت؟! ~~- نعم، لا تفسير لذلك في قريتنا، إلا أنها هربت بعارها ... # فقالت جمالات بقلق: عنايات! ~~- ابن عمها زين الرجال، لا تفسير آخر، وأكثر من شخص يطالب بغسل العار! # اضطرب رأس جمالات بالخواطر المتلاطمة السريعة وتمتمت: يا له من خبر! # والمرأة دافنة عينيها طيلة الوقت في الكليم. تمطى قلق جمالات. ماذا جاء بالمرأة؟ ~~قالت: لعلك توهمت أنك ستجدينها هنا؟ ~~- إنها لم تعرف مكانا آخر. ~~- ولكن بيتنا معروف لديك ولا يصلح للهرب. ~~- رأسي حائر، لا أدري كيف أتصرف ... ~~- إني مقدرة لذلك، ومندهشة، فعنايات مستقيمة لا شك في ذلك ... ~~- تربت عندك، عند أحسن الناس. # أثار القول أعصابها، ولكنها قالت بهدوء: كانت دائما موضع رعايتي، وعرفت في الخارج ~~بالاستقامة ... # فترددت الأم ثم قالت: ربما كان أحد في الخارج ... # ولكنها قاطعتها: لا أظن ولا أتصور. ~~- أمري لله. ~~- هل نجري تحقيقا في السوق؟ الحق أنها لم تتأخر مرة دقيقة أكثر من المتوقع. ~~- الأمر لله وهو المطلع ... # بلغ الضيق بجمالات حد الغضب. ترامي إلى مشمها رائحة طعام يحترق. هبت مسرعة إلى المطبخ ~~فوجدت البامية قد جف ماؤها وشاطت. نسيت همومها وراحت تعالج الموقف بسخط إضافي. ولما ~~رجعت إلى المدخل - وإلى الهموم - وجدت المرأة واقفة مرتبكة، فقالت لها: ابقي ~~للغداء. # وقررت أيضا - بلا أدنى ارتياح - أن تهبها أجرة الرجوع إلى بيتها. وطيلة الوقت لم يخل ~~رأسها من الفكر. # 3 # ما هذا الذي حدث؟ متى وكيف ومن؟ أم عنايات امرأة حائرة ms054 معذبة مكسورة الجناح، ولكنها ~~تشير بأصبع الاتهام. ما حدث قد حدث وعنايات أمانة في عنقها. جاءتها وهي بنت سبع. ثمة ~~مسئولية ولا شك. لا توجد قضية ولا توجد محكمة ولكن يوجد ضمير، وهي تستطيع أن تعصف بأي ~~اتهام يوجه إليها، ولكن كيف السبيل إلى إسكات بلابل العذاب الخفي؟ لا تفسير للهرب إلا ~~شيء واحد. القرية صادقة في ظنونها. الجريمة وقعت والبنت في خدمتها. تتابعت في مخيلتها ~~صور زغلول ورمضان ومحمود. تنهدت مغمغمة: لكنهم أبنائي! # طنت الجملة في باطنها مثل شعار بال. عنايات جميلة. نضجت في بيتها قبل الأوان. فطنت في ~~وقتها إلى تحذيرات جمالها الناضج. آمنت أنه من الأفضل إرجاعها إلى أمها. لم تنفذ فكرتها ~~لشدة حاجتها إليها. وصادف ذلك ورود طلائع المرض. وأيدت سلبيتها بأن أم البنت أرملة ~~وحيدة وفي حاجة إلى النقود. وأنها لن تستطيع على أي حال الاحتفاظ بها في بيتها. بنت ~~رائعة فحتى الطهي أحسنته. في القرية يركزون المسئولية في الضحية. إنها هي أيضا ~~ضحية. ~~••• # اجتمعت الأسرة حول السفرة في منتصف الثالثة. لا يشغل بالهم إلا القضاء على الجوع عقب ~~نهار برد وعمل مرهق. وجوههم مستبشرة. يبدو أن وجهها يقول شيئا ما، فها هو محمد فتحي ~~زوجها يتساءل: ما لك؟ # قالت وهي تبتسم: يوم بارد كئيب. # فقال محمود ضاحكا: ولكن طعامك لذيذ. # ها هم حولها، زغلول رصين لدرجة البرودة، حتى ليوصف بأنه إنجليزي ... ذقنه مدبب وعيناه ~~جاحظتان قليلا ورأسه كبير بشكل ملحوظ. عاقل جدا، شغال جدا، محترم جدا، مترفع عن ~~المهاترات، ربما أخطأ أحد أخويه في حقه ولكنه لا يخطئ، حتى المزاح البريء لا يميل إليه. ~~رمضان كبير القسمات واضحها، عملاق في حجمه، مارس الملاكمة والمصارعة، ولكنه والحق يقال ~~مهذب، غاوي مناقشة ولكن المناقشة تهمه أكثر من الرأي نفسه، مغرم بالقراءة، يود أن يتفوق ~~على زغلول نفسه، محمود أجمل الثلاثة وجها، ممشوق القوام، محب للأناقة والغناء، طيب ~~القلب وحيي وذكي وصديق لزغلول. الأول طالب طب والآخران يحلمان باللحاق به وتعد قدرتهما ~~بذلك. من منهم؟ سلوكهم آية ms055 في الاستقامة، لا تتخيلهم في صورة أخرى حتى لو كانت ظروفهم ~~المادية أحسن. ثلاثتهم يصلون ويصومون بلا إثارة من تعصب أو هوس. متوجون بالتهذيب ~~والاعتدال والنشاط. لا تتصور بحال أن الجاني أحدهم ولكن وساوسها لا تنام. الأب لا يدري ~~بما يمزقها. إنه يتناول طعامه في صمت وتركيز، عملاق أيضا، شاربه الغليظ يتحرك فوق شفته ~~تحية لأجيال خلت. عما قليل يشاركها همومها. إنه مثلها ذو ضمير، ومثلها أسهم في تربية ~~الثلاثة. ما جدوى ذلك كله؟ متى يجود القدر بالبراءة والراحة؟! ~~••• # لم تسنح الفرصة لإثارة الموضوع إلا عندما جمعتهما حجرة النوم للقيلولة. تبين لها أنه ~~كان يراقبها أكثر مما قدرت فسرعان ما قال بجدية: جمالات، لست كعادتك. # فقالت بنبرة اعتراف: ملاحظتك في محلها تماما. # رنا إليها متسائلا في اهتمام وهو يشعل كليوباطرة، فقالت: زارتني اليوم أم عنايات ~~وأخبرتني أن عنايات هربت قبل الزفاف! # ردد قولها ببطء وهو يغوص فيه بحذر وإشفاق. تبادلا نظرة طويلة مثقلة بالشك، ولكنه لم ~~ينبس، فقالت جمالات: أنت تدري كيف يفسرون ذلك في القرية، ولعله التفسير الوحيد المقبول، ~~وهو يعني أنها ستظل عرضة للقتل في أي وقت، وأنها في جميع الأحوال قد ضاعت ... # فتساءل كالمتهرب: لعلها أملت أن تجدها عندنا؟ ~~- قالت ذلك ... ~~- تفكير غير سليم. ~~- إنها تتصرف بوحي من اليأس ولكن يوجد اعتبار آخر! ~~- اعتبار آخر! ~~- محمد، يضايقني تغايبك في المآزق، ثمة اتهام موجه لبيتنا ... # فتمتم بقلق: ساء ظنها. # واضح من نبرته أن الهم قد ركبه، إنها لم تعد وحدها، قالت: هذه المآسي محتملة الحدوث ~~كما تعلم. # فقال بصوت ضعيف: الأولاد عقلاء. ~~- وهم أيضا مراهقون. ~~- إنهم نماذج طيبة جدا لجيلهم. ~~- ولو. # فتساءل بقلق: ماذا عندك؟ ~~- لا شيء على وجه اليقين. ~~- أحيانا ألمح وقوفهم في النوافذ ولكن ماذا نتوقع؟ ~~- طبعا توجد بنات الجيران، إني أقنع عادة بإرشادات عامة أضمنها حديثي وكأنها غير ~~مقصودة لذاتها. ~~- عين الصواب، هل علموا بالمأساة؟ ~~- كلا بعد. ~~- هل يجدي النبش والتحقيق؟ ~~- لا أردي. # أطفأ الرجل سيجارته وتساءل بضيق: ألا يمكن أن ننسى الموضوع؟ # رغم أنها ms056 تمنت ذلك إلا أنها قالت: المسكينة أهدرت حياتها. ~~- ليس في وسعنا أن نفعل شيئا، هل في وسعك ذلك؟ ~~- ليته كان ممكنا، المساعدة غير ممكنة، ولكن الراحة أيضا مستحيلة ... ~~- افترضي أنك عرفت الجاني فهل يهبنا ذلك أملا جديدا؟ ~~- من العدل أن يعرف ما جنته يداه ... # صمت متفكرا ثم قال: يا له من كابوس! ~~- هو ذلك تماما. ~~- فنفخ قائلا: لا داعي لأن نسبق الحوادث ... # فقالت بإصرار: بل يجب أن يعرف الأمر، أن يعرف الخبر على الأقل ... ~~- إنك تنبشين عن المتاعب. ~~- لقد وجدت رغما عن إرادتي ... # فقال مقطبا: اعتمدي في ذلك على نفسك! ~~- أنت تحاول الهرب. ~~- هربت أم لم أهرب ستدركني الحوادث حيث أكون. # فقال بوضوح: فلنؤجل الحديث إلى عطلة الجمعة. # 4 # وجاء يوم الجمعة. تبدى محمد قلقا كئيبا، أما جمالات فكانت أقدر على حبس انفعالاتها. ~~وعقب الإفطار تهيأ الإخوة إلى حفلة الساعة العاشرة بالسينما. وبصوت مرتفع قالت جمالات ~~مخاطبة زوجها: زارتني أم عنايات التي تركتنا لتتزوج من ابن عمها، وأخبرتني أن البنت ~~هربت قبل الزفاف. # انتبه زغلول ورمضان ومحمود باهتمام، اتجهت أبصارهم نحو أبيهم وهو يتساءل متجنبا ~~نظراتهم: هربت؟ ما معنى ذلك؟ # فقالت جمالات: لا معنى لذلك في القرية إلا أنها هربت لتخفي عارها! # وحل صمت ثقيل حتى قال زغلول: ربما وجد وراء ذلك سبب آخر. # فسألته أمه: أي سبب؟ ~~- لعل العريس لم يعجبها. ~~- هذا يحدث في السينما. # فقال رمضان: أو هربت مع آخر. ~~- لو صح ذلك لعرف في الحال، وعلى أي حال فستظل مهددة بالقتل. # فتساءل محمود: ما زالت تلك التقاليد مرعية؟ ~~- وستظل مرعية طويلا. # فقال زغلول: يا له من سوء حظ، كانت بنتا طيبة ... # فقالت جمالات: الطيب عرضة للخداع. # أدركت جمالات أنهم يشعرون تماما بالتهمة المعلقة فوق رءوسهم. قال رمضان: نحن لا ندري ~~شيئا عما يحدث في الخارج. # فقالت جمالات بقوة: ما يحدث في الخارج يتردد صداه في الداخل! # فتساءل محمود: ماذا تعنين؟ # فهدأت نوعا وهي تقول: أعني أن ... أعتقد أن البنت بريئة ... ~~- إذن فلماذا هربت؟ # إنه هو الذي يحقق! ms057 على ذلك تمنت من الأعماق براءتهم. وتمتمت: الله أعلم! # وضاق صدر زغلول بالمناقشة فنهض وهو يقول: صدقت، إنه أمر مؤسف ولكن ما الحيلة؟ وقد آن ~~لنا أن نذهب ... # ولما خلا لهما المكان نظرت إلى زوجها قائلة في عتاب: لم تتفوه بكلمة. ~~- إني حزين، هل أفادك ما فعلت ؟ ~~- هو الواجب. ~~- هل خرجت بانطباع ما؟ ~~- يلوح لي أنهم أبرياء. ~~- أرجو ذلك. ~~- مضت ترفع أواني الطعام وهي تقول: عيبنا أن لنا ضمائر. # فقال بسخرية: أفنينا العمر في تربية الضمائر. # فرجعت من المطبخ وهي تقول: يقال إن زماننا بلا ضمير. ~~- في كل عصر مضى قال عنه أهله ذلك. ~~- أتعني أن الضمير خرافة؟ ~~- كلا، ولكنه درجات، وأرفعه شأنا الضمير الذي يردف القول بالعمل فهو نادر جدا في ~~كل عصر، هبي أنك عرفت أن ابنا من أبنائك هو الجاني فماذا كنت تفعلين؟ # فتساءلت متحدية: هل تتوقع أن أبلغ الأمر للشرطة؟ ~~- دعينا من الأساطير. ~~- توجد سبل كثيرة للتكفير عن الأخطاء أو إصلاحها. ~~- إنها تتطلب قدرا كبيرا من الشجاعة. ~~- أعلم ذلك ... ~~- عظيم. ~~- لكن شعوري يحدثني بأنهم أبرياء. # فتمتم بسخرية: إنك تنشدين الراحة. # فقالت بحدة: كلا ... # فقال متنهدا: ثمة أناس يولدون للضياع. ~~- لعلك تشير إلى دور المجتمع؟ # فهز رأسه بالإيجاب، فقالت: نحن ننشد الراحة بأي سبيل. # فقال في ضجر: إني مغتم من أجلهم قبل كل شيء. ~~- وأنا مثلك، ولكنني مغتمة من أجل البنت أيضا ... ~~- لست وحشا كما تعلمين، أأنت واثقة من براءتهم؟ ~~- أين مني ليت؟! ~~- هل نمضي إلى الأبد على هذه الحال الجنونية؟! # فصمتت جمالات في غاية من التعاسة ثم تمتمت: ليتنا نعثر عليها لنفعل ما نستطيع من ~~خير. # 5 # المتاعب الطارئة - رغم حدتها - تهون إذا انتظمتها سلسلة المتاعب القائمة. إنها تصارع ~~كل يوم متاعب اللحوم والمواصلات والتليفون والمجاري، فأوشكت أن تألف مأساة عنايات. غير ~~أن أم عنايات رجعت ذات ضحى. ولم تكن وحدها، فها هي تسوق أمامها عنايات نفسها! يا لها من ~~مفاجأة فجرت الأزمة كأعنف ما يكون الانفجار. اجتاحتها انفعالات متضاربة. تجهم المستقبل ~~- مثل السماء - بالسحب. ها ms058 هي عنايات أمامها كما تمنت، ولكن أي ازعاج أثارته! رغم كل شيء ~~رحبت بهما قائلة: الحمد لله! # قالت الأم: أولاد الحلال دلوني عليها، فررت بها لأنقذها من الموت، ولم أجد لها مأوى ~~آمن من بيتك! # حاولت أن تقرأ شيئا وراء الوجه المدبوغ، ولكنه بدا جامدا لا يبين. إنها محاصرة. لا ~~تستطيع أن ترفضها ولا تود أن تقبلها. قالت: سيهتدون إليها هنا ... ~~- آخر مكان يتصورون وجودها به، فضلا عن ذلك فهم يجهلونه، لا ترسليها إلى الخارج، ~~قلبك كله رحمة يا ست ... # نظرت إلى عنايات فأجهشت في البكاء. ذبل جمالها واتسخ. وهي خجلى تعيسة لا تستطيع أن ~~ترفع عينيها. وسحبت جمالات الأم من يدها إلى المطبخ، ثم قالت لها بحزم: أريد أن أعرف ما ~~تعرفين. # فقالت الأم بحرارة: لا أعرف شيئا. ~~- تمكرين بي؟ ~~- لم يكن لدي وقت، تسلمتها وطرت بها قبل أن ينتبه إلينا أحد. ~~- ولكنك قررتها؟ ~~- أبدا وحياتك. # فقالت بإصرار: لا أقبلها حتى أعرف. # فتساءلت الأم بانكسار: هل ترسلينها للموت؟ # فلعنتها في سرها وقالت: ستحملني من الهم ما لا يطاق. ~~- ربنا ستار وقلبك كله رحمة. # فقالت بوضوح: إذا أزعجنا أحد من القرية فلن أسمح بأن أجعل من بيتي مسرحا ~~لمعارك. # فقالت الأم بيقين: لن يكون ذلك. # وسرعان ما غادرت الأم البيت وكأنها تفر. # 6 # جلست جمالات في المدخل وعنايات قاعدة على الأرض بين يديها. قالت لها: لا شك تذكرين ~~رعايتي لك؛ لذلك لم أصدق. # فأحنت رأسها ولم تنبس فقالت: طبعا هربت لسبب، ما هو؟ # ثابرت على صمتها فقالت جمالات: ليكن الأمر كما ظنوا، صارحيني من هو؟ # غاصت في الصمت أكثر. ~~- يجب أن أعرف، هذا ضروري جدا لإنقاذك. ~~- راحت تنشج، فقالت جمالات: لا ... تكلمي ... لا بد أن أعرف. # بإزاء إصرارها همست عنايات: لا أحد. ~~- إذن لماذا هربت؟ ~~- لا أريد أن أتزوج. # فقالت بريبة: لكنه زوج مناسب. ~~- لا أريده. ~~- تحلفين على ذلك؟ # هزت رأسها بالإيجاب: توجد أكثر من وسيلة لمعرفة الحقيقة. # فلم تنبس، فقالت بحدة: كذبك واضح، أريد الحقيقة يا عنايات ... # فرجعت تهمس: ms059 لا أحد. ~~- لعلك تحبين رجلا آخر؟ # هزت رأسها نفيا، فهتفت جمالات: إنك تعبثين بي يا بنت. # فنشجت مرة أخرى. ~~- كفي عن ذلك، أريد الحقيقة، لماذا تخفينها، لقد ربيتك مذ كنت بنت سبع، أنسيت ~~ذلك؟ # فغمغمت بانكسار: لا أحد. ~~- ما عيب عريسك؟ # فلاذت بالصمت. ~~- أهو عجوز؟ # هزت رأسها نفيا: أليس ابن عمك؟ # فهزت رأسها بالإيجاب. ~~- هل به عيب؟ # فلم تنبس، فصاحت: أقلعي عن هذا الخرس، أنا لا أصدقك، ولا بد من الحقيقة. # ولكنها لاذت بالصمت ونشجت للمرة الثالثة، فحنقت عليها متمنية في الوقت نفسه أن تكون ~~صادقة. تساءلت: إذن لم يعتد عليك أحد؟ # فهزت رأسها بالإيجاب. تتمنى أن تصدقها، ولكن من أين لها اليقين؟ ورأت الاكتفاء بهذا ~~القدر من الاستجواب مؤقتا. قامت وهي تقول: خذي راحتك ونظفي نفسك والله يتولانا ~~برعايته. # 7 # رجع الرجال إلى البيت فتناولوا غداءهم. الشقة باردة مثل الخارج أو أكثر، ولكن إحكام ~~إغلاق نوافذها حماها من عواصف أمشير، فلم يقتحم الداخل إلا زفيف رياحه. هذا البيت لا يحب ~~الشتاء وخاصة أمشير. توارت في أثناء ذلك عنايات في المطبخ، فلم ينتبه لوجودها أحد. وطيلة ~~الوقت جعلت جمالات تتأهب لإلقاء الخبر. رددت في أعماقها بإصرار «لا أحد». حل سعيد لم ~~يجر لها في بال. لم لا؟ البنت بريئة ولأمر ما كرهت الزواج فهربت. إنه لا يصدق ولكنه ~~غير مستحيل. لعلها تحب شخصا آخر. إن صح تخمينها فهي تحب صبي الكواء، فهو شاب وسيم ~~ويخطر عادة في البلوفر والبنطلون. وبعد الفراغ من الطعام مضت إلى حجرة الجلوس وهي تشير ~~إليهم أن يتبعوها. جلسوا على الكنب العتيق. توقعوا أمرا، وقال محمد فتحي الأب: لو تمطر ~~السماء يصفو الجو وتهدأ العاصفة. # نظرت صوب التلفزيون والراديو الصامتين فوق حاملهما الخشبي، وقالت ببساطة: عنايات هنا ~~... # شخصت الأبصار. شخصت إليها باهتمام واضح. باتت عنايات بؤرة الإثارة وهدفها. ولم ينبس ~~أحدهم بكلمة. انتظروا المزيد بوجوه مفصحة عن الاهتمام وحده. قصت عليهم قصة رجوعها وخطة ~~أمها، ثم قالت بارتياح: حققت معها فأسفر التحقيق عن لا شيء، زوبعة ms060 في فنجان كما يقولون ~~... # تساءل محمد فتحي: ماذا تعنين؟ ~~- لا جناية ولا جان ... # تمطى الصمت حتى شمل الكون، تساءل الأب: لم كان الهرب إذن؟ # فأجابت بسخرية: العريس لا يعجبها! ~~- هل يصدقونها هناك؟ ~~- ما زالت حياتها معرضة للخطر، ولعلها معلقة بشخص ما. لعله صبي الكواء، سأعرف كل شيء ~~في حينه ... # تمتم الأب: عادت المشاكل إلى بيتنا! ~~- قد تتزوجه وينتهي الأمر. # فقال الأب بامتعاض: كان من الخير ألا نقبلها. ~~- لم يكن بوسعي أن أطردها إلى الموت. ~~- قد يسعى إليها الموت هنا ... ~~- إذا تزوجت انتهى كل شيء بسلام. # وقلبت عينيها في الوجوه ثم قالت: لقد تصرفت في نطاق ما نؤمن به من مبادئ، فلا ~~تلمني. # 8 # عاشت جمالات في قوقعة الطمأنينة قانعة بمصارعة المعيشة. رغم كل شيء تابعت عنايات بعين ~~يقظة. لبث في أعماق قلبها شك مثل دودة خفية. كلما حاولت استدراجها سمعت عبارة عنيدة «لا ~~أحد». اضطرت مرة إلى أن تسألها: لعله صبي الكواء؟ # فهزت البنت رأسها نفيا. ~~- هل ترفضين الزواج إلى الأبد؟ # فلم تحر جوابا ومضت في عملها. وكانت عنايات تنام في الطرقة المؤدية إلى المطبخ فوق ~~شلتتين متلاصقتين تحت بطانية خشنة. ومرة في جوف الليل وجمالات راجعة من الحمام تلقت من ~~إحساسها رسالة خفية بأن الطرقة تموج بحياة حذرة مكتومة. توقفت وأطفأت النور وذابت في ~~الظلام بقلب خافق. أشفقت من الإقدام وعجزت عن الذهاب. امتلأ رأسها بأفكار مثل الظلام. ~~هل يمكن أن يتسلل أحد من الخارج وهم نيام؟ أي شيطانة! وأي تعاسة تقتحمها من جديد! وقبل ~~أن تتخذ قرارا رأت في الظلمة التي ألفتها عيناها شبحا يتسلل من مدخل الطرقة ماضيا ~~نحو حجرة الأولاد. تلاشت أحلامها تحت صاعقة الحقيقة. صاعقة محقت أي أمل. جسدت الاتهام ~~وقذفت به في وجهها. تركته يذهب وهي مشلولة تماما. لم يهن عليها تفجير الفضيحة ولا ~~إرعابه ولا حتى مواجهته. ثمة طرق أخرى توصل للحقيقة. وسوف توصل الحقيقة إلى الجنون. ~~وبلا تردد اتجهت نحو الطرقة. أسدلت ستارة مدخلها وأضاءت المصباح. فتحت عنايات عينيها ~~فزعة ولم تكن ms061 نامت بعد. نهضت مرتعدة ووقفت مستسلمة للأقدار. حدجتها جمالات بنظرة صارمة ~~وسألتها: من؟ # ولما ترددت لطمتها على وجهها قائلة بانفعال شديد: انطقي ... # فاندفعت تهمس في فزع: زغلول! ~~- يا للداهية! يأبى الداء إلا أن يصيب مقتلا. اضطربت أنفاسها. ~~- زغلول! # لاذت بالصمت منهارة تماما: هو الجاني؟ # هزت رأسها نفيا ... ما معنى هذا. ~~- ليس هو؟ # أحنت رأسها بالإيجاب. ~~- من الآخر؟ انطقي ... # وهزتها بعنف مكررة: انطقي ... # فهمست: سيدي محمود ... ~~- عرفت الاثنين في وقت واحد؟ # فصمتت، ولكنه الصمت المغني عن الجواب ... فتساءلت الأم: وهل يعلم أحدهما بما يفعل ~~الآخر؟ # هزت رأسها نفيا، ثم قالت بنبرة باكية: على رغمي ... لم أستطع صدهم ... جاءوا كلهم ~~... ~~- رمضان أيضا؟ ~~- نعم ... على رغمي ... ~~- أنت فاجرة! # بسطت راحتيها في يأس وأجهشت في البكاء. # 9 # لما رجعت إلى الحجرة وجدت محمد فتحي يغط في نومه. على ضوء المصباح السهاري رأت الساعة ~~تدور في الواحدة صباحا. لن يغمض لها جفن ولكنها أشفقت من إيقاظه. انتظرت في عذابها حتى ~~الفجر ثم نادته: معذرة، عليك أن تشاركني سهادي ... # فتح عينيه ثم تساءل: ماذا أيقظك؟ ~~- إني في حاجة إليك ... # طار النوم وحل محله قلق ثم تساءل: الموضوع نفسه أم شيء جديد؟ ~~- نفسه! # تزحزح جالسا وهم يتمتم: لم يطمئن قلبي أبدا. # وصبت عليه الحقيقة صبا لتتخلص من قبضتها الخانقة حتى أسند رأسه إلى راحتيه وهو ~~يقول: كارثة! # وتبادلا النظر في حيرة فتركها حتى تساءلت: كيف نتصرف؟ ~~- ليتك ما سمحت لها بالبقاء؟ ~~- ما كان ذلك ليخفف من الجريمة. # وإذا به يقول في خشونة: جمالات، الكلام عن الأخلاق شيء والسلوك الأخلاقي شيء آخر ~~تماما، وقد حرصنا طيلة عمرنا على الاستقامة، فلم يرسب في تاريخنا ما نخجل منه، وأنشأنا ~~أبناءنا على مثالنا. # فتساءلت في أسى: وما النتيجة؟ ~~- لم تصادفنا تجربة بهذه القسوة، كيف نتصرف؟ لنكن واقعيين، لقد وقعت جريمة ولكن لن ~~نعدم لها الأعذار الطبيعية المناسبة. ~~- ليكن، ولكن المهم في تصرفنا بعد ذلك. # فقال بنبرة لم تخل من غيظ: هذا صحيح، فما التصرف الصحيح؟ إنه واضح، وهو أن يتزوج محمود ms062 ~~من البنت التي شاركه فيها أخواه وهم لا يعلمون، بذلك نسترها ونكفر عن خطيئتنا وننقذها ~~من الموت، فهل أنت قادرة على الحل الصحيح؟ # أرخت جفنيها في ذل وانكسار، فقال: هذا هو الواجب، الكلام سهل أما الواجب فهذا هو، ~~وهو كفيل بهز مستقبله ويجعلنا مضغة أفواه المحبين قبل الكارهين، إني أعرف تشددك وتقواك ، ~~عظيم، افعلي ما ترينه صوابا ... # ها هو يلقي عليها الحمل. كأنما يتحداها. يخيرها بين الذل والجريمة. وهي تمقت الجريمة ~~ولكنها تجزع أمام الحل الصحيح. هذه هي الحقيقة التي تصفعها. وعوضا عن الإجابة دمعت ~~عيناها. ولم يتراجع عن خطه فقال: ما جدوى الدموع؟ القرار عسير، خذي مهلة كافية للتفكر ~~... # فقالت بصوت ضعيف: الأمر لا يخصني وحدي. # فقال بلا تردد: إن أردت رأيي فاعلمي أني رجل واقعي كما أني أخلاقي. # فانتظرت في امتثال، فقال: ممكن أن نزوجها من ابن الحلال بعد اتخاذ الاحتياطات الطبية ~~الواجبة. # صمتت مغلوبة على أمرها، ولم تخل من سخط عليه وعلى نفسها معا. وشعرت بخجل كإنسان جرد ~~من ملابسه فجأة. أما محمد فواصل قائلا: لا مفر في هذه الحال من إبقائها حتى نبلغ بها ~~بر السلامة، ولكن عليك أن تخترقي الحاجز بينك وبين الآثمين. ~~- ألا تقوم أنت بهذه المهمة؟ # فقال بحسم: بل أنت، والأفضل أن تزعمي لهم أنني لم أعرف شيئا. ~~- لماذا؟ ~~- هو الأفضل ... ~~- فتفكرت وقتا ثم قالت: إنه الحل الممكن، ولكنه ليس الأمثل، أمرنا لله، وهو سيعرينا ~~جميعا نحن وأبناءنا ويفضح ضعفنا الحقيقي ... ~~- سيدركون أننا نضحي بالسلوك النقي من أجل مصلحتهم. ~~- وسيدركون أيضا أننا كاذبون، صناعتنا الكلام لا أكثر ولا أقل ... # فتساءل في عصبية: أليسوا المسئولين عن الجريمة؟ ~~- ونحن المسئولون عن الحكم. # فقال بضيق: تصرفي إن استطعت على مستوى مبادئك. # فهتفت: كأنما تسعى لإذلالي ... # فخفف من نبرته قائلا: معاذ الله، كلانا غارق في مصرف واحد! # وتبادلا نظرة خلت من الروح والثقة وأترعت بالأسى. # 10 # الصباح يفتتح يوما مفعما بالمعاناة. ما زال البرد قارسا والرياح عاصفة. وتنظر من ~~وراء زجاج النافذة المغلقة فترى الطريق ممتدا حتى ms063 المنعطف، لا شجرة به، الريح تنشر ~~الزبالة فوق أديمه، وجه الطوار متشقق متعدد الفجوات، والناس يترنحون هنا وهناك. لقد ~~انصرفوا جميعا، وعنايات تعمل في المطبخ، وهي تفكر في المواجهة التي ستتم بينها وبين ~~أبنائها منفردين، إنها الكآبة والحرج. وكانت بدأت بالبنت فقالت لها بحزم حاد: حذار أن ~~تذعني لأحدهم، كفى ما كان، وسنجد لمشكلتك الحل المناسب ... # من آن لآخر جعلت تراقبها وهي منهمكة في عملها. ترى ماذا يدور في رأسها؟ تبدو خالية ~~البال كأن الموت لا يتهددها. بل أخذت النضارة تلوح في وجهها الأسمر ووجنتيها البضتين. ~~كما رثت لها حنقت عليها. مأساتها مأساة من يواجهن الحياة بلا مال ولا علم. وتذكرت ضيقها ~~إزاء الغلاء المتصاعد وكيف تهبط أسرتها درجة بعد درجة. إنها تلبي طلبات الأبناء بنسبة ~~لا تزيد عن خمسين في المائة، ولولا جديتهم وتسلط روح العمل عليهم لانفجرت أزمات ~~وأزمات. # وهي تمر بالبنت قالت هذه: ستي. # فتوقفت متسائلة، فتساءلت البنت: هل تريدين أن أذهب؟ # فقالت بعصبية: لم أقل ذلك قط. # فتمتمت: أشعر بأني غير مرغوب في ... ~~- انتبهي لعملك ونفذي ما أوصيتك به. # اتجهت إليها بكل جسمها وقالت بصوت منخفض: عرضوا على أمي أن أعمل في شقة ~~مفروشة! # يا لها من مفاجأة. تساءلت في استنكار: ألا تفهمين ما يعنيه ذلك؟! # فقالت بصراحة لم تتوقعها: لن يكون أسوأ مما أنا فيه، ويمكنني أن أقتصر على السهر في الشقة! # وقالت جمالات بامتعاض شديد: سنجد لك مصيرا أحسن! # فقالت بصوت حزين دل على أنها ليست خالية البال كما بدت لعينيها: لا يوجد لي مصير ~~حسن! # عند ذاك دق جرس الباب فذهبت جمالات لترى من القادم. # وكان القادم هو محمود. # 11 ~~- ماذا أرجعك؟ # مضى بها إلى حجرة الجلوس وهو يشير: تخلفت عن المدرسة لأحدثك على انفراد. # أجلسها إلى جانبه، فجلست متوقعة أن تسمع اعترافا و - ربما - حلا من نوع ما. قال: لا ~~أستطيع أن أحتمل أكثر مما احتملت. # فنظرت إلى الأرض بوجوم رافضة أن تتظاهر بما ليس فيها، فقال: الموضوع يتعلق ~~بعنايات! # فلم يتغير ms064 من حالها شيء، فاعترف قائلا: لقد كذبت عليك، هناك اعتداء وأنا المعتدي ... # وتفرس في وجهها ليرى أثر كلامه ثم قال: أدرك الآن أنك عرفت الحقيقة. ~~- أجل. ~~- شد ما تعذبت عند سفرها مع أمها، لن أغفر لنفسي تقاعدي عن مساعدتها، كان الموقف أكبر ~~من شجاعتي، وتضاعف العذاب عندما علمت بهربها ... # فقالت بهدوء: لا يداخلني شك في ذلك. ~~- أعتقد أن والدي يعرف أيضا. ~~- نعم. ~~- إنها تنتظر أحد مصيرين، الموت أو السقوط. ~~- ربما يوجد طريق ثالث. # فتساءل بلهفة: ما هو؟ ~~- أريد أن أستمع إليك أولا. # فتردد قليلا، ثم قال: نحن قوم ذوو ضمائر حية. ~~- هذه هي المشكلة. # فتشجع قائلا: الواجب يقضي علي بأن أحميها حتى أتزوج منها ... # خفق قلبها منذعرة وسألته: هل تدري ما يعنيه ذلك؟ ~~- طبعا بكل أبعاده، وأدري أيضا ما يعنيه الغدر، وقد لقنت على يديك - ويدي أبي أيضا ~~- مبادئ لا يجوز أن تنسى. # انحبست الاعتراضات في حلقها وتورد وجهها حياء، أما هو فتساءل: أليس كذلك. # فلم تجد بدا من أن تقول: بلى. # وجفلت من أن تشير له إلى ما تم الاتفاق عليه بينها وبين محمد فتحي، فرددت في نفسها ~~«إذا بليتم فاستتروا». سيقع ما كانت تحذره إلا إذا انبرى أبوه لإنقاذ الموقف. تخيلت ~~عنايات زوجة لمحمود وأمها حماة له فغاص قلبها في صدرها. غاص قلبها رغم أنها تتذكر ~~تماما أن جدتها لأمها لم تكن ترتفع درجة واحدة عن أم عنايات، وأن جد زوجها كان فراشا ~~في مدرسة! وإذا بمحمود يقول: ولكن توجد مشكلة أخرى. # حدجته بنظرة مستطلعة، فقال بحياء وتلعثم: إني في حكم الخاطب. ~~- خاطب؟! ~~- يوجد اتفاق لم يعلن بعد بيني وبين فردوس سمير جارتنا. # ذهلت جمالات حقا. إنها تعرف فردوس، كريمة المرحوم سمير المعلم، وهي صديقة حميمة ~~لأمها جارتها منذ ربع قرن. أسرة طيبة ومحترمة، بكريها طبيب في الأرياف، وفردوس فتاة ~~تكبر محمود بخمسة أعوام، لم تتم تعليمها، ذات ثروة محترمة، ولكنها سيئة الحظ لأنها ~~عاطلة من الجمال، لا حظ لها منه رغم أناقتها المبالغ فيها، كما أنها تترك ms065 في نفس ~~محدثها ما يثير السخرية لتصورها أنها محدثة لبقة واسعة الاطلاع. سألته بدهشة: هل تحب ~~فردوس؟ # فقال بمزيد من الحياء: المسألة أنني استجبت لتوددها، لم أدر كيف أرفضها ... ~~- يا لها من خطوبة غريبة! ~~- والأدهى من ذلك ... # وتوقف مرتبكا فتساءلت: هل يوجد ما هو أدهى من ذلك؟ ~~- تورطت معها ... # فقاطعته: يا خبر أسود ... ~~- لا أعني ذلك، أعني أنني اقترضت منها بعض النقود. # فكررت في عصبية: لا أصدق أذني ... ~~- قروض اضطررت إليها ... ~~- ما مقدارها؟ ~~- الحق أنها مستمرة! ~~- مستمرة؟! أأنت في حاجة إلى ذلك؟ ~~- ماما، كيف غاب عنك ذلك؟ ~~- نحن نشقى لنوفر لكم حياة كريمة. ~~- أعرف ذلك، ولكن لولا نقود فردوس لأرهقتنا المعيشة إلى درجة عدم الاحتمال أنا وزغلول ~~ورمضان. ~~- يا للمصيبة، أهما شريكاك في ذلك؟ ~~- نعم ... ~~- ألم يعترض أحدهما؟ ~~- لقد شجعاني على ذلك. ~~- شجعاك على خداع بنت سيئة الحظ لسلب نقودها؟ # فبادرها بحرارة: ليس في الأمر خداع، صدقت نيتي على الزواج منها في الوقت المناسب، ~~وقال لي أخواي إن المال ميزة مثل الجمال، وإن فردوس على خلق ومن أسرة طيبة! ~~- يا للعار يا محمود، تخطب فتاة سرا لتنفق عليك! ~~- إنها قروض سأردها في المستقبل، ولولاها لحدثت لك أنت وأبي متاعب كثيرة ... # ألصقت راحتها بجبينها وهتفت: إني في حاجة إلى طبيب ... # فصمت مستسلما لوجوم كئيب حتى سألته: وكيف أخطأت مع الأخرى؟ ~~- بلا إرادة ... ولكنني أعترف لك بأنني أحب عنايات! ~~- ما شاء الله، وهل علم أخواك بجنايتك؟ ~~- كلا. ~~- لعل لديهما حلا فريدا! ~~- ماما، إني معذب، لا أستطيع أن أتخلى عن عنايات، كما أنه يعز علي جدا أن أهجر ~~فردوس ... # ونظر إليها في تعاسة مستوهبا النصيحة، حتى ندت عنها ضحكة عصبية وقالت ساخرة: ما عليك ~~إلا أن تتزوج من الاثنتين ... # فقال بلهفة: يهمني جدا رأيك. # فقالت بحيرة: أمك احتارت واحتار دليلها! ماذا يقول لك ضميرك؟ ~~- يملي علي أن أكون إلى جانب أشد الاثنتين حاجة إلي ... ~~- ومن عسى أن تكون؟ ~~- عنايات فيما أعتقد. ~~- ثم يقال إنك سرقت فتاة طيبة وخدعتها! ~~- أهون من أن أترك أخرى ms066 للموت أو السقوط ... ~~- ستوجد على أي حال تضحية بفتاة بريئة ... # وساد صمت ثقيل مرهق للروح حتى تساءل محمود: أليس هو الصواب يا ماما؟ # فقالت بنفاد صبر: حسبي أنني ربيت ضميرك، وعليك أن ترجع إليه وحده! # 12 # هكذا انضاف إليها واجب ثقيل آخر هو مواجهة زوجها قبل مواجهة زغلول ورمضان. تذكرت ~~أياما خالية حرصت فيها على الاستئثار بحل المشكلات. كانت مشكلات هينة حقا، أما اليوم ~~فكم تتمنى لو أن زوجها كان أكثر إيجابية! وقد عاد زغلول ورمضان متعبين، ولكن مرحين أيضا ~~لا يدريان شيئا عما يتجمع وراءهما من سحب، أما محمد فتحي فبدا وكأنه يتقدم في العمر. ~~وتساءل رمضان عن تخلف محمود عن الذهاب إلى المدرسة، فأجابت أمه بأنه متوعك. وتناولوا ~~الغداء في جو لم يفلح جهد في تبديد كآبته. وفي حجرة النوم قالت جمالات لزوجها: لدي مزيد ~~من الأخبار المزعجة ... # ورمته بالجديد منها بغير مبالاة. وراح الرجل يفكر ويضرب على كف بكف، ويقول: لن أدهش ~~لو تكشف بيتي عن عصابة إرهابية للاغتيالات الدولية ... # فسألته بوضوح: أتستطيع أن تقنعه ~~باقتراحك الأول؟ # فهز رأسه باقتضاب: كلا. # إنه لا يريد أن يتلقى درسا في الأخلاق على ابنه ~~وتلميذه. ~~- قالت: الحق إننا أصغر من الأخلاق التي نعلمها. ~~- أي حل الآن لن يعفينا من سوء السمعة ... ~~- ما أكثر الخاطئين، ولكن ذوي المبادئ وحدهم هم الذين يدفعون الثمن ... # فابتسم ابتسامة ساخرة ولم ينبس، فثارت ثائرتها وقالت: إنك تخجل من مواجهة ابنك باقتراحك ... ~~- بل اقتراحنا، فقد وافقت عليه أنت أيضا ... # وكالعادة سارع إلى ملاطفتها، فقال بهدوء: لا ترهقي ذاتك بالندم، فلنطارد التعاسة معا، ~~المسألة أنه كان لنا حلم وتبدد ... # لكن سخطها تمطى حتى شمل كل شيء. نالت عنايات أرقى نصيب منه، فهي التي - بضعفها لا ~~قوتها - زلزلت الأسرة وعرتها. ونال زوجها نصيبا لا يستهان به لضعفه وسلبيته. ولكنها لم ~~تتجاهل أنها المسئولة عن ذلك. بقوة شخصيتها وذكائها حولته من شريك إلى أسير. وطالما ~~سعدت بذلك واستمتعت بقوتها بلا حدود. اليوم تشعر بوحدتها، فتنحي عليه باللائمة وتكيل له ms067 ~~التهم. # 13 # رغم أن الغداء لم يهضم، والجو لم يهدأ ولم يلطف، فإنها لم تشعر بالبرد، بل شعرت بأن ~~رأسها يشتعل، تمنت أن يهطل المطر. شارع العاصي يتحول في أعقاب الأمطار إلى برك ~~ومستنقعات ومع ذلك تمنت أن يهطل المطر، وتلبية لإشارتها لحق بها زغلول ورمضان بحجرة ~~الجلوس. رتبت في ذهنها ما يقال وما لا يقال وسرعان ما لاحظت أنهما لا يخلوان من قلق. لا ~~مفر من أن يعلما بقرار محمود وبدواعيه. فيما يتعلق بعنايات وفيما يتعلق بفردوس. لن تشير ~~من قريب أو بعيد إلى خطئهما أو خطيئتهما ولكنهما لن يتورطا فيها مرة أخرى دون حاجة إلى ~~تنبيه. وفي تقديرها أن عنايات تحب محمود، وأن ضعفها وحده هو المسئول عن استسلامها ~~لزغلول ورمضان. هكذا قصت عليهما قصة محمود وقراره. لمست اضطرابهما وضيقهما. تطايرا في ~~الهواء رغم المحاولة المستميتة للتظاهر بالحياد والثبات والبراءة. وهي محيطة بأزمتهما ~~بكافة أبعادها، بمشاعرهما نحو أخيهما الذي اعتديا على من ستصير زوجة له، ونحو النقود ~~التي سيفقدونها لقطع العلاقات مع فردوس. لم تشعر نحوهما بعطف إذ رأتهما مستحقين للعقاب. ~~ختمت قصتها بقولها: اعتدنا أن نناقش مشكلاتنا معا. # وسأل زغلول: هل علم أبي بالقصة؟ ~~- كان لا بد أن يعلم. # تبادلوا نظرات حائرة. قال زغلول: إنه قرار خطير جدا. ~~- أجل، ولكن هل عندك حل أفضل؟ # لم يحيرا جوابا، فقالت: علاقته بفردوس خطأ لا مبرر له وإنكما تتحملان تبعة ذلك مثله ~~أو أكثر. # فقال زغلول مدافعا عن نفسه: كان صادق العهد في الزواج منها. ~~- ومسألة النقود؟ # فقال رمضان بجرأة: لم نجد من الإنصاف أن نطالبكما بما تعجزان عنه. # فقالت بحدة: لم نقصر أبدا. ~~- أجل، ولكن الممكن كان دون المطلوب. ~~- اعتقدت أنكما قادران على مواجهة الموقف بما يتطلبه من تضحية. # فقال زغلول: بذلنا ما نستطيع، أكرر أن القرار خطير جدا. # وإذا برمضان يقول: ماما، نحن لم نعد ندري بيقين ما الصواب وما الخطأ! # فتساءلت بانزعاج: ما معنى ذلك؟ ~~- أصارحك يا ماما أنه بإزاء ما صادفنا من مشكلات تناقشنا - أنا وزغلول ms068 - في ماهية ~~الأخلاق التي نشأنا عليها ... # فسألته وهي تتفرس في وجهه: هل رابك منها شيء؟ ~~- تساءلنا إلى أي درجة تصلح لهذا العصر! # فقالت بحدة: مدى علمي أنها تصلح لكل زمان ومكان! # فقال رمضان بأسى: ما أكثر الذين يستهينون بها وينجحون! # فتساءلت بذعر: هل أقنعتم أنفسكم بأن النجاح هو كل شيء؟! # فقال زغلول بسرعة: كانت مجرد مناقشة استطلاعية. # فواصلت بحدة: تصورا أن نقنع بطرد عنايات، والاستمرار في ابتزاز أموال فردوس حتى ~~يتخرج ثم يفسخ الخطوبة، تصورا ذلك! ~~- كانت مجرد مناقشات مثل لعب الشطرنج. ~~- لا أريد أن أختم حياتي باليأس. ~~- هذا مسلم به. # وقال رمضان في حيرة: لنا زملاء يخطئون بفكر متكامل، وهم يرمون كثيرا بالانحراف، ~~وطالما غبطنا لأننا لم ننحرف، ولكن من نحن؟ # فقالت بإصرار: مبادئنا فوق الجميع! ~~- معذرة، أريد أن أقول إن طمأنينتنا لا تقوم على أساس، يوجد خطأ ما، لم تلوح الحياة ~~بهذه القسوة؟ ~~- لذلك أسبابه، أحد هذه الأسباب الانحلال الأخلاقي. # فتمادى رمضان قائلا: قد يقتل الإنسان دفاعا عن نفسه! # فارتفع صوتها وهي تقول: المهم أن يكون على صواب، إنكم لا تقدرون تعبنا حق قدره، لقد ~~عملت حتى اضطرني المرض إلى طلب المعاش، أبوكم يعمل عملا مضاعفا رغم انحداره إلى ~~الشيخوخة، وتفوقكم ميزة لا يستهان بها فلم الشك والانتهازية؟ # فضحك زغلول تلطيفا للجو وقال: ما زلنا عند حسن ظنك. # سخرت من قوله في نفسها ولكنها قالت: أشكرك، سيكون لنا عودة إلى الحديث، أما الآن فإني ~~أفضيت إليكما بأخطر قرار اتخذ في أسرتنا حتى لا تفجآن به غدا، فما رأيكما؟ # وساد الصمت، وتبودلت النظرات، فقالت: حسبت الأمر لا يحتاج لتردد طويل؟ # فقال زغلول: ليس التردد نتيجة للشك في صوابه ولكن إشفاقا من عواقبه! # فقالت ببرود: قدرنا ذلك قبل اتخاذ القرار. ~~- عظيم! ~~- ماذا تعني؟ ~~- إنه قرار صائب تماما. # لقد غادرتهما وهي مليئة بالشك والغم. # 14 # وجدت رب البيت نائما. لمحت فوق الكومودينو قارورة البريكتين فأدركت أنه استعان ~~بالمهدئ ليهرب. ما أحوجها هي إلى حبة بريكتين! لا شك أن الضغط الآن يتصاعد ms069 مثل الجو ~~العاصف حولها. استلقت على ظهرها تحت الغطاء. تحت سطح الماء الساكن تيارات تتلاطم في ~~الأعماق. أسرتها أسرة مثالية ولكن على الورق فقط، وها هي تتمخض عن مفاجآت غريبة وقبيحة. ~~زغلول ورمضان يتملصان من قبضتها. الجو الفاسد يتسلل إلى الداخل رغم النوافذ المغلقة. لا ~~جديد في أن يختلف الناس في الصواب، المهم أن ينشدوه لا أن يطرحوه أرضا. وآمنت بأنها لو ~~خرجت من هذه الأزمة دون مضاعفات صحية فسوف تكتب في المعمرات. ولبثت تعاني يقظة حادة، ~~وترفض في الوقت ذاته أن تمد يدها إلى قارورة البريكتين، فلم تدر أنها غفت قليلا إلا ~~بفضل حلم رأته عن أمها. ولدى استيقاظها شد انتباهها شيء في الخارج. خارج الحجرة حركة ~~وأصوات. ماذا يجري؟ زوجها ما زال يغط في نوم عميق. انسحبت من تحت الغطاء فارتدت الروب ~~وغادرت الحجرة بسرعة. وجدت محمود في الصالة واقفا شاحب اللون مرتجف الأطراف. حدست في ~~الحال أن وجه الحقيقة الآخر كشف له عن بشاعته كلها أو بعضها. ~~- ماذا جري؟ # ضرب جبهته براحته حتى خيل إليها أنه سيحطمها. مضت به إلى حجرة الجلوس. أضاءت المصباح ~~وحبكت الروب وقاية من برودة شديدة. جلست ولكنه لم يجلس. كررت السؤال، فجعل يذهب ويجيء، ~~ثم قال: عرفت أشياء غاية في القبح! ~~- ما هي؟ ~~- عنايات لم تكن ضحية كما توهمت ولكنها كانت داعرة! ~~- ماذا تعني؟ ~~- كانت تعبث بثلاثتنا، أنا وزغلول ورمضان. ~~- اعترفت لك بذلك؟ ~~- اعترف لي زغلول ورمضان ليحذراني. # آه ... إنهما يقصدان إجهاض القرار. وهي تعرف بواعثهما. بعضها أناني وبعضها لا غبار ~~عليه. ورغم إيمانها بأن عنايات مظلومة فإن باطنها لم يخل من دبيب راحة. وسألته: ماذا ~~فعلت؟ ~~- قررت الداعرة حتى أقرت ... ~~- خفض من صوتك أو يصل إلى الشارع، هل دافعت عن نفسها؟ ~~- تدعي أنها استسلمت على رغمها الفاجرة! ~~- اهدأ. ~~- فوق طاقتي! ~~- أرجو أن تنتظرني حيث أنت ... # مضت إلى المطبخ. # لكنها لم تجد لعنايات من أثر. # ورجعت إلى محمود متسائلة: هل طردتها؟ # فهز رأسه نفيا، فقالت: لقد ذهبت. # 15 # انسرب الجو العاصف إلى ms070 القلوب. الإخوة - رغم الاعتراف المريح للضمائر - فقدوا شعورهم ~~الطبيعي بالبراءة وعزة النفس. جمالات تدرك ذلك وتلاحظه بنفس مكلومة. الأمور الآن تناقش ~~جهرا، وها هو الأب وزغلول ورمضان يلحون على اعتبار الموضوع منتهيا، أما محمود فقد ~~تبعثرت ذاته. وضاعف من عذابها أنها في صميمها قد ارتاحت إلى اختفاء البنت وهي بريئة من ~~دمها. ولاحظت أن زوجها لا يأبه لأحزان محمود ولكنه يتابعها هي بقلق. وقال لها وهو منفرد ~~بها: لقد رضينا بالحل الصحيح الذي دل على شرف الولد، ثم حصل ما حصل بلا تدخل منا، فلا ~~مسوغ للحزن يا جمالات. # فقالت بوجوم: محمود ضائع تماما وسيخسر عامه الدراسي! ~~- خرج الأمر من يدنا ولم يعد في وسعنا شيء. ~~- لن يغسل ذلك ملابسنا القذرة. # فقال بضجر: فلنتركها للشمس والهواء. # وحدجته بعصبية قائلة: إني أحسدك! # فتغيظ وقال: إني أصرح بما في ذاتك أكثر منك. # فاصفر وجهها من شدة الغضب وهتفت بكبرياء: إني ضمير حي لا يموت. # فهز منكبيه ولم ينبس. إنها واثقة من أنه يتجنب دائما مواجهتها في معركة حقيقية. في ~~الوقت ذاته قد تعرت أمامه، بل تعرت أمام نفسها. وقال هو متراجعا: جمالات، إني أواصل ~~العمل بطريقة تهدد صحتي، اعذريني وكوني لطيفة معي ما أمكن. # وتساءلت في نفسها كيف تمضي الحياة إذا أصرت طوال الوقت على احتقار أسرتها ~~ونفسها؟! # 16 # ولاحقت محمود في انعزاله لشعورها بأنه أحوج الجميع إلى الدواء، حذرته قائلة: مستقبلك، ~~لم يبق لك إلا مستقبلك وهو في خطر. # بدا وكأنه لا يشعر بالخطر. أين حساسيته الشديدة وأين مرحه؟ قالت: يوم أمثالنا لا ~~يقدر بثمن. # فقال لها بحزن: رضيت بالتضحية ولكني حرمت منها. ~~- أثبت حسن نيتك بلا أدني شك. ~~- ما الفائدة؟ سأظل المجرم الأول في حياتها. ~~- لنتركها لرحمة الله. ~~- الموت أو السقوط، هذا ما تبقى لها. ~~- لا شائبة تشوب ضميرك. # وتفكرت قليلا ثم واصلت: ولا تنس أنك ملتزم بفردوس! # فتنهد قائلا: كلا. ~~- كلا؟! ~~- لقد بادرت إلى إرسال خطاب لها قبل أن يكاشفني زغلول ورمضان بما خفي علي. ~~- فسخت الخطوبة غير المعلنة. ms071 ~~- اعتذرت بظروف قاسية، وسجلت المبالغ التي اقترضتها، واعدا بتسديدها عند ~~الميسرة. ~~- وصل الخطاب إليها؟ ~~- يصل اليوم أو غدا. ~~- يا له من تصرف مرعب. ~~- ولكنه كان خيرا من الاستمرار فيه. ~~- لم يعد كذلك الآن. ~~- لقد فات الأوان. ~~- ترى هل تمضي الأمور نحو الأحسن أو الأسوأ؟ قالت: على أي حال عليك أن تسترد صفاء ~~ذهنك وقوة إرادتك لتواصل تقدمك الدراسي ... # وتساءلت مرة أخرى ترى هل تمضي الأمور نحو الأحسن أو الأسوأ؟! # 17 # وجاءت أم فردوس لزيارتها. ما أكثر الزيارات بينهما، ولكنها شعرت بأن هذه الزيارة غير ~~عادية. وجاءت كالعادة أيضا عصرا وقد سفعت الرياح الباردة وجهها فاحمرت أرنبة أنفها. ~~وهي تماثلها في السن، لا تخلو من وسامة؛ إذ كان من سوء حظ فردوس أن ورثت خلقة أبيها لا ~~أمها. وغشي جو الزيارة ارتباك خفي وشى بأسرارها، وما لبثت أم فردوس أن قالت: أريد أن ~~أحدثك كأخت. # فقررت أن تواجهها بالصراحة اللائقة فقالت: ما علمت بالأمر إلا منذ أيام قلائل! ~~- وأنا كذلك وإلا ما أخفيت عنك شيئا. ~~- كنت سأسر، فردوس ابنتي كما أنها ابنتك، وهي شابة ممتازة، ولعلهما أخفيا الموضوع ~~لشعورهما بأنه سابق لأوانه بعض الشيء. # فقالت أم فردوس بصوت شاك: ولكنه انتهى نهاية غاية في السوء. # تنهدت قائلة: أعلم ذلك. # وبعد فترة صمت مشحونة بالانفعالات تساءلت أم فردوس: ما هي الظروف الخطيرة التي أوجبت القطيعة؟ ~~- لقد صدق فيما قال. ~~- ألا ترين أنه من الضروري أن أعرفها؟ ~~- بلى، ولكن فيما بعد. ~~- أهو قرار نهائي؟ # فتفكرت جمالات مليا ثم قالت: أعدك بأنني سأبذل أقصى ما أستطيع. # فقربت منها رأسها وقالت بصوت خافت: اعتبريها مهمة بالغة الأهمية، البنت حالها في ~~غاية من السوء! ~~- أسفي فوق ما تتصورين. ~~- إني واثقة من محبتك، وإليك اقتراحا مستعدة أنا لتنفيذه حال موافقتك، وهو أن نزوجها ~~الآن، فردوس غنية، وسيجد محمود في بيتنا مكانا هادئا ليتم تعليمه. # فوضحت الدهشة في وجه جمالات، فقالت الأخرى: فكرة وجيهة وحكيمة. # فقالت جمالات بعد تردد: محمود حساس جدا! ~~- لكنه اقتراح لا غبار عليه. # فقالت ms072 جمالات بصدق: أعدك بأنني سأبذل أقصى ما في وسعي. # وهما يفترقان همست أم فردوس في أذنها: البنت حالتها سيئة جدا! # 18 # داخلتها رقة في غمار القلق والأحزان. اعتادت أن تحب فردوس منذ طفولتها. وهي تعطف ~~عليها دائما لخلوها من الجمال ولقعودها في البيت دون أن تتم تعليمها. وهذا الزواج ~~المقترح إذا تم فسيفسر أسوأ تفسير، سيقال إنه زواج اليأس من ناحية العروس والطمع من ~~ناحية العريس. ثم إن خطيئة محمود مع عنايات يمكن الدفاع عنها، أما ما ارتكبه مع فردوس ~~فلا يمكن الدفاع عنه. وقد نبذ محمود عنايات باعتبارها منحلة، فلن تقف عنايات عثرة في ~~سبيل الزواج. محمد فتحي قال أول الأمر: إنه قراره هو ... # ولما ألحت عليه جمالات قال: فليتزوج منها، سيضمن مستقبله ويصلح خطأه ... # فقالت جمالات متهكمة: ويخفف عنك بعض الأعباء. # فقال بتحد: عني وعنك. # زغلول قال: إنه موقف مناهض للرومانسية، ولكنه ليس مناقضا للأخلاق ... # وقال رمضان ساخرا: مع السلامة، حل غاية في التوفيق. # إن ثقتها بزغلول ورمضان لم تتدهور، ولكنها لم تعد تفهمهما تمام الفهم، وعما قليل ربما ~~تلاشى التفاهم بين الجميع. ومن حسن الحظ أن محمود لم يعارض فكرة الزواج. لعله يرى فيه ~~إصلاحا لخطئه أو تكفيرا عنه. إن مثله لا تطيب له الحياة بلا تكفير. على ذلك قال لها: ~~سيبقى في النفس جرح لا يلتئم بسبب عنايات ... # سيبقى في نفسها أيضا. لعل سر عطفها عليه أنه يشاركها العذاب، وأنه جاد في تحويل ~~القول إلى عمل، ولكنه كان أيضا الجاني الأول! فلتنته هذه المحنة التي عرتهم جميعا ~~بلا رحمة. فلتنته ليرجع إلى وسادتها النوم الهادئ وليخف عنها الضغط. وإذا كانت لم تحظ ~~براحة ضمير كاملة فقد لقنت درسا في التواضع والأسى. وسرعان ما زفت البشرى إلى صديقتها ~~الحميمة أم فردوس، وسرعان ما تم الزواج بلا تكاليف من ناحيتهم غير مؤخر صداق مقداره ~~خمسمائة جنيه. # 19 # واشتدت الزوابع في أواخر الشهر غير أن جمالات قالت لنفسها إن أمشير يلقي تحيات الوداع ~~وعما قليل يهل الربيع بالنضارة والبهجة. ms073 وإذا بالبواب يقول لها وهي راجعة من السوق: ~~عنايات تعمل في شقة مفروشة بالعمارة الجديدة عند الناصية ... # ارتعد قلبها وغشيتها سحب الأكدار. إنها إحدى النهايتين، وهي تؤجل النهاية الأخرى - ~~الموت - ولكنها تؤكدها. وقد ضاق محمد بالخبر ضيقا شديدا وقال: بوسعها أن تصون نفسها، ~~فلن يرغمها أحد على الفساد. # أشفقت من التمادي في مناقشته غير أنها تمتمت: سيعلم محمود بذلك عاجلا أو آجلا ~~... # فلوح بيده قائلا: فليعلم، لن يغير ذلك من الأمر شيئا. ~~••• # وذات يوم رجع الرجل من عمله في ميعاده، ولكنه كان شاحب الوجه زائغ البصر. خفق قلب ~~جمالات فشخصت إليه ببصرها دون أن تنبس. عند ذاك قال دون أن يشرع في خلع ملابسه: خبر سيئ ~~جدا يا جمالات ... # فغمغمت فزعة: اللهم احفظنا! ~~- محمود تزوج من عنايات وذهبا معا! # فهتفت بصوت مبحوح: غير معقول. ~~- لكنه حصل ... ~~- لقد انصرفت نفسه عنها بعد ما توكد له أنها ... # قاطعها بنفاد صبر: لكنه حصل! # فتساءلت بذهول: وفردوس؟ ومؤخر الصداق؟ ~~- واضح أنه لم يصدر في عمله عن عقل أو منطق. ~~- ومستقبله ودراسته؟ # فقال بأسى: لم تتح لي مناقشته! ~~- وكيف يعيش؟ كيف يواجه الحياة؟ هل وجد عملا؟! # رفع الرجل منكبيه في يأس وقال: لا معنى لهذه الأسئلة، التصرف جنوني لا سبيل إلى فهمه ~~في نطاق العقل والمألوف. # وفرق بينهما صمت ثقيل فراح ينظر إلى صورة زفافهما المعلقة بالجدار نظرة خالية من ~~الرؤية، على حين امتد بصرها من الزجاج المغلق إلى السحب الراكضة. # | الحب والقناع # 1 # أول ليلة في الفيلا الجديدة عقب العودة من شهر العسل. شهر العسل - أغسطس - مضى في ~~رأس البر ثري البهجة والرياضة والحساسية. بدأ حبا من جانب واحد - جانبه - ثم تسلل ~~إليها الرضى والإقبال مقتلعا ذكريات بالية. استقبلا المساء بالجلوس في الشرفة على ~~كرسيين هزازين متجاورين في ضوء خافت مطلين على الحديقة الصغيرة المفعمة بأنفاس الليل ~~الناعمة. كما يطيب له أن يلحظ عارضها الجميل ورأسها النبيل بشغف ورغبة في الاستطلاع. ~~وكانت ترسل الطرف إلى شارع الهمذاني الغائص في قلب المعادي بأشجار الكافور المغروسة ms074 على ~~جانبيه. استرخت في قميص أبيض طويل طارحة شالها على ذراع الكرسي على حين تمدد في بيجامته ~~الزرقاء الراسمة لطوله الرشيق. في شهر العسل تم تعارف حميم، تولدت ألفة حارة فاطمأن إلى ~~نجاح مغامرته. قال: ضعي الشال على كتفك. # فقالت بصوت رخيم: الجو دافئ. ~~- سبتمبر لا أمان له. # فقالت بعذوبة: أشعر بالأمان الكامل. # وجد في قلب الجملة معنى خاصا فامتلأ صدره بالامتنان. مالت بالكرسي إلى الأمام فملأ ~~قدحين بعصير الموز له ولها. وردته ذكرى من ذكريات رأس البر حين قدم كأسين من الويسكي، ~~قالت وقتذاك بجدية لم يتوقعها: مستحيل. # فقال معتذرا: إنه شهر العسل. ~~- ولو. # ثم مستدركة برجاء وحزم معا: ولا أنت! # لم تنثن أمام الحرج أو المجاملة. حتى في أيام التلاقي الأولى، وفي غمرة طوفان العواطف ~~رفضت ما تأباه بقوة وشجاعة. وقد تراجع متلقيا نذيرا من المتاعب. أجل لم يكن الأمر ~~مفاجأة له فهو يعرفها من قديم. خبر صلابتها التي أرهقت قلبه، وطالما رآها وهي طالبة ~~بكلية العلوم ترفل في زي المسلمات المحتشمات مطوقة الرأس والوجه بالخمار الأبيض. وألم ~~يقل له صديقه عبد الباري خليل المحامي «إنك مقدم على الزواج من كائن له مظهر أنثى ومخبر ~~إمام مسجد»، لكنه الحب أو لعله الحب والعناد. # وسألها: أعجبتك الفيلا يا فتحية؟ ~~- إنها تفوق الخيال ولكني لم أقدم لها إلا القليل ... ~~- قلامة ظفرك أثمن منها ومما فيها. # فقالت ضاحكة: أنت رجل غني تجود بالكلام كما تجود بالأشياء الثمينة. ~~- أنا رجل عاشق بلا زيادة. ~~- وأنا سعيدة. ~~- لكن لم يجر الحب على لسانك بعد. # فضحكت قائلة: أنت تعرف تماما ما تسأل عنه. ~~- تجلى لعينيه يسري أحمد. لا يمكن أن يجيء وحده ولكن في إطار جامع لعبد الباري خليل ~~ووهدان المتجلي وعدلي جواد وفتحية سليمان وشارع ابن خلدون بالسكاكيني. جيران وأصدقاء من ~~الطفولة. أعمار متقاربة حتى فتحية لا تصغرهم إلا بعام واحد فهي في التاسعة والعشرين ~~بينما هو في الثلاثين. لكن يسري أحمد تجلى لعينيه وحده في تلك اللحظة. تجلى له في موقف ~~لا ينسى ms075 حين خلا إليه في حديقة الظاهر بيبرس. كان أحب الجميع إلى قلبه وكان يسعفه في ~~العلوم والرياضة المستعصية عليه. تطلع إليه بوجهه الشاحب الجذاب وارتبك فسأله: ما لك يا ~~يسري؟ ~~- لا أدري كيف أبدأ. ~~- أمر هام ولا شك؟ ~~- فعلا، لبيب، نحن أخوان ... ~~- طبعا. ~~- وأنا باسم الأخوة أحدثك، المسألة تتعلق بفتحية بنت الشيخ سليمان. # خفق قلبه خفقة رسبت في حفريات صدره إلى الأبد. ~~- ما لها؟ ~~- إنك يا عزيزي تطاردها في الشوارع. # تساءل بوجوم: شكتني إليك؟ ~~- معذرة، إننا متفقان على الزواج. # تمتم وهو يتجرع المرارة: لم أكن أدري. ~~- طبعا فأنت أخ كريم. # ها هي تقول له: «أنت تعرف تماما ما تسأل عنه.» بعد أن تلاشى الماضي تماما. ولكنه ~~تلقى الخبر وقتها بحزن مجنون بها. ودفعته انفعالاته إلى جحيم الكراهية. انقسمت عاطفته ~~نحو يسري أحمد، فجرى الحب في نصفها والمقت في النصف الآخر. يسري قصير رقيق وهو طويل ~~رشيق، صاحبه رقيق ضعيف وهو رياضي قوي نسخة طبق الأصل من أبيه داود الناطورجي. وتساءل ~~بحقد هل أصابها العمى؟ وتساءل أيضا هل يسلم بالهزيمة أو ينتظر نجدة من المجهول، من ~~الموت نفسه؟ ها هي تقول له: «أنت تعرف تماما ما تسأل عنه.» وقال لنفسه: «إن خير ما ~~اهتديت إليه هو أنه لا معنى لشيء.» ~~- أعددت في الفيلا حجرة خاصة لوالدتك ولكنها عنيدة. ~~- وأنا أيضا ألححت عليها، ولكنها كما قلت لك لا تفرط في بيتنا القديم. # هز رأسه متظاهرا بالأسف. عادا يتبادلان شعورا خفيا بوجودهما معا ويلوذان بصمت ~~هنيء حتى خطرت له خاطرة فضحك، فسألته: ماذا يضحكك؟ ~~- عرفتك دائما جادة فلم أكن أتصور أنك أنثى كاملة ... # فضحكت بسرور وقالت: ولكنك أقدمت رغم ذلك على طلب يدي! ~~- إنه الحب! ~~- أنت أيضا لا تخلو من تناقض، فمظهرك القوي غير متناسب مع رقتك الحقيقية. ~~- فتملى قولها قليلا ثم تساءل: لعلك لا تتصورين أني قاتل مثلا؟ # فقالت ضاحكة: إني كيميائية لا سيكلوجية وهذا من حسن حظك. ~~- بهذه المناسبة أقول لك إنني شرعت أغازل كتبك العلمية، فعليك أن تغازلي كتبي ~~الثقافية، ms076 كلانا يكمل صاحبه. # فقالت باهتمام: ولكني أسيئ الظن بكتبك، ولن تجد يقينا حقيقيا إلا في الدين والعلم ... ~~إنها تتحدث عن اليقين. لعلها تظن أنها تعرفه كما يعرفها. وهي صارحته بكل شيء، صادقة ~~صريحة ومنذرة بالمخاوف، أما هو فلا يعرف عنه إلا السطح، فهل تزوجت من رجل آخر؟ إنه الحب ~~ولكنه الخوف أيضا فهل تتسع هذه الفيلا لثلاثة؟ وثمة الشعور الحقير بالذنب يطارد ~~العذابات الخفية. هيهات أن ينسى منظر يسري أحمد قبيل وفاته، والانقضاضة الوحشية الدنسة ~~في ظلام الليل. # 2 # وقفت في الشرفة عند الضحى في مهبط الشعاع الذهبي، عقب جولة من المشي السعيد في شوارع ~~المعادي. يا لها من قامة رشيقة ووجه جذاب. إنه يملك ذلك كله بعد حسرة التهمت الصبا ~~والشباب الأول. تمتمت: غدا أرجع إلى العمل، لكل شيء نهاية. # كما انتهى شهر العسل، وكما يدب الفناء في الوليد منذ اللحظة الأولى، قال بأسف: غاب ~~ذلك عن بالي تماما. # فقالت متهكمة: هكذا ذاكرة الأعيان. ~~- ترجعين راضية إلى معامل وزارة الصحة؟! ~~- كل الرضا. ~~- ذكرياتي عن الكيمياء تتلخص في أنابيب يتصاعد منها دخان كريه الرائحة ... ~~- ولكني أراها بعين أخرى. ~~- وكيف يستقبلونك بعد شهر العسل؟ ~~- طبعا لن يخلو الاستقبال من غمز. # فتنهد قائلا: كم أحلم باستقرارك في بيتك. # أقبلت نحوه حتى وقفت أمامه في ردائها المكون من قميص أزرق وبنطلون رمادي، وسألته: ~~خبرني متى تشرع أنت في العمل؟ # الصوت الذي يخشاه يتكلم. الوعد لديها ميثاق دولي. تذكر لقاء الخطوبة الثالث عندما بدا ~~أنها تميل للموافقة عقب إصرار طويل على الرفض. وقتها سألته: متى تخرجت؟ # فأجاب ببساطة: منذ ستة أعوام. ~~- ولماذا بقيت بلا عمل؟ ~~- لست في حاجة إلى العمل كما تعلمين. ~~- لكنه العمل الذي يخلق الإنسان لا دخل خمسمائة جنيه. ~~- لا ينقصني شيء، وإني لخبير في التعامل مع الوقت، لي مكتبة ضخمة، لي أصدقاء، ثم إنني ~~لم أقتنع بعمل أبدا ... ~~- إن كنت تضيق بالوظيفة فافتح مكتبا للمحاماة، صديقاك عبد الباري خليل وعدلي جواد ~~محاميان، صديقك وهدان المتجلي قاض. ~~- إنهم في حاجة إلى العمل. ms077 ~~- الإنسان بلا عمل عرضة للرعب. ~~- الرعب؟! ~~- الضجر، العادات السيئة، العزلة ... ~~- قد توجد جميعا مع العمل. ~~- الاستثناء يؤيد القاعدة ولا يهدمها. ~~- هناك الزواج والأبناء. ~~- العمل أيضا مهم، إنه لأمر مهين أن يخطر الإنسان في الحياة بلا عمل. # ولما كان متلهفا على الظفر بها فقد قال: سأجرب ذلك. ~~- في أقرب فرصة. # فحنى رأسه بالإيجاب. تجاوز عن مزاجه الراسخ من أجل الحب. وتأثر بنظرة عينيها وثبات ~~نبرتها تأثرا أشاع في نفسه الحذر والتوجس. وتذكر موقفها الرافض للزواج حتى شارفت ~~الثلاثين فازداد حذرا وتوجسا. وتساءل هل يعثر تحت ذلك السطح الصخري على ينبوع من ماء ~~الأنوثة العذب، تساءل مرتين ولكنه كان يحب حبا عنيدا أيضا. وآلمه شعوره القديم بضعف ~~شخصيته. كان وما زال ناقدا قاسيا للذات فلم تخف عليه علله. إنه الآن يضع أمله في ~~حياة زوجية متوازنة في الحب، حبها المتصاعد له. ستحبه كما أحبها وأكثر، بل لعلها أحبته ~~بالفعل، فهمسات الفؤاد الخفية لا تغيب عن الوجدان اليقظ. # قالت بفخار: ملف خدمتي يحوي أجمل الشهادات بكفاءتي في العمل. ~~- طبعا. ~~- طبعا؟ لماذا؟ ~~- إنك تتحرين الكمال في كل شيء. ~~- أيرضيك ذلك؟ ~~- بلا أدنى ريب، ولكني أحب أيضا الاعتدال! ~~- يا لك من رجل طيب. # ماذا تعني يا ترى؟ أما هي فتساءلت: كيف كنت تمضي يومك؟ # فقال مستبشرا: كنت أبدأ يومي بالسباحة طيلة أيام السنة عدا الشتاء فألعب التنس، فآوي ~~إلى مكتبي حتى الغداء، أذهب إلى لقاء عبد الباري ووهدان وعدلي بركننا المختار في ~~الفردوس، وقد أذهب إلى سينما أو أمضي السهرة أمام التلفزيون. ~~- إنهم يستريحون من العمل، أما أنت فتواصل حياة الفراغ. # فابتسم بلا تعليق، فقالت: قراءاتك متنوعة، يسرني أنك تضم إليها العلم أخيرا، لكن لأي ~~هدف تقرأ؟ هل حلمت يوما بالتأليف؟ ~~- أبدا. ~~- وفي المقهى كنت تشرب الويسكي؟ ~~- بضع كئوس. # هزت رأسها بأسف، فقال: علينا أن نأخذ الأمور بهوادة ورفق. ~~- أعتقد أن الإيمان يتطلب جدية أكثر. # تذكر قول عبد الباري عن إمام المسجد. إنها طراز نسائي غريب حقا. قالت: إنك بذرة ~~طيبة تعد بشجرة طيبة وسوف ms078 تشكرني ذات يوم من صميم قلبك. # يا للداهية. ها هو صوت داود الناطورجي - أبيه - يتردد من جديد. ماذا تظن وماذا تدبر؟ ~~تذكر اجتماعا ذا مغزى بركن الفردوس في الشهر السابق لزواجه. قال وهدان المتجلي القاضي ~~المعروف بميوله الدينية: فتحية ممتازة ولكن عليك أن تتغير. # فقال عبد الباري خليل: أو أضمن حبها لك فيجيء التغيير من ناحيتها. # فتساءل هو بقلق: ألا يمكن أن يستقل كلانا بحياته؟ # فقال عدلي جواد: كان عليك أن تختار فتاة من نوع آخر. # وهدان أسعد الثلاثة إذ ظفر بزوجة تملك شقة، أما عبد الباري خليل وعدلي جواد فيحلمان ~~بالزواج منذ خمسة أعوام دون جدوى يأسا من العثور على شقة. ها هي تهدده قائلة: «سوف ~~تشكرني ذات يوم من صميم قلبك.» قال مدافعا: إني شجرة بالفعل، لست بذرة. # فقالت باسمة: سأعتمد على الحب والعقل. # قال لنفسه إنه سعيد حقا ولكن ماذا يخبئ المستقبل؟ # 3 # هذا أول صباح ينفرد فيه بنفسه منذ زواجه. بعد أن أوصلها بالمرسيدس السوداء إلى وزارة ~~الصحة واعدا إياها بانتظارها الساعة الثانية بعد الظهر في نفس المكان. إنه يشعر بوحشة ~~لغيابها ولكنه يجد أيضا نوعا من الراحة. كما ألف منذ قديم معايشة المتناقضات جنبا إلى ~~جنب. كثيرا ما يبدو نصفين يناقض أحدهما الآخر في العواطف والآراء جميعا. ما يكربه ~~حقا فهو الوجه الآخر من حياته الذي أخفاه عن فتحية. منه جانب تافه مثل عش الهرم الذي ~~كان يمارس فيه نزواته. لن تحاسبه على الماضي، ولن تنسى موقفه من ماضيها أيضا الذي ~~أغدقت عليه بسببه صفة النبل والشهامة. من السخرية بعد ذلك أنه قد ارتكب ما ارتكب من ~~آثام من أجلها هي. ها هو يخلو إلى نفسه في مكتبته كالأيام الخالية، وها هي كتب الفلك ~~والطبيعة والأحياء الجديدة، ولكن نفسه مشتتة. حتى في شهر العسل كشفت عن جوانب نفسها دون ~~مجاملة. إنها تذكره بأبيها الشيخ سليمان مدرس اللغة العربية بخلاف شقيقها المنتدب ~~مهندسا بالكويت الذي شابه في الدماثة أمه فلم لم يحدث العكس؟! إنها لا تدري ms079 شيئا عن ~~مقته ليسري أحمد عندما علم بأنه حبيبها. في تلك الأيام المتوحشة تمنى لصديقه الموت. ~~أطلق على صورته خيالاته المدمرة المشحونة بالفناء. وشد ما سر عندما ألقي القبض على الشاب ~~في جنازة مصطفى النحاس. لم يعرف يسري أحمد مصطفى النحاس ولكنه اشترك في جنازته إكراما ~~لذكرى أبيه الشيخ سليمان. وكان - لبيب - يسمع عما يجري في المعتقلات فناط أمله بأيدي ~~الطغاة تقتلع يسري من سبيله . رغم أن حبه له لم يتبخر تماما، ورغم أنه لم ينس أنه كان ~~أستاذه في العلوم والرياضة ومرشده في أخطر مرحلة من مراحل حياته، مرحلة الإلحاد والثورة ~~على أبيه داود الناطورجي. صرخت الرغبة السوداء في قلبه «القتل في المعتقل أو ~~السرطان». # في غضون أسابيع أطلق سراح يسري أحمد لمرضه. وإذا بالأشعة تكشف فيه عن سرطان في ~~المثانة. تلقى الخبر بفزع واضطراب وحزن، وشعر أيضا براحة عميقة. وكان في إلحاده يتقزز ~~من الإنسان باعتباره كائنا قذرا ذا إفرازات كريهة لا حصر لها، فاقتنع بأن في الإنسان ~~من النوايا والسلوك ما يفوق الإفرازات الكريهة في قذارته. وقد زاره في رقاده الأخير. ~~رأى الغطاء يشي بانتفاخ غريب في منطقة البطن، على حين لم يبق في الوجه الجميل سوى ~~الجلد والعظم. ولما رآه يسري ابتسم ابتسامة خفيفة كأنما يلقى عناء حتى من التبسم، وقال ~~بصوت ضعيف: لبيب، اقترب، إني في حاجة إلى قلب محب ... # تفجرت دموعه بإخلاص في تلك اللحظة. تذكر الماضي الحي والعواطف الجياشة والذكريات ~~المشتركة فآمن بأن يسري كان أصدق الأصدقاء جميعا. كيف هان عليه أن يقتله؟ لقد انطلق ~~الغدر من صميم القلب الأسود إلى المثانة. كم ازدرى نفسه، كم ازدرى البشرية جميعا! ~~وساعده ذلك الاحتقار، بالإضافة إلى الخيبة في الحب، إلى التمادي في الاستسلام للوحش. ~~وتبدت فتحية في تلك الأيام تمثالا للجمال والحزن. رثى لها وشمت بها. ألم تكن شريكته ~~في جريمة القتل؟ وتأمل بقسوة وحنق استقامتها الفريدة فقال إنه لها أيضا إفرازاتها ~~الكريهة. وبكى في جنازة يسري طويلا حتى اقتنع بأنه لا خلاص إلا بتحطيم ms080 الكون. # ها هو يصمم على القراءة فيقلب صفحات «الكون ... ذلك المجهول». ويتساءل هل في وسع الحب ~~والزواج أن ينتشلاه من الجفاف؟ ربما. ولكن فتحية تتبدى كثيرا كأنها نذير جديد ~~بالمتاعب. وواضح - وهو الأدهى - أنها تروم خلقه من جديد. # برجوعها إلى الفيلا حوالي الثالثة مساء دبت في الفيلا حياة جديدة. ولما دخلت الحمام ~~عاودته خواطره الساخرة، ثم جلسا يتناولان الغداء. له طاه خبير بصنع الطعام الجيد . وهما ~~- فتحية ولبيب - يتصفان بشهية جيدة، ولكن تناول الطعام كان من الخواص التي يتقزز منها ~~ويطالب بسببها بتحطيم الكون. جعل يختلس إليها النظر وهو يرفع الشوكة إلى فيه ويقارن ~~بينها وبين القطط والكلاب، حقا إن الطعام أس التعاسة البشرية. قالت: يوم مرهق بالقياس ~~إلى العطلة. # فابتسم وقال بدوره: بدأ البحث عن شقة للمكتب. # فهتفت بسرور: جميل أن أسمع ذلك. # فحنق عليها في باطنه، ولكنه أفرخ حنقه في صدر الدجاجة الرقيق. قال: قراءة العلم متعة ~~فريدة حقا. # فقالت بثقة: بالدين والعلم تكمل صورة الوجود ويطمئن القلب. # ولما هم بتقشير تفاحة سألته: أليست مغسولة جيدا؟ ~~- بالصابون أيضا. # فقالت بلهجة آمرة: كلها بقشرتها. # الظاهر أن الوصايا ستمتد إلى التفاح أيضا! صدع بالأمر صامتا، فسألته: ما رأيك في ~~زيارة ماما بعد العصر؟ # فقال بسرور خفي: ليكن ذلك غدا؛ إذ إني دعوت عبد الباري ووهدان وعدلي إلى فنجان شاي ~~مساء اليوم. # 4 # سر بوجودهم حوله في الشرفة سرورا لا مزيد عليه. جالستهم فتحية وحثتهم على تناول ~~الشاي والحلوى. إنهم أبناء شارع واحد وذكريات كثيرة مشتركة، ومطلعون أيضا على دخائل ~~أسرهم لدرجة لا يستهان بها. حتى المرحوم يسري أحمد فرضت ذكراه نفسها في سهو الحديث فمر ~~على لسان فتحية مرورا عاديا، فارتاح لبيب وأيقن أن الماضي قد مات تماما. في أثناء ~~الحديث قام وهدان المتجلي ليصلي العشاء في ميعادها كعادته فتوجس لبيب خيفة مجهولة. لقد ~~امتنع عن التردد اليومي على الفردوس كيلا يهجرها وحدها عقب نهار مرهق، ولكنه بيت أن ~~يسألها السماح بسهرة أسبوعية. وكالعادة شاع في المجلس الشكوى من الحياة ms081 اليومية، غلو ~~الأسعار، المواصلات، التليفونات، المجاري، حتى تساءلت فتحية: ماذا تتوقعون من دولة ~~كافرة؟ # فتساءل عبد الباري خليل: هل الإيمان يجفف المياه الطافحة؟ # فقالت بابتسامة متحدية: اسخر كما ينبغي لماركسي أن يسخر. # كره لبيب انعطاف الحديث إلى منعطف متفجر، ولكنه لم يدر كيف يسكت عبد الباري الذي قال: ~~أسعد شعوب الأرض تعيش في كنف دول ملحدة. # فقالت فتحية بقوة لم تبلغ الحدة إكراما لآداب الضيافة: الإنسان بغير الله أتفه من ~~ذرة غبار، ماذا نعرف عن هذه الشعوب؟ لا شيء في الواقع ما دامت محرومة من التعبير الصادق ~~عن قلوبها الخاوية. # فقال عبد الباري: للبطولة والنبل ثمن. ~~- أي بطولة وأي نبل؟ حتى المؤمنون يهبطون أحيانا إلى النفاق فيفقدون الأمل في ~~البطولة والنبل، فما بالك بالضائعين؟ # وتساءل وهدان: لماذا لا تشترك في الحديث يا لبيب؟ # فبادره على الفور: زوجتي تتكلم بلسان الأسرة. # ثمة غيوم كثيرة لم تظهر بعد في الأفق. لقد بعث أبوه من قبره على غرة منه. ليتها ~~كانت امرأة مستغرقة بالأنوثة والبيت. إنها رجل أيضا. تعاليم لا هوادة فيها، ولا بديل ~~عن الكذب إلا بخوض معركة. وألح عليه شعوره بضعف الشخصية. ذلك الشعور القديم الذي فطن ~~إليه بفضل نقده القاسي للذات وتضعضع ثقته بنفسه تحت ضغط إرادة أبيه الصارمة. ها هو لا ~~يطيق الحياة بلا فتحية واستقرار الأسرة الزوجية. ولا شك أنها تحبه وستحبه أكثر ولكن ~~يبدو أنها لا تفرط فيما تؤمن به. لقد وجد في معاشرتها معنى على حين أنه لا يجد معنى ~~وراء ذلك. وراء ذلك خواء وعدم ورعب. فبين يديه صخرة نجاة تنتشل من الغرق وإن لم يلح ~~شاطئ آمن للنجاة قريبا كان أو بعيدا. # عندما ذهب الأصدقاء الثلاثة قالت له: عبد الباري شيطان فكيف تتعامل معه؟ # فقال بحذر: الصداقة فوق تناقضات الآراء. ~~- الصداقة يجب أن تقوم على أساس أقوى من ذلك. ~~- بغير تسامح تصبح الحياة غير محتملة. # فقالت بامتعاض: إنه التهاون لا التسامح. ~~- إذا بالغنا في التدقيق فقدنا الناس أجمعين! # فتمتمت بأسف: يا له من مجتمع ms082 يكتظ بالقذارة! # أخيرا سمع رأيا يتفق معها في بلا حدود فرحب به قائلا: إني أتفق معك تماما، فما ~~الإنسان إلا كائن ذو إفرازات كريهة ودوافع فظيعة مرعبة! # فرنت إليه بعينين دهشتين وقالت: ماذا قلت؟ عنيت بالقذارة تخلخل الإيمان، ولكنك تتحدث ~~عن إفرازات ودوافع كأنك عدو البشر أنفسهم؟! ~~- أعتقد أنني لم أتجاوز الحق. ~~- لا ... لا ... معذرة إن قلت إنها نظرة غير عميقة. فما تشير إليه يمنع الإنسان من عبادة ~~الله وغزو الفضاء. # تساءل في نفسه ألم يكن من الممكن أن يحدث ذلك بلا إفرازات كريهة ودوافع وحشية وسلوك ~~دنيء؟! لكنه جفل من التفوه بكلمة زائدة، بل هز رأسه كالمقتنع طاويا صدره على أسراره! # 5 # يميل الجو إلى شيء من البرودة ليلا، فيطيب الجلوس في حجرة المعيشة الموصولة بالشرفة. ~~وهي مأهولة بطاقم من الإسفنج المدثر بالقطيفة الزرقاء، يتوسط جوارها الأيسر دولاب من ~~خشب الأرو يقتعد التلفزيون الملون أعلاه ويستقر الراديو أسفله. رجعا منذ قليل من زيارة ~~الأم نظيرة هانم مفعمين بذكريات ابن خلدون فتبدت فتحية منتشية على حين كتم هو انفعالاته ~~المتناقضة المراوحة بين الجميل والمرعب. وفي أثناء تناولهما العشاء مع نظيرة هانم أبدت ~~المرأة جزعها من تأخر حمل كريمتها. تذاكرا ذلك باسمين وقالت فتحية: ماما دقة ~~قديمة. # لكنه في الحقيقة متلهف على الإنجاب تلهف من يروم تحصين ذاته المزعزعة ضد المجهول ~~والخواء، فقال: لها حق أيضا يا عزيزتي ... # فحدجته بنظرة متفحصة، فقال: يوجد الأطباء، لم لا؟ # لم تعترض مما قطع بتلهفها أيضا. آنس من ذلك آية على حبها له وزوال الماضي تماما. ~~كما وجد فيها آية على أنوثتها التي يتمنى أن تغمر «الإمام المتصلب» الكامن في أعماقها. ~~لعلها كانت قلقة طوال الوقت ولكنها أحسنت إخفاء قلقها. هي أيضا لها أسرارها الباطنة ~~كما أن له أسراره المرعبة. تمثلت له الظلماء وحركات الشبح اليائس والصرخة المكتومة ~~فارتعد للذكرى. # وسألته وهي تلقي نظرة على الصور العائلية المعلقة: على فكرة أين صورة والدك؟ # توجد صورة أمه الشابة، صورة نظيرة هانم، صورة الشيخ سليمان، ولكن أين ms083 صورة داود ~~الناطورجي؟ عادت تسأل: سهو أم أنه لا توجد صور له؟ # رحب بحديث لن يضطر فيه إلى الكذب فضلا عن فوائده الأخرى التي فطن إليها من اللحظة ~~الأولى، لذلك أجاب: الحق أني لا أحب ذكراه! # فحدجته باهتمام ودهشة قائلة: إنه أبوك! ~~- ولو. ~~- يا للغرابة! ~~- لا غرابة في الدنيا. ~~- إني أتذكره جيدا، كان أشهر شخصية في حي السكاكيني، ظل محترما حتى بعد إحالته إلى ~~المعاش بعد الثورة ، اللواء داود الناطورجي، بيت اللواء، سيارة اللواء، أنت ورثت عنه ~~طوله وروعته، وكنت وحيده، ما زلت أتذكر منظرك وراء نعشه وأنت تجهش في البكاء ... # فقال ببرود: كنت أحبه، حتى موته لم أجد نحوه إلا حبا خالصا. ~~- وماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- لقد ماتت أمي وأنا دون العاشرة فلم أعرف بعد ذلك أما أو أبا سواه، وانقض علي ~~موته كالصاعقة، ولما انفض المأتم وآويت إلى الدار الخالية وجدتني لأول مرة وحيدا، لا ~~أم ولا أب، فلم أصدق أنه ذهب حقا إلا في تلك اللحظة، وعند ذاك اجتاحني شعور غريب ~~بالراحة والأمان والحرية، شعور يتناقض تماما مع حزني، ذهلت لذلك ولكني استشعرت بتمهل ~~السرور الخفي المثلج للصدر. # فقال بوجوم: إنه رد فعل لشدة الحزن؟ ~~- إنه أفظع من ذلك، شعرت لأول مرة بتحرري من قبضة غليظة قاسية، تخيلت هول الكارثة لو ~~أنني استيقظت في اليوم التالي فرأيته واقفا في الصالة يمارس رياضته الصباحية ويحاسبني ~~على تأخيري في الاستيقاظ! # جعلت تتابعه باهتمام وقلق فقال وكأنما يعنيها هي بمغزى حديثه: مع الأيام جعلت أحاسبه ~~على معاملته الصارمة لي فيحتدم الغيظ في قلبي ويشتعل الحنق، ويتولد النفور وينتشر حتى ~~انقلب كراهية سافرة ... ~~- لا أصدق. ~~- فتحية، لقد بلغ بي النفور درجة حملتني على أن أبني لنفسي مدفنا خاصا حتى لا أرقد ~~ذات يوم إلى جانبه! # هتفت: إنه ما لا يتصوره العقل ... ~~- وفاة والدتي في عز شبابها كانت مصيبة لم أعرف أبعادها إلا فيما بعد. ~~- قيل إنه لم يتزوج بعدها إكراما لك ... ~~- وهذه كارثة أخرى، فقد كرس حياته لينشئني على مثال مرسوم ms084 بدقة وصرامة، وراح يصبني في ~~قالبه كأنني طينة لا هوية لها مستعينا بعنف لا مثيل له، هكذا تلقيت الدين وشعائره كما ~~تلقيت كل شيء، العجيب أنه لم يقرأ كتابا في حياته، حتى دينه أخذه عن إمام جاهل اكتراه ~~ليعلمه الإسلام ثم نقله إلي نقلا ميكانيكيا فحفظته ومارسته في جو من الفزع ~~... # تمتمت بحيرة: أبي هو أيضا من علمني ديني ... ~~- كان أبوك من علماء الدين أما أبي فكان جاهلا وإرهابيا! ~~- كنت أراك وأنت تتبعه إلى صلاة الجمعة ... ~~- وحملني أيضا على صلاة الفجر، فكان يغلبني النعاس في الفصل، وحملني على ممارسة ~~الرياضة البدنية كالسباحة والعدو وحمل الأثقال بالعنف نفسه، أما ولعي بالقراءة فلم يخف ~~احتقاره له، ولكن جهله بالكتب منحني فرصة فريدة للسياحة الثقافية بعيدا عن رقابته ~~الصارمة ... # وضحك ضحكة جافة ثم واصل: لم يكن يفوق عنفه إلا تعصبه الأعمى لأفكاره، من هذه ~~الأفكار إيمانه بالمقاومة الطبيعية واحتقاره للدواء، ولما أصابتني نزلة معوية قرر أن ~~يتركني لمقاومتي الذاتية، طالبته المربية بإحضار طبيب فرفض، ومضيت أهزل من الإسهال ~~يوما بعد يوم حتى صرت كالخيال وهو لا يبالي، كان يمكن أن أفقد حياتي وأشفيت على ذلك ~~ولكنه لم يكترث، ولما نجوت بأعجوبة قال لي بفخار: «إنك ابني حقا ولن يهزمك المرض بعد ~~اليوم، لماذا رحلت المرحومة أمك في عز شبابها؟ لأنها كانت ضعيفة فلم ينفعها طب ولا ~~دواء.» # انساقت فتحية إلى ضحك بلا صوت، فابتسم هو أيضا ثم قال: رغم أنفي أجبرني على ~~الالتحاق بالكلية الحربية، لم تجد توسلاتي ولا دموعي، محتجا بأنها كلية الرجال والحكام ~~أيضا، وأنها ستنقذني من داء القراءة الوبيل، ولولا وفاته الفجائية ... # قاطعته قائلة: لقد تساءلنا وقتها عما جعلك تترك الكلية، ولكنك لم تفد شيئا من ~~التحاقك بكلية الحقوق! ~~- كانت أفكاري مختلفة في ذلك الوقت، المهم أنك أنت نفسك تحديت أوامره وأنت لا ~~تدرين! # فتساءلت بدهشة: كيف؟ ~~- رشح لي ذات يوم عروسين هما كريمتا لواء على المعاش من أقرانه تاركا لي حرية اختيار ~~إحداهما، ومعتبرا ذلك من ناحيته تنازلا ديمقراطيا ms085 شاذا. وكنت أحبك كما تعلمين ~~فصارحته بذلك معتمدا على صداقته القديمة بالمرحوم والدك ولكنه انفجر غاضبا. # فقطبت أول مرة متسائلة: لماذا؟ ~~- بحجة أنه لا ثقة له في بنات الأرامل. # فقالت باستياء: كان سيئ الظن بالنساء! ~~- وبالرجال والحيوان والنبات والجماد، شد ما انتقد أصدقائي بلا سبب وكأنما يرغب في أن ~~ينشئني بلا صديق سواه، وفضلا عن ذلك كله كان شديد الحرص فعاش في حدود معاشه ولم يمس ~~مليما من دخله الوفير من عماراته، ولعل ذلك ما جعله يتمسك بالبقاء في البيت القديم ~~بابن خلدون متعللا بأنه راسم أن يعودني على الحياة البسيطة، وأعترف بأن ذلك لم يضايقني؛ ~~إذ إنني لم أكن أطيق الحياة بعيدا عنك ... # ساد صمت كئيب تبادلا فيه نظرات باسمة وحزينة حتى قطعت الصمت قائلة: كان شخصا غريبا ~~ولكنه عرف في الحي بالقوة والبهاء والتدين وحب العزلة، وبالتضحية بمسراته في سبيل ~~وحيده، الله يرحمه على أي حال، أليس عجيبا أن ينحدر من صلبه رجل مثلك آية في الكرم ~~والاتزان وحسن الخلق؟! # ارتجف باطنه برعدة قاسية. غشي خياله الظلام الذي أخفى الوحش والفريسة، وتجسدت لعينيه ~~نواياه القديمة بأنيابها ومخالبها. وتساءل بفتور: ألا يحق لي بعد ذلك أن أكره ~~ذكراه؟ # فقالت ضاحكة: كلا، لا تنس أنه وهبك الحياة والمال، ولكن ألم يخالط قلبك في حياته ~~أثارة من عاطفتك الرافضة؟ ~~- كان برمي به شديدا متواصلا، ولكني أحببته دائما، ولم يكن من الممكن أن تتسلل إلى ~~باطني عاطفة أخرى؛ لأنه كان يعيش في باطني أيضا، في تلافيف مخي ونبضات قلبي وأحلامي، ~~كان الخوف يكمن هناك كالديدبان ... # قالت متنهدة: كان أبي شيخا ولكنه كان ذا عقلية متفتحة، ربما كان يفضل أن يعدني للبيت، ~~ولكنه حين آنس مني تعلقا بالتعلم سمح لي بالاستمرار فيه، دخلت الجامعة أيضا دون ~~معارضة تذكر، وعلمني ديني أحسن تعليم فكرست حياتي للعلم باعتباره قراءة جديدة لدنيا ~~الله ... # فقال بحذر: كثيرون ألحدوا بسبب العلم ... ~~- لا دخل للعلم في ذلك، الإلحاد عجز عن النظر. ~~- على أي حال كان أبي رجلا من صنف ms086 آخر، كان جاهلا ومتعجرفا وقد وجد في الشكل ~~مبتغاه، وكان يمقت المناقشة ويقاتل التساؤل البريء، كان يلاحقني من الصباح الباكر حتى ~~النوم بالأوامر والتعليمات والمراقبة ... ~~- ألا يشفع له عندك حسن نيته؟ # فقال بامتعاض: كلا. ~~- أكان كذلك في حياة المرحومة والدتك؟ ~~- ذكرياتي عن أمي قليلة، أجل كانا يختلفان كثيرا، وكانت هي عصبية مستعدة دائما ~~للتمرد والتهديد بهجر البيت، وكان ينبغي أن أتعلم منها ولكنه نجح في استعبادي، تارة بالعنف، ~~وتارة بإقناعي بأن أي استهانة بأوامره هي خروج عن إرادة الله المتعالي، ولو أنني تمردت ~~عليه حقا لضمنت لنفسي حياة أفضل. ~~- حياتك مقبولة جدا. # فقال مضمنا كلامه تنبيها لها: كانت حياتي لعنة ولكنها لم تخل من عبرة، فقد علمتني ~~أن أتجنب الاستبداد بالغير، واحترام الآخرين فكرا وعقيدة، علمتني ألا أعتبر نفسي مقياس ~~الخير والشر في الوجود! # وتساءل في باطنه ترى هل أحسن الدفاع عن نفسه؟! # 6 # مضى من الخريف ثلثاه وتشبع هواء الليل ببرودة مستقرة، من مجلسهما وراء الزجاج المغلق ~~يرى البستاني نهارا وهو يكنس الأوراق المتساقطة، وتلوح في السماء سحائب بيضاء وهي ~~تهدهد الشعاع الذهبي. فتحية تملأ الفيلا بحركاتها الرشيقة. ما أشد الفارق بين ~~الكيميائية المتدينة من الأنثى الدافئة! إنه لتناقض يذكره بالتناقضات التي تمزقه. بوسعه ~~دائما أن يهاجم أو أن يدافع عن أي رأي أو مذهب أو عقيدة، الحجج السالبة تعادل عنده ~~الحجج الموجبة، ولكن لا أحد من أصدقائه يأخذ حديثه مأخذ الجد، فهم يعرفون تماما أن قلبه ~~ينبض في خواء. وهو يرى في زوجته نساء كثيرات، ثمة فتحية ذات الرداء الأبيض العاملة في ~~المعمل، وفتحية المؤمنة المتطرفة، وفتحية الفراش الباهرة، أيهن أصدق؟ فتحية الغريزة أم ~~فتحية المؤسسات؟! # قالت له ذات مساء وكانت متجهمة: اختاروا زميلا دوني كفاءة لبعثة صيفية! # تساءل وهو يلحظ حنقها بسرور خفي: لماذا؟ ~~- أسباب سخيفة طبعا، أهمها قرابته لأحد أعضاء مجلس الشعب. ~~- صحتك النفسية أهم عندي من البعثة. ~~- السكوت عن الخطأ أفحش من الخطأ، أثرت الموضوع عند المدير، وطلبت تحديد ميعاد ~~لمقابلة وكيل الوزارة. # وعقب صمت ms087 قصير قالت مستعملة لغة الشعارات التي ينفر منها: على الحياة أن تكون جهادا متصلا. # ها هو صوت مؤسسة يعلو. الغضب الذي احتقن به وجهها هو صوت الغريزة. لعلها تمتلئ الآن ~~بالرغبات المدمرة. باسم الدين أو العلم يمكن أن ترتكب فظائع. أسعده أن تشاركه ولو بصفة ~~عابرة صدق الغريزة الوحشي. شرها يقربها إليه بقدر ما يبعدها تطهرها. اقتحمته ذكرى وفاة ~~يسري أحمد. عرف وقتها أنها عاهدت نفسها على البقاء عذراء احتراما لذكراه. رفضت أيدي ~~كثيرين. عنيدة وقادرة على الرهبنة. تربص منتظرا من بعيد. تتابعت الأعوام حتى قاربت ~~الثلاثين من عمرها. وهي مصممة وهو صابر متصبر. إنها اليوم قلقة لتأخر الحمل كلما جاءها ~~الطمث تجهمت. لعل حبها ليسري لا يمكن أن يتكرر ولكنه قتل غريمه وفاز أخيرا بامرأته. ~~فعل الإنسان الأول. لدى ظهور الإنسان انعقدت عليه آمال كبار. ألم يئن الأوان لإعادة ~~النظر؟ رائحته تفسد جو الأرض وفعاله يندى لها جبين الحيوان. ثم قرر أن يجرب حظه فمضى ~~إلى مقابلة نظيرة هانم أمها. لم يتراجع أمام الرفض ولكنه طالب بالانفراد بها في حجرة ~~الاستقبال التقليدية المذهبة الطاقم. إنه ليذكر تماما ما دار من حديث في أول لقاء: ~~أتوسل إليك أن تصغي إلي. ~~- إني مصغية. ~~- موقفك طال وهو غير معقول. ~~- لا أراه كذلك. ~~- ينتظر من أساتذة الكيمياء حكمة تماثلها. ~~- لا علاقة لذلك بالكيمياء. ~~- كلنا سنموت. ~~- إني متيقنة من ذلك. ~~- لست الأولى. ~~- ولا الأخيرة. ~~- إني أحبك من قديم. ~~- أشكرك. ~~- إني أحب فتاة لا ذكرى. ~~- هل يوجد فرق كبير؟ ~~- أظن ذلك. ~~- لا أظن. ~~- لا يمكن أن تضيع حياتك في رهبنة. ~~- لا ينقصني شيء. ~~- لن أطالبك بالحب، فلنكل أمرنا للمعاشرة. ~~- إنك كريم ولكنني آسفة. ~~- لا تسدي الطريق في وجهي، دعيني أحاول وأحاول ... # في تلك الأيام لم ينتحر بفضل مكر الحياة. لم تكن الخيبة خيبة الحب وحده، ولكنها خيبة ~~الحياة نفسها. هام بالحب كصخرة للنجاة في خواء فقد أي معنى. تعلق بأي شيء من صداقة أو ~~دعارة أو شراب، شبع كثيرا وغاص في الكآبة أكثر. بالإصرار نال ms088 أخيرا مبتغاه. وكان ~~فاتحة التحول عندها أن راحت تحاسبه على بقائه الطويل بلا عمل. تزوج فطار بها من ابن ~~خلدون إلى المعادي. رضي بها بلا قلب. سرعان ما تفتح القلب وتغيرت الحياة. لكن مجلسه ~~السعيد معها لا يخلو من توجس. إنه يخشى الإمام وصوت المؤسسة ... # 7 # أصبحت عادة جميلة مثل سحائب الخريف. تدثرت بالروب، كذلك هو، فالجمال عند اقتراب ~~الشتاء يتوارى كالأزهار. كلا إنها مثل الأشجار دائمة الخضرة ما زالت تعبق بأنوثة ريانة. ~~وجاء وعد الطبيب أخيرا منعشا للآمال. ولكن في غمرة النعومة ينبثق سؤال مثل: ما أخبار ~~الشقة؟ # ينقبض صدره ويجيب: إني أتصل بالسمسار كل يوم. ~~- هل تنظر في مراجعك القانونية؟ ~~- طبعا. # الكذب عادة يومية أيضا. كما تطبع في عهد أبيه. يقول وهدان المتجلي «العمل قيمة عظيمة ~~لمن كان مثلك وزوجتك على حق». لمن كان مثلك يعني لمن لا يربطه معنى بالحياة. لعله صدق. ~~ولكن أي جدوى في الاشتغال بقضايا المتطاحنين؟ وهي لا تصدقه تماما فرجعت تقول: أحيانا ~~يخيل إلي أنك غير مهتم. # فيؤكد اتصاله بالسمسار. صوت أبيه يتردد من وراء القبر. إنها متوثبة دائما لصبه في ~~القالب المنشود كأنها لم تسمع بمأساته مع أبيه. سيظل دائما وأبدا فريسة للمؤسسات. كم ~~سعى إلى الانخراط في مؤسسة وكم فشل. طبعه أبوه بطابع الانقياد فقتل قواه ~~الخالقة. ~~- على فكرة لم لا تصلي؟ # آه. ابتسم ولم يجب. ~~- كنت قديما تصلي الجمعة والفجر. # هز رأسه صامتا. # قالت برقة تخفي انفعالها: ما أكثر المسلمين وما أقلهم! # أشار إلى قلبه وقال: هنا كل شيء. ~~- كلا، كيف أقلعت عن الصلاة؟ # قال ضاحكا: تمردت على أبي عقب وفاته. # فتساءلت بجزع: إلى أي مدى؟ # فقال بوضوح: إني مؤمن، حسبي ذلك. # حتى متى يكذب؟ أما هي فشرعت تقول: ليتني ... # ولكنه قاطعها قائلا: كلا، أرجوك، الزمن كفيل بكل شيء. # فقالت بحرارة: ليت العمر يمتد بي حتى أشهد الله يحكم الدنيا مرة أخرى! ~~- آمين. # هيهات أن يخطر لها أن يسري أحمد هو من قادة الإلحاد. لم يجد صعوبة في زعزعة إيمانه ms089 ~~فقد صادف فيه متوثبا للتمرد على أبيه، كما وجده سريع الانقياد كما طبعه أبوه. أجل خاض ~~تجربة مرعبة معذبة ثم سرعان ما وجد نفسه في كون بلا إله ولا حدود. وكان يسري رغم إلحاده ~~ذا خلق متين، وطالما قال له: «النبل أن نعيش كما ينبغي لنا دون أمل.» وقد حفظ ذلك القول ~~وردده كثيرا. حتى حيال أقرب الناس إليه - عبد الباري، وهدان، عدلي - أسدل على وجهه ~~القناع. أما الحقيقة فهي أنه لم يستطع أن يلتزم بالنبل فقتل ثم ارتكب ما هو أفظع من ~~القتل. ولم يتركه ضميره بلا عقاب. وعجب لتطفل ضميره الذي رسب في باطنه منذ العهد ~~القديم. آية على ضعفه وجبنه. عندما يتحرر منه تماما يبلغ الصدق المنشود. سأله عبد ~~الباري: «لماذا تركز على السلبيات؟ هذا ما يقتل أي معنى للوجود.» الحق أن إفرازات ~~الإنسان وغرائزه هي عقدته؛ لذلك هان عليه أن يكفر بمؤسساته فيراها هياكل خاوية وهمية. ~~إنه يطوي أسراره في صدره أما فتحية فتتحدث عن الصحابة قائلة: كانت أغلبيتهم من الشباب، ~~ما أكثر من استشهد منهم، كانوا يعشقون الموت! # ويقول لها بعقل شارد: هكذا المؤمنون ... # الإنسان يفوق الحيوان في شهوة القتل فيقتل نفسه أيضا. وهذه الزوجة المحبوبة لا تخلو ~~من شعرة جنون. كم تبدو مطمئنة متألقة كما يجدر بخليفة الله في أرضه. بقدر ما يسخر منها ~~فإنه يوشك أن يحسدها. التناقض دائما وأبدا. كما مزقه أمام كل شيء. حتى الانعدام الكلي ~~للمعنى لم يمحق متناقضاته. أما فتحية فإنها لا تردد الشعارات فحسب ولكنها تصدقها وتؤمن ~~بها. كيف يستمر التعامل معها؟ إنه حريص جدا على ألا تتبدد سعادته وهما من ~~الأوهام. # 8 # هلت بشائر الأمومة. والأبوة أيضا. صادف ذلك أوائل الشتاء وأياما ممطره. راحت فتحية ~~تحسب الزمن وقالت: سألد في سبتمبر، شهر مناسب للولادة. # فقال بحبور: بالسلامة. # لاح في وجهها ذبول طارئ. أعقب ذلك فتور في العواطف. وهدان المتجلي أخبره أن ذلك يحدث ~~كثيرا ولا يخلو من فائدة. قال له ساخرا: «إنه تغير له معنى ككل شيء.» ms090 اقتنع هو بأن ~~متاعب الذرية تقع حال تخلقها في الأرحام. رمق الأمومة بأمل أن تشغل بها عن تربيته هو ~~وتربية المجتمع الحديث. إنها جديرة بهذا الختام السعيد. هنيئا له انتزاعها من الرهبنة ~~والجفاف. لقد فسر رهبنتها القديمة على أساس خاطئ. تذكر موقفا لا يمكن أن ينسى. ثمة ~~تصرفات تهز النفس بنبلها حتى النفس الخاوية. احتسيا القرفة في حجرة المعيشة وهما ~~يشاهدان مسلسلة تلفزيونية. بات البار خاويا من قوارير الويسكي. عيناها السوداوان ~~هادئتان متعبتان. إنها سعيدة ولا شك وتؤمن بأنه نبيل أمين. ما يزعجه حقا أنها تحب ~~«الممثل» لا الشخص الحقيقي. الممثل رجل نبيل أمين مثقف لا عيب فيه إلا أنه مؤمن سلبي ~~كغالبية المؤمنين في هذه الأيام. لكنه ممثل، شخص آخر، ولو عرفت الشخص الحقيقي لولت ~~تقززا. هي ليست من النوع الذي يحب الجسد وحده. ليست من النساء اللاتي يحببن اللصوص ~~والبرمجية والقتلة. إنها تحب بروحها وجسدها معا. سلت حب يسري أحمد لتقع في حب رجل ~~وهمي. أما هو فلم يبرح موقعه القديم. موقع العاشق الخائب. موقع المحب من جانب واحد. ما ~~زال يغتصبها ساعة بعد أخرى ويخدعها يوما بعد يوم. لقد فقد معاني الأشياء، ولكنه طمح إلى ~~الحب باعتباره معنى مستغنيا بذاته، وهو حريص على ألا يلحق بالأوهام. ممكن أن نجد في الحب ~~والزواج والذرية معنى محليا يستغاث به. غاب عن التلفزيون فتذكر الموقف المثير. حين ~~دعته إلى لقاء مفاجئ بحديقة الأمازون. عقب عدولها عن الرهبنة وقبل إعلان الخطوبة. كان ~~سعيدا باللقاء فوق البساط الأخضر. راح يعلن خططه عن الخطوبة والزواج حتى لاحظ أنها ~~ليست موجودة معه. فسألها: ما لك يا فتحية؟ # فقالت بوجوم: كان يمكن أن تمضي الأمور في طريقها المرسوم بلا كدر. ~~- وهي ماضية كذلك فأي كدر تقصدين؟ ~~- إني أرفض الخداع وأمقت الكذب ولست نهازة للفرص بأي ثمن. # فقال بضراعة: لا تتركيني للحيرة. # فتريثت قليلا مكفهرة الوجه ثم قالت: يوجد في حياتي سر لا يجوز أن تجهله. # خفق قلبه وتخايل لعينيه شبح واحد. تساءل: أي سر؟ # فقالت ms091 بحرارة متصاعدة: إنه مأساة ... # ثم في شيء من الاندفاع: وقعت المأساة وأنا طالبة، كنت راجعة ليلا من بيت زميلة عقب ~~ساعات من المذاكرة، رحت أقطع حارة حمزة في طريقي إلى ابن خلدون، وإذا بأنوار الحي تنقطع ~~فجأة فيغرق كل شيء في ظلام مخيف ... # رجع الظلام بوحشيته فتجنب ملاقاة عينيها بحذر ولم ينبس، فقالت: لن أطيل فالذكرى معذبة، ~~هاجمني شخص في الظلام، كتم فمي، تصارعنا حتى فقدت الوعي ... # تهدج صوتها حتى سكتت، ولكنها تغلبت على ضعفها قائلة: لعلك أدركت بقية ما حدث! ~~- يا للفظاعة! # فاه بها وهو يرتعد، فهتفت غاضبة: وحش ... حيوان ... قذر ... جبان ... # فردد غائصا في ظلمة باردة: وحش ... حيوان ... قذر ... جبان! # صمتا ليستردا أنفاسهما ... ترامقا في تعاسة، كلاهما أتعس من صاحبه. تمتم: أنت؟! يا ~~للفظاعة! # ثم هز رأسه متسائلا: أكان لذلك علاقة برفضك الزواج؟ # فقالت على الفور: أبدا، لقد اعترفت لأمي فلم يهدأ بالها حتى أصلحت كل شيء، فلم يكن ~~ثمة ما يخيفني من الزواج. # حنى رأسه مصدقا، ولكنها تجلت أمامه في هالة وضيئة. قالت مؤكدة: كان يمكن أن يمضي كل ~~شيء بلا أثارة من شك! ~~- أدرك ذلك. # فقالت بصوت واضح: ولكني أرفض الكذب والخداع، فضلا عن أنك شخص جدير بالصدق! # فقال وبنيانه ينهار: فعلت ما هو جدير بك. ~~- شكرا. # فقال مزدردا ريقه: لا يمكن الشك أن يرتقي إليك وقد ازداد احترامي لك. # فتساءلت: ألا تخلو إلى نفسك بعض الوقت؟ ~~- لا داعي من ناحيتي لتبديد الوقت. # فهمست باسمة لأول مرة: لبيب. إنك نبيل كما اعتقدت دائما. # هكذا وهب وسام النبل والأمانة. أما كان يجدر به أن يعترف لها بدوره؟ بدا ذلك ~~مستحيلا، كان على القاتل المغتصب أن يتوارى. الممثل يتهادى اليوم على المسرح وحده. ~~لولا الحب والعناد ما أقدم على طلب يدها. كان حانقا عليها بقدر حبه لها. وكان يعتبرها ~~الحقيقة الوحيدة المتاحة له. ها هو الممثل يمعن في التمثيل ويتمادى. على حين يختفي ~~الشخص الحقيقي ويذوب في الظلام. هو الظلام القديم الذي مكن له من الحب والانتقام. كان ms092 ~~مرفوضا معذبا، رفضته فتحية كما رفضته الحقائق. كان لقيطا ملقى في الوجود بلا أمل. ~~وكان ينتظر خروجها من بيت صديقتها ليتبعها عن بعد. وانطفأت الأنوار فجأة وتمطى الظلام ~~العميق. اعتقد أن الظلمة معجزة يجود بها الدهر. استيقظت شياطينه التي لم يعد يزجرها ~~شيء. انقض على الحلم الجميل مدفوعا بالهوس والرغبة والتحرق على الانتقام. كاد يهلكها ~~لولا أن أنقذها الإغماء. حملها إلى دهليز بيت قديم. انحصر في ذاته الهائجة ففقد الوعي ~~بالوجود. نسي أنه مهدد بقادم من فوق أو من الخارج أو بعودة النور. ثم مضى لاهثا ذاهلا ~~لا يصدق بالنجاة. مضى متشفيا من ذاته، من أبيه، من فريسته، من الوجود نفسه. # كانت تتابع المسلسلة مسترخية باسمة ... # 9 # جلسا في مجال المدفأة الكهربائية. الجو في الخارج يصرخ ويزمجر وإيقاع المطر يتتابع ~~فوق الأشجار والنوافذ المغلقة. منظرها يستحق الرثاء. شحب لونها وغارت عيناها وانطفأ ~~سحرها. وكان رمضان يطرق الأبواب، فقال مداعبا: سأصوم وحدي يا عزيزتي. # قرر إعلان الصيام على أن ينتهكه سرا كلما ألح عليه الجوع إيثارا للسلامة. تمتمت: ~~الله رحمن رحيم. # اعتقد أنه نال حظوة جديرة بالتقدير، ولكنها سرعان ما سألته: ما أخبار الشقة؟ # اشتعل غضبه ولكنه انكتم في أعماقه فقال: لم أوفق إلى شيء مناسب بعد. # ابتسمت ابتسامة أحنقته فقال: سيجيء كل شيء في وقته ... # لازمت الصمت، ولكن وشى منظرها بقلة الثقة فواصل: وعدت وسوف أفي ... ~~- يبدو أنك تفعل ذلك من أجلي. # فنفس عن صدره بالصدق ولو مرة فقال: هي الحقيقة ... ~~- ما زلت ترفض العمل؟ # فقال ضاحكا: الفراغ هو أمل الأحياء المنشود. ~~- إنك تعيش في الواقع لا في الحلم. ~~- دخلي يمكنني من أن أعيش الحلم ... # فتساءلت بعتاب: تأخذ دون أن تعطي؟ # فهتف محتجا: إني أملك عشر عمارات تخدم المئات من الأسر، وجريرة العمل أنه يشغل ~~الإنسان عن التأمل ... ~~- اليوم طويل وفيه متسع لأشياء كثيرة. ~~- على أي حال لقد وعدت وأنا ملتزم بوعدي. # سكتت عنه. لا مفر من فتح المكتب. سيتظاهر بالعمل كما يتظاهر بالصوم. ربما تورط في ~~العمل أيضا. إنها ms093 أقوى منه وهذا يثيره. غيرت ظاهره ولا يبعد أن تغير باطنه ذات يوم. ~~ربما أدى الصلوات في أوقاتها أيضا. ربما ساقته يوما إلى الحج. الممثل يتضخم وتترامى ~~أبعاده والشخص الحقيقي يموت. متاعب متلاحقة يعانيها من أجل الحب والحياة الزوجية. إنه ~~أدرى الناس بضعفه وانقياده. إنه أدرى الناس بما تطبع به على عهد داود الناطورجي. هل ~~يتاح له يوما أن يقتل الممثل؟! ~~••• # وسألته ذات ليلة: هل يوجد شيء لا تعرفه عني. # فأجاب متوجسا: إني أعرفك تماما. ~~- وأعتقد عادة أني أعرفك كذلك، ولكنك تبدو لي أحيانا كاللغز ... # رأى شبح تحقيق يقترب فقال: إني شخص في غاية البساطة. ~~- أقول أحيانا لنفسي إنه يكره العمل، إنه ينهمك في القراءة، إنه لا يهتم بشي مما ~~يهتم به الآخرون! # فرمقها بحيرة فقالت: من أنت؟ ما أنت؟ في البلد هموم وتيارات، ما موقفك منها؟ # فتساءل وهو يفكر بسرعة وحذر: ألا يعيش الإنسان حياة كاملة بغير ما تسألين عنه؟ ~~- إنسان مثلك لا بد أن يكون صاحب رأي ولو كان مفاده الكفر بجميع الآراء! ~~- لا حديث لنا مع الأصدقاء إلا ذلك ... ~~- ألا تعدني صديقة أيضا؟ ~~- بلى ولكني أصون حياتنا مما يزعجها ... ~~- أكنت دائما تعيش في نطاق ذاتك؟ # فضحكت عاليا. بوسعه أن يبوح بأسرار صادقة كثيرة دون خطر. قال: لي تجارب ~~حافلة. # فقالت بلهفة: هات ما عندك، حدثتني مرة عن رد فعل عنيف عقب وفاة أبيك؟ ~~- أجل، رد فعل اجتاح أبي وتراثه، ولعلك تدهشين إذا عرفت أن المرحوم يسري أحمد هو أول ~~من ساعدني على التمرد، كان وقتها يتمرد على الإيمان فنفخ في من روحه المتمردة وأشركني ~~في قراءة كتبه، فتعرضت لأزمة غير يسيرة وتبنيت إلحادا شاملا ... # تمتمت بامتعاض: فقدت إيمانك كله؟! ~~- كله ... وخيل إلي أني أكتشف العالم من جديد ... ~~- أدام ذلك طويلا؟ ~~- على فكرة، لا شيء يدوم معي طويلا في عالم الفكر، ما هو إلا طور يعقبه طور جديد، ~~وفي أقصر وقت يتصوره العقل ... # فقالت بقلق: وهناك العواقب العملية لذلك! ~~- هو ذلك، إني لا أحب الكذب! ~~- وانتهيت إلى إهمال ms094 الدنيا! # فتفكر قليلا ثم قال: لا أظن، العكس تماما ما حصل، اندفعت لاكتشاف الدنيا، وملء ~~الفراغ، عند ذاك تسلمني عدلي جواد، ففتح لي باب الديمقراطية في وقت كانت تذكر عادة ~~مصحوبة باللعنات، فعرفت تاريخ مصر المجهول قبل الثورة، واستفزني الحماس، فطال لساني حتى ~~استدعاني رجل الأمن بالكلية وأنذرني ... ~~- لذاك الحد؟ ~~- أجل لم أكن سلبيا كما تتصورين، غير أن المرحلة الديمقراطية لم تطل ولم ترسخ ~~فسرعان ما تقدم الصفوف عبد الباري خليل ! ~~- أعوذ بالله! ~~- تبوأ مركز الأستاذ مني وراح يعيرني كتبا عن المادية الجدلية والتفسير المادي ~~للتاريخ وصراع الطبقات والجنة الموعودة. # فتمتمت ساخرة: رغم أنك وريث دخل يربو على الخمسمائة الجنيه شهريا؟! ~~- اقتنعت تماما، ووجدت في تجاوزه طبقتي ما يشرفني أكثر ... # تزايد الاهتمام في نظرة عينيها الذابلتين، فواصل: اجتاحني الحماس للماركسية كما ~~اجتاحني من قبل للإلحاد والديمقراطية، وإذن فأنا مريض بالاهتمام لا بعدم الاهتمام ~~... # فقالت بمرارة: ولكنك تتغير بسرعة مذهلة! # يا له من حكم صادق! فطن إليه بنقده المرهف للذات. سرعان ما يقع تحت سيطرة الصديق أو ~~الكتاب. إنه ضعف ملموس محسوس طالما حمل أباه تبعته. هو الذي طبعه بسرعة الانقياد. هو ~~الذي جعل من ذكائه أداة سلبية في خدمة التلقي وبلا طاقة على التمحيص والنقد. وقال ~~بامتعاض: إنه الشباب والحماس ورد الفعل لخضوع طويل للأب ... # فتساءلت بقلق: ماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- لقد اعتقلت، وتلقيت إهانات لا تمحى ولكن ثبت عدم تورطي في أي عمل غير مشروع، فأفرج ~~عني بخلاف عبد الباري الذي اعتقل طويلا كما تذكرين حتى اشتهر أمره في الحي ... ~~- ثم؟ ~~- زلزلني الاعتقال والإهانة، أكان ذلك ما كفرني بالماركسية؟ الذكرى غائمة، أما ما ~~أذكره بوضوح فهو أنني عثرت على كتب الوجودية بلا مرشد، ولكن الكتاب كان وحده كافيا ~~للإلقاء بي في عبث الوجود واللامعنى! # فقالت بحزن: ما أجدر رحلة تبدأ بالإلحاد أن تنتهي بالعبث ... ~~- صدقت! ~~- إنك قطعت في أعوام ما قطعته البشرية الضالة في عمرها كله! ~~- صدقت أيضا ... ~~- ثم؟ # حسبه ما نفس به عن صدره وعليه الآن أن يرجع ms095 إلى التمثيل، قال: رجعت إلى الإيمان ~~والحمد لله ... ~~- أكان وهدان المتجلي وراء ذلك؟ ~~- القراءة أكثر، والعناية الإلهية قبل كل شيء ... # فقالت بجدية ملفتة للنظر: من حسن الحظ أنك تزوجتني وأنت مؤمن وإلا لورطتني في علاقة ~~غير شرعية! # يا للداهية. إنها تعني ما تقول. وتتصور العلاقات على ضوء واضح صارم حاد النصل. وأزعجه ~~جدا أن تكون علاقته بها في الحقيقة - من وجهة نظرها على الأقل - غير شرعية. وما تمالك ~~أن قال: يوجد ملحدون معروفون وهم في الوقت نفسه أرباب أسر! # فقالت بقوة: ما هي إلا زيجات باطلة لا يبقى عليها إلا داء التهاون المنتشر ... # فحنى رأسه موافقا أو متظاهرا بالموافقة وهو يلحق هذا السر بآثامه الخفية. حقا إن ~~زواجه تجربة مثيرة اعترضت حياته لتهزها من الأعماق. واستطاع أن يقول بنبرة المنتصر: ها ~~أنت ترين أنني لست عديم الاهتمام كما تصورت ... ~~- ولكن رحلتك تركت فيك آثارا باقية ... # فتساءل بقلق: حقا؟ ~~- مثل تهاونك في شئون دينك، وكراهيتك للعمل! # فضحك ليخفف من توتر أعصابه وقال: أخطاء محتملة ويمكن علاجها، ولعلك أنت في حاجة إلى ~~قدر من التسامح ... # فقالت بحرارة: المسألة إيمان أولا ... ~~- التسامح جميل أيضا. ~~- أجمل منه أن تطابق بين إيمانك وسلوكك ... # فتمادى في كذبه وخوفه قائلا: إني ماض بعزم في هذا السبيل ... # وتساءل في باطنه هل تتمخض سعادته عن وهم زائل؟! # 10 # القلق يلازمه. رغم استهتاره بكافة القيم فالقلق لا يبرحه. مجلسهما الليلي يهبه شعورين ~~متناقضين، السعادة والقلق. الشتاء يسحب أذياله وعما قليل تفتح النوافذ وتشيع البسمات في ~~الحديقة. صحتها تبدو الآن أفضل مما كانت أول عهدها بالحبل. وهي تفضل الراديو على ~~التلفزيون فيجاريها مرحبا بأنه لا يفصل بينهما فصلا كليا. إنه صادق في حبها ولكن لا ~~يجمعهما إلا الكذب. من حسن الحظ أنها تصدق «الممثل» ولا تدري شيئا عن الأصل. وسوف ~~تجيء النهاية عندما تطلع على الشخص الرابض وراء الممثل. ما زالا يتمشيان عند الأصيل ~~خاصة بعد أن أصبح المشي ضرورة صحية لها، وهي ترتدي اليوم فساتين مرسلة، وتعد عدتها ~~لاستقبال الوليد. ms096 وشوقه إليها يزداد ومخاوفه تزداد أيضا. شخصه الحقيقي لا يكف عن ~~تعذيبه. إنه يعيش وحده في عزلة تامة، لا يمارس الحب ولا الزواج ولا حق له في التعبير عن ~~ذاته. إنه كامن في أعماقه في ذل، يغلي بالحنق، ويحلم بالثورة. غارق في العبث الذي وجد ~~فيه الحل لمتناقضاته الماضية. هو الذي أخرجه من تردده المعذب بين الإيمان والإلحاد، بين ~~الديمقراطية والحكم المطلق، بين الماركسية والرأسمالية. هو الذي أنقذه من الهياكل ~~الخاوية ولكنه أصابه بمرض جديد، مرض الفراغ والرعب. وفتحية لم تفصل بين الممثل والأصل ~~فحسب ولكنها تهدد الاثنين أيضا. ألا ينقاد لها ذات يوم كما انقاد من قبل ليسري أحمد ~~وعدلي جواد وعبد الباري خليل؟ وأي عواقب تتربص به إذا تحقق ذلك الانقياد ~~المتوقع؟! ~~••• # سألته باهتمام: أي مراحل حياتك تراها الأفظع؟ # بعد تأمل أجاب: لعله العبث. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه فراغ، والفراغ مرعب. ~~- أوافقك تماما، أي مذهب وضعي فهو انحراف أما العبث فشلل للعقل، وإذا شل العقل ~~فماذا يبقى من الإنسان العاقل؟! # أجاب بلا وعي: لا شيء ... ~~- أي سخرية أن تتصور الإنسان لقيطا في الكون، تجيء به المصادفة العمياء ثم يندثر ~~بالمصادفة أو العجز! # إنها تذكره بيأسه وهي لا تدري ولكنه يوافقها بحماس قائلا: أحسنت التصوير. ~~- يسرني أنك تطالع كتب العلم بشغف، إنها تؤكد المعنى في كل شيء! ~~- تماما! ~~- حتى المتشكك يسلم بوجود معنى وإن عز عليه إدراكه. ~~- أجل، يسلم على الأقل باحتماله ... # وتأمل قوله بقلق. وازدادت مخاوفه. وغاب عنها وقتا فلم يدر كيف تطرقت إلى موضوع ~~الصلاة، كانت تقول: يستحسن أن تصلي وأنت صائم، ولو شهر رمضان فقط! # أليس لديها اهتمامات أخرى؟ ألا تحب أحاديث النساء؟ لم لا يقاوم؟ هل زاده شعوره بالإثم ~~ضعفا على ضعف؟! تمتم: فكرة مقبولة ... # إنها تحكم الحصار حوله. إذا ولى رمضان فستطالبه بالاستمرار في الصلاة. وستذكره حتما ~~بأن الصلاة لا تتفق وشرب الويسكي في ركن الفردوس. وسيجيء الحج في يوم من الأيام، سوف ~~يتضخم الممثل ضاغطا بثقله المتصاعد فوق الشخص الحقيقي السجين. جعل يلحظها في فترات ms097 ~~الصمت فيراها وهي تغمض عينيها إعياء أو تنظر من خلال الزجاج إلى رءوس الأشجار المتوهجة ~~بأنوار المصابيح. حنق عليها. وحنق على داود الناطورجي أيضا. حنق على ضعفه وجبنه. عز ~~عليه أن يتوارى في بيته تاركا الممثل الغريب يعاشر زوجته أمام عينيه ويتلقى حبها ~~ويهبها بكل وقاحة بذرة حياة جديدة. كل ذلك يحدث أمام عينيه وهو متوار صامت ~~مستسلم. # 11 # لأول مرة من أكثر من عام تخلو الفيلا من فتحية. انتقلت إلى مستشفى الولادة قبل ميعاد ~~الوضع بأسبوع - لتوعكها المفاجئ - لتكون تحت الملاحظة الدقيقة والرعاية المتاحة. وجد ~~نفسه وحيدا. لم يعد كما كان، ففي الربيع والصيف تكاملت شخصية الممثل وترامت أبعادها. ~~إنه يجيد الآن تمثيل دور المؤمن والمحامي، بل إنه يسعى إلى تولي القضايا حتى لا يرمى ~~بالخيبة. وشغل التمثيل جل حياته فلم يترك للرجل الحقيقي إلا وقتا قصيرا يمضي عادة في ~~السخرية والمرارة والغضب. على سبيل المزاح قال له عبد الباري خليل: وراء كل عظيم ~~امرأة! # فأحنقه ذلك جدا. إنه يشير إلى تغير أسلوب حياته ولكنه يعلم في الوقت نفسه أنه تغير ~~ألقي عليه من الخارج قهرا بلا اقتناع ولا إرادة ولكن تحاميا للعواصف وإيثارا للسلامة ~~وإبقاء على راحته الشخصية. ولم يخف عواطفه فقال لأصحابه: إني غاضب. # فقال عبد الباري خليل: إن تكن صادقا في عبثك فلتعتبر الأمر كله فكاهة لا بأس ~~بها. # فقال بإصرار: ولكنني صادق بلا ريب. ~~- ماذا يغضبك إذن؟ الضمير لا يوجد إلا في رحاب إيمان ما ... # فقال بحدة: رواسب اللاوعي لم تجتث بعد. ~~- الرواسب هي مشكلتك. # فقال وهدان المتجلي: إني أضع الأمل في الممثل لا في الشخص، فلعله يندمج في دوره ~~فينقلب تمثيله صدقا مع الزمن! # عند ذاك قال عدلي جواد: لا بأس مطلقا من أن تعيش الشخصين حفاظا على أسرتك ~~وحبك! # كرر جملته مرتين ثم واصل حديثه: من من الناس حولنا يحظى بشخصية واحدة؟ نحن في مسرح ~~كبير، الجميع ممثلون، يقولون كلاما جذابا فوق الخشبة، ويتهامسون بكلام آخر وراء ~~الكواليس، هكذا الجميع من القاعدة حتى ms098 العلالي، فليس في حياتك شذوذ، احذر أي تصرف ~~جنوني، دع ذلك للمجانين من زبائن النيابة والسجون، عليك بالسلوك الجدير بعبثي، ملايين ~~يمثلون بلا فلسفة ولكن بوحي من غريزة البقاء، ويواصلون الحياة في ارتياح واستبشار ~~وسرور! # ها هو ينفرد بنفسه ويزن تلك الأقوال بدقة. إنه الآن متحرر من ظلها. وهي طريحة الفراش ~~بين أيدي الممرضات مشغولة بوعكتها عن المبادئ، تتأهب لاستقبال الوليد الذي ستنشئه على ~~مثالها. أجل لقد تلقى النصيحة العملية السديدة التي تصون له حياته وسعادته. سيعيش فوق ~~المسرح زوجا وأبا ومؤمنا ومحاميا، ويبقى وراء الكواليس ضائعا بلا معنى، قاتلا، ~~مغتصبا، عزبا، وحيدا، ينتظر موتا سخيفا في أعقاب حياة سمجة. وكلما ترامق الشخصان - ~~الممثل والأصل - فعليه أن يبتسم، وإن شاء فليضحك، بلا هم ولا غم، وليتذكر أنه لا يمارس ~~شذوذا ما، وأنه يقلد الملايين في حياتهم اليومية. # 12 # بدا في وقت ما أن الصراع يمضي نحو مستقر، لاح الأمان أيضا في الأفق مع سحائب الخريف. ~~وقال لنفسه إن آثامه ليست شيئا إذا قيست إلى آثام الآخرين من السادة القتلة وقطاع ~~الطريق المتهادين فوق المسرح بين التهليل والتصفيق. # ولكن عادت فتحية فأشرقت الفيلا بنورها. عادت إلى مقعدها وانتفض الوليد بحياته ~~الجديدة فوق حجرها. لقد سمته سليمان باسم أبيها وسوف ينشأ نشأة جديدة تقيه من وباء ~~الانقسام وتحقق له وحدته. وتبدت سعيدة بوليدها، سعيدة أيضا بالرجل الذي أعادت خلقه من ~~جديد. الحق أن استقراره تزعزع بحضورها. إنها نقية صادقة. رغم تزمتها، بل رغم صرامتها ~~وعنفها. فهي نقية صادقة. إلى جانب نصاعة بياضها لاح لونه أغبر قاتما. حقا إنها ينبوع ~~الحب والعذاب. من القلة النادرة التي لم تحترف التمثيل فرجع مضطرا إلى المقارنة بين ~~ذاتيهما. في غيبتها ساد العقل والمنطق وسيطرت ذكرى الحب ولكن في حضورها انكشف الحب عن ~~خدعة وفرية. هذه السيدة الجميلة الصادقة لا يمكن أن تبقى على حب قاتل مغتصب ضائع. ستقضي ~~على العلاقة بعدم الشرعية. لا حب ثمة ولا زواج ولا أبوة في محضرها. المطاردة تعنف، ~~اليأس يستفحل. وعجب ms099 لشأنه ولحدة انقلابه. التزعزع لا يغزوه نتيجة لضعفه وحده، ولكن بوحي ~~الحب أيضا. الحب ذو التزام ويجفل من الخداع. هل يدمر الحب باسم الحب؟ وكأنه أزمع ~~الدفاع عن نفسه فقال لها: من يقرأ الصحف يقتنع تماما بأن الصفوة نفسها تعيش وجهين، ~~وأنها لا تصدق مع ذاتها إلا وهي تمارس الشر في الخفاء! # فقالت على الفور: المؤمن وحده من يعيش بوجه واحد. # سرعان ما صمم على ألا يقدم مختارا على طعن سعاته طعنة الموت. سوف يألف هذه الحياة ~~رغم قربها، وسوف يتحرر مع الزمن من آلامها. ونسمت من الباب المفتوح نفحة خريف عذبة ~~مختلطة بالأصوات الغامضة الصادرة عن سليمان. # ولكن حدث شيء. # انطلق فجأة وبلا مقدمات من أعماقه المترعة بالقهر والقلق. # انطلق عملاقا ثملا حرا مزهوا بحقيقته الراسخة وتأثيره المطلق. كأن صدره انشق عن ~~ثغرة متفجرة بانفعالات طاغية غامضة لتغزو الفضاء كله. استطار خياله في نشوة من السكر ~~الأصيل مستمدا من المجهول قدرة شاملة. رأى بنظرة خاطفة الكون ماثلا في صورة واحدة ~~ملتحمة الأجزاء متعانقة الأبعاد تنبعث من بهائها نغمة ساحرة. في غمرة السكرة الصافية ~~مرق بكل قواه من قفص الزمن وعلا فوق المخاوف والحذر. انغمس حتى قمة رأسه في انتصارات ~~اللحظة الراهنة. # وبصوت غريب متهدج قال لها: فتحية، أصغي إلي، سأفضي إليك بأسرار مذهلة ... # 13 # الخريف مستمر في نفث أنفاسه ولكن العذاب انتهى. الحزن يغشى الوجود ولكن العذاب انتهى. ~~إنه غارق في هدوء عميق سبق بإعصار مدمر. تقوض المسرح وتلاشى التمثيل، استرد ذاته، لا حب ~~ثمة ولا زواج ولا سليمان ولا شعائر ولا قضايا، الجدب والوحدة ولكن العذاب انتهى. من ~~خلال جو جنائزي قاتم أطلت عليه وجوه الأصدقاء. لتوهم رجعوا من زيارة واجبة للحي القديم. ~~مسعى تقليدي ولكن بلا ثمرة. # قال عدلي جواد: لا يمكن فهم تصرفك. ~~- ما أهمية ذلك؟ لكنه كان حتما من الحتم وعاصفة لا سبيل لمقاومتها. وقال وهدان: ~~حزنها لا يوصف. # فقال عبد الباري: وغضبها كذلك. # وقال وهدان: لم تغفر لي سكوتي من أول يوم ... # رجع عدلي ms100 جواد يردد: لا يمكن فهم تصرفك؟ # فقال: صعقني بلا مقدمات. لعله نوع من الجنون ... # ثم تمتم بعد قليل: ولكن لا ندم ولا أسف ... # فقال وهدان: قياسا على ما حدث يمكن أن يجد جديد لا يخطر الآن ببال أحد ... # فقال عبد الباري: قول حسن. # من ناحيته فلا ندم ولا أسف، ولا عذاب أيضا. ثمة حزن عميق ولكنه يتنفس في ~~الزمن. # | السلطان # 1 # من فوق قمة المقطم لاحت قمة القاهرة مثل خلايا النحل، بيوتا وعمائر متلاصقة متلاحمة، ~~تمرق من بينها المآذن والقباب، يغطيها الأصيل بستار رمادي نعسان. # توقف السلطان نوح عن متابعة السير، التفت نحو تابعة منصور وقال: اذهب، ثم عد قبيل ~~الفجر. # ولكن منصور لم يبرح، وقف واجما حائرا، فقال السلطان: اذهب فقد أزف ميعاد ~~العبادة. # وأخرج منصور من عباءته بلطة يلمع الموت في نصلها. رمى بها تحت قدمي السلطان، وقال ~~بحزن: كلفت بقتلك يا مولاي! # فرمقه السلطان بذهول فواصل الرجل: كان المتفق عليه أن أتوارى حتى يجثم الليل ثم أزحف ~~نحوك لأطيح برأسك! # فاصفر وجه السلطان غضبا مثل الشعاع الغارب، وتساءل: من؟ ~~- الملكة! ~~- يا للشيطان! لها شركاء يا منصور؟ ~~- القائد كرداش ... والوزير عقبة ... ~~- يا للفظاعة، قصر من الرمال، عاصفة من الظلم تبغي اجتياح رجل كرس حياته ~~للعدل! ~~- إنه الطمع في أرزاق العباد يا مولاي! # استدار السلطان وهو يتمتم: لأنكلن بالمجرمين! # فقال منصور بانكسار: لن تستطيع الرجوع يا مولاي! ~~- ماذا قلت؟ ~~- عيونهم منتشرة، وخناجرهم مشهرة. ~~- ما أحب العباد سلطانا كما يحبونني ... ~~- لذلك دبروا مؤامرتهم ليزعموا بعد ذلك أنك اختفيت، فإذا رجعنا اكتشفوا خيانتي لهم ~~فانقضوا علينا كالشياطين. ~~- أنهزم تاركا رعيتي تحت رحمتهم؟ ~~- اهرب ... اختف تماما عن الأعين، لقد تظاهرت بخيانتك لأنقذك، دعني أرجع لأبشرهم ~~بقتلك ودفنك! # فاشتد امتقاع وجه السلطان وراح يقول: الملكة، الأفعى، الجباه التي تنحني وهي مثقلة ~~بالنفاق والغدر، الألسنة التي تلهج بالثناء وهي تنقع بالسم، الجسد الذي يذعن للحب وهو ~~يتراقص فوق موجة من الفسق المضمر، كيف جرى ذلك كله من وراء ظهري؟! # فقال منصور بأسى: ما أشد ms101 حزني يا مولاي! ~~- دع الحزن فما أملك الآن سواه، وسوف تفجر الطبيعة في غشاوته شواظا من نار الغضب ~~والانتقام. ~~- اختف يا مولاي، اذهب إلى أقاصي الصعيد أو إلى بر الشام، إليك هذه الصرة من الذهب! # لبث السلطان جامدا وهو يتحول إلى شبح تحت أهداب الليل فقال منصور جزعا: لا وقت ~~لديك، اهرب قبل أن يسعى إليك القدر. # فتأوه قائلا: أودع الحياة بلا دفاع، أتطوع للموت، أهيم مطاردا بلا رعية، تاركا ~~ورائي رعية بلا سلطان، مفسحا المكان للمجاعة والأوبئة. # أكب منصور على يد مولاه فبللها بدمعه، ثم غاص في الظلام. # 2 # أقام السلطان نوح في أطراف المدينة فيما يلي المقابر. لم يكن يعرف وجهه إلا المقربون ~~وقلة من الرعية الذين شاهدوه في مواكب المواسم، فتنكر ما وسعه التنكر واستثمر الذهب في ~~تجارة الغلال، فكان يتاجر نهارا، ويعتكف ليلا ليتفكر في الانتقام من أعدائه أو ليواصل ~~عبادته التي شغف بها أيام ملكه. # وتسربت أنباء اختفائه مثل رائحة يتعذر كتمانها. عمل المتآمرون على نشرها فمضت من لسان ~~إلى لسان ومن حي إلى حي. وأنهاها إليه بعض عملائه من التجار. أما سمعت عما يقال من ~~اختفاء السلطان نوح؟ الناس حيارى محزونون يتساءلون، يقال إنه كان يمضي الليل متعبدا ~~فوق جبل المقطم، هل باغته وحش؟ هل اغتاله قاطع طريق؟ هل اعتزل في كهف مثل الرهبان؟ أما ~~عن أحزان الملكة وحيرة الوزير والقائد فحدث ولا حرج، ليتك ترى الناس وهم يتجمهرون في ~~الطرقات؟ ما أشد الأسى على المحبوب الغائب! # ثم أعلن النبأ بصفة رسمية فنادى به المنادون، ونصب ولي العهد - ابن السادسة - سلطانا، وعين الوزير عتبة وصيا، كما عين القائد كرداش وزيرا وقائدا. # تلقى نوح الأنباء كالمطارق فوق رأسه. سمع نعيه على كل لسان. تبخرت شخصيته في الهواء. ~~عاشر الموت وهو حي. عجز عن دفع زحفه تماما. من مات في وعي الخلق فقد مات. هذا هو الموت ~~الذي بدا له غامضا فيما مضى. ليست الحياة قلبا يخفق أو دما يجري ولكنها معنى يتردد ~~في وعي الناس. ms102 وقد مات نوح. ولم يعد التفكير في الانتقام مجديا. لقد حل آخر محله فوق ~~العرش، واغتصب غريب فراشه، وأدت رعيته ضريبة الحزن والدموع عليه. لم يعد لرجوعه معنى. ~~سيهدم عالما أعيد بناؤه وتكوينه. وها هي الأعوام تمضي مؤكدة موته، مقوضة لدنياه، ومن ~~الخير له أن يبذل ليله كله للعبادة، وأن يسلم للمقادير، وأن يمهد طريقه إلى أعتاب الله ~~ورحابه. # وجاءته أنباء جديدة ذات لون داكن ضارب للصفرة. لم يكن السلطان وحده الذي اختفى، ولكن ~~ها هو طعم الحياة يتغير، ووجهها يتجهم، يعسر ما كان يسيرا، ويمر ما كان حلوا، ويضن ما ~~كان مبذولا، ويغلو ما كان رخيصا، والمعاملة تسوء، والشدة تضرب، والجبروت يستفحل، ~~والظلم يغشى. ورجع الناس يتذكرون سلطانهم الفقيد، ويترحمون على عهده، ورجع نوح يشعر ~~بالحياة تدب في أوصاله ولو في صورة ذكرى، ولكن فيضا من شائعات مدبرة اجتاح العباد بغية ~~تشويه سمعته. قيل إنه كان مهملا، وإنه كان يتعبد على طريقة الرهبان، وإنه كان شاذا ~~مدنسا، وإنه جن جنونا كاملا حتى دعا أهل بيته إلى عبادته. وارتاب أناس في حقيقة ما ~~يذاع، وصدقه آخرون، وحدثت بلبلة ضاعفت من محنة الشدة والبلاء. وجزع نوح واكتأب، لقد رضي ~~بالموت، ولكنه عانى ما هو أفتك من الموت. # 3 # وفي السنة الخامسة عشرة من اختفائه زاره صديق يدعى طالب. كان يلهث من الانفعال ~~والبهجة، وسرعان ما ارتمى على أريكة وهو يقول: قلب المدينة ينبض ببعث جديد. # فسأله نوح بهدوء صار طبعه من طول التعبد: ماذا حصل لقلب المدينة؟ ~~- ألم تعلم؟ السلطان نوح لم يمت ... ~~- فاقتلع هدوءه اضطراب طارئ وتمتم: نوح لم يمت! ~~- إنه حي ويسعى بين الناس ... ~~- مستحيل يا طالب. ~~- هي الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان! ~~- أرأيته بنفسك؟ ~~- أجل. ~~- أكنت تعرف صورته من قبل؟ ~~- طالما رأيته في الأعياد ... ~~- ووجدته أنه هو هو؟ ~~- بنصه وفصله! وقد تعرف عليه كثيرون ... ~~- يا للعجب! ~~- وسرعان ما التف حوله المظلومون ... ~~- وماذا فعل السلطان الشاب «المتوكل»؟ ~~- القتال محتدم بين الفريقين، بين المتوكل ونوح، وما زال رجال نوح يقاتلون ms103 في جماعات ~~متفرقة، ولكنهم ينهكون جيش السلطان ... # فتمتم نوح في حيرة: قتال بين الأب وابنه! ~~- الابن يزعم أن الآخر دجال دعي! ~~- ولكن نوح يعرف أن غريمه هو ابنه ... # فقال طالب بحماس: في سبيل العدل يهون كل شيء! # 4 # زلزلت نفس نوح فسلته من عزلة العبادة إلى خضم الدنيا. سمع اسمه يتردد على ألسنة ~~العباد، سمع الحناجر وهي تهتف به، وتستنجد به على ما تعاني من جور وظلم. خيل إليه برهة ~~أنه بعث، أنه حي، أن قد مات الموت، ولكنه سرعان ما باخ وانهزم، فأدرك أن الحي رجل آخر، ~~لعله دجال أو مجنون أو داهية، وأنه جاء ليوكد موته هو إلى أبد الآبدين. # وقال له طالب: قم بنا إلى معسكره خارج باب الفتوح لمبايعته ... # تاقت نفسه إلى رؤيته فمضيا معا في غلس الظلام حتى انضما إلى جموع لا حصر لها، ~~ووقفا في طابور طويل، مقدمته أمام خيمة السلطان وذيله عند مشارف الصحراء. ومثل بين يديه ~~فوجده يماثله في الطول، ولكنه أدق في البناء، تضيء عيناه بنور قوي، وتتسم قسماته بالنبل. ~~تطامن لتقبيل يده ثم قال: نبايعك من جديد كما بايعناك أول مرة. # فقال السلطان المبعوث: فليؤيد الله المؤمنين. ~~- ليكن النصر على يديك. ~~- أسبق لك أن مارست القتال؟ ~~- كنت جنديا قبل أن أصير تاجرا. ~~- إذن تنضم إلى قواتنا. # 5 # قال نوح لنفسه إن الرجل سلطان حقيقي لا شك في ذلك. وبقدر ما هو سلطان بقدر ما أنا ~~ميت. أعدمت نفسي اتقاء الموت، واتخذ هو هوية غير هويته متحديا. ولم يعد لي من أمل في ~~الوجود إلا تحت جناحه. هذه هي لعبة الحياة والموت التي خسرت فيها حياتي. وإنه لرجل مخلص ~~ينطلق بكل قواه وراء العدل المفقود. ينطق وجهه بالنبل والصراحة والعزم. وإن تصدق ~~فراستي فيه فما أهمية أن يكون السلطان الحقيقي أو لا يكون؟ # ونازعته نفسه إلى الرجوع إلى عزلته ولكنه سرعان ما خجل من ضعفه فقرر أن يصير جنديا ~~في جيش السلطان وأن يجعل من الجهاد عبادته. # 6 # وتوثب الجيشان للقتال. ms104 وكالعادة المتبعة في تلك الأزمان تقدم القائد كرداش متحديا ~~السلطان لنزاله. وكلما تطوع لمقاتلته فارس صرعه. وكان السلطان الجديد زعيما أكثر من ~~مقاتلا، فخرج للقتال السلطان الحقيقي. ولم يعرفه كرداش، تبادلا ضربات عنيفة، وتمكن نوح ~~من خصمه فجندله. ووقف فوق رأسه وهو ينزف، وقال: مت أيها الخائن، ألم تعرفني بعد؟ # ورنا إليه كرداش ببصر معتم فعجز وجهه عن التعبير عن ارتياعه فغمغم: أنت! لا ... ~~لا ... # وفاضت روحه. # والتحم الجيشان، وكان السلطان الشاب يقود جيشه بمهارة أثارت إعجاب نوح. وتواصل القتال ~~حتى غابت الشمس وراء الأسوار، فتراجع كل فريق إلى معسكره. # 7 # في اليوم التالي برز السلطان الصغير من بين الصفوف مطالبا بالنزال. وخرج لنزاله فارس ~~فدارت معركة شديدة تابعها نوح بقلب خافق. وجد نفسه يتمنى السلامة لابنه. وشعر بالإثم ~~لتمنياته ... غشيته كآبة ثقيلة. ولما انتصر الصغير أغمض نوح عينيه كأنما يفر من عذابات ~~هذا العالم. # واستمر السلطان الشاب في تحديه للأبطال، وتكرر انتصاره حتى قال السلطان الجديد لنوح: ~~اخرج له فإنك فارس مدرب! # فتردد نوح غارقا في جيشانه، فقال له السلطان بنبرة آمرة: اخرج والله ناصرك. # فلم يجد نوح مفرا من الخروج. # ولم يعرف السلطان الشاب أباه، ولم يفطن إلى ما يتصارع في صدره من الانفعالات ~~المتضاربة، وقال له بحقد: أنت قاتل كرداش، وسوف تدفع ثمن جنايتك. # والتحم الأب وابنه، الابن يندفع لقتل أبيه، والأب يتلقى ضرباته بمهارة ويفسدها بحذق ~~متجنبا في الوقت نفسه إصابته. ولكن مهارة الابن أوقعته في مركز حرج فقد صمم ضربة قاتلة ~~عرفت طريقها إلى مقتل أكيد فلم يجد الأب بدا من مبادرته بضربة أطارت سيفه وتركته ~~أعزل. # توقف السلطان الشاب متوقعا الضربة القاضية، وتردد نوح، على حين هدرت الأصوات من جيش ~~السلطان الجديد: طير رقبته! # ولكن نوح شل تماما، فهجم جنود ابنه ليحموا سلطانهم والتحم الجيشان في قتال مرير ~~حتى غروب الشمس. # 8 # واستدعي نوح إلى لقاء السلطان، فسأله بجفاء: لم لم تقض على عدونا وعدوك؟ # فقال نوح معتذرا: لا أقتل الأعزل يا مولاي! # فقال ms105 بغضب: بل أهدرت حقك، وأبحت دماء المئات من رجالنا! # لم يشك نوح في صدق قوله، وغاص في الحزن والكآبة! # 9 # وعاد الجيشان إلى الاشتباك في اليوم الثالث. وعند الظهيرة رجحت كفة السلطان الجديد، ~~ووقع السلطان ورجاله في الأسر. ودخل الجيش المنتصر المدينة دخول الظافرين فاستقبله ~~الخلق بحماس وسعادة. # وأمر السلطان فزج في السجن بالسلطان الشاب والملكة وكبار رجال الدولة. # واستدعى السلطان الجديد نوح وقال له: أنت أيضا ستوضع في السجن حتى يبت القاضي في ~~أمرك ... # فتساءل نوح ذاهلا: ألا يشفع لي ما أبليت في القتال؟ ~~- لا تشفع لك إلا براءتك! # 10 # هكذا جمع السجن بين الجميع وهم مكبلون بالسلاسل. وكان أول من عرف نوح تابعه القديم ~~منصور الذي أنقذه من الغدر، والذي صار بعد ذلك حاجبا مكافأة له على جريمته الوهمية. ~~نظر نحو سيده بذهول ثم هتف بفرح: مولاي! # فحدق الجميع به حتى عرفوه، وسرعان ما ارتعدت فرائصهم. وصاح منصور بسلطانه الشاب: هذا ~~أبوك يا مولاي، هذا سلطان مصر الحقيقي! # وراح نوح يقلب عينيه ما بين الملكة والوصي القديم وابنه، ثم قال: أجل إني أبوك، غدر ~~بي رجالي وأمك وأنت لا تدري. # فتمتم السلطان الشاب: أبي! ~~- أجل، إني أبوك نوح، ضحية الخيانة والغدر. ~~- ولم كبلوك بالسلاسل مثلنا؟ ~~- جزاء امتناعي عن قتلك! # فقال الابن بتأثر: طالما حيرني ذلك! ~~- ولكن لا مفر من الجزاء. # وراح نوح يردد عينيه بين الملكة وسائر الرجال الذين خانوه ثم قال متهكما: انعموا ~~بعاقبة الخيانة! # وأومأ بلحيته إلى شخصه وقال: ولأنعم بعاقبة الغفلة! # | أيوب # 1 # إنه سجن بلا قضبان. وبلا ذنب أيضا. علي من الآن فصاعدا أن أحمل جسمي بعد أن حملني ~~خمسين عاما. حيثيات الحكم تبلورت في مرثية طبيب الأسرة صبري حسونة إذ يقول: لا مجال ~~للخداع، سيطول بك الرقاد، الكورتيزون فعال، ولكنه لا يخلق المعجزات، المسكنات والمهدئات ~~فعالة أيضا في مقاومة النوبات، ولكن عليك أن تتزود من الصبر، لا تتصور أن حجرة نومك ~~زنزانة. كلا لديك الراديو والتلفزيون والجرائد والمجلات، معك الهانم وآنسة نبيلة، ووفيق ms106 ~~مشهود له بالكفاءة، أصدقاؤك كثيرون ولن يتخلوا عنك، المهم أن تسلم بالقضاء وأن تنحي عنك ~~العناد والحسرة، والله معك. # لست أسير حجرة فحسب. الحقيقة أنني أسير الفراش. حتى الحمام أحمل إليه كطفل. أعاني ~~الألم على فترات ولكني أتجرع العبودية طيلة الوقت. إني محتج لحد التمرد. أضرب كفا ~~بكف. لا أدري متى أذعن للقضاء. الصدمة شديدة تدهم النفس بعنفها وقسوتها ولامبالاتها. ~~لماذا؟ لماذا؟ أين الحياة الثرية الحافلة؟! أين تلال الأموال الطائلة؟ أين المكانة ~~المرموقة؟ في الخزائن والذكريات ولا شيء معي. ويجيء الأطباء من الداخل والخارج. يجمعون ~~على حكم لا استئناف له. يناقشون الأسباب وما تراءت لي إلا ضربة عابثة، ويبقى اليأس ~~والمفاصل المتورمة، ويتفشى اليأس والأسى. ويل لعابر العواصم الكبرى من أغلال ~~مستحكمة. ~~••• # حول الفراش الوثير ذي المرآتين المتقابلتين تجلس أفكار ونبيلة ووفيق. في الأعين نظرة ~~حزينة مواسية. بؤرة تستورد العطف بعد أن كانت تصدره. لا يفارق أحد منهم الحجرة ولكن حتى ~~متى؟ إنه رقاد يبدو ألا نهاية له. والحياة هي الحياة لا أكثر ولا أقل. قلت متجاهلا ~~انفعالاتي الجياشة: أمر ربنا، فلنواجه الأمر بشجاعة وبساطة. # فقالت أفكار: رأيي أن نسافر إلى الخارج. # فقلت بشجاعة لا أشعر بها: لم ينصح أحد بذلك، جئنا بأكبر أخصائي عالمي وأخذ الشيء ~~الفلاني. ~~- لا شك توجد في الخارج استعدادات لا تتوفر هنا. # فقلت باسما: المسألة أنك تؤمنين بالخارج. # وقالت نبيلة بصوت متهدج: قلبي معك يا بابا. # الكلمة اللطيفة ممن نحب مثل الكورتيزون وأنجع. قلت: أسأل الله أن يكفيكم شر ~~المرض. # وفيق متجهم الوجه ولكنه متمالك لأعصابه. كما ينبغي لرجال الأعمال. والولد سر أبيه. ~~قال: ستنهض معافى، إنها محنة صبر وتصبر. # فابتسمت له فقال مستطردا: لك أن تطمئن تماما إلى سير العمل في المكتب. ~~- طمأنينتي من هذه الناحية كاملة. ~~- وسوف أرجع إليك عند كل خطوة. ~~- لا يهمني من ذلك إلا أن أراك كثيرا. # فقالت أفكار: أقترح أن نتناول طعامنا هنا معا. # فقلت: الإفطار فحسب أما الطبيخ فله رائحة يعافها الإنسان إذا شبع! # وضحكت بلا سبب لأقنعهم ms107 باستعلائي على المفاصل ثم قلت: لا يمكن أن تبقوا حولي إلى ~~الأبد، إني أكره أن أكون عبئا عليكم، فلتسر الحياة سيرتها المألوفة. # إني أستبق المتوقع والمألوف والطبيعي كما يجدر برجل مجرب في الخمسين من عمره. لن ~~أطالب الدنيا بما ليس في دستورها. ثم إنني أحبهم. # 2 # هرع الزوار إلى قصري من كل ناحية. اكتظت مواقف السيارات بشارع المعتصم بجاردن سيتي. ~~المقاولون وتجار الجملة والموزعون وأصحاب مكاتب الاستيراد والتصدير وبعض المسئولين. كنت ~~محورا دائرا لكون هائل، فأمسيت مركزه الجامد ولو إلى حين. يقبلون الجبين ويجودون ~~بنظرات المودة والرثاء . ثم تتضارب الأقوال: ~~- لم يعد شيء على الطب بمستعص ... ~~- أقرب مثل ابن أختي، اعتقدنا أن حال مفاصله مزمنة، وهو يمشي اليوم مثل جواد ~~السباق! ~~- كيف تكون لنا ليال قمرية والقمر غائب! ~~- اعتبرها هدنة سترجع بعدها فارس النضال المرموق. ~~- ولكن لا تنس أنك أهملت نصح طبيبك باستهتار غير محمود. # تمتمت: العمل والحياة ... ~~- والصحة؟ أليس لها حق أيضا؟ # فقلت متأففا: الحق أنه عقاب لا أستحقه ... ~~- لا تعترض على قضاء الله ... # فقلت مستدركا: أحمده على أي حال. ~~- ليكن ذلك من قلبك. ~~- كيف لنا بإدراك حكمته! ~~- عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. # تتابعت الشعارات الدينية من قوم لا يحفلون من الدين إلا بقشوره. أنا مثلهم أيضا. ~~طالما نددت بإلحاد أعدائنا وأنا سكران. ما أعجب أن يتبادل أناس الأكاذيب وهم يعلمون ~~أنهم يكذبون. الأدهى من ذلك أن بعضهم لا يفطن إلى كذبه. ولم تخدعني حرارة مودتهم. ~~زميلنا إبراهيم جندية المشلول منذ عام من ذا يذكره اليوم؟ وقتنا - نحن رجال الأعمال - ~~لا يتسع للوفاء. ولن أطالب الدنيا بما ليس في دستورها. إننا نقدس الوقت والنظام. وندرك ~~تماما أبعاد حياة العمل ومقتضيات العصر. سوف يطول الرقاد. غالبا حتى النهاية. إنها ~~الوحدة بلا صديق! # 3 # من جنون الحركة إلى جنون السكون، هذه هي الرحلة. اليوم بسنة كما تقول الأغنية. الآن ~~أسمع الأغاني لأول مرة. لا استيعاب لها بعد فما زال الشعور مكتظا بالاحتجاج والضجر. ~~لكنه سماع لا يخلو من اكتشاف ms108 على أي حال. في الماضي كنت أعطي الأغنية من انتباهي ما ~~أعطيه الشحاذ وهو يردد شعاراته. رغم اهتمامي بالغناء في صدر الشباب. ثمة عادات جديدة ~~مقبلة. وتدخل زكية بجسمها القصير البدين المتحدي لتنظيف الحجرة. أقول لها: افتحي ~~النوافذ ليدخل الهواء والشمس. # نحن في أواخر الربيع، سيقبل الصيف ولكن لا مصيف ولا انتفاع بجهاز التبريد. تقول ~~زكية: ليتني بدلك يا سيدي. # كذبة حلوة وما أكثر الأكاذيب. أشرئب بعنقي ناظرا من النافذة فأرى النيل وشاطئه ~~الآخر. النيل يجري بسمرته الشاحبة والشمس تغطي مساحة منه ببراءتها الفضية. أراه أيضا ~~لأول مرة . الباص النهري يتحرك حاملا القادرين على الحركة. أناس يسيرون على الشاطئ ~~والحمام يطير أسرابا. السيارات تتتابع في حركة متصلة. كل شيء يسير إلا الشجر. طابور ~~الجازورينا ثابت رغم شموخه ولكن دون مبالاة ولا ملل. لما أقبلت أفكار في روبها الفضي ~~قلت لها: انقلي الساعة إلى خارج الحجرة. # رفعت من فوق حاملها الرخامي بصندوقها المذهب وبندولها المتحرك. وضع تلفزيون ناشيونال ~~مكانها، كما جيء براديو فوق التابل دي نوي. حملت إلي الجرائد والمجلات، عربية ~~وإنجليزية وفرنسية. إني أقرأ أيضا لأول مرة. كنت قبل ذلك متصفحا للعناوين لا تجذبني ~~إلا أنباء السوق والأسعار والأوراق المالية. بالمقارنة النسبية فإني أسمع وأرى وأقرأ ~~والبقية تأتي. وأحاول أن أتذكر أحيانا. رؤى قديمة لم يبق منها إلا ذكريات شاحبة. لعل ~~أفكار نسيتها تماما. متى أقترن حقا بالحياة الجديدة؟! # العادة تحتوي «المصيبة» فتمتص حرارتها. أجل أبت الأسرة أن تصطاف هذا العام وأصمت ~~آذانها عن سماع إلحاحي. عدا ذلك قد شغل وفيق بالمكتب ولكنه يلقاني يوميا أكثر من مرة. ~~أفكار ونبيلة تترددان على النادي من آن لآن وتستقبلان الصديقات ولكنهما تمضيان جانبي ~~وقتا لا يستهان به. زيارات الأصدقاء تقل يوما عن يوم. التليفون يحل محل الزيارة ~~كثيرا. اختفى أناس تماما كأنما لم ألقهم إلا في إحدى محطات السفر. وحدي أكثر ساعات ~~النهار والليل. أسمع، أشاهد، أقرأ، أتصبر. متى تشملني العادة بسحرها العطوف؟! متى ~~يخلصني أنس التلفزيون والراديو والفكر من الوحشة؟ متى ms109 تعوضني عن السوق والرحلات ~~والسهرات؟ متى أنسى عالم السحرة الحائزين لخاتم سليمان؟ متى أنسى إلهام المال المفعم ~~بالسيادة؟ ألا يكفي أن يحظى وفيق بالحيوية والانتشار؟ ألا يكفي أن تضيء أفكار ونبيلة ~~غشاء المجتمع الحريري وتقتنيان كل ثمين وجميل؟ # عجيبة الحياة، مخيفة الحياة، محيرة الحياة ... # 4 # مضت الحياة الجديدة تفرض علي ذاتها كواقع يجب التسليم به. لم يفارقني الشعور ~~بالعبودية ولكن استجابت نفسي للرؤية والسماع والقراءة، بل اكتسبت عادات التفكير والتأمل ~~والحلم وإن ناوشتها كثيرا أحلام اليقظة. ألفت الرچيم والدواء وداويت نوبات الألم ~~بالمسكنات والمهدئات. بات وفيق همزة الوصل بيني وبين العمل. فما زال يصدر عني الاعتماد ~~والتوجيه. واشتد حرصي على متابعة العمل باعتباره باب الأمل الأخير. # وجاءني مرة بحساب البنك عن أموالي السائلة البالغة خمسة ملايين من الجنيهات فخطر لي ~~أن أسأله: متى يشبع الناس من اكتناز المال؟ # فأجاب وهو يرفع حاجبيه الكثيفين: لا حد للنجاح، وما قيمة الحياة بلا عمل؟ # هكذا ربيته منذ الصغر. تخرج في التجارة مثلي. نجحت في تنشئته كابن رجل يعبد العمل ~~لا كابن مليونير. وهو يسهر في كل ليلة في الهرم، ولكنه لا ينفق كالمجانين. يملك سيارة ~~مرسيدس طراز 78، ويتكلف في الليلة عشرين جنيها ولكنه يغضب لإنفاق مليم في غير موضعه ~~الضروري. إنه صديق ولا يخفي عني شيئا. وطالما سهرنا وشربنا معا. وقد داخلني قلق لدى ~~أول عهده بالسهر فإني أكره التبذير وحسبنا ما تبدده أفكار ونبيلة ذات اليمين وذات ~~اليسار. يومها قلت له: تمتع بحياتك ولكني أكره أن يبدد السفه ما يجمعه العرق ~~والمغامرة. # فقال لي بوضوح مريح: أوافق على رأيك تماما. # وسرعان ما تبين لي «عقله». ترامى إلي أن أصدقاءه يطلقون عليه على سبيل الدعابة ~~«النتن». لم يسرني ذلك بطبيعة الحال ولكن كان أحب إلي من أن يعرف بالمسرف أو ~~المجنون. وحذرته مرة قائلا: النساء ... النساء! # فقال لي مطمئنا: إني أتجنب العلاقات الدائمة أما العابرة فلا ترهق عادة. ~~- وإذا دهمك الحب؟ # فقال بسخرية: إني لا أعترف بالحب. # لم آخذ قوله مأخذ الجد رغم ms110 أني لم أعرف له حبا واحدا. تزوجت أنا عن حب. أجل لم ~~تلعب المرأة دورا في حياتي ولكني عرفت الحب. هذا الفتى جررته معي إلى ساحة العمل منذ ~~سن المراهقة. نشأ عاشقا للعمل والمال. وأغراني قوله بأن سألته: متى تفكر في ~~الزواج؟ # فأجاب ببساطة وحسم: لن أتزوج. # فسألته مستنكرا: ألا ترغب في الذرية؟ # فأجاب ببساطة: كلا. ~~- إنه لأمر غريب يا وفيق. ~~- لم؟ ماذا ينقصني؟ اللذة في العمل، وأختم يومي بشي من الشراب والرقص واللهو! # لا اهتمام له بشي بعد ذلك. لا السياسة ولا الدين ولا ... ولا ... إني على الأقل ذو إلمام ~~بشكليات الدين، أما هو فقد نسي كل شيء. لعل أفكار هي الوحيدة بيننا التي ما زالت تملك ~~نظاما من العقائد الموشاة بالخرافات. أخيرا سألته: أأنت راض عن نفسك؟ # فأجاب بارتياح: نعم، العمل تاج الحياة. # 5 # جاءتني أفكار ساحبة نبيلة من يدها، جلستا وهي تقول: أشكو إليك ابنتك! # تساءلت باسما: جنحة أم جريمة؟ # رددت عيني بينهما. صورتان متماثلتان لكن الأم أجمل. جمالها متوسط، فهي سمراء صغيرة ~~القسمات معتدلة القامة ملفوفة الجسم. نبيلة تماثلها لولا الذقن العريض الذي استعارته ~~مني. قالت أفكار: إني أعتبرها جريمة. ~~- ما هي؟ ~~- للمرة الثالثة ترفض عريسا دون حجة مقنعة. # فقالت نبيلة: هذا شأني وحدي. # فقلت برقة: أوافقك تماما، ولكن من العريس؟ # فأجابت أفكار: شاب، مهندس، أبوه مستشار. ~~- من النادي؟ ~~- نعم. ~~- مواصفات مقبولة ولكننا لم نسمع رأي المتهمة؟ # فقالت نبيلة: لا يعجبني وكفى. # فتساءلت أفكار: ترى من يحوز إعجابك؟ # فقلت بهدوء: سنعرفه في حينه. ~~- إنها لم تعد صغيرة. # فقلت: بنت عشرين صغيرة في هذا الزمن، وهل يخشى على ابنة مليونير من البوار؟! # أفكار رغم تطبعها بالحياة العصرية ما زالت أسيرة الرواسب الماضية. تزوجتها وهي في ~~المرحلة الثانوية، فعشنا ما لا يقل عن عشرة أعوام حياة كاتب حسابات بالأشغال بين الثامنة ~~والسابعة. ست بيت ممتازة كانت. مخلصة مدبرة ممن خلقن ليسندن الرجال. المرأة الجديدة من ~~صنع يدي. العصرية المولعة بالأضواء والاقتناء والقمار. أردت أن أجعل منها امرأة ثانية ms111 ~~فأفلتت من يدي وخلقت من نفسها امرأة ثالثة. ثم تولت بنفسها صنع نبيلة. القصر يضيق ~~بمشترياتهما على سعته. يعيشان في النادي وقد ترجع نبيلة بسيارتها بعد منتصف الليل. إني ~~واثق فيها ثم إن يد الزمان تغمض عيني. تبدى جنون نبيلة في مساعدتها لصديقاتها ~~الفقيرات على عهد دراستها الجامعية التي لم تتمها. لم أرفض الفكرة ولكني حرصي الطبيعي ~~راقبها بقلق. يوما قالت لي: بابا، صديقة في حاجة ماسة إلى خمسمائة جنيه. # فزعت وقلت: الناس تحتاج إلى جنيه أو اثنين لا إلى خمسمائة، إنك بسذاجتك تجعلين من ~~نفسك هدفا للجشع، يوجد فارق بين الشعور الإنساني وبين الكفر بقيمة المال. # فقالت بإصرار: أسرتها في حاجة ملحة؛ إذ إنها مضطرة إلى إخلاء شقة في عمارة قديمة آيلة ~~للسقوط، وقد وعدتها بالمساعدة. # هكذا دفعت بالمشكلة في منطقة الكرامة فغلى دمي وقلت: لا تعدي بشي ليس في يدك الوفاء ~~به، أو ارجعي إلي أولا، وتذكري أن أباك رجل لا دولة ... # أفكار أيضا ضعيفة من هذه الناحية غير أن مساعداتها تختص غالبا بأهلها الفقراء. ولم ~~يسؤني ذلك لما فيه من حفظ كرامتنا في النهاية، ولم تخل حياتي أنا من مساعدات من هذا ~~النوع أيضا. ولكن لزوجتي نزوات مظهرية سخيفة كما أنها تؤمن بالنذر وتتبرع لصندوق السيد ~~البدوي أحيانا بحماقة. ~~••• # في حياتي الجديدة أتيح لي - رغم همي الثقيل الرابض - أن أسمع وأن أرى وأن أقرأ وأن ~~أكتشف مسرات جديدة. أتيح لي أيضا أن أفكر وأن أتذكر. لكن وجدتني أبعد ما يكون عن ~~الرؤية الواضحة. بل وقعت في حيرة معتمة كئيبة مما جعلني أتلهف أكثر على الشفاء البعيد، ~~أو المستحيل. وقلت لنفسي: ليس أفظع من أن يخلى بين الإنسان ونفسه. # 6 # رباه ... من هذا الزائر الجديد؟ # نظرت نحوه بذهول وهو يقترب في خطاه الوئيدة، تسبقه نظرة مفعمة بالمودة والأسى. تغير ~~كثيرا ولكني عرفته من أول نظرة رغم أنه تعمد أن يحجب عني اسمه. كهل يماثلني في العمر، ~~خف وزنه ولكنه بادي الصحة، وجد عليه الصلع والنظارة الطبية. هتفت: غير ms112 معقول! دكتور ~~جلال أبو السعود! # فتحت ذراعي وأنا أقول: كيف ظهرت من جديد على سطح الأرض؟ بالحضن والقبل! # تعانقنا وتبادلنا القبل. كان اليوم جمعة والوقت أصيلا والزمن أواخر الصيف. قدمت إليه ~~زوجتي وابنتي وابني ثم قلت لهم: دكتور جلال أبو السعود، رفيق المولد والدراسة، كنا ~~زميلين في الأولية والإعدادية والثانوية، دخل الطب ودخلت التجارة، كنا نذاكر معا رغم ~~اختلاف دراستنا، جمعتنا صداقة وأفكار ... # أخذت شهيقا لأهدئ انفعالي وهم يتصافحون ثم يجلسون، وواصلت حديثي: عقب تخرجه انتقل ~~إلى الأقاليم، تراسلنا عاما أو عامين ... # فقاطعني: خمسة أعوام ... # فتمتمت في حياء: ثم شغل كلانا بحياته ... # فقال باسما: من حسن الحظ أن الإنسان يحظى بقلب وذاكرة ... ~~- صدقت، ولكن كيف أسعدتني بهذه الزيارة؟ ~~- نقلت منذ قليل مديرا لمستشفى الحميات بالعباسية، ثم علمت بمرضك أول أمس من ~~الدكتور صبري حسونة، فجئت أزورك وأصل ما انقطع ... ~~- أهلا ... أهلا ... لا تتصور كم أني سعيد! ~~- وددت أن ألقاك في صحة جيدة مثلي! # فقلت ضاحكا: أدامها الله عليك، أما عني فإني في سجن كما ترى وكأنما رددت إلى الحال ~~النباتية. # فقال جادا: قد يطول ولكنه لم يعد مؤبدا، الطب يصارعه ويصرعه. # فقلت ضاحكا: رجعت قهرا إلى عصر الثقافة. ~~- رب ضارة نافعة. # وقالت أفكار: لتكن هدنة من إرهاق مستمر. # فقال جلال: أحيانا يمر الإنسان بتجربة مرة ولكنه يذكرها فيما بعد بالخير. # فقلت باسما: كلام جميل، ما علينا، كم أنجبت من الأبناء؟ ~~- ثلاث بنات، كبراهن متزوجة ولم تتم تعليمها. والأخريان بكلية الطب. # وأعلنت زوجتي عن رغبتها في التعرف على أسرته فالتحما في حديث جانبي سرعان ما غاب عني ~~في انفعال طارئ. فجأة توقف كل شيء عن الحركة فيخيل إلي أنني أسمع دبيب الزمن وهو ~~يجد في سيره. أجل الزمن يسير وهذا صوته. بل المؤكد أنه لم يتوقف لحظة عن السير فأين ~~كان يختبئ؟ متى وكيف بلغت الخمسين، ومتى وكيف اقتلع شعر رأس جلال؟ كنا أطفالا وغلمانا ~~وشبانا بلا شك وهذا جلال شاهد على ذلك، يا لها من انتباهة مرهقة حقا. وإذا به ms113 يسألني ~~وقد لاحظني فيما بدا: أين أنت؟ # فقلت ضاحكا: معك! ~~- حذار من الأفكار المثبطة. ~~- ثق من أنني في دور النقاهة منها. ~~- يسعدني أن أسمع ذلك. # وتبادلنا نظرة طويلة، ثم خطر لي خاطر وجدت فيه مهربا من انتباهتي المزعجة فقلت: ~~أطباء كثيرون يرفضون الترقية من أجل العيادة. # فقال بهدوء: كنت دائما طبيبا طول الوقت. # فسألته بدهشة: تعني أنك لم تفتح عيادة؟ # فحنى رأسه بالإيجاب، فقلت: أعجب ما سمعت! ~~- كيف تعجب وأنت تعرفني حق المعرفة؟ ~~- كنت مثلك أيضا ولكنها الحياة. # فابتسم صامتا فقلت مخاطبا أسرتي المستمعة: دكتور جلال من عشاق الثقافة منذ نشأته ، ~~آمنا معا في ماضينا بأنه أيا كان عمل الإنسان فالثقافة يجب أن تستمر كمعين دائم ~~لإنسانيته الحقة ... وقد طبق ذلك عمليا. # عند ذاك سأله وفيق: هل العيادة تتعارض مع الثقافة؟ ~~- أعرف أطباء لا يجدون وقتا لتصفح الصحف. ~~- ولكنهم يؤدون خدمة إنسانية لا تقدر بثمن. ~~- إني أؤديها في المستشفيات على خير وجه. ~~- ولكنك لن تكون ثروة مثل زملائك؟ ~~- المعيشة معتدلة ولكن لا ينقصها شيء هام ... ثم إن لي ثروة من نوع آخر. # فقلت له: إني أفهمك ولكن تضحيتك جسيمة. # فقال بهدوء: كانت لحظة الحسم عسيرة، ولكني اخترت ولم أندم. # فسأله وفيق بارتياب: ألم تندم حقا؟ ~~- لماذا أندم؟ إني أقوم بواجبي الإنساني، لا ينقصني شيء، حياتي ثرية جدا، إن يكن ~~ثمة من يرثون لي فإني أرثي لهم أكثر، ولكن معذرة أنا لم أجئ لأتحدث عن نفسي. # ولكن وفيق قال بإصرار أدركت بواعثه: ألا توافقني على أن العمل هو هدف الإنسان ~~الأعلى؟ # فابتسم. صمت مليا. ثم قال مخاطبا ابني: إنك تستدرجني إلى حديث طويل لا يتفق مع ~~أغراض الزيارة، فدعني إلى مناجاة والدك بعد غياب ربع قرن. # فقال وفيق: أبي يهمه ولا شك أن يعرف رأيك. # فحركت رأسي موافقا وأنا ألاطم أمواج الانتباهة المزعجة. عند ذاك قال الدكتور جلال: ~~العمل ضرورة ولكنه ليس الهدف. ~~- إذن فما الهدف؟ ~~- لعله التحرر من ضرورة العمل. # وحل صمت ولكن بدا من تألق عينيه أنه يمنحنا فرصة ms114 لاستيعاب قوله قبل أن يستمر فيه، ~~وقال: مثلا، مهنة الطب ضرورة ما بقي المرض، فإذا قهرنا الأمراض امحت ضرورة الطب ... هدف ~~الإنسان الفراغ الثري! # فقلت ضاحكا: إذن فقد حقق لي المرض الهدف المنشود! # فقال جادا: لقد أوصلك إلى الطريق الذي يجب أن تلتزمه في حالتي المرض والشفاء. # ثم التفت إلي وفيق قائلا: دعني أشرح لك رأيي، بماذا يتميز الإنسان عن الحيوان؟ بالعقل ~~والروح، فعمله الإنساني الجدير به حقا يجب أن يكون عقليا أو روحيا، ولكن حضارته ~~بدأت بالسعي نحو الطعام، بدأت بالصيد مثل الحيوان، تاريخ الحضارة هو تاريخ العمل. ولكنه ~~أيضا تاريخ التحرر من العمل درجة بعد درجة، حرر يديه باختراع الآلة ومضى في ذلك السبيل ~~الطويل حتى بلغ مرحلة المصنع الأوتوماتيكي الذي يعده بأقل عمل وأكبر فراغ، فلا تتصور ~~أبدا أن الزراعة أو الصناعة أو تكديس المال يمكن أن تكون أهدافا في ذاتها، إنها مراحل ~~من الضرورة يمارسها الإنسان ليبلغ حريته ويمارس إنسانيته. # إني على أي حال أكثر استعدادا لتلقي هذه الأفكار من أسرتي التي تجلي الذهول في ~~أعينها. وتجسد الانفعال في وجه وفيق فقال: يا له من خيال! أحدثك يا دكتور عن حياتنا ~~الواقعة فتحدثني عن حياة لن تتحقق أبدا، إني أتحدث باسم أربعة آلاف ملايين من البشر ~~ربعهم مهدد بالمجاعة! # فقال جلال بهدوء: لا يغيب عني ذلك، إني أعرف أن العمل ضرورة حيوية، ولكني أريد أن ~~أنبهك إلى أنه ليس الهدف، هذه الحقيقة تغيب عن كثيرين، بل تغيب عن الرسالات التي خلقت ~~من أجل تحقيقها كالليبرالية والاشتراكية، ولكن هدف آلاف الملايين يجب أن يكون واحدا. # أردت أن أخفف من توتر الجو، وألطف من انفعال وفيق قبل أن ينسى نفسه، فضحكت عاليا ~~وقلت: توهمت أني مريض وإذا بي سوبرمان العصر. # فقال جلال: أرجو ذلك. # فسألته: ألممت بنشاطي رغم البعد؟ ~~- بفضل الصحف، شذرات من الأنباء عن رحلات ومعارك مع اليساريين، وتخيلت الباقي. ~~- دعني أقرأ لك أفكارك، قلت لقد غرق في جمع المال وعبادته، نسي ولا شك أيامنا ~~الماضية، وانحدر ms115 إلى الأمية وهو لا يدري! # فضحك وقد تورد وجهه حياء ثم قال مجاملا في الغالب: أثرت إعجابي ولكنه إعجاب لم يخل ~~من أسف! # فتساءل وفيق: ألا يستحق الإعجاب الخالص من يصبح مليونيرا في أقل من خمس ~~سنوات؟ # هز رأسه هزة غامضة فقلت من فوري: لست غبيا كما تعلم، دعني أقرأ أفكارك مرة أخرى على ~~ضوء فلسفتك، قلت عني لذاتك أنني ضيعت حياتي في سبيل استيراد سلع كمالية عاقبتها الحتمية ~~تخريب الاقتصاد الوطني وخدمة الطبقة الجديدة وتعذيب عامة الشعب، ولا يمثل هذا الاستيراد ~~إلا مزيدا من الاستعباد بخلاف العمل الإنتاجي الذي يمثل الضرورة والتحرير معا، أليس ~~كذلك يا جلال؟ # فضحك وجهه بلا صوت وركبه حرج الموافقة الصامت. عند ذاك هتف وفيق متناسيا أصول ~~المجاملة: هذا ما يردده المخربون! # فقلت ملطفا من وقع كلامه: ليسوا وحدهم، صبرا، لكن اللوم لا يقع علينا بقدر ما يقع ~~على من أذنوا بذلك. # فقال جلال وكأنما يستثقل نفسه: دعنا من التفصيلات، اعتبر - إذا شئت - رأيي حلما ~~خياليا، من الناس من يأنس إلى الأحلام ليتزود بقوة يواجه بها قسوة الواقع، إنما أردت ~~أن أهون لك من شأن الحياة التي انقطعت عنها وأزين لك الحياة التي حبست فيها، فهي ليست ~~شرا خالصا كما قد تتوهم، ما هي إلا مرحلة عابرة إن شاء الله، ويمكن أن تجد فيها من ~~المسرات الشيء الكثير. # فشكرت له مودته، ثم خضنا معا - باتفاق شعوري خفي لنتفادى من حدة وفيق - ذكريات ~~مشتركة قديمة، فشرقنا وغربنا في متعة صافية ساعة نادرة من الزمان. # 7 # خلفت الزيارة وراءها رجة. قالت أفكار: لم أفهم كلمة واحدة مما قال هذا الرجل. # على هذا بدت منفعلة كالآخرين. وتظاهرت بالمرح وهي تتساءل: أهذا شأن أصدقائك القدامى ~~جميعا؟! # فقالت نبيلة: إنه شخص جديد ومثير. # فسألها وفيق بحدة: ماذا تعنين؟ # فقالت ساخرة: ليس جريمة أن يقول إن الحياة ليست المال فحسب! # فقال لها وفيق: دليني على فعل واحد في حياتك لا تعتمدين فيه على المال، كلامك يدل على ~~أنك تعبدين المال، ولكنك ms116 تتنكرين لقيمته. # فقالت بعناد: إني معجبة به! # وتدخلت في الحديث قائلا: دعها وشأنها، ساءتني حدتك يا وفيق. # فقطب قائلا: إنه شيوعي حاقد. ~~- إني أعرف صديقي خيرا منك. ~~- من أين لك أن تعرفه بعد انقطاع ربع قرن؟ ~~- لقد أراد أن يعزيني عن السجن. ~~- لم تكن في حاجة إلى تعزيته. ~~- شعر ولا شك بضيقي وكربتي. ~~- إني أفهمه تماما يا بابا ولا تخدعني فلسفته، لقد جرب أن يثرى من المهنة ففشل، وما ~~أكثر العفة المتولدة عن العجز! # فهتفت أفكار: صدقت، سأبخر القصر غرفة غرفة، لا يحتمل أحد أن يصير قرينه في الفقر ~~مليونيرا من غير أن يحرقه الحسد. # فضحكت قائلا: الأفضل أن تعقلي فلسفته وتقلعي عن التبذير! # فقالت لي: أتريد أن تدعم حرصك بفلسفته؟ هيهات أن يجوز ذلك علينا! # ولما خلت الحجرة استبد بي الانفعال دون شريك. استعدت أقواله وأدمت التفكير فيها حتى ~~قلت: لن أذوق النوم حتى أتناول المهدئ. # عاودتني الانتباهة فرجعت أنصت إلى صوت الزمن الجاري. رجعت أتساءل أين كان يختبئ. متى ~~أنسى الكدر لأكتشف المتعة المتاحة؟ متى أسمع الأغنية فلا أسهو عن شيء من ~~إيقاعاتها؟ # 8 # خفت ألا يجيء جلال أبو السعود مساء الجمعة التالية فتلفت إليه. وقلت لأسرتي منبها: ~~سأستدرجه إلى الحديث إياه، فمن كره منكم ذلك فلا يحضر. # وجاء في الميعاد فاستقبل بحرارة صادقة وكاذبة. ورحنا نتناول الشاي والحلوى. وفي ~~أثناء ذلك نقل عينيه بين أفراد أسرتي وتساءل: ماذا قلتم عني بعد ذهابي في الجمعة ~~الماضية؟ # فقالت أفكار: كل خير يا دكتور. # فشكرها مبتسما. إنه ذكي وحساس ولذلك قلت له: إني أسعد بحديثك وهو يهمني جدا، وهم ~~متفقون معي! # فقال ببساطة صادقة: المهم أن تنعم بمزايا حياتك المتاحة. ~~- لدي الكثير كما تعلم ولكن يحز في نفسي الشعور بالسجن وانصراف الزملاء عن زيارتي! # فقال وفيق بحدة: إنهم أوغاد. # فقلت بعجلة: كلا يا بني، إنهم رجال أعمال. # ثم مخاطبا جلال: أنت نفسك لو كنت صاحب عيادة لما وسعك أن تزورني مرتين متتاليتين. # فقال جلال: يسرني أن تعالج أمورك بروح واقعية! ms117 ~~- كل شيء طيب لولا إحساسي الأليم بفقد الحرية. ~~- خيل إلي أنه هم بالكلام ثم عدل عنه فقلت له: لا تكبت الكلام فقد دعوتك لتتحدث ~~ولأسمع. # فتساءل وهو ينطر نحو أسرتي: ونكدر صفو أعزة؟! # فقالت أفكار: تكلم يا دكتور، نريد أن نسمع مثله وأكثر. # فابتسم وقال: الأمر لله يا عبد الحميد، ماذا قلت عن الحرية؟ ~~- تكلمت عن إحساسي الأليم بفقدها. ~~- لكنك لم تفقد حريتك بسبب المرض! ~~- ؟ # فقال بهدوء: لكي تفقد شيئا يجب أن تملكه أولا وأنت لم تملك حريتك قط! # فضحكت قائلا: حذار من المبالغة فإنك لا تعرف ما يعنيه أن يكون الإنسان ~~مليونيرا . ~~- حقا؟! ~~- كان بوسعي أن أفعل ما أشاء، أن أتغدى في روما وأتعشى في باريس إذا أردت. ~~- أين الإرادة الحرة في ذلك؟ وراء كل فعل منها نزوة متحكمة! # تخيلت فتور أفكار وحماس نبيلة السطحي واستفزاز وفيق فلم أنظر ناحيتهم. قلت أستدرجه: ~~بهذا المنطق نهدم فكرة الحرية من جذورها. # فقال بثقة: الحرية وهم يتراءى لخيال الإنسان العادي، وهو إنسان ميكانيكي في أغلب ~~الأحوال. ~~- قد يصدق كلامك على غمار الناس، ولكن يوجد أناس يمثلون القوة الفعالة المؤثرة في ~~المجتمع. # فابتسم قائلا: اسمح لي أن أذكرك بالأشياء التي تقيد حرية الإنسان، لا لأنها مجهولة ~~لمثلك ولكن لأننا نتناساها عادة في زحمة الحياة والغرور. # تنحنح ثم واصل: إنها تبدأ عملها في بطن الأم، بلا استئذان أو مشاورة، فتقرر لنا طولا ~~ولونا وملامح، وأجهزة تنفس وهضم وأعصاب ذوات خواص محددة، وغرائز، وبعض الأمراض ~~أحيانا، يتم ذلك كله قبل أن نرى نور الدنيا. # تذكرت تلك الحقائق وكأنها اكتشاف جديد، أما وفيق فقال باستهانة: نحن نسلم بذلك ولكن ~~لا أهمية له! # فقال جلال: عندما يخرج الوليد إلى الدنيا تتسلمه أسرته، ثم تتكاتف على صبه في قالب ~~جاهز من القيم والأذواق والتقاليد والعقائد وهو يتشكل بلا قدرة على الإدراك أو النقد أو ~~الاختيار، أنت نفسك يا وفيق بك هل كان لك رأي في الصورة التي صورت بها؟ # فتساءل بعناد: أي خطأ في ذلك؟ # وقلت أنا: الوليد ms118 يتحول بذلك من حيوان إلى كائن حضاري! ~~- نحن نناقش فكرة الحرية، تذكروا ذلك من فضلكم! ~~- تفضل! ~~- ثم تتلقاه المدرسة لتحكم حوله قالبا جديدا يهبه في النهاية عملا ورؤية للدنيا ~~والأشياء، وينضم إلى المدرسة في عملها المجتمع كله ممثلا في أحزابه وجمعياته ونماذجه ~~البارزة، الجميع طامعون في حريته ولو فعلوا ذلك باسم الحرية نفسها. # فقال وفيق بإصرار: ولكن سرعان ما يجيء حين فيعرف الشاب الاختيار والرفض بل والتمرد ~~والثورة. ~~- لست أنكر ذلك، ولكني أقصر حديثي الآن على القوى المتربصة بحريتنا ... ثم يجيء دور قوى ~~جديدة خارج المجتمع، منها البيئة، وأثرها معروف في النشاط والكسل ، في القوة والضعف، في ~~الإيجابية والسلبية. # وتريث لحظات وهو يبتسم ثم استطرد: هناك الأرض نفسها، الكرة الأرضية، فهي بجاذبيتها ~~وحركتها تحدد له وزنا وأسلوبا في الحركة وحدودا لا يمكن تجاوزها، هناك أيضا الشمس ~~وأشعتها وانفجاراتها الموسمية، بل هناك النظام الشمسي كله فيما نعرف من آثاره وما نجهل، ~~ولك أن توسع تصورك حتى يشمل الكون كله ما ظهر منه وما غاب، الكون كله يؤثر في حريتنا ~~ويكون لذلك نتائجه في سلوكنا وتصوراتنا، أما الإنسان الغافل فقد يعتقد أنه حر حرية ~~مطلقة، أو أنه لا يؤثر فيه إلا عقدة أوديب، أو عوامل اقتصادية، ثم تجيء بعد ذلك قوى ~~غريبة خارجة عن التصنيف المنطقي، تبدو عارضة لا معقولة، نسميها مصادفات أو ما شئت من ~~أسماء، ولكنها مع ذلك قد تقلب الحساب رأسا على عقب في لحظة خاطفة، وهي لا حصر لها، ~~مقابلة غير متوقعة، ضياع رسالة في البريد، حادث قطار أو سيارة، وسقوط جسم فجأة إلخ إلخ، ~~فهل تستطيع أن تتجاهل القوى المؤثرة في حرية الإنسان وبالتالي في مصيره؟! # صمتنا صمتا ثقيلا. ثم ندت عن نبيلة ضحكة رقيقة. ضحك وفيق أيضا ضحكة باردة. تجلى ~~حياء ناعس في وجه أفكار. قلت باهتمام حقيقي: إذن فأنت ترى يا دكتور أن الإنسان حجر أو ~~حيوان على أحسن الفروض؟ # فبادرني جادا: أبدا، إني أبعد ما يكون عن ذلك. ~~- ولكن منطقك يسوقنا إلى ذلك؟ ~~- إني ms119 أحصي القوى المؤثرة لكي نعد لها ما يتطلبه الدفاع من صبر ومثابرة وعلم. ~~- كأن الحضارة أنشأها الكون لا الإنسان! ~~- بل أنشأها الإنسان بفضل ظمئه الخالد للحرية، كما قلت، إنه لم يتحرك بإغراء اللقمة ~~ولكن ليتحرر من الجوع، الحضارة معركة مستمرة بين الحرية والقوى المؤثرة، الآلة تحرير من ~~عبودية السخرة، الدواء تحرير من المرض، العلم تحرير من الجهل، الطيارة تحرير من ~~الجاذبية، السرعة تحرير من الزمن، كذلك المذاهب، فالدين تحرير للروح، الإقطاع كان ~~تحريرا من الفوضى، الليبرالية كانت تحريرا من الإقطاع، الاشتراكية تحرير من ~~الليبرالية، معركة مستمرة بلا نهاية ... # وتفكر قليلا ونحن نتابعه بعواطفنا المتناقضة ثم قال: المأساة، ولعلها ليست بمأساة، ~~أنه ما من جديد يجد إلا ويجيء معه بقدر من الحرية وقدر من الاستعباد الجديد، فالآلة ~~تحرر اليد وقد تأسر الروح، السلع الجديدة تشبع وتمتع وقد تحجب عن الإنسان مصيره، ~~الإقطاع حرر من قطاع الطرق وفرض الرق، الليبرالية حررت المواطن من الحكم المطلق وجاءت ~~بالاستغلال الاقتصادي، الاشتراكية حررت الإنسان من الاستغلال وسيطرت عليه بالبيروقراطية ~~أو الدكتاتورية، ولذلك فلا نهاية للمعركة ولا للابتكارات ولا للمذاهب حتى يظفر الإنسان ~~بحريته الكاملة ويصبح قولا وفعلا سيد مصيره، لذلك علينا دائما وأبدا أن نكون مع كل ~~جديد بقدر ما يعد من حرية، وأن نكون على استعداد للتخلي عنه كلما جد جديد أفضل أو رجحت ~~كفته السالبة. # ونقل ضوء عينيه بين وجوهنا ثم ابتسم بارتياح ومضى يتساءل: ولكن ما دور الفرد - كفرد - ~~في هذه المعركة لكي يحرر إرادته ويحسن الاختيار؟ # وبعد لحظات من الصمت أجاب: عليه أن يقتنع بأن «الذاتية» هي سبيل العبودية، وأن ~~الموضوعية هي سبيل الحرية، الاختيار الحر يقوم على الموضوعية، وإلا أذعنا إلى غريزة ~~ونحن نتوهم أننا نمارس عاطفة، أو سايرنا عاطفة ونحن نعتقد أننا نلبي العقل، ولكي يحدث ~~الانسجام والتوازن بين الغرائز والعواطف والعقل فلا بد من تربية الإرادة تربية تبلغ بها ~~ذروة القوة، وبكل إنسان سليم من الصبر ما يستطيع به أن يربي إرادته ويتغلب على ضعفها ~~وتراخيها، في الإنسان ms120 قوة كامنة تضارع قوة الذرة. # وأغمض عينيه قليلا ثم فتحهما قائلا: أتذكر النظرة الذاتية للكون التي جعلتنا نتصور ~~أننا مركزه؟ أتذكر النظرة الذاتية للمجتمع التي تغريك بالدفاع عن طبقتك وأنت تتخيل أنك ~~تدافع عن الإنسانية؟ أتذكر النظرة الذاتية إلى المرأة التي تدفعك إلى الإيمان بسيادة ~~الرجل وأنت تعتقد أنك تبشر بطبيعة الأشياء؟ اتجه نحو الموضوعية متحررا من أي عبودية، ~~عند ذاك تمارس الاختيار الحر، وتمضي في سبيل السيادة الحقيقية، وتقترب خطوة خطوة من ~~طريق الأشواق الأبدية المضنون به على غير الأحرار. # 9 # قالت أفكار وهي تتثاءب: أكون مجنونة لو حضرت مجلسه بعد الليلة. # وقالت نبيلة: إنه مثير ولكنه سيتقلب مضجرا. # وقال لي وفيق: إنه مجنون فيما أرى، ما رأيك بصراحة؟ # فقلت متظاهرا بالمرح: لم يعد لي من تسلية سواه. # فقال بحنق: لقد أجنه الفشل، كان الله في عونك. # أثارني حديثه لدرجة لم أقدرها. لم تكن لتحدث في ظروف أخرى. عدت أسمع صوت الزمن. ~~فيما مضى كنت شريكه في الاطلاع والفكر. اليوم أصبحت مجرد مستمع ذاهل. ماذا أكون وماذا ~~تكون أسرتي؟ أحرار أم عبيد؟ بدا السؤال مضحكا. السوق، المكتب، النقود، الثرثرة، التحف، ~~القمار. هل أمضي من المرض إلى احتقار الذات والأهل؟ ترى هل يمكن تربية الإرادة؟ هل يمكن ~~تربية الإرادة بالإرادة؟ التغيير أهم من القراءة والرؤية والسماع. إني أسمع وأرى وأقرأ ~~ولكن ما جدوى ذلك؟ هل يجاوز التسلية العابرة وقتل الوقت؟ # وامتعضت امتعاضا شديدا. عز علي قلقي واضطرابي. بوسعي أن أنسى ما سمعت، أن أقطع ~~الصلة الجديدة، أن أهزأ منه. ولكن وراء السطح المحتدم قبعت لهفة تتشوق إلى عودته. لقد ~~جلا الصدأ عن نفسي وبعث الشخص القديم. ~~- ألا يعد صوته إغاثة للمريض من وحدته؟ # 10 # انفعلت انفعالا سعيدا متجددا بزيارات جلال أبو السعود الدورية. وسعدت بصفة خاصة ~~لانفرادي به بعد أن أضربت الأسرة عن شهود مجالسنا. وعاصرنا الخريف بجوه المنعش، وشمائله ~~العذبة، وألوانه البيضاء، ونفثاته الموحية، فهو ربيع وطننا بلا شريك، ولدى أول زيارة ~~انفرادية قلت له دون حذر من رقباء: ms121 والله زمان! # فألقى نظرة على الحجرة الخالية وتمتم ضاحكا: هرب المستمعون! ~~- هذا أفضل. # فقال بأسى: يندر أن يطيب حديثي لأحد ولكني لا أكف عن الكلام. # ذلك ما أعده من حسن حظي. إنه يتحدث عن تجربة شخصية حميمة، عن معركة يخوضها بكل ~~قوته، وبتصميم رائع على تحدي اليأس. # وذات مرة قلت له: أتذكر الحكمة التي قرأناها معا في ماضينا «الناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا»؟ # فحنى رأسه الأصلع بالإيجاب فقلت: أحاديثك المثيرة أعادتها إلى وعيي. # فقال باهتمام: أعتقد أننا فهمناها على غير حقيقتها. ~~- لكنها واضحة تماما. ~~- لا أوافقك، يجب أن تكون دعوة للموت في هذه الحياة التي نحياها! # فقلت ضاحكا: فال الله ولا فالك. # فقال جادا: لن يعزينا انتباه ما بعد الموت عن الغفلة الطويلة في حياتنا. # ففكرت في قوله تمشيا مع رغبتي في المشاركة ونبذ دور المستمع السلبي، أما هو فمضى ~~يقول: علينا أن نموت في هذه الحياة. ~~- لا أتصورك قائلا أبدا. ~~- في عنق كل منا جريمة قتل عليه أن يرتكبها. # فقلت لأقنعه بأنني بت أفهمه: تعني أن يقتل نفسه! ~~- إذا وفق إلى قتل نفسه المستعبدة تحرر ووهب الانتباه! ~~••• # وفي زيارة أخرى بادرني بسؤال عجيب: أتذكر نفسك التي آختني في عهدنا القديم؟ # فقلت من فوري: طبعا. ~~- أشك في ذلك، كان شخصا آخر تماما، في خلاياه وشكله ووزنه وفكره ورؤيته. ~~- إني أتذكره على أي حال كلما أردت ذلك. ~~- أشك في أنك تتذكره تماما، ولقد تتابع عليك مئات الأشخاص المختلفين لا يكاد يجمعهم ~~إلا اسم «عبد الحميد حسني». # فقلت وأنا لا أدري مقصده: هذا طبيعي جدا. ~~- الطبيعي أن يكون الإنسان «أنا» واحدا. ~~- وهو كذلك بمعنى من المعاني. # فابتسم لحيرتي ثم قال: انتبهت ذات يوم - وكنت في أول الطريق - إلى تعدد شخصياتي، ~~فسجلت بعضها في مذكرة اليوميات. # قاطعته متسائلا: لك يوميات؟ ~~- نعم هذا ضروري جدا لمن يروم النجاح، المهم، اليك ما سجلته على قدر ما أذكره، وهو ~~يوم واحد: ~~(1) # في الصباح الباكر، نزاع حاد مع زوجتي بسبب المصروف، اتهام مني لها ~~بالإسراف واتهام منها ms122 لي بالجهل. رميتها بالتمرد فرمتني بالرجعية، الحالة ~~النفسية انفعال غضب ... ذاتية ... كذب ... ميل إلى الاستبداد ... خوف من المستقبل ~~بلا أساس ... إرادة مشلولة ... عقل أسير ... عاطفة عمياء ... عاطفة في قبضة غريزة ~~... ~~(2) # قبيل الغداء بمستشفى ميت غمر، حديث مع زميلة طبيبة مولدة شكت إلي ~~زوجها وعقده، ظهر في «أنا» جديد، حديث مني عن الرجل والمرأة في ضوء حقوق ~~الإنسان، شعارات عصرية مبهرة، الحال النفسية هادئ مرتب الأفكار ... كذاب ~~لإرضاء الزميلة ... خائف من تهمة التخلف ... خيالات جنسية عارية ... ~~(3) # العصر، في حجر الأطباء، بروز «أنا وطني» مائة في المائة، حملة على ~~الاعتداء الثلاثي، تأييد للثورة في محنتها، دفاع عن حكمها الدكتاتوري، ~~تبرير الدفاع بأن لقمة العيش أهم من الحرية لدى تسعين في المائة من الشعب، ~~الحال النفسية خوف من الغازات الجوية، كذب فيما يتعلق بالحرية، العقل ~~مكبوت، الإرادة مفقودة، تمزق بين حب الوطن ورفض أسلوب الحكم. ~~(4) # المساء في النادي مع زميل منحدر من أسرة إقطاعية، تبلور «أنا» رابع، ~~تصريح مني بأن الغزو وإن يكن شرا في ذاته فلن يخلو من خير إذا حررنا من ~~عصابة الضباط، موافقة على رأي الزميل بأن الحكم البريطاني كان أفضل من حكم ~~الثورة، الحال النفسية كذب ونفاق وخوف وتمزق وحزن عميق. # وهكذا يا عزيزي، كل أنا شخص جديد في عواطفه وأقواله وأفكاره ورؤيته للحقيقة، فالإنسان ~~مفقود الوحدة فريسة للكذب والخوف، لذلك يعيش إنسانا بلا إنسانية ... # فقلت منفعلا غاية الانفعال: على هذا الأساس فإن الفرد في الواقع شعب كامل! ~~- نطقت بالصواب ... ولكن لا بد من التسجيل لتتجسد الحقائق، لا تعتمد على التذكر، فهو وهم ~~كالحرية المزعومة وكالصديق المزعوم، وعندما تتجسد الحقائق يعبئ الإنسان إرادته لتغيير ~~ذاته، ولخلق الانسجام والتوافق بين الغريزة والعاطفة والعقل، ليؤدي كل وظيفته الطبيعية ~~بلا كبت ولا طغيان على الآخرين ... # فسألت باهتمام شديد: هل تكفي الإرادة لإحداث هذه المعجزة؟ # فقال بهدوء: ثمة شرط أساسي، أن يحدد الإنسان لنفسه غاية عليا! ~~- لا يخلو إنسان من غاية. ~~- وهم جديد يا عزيزي عبد الحميد، الغالبية العظمى من البشر لا تعرف ms123 لها غاية عليا، ~~أجل لكل أنا غاية قريبة، وهي غايات متضاربة تخضع لميكانيكية الحياة اليومية، ولا بأس بها ولا ~~ضرر منها إذا هيمنت عليها غاية عليا، ولا وحدة للإنسان إلا بهذه الغاية ~~المنشودة! # فسألته بشغف: وما هذه الغاية يا ترى؟ ~~- عليك أن تجيب على السؤال بنفسك، لقد اجتهدت من جانبي واخترت الحرية كما قلت لك. # فكرت فلم اقتنع وقلت: الإنسان يتميز بالعقل فيجب أن تكون الحقيقة هي غايته ~~العليا. # فقال باسما: لا اختلاف بيننا في الواقع، ألم أقل إن الحرية والحقيقة الموضوعية شيء ~~واحد؟ ألم أقل إن الذاتية هي العقبة الكئود في سبيل الحرية؟ فالعقل الحر وحده هو القادر ~~على معرفة الحقائق. # فقلت وكأنما أخاطب نفسي هذه المرة: يلزمني اطلاع كثير وتفكير أكثر. # الأهم أن تبدأ فورا بتربية الإرادة، فلا اطلاع ولا تفكير بلا إرادة، إن ضعيف الإرادة ~~يطلع ويفكر أيضا ولكنه يتشتت في أحلام اليقظة، انتهز فرصة السجن فهي نادرة خاصة لرجل ~~مثلك، والطريق ليس باليسير، هو قضاء كامل على حياة زائفة ممتدة طولا وعرضا وعمقا، هو ~~اختيار كلمة أو سلوك أو اختيار على ضوء غاية عليا محددة، وستواجه به أهوالا لا تخطر ~~بالبال، وتطالب بتضحيات لا حصر لها ولا حد، بدءا من تعاملك مع أسرتك وزملائك وانتهاء ~~إلى مواقفك من النظم والدولة والطبيعة وما وراء الطبيعة. # وشملنا صمت غير قصير، ثم ابتسمت في حيرتي وسألته: هل وصلت؟ # فأجاب بنبرة محايدة: كلا، ولكني أحرز نجاحا يوما بعد يوم. # ثم متسائلا في أسى: وما قيمة وصول فرد واحد أو عدة أفراد بين آلاف الملايين من ~~البشر؟ ~~- دعنا من الخيال. ~~- ولكن لا قيمة لخلاص تحظى به قلة. # فقلت له على سبيل التعزية: قد يحدث التطور المعجزة. # فقال بازدراء: التطور الحقيقي لا يجيء إلا من الداخل. # فقلت ضاحكا: ستمحى المجموعة الشمسية قبل أن يحقق آلاف الملايين التطور الذي تحلم ~~به. # فقال محتجا: لم يوجد شيء عبثا. # فسألته استجابة لخاطرة طارئة: هل تفكر في نشر يومياتك؟ # فحنى رأسه موافقا، فسألته: متى؟ ~~- لم أحدد ms124 الوقت بعد، سأنشرها عندما يسعني أن أحدد الوقت بحرية. ~~- ماذا تعني؟ # فقال باسما: عليك أن تفهم ما أعني بنفسك، ولا أهمية لذلك. # فلم أشأ مضايقته. وخطر لي خاطر فقلت: يذكرني طريقك بالتصوف؟ # فقال بسرعة: كلا، التصوف أرستقراطي وطريقي شعبي، التصوف مقاماته التوبة والفقر ~~والتقوى والتواكل ... إلخ، أما طريقي فمقاماته في الحرية والثقافة والعلم والصناعة والزراعة ~~والتكنولوجيا والحزبية والعقيدة، التصوف يجعل من الشيطان العدو الحقيقي للإنسان أما ~~الطريق فعدوه يشمل الفقر والجهل والمرض والاستغلال والطغيان والكذب والخوف ... # فضحكت وقلت: لعلك تعدني ضمن الأعداء؟ # فضحك مثلي ولاذ بالصمت. # 11 # أول عهدي بالمرض نشدت التوافق مع الواقع، وقهر الضجر بالرؤية والسمع والقراءة، أي ~~بالتسلية والمتعة والفكر. أجل فكرت كثيرا ولكنه كان تفكيرا يستهدف جلاء الحقائق ~~وتذكر الوقائع ولا غاية وراء ذلك. وباقتحام جلال أبو السعود لحياتي انبثق منها تفاعل ~~كيماوي ولع بالتغيير وحلم به قبل كل شيء. لم آخذه مأخذ الجد من بادئ الأمر فلم أخش ~~عواقبه، وتصورت أنني سأتخلى عنه عند لوح الخطر. ولكن فكرة التغيير مضت تلاعبني لعب القط ~~بالفأر، بهرتني مثل نجمة الصباح. وعقدت مقارنات خيالية بين أسرتي وبين حلم جلال فشعرت ~~بما يشبه الغثيان. إنهم ثمرة حياتي وتربيتي لعنت الشجرة والثمرة. وساءلت نفسي في قلق ~~محموم: أأنا جاد حقا؟! # أولئك المولعون بالتحف والثرثرة والمال ولع الأطفال بالحلوى كيف أحادثهم عن غاية ~~عليا؟! # وهتفت بضيق شديد: أيتها الحياة المحيرة، لا أدري أينا ضحية لصاحبه. # وكلما ألح علي الأرق تساءلت: أأنا جاد حقا؟! ~~••• # وفي زيارة لجلال أقدمت على خطوة جديدة وهامة، بعد تردد معذب طويل كنا نطرق باب ~~الشتاء، وقد أمطرت السماء مطرة خفيفة واحدة قلت لجلال: فليسامحك الله على ما فعلت بي. # فضحك قائلا: لا تخجل تواضعي! # فرمقته بتحد وقلت: أريد أن أطلع على يومياتك. # فرفع منكبيه استهانة وقال: أكثرها لا يختلف عن يومياتك التي لم تدون، الأفضل أن تسجل ~~ذكرياتك! ~~- ألم تقل إن التذكر وهم؟ ~~- ولكن الوهم ينقشع بتربية الإرادة. ~~- ولم تضن بها؟ ~~- لدي أسباب، وقد أطلعك عليها في ms125 ظروف أخرى. # لم ألح عليه أكثر. وركزت على النية التي أنتويها. قلت: يخيل إلي أنني راغب في دخول ~~تجربتك! # فثقبني بنظرة جامعة بين الحذر واللهفة ثم تمتم: حقا؟ # فقلت مبادرا: أنا لا أكذب أبدا. # وسرعان ما تذكرت حديثه عن الكذب والخوف فقهقهت على رغمي وقلت كالمعتذر: في الأقل فيما ~~يتعلق بهذه الرغبة! # لم تغض نظرة الحذر من عينيه فتساءلت: لم تشك في؟ # فقال بهدوء: هذه الرغبة تسبق عادة برغبة أخرى. ~~- ما هي؟ ~~- أن تعترف بخبايا حياتك التي تؤرقك. # فهتفت من فوري: هذا ما يلح علي، هذا ما صارعته حتى صرعني. # فقال بارتياح: انتظرت طويلا أن أسمع منك ذلك حتى كدت أيأس منك، أشهر مرت وأنا ~~أنتظر! ~~- لم أتصور أن يكون للاعتراف كل هذه الأهمية. ~~- بل إنه يقطع بأنك دخلت التجربة وأنت لا تدري وأن إرادتك بدأت تعمل ... # فشملني سرور صبياني أما هو فواصل: كنا شابين مجتهدين فقيرين، هدفهما عمل يوفر الرزق. ~~وثقافة تثري الحياة، ماذا حدث بعد ذلك؟ # قلت بلا تردد: توظفت، تزوجت، أنجبت، واصلت حياتي الثقافية، حققت الحلم كما ترى ~~... # لم يعلق بكلمة فقلت: ثم قدمت استقالتي من الوظيفة. # لزم صمته دون دهشة أو تساؤل فأدركت أنه يأبى مساعدتي ليتوكد من صدق رغبتي. قلت: ~~الحقيقة أنني اضطررت إلى الاستقالة. # لم يتأثر حياد وجهه فقلت: كنت مراجعا بحسابات الأشغال، وكان مقاولا ممن يتعاملون مع ~~الوزارة، ندت عنه كلمة فوجدتني أمام إغراء لم يعرض لي من قبل، اقتلعني من مستقر حياتي، ~~اكتشفت أنني أنطوي على رغبات أخرى غير الثقافة والسعادة البريئة، ثمة حياة أفضل، ترددت ~~طويلا ثم مددت يدي، وكان لي منطقي أيضا المستمد من مناخ فاسد، وتوهمت أنني أطبقه ~~بحرية كاملة. # حولت عيني إلى الأمام وقلت: الانحدار لا يعرف التوقف، فاحت الرائحة، لا أطيل عليك، ~~اضطروني إلى تقديم استقالتي على سبيل العطف ... # عطفت إليه عيني فكأنما لا يسمع ما يقال، قلت: وجدتني مهددا بالجوع فكدت أجن لولا أن ~~ألحقني المقاول بمكتبه. # هل أكتفي بهذا القدر؟ ماذا يعني عن التراجع؟ وساد ms126 الصمت حتى قال بلا اكتراث: عرفت ~~قبلك مشقة الصدق. # كأنما يقرأ أفكاري. وقلت مستهترا: اعترضتني أزمة لعينة ... (ثم بعد صمت) ... عشق المقاول ~~راقصة أجنبية، لم يكن من الميسور في ذلك الوقت أن تمد إقامتها في مصر ما لم تتزوج من ~~مصري ... (ثم بعد صمت) ... قبلت أن أتزوج منها سرا نظير هبة مالية محترمة. # شعرت بإعياء فطال صمتي حتى تساءل: بتلك الهبة فتحت مكتب الاستيراد؟ # فقلت بنبرة مرهقة: بدأت بالتهريب نظرا لتشدد القوانين في تلك الأيام، ثم فتحت المكتب ~~بعد ذلك، ثم انفجر النجاح بعد الانفتاح حتى بلغت ثروتي السائلة خمسة ملايين من الجنيهات. # شملنا صمت ثقيل فوجدت تعزية في صفحة وجهه الذي لم يخرج عن حياده التام. وقال بهدوء: ~~أشياء تحدث كثيرا ما تحدث، أما الاعتراف بها فلا يحدث أبدا. # فتمتمت: إنها نسافة مثل الديناميت ... ~~- الديناميت لا يهم من يرغب في دخول التجربة، وسوف تجد في يومياتي خطايا ~~كثيرة. ~~- هل تأذن الآن في اطلاعي عليها؟ ~~- لا علاقة بين هذا وذاك، ستجدها بين يديك في الوقت المناسب لا قبل ذلك ... # فشبكت يدي في بعضهما وقلت: أخاف على أسرتي من قرارات قد أتخذها يوما فيرونها جنونية. # فقال باسما: عندما تصبح قادرا على اتخاذها فلن تزعجك المخاوف. ~~- يجب أن أصمد حتى النهاية. ~~- في الإنسان قوى لا حدود لها، ثق من ذلك. # فقلت متأسفا: مرضي يشككني أحيانا في قيمة رغبتي، أريد أن أختبر نفسي وأنا صحيح ~~معافى ... ~~- تفكير تستحق من أجله الثقة ولكن المرض وحده لم يكن ليغيرك ... # فداخلني ارتياح وسألته: أمن الصواب أن أسألك الإرشاد عند الضرورة؟ ~~- كان لي مرشد أيضا، المعاونة هامة وضرورية. ~~- فازددت ارتياحا ثم خطر لي خاطر فسألته: هل نجحت مع أسرتك؟ ~~- لدرجة كبيرة، لا تنس أن النساء تستغرقهن الغايات اليومية، ولكنهن في النهاية يشاركن ~~الرجال في أعماقهن الإنسانية. ~~- أظن أنه يجب أن أربي نفسي أولا قبل أن أكر عليهم؟ # فهز رأسه نفيا وقال: من الضروري أن تسبقهم بالرغبة والخطوات الأولى، ثم عليك أن ~~تشركهم في التجربة، فالمقاومة الأولى مهمة ms127 جدا باعتبارها مقويا لا غنى لك عنه، ثم ~~يجيء التعاون المثمر، تذكر دائما أن عملنا تعاوني وليس فرديا. # فتمتمت في حيرة: إنهم في واد بعيد ... بعيد ... ~~- انتشلهم من الفراغ وادفعهم إلى العمل، هذه هي الخطوة الأولى ... # فتساءلت في دهشة: أنسيت ما قلت مرارا عن التحرر من العمل؟ # فقال بوضوح: نحن في مرحلة العمل، ولن نتحرر من العمل إلا بالعمل، والفراغ المنشود هو ~~الفراغ المثمر الحافل بالعمل الإنساني، وقد أقنعت زوجتي - وهي تماثل زوجتك في تعليمها - ~~بالعمل عضوا في جمعية رعاية الأيتام، ابنتي الكبرى ست ومربية وهو عمل، أما الأخريان ~~فستكونان طبيتين. ~~- المشكلة العسيرة هي وفيق فهو يعتقد أن عمله غاية الغايات. # فقال بأسى: إذا اعتبرنا العمل نشاطا منتجا لخدمة الفرد والجماعة فوفيق عاطل بلا ~~عمل، الأدهى من ذلك أنه يقوم بنشاط مخرب، وهو أشبه بتجار الحبوب المخدرة ~~القاتلة! # بذلك كشف عن رأيه في عملي أنا أيضا فليس وفيق إلا امتدادا لي. أخذت لحد الفزع ولكني ~~قلت: أمره هين رغم ذلك. ~~- كيف؟ ~~- إني صاحب المال، وأستطيع إرغامه على التحول إلى النشاط الإنتاجي! # فهتف: احذف «الإرغام» من قاموسك، لا تتبع طريق الحكام الذين يمهدون للديمقراطية بمناهج ~~دكتاتورية، أو يحققون العدل بالظلم، إنه طريق سهل لأنه يقوم على القوة لا التربية. # وصمتنا ولكننا واصلنا تبادل الأفكار بالنظرات حتى اقتحمني خاطر كما يقتحم القذى فقلت: ~~سوف ألقى من المجتمع حرجا أشد! # فوافقني بهزة خفيفة من رأسه فقلت: طالما عددت من العمد المرضي عنها. # فقال بوضوح: لن يتيسر لك السير إلا بقهر الكذب والخوف. # 12 # مضى الشتاء وأنا أحاول لأول مرة الكتابة، كتابة المذكرات. لم أكن أتذكر إلا المعالم ~~التي لا تنسى وهي قليلة، ولكن التداعي استنقذ من العدم كهوفا مطمورة. وعن سياستي مع ~~أسرتي فقد دأبت على عرض آراء صديقي وكأنما أقصد تسليتهم ليس إلا. وأجاريهم في اتهامه ~~بالخبل ولكني أقول أحيانا: حقا إنه مخبول ولكن خبله لا خطر منه، ثم إنه لا يخلو من ~~حكمة، أليس من المهم أن يقوي الإنسان إرادته ليحظى ms128 بحريته الحقيقية؟ وأليس العمل المنتج ~~خيرا من النشاط الانتهازي؟! ~~- وأثنى جلال على منهجي، ووصفه بأنه منهج «تسللي» ذو أثر فعال مع التكرار والصبر، ~~والإصرار حيال ضجر الآخرين. # وقلت له يوما بشأن مذكراتي: لم أستطع حتى الآن تسجيل واقعة زواجي من الراقصة ~~الأجنبية! # فقال بامتعاض: يسوءني أن أسمع ذلك، إن كذبة واحدة تقوض البنيان من أساسه. ~~- لا يعلم به إلا ثلاثة، المرأة وقد طلقت من زمن وغادرت البلاد، أما أنا والمقاول ~~فلنا مصلحة واحدة في إخفائها، وهي كفيلة إذا عرفت بالقضاء علي في الأسرة والمجتمع. ~~- التسجيل مهم لتربيتك أنت، أما النشر فلا أهمية عاجلة له. ~~- قد تطلع عليه الأسرة بعد وفاتي؟ ~~- إذا نجحت في تغيير الأسرة قرأتها بعين جديدة لا خوف عليك منها. # بدأت - رغم اهتمامي الظاهر - كمن يمارس تسلية ممتازة في سجنه ولكنها مضت تنشب في ~~أناملها الناعمة بلا توقف. # 13 # في ليلة من ليالي الشتاء الملتحمة بالربيع استمعت إلى ألحان شرقية قديمة بعمق وتركيز ~~اكتسبتهما أخيرا ثم أطفأت النور مستقبلا نوما مريحا. كانت أفكار ونبيلة ووفيق في ~~الخارج كالعادة وسرعان ما استغرقت في النوم. ولكنني انتبهت من نومي مكللا بشعور بأنني ~~لم أنم إلا قليلا وأن الصباح ما زال بعيدا. طالعتني ظلمة مكثفة بالستائر المسدلة ~~فأغمضت عيني غير أنني سرعان ما فتحتهما استجابة لصوت غريب يشبه الحفيف. تخايل لعيني شبح ~~إلى يمين الباب فتساءلت: أفكار؟ # لكنه لم يرد ولم يتحرك. عجبت لرؤيته رغم الظلمة الكثيفة، حملقت فيه متلقيا دفقة من ~~القلق والخوف. مددت يدي نحو ظهر الفراش حتى عثرت على زر الجرس ثم ضغطت عليه طويلا وقد ~~ضاعف عجزي من خوفي. سيسمع الخدم، وعسى أن يكون وفيق قد رجع. ولما طال الانتظار تسللت ~~يدي الأخرى نحو زر الأباجورة وضغطت مجازفا بالمواجهة ولكن المصباح لم يضيء. هل احتاط ~~الشبح وقطع التيار الكهربائي؟ أخرجني الخوف من صمتي فتساءلت: من أنت؟ # ثم مستمرا بصمته. ~~- ماذا تريد؟ ليس في الحجرة نقود! # وإذا بشبح ثان يتراءى لي إلى يمينه أطول منه بقبضة يد. اندفعت ms129 صارخا مناديا وفيق ~~ولكن صوتي لم يخرج. لعله الخوف أو الشلل. وسيطر اليأس. وإذا بثالث يقف إلى يمين الثاني ~~على مبعدة مترين من مقدم السرير، وإذا برابع يتجلى رغم الظلمة وهو أضخم الأربعة ~~وأطولهم. امتلأت بوحدتي وعجزي ويأسي المطلق. تساءلت باستسلام: ماذا تريدون؟ # فجاءني صوت خيل إلى أنني لا أسمعه لأول مرة يقول: من حفر حفرة لأخيه ... # فقلت بحرارة: أي حفرة؟! إني طريح الفراش منذ حوالي العام ... # فقال الصوت بغضب: كففت عن الحركة لا التآمر! ~~- والله لا أدري لقولك معنى ... # فقال بحدة: لا تدع البراءة وأنت عريق في الإجرام. # ووثبوا وثبة واحدة. اثنان إلى يميني ويساري، والآخران فوق الفراش. أيقنت بالهلاك ~~فتوترت أعصابي لأقصى حد. قبض الأولان على ذراعي فاندفعت أقاومهما بعنف لأخلص ذراعي، ~~متوقعا في الوقت نفسه هجمة من الأمام. ووقع الهجوم فاستمددت من اليأس قوة. خلصت ذراعي ~~ورحت أضرب كيفما اتفق في جميع الجهات وأتلقى من اللكمات ما لا يعد. ازددت عنفا، ثم ~~بلغت الرغبة في الحياة ذروتها فطرحت عن صدري الرجلين وتبادلت مع الآخرين ضربا لا يعرف ~~الهوادة. وسقط رجلا الفراش على الأرض، ولكن كيف سقطا؟ تبين لي أنني دفعتهما ~~بقدمي! # ذهلت من الفرح رغم كربتي واجتاحني الشعور بالشفاء من العجز. # ازددت قوة وثقة حتى استطعت الوثوب إلى الأرض. وقفت أقاتل بقدرة كالإلهام بعد حدوث ~~المعجزة، ووضح أنهم أضعف مما تصورت وأنهم عزل من السلاح. تقهقروا نحو الباب وأنا ~~أتعقبهم باللكمات الصادقات حتى بلغنا الصالة الخارجية. ودوت صرخاتي الغاضبة وهم يولون ~~الفرار. # 14 # شع الضوء فبهر عيني. # وقفت مذهولا بين أفراد الأسرة والخدم. هتفت نبيلة: شفيت يا بابا! # وتمتم وفيق: كابوس! ولكن شكرا له! # وقالت أفكار: علينا باستدعاء الطبيب في الحال! # رجعت إلى الفراش ماشيا في حذر، وشملتني مع الذهول فرحة طاغية، وجعلت أقول: لا أصدق ~~ولا أتصور! # وقهقهت أفكار متسائلة: ماذا رأيت في نومك؟! # 15 # جمعنا لأول مرة بهو الاستقبال. قلت: أكد لي الدكتور صبري حسونة أنه كان يتوقع لي ~~الشفاء. # فقال جلال أبو السعود: أنا ms130 لا أصدقه تماما. # ثم حدثته بالتفصيل عن الحلم فأوله بأنه ترجمة حرفية لآلام الشفاء. ~~- تأويل معقول فيما أرى ... # فقلت بإصرار: أعتقد أن الحلم هو كل شيء. # فتفكر قليلا ثم قال: بين الحقيقة والخرافة خيط رفيع، فاحذر أن تقصفه. # فتساءلت: ألا تؤمن؟ # فقاطعني: أود أن تركز على إرادتك الحرة. # فقلت له بإصرار: الأمر يتعلق بآمال الإنسان في الحياة وما وراء الحياة. # فقال بهدوء: طريقنا منهج ينتفع به المنتمي واللامنتمي على السواء. ~~- طالما قنع إيماني بالقشور وأريد أن أعيد النظر في موقفي. # فقال باسما: وهي وحدة حتمية إلى إعادة النظر بعد تنقيته من العبودية والذاتية. # فقلت برجاء: أرجو ألا تضجر مني. ~~- سأنتفع بك بقدر ما تنتفع بي. # وخطر لي خاطر فقهقهت قائلا: أسرتي سعيدة بشفائي، ولكنها لا تدري شيئا عما ينتظرها من ~~متاعب. # فضحك قائلا: العبرة بالخواتيم! # وكنت فريسة للقلق مما بدا أثره في حركات يدي ونبرات صوتي. ولحظت أنه يرنو إلى يدي ~~بعمق فقلت كالمعتذر: إنه ما يسبق الميلاد ... # | قرار في ضوء البرق # 1 # مصرع عصمت البطراوي أشد الجرائم إثارة في زمن مضى. بادرت إلى فيلته بعمارة النيل في ~~صحبة كبار رجال الأمن، استجابة لبلاغ ورد لنا من ابنه الشاب الجامعي أمين البطراوي. ~~وجدنا السياسي العجوز منطرحا فوق مقعد كبير بحجرة الاستقبال والدم ما زال ينزف من رأسه ~~وقد تحول إلى جثة هامدة. # هكذا انتهى الجبار الذي أدمن الكاريكاتور المصري تقديم شخصه - إبان عهده - في صورة ~~سفاح ذي صلعة على هيئة بحيرة من الدم. لم يكن ثمة أثر لمقاومة، ولم يسمع الخدم حركة ولا ~~صوتا، فقد قتل غدرا وهو سابح في هدوء الشيخوخة، وهذه أداة القتل ملقاة على حجره ~~ملوثة بدمه، تمثال برنزي لرياضي إغريقي، وبالتدقيق في التنقيب عثرت على زرار فوق ~~السجادة وراء المقعد مباشرة. زرار لبني ذي مركز ضارب للسواد. ولما كانت زراير بدلة ~~الفقيد كاملة العدد فقد احتفظت بالزرار بعناية. # يبدو أن الجريمة ارتكبت في الساعة الحادية عشرة أو بعدها بقليل، وبالفيلا وقتذاك ~~الطاهي والسفرجي ومدبرة البيت؛ إذ ms131 إن الرجل أرمل منذ سنوات. وقد تلفنوا بالخبر إلى أمين ~~في النادي الذي أبلغنا من فوره. وكان من عادة الرجل أن يغادر مسكنه في التاسعة صباحا ~~فيمضي ماشيا إلى كازينو الشاطئ، حيث يلبث ساعة ثم يرجع ماشيا أيضا. وهو يدخل المسكن ~~بمفتاح خاص فلا يشعر به أحد غالبا، وهو ما حدث صباح اليوم. غير أنه قابل المدبرة في ~~حجرة الجلوس وقال لها: «يبدو أن أمين ذهب إلى النادي»؟ # فأجابت بالإيجاب فأمرها بإعداد فنجانين من القهوة وذهب. استنتجت المدبرة أنه رجع ~~بصحبة ضيف، ودهشت لذلك؛ إذ إنه لم يحدث من قبل، وهو يمضي أمسياته في النادي مع القلة ~~الباقية من أصدقائه القدامى المعروفين. وجميعهم قد جاوزوا السبعين أو شارفوا الثمانين. ~~ولما ذهب السفرجي بالقهوة إلى حجرة الاستقبال رأى سيده قتيلا فصرخ معلنا الجريمة لأول ~~مرة. # إذن قد ارتكبت الجريمة بسرعة نادرة وجرأة متهورة ثم تسلل القاتل خارجا. وبالبحث ~~أيضا تبين أنه لم يسرق شيئا، لا من الرجل ولا من المسكن. وقال لي رئيسي همسا: القاتل ~~من معارف الفقيد. # فوافقت من فوري فقال: طريقة القتل تقتضي قوة فلنستبعد الأصدقاء القدامى فضلا عن سخف ~~التصور لأكثر من سبب. # فوافقت من فوري أيضا. # فاتجه نحو أمين البطراوي وسأله: من في تصورك يمكن أن يصطحب المرحوم إلى هنا؟ ~~- لا أحد فيما أعتقد. ~~- ألا يزور البيت أحد من خارجه؟ ~~- أصدقاؤه القدامى في ظروف نادرة مثل المرض أو الولائم. عدا ذلك فهم يتلاقون في ~~النادي مساء كل يوم تقريبا. ~~- وغير أولئك، أليس لك أنت أصدقاء أيضا؟ ~~- بلى، لي صديقان حميمان وزميلان في كلية الحقوق لكنهما لا يدخلان البيت إلا بصحبتي ~~وفضلا عن ذلك، فنحن نتلاقى عادة في النادي. # تكلم بلهجة رافضة كل الرفض للشك فيهما، فسألته: هل يعرفهما المرحوم؟ ~~- قدمتهما له بطبيعة الحال ورآهما أكثر من مرة معي هنا. ~~- هلا حدثتني عن ميولهما السياسية؟ ~~- جلال حمزة وطني لا لون حزبيا له، ولكنه رافض. ~~- رافض؟ ~~- أعني ينتقد كل شيء! ~~- الآخر؟ ~~- علي فؤاد ... # وتردد قليلا ثم قال: ديمقراطي ... ~~- البلد ms132 كله ديمقراطي. # لكنه لم يزد على ذلك شيئا فحدجني الرئيس بنظرة خاصة فحواها الاهتمام بهذا الجانب. ~~وعندما خلوت إليه، عقب التحقيق مع الخدم الذي لم يسفر عن شيء، قلت: السياسي المعتزل لا ~~يقتل بسبب السياسة. # فقال بغموض: احذر القواعد، والآن حدثني عن برنامج تحرياتك. # فأجبت من فوري: ثمة أماكن هامة مثل كازينو الشاطئ، النادي، بواب العمارة، حتى ~~الأصدقاء القدامى لا أحذفهم من برنامجي. # 2 # أما البواب فلم يشهد عودة عصمت البطراوي وبالتالي فإنه لم ير من كان بصحبته. وذهبت ~~إلى كازينو الشاطئ حوالي الثانية بعد الظهر ومعي صورتان لجلال حمزة وعلي فؤاد حصلت ~~عليهما من أمين البطراوي مع عنوان سكنهما. في الكازينو ساءلت المدير والجرسون بشير وماسح ~~الأحذية حسونة. كان الخبر قد طار إلى الكازينو، ولاحظت أن بشير كان أشد الجميع تأثرا به، ~~ثم علمت منه أن الفقيد هو الذي ألحقه بالعمل. ووافتني معلومات لا بأس بها. فعلي فؤاد ~~وجلال حمزة معروفان لدى بشير وحسونة. ~~- علي فؤاد من زبائن الكازينو، يمر بنا كل صباح تقريبا في هذا الوقت من العطلة. # وقال بشير: وأحيانا كان يتبادل التحية مع عصمت البطراوي، وفي هذا الصباح بالذات ~~تصادف قيامهما في وقت واحد فغادرا الكازينو متصاحبين. # تحركت غريزة المطاردة وطالبته بإعادة الشهادة غير أن حسونة قال: كنت في ذلك الوقت ~~راجعا من مشوار فرأيت الأستاذ علي فؤاد وهو يودع المرحوم ويمضي إلى كشك ~~السجائر. ~~- لعله لحق به بعد ذلك؟ ~~- لم أر شيئا فقد دخلت من فوري الكازينو. # ولكن شهادة بياع السجائر كانت قاطعة فقد شهد بأن علي فؤاد سار في اتجاه مضاد لطريق ~~البطراوي المتجه نحو الجسر، وفضلا عن ذلك فقد قال عن عصمت البطراوي: وقد لمحته من ~~موقفي وهو يلتقي عن بعد بشخص ما سار بصحبته. # وعرضت عليه صورة جلال حمزة ولكنه قال: لم أتبينه ولم أعن بالنظر إليه ... # أما عن جلال حمزة فهو لا يغشى الكازينو إلا في النادر. ولكنه جاء الكازينو منذ قليل. # كان مضطربا، وهو الذي أبلغنا بخبر الجريمة، وسألنا إن ms133 كان الفقيد صحب أحدا معه، ~~فأفضينا إليه بما قلناه الآن. # وساءلت نفسي: أكان جلال يحقق إسهاما منه في الكشف عن قاتل والد صديقه؟ أم كان وراء ~~ذلك باعث آخر؟ # وانتقلت إلى النادي، وبسؤال أصدقاء أمين البطراوي من الأعضاء عرفت كيف تلقى الشاب ~~الخبر. ومتى جاء علي فؤاد للقاء أمين في الساعة الثانية عشرة فعرف بالخبر، وكيف جاء ~~جلال حمزة في منتصف الواحدة تقريبا فدهمه الخبر. وسألت: هل من عادتهما المجيء إلى النادي في موعد محدد؟ # فكان الجواب ألا ميعاد محددا لهما في ذلك وأنهما قد يتخلفان بعض الأيام. وبرجوعي إلى ~~مكتبي تلقيت من مساعدي تحرياته عن الميول السياسية للشابين ولكني لم أقتنع بالباعث ~~السياسي أصلا كما قلت لرئيسي. # 3 # كان علي فؤاد يقيم في شقة متوسطة بالجيزة مع أسرته. وقد فتشنا الشقة ولم نعثر على شيء ~~ذي بال. حتى الكتب لا مغزى لها فقد كان طالبا بكلية الحقوق وكان طبيعيا أن تحوي ~~مكتبته كتب الاقتصاد على اختلاف مذاهبها. عن علاقته بأمين سألته، وعن معرفته بأبيه. عن ~~عقيدته السياسية فلم ينكرها وقال باسما: إنها معروفة كالاسم والسن؟ ~~- شوهدت وأنت تغادر الكازينو بصحبة الفقيد هذا الصباح؟ ~~- هذا حق، ولكني ودعته على بعد خطوات من الباب. ~~- أين ذهبت بعد ذلك؟ ~~- إلى كشك السجائر. ثم قابلت صديقا ثم ذهبت إلى النادي. ~~- قيل إن البطراوي قابل شخصا آخر في طريقه، هل اتفق لك أن رأيته؟ ~~- كلا. سرت في الطريق المضاد. ~~- قيل إنك أحد اثنين يزوران مسكن الفقيد في أي وقت؟ ~~- غير صحيح. ولكني أزور المسكن بصحبة صديقي أمين. ~~- أكنت تحب عصمت البطراوي؟ ~~- لم أكرهه على أي حال. ~~- أليس المتوقع أن تكرهه بسبب ميولك السياسية؟! ~~- لم يعد الرجل إلا ذكرى، فضلا عن أنني كنت أنظر إليه بعين مودة لعلاقتي الوثيقة ~~بأمين. ~~- متى قابلت صديقك جلال حمزة هذا الصباح؟ ~~- لحق بي في النادي في الواحدة أو قبل ذلك. # كان واضحا هادئا ولم أجد ما يحملني على الشك فيه. # 4 # وكان جلال حمزة يقيم في شقة صغيرة بعابدين ms134 وحده. إذ إن أهله مقيمون في بني سويف. ~~وعندما علم بأمر التفتيش استاء وتساءل محتجا: لماذا؟ # من أول نظرة أدركت أنه مهزوز الشخصية ولكني توفرت بكل همة للتفتيش. وبوجه خاص ~~الملابس. وفي الحمام رأيت بدلة بيضاء منقوعة في طشت غسيل. وبفحص الزارير وجدت زرارا ~~ناقصا. وبمضاهاته بالزرار الذي عثرت عليه في حجرة استقبال البطراوي وجدته مطابقا. ~~اقتحمني شعور بالفوز: متى نقعت هذه البدلة؟ ~~- أمس. ~~- ترى هل خامره شك؟! ~~- تنقص زرارا. ~~- ربما. ~~- مثل هذا الزرار. # وأريته الزرار. قطب في عصبية وقال: توجد آلاف منها في السوق، وهي نفس زراير بدلتي ~~الأخرى! ~~- هذا حق، وقد وجدت هذا الزرار وراء مقعد عصمت البطراوي. # فتساءل بحدة: هل تتهمني ؟ ~~- معاذ الله، متى بدأت صداقتك مع ابن القتيل؟ ~~- منذ عشرة أعوام. ~~- عرفت القتيل؟ ~~- قدمني إليه. ~~- ولكنك كنت تعرفه من قبل؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- كل الناس كانت تعرفه. ~~- طبعا. # لعلك كنت من المعجبين به؟ ~~- كلا. ~~- صديقك يعرف ذلك؟ ~~- نعم. ~~- إذن كنت من أعدائه؟ ~~- أجل! ~~- قلت عنه مرة إنه المدرسة التي تخرج فيها كل من استبد بهذا الشعب أو نكل به. ~~- من قال ذلك؟ ~~- لنا تحرياتنا. ~~- على أي حال فهذا رأيي حقا. # وتساءلت مصطنعا الثقة في نبرتي: هل رأيت الرجل صباح اليوم؟ # تردد لحظات ثم قال: نعم، على مبعدة غير قصيرة من كازينو الشاطئ ... صافحته، سايرته ~~أمتارا ثم استأذنت منصرفا إلى طريقي. ~~- رآك أناس من رجال الكازينو؟ ~~- ربما. # وقلت مغامرا: ورآك بواب العمارة؟ # فقال بحدة: غير ممكن، لقد تركته قبل ذلك بمسافة طويلة! # تمنيت أن يسهو فيقع فيقول مثلا إن البواب لم يكن موجودا، ولكنه فيما بدا لي حاذق أو ~~صادق. والحق - ورغم كل شيء - قوي الشك فيه عندي. سألته: مضت ساعتان أو أكثر بين مقابلتك للرجل وذهابك إلى النادي، كيف ~~مضيتهما؟ ~~- عادة أتسكع، وأحب مشاهدة صيد السمك. ~~- في ذلك الوقت قتل البطراوي ... # فقال بحنق: ليرحمه الله. ~~- كيف فسرت الجريمة لدى علمك بها؟ ~~- لم أجد سببا واحدا يبررها. ~~- ألم يخطر ببالك أن يكون وراءها سرقة؟ ~~- قطب قليلا ثم قال: ms135 السرقة لا تحدث عادة في النهار. ~~- القتل نفسه حدث ... ~~- فلم يحر جوابا، فقلت: إذن اتجه تفكيرك نحو السياسة! ~~- لم أقل ذلك، ولا هو بمعقول. ~~- لماذا؟ ~~- لا يفكر أحد في اغتيال سياسي معتزل. ~~- حتى لدى من عاش دهرا وهو يحلم بقتله؟ ~~- من هذا؟ ~~- كثيرون جدا تمنوا ذلك. # فصمت وقد بدا عليه إنهاك فقلت: أستأذنك الآن في استعارة البدلة المنقوعة بعض الوقت. # فحدجني بذهول ثم تمالك نفسه فقال منفعلا: خذني إذا شئت داخلها! # 5 # وبينا كنت أحاور شكوكي في جلال حمزة دهمني خبر من شأنه أنه يقلب الموقف رأسا على ~~عقب. عرفنا أنه اكتشفت وصية للمرحوم، يوصي فيها بثلث ثروته للجرسون بشير. ومن فوري ~~أبلغت رئيسي. ومن عجب أنه لم يسر. قال بفتور: جرسون! أله نشاط سياسي؟! # من تغير نبرات الصوت أدركت أن «شيئا ما» يدبر وراء الكواليس، ولكني قلت: إني ماض ~~للتحقيق. # فقال بامتعاض: أخشى أن نخوض علاقات شخصية وأخلاقية ... # إني لم أفهم لغة رئيسي. لقد أدركت أن ثمة رغبة لاستغلال الجريمة استغلالا سياسيا، ~~لأسباب سياسية لا تخفى. تجاهلت ذلك. وسرعان ما استدعيت بشير واستجوبته بكل دقة. علما ~~بأن تواجده في الكازينو ساعة ارتكاب الجريمة أمر مؤكد. ومنه علمت أن أمه هي التي ~~استشفعت بعصمت البطراوي ليلحقه بعمله في الكازينو، عمل ممتاز ووفير الربح. وزرت الأم في ~~حجرتها الوحيدة بعزبة العجوزة. عجوز جاوزت الستين ولكن وجهها يشي بأصل جميل. ونجحت في ~~استدراجها للاعتراف بحقيقة مذهلة، وهي أن بشير ابن غير شرعي للبطراوي، وأن الفقيد علم ~~بالحقيقة في حينها. ولم نعثر على شبهة أو قرينة تدين الأم أو ابنها. ولما عرضت نتيجة ~~التحقيق على رئيسي تهلل وجهه، وسرعان ما أمرني بالانصراف. تخيلت ما يدور في الحجرة ~~المغلقة من اتصالات تليفونية وتدبيرات جهنمية. وتسلمت الموضوع إدارة أخرى. وإذا ببيان ~~يعلن في الصحف مصورا مقتل البطراوي كجريمة سياسية متهما جماعة متطرفة، وذلك من خلال ~~حملة إعلامية موجهة بضراوة نحو تلك الجماعة، وسبق ذلك حادث غريب وهو القبض على علي فؤاد ضمن ~~عشرات من الأفراد ms136 الأبرياء، تابعت ذلك كله بكآبة شديدة وفي تأزم عنيف رغم بعدي عنه ~~كلية، وقلت لرئيسي: ما زال اتهام جلال حمزة هو الراجح عندي. # فصاح بي وبغضب متسائلا: أبينك وبينه ثأر قديم؟ # فقلت بوضوح: إنه مجنون أو نصف مجنون، إني أعرف هذا النوع جيدا. # فصاح بي: لم يعد الموضوع من اختصاصك. # 6 # قررت أن أرجع البدلة إلى جلال حمزة بنفسي. الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ. نما إلى علمي ~~ما يلقاه المقبوض عليهم من ألوان التنكيل والتعذيب حتى حدث ما يعد كارثة. كارثة بكل ~~معنى الكلمة. طويت نفسي على آلامها وذهبت إلى مسكن جلال حمزة ... استقبلني بوجه أنهكه ~~الإرهاق فبدا مثل شبح. تظاهرت أمامه بالمرح وقلت: دعني أرد إليك بدلتك مصحوبة ~~بالاعتذار! # وترامقنا في جو مشحون بالتوتر. ثم تساءلت: ألا تدري أنني شككت فيك من أول ~~نظرة؟ # فتساءل ببلاهة: أول نظرة؟ ~~- كما يوجد حب من أول نظرة يوجد شك من أول نظرة. # فقال بسخرية: إنك رجل ملهم! ~~- وها هي الحوادث تؤكد خطأ ظني. ~~- فصمت، فقلت: حسبنا أن المجرم الحقيقي قد اعترف، طبعا علمت بذلك؟ ~~- مثل جميع قراء الصحف. ~~- إنه صديقك. ~~- شخص لا يمكن أن يقتل. ~~- القتل أبسط مما تتصور. # فتردد قليلا ثم تساءل: ثمة إشاعة متطايرة تقول إنه وبعض زملائه قد قتلوا وهم يحاولون ~~الهرب. # كنت قد عرفت ذلك ولكني قلت: لا أستبعد أن تقع حوادث من هذا النوع. # وساد الصمت وعدنا للترامق في توتر حتى قلت بهدوء وبدافع من مجازفة لا تقاوم: أصارحك ~~بأنني ما زلت أومن بأنك القاتل. # تضاعف توتره وثار غضبه، فقلت متماديا في الانتقام منه ومن نفسي ومن الدولة: أتخيل ما ~~حصل على الوجه الآتي: قابلت عصمت البطراوي بعد أن تركه الشهيد علي فؤاد، تصافحتما، ~~سايرته منجذبا إلى قطعة من التاريخ المثير، لعلك صحبته إلى البيت بزعم إدراك أمين قبل ~~ذهابه إلى النادي. دخلتما الشقة دون أن ينتبه لكما أحد، مضى الرجل ليسأل عن ابنه ثم ~~رجع، قتلته ثم تسللت خارجا، رجعت إلى مسكنك، خلعت ملابسك، نقعت ms137 البدلة من الفطنة، ثم ~~ذهبت إلى النادي لتتشمم الأخبار، ثم إلى الكازينو لترى إن كان أحد رآك في صحبة الرجل، ~~ما رأيك؟ # صاح جلال بسخرية وهو ينتفض رغم ذلك: برافو! ~~- تتظاهر بغير ما في باطنك، إنك ضعيف هزيل، وها أنت تشهد مصرع عشرات الأبرياء بسببك، ~~إلى متى تحتمل ذلك؟ # فصاح بسخرية: افترضني بلا ضمير مثل حكومتك العريقة. # فرمقته بازدراء وقلت: إنك مطمئن الآن في حماية الحكومة، تعلم أنها لا تستطيع أن تتهمك ~~وإلا اعترفت بقتل العشرات بلا جريرة. ~~- فكرة جميلة، مجرم يجد حمايته في ظل حكومة أوغل منه في الإجرام. # وبغتة تلاشت سخريته وكأنما جفت حيويته وخمد. انتقلنا إلى جو مشحون بيأس ~~الاعتراف. # سألته بهدوء: أليس تصوري صحيحا؟ # فصمت صمت الموافقة والتسليم، إنه يلتمس قطرة من العزاء، سألته: أكنت تضمر الرغبة في ~~قتله؟ # هز رأسه نفيا فسألته: متى انبثقت في وعيك فكرة القتل؟ ~~- لم يتكلم ولكنه ضرب يده بالأخرى ضربة سريعة واحدة فترجمتها متسائلا: فجأة! # تكلم بصوت ضعيف: وأنا أنصرف من الحجرة ... قمت وليس في ذهني إلا الذهاب، مضيت من وراء ~~مقعده، تركز بصري في صلعته، انتفض جسمي بغتة، اجتاحتني فكرة القتل. # عدنا للترامق. مرق فجأة من حال الاستسلام. برقت عيناه بجنون، صاح: أتحداك أن تعلن ~~اعترافي! ما أنت إلا وغد مثلهم! # غضبت بدوري. كورت قبضتي في وجهه مقاوما رغبة مرعبة في تحطيمه، صمت. ~~- جبان كذاب ... تعال إلى مكتبي واعترف رسميا ولترين ما أفعل ... # اندفع يضحك بجنون حتى تصورت أنه فقد ذاته فغادرت مسكنه مشتت الخاطر ممزق ~~القلب. # 7 # بلغ بي التهور في التفكير حد مناقشة فكرة قتل جلال حمزة متحديا كافة العواقب. ولكني ~~سرعان ما اقتنعت بسخف الفكرة، فالمهم حقا هو كشف النقاب عن جريمة الحكومة. ولم يطل بي ~~التفكير إذ اقتحم جلال حمزة حجرتي ذات صباح مجللا بالانهيار الكامل. أدركت في الحال ~~أنه - حتى رغم جنونه إن صح أنه مجنون - يشاركني في امتلاك ضمير معذب. وسرعان ما أملى ~~علي اعترافه ثم وقع عليه بإمضائه. ألقيت القبض عليه ورحت ms138 أفكر في الأمر. إني أعرف ~~تماما خطورة ما أنا مقدم عليه. إنه لا يهدد مستقبلي فقط ولكنه يهدد حياتي أيضا. وإذا ~~بقوة عنيفة تتفشى في وعيي خليقة بأن أتحدى بها الجبال. من خلال لحظة مقدسة رحبت ~~بالاستشهاد وغرست بذرته في نفسي لينمو شجرة خضراء وهلاكا أصفر. إنها لحظة لا تنسى ~~تحتوي الإرادة مثل إلهام خالد. وفي الحال قصدت رئيسي وقدمت له الاعتراف. مضى يقرأ بهدوء ~~أول الأمر. ثم أخذ وجهه يصفر وشفتاه تتشنجان. ثقبني بنظرة مقت ثم هتف: إنه مجنون بلا ~~أدنى شك! # فقلت بهدوء: فلتر النيابة فيه رأيها! # فصرخ: إنك مجنون مثله! # ثم بنبرة وعيد: إذا تسرب النبأ فستكون أنت المسئول عن ذلك! # وأمرني بالانصراف بعد أن أعطاني مفتاحا للخروج من الأزمة. وفي الحال اتصلت بصحفي ~~أعرفه من صحفيي المعارضة، وذهبت إلى بيتي مرتاح البال لأول مرة منذ مصرع عصمت ~~البطراوي. ~~••• # لم يكن مفر، عقب انفجار الخبر في الرأي العام، من التحقيق مع جلال حمزة، وقد حول ~~إلى الطبيب الشرعي الذي قرر جنونه فأودع في مصحة الأمراض العقلية. وشككت صحف المعارضة ~~في القرار الطبي، وحملت على الحكومة حملة صادقة. ونما إلي أن أمرا يدبر لي في الخفاء ~~فلم أجد بدا من الأخذ بنصيحة الأصدقاء، فقدمت استقالتي، وسافرت للعمل في خارج القطر. # | أسرة أناخ عليها الدهر # وجدتني في فناء ترب مكتظ بالآدميين والضوضاء. مربع الأضلاع مسقوف بسماء متلبدة بالسحب ~~الداكنة. تتلاصق على أضلاعه الحجرات وتفوح في جوه البارد روائح البصل والثوم والفول النابت ~~والطعمية. أمام كل حجرة تقرفصت امرأة أمام كانون أو وابور غاز وانتشر فوق أديمه المليء ~~بالحفر والنفايات أطفال يلعبون. اتجهت الأعين نحوي وكأنما تتساءل عما جاء بهذا الأفندي إلى ~~ربعهم العتيق. ملت نحو أقرب امرأة وقلت: صباح الخير أين أجد ست وجدية جلال؟ # فأشارت بيدها المغطاة بقفاز من الخضرة نحو امرأة في الركن الأيسر من الضلع المتوسط وهي ~~تسأل بتطفل: من حضرتك؟ وماذا تريد منها؟ # فشكرتها متجاهلا تطفلها وشققت طريقي متجنبا الحفر حتى وقفت أمام المرأة متسائلا: ms139 ست ~~وجدية جلال؟ # فرفعت إلي وجها بارز العظام مدبوغا بالتعاسة والكبر محدقة في بعينين كليلتين وهي ~~تهمس: أنا وجدية. # فقلت برقة: مندوب وزارة الأوقاف. # نهضت بنشاط طارئ لا يناسب هزالها، ثم دخلت الحجرة وهي تقول بصوت بالغ المودة: ~~تفضل. # أول ما طالعني وجه شاب مفرط البدانة، واضح العته، يرسل نظرات بلهاء ويبتسم للاشيء. ~~تربع فوق كنبة قديمة لا أثاث في الحجرة سواها باستثناء سحارة سوداء وحصيرة متهرئة. قالت: ~~لا مؤاخذة، لا يوجد كرسي، تفضل بالجلوس على الكنبة. # قال الشاب بعجلة: لا ... ارجع إلى أمك خديجة العرة! # نهرته الست وقالت لي آسفة: أنت سيد من يفهم ويعذر. # فقلت بهدوء: لقد تلقت الوزارة طلبك فأرسلتني للتحري كالمتبع. # فتساءلت بلهفة : متى تقررون لي إعانة؟ ~~- كل شيء بمشيئة الله، أتعيشان وحدكما؟ ~~- معنا الله، وهذا الابن الذي بقي لي كما ترى. ~~- أله عمل؟ # قال الشاب: يا مغفل، ألم تعرف أن أولاد الملوك لا يعملون! # فصاحت به المرأة: لا تفضحنا (ثم ملتفته إلي) ... أكرر العذر وربنا يكرمك، لا عمل له، يمضي ~~على باب الله فيطعمه المحسنون، وأنا لا مورد لي إلا الملاليم التي تجيئني من بيع النابت. ~~- في الطلب أنكم أسرة كريمة أناخ عليها الدهر؟ ~~- كنا كذلك، وضاع كل شيء. # ونشجت باكية فقال الشاب الأبله: تريد أن تعتدي على أمي يا حمار. # لم ألتفت إليه، ولم أتأثر بالدموع من طول ما خالطت الأسر التي أناخ عليها الدهر، قلت: ~~أعطني فكرة عن حياتك السابقة. # قالت وهي تجفف دموعها بطرف شالها الرث: كان أبي بياع حلاوة طحينية وكان زوجي ~~موظفا. ~~- اسمه ووظيفته؟ # ترددت ترددا لم يغب عني بحكم خبرتي ثم قالت: مضى زمن طويل. ~~- لا بأس، أخبريني. ~~- كان موظف بدار الكتب. ~~- اسمه من فضلك؟ ~~- ترددت مرة أخرى ثم قالت: غريب عدنان. ~~- أين كان مسكنك؟ ~~- في باب الخلق، لا أذكر رقمه. ولكن كانت بأسفله صيدلية. # ثم بصوت مليء بالأسى: صحتي تسوء يوما بعد يوم، ارحموني يرحمكم الله. # فصاح ابنها وهو يشير نحوي: هذا الرجل لص، رأيت بدلته على رجل ms140 ديوث. # غادرت المكان مسرعا فبلغت شارع السد بباب الشعرية ونظرات النساء ما زالت راسبة في ~~أعماقي. دلتني الزيارة على مراجعي. هناك شيخ حارة السد، دار الكتب، وبيت باب الخلق. وملت ~~إلى دكان شيخ الحارة فوجدته لحسن الحظ جالسا إلى مكتبه القديم تحت صورة الملك. سلمت عليه ~~ثم قدمت إليه بطاقة العمل فرحب بي فقلت: تفضل علي بما تعلم عن ست وجدية جلال المقيمة ~~بالربع 21 بحارة السد. # فقال بعدم اكتراث: علمي عنها قليل، لكنها على حياء بخلاف بقية السكان. ~~- أهي أصلا من سكان الربع؟ ~~- لا ... أقامت فيه منذ سنوات، وهي لولا ابنها المعتوه ... # فقاطعته باسما: عرفته، من أين له هذا القدر المخيف من الدهن؟ ~~- يأكل في كل مكان ، ولكن فيه شيء لله! ~~- تؤمن بذلك؟ ~~- واسمع، منذ شهر رأيته يبول في وسط الطريق فزجرته فدعا علي، أتعرف ماذا أصابني؟ ~~- خير إن شاء الله؟ ~~- أبدا، أصبت في نفسي الأسبوع بفتق ... ولكن هل تنوي الوزارة مدها بإعانة؟ ~~- ربما. ~~- جميع جاراتها على مثل حالها من الفقر. ~~- للأسف الوزارة تقصر المعونة على الأسر التي أناخ عليها الدهر، أما الفقراء فهيهات أن ~~يشبعهم إلا وزارة أوقاف أمريكا! ~~••• # قصدت دار الكتب لأسأل عن غريب عدنان في إدارة المستخدمين، فأحالني المدير على أقدم موظف في ~~الدار بأرشيف الكتب يدعى الشيخ فرغل بهنس. قدمت نفسي وشرحت له مهمتي ثم قلت: قيل لي إنك خير ~~من يحدثني عن المرحوم غريب عدنان. # رفع الرجل حاجبيه وقال: يا لله ... سبحان من يبعث الماضي ~~بعد موت ... كان - غفر الله له - مأساة وعبرة! # وطلب القهوة لي ثم واصل حديثه: كان مترجما بالدار، شهادته الأصلية البكالوريا، ولكنه سافر ~~إلى فرنسا على حساب أبيه فرجع بشهادة ما أو بلا شهادة ولكن شهد له بإتقان العربية ~~والفرنسية. # وصمت لحظات ليجمع أشتات ذكريات ثم قال: كان أيضا ميسور الحال، ذا مرتب حسن وبيت مكون من ~~عدة أدوار، وعرف بسعة اطلاعه، وكان بوسعه أن يفيد من علمه ترجمة أو تعريبا ولكن الشيطان ~~دفع به إلى أحضان موضة انتشرت في ms141 تلك الأيام، أتعرف ماذا كانت تلك الموضة؟ # فهززت رأسي نفيا، فقال: موضة الإلحاد والعياذ بالله، قرر أن يكون حر التفكير مثل فلان ~~وعلان ممن أحدثوا بإلحادهم ضجة ونالوا عنها شهرة فكانت الكارثة. ~~- كيف؟ ~~- نشر كتابا عن الدين المقارن ردد فيه عن الإسلام ما يتقوله المستشرقون ~~المتعصبون! ~~- أعطني مثالا. ~~- لم أقرأه، ولا أتذكره، ولكني أعرف تماما أن كتابه لم يحدث ضجة ولا أنشأ شهرة، ولكن ~~أدخله السجن وأفقده الوظيفة. ~~- لم لم ينج كما نجا آخرون؟ ~~- كان وراء الآخرين أحزابهم ولم يكن وراءه إلا الشيطان. ~~- ومات في السجن؟ ~~- أبدا، خرج بعد انقضاء المدة، عاش على ريع بيته عيشة ليست يسيرة، ثم مات بالكبد، وقيل إن ~~الخمر كانت وراء وفاته. ~~- وماذا تعرف عن أسرته؟ ~~- لا شيء يذكر سوى أنه كان صاحب زوجة وأولاد، لم تتجدد علاقتي به بعد الإفراج عنه، لقد ~~قطعته بلا أسف منذ لحقت به لعنة الكفر. # أدركت لم ترددت ست وجدية قبل اضطرارها إلى ذكر اسمه. على أي حال لقد ورثت أسرته البيت، ~~فكيف تدهور بها الحال إلى الربع 21، وأين بقية الأولاد؟ ~~••• # ها هو البيت وها هي الصيدلية. بيت مكون من أربعة أدوار، كل دور شقة واحدة. بيت متوسط ~~الدرجة ولكنه محترم، فضلا عن أنه يعد قصرا بالقياس إلى ربع السد. جلت جولة استكشافية ~~بالكواء والبدال والفران والصيدلي، فاهتديت إلى بغيتي في ساكن الدور الثاني، أما الباقون ~~فسكان جدد. كان موظفا على المعاش يدعى محمد الصياد. استضافني بحذر، ولما علم بمهمتي أدلى ~~إلي بما عنده من ذكريات. قال: غفر الله لغريب عدنان، ولكن ما ذنب زوجته وأولاده؟ # ثم أجاب على تساؤله: هي حكمة ربنا على أي حال. # سألته باهتمام: ماذا حصل للأسرة بعد وفاته؟ ~~- الأم كانت ست عاقلة ومدبرة، وجدت نفسها مسئولة عن تربية أربعة ذكور وأنثى، فقررت أن تبيع ~~بيتا ورثوه لتنفقه على تعليمهم، وهي صفقة رابحة على أي حال، وحال يقف أحدهم على قدميه تزول ~~المتاعب. ~~- تفكير سليم، ولكن أين ذهب الأولاد؟ ~~- صبرك، الابن الأكبر وهو في نهاية ms142 مرحلته العليا قتل في مظاهرة على عهد إسماعيل ~~صدقي. # انتظرت وأنا أفكر في صحيفة التحريات التي ستعرض على لجنة الخيرات المنتمية في النهاية إلى ~~حكم راهن يستند إلى انقلاب ملكي! قال الرجل: الابن الثاني قامر بمصروفات المدرسة فخسرها ثم ~~انتحر! # هززت رأسي في أسى: ثم وجدت البنت عريسا لقطة، غاية في نضج العمر والمال فلم يكلف الأم ~~شيئا يذكر، ولكنها بعد أعوام من الزواج هربت مع خمار يوناني، ويقال إنه هربها معه إلى بلاد ~~اليونان، أرأيت؟ # وبعد صمت قال: لم يحتمل الابن الثالث الصدمة فاختفى ولم يعثر له على أثر. ~~- هكذا لم يبق لها إلا المعتوه. ~~- ثم تدهور الحال إلى الحضيض! ~~••• # اجتمعت لجنة الخيرات برئاسة مديرها وعضوية نخبة من كبار الموظفين على حين توليت أنا ~~سكرتيريتها. عرضت ما لدي من تحريات وتقررت - كالعادة - إعانات ما بين الجنيه والثلاثة ~~جنيهات. ولما جاء دور طلب ست وجدية رحت أقرأ التحريات في صمت ثقيل حتى فرغت. وضح لي الأثر ~~العميق الذي تركه التقرير. كان مفتي الوزارة أول المتكلمين، تمتم: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. # وقال مدير الإدارة العامة: أي أسرة هذه الأسرة! # فقال مدير الإدارة القانونية: أسرة جمعت ما بين الإلحاد والانحراف والتمرد والفسق ~~والانحلال. # فقال المفتي: أسرة لم يبرأ من العيب فيها إلا معتوه. # فقال مدير الإدارة القانونية: والعته عيب أيضا غير أنه لا مسئولية عليه. # ونظرت إلى رئيس اللجنة متسائلا: هل أوقع بالرفض؟ # فقال الرئيس يخاطب الأعضاء: دعونا من الأسرة وانظروا في مقدمة الطلب، فهي سيدة تعيسة الحظ ~~قد أناخ عليها الدهر. # فتساءل المفتي بغضب: كيف نبرئها وهي البؤرة التي ترعرعت فيها كافة الموبقات؟ # فقال الرئيس برقة: ألا تعتبر أيضا ضحية؟ # فهتف المفتي: لا ... لا ... لا ... أبعدوا عنا هذا الطلب، عشرات الأسر أحق منها بالإعانة! # وساد صمت اعتبر موافقة، فمضيت أوقع بالرفض. عند ذاك دق جرس التليفون فتناول الرئيس ~~السماعة: أهلا سعادة الوكيل. ~~- ... ~~- حقا؟ الطلب خال من أي توصية. ~~- ... ~~- تسمح لي سعادتك بمقابلة دقيقة واحدة؟ ~~- ... ~~- شكرا يا فندم. # قام الرئيس وهو ms143 يقول لنا: الجلسة لم تفض، عن إذنكم. ~~••• # غاب دقائق معدودة ثم رجع إلى مكانه وهو يقول: علينا أن نعيد النظر في طلب ست وجدية ~~جلال. # فقال المفتي بحدة: لقد انتهينا منه يا سعادة الرئيس. # وتساءل مدير الإدارة القانونية: أهي رغبة سعادة الباشا الوكيل؟ # فأجاب الرئيس بوضوح: أجل. # وكان للمفتي مكانة في الحزب الحاكم لا تقل عن مكانة الوكيل إن لم تزد، فقال بصوت جهير: لن ~~أتراجع عن الرفض! # فقال رئيس اللجنة: ثمة توصية من شيخ مشايخ الطرق الصوفية! # فصاح المفتي: ولو! # فقال الرئيس متسائلا: أترى من تكون وجدية جلال يا فضيلة المفتي؟ # فتساءل المفتي ساخرا: شجرة الدر؟ أم كليوباطرة؟! # فقال الرئيس: إنها حفيدة إسماعيل الماوردي، العارف بالله، شملنا الله ببركاته! # وهتف مدير الإدارة القانونية: سبحانك ربي، لك في كل شيء حكمة وعبرة! # لم ينبس المفتي بكلمة وساد صمت الاستسلام والرضا. أجل والرضا. # | الظلام القديم # ليلة لا تنسى. # تأخر بهم الوقت في صحراء العباسية في ليلة من ليالي الخريف. لعبوا الكرة، ربحوا جولة ~~وخسروا الأخرى. تشاجروا، انصرف الفريقان إلا ثلاثة، علي وممتاز وإسماعيل. لبثوا حتى يصفى ~~الحساب ويتم الصلح وتصفو النفوس، من شدة التأثر أغمي على إسماعيل، ارتبكا لذلك غاية ~~الارتباك، قاما له بتنفس صناعي، وعندما عاد إلى وعيه كان الليل قد هبط بجلاله ولا مبالاته ~~فأحدق بهم الظلام. # كانت ليلة من ليالي الخريف، استقرت في سقفها السحب، فلا نجم واحد في السماء، ولا شعاع ~~يتسرب إلى المكان. ساحة مترامية ولكنها محاطة بمرتفعات شتى على رأسها المقطم بشموخه، تتعاون ~~جميعا على حجب أضواء المدينة. غرقوا في ظلمة عميقة وشاملة لم يجربوها من قبل، ظلمة أصيلة ~~نقية مسيطرة طمست على الحواس ونفذت إلى أعماق الوعي. اختفى الوجود. تلاشت أشباحهم، استوى أن ~~تحملق الأعين أو تغمض، استولى العدم على الكون. # قال ممتاز: سرقنا الوقت. # فقال إسماعيل: أنا المسئول. # فقال علي: إني أرى الظلام لأول مرة. ~~- فلنمض نحو المدينة قبل أن يدركنا الهوس. # ولكن أين طريق المدينة؟ شعروا باختناق ... رغم جريان الهواء ورطوبته شعروا ms144 باختناق، وشعور ~~آخر طوقهم هو أنهم مكبلون في زنزانة. ~~- أين طريق المدينة؟ ~~- لقد فقدنا الإحساس بالاتجاه. ~~- اختفى المكان. # قال ممتاز ساخرا: نسينا أن نحضر معنا بوصلة. ~~- ومعها عود ثقاب. ~~- ولا صوت لإنسان! # صمتوا في حيرة، ولكن الصوت كان أنسهم الوحيد وآخر ما بقي لديهم من علاقات الحياة فعاد ~~إسماعيل يقول: المدينة على مسيرة نصف ساعة. ~~- أجل ولكن أين اتجاه المدينة؟ ~~- قد نوغل صوب الجبل الأحمر فتنقطع منا الأنفاس بلا جدوى. ~~- نسير مقدار نصف ساعة بلا زيادة. ~~- لكننا فقدنا الزمان كما فقدنا المكان! ~~- والسير نحو هضبة وابور المياه شديد الخطورة لوعورة الأرض وانتشار مساقط القمامة. # ونفخ إسماعيل. وضيعهم الصمت مرة أخرى. وسرعان ما قال ممتاز: رغم القلق والقرف فإني أشعر ~~بالجوع. # فقال إسماعيل: وأنا عطشان، لم تبق معنا برتقالة واحدة. ~~- ما زلنا نرتدي ملابس اللعب والجو رطيب، هل نتجمد هكذا إلى الأبد؟! ~~- عسى أن تنجلي السماء عن فرجة يطل منها نجم. ~~- أو يمر إنسان معه بطارية. ~~- فلنتماسك بالأيدي خشية أن يضل أحدنا. # وتماسكوا بالأيدي وهم يضحكون بفتور، وهتف إسماعيل: هذه هي نتيجة الشجار! ~~- الشجار كان نتيجة اللعب الرديء. ~~- أنت مغرور! ~~- يا للحماقة، هل نرجع مرة أخرى؟! ~~- وضحكوا، عاد الصمت المخيف. قال علي: فلنفكر. لم يبق معنا إلا التفكير. ~~- عظيم، فلنفكر. ~~- السؤال الأساسي هو كيف نهتدي إلى طريقنا في مثل هذا الظلام؟ # ولما لم يجدوا جوابا جاهزا هربوا من التفكير فقال إسماعيل: ما تصورت أبدا أن الظلام له ~~هذه القوة. ~~- كيف عاش أجدادنا الأولون قبل اكتشاف النار؟! ~~- كانت لهم غرائز خاصة بهم. ~~- نحن عميان بلا عصا ولا مرشد! ~~- ألم نتفق على أن نفكر خيرا من هذا الهذيان؟ ~~- رجعوا مكرهين إلى الصمت حتى هتف إسماعيل: نصرخ بأعلى أصواتنا لعل أحدا من أهل النجدة ~~يسمعنا. ~~- وإذا سمعنا أحد من قطاع الطرق؟! ~~- أو ذئب؟ ~~- أو أيقظ صراخنا حية رقطاء؟ # فقال إسماعيل بنفاد صبر: سحبت الاقتراح. # وعادوا إلى الصمت والتفكير فغرقوا في العدم مليا حتى قال ممتاز: أرى أن الصراخ ضرورة ~~لتحقيق هدف آخر. ~~- ما الهدف ms145 الآخر؟ ~~- نرسل صيحة ثم نرصد الصوت فنحدد موقع الجبل، بذلك تتضح الجهات الأربع! ~~- فكرة غير مجدية، فليس الجبل وحده هو ما يرجع الصدى، هناك الهضبة، وسور الغابة، وجدار ~~مقابر الشهداء. ~~- اللعنة! # ورجع ممتاز يقول بإصرار: ليذهب كل منا في ناحية ومن يظفر بالمدينة فعليه أن يرسل بعثة ~~للإنقاذ. ~~- ثمة احتمال أن نسير جميعا في النواحي الخاطئة. ~~- وهب أحدنا وصل ألا يلزمه بعد ذلك تجميع نفر من الأصدقاء والحصول على بطاريات؟ ~~- أنتظر حتى مطلع الفجر؟ ~~- أو أن تنحسر السحب عن بزوغ النجوم أو القمر! ~~- أي يوم هذا من أيام الشهر العربي؟ ~~- أعتقد أننا في الربع الأول منه. ~~- أضغاث أحلام، علينا أن نفعل شيئا. # ومضى الضيق يضيق أكثر وأكثر، والاختناق يطبق عليهم بقبضة حديدية، حتى هتف ممتاز: ما ألعن ~~الصمت! ~~- نحن نفكر. ~~- لم لا نعتبرها تجربة مسلية؟ ~~- والإرهاق والجوع والعطش؟! ~~- انتظروا الفرج. إنه يجيء بغتة. ~~- بل ليس لنا إلا الاعتماد على أنفسنا. # ونفخ ممتاز بغضب وقال: فليسر كل منا في اتجاه وليكن ما يكون. ~~- أليس الأفضل أن نبقى معا؟ # وقال إسماعيل: أنا لا أطيق الظلام وحدي. # فقال ممتاز بإصرار: ابقيا إذا شئتما أما أنا فإني ماض. ~~- أية ناحية؟ # فضحك على رغمه وقال: إنه السير، أما الناحية فقد ابتلعها الظلام. ~~- جهد ضائع. ~~- هو خير من الانتظار. # وسحب يديه من أيديهما وهو يقول: أستودعكما الله. # مضى بلا صوت، لم يدريا في أية ناحية ذهب، شدت يد إسماعيل على يد صاحبه، وتمتم: إنه عنيد. ~~- ولكن الانتظار غير محتمل. ~~- عليه اللعنة، هو المسئول الأول، وها هو يتركنا مثل شيطان. ~~- لنسأل الله أن يسدد خطاه إلى الطريق الصحيح. ~~- وما أهمية ذلك؟ سنبقى هنا حتى مطلع الصبح. ~~- أليس من الأوفق أن نفعل مثله؟ # فصاح بعصبية: كلا! ~~- تمالك أعصابك. ~~- فلتذهب أعصابي إلى الجحيم! # واسترسل في هياجه فصاح: ما أنتم إلا لعنة من اللعنات، هذه هي الحقيقة. ~~- لا تثرني أكثر من ذلك. ~~- ألا تريد أن تعترف؟ من المسئول عن الهزيمة؟ ~~- أنرجع إلى ذلك؟ أليس حسبنا ما نحن فيه؟ ~~- ذلك ما ms146 أدى بنا إلى هذا الموقف. ~~- اسمع، فلنسر أو فلنصمت. ~~- لا هذا ولا ذاك! ~~- بل هذا أو ذاك. ~~- تريد أن تستغل ضعفي فتفرض علي إرادتك؟ ~~- بت أحسد الذي ذهب. ~~- ماذا تعني؟ ~~- لن نجني من الانتظار إلا الشجار. # فشد على يده كالمستغيث، فقال علي: تعال معي، فرصة النجاة ستهبط درجة، ولكنها لن تنعدم. # وتأبط ذراعه، وحمله على المشي معه وهو يقول: أي شيء خير من الانتظار. # وتحديا الظلام القديم الذي فقد سلطانه منذ اكتشاف النار. # | الرسالة # في البدء كان الخوف. # حلق الشارب واللحية. استبدل بالجلباب والجبة بدلة. سمى شخصه الجديد «سالم عبد التواب» ~~بدلا من عليش الباجوري الذي عرف به دهرا. ابتاع أرضا وبنى بيتا فأقام في شقة وأجر ~~تسعا . تجنب الاختلاط بالناس ما وسعه التجنب. عاوده الخوف من الزوايا والأركان، من الظلمة ~~والضوء، من الهواء المشحون بأنفاس الخلق. يحذر نفسه من القضاء والمصادفة وسوء الحظ، فعند ~~ذاك يستقر سهم الموت في قلبه، وتتلاشى الحياة في غيبوبة المجهول. قوة القانون الصلدة قضت ~~عليه بالإعدام، وكلفت الجلادين بالتنفيذ، فلم تبق إلا الضربة القاضية. في سبيل النجاة اقتلع ~~شخصه من جذوره، من الماء والحيوان والشجر. وتعز عليه الطمأنينة إلا في غيبة الأحلام ~~والكوابيس. هكذا تتواصل المطاردة جيلا بعد جيل، تدفعها قوة عمياء مقدسة. ~~••• ~~- اذهب والله معك. ~~- والغربة في بلاد الغربة؟! # في كل مكان ثمة حياة تتدفق وهي مقدسة مثل الموت! ~~••• # في البدء كان الخوف. # ولكن لا دوام لحال. الشروق والغروب، تلاحم المعاملات وتبادل التحيات، والتنفس والخفقان، ~~أحلام اليقظة وأحلام المنام، كل أولئك من شأنه أن يلطف التوتر، ويستأنس الشوارد، ويحل عادة ~~في محل عادة، يوهم بأن الأمور ستمضي غدا كما مضيت أمس. ثم أليس لكل أجل كتاب؟ وأن تستسلم ~~للمقادر أخف من أن تشقى دوما بعذاب الخوف، وأن تعيش يومك خير من أن تعاني هولا لم يجئ ~~بعد؟ لذلك مضى يختلف إلى المقهى ويجالس الجيران ويلاطف السكان. من يخطر له أن ينعطف إلى هذه ~~الحارة المنزوية؟ من ينقب في صحراء عن حبة رمل مضرجة ms147 بالدماء؟ ويفكر جادا في المشاركة في ~~المقهى، أن يحظى بنعمة الحب والزواج والإنجاب. أن يمارس الحياة بما يليق بالحياة، وأن ~~يطالبهما بما هو حق للإنسان. # وتتم المشاركة، وتقوى أسس المعيشة، ثم يتقدم إلى الشيخ الحلبي طالبا يد كريمته. ~~- من هو سالم عبد التواب؟ من هو عبد التواب؟! ~~- لا غبار عليه كرجل عرفناه أعواما. ~~- إنه مقطوع من شجرة! ~~- أي مخلوق يتسلسل في النهاية إلى آدم وحواء. ~~- ألا تخشى أن يظهر لأحفادك ذات يوم أعمام من الليمان؟ ~~- في كل سلالة مجرمون وما يهمني إلا الرجل نفسه! ~~••• # اقترن سالم عبد التواب من عظيمة كريمة الشيخ الحلبي، وراح ينجب البنين والبنات. استقر ~~قلبه في أمان شامل أو شبه أمان، فهو يمارس الحياة ، والأعمار بيد الله وحده. # أجل تناوشه أحيانا أفكار معتمة، يخاف ما تفرضه حياته الزوجية من اتساع، سيلزم مرات ~~بمغادرة الحارة، سيمضي إلى السوق أو المدرسة، ولكن ألا يجيء الموت مع السلامة كما يجيء مع ~~الخطر؟! ~~••• # وتلقى ذات يوم رسالة. ~~«جاء الأجل!» # غفل من الإمضاء وليس بها إلا هذه الجملة. واردة من حي السيدة كما يقر بذلك خاتم البريد. ~~اقشعر بدنه برعدة خوف شاملة. وتفجر الرعب من مكامنه. جاء الأجل، هل عرف في النهاية مخبؤه ~~بين البيت والمقهى والأولاد؟ ولكن مهلا، لم أراد المجهول أن ينذره؟ لم لم ينقض عليه وهو ~~غافل في نعمة العسل؟ لماذا يعرض انتقامه للفشل؟ لماذا يعرض نفسه وهدفه إلى يقظة قاتلة؟ لماذا يهبه ~~فرصة للنجاة؟ أم يريد وقد تمكن منه أن يعذبه؟ # جاء الأجل. # ما العمل؟ ما الطريق؟ هل يفشي السر القديم إلى أهله فينفخ فيهم حياة جديدة مليئة ~~بالفوضى والشغب؟ هل يلجأ إلى الشرطة وإن جره ذلك إلى الاعتراف بجريمة أكبر؟ أم يكتفي بالحذر ~~وبالمسدس الذي لا يفارقه؟ وأيا ما كان الأمر فقد تعكر صفو الحياة، واربد ماء البحيرة ~~الرائق بقنبلة أعماق متفجرة. # رجع الخوف كما كان في البدء. إنه لا يغادر البيت إلا لضرورة ملحة. يتفحص الوجوه بريبة ~~دائما، يراقب الرائح والغادي، يتحسس بكوعه مسدسه، يختلس ms148 نظرات الحنان والأسى من زوجته ~~وأبنائه. ~~••• # مرة قال له شريكه في المقهى وهو يشير بذقنه إلى رجل جالس غير بعيد: كلفني أن أسألك إن كان عندك شقة خالية. # رأى رجلا بدينا غليظ الأشداق ذا جبهة متحدية يستقر في عباءة فضفاضة، فقال بقلق: ليس من ~~حارتنا! ~~- بياع فراريج ومستعد لدفع الخلو. ~~- واضح أن البيت مسكون. ~~- ترامى إليه أن شقة ستخلو قريبا. ~~- كيف عرف ذلك؟ ~~- من أدراني أنا؟! ~~- لقد اتفقت مع ساكن جديد، أتعرف الرجل؟ ~~- عرفته في سهرة عند السمرائي ثم جر الكلام بعضه بعضا. # وذهب الشريك يخبر الرجل بنتيجة مسعاه، ومضى هو يقيسه طولا وعرضا. توقع أن يصرف النظر ~~عن موضوعه، ولكنه قام بخفة لا تناسب بدانته وقدم نحوه فجلس وهو يقول: الطيبون للطيبات. # فجعل ينظر إليه ببلاهة فقال الرجل: محسوبك كريم البرجواني، تحت الأمر فاطلب ما تشاء. # فقال بحسم: العفو، سبق مني وعد شرف. ~~- جميل أن يحافظ الإنسان على عهده. # تجنب سالم تشجيعه ولو بابتسامة ولكن الرجل قال: ما قيمة النقود؟ ما هي إلا ~~عصافير! # ونهض الرجل وهو يقول: لكننا على أي حال أصبحنا صديقين. # وأتبعه عينيه وهو يمضي عن الحارة، وراح يتساءل ترى هل يعرف الكتابة؟ أهو كاتب الجملة أم ~~إنه وحش مجهول رابض وراءه! # ودعي يوما إلى شهود ذكر ببيت جار. فراعه أن يرى كريم البرجواني جالسا بين المدعوين. ~~ماذا أقحمه على الحارة بهذه القوة. ورآه وهو ينضم إلى حلقة الذكر فيغوص في موجاتها ~~المتلاطمة الراقصة ويسبح حتى بح صوته، ثم تهاوى في الختام فوق الحصيرة فاقد الوعي مثل ثور ~~ذبيح. قال لنفسه إن خوفه من هذا الرجل غباء مطلق، فما هو من قريته، ولا هو من الصعاليك ~~الذين يؤجرون للقتل. ولكن الرسالة نذير جاد وخطير، ليست دعاية مازح! ~~••• # وعندما كان مدعوا للعشاء على مائدة حميه قال له الشيخ: رجل يريد الشقة التي ستخلو أول ~~الشهر. ~~- من يا مولاي؟ ~~- يدعى كريم البرجواني. ~~- فارتعد سالم وسأل حماه: تعرفه؟ ~~- كلا ... استشفع بي دون معرفة سابقة. ~~- سبق أن رفضت طلبه. ~~- لم؟ ms149 ~~- منظره لا يوحي بالثقة! ~~- أنت وشأنك ولكني وجدته شهما وطيبا! # الرجل يتعقبه. إنه يريده هو لا الشقة، ولكن لم حذره بالرسالة؟ أيوجد وراءه مطارده ~~القديم؟! كلا. ما الأمر إلا دعابة. له منافسون وكارهون، فالحياة لا تخلو من ذلك أبدا. أحدهم ~~يبغي إزعاجه أو السخرية من أحمق. أراد أن يلقي نظرة جديدة على الرسالة ولكنه لم يجدها في ~~جيبه الداخلي، فتش عنها في مظانها جميعا ولكنه لم يعثر لها على أثر. ذهب إلى الكواء وفتش ~~جيوب البدلة يظن أنه نسيها فيها ولكنه لم يعثر لها على أثر. أين اختفت؟ هل امتدت لها يد ~~خفية؟ وتحرى الأمر مع عظيمة زوجته ولكنها قالت: لم يطرق ساعي البريد بابنا قط. # ولكنه تسلم الرسالة منه في الخارج. ولا بأس من أن يتوكد منه بنفسه. ولكن الرجل لا يتذكر ~~شيئا على الإطلاق. إنه يقرأ ويوزع ولا يتذكر. هل كان حلما مما يرى النائم؟ أم هل جاء دور ~~عقله ليشك فيه! مرة وحيدة توهم أنه ابتاع صفيحة سمن، ثم سرعان ما كشف توهمه! وأرجعه إلى حلم ~~رآه ونسيه في جملة مشاغله. ذاك وهم سرعان ما كشفه أما الرسالة فكأنما يشعر بمسها ويقرأ ~~حروفها، كانت حقيقة لا شك فيها. وما اختفاؤها الغريب إلا نذير جديد. ~~••• # وكان يغادر بيته ليؤدي صلاة العيد، فتح الباب فرأى شبحا. عرف وجه كريم البرجواني على ~~الضوء الخافت المتسرب من ألق النجوم في ظلمة الفجر. تراجع خطوة ... أخرج مسدسه. شعر بألم حاد. ~~أطلق الرصاص وهو يغوص في الغيبوبة. # ما عرف - بالإضافة إلى ما سبق - إنما جاء على لسان كريم البرجواني في التحقيق، قال ذهبت ~~لأداء صلاة العيد في الزاوية، ولما مررت ببيت المرحوم سالم عبد التواب فتح الباب وظهر ~~الرجل، أردت أن أحييه فإذا به يصوب نحوي مسدسه، خفت على حياتي، وبدفعة غير إرادية ركلته ~~بسرعة فأصابت منه مقتلا على حين انطلقت رصاصة قتلت صبي الفران. # | الشفق # كانت تعتريني في صباي فترات كآبة ثقيلة. أعزف عن الأهل، أعتزل في حجرة، أكره الطعام، ~~وأحيانا أبكي، ms150 بلا سبب واضح على الإطلاق. عرضت على أكثر من طبيب، جربت عقاقير كثيرة، بلا ~~نتيجة. وقال أحد الأصدقاء لوالدي: اعرضه على خالد جلال الطبيب النفسي. # وكنا نسمع عن الطب النفسي لأول مرة، فأعلن أبي عن ريبته فقال الصديق: إنه طب معترف به في ~~جميع أنحاء العالم، ولكن مدة العلاج طويلة، ربما امتدت إلى عام أو أكثر، كما إن تكاليفه ~~بالتالي باهظة! ~~- وتفكر أبي طويلا ولكنه بإزاء مرض غامض عنيد قرر استشارة خالد جلال. ولما كان عمله ~~كتاجر أصواف في أسيوط يمنعه من إقامة طويلة بالقاهرة ... فقد قال لي: ستقيم عند عمتك ليسهل ~~عليك التردد على الطبيب، وعلى أي حال كان في نيتي أن أرسلك إليها لتواصل تعليمك. # وزرنا الطبيب. كان في ذلك الوقت شابا بهي الطلعة، دمث الأخلاق، جلي الاعتداد بنفسه ~~وعلمه. وقد أصغى باهتمام بحضور أبي، ثم حدد لي يومين في الأسبوع لزيارته، وقال: المهم ~~المثابرة والصبر، لست طفلا، والسعادة قيمة لا يجوز الاستهانة بها. # انضممت إلى أسرة عمتي عضوا جديدا بها. عضو لاقى ترحيبا حارا لثراء أبي وكرمه. ~~ومضيت أتردد على الطبيب، وأحضر جلساته العجيبة. بدا لي العلاج في أول الأمر فضولا لا جدية ~~فيه، ثم أخذت أضيق به وأتذمر في مرارة متواصلة، حتى قلت يوما لعمتي: لا أريد أن أذهب. # فقالت عمتي بقلق: والدك؟! # فقال زوج عمتي وكان موظفا بشركة الكهرباء: لا ذنب للعلاج ولكن حياتك مملة، لماذا لا ~~تشارك في «الشعلة» نادي حينا الرياضي؟ # واشتركت في النادي، ورحت أتدرب على الكرة والسباحة، ولم أنقطع عن العلاج. # وبرعت في الكرة كما برعت في السباحة. تحسنت صحتي البدنية، واشتدت عضلاتي، وارتفعت روحي ~~المعنوية في المباريات المحلية، وثمل رأسي بالهتاف والإعجاب. وانقطعت عن زيارة خالد جلال، ~~وزايلتني نوبات الكآبة، وصرت ولدا سعيدا بكل معنى الكلمة. واستقبلت المرحلة الجديدة من ~~التعليم بفؤاد جديد. ولما كنت قد أدمنت الثناء من خلال تفوقي الرياضي فقد أصررت على التفوق ~~في الدراسة لأنعم بالإعجاب على المدى. وانتقلت من نصر إلى نصر، ومن بهجة إلى ms151 بهجة، ~~وتناسيت مرضي، فلم يخطر لي ببال إلا في لحظات نادرة من لحظات الوحدة والفراغ، عند ذاك كان ~~يخيل إلي أنه رابض في مكان ما، وأنه يتحين فرصة للانقضاض، ولكنها كانت لحظات نادرة جدا ~~ومتباعدة جدا، وسحابة أو سحابتان لا يمكن أن تعكر صفو سماء صافية. # وفي أثناء دراستي بمدرسة التجارة اكتشفت زهيدة ابنة عمتي. أجل كنا نعيش في مسكن واحد، ~~ولكنني نظرت إليها ذات يوم ونحن منفردان فخيل إلي أنني أكتشفها من جديد. لم أر من قبل ~~ذلك تلك النظرة الساجية العذبة، ولا ذلك الجسد الناضج المتناسق، وتبادلنا نظرات جديدة ~~تماما فتورد وجهها وارتبكت، وانبعث من أعماق شعور متوثب حار وبهيج وطموح إلى غير حد. ولد ~~الحب في تلك اللحظة في مهده الذهبي فباركه الحياء والمكر الحسن والحلم المبدع، وسرعان ما ~~أعلنت خطبتنا. # تخرجت في مدرسة التجارة، اشتغلت مساعدا لأبي في أسيوط، ثم حللت محله عقب وفاته في نهاية ~~العام، ثم خضت تجربتي مع السوق والزواج في عام واحد، والحق لقد أحببت العمل كما أحببت ~~الزواج، وأصررت كعادتي على النجاح، وحذرت نفسي دائما من الفراغ ومن تذكر الماضي، وأنجبت ~~ذرية كثيرة فكنت كل عام أستقبل وليدا جديدا، وزخرت حياتي بالتجارة والحب والأبوة. # واندلعت نيران الحرب العظمى فانفتحت أمامي أبواب جديدة للأرباح الأسطورية. انهمكت في عمل ~~لدرجة فاقت كل تقدير. وما لبثت أن أنشأت متجرا ضخما للصوف في القاهرة، وانتقلت أنا وأسرتي ~~إلى العاصمة، ثم شيدت قصرا، ورسخت قدماي في دنيا الثراء والجاه، حتى انتخبت رئيسا للغرفة ~~التجارية. # وجاءني ذات يوم خالد جلال للشراء، صار كهلا وقورا وما زال محافظا على بهاء طلعته. ~~عرفته ولكنه لم يعرفني. صافحته وأنا أقول: سعادتك لا تذكرني! # وحكيت له تجربتي معه وهو يتابعني مبتسما، ثم سألني: وكيف حال الصحة؟ # فقلت له بثقة: عال والحمد لله. # فقال لي بهدوء: الشفاء بيد المريض في أغلب الأحوال. # وجعلت نفسي في خدمته حتى غادر المحل راضيا شاكرا. ورغما عني تسللت إلي ذكريات قديمة ~~استقبلتها بنفور، حتى خيل إلي ms152 لحظة عابرة أن عدوي القديم رابض غير بعيد. لم تكن إلا لحظة ~~عابرة بالغة السخف، أما ما كان يضايقني كثيرا فحملة كاريكاتور الصحافة على أغنياء الحرب ~~وتصويرهم لهم في صورة قطاع الطرق، يا لهم من أوغاد حسودين! وهل ينجح الإنسان إلا بالجهد ~~والعرق؟! # وكان كلما أتم ابن من أبنائي تعليمه أشركته في العمل، ولكني استأثرت بعقد الصفقات ~~الكبيرة، والقيام بالرحلات التجارية الهامة، وكان أبنائي مثلا طيبة للبر والحذق، وقدوة ~~تجارية في المثابرة وتقديس العمل والمال. # وبتقدم الأيام والعمر أرخيت قبضتي رويدا عن بعض التبعات، وحملتها الأبناء المجدين. لماذا ~~فعلت ذلك رغم هيامي بالعمل والنشاط؟ ربما لأني أردت ألا يفاجأ الأبناء يوما بمسئوليات لم ~~يتدربوا على ممارستها، وربما لأنني طرقت أبواب الشيخوخة ولم تعد الطاقة تسعف كما أسعفت في ~~الماضي، وربما لتسرب قطرات من الضجر إلى زوايا نفسي. وظفرت بشيء من الفراغ سمح لي بالانطلاق ~~بالسيارة ساعتين كل يوم في الخلوات أو الطريق الصحراوي منفردا بنفسي أو بصحبة زوجتي. وفي ~~تلك الأوقات المريحة عاودني شعوري القديم بالعدو الرابض فطاردني التوجس من جديد. # وذهبت إلى خالد جلال. بات شيخا مجلل الشعر بالشيب يواري عينيه وراء نظارة طبية كحلية ~~اللون. وذكرته بنفسي للمرة الثانية في حياتي، فرفع حاجبيه وهو يبتسم، فبادرته دفعا لأي ~~شماتة: المسألة من قبيل الاحتياط. # فقال بهدوء: الوقاية خير من العلاج. ~~- لعله توجد الآن عقاقير للوقاية بدلا من الجلسات الطويلة. ~~- لا بد من الجلسات، لا بد من الصبر. # فقلت ضاحكا: لم يعد في العمر بقية كافية! ~~- اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ... ~~- ولكن عملي لا يسمح لي بأن أهرش ظهري! ~~- آسف، إني على استعداد لأعطيك ما عندي. # فشكرته وقلت وأنا أقوم للانصراف: سأفكر في الأمر. # رجعت وأنا أفكر، لا صبر لي على الجلسات ولا وقت. وقد يسيء ترددي على عيادته إلى سمعتي ~~وأنا رجل سمعته في السوق تساوي مليونا من الجنيهات. وسرعان ما قررت حذف الموضوع من رأسي. ~~ولما اشتد بي الضجر خطرت لي فكرة غاية في الإبداع. قلت لزوجتي: لقد ms153 انقضى العمر بين ثلاثة ~~أماكن محددة تفوح منها رائحة الصوف، وقد أتممت رسالتي، وأكرمني الله بأبناء هم زينة السوق، ~~فما رأيك في أن تتأبطي ذراعي ونمضي لرحلة طويلة حول العالم؟ # أخذت زوجتي التي أمضت عمرها بين السراي وبيوت الجيران، القانعة السعيدة بكل ما حولها، ~~وقالت بخوف: حول العالم؟ # فقلت بحماس: أجل، أوروبا ... أمريكا ... الجبال ... البحيرات ... الناس ... # فقالت بفتور: أريد أن أحقق حلمي الصيف القادم بالحج إلى بيت الله. ~~- ليكن ذلك في العام المقبل! # كلا، إنها لا تريد ولا تحب. ولا داعي لإزعاجها. ولأقم بالرحلة منفردا. وقمت بالرحلة في ~~أبهة لا تتاح إلا لأصحاب الملايين. وفي مدينة نابلي شعرت بعدوي القديم يتحرك. تمطى حتى صار ~~شبحا ثم تجسد وحشا . ترى هل أعتزل في حجرة وأنشج في البكاء؟! وفي شدة اليأس تعلقت بفتاة ~~صغيرة في السابعة عشرة، وكانت شهرتي كمليونير تنتشر من حولي. فتصيدني أبوها البستاني وأسرته ~~فوقعت كذبابة في خيط العنكبوت. وتزوجت منها، وواصلت الرحلة، ونجوت من المخاوف. غمرتها ~~بالهدايا، أغدقت على أسرتها، سبقتني أنباء مغامرتي إلى مصر، وانقلبت بين يوم وليلة حديث ~~الناس والصحافة؛ عريس في الخامسة والستين عروس في السادسة عشرة. ملكة جمال ... مصاصة دماء ... ~~ثروة مهددة بالفناء. انكسر قلب زوجتي، وتجمع أبنائي في اتحاد مضاد للدفاع عني في الظاهر، ~~ودفاعا عن الثروة المهددة في الواقع. وجن جنوني فقررت أن أعصف بهم. وإذا بهم يقيمون دعوى ~~بطلب الحجر علي! وفي المحكمة شرحت تشريحا بلا رحمة، فارق السن، الأموال التي نثرتها ~~يمينا وشمالا ثم فضحوا مرضي القديم باعتباره نوعا من المرض النفسي والجنون أهمل حتى ~~استفحل. بت ويا للأسف مسألة عامة تناقش، المجالس والمقاهي والغرز والصحافة، تجلى الحقد ~~المكبوت من قديم على نجاحي. اتهمت بالسفه. تدهور الشيخوخة، الجنون، اتهمني المتدينون بأنني ~~ألقى جزاء استغلالي للعباد في أيام الحرب، وقال الشيوعيون إنني رجل طبيعي جدا ولكنني ~~رأسمالي بلا زيادة ولا نقصان. ودعي خالد للإدلاء بشهادته فكانت شهادته حاسمة في إدانتي. ~~اعترف بأنني مصاب بمرض نفسي منذ صباي، وأن حياتي لم تكن ms154 إلا سلسلة من المحاولات اليائسة ~~للهروب من المرض ومن العلاج. وقد سألته المحكمة: وهل يتيسر نجاحه التجاري لمريض ~~نفسي؟ # فأجاب خالد جلال: يتيسر له النجاح في التجارة، بل في العلم، بل في الحكم، إنما العبرة ~~بالنتائج! # وبلغت المأساة ذروتها فصدر حكم بالحجر علي. هكذا انتهت حياة النضال والكفاح والمجد. ~~وسرعان ما ساءت العلاقات بيني وبين زوجتي الصغيرة حتى اضطررت إلى تطليقها، واعتزلت في ~~حجرتي، مقطع الأواصر بأسرتي، أمضغ الكآبة وأبكي كالأطفال. ورغم موجدتي على خالد جلال لم أجد ~~بدا من اللجوء إليه. وقد بادرني: معذرة، ما كان يمكن أن أشهد بغير ما شهدت به. # فتجاهلت ملاحظته وقلت: الحال سيئة جدا. ~~- أعلم ذلك ولكن الشفاء مأمول. # فغمغمت: الأمر لله ! # فابتسم مشجعا وقال: لو أذعنت من الأول ما صادفك شيء سيئ، ولعلك لا تتصور أنني كنت سأنصحك ~~بفعل ما فعلت، أنصحك بالرياضة والعمل والزواج. # فقلت بفتور: ولكني فعلت ذلك كله. ~~- هذا حق، ولكنك تفعله بروح أخرى. هذا هو كل شيء. # | اللقاء # تجلت القاهرة لعينيه آية في الأضواء والبهجة الصخب. إنه يفد إليها لأول مرة وعما قليل ~~بعد أربعة أيام على وجه التحديد - يلحق به أبوه، ليقوما بأهم زيارة في حياته، زيارة السيد ~~عبد الرحمن فاضل لطلب يد كريمته. أبوه يراه كفئا للبنت الجميلة، فهو زراعي ومرب للعجول، ~~وذو مال، وفضلا عن ذلك فأبوه مزارع أصيل، وصديق للسيد عبد الرحمن فاضل وجار قديم له في ~~القرية قبل أن يهجرها الرجل إلى المدينة، وقد أعجبته البنت ليلة لمحها في الاحتفال بالمولد ~~النبوي بالقرية، وبارك أبوه إعجابه وتمنى له الخير في رحاب آل فاضل، بادر بالانتقال إلى ~~الهرم، دار حول فيلا آل فاضل، تملى طرازها العربي العريق، تملاها بإعجاب ووجد، وتلقى ~~دفقة من أحلام الورد ... سار في المدينة ساعات مستكشفا ثم آوى إلى مقهى الأمراء أسفل الفندق، ~~إنه فتى يحسن تربية العجول، ويحب الغناء ويستحق أحيانا الملامة، جلس في المقهى تائها في ~~أحلام متشابكة حتى انتبه إلى جذبة نظرة مجهولة تناجيه بلطفها الخفي. # التفت فرأى ms155 رجلا يتطلع نحوه باهتمام في الأربعين لعله، ربعة واضح القسمات، يتميز بسيما ~~السجود في جبينه وشامة في ثغرة ذقنه. ولما تلاقت عيناهما دنا بكرسيه من مجلسه وقال: لا ~~مؤاخذة، كلانا وحيد، تلعب عشرة؟ # كان قد ضاق بوحدته فابتسم مرحبا، صفق الرجل طالبا النرد وهو يقول: محسوبك جبريل الصغير ~~من رجال الأعمال. ~~- تشرفنا، فؤاد صاوي، مزارع. # لعبا بمهارة وسماحة. في أثناء ذلك عرف الرجل على وجه التقريب أسباب وفود الفتى إلى ~~القاهرة. ولما أزف موعد الغداء دعاه الفتى مجاملة، ولكن الرجل قبل الدعوة، ثم دعا الفتى إلى ~~العشاء فلم يجد بدا من القبول. ذهب به الرجل إلى تافرنا. هكذا انزلق إلى صداقة جديدة بلا ~~أسف. اعترف بأن ثمة تجاذبا قويا يدنيه من الرجل ويدني الرجل منه، هذه الأمور تحدث، لم ~~لا؟ تناولا شاورمة وسلطة خضراء ونبيذا أحمر. بعث النبيذ الدفء والإلهام، في جو بارد ورذاذ ~~متقطع تعلن عن حباته اللؤلؤية المنسابة فوق زجاج النافذة ... وثرثرا طويلا فيما يشبه الطرب. ~~ثم زقزقت عصافير النشوة في القلب، فانسابت الأهواء من طرف اللسان كسلسبيل السماء. قال جبريل: ~~إني رجل غني والحمد لله وكثير الذرية. ~~- حالي رضا، أسوأ، ما فيها أني أعشق العجل وأنا أربيه فيبقى منه في القلب أسى بعد ~~بيعه. # فقال جبريل ضاحكا: إنك من أهل الخطوة خطوة، أما البهجة الحقيقية ففي المغامرة ~~والطفرة! ~~- ما عملك على وجه التحديد؟ ~~- المغامرة. ~~- زدني إيضاحا. ~~- صبرا، حتى متى تبقى في القاهرة؟ ~~- لمدة ثلاثة أيام أخر. ~~- ألم تسمع عن يوم بألف سنة؟ # وتكلم عن رحلة تستغرق يومين يجني من ورائها ثروة صغيرة، فسأله فؤاد: ألا يعرضني ذلك لقبضة ~~القانون؟ ~~- لا خوف على صاحب السمعة الطيبة والصحيفة البيضاء من السوابق! # وحدثه عن سيدنا موسى وهجرته الأولى من مصر، ثم قال: لولا ذلك ما صار نبيا! # فضحك فؤاد وقال بتوتر وشى باهتمامه، وقال: ولكني سأصير مهربا! ~~- لا تنخدع بالأسماء. # شجعه بمثال سيدنا يونس وجوف الحوت، فقال فؤاد بلسان متعثر من الشراب: إنه السجن وليس ~~الحوت! # فعاد يذكره بسيدنا يوسف ms156 وكيف أفضى به السجن إلى الوزارة، ثم قال مداعبا: الدولة تستورد ~~فتسمى ذلك تجارة خارجية، فإذا حاكاها فرد سمت ذلك تهريبا. # ومضى به إلى ملهى لوك الليلي ... شربا مزيدا من الخمر. شاهد رقصة شرقية من أفراح. # أعجب الفتى بالراقصة، طالبه جبريل بتأجيل ذلك إلى ما بعد الرحلة. # قام فؤاد بالرحلة. رجع عند ظهر اليوم التالي. ربح من ورائها ما يربحه عادة في عام من بيع ~~العجول. احتفلا بالنجاح في لوك. قال فؤاد: بوسعي الآن أن أبتاع شبكة فاخرة ونادرة. # فقال جبريل ملاطفا: والبقية تأتي. # فتمتم فؤاد بحرارة: أفراح ... ~~- عظيم، أهي من طراز عروسك؟ ~~- كلا. ~~- هذا أفضل فعليك أن تشبع من أشياء كثيرة قبل أن تهب حياتك للعروس. # وبنفوذه جاءه جبريل بالراقصة ثم غادرهما إلى مكتب مدير الملهى. استحضر فؤاد لهما الشراب ~~وهام في السمر. وهيأ له السكر أن أفراح بحيرة زمردية في مركزها نافورة تنفث السعادة. ولكن ~~اقتحم المجلس ظل ثقيل. رجل متهور سكران يزعم أنه صاحب حق أقدم. سرعان ما تطايرت الكئوس فوق ~~المنضدة محطمة ... وتأرجحت الشموع المتلألئة في الأركان بفعل اللكمات المتبادلة. انسحبت أفراح ~~وجلة مثل حية عقب معركة خاسرة، وجاء جبريل مهرولا وهو يصيح: ولا حركة ولا كلمة! # ثبت أنه مسموع الكلمة، تأبط ذراعه ومضى به وهو يجفف له دما يسيل من ثنيتيه ... أسعفه في ~~صيدلية. # اقترح عليه أن يوصله إلى الفندق، ولكن فؤاد قال: ما زلت مصمما. ~~- هه؟ ~~- أفراح؟ ~~- ليكن ذلك في ليلة أخرى. ~~- ليلتي هذه فرصتي الأخيرة. # مضى جبريل الصغير نحو تليفون الصيدلية وهو يتمتم: لك ما تشاء! # استقبل والده في محطة مصر. استقلا تاكسي مضى بهما إلى الفندق، لحظ الرجل ابنه ثم تساءل: ~~شفتك متورمة؟ # فأجاب وهو مستعد لذلك: وقف التاكسي فجأة أول يوم لي هنا فارتطمت بحافة المقعد ~~الأمام! ~~- أظنها بسيطة؟ ~~- وممكن نؤجل اللقاء. ~~- كلا، وقت عبد الرحمن فاضل مشغول دائما ... زرت مصلحة المساحة كما كلفتك؟ # أجاب بحرج: شغلني الحادث، كان وجهي كله متورما. # فصمت الرجل في ضيق. # جلس بجانب أبيه في حجرة ms157 الاستقبال بفيلا الهرم. بدا متوتر الأعصاب فهمس له أبوه: تكلم ~~بطلاقة لتحوز الثقة. # وأزيحت الستارة. برز من ورائها الرجل في عباءة بنية. برأس كبير مغطى بطاقية من الصوف ~~الأبيض. نهضا لاستقباله وسرعان ما أصيب فؤاد بدهشة غير متوقعة. دهشة بلغت حد الذهول ~~وجاوزته. خيل إليه أنه يرى جبريل الصغير نفسه ... حتى صوته تردد وهو يقول: أهلا ... أهلا، كيف ~~حالك يا شيخ صاوي؟ ~~- بخير ما دمت بخير يا بيه، هذا ابني فؤاد. # وتمت المصافحة دون أن تبدر من عبد الرحمن فاضل بادرة واحدة تنم عن رؤيته للشاب قبل ذلك. ~~حدق فيه بذهول. ساوره الشك. لعلها صورة أخرى! لعله مجرد شبه وليس تماثلا. ولكنه هو هو. ~~كلا طبعا. إنه توهم وأثر من الليلة الماضية. من يقطع في ذلك برأي قاطع؟! # ونظر السيد إلى فؤاد وقال ببساطة: أذكر طفولته. # فقال الشاب بحنان: تلك الأيام الطيبة لا تنسى! # هو جبريل الصغير، كلا، هذا رجل آخر جاد ووقور ولا أثر للافتعال في حركاته. ما أحوجه إلى ~~صفاء الذهن. ما زالت بقية من الخمر في معدته لم تهضم بعد. وقال الأب مخاطبا السيد: لعلك ~~بخير وعافية. ~~- الأمور تسير بعون الله، ولكن يندر أن نعثر على مخلوق جدير بالثقة. ~~- هذه هي المشكلة! ~~- وكما عرفتني فأنا لا أقرر البطش إلا عند الضرورة القصوى! ~~- نبل عرف عنك منذ القدم! ~~- والوسطاء ألعن، ولكن هل يسعني أن أقوم بكل شيء بنفسي؟ ~~- غير معقول ولو كان ممكنا! ~~- حتى خطر لي مرة أن أصفي عملي وأرجع إلى القرية. ~~- يسعدنا رجوعك ولكن بلا قهر! # فقال متأسفا: الأولاد متعلقون بالمدينة. # وفجأة التفت نحو فؤاد متسائلا: ما لك يا بني؟ # فتراجع فؤاد إلى أعماقه وقال: لا شيء يا سيدي. ~~- ولكنك تنظر إلي نظرات غريبة! # فتشجع فؤاد لعله ينجو من عذاب حيرته. ~~- الحق ... الحق ... ألك توأم يا سعادة البيه؟ # ضحك الرجل وهتف الشيخ صاوي: يا لجهلك يا فؤاد ... الدنيا كلها تعلم أن البيه وحيد أبويه. # وسأله عبد الرحمن فاضل: أعرفت شخصا يماثلني لهذه الدرجة؟ ~~- أجل ... ولكن لعلي ms158 واهم! # وقال الأب مجاملا: عبد الرحمن بك لا مثيل له! # ولكن السيد سأل فؤاد: من هو ذلك الشخص؟ ~~- يدعى جبريل الصغير وهو من رجال الأعمال. # فهتف عبد الرحمن فاضل: عليه اللعنة! لم يقل أحد قبلك إن بيننا أي شبه. # فتساءل الأب بقلق: ما لعينيك يا فؤاد! # وتمتم فؤاد حائرا: أعترف بأني مخطئ! # فالتفت عبد الرحمن فاضل نحو الشيخ صاوي وقال: كيف نسيته تماما يا شيخ صاوي؟ (ثم ~~ضاحكا) كانت لك به علاقة لا تذكر بخير، أنسيت؟ الرجل الذي كان يعمل عندي ثم طردته بعد ضبطه ~~متلبسا باختلاس؟ # تورد وجه الشيخ صاوي وقال: اللعنة ... الآن أتذكره. # فرجع عبد الرحمن فاضل إلى فؤاد متسائلا: أيدعي أنه صاحب أعمال؟ فماذا أكون أنا؟ ما هو ~~إلا نصاب. مهرب. قواد، كيف عرفته يا بني؟! # تلاشى فؤاد في حمأة الهجوم، اضطرب لدرجة أن اختفى التماثل بين الرجلين. وبادر الشيخ صاوي ~~يقول مدافعا عن ابنه: لم يعش في القاهرة أكثر من أربعة أيام. # لبث عبد الرحمن ينظر إلى فؤاد منتظرا الجواب على سؤاله، فقال فؤاد: عرفته معرفة سطحية في ~~مقهى الأمراء. تبادلنا حديثا عابرا ثم افترقنا. # تنهد الشيخ صاوي في ارتياح. فكر فؤاد بأن أباه مذنب مثله وإلا فما معنى علاقته القديمة ~~بجبريل الصغير؟ أما السيد عبد الرحمن فاضل فقال للشاب بهدوء مريب: الصدق أولى ~~بالشرفاء! ~~- أقسم ... # ولكنه قاطعه: ولا تقسم بالله باطلا! # اصفر وجه فؤاد. لاح شبح الفشل لعيني الشيخ صاوي. استمسك الشيخ بآخر خيط للأمل وقال: ~~اللعنة على جبريل وسيرته. ما من أجل ذلك جئنا، ألم يحدثك الشيخ مندور عن دوافع زيارتنا يا ~~عبد الرحمن بيه؟ فؤاد ولد طيب! # فقال عبد الرحمن فاضل بالهدوء نفسه: كلا ... # تلاقت عينا فؤاد بعيني السيد فومضت الحقيقة حتى أعمته. وقال السيد ببرود: ليس بالولد ~~الطيب ولكنه مهرب، فاسق، معربد ... # هتف الشيخ الصاوي: يا ألطاف الله! # خيم صمت معذب. تجسدت الإهانة كما تجسد اليأس من الخطوبة ... كيف يتكلم الرجل بهذه ~~الثقة؟! # من وحي استنتاج أم من وحي الوقائع؟ أله عين ms159 دائمة ترصد حركات جبريل فرصدته هو ~~ضمنا؟! # وهل هو تماثل أو تشابه أم لا هذا ولا ذاك؟! # وتساءل الأب في أسى: أليس لديك ما تدافع به عن نفسك؟ # فتمرد فؤاد على وضعه وقال لأبيه: أهنت يا أبي بما فيه الكفاية ويستحسن الآن أن نذهب! # فقال عبد الرحمن فاضل بصلابة: أنت المهان وأنت المهين! # ثم التفت إلى الأب قائلا بنبرة لينة: آسف يا شيخ صاوي. # غادرا الفيلا صامتين يتجنبان الكلام، يتجنب أحدهما الآخر، يغوصان في حيرة بلا قرار ويشعر ~~كلاهما بالذنب. # | الجبل # 1 ~~(كهف فوق سطح المقطم. إلى اليسار ممر يبدأ من نقطة عند حافة الكهف ~~اليسرى ويمتد فوق السطح إلى الخارج. إلى اليمين ممر يبدأ من نقطة عند حافة الكهف اليمنى ~~وينحدر نحو الخارج موحيا بالامتداد حتى سفح الجبل.) ~~(الكهف مظلم. ثمة أشباح. يد شبح تشعل المصباح المدلى من سقف ~~الكهف. يتضح المنظر. يوجد رجل بالملابس البلدية مقيد اليدين والقدمين جالسا على الجهة ~~اليسرى من الأرض وأمامه من الناحية المواجهة خمسة من الشبان جالسين على الأرض أيضا ~~يرتدون القمصان والبنطلونات.) ~~(يتوسطهم عساف بمركز الرياسة. إلى يمينه إسماعيل وحلمي. إلى يساره ~~رمزي وحسني.) # الرجل المقيد ~~(في حال فزع) ~~: # انقضضتم علي في الظلام وأنا راجع فتوهمتكم لصوصا، وها أنا أرى أنكم أبناء ~~من حارتي، أنت عساف، أنت إسماعيل، أنت حلمي، أنت رمزي، وأنت حسني، جيران وأبناء ~~جيران، ما معنى ذلك؟ لماذا فعلتم بي ما فعلتم؟! # عساف ~~: # جئنا بك لنحاكمك. # الرجل ~~(وقد امتزج الفزع بالدهشة) ~~: # قلت تحاكمونني؟ # عساف ~~: # نعم. # الرجل ~~: # ما أنا بالمجرم. # عساف ~~: # إنك مجرم. # الرجل ~~: # وما أنتم بالقضاة. # عساف ~~: # نحن قضاة كما ترى. # الرجل ~~: # إن كنتم تريدون نقودا ... # عساف ~~(مقاطعا) ~~: # لسنا لصوصا! # الرجل ~~: # ولست مجرما. # عساف ~~: # إنك مجرم وتعلم أنك مجرم. # الرجل ~~: # حذار يا أبنائي من الخطأ، القانون لا يغفل، ولا يفلت أحد من العقاب. # عساف ~~: # نشكر لك نصيحتك التي لا حاجة بنا لها. # الرجل ~~: # إنكم شبان، الحياة أمامكم طويلة وعريضة، ولستم قضاة. # عساف ~~: # نحن قضاة ما دام العدل لا يجد ms160 من يقيمه. # الرجل ~~: # إن كنتم قضاة فأين الدفاع؟ # عساف ~~: # ما جدوى الدفاع وجريمتك جارية على كل لسان. # الرجل ~~: # إنني أقرأ الحكم في أعينكم متجسدا. # عساف ~~: # وسبق أن حكم عليك كل متعامل معك. # الرجل ~~: # أمثالي يملئون الأسواق. # عساف ~~: # سيجيئون تباعا. # الرجل ~~: # ليس ذنبي ولكنه الزمن. # عساف ~~: # بل هو الجشع. # الرجل ~~: # وما عقوبتي في تقديركم؟ # عساف ~~: # القتل! # الرجل ~~(صارخا) ~~: # القتل! # عساف ~~: # رجوعك يعني هلاكنا. # الرجل ~~(متوسلا) ~~: # أقسم لكم ... # عساف ~~(مقاطعا) ~~: # طالما حلفت كذبا بالطلاق! # الرجل ~~: # الرحمة! # عساف ~~: # قتلك رحمة بالعباد. ~~(يقفون وهو يرتعد. يحمله أربعة. الخامس يحمل خمس عصي غليظة ~~ويتبعهم نحو اليسار. الرجل طيلة الوقت يستغيث.) ~~(إظلام.) # 2 ~~(إضاءة.) ~~(يرجعون متجهمي الوجوه. تمر فترة صمت في وجوم ثم يبدأ حسني الكلام ~~وهو أسوأهم حالا.) # حسني ~~: # أن تقتل إنسانا عمل فظيع حقا، لن أنسى نظرة عينيه ولا جمود الموت الناطق ~~بالفناء، لا تعرف الحياة على حقيقتها إلا لحظة الموت، الحق لقد مت معه ... ~~(صمت. حسني يجفف عرقه.) # حسني ~~: # معذرة فإنها المرة ~~الأولى. # رمزي ~~: # نحن مثلك. # عساف ~~(متغلبا على وجومه) ~~: # هل انهرتم وانتهيتم؟ # رمزي وإسماعيل وحلمي ~~: # كلا ... كلا ... كلا ... # عساف ~~(مخاطبا حسني) ~~: # إني مثلك تماما يا حسني ولكن علينا أن نحترف ضبط النفس ... # حسني ~~: # تلزمنا أعصاب من فولاذ وقلوب لا تخفق! # عساف ~~: # علينا أن نتذكر دائما الظلم وأن نثق تماما بقوة العادة، وقد تناقشنا ~~طويلا، واقتنعنا بكل قلوبنا، وتعاهدنا على عمل لا رجوع فيه، إنها رسالة، ~~والرسالة وقودها العذاب ... # حلمي ~~: # هذا ما ارتضيناه بوعي كامل ... # عساف ~~: # واعتياد الظلم أفظع من اعتياد القتل. # حسني ~~: # الظلم والقتل، كلاهما فظيع. # إسماعيل ~~: # لتغفر لنا نوايانا الطيبة. # عساف ~~: # تذكروا أننا شرفاء ورحماء. # حسني ~~: # ولكننا لن نعرف الابتسام. # عساف ~~: # لنكن شهداء. # رمزي ~~: # لنكن شهداء. # عساف ~~(بنبرة جديدة) ~~: # علينا أن ننسى الجبل إذا رجعنا إلى الحارة. # حلمي ~~: # نمارس حياتنا مثل بقية الناس. # إسماعيل ~~: # ونتساءل عن سر اختفاء عم فرجل مع الآخرين. # عساف ~~: # ونلعن اللصوص ونعطف على أولاده. # حسني ~~: # أولاده! إنهم مظلومون مثلنا. # عساف ~~(بخشونة) ~~: # نحن قضاة لا محامون، والتاريخ نهر ms161 طويل يتدفق بالدم المسفوك تسعة أعشره من ~~دماء الأبرياء. # عساف ~~(يتحرك نحو اليمين وهو يقول) ~~: # لا تنسوا أن دماءنا ستلتحم بدمائه البريئة ذات يوم. ~~(يذهبون واحدا في إثر واحد.) ~~(إظلام.) # 3 # الكهف - عساف - إسماعيل - رمزي - حسني # عساف ~~: # لندع لحلمي أن يوفق في مهمته. # إسماعيل ~~: # فكرة طيبة، المجرم زير نساء، سرعان ما يقتنع بأنه قادم على سهرة طيبة. # رمزي ~~: # ستهتز الحارة هذه المرة حتى الأعماق. # عساف ~~: # سيؤمنون بأنه سفاح خطير. # رمزي ~~: # لن يعطفوا على جلاديهم. # إسماعيل ~~: # من أسف أن الخوف سيجتاح الجميع. # حسني ~~: # وربما فطنوا عاجلا إلى نوعية المختفين. # عساف ~~: # لعله أنفع لرسالتنا. # حسني ~~: # في تلك الحال يخشى على الأبرياء من سوء الظن. # عساف ~~: # الأبرياء لا خوف عليهم. # حسني ~~: # قد يتعرضون للأذى . # عساف ~~: # أشعر أنك لم تبرأ بعد من ضعفك. # حسني ~~: # ألا ترى أني أعمل مثلكم؟ # عساف ~~: # أعني القلب، فقد يستقل عن اليد واللسان! # رمزي ~~: # اطمئن إليه كما تطمئن إلى نفسك. ~~(تترامى نحنحة آتية من الخارج. يدخل حلمي يتبعه رجل في ملابس ~~بلدية فاخرة. الرجل يدهش لرؤيته الآخرين ويتوقف عن التقدم.) # الرجل ~~(مخاطبا حلمي) ~~: # ما معنى هذا؟ ~~(ينقضون عليه بسرعة وإحكام يطرحونه أرضا. يقيدون قدميه وذراعيه ~~وهو يقاوم عبثا. يجلسونه مكان الضحية السابقة وهو ينظر إليهم في فزع.) # الرجل ~~: # ما معنى هذا يا أبنائي؟ محال أن تكونوا لصوصا! # حلمي ~~: # صدقت، ستعرف كل شيء. # عساف ~~: # لسنا لصوصا كما قلت، نحن قضاة نحاكم مجرمي حارتنا. # الرجل ~~(برعب) ~~: # قضاة ... محاكمة ... مجرمون! # عساف ~~: # كما ترى ... وقد سبقك إلى هنا عم فرجل. # الرجل ~~: # ماذا فعلتم به؟ # عساف ~~(مشيرا إلى اليسار) ~~: # إنه مدفون في الجبل. # الرجل ~~: # ألا تخافون القانون؟ # عساف ~~: # نحن رجال القانون الأسمى، دافع عن نفسك. # الرجل ~~(بفزع) ~~: # أنا في عرضكم ... خذوا ما تشاءون! # عساف ~~: # دافع عن نفسك. # الرجل ~~(بضراعة) ~~: # صبركم، فكروا قليلا، فيم أختلف عن أي مالك في مصر؟ ماذا يجديكم قتلي؟ # عساف ~~: # ينقص الظالمين واحدا. # الرجل ~~: # الأمر أكبر من ذلك، فكروا قليلا، لنتفاهم، تجعلون من أنفسكم قتلة بلا ثمرة ~~حقيقية. # عساف ~~: # لديك أقوال أخرى؟ ms162 # الرجل ~~: # ماذا أقول؟ ماذا يمكن أن يقال؟ ستبقى المشكلة، إنها أكبر مني ومنكم، قد يوجد ~~حل ولكنه ليس في القتل. ~~(يقفون. أربعة يحملونه إلى سطح الجبل، يتبعهم الخامس ~~بالعصى.) ~~(إظلام.) # 4 ~~(إضاءة.) ~~(يرجعون بوجوه متجهمة. نلاحظ أيضا أنهم أملك لأنفسهم من المرة ~~الأولى. أما حسني فقد انتحي جانبا على حال واضحة من السوء. أربعتهم يلاحظونه بقلق، ~~خاصة عساف.) ~~(صمت.) # عساف ~~: # لا يمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو. ~~(صمت.) # عساف ~~: # إني أتساءل متى تبرأ من ضعفك! # حسني ~~: # يستحوذ علي إحساس غريب، لعله المرض. # عساف ~~: # كلا، إنه أدهى وأمر. # حسني ~~(بنبرة اعترافية) ~~: # أخي عساف، ينبغي أن أصارحك بأن دفاع الرجل أقنعني! ~~(فترة صمت.) # عساف ~~: # ما شاء الله، وإذن فالرجل هو المظلوم لا أهل حارتنا! # حسني ~~: # لا أعني ذلك، إنما أعني أن قتله لن يحل المشكلة. # عساف ~~: # اتفق رأينا فيما سبق على نقيض ذلك! # حسني ~~(منفعلا) ~~: # سنمضي من جريمة إلى جريمة، سنحترف الإجرام ونحن لا ندري، بت أشعر بالمرض. # عساف ~~: # إنك مريض حقا، مريض الإرادة والروح. # حسني ~~(بعصبية) ~~: # العكس هو الصحيح! # عساف ~~: # حقا؟ كلامك يعني أنك سليم وأننا المرضى؟ ~~(صمت.) # حلمي ~~(لحسني) ~~: # أهذا ما تعنيه؟ # رمزي ~~(لحسني) ~~: # ماذا تقترح؟ # عساف ~~: # بكل بساطة إنه يمهد للانسحاب. # حسني ~~: # كلا ... أقترح أن نعدل جميعا عن خطتنا. # عساف ~~: # عن احتراف الإجرام. ~~(صمت.) # عساف ~~: # لا فائدة ترجى من مواصلة المناقشة، امكث قليلا في هواء الليل النقي، استرخ ~~في هدوء، ثم نستأنف الحوار. ~~(حسني يتردد قليلا ثم يذهب ناحية اليمين ويخرج. يتبادلون النظرات.) # عساف ~~: # ما رأيكم؟ # حلمي ~~: # سوف يثوب إلى رشده. # إسماعيل ~~: # إني لا أشك في إخلاصه. # عساف ~~: # وإني لا أشك في إخلاصه، ولكن الضعف غزاه، ويجب أن نخشى عواقبه ضعفه. # رمزي ~~: # لعله من الخير له ولنا أن ينسحب. # عساف ~~: # إنه حل قد يسفر عن عواقب وخيمة. # إسماعيل ~~: # لن يصلح رفيقا لنا. # عساف ~~: # أوافقك تماما، ولكن ما الخطوة التالية؟ # رمزي ~~: # نعفيه من العمل. # عساف ~~: # من يضمن لنا سكوته؟ # إسماعيل ~~: # لا شك في إخلاصه. # حلمي ~~: # وكشف الأمر يودي به ms163 كما يودي بنا. # عساف ~~: # الضعف قد يؤدي إلى التهور أكثر مما تؤدي إليه القوة! ~~(صمت.) # إسماعيل ~~: # احتمال بعيد جدا. # عساف ~~: # وهل نضع أرواحنا ورسالتنا تحت رحمة الظروف؟ # رمزي ~~: # لدي اقترح آخر، أن يقتصر عمله على استدراج المجرمين. # عساف ~~: # لن يغير ذلك من واقع الأمر شيئا. # إسماعيل ~~: # فلنجرب، لست متشائما. # عساف ~~: # دعوني أختبره. ~~(عساف يخرج ناحية حسني. إسماعيل وحلمي ورمزي يتبادلون النظرات ~~في حيرة واضحة.) # إسماعيل ~~: # الصبر، سينتهي الصراع إلى خير. # رمزي ~~: # لعله. # حلمي ~~: # صدري منقبض. ~~(يرجع عساف متثاقل الخطوات. يجلس القرفصاء دافنا وجهه بين ~~ركبتيه. ينظرون نحوه بقلق واستطلاع.) # إسماعيل ~~: # ماذا وراءك؟ ~~(صمت.) # رمزي ~~: # يبدو أنك لم تقنعه؟ ~~(صمت.) # حلمي ~~: # تكلم يا عساف، لا تسلط علينا الهواجس. ~~(يذهب إسماعيل إلى الخارج. تترامى منه آهة فزع. يرجع منفعلا ~~نحو عساف.) # إسماعيل ~~: # لقد خنقته! ~~(يضطرب رمزي وحلمي. يهرعان إلى الخارج. يرجعان أشد ~~اضطرابا.) # إسماعيل ~~: # من يصدق؟ # رمزي ~~: # إنه قرار انفرادي ما كان ينبغي أن يتخذ دون الرجوع إلينا. # حلمي ~~: # نحن نتدهور وننتحر. # عساف ~~(رافعا وجها متقلصا من الحزن) ~~: # الألم يمزقني. # إسماعيل ~~(بحدة) ~~: # هيهات أن يرده ذلك إلى الحياة. # عساف ~~: # لم يدع لي فرصة الاختيار. # إسماعيل ~~: # نحن نعمل كوحدة لا تتجزأ فلم انفردت بالقرار؟ # عساف ~~: # لقد تحملت عنكم الألم وحدي. # إسماعيل ~~: # لقد قضيت علينا بألم لا يمحى. # عساف ~~: # أقدمت على الجريمة دفاعا عنكم وعني وعن الرسالة، إني صريع الحزن والألم. # إسماعيل ~~: # إنك قاس فوق ما تصورت. # عساف ~~: # الرحمة وحدها هي التي تحركنا. # إسماعيل ~~: # يا للعجب! كيف طاوعتك يداك؟! ~~(عساف يدفن وجهه بين يديه. صمت.) ~~(إظلام.) # 5 ~~(إضاءة.) ~~(عساف، إسماعيل، حلمي، وجوههم جادة ولكن يبدو أن ذكرى حسني قد ~~جرفتها الأحداث.) # حلمي ~~: # لم يعد للحارة من حديث إلا حديث السفاح الخفي. # عساف ~~: # عظيم. # إسماعيل ~~: # أهلي يتساءلون أين أمضي بعض الليالي حتى الفجر! # عساف ~~: # إنه سؤال يتردد في بيتي أيضا ويثير متاعب. # إسماعيل ~~: # لذلك يتولاني شعور أحيانا بأنني مطارد. # حلمي ~~: # وقد يربط قوم بين غيابنا واختفاء الضحايا! # عساف ~~: # لقد اخترنا وسلمنا بالمصير المحتمل. ~~••• ~~(يدخل رمزي ms164 متأبطا ذراع كهل. يدهش الرجل ويدهش كذلك عساف ~~وإسماعيل وحلمي.) # الكهل ~~: # أين نحن؟ ~~(رمزي يدفعه فيوقعه. يتعاونون على تكبيله ~~رغم مقاومته وصراخه. يتبادلون النظرات في صمت.) # الكهل ~~: # خدعتني يا رمزي، ~~ماذا أرى؟ أنتم لصوص؟! # عساف ~~: # لنحمله إلى الخارج حتى نتشاور. ~~(يمضون به إلى ~~اليسار ثم يرجعون.) # عساف ~~(لرمزي) ~~: # إنه ليس من كنا ننتظر ولا هو من المدانين. # رمزي ~~: # لكنه لا يختلف عنهم في شيء. # عساف ~~: # ما جريمته؟ ~~(صمت.) # حلمي ~~: # المسألة بصراحة أنه نجح في أن يكون خطيب البنت التي يحبها رمزي. # عساف ~~: # كيف تقحمنا في شئونك الخاصة؟ # رمزي ~~: # إنه كهل وهي فتاة في السادسة عشرة، استغل فقرها، وفضلا عن ذلك فهو فاسق ~~بدليل مجيئه معي جريا وراء سهرة محرمة. # عساف ~~: # مسألة شخصية. # رمزي ~~: # بل إنه استغلالي دنيء للضعفاء. # عساف ~~: # قد تكون البنت آثرته باختيارها. # حلمي ~~: # لا نملك دليلا ضده، ثم إنها مسألة خاصة. # رمزي ~~: # لها صفة عامة في رأيي. # عساف ~~: # لا يمكن أن نقتل لمثل هذه الأسباب. # حلمي ~~: # أتفق معك. # إسماعيل ~~: # وأنا كذلك. # رمزي ~~: # هل نطلق سراحه ليفشي سرنا؟ # عساف ~~: # للأسف لا مفر من قتله، ولكننا لن نقتله، فلسنا مجرمين. # رمزي ~~: # إنك تلقي ألغازا؟ # عساف ~~: # إني واضح تماما، عليك وحدك أن تقتله، وعليك وحدك أن تدفنه. ~~(رمزي ينظر نحو إسماعيل وحلمي ولكنهما يوافقان صامتين. أخيرا ~~يتناول عصاه ويندفع نحو اليسار.) # عساف ~~: # سيصبح منذ الآن مجرما. # حلمي ~~: # أجل. # إسماعيل ~~: # الحق أننا شركاء له في جريمته. # عساف ~~: # ماذا؟ # إسماعيل ~~: # ها هو بريء يقتل بموافقتنا واقتراحنا، ماذا تريدون أكثر من ذلك؟! # عساف ~~: # هل عندك حل أوفق؟ ~~(إسماعيل يصمت.) # عساف ~~(لحلمي) ~~: # هل عندك أنت؟ # حلمي ~~: # كلا. # عساف ~~: # هل من سبيل لإنقاذ شرفنا؟ # إسماعيل ~~: # لن تنقذه قوة في الأرض. # عساف ~~: # بل توجد وسيلة لإنقاذه! # إسماعيل ~~: # حقا! # عساف ~~: # أن نعاقب المجرم بما يستحق. # إسماعيل ~~(فزعا) ~~: # تقتله كما قتلت حسني؟ # عساف ~~(ساخرا) ~~: # إنما أشير إلى الطريق الصواب ولكما الاختيار. # إسماعيل ~~: # إنه فوق ما نستطيع. # عساف ~~: # كونا مجرمين إذن. # حلمي ~~: # لننس الأمر كله. # عساف ~~: # هيهات! # حلمي ~~: # لا مفر ms165 من ذلك. # عساف ~~: # إنه الضعف يغزونا مرة أخرى. # إسماعيل ~~: # أصبحت الحياة كريهة. # حلمي ~~: # لننس الأمر ولنواصل السير، أصبحت الحياة كريهة حقا. # عساف ~~: # لقد جردتنا هذه الجريمة من شرفنا. ~~(يرجع رمزي غاض البصر. يقف مستندا إلى الجدار. يسود ~~صمت.) ~~(إظلام.) # 6 ~~(إضاءة.) ~~(عساف، إسماعيل، حلمي، رمزي أمام ضحية جديدة مكبلة بالحبال. عند رأس ~~الممر الأيمن خارج الكهف تقف فتاة متنصتة.) # عساف ~~: # انتهي التحقيق فلنحمله. ~~(يحملونه ناحية اليمين مثل كل مرة سابقة.) ~~(الفتاة تدخل الكهف بحذر، متوارية وراء الجدار تصرخ فزعة وتقع ~~مغميا عليها.) ~~(يرجع الشبان الأربعة فزعين وبأيديهم العصي. عساف يركع إلى جانب ~~الفتاة على حين يجري الآخرون نحو المخرج الأيمن.) # عساف ~~(بحنان) ~~: # هبة ... حبيبتي ... ماذا جاء بك؟ ~~(يربت على خدها. يرجع الشبان.) # إسماعيل ~~: # لا يوجد أحد، كيف جاءت؟! # عساف ~~(للفتاة) ~~: # هبة ... هبة ... أفيقي! # رمزي ~~: # ماذا جاء بها؟ ~~(تأخذ الفتاة في الإفاقة. تنقل عينيها بين الوجوه. تتذكر تقف ~~فزعة.) # هبة ~~(لعساف) ~~: # ابعد عني، إنك قاتل، كلكم قتلة. # عساف ~~: # مهلا، لسنا قتلة، اهدئي حتى أطمئن عليك. # هبة ~~: # لا تمسني ... ابعد! # عساف ~~: # مهلا ... كيف جئت إلى هنا؟ # هبة ~~: # إنه حظي، لأعرفك على حقيقتك، أنت قاتل؟! # عساف ~~: # سأشرح لك كل شيء. # هبة ~~: # لقد رأيت بعيني ... رأيت القتل والدم. # عساف ~~: # ماذا جاء بك يا هبة؟ # هبة ~~: # كنت عمياء، لاحظت تغيبك ليلة بعد أخرى، ظننت ... المهم أنني تبعتك. # عساف ~~: # يا لسوء الحظ! # هبة ~~: # يا للقتل والدم والوحشية. ~~(تتحول لتذهب، يقف رمزي في طريقها.) # هبة ~~: # دعني أذهب! ~~(يتبادلون النظرات.) # حلمي ~~: # غير ممكن. # إسماعيل ~~: # هذا مفهوم تماما. # هبة ~~: # فيم تفكرون؟ # رمزي ~~: # لا يمكن أن تذهبي، هذه هي الحقيقة الأليمة! # هبة ~~: # ماذا تعني؟ # إسماعيل ~~: # حقيقة أليمة حقا. # حلمي ~~: # أي لعبة قذرة دامية! # رمزي ~~(لعساف) ~~: # تكلم يا عساف. ~~(عساف يئن صامتا.) # رمزي ~~: # لا حيلة لنا. # هبة ~~: # ماذا تريد؟ # رمزي ~~: # لن ترجعي أبدا. # هبة ~~(وهي في رعب متزايد) ~~: # ماذا تقصد؟ ~~(تنظر نحو عساف فيزداد منها قربا.) # عساف ~~: # دعوا المسألة لي. # رمزي ~~: # أوضح! # عساف ~~: # يلزمني وقت للتفكير. # رمزي ~~: # الأمر واضح جدا ولعلك ms166 لم تنس مصرع حسني! ~~(عساف ~~ينظر إلى رمزي بقهر.) # رمزي ~~: # تكلم يا عساف. # عساف ~~(بانفعال) ~~: # لا. # رمزي ~~: # لا؟! ماذا تعني؟! # عساف ~~: # قلت لا! # رمزي ~~: # أتريد أن تضحي بنا من أجل حبيبتك؟ ~~(هبة تقترب أيضا ~~من عساف.) # رمزي ~~: # إنها بريئة، سيئة الحظ، ولكن لا مفر من قتلها! ~~(هبة تصرخ فزعة.) # رمزي ~~: # عليك أن تقتلها وعليك أن ~~تدفنها. # إسماعيل ~~: # يجب أن ينتهي هذا العذاب. # حلمي ~~: # لقد حلت بنا اللعنة. # رمزي ~~: # إنها مهمتك يا عساف. # هبة ~~(لعساف) ~~: # أنت تقتلني؟ # عساف ~~: # كلا ... لن يمسك سوء. # رمزي ~~: # هل تعني ما تقول؟ # عساف ~~(بتحد) ~~: # كما تسمع وترى. # رمزي ~~: # ها أنت تنكشف على حقيقتك. # عساف ~~: # لن يمسها سوء وأنا حي. # رمزي ~~(للآخرين) ~~: # لنتخذ قرارا. # إسماعيل ~~: # صبرك. # رمزي ~~: # حتى متى؟ # عساف ~~: # اعتمدوا علي، إنها مشكلتي وسأجد لها الحل المناسب. # رمزي ~~: # إنه قرار غير قابل للتأجيل. # عساف ~~: # نهرب معا، أنا وهي ... # رمزي ~~: # وتتخلى عن الرسالة وعنا؟ # عساف ~~: # إنه الحل الوحيد. # رمزي ~~: # بل يوجد حل آخر، أن تقتلها وتدفنها بنفسك. ~~(ثم ينظر رمزي إلى إسماعيل وحلمي محتدا ~~ويقول.) # رمزي ~~: # تكلما ... ما معنى الخرس في موقف البيان؟ # حلمي ~~: # الحقيقة واضحة. # إسماعيل ~~: # هذا حق. # رمزي ~~: # إنه قرار إجماعي. # عساف ~~: # إنه المستحيل! # رمزي ~~: # نعفيك من التنفيذ ونقوم نحن. ~~(هبة تصرخ متعلقة بعساف.) # عساف ~~: # لن يتم هذا وأنا حي. # رمزي ~~(منقضا علية بعصاه) ~~: # إذن يتم وأنت ميت. ~~(يتبادلان الضرب. يسقط رمزي. هبة تندفع نحو اليمين هاربة. حلمي يتبعها بعصاه. يندفع عساف في ~~أثر حلمي فيعترضه إسماعيل ولكنه يقتله وينطلق خارجا.) ~~(إظلام.) # 7 ~~(إضاءة.) ~~(يرجع عساف حاملا هبة بين يديه. يضعها على الأرض. ينظر إليها ~~حزينا.) # عساف ~~: # عندما يتجاوز الشعور بالألم حده يفقد الإحساس بذاته. لذلك فإني هادئ وسعيد. ~~لولا أن الوقت غير مناسب لغنيت ورقصت. الوداع لكل شيء طيب أو قبيح. ولتسعفني ~~سعادتي على دفن الحبيبة والزملاء والأمل. وأقول لأي هاتف بأنني لن أعترف ولن ~~أنتحر. في سطح الجبل الغائص في الظلام متسع للتخبط الجنوني الثمل. امض أيها ~~الشبح متلقيا الخلاء بخلاء أشد، مستعذبا ms167 التحدي بلا عون ولا هدف، مستشرفا ~~ضربات المجهول ومفاجآت الغيب، مستعذبا الألم والسخرية وذكريات الأحلام ~~الجميلة. # | الشيطان يعظ # مسرحية في فصل واحد # مستوحاة من «مدينة النحاس» # ألف ليلة وليلة # 1 ~~(حجرة ذات أسلوب مغربي يتصدرها ديوان يجلس عليه موسى بن ~~نصير.) ~~(يدخل حاجب، ينحني تحية.) # الحجاب ~~: # مولاي الأمير، قد وصل الأمير طالب بن سهل مندوب أمير المؤمنين عبد الملك بن ~~مروان. ~~(موسى يقف ثم يتجه نحو الباب. يدخل الأمير طالب بن سهل على حين ~~ينسحب الحاجب. يلتقيان بالأحضان وسط الحجرة.) # موسى بن نصير ~~: # أهلا وسهلا ومرحبا برسول أمير المؤمنين. # طالب بن سهل ~~: # أهلا بكم أيها الأمير موسى بن نصير، وإليك أحمل سلام مولانا الخليفة. ~~(يجلسان على الديوان جنبا لجنب.) # موسى بن نصير ~~: # أطال الله بقاء مولانا للإسلام والمسلمين. # طالب بن سهل ~~: # تبلغنا أنباء طيبة عن المغرب. # موسى بن نصير ~~: # إنه يقبس أنواره من المشرق بفضل الله العظيم وحكمة خليفتنا. # طالب بن سهل ~~: # إنك أمير حائز الرضا فليتم الله نعمته عليك. ~~(طالب بن سهل يصمت قليلا ثم يواصل.) # طالب بن سهل ~~: # معي إليك رغبة لأمير المؤمنين. # موسى بن نصير ~~: # إني رهن إشارة مولانا الخليفة. # طالب بن سهل ~~: # إنه يريد قمقما من قماقم العفاريت! ~~(موسى بن نصير يؤخذ بما سمع فيتطلع إلى محدثه صامتا.) # طالب بن سهل ~~: # في مجلس سمر جرى الحديث إلى ذكر العفاريت العصاة حبيسي القماقم فتاقت نفس ~~مولانا إلى امتلاك أحدها ليرى بعينه ويسمع بأذنه ويقتنع بعقله. # موسى بن نصير ~~: # رغبة مولانا واجبة علي، ولكن ماذا أملك لتحقيقها؟ # طالب بن سهل ~~: # قيل من ضمن ما قيل إنه توجد قماقم من قديم الزمان في صحرائكم. # موسى بن نصير ~~: # أشهد الله على أنني لا أعلم عنها إلا السماع والظن. ولكن ثمة رجلا طاعنا في ~~السن يعد أخبر الناس بصحرائنا، حاضرها وماضيها، فضلا عما حباه الله به من ~~حكمة، فلنرسل في طلبه. ~~(موسى بن نصير يصفق يدا على يد، يدخل الحاجب. على حين يهبط ~~الظلام.) # 2 ~~(إضاءة.) ~~(موسى بن نصير وطالب بن ms168 سهل. يدخل الحاجب.) # الحاجب ~~: # الشيخ عبد الصمد بن عبد القدوس الصمودي. ~~(ينسحب الحاجب. يدخل الشيخ. عجوز وقور. يرفع يديه تحية. يشير له ~~ابن نصير بالجلوس فيجلس على وسادة بين أيديهما.) # موسى بن نصير ~~: # مرحبا بالشيخ المبارك. # عبد الصمد ~~(حانيا رأسه) ~~: # عظم الله المرسل ورسوله. # موسى بن نصير ~~: # إنك يا شيخ عبد الصمد رجل الصحراء دون منازع. # عبد الصمد ~~: # هي حياتي ومماتي أيها الأمير. # موسى بن نصير ~~: # لك علم ولا شك بما يقال عن قماقم العفاريت بها! # عبد الصمد ~~(باهتمام) ~~: # هذا ما توكده لنا الكتب القديمة. # طالب بن سهل ~~: # في أي موقع من مواقعها؟ # عبد الصمد ~~: # يقال إنها مستقرة في قعر بحيرة بمدينة النحاس. # طالب بن سهل ~~: # وما مدينة النحاس؟ # عبد الصمد ~~: # مدينة قديمة، يقال إنها ازدهرت قبل التاريخ المعروف بعشرين ألف سنة، لا يعلم ~~عنها أكثر من ذلك، لم يذهب إليها أحد ولم يجئ منها أحد، قد تكون حقيقة وقد ~~تكون خرافة. # طالب بن سهل ~~: # ألم يسع ساع إلى اكتشافها؟ # عبد الصمد ~~: # ذاك ما يفوق طاقات الفرد والجماعة. # موسى بن نصير ~~: # مولانا الخليفة يرغب في الحصول على قمقم من قماقمها! # عبد الصمد ~~(يصمت متفكرا ثم يقول) ~~: # رغبة مولانا على الرأس والعين، ولكن الله أمرنا بالشورى، ومن يمد سلطانه بقوة ~~القرآن فليس به حاجة إلى قوة العفاريت! # طالب بن سهل ~~: # اقتضت حكمته أن يسخرها في خدمة الإسلام والمسلمين. # عبد الصمد ~~: # إنها مهمة شاقة حقا أيها الأمير، فعلينا أولا أن نكتشف موقع فارس من نحاس ~~إذا فركت يده أشارت إلى مكان المدينة. # موسى بن نصير ~~: # ستجد مني كل عون. # عبد الصمد ~~: # نحتاج إلى قافلة كاملة ومؤن، وقوة وسلاح، وحذر ودهاء، فلعل المدينة، ما زالت ~~على قيد الحياة، ولعلها تستطيع التصدي للغرباء، بل لعل حاكمها قد سخر عفريتا ~~لخدمته. ~~(موسى بن نصير وطالب بن سهل يتبادلان النظر برهة.) # طالب بن سهل ~~: # لو كان لديهم عفريت مسخر لتسلطوا به على العالم. # موسى بن نصير ~~: # سأشرع من فوري لإعداد الحملة وسأكون على رأسها. # طالب بن ms169 سهل ~~: # ولن أتخلف عنها. # عبد الصمد ~~: # فليسدد الله خطانا وليجنبنا الضلال. ~~(يهبط الظلام.) # 3 ~~(إضاءة.) ~~(مدخل مدينة النحاس. موسى بن نصير، طالب بن سهل، عبد الصمد بن عبد ~~القدوس الصمودي.) ~~(ينظرون إلى الداخل وقد لفه ظلام الفجر.) # موسى بن نصير ~~: # يا لها من رحلة خيالية في مشقتها، لقد أرهقت الجند والجمال. # طالب بن سهل ~~: # لم يصادفنا حولها حي. # موسى بن نصير ~~: # اصبر، سوف ينقشع الظلام وتشرق الشمس. # طالب بن سهل ~~: # أليس غريبا أنه لا يوجد حارس واحد في مدخل المدينة؟ # عبد الصمد ~~: # لعل عزلتها الكاملة أغنتها عن الحراس. # طالب بن سهل ~~: # لم أعرف صمتا كهذا الصمت. # عبد الصمد ~~: # أهو صمت النوم؟ # طالب بن سهل ~~: # ألا ينبح فيها كلب أو يصيح ديك؟ # موسى بن نصير ~~: # ترى أين موقع البحيرة ؟ # عبد الصمد ~~: # ناحية المشرق غير بعيد من المدخل. ~~(يأخذ الظلام في الانقشاع ويتجلى رويدا داخل المدينة. ~~ميدان مكتظ بالناس، في عمقه قصر، تقوم على دائرة ~~محيطة الحوانيت وتتفرع عنه الطرقات. الرجال الثلاثة يتراجعون في حذر.) # موسى بن نصير ~~: # متى جاءوا؟ هل نستدعي الجنود؟ # طالب بن سهل ~~: # انظر جيدا، إنهم لا يتحركون. # عبد الصمد ~~: # أجل. # طالب بن سهل ~~: # لا حركة، لا صوت، إنهم أصنام. # موسى بن نصير ~~: # هذه وجوه آدمية لا تماثيل. # طالب بن سهل ~~: # صدقت، هل يتحركون فجأة؟ # موسى بن نصير ~~: # انظر إلى هيآتهم، كأنهم تجمدوا بغتة، توجد امرأة على عرش، حولها حراس وحجاب، ~~الجمهور منه من تجمد وهو يرقص أو وهو يهتف، هذه المرأة تجمدت وهي تزغرد، هذا ~~الرجل تجمد وهو يصفق. # عبد الصمد ~~: # ليس في وسع حي أن يتجمد بهذا الكمال، ألا تطرف له عين؟ # موسى بن نصير ~~: # أترى أنه الموت؟ # عبد الصمد ~~: # إني أشم رائحته. # موسى بن نصير ~~: # وكيف لميت ألا يتهاوى ويتغير؟ # طالب بن سهل ~~: # وأين بقية السكان؟ ألا يجيء شرطي أو عابر سبيل؟ # عبد الصمد ~~: # سأقدم على مغامرة، بسم الله الرحمن الرحيم ~~(ثم ~~رافعا صوته) ~~... يا هوه ... يا عباد الله ... ~~(صمت.) # موسى بن نصير ~~: # لا استجابة على ms170 الإطلاق. # طالب بن سهل ~~: # نحن حيال لغز. # عبد الصمد ~~: # لله ملك السموات والأرض. # طالب بن سهل ~~: # لا بد من اكتشاف الحقيقة ... اتبعاني ... ~~(يتقدم، يتقدمون في حذر، يلمسون المتجمدين، يشقون طريقهم بينهم ~~حتى عرش المرأة.) # موسى بن نصير ~~: # هؤلاء بشر وليسوا بتماثيل. # عبد الصمد ~~: # أموات، ولكن أي موت؟ # طالب بن سهل ~~(مركزا بصره على المرأة) ~~: # يا لها من امرأة جميلة. # موسى بن نصير ~~: # قصر جميل وحوانيت ثرية، متى وكيف تخلت عنها الحياة؟ # طالب بن سهل ~~: # كيف حافظت على أشكالها وتوازنها، ما أجمل هذه المرأة! # عبد الصمد ~~: # قد يطول بنا الموقف، وهيهات أن نجد لهذا اللغز حلا، وقد نعود فيما بعد إلى ~~هنا، أما الآن فلا يجوز أن ننسى مهمتنا. # موسى بن نصير ~~(متحركا وراء عبد الصمد) ~~: # صدقت. ~~(ثم ينظر خلفه إلى طالب بن سهل.) # موسى بن نصير ~~: # هلم أيها الأمير، هلم إلى البحيرة، احذر أن تقع في شراك وهم. ~~(يهبط الظلام.) # 4 ~~(إضاءة.) ~~(موسى بن نصير، طالب بن سهل، عبد الصمد، يرمون بالشباك في بحيرة ويسحبونها في دأب ~~وصبر. تخرج شبكة عبد الصمد وفيها قمقم.) # موسى ~~: # الله أكبر. # طالب بن سهل ~~: # قادر على كل شيء. # عبد الصمد ~~: # يسبح له الإنس والجن وكل حي وجماد. # موسى ~~: # قمقم صغير لا يتصور الإنسان أنه يحبس في بطنه هذه القوة اللانهائية. # عبد الصمد ~~: # انظر إلى هذا المفتاح الصغير الملصق بعنقه، إذا دعك خرج العفريت وأصبح طوع ~~أمرنا. # موسى بن نصير ~~: # هل نقدم على التجربة؟ # عبد الصمد ~~: # لا أنصح بذلك ولكننا نحاول الاتصال به. # موسى بن نصير ~~: # على الأقل ليتوكد لنا وجوده. # عبد الصمد ~~(يقرب إلى فمه عنق القمقم) ~~: # أيها السجين، تكلم بحق الله المتعال. # صوت الجن ~~: # أخيرا وبعد عشرين ألف سنة من عذاب السجن. # عبد الصمد ~~: # من قضى عليك به؟ ~~(صمت.) # صوت الجن ~~: # ارتكبت معصية رآها ماسة بشرفه. # طالب بن سهل ~~: # ستحمل إلى أحكم الناس طرا مولانا الخليفة. # صوت الجن ~~: # كفاني عذابا، أخرجني من القمقم أحقق لك ما تشاء نظير وعد بإطلاق سراحي. # طالب بن ms171 سهل ~~: # سيقضي الخليفة في أمرك بما هو قاض. # صوت الجن ~~: # أصغوا إلي، إذا أخرجتموني وجدتم في خدمتكم قوة لا يقف أمامها بشر، بوسعي أن ~~أجعل الخليفة نفسه عبدا لكم، لا تضيعوا فرصة لا تعوض لإنسان مرتين. # موسى بن نصير ~~: # عليك اللعنة، ما زلت عاكفا على الشر. # صوت الجن ~~: # ألا تحبون أن تسودوا الدنيا ومن فيها؟ # موسى بن نصير ~~: # ملكك اللعين أخرج أبانا من الجنة فهيهات أن تخرجنا من الدين! # عبد الصمد ~~: # ألك علم سابق بمدينة النحاس؟ # صوت الجن ~~: # كيف لا وأنا الذي قضيت عليها بالموت المسحور. # موسى بن نصير ~~: # إذن هي مدينة ميتة؟ # صوت الجن ~~: # تلقت ميتتها المسحورة منذ حوالي عشرين ألف سنة. # طالب بن سهل ~~: # عشرون ألف سنة؟! كأنما ماتت لساعتها، ولكن لم قضيت عليها بما قضيت؟ # صوت الجن ~~: # وقع قمقمي بين يدي الملكة ضمن صيد لها أصابه صياد القصر، ولمست يدها مفتاح ~~القمقم وهي تقلبه فخرجت لها، وسرعان ما أدركت مدى القوة التي أذعنت لها، ثم ~~وعدتني بإطلاق سراحي إذا حققت لها ما تشاء، وإذا بها تتمادى في غيها حتى ~~الكفر، ولما كنت عفريتا مؤمنا بالله رغم معصيتي فقد غضبت وأنزلت بها الميتة ~~المسحورة التي تبقيها على حالها لا تتغير عبرة للمعتبرين، نابذا وعدها لي ~~بالتحرر، هكذا ماتت المدينة ورجعت رغم إرادتي إلى البحيرة. # عبد الصمد ~~: # سوف نخبر مولانا الخليفة بتضحيتك في سبيل الله وستكون خير تمهيدا للإفراج ~~عنك. # صوت الجن ~~: # طال انتظاري للعفو والرحمة. # طالب بن سهل ~~: # لكن من يثبت لنا صدقك؟ # صوت الجن ~~: # بوسعي أن أجعل المدينة شاهدا على صدقي. # طالب بن سهل ~~: # كيف؟ # صوت الجن ~~: # بوسعي أن ألغي سحر الموت عنها نهارا فتشهد بعينيك ساعاتها الأخيرة. # موسى بن نصير ~~: # ألا يصيبنا سوء إذا عثروا علينا؟ # صوت الجن ~~: # كانت مدينة عظيمة تموج بألوان البشر من الوافدين. # موسى بن نصير ~~: # وكيف نفهم لغتها أو تفهم لغتنا؟ # صوت الجن ~~: # هذا علي هين. # طالب بن سهل ~~(بحماس) ~~: # لا بد من خوض هذه التجربة المثيرة، افعل أيها العفريت. # صوت الجن ms172 ~~: # إليكم آخر نهار من حياة المدينة، من طلوع الشمس حتى مغيبها. ~~(يهبط الظلام.) # 5 ~~(إضاءة.) ~~(موسى بن نصير، طالب بن سهل، عبد الصمد، يقفون ناحية من الميدان ~~غير بعيد من مدخل المدينة. يتابعون ما يحدث هنا وهناك وقد يعلقون عليه. ومنظر النهار ~~يبدأ والميدان خال إلا من شرطي يتقلد سيفه، ويتفقد الحوانيت. يمر عابر ثم آخر. يقبل ~~التجار فيفتحون حوانيتهم ثم يقبل الزبائن نساء ورجالا وشبانا وتدب الحياة ~~وتتصاعد.) # موسى بن نصير ~~(ذاهلا) ~~: # أيها الأموات. # طالب بن سهل ~~(متأملا) ~~: # كما كنتم وكما نحن تكونون. # عبد الصمد ~~: # أموات لا يخطر لهم الموت ببال. ~~(من حانوت قريب تترامى أصوات. فتاة تقلب بين يديها أقمشة، وشاب ~~أيضا يفعل مثلها.) # التاجر ~~(للفتاة) ~~: # إنه فاخر ومناسب وسيكون عليك فتنة للناظرين. # الفتاة ~~: # سأشهد به حفل زفاف في الشهر القادم، أرني أجمل ما عندك. # التاجر ~~: # إليك هذا الثوب وهو بخمسمائة. # الفتاة ~~: # الأسعار ترتفع بجنون. # الشاب ~~: # لكي تغطي أرباح الجشعين من التجار والحاشية! # التاجر ~~(للشاب) ~~: # من أجل طول ألسنتكم ضاقت عنكم السجون! # الشاب ~~: # لن يبقى خارج الأسوار إلا العبيد. # صوت الجن ~~(للرجال الثلاثة) ~~: # لم يحظ بالسيادة في المدينة سوى الملكة والحاشية ورجال الأمن والتجار، وقد ~~استعبدوا الشعب واستغلوه، ولما سقط القمقم بين يدي الملكة قررت أن تستعبد جميع ~~قبائل الأرض. # موسى بن نصير ~~: # الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام فأنقذ كرامة البشر. ~~(يقبل شاب فتعترض سبيله فتاة جميلة ثم تتبعه مغازلة إياه وهو ~~يمتنع ويتدلل.) # الفتاة ~~: # كيف تسير وحدك يا جميل؟ # الشاب ~~: # هذا وقت عمل أليس لديك ما يشغلك؟ # الفتاة ~~: # ما يشغلني شيء عنك، تعال إلى نزهة وكأس عند البحيرة. # الشاب ~~(مسرعا) ~~: # إن لم تنصرفي ناديت الشرطة! # عبد الصمد ~~(للقمقم الذي أخفاه في عباءته) ~~: # ما معنى هذا؟ # صوت الجن ~~: # كان للنساء المقام الأول في المدينة وبخاصة في عهد الملكة ترمزين وكانت ~~الفتاة هي التي تخطب عريسها وهي التي تغازل الفتى وهي التي تتمتع بحريتها ~~الجنسية بخلاف الشاب. # طالب بن سهل ~~(ضاحكا) ~~: # إذن لم تخل المدينة من طرائف مفيدة! ms173 # موسى بن نصير ~~(باسما) ~~: # انتظر خيرا أيها الأمير فأنت الذي تمثل الشباب بيننا! ~~(تقترب متسولة من الرجال الثلاثة في جلبابها الرث.) # المتسولة ~~(للرجال الثلاثة) ~~: # أعطوني مما أعطاكم الإله، أريد مأوى ورجلا وعبدا ومورد رزق ثابت. # طالب بن سهل ~~: # فليرزقك الذي خلقك. # المتسولة ~~(غاضبة) ~~: # عليكم اللعنة. ~~(يقبل رجل مريض يتوكأ على ذراع زوجه.) # المريض ~~(للرجال الثلاثة) ~~: # أين الطريق إلى المستشفى؟ # موسى بن نصير ~~: # نحن غرباء لم نعرف مدينتكم بعد، شفاك الإله. # المريض ~~: # غرباء! إنكم أصل المصائب، تجيئون إلينا من أطراف الأرض حاملين أمراضكم معكم، ~~فتسرقون نقودنا وتعطوننا أمراضكم. ~~(يبصق ثم يذهب.) ~~••• ~~(يقدم موكب رجل غني. عبيد يحملون هودجه، وعبيد يتقدمون موكبه ~~وهم يوسعون له طريقا بين الناس بالعنف.) # شابة ~~(لزميل يتأبط ذراعها) ~~: # هذا سلوكهم، ماذا يفعلون غدا وقد سخروا العفريت لخدمتهم ؟ # صوت الجن ~~(للرجال الثلاثة) ~~: # أعترف لكم بأن هذا القول وأشباهه أثرت في إذ إنني كنت أنتمي إلى شعب ~~العفاريت المضطهدين. ~~(رجل عجوز يقف ناحية من الميدان.) # العجوز الضرير ~~: # من يسمع كلمة تنفعه؟ من يسمع كلمة تنفعه؟ ~~(يقبل عليه نساء ورجال ذوو مظهر حسن وهم يتغامزون.) # امرأة ~~(للعجوز) ~~: # ماذا عندك مما ينفع الناس؟ # العجوز الضرير ~~: # إني أعمى ... # امرأة ~~(مقاطعة) ~~: # هذا واضح. # العجوز الضرير ~~: # ولكني أرى خيرا منكم. ~~(ضحك.) # العجوز الضرير ~~: # أرى أشياء جميلة غير الشراء والربح والفسق والسكر وامتلاك العبيد. # كهل وجيه ~~: # يا لك من أعمى! # العجوز الضرير ~~: # وأرى الموت أقرب إليكم من أجسادكم. # أصوات ~~: # عليك اللعنة. ~~(يقترب الشرطي فيضع يده على منكب الضرير.) # العجوز الضرير ~~: # من أنت؟ # الشرطي ~~: # شرطي، ماذا تقول؟ # العجوز الضرير ~~(في خوف) ~~: # أقول لهم إن خدمة الملكة ترمزين أهم من الربح وامتلاك العبيد. # الشرطي ~~(بخشونة) ~~: # اذهب لحال سبيلك، مولاتنا الملكة ليست في حاجة إلى أحد. ~~(يخرج حاجب من باب مكتوب أعلاه «العدل أساس الملك».) # الحاجب ~~: # محكمة! ~~(يتوجه كثيرون نحو المحكمة ويقفون على مبعدة. ~~يخرج شرطي سائقا أمامه رجلا معصوب العينين يئن بصوت مسموع ~~فيدفعه بعيدا عنه ثم يخاطب الجمهور.) # الشرطي ~~: # ادعى هذا الرجل أنه توجد نجوم لا ms174 ترى بالعين فحكم عليه بفقأ عينيه. ~~(يدخل الشرطي ثم يجيء بشاب يسير مفرجا الجمهور.) # الشرطي ~~: # هذا الشاب طالب بمساواة الرجال بالنساء فقضي عليه بالإخصاء. ~~(ضحك.) ~~(يدخل الشرطي ثم يرجع بنعش محمول. ثم يخاطب ~~الجمهور.) # الشرطي ~~: # هذه جثة مجرم، احتج جهرا على تسخير جلالة الملكة للعفريت. ~~(ثم يرجع وهو يقول.) # الشرطي ~~: # وفي الغد البقية فإلى ~~الغد ... # عبد الصمد ~~(للقمقم) ~~: # أهلكت المدينة كلها؟ # صوت الجن ~~: # نعم. # عبد الصمد ~~: # وما ذنب هذا الشعب التعيس؟ # صوت الجن ~~: # قررت إهلاك الظالمين بظلمهم والآخرين بنفاقهم وجبنهم. # عبد الصمد ~~: # ألم توجد بينهم مقاومة؟ # صوت الجن ~~: # بلى، منهم من قتل، ومنهم من هاجر فنجا. ~~(صوت طبل يجيء من ناحية القصر الملكي، الأنظار تتجه نحو القصر. ~~يخرج الحاجب الأكبر محوطا بحرس ثم يمضي حتى يقف في وسط الميدان. يلتف الجمهور ~~حوله. حتى التجار يغادرون حوانيتهم. يقترب من الجمع موسى بن نصير وطالب بن سهل وعبد ~~الصمد.) ~~(صمت.) # الحاجب الأكبر ~~: # إعلان هام من حضرة صاحبة الجلالة الملكة ترمزين إلى شعبها الوفي ~~الأمين. ~~(صمت.) # بناء على ما تيسر لنا من قوة لا نهائية بفضل تسخيرنا لقوة الجن في خدمة شعبنا ~~وتحقيق السيادة على الأرض. # وبناء على نيتنا الصادقة في ممارسة هذه القوة بالحكمة والعدل ومراعاة سعادة ~~شعبنا بصفة خاصة وشعوب والأرض بصفة عامة، فقد تفضل الإله المعبود فأضفى رضاه ~~عنا، وأصدر قراره بالنزول لنا عن عرشه فوق الأرض. # وإطاعة لقراره المقدس يتعين علينا أن نصبح المعبود الأوحد في الأرض، وحق على ~~شعبنا أن يعبدنا وأن يقدم لنا القرابين في الأعياد الدينية. # وبهذه المناسبة المقدسة فإني أدعو شعبي لشهود حفل التتويج الإلهي في هذا ~~الميدان عند غروب الشمس. ~~(صمت.) # الحاجب الأكبر ~~(يهتف) ~~: # لتحيا الإلهة ترمزين. ~~(أصوات الحراس وبعض المتجمهرين: لتحي الإلهة ترمزين.) ~~(الحاجب الأكبر والحراس يرجعون إلى القصر.) # موسى بن نصير ~~: # أعوذ بالله الواحد الأحد. # عبد الصمد ~~: # قتل الإنسان ما أكفره. # طالب بن سهل ~~: # كيف اختبأ الفجر البشع وراء ذلك الوجه الجميل! ~~••• # وجيه ~~(لزميل له) ~~: # كان الإله يتخذ من الأصنام رموزا له ms175 وها هو أخيرا يتخذ رمزا ~~حيا جميلا. # الزميل ~~: # فلتحل بنا البركات. ~~••• # تاجر ~~(لزميل له) ~~: # من يصدق أنني حلمت بهذه المعجزة ليلة أمس؟ # الزميل ~~: # إنك رجل ذو قلب نقي. ~~(يتجمع نفر من الشباب نساء ورجالا على مبعدة يسيرة من الرجال ~~الثلاثة.) # شاب ~~: # متى وكيف قرر الإله ألا يعبد في الأرض؟ # شاب ثان ~~: # ماذا يحدث لنا بعد موت المعبودة الجديدة؟ # شابة ~~: # في الحق نحن مدعوون لعبادة العفريت المسخر. # موسى بن نصير ~~(غير متمالك نفسه من الدخول في حوارهم) ~~: # أيها الناس إنه كفر وإنه لا إله إلا ~~الله. # الشاب الأول ~~(لموسى) ~~: # ماذا قلت أيها الغريب؟ # موسى بن نصير ~~(محتدا) ~~: # قلت إنه كفر ولا يجوز أن يضلكم عن إيمانكم. # الشاب الثاني ~~(لموسى) ~~: # صه ... لا يخلو المكان من آذان وعيون ... هلم إلى الحقول لنستمع إليك في ~~أمان. # طالب بن سهل ~~(يمسك بذراع موسى بن نصير ويقول) ~~: # إياك أن تذهب معهم أيها الأمير. # موسى بن نصير ~~: # السكوت على الكفر كفر. # طالب بن سهل ~~: # لقد مضى على الحوار عشرون ألف سنة. # موسى بن نصير ~~(يذهب قائلا) ~~: # سأغير الماضي كما أغير المستقبل. ~~(يذهبون.) # طالب بن سهل ~~: # لقد زج بنفسه في متاعب ماض انقضى منذ عشرين ألف سنة. # عبد الصمد ~~: # نحن ملتحمون به الآن ولا ندري كيف يتعامل معنا. # طالب بن سهل ~~: # كأنني في حلم. # عبد الصمد ~~: # إنه حلم في باطن حلم! ~~(صوت موسيقى من ناحية القصر.) ~~(يخرج موسيقي ومنشد يتبعهما عبيد يحملون دنان الخمر.) ~~(يملئون الكئوس ... يقدمونها للناس.) # خادم ~~: # نخب المعبودة. # خادم ثان ~~: # اشرب واطرب وتمتع بحياتك. # خادم ثالث ~~: # الدنيا قبلة وكأس. ~~(أناس يقبلون على الشراب ويشيع الطرب.) ~~••• ~~(يذهب السقاة وهم يوزعون الخمر. تترامى أصوات موسيقى شعبية، ~~يظهر فريق جديد من طريق جانبي يدل مظهره على أنه يمثل «سيرك» ويعلن عنه. يتقدمه ~~مناد يتبعه بلياتشو ورجال أقوياء مصارعون وحاملو أثقال.) # المنادي ~~: # بشرى ... بشرى. ~~(الناس يلتفتون نحو ~~المنادي.) # المنادي ~~: # السيرك الكبير يشارك في أفراح الشعب لمناسبة تتويج معبوده الجديد بعرض خاص ~~هذه الليلة، برنامج حافل لم يسبق له مثيل، ms176 إليكم بعض النمر المختارة. # مصارعة حرة بين أسد جائع وبين رجل من أهل مدينتنا ثبتت خيانته في مطالبته ~~بتحرير العبيد. عرض نماذج من مجانين ممتازين نساء ورجالا سبق أن تولوا مناصب ~~هامة في الدولة. # حرق رجل وهو حي لاعتراضه على عبادة الملكة ترمزين. # رجل وامرأة يعرضان قواهما الجنسية العجيبة. # ساحر السيرك يتنبأ لأي زبون عن مستقبله. # نشيد جديد عن الأبطال الذين بنوا مدينتنا سيدة الدنيا. ~~(الناس تتابع الإعلان، وعند نهاية كل مقطع يتصاعد ~~الهتاف.) # طالب بن سهل ~~(ساخرا) ~~: # واأسفاه ... لن يسعدنا الحظ بمشاهدة هذا العرض الحافل. # عبد الصمد ~~(باسما) ~~: # من يدري؟ قد ينجح الأمير موسى في تغيير الماضي! ~~(ضجة تجيء من طريق جانبي. تتقدم الجماعة المتمردة على رأسها ~~موسى بن نصير وقد أحاط بهم جنود شاكو السلاح يسوقونهم نحو القصر .) # طالب بن سهل ~~(بجزع) ~~: # اكتشفت السلطة أمرهم، ما العمل؟ أخاف أن يصيب أميرنا سوء؟ # عبد الصمد ~~(محاولا تهدئته) ~~: # هل تستطيع يد هالكة منذ عشرين ألف سنة أن تؤذي إنسانا من زماننا؟ # طالب بن سهل ~~: # محتمل أن يؤثر سحر قديم في أحدنا، أليس كذلك؟ # عبد الصمد ~~(للقمقم) ~~: # أثمة خوف حقا على صاحبنا؟ # صوت الجن ~~: # إني لا أعلم الغيب. # عبد الصمد ~~: # لكنهم أموات يعيدون تمثيل أحداث وقعت وبلا زيادة. # صوت الجن ~~: # أضاف صاحبكم بتدخله حدثا جديدا. # طالب بن سهل ~~: # أرجعهم إلى ما كانوا عليه قبل أن تمتد يد بسوء إلى الأمير. # صوت الجن ~~: # هذا ما أعجز عنه وهيهات أن يتكرر قراري قبل اللحظة التي وقع فيها. # طالب بن سهل ~~: # يا للفظاعة، لن أتردد عن التدخل لدى أول فرصة. # صوت الجن ~~: # إنها حياتك فافعل ما تشاء. # طالب بن سهل ~~(لعبد الصمد) ~~: # لعلك تعرف قراءة الطالع؟ ~~(تسمع السؤال امرأة مارة فتقف ثم تقترب من عبد الصمد.) # المرأة ~~: # أود أن تقرأ لي طالعي. ~~(سرعان ما يتجمهر أناس حوله مستطلعين.) # عبد الصمد ~~: # لست عرافا. # المرأة ~~: # سمعتك تقرأ لصاحبك طالعه. # عبد الصمد ~~: # ما سمعت من ذلك شيئا. # رجل ~~: # بل سمعتك. لماذا تضن علينا بقدرتك؟ ~~(المتجمعون يلحون في ms177 غضب.) # طالب بن سهل ~~: # اقبل، قل ما يحلو لك، وأنقذنا من غضبهم. # عبد الصمد ~~: # عظيم ... عم تسألون؟ # المرأة ~~: # الذي في بطني أنثى أم ذكر؟ # عبد الصمد ~~: # ذكر ... أبشري. # المرأة ~~(بفزع) ~~: # أتسخر مني أيها الدجال؟! # عبد الصمد ~~(هامسا لطالب بن سهل) ~~: # نسيت ورب الكعبة. # شاب ~~(لعبد الصمد) ~~: # ألا سبيل إلى مقاومة العفريت؟ # عبد الصمد ~~: # لا تنس أنه يعمل في خدمة إنسان! # الشاب ~~(بحماس) ~~: # بلى، سيظل الإنسان هو الأقوى. # كهل ~~: # ما علاج الخوف من الموت؟ # عبد الصمد ~~: # الموت نفسه. ~~(غضب من الكهل وضحك من الجمهور.) # فتاة ~~: # متى يزول الظلم؟ # عبد الصمد ~~: # بعد ساعات. # الفتاة ~~: # ماذا تعني؟ # عبد الصمد ~~: # ليس عندي زيادة. # رجل ~~: # قضيتي هل أكسبها؟ # عبد الصمد ~~: # لن يكسبها خصمك! # الرجل: إني أسأل عما يخصني. # عبد الصمد ~~: # ليس عندي زيادة. # امرأة هزيلة ~~: # متى أشفى من مرضي؟ # عبد الصمد ~~: # قبل حلول المساء. # المرأة ~~: # ما أحلى كلامك لو يتحقق. ~~(يمر الشرطي فيفترق الناس.) # طالب بن سهل ~~: # كاد يغلبني الضحك. # عبد الصمد ~~: # ما أعجب أن تحاور أمواتا! # طالب بن سهل ~~: # من موقعنا هذا ينكشف لنا الغيب طيلة هذه التجربة الفريدة. # عبد الصمد ~~: # حتى ذلك لا نستطيع أن نجزم به. # طالب بن سهل ~~: # نحن أحياء وهم أموات. # عبد الصمد ~~: # حسن أن تقول ذلك لنطمئن على أميرنا لكن لا تنس أنهم الآن أحياء وأننا لم ~~نولد بعد. # طالب بن سهل ~~: # أود أن أفعل شيئا لإنقاذ موسى. ~~(من القصر يخرج رئيس الشرطة يتبعه حرس. تنصب منصة في ~~الميدان.) # حاجب ~~: # الشرطة تحاكم المتمردين تمهيدا لإحالتهم على المحكمة. ~~(الجمهور يهرع للمشاهدة.) ~~(رئيس الشرطة يجلس على المنصة. يقدم أمامه مجموعة المتمردين ~~وعلى رأسهم موسى بن نصير.) # طالب بن سهل ~~: # ها هو الأمير، لن يمسه أحد بسوء وأنا حي. # عبدالصمد: تمهل ... ولنتابع الماضي وهو يحاكم المستقبل. # رئيس الشرطة ~~(للمتمردين) ~~: # إنكم شباب أرعن، لا إله لكم، وجهركم بالشر يغني عن مساءلتكم، ستمثلون غدا ~~صباحا أمام القاضي في المحكمة. ~~(رئيس الشرطة يلتفت نحو موسى بن نصير ويقول): # رئيس الشرطة ~~: # ماذا أوجدك بين هؤلاء الشبان ms178 وأنت كهل، ما كنت أتصور أن الكهول قابلون للعدوى ~~بأمراض الشباب، ما اسمك؟ # موسى بن نصير ~~: # موسى بن نصير. # رئيس الشرطة ~~: # أي اسم هذا؟ # موسى بن نصير ~~: # هذا اسمي وأدعى به في الشرق والغرب. # رئيس الشرطة ~~: # إنك تستحق بسببه السجن، أأنت غريب؟ # موسى بن نصير ~~: # نعم. # رئيس الشرطة ~~: # من أي البلاد؟ # موسي بن نصير ~~: # من بلاد المغرب. # رئيس الشرطة ~~: # لا علم لي بها. أنت كاذب، جاسوس وكاذب، ما عملك؟ # موسى بن نصير ~~: # أمير المغرب. # رئيس الشرطة ~~: # لن ينفعك ادعاء الجنون. # موسى بن نصير ~~: # إني أعرف أكثر منك بعشرين ألف سنة. # رئيس الشرطة ~~: # لن ينفعك ادعاء الجنون، إنك متهم بترويج أفكار مستوردة لإفساد شبابنا. # موسى بن نصير ~~: # ما قلت لهم إلا الحق وهو أنه لا إله إلا الله. # رئيس الشرطة ~~: # ها أنت تعترف بكفرك على الملأ فما أنت إلا جاسوس يروج للكفر. # موسى بن نصير ~~: # سوف يحل بكم العقاب بعد ساعات ولا خلاص لكم إلا باتباع قولي. # رئيس الشرطة ~~: # سنرى من الذي سيحل به العقاب، سأفصل رأسك عن جسدك بيدي هذه صباح الغد. ~~(للجنود) # أعيدوهم إلى السجن. ~~(الجنود يسوقون المتهمين إلى القصر.) ~~••• ~~(يجيء رجلان وقوران، يقفان على مقربة من طالب بن سهل وعبد الصمد ~~دون أن يفطنا إلى وجودهما.) # الأول ~~: # سيدي الأستاذ نحن في ورطة. # الثاني ~~: # لكل مشكلة مفتاح. # الأول ~~: # قضينا العمر ونحن ندرس لأجيال من طلاب العلم فلسفة تبجل الإله وقدرته، وتحلل ~~الإنسان وفناءه، فكيف يكون موقفنا اليوم أيها الزميل؟ # الثاني ~~: # نقول في ترمزين ما قلناه في الإله. # الأول ~~: # وكيف تفسر تناقضنا بين اليوم والأمس؟ # الثاني ~~: # رأى الإله بقدرته اللانهائية أن يرفع الملكة إلى مرتبة الألوهية. # الأول ~~: # ولماذا ينزل الإله عن سلطانه لبشر فان؟ # الثاني ~~: # لم تعد فانية. # الأول ~~: # وإن أدركها الموت؟ # الثاني ~~: # أعتقد أننا سنسبقها إليه. # الأول ~~: # ومحتمل أن تسبقنا هي. # الثاني ~~: # نقول إن حكمة الإله لا تناقش. # الأول ~~: # وإذا تمادوا في المناقشة؟ # الثاني ~~: # نستعين بالشرطة فهي البرهان الأخير لمن لا يقتنع. # الأول ~~(ضاحكا) ~~: # الآن شرحت صدري، والآن نستطيع ms179 أن نعد الخطبة التي سنلقيها عند الغروب. ~~(يذهبان.) # طالب بن سهل ~~(متعجبا) ~~: # حتى أهل العلم! # عبد الصمد ~~: # يؤسفني أيها الأمير أن أذكرك بأن دار الإسلام لا تخلو من أمثالهم. # طالب بن سهل ~~(دهشا) ~~: # أأنت من شيعة علي بن أبي طالب؟ # عبد الصمد ~~: # إني من شيعة الحق ورزقي على الواحد الأحد. ~~••• ~~(يقترب نفر من الشرطة من موقف طالب بن سهل وعبد الصمد.) # الشرطي ~~(لعبد الصمد) ~~: # أنت العراف؟ # عبد الصمد ~~: # ما أنا بعراف. # الشرطي ~~: # ترامى خبرك إلى جلالة الملك فقررت أن تسمعك. أبشر بحظك السعيد ~~واتبعني. ~~(يتردد عبد الصمد ولكن الجنود تدفعه صوب القصر.) # طالب بن سهل ~~: # لم يبق سواي، أصبحت وحيدا في هذه المدينة الميتة، ترى بأي حال تنتهي هذه ~~المغامرة؟ ~~••• ~~(ما يكاد يتم قوله حتى تقترب منه امرأة كهلة حسنة ~~المنظر.) # المرأة ~~: # أبشر أيها الشاب السعيد. # طالب بن سهل ~~: # ماذا وراءك يا سيدة؟ # المرأة ~~: # اتبعني إلى حظك السعيد. # طالب بن سهل ~~: # أي حظ سعيد؟ # المرأة ~~: # لقد رأتك الملكة ترمزين من نافذة قصرها! # طالب بن سهل ~~(بذهول) ~~: # الملكة ترمزين! # المرأة ~~: # وهي تدعوك إلى حظك السعيد، اتبعني. ~~(تسير المرأة فيتبعها طالب بن سهل منفعلا بصورة واضحة.) ~~(يهبط الظلام.) # 6 ~~(إضاءة.) ~~(بهو العرش. الملكة ترمزين جالسة فوق العرش. حجاب. حراس.) ~~(تدخل المرأة.) # المرأة ~~(تنحني) ~~: # مولاتي، إنه ينتظر. # الملكة ~~: # أذنت له. ~~(الملكة تشير إلى الحجاب والحراس فينسحبون. ~~يدخل طالب بن سهل. ينحني تحية.) ~~(الملكة تبتسم. تشير إلى مقعد قريب فيجلس عليه ~~تمعن فيه النظر بإعجاب لا تحاول إخفاءه. طالب يبادلها النظر بتأثر.) # ترمزين ~~: # العين أصدق رسول وأخلص دليل. # طالب بن سهل ~~: # هي كذلك يا مولاتي. # ترمزين ~~: # حدثني عن نفسك. # طالب بن سهل ~~: # اسمي طالب بن سهل. # ترمزين ~~: # غريب مثل صاحبيك؟ # طالب بن سهل ~~: # ومن بلاد بعيدة. # ترمزين ~~: # ما كنت أتصور أنه يوجد غريب بصورتك وقوامك. # طالب بن سهل ~~: # الغرباء مثل رعاياك يسعون ويحبون ويموتون. # ترمزين ~~: # لا تجدف إنك استثناء، ما عملك؟ # طالب بن سهل ~~: # تاجر. # ترمزين ~~: # تاجر وعراف وجاسوس ... ماذا جمعكم؟ # طالب بن سهل ms180 ~~: # لقد تورط صاحبنا دون قصد سيئ. # ترمزين ~~: # لا تدافع عن مجرم، ولكن لندع هذا الحديث جانبا، قلت إنك تاجر، التاجر شخص ~~ممتاز ومفيد، ولكن موضعك الحقيقي بين الحجاب أو الحراس. # طالب بن سهل ~~: # ما أنبل نواياك يا مولاتي! # ترمزين ~~: # نحن النساء ننتظر قدرنا منذ البلوغ، وصدقني فإنك أول رجل في حياتي. # طالب بن سهل ~~: # من السعادة يا مولاتي ما يعز على الأحلام. # ترمزين ~~(باسمة) ~~: # فيك جرأة محببة، ما من شاب في موقفك إلا ويبدي الخجل والتمنع، أما أنت فتجاهر ~~بسعادتك بلا تردد، أصارحك بأنه يعجبني الشاب المتحلي بأحوال النساء! # طالب بن سهل ~~(مداريا ابتسامة) ~~: # أخرجني الانبهار من الحياء. # ترمزين ~~: # بالصدق والصراحة هل تبادلني عواطفي؟ # طالب بن سهل ~~: # أجل ... أجل يا مولاتي، ومنذ قديم. # ترمزين ~~: # حقا؟ لعلك رأيتني في احتفال البحيرة؟ # طالب بن سهل ~~: # رأيت جمالك في خلوده. # ترمزين ~~: # رأيتك من نافذتي، من نظرة عابرة، دلتني على أغنيتي المفضلة. # طالب بن سهل ~~: # ليهنأ كل محب بحبه إكراما لحبنا. # ترمزين ~~: # ولكن تجيء المتاعب في أعقاب الحب! # طالب بن سهل ~~: # المتاعب؟ # ترمزين ~~: # اختيار غريب لرئاسة الحرس قرار مثير للاستياء. ~~(صمت.) # ترمزين ~~: # وزواجي من بشر عقب جلوسي على عرش الآلهة مستحيل، ولكنك ستكون أقرب إلي من أنفاسي المترددة. # طالب بن سهل ~~(بنبرة غلبها الحزن) ~~: # ستصفو لنا الأيام. # ترمزين ~~: # وجهك ينطق بالأسى على حين يلهج لسانك بالسعادة. # طالب بن سهل ~~: # إني أتساءل هل يسعد إنسان حقا بحب إلهة؟ # ترمزين ~~: # بين يديك سأظل امرأة! # طالب بن سهل ~~: # قلبي يتوجس خيفة. # ترمزين ~~: # يا له من قلب ساذج. # طالب بن سهل ~~: # لم يحدث ذلك لبشر من قبل. # ترمزين ~~: # كأنما يداخلك شك في قدرتي؟ # طالب بن سهل ~~: # إني بشر وأتمنى ألا تتخلى حبيبتي عن بشريتها. # ترمزين ~~: # لدي من القوة ما أستطيع أن أطير به مدينة في الفضاء. # طالب بن سهل ~~: # قوة عفريت مذنب. # ترمزين ~~: # القوة هي القوة بصرف النظر عن مصدرها، ماذا يملك الإله أكثر من ذلك؟ # طالب بن سهل ~~: # يملك القوة ومصدرها والمسيطر عليها. # ترمزين ~~: # إنك تذكرني بأقوال ms181 الخونة! # طالب بن سهل ~~: # ما أنا إلا محب يحب حبه ويحرص عليه. # ترمزين ~~: # ستجد أن لا أصل لمخاوفك وأوهامك. # طالب بن سهل ~~: # أتوسل إليك أن ترجعي عن قرارك قبل فوات الفرصة. # ترمزين ~~: # أرجع؟ # طالب بن سهل ~~: # أتوسل إليك، من أجل حبنا، من أجل سعادتنا. # ترمزين ~~: # سنكون أقدر على الاستمتاع بها من جميع البشر. # طالب بن سهل ~~: # إنها تجربة تنذر بالهلاك. # ترمزين ~~: # الهلاك؟! ماذا قلت؟ # طالب بن سهل ~~: # ارحمي قلبي وحبي. # ترمزين ~~: # ما أعجب الحب، لو نطق غيرك بما نطقت به لفصلت رأسه عن جسده. # طالب بن سهل ~~: # ابقي امرأة لا إلهة. # ترمزين ~~: # ستجدني امرأة وقتما تشاء. # طالب بن سهل ~~(بحرارة) ~~: # أصغي إلي باسم الحب، صدقي قلبا يهيم بحبك، فالحب يلهمه الصواب، أقول إن ~~الهلاك معلق فوق رأسك فتجنبيه، خذي الحب ودعي الموت، استجيبي لي لعل معجزة تقع. # ترمزين ~~(ضاحكة) ~~: # أيها الرعديد المحبوب، ستشهد التتويج بنفسك، ثم نرجع لنصنع من حبنا ~~الأعاجيب. # طالب بن سهل ~~(بأسى) ~~: # لن نذوق من الحب قطرة واحدة. # ترمزين ~~(بحدة) ~~: # إنك تحدث عن الموت كأنه حقيقة واقعة. # طالب بن سهل ~~: # لقد رأيته بعيني! # ترمزين ~~(ساخرة) ~~: # أأنت عراف أم تاجر؟ # طالب بن سهل ~~: # أنا محب والمحب يرى ما لا يراه الآخرون. # ترمزين ~~: # كفى، لن ننتهي إلى اتفاق، تعلق بمخاوفك حتى تنقشع في ليلتنا السعيدة، حسبنا ~~ما ضاع في نقاش عقيم، إني أنتظر صاحبك العراف الذي أجلت لقاءه لهفتي عليك، ~~لنسمع صوت الغيب الصادق. ~~(تصفق. يدخل حاجب.) # ترمزين ~~: # إلي بالعراف. ~~(الحاجب يذهب. عبد الصمد يدخل. يرفع ~~يديه تحية. يلمح طالب بن سهل ولكنه يتجاهله. يجلس عندما تشير إليه الملكة ~~بالجلوس.) # ترمزين ~~(لعبد الصمد) ~~: # أبلغتني عيوني المنتشرة في كل مكان عن قدرتك. # عبد الصمد ~~: # ما أنا إلا عبد. # ترمزين ~~: # لدي أسئلة عن الغيب قبل أن يسفر لي عن وجهه عند المغيب. # عبد الصمد ~~: # ما أنا إلا عبد. # ترمزين ~~: # تواضع محمود، أجبني يا رجل هل يوجد متمردون آخرون غير الذين قبض عليهم ~~اليوم؟ # عبد الصمد ~~: # التمرد كامن في القلوب، جهر به ms182 البعض فقبض عليهم، وأخفاه الآخرون وراء ~~أقنعتهم الكاذبة. # ترمزين ~~(بحدة) ~~: # ماذا قلت؟ # عبد الصمد ~~: # أقول ما يخطر لي وإن شئت سكت. # ترمزين ~~: # ألا يؤمن بي أحد؟ # عبد الصمد ~~: # حتى الشيطان في قمقمه يعبد الإله. # ترمزين ~~: # خيبت ظني بك. # عبد الصمد ~~: # حذار من قرارك، سينفجر لعنة مدمرة على الأرض. # ترمزين ~~: # وما مصير ترمزين؟ # عبد الصمد ~~: # مصيرك بيدك. # ترمزين ~~: # إني أحب الحياة. # عبد الصمد ~~: # ما عليك إلا أن تحبيها بصدق. # ترمزين ~~: # أحبها وأحب الحب. # عبد الصمد ~~: # إذن تراجعي عن الموت. # ترمزين ~~: # إني أدرك ما ترمي إليه. # عبد الصمد ~~: # ستهلكين عند مغيب الشمس. # ترمزين ~~: # أعلم يقينا أنك كاذب، أتدري ماذا يصيبك إذا نجوت؟ # عبد الصمد ~~: # إذا نجوت من الموت فأرسليني إليه. ~~(طالب بن سهل يرفع يده مستأذنا في الكلام.) # ترمزين ~~: # تكلم يا طالب. # طالب بن سهل ~~: # مولاتي، هذا الرجل يتكلم بثقة، وقد راهن على صدقه بحياته. # ترمزين ~~: # إني أملك قوة لا تقاوم. # عبد الصمد ~~: # عفريتك عبد للإله، سيغضب لإلهه فيتخلى عنك ولو فقد آخر أمل في تحرره. # طالب بن سهل ~~: # سوف يدمرك فوق عرش الألوهية. # ترمزين ~~(غاضبة) ~~: # الآن وضح الحق، ما أنت يا طالب إلا نسيج في مؤامرة، مثل هذا العراف الكاذب، ~~ومثل صاحبكم الذي قبض عليه وهو يؤلب شعبي علي ~~(ترمزين تصفق. يدخل حاجب.) # ترمزين ~~: # أحضروا الجاسوس. # ترمزين ~~(للرجلين) ~~: # إنكم تخافون القوة المسخرة أن تذل ~~شعوبكم، ولكني سأعتلي بها عرش الألوهية وأسود الأرض، الحب نفسه يا طالب لن ~~يغريني بخيانة مدينتي المقدسة. ~~(يحضر موسى بن نصير ~~ويسمع آخرة خطابها ثم يقف.) # ترمزين ~~(تلتفت إلى ~~موسى بن نصير غاضبة) ~~: # ها هو الجاسوس الذي سيفصل رأسه عن جسده ~~غدا. ~~(ثم ملتفتة إلى طالب بن سهل) # أما أنت ~~فإنك شر الثلاثة لقد اتخذ أحدهما من الجاسوسية وسيلة إلى هدفه، ومارس الثاني ~~الدجل، أما أنت فأهنت الحب المقدس، أنزلته من علياء سمائه وجعلته خدعة دنيئة. # طالب بن سهل ~~(بحرارة وأسى) ~~: # أقسم بربي إنني أحبك من كل قلبي، وإنني أتحدى الماضي والواقع لأنقذك من العدم! # ترمزين ~~: # هيهات ms183 أن أصدقك! # موسى بن نصير ~~(منفعلا) ~~: # الوقت يقترب بسرعة مخيفة، وإذا أردنا أن نخوض التجربة المتاحة النادرة وهي ~~تغيير الماضي فما علينا إلا أن نكاشفها بالحقيقة. ~~(صمت.) # موسى بن نصير ~~(للملكة) ~~: # أيتها الملكة ... إنك في الحقيقة ~~ميتة قد شبع منك العدم. # ترمزين ~~(تضحك ساخرة) ~~: # أيها الضال المضلل، بلغني ~~أنك تدعي الجنون، ولكنك ستنال جزاءك غداة الغد، أنت أنت الميت لا ~~ترمزين. # موسى بن نصير ~~: # إنك ميتة منذ عشرين ألف سنة! # ترمزين ~~(مغرقة في الضحك) ~~: # خوفكم من قوتي أذهب عقولكم، فلتذهب إلى الجحيم ولتبق ترمزين ومدينتها إلى ~~الأبد. # عبد الصمد ~~: # ما أشق أن تقنع حيا بأنه ميت. # طالب بن سهل ~~: # مولاتي، أعيرينا أذنك لتسمعي قصة مدينتك. # ترمزين ~~: # أيها المخادع الكذاب هل تشاركهما جنونهما؟ هل تراني ميتة أيضا؟ # طالب بن سهل ~~: # لقد اكتشفنا المدينة وما بها إلا جثث أهلها: ولما استخرجنا العفريت من ~~البحيرة اعترف لنا بأنه هو الذي أنزل بها الموت المسحور جزاء كفرها، ولكي يثبت ~~لنا صدقه أوقف سحره نهارا واحدا هو هذا النهار الذي يقترب من نهايته، هكذا ~~دبت فيكم حياة كالحلم لا تلبث أن تنقشع، وسوف يدرككم الفناء كما أدرككم أول مرة. # ترمزين ~~: # يا للدجل والكذب والخداع! # عبد الصمد ~~: # اعدلي عن قرارك توهب لك الحياة من جديد. # طالب بن سهل ~~: # هي الحقيقة يا مولاتي، صدقينا قبل فوات الفرصة النادرة. # ترمزين ~~: # أيها الجواسيس الحقراء الحاقدون على عظمة مدينتي الموعودة! # موسى بن نصير ~~: # عن أي عظمة تتحدثين؟ ما هي إلا عظمة ذاتك ورجالك، إنك تذلين شعبك كما تذلين ~~الغرباء، حتى أصحاب العقول والإلهام جعلت منهم عبيدا ودمى، انظري، ها هو ~~المستقبل يتجسد أمام عينيك ويعدك بمعجزة فاستجيبي له، فمن لم يفقه لغة المستقبل ~~دمره الحاضر. # ترمزين ~~(تخرج القمقم من تحت وسادة) ~~: # أيها العفريت. اقذف بالحقيقة في وجوه هؤلاء الجواسيس. ~~(صمت) # ترمزين ~~(مقطبة) ~~: # أيها العفريت. ~~(صمت.) # ترمزين ~~(ثائرة) ~~: # فهمت ... ما أنتم إلا سحرة، تسلطتم على لسان العفريت، ~~ولكني ما زلت مالكته، وسوف يتحرر من سحركم حال قتلكم. # طالب بن سهل ~~: # حبيبتي ms184 لا تهدري فرصة لا يجود بها الزمان أبدا، أمامنا فرصة للحب ولخلق ~~معجزة يفيد منها عالمنا الحي، اقنعي بإنسانيتك وفيها الكفاية من المجد، أطلقي ~~سراح العفريت فما يجوز أن يملكه فرد به ضعف، حرري شعبك، احترمي عقل الإنسان ~~وقلبه، المجد لمن يخدم لا لمن يستخدم، ولنحظ بعد بأغنية الحب الخالدة فلا خالد ~~في الدنيا إلا أنغامها. # ترمزين ~~: # لا يوجد في الأحياء من يستطيع خداعي. # عبد الصمد ~~(للقمقم) ~~: # كاشفها أنت بالحقيقة، دعنا نشهد ~~المعجزة! ~~(صمت.) # صوت العفريت ~~: # مولاتي ترمزين. # ترمزين ~~(بدهشة وسرور) ~~: # أخيرا تكلمت! # صوت العفريت ~~: # إني رهن إشارة منك. # ترمزين ~~: # أيها العفريت ما رأيك فيما قال هؤلاء؟ # طالب بن سهل ~~: # نحن راضون بحكمه ولكن عليك أن تفقهي قوله. # ترمزين ~~(للقمقم) ~~: # ما رأيك فيما قال هؤلاء؟ ~~(صمت.) # صوت العفريت ~~: # إنك حية بل سيدة الأحياء. ~~(ترمزين تضحك في سرور وشماتة.) # عبد الصمد ~~: # أيها العفريت، ألم تهلك المدينة وصاحبتها منذ عشرين ألف سنة؟ # صوت العفريت ~~: # كذبت أيها الجاسوس! # ترمزين ~~: # يا للنصر. ~~(تصفق يدخل حاجب. تأمره بإحضار الجنود.) # صوت العفريت ~~: # لا يجوز أن تعدمي أحدا منهم قبل التتويج. ~~(يدخل الجنود.) # ترمزين ~~: # خذوا الجواسيس إلى السجن وآتوني برءوسهم لدى عودتي من التتويج. ~~(تقف. تقترب من طالب وهو ضمن المقبوض عليهم.) # ترمزين ~~(لطالب بن سهل) ~~: # سوء الحظ لم يدركك وحدك يا ~~طالب. # طالب بن سهل ~~: # إني سيئ الحظ ما في ذلك من شك. # ترمزين ~~: # لا مجد بلا ثمن. ~~(تشير إلى الجنود فيمضون ~~بهم) # ترمزين ~~(محدثة نفسها في أسى) ~~: # ولكن ما أفدح الثمن! ~~(يهبط الظلام.) # 7 ~~(إضاءة.) ~~(الميدان.) ~~(حراس ... الجمهور يتطلع نحو العرش. موسيقى يتخللها هتاف كالهدير. ~~طبول يعقبها صمت شامل.) ~~(يظهر موكب الملكة ترمزين خارجا من القصر في هالة بالغة من الكمال ~~والجمال.) ~~(هتاف يستمر حتى تجلس على العرش.) ~~(تشير الملكة إلى كبير الحجاب.) ~~(يتقدم كبير الحجاب ويلقي خطبته): ~~«أيتها الملكة المجيدة ترمزين، سيدة عالمي الأحياء والأموات. ودعي آخر لحظة ~~من حياة البشر الفانية، وتبوئي عرش الألوهية الخالد، دمت لنا وللأرض إلهة ~~خالدة.» ~~(فجأة يرعد انفجار ms185 مروع يعقبه ظلام.) # 8 ~~(إضاءة.) ~~(المنظر الأول. منظر الميدان والجثث المتجمدة. موسى بن نصير، طالب ~~بن سهل، عبد الصمد.) ~~(موسى وعبد الصمد ينظران فيما حولهما، طالب مستغرق في النظر إلى ~~ترمزين.) # عبد الصمد ~~: # مدينة الموت. # موسى بن نصير ~~: # مدينة الحلم. # طالب بن سهل ~~: # مدينة الحب المستحيل. # عبد الصمد ~~(منفعلا للقمقم) ~~: # خدعتنا أيها العفريت، ما زال قلبك ينبض بالشر! # صوت العفريت ~~: # أبيت أن أضيف إلى ذنوبي ذنبا جديدا. # عبد الصمد ~~: # أي ذنب في هداية امرأة ضالة إلى الصواب. # صوت العفريت ~~: # لو فعلت لتعذر علي إهلاكها، ولبعثت إلى الوجود مدينة ملعونة هلكت بظلمها ~~لتواصل حياة غريبة متأخرة عن دنياها عشرين ألف سنة، ولعمري إن ذلك شر من الموت ~~نفسه. # موسى بن نصير ~~: # حجة مقبولة فيما أرى، فما يهلك لظلم لا يحق بعثه. # صوت العفريت ~~: # حسبنا أن الثائرين قد هاجروا فنجوا ثم جاء عالمكم من ذراريهم. # عبد الصمد ~~(باسما) ~~: # يبدو أنه قد اندس بينهم نفر من المنافقين والجبناء ... فما أبعد دنيانا عن ~~الكمال! # موسى بن نصير ~~(ملتفتا نحو طالب بن سهل) ~~: # أفق أيها الأمير فلا جدوى من التعلق بحب زمان مضى. # صوت العفريت ~~: # لقد كفرت عن ذنبي، أطلقوا سراحي أيها الرجال الصالحون. # موسى بن نصير ~~: # عليك أن تقنع بذلك مولانا عبد الملك بن مروان. # صوت العفريت ~~: # صدقوني لا يجوز أن يملك قوتي إلا حكيم. # موسى بن نصير ~~: # خليفتنا أحكم الحكماء. # صوت العفريت ~~: # لا يخلو من أهواء البشر وضعفهم، ألا ترون كيف يرد على حجج معارضيه بالسيف ~~المسلول؟ ~~(يتبادلون النظر في صمت.) # موسى بن نصير ~~(للقمقم) ~~: # إنك قوة لو استغلت للخير لجعلت من دنيانا جنة. # صوت العفريت ~~: # ما تسلط علي فرد إلا جعل مني نعمة له ولمن يحب ونقمة على الملايين، صدقوني ما ~~أحدث عفريت منا شرا إلا تنفيذا لمشيئة إنسان. ~~(يتبادلون النظر مرة أخرى.) # عبد الصمد ~~: # لنطلق سراحه. # طالب بن سهل ~~: # هل أخيب في مهمتي كما خبت في حبي؟! # عبد الصمد ~~: # لا تتحمل مسئولية ستسأل عنها أمام رب العالمين. # صوت العفريت ~~: # قل لمولاك ms186 من يحكم بالإيمان فلا حاجة به إلى الشيطان. # عبد الصمد ~~: # انطلق أيها العفريت فلقد نطقت بالحق. ms187